######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadYusufMusa.BaynaDinWaFalsafa.Hindawi72603951 #META# Tags: philosophy :: history #META# ID: 72603951 #META# Title: بين الدين والفلسفة: في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط #META# AuthorID: 69426913 #META# Author: محمد يوسف موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # القسم الأول‏ # 1 - الأندلس حتى عصر ابن رشد‏ # 2 - ابن رشد‏ # 3 - التوفيق عند سابقي ابن رشد‏ # القسم الثاني‏ # 1 - العلاقة بين الوحي والعقل في رأي ابن رشد‏ # 2 - التأويل عند مفكري رجال الأديان العالمية‏ # 3 - استدلال ابن رشد للعقائد الدينية‏ # 4 - بين ابن رشد والغزالي‏ # النتيجة‏ # تمهيد‏ # القسم الأول‏ # 1 - الأندلس حتى عصر ابن رشد‏ # 2 - ابن رشد‏ # 3 - التوفيق عند سابقي ابن رشد‏ # القسم الثاني‏ # 1 - العلاقة بين الوحي والعقل في رأي ابن رشد‏ # 2 - التأويل عند مفكري رجال الأديان العالمية‏ # 3 - استدلال ابن رشد للعقائد الدينية‏ # 4 - بين ابن رشد والغزالي‏ # النتيجة‏ # | بين الدين والفلسفة # | بين الدين والفلسفة # | في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط # تأليف # محمد يوسف موسى # | تمهيد # | موضوع البحث - عناصره - خطته # ليس من الضروري أن نتناول هنا بالبحث أول مسألة تخطر ببال من يكتب في الفلسفة ~~الإسلامية، وهي: هل يوجد في الإسلام فلسفة تعالج المشاكل الفلسفية بطريقة أصيلة، حتى ~~يكون لنا أن نسميها فلسفة إسلامية؟ # وإذن، لا نرى ما يدعونا لمناقشة الرأي القائل بأن العرب لم يكونوا في هذه الناحية إلا ~~مجرد نقلة للفلسفة الإغريقية، وأنه كما يذهب «إرنست رينان»: من الإفراط إعطاء اسم ~~«فلسفة إسلامية» لعمل لم يكن إلا عارية من اليونان، وليس له أي عرق في شبه الجزيرة ~~العربية، فإن ما يدعونه فلسفة عربية أو إسلامية، ليس إلا فلسفة يونانية كتبت بحروف ~~عربية، وهذا كل شيء! # وكذلك لا يتعرض للتدليل على ما ذهب إليه الأستاذ «ريتير # Rittir ~~» ومن معه في رأيه، من أن للإسلام فلسفة من الممكن بالتأكيد ~~أن تسمى فلسفة إسلامية، وأن «رينان» تناقض مع نفسه، حين زعم في كتابه «التاريخ ~~العام للغات السامية» من أنه ليس هناك فلسفة عربية مطلقا؛ وذلك إذ يقول في كتاب ~~آخر له: «إن العرب مثلهم في هذا مثل فلاسفة العصر الوسيط، متعللين بشرح أرسطوطاليس، ~~أمكنهم أن يخلقوا لهم فلسفة مليئة بالعناصر الخاصة بهم، ومختلفة تماما بلا ريب عن ~~الفلسفة التي كانت تدرس بالليسيه لدى ms001 اليونان.» # وكذلك لا نجد حاجة لإثبات أن الرأي الحق هو أن العرب وقد وقفوا على ما أوحاه الله ~~إلى رسوله، عليه الصلاة والسلام، بدأت عقولهم في التفكير مدفوعة بعوامل عديدة، وأحسوا ~~الحاجة إلى فهمه والتعمق فيه، إلى بيان ما اشتمل عليه من حقائق دينية تكونت منها ~~العقيدة الإسلامية، والقرآن مع هذا كان يأمر بهذا الاتجاه، ولكنهم من أجل الوصول إلى هذه ~~الغاية قد استعملوا طرق الفلسفة الإغريقية التي عرفوها من زمن بعيد، والتي ازدادوا معرفة ~~بها بعد عصر الترجمة المعروف. # نحن إذن لا نناقش هذا الرأي أو ذاك، ونكتفي بالقول بأن موضوع هذا البحث هو بيان ~~«موقف ابن رشد بين الدين والفلسفة». أهذا الموقف هو الميل إلى الفلسفة على حساب الدين؛ ~~أي: هل كان يرى أن الحق هو ما أدى إليه النظر الفلسفي، فيجب إذن تفسير العقائد ~~الدينية والحقائق التي جاء بها الوحي الإلهي على هذا الأساس؟ # أم كان موقفه بين هذين الطرفين هو العكس، أي إنه حاول جر الفلسفة إلى الدين الذي يجب ~~الإيمان به أولا؟ أم كان موقفه لا هذا ولا ذاك بل كان العمل على التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، اللذين لا يمكن أن يتعارضا؛ وذلك لأنهما أخوان، كل منهما يكمل الآخر وفي ~~حاجة إليه؟ # إن موقف فيلسوف الأندلس على ما نرى هو العمل بكل سبيل للتوفيق بين هذين الطرفين اللذين ~~يعبران عن الحقيقة الواحدة، كل على نحو خاص، ومن ثم لا ينبغي أن يكون بينهما تعارض ~~أو خلاف، كما أنه من أجل ذلك لا يمكن أن يقع بسببهما تعارض أو خلاف بين رجال كل ~~منهما، رغم ما قد يوجد من تعارض ظاهري في بعض المسائل، ورغم ما كان من اعتقاد كثير من ~~رجال الدين - وعلى رأسهم الإمام الغزالي - أن بين هذين الطرفين أو بين هذين التعبيرين ~~من الحقيقة الواحدة، خلافا شديدا وتعارضا واضحا لا يمكن إنكاره أو تجاهله. # وقد كان من الطبيعي أن يحاول كل فيلسوف مسلم التوفيق بين هذين الطرفين، ولكن لا نعرف ~~أحدا من الفلاسفة ms002 المسلمين الذين سبقوا ابن رشد بذل في هذا السبيل ما بذله هو من جهد، ~~ولا خصص لها من كتاباته قدر ما خصص هو لها. إن ابن رشد لم يمس هذه المشكلة ~~عرضا كما فعل بعض أسلافه، بل خصص لها رسالتين من مؤلفاته، وتجلت في كثير من بحوثه ~~في كتابه المهم الكبير «تهافت التهافت». # بل إن نزعته إلى هذا التوفيق بين الدين الذي يؤمن به حق الإيمان، وبين الفلسفة التي ~~كان من أكبر نصرائها، تعتبر معقد الأصالة والطرافة في تفكيره الفلسفي، وذلك كما يقول بحق ~~الأستاذ «ليون جوتييه». # 1 # إنه كما يقول الأستاذ «كارادي فو» في كل مناقشاته للغزالي لم يترك أبدا فكرة أن ~~الدين والفلسفة يجب أن يكونا على وفاق وأن يعيشا في وئام، وكل ما علينا هو أن ~~نبين أن هذا الوفاق يجب أن يتحقق رغم ما يظهر لنا بينهما بادئ الرأي من تعارض في ~~كثير من الحالات. # إن ابن رشد «موفق» مثل كل أسلافه السابقين، فهو يعمل في إخلاص تام على الربط والتوفيق ~~بين كثير من الآراء ووجهات النظر التي تبدو في الظاهر مختلفة أشد اختلاف. # 2 # ومن الخير أن نشير هنا إلى أن فيلسوف قرطبة قد اتخذ هذا الموقف الدقيق الذي اقتضاه ~~مجهودا كبيرا مسوقا بعوامل مختلفة يجيء بيانها والحديث عنها، ولكن نشير الآن إلى ~~أن منها رغبته القوية في الانتصاف للفلسفة ورد اعتبارها إليها، وذلك لتعود لها ~~مكانتها بعد أن كادت تموت بسبب حملة الإمام الغزالي عليها، هذه الحملة الشديدة التي نالت ~~منها ومن الفلاسفة نيلا كبيرا. # إنه رأى الأثر المشئوم لضربة الغزالي للفلسفة، وتعصب الفقهاء والعامة ضد التفكير ~~العقلي الفلسفي، واضطاد الأمراء للفلاسفة، كما رأى أنه - لحسن جد الفلسفة - يعيش في ~~عصر أمير يشجع الفلسفة ويقرب الفلاسفة، فكان من الطبيعي أن ينتهز هذه الفرصة الطيبة ~~التي واتته للعمل على الانتصاف للفلسفة وإحيائها، هذه الفرصة التي قدر أنها لن تدوم ~~طويلا، وكان أن صح ما قدره كما حصل فعلا مما كان سبب نكبته. ~~••• # قلنا: إن موضوع ms003 هذا البحث هو بيان محاولة فيلسوف الأندلس التوفيق بين الدين والفلسفة، ~~وإذن يكون من الطبيعي قبل الدخول في الموضوع أن نبدأ بإعطاء فكرة عامة عن الأندلس وعن ~~ابن رشد، ومهد نشاطه العلمي والفلسفي؛ وذلك لتعرف الحظ الذي كان للتفكير العقلي ~~والدراسات الفلسفية في هذا البلد الإسلامي، وهذا هو موضوع الفصل الأول من القسم الأول ~~من البحث. # ونرى من الضروري بعد هذا أن نخصص الفصل الثاني لحياة ابن رشد، فنحلل فيه الظروف ~~التي أحاطت به، والعوامل التي وجهته وجهته الفلسفية، ونتعرف المناصب التي تقلب فيها ~~وكان لها أثر في حياته العقلية، ونتبين الأسباب الجلية والخفية التي أدت إلى نكبته هو ~~وأصحابه من محبي الفلسفة. # وذلك لنعرف إن كان مرد هذه الأسباب جهل الفقهاء والخليفة الذي نكبه، وتعصبهم ضد ~~الدراسات الفلسفية، أو حسد أولئك الفقهاء وإثارتهم العامة، واضطرار الخليفة ~~لمجاراتهم حفظا لسلطانه كما يحصل غالبا، أو أن السبب مزيج من ذلك كله ومن عوامل ~~أخرى، وهكذا يمتد البحث إلى آخر الأحداث التي أحاطت بابن رشد حتى انتهت ~~بحياته. # وإذا كان موضوع هذا البحث هو التوفيق بين الدين والفلسفة، فقد كان في هذه الناحية ~~جهود لمن سبق ابن رشد من الفلاسفة المسلمين في الشرق والغرب، فيجب إذن أن نتعرف هذه ~~الجهود لنعرف الأساس الفلسفي الذي أفاد منه فيلسوفنا وشاد عليه عمله، وهذا هو موضوع ~~الفصل الثالث، وبه يتم القسم الأول من البحث. # سنرى في هذا الفصل كيف أحس أسلاف ابن رشد في المشرق والمغرب الحاجة إلى التوفيق بين ~~العقل والوحي، أو بين الفلسفة والدين، وكيف اشتدت هذه الحاجة حتى صارت مسألة حياة أو موت ~~للفلاسفة بعد حملة الغزالي، التي كان لها أثرها الكبير المشئوم، وكيف سلك كل من هؤلاء ~~وأولئك المفكرين الطريق إلى تلك الغاية التي هي غاية الجميع؛ وذلك ليتقرر السلم، ويتم ~~التآخي بين الفلسفة والدين، فيستطيع الفلاسفة أن يعملوا في هدوء وأمن، ويعم الانتفاع ~~بجهودهم الفلسفية في سبيل كشف الحقيقة التي يعبر عنها كل من الدين والفلسفة بطريقة ~~خاصة. # ونصل بعد ms004 نهاية هذا الفصل الثالث للقسم الثاني والأخير من هذا البحث، وهو القسم الأساسي ~~الجوهري منه، فنبين مبلغ احتفال فيلسوفنا بناحية التوفيق التي عالجها أسلافه دون أن ~~يقارب واحد منهم مبلغ اهتمامه بها، حتى لقد خصص لها من تآليفه ثلاثة كتب مهمة: فصل ~~المقال، والكشف عن مناهج الأدلة، وتهافت التهافت. # ونبين أولا بعد ذلك، كيف تصور العلاقة بين الدين والفلسفة، وعلى أي أسس تقوم هذه ~~الصلة، وهذا هو موضوع الفصل الأول. # وبعد هذا الفصل الأول الذي يرى ابن رشد وجوب تأويل بعض النصوص المقدسة من القرآن ~~والسنة، تأويلا مجازيا لطبقة خاصة هي أهل الاستدلال والفلسفة، نلاحظ أن هذا ~~الضرب من التأويل كان معروفا عند فلاسفة اليونان وغير اليونان، وإذن يكون من الضروري ~~الكلام عن التأويل المجازي لبعض النصوص الدينية عند سابقي فيلسوف الأندلس، وهو التأويل ~~الذي اعتمده عن علم به، أو مصادفة واتفاق معه، وذلك ما يكون الفصل الثاني. # ثم يكون الكلام بعد هذا عن تطبيق ما وضع من مبادئ وأصول، لنعرف كيف استدل للعقائد ~~الدينية التي جاء بها الوحي، استدلالا يوافق كل طوائف الناس جميعا على اختلاف مداركهم ~~وعقولهم ومواهبهم، وذلك في غير ضرر، ولا تحيف للدين أو الفلسفة، وهذا هو موضوع الفصل ~~الثالث. # ومع ذلك كله؛ فإن ابن رشد كان يرى أنه لا يمكن أن يصل إلى التوفيق بين الوحي والعقل ~~دون أن يرد على «تهافت الفلاسفة» للغزالي ويهدمه هدما، فإن حجة الإسلام الغزالي عمل ~~حقا على هدم الفلسفة، وعلى بيان تهافت الفلاسفة فيما ذهبوا إليه من ناحية الدين وناحية ~~الفلسفة معا. # رأينا إذن أن نخصص فصلا خاصا نبين فيه الظروف والعوامل التي دفعت الغزالي إلى ~~اتخاذ هذا الموقف الشديد ضد الفلسفة والفلاسفة، ونحلل فيه كتابه الهام جدا في هذه ~~الناحية، ثم نصل بعد هذا وذاك إلى موقف ابن رشد من هذا الكتاب كما نراه في كتابه «تهافت ~~التهافت»، هذا الكتاب الذي بذل فيه كل ما أوتي من جهد لهدم كتاب خصمه العنيف أولا، ثم ~~للدفاع عن الفلسفة والانتصاف ms005 لها ثانيا. # وإذن في هذا الفصل الرابع والأخير من هذا القسم، سنتناول بالتفصيل ردود الغزالي على ~~الفلاسفة ، ثم ردود ابن رشد عليه، فنحلل أولا ردود الغزالي إلى العناصر التي تتكون ~~منها، ونبين المبادئ والقواعد التي قامت عليها. # نبين أنه قصد مرة إلى ذم الفلسفة وتحقيرها، وبيان أنها لا تؤدي إلا إلى أخطاء ~~وتناقضات، وبذلك يصل إلى صرف الناس عنها، كما قصد مرة أخرى إلى تكفير الفلاسفة ~~لينزع الثقة منهم، وليحول بين الناس والإقبال عليهم، وأحيانا نراه يؤكد عجز العقل عن ~~الوصول للحقيقة، وأن الإلهام التصوفي هو الطريق الأخير المأمون للوصول إليها، وأحيانا ~~أخرى يجنح إلى المغالطة؛ إذ يرد على الفارابي وابن سينا موهما أنه بذلك رد على ~~الفلاسفة جميعا، كما قد يكتفي بالجدل دون بيان الحق في مسائل النزاع، مصرحا بأن ~~غرضه هو بيان تهافت الفلاسفة لا بيان الحق في المشاكل المختلف فيها. # وفيما يختص برد ابن رشد على الغزالي، نراه يتعقبه فيما قصده خطوة بعد خطوة؛ إذ يبين ~~أن الفلسفة متفقة مع الدين، بل إنه يأمر بها، وإذن فهي غير حرية بالذم ~~والتحقير، كما يبطل تهمة كفر الفلاسفة ببعض الآراء التي ذهبوا إليها، وذلك بتأويلها ~~تأويلات تبعدهم عن الكفر، وفي النزاع على مدى قدرة العقل على الوصول للحقيقة، نرى رأيه ~~المبثوث في مختلف كتاباته ومؤلفاته. # وكذلك نرى في تلك الكتابات مقدار عنايته بإظهار مغالطات خصمه وسفسطته، ونعيه عليه ~~الإقذاع في سب الفلاسفة، مع استفادته منهم حصافة الرأي وإصابة التدليل ونباهة ~~الذكر. # وأخيرا؛ نرى ابن رشد يؤكد تحريم الخوض في أمثال هذه المسائل التي أثارها الغزالي ~~بالنسبة للجمهور، ويلوم الغزالي أشد اللوم على تصريحه بالحكمة لمن ليس من أهلها، ~~فجعلها مشاعة لجميع الناس ومنهم من يضر بها. # وبالانتهاء من هذا الفصل يكون قد انتهى القسم الأخير من البحث كله، فلا يكون باقيا ~~علينا إلا بيان النتائج التي وصل إليها ابن رشد في سبيل التوفيق بين الدين والفلسفة، ~~وفي سبيل إقالة الفلسفة مما أصيبت به ورد اعتبارها إليها. # وهنا علينا أن ms006 نتبين هل نجح فيلسوفنا فيما أراد؟ وما مدى هذا النجاح وأثره؟ وما هي ~~العوامل التي حالت دون نجاحه النجاح الذي كان يرجوه، وذلك بعد أن أنفق ما أنفق من جهد؟ ~~وبهذا يكون البحث قد انتهى إلى غايته. ~~••• # وخطة البحث هي - كما يستنتج مما تقدم - هي الخطة التاريخية التحليلية المقارنة؛ فإن ~~أهم ما ينبغي أن يعنى به مؤرخ الفلسفة هو استعراض التطور التاريخي للفكر الإنساني في كل ~~نظرية فلسفية لها أهميتها، وليس له أن يطلب من التاريخ الذي يستعرضه ويسجل تطوراته ~~دروسا تقودنا في التفكير في العصر الذي نعيش فيه، أو حلولا للمشاكل الفلسفية التي ~~تتطلب منا اليوم حلولا لها. # فإنه كما يقول «رينان» بحق: «ما ينبغي أن نطلب من الماضي إلا الماضي نفسه، وإن ~~التاريخ السياسي قد صارت له مكانته الشريفة المرموقة منذ انتهينا عن أن نبتغي فيه دروسا ~~في المهارة والأخلاق السياسية، ومن ثم يتركز تاريخ الفلسفة في عمل لوحة تبين لنا ~~التطور المتتابع للفكر الإنساني، لا أخذ ما يمكن أخذه من التعاليم الواقعية.» # 3 # ومن أجل ذلك، رأينا من الواجب علينا أن نجتهد عند بحث كل نظرية من نظريات ابن رشد ~~الهامة، التي يقوم عليها البحث أو تتصل به، نجتهد في إرجاعها إلى أصلها إن كان ~~أفادها من غيره، ومقارنة رأيه بآراء سابقيه، وتحليل العوامل والأسباب التي أدت به إلى ~~تكوين آراء خاصة به في بعض المشاكل، أو اتخاذ طريق خاص في معالجتها. # وسنفعل ذلك فيما ذهب إليه فيلسوف قرطبة من التأويل، تأويل نصوص القرآن والحديث التي ~~تتصل بالفلسفة، وتقسيم الناس إلى طبقات لكل منها طريقة خاصة في فهم الدين وفي المعرفة، ~~تناسب عقلها ومداركها، والأمر كذلك حين نقارن مذهبه وطريقته في هذه الناحية بما كان ~~من أفلاطون وفيلون، وحين نقارن مواقفه في مسائل الدين والفلسفة بآراء سابقيه من ~~المتكلمين والمفسرين والفلاسفة، وفي غير هذا وذاك كله حين تدعو حاجة البحث إلى التحليل ~~والمقارنة. # كما سنحلل الدوافع التي دفعت الغزالي إلى الرد على الفلاسفة والتنكيل بهم، والتي ~~جعلت ms007 ابن رشد ينصب نفسه للدفاع عن الفلسفة وبيان اتفاقها مع الدين، بل أخوتها له، ~~وسنقارن بين جهوده في هذه الناحية وبين موقف الفارابي وابن سينا أولا، ثم بين موقف ~~ابن باجة وابن طفيل ثانيا، فقد أحس هذان ثقل وطأة الغزالي على الفلسفة والفلاسفة، ومع ~~هذا لم يعملا تقريبا شيئا ذا بال في الرد عليه. # وفي كل ذلك رأينا بصفة عامة ألا يكون حكمنا فيما يكون مستوجبا للحكم من مشاكل ~~البحث ومسائله، صادرا عن العاطفة أو الرأي الشخصي؛ لأن المذهب الشخصي لمؤرخ الفلسفة ~~الذي يروي قصة صراع المذاهب الفلسفية ومدارسها - كما لاحظ الشهير «رينان» - يزيف في ~~الأكثر من الحالات حكمه ويبطله، ويفسد اللوحة التي يرسمها لهذا الصراع؛ لأن الحكم ~~النقدي يتنافى مع الحكم القطعي. # 4 # | القسم الأول # الفصل الأول # | الأندلس حتى عصر ابن رشد # فتح المسلمون شبه جزيرة الأندلس سنة 92ه في عهد الدولة الأموية على يد طارق بن ~~زياد، فتوالى عليها الولاة من قبل الخليفة القائم بدمشق، حتى جاءها الأمير عبد ~~الرحمن بن معاوية، الملقب بعبد الرحمن الداخل، فارا من الشام بعد ذهاب ملك ~~أسرته على يد الدولة العباسية، واستولى على حاضرتها قرطبة سنة 138ه، وقد أسس ~~هذا البطل في هاتيك البلاد دولة لأسرته الأموية بالمغرب بعد أفول نجمها بالمشرق، ~~وصار منها خلفاء ينافسون العباسيين ببغداد، وظل الأمر كذلك حتى زالت دولتهم بموت ~~هشام المعتد بالله سنة 427ه من غير أن يترك وارثا لملكه. # تقاسم الأمراء الأقاليم بعد ذلك، فكان ما عرف في التاريخ بملوك الطوائف، وكان ~~أشهرهم أمرا وأنبههم ذكرا أبو القاسم محمد بن عباد، الذي تلقب بالمعتمد على ~~الله، ملك أشبيلية، فقد «انتظم له - كما يقول المراكشي - في ملكه من بلاد الأندلس ~~ما لم ينتظم لملك قبله، أعني من المتغلبين.» # 1 # ولكن سوء حظه جعله يستنصر بملك البربر بمراكش يوسف بن تاشفين على ~~الفرنجة، فكان ذلك سبب ضياع دولته؛ ذلك أنه بعد أن جاء ابن تاشفين للأندلس ورأى ~~البلاد وعظمتها وخيراتها، طمع فيها فظل يحتال لغرضه ويبث الدعاة ms008 والأنصار في داخل ~~الجزيرة بعد أن عاد لمراكش، حتى تم له الاستيلاء عليها وأسر المعتمد على الله سنة ~~484ه، ومن ذلك الحين «عد في جملة الملوك واستحق اسم السلطنة، وتسمى هو وأصحابه بالمرابطين.» # 2 # وفي سنة 515ه قام بمدينة سوس محمد بن عبد الله بن تومرت، الذي لقب نفسه فيما ~~بعد بالمهدي، وجعل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، مسرا في نفسه ثل عرش ~~المرابطين وتأسيس دولة له ولأصحابه على أنقاضهم، وبعد خطوب استطاع هو وخليفته عبد ~~المؤمن بن علي (487-558ه) أن يؤسسا دولة الموحدين بالأندلس، «وكان آخر ما استولى ~~عليه من البلاد التي يملكها المرابطون مدينة مراكش بعد وفاة علي بن يوسف بن تاشفين ~~سنة 357ه.» # 3 # في عام 558ه توفي عبد المؤمن، فولي الأمر من بعده ابنه أبو يعقوب يوسف الملقب ~~بالمنصور، وهو الذي شجع ابن رشد على التفلسف وشرح أرسطو، وبعد وفاته ولي الأمر ~~ابنه يوسف يعقوب الذي حكم من سنة 580-595ه، وفي عهد هذا الأمير كانت نكبة ابن رشد ~~والمشتغلين بالفلسفة، بعد محاكمة لا ظل للعدل فيها. # هذه لمحة خاطفة عن الأندلس حتى نهاية عصر فيلسوف قرطبة من الناحية السياسية، ~~وأما من الناحية العلمية فسنرى أن هذه البلاد وقد تعاقبت عليها دول مختلفة كانت ~~مصداقا لبعض قوانين ابن خلدون الاجتماعية، ذلك أن هذا الفيلسوف الاجتماعي جعل ~~الطور الثاني من الأطوار التي تمر بها الدولة من أول قيامها إلى انقراضها، «طور ~~الاستبداد - أي: استبداد الأمير على قومه، والانفراد دونهم بالملك، وكبحهم عن ~~التطاول للمساهمة والمشاركة - ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع ~~الرجال واتخاذ الموالي والأنصار ...» # 4 # كما يقرر في موضع آخر: أن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة، ~~وأن السبب في ذلك أنه متى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء ~~المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع.» # 5 # كل هذا الذي يقرره ابن خلدون حق لا شبهة فيه، فإن البحث التاريخي يؤكد لنا ~~أنه تمر بالأمم فترات يطول ms009 عهدها أو يقصر تبعا لما يحيط بها من ظروف، يكون ~~همها الأول وغرضها الأساسي المحافظة على كيانها وتوطيد سلطانها، ثم محاولة ~~توسيع هذا السلطان؛ فإذا استتب لها الأمر ورسخت أقدامها وأمنت على نفوذها وسلطانها، ~~شرعت تستكمل وسائل الأبهة والعظمة، ومن ذلك الضرب بنصيب وافر في المعارف والعلوم ~~القديم منها والحديث. # لهذا ليس بدعا أن ترى الدولة الأموية التي أسسها صقر قريش بالأندلس تعنى ~~قبل كل شيء بتوطيد سلطانها في البلاد التي اقتطعتها من المملكة الإسلامية، وتحاول ~~التوسع في هذا السلطان بافتتاح ما يمكن فتحه مما جاورها من النواحي، ولا عجب إذن ~~حين نرى أمراء هذه الدولة وخلفاءها - إلا في فترات قصيرة - ويتبعهم الأهلون، ~~منصرفين عن الفلسفة والعلوم إلا ما تعلق منها بكتاب الله وسنة رسوله، والفقه ~~واللغة، وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية. # ولذلك يقول القاضي صاعد الأندلسي المتوفى سنة 462ه: «إن هذه البلاد استمرت بعد ~~الفتح لا يعنى أهلها بشيء من العلوم إلا بعلوم الشريعة وعلم اللغة، إلى أن توطد ~~الملك لبني أمية بعد عهد أهلها بالفتنة، فتحرك ذوو الهمم لطلب العلوم.» # 6 # وغني عن البيان أن المشار إليه بكلمة «العلوم» هي العلوم التي من ~~جنس العلوم القديمة الفلسفية التي لم يكن للعرب إلف بها. # وفي هذا يقول ناشرو الجزء الأول والثاني من كتاب نفح الطيب للمقري في مقدمتهم ~~بالفرنسية لهذه الطبعة: «منذ أن استقر العرب في إسبانيا، أسس الأمراء ~~الأمويون أيضا في قرطبة مجمعا للعلوم، حيث كانوا يعلمون على الطريقة الشرقية ~~علم الكلام، والفقه، والفلسفة، والبلاغة، والنحو واللغة.» # 7 # على أن هذه المؤسسة العلمية لم تسد حاجات الناس بعد أن تنبهوا لطلب العلم، فكان ~~أن رحل كثير من العلماء إلى الشرق (مصر، الحجاز، الشام، العراق)، حيث منبع العلم ~~ورجاله الأعلام. ويعطينا المقري أربعا وثلثمائة ترجمة من تراجم العلماء ~~الرحالة، ولكنه لم يرتب هذه التراجم أي ترتيب أبجدي أو زمني أو منطقي، # 8 # ومن بين هذه التراجم لا يوجد إلا عدد قليل جدا من العلماء الذين ~~كانوا يعنون بالدراسات ms010 الفلسفية؛ وذلك لأننا لا نرى من بين تلك التراجم ~~الكثيرة العدد التي ذكرها المقري إلا «ثلاثين رحالة من الفلاسفة والمتصوفة والزهاد.» # 9 # وفي عهد الحكم المستنصر بالله (350-366ه/961-976م)، ابتدأت العلوم الفلسفية تأخذ ~~مكانة ملحوظة، فإن قلب هذا الخليفة قد أخذ بشغافه المجد الأدبي أعظم مما أخذ به ~~المجد الحربي الذي شغل أباه عبد الرحمن الناصر، فكان له فخر افتتاح هذه الدراسات ~~العالية، وتمهيد سبلها للراغبين فيها والمتطلعين إليها؛ حتى لقد جمع ما قد ~~ألف فيها من كل نواحي الأرض وأقطارها. # فقد كان كما يقول المقري: «يستجلب المصنفات من الأقاليم والنواحي، باذلا ~~فيها ما أمكن من الأموال حتى ضاقت بها خزائنه، وكان ذا غرام بها، قد آثر ذلك على ~~لذات الملوك.» # 10 # وقد ظهر ميل الحكم لهذه العلوم أيام أبيه قبل أن يلي الملك، فبدأ يعنى وهو أمير ~~بإيثار أهلها واستجلاب عيون التآليف في القديم منها والحديث، من بغداد ودمشق ومصر ~~وغيرها من بلاد الشرق، وذلك لفرط محبته للعلم، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل ~~الحكمة، فكان هذا سببا قويا لكثرة تحرك الناس في أيامه إلى قراءة كتب الأوائل ~~وتعلم مذاهبهم. # 11 # ولكي نحكم على ما وصلت إليه الأندلس في ذلك العصر من العناية بالعلوم والآداب، ~~نذكر أن بعض المؤرخين ذكروا أن فهرست كتب خزائن الحكم بلغت أربعة وأربعين ~~مجلدا لا تشتمل إلا على أسماء الكتب وحدها، وأن عدد الكتب نفسها بلغ أربعمائة ~~ألف مجلد، استغرق نقلها ستة أشهر. # كما نذكر أيضا أنه قد بلغت العناية بإيثار الأندلس بعيون المؤلفات، أن ~~الحكم كان يعمل على إحضار الثمين من المؤلفات الحديثة العهد قبل أن تظهر في بلاد ~~مؤلفيها، ومن ذلك أنه كما يقول المقري نقلا عن ابن خلدون: «بعث في كتاب الأغاني ~~إلى مؤلفه أبي الفرج الأصبهاني، وأرسل إليه بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه ~~بنسخة منه قبل أن يخرجه بالعراق.» # وقد كان الحكم نفسه مشاركا إلى حد كبير في النظر في هذه العلوم، كما كان ثقة ~~فيما ينقله، بهذا وصفه ابن ms011 الأبار وقال: «عجبا لابن الفرضي وابن بشكوال! كيف لم ~~يذكراه، وقلما كان يوجد كتاب في خزائنه إلا وله فيه قراءة أو نظر في أي فن كان، ~~ويكتب فيه نسب المؤلف ومولده ووفاته وما يتناقل عنه من غرائب الحكايات الخاصة به.» # 12 # وكان يذكي هذه الجهود ويدفع إلى الأمام تلك الحركة العلمية التي تعد من أزهى ~~الحركات العلمية، ما ران أيام الحكم من التسامح «الذي لا تكاد الأزمنة الحديثة ~~تعرف له نظيرا أو مثالا واحدا، فأولئك العلماء المسيحيون واليهود والمسلمون ~~كانوا يتكلمون لغة واحدة هي العربية، ويتناشدون الأشعار العربية، ويشاركون في ~~الدراسات الأدبية والعلمية نفسها. # وهكذا، سقطت جميع الحواجز التي تفصل بين الناس، وصار الجميع في اتفاق وتعاون في ~~إقامة صرح المدنية المشتركة، وصارت مساجد قرطبة بتلاميذها الذين يعدون ~~بالآلاف مراكز عاملة للدراسات الفلسفية والعلمية.» # 13 # ولكن هذا العمل المجيد الذي شاده الحكم قضي عليه في شبابه، وهذا العهد الذهبي ~~للدراسات العلمية والفلسفية لم يستمر طويلا، فقد تحالفت عوامل مختلفة على هدم ذلك ~~الصرح العالي الذي أقامه نصير العلم والفلسفة بقرطبة، وعلى إطفاء ذلك المصباح ~~الوهاج الذي كان ينير السبيل أمام طلاب هذه الدراسات. # وذلك أنه بعد وفاة الحكم الثاني المستنصر بالله (366ه/976م)، خلفه ابنه هشام ~~المؤيد، وكان غلاما حدثا لم يجاوز العاشرة من عمره، فاستبد به الحاجب ~~المنصور محمد بن أبي عامر، وساعدته على هذا والدة الخليفة، ولم يجد الحاجب المنصور ~~بدا من استمالة العامة إليه ولم جميع عناصر الشعب حوله. # وكان من هذا أن استجاب لجهل الجمهور وتعصب الفقهاء، وعمد أول تغلبه على السلطة ~~إلى خزائن الكتب التي بذل الحكم عمره وكل ما يملك في جمعها، وأفرز ما فيها - بمحضر ~~من أهل العلم والدين - من كتب علوم الأوائل القديمة، ما عدا كتب الطب والحساب، وبعد ~~ذلك أمر بإعدامها. # فأحرق بعضها وطرح بعضها في آبار القصر وهيل عليها التراب والحجارة، وغيرت بضروب ~~من التغايير، وفعل ذلك تحببا إلى عوام الأندلس، وتقبيحا لمذهب الحكم عندهم، إذ ~~كانت تلك العلوم مهجورة عند ms012 أسلافهم، مذمومة بألسنة رؤسائهم، وكان كل من قرأها ~~متهما عندهم بالخروج من الملة ومظنونا به الإلحاد في الشريعة. # 14 # وتوج المنصور فعلته بأن أصدر مرسوما حرم به الاشتغال بهذه ~~العلوم! # وهنا يحق للباحث أن يتساءل: هل ارتكب الحاجب المنصور هذا الجرم استمالة للعامة ~~وفقهاء الأندلس ، وتشويها لذكرى الحكم، واستبقاء لسلطته، مع مشاركته سرا في هذه ~~العلوم، كما يشير إلى ذلك المقري نقلا عن ابن سعيد؟ # 15 # أو كان - وهو رجل قد اغتصب السلطة من صاحبها الشرعي الضعيف هشام ~~المؤيد، وكان همه الأول الحرب يضيف فيها نصرا إلى نصر - يكره العلوم التي قد ~~تعارض الدين، ومع هذا ففي العلوم الإسلامية غنى عنها، ففعل ما فعل بقلب راض، وإن ~~كان متأثرا ببعض العوامل التي تقدمت الإشارة إليها؟ # على أنه ليس مما يهم كثيرا في هذا البحث أن نحقق الدوافع التي دفعت المنصور ~~إلى إعدام كتب العلوم القديمة، وإن كنا نكاد نجزم بأنه ليس منها الحدب على ~~الدين ودفع ما قد يتعارض مع بعض العقائد التي جاء بها، بل لعل اجتماع تلك العوامل ~~يرجع إلى عمله على ستر فعلته في اغتصابه السلطة، واسترضاء العامة ورجال الدين؛ ~~ليتأتى له المحافظة على الجاه والسلطان. # نقول: إن تحقيق ذلك ليس مما يهمنا كثيرا هنا، وإنما المهم أن نسجل أمورا لها ~~خطرها بالنسبة للفلسفة ومن كانوا يعنون بها: ~~(1) # إن أهل الأندلس لم يكونوا في هذا العصر من محبي الدراسات ~~الفلسفية، ويدلنا على هذا ما سبق أن نقلناه عن صاعد الأندلسي، وما ~~ذكره المقري نقلا عن ابن سعيد في بيان حال أهل الأندلس في فنون ~~العلم من أن «كل العلوم لها حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم؛ ~~فإن لهما حظهما عند خواصهم، ~~ولا يتظاهر بهما خوف العامة، ~~فإنه كلما قيل: فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم، أطلقت عليه ~~العامة اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة ~~أو حرقوه قبل أن يرفع أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقربا لقلوب ~~العامة، وكثيرا ما كان يأمر ملوكهم بإحراق ms013 كتب هذا الشأن إذا وجدت، ~~وبذلك تقرب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه.» # 16 ~~(2) # إنه لهذا؛ وبعد مرسوم الحاجب المنصور بتحريم الاشتغال بالفلسفة، ~~صار الذين يشتغلون بها يستخفون حتى عن أصدقائهم الحميمين، وذلك ~~خشية أن يحكم عليهم بالزندقة والإلحاد إذا افتضح أمرهم. # 17 # كما كان هؤلاء الذين استمروا يحملون شعلة التفلسف عرضة ~~كذلك لكثير من المحن والأرزاء، بل لفقدان الحياة. # فقد جاء في ترجمة ابن باجة المتوفى سنة 533ه أنه كان «علامة وقته ~~وأوحد زمانه، وبلي بمحن كثيرة وشناعات من العوام، وقصدوا إهلاكه ~~مرات وسلمه الله منهم.» # 18 # وكذلك يذكر لنا ابن أبي أصيبعة في ترجمة الحفيد أبي بكر بن زهر، ~~أن المنصور أبا يوسف يعقوب من خلفاء الموحدين، وقد ولي سنة 580ه، ~~قصد ألا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة باقيا في بلاده، ~~وأباد كثيرا منها بإحراقها بالنار، وتوعد بكبير الضرر من يضبط ~~مشتغلا بهذه العلوم أو عنده شيء من كتبها. # 19 # وقد استمر الحال كذلك - إلا في فترات قصيرة - إلى أيام ابن ~~رشد، فقد روى لنا المراكشي خبر أول اتصال بينه وبين أمير المؤمنين ~~أبي يعقوب من الموحدين، وفيه أنه عندما دخل عليه وجده وابن طفيل ~~وحدهما، وبعد أن سأله عن اسمه واسم أبيه ونسبه قال له: ما رأيهم ~~(يعني الفلاسفة) في السماء أقديمة هي أم حادثة؟ فأدرك ابن رشد ~~الحياء والخوف، وأخذ يتعلل وينكر اشتغاله بالفلسفة. # 20 # وسنورد في الفصل التالي الخاص بحياة ابن رشد كثيرا من هذه الشواهد ~~التي تبين بجلاء كيف كانت الفلسفة علما ممقوتا بالأندلس، وكيف كان ~~رجالها وطلابها مضطهدين في هذه البلاد وغيرها من البلاد ~~الإسلامية. ~~(3) # برغم هذا وذاك كله لم تمت الفلسفة باضطهاد أهلها وإبادة أكثر ~~مؤلفاتها، وظل هناك جماعة تحمل شعلة التفلسف وتعنى بالدراسات ~~العقلية النظرية وبكتب الأوائل. # وذلك أنه قد أفلت من محنة الحاجب المنصور بعض الكتب العلمية ~~والفلسفية، فانتشرت في البلاد كما انتشر أمثالها من الكتب التي بيعت ~~مع ما كان من الذخائر بقصر قرطبة أيام فتنة البربر، ms014 أو التي ~~نهبت عند دخول البربر قرطبة واقتحامهم لها عنوة. # 21 # وقد ظلت هذه الكتب تنتقل من يد ليد، سرا مرة وجهرا أخرى، ~~وأحب شيء إلى الإنسان ما منع، وساعد على هذا اشتغال قرطبة ~~والقابضين على السلطان بالحرب الأهلية والاضطرابات والثورات من ~~الخارجين عليهم، من أواخر القرن الرابع إلى أوائل الخامس الهجري، عن ~~تعقب من يشتغل بالدراسات الفلسفية. # 22 # ويضاف إلى هذه العوامل أن بعض الأمراء الذين ولوا الحكم ~~بالأندلس كانوا يضمرون حب الفلسفة ويشجعون التفلسف سرا ~~أحيانا، وأحيانا كان هؤلاء العلماء يلقون لديهم قدرا كبيرا من ~~الحماية والتشجيع جهرا، فقد كان مالك بن وهيب الإشبيلي من ~~الفلاسفة الظاهرين، ومع هذا فقد استدعاه يوسف بن تاشفين في حضرته ~~وجعله عالمه وجليسه. # 23 # وكذلك يذكر لنا القاضي مروان الباجي أن المنصور أبا يوسف يعقوب ~~من الخلفاء الموحدين، وقد مر اسمه آنفا، لما قصد إعدام كتب ~~المنطق والحكمة عهد بالأمر إلى الحفيد أبي بكر بن زهر، وأراد بذلك ~~«أنه إن كان عند ابن زهر شيء من كتب المنطق والحكمة لم يظهر، ولا ~~يقال عنه إنه يشتغل بها، ولا يناله مكروه بسببها.» # 24 # وشاء الحسد أن يحمل بعض أعداء ابن زهر على السعاية به ~~إلى المنصور بأنه يعنى بهذه العلوم وعنده الكثير من كتبها، وعمل ~~بذلك محضر شهد عليه كثيرون، ولكن النتيجة لم تكن فحص هذا الاتهام، ~~بل كانت عقاب الشاكي والحكم بسجنه، ثم قال المنصور: «إنني لم ~~أول ابن زهر في هذا حتى لا ينسبه أحد إلى شيء منه، ولا يقال عنه ...» # 25 # وهذا يدل في رأينا على أن اضطهاد المشتغلين بالفلسفة كان ~~مرده في كثير من الحالات إلى الرغبة في استمالة العامة ~~والفقهاء، فإن على هاتين الطائفتين تقوم الدولة غالبا ويستمر ~~السلطان للقائمين به. ~~(4) # بل إن الخليفة أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كان شديد الميل ~~للفلسفة، فأمر بجمع كتبها، فاجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم ~~المستنصر بالله الأموي، # 26 # وإنه لم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب، ~~ويبحث ms015 عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له ما لم يجتمع ~~لملك قبله ممن ملك المغرب. # 27 # ثم كان منه أن اصطفى الفيلسوف ابن طفيل الذي لم يزل يجمع إليه ~~العلماء من جميع الأقطار، وينبه عليهم ويحضه على إكرامهم. # وفي حب أبي يعقوب هذا الفلسفة ورجالها نشير إلى ما كان من ~~تشجيعه لابن رشد وطلبه منه أن يشرح أرسطو، وسيجيء الحديث عن هذا ~~بالتفصيل. # هذا، وكل تلك الأمور التي نسجلها هنا تدلنا بوضوح على تأصل الفلسفة ~~في تلك البلاد، على كره من أهلها للفلسفة وما إليها بسبيل، حتى إنه ~~لما عبر عبد المؤمن بن علي البحر إلى الأندلس وبايعه وجوهها، جلس ~~للناس وللشعراء مجلسا حافلا، فكان أول من أنشده مادحا له أبو عبد ~~الله محمد بن حيوس قصيدة له جاء فيها: # بلغ الزمان بهديكم ما أملا # وتعلمت أيامه أن تعدلا # وبحسبه أن كان شيئا قابلا # وجد الهداية صورة فتشكلا # 28 # وهذا دليل على أن بعض الأفكار الفلسفية وهي هنا المادة ~~والصورة، قد تأصلت في الأعماق حتى جرت شعرا على ألسنة الشعراء، ~~كما تدل هذه الأمور أيضا على أنه كما يقول «رينان» بحق: كل ~~الجهود التي بذلت لهدم الفلسفة لم يكن منها إلا أنها أذكتها؛ فهذا ~~سعيد الطليطلي يؤكد أن دراسات العلوم القديمة في زمنه (1068م) ~~كانت أكثر ازدهارا من أي زمن مضى. # 29 # كما تدل كذلك على أن ابن رشد قد جاء بعد عصر عقلي كبير زاهر، وإن ~~كانت هذه الدراسات وقفت في الأندلس فجأة لعوامل مختلفة، ومن هذه ~~العوامل التعصب الديني والانقلابات السياسية، والحروب التي قام بها ~~الفرنجة، حتى إنه بموت ابن رشد سنة 495ه/1198م، فقدت الفلسفة ~~الإسلامية آخر ممثل ونصير لها. # الفصل الثاني # | ابن رشد # حياته - نكبته - مؤلفاته ~~(1) حياته # هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد، من أكبر فلاسفة الإسلام، ~~الشهير بالشارح (أي: شارح أرسطو) وبالحفيد، ولد بقرطبة سنة (520ه/1126م) من ~~أسرة لها منذ زمن طويل المركز العالي المرموق في العلم ms016 والقضاء، فجده - ~~ويعرف مثله بابن رشد - كان قاضي القضاة بالأندلس كلها، وأمير الصلاة ~~بالمسجد الجامع بقرطبة، ولم يصل بالصدفة لهذا المركز الخطير؛ فقد كان - كما ~~يقول ابن بشكوال - فقيها عالما حافظا للفقه، مقدما فيه على جميع أهل ~~عصره، وكان الناس يلجئون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، # 1 # إذ كان مع رياسته في العلم من أشهر أصحاب النفوذ والجاه في عهد ~~المرابطين. # وبعد أن تقلد القضاء مدة غير قصيرة استعفى منه، فأجيب إلى طلبه، فتوفر على ~~نشر كتبه وتواليفه ومسائله وتصانيفه، ومن أهم كتبه مجموع فتاويه المحفوظ ~~بالمكتبة الأهلية بباريس. # هذا جده؛ أما والده فكان له على ما يقال ما يشبه هذا المركز في العلم ~~والقضاء، وقد ولد على ما يرويه ابن بشكوال سنة 487ه وتوفي سنة 563ه، ومن ~~الأقوال المأثورة في شرفه ومنزلته أنه يكفيه أن يكون ابن ابن رشد ~~الجد وأبا ابن رشد الحفيد! ~~••• # وقد ولد فيلسوفنا سنة 520ه/1126م بمدينة قرطبة، وهي سوق العلم ومركز العلماء ~~في ذلك الحين، فقد روى المقري أنه «جرت مناظرة في مجلس ملك المغرب ~~المنصور يعقوب، بين الفقيه أبي الوليد ابن رشد وبين الرئيس أبي بكر ابن زهر، ~~فقال ابن رشد لابن زهر في تفضيل قرطبة: ما أدري ما تقول! غير أنه إذا مات ~~عالم بإشبيلية؛ فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب ~~بقرطبة فأريد بيع آلاته حملت إلى إشبيلية.» ثم يختم راوي هذه المناظرة الطريفة ~~الكلام بقوله: «وقرطبة أكثر بلاد الله كتبا.» # 2 # نشأ ابن رشد في هذا الوسط العلمي، فدرس ما يدرس أمثاله من الفقه والتوحيد ~~ونحوهما من العلوم الإسلامية، واستظهر على أبيه أبي القاسم «الموطأ» وهو ~~الكتاب الأول والأساسي لمذهب الإمام مالك، فصار في ذلك كله وحيد عصره، ونال ~~مع ذلك حظا وافرا من اللغة والأدب، فكان كما يقول ابن الأبار يحفظ أشعار ~~حبيب والمتنبي، ويكثر غالبا التمثل بها في دروسه ومجالسه. # 3 # ثم درس الطب أيضا وكان يرجع إلى رأيه فيه كما يرجع إلى رأيه ms017 في الفقه، وله ~~فيه كتابه المشهور «الكليات»، ألفه لما كان بينه وبين أبي مروان بن زهر من ~~مودة وألفة وثيقة، والذي ألف في الطب كتابا في الجزئيات، وذلك لتكون جملة ~~كتابيهما عملا كاملا في صناعة الطب. # 4 # ثم سمت همة ابن رشد إلى تعلم الفلسفة وعلوم الأوائل، ووصل منها إلى ما لم ~~يدركه سواه، «فكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره.» # 5 # وقصارى القول: صار - كما يقول ابن الأبار - عديم النظير في الأندلس كمالا ~~وعلما وفضلا، كما عرف بالعناية الشديدة بالعلم من صغره إلى كبره، حتى حكي ~~عنه أنه لم يترك الدراسة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، وليلة زواجه. # ويقول عنه «مونك» بحق: «إنه كان واحدا من أشهر العلماء في العالم الإسلامي، ~~ومن أكثر شراح مؤلفات أرسطو عمقا، كما كان أحد مشاهير الكتاب وأكثرهم ~~خصبا وإنتاجا، ولا عجب، فقد عاش كما يقول «رينان» في بيئة علمية عالية ~~جمعت مشاهير عصره.» وكان يعينه في ذلك استعداد طيب كبير وطبع موات ~~أصيل. # ولا نود أن نقف طويلا فيما يختص بسير ابن رشد في دراساته وتدرجه فيها ~~عند العلماء والشيوخ الذين أخذ عنهم بالتفصيل؛ وذلك لأننا نعتقد أن الأمر ~~جرى على سنة أمثاله، أي إنه أخذ العلم عن والده وشيوخ عصره المتميزين، فقد ~~درس الفقه على والده، كما قلنا آنفا، وعن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي مروان ~~بن مسرة، وأبي بكر بن سحنون، وغيرهم من شيوخ الفقهاء. # 6 # كما درس التعاليم (الرياضيات) والطب على أبي جعفر بن هارون ~~الترجالي الذي لازمه مدة، وأخذ عنه كثيرا من العلوم الحكمية. # 7 # على أننا نوافق على ما ذهب إليه كل من «رينان» و«مونك» من نفيهما أن يكون ~~ابن باجة من أساتذة ابن رشد في الفلسفة، وأن ابن أبي أصيبعة قد أخطأ حين ~~ذكر ذلك في حياة ابن باجة، # 8 # فإن هذا قد توفي حين كان ابن رشد طفلا لما يجاوز الثانية عشرة من ~~عمره. # ومن المؤسف ألا يكون ابن أبي أصيبعة قد أمدنا بتاريخ مفصل ms018 عن حياة فيلسوف ~~الأندلس ودراساته، وقد كان هذا في مقدوره إذ كتب تاريخه «طبقات الأطباء» بعد ~~وفاته بنحو أربعين عاما! ولعل السبب هو ما نعتقده من أنه قد جرى على سنة ~~كثير من مؤرخي العرب من عدم العناية بالمرحلة الأولى من حياة المترجم؛ إذ لم ~~يكن قد تبين بعد نبوغه. # ومهما يكن من شيء، فإنه من المعروف أن ابن رشد ولي قضاء قرطبة زمنا ~~طويلا، ويدل لذلك وصفه نفسه في ابتداء بعض مؤلفاته أو نهايتها بأنه ~~قاض، وكذلك يؤخذ من هذه المؤلفات أن مهام منصبه واتصاله بالخلفاء ~~الموحدين أوجب أن ينتقل كثيرا ما بين مراكش وإشبيلية وقرطبة. # أما كيف اتصل بخليفة الموحدين الأمير يوسف بن عبد المؤمن، الذي ولي سنة ~~558ه، بفضل ابن طفيل الذي كان جليس هذا الأمير ومعنيا باجتذاب العلماء ~~والفلاسفة إليه على ما تقدم ذكره، فهذا ما يقصه لنا فيلسوفنا نفسه كما يرويه ~~عبد الواحد المراكشي؛ إذ يذكر أن تلميذ ابن رشد الفقيه الأستاذ أبا بكر ~~بندود بن يحيى القرطبي أخبره أنه سمع الحكيم أبا الوليد يقول غير ~~مرة: «لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس ~~معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي ويضم إلى ذلك أشياء ~~لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي ~~واسم أبي ونسبي أن قال: ما رأيهم في السماء - يعني: الفلاسفة - أقديمة هي أم ~~حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم ~~أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت ~~إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله ~~أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، ~~فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له، ~~ولم يزل يبسطني حتى تكلمت فعرف ما عندي من ذلك، فلما انصرفت أمر لي بمال ~~وخلعة سنية ومركب.» # 9 ms019 # ثم كان ابن طفيل نفسه هو الذي طلب من ابن رشد أن يتوفر على تلخيص أرسطو ~~وشرحه، وذلك في حديث جرى بينهما ذكره المؤرخ نفسه، وكذلك صادفت رغبة الخليفة ~~شرح أرسطو ميلا شديدا لدى فيلسوفنا إلى هذا العمل الكبير، فشرع بكل عقله ~~وقلبه في القيام بتحقيق هذه الرغبة بتوضيح أغراض أرسطو الغامضة، وتلخيص ما ~~كتب، وشرحه ليقرب مأخذه ويسهل تناوله، وساعده على هذا العمل الشاق كما جاء في ~~حديث ابن طفيل عنه، جودة في الذهن، وصفاء في القريحة، وميل شديد للفلسفة. # 10 # كان فيلسوفنا يشعر إذن بعظم المهمة التي ألقاها القدر على عاتقه، وبأن ~~أعماله باعتباره رجلا من رجال الدولة تكاد لا تدع له الوقت الكافي للقيام ~~بما شرع فيه؛ ولذلك نراه في آخر الجزء الأول من تلخيصه «للمجسطي» يقول إنه وجب ~~عليه أن يقتصر في شرحه على إيراد النظريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، ~~ويشبه نفسه برجل رأى فجأة النار تلتهم منزله، وليس لديه من الوقت إلا ما ~~يلزم لاستنقاذ أثمن ما عنده من متاع وما لا غنى عنه للحياة. # كما نراه يخصص كل وقته ليؤدي كما ينبغي رسالته التي أخذها على نفسه، فيعتزل ~~منصبه عند تقدم السن به، وذلك ليتوفر على أعماله الفلسفية خشية أن يحين أجله ~~قبل أن ينتهي منها. # ولما توفي الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، وولي الحكم بعده ابنه يعقوب الملقب ~~بالمنصور سنة 580ه، نال ابن رشد لديه الحظوة والمنزلة التي كانت له لدى أبيه، ~~إلا أن القدر كان له بالمرصاد، فابتدأ سوء الظن به وبعقيدته، وكان هذا ~~مقدمة لنكبته والحكم بنفيه. ~~••• # وقبل البحث في هذا، نرى أن في حياة ابن رشد حتى الآن ما يستدعي أن نقف ~~وقفات قصيرة: # أولا: # لقد كان إمام عصره في الفقه وعلوم الفلسفة على اختلاف ~~موضوعاتها، وكان إلى ذلك من أشد الناس تواضعا، فهل هذا ~~كان علة لذاك؟ يعتقد أن ذلك هو الحق، وأنه الذي يتفق ~~مع طبائع الأمور. # إن الجاهل إذا عرف مسألة من مسائل العلم، ولو كان ms020 ~~أمرها هينا، تاه بها وظن أنه قد أوتي من العلم ما لم ~~يؤت غيره، وليس كذلك العالم الذي يتنقل من ضرب من ضروب ~~المعرفة إلى ضرب آخر، وكلما فرغ من حل مشكلة علمية ~~تبدت له أخرى، فهو دائما في كد عقلي وتعب ~~فكري. # وخاتمة المطاف هي شعوره بقلة علمه، وإحساسه بعجز عقله عن ~~أن يحيط بالكون كله: أراضيه وسماواته وما فيها من ~~الملأ الأعلى، وما فوق ذلك من مقام الألوهية الذي جل عن ~~أن يحيط به عقل أو إدراك ، والنتيجة الطبيعية والنفسية ~~كذلك أن يغدو كلما عمق علمه لان جانبه واشتد ~~تواضعه. # وثانيا: # إن الذين ترجموا له وصفوه بأن الدراية كانت أغلب عليه ~~من الرواية، أي إن النظر العقلي والقياسي في الأحكام ~~الفقهية كان أغلب عليه من الاعتماد على كل ما يقع له من ~~الأحاديث، وأقوال الفقهاء السابقين، وهذا ما يتيح لنا ~~أن نقرر أن نزعته إلى النظر العقلي والتفلسف بدت أول ~~ما بدت في الفقه. # ذلك بأن الذي لا يكتفي بالرواية والاعتماد على ما ~~يرويه، بل يعمل عقله ويجتهد في البحث عن علل الأحكام ~~الشرعية، لا يكون بعيدا عن الفلسفة، بل يكون قد دخل فيها ~~من أحد أبوابها، وإذن فمن الممكن أن نرى في ابن رشد ~~الفقيه في هذه المرحلة، ابن رشد الفيلسوف فيما يأتي من ~~الزمان. # وثالثا: # إن الدين في رأيه يرمي بشعائره وأوامره إلى غايات خلقية ~~واجتماعية بها صلاح المجتمع وسعادته، وهذه النظرة نراها ~~واضحة تمام الوضوح في خاتمة كتابه القيم «بداية المجتهد ~~ونهاية المقتصد». فقد بين في هذا الموضع أن من ~~أوامر الدين وأحكامه ما يرجع إلى تربية الفضائل ~~النفسية، ومنها ما الغرض منه تثبيت العدالة الخاصة ~~والعدالة العامة في الأقوال وغير الأقوال، ومنها ما هو ~~سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ ~~فضائله العملية والعلمية، إلى آخر ما قال. # وهكذا نلمح هذه النظرية الفلسفية الاجتماعية في كثير من ~~آرائه الفقهية، وذلك في كثير من المواضع من هذا ~~الكتاب. # ورابعا وأخيرا: # إن ms021 فيلسوفنا كان ذا حظوة وجاه عظيمين عند الأمراء ~~والخلفاء، فلم يفد من ذلك كثيرا لنفسه، بل قصر هذا على ~~خير أهل بلده خاصة والأندلس عامة، والأمر في ذلك جد ~~طبيعي. # إنه قد وهب نفسه للعلم، وجعل غايته معرفة الحقيقة، ولذته ~~في أن يدرك من هذه الحقيقة طرفا بعد طرف، وقد صارت هذه ~~اللذات هي التي تستهويه حتى لا يوازن بينها وبين لذات ~~جمع المال ورفاهة العيش وطيب الحياة. # ومن ثم، هو لا يبالي هذه اللذات المادية وأمثالها، ما ~~دام قد جعل همه المعرفة الحقة وما يكون في إدراكها من ~~لذة عقلية روحية هي أسمى ضروب اللذات، ومن أجل هذا كانت ~~نزعته الإنسانية الاجتماعية، فهو يجد لذة أخرى في أن ينفق ~~من جاهه وماله على المحرومين من اللذات العقلية التي ~~ينالها بعقله وتفكيره. # والآن بعد أن عرفنا حياة ابن رشد والبيئة التي كان يعيش فيها وحظه الوافر ~~من العقل والتفكير، وبعد ما عرفنا أيضا ما كان من حظ الدراسات الفلسفية من ~~رعاية وتقدير، أو زراية وإنكار، ومع ما كان يلمسه هو نفسه من سوء الظن ~~بالفلسفة ورجالها وطلابها، الآن بعد ذلك كله ماذا كان يحسه رجل مثله: عقلا ~~وتفكيرا، ومنصبا وجاها، وحبا للفلسفة وتقديرا لها وحرصا على تأمين ~~سبيلها ببيان أنها أخت الدين؟ # إنه كان يحس بلا ريب أن عليه أن يتجه للانتصاف لها بعد أن نال منها ~~الغزالي نيلا كبيرا، وأن يعمل كل ما يستطيع للتوفيق بينها وبين الدين حتى ~~يعيش الفلاسفة بسلام، إلا أن أحداث الزمن لم تجعله يصل من ذلك إلى ما كان ~~يرجوه. ~~(2) نكبته ونفيه # بلغ ابن رشد من الحظوة لدى الخليفة يعقوب المنصور أن ارتفعت الكلفة بينهما أو ~~كادت، فلم يكن يلزم نفسه رعاية ما يراعيه حاشية الملوك من الملق والأدب ~~الزائد المصطنع، فكان كما يرويه لنا القاضي أبو مروان الباجي «متى حضر مجلس ~~المنصور وتكلم معه أو بحث عنده في شيء من العلم، يخاطب المنصور بأن يقول: ~~تسمع يا أخي!» # 11 # وربما قربه هذا الخليفة ms022 في مجلسه على كل أصحابه، ففي سنة 591ه حينما جاء ~~المنصور إلى قرطبة في طريقه لغزو «ألفونس» ملك قشتالة وليون، استدعى ابن رشد ~~وأجلسه إلى جانبه، وقربه أكثر من المعتاد وجاوز به أقرب الناس إليه، وغمره ~~بعطفه الكبير حتى قال لمهنئيه من أصحابه وتلامذته بعد أن خرج من عنده: «والله ~~إن هذا ليس مما يستوجب الهناء به، فإن أمير المؤمنين قد قربني دفعة إلى ~~أكثر مما كنت أؤمله أو يصل رجائي إليه.» # 12 # على أن الأيام السيئة في حياة ابن رشد قد جاءت، فإن المراكشي يذكر أن ~~المنصور أخذ عليه في شرحه لكتاب الحيوان لأرسطو أنه قال عند ذكره للزرافة: ~~«وقد رأيتها عند ملك البربر.» # 13 # يريد بهذا بلاط مراكش، وقد رأى المنصور في ذلك إهانة له ولأسرته ~~المالكة، ولكنه أسرها في نفسه، ولم يشفع لابن رشد ما اعتذر به - كما ~~يذكر ابن أبي أصيبعة # 14 ~~- من أنه كتب «ملك البرين»، يريد إفريقية والأندلس، ولكن ~~القارئ غلط لتقاربهما في الكتابة. # وكذلك يروي المراكشي أيضا أن جماعة من أهل قرطبة الذين كانوا ينازعون ابن ~~رشد المجد والشرف، أخذوا يتلمسون الوسائل لإيغار صدر الخليفة عليه، كما يحدث ~~كثيرا بين النظراء في كل بلد، وأسعدهم الحظ بأن رأوه كتب بخطه في بعض تلاخيصه ~~حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة: «فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة.» فطاروا ~~بهذه الجملة للمنصور وأوهموه أنها من كلام ابن رشد نفسه، وليست حكاية منه ~~لقول غيره من قدماء الفلاسفة. # وكان أن استدعاه الخليفة في محفل ضم رجال الدين والرؤساء والأعيان، وبعد ~~محاكمة صورية لا ظل فيها للعدل أمر بطرده ونفيه ونفي من كان معروفا على ~~مذهبه، وبإحراق كتب الفلسفة كلها ما عدا الطب والحساب وما يتوصل به من علم ~~النجوم إلى معرفة مواقيت الصلاة واتجاه القبلة. # 15 # ثم أمر الخليفة بكتابة منشور للبلاد كلها فيه فضيحة هؤلاء وتقرير مروقهم من ~~الدين، ووجوب الاعتبار بهم وبمصيرهم، وقد روى الأنصاري هذا المنشور بعد أن ~~تكلم عن حياة ابن رشد، وعن السعايات ms023 التي كانت ضده من أعدائه الذين كانوا لا ~~يسأمون من الانتظار، ويترقبون أوقات الفرار، فقال: # 16 ~~«... فلما كان التلوم من المنصور بمدينة قرطبة، وامتد بها أمد ~~الإقامة، وانبسط الناس لمجالس المذاكرة، تجددت للطالبين آمالهم وقوي تألبهم ~~واسترسالهم؛ فأدلوا بتلك الألقيات، وأوضحوا ما ارتقبوا فيه من شنيع السوءات ~~الماحية لأبي الوليد كثيرا من الحسنات، فقرئت بالمجلس، وتدوولت أغراضها ~~ومعانيها وقواعدها ومبانيها، فخرجت بما دلت عليه أسوأ مخرج، وربما ~~ذيلها مكر الطالبين.» # فلم يمكن عند اجتماع الملأ إلا المدافعة عن شريعة الإسلام، ثم آثر الخليفة ~~فضيلة الإبقاء، وأغمد السيف التماس جميل الجزاء، وأمر طلبة مجلسه وفقهاء دولته ~~بالحضور بجامع المسلمين، وتعريف الملأ بأنه مرق من الدين، وأنه استوجب لعنة ~~الضالين، وأضيف إليه القاضي أبو عبد الله بن إبراهيم الأصولي في هذا الازدحام، ~~ولف معه في حريق هذا الملام، لأشياء أيضا نقمت عليه في مجالس المذاكرة ~~وفي أثناء كلامه مع توالي الأيام. # فأحضرا بالمجلس الجامع الأعظم بقرطبة، وتكلم القاضي أبو عبد الله بن مروان ~~فأحسن، وذكر ما معناه أن الأشياء لا بد في كثير منها أن تكون لها جهة ~~نافعة وجهة ضارة كالنار وغيرها، فمتى غلب النافع على الضار عمل بحسبه، ~~ومتى كان الأمر بالضد فبالضد. # فابتدر الكلام الخطيب أبو علي بن حجاج، وعرف الناس بما أمر به من أنهم ~~مرقوا من الدين وخالفوا عقائد الموحدين، فنالهم ما شاء الله من الجفاء، ~~وتفرقوا على حكم من يعلم السر وأخفى. # ثم أمر أبو الوليد بسكنى «أليسانه»، لقول من قال: إنه ينسب في بني إسرائيل ~~وإنه لا يعرف له نسبة في قبائل الأندلس. وعلى ما جرى عليهم من الخطب، فما ~~للملوك أن يأخذوا إلا بما ظهر، فإليهما تنتهي البراعة في جميع المعارف، وكثير ~~من انتفع بتدريسهم وتعليمهم، وليس في زمانهما من هو بكمالهما ولا من نسج على ~~منوالهما، وتفرق تلاميذ أبي الوليد أيدي سبا، ويذكر أن من أسباب نكبته ~~هذه اختصاصه بأبي يحيى أخي المنصور والي قرطبة. # وأخبر عنه أبو الحسن بن قطرال أنه قال: ms024 أعظم ما طرأ علي في النكبة أني ~~دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة، وقد حانت صلاة العصر، فثار لنا بعض ~~سفلة العامة فأخرجونا منه. # وكتب عن المنصور في هذه القضية كاتبه أبو عبد الله بن عياش كتابا إلى مراكش ~~وغيرها يقول فيه فيما يخص حالهما (هذا هو المنشور): وقد كان في سالف الدهر ~~قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بشغوف عليهم في الأفهام، حيث لا ~~داعي يدعو إلى الحي القيوم ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا ~~في العالم صحفا ما لها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بعدها عن الشريعة ~~بعد المشرقين وتباينها تباين الثقلين، يوهمون أن العقل ميزانها والحق ~~برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ويسيرون فيها شواكل ~~وطرقا، ذلكم بأن الله خلقهم للنار وبعمل أهل النار يعملون، ليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما ~~يزرون. # ونشأ منهم في هذه السمحة البيضاء شياطين إنس # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون ~~، # يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~، # ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ~~، فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب وأبعد عن ~~الرجعة إلى الله والمآب؛ لأن الكتابي يجتهد في ضلال ويجد في كلال، ~~وهؤلاء جهدهم التعطيل وقصاراهم التمويه والتخييل. # دبت عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان، إلى أن أطلعنا الله سبحانه منهم ~~على رجال كان الدهر قد أملى لهم على شدة حروبهم، وعفا عنهم سنين كثيرة على ~~كثرة ذنوبهم، وما أملى لهم إلا ليزدادوا إثما، وما أمهلوا إلا ليأخذهم ~~الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما. # وما زلنا وصل الله كرامتكم نذكرهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرة ~~إلى ما يقودهم إلى الله سبحانه ويدنيهم، فلما أراد الله فضيحة عمايتهم ~~وكشف غوايتهم، وقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال، موجبة أخذ صاحبها ~~بالشمال، ظاهرها موشح بكتاب الله، وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، لبس منها ~~الإيمان بالظلم، وجيء ms025 منها بالحرب الزبون في صورة السلم، مزلة للأقدام، وهم ~~يدب في باطن الإسلام، أسياف أهل الصليب دونها مفلولة، وأيديهم عما يناله هؤلاء ~~مغلولة، فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم ~~وغيهم وبهتانهم. # فلما وقفنا منهم على ما هو قذى في جفن الدين، ونكتة سوداء في صفحة النور ~~المبين، نبذناهم في الله نبذ النواة، وأقصيناهم حيث يقضي السفهاء من الغواة، ~~وأبغضناهم في الله كما أننا نحب المؤمنين في الله، وقلنا: اللهم إن دينك هو ~~الحق المبين، وعبادك هم الموصوفون بالمتقين، وهؤلاء قد صدفوا عن آياتك وعميت ~~أبصارهم وبصايرهم عن بيناتك، فباعد أسفارهم وألحق بهم أشياعهم حيث كانوا ~~وأنصارهم. # ولم يكن بينهم إلا قليل وبين الإلجام بالسيف في مجال ألسنتهم، والإيقاظ بحده ~~من غفلتهم وسنتهم، ولكنهم وقفوا بموقف الخزي والهوان، ثم طردوا من رحمة ~~الله، # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون ~~. # فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان، حذركم من السموم السارية في ~~الأبدان، ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب ~~أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه، ومتى عثر منهم على مجد في ~~غلوائه، عم عن سبيل استقامته واهتدائه، فليعاجل فيه بالتثقيف والتعريف، # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون ~~، # أولئك الذين حبطت أعمالهم ~~، و # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا ~~يعملون ~~. # والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم، ويكتب في صحائف الأبرار تضافركم ~~على الحق واجتماعكم، إنه منعم كريم. # وبعد أن روى الأنصاري اتهام ابن رشد بالمروق من الدين والحكم بنفيه، ~~والمنشور الذي صدر على أثر هذا على ذلك النحو، نقل عن أحد رجال القضاء ~~الذين اتصلوا بابن رشد بقرطبة أنه رغم رعاية فيلسوفنا لشعائر الدين كما ~~ينبغي قد زل زلة هي أعظم الزلات. # وذلك أنه شاع أن ريحا عاتية تهب في يوم كذا تهلك الناس، واستفاض ذلك ~~حتى اشتد جزع الناس ms026 واتخذوا الغيران والأنفاق تحت الأرض توقيا منها، ~~فاستدعى والي قرطبة طلبتها وقاضيها - وهو ابن رشد - وفاوضهم فيها، وكان معهم ~~ابن بندود. # فلما انفض الجمع تكلم هذان في شأن هذه الريح، فقال أبو محمد عبد الكبير، ~~وكان حاضرا في أثناء المفاوضة: إن صح أمر هذه الريح فهي ثانية الريح التي ~~أهلك الله تعالى بها قوم عاد؛ إذ لم تعلم ريح بعدها يعم إهلاكها، فانبرى له ~~ابن رشد ولم يتمالك أن قال: والله وجود قوم عاد ما كان حقا، فكيف سبب ~~هلاكهم! فسقط في أيدي الحاضرين، وأكبروا هذه الزلة التي لا تصدر إلا عن صريح ~~الكفر والتكذيب لما جاءت به آيات القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه. ~~••• # تلك هي الأسباب التي ذكرها المؤرخون المسلمون لنكبة ابن رشد، فهل كانت وحدها ~~الأسباب الحقيقة؟ أو هناك سبب آخر أهم منها جميعا؟ ذلك ما بحثه المستشرقون ~~الذين عنوا بتأريخ التفكير الإسلامي ورجاله في المشرق والمغرب. # ها هو ذا «مونك» يرى مع ذلك أن تعصب الموحدين يكفي وحده لتفسير تصرف ~~المنصور ضد ابن رشد، ويستشهد لهذا أن ابن أبي أصيبعة ذكر في حياة ابن زهر ~~أن المنصور أمره بعقاب الذين يدرسون الفلسفة الإغريقية، وبمصادرة كتب ~~الفلسفة والمنطق وإحراقها، سواء ما يوجد منها في المكتبات العامة أو الخاصة ~~المملوكة للأفراد. # 17 # وكذلك يذهب «رينان» إلى هذا الرأي؛ إذ يرى أن التعصب ضد الفلسفة ورجالها ~~وطلابها كان السبب الحقيقي للمحنة التي عاناها ابن رشد، وذلك إذ يقول: «ومهما ~~يكن ما يقصه علينا هؤلاء المؤرخون، فإنه مما لا يشك فيه أن الفلسفة ~~كانت السبب الحقيقي لنكبة ابن رشد، فقد خلقت له أعداء أقوياء أمكنهم أن يجعلوه ~~مشتبها في دينه لدى المنصور، وكذلك كان الأمر بالنسبة لأمثاله الذين يثير ~~ما لهم من جاه ونفوذ أعداءهم وخصومهم، فيكونون غرضا للاتهام.» # 18 # ثم يؤكد بعد بضع صفحات من كتابه، فيذكر أن كل الفلاسفة الإسبانيين في عصر ~~ابن رشد كانوا مثله غرضا للاضطهاد، ويعلل هذا الرأي الذي انتهى ms027 إليه بأن ~~الموحدين يرجعون مباشرة إلى مدرسة الغزالي، فإن مؤسس هذه الأسرة في إفريقية ~~كان أحد تلامذة هذا العدو الشديد للفلسفة، ويسوق قبل هذا وبعده مثلا ~~متعددة لاضطهاد الفلاسفة أيضا في غير الأندلس من نواحي العالم ~~الإسلامي. # على أنه ينبغي للباحث أن يتساءل بعد هذا وذاك عما إذا كان تعصب الموحدين ~~ضد الفلسفة، كما يرى مونك ورينان، هو السبب الحقيقي الذي يكفي لتعليل نكبة ابن ~~رشد وأصحابه. # لقد ساق «مونك» وهو بسبيل التدليل لرأيه ما سبق أن ذكرناه من تكليف ~~المنصور لأبي بكر بن زهر إعدام كتب الفلسفة والمنطق، وأخذ المشتغلين بها ~~بالعقاب، ولكن فاته أن المؤرخ الذي أورد هذا الخبر - وهو ابن أبي أصيبعة - ذكر ~~أن المنصور خص ابن زهر بذلك لكي «إن كان عنده شيء من كتب المنطق والحكمة لم ~~يظهر، ولا يقال إنه يشتغل بها ولا يناله مكروه بسببها.» # 19 # ولهذا لما اتهمه بعض أعدائه بأنه معني بالحكمة وعنده ~~الكثير من كتبها، وشهد معه كثيرون بذلك، كان جزاؤه السجن ورد قوله لما ~~يعرفه المنصور كما قال في ابن زهر «من متانة دينه وعقله.» # 20 # وكذلك ساق نفس المؤرخ على أثر ما تقدم أن ابن زهر هذا كان له تلميذان يدرسان ~~عليه الطب، فأتياه يوما ومعهما كتاب في المنطق، فلما عرفه رمى به وقام ~~ليضربهم فجروا أمامه وهو يعدو وراءهم حتى فاتوه. # وبعد بضعة أيام حضرا معتذرين بأنهم لم يكونا يعرفان ما في هذا الكتاب الذي ~~أخذاه من غلام وهما في طريقهما إليه، فتظاهر بقبول ما اعتذرا به، ثم أمرهم ~~بحفظ القرآن، والاشتغال بالتفسير والحديث والفقه، والمواظبة على رعاية الأمور ~~الدينية؛ فلما امتثلا لأمره وصارت تلك الأمور عادة لهما، أخرج لهما كتاب ~~المنطق وقال: «الآن صلحتم لأن تقرءوا هذا الكتاب وأمثاله علي، وأشغلهم فيه.» # 21 ~~••• # من هذا يظهر لنا أن بعض المشتغلين بالفلسفة كانوا غير أهل لها؛ إذ كانوا لا ~~يقدرون على فهم ما تثير من مسائل ومشاكل، وربما كان الواحد منهم يخرج ~~بسببها عن بعض ما جاء ms028 به القرآن، ويكونون بذلك سببا لإثارة رجال الدين ومن ~~يليهم، واضطهاد الفلسفة ورجالها، وهذا فرض قريب من الحقيقة على ما يلوح لنا ~~إذا لاحظنا أن القرآن حض في كثير من آياته على النظر العقلي فيما خلق ~~الله من السماوات والأرض وما بينهما من عوالم مختلفة. # ولسنا نقصد بهذا إنكار أن الفلسفة كانت علما ممقوتا في الأندلس في بعض ~~الأزمان، فلا يكاد يسلم المشتغل بها من اضطهاد، ولا أن ننكر أن بعض الذين ~~عنوا بها قتلوا في سبيلها، وبعضهم كانت حياتهم عرضة للخطر بسببها، هذا وذاك ~~حق لا سبيل لإنكاره، وقد زخرت كتب التاريخ بكثير من الأدلة عليه. # 22 # ولكننا نرى مع ذلك أن اضطهاد الفلاسفة بعامة وابن رشد بخاصة، كان من ~~أسبابه الهامة التي ليس من الحق إغفالها ما كان يرى من خروج بعضهم فيما ~~ذهب إليه من آراء عن بعض ما جاء به الدين بلا ريب، إما في الواقع وإما لأن ~~الجهل يخيل ذلك للعامة ورجال الدين، فيندفعون للتعصب ضدهم ويجاريهم ~~الولاة والأمراء والخلفاء أحيانا كسبا لقلوبهم، واستدامة لسلطانهم، أو ~~لأنهم يرون أنهم على حق. # وهل من الدلائل على صحة ما نراه أن الخليفة المنصور نفسه لم ير بأسا ~~في اشتغال أبي بكر بن زهر بالفلسفة التي حرم الاشتغال بها؛ وذلك لما يعلمه ~~فيه من متانة دينه وعقله، وأن ابن زهر هذا أبى على اثنين من تلاميذه أن ~~يشتغلا بشيء منها قبل إتقان علوم الدين واعتياد القيام بالشعائر الدينية، ثم ~~أباح لهما ذلك عندما وصلا إلى ما أراد منهما. # وكذلك من الأدلة على صحة ما نذهب إليه: ما رواه الأنصاري من حادث الريح ~~وتكذيب ابن رشد بقوم عاد والريح التي أهلكتهم، فإذا صح هذا كانت نكبة ابن رشد ~~بسبب تكذيبه بما جاء به القرآن، لا بسبب أنه كان مشتغلا بالفلسفة ~~فحسب. # ولنا أن نستدل أيضا بأن هذا الخليفة الذي نكب ابن رشد وأصحابه، قد ساءه ~~كثرة الآراء في الفقه؛ حتى لتكون في المسألة الواحدة خمسة أقوال، فعمل على محو ms029 ~~مذهب الإمام مالك الذي كان معمولا به أيامه، وأمر بإحراق كتبه وحمل الناس على ~~العمل بالقرآن والحديث فقط، وتوعد من يخالف ذلك بالعقاب الشديد، وهذا المقصد ~~كما يقول المراكشي، كان مقصد أبيه وجده إلا أنهما لم يظهراه وأظهره هو في عهده. # 23 # وإذن، فما كان من نكبة ابن رشد واضهاده مع غيره من الفلاسفة يرجع، فيما يرجع ~~إليه من أسباب، إلى الرغبة في وضع حد للتفكير يحول بينه وبين التطرف، سواء ~~أكان ذلك في الفلسفة أم في الأحكام الشرعية، وذلك حتى لا يشتد خلاف الفقهاء ~~وتتعدد الآراء وتتشعب في الدين، وحتى لا يؤدي التفلسف إلى معارضة شيء مما ~~جاء به القرآن أو الدين بصفة عامة. # 24 # وبخاصة وقد كان هذا الخليفة المنصور رجلا مجيدا لحفظ القرآن ومتون ~~الأحاديث، متمسكا بالدين معليا لسلطانه، مشددا في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، كما كان محبوبا من الشعب حبا شديدا، حتى بلغ الحال أنه ~~لما مات سنة 595ه كذب العامة خبر موته، فكان منهم من يرى أنه ترك الملك وساح ~~في الأرض، وهو مستخف لا يعرف مكانه. # 25 ~~••• # ومهما كانت الأسباب التي أدت إلى نكبة ابن رشد وصحبه، فقد نفي هو إلى ~~«أليسانة» كما قلنا من قبل، ونفي أربعة آخرون أمروا أن يكونوا في أماكن ~~أخرى، وبهذا طرد الحزب الديني الحزب الفلسفي كما يقول رينان. # 26 # وانتهز أعداء ابن رشد وخصومه هذه الفرصة، فأخذوا في هجوه بأشعارهم وامتداح ~~الخليفة المنصور على ما صنع به وبأصحابه، ونكتفي من ذلك ببعض ما قال الحاج أبو ~~الحسين بن جبير: # 27 # الآن قد أيقن ابن رشد # أن تواليفه توالف # يا ظالما نفسه تأمل # هل تجد اليوم من توالف! ~~••• # لم تلزم الرشد يابن رشد # لما علا في الزمان جدك # وكنت في الدين ذا رياء # ما هكذا كان فيه جدك ~~••• # الحمد لله على نصره # لفرقة الحق وأشياعه # كان ابن رشد في مدى غيه # قد وضع الدين بأوضاعه # حتى إذا أوضع في طرقه # توى لفيه عند إيضاعه # فالحمد لله على أخذه ms030 # وأخذ من كان من اتباعه ~~••• # نفذ القضاء بأخذ كل مموه # متفلسف في دينه متزندق # بالمنطق اشتغلوا فقيل حقيقة # إن البلاء موكل بالمنطق # خليفة الله أنت حقا # فارق من السعد خير مرقى # حميتم الدين من عداه # وكل من رام فيه فتقا # أطلعك الله بسر قوم # شقوا العصا بالنفاق شقا # تفلسفوا وادعوا علوما # صاحبها في المعاد يشقى # واحتقروا الشرع وازدروه # سفاهة منهم وحمقا # أوسعتهم لعنة وخزيا # وقلت: بعدا لهم وسحقا # فابق لدين الإله كهفا # فإنك ما بقيت يبقى ~~••• # خليفة الله دم للدين تحرسه # من العدى وتقيه شر كل فئه # فالله يجعل عدلا من خلائقه # مطهرا دينه في رأس كل مائه # ولكن شاءت عدالة الله ألا تطول مدة محنة ابن رشد، فإن المنصور تغير حاله بعد ~~أن عاد إلى مراكش، ومال من جديد للفلسفة وأهلها، وألغى مرسومه بتحريمها، وشهد ~~لديه جماعة بحسن دين ابن رشد وعقيدته، وأنه على غير ما نسب إليه، فعفا عنه ~~وعن أصحابه سنة 595ه واستدعاه إلى مراكش ليكون بحضرته. # إلا أنه لم يلبث طويلا، فقد توفي بمراكش في العام نفسه قبل وفاة الخليفة ~~بيسير، وحملت رفاته إلى قرطبة بعد ثلاثة أشهر حيث دفنت بمقبرة أسرته، ~~وبموته فقدت الفلسفة أكبر نصرائها بالأندلس والعالم الإسلامي عامة. ~~(3) مؤلفاته # ألف ابن رشد كتبا ورسائل كثيرة في الفقه، والطب، والفلك، والإلهيات، ~~والفلسفة بصفة عامة، وغير ذلك كله من العلوم التي كانت معروفة في عصره، ~~وليس من الضروري في هذا البحث سرد هذه المؤلفات والشروح وترتيب كتابتها ~~زمنيا، وبخاصة أننا لن نأتي في هذا بجديد كثير. # ويكفي لمعرفتها الرجوع إلى ابن أبي أصيبعة، وابن الأبار، والذهبي، وإن كان ~~هذا الأخير لم يعمل أكثر من نسخ ما ذكره الأولان. # 28 # وكذلك يجب الرجوع إلى القائمة الهامة التي تحوي مؤلفاته في ~~المخطوطة رقم 88 بمكتبة الإسكوريال بإسبانيا، وإلى ما كتبه «رينان» في كتابه ~~«ابن رشد ومذهبه» بالفرنسية. # 29 # فهو أكثر ضبطا وتفصيلا، فقد عرض أولا للرسائل الفلسفية، ثم إلى ~~مؤلفاته في علم الكلام، وعلم الفقه، والفلك والنجوم، ms031 والنحو، والطب، وأخيرا ~~إلى نشرة الأب بويج عن مخطوطات ابن رشد الموجودة في أنحاء العالم. # وينبغي أن نلاحظ أن ما نشر بالعربية من مؤلفات فيلسوف الأندلس وشروحه ~~لأرسطو، أقل جدا مما لم ينشر حتى اليوم بهذه اللغة، وأن كثيرا مما كتبه ~~يوجد حتى اليوم باللغة العبرية أو اللاتينية؛ ولذلك نرى واجبا أن تهتم مصر ~~وغيرها من البلاد العربية بنشر كل تراث هذا الفيلسوف العظيم، ومن الخير أن ~~تهتم بذلك الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، فتؤلف لهذا لجنة من العلماء ~~المختصين الكفاة كما صنعت فيما يختص بابن سينا ومؤلفاته. # الفصل الثالث # | التوفيق عند سابقي ابن رشد # الإحساس بالحاجة للتوفيق بين الدين والفلسفة أمر طبيعي يحسه المؤمن المفكر ~~أو الفيلسوف، ومحاولة هذا التوفيق تعتبر إلى حد كبير واجبا لازم الأداء، وذلك ~~ليحقق الانسجام بين معتقده الديني العامر به قلبه، والذي يعتبره فوق كل شك، وإن ~~عسر عليه أحيانا أن يدرك بعض ما جاء به مما لا يتفق تماما والنظر العقلي الصحيح ~~كما سيجيء. # لهذا نجد أمر بحث أو تقرير العلاقة بين الدين والفلسفة له أصله الإغريقي الذي لا ~~ينكر، ونجد تقريبا كل المدارس الفلسفية في العصر القديم تحتفظ بمكان صغير تارة ~~وكبير تارة أخرى للمسائل الدينية، كما نجد مثل هذا لدى «فيلون» اليهودي وأمثاله ~~بالإسكندرية، وعند بعض آباء الكنيسة في العصر الوسيط، بل إن بحث العلاقة بين ~~الدين والفلسفة أو الوحي والعقل، على أي أساس تقوم، كانت طابع التفكير في العصر ~~الوسيط. # وهذا الاتجاه أو وجوب تقرير العلاقة بين الوحي والعقل، لا ينكره ابن رشد ولا غيره ~~من الفلاسفة المسلمين بوجه عام؛ ولذلك نراه يصرح في أكثر من موضع من كتاباته ~~بأن الحكماء من الفلاسفة لا يجيزون الجدل في مبادئ الشرائع، ويرون أنه لا ~~ينبغي أن يتعرض بقول مثبت أو مبطل في مبادئها العامة، وأنه يجب أن نقلد ~~الأنبياء والواضعين لتلك الشرائع فيما جاءوا به من مبادئ العمل وصنوف العبادات التي ~~تؤدي للمصلحة الخلقية والاجتماعية. # 1 # وقد يكون من المفيد هنا أن ms032 نشير إلى أن الأوضاع الممكنة التي يصح أن تكون ~~بين الشريعة والفلسفة لا تزيد على ثلاث: ~~(1) # الاعتداد بالأولى ورفض الثانية، وهذا موقف رجل الدين غير ~~المتفلسف. ~~(2) # أن يكون الأمر بالعكس، وهذا يكون موقف المتفلسف الذي لا يبالي ~~العقيدة. ~~(3) # لم يبق إلا هذا الوضع الأخير، وهو محاولة التوفيق بين هذين ~~الطرفين على أي نحو من الأنحاء، وهذا هو الوضع الذي يجب أن يتخذه ~~الفيلسوف المؤمن، أو الذي يجب أن يبالي العقيدة على ما ~~سنرى. # وسنعرف في الفصل الآتي أن كلا من هذه الأوضاع الثلاثة كان له ممثلون بين الذين ~~عنوا بهذه الناحية من التفكير من الفلاسفة أو رجال الدين فيما مضى من التاريخ ~~حتى الآن. # وفضلا عن هذا كله، فإن الذي يفهم الإسلام وروحه وتعاليمه التي تدعو للأخذ بالوسط ~~في كل الأمور، وتوجب الإصلاح بين المتخاصمين، والتوفيق بين الأطراف المتنافرة، ~~وإن الذي درس تاريخ الإسلام وخاصة الناحية العلمية منه، نقول: إن الذي يفهم روح ~~الإسلام ودرس تاريخ العلوم الإسلامية، يرى بصفة عامة أن روح التوفيق كانت طابعا ~~للمسلمين في كثير من نواحي التفكير. # حقا؛ إنه كان كلما وجدت مدارس مختلفة أو متعارضة، وجد بجانبها مدارس متوسطة ~~تحاول التوفيق بينها، وتصل ما تباعد منها، والتاريخ قديمه وحديثه شاهد صدق على ما ~~نقول. # في علم الكلام نجد مذهب الأشعري، # 2 # الذي يسود العالم الإسلامي حتى هذه الأيام، ليس إلا مذهبا وسطا بين ~~مذهب السلف القائم على التسليم بالنص من غير تعرض لتأويله عقليا، وبين مذهب ~~المعتزلة الذي قرر للعقل كل الحرية في فهم النصوص وتأويلها. # وفي التشريع نجد مذهب مالك يعتمد على الحديث بعد القرآن، والمذهب الحنفي يعتمد ~~على الرأي ونظر العقل واجتهاده، فجاء الشافعي بمذهبه بين هذين الطرفين ~~المتعارضين. # وفي الفلسفة نجد محاولة الفارابي الشهيرة التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، كما نجد ~~أن من مميزات المشائين العرب بصفة عامة نزعة التوفيق بين كثير من المذاهب ~~الفلسفية. # فإذا كانت هذه النزعة من النزعات الغالبة على مفكري المسلمين بصفة عامة في جميع ~~فروع التفكير، فبالأولى ms033 يعمل الفلاسفة الإسلاميون على التوفيق بين الدين الذي ~~يعتقدون صحته، وبين الفلسفة القائمة على العقل وأدلته! # على أنه كانت هناك عوامل أخرى توجب عليهم أن يحاولوا ما استطاعوا أن يصلوا ~~للتوفيق بين هذين الطرفين؛ هذه العوامل ترجع في رأينا لثلاث: ~~(أ) # بعد شقة الخلاف بين الإسلام وفلسفة أرسطو في كثير من المسائل. # 3 ~~(ب) # مهاجمة كثير من رجال الدين لكل بحث عقلي لا يتقيد في نتائجه ~~بالعقيدة المقررة سابقا، ويتبع هذا في أغلب الحالات اضطهاد الشعب ~~والأمراء للمفكرين الأحرار - ولو نوعا ما - مدفوعين بدوافع لا تتصل ~~بسبب متين بالدين في الحقيقة في كثير من الأحيان. # 4 ~~(ج) # وأخيرا، رغبة الفلاسفة أنفسهم في أن يكونوا بمنجاة من هذا كله؛ ~~ليستطيعوا العمل في هدوء، ولئلا يتحاماهم الناس حين يرون أو يظنون ~~أنهم على غير وفاق مع الدين. # من أجل ذلك كله نجد كل فلاسفة الإسلام، كغيرهم من المتكلمين والمفكرين حاولوا ~~هذا التوفيق، سواء من تقدم به الزمن على ابن رشد ومن تأخر، مع اختلاف في الطرق ~~التي اصطنعوها والجهود التي خصصوها لبلوغ الهدف المطلوب، ومع تفاوت في مبلغ ما ~~صادفوه من نجاح. # ويطول بنا الحديث، بل نخرج عن الحدود المرسومة لعملنا إذا تكلمنا عن كل الجهود ~~التي بذلت في هذه الناحية من مفكري الإسلام وفلاسفته؛ لذلك نكتفي بأن نشير إلى ~~ما كان من هذه الجهود قبل ابن رشد في المشرق من الكندي والفارابي والسجستاني ~~ومسكويه وابن سينا، وما كان منها في المغرب من البطليوسي وابن باجة وابن ~~طفيل. # وبهذا نستطيع معرفة مقدار كفاية هذه الجهود أو عدم كفايتها في هذا السبيل، ونتبين ~~مقدار الحاجة لرجل قوي الشكيمة ثاقب الفكر كابن رشد، فيخصص جانبا كبيرا من نشاطه ~~الفلسفي للتوفيق بين الإسلام، الذي كان من أكبر رجاله وممثليه، والفلسفة التي كان ~~من أعلامها، ولنبدأ في هذا العرض الموجز بالكندي أول الفلاسفة. ~~(1) في المشرق (الكندي، الفارابي، السجستاني، مسكويه، ابن سينا) ~~(1-1) الكندي # عاش أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي فترة من حياته في بيئة التفكير ms034 الحر ~~والتسامح التي خلقها المأمون الخليفة العباسي المتوفى في سنة 218ه، # 5 # وشجعها إلى درجة أن كان هو نفسه ذا ميول شيعية، ووزيره يحيى ~~بن أكثم سنيا، ووزيره الآخر أحمد بن أبي داود معتزليا، ومن ثم، ~~كان الإنسان لا يرى حرجا في أن يعتقد ما يرى من مذهب، وكان ربما اجتمع ~~في البيت الواحد عدة إخوة لكل منهم رأيه ومذهبه. # 6 # ولكن الكندي عاش أيضا بعد وفاة المأمون في العصر الذي بدأه الخليفة ~~المتوكل على الله (توفي عام 247ه)، والذي عاد فيه سلطان أهل السنة، لا ~~جرم إذن أن رأيناه يحس - ككل مفكر حر - القلق والخوف من رجال الدين ~~وسلطانهم، وكان ما رواه ابن أبي أصيبعة من أنه أوذي بسبب اشتغاله بالفلسفة. # 7 # ولهذا كان لا بد له من محاولة التوفيق بين الشرع والعقل، ~~وذلك ما قد يجعله بمأمن من الأذى؛ ولذلك نجد ابن النديم يذكر له ضمن ~~مؤلفاته رسالة في إثبات الرسل، وأخرى في نقض مسائل الملحدين، كما نجد ~~ظهير الدين البيهقي يذكر أنه «قد جمع في بعض تصانيفه بين أصول الشرع ~~وأصول المعقولات.» # 8 # وقد كان مؤرخ الفكر والفلسفة الإسلامية إلى الأمس القريب يقنع بهذه ~~الأحكام ونحوها من ابن النديم وابن أبي أصيبعة والبيهقي، ونحوهم ممن ~~ترجموا لحكماء الإسلام ومفكريه، إذا لم يجد لهم من المؤلفات ما يعينه ~~على تعرف نزعاتهم واتجاهاتهم في تفكيرهم. # وكان الباحث عن طابع تفكير الكندي ونزعته واتجاهه، لا يلجأ فيما يلجأ ~~إليه إلا إلى أسماء كتبه ومؤلفاته، فيحاول أن يجد منها سندا للرأي الذي ~~ينتهي إليه. # ولكننا لحسن الحظ نجد اليوم بين أيدينا طائفة من رسائل الكندي، هذه ~~الرسائل التي كشفها المستشرق الألماني «ريتير # H. Ritter ~~» بمكتبة أيا صوفيا رقم 4832، ونشرها الدكتور ~~محمد عبد الهادي أبو ريدة في مجلدين، كما نشر بعض المستشرقين أخيرا ~~رسائل أخرى له. # إن نشر هذه الرسائل ومعرفة موضوعاتها كما يتبين من عناوينها، يدعو ~~بلا ريب إلى تعديل كثير في بعض آراء الباحثين في الكندي وفلسفته قبل أن ~~يطلعوا ms035 عليها، بل قد يدعو إلى تعديل حكم الغزالي على الفلسفة والفلاسفة ~~المسلمين. # مثلا، نجد الدكتور إبراهيم مدكور يرى أن الكندي طبيب ورياضي فلكي ~~أكثر منه فيلسوفا، وأن فضله بصفة خاصة هو في أنه أعد للأعمال ~~العظيمة التي ظهرت بعده في الفلسفة الإسلامية في القرن العاشر الميلادي. # 9 # مع أنه من الحق حسب هذه الرسائل، يجب أن يعتبر الكندي من ~~الفلاسفة المسلمين بكل معنى الكلمة، لا ممهدا فقط للفلسفة ~~الإسلامية. # ومع أن الشيخ مصطفى عبد الرازق كتب عن الكندي قبل اكتشاف رسائله، إلا ~~أنه اعتمد على ما أورده المتأخرون عن الكندي، وانتهى في بحثه إلى أن ~~الكندي هو الذي وجه الفلسفة الإسلامية وجهة الجمع بين أفلاطون وأرسطو، ~~وهو الذي وجهها في سبيل التوفيق بين الفلسفة والدين. # 10 # وبعد نشر رسائله اتضح موقفه من الدين والفلسفة وضوحا يقوم على نصوص ~~كلامه، وقام بعض الباحثين بدراستها. # 11 # وفي رسالته إلى المعتصم بالله في الفلسفة الأولى، يذهب الكندي إلى أن ~~الدين لا يختلف عن الفلسفة، «لأن في علم الأشياء بحقائقها علم ~~الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة، وجملة علم كل نافع والسبيل ~~إليه، والبعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعا هو الذي أتت ~~به الرسل الصادقة عن الله جل ثناؤه، فإن الرسل الصادقة إنما أتت ~~بالإقرار بربوبية الله وحده، وبلزوم الفضائل المرتضاة ...» # غير أنه في رسالة «كمية كتب أرسطوطاليس» يذهب إلى خلاف هذا الرأي، ~~ويفرق بين الفلسفة التي هي من العلوم الإنسانية التي يبلغها الفيلسوف ~~«بطلب وتكلف البشر وحيلهم»، وبين العلم الإلهي، وهو أعلى رتبة؛ إذ يتم ~~«بلا طلب، ولا تكلف، ولا بحيلة بشرية ولا زمان، كعلم الرسل صلوات الله ~~عليهم الذي خصه الله - جل وتعالى علوا كبيرا - أنه بلا طلب ولا تكلف ~~ولا بحث، ولا بحيلة بالرياضيات والمنطق؛ فإن هذا العلم خاصة للرسل دون ~~البشر، وأحد خواصهم العجيبة، أعني آياتهم الفاصلة لهم من غيرهم من البشر، ~~إذ لا سبيل لغير الرسل من البشر إلى العلم الخفي، إلا بالطلب؛ فأما ~~الرسل فلا بشيء ms036 من ذلك، بل بإرادة مرسلها ...» # 12 # وأيضا فإن كلام الله في القرآن جوابا عما سئل به الرسول هو غاية في ~~الوجازة والبيان وقرب السبيل والإحاطة بالمطلوب، على حين أن الفيلسوف ~~إذا قصد الجواب عنها فيكون ذلك «بعد طول الدأب في البحث والتروض.» # 13 # وتفسير هذا التناقض في رأي الكندي يرجع عندنا إلى أنه كتب رسالته إلى ~~المعتصم في وقت كان يذهب فيه ذلك المذهب، وكتب رسالة «كمية كتب ~~أرسطوطاليس» في وقت آخر، وعدل فيه عن رأيه الأول. # أما رأيه الأول فهو: أن الدين والفلسفة شيء واحد؛ لأنهما يبحثان ~~معا عن الحقيقة، والحقيقة واحدة، وطريقهما البرهان. # وأما رأيه الثاني فهو: أن الفلسفة غير الدين؛ لأن طريق الفلسفة ~~البحث والنظر بالعقل، وطريق الدين الإلهام والوحي عن طريق الشرع. # وكذلك سنعرف عما قليل أن الكندي قال بحدوث العالم، وكأنه قد أحس ~~أن القول بقدمه لا يتفق وإثبات خالق له، كما هو العقيدة الإسلامية، ~~وهذا معناه في نظرنا أن الغزالي حين قرر أن الفلاسفة المسلمين جميعا ~~ذهبوا إلى القول بقدم العالم، لم يكن اطلع على رأي الكندي في هذه ~~المشكلة، وأن عماده في تعرف رأي الفلاسفة هو على آراء الفارابي وابن ~~سينا كما صرح بنفسه في كتابه «تهافت الفلاسفة». ~~••• # وبعد، ما هو رأي «فيلسوف العرب» في العالم وقدمه أو حدوثه، وهي من ~~المسائل الهامة التي كفر الغزالي الفلاسفة من أجلها، وهي من المسائل ~~التي يمكن بحثها مما نشر حتى اليوم من رسائله؟ نستطيع أن نقرر أن ~~الكندي يذهب إلى أن العالم محدث لا قديم، وأن الله هو الذي خلقه بعد ~~عدم. # إنه حقا في رسالته «في حدود الأشياء ورسومها»، يعرف العلة الأولى ~~بأنها «مبدعة، فاعلة، متممة الكل، وغير متحركة»، وحد الإبداع هو الخلق ~~عن عدم، أو هو كما يقول الجورجاني: «إيجاد الشيء من لا شيء»، «إيجاد شيء ~~غير مسبوق بمادة ولا زمان»، وهو كما يذكر الكندي نفسه: «إظهار الشيء عن ~~ليس»، أي عن عدم الوجود. # وإذن، ما دام الله هو الذي أبدع العالم، فيجب ms037 أن يكون العالم غير ~~موجود، ولو بمادته قبل وجوده، والنتيجة تكون أن العالم غير ~~قديم. # وليس هذا فقط، فإن أول فلاسفة الإسلام قد أوضح في رسالته «في وحدانية ~~الله وتناهي جرم العالم» # 14 # أن جرم العالم محدود، وذلك من مقدمات واضحة معقولة ترتكز ~~على الأصول الرياضية، إنه يرى أن جرم العالم متناه، وإلا لو فرضنا ~~الضد وفصلنا منه جزءا محدودا كان الباقي إما محدودا كذلك، فيكون ~~الجميع - أي: بإضافة ما فصلناه - متناهيا؛ لأن الجرمين المتناهيين ~~يكون مجموعهما متناهيا حتما، وإذن يكون العالم غير متناه ومتناهيا، ~~وهذا خلف لا يمكن. # وإن كان الباقي غير متناه ثم أضيف إليه ما فصل منه، كان المجموع أكبر ~~طبعا مما كان قبل، ولكنه قبل وبعد هو هو؛ لأنه غير متناه، وإذن ~~فاللامتناهي يوصف بأنه أكبر وأصغر وهو تناقض. # وإذا ثبت هكذا أن جرم العالم متناه، كان كل ما يرتبط به وما لا ينفصل ~~عنه من مكان وحركة وزمان، متناهيا ضرورة؛ لأن الزمان هو مقياس الحركة ~~الحاصلة عن الجرم، والجرم المتناهي حركته متناهية ضرورة، فيكون زمانها ~~الناشئ عنها متناهيا كذلك، ذلك بأن الجرم والحركة والزمان لا يكون ~~بعضها دون بعض ولا يسبق بعضها بعضا. # وبعد ذلك؛ إذا ثبت هكذا أن جرم العالم متناه، كان غير قديم بلا شك، ~~وإلا إذا كان لا أول لوجوده كان غير متناه، وقد ثبت قبل أنه متناه. ~~«فيمتنع إذن أن يكون جرم لم يزل، فالجرم إذن محدث اضطرارا، والمحدث ~~محدث المحدث، إذن المحدث والمحدث من المضاف، فالكل محدث اضطرارا ~~عن ليس»، أي: عن عدم، وهذا الإحداث هو الإبداع، أي: الإيجاد عن عدم، كما ~~سبق أن ذكر في رسالة الحدود. ~~••• # وهكذا نرى أن الكندي يذهب في هذه المشكلة الهامة، مشكلة العالم ~~وصلته بالله، مذهب رجال علم الكلام في زمنه بصفة عامة، مخالفا بهذا ~~مذهب أرسطو حين ذهب إلى قدم العالم، وذلك ما ينبغي أن يعتبر بلا ريب ~~خطوة كبيرة في سبيل التوفيق بين العقيدة الإسلامية وفلسفة اليونان، كما ~~عرفها المسلمون. # وبهذا يمكن ms038 إلى حد كبير تعليل ما ذكرناه عنه سابقا عن مترجميه من ~~أنه «قد جمع في بعض تصانيفه بين أصول الشرع وأصول المعقولات»، وهذا ما ~~جعل «دي بور» يرى أنه مع دفاعه عن النبوة كان يحاول التوفيق بينها ~~وبين العقل. # 15 # على أننا فضلا عما تقدم نأتي بدليل آخر لما نراه من أن الفارابي ~~مسبوق في هذا السبيل، وذلك أن البيهقي ذكر في ترجمة أبي القاسم الحسين ~~بن الفضل الراغب أنه كان من حكماء الإسلام، وأنه هو الذي جمع بين ~~الشريعة والحكمة في تصانيفه، وأن من كلامه: «بين العقل والشرع تظاهر، ~~ويفتقر أحدهما إلى الآخر.» ~~(1-2) الفارابي # وإذا تركنا الكندي إلى من جاء بعده من فلاسفة المشرق، نجد أننا نسير ~~بخطا أكثر ثباتا واستقرارا، وذلك أن التاريخ حفظ لنا من مؤلفاتهم ما ~~فيه كفاية لتعرف جهودهم في هذه السبيل، نعني سبيل التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، مندفعين إلى ذلك ببواعث ليس فيها - على ما نرى - الكثير من ~~خشية تعصب العامة ورجال الدين، ومحاولة اتقاء ما ينجم عادة من مثل هذا ~~التعصب. # لقد عاش أبو نصر الفارابي حياة هادئة وادعة، أولا ببغداد موطن تعلمه ~~ودراسته، ثم انتقل منها إلى حلب، وأميرها سيف الدولة الحمداني المعروف ~~بميله للعلم وتشجيعه للعلماء، والذي عاش فيلسوفنا في كنفه عيشة الزاهد ~~المتصوف الذي لا تغيره رياسة ولا تهمه الدنيا ولا تفتنه أغراضها، وأخيرا ~~مات بدمشق، وقد رحل إليها صحبة أميره عام 339ه/950م. # وإن الذي يرجع إلى ترجمته كما ذكرها ابن خلكان، # 16 # وابن أبي أصيبعة، # 17 # وصاعد الأندلسي، # 18 # والقفطي، # 19 # يجد صدق هذا، وأن الفارابي لم يضطهد بسبب الفلسفة. # إذن كانت محاولته هذه التوفيق بين الوحي والعقل على ما نرى، لما رسخ في ~~ذهنه من أن الحقيقة واحدة وإن كان قد يعبر عنها بطرق مختلفة؛ ولذلك - ~~صادرا عن هذا المبدأ - حاول التوفيق بين «المعلم الأول» وبين «أفلاطون» ~~في كتابه المعروف: «الجمع بين رأيي الحكيمين». فلا عجب إذن حين نراه ~~يحاول التوفيق تطبيقا لهذا المبدأ، بين الحقيقة التي ms039 جاءت عن التفلسف ~~والحقيقة التي جاء بها الوحي النبوي. # ومهما يكن من أمر العوامل التي جعلت المعلم الثاني يحاول هذا التوفيق، ~~فإننا نرى أن الخطة التي اختطها لبلوغ غرضه من الجمع بين الدين ~~والفلسفة تتلخص في ثلاثة أمور، تأثره فيها غير واحد ممن أتوا ~~بعده: ~~(1) # مذهبه في «الخلق» أريد به التوفيق بين الإله كما تصوره ~~أرسطو وبين الإله كما جاء به الإسلام. ~~(2) # جعله لكل من الوحي والعقل مكانا بجانب الآخر، وذلك ~~بالتسليم بالنبوة والمعجزات والعقائد الدينية الكلامية ~~السمعية، مع تفسير كل ذلك عقليا. ~~(3) # التفرقة بين الخاصة والعامة من الناس، وجعل تعليم خاص ~~لكل منهما، وبذلك يتوطد السلام بين التفكير الفلسفي ~~والتفكير الديني. # فكرة الإله والخلق # الله في الإسلام هو الخالق لكل شيء، الذي لا يوجد شيء إلا بأمره، ~~ولا يدوم إلا بحفظه، والذي يعلم كل شيء كبيرا كان أو صغيرا في أدق ~~تفاصيله، والذي لا واسطة بينه وبين أحد من خلقه. # هذا الإله كما يؤخذ من القرآن # 20 # لا يمكن أن يتفق مع إله أرسطو، وهو «المحرك الأول» ~~الذي لا يتحرك، ولا مع فكرة «الواحد» كما نعرف من الأفلاطونية ~~الحديثة. # ومن أجل هذا كان هم الفارابي وغيره من فلاسفة الإسلام محاولة ~~التوفيق بين الإله كما جاءت به الفلسفة، وبين الإله كما جاء به ~~القرآن، وإن كان لم يصحبه التوفيق في محاولته كما سنرى فيما ~~بعد. # وليس من عملنا ولا من الممكن هنا أن نأتي بما ذهب إليه أبو نصر في ~~هذه المشكلة؛ ولذلك نكتفي بأن نقول بإيجاز بأنه - مستلهما أرسطو ~~وأفلاطون والأفلاطونية الحديثة - قد انتهى إلى الذهاب إلى أن الله ~~هو الواحد والموجود الضروري من نفسه، والبريء من كل أنحاء النقص، ~~والذي ليس بمادة، وهو مباين بجوهره لكل ما سواه، وليس مركبا بوجه ~~من الوجوه، فهو واحد من كل وجه. # وهو، لأنه ليس بمادة، عقل بالفعل، يعقل ذاته، فالعقل والعاقل ~~والمعقول شيء واحد هو الذات، وكذلك فيما يتصل بالعلم، ذاته علم ~~وعالم ومعلوم، والله هذا؛ لأنه سبب وجود كل موجود، ms040 يلزم متى كان له ~~هذا الوجود أن يصدر عنه ضرورة سائر الموجودات بطريق غير مباشر، وذلك ~~على ما هو معروف في نظرية «العقول العشرة». # 21 # وهكذا رأى الفارابي أنه وفق بين الإله كما جاء في الفلسفة وبين ~~الإله كما جاء في القرآن! كما لم ينس أن ينسب لله كل صفات العظمة ~~والجلال والكمال. # النبوة وما إليها # والنبوة في رأي الفارابي ليست أمرا فوق الطبيعة، ولا شيئا خارقا ~~للعادة، إن النبي ليس إلا إنسانا بلغت قوته المتخيلة غاية ~~الكمال، وذلك بأن يحصل له أولا العقل المنفعل، ثم بعده العقل ~~المستفاد الذي يكون به الاتصال بالعقل الفعال، وحينئذ يأخذ عنه ~~بطريق الفيض الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من ~~المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات ~~الشريفة ويراها، فيكون له بذلك نبوة بالأشياء الإلهية. # 22 # وفيما يختص بالمعجزات التي يتقدم بها النبي دليلا على صحة رسالته، ~~نرى أيضا أن لها عند الفارابي تفسيرها العقلي، وذلك متى عرفنا - ~~كما يقول - أن النبوة مختصة بقوى قدسية يذعن لها عالم الخلق الأكبر، ~~كما يذعن لروح الواحد منا عالم الخلق الأصغر، فتأتي بمعجزات خارجة ~~عن الجبلة والعادات، ولا يمنعها شيء من معرفة ما في اللوح المحفوظ. # 23 # وإذن، على رأي الفارابي، النبي والفيلسوف يتصل كل منهما بالعقل ~~الفعال، والفرق بينهما أن الأول ينال هذه الرتبة بكمال قوته ~~المتخيلة بعد كمال القوة العاقلة طبعا، على حين يصل إليها ~~الفيلسوف بالنظر والتفكير، وليس هذا في رأينا بالفرق الكبير. # وينبغي هنا أن نلاحظ أن الفارابي في تصويره للنبوة على هذا ~~النحو، وتفسيرها تفسيرا نفسيا وعقليا كما رأينا آنفا، يجعلها ~~أعلى من الفلسفة، كما يجعل النبي هو الإنسان الذي بلغ أكمل مراتب ~~الإنسانية والسعادة. # 24 # وهذا في رأي «دي بور» لا يتفق مع ما يؤخذ من فلسفة ~~الفارابي النظرية، هذه الفلسفة التي ترى أن كل أمور النبوة - من ~~الرؤى والكشوف والوحي ونحو ذلك - هو مما يختص بالقوة المتخيلة، ~~فتكون المعرفة الحاصلة عن ذلك أدنى مرتبة من المعرفة الفلسفية. # 25 # هكذا يرى ms041 «دي بور»، ونعتقد أنه نسي أن المعلم الثاني يشترط في ~~النبي فضلا عن كمال القوة المتخيلة، كمال القوة العاقلة، وذلك بأن ~~يحصل له العقل بالفعل ثم العقل المستفاد الذي به - كما تقدم ذكره - ~~يتصل بالعقل الفعال. ~~••• # هذا، والفارابي عرف بتركيز الفكرة والإيجاز في التعبير عنها، فلعل ~~مما يعين على فهم نظرية النبوة أن نقتبس القليل من عرض الغزالي ~~لهذه النظرية في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة»، ثم من عرض ابن ~~ميمون، وهو جد ثقة في الفلسفة الإسلامية وفيما كان لرجالها من آراء، # 26 # لها في كتابه «دلالة الحائرين»، فذلك كله تعبير صادق عن ~~نظرية النبوة لدى الفارابي وابن سينا وابن رشد أيضا، ومن ذلك نعرف ~~تماما الفرق عند فلاسفة الإسلام بين النبي والفيلسوف؛ ولهذا خطره ~~في مسألة التوفيق بين الوحي والعقل. # يذكر الغزالي عن الفلاسفة المسلمين أن النبي إنسان بلغت قوته ~~المتخيلة الغاية من القوة، ولم تستغرقها الحواس، فاستطاعت أن تطلع ~~في اليقظة والنوم على اللوح المحفوظ، وانطبعت فيها صور الجزئيات ~~الكائنة في المستقبل، ويكون ذلك معجزة للنبي، كما بلغت قوته ~~العاقلة النظرية الكمال أيضا، فصار قوي الحدس، بمعنى سرعة ~~الانتقال من معلوم إلى آخر من غير حاجة إلى تعلم، بل يكون كأنه ~~متعلم من نفسه، ويعتبر هذا معجزة أيضا ولكن من نوع آخر. # وكذلك أخيرا بلغت قوته النفسية والعملية حدا تتأثر بها الأمور ~~الطبيعية وتتسخر له، فكما أن نفس الإنسان تؤثر في جسمه وتؤثر في ~~نفوس غيره إذا كانت هذه القوة النفسية العملية قوية فيه، كذلك إذا ~~بلغت هذه القوة درجة الكمال صار من الممكن أن تخضع لها أمور ~~الطبيعة، ويكون ذلك من النبي معجزة له من ضرب ثالث. # حتى إنه إذا تطلعت نفسه إلى هبوب ريح أو حدوث زلزلة أو نزول مطر، ~~وذلك موقوف حصوله عادة على حدوث برودة أو سخونة أو حركة في الهواء، ~~يحدث ذلك من نفسه وتتولد منه تلك الأمور من غير سبب طبيعي ظاهر، على ~~أنه يشترط أن يكون هذا الذي يحدث ممكنا في نفسه، ms042 لا مستحيلا ~~كقلب العصا ثعبانا أو انشقاق القمر الذي لا يقبل الانخراق والانشقاق. # 27 # هكذا يذكر الغزالي ويذكر ابن ميمون من بعده # 28 # أن النبوة هي في الحقيقة فيض من الله بواسطة العقل ~~الفعال على القوة العاقلة أولا، ثم على القوة المتخيلة ثانيا، وهي ~~أعلى درجة وأكمل رتبة من الكمال يستطيع أن يصل إليها إنسان. # ويجب أن يكون هذا الإنسان قد ملك العلم والحكمة بدرجة ينتقل منها ~~من القوة إلى الفعل، وأن يكون له العقل الكامل، وأن يكون تفكيره ~~ورغباته قد تخلصت من الأماني والأطماع التافهة الباطلة. # ويجب أن نعلم أيضا أن فيض العقل الفعال هذا لو كان على قوة ~~الإنسان العاقلة وحدها، لا على القوة المتخيلة أيضا، كان هذا ~~الإنسان من طبقة العلماء الذين يعملون النظر والفكر، ولكن هذا ~~الفيض إن تناول القوتين معا، كان هذا الإنسان من طبقة ~~الأنبياء. # وكذلك يجب أن نعلم أن الأنبياء الحقيقيين لهم بلا ريب الإدراكات ~~والمعرفة العقلية النظرية، التي لا يمكن أن يصل إلى مثلها ولا ~~إلى أسبابها المفكرون غير الأنبياء، أي: الذين يعتمدون على ~~القوة النظرية وحدها، وحقا إن الوحي الذي يفيض على القوة ~~المتخيلة للنبي متى وصلت إلى الكمال، يجعله قادرا على التنبؤ ~~بالمستقبل ومعرفة الأمور الغيبية كما لو كان يدركها بحواسه. # أقول: هكذا يستمر ابن ميمون في عرضه لنظرية النبوة لدى فلاسفة ~~الإسلام، إن هذا الوحي يكمل أيضا القوة العقلية المفكرة، وذلك ~~أنه بهذا الأثر يدرك النبي الوجود الحقيقي للأشياء، كأنه يصل ~~إلى هذا بواسطة قضايا نظرية تقوم على العقل وتفكيره، فإنه حينئذ ~~يكون العقل الفعال قد فاض على القوة العاقلة وجعلها تنتقل من ~~القوة إلى الفعل، وبهذه القوة يصل الفيض أو الوحي من هذه القوة إلى ~~القوة المتخيلة. # ومن أجل ذلك ما ينبغي أن نلتفت مطلقا إلى هؤلاء الذين لم تبلغ ~~القوة العاقلة النظرية عندهم حد الكمال، والذين لم يصلوا إلى أعلى ~~درجة من التفكير النظري؛ فإن الذي يصل إلى الكمال في هذه الناحية ~~وتلك، هو وحده الذي يصل ms043 إلى المعارف والحقائق العليا، وذلك حينما ~~يفيض العقل عليه وصار يوحى إليه، وهو وحده النبي حقا. # وهكذا ينتهي ابن ميمون، وكذلك الغزالي من قبل من بيان نظرية النبوة ~~بصفة عامة لدى فلاسفة الإسلام، وإلى أن هؤلاء وبالأخص الفارابي وابن سينا، # 29 # فسروا النبوة تفسيرا نفسيا عقليا رغبة منهم في ~~التوفيق بين الوحي والعقل، وحرصوا لهذا على جعل النبي أعلى منزلة من ~~الفيلسوف، ما دام هو نبيا وفيلسوفا معا بكمال قوته المتخيلة ~~وقوته النظرية، وهذا الحرص في هذه الناحية منهم، له ما يبرره من ~~وجهة نظر المسلمين وإجماعهم على أن أعلى ما يمكن أن يصل إليه بشر ~~هو درجة النبوة. ~~••• # هذا، والقرآن ذكر الملائكة في آيات كثيرة منه، فلم يسع الفارابي ~~إنكار وجودهم، لكنه لم يقل كما يقول المتكلمون عنها إنها أجسام ~~قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، بل ذهب إلى أنها كائنات معقولة لا ~~رابطة لها بالمادة، وبعبارة أخرى نراه يفسرها بأنها صور مجردة عن ~~المادة، وهي صلة ما بين مصدر الوحي والموحى إليه. # 30 # وكذلك القلم واللوح، وقد جاء ذكرهما في القرآن، ليسا كما يقول ~~المتكلمون أيضا شيئين ماديين، بل «القلم ملك روحاني، واللوح ملك ~~روحاني، والكتابة تصوير الحقائق.» # 31 # واليوم الآخر وما فيه من جزاء: ثواب وعقاب، لا ينكر الفارابي شيئا ~~منه، فإن للنفس بعد الموت سعادات وشقاوات كما يقول، # 32 # لكن هذا الجزاء لن يكون إلا روحيا محضا، فليس هناك ~~لذائذ ولا عقوبات جسمية كما يرى المتكلمون، بل السعادة ليست عنده ~~إلا أن تتحرر النفس من قيود المادة فتصير عقلا كاملا. # 33 # ولذلك كان يدعو الله بأن يجعل الحكمة سببا لاتحاد نفسه ~~بالعوالم الإلهية والأرواح السماوية، فتكون بعد فناء البدن من جملة ~~هذه الجواهر الشريفة الغالية. # 34 # الخاصة والعامة # وأخيرا لم يخف على المعلم الثاني ما في تفسيره للنبوة وبعض ~~العقائد السمعية من عسر في الفهم يجعل أكثر الناس عاجزين عن ~~إدراكها؛ ولذلك لم ير بدا من تقسيم الناس - حسب مراتبهم في الفهم ~~والتصديق - إلى طبقات ثلاث: عامة، ms044 ورجال دين، وفلاسفة. # ورأى تبعا لهذا التقسيم أنه يجب عرض هذه الأمور وأمثالها على ~~أفراد كل من هذه الطبقات، بطريقة تتناسب ومقدرتها على تصورها ~~وفهمها، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي إما بتقريبها للفهم بذكر ~~محاكياتها وأمثالها، وإما بذكر الحقائق مجردة سافرة. # وفيما يختص بإثباتها على كل حال، ينبغي أن نلجأ بالنسبة للعامة ~~وأمثالهم إلى البراهين الإقناعية التي تنفعهم، وأن نلجأ إلى ~~البراهين الحقيقية بالنسبة للقادرين عليها، أي: لأهل الاستدلال. # 35 ~~••• # وبعد، هل نجح الفارابي فيما أراده من التوفيق بين العقل والوحي، أو ~~بين الفلسفة والدين؟ إننا نرى أنه مع ما بذله من جهد في هذه ~~السبيل من السهل أن نقول: لا. # وذلك أنه على الرغم من محاولة الفارابي حل مسألة «الواحد» ~~وصدور العالم عنه وكيفية هذا الصدور، قد بقي إله «أرسطو» غير مقبول ~~في الإسلام، مع ما نال نظرية أرسطو من تعديل يرجع إلى أفلاطون ~~ومدرسة الإسكندرية. # وفي الحق أن إلها يصدر العالم عنه بلا إرادة وخلق منه ولا نشاط ~~له، وبينه وبين هذا العالم وسطاء عديدون، ولا يعلم إلا ذاته. إله ~~كذلك لا يمكن أن يتفق والعقائد الصحيحة التي جاء بها الإسلام، وإن ~~عني الفارابي - في نظرية الفيض، التي أراد بها على ما هو معروف ~~التوفيق بين أرسطو والإسلام - بجعله سببا فاعلا. # وكذلك تسمية الفارابي للعقول التي ذهب إليها ليفسر صدور الكثير - ~~وهو العالم - عن الواحد، ملائكة ليوافق القرآن في التسمية لا يجعلها ~~حقا ملائكة كما جاء في الإسلام. # فإن هذه العقول عنها صدر العالم في رأيه، فهي خالقة على هذا ~~النحو، وملائكة القرآن لا شيء لها مطلقا من الخلق أو الأمر، بل ~~هم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف وتلك ~~العقول! ~~(1-3) السجستاني # وهذا مفكر آخر حري أن يأخذ مكانه بين مفكري الإسلام بعد أن طال ~~إهماله، وهو أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي السجستاني الذي ~~عاش إلى أواخر القرن الرابع الهجري، وإنه لأهل لأن يتحدث عنه مؤرخ ~~التفكير الإسلامي. # وهو ms045 تلميذ يحيى بن عدي تلميذ الفارابي، ولكنه كان أنبه ذكرا من شيخه، ~~كما كان شيخا في الفلسفة لأبي حيان التوحيدي، الذي ترك لنا في كتابيه: ~~«المقابسات»، و«الإمتاع والمؤانسة» الكثير مما كان يجري في مجالس أبي ~~سليمان، هذه المجالس التي كانت تحفل بالعلماء والحكماء يبحثون في نواح ~~مختلفة من العلم والفلسفة، وكان المتجادلون يلجئون غالبا إليه؛ فيكون ~~رأيه هو الرأي الفصل فيما كانوا يتحدثون فيه، ولا عجب، فقد كان ~~السجستاني، كما يذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمته، «فاضلا في العلوم ~~الحكمية، متقنا لها مطلعا على دقائقها.» # 36 # وبالرجوع إلى أبي حيان في كتابيه المذكورين آنفا، نجده يصف شيخه ~~السجستاني بأن كان من بين المعنيين بالفلسفة في عصره، كان «أدقهم نظرا، ~~وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر.» # 37 # وكذلك نجد أن أحد تلاميذه وهو الطبيب المعروف بفيروز يقول ~~له: «أيها السيد، والله ما نجد شفاء لداء الجهل إلا عندك، ولا نظفر بقوت ~~النفس إلا على لسانك، ولا نعلم يقينا إلا بحسن تعريفك.» # 38 # وأنه أخيرا كان يعيش إلى سنة 391ه. # 39 # كما نعرف من المقابسة رقم 64 أن الروح التي كانت تسود أبا سليمان ~~ومن يلتفون حوله من علماء العصر ومفكريه، لا يسأل أحد عن بلده ولا عن ~~ملته، كانت مستمدة من حكمة يرجعها أبو سليمان نفسه إلى أفلاطون، وهذه ~~الحكمة تتلخص في أن الحق لم يصبه واحد وحده، بل في كل رأي نصيب منه ~~قل أو كثر؛ ولهذا لا معنى للتعصب لمذهب على مذهب، ومن ثم أيضا ليس من ~~المعقول أن يقوم خلاف بين الدين والفلسفة. # 40 # على أن الخوف من رجال الدين ومن يتأثرون بهم من العامة وأمثالهم، كان له ~~أثره في أبي سليمان وأصحابه، وذلك أنه بينما كانوا أحرارا في تفكيرهم ~~وجدلهم في مجالسهم الخاصة بهم، كانوا حذرين من أن يعرف ما لا يتفق ~~والروح الدينية السائدة في العصر. # 41 # ونقول بعد هذه الأمور العامة عن السجستاني ومركزه في زمنه، وعن ~~الروح الحرة التي كانت تسود مجالسه: إنه - مثل شيخه الفارابي ms046 - كان له ~~رأيه في تقسيم الناس إلى عامة وخاصة، وفي العالم ووجوده، وفي العلاقة ~~التي يجب أن تقوم بين الدين والفلسفة، وسنتناول كلا من هذه المسائل ~~بإيجاز. # العامة والخاصة # ينقسم الناس في رأيه حسب عقولهم واستعدادهم للنظر والفكر، إلى ~~عامة وخاصة، الأولى: ليس لها أن تتصل بالحكمة أو تتطاول إلى غرائب ~~الفلسفة، وذلك لرداءة عقولها وضآلة معارفها وخبث نفوسها، والأخرى: ~~لها أن تبحث من ذلك ما تريد؛ لأنها تعيش بها ولها، ولها من فضائل ~~النفس ما يعصمها عن الضلال. # 42 # ولهذا يفسر السجستاني عدم صفاء التوحيد في الشريعة من شوائب ~~الظنون واستعمال الأمثال، كما صفا ذلك في الفلسفة، بأن الكلام ~~(يريد الشريعة) الذي يراد به صلاح الناس جميعا لا بد أن يكون ~~مرة مبسوطا وأخرى موجزا، ومرة صريحا ومرة فيه رمز وتعريض؛ ~~ولذلك «كان جميع ما جاء به الشرع من هذا الضرب ليجد الخاصي ~~فيه إشارة تشفيه، والعامي عبارة تكفيه.» # 43 # ونعتقد أن هذا التعليل يدلنا على أن السجستاني كان يرى ضرورة ~~تأويل ما اشتملت عليه الشريعة من رموز وأمثال للخاصة القادرة على ~~التأويل. # وكان الطبيعي مع هذا أن يفرق أبو سليمان بين طريقة المتكلمين وبين ~~طريقة الفلاسفة في بحث المسائل الإلهية أو العقيدية، وذلك ما ~~بينه لنا تلميذه التوحيدي، # 44 # ومن ثم نراه ينقد بشدة هؤلاء المتكلمين الذين لم ~~يفرقوا في تعاليمهم بين العامة والخاصة. # الله والعالم # ونستطيع أن نستشف مما رواه لنا أبو حيان عن شيخه في هذه ~~المشكلة، وهو قليل جدا، أن السجستاني يرى أنه يصح أن يقال ~~إن العالم قديم ومحدث، قديم إذا نظرنا إلى الأجرام العلوية التي لا ~~تتكون ولا تفسد، ومحدث إذا نظرنا إلى العالم الأرضي، فنجد الكون ~~والفساد يتعاقبان على الأشياء، أو هو قديم من ناحية المادة، ومحدث ~~من ناحية الصور التي تتعاقب عليها، وهذا ما يفهم من قوله عن ~~العالم في بعض المقابسات: «قديم بالسوس (أي: الأصل أو المادة)، ~~حديث بالتخطيط.» # 45 # وفي مسألة الخلق نستطيع أن نقرر أنه يرى أن العالم ms047 فعل الله، ~~بمعنى أنه معلول عنه كما يقول الفلاسفة، ولكنه مع هذا لا يرى أن ~~يقال إن الله فاعل بالاضطرار؛ لأن ذلك صفة العاجز، ولا بالاختيار ~~لأن في الاختيار معنى قويا من الانفعال، وإنما الله يفعل ويصدر ~~عنه العالم بنحو أشرف من هذا وذاك يضيق عنه الاسم، بل إن قولنا ~~بالنسبة إلى الله: يفعل وفاعل، هو كلام يطلق على حد المجاز ~~والمعتاد من الكلام. # 46 # وإذا كان العالم قد صدر عن ~~الله باعتباره علة له، فإنه يتحرك نحوه بالشوق باعتبار الله ~~الغاية الأولى والغاية القصوى، وباعتباره المحرك للأشياء التي إليه ~~تتحرك جميعا. # 47 # الدين والفلسفة # وللسجستاني في العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الدين والفلسفة رأي ~~واضح قاطع، وهو وليد التفكير والإدراك العميق للغاية من كل ~~منهما، كما هو وليد الاعتبار بجهود من حاولوا تحديد هذه العلاقة من ~~معاصريه، وهذا الرأي هو وجوب الفصل التام بين الشريعة والفلسفة؛ ~~وذلك لما بينهما من اختلاف في الطبيعة والغاية والوسيلة إلى هذه ~~الغاية، وفي منطقة النفوذ إن صح هذا التعبير. # لقد عرض عليه تلميذه التوحيدي بعض رسائل إخوان الصفاء، الذين ~~يزعمون أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل ~~الكمال، فقال بعد أن اختبرها: «ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا ~~يستطاع، ظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة، وأن يضموا ~~الشريعة في الفلسفة، وهذا مرام دونه حدد؛ أي دفع ومنع. # قيل له: ولم؟ قال: إن الشريعة مأخوذة عن الله عز وجل بواسطة ~~السفير بينه وبين الخلق من طريق الوحي، وفي أثنائها ما لا سبيل إلى ~~البحث عنه والغوص فيه، ولا بد من التسليم للداعي إليه والمنبه عليه، ~~وهنا يسقط «لم» ويبطل «كيف» ويزول «هلا»، ويذهب «لو وليت» في الريح.» # 48 # ثم يذكر بعد ذلك أنه لو كان الجمع بين هذين الطرفين جائزا ~~وممكنا، لكان الله قد نبه عليه، وكان صاحب الشريعة يكمل شريعته ~~بالفلسفة، لكنه لم يفعل ذلك ولا وكله إلى غيره من خلفائه والقائمين ~~بدينه، بل إنه على العكس ms048 نهى عن الخوض في هذه الأشياء. # 49 # ولهذا يرى أبو سليمان أنه «لمصلحة عامة نهي عن المراء والجدل في ~~الدين على عادة المتكلمين الذين يزعمون أنهم ينصرون الدين، وهم في ~~غاية العداوة للإسلام والمسلمين، وأبعد الناس عن الطمأنينة واليقين.» # 50 # على أنه لا ينبغي أن يفهم مما تقدم آنفا أن الشريعة في رأيه ~~ناقصة، وأنها في حاجة لأن تكمل بالفلسفة، إنه إن أخذنا كلامه ~~حرفيا لا خبئ له، يريد أن يقول إن كلا من الشريعة والفلسفة ~~تخالف الأخرى في طبيعتها وغايتها، في طبيعتها كما وضح مما سبق، وفي ~~غايتها لأن غاية الديانة إكمال النفس بالفضيلة، وغاية الحكمة أو ~~الفلسفة تكوين العقل بالحقائق والمعرفة، أو أن الفلسفة، كما ~~يقول، صورة النفس، والديانة سيرة النفس، فكل منها يكمل ~~الأخرى، وإذن فلا تناقض بينهما. # 51 # فكل ما يجب إذن هو عدم خلطهما، وحينئذ تتم السعادة ~~لأصحاب هذه وأصحاب تلك. # والسجستاني يذكرنا برأيه هذا رأي «سبينوزا» الذي سنتناوله بشيء من ~~البسط عند الكلام عن العلاقة بين الوحي والعقل عند ابن رشد، وذلك ~~حين يذهب صاحب «الأخلاق » إلى أن الغاية من الفلسفة هي الحقيقة، ~~والغاية من العقيدة هي الطاعة والتقوى؛ ولهذا ينبغي فصل كل منهما ~~عن الأخرى. # 52 # ولكن السجستاني يرى على الضد من «سبينوزا» أن الدين حق مثل ~~الفلسفة؛ ولهذا نجده يقول في موضع آخر: «إن الفلسفة حق، ولكنها ~~ليست من الشريعة في شيء، والشريعة حق، ولكنها ليست من الفلسفة في ~~شيء.» وذلك بأن الفلسفة مصدرها العقل، والدين مصدره الوحي، وليس ~~فيه «لم» ولا «كيف» إلا بمقدار ما يشد أزره؛ ولهذا الاختلاف في ~~المعين والطبيعة، يجب عدم خلط أحدهما بالآخر، وكل من حاول رفع ~~هذا فقد حاول نفي الطباع وقلب الأصل وعكس الأمر، وهذا غير مستطاع. # 53 ~~••• # وبعد، هكذا رأينا السجستاني يوجب الفصل بين الشريعة والفلسفة، ~~وأنه لم يكن يعنيه أو يرضيه أن يخلط بينهما أو أن يعمل على التوفيق ~~بينهما بإتباع إحداهما للأخرى، كما لم يحاول - كالفارابي مثلا - ~~تفسير العقائد الدينية تفسيرا نفسيا ms049 وعقليا؛ ليكون ذلك وسيلة ~~للتوفيق، بل إنه جعل لكل من هذين الطرفين المختلفين طبيعة ووسيلة ~~وغاية، طائفة خاصة من الناس بها تصل إلى السعادة. ~~(1-4) مسكويه # ننتقل الآن إلى الحديث عن فيلسوف آخر جاء به الزمن بعد الفارابي، وإن ~~كانت شهرته بالفلسفة العملية (الأخلاق) أكبر من شهرته بالفلسفة النظرية ~~الإلهية، ومع هذا فإن له من الجهد في محاولة التوفيق بين الحكمة ~~والشريعة ما يجعلنا نذكر كلمة عنه قبل أن نصل إلى تلميذ الفارابي الأشهر، ~~نعني به ابن سينا أو الشيخ الرئيس. # وهذا الفيلسوف هو «مسكويه» أبو علي أحمد بن يعقوب، الذي جمع بين علوم ~~اللغة والتاريخ والطب، والذي كان ذا حظوة لدى السلطان عضد الدولة بن ~~بويه حتى جعله صاحب خزائنه، وقد توفي عام 421ه كما يقول حاجي خليفة ~~وياقوت، أو عام 420ه كما يذكر القفطي. # 54 # وقد وافق مسكويه الفارابي في بعض النقط الجوهرية في تفكيره؛ لأنه نهل ~~معه من معين واحد وهو الفلسفة اليونانية، وإن كان ميله إلى الكندي أكثر ~~كما يقول دي بور. # 55 # ونجد مسألة التوفيق من تلك النقط التي وافق المعلم الثاني فيها، وذلك ~~بتفسيره النبوة مثله تفسيرا عقليا يضعف الفرق بين النبي والفيلسوف ~~ويزيد الصلة بينهما، وبتأكيده الحاجة إلى النبوة؛ لأن الفلسفة لا تغني ~~عنها لجميع الناس، وبغير هذا وذاك مما وافق فيه على نحو ما رجال الدين ~~وعلم الكلام، مثل وجود العالم عن عدم، وخلود النفس، والجزاء ~~الأخروي. # حقا النبي عند مسكويه هو إنسان يصل بتأثير العقل الفعال في قوته ~~الحاسة وقوته المتخيلة إلى الحقائق التي يصل إليها الفيلسوف، لا فرق ~~بينهما إلا أن هذا قد وصل إليها مرتقيا من أسفل إلى أعلى: من قوة ~~الحس إلى قوة التخيل إلى قوة الفكر التي يدرك بها ما في العقل الفعال ~~من حقائق، على حين يتلقى النبي نفس الحقائق منحطة إليه من أعلى، أي: من ~~العقل الفعال أيضا. # ولأن الحقائق التي يدركها كل من النبي والفيلسوف واحدة، كان ~~الفيلسوف أسرع من غيره لتصديق ما يأتي ms050 به النبي وقبوله؛ وذلك لأنه جاء ~~بما لا ينكره عقله. # 56 # والناس في حاجة إلى الأنبياء لمعرفة الأعمال النافعة التي ~~بها تكون سعادة الإنسان، وإن كان معرفة صحة ما دعوا إليه بالنظر الصحيح ~~تكون من جهة الحكماء. # 57 # ولم يختلف أحد، كما يقول، ممن يستحق أن يسمى فيلسوفا في إثبات الصانع ~~عز وجل، ولا حكي عن واحد منهم أنه جحده، # 58 # وهو قد أبدع الأشياء كلها لا من شيء؛ لأنه لا يصح الإبداع ~~إلا إذا كان لا من موجود، أعني من العدم. # 59 # والنفس جوهر باق لا يقبل الموت ولا الفناء، # 60 # وستجزى على ما عملت في الدار الأخرى، إلا أن سعادتها ~~وشقاءها اللذين سيحصلان لها بعد مفارقة البدن أمور روحية تناسب معدنها ~~وجوهرها؛ لأن اللذات الجسمانية ليست من اللذات الحقيقية في شيء. # 61 ~~(1-5) ابن سينا # وأخيرا فيما يختص بفلاسفة المشرق ومفكريه، نجد الشيخ الرئيس يعنى ~~بمسألة التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من رسائله وكتاباته، وبخاصة ~~في كتابيه «النجاة» و«الإشارات»، # 62 # فقد خصص بضع صفحات من كل من هذين الكتابين للغرض الذي عمل ~~شيخه الفارابي. # ولم يتأثر به فقط في العمل لهذا الغرض، بل كذلك في الطريق الذي رسمه، ~~وفي الخطة التي اتبعها في محاولته، نعني تقريب كل من الفلسفة والدين ~~للآخر، وتفسير عقائد الدين وشعائره تفسيرا يرضاه العقل ولا ينأى به عن ~~الشريعة، وبتقسيم الناس إلى طبقات، لكل منها طريقها في الفهم والتصديق ~~والاستدلال. # ولا نرى هنا ضرورة لتفصيل القول في ذلك عن ابن سينا في هذه النواحي، حتى ~~لا يكون إعادة وتكريرا لما ذكرناه عن الفارابي، ومع هذا نقول بأنه يكفي ~~الرجوع لما جاء في كتاباته لنتبين أنه يرى أن النبوة هي الفيض والإلهام ~~عن العقل الفعال، وأن النبي هو من يقبل هذا الفيض بلا واسطة. # 63 # وكذلك يرى أنه لصلاح الناس والعالم لابد من وجود نبي، وأن يكون ~~إنسانا يتميز بالمعجزات ليصدقه الناس ويتبعوه، والمعاد في الدار الأخرى ~~مقبول من الشرع والعقل معا، وسعادة النفس ms051 بعد فناء البدن تكون بشيء عقلي ~~روحي يناسبها، وكذلك شقاؤها. # 64 # والناس طبقات: عامة وخاصة، ولكل طبقة حظها من العقل والاستعداد ~~والإدراك، وطريقها في الفهم والتصديق؛ ولهذا كان الأنبياء وأجلة فلاسفة ~~اليونان يستعملون في كلامهم المراميز والإشارات؛ ولذلك أيضا ما كان ~~لمحمد # صلى الله عليه وسلم # أن يقف على العلم أعرابيا جافا أو مثله ممن أرسل ~~إليهم من البشر كافة. # 65 # ونشير بعد هذا إلى تأويل الشيخ الرئيس لما جاء في الشريعة عن الملائكة ~~والعرش، والصراط والجنة والنار، والعقاب والثواب، # 66 # ولهذا كان من الحق ما لاحظه الدكتور مدكور من تأثره بشيخه ~~الفارابي في هذه الناحية إلى حد كبير. # 67 # ولكن من الحق مع ذلك أن نشير إلى أن ابن سينا حاول أن يخفف من غلو ~~أرسطو بإبعاد إلهه أو محركه الأول عن العالم، فخالف الفارابي فيما ذهب ~~إليه من أن الله لا يعلم إلا ذاته، وجعله يعلم ما يجري في العالم علما ~~كليا عاما لا جزئيا خاصا، أي: يعلم العالم وما يكون فيه باعتباره ~~سلسلة من أسباب ومسببات عنها، أو باعتباره السبب الأول الذي صدر عنه. # 68 ~~••• # هذا، ونرى من المفيد أن نشير هنا بعد ما تقدم إلى أن ابن سينا اندفع ~~في محاولته التوفيق بين الشريعة والفلسفة بعوامل ليس منها على ما نرى ~~خشية اضطهاده بسبب الفلسفة. # لقد عاش أبو علي في بيئة تشجع العلم والعلماء، والتفكير والمفكرين، ~~واتصل شطرا من حياته بسلطان بخارى نوح بن نصر الساماني المعروف بحبه ~~للعلم، وأفاد كثيرا من كتبه. # وأما ما أصابه بعد وفاة أبيه من الاضطراب الكبير في حياته، فإن سببه ~~اشتغاله بالسياسة واتصاله بالأمراء في ذلك العصر الذي كان مليئا بالفوضى ~~والدسائس، حتى إنه كما يروي صاحبه أبو عبيد الجورجاني ولي الوزارة لشمس ~~الدولة أمير همدان، ثم اضطرب عليه الجند وأغاروا على داره ونهبوا جميع ما ~~كان يملكه، وسألوا الأمير قتله فامتنع واكتفى بنفيه، ثم عاد ثانيا ~~للوزارة، وهكذا ظل يحيا حياة مضطربة حتى مات عام 428ه بهمذان. # 69 # ونريد ms052 بذلك أن ندلل على أن ابن سينا انبعث إلى التوفيق بين الشريعة ~~والفلسفة بالباعث الذي أشرنا إليه أكثر من مرة، وهو أن هذا التوفيق ~~يعنى به الفيلسوف الذي له دين يحرص عليه، وذلك ليوائم بين ما يراه حقا ~~وإن كان في صورتين مختلفتين، أي: الوحي والعقل معا. ~~(2) في المغرب (البطليوسي وابن طفيل) ~~(2-1) البطليوسي # تلك كانت عناية فلاسفة المشرق الإسلامي ومفكريه بتحديد العلاقة بين ~~الدين والفلسفة، فمنهم، كما عرفنا، من رأى وجوب الفصل بينهما، مثل ~~السجستاني، ومنهم من رأى التوفيق بينهما، مثل الكندي والفارابي وابن ~~سينا، وكذلك شغلت هذه المسألة فلاسفة المغرب ومفكريه أيضا، ونبدأ منهم ~~بالبطليوسي. # وهو عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، الذي ولد في بطليوس سنة ~~444ه وتوفي في بلنسية سنة 521ه، وكلتاهما من بلاد الأندلس كما هو معروف. # 70 # ويظهر أن شهرته باللغة والأدب وغيرهما من العلوم الإسلامية ~~قد غطت على شهرته بالتفكير الفلسفي؛ ولذلك لا نعلم أحدا درسه قبلنا من ~~هذه الناحية. # على أنه قد عالج مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة، ويظهر أن طريقته ~~في ذلك جعلته مرضيا عنه، ها هو ذا معاصره الفتح بن خاقان يقول عنه في ~~كتابه «قلائد العقيان»: «له تحقق في العلوم الحديثة والقديمة، وتصرف ~~في طرقها القويمة ، ما خرج بمعرفتها عن مضمار شرع، ولا نكب عن أصل للسنة ~~ولا فرع.» # والآن كيف عالج هذه المشكلة؟ نستطيع أن نقرر بعد معرفة ما ترك ~~البطليوسي من مؤلفات بأنه خصص واحدا منها لهذه المسألة، وهو «كتاب ~~الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة.» # 71 # وأنه عالجها أثناء بحث هذه المسائل: ~~(1) # الله ووجود العالم عنه. ~~(2) # علم الله وشموله. ~~(3) # تحبيب الفلاسفة القدامى إلى المسلمين. ~~(4) # علو ما يأتي به الوحي على ما يصل إليه العقل. ~~(5) # خلود الروح أو النفس والبعث. # وسنتناول كلا من هذه المسائل بإيجاز؛ لنعرف الخطة التي اصطنعها ليصل ~~إلى ما أراد من التوفيق بين الشريعة والفلسفة، ومرجعنا في هذا كله هو ~~كتاب الحدائق السابق ذكره. # الله ووجود العالم عنه # في هذه المسألة نجد ms053 عند ~~البطليوسي نظرية فيض الموجودات عن الله، باعتباره العلة الأولى أو ~~السبب الأول لها، على أنه علة مباشرة لأول موجود وغير مباشرة لما ~~بعده، كما نجد عنده نظرية العقول العشرة، وهذا وذاك على النحو الذي ~~نعرفه عن الفارابي وابن سينا. # ويمثل ذلك لنا بوجود الأعداد جميعها عن الواحد، فكل عدد معلول ~~لسابقه لا يوجد إلا بتوسطه، وإن كان الواحد علة لها جميعا؛ إذ كان ~~لا يصح وجود الأبعد إلا بوجود الأقرب، وهذا معنى ما يقال «إن ~~الواحد علة العلل وسبب الأسباب.» # 72 # والبطليوسي يمضي في هذا التمثيل، تمثيل وجود العالم عن الله بوجود ~~الأعداد إلى ما لا نهاية عن الواحد، لينتهي من هذا إلى حل هذه ~~المشكلات: قدم العالم أو حدوثه، وجوده عن مادة أولى قديمة أو من ~~العدم كما يقول الدين، وكيف تصدر الكثرة عن الواحد بغير تكثر في ~~ذاته. # ولذلك يقول: «وكما أن الأعداد كلها اقتبست الوجود من الواحد من ~~غير حركة ولا زمان ولا مكان، ولم يحتج الواحد في إيجادها إلى شيء ~~آخر غير ذاته، فكذلك حدوث الموجودات عن الباري تعالى بغير حركة، ~~وبغير زمان، وبغير مكان، ومن غير أن يحتاج في إيجادها إلى شيء ~~غيره. # وكما أن الواحد لا يوصف بأنه تقدم الأعداد بالزمان، ولا يبطل ذلك ~~أن تكون الأعداد محدثة عنه، فكذلك الباري لا يوصف بأنه تقدم العالم ~~بالزمان، ولا يبطل أن يكون العالم محدثا عنه. # وكما أن الواحد لا يتغير عن الوحدانية بكثرة ما حدث من الأعداد ~~عنه، ولم يوجب ذلك تكثرا في ذاته ولا استحالة في جوهره، فكذلك ~~حدوث العالم وكثرته لا يوجب تغير الباري في وحدانيته، ولا تكثرا ~~في ذاته.» إلى آخر ما قال. # 73 # وكذلك يمضي في هذا التمثيل؛ ليصل إلى أن العالم محتاج في ~~وجوده ودوامه لوجود الله؛ فلو ارتفع لارتفع، وأن الأمر ليس ~~بالعكس، فلو ارتفع العالم لم يرتفع الله، كما هو الحال بالنسبة ~~للواحد والأعداد الموجودة به. # ومعنى هذا «أن وجود الله وجود مطلق؛ لأنه لا يحتاج في ms054 وجوده ~~إلى غيره، ووجود الموجودات كلها وجود مضاف؛ لأن وجودها مقتبس من ~~وجوده وفائض عنه.» # 74 # أو بعبارة أخرى، إن سريان الوحدة من الباري تعالى - ~~التي بها قوامه وتميزه عن سواه - للأشياء هو الذي كونها، وأفاض ~~الوجود على مراتبها وصير بعضها عللا لبعض، وهو تعالى علة وجود ~~الجميع؛ ولذلك سموه علة العلل، والفاعل المطلق والفاعل بالحقيقة؛ ~~لأن فعل غيره إنما هو فعل بالمجاز. # 75 # هكذا في هذه الناحية يرى البطليوسي أنه قد وفق بين الشريعة ~~والفلسفة، وذلك بالقول بالله الخالق للعالم من لا شيء، وإن كان ذلك ~~بطريق العلية المباشرة لأول موجود وغير المباشرة للموجودات ~~الأخرى، وكذلك بذهابه إلى أن القول بحدوث العالم عنه لا يقتضي ~~تقدم الله عنه بالزمان، كما هو الأمر بالنسبة للواحد ما وجد عنه من ~~الأعداد الأخرى، وذلك ما لا يستطيع أحد أن يقول بخلافه، ما دام أن ~~الله هو العلة الأولى لوجود العالم، والعلة لا تتقدم على معلولها ~~بالزمان. # علم الله وشموله # وهنا نرى البطليوسي ينقد من ذهب - كالفارابي - إلى أن الله لا ~~يعلم غيره، أو أنه يعلم غيره من الموجودات على نحو كلي لا جزئي، ~~كما ذهب إليه ابن سينا مثلا، وهؤلاء وأولئك يستندون إلى قول ~~الفلاسفة القدامى: «إن الله لا يعلم إلا نفسه.» وهذا الفهم لهذه ~~القولة يصفه البطليوسي بأنه جهل وسوء تأويل لكلام القدامى، وأنهم ~~براء مما توهم هؤلاء عليهم. # وبعد أن اجتهد في شرح هذه العبارة المأثورة على أربعة أوجه، وكل ~~منها ينتهي إلى هذا المبدأ: إذا علم الله نفسه فقد علم كل وجود تابع ~~لوجوده، أخذ في التدليل على أن الفلاسفة قد أرادوا بذلك أن الله ~~عالم بكل شيء؛ لأنه عقل مجرد عن المادة التي تمنعنا من إدراك ~~الأشياء، وينتهي من ذلك إلى إبطال ما ذهب إليه كل من الفارابي ~~ومتبعيه وابن سينا ومتبعيه. # وأخيرا يستند في مناقشته لهذه المذاهب إلى ما جاء في القرآن من ~~آيات تثبت علم الله الشامل لكل شيء، كبيرا كان أو صغيرا، وكليا ~~كان أو ms055 جزئيا، مؤكدا أن ما جاء في هذه المسألة من الأقوال ~~المأثورة عن الفلاسفة القدامى يطابق ما ورد في الشريعة. # 76 # تحبيب الفلاسفة القدامى للمسلمين # نكتفي هنا بالإشارة إلى ما حاوله في المسألة السابعة، نعني علم ~~الله الشامل لكل شيء، من أن الفلاسفة اليونان القدامى يرون - كما ~~جاء به الإسلام - أن الله يعلم كل شيء، ومن أن ما قيل عنهم مما ~~يخالف هذا ليس مأتاه إلا من الجهل وعدم فهم كلامهم. # ثم نشير إلى ما ذكره في أثناء عرض رأيه، أو بالأحرى الرأي الذي ~~ارتضاه عن الفارابي وابن سينا في مسألة وجود العالم عن الله، من ~~قوله: «فهذا مذهب أرسطوطاليس وأفلاطون وسقراط، وغيرهم من مشاهير ~~الفلاسفة وزعمائهم القائلين بالتوحيد.» # 77 # كما يذكر عند الكلام على عدم فناء النفس وخلودها، ~~أن هذا هو مذهب سقراط وأرسطوطاليس وأفلاطون وسائر زعماء الفلاسفة. # 78 # ولسنا الآن في مقام تخطئته في نسبته القول بالتوحيد وعلم الله ~~الشامل إلى سقراط وأفلاطون وأرسطو معا، فلعل له عذره في أنه ~~حكم بهذا بحسب ما وصل إليه عنهم، ولكنا نشير مرة أخرى إلى أنه ~~قد يكون قصد من ذلك أن يجعل هؤلاء الفلاسفة القدماء وآراءهم في هذه ~~المشاكل الفلسفية الأساسية، محببة إلى رجال الدين؛ لأنها في رأيه لا ~~تختلف عما جاء به الإسلام. # علو الوحي على ما يصل إليه العقل # بتحديد البطليوسي لخواص النفس ومهمتها، ومن تحديده لخواص النفس ~~النبوية والدور الذي لها، # 79 # نستطيع أن نفهم أن لكل منهما حدودا خاصة، وأن ~~العقل محدود القدرة؛ إذ يقف عاجزا أمام بعض الأمور التي تعلم ~~بطريق الوحي وحده. # دور العقل أو النفس الفلسفية كما يقول، هو معرفة الحقيقة التي ~~تنشدها الفلسفة، ومعرفة أسباب الأشياء وعللها، ومهمة الوحي أو النفس ~~النبوية هي الاتصال بالعقل الفعال وتلقي الوحي، وإكمال الفطر ~~الناقصة بوضع السنن والتشريعات، وتعليمنا ما يعجز العقل عن علمه ~~ومعرفته، وهنا يسوق قولا لأفلاطون عن عجز العقل عن فهم ما جاءت به ~~الشرائع، وآخر لأرسطو عن وجوب التسليم لما جاءت به. # 80 ms056 # ومن ثم نفهم أنه يذهب إلى علو مرتبة النبي عن مرتبة الفيلسوف، ~~بل إنه ليؤكد بصراحة أن النفس النبوية أشرف النفوس، وأنه لا ~~يتفق أن توجد إلا في ذوي الفطر الكاملة، كما يؤكد بعد هذا أن ~~النبوة إلهام لا اكتساب. # 81 # وفي هذا وذاك - أي إن النبوة ليست اكتسابا بالنظر والفكر، وأن ~~النبي أعلى درجة من الفيلسوف - ذهاب صريح من البطليوسي إلى ما ~~يقوله الدين في هذه الناحية، وبذلك يصح ما قاله ابن خاقان فيه، وسبق ~~أن نقلناه عنه من أنه مع بصره بالعلوم القديمة ما خرج بمعرفتها عن ~~الشريعة والسنة. # خلود النفس والبعث # وأخيرا نجد البطليوسي يعنى بذكر جملة من البراهين الفلسفية على ~~بقاء النفس بعد مفارقة الجسد بالموت، وهذا ما لا ينازع فيه أحد من ~~رجال الدين، وهو كما يزعم مذهب سقراط وأفلاطون وأرسطو وسائر زعماء ~~الفلاسفة الإغريق. # 82 # ولا نرى من الضروري هنا إيراد كل هذه البراهين التي دلل بها على ~~خلود النفس بعد فناء الجسم، ولكنا مع هذا نشير إلى ما يراه في ~~البرهان الثاني من أن الجسم ليس حيا إلا بالقوة، ولا يصير حيا ~~بالفعل إلا بجوهر آخر غيره هو حي بالفعل، وذلك الجوهر هو النفس، إذن ~~النفس حية بالفعل، وما هو كذلك لا يعدم الحياة. # 83 # وكذلك نشير إلى البرهان الخامس الذي يتلخص في أن الإنسان مركب من ~~جوهرين: جوهر حي بالطبع وهو النفس؛ لأن في طبعها قبول العلوم ~~والمعارف، وجوهر موات بالطبع وهو الجسم؛ إذ ليس في طبعه قبول شيء ~~من ذلك؛ فإذا افترقا بالموت، خلص للجسم الموت المحض الذي هو طبعه، ~~وفارقته الحياة العرضية التي كان استفادها من النفس، وخلصت للنفس ~~الحياة المحضة التي هي طبعها، وفارقها الموت العرضي الذي كان عرض ~~لها من قبل استغراقها في الجسم. # 84 # هذا، ونرى من المهم هنا أن نشير إلى أن البطليوسي قد اهتم في ~~رسالته هذه بإثبات خلود الروح بعد فناء الجسد بأدلة فلسفية؛ لأن ~~البراهين الشرعية لا تليق بهذا الموضع كما يقول، وذلك ms057 فيما نرى ~~لأمرين: ~~(1) # أهمية القول بخلود الروح الذي يترتب عليه الجزاء ~~الأخروي كما جاء في الدين. ~~(2) # ما هو معروف عن الفارابي من تردده في القول بالخلود ~~أو فناء الروح بفناء الجسد، وهذا ما هو حري أن ~~يثير رجال الدين. # حقيقة؛ إن الفارابي ظل طول حياته مترددا بين القول بخلود الروح ~~أو بفنائها بفناء الجسم، لأنها صورة له، فإنه ليرى أن من الخطأ ~~القول بأن أفلاطون يرى خلود الروح استنادا إلى ما جاء في ~~«فيدون»؛ لأنه - في رأي الفارابي - حكى هذا عن سقراط لمناقشته، ~~ومثل هذا الصنيع لا يصلح دليلا قاطعا على أن أفلاطون يذهب إلى ~~خلود الروح. # 85 # ولكننا نقول بأن أفلاطون، وإن شك في خلود الروح في بعض محاوراته ~~الأولى، قد عاد فأكده. # 86 # بل إنه في محاورة «فيدون» نفسها يجعل الخلود شرطا لا ~~بد منه للمعرفة، كما يجعله في «الجمهورية» أساسا للحياة السياسية والأخلاقية. # 87 # أما المعلم الثاني؛ فقد ظل حياته حقا مترددا في المسألة، ~~فكان ذلك سببا لنقد شديد من بعض فلاسفة المتكلمين، هذا «ابن طفيل» ~~يذكر أنه قد تناقض في المسألة؛ إذ تردد بين القول بخلود الأرواح ~~الفاضلة وحدها، أو القول بفنائها بعد فناء البدن فاضلة كانت أو ~~شريرة، وهذه زلة لا تقال كما يذكر ابن طفيل، # 88 # وكذلك تناوله بالنقد اللاذع ابن سبعين. # 89 # هذا، ولكن ابن سينا لم يقع فيما وقع فيه شيخه من تردد بل تناقض، ~~فإنه بعد أن ذهب إلى جوهرية الروح وروحانيتها، لم يجد أي عناء ~~في التدليل على خلودها بعد فناء الجسم الذي هو آلة لها؛ إذ لا يلزم ~~من فناء الآلة فناء الروح التي تستخدمه. # 90 # ومن ناحية أخرى إن النفس لا تقبل الفساد بطبيعتها؛ لأن كل ما ~~هو كائن قابل للفساد نجد فيه مبدأين: الحياة بالفعل، والفساد ~~بالقوة، ومن ثم يعتريه الفساد بعد الكون، أما الروح وهي بطبيعتها ~~جوهر بسيط، فلا يمكن أن تقبل الفساد؛ إذ ليس فيها بالقوة أي عنصر ~~من عناصر الفناء. # 91 ~~••• # وهكذا نرى في ms058 الأندلس البطليوسي يندب نفسه قبل ابن طفيل للتوفيق ~~بين الحكمة والشريعة، وهكذا نراه مثل الغزالي بالمشرق يخالف ~~الفارابي وابن سينا فيما ذهب كل منهما إليه خاصا بعلم الله ~~تعالى، ولكنه يخالفهما ليوفق بين الدين والفلسفة، لا لمجرد ~~التشهير بهما ورميهما بالكفر، وهكذا نرى البطليوسي يعمل للتوفيق بين ~~الشريعة والفلسفة بالطريقة والوسائل التي ذكرناها. # ولكن ليس لنا أن نزعم أنه نجح كل النجاح، ولا أنه كان طريفا ~~فيما ذهب إليه من وجوه التوفيق، وغرضنا هنا كما كان بالنسبة إلى ~~السجستاني من قبل بالمشرق، أن نشير إلى أنه من الواجب على مؤرخ ~~الفلسفة الإسلامية أن يدخل في دائرة بحثه مفكرين من هذا الطراز، ~~وإن كانوا حتى اليوم غير معروفين في دائرة التفكير الفلسفي، وألا ~~يقتصر - كما جرى الأمر حتى اليوم - على بحث الفلاسفة المشهورين ~~أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. # إن ذلك يعيننا على تتبع تاريخ الفكر الإسلامي في هذه الناحية، ~~ناحية التوفيق بين الدين والفلسفة، كما يعيننا في سائر النواحي ~~الأخرى التي عالجها فلاسفة الإسلام. ~~(2-2) ابن طفيل # عاصر أبو بكر بن طفيل فيلسوفنا ابن رشد ردحا من عمره، وعاش عيشة ~~هانئة في رعاية أسرة الموحدين حتى توفي سنة 581ه/1185م في عهد السلطان ~~أبي يوسف يعقوب، وقد عني عناية حقة بالتوفيق بين الدين والفلسفة، حتى ~~إنه يمكن أن يقال بأن الغرض من قصته الفلسفية «حي بن يقظان» كان ~~إظهار هذا الاتفاق والتدليل عليه. # ولذلك لما التقى بطله «حي» وقد وصل إلى الحقيقة بالنظر العقلي، ب «آسال» ~~وقد عرفها من الدين، وقص كل منهما على الآخر أمره، ثبت لهما أن ~~الحقائق التي وصل إليها العقل وعرفت بالوحي متطابقة تطابقا تاما. # 92 # وهذا ما يقوله لنا ابن طفيل نفسه حين يقص علينا تفصيل ما كان بين بطله ~~«حي» وصاحبه «آسال» الذي «وصف له جميع ما ورد في الشريعة؛ من وصف العالم ~~الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان ~~والصراط، ففهم «حي بن يقظان» ذلك كله ولم ير فيه شيئا على خلاف ms059 ما ~~شاهده في مقامه الكريم.» # 93 # ولهذا نرى المراكشي والمقري يصفان ابن طفيل بالاجتهاد في ~~التوفيق بين الحكمة والشريعة. # 94 # وأخيرا في هذه الناحية نذكر أن ابن طفيل انتهى إلى ما انتهى إليه ~~أسلافه من أن الناس طبقات، منهم من لا يطيق معرفة الحقائق بذاتها ~~عارية، فالخير له الانتفاع بالشريعة وما ضربته لهذه الحقائق من رموز ~~وأمثال، وإلا ساء أمره ووقع في الضلال إن حاول المعرفة الحقة السافرة، ~~ومنهم الذين وهبوا استعدادا وعقلا ارتفعوا به عن العامة وأمثالهم، ~~وهؤلاء تفيدهم المكاشفة بالحقائق ذاتها. # وقد تبع ذلك طبعا أن قرر كأسلافه أيضا أن هناك تعاليم ظاهرة ~~وأخرى خفية يجب التمييز بينها، وأن يجعل كل نوع منها لطائفة خاصة لا ~~يصلح أمرها إلا بها، وبهذا لا يصطدم الدين بالفلسفة بل يتقرر بينهما ~~الوئام والسلام. ~~••• # وأخيرا بعد عرض ما كان قبل ابن رشد من جهود سابقيه من فلاسفة الإسلام ~~ومفكريه، في المشرق والمغرب، في محاولة التوفيق بين الحكمة والشريعة، ~~نرى أنه لا بد من الإشارة إلى ظاهرة يلمسها الباحث، ثم إلى ~~تعليلها. # وذلك أنه لم نعرف أن أحدا من أولئك في المشرق قد عني بتخصيص رسالة من ~~مؤلفاته لهذه الغاية، على حين نجد هذا في المغرب، مثل «حي بن يقظان» لابن ~~طفيل، وبعض المؤلفات التي خصصها ابن رشد لهذه الغاية. # ولتعليل هذا ينبغي أن نلاحظ أنه مهما يكن صادقا القول بأنه قبل ~~التفلسف يجب أن يعمل الفيلسوف على أن يكون له الحق في أن يعيش آمنا، ~~فإن الفلاسفة في المشرق لم يحسوا إحساسا قويا هذه الحاجة لتأمين ~~حياتهم كما أحسها إخوانهم في المغرب. # إن أولئك الفلاسفة المشارقة كالكندي مثلا، كانوا يعيشون في عهد ~~الخلفاء العباسيين الذين عرفوا بحرية الفكر وحماية المفكرين، ولما جاء ~~المتوكل العباسي عام 232ه/847م، وأخذ في اضطهاد أصحاب الفكر الحر، صادف ~~أن وافق هذا الانقلاب في السياسة العلمية - إن صح هذا التعبير - ضعف ~~سلطان العباسيين وظهور دويلات في قلب الدولة الإسلامية، وتبع ذلك تفرق ~~العلم وطلابه والفكر ورجاله في مراكز ms060 متعددة تابعة لأمراء يجد الباحثون ~~لديهم كثيرا من التشجيع. # 95 # ومن هذه الدويلات الدولة السامانية ببخارى ومؤسسها نصر بن ~~أحمد الساماني، والحمدانية بحلب ومؤسسها سيف الدولة الحمداني. # وهكذا كان تجزئة الدولة الإسلامية من صالح المفكرين والفلاسفة ~~الذين كانوا يجدون رعاية من أمراء تلك الدويلات، ومن مثل ذلك ~~الفارابي وسيف الدولة الحمداني # 96 # كما كان الواحد منهم إن خشي على نفسه أميرا من الأمراء ~~انتقل عنه إلى غيره، ومن مثل هذا ابن سينا. # 97 # ويضاف إلى هذا وذاك أن الدولة العباسية كانت مختلفة ~~العناصر: دينا وجنسا وثقافة، وذلك ما يجعل الفلاسفة فيها أكثر جرأة ~~وأمنا؛ إذ تجد آراؤهم بيئة مناسبة هنا أو هناك. # 98 # كل هذه العوامل لا تجعل - على ما نرى - الفيلسوف في المشرق في حاجة ~~ماسة للتوفيق قبل كل شيء بين الشريعة والحكمة، ولا لأن يخصص لذلك ~~مؤلفا من مؤلفاته، بعكس ما كان عليه الحال في المغرب الإسلامي، تحت حكم ~~المرابطين أولا والموحدين ثانيا، في بيئة مليئة بالتعصب ضد كل من ~~أجاز لنفسه شيئا من حرية التفكير، وإن كان من رجال علم الكلام كالإمام ~~الأشعري! وضد كل عالم له آراء تخالف ما ألفوه وإن كان الغزالي الخصم ~~اللدود للفلاسفة! # في بيئة يبلغ فيها التعصب ضد التفكير الحر درجة تجعل بعض الأمراء ~~يوقعون - طلبا لمرضاة رجال الدين والشعب - بمن كانوا يحمونهم ~~ويشاركونهم في دراسة الفلسفة أحيانا، كما حصل لابن باجة وابن ~~رشد. # لا عجب إذن إن رأينا الفلاسفة في المغرب يعنون قبل كل شيء بالعمل على ~~التوفيق بين الإسلام والفلسفة، ويخصص الواحد منهم بعض مؤلفاته لهذا ~~الغرض؛ وذلك ليأمنوا على أنفسهم وليحببوا الفلسفة للناس جميعا ببيان ~~أنها والدين من منبع واحد، ويعملان لغرض واحد، هو خير الإنسانية ~~العام. # والآن ننتقل للقسم الثاني من البحث، ونبدأ بالحديث عن فيلسوف قرطبة ~~لنعرف أولا كيف تصور العلاقة بين الوحي والعقل، وعلى أي أساس تقوم، فذلك ~~في رأينا حجر الزاوية في محاولته التوفيق بين هذين الطرفين المتباعدين ~~في بادئ الرأي، والقريبين جدا بعضهما من ms061 بعض حسب الواقع على ما ~~يرى. # | القسم الثاني # الفصل الأول # | العلاقة بين الوحي والعقل في رأي ابن رشد # إن العناية بإنشاء علاقة طيبة بين الوحي والعقل، وتثبيت هذه العلاقة على أسس ~~متينة، مما يجب أن يعمل له الفيلسوف المتدين كما قلنا من قبل، على أنه فضلا عن ~~هذا، قد جد سبب آخر بالنسبة لابن رشد يجعله بعد فلاسفة المشرق والآخرين الذين ~~سبقوه يبذل غاية الجهد في هذه السبيل. # ونعني بهذا شعوره القوي بشدة حملة الغزالي العنيفة وقوة أثرها وشدة خطورتها، ~~وبخاصة أنه صاحب أكبر مركز إسلامي في عصره وبلده، وله بتمكنه من الدين وأسراره ~~ومن فهمه الصحيح لفلسفة أرسطو التي يراها الحقيقة، وصل إليها المعلم الأول من غير ~~طريق الوحي، ومن حظوته في الدولة بالمركز المرموق في الفقه والقضاء، له من كل هذا ~~ما ييسر له أن يتقدم بشجاعة برأيه في هذه العلاقة، وبمجهوده في التقريب بين هذين ~~الطريقين اللذين جعل الغزالي منهما طرفين لا يلتقيان. # حقا إذا رجعنا للعصر الذي عاش فيه فيلسوف قرطبة، وإذا تمثلنا الأثر الذي أحدثه ~~الغزالي بكتابه «تهافت الفلاسفة»، رأينا فيلسوفنا مضطرا لبذل غاية جهده؛ ~~لإماتة هذا الأثر أو إضعافه على الأقل، وذلك بعمل له أسسه ودعائمه، يبين به ~~العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الدين والفلسفة، حتى لا يقوم بينهما عداء أو نزاع، ~~كان لا يسعه باعتباره فيلسوفا ومن كبار رجال الدين والشريعة إلا أن يفكر في ~~الأمر طويلا، وإلا أن يعمل بكل قوة ليصل إلى ما يريد من مؤاخاة الشريعة ~~للفلسفة. # وقد أقبل ابن رشد على العمل الذي أحس ضرورته، وخصص للغاية التي أراد الوصول ~~إليها كتابيه: «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» و«الكشف عن مناهج ~~الأدلة في عقائد الملة». # 1 # ذلك فضلا عما خصصه لها أيضا من كتابه: «تهافت التهافت» # 2 # في مناسبات مختلفة ومواضع عدة، وإذن علينا أن نرجع إلى هذه المؤلفات ~~لنعرف ما هي العلاقة التي يراها بين الوحي والعقل، وعلى أي أسس ينبغي أن ~~تقوم. # ونستطيع أن ms062 نقول من الآن بأن فيلسوف الأندلس لم يعتد بالدين وحده دون العقل، ~~ولا بهذا وحده دون ذاك، بل حاول - مثله في هذا مثل كثير من سابقيه وممن أتوا بعده ~~في العصر الوسيط والعصر الحديث - أن يسلك طريقا وسطا، وذلك ببيان أن كلا من ~~الحكمة والشريعة في حاجة إلى الأخرى، وأن لكل منهما ناسها وأهلها، إلى آخر ما ~~سنراه له من ضروب التوفيق بينهما، وهذا معناه أنه اختار في هذه العلاقة الوضع الذي ~~يختاره كل مؤمن بالدين وقيمة العقل والفكر معا. # والآن بعد هذا العموم ندخل في التفصيل، وذلك بذكر أن فيلسوف الأندلس قد صدر في ~~بيان تلك العلاقة عن هذه المبادئ: ~~(1) # الشريعة، أو الدين، توجب التفلسف. ~~(2) # الشريعة لها معان ظاهرة للعامة، وأخرى باطنة للخاصة، ومعنى هذا ~~وذاك وجوب التأويل أحيانا ولبعض الطبقات من الناس. ~~(3) # وضع قواعد خاصة بتأويل النصوص. ~~(4) # تحديد مدى قدرة العقل، والصلة بينه وبين الوحي. # وقد انتهى ابن رشد من ذلك كله إلى أن الحكمة والشريعة أو الفلسفة والدين، ~~أختان ارتضعتا لبانا واحدا، وأنهما يتعاونان في إسعاد البشر، ونحن نتناول كلا ~~من تلك المبادئ بالبحث كما رآه فيلسوف قرطبة. # ومن الخير أن نذكر هنا أننا سنعرض آراء ابن رشد في هذه النقط واحدة بعد واحدة، ~~أما الصلة بين ما ذهب إليه فيها وبين ما ذهب إليه الذين تناولوها بالبحث قبله أو ~~بعده، فستكون موضع دراسة خاصة في فصل خاص يجيء في الترتيب بعد هذا الفصل، على أننا ~~قد نشير في هذا الفصل إلى بعض هذه المقارنات في أثناء البحث. ~~(1) الشريعة توجب التفلسف # بدأ فيلسوفنا بالتدليل على أن الشريعة (القرآن والحديث) توجب النظر ~~الفلسفي، كما توجب استعمال البرهان المنطقي، لمعرفة الله تعالى وموجوداته، ~~وساق لهذا وذاك دليلا من القرآن، وهو قوله تعالى (سورة الحشر 59 / 2): # 3 # فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار ~~، مبينا أن «الاعتبار» هنا ليس إلا استنباط ~~المجهول من المعلوم، وهو القياس الفلسفي أو المنطق المعروف. # 4 # وهذا المعنى الذي ذكره ابن رشد لكلمة «اعتبروا»، وإن كان أحد معنييها، ms063 إلا ~~أننا نرى أنه غير مراد في الموضع الذي جاءت الآية فيه إذا راعينا السياق، ~~والمعنى الآخر الذي هو المراد في رأينا، هو «اتعظوا» أي: اتعظوا أيها ~~العقلاء ذوو البصيرة مما حصل لليهود الذين ناصبوا الرسول والمسلمين العداء، ~~وظنوا أن حصونهم مانعتهم مما يريد الله بهم، ولكن الله أوقع الرعب في ~~قلوبهم، وجعل بينهم الفشل حتى استسلموا للنبي وانتهى أمرهم بإجلائهم إلى ~~الشام. # على أن هذه الآية وإن لم تصلح دليلا في رأينا على ما أراد ابن رشد من أن ~~القرآن يوجب القياس البرهاني والنظر العقلي الفلسفي، فهناك في القرآن نفسه - ~~كما قال - آيات أخرى كثيرة تحث على استعمال العقل والنظر في الموجودات، ومن ~~ذلك قوله تعالى: # قل انظروا ماذا في السماوات ~~والأرض ~~، # 5 # وقوله: # هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون ~~، # 6 # وقوله: # يؤتي الحكمة من يشاء ~~ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. # 7 # وهذا فضلا عن قول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا حسد إلا في ~~اثنتين؛ رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه ~~الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها.» # 8 # وإذا كان الشرع يوجب النظر الفلسفي، فمن الواجب أن نلتمس تأويل ما لا يتفق ~~معه من النصوص، على أن يتفق هذا التأويل وقواعد اللغة العربية؛ وذلك لأن من ~~المقطوع به - كما يقول فيلسوفنا - أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر ~~الشرع، أن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع والعقل، # 9 # كما أنه من الجائز أن يؤدي البرهان إلى نتائج تتفق وظواهر النصوص ~~التي أجمع المسلمون على تأويلها، أو تتفق والمعاني الخفية الباطنة التي أجمعوا ~~على أخذها حسب ظواهرها، وبعبارة أخرى يجوز أن يؤدي البرهان إلى مخالفة ~~الإجماع في الأمور النظرية، ما دام الإجماع لا يمكن أن يتحقق بيقين من ~~العلماء جميعا في عصر من العصور. # 10 # وينبغي في رأينا ألا نجد غريبا عن الدين وروحه ما يذهب إليه ابن رشد ~~من وجوب تأويل النصوص التي لا تتفق ونظر العقل ms064 السليم. # ها هو ذا الغزالي حجة الإسلام وعدو الفلاسفة، يستنكر في رسالته الخاصة ~~بالتأويل وقانونه أن يكذب العقل بالشرع مع أن هذا ما ثبت إلا بذاك. # 11 # كما يوصي من يحاول الجمع بين الدين والفلسفة، أو بين المنقول ~~والمعقول حسب تعبيره، ألا يكذب برهان العقل أصلا، وذلك كما يقول لأن العقل ~~لا يكذب، ولو ذهبنا إلى تكذيبه فلعله كذب في إثبات الشرع الذي ما عرفناه وما ~~ثبت إلا به. # 12 ~~(2) الشريعة لها ظاهر وباطن # والسبب كما يذكر ابن رشد في وجود نصوص من القرآن والحديث تتطلب التأويل ~~لمعرفة المعاني الخفية المرادة منها، ووجود نصوص أخرى يراد منها ما تدل ~~عليه من المعاني الظاهرة، أو بعبارة أخرى، السبب في انقسام الشريعة إلى ~~ظاهر له أهله وهم العامة وأشباههم، وباطن له أهله وهم ذوو البرهان، هو أن ~~الناس مختلفون في الفطر والعقول؛ ولهذا تختلف استعداداتهم وقدرهم ~~ووسائلهم إلى فهم وإدراك ما جاءت به الشريعة من المعتقدات. # 13 # وهم بسبب هذا الاختلاف والتفاوت ثلاث طوائف: ~~(أ) # الخطابيون: وهم الجمهور الغالب الذي يصدق بالأدلة ~~الخطابية. ~~(ب) # أهل الجدل: ومنهم رجال علم الكلام، وهم الذين ارتفعوا عن ~~العامة، ولكنهم لم يصلوا لأهل البرهان اليقيني. ~~(ج) # وأخيرا، البرهانيون: بطبعهم وبالحكمة التي أخذوا أنفسهم بها. # 14 # وهذا التفاوت في الفطر والعقول الذي جعل الناس طوائف ثلاثا، يجر حتما ~~إلى اختلاف التعاليم التي يجب أن يؤخذ بها كل فريق: فللجمهور وأشباههم، من ~~الجدليين الذين لا يطيقون الوصول إلى التآويل الصحيحة، الإيمان بظواهر ~~النصوص الشرعية، وما ضرب لهم من رموز وأمثال. # وللعلماء أهل البرهان؛ الإيمان بالمعاني الخفية التي ضربت الأمثال والرموز ~~لتقريبها للعقول، وذلك بتأويل هذه النصوص. # ويجب مع هذا كله أن نحافظ على أن يكون كل نوع من هذين التعليمين لطائفته ~~الخاصة، وعلى ألا يختلط أحدهما بالآخر؛ لأن جعل الناس شرعا واحدا في ~~التعليم خلاف المحسوس والمعقول. # 15 # ولهذا نرى فيلسوفنا في كلامه على إثبات العلم للمبدأ الأول، ~~يحرم أن يتكلم مع الجمهور في علم الله على النحو ms065 الفلسفي، وإلا كان ذلك ~~بمنزلة إعطائهم ما هو سم لهم، وإن كان غذاء للآخرين. # 16 ~~••• # ووجوب رعاية انقسام الناس حسب استعداداتهم وعقولهم إلى طوائف، خاصة ~~وعامة، لكل منها تعليم خاص سبق أن عرفناه عند غير ابن رشد من الفلاسفة ~~مثل الفارابي وابن سينا، وسنعرفه أيضا بعده لدى ابن ميمون الذي يرى أن ~~مسائل الطبيعة يجب ألا تعلم علنا ولكل الناس، بل ولا أن تثبت في كتاب ~~يقرؤه الناس جميعا؛ وذلك لأنها متصلة اتصالا وثيقا بمسائل ما بعد ~~الطبيعة وأسرارها؛ ولهذا فإن فلاسفة ما بعد الطبيعة وكذلك علماء الكلام، ~~وأصدقاء الحقيقة لم يتكلموا في شيء من ذلك إلا رمزا بطريق المجاز ونحوه. # 17 # والسبب في هذا اختلاف الناس وانقسامهم إلى طوائف حسب ما منحوا من الاستعداد ~~والعقل وضوء المعرفة، هذا الضوء الذي يضيء دائما للعدد الأكبر من الأنبياء، ~~ويضيء لآخرين فترات متقاربة أو متباعدة، وينعدم بالنسبة للذين ~~يعيشون في الظلام، والحقيقة محجوبة تماما عنهم، وهم العامة من الناس. # 18 # وإذن من الخطر في رأي ابن ميمون، كما هو في رأي ابن رشد، إظهار حقائق الطبيعة ~~وما بعد الطبيعة لغير أهلها، سواء كان هذا بتأويل النصوص التي اشتملت عليها، ~~أو بأي نوع آخر من أنواع التعاليم، وفي ذلك يستعمل ابن ميمون مقارنة من جنس ~~التي التجأ إليها ابن رشد، ليبين ضرر التكلم مع الجمهور على النحو الفلسفي، ~~وهذا إذ يقول: # 19 ~~«إني لا أقارن هذا إلا بمن يجعل طفلا رضيعا يأخذ من خبز ~~الحنطة ويشرب من الخمر، فإنه يكون سببا في ضرره بلا ريب، وليس هذا لأن ~~ما تناوله هو من الأطعمة والأشربة الضارة الرديئة والمضادة لطبيعة ~~الإنسان، ولكن لأن الذي تناول منها هو أضعف من أن يهضمها ويفيد ~~منها.» # وبعد ابن ميمون الأندلسي نجد لابن رشد شبيها آخر في هذا إلى حد ما من ~~الفلاسفة الغربيين المحدثين، وهو سبينوزا، فإنه كتب رسالته اللاهوتية ~~السياسية؛ ليبحث فيها العلاقة بين العقيدة أو علم اللاهوت وبين العقل أو ~~الفلسفة، وانتهى من بحثه إلى وجوب ms066 فصل كل منهما عن الآخر، حتى إنه ليؤكد ~~أن هذا الفصل والتدليل عليه هو الغرض الأساسي الذي تهدف إليه الرسالة. # 20 # ويرى تبريرا لهذا الذي يذهب إليه، أنه ليس من علاقة أو صلة قرابة بين ~~العقيدة أو الدين وبين الفلسفة، # 21 # ولكنه مع هذا يرى أن كلا منهما طريق إلى السعادة لأهل كل ~~منهما. # على أن «سبينوزا» وإن شدد هكذا في وجوب عدم خلط الدين بالفلسفة، وضرورة أن ~~يكون لكل منهما أناس وطبقة خاصة، وأن تكون السيادة لكل منهما في مملكته ~~لا يعارضه الآخر في شيء، # 22 # فإنه لا يصدر في ذلك تماما عن الأسباب التي صدر عنها ابن ~~رشد حين قسم الناس إلى طبقات، وجعل لكل طبقة تعليما خاصا يجب ألا ~~تتعداه، فللفلسفة أهلها، وللأخذ بظاهر الوحي أهله. # إن الفيلسوف اليهودي الغربي يرى أنه ليس في الكتاب المقدس فلسفة، بل ليس فيه ~~إلا حقائق بسيطة جدا، # 23 # وإن الغرض والأساس لكل من الفلسفة واللاهوت يختلف تماما في ~~كل منها، # 24 # ولهذا يرفض بقوة صنيع ابن ميمون في تأويل التوراة؛ ليستنبط منها ~~ما زعمه من الأفكار الفلسفية، ويصفه بأنه ضار وعبث وحمق. # 25 # وأما الفيلسوف المسلم الغربي، فإنه يرى كما سبق أن عرفنا أن لبعض نصوص ~~الشريعة معنى ظاهرا للعامة، وآخر باطنا فلسفيا للخاصة، وأن هذا المعنى ~~الثاني يظهر بالتأويل لمن هو أهله، وهذا معناه أن القرآن والحديث قد حويا ~~جانبا من الأفكار الفلسفية، وأنه يجب استخراج هذه الأفكار للقادر والذي هو ~~أهل لها. ~~••• # هذا، وقبل أن نترك هذه المسألة لما بعدها، يحسن أن نشير إلى أن وجود ~~نصوص في الشريعة يجب تأويلها يعتبر إشارة أو دعوة من الدين إلى التفلسف، ~~فإنه لا يمكن إدراك المعاني الخفية من هذه النصوص إلا بالنظر الفلسفي، وإلا ~~كانت النتيجة الحتمية ترك جانب من النصوص بلا فهم صحيح، وترك كثير من معانيها ~~المهمة بلا إدراك، وهذا ما لا يرضاه محب للشريعة ومقدر ~~لها. # وهذا القول بوجوب التأويل لبعض نصوص القرآن والحديث نجده أيضا، على ms067 ما سيجيء ~~بيانه بعد، لدى اليهود فيما يختص بالتوراة؛ نجده لدى فيلون الإسكندري وسعاديا ~~الفيومي وابن جبريول الذي عاش في القرن الحادي عشر، ثم لدى ابن ميمون بعد ~~هؤلاء. # كما سنجده لدى مفكري رجال الكنيسة المسيحية قبل ابن رشد وبعده أيضا، مثل ~~أوريجين وكليمان الإسكندري وأبيلارد، وأخيرا سنجد الوضع نفسه لدى كثيرين ~~آخرين من مفكري الإسلام وفلاسفته، ولدى المتصوفة بصفة خاصة، هؤلاء الذين ~~يرون أنهم أهل الحقيقة، في مقابل أهل الشريعة. ~~(3) قانون التأويل وقواعده # إذا كان لا بد من التأويل للأسباب التي ذكرها ابن رشد كما رأينا؛ فإنه رأى ~~ألا يترك الأمر فوضى، فيؤول من يشاء ما يريد من النصوص، ويذيع من التآويل ~~ما يريد ولمن يريد، بل جعل لذلك قانونا وقواعد يسترشد بها الباحث، وتحفظ ~~الإخاء بين الحكمة والشريعة. # وهذا أمر طبيعي في رأينا لمن يرى اصطناع هذه الطريقة، طريقة تأويل بعض ~~النصوص لتتفق مع العقل والنظر الفلسفي الصحيح؛ ولذلك نرى شيئا من هذه القواعد ~~وضعها فيلون اليهودي الإسكندري، كما نرى الغزالي يترك لنا رسالة صغيرة في هذا ~~الشأن تسمى «قانون التأويل». # نقول: بأن ذلك ضروري لمن يرى وجوب التأويل لبعض نصوص الشريعة؛ لأن الذين ~~لا يرون هذا، حتى عندما يحسون التعارض بين العقل وبين النص إن أخذ حسب ~~ظاهره، لا يجدون حاجة لوضع قواعد للتأويل، بل إن هناك من يستنكرون البحث ~~في هذه الناحية، ومنهم «ابن تيمية» المتوفى سنة 728ه كما سنرى بعد في فصل ~~آخر. # إذن، نرى ابن رشد وهو يجد التأويل ضروريا لخير الشريعة والحكمة معا، في ~~ختام كتابه «الكشف عن مناهج الأدلة» يعنى بوضع قانون يبين به حسب تعبيره «ما ~~يجوز من التأويل في الشريعة وما لا يجوز، وما جاز منه فلمن يجوز.» وهذا البيان ~~أو القانون يتلخص في أن المعاني الموجودة في الشرع خمسة أصناف: # 26 ~~(1) # أن يكون المعنى الظاهر من النص هو المراد حقيقة في نفس ~~الأمر، وهذا الصنف لا يجوز تأويله مطلقا، بل يجب أخذه حسب ~~ظاهره للناس جميعا. ~~(2) # أن يكون المعنى ms068 الظاهر للنص ليس مرادا، بل هو مثال ورمز ~~للمعنى المقصود حقيقة، ولكنه لا يعلم أنه مثال، ولا لماذا ~~اختير بذاته ليكون مثالا ورمزا لذاك المعنى الخفي، إلا ~~بقياسات بعيدة مركبة لا يوصل إليها إلا بتعلم طويل ~~وعلوم جمة، لا يقدر عليها إلا الخاصة من الناس، وهذا ~~الصنف لا يجوز أن يؤوله إلا الراسخون في العلم، وليس ~~لأحدهم التصريح به لسواهم. ~~(3) # أن يكون المعنى الظاهر مثالا ورمزا أيضا لمعنى آخر خفي، ~~ولكن من اليسير أن يفهم أنه مثال ولماذا هو بذاته مثال، ~~وهذا الصنف ليس لأحد الأخذ بظاهره، بل لا بد من تأويله، ~~والتصريح بهذا التأويل للجميع. ~~(4) # أن يكون المعنى الظاهر مثالا: ولكن يعرف بنفسه أو بعلم قريب ~~أنه مثال، وبعلم بعيد لا تقدر عليه العامة ومن في حكمهم لماذا ~~هو بنفسه مثال، وذلك مثل قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «الحجر الأسود يمين ~~الله في الأرض.» وهذا الصنف تأويله خاص بالعلماء، ويؤولونه ~~لأنفسهم خاصة، ويقال للآخرين الذين شعروا أنه مثال، ولكن ~~ليسوا من أهل العلم الذين يعرفون لماذا هو مثال: بأنه من ~~المتشابه الذي يجب عدم البحث عنه، إلا للعلماء الراسخين، ~~أو ينقل لهم التمثيل لما هو أقرب إلى معارفهم ومداركهم، كما ~~يرى الغزالي في كتابه «التفرقة بين الإسلام والزندقة». ~~(5) # وأخيرا، أن يكون المعنى الظاهر مثالا ورمزا لآخر خفي، ولكن ~~لا يتبين أنه مثال إلا بعلم بعيد، ومتى عرف أنه مثال ~~يتبين بعلم قريب لماذا اختير بذاته ليكون مثالا، وهذا القسم ~~من الممكن أن نقول بأن الأحفظ للشرع ألا يتعرض ~~لتأويله، بل الأولى بالنسبة لغير العلماء أن نبطل الأمور ~~التي من أجلها ظنوا أن المعنى الظاهر من النص هو مثال لآخر ~~خفي هو المراد منه، ولنا كذلك أن نقول بجواز التأويل لهؤلاء ~~أيضا، وذلك لقوة الشبه بين المعنى الخفي المراد وبين ما ضرب ~~رمزا ومثالا له. # وبعد هذا التفصيل؛ يذكر فيلسوف قرطبة «أن هذين الصنفين (الرابع والخامس) ~~متى أبيح التأويل فيهما تولدت منه اعتقادات غريبة وبعيدة عن ظاهر الشريعة، ~~وربما فشت ms069 فأنكرها الجمهور.» # 27 # يريد أن يقول بأن الخير في هذا هو البعد عن التأويل؛ ولهذا لما ~~أخذ في تأويل نصوص الشريعة من لم تتميز له هذه المواضع كالمتصوفة، «ولا تميز ~~له الصنف من الناس الذين يجوز التأويل في حقهم.» اضطرب الأمر في الدين، ووجد ~~بين المسلمين فرق يكفر بعضها بعضا، وهذا كله جهل بما قصد الشارع، وتعد ~~على الشريعة نفسها. # 28 # هذا، ولكي نتقي أمثال هذه النتائج السيئة، وزرع العداوة بين الشريعة ~~والفلسفة يجب بصفة عامة كما يقول ابن رشد ألا يصرح بالتآويل وبخاصة البرهانية ~~لغير أهلها، وهم أهل البرهان، كما يجب ألا تثبت هذه التآويل في الكتب ~~الخطابية والجدلية الموضوعة للعامة وأمثالهم من أهل الجدل، وإلا أدى ذلك إلى ~~إبطال ظواهر النصوص التي يفهمها الواحد من هاتين الفئتين، مع العجز عن إدراك ~~التأويل البرهاني، فيضل ويقع في الكفر إن كان ذلك في أصول الشريعة. # 29 # وفي أخذ العامة وتكليفهم بالإيمان بظواهر النصوص وحدها، دون ما فيها من معان ~~خفية، سعادتهم، وذلك بأن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور هو العمل، فما ~~كان أجدى في الدفع إليه كان أفضل من غيره، أما الخاصة فإن مقصودهم الأول ~~هو الأمران معا: العلم والعمل؛ ولهذا كانت سعادتهم في تأويل ما يجب تأويله ~~لمعرفة المعاني الخفية المرادة من النصوص. # 30 # وربما دل لصدق هذا الذي يراه ابن رشد، أن تمثيل نعيم الجنة للجمهور ~~بأنه نعيم محسوس مادي: من أنهار مملوءة لبنا وعسلا، وفاكهة مختلفة لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة، وحور وولدان ... أدفع لهم إلى طريق الفضيلة من تشكيكهم في هذا ~~النعيم على هذه الكيفية الحسية، ومحاولة تفهيمهم أن ما جاء في النصوص دال ~~على مادية الثواب إنما هو رموز وأمثال، وأن المعاد الأخروي لن يكون إلا ~~معنويا، فإن النفوس لا يمكن أن تنعم باللذات المادية. # من السهل بعد هذا أن تفهم إذن أن فيلسوفنا لا يرى أن في النصوص الدينية من ~~القرآن والحديث نصوصا متشابهات، لا بالنسبة للعلماء الراسخين الذين عليهم ~~تأويل هذه النصوص التي ms070 يظن أنها متشابهة، ولا بالنسبة للعامة وأمثالهم ~~الذين فرضهم الإيمان بظواهرها دون البحث أو التفكير في تأويلها. # لكن أهل الجدل والمتكلمين هم الذين يوجد في حقهم التشابه في بعض النصوص؛ ~~لأنهم وقد ارتفعوا عن العامة ولم يصلوا إلى مرتبة الخاصة، عرضت لهم شكوك ~~وشبهات لم يقدروا على حلها، فحاولوا التأويل فضلوا وأضلوا؛ ولهذا ذمهم ~~الله الحكيم بأن في قلوبهم زيغا ومرضا، فيتبعون ما تشابه من القرآن ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم. # 31 # وقد بلغ من اعتقاد فيلسوف قرطبة بقوة تأثير ما يذهب إليه، من جعل تعليم ~~للعامة وآخر للخاصة، في التوفيق بين الوحي والعقل، أنه يتشدد في ذلك إلى درجة ~~أن يرى أن هناك نصوصا يجب على أهل البرهان تأويلها، وحملهم لها على ~~ظواهرها كفر، كما يجب على العامة وأمثالها حملها على ظواهرها، وتأويلهم لها ~~كفر. # ومن هذه النصوص، قوله تعالى (سورة طه 20 / 4): # الرحمن على العرش استوى ~~، ونحو هذا من الآيات ~~والأحاديث التي توهم الجسمية والنقلة لله تعالى، بل إنه كما سبقت الإشارة ~~إليه، يصوغ من هذا مبدأ عاما فيقول بعد ما تقدم: «إن من كان من الناس فرضه ~~الإيمان بالظاهر، فالتأويل في حقه كفر.» # 32 # لأنه يؤدي إليه. # 33 # وغني عن البيان أنه يريد كذلك أن من كان فرضه التأويل، ~~يكون الأمر بالنسبة إليه على العكس وبصفة عامة أيضا. # كما أنه لذلك أيضا يتشدد في وجوب تطبيق ما وضع من قواعد تتعلق بالتأويل، ~~وجواز أو عدم جواز إذاعته، ولمن تجوز إذاعته؛ ولهذا يلوم اللوم كله الغزالي ~~والمتكلمين: أشاعرة ومعتزلة؛ لأنهم أثبتوا التآويل في مؤلفاتهم فذاعت بين ~~العامة. # إن الغزالي في رأي ابن رشد، «أخطأ على الشريعة والحكمة»، بإثباته التآويل ~~في غير كتب البرهان، فذاعت بين الجمهور، وكان من ذلك أن عاب قوم الأولى ~~وآخرون الأخرى. # 34 # وكذلك المتكلمون، وبخاصة المعتزلة، إنهم بتآويلهم التي صرحوا ~~بها للجمهور، «أوقعوا الناس في شنآن وتباغض وحروب ومزقوا الشرع.» # 35 # وفيلسوفنا لا ينسى حين يلوم بعنف ms071 هؤلاء على ما صرحوا به من تآويل لغير أهلها، ~~أنه وقع في مثل هذا الصنيع؛ ولذلك نراه يعتذر عما فعل بأن الجمهور قد ~~عرف من أولئك الذين يلومهم هذه التآويل، فكان لا بد له من أن يتكلم فيها، وذلك ~~لبيان الحق من جهة، # 36 # ولدفع الأذى عن الجمهور من جهة أخرى، كما يفعل الطبيب الحاذق ~~لشفاء المريض إذا تعدى الشرير الجاهل (يريد الغزالي وأمثاله) وسقاه السم على ~~أنه غذاء. # 37 # وهذا الاعتذار يذكرنا باعتذار سلفه وبلديه ابن طفيل في مثل هذه الحالة، ~~عن مخالفته طريق السلف الصالح في الضن بالحكمة على غير أهلها، بأنه ~~يحاول إصلاح ما أفسده سابقوه بالتصريح بآراء مفسدة وتآويل ضالة تلقفها غير ~~أهلها فعم بذلك ضررها. # 38 ~~(4) تحديد مدى قدرة العقل، والصلة بينه وبين الوحي # نجيء بعد ما تقدم لأهم مسألة فيما نرى يتعرض لها من يحاول التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، نعني مسألة الوحي وتحديد سلطانه وميدانه بالنسبة للعقل؛ لا بد ~~إذن من أن يقول ابن رشد هنا كلمته، فيبين صراحة رأيه في الوحي وتحديد الصلة ~~بينه وبين العقل، وفي المعجزات والنبوة، وفيما يكون أو لا يكون من الحاجة ~~للشريعة بجانب العقل. # الأمر خطير واللحظة حاسمة بالنسبة لفيلسوف قرطبة، وهو الحريص على الإيمان ~~بالدين، والذي رأينا مبلغ اعتداده بالعقل ونظره، وذلك إلى درجة تجعله يجيز ~~أن يخالف العقل بما يصل إليه من نتائج صحيحة الإجماع في الأمور النظرية، ~~ويوجب تأويل ما يخالف النظر العقلي من ظواهر النصوص كما رأينا فيما ~~سبق. ~~••• # وهذه المشكلة قد تعرض لها كل من وقف موقف ابن رشد بين الدين والفلسفة، ~~سواء تقدم به الزمن عنه أو تأخر، ونذكر في هذا من باب التمثيل: سعاديا ~~الفيومي المتوفى سنة 942م، وابن ميمون، من اليهود، كما تعرض لها من رجال ~~الكنيسة المسيحية كثيرون نكتفي منهم بذكر القديس «أنسلم» المتوفى سنة 1109، ~~و«أبيلارد» المتوفى سنة 1142م، ومن بعدهما «ألبير الكبير»، وتلميذه «توماس ~~الأكويني» المتوفى سنة 1274م، وهو أكبر لاهوتي في العصر الوسيط. # حقا، لقد اضطر هؤلاء ms072 جميعا لمعالجة هذه المشكلة بوجهيها: ما منزلة ~~الوحي من العقل؟ وما صلة الفلسفة بالدين؟ فكل قد قال في ذلك كلمته. # يرى سعاديا الفيومي أن العقيدة في حاجة إلى العقل لفهمها وشرحها والدفاع ~~عنها، أي إن للعقل بجانب الوحي هذا الدور الثانوي جدا كما يقول «مونك»، ~~فليس للوحي أن يخشاه، بل بالعكس يجد منه سندا وظهيرا. # وهذا الرأي - أي كون الفلسفة في خدمة الدين على ذلك النحو - هو رأي اليهود ~~الربانيين أو أنصار التلمود، وهذا الرأي الثانوي الذي للعقل، له في رأي سعاديا ~~ما يبرره؛ لأنه وإن كان العقل يعرف نفس الحقائق الوحيية، لكنه يحتاج ~~لمعرفتها إلى نظر طويل، على حين أن الوحي يعطينا إياها بسرعة ويسر. # 39 # وابن ميمون - مع اعتداده بالعقل واعتباره رباطا بيننا وبين الله، فليس لنا ~~أن ننبذه - يؤكد أن مهمة الفلسفة هي شرح الحقائق الدينية والتدليل عليها # 40 # وأن العقل له حد يقف عنده في قدرته على المعرفة، وحينئذ يجب ~~اللجوء فيما لا يمكن أن يصل إليه العقل إلى الوحي، ومن هذا النوع العالم السماوي. # 41 # ونجد الأمر على هذا النحو إذا جئنا إلى مفكري رجال الكنيسة المسيحية، ~~فإن ما يظهر من التعارض بين الوحي هو تعارض غير مقصود، وإن كان حقيقيا ~~مع هذا، ما دام الكل يتفق على أن دور الفلسفة هو فهم العقيدة. # 42 # والقديس «أنسلم» مع وصف موقفه بين العقل والوحي بأنه عقلي، نراه هو الذي ~~أعطى الصورة النهائية لعلو هذا على ذاك. # 43 # ثم نصل إلى «ألبير الكبير» وتلميذه الأشهر القديس توماس الأكويني، فنجد ~~عندهما كذلك التأكيد بأن كلا من العقل والدين له اختصاصه، وأن الفلسفة ~~- كما يرى الأكويني - ليس لها إلا أن تظل خادمة اللاهوت، وأن الدين يعصم ~~العقل من الضلال لو ترك العقل لنفسه. # وبعد أن أوضح أو حدد هذان الفيلسوفان منزلة العقل من الوحي، هكذا وبينا ~~مدى سلطان كل منهما، نجدهما يقفان موقف المعارضة من اللاهوتيين الذين يرفضون ~~فلسفة أرسطو إيثارا للاهوت، ومن الرشديين الذين يرفضون اللاهوت لصالح الفلسفة. ms073 # 44 ~~••• # وبعد هذه اللمحات التي نكتفي بها في بيان أن مشكلة الصلة بين الوحي ~~والعقل، في ناحيتيها اللتين أشرنا إليهما، قد عرضت للفلاسفة والمفكرين من رجال ~~الدين في مختلف العصور من غير المسلمين ومن المسلمين، ورأى كل فريق منهم ~~حلها وتحديدها على ما عرفنا بعد ذلك، نعود إلى هدفنا الأصلى هنا وهو بيان ~~موقف ابن رشد من هذه المشكلة، وذلك لنضعه حيث يجب بين هؤلاء ~~المفكرين. ~~••• # إن فيلسوف الأندلس مهما أشاد بالعقل ونظره وقدرته على المعرفة، يصرح ~~بأن هناك أمورا يعجز العقل عن معرفتها، وإذن فلنرجع إلى الوحي الذي جاء ~~متمما لعلم العقل، فإن «كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى الإنسان من ~~قبل الوحي.» # 45 # وهذه الأمور التي يعز إدراكها على العقل سيجيء بعد قليل جدا ~~بيانها، وذكر مثل لها، ولكنا نقول الآن إنها كما يذكر فيلسوفنا نفسه، أمور ~~من الضروري علمها لحياة الإنسان ووجوده وسعادته # 46 # ونرى ابن رشد يكرر هذا الذي يراه ويؤكده في موضع آخر، حين يذكر أن ~~الفلسفة تعنى بتعرف ما يجيء به الشرع، فإن أدركته كان ذلك أتم في المعرفة، ~~وإلا أعلنت بقصور العقل الإنساني عنه، وأن هذا مما يدركه الشرع وحده. # 47 # ومن الواضح شبه هذا الرأي بما نقلناه آنفا عن المفكرين من رجال ~~اليهودية والمسيحية في هذه المشكلة، من أن على العقل أن يفهم ما جاء به ~~الشرع، ومن بطئه عن الوحي في المعرفة، ومن عجزه أحيانا عن الوصول لما جاء به، ~~والنتيجة الحتمية لذلك هي ضرورة اللجوء أحيانا للوحي الذي هو أعلى من العقل ~~ونظره وتفكيره. # ومهما يكن من شيء؛ فالأمور التي لا يكتفي العقل بنفسه في معرفتها تتلخص كما ~~يرى فيلسوف الأندلس في معرفة الله، والسعادة والشقاء الإنساني في هذه الحياة ~~الدنيا وفي الحياة الأخرى أيضا، ووسائل هذه السعادة وأسباب هذا ~~الشقاء. # وذلك بأن الفلاسفة (ولعله يريد الفلاسفة اليونان) يرون أن الإنسان لا ~~تقوم حياته وسعادته في هذا العالم وفي العالم الآخر، إلا بالفضائل النظرية ~~التي لا يوصل إليها ms074 إلا بالفضائل الخلقية، وهذه الفضائل لا تتمكن في النفس إلا ~~بمعرفة الله وتعظيمه بالعبادات المشروعة حسب الملل المختلفة، مثل القرابين ~~والأدعية والصلوات، ونحو هذا وذاك مما لا يعرف إلا من الشرع الموحى به. # 48 # أو بعبارة أخرى: إن هذه الأمور لا تتبين كلها أو معظمها إلا بوحي، أو ~~يكون تبيينها بالوحي أفضل. # 49 # ولا عجب في هذا، فإن الفلسفة تنحو نحو تعريف بعض الناس سعادتهم، ~~وهم من عندهم استعداد لتعلمها، وأما الشرائع فتقصد تعليم الجمهور عامة؛ ~~ولذلك كان العلم الذي يأتي به الوحي رحمة لجميع الناس. # 50 # ولكن؛ إذا كان ابن رشد يرى ضرورة الوحي «رحمة لجميع الناس»، وإذا كان في ~~تحديد الصلة بينه وبين العقل يجعل هذا أقل مقدرة في إدراك الحقائق على ما ~~يؤخذ من النصوص التي استشهدنا بها لبيان هذا الرأي من «مناهج الأدلة» و«تهافت ~~التهافت»، إذا كان الأمر هكذا؛ فماذا نفهم من مقارنة هذه النصوص بما جاء عن ~~هذه المشكلة ذاتها في كتابه «فصل المقال» خاصا بعلو النظر العقلي وقدرته ~~على الوصول لكل ما جاءت به الشريعة من حقائق وتعاليم، وبأن الوحي يبين ~~للجمهور - في رموز وأمثال - الحقائق التي قد يدركها عقل الفيلسوف خالصة مما ~~تكتسبه في الوحي من تلك الرموز والأمثال، وأنه لهذا قد انقسم الشرع إلى ظاهر ~~هو هذه الأمثال المضروبة لتلك المعاني والحقائق الخفية، وإلى باطن وهو هذه ~~المعاني والحقائق التي لا يصل إليها إلا أهل البرهان. # 51 # هل وقع فيلسوف الأندلس هكذا في التناقض مع نفسه؟ أو هل رجع عن كونه عقليا، ~~كما عرفنا من قبل، يوجب تأويل النص الذي يخالف ظاهره العقل؟ أو هل نقول مع ~~الأستاذ «مهرن # Mehren ~~» الذي اعتمد على نصوص ~~التهافت في فهم موقف ابن رشد من الدين: إن له بجانب نزعته العقلية نزعة أخرى ~~غير عقلية تتبع في بعض مسائل أساسية العقل للعقيدة والفلسفة للدين؟ # 52 # أو هل نقول أخيرا مع الأستاذ «ميجل آسين # Miguel Asin ~~» بأن موقف فيلسوف قرطبة يتلخص في أن ~~الوحي والفلسفة مصدرهما الله؛ ms075 فلا يمكن أن يتناقضا، بل لا بد أن يكون ~~بينهما وئام وتعاون متبادل، ولكن الوحي يفوق الفلسفة في مسائل أساسية، فإن ~~اختلفا ظاهريا يجب خضوع الفلسفة للوحي؟ # 53 # إنه من الممكن لنا بعد هذه الفروض والآراء في فهم موقف ابن رشد الحقيقي في ~~العلاقة بين الدين والفلسفة، أن نقرر أنه يجب لمعرفة حقيقة موقفه أن نحاول ~~أولا إزالة ما يوجد من تعارض ظاهري بين النصوص التي ذكرناها، نعني نصوص «فصل ~~المقال» من جهة، ونصوص «مناهج الأدلة» و«تهافت التهافت» من جهة أخرى، فإذا ~~تم لنا هذا فسنرى نزعة واحدة تسود جميع كتاباته وتكون هي المعبر عن موقفه ~~الحق. # ولكن أي النصوص هي التي يجب تأويلها لتتمشى مع الطائفة الأخرى من النصوص؟ ~~هنا المشكلة التي قد يتيسر لنا حلها إذا تبينا العوامل التي دفعته لكتابة ~~ما كتب من هذه النصوص وتلك في كتبه المختلفة. # إن فيلسوف الأندلس كتب «فصل المقال» لغرض واحد هو - كما يدل عليه اسمه - ~~تبيين العلاقة أو الاتصال بين الحكمة والشريعة، ومحاولة التوفيق بينهما على ~~أساس هذه العلاقة، على حين أنه كتب «مناهج الأدلة»؛ ليفحص فيه «عن الظاهر من ~~العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها، ونتحرى في ذلك كله مقصد الشارع # صلى الله عليه وسلم # بحسب الجهد والاستطاعة.» # 54 # وأخيرا كتب «تهافت التهافت» ليرد به على تهافت الفلاسفة ~~للغزالي. # وفي هذين الكتابين الأخيرين لم يتعرض بأصالة لمسألة التوفيق بين الدين ~~والفلسفة وبيان العلاقة بينهما، هذا الغرض الذي هو الغرض الوحيد من رسالة «فصل ~~المقال». # وإذن، كما يقول الأستاذ «جوتييه» بحق ينبغي إذا أردنا التوفيق بين تلك النصوص ~~جميعها، أن نؤول نصوص المناهج والتهافت لتتفق مع ما تدل عليه رسالة «فصل ~~المقال» التي فصل فيها الغرض والمنهج الذي سيسير عليه. # وإذا كان الأمر ينبغي أن يكون هكذا، كان من الحق أن نقرر أن ابن رشد بقي ~~أمينا دائما وصادقا في نزعته العقلية، ومن الدلائل على هذا أن رأيه في ~~النبوة والمعجزات يتفق - كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق - مع ms076 رأي ابن سينا الذي ~~عرضناه من قبل. # إنه يذكر أن النبوة حادث طبيعي تماما، وأن الوحي يكون عن الله بتوسط ما ~~يسمى عند الفلاسفة «العقل الفعال وعند رجال الشريعة ملكا.» # 55 # كما يذكر في أثناء رده على الغزالي فيما حكاه عن الفلاسفة، أو ~~بعبارة أدق عن ابن سينا في هذه المسألة، أن المعجزة أمر ممكن في نفسه يتفق ~~والعقل وقوانين الطبيعة، وأن ما ذكره ابن سينا من الأسباب التي تنشأ عنها ~~ممكن وجائز، وأن ليس كل ما يكون ممكنا في طبعه يقدر أن يفعله الإنسان، بدليل ~~الحس والمشاهدة والواقع، فيكون إتيان النبي بأمر خارق أي معجزة ممكنا في ~~نفسه، وإن كان ممتنعا على الإنسان، وليس يحتاج في ذلك أن نقرر أن الأمور ~~الممتنعة في العقل ممكنة في حق الأنبياء. # 56 # وهكذا لم يحد ابن رشد عن نزعته العقلية في هذه المشكلة الخطيرة، ولا يلوم ~~ابن سينا على ما ذهب إليه فيها؛ لأن له رأيا يخالفه، بل لأنه صرح بهذا ~~الرأي للعامة الذين لا تصلح لهم التعاليم التي تصلح للخاصة وحدهم، وبذلك ~~خالف الفلاسفة القدماء (أي اليونان) الذين لم يتكلم أحد منهم في المعجزات مع ~~انتشارها؛ لأنها من المبادئ العامة للشريعة التي يجب أن يعاقب الفاحص عنها ~~والمشكك فيها. # 57 # وبعد أن فهمنا نظرية فيلسوف الأندلس في النبوة والمعجزات، نرى أن النصوص ~~التي جاءت في المناهج والتهافت موهمة أنه صار غير عقلي، فهو يجعل الوحي فوق ~~العقل، ويتبع هذا لذاك، أراد بها - كما يقول بحق الأستاذ جوتييه # 58 ~~- أن يطمئن رجال الدين بأنه معهم، وبخاصة أنه مع هذا لم يخرج ~~بها عن كونه عقليا، فهو يؤكد هذا أبلغ توكيد وأوكده إذ يقرر «أن ~~كل نبي فيلسوف.» # 59 # كما نرى كذلك أن ابن رشد ظل أمينا على ما سبق أن ذكرناه عنه بخصوص وجوب ~~تقسيم الناس إلى طبقات حسب استعداداتهم وعقولهم، فإن منهم العامة والخاصة ، ~~ويجب أن يكون لكل طائفة منهم تعليم خاص، وبهذا يبقى الوئام بين العقل والوحي ~~أو بين الفلسفة ms077 والدين اللذين لكل منهما غرض خاص، ولا يصطدم أحدهما ~~بالآخر. # وقد يدل أيضا لما نذهب إليه من بقاء ابن رشد أمينا لمذهبه العقلي، ما ~~أكده مرارا من أنه يجب ألا يصرح للجمهور - حرصا على سعادته - بما ~~يؤدي إليه النظر العقلي من العلوم التي سكت عنها الشرع. # 60 # فإن هذا معناه أنه فيما يختص بالعلماء، أي: طبقة الخاصة، لا ~~يعتبر شيء من المعاني والحقائق التي لم يصرح بها الشرع خافيا، بل إن ~~عقولهم لتصل إلى إدراكها ومعرفتها. # وأما ما سبق أن رأيناه له من أنه توجد أمور يجب فيها الرجوع للوحي؛ ~~لأن العقل يعجز عن معرفتها، فإنه يقصد بالعقل الذي يعجز عن إدراك هذه ~~الأمور العقل الذي يستدل، لا عقل النبي الذي يجب في رأيه أن يكون أيضا ~~فيلسوفا، والذي يدرك هذه الأمور بفيض العقل الفعال. # 61 # وأخيرا لعل الحق هو أن نقرر أن فيلسوف الأندلس لا يصح أن يوصف بأنه عقلي ~~إزاء جميع الناس وفي كل حال، # 62 # ولا بأنه غير عقلي كذلك، بل إنه فيما نرى غير عقلي حين يتعلق ~~الأمر بالعامة الذين لا يطيقون النظر والأدلة البرهانية، وعقلي حين يتعلق ~~الأمر بأهل النظر العقلي والفلسفة، # 63 # وإن رعاية هاتين الناحيتين هو ما جعل في كلامه ما يوهم أحيانا ~~بأنه رجع عن نزعته العقلية إلى ما يناقضها. ~~••• # والآن بعد أن انتهينا من بحث العلاقة بين العقل والوحي في رأي ابن رشد، وهو ~~أمر اضطره لاصطناع طريقة تأويل الكثير من النصوص الدينية، ننتقل للفصل الثاني ~~لنعرف أن هذا التأويل أو التفسير المجازي للنصوص الدينية كان ضروريا في ~~رأي الفلاسفة والمفكرين من قبل فيلسوفنا وبعده: في اليهودية والمسيحية ~~والإسلام، وبخاصة عند فيلون الإسكندري، لنرى صلة مذهب ابن رشد في هذه المسألة ~~بما ذهب إليه أمثاله فيها. # الفصل الثاني # | التأويل عند مفكري رجال الأديان العالمية # تمهيد # إن الذي عني بدرس التفكير الديني لدى أصحاب الديانات العالمية: اليهودية، ~~والمسيحية، والإسلام . وتتبع الموقف الذي كان لأكثر هؤلاء المفكرين إزاء نتائج ~~التفكير الفلسفي العالمي، ينتهي ms078 فيما نعتقد إلى الرأي الذي انتهينا إليه في ~~هذه الناحية، وهو أن تأويل النصوص الدينية لتتفق وبعض الأفكار الفلسفية ~~الصحيحة ظاهرة تاريخية في التفكير الديني. # 1 # ومن الشواهد أو الأدلة على ما نقول ما نجد من هذا التأويل في كل العصور، ~~وهذا ما سنعمل على تبينه في هذا الفصل، وذلك لنعرف أن فكرة التأويل لدى ~~ابن رشد لم تكن بدعا ولا تقليدا منه، ولنعرف كذلك ما قد يكون له من أصالة في ~~تطبيقها على النصوص الدينية في الإسلام. # ولعل من البواعث الهامة فيما نرى التي بعثت أولئك المفكرين من رجال الديانات ~~العالمية الثلاث إلى التأويل، هو ما يراه الواحد منهم من أن دينه عالمي ~~للخاصة والعامة من كل الأمم وفي كل العصور، فيجب أن يكون متفقا في أفكاره مع ~~الحقائق الفلسفية التي قامت الأدلة على صحتها، والتي فرضت سلطانها العام أو ~~العالمي، وذلك ما لا يكون إلا بالتأويل. # وكذلك من أسباب الاضطرار إلى التأويل ما نشير إليه هنا بإيجاز لنتناوله بشيء ~~من البسط فيما بعد، من أنه في مسائل الطبيعة وما بعد الطبيعة قد تكلم ~~الأنبياء وأحبار الدين ورؤساؤه بالمجاز والإلغاز عمدا لخطورة الموضوع، # 2 # وذلك لتكون العامة ومن إليهم بمنجاة من محاولة فهم هذه المسائل ~~التي فوق طاقتهم، ومن ثم وجب التأويل لبعض النصوص بالنسبة للحكماء الذين ~~تؤهلهم عقولهم واستعداداتهم لتأويلها وإدارك ما فيها من حقائق جاءت بطريق ~~الرمز والمجاز، كما يذكر «كليمانت» الإسكندري. # 3 # وفضلا عن هذا وذاك؛ فإنه - وقد وجدت فكرة العالمية لكل من الدين ~~والفلسفة، وأخذ الباحثون يعملون عقولهم فيها - كان لا بد أن يظهر التعارض ~~بينهما لاختلاف طريقة العرض والأسلوب وخطة البحث في هذين الطرفين، فكان لا ~~بد إذن من التأويل بينهما، وهذا ما حصل فعلا في كل من الأديان ~~الثلاثة. ~~(1) لدى اليهود قبل فيلون # وإذا كان التأويل، كما قلنا، ظاهرة تاريخية دينية، فإننا نرى أن نبدأ الحديث ~~عنه في غير الإسلام بالإسكندرية قبل العصر المسيحي؛ إذ كانت هذه المدينة بعد ~~قليل من عهدها بالوجود، ms079 المدينة التي التقت فيها الحضارة في ذلك الزمن ~~البعيد، وفي هذا يقول الأستاذ كروازيه # Croiset ~~: «وكانت الإسكندرية نقطة الاتصال لمختلف حضارات ~~العصر القديم: حضارة مصر، وحضارة الشرق بعامة، وحضارة اليونان؛ فقد تواعدت هذه ~~الحضارات على اللقاء على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، والبطالمة كانوا أذكياء ~~وطموحين، فحين رأوا عاصمتهم غدت أغنى المدائن في العالم، عملوا على أن تكون ~~أيضا أكثرها وأغناها من العلماء والمثقفين.» # 4 # وقد كان لليهود مثلهم مثل غيرهم من أبناء الأجناس الأخرى، جالية كبيرة ~~تعتز بدينها الذي يقوم على التوراة وتقاليدهم الدينية المأثورة، إلا أنهم ~~مع هذا اضطروا للأخذ بنصيب من الفلسفة والآداب اليونانية، وهذا مما جعلهم ~~يترجمون فيما بعد كتبهم المقدسة لليونانية التي كانت لغتهم العادية. # ولا عجب بعد هذا وقد رأوا لليونان فلسفة تناولت المسائل الإلهية، ومسألة خلق ~~العالم، وغيرها من المسائل التي يعرفونها على نحو ما من دينهم، أن ~~ينساقوا إلى البحث والتفكير والمقارنة بين ما لديهم، وبين ما علموه في هذه ~~الفلسفة، وكان لذلك نتيجة طبيعية هي أن يكون لهم في هذه الناحية كتابات ~~طريفة باللغة اليونانية. # 5 # وقد انتهى اليهود من تلك المقارنات إلى أن فلسفة اليونان أو الآراء التي ~~رأوها حقائق وأعجبوا بها منها بعبارة أدق، تحتويها التوراة، وإلى أن هذه ~~الفلسفة تعتبر شروحا للحكمة التي تزخر بها التوراة نفسها، ومن ثم أخذوا ~~يعملون على استخلاص هذه الفلسفة من التوراة بطريق التأويل، والشاهد القوي لهذا ~~ما سنعرفه قريبا من عمل «فيلون» الذي يقوم على هذا التصور والفهم، # 6 # وهكذا حصل في الإسكندرية المزج بين الوحي والفلسفة. # ولكن ينبغي أن نقف لحظة نحاول فيها أن نتعرف بعمق العوامل التي دفعت ~~يهود الإسكندرية لذلك التصور الذي يجمع بين الديانة الموسوية والفلسفة ~~الإغريقية. # إن جماع هذه العوامل، في رأينا، هو أنهم أصحاب أول دين سماوي له كتاب بين ~~أيدينا، وهذا الكتاب تناول كثيرا من المشاكل التي شغلت الفلاسفة القدامى، ~~وهم إلى ذلك أو من أجل ذلك شعب الله المختار أو أبناؤه، جل وعلا عن هذا ms080 ~~الزعم، ويضاف إلى هذا وذاك أنهم فقدوا وطنهم فأصبح الدين هو الرباط الوحيد ~~الذي يجمع بينهم. # وكان لذلك كله أن رأوا أن يعملوا على إظهار أن دينهم يحتوي ما يعتز به ~~اليونان من فلسفة تقبلتها عقول الأمم الأخرى، فكان من هذا تأويلهم التوراة ~~تأويلا مجازيا يظهر ما فيها من حكمة وفلسفة كما يرون، وبخاصة أن طريق ~~التأويل المجازي كان معروفا من قبل لدى اليونان. # حقا إنه كما يكون النص الديني موضوع التأويل ليتفق والحقيقة التي يثبتها ~~العقل، وهذا الضرب هو بيت القصيد من هذا الفصل، كذلك قد يكون موضوع التأويل ~~نصا من الأساطير أو الآداب التي لها حظها من القداسة لدى أمة من الأمم ~~ليتفق والفكرة التي يراها المؤول بعقله. # ومن هنا نعرف أن هذا الضرب من التأويل الديني الفلسفي كان معروفا لدى ~~اليونان، وقد اصطنعه كل مذهب من المذاهب الفلسفية فيها، # 7 # ولكن الفيثاغوريين منذ أول عهدهم كانوا أول من اصطنع هذه الطريقة ~~وتوسعوا فيها، وهكذا كان الأمر كما يقول الأستاذ «برهيه»: سعار التأويل ~~المجازي هذا، كان معروفا له قدره في كل مركز فلسفي عالمي. إلا أن ~~الإسكندرية كانت هي المركز الأهم لهذه الطريقة في نحو عصر فيلون، وكانت ~~كتاباته هي المعين الأهم لها. # 8 # هذا عند اليونان قبل فيلون، ونجد الأمر كذلك أو قريبا منه عند بني جلدته ~~اليهود وإخوانه في الدين، لقد كان هؤلاء قبل فيلون يرون في التوراة معنى ~~حرفيا، ومعنى آخر مجازيا يجب معرفته لأهله بالتأويل؛ ولهذا كما يذكر ~~الأب مارتان # L’Abbè Martin ~~، كان فيلون ~~في تأويله لقصة الخلق مطمئنا إلى أن اليهود سبق أن عرفوا لها تآويل ~~كتأويله، إذ كانوا لا يرون أخذ بدء قصة التكوين حرفيا. # 9 # وفيلون نفسه يشير أحيانا إلى بعض تآويل سابقيه، وله من هذه ~~التآويل موقفه الخاص الذي ليس هنا الآن بيانه. ~~(2) لدى فيلون # الكلام على التأويل عند فيلون الإسكندري معناه الكلام على العمدة في هذه ~~الناحية في رأينا ورأي كثير من الباحثين؛ فقد كان لموقفه حيال التوراة ~~وفلسفة ms081 اليونان الأوائل، وتأويل كثير من نصوص تلك أثر مباشر أو غير مباشر ~~في مفكري المسيحية والإسلام في العصر الوسيط، عندما وجدوا أنفسهم في مثل ~~موقفه، وقرءوا ما وصل إليهم من كتاباته فيما ورثوه من فلسفة الأفلاطونية ~~الحديثة بالإسكندرية. ~~••• # إن القارئ لما كتب فيلون يحس إحساسا قويا بأن الشريعة والفلسفة هما ~~المصدران لتفكيره، ولا عجب في هذا، فإن الحقيقة واحدة؛ فلا تناقض نفسها وإن ~~اختلفت صور التعبير عنها، يريد أن يقول بأن ما هو حق من الفلسفة ليس إلا ما ~~نجده في التوراة من حكمة، وإن لبست على أيدي الفلاسفة ثوبا أو ثيابا ~~أخرى. # ولكن كيف هذا والشريعة بظاهر كثير من نصوصها لا تسير والفلسفة! هنا نجد ~~فيلسوف الإسكندرية يصرح بأنه تقريبا كل ما هو خاص بالعقيدة من نصوص له ~~معنى مجازي يهدف إليه. # 10 # وإذن، فالتأويل ضروري لما يراه فيلون وأمثاله من أن الأنبياء تكلموا ~~كثيرا بالمجاز سترا للحقيقة عن غير أهلها، إذن يكون فهم النص على حقيقته ~~ليس مقدورا للجميع، ما دام طريق هذا هو التأويل الذي ليس مقدورا أو مسموحا ~~به للناس جميعا. # وللتأويل أصول أوضحها فيلون وشدد في اتباعها، ومنها يتبين ما لكل من ~~المعنى الحرفي والمعنى الخفي من قيمة لديه: ~~(أ) # إنه يرى أن المعنى الحرفي يشبه الجسم، والمعنى ~~الخفي يشبه الروح. ~~(ب) # ومع هذا ينبغي ألا نهمل المعنى الحرفي، بل يجب أن نراعي ~~الحرف والروح معا أو الظاهر والخفي؛ ولهذا يلوم الذين لا ~~يلقون بالا لكل منهما، ويرى من الواجب العناية بهذا وبذاك، ~~وذلك بما أنه من الواجب العناية بالجسم والروح معا. # على أن فيلون مهما يشدد في عدم إهمال الحرف، فإن تشبيهه له بالجسم ~~بجانب المعنى الآخر الخفي الذي يشبه الروح، ويضاف إلى هذا بعض ما سنذكره له ~~قريبا من المثل لتآويله التي تنزل بالمعنى الحرفي إلى العدم أحيانا، وكذلك ~~ما يضفيه في بعض الحالات من تآويل تعارض تآويل أخرى مأثورة، إن كل هذا ~~يجعلنا نرى بحق مع الأستاذ «برهييه» أن عبارة «قوانين التأويل ms082 المجازي» التي ~~يكررها فيلون نفسه لا تعني أكثر من مبادئ عامة لا تنال من حرية من ~~يأخذ في التأويل. # 11 # وفي الواقع إن فيلون يجعل من التأويل وسيلة ضرورية يحقق بها أغراضا ~~لها قيمتها لديه، أو بعبارة أخرى لتتفق النصوص المقدسة مع آرائه ~~الفلسفية: في الله، وفي خلق العالم، وفي النفس، وفي الدين بصفة عامة، الدين ~~الذي يحرص الحرص كله على أن يأخذ صفة «العالمية»، لا أن يظل دينا لطائفة ~~خاصة هم بنو إسرائيل، وهكذا بالتأويل المجازي الذي اصطنعه فيلون يستخرج ما ~~في التوراة من فلسفة تظهر أنها عارية منها لو أخذت نصوصها حرفيا. # 12 # وإذن يرى فيلون أن من الضروري تأويل النصوص التي تثبت بظاهرها لله ما لا ~~يليق به من الصفات والأحوال: كالتجسيم، والكون في مكان، والكلام بصوت وحروف، ~~والندم، وهو في هذا يقول: الله لا يأخذه الغضب ولا يندم ولا يتكلم بحروف ~~وأصوات، وليس له مكان خاص يقر فيه. # ويؤول حفظا لعظمة الله ولتنزيهه عن العناية بما لا يليق بجلاله من أمور ~~تافهة، ومن باب التمثيل نرى التوارة تقول: إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب ~~الشمس ترده له؛ لأنه وحده غطاؤه، هو ثوبه لجلده، في ماذا ينام. # 13 # وهنا يصيح فيلون: «ولكن كيف! هل يعنى الله بمثل هذه التفاصيل التافهة؟» ثم ~~يقول: «إن أبطأ الأذهان إدراكا وفهما ليرى أن وراء الحرف معنى آخر ~~يبين بالتأويل الحق المجازي.» # 14 # وهو يؤول كذلك قصة خلق العالم في ستة أيام، وهي بنصها الحرفي أن الله ~~في خلق العالم كان محتاجا إلى مدة، وفي هذا يقول: «إن الأيام الستة ~~التي يتحدث عنها موسى لا تعني أن الخالق كان في حاجة إلى مدة من الزمن.» # 15 # ولكن موسى أراد أن يعرفنا باللغة التي نفهمها نحن البشر بنظام ~~العالم الذي خلقه الله، ومنزلة بعضه من بعض، وهذا أمر فهمه يسير في رأي فيلون ~~الذي يقول في هذا الصدد: «إني أرى من السذاجة أن نعتقد من هذا أن ~~العالم خلق في ستة أيام، أو ms083 بصفة عامة في فترة من الزمن.» # 16 # كما يؤول أيضا للتخلص من المعنى الحرفي الأسطوري ذي الغرض، وهو يحارب ~~بشدة هذا الضرب من التأويل الذي يهدف إلى نقد التوراة بجعلها بمنزلة كتب ~~الأساطير الإغريقية، إنه يقاتل هذا الفهم الحرفي في ميدانه، وذلك بأن ~~يعارضه بفهم حرفي آخر يتفق وسمو التوراة، ثم يضيف بعد هذا تأويلا آخر ~~مجازيا. # ومن المثل لذلك ما جاء في التوراة عن تضحية إبراهيم لولده إسحاق، # 17 # فقد رأى بعض الشراح في هذا مماثلة لما جاء في بعض الأساطير ~~الإغريقية من هذا الضرب من التضحيات. # 18 # ومثال آخر وهو قصة بلبلة الألسن التي وردت في التوراة، والتي قرب إليها بعض ~~معاصري موسى أسطورة إغريقية تقول بأن لغة الناس والحيوان كانت أول الأمر ~~واحدة. إن فيلون يعرض هنا هذه الأسطورة ثم يذكر أن موسى وقد اقترب أكثر ما ~~يكون من الحقيقة فصل الحيوانات عن الكائنات العاقلة، وأظهر وحدة اللغة ~~بالنسبة للناس فقط أول الأمر، على أن فيلون بعد أن رفع من شأن موسى هكذا ~~لم يرض هذا التأويل ووصفه بأنه أسطوري أيضا. # 19 # وبعد ذلك كله نراه يؤول، صيانة أيضا للتوراة من أن تكون كتاب أساطير كبعض ~~كتب اليونان، يؤول الأشخاص التي جاءت في قصص التوراة، وذلك بأن يجعلها ~~رموزا لبعض حالات النفس، ومن مثل هذا قصة خلق آدم ثم حواء من إحدى أضلاعه، ~~وإغراء الحية لهما، وقتل قابيل لهابيل، كل هذا ونحوه تناوله فيلون بالتأويل ~~المجازي الذي يعتبر الغرض الأخلاقي هو الناحية الأساسية فيه. # 20 # ويتصل بهذا التأويل النفسي أو الروحي ما ذهب إليه من تأويل أشياء ~~العبادة بجعلها رموزا للحالة الداخلية للنفس، مثلا إن التابوت هو الروح ~~بفضائلها غير القابلة للفساد، وأفكارها التي لا ترى، وأعمالها المرئية ~~المشاهدة، وآنية صب الشراب موضوعة على المنضدة، هي الروح الكاملة تفتح ذاتها ~~لله، وزنبق الشمعدان هو فصل الأشياء الإنسانية والإلهية، وعلو التابوت هو عظمة ~~الروح التي تضحى وتقدم قربانا، وزيت المصباح هو الحكمة. # 21 # وأخيرا في تلك الناحية، نكتفي ms084 بالقول بأن فيلون يؤول أيضا لغاية أخرى ~~مهمة جدا في رأيه ؛ إذ إنها تعبر عن فكرته الأساسية من استعماله ~~للتأويل المجازي، وهي أن يصير الدين الموسوي دينا عالميا، وهذه الغاية ~~يحول دونها فهم النصوص فهما حرفيا دائما. # ولذلك نراه يتشدد في ضرورة تأويل كثير من نصوص التوراة، يتشدد حتى إنه ليقول: ~~«هؤلاء الذين لا يريدون قبول طريقة التأويل المجازي، ليسوا أغبياء فحسب، بل ~~هم أيضا ملحدون.» # 22 # ومما تقدم كله نرى أن أنواع التأويل التي عرفناها عن فيلون هي ثلاثة ~~كما يذكر الأستاذ برهييه، وهي: التأويل الحرفي ذي الغرض، والتأويل الحرفي ~~البسيط، والتأويل المجازي. # وقد كان حربا على النوعين الأولين دفاعا عن الدين الموسوي، وقد كان من ~~هؤلاء وثنيون يريدون جعل التوراة بمنزلة كتب الأساطير اليونانية، ومنهم ~~يهود جهلاء هم أولى بالرثاء منهم بالموجدة، ولم يكن التأويل الذي يدعو ~~إليه ويوجبه لكثير من نصوص التوراة إلا التأويل المجازي، وكان مصدره في هذا ~~الضرب من التأويل: الإلهام، والبحث والتفكير الشخصي، والمأثورات. # 23 ~~••• # والآن ماذا كانت نتيجة اصطناع فيلون طريقة التأويل المجازي حسب ما رأى ~~لنفسه، التأويل الذي عرفنا مبلغ تشدده في رعايته؟ # إن فيلون جعل التوراة بذلك تتسع لما كان يراه حقا من الفلسفة ~~الإغريقية، ولعله بهذا قد رفع من شأن الدين الموسوي وكتابه المقدس في ~~نظر العالم الهلنسي، الذي كان يعيش فيه، فقد كان يفاخر بهذا الكتاب وما حوى ~~من حكمة - يوصل إليها بالتأويل - لم يصل فلاسفة اليونان لأسمى منها. # 24 # ولكن على فرض أن فيلون نجح فيما أراده وعمل له، فقد أفسد التوراة وأخرجها ~~عن أن تكون كتابا دينيا يتأثر به القلب والعقل معا، فيهدي بذلك قارئه ~~للخير والسعادة، # 25 # بل إنه كاد بصنيعه أن يمحو ما أنزله الله في التوراة من هدى ~~ونور! # هذا، وسنرى عند الحديث عن التأويل لدى ابن ميمون، كيف أن سبينوزا ~~الفيلسوف اليهودي أيضا يعارض التأويل المجازي معارضة شديدة، ويرى أن ~~التوراة يجب أن تفسر بالتوراة نفسها، لا بالفلسفة اليونانية أو غيرها من ~~الفلسفات ms085 المختلفة. ~~(3) التأويل لدى ابن ميمون # إذا تركنا فيلون، وتخطينا العصر الذي كان يعيش فيه ببضعة قرون، نجد حبرا آخر ~~من أحبار اليهود وفلاسفتهم يرى ضرورة التأويل المجازي للتوراة، نعني بذلك ~~«ابن ميمون» الذي كان يعيش في القرن الثاني عشر، بل نجد قبل ظهور ابن ميمون ~~نفس التأويل لدى غيره من مفكري اليهود، مثل سعاديا الفيومي (892-942م)، ~~وابن جبريول من رجال القرن الحادي عشر. ~~••• # ولأجل فهم طريقة ابن ميمون في التأويل، وغرضه منه والبواعث التي بعثته عليه، ~~لا نرى خيرا من الرجوع إلى كتابه «دلالة الحائرين»، فقد أفصح عن ذلك ~~كله بما يكفي الباحث ويرضيه، إنه يقول في مقدمة هذا الكتاب: «هذه ~~الرسالة لها أيضا غرض ثان، وهو شرح النصوص المجازية الشديدة الغموض، هذه ~~النصوص التي نصطدم بالكثير منها في أسفار الأنبياء دون أن يكون واضحا أنها ~~من المجاز، والتي - على الضد من هذا - يأخذها الجاهل والذاهل على معناها ~~الخارجي، دون أن يرى فيها معاني خفية.» # وهو يرى أولا وقبل كل شيء أن الأنبياء - وتبعهم في هذا علماء الشريعة - ~~قد تكلموا بالمجاز عامدين في الدين، وبخاصة إذا كان الأمر أمر المعارف التي ~~لا تطيقها العامة، والتي لا يصل إليها إلا الخاصة، نعني قصة التكوين التي ~~هي علم الطبيعة، وقصة «المركبة السماوية» التي هي علم ما وراء الطبيعة، وهو في ~~هذا يقول: «إنه لأجل هذا نجد هذه الموضوعات أيضا تتركز في كتب النبوات على ~~المجاز، كما نجد علماء الشريعة يتكلمون فيها بالمجاز وبالإلغاز، وهم يتبعون ~~في ذلك خطة الكتب المقدسة.» # 26 # وإذن يجب التأويل لفهم المجازات وما ترمي إليه من معان، فذلك - فيما يؤكد ~~ابن ميمون - هو المفتاح لفهم كل ما قاله الأنبياء، ولمعرفة حقيقته تماما، ~~وبهذا التأويل نتجاوز المعنى الظاهر للنفس إلى المعنى المراد، وكم بينهما من ~~فرق! # على أن للمعنى الظاهر قيمته بالنسبة لطائفة خاصة، كما للمعنى الخفي ~~قيمته بالنسبة لطائفة أخرى؛ فكلمات الأنبياء تحوي ظاهريا الحكم النافعة ~~في سبيل تحسين حالة الجماعات الإنسانية، وغير هذا من أنواع الخير، ولما ms086 ترمي ~~إليه من معان خفية منافع لا بد منها، وبخاصة في العقائد ما دام موضوعها ~~هو الحقيقة لا ما يشبه الحقيقة. # 27 # وإذا كان ابن ميمون يرى ضرورة التأويل المجازي كما رأينا، فهل يترك نفسه ~~وغيره يؤول كما يريد؟ أو هناك قواعد وأصول ينبغي أن يستهدي بها؟ للإجابة عن ~~هذا نذكر أنه ترك لنا فيما كتب ما يدل على أنه كان هناك أصول يسترشد ~~بها، ويمكن استخلاص هذه الأصول من تآويله نفسه في كتابه «دلالة الحائرين»: # 28 ~~(أ) # يجب أن يكون في الظاهر ما يرشد المتأمل بعقله إلى المعنى ~~الخفي. ~~(ب) # أن يكون هذا المعنى الخفي أجمل وأليق من المعنى الذي يدل ~~عليه النص بظاهره. ~~(ج) # أن نصير إلى التأويل إذا كانت النصوص لو أخذت حرفيا تؤدي ~~إلى التجسيم، أو جواز النقلة أو الكون في مكان على الله، ونحو ~~هذا مما يتصل بصفات المخلوقين التي يستحيل عقلا أن تنسب ~~إليه؛ ولهذا يجب إذاعة تأويل هذه النصوص وأمثالها للعامة ~~والخاصة على سواء. ~~(د) # أن يصار إلى التأويل متى قام الدليل العقلي الصحيح على ~~بطلان المعنى الذي يؤخذ من ظاهر النص؛ ولهذا تركت النصوص ~~التي تشهد بظواهرها لحدوث العالم، مع إمكان تأويلها؛ لأنه لم ~~يقم الدليل القاطع على قدمه حتى من أرسطوطاليس. ~~(ه) # ألا نصل بسبب التأويل إلى معنى يهدم أساسا من أسس الشريعة؛ ~~ولهذا كان السبب الثاني في عدم تأويل النصوص التي تشهد ~~بظاهرها لحدوث العالم، أن القول بقدمه كما يرى أرسطوطاليس ~~يستأصل الدين من أساسه، ويدمغ كل المعجزات بأنها أكاذيب. # 29 ~~(و) # وأخيرا ألا يذاع من التأويل إلا القليل الذي يكفيي لفهمه، ~~وأن يكون ذلك للمستعد له فحسب. # وهذا الأصل نجد ابن ميمون يرعاه حقا، ويتبين ذلك من كتابه لتلميذه «يوسف بن ~~يهوذا» إذ يقول: «إنك لم تسألني إلا عن المبادئ الأولى (لعله يريد مبادئ ~~الفلسفة الإلهية والطبيعية)، ولكن هذه المبادئ لا توجد في هذه الرسالة ~~مرتبة ومنظمة يتلو بعضها بعضا، بل إنها على الضد من هذا لا توجد ~~إلا ms087 في غير وضوح ومختلطة بموضوعات أخرى يراد شرحها، وذلك بأن قصدي في هذه ~~الرسالة الاكتفاء بأن تلوح الحقائق وراء ستار يكاد يخفيها، وبهذا لا أكون ~~معارضا للغرض الإلهي.» # 30 # هذه هي الأصول الهامة التي أمكن استخلاصها من كتابه القيم الآنف الذكر، والتي ~~على هداها سار ابن ميمون في تأويلاته، ومنها يتبين أنه كان يسير على ~~الجادة التي سار عليها قبله وبعده أمثاله من رجال الدين الفلاسفة ~~والمفكرين. # وهنا، نجد من المهم أن نلاحظ أنه كأمثاله من الذين اصطنعوا التأويل في ~~الكتب الوحيية، قد عمل على أن تتفق التوراة والعقل، أو بالفلسفة السائدة في ~~عصره بتعبير آخر، هذه الفلسفة التي كانت في رأيه مفتاحا لفهم بعض ما جاءت به ~~كتب الأنبياء، # 31 # ولكن نجد له مع هذا ما يدل بوضوح على تقديره للتوراة أكثر من ~~تقديره للفلسفة. # وذلك بأنه قد يستعين حقا ببعض الآراء الفلسفية الصحيحة على فهم بعض ما جاء ~~في التوراة كما قلنا، وقد يؤول بعض نصوصها تأويلا مجازيا لتتفق وما قام ~~الدليل القاطع على صحته من الآراء الفلسفية كما ذكرنا آنفا أيضا، ولكنه ~~مع هذا وذاك لا يجنح إلى التأويل إذا كان الأمر على غير ما ذكر، بل يقبل الحل ~~الذي جاء في التوراة عن الأنبياء بلا تأويل. # ولذلك نراه يلوم جد اللوم الذين قالوا بقدم العالم تقليدا لأرسطوطاليس ~~وغيره من الذين يعتبرون حجة في الفلسفة، دون دليل صحيح قاطع بالقدم، ثم رفضوا ~~لهذا ما جاء به الأنبياء مما يثبت الحدوث. # الأمر واضح إذن، إن صاحب «دلالة الحائرين» يؤمن إيمانا تاما بأن ما ~~قام عليه الدليل العقلي الصحيح القاطع لا يمكن أن يتناقض أو يتعارض وما جاء ~~به الوحي، فإن أحسسنا تعارضا بينهما كان ظاهريا يجب أن يزول بتأويل ~~النص، أو إذا لم يكن الدليل صحيحا قاطعا، وجب قبول ما جاء به الوحي؛ حتى ~~ولو كان تأويله ممكنا، وحتى لو كان الرأي الفلسفي لأرسطوطاليس أو غيره من ~~مشاهير الفلاسفة. # ومهما يكن فإن ابن ميمون بما ذهب إليه من ms088 التأويل حين يراه ضروريا قد وجد ~~ما رآه حقا من فلسفة أرسطو في التوراة والتلمود، # 32 # وإنه قد أعاد في رأيه بصنيعه الطمأنينة للمحتارين المترددين، وحقق ~~في رأيه أيضا ما عمل له من التوفيق بين الفلسفة اليونانية والوحي ~~الموسوي. # على أن هذا الصنيع من ابن ميمون كان حظه النقد الشديد من «سبينوزا» كما ~~أشرنا إلى ذلك من قبل، إن هذا الفيلسوف اليهودي الهولندي (1632-1677م) يقرر ~~في رسالته «في اللاهوت والسياسة» أن الكتاب المقدس قد شقي بمن سلطوا ~~عليه التأويل في جرأة لا نجدها لهم إزاء كتاب غيره، ثم ينتهي بتأكيد أن ~~طريقة ابن ميمون لا فائدة منها مطلقا، وبأنها لا تدعنا ندرك المعاني ~~الحقة للكتاب المقدس، وإذن يجب رفض صنيع ابن ميمون باعتباره عملا ضارا وعابثا. # 33 ~~••• # وموقف سبينوزا هذا واضح، وذلك متى لاحظنا رأيه في العلاقة بين الوحي والعقل ~~أو بين الدين والفلسفة، فهما متمايزان في الطبيعة والغاية كما ذكرنا من قبل؛ ~~ولهذا يجب الفصل بينهما وإبقاء كل منهما مستقلا في دائرته الخاصة ~~به. ~~(4) التأويل لدى رجال الكنيسة المسيحية # نحن الآن في العالم المسيحي حيث يوجد دين جديد له كتاب موحى به، ويحاول أن ~~يكون عالميا، ويجد نفسه إزاء الفلسفة اليونانية التي صارت عالمية بالفعل، ~~ويرى مفكروه في هذه الفلسفة حقائق لا يمكن إنكارها، وبعضها لا يتفق وبعض ~~نصوص الكتاب المقدس لهذا الدين السماوي، فكيف العمل؟ # كيف سيعمل رجال هذا الدين إزاء هذه الفلسفة؟ أينكرون ما فيها من حقائق تعارض ~~كتابهم المقدس، وحينئذ لا يتكلفون عناء تفسير ما جاء بكتابهم تفسيرا ~~فلسفيا؟ أم يعترفون بها، وإذن لا بد من تأويل بعض النصوص الدينية لتتفق وتلك ~~الحقائق؟ # هكذا وضعت المشكلة أمام مفكري العصر المسيحي وفلاسفته من أول ظهور ~~المسيحية إلى نهاية العصر الوسيط، بل إلى هذه الأيام، كما وضعت من قبل أمام ~~مفكري اليهودية، وكما ستظهر من بعد أمام فلاسفة الإسلام. # وليس علينا هنا تحقيق كيف يعلل رجال الكنيسة معرفة فلاسفة اليونان ما عرفوا ~~من حقيقة: هل ذلك لأنهم أفادوا ms089 مباشرة إلى حد قليل أو كثير من الكتب ~~الموحاة، كما يرى البعض ومنهم القديس بولص نفسه متأثرين برأي فيلون ~~الإسكندري؟ أو لأن كل إنسان له حظه من الوحي الطبيعي الذي مصدره ~~«الكلمة # Le Verbe ~~» هذا الوحي الذي سبق ~~في الزمن الوحي الذي مصدره الكلمة بعد أن تجسدت، على ما يفهم من إنجيل ~~القديس يوحنا. # ليس علينا تحقيق هذا التعليل، ولكن نشير إلى أن «لاكتانس # Lactance ~~» المتوفى سنة 325، هذا المسيحي ~~الحقيقي يعترف بأن كلا من هؤلاء الفلاسفة عرف جزءا من الحقيقة، وأن هذه ~~الأجزاء في مجموعها تكون الحقيقة كاملة، وكذلك نشير هنا أيضا إلى أن ~~القديس أوغسطين المتوفى سنة 430، يرى من بعد «لاكتانس» أن ما هو حق من ~~الفلسفة الأفلاطونية الحديثة يوجد في إنجيل يوحنا، بل إنه ليوجد في سفر ~~الحكمة حقائق لم يعرفها أفلوطين نفسه. # 34 ~~••• # وإذن إذا كان الأمر هكذا، أي: إذا كان الإنجيل قد حوى ما هو حق من الفلسفة ~~اليونانية، بل حوى حقائق أخرى لم يصل إليها هؤلاء الفلاسفة اليونان، وكان ~~الإنجيل إذا أخذت نصوصه كلها حرفيا لا تظهر منه هذه الحقائق، كان لا ~~بد من تأويل بعضها ليظهر ما فيها من المعاني الخفية الفلسفية، وهذا الموقف، ~~والأمر كما ذكرنا، هو ما وقفته الكنيسة من أول أمرها، حيث قبلت مبدأ ~~احتمال بعض النصوص معاني متعددة، ووجوب التأويل أحيانا حسب ما تعارف اليهود ~~قبلهم عليه من قواعد وأصول. # حقا إنه يعود إلى مدرسة الإسكندرية مبدأ تعدد معاني الكتاب المقدس، ومبدأ ~~التأويل المجازي لبعض نصوصه، هذا التأويل الذي ساد في العصر الوسيط وبخاصة في ~~القرون الأولى منه، والمثل في هذا لا تعوزنا بحال. # هذا هو «كليمان # Clément ~~» الإسكندري، المتوفى ~~نحو سنة 220م، يرى تأويل ما جاء في الكتاب عن قصة خلق العالم في ستة أيام؛ ~~لأن الله - كما يقول - لم يخلق شيئا في الزمان الذي لم يوجد إلا مع العالم نفسه. # 35 # وطريق التأويل الذي اختطه كليمان نرى «أوريجين # Origène ~~» يسير فيه بأكثر جرأة وثباتا وعزما؛ إنه يعتبر - ~~مثل ms090 فيلون - المعنى الحرفي الظاهر كالجسم، والمعنى المجازي الخفي كالروح، ~~كما يؤول كل نص يفهم منه حرفيا التجسيم في الله، وكذلك ما جاء في قصة ~~التكوين عن خلق العالم في أيام ستة، وعن الجنة الأرضية، وخلق حواء من ضلع ~~من أضلاع آدم، وما استتر به آدام وحواء من أوراق الشجر التي اتخذاها بعد أن ~~ذاقا الشجرة المحرمة ثيابا منهما تستر العورة. # 36 # وهذا التأويل من أوريجين لما ذكرناه ونحوه لم يعد شيئا نكرا في ~~أيامه؛ لأنه كان من المجمع عليه تقريبا من آباء الكنيسة في القرون ~~الخمسة الأولى، تأويل قصة الخلق في ستة أيام تأويلا مجازيا، كما يذكر ~~الأب مارتان. # وإذا تركنا أوريجين والقديس «جيروم # Jérôme ~~» ~~المتوفى سنة 420م والذي تأثر به في وضوح، نجد القديس أوغسطين يسير في ~~التأويل المجازي بفطنة؛ إذ يرى وجوب التمييز بين ما يجب أن يؤخذ من النصوص ~~حرفيا، وبين ما يجب تأويله مجازيا، على أن تكون نتيجة التأويل الاتفاق ~~مع العقيدة، ومبدأ وجوب اتفاق نتيجة التأويل مع العقيدة نراه صار مبدءا ~~متوارثا لدى كثيرين من مفكري رجال الدين المسيحي من بعد. # وكما كان هؤلاء حريصين على هذا، كانوا حريصين كذلك على وجوب تقدير المعنى ~~الحرفي أولا، فهو الذي يقوم عليه المعنى المجازي، كما سنرى ذلك عند القديس ~~توماس الأكويني، حتى إن أحدهم «هيج # Hugues ~~» يحمل بشدة على الذين يهملون المعنى الحرفي إلى ~~الآخر المجازي، متغافلين عن أن ذاك هو الأساس. # 37 # ومرد حرص هؤلاء على هذين المبدأين، هو أنهم كانوا رجال دين ~~قبل أن يكونوا فلاسفة، فلم يحاولوا قسر الكتاب المقدس على أن يتفق حتما ~~والفلسفة. # على أنه في القرن الثاني عشر ليس لنا أن نمر دون إشارة إلى «أبيلارد # Abélard ~~» المتوفى سنة 1142م، وقد كان ~~معاصرا ل «هيج» الذي عرفنا حملته الشديدة على من يهملون المعنى الحرفي، فقد ~~أمعن في التأويل المجازي. # لقد سار أبيلارد في هذا التأويل شوطا بعيدا متأثرا بفيلون اليهودي، وبهذا ~~أمكنه أن يوحد بين آراء أفلاطون وما جاء به الإنجيل. ms091 # 38 # ولم يكن وحده متفردا بهذه النزعة التوفيقية المغالية، بل كان ~~له نظراء في هذه الناحية عملوا على التوفيق بين أفلاطون والكتاب المقدس. # 39 # ولكن أبيلارد كما كان يسلط التأويل على التوراة، كان يؤول أيضا ~~في كتابات أفلاطون في شرحه له، لما كان يرى من أن الفلاسفة كالأنبياء، كانوا ~~يتكلمون بالمجاز والألغاز تورية عما يريدون بيانه من حقائق. # 40 # وهنا ينبغي أن نشير إلى وقوف القديس «برنارد» موقف المعارض الشديد لأبيلارد ~~فيما اصطنعه من طريقة فهم الفلسفة والإنجيل، حتى كان ما هو معروف من الحكم على ~~هذا بالسكوت وحرمان أنصاره سنة 1140م. # وإذا تركنا القرن الثاني عشر إلى ما بعده، نجد التأويل المجازي نزل عن مكانته ~~التي عرفناها، إلى درجة أنه لم يعد يعد من التأويل أو التفسير بمعنى ~~الكلمة. # فإنه من الحق أننا نجد في القرن الثالث عشر «ألبرت الكبير» المتوفى سنة ~~1280م، وهو يعتبر بحق أكمل ممثل للتفسير الحرفي، # 41 # ففي رأيه أنه لا يوجد إلا تفسير واحد حري أن يسمى ~~تفسيرا، وهو الذي يشرح المعنى المراد من المؤلف والذي يوحيه النص نفسه، ~~وأن أية فكرة لا يوحي بها النص لا يكون لها أية قيمة، ولا تستحق أن ~~يلقي المرء لها بالا، على أنه قد يقبل أحيانا المعاني المجازية، ولكن لا ~~على أنها معان أخرى تعارض المعنى الحرفي، بل على أنها تطبيقات لنتائج ~~المعنى الأول الحرفي وتؤخذ منه. # 42 # وفي هذا الاتجاه لإهمال التأويل المجازي، على أنه وسيلة لاستخراج ما في ~~الكتاب المقدس من فلسفة، نجد تلميذ ألبرت الكبير الأشهر نعني به القديس توماس ~~الأكويني أو غزالي المسيحية إن قبل منا هذا التعبير، يصدر هذا اللاهوتي ~~الأشهر في تفسير الكتاب المقدس عن أن كل ما عدا المعنى الحرفي لا يعتمد ~~عليه، وأنه لا شيء من تلك المعاني الأخرى إلا وهو موجود بوضوح في المعنى ~~الحرفي الذي ينبغي الاعتماد دائما عليه. # 43 # ولنا أن نقرر أن الأكويني في تقديره ~~للمعنى الحرفي وجعل المعاني الأخرى تقوم عليه، يستلهم القديس أوغسطين ms092 كما ~~يذكر هو نفسه، كما يستلهم «هيج» وسان فيكتور. # وما ينبغي لنا أن نفهم من هذا أن الأكويني يرفض دائما التفسير ~~المجازي المأثور وبخاصة أنه يعنى كثيرا بما أثر من التفسير عن أسلافه، ~~فإن من الحق أنه إن كان يستبعد التآويل المجازية؛ لأنها لا تتفق وسياق النص ~~ومحتواه ، فإنه يقبلها غالبا وكثيرا، على أنه يميزها دائما بعناية عن ~~التأويل الحرفي. # والآن لننتهي من التأويل لدى رجال الكنيسة المسيحية، نذكر أن الحال في ~~القرن الرابع عشر كان كما هو الحال في الثالث عشر من الاتجاه للتأويل الحرفي ~~وتقديره، كما نلاحظ أخيرا أن تأويل الكتاب المقدس ليتفق والفلسفة ~~الإغريقية كان له رجاله مثل كليمانت الإسكندري وأوريجين وأبيلارد، على اعتبار ~~أنه يحوي كل الحقائق الفلسفية الصحيحة، وأن التأويل أو التفسير أخذ بعد هذا ~~اتجاها آخر هو وجوب اتفاق نتائجه والعقيدة، وهذا الاتجاه كان له ممثلوه كما ~~عرفنا آنفا. # ومعنى هذا الاتجاه أن تفسير الكتاب المقدس صارت الغاية منه فهم الكتاب ~~نفسه، وحسب ما توحي به النصوص من معان، لا ليتفق مع هذه الفكرة أو تلك من ~~الفلسفة اليونانية، كما أصبحت الغاية منه أيضا التدليل على الآراء والعقائد ~~اللاهوتية. ~~••• # وهكذا رأينا كيف كان موقف رجال الدين الموسوي، ثم رجال الدين المسيحي من ~~التأويل ومدى عنايتهم به، وعلينا بعد ذلك أن ننتقل أخيرا لبحث مسألة التأويل ~~لدى مفكري الإسلام أيضا. ~~(5) التأويل لدى المسلمين # وأخيرا قد ثارت المسألة نفسها في الإسلام، واتخذت الوضع نفسه، وربما كان ~~ذلك للعوامل نفسها التي من أجلها ثارت في اليهودية والمسيحية، مع زيادة عامل ~~آخر، ونعني بهذا محاولة كل أصحاب مذهب من المذاهب الإسلامية، وبخاصة في علم ~~الكلام وفي التصوف، إيجاد سند لآرائهم من كتاب الدين الأول نفسه، وطريق ذلك ~~تأويل نصوص القرآن العظيم التي يرون ضرورة تأويلها حسب القواعد التي ذهبوا ~~إليها. # وقبل الكلام عن التأويل لدى مفكري الإسلام، نشير أولا إلى أن تفسير ~~القرآن - وكم بين التفسير الذي يراد منه فهم القرآن، وبين التأويل الذي يراد ~~منه الاستدلال لرأي ms093 أو مذهب معين من فرق! - كان ينظر إليه في فجر الإسلام ~~والصدر الأول منه بعين الحذر الشديد؛ إذ كان رجال السلف الصالح يتهيبون ~~القرآن. # روى ابن سعد في طبقاته أن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن ~~عمر كانا يمتنعان من تفسير القرآن؛ إذ يريانه أمرا خطيرا، # 44 # كما ضرب سيدنا عمر بن الخطاب بدرته ضربا وجيعا رجلا كان ~~يسأل عن متشابه القرآن، # 45 # وكذلك كان الأمر في أيام بني أمية. # 46 # على أنهم ما كانوا يرون بأسا في تفسير القرآن بالمأثور الثابت عن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # والصحابة والتابعين بالنقل الصحيح، بل قد ظهرت الحاجة ~~شديدة إليه، والمثل الأعلى لهذا الضرب من التفسير نجده في تفسير الطبري ~~المعروف. # ومع هذا؛ فلم يلبث القرآن أن ناله ما نال الكتاب المقدس من قبل، الأمر ~~الذي نقده بشدة سبينوزا من قبل، فقد ظهرت التآويل المجازية لكثير من ~~آياته على أيدي المعتزلة والمتصوفة والشيعة، بل قبل هذه الفرق أيضا. # 47 # لكن رجال هذه الفرق هم الذين توسعوا في هذا الضرب من ~~التأويل، وكان لهم من اصطناع هذه الطريقة أغراض محدودة، ولهم لبلوغ هذه ~~الأغراض وسائلهم الخاصة. ~~(5-1) لدى المعتزلة # أراد المعتزلة وهم الفرقة المعروفة من فرق علم الكلام، أن يبعدوا ~~عن الله تعالى كل ما يوهم التجسيم أو التشبيه، وأن يؤكدوا وحدانيته ~~من كل وجه، وعدله وحرية المرء في أعماله؛ ليكون مسئولا حقا وعدلا ~~عنها، وأن يبعدوا الخرافات والأساطير عن الدين، ومن ثم صرفوا كثيرا من ~~الآيات عن معانيها الحرفية الظاهرية إلى معان أخرى مجازية، ~~واستعانوا في هذه السبيل الوعرة الشاقة بالقرآن نفسه في آيات أخرى # 48 # وباللغة يجدون بها ما يساعدهم في تقرير المعاني التي يرونها. # 49 # ومن أجل ذلك نجد بينهم وبين فيلون وابن ميمون تشابها كبيرا من ~~ناحية الغاية من التأويل من بعض النواحي، وإن كان المعتزلة لم يكن من ~~هدفهم أن يعملوا لإظهار اشتمال القرآن على أمهات الأفكار والآراء ~~الفلسفية اليونانية، كما كان صنيع ms094 المتقدمين. # ومن الميسور أن نأتي بمثل كثيرة لتآويل المعتزلة في القرآن، ولكن نرى ~~أن هذا ليس ضروريا هنا؛ إذ لا يتصل اتصالا كبيرا بموضوع عملنا ~~الأصلي، ويكفي أن نذكر أنه يمكن الرجوع في ذلك إلى: ~~(أ) ~~«محاضرات» الشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر ~~المتوفى سنة 436ه. # 50 ~~(ب) ~~«الكشاف» لمحمود بن عمر الزمخشري الذي جاء بعد سابقه ~~بقرن من الزمان، ويعتبر هذا الكتاب المثل الأعلى ~~للتفسير الاعتزالي. # ومع أن هذا الكتاب كله تآويل اعتزالية؛ فلا ضرورة للإشارة إلى مواضع ~~معينة منه، ولكن مع هذا نشير إلى تأويله لهذه الآيات من باب ~~التمثيل: ~~(أ) # الآية 255 من سورة البقرة: # الله ~~لا إله إلا هو الحي ~~القيوم ~~... # وسع ~~كرسيه السماوات ~~والأرض ~~. ~~(ب) # الآية 18 من سورة آل عمران: # شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم ~~. ~~(ج) # الآية 129 من السورة نفسها: # ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء والله ~~غفور رحيم ~~. ~~(د) # الآية 172 من سورة الأعراف: # وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ~~... ~~(ه) # الآية 72 من سورة الأحزاب: # إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا ~~. ~~(و) # الآية 10 من سورة فصلت: # ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها ~~قالتا أتينا طائعين ~~. # إلى غير ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصر، والتي سلط عليها المعتزلة ~~التأويل بكل سبيل، وذلك لتتفق معانيها في مذهبهم المعروف. # على أنه مع هذا ما ينبغي لنا - وقد أشرنا إلى هذا آنفا - أن نقول ~~بأن المعتزلة بما أولوا من آيات القرآن تأويلا مجازيا، كانوا ~~يريدون أن يظهروا ما رأوه حقا من فلسفة اليونان في القرآن، كما كان ~~الأمر بالنسبة إلى صنيع فيلون الإسكندري، وابن ميمون الأندلسي في ~~التوراة. # وكذلك ليس لنا أن نقول بأنهم تأثروا بهذين المفكرين ms095 اليهوديين في ~~طريقة التأويل، وإن كان الشبه غير قليل بين طريقة الأولين وطريقة ~~المعتزلة. # كل ما في الأمر على ما نعتقد أن المسألة كما ثارت في اليهودية ~~والمسيحية، وضعت كذلك بالنسبة للإسلام، أي إنه يجب تنزيه الله تعالى عن ~~كل ما يوهم أن له شبها كثيرا أو قليلا بالإنسان، ومعنى هذا تنزيهه ~~عن الصفات الجسمية والعواطف البشرية، كأن يكون له وجه أو يدان أو عينان ~~أو قدمان، أو يكون له حركة وينتقل من مكان إلى آخر، أو أن يحس ما يحسه ~~الإنسان من الغضب والمكر والفرح ونحوها من الإحساسات والعواطف ~~البشرية. # ولكن القرآن وكذلك حديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، اشتملا على نصوص كثيرة تشير ~~إذا أخذت حرفيا إلى التجسيم والتشبيه، وما يكون من ذلك من الصفات ~~والعواطف والإحساسات البشرية؛ فيجب إذن صرفها عن معانيها الظاهرية ~~الحرفية إلى معان أخرى مجازية، وبخاصة أن القرآن نفسه استعمل التمثيل ~~أحيانا في تفهيمنا ما يريد. # ومن ذلك قوله تعالى (سورة البقرة: 26): # إن الله ~~لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها ~~، وقوله (سورة الحشر: 21): # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون ~~. # على أن المسألة وإن اتخذت نفس الوضع لدى كثير من رجال الديانات ~~الثلاث؛ فإن الأسباب قد تختلف كثيرا أو قليلا، لم يكن في رأينا من ~~الأسباب لدى المعتزلة الاعتزاز بأن التوراة اشتملت على ما ثبت صحته ~~من الفلسفة اليونانية، أو ما عرفوا منها، كما كان الأمر بالنسبة لفيلون ~~مثلا؛ بل الأمر أن المعتزلة فرقة ~~من رجال علم الكلام لهم مذهب خاص، فأرادوا أن يجدوا له مثل غيرهم ~~من المتكلمين المسلمين أدلة من القرآن على ما ذهبوا إليه. # وقد وجدوا الأمر يسيرا أحيانا فلم يحتاجوا إلى التأويل المجازي، ~~ووجدوه عسيرا أحيانا بالنسبة لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية؛ فعملوا على تأويلها، وساعدهم على ذلك ما هو معروف في البيئة ~~الإسلامية من أن كثيرا من آيات القرآن تحتمل الواحدة منها معاني كثيرة ms096 مختلفة. # 51 # على أن هذه الفكرة نفسها، وخشية القطع برأي في تفسير القرآن، جعلا بعض ~~العلماء المسلمين يترددون في تعيين المعنى المراد من بعض الآيات، ومن هنا ~~جاءت تسميتهم «بالوقوف»، # 52 # ومنهم المتكلم المشهور عبيد الله بن الحسن العنبري. # 53 # أما موقف أهل السنة في مقابل هؤلاء المعتزلة، فمن الممكن إيجازه في ~~أنهم ينقدون بشدة طريقة المعتزلة في تأويلهم القرآن تأويلات يظهر فيها ~~الميل إلى الرأي والتعسف، وهذا الموقف يظهر لنا واضحا جدا في تفسير ~~الإمام المتكلم المتفلسف فخر الدين الرازي المتوفى سنة 606ه، وتفسيره ~~هذا يعتبر بحق في نظر كثير من الباحثين نهاية ما وصل إليه إنتاج ~~المسلمين الفكري في هذه الناحية، ومنه نعرف أن المؤلف قد عني عناية ~~شديدة بتفنيد آراء المعتزلة التي عملوا بكل جهدهم للاستدلال لها، إن لم ~~نقل لأخذها من القرآن. ~~(5-2) لدى المتصوفة والشيعة # هذا؛ وبجانب التأويل الاعتزالي، نجد ضربا آخر من التأويل سار فيه ~~أصحابه إلى أبعد الشوط، ونعني به التأويل الصوفي. # وفي الحق إن المتصوفة لهم تآويل مجازية للقرآن خاصة بهم، وأغلبها - ~~إن لم نقل كلها - متطرف إلى حد بعيد، وهم مثل الشيعة يرون أن ~~الإمام علي بن أبي طالب، عنده عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، علم هذه التآويل كلها ~~التي ينبغي ألا تلقن إلا للمريدين وحدهم شيئا فشيئا. # 54 # وفي هذا يقول عمر بن الفارض الشاعر الصوفي المعروف، في قصيدته التائية ~~المشهورة: # وأوضح بالتأويل ما كان خافيا # علي بعلم ناله بالوصية # وإذن، الإمام علي بن أبي طالب هو إمام التصوف الإسلامي في نظر الصوفية، ~~وهذا الرأي الذي أخذه المتصوفة عن الشيعة، ينكره بتاتا أهل السنة بحق، ~~فإن الرسول # صلى الله عليه وسلم # لم يخص أحدا من صحابته أو ذوي قرابته بعلم خاص ~~ظاهري أو باطني. # 55 # وإن من الحق مع هذا على ما نعتقد، أنه وإن كان غير صحيح ما ذهب ~~إليه الشيعة والمتصوفة من إسنادهم للإمام علي علما باطنيا يشمل ~~المعاني الخفية للقرآن التي خصه بها الرسول، فإنه ليس ms097 من السهل أن ~~ننكر تفاوت العقول في فهم الكتاب العظيم، وإدراك ما تضمنه من تعاليم ~~وحقائق، وفي هذا يرى الغزالي أن أكابر الصحابة وفي مقدمتهم عمر وعلي، ~~فهموا من أسرار الدين وحقائقه أكبر نصيب. # 56 # ونحن، وإن لم يكن من قصدنا بحث مشكلة التأويل بحثا خاصا، نرى من ~~الخير أن نشير إلى أن تآويل الصوفية والشيعة - وبخاصة الباطنية منهم - ~~تختلف عن تآويل المعتزلة بأمرين: ~~(أ) # المبالغة في التأويل المجازي الذي لا قرينة مطلقا عليه ~~من القرآن، وفي طلب ما زعموه من المعاني الخفية فيه، حتى ~~خرجوا به عن معانيه الحقة الواضحة التي لا ريب ~~فيها. ~~(ب) # إسناد هذه التآويل للإمام علي كما رأينا بلا دليل ~~صحيح. # وبعد هذا وذاك، نرى هؤلاء وأولئك يشتركون مع المعتزلة في أنهم عملوا ~~جاهدين على إدخال آرائهم الفلسفية في القرآن والحديث بطريق ذلك التأويل ~~المجازي، فيه - على رأيهم - يستخلص ما في النصوص الدينية الوحيية من ~~حقائق فلسفية عميقة تستتر وراء المعاني الحرفية لهذه النصوص. # والمثل لهذه التآويلات الشيعية والصوفية كثيرة جدا، ومن اليسير أن ~~يجدها من يريدها في التفاسير القرآنية لكل من هاتين الفرقتين، ونشير ~~من بين التفاسير الصوفية إلى: ~~(أ) # كتاب حقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي النيسابوري ~~المتوفى سنة 412ه. ~~(ب) # تفسير محيي الدين بن عربي، المتوفى سنة 638ه. ~~(ج) # تأويلات القرآن، لعبد الرازق القاشي أو القاشاني ~~السمرقندي، المتوفى سنة 887ه. # ومع ذلك؛ فإننا نرى أن نأتي بمثال واحد للتأويل الصوفي، ومثال واحد آخر ~~للتأويل الشيعي. يقول الله تعالى في سورة يس: (الآيات 12-17): # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ ~~جاءها المرسلون * إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ~~فقالوا إنا إليكم مرسلون * قالوا ~~ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن ~~من شيء إن أنتم إلا تكذبون * ~~قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون * وما علينا إلا البلاغ ~~المبين ~~. # فهذه الآيات وما تلاها لم تجئ حسب معناها الظاهر، وهو الصحيح المراد ~~بلا ريب، إلا لتقص علينا للعبرة والذكرى نبأ أصحاب القرية الخاطئة ~~الضالة ms098 مع الرسل الثلاثة الذين أرسلهم الله إليها فكذبوهم، ولكن ~~المتصوفة تركوا هذا المعنى الظاهر وزعموا أن لها معنى خفيا باطنيا، ~~فرأوا أن القرية ليست إلا الجسم، وأن الرسل الثلاثة هم الروح والقلب ~~والعقل، وهكذا أولوها كلها تأويلا مجازيا لا دليل ولا قرينة عليه. # 57 # والمثال الثاني هو تأويل هذه الآيات الأولى من سورة الشمس: # والشمس وضحاها * والقمر ~~إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها ~~، فالله تعالى ~~يقسم في هذه الآيات وما تلاها ببعض الظواهر الطبيعية الفلكية الكبيرة على ~~ما أراد تقريره بعد من الحق، وهذه معان ظاهرة، وهي الصحيحة المرادة بلا ~~ريب، ولكن الشيعة بتفسيرهم الذي بلغ الذروة من التعصب والتعسف، ~~أولوها - لتشهد لهم ببعض ما ذهبوا إليه - تأويلا مجازيا عجبا، ~~فزعموا أن المراد بالشمس محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وبالقمر علي بن أبي طالب، ~~وبالنهار الحسن والحسين رضي الله عنهما، وبالليل الأمويون! # 58 # وهكذا نجد الغالين من هاتين الفرقتين قد بالغوا في التأويل، فحملوا ~~القرآن كثيرا من المعاني والآراء التي لا يقرها بحق أهل السنة، ~~وجعلوا للآية الواحدة معاني باطنية متدرجة في صعوبة معرفتها والإحاطة ~~بها، وفي هذا يقول جلال الدين الرومي الشاعر الصوفي المعروف، وهو ما ~~يوافقه عليه الشيعة الباطنية الإسماعيلية: «اعلم أن آيات الكتاب سهلة ~~يسيرة، ولكنها على سهولتها تخفي وراءها معنى خفيا مستترا. # ويتصل بهذا المعنى الخفي معنى ثالث يحير ذوي الأفهام الثاقبة ~~ويعييها، والمعنى الرابع ما من أحد يحيط به سوى الله واسع الكفاية، من لا ~~شبيه له، وهكذا نصل إلى معاني سبعة الواحد تلو الآخر. # ولذلك لا تتقيد يا بني بالمعنى الظاهري، كما لم ير إبليس في آدم إلا ~~أنه مخلوق من الطين.» # 59 ~~(5-3) لدى الغزالي وابن تيمية # وإذا تركنا المعتزلة والشيعة والمتصوفة، نرى مشكلة التأويل تعرض لأهل ~~السنة من رجال علم الكلام، فيتعرض لها كل من الغزالي وابن تيمية، ويقف ~~كل منهما منها موقفا خاصا يتعارض وموقف الآخر. # تعرض الغزالي لهذه المشكلة ولا عجب في هذا، فهو متكلم ومتصوف ~~وفيلسوف معا! ms099 فهل نراه يسرف في تأويل القرآن والحديث كالمعتزلة ~~والمتصوفة ومن إليهم؟ أو نراه يسير فيه بحذر وعلى بينة كابن رشد ~~مثلا؟ # حجة الإسلام يرى أن في القرآن والحديث نصوصا تفيد غير معانيها ~~الظاهرية؛ ولهذا يجيز تأويلها؛ ولهذا أيضا عني بوضع رسالة في ذلك تسمى ~~«قانون التأويل»، كما تناول هذه المشكلة بالبحث في رسالة أخرى هي «إلجام ~~العوام عن علم الكلام». ومن تلك النصوص مثلا ما يشير بظاهره إلى ~~التجسيم أو التشبيه في ذات الله تعالى أو صفاته. # وذلك مثل الآيات التي توهم بظاهرها أن له تعالى بعض ما للإنسان من ~~الأعضاء والحواس، وأنه يتحرك وينتقل ويجلس على العرش، وأنه فوقنا، ومثل ~~ما جاء في بعض الأحاديث من أنه ينزل في كل ليلة إلى السماء ~~الدنيا. # فهذه النصوص القرآنية والحديثية يرى الغزالي أن لها معاني خفية لا يصل ~~إليها أهل المعرفة، وأن موقف العامي منها هو التصديق بها مع الاعتراف ~~بالعجز عن فهمها، والتسليم فيها لأهل المعرفة القادرين على إدراك المراد منها. # 60 # وينبغي أن نلاحظ أن «العامة» هنا يدخل فيهم الأديب والنحوي ~~والمفسر والمحدث والفقيه والمتكلم، بل كل عالم سوى «المتجردين لعلم ~~السباحة في بحار المعرفة»، # 61 # أي: المتصوفة. إذن، لم يخرج من العامة إلا المتصوفة، كما لم ~~يخرج ابن رشد من العامة إلا الفلاسفة على ما تقدم ذكره. # وهؤلاء المتصوفة أي: «أهل الغوص في بحر المعرفة» لا يصل إلا واحد من كل ~~عشرة منهم - في رأي الغزالي - إلى معرفة «الدر المكنون والسر المخزون». # 62 # وبعبارة أخرى: إن أسرار هذه النصوص ومعانيها الخفية ليست ~~خفية بالنسبة للرسول وأكابر الصحابة، كأبي بكر وعمر وعلي، ويلحق بهم ~~الأولياء والعلماء الراسخون. # 63 # وإذا كانت هذه المعاني الخفية يصل إلى إدراكها «أهل المعرفة»، فهل لهم ~~أن يذيعوها بين الناس، أي: هل لهم أن يظهروا للناس جميعا ما يدركونه من ~~التأويلات؟ # يجيب الغزالي عن هذا إجابة تجعلنا نلمح فيه المتصوف الذي لا يرى أن ~~يطلع على الأسرار إلا المريدون، إنه يرى أن لمن عرف التأويل ms100 أن يحدث ~~به من هو مثله في الاستبصار، أو من هو مستعد للمعرفة وطالب لها ~~ومقبل عليها بكله، ثم يختم ذلك بقوله في شبه قاعدة عامة: «فإن منع ~~العلم أهله ظلم، كبثه لغير أهله.» # 64 # وما ينبغي لنا أن نفهم من إجازة الغزالي التأويل لأهله، وإجازته إظهار ~~التأويلات لمن هو أهل لمعرفتها، أنه في هذا أو ذاك كابن رشد الذي رأينا ~~فيما سبق عنه أنه يجيز إذاعته في هاتين الحالتين، كما أجاز ابن ميمون من ~~بعده، ليس لنا أن نفهم هذا، فإن أهل التأويل وأهل المعرفة في رأي «حجة ~~الإسلام» هم المتصوفة كما عرفنا، على حين أنهم الفلاسفة عند فيلسوف ~~الأندلس وبلديه الحبر اليهودي، وشتان بين أولئك وهؤلاء. # ومهما يكن من شيء، فإن الغزالي بما وضع من قانون للتأويل، جعل الذين ~~يبحثون فيما بين المعقول والمنقول من «تصادم في أول النظر وظاهر الفكر» # 65 # خمس فرق، وجعل الفرقة الخامسة هي المحقة، وهي التي وقفت ~~موقفا وسطا بين المعقول والمنقول؛ إذ جعلت كلا منهما أصلا وسبيلا ~~إلى المعرفة، وأنكرت أن يكون بينهما تعارض حقيقي، وعملت على التوفيق ~~والجمع بينهما، على ما في هذا من مشقة وعسر في أكثر الأحيان. # ولهذه المشقة والعسر يجب أحيانا الكف عن التأويل، وعدم تعيين المعنى ~~الخفي المراد ما دام لا يوجد الدليل القاطع على تعيين هذا المعنى الذي ~~يقصده الله أو الرسول عليه الصلاة والسلام. # مثلا جاء في القرآن والحديث أن أعمال الإنسان توزن يوم القيامة، ~~والعقل يقطع بلا شك أن المعنى الظاهر الحرفي غير مقصود؛ لأنه غير ~~معقول، وإذن لا بد من تأويل لفظ «الوزن» تأويلا مجازيا بإرادة ~~نتيجته وهي تعريف مقدار العمل، أو تأويل لفظ «العمل» بإرادة الصحيفة التي ~~كان مكتوبا فيها، وليس لدينا ما يدل دلالة قاطعة على أن هذا التأويل ~~أو ذاك هو المراد، والنتيجة أنه يجب الكف عن تعيين المعنى المجازي ~~المراد؛ لأنه لا يجوز الحكم على مراد الله أو رسوله بالظن ~~والتخمين. # من هذا كله نرى الإمام الغزالي مع مشاركته ms101 للصوفية في أنه يوجد «مريدون» ~~يصح أن تذاع لهم التأويلات الحقيقية والمعاني الخفية لبعض النصوص ~~المقدسة، لم يفرط كما أفرطوا في التأويل، بل إنه رأى التوقف فيه في ~~حالات كثيرة عندما لا يوجد دليل قاطع على تعيين المعنى المجازي ~~المراد. # أما الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية والمتوفى ~~عام 728ه، وبه نختم هذا البحث الذي طال إن كنا نرى أن ذلك كان ~~ضروريا في نظرنا، فإنه قد وقف بالنسبة لمشكلة التأويل موقفا معارضا ~~كما رأينا عند من سبق من أولئك الفلاسفة والمفكرين . # إنه يرى أن يفرق بين لفظ «التأويل» في عرف السلف، وبينه عند المتكلمين ~~- وبخاصة المعتزلة - والمتصوفة والفلاسفة من رجال الدين. # التأويل في رأي رجال السلف الإسلامي هو التفسير وبيان المراد من النص ~~القرآني أو الحديثي، وبهذا المعنى ورد كثير في القرآن نفسه، وهو التأويل ~~المقبول، ويقال على هذا المعنى إن الصحابة والتابعين كانوا يعرفون تأويل ~~القرآن الذي فسروه كله، ومن ثم قال الحسن البصري من التابعين: ما أنزل ~~الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها. # 66 # ولذلك لا يجوز التوقف وترك بيان معنى الآية من آيات القرآن؛ لأن الله ~~أمرنا أن نتدبر القرآن وأن نفهمه، والرسول لم يترك هذا من غير ~~بيان للصحابة، اللهم إلا أن يقال إن الرسول كان لا يعلم معاني القرآن ~~الذي أنزل عليه، أو كان يعلمها ولم يبلغها كلها للناس مع أنه مأمور من ~~الله بالتبليغ، وكل ذلك غير مقبول ولا معقول. # 67 # ونرى أن ابن تيمية غير مفهوم تماما هنا، فإنه يرى، مع تأكيده أن ~~الصحابة والتابعين كانوا يفهمون القرآن كله، أن ما جاء فيه عن الله ~~وصفاته واليوم الآخر، وما يجري فيه من أمور غيبية كان أولئك الصحابة ~~والتابعون يعلمون تأويله وتفسيره، وإن لم يعرفوا كيفية ما أخبر به الله ~~من ذلك كله! # 68 # هذا؛ وأما النوع الآخر من التأويل الذي يتكلم عنه كثيرا من الفلاسفة ~~والمتصوفة، وبعض رجال علم الكلام، فهو أمر آخر غير ms102 النوع الأول، إنه ~~في اصطلاحهم الخاص «صرف اللفظ عن المعنى المدلول عليه المفهوم منه إلى ~~معنى آخر يخالف ذلك.» # 69 # أي: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر خفي. # وهذا ضرب من التأويل لم يغب عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # الذي بين بنفسه، في ~~كل موضع يجب فيه ترك المعنى الظاهري، المعنى الآخر المراد بهذا اللفظ؛ ~~وذلك لأنه «لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ~~ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من ~~كلامه ما لم يبينه لهم.» # 70 # وما دام الأمر كذلك؛ فلا تعارض إذن بين المعقول الصريح والمنقول ~~الصحيح، أي: لا تعارض بين ما يؤدي إليه العقل السليم وبين ما ثبت نقله ~~عن الرسول. # هكذا يرى ابن تيمية، وهو يؤكده بأنه قد تحقق ذلك بنفسه؛ إذ تبين له ~~بعد تفكير طويل اتفاق ما وصل إليه العقل الصحيح النظر في المسائل ~~الكلامية الكبرى، كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد، مع ~~ما جاء عن ذلك في الشريعة تماما. # 71 # ولنا أن نأخذ بحق مما تقدم أن مشكلة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية، ~~بمعنى أنه لم يرها مشكلة تتطلب حلا لها، وذلك بأن هذه المشكلة لم ~~تعرض للمفكرين من رجال الدين إلا لما رأوه من وجود تعارض بين ما ثبت ~~بالعقل وما ورد به الشرع، فاضطروا لتأويل ما لا يتفق والعقل من النصوص ~~الدينية الوحيية. # ولكن ابن تيمية لا يرى وجود تعارض مطلقا، والمنقول الذي يقال إنه ~~يخالف العقل لا يكون إلا حديثا موضوعا، أو نصا آخر لا يدل دلالة ~~قاطعة على ما يراد الاستدلال به عليه، وعلى فرض وجود تعارض بين العقل ~~والنص يجب ترجيح الأخذ بالنص الثابت عن الأنبياء على ما يؤدي إليه العقل ~~واستدلاله. # ومن الحق أنه ذكر في بعض ما كتبه في هذا الشأن أنه عند تعارض العقل ~~والسمع يجب تقديم ما تكون دلالته قطعية منهما، سواء أكان هو الدليل ~~العقلي أم الدليل السمعي، ولكنه ms103 قال بعد هذا بقليل: «ولكن كون السمعي ~~لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد.» # 72 # أي إن الدليل السمعي متى ثبت صحة النقل يقدم دائما على ~~العقل وما يؤدي إليه، وكل ذلك يؤدي بنا إلى النتيجة التي استخلصناها، وهي ~~أن مسألة التأويل لم توضع أمام ابن تيمية؛ إذ لم يكن لديه ~~أسبابها. # ومن أجل هذا نرى الإمام تقي الدين ينقد بشدة ابن سينا والغزالي وابن ~~رشد وابن ميمون، وغيرهم من المتصوفة والملاحدة الذين اصطنعوا طريقة ~~التأويل لبث آرائهم في القرآن والحديث، وبذلك مزجوا هذين المصدرين ~~المقدسين بالآراء الفلسفية التي جعلوها أصلا يؤولون النصوص الدينية ~~بحسبها لتتفق معها؛ ولذلك أيضا قد يضطرون عندما يجدون النص لا يوافق ~~ما زعموه حقا بعقولهم، إلى أن يقولوا إن الرسل تكلموا على سبيل ~~التمثيل والتخييل للحاجة إلى إفهام العامة وأمثالهم. # 73 ~~••• # والآن وقد رأينا مشكلة التأويل في النصوص المقدسة توضع قبل ابن رشد في ~~اليهودية والمسيحية والإسلام، أمام الفلاسفة والمفكرين من رجال هذه ~~الديانات، علينا أن نقارن موقف ابن رشد فيها بموقف غيره ممن تناولناهم ~~بالدراسة. # لم يحاول ابن رشد أن يجعل من القرآن أو الحديث كتابا فلسفيا، أو لم ~~يحاول - بتعبير آخر - أن يجد فلسفة أرسطو الذي عرف بأنه شارحه ~~الأول في القرآن والحديث، ليكون هذا توفيقا بين الوحي والفلسفة، كما ~~حاوله تقريبا، وعمل له كل من فيلون وموسى بن ميمون في اليهودية، ~~وكلمانت الإسكندري وأوريجين وأبيلارد في المسيحية، وكذلك لم يسر مع ~~خياله في تآويله كما فعل فيلون، وذلك حين جعل الأشخاص التي جاءت في تاريخ ~~الخليقة وتاريخ اليهود في التوراة رموزا لحالات النفس. # ولم يغل غلو المعتزلة أحيانا في إكراههم النص القرآني على أن ~~يتفق ومذهبهم في علم الكلام بتأويله كما يرون، ولم يسرف أخيرا إسراف ~~المتصوفة والشيعة الذين تعسفوا إلى أقصى الحدود أحيانا في تأويل ~~القرآن والحديث. # إن فيلسوف الأندلس حين نريد أن نقارنه بهؤلاء وأولئك، نراه كما تقدم ~~قد وجد في القرآن والحديث ما لا يقدر العامة على فهمه، وما له ms104 تأويلات ~~عقلية لا يصل إليها إلا أهل المعرفة وهم الفلاسفة في رأيه؛ فأوجب على ~~الأولين أخذ هذه النصوص حسب معانيها الظاهرة، وأوجب على الآخرين ~~تأويلها ومعرفة المعاني الخفية التي لها. # كما حاول أن يجد لآرائه الكلامية سندا من القرآن لإقناع العامة ومن ~~إليهم، وهذا ما فعل غيره من رجال المسيحية كما رأينا، وإن كان لم يجعل ~~مثلهم الغرض من تفسير القرآن هو الاستدلال على اللاهوت الذي أخذ حظا ~~غير قليل من الفلسفة، بل جعل عمدته في الاستدلال لآرائه الفلسفية - حتى ~~ما يتصل منها بالدين - هو الدليل المنطقي، وشاهد هذا ما سنراه فيما ~~يأتي عند الكلام عن المعركة بينه وبين الغزالي. # وفيما يختص بالمقارنة بينه وبين الغزالي أشد المفكرين معارضة لمذهب ~~أسلافه فلاسفة الإسلام، نجد أن كلا منهما يرى وجود عامة وخاصة بين ~~الناس، وإن كانا كما عرفنا يختلفان في تحديد الطبقة الخاصة. # كما يتفقان على أنه ليس للعامي أن يؤول ما يحتاج لتأويل من النصوص، ~~ولا لمن هو من الخاصة أن يكشف له التأويل الذي يصل إليه، وإن كان ابن ~~رشد يوجب في بعض الحالات التي يكون التأويل فيها واضحا أن يصرح ~~بالتأويل ويذاع للجميع لا فرق بين الخاصة والعامة. # وبعد هذا وذاك نجد إيمان ابن رشد بقدرة العقل أقوى من إيمان الغزالي، ~~وهذا ما يجعله لا يوجب التوقف أحيانا عن التأويل مع القطع بنفي المعنى ~~الظاهر من النص، كما رأينا من الغزالي. ~~••• # وأخيرا ننتقل إلى الفصل التالي؛ لنعرف كيف يمكن لفيلسوف الأندلس - مع ~~المحافظة على المبادئ والأصول التي وضعها للعلاقة التي ينبغي أن تكون بين ~~الشريعة والحكمة - كيف يمكنه الاستدلال للعقائد التي جاء بها الوحي ~~بالنسبة لطوائف الناس جميعا، نعني استدلالا يقنع به القلب والعقل ~~معا. # الفصل الثالث # | استدلال ابن رشد للعقائد الدينية # سنرى في هذا الفصل كيف رأى فيلسوفنا أن يدلل لما جاء به الوحي من عقائد لا يقوم ~~الدين بدونها، بطريقة تلائم عقول طوائف الناس جميعا، وذلك من غير ضرر بالدين أو ~~الفلسفة، وقد خصص لهذه الغاية ms105 من مؤلفاته رسالته المسماة: «الكشف عن مناهج ~~الأدلة في عقائد الملة.» # وقد كان من الضروري حقا أن يخصص بعض مؤلفاته لهذه الغاية؛ لأنه متى سلمت هذه ~~العقائد وقامت عليها الأدلة، دون أن يكون في ذلك ما يتعارض مع النظر الفلسفي ~~الصحيح، لم يكن لأحد أن يذم الفلسفة أو يشكو منها، وكان هذا خطوة طيبة حاسمة في ~~سبيل التوفيق بين الوحي والعقل. # وسنعرض لأمهات هذه العقائد واحدة بعد أخرى على اختلاف ضروبها، أي: سواء منها ~~ما يختص بحدوث العالم عن عدم، ووجود الله ومعرفته ووحدانيته، وما يختص بصفات الكمال ~~التي يجب أن يتصف بها، والأخرى التي يجب أن يتنزه عنها، وما يختص بالحاجة إلى ~~الرسالات الإلهية للناس، والعدل والجور، والمعاد في الدار الأخرى وما يكون ~~فيه. ~~(1) حدوث العالم # هذه العقيدة أولى العقائد الدينية بالبحث والاستدلال عليها في رأينا؛ فقد ~~كانت هذه المسألة إحدى المسائل الثلاث التي كفر الغزالي الفلاسفة من أجل ~~مذهبهم فيها، وربما ما تزال موضع نزاع بين رجال الدين وبعض المتفلسفين. # ونحب أن نقول من أول الأمر إننا لن نتعرض هنا فيما يختص بهذه المسألة ~~وغيرها من مسائل هذا الفصل، لتقرير رأي ابن رشد والحكم بينه وبين رجال الدين، ~~فلهذا موضع خاص يجيء بعد هذا الفصل، كما نلاحظ أن ابن رشد في هذه المسائل ~~يجعل القرآن عماده في الاستدلال لجميع العقائد الدينية، فهو لا يعتمد على ~~الاستدلال الذي يقوم على المقدمات المنطقية التي لا تطيقها العامة وأحيانا ~~لا تكون يقينية؛ ولهذا يرفض غالبا أدلة رجال علم الكلام، على ما سنرى أثناء ~~البحث. # هذا، ويبدأ فيلسوف قرطبة ببيان أن الشرع أو القرآن بصفة خاصة دعانا في آيات ~~كثيرة إلى معرفة العالم وفهمه، وذلك لنصل من هذه المعرفة إلى أنه صنع صانع ~~حكيم هو الله جلت حكمته. # ثم أخذ بعد ذلك في نقد طريقة المتكلمين الأشاعرة لإثبات هذه العقيدة، مبينا ~~أنها ليست الطريقة الشرعية التي أشار القرآن إليها، وأنها مع هذا لا تصلح ~~للعلماء؛ لأنها ليست يقينية، ولا للجمهور لأنها ليست ms106 بسيطة قليلة المقدمات ~~التي تكون نتائجها قريبة من المقدمات المعروفة بنفسها. # وذلك بأن طريقة هؤلاء القوم لإثبات حدوث العالم تنبني على القول «بتركيب ~~الأجسام من أجزاء لا تتجزأ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث، والأجسام محدثة ~~بحدوثه، وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي ~~يسمونه الجوهر الفرد، طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة ~~الجدل فضلا عن الجمهور، ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى ~~وجود الباري.» # 1 # وإذا كانت هذه الطريقة لا تصلح في رأي ابن رشد ومن ثم لم يرضها، فما هي ~~الطريقة التي يرضاها ويراها مثبتة ومؤدية إلى إثبات وجود العالم عن الله ~~تعالى؟ إن هذه الطريقة هي «التي نبه الكتاب العزيز عليها، ودعا الكل من ~~بابها، وإذا استقرئ الكتاب العزيز وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما: طريق الوقوف ~~على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجلها، ولنسم هذه دليل ~~العناية.» # والطريقة الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات مثل اختراع ~~الحياة في الجماد، والإدراكات الحسية والعقل، ولنسم هذه «دليل الاختراع». # 2 # وسنرجئ الحديث عن دليل الاختراع عند الكلام عن وجود الله. # ونتكلم الآن عن أول الدليلين فنجد ابن رشد يقول بأن هذا الدليل قطعي وبسيط ~~«وذلك أن مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع؛ أحدهما: أن العالم بجميع ~~أجزائه يوجد موافقا في جميع أجزائه لوجود الإنسان، ولوجود جميع الموجودات ~~التي ها هنا، والأصل الثاني: أن كل ما يوجد موافقا في جميع أجزائه لفعل واحد، ~~ومسددا نحو غاية واحدة، فهو مصنوع ضرورة، فينتج من هذين الأصلين بالطبع ~~أن العالم مصنوع وأن له صانعا.» # 3 # أي إنه محدث لا قديم. # وهذا النوع من الاستدلال هو النوع الموجود في القرآن، وهذا حق كما يقول ~~ابن رشد، كما يظهر من آيات كثيرة جدا، يلفتنا القرآن بها إلى ضرورة النظر في ~~العالم وفي سائر الموجودات؛ ليتبين لنا أنها من خلق إله حكيم في صنعه، ولا نرى ~~ضرورة لذكر بعض هذه ms107 الآيات كما فعل ابن رشد نفسه. # ولكن من الخير أن نشير منها إلى قوله تعالى (سورة النبأ: 6-16): # ألم نجعل الأرض مهادا * ~~والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا ~~* وجعلنا نومكم سباتا * ~~وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار ~~معاشا * وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا * ~~وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * ~~لنخرج به حبا ونباتا وجنات ~~ألفافا ~~. # وفي الاستدلال بهذه الآيات على العقيدة التي نحن بصددها، يفكر صاحب كتاب ~~«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة» أن هذه الآيات إذا تأملها ~~الإنسان وجد فيها التنبيه على موافقة أجزاء العالم لوجود الإنسان؛ وذلك ~~أنه تعالى ابتدأ فنبه على أمر معروف بنفسه لنا معشر الناس الأبيض والأسود، ~~وهو أن الأرض خلقت بصفة يتأتى لنا المقام عليها، وأنها لو كانت بشكل آخر ~~غير شكلها، أو في موضع آخر غير الموضع الذي هي فيه، أو بقدر آخر غير هذا ~~القدر، لما أمكن أن نخلق عليها ولا أن نوجد فيها، وهذا كله محصور في قوله ~~تعالى: # ألم نجعل الأرض مهادا ~~، وذلك ~~أن المهاد يجمع الموافقة في الشكل والسكون والوضع، وزائدا إلى هذا معنى ~~الوثارة واللين، فما أعجب هذا الإعجاز! # ثم نبه الله بقوله: # والجبال أوتادا # على ~~المنفعة الموجودة في سكون الأرض بسبب الجبال، فإنها لو كانت أصغر مما هي ~~لتزعزعت من حركات الماء والهواء وتزلزلت وخرجت من موضعها، ولهلك ما عليها من ~~الحيوان ضرورة، وإذن موافقة سكونها لما عليها من الموجودات لم يكن بالاتفاق، ~~ولكن عن قصد قاصد وإرادة مريد، فهي ضرورة مصنوعة لذلك القاصد سبحانه وموجودة ~~على الصفة التي قدرها. # وجاء بعد ذلك قوله تعالى: # وجعلنا الليل ~~لباسا * وجعلنا النهار معاشا # تنبيها على موافقة الليل والنهار للحيوان والنبات؛ إذ الليل يسترها من حرارة ~~الشمس، كما يستر اللباس الجسد ويقيه شدة الحرارة، ومع هذا فالليل يجعل كل ما ~~فيه حياة يستغرق في النوم؛ ولذلك قال: # وجعلنا ~~نومكم سباتا ~~، أي: مستغرقا بسبب الظلام. # ثم قال: # وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا # وهي السماوات، فعبر بلفظ البنيان عن معنى الاختراع ~~لها، وكذلك عن ms108 معنى ما فيها من نظام واتفاق أو موافقة لما خلقت من أجله، ~~عبر بلفظ الشدة عما جعل فيها من القوة على الحركة الدائبة الدائمة، ~~فليس هناك خوف من أن تخر كما تخر السقوف والمباني العالية، وهذا كله تنبيه ~~من الخالق على موافقة السماوات والأفلاك وسائر ما فيها، في إعدادها وأشكالها ~~وأوضاعها وحركاتها، لوجود ما على الأرض وما حولها؛ حتى إنه لو وقف جرم من ~~الأجرام السماوية لحظة واحدة، فضلا عن أن تقف كلها لفسد ما على وجه ~~الأرض. # ثم نبه بقوله: # وجعلنا سراجا ~~وهاجا # على منفعة الشمس بخاصة وموافقتها لوجود ما على الأرض، ~~إذ لولا الضوء لما انتفع الإنسان والحيوان بحاسة البصر، # 4 # ونبه على هذه المنفعة لأنها أشرف منافع الشمس وأظهرها. # وأخيرا نبه الخالق جلت حكمته بقوله: # وأنزلنا ~~من المعصرات ماء ثجاجا * لنخرج به ~~حبا ونباتا * وجنات ألفافا # على ~~العناية في نزول المطر، وأنه ينزل لمكان الحيوان والنبات، وأن نزوله لهذا ~~بقدر محدود وفي أوقات محدودة لا يمكن أن يكون عن مصادفة، بل سبب ذلك العناية ~~الإلهية بالأرض وما عليها. # وبعد أن انتهى ابن رشد من الاستدلال بتلك الآيات على أن العالم صنع من ~~صنع الله وخلق من خلقه، وذلك بدليل يفهمه الناس جميعا وتؤمن له عقولهم ~~وقلوبهم، نراه يقرر أن العالم محدث عن إرادة قديمة، وأنه خلق من لا شيء ~~وفي غير زمان، أمر لا يمكن أن يتصوره العلماء فضلا عن الجمهور، ويوقع في ~~شبه عظيمة تفسد عقائد الجمهور وبخاصة أهل الجدل منهم. # 5 # ولذلك؛ كان أهل علم الكلام بصنيعهم في هذه المسألة، وبقولهم إن العالم ~~محدث عن إرادة الله القديمة، ليسوا من العلماء الناجين بما وصلوا إليه من ~~العلم البرهاني اليقيني الذي هم أهل له، ولا من الجمهور الذين سعادتهم في ~~اتباع الظاهر وما أذن به الشارع، بل هم من الذين في قلوبهم زيع ومرض. # 6 # وهكذا يخلص لفيلسوف الأندلس على ما نرى الاستدلال على حدوث العالم عن الله ~~تعالى بأدلة ترتكز على النظر السليم والملاحظة الصادقة، ms109 وتؤخذ ~~مقدماتها وأصولها من القرآن نفسه، فهي لذلك بسيطة وتؤدي بالناس جميعا إلى ~~اليقين. # ولكن، لنا أن نقول مع ذلك بأن ما رآه من الدليل على حدوث العالم عن الله ~~تعالى هو بالأولى على أن هذا العالم «الحادث» له صانع حكيم. أما الحدوث ~~نفسه الذي هو ضد القدم فدليله كما يرى المتكلمون هو ما ينتابه من التغير ~~واختلاف الصفات والأحوال؛ فإن هذا هو شأن الحادث لا القديم. # ويكفي في بيان هذا الذي يراه المتكلمون أن نشير إلى أي كتاب من كتب علم ~~الكلام مثل «التبصر في الدين» لأبي المظفر الإسفراييني من رجال القرن السادس ~~الهجري؛ إذ فيه أن الدليل على حدوث الموجودات التي يتكون منها العالم «أنها ~~تتغير عليها الصفات وتخرج من حال إلى حال.» وإذن، تكون الموجودات التي تتغير ~~أحوالها محدثة؛ لأن ما لا يخلو من الحوادث يكون محدثا. # 7 # على أن ابن رشد تناول هذا الدليل ونحوه من أدلة المتكلمين على حدوث العالم، ~~ونقده بأن مقدماته تحتاج في إثباتها إلى أدلة، فالأدلة لهذا عسرة الفهم ولا ~~يطيقها الجمهور، كما أنها بعد ذلك ليست يقينية؛ فلا تصلح للعلماء ~~أيضا. ~~(2) وجود الله ومعرفته # في هذه العقيدة أيضا نجد ابن رشد قبل أن يأتي بالدليل الشرعي الذي يراه ~~صالحا لأن يؤدي بالعامة والخاصة إلى وجود الله ومعرفته، يعرض دليل رجال ~~علم الكلام الأشاعرة عليها، ثم يتبعه بطريقة المتصوفة في الاستدلال وينقد ~~كلا من الطريقتين. # ودليل الأشاعرة في إحدى صوره نراه هكذا: العالم حادث، وكل حادث لا بد له من ~~محدث، وهذا المحدث هو الله. # 8 # وهذه الطريقة في الاستدلال كما يرى ابن رشد، ليست هي الطريقة ~~الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس للإيمان من قبلها، وهذا لما في ~~إثبات كل هذه المقدمات من شكوك ليس في قوة صناعة الكلام الخروج منها، كما ~~بين ذلك بشيء من التطويل. # 9 # وكذلك الأمر في الصورة التي ارتضاها لهذا الدليل إمام الحرمين أبو المعالي ~~عبد الملك بن يوسف الجويني شيخ الغزالي، فضلا عن أنه ms110 يبطل حكمة الصانع، ~~فإن الجويني في رسالته المعروفة بالنظامية - كما يذكر ابن رشد # 10 ~~- يبني هذا الدليل على مقدمتين: العالم كان جائزا أن يكون على ~~غير ما هو عليه حجما أو شكلا أو حركة، والجائز محدث لا بد له من محدث ~~صيره بأحد الجائزين أولى منه بالآخر، وهذا المحدث هو الله. # وفي رأينا أن فيلسوف قرطبة محق فيما يذكر هنا من أن المقدمة الأولى ~~غير صحيحة، وأنها مع هذا مبطلة لحكمة الصانع؛ لأن العالم لو كان جائزا أن ~~يكون على صفة غير الصفة التي هو عليها فعلا، لكان وجوده على هذه الصفة بلا ~~سبب ولا حكمة، وهذا ما لا يليق بالله العليم الحكيم الذي خلق كل شيء وقدره ~~تقديرا. # وإذا كان ابن رشد لم يتعرض لطريقة المعتزلة في الاستدلال على هذه العقيدة، ~~فإنه يعتذر عن ذلك بقوله: «وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة ~~من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون ~~طرقهم من جنس طرق الأشعرية.» # 11 # وأما الصوفية فلم ترض طريقتهم أيضا في التوصل إلى معرفة الله ابن رشد، ~~فإن طريقتهم لا تقوم على النظر بالعقل في العالم الموجود للاستدلال منه ~~على الله موجده، ولكنها تقوم على «الذوق» وحده، وإذن فهي في رأي ابن رشد ~~طريقة ليست للناس بما هم ناس، ولو كانت هي المقصودة لبطل النظر العقلي ~~الذي دعا القرآن إليه ونبه على طريقه. # 12 # وهكذا لم يرض ابن رشد دليل المتكلمين ودليل المتصوفة لإثبات وجود الله ~~ومعرفته، فما هو إذن طريقه إلى هذا؟ الطريق إلى هذا هو الطريق الذي نبه ~~القرآن نفسه إليه، وهو ينحصر في دليلين: دليل العناية الذي يقوم - كما ذكرنا ~~ذلك عند الكلام على حدوث العالم - على أن جميع الموجودات موافقة لوجود ~~الإنسان وسائر ما على الأرض من حيوان، فهي إذن من قبل فاعل قاصد مريد ~~لذلك. # ثم دليل الاختراع الذي يقوم على أن كل شيء من السماوات والحيوان والنبات ~~مخترع، وذلك بدليل المشاهدة ms111 في هذين، وبدليل حركات السماوات التي تؤذن ~~بأنها مسخرة لنا، وكل ما كان كذلك فهو مخترع حتما، وكل مخترع له ~~مخترع ضرورة، فيصح من هذين الأصلين أن للعالم مخترعا له. # 13 # وقد ساق ابن رشد بعد هذا وذاك، في إحكام، آيات كثيرة من القرآن يؤيد بها ~~هذين الدليلين وما اشتملا عليه من مقدمات، ثم قال: «فقد بان من هذه ~~الأدلة أن الدلالة على وجود الصانع منحصرة في هذين الجنسين، دلالة ~~العناية ودلالة الاختراع، وتبين أن هاتين الطريقتين هما بأعينهما طريقة ~~الخواص، وأعني بالخواص العلماء، وطريقة الجمهور، وإنما الاختلاف بين المعرفتين ~~في التفصيل، أعني أن الجمهور يقتصر من معرفة العناية والاختراع على ما هو ~~مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء فيزيدون على ~~ما يدرك من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان.» # 14 # ومن أجل ذلك كانت هذه الطريقة - كما يقول فيلسوفنا - هي الطريقة الشرعية ~~والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب المقدسة، والعلماء ~~يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من ناحية الإحاطة في المعرفة والتعمق ~~فيها. ~~(3) وحدانيته تعالى # وإذا كان العالم محدثا وموجده هو الله، فهذا الإله واحد لا شريك له، ~~ولكن كيف السبيل إلى إثبات هذه الوحدانية؟ إن المتكلمين وابن رشد يلجئون في ~~هذا إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: (آية 22): # لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~. # إلا أن الأولين يأخذون من هذه الآية دليلا يسمى دليل التمانع أو ~~الممانعة، وهو دليل لا يرضاه ابن رشد ويرى أنه دليل متكلف، و«ليس يجري ~~مجرى الأدلة الطبيعية والشرعية»؛ لأنه ليس برهانا، ولأن الجمهور لا ~~يقدرون على فهمه ولا يحصل لهم به إقناع. # وذلك بأن هذا الدليل يجري هكذا: لو كان الخالق للعالم اثنين لجاز أن ~~يختلفا، وإذن فإما أن يتم مرادهما جميعا، فيكون العالم موجودا ومعدوما معا ~~وهذا مستحيل، أو لا يتم مراد واحد منهما، فلا يكون العالم موجودا ولا ~~معدوما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، فيكون هذا الآخر عاجزا والعاجز ليس ~~بإله، ويكون الذي تم ms112 مراده هو الإله وحده، وهذا هو المطلوب. # وفضلا عن أن هذا الدليل ليس برهانا قاطعا، وليس في طاقة الجمهور فهمه، ~~ولا يحصل لهم به اقتناع إذا بسط مفصلا، فإن ابن رشد يرى ضعفا ~~واضحا؛ إذ يمكن أن يقال بأن هذين الإلهين قد يتفقان بدل أن يختلفا، وهذا ~~هو الأليق بالآلهة، وحينئذ يحتاج الأمر إلى تفصيل الدليل بما لا يطيقه ~~الجمهور والعامة من الناس. # 15 # لم يرض فيلسوف الأندلس هذا الاستدلال إذن، ويفهم الآية على نحو آخر فيه يسر ~~وبلوغ إلى إثبات الوحدانية لله بقياس الغائب على الشاهد؛ وذلك إذ يرى أن ~~من المعلوم بالطبع أن اجتماع ملكين في مدينة واحدة وعمل كل منهما هو ~~عمل صاحبه، يؤدي إلى فساد المدينة، فكذلك لو كان هناك خالقان لفسد العالم، ~~ولكن العالم موجود وعلى غاية الصلاح، فيكون الخالق واحدا ضرورة. # ويضيف إلى الآية آية أخرى (سورة المؤمنون: 91) تقول: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ~~سبحان الله عما يصفون ~~، إنه يضيفها في استدلاله ~~لينفي ما قد يقال إن لنا أن نفرض آلهة متعددة يتفقون فيما بينهم على ~~أن يكون لكل منهم عمل خاص، وذلك بأنه في هذه الحالة يكون لنا أكثر من عالم ~~واحد، ولكن العالم بأجزائه المتماسكة المترابطة هو واحد لا أكثر، وإذن ~~فالخالق واحد لا غير. # 16 # وهذا الدليل كما يقول فيلسوفنا بعد ما تقدم، صالح للعلماء والجمهور معا، ~~والفرق بينهما فيه هو «أن العلماء يعلمون من اتحاد العالم، وكون أجزائه ~~بعضها من أجل بعض بمنزلة الجسد الواحد، أكثر مما يعلمه الجمهور.» ونحن نرى ~~أن هذا واضح لا يحتاج إلى مزيد من البيان. ~~(4) إثبات صفات الكمال لله # الله متصف بكل صفات الكمال، هذا حق لا ريب فيه، والقرآن يردد الكثير ~~منها في كثير من آياته، وسنتكلم عن سبع منها أجمع عليها رجال علم الكلام وسائر ~~رجال الدين والمفكرون والفلاسفة المسلمون، وهي: الحياة، والعلم، والإرادة، ~~والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام. ms113 وهذه هي الصفات التي جاء في القرآن وصف ~~الله الخالق بها، وقد تناولها ابن رشد بالتدليل عليها على هذا النحو: # 17 ~~(أ) # نبه الكتاب على وجه الدلالة على العلم بقوله تعالى (سورة ~~الملك: 13، 14): # وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ~~* ألا يعلم من خلق وهو ~~اللطيف الخبير ~~، والدلالة نجدها هنا في ~~الآية الثانية، وذلك بأن المصنوع بترتيب أجزائه وموافقة ~~جميعها للمنفعة المقصودة منه، يدل على أنه حدث عن صانع ~~يجعل ما يصنع على ترتيب ونظام يؤدي إلى الغاية المقصودة منه؛ ~~فوجب أن يكون عالما ضرورة به. # يجب لهذا؛ أن يكون خالق هذا العالم المحكم في ترتيبه ونظامه ~~متصفا بصفة العلم اتصافا دائما لا في حال دون ~~حال. # هكذا ينبغي في رأي ابن رشد أن يكون الاستدلال على إثبات صفة ~~العلم لله تعالى، استدلالا ينفع للناس جميعا عامتهم ~~وخاصتهم، وإن كان هؤلاء الخاصة يمتازون بمعرفة أتم بما في ~~العالم من ترتيب ونظام، وبأن كل شيء خلق موافقا للغاية ~~المقصودة منه. # وأما ما يقوله المتكلمون من أن الله يعلم حدوث الأشياء ~~بعلم قديم؛ فإنه: # أولا: # لم يصرح به الشرع، بل صرح بخلافه وهو أن ~~الله يعلم المحدثات حين حدوثها، وفي هذا جاء في ~~القرآن (سورة الأنعام: 59): # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو ويعلم ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ~~ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين ~~. # وثانيا: # إن قول المتكلمين هذا يلزمه «أن يكون العلم ~~بالمحدث في وقت عدمه ووقت وجوده علما واحدا، وهذا ~~أمر غير معقول؛ إذ كان العلم واجبا أن يكون ~~تابعا للموجود، ولما كان الموجود تارة يوجد ~~فعلا وتارة يوجد قوة، وجب أن يكون العلم ~~بالموجودين مختلفا؛ إذ كان وقت وجوده بالقوة غير ~~وقت وجوده بالفعل.» إلى آخر ما قال. # 18 # والنتيجة لهذا وذاك كله أن نكتفي بهذا في إثبات العلم لله ~~في رأي ابن رشد، ولا نقول إنه يعلم ما يكون وما يفسد من ~~الموجودات ms114 لا بعلم قديم ولا بعلم محدث، فإن هذا ما ~~تقتضيه أصول الشرع، والقول بخلافه بدعة في الإسلام، والجمهور ~~لا يفهمون من العالم في الواقع المشاهد إلا هذا ~~المعنى. ~~(ب) # وإذا كان من المشاهد أن من شرط العلم في العالم أن يكون ~~حيا، وإذا كان من شرط من يصدر عنه شيء من الأشياء أن يكون ~~مريدا له وقادرا عليه، كان من الطبيعي أن تثبت لله تعالى ~~صفات الحياة والإرادة والقدرة. # وكذلك لما كان من شرط الصانع الحري بهذا الوصف أن يكون ~~مدركا لما يصنعه بكل نوع من الإدراك، وجب أن يكون الخالق، جل ~~وعلا، سميعا بصيرا، وإلا لما كان أكمل الخالقين، ولما استحق ~~أن يكون معبودا، ومن ثم جاء في القرآن حكاية لقول سيدنا ~~إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه (سورة مريم: 42): # يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا ~~. # وينبغي أن نلاحظ أن كل ذلك يتفق فيه فيلسوف قرطبة ~~وعلماء الكلام، إلا أنه فيما يختص بصفة الإرادة يجب ~~الاكتفاء بأن نقول فضلا عما تقدم، بأنها صفة قديمة ككل ~~الصفات التي يتصف بها الله؛ إذ لا يجوز أن يتصف بها وقتا دون ~~وقت، وحالا دون حال، وليس لنا بعد هذا وذاك أن نبحث كما فعل ~~رجال علم الكلام، هل يريد الله وجود الأشياء المحدثة بإرادة ~~قديمة أو بإرادة محدثة؟ # إن هذا، كما يقول ابن رشد، بدعة في الدين، وشيء لا يعقله ~~العلماء أنفسهم، ثم هو لا يقنع الجمهور حتى من بلغ منهم رتبة ~~الجدل، بل ينبغي أن يقال بأن الله مريد لكون الشيء في ~~وقت كونه وغير مريد لكونه في غير وقت كونه، كما قال تعالى ~~(سورة النحل: 40): # إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون ~~. # وفي الحق كما يقول ابن رشد أنه ليس في الشرع وصف لإرادة ~~الله بالقدم أو الحدوث، فالمتكلمون حين أثاروا هذا البحث قد ~~انحرفوا عما أراد الشارع نفسه، وأتوا في الشرع بما لم يأذن به ~~الله، وذلك فضلا عن أن ms115 دليلهم على ما زعموه من أن الله ~~أوجد ما أوجد من الأشياء بإرادة قديمة لم يسلم لهم، بل ثارت من ~~أجله اعتراضات لم يمكنهم دفعها، وليس أهونها شأنا ما يقال ~~لهم: إذا كان الله يريد إيجاد شيء في وقت ما بإرادة قديمة، ~~فإذا جاء هذا الوقت فوجد، هل وجد بفعل قديم أو بفعل محدث؟ إنه ~~إن قالوا إنه وجد بفعل قديم فقد جوزوا إذن وجود المحدث بفعل ~~قديم، وهو أمر غير معقول، وإن قالوا إنه وجد بفعل محدث لزمهم ~~أن يكون هناك إرادة محدثة وهو غير مذهبهم. # هذا، وسيجيء لذلك تحقيق وبحث في الفصل الآتي الخاص بالمعركة ~~بين ابن رشد والغزالي، ولكن لنا أن نقول الآن إنه قد يجيب ~~المتكلمون عن هذا الاعتراض بأن الإرادة صفة لله، عملها أن ~~تخصص في الأزل الشيء الذي يوجد في الزمان بأن يوجد في وقت معين ~~لا غيره، وعلى شكل خاص لا غيره، ويكون الله دائما هو الفاعل ~~والموجد للشيء، وتكون النتيجة أن يوجد الشيء دائما عن فاعل هو ~~الله الذي أراد في القدم أن يوجد في زمن معين وعلى شكل خاص ~~معين. ~~(ج) # وأخيرا فيما يختص بالاستدلال على ثبوت هذا النوع من الصفات ~~لله تعالى، نعني صفات الكمال التي يجب أن يتصف بها، يجيء ~~الحديث عن صفة الكلام، ويبدأ فيلسوفنا فيعرف الكلام بأنه فعل ~~يدل المتكلم به المخاطب على ما في نفسه، وهذا الفعل في ~~الإنسان يكون بواسطة اللفظ، ثم يقول: «وإذا كان المخلوق الذي ~~ليس بفاعل حقيقي يقدر على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر، ~~فكم بالحري أن يكون ذلك واجبا في الفاعل الحقيقي.» # 19 # يريد الله تعالى. # ولكن كما يذكر ابن رشد أيضا بعد ذلك، فرق بين الإنسان ~~والله، إن كلام الإنسان يكون باللفظ يتلفظ به كما هو المعروف ~~المشاهد، ولكن كلام الله قد يكون بواسطة ملك، أو قد يكون وحيا ~~وإلهاما، كما قد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع من يصطفيه ~~بالتكليم، وإلى هذا كله أشار الله ms116 بقوله (سورة الشورى: 51): # ليس كمثله شيء ~~، ~~وقوله (سورة النحل: 17): # وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ~~، ~~ويريد بقوله: # أو من وراء ~~حجاب ~~، الكلام الذي يكون بواسطة الألفاظ يخلقها ~~في نفس كليمه، وتلك هي الحالة التي خص بها موسى عليه ~~السلام. # هكذا يرى فيلسوف الأندلس أن الله متكلم بهذا المعنى، وبإحدى ~~هذه الطرق الثلاث، ولكن لنا أن نقول: هل يعتبر الله متكلما ~~حقا برسول يرسله إلى من يصطفيه من خلقه، أو بإلهام يلقيه في ~~ذهنه فينكشف له به المعاني التي يريدها الله تعالى، أو بألفاظ ~~يخلقها في سمعه؟ أو أن الأولى أن نقول بأن هذا الرسول ~~عندما ينطق بألفاظ تعبر عن مراد الله - الذي عرفه بحالة من ~~تلك الحالات - يكون هو المتكلم؛ لأنه فعل فعلا قام بذاته ~~ونفسه، لا الله الذي لم يقم بذاته شيء من الألفاظ التي نطق بها ~~الرسول. # وفي الإجابة عن هذا التساؤل نجد فيلسوفنا يلمس لمسا ~~رفيقا، إلا أنه واضح سديد، مشكلة خطيرة كانت فترة من الزمن من ~~سياسة الدولة العليا، نعني بها مشكلة القرآن أهو مخلوق أم غير ~~مخلوق، هذه المشكلة التي أثارها المعتزلة والمأمون في عنفوان ~~الدولة العباسية في أوائل القرن الثالث الهجري، كما نجده يقف ~~من هذه المشكلة موقفا وسطا بين المعتزلة والأشاعرة. # وذلك بأن ابن رشد يرى أن الله يعتبر متكلما على وجهين: ~~الكلام الأزلي الذي في نفسه، # 20 # والألفاظ التي تدل على هذا الكلام النفسي كالقرآن ~~والتي هي مخلوقة لله نفسه لا لبشر من خلقه؛ ولذلك يكون القرآن ~~إذا أريد به الكلام النفسي قديما غير مخلوق كما يقول ~~الأشاعرة، وإذا أريد به الألفاظ التي نقرؤها ونسمعها كان ~~حادثا مخلوقا كما يقول المعتزلة. # هذا؛ والذي دعا الأشاعرة إلى موقفهم هذا هو اعتقادهم أن ~~المتكلم هو من يقوم الكلام بذاته، فإذا كان الله متكلما ~~بالقرآن الذي نقرؤه ونسمعه، والذي ألفاظه مخلوقة حادثة ~~منا بإذنه تعالى، كانت ذاته محلا للحوادث؛ ms117 ولهذا لم ~~يثبتوا لله إلا الكلام النفسي القديم فقط، والمعتزلة يرون أن ~~الكلام ليس إلا ما فعله المتكلم، أو بعبارة أخرى يشترطون في ~~المتكلم أن يكون فاعلا للكلام؛ ولهذا أنكروا الكلام النفسي، ~~وقالوا بأن الكلام هو اللفظ فقط، فكان القرآن عندهم مخلوقا، ~~ولكن لا يلزمهم مع هذا أن تكون ذات الله محلا للحوادث؛ لأن ~~اللفظ من حيث هو فعل ليس من شرطه أن يقوم بفاعله. # وهكذا، كما يقول ابن رشد نجد في قول كل من هاتين الفرقتين ~~جزءا من الحق وآخر من الباطل، وأن الحق هو الجمع بينهما كما ~~رأينا. ~~(د) # وأخيرا فيما يتعلق ببحث صفات الكمال الواجبة لله والاستدلال ~~عليها، يرى ابن رشد أنه لا يجوز البحث في أنها زائدة أو ~~غير زائدة على ذاته تعالى كما فعل المتكلمون من الأشاعرة ~~والمعتزلة، فإن الكلام في ذلك بدعة وبعيد عن مدارك الجمهور ~~وأفهامهم، وقد يضلهم بدل أن يرشدهم. # وذلك بأن الأشاعرة يرون أن هذه الصفات صفات زائدة على ~~الذات، فالله عالم بعلم زائد على ذاته، ومريد بإرادة زائدة ~~على ذاته، وهكذا، ويلزمهم على هذا أن الخالق جسم؛ لأنه يكون ~~هناك صفة وموصوف وحامل ومحمول، وهذه هي حال الجسم، أو يلزمهم ~~إن قالوا بأن الصفات قائمة بنفسها لا بالذات، القول بآلهة ~~متعددة، كالنصارى الذين زعموا أن الأقانيم ثلاثة. أما ما ~~يقوله المعتزلة من أن الذات والصفات شيء واحد، فهو قول بعيد ~~عن المعارف الأولى، فإنه يظن أن العلم مثلا غير العالم، وهكذا ~~باقي الصفات. # وإذا كان الكلام في الصفات على نحو ما فعل الأشاعرة والمعتزلة بدعة وبعيدا ~~عن مقصد الشرع، وقد يؤدي إلى إضلال الجمهور، فينبغي إذن أن يعلم الجمهور من ~~أمر هذه الصفات ما صرح به الشرع فقط، وهو الاعتراف بوجودها وثبوتها لله دون ~~تفصيل الأمر فيها ذلك التفصيل، فإنه ليس يمكن أن يحصل عند الجمهور في هذا ~~يقين أصلا. # هكذا يقول فيلسوف الأندلس في آخر بحث الصفات الواجبة لله تعالى، والجمهور في ~~رأيه - كما عرفنا من قبل - هم من ms118 لم يكونوا من أهل البرهان وإن كانوا من رجال ~~علم الكلام. ~~(5) نفي الصفات التي يجب تنزيه الله عنها # عني فيلسوف الأندلس بالكلام عن ثلاث صفات يتنزه الله عنها، وهي: المماثلة أو ~~المشابهة لشيء من المخلوقات، الجسمية، الكون في جهة: # 21 ~~(أ) # ليس لنا أن نتوهم من كون الله حيا، عالما، مريدا، ~~قادرا، سميعا، بصيرا، متكلما، ومن أن الإنسان نفسه له ~~حظ من كل من هذه الصفات، أن بين الخالق والمخلوق مماثلة أو ~~مشابهة ما، فإنه لا مماثلة أو مشابهة بين الخالق وأحد من خلقه، ~~وإنه منزه عن جميع صفات النقص. # والقرآن نفسه اشتمل على آيات كثيرة جدا فيها دلالات على ذلك ~~بصفة عامة، ولكن أبينها في نفي المماثلة قوله تعالى (سورة ~~الشورى: 11): # ليس كمثله ~~شيء # وقوله (سورة النحل: 17): # أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق # وهذه الآية هي برهان ما جاء في الأولى ~~من نفي المماثلة، وإلا كان الخالق لكل شيء كمن لا يخلق شيئا ~~ما. # وإذن، فالله تعالى منزه عن كل صفة من صفات النقص التي نراها ~~تعتري الإنسان، وذلك كالموت، والنوم، والنسيان والغفلة، ~~والخطأ. فكل هذا وما إليه بسبيل منفي عن الخالق جلا وعلا، ~~وقد صرح القرآن بذلك في أكثر من آية: # وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت ~~، # لا تأخذه سنة ~~ولا نوم ~~، # لا يضل ~~ربي ولا ينسى ~~، إلى غير ذلك كله مما هو معروف. # 22 # وإن العقل نفسه كما يذكر فيلسوفنا يقضي بنفي صفات النقص ~~هذه وأمثالها عن الخالق، وإلا لما بقي العالم حتى الآن موجودا ~~لا يعتريه فساد أو اختلال، # 23 # على أن الله قد أشار إلى هذا أيضا في القرآن إذ ~~يقول (سورة فاطر: 41): # إن الله ~~يمسك السماوات والأرض أن تزولا ~~ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من ~~بعده ~~. ~~(ب) # وإذا كان الأمر صار سهلا بالنسبة إلى نفس المسائلة، أي: ~~بلا خلاف من أحد من رجال علم الكلام، فإنه ليس كذلك في صفة ~~الجسمية بالنسبة لله تعالى، وهنا يبدأ ابن رشد الحديث عن هذه ~~المشكلة بقوله: «إنه ms119 من البين من أمر الشرع أنها (أي: صفة ~~الجسمية) من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في ~~الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه ~~واليدين في غير ما آية من الكتاب العزيز، وهذه الآيات قد توهم ~~أن الجسمية هي له من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، ~~كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات التي ~~هي مشتركة بين الخالق والمخلوق، إلا أنها في الخالق أتم ~~وجودا؛ ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقدوا في ~~الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ~~ممن تبعهم.» # 24 # ولكن فيلسوف الأندلس أبعد بفلسفته من أن يذهب إلى أن الله ~~تعالى جسم على أي وجه كان، غير أنه يرى - كما ذكر بعد ما تقدم ~~نقله عنه آنفا - أن الواجب في هذه الصفة أن يجرى فيها على ~~منهاج الشرع؛ فلا يصرح فيها بنفي أو إثبات، ويجاب من سأل ~~في ذلك من الجمهور بقوله تعالى: # ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير ~~، ~~وينهى عن هذا السؤال. # وفيلسوفنا حين يوجب السكوت عن نفي صفة الجسمية وإثباتها، ~~يصدر في رأيه هذا عن أسباب لها تقديرها، إنه يرى أن إدراك ~~هذا المعنى ليس في طاقة الجمهور، بدليل الطريق التي سلكها ~~المتكلمون في نفيها، وهي مع هذا ليست برهانية، ولأن ~~الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس وأن ما ليس ~~كذلك فهو عدم، فإذا قيل لهم بأن الله ليس جسما لم يستطيعوا ~~تصوره وصار عندهم من قبيل المعدوم، ولأنه لما صرح بنفي ~~الجسمية عرضت في الشرع شبهات وشكوك كثيرة فيما جاء في القرآن ~~والحديث خاصا برؤية الله، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة ~~جمعة، ومجيئه يوم الحشر بين الملائكة، ونزول الوحي عنه من ~~السماء، وصعود الملائكة والروح إليه، إلى كثير من نحو هذا. # 25 # وفي رأيه أنه حينئذ، أي إذا صرح بنفي الجسمية عن الله ~~تعالى، كان لا بد من أحد أمرين: إما تأويل هذه النصوص كلها، ~~فتتمزق ms120 الشريعة وتبطل الحكمة المقصودة منها، وإما أن يقال ~~إن هذه النصوص من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها، ~~وهذا إبطال للشريعة ومحو لها من النفوس، هذا إلى أن ~~الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء كلها ليست ~~برهانية، وإلى أن الناس أميل إلى التصديق بظواهر النصوص. # 26 # هذا هو رأي ابن رشد في المشكلة، وفي أنه لا يجوز أن نؤول كل ~~تلك النصوص للأسباب التي أشرنا إليها، وهنا نرى من اللازم أن ~~نشير إلى رأي إمام كبير من الأشاعرة يشير إلى ابن رشد نفسه ~~كثيرا، نعني إمام الحرمين الجويني من أعيان المتكلمين في ~~القرن الخامس الهجري. # يقول إمام الحرمين ما نصه: ذهب بعض أئمتنا إلى أن اليدين ~~والعينين والوجه صفات زائدة للرب تعالى، والسبيل إلى إثباتها ~~السمع دون قضية العقل، والذي يصح عندنا حمل اليدين على ~~القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود، ومن ~~أثبت هذه الصفات السمعية وصار إلى أنها زائدة على ما دلت عليه ~~دلالات العقول، استدل بقوله تعالى (سورة ص: 75) في توبيخ إبليس ~~إذ امتنع عن السجود: # ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي # وقوله (سورة ~~القمر: 14) متحدثا عن سفينة نوح عليه السلام: # تجري بأعيننا ~~، وقوله (سورة ~~الرحمن: 27) متحدثا عن بقائه وحده بعد عدم العالم يوم ~~القيامة: # ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام ~~. # 27 # وفي كل هذه الآيات يؤول إمام الحرمين هذه الألفاظ بما لا ~~يجعلها تدل على إثبات صفة جسمية لله تعالى، كما يؤول ما ~~يؤدي بظاهره إلى ذلك من الآيات والأحاديث الأخرى، ومن هذا ~~الآية رقم 22 من سورة الفجر التي تقول: # وجاء ربك والملك صفا صفا ~~، ~~ويرى أن المجيء هنا معناه مجيء أمر الله وحكمه. # ومن هذا أيضا حديث النزول المشهور الذي جاء فيه: «ينزل الله ~~تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة ويقول: هل من تائب ~~فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟» # 28 # فإنه يؤول في هذا الحديث «نزول الله» بجعل ~~المراد منه نزول ملائكته المقربين. ms121 # 29 # إننا نرى بعد ذلك أن من السهل تأويل تلك النصوص ونحوها بما ~~يبعدها عن إيهام الجسمية لله سبحانه وتعالى دون أي عناء، وأنه ~~في طاقة من ليس من أهل البرهان إدراك هذه التآويل والاقتناع ~~بها؛ ولهذا لا ندري كيف لم يرض ابن رشد هذه التآويل التي ~~يعرفها والتي تنفي عن الله تعالى توهم اتصافه بالجسمية، ~~وبخاصة أنه باعتباره فيلسوفا يبعد الله تماما عن كل ما ~~يوهم الجسمية. # ومهما يكن فإن فيلسوف الأندلس يعرف أن الجمهور لن ينتهي عن ~~التساؤل عما هو الله، ولن يقنعهم أن يقال إنه موجود وليس ~~كمثله شيء؛ ولهذا يرى «أن يجابوا بجواب الشرع فيقال: إنه ~~نور، فإنه الوصف الذي وصف به الله نفسه في كتابه العزيز، فقال ~~تعالى (سورة النور: 35): # الله نور ~~السماوات والأرض ~~، وبهذا وصفه النبي # صلى الله عليه وسلم # في الحديث الثابت، فإنه جاء أنه قيل له عليه ~~السلام: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه!» # 30 # وبخاصة كما يذكر أيضا ابن رشد بعد ما تقدم، ~~والنور يجتمع فيه أنه محسوس تعجز الأبصار والأفهام عن إدراكه ~~مع أنه ليس جسما، والجمهور يفهم من الموجود أنه المحسوس، ~~وأيضا فالنور أشرف المحسوسات؛ فوجب أن يمثل به أشرف ~~الموجودات وهو الله تعالى. # هكذا يرى ابن رشد أنه بما ذهب إليه في صفة الجسمية صان الشرع ~~عن الشكوك، وجمع بين الآيات والأحاديث، وجعل إيمان الجمهور في ~~أمن من الشبهات. على أن إمام الحرمين يؤول آية النور بأن ~~المراد منها هو أن الله هادي أهل السماوات والأرض، ثم يقول: ~~ولا يستجيز منتم إلى الإسلام القول بأن نور السماوات ~~والأرض هو الإله. # 31 # وأخيرا من الإنصاف لابن رشد أن نؤكد هنا أنه لا ينبغي أن ~~نفهم مما تقدم أنه يعتقد أن الله تعالى نور، ولكنه فقط ~~يرى أن ذلك أنسب وأصلح ما يجاب به الجمهور حين يسألون عن ~~الله ما هو؟ وأنه من الخير عدم البحث في صفة الجسمية إثباتا ~~أو نفيا، فإن هذا يؤدي إلى البحث فيما تعجز ms122 العقول عن ~~فهمه، أي: عن طبيعة الله مثلا. ~~(ج) # وإذا كانت صفة الجسمية من الصفات التي سكت عنها الشرع؛ فلم ~~يثبتها أو ينفها كما رأينا، وإن كان - كما يقول ابن رشد - ~~أقرب إلى إثباتها من نفيها، فهل الأمر كذلك عند فيلسوف الأندلس ~~في هذه الصفة الأخرى، أي: كون الله تعالى في جهة، أم ماذا ~~يرى؟ # هنا نجد ابن رشد يؤكد لنا «أن هذه الصفة لم يزل أهل ~~الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها ~~المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ~~«الجويني» ومن اقتدى بقوله.» ولا عجب في هذا كما يقول، فإن ~~ظواهر الشرع كلها من القرآن والحديث تقتضي إثبات الجهة، مثل ~~قوله تعالى (سورة السجدة: 5): # يدبر ~~الأمر من السماء إلى الأرض ثم ~~يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف ~~سنة مما تعدون ~~، وقوله (سورة المعارج: ~~4): # تعرج الملائكة والروح ~~إليه ~~، وقوله (سورة الملك: 16): # أأمنتم من في السماء ~~، ~~ومثل حديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا ليلة كل ~~جمعة. # إلى غير ذلك كله من الآيات والأحاديث «التي إن سلط ~~التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولا، وإن قيل إنها من ~~المتشابهات عاد الشرع كله متشابها؛ وذلك لأن الشرائع كلها ~~مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة ~~بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان ~~الإسراء بالنبي # صلى الله عليه وسلم # حتى قرب من سدرة المنتهى، وجميع ~~الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما ~~اتفقت جميع الشرائع.» # 32 # وإذا كان الأمر كذلك، فلم إذن نفى المعتزلة ومتأخرو ~~الأشاعرة الكون في جهة عن الله سبحانه؟ إنهم صاروا إلى هذا ~~لأن الكل متفق على أن الله ليس بجسم، وإن كان ابن رشد لا ~~يرى التصريح بذلك للجمهور كما عرفنا، واعتقد نفاة الجهة أن ~~إثباتها يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات ~~الجسمية، فلذلك اشتدوا في التدليل على نفي الجهة عن الله ~~سبحانه وتعالى. # 33 # ولكن فيلسوف قرطبة لا يرى في إثبات الجهة هذا ms123 الخطر؛ ~~لأن الجهة كما يقول غير المكان، # 34 # إنه يرى أن الجهة لا تكون غير واحد من أمرين: ~~سطوح الجسم الست المحيطة به، وهي ليست مكانا للجسم أصلا، ~~أو سطوح الأجسام المحيطة به التي تعتبر مكانا له، مثل سطوح ~~الهواء المحيطة بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بالهواء والتي ~~هي مكان له، وهكذا كل الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان ~~له. # وقد قام البرهان أنه لا يوجد خارج سطح الفلك الخارج جسم ~~آخر، وإلا لكان خارج هذا الجسم جسم آخر، ويمر الأمر هكذا إلى ~~غير نهاية؛ فإذا قام البرهان بعد ذلك على وجود موجود في هذه ~~الجهة التي لا يمكن أن يكون فيها الجسم، فواجب أن يكون غير ~~جسم، وليس للخصوم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء، فإنه قد ~~تبين في العلوم النظرية امتناع الخلاء. # 35 # وهذا الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان ، وقد قيل في الآراء ~~القديمة والشرائع الغابرة إنه مسكن الروحانيين، يريدون الله ~~تعالى والملائكة، فإن كان ها هنا - كما يقول ابن رشد - موجود ~~هو أشرف الموجودات، فواجب أن ينسب من الموجود المحسوس إلى ~~الجزء الأشرف وهو السماوات، وهذا كله يظهر على التمام للعلماء ~~الراسخين في العلم. # 36 # ويختم ابن رشد كلامه في هذا بقوله بعد ما تقدم: «فقد ظهر لك ~~من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء ~~به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، ~~وأن وجه العسر في تفهيم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ~~ليس في الشاهد مثال له.» # هذا، وقد رأى فيلسوفنا هنا أن يصرح بإثبات الجهة، على حين ~~أنه أوجب في صفة الجسمية عدم التصريح بإثباتها أو نفيها؛ ~~لأن الشبهة التي أوجبت على نفاة الجهة لا يتفطن الجمهور ~~لها، فلا ضرر إذن في إثباتها بل الضرر في نفيها وتأويل كل ~~النصوص الدالة عليها. ~~(6) رؤية الله # وهذه المسألة مما اشتد فيه الخلاف بين المتكلمين، وهي تتصل اتصالا وثيقا ~~بمسألتي الجسمية والكون في جهة، وسنكتفي فيها - كما فعل ابن رشد - بالإشارة ms124 ~~إلى رأي المعتزلة ورأي الأشاعرة، ثم ننتهي إلى بيان رأي فيلسوفنا ~~فيها. # إن كلا من هاتين الفرقتين ترى أن الله ليس بجسم، ونتيجة لهذا لا يكون ~~في جهة ما، وإلا كان في مكان فكان جسما، وكل ذلك تقدم بيانه؛ فالمعتزلة بحكم ~~المنطق رأوا لذلك كله أن الله تعالى لا تجوز رؤيته، واستشهدوا بقوله تعالى ~~(سورة الأنعام: 103): # لا تدركه ~~الأبصار ~~، وجهدوا في تأويل الآيات الأخرى التي قد تدل على ~~جواز الرؤية، وعملوا على رد الاستدلال بما يدل من الأحاديث على جوازها بأنها ~~أخبار آحاد فلا تفيد العلم. # 37 # وإذا رجعنا إلى ما حكاه عنهم إمام الحرمين في هذه المسألة، وجداله معهم ~~ورده عليهم فيها، نرى أنهم يذهبون إلى أن الله لا يرى بالحواس ولا ~~بغيرها، وأنهم يحتجون لمذهبهم بأن رؤية الله لو كانت جائزة لرأيناه الآن ~~مع انتفاء الموانع من الرؤية الممكنة، وأن المرئي يجب أن يكون في جهة مقابلة ~~للرائي، ومن المستحيل في حق الله تعالى أن يكون في جهة، ثم هم يحتجون فضلا ~~عن ذلك كله بقوله تعالى: # لا تدركه ~~الأبصار ~~، وبقوله (سورة الأعراف: 143) حكاية لطلب موسى عليه ~~السلام من الله أن يسمح له بأن يراه: # رب أرني ~~أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ~~ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما ~~أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين ~~. # 38 # ذلك هو موقف المعتزلة: نفي مطلق لجواز الرؤية، تطبيقا لمذهبهم في نفي ~~الجسمية والجهة عن الله سبحانه وتعالى. # أما الأشاعرة: فقد راموا أمرا عسيرا، وهو الجمع بين نفي الجسمية والجهة ~~عن الله وبين جواز أن يرى، فلجئوا - كما يرى ابن رشد - إلى حجج سوفسطائية ~~توهم أنها صحيحة وهي كاذبة، ويكفينا هنا أن نشير إلى رأي إمام الحرمين ~~الجويني الذي ناقشه فيلسوفنا نفسه. # إن إمام الحرمين يؤكد لنا أنه قد «اتفق أهل الحق على أن كل موجود ~~يجوز أن يرى، والمصحح لكون الشيء بحيث أن يدرك هو الوجود.» # 39 ms125 # ولم يبق عليه بعد هذا المبدأ ليثبت جواز رؤية الله، إلا أن يقول ~~بأن الله موجود فيجوز لذلك أن يرى، ثم أخذ بعد ذلك يناقش حجج المعتزلة، ~~ويأتي في مقابلها بالأدلة من القرآن والحديث التي يراها تدل على جواز رؤية ~~الله وأنها ستكون في الجنة. # ونرى من الضروري بعد هذا أن نأتي بنص الحجة التي يرى إمام الحرمين وجوب ~~الارتكاز عليها لإثبات جواز رؤية الله، وهي حجة لخصها ابن رشد قال: «إذا تقرر ~~بضرورة العقل أن الإدراك (لعله يريد الإدراك بالرؤية) لا يتعلق إلا بالوجود، ~~فإذا رئي موجود لزم تجويز رؤية كل موجود، كما إذا رئي جوهر لزم تجويز ~~رؤية كل جوهر، وهذا قاطع في إثبات ما نبغيه.» # 40 # وابن رشد بعد أن لخص هذه الحجة في إثبات جواز رؤية الله تعالى، قال: «وهذا ~~كله في غاية الفساد.» # 41 # ثم أخذ يعلل بحق بأنه لو كان البصر مثلا إنما يدرك ذوات ~~الأشياء، لا أحوالها التي تدرك به؛ لما أمكنه أن يفرق بين الأبيض والأسود؛ ~~لأن الأشياء لا تفترق بالشيء الذي تشترك فيه، ولما كان لحاسة البصر أيضا ~~إدراك فصول الألوان، ولا لحاسة السمع إدراك فصول الأصوات، وهكذا سائر ~~الحواس، ولكانت مدركات الحواس واحدة بالجنس، لا فرق بين ما تدركه حاسة وما ~~تدركه حاسة أخرى؛ ثم يختم هذا النقد بقوله: «وهذا كله في غاية الخروج عما ~~يعقله الإنسان.» # هذا، والذي أدى الأشاعرة إلى هذه الحيرة واللجوء إلى مثل هذه الأقاويل هو - ~~كما يذكر فيلسوف الأندلس - التصريح في الشرع بما لم يأذن به الله ورسوله من ~~نفي الجسمية بالنسبة للجمهور، وذلك أنه من العسير أن يجمع في اعتقاد واحد ~~أن ها هنا موجودا ليس بجسم وأنه مرئي بالأبصار؛ لأن مدارك الحواس هي في ~~الأجسام أو أجسام؛ ولذلك رأى قوم أن هذه الرؤية هي مزيد علم في ذلك الوقت ~~(أي: في الجنة)، وهذا أيضا لا يليق الإفصاح به للجمهور. # 42 # والنتيجة لهذا كله: أن فيلسوفنا يرى هنا كما في مسائل أخرى كثيرة، أنه ms126 ~~متى أخذ الشرع على ظاهره في صفات الله لم تعرض هذه الشبهة ولا غيرها، فقد وصف ~~الله نفسه بأنه نور، وجاء في الحديث أن له حجابا من النور، وأن ~~المؤمنين يرونه في الآخرة كما نرى الشمس، وهذا كله متى أخذ بظاهره لا يكون ~~مثارا لأي شبهة، لا عند العلماء الذين عرفوا بالبرهان أن هذه الحال مزيد ~~علم، ولا عند الجمهور الذي يقنع بالفهم اليسير. # وإذا صرح للجمهور أن تلك الحالة مزيد علم، شكوا في الشريعة ونصوصها ~~وكفروا المصرح لهم بها، فمن خرج عن منهاج الشرع في هذه الأشياء فقد ضل سواء ~~السبيل؛ ولهذا يجب أن نجعل لكل طبقة من الناس تعليما خاصا كما قال ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، وأن ~~نخاطبهم على قدر عقولهم.» وإذن رؤية الله معنى ظاهر، ولا يعرض فيه شبهة إذا ~~أخذ الشرع على ظاهره في حق الله تعالى، يعني إذا لم يصرح بنفي الجسمية ولا بإثباتها. # 43 ~~(7) بعثة الرسل # إن إثبات النبوات والرسالات الإلهية للبشر من أعظم أركان الدين؛ ولهذا ~~نرى علماء الكلام يخصصون مكانا لذلك في مؤلفاتهم؛ وذلك ليردوا على البراهمة ~~الذين ينكرون بعثة الرسل عقلا؛ إذ يجدون في العقل الإنساني غنية عن ~~الوحي الإلهي إلى رسل من البشر، ويرون هذا مستحيلا لحجج يحتجون بها. # 44 # ورجال علم الكلام يدللون على جواز أن يرسل الله رسلا من خلقه إلى خلقه ~~«بأن ذلك ليس من المستحيلات التي يمتنع وقوعها لأعيانها، كاجتماع الضدين ~~وانقلاب الأجناس (مثل انقلاب العصا حية) ونحوها؛ إذ ليس في أن يأمر الله عبدا ~~بأن يشرع الأحكام ما يمتنع من جهة التحسين والتقبيح.» # 45 # وإذن، فالعقل لا يجعل محالا بعثة الرسل من هذه الجهة لو سلمنا جدلا ~~بمبدأ التحسين والتقبيح العقليين؛ إذ بعثة الله رسلا من البشر إلى الناس ~~يعتبر لطفا منه، جل وعلا، بهم؛ ليكون هذا سببا لإيمانهم بما وصلوا إليه ~~بعقولهم، وأيدته الرسالة الإلهية، وليعرفوا الحقائق الأخرى التي يعجز ~~العقل الإنساني عن معرفتها وحده. ms127 # وكذلك الله متكلم وقادر، فلا يوجد ما يمنع من أن يبلغ إرادته لمن يريد ~~بإحدى الوسائل التي عرفناها: وحي، ملك، خلق أصوات في سمعه، إلخ. # وأيضا كما يجوز في المشاهد أن يرسل المالك رسولا إلى عبيده المملوكين له، ~~يجب أن يكون هذا ممكنا وجائزا في الغائب، ما دام الله يملك الخلق، وله ~~إرادته وقدرته على تبليغها لهم. # 46 # وابن رشد بعد إشارته هذه إلى طريقة المتكلمين في إثبات جواز البعثة، يقول: ~~«وهذه الطريقة هي مقنعة، وهي لائقة بالجمهور بوجه ما، لكن إذا تتبعت ~~ظهر فيها بعض اختلال من قبل ما يضعون من هذه الأصول ...» إنه يريد أن ~~ينقدها من ناحية كيف نعرف - على رأي المتكلمين، حين تظهر معجزة من شخص يدعي ~~أنه نبي - أن هذه المعجزة هي العلامة التي يدل بها الله تعالى على أن من ~~تظهر منه هو رسوله! «إنه محال أن يدرك هذا بالشرع؛ لأنه الشرع لم يثبت ~~بعد ، والعقل أيضا ليس يمكنه أن يحكم أن هذه العلامة هي خاصة بالرسل، إلا ~~أن يكون قد أدرك وجودها مرات كثيرة للقوم الذين يعترف برسالتهم ولم تظهر على ~~أيدي سواهم.» # 47 # مع أن المسألة هي إثبات أول رسالة إلهية للناس. # فيلسوف الأندلس لم يرض إذن طريقة المتكلمين في إثبات النبوة عامة، وإثبات ~~بعثة خاتم الأنبياء خاصة، وذلك لمكان هذه الشبهة أو هذا الضعف فيها، فما هي ~~الطريقة التي يرضاها وتصلح على السواء للخاصة والعامة من الناس؟ هنا تظهر ~~حقا طرافة رأي ابن رشد إذا قورن برأي المتكلمين. # إنه يرى أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # لم يدع النبوة متحديا المعارضين ~~المكذبين لرسالته بأمور خارقة للطبيعة، مثل قلب العصا ثعبانا ونحو هذا ~~مما ذهب إليه المتكلمون، ودليل هذا أن قريشا ومعارضيه جميعا حين طلبوا ~~منه - فيما طلبوا - دليلا على صدقه ليؤمنوا به، أن يفجر لهم من الأرض ~~ينبوعا، أو يسقط السماء عليهم، أو يرقى إليها ليأتي منها بكتاب يقرءونه، ~~أمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله (سورة الإسراء: 93): # سبحان ربي هل كنت ms128 إلا بشرا رسولا # يريد أن ~~يقول لهم بأن هذه الخوارق للطبيعة من شأن الخالق وحده، ولست إلا بشرا لا ~~قدرة له عليها، وكل أمري أني فقط رسول من الله إليكم وإلى الناس كافة. # وإذا كان رسولنا لم يقم بشيء من ذلك للتدليل على صدقه في أنه نبي، فإن ~~«الذي تحدى به الناس وجعله دليلا على صدقه فيما ادعى من رسالته هو الكتاب ~~العزيز» وحده. # 48 # ولكن كيف نعرف أن هذا الكتاب معجز، وأنه يدل على كون محمد رسولا وقد ~~سبق أن نقد ابن رشد نفسه طريقة المتكلمين بأن بين ضعف دلالة المعجز على ~~الرسالة، وبخاصة على أول رسالة إلهية؟ # هنا يقول فيلسوفنا بأن إعجاز القرآن، الذي يدل دلالة قطعية على صفة ~~النبوة، يتبين لنا بوضوح متى قرأناه وفهمناه حق الفهم، فعرفنا أنه تضمن ~~الإنباء بأمور غيبية لم يكن محمد يعرفها قبل الوحي، وتذوقنا نظمه وأسلوبه ~~الغريبين عن كلام العرب جميعا، إلى آخر ما قال مما لا جديد فيه عما قاله ~~المتكلمون في إعجاز القرآن. # 49 # لكن الذي أربى به عليهم حقا هو ما ذهب إليه من أن المعجزة يجب لتدل ~~دلالة قاطعة على النبوة، أن تكون مناسبة لرسالة النبي، هذه الرسالة التي ~~هي إرشاد الناس وهدايتهم بالشرع الذي يأتيهم به، كما يدل الإبراء من المرض على ~~صناعة الطب لمن يدعيها، والقرآن هو المعجزة الكبرى من هذه الناحية «فإن ~~الشرائع التي تضمنها من العلم والعمل ليست مما يمكن أن يكتسب بتعلم، بل هي ~~بوحي.» هذه الشرائع التي غايتها سعادة الإنسانية والتي لا تنال إلا بعد ~~معرفة الله والاتصال به، ومعرفة السعادة والشقاوة ما هما، وما هي الأمور التي ~~توصل للأولى وتبعد عن الأخرى، إلى آخر ما يتصل بهذا كله من المعارف التي لا ~~تتبين إلا بوحي أو يكون تبيينها بالوحي أفضل. # وأخيرا لما وجدت هذه الأمور كلها في الكتاب العزيز على أتم وجه، علم أن ~~ذلك بوحي من عند الله، وأنه كلام ألقاه على لسان نبيه؛ ولذلك قال تعالى ~~منبها على ms129 هذا (سورة الإسراء: 88): # قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ~~. # وإذا ثبت أن القرآن معجز بنظمه وأسلوبه، ومن ناحية مناسبته تماما لرسالة ~~الرسول من لدن الله لتعليم الخلق الشرائع الضرورية لسعادتهم، وأنه موحى به ~~من الله؛ لأنه ما كان ممكنا أن يأتي به الرسول من نفسه كان طبيعيا ~~ومنطقيا أن يكون من جاء على لسانه رسولا، وبخاصة أنه من المعلوم أنه ~~نشأ أميا في أمة أمية، ولم يسبق له أن مارس العلم، ومحاولة فهم الكون ~~كما عرف عن اليونان، وإلى هذا الدليل على أنه رسول أشار الله تعالى بقوله ~~(سورة العنكبوت: 48): # وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون ~~. # ويضاف إلى ذلك كله أن وجود طائفة من الناس اصطفاهم الله لرسالاته لخلقه هو ~~أمر بين معروف بنفسه، وقد اتفق عليه الفلاسفة والناس جميعا ما عدا من لا ~~يعبأ بقولهم وهم الدهرية، وقد نبه القرآن إلى هذا بقوله تعالى (سورة النساء: ~~163 و164): # إنا أوحينا إليك كما ~~أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده # إلى ~~قوله: # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى ~~تكليما ~~. # 50 # وبالجملة إنه متى علمنا مما تقدم أن هناك رسلا من الله لخلقه، وأن ~~الأمور المعجزة لا تكون إلا منهم، كان المعجز دليلا على صدقهم. لكن ابن رشد ~~يفرق بين نوعين من الأمور المعجزة، فهناك المعجز الذي يسميه المعجز ~~البراني، وهو الذي لا يناسب الصفة التي بها سمي النبي نبيا، وهناك ~~المعجز الآخر المناسب لهذه الصفة، والمعجز من النوع الأول هو طريق الجمهور ~~وإيمانه بالنبوة، والثاني هو طريق مشترك بين الجمهور والعلماء كل بحسب طاقته، ~~ولكن إذا تأملنا الشريعة وجدنا أنها اعتمدت المعجز المناسب. # 51 # هكذا اختتم ابن رشد الكلام في بعثة الرسل، ونقول: لعل الحق هو أن الشريعة ~~اعتمدت في إثبات الرسالات الإلهية على هذين النوعين من الإعجاز أو المعجزات، ~~وبخاصة ما يتعلق بنبوة ms130 موسى وعيسى عليهما السلام، إذا لاحظنا أن ما تقدم به كل ~~منهما دليلا على صدق رسالته، كان من قبيل ما سماه فيلسوفنا بالمعجز البراني، ~~وذلك مثل انقلاب العصا حية، وانفلاق البحر لموسى عليه السلام، وإحياء الموتى، ~~وإبراء الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام، ولكن القرآن العظيم وهو معجزة ~~رسولنا # صلى الله عليه وسلم # يعتبر بلا ريب من قبيل المعجز المناسب لرسالته. ~~(8) العدل والجور # هذه مسألة من المسائل الهامة التي ثار من أجلها الخلاف واشتد النزاع ~~بين الأشاعرة وبين المعتزلة والفلاسفة، ومن ثم نرى ابن رشد في بحثه لها لا ~~يذكر المعتزلة في نقده، على حين ينال الأشاعرة بفيض من نقده اللاذع ~~الشديد. # وهي مسألة تقوم في أساسها على مسألة الحسن والقبح في الأفعال، أذلك يرجع ~~إلى العقل، كما يرى المعتزلة والفلاسفة، أم إلى الشرع كما يرى الأشاعرة؟ ولذلك ~~سنرى كل فريق يبني رأيه في مسألة العدل والجور على رأيه في مشكلة الحسن ~~والقبح. # ويبدأ فيلسوف الأندلس البحث بقوله: «قد ذهبت الأشعرية في العدل والجور في حق ~~الله سبحانه إلى رأي غريب جدا في العقل والشرع، أعني أنها صرحت من ذلك ~~بمعنى لم يصرح به الشرع بل صرح بضده.» # 52 # ثم يلخص ابن رشد هذا الرأي بأن الإنسان يوصف بالعدل تارة، وبالجور ~~أخرى؛ لأن الشرع أمره ببعض الأفعال ونهاه عن البعض الآخر، فمن أتى ما ~~رضيه الشرع كان عادلا، ومن أتى ما نهاه عنه الشرع ووصفه بالجور كان ~~جائرا، أما الله سبحانه وتعالى وهو فوق كل أمر وتكليف، فليس في حقه فعل هو ~~جور أو عدل، بل كل أفعاله عدل، وكان من هذا أن قالوا ليس شيء في نفسه ~~عدلا، ولا شيء في نفسه جورا، بل كل ذلك يرجع إلى الشرع الذي أمر بأي معصية ~~لكان ذلك عدلا، وهذا في غاية الشناعة وخلاف المسموع والمعقول! # 53 # هكذا يرى فيلسوف الأندلس أن موقف الأشاعرة في هذه المسألة «خلاف المسموع ~~والمعقول»؛ وذلك لأن الله وصف نفسه بأنه القائم بالقسط، وبأنه لا يظلم، ~~وهذا إذ ms131 يقول (سورة آل عمران: 18): # شهد الله أنه ~~لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط ~~، وإذ يقول (سورة فصلت: 46): # وما ربك بظلام للعبيد ~~، وإذ يقول أيضا (سورة ~~يونس: 44): # إن الله لا يظلم الناس ~~شيئا ~~. يريد فيلسوفنا بهذا أن يقرر على ما نعتقده، بأن ~~هذه الآيات - وأمثالها في القرآن - تشهد بأن من الأفعال ما هو في نفسه عدل ~~كثواب المطيع، وما هو في نفسه ظلم كتعذيب البريء الذي لم يجترح إثما. # ولكن الغزالي مثله في هذا مثل سائر الأشاعرة، يرى هنا أن لله ألا ~~يثيب المطيع كما له أن يعذب الحيوان والطفل البريء بما يشاء، وأنه بهذا وذاك ~~لا يكون ظالما؛ لأنه يتصرف في ملكه بما يريد، وكما يرى هو لا يرى غيره، ~~فلا يتصور في حقه الوصف بالظلم، ما دام شرط هذا الوصف غير موجود في حقه، ~~وهو التصرف في غير الملك أو مخالفة أمر من له عليه حق الأمر. # 54 # على أن لنا أن نقول بأن الأشاعرة حين ذهبوا هذا المذهب في هذه المسألة، ~~تناسوا أن يقولوا بأنه تعالى وإن كان لا يجب عليه إثابة المطيع إلا أنه ~~سيفعل هذا حتما تحقيقا لوعده به، ومن أوفى بوعده من الله! إنه حين تحل هذه ~~المشكلة هذا الحل الذي يحقق لله العدالة والإرادة والقدرة بإطلاق، يشعر ~~الإنسان أنه تحت حكم إله ليس عادلا كل العدل فحسب، بل ورحيما أيضا إذ وعد ~~بالمغفرة لمن تاب من العصاة، وأنه لن يضيع أجر من أحسن عملا. # 55 # ومع هذا فإن ابن رشد لم يسلم له رأيه حتى الآن، بل عليه أن ينال بالتأويل ~~آيات من القرآن لا تدل بظاهرها لرأيه، وأن يفسر آيات أخرى تشهد لرأيه، ~~مثلا جاء في سورة المدثر: (آية 31): # كذلك يضل ~~الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~، وفي سورة السجدة: ~~(آية 13): # ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ~~، إلى آيات أخرى تدل - إذا أخذت حرفيا ومستلقة عن ~~غيرها - على أن الله أراد إضلال بعض خلقه، وهذا يعتبر جورا طبعا. # وهنا نرى ms132 ابن رشد لا يعيا بالجواب عن هذه المشكلة، إنه يرى بحق أن هذه ~~الآيات ظاهرها لا يتفق وآيات أخرى تدل على عكس هذا المعنى، مثل قوله ~~تعالى (سورة الزمر: 7): # ولا يرضى لعباده ~~الكفر ~~؛ إذ من البين بنفسه أنه متى كان الله لا يرضى ~~الكفر لأحد من عباده، فإنه لا يرضى طبعا أن يوقع أحدا في الضلال المؤدي إليه. # 56 # والنتيجة لهذا وذاك أنه يجب منعا للتعارض بين آيات القرآن تأويل ~~آيات الضرب الأول بما يجعلها تتفق والآيات الأخرى، فهذا هو اللازم عقلا، وما ~~يتفق وعدل الله الشامل العام. # ولكن كيف يؤول هاتين الآيتين اللتين ذكرناهما آنفا؟ إنه يرى في الآية ~~الأولى التي تقول: # كذلك يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء ~~، إشارة إلى أن مشيئة الله الأزلية ~~اقتضت أن يكون في بعض الناس خلق مهيئون للضلال بطباعهم وبأسباب أخرى عرضت ~~لهم، لا أن الله تعالى هو الذي يضلهم. # 57 # ولكن لنا أن نتساءل: وهذه الطباع التي هيأتهم للضلال، من الذي ~~خلقها فيهم؟ وهذه الأسباب التي قادتهم إليه، من الذي كان السبب الأول ~~فيها؟ # على أن فيلسوفنا كان جد موفق في تأويل الآية الأخرى التي تقول: # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~. ~~إنه يرى أن ما يكون خيرا للأكثر من الناس قد يكون سببا لشر - هو هنا ~~الضلال مثلا - يصيب الأقل، فليس من الحكمة ألا يخلق هذا الذي يكون منه ~~الخير للأكثر كي لا يكون بسببه الشر للأقل، بل خلقه والأمر هكذا يكون عدلا ~~كل العدل، # 58 # ولهذا جاء في آية أخرى (سورة البقرة: 26) قوله تعالى: # يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما ~~يضل به إلا الفاسقين ~~. # وفي الحق لو لم يجئ الإسلام وينزل الله القرآن على محمد، # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ليخرج ~~الناس به من الظلمات إلى النور، لما صار من كفر به إلى الضلال الأبدي والخلود ~~في النار، ولكنه كان من أعظم الخير والعدل للبشرية جميعا أن جاء هذا ~~القرآن الذي هدي به أضعاف أضعاف من كان سببا عارضا ms133 لإمعانهم في الضلال ~~والكفر، فالله إذن لم يقصد قصدا أوليا أولئك الذين كفروا به، ولكن أراد ~~الخير الكامل والسعادة التامة لأمة رسوله المصطفى، وإن كان سببا لشقاء من ~~كفروا به. # ومن الواضح بعد هذا كما يقول ابن رشد نفسه، أن نتصور «كيف ينسب إلى الله ~~الإضلال مع العدل ونفي الظلم، وأنه إنما خلق أسباب الضلال؛ لأنه يوجد عنها ~~غالبا الهداية أكثر من الضلال.» # 59 # أما لماذا جاءت في هذا المعنى تلك الآيات المتعارضة بظاهرها؛ حتى احتاج ~~الأمر إلى التأويل، فإن فيلسوف الأندلس يجيب بأنه كان ضروريا أن يفهم ~~الجمهور أن الله مع عدالته المطلقة هو خالق كل شيء: الخير والشر؛ وذلك ~~بسبب ما كان معروفا - قريب عهد بالرسالة - من القول لدى بعض الأمم من وجود ~~إلهين: واحد للخير وآخر للشر، فكان من الضروري تقرير أنه لا خالق لشيء ما إلا ~~الله وحده، ولكن على معنى أن خلقه للشر من أجل ما يكون سببا للخير لأكثر ~~الناس؛ فيكون خلقه للشر إذن عدلا وخيرا حقا. # 60 # ومهما يكن من شيء، فإن هذا القدر من التأويل ليست معرفته واجبة على جميع ~~الناس في رأي ابن رشد، ولكن هذا واجب لمن عرض لهم فقط الشك في هذا المعنى؛ ~~وذلك لأنه «ليس كل أحد من الجمهور يشعر بالمعارضات التي في تلك العمومات، ~~فمن لم يشعر بذلك فغرضه اعتقاد تلك العمومات على ظاهرها.» # 61 # حتى لا يكون البحث في هذا سببا لدخول الشك في قلبه. # هكذا سلم لابن رشد التدليل على أن الفعل يصح أن يوصف لنفسه بالحسن والعدل ~~أو بالقبح والجور، وعلى أن أفعال الله تعالى توصف لذلك بالعدل دائما، كما ~~سلم له أيضا الجمع بين الآيات التي يظن إذا أخذت بظاهرها أنها ~~متعارضة في هذا المعنى، وذلك دون أن ينزل إلى رأي الأشاعرة الذي يراه شنيعا ~~وضد الشرع والنظر العقلي الصحيح. ~~(9) المعاد وأحواله # كون الإنسان يبعث بعد موته ليجزى عما عمل في الدار الدنيا، وليحيا ~~حياة أخرى سعيدة أو شقية، هو كما يقول ابن ms134 رشد «مما اتفقت عليه الشرائع ~~وقامت عليه البراهين عند العلماء.» # 62 # ولا نزاع فيه بين الفلاسفة وبين رجال علم الكلام. # وذلك لأن الإنسان لم يخلق عبثا، بل خلق لغاية جليلة يعتبر ~~تحقيقها بأفعاله ثمرة وجوده في الدار الدنيا، فلا بد إذن من أن يؤدي ~~حسابا عما عمل في سبيل هذه الغاية. # وكذلك؛ من الناس من يحيا في هذه الدار الدنيا حياة لا يجد فيها من السعادة ما ~~يكافئ فضيلته وأعماله الخيرة، ومن الناس من هم في متعة من اللذات ~~والخيرات مع بعدهم عن الفضيلة، فلا بد إذن من حياة أخرى، بعد هذه الحياة ~~التي يشقى فيها الفاضل وينعم الرذل الشرير، يجد فيها كل إنسان من الجزاء ما ~~يكون كفاء ما عمل من خير أو شر في هذه الحياة الحاضرة. # ولهذا وذاك كان الاتفاق في هذه المسألة، مسألة المعاد والجزاء، يرتكز على ما ~~جاء به الوحي وقامت عليه البراهين الضرورية عند الجميع، وفي ذلك يقول الله ~~تعالى (سورة المؤمنون: 115): # أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون # ويقول (سورة النجم : 39-41): # وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى ~~. # لم يجد ابن رشد إذن أي عناء في التدليل على مبدأ المعاد، وإنما الذي بذل فيه ~~جهده هنا هو بيان أن هذا المعاد وما يتبعه من ثواب أو عقاب سيكون روحانيا ~~لا جسمانيا أيضا كما يرى المتكلمون، وإثبات هذا بطريق يناسب الخاصة ~~والعامة حسب المبدأ الذي أخذه على نفسه في كتابه «كشف الأدلة». # وهذا المجهود الذي بذله ابن رشد في بيان رأيه ورأي أسلافه فلاسفة الإسلام في ~~هذه المسألة، وفي التدليل عليه سيكون الحكم له أو عليه في الفصل التالي الخاص ~~بالخصومة بينه وبين الغزالي، وإنما طريقتنا هنا كما في سائر المسائل التي ~~تقدمت في هذا الفصل، هي عرض رأي فيلسوف الأندلس وتدليله عليه كما أراد، ~~ومقارنته برأي بعض أعيان المتكلمين وبالأخص إمام الحرمين وخريجه أبو حامد ~~الغزالي. ~~••• # ذهب المتكلمون إلى أن بعث الأجسام ثابت بالسمع ms135 وجائز عقلا مع هذا، أما ~~السمع ففي القرآن كثير من الآيات التي تثبته، ومنها قوله تعالى (سورة يس: ~~78-79): # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال ~~من يحيي العظام وهي رميم * قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق ~~عليم ~~. # والعقل يجيز البعث الجسماني أيضا، فهذا هو إمام الحرمين الجويني يقول ~~مستدلا بالعقل على جوازه: «ووجه تحرير الدليل أننا لا نقدر الإعادة مخالفة ~~للنشأة الأولى على الضرورة، ولو قدرناها مثلا لها لقضي العقل بتجويزها، ~~فإن ما جاز وجوده جاز مثله؛ إذ من حكم المثلين أن يتساويا في الواجب والجائز.» # 63 # ولا يختلف الغزالي في هذا عن شيخه الجويني، فهو يقرر أن المعاد (يريد ~~الروحاني والجسماني معا) دلت عليه الأدلة القاطعة الشرعية، وأنه ممكن عقلا ~~بدليل الابتداء؛ فإن الإعادة خلق ثان، ولا فرق بينه وبين الابتداء. # ولسنا الآن بسبيل استلهام الغزالي لشيخه إمام الحرمين في هذه المسألة وفي ~~أكثر آرائه الكلامية، وإنما الغرض بيان أن رجال علم الكلام مجمعون ~~على أن المعاد الجسمي لا الروحي فقط سيكون في الدار الأخرى. # 64 # علينا إذن بعد هذا أن نعرف ماذا يرى ابن رشد في كيفية المعاد، ~~وكيف يثبت رأيه في هذه العقيدة الأساسية في كل الأديان. # إنه يقرر أن الشرائع وإن اتفقت على مبدأ المعاد، فإنها اختلفت في كيفيته، ~~بل «في الشاهدات التي مثلت بها للجمهور تلك الحال الغائبة، وذلك أن من ~~الشرائع من جعله روحانيا، أعني للنفوس، ومنها من جعله للأجسام والنفوس معا.» # 65 # وذلك بأن مما لا شك فيه أن للنفس بعد الموت إن كانت فاضلة حالا تسمى ~~سعادة، وإلا فحال أخرى تسمى شقاء، والوحي الذي جاء في بيان هذا الحال ~~يختلف باختلاف الأنبياء، ومن ثم كان اختلاف الشرائع في تمثيلها. # 66 # وفيلسوفنا يذكر سببين لاختلاف الشرائع في التمثيل لتلك الحال: # 67 # اختلاف ما أدركه الأنبياء من الوحي من هذه الأحوال، أو لأن الذين مثلوا هذه ~~الأحوال بمثل مادية قد «رأوا أن التمثيل بالمحسوسات هو أشد تفهيما ~~للجمهور، والجمهور إليها وعنها ms136 أشد تحركا ... وهذه هي حال شريعتنا التي هي ~~الإسلام.» # إنه إذن يذهب كما هو واضح من هذا إلى أن المعاد سيكون روحانيا فقط، إلا ~~أنه لا يعنى هنا بإبراز هذا الرأي ولا بالتدليل عليه؛ وذلك لأن المقام مقام ~~توفيق بين الحكمة والشريعة بالتدليل على العقائد الدينية الأساسية تدليلا ~~يوافق الخاصة والجمهور. # بل إنه يكتفي هنا بعد أن استدل لأصل البعث من القرآن بأن يقول بأن ~~التمثيل الذي في شريعتنا يشبه أن يكون أتم إفهاما لأكثر الناس، وأكثر ~~تحريكا لنفوسهم إلى ما هنالك، والأكثر هم المقصود الأول من الشرائع، وذلك ~~بخلاف التمثيل الروحاني، فهو أشد قبولا عند غير الجمهور، وإنه لهذا المعنى ~~نجد المسلمين فرقا مختلفة في فهم التمثيل الذي جاء في الشريعة للمعاد وأحواله. # 68 # وتدليل ابن رشد لما ذهب إليه نجده في كتابه «تهافت التهافت»، وسنعرض له في ~~الفصل التالي، وسنرى إن كان يمكنه تأويل كل الآيات القرآنية التي تؤكد ~~المعاد الجسماني والسعادة والشقاء الجسمانيين، أو إنه لن يجد إلى ذلك سبيلا، ~~ولكنه ينتهي من هذه المسألة هنا بقوله: «والحق في هذه المسألة أن فرض كل ~~إنسان فيها هو ما أدى إليه نظره فيها، بعد ألا يكون نظرا يفضي إلى إبطال ~~الأصل جملة، وهو إنكار الوجود جملة؛ فإن هذا النحو من الاعتقاد يوجب ~~تكفير صاحبه؛ لكون العلم بوجود هذه الحال للإنسان معلوما للناس بالشرائع والعقول.» # 69 ~~••• # هذا، وإلى هنا انتهى ابن رشد من التدليل على ما رأى التدليل عليه من العقائد ~~الدينية الأساسية، تدليلا يناسب الخاصة والعامة من الناس، وإلى هنا ~~أتم في رأيه عملا كبيرا في سبيل الجمع أو التوفيق بين الشريعة والحكمة، ~~فقد بين أن عقائد الدين يمكن أن يستدل عليها من الشرع ومن العقل معا، ~~وأنه لا يوجد بين هذين المعنيين خلاف في شيء ما. # وإن عليه بعد ذلك كله ليتم له ما أراد، أن يهدم تهافت الغزالي، وهذا ما ~~سنراه في الفصل التالي الذي سيعالج فيه - ضمن ما سيعالجه من مسائل - بالبحث ~~الطويل العميق بعض ms137 ما تناوله بإيجاز في كتابه «كشف الأدلة عن عقائد الملة» كما ~~رأينا في هذا الفصل الذي انتهينا منه، نعني بذلك مثلا مسائل: قدم العالم، ~~وعلم الله، والحياة الأخرى وما سيكون فيها من ثواب وعقاب. # الفصل الرابع # | بين ابن رشد والغزالي # سنعرض في هذا الفصل الأخير المسائل التي اشتد من أجلها الخلاف بين الغزالي ~~والفلاسفة المسلمين، أو بعبارة أدق بين الغزالي والفارابي وابن سينا، وكانت سببا ~~في أن كتب الغزالي كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة»، كما كانت أيضا سببا لأن قام ~~ابن رشد يرد على الغزالي بكتابه المعروف «تهافت التهافت». # فهما معركتان إذن لا يزال لهما أثرهما العميق في التفكير الفلسفي الإسلامي، وقد ~~أثار الأولى الغزالي في كتابه العنيف، وأثار الثانية ابن رشد بكتابه العنيف أيضا ~~الذي أراد به هدم الكتاب الأول، ومن الطبيعي لذلك أن نبدأ بما كان من الغزالي ~~وننتهي بما كان من ابن رشد. ~~(1) الغزالي وتهافت الفلاسفة ~~(1) # كان من قدر الله أن يصير أبو حامد أحمد بن محمد الغزالي (450-505ه) ~~حجة الإسلام، وذلك على الأخص بكتابيه الخالدين: إحياء علوم الدين، ~~وتهافت الفلاسفة. # فالأول يشمل ما به يكون المسلم مسلما حقا أهلا للسعادة في ~~الدنيا والآخرة، من علم الكلام القائم على الكتاب والسنة والسهل ~~الفهم والإقناع، والأمور العملية الأساسية الدينية كالعبادات ~~والعادات الطيبة؛ فيما يتصل بالزواج والاتجار والسفر، وغير ذلك من ~~شئون الحياة، ومن التصوف والأخلاق القائمين على المعرفة بالنفس ~~الإنسانية معرفة أكيدة حقة، ومن غير هذا وذاك كله مما فيه غذاء صالح ~~لقلب الإنسان وعقله وروحه. # ولذلك تقبل المسلمون وما يزالون إلى اليوم هذا العمل الضخم القيم ~~بقبول حسن، والكثير يجد فيه تصحيحا لدينه وغذاء لروحه وطمأنينه ~~لقلبه؛ على أن هذا لم يمنع من أنه لما وصل الكتاب إلى بلاد ~~المغرب رأى بعض الفقهاء المتعصبين أنه يحوي كثيرا من البدع ~~المخالفة لسنة الرسول، فكان من ذلك فتن كثيرة انتهت بالأمر بإحراق ~~نسخ الكتاب، وربما أحرق فعلا بعضها. # 1 # والكتاب الثاني جاء وقد بلغت الفلسفة الإسلامية ذروتها أو كادت على ms138 ~~يدي الشيخ الرئيس ابن سينا، ووجد كثير من المسلمين أنها حوت آراء ~~كثيرة لا تتفق وما يعرفون من العقائد الدينية الأساسية، فظهر ~~الغزالي بهذا الكتاب «والناس - كما يقول تاج الدين السبكي - إلى ~~رد فرية الفلاسفة أحوج من الظلماء لمصابيح السماء، وأفقر من ~~الجدباء إلى قطرات الماء.» # 2 ~~(2) # ولكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن الغزالي هو الذي بدأ الهجوم على ~~الفلاسفة، ذلك بأن المتكلمين من أهل السنة، وقد رأوا ضرورة خصومة ~~المعتزلة لإعطائهم العقل حرية أكثر مما ينبغي في فهم بعض ~~العقائد الدينية (صفات الله، والصلاح، والأصلح مثلا)، رأوا بالأولى ~~ضرورة حرب الفلاسفة منذ بدء تكون المدرسة الفلسفية في الإسلام، ~~ونستطيع أن نذكر من هؤلاء المتكلمين بعد الإمام أبي الحسن الأشعري ~~الأشهر، إمام الحرمين الجويني شيخ الغزالي وبخاصة في علم الكلام ~~والجدل. # حقيقة إن الغزالي يذكر لنا في كتابه «المنقذ من الضلال» أنه لم ~~يعرف أحدا من علماء الإسلام صرف همته لتحصيل الفلسفة والرد عليها ~~قبله، ولكنا سنرى الآن أنه كان قبل الغزالي من عني في كثير من ~~المسائل الدينية النقدية بالرد على أصحاب الآراء الضالة في ~~رأيهم، سواء أكانوا عرفوا بأنهم فلاسفة أم ملاحدة. # هذا هو إمام الحرمين يذكر في كلامه على «حدوث العالم»: «والأصل ~~الرابع يشتمل على إيضاح حوادث لا أول لها، والاعتناء بهذا الركن ~~حتم، فإن إثبات الغرض منه يزعزع جملة مذاهب الملحدة، فأصل ~~مذهبهم أن العالم لم يزل على ما هو عليه، ولم تزل دورة للفلك قبل ~~دورة إلى غير أول، ثم لم تزل الحوادث في عالم الكون والفساد تتعاقب ~~إلى غير مفتتح، فكل ذلك مسبوق بمثله.» # 3 # كما نراه أيضا يذكر في معرض كلامه عن إثبات العلم بالصانع: «وباطل ~~أن يكون (يريد المخصص الذي خصص العالم بالوجود في وقت دون آخر بدل ~~استمرار العدم) جاريا مجرى العلل، فإن العلة توجب معلولها على ~~الاقتران؛ فلو قدر المخصص علة لم يخل من أن تكون قديمة أو ~~حادثة، فإن كانت قديمة، فيجب أن توجب وجود العالم أزلا، ms139 وذلك ~~يفضي إلى القول بقدم العالم، وقد أقمنا الأدلة على حدوثه، وإن كانت ~~حادثة افتقرت إلى مخصص ثم يتسلل القول في مقتضى المقتضى.» # 4 # وهذا النوع وذاك من الجدل والاستدلال، في معرض الرد على من قال ~~بقدم العالم وعدم حاجته إلى صانع، سنجدهما قريبا لدى ~~الغزالي. # ومثل ثان يدلنا على استمداد الغزالي من سابقيه، نأخذه من كلام ~~أبي الحسين الخياط المعتزلي في رده على ابن الراوندي ~~الملحد؛ إنه يذكر في صدد الكلام عن علم الله تعالى: «الصحيح من ~~القول هو أن الله، جل ثناؤه، كان ولا شيء معه، وأنه لم يزل يعلم ~~أنه سيخلق الأجسام وأنها ستتحرك بعد خلقه إياها وتسكن، فهو جل ذكره ~~لم يزل يعلم أن الجسم قبل حلول الحركة فيه سيتحرك، ويعلم أنه في حال ~~حلول الحركة فيه متحرك، ومما يبين ذلك أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لو ~~أعلمنا يوم السبت أن زيدا يموت يوم الأحد، لكنا يوم السبت نعلم أن ~~زيدا قبل حلول الموت فيه سيموت يوم الأحد، ونعلم أيضا أنه ميت ~~يوم الأحد إذا حل الموت فيه.» # 5 # وسنجد هذا الضرب من الاستدلال لدى الغزالي في مسألة إبطال قول ~~الفلاسفة بأن الله لا يعلم الجزئيات الحادثة. # 6 # وكذلك يوجد تشابه كبير بين رد الخياط في مسألة علم ~~الله أيضا، على هشام بن الحكم الرافضي الذي يزعم أن علم الله تعالى ~~حادث بحدوث المعلومات # 7 # وبين استدلال الغزالي على ما زعمه من تلبيس الفلاسفة ~~حين يرون أن الله فاعل العالم وصانعه مع قولهم بأنه صادر عنه ~~صدور المعلول عن علته، فالله إذن لم يرده ولا يعلم به. # 8 # ويطول بنا القول لو أردنا الإشارة لمن سبقوا الغزالي في الرد على ~~الفرق المنحرفة عن سواء السبيل، ولكن نذكر أخيرا مثالا ثالثا ~~في هذه الناحية؛ إن أبا محمد بن حزم الظاهري يرد على الذين ~~قالوا بأن العالم قديم وله فاعل يعتبر علة له، وهو الله، فيذكر ~~أن «المفعول هو المنتقل من العدم إلى الوجود، بمعنى من ليس ms140 إلى ~~شيء، فهذا هو المحدث، ومعنى المحدث هو ما لم يكن ثم كان، وهم يقولون ~~إنه هو الذي لم يزل، وهو خلاف المعقول.» # 9 # وهذا الرد والاستدلال من ابن حزم غير بعيد مما ذكره الغزالي في ~~مسألة تلبيس الفلاسفة بقولهم إن الله صانع العالم مع قولهم بقدمه. # 10 # ومعروف أن ابن حزم توفي سنة 456ه وأن الغزالي قرأه ~~وأعجب ببعض ما كتب. # 11 # ومهما يكن من شيء؛ فإنه ما ينبغي أن يفهم من هذا أننا نريد ~~الغض من قدر الغزالي، أو الانتقاص من قيمة عمله في هذه الناحية أو ~~نريد أن نسويه في الرد على الفلاسفة بسابقيه، إنما الذي نريد بهذه ~~الإشارات هو أن نثبت أن حجة الإسلام كان له سلف في هذا الكفاح، ~~وأنه طبعا قد أفاد مما عرفه عن هؤلاء الأسلاف. # إن الغزالي وقد ولد بعد عشرين عاما من وفاة ابن سينا، رأى أن ~~هذا قد أعطى للفلسفة قوة ومنزلة بالنسبة لعلم الكلام، لم يكونا لها ~~من قبل، فرأى فرضا عليه أن ينتدب نفسه للرد على الفلاسفة وأن يشن ~~عليهم حربا لا هوادة فيها، وكان على هذا قادرا. # لقد كان فقيها، ومتكلما، وصوفيا، ومتبحرا في الدراسات ~~الفلسفية، فرأى أن القدر أعده ليكون الرجل الذي يربح المعركة ~~الفاصلة ضد الفلسفة والفلاسفة، وقد كان يحس فعلا بهذه الرسالة التي ~~يجب أن يضطلع بها دون تريث، فاندفع إلى أدائها بضمير يقظ وعقل قوي ~~محيط. # هذا بإجمال دقيق هو الغزالي الذي أعدبغرضه نفسه لحرب الفلسفة ~~ورجالها، فكتب في ذلك كتابه «تهافت الفلاسفة» فماذا كان بدقة غرضه ~~وغايته من هذا العمل الكبير، وماذا كانت خطته التي اصطنعها للوصول ~~إلى الغاية التي ندب نفسه لها؟ ~~(3) # يرى «شمولدير # Schmoslders ~~» أن ~~غرض الغزالي من كتابه هو بيان تهافت الفلاسفة وتناقضهم بعضهم مع ~~بعض، وأن المذهب الفلسفي للواحد منهم يضاد فلسفة الآخر، ومعنى ~~هذا أن الغزالي لم يكن له في عمله مجهود إيجابي يدلل به على ~~تهافت الفلاسفة وتداعي مذاهبهم، بل كل ما كان له هو بيان ms141 تناقض هذه ~~المذاهب فيما بينها. # 12 # ولذلك لم يرض «مونك» هذا الرأي، بل إن غرضه كان هدم تلك المذاهب ~~الفلسفية بنقد عنيف عام. # 13 # ونحن مع موافقتنا المستشرق «مونك» على أن ما ذكره كان غرضا ~~للغزالي من تهافته، نرى أنه لم يكن الغرض الوحيد من كتابته، إن ~~الغرض أو الأغراض التي أرادها حجة الإسلام من حربه الفلاسفة بهذا ~~الكتاب، تبين لنا من كلامه نفسه، وبخاصة من افتتاحه لهذا ~~الكتاب. # إنه قد هاله أن المتفلسفين المسلمين، وبخاصة الفارابي وابن ~~سينا، قد تركوا الدين - كما يقول - اغترارا بعقولهم، وتقليدا ~~للفلاسفة القدماء الذين لهم أسماء مدوية مثل سقراط وأبقراط ~~وأفلاطون وأرسطوطاليس؛ ولهذا فرض على نفسه الرد على هؤلاء «الفلاسفة القدماء»، # 14 # مبينا تهافت آرائهم وتناقضها فيما يتعلق بالإلهيات، ~~وذلك «ليكف من غلوائه من يظن أن التجمل بالكفر تقليدا يدل على ~~حسن رأيه، أو يشعر بفطنته وذكائه.» # 15 # وهو حين يرد على الفلاسفة اليونان يعتمد في شأنهم على ~~ما نقله عنهم الفارابي وابن سينا معترفين بصحته وراضين به. # على أن لحجة الإسلام بجانب ذلك غرضا آخر، وهو نزع الثقة من ~~الفلاسفة المسلمين، و«تنبيه من حسن اعتقادهم فيهم فظن أن مسالكهم ~~تقيه عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم؛ فأبطل عليهم ما اعتقدوه ~~مقطوعا به.» # 16 # ولعل هذا هو الغرض الأخير للغزالي والغاية التي ~~أعد العدة للوصول إليها، بعد أن رأى شدة أسر الفلسفة وذيوع ~~اسم الفلاسفة وقوة أثرهم. # ومن أجل هذا نراه وهو يجادلهم يصفهم تنفيرا للناس منهم، بأنهم أغبياء، # 17 # زاغوا عن سبيل الله الحق، # 18 # وبأن بعض نظرياتهم ظلمات فوق ظلمات، # 19 # إلى نحو هذا كله من الصفات التي تزري حقا بمن اتصف ~~بها، والتي تنفر الناس منه وتصرف عنه حتى من يثق به. # على أننا بعد هذا نرى أن الغزالي يتخذ بادئ ذي بدء من اختلاف ~~الفلاسفة اليونان في المسائل الإلهية فيما بينهم، دليلا على أن ~~آراءهم فيها محتملة للشك؛ ولذلك نراه يقول: «ولو كانت علومهم ~~الإلهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين، كعلومهم ms142 الحسابية ~~والمنطقية، لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية.» # 20 # وهذه حجة نجدها بعد أكثر من خمسة قرون لدى «ديكارت» ~~الفيلسوف الفرنسي المشهور، وذلك عندما أخذ في نقد ما بعد ~~الطبيعة. ~~(4) # وإذا كانت تلك هي الأغراض التي قصدها الغزالي من حربه الفلاسفة، ~~فإن الطريقة التي سلكها لبلوغها يجب أن تكون مناسبة معها، فكذلك ~~يصنع الخصم الماهر اللبيب. # حقيقة، إنه في مقدمته الثانية لكتابه لا ينازع الفلاسفة في ~~بعض المصطلحات التي اصطنعوها، مثل تسميتهم «الله» جوهرا ما داموا ~~يريدون بالجوهر ما يقوم بنفسه، وكذلك لا ينازعهم في بعض نظرياتهم ~~في الطبيعة التي لا تعارض الدين بحال، مثل تفسيرهم للكسوف، ما دام ~~ذلك مبنيا على أصول رياضية يقينية، بل إن الشك في هذا ونحوه ~~يضر الدين نفسه ويظهره متعارضا مع الرياضيات التي لا ريب فيها ~~مطلقا، كما لا ينازعهم أيضا في المنطق؛ إذ لا بد منه لدراسة ~~العلوم الإلهية. # إنما ينازعهم بعنف وشدة فيما يتعلق بأصول الدين، وفيما يرجع إلى ~~الطبيعة وما بعد الطبيعة، إذا ما رأى ما ذهبوا إليه لا يتفق ~~والعقائد الدينية الصحيحة، مثل قولهم في قدم العالم أو حدوثه، ~~وإنكارهم البعث الجسماني. # وهكذا لم يهاجم الغزالي ما كان موثوقا به من فلسفة اليونان، نعني ~~الرياضيات والطبيعة القائمة عليها والمنطق، وركز حملته بعد هذا فيما ~~بعد الطبيعة ينقدها بشدة؛ ليقيم بدلها ما جاء به الدين الذي نجد فيه ~~ما يعجز العقل عن الوصول إليه من المسائل الإلهية، وحجة الإسلام في ~~هذا وذاك يذكرنا بما سيكون من «كانط» الفيلسوف الألماني الأشهر ~~المتوفى سنة 1804م. # والغزالي حين ينازع الفلاسفة في تلك المسائل ونحوها، لا يتناولها ~~جملة، بل يعرض الرأي الذي لا يرضاه مع الأدلة التي ساقها ~~الفلاسفة لتأييده، ومع ما يراه هو من أدلة أخرى فاتت الفلاسفة، وبعد ~~هذه المرحلة يأخذ في الرد والاعتراض على هذه الأدلة ويتصور لهم ~~إجابات على اعتراضاته، ويأخذ في الرد عليها من جديد. # وبهذا نرى الغزالي لا يسير في المعركة على طريقة المحامي الذي لا ~~يعنيه ms143 أن يظهر أدلة خصمه، بل إنه يسير سير من يريد الوصول إلى ~~الحقيقة، مع إنصاف خصمه وتقدير أدلته وبراهينه ثم نقدها، وهذه ~~طريقة نجدها ماثلة في كثير من المؤلفات التي تدرس حتى اليوم ~~بالأزهر، وهي طريقة فيها إنصاف للخصم إلى حد كبير. # على أن هذا أو ذاك ليس كل الطابع الذي يسم طريقة الغزالي في ~~كتابه وخصومته، إنه وقد أراد نزع الثقة من الفلاسفة، والحد من ~~اعتزازهم بالعقل وقدرته، ينازعهم أيضا في بعض مسائل يتفق معهم ~~فيها. # ومن المثل لذلك مسألة روحانية النفس وعدم فنائها، هذه المسألة ~~التي قدم الفلاسفة للاستدلال لها أدلة عقلية قوية حرية بالإقناع ~~ومن شأنها تقوية العقيدة الدينية، والتي لا ينازع الغزالي في الرأي ~~الذي وصل إليه للفلاسفة فيها، ولكنه يرد على هذه الأدلة ~~والبراهين، وذلك ليبين للفلاسفة عجز عقولهم عن الاستدلال لما ذهبوا ~~إليه مع أنه حق، وأن الخير الاستدلال بالشرع وحده فيها. # 21 # ثم بعد هذا وذاك، سنرى - وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك - أن الغزالي ~~يبيح لنفسه أن يرمي خصومه بالجهل الفاضح والتخبط في الظلمات، ~~وبالكفر تقليدا للفلاسفة اليونان الذين اعتقدوا عصمتهم من الخطأ، ~~إلى نحو هذه التشنيعات التي تتم له تحقيق التشويش على الفلاسفة ~~المسلمين وتسويء سمعتهم، وهو بعض ما قصده من حملته العنيفة. # والآن بعد أن عرفنا أغراض الغزالي من تهافته، وكيف سلك لبلوغ هذه ~~الأغراض، ننتقل إلى الناحية المهمة من البحث، وهي عرض بعض ~~المسائل التي يتركز حولها الخصام بين الغزالي والفلاسفة. # على أننا نشير من الآن إلى أن حجة الإسلام لم يكن من غرضه في ~~تهافته بيان الرأي الحق في المسائل التي دار حولها النزاع، هذه ~~المسائل التي - كما يقول - سيخصص لها كتابا يعنى فيه بالإثبات كما ~~عني في «التهافت» بالهدم. # 22 ~~(5) # ونرى بعد ما تقدم أن نعرض المسائل التي دار فيها النزاع بين ~~الغزالي وبين الفلاسفة، سواء ما كان منها متعارضا مع ما قرره ~~الدين في رأي حجة الإسلام، أو ما كان منها حقا في نفسه، ولكن عجز ~~الفلاسفة ms144 في رأيه عن إقامة الدليل العقلي عليه، ونكتفي هنا بأن نورد ~~بإيجاز ما أراد الغزالي بيانه في كل مسألة من هذه المسائل بكتابه ~~«تهافت الفلاسفة»، مرجئين الجدل فيها إلى القسم الثاني من هذا الفصل ~~الخاص بردود ابن رشد عليه، وهذه المسائل هي: ~~(1) # قدم العالم أو حدوثه. ~~(2) # صدور العالم عن الله أو تعجيز الفلاسفة عن إثبات ~~أنه الصانع له. ~~(3) # علم الله بنفسه وبالعالم، ومدى هذا العلم. ~~(4) # مشكلة الأسباب والمسببات. ~~(5) # البعث والجزاء الأخروي. # في المسألة الأولى: # التي استنفدت الجانب الأكبر من جهد الغزالي، أراد ~~أن يبطل قول الفلاسفة بأن العالم يوجد دائما ما ~~دام هو معلول الله القديم الأزلي، وذلك بالتدليل على ~~استحالة زمن لا ينتهي، وبإدخاله فكرة أن الإرادة ~~الإلهية قدرت في الأزل أن يوجد العالم في الوقت الذي ~~أراده الله، وهكذا وجد العالم محدثا عن الله بعد ~~أن لم يكن، دون المساس بما يحافظ الفلاسفة عليه من ~~عدم التغير في إرادة الله تعالى. # 23 # وفي الثانية: # حاول أن يدلل على أن الفلاسفة لا يرون أن الله ~~صانع العالم، وأنهم يعجزون عن إثبات ذلك حسب ما ~~ذهبوا إليه: من أن العالم قديم؛ فلا يمكن أن يكون ~~مخلوقا، وأن الله ليس مريدا حتى يكون فاعلا، ~~ومن أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، والعالم مركب ~~من مختلفات؛ فلا يمكن صدوره عن الله الواحد. # 24 # وفي الثالثة: # حاول إلزام الفلاسفة القول بأن الله لا يعرف ~~ذاته ولا غيره، ما دام العالم صدر عنه بلا إرادة بل ~~بالضرورة كصدور الحرارة عن النار والنور عن الشمس. # 25 # كما عني بإبطال قولهم بأن الله لا ~~يعلم الجزئيات. # 26 # وفي المسألة الرابعة: # عمل على التدليل على أن الارتباط بين ما يسمى ~~سببا وما يسمى مسببا ليس ضروريا على خلاف ~~ما يرى الفلاسفة، وهذا لتكون المعجزات النبوية ~~ممكنة، وذلك ببيان أن احتراق القطن - مثلا - إذا ~~لامس النار لا يدل على أن الاحتراق هو من النار ~~وبها حقيقة، بل لا يدل إلا على حدوث الاحتراق عند ~~الملامسة، أما السبب ms145 فهو الله الذي خلق الاحتراق ~~عند الملامسة، والذي يجوز أن يخلق ما يسمى ~~مسببا بدون ما يسمى سببا. # 27 # ويذكرنا ما ذهب الغزالي إليه في هذه المشكلة بما ~~ذهب إليه كل من مالبرانش في القرن السابع عشر ~~وهيوم من بعده، أي: نفي الارتباط الضروري بين ما ~~يسمى سببا وما يسمى مسببا. # إن «هيوم» يقول بأن التجربة ترينا فقط أن واقعة ~~ما ينتج عنها أخرى دون أن يبين لنا ارتباطا ~~ضروريا بينهما، أي: الارتباط الذي يراد بهذا ~~التعبير: علاقة السببية. # 28 # بل إن «مالبرانش» يصرح بأن ~~السبب الحقيقي الذي يوجد الشيء به هو الله وحده، ~~فإن السبب الحقيقي في رأيه هو ما يرى العقل ~~ارتباطا ضروريا بينه وبين ما ينتج عنه، وهذا ما ~~لا يراه العقل إلا لله الذي يكون عن إرادته وحدها كل ~~شيء، ولا يمكن أن يجعل الله هذه القوة لشيء مما ~~خلق، وإلا لتعددت الآلهة الخالقة. # 29 # ومن ثم فإن الإنسان حين يحرك ~~ذراعيه مثلا، يفعل هذا بقوة ليست في الحق ~~منه. # ومع اشتداد حجة الإسلام في نصرة ما ذهب إليه في ~~مشكلة السببية، فإنه يشعرنا بأن إنكار لزوم المسببات ~~عن أسبابها وإضافتها إلى الله وحده دون منهج متعين، ~~يجر إلى الفوضى في الطبيعة، وذلك بتجويز انقلاب ~~غلام كلبا، أو كتاب فرسا، أو غير ذلك وذاك من ~~انقلاب أعيان الموجودات إلى بعض. # ولهذا نجده يتدارك هذا الزعم، أي: تجويز ~~الانقلابات في الطبيعة، بأن قرر أن الله خلق فينا ~~علما بأن انقلاب الشيء إلى شيء آخر دون ما ~~يسمى سببا أمر ممكن في نفسه ولكنه لا يقع، ~~وبخاصة أن استمرار عادة ترتب الأشياء بعضها عن ~~بعض، بإرادة الله وسببيته وحده، رسخ في أذهاننا ~~أنها ستجري دائما وفق هذه العادة والنظام. # 30 # هذا، وفكرة هذه «العادة» التي خلقت فينا هذا ~~«العلم» نجدها أيضا كذلك لدى «هيوم». فإنه يعلل ~~بها اطراد ما نراه من النظام في الطبيعة، ووجود ~~شيء عن شيء دائما باطراد. # 31 # وأخيرا في المسألة الخامسة: # وهي المسألة العشرون ms146 التي ختم بها الغزالي كتابه ~~تهافت الفلاسفة، نجده يعنى بإبطال ما ذهب إليه ~~الفلاسفة من إنكار البعث الجسماني الثواب والعقاب ~~الجسمانيين، مستندا في هذا بحق إلى ما جاء عن ذلك ~~في الشريعة من نصوص لا تحتمل التأويل تثبت البعث ~~والجزاء الجسمي والروحي معا، كما نراه يعنى بعد ~~هذا بإبطال المحالات التي رأى الفلاسفة أنها تمنع من ~~بعث الأجساد. # 32 # وهكذا حدد حجة الإسلام أغراضه وغايته من كتابه، وسلك في سبيل تحقيق ما أراد ~~الطريق التي ارتضاها ورأى أنها تحقق غايته، وحدد ميدان المعركة بينه ~~وبين الفلاسفة. # فلننظر بعد ذلك ماذا سيكون من خصمه ابن رشد نصير الفلسفة، ثم علينا بعد هذا ~~كله أن نتقدم برأينا الخاص في هذه المعركة التي ما تزال آثارها ماثلة في ~~التفكير الفلسفي حتى هذه الأيام. ~~(2) ابن رشد وتهافت التهافت # إذا كان قد كتب للغزالي كما رأينا أن يشن المعركة حامية ضد فلاسفة ~~الإسلام، أو بعبارة أدق ضد الفارابي وابن سينا، وأن يصير بذلك «حجة الإسلام»، ~~فقد كتب كذلك لابن رشد الذي ظهر بعده بقليل من الزمن. # 33 # أن يهدم تهافته، وأن يصير بهذا نصير الفلسفة في ~~الإسلام. ~~(1) # على أنه ما ينبغي أن ~~نظن أنه كان أول من أحس بثقل وطأة الغزالي على الفلاسفة ووجوب ~~الرد عليه، فقد كان قبله من أحس هذه الشدة، ونعني به «ابن ~~طفيل». # لقد عاب أبو بكر بن طفيل على الغزالي أنه «بحسب مخاطبته ~~للجمهور يربط في موضع ويحل في آخر، ويكفر بأشياء ثم ~~ينتحلها.» وضرب لهذا مثلا مسألة إنكار البعث الجسدي التي ~~كانت من أسباب تكفيره للفلاسفة، مع أنه لا يبعد أن يكون هذا ~~هو رأيه الخاص على ما يؤخذ من كتابيه: ميزان العمل، والمنقذ ~~من الضلال. # 34 # وابن طفيل يذكر بعد هذا أن الغزالي يعتذر عن اتخاذه آراء ~~مختلفة في المسألة الواحدة بقوله في آخر كتاب «ميزان العمل» ~~بأن الآراء ثلاثة أقسام: رأي يشارك فيه الجمهور فيما هم ~~عليه، ورأي يكون بحسب ما يخاطب به كل سائل ومسترشد، ورأي ms147 يكون ~~بين الإنسان وبين نفسه لا يطلع عليه إلا من هو شريكه في ~~اعتقاده. # وهذا المعنى الذي أحسه ابن طفيل في الغزالي، نجد ابن رشد يحسه ~~أيضا حين يرى - كما سيجيء - أنه اضطر لأن يقول ما لا ~~يعتقد من أجل زمانه ومكانه، وملاحظة فيلسوف الأندلس هذه هي ~~التي جعلت «مونك» يؤكد أن للغزالي مؤلفات مضنونا بها على ~~غير أهلها # ésotéripues ~~. # 35 ~~(2) # ويفصح ابن رشد عن غرضه من كتابته «تهافت الفلاسفة» في وضوح ~~وإيجاز، فيفتتحه بقوله: «وبعد حمد الله الواجب، والصلاة على ~~جميع رسله وأنبيائه، فإن الغرض في هذا القول أن نبين مراتب ~~الأقاويل المثبتة في كتاب «التهافت» في التصديق والإقناع، ~~وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان.» # 36 # وهذا الغرض مع تأكيد ابن رشد إياه في مواضع كثيرة أخرى من ~~كتابه، ليس في رأينا إلا وسيلة يصل بها إلى غرضه الأخير، وهو ~~أن يرد عدوان الغزالي ويجعل حملته على الفلسفة باطلة، وبذلك ~~يتم له ما نصب نفسه له من الانتصار للفلسفة وإزالة الجفاء ~~بينها وبين الشريعة، إن لم نقل التوفيق بينهما. ~~(3) # وسنرى من عرض مسائل النزاع المهمة بين فيلسوف الأندلس ~~وحجة الإسلام، أن «تهافت التهافت» كما يقول بحق الأب بويج، ~~ليس دفاعا قام به ابن رشد ليعيد للفلسفة منزلتها، ولكنه فحص ~~دقيق وتفسير أو تأويل عميق متبصر لكتاب الغزالي. # 37 # بيد أن هذا لا يمنعنا من القول بأننا سنرى أيضا أن ابن رشد كان يعمل جهده ~~على عدم توسيع شقة الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة، كما كان يصدر - وهو يكتب ~~كتابه - عن هذا المبدأ الذي سبق بيانه وهو: للجمهور تعليم غير التعليم الذي ~~يكون للخاصة، وإن مخالفة هذا حرام؛ لأنه يضر بالناس جميعا وبالحكمة ~~والشريعة معا. # 38 # ولشعور أبي الوليد بثقل ما يحمل من مسئولية، وبأن الأمر جد كل الجد، نراه ~~ينعى بحرارة من كل قلبه على الغزالي حين يصرح - كما عرفنا من قبل - بأنه لم ~~يقصد من تهافته بيان الحق في نفسه، وإنما قصد التشويش على الفلاسفة ونزع ~~الثقة منهم، إلى ms148 آخر ما قال في هذه الناحية. # وفي هذا يقول فيلسوفنا بحق: «إنه لا يليق هذا الغرض به، وهي هفوة من هفوات ~~العالم، فإن العالم بما هو عالم إنما قصده مطلق الحق لا إيقاع الشكوك ~~وتحيير العقول.» # 39 # كما يقول في موضع آخر: # 40 ~~«إن هذا قصد لا يليق به، بل بالذين في غاية الشر! وكيف لا يكون ~~ذلك كذلك ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة إنما استفادها من كتب الفلاسفة ~~ومن تعليمهم (يريد فلاسفة اليونان)! وهبك إذا أخطئوا في شيء، فليس من الواجب ~~أن ننكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا! أفيجوز لمن استفاد من كتبهم ~~وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه وعظم في ملة الإسلام ~~صيته وذكره، أن يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق وذم ~~علومهم! # وإن وضعنا أنهم مخطئون في أشياء من العلوم الإلهية، فإنا إنما نحتج على خطئهم ~~من القوانين التي علمونا إياها من القوانين المنطقية، ونقطع أنهم لا ~~يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم، فإن قصدهم إنما هو معرفة ~~الحق، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد، لكان ذلك كافيا في مدحهم، فلا أدري ما ~~حمل هذا الرجل على مثل هذه الأقوال»! # ولأن غرض ابن رشد هو كما عرفنا بيان ما هو حق من آراء الغزالي، نراه يقر ~~له بما يكون في آرائه من صواب، وينقد أحيانا وبشدة الفارابي وابن سينا على ما ~~ذهبوا إليه من خطأ، وذلك صنيع العالم الباحث الطالب للحقيقة وحدها. # والآن، بعد هذا التمهيد الذي عرفنا منه ما كان من جهد في الرد على الغزالي، ~~نأخذ في صميم الموضوع، نعني في بيان رأي فيلسوفنا في أهم المسائل التي عرضناها ~~عن الغزالي من قبل، والتي رأينا تركيز المعركة بينهما فيها وحولها. ~~(3) مسائل النزاع ~~(3-1) قدم العالم # ليس من المبالغة في شيء أن نقول بأن هذه المسألة أهم المسائل التي ~~كانت وما تزال سبب الخصومة العنيفة بين الفلاسفة والمتكلمين، هؤلاء يرون ~~أن ms149 القول بقدم العالم على أي نحو كان وصدوره ضرورة عن الله كالمعلول ~~عن العلة، ومساوقته له تعالى في الزمن يعتبر إنكارا للخلق وتعريضا ~~لوجود الله للجحود! # ذلك بأنهم يرون أن الخلق والإحداث هما الكون عن عدم فلا يتصور كون ~~العالم مخلوقا لله إلا إذا أوجده بعد مدة كان معدوما فيها، بل كان ~~الله هو الموجود وحده. # 41 # لكن الفلاسفة لا يرون في القول بالقدم إنكارا للخلق، ولا تعريضا ~~لوجود الله للجحود، فإنهم يرون أن من العسير حقا تصور «الخلق والحدوث» ~~للعالم دون أن يسبقه «العدم» أو بعبارة أخرى، دون أن يسبق وجود العالم ~~«زمان» كان معدوما فيه. # إلا أنهم يرون فيما يتصل بالعدم أنه يكفي أن يتقرر عقلا أن ~~العالم ما كان يمكن أن يوجد من نفسه لو لم يوجده الله، فهذا الوجود من ~~غيره معناه عدمه لو لم يوجد عن سببه وعلته. # 42 # وكذلك رفع الزمان بين وجود الله ووجود العالم عنه، لا يرفع ~~أن هذا حادث عن ذاك، وكل ما في الأمر أنه يجعل من العسير تصور أسبقية ~~الله ووجود العالم عنه بعد ذلك، وأما مسألة الخلق والإحداث وثبوت هذا ~~العمل عن الله، فيكفي في هذا أن يقال بحق بأن المخلوق هو المعلول عن ~~الخالق، وإن لم يتقدم الفاعل عنه بزمان. # 43 # وفيلسوف الأندلس حين يدافع عن رأي الفلاسفة في تلك المشكلة، اختار ~~لنفسه في دفاعه وتدليله لما يذهب إليه ما يمكن أن يلخص هكذا: ~~(أ) # قبول ما رآه صحيحا من الأدلة التي تقدم بها الغزالي ~~في كتابه التهافت، ذاكرا أنها أدلة الفلاسفة لمذهبهم، ~~ورفض ما لا يراه صحيحا منها. ~~(ب) # الرد على ما وجهه الغزالي من اعتراضات على تلك ~~الأدلة. ~~(ج) # التقدم بأدلة أخرى لتأييد رأي الفلاسفة. ~~(د) # بيان أن كتابه «تهافت التهافت» ليس مخصصا للبرهنة، بل ~~لرد هجوم الغزالي وبيان أن أكثر ما جاء به لا يرتفع إلى ~~مرتبة اليقين والبرهان. # هذا، وليس من الميسور ولا من الضروري في رأينا أن نورد هنا سجلا ~~لما كان ms150 من جدل طويل في هذه المسألة بين ابن رشد وبين خصمه اللدود، ~~ويكفي أن نذكر بإيجاز دقيق أهم ما استند إليه فيلسوف الأندلس في دحض مذهب ~~المتكلمين، وهو حدوث العالم بعد زمان كان معدوما فيه، والبرهنة على أنه ~~قديم بما يتفق والغرض الذي كتب كتابه من أجله. ~~(1) # يرى الفلاسفة أنه يستحيل صدور حادث عن قديم، وذلك أننا لو ~~فرضنا زمنا كان العالم ممكن الوجود فيه لكنه لم يوجد؛ لأنه لم ~~يكن لوجوده مرجح على عدمه، كان لنا أن نتساءل: هل جد مرجح ~~اقتضى وجوده حين وجد، أم لا؟ فإن كان الثاني، كان الواجب أن ~~يظل العالم ممكنا غير موجود؛ إذ لا يوجد شيء بلا مرجح، ~~وإن كان الأول سألنا عن السبب الذي جعل المرجح يجد الآن لا ~~قبل، ومع هذا فيكون الله تعالى محلا للتغير بسبب هذا المرجح ~~الذي جد وبسببه وجد العالم بعد ما كان معدوما. # وهذا القول وإن حكاه الغزالي دليلا للفلاسفة لا يعده ابن ~~رشد إلا جدلا عاليا لا يصل إلى مرتبة البرهان. # 44 # على أن الغزالي يعترض على هذا الدليل؛ فيقول: ما الذي ~~يمنعنا من أن نعتقد أن الله أراد أزلا أن يستمر العالم ~~معدوما طول مدة عدمه، وأن يوجد بعد هذا الزمن في الوقت الذي ~~وجد فيه، وحينئذ لم يكن وجوده قبل مرادا فلم يحدث، ثم حدث ~~بعد في الوقت الذي عينه الله بإرادته القديمة لوجوده، وظل ~~الله منزها عن كل تغير . # 45 # وفي رأينا أن هذا يعتبر من جانب الغزالي حلا موفقا ~~للمسألة، ولكن ابن رشد يرى - في سبيل نقده وعدم التسليم به - ~~أن المتكلمين لا بد لهم حينئذ من التسليم بأن حالة ~~الفاعل في وقت عدم الفعل ليست هي حالته وقت الفعل، # 46 # بل لا بد حين الفعل من أمر جد إما في الفاعل ~~نفسه أو في المفعول، وإذن هذه الحالة الجديدة لا بد لها من ~~فاعل، وهذا إما أن يكون غيره، فلا يكون الموجد مكتفيا في ~~الإيجاد بذاته وحده، وإما هو ذاته، ms151 فلا يكون العالم أول ~~مخلوق له، بل أول مخلوق هو تلك الحالة، مع أن المتفق عليه أن ~~العالم هو أول ما خلق الله. # 47 # ثم كيف يتصور فعل حادث عن إرادة قديمة من غير أن تتغير حالة ~~الفاعل وقت الفعل عن حالته قبله، بأن تزيد رغبته في تحقيق ~~الفعل، وهذا ما يعتبر نقصا في حقه تعالى. # 48 # ولا ندري كيف يصح هذا من ابن رشد بالنسبة لله تعالى، إنه ~~يصح في الإنسان الذي إن أراد مثلا أن يفعل كذا بعد عام لا ~~بد له من أن يباشر بنفسه ما أراد سابقا فعله، وحينئذ يقال ~~إن حالة جديدة حصلت له. # أما صانع العالم، أي: الله، فقد سبق أن عبر الغزالي عن ~~رأي المتكلمين حين ذهب إلى أن الله أراد أزلا أن يوجد ~~العالم في وقت كذا، وفي هذا الوقت وجد بسبب الإرادة القديمة ~~دون أن تتغير حالة الفاعل - أي: الله - في الحالتين: حالة عدم ~~الفعل وحالة الفعل. # على أن هناك اعتراضا آخر للفلاسفة على حل الغزالي تقدم به ~~حجة الإسلام نفسه، وهو أقوى من اعتراض ابن رشد، ولهذا رضيه ~~تماما، وهو يتلخص في أنه كما يستحيل وجود حادث ومسبب بلا ~~سبب، يستحيل تأخر وجود المسبب عن سببه الكامل شروط الإيجاد ~~والإيجاد، وهنا مثلا كان الله وما يزال موجودا، وإرادته ~~موجودة ونسبتها إلى المراد موجودة وثابتة، فكيف يتأخر وجود ~~العالم عن وجود الله الذي هو علته التامة وسببه الكامل! # 49 # وهذا ما يذكرنا بما سيقوله البغدادي فيما بعد عن القائلين ~~بقدم العالم؛ إذ يقررون أن الله إذا كان لم يزل موجودا ~~عالما مريدا قادرا، كان لا بد أن يكون العالم موجودا أزلا ~~أيضا، ولا يعقل أن تكون مدة قبل العالم يكون الله فيها ~~عاطلا غير خالق ولا موجد. # 50 # وقد قلنا آنفا إن ابن رشد رضي تماما ذلك الرد الذي تقدم ~~به الغزالي عن الفلاسفة، إلا أن هذا لم يسلمه، بل أخذ في ~~الإمعان في الجدل، إنه يطالب الفلاسفة ببيان أن استحالة ms152 ~~تأخر وجود المفعول عن فاعله الكامل شروط الخلق والإيجاد، أمر ~~معروف بداهة، أو بإقامة الدليل البرهاني عليه إن لم يكن من ~~المعارف الأولى، فإن القائلين بحدوث العالم عن إرادة قديمة ~~أكثر بكثير جدا من الفلاسفة المخالفين. # 51 # وفي الرد على هذا الجدل يرى ابن رشد بحق أنه ~~ليس من شرط المعرف بنفسه أن يعترف به جميع الناس؛ إذ المراد ~~به أنه مشهور. # 52 # على أن الغزالي أراد بعد هذا إلزام الفلاسفة بأن يقروا بما ~~جعلوه محالا من صدور حادث عن قديم، إنه يقول بأنه من ~~المعروف والمتفق عليه؛ لأنه مشاهد أن في العالم أمورا ~~حادثة تجد آنا فآنا، وهذه الأمور لها بلا ريب أسباب تصدر ~~عنها، وإذن هذه الأسباب إن كانت آخر الأمر حادثة كان معناه ~~الاستغناء عن الخالق القديم، وإن انتهت إلى هذا الخالق كان ~~معنى صدور الحادث عن القديم، فلم لا يكون الأمر هكذا بالنسبة للعالم. # 53 # وهنا يرى ابن رشد - كسائر أنصار القول بقدم العالم مثل ~~الفارابي وابن سينا - أن هذه الأمور الحادثة تنتهي آخر الأمر ~~إلى سبب قديم، ولكنها حادثة الأجزاء أزلية الجنس، فلا يلزمنا ~~القول بصدور حادث بجنسه عن القديم. # 54 # وهذا الغموض الذي نجده عند فيلسوف الأندلس في هذا ~~الجواب، يوضحه البغدادي حين يشرح مذهب أنصار قدم العالم في ~~كيفية صدور الحادث عن القديم. # إنه يقول في هذا الصدد بأن القديم بذاته يوجد أزلا حركة ~~مستمرة، وباستمرار هذه الحركة تكون الحوادث التي يجيء بعضها ~~بعد بعض عن أسباب قديمة، حادثة السببية بحركاتها التي تتجدد ~~منها كل آن حالة تصير سببا لحادث، وذلك مثل الشمس التي ~~بذاتها القديمة لا يجب عنها النهار والليل والفصول الأربعة، بل ~~إن ذلك يحدث عنها بسبب حركتها الطولية والعرضية. # 55 # وفي رأينا أن هذا وذاك يرجع إلى ما هو معروف من أن ~~الفلاسفة حين قالوا بقدم العالم أرادوا قدم بعضه، أي: أرادوا ~~فقط قدم العقول السماوية، والنفوس الفلكية، والأفلاك بذواتها ~~دون حركاتها، والعنصريات بمادتها لا بالصور التي تطرأ عليها، ~~وبهذا ms153 يكون لا مانع في رأيهم أن يصدر حادث عن قديم من هذه ~~الأشياء، لا عن قديم هو الله سبحانه وتعالى. ~~(2) # وبعد هذا الدليل الذي ذكره الغزالي في تهافته للفلاسفة، ~~للاستدلال به على ما يرون من قدم العالم، وبعد ما عرفنا ما ثار ~~عليه من اعتراضات وإجابات على هذه الاعتراضات، ذكر كذلك دليلا ~~ثانيا ثم أخذ في الرد عليه. # وهذا الدليل يتلخص في أن تقدم الله تعالى عن العالم إما أن ~~يكون بالعلية فقط، فيكون العالم قديما مثله لتلازم العلة ~~والمعلول في الزمان، أو يكون تقدم الله عن العالم بالزمان، ~~فيكون إذن قبل العالم زمان قديم كان الله فيه دون العالم، وإذا ~~كان الزمان قديما وجب قدم الحركة التي لا يفهم إلا بها، ومن ~~ثم وجب قدم المتحرك بها أيضا. # 56 # لكن ابن رشد لم يرض هذا دليلا صحيحا للفلاسفة: # 57 # وإذن فلا ضرورة فيما نرى للكلام فيه، ولنتجاوزه ~~إلى الدليل الأخير الذي نختم الحديث به في مشكلة قدم ~~العالم. ~~(3) # لا بد لكل حادث من مادة يقوم بها؛ وذلك لأنه ممكن ~~قبل حدوثه، والإمكان يستلزم موضوعا يقوم به ويكون ~~قابلا له، وإذن هذه المادة - أو الموضوع أو المحل - لا يمكن ~~أن تكون حادثة، وإلا لاحتاجت إلى مادة أخرى، وهكذا من غير ~~نهاية، فيجب إذن أن تكون قديمة، ويكون الحادث هو ما يطرأ ~~عليها من الأعراض والصور المختلفة، وذلك هو المطلوب. # 58 # والغزالي وقد ساق هذا الدليل يعترض عليه بأن إمكان هذا ~~الشيء أو وجوبه أو استحالة الآخر، أمور يرجع فيها إلى قضاء ~~العقل، بمعنى أن ما قدر العقل وجوده؛ فلم يمتنع عليه ~~تقديره سميناه ممكنا، فإن امتنع تقدير وجوده سميناه ~~مستحيلا، وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه واجبا، وإذن هذه ~~قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود سابق تجعل وصفا له. # 59 # ولو كان الإمكان يستدعي مادة يقوم بها لاستدعى ~~الامتناع مادة كذلك، مع أنه ليس للشيء الممتنع مادة يطرأ ~~الامتناع عليها؛ لأن الممتنع محال وجوده. # 60 # وابن رشد لا يعيا ms154 هنا بالجواب، إنه يؤكد أن استدعاء ~~الإمكان مادة يقوم بها أمر بين، ~~ما دام كل منا عندما يسمع ~~مثلا أن هذا الشيء ممكن يفهم شيئا يقوم به هذا الإمكان، ~~وكذلك الممتنع يستدعي موضوعا مثل ما يستدعي الإمكان، وهذا ~~واضح أيضا ما دام الممتنع مقابل الممكن، والأضداد المتقابلة ~~يقتضي كل منها ولا شك موضوعا، فإن الامتناع هو سلب ~~الإمكان عن شيء ما، فكما يقتضي هذا الإمكان موضوعا يقتضي ~~الامتناع كذلك موضوعا يسلب عنه إمكان الوجود كقولنا: الخلاء ~~ممتنع، ونحوه. # 61 # هذا، ونعتقد أن هذا القدر كاف في تعرف وجهة نظر كل من الخصمين في ~~مشكلة ليس من السهل أن يقوم دليل عقلي قاطع فيها، إن فيلسوف الأندلس يرى ~~أن أدلة المتكلمين على حدوث العالم، كما حكاها الغزالي ليست ~~برهانية ولا يقينية، وكذلك الأدلة التي حكاها عن الفلاسفة في كتابه ~~«تهافت الفلاسفة» للاستدلال بها على قدمه، ومع هذا وذاك نحن نرى أن ~~ابن رشد نفسه لم يقدم دليلا برهانيا يقينيا على ما يدعيه هو ~~والفلاسفة من قدم العالم. # إنه نفسه يصرح بأن كتابه «تهافت التهافت» ليس محل التقدم بهذا النوع ~~من الدليل، # 62 # وأن على من يريد البرهان الحق أن ينظره في مواضعه ~~الأخرى. # وإن لنا أخيرا أن نقول بأن القول بالحدوث يجعل من السهل تصور ~~النسبة بين الله وبين العالم، أي: بين الخالق والمخلوق، وإنه مع هذا ~~لنا أن نقول أيضا بأن الوحي وإن جاء بحدوث العالم في الزمان، فإن ~~للعقل منطقيا أن يجيز لا أن يوجب - كما يدعي ابن رشد وأمثاله - كون ~~العالم قديما ومخلوقا لله تعالى. # ثم لنا أن نقول أيضا بأن ما ذهب الفلاسفة إليه، من أن العلة ~~التامة يجب أن يوجد معها معلولها في نفس الزمان، يكون أمرا ~~ضروريا في العلة التي تفعل من طبعها دون إرادة لها، كالنار والحرارة ~~مثلا. # أما الفاعل الذي له إرادة وهو علة تامة لشيء ما، فإن له أن يوجد ~~ما يريد في الزمن الذي يريده ويعينه، وبكلمة واحدة إننا لا نستطيع ms155 أن ~~نسلم للفلاسفة بأن المعلول يتبع دائما في زمن وجوده علته وإن كانت ~~تامة. ~~(3-2) وجود الله وصدور العالم عنه # هنا نتكلم عما أراد الغزالي إثباته من أن الفلاسفة لا يريدون الحقيقة ~~حين يقولون إن الله صانع العالم، بل إن هذا القول مجاز عندهم وتلبيس ~~منهم، ومعنى ذلك أن الفلاسفة لا يرون أن الله هو خالق العالم حسب ~~مذهبهم. # العالم لا يتصور كما يقول الغزالي أن يكون من صنع الله في رأيهم وحسب ~~أصلهم الذي ذهبوا إليه، وذلك من ثلاثة أوجه: الفاعل لا بد أن يكون ~~مريدا مختارا، والله ليس كذلك في مذهبهم، والعالم قديم، والمصنوع هو ~~الحادث، والله واحد من كل وجه؛ فلا يصدر عنه إلا واحد كذلك عندهم، ~~والعالم فيه كثير من المختلقات فلا يكون واحدا من كل وجه. # 63 # وهذا البيان من الغزالي يجعل من اليسير حصر الخلاف بين المتكلمين ~~والفلاسفة على هذا النحو: ما هو الفاعل؟ وما هو الفعل؟ وما المراد بما ~~ذهب إليه الفلاسفة من أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد؟ ~~(أ) # يرى الغزالي كما عرفنا أن الفاعل ليكون فاعلا يجب أن يكون ~~عالما بما يفعل، ومريدا له عن اختيار، ويفرق بين مجرد السبب ~~لشيء، كالشخص للظل والشمس للضوء والحرارة، وبين ما يكون سببا ~~على نحو خاص هو الإرادة، فالأول ليس فاعلا ولا صانعا، ~~والثاني هو الفاعل حقا ما دام يعلم ما يفعل ويريده. أي إن ~~الأول إن سمي فاعلا كان بطريق المجاز لا الحقيقة، ومثاله ~~من ألقى شخصا في النار فمات كان هو القاتل دون النار التي ~~ليست إلا سببا لا فاعلا حقا. # 64 # ويريد الغزالي بهذا كله أن يقرر ضرورة عنصر الإرادة ~~والاختيار في الفعل حتى يكون من صدر عنه فاعلا حقا، وما دام ~~العالم صدر عن الله بالضرورة عند الفلاسفة، يكون الله غير ~~مريد، وإذن فلا يكون فاعلا ولا خالقا للعالم، ويكون إطلاق ~~وصف «الفاعل أو الصانع» عليه إطلاقا غير حقيقي يراد به ~~موافقة ما جاء به الإسلام! # 65 # وفي الرد ms156 على ذلك كله يبدأ ابن رشد بالقول بأن اشتراط ~~الإرادة والاختيار، على النحو الذي يريده المتكلمون، في ~~الفاعل للعالم - أي: في الخالق - ليس من المعروف بنفسه أو ~~المعترف به، إلا إذا قام الدليل عليه أو صح نقل حكم الشاهد ~~فيه إلى الغائب. # وهذا، بأن الفاعل في الأمور المشاهدة إما فاعل بذاته ~~وطبعه شيئا واحدا فقط لا يتغير، ونستطيع أن نمثل لها بالنار ~~تكون عنها الحرارة، والثلج تكون عنه البرودة، وإما فاعل عن ~~علم وروية، فهو يفعل هذا الشيء اليوم مثلا ويفعل ضده غدا، ~~والله منزه عن أن يكون فاعلا بالمعنى الأول وهو واضح، وكذلك ~~بالمعنى الثاني على النحو الذي يوصف به الإنسان؛ لأن ~~الإرادة انفعال، والله منزه عنه، والمريد من ينقصه المراد، ~~والله لا ينقصه شيء، والمريد من إذا حصل المراد كفت إرادته، ~~وهذا ما لا يصح أن يفهم في جانب الله، وإذن كيف يقال ~~إن الفاعل الحق هو من يفعل عن إرادة واختيار، ويجعل هذا الحد ~~مطردا في الشاهد والغائب على السواء! # 66 # ولكن إذا كان الله ليس فاعلا بالطبع ولا بالإرادة والاختيار ~~على النحو المعروف في الشاهد، فعلى أي نحو هو فاعل إذن عند ~~فيلسوف قرطبة؟ إنه في مذهبه ومذهب الفلاسفة أمثاله، مخرج ~~للعالم من العدم، ومريد لوجوده، وعالم به، وكل ذلك على نحو ~~أشرف مما هو في الإنسان حين يريد فعل شيء من الأشياء؛ بمعنى ~~أن العالم وجد عنه من غير ضرورة داعية إليه لا من ذاته ولا ~~لشيء من خارج، بل بسبب وجوده وفضله؛ ولهذا لا يلحقه النقص الذي ~~يلحق المريد في الشاهد. # 67 # وهو لذلك علة لوجود العالم لولاه لما وجد، وكل ~~من كان علة لشيء فهو فاعل له. # ومن خلق الله وإيجاده على هذا النحو، فهو الذي يحفظه دائما ~~موجودا على أتم وجه، ولولاه لما استمر وجوده طرفة عين، ~~فهو لهذا أحق بوصف الفاعل بإطلاق، وذلك بأن من الفاعلين من ~~يستغني عنه الفعل متى وجد عنه كوجود البيت بالنسبة للبناء، ومن ~~يظن الفعل محتاجا ms157 إليه لدوام وجوده وحفظه، كالعالم بالنسبة ~~لخالقه وموجده، وهذا الصنف الثاني هو أحق باسم الفاعل الحق. # 68 # وهذا كله معناه أن الله فاعل للعالم على نحو لا يصح أن ~~يقال فيه بالطبع ولا بالاختيار على ما هو معروف في الشاهد، بل ~~بإرادة لا تشبه في شيء إرادة البشر، كما يقال إنه يعلم ~~الأمور بعلم لا يشبه علم البشر. ~~(ب) # وفيما يختص بالفعل، يرى الغزالي أن معناه هو إخراج الشيء من ~~العدم إلى الوجود بإحداثه، وإذا كان العالم موجودا في القدم ~~فلا يتصور إحداثه لأن الموجود لا يمكن إيجاده، وإذن لهذا لا ~~يمكن أن يكون العالم فعلا لله تعالى. # 69 # وهنا نلاحظ أن حجة الإسلام كما اشترط في الفاعل الحقيقي أن ~~يكون مريدا، اشترط كذلك في الفعل أن يكون إخراجا من العدم ~~إلى الوجود. # وابن رشد في الجواب عن ذلك يفرق بين القديم بذاته فلا يحتاج ~~في وجوده إلى غيره، وهو الله تعالى الذي لا يتعلق به «الإحداث» ~~من الغير لأنه موجود فعلا بذاته، وبين من لم يكن كذلك ~~كالعالم، فإنه ليس لحدوثه أول، فهو لهذا قديم، ولكنه مع ~~هذا في حدوث دائم ومتجدد، وهذا الحدوث في حاجة دائمة إلى ~~محدث. # وإذن، فلا تناقض ولا عجب في أن يكون العالم وهذا شأنه ~~محدثا عن الله تعالى، فإن الذي أفاد الإحداث الدائم أحق بوصف ~~الخلق والإحداث من الذي أفاد الإحداث المنقطع، وهذا مثل ~~البناء بالنسبة إلى البيت، ومعنى هذا أن ابن رشد يجعل ~~«الفعل» الكائن من الله للعالم هو الخلق أو الإحداث الدائم، ~~وإن لم يكن بعد عدم، أي: وإن لم يكن له أول. # 70 # والنتيجة أن يكون العالم «فعلا» لله تعالى، ويكون ~~حاله مع الله غير حال المصنوعات مع الصانع، هذه المصنوعات التي ~~إذا وجدت لا يقترن بها عدم تحتاج من أجله إلى فاعل يستمر به وجودها. # 71 ~~(ج) # وأخيرا؛ فيما يتعلق بمبدأ أن الواحد من كل وجه لا يمكن أن ~~يصدر عنه إلا واحد، وهي النقطة الأخيرة من النقط التي ms158 تركز ~~الخلاف فيها في هذه المشكلة، نرى الغزالي يقرر استحالة أن ~~يكون العالم صادرا عن الله تعالى بناء على هذا الأصل بسبب ~~مشترك بين الفاعل والفعل، وذلك بأن الله واحد من كل وجه، ~~والعالم مركب من أشياء كثيرة مختلفة، فلا يتصور إذن أن يكون ~~فعلا الله بناء على أصل الفلاسفة هذا. # 72 # وهنا نجد الخلاف يزول تقريبا بين حجة الإسلام وفيلسوف قرطبة ~~الذي يقرر أنه «إذا سلم هذا الأصل والتزم فيعسر ~~الجواب عنه، لكنه شيء لم يقله إلا المتأخرة من فلاسفة الإسلام.» # 73 # ومعنى هذا أن ابن رشد لا يرى أن ذلك الأصل صحيح، ~~وإذن فليس ما يمنع من هذه الجهة أن يكون العالم فعلا صادرا ~~عن الله باعتباره خالقا له. # حقيقة إن ابن رشد يذكر أنه لا يعترف بصحة ما اتفق عليه ~~الفلاسفة القدماء من «أن الواحد لا يصدر عنه إلا موجود ~~واحد.» وحينئذ اختلفوا في بيان من أين جاءت الكثرة وتعليلها، ~~ثم يذكر أن المشهور اليوم هو ضد هذا، أي إن الموجود الأول ~~صدر عنه صدورا أولا جميع الموجودات المتغايرة. # 74 # وهو لهذا ينتقد بشدة ذلك الرأي الذي ذهب إليه ~~ابن سينا ومن أخذ أخذه حتى رتبوا صدور الموجودات عن الله على ~~نحو خاص، فلا يصدر عنه مباشرة إلا العقل الأول، ثم تصدر باقي ~~الموجودات بعضها عن بعض على ما هو معروف حسب نظرية العقول العشرة. # 75 # وابن رشد بعد نقده لابن سينا الذي أثار الغزالي ضد الفلاسفة ~~بسبب رأيه الخاطئ، لم ينس أن يشير في «تهافت التهافت» إلى ~~كيفية فهم صدور الكثرة عن الله، إنه يرى مستلهما أرسطو، أن ~~العالم بجميع أجزائه مرتبط بعضه ببعض، وأن وجوده تابع لهذا ~~الرباط الذي يؤلف بين أجزائه، وأن هذا الرباط هو الذي يوجب ~~كون هذه الأجزاء «معلولة بعضها عن بعض، وجميعها (معلول) عن ~~المبدأ الأول، وأنه ليس يفهم من الفاعل والمفعول والخالق ~~والمخلوق في ذلك الوجود إلا هذا المعنى فقط.» # 76 # وإذا كان الأمر هكذا، يكون من الحق القول بأن ms159 العالم بجميع ~~أجزائه المختلفة فعل لله، وصادر عنه باعتباره خالقا له؛ لأنه ~~هو الذي أعطاه الرباط الذي يؤلف بين أجزائه ويجعلها وحدة ~~بعضها معلول عن بعض، «ومعطى الرباط هو معطى الوجود» كما يقول ~~فيلسوف الأندلس، وبهذا المعنى نفهم ما أثر عن أرسطو من أن ~~«العالم واحد صدر عن واحد»، وليس على المعنى الذي فهمه ~~الفارابي وابن سينا فاستوجبا نقد الغزالي العنيف. # وهكذا أخيرا يرى ابن رشد أنه قد صح له القول بأن الله هو ~~خالق العالم بإرادته واختياره، وحقيقة لا مجازا ولا تلبيسا، ~~وإن كان العالم قديما مساوقا لله تعالى في الوجود، وإن كان ~~أيضا مختلف الأجزاء. ~~(3-3) العلم الإلهي # رأى الغزالي أن يكون الكلام في هذه المسألة على مراحل ثلاث: مناقشة ابن ~~سينا في أن الله يعلم ذاته وغيره، تعجيز الفلاسفة عن إثبات أن الله ~~يعرف ذاته حسب مذهبهم في كيفية صدور العالم عنه، إبطال قولهم بأن الله ~~لا يعلم الجزئيات. ~~(أ) # يبدأ حجة الإسلام ببيان أن المسلمين، ما عدا الفلاسفة، ~~مجمعون على أن الله يعلم كل شيء؛ إذ يرون أن كل الموجودات ~~حادثة بإرادته، وأن كل ما يكون في العالم يحصل بإرادته كذلك، ~~فمن الطبيعي أن يكون الكل معلوما له؛ لأن المراد لا بد أن ~~يكون معلوما للمريد. # أما الفلاسفة؛ وقد نفوا الفعل الإرادي لله بما ذهبوا إليه ~~من قدم العالم وصدوره عن الله صدور المعلول عن علته، فلا ~~يمكنهم إثبات العلم لله تعالى. # 77 # وأما ادعاء ابن سينا أن الله عقل محض فمن ~~الضروري والبديهي أن يعقل غيره؛ لأن المادة هي التي تمنع من ~~إدراك الأشياء فليس بديهيا، وإلا لما خالفه الفارابي قبله ~~فيه، ثم بعد هذا لا دليل عليه. # 78 # وهنا يرد ابن رشد ببيان أن الموجودات يجب - كما ظهر ~~بالدليل - أن تنتهي إلى جوهر عري عن المادة وهو بالفعل ~~دائما، أي إلى جوهر هو فعل محض، وأن علة الإدراك هي حقيقة ~~التبري من المادة، وإذن يكون هذا الجوهر وهو الله ~~تعالى عقلا محضا، ويكون عقله ms160 لذاته معناه عقله كل ~~الموجودات الصادرة عنه. # 79 # على أن الله كما يقول ابن سينا أيضا قبل ابن ~~رشد، لا يزال فاعلا وإن كان على نحو أشرف مما في الإنسان، وكل ~~فاعل لا بد ضرورة أن يكون عالما بما يفعل. # ولكن أبا حامد لا يترك هذا الاستدلال بلا اعتراض، وإن من ~~الحق أن الفاعل لا بد أن يعلم فعله إذا كان هذا منه عن إرادة ~~واختيار، ولكن أنتم معشر الفلاسفة ترون، أو يلزمكم أن تروا ~~أن الله فاعل «بطريق اللزوم عن ذاته بالطبع والاضطرار»، كما ~~يكون الضوء والحرارة عن النار، وإذن فلا يكون الله فاعلا ~~حقا، ولا يكون لذلك عالما بالموجودات. # 80 # ويرد فيلسوف قرطبة على هذا بنفي قسمة «الفعل» إلى ما يكون ~~بالإرادة والاختيار، أو ما يكون بالطبع والاضطرار فقط، إنه يرى ~~أن هذه القسمة صحيحة في الفاعلين غير الله تعالى، أما الله ~~ففعله عند الفلاسفة لا طبعي بوجه من الوجوه، ولا إرادي ~~بإطلاق، بل هو إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة ~~الإنسان، يريد أن يقول إن الإرادة في الإنسان هي انفعال ~~ومعلولة عن المراد، والله منزه عن أن يكون فيه صفة معلولة. # 81 # إن الإرادة إذن، إذا تكلمنا عن الله، لا يصح أن يفهم منها ~~إلا صدور الفعل عنه مقترنا بالعلم. # 82 # ثم عدم فعل الله الضدين معا، وهو يعلمهما ~~جميعا، دليل على اختياره، أي: على أن له صفة أخرى هي ~~الإرادة. # هكذا يرد ابن رشد على الغزالي ليصل إلى إثبات العلم لله ~~تعالى بذاته وبغيره، على أن لنا أن نلاحظ أنه وهو بسبيل ~~هذا الرد حاول أن يثبت لله الإرادة والاختيار ليجعل هذا ~~أساسا للقول بأن الله يعلم ما يوجد عنه بالإرادة والاختيار ~~كذلك، وجعل وهو يستدل على الإرادة «أن الله يعلم الضدين» ~~أمرا مسلما به مع أنه جانب من المسألة موضوع النزاع! # ومع هذا؛ فقد بقي للغزالي اعتراض آخر، إنه يرى أنه مع ~~التسليم بأن فعل الله على النحو الذي ذهب إليه الفلاسفة ~~يقتضي العلم ms161 بما صدر عنه، فإن لنا أن نقول بأنه في رأي ~~الفلاسفة لم يصدر عن الله مباشرة إلا العقل الأول، فيجب ألا ~~يعلم شيئا غيره. # 83 # وعلى هذا الاعتراض يرد ابن رشد بسهولة ويسر، إنه يرى أن ~~علم الله يسبق المعلوم فهو علة له، وليس كعلم الإنسان الذي هو ~~متأخر عن المعلوم ومعلول عنه، وإذن يكون علم الله في غاية ~~التمام والكمال، كما يكون شاملا لكل ما كان عنه مباشرة أو ~~بطريق غير مباشر. # 84 # ونحن نرى أن هذا حق وواضح وبخاصة أن كل هذه ~~الكائنات المتوسطة يرجع وجودها لله نفسه. ~~(ب) # وفي هذه الثانية نجد الخطب يسيرا حقا، إن الغزالي يعود ~~إلى ما سبق له قوله من أن الفلاسفة لا يرون أن الله فاعل ~~بالاختيار بل بالطبع، فأي بعد إذن أن يكون الله ذاتا من ~~شأنها أن يصدر عنها المعلول الأول، وهذا يصدر عنه وهكذا، دون ~~أن تشعر بنفسها، كما لا نشعر بالنار التي تكون عنها الحرارة ~~بذاتها، ولا الشمس بما يصدر عنها من حرارة وضياء! # وهنا كما كرر الغزالي ما سبق أن اعترض به، لم يجد ابن رشد إلا ~~أن يعيد ما سبق له أن قرره، أي: من بيان أن فعل الله هو على ~~نحو آخر غير الطبع، وغير ما نعرف من الإرادة في الإنسان، وإذن ~~لا معنى أن نطيل نحن القول في ذلك. ~~(ج) # وأخيرا، وهذه هي المرحلة الثالثة يقرر الغزالي أنه حتى ما ~~ذهب إليه ابن سينا من أن الله يعلم ذاته وغيره أيضا ولكن ~~بنوع كلي، فيه استئصال للشرائع بالكلية، فإن هذا يئول إلى ~~أنه تعالى يعلم الأسباب التي تكون عنها أشياء هذا العالم ~~وأحواله، ولكنه لا يعلم الأمور الجزئية مثل طاعة هذا ~~الإنسان أو عصيانه وإيمانه أو كفره. # 85 # ولم ينس الغزالي أن يبين بوضوح السبب الذي من أجله ذهب ابن ~~سينا وأمثاله إلى هذا الرأي، إنهم يرون كما يذكر حجة ~~الإسلام أن اختلاف العلم يوجب التغير في العالم، وهذا ما ~~لا يصح في حق ms162 الله. # ولنضرب لهذا مثلا، إذا كنا لا نكتفي فيما يتعلق بكسوف ~~الشمس أن نعتقد أن الله يعلمه على نحو كلي؛ إذ يعلم بوجود ~~الشمس والقمر وأنهما يتحركان، وبأنه لأسباب معروفة يحصل حتما ~~أن يتوسط جرم القمر بين الشمس والأرض؛ فيكون من هذا كسوف ~~الشمس كليا أو جزئيا مدة كذا من الزمن، إلا أن علمه بهذا ~~كله قبل الكسوف وفي أثنائه وبعد زواله، يكون هو هو لا يختلف ~~ولا يوجب تغيرا في ذاته؛ لأنه علم بالأسباب فقط لا ~~بالأحوال التي تحدث وتتجدد من آن إلى آخر. # نقول: إذا كنا لا نكتفي بعلم الله على هذا النحو، بل ~~نذهب إلى أنه تعالى يعلم قبل كسوف الشمس فعلا أنها ستنكسف ~~يوم كذا، ويعلم في هذا اليوم أنه حاصل فعلا، ويعلم بعده ~~أنه قد كان ومضى، فقد أثبتنا لله علما متجددا مختلفا، ~~وينتج من ذلك اختلاف في ذات الله نفسه وتغير فيها؛ إذ لا ~~معنى للتغير إلا اختلاف العلم، وهذا ما لا يصح أن ينسب إلى ~~الله تعالى. # 86 # ويأخذ الغزالي بعد هذا البيان في الاعتراض على الفلاسفة فيما ~~ذهبوا إليه فيقول: «بم تنكرون على من يقول إن الله تعالى له ~~علم واحد، بوجود الكسوف مثلا في وقت معين، وذلك العلم قبل ~~وجوده علم بأنه سيكون، وهو بعينه عند الوجود علم بالكون، وهو ~~بعينه بعد الانجلاء علم بالانقضاء، وإن هذه الاختلافات ترجع ~~إلى إضافات له لا توجب تبدلا في ذات العلم، فلا توجب تغيرا ~~في ذات العالم ...» # 87 # ثم يذكر صاحب «تهافت التهافت» أيضا بعد هذا، أنه ما دام ~~الفلاسفة يرون أن الله يعلم أجناس الموجودات وأنواعها كلها - ~~وإن كان هذا على نحو كلي كما يقولون - ولا يوجب هذا اختلافا ~~في علمه ولا تغيرا في ذاته ، فلم لا يجوز أن يعلم الله أيضا ~~الحالات والأمور الجزئية للشيء الواحد دون أن يجر هذا إلى ~~ما يخشون من التعدد في العلم والتغير في الذات، وخاصة أنه ~~ثبت بالبرهان أن اختلاف الشيء الواحد باختلاف الأزمان أدنى ~~من ms163 اختلاف الأجناس والأنواع! # وهذا الاعتراض القوي من الغزالي الذي من اليسير تعزيزه بكثير ~~من آيات القرآن، قد استوجب مجهودا غير قليل من ابن رشد في ~~سبيل إبطاله ودفعه، إنه يوجب أولا أن نفرق بين علم الله ~~بالكليات بما هو عقل، وبين علم الإنسان بالأمور الجزئية ~~بالحواس، هذا من ناحية، وأن نفرق من ناحية أخرى بين علم الله ~~الذي هو سبب وجود الموجودات، وبين علم الإنسان الذي هو مسبب عن ~~وجود الموجودات، أي: معلول عن المعلول نفسه، فهذه التفرقة هي ~~التي تنجينا من الخطأ الكبير والجدل الكثير. # ومتى فهمنا هذه التفرقة بناحيتيها، لم يكن لنا أن نقيس ~~علم الله على علمنا، ولا يكون من المستطاع إلزام الفلاسفة ~~إجازة علم الله بالأشخاص وأحوالها العديدة، ما داموا قد ~~أجازوا علمه تعالى بالأجناس والأنواع العديدة، وذلك بأن ~~العلم بالجزئيات يكون بالحس، ويوجب - مع تعدد العلم - تغير ~~الإدراك بتغير الحالة المدركة! على أن العلم بالكليات ~~(الأجناس والأنواع) لا يوجب التغير في العالم، لعلمه إياها ~~بسبب علمه بأسبابها العامة والثابتة التي لا تتغير. # 88 # ونحن نكاد نفهم من هذا أن فيلسوف قرطبة يمس برفق مسألة ~~حرية الإنسان في أعماله، إنه وإن كان من أنصار حرية الإنسان ~~فيما يعمل، حتى يكون مسئولا عما يصدر عنه، يرى أن ~~العمل الذي يكون عن المرء هو نتيجة أو مسبب عن إرادته التي ~~يجب أن تكون متفقة آخر الأمر مع القدر الإلهي الثابت ~~أزلا. # ومهما يكن من شيء؛ فإن ابن رشد يقر بأن الغزالي مصيب ~~فيما لاحظه من أن التعدد في الأجناس والأنواع يوجب التعدد في ~~العلم، وهذا ما يحذره ابن سينا وأمثاله؛ ولهذا ينتهي إلى تقرير ~~«أن المحققين من الفلاسفة لا يصفون علم الله سبحانه بالموجودات ~~لا بكلي ولا بجزئي» إلا أن هذا من علم الراسخين في العلم، ولا ~~يجب أن يكتب ولا أن يكلف الناس اعتقاده. # 89 # وأخيرا هاتان الفكرتان: كون علم الله هو سبب وجود الموجودات وعلم ~~الإنسان معلول عنها، وأن علم الله لا يصح وصفه بأنه كلي ms164 أو جزئي، نجد ~~ابن رشد يتناولهما بالإيضاح في مواضع عدة من تهافته؛ ولهذا نراه يؤكد ~~أن العلم الذي ينفيه الفلاسفة عن الله، هو ما يكون تعلم الإنسان ناتجا ~~عن المعلوم لا علة له، وبعد هذا لا يرون مانعا من القول بأنه تعالى ~~يعلم كل شيء حتى الأمور الجزئية من جهة أنه علة لها، كما جاء في قوله ~~تعالى في سورة الملك: # ألا يعلم من خلق ~~وهو اللطيف الخبير # ومن فهم هذه التفرقة بين علم الله وعلم الإنسان، فهم معنى قوله تعالى: # لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~، # 90 # وغير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى. # 91 # وهكذا ينتهي فيلسوف الأندلس من مسألة العلم الإلهي ببيان أن الفلاسفة ~~يرون خلافا لما ذكر الغزالي، أن الله عالم بكل شيء، ولكن على نحو خاص ~~يغاير علم الإنسان، أي: على نحو أشرف ما دام أن علمه تعالى هو سبب وجود ~~الأشياء، لا أنه معلول عنها كما هو الحال في علم الإنسان القاصر ~~المحدود. ~~(3-4) مشكلة السببية # بينا في القسم الأول من هذا الفصل رأي الغزالي في هذه المشكلة، هذا ~~الرأي الذي يمكن أن يلخص في إنكار أن يكون هناك علاقة ضرورية بين ما ~~يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد في العادة مسببا عنه، والآن ~~نشير إلى أن اهتمام حجة الإسلام بهذه المسألة يرجع إلى أنه ~~يترتب على القول بالسببية إنكار المعجزات التي لا بد منها لإثبات ~~النبوات، هذه المعجزات التي تقوم على إلغاء ما يقال من الرابطة ~~الضرورية بين المسبب والسبب، مثل «قلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى وشق القمر.» # 92 # وقد رأى ابن رشد من الضروري أن يؤكد قبل الدخول في صميم الموضوع ~~أمرين: أن الفلاسفة القدماء لم يتكلموا في المعجزات لاعتبارهم إياها ~~من أصول الشرائع التي لا يجب بحثها ويعاقب من يشكك فيها، وأن ~~المعجزة ليست أمرا يمتنع عقلا أن يكون، بل هو ممكن في نفسه لأن ms165 له ~~سببه، ولكنه يمتنع على الإنسان العادي ويمكن الأنبياء، كما هو الأمر في ~~القرآن معجزة رسولنا عليه الصلاة والسلام. # 93 # على أنا لا ندري كيف جاز لفيلسوفنا أن يذكر أن «الفلاسفة القدماء»، ~~ويريد بهم كما نعرف فلاسفة اليونان، لم يتعرضوا للمعجزات؛ للسبب الذي ~~تقدم به! إنه لم يكن عندهم نبوات إلهية، ولا شرائع سماوية تحتاج للمعجزات ~~في إثباتها، فكيف رأوا مع هذا ألا يتكلموا في المعجزات والمسألة لم توضع ~~بالنسبة إليهم! ثم من الممكن أن نقول معه إن بعض المعجزات كالقرآن أمر ~~ممكن في نفسه ممتنع على غير النبي، ولكن البعض الآخر كإحياء الموتى ~~وانقلاب العصا حية، لا يصح أن يقال فيه في رأينا إنه ممكن في ~~نفسه! # هذا؛ وصاحب «تهافت التهافت» يبني رده على الغزالي في هذه المشكلة، على ~~أن الأشياء تختلف فيما بينها بما لكل شيء من ذات خاصة وطبيعة خاصة، ~~بها يصدر عنه فعله الخاص، بمعنى أن الماء مثلا مادة سائلة بها يكون ~~الري والرطوبة، على حين أن النار جسم شفاف به يكون الإحراق والضوء، وذلك ~~أمر بدهي كما يقول، وإلا فلو لم يكن لكل موجود فعل يخصه لم يكن له طبيعة ~~تخصه، ولو لم يكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد، ولكانت ~~الأشياء كلها شيئا واحدا. # 94 # والنتيجة اللازمة لهذا هو أنه من السفسطة إنكار الأسباب التي يكون ~~عنها أفعالها الخاصة بها كما نشاهدها في الأمور المحسوسة. بل إن العقل ~~كما يقول أيضا فيلسوفنا «ليس هو شيئا أكثر من إدراكه الموجودات ~~بأسبابها، وبه (أي: بهذا الإدراك) يفترق عن سائر القوى المدركة، فمن رفع ~~الأسباب فقد رفع العقل.» # 95 # أما كون هذه الأسباب تفعل أفعالها الخاصة بها مستقلة ~~بنفسها، أو راجعة في آخر الأمر إلى سبب أعلى وحيد خارج عنها، فأمر ليس ~~معروفا بنفسه ويحتاج إلى البحث الكثير. # وبعد هذا لم ينس ابن رشد أنه فيلسوف مؤمن؛ ولهذا نراه يؤكد لنا أنه ~~ما ينبغي أن يشك أحد في أن الأسباب لا تكتفي بنفسها ms166 في أن تكون عنها ~~مسبباتها، بل لا بد لها في هذا من «فاعل من خارج فعله شرط في فعلها، بل ~~في وجودها فضلا عن فعلها.» أما تحديد جوهر هذا الفعل بالذات، هل هو ~~الله تعالى نفسه أو كائن آخر وسط بينه وبين الموجودات الأخرى؟ فهذه ~~مسألة ليس هنا موضع فحصها، كما يقول فيلسوفنا نفسه. # 96 # وقد كان في هذا مقنع، ولكن الغزالي لم يسكت عنه، إنه يسلم ولو جدلا ~~أن لكل شيء طبيعة خاصة به يكون سببا لآخر يصدر عنه، ولكنه يجوز أيضا ~~كسائر رجال علم الكلام أن يلقى نبي في النار فلا يحترق كما حصل لسيدنا ~~إبراهيم عليه السلام، وهذا يكون إما بتغيير صفة النار أو صفة النبي، وذلك ~~بأن يحدث الله بنفسه أو بواسطة ملك صفة في النار تجعل حرارتها لا ~~تتعداها إلى أن طرح فيها، وإما بأن يحدث في جسم هذا صفة تدفع أثر النار عنه. # 97 # وفيما يختص بالمعجزات الأخرى يرى أن المادة قابلة لكل ما يتعاقب عليها ~~من صور بعضها في أثر بعض، ولكن لم لا يجوز أن تأخذ المادة صورة ما لا ~~تأخذها عادة إلا بتوسط صور أخرى قبلها، وذلك كانقلاب التراب حيوانا ~~خاصا بدل صيرورته أولا نباتا ثم غذاء لحيوان يكون عنه بطريق التناسل ~~ذلك الحيوان الخاص؟ ومن هذا القبيل انقلاب العصا حية تسعى معجزة لموسى ~~عليه السلام. وغاية ما في الأمر أن هذا مستنكر لاطراد العادة بخلافه. # 98 # وليرد على هذا ابن رشد، يذكر أن الفلاسفة لا يبعد عندهم التسليم بأن ~~المسبب قد يتخلف عما هو سببه عادة إذا وجد مانع خارجي يمنع من صدوره ~~عنه، كما إذا كانت هناك مادة إذا قارنت الجسم القابل للاحتراق بطبعه ~~منعت أن تؤثر النار فيه. # 99 # على أن لنا هنا فيما نرى أن نلاحظ أن هذا الوضع الذي ~~يفترضه ابن رشد ليس هو ما يراه المتكلمون، وذلك بأنه لم يدع أحد ~~أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار كان جسده قد طلي أولا ms167 ~~بمادة منعت النار من أن تفعل فعلها، بل القرآن صريح في أن الله هو الذي ~~أمر النار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم معجزة له. # أما الأمر الثاني الذي يجوزه الغزالي، وهو أن تأخذ المادة صورة خاصة ~~دون الصور التي يجب أن تكون من قبل، فأمر يدفعه ابن رشد تماما؛ إنه ~~يرى أنه لو كان ممكنا أن ينقلب التراب إنسانا، من غير أن يكون ~~أولا نباتا يغتذي منه إنسان ثم هذا يكون منه مني في رحم امرأة يتحول ~~آخر الأمر إلى إنسان «لكانت الحكمة في أن يخلق الإنسان دون هذه الوسائط، ~~ولكان خالقه بهذه الصفة هو أحسن الخالقين.» # 100 # على أن فيلسوفنا يذكر بعد ذلك بحق أنه ليس لا للمتكلمين ولا ~~للفلاسفة دليل من العقل على ما ذهبوا إليه، وأنه يجب أن يعتقد كل ~~إنسان ما يفتيه به قلبه، وذلك كما أمر الرسول # صلى الله عليه وسلم # في المشكلات من ~~الأمور التي ترجع إلى ما هو حلال أو حرام. # وأخيرا، إنه مع أن الخلاف بين المتكلمين والفلاسفة في مشكلة السببية ~~شديد كما رأينا، فإن الإمام الشيخ محمد عبده (توفي عام 1323ه/1905م) - ~~بعد أن بين أن المتكلمين المعتزلة مع الفلاسفة في هذه المسألة، وأن ~~أهل السنة ومنهم الغزالي لا ينكرون العلاقة الضرورية بين الأسباب ~~ومسبباتها، ولكنهم يرجعونها إلى الله مباشرة، بمعنى أن الشبع مثلا ~~يحدث عند الري ولكن من الله - يقرر أنه ليس لمسلم أن يذهب إلى ~~إنكار ما بين حوادث الكون من الترتيب في السببية والمسببية إلا إذا كفر ~~بدينه، قبل أن يكفر بعقله! # 101 # وهذا صحيح وحسن، ولكن الذي لا نستطيع الموافقة عليه هو ما انتهى إليه ~~بعد هذا؛ إذ يقول: «فالفلاسفة وجمهور المتكلمين واللاهوتيون على وفاق في ~~حقيقة المسألة، وإن اختلفت العبارات.» # 102 # ويكفينا دليلا على عدم صحة هذا، ما تقدم في هذا الفصل ~~خاصا بمذهب أهل السنة المتكلمين الذين يمثلهم الغزالي. ~~(3-5) البعث والحياة الأخرى # نتناول الآن هذه المسألة بالتفصيل، بعد أن أشرنا إليها في القسم الأول ms168 ~~من هذا الفصل؛ لنعرف كيف عمل ابن رشد في الرد على الغزالي الذي أنكر ~~إنكارا شديدا على الفلاسفة أن يكون البعث وما يتبعه من جزاء روحانيا ~~فقط: ~~(أ) # إن الغزالي لا يخالف الفلاسفة في أن الروح لا تفنى ~~بفناء البدن، ولها في الحياة الأخرى لذائذ أو آلام ~~روحانية وعقلية تفوق كثيرا اللذائذ والآلام الحسية، ~~ولكنه يرى أولا معرفة هذا من الشرع لعجز العقل وحده عن ~~معرفته، كما يرى ثانيا أن إنكار الجزاء الجسدي لا يتفق ~~بحال مع الشرع، كما تدل عليه آيات كثيرة من القرآن، ~~وهذه الآيات لا يمكن تأويلها كلها من ناحية، وليس يجب ~~هذا التأويل من ناحية أخرى كما وجب تأويل الآيات التي ~~توهم الجسمية والتشبيه لله تعالى. # 103 # أما ما يعترض به الفلاسفة على تجويز البعث الجسدي ~~بأنه من المحال أن تعود روح كل امرئ إلى بدنه الذي كان ~~له في الحياة الأولى، هذا البدن الذي تحلل إلى عناصر ~~مختلفة، ربما صار بعضها جزءا من بدن إنسان آخر؛ فيكون ~~متعذرا أن يعاد بدن كل منهما كاملا، فإن الغزالي ~~يجيب عنه بأن روح المرء تعاد إلى بدن أي بدن كان، ~~سواء أكان مواد بدنه الأول أم غيرها، أم مواد استؤنف ~~خلقها، فإن الإنسان بنفسه لا بجسمه. # 104 # وهذا ما نؤمن به نحن، ويتضح هذا إذا لاحظنا أن الواحد ~~منا هو هو مع أن جسمه يتغير دائما بسبب تبدل الغذاء ~~وبالسمنة والهزال مثلا، وإذن يكون الغزالي على حق في ~~قوله بأن البعث الجسدي ليس محالا من تلك الجهة، ويكون ~~في القول به تصديق للقرآن الذي ورد كثير من آياته بالجزاء ~~الروحي والجسمي معا بوضوح لا يحتمل التأويل. ~~(ب) # والآن ماذا سيفعل ابن رشد وقد رأينا خصمه فوق اعتماده ~~على النظر العقلي يجد له من القرآن سندا أي سند في ~~إثبات البعث الجسدي؟ # إنه يبدأ بالقول بأن الفلاسفة لا يرون إنكار البعث ~~والجزاء الجسديين، ويؤكد كما ذكرنا من قبل أن ~~الشرائع كلها قالت بذلك، وإذا كانت الشرائع جميعها، من ~~شريعة ms169 بني إسرائيل إلى شريعة الإسلام، قالت به وجعلته من ~~المبادئ الأولى العامة التي تقوم عليها، لما ينبغي عليه ~~من الدفع إلى طيبات الأعمال؛ فإن من المعروف أن ~~الفلاسفة لا يرون التعرض بقول مثبت أو مبطل للمبادئ ~~العامة للشرائع. # 105 # على أنه بالنسبة إلى البعث خاصة، فقد اتفقت ~~الشرائع جميعا - كما يذكر ابن رشد أيضا - على وجود ~~أخروي بعد الموت وإن اختلفت في صفة ذلك الوجود # 106 # فمنها من جعله روحانيا فقط، ومنها من جعله ~~جسمانيا أيضا بالأمثال التي ضربتها له، على أن تمثيل ~~الجزاء جسمانيا، كما جاء بالشريعة الإسلامية، أدفع ~~للعمل والفضيلة بالنسبة للجمهور، وهذا ما سبق تفصيله في ~~الفصل الثالث من هذا القسم. # وإذا كان الأمر كذلك فمن الضروري كما يقول فيلسوفنا ~~أن يقال إن الأرواح ستعاد في الدار الأخرى إلى أجسام ~~مثل أجسامها التي كانت لها في الدار الدنيا، لا لهذه ~~الأجسام نفسها التي عدمت بالموت؛ لأن المعدم يستحيل ~~إعادته بعينه، وهنا نجد ضروريا أن نشير إلى ما سبق ~~أن بيناه في هذه المشكلة من أن فيلسوفنا يرى أن ~~المعاد سيكون روحانيا فقط. # هذا، وبعد الكلام على مسألة المعاد ينتهي ابن رشد من رد هجوم الغزالي ~~العنيف على الفلاسفة بسبب ما ذهبوا إليه في المسائل التي ذكرنا أهمها، ثم ~~يختم كتابه «تهافت التهافت» بأن الغزالي كفر الفلاسفة بهذه المسائل ~~الثلاث: ~~(1) # المعاد الروحاني لا الجسدي، مع أنهم لم ينكروا المعاد ~~الجسماني، ومع أن منكره لا يكفر لأنه غير مجمع عليه ~~بدليل تردد الغزالي نفسه فيه. ~~(2) # علم الله بالكليات دون الجزئيات، وقد تبين أنهم لا يرون ~~ما فهم الغزالي، بل يرون القول بعلم الله الشامل لكل شيء ~~على نحو خاص. ~~(3) # قدم العالم، وقد وضح أنهم لا يعنون المعنى الذي ~~كفرهم من أجله المتكلمون. # ثم يختم أخيرا الحديث ببيان أن الغزالي قد «أخطأ على الشريعة، كما ~~أخطأ على الحكمة.» وبالاعتذار عن التكلم في هذه الأشياء ، بأنه إنما ~~اضطر لذلك لضرورة طلب الحق مع أهله، وهو واحد من ألف، والتصدي لمن ~~يتكلم ms170 فيه ممن ليس من أهله، ولولا هذا وذاك ما تكلم فيه بحرف. # | النتيجة # نرى من الضروري، وقد انتهينا من البحث الذي قصدنا إليه، أن نستخلص أخيرا منه ~~نتائجه الهامة، وأن نبين مدى نجاح ابن رشد في محاولته التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، والعوامل التي حالت دون أن يصل عمله إلى النجاح الذي كان يرجوه. ~~(1) # بينا أن روح الإسلام روح توفيقية بين الجهات التي بينها خلاف، ~~وأن هذه الروح مع عوامل أخرى هي التي دفعت فلاسفة الإسلام إلى العمل ~~على التوفيق بينه وبين فلسفة اليونان كما عرفوها، وإن عملهم لهذا التوفيق ~~ليس فقط كما يقول الأستاذ «جوتييه»: «معقد الطرافة في هذه الفلسفة ~~اليونانية الإسلامية»، بل إن محاولة هذا التوفيق كانت إلى حد كبير ~~السبب في أن صار للإسلام فلسفة إلهية وطبيعية. # ولكنه، برغم الجهود التي بذلها في هذا السبيل الفارابي وابن سينا قبل ~~ابن رشد، ظلت الفلسفة اليونانية على خلاف مع ما جاء به الإسلام فيما ~~يتعلق بالله وصلته بالعالم، وآية هذا تلك الحرب التي شنها الغزالي عليهما ~~وعلى الفلاسفة جميعا. # ثم جاء ابن رشد فكان همه الإلحاح أولا على وجوب الفصل بين العامة ~~والخاصة وتعاليم كل طائفة بينهما، وفي هذا سعادة الجميع؛ لأن الحقيقة ~~الواحدة يعبر عنها بطرق مختلفة باختلاف العقول والاستعدادات. # وهذا ما جعل بعض الباحثين المعاصرين يذهب إلى أن توفيق ابن رشد بين ~~الحكمة والشريعة لم يكن - على خلاف ما كان من الفارابي وابن سينا - ~~توفيقا «داخليا»، ولكنه فقط فصل ظاهري بين السلطات. # 1 # ولكن الحقيقة هي أن ابن رشد اضطر كما عرفنا بسبب حملة الغزالي إلى أن ~~يترك لنا محاولة عملية للتوفيق بين الحكمة والشريعة توفيقا داخليا ~~حقا؛ ولهذا نراه في أكثر من موضع من كتاباته يعتذر من كل قلبه عما اضطر ~~إليه من الكلام في مسائل الشريعة والفلسفة على ذلك النحو الذي لم يكن ~~يوده. # وهنا نشير إلى أن فيلسوف قرطبة رأى في كتابه «مناهج الأدلة»، الذي ~~خصصه للاستدلال على العقائد الدينية بما يناسب العامة والخاصة من ms171 ~~الناس، أن يجعل عماده في هذا الاستدلال هو النوع الذي رضيه القرآن، دون ~~الاستدلال المنطقي الذي لا تطيقه العامة ومن إليهم؛ ولهذا المنهج أثره ~~القوي في التوفيق. ~~(2) # وفي تقدير مدى النجاح الذي أصابه فيلسوف الأندلس: نرى أولا أنه مع ما ~~بذل من مجهود لم ينجح عمليا النجاح الذي كان يرجوه ويرغب فيه رغبة ~~صادقة؛ إذ بقيت الفلسفة بعده زمنا طويلا وهي مضيئة، والفلاسفة وهم ~~معتبرون خارجين عن الدين. # ويكفي أن نشير في هذا إلى فتوى ابن الصلاح المتوفى عام 643ه، إذ ~~يقرر تحريم المنطق والفلسفة تعليما وتعلما؛ لما يؤديان إليه من ~~الزندقة والضلال، # 2 # وإلى الذهبي في القرن الثامن الهجري؛ إذ يقرر أن الفلسفة ~~الإلهية في شق وما جاءت به الرسل في شق. # 3 # ونشير أيضا إلى رأي ابن خلدون (توفي سنة 808ه) بأن ~~الفلسفة مخالفة للشريعة، # 4 # وإلى المقريزي (توفي سنة 845ه) إذ يرى أن الفلسفة جرت ~~على الإسلام ما لا يوصف من البلاء، # 5 # وأخيرا إلى طاش كبرى زاده (توفي عام 962ه) الذي وصف حكماء ~~الإسلام بأنهم أعداء الله ورسله. # 6 # وبعد هذا نستطيع أن نقرر عن علم ومعرفة شخصية أن هذه النظرة ~~السيئة للفلسفة والفلاسفة بقي من آثارها حتى هذه الأيام التي نعيش فيها، ~~أن نفرا من رجال الدين بالأزهر لا يزال يرى أن بعض الفلاسفة ~~المسلمين صاروا إلى الإلحاد بسبب ما ذهبوا إليه في الله تعالى وصلته ~~بالعالم، كما نقرر أنه كان من نتائج ذلك ركود الدراسات الفلسفية ~~في العالم الإسلامي، هذه الدراسات التي لم تأخذ في الانتعاش والازدهار من ~~جديد إلا في هذه السنين الأخيرة. # ذلك ما كان من الناحية العملية الواقعية، أما من ناحية الحق في ~~نفسه، فإننا نستطيع أن نقول بأن ابن رشد نجح في التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، وهذا في كثير من المسائل التي تناولها، ولكنه لم ينجح بصفة ~~خاصة في مسألة البعث والجزاء في الدار الأخرى؛ وذلك؛ لأنه لم يستطيع ~~بل ليس من المستطاع لأحد ، تأويل كل الآيات القرآنية بله الأحاديث ms172 ~~أيضا، التي تدل صراحة على أنه في الحياة الأخرى ستكون لذائذ ~~وآلام جسمية بجانب الأخرى الروحية. # وإذن فإن المؤمن الذي يعتقد أنه لا بد من التصديق بصريح القرآن الذي ~~لا يحتمل التأويل يرى أنه لا يستطيع بحال أن يوفق في هذه الناحية بين ~~القرآن ومذهب الفلاسفة؛ ولهذا نجد أن الإمام الشيخ محمد عبده، مع شدة ~~رغبته في التوفيق بين الدين والفلسفة وعدم تكفير الفلاسفة بشيء مما ذهبوا ~~إليه، يرى أن اعتقاد البعث الجسدي واجب شرعا، ويكفر منكره، وإن ~~كان من الممكن تأويل ما سيكون من آلام ولذائذ جسمانية على نحو أعلى مما ~~يتصور العوام من غير أن نخشى الوقوع في الكفر. # 7 # ولكن لنا أن نقول: ما هو هذا النحو؟ إنه لا يمكن حسب كتاب ~~الله وحديث رسوله الصحيح إلا أن يكون البعث والجزاء روحيين وجسميين ~~معا. # ومهما يكن من إصابة ابن رشد الحق أو خطئه في بعض ما ذهب إليه، فإن الإسلام لا ~~يبيح ما كان من بعض رجاله من عداء للفلسفة واضطهاد لرجالها في بعض الأزمان التي ~~خلت، الإسلام الذي يأمرنا كتابه بألا نجادل «أهل الكتاب» إلا بالتي هي أحسن، ~~والذي حث على استعمال العقل لفهم الكون وسائر ما خلق الله، لا يرضى بكل ما صنع ~~رجاله برجال التفكير الحر ورميهم بالكفر والإلحاد؛ لأنهم أخطئوا في بعض ما ذهبوا ~~إليه. # لقد كان من نتائج هذا العداء، أن وجدت هوة بين الفلاسفة ورجال الدين ظلت دهرا ~~طويلا فاصلا بينهم، وأن رمي رجال الدين الفلاسفة بالإلحاد إن لم نقل بالكفر، ~~وجازاهم هؤلاء شرا بشر فرموهم بالجهل وعدم فهم الدين! وكان من هذا وذاك أن حرم ~~الدين من جهود كثير من أبنائه المفكرين، فانكمش التفكير الحر الصحيح وخاصة بعد وفاة ~~ابن رشد سنة 590ه، فقد فقدت به الفلسفة الإسلامية أكبر ممثل ونصير لها من المسلمين، ~~وتضافرت عوامل مختلفة لسيادة روح التقليد. # بقيت كلمة واحدة، لقد رأينا تشابها إلى حد كثير أو قليل بين بعض آراء مفكري ~~الإسلام ومفكري الغرب، ومن مثل ms173 ذلك الغزالي من ناحية ومالبرانش وهيوم وديكارت وكانط ~~من ناحية أخرى، في مشكلة السببية، وبين ابن رشد نفسه من ناحية، وسبينوزا من ناحية ~~أخرى، في ضرورة فصل الفلسفة عن الدين بالنظر إلى العامة، وبصفة عامة بين جمهرة ~~مفكري الإسلام من ناحية، وجمهرة مفكري اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى، في ضرورة ~~تأويل بعض ما جاء في الكتب المقدسة تأويلا مجازيا. # ونحن لا نزعم بسبب هذا التشابه الذي اكتفينا بالإشارة إلى بعض المثل له، أنه كان ~~هناك انتقال لبعض الآراء من مفكر إلى آخر عن معرفة وعلم، ولكن نريد بالإشارة إلى ~~ذلك أن نذكر أنه من الخير عدم إقامة الحدود الفاصلة بصفة قاطعة بين العقل في الشرق ~~والغرب، فإن العقل لا يعرف فواصل الجنس والزمن، وكذلك نذكر أنه من الخير فيما ~~نعتقد أن يعاد النظر في الفلسفة الإسلامية على هذا الأساس، لنستطيع بالقدر الممكن ~~لمؤرخ الفلسفة تقدير ما أسهم به الفكر الإسلامي في إقامة صرح التفكير الفلسفي ~~العالمي كله، وبالله التوفيق. # روضة القاهرة في شعبان 1378ه/فبراير 1959م. ms174