######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadYusufMusa.FalsafatAkhlaq.Hindawi28069053 #META# Tags: philosophy #META# ID: 28069053 #META# Title: مباحث في فلسفة الأخلاق #META# AuthorID: 69426913 #META# Author: محمد يوسف موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - تعريف العلم، موضوعه، تقسيمه، غايته‏ # 2 - الأخلاق والعلم1‏ # 3 - مكانة الأخلاق من الفلسفة‏ # 4 - الخلق وتعريفه، تكونه، المؤثرات فيه، أساليب تكوين الأخلاق‏ # 5 - السلوك، المقصد، الباعث‏ # المراجع‏ # مقدمة‏ # 1 - تعريف العلم، موضوعه، تقسيمه، غايته‏ # 2 - الأخلاق والعلم1‏ # 3 - مكانة الأخلاق من الفلسفة‏ # 4 - الخلق وتعريفه، تكونه، المؤثرات فيه، أساليب تكوين الأخلاق‏ # 5 - السلوك، المقصد، الباعث‏ # المراجع‏ # | مباحث في فلسفة الأخلاق # | مباحث في فلسفة الأخلاق # تأليف # محمد يوسف موسى # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على صفوة الخلق المبعوث متمما لمكارم الأخلاق، ~~وعلى آله وصحبه أجمعين. # وبعد، فهذه مباحث كتبتها منذ سنوات، عمدت فيها إلى بسط القول في غير إسهاب، وإيضاح ~~الفكرة مع القصد والإيجاز، كما عنيت بربط آراء فلاسفة الأخلاق الإسلاميين بأمثالهم ~~الغربيين، وبالإشارة للمراجع الهامة ليرجع إليها من يريد الاستزادة، وبالتعريف بالعلماء ~~والمفكرين الذين يرد ذكرهم في ثنايا البحث؛ حتى لا يردد الشادي في الدراسات الفلسفية أسماء ~~لا يعرف شيئا عنها. # وقد رأيت نشرها هذه الأيام، بشيء من التعديل، لعل في ذلك بعض الخير. ونسأل الله التوفيق ~~والسداد. # الروضة في ذي القعدة عام 1362ه/نوفمبر عام 1940م # المبحث الأول # | تعريف العلم، موضوعه، تقسيمه، غايته # (1) تعريف علم الأخلاق # الأخلاق جمع خلق، ومرد معناه في اللغة العربية وغيرها إلى معنى العادة، ففي العربية ~~نجد صاحب لسان العرب يقول: واشتقاق خليق وما أخلقه من الخلاقة وهي التمرين، من ذلك تقول ~~للذي ألف شيئا: صار ذلك له خلقا أي مرن عليه، ومن ذلك: الخلق الحسن. وفي اللغات ~~الأوروبية نجد كلمة إيتيك # Ethique ~~، وهي اسم هذا العلم ~~في اللغة الفرنسية، ترجع إلى كلمة إيتوس # Ethos # الإغريقية، ومعناها العادة. # من أجل هذا عرفه بعض العلماء بأنه «علم العادات»، وهو تعريف تعوزه الدقة؛ لأن علم ~~الأخلاق لا يبحث قط في أعمال الناس الإرادية التي صارت عادات وتقاليد على اختلافها ~~باختلاف الأمم والأيام، إنما يبحث في توجيهها الطريق السوي طبقا لقواعده وقوانينه، وفي ~~الحكم لها أو عليها حسب مقاييس الخير التي ms01 يضعها. # وهناك تعريف آخر لأحد الكتاب الفرنسيين الأعلام وهو باسكال Pascal # 1 # وهو: «الأخلاق علم الإنسان»، تعريف جميل جذاب، جر هذا الفيلسوف إليه أن ~~الأعمال التي هي مناط البحث والحكم الأخلاقي هي أعمال الإنسان؛ ولكنه يتسع حتى يتناول ~~بين دفتيه العلوم الإنسانية المتعددة، كعلم المنطق والنفس والتاريخ والقانون، وما إليها ~~من العلوم التي تتخذ الإنسان من نواحيه المادية أو المعنوية محورا لبحوثها؛ لهذا لا ~~يسعنا أن نرضى بهذا التعريف أيضا. # كذلك نرى له تعاريف أخرى جرت على ألسنة غير هؤلاء من الباحثين، منها أنه «علم الخير ~~والشر»؛ لأنه يميز بينهما ويفصل معنى كل منهما، وأنه «دراسة الواجب والواجبات»؛ لأنه ~~يعرفنا الواجب الذي ننزل على حكمه فيما نأتي ونذر، ويهدينا لما علينا من واجبات نحو ~~أنفسنا وغيرنا وخالقنا. وكل من هذين التعريفين وإن كان صحيحا إلا أنه غير كاف، دراسة ~~الخير والشر لا تغني عن دراسة الواجب الذي نسير على هديه، ولا عن دراسة الواجبات التي ~~علينا أن نقوم بها، كذلك دراسة الواجب والواجبات ليست كافية لتحديد الأخلاق التي تبحث ~~أيضا في الخير والشر، وماهية كل منهما، والمقاييس التي نزن بها الأعمال لبيان خيرها ~~وشرها، ولنا أن نقول: إن هذين التعريفين يكون مجموعهما (بشيء من التأويل) تعريفا ~~صحيحا مضبوطا. # وأخيرا، إذا أردنا تعريفا دقيقا لعلم الأخلاق، لنا أن نقول: «إنه علم القواعد التي ~~تحمل مراعاتها المرء على فعل الخير وتجنب الشر، ويصل بالعمل بها للمثل الأعلى للحياة»، ~~أو «علم القواعد التي تسير عليها إرادة المرء الكامل في أعماله ليصل للمثل الأعلى»، ذلك ~~أن الأخلاق لا تبحث في حياة الناس الراهنة، أي من ناحية أعمالهم على ما هي عليه، بل من ~~ناحية أعمالهم على ما يجب أن تكون عليه، أي في الحياة التي يجب أن يحيوها ليحققوا ما ~~خلقوا له من الكمال. # ولا يبحث علم الأخلاق عن الأعمال الإنسانية من حيث القوانين والنواميس الطبيعية التي ~~تجري على سننها، فقد تكلفت بهذه الناحية العلوم الطبيعية، ولا من حيث إقرار الجماعة ~~التي يعيش المرء ms02 بينها لها أو إهدارها إياها، فذلك بحث القانون، ولا من ناحية ما رتب ~~عليها من ثواب أو عقاب في الدنيا والآخرة، فهذه ناحية بحث العلوم الدينية؛ إنما يبحث ~~علم الأخلاق في أعمال الإنسان الإرادية من ناحية مطابقتها للخير أو الشر، وفي توضيح ~~معنى كل منهما، وهو بهذا يهدينا سواء السبيل، ويرشدنا إلى الغاية التي يجب أن نقصدها من ~~أعمالنا. ~~(2) موضوعه # موضوع كل علم هو مباحثه التي يعنى بدراستها. ونظرة إلى علم الأخلاق باعتباره فرعا ~~من فروع الفلسفة ترينا أنه يتخذ هدفا لبحوثه مسائل عديدة هي التي تكون موضوعه، نراه ~~يبحث في الخير والشر: ما هما؟ وما الفرق بينهما؟ وما هو المعنى الذي يلاحظ في هذا العمل ~~فيكون خيرا، وفي ذاك فيكون شرا؟ وما هي ماهية الضمير الأخلاقي الذي به نقف على الخير ~~والشر؟ وهل هو قاض معصوم، وهاد لا يضل في حكمه؟ وما هو الحق والواجب؟ وما هي الواجبات ~~المختلفة؟ وما هو المثل الأعلى الذي يجب أن نتجه جميعا لتحقيقه؟ وأخيرا: ما هي ~~القواعد التي تؤدي رعايتها وعدم الحيدة عنها للخلقية المثالية الكاملة؟ # من هذا يتبين أن موضوع علم الأخلاق هو الأعمال الإنسانية الإرادية، أي الصادرة عن ~~تفكير وإرادة من هذه النواحي المتشعبة كلها، ونقول «الأعمال الإرادية» لأن هناك أعمالا ~~تصدر عن المرء وليست في شيء من موضوع الأخلاق. # وبيان ذلك أن من الأعمال التي تصدر عن الإنسان أعمالا لا دخل لإرادته ولا لتفكيره ~~فيها، وذلك كأعمال الجهاز التنفسي والدموي والهضمي، وهذه هي الأعمال الآلية التي تحدث ~~والمرء نائم أو يقظان، مفكر أو غير مفكر، ومنها أعمال منعكسة أي ناشئة عن سبب خارجي عن ~~الجسم، مثل: اختلاج العين عند الانتقال فجأة من ظلمة إلى نور، وانقباض اليد عند وخزها، ~~وهذه الأعمال كسابقتها لا كسب للمرء فيها ولا تتعلق إرادته بها. وإذا عرفنا أن علم ~~الأخلاق يرتب مسئولية خلقية على الأعمال، تبين لنا بجلاء أن الأعمال غير الإرادية سواء ~~أكانت آلية أم منعكسة ليست في شيء من موضوعه؛ لأنه لا يتدخل ms03 إلا حيث يكون القصد ~~والاتجاه والإرادة. # على أن هناك نوعا آخر من الأعمال آخذا بشبه من الأفعال الإرادية وغير الإرادية، ومن ~~ثم قد يشتبه الحكم فيها: أيتناولها علم الأخلاق فيصف بعضها بالخير وبعضها بالشر ويرتب ~~على آتيها مسئولية، أم يكون فاعلها بنجوة من هذا كله؟ ويوضح معنى ذلك الأمثلة ~~الآتية: ~~(1) # من الناس من يأتي أعمالا وهو نائم، كالذي ينام ويترك المصباح مشتعلا ~~بجواره ثم تبدو منه حركة لا يحس بها تقلب المصباح فتصيب النار شيئا تحرقه، ~~أو يقوم وهو نائم فيعثر بطفل على مقربة منه فيصيب منه عضوا. ~~(2) # شخص من عادته النسيان، علم أن جماعة يأتمرون بزيد من الناس، وأنهم اتخذوا ~~لتنفيذ جنايتهم موعدا بعد يومين مثلا، فاعتزم تنبيه المؤتمر به، إلا أنه ~~أرجأ ذلك حتى نسي الأمر، فإذا الجناية نافذة دون أن يملك لها ردا. ~~(3) # رجل يعلم من نفسه أنه يثور للبادرة التي تبدر من غيره، وأنه إذا ثار ~~تملكه الغضب وخرج عن وعيه، ومع علمه ذلك من نفسه ذهب لأحد الأندية التي ~~هي مظنة إثارة غضبه فحدث ما كان يخشاه، وأتى بما يعد منكرا من الأعمال أو ~~الأقوال. # بالتأمل نرى أن هذه الأعمال وأمثالها غير إرادية؛ إذ لم يتعمد النائم أن تتصل النار ~~بأدوات الدار، ولا أن يكسر عضوا من الطفل النائم بجواره، ولم يتعمد كذلك الذي علم نبأ ~~الاتفاق على قتل فلان من الناس ألا ينذره بالشر الذي بيت له، ولم يرد الغضوب في ~~المثال الثالث سب أو ضرب من تعدى عليه حين أخذته سورة الغضب؛ لهذا كان لكل منهم أن ~~يعتذر عن أعماله بأنه لم يفكر فيها، ولم تصدر عن إرادته. # ولكن هل يقبل علم الأخلاق هذا العذر، فيعفي صاحبه من المسئولية الأخلاقية ويخرج هذه ~~الأعمال وأمثالها من موضوعه؟ نستطيع أن نؤكد أن الجواب بالسلب لا بالإيجاب، فهذه ~~الأعمال يبحث فيها علم الأخلاق، ويرتب على صاحبها مسئولية خلقية؛ لأنها وإن صدرت عن غير ~~إرادة وتفكير، ولكن كان في الإمكان الحيطة لها وتبين نتائجها وقت الانتباه والاختيار، ms04 ~~ويوافق هذا ما اختاره المحققون من المفسرين في معنى قوله تعالى: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ~~، فإن التماس ~~عدم المؤاخذة على النسيان أو الخطأ دليل أن ذلك مظنة المؤاخذة واللوم ~~والمسئولية. # وقصارى القول أن الأعمال التي يبحث فيها علم الأخلاق هي الأعمال الإرادية، والأعمال ~~التي وإن كانت وقت صدورها لا دخل للمرء فيها ولا صلة له بها، ولكن كان من الممكن ~~الاحتياط لها حين كان المرء في فسحة من الوقت له انتباهه واختياره. أما الأعمال التي ~~ليست من هذا القبيل، كالآلية والمنعكسة، فليست من موضوع علم الأخلاق في قليل أو ~~كثير. ~~(3) تقسيمه إلى نظري وعملي # يجرنا البحث في تقسيم الأخلاق إلى أخلاق علمية نظرية وفنية عملية، إلى بيان معنى ~~العلم والفن أولا. # العلم: اليقين، يقال علم إذا تيقن. وجاء بمعنى المعرفة أيضا كما جاءت بمعناه، ضمن كل ~~منهما معنى الآخر لاشتراكهما في أسبقية الجهل كما «المصباح»، وفي رأي الفيروزابادي صاحب ~~«المحيط» وابن منظور المصري صاحب «لسان العرب» أنه بمعنى المعرفة أيضا، يقول الأول: ~~«علمه كسمعه علما: عرفه»، ويقول الآخر: «العلم نقيض الجهل». وجاء في دائرة المعارف ~~الفرنسية أن العلم هو «المعرفة المضبوطة الصادرة عن نظر وتمحيص، المتعلقة بنوع محدد من ~~أنواع المعارف»، كعلوم النحو والأدب والقانون والهندسة. # وفرق بين المعرفة العلمية # Connairrance Scientifique # والمعرفة ~~العامية # Connairrance ~~Vulgaire ~~، المعرفة العامية معرفة فردية جزئية؛ إذ هي ما يكونه المرء ~~لنفسه من آراء وأحكام فيما يعرض من الحوادث الجزئية، يتأثر فيها بالآراء الموروثة ~~والبيئة التي تحيط به؛ ولهذا لا تخلو من الأوهام والأخطاء، ولا تأخذ طابع العموم الذي ~~لا بد منه في العلم. أما المعرفة العلمية أو العلم فهي المعرفة العامة التي سبيلها ~~النظر والاستقراء والتمحيص، والتي تعنى بالتعليل ورد الظواهر إلى أسبابها وكشف ~~قوانينها، وهي مع هذا دون المعرفة الفلسفية أو الفلسفة التي تضيف إلى معرفة علل الأشياء ~~وكشف ما يقوم عليه العالم من قوانين بها تجري أموره، محاولة تعرف غاية هذا الوجود وتعرف ~~الله الذي هو غاية الغايات. # ومهما ms05 يكن من فرق بين أنواع المعارف المختلفة: العامية، والعلمية، والفلسفية، فإن ~~مدلول تعريف العلم، كما ذكرناه عن دائرة المعارف الفرنسية، هو بعض ما يطلق عليه لفظ ~~العلم عند المؤلفين الإسلاميين، فقد جاء في حاشية البناني على السعد أن أسماء العلوم ~~المدونة «نحو المعاني» تطلق على إدراك القواعد عن دليل، كما تطلق على معلوماتها، وهي ~~القواعد التي يقوم عليها الدليل أيضا، وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد ~~أخرى، أعني ملكة استحضارها متى أريد. وحقق السيد الجرجاني أن العلم في إطلاقه على ~~الإدراك يكون حقيقة لغوية، وفي غير ذلك إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز ~~مشهور. # أما الفن فهو كما جاء في المحيط: «الحال والقرب من الشيء كالأفنون، جمعه أفنان وفنون، ~~وهو فن علم بالكسر: حسن القيام به»، وغني عن البيان أن حسن القيام بالعلم هو العمل به ~~وتطبيقه عمليا، وكما جاء في بعض التعاريف الذي ذكرتها له دائرة المعارف الفرنسية: «هو ~~تطبيق المعارف الحاصلة بالنظر والاستدلال بطرق خاصة، وهو يكتسب بالدراسة والتمرن»، ~~مثلا فن التجارة: تطبيق قواعد خاصة تتعلق بالكسب وتنمية المال وتدبيره، وفن الطب: ~~تطبيق عملي لعلم الصحة والأدواء وطرق الوقاية منها وعلاجها، وفن المحاماة: تطبيق ~~القانون وأحكامه، وفن حكم الشعوب: تطبيق لقواعد السياسة العامة. # بعد هذا التمهيد نقول: يتميز لدارس الأخلاق أن منها قسما يتوفر على درس المباحث ~~النظرية وآخر يدرس المباحث العملية، الأول هو ما يعرف بالأخلاق العامة أو النظرية، ~~والثاني ما يسمى بالأخلاق الخاصة أو العملية. # الأخلاق النظرية تدرس الضمير وماهيته ومظاهره من عواطف مختلفة (كالرضا والاغتباط ~~والسرور الداخلي لفعل الخير، والألم والتأنيب والندم متى كسب المرء شرا)، وما يصدره ~~من أحكام أخلاقية على مختلف الأعمال الإرادية (كالحكم على العامل بالخيرية أو الشرية)، ~~وتتساءل عما إذا كانت علما من العلوم أي عملا من أعمال العقل أو هي وليدة التقاليد، ~~وما هي الطريقة التي تتبع في تعرف المثل الأعلى الأخلاقي، كما تبين أركان المسئولية ~~الأخلاقية مثل الحرية والإرادة، وتناقش مسائل الجبر والاختيار والثواب والعقاب، وأي ms06 ~~البواعث يجب أن يكون باعثنا الوحيد في كل ما نأتي ونذر، وأي الغايات يجب أن تكون غايتنا ~~العليا، وأي الأغراض يجب أن يكون الغرض الأعلى للإنسانية عامة، وما هو الخير والشر ~~والمقاييس التي تقاس بها الأعمال لبيان خيرها من شرها، وما هو الحق والواجب وما يتصل ~~بهما، وأخيرا تنقد النظريات المختلفة التي تواردت على هذه المسائل العديدة، وتجتهد في ~~أن تجد حلا لها. # أما الأخلاق العملية فتبين وتدرس الواجبات المختلفة: واجب الإنسان نحو نفسه، نحو ~~العائلة، نحو الوطن والدولة، نحو الإنسانية، نحو الحيوان، نحو الله تعالى، وبعبارة ~~أخرى: تعرض لمباحث الأخلاق النظرية بالتطبيق على ظروف الحياة العملية المختلفة لتقول ~~فيها كلمتها، ببيان ما يتفق مع معاني الخير والشر والحق والواجب. والمقاييس الأخلاقية ~~تقول رأيها الفصل - كما تقدم - في الواجبات الشخصية والاجتماعية والإلهية وفي المشاكل ~~الاجتماعية كحقوق النساء والعمال والاشتراكية والشيوعية، ونحو ذلك من المسائل التي تعرض ~~للبحث في حياتنا الخاصة والاجتماعية. # ولنختم هذا البحث يجب أن نشير إلى رأي بعض الباحثين في الأخلاق من أنها علم ميزاني ~~كعلم المنطق؛ إذ كان من مباحثها الهامة استنباط مقاييس تقاس بها الأعمال لبيان طيبها ~~من خبيثها، وتعرف المثل العليا التي يجب أن تكون قبلتنا في أعمالنا، ووضع قواعد تعصم ~~مراعاتها الإرادة من الجنوح للهوى والميل للشر، وغير ذلك من المباحث التي تقدمت الإشارة ~~إليها. إلا أنها في رأيهم مع هذا لا تضع من الطرق ما يصل بنا لتحقيق المثل العليا ~~الأخلاقية للسلوك الإنساني، فيكون أسلوب البحث فيها أسلوبا علميا نظريا ~~محضا. # يقابل هذا الرأي ما يراه غير هؤلاء - وهو الرأي الذي أرضاه - من أن الأخلاق علم نظري ~~أولا، ثم فن عملي ثانيا، تبحث كما سلف في المعاني الكلية العامة النظرية، مثل الخير ~~والشر، والحق والواجب، والمقاييس والبواعث، والغايات والمثل العليا، وتبحث أيضا فيما ~~يدعو لتحقيق هذه المثل وتلك الغايات، شأنها في ذلك شأن بقية المعارف كالهندسة وعلم ~~الصحة ونحوهما تكون علمية نظرية أولا وفنية عملية بالتطبيق ثانيا. بهذا يكون للأخلاق ~~قيمتها وخطرها من ms07 هداية الناس إلى سواء السبيل. ~~(4) الغاية من دراسة الأخلاق # ما الثمرة المرجوة من دراسة الأخلاق؟ وما الغاية التي نبتغيها من هذا الضرب من ~~الدراسة العلمية والعملية؟ وبتعبير آخر: هل لدراسة الأخلاق من فائدة نرتجيها؟ # اختلف الفلاسفة أيما اختلاف في هذه المسألة؛ إذ بينا نرى «سقراط» # 2 # وهو من نعرف خطره ومكانته في الفلسفة القديمة يقول: «إن معرفة الفضيلة ~~تكسبها، والجهل بها مصدر الرذيلة ومأتاها»، نرى كثيرا من الفلاسفة غيره يقررون أن ليس ~~للعلم أثر في إصلاح النفوس، من هؤلاء العلامة الفرنسي باسكال Pascal # الذي يقول: «إن الأخلاق الصحيحة تهزأ بعلم الأخلاق وتسخر ~~منه»، وهربرت سبنسر # Spencer # 3 # الذي يرى أن حماسة الأخلاقيين من الفلاسفة ونشاطهم في نشر العلم رغبة إصلاح ~~النفوس البشرية إنما هو بدعة سخافة، وكيف يرجى من العلم تهذيب النفوس، بينما نرى ~~المتعلمين الذين استنارت عقولهم لا خلاق لهم، ونرى الوعاظ يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم، وبجانب هؤلاء نجد من الجهال والأميين من هم على جانب عظيم من الاستقامة ~~والشرف؟! وبذلك ينكر «سبنسر» تماما الصلة بين العلم والأخلاق. # وكأننا بهؤلاء الفلاسفة ومن لف لفهم يذهبون إلى أن الوراثة ضربة لازب، ~~وأن المرء ينشأ على ما أمدته به الوراثة من صفات الآباء والأجداد، فهي إما أن تسمو به ~~للخير والفضيلة وإما أن تنحدر به نحو مهاوي الرذيلة. على أن من الحق علينا أن نقول بأن ~~هذا الرأي الذي يقرر عدم غناء دراسة الأخلاق مهما كان أساسه وسنده متطرف غاية التطرف، ~~فهو يهدر جميع التعاليم الأدبية، ولا يجعل قيمة للمواعظ والنصائح الأخلاقية! # حقيقة إن المرء محكوم إلى حد ما بعامل الوراثة، ولكن لا يمكن أن ينكر باحث ما للبيئة ~~بمعناها الأعم، ومنها ما يدرسه من مختلف العلوم والفنون، من أثر قوي في تكييف عاداته ~~وأخلاقه وتوجيهه وجهة خاصة في الحياة. وسيجيء لهذا زيادة بسط عند الكلام على الخلق ~~وتكونه والمؤثرات فيه. # وكيف لا تكون لدراسة الأخلاق قيمة والله تعالى يقول: # وذكر ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين ~~؟! وهذا الإمام الغزالي يقول ms08 في ~~هذا الصدد أيضا: «لو كانت الأخلاق لا تقبل التغير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ~~ولما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: حسنوا أخلاقكم. وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير ~~طباع البهيمة ممكن؛ إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى ~~التأدب والإمساك، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد؟!» # 4 # وكذلك يقول حكيم آخر من حكماء الإسلام: «إنه بالدراسة الأخلاقية تقوى ~~الإرادة على الخير وسلوك السنن القويم، وتنشط العزيمة للمضي في سبيل الفضيلة ~~واتخاذها نبراسا في أعمالها.» # نخلص من هذا إلى أن دراسة الأخلاق وسيلة ناجحة من وسائل التربية والتهذيب؛ لأن البحث ~~في الفضائل وتبين حسن عاقبتها وتعرف الرذائل وسوء مغبتها، وكذلك دراسة كثيرين ممن كانوا ~~في حياتهم العملية مثلا سامية للفضائل، كل ذلك يستهوي الدارس ويغريه بالتحلي بالفضيلة ~~والتخلي عن الرذيلة، وبأن ينشئ نفسه على غرار هؤلاء الفضلاء، ولا ينكر أحد ما لقوة ~~الإغراء والاستهواء من أثر كبير. # هذه هي إحدى غايات الدراسة الأخلاقية. وهناك غاية أخرى لتلك الدراسة، وهي أنها تكسب ~~الدارس الدقة في تقدير الأعمال الأخلاقية والإصابة في الحكم عليها بعد أن وقف على معاني ~~الخير والشر وما إليها، وعرف المقاييس التي تقاس بها الأعمال المختلفة، وفي ذلك أيضا ~~يقول الحكيم السالف الذكر: إن دراسة الأخلاق تكسب صاحبها القدرة على تمحيص الأعمال ~~ونقدها وتقديرها حق قدرها، دون أن يخضع في حكمه إلى إلف أو عادة، أو يتأثر بحكم ~~الزمان والمكان. # وما أبعد الفرق في بحث هذه الأعمال لبيان خيرها وشرها، بين رجل يعتمد في حكمه على تلك ~~الدراسة الدقيقة، وآخر سنده الإلف والعرف فقط! لقد يصيب هذا ولكن صوابه يكون رمية من ~~غير رام، وقد يخطئ ذاك وخاصة في الجزئيات التي تحتاج لتطبيق دقيق غير أنه يكون ~~نادرا. # والفرق بين أمثال هذين كالفرق بين دارس للزراعة علميا وعمليا، خبير بتربة الأرض ~~وما يصلحها، واقف على ما يصيب كل نوع من المزروعات من أمراض وطرق علاج، وبين زارع كل ~~معلوماته عن المزروعات وأدوائها ms09 وعلاج ما يصيبها من آفات لا تعدو ما لقنه من آبائه ~~وما عرفه بالتجربة الناقصة، ونجد مثل هذا الفرق أيضا بين الطبيب والدجال، والمهندس ~~المعماري والذي اتخذ البناء حرفة عن والده. # هذا، ولا يسعنا أن نختم هذا البحث قبل أن نقرر أن دراسة الأخلاق لا يمكن أن تجعل جميع ~~الناس خيارا، فذلك يتوقف إلى حد كبير على الاستعداد الشخصي، ولكن حسبها فخرا وفضلا ~~أنها تبين لنا النجدين، وترشدنا إلى الصراط المستقيم، وتحفزنا إلى عمل الخير وتغرينا ~~به، وأنها كما يقول «أرسطو» # 5 # المعلم الأول في كتابه علم الأخلاق: # تشد من عزم بعض فتيان كرام على الثبات في الخير، وتجعل القلب الشريف بالفطرة ~~صديقا للفضيلة وفيا بوعدها. # 6 # وخير ما نختم به هذا الموضوع قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «مثل ما بعثني الله به من الهدى ~~والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب ~~الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت ~~منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ~~ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله ~~الذي أرسلت به.» # 7 # وهكذا شأن الأخلاق والنفوس التي فيها استعداد للخير والفضيلة، والنفوس التي ختم الله ~~على قلوبها فلا تقبل نصحا ولا تنتفع بموعظة، # أفرأيت من ~~اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله ~~أفلا تذكرون ~~. # المبحث الثاني # | الأخلاق والعلم1 # (1) تمهيد # سبق أن قلنا إن العلم هو اليقين، وعرفناه بأنه المعرفة العامة المضبوطة الصادرة عن ~~نظر وتمحيص، وهذا التعريف لا يختلف في المعنى عما عرفه به بعضهم من أنه معرفة عامة تتجه ~~في جهودها نحو العموم للوصول إلى الحقيقة، وسبق أن ذكرنا أن الأخلاق تبحث في تحديد ~~الخير والشر، والحق والواجب، والمثل الأعلى، وما شابه ذلك من ms10 المعاني الكلية والبحوث ~~النظرية. من أجل هذا يكون من الطبعي أن يتساءل كل باحث في الأخلاق عما إذا كانت تصل إلى ~~آراء وأحكام تبلغ من العموم وقبول الناس لها حدا يجيز وصفها بأنها حقائق علمية، فتوصف ~~الأخلاق لذلك بأنها علم من العلوم التي تقرر حقائق وقوانين عامة، هل هي دراسة عقلية أي ~~عمل من أعمال العقل، أو دراسة مرجعها التقاليد؟ ~~(2) الصلة بين العلم والأخلاق # على أننا نتعجل القول بأنه يعرض بادئ الأمر لمن يتساءل هذا التساؤل حقيقة واقعية تفرض ~~نفسها فرضا، هي أن العلم على اختلاف أنواعه، كعلم الطبيعة والمنطق والرياضة والنفس ~~والاجتماع والتاريخ والحياة مثلا، لا يعارض الأخلاق ولا يحل محلها بل يتطلبها. # العلم لا يعارض الأخلاق؛ لأن العقل العلمي يدفعنا لمعرفة الحقائق على ما هي عليه ~~وفهمها، دون أن تتدخل في هذا البحث أية فكرة أو نظرية لم تمحص بعد، لكنه لا يمنع ~~مطلقا أن نقابل بين الواقع وبين ما يجب أن يكون، وبعبارة أخرى: معرفة الواقع والحقائق ~~العلمية لا تحول بيننا وبين أن يكون لنا مثل أعلى أخلاقي. # العلم لا يحل محل الأخلاق ولا يغني عنها؛ لأنه يعرفنا الواقع فحسب في مختلف مناحي ~~الكون ومظاهره، غير معني ألبتة بما كان يجب أو بما يجب أن يكون، فهو يتحقق ولكن لا ~~يحكم. كل العلوم التي أشرنا إليها وأمثالها، حتى علوم النفس والتاريخ والاجتماع، لا ~~تمدنا بمبادئ للسير والسلوك، ولا بقاعدة نهتدي في أعمالنا بهديها، لكنها في الوقت نفسه ~~لا تريدنا على أن نمتنع عن طلب هذه المبادئ خارجا عنها. # علم الحياة مثلا يرينا أن الأنواع الحيوانية في تقاتل مستمر، وتنازع دائم على ~~الحياة، القوي يفترس الضعيف، والغلب للقادر على تعديل نفسه حسب البيئة التي يعيش ~~فيها. إذن هل لنا أن نتخذ من ذلك مبدأ لنا في حياتنا، فنقرر أن الناس - كسائر الحيوان - ~~يجب أن يصدروا في أعمالهم عن مبدأ تنازع البقاء وبقاء الأقوى، أو يمكن أن نحكم أنهم على ~~الضد من هذا يجب أن يتساعدوا وأن يحترم الأقوياء ms11 حقوق الضعفاء؟ # وهذا علم النفس يكشف لنا الميول والعواطف النفسية، ومنها عاطفة الأثرة وعاطفة ~~الإيثار، أليس لنا بعد أن نتبين هذا أن نعطي لكل من هذه الميول قيمته الأخلاقية؟ كذلك ~~علم الاجتماع أتاح لنا أن العالم كان مسرحا في كثير في العصور، القديم منها والحديث، ~~لحروب طويلة طاحنة، فهل هذا التحقق العلمي يكفينا للبت في اختيار أي المبدأين: مبدأ ~~الاحتفاظ بروح العداء بين الأمم والشعوب، ومبدأ اقتلاع جذور العداوة وبذر عواطف العدالة ~~والمحبة العالمية التي تسمح يوما أن نصل إلى سلم عام نهائي وأخوة متبادلة؟ # الروح العلمي لا يتطلب منا أن نأخذ العلوم كدليل أخلاقي وحيد، وبعبارة أخرى: لا يتطلب ~~منا أن نأخذ مما تكشفه من حقائق وقوانين مثلا أعلى نأتم به في أعمالنا ونسير على ضوئه ~~وسناه. # إن العلم لا يعارض الأخلاق ولا يغني عنها فقط، بل يقدر ضرورة وجودها ولا يستغني عنها، ~~وبدونها يكون إثمه أكبر من نفعه، يدل على ذلك تحليل نفسيات العلماء والعواطف التي كانت ~~تسودهم في حياتهم العلمية، ففي هذه الجهود المضنية التي قام بها العلماء لفهم الطبيعة ~~وأسرارها وللوقوف على النظم التي تسيرها، وفي تلك المشاق التي عاناها قادة الأمم ~~وهداتها والمحسنون إلى الإنسانية؛ نجد عاطفة أخلاقية كانت تملك على هؤلاء الأبطال ~~ألبابهم وتسوقهم إلى أداء رسالاتهم، تلك العاطفة هي الرغبة في خدمة الإنسانية وتحسين ~~حالتها المادية والعقلية. وأيضا القيمة العالية التي يراها العلماء للعلم تفرض أن ~~الأعمال الإنسانية ذات قيم مختلفة منها العالي ومنها الدون، فالعلم مثلا أفضل من ~~الجهل، والهدى خير من الضلال، والسعي لمعرفة الحقيقة خير من مقاومتها. # إذن واجب البحث عن المعرفة وإعلانها يفرض الواجب بصفة عامة، والمثل الأعلى العلمي ~~يفرض أن هناك مثلا أعلى عاما يجب أن ننشده جميعا. # كذلك حب الحقيقة، وعدم التحيز للهوى، والإخلاص، والصبر، والحمية في العمل؛ كل هذه ~~صفات أخلاقية بدونها لا يتحقق عمل طيب علمي، بل ولا علم أيضا. العالم كالرجل الفاضل ~~يستشعر سرورا عاليا روحيا، وهو الرضاء بالواجب المؤدى بنبل، والحياة تقضى في ms12 شرف ~~وأمانة. يقول الفيلسوف الفرنسي المؤرخ إرنست ~~رينان # Renan ~~: # 2 ~~«المعرفة بين جميع الأعمال الإنسانية أسماها قدرا؛ لأنها أكثرها بعدا عن ~~الهوى واستقلالا عن المسرات.» ثم يضيف: «وإنه لمن العناء الذاهب سدى أن يدلل المرء ~~على قداستها وسموها؛ لأنه لا ينكر ذلك إلا من لا يعترف لشيء بالسمو والقداسة.» # والمؤرخ الفرنسي العلامة أوجستين ~~تييري # Augustin Thierry # 3 # الذي عاد أعمى لفرط أبحاثه الدقيقة التفصيلية، يذكر في مقدمة كتابه «عشر ~~سنوات في دراسات تفصيلية» أنه لو خير ثانية في اختيار حياة له لاختار أن يكون أيضا ~~عالما مؤرخا؛ لأن «الدراسة الجادة الهادئة مأمن وأمل وحرفة يبلي المرء فيها حياته ~~بشرف، أعمى ومتألم بدون رجاء وبدون مهلة وراحة تقريبا، يمكنني أن أتقدم بهذه الشهادة ~~التي أعتقد أنها لن تكون موضع شك بحال، وهي أنه يوجد شيء في العالم خير من الثروة وسائر ~~المسرات المادية ومن الصحة أيضا: هو الإخلاص للعلم.» # هكذا الدراسة العلمية ودراسات نفسيات العلماء، تكفي لبيان أن الخير والشر، وهما موضوع ~~الأخلاق، يلاحظان دائما في كل البحوث والدراسات العلمية على اختلافها. # وأخيرا، إذا كان العلم كما قلنا لا يعارض الأخلاق ولا يغني غناءها بل يسير معها ~~جنبا لجنب، هل لنا أن نخطو في البحث خطوة أخرى لنعلم ما إذا كانت الآراء والحقائق ~~الأخلاقية تبلغ من العموم حدا يجعلها حقائق علمية فتكون الأخلاق علما من العلوم؟ ~~الأخلاق علم إذا كان هناك حقائق أخلاقية عامة، ولكن هل يوجد حقائق أخلاقية عامة للجميع؟ ~~(3) اختلاف الأفكار والنظريات الأخلاقية # من فلاسفة الأخلاق من ينكر وجود حقائق أخلاقية؛ لأن القواعد الأخلاقية ليست إلا ~~تقاليد تختلف باختلاف الأزمنة والبيئات. # هذا مونتاني # Montaigne # 4 ~~(الفيلسوف والأخلاقي الفرنسي المعروف) بعد أن جمع كثيرا من الآراء ~~والأحكام الأخلاقية، يؤكد هذه النظرية بقوة حين يقول: # لا يوجد شيء أكثر اختلافا بين أمم العالم بأسرها كالعادات والقوانين، كثيرا ~~ما يكون أمر ممقوت هنا وممدوح بل موصى به هناك؛ في «إسبارطة» كانوا يمتدحون ~~المهارة في الغش ويتواصون بها، وقتل الآباء المعمرين والتجارة بالمسروقات ms13 ~~والزواج بين الأقارب، كل ذلك وهو محرم بيننا بصفة عامة مأمور به عند آخرين. ~~وأخيرا لا يوجد أمر غير مرضي هنا إلا ويكون مرضيا عند أمة أخرى. # 5 ~~«وباسكال» الفيلسوف والكاتب الفرنسي الشهير استعار بعض ما أتى به مونتاني من مثل ~~وحجج، وأتبع ذلك بفيض من فصاحته اللاذعة؛ إذ يقول: # لا يوجد تقريبا شيء عادل أو غير عادل إلا ويغير من صفته تغير إقليمه؛ ثلاث ~~درجات في الارتفاع إلى القطب تقلب رأسا على عقب كل ما عرف من عدالة، خط واحد ~~من خطوط الزوال يتحكم في الحقيقة والحكم الخلقي ... الحق له بيئاته، أزمنته، عدالة ~~مضحكة هذه التي يحدها نهر! حقيقة أمام البرينييه # Des Pyrenées # 6 # خطأ وضلال وراءها! # 7 # حقيقة، إن التاريخ وعلم الاجتماع ليؤكدان أن القواعد الأخلاقية اختلفت باختلاف ~~الأزمنة كما اختلفت وتختلف في العصر الواحد بحسب البيئات، هذه مسألة الرق والاستعباد ~~كان نظاما معروفا لدى العبرانيين والمصريين القدماء والهنود والصين على اختلافهم في ~~معاملة الأرقاء، كما كانت الجمعية الإنسانية في المدنية الإغريقية القديمة - التي يفخر ~~بها الأوروبيون اليوم - تقوم على استرقاق فريق من المواطنين، حتى إن أرسطو بجلالة قدره ~~يبرره لاعتبارات مختلفة، منها: أنه لا بد من العبيد ليتوفر الرجال الأحرار على الدراسات ~~العقلية العالية، وأنه يوجد أناس بلغوا من السفالة والضعة أن يفهموا أنهم خلقوا ~~للاستعباد. كما لم تمنعه الديانة المسيحية أيضا، أما في أيامنا هذه فقد صار الرق ~~معتبرا من أشنع المظالم الإنسانية، وغدا محرما تحريما باتا. # كما أن أنظار الأمم بالنسبة للمرأة اختلفت في التاريخ أيما اختلاف، كان الأثينيون - ~~وهم من نعلم مدنية وحضارة في الأزمان الماضية - يعتبرون المرأة سلعة تباع وتشترى، ~~وجعلوا مهمتها في الحياة مقصورة على تربية الأطفال وتنظيم البيوت، كما أباح بعض الطوائف ~~اليهودية للأب بيع بنته وهي قاصرة، وفي فرنسا قديما بلغ من امتهان المرأة أن عقدوا ~~مؤتمرا سنة 586م في بعض الولايات فأخذوا يبحثون فيه ما إذا كانت تعد إنسانا أو غير ~~إنسان، وانتهى الأمر بتقرير أنها إنسان، ولكنها خلقت ms14 لتخدم الرجل ليس غير! # ولا ننسى ما كان من وأد بعض عرب الجاهلية بناتهم، ومن اعتبار المرأة بعض ما يورث عن ~~أبيها أو زوجها، والآن تغير ذلك كله وأصبحت المرأة مساوية للرجل تماما إلا في بعض حقوق ~~يرى بعض الأمم من الصالح العام عدم منحها إياها. # وفي العصور المتوسطة # 8 # كان عدم التسامح الديني لدى المسيحيين مبررا لا نكير فيه، ما كان أكثر ~~رجال الدين الأعلام الذين كانوا يؤكدون أن الحقيقة لها كل الحقوق ومن بينها اضطهاد ~~الضالين في رأيهم بوساطة القوة! وأية حقيقة هذه التي كانوا يتكلمون عنها؟ إنها الحقيقة ~~التي يعتقدونها، أي حقيقة كنيستهم، التعاليم المضادة لتعاليم كنيستهم كلها ضلال وجرائم ~~موجهة ضد الإرادة الإلهية، فتستحق أشد العقاب. # ها هو ذا «سانت أوجستين» (أشهر رجال الكنيسة اللاتينية 354-430م) مع رجاحة عقله وسمو ~~فكره يوصي باللجوء للإكراه لهداية الضال حينما لا ينجع الإقناع، وكذلك «سانت توماس» ~~(أشهر رجال الكنيسة الغربية 1226-1274م) يقول: «إذا كان المزورون والمجرمون يعاقبون ~~عدلا بالإعدام، فبالأحرى الهراطقة الخوارج عن الدين يجب أن يكون جزاؤهم لا الحرمان ~~الأبدي من الكنيسة فقط، بل الموت الزؤام»، # 9 # هذه كانت عقلية كبار الأحلام في تلك الأيام! ولكن في أيامنا هذه يعتبر عدم ~~التسامح سبة وجريمة أخلاقية مهما كان سببه ومأتاه، العقول الحرة تجده مرذولا، وأغلبية ~~رجال الأديان يمقتون استعمال الإكراه في سبيل نشر ما يعتقدون. # وإذا كانت النظريات والآراء الأخلاقية تختلف في الأمة الواحدة باختلاف الزمن، فهي ~~كذلك مختلفة في الزمن الواحد باختلاف البيئات، بينما نرى هذه الأيام الناس الذين على ~~الفطرة كسود أستراليا يعتقدون القداسة لحيوانات ونباتات معينة، فيكون الموت عقاب من ~~يجرؤ على أكل شيء منها، كما نرى البراهمة في الهند يقدسون البقرة ويعتبرون أكبر الجرائم ~~قتلها أو الأكل من لحمها، وتقوم المعارك الدامية بينهم وبين المسلمين هناك لهذا السبب. ~~بينما نرى هذا وأمثاله، نرى كثيرا من سود أفريقيا يستحلون بل يفضلون أكل لحوم البشر من ~~أعدائهم الذين سقطوا في ميدان القتال، أو عبيدهم الذين يعنون بتسمينهم ms15 حتى يكون منهم ~~غذاء دسم شهي، أو أقاربهم الذين نالت منهم السنون وعجزوا عن احتمال أعباء الحياة. # 10 # في مقابل هذا نجد بعض البوذيين الدينيين كرهبان الهند الصينية يعتبرون قتل أي كائن حي ~~مهما كان جريمة شنيعة، ويصل الأمر إلى أن يرشح الرهبان مياه الشرب حتى لا يبتلع أحدهم ~~أثناء شربه أية حشرة حقيرة غير مرئية فيتسبب في قتلها. أما نحن فنتخذ موقفا وسطا بين ~~الفريقين المتطرفين، فاحترام الحياة الذي يعده هؤلاء الرهبان حقا مقدسا لكل حي لا ~~نعده كذلك إلا للآدميين، ولا يعترف به أولئك المتوحشون إلا لعدد قليل كأسرة الشخص أو ~~قبيلته أو أهل قريته. # كذلك الانتحار الذي يحرمه الدين الإسلامي وتنكره المدنية الأوروبية الحالية، يعده ~~اليابانيون تقليدا وطنيا طيبا، يكون واجبا في كثير من الحالات؛ ينتحر الواحد منهم ~~حين يرى أنه تجرد من شرفه أو عانى سقوطا فاضحا كبيرا، أو احتجاجا ضد مظلمة ارتكبت، ~~أو نحو ذلك من العوامل الأخرى التي تجيزه في رأيهم. # ذكر الأستاذ شالي # Chalaye # في كتابه «اليابان ~~المصورة» كثيرا من حالات الانتحار للعوامل المختلفة، منها أن ضابطا انتحر سنة 1891 ~~للفت نظر الحكومة والرأي العام إلى تعدي الروسيا على بعض النواحي في شمال اليابان، وأنه ~~في 14 سبتمبر سنة 1912 انتحر أحد الضباط الكبار هو وزوجته أثناء سير جنازة الإمبراطور ~~إظهارا لإخلاصهما له وعدم رغبتهما في الحياة بعده. # من الممكن مضاعفة هذه المثل والإتيان بغيرها مستمدة من حياتنا اليومية في الصعيد أو ~~الوجه البحري مثلا من مصر، وخاصة فيما يتصل بالأفراح والمآتم وعادة أخذ الثأر ~~والانتقام، مما يؤكد أن الآراء والأحكام الأخلاقية تتغير مع الزمن، وتختلف مع الأوساط ~~والبيئات، ولكن هل من الحق رغم تضافر هذه الشواهد كلها أن ننكر أن هنا حقائق أخلاقية ~~عامة؟ ~~(4) الحقائق الأخلاقية # أولا من السهل أن نلاحظ أن الناس على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم وأزمانهم يمتثلون ~~للواجبات - التي يعتقدونها - على أوجه مختلفة تكون متباينة أحيانا كما رأينا، ولكنهم ~~جميعا يقبلون فكرة الواجب، ويعتقدون أن بعض الأعمال أعلى خلقيا مع ms16 البعض الآخر، الكل ~~يميز أنه يوجد خير وشر، ويحس الاحترام لبعض الناس، والاحتقار لآخرين. الأسود المتوحش في ~~أفريقيا وأستراليا في خضوعه لتقاليده العجيبة وعده ذلك واجبا، والمجرم الذي يرى نفسه ~~ملزما بعدم خيانة عصابته؛ عندهم خلقية مشابهة في صورتها لخلقية الرجل الفاضل في هذه ~~الناحية، ما دام الجميع يعتقدون القيام بالواجب أمرا مقضيا فقط يجب إنارة عقول أولئك ~~المساكين الذين يخضعون هذا الخضوع الأعمى لتلك التقاليد الظالمة، وتفهيمهم أي الأعمال ~~تعتبر واجبات يجب أن يقوموا بها ويعد الخضوع لها أمرا إلزاميا. # هذا التحقق، وهو أنه يوجد لدى جميع الناس بلا استثناء منذ ابتدءوا يفكرون نظريات ~~وعواطف أخلاقية، يجيز لنا أن نصف فكرة الواجب والخضوع له وعد من يقوم به خيرا ~~بأنها حقيقة أخلاقية عامة، ثم رغما عن هذا الاختلاف الذي لا ريب فيه بين ما يسمى ~~واجبا هنا وواجبا هناك، ليس من النادر أن نلاحظ تماثلا بين بعض النظريات والآراء ~~الأخلاقية لدى جميع الناس، إنه من العسير بل من المستحيل أن نذكر وسطا أو عصرا يعتبر ~~الجبن فيه أفضل من الشجاعة أو الظلم أفضل من العدالة. # العدالة فهمت وطبقت بطرق متغايرة في الأمم المختلفة، هذا حق، ولكن الرجل العادل ~~أو الشجاع محترم دائما بخلاف الظالم أو الجبان. # الرجل الساذج في تربيته، بل الطفل، يقبل بطيبة خاطر عقابا يعتقد عدالته، ويثور داخل ~~نفسه ضد عقاب يراه ظالما، ذلك معناه تأصل فكرة العدالة لدى الجميع، العدالة العامة ~~التي يحسها الناس جميعا في قرارة نفوسهم، لا العدالة القانونية التي تتغير بتغير ~~البيئات، وفي ذلك يقول مونتاني # Montaigne # الشاك، أي ~~الذي يرفض كل شيء ليس متحققا بطريقة لا ريب فيها: «العدالة الطبيعية العامة فيها من ~~النبل ما ليس في العدالة الخاصة الأممية التي تنفذ عند الحاجة بسلطة الشرطة ورجال ~~الأمن العام.» كذلك فولتير # Voltaire # 11 # نراه يدلل على عموم عاطفة العدالة بعد أن بحث الأمر بحثا دقيقا بدليل ~~مقنع، إذ يقول: «فكرة العدالة تظهر لي حقيقة من الطراز الأول، يقبلها الجميع ويشعر ~~بوجوب احترامها، ms17 حتى إن أكبر الجرائم نراها ترتكب تحت حجة باطلة من العدالة. الحرب وهي ~~أكبر الجرائم الهدامة قاطبة، التي تتعارض مع الغرض الإنساني النبيل، وهو المساعدة ~~والتساند، يجتهد في تبريرها من يشعل نارها أولا بحجة الدفاع عن العدالة.» # 12 # وأيضا عاطفة الكرم، تلك العاطفة السامية التي تنبئ بالإخاء الإنساني، نجدها ممدوحة ~~موصى بها في كل الأوساط والأزمان ، فمن الممكن وصفها بأنها حقيقة عامة أخلاقية. # وليس عجيبا أن نرى تقاربا بل اتفاقا على كثير من الآراء الأخلاقية، بل لعل العجيب ~~ألا يكون مثل هذا الاتفاق؛ ذلك أن الناس جميعا، تقدم بهم الزمن أو تخلف، السامي والآري ~~والشرقي والغربي والأسود والأبيض، لديهم جميعا معين للأخلاق يكاد يكون واحدا أو هو ~~واحد في أصله وإن اختلف في بعض التطبيقات تبعا لاختلاف الأزمان والبيئات، ذلك المعين ~~هو الضمير. # وفي هذا يقول العلامة «بارتلمي سانتهلير»، مترجم أرسطو من اليونانية للفرنسية، في ~~مقدمة كتاب الأخلاق لأرسطو: # ولنؤكد من غير أن نخشى الزلل أن حقائق علم الأخلاق في الساعة الراهنة عند ~~الأمم المتمدنة، ليست منذ الآن محلا للجدال بين النفوس الفاضلة، وأن تلك ~~الحقائق لا خوف عليها، يمكن أن يقع الجدال في النظريات، ولكن بما أن سلوك الناس ~~الأخيار هو في الواقع واحد، يلزم حتما أن يكون بينهم قدر من الحق مشترك، يستند ~~إليه كل واحد منهم، من غير أن يستطيع مع ذلك في الغالب أن يقف غيره عليه، ولا ~~أن يدركه هو نفسه. # ومن النادر أن يقع إجماع الآراء على طريقة بسط مذهب بعينه مهما أجيدت ومهما ~~بلغت من الحق، ولكن من الأفعال ما هو مقر عند جميع الناس، وبين أن هذا ~~الإقرار العام سببه أن تلك الأفعال تابعة لمبادئ مسلمة عند الجميع، وتقع على ~~مقتضاها من حيث لا يشعر الفاعل لها في غالب الأحيان. # 13 # ثم يقول في موضع آخر: # غير أن قانون الأخلاق ليس قانونا شخصيا بل هو قانون عام، قد يكون في ضمير ~~أشد قوة وأكثر وضوحا منه في ضمير آخر، ولكنه موجود في ms18 كل الضمائر بدرجات تختلف ~~قوة وضعفا. # إنه ليناجي جميع الناس بلهجة واحدة، وإن كانت أفئدتهم لا تصغي إليه على ~~السواء، ينتج من ذلك أن قانون الأخلاق ليس فقط قاعدة للفرد، بل هو أيضا العامل ~~لوحدة الروابط الحقيقية التي تربط الفرد بأمثاله، لئن كانت الحاجات تقرب بين ~~الناس فإن المنافع تباعد بينهم إذا لم تكن تذكي بينهم نار الحرب، فلولا الاتحاد ~~الأخلاقي لكانت الجمعية البشرية محالا. # 14 # ولعمر الحق إن هذا لا يحتاج إلى أي تعليق لبيان صحة ما فيه من آراء، فهناك كثير من ~~المبادئ الأخلاقية مسلم بشهادة الواقع من الجميع لصدورها من معين واحد، قد يختلف قليلا ~~أو كثيرا بعض الأحيان، لكنه واحد على كل حال. # ثم التاريخ يكشف لنا أمرا آخر لنا أن نعلق عليه أهمية لها خطرها، المثل الأعلى ~~الأخلاقي يقاسي الكثير من التقاليد في بعض الأزمنة والبيئات، هذه التقاليد التي نراها ~~حجر عثرة في وجه المصلحين دائما. # تصفح تاريخ أمة من الأمم تجد في فترات مختلفة بعض كبار الأحلام والفكر الراجح يعارضون ~~التقاليد الضيقة التي تسيطر في أيامهم، بمثل عليا رحبة واسعة صالحة للجميع. # حقا إن الرأي العام كان يقف ضد هؤلاء العباقرة، إلا أن المستقبل كان يحكم بأنهم ~~كانوا على حق فيما بشروا به، كما أن الإنسانية باركت هذه الثورات المدينة لها ~~بخلقية أعلى وأفضل، وأذاعت في الخافقين أنهم النبلاء المحسنون للإنسانية عامة. ولعل ~~من الطريف أن نلاحظ أن تلك التقاليد التي عارضها أولئك المصلحون كانت مختلفة أشد ~~الاختلاف فيما بينها، وأن هذه الآراء الأخلاقية والمثل التي كانوا يدعون لها في ~~الأزمنة المختلفة والبيئات المتعددة تعطينا مشابهة مدهشة عجيبة وانسجاما خارقا كأنها ~~صادرة من معين واحد. # من الممكن أن يذكر في معرض التمثيل في الأزمنة العريقة في القدم «بوذا» الحكيم ~~الهندي، و«كونفشيوس» الصيني، وسقراط الإغريقي، وأنبياء بني إسرائيل وفلاسفتهم وحكماؤهم، ~~وأخيرا المسيح ومحمد خاتم الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام. # يجد الباحث في تراث الهند الروحي وتعاليمها السامية تعاليم أخلاقية صالحة حقا، أو ~~يجب أن تكون ms19 كذلك لكل الناس، منها: لا تقتل، لا تكذب، لا تشرب المسكرات، لا تأخذ مال ~~غيرك ولا زوجته، هذه بعض التعاليم الأخلاقية السلبية، وفي التعاليم الإيجابية نجد الأمر ~~بالصبر والرحمة والتسامح والإغضاء عن الأذى والتضحية ونكران الذات، «بوذا» نفسه يقول في ~~بيان وجوب مقابلة السيئة بالحسنة: «إذا كان الحقد يرد على الحقد بالمثل كيف ينتهي ~~إذن؟!» وللبوذيين مثل بديع في وجوب الإحسان، هو أن أرنبا لا يملك من حطام الدنيا شيئا ~~عز عليه أن يرد سائلا طلب ما يمسك به رمقه، فشوى نفسه له حتى لا يرده خائبا! هذا ~~المثل يبين بإعجاب وجوب أن يساعد المرء غيره بما يملك من وقت ومال، وبذات نفسه أيضا، ~~ويحضرني بهذه المناسبة قول الشاعر العربي: # ولو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق الله سائله # وإذا تركنا الهند إلى الصين، نجد كونفشيوس الفيلسوف يبشر في القرن السادس قبل الميلاد ~~كسابقه بأخلاق يحكم العقل السليم بصلاحيتها للجميع، كان يوصي بالاعتراف بالخير والجميل ~~للأموات، وبالشفقة البنوية، وبالإخلاص الأخوي، وبالأدب الذي منبعه القلب، وبالمعاملة ~~الحسنى لجميع الناس؛ ولهذا نجد بعض كلماته تمثل نمطا عاليا من التفكير، وأخلاقا تفرض ~~نفسها فرضا على الجميع، ها هو ذا يقول: «من المعرفة الحقة أن يكون المرء عارفا ويعلم ~~أنه عارف، أو جاهلا ويعلم أنه جاهل، العاقل لا يرفض كلمة طيبة لأنها جاءت من شرير، يجب ~~مقابلة الشر بالخير والظلم بالعدل، أحبوا الآخرين كأنفسكم»، ولما حانت وفاته رفض أن ~~يصلي تلاميذه لأجله، وقال في نبل وإيمان: «حياتي كانت عبادتي وصلاتي.» # وفي اليونان القديمة كان سقراط، مؤسس الأخلاق، يأمر ضمن ما يأمر بأن يكون المرء سيد ~~نفسه، بالشجاعة، بالعدالة ... إلى غير ذلك من الصفات الأخلاقية العامة، وفي ساعة موته رفع ~~شجاعته إلى البطولة قائلا لقضاته، وقد قدم للمحاكمة متهما بالسفسطة وإفساد الشباب ~~والإلحاد: «لشد ما أنتم في الضلال إذا كنتم تعتقدون أن رجلا يعرف لنفسه بعض القيمة ~~يفاضل بين حظوظ الحياة والموت وبين البحث دائما عما إذا كان ما يعمله عدلا أو ms20 غير ~~عدل!» وفي قوله لتلميذه كريتون # Criton ~~: «لا يجب أن ~~نجترح أي ظلم حتى ولو كنا ضحايا لظلم الآخرين، عمل الشر للغير هو الظلم بعينه، لا يجب ~~مقابلة السيئة بمثلها.» # وبنو إسرائيل كان من تقاليدهم الضيقة في فجر تاريخهم أنهم لا يعتقدون واجبا إلا ~~إلههم المحلي وأنفسهم، حتى جاءهم أنبياؤهم وحكماؤهم بالمثل الأخلاقية الرحبة الواسعة، ~~وفي ذلك يقول أحدهم في القرن السادس قبل الميلاد: «ليس لجميع الشعوب إلا إله واحد، كل ~~العالم معبده، وتكريمه أن يكون الكل عادلا.» # وفي التلمود: # 15 ~~«أحبب غيرك كنفسك، لا تعامل غيرك بما لا تحب أن يعاملك به»، وهذه هي الحكمة ~~التي أخذها أحد حكماء اليهود في القرن الأول قبل الميلاد وهو هليل # Hillel # مبدأ له، فهي عنده كلمة الشريعة وما عداها مجرد تفسير لها. ~~وفيه أيضا: «أربعة لن يدخلوا الجنة: الساخر والكذاب والمرائي والنمام. من لا يضطهد ~~مضطهديه، ومن يتحمل الإهانة صامتا، ومن يفعل الخير حبا في الخير، ومن يستسلم لآلامه ~~فرحا، أولئك هم أصدقاء الله. # 16 # وجاء في كلمة لمكسيم غوركي، أحد كتاب الروس المعروفين، هذه الحكمة السامية لهليل ~~الحكيم السابق ذكره: «إن لم تكن لنفسك فلمن تكون؟ ولكن إن كنت لنفسك فقط فلم تكون؟» ~~ويقول غوركي عن نفسه إنه تأثر بما في تلك الكلمة الخالدة من معنى دقيق وحكمة عميقة، ~~فجعل مبدأه أن يعنى بنفسه، فلا يكون كلا على غيره، وألا يحيا لنفسه فقط، وإلا ~~أضحت حياته هباء منثورا، وأخيرا يختم كلمته بقوله: «إن حكمة هليل هي النبراس الذي ~~هداني السبيل وما كان سهلا سويا.» # نترك اليهود وتقاليدهم وأخلاقهم إلى المسيح - عليه السلام - فنجده جاء معارضا لما ~~وجده من تقاليد عتيقة ضيقة بمثل أخلاقي صالح للجميع؛ كان مما بشر به «حب المرء لله هو ~~أن يحب قريبه كنفسه»، وليس القريب هنا هو الإسرائيلي للإسرائيلي مثلا بل الإنسان ~~للإنسان: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، إن وصيتي أن يحب بعضكم البعض كما أحببتكم، ~~لا يوجد حب أعظم من أن يعطي المرء من ms21 حياته لأصدقائه.» # أما محمد، صفوة الخلق كافة وخاتم الأنبياء والمرسلين، فقد جاء في الأخلاق بما يعتبر ~~بحق المثل الأعلى الكامل: # وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~... إلى آخر هذه الأوامر ~~الحكيمة الذهبية العالية التي احتوتها تلك الآيات الكريمات، # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره ~~على الله ~~، # إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~، # يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود ~~، # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ~~، ويضاف ~~لهذا ومثله قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، «لا يؤمن أحدكم حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه.» # وهكذا نرى أن كثيرا من ذوي الضمائر الإنسانية عارضوا التقاليد والأفهام الضيقة التي ~~كانت مقبولة في أزمانهم وبيئاتهم بمثل عليا، وبعبارة أخرى: بمثل أعلى أخلاقي حكموا ~~حقا بصلاحيته للجميع دائما. وصلوا لذلك لأنهم أتيح لهم أن يتخطوا الجماعات التي ~~كانوا يعيشون بينها، ونجحوا في الدخول في حظيرة الإنسانية الخالدة والحياة العامة التي ~~لا يحدها مكان أو زمان. # هذه الأفكار الأخلاقية العالية التي جاءنا بها أصحاب الضمائر العالية النيرة بعد ~~تفكير عميق تجاوزوا به أزمانهم وبيئاتهم وأممهم إلى الإنسانية العامة في أوسع حدودها، ~~هذه الأفكار السامية التي يجب أن تكون مقبولة منا جميعا، أليس لنا أن نقدر بأنها حقائق ~~أخلاقية عامة، فتكون الأخلاق لذلك علما من العلوم؟ # إنه مما لا ريب فيه أن هذه الأفكار ليست شعارا أو مبادئ مقدسة للناس جميعا يصدرون ~~عنها في أعمالهم دائما، هذه حقيقة لا ريب فيها، ولكن الحقائق العلمية لا تزيد عنها في ~~هذا المعنى. حينما يعرف العلماء الحقيقة العلمية بأنها الاتجاه العقلي العام نحو ~~مركز واحد أو نتيجة واحدة، وبعبارة أخرى بأنها الشيء الذي تتجه إليه العقول كلها ~~وتقبله، لا يقصدون من ذلك أن هذا الاتجاه العام محقق، بل يقصدون أنه أمنية يرجون أن ~~تكون يوما ما. # وفي الواقع لا يقبل سود أفريقيا أو أستراليا أو زنوج أمريكا مثلا التفسيرات العلمية ~~الصحيحة ms22 لكل الظاهرات الكونية كالرعد والبرق والمطر والكسوف والخسوف، بل لا يزال منا ~~معشر المصريين من يعلل هذه الظواهر ونحوها بما لا يتفق مع العقل، # ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ~~! فحينما ~~يعلن العلماء أن الحقائق العلمية تنتج اتفاق جميع العقول، يكون الغرض إما أنها تؤدي ~~لاتفاق جميع العقول الموهوبة القادرة على الحكم الصحيح، أو الأمل في أنها تؤدي حقا ~~ذات يوم لاتفاق جميع العقول بلا استثناء، إذن يكون من الممكن أن نأمل هذا للحقائق ~~الأخلاقية السابق ذكرها هي وأمثالها، فنقول: هناك حقائق أخلاقية تفرض نفسها على الضمائر ~~السليمة، وأنها من الآن مقبولة من كل من وهب القدرة على الحكم الصائب، كما أنها ستكون ~~يوما ما مقبولة من الجميع عندما يرزق المرء رحابة الصدر والنظرة الواسعة التي تنتظم ~~العالم بأسره، وتعتبر الناس إخوة متساوين فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات. # هذا الرجاء الذي يجب أن نقنع به الآن، نجد لحسن حظ الإنسانية أنها تقترب منه شيئا ~~فشيئا لعوامل عديدة؛ هناك قوى هامة مختلفة تعمل في الإنسانية الحالية للتقريب بين ~~الضمائر وجمعها على مبادئ واحدة من الناحية الأخلاقية كما من الناحية العلمية، من ذلك ~~انتشار العلم في كل البقاع، وسهولة اتصال الناس في كافة أرجاء الأرض، وسرعة ذلك الاتصال ~~وتزايده يوما فيوما، لا فرق في ذلك بين السود والبيض وغيرهما من الأجناس المختلفة، ~~هذا الاتصال المستمر، الذي طابعه الحدة والعنف بل الوحشية في بعض الأحيان كما في حالات ~~الاستعمار، أنتج كثيرا من المظالم والآلام، ولكنه كان من نتيجته أيضا تعارف الأمم ~~وتفاهم الشعوب والقضاء على التقاليد والعادات الأخلاقية الضيقة الخاصة، وتبادل المبادئ ~~الأخلاقية واختيار أنفعها، وسيؤدي استمراره إلى إتاحة الفرصة إلى أن يوسع الناس جميعا ~~مداركهم ويسموا بتربيتهم حتى يتخطوا بذلك الحواجز الطبيعية من محيطات وبحار وأنهار ~~وجبال، ويصلوا إلى أبعد الآفاق، وحينئذ يجمعون في عقولهم وقلوبهم كل ما أمكن لشعوب ~~العالم قاطبة كشفه أو خلقه من حقيقة وجمال، ويذكرون في ضمائرهم كل ما يوجد في الحياة ms23 ~~العامة من عقل وحكمة ومبادئ أخلاقية نبيلة. # والآن، وقد ثبت أن هناك حقائق أخلاقية عامة، نرى الضمير المستقيم مجبرا على قبولها، ~~ونرى أن من الواجب أن يقبلها الجميع يوما من الأيام قريبا كان ذلك أو بعيدا، الآن ~~لنا من غير إسراف أن نقدر أن الأخلاق علم من العلوم، وأن نعتبره عملا من أعمال العقل ~~كسائر العلوم الأخرى، لا وليد التقاليد أيا كان مصدرها، الأخلاق عمل من أعمال العقل ~~الذي يبحث بكل ما يملك من قوى مختلفة للوصول لحقائق أخلاقية صالحة للجميع، وإذن فلننظر ~~مكان هذا العلم من الفلسفة. # المبحث الثالث # | مكانة الأخلاق من الفلسفة # لا بد لهذا البحث من أن نقدم له بكلمة قصيرة عن معنى الفلسفة وإطلاقها قديما وحديثا، ~~نخلص بعدها إلى مكان الأخلاق منها ونسبتها إليها، فقد قال بحق الفيلسوف الهولندي: ~~هارالد هوفدنج # Harald Hoffding ~~(1843-1931): «بما أننا ~~نتعلم أن نعرف المرء من تاريخ حياته، يكون إذن من الواجب إذا أردنا أن نعرف أي علم الرجوع ~~إلى تاريخه، وطبيعي أن نسير في هذا الطريق في الفلسفة أيضا.» # 1 ~~(1) أصل كلمة «فلسفة» # إذا رجعنا لأصل هذه الكلمة من ناحية الاشتقاق وجدنا أنها تتركب من لفظين معناهما ~~«محبة الحكمة»، وهي كلمة إغريقية اقتبسها العرب واشتقوا منها فعلا فقالوا: «تفلسف، ~~يتفلسف»، أيام إقبالهم على ترجمة ما وصلت إليه قرائح الأمم، التي لها في عالم العلم ~~والعرفان تاريخ معروف، من معارف وعلوم وفنون، وها هو ذا نص عبارة المعلم الثاني أبو ~~النصر الفارابي # 2 # في بيان معنى اسم «الفلسفة». # قال في اسم الفلسفة: «اسم الفلسفة يوناني، وهو دخيل في العربية، ومعناه إيثار الحكمة ~~... والفيلسوف مشتق من الفلسفة ... ومعناه المؤثر للحكمة، والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي ~~يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة.» # 3 # حدثت هذه الكلمة في القرن السادس قبل الميلاد؛ إذ كان أول من استعملها هو فيثاغورس # 4 # كما تقول جمهرة المؤرخين، أو سقرط كما يقول آخرون، ذلك أنه كان متواترا ~~كما يؤكد شيشرون # 5 # أن فلاسفة الإغريق الذين سبقوا ms24 فيثاغورس كانوا يلقبون أنفسهم الحكماء، حتى ~~جاء هذا الفيلسوف فوجد اللقب فضفاضا عليه وعلى أمثاله، فأعلن أن الحكمة لله وحده وأن ~~الأليق بنا أن نختار لأنفسنا لقب «محب الحكمة». # وكيفما كان الأمر في سبب حدوث هذه الكلمة، فقد كان مقصد الفلاسفة السابقين البحث عن ~~الحقيقة وعن المادة التي تكون منها العالم ما هي؟ فكان منهم من رأى أنها الماء، فهو أصل ~~الكون كله، ومنهم من رأى أنها الهواء، ومنهم من أعلن أنها النار، أما فيثاغورس فقد أكد ~~أنها الأعداد. # ومهما يكن في هذه الآراء من صواب قليل وخلط كثير، فهؤلاء المفكرون الأولون، الذين ~~توفروا على البحث عن الحقيقة، هم الألى يستحقون أن يلقبوا بالحكماء أو بالفلاسفة كما ~~يرى فيثاغورس، وهو في هذا يقول كما رواه شيشرون أيضا: أغلب الناس عبيد، البعض عبيد ~~للشرف والمجد والجاه، والآخرون عبيد للمال والثراء. إلا أنه نجد منهم عددا قليلا ~~عنوا بالبحث عن الطبيعة وفهمها، وهم الذين يسمون الفلاسفة. ~~(2) إطلاقها قديما # كانت الفلسفة قديما تطلق على كل المعارف البشرية؛ من بحث عن الطبيعة في العالم وأصله ~~ونشأته، ومن فلك وطب وهندسة وإلهيات وغيرها، أيام كان العقل كالطفل الغرير يتلمس ~~المعارف تلمسا ولا تنهال عليه انهيالا كما في العصور الحديثة، وكان في مقدوره أن يقوم ~~بها كلها لقلتها وعدم تفرعها كثيرا في ذلك الزمن القديم. # وإذا رجعنا الآن إلى تاريخ الفلسفة نفسها، لا إلى تاريخ اللفظ الدال عليها فحسب، ~~وجدنا أن مسألة المعرفة ومسألة السلوك الإنساني كانتا أهم ما شغل به الفلاسفة أنفسهم، ~~وبعبارة أخرى: كانت هاتان المسألتان على ما يظهر هما العناصر الأساسية للبحث ~~الفلسفي. # نعم، إنه من الحق أن وجدان المرء نفسه وسط هذا العالم الخضم، واضطرابه في أرجائه ~~ووقوع نظره على ما يتألف منه من عناصر وما يكتنفه ويقع تحت حسه من ظواهر؛ من خسوف ~~وكسوف، ورعد ومطر، وليل ونهار يتعاقبان، وبرد وحر يتناوبان، ونحو ذلك من الظواهر ~~الكونية المختلفة، كل ذلك أيقظ ذكاءه ودفعه بإلحاح إلى التفكير عساه يفهم الكون الذي ~~يعيش ms25 فيه، والظواهر التي لا تفتأ تتوالى أمام سمعه وبصره، ولا غرو فالمرء مفطور على حب ~~المعرفة والسعي لها، يتجلى هذا في الطفل حينما يسأل باستمرار لماذا، وكيف؛ إرضاء لغريزة ~~حب الاستطلاع الطبعية فيه. ومن أجل ذلك يعلمنا التاريخ أن الرغبة في المعرفة رغبة ~~أساسية لدى الناس جميعا في كل الأزمان والبيئات، ليس هناك أي شعب مهما كانت درجة تأخره ~~وانحطاطه لم يظهر فيه هذا الميل الغريزي والحاجة الطبعية للمعرفة ، مما يجيز لنا بحق أن ~~نعتبرها عريقة في القدم عراقة الإنسانية نفسها. # وبعد فترة من الزمن، علم مقدارها عند الله وحده، أشرب المرء حب التفكير والنظر ~~شوقا للمعرفة الخالصة التي لا تدفع إليها حاجة ملحة، وأدخل ضمن دائرة بحثه وضع شيء من ~~النظام والمنطقية في أعماله وسلوكه. بهذا وذاك أصبحت عناصر الفلسفة - كما قلنا - اثنين: ~~أحدهما نظري عقلي يتعلق بالمعرفة، والآخر عملي أخلاقي يتعلق بالعمل، هذا ما يرينا إياه ~~تماما تاريخ التفكير الإغريقي في العصور القديمة، الذي هو مرجع الفلسفة ~~الغربية. # وعدت العوادي على الفلسفة على يد السوفسطائيين؛ إذ نزلوا بها عن مكانتها وجعلوها ~~وسيلة للارتزاق، حتى جاء سقراط فنجاها مما آل إليه أمرها على يد هؤلاء الذين وجهوا همهم ~~وعلمهم وتفكيرهم لجني أكبر ما يمكن جنيه من الفوائد الذاتية، وصاروا يعلمون الناس ~~طرق النجاح في الحياة غير مقيدين في ذلك بمصالح الآخرين، ولا بشيء من العادات والتقاليد ~~التي كانت معروفة حينذاك، كما أنزلها كما يقول ~~شيشرون: «من السماء للأرض»، أي أنه وجه نظر الفلاسفة إلى التفكير في الإنسان وأعماله من ~~ناحية وضع قواعد تتجه به نحو الفضيلة، بدل أن كانوا يتجهون دائما في أبحاثهم وتفكيرهم ~~نحو العالم وأصله ومنشئه وتفسير ظواهر الكون المختلفة، وبذلك يعتبر المؤسس لعلم ~~الأخلاق على أسس عقلية سليمة مستقيمة. ~~(3) إطلاقها حديثا # هكذا كان الحال في الأزمان القديمة؛ يراد من الفلسفة المعرفة العامة، المعرفة التي ~~كما يقول «شيشرون»: «تضم الأشياء الإلهية والإنسانية، كما تشمل المبادئ والعلل لكل حادث ~~خاص.» # ظلت الحالة كذلك زمنا طويلا، حتى تقدم العقل ms26 البشري وكثرت العلوم وتنوعت البحوث، ~~فأخذت الفروع العلمية تنفصل شيئا فشيئا عن الأم الأولى وهي الفلسفة، وأصبحت معارف ~~وعلوما مستقلة عنها، وبذلك حصل التخصص بين العلم والفلسفة. # صارت العلوم مختصة بالبحوث المادية، فكان منها ما يبحث في جسم الإنسان وأعضائه ~~ووظائفها، وهذان هما علما التشريح ووظائف الأعضاء، وما يبحث في الأمراض التي تنتاب ~~الإنسان وطرق الوقاية منها وعلاجها، وذلك علم الصحة وفن الطب، وما يبحث في أحوال الشعوب ~~وماضيها وحاضرها، وهذا علم التاريخ، وما يبحث في وصف البلدان: جوها وسكانها وغلاتها، ~~وهو علم الجغرافيا، وما يبحث في حركة الأرض والأجرام السماوية وأبعادها وسائر أحوالها ~~المادية، وذلك علم الفلك ... إلى آخر العلوم الأخرى التي لا تكاد تتجاوز الجانب المادي من ~~الناحية التي تبحث فيها. # بقي بعد هذا كله الصلات العامة التي تربط العلوم بعضها ببعض، والنواحي غير المادية من ~~الكون والإنسان، والله وما يتصل به؛ للفلسفة. # بقي للفلسفة البحث في مبدأ الكون والنواميس التي يسير عليها والغاية التي ينتهي ~~إليها، والبحث في العلة الأولى أو الموجود الأول، والجواهر الروحانية وهي الملائكة وما ~~يتعلق بها، والوحي والبعث والحياة الآخرة وكيف تكون، وماهية الروح وأصلها وغايتها ~~وكيفية تأثيرها في الجسم وهي من جوهر مغاير له، والبحث في الإنسان من الناحية المعنوية، ~~أي محاولة تعرف العقل وطبيعته وقواه وآثارها ومظاهرها، وكيف يصل إلى ما ينبغي أن يبلغه ~~من كمال، وبعبارة أخرى: بقي للفلسفة هذه النواحي من البحوث وأمثالها التي لا تتناولها ~~العلوم على اختلافها. ~~(4) تقسيم الفلسفة # للباحثين طرائق متعددة في تقسيم الفلسفة، فبعضهم يقسمها باعتبار الغاية منها إلى ~~فلسفة نظرية غايتها المعرفة والعلم فحسب، وفلسفة عملية غايتها العمل والعلم وسيلة له، ~~والمنطق مقدمة لا بد منها للبحث في هذا الضرب أو ذاك، والقسم الأول يشمل الفلسفة ~~الإلهية أو فلسفة ما بعد الطبيعة، والفلسفة الرياضية والفلسفة الطبيعية، والقسم الثاني ~~يشمل فلسفة الأخلاق والفلسفة المنزلية والفلسفة السياسية أو المدنية. وبعضهم يقسمها ~~باعتبار موضوع البحث الذي هو الله أو العالم أو الإنسان، فتكون لذلك أقساما ثلاثة، هي: ms27 ~~فلسفة ما بعد الطبيعة، وموضوعها الخاص الله وسائر ما لا يدركه الحس عامة، والفلسفة ~~الطبيعية، وموضوعها العالم وما يشمل من الأشياء التي تقع تحت الحس وإدراكه، والفلسفة ~~الإنسانية وموضوعها الإنسان من نواحيه النفسية المعنوية المختلفة، وتشمل علم النفس ~~والأخلاق والمنطق. # وربما كان منشأ تسمية بعض أقسام الفلسفة ب «ما بعد الطبيعة» أن الذين رتبوا مؤلفات ~~أرسطو جعلوا ما كان خاصا منها بالإلهيات ونحوها بعد ما كان خاصا بمباحث الفلسفة ~~الطبيعية؛ ومن ثم نجد ابن خلدون يقول عن علم الإلهيات، وهو فلسفة ما بعد الطبيعة: ~~«وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم؛ ولذلك يسمونه علم ما وراء الطبيعة.» # 6 # هذا، والتقسيم على النحو الأول هو جوهر تقسيم أرسطوطاليس، وعلى النحو الثاني تقسيم ~~بعض الفلاسفة والمفكرين المحدثين، وقد استوحى المسلمون في تقسيمهم الفلسفة تقسيم أرسطو ~~فجعلوه أساسا لهم، وما يوجد بينهم وبينه في هذه الناحية من اختلاف يسير أو كبير، ~~فمرجعه إلى ما تأثرت به الفلسفة اليونانية في طريقها للمسلمين من اعتبارات، وما أضيف ~~إليها من فروع وبحوث. # والذي يرجع إلى «مبادئ الفلسفة القديمة» للفارابي، و«تسع رسائل» لابن سينا، و«مفاتيح ~~العلوم» للخوارزمي، و«المقدمة» لابن خلدون، و«كشاف اصطلاحات الفنون» للتهانوي؛ يرى أن ~~الفلاسفة والمفكرين المسلمين بعد أن تكلموا في الفلسفة وتقسيمها اختلفوا في المنطق ~~ومكانته من الفلسفة، هل هو مقدمة لها، أو جزء بين الفلسفة النظرية، أو جزء ثابت يبحث ~~فيه من حيث إنه ناحية مستقلة لا آلة للعلوم؟ # ومهما يكن من خلاف في تقسيم الفلسفة إلى أصول وفروع قد يتداخل بعضها في بعض، فإنه مما ~~لا ريب فيه أن مما تبحث فيه الفلسفة تفكيرنا وإرادتنا وعواطفنا وإحساساتنا ومشاعرنا ~~وسائر قوى الإنسان المعنوية، وذلك موضوع علم النفس، # 7 # ثم أفكارنا وإرادتنا تتجه إلى غايات لها، والعلم الذي يدرس هذه الغايات هو ~~الأخلاق. والتفكير في بحثه عن الحقيقة يتبع طريقة معينة، فدراسة هذه الطريقة هو المنطق. ~~وهذه الفروع الثلاثة، أي علوم النفس والأخلاق والمنطق، هي ما يكون العلوم النفسية، ~~لأن كل واحد منها يتناول الجانب النفسي ms28 المعنوي في الإنسان من ناحية خاصة: علم النفس من ~~ناحية ما فيه من قوى التفكير والإرادة والعواطف والمشاعر ونحوها، والأخلاق من ناحية ~~توجه أعماله الإرادية إلى ناحية الخير ووضع قواعد لها، والمنطق من ناحية قيادة فكره ~~ووضع قواعد تعصمه من الخطأ حين يبحث للوصول عن الحقيقة. # 8 # والخلاصة بعد ما تقدم من بيان أن لنا أن نقرر أن علم الأخلاق فرع من فروع الفلسفة ~~الإنسانية أو النفسية، الشاملة له ولعلم النفس والأخلاق، والتي هي قسم من أقسام الفلسفة ~~العامة. فمكانة علم الأخلاق إذن من الفلسفة هي مكانة الجزء من الكل، فهو غصن الدوحة ~~الوارفة الظلال التي تؤتي أكلها كل حين، وتفيد الإنسانية فائدة لا يقدر ~~قدرها. ~~(5) صلة علم الأخلاق بغيره من العلوم # لا غنى عن علم الأخلاق لكثير من العلوم، كالتشريع والاقتصاد السياسي والتربية؛ إذ ~~يبين المبادئ التي تعتبر أسسا لها، والتي بدونها تكون علوما خادعة ضارة؛ ومن أجل ذلك ~~يسميه أرسطو بالعلم الجليل الخطر، العلم المنظم، العلم الأساسي. # لهذا، لا بد للباحث في علم الأخلاق من تبين الصلة بينه وبين ما يمت إليه من ~~العلوم الأخرى بسبب من الأسباب؛ حتى يكون على بينة مما يرتبط منها ببحوثه. وها نحن ~~أولاء نذكر كلمة عن هذا الموضوع مكتفين بذلك ببيان ما تمس إليه الحاجة من هذه العلاقات، ~~وخاصة بينه وبين العلوم التي هي أمس به رحما وأقرب إليه وشيجة. ~~(5-1) الأخلاق وعلم النفس # يبحث علم النفس في الميول والرغبات والتفكير، وفي الإرادة والشعور والعواطف ~~واللذة والألم، وهذه مباحث لا يستغني عنها دارس علم الأخلاق؛ ليهتدي للتقدير السديد ~~والحكم الصحيح على الأعمال التي تتأثر بهذه القوى النفسية المختلفة، ومن هنا يقول ~~«سانتهلير» في مقدمته لكتاب «الأخلاق» لأرسطو: # بدون المشاهدة السيكولوجية - أي ~~النفسية - لا يتحقق علم الأخلاق أو يكون علما تحكميا. # كما يقول: # إن علم النفس ~~بتحاليله المضبوطة يجب أن يكون دليلنا الوحيد، ولنا أن نضع فيه كل ثقتنا. # 9 # ولشدة حاجة دارس الأخلاق لعلم النفس كان الفلاسفة الأخلاقيون يقدمون بين يدي ~~بحوثهم ms29 وتأليفهم بحوثا أخرى في علم النفس؛ هذا أرسطو وضع قبل كتابه في الأخلاق ~~كتابا في علم النفس سماه «النفس»، وقد شرحه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد ~~الفيلسوف الإسلامي المعروف، # 10 # كما بدأ مسكويه # 11 # كتابه «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» بفصل ممتع في النفس الإنسانية ~~وطبائعها وقواها المختلفة، وهكذا صنع الغزالي في كتابه «الإحياء». ~~(5-2) الأخلاق والمنطق # لكل من العلمين صلة بالآخر تتجلى فيما يلي: ~~(1) # كل منهما يبحث في ناحية معينة من نواحي قوى النفس، فيبحث المنطق في ~~التفكير والأخلاق في الإرادة وما يصدر عنها من أعمال. ~~(2) # كلاهما علم مقياسي، فكما يبحث المنطق عن مقياس للحقيقة يبحث علم ~~الأخلاق عن مقياس لسلوك الإنسان. ~~(3) # يعمل كل منهما على وجوب الاتفاق مع المقياس الذي ينتهي إليه، فيعمل ~~المنطق لاتفاق الذهن في تفكيره مع مقياس الحقيقة، والأخلاق تقول بوجوب ~~اتفاق السلوك ومقياس الخير. ~~(5-3) الأخلاق والاجتماع والاقتصاد السياسي والسياسة # هذه العلوم، بإضافة علم القانون إليها، من الممكن أن نقول عنها إنها العلوم ~~الاجتماعية؛ إذ إنها تعنى بدراسة الإنسان في المجتمع، وإن كان كل منها يدرسه من ~~ناحية خاصة، فبينها إذن وشائج وثيقة العرى. # فعلم الاجتماع يدرس المجتمعات الإنسانية وتطورها، والقوانين التي تخضع لها في ~~تطورها وتقدمها أو انحلالها، وبهذا يكشف لنا عن كثير من العوامل التي يتأثر بها ~~المرء في تفكيره وعمله؛ كالأسرة، والأمة، والدين، والمبدأ السياسي، والنظم ~~التشريعية والاقتصادية التي نعيش تحت ظلالها. ومن ذلك يتبين لنا مقدار ما بين ~~العلمين من صلة متينة، حتى حاول كثير من المفكرين في هذا العصر الحديث بناء الأخلاق ~~على دعائم من علم الاجتماع. # والاقتصاد السياسي يدرس حياة الإنسان في المجتمع من ناحية الثروات وتوزيعها ~~والخدمات وتبادلها، وعلم السياسة يدرس كيف تحكم الشعوب حكما به خيرها وسعادتها، ~~وواضح من ذلك أن هذين العلمين إذا لم يؤسسا على أساس متين من الأخلاق الفاضلة لم ~~يكونا أداة لخير الإنسانية، بل عاملا لشر كبير يصيبها. # وما أحسن كلمة سانتهلير في مقدمة كتاب أرسطو في «الأخلاق» في بيان صلة ms30 السياسة ~~بعلم الأخلاق، حين يقول: # 12 # إن السياسة ليس لها مبدأ واحد لم تستمده من الأخلاق، فماذا عسى أن يكون ~~التشريع في الممالك إذا كان لا يستند إلى علم الأخلاق؟ وما عسى أن يكون حال ~~الحكومة وقد خلت من العدل؟ وما مصير الجمعيات الإنسانية بلا أخلاق؟ ألا إن ~~العلم الأساسي المتقدم على غيره بفضل أنه شخصي، والسامي عن غيره بسبب أنه ~~يعطي القانون ولا يأخذ منه، إنما هو علم الأخلاق. # تلك كلمة عن علاقة الأخلاق بسائر فروع الفلسفة الهامة وما يتصل بها، وهي وإن كانت ~~موجزة إلا أنها تكفينا الآن. # المبحث الرابع # | الخلق وتعريفه، تكونه، المؤثرات فيه، أساليب تكوين الأخلاق # (1) الخلق وتعريفه ~~(1-1) تعريفه # عرف بعض فلاسفة الأخلاق الخلق بأنه «عادة الإرادة»، وعرفه آخرون بأنه «تغلب ~~ميل من الميول على غيره باستمرار»، فما الميل الذي إذا تغلب على المرء دائما صار ~~خلقا؟ وما الإرادة التي إذا اعتادت شيئا سميت عادتها خلقا؟ لبيان ذلك يجب أن ~~نتكلم أولا على العمليات والحالات النفسية التي تسبق العمل، وعلى درجات التوجه ~~والتنبه في النبات والحيوان والإنسان. ~~(1) # الحاجة: تسبح جذور النبات في الأرض طلبا للغذاء، وتتجه فروعه ~~وأغصانه للشمس والهواء طلبا لحاجتها منهما، فإن فقد شيئا من ذلك يبس ~~وذوى. إلا أن هذا التوجه من النبات عمل سخرته له الطبيعة تسخيرا، ~~فهو لا يتصور نفس اتجاهه ولا يشعر بهذا الشيء الذي يتوجه إليه ولا ~~بالغاية المترتبة على حصوله، وهذا التوجه اصطلح على تسميته بالحاجة، ~~«فهي مجرد اتجاه أعمى من النبات نحو غرض معين لا بد منه لحياته، دون ~~تصور ما للشيء المتجه إليه ولا للغاية المتحققة به.» ~~(2) # الشهوة: أما الحيوان فهو، وإن كان مثل النبات في توجهه نحو ما به ~~قوام حياته دون إدراك الغاية المترتبة على حصوله، يمتاز عنه بأنه يتصور ~~هذا الشيء الذي يطلبه وإن كان تصورا غامضا، بل ويحس باللذة عند فوزه ~~بما يطلب وبالألم عند حرمانه منه، فالحيوان الظمآن مثلا يتجه نحو ~~الماء ويتصوره ويشعر بلذة الري، غير أنه لا يشعر ms31 بالغاية المترتبة ~~عليه. وهذا التوجه والإحساس الحيواني هو ما يسمى بالشهوة، ومن الممكن ~~تعريفها بأنها «توجه الحيوان إلى ما به تقوم حياته، مع التنبه القليل ~~للمتجه له، دون شعور بالغاية التي تترتب على تحقيقه.» ~~(3) # الميل: نرتقي بعد ذلك للإنسان، فنجده يسعى لما يحتاج إليه، وهو شاعر ~~تماما به متصور اللذة التي تعقب وجوده والألم الذي ينتابه لفقده، كما ~~يتصور أيضا الغاية التي يسعى لدركها، وبهذا التصور للغاية ووضوح ~~الشعور بالمطلوب امتاز الميل في الإنسان عن الشهوة في الحيوان. ويصح ~~لنا بعد ذلك أن نعرف الميل بأنه «توجه من الإنسان لشيء متصور بوضوح ~~مع إدراك الغاية المترتبة على الحصول عليه.» # وباختلاف غايات الناس اختلفت ميولهم؛ هذا غايته الشهرة وبعد الصيت، ~~وذاك السيادة ونفوذ الكلمة، وغيرهما الغنى، وهكذا. وكل طائفة متشابهة ~~من الميول تدور حول غاية واحدة تسمى «عالما» ومنها تنشأ ~~الرغبة. ~~(4) # الرغبة: إذا تغلب ميل من هذه الميول على سائر الميول المتشابهة التي ~~تدور معه على محور واحد، وسيطر ذلك الميل عليها، كان من ذلك ما يسمى ~~بالرغبة، فهي «تغلب ميل على سائر الميول التي تعيش معه في عالم واحد»، ~~مثلا شخص تغلب عليه عالم حب الثروة والغنى، فتراه يميل مرة إلى ~~التجارة في القطن، وأخرى إلى شراء أراض وتثميرها، أو إلى السعي وراء ~~عمل يأتيه بدخل كبير، أو إلى الاشتراك في مصرف مصر أو شركة من الشركات ~~الناجحة ... إلى غير ذلك من الميول التي تدور كلها حول عالم حب الثراء ~~السريع، فإذا فكر وروى في نفسه وغلب ميله للمنافسة في سوق القطن ~~مثلا لظروف ودواع تناسبه على الميول الأخرى، يقال: إن هذه الحالة ~~النفسية التي كنا نسميها ميلا صارت له رغبة يسعى لتحقيقها. ~~(5) # الإرادة: فإذا فكر فيما يرغب فيه ورآه ممكنا، وذلل ما قد يكون ~~بينه وبين نيله من عقبات، ثم أجمع أمره عليه، كان من ذلك ما يسمى ~~بالإرادة. # والفرق بينها وبين الرغبة واضح؛ من أن هذه قد لا يتلوها العمل ~~المثمر، فقد يرغب المرء في أمر يستحيل الحصول ms32 عليه، أو في شيء دون ~~الظفر به عقبات ليس من السهل تذليلها، أما الإرادة فلا تكون - كما ~~رأينا - إلا حيث يتروى الإنسان في الأمر ويزن جميع الظروف ~~والملابسات، ثم بعد ذلك كله يراه ممكنا فيعزم عليه، وبهذا يعقبها ~~العمل الذي إذا اعتيد صار خلقا. # ومن أجل ذلك لا يختلف التعريف الذي ذكرناه للإرادة، وهو تغلب عالم من ~~عوالم الميول على غيره، بما عرفها به بعض الكتاب، وهو أنها «قوة للنفس ~~تتمكن بها من تخصيص أمر معلوم مقدور عليه للإنسان بالوقوع فعلا، سلبا ~~كان ذلك الأمر أو إيجابا.» ~~(6) # الخلق: من هذا يتضح التعريف الأول للخلق الذي ذكرناه أول البحث، وهو ~~أنه «عادة الإرادة»؛ لأن الإرادة، كما أوضحناه، هي تغلب عالم من ~~العوالم على غيره، والعالم ليس إلا حالة نفسية للإنسان، وإن شئت فقل هو ~~قوة أو هيئة نفسية، ومتى تغلبت هذه القوة باستمرار كانت عادة، وهي مرد ~~معنى الخلق في اللغة العربية وسواها. كما يتضح أيضا التعريف الثاني ~~الذي ذكرناه سابقا، وهو «تغلب ميل من الميول على الإنسان باستمرار»، ~~فإن هذا الميل الذي صار رغبة فإرادة هو الهيئة النفسية، وتغلبه ~~باستمرار معناه أنه صار عادة وخلقا. # ولنضرب لذلك مثلا: رجل يصدق مرة ويكذب أخرى، أو يجود بالكثير من المال آنا ~~ويبخل بالقليل مع وجود الدواعي للبذل آنا، فهل يوصف بأن من خلقه الصدق أو الكذب أو ~~الكرم أو البخل؟ لا؛ لأنه لم يتغلب ميل أو عالم أو هيئة نفسية باستمرار حتى يصير ~~ذلك له عادة وخلقا، ويقال عن مثل هذا الرجل: إنه متقلب لا أخلاق له. # ولا يصح أن نقيم وزنا للرأي القائل بأن الخلق أمر نسبي، بمعنى أنه يحكم على ~~المرء بالميل الذي يغلب عليه، فمن غلب عليه حب الإعطاء وأعطى كثيرا ولم يبخل إلا ~~قليلا كان كريما، وكذلك الصدق والكذب وسائر الفضائل والرذائل، لا يصح أن نقيم ~~وزنا لهذا الرأي، وذلك أنه مما لا بد من ملاحظته في الخلق الرسوخ والثبات لميل أو ~~حالة نفسية معينة، حتى تعطي ثمرتها ms33 من الأعمال باستمرار، يؤيد هذا ما ذكره ~~العلامة «ماكنزي» في كتابه «الأخلاق»؛ إذ يقول إنه: # لا بد لتكوين خلق من ثبات عالم من العوالم، أما مجرد باعث خيري أو غرض ~~خيري في حياة الإنسان فلا يكفي لجعله خيرا. ~~(1-2) تعاريف الفلاسفة الإسلاميين للخلق ~~(1) # عرف مسكويه (المتوفى سنة 421ه) الخلق بأنه «حال للنفس داعية لها إلى ~~أفعالها من غير فكر ولا روية.» # 1 ~~(2) # وعرفه الإمام الغزالي (450-505ه) بأنه «هيئة في النفس راسخة عنها تصدر ~~الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى فكر وروية.» # 2 ~~(3) # وعرفه يحيى بن عدي بأنه «حال للنفس به يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ~~ولا اختيار.» # 3 # وهذا التعاريف، وإن اختلفت ألفاظها وعباراتها، متفقة في معانيها ومدلولاتها، ولا ~~تختلف جميعها عن التعريفين السابقين أول البحث؛ لأن هذه الهيئة أو الحال النفسية هى ~~«العالم» الذي تقدم شرحه، واشتراط صدور الأعمال عنها بلا فكر مؤذن بأنها صارت ~~للمرء عادة تصدر عن إرادته من غير تفكير، شأنها في ذلك شأن سائر الأفعال التي ~~مبعثها المران والعادة التي تأصلت في النفس وأصبحت حالة لازمة لها راسخة ~~فيها. # ولا يشكل علينا نفي التفكير والروية في الأعمال التي تصدر عن الخلق بما يجده ~~المرء في نفسه؛ إذ من شأنه الكرم حين يدعو داعيه واعتزم أن يجود بمائة من الجنيهات ~~مثلا، نراه يفكر في أي الجهات يدفع إليها هذا المقدار، وأي النواحي تمس الحاجة ~~للبذل فيها؛ هل يمد بها ملجأ لليتامى، أو مستشفى للمرضى، أو جمعية الإسعاف، أو ~~يساعد بها في بناء مسجد أو تعليم بعض الفقراء النابغين؟ هذه نواح يفكر فيها هذا ~~الكريم، حتى إذا تبين له حاجة جمعية الإسعاف مثلا للعون سارع فأرسل إليها هذا ~~المقدار الذي رأى الجود به. نقول: لا يشتبه علينا ما اشترطناه في الخلق من نفي ~~التفكير والروية بما نشاهده في مثل هذه الحالة من الإمعان في التفكير؛ لأن هذا ~~التفكير كان في الجهة التي يبذل فيها، لا في نفس وجوب الإعطاء الذي أصبح منساقا ~~إليه انسياقا تدفعه إليه تلك ms34 الحال النفسية التي رسخت فيه فصارت له عادة ~~وخلقا. # كذلك التروي في الخلق المكتسب يكون أول الأمر عند إرادة اكتساب خلق من الأخلاق، ~~أما بعد أن يتم اكتسابه فلا روية ولا تفكير، ولهذا نجد مسكويه يقول: «ومنها - أي من ~~الحالات النفسية التي هي الخلق - ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب، وربما كان ~~مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا.» # 4 # وأخيرا بعد ما تقدم كله لنا أن نعرف الخلق كما يقول بعض المحدثين بأنه «عادة ~~الإرادة»، أو «إرادة كاملة التكوين»، أو كما يقول مسكويه بأنه «حال للنفس داعية لها ~~إلى أفعالها من غير فكر ولا روية»، وقد تبينا أن تعاريف الغزالي وغيره من ~~الفلاسفة الإسلاميين لا تبعد عن هذا في كثير أو قليل. ~~(2) تكوين الخلق والمؤثرات فيه # عرفنا مما تقدم حقيقة الخلق، وكيف يتكون من الناحية النفسية، وأنه يبدأ ميلا ضعيفا ~~يشتد فيصير رغبة أو نية أو مرجوا، ثم يصير إرادة راسخة في النفس فخلقا تصدر عنه ~~أعماله بيسر من غير حاجة إلى تفكير. # على أنه لا بد لنا إلى جانب هذا من بيان العوامل التي تكون الخلق عمليا، ~~والمؤثرات فيه أثرا محمودا أو غير محمود، من الوراثة والبيئة بمعناها العام، وهذا ما ~~يدعونا للكلام ولو بإيجاز عن فطرة الإنسان ومبلغ استعدادها للخير والشر. ~~(2-1) الفطرة الإنسانية # اختلف الناس في فطرة الإنسان: هل هي خيرة أو شريرة بالطبع، أو فيها استعداد ~~للناحيتين؟ # رأى بعضهم أن الإنسان خلق خيرا بطبعه، وفي ذلك يرى سقراط أن نفس الطفل خباء ~~للكمال لا تظهره إلا المناقشة والتحاور، كما يرى زينون مؤسس المدرسة الرواقية # 5 # أن الطبيعة العامة خير لصدورها عن الله وهو خير ولا يصدر عنه إلا خير، ~~فالإنسان وهو أثر من آثار الطبيعة كذلك خير، كما كان يقول جان جاك روسو في كتابه «إميل»: # إن الطفل خير بطبيعته، والشر يأتي له على يد الإنسان. # ويرى آخرون أن الإنسان خلق شريرا بالطبع، فيجب الوقوف في وجه ميوله ونزعاته، ~~وهذا هو ms35 رأي جمهرة البراهمة والبوذيين الهنود ومن تبعهم من مفكري العرب كأبي العلاء ~~المعري، المتوفى سنة 449ه، الذي يقول: # فظن بسائر الإخوان شرا # ولا تأمنن على سر فؤادا # كما يقول من قصيدة أخرى: # وفضيلة النوم الخروج بأهله # عن عالم هو بالأذى مجبول # ويكفي لبيان فساد رأي هؤلاء وأولئك أن نتساءل: إن كان المرء خيرا بطبعه والشر ~~يأتيه على يد الإنسان، فمن أين أتى الشر لهذا الإنسان حتى أعدى به غيره؟ وإن كان ~~المرء مفطورا على الشر، فكيف نرى كثيرا من الناس خيارا فضلاء؟ هل قلدوا في ذلك ~~غيرهم؟ وإذن فقد كان هؤلاء الأغيار خيارا بالطبع حتى صاروا قدوة صالحة. # على أن هذين الرأيين يؤديان كما قال مسكويه: «إلى إبطال قوة التمييز والعقل، وإلى ~~رفض السياسات كلها، وترك الناس جميعا همجا مهملين، وإلى ترك الأحداث والصبيان ~~على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم، وهذا ظاهر الشناعة جدا.» # 6 # بقي أن نقول: إن الرأي الصحيح الذي يقبله العقل وهو مطمئن، وتعضده الملاحظة، وتدل ~~عليه التجارب الصادقة، هو أن الطفل يخلق وفيه استعداد للخير والشر، وتوجيهه إلى ~~ناحية الفضيلة عمل المربي الحكيم. # والأدلة على هذا الرأي كثيرة من كتاب الله وحديث رسوله وأقوال العلماء الأعلام؛ ~~يقول الله في كتابه الكريم ممتنا علينا: # ألم نجعل ~~له عينين * ولسانا وشفتين * ~~وهديناه النجدين ~~، والنجدان هما طريقا الخير والشر، ويقول ~~أيضا: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا ~~، ويقول الرسول الحكيم: «ما من مولود إلا يولد على ~~الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.» الحديث. # 7 # ومن الحسن أن نلاحظ أن الرسول لم يذكر الإسلام مع هذه الديانات إشارة ~~إلى أنه دين الفطرة، يألفه المرء نفسه بلا حاجة إلى علاج من الوالدين أو ~~المربين. # ويقرر الغزالي أيضا في بيان الطريق في رياضة الصبيان أن «الصبي خلق قابلا ~~للخير والشر جميعا، وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين.» # 8 # كما يقرر ابن خلدون في مقدمته، في الفصل الذي عقده لبيان أن أهل البدو ~~أقرب إلى ms36 الخير من أهل الحضر، أن «النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة ~~لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر، قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «كل مولود يولد على ~~الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.» # غير أن استعداد الطفل في رأي ابن خلدون للخير أقوى من استعداده للشر؛ إذ يقول في ~~موضع آخر من مقدمته: «لما كان الملك طبيعيا للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع ~~كما قلنا، وكان الإنسان أقرب إلى خلال الخير من خلال الشر بأصل فطرته وقوته ~~الناطقة العاقلة؛ لأن الشر إنما جاء من قبل الحيوانية التي هي فيه، وأما من حيث هو ~~إنسان فهو إلى الخير وخلاله أقرب ...» # 9 # وأخيرا، ذهب إلى هذا الرأي سانتهلير؛ إذ يقول في مقدمته لترجمة أخلاق أرسطو: # إن الله لم يسو بين الناس جميعا فيما وهب من ميول الخير، كما لم يسو ~~بينهم فيما قدر من ميول الشر. # والآن وقد وضح الصبح لذي عينين، وتبين أن في المرء حين يولد استعدادا للخير ~~والشر، وأن أخلاقه لهذا تتغير على حسب ما يؤثر فيها؛ نتكلم عن الوراثة والبيئة، ~~وهما العاملان اللذان لهما كل الأثر في تكوينه. ~~(3) الوراثة والبيئة # 10 ~~(3-1) الوراثة ~~(أ) تمهيد # ليست الوراثة وما لها من أثر بالأمر الذي يرجع علمه إلى هذه العصور الحديثة، ~~بل علم ذلك عريق في القدم، أخذ منه الأولون بحظ غير قليل، وعملوا على الإفادة ~~مما علموا؛ ليكون لأممهم شباب نقي الدم وقوي الجسم والعقل. # أدرك هذا المصريون القدماء، الذين يعتبرون في رأي بعض الباحثين الأوائل ~~الذين استعانوا بالقانون لينزلوا الآراء والنظريات الخاصة بتحسين النسل منزلها ~~من الجدارة والتقدير، فعملوا على نقاء دمهم بتحريم الزواج ممن كانوا يعتقدونهم ~~دونهم في المنزلة من الأقوام الذين اتخذوا أعالي النيل مقاما وموطنا. # 11 # وأدرك ذلك اليونان القدامى، فأخذوا أنفسهم بوأد الطفل الذي يولد ضعيف الجسم ~~غير متناسب الخلق، ونادى أفلاطون وأرسطو بأن من الخير سن قوانين خاصة ~~بالزواج تبين من يسمح له بالزواج دون الآخرين؛ لأنه ms37 يجب أن تبدأ التربية قبل ~~الولادة. # هؤلاء وأولئك، وتلك آراؤهم وما دعوا إليه من نظم، كانوا ولا شك على علم ~~بالخطر الذي ينال أممهم إن أجازوا للشاذ الخلق أن يعيش وأن يكون منه نسل، وهذا ~~الخطر الذي أحسوا به هو أن يرث نسل هؤلاء الضعاف أو المشوهين بعض ~~صفاتهم. # وجاء العرب فرأينا منهم من مهر في القيافة، حتى ليكون قوله الفصل في ~~بنوة متنازع فيها، فما هو إلا أن يوازن بين أعضاء من الولد وأخرى ممن يزعم أنه ~~أبوه حتى يتبين له الحق من الباطل، وواضح أن البراعة في هذا شيء من معرفة آثار ~~الوراثة الجسمية، وفي ذلك يقول الشاعر العربي: # ورثنا المجد عن آباء صدق # ونورثه إذا متنا بنينا # كل ذلك، وما إليه كثير، فيه دلالة واضحة على أن الأقدمين لم تفتهم معرفة أن ~~في الكون قوة لها آثارها، وإن لم يفقهوا كنهها، حتى جاء العلم الحديث - الذي ~~عرف عن تلك القوة الشيء الكثير - مؤيدا للسنة الصادقة، إذ يقول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس.» ~~(ب) تعريفها # إن نظرة إلى أفراد سلالة نباتية أو لسرب من الظباء مثلا أو لأسرة تضم ~~الأجداد والأبناء والأحفاد، ترينا أن بين كل من هذه الأصول وفروعها شبها من ~~نواح عدة وإن اختلف قوة وضعفا بحسب شدة أثر الوراثة أو ضعفه، ولاختلاف ذلك ~~التشابه قال بعض علماء الوراثة: «إن المثل ينتج غير المثل»، يعنون أن هذه ~~المشابهة وإن اشتد خطرها فإن إلى جوانبها فوارق عديدة تفرق بين المرء وأصله. ~~ويقول آخرون: «إن المثل ينتج المثل»، ويريدون بذلك أن في الفرع استعدادا ~~لمشابهة أصله فيما له من خصائص ومميزات. # من هذا نرى أن كلا من هذين القولين يكمل الآخر، وأن المراد من الوراثة أن ~~الجسم الحي يلد آخر يشبهه، وأننا نستطيع أن نعرف الوراثة بأنها «انتقال بعض ~~صفات الأصل لفرعه، قل ذلك أو كثر.» ~~(ج) النظريات الوراثية # لاحظ علماء الحياة أن الفرع يمت لأصله بكثير من صفاته ومميزاته، لكنهم ~~وقفوا أول الأمر ms38 حيارى في تعليل ذلك. ومن أشهر من بحث هذا الموضوع الأستاذان ~~الطبيعيان «دارون» # 12 # و«فيزمان». # 13 ~~(1) # يرى دارون أن هناك أجزاء صغيرة جدا تقتطع من كل خلية من خلايا ~~الجسم حين التلقيح وتسبح في جسمي الذكر والأنثى حتى تصل إلى أعضاء ~~التناسل. وهذه الأجزاء، وهي بمثابة سفراء عن خلايا الجسم المختلفة، ~~تحمل في طياتها كل ما يمكن أن يورثه الأصل لفرعه، وهي قابلة ~~للتكاثر والانتقال من جيل لآخر، وبذلك نستطيع أن نفسر التشابه بين ~~الأجداد والأحفاد. # على أننا لا ندري كيف يفسر دارون أن يلد أقطع الذراع مثلا ابنا ~~صحيح الذراعين! كذلك لم يثبت لنا العلم وجود هذه الأجزاء التي زعم ~~أن خلايا الكائن الحي تفرزها حين اللقاح؛ لذلك لا نعجب إذا رفض ~~كثير من العلماء، ومنهم من كان معاصرا لدارون نفسه، هذه النظرية، ~~ورأوا أن هناك منبعا دائما لجراثيم الحياة، وأنها في قرار مكين ~~في الذكر والأنثى. ~~(2) # وأما فيزمان، صاحب نظرية «اتصال المادة الأولية للحياة»، وأحد ~~الذين رفضوا ما ارتآه دارون، فيرى أن ما في الإنسان من خصائص ~~ومميزات يتمثل في صورة ذرات غاية في الدقة في خلاياه التناسلية ~~يطلق عليها اسم «المحددات أو المعينات»، كما يطلق على ~~مجموعها اسم «المادة الأولى للحياة»، وهذه الجراثيم أو المحددات ~~لها منبع لا يغيض، وحين التلقيح تتحد بعض معينات الأب بأخرى من ~~معينات الأم فيكون من ذلك نواة الجنين. # إلى هنا يتبين مدى الفرق بين هاتين النظريتين؛ ففي الأولى تتولد مادة التلقيح ~~من خلايا الجسم العامة، وفي الثانية نرى أن تلك المادة متصلة مدى الحياة ~~متوارثة بين طبقات النسل، لا دخل لخلايا الجسم العامة في تكوينها. # والآن وقد عرفنا رأي «دارون» و«فيزمان» في الوراثة وحقيقتها، يجب أن نعرف رأي ~~العلم الحديث فيها. ~~(د) حقيقة الوراثة # أثبت لنا علم تكوين الأجنة أن في نواة كل من خلايا التناسل في الذكر والأنثى ~~عددا كبيرا من الألياف، وأن هذه الألياف هي حاملة العوامل الوراثية، وفيها ~~تتمثل خصائص الشخص، وأنه عند عملية التلقيح تتحد خلية من ms39 خلايا الذكر التناسلية ~~بأخرى من الأنثى، بعد أن تكون كل منهما قد انقسمت، ويصحب ذلك طبعا تخلصها من ~~نصف ما كان فيها من الألياف. ويكون وليد ذلك الاتحاد النواة التي يتكون منها ~~الجنين والتي تحتوي على خصائص الجنس والأبوين، وكثير من صفات الأسرة وعاداتها ~~وميولها، ثم تنمو على نظام محكم حتى تصل إلى ما قدره الله لها من ~~كمال. # هذا ما يقوله العلم الحديث، ومنه نرى أن «فيزمان» قد أصاب الحق فيما ذهب ~~إليه، فهذه الألياف ليست شيئا آخر غير ما أطلق عليه اسم «المعينات أو ~~المحددات»، والمادة الجرثومية أو مادة التناسل لا تفرزها خلايا الجسم - كما ~~يقول «دارون» - بل هي مادة مستقلة تتكاثر من نفسها، وتستمر مدى الحياة، كما ~~يحدثنا «فيزمان» في نظريته. # على أنه يجب قبل الانتقال لبحث جديد أن نذكر أن الطفل، وقد تكون من معينات من ~~الأم والأب، ليس من المحتم أن يظهر فيه حتى بعد أن يكمل نموه كل صفات والديه ~~في صورة فعلية، بل قد يظهر بعضها ويكمن البعض الآخر حتى تحين لها الفرصة فتظهر ~~في إحدى طبقات نسله القريبة أو البعيدة؛ جاء في ذيل «تاريخ بغداد» لابن النجار ~~في ترجمة علي بن نصر الفقيه أنه قال ما معناه: زوجت أحد غلمان عضد الدولة بن ~~بويه صبية في جوارنا فولدت له ولدا استحيت أن تريه له، فشكا إلي ذلك، فذهبت ~~إليها فأسرت لي والدتها أن ولده أبلق، أي أنه من رأسه إلى سرته أبيض، وبقية ~~بدنه أسود، فلما سمع التركي قولها «أبلق» صاح: «ابني ابني! وهكذا كان جدي في ~~بلاد الترك.» ~~(ه) ماذا تنقله الوراثة؟ # ليس الواحد منا إلا أداة اتصال بين الماضين والآتين، فهو سجل تاريخي نعرف منه ~~كيف كان الأسلاف والأجداد، وينقل ما هو مطبوع فيه من الصفات الوراثية إلى خلفه، ~~بذلك تحفظ خصائص النوع البشري، والمميزات القومية التي لكل أمة، حتى يرث الله ~~الأرض ومن عليها. ~~(1) # ينتقل بالوراثة كثير من الصفات الجسمية كالطول والقصر والنحافة ~~والغلظ ولون الجسم والشعر والأعين مثلا. ms40 وكما تنتقل بها هذه ~~الصفات الجسدية العادية، تنتقل الأوصاف الشاذة الراجعة لعيوب ~~التكوين. هذا «دارون» العلامة في العلوم الطبيعية يقول في ذلك ما نصه: # إذا كان من المقرر أن الاختلافات حتى أكثرها شذوذا ~~والتي لا تنطبق على جنس معلوم، كنقص بعض الأصابع والأظفار ~~أو زيادتها وكالجهر وتشقق الجلد وغيرها، تنتقل في النسل ~~بحرص؛ فكم بالحري ينبغي أن يكون كذلك في الاختلافات ~~العادية التي يصح عليها جليا ناموس الوراثة؟! # 14 # ولا يعنينا بسط الكلام على هذه الصفات ونحن نبحث عوامل تكوين ~~الخلق، إنما الذي يجب أن نعنى ببحثه هنا هو أثر الوراثة في ~~الصفات الأدبية والعقلية. ~~(2) # وللوراثة كذلك دخل كبير في تكوين المرء أدبيا وعقليا، فشهوات ~~الإنسان وميوله، وغرائزه وأمزجته، وما تركز فيه من عادات وأخلاق، ~~وما وهبه من استعداد للذكاء، وقوة في مظاهر الفكر ونواحيه قد ~~تسمو حتى تصل للعبقرية أحيانا، وما يرزأ به من ضعف في العقل ~~والتفكير قد يشتد حتى يكون صورة من صور البله أو الجنون؛ كل هذه ~~الصفات والاستعدادات نرى للوراثة قسطا كبيرا في تكوينها، فهي لا ~~تني لحظة عن نقل صفات الأجيال الماضية للحاضرة والقادة متى وجدت ~~إلى ذلك سبيلا. # 15 # وفي هذا المعنى ننقل كلمة للدكتور «شبلي شميل» في شرح مذهب «دارون» في ~~النشوء والارتقاء، وما للوراثة من قيمة فيه، وها هي: «وكما أنها تنقل الصفات ~~الجسدية تنقل أيضا الصفات الأدبية كالشهوات والأميال والعوائد والأخلاق والعقل ~~... إلى غير ذلك». # 16 # ويحسن أن ننبه من أول الأمر إلى أن المراد من وراثة هذه الصفات وغيرها في ~~أغلب الحالات هو وراثة الاستعدادات لها، أما ظهورها بالفعل فيتوقف على البيئة. ~~ومع هذا فليس من الضروري أن تظهر في النسل تلك الصفات الموروثة على النحو التي ~~كانت عليه في الآباء، بل قد تبدو في صور شتى ترجع كلها في نوعها لتلك الصفة ~~الموروثة؛ ولهذا «قد نرى الأبوين العصبيين ينسلان أولادا مختلفين؛ أحدهم فنان، ~~والآخر معتوه، والثالث شاعر حاد العواطف، والرابع سكير مفرط، والخامس واعظ ~~عظيم، فنراهم كلهم من ms41 واد واحد من حيث حدة الانفعال، ولكنهم اختلفوا بين نافع ~~وضار تبعا لقدر الإرث والبيئة»، كذلك الأبوان الشاعران قد يكون لهما ابن ~~موسيقار وآخر رسام وثالث مثال، ومعنى هذا أنهم ورثوا عن أبويهم الفن الجميل، ~~ولكن تلك الصفة الموروثة ظهرت فيهم على صور مختلفة. # وقد ذكر الأستاذ الأبياري، وهو بسبيل الحديث عن وراثة العقليات الممتازة ~~والعقليات المنحطة؛ أن من الحالات الأولى المعروفة عائلة «دارون» التي وصل خمسة ~~عشر شخصا منها إلى عضوية الجمعية الملكية بإنجلترا. كما أشار في الناحية ~~الثانية إلى أسرة تعيسة هي أسرة «جون لوك» المشهورة بمدينة «نيويورك»، فقد تبين ~~من دراسة تاريخها بدقة أن بين 2100 نفس منها، وهذا العدد ثلاثة أخماسها، كان ~~378 من العاهرات، و181 من السكيرين، و170 متسولا، و129 متشردا، و118 ~~مجرما، وأن حوالي نصف العائلة كان مصابا بالضعف العقلي الذي كان آفة الأبوين الأولين؟ # 17 # هذا، ومن الخير أن نفرد الغرائز ووراثتها بكلمة خاصة لما لها من أثر بالغ في ~~تكوين الخلق. ~~(و) الغرائز والوراثة # ينكر «هربرت سبنسر» الوراثة العقلية؛ إذ يرى أن لا عقل للطفل حين يولد، وأن ~~عقله هو مجموعة ما يجيء له بعد من الأفكار والمعلومات، كما ينكر الغرائز ~~والميول الطبيعية والاستعدادات الفطرية. # 18 # ويذكرنا هذا الرأي بما يراه الغزالي الذي يذهب مذهب المنكرين ~~للوراثة العقلية، حين يقول: «والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ~~تعيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما ~~يمال به إليه.» # 19 # هذا ما يقوله هذان العلامتان، فهل أصابا محجة الصواب؟ إن نظرة إلى بعض ~~الغرائز ترينا كيف ننتقل بالوراثة من جيل إلى جيل. ها هي ذي غريزة المنافسة من ~~الواضح أنها لم تخلق مع الإنسان الأول؛ إذ لم يكن ثمة من ينافسه، وبعد حين من ~~الدهر تكاثر الناس وتسابقوا في نيل وسائل الحياة، فوجدت هذه الغريزة التي ~~توارثها الأجيال، وغدت دعامة متينة في التربية والأخلاق، كذلك قد يشعر الكثير ~~منا بالخوف إذا أجنه الظلام، مع أن ms42 له في سهر رجال الأمن وإحكام داره ما ~~كان جديرا بدافع غائلة الخوف عنه لو أن الأمر يرجع لمؤثرات خارجة فحسب، ولكن ~~الأمر فوق هذا، فذلك الخوف مرده الوراثة، فهي التي أورثته هذه الغريزة عن ~~أجداده الأولين الذين لم يكن لهم من وسائل الأمن ما لنا الآن. # ونعود إلى رأي الغزالي فنقول: إنه في رأي بعض الباحثين يمثل الفلسفة القديمة ~~التي تقول: إن الطفل يولد صحيفة بيضاء، للمربي أن ينقش فيها ما يشاء. على أننا ~~لو اعتمدنا المذهب القائل بأن الصفات والأخلاق نفسها لا تورث وإنما الذي ~~يورث هو الاستعدادات لها، وهو رأي محترم في أوروبا؛ لكان الرأي الذي ذهب ~~إليه الغزالي لا غبار عليه ، وخاصة وحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» يعضده ~~ويشهد له. # أما «سبنسر» فالأمر معه سهل، فهو وإن أنكر الوراثة العقلية فقد جعل للوراثة ~~الجسمية التي لا ينكرها شأنا في العقل؛ إذ يرى أن الأطفال مختلفون في ~~استعداداتهم المادية، وأن لذلك أثرا في الروح قل ذلك أو كثر، ولذلك يعترف بأنه ~~كثيرا ما يعجز المربي - مهما بلغ من حذق وأنفق من جهد - عن الوصول إلى ما يريد ~~من الغايات. # 20 # من هذا نرى أنه لا فرق في النتيجة بين «سبنسر» والمثبتين للوراثة ~~العقلية ما دام الكل يعترف بأن الطفل يخرج للحياة وفيه بعض الاستعدادات أيا ~~كان مصدرها التي تمد للمربي يد العون في تربيته وتهذيبه. ~~(ز) سبيل توزيع الصفات الوراثية # ليس من شك الآن في أن الوراثة حق، فكأين من آية تدل عليها، وما أكثر الظواهر ~~الطبيعية التي لا تفسر إلا بها! لكن الباحثين فيها راعهم ألا يجدوا اطرادا ~~في وراثة الفرع لكل الصفات التي تورث عن أصله، فشرعوا يتعرفون السنن التي ~~تتبعها الطبيعة في هذا السبيل، وأشهر من بحث في ذلك هو العلامة مندل # Mendel # النمسوي، # 21 # الذي بحث كثيرا وقام بتجارب مختلفة حتى اهتدى إلى النظرية التي ~~عرفت باسمه. # أجرى هذا الباحث تجاربه على نبات البسلة الذي كان موجودا منه أنواع مختلفة ~~الطول واللون ms43 في حديقة الدير الذي كان قسيسا له، بأن لقح بعضا من النوع ~~الطويل بآخر من القصير فكان الناتج كله طويل الساق، ومعنى هذا أن صفة الطول قد ~~تغلبت وكمنت الصفة الأخرى. ثم استنبت الفصيلة الناتجة ولقحها بعضها ببعض فرأى ~~ما أدهشه، وهو أن ربع الناتج كان قصيرا والباقي كان طويلا! استنبت مرة أخرى ~~هذه الفصيلة الأخيرة ولقحها تلقيحا ذاتيا كذلك فكان الأمر عجيبا؛ إذ كان ~~نسل الربع القصير قصيرا مثله، وقد كرر زرعه فلم ينتج إلا قصيرا، وكان ثلث ~~الباقي طويلا ولا ينتج إلا مثله دائما، وكان الباقي بعد ذلك من النوع الطويل ~~لكن فيه صفة القصر مكسوفة كامنة، لهذا كان باستنباته يعيد السيرة الأولى، فينتج ~~قصيرا وطويلا بالنسبة السابقة، أي أن الربع ظل قصيرا خالصا، والربع كذلك ~~كان طويلا خالصا، والنصف كان طويلا فيه صفة القصر كامنة. # وكذلك أجرى مثل هذه التجربة على اللون، ثم على بعض الحيوانات كالأرانب ~~والدجاج والحمام، فكان صدى هذه التجارب كلها قانونه الذي عرف باسمه. وبهذه ~~النظرية أو هذا القانون - وإن لم يطرد نجاحه دائما - أمكن الحصول على أجود ~~الأنواع في النبات والحيوان. # 22 ~~(ح) وراثة الصفات المكتسبة # الصفات المكتسبة هي الصفات التي تصيب المرء في حياته الخاصة لعوامل خاصة به، ~~دون أن يكون لأحد من أسلافه نصيب في شيء منها، مثل آثار الجروح التي تعتري ~~المرء واسمرار بشرة الأبيض الذي يقيم في بلاد حارة، غير مقتف في ذلك أثر أحد ~~من آبائه الأقربين أو الأبعدين. ~~(أ) # وقد اختلف العلماء في وراثتها، فقال بذلك بعضهم وأولهم «دارون» ~~وسائر أشياع مذهب النشوء والارتقاء. وهذا الرأي من دارون يتفق مع ~~نظريته في حقيقة الوراثة التي تتلخص كما قدمنا في أن الجسم يفرز ~~حين اللقاح أجزاء صغيرة من كل عضو يتكون منها الجنين، فمن الطبيعي ~~إذن على رأيه أن تتمثل في هذه الأجزاء صفة كل عضو على حالته التي ~~يكون عليها حين اللقاح. # ويسوق «دارون» لدعم رأيه حالات كثيرة ظهرت فيها وراثة هذه ~~الصفات، ثم يقول: «على ms44 أن ما نلحظه في أنواع البقر والماعز الحلوب ~~المستولدة في أقاليم يكثر حلبها فيها، لمثال يبين لنا أثر ~~الاستعمال والإغفال، فإن كبر حلماتها صفة وراثية فيها، ويتضح ذلك ~~من مقارنة هذه الأعضاء فيها بما لأنواعها غير الحلوب في أقاليم أخرى.» # 23 # على أنه لا يقول مع هذا باطراد وراثة الصفات المكتسبة، بل ولا ~~غير المكتسبة؛ ولهذا نراه يقول أيضا: «إن السنن التي تخضع الوراثة ~~لمؤثراتها مبهمة لدينا غالبا، ولا يتسنى لأحد أن يستجلي غامض ذلك ~~السر الذي تورث به الصفات الخاصة في أفراد النوع الواحد في حين ~~ولا تظهر موروثة في حين آخر.» # 24 # هذا، ولا يقتصر أنصار هذا الرأي على البحوث النظرية أو المشاهدات ~~الخاصة، بل كثير منهم قام بتجارب متعددة لإثبات رأيهم على كثير من الحيوانات، # 25 # وقد يعزز نظريتهم ما تراه من أن الحيوانات التي تضطر ~~إلى سكنى الكهوف ونحوها من الأماكن المظلمة، تتعدل أعضاؤها حسب ~~بيئتها الجديدة، فيتغير كثير منها لعدم الاستعمال، وينشأ أولادها ~~على غرارها الجديد. ~~(ب) # هذا بعض ما يؤيد به أنصار وراثة الصفات المكتسبة رأيهم، أما ~~المعارضون لهم فيقولون: نجد الصينيات يحاولن منذ قرون تصغير ~~أقدامهن، ومع ذلك لم يظهر أثر لذلك في الأعقاب (الأبناء والأحفاد)، ~~كما أن عادة الختان لا يظهر لها أثر في النسل رغم وجودها منذ أزمان ~~طويلة بين اليهود والمسلمين، ومثلها عادة الوشم شائعة عند بعض ~~القبائل بأفريقيا وغيرها منذ أزمان بعيدة، ولم نر طفلا ولد وقد ~~ورث تلك الآثار. ~~(ج) # والذي نراه حقا هو ما يراه العلامة «فيزمان»، وهو أن «الصفات ~~المكتسبة لا تنتقل بالوراثة ما لم تؤثر في المادة الجرثومية ~~وتحدث بها تغيرا»، وهذا إنما يكون إذا تسببت عن مؤثرات طبيعية ~~تطاول بها الزمن، كسواد البشرة لطول الإقامة في المناطق الحارة. ~~أما الصفات الناشئة عن عوارض فجائية كالعاهة التي سببها كسر عضو ~~مثلا، فأثرها لا يعدو أن يكون سطحيا لا يستطيع أن يتغلغل حتى ~~يصل لخلايا جرثومة الحياة. ولعل هذا الرأي يفسر لنا وراثة الصفات ~~المكتسبة تارة ms45 وعدم وراثتها تارة أخرى. # وهذا الرأي لا يخالف رأي العلامة «ريبو»، وهو من أشهر علماء النفس الفرنسيين، # 26 # الذي يقول: «يمكننا أن نفهم بصفة عامة أن التشوه المسبب عن ~~حوادث، وكذلك البتر وتحطيم الأعضاء فجاءة، كل ذلك لا ينتقل بالوراثة ...» إلى أن ~~يقول: «يوجد نوع من التغييرات المتسببة عن فعل بطيء ذي أثر في الكائن كالغذاء ~~والتربية، وإن تجارب المعلمين لتؤيد أن بعض الصفات المكتسبة تورث.» # وواضح أنه يريد من قوله: «وإن تجارب المعلمين ... إلخ» أن تلك الصفات التي ~~تورث هي الناشئة عن مؤثرات طبيعية؛ لأنها التي يكون أثرها بطيئا. # وبعد، فإن القائلين بعدم وراثة الصفات المكتسبة لينكرون طلوع الشمس وهي ~~تصليهم نارا حامية! وإلا فليفسروا لنا كيف ينسل العربي، الذي توطن ~~السودان مثلا زمنا طويلا حتى نالت البيئة الجديدة من بشرته، أولادا ~~يمتون إليه بسواد أجسامهم. على أن القوة التي تحفز الناس إلى التقدم ~~لينالها الضعف إلى حد كبير إذا اعتقدوا أن هذه الصفات - وكثير منها ثمرة ~~جهادهم في الحياة - لا ينتقل شيء منها إلى أبنائهم الآتين على ممر ~~الدهور. ~~(ط) الوراثة والتربية # ما أثر الوراثة في التربية؟ وهل هي نوع من القدر الذي لا مفر منه، أو للتربية ~~مجال كبير في فل حدتها وتهذيب آثارها والانتفاع منها؟ ذلك ما نتكلم فيه ~~الآن: ~~(أ) # للوراثة أثر سيئ في كثير من الأحوال، يظهر ذلك في أولاد المدمنين ~~على الخمر والمرضى المشوهين، إلا أننا نجد من الحق أن نذكر مع هذا ~~فضلها وما لها من أياد كبير أثرها، فنظام المجموع العصبي الكبير ~~الخطر، والجهاز الصوتي، والحواس وما تسديه إلينا من نفع، والغرائز ~~التي لا غنى عنها في حفظ المرء ورفاهيته؛ كل ذلك وما إليه للوراثة ~~فيه أثر غير منكور، فهي قوة قد تأتي بالضار كما قد تمدنا بالنافع، ~~ومن هنا تظهر الحاجة الماسة للمربي الحكيم، فهو القادر على أن ~~ينتفع بما يأتي به من حسنات، كما في يده أن يفل من حدتها ويخفف من ~~شدتها إن جنحت للطريق الأخرى. ~~(ب) # وكثيرا ms46 ما يتساءل الباحث في المجتمع الإنساني وتطوره عما إذا ~~كان للوراثة - على كثرة ما خصص لها العلماء من بحوث وأنفقوا فيها ~~من جهود - من أثر في رقي الإنسانية المشاهد الملموس، هنا نقول إن ~~الوراثة لا تقف بآثارها على ما تقدم ذكره، بل إن منها نوعا آخر هو ~~وراثة التقاليد والأخلاق، والعلم والمدنية والحضارة، وسائر أساليب ~~الآباء والأجداد في معيشتهم ووسائلهم التي كانت لهم عونا في ~~أزمانهم، بذلك يتيسر أن نبدأ حياتنا من حيث انتهى أسلافنا، وأن ~~نبني على ما شادوه لنا، وبهذا تتقدم العلوم والمعارف وترقى ~~المدنية، والنتيجة تقدم المجتمع عامة نحو الكمال. # نظن الفرق في القوة الجسدية ليس كبيرا بيننا وبين أهل القرون الخالية، لكن ~~الفرق جد كبير بين مدنيتنا ومدنيتهم، وبين علومنا المؤسسة على البحث الصحيح ~~ومعارفهم الساذجة التي أساس أكثرها الحدس والتخمين، وبذلك أمكن لنا ما نشاهده ~~من مخترعات ذللت لنا سبل الحياة، والسبب في ذلك واضح ظاهر، فقد ورثنا مدنيات ~~أصحاب الأيام الخوالي من الفراعنة واليونان والرومان والعرب والأمم الإسلامية ~~جميعا. وبعبارة أخرى: ورثنا حضارة الجنس الإنساني حتى هذه اللحظة دون من ~~سبقونا، فبهذا فقناهم ووصلنا إلى ما لم يخطر لهم على بال؛ من نظم وقوانين، ~~ومخترعات جعلت الحياة سهلة ذلولا، ومكنتنا من تلبية نداء المعري حين ~~يقول: # سر إن استطعت في الهواء رويدا # لا اختيالا على رفات العباد # وبعد: فإن نظرة واحدة يوازن بها المرء بين حالتنا اليوم وبين حالة من سبقونا ~~بعدة قرون، لتبين لنا أهمية ما حصلنا عليه من الإرث الاجتماعي الذي كان ~~الاحتفاظ به وإنماؤه سببا في توطيد أسس الحضارة وإعلاء صرح المدنية. ~~(ي) رجاء أنصار الوراثة # تبين للعلماء ما للوراثة من أثر كبير في نقل كثير من الأمراض الجسمية ~~والعقلية والخلقية، فشرعوا يفكرون في طريق العمل حتى نكون بمنجاة من آثارها ~~السيئة، وحتى نصل إلى مستوى يكون أقرب بقدر المستطاع إلى الكمال. # وقديما عني بهذه المسألة أولو الأمر وفكر فيها الفلاسفة؛ كان الأسبارطيون - كما تقدم - يئدون من لم يولد قوي الجسم ms47 حسن الخلق، وكذلك كان الأثينيون ~~يفعلون، وفيهم كان أرسطو، المعلم الأول، الذي نادى بسن قوانين تبين من يسوغ ~~لهم التزاوج، كما نصح الحكومة أن تسير على ما كان متبعا من إعدام من يولد ~~ضعيفا أو مشوها. # على أن هذه التقاليد القاسية والآراء المتطرفة وجدت في الزمن الأخير أنصارا ~~وأعوانا، أمثال شوبنهور # 27 # ونيتشه # 28 # وبرناردشو الكاتب الأيرلندي المعروف؛ فقد كان الأولان يريان أن ~~شريعة الاجتماع يجب ألا تعرف شفقة ولا رحمة، وأن تحتذي شريعة الطبيعة فيما لها ~~من طرق، فتقتل العاطل أو تمنع تناسله، ولا تبقي إلا على الأصلح، # 29 # كما يرى الأخير وجوب تقييد الزواج، وقتل الذين لا يرجو منهم ~~المجتمع خيرا! # 30 # بهذا كان ينادي هؤلاء الفلاسفة المتشائمون، ونسوا أن يقولوا لنا متى كان يجب ~~أن تنفذ هذه الشريعة الهدامة، كما أنهم لم يضعوا حدا أو مقياسا نعرف به ~~الأصلح فنبقيه، وغيره فنأتي عليه. # الحق أن هذه الفلسفة كان من حظ المجتمع أن جعلها دبر أذنيه فلم يلق لها ~~بالا، وإلا فلو دان الناس بها فيما سلف من الزمان لحرم العالم من كثيرين هم ~~فخر العلم اليوم؛ فكم من نابغ جعل حول اسمه دويا في جنبات الأرض، نشأ من ~~سلالة خاملة لم ترزق شيئا من العبقرية والنبوغ! # وإذن لندع هؤلاء القانطين يسبحون في عوالمهم ولنكن عمليين فنعرف أن بحوث ~~الوراثة تنادي: ~~(1) # بأن بعض الأمراض وراثية، فيجب أن يمنع من رزئوا بها وأعجزنا ~~شفاؤهم من التناسل حتى تنقرض سلالاتهم، ويخلص المجتمع منهم. ~~(2) # وبأن البله والجنون وسائر الأدواء العقلية والخلقية من الأمراض ~~التي للوراثة حظ فيها، فيجب أن يمنع المصابون بشيء منها من ~~التناسل أيضا. ~~(3) # وأخيرا بأنه يجب أن تغير القوانين إلى حد يمكن للحكومة من ~~السيطرة على أولئك وهؤلاء، فتحول بينهم وبين التناسل في غير مشقة ~~ولا إعنات، كأن تنشئ لهم مثلا مستعمرات تضمهم وتكل إليهم بعض ~~الأعمال نظير ما يكلفونها من نفقات. ~~(ك) واجبنا والوراثة # إذا كان للوراثة هذا الأثر الظاهر في الأجسام والعقول قوة وضعفا، وفي ~~الأخلاق ms48 حسنا وقبحا لابتنائها على كثير من الغرائز والعادات الموروثة، وإذا ~~كان الإنسان يعترف عمليا بهذا الأثر ويحرص على الإفادة منه دائما، فلا ~~يستنبت إلا أجود البذور، ولا يقتني من الحيوان إلا أفضل الأنواع للحصول على ~~أكبر الفوائد والمزايا، نقول: إذا كان الإنسان يعنى بتحسين سلالات النبات ~~والحيوان، فأولى له أن يعير ذاته - وهي أكرم عليه - ما تستحقه من عناية، وما ~~تتطلبه من تقدير، فيستعرض جميع أحواله من جسمية وعقلية وخلقية، ويجعل من نفسه ~~عليها رقيبا، ثم يحاول أن يستفيد من صفات الخير وينميها، وأن يهذب من سواها ~~بقدر ما يستطيع. # وليس هذا من واجب الإنسان لنفسه فحسب، بل إنه واجب عليه للأجيال الآتية ~~أيضا. إنه إذا أخذ كل منا نفسه بإصلاح جسمه ومداركه وأخلاقه، ونسج أبناؤنا على ~~هذا المنوال، كنا جديرين بأن نصل بفضل وراثة ما يرسخ من الصفات المكتسبة إلى ~~مستوى قريب من الكمال. # والآن، وقد فرغنا من الكلام على الوراثة وآثارها، ومهمة الفرد والمربي ~~حيالها، نرسل البحث إلى عامل آخر في تكوين الخلق وهو «البيئة»؛ حتى نرى مبلغ ~~أثرها أيضا، وما هو واجبنا كأفراد ومربين نحوها. ~~(3-2) البيئة ~~(أ) تعريفها # تطلق هذه الكلمة بأوسع معانيها على كل ما يحيط بالمرء ويؤثر فيه كثيرا أو ~~قليلا، بطريق مباشر أو غير مباشر، من يوم يكون جنينا إلى أن يموت، فالمنزل ~~والمدرسة والرفاق، والسياحات والأسفار، والتقاليد والنظم والقوانين التي يخضع ~~المرء لها، والإقليم الذي يعيش فيه، كل ذلك ونحوه من البيئة التي لها كبير ~~الأثر في تكوين الإنسان. ~~(ب) أنواعها # هذه العوامل التي تشملها كلمة «بيئة» إما طبيعية كالبلد الذي يحيا فيه ~~الإنسان وما فيه من جبال ووديان وسهول وحزون وبحار وأنهار، كذلك ما قدر ~~لهذا البلد من حرارة وبرودة، كل هذا من البيئة الطبيعية. # وهناك سائر العوامل الأخرى؛ من البطن الذي احتواه، والمنزل الذي درج فيه، ~~والأسرة التي نشأ فيها، ومعاهد التعليم التي عنيت بتثقيفه، والرفاق الذين ~~اصطفاهم لنفسه، كل هذا ونحوه ما يسمى بالبيئة الاجتماعية. # البيئة الطبيعية # للبيئة الطبيعية ms49 دخل كبير في أخذ كل من النباتات والحيوان شكلا خاصا يناسب ~~الإقليم الذي نعيش فيه، نجد الجهات الباردة يتميز نباتها بالقصر والضئولة، ~~وحيوانها بسمك الجلد ووفرة الفراء، وبجانب هذا نشاهد الأشجار والحيوانات ~~الضخمة في الجهات الحارة، كما نعرف للحيوانات المائية جهازا للتنفس يخالف ما ~~للحيوانات البرية بحيث يساعدها على استخلاص «الأكسجين» من الماء ~~واستنشاقه. # وهناك مثل يكاد يلمسه كل منا يدلنا على فعل البيئة الطبيعية وأثرها، ذلك هو ~~الفرق الكبير بين أي نوع من النبات - كالذرة أو القمح أو القطن مثلا - يزرع ~~في غير الفصل الخاص به، وبين هذا النبات نفسه متى زرع في فصل زرعه ~~المعتاد. # وكما يكون للبيئة الطبيعية أثر إيجابي يكون لها أثر سلبي، فهي قد تساعد شيئا ~~من الصفات الموروثة الكامنة على الظهور، كما قد يكون أثرها تعطيل صفة من الصفات ~~الفعلية بتفويتها الفرصة التي كانت تظهرها وتنميها. ولنا في تجربة أجراها ~~الأستاذ «نجيلي»، أحد علماء النبات، دليل واضح على تأثيرها الإيجابي، ذلك أنه ~~أخذ فسائل صغيرة من نباتات الألب وغرسها في «ميونخ» فكبر حجمها عن أصلها، ثم ~~أخذ بعض هذه النباتات واستنبتها بجبال الألب ثانية فتضاءلت شيئا فشيئا حتى ~~عادت سيرتها الأولى. كما نجد في عمى الخيل التي ظلت الأعوام العديدة تعمل في ~~الظلام بالمناجم دليلا على تأثرها السلبي، فقد جاءها ذلك من البيئة التي ~~اضطرتها لإهمال استخدام حاسة الإبصار فيها. # وأخيرا، فالباحث المدقق في مملكتي النبات والحيوان يرى أثر البيئة الطبيعية ~~واضحا تماما، سواء أكان ذلك الأثر صغيرا أم كبيرا؛ إذ قانون البيئة وهو ~~«تعديل الكائن الحي نفسه حسب ما يحيط به»، لا يكاد يقبل هوادة ولا استثناء، أو ~~بتعبير آخر: إن نصيب من يعصي هذا القانون هو السقوط صريعا في معركة ~~الحياة. # أثرها في الإنسان # وربما يخيل إلينا، وقد نظرنا للوراثة وآثارها في الإنسان، أنها العامل ~~الوحيد فيما يرزقه المرء من صحة وسقم، وما يقدر له من قوة أو ضعف في ~~الفكر، وما يشب عليه من عادات وأخلاق؛ لا، ليس الأمر كذلك، فللبيئة ms50 أثر غير ~~قليل في هذا كله. # هذا ابن خلدون يحدثنا عن تأثير الأقاليم في السكان آثارا مختلفة، ويقول عن ~~سكان الأقاليم المعتدلة: «إنهم أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا»، # 31 # ولهذا كانت هذه الأقاليم كما يقول: «مهد الرسالة ومبعث الأنبياء، ~~ذلك أن الأنبياء والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع الإنساني في خلقتهم وأخلاقهم»، # 32 # أما غير هؤلاء من سكان الأقاليم البعيدة عن الاعتدال فنراه يقول ~~عنهم: «إنهم أبعد عن الاعتدال في جميع أحوالهم»، # 33 # كما نراه يتبع هذا الحكم العام بقوله: «وأخلاقهم مع ذلك قريبة من ~~أخلاق الحيوانات العجم.» # 34 # ولنا في الفروق الملاحظة بين أهل مصر والحجاز والشام وفرنسا والعراق والمغرب ~~ومن إليهم، وبين السودانيين والأحباش والأمم المغولية ومن والاهم؛ دليل واضح ~~على ما يقول ابن خلدون من تأثير البيئة الطبيعية في الأجسام والعقول والعادات ~~والأخلاق. ولننظر إلى أهل البلاد الحارة، نجد الكسل والتواكل والخفة والطيش ~~وعدم الاكتراث، ونرى اليقظة والتفكير في المستقبل البعيد من الصفات الغالبة على ~~سكان الأقاليم الباردة، والسبب في هذا أن الحرارة تبعث على الخمول وأن البرد ~~يتطلب حركة مستمرة في كل آن. # البيئة الاجتماعية وآثارها ~~(أ) # أول بيئة اجتماعية للطفل بطن أمه، حيث تتدرج بذرته الأولى من نطفة ~~إلى علقة ثم إلى مضغة حتى تصير خلقا سويا، في هذه المرحلة لا يكون ~~الجنين بنجوة من التأثيرات التي تتناول أمه. يقرر توماس هوب، أحد علماء ~~الإنجليز في القرن السابع عشر، أن ما نشأ عليه من الجبن مأتاه ما ~~تملك أمه وهي حامل به من الخوف حينما كان الأسطول الإسباني يهدد بلادهم. # 35 ~~(ب) # يجيء بعد ذلك دور المنزل في تكوين الإنسان، وفيه يفهم الطفل العلاقات ~~الاجتماعية الأولى، فيعرف معنى الطاعة للكبير، والعطف على الصغير، ~~واحترام رأي الغير، ومعاونة الضعيف، كما يأخذ الطفل فيه عن الأسرة ~~تقاليدها وعاداتها. # لسنا غالين فيما نذكره عن أثر المنزل في الطفل، وما ينشأ عليه من ~~عادات وخلال يكون لها الأثر في مستقبله، فالأم هي المنبع الأول الذي ~~يشرب منه الوليد نهلا وعللا، ms51 وهي كما قال «بستالوتزي»: # 36 ~~«مصدر كل تربية صحيحة يتشكل بها الطفل، فهي أول معلم له ~~يحبه ويطيعه»، # 37 # وكما يقول «فروبل» # 38 # تلميذه: «إن أزمة الممالك معقودة بنواصي الأمهات، ومستقبل ~~البلاد رهن بأيدي النساء»، # 39 # وكما يقول شاعر النيل: # الأم مدرسة إذا أعددتها # أعددت شعبا طيب الأعراق ~~(ج) # وبعد هذا تكون المدرسة، وهي الحلقة التي تربط المنزل بالعالم، فهي ~~مجتمع صغير يصح أن يكون أنموذجا لما بعده من المجتمع العام. تقوم ~~المدرسة بدور هام لا يقوم به المنزل في تربية الناشئ أدبيا، ذلك أن ~~العلاقة بين الطفل ووالديه في المنزل تقوم على المحبة والرحمة، وهذا ما ~~يجر كثيرا إلى الإغضاء عما يقترفه الطفل من مخالفات خلقية، أما في ~~المدرسة فالمعاملات فيها تكون حسب ما رسمه الله في قوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~* ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ~~، فيها تبصير الطفل بما يأتيه ومحاسبته على كل ما ~~يصدر منه، وبذلك يفهم معنى المسئولية، ويخلص من كثير من الصفات السيئة ~~التي قد تكون علقت به في حياته المنزلية التي للتسامح في مجال كبير. # كذلك المدرسة محل اجتماع كثير من الأولاد، والاجتماع مظهر السجايا، ~~ومحك الأخلاق، وبذلك يقف المربي على أخلاق كل طفل، فيعمل على تهذيب ~~الشاذ وإنماء الصالح منها. يضاف إلى هذا ما في الاجتماع من تنشئة الطفل ~~على كثير من العادات والأخلاق الفاضلة، فالأناة والحلم، ومحبة الغير ~~واحترام حقوقه، والتعاون وإنكار الذات وحسن العشرة ... كل هذه الفضائل ~~وما إليها لا سبيل إلى غرسها إلا بالمعاشرة والاندماج في المجتمعات ~~الرشيدة، ومنها معاهد التعليم. ~~(د) # وللرفاق الذين يصطفيهم المرء لعشرته أثر بالغ فيما يشب عليه من ميول ~~وعادات، وما يتخلق به من شيم وخلال، ومن هنا قال عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه: «ما من شيء أدل على شيء، ولا الدخان على النار، من ~~الصاحب على الصاحب»، # 40 # كما قال بعض الحكماء: «اعرف أخاك بأخيه قبلك». # 41 # المرء في حاجة ماسة للصديق في حاليه من اليسر أو العسر، ms52 فيجب أن ~~يعنى باختيار الصديق الفاضل والرفيق الصالح، فإن من طرق المرون ~~على الفضيلة أن يعيش المرء مع أناس أخيار، # 42 # كما يقول أرسطو المعلم الأول، ويعترف به من له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد. أما الرفاق الذين لم يرزقوا حظا من الأخلاق الفاضلة ~~والسجايا الكريمة فهم «مع عدم ثباتهم في محباتهم لا يتبادلون إلا ~~سيئ الإحساسات»، # 43 # ولذلك «يفسد بعضهم بعضا بمقدار ما يقلد بعضهم بعضا»، ~~وهذا رأي أرسطو أيضا في صداقة الأشرار، وهو رأي حق تؤيده المشاهدات، ~~فإننا لن نجني العنب من الشوك، ولا الشهد من الصاب. # هذا، ويكفي لبيان أثر الرفاق الذين يصاحبهم المرء ويتخذهم خلانا ~~ما قصه الله علينا في كتابه الكريم؛ إذ يقول: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ~~ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ~~يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ~~. ~~ونتبع هذا ببيان أثر صديق الخير وصديق السوء في صديقه كما ذكره الرسول ~~الحكيم # صلى الله عليه وسلم ~~، إذ يقول: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل ~~صاحب المسك وكير الحداد؛ لا يعدمك من صاحب المسك إما أن تشتريه أو ~~تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحا ~~خبيثا.» ~~(ه) # وللصحف والمجلات، ودور الخيالة والتمثيل، والتقاليد التي يحيا ~~المرء في ظلها، والحكومة التي تسوس أموره، والقوانين التي يحكم بها، ~~والنظم التي يخضع لها، وما يقوم به من سياحات وأسفار، وسائر النواحي ~~الأخرى للبيئة الاجتماعية؛ لكل من ذلك أثره وخطره في تكوين عادات ~~الإنسان وأخلاقه، وذلك ما لا يحتاج لبيان. # على أننا نود أن نبين أن الناس بالنسبة للتقاليد والعادات والنظم العامة التي ~~تواضعت عليها الأمة، وتعدها جزءا من كيانها الاجتماعي، وتفديها لهذا بكل ~~مرتخص وغال؛ الناس بالنسبة لتلك العادات والتقاليد ثلاث طوائف: ~~(1) # طائفة ترى الفساد في بعض هذه التقاليد، فتخرج عليها وتثور ضدها، ~~موطنة النفس على تحمل الأذى في هذا السبيل حتى تصل لما تريد من ~~إصلاح. هؤلاء ms53 هم العباقرة الذين تفخر بهم الأمم، وأصدق مثال لهم ~~الرسل والأنبياء، فقد كان من الصعاب التي اعترضت الرسول الأعظم # صلى الله عليه وسلم # تقاليد قومه الضالة، وترديدهم دائما قولهم: # إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون ~~. ~~(2) # طائفة تنحط عن مستوى تلك التقاليد والنظم والعادات، فلا ترعى لها ~~حرمة، ولا تعترف لها بوجود، فهم في نضال معها يصيبون منها وتصيب ~~منهم، حتى يهووا إلى الحضيض. وهؤلاء هم في الحالات المتطرفة ~~المجرمون. ~~(3) # هاتان الطائفتان هما الأقل عددا، وبجانبهم الطائفة الأخرى، وهم ~~الذين يخضعون للأمة وتقاليدها، فلا يعدلون منها إلا بمقدار. وهؤلاء ~~هم العاديون الذين يتكون منهم معظم الأمم والشعوب. ~~(ج) الموازنة بين البيئة والوراثة # غلا بعض العلماء وزعموا أن الوراثة هي يد القدر، وأن ليس للبيئة أمامها من ~~أثر يذكر. كما غلا آخرون وقالوا: إن ما يشاهد من تكمل في الأخلاق ليس له ~~أسباب وراثية مطلقا، وإن كل ذلك أثر البيئة. # من الأولين «شوبنهور» الفيلسوف الألماني الذي يقول: «كل امرئ يسير بطبيعته ~~الذاتية الثابتة التي لا تتحور، وإن ما به من طباع وغرائز كامن في نفسه ~~كمونا راسخا لا يتحول»، وغيره الذي يرى أنه «بالوراثة يقدر على الإنسان ~~نوع نفسه من يوم ولادته، وبها تصاغ أخلاقه، وبها تحدد بنيته، وبها يعين ~~مقدار عقله، وأهم ما يساعد على رقي النوع الإنساني هو إصلاح الوراثة بإصلاح ~~الانتخاب بين الزوجين، ومنع التوالد بين من لا يصلحون للإنتاج طبيعيا أو ~~خلقيا.» # هكذا ذهب هؤلاء، وربما وجدوا في الأبحاث الخاصة بالإجرام والمجرمين ما يعضد ~~ما ذهبوا إليه، فقد عني الدكتور «هكسون»، مدير معهد الأبحاث النفسية ~~بشيكاغو، بفحص أحوال وظروف نحو أربعين ألفا من المجرمين، وكانت النتيجة أنه ~~وصل إلى أن عوامل الوراثة أشد أثرا من عوامل البيئة، فالإجرام في رأيه شيء ~~محتم لمن ولد من أبوين مجرمين، لا لمن يعيش في بيئة مجرمة، فكثيرا ما ينجو ~~هذا من ذلك الداء الوبيل. ومن الحالات التي بحثها حالة طفل تبناه أحد أغنياء ~~شيكاغو وعلمه التعليم العالي وحاطه ms54 بكل صنوف الرعاية، ولكنه نشأ لصا كبيرا ~~رغم البيئة الفاضلة التي نشأ فيها، وظهر أن الوراثة هي صاحبة اليد في هذا ~~المصير، فقد كان أبوه سكيرا وأمه عاهرا. # أما الآخرون أنصار البيئة فيرون أن ما يشاهد من تكمل في الأخلاق ليست له ~~أسباب وراثية مطلقا، وأن كل ذلك من أثر البيئة، وفي ذلك يقول أحدهم: «إن ~~الطبيعة لا تكون من عندها أخلاقا وغرائز، بل ما قد يكون منها فهو طارئ ~~عليها من الولادة»، إلى أن يقول: «وعليه يتعذر اعتبارها فطرية متوارثة.» وقد ~~يشهد لهذا الفريق نجاح كثير من المربين في اجتناب الأخلاق القبيحة وغرس الأخلاق ~~الفاضلة في حالات كثيرة نشاهدها في كل حين. # والرأي الحق أن نقول بإجمال: إن لهذين العاملين الأثر كله في تكوين عادات ~~الإنسان وأخلاقه، فالوراثة تمده بالغرائز والميول والاستعدادات المختلفة، ~~والبيئة تميل به لناحية الخير أو الشر بما تتيحه له من فرص ومناسبات، أما أن ~~نوازن بينهما، فنعرف بالدقة أثر كل منهما في تكوين الإنسان أدبيا وعقليا، ~~فهذا مستحيل أو على الأقل لم يصل إليه العلم للآن. # والآن، وقد فرغنا من الكلام على عوامل تكوين الخلق في الإنسان، وبينا ~~موقف المربي حيالها، ننتقل إلى ما يعتبر نتيجة طبيعية لما سبقه، وهو طرق ~~وأساليب تكوين الأخلاق. ~~(4) أساليب تكوين الأخلاق # يقول ابن خلدون في مقدمته: # إن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من الحضر، وأصله أن الإنسان ابن عوائده ~~ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة ~~وعادة، تنزل منزلة الطبيعة والجبلة. # 44 # ويقول الفيلسوف الإسلامي المعروف أبو علي ابن سينا البخاري (370-428ه): # ويمكن للإنسان متى لم يكن له خلق حاصل أن يحصله لنفسه، ومتى صدفت نفسه عن ~~خلق حاصل جاز أن ينتقل بإرادته عن ذلك إلى ضد ذلك الخلق. والذي يحصل به ~~الإنسان لنفسه الخلق ويكتسبه متى لم يكن له خلق، أو ينقل نفسه عن خلق صدفت نفسه ~~عنه؛ هو العادة، وأعني بالعادة تكرير فعل الشيء الواحد مرارا كثيرة زمانا ~~طويلا في أوقات ms55 متقاربة، فإن الخلق الجميل إنما يحصل عن العادة، وكذلك الخلق ~~القبيح. # ويقول مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» كما قدمنا، عند كلامه على الحال النفسية التي ~~تنقلب خلقا: # ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم ~~يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا، ويقول علماء التربية: «العادة ~~طبع ثان.» # من ذلك كله نعلم ما للعادة من أثر في تكوين الأخلاق، الحسن منها والقبيح، فإن تعود ~~العمل الطيب وأخذ النفس به يجعله في النهاية خلقا حسنا، كذلك تعود العمل القبيح، ~~ومزاولته كثيرا يصيره خلقا سيئا. # وليس الآن موضع الكلام عن العادات وتكونها وخطرها، فموضع ذلك عند الكلام على السلوك، ~~وإنما الكلام هنا عن الأساليب التي يسلكها المربون في تكوين الأخلاق، ومبلغ صلاحية كل ~~منها، بعد أن عرفنا قيمة العادة في هذا التكوين. ~~(4-1) الوعظ والإرشاد # يرى بعض المربين أن تربية الأخلاق الفاضلة تكون بالوعظ والإرشاد، وتفهيم المربي ~~حقيقة الفضيلة حتى يغرى بها، وحقيقة الرذيلة وسوء مغبتها حتى ينأى بنفسه ~~عنها. # وهذه الوسيلة وإن صلحت وقومت من نفس من يأتي الرذيلة غير عالم، لا يمكن أن تكون ~~الوسيلة الناجعة؛ لأن في كثرة الكلام عن الرذيلة أمام الأطفال تنبيها لهم إلى ما ~~كانوا عنه غافلين في كثير من الأحوال، ودفعا لهم لتجربة هذا الذي ينهون عنه ~~دائما، «وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا»، كما أن كثرة الحث على الفضيلة حرية بأن ~~تجعل من كثير من الأطفال مرائين يتظاهرون بالتأثر بالنصح والعمل بمقتضاه، هذا إلى ~~ما في تكرار الإرشاد من تضييع أثره لأن كل مكرر مملول. ~~(4-2) القدوة والتقليد # المربي هو المثل الأعلى للطفل، قصاراه أن يترسم عاداته ويتخلق بأخلاقه؛ ولذلك ~~تنطبع أخلاق الطفل غالبا على غرار أخلاق والده ومربيه، إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر؛ لأن الأخلاق تسرق من الأخلاق كما يقولون. # من هذا يكون من طرق تكوين الأخلاق الطيبة العناية بأن يكون الوالد والمربي قدوة ~~حسنة طيبة، في نفسه وعاداته وأخلاقه وسائر أعماله، للطفل الذي يقوم على تربيته، ms56 ~~وخاصة أدواره الأولى؛ لأن المؤثرات المختلفة التي تساعد على تكوين أخلاق الطفل في ~~فجر حياته تلازمه مدى الحياة، وذلك مصداق ما يقال: إنما يدل على الرجل الطفل، كما ~~يدل على النهار الصبح. # وفي أثر القدوة الصالحة في تكوين الأخلاق الطيبة يقول أحد الكتاب الأوروبيين: ~~«من رمى إلى النبوغ في التصوير لجأ إلى أبدع الصور فأخذ عنها، كذلك من رام حياة ~~سعيدة فليختر خير من يقتدي بهم، وليكد حتى يكون قد ساواهم أو شآهم»، # 45 # كما يقول آخر من هؤلاء الكتاب محدثا عن أثر القدوة في تربيته أيضا: ~~«أرى كثرة ما يقال في التربية وكأني بالباحثين فيها وقد أغفلوا القدوة وهي كل شيء، ~~ألا إن أجل ما لقيت من التربية في الاقتداء بإخوتي، وقد كان الاعتماد على النفس ~~والاستقلال الحق سائدين في كل فرد من أفراد أهل بيتي، فما زلت أحذو حذوهم حتى ~~اكتسبت هذه الخصال.» # 46 # وحقيقة ، كما يقول صمويل سميلز في كتابه «الأخلاق»، إنه: # تقضي سنة الله في خلقه أن تكون العوامل في تكوين الخلق أشد تأثيرا في ~~دور النمو، حتى إذا طال عليها الأمد وتوالت السنون انقلب الاقتداء بالناس ~~عادة ترسخ شيئا فشيئا حتى تصير طبيعة تتمكن من المرء وتستولي عليه ~~بقوتها، فينزل على حكمها ويخضع لسلطانها غير شاعر. # 47 # لكن القدوة لا تكون من الوسائل الناجحة في تكوين فاضل الأخلاق إذا ظل الطفل يعمل ~~في رجولته كما كان يعمل في طفولته - عن محاكاة محضة وتقليد صرف - مثل هذه الأعمال ~~ليست لها قيمة من الوجهة الخلقية، بل إن المراد من إشادتنا بفضل القوة الصالحة ~~وأثرها الكبير هو أن هذه الأعمال التي يأتيها المرء في أدوار حياته الأولى بباعث ~~إيحاء القدوة والتأثر تصبح عادة له، فيأتيها متى كبر وهو مدرك لها مميز خيرها ~~وشرها. # وخلاصة القول: إنه بالقدوة والوعظ والإرشاد الحكيم، وقص سير كثير من أبطال ~~التاريخ، كعمر بن الخطاب وما عرف به من شجاعة نادرة أبت عليه أن يتسلل لواذا ~~مهاجرا للمدينة، وعدل شامل لا يستثني فيه أحدا، ms57 ومثل حاتم طيئ في بذله وكرمه الذي ~~سار مع الريح، ونابليون بونابرت الذي لم يعرف العجز ولا المستحيل في حياته - بهذه ~~الوسائل مجتمعة يستطيع المربي أن يغرس في الطفل ما يشاء من عادات طيبة، وأن يكون ~~أخلاقه تكوينا فاضلا كما يريد. # المبحث الخامس # | السلوك، المقصد، الباعث # (1) السلوك # تعريفه، علاقته بالخلق ~~(1-1) تعريفه # يقال في اللغة: سلك أي دخل، ومنه قوله تعالى: # ما سلككم ~~في سقر ~~، وسلكت الطريق سلوكا من باب قعد ذهبت فيه، وبنوع من التجوز ~~- وهو اعتبار الأخلاقية طريقا يسار فيها - يكون هذا المعنى الثاني قريبا للمعنى ~~الأخلاقي ل «كلمة السلوك»، فقد عرفه «سبنسر» في كتابه «مبادئ الأخلاق» بأنه «مجموعة ~~الأعمال الحيوانية المتجهة نحو غاية»، وعلى هذا يشمل جميع أعمال الحيوان والإنسان؛ ~~الإرادية التي لها غاية يقصدها الفاعل، وغير الإرادية التي وإن صح أن يقال عنها إن ~~لها غاية إلا أنها غير مقصودة من الفاعل مطلقا. # وهذا التعريف العام كان موضع نقد العلامة «ماكنزي» في كتابه «الأخلاق»؛ لأنه ~~يرى بحق أن الحيوان مسوق دائما بغرائزه وشهواته، لا يقصد غاية من أفعاله بل لا ~~يفكر في غاية منها، وليس المراد من هذا نفي الغاية عن أفعال الحيوان الغريزية، بل ~~المراد أنه وإن كان لهذه الأفعال غاية تعود على الحيوان كنفع يناله أو ضرر يدفع ~~عنه، إلا أن تلك الغايات لا يشعر بها الحيوان ولا يفكر في شيء منها. # وكذلك أعمال المرء غير الإرادية لا تعتبر سلوكا له لخروجها عن نطاق تفكيره ~~وإرادته. لم يبق بعد هذا إلا أعمال الإنسان الإرادية، فهي التي يصح أن تسمى في علم الأخلاق سلوكا يوصف مرة بالحسن وأخرى بالقبح، وإذن، فلنا أن نعرف السلوك ب «أنه أعمال المرء الإرادية المتجهة نحو غاية معينة مقصودة» كقول الصدق والكذب، ~~وأعمال الشجاعة والجبن، والكرم والبخل، ونحوها. # والسلوك مظهر الخلق، ودليله ورمزه وعنوانه؛ لأن الخلق إذا كان حالة للنفس داعية ~~لها إلى أفعالها، أي حالة نفسية باطنية، فإن السلوك هو الأفعال التي تصدر عن هذه ~~الحالة الراسخة الكامنة في ms58 النفس. ~~(1-2) علاقته بالخلق # من ذلك يتضح أن علاقة السلوك بالخلق هي ~~علاقة الدال بالمدلول، فإذا كان السلوك حسنا دل ذلك على خلق حسن، وإن كان سيئا دل ~~على خلق قبيح، ومن هذا التلازم بينهما نستطيع أن نتنبأ غالبا بأعمال المرء متى ~~علمنا خلقه، كما نستطيع أن نعرف أخلاقه من أعماله، فإذا تكونت جماعة من محبي الخير ~~لجمع التبرعات لمنكوبي الملاريا بأعلى الصعيد، يكون من السهل أن نتعجل القول بأن ~~فلانا سيسارع للتبرع بقدر طاقته، وأن فلانا سيقبض يده فلا ينزل عن فلس واحد مما ~~حباه الله به من غنى واسع عريض، نستطيع أن نتعجل القول بهذا لما نعلمه من تخلق ~~الأول بخلق الكرم الذي يدعو للبذل عند دواعيه، وتخلق الآخر بخلق البخل الذي يجعله ~~يشح بالقليل مع توفر دواعي الكرم والجود. # ولسنا نريد من تقريرنا أن بين الخلق والسلوك علاقة الدال بالمدلول، أن نقول: إن ~~سلوك الإنسان يتوقف على خلقه فحسب، فالواقع أن السلوك يتوقف أيضا على الظروف ~~والملابسات التي تحيط بالإنسان، من صحة أو مرض، وجاه أو ضعة، وصيت أو خمول، وغنى أو ~~فقر، ونحو ذلك من الأحوال المختلفة، ألا ترى أن اللص يجد من ظلام الليل وهدوئه ~~عونا له على أعمال التلصص والسرقة، بينما هذه الحالة نفسها تدفع الفيلسوف أو ~~المخترع مثلا للتفكير فيما يعود بالخير على الإنسانية جمعاء! # كم منا من يتألم لمنظر الإنسانية المعذبة إذا زار ملجأ لليتامى أو مستشفى قصر ~~العيني، وشاهد بنفسه ما يلقاه اليتيم من ذل وهوان، وما يحسه المريض الذي استعصى ~~داؤه من وصب وعذاب، فيعزم عزما لا رجعة فيه أن يتبرع بجزء من دخله كل شهر رغبة ~~في تخفيف بؤس هؤلاء المنكوبين، حتى إذا رجع لمنزله ومضى شهر فآخر، وغاب عن عينيه ~~منظر أولئك البائسين، نسي بؤسهم وأمراضهم ولم يجد بعد ما يدفعه للنزول عن شيء من ~~ثروته لهم! ~~(1-3) نشأته وتطوره # لقد تدرج السلوك الإنساني في مدارج مختلفة، كان المرء في عهده الأول الهمجي ينساق ~~بغرائزه في أعماله وسلوكه ms59 كما ينساق بها الطفل دائما، ثم تدرج به الزمن فصار سلوكه ~~يتشكل حسب عرف القبيلة التي يعيش فيها؛ يفعل ما وافقه ويذر ما خالفه، وجرى على ذلك ~~حتى صارت تلك الأفعال التي يقوم بها عن تقليد ومحاكاة، متأثرا بعرف القبيلة ~~وتقاليدها، عادة له يأتيها دون نظر لنفسه كفرد مستقل له شخصيته الخاصة، بل كجزء لا ~~يتجزأ من قبيلته، يعمل ما يتفق ومصلحتها وخيرها ولو ضحى في ذلك بنفسه. # وعرف القبيلة الخاص لا يبقى على حالة واحدة، بل يتغير ويزيد وينقص بسبب اتصال ~~القبائل ببعضها في أيام السلم والحرب، للتجارة وتبادل المنافع وغير ذلك من أسباب ~~التعارف والاتصال، فتأخذ كل قبيلة من تقاليد الأخرى ما يروقها ويتفق مع ظروفها ~~وحاجتها، ومن أجل هذا يعم العرف شيئا فشيئا بتطبيقه على غير قبيلة واحدة، إلى أن ~~يأخذ بعض ذوي العقول المفكرة في هذه القبائل في بحث الفروق بين تقاليدها وعاداتها ~~المختلفة، واختيار أفضلها بعد تهذيبها إذا دعت الحال والحاجة؛ ليكون عرفا عاما ~~لهذه القبائل كلها، وبذلك يأخذ هذا النوع من العرف العام صيغة القانون. # يجيء بعد ذلك دور القانون الذي يرتكن على كثير من العرف والتقاليد، فيخضع له ~~الإنسان في سلوكه وأعماله كما كان يخضع للعرف. ونشأة القانون عن العرف ترجع إلى ~~العمل لحماية المجتمع من الفوضى بسن عقوبات رادعة للمجرمين، وكانت هذه العقوبات ~~عرفية أول الأمر، ثم أخذت شكل القانون وصيغته حين أصبحت عامة تطبق في جميع ~~الأحوال، وعلى القبائل المجتمعة التي تعيش كأمة واحدة. # وأخيرا، وصل الإنسان بالرقي الفكري إلى الدور الأخير الذي أصبح يسير فيه على حسب ~~ما يوحي به إليه البحث والنظر السليم، غير مقيد في أعماله بالعرف ولا بالقانون، ~~بل يسترشد فيه بالقاعدة والمبدأ النظري المثالي «المثل الأعلى»، الذي يرى الخير ~~المطلق في تحققه. على أنه ليس معنى هذا أن الغرائز زال تأثيرها في السلوك في ~~الأدوار الأخيرة، بل الغرض أن نقول: إن الإنسان في الدور الأول كان يسير تقريبا ~~طبق ميوله الغريزية وحدها، فأصبح بعده يعيش بغرائزه ms60 وعقله وتفكيره، ذلك بأن الغرائز ~~لا يزال لها أثرها في سلوك المرء دائما، ولعل من أبرزها أثرا غريزة المحاكاة ~~والتقليد. # من ذلك نرى أن سلوك الإنسان يتأثر بعوامل مختلفة، منها الغرائز التي يولد مزودا ~~بها وتهيمن عليه في أيامه الأولى، والعادات التي ينشأ عليها متأثرا بالعرف حينا ~~وبالقانون حينا آخر. # والغريزة والعادة أهم مصادر السلوك النفسية التي ينبع منها والتي يسمى مجموعها ~~«أسس السلوك»، ولا بد للمربي الأخلاقي من دراسة هذه الأسس حتى يتسنى له استئصال ما ~~يريد من أخلاق قبيحة، وتثبيت ما يجب من أخلاق طيبة، فإنك مهما ألححت على امرئ بترك ~~الحقد والحسد مثلا، وأمرته بذلك مرارا من غير التفات منك لحالته النفسية التي ~~تصدر عنها هاتان الرذيلتان، ما كان لقولك وإلحاحك من أثر، إنما سبيل الفائدة هو أن ~~تتعرف أولا السبب الداخلي النفسي الذي من أجله يحقد ويحسد، ثم معالجته بما يجب ~~ثانيا. # ولما كانت الغريزة والعادة - كما قدمنا - أهم أسس السلوك وينابيع الأخلاق، ناسب ~~أن نذكر كلمة قصيرة عن كل منهما: ~~(1) # الغرائز قوى فطرية أودعها الله جسم الإنسان، فتدفعه إلى المحافظة على ~~بقائه وبقاء سلالته، من غير سابق تفكير في هذه الغايات أو تدريب على ما ~~يوصل إليها من أعمال. # وهي أساس كثير من الأعمال التي نأتيها كل يوم، فأعمال السعي للقوت، ~~والأكل والشرب، والفرار من الأخطار، والأثرة وحب النفس وما إليها، ~~مردها عند التحليل إلى غريزة المحافظة على البقاء أو غريزة حب الذات. ~~كما أن غريزة حفظ النوع، أو بقاء السلالة، منبع لسلوك المرء أيضا ~~وخاصة أيام الشباب؛ من جد في الدرس، وعمل على نيل الدرجات العلمية ~~والمراكز السامية، وبحث عن شريكة لحياته، وميل إلى الادخار والإثراء ~~ليضمن هناءة أولاده، إلى غير ذلك من الأعمال التي تجيء تلبية لداعي هذه ~~الغريزة. # وإذا كانت الغرائز بهذه المثابة في تكوين الأخلاق، فمن الواجب ~~العناية بها وعدم إهمالها وتركها على طبيعتها، بل يجب أن تربى ~~وتهذب وذلك بتشجيعها إذا بعثت على عمل طيب، والحد منها بل وكبتها ~~في ms61 الحالات الأخرى. ~~(2) # وإذا تكرر عمل من الأعمال حتى أصبح من السهل على المرء إتيانه، سمي ~~عادة، فالفرق بينها وبين الغريزة أن هذه قوة طبيعية تخلق مع المرء، ثم ~~تنمو أو تضعف حسب الظروف والأحوال. أما العادة فتكتسب اكتسابا، ومن ~~أجل ذلك نرى أن الغرائز شائعة بيننا جميعا، بينما لكل منا عاداته ~~الخاصة التي كسبها لنفسه. # ومنشأ العادة الميل إلى عمل معين، ثم إجابة هذا الميل بإصدار العمل المرغوب، مع ~~تكرار ذلك كله تكرارا كافيا لجعله يصدر بسهولة، وذلك أن كل عمل يؤثر في الأعصاب ~~ويأخذ فيها مجرى خاصا، وبتكرار العمل الواحد يعمق الأثر الذي اختطه في الأعصاب ~~وتميل النفس للإتيان به، وترتاح الأعصاب له لاتفاقه مع الشكل الذي تشكلت به، وهكذا ~~حتى يصير العمل مألوفا للنفس معتادا لها، تهش لعمله ويصدر عنها بسهولة ويسر لا ~~أثر فيه للتكلف، فيصبح عادة فخلقا. # ومن هذا يتضح أن من أهم خصائص العادة تسهيل العمل المعتاد، ومن أوضح المثل لذلك ~~المشي والكلام، فكل منهما في أول الأمر شاق على الطفل غاية المشقة، ولا يزال الطفل ~~يتمرن عليه حتى يصير أمرا معتادا سهلا لا كلفة فيه. # وإذا عرفنا كيف تتكون عادة من العادات الطيبة، أمكن أن نعرف كيف نتخلص من عادة ~~رديئة، وذلك يكون بعدم الترحيب بالميل غير المرغوب فيه، وعدم إجابة هذا الميل - حتى ~~ولو كان شديدا قويا - بإصدار العمل، وبذلك تموت هذه العادة بإهمالها. # هذا من وجهة التربية والأخلاق، وإلا فقد يكون من الخير للمرء الذي يعرف من نفسه ~~مضاء العزيمة، إذا أراد أن يترك عادة مذمومة، أن يتخلى عنها مرة واحدة، ثم يتحمل ~~مشقة ذلك مدة من الزمن محدودة تنتهي بالتحرر منها، وفي الحديث: «إنما الصبر عند ~~الصدمة الأولى». أما من يخاف الخور في العزيمة، فمن البصر وسداد الرأي أن يأخذ ~~نفسه بالتدريج، حتى لا يؤدي ضعف عزيمته عن إنفاذ ما ليس في مقدوره إلى توهينها ~~وإضعافها عن إتيان السهل من الأمور. # وهذا هو السر في أن الله - جلت قدرته وحكمته - حرم ms62 الخمر على ثلاث مراتب، ولم ~~يحرمها مرة واحدة. ~~(2) المقصد ~~(2-1) تعريفه # المقصد في اللغة: المطلوب، قصدت الشيء وله وإليه قصدا من باب ضرب: طلبته بعينه، ~~وإليه قصدي ومقصدي. وفي «القاموس»: القصد: استقامة الطريق والأم، فالقصد «مجرد ~~اتجاه النفس نحو أمر من الأمور»، أما المقصد فهو «كل ما تتجه إرادة الإنسان ~~لتحصيله»، وهو ما نعنى بالكلام عنه الآن؛ لأنه متعلق الحكم الخلقي، فيوصف آنا ~~بالحسن وآنا بالقبح. # بهذا التعريف يشمل المقصد نتائج أعمالنا وإن كان بعضها غير مرغوب فيه، أو غير ~~متيقن الوقوع، فقائد الغواصة مثلا إذا أمر بإطلاق قذائفها على باخرة للأعداء ~~فدمرتها وأغرقت ربانها وبحارتها، يكون مسئولا أخلاقيا عن هذا العمل، وليس له أن ~~يتعلل بأنه لم يكن يرغب هلاك البحارة بل كان باعثه إضعاف العدو، فحسبه أن ذلك كان ~~له مقصدا اتجهت إليه إرادته. # لكن هذا التعريف لا يتناول الظواهر الكونية التي تقع وفق القوانين الطبيعية، ولا ~~دخل لإرادة الإنسان ولا لقصده فيها، فاتصال النار بدار فلان وإحراقها ليس من متعلق ~~الأحكام الخلقية، فهو وإن صح وصفه بالضر بالنسبة لنتيجته، لا يصح وصفه بالقبح ~~لأن إرادة المرء لم تتجه إليه. أما لو تعمد شخص وضع النار في هذه الدار، فإنه يكون ~~مسئولا أخلاقيا، ويوصف عمله بالشرية؛ لأن إرادته تداخلت فكان الإحراق ~~مقصودا. ~~(2-2) أقسامه # من الأمثلة التي سنذكرها نعلم أن المقصد ينقسم إلى أقسام متعددة، تبعا لاعتبارات ~~مختلفة: # أولا: ~~«يكون خارجيا وداخليا»، فإن العمل الذي يأتيه المرء قد تكون ~~له نتيجة خارجية لا يلقي لها بالا، وأخرى وجدانية داخلية هي التي ~~فعل الفعل لأجلها، وذلك كالذي أنقذ الحجاج مرة من الغرق، فلما ليم ~~في إنجائه وعدم تركه للموت فيستريح الناس من شره، قال: أردت أن ~~أحول بينه وبين الموت شهيدا! فإنجاؤه مقصد خارجي ظاهري، والحيلولة ~~بينه وبين ميتة الشهداء، وهو ما يرضي نفس المنقذ ووجدانه، مقصد ~~داخلي وجداني. ومثل ذلك أيضا الرجل يتصدق على فقير يعذبه الجوع ~~بما يدفع عنه غائلته، يقصد من ذلك أن يبعد عن نفسه ms63 الألم برؤيته ~~بائسا مسكينا يعضه الجوع بنابه، فهذا مقصد داخلي وجداني، وبجانبه ~~آخر خارجي، هو شبع الفقير ورد عادية الجوع عنه. # ثانيا: ~~«يكون قريبا وبعيدا»، كما لو شوهد مجرم أثيم يطلق النار على ~~رجل بريء من اثنين أحدهما قريب المجرم والآخر ولي المقتول، وحين ~~استجوابهما من رجال القضاء أنكرا أن يكونا شاهدا القاتل أو عرفاه. ~~فكل منهما قصد تخليصه من المحاكمة، وهذا مقصد قريب تحققا، إلا أن ~~لولي المقتول مقصدا آخر بعيدا هو تمكنه من أخذ ثأره بنفسه منه، ~~ففي ذلك وحده في رأيه إرواء عاطفة الانتقام. ونحو هذا لو رأينا ~~قاتلا يساق لساحة الإعدام جزاء بما قدمت يداه، ويتبعه والد ~~المقتول ينتظر الساعة التي يبرد فيها من لوعته برؤية القاتل بين ~~يدي الجلاد، فيعترض المجرم خطر يهدد حياته فيسرع كثير لإنقاذه ~~ومنهم الوالد الثاكل، كل من هؤلاء قصد إنقاذه، وهذا مقصد قريب ~~تحققه، ولكن لهذا الوالد المحزون مقصد آخر بعيد، وهو سلامته من هذا ~~الخطر المفاجئ ليموت مشنوقا، وفي ذلك سرور الوالد المسكين. # وقد يقال: إنه بمقارنة هذا النوع بسابقه يكون المقصد البعيد هو ~~الداخلي دائما. وهذا غير صحيح؛ لأنه إن كان الأمر كذلك في هذه ~~الأمثلة فقد لا يكون دائما، كرجل أخذ نفسه بضروب العبادة لتهذيب ~~نفسه وليفوز برضوان الله وجنته، فتهذيب النفس مقصد داخلي وجداني، ~~وهو هنا القريب تحققا ووجودا، والثواب الأخروي هو المقصد الخارجي ~~وإن كان بعيدا في وجوده. # ثالثا: ~~«يكون أصليا وتبعيا»، وذلك كما أراد رجل فوضوي قتل حاكم ~~فاعتزم نسف ندي علم أنه سيحضر فيه، وهو يعلم أن القنبلة ستميت ~~كثيرا من الأبرياء، ولكنه يقصد هذا كما يقصد قتل الحاكم أيضا، ~~إلا أن قتل الحاكم مقصود أصالة وقتل أولئك مقصود تبعا. ونستطيع أن ~~نمثل لذلك أيضا باجتهاد أحزاب المعارضة في التنقيب عن سقطات ~~الوزارة التي تكون قائمة بالحكم، والكشف عن مساوئها، تقصد من ذلك ~~تقويم المعوج منها، إلا أن هذا مقصد تبعي لها، والمقصد الأصلي هو ~~الفوز بالحكم بعد تأليب الناس عليها وإسقاطها. # ومن ms64 هذا نعرف المقصد الأصلي بما اتجهت إليه الإرادة أولا، ~~والتبعي بما جاء تبعا له، وقد يسمى المقصد الأصلي مقصدا ~~مباشرا، والتبعي مقصدا غير مباشر. # رابعا: ~~«يكون شعوريا وغير شعوري»، فالشعوري ما يقصده المرء وهو متنبه ~~له أكمل التنبه شاعر به تمام الشعور، والآخر ما يندفع إلى تحقيقه ~~على غير شعور به ولا تنبه له، كهؤلاء العلماء الذين يقفون حياتهم ~~وجهودهم في الاكتشافات العلمية الطبية التي تنجي العالم من كثير من ~~الأدواء وتزيد في سعادته، فلو أنك سألت أحدهم عن غايته من أعماله ~~ومقصده منها، لما أجابك إلا بأنه يقصد خير الإنسانية، مع أن له ~~بجانب هذا مقصدا آخر هو ذيوع شهرته وخلود اسمه، إلا أن المقصد ~~الأول متنبه إليه شاعر به، والثاني منساق إليه بغير تنبه ولا شعور، ~~بمعنى أن الشهرة وذيوع الاسم وخلوده وإن كانت أمورا مقصودة لكنه ~~لا يشعر بأنها مقاصد ولا يتنبه لها؛ لأن مقرها العقل الباطن، فهو ~~يسعى إليها ويحققها بدون شعور منه. # خامسا: ~~«يكون ماديا ومعنويا»، ويقصد بالمادي غاية جزئية خاصة، ~~وبالمعنوي مبدأ عام يراد تحقيقه، وذلك كما إذا تقدم رجل يرشح نفسه ~~للنيابة، فقام في وجهه جماعة يسعون لسقوطه لرجعيته، وآخرون يبغون ~~إسقاطه أيضا ولكن لعدم تدينه مثلا أو رغبة في نجاح مرشح آخر لهم، ~~فالمقصد المادي لجميع المناوئين واحد وهو عدم نجاحه، إلا أن لهذا ~~المقصد معنى عند هذا الفريق غيره لدى الفريق الآخر، وذلك المعنى ~~عند الفريق الأول عدم نجاح رجل رجعي في آرائه ومبادئه، وعند الفريق ~~الثاني عدم نجاح رجل غير متدين، أو مساعدة لمرشح آخر، وإن كانت ~~الغاية المادية واحدة عند كلا الفريقين وهي سقوط ذلك المرشح في ~~الانتخاب. # وبإعدام الحكومة للقاتل يتحقق المقصدان؛ المادي وهو قتل الجاني القاتل، والمعنوي ~~وهو تحقيق مبدأ «القصاص حياة.» # ومن هذه الظواهر والأقسام للمقصد يتبين لنا أنها مع اختلافها وتعددها يجمع بينها ~~أمر مشترك هو التوجه لتحقيقها، وبذلك يظهر معنى تعريفنا السابق له، وهو أنه «كل ما ~~تتجه إليه الإرادة لتحصيله.» ~~(3) الباعث ~~(3-1) معناه ms65 # يرى الحكماء أن من العلة ما يسمى «علة فاعلية»، وهي الأمر المؤثر في وجود الشيء، ~~وذلك كتأثير عمل الأعصاب، واليد في حركة الأخذ والعطاء، وكصانع الكرسي بالنسبة له. ~~ومنها ما يسمى «علة غائية»، وهي الأمر الذي لأجله قام الفاعل بالفعل، أو بتعبير آخر ~~قد يكون أقرب للاصطلاح: هي الأمر المؤثر في فاعلية الفاعل للشيء، كالتأديب في ضرب ~~الوالد لابنه، والرغبة في تخليد ذكرى عظيم في إقامة تمثال له. # على هذا النحو نتكلم في «الباعث» فنقول: إن منه باعثا دافعا، وهو ما يساوي ~~العلة الفاعلية، وباعثا غائيا، وهو ما يساوي العلة الغائية، فإذا حركتك الشفقة ~~إلى مد يد المساعدة لطفل ينتفض من البرد فكسوته ثوبا، كانت الشفقة هي الباعث ~~الدافع، ودفع البرد عنه هو الباعث الغائي، والأخلاقي إنما يعنى ببحث الثاني دون ~~الأول. # لا يحتاج دارس الأخلاق إلى بحث الباعث الدافع؛ لأنه إما أن يتسيطر على المرء ~~ويسلبه إرادته ويدفعه للعمل دفعا، وحينئذ لا يكون هذا العمل محلا للحكم ~~الأخلاقي؛ لأن متعلقه الأعمال الصادرة عن وعي وتفكير وإرادة، فمن ملكه الغضب مثلا ~~حتى أعماه عن القصد وأخرجه عن الوعي، ودفعه لما لا يليق من قول أو فعل، يكون ~~مسئولا أخلاقيا لو كان في مكنته الحيطة قبل الغضب الذي سلبه تفكيره، كما قدمنا ~~عند الكلام على موضوع علم الأخلاق، هذا إذا كان الباعث الدافع مسيطرا بهذه ~~المثابة. أما إذا لم يقو على هذا النحو، وكان للمرء معه قدر من التفكير في إصدار ~~الفعل أو عدم إصداره، فلا يكون هو وحده حينئذ الذي دفع العمل، وقصاراه أن يجعل ~~المرء أكثر استعدادا للعمل من غيره، أو بعبارة أخرى: يكون جزءا من الباعث لا ~~الباعث كاملا. # وإذا كان الباعث بين حالتين لا يعدوهما، إحداهما تخرج صاحبه عن المسئولية فلا ~~يكون العمل محلا للحكم الأخلاقي، والأخرى لا يكون فيها قويا فيكفي وحده للحمل ~~على العمل، فلا حاجة إذن بدارس الأخلاق لبحثه، وإنما حاجته ماسة لبحث النوع الثاني ~~وهو الباعث الغائي حتى يصدر حكمه عن بينة، بعد ms66 تعرف غايات الفاعل وبواعثه، التي ~~هي مناط الحكم الأخلاقي. # والآن، بعد أن وضح معنى الباعث بنوعيه، نتكلم عن العلاقة بينه وبين المقصد؛ ~~لنتبين ما يصلح منه أن يكون باعثا. ~~(3-2) العلاقة بين المقصد والباعث # ومن السهل أن نقرر بعد أن علمنا أن المقصد هو ما تتجه الإرادة لتحصيله، وأن ~~الباعث الغائي هو الغاية التي تجذب المرء لعمل معين؛ أن كل باعث بهذا المعنى يكون ~~مقصودا؛ لأن كل ما جذب الإنسان لعمل خاص يكون دائما شيئا يراد تحصيله، ولكن إذا ~~صح أن نقول: إن كل باعث مقصد، هل لنا أن نقول أيضا: إن كل مقصد باعث؟ # قبل أن نجيب على هذا السؤال، نتروى فنرى أننا نقصد كثيرا من نتائج أعمالنا ~~الحتمية، ولكن لا نعتبرها غاياتنا التي جذبتنا إلى هذه الأعمال وقمنا بها ~~لأجلها. # هذا سعد باشا زغلول وصحبه حين دعوا الأمة للثورة على الإنجليز عام 1919 كانوا ~~يعرفون من نتائجها المحتومة ما كان من قتل ونفي وتشريد ، وكانوا يقصدون هذا طبعا، ~~غير أنه لم يكن غايتهم من دعوتهم للثورة، بل كانت الغاية الحصول على استقلال مصر ~~وتحريرها. ومثال آخر: نحن نطعم أولادنا ضد كثير من الأمراض، ونعرف بل ونقصد ما ~~يكون وراء ذلك من ألم وورم في الأذرع، ولكن لا نجعل ذلك غايتنا، بل هي إكسابهم ~~المناعة ضد الأمراض التي لقحناهم بالمصل المضاد لها. # وإذن، من الحق أن نقرر أن ليس كل مقصد باعثا دائما. على أن هناك من الأحوال ما ~~يكون فيها المقصد هو الباعث، فإنا لو رجعنا إلى ما ذكرناه في الكلام عن تقسيم ~~المقصد، لتبين لنا أن الباعث يشمل الجانب الكبير من المقصد البعيد دون القريب، وأنه ~~يشمل المقصد الأصلي دون التبعي، وأنه في الغالب يشمل المعنوي لا المادي، كما أنه قد ~~يكون داخليا كما يكون خارجيا، ومن أجل ذلك تكون النسبة بين الباعث والمقصد ~~العموم والخصوص المطلق، يجتمعان في حالة، وينفرد الأعم. ~~(3-3) ما يكون باعثا # وإذا كان الباعث الغائي هو محل عناية دارس علم الأخلاق، فقد ms67 اختلف علماء الأخلاق ~~فيما يكون باعثا، أو بتعبير آخر: في الغاية التي تسيطر على جميع الغايات وتبعث ~~الإنسان للعمل؛ أهي اللذة كما قال بذلك قوم، أو المشاعر الوجدانية لذة أو غيرها كما ~~قال به آخرون، أو العقل وحده كما نادى به سقراط؟ وكان من هذا الخلاف مذاهب مختلفة: # الأول: ~~«الباعث هو اللذة»، أي أننا لا نعمل عملا إلا لنيل لذة أو ~~للتخلص من ألم، فالحصول على اللذة والفرار من الألم هو الغاية ~~القصوى التي تقودنا إلى ما نأتي ونذر من أعمال. # ومن أشهر القائلين بذلك من المحدثين اثنان: أحدهما بنتام # Bentham # 1 # الفيلسوف الإنجليزي الذي يرى أنه قد وضعت الفطرة ~~الإنسانية تحت حكم اللذة والألم، فنحن مدينون لهما بأفكارنا، ~~وإليهما ترجع جميع أحكامنا وجميع مقاصدنا في الحياة، ومن يدعي ~~أنه أخرج نفسه من حكمها لا يدري ما يقول، فإن غرضه الوحيد طلب ~~اللذة والهرب من الألم في اللحظة التي يرفض فيها أعظم اللذائذ ~~ويقبل أشد الآلام، وهذه المشاعر الأبدية التي لا تقاوم ينبغي أن ~~تكون الموضوع المهم لدراسة الأخلاقي والمقنن، ومبدأ المنفعة يخضع ~~كل شيء لهذين الباعثين. # والآخر هو ستيوارت ~~مل # Stuart Mill # 2 # الذي يقرر بأن النوع الإنساني لا يميل لشيء لذاته إلا ~~ما كان لذيذا عنده أو ما كان فقده مؤلما، وأن من المسائل الواقعة ~~المجربة أن الميل إلى شيء ورؤيته لذيذا، والنفور من شيء واعتباره ~~مؤلما، ظاهرتان متلازمتان، أو بالحري جزءان من ظاهرة ~~واحدة. # وقد اعترض على هذا المذهب باعتراضات، منها أنه لو كان الباعث ~~لنا على أعمالنا هو اللذة كما يقولون، لكان الاندفاع إليها ~~والإلحاح في طلبها مما يزيدها قوة وتحققا، غير أن الأمر بالعكس، ~~فإن ذلك مما يفوتها ويذهب بها. ولنتخذ مثلا لذة شهود رواية ~~تمثيلية، فإن المرء لا ينعم بها إلا إذا استغرق في التمثيل، وشارك ~~الممثلين في عواطفهم، وتلهى عن تذكر ما فيه من لذة، أما لو حصر ~~فكره في اللذة وطلبها فإنها تضيع عليه، وكذلك لذات الفكر والدرس ~~والمطالعة ونحوها من اللذات ms68 المعنوية. # الثاني: ~~«الباعث هو المشاعر الوجدانية لذة أو غيرها»، فكل عمل له باعثه ~~وهو الشعور الوجداني الذي يثير ميلا إليه، وهذا الشعور قد يكون ~~لذة أو ألما أو حقدا أو حسدا أو غيرها. وأشهر القائلين بذلك هو ~~دافيد هيوم # David Hume # 3 # فقد كان يرى أن ما يبعث إلى العمل هو المشاعر والعواطف ~~الوجدانية المختلفة، وليس للعقل أثر في ذلك، وكل أثره هو توجيه هذه ~~المشاعر إلى الوجهة التي تصل بهذا لما تريد، فالمرء يتجه للعمل ~~ببواعث من وجدانه فقط، والعقل ينير له الطريق الذي يصل لما يشتهيه ~~بالسير فيه، وبذلك يكون العقل خادما لهذه الميول الوجدانية لا عمل ~~له إلا هذا، حتى لقد ذهب «هيوم» إلى أن العقل ليس إلا خادما ~~للمشاعر، ولا ينبغي أن يكون إلا كذلك، ولا يمكن أن يدعى غير ~~خادمها المطيع. # والذي دفع «هيوم» للقول بأن العقل لا يوجه أعمال الإنسان ولا ~~يبعث عليها، هو فلسفته التجريبية والشكية، هذه الفلسفة التي كانت ~~تقوم على أنه لا سبيل للمعرفة إلا الحواس الظاهرة والباطنة؛ الأولى ~~بما تمدنا به من معارف عن الأشياء التي تقع عليها، والأخرى ~~بالإصغاء إلى بواطن نفوسنا والتأمل فيما يكون منها. # وبالرجوع إلى المقدمات النفسية، التي ذكرنا عند الكلام في تعريف ~~الخلق، يتبين أن الميول التي يرى «هيوم» أنها الباعثة على الأعمال، ~~لا بد أن يكون كل منها تابعا لعالم خاص يعيش فيه، وهذه العوالم ~~منها ما هو عقلي كما منها ما هو وجداني، وإذن فمن الميول أيضا ~~ميول عقلية، أي ليست كلها وجدانية وعاطفية فقط، وعلى هذا فنحن نسلم ~~أن المشاعر الوجدانية تكون باعثة على العمل، لكن لا على سبيل ~~الدوام؛ لأن العقل يكون باعثا في كثير من الأحيان. # الثالث: ~~«الباعث على العمل هو العقل وحده»، وهذا المذهب مقابل لسابقه؛ ~~لأنه ينكر أن تكون المشاعر الوجدانية من دواعي الأعمال وبواعثها، ~~ويقرر أن العقل هو الباعث الوحيد. # ورأس الذاهبين هذا المذهب هو «سقراط» الذي دحض ما ذهب إليه جماعة السوفسطائيين في فلسفتهم # 4 # من ms69 أن الحواس هي السبيل الوحيد للمعلومات التي تصل للذهن، وبما أن هذا ~~الإدراك الحسي أي الناشئ عن الحواس هو أساس المعلومات جميعا في رأيهم وهو يختلف ~~باختلاف الأشخاص؛ كانت المعلومات التي تجيئنا عن حقائق الأشياء بوساطته مختلفة كذلك ~~وغير ثابتة. # هذا هو ملخص ما يراه السوفسطائيون في حقائق الأشياء، وهو رأي مخالف لما كان عليه ~~الفلاسفة قبلهم من التفرقة بين ما يدرك بالحواس الخادعة الغاشة في بعض الأحيان - ~~وقد يظن المرء السراب ماء، والظل ساكنا، والشمس متحركة حول الأرض، وليس ذلك ~~صحيحا، وقد يتراءى النبات الشديد الخضرة أسود، وليس به - وبين ما يدرك بالعقل ~~الذي هو الوسيلة الصحيحة لإدراك الحقائق العامة الكلية. # ومن هنا كانوا يفرقون بين ما يدركه المرء من الشيء وبين حقيقة الشيء الخارجية، ~~حتى جاء السوفسطائيون فأنكروا كل هذا زاعمين أن ليس للأشياء وجود خارجي مستقل عما ~~يتمثل في الذهن بواسطة الحواس، وبعبارة أخرى: زاعمين أن ليس هناك فرق بين الوجود ~~الذهني والوجود الخارجي؛ ولذلك كان من تعاليمهم أن ما أراه حقيقة فهو كذلك بالنسبة ~~لي، وما يراه الآخر حقا فهو كذلك بالنسبة له، وهكذا دواليك. # وعذرهم في هذا الزعم الخاطئ أن المعلومات لا طريق لها إلينا إلا الحواس، وهي ~~تختلف في هذا عن ذاك فيكون إدراكها لذلك مختلفا، وإذن فلا يصح أن نعتمد عليها ~~لإثبات أن هناك في الواقع حقائق خارجية غير ما تمثله لنا هذه الحواس، ناسين أو ~~متناسين عمل العقل في المدركات الجزئية الشبيهة بالمواد الخام التي تصله عن ~~الحواس. # وقد بنى أشياعهم الذين أتوا بعدهم على هذه النظرية الضالة - نظرية عدم ثبوت حقائق ~~خارجية للأشياء بل ما يدركه المرء هو حق بالنسبة له - مذهبا هداما في الأخلاق ~~هو مذهب اللذة الشخصية الذي يقرر أن الخير الأخلاقي ما يجده كل امرئ خيرا بالنسبة ~~له، أي ما ينتج لذة شخصية له، وعلى الآخرين العفاء. # استمر الحال كذلك فيما يختص بحقائق الأشياء الداخلية والخارجية حتى جاء سقراط، ~~فكان من الرسالة التي اضطلع بها دحض هذه الفلسفة ms70 الخاطئة، وبيان أن سبيل المعرفة هو ~~العقل وحده؛ لأن الحواس لا توصل إلينا إلا مدركات جزئية لكل منها صفاتها الخاصة، ~~كإنسان وفرس مثلا، وهنا يجيء دور العقل بالجمع بين الصفات المشتركة في جميع أفراد ~~النوع الإنساني وإبعاد الصفات العارضة المنفردة غير المطردة، فيكون من ذلك المدركات ~~الكلية التي هي مهايا الأشياء، وهي التي تسمى معرفة. # وبما أن العقل مشترك وعام لدى جميع الناس، ~~كانت حقائق الأشياء ثابتة غير مختلفة؛ لأننا نعلمها جميعا عن طريق واحد وهو الذي ~~لا يختلف إدراكه في شخص عن آخر. وكان سقراط يقول بعد هذا: إنه لا فضيلة إلا المعرفة ~~ولا رذيلة إلا الجهل، وإن الإنسان لا يستطيع عمل الخير ما لم يعلم الخير، ومعرفة أن ~~هذا الشيء خير عقلا هي الباعث لنا على إتيانه فعلا، وأن المرء لا يأتي الشر وهو ~~عالم به؛ لأن كل إنسان يحب الخير لنفسه كما يكره الشر لها، فمن المستحيل إذن أن ~~يأتي ما يضرها وهو عالم بضرره، وليس عثار إرادة المرء أو خطؤها بالوقوع في الإثم ~~الأخلاقي إلا ضلال العقل نفسه. # 5 # غير أن سقراط وإن أصاب في أن أساس المعرفة الفضيلة فلا يكون المرء فاضلا حتى ~~يقصد الخير ويأتيه وهو عالم به، قد أخطأ في زعمه أن معرفة الخير تبعث على عمله، ~~ومعرفة الشر تباعد بين المرء وبينه لا محالة. # ويكفي لرد هذا الرأي أن نسوق بعض ما ذكره العلامة «سانتهلير» في هذا المعنى حين ~~يقول في مقدمة لترجمة كتاب الأخلاق لأرسطو: # ليس ما يقع الإنسان فيه من الإثم ناشئا عن خطأ في الموازنة بين اللذة ~~الحاضرة والآلام المستقبلة التي هي أكبر منها كما يعتقد سقراط، ولا ناشئا ~~عن جهل بطبائع الأشياء، إنما منشؤه فساد في الخلق يحمل الإنسان على تفضيل ~~الشر على الخير وهو عالم بهما وبكليهما جميعا، فإن الشرير لا يجهل البتة ~~ما يفعل من سوء، بل هو على الضد من ذلك يعجب من نفسه فيما هو سادر فيه من ~~الرذيلة ... لأنه إذا كان يجهل ما ms71 يفعل فليس بمجرم ولا مسئول أمام الناس ولا ~~أمام الله، وحينئذ بهذه المثابة لا تكون الفضيلة والعلم متماثلين، فقد يعلم ~~الإنسان ولا يعمل، وقد يعمل ضد ما يعلم ... إذا كانت الفضيلة في الواقع هي ~~العلم، وجب على الإنسان أن يقتصر على أن يعلم ليكون فاضلا، وبذلك تتضاءل ~~الحياة الأخلاقية إلى مجرد النظر والتأمل. # 6 # والخلاصة، بعد ما تقدم من بسط كل مذهب ونقده، أننا لا نعدو الصواب إذا قلنا: إن ~~الباعث هو «الغاية التي تتفق مع العالم الذي تظهر فيه.» هذه الغاية قد تكون لذة أو ~~عاطفة وجدانية أخرى، كالكره والحقد اللذين يبعثان على كثير من الأعمال، كما قد تكون ~~أمرا عقليا يتناسب مع العالم الذي نعيش فيه، كالوصول لقوانين عقلية في المنطق ~~والرياضيات مثلا. ~~(4) الضمير # تعريفه، الدور الذي يقوم به، مظاهره، ماهيته، إمكان تربيته، درجاته ~~(4-1) تمهيد # عن وابصة بن معبد - رضي الله عنه - أنه قال: أتيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: «جئت ~~تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ~~ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك.» # وجاء في كلام الغزالي، في كتاب الإحياء في باب المحاسبة والمراقبة: # للمراقب في عمله نظران: نظر قبل العمل، ونظر في العمل، أما قبل العمل ~~فلينظر أن همته وحركته: أهي لله خالصة، أم لهوى النفس ومتابعة السلطان؟ ~~فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق؛ فإن كان لله تعالى أمضاه، ~~وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكشف عنه. وأما النظر الثاني للمراقب ~~عند الشروع في العمل، فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه، ويحسن ~~النية في إتمامه، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه. # ثم تكلم بعد ذلك في بيان محاسبة النفس بعد العمل، فقال: # ينبغي أن يكون للمرء آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع ~~حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو ~~شهر أو يوم؛ حرصا منهم على ms72 الدنيا. # وأخيرا أشار في هذا الباب في مواضع كثيرة إلى قوة جعلها مرة «نورا إلهيا»، ~~وأخرى «معرفة»، مقررا أنها تهدي المرء وتقوده في أعماله. # كما رأينا مسكويه، حين تكلم عن النفس وقواها الثلاث، في كتابه «تهذيب الأخلاق»، ~~ذكر أن منها القوة الباطنة أو العاقلة، ووصفها بأنها قبس من النور قذف به الخالق ~~إلى النفس البشرية ليكون لها هاديا ومرشدا، وصرح بأن أصل هذه القوة هو الميل ~~للخير والنفور من الشر. # ونحن إذا رجع الواحد منا لنفسه عند إتيان عمل من الأعمال وجد أن في قرارتها قوة ~~تأمره بالخير وتشجعه عليه، وتحذره من الشر وتثبطه عنه، وأنه إذا عمل بوحيها أحس ~~ارتياحا وطمأنينة وغبطة؛ لأنه عرف لنفسه كرامتها، وإن عصاها أحس بألم وتأنيب ينال ~~منه أشد منال، وبندم يدعوه للتوبة والإنابة. # مثلا: ها أنا ذا الآن متردد بين قضاء هذه الأمسية في الترويح عن نفسي والتسرية ~~عنها ببعض الملهيات البريئة بعد ما بذلته من المجهود الشاق في الصباح، وبين إتمام ~~المقال الذي تنتظره مجلة الأزهر، وبين الذهاب لأداء خدمة لآخر هو جد محتاج إليها؛ ~~العاطفة تشير بالاستجمام وقضاء هذه الأمسية في هذا الملهى أو ذاك، ولا علي إن ~~انتظرت المجلة عبثا ولهذا البائس المحتاج لمساعدتي رب قد يرسل له من يقوم بخدمته ~~على الوجه الذي يريد. # لكني، وقد هممت بتلبية نداء العاطفة، أسمع في أعماق النفس صوتا قويا يثبطني عن ~~إضاعة الوقت باللهو الفارغ، ويذكرني بواجب إسعاف هذا الجار المسكين الذي أنا أقدر ~~على خدمته من غيري، حتى إذا أطعته أحسست بطمأنينة في القلب، وبارتياح في النفس، ~~وبغبطة داخلية تعوض على ما فاتني من الاستمتاع بالرواية التي كنت أشتهي مشاهدتها في ~~إحدى دور السينما أو التمثيل. ~~(4-2) تعريف الضمير # هذه القوة التي أمر الرسول السائل عن البر باستفتائها وسماها القلب، والتي تميز ~~الخير من الشر، وتأمر بالأول وتثيب عليه بالارتياح والطمأنينة، وتنهى عن الثاني ~~وتعاقب بالتأنيب والندم، والتي دعاها الغزالي مرة نورا إلهيا وتارة معرفة، ~~ووصفها مسكويه بأنها قبس من النور ms73 الإلهي؛ هذه القوة هي ما يسمى في عرف الأخلاقيين ~~المحدثين ب «الضمير». # ويرى بعض من كتب في الأخلاق أن الضمير مرادف للوجدان، وأنهما ترجمة كلمة # La conscience # الفرنسية. ويرى آخرون أن الوجدان ~~هو تعرف النفس حالاتها، وشعورها باللذة والألم اللذين يعقبان الأفعال، أما الضمير ~~فهو القوة التي عرفنا الكثير من خصائصها ومنها الحكم بأن هذا العمل الذي أتاه المرء ~~خير فيلتذ لذلك ويسر، أو شر فيتألم ويندم، وإذن فالفرق بينهما هو أن التلذذ ~~والتألم من ذاتية الوجدان، بينما هما من لوازم الضمير وآثاره. # على أن الحق في رأيي هو أن بين الوجدان والضمير فرقا كبيرا؛ الأول هو - كما ~~قلنا - مشاهدة النفس لما يجري فيها وتعرفها حالاتها وإحساسها بما يكون من لذة وألم، ~~أما الضمير فهو، بعد ذلك كله، يقدر الفعل ويحكم عليه بقياسه بما يرى من مثل أعلى، ~~على ما سيجيء بيانه. # هذا، وقد جاء لفظ «القلب» في معنى قريب من الوجدان إن لم يكنه، كما جاء بمعنى ~~العقل أو الضمير؛ من الأول قوله تعالى: # وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ~~، وقوله: # قلوب يومئذ ~~واجفة ~~، وقوله: # سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب ~~. ومن الاستعمال بالمعنى الثاني قوله ~~تعالى: # لهم قلوب لا يفقهون بها ~~، وقوله: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور ~~. ومثل هذا وذاك كثير. ~~(4-3) الدور الذي يقوم به # مما تقدم يتبين أن الضمير يلعب دورا هاما في حياتنا، فهو ناصح حكيم، وقاض ~~عادل، ومنفذ أمين، ينصح أول الأمر بالخير ويحث عليه، وبالبعد عن الشر ويثبط عنه، ~~وبعد الفعل يحكم لنا بالخيرية والفضيلة، أو علينا بالشرية والرذيلة، وينفذ ~~أخيرا المثوبة ممثلة في ارتياح النفس وطمأنينتها، أو العقوبة بالتأنيب المر الذي ~~يحز في القلب حزا، ويسلم للندم والتوبة. # وهذا الدور الهام هو ما أنطق جان جاك روسو # 7 # بهذه المقطوعة من الشعر المنثور في وصفه، وكان يعتقد أنه قوة من نور ~~الله تعالى: # أيها الضمير، أيتها القوة الفطرية الخالدة، أيها الصوت السماوي، أيها ms74 ~~القائد الأمين للإنسان الجاهل المحدود، وإن كان ذكيا حرا في إرادته، ~~أيها القاضي الذي لا يضل في تمييز الخير من الشر، والذي جعل الإنسان شبيها ~~بالله! إنه أنت الذي يكون أشرف جزء في طبيعته، وإنك الفضيلة في أعماله، ~~بدونك لا أشعر بما يرفعني عن الحيوان ما عدا الميزة التي تجعلني أضل في ~~ميدان الأخطاء، وهي أداة الفهم التي لا قاعدة لها، والعقل بدون مبادئ يسير عليها. # 8 ~~(4-4) مظاهر الضمير # يحس المرء بعد العمل عواطف مختلفة غير مغرضة، وهي ما تسمى مظاهر الضمير: ~~(1) # من هذه العواطف «عاطفة السرور الأخلاقي»، التي تسمى أيضا «عاطفة ~~الرضاء بالواجب المؤدى»، مثلا، ها أنا ذا أحس حاجة ماسة للاستجمام ~~بعد يوم قضيته في عمل متواصل، فأعزم على الذهاب للاستمتاع بجلسة ممتعة ~~مع جماعة من الأصدقاء، أو بمشاهدة قصة تمثيلية، ولكن جاري يلتمس ~~مساعدتي في أمر له وقد وعدته بها وهذا حينها، ومجلة الأزهر تقتضيني ~~مقالها الشهري، فإذا أعرضت عن داعي العاطفة واستمعت إلى نداء الواجب، ~~أحس سرورا داخليا يعوض علي ما فاتني من الراحة المنشودة؛ لأن عمل ~~الخير - كما يقول فيكتور هيجو # 9 ~~- يعطر الروح بأرج ذكي ينعم المرء بشذاه طول ~~الحياة. # هذا السرور لا يتوقف على وجدان مصلحة شخصية في الواجب المؤدى، ~~فالمرء لا يحس سرورا أخلاقيا عظيما إلا إذا ضحى بمتعة كبيرة ~~مرغوبة، أو مصلحة خاصة هامة في سبيل واجب كبير، لعل أسعد ساعات علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - هي الساعة التي نام فيها في فراش النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، مستعدا للتضحية بنفسه، ليلة أن اجتمعت قريش على قتل الرسول ~~وإهدار دمه. # وتولستوي الكاتب الروسي المعروف (1828-1910)، يحدثنا في روايته ~~«الحرب والسلام» أن أحد أبطالها حينما رأى أنه ضحى بجزء كبير من ثروته ~~في سبيل ما عده واجبا وطنيا، أحس أنه دخل عالما جديدا، فنراه يقول ~~إن مجرد التضحية التي قام بها جعله يحس سرورا عميقا لا يقادر ~~قدره. # ويحضرني أثناء كتابة هذه السطور ما أجاب به زعيم الهند غاندي ms75 العظيم ~~حقا بعض من ساورتهم الخشية على حياته، حين نذر صومه الأخير احتجاجا ~~على الإنجليز، حين قال: «لقد وهبت حياتي في سبيل الدفاع عن حقوق بلادي، ~~وإني لأشعر بغبطة عظيمة وسعادة روحية كاملة إذ أضحي بنفسي في سبيل ~~سعادة الهند وسعادة العالم»، هكذا يقول ربيب النعمة وسليل المجد، لا ~~كبعض من يعدون أنفسهم زعماء وهم لا يهمهم أجاع الشعب المسكين أم شبع، ~~وسعد أو شقي، ما داموا ناعمين مترفين، وما دام الشعب بلغ من الجهالة ~~حدا لا يفرق معه بين السعادة والشقاء. # السرور الأخلاقي يختلف عن السرور الذي يجده المرء لثناء يوجه إليه ~~أو لمكافأة ينالها، هذا فرح وقتي يزول بزوال حينه، أما الأول فسرور ~~داخلي يحسه في أعماق قلبه، ولا يرى الآخرون منه إلا الوميض الذي يضيء ~~وجه رجل سعيد أدى واجبه بنبل وشجاعة. # بتحليل هذا النوع من السرور نجده خليطا من عواطف مختلفة؛ عاطفة ~~التحرر من أثرة الشهوات واستعبادها، ورحابة الصدر بواسطة حب الغير؛ ~~لأنه - كما يقول أرسطو - يجد المرء سرورا في أن يكون محبا كما في أن ~~يكون محبوبا، وأخيرا نجد فيه الإحساس بالسمو فوق المستوى العادي، ~~يقول الفيلسوف الهولندي هوفدنج # Hoffding ~~، الذي عاش في القرن التاسع عشر: «هذا السرور ~~قد يبلغ من العظمة والقوة حدا تكون كل المتع والمسرات الأخرى لا شيء ~~أمامه إذا قورنت به ... بين الرضاء للتضحية المبذولة عن طيب خاطر وأي ~~سرور من نوع آخر يكون الفرق كبيرا جدا، حتى ليتضاءل هذا النوع ~~الأخير من السرور أمام الضمير. الحياة بهذه التضحية في سبيل الواجب ~~تبلغ من السمو منزلة تكون الحياة لولاها لا قيمة لها مطلقا.» ~~(2) # العاطفة المقابلة للسرور الأخلاقي هي عاطفة التأنيب، أعني الحزن الذي ~~أحسه عندما أتذكر أني اجترحت سيئة أخلاقية، والذي يحسه من يندفع ~~بالأثرة فيسبب ألما لآخر كان من الواجب أن يجنبه إياه، فيتألم كلما ~~يتذكر ذلك ألما بالغا. # ولعل شكسبير، شاعر الإنجليز المعروف (1564-1616)، أحسن من مثل ~~التأنيب أصدق تمثيل في روايته الخالدة «مكبث»، # 10 # اللادي مكبث بعد أن ms76 لوثت يديها بالدم المسفوح لم تستطع أن ~~تزيل عنهما ما علق بهما من أثر الجريمة، برغم ما بذلت من جهد وأنفقت من ~~مال، فكانت تقول: «يوجد دائما أثر الدم، دائما رائحته الخبيثة، كل ~~العطور العربية التي لها فعل السحر عجزت عن تنظيف هاتين اليدين ~~الصغيرتين!» هكذا كانت تناجي المسكينة نفسها، وقد استطير قلبها وهلع ~~فؤادها، فلم تنتفع بنفسها بعد جرمها الشنيع! # التأنيب عاطفة بعيدة عن الهوى والغرض وتتصل بالماضي الصرف، ومن أجل ~~هذا يجب ألا تختلط بالأسف، العاطفة الأثرة التي تتصل بالحاضر المقارن ~~بالماضي أكثر من اتصالها بالماضي الخالص، حقيقة حينما يأسف المرء ~~لثروته الضائعة لا يتألم إلا لشقائه الحالي، وحينما يأسف لإفراطه في ~~اللذات السافلة يتألم؛ لأن ذلك هد صحته فأصبح لا يستسيغ الماء ~~القراح. # كذلك لا يجب أن يشتبه علينا التأنيب بالخوف من اللوم أو العقاب، ~~فكثير من المجرمين يظلون في نضال مع رجال الشرطة والقضاء، ولا يستشعر ~~الواحد منهم التأنيب إلا حين يجد نفسه في أمن من مطاردة رجال البوليس ~~والأمن العام. ~~(3) # يجيء بعد التأنيب عاطفة أخرى هي عاطفة الندم، وهي عاطفة مزيج من ~~التأنيب والسرور الأخلاقي، التأنيب والألم لتذكره ما عمل من سوء، ~~والسرور لعزمه على ترك الشر وعلى أن يكون رجلا خيرا. والندم من ~~الناحية الأخلاقية أعلى جدا من التأنيب المحض؛ إذ ليس من الخير أن ~~يعيش المرء رازحا تحت ألم التأنيب المقعد المقيم، متذكرا دائما ~~الماضي وما كان فيه من سيئات، لا يجب أن يؤنب المرء نفسه إلا بقدر ما ~~يقوي في نفسه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، على أن يكفر عما ~~مضى، وعلى أن يسلك سواء السبيل. # تلك طائفة من العواطف الأخلاقية التي يحسها المرء بالنسبة لأفعاله شخصيا، فإذا ~~نظر لأعمال غيره، وبعبارة أدق: إذا نظر للبواعث والمقاصد التي يعتقد أنه كشفها وراء ~~هذه الأعمال، يشعر بعواطف أخرى غير مغرضة أيضا. نحن نشعر بالتقدير لمن هم على ~~خلقية عادية وفضيلة متوسطة، وبالاحترام لمن هم على خلقية عالية وفضيلة سامية، وهذا ~~الاحترام يجب ألا يشتبه ms77 علينا بالإعجاب الذي يتوجه لكل من بلغ الأوج في أية ~~ناحية من النواحي التي هي محل التقدير، كالجمال والقوة والذكاء مثلا، أما الاحترام ~~فهو الإعجاب بالعلو الخلقي فحسب. # التقدير والاحترام يعتبران حقا من العواطف غير المتحيزة، قد أحسهما لمن يعمل ~~ضد فائدتي ومنفعتي الخاصة إذا أيقنت أنه يعمل طبقا للعدالة، فالقاضي العادل محل ~~تقديري واحترامي وإن حكم ضدي، ما دام صدر في حكمه عن عدالة، وكان بنجوة من الغرض ~~والهوى. يقول الأديب الفرنسي فونتينل # Fontenelle ~~: # 11 ~~«أنا أنحني أمام رجل عظيم ولكن قلبي لا ينحني»، ثم أضاف: «أمام الرجل ~~المتواضع الذي بلغ من الفضيلة حدا لم أبلغه ولا أجده في نفسي، ينحني قلبي سواء ~~أردت ذلك أم لم أرده، ولو أني أرفع بغطرسة رأسي أمامه عاليا حتى يحس علو مركزي ~~الاجتماعي ... الاحترام ضريبة لا يمكننا أن نأبى دفعها لمن يستحقها طوعا أو كرها، ~~قد يكون في طوقنا أن نخفي آثارها الظاهرة فلا يعرف الفاضل أنه موضع الاحترام منا، ~~ولكن ليس في وسعنا أن نعرف أن نمنع أنفسنا من الإحساس باحترامه داخل ~~أفئدتنا.» # من الممكن أيضا أن أقدر بكل ابتعاد عن التحيز والهوى أعمال الآخرين السيئة ~~فألومهم وأحكم عليهم، ها أنا ذا أحس الاحتقار لهذا الرجل الذي أعلم ما هو عليه من ~~خلقية سافلة وانحطاط شاذ، هذه العاطفة ليست أبدا أثرة، فقد أحتقر أخلاقيا آخر ~~يسرني من ناحية الأثرة أن أنتفع بخدماته؛ ولهذا يسر رجل الحرب أو السياسة بالخدمات ~~التي يؤديها له جاسوس خائن، مع احتقاره له في الوقت نفسه احتقارا بالغا. # كل هذه الأعمال والعواطف، وأمثالها من العواطف الأخرى، تسمى كما قلنا مظاهر ~~الضمير الأخلاقي، الذي لا يصح أن يشتبه بالضمير النفسي «الوجدان»، الضمير النفسي ~~يتحقق ويتأكد، والضمير الأخلاقي يحكم، الأول يخبرني بأني غاضب، والثاني يعلمني أن ~~من الخطأ أن أغضب وأن أدع علي للغضب سلطانا. # وأخيرا، وقد بان تعريف الضمير، والدور الذي يقوم به، ومظاهره المختلفة، يحسن أن ~~نتعرف ماهيته حتى يكون بحثنا عن بينة. ~~(4-5) ماهية الضمير # عرفنا ms78 الضمير بخواصه، وليس ذلك بمغن عن تعرف ماهيته متى كان ذلك مستطاعا. وقد ~~تشعبت في بيان هذه الماهية آراء الفلاسفة إلى شعب كثيرة، وانتهوا من بحوثهم إلى ~~آراء مختلفة، تبعا لاختلافهم في أسس فلسفاتهم المتعددة، وها نحن أولاء نسوق أشهر ~~هذه الآراء ونقفي على كل منها بوجوه نقده، حتى يخلص لنا من ذلك كله الرأي الصحيح ~~في تلك القوة الباطنة التي كان خفاؤها مثار الخلف فيها. # اختلف الفلاسفة بادئ الأمر في: هل الضمير قوة فطرية أو كسبية؟ فكان لكل نظرية ~~شيعة وأنصار، وانطوى تحت كل من هاتين النظريتين مذاهب مختلفة، أشهرها مذاهب الحاسة ~~الأخلاقية أو «المدرسة الأسكتلندية»، ومذهب «عمانويل كانت»، ومذهب الكسبيين أو ~~«المدرسة الإنجليزية.» # 12 # الأول: ~~«مذهب الحاسة الأخلاقية»: يقول زعماء هذا المذهب إن الضمير قوة ~~فطرية غرزية، «موضوعها أو متعلقها الخير والشر، كما أن المحسات ~~متعلق الحواس الخمس الأخرى»، وهي لا تستند إلى شيء من الكسب ~~والتربية، ولا ترجع في أحكامها إلى الدربة والتجربة، وإنها لدى ~~جميع الناس وإن اختلفت قوة وضعفا، فكما منح الإنسان حاسة البصر ~~والسمع لتمييز أنواع المرئيات والمسموعات كذلك منحه الله حاسة ~~أخلاقية فطرية تميز بين الخير والشر والمباح والحرام، وتلازمها قوة ~~تدفع لعمل ما تراه حسنا وترك ما تراه قبيحا. وليس الغرض من هذه ~~أنها حاسة عضوية كسائر الحواس، بل القصد أنها قوة نفسية بها يدرك ~~المرء الخير والشر ويحكم على الأعمال، أما الحواس الأخرى فعملها ~~التأثر بالأشياء المحسة، والحكم عليها من وظيفة العقل ~~وعمله. # ومن أشهر الذاهبين هذا المذهب اثنان من الفلاسفة الإنجليز، وهما ~~شافتسبري # Shaftesbury ~~، # 13 # وهتشسون # Hutchesons ~~، # 14 # وللأول منهما في إيضاح هذا المذهب كلام طويل؛ إذ يقول: # إذا سألني سائل وقال: لماذا يجب عليك أن تبتعد عن ~~القذارة إذا كنت منفردا؟ فأول ما يتبادر إلي أن هذا ~~السائل رجل قذر، وأنه من الصعب أن أدخل في ذهن مثل ذهنه ~~الوسخ حقيقة النظافة، ومع ذلك إذا أغضيت عن هذه الصعوبة ~~أمكنني أن أجيبه بأن السبب في ذلك أن لي أنفا ms79 يشم. فإذا ~~تثاقل وقال: فإذا كنت مزكوما أو فاقدا حاسة الشم مثلا، ~~فلماذا؟ أجبته بأني أبغض أن أرى نفسي قذرا كما أبغض أن ~~يراني الناس كذلك. فإن ألح وقال: فإن كنت في حجرة مظلمة لا ~~ترى شيئا، فلماذا؟ أجبته بأني حتى في هذه الحالة، وليس لي ~~أنف يشم ولا عين تبصر، لا يزال إحساسي كما كان يألم من ~~القذر، ونفسي الإنسانية تشمئز من الدنس، ولو لم أكن كذلك ~~لانحططت عن درجة الإنسان ولأبغضت نفسي لأنها نفس حيوان، ~~ولما أمكنني أن أحترم تلك النفس التي لا تعرف قيمتها ولا ~~ما يليق بها. كذلك سمعت الناس يتساءلون: لماذا ينبغي أن ~~يكون الإنسان شريف النفس، محبا للفضيلة في الخفاء؟ وهو ~~سؤال لا أريد أن أصرح باعتقادي فيمن يسأله. # وإذن فمرد القول بالحاسة الأخلاقية إلى أن الإنسان مفطور بطبيعته ~~على معرفة الخير ويحس بقوة تلزمه باتباعه. # ومن أجل ذلك كان هتشسون يعلم أنه لا حاجة في معرفة الخير ~~والشر إلى فكر ونظر، فإنه بهذه الحاسة نعرفهما سريعا، هذه الحاسة ~~التي لا يظفر باحترامها وتقديرها إلا الأعمال الخيرة، وإذن فليكن ~~مرجعنا في أعمالنا هذه العاطفة أو الحاسة الأخلاقية، وليكن هديها ~~قاعدتنا، ومن رحمة الله أنها فطرية فينا، وأن كلا منا يشعر بها ~~تهديه سواء السبيل، وتعطفه لعمل الخير له ولأمثاله، وتكسبه سرورا ~~ولذة لا يقدر قدرها. # 15 # لكن هذا المذهب برغم ما له من ظاهر مقبول بادئ الأمر، لا يصبر ~~على النقد الصحيح. حقيقة إن المرء يحس من نفسه بارتياح واطمئنان ~~لبعض الأعمال، وبنفور واشمئزاز من بعضها الآخر، وإن هذا الإحساس ~~فطري فيه لا يحتاج لتفكير وروية، لكن اعتبار الضمير حاسة كسائر ~~الحواس الأخرى، تسير في عملها على ما عرفناه آنفا، مردود بأن جعل ~~الضمير حاسة يجعل أحكامه غير صائبة دائما، مثله في ذلك مثل سائر ~~الحواس التي تضل كثيرا، وإذن يكون الواجب التحقق فيما يأمر به ~~الضمير وعدم الاندفاع وراء كل ما يريد. # وأيضا هذه القوة تختلف اختلافا كبيرا في الحكم على الأعمال ~~عند ms80 الناس بشهادة الواقع، حتى إن الأمر الواحد يكون خيرا عند فريق ~~من الناس وشرا عند آخرين، في الزمن الواحد بالنسبة لاختلاف ~~البيئات أو في الأمة الواحدة باختلاف الأزمان، وهذا ينافي ما ~~يزعمونه من أنه لا دخل للتجربة أو التربية فيها. وأخيرا كيف ~~يفسرون لنا رضاء الضمير العربي في جاهليته عن وأد الأولاد وعده ~~خيرا، ثم حسبانه بعد الإسلام من أقبح الجرائم وأشدها نكرا، أليس ~~ذلك أثر التربية؟ # الثاني: # مذهب «كانت»، وهو أن الضمير وإن كان قوة فطرية لا كسبية، إلا أن ~~هذه القوة عقلية لا حاسية، فهو يراه قوة فطرية عقلية وجدت كاملة ~~في الإنسان. # وتفصيل الأمر أن هذا الفيلسوف جعل العقل الإنساني قسمين: العقل ~~النظري والعقل العملي، والأول خاص بإدراك العالم المحس، ويعتمد ~~في معرفته على الحس والتجارب، وهو لذلك لا يصلح أن يكون أساسا ~~للأخلاق لأن وسائل إدراكه وهي الحواس والتجارب كثيرا ما تضل وتكون ~~خاطئة، وكذلك يعتمد في حكمه على مقدمات غير مأمونة الصحة دائما. ~~أما العقل العملي، وهو ما نسميه الضمير، فلا يستند في معرفته ~~لحقائق الأشياء إلى وسائل قد تخطئ كما قد تصيب، بل هو قوة باطنة ~~فطر عليها المرء وإن كان من الممكن تعليل أوامرها نظريا، وقد ~~وجدت كامنة منذ الأزل وإلى الأبد، بعيدة عن التجربة والكسب ولا ~~تتصل بالمحسوسات المادية، إنما هي شعاع من نور هبط من القوة العليا ~~المطلقة غير المحدودة إلى النفس الإنسانية، وهو هاديها سواء ~~السبيل، ومبين لها طريقي الخير والشر، كما أنه القاضي المعصوم، ~~والحكم الذي لا يعتور أحكامه الضلال. # 16 # ولهذا الذي يراه «كانت»، وهو أن الضمير شعاع من القوة العليا، ~~كان التسليم بوجود الله وخلود الروح عنده من مسلمات علم الأخلاق، ~~كما كان صوته أمرا مطلقا غير متعلق بشرط أو متوقفا على فرض من ~~الفروض. # ذلك أن كل أمر يصدر للإرادة يكون مقيدا إن كان مرتبطا بشرط أو ~~فرض، وبعبارة أخرى: إن لجأنا في الحث على تنفيذه إلى العاطفة أو ~~المنفعة كما إذا قلنا: «إذا كنت تحب ms81 الاحتفاظ بسمعتك الطيبة بين ~~الناس، إذا أردت أن تنجح في تجارتك، إذا كنت تحب أن تكون ظريفا ~~محبوبا؛ لا تكذب مطلقا وعامل الناس بالحسنى»؛ إذ معنى هذا أننا ~~وضعنا الصدق ومعاملة الغير بالحسنى في كفة، ونتائجها الطيبة في كفة ~~أخرى، وأغرينا المرء بهاتين الفضيلتين بلفت نظره إلى ما يناله من ~~خير ومنفعة إن عمل بهما. # أما الواجب، وهو صوت الضمير، فلا يعرف هذا اللف والدوران، ولا ~~يلجأ لتلك الوسائل الملتوية لغرض خلق من الأخلاق الحميدة، بل يقول ~~في وضوح لا لبس فيه، وصراحة لا غموض معها: «لا تكذب مطلقا، وعامل ~~الناس بالحسنى، وإن لم تفد من ذلك لنفسك، بل وإن جاءك الضرر من هذا ~~السبيل.» هذا الأمر هو ما يسمى أمرا مطلقا، وما يأمرنا في كثير ~~من الحالات بالتضحية بعواطفنا ومنافعنا الخاصة، وهو لهذا أساس ~~الخلقية الكاملة عنده. # 17 # ولكن مع دقة «كانت» فيما ذهب إليه، من أن للعقل نظرا عمليا ~~يدرك الحقائق الأدبية للأشياء، ويبين الخير من الشر والصواب من ~~الخطأ من الأعمال، يقابل نظره الفكري أو العلمي الذي يستند للحواس ~~في تفهم المعقولات؛ نقول مع هذا نحن لا نسلم معه أن الضمير وجد ~~تاما كاملا لدى الجميع على السواء، فلئن كان شعاعا من نور كما ~~يقول فلم يكن بمثابة واحدة من القوة في كل الأزمان، كما أنه من ~~المسلم به أن حكمنا الأخلاقي على بعض الأفعال يختلف اختلافا ~~كبيرا عن حكم آبائنا الأولين، وما ذاك إلا ثمرة التجربة ~~والتربية. # الثالث: ~~«مذهب الكسبيين»: يرى هؤلاء أن الضمير ليس قوة فطرية حسية أو ~~عقلية، بل هو قوة من الشعور الكسبي استفادها المرء بالتدريج، وهو ~~لذلك يختلف تبعا للمؤثرات ويتفاوت باختلاف الأمم والبيئات. # يقول أصحاب هذا المذهب في إيضاحه، ومنهم ستيوارت مل # Stuart Mill ~~: إن المرء نشأ ~~عادة في جماعة لها عرفها وتقاليدها وأنظمتها، التي تبيح أعمالا ~~وتثيب عليها وتحرم أخرى وتحدد لها عقابا، فكان الناس يألفون الخير ~~ويفعلونه، ويكرهون الشر ويزدرونه رغبا ورهبا، ثم نما هذا ~~الشعور بوازع الشرائع الوضعية ms82 والسماوية، وتطاول الزمن فنسي الناس ~~أو تناسوا الأسباب الأولى الحقيقية لحب الخير والميل إليه وبغض ~~الشر والبعد عنه، وزعموا أنهم يفعلون الأول بدافع نفسي باطني كما ~~ينأون عن الثاني بدافع نفسي باطني أيضا، وهذا ما سمي بعد ~~بالضمير. # ومن السهل رد هذا الرأي أيضا، بأن الضمير لو كان كسبيا ويتفاوت بهذا القدر ~~لاختلف الناس في أصول الفضائل والرذائل باختلاف الأمم والبيئات والعصور كما تختلف ~~التقاليد والقوانين، وهذا منكور قطعا لاتفاق الناس على المبادئ الخلقية في كل زمان ~~ومكان وإن اختلفوا في بعض الجزئيات. # كما أن لنا أن نقول في الرد عليهم أيضا: إن المشرعين الذين بيدهم زمام الأمم ~~والجماعات يعتمدون في كل ما يشرعون من قوانين على ما لدى الناس من المبادئ العامة ~~للفضيلة والرذيلة، حتى تنال هذه القوانين من احترام الكافة ما يضمن تنفيذها، وإلا ~~لكان هذا من العسير إن لم يكن من المستحيل، فالمرء في الغالب من الأمر لا يطيع ~~القانون إلا لاعتقاده بعدالته، وهذا الاعتقاد لا بد أن يكون وليد قوة فطرية في ~~أصلها لدى الإنسان. ~~••• # وقصارى القول بعد ما تقدم من بيان المذاهب السابقة ونقدها، وهي جماع الآراء في ~~تفسير ماهية الضمير، أننا نختار، ويؤيدنا الواقع والمشاهدة فيما نختار، أن الضمير ~~قوة فطرية في كل إنسان باعتبار جرثومتها وأصلها، وأن للتربية العقلية والأدبية ~~دخلا في نموها وكمالها. ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إننا نتفق في هذا مع ~~الغزالي بعد ما نقلناه عنه من تسميته لهذه القوة الهادية للمرء في أعماله المحاسبة ~~له عليها تارة نورا إلهيا وطورا معرفة؛ إذ وصفها بأنها نور إلهي يسيغ لنا القول ~~بأنها في أصلها قوة فطرية، وتسميتها بعد هذا معرفة تجعلنا في حل من تقرير أنها ~~تنمو وتكمل بالتربية. ~~(4-6) تربية الضمير # يرى بعض الباحثين أن الضمير لا يحتاج لتربية ولا تهذيب؛ لأنه لا يتغير ولا يتبدل ~~ولا يضل ولا يجهل، وأما ما يوجد من انحراف عن الجادة فمرجعه ضعف في العزيمة وفساد ~~في الإرادة والخلق؛ لغلبة الشهوات وقوة ms83 أسرها في كثير من الأحيان. وإذن فالمطلوب ~~قمع الشهوات الجامحة والخروج عن سلطانها، فيظهر الضمير بكامل سنائه وبهائه، ويسمعنا ~~صوته وأوامره واضحة جلية. # ويرى الآخرون أن الضمير كسائر القوى يتأثر بالشهوات وغلبتها وبإهمال أوامره ~~ونواهيه، فيخرج عن السبيل السوي في أحكامه؛ ولذلك يحتاج لتربية. # ولعل مما يشهد للأولين هذه الآيات وأمثالها: # وقالوا ~~قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب ~~، # وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~، # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~. على ~~أن الخلق من الناحية العملية لا قيمة له مطلقا، فبإضعاف الشهوات وعدم الانصياع ~~لها، وبإنماء القوة العاقلة وتهذيبها، وبإطاعة الضمير فيما يأمر به؛ بذلك يسلك ~~المرء طريق الخير سواء أقلنا مع الأولين: إن الضمير ظهر على فطرته الأولى، قويا ~~مرهوب الجانب نافذ الكلمة، بعد أن زال ما ران عليه من حجب الشهوات، أو قلنا مع ~~الآخرين: إنه رجع قويا كاملا كما كان حين باعد المرء بين نفسه وبين الشهوات فلم ~~يلق لها بالا ولم يسمع لها صوتا. ولهذا نعالج هذا البحث على طريقة القائلين ~~باحتياجه للتربية، فنقول: # قد يعتور الضمير حالات تجعله غير مأمون الحكم صائب القضاء، ولذلك كان من الضمائر: ~~الضمير المستقيم، والضمير الجاهل ، والضمير الشاك المرتاب. # فالأول هو الذي لم تستطع القوى الأخرى الشهوانية والغضبية أن تلوي عنانه إلى ~~ناحية الشر وتحيله عن جهة الخير. # أما الضمير الجاهل فهو الضمير الذي يوحي بالشر وهو جاهل أنه شر، كالأطفال الذين ~~يعذبون الحيوانات ظانين أنهم يداعبونها، فهم لا يفعلون ذلك عن قسوة أو غلظة ممقوتة، ~~بل يجهلون أو لا يفكرون في أنهم بهذا الصنيع يعذبونها، وكذلك ما نقل إلينا من أن ~~بعض المتوحشين كانوا يقتلون آباءهم المسنين حين لا يستطيعون إطعامهم، معتقدين أن ~~ذلك خير لأنه ينجيهم من عذاب الجوع. وعلاج أمثال هذه الضمائر يكون بتوسيع المدارك ~~العقلية لأصحابها حتى يفهموا الأمور على وجوهها. # 18 # وأخيرا، يحدث للضمير الشك والارتياب والتردد والحيرة، لا في معرفة الخير من ~~الشر، بل إذا ms84 عرض للمرء واجبات مختلفة يطلب منه الحكم فيها واختيار أحدها، وعلاج ~~هذه الحالة الانتفاع بمشورة ذوي الآراء الحكيمة. # ومع هذه الحالات، التي يتعثر في بعضها الضمير في أحكامه، فإنه ليس للأخلاقي أن ~~يطلب من أحد إلا إطاعة ضميره، فإن فعل ذلك أصاب وكان خيرا، وليس عليه إن كان الحكم ~~الذي أصدره الضمير خاطئا؛ لذلك وجب أن يمكن للضمير من القيام بمهمته السامية على ~~الوجه الأكمل، ولا يكون هذا إلا بتربيته وتهذيبه. # بتربية الضمير تغير نظر الإنسانية لكثير من الأعمال، فالضحايا الإنسانية ~~والقرابين التي كانت تقدم للمؤلهين، والانتحار، وحق الحياة والموت الذي كان ~~للآباء على الأبناء لدى بعض الأمم، والنهب وقطع الطريق وقد كان من علائم البطولة في ~~الأزمان السابقة، واسترقاق الأسرى، ووأد الأولاد عند العرب في الجاهلية؛ كل أولئك ~~كانت أمورا يبيحها بل يأمر بها الضمير في غير تحرج ولا تأثم، فأصبحت اليوم وهي ~~جرائم بشعة لا يسمح الضمير بالتفكير فيها، بله إتيانها. # 19 # وتبدأ تربية الضمير أيام الطفولة بتقوية شعور الطفل الأدبي، وذلك بتعويده الإحساس ~~بالخير والشر وأثر كل منهما، وإشعاره بالفرق بين المدح والذم حتى لا يبلد إحساسه ~~فيستويا لديه، ولفته برفق إلى ما يأتيه من مخالفات أدبية وتبصيره بنتائجها فيمن ~~حوله. # يجيء بعد هذا إذا شب الطفل دور القوة العاقلة، وإنماؤها وتكميلها بالقدر الممكن، ~~وذلك لخطرها الكبير في تقدير الضمير للأعمال الأخلاقية؛ لأن العقل هو الذي يمحص ~~الأعمال ويهيئها لحكم الضمير، فكلما ارتقى عقل الإنسان واتسعت مداركه كان حكم ضميره ~~أقرب إلى الصواب. ونحن جميعا نشعر بالفرق في الحكم في أية مسألة لها أدنى صلة ~~بالدين، بين رجل جاهل متعصب وآخر مثقف متعلم استنار فكره بالتعليم والتربية؛ إذ ما ~~أسرع الأول لعدها بدعة سيئة تزلزل الدين من قواعده، بينما الآخر وهو يعلم من الزمن ~~وتطوراته ما لم يعلم الأول قد يعدها أمرا طيبا من الخير تنفيذه؛ ولذلك كان قصر ~~النظر وسعة المدارك العقلية سببا للخلاف دائما بين الجامدين والمصلحين. # وأخيرا، من أهم سبل هذا التربية المبادرة بطاعة ms85 الضمير فيما يأمر به، حتى تقوى ~~فيه قوة الحكم الأدبي على الأعمال بالمرانة، شأنها في ذلك شأن سائر الملكات النفسية ~~تضعف بالإهمال وتقوى وتكمل بالتمرن وإعانتها على أداء مهمتها؛ ولهذا كان لا بد ~~للمرء من تربية إرادته وجعلها ماضية صالحة لا تعصي للضمير أمرا، فإن الإنسان إذا ~~خالفت إرادته حكم الضمير لأول مرة يحس بألم شديد مصدره التأنيب، فإذا خالفته مرة ~~أخرى أحس بألم دون الأول، وهكذا حتى لا يحس لعصيانه بألم ألبتة، فيخفت صوته ويضعف ~~سلطانه. ومما يعين أيضا على هذا النوع من وسائل التربية القدى الصالحة، والبيئة ~~الخيرة، والقوانين التي تحمي الأخلاق، والحكومة التي تسهر على تنفيذها، وأشباه ~~ذلك مما يحفظ لقوة الحكم الأدبي نشاطها ويقوي سلطانها. ~~(4-7) درجات الضمير # للضمير ثلاث درجات، نتكلم عن كل منها فيما يلي: # الأولى: # ضمير يعمل الواجب خوفا من الناس، فهو يرى خيرا ما يرونه خيرا ~~وشرا ما يرونه شرا، لا يصدر صاحبه في أعماله عن رأي نفسه بل ~~نراه دائما مدفوعا بغيره، هذا الجندي مثلا يصمد للحرب ويصبر على ~~لأوائها، ولا يفر حتى لا يقال عنه إنه جبان رعديد، وذاك الرجل ~~يصلي أو يصدق في حديثه لأنه لا يرضى أن يرى فيه الناس رجلا رقيق ~~الدين كذابا، وأهل هذه الدرجة الدنيا لا يتورعون عن شر إذا خلوا ~~بأنفسهم وأمنوا الرقيب، أو عاشوا في بيئة سيئة لا ترى الشر أمرا ~~نكرا. # الثانية: # وهي أحسن حالا من سابقتها، ضمير يرى الخير فيما أمر به القانون ~~والشر فيما حظره، فهو يطيع القانون أيا كان مصدره ولا يسمح لنفسه ~~بمخالفته وإن أمن رجل الشرطة وسلطان النيابة. صاحب هذا الضمير ~~يعتبر من الأخيار؛ لأنه لا يسرق ولا يقتل ولا يخون ولا يأتي ~~منكرا حظره القانون الوضعي أو السماوي أو الأخلاقي وإن أمن ~~العقوبة، ذلك بأن ضميره يأمره باتباع القانون وعدم مخالفته في السر ~~أو العلانية. # الثالثة: # وهي الدرجة العليا، ضمير يحتم على صاحبه عمل ما يراه في نفسه ~~خيرا، خالف ما تواضع عليه الناس وما أمر ms86 به القانون أو وافقه، ~~يشعر بأن هذا العمل خير لأنه يراه خيرا، لا لأن القانون أمر به، ~~ويرى أن ذاك شر لأنه يراه في نفسه شرا لا لأن العرف أو القانون ~~نهى عنه، فهو ينفذ بصره وراء القواعد المتعارفة والقوانين المسنونة ~~ليعرف أساس الحق والباطل والخير والشر، فإن هدى إلى الخير عمل به ~~وإن خالف رأي الناس جميعا، مهما كلفه من مشاق وأرهقه من ~~آلام. # وهذه الدرجة لا يصل إليها إلا الرسل والأنبياء وكبار المصلحين، ~~الذين يصدعون بما عرفوا أنه الحق ولا يخافون لومة لائم. وتلك ~~الدرجات الثلاث يسلم بعضها بالتربية إلى بعض، وفي مقدور من كان في ~~درجة أن يصل إلى ما فوقها بتهذيب ضميره وتكميله. ~~(5) المثل الأعلى ~~(5-1) تعريفه # كثيرا ما يسائل المرء نفسه: ماذا أبغي من هذه الحياة؟ أو ماذا أريد أن أكون؟ ~~فالصورة التي وضعناها ونود تحقيقها ونرى الخير كل الخير في الوصول إليها وتصلح أن ~~تكون جوابا عن هذا التساؤل؛ هي ما يسمى في عرف الحديثين من الكتاب بالمثل الأعلى، ~~فهو تلك الصورة البعيدة المنال التي رسمها كل منا لنفسه، ويعمل جاهدا على القرب ~~منها إن أعجزه الوصول إليها، ويستهين في سبيل ذلك بكل جهد ينال من نفسه ~~وماله. # من هذه الناحية كان الفرق بينه وبين الغاية، فهذه يسعى المرء لتحقيقها، بعد أن ~~قدر لذلك الوسائل، وعرف أن في مقدوره الوصول إليها بسهولة ويسر أو مشقة وعسر، أما ~~المثل الأعلى فهيهات أن يصل إليه مهما أنفق من مجهود، فهو يتغير ويرتفع كلما حاولنا ~~الدنو منه؛ ولذلك كان أداة مباشرة صالحة للرقي والكمال. ~~(5-2) اختلافه # كل منا له مثله الأعلى، هذا مثله رجل مغترف من لذائذ الحياة، ويجد سبل المعيشة ~~الراضية أمامه موفورة، وذاك مثله الأعلى إنسان كمل عقله وأخذ بأوفر حظ من العلوم ~~والفنون حتى صار نابغة، وآخر مثله الأعلى عمر بن الخطاب في شجاعته وعدله، وآخر أن ~~يكون معبود الجماهير كالزعماء الشعبيين، وغير هؤلاء من يرى مثله الأعلى أن يكون ~~حكيما زاهدا، لا تستهويه ms87 لذائذ الحياة ولا مفاتن العصر، بل يعلو بنفسه على هذه ~~الصغائر ويعيش في عالم روحي كامل، إلى آخر أشباه هاتيك الصور العليا التي تكاد تكون ~~بعدد أفراد الناس. # وليس في وسع الأخلاقي أن يرسم لكل امرئ مثلا يناسبه، فإن ذلك يختلف باختلاف ~~الأشخاص والبيئة والتربية ونوع الحياة التي يحيونها، وغاية ما يطلبه الأخلاقي أن ~~يكون المثل الأعلى الذي يتخذه كل لنفسه يمثل خير ما يمكن أن يكونه المرء في شأن من ~~شئونه: في عمله الخاص، وسياسته لنفسه، ومعاملته للناس. ~~(5-3) تكونه ونموه # يبدأ تكون المثل في زمن الطفولة، ولا يزال ينمو بتأثير العوامل المختلفة، دون أن ~~يشعر المرء به حتى يتحدد تماما. # وأهم العوامل لتكوينه هي المنزل والمدرسة والدين، فتربية الناشئ في المنزل، وما ~~يراه ويسمعه من أبويه وإخوته من قصص وحكايات، والنظام الذي يسود البيت، والمدرسة ~~وما يراه فيها ويسمعه من مدرسيه، وما يقرأه في الكتب من قصص الأبطال والعظماء ~~ورجالات التاريخ وما كان لهم من آثار خالدة لم تقو يد الزمان على محوها، والدين ~~وما يوقفنا عليه من سير الرسل والأنبياء ونظام الحياة الأخرى التي أعدت خيراتها ~~للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، كل ذلك ~~وما إليه له أكبر الأثر في تكون المثل الأعلى ونموه شيئا فشيئا حتى يأخذ الصورة ~~التي يراها المرء أكمل الصور وخيرها؛ ولذلك كثيرا ما يحس المرء من نفسه تغيرا في ~~مثله الأعلى، فهذا الطالب مثلا كان يقنع أول أمره أن يكون كأستاذه، فإذا به بعد أن ~~اتسعت أمامه آفاق الحياة لم يرض أن يكون مثله الأعلى إلا أحد الأبطال ~~والزعماء. # وكما ينمو المثل الأعلى حتى يصل للكمال قد يضيق حتى ينعدم، ويشاهد هذا في أمثال ~~العمال الذين يقضون حياتهم في أعمال يدوية محدودة، يذهب الواحد منهم صباحا لمحل ~~عمله يفعل ما فعله بالأمس وما سيفعله في الغد، ثم يعود لداره قانعا بأنه قام بما ~~يسد العوز ويدفع الحاجة، لا يفكر في عيشة غير عيشته الرتيبة، ولا في أمد ms88 أعلى يصل ~~إليه في حياته، وفي ضيق المثل الأعلى أو انعدامه خطر عظيم على نشاط الإنسان وسعيه ~~للوصول إلى الكمال؛ لأن المثل الأعلى هو مصدر ذلك كله. ~~(6) القياس الخلقي والمقاييس الخلقية ~~(6-1) معنى القياس # إذا أردنا معرفة مساحة دار أو وزن قطعة من الحديد مثلا عمدنا إلى وحدة المقياس ~~وهي المتر وعرفنا به مساحة الأولى، ووحدة الميزان وهو الرطل وعرفنا به وزن الأخرى، ~~وهكذا في جميع الأشياء المادية. أما الأمور المعنوية، كالأعمال الأدبية التي تصدر ~~منا ومن غيرنا، فماذا نصنع لبيان خيرها من شرها؟ وبأي الوسائل نتعرف قيمتها؟ نتعرف ~~ذلك بالميزان أو المقياس الخلقي، فهو المستوى الذي نتحاكم إليه لتقدير قيم الأعمال ~~الأخلاقية. ومعرفة هذا المقياس، أو هذا المستوى، من أهم مباحث علم الأخلاق، الذي ~~يبحث في أعمال الناس من حيث خيرها وشرها. # وقد اختلف الناس ولا يزالون مختلفين في هذه المقاييس، فكان منهم من يحتكم في ~~أعماله وأعمال سواه إلى العرف والتقاليد للقبيلة أو الجماعة التي يعيش بينها، فيرى ~~خيرا وحسنا ما أقره هذا العرف، وشرا وقبيحا ما خالفه. وكان منهم من يحتكم إلى ~~القانون الوضعي أو السماوي في معرفة حسن الأفعال وقبيحها. وكان منهم من لا يحتكم ~~إلى هذا المقياس أو ذاك، بل لا يحكم إلا رأيه الشخصي فهو عنده المستوى الخلقي، ~~فما وافقه كان خيرا وما لم يوافقه كان شرا. ثم كان منهم من لم يرض لنفسه واحدا ~~من هذه المقاييس، ففكر في مستوى نظري من قاعدة أو مبدأ عام يرى تحقيقه هو الخير ~~الأسمى والمثل الأعلى الذي يجب الوصول إليه، وبذلك جعل هذا المستوى هو الميزان ~~الخلقي الذي نزن به الأعمال جميعها. ~~(6-2) تقسيمها إلى عملية ونظرية # إذا نظرنا للعرف والقانون والرأي الشخصي وجدناها تختلف اختلافا كبيرا حسب ~~الزمان والمكان، فعرف الأمم القديمة في العصر الأولى غير عرفها في العصر ~~الحديثة، بل عرف كل منها في هذه العصر الحديثة يختلف حسب أدوارها التاريخية ~~المختلفة، كذلك القانون يختلف باختلاف الزمان والبلاد والأمم. أما الرأي الشخصي فهو ~~جد ms89 مختلف، يرى الإنسان حسنا اليوم ما كان يراه قبيحا بالأمس، وذلك لاختلاف الظروف ~~والملابسات، ولاتساع مداركه وتغير نواحي تفكيره وتقدمه في التربية والتهذيب، من أجل ~~هذا كانت تلك المقاييس خاصة مقيدة محدودة، وهي في الوقت نفسه أمور موجودة يقاس على ~~مثالها؛ لذلك سميت بالمقاييس العملية لأن كلا منها موجود فعلا وحقيقة. # والقياس بالعرف والقانون أشبه الأشياء بعملية القياس في الأحكام الفقهية، فكما ~~يقول الفقيه مثلا تناول الحشيش حرام كالخمر لوجود علة التحريم فيه وهي الإسكار ~~وضياع العقل، كذلك يقول من اتخذ العرف أو القانون مقياسا له؛ هذا الفعل حسن لأن ~~العرف أو القانون استحسن مثله، وذاك قبيح لأن العرف أو القانون عد مثله قبيحا. أما ~~من جعل مقياسه رأيه الخاص فهو شبيه بالمجتهد؛ لأنه لا يأخذ في حكمه إلا برأيه الذي ~~كونه لنفسه، غير مقيد بعرف أو قانون أو مبدأ نظري عام. # بقي من المقاييس التي عددناها المقاييس المثالية، أي القواعد والمبادئ العامة ~~التي لا تختص بزمان أو مكان أو أقوام معينين، بل هي عامة للجميع على السواء، وهي ما ~~تسمى بالمقاييس النظرية؛ لأن منشأها التفكير والنظر اللذان يهديان إلى قاعدة أو ~~قانون عام أو مثل أعلى ذهني غير موجود عمليا تقاس به الأعمال، هذا هو معنى كونها ~~نظرية؛ إذ ليس المراد من وصفها بأنها نظرية أنها لا تطبق في الحياة العملية، بل ~~إنها مستويات عقلية مثالية ولها مع هذا قيمتها العملية في تقدير قيم الأعمال ~~بها. # وهذه المقاييس النظرية مختلفة متعددة أيضا، فمن فلاسفة علم الأخلاق من جعل هذا ~~المستوى النظري الذي يقيس به الأعمال الأدبية هو الواجب، ومنهم من جعله المنفعة، ~~ومنهم من جعله الكمال. # وليس من موضوع دراستنا الآن دراسة المقاييس النظرية، بل المراد بحثه هذا العام هو ~~العرف والقانون من المقاييس العملية. ~~(7) العرف ~~(7-1) تعريفه # العرف في اللغة: التتابع، يقال: جاء القوم عرفا أي بعضهم خلف بعض، ومنه # والمرسلات عرفا ~~، ويستعمل في اصطلاح علم ~~الأخلاق في مثل هذا المعنى، وهو متابعة الناس بعضهم لبعض في عادة ms90 أو عادات متابعة ~~متكررة حتى تصير ثابتة راسخة. # وهذا المعنى وإن كان يوجد مثله عند بعض أنواع الحيوانات التي تعيش مجتمعة، لا ~~يسمى عرفا عندنا، مثل النمل يخزن أقواته صيفا للتغذي منها شتاء ويفعل ذلك منذ ~~خلق إلى أن ينقرض نوعه، والنحل ومتابعة جنيه للأزهار وإحالتها إلى عسل مصفى ~~باستمرار، وهجرة بعض الطيور من إقليم إلى آخر في بعض فصول العام، وأكل دودة القز ~~أوراق التوت وإفرازها حريرا ناعما تنسجه حول نفسها بشكل يودي بها. # كل هذه وأمثالها أعمال متكررة مستمرة من جيل إلى جيل، إلا أنها لا تسمى عرفا ~~لصدورها من الحيوانات والطيور عن الغرائز وحدها دون إرادة أو اختيار؛ ولذلك نراها ~~تترسم نهجا معينا لا تحيد عنه في تلك الأعمال، كما أنها وهي تقوم بها لا تشعر ~~بالغايات النهائية لها. أما الأعمال المتعارفة لقبيلة أو أمة من الأمم فالمرء يعمل ~~ما يعمل منها بإرادته واختياره؛ ولهذا قد يعدل منها في كثير من الأحايين، كما أنه ~~يشعر شعورا تاما بالغايات التي تؤدي إليها. ~~(7-2) أصل العرف # يرجع العرف، وهو كما قلنا: مجموعة العادات والتقاليد والسلوك لقبيلة من القبائل ~~أو أمة من الأمم، إلى أصول مختلفة. # فبعض هذه العادات والتقاليد أعمال دعت إليها في الأصل غريزة من الغرائز، مثل أن ~~يعمل شخص عملا مبعثه المحافظة على الذات فينقله عنه غيره وغيره حتى يصير متعارفا، ~~وبعضها يرجع للحظ والمصادفة، كالتفاؤل من العمل في يوم معين والتشاؤم منه في يوم ~~آخر، مرد ذلك إلى أن أسلافنا أصابوا حظا من القيام بعمل في يوم خاص، أو منوا ~~بكارثة من القيام بمثله في يوم آخر، فاستنتجوا واهمين أن هذا العمل لو تكرر في مثل ~~هذا اليوم نفسه كان له مثل نتيجته الأولى، ثم درج الأبناء على هذا الاعتقاد ~~الفاسد جيلا بعد جيل حتى صار عرفا لهم. # وأخيرا، فبعض الأمور المتعارفة ترجع إلى تاريخ الأمة ودينها، فالأمم التي تسكن ~~الثغور المهددة بالغارات تستحسن الشجاعة وعدم تهيب الأخطار، وبتوارث الخلف ذلك عن ~~السلف صارت أعمال الشجاعة ms91 مألوفة متعارفة، ومن ذلك ما تعارف عليه المصريون القدماء ~~من تحنيط موتاهم ودفن كثير من متاعهم معهم، مما كان أصله اعتقادهم بخلود الروح ~~والبعث والرغبة في أن يبعث المتوفى سليم الجسم. ومن ابتناء العرف على الدين ~~والتاريخ أيضا ما يقوم به المسلمون من التضحية في عيد الأضحى إحياء لذكرى فداء ~~إسماعيل - عليه السلام - وما تعارفنا عليه في نهضتنا الحالية من تكريم الشهداء ~~واتخاذ أيام خاصة وأعياد وطنية لذكرياتها المجيدة. # من أجل هذا كله يتبين أن العرف ليس مبناه دائما على العقل، بل قد يرجع في كثير ~~من الأحوال إلى أمور لا دخل للعقل فيها، كالحظ والمصادفة والتفاؤل ونحوها. # ومهما يكن، فيجب أن نلاحظ الفرق بين العرف والعادة، هذه أسبق تاريخا، ويصير ~~بعضها عرفا بالمحاكاة أو التقليد إذا كانت عادة لهذا أو ذاك ممن أوتوا الذوق الحسن ~~والرأي الحكيم والنفوذ. وإذن، لا بد أن يستند العرف إلى أساس قوي من ضمير الجماعة ~~واستحسانه له، وإلى أساس نفسي يتمثل في الاحتذاء والتقليد، حتى تتأكد العادة وتصير ~~عرفا ثابتا يعتبر جزءا من تقاليد الأمة وعقائدها. ~~(7-3) قوة العرف وسلطانه # للعرف على المرء سلطان كبير، فهو يتأثر بعادات قومه وتقاليدهم وإن كان لا يوافق ~~على بعضها في قرارة نفسه، نرى المرء يسرف في أمور الزواج والمآتم استجابة لداعي ~~العرف وهو ساخط، إلا أنه يخشى أن تصيبه المعرة إن خرج على ما تعارف عليه قومه، ~~وما أكثر من يرى أن هذه العادة العرفية فيها مضرة لأمته وإساءة لسمعتها، فيحدث نفسه ~~بالدعوة لنبذها، فيأخذ العرف على يديه حتى يقعد به عما أراد، ومن هذا إقامة الموالد ~~المختلفة سنويا في نظر الكثيرين. # بل إن للعرف سلطانه الكبير كذلك على الأمم والحكومات، فلا تجرؤ على التعديل فيه ~~إلا بقدر، حذر ما يكون من العامة وأشباه العامة، ومن المثل المخجلة لنا كأمة ~~إسلامية ما تعارفناه من الاحتفال رسميا بالمحمل والتبرك بالجمل، حتى ليمروا مقوده ~~بين أيدي الوزراء والكبراء، بين ابتسامات السخرية من كثير من المحتفلين والمدعوين، ~~وبرغم زراية الأجانب ms92 عن الدين وعن الوطن الذين يذيعون هذا المنظر وأمثاله في ~~بلادهم، رغبة في الحط منا والنيل من عاداتنا وديننا. # ولولا جماعة من المصلحين أنار الله بصائرهم، وعرفوا السيئ مما تواضعت عليه أمتهم، ~~فندبوا أنفسهم لمحاربته، مستهينين بالآلام مستقبلين برحابة صدر ما ينالهم من عنت ~~وإرهاق؛ لبقينا حتى اليوم في غمرة من الضلالة، مأتاها ما كان عليه الأسلاف من سيئ ~~التقاليد. # ومع هذا فكم للعرف من حسنات! كم من مصل، ومخرج للزكاة، وممتنع عن شرب الخمر، ~~لا لشيء إلا خضوعا لعرف أهله وبلده وخشية لوم الأهلين! ولقوة سلطان العرف وموافقته ~~للصالح كثيرا اعتبره فقهاء الحنفية حجة، ورأوا أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا، ~~حتى قال قائلهم: # والعرف في الشرع له اعتبار # لذا عليه الحكم قد يدار # ولهم في ذلك تطبيقات مختلفة في مسائل الإيمان وغيرها. ~~(7-4) عدم صلاحيته مقياسا # مع تسليمنا بأن العرف يحض على كثير من خصال الخير، ومع اعتبار بعض الفقهاء حجيته ~~في حوادث ومسائل مختلفة، فإننا نقول: إنه لا يصلح أن يكون مقياسا أخلاقيا للأمور ~~الآتية: # الأول: # يشترط في المقياس الأخلاقي أن يكون عاما لا يختلف باختلاف ~~البيئة والعصور، والعرف ليس له هذه الصفة، فأخص صفاته الاختلاف؛ ~~لأن لكل أمة عرفها ولكل قوم تقاليدهم، بل إن العرف ليختلف كثيرا ~~في الأمة الواحدة إذا تقدم بها الزمن ، وكثير من الأعمال التي كان ~~العرف يأمر بها في الزمن الأول ويراها خيرا أصبح يستهجنها ويعدها ~~شرا، والأمثلة لذلك أكثر من أن يتناولها الحصر. # من هذه الأمثلة وأد البنات الذي كان عادة متعارفة لدى العرب ~~الجاهليين، حتى جاء الإسلام فأبطلها وصار لا يفكر أحد في إتيانها. ~~والرق كان متعارفا عليه عند الشعوب القديمة، وبمجيء الإسلام ~~وانتشار المدنية تبين ما فيه من مناقضة للإنسانية وأنه عمل غير ~~شريف، فقضي عليه لذلك أو كاد. وكان للأب عند الرومان حق الحياة ~~والموت على أبنائه، وهذا ما لا يقره الرومان ولا غير الرومان ~~اليوم. وما تعارف عليه حتى الآن أهل إسبانيا من اتخاذ محاربة ~~الثيران وسيلة للتسلية ms93 والرياضة، ينكره أهالي مستعمرة جبل طارق ~~الإنجليزية وهي الجزء الجنوبي من إسبانيا نفسها. وأهل «برنو» يرون ~~أن المرء لا يستحق أن يتزوج بفتاة إلا إذا قتل إنسانا وألقى رأسه ~~عند قدميها، فهذا القتل هو سمة للنبل والشجاعة عندهم لا يقره قانون ~~سماوي أو وضعي، بل ولا عرف غيرهم من القبائل الأخرى، # 20 # إلى غير هذه الأمثلة التي هي على حبل الذراع لمن ~~يبتغيها في أسفار الرحالة الذين جابوا البلاد ونقلوا إلينا ~~كثيرا من عادات الأمم الغريبة المختلفة، وهي شاهدة على اختلاف ~~العرف وعدم صلاحيته مقياسا أخلاقيا. # 21 # الثاني: # عدم ابتنائه في كثير من الأمور على أساس يرضاه الدين والأخلاق؛ ~~إذ ما أكثر تلك العادات التي أصبحت عرفا، ومبناها كما ذكرنا الحظ ~~والمصادفة أو قصر النظر، ولا يقرها العقل بحال. # الثالث: # إنه قاتل لحرية التفكير في المرء تقريبا لأنه يفرض أوامره في ~~كثير من الحالات فرضا، ولو التزم الناس العرف ووقفوا عند حدوده، ~~لما تقدم العالم ولأصيب بالجمود، وحيل بينه وبين الارتقاء. وليس ~~أكثر حركات المصلحين إلا ثورات على العادات السيئة والتقاليد ~~البالية؛ ولذلك نعى الله في أكثر من موضع في القرآن الكريم على ~~المشركين تمسكهم بما كان عليه آباؤهم من غير نظر ولا تفكير، فقال: # وإذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون ~~! # واعتبار الشرع له في بعض الحالات لا ينافي عدم صلاحيته لميزان الأعمال الأخلاقية؛ ~~لأن الفقهاء إنما راعوه في الأمور المادية من حيث صحتها وفسادها، فتترتب أو لا ~~تترتب عليها آثارها العملية، أما الأخلاق فمناط نظرها الأعمال الأدبية من ناحية ~~خيريتها وشريتها، وكم من عمل يكون صحيحا شرعا وهو شر من جهة الأخلاق، كالذي يقف ~~جانبا من ماله على بناء ملجأ لليتامى مثلا وقفا مستوفيا لشرائط الصحة، لكن ~~باعثه هو الرياء والسمعة والطمع في رتبة من رتب الشرف الرسمية، هذا العمل صحيح ~~شرعا لاستيفائه شروط الصحة في مثله، فتلزمه آثاره العملية من حبس العين ms94 وعدم ~~التصرف فيها بالبيع ونحوه وصرف غلتها لمنافع الملجأ ومصارفه، إلا أن الأخلاق لا ~~يمكن أن تعده خيرا لفساد الباعث عليه. # لهذه الأسباب وغيرها يتضح صحة ما رآه الأخلاقيون من عدم صلاحية العرف للقياس ~~الخلقي، فلننتقل عنه إلى البحث في القياس الثاني وهو القانون. ~~(8) القانون # أنواع القوانين، الفروق بينها ~~(8-1) أنواعها # يعيش الإنسان في هذه الحياة وهو محاط بقوانين مختلفة ملزم بالخضوع لها، وإذا ما ~~تتبعنا هذه القوانين وجدناها تنحصر في الأنواع الآتية: ~~(1) # القوانين الطبيعية. ~~(2) # القوانين البشرية أو الوضعية. ~~(3) # القوانين الإلهية. ~~(4) # القوانين الأخلاقية. # وكلمة «قانون» في اللغة معناها، كما جاء في «القاموس»: «مقياس كل شيء»، وهذا ~~المعنى واضح في القوانين الوضعية والسماوية والأخلاقية دون القوانين الطبيعية، فإن ~~إطلاق لفظ «القانون» على الظواهر التي تربط العناصر المادية بعضها ببعض فيه تسامح ~~كبير. ولكل نوع من هذه القوانين الأربعة مميزات وخواص يجب المبادرة ببيانها حتى ~~نعرف الصالح لقياس الأعمال منها. ~~(8-2) القوانين الطبيعية # هي السنن التي تجري عليها الكائنات، والنظم التي قدر الله لها أن نخضع لها: # وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ~~فإذا هم مظلمون ~~، # والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون ~~، # ألم تر أن الله يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر ~~الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى ~~. # وذلك يشمل القوانين التي يتعرفها العقل بالمشاهدة الصادقة والتجربة المطردة، ~~كقانون الجاذبية، والمد والجزر، وتمدد الأجسام بالحرارة، وتجمد الماء إذا انخفضت ~~حرارته إلى ما تحت الصفر، وذوبان الثلج إذا ارتفعت الحرارة إلى درجة الصفر أو ما ~~فوقها، كما يشمل أيضا القوانين التي وصل إليها العقل بالفكر والنظر دون حاجة ~~لتجربة أو مشاهدة؛ ولذلك أجمع الناس على القول بصحتها، مثل قوانين الحساب التي يقول ~~بعضها: «الكميتان المساويتان لكمية ثالثة تكونان متساويتين»، وقوانين المنطق التي ~~منها قانون التناقض القائل باستحالة اتصاف الشيء الواحد بصفة ونقيضها. # ومما تتميز به ms95 القوانين الطبيعية أنها ثابتة لا تتغير، وأنها عامة لا تقبل ~~الاستثناء، وأنها نافذة على من عرفها ومن جهلها، وأنها تكشف لنا عن الواقع لا غير، ~~لا عما ينبغي أن يكون. # هي ثابتة لا تتغير وإن تغير علم الناس بها، فالأرض منذ خلقها الله - تعالى - تدور ~~حول الشمس، وإن اعتقد الناس حقبة من الزمن أن الشمس هي التي تدور حولها. وهي لا ~~تقبل استثناء مطلقا، فليس في مقدور إنسان أن يمنع الماء من الغليان إذا وصل لدرجة ~~المئة فوق الصفر، كما أنه ليس من الممكن منع النار من إحراق ما تتصل به من الأشياء. ~~وهي نافذة على الصغير والكبير والعالم والجاهل، فالكهرباء تصعق من يلمسها وإن لم ~~يعرف لها هذه الخاصة. # وعلم الأخلاق لا حاجة له ببحث هذه القوانين، وإنما الواجب على الإنسان السعي ~~لتعرفها والكشف عنها لتزيد في رفاهيتنا وسعادة الإنسانية، فبمعرفة قوة البخار ~~والكهرباء مثلا أمكن استخدامها في جميع مرافقنا استخداما عاد علينا بالخير ~~العميم. ~~(8-3) القوانين الوضعية # هذه القوانين هي مجموعة الأوامر والنواهي التي وضعها البشر لأنفسهم، فكل أمة لها ~~قوانينها الخاصة التي وضعها الحاكم مباشرة أو بوساطة الهيئة التشريعية، فيطيعها ~~الناس ويتخذونها مقياسا لهم، يشكلون أعمالهم على غرارها رغبة أو رهبة؛ لذلك كان ~~المعنى الأصلي لكلمة «قانون» واضحا فيها. # ومن خواص هذه الطائفة من القوانين أنها لا تبين الواقع فقط كالقوانين الطبيعية، ~~بل تأمر وتنهى، وأنها غير ثابتة بل تتغير تبعا لرقي المجتمع الذي وضعت له ~~ولاختلاف الظروف والأحوال؛ ولهذا نجد هذه اللجان المتعددة التي ألفتها وزارة ~~«العدل» لتغيير القوانين وتنقيحها. # كذلك من مميزات هذه القوانين أنه لا يؤاخذ بها إلا من عرفها وفهمها ووقف عليها، ~~ومن ثم أوجبت الحكومات نشرها حتى يعلمها الناس، كما لا تنفذ على حديثي السن ~~الذين لا يفهمونها. وأيضا هذه القوانين الوضعية قابلة للمخالفة، يستطيع أي إنسان ~~ألا يعتد بها إذا كان مستعدا لتبعة مخالفته؛ ولذلك احتاجت لقوة خارجة عنها ~~لتنفيذها. وإذا كانت القوانين الوضعية البشرية بهذه المثابة من التغير باختلاف ~~الأمم ms96 والبيئات والأزمان، فهي لا تصلح أن تكون مقياسا أخلاقيا عاما ~~دائما. ~~(8-4) القوانين الإلهية # هذه القوانين هي الأوامر والنواهي التي شرعها الله - سبحانه وتعالى - لعباده، ولا ~~يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد، شرعها لنا لنتخذها ~~قدوة في جميع أمورنا، ونسير على سننها في معاملاتنا وسائر أحوالنا، واتباعها كفيل ~~بسعادة الدنيا والآخرة. # وهذه الشرائع السماوية التي توجت بالشريعة الإسلامية ثابتة لا تتغير، عامة ~~خالدة، صالحة في كل زمان ولجميع الناس على السواء، فهي لذلك صالحة لأن تكون مقياسا ~~أخلاقيا إذا فهمنا حكمها وأسرارها. أما حاجتنا للبحث الأخلاقي مع وجودها فموضع ~~الكلام فيها بعد بيان النوع الأخير من القوانين، وهو القوانين الأخلاقية. ~~(8-5) القوانين الأخلاقية # هي مجموع القواعد الأدبية التي تنظم سلوك الناس، بمعنى أن الإنسان العاقل المختار ~~في إرادته يجب أن يشكل سلوكه على ضوئها في ظروف الحياة المتنوعة، وبهذا نصل جميعا ~~للمثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة. # والقوانين الأخلاقية ثابتة لا تتغير وإن تفاوتت الضمائر البشرية قليلا أو كثيرا ~~في فهم معانيها أو تطبيقها بتأثير الزمن أو الملابسات المختلفة، فما كان خيرا في ~~الماضي هو خير في نفسه في الحاضر وفي المستقبل أيضا، كالصدق والشجاعة والأمانة ~~والمحافظة على الحياة مثلا. وهي مطلقة لا تقبل استثناء، فلا تتعلق بشرط ولا مفر ~~لأحد منها؛ إذ تفرض نفسها بوساطة الضمير على الناس جميعا، وهي واضحة يفهمها الجميع ~~على السواء، العالم والجاهل والبدوي والحضري؛ لأن الضمير يقرها لهم جميعا، وإن ~~اختلفت أنظارهم في بعض الجزئيات. وقد تقدم لهذا زيادة بسط وإيضاح. # ومن خواص القوانين الأخلاقية أيضا أنها إلزامية يلتزم المرء طاعتها بدون إجبار ~~من قوة خارجة عنها، وأنها من الممكن أن تكون عملية في كل الأحوال؛ لأن الإنسان ~~العاقل يستطيع دائما تمييز الخير من الشر، ويريد طبعا من نفسه أن يكون خيرا في ~~أعماله لا شريرا، وإنما كانت هكذا لأن من شرط الإلزام الإمكان، وإن أردت أن تطاع ~~فأمر بما يستطاع. ~~(8-6) الفروق بين هذه القوانين # بمراجعة أنواع القوانين ms97 التي ذكرناها، ومميزات وخصائص كل منها، يستطاع تبين ~~الفروق بينها، إلا أنه يهمنا إيضاح الفروق التي بين القوانين الوضعية والأخلاقية؛ ~~لأن القوانين الطبيعية ليست كما قدمنا محل بحث علم الأخلاق، وإنما هي موضع عناية ~~دارس العلوم الطبيعية، ولأن الفرق بين القوانين الإلهية والقوانين الأخلاقية لا ~~يكاد يذكر، فإن استمدادها في جملتها وتفصيلها من الدين وما جاء به من تشريع عادل ~~حكيم. ~~(أ) الفرق بين القوانين الأخلاقية والوضعية # بين هذه النوعين من القوانين فروق متعددة يمكن إجمالها فيما يأتي: ~~(1) # القوانين الوضعية من وضع الإنسان الذي راعى الظروف والأحوال ~~المختلفة حين وضعها، أما القوانين الأخلاقية فمن وضع ~~الضمير. ~~(2) # لهذا كانت الأولى عرضة للتغيير والتبديل برقي الأمة وتقدمها أو ~~تأخرها وانحطاطها، بخلاف الأخرى التي لا تتغير بحال وإن تغيرت آراء ~~الناس فيها وأحكامهم على نتائجها، فعندنا مثلا مبدأ المحافظة على ~~الحياة يقدسه كل فرد وإن أباح البعض قديما قتل الأسرى لضرورة ~~حربية، ووأد البنات لأسباب اجتماعية تبرره في رأيه، مع وجود من كان ~~ينكر هذه العادة في تلك الأزمان أشد الإنكار؛ ولهذا روى لنا ~~المؤرخون أنه كان هناك من أشراف تميم في الجاهلية من مقت الوأد ~~وعابه، فكان يشتري الموءودات من ذويهم بما يذهب الفقر، وممن عرف ~~ذلك عنه غالب بن صعصعة جد الفرزدق الشاعر المعروف. ~~(3) # وقد يظهر بالتطبيق عدم صلاحية القانون الوضعي، إما لجهل واضعه ~~بشئون الأمة التي يشرع لها، أو لمحض الزمن واختلاف الحال. أما ~~القانون الأخلاقي فلا يكون إلا صالحا دائما متى ثبت أنه ~~أخلاقي. ~~(4) # القانون الوضعي لا يثيب المطيع وإنما يؤاخذ العاصي المتمرد عليه، ~~كما لا يؤاخذ إلا على نتائج الأعمال دون نظر لبواعثها. أما ~~الأخلاقي فينظر إلى الأعمال والباعث عليها، ويثيب الطائع بالرضاء ~~النفسي والهدوء وطمأنينة القلب والاحترام، كما يعاقب العاصي ~~بالتأنيب الداخلي والاحتقار. ~~(5) # القانون الوضعي يحتاج لقوة خارجة لتنفيذه تأخذ الخارج عليه؛ من ~~شرطة ونيابة وقضاة. أما الأخلاقي فقوته التنفيذية هي الضمير وحده، ~~وهو كما علمنا تلك القوة الداخلية والباطنية. ~~(6) # وأخيرا لا تكلف القوانين الوضعية الإنسان إلا ms98 بالضروريات لصالحه ~~وصالح المجتمع الذي يعيش فيه. أما الأخلاقية فتكلف بذلك ~~وبالكماليات التي تزيد في سعادة الإنسانية ورفاهيتها، وتصل بين ~~المرء والمثل الأعلى للحياة الأخلاقية الكاملة، مثلا يطالبنا ~~القانون الوضعي بالمحافظة على أموال الناس، أما أموالنا الخاصة ~~فأباح لنا حرية التصرف فيها بما نريد، ولكن قانون الأخلاق يأمرنا ~~فوق المحافظة على أموال الغير بالتصرف في أموالنا بما فيه خيرنا ~~وخير الأمة جميعا؛ ولهذا تندب الناس للتبرع للمستشفيات وجمعيات ~~الخير، وتعد من الإثم القعود عن العمل للخير العام مع القدرة ~~عليه. ~~(ب) الحاجة للبحث الأخلاقي مع وجود القانون الإلهي # قد يقال: إذا كان القانون الإلهي بريئا من عيوب القوانين الوضعية، وكان هو ~~أصل الأخلاق ومنبعها، فما الحاجة إذن للبحث في الأخلاق؟ ولماذا العناء في هذه ~~الدراسات الطويلة المضنية؟ # وجوابنا عن ذلك أن الدين وإن بين لنا الفضائل والرذائل والخير والشر، ورسم ~~لنا ما نعمل وما لا نعمل، إلا أنه كما قلنا سابقا لم يفصل لنا علة ما جعله ~~خيرا أو شرا من الأعمال، ولم يقفنا على المستوى الذي نحكم بحسبه على بعض ~~الأعمال بأنها خير، وبعضها بأنها شر، وترك ذلك لعلم الأخلاق الذي يكسب دارسه ~~الدقة في التقدير ووزن الأعمال ويوجه إرادته نحو الصالح منها. # وثم سبب آخر، وهو أن القانون السماوي، إذا فهمنا علل أحكامه وسبب ~~مشروعيتها، وهذا ما قام به الفقهاء؛ لم يصل للصميم من أفئدة الناس جميعا، فلو ~~اكتفى الأخلاقيون به لضل كثير طريق الفضيلة التي يرشد إليها الناس. القانون ~~الأخلاقي يهدي إلى الخير، وتسترشد به الأمم التي انقطعت عن الشرائع السماوية ~~حينا، كما تصل به الأمم التي وصل إليها الوحي في بعض الأحيان إلى تفهم الحقائق ~~التي جاءتها عن الرسل والأنبياء، عليهم أفضل الصلاة والسلام. # | المراجع # (1) المراجع العربية ~~(1) # إحياء علوم الدين للإمام الغزالى. ~~(2) # كتاب الأخلاق لأرسطو، ترجمة لطفي السيد باشا. ~~(3) # تهذيب الأخلاق لمسكويه. ~~(4) # الوراثة والبيئة وأثرهما في التربية، للمؤلف. ~~(5) # مبادئ الفلسفة القديمة للفارابي. ~~(6) # مقدمة ابن خلدون. ~~(7) # المدخل إلى الفلسفة، تعريب الأستاذ أبى العلا عفيفي. ~~(8) # الأخلاق لصمويل سميلز، ms99 وتعريب الأستاذ محمد الصادق حسين. ~~(9) # تاريخ الأخلاق (للمؤلف)، الطبعة الثانية. ~~(10) # مذكرة الأخلاق للأستاذ أمين الخولي. ~~(11) # في الفكر اليهودي، للدكتور الحاخام هرتس، وتعريب الدكتور ألفريد يلوز. ~~(12) # الوراثة وتحسين النسل للأستاذ الأبياري. ~~(13) # أدب الدنيا والدين للبصري. ~~(14) # تاريخ التربية للأستاذ مصطفى أمين. ~~(15) # أصول التربية للأستاذ أمين قنديل. ~~(16) # فلسفة النشوء والارتقاء. ~~(17) # أصل الأنواع، ترجمة الأستاذ إسماعيل مظهر. ~~(2) المراجع الفرنسية ~~(1) # Challaye: Philosophie scientifique et philosophie ~~morale. ~~(2) # Renan: L’avenir de la science. ~~(3) # Janet et Séalles: histoire de la ~~philosophie. ~~(4) # Cuvillier: Manuel de philosophie. ~~(5) # Janet: Elements de philosophie scientifique et de ~~philosophie morale. ~~(6) # L. Bruhl: La morale et la science des ~~mœurs. ~~(7) # Rauh: L’expérience morale. ms100