######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadYusufMusa.IbnRushdFaylasuf.Hindawi97046206 #META# Tags: philosophy #META# ID: 97046206 #META# Title: ابن رشد الفيلسوف #META# AuthorID: 69426913 #META# Author: محمد يوسف موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عصره وأسرته‏ # نشأته‏ # عمله في التوفيق بين الحكمة والشريعة‏ # عمله في نظرية المعرفة‏ # ابن رشد والغزالي‏ # خاتمة المطاف‏ # ابن رشد وأثره من بعده‏ # هل نجح ابن رشد في رسالته؟‏ # كلمة أخيرة‏ # ثبت المراجع‏ # عصره وأسرته‏ # نشأته‏ # عمله في التوفيق بين الحكمة والشريعة‏ # عمله في نظرية المعرفة‏ # ابن رشد والغزالي‏ # خاتمة المطاف‏ # ابن رشد وأثره من بعده‏ # هل نجح ابن رشد في رسالته؟‏ # كلمة أخيرة‏ # ثبت المراجع‏ # | ابن رشد الفيلسوف # | ابن رشد الفيلسوف # تأليف # محمد يوسف موسى # | عصره وأسرته # الأصل تتبعه الفروع، كما يقول المعتمد على الله بن عباد في شعر له - سنلم به بعد حين ~~- أو أن الأصول عليها ينبت الشجر، كما يقول غيره. وهما تعبيران متقاربان يلخصان قانونا من ~~قوانين الوراثة؛ إحدى سنن الله في خلقه، يظهر أثره بوضوح - تساعده البيئة؛ قانون الطبيعة ~~الآخر - في ابن رشد الحفيد والبيت الذي نبت فيه؛ سواء في ذلك ما يتصل بالصفات النفسية ~~الخلقية، أو الصفات العقلية. # وأسرة ابن رشد من أكبر الأسر الأندلسية، وتعتبر بوجه خاص من مفاخر قرطبة؛ شغلت زمنا ~~طويلا مركزا ممتازا في الفقه والقضاء والسياسة، وكانت موضع إجلال دولة المرابطين، ثم ~~دولة الموحدين، على اختلاف هاتين الدولتين في النزعات والميول من ناحية العلم والعلماء ~~وحرية التفكير. ~~••• # لقد أسس عبد الرحمن الداخل ملكا لبني أمية بالأندلس استمر من عام 138ه إلى عام 427ه، ~~ولما ذهبت هذه الدولة تقاسم الأمراء أقاليم البلاد؛ فكان ملوك الطوائف الذين عرفهم ~~التاريخ، وكان أشهرهم أمرا، وأنبههم ذكرا المعتمد على الله أبو القاسم محمد بن عباد ملك ~~إشبيلية؛ فقد انتظم له في ملكه من بلاد الأندلس ما لم ينتظم لملك قبله؛ أعني من المتغلبين ~~كما يقول المراكشي. # لكن الحذر قد يؤتى من مأمنه! فقد كان بين المعتمد والفرنجة حروب وغزوات يصيب منها ~~ويصاب، فرأى أن يستنصر بيوسف بن تاشفين، ملك البربر بمراكش، فكان ساعيا إلى حتفه ~~بظلفه، وكان ذلك سبب ضياع دولته. # ذلك بأن ابن تاشفين صغر ملكه في عينه بعد أن رأى الأندلس وعظمتها، فعاد ms01 إلى بلاده وهو ~~في الأندلس طامع، وأخذ هو ومستشاروه يعملون الحيلة لامتلاكها؛ فبدأ باستئذان المعتمد في ~~أن يسمح لجماعة انتخبهم من خيرة أصحابه بالإقامة في بعض الحصون مرابطين في سبيل الله، بينما ~~هم دعاة وأنصار انتهزوا الفرصة عندما سنحت، وهبوا لقيادة الثورة على ابن عباد، حتى أسر ~~بعد أن أبلى أحسن البلاء سنة 484ه، واستقر أمر الأندلس بعد هذا لابن تاشفين، وعد يومئذ - ~~كما يذكر المراكشي - في «جملة الملوك، واستحق اسم السلطنة، وتسمى هو وأصحابه ~~بالمرابطين». # ولما تم أسر المعتمد، وأجازوا به البحر إلى طنجة، قال يعبر عن بعض ما يحس ~~به: # قالوا الخضوع سياسة # فليبد منك لهم خضوع # وألذ من طعم الخضو # ع على فمي السم النقيع # إن تستلب مني الدنى # ملكي وتسلمني الجموع # فالقلب بين ضلوعه # لم تسلم القلب الضلوع # لم أستلب شرف الطبا # ع، أيسلب الشرف الرفيع؟ # شيم الألى أنا منهم # والأصل تتبعه الفروع # على أن المرابطين لم يهنئوا طويلا بالدولة والملك؛ فقد أرسل الله عليهم الموحدين بزعامة ~~محمد بن عبد الله بن تومرت المهدي، وخليفة عبد المؤمن بن علي، فثلوا عرشهم، وأقاموا لهم ~~دولة على أنقاضهم، وتم لهم بالاستيلاء على قرطبة وغرناطة فتح الأندلس كلها. # وفي سنة 558ه، توفي عبد المؤمن، وولي الأمر ابنه أبو يعقوب يوسف، الملقب بالمنصور، ~~وهو الذي آزر ابن رشد وشجعه على التفلسف، ثم ولي بعده ابنه أبو يوسف يعقوب «580-595ه»، وفي ~~عهده كانت نكبة ابن رشد وأصحابه بعد محاكمة لا ظل للعدل فيها. # وقد قلنا: إن أسرة ابن رشد كانت موضع إجلال وتقدير هاتين الدولتين من ناحية العلم وحرية ~~الفكر. وهذا حق تؤيده وقائع التاريخ. # لقد كان المرابطون من أبعد الناس عن العلم والمدنية وسماحة الإسلام، وكان مؤسس دولتهم لا ~~يتأخر عن سحق الذين لا يتلقون بقبول تعاليمه كلها متى وجد إلى ذلك الوسيلة، وكان من ضيق ~~صدور رجالاتهم بما لا يعرفون من العلم والمعارف أن استولى الفقهاء على رأي يوسف بن تاشفين؛ ~~فكان لا يقطع أمرا دونهم، وانتهزوها فرصة فقبحوا ms02 عنده علم الكلام حتى استحكم في نفسه ~~بغضه وبغض أهله، وحذر منه وشدد في نبذه، ثم تمادى الفقهاء فأفتوه بأن كتب الغزالي - وقد ~~وجدت طريقها إلى بلاد المغرب، ومنها «الإحياء» - فيها غير قليل من الإلحاد، وأن صاحبها قد ~~كفر بخروجه فيما ذهب إليه عن مذهب أهل السنة، فكان أن استمع لهم وأمر بإحراقها، كما يروي ~~المراكشي في كتابه «المعجب»، والمؤرخ الألماني يوسف أشباخ في كتابه «تاريخ ~~الأندلس». # وكان من ذلك أن أخذت معاهد العلم والمكتبات العامة تتناقص شيئا فشيئا، وأن صار العلماء ~~ينزوون ويستخفون. # أما الموحدون، فقد كانوا على الضد من هذا كله: إيثار للعلماء، وبخاصة أهل النظر منهم، ~~واستقدامهم ليكونوا بجوارهم في حضرتهم حتى ليتخذون منهم جلاسا وأصدقاء، بل كان ~~منهم الخليفة أبو يعقوب يوسف، الذي دفعه شرف نفسه وعلو همته إلى تعلم الفلسفة، وجمع ~~كتبها من مختلف النواحي والأقطار. # 1 # من أجل ذلك نجدهم يبيحون قراءة مؤلفات الغزالي ونحوها من كتب علم الكلام والفلسفة، ~~ويشجعون على دراستها، وكان من سعة صدورهم أن علماء من اليهود وصلوا إلى مركز العمادة لبعض ~~معاهد العلم في قرطبة وإشبيلية وغرناطة وبلنسية ومرسية بالأندلس، كما يذكر المؤرخ أشباخ، في ~~ظل أمراء يعرفون للعلم قدره، ويدفعون إليه، ويثيبون عليه. # لهذا سارع العلماء إلى خذلان المرابطين أبناء الصحراء الجافة القاسية، وشد أزر ~~الموحدين رعاة العلم، وأولي البصر به؛ مجازاة لهم إحسانا بإحسان، وحق لهم ذلك؛ ~~فقد كان هؤلاء يشترطون فيمن يتولون المناصب العامة، كما يذكر أشباخ، «توافر نوع من الثقافة ~~العامة، والإلمام بمعظم العلوم الإسلامية المعروفة». # وهناك مفارقة أخرى بين هاتين الدولتين، اللتين شهد أيامهما ابن رشد وبيته، ترجع إلى ~~البيئة الأولى الطبيعية والاجتماعية لكل منهما. # لقد كان المرابطون - إلى ما ذكرنا - قساة غلاظ الأكباد، وبعيدين إلى حد ملحوظ عما يوجبه ~~الإسلام من الوفاء ولين الجانب والرحمة بمن هان بعد عز؛ فهذا يوسف بن تاشفين استنجد به - ~~كما قدمنا - ابن عباد ضد الفرنجة، فلم يتركه حتى سلبه ملكه، وأنزله وآله منزلة الهون ~~في الأسر والضيق ms03 والذل حتى جاءهم الموت، كما يذكر المراكشي. أما الموحدون، وقد أشربوا ~~تعاليم الدين السمحة، فقد كان من أول أمير لهم؛ وهو عبد المؤمن بن علي، أن غلب يحيى بن عبد ~~العزيز الصنهاجي على ملكه - بجاية وأعمالها - ورجع به وبأعيان دولته إلى مراكش، وأمر لهم ~~جميعا، كما يذكر المؤرخ السابق نفسه، «بالمنازل المتسعة، والمراكب النبيلة، والكسى ~~الفاخرة، والأموال الوافرة، وخص يحيى من ذلك بأجزله وأسناه وأحفله، ونال يحيى ~~هذا عنده رتبة عالية، وجاها ضخما، وأظهر عبد المؤمن عناية به لا مزيد عليها». # هذه مفارقة أخرى واضحة بين المسلكين، سببها الفرق الكبير بين البيئتين والمنشأين، وما ~~يكون عن ذلك من شيم وخلال. ~~••• # هذا، وابن رشد يذكره بعض المستشرقين بأنه فيلسوف قرطبة؛ إذ كانت تلك المدينة من مدائن ~~الأندلس موطن بيته ومنبته ومغداه ومراحه، وفيها يقول بعض شعراء الأندلس: # بأربع فاقت الأمصار قرطبة # منهن قنطرة الوادي وجامعها # هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة # والعلم أعظم شيء وهو رابعها # ولا عجب! فهي كما يقول ابن بسام في «الذخيرة»: «قرارة أهل الفضل والتقى، ووطن أولى ~~العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم.» # ونعتقد أن ابن بسام لم يبالغ فيما وصف به هذه الحاضرة؛ ففي «نفح الطيب» وغيره من ~~المراجع الأصيلة التي أرخت الأندلس وعظمتها وأهلها على ذلك دليل، وأي دليل! # هذا المقري يروي عن علي بن سعيد، عن والده، أن أهل قرطبة أشد الناس عناية بالكتب، ~~وأن أعيانها كان من مفاخرهم أن يقال: إن فلانا عنده هذا الكتاب النادر، وإن ذلك الكتاب ~~عنده دون الناس جميعا. # وهذا خبر نأتي به، على طول فيه، يبين لنا كيف يكون الكلف بشراء الكتب وتحصيلها حتى ~~عند الجاهلين، قال الحضرمي: «أقمت مدة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها ~~وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح، وتفسير مليح، ففرحت به أشد ~~الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع المنادي بالزيادة علي، إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: ~~يا هذا، أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى ms04 بلغه إلى ما لا يساوى! قال : فأراني شخصا عليه لباس ~~رياسة، فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه! إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك؛ ~~فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده، فقال لي: لست بفقيه ولا أدري ما فيه، ولكن أقمت ~~خزانة كتب واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب، ~~فلما رأيته حسن الخط، جيد التجليد استحسنته ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما ~~أنعم به من الرزق فهو كثير! قال الحضرمي: فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم، لا يكون الرزق ~~كثيرا إلا عند مثلك! يعطى الجوز من لا له أسنان! وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب ~~وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلا، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه!» # وإذا كان الشيء يذكر بالشيء؛ فإن حديث هذا الحضرمي وسوق قرطبة يذكرنا بمناظرة كانت بين ~~ابن رشد نفسه والرئيس أبي بكر بن زهر في المفاضلة بين قرطبة وإشبيلية، قال فيها فيلسوفنا ~~لزميله: ما أدري ما تقول! غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة ~~لتباع فيها، ونقول: وكفى بذلك فضلا لها عما سواها من مدائن الأندلس وحواضرها! # تلك قرطبة منبت ابن رشد ووطنه الأصغر. أما وطنه الأكبر؛ أي الأندلس عامة، فبلغ من حب ~~أهلها للعلم أن كانوا ينبعثون إلى طلبه بباعث قوي من أنفسهم، وكانوا يعنون بالعلوم كلها ~~إلا الفلسفة والتنجيم، فكانا موضوع عناية الخاصة، ولا يتظاهر بهما مخافة العامة، كما يروي ~~المقري، اللهم إلا إن كان أميرا أو خليفة يحب النظر الحر ويدعو إليه. # تلك كلمة عن قرطبة والأندلس عامة: أمرائها وأهلها، وعن العصر الذي عاش فيه ابن رشد وكان ~~سجلا وعى ما ترك من علم وفلسفة، ومنها عرفنا أن تلك البيئة وذلك العصر كانا يدفعان ~~إلى العلم - بصفة عامة - دفعا شديدا، ويشجعان على النظر الحر والفلسفة أحيانا. # ولنتكلم الآن عن ابن رشد في بيته قبل أن نتكلم عنه في نفسه ms05 وفلسفته. # | نشأته # ابن رشد الجد أو الفقيه # هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد. ولد في قرطبة في منتصف القرن الخامس، ~~وبرز في الفقه حتى صار كما يقول الضبي في «بغية الملتمس»: «أوحد زمانه فيه.» ~~ونبت نباتا حسنا، فعرف له المرابطون - والموحدون من بعد - فضله في الفقه والدين مع ~~الخلق الكامل، فصار صاحب الصلاة بالمسجد الجامع بقرطبة، وقاضي الجماعة بها، كما يذكر ~~ابن بشكوال، صاحب كتاب «الصلة»، معاصره وأحد مؤرخي أئمة الأندلس وعلمائها ومحدثيها ~~وفقهائها وأدبائها. # وكان لتقدمه في الفقه على جميع معاصريه مفخرة من مفاخر الأندلس، ونجعة رائدي ~~التفقه من جميع أقطارها، والمرجع في المشكلات وعظائم الأمور طيلة حياته، كما كان ~~مشاركا في علوم أخرى كثيرة، «مع الدين والفضل والوقار والحلم والسمت الحسن ~~والهدي الصالح». # وبعد أن ذكر هذا المؤرخ الأندلسي قدرا من مؤلفاته، ومنها كتاب «المقدمات» المشهور ~~الذي عرفه المستشرقون أكثر من المسلمين، أشار إلى أنه سار في القضاء بأحسن سيرة، وأقوم ~~طريقة، ثم رأى الخير في أن يستعفي منه فأجيب إلى طلبه، وعمل على نشر كتبه وتواليفه، كما ~~أشار إلى أنه كان محببا إلى الناس، لحسن خلقه، وسهولة لقائه، وكثرة نفعه للمتصلين به، ~~فكان الناس يلجئون إليه ويعولون في مهماتهم عليه، واستمر كذلك حتى توفي عام ~~520ه، بعد أن اكتحلت عيناه بمرأى حفيده فيلسوفنا العتيد، وأنس به عدة أشهر. # ويكاد مؤرخو الأندلس وعلماؤها، ومنهم الضبي وابن بشكوال وابن الأبار، ثم قاضي ~~القضاة ابن فرحون في كتابه «الديباج المذهب»، يجمعون على وصف ابن رشد الجد هذا بما ~~عرفنا في نفسه وخلقه وعلمه، وحب الناس له، وإكبارهم إياه، وفي ذلك ما يستدعي أن نقف ~~قليلا. # هذا الثناء الذي لا تعقيب عليه ممن أرخه من العلماء المعاصرين له، أو الذين تأخروا ~~عنه قليلا، يؤكد لنا بحق حسن خلقه، وجميل عشرته للناس، وكثرة بره لهم، حتى غلب ذلك ~~ما يكاد يكون طبيعة من تحاسد النظراء، وتعادي الأكفاء المعاصرين. # ابن رشد الأب # هذا ابن رشد الفقيه أو الجد. أما ms06 ابن رشد الأب؛ فقد يكفي أن يقال فيه: حسبه أن يكون ~~ابن الجد وأبا الحفيد، ولكنه مع هذا كان ابن أبيه في الفقه والعلم، فأخذ عنه وتفقه به، ~~وولي كذلك قضاء الجماعة، كما ذكر ابن الأبار المحدث الفقيه في كتابه «المعجم»، ~~كما ورث عنه الخير والفضل، فكان محببا إلى الناس بارا بهم، كما يروي ابن بشكوال. ~~وكانت وفاته في عام 563ه في شهر رمضان. # ابن رشد الحفيد أو الفيلسوف # تحدر ابن رشد الطفل من هذا البيت، الذي له - كما عرفنا - المركز العالي المرموق في ~~العلم والقضاء، والمنزلة الرفيعة لدى الأمراء، ورأى الحياة عام 520ه بمدينة قرطبة، وهي ~~سوق العلم ومركز العلماء في ذلك الحين. # ونشأ وهو فتى في هذه البيئة العلمية؛ فدرس ما يدرس أمثاله من الفقه والأصول وعلم ~~اللغة والكلام والأدب، وأخذ عن أبيه أبي القاسم في الفقه ونحوه من علوم الدين، فاستظهر ~~عليه موطأ الإمام مالك، وأخذ أيضا عن غيره من جلة الفقهاء: أمثال أبي القاسم بن ~~بشكوال، وأبي مروان بن مسرة، وأبي بكر سمحون، كما يذكر ابن الأبار في كتابه ~~«التكملة». # وفي اللغة والأدب كان - كما حكى عنه أبو القاسم بن الطيلسان - يحفظ ما أثر من شعر ~~أبي تمام والمتنبي، ويكثر التمثل به في مجلسه، ويورد ذلك أحسن إيراد. # ولم يكتف فتانا أو رجلنا بعلوم الدين واللغة التي حذقها، بل سمت به همته، ~~ودفعه عقله الطلعة إلى دراسة التعاليم «الرياضيات»، والطب، وغير ذلك من علوم ~~الحكمة على أبي جعفر بن هارون الترجاني. وأبو جعفر هذا كان «محققا للعلوم الحكمية، ~~متقنا لها، معتنيا بكتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء المتقدمين، فاضلا في صناعة الطب ~~متميزا فيها.» كما يذكر صاحب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء». # وهكذا درس أبو الوليد أو الحفيد العلم من معينه، وأخذه عن أعلامه، وابتدأ في ~~العناية به منذ حداثته، واستمر على هذه العناية به، حتى ليروي ابن الأبار عنه «أنه لم ~~يدع النظر ولا القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله، وأنه ms07 سود ~~فيما صنف وقيد وألف وهذب نحوا من عشرة آلاف ورقة.» ولعمر الحق، ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء! # علمه وفضله وخلقه # وقد أعانته تلك الدراسة الجادة العالمة على أن صار علما من أعلام عصره البارزين، حتى ~~صار «يفزع إلى فتواه في الطب كما يفزع إلى فتواه في الفقه.» وحتى كان في علوم ~~الأوائل «الفلسفة» «له الإمامة فيها دون أهل عصره.» مع الحظ الموفور من الإعراب ~~والآداب، ومع صحة النظر، وجودة التأليف، والبصر الدقيق الألمعي بالأصول والفروع. ~~وقصارى القول: فإن الذين ترجموا له من العلماء المعاصرين، أو الذين تأخر بهم الزمن ~~عنه، يكادون يجمعون على أنه لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا. # كذلك يصور لنا هؤلاء المؤرخون الثقات ابن رشد الحفيد في دراساته وعلمه. # أما في صفاته النفسية وخلاله وأخلاقه، فيكفينا أن نورد حكم ابن الأبار؛ إذ يقول: ~~«وكان على شرفه أشد الناس تواضعا، وأخفضهم جناحا»، وأنه «تأثلت له عند الملوك ~~وجاهة عظيمة، فلم يصرفها في ترفيع حال ولا جمع مال، إنما قصرها على مصالح أهل بلده ~~خاصة، ومنافع أهل الأندلس عامة». ~~••• # وهنا مواضع يصح أن نقف فيها وقفات قصيرة. # لقد كان ابن رشد إمام عصره في الفقه وعلوم الفلسفة، وكان مع ذلك أشد الناس تواضعا، ~~وأخفضهم جناحا، فهل هذا علة لذاك، أو الأمر بالعكس؟ أي إنه كان كبيرا في علمه فكان ~~كبيرا في تواضعه! نعتقد أن هذا هو الصحيح المعقول الذي يتفق مع طبائع الأمور ~~والأشياء. # إن الجاهل إذا عرف مسألة من مسائل العلم ولو كانت هينة؛ تاه بها، وانتفخت أوداجه، وظن ~~أنه أوتي ما لم يؤت غيره، مثله في هذا مثل المحروم، المحدود الأفق، والمضيق ~~عليه في الرزق، يمشي مصعرا خده للناس إن كسب في يده أكثر مما كان يرجو، وأكثر مما ~~يحتاجه ليومه. # أما الغني فلا يمكن أن يستطيره الفرح أو يزدهيه ربح لم يكن في مرجوه مهما كان ~~كبيرا؛ لأنه حين يقيس نفسه بغيره من أصحاب الملايين لا يجد نفسه بتليد ماله وطريفه ~~شيئا مذكورا، ms08 فلم الزهو والكبرياء إذن؟! # وكذلك العالم الذي يتنقل من لون من ألوان المعرفة إلى لون آخر، وكلما انتقل من حل ~~مشكلة علمية تبدت له أخرى، هو دائما في كد عقلي، وتعب فكري. وخاتمة المطاف أو ~~الطواف تكون شعوره بقلة العلم، وصغر النفس، وعجز العقل عن أن يحيط بالكون كله، أرضيه ~~وسمواته وما فيها من الملأ الأعلى، وما فوق ذلك كله من مقام الألوهية الذي جل عن أن ~~يحيط به عقل أو إدراك، والنتيجة الطبيعية والنفسية أن يغدو كلما عمق علمه، كلما اشتد ~~تواضعه، ولان جانبه. # والوقفة الثانية هي أن فيلسوفنا كان ذا حظوة وجاه عظيمين عند الملوك والخلفاء، فلم ~~يفد من ذلك لنفسه، بل قصر هذا على خير أهل بلده خاصة، والأندلس عامة، والأمر في ~~نظري جد طبيعي. # إنه قد وهب نفسه للعلم، وجعل غايته التي يهدف لها معرفة الحقيقة، ولذته هي في أن ~~يدرك من هذه الحقيقة حلقة بعد حلقة، أو طرفا بعد طرف، وهذه اللذات العميقة المتصلة أو ~~المتجددة تستهويه، وتعلو جدا في نظره حتى لا يوازن بينها وبين لذات جمع المال، ورفاهة ~~العيش، وطيب الحياة. # من ثم فهو لا يبالي هذه اللذات ونحوها، ما دام قد جعل همه ووكده المعرفة الحقة، وما ~~يكون في إدراكها من لذة عقلية روحية هي أسمى ضروب اللذات؛ ومن ثم كانت نزعته ~~الاجتماعية وحبه لخير الناس جميعا، فهو يجد لذة أخرى في أن ينفق من جاهه وماله - أو ~~يقصر جاهه وماله - على المحرومين من اللذات العقلية التي جعله الله أهلا لها بما ينفق ~~من عقله وتفكيره. # وهناك وقفة ثالثة بعد هاتين: إن الذين ترجموا لفيلسوف قرطبة وصفوه بأن الدراية كانت ~~أغلب عليه من الرواية، # 1 # وهذا الوصف يتيح لنا أن نقول: إن نزعته إلى الفلسفة بدت أول ما بدت في ~~الفقه. # ذلك بأن الذي يعتد برأيه وتفكيره، ويحاول أن يدري ويبحث بعقله، لا أن يروي ويصدق ما ~~يرويه كله فحسب، ويجتهد في تعرف علل الأحكام الشرعية على اختلافها، باختلاف الأئمة ~~والفقهاء، ويوازن ms09 بين هذه الآراء بعقله ونظره. ذلك الذي يكون هذا حاله في الفقه لا يكون ~~بعيدا عن الفلسفة، بل يكون قد دخل فيها من بعض نواحيها، ما دامت الفلسفة هي البحث عن ~~العلل، ومحاولة فهم العالم وقوانينه. # وإذن، فمن الممكن، بل من السهل الميسور، أن نرى في ابن رشد الفقيه الآن ابن رشد ~~الفيلسوف فيما يأتي من الزمان. # وأخيرا، نقف وقفة رابعة وأخيرة تتصل برأيه في الفقه، وننتقل بعدها إلى حياته ~~العملية. # إنه لا يرى شعائر الدين وأوامره أمورا تعبد الله بها عباده ليكون لهم ما يتطلعون ~~إليه في الدار الآخرة من حور وولدان وجنات فيها من اللذات والمتع ما لا يخطر على قلب ~~بشر. إن الدين - في رأيه - يرمي بشعائره وأوامره إلى غايات خلقية واجتماعية بها صلاح ~~المجتمع وسعادته. وهذه النظرة السامية نجدها واضحة تمام الوضوح في خاتمة كتابه القيم ~~«بداية المجتهد ونهاية المقتصد». # لقد بين في هذا الموضع أن من أوامر الدين وأحكامه ما يرجع إلى تربية الفضائل ~~النفسية المعروفة، ومنها ما يعود الغرض منه إلى تثبيت العدالة الخاصة والعدالة العامة ~~في الأموال وغير الأموال، ومنها ما هو سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة ~~الإنسان، وحفظ فضائله العملية والعلمية، وهي المعبر عنها بالرياسة؛ ولذلك لزم أيضا أن ~~تكون سنن الأئمة والقوام بالدين. # وهكذا نلمح هذه النظرة في آرائه الفقهية في هذا الموضع، وفي مواضع أخرى كثيرة من هذا ~~الكتاب. # عمله في القضاء # إن رجلا هذا شأنه في الفقه والعلم بصفة عامة، وتلك أخلاقه وخلاله النفسية ~~العالية، كان لا بد من أن يتصل بالخليفة، ومن أن يعرف له هذا قدره، ومقدار ما يفيده ~~العلم وتفيده الأمة منه. # لهذا نراه سنة «548ه/1153م» بمدينة مراكش؛ حيث خليفة الموحدين أبو يعقوب يوسف بن عبد ~~المؤمن، وصفيه ابن طفيل الفيلسوف المعروف؛ فقد كان الخليفة شديد الشغف به، والحب ~~له، حتى ربما كان يقيم عند الخليفة بقصره أياما ليلا ونهارا، كما كان ينوه ~~بالعلماء ويستقدمهم إلى حضرته، ويحضه على إكرامهم، كما يحدثنا ms10 المراكشي. # وفي هذه المدينة وجد ابن طفيل الفرصة سانحة لتقديم ابن رشد الفقيه للخليفة المتفلسف، ~~بعد أن دبر أمر هذا التقديم بينه وبين الخليفة، فكان ذلك كما يقصه بنفسه رجلنا؛ ~~إذ يقول: # لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبا بكر ~~ابن طفيل ليس معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي، ويضم ~~إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري، فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين، بعد أن ~~سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي، أن قال لي: ما رأيهم في السماء؛ أقديمة هي أم ~~حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم ~~أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، ~~فالتفت إلي ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله ~~أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، ~~فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له، ~~ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي في ذلك، فلما انصرفت أمر لي بمال ~~وخلعة سنية ومركب. # وقد كان لهذه المقابلة أو هذا الاختبار الناجح أثره العاجل؛ فإن أبا الوليد نفسه ~~يتم الحديث فيقول: # استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي: سمعت ~~أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس، أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر ~~غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها ~~بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس؛ فإن كان فيك فضل قوة لذلك ~~فافعل. وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك، وصفاء قريحتك، وشدة نزوعك ~~إلى هذه الصناعة. وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبرة سني، واشتغالي ~~بالخدمة، وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه. قال أبو الوليد: فكان هذا الذي ~~حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم ~~أرسطوطاليس. # وبرغم ثقل التبعة التي حملها ابن رشد، فقد كان عليه واجب آخر يجب أن ms11 يقوم به، ~~وهو ولاية القضاء كما كان أبواه من قبل. # ولي القضاء إذن، والقضاء في الأندلس وفي غيرها من البلاد الإسلامية في ذلك العصر ~~منصب له خطره وجلالته، وحسبنا من منصب يجعل لصاحبه - كما يقول المقري - أن يستقدم ~~الخليفة لمجلس القضاء إن ادعي عليه حق من الحقوق! # وأوجب عليه هذا العمل أن يتنقل بين أفريقية والأندلس؛ فقد ولي أولا قضاء إشبيلية سنة ~~565ه، ثم ولي القضاء بقرطبة سنة 567ه، وبعد هذا في العام التالي صار قاضي القضاة، أو ~~قاضي الجماعة، فالتسميتان واردتان لمنصب واحد. ومن هذا اليوم اقتعد كرسي جده وأبيه من ~~قبل، وتمت نعمة الله عليه؛ إذ ولي مع قضاء الجماعة منصب الطبيب الخاص للخليفة. # وفي كل هذه الفترة من حياته التي كان إليه القضاء فيها، نجده - كما يروي الذين ترجموا ~~له - محمود السيرة عند العامة والخاصة، وعند الخليفة أيضا، وينفق من نفسه وماله ~~وجاهه ليكون خيرا لأهل بلده خاصة، ولأهل الأندلس عامة، كما ذكرنا من قبل. # شعوره برسالته # حينما قرب ابن طفيل ابن رشد الحفيد من الخليفة وقدمه إليه، وحينما ندبه ~~لتلخيص كتب المعلم الأول وشرحها، لم يفعل ذلك اعتباطا، أو عن هوى، أو ميل خاص، بل ~~لنقل: إنه فعل ما فعل عن ميل خاص لأبي الوليد يرجع إلى عرفانه به، وباستعداده وحبه ~~للعمل الذي ندبه له، وقدرته على الاضطلاع بالرسالة التي كلف بها. # إنه فكر وقدر، وأطال التفكير والتقدير، فلم ير غير الحفيد حريا بما رغب فيه ~~الخليفة أبو يعقوب، من فهم كتب أرسطوطاليس فهما جيدا، ثم تقريبها إلى الناس؛ لما ~~يعلمه فيه من استعداده لهذا العمل العظيم. وكان أبو الوليد جديرا بما حمله وصادف ~~هوى في نفسه واتفاقا مع نزعتها الفلسفية. # وكان من ذلك أن لم يقل - وقد نال من جاه الخليفة والحظوة لديه حتى صار قاضي القضاة ~~وطبيبه الخاص: الآن ألقت عصاها واستقر بها النوى! ولم يقنع بشيء مما نال، أو بما نال ~~كله، كما يقنع من همه جاه يستطيل به على الإخوان والنظراء، ومنصب ms12 يركب به ~~الرقاب، وينيله ما يشاء ويرضى من هناءة الحياة ومتعها ولذاتها. # إن همه كان شيئا آخر، وإن غايته كانت غاية أخرى، وإنه ليشعر شعورا عميقا بتلك ~~المهمة أو الرسالة التي نيطت به، وبالغاية التي يجب أن يسعى إليها، ويعمل لها. وإن ~~هذا الشعور أو الإحساس ليظهر منه واضحا ملموسا في مناسبات عديدة مختلفة وهو يحمل ~~تكاليف منصب القاضي الأكبر. # إنه وهو في القضاء كتب الجزء الأكبر من كتبه التي خلدت اسمه وجعلته علما من الأعلام، ~~كما أنه عني بتسجيل بعض تواريخ ما كتب بضروب مختلفة من التسجيل. # ففي آخر شرحه لكتاب الحيوان يذكر أنه انتهى منه في شهر صفر سنة 565ه في مدينة إشبيلية ~~وهو قاض بها، بعد أن انتقل إليها من قرطبة. وفي آخر شرحه الوسيط لكتاب «الطبيعة» ~~يبين أنه أتمه هذا العام بإشبيلية أيضا بعيدا عن كتبه ومستنداته العلمية، وفي ~~شروحه لكتاب «الآثار العلوية # Les Méteorolagiques ~~» ذكر ~~لنا أنه لم يشهد الزلزال العظيم الذي حصل بقرطبة سنة 566ه؛ لأنه كان بإشبيلية في ذلك ~~الوقت، وإن كان قد عاد إلى قرطبة بعد ذلك بقليل. # ونرى إحساسه القوي برسالته، وبأن حياته قد لا تتسع لها، مع رغبته في القيام بها بقدر ~~وسعه، يتجلى واضحا في أنه في آخر الكتاب الأول لمختصر «المجسطي» يذكر أنه أوجب على ~~نفسه أن يقصر جهده على القضايا التي لا غنى عنها، كما يرى نفسه شبيها برجل اندلعت ~~النار في داره فجأة؛ فهو لا يجد من الوقت إلا ما يتسع لإنقاذ أعز الأشياء عنده، وآثرها ~~لديه، وأشدها ضرورة للحياة. # وأخيرا، نحس هذا الإحساس أقوى مما أحسسناه من قبل، إذا عرفنا أنه أتم شروحه المتوسطة ~~على الخطابة والبلاغة وعلى ما بعد الطبيعة سنة 570ه، وهو مضنى الجسم منهوك من التعب، ~~ومن مرض خطير ألح عليه في ذلك الحين، وأنه أسرع بكتابة السطور الأخيرة من كتاب ما ~~بعد الطبيعة وهو مريض هذا المرض الشديد؛ خشية أن يترك هذا العمل غير تام، وفي ~~مرجوه - إذا مد الله في ms13 عمره - أن يكتب على هذا الكتاب وغيره من كتب المعلم الأول ~~شروحا أطول وأوفى. وكان من حسن حظ العلم والفلسفة أن أناله الله ما رجاه، وقد أعانه ~~عليه أنه بعد أن تقدمت سنه اعتزل أعماله الرسمية ليتوفر على إتمام تلك الأعمال الفلسفية ~~الكبيرة. # فيما ذكرنا، بل في بعضه، دلالة أو دلالات على أن ابن طفيل بتوجهه لابن رشد برغبة ~~الخليفة في شرح أرسطوطاليس وتقريبه للأفهام صادف نفسا راغبة، وفكرا نافذا، وشعورا ~~بالرسالة مرهفا، وإرادة قوية مسعفة؛ ولذلك كله تم لهم جميعا ما رجوه من شرح ~~المعلم الأول، كما تم لفيلسوف قرطبة ما عمل له دهرا طويلا من عمره؛ وهو التوفيق بين ~~الدين والفلسفة، والانتصاف لهذه بعد ما كاله لها الغزالي من ضربات. # هذه الرسالة ما هي؟ # لا يكفي لتعرف منزلة علم من أعلام الفلسفة أو الفقه أو الأدب أو الفن مثلا، أن ~~نزن ما برع فيه من هذا اللون أو غيره من ألوان المعرفة، بل لا بد مع هذا من التساؤل عن ~~البواعث التي وجهته التوجيه الذي اختص به في دراسته، والهدف أو الرسالة التي ملكت عليه ~~أمره، وعمل لها طول حياته، والتي تعتبر إلى حد كبير مفتاحا لفهم نزعاته ~~واتجاهاته. # فإذا كان الأمر كذلك، فما البواعث أو العوامل التي دفعت فيلسوف قرطبة إلى الفلسفة ~~وبحث صلاتها بالشريعة؟ وما الرسالة التي ملكت عليه أمره، واتخذ الوسيلة وسيلة لها، وعمل ~~جاهدا على الوصول إليها؟ # هذه الرسالة على ما نعتقد كانت الانتصاف للفلسفة، ورد اعتبارها لها، وإحياءها بعد ما ~~لقيت من الغزالي، والتوفيق بينها وبين الدين أو الشريعة. وتلك الرسالة أسمى الرسالات ~~التي يندب لها نفسه فيلسوف متدين، وهي مع هذا رسالة جعلتها أمرا لازما الظروف التي ~~اجتازها التفكير الإسلامي قبل ابن رشد، وكان يجتازها في عصره أيضا. # ذلك بأن الإمام الغزالي ندب نفسه للرد على الفلاسفة فيما رآه منافيا للدين، حين لم ~~ير - كما يقول - أحدا من رجال الإسلام صرف عنايته لذلك، كما ذكر لنا في «المنقذ من ~~الضلال»، وكان من ms14 هذا أن شهر عليهم حربا لا هوادة فيها، واستعمل فيها كل ما قدر ~~عليه من سلاح، وانتهى بالحكم عليهم بأنهم مبتدعون ملاحدة في كثير مما ذهبوا إليه، ~~وكفرة مارقون من الدين في بعض ما أداهم إليه تفكيرهم الذي تأثروا فيه أيما تأثر ~~بفلاسفة الإغريق. وهنا يجب أن نقف قليلا لنعرف ماذا قصد إليه الغزالي من تلك ~~الحرب. # لقد كان من غرض حجة الإسلام من هذه الحرب التي أوقد نارها بشدة أن يصرف الناس عن ~~الفلسفة، ببيان أنها لا تتفق والدين، وعن الفلاسفة بدمغهم بميسم الإلحاد والكفر. ~~ونحن جميعا ندرك ما في اتهام مفكر بأنه يعنى بالفلسفة في ذلك الزمن، فكيف إذا اتهم ~~بعنف من حجة الإسلام الغزالي بأنه كافر! لا ريب يكون جزاؤه تبرؤ المسلمين منه، ~~واستحلال دمه، وإعدام مؤلفاته. # وقصد كذلك نزع الثقة من الفلاسفة من ناحية التفكير، بعد أن طعنهم في عاطفتهم الدينية، ~~حتى لا يخدع أحد بتعاليمهم، وقد ظهر هذا القصد منه ظهورا واضحا. # نراه يصرح بأن الرياضيات من العلوم الفلسفية، وإن كان لا سبيل لإنكارها، ولكن من ينظر ~~فيها «يحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة؛ فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح كهذا العلم، ~~ثم يكون قد سمع من كفرهم ما تتداوله الألسنة، فيكفر بالتقليد المحض.» ولهذا «يجب زجر كل ~~من يخوض في تلك العلوم ... فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين.» كما ينهى لمثل ~~هذا السبب عن قراءة كتبهم في الأخلاق، حتى لا يغتر أحد بما مزجوه بها من الحكم النبوية ~~والكلمات الصوفية. # 2 # بل إن هذا القصد ظهر منه أول ما شرع في كتابه «تهافت الفلاسفة»، فنراه يذكر في ~~المقدمة أنه ألفه للرد على الفلاسفة الأغبياء الذين تجملوا بالكفر تقليدا؛ لظنهم أن ~~ذلك يدل على حسن الرأي، ويشعر بالذكاء؛ «فضلوا وأضلوا عن سواء ~~السبيل.» # وأخيرا، كان من غرضه في حربه تلك أن يشير إلى أنه هناك بعد الوحي طريق آكد من العقل ~~في معرفة الحقيقة وآمن، وأكثر رحابة منه، وذلك هو التصوف. وقد كان ms15 طبيعيا ومنطقيا ~~من الغزالي، بعد أن بين قصور العقل الذي عليه وحده يعتمد الفلاسفة في الوصول إلى ~~الحقيقة، أن يدلنا على طريق آخر للوصول إليها. # بهذا الطريق، أو بالتصوف، انكشفت له الحقائق، ولم يكن ذلك - كما يقول - بنظم دليل ~~وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ~~ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيق رحمة الله الواسعة، ولذلك نجده يوقن ~~أن الصوفية هم الذين أحسنوا اختيار الطريق إلى الله وإلى الحقيقة؛ «فإن جميع حركاتهم ~~وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه ~~الأرض نور يستضاء به.» # هكذا هاجم الغزالي الفلسفة والفلاسفة من هذه الطرق، مريدا الحط من الفلسفة، وصرف ~~الناس عنها وعن رجالاتها، ونعتقد أنه نجح فيما أراد إلى حد كبير. # إنه من الحق القول بأنه - بعد الغزالي - عدم العالم الإسلامي في الشرق فيلسوفا ~~من طراز الفارابي وابن سينا، بل صارت الدراسات الفلسفية تكاد تنحصر في اقتباس ما يتفق ~~والعقائد الدينية من مذهب المعلم الأول، أو الشيخ الرئيس، أو غيرهما، كما فترت ~~العناية بمسائل الطبيعة وما بعد الطبيعة، وزادت بالعلوم العملية كالأخلاق والسياسة، كما ~~يذكر المستشرق دي بور في كتابه «تاريخ الفلسفة في الإسلام»، وجاء ما يمكن أن يسمى ~~بعصر الشروح والحواشي والتعليقات والمختصرات. # فإذا تركنا المشرق إلى المغرب، وجدنا ابن باجه وابن طفيل، وهما من معاصري ابن رشد، قد ~~عملا - كل بقدر وسعه وعلى طريقته - على إحياء الفلسفة، كما ترك الثاني بصفة خاصة ~~أثرا يدل بوضوح على رأيه في التوفيق بين الفلسفة والشريعة، وعلى ما بذل من جهد في هذا ~~السبيل، ونعني بهذا الأثر القيم «قصة حي بن يقظان»؛ ففي هذه القصة الفلسفية نرى أنه ~~حينما التقى حي بن يقظان الذي انتهى إلى الحقيقة بالنظر والتفكير بالبطل الآخر «آسال» ~~الذي عرفها من الدين، وروى كل منهما للآخر قصته، عرفا أن الحقائق التي عرفت بالدين ~~والفلسفة متطابقة تطابقا تاما؛ ولهذا نرى المراكشي والمقري ms16 يصفان ابن طفيل باجتهاده ~~في التوفيق بين الحكمة والدين. # حالة كهذه، التي وجد فيها فيلسوفنا، كانت تتطلب بلا ريب من يعمل بقوة على الانتصاف ~~للفلسفة وإحيائها، والتوفيق بينها وبين الشريعة، وقد كان ابن رشد هو المرجى لهذه ~~الرسالة؛ فقد جمع بين الاستعداد لها، والحظوة لدى أمير يشجع على الفلسفة ويقرب ~~رجالها. # وإذا كانت محاولة ابن رشد التوفيق بين الحكمة والشريعة هي أهم الوسائل التي رآها ~~لتحقيق الرسالة التي ندب نفسه لها، وإذا كان هذا التوفيق في نفسه غاية جليلة صرف فيها ~~كثيرا من جهوده، وإذا كانت هذه المحاولة منه ومن أسلافه فلاسفة الإسلام بصفة عامة هي ~~معقد الطرافة في الفلسفة الإسلامية، كما يقول المستشرق الفرنسي «ليون جوتيين # Lèon Gauthier ~~»، إذا كان الأمر كذلك، فإننا ~~سنتناول أولا الحديث عن عمله في هذه الناحية وما يتصل بها، ثم نسوق الحديث إلى جهده في ~~الرد على الغزالي وهدم تهافته، وبذلك نكون تناولنا - بالقدر الذي يسمح لنا به نطاق هذا ~~الكتاب الضيق - أهم جوانب فلسفة ابن رشد العظيم. # | عمله في التوفيق بين الحكمة والشريعة # تمهيد # الإحساس بالحاجة إلى التوفيق بين الفلسفة أو الحكمة والشريعة عاطفة طبيعية يحس بها كل ~~من عني بالبحث في هاتين الناحيتين. ومحاولة هذا التوفيق تعتبر إلى حد ما واجبا لازم ~~الأداء، وأمرا ينساق إليه الفيلسوف المتدين صاحب العقيدة التي لها قداستها في رأيه؛ ~~وذلك لأكثر من عامل واحد: # أولا: # ليحقق الانسجام بين ما وصل إليه بعقله وبين معتقده الموروث عن الآباء ~~والأجداد، العامر به قلبه، والذي يراه فوق كل شك، وإن عز عليه ~~أحيانا أن يفهم بعض ما جاء به، أو بعض ما يستلزمه. # وثانيا: # ليتجنب غضب الفقهاء الذين يرون كل تفكير عقلي حر ضربة موجهة للدين ~~الذي لم يأت عن طريق العقل، بل عن طريق الوحي الإلهي، وليكون كذلك ~~بمأمن من غضب الشعب وتعصبه؛ الشعب الذي يشعر بميل طبيعي للثورة على ~~الممتازين بأي نوع من أنواع التمييز، وبخاصة إن دفع لذلك التعصب من ~~رجال الدين الذين يرون لأنفسهم فضلا ms17 في العقل والتفكير، ويزعمون أنهم ~~قادرون على فهم ما تحسبه العامة أسرارا وأمورا فوق طاقة الإنسان ~~إدراكها. # وإذا كانت محاولة التوفيق بين الوحي والعقل مما لا يجد منه بدا كل من يشتغل ~~بالفلسفة بصفة عامة؛ فهي كذلك بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام للأسباب المتقدمة، ولأسباب ~~أخرى سنشير بعد قليل بإيجاز إلى أهمها وأحقها بالذكر والتقدير. # من أجل ذلك نرى اليونان عرفوا ما يجب أن يكون من علاقة بين الفلسفة والتقاليد أو ~~الأساطير الدينية، كما نجد للمسائل الدينية حظا لدى كل المدارس الفلسفية ورجالها، ~~وبالأخص سقراط وأفلاطون والرواقيين وفلاسفة الإسكندرية، فإنهم جميعا يحرمون ~~تقويض الدين الذي يعرفون له جدواه الأخلاقية والاجتماعية. ومن الطبيعي أن نرى هذا ~~الاتجاه يزيد ويقوى عند «فيلون Philon ~~» اليهودي وعند ~~بعض آباء الكنيسة المسيحية. # أما بالنسبة للمسلمين؛ فإن الذي يفهم الإسلام وروحه وتعاليمه التي تدعو للأخذ بالوسط ~~في كل الأمور، وتوجب الإصلاح بين المتخاصمين، والتوفيق بين المتناقرين، والذي درس تاريخ ~~الإسلام، ولا سيما الناحية العلمية تقول: إن من كان هذا حاله يرى أن روح التوفيق بصفة ~~عامة كانت طابعا للمسلمين في كل النواحي النظرية تقريبا، فكلما وجدت مذاهب مختلفة أو ~~متعارضة، كانت توجد مذاهب تحاول التوفيق بينها باتخاذها موقفا وسطا، تؤلف به بين ~~أطرافها. والتاريخ، قديمه وحديثه، شاهد صدق يؤيد هذا الذي نقول. # نجد هذه الظاهرة في علم الكلام تتمثل في مذهب الأشعري، الذي هو وسط بين مذهب السلف ~~القائم على التسليم بالنصوص، ومذهب المعتزلة الذي أعطى للعقل الحرية في فهم نصوص القرآن ~~وتأويلها بما يتفق والعقل. # بل نرى المعتزلة أنفسهم يقررون أن العقل والوحي من الله فلا يتناقضان، وأن الأنبياء ~~لم يكشفوا شيئا لا يقدر العقل على الوصول إليه؛ ولهذا يجب أن يكون ما يجيء به الوحي ~~معقولا، وإلا وجب تأويله عقليا. # وفي التشريع، نجد مذهب مالك يعتمد على الحديث، والمذهب الحنفي يعتمد على الرأي ~~والقياس العقلي، ونرى المذهب الشافعي وسطا أو جامعا بين هذين الطرفين ~~المتعارضين. # فإذا كانت نزعة التوفيق من النزعات الغالبة على مفكري الإسلام ms18 بصفة عامة في جميع ~~نواحي التفكير، فأولى ثم أولى للفلاسفة أن يعملوا على التوفيق بين الدين الذي يعتقدون ~~صحته، والفلسفة التي عمادها النظر الصحيح والمنطق السليم. # على أنه كانت هناك عوامل أخرى تجعل لزاما عليهم أن يحاولوا - ما استطاعوا - الوصول ~~للتوفيق بينهما؛ وهذه العوامل ترجع في رأينا إلى ثلاثة: ~~(1) # بعد الشقة بين الدين وفلسفة أرسطو في كثير من المسائل؛ كمسألة ~~الألوهية، وتحديد صفات الله وخصائصه، وخلق العالم، وقدمه وحدوثه، والصلة ~~بينه وبين الله، والنفس وخلودها. ~~(2) # مهاجمة كثير من رجال الدين للبحوث العقلية الحرة التي لا تتقيد في ~~نتائجها بأية عقيدة مقررة سابقا، ويضاف إلى هذا تعصب الشعب والأمراء ~~أحيانا ضد المفكرين الأحرار مدفوعين بدوافع مختلفة لا تتصل بالدين في ~~الحقيقة في أكثر الأحيان. ~~(3) # وأخيرا، الرغبة في أن يكونوا بنجوة من هذا التعصب وآثاره؛ ليستطيعوا ~~العمل في هدوء؛ ولئلا يتحاماهم الناس حين يرون أو يظنون أنهم على غير وفاق ~~مع الشريعة والدين. # من أجل ذلك كله، نجد فلاسفة الإسلام جميعا - كغيرهم من المتكلمين والمفكرين - حاولوا ~~هذا التوفيق، سواء منهم من تقدم به الزمن ومن تأخر؛ مع اختلاف في المناهج التي ~~اصطنعوها، والجهود التي خصصوها لبلوغ الغاية المرجوة منهم جميعا، ومع تفاوت في ~~مبلغ ما قدر لهم من نجاح. # جال في هذا الشوط أبو إسحاق الكندي؛ ولذا يؤكد عنه ظهير الدين البيهقي أنه «قد جمع في ~~بعض تصانيفه بين أصول الشرع وأصول المعقولات». # وجال فيه كذلك الحسين بن الفضل الراغب؛ فقد جمع بين الشريعة والحكمة في تصانيفه، وكان ~~يقول: «بين العقل والشرع تظاهر، ويفتقر أحدهما إلى الآخر.» # والفارابي وابن سينا جريا في هذا الشوط أيضا خطوات واسعة، لما رسخ عندهما من أن ~~الحقيقة واحدة، وإن عبر عنها بطرق وأساليب مختلفة؛ فلم يهملا العقل أو الوحي، بل ~~جذبا كلا منهما إلى الآخر. # أما فيلسوف قرطبة، فقد كان مضطرا - لمحو الأثر الذي أحدثه الغزالي بكتابه «تهافت ~~الفلاسفة» أو إضعافه على الأقل - إلى محاولة للتوفيق لها أسسها ودعاماتها؛ محاولة يضع ~~فيها الحدود الواضحة للصلة بين ms19 الدين أو الشريعة والحكمة، حتى لا يقوم بينهما بعث ~~عداء أو نزاع. # لقد خصص لهذه الغاية رسالته «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، وعرض ~~أيضا لها في كتابه «الكشف عن مناهج الأدلة»، فضلا عن تناولها في مناسبات مختلفة ~~وعديدة في كتابه «تهافت التهافت»، وقد وضع لهذه الغاية طريقا تؤدي في رأيه إليها، ~~ومبادئ وأصولا تقوم عليها، وهي: ~~(1) # الاستدلال بالقرآن على وجوب النظر العقلي والانتفاع بما في تراث الإغريق ~~من خير. ~~(2) # بيان أن الناس مختلفون في العقول والاستعدادات؛ ولذلك انقسم الشرع إلى ~~ظاهر وباطن لكل أهله. ~~(3) # وضع قواعد عامة لتأويل ما يجب تأويله من نصوص الشرع؛ لبيان متى يكون ~~التأويل، ولمن يكون، ولمن يصرح به. ~~(4) # بيان الطريقة المثلى للاستدلال لعقائد الدين، ولما اختلف فيه من المسائل ~~بين المتكلمين والفلاسفة. ~~(5) # بيان الوحي وتحديد الصلة بينه وبين العقل، وبيان الحاجة إلى ~~الشريعة. # وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال كما يسمح به المقام. # 1 # الشريعة توجب الفلسفة # ساق ابن رشد، في كتابه «فصل المقال»، دليلا لهذا قوله تعالى: # فاعتبروا يا أولي الأبصار ~~، موهما أن الاعتبار هنا هو ~~استنباط المجهول من المعلوم. وذلك هو القياس. وهذا فيما نرى استدلال مجتلب؛ لأن ~~المراد بالاعتبار في هذا الموضع الاتعاظ لا القياس؛ الاعتبار بما حصل لليهود حين ~~أعلنوا النبي # صلى الله عليه وسلم # والمسلمين بالعداء، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم، لكن الله قذف في ~~قلوبهم الرعب حتى استسلموا للرسول وحكم بإجلائهم إلى الشام. # على أن هذه الآية وإن لم تصلح للاستدلال لما يرى؛ فهناك آيات أخرى تشهد له بما يريد، ~~هناك قوله تعالى: # قل انظروا ماذا في السماوات ~~والأرض ~~؛ وقوله: # هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون ~~؛ وقوله: # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا ~~؛ فضلا عن قول الرسول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه ~~الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ~~ويعلمها.» # وإذا كان النظر الفلسفي واجبا، فمن الخير أن نستعين بالرواد الذين كشفوا الطريق، ms20 ~~وأناروا لمن أتى بعدهم من الباحثين والمتفلسفين السبيل. وإذن فلنقرأ - كما يقول - كتب ~~من تقدمنا من أولئك الرواد والفلاسفة القدامى، فما وجدنا من حق «قبلناه منهم، ~~وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهناهم عليه، وحذرنا منه، ~~وعذرناهم.» وحق لنا أن نعذرهم؛ فالطريق وعر شائك مظلم، والخطوات الأولى هي التي ~~تكلف ما تكلف من عناء ونصب، فيعذر فيها من تعثر. # ومنع المستعد للتفلسف، بفطرته المواتية وخلقه الكامل، جريمة - في رأيه - في ~~الدين؛ لأنه صد عن الباب الذي نصل منه إلى معرفة الله حق معرفته، وذلك جهل أي جهل، ~~كما يذكر في «فصل المقال». # وليس يمنع من النظر في تراث الإغريق أن ضل بالنظر فيه قوم لم يكونوا أهلا لمعرفته، ~~كما ليس لنا أن نمنع العطشان من ورود الماء العذب البارد؛ لأن غيره شرب منه فمات؛ فإن ~~هذا الضرر أمر عرض، ومثل هذا يكون في الفقه؛ فقد يعرض أن تكون دراسة الفقه سببا لضرر ~~يعرض من قبلها؛ كم من فقيه - كما يذكر - كان تبحره في الفقه ومعرفة المخارج من ~~المحرمات والشبهات «سببا لقلة تورعه وخوضه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم، ~~وصناعتهم إنما تقتضي بالذات الفضيلة العملية.» # ومتى كان هذا القياس العقلي والنظر الفلسفي مما يحث عليه الشرع ويوجبه، كان لا بد من ~~أخذ العدة لعلاج ما يظهر من تعارض واختلاف بين النص ونظر العقل. هذه العدة تقوم ~~على أنه من المقطوع به - كما يؤكد فيلسوفنا - أن كل ما أدى إليه البرهان الصحيح لا ~~يمكن أن يخالف ما أتى به الشرع؛ فإن الحق لا يضاد الحق، بل يشهد له. # وإذن؛ فإن وجد هذا التعارض والاختلاف، كان لا بد من تأويل النص تأويلا يتفق وما ~~نعرف من قواعد اللغة، وذلك مثلا بإخراجه عن دلالته الحقيقية إلى دلالته المجازية. بهذا ~~لا يصطدم العقل والشرع، ولا تترك واحدا منهما لأجل الآخر، بل نجعل لكل منهما اعتباره، ~~ونوفق بينهما بما لا تأباه اللغة وأصولها، فتزول عقبة يظنها البعض كأداء - وهي تعارض ms21 ~~نص الوحي ونظر العقل - كانت تقف في سبيل هذا الجمع والتوفيق. # انقسام الشرع إلى ظاهر وباطن # ولم هذه الظاهرة؛ وهي وجود آيات وأحاديث لا بد من صرفها عن ظاهرها وتأويلها ~~لنتعرف المعاني الخفية المرادة منها؟ سبب هذه الظاهرة، أو بعبارة أخرى سبب انقسام ~~الشرع إلى ظاهر وباطن لكل منهما أهله، # 2 # هو أن الناس مختلفون في الفطر والعقول. # إنهم لهذا تختلف حالاتهم في فهم النصوص وإدراك ما يراد بها، كما تختلف وسائلهم في ~~التصديق بما يجب التصديق به من أمور هذا العالم الحاضر والعالم الآخر، ومن وجود الله ~~وما يتصل به من سائر ما جاء به الدين من معتقدات. # ومن أجل ذلك، يقسم فيلسوف قرطبة الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون، وهم الكثرة ~~الغالبة السهلة الاقتناع التي تصدق بالأدلة الخطابية؛ وأهل الجدل - ومنهم المتكلمون ~~- الذين ارتفعوا حقا عن العامة، ولكنهم لم يصلوا لمرتبة أهل البرهان الحقيقي؛ ~~والبرهانيون بطبائعهم المواتية وبالحكمة التي راضوا عقولهم عليها، وأخذوا أنفسهم ~~بها. # ولما كان الله خلق الناس على هذا التفاوت الملحوظ في الفطر والعقول، وكان من الحكمة ~~أن يكون هذا التفاوت لدواع نقر بها جميعا، وكان من الواجب أن يجد كل في الدين ~~المشرب الذي يناسبه، لما كان الأمر كذلك، كان لا بد أن تختلف التعاليم الدينية التي ~~يؤخذ بها كل فريق؛ فللجمهور وأمثاله من الجدليين الإيمان بظواهر النصوص الدينية وما ضرب ~~الله ورسوله لهم من رموز وأمثال، ما داموا لا يقدرون على الوصول إلى التآويل الصحيحة، ~~وللعلماء أهل البرهان الإيمان بما خفي من المعاني التي ضربت لها تلك الرموز ~~والأمثال لتقربها للعقول، وذلك بتأويل هذه النصوص. # ولكي لا يكون ضرر من هذا التقسيم الذي أريد به الخير، يجب أن نحافظ على أن يكون كل ~~ضرب من هذه التعاليم لطائفته الخاصة لا يعدوها إلى غيرها، وألا يختلط أحدهما بالآخر؛ ~~ولذلك يقول الرسول: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، ونخاطبهم ~~على قدر عقولهم.» لأن جعل الناس جميعا ضربا واحدا في التعليم خلاف المحسوس والمعقول. # 3 ms22 # وقد كان فيلسوفنا عمليا فيما رأى؛ فهو يتبع ما يقرر من مبادئ؛ ولهذا نراه في كلامه ~~على إثبات العلم لله - على النحو الذي يراه الفلاسفة - يحرم أن يتكلم مع الجمهور ~~على هذا النحو، وإلا كان ذلك - كما يذكر في تهافت التهافت - بمنزلة إعطائهم طعاما هو ~~سم لهم، وإن كان غذاء لآخرين. # التأويل وقانونه # ولم يدع ابن رشد الأمر فوضى؛ فيؤول كل ما يريد من النصوص، ويثبت التآويل في أي كتاب ~~يريد، ويصرح بها لمن يشاء، بل جعل لكل ذلك قانونا يعلم منه ما يجوز تأويله وما لا ~~يجوز، وما جاز تأويله فلمن؟ هذا التأويل، الذي جعل - في رأيه - كل شيء في موضعه، ختم به ~~كتابه: «الكشف عن مناهج الأدلة»، فليرجع إليه من يريد البسطة في هذه المسألة. # إنما نذكر أنه أراد بهذا القانون أن يضع حدا للتآويل التي كثرت وذاعت وتناولها ~~الجميع حتى حدثت عنها اعتقادات غريبة وبعيدة عن ظاهر الشريعة، ووجد بسببها في الإسلام ~~فرق متباينة يكفر بعضها بعضا. وهذا كله جهل بمقصد الشرع وتعد عليه كما ~~يقول. # ومن أجل ذلك، أي لكي نتقي أمثال هذه النتائج السيئة، وننفي العداوة بين الحكمة ~~والتربية، يجب بصفة عامة - كما يرى - ألا يصرح بالتآويل، وبخاصة ما يحتاج منها إلى ~~برهان لغير أهلها، وهم القادرون على البرهان والاستدلال بالمنطق، كما يجب ألا نثبت ~~شيئا منها في الكتب الخطابية والجدلية الموضوعة للعامة ومن إليهم من الجدليين. إننا إن ~~فعلنا غير هذا أثمنا، وكنا سببا في إضلال كثير من الناس. # ونظرة فيلسوف قرطبة هذه نظرة عملية صادقة؛ فإن تمثيل نعيم الجنة للعامة بأنه مادي من ~~جنة فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وفيها مع هذا كله من كل الثمرات - هذا التمثيل يدفع ~~للخير ويحث على الفضيلة، وإنه خير لهم من تشكيكهم في هذا الجزاء المادي المحس، ومن ~~محاولة تفهيمهم أن ما جاء به القرآن والحديث دالا على مادية الثواب إنما ms23 هو رموز ~~وأمثال، وأن هذا الثواب الذي وعد به الفضلاء الأخيار لن يكون إلا معنويا للنفوس ~~وحدها التي ليس لها إلى التنعم بتلك اللذات المادية من سبيل. # من السهل بعد هذا أن نفهم أن فيلسوفنا لا يرى أن في النصوص الدينية - من القرآن ~~والحديث - نصوصا متشابهات، لا بالنسبة للعلماء الذين يعلمون مع الله تأويلها، ولا ~~بالنسبة للجمهور الذي لا يطلب منه إلا أن يؤمن بما يفهم من ظواهرها دون البحث عن ~~تأويلها وبيان معانيها الخفية. أما أهل الجدل والمتكلمون، فهم الذين يوجد في حقهم ~~التشابه في بعض هذه النصوص. إنهم وقد ارتفعوا عن العامة، ولم يصلوا إلى مرتبة الخاصة، ~~عرضت لهم شكوك وشبه لا يقدرون على حلها، ولكنهم تعلقوا بها، فحاولوا عبثا تأويلها، ~~فضلوا في أنفسهم، وأضلوا من اتبعهم؛ لهذا ذمهم الله بأن في قلوبهم زيغا ومرضا، فهم ~~يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما هم ببالغيه؛ إذ لا يعلم ~~هذا التأويل إلا الله والراسخون في العلم، وهم ليسوا منهم في شيء. # وقد بلغ اعتقاد فيلسوف قرطبة بقوة تأثير هذا الذي ذهب إليه، من جعل تعليم للعامة ~~وآخر للخاصة، في التوفيق بين الوحي والعقل مبلغا كبيرا؛ لهذا نراه يتشدد في ذلك إلى ~~درجة أن يرى أن من النصوص ما يجب على أهل البرهان تأويله، وحملهم إياها على ظواهرها ~~كفر، كما يجب على العامة حملها على هذه الظواهر، وتأويلهم لها كفر. ومن هذه النصوص قوله ~~تعالى: # الرحمن على العرش استوى ~~، ونحوه من ~~الأحاديث التي توهم أن الله جسم تجوز عليه النقلة من مكان إلى آخر. # بل إنه، إرادة تثبيت مذهبه، يصوغ مما تقدم مبدأ عاما، فيقول في فصل المقال: «إن من ~~كان من الناس فرضه الإيمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر؛ لأنه يؤدي إليه.» وغني عن ~~البيان أن من كان فرضه التأويل؛ لأنه من ذوي البرهان، وحمل النص على ظاهره، كان ~~كافرا إن كان هذا في أصول الدين، أو مبتدعا إن كان في الفروع. # كما أنه يتشدد في ms24 وجوب تطبيق ما وضع من مبادئ وقواعد تتعلق بالتأويل، وتحريم أن يذاع ~~لغير أهله؛ ولهذا لام الغزالي - وسائر المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة - لإثباتهم التآويل ~~في مؤلفاتهم، فذاعت لذلك بين العامة ومن ليس أهلا لها. # إن حجة الغزالي في رأيه «أخطأ على الشريعة والحكمة» بإثباته تآويل النصوص التي يجب ~~تأويلها في غير كتب البرهان، فذاعت بين الجمهور، وكان من هذا أن عاب قوم الأولى وآخرون ~~الثانية. وإن المتكلمين، وبخاصة المعتزلة، بتآويلهم التي صرحوا بها لمن ليس من أهلها ~~«أوقعوا الناس في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع.» كما يذكر في «فصل المقال». # ولم ينس ابن رشد حين لام هؤلاء وأولئك على ما فعلوا، أنه وقع في مثل صنيعهم؛ لذلك ~~تراه يعتذر عما فعل بأن الجمهور عرف من هؤلاء الذين يلومهم هذه التآويل، فكان لا بد له ~~من أن يتكلم فيها لبيان الحق من جهة، ولدفع الأذى عن الجمهور من جهة أخرى، كما يفعل ~~الطبيب الحاذق لشفاء المريض إذا تعدى الجاهل المتطبب وسقاه السم على أنه غذاء. # وما أجمل اعتذاره الذي يسوقه في هذه العبارات من كتابه «فصل المقال»: # فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الجنس من النظر، أعني التكلم بين الشريعة ~~والحكمة، وأحكام التأويل في الشريعة. ولولا شهرة ذلك عند الناس، وشهرة هذه ~~المسائل التي ذكرناها، لما استجزنا أن نكتب في ذلك حرفا، ولا أن نعتذر في ذلك ~~لأهل التأويل بعذر؛ لأن شأن هذه المسائل أن تذكر في كتب ~~البرهان. # وهذا الاعتذار الحق، الذي له أسبابه ومبرراته، يشبه اعتذار سلفه ابن طفيل - في مثل ~~حالته - عن مخالفة طريق السلف الصالح في الضن بالحكمة على غير أهلها، بأنه حاول إصلاح ~~الذي أفسده سابقوه الذين صرحوا بآراء مفسدة، وتآويل ضالة تلقفها غير أهلها فعم لذلك ~~ضررها. # الاستدلال لعقائد الدين # ولكي يكون ابن رشد منطقيا وإيجابيا، أي لكي يكون عمليا يراعي ما وضع من قواعد ~~وأصول لوضع العلاقة بين الحكمة والشريعة على أسس تضمن السلام بينهما، نجده - بعد أن نقد ~~طرائق رجال علم الكلام ms25 لعقائد الدين - يبين الطريقة المثلى - في رأيه - للاستدلال على ~~ما يجب الاستدلال عليه من هذه العقائد. # تناول تلك العقائد والمسائل وطبق عليها، في بيانها وإثباتها ، ما سبق أن قرره من ضرورة ~~ملاحظة اختلاف العقول والاستعدادات وما يستتبعه من اختلاف التعاليم. وهو في كل ذلك ~~يعتمد على القرآن وحده، ويفسره وفق منحى خاص له تفسيرا يختلف باختلاف من يتوجه ~~إليهم الخطاب. ~~(1) # وقد بدأ في هذه الناحية - التي احتفل لها لما لها من خطر - بتأكيد أن ~~الطرق التي ارتضتها الشريعة لإثبات تلك العقائد ليست هي طرق الأشاعرة ~~والمعتزلة من المتكلمين، بل هي الطرق التي جاءت في القرآن وحده «قال الكتاب ~~العزيز - كما يقول في «فصل المقال» - إذا تؤمل وجدت فيه الطرق الثلاث ~~الموجودة لجميع الناس.» العامة، والمتكلمين أهل الجدل، والخاصة أولي العلم ~~والبرهان. # هذه الطرق سعد بها الناس دهرا طويلا، وتسعد كذلك بها الإنسانية إن ~~اتبعتها، ودليل ذلك الصدر الأول من المسلمين ومن سار على هديهم من الذين لم ~~يؤولوا القرآن إلا إذا كان التأويل ظاهرا واضحا بنفسه للجميع، ~~واكتفوا باقتناع القلب وبرد اليقين. ولما أخذ المسلمون في التأويل في ~~العصور الأخرى تفرقوا فرقا مختلفة، ومهدوا بأنفسهم لحالة من الشك والقلق ~~لا تكون معها سعادة أو راحة واطمئنان. # ولا عجب في ضرورة القناعة بطرق القرآن وعدم تجاوزها! إنها أتم الطرق ~~إقناعا، وأبعثها على التصديق، وهي بنفسها مقبولة من الجميع، وفيها بعد هذا ~~أو ذاك تنبيه لأهل الحق على التأويل الحق. وهذه الخواص لا توجد، كما يقول: ~~«لا في مذاهب الأشعرية ولا في مذاهب المعتزلة» جميعا. # لا عجب في ذلك، بل العجب كما يرى هو في صنيع الأشاعرة - أو فرقة منهم على ~~الأصح - الذين خطوا طرقا خاصة لمعرفة الله، وكفروا من لم يعرف وجوده ~~بها، مع أنها لا تصلح للناس جميعا، ولا تصل بمن يصطنعها إلى ما ~~يريد! ~~(2) # وبعد هذا التعميم يجب التفصيل. # ففي مسألة وجود الله، يرى ابن رشد أن الطريقة التي ترضاها الشريعة ونبه ~~عليها القرآن، ودعا بها الناس كافة - عامتهم ms26 وخاصتهم - إلى الإقرار بوجود ~~إله، تنحصر فيما سماه دليل العناية، ودليل الاختراع. ولا علينا إن أطلنا في ~~عرضها قليلا كما فعل؛ فلعل في ذلك خيرا للذين غمرتهم موجة الإلحاد، أو ~~أصابهم شيء من رذاذها أو رشاشها. هذه الموجة التي لفت العالم منذ سنين، ~~ولا نزال نشهد من آثارها السيئة ما يتمثل في فريق يزين أو يتظرف أو يتعالم ~~باصطناع الإلحاد. # يريد بذلك أن من نظر أدنى نظر في هذا الوجود، عرف يقينا أن كل شيء من ~~سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وحيوان ونبات، وغير ذلك كله من ~~الموجودات المختلفة، كل ذلك خلق موافقا لوجود الإنسان وحياته سعيدا. ~~وفي هذا دليل - أي دليل! - على أن هذا العالم لم يكن عن صدفة أو اتفاق، بل ~~هو صنع إله حكيم يعنى بما خلق؛ فهو قاصد لذلك مريد. # وإذن؛ فهذا الدليل قائم على أصلين سهل إدراكهما بالحس وأدنى نظر؛ وهما: ~~موافقة كل الموجودات للإنسان وحياته وسعادته، وأن هذا لا يكون إلا عن فاعل ~~مريد؛ إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة العجيبة بالاتفاق كما يقول في «كشف ~~الأدلة». # وإذا كان دليل العناية يقوم - كما رأينا - على هذين الأصلين اللذين ~~يدركهما الحس والفكر في أدنى درجاته، فدليل الاختراع يقوم على أصلين كذلك؛ ~~هما: أن هذه الموجودات مخترعة لم توجد من نفسها، وأن المخترع لا بد له من ~~مخترع، والنتيجة الضرورية لهذين الأصلين أن لهذا العالم على اختلاف أنواعه ~~وضروبه وألوانه فاعلا مخترعا له. # وفي القرآن آيات تدل على عناية الله بالإنسان، وعلى أنه سبحانه خالق كل ~~موجود، من ذلك قوله في سورة النبأ: # ألم نجعل ~~الأرض مهادا * والجبال أوتادا * وخلقناكم أزواجا * ~~وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا ~~الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا ~~* وبنينا فوقكم سبعا شدادا * وجعلنا سراجا وهاجا * ~~وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا * ~~لنخرج به حبا ونباتا * وجنات ~~ألفافا ~~، وقوله في سورة الفرقان: # تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا ~~، وقوله في سورة عبس: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء ms27 صبا * ~~ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا ~~فيها حبا * وعنبا وقضبا * ~~وزيتونا ونخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا * متاعا ~~لكم ولأنعامكم ~~، ومن ذلك أيضا قوله في سورة ~~الغاشية: # أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * ~~وإلى الأرض كيف سطحت ~~. # وأخيرا، من ذلك قوله في سورة البقرة: # يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من ~~السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون ~~. # ونستطيع نحن أن نضم إلى ما ذكر فيلسوفنا قوله تعالى في سورة النازعات: # أأنتم أشد خلقا أم السماء ~~بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * ~~أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال ~~أرساها * متاعا لكم ~~ولأنعامكم ~~. # وهكذا، كما يذكر فيلسوف قرطبة، نجد في القرآن وحده ما يدل بالحس وأدنى ~~النظر على خلق الله للعالم واختراعه له، وعلى عنايته بالإنسان، فخلق ما خلق ~~ليكون موافقا لوجوده وحياته، وذلك كله يدل من ناحية العناية والاختراع على ~~حدوث العالم ووجود الله خالقه. يدرك هذا العامة والخاصة جميعا. # وفي هذا يقول في «الكشف»: # فقد بان من هذه الأدلة على وجود الصانع أنها منحصرة في هذين ~~الجنسين: دليل العناية، ودليل الاختراع، وتبين أن هاتين الطريقتين ~~هما بأعيانهما طريقة الخواص - وأعني بالخواص العلماء - وطريقة ~~الجمهور، وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل ... فهذه الطريقة ~~هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها ~~الكتب. # وفي مسألة أن الله واحد أو الوحدانية، يكتفي بالاستدلال بقوله تعالى: # لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا ~~، وقوله: # ما اتخذ الله ~~من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان ~~الله عما يصفون ~~، وقوله: # قل لو ~~كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي ~~العرش سبيلا ~~، ويرى أن هذه الآيات الثلاث تدل بشهادة ~~الفطرة السليمة والطبع المستقيم على نفي الألوهية عمن ms28 سواه، وعلى أنه واحد ~~لا شريك له، وعليه فيكون الدليل الذي يؤخذ منها هو الدليل الذي يقره الطبع ~~والشرع لمعرفة الوحدانية لله تعالى. # وهكذا، استرسل فيلسوف الأندلس في بيان الطريقة الطبيعية والشرعية التي ~~يراها ناجعة في إثبات ما يجب لله من صفات الكمال، وفي نفي ما يجب نفيه عنه ~~من صفات النقص، ناقدا في ذلك كله طرق المتكلمين التي لا تفيد العامة أو ~~الخاصة، مما يقصر المقام عن متابعته فيه. ~~(3) # بقي بعد ما تقدم كله أن يبين لنا رأيه في الاستدلال لأمهات المسائل التي ~~اختلف فيها المتكلمون والفلاسفة، وهي ثلاث: علم الله، وقدم العالم، وكيفية ~~الجزاء في الدار الأخرى. # والكلام في هذه المسائل - ونحوها مما يتصل بها - من الناحية الموضوعية، ~~مكانه القسم الخاص بعمل ابن رشد في الرد على الغزالي وكتابه «تهافت ~~الفلاسفة»، وإذن نكتفي هنا فيها بكلمات موجزة من ناحية ما يتصل بالتوفيق ~~بين الحكمة والشريعة فحسب. # ففي صفة العلم يرى أن الله خلق العالم لغاية خاصة؛ ولهذا جعله على ترتيب ~~يحقق تلك الغاية، فيجب أن يكون عالما به وبأحواله كلها؛ بدليل قوله: ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير! وهذا ما يجب أن ~~يعتقد، وهذا طريقه من القرآن، يقتنع ويوقن به العامة والخاصة والمتكلم ~~وأولو العلم والبرهان، ولهؤلاء وحدهم أن يبحثوا - فلسفيا - الفرق بين علم ~~الله وعلم الإنسان، وأن الله لا يصح أن يوصف علمه بأنه كلي أو جزئي، ~~وإن كان # وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين ~~. # وفي مسألة قدم العالم أو حدوثه، لا يرى أنها مشكلة يكفر بسببها جماعة ~~ويؤمن آخرون، بل إن الخلاف فيها بين المتكلمين والفلاسفة لفظي لا حقيقي؛ ~~فهو خلاف في غير موضع للخلاف. # القرآن صرح في آيات عديدات بأن العالم مخلوق مصنوع، وهو بما فيه من نظام ~~عجيب، وتركيب محكم، وموافقة تامة لما خلق له يحمل الدلائل القاطعة على ~~أنه محدث؛ إذ ليس يمكن - كما ذكرنا من قبل - أن تكون ms29 هذه الموافقة وذلك ~~النظام والترتيب عن صدفة واتفاق، بل لا بد أن يكون ذلك كله «من قاصد ~~قصده، ومريد أراده، وهو الله عز وجل.» # وما أبلغ ما يذكره ابن رشد في بيان مبلغ الترتيب والموافقة في لفظ ~~«مهاد» في الآية: # ألم نجعل الأرض ~~مهادا ~~! إنه يقول: وذلك أن المهاد يجمع الموافقة في الشكل ~~والسكون والوضع، وزائدا إلى هذا معنى الوثارة واللين؛ فما أعجب هذا ~~الإعجاز، وأفضل هذه السعادة، وأغرب هذا الجمع! وذلك بأنه قد جمع في لفظ ~~«مهاد» جميع ما في الأرض من موافقتها لكون الإنسان عليها، وذلك شيء قد تبين ~~على التمام للعلماء في ترتيب من الكلام طويل، وقدر من الزمان غير يسير، ~~والله يختص برحمته من يشاء. # إلا أن العالم بعد هذا كله، فيه - كما يقول فيلسوف قرطبة - شبه من الله ~~الموجود بحق، وهو أنه لا أول لوجوده مع احتياجه لله في هذا الوجود؛ فهو ~~لهذا قديم من جهة الزمن ما دام هو معلولا عن الله تعالى. وإذن فمن قال ~~بقدمه لاحظ هذا المعنى؛ فكان غير كافر بوصفه بالقدم مع الإقرار بأنه ~~مخلوق لله تعالى. # وأخيرا، فيما يختص بالبعث للحساب: أهو بالروح فقط أو بالجسد أيضا، ~~والجزاء: أهو معنوي أو مادي؟ يقرر في «كشف الأدلة» و«تهافت التهافت» أن ~~الشرائع جميعا، ومنها شريعة الإسلام، متفقة على أن للنفوس بعد الموت ~~أحوالا من السعادة والشقاء، وإن اختلفت في تمثيل هذه الأحوال للناس، وفي ~~بيان حقائقها. # وشريعتنا - كما يقول - مثلت هذه الحالات من النعيم والعذاب، أو السعادة ~~والشقاء، بمثل مادية جسمانية؛ لتكون أكثر تحريكا لنفوس الجمهور، ودفعا ~~لها إلى العمل الطيب. والنصوص التي تناولت وصف هذا الجزاء من الممكن أن ~~تؤول لناس دون ناس. # إذن فرض كل امرئ في هذه المسألة هو الاعتراف بأصل البعث والجزاء ~~الثابت بكل أنواع الأدلة؛ وفيما يختص بالكيفية والصفة يجب أن يعتقد بما ~~أداه إليه نظره واجتهاده. # ولكي يؤكد لنا ابن رشد أن العقل أو الفلسفة لا تجافي الدين في هذه ~~المسألة، نراه يذكر في «تهافت ms30 التهافت» أن الفلاسفة القدماء - ويريد بهم ~~الإغريق - يرون أنه لا يصح أن يتعرض بقول مثبت أو مبطل لمبادئ الشريعة ~~وأصولها العامة التي لا بد منها لسعادة الإنسان. ومن هذه المبادئ البعث ~~وكيف يكون. # الوحي والمعجزات # الآن وصلنا إلى أهم مسألة أو مشكلة يتعرض لها من يحاول التوفيق بين الدين والعقل، ~~نعني مسألة الوحي والنبوة؛ فهي مشكلة يجب حلها، وعقبة يجب اجتيازها للوصول إلى ما يراد ~~من تآخي الشريعة التي تقوم على الوحي والمعجزات، والفلسفة التي لا تعترف بغير العقل ~~والنظر المنطقي. # لا بد إذن من أن يقول ابن رشد في هذه المشكلة كلمة، ومن أن يبين صراحة رأيه الخاص في ~~الوحي، وتحديد الصلة بينه وبين العقل، وفي المعجزات والنبوة، وفي الحاجة إلى الشريعة ~~بجانب العقل. # ونعتقد أن الأمر خطير، وأن اللحظة حاسمة بالنسبة إلى فيلسوف قرطبة الأرسطوطاليسي ~~العقل؛ الفيلسوف الذي نعرف اعتداده بالنظر إلى درجة أن يجيز أن يخالف في نتائجه الإجماع ~~في الأمور النظرية، وأن يقطع بوجوب تأويل ما يخالف نتائج النظر المنطقي الصحيح من ظواهر ~~النصوص. # نعم! الأمر جد خطير، واللحظة حاسمة، ولكن فيلسوفنا أخذ يسوس المشكلة سياسة لبقة ~~حكيمة، ويعالج الأمر بتسامح وبعد نظر، حتى نجح أو صار قريبا من النجاح الذي ~~أراد. # ها هو ذا، ونحن نعلم كم أشاد بالنظر العقلي، وكم أشار به، نراه يصرح بأن هناك أمورا ~~يعجز العقل عن معرفتها، وإذن فلا مناص من الرجوع فيها إلى الوحي. ولا عجب؛ فقد جاء ~~الوحي - كما يقول - متمما لعلوم العقل؛ لأن «كل ما عجز عنه العقل أفاده الله تعالى ~~الإنسان من قبل الوحي». # وهذه الأمور التي يعجز العقل عن إدراكها سيجيء عما قريب بيانها وذكر مثل لها، ~~ولكنا نذكر الآن أنها - كما يقول في كتابه «تهافت التهافت» - أمور من «الضروري علمها ~~لحياة الإنسان ووجوده» وسعادته. وقد كرر هذه الحقيقة وأكدها في موضع آخر، حين رأى أن ~~الفلسفة تعنى بفحص ما يجيء به الشرع؛ فإن أدركته كان ذلك أتم في المعرفة، ~~وإلا «نادت بقصور العقل الإنساني، ms31 وأن ذلك مما يدركه الشرع وحده». # هذه الأمور التي يحتاج فيها إلى الشريعة، ولا يكفي العقل في معرفتها، تتلخص - كما ~~يرى ابن رشد - في معرفة الله معرفة تامة بالقدر الممكن في هذه الحياة، وفي السعادة ~~والشقاء الإنساني في هذه الحياة الدنيا وما بعدها، وفي وسائل هذه السعادة وأسباب هذا ~~الشقاء. # ذلك بأن الفلاسفة يرون أن الإنسان لا تقوم حياته وسعادته إلا بالفضائل النظرية ~~والخلقية. وهذه تعتمد معرفة الله وتعظيمه بالعبادات المشروعة وفق الملل المختلفة، ~~مثل القرابين والأدعية والصلوات ونحو ذلك مما لا يعرف إلا من الشرع الموحى به، كما ~~يذكر في «تهافت التهافت»، أو على الأقل - كما يذكر في «كشف الأدلة» - هذه الأمور «لا ~~تعرف كلها أو معظمها إلا بوحي، أو يكون معرفتها بوحي أفضل». # ولا عجب في هذا؛ فإن «الفلسفة - كما يذكر في التهافت - تنحو نحو تعريف بعض الناس ~~سعادتهم، وهم من عندهم استعداد لتعلمها، أما الشرائع فتقصد تعليم الجمهور عامة.» ~~ولذلك كان العلم الذي يأتي به الوحي رحمة لجميع الناس. # وهذا الرأي الذي ذهب إليه ابن رشد في الوحي، وأنه ضروري، وتحديد الصلة بينه وبين ~~العقل بجعله لكل منهما مكانا عليا على ما يؤخذ من نصوص الكشف والتهافت. هذا ~~الرأي قد يظن متعارضا وما جاء في كتابه الآخر «فصل المقال» خاصا بعلو النظر ~~العقلي، وأن العقل قادر على الوصول لكل ما تجيء به الشريعة من حقائق وتعاليم، وأن ~~قصارى الوحي أن يبين للجمهور - في صور ورموز - الحقائق التي يكشفها عقل الفيلسوف ~~خالصة مما يكسوها في الوحي من تلك الرموز والأمثال، وأنه من أجل ذلك قد «انقسم الشرع ~~إلى ظاهر: هو تلك الأمثال المضروبة لتلك الحقائق والمعاني الخفية، وباطن: وهو هذه ~~الحقائق والمعاني التي لا يصل إليها إلا ذوو البرهان.» كما يقول في «فصل ~~المقال». # قد يظن التعارض بين ما ذهب إليه هنا وما ذهب إليه هناك كما قلنا؛ ولهذا أساء بعض ~~مؤرخي الفلسفة الإسلامية فهم موقفه، فبعضهم معتمدا على نصوص الكشف والتهافت وحدهما ~~جعله «غير عقلي # Antirationalirte ~~»، وبعضهم ms32 معتمدا على ~~نصوص فصل المقال وحده جعله عقليا، بإطلاق، لا يتردد في تأويل ما لا يتفق والعقل ~~من نصوص الدين. # هكذا اختلف مؤرخو الفلسفة الإسلامية في بيان نزعة ابن رشد، ولعل الصواب أن نقول ~~للأستاذ «جوتييه # Ganthier ~~» المستشرق الفرنسي المعروف: ~~إن فيلسوف قرطبة ليس من الحق أن يوصف بأنه عقلي أو غير عقلي دائما وبإطلاق. # إن الحق - فيما نرى - هو أن يحكم عليه بأنه غير عقلي إذا ما تعلق الأمر بالعامة الذين ~~لا يطيقون النظر والأدلة البرهانية، وأنه عقلي إذا تعلق الأمر بأولي النظر العقلي ~~والفلسفة؛ ذلك بأنه - فيما يذهب إليه - بالتعبير عن الحقيقة الواحدة بلغتين «مرة ~~بالرموز والأمثال ليفهمها الجمهور، وأخرى بذكرها مجردة كما هي لذوي البرهان» يتم ~~التفاهم بين الشريعة والحكمة، ولا تصطدم إحداهما بالأخرى، ما دام لكل منهما نفوذ خاص، ~~وصنف معين من الناس تتجه لخيره وسعادته. # | عمله في نظرية المعرفة # لعل هذه الناحية من نواحي نشاط ابن رشد الفلسفي كانت حرية أن تكون ضمن البحوث التي ~~انطوى عليها مذهبه في التوفيق بين الحكمة والشريعة؛ فإن فيها ضربا من التوفيق بين العقل ~~والحاجة إلى عون الله وإلهامه حتى تتم للإنسان المعرفة الكاملة. # كان من الممكن أن يكون هذا، إلا أننا أفردناها ببحث مستقل؛ لأنه لم يقصد بها التوفيق فقط، ~~بل عنى بها ما يجب أن يعنى به كل فيلسوف، وهو بيان المعرفة وبم تكون؟ وكيف تكون؟ ~~معتمدا تقريبا على رسالة النفس لأرسطوطاليس وحدها. هذه الرسالة التي تعتبر أساسا لعلم ~~النفس عند الإغريق وعند المسلمين حتى في كثير من التفاصيل. # ومما لا ريب فيه أن الحدود التي رسمناها لهذا العمل الصغير، لا تتسع لشرح نظرية العقل ~~والمعرفة في كل تفاصيلها، كما جاءت عن أرسطوطاليس وشراحه، وعن الفلاسفة المسلمين الذين ~~سبقوا ابن رشد؛ لذلك سنعنى فقط بما يختص بفيلسوفنا من هذه النظرية، لنرى ما قد يكون له ~~من تعديل أو ابتكار وطرافة. ~~(1) # تكون المعرفة عند الفلاسفة بعمل العقل الإنساني الذي ينتزع الحقائق المختلفة ~~من موادها ويدركها، إلا أنه لا ms33 بد له - ليؤدي وظيفته - من معين آخر خارج ~~عنه. وهذا المعين هو العقل الفعال الإلهي الخالد الذي يشرق على العقل الإنساني ~~ويلهمه الحقائق المختلفة متى كان مستعدا وأهلا لها، والذي يعتبر ~~الاتصال به - عند فلاسفة الإسلام - هو الطريق الأمين للمعرفة الحقة. # لذلك نرى أن مسألة اتصال الإنسان بهذا العقل الفعال تشغل جانبا كبيرا من ~~تفكير الفلاسفة المسلمين، لحسبانهم هذا الاتصال أسمى غرض يجب أن يعنى ~~الإنسان بالوصول إليه، وأنه إذا تم فقد وصل المرء إلى السعادة ~~الكاملة. # وأي سعادة تقارب سعادة من طهرت نفسه وصفت، فصارت مرآة مجلوة ترتسم عليها ~~الحقائق العالية، ووصل إلى مشاهدة النور الإلهي، وانفتح له ما كان مغلقا أمامه ~~من المعارف والعلوم من غير حاجة إلى ترتيب دليل أو نظر فكر! # هذه السعادة يشاهد من وصل إليها، كما يقول ابن طفيل، ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أو كما يقول حجة الإسلام - في كتابه «المنقذ من ~~الضلال» - بأن من وصل إلى هذه الحال يترقى إلى درجات يضيق عنها النطق، ويخطئ من ~~يحاول التعبير عنها، ثم ينتهي به الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، ~~وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول! ~~(2) # والآن، بم يكون الاتصال بالعقل الفعال؟ وكيف يكون في رأي ابن رشد؟ إننا ~~ننتظر منه، إذا كانت رسالته حقا الانتصاف للتفكير الفلسفي ورد اعتبار الفلسفة ~~إليها، أن يعالج هذه المسألة علاجا يبين فيه الارتكاز على العقل والعلم ~~والتفكير، وأن يبعد من وسائل الاتصال ما أدخله أسلافه في الشرق والغرب «من ~~الفارابي إلى ابن طفيل»، مما يقوم على الزهد والتصوف، وإصلاح الجزء العملي من ~~النفس بالأخلاق الفاضلة والرياضات الصوفية، حتى يصير المرء كلما زاد من ~~الارتياض - كما يقول ابن سينا في «الإشارات» - زاد نصيبه من هذا الإشراق ~~الإلهي. # هذا ما يجب أن نترقبه من ابن رشد إذا كان مجدا في العمل على تحقيق رسالته، ~~فهل حقق ما ترقبناه؟ نعم! وإلى القارئ في شيء من الإيجاز. # لقد عني بهذه المسألة عناية كبيرة، فخصص ms34 لها ثلاث رسائل من مؤلفاته، وكلها ~~تدور حول النفس وسعادتها، والعقل الإنساني وإمكان اتحاده أو اتصاله بالعقل ~~الفعال. وهذه الرسائل توجد بالعبرية، وقد أفاد منها مونك ورينان، المستشرقان ~~الفرنسيان المعروفان. هذا فضلا عن تناولها استطرادا في مناسبات عديدة في شرحه ~~للمقالة الثالثة من رسالة النفس التي خصصها المعلم الأول لهذا الموضوع. # إلا أنه مما يملأ النفس ألما أن لم يبق لنا شيء من هذه الكتابات باللغة ~~العبرية، بل ليس لدي ساعة كتابة هذه السطور إلا التلخيص الذي أعطانا إياه مونك ~~لإحدى هذه الرسائل، وإلا ما ذكره استطرادا في شرحه للمقالة الثالثة من رسالة ~~النفس - كما ذكرنا - حسب ما جاء في مونك ورينان. ~~(3) # ورأي فيلسوف قرطبة في هذه المسألة أو المشكلة يتلخص في نقطتين؛ الأولى: ~~الطريق الذي يتم به اتصال العقل الإنساني بالعقل الفعال، والثانية: بم يتم ~~الاتصال؟ # ففي النقطة الأولى؛ يرى أن المرء - بما فيه من عقل - يتشوف حتما للاتصال ~~بالعقل الفعال، وهذا يعمل من ناحيته على جذب العقل الإنساني فيرتفع إليه، وذلك ~~يكون بالانتقال من القوة إلى الفعل، وإدراك ما يمكن إدراكه من الحقائق ~~المختلفة، وبهذا التفكير يمرن العقل على الفهم، ويكون أكثر استعدادا وأهلية ~~للاتصال والأخذ مباشرة بطريق الفيض العلوي عن العقل الفعال. # أما الاتصال وبماذا يكون، وتلك هي النقطة الثانية من المسألة؛ أي أيكون ~~بالزهد والتصوف ورياضة النفس؟ أم بالدرس والتفكير والعلم وحده؟ أم بوسائل تجمع ~~هذا كله؟ يجيب فيلسوفنا عن ذلك بأن وصول العقل الإنساني إلى الدرجة العليا من ~~الكمال، نعني إلى الاتحاد أو الاتصال بالعقل الفعال أو الله تعالى ذاته، ليست ~~وسائله واحدة للناس جميعا، على أنه لا بد من توفر ثلاثة أمور فيمن يسعد بهذه ~~النعمة؛ أي نعمة الوصول. هذه الأمور هي: قوة العقل الأصلية، وكمال العقل بالفكر ~~أو التفكير السليم، وعون وإلهام غير طبيعي من الله. ~~(4) # بذلك ابتعد ابن رشد عن مجاهدات الصوفية التي يرونها شرطا ضروريا للكشف ~~والوصول، فهو لهذا أقل الفلاسفة الأندلسيين، بل المسلمين تصوفا، إنه يقول - ~~فيما نقل عنه: «إنه ms35 لا يصل الإنسان إلى الكمال العقلي النهائي إلا بالدرس ~~والتفكير النظري.» كما يذكر مونك في كتابه «أمشاج من الفلسفات العبرية ~~والعربية»، كما يقول: «إن المرء يصل إلى الله تعالى حينما يقدر بالتأمل ~~والتفكير أن يخترق الحجب، ويجد نفسه وجها لوجه أمام الحقيقة العليا.» كما ~~ذكر عنه رينان في كتابه «ابن رشد ومذهبه». # وحقيقة، إن الحفيد لم ينس أن يطلب ممن يتشوف إلى الوصول أن يهجر ~~الشهوات، إلا أنه لم يجعل هذا كافيا وحده فيما يريد من الوصول، كما هو رأي ~~جمهرة الصوفية، وكذلك لم ينس دور الأخلاق - لتطهير النفس - في هذه ~~الناحية، إلا أنه جعله دورا ثانويا جدا؛ ما دام يصرح بصوت عال بأنه بالعلم ~~نستطيع أن نصل إلى ما نرجو من الكشف والاتصال والسعادة القصوى بعون الله ~~وإلهامه. # هذه هي نظرية الاتصال، الأساس لعلم النفس كله، وتاج نظرية المعرفة لدى فلاسفة الإسلام، ~~والتي كانت الشاغل لهم جميعا، وبالرجوع إلى أقوال ابن رشد وآرائه التي ذكرناها أو أشرنا ~~إليها، وإلى مؤلفات من كتبوا عنه وعن غيره من فلاسفة الإسلام، نعلم مبلغ مقاومته للتصوف ~~الذي كان قد انتشر واشتد أمره بعد الغزالي، الذي يراه أقوم الطرق إلى الله وآكدها، كما نعلم ~~كيف عمل على الانتصاف للعقل والفلسفة بجعل التفكير الفلسفي وحده هو سبب المعرفة والسعادة ~~الكاملة بالاتصال بالعقل الفعال، أو بالله العليم الحكيم. # | ابن رشد والغزالي # 1 # يقول البارون «كارا دي فو # Carra de Vaux ~~» في كتابه ~~عن الغزالي: # عادة المتكلمين في قتال الفلاسفة ترجع إلى بدء عهد المدرسة الفلسفية بالوجود. ~~هذا الكفاح بدا في رأيهم ضروريا ضد الفلاسفة، كما هو ضروري أيضا ضد ~~المعتزلة. إنه مهما يكن إخلاص الفلاسفة شخصيا كمؤمنين؛ فإن مذاهبهم في نظر ~~حماة الدين والعقيدة كانت تعتبر خطرة؛ لأنهم حكموا - وإن لم يصرحوا - بأن ~~مذهب الفلاسفة يعتد بالعقل أكثر مما ينبغي، ويجعل الفلسفة القديمة تسير في ~~معرفة الحقيقة بجانب الوحي أعلى منه قليلا. # وهذا حق كله؛ فإن سوء تقبل رجال الدين للفلسفة معروف، لا فرق بين المتقدم ms36 منهم ~~والمتأخر في الزمن، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض أسباب هذا ومظاهره. # إلا أن حجة الإسلام هو الذي كان فارس الميدان في الرد على الفلاسفة بكتابه الذي خلد ~~على الزمن، وهو «تهافت الفلاسفة»؛ فقد قدم له بكتاب سماه «مقاصد الفلاسفة» عرض فيه ~~مذاهب الفلاسفة التي أراد أن يبين تهافتها؛ إذ «رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه ~~رد في عماية.» كما يقول، وكذلك يكون الأمر إن كان الرد على المذهب قبل عرضه للناس ~~عرضا واضحا شافيا. # ثم دفعه لصرف الهمة لتعلم الفلسفة، والرد على ما رآه مجانبا للحق في رأيه منها، ما ~~يذكره في «المنقذ من الضلال» أيضا، من أنه «لم ير أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته ~~وهمته إلى ذلك». # ولا نناقش هنا دعوى الغزالي هذه التي قد توهم أنه كان الأول الذي عني بالرد على ~~الفلاسفة، ولكنا نذكر أنه عرف ابن جزم الأندلسي صاحب كتاب «الفصل»، الذي يتضمن ~~مجهودا طيبا له في الرد على الفرق المخالفة للإسلام وعلى الفلاسفة أيضا، كما نذكر ~~أستاذ الغزالي نفسه وشيخه إمام الحرمين؛ عبد الله بن محمد الجويني، الذي له مثل هذا ~~المجهود في مؤلفاته الكلامية، مثل: «البرهان في أصول الدين» و«الإرشاد في قواعد ~~الاعتقاد». # على أن الغزالي هو الذي انتفع بجهود أسلافه جميعا في هذا السبيل، سبيل الرد على ~~الفلاسفة، وزادها وقواها، وضرب بذلك الفلسفة ضربة لم تنهض بعد منها في الشرق، كما يقول ~~مونك، وإن كانت وجدت في الغرب من انتصف لها، وهو ابن رشد، بعد دفاعه عنها دفاعا ~~مبينا. # وكان الهدف الذي يرمي إليه الغزالي بكتابه «تهافت الفلاسفة» إبطال ما يدعون، ~~وبيان ضعف عقيدتهم، واختلاف آرائهم وتناقضها، وبخاصة فيما يتعلق منها بالمسائل ~~الإلهية. # ولم يقصد إلى إثبات الحق في المسائل التي كانت مثار النزاع والخصومة بين المتكلمين ~~والفلاسفة؛ فقد كان في نيته تخصيص كتاب لهذه الغاية، ولذلك نجده يقول في مسألة قدم ~~العالم: «وأما إثبات الحق في نفسه، فسنصنف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا «تهافت ~~الفلاسفة» ... ونعتني فيه ms37 بالإثبات كما اعتنينا في هذا الكتاب بالهدم.» # وكان منهاج أبي حامد في هذا الكتاب، الذي أراد به الهدم، العمل على نزع الثقة ~~بالفلاسفة؛ فجعلهم أغبياء وزائغين عن سبيل الله ، وناكبين عن طريق الهدى، وظانين بالله ~~ظن السوء، ومغرورين بعقولهم، زاعمين أن فيها غنية لهم عن تقليد الرسل ~~واتباعهم! # كما كان من منهاجه أيضا التشويش عليهم ومغالطتهم، ومحاولة إفحامهم بإلزامهم جميعا ~~مذهب واحد منهم، وإن كان ظاهرا خطؤه، ولا يتفق وما ذهب إليه أساطين الفلسفة ~~الإغريقية. # وأخيرا، كان من منهاجه في الرد على الفلاسفة بيان قصور العقل وعدم قدرته على معرفة ~~الأمور الإلهية بنظره وحده، وأن معرفة هذه الأمور على حقائقها لا ينالها إلا ~~المصطفون الأخيار من أنبياء الله ورسله. # وهكذا قصد الغزالي لما أراد كل سبيل، ولجأ إلى كل سلاح يجد فيه عونا على ~~طلبته، فماذا كان من ابن رشد لهذا الخصم اللدود القوي؟ الخصم الذي لم يلجأ إلى ~~المنطق وحده، ولم يرد بيان الحق في نفسه؛ ولهذا - فيما يقول - لم يسم كتابه ~~«تمهيد الحق»، بل سماه «تهافت الفلاسفة»! # 2 # أراد فيلسوف قرطبة أن يدفع عن الفلسفة أو الحكمة ما رآه عدوانا من الغزالي ~~وأمثاله، وأن ينافح عنها وينتصف لها، وقد فعل، لكنه لم يكن في خصومته مجادلا بالحق ~~والباطل، بل لم ينس في هذه الخصومة العنيفة أنه قاض؛ فهو يزن ما يدلى به إليه، ويدفع ~~الحجة بالحجة، ولا يأبى أن يعترف بالحق لصاحبه. # ويبدأ ببيان أن غرضه من الرد على «تهافت الفلاسفة» للغزالي ليس بيان الحق في كل ~~المسائل المناقش فيها، بل أن يبين أن للسفسطة في هذا الكتاب نصيبا كبيرا، وأن أكثر ~~ما فيه من أقاويل قاصر عن مرتبة اليقين والبرهان. # وليس مما يعيب ابن رشد ألا يقصد في كتابه «تهافت التهافت» إلى بيان الحق فيما استحر ~~فيه الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين؛ فإنه أمين على ما وضع من قواعد للتوفيق بين الحكمة ~~والشريعة، ومن ذلك تقسيم الناس إلى طبقات، ومخاطبة كل طبقة بما هي أهل له، وإذن فليس ms38 ~~من الخير في رأيه أن يجعل في كتابه - وهو عرضة للذيوع بين الخاصة والعامة - ما يكون ~~ضررا لطائفة من الناس لا تطيق النظر الصحيح. # وهو وإن كان حريصا على الاعتراف لخصمه العنيد بما يصيب فيه، وعلى التزام القصد ~~والترفع عن المهاترة في الخصومة؛ فإنه وهو الذي شاهد في القضاء ألوانا من الخصومات ~~والأسلحة التي استخدمت فيها، لم ير بدا من أن يرد أحيانا على حجة الإسلام بعض ما رمى ~~به الفلاسفة من سباب. # لقد رماه بالقصور في فهم الحكمة؛ لأنه قنع فيها بكتب ابن سينا، فلحقه القصور من هذه ~~الجهة، كما يقول ابن رشد في «تهافت التهافت»، وعاب عليه ما قصد إليه من التشويش على ~~الفلاسفة ودعاويهم، وكان لومه له رفيقا. إنه يكتفي بالقول بأن هذا الغرض لا يليق به، ~~والقصد إليه هفوة من هفوات العالم؛ لأن العالم يجب أن يكون قصده طلب الحق لا إيقاع ~~الشكوك وتحيير العقول. # وما أقومه درسا يلقيه فيلسوفنا على الغزالي وأمثاله! إذ يقول في موضع آخر من تهافته: # وأما قوله: إن قصده ها هنا ليس هو معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم، ~~وإظهار دعاويهم الباطلة، فقصد لا يليق به، بل بالذين في غاية الشر، وكيف لا ~~يكون ذلك كذلك ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة، وفاق الناس فيما وضع من ~~الكتب التي وضعت [لعله: وضعها] فيها، إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن ~~تعليمهم. # وهبهم أخطئوا في شيء؛ فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به ~~عقولنا، ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف ~~مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها ... أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ~~ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه، وعظم في ملة الإسلام صيته وذكره، أن ~~يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق وذم علومهم؟! # وإذن وضعنا [أي: سلمنا] أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية، فإنا إنما ~~نحتج على خطئهم من القوانين التي علمونا إياها في ms39 علومهم المنطقية، ونعتقد أنهم ~~لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم؛ فإن قصدهم إنما هو معرفة ~~الحق، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان ذلك كافيا في مدحهم، مع أنه لم يقل ~~أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا ~~من عصمه الله بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء، فلا أدري ما حمل ~~هذا الرجل على مثل هذه الأقوال! أسأل الله العصمة والمغفرة من الزلل في القول ~~والعمل. # هذه كلمة طويلة، لكنها درس قصد منه فيلسوف قرطبة الحث بقوة على معرفة الحق لصاحبه، ~~وشكره من أجله، وعلى وجوب نبذ الهوى والتعصب بغير حق؛ فذلك أجمل بالإنسان، وأدعى ~~للإنصاف. # وفي مواضع أخرى من كتابه «تهافت التهافت» نفسه، نجده يرى أن خصمه العنيف أحق إنسان ~~بالخزي والافتضاح، كما يصفه بأنه لا يخلو من الشرارة أو الجهل، وإن كان جهله أقرب إلى ~~الشر، ويصف أيضا جميع ما تضمنه الفصل، الذي خصصه الغزالي لبيان عجز الفلاسفة عن إقامة ~~الدليل على أن الله يعرف ذاته، بأنه تمويه وتهافت من أبي حامد، ويقول: «فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون على زلل العلماء ومسامحتهم لطلب الذكر في أمثال هذه الأشياء!» ويختم هذه ~~الفقرة بقوله: «أسأل الله ألا يجعلنا ممن حجب بالدنيا عن الأخرى، وبالأدنى عن ~~الأعلى.» # وأخيرا، يرى ابن رشد أن الغزالي اضطر إلى مصانعة أهل عصره، فكان هذا سببا في أنه لم ~~يصدع بالحق دائما، وشنع على الفلاسفة أحيانا بما هم منه براء. # إنه يقول في «تهافت التهافت»، في رده على الغزالي فيما شنع به على آراء الفلاسفة في ~~النفوس الإنسانية: # فإتيانه بمثل هذه الأقاويل السفسطائية قبيح؛ فإنه يظن به أنه ممن لا يذهب ~~عليه ذلك، وإنما أراد به مداهنة أهل زمانه، وهو بعيد عن خلق القاصدين لإظهار ~~الحق، ولعل الرجل معذور بحسب وقته ومكانه؛ فإن هذا الرجل امتحن في ~~كتبه. # ثم يقول بعد هذا: # فتعرض أبي حامد إلى مثل هذه الأشياء هذا النحو ms40 من التعرض لا يليق بمثله؛ ~~فإنه لا يخلو من أمرين: إما أنه فهم هذه الأشياء على حقائقها فساقها ها هنا على ~~غير حقائقها، وذلك من فعل الشرار، وإما أنه لم يفهمها على حقيقتها فتعرض إلى ~~القول فيما لم يحط به علما، وذلك من فعل الجهال. والرجل يجل عندنا عن ~~هذين الوصفين، ولكن لا بد للجواد من كبوة، فكبوة أبي حامد هي في وضعه هذا ~~الكتاب - أي تهافت الفلاسفة - ولعله اضطر إلى ذلك من أجل زمانه ~~ومكانه. # ونعتقد أنه يريد بهذا الكلام أن حجة الإسلام كان في رده على الفلاسفة وتشنيعه عليهم ~~بما شنع به كان مرائيا مداهنا مصانعا! # 3 # ولم يكتف فيلسوف قرطبة بهذا، بل تناول المسائل المختلف فيها بين المتكلمين والفلاسفة، ~~والتي رمى الغزالي هؤلاء بالكفر في بعضها، والابتداع في بعضها الآخر، تناول هذه المسائل ~~واحدة بعد أخرى بالشرح، وتجلية رأي فلاسفة الإغريق فيها، وبيان أنه لا شيء على فلاسفة ~~الإسلام في ذهابهم لرأي أرسطوطاليس المعلم الأول. إن أرسطوطاليس - في رأيه - هو الذي ~~كمل الحق عنده، وهو من الذين عناهم الله بقوله: # يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب ~~. وهذه مبالغة بلا ~~ريب من فيلسوف الأندلس، غير أن حبك الشيء يعمي ويصم. والقياس مع الفارق الكبير ~~طبعا، ولكن الأمثال لا تغير! # والكلام في هذه المسائل فيه لذة عقلية لو وجد القول مجالا، ولكن أمره يطول، ونحن في ~~نطاق محدود من الورق؛ لذلك لا نجد بدا من الاكتفاء - من هذه المسائل - بالحديث عن ~~مسائل معدودات نجد فيها غناء، وفيها بيان لمنهج فيلسوفنا في الدفاع عن رأيه، ~~والذب عن الفلسفة والمنافحة عنها. ~~(أ) # أولى هذه المسائل أهمية وخطرا - في رأيي - هي مسألة العقل ومدى قدرته ~~على الوصول للحقائق التي يتطلع الإنسان الباحث إلى معرفتها. وقد سبق أن ~~مسسنا هذه المسألة مسا رفيقا عند الحديث عن التوفيق بين الدين ~~والفلسفة، ومع هذا فمن الخير أن نزيدها هنا بيانا. # إن الدين يغرس في قلب ms41 المتدين أن الإنسان ليس شيئا في جانب الله، ~~وأنه عاجز العجز كله عن فهم نفسه، بله هذا العالم والسموات وما فيهن ~~وما بينهن! هذا هو شأن الدين. أما الفلسفة فشأنها محاولة معرفة هذا كله ~~معتمدة على العقل، وعلى العقل وحده؛ ومن أجل ذلك كثر رمي الغزالي ~~الفلاسفة بالحمق والغرور والجهل والادعاء، وظنهم القدرة على معرفة ما ~~استأثر الله بعلمه. # ولعل سقراط نظر إلى هذا ونحوه حين رأى لنفسه أن يكون فيلسوفا يعنى ~~بالمسائل الإنسانية لا بعلم الطبيعة، وحين اعتبر هذا العلم لا خير فيه ولا ~~جدوى منه؛ لأن هؤلاء المعنيين به لو عرفوا ما يقوم عليه العالم من قوانين ~~تحدث بها ظواهره لما استطاعوا يوما ما أن يحدثوا الرياح والمياه والفصول! ~~ولأن هؤلاء المتفلسفين، حين عنوا بهذا الضرب من ضروب المعرفة، وأهملوا ~~العلوم أو الفلسفة الإنسانية، قد قلبوا النظام الإلهي، باحتقارهم ما منحوا ~~القدرة على معرفته، وتطلعهم إلى معرفة ما احتفظ به الآلهة لأنفسهم. # 1 # والغزالي - وغير الغزالي من رجال الدين - يرى أن للعقل حدا يقف عنده في ~~المعرفة؛ ولذلك جاء الأنبياء والرسل بما يعز على العقل إدراكه. # وابن رشد كان يستطيع في مقام الجدل أن يرد على حجة الإسلام، بأن العقل في ~~قدرته أن يصل بالنظر الصحيح، والفطرة المواتية إلى إدراك ما يظنه الفقهاء ~~والمتكلمون مما استأثر بعلمه الله والمصطفون من أنبيائه ورسله، لكن ~~المقام مختلف، والأمر أخطر من هذا. # يجب إذن ليدفع عن الفلسفة ولا ينفر الناس منها أن يسلم في كتابه «تهافت ~~التهافت» - الذي خصصه للرد على خصمه اللدود، وتهدئة الثائرين على الفلسفة، ~~وكسب قلوبهم - بأن الفلسفة «تفحص عن كل ما جاء به الشرع؛ فإن أدركته استوى ~~الإدراكان، وكان ذلك أتم في المعرفة، وإن لم تدركه أعلنت بقصور العقل ~~الإنساني، وأن مدركه الشرع فقط.» كما يوافق كذلك على أن العقل قد يعجز عن ~~درك كثير من الحقائق، فواجب أن نرجع فيها إلى الشرع؛ لأن العلم الذي مرجعه ~~الوحي إنما جاء متمما لعلوم العقل، وإذن يكون الوحي رحمة ms42 من الله لجميع ~~الناس. ~~(ب) # ثم مسألة قدم العالم أو حدوثه كان لها من الخطورة أن كفر الغزالي ~~ومن جاء بعده من المتكلمين من أجلها؛ إذ كان من العقائد الدينية أن العالم ~~بجميع أجزائه محدث؛ لأنه لا قديم إلا الله وحده، فكيف يذهب الفلاسفة ~~إلى أن شيئا يشارك الله في صفة القدم التي ينفرد بها؟ # هنا نرى فيلسوفنا ماهرا كل المهارة؛ فيحاول أن يكون منطقيا يحيل أن ~~يخلق شيء من لا شيء، ومؤمنا يعتقد أن الله خالق كل شيء وموجده من ~~العدم إلى الوجود، ورأى أن سبيله في هذا أن يفرق بين القدم الذي يقول به ~~المتكلمون، والقدم الذي ذهب إليه الفلاسفة، وأن يفرق كذلك بين الحدوث على ~~رأي هؤلاء وأولئك. # إنه يقرر أن الفلاسفة وصلوا بالتفكير والنظر العقلي إلى أن العالم لا أول ~~له، كما أن خالقه - وهو الله - وهو علة تامة له لا أول له أيضا؛ لكنه مع ~~هذا محتاج في وجوده إلى الله، فلا وجود له إلا به، ولولاه لما كان. وعلى ~~هذا، كما يقول في «تهافت التهافت»: # فالعالم محدث لله سبحانه، واسم الحدوث أولى به من اسم القدم، ~~وإنما سمت الحكماء العالم قديما تحفظا من المحدث الذي هو من ~~شيء، وفي زمان، وبعد العدم. # وبعد هذا نراه يعنى بمحل النزاع فيجلوه ويجعله واضحا؛ إذ يذهب إلى «أن ~~الحدوث الذي صرح به الشرع في هذا العالم هو الذي يكون في صور الموجودات، ~~وهذا الحدوث إنما يكون من شيء آخر. # 2 # ويدل لذلك قوله تعالى: # أولم ير ~~الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي ~~، وقوله: # ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا ~~طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~. # وبعد ذلك كله يقرر أنه ليس من خير للدين في بحث هذه المسألة المشكلة ~~وأمثالها التي رأت الشريعة السكوت عنها؛ ولذا جاء في الحديث أنه لا يزال ~~الناس يتفكرون حتى يقولوا: هذا خلق الله، فمن خلق الله؟! فقال النبي ~~عليه ms43 الصلاة والسلام: «إذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: قل هو الله ~~أحد.» # ويريد فيلسوف قرطبة من هذا أن يصل إلى أن القول بقدم العالم على النحو ~~الذي ذهب إليه الفلاسفة ليس مما يكفر به إنسان، وأن الشريعة قد تعضد هذا ~~الرأي، وأن من الخير عدم الفحص عن هذه المسألة ونحوها. وإذن فالغزالي مخطئ ~~أشد الخطأ على الحكمة والشريعة ببحثه هذه المسألة، وبرميه الفلاسفة بالكفر ~~للرأي الذي رأوه فيها. ~~(ج) # وفي مسألة البعث والجزاء وكيفيته، نراه يلف ويدور في طرق ~~متعرجة ملتوية ليصل إلى إثبات أن الفلاسفة القدامى لم يتعرضوا بقول ~~مثبت أو مبطل في مبادئ الشريعة العامة، ومن هذه المبادئ كيفية ~~السعادة أو الشقاء الأخروي، كما يقول في «تهافت التهافت»، كما يلف ويدور ~~ليقيم الحجة على الغزالي فيما قرر من أن أحدا من المسلمين لم يقل بالجزاء ~~الروحاني وحده؛ لأن الصوفية - فيما قال # 3 ~~- تقول به، وعلى هذا فلا يكفر بالإجماع من أنكر الجزاء ~~الجسماني، ويكون الغزالي أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة. # على أن فيلسوفنا وإن خال أنه أقنع قارئيه برأيه، فإنه - فيما أرى - لا ~~يمكن أن نسلم له بأن نصوص القرآن التي وصف الله بها السعادة والشقاء في ~~الدار الأخرى وصفا يجعلهما للجسم والروح معا، من الممكن تأويلها ~~جميعا. # هذه النصوص صريحة في أن بعض ما أعد للأشقياء والسعداء من عذاب ونعيم لا ~~يمكن أن يتناول الأجسام؛ وإلا فكيف نؤول العذاب بالنار التي تأكل ~~الجلود فيبدل الله جلودا غيرها ليدوم العذاب؟! وكيف لا يكون التمتع بالحور ~~والولدان، والفاكهة المختلفة الضروب والألوان، والأنهار المترعة باللبن ~~والخمر والعسل المصفى، وكلها لذة للشاربين، كيف لا يكون هذا كله نعيما ~~للجسم والروح معا، وللجسم أولا؟! ~~(د) # وأخيرا، نصل إلى مسألة السببية التي أثارها الغزالي واختلف فيها مع ~~الفلاسفة اختلافا كبيرا. # ظن الغزالي أن القول بالسببية، أي بوجود علاقة ضرورية بين الظاهرة وما يراه الفلاسفة ~~سببا لها لا يتفق والدين، الذي يرد كل ظاهرة أو فعل لله وحده، والقادر على أن يخلق ~~الظاهرة ms44 من غير ما يراه الفلاسفة سببا لها لولاه لم تكن. # ونراه يقول في هذا: «الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وبين ما يعتقد ~~مسببا ليس ضروريا عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك ، ولا ذاك هذا؛ ولا إثبات ~~أحدهما متضمن لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما ~~وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، وذلك مثل: الري والشرب، والشبع ~~والأكل، والاحتراق ولقاء النار ... إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم ~~والصناعات والحرف. وإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه لخلقها على ~~التساوق، لا لكونه ضروريا في نفسه، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل ... وإدامة ~~الحياة مع جز الرقبة، إلى جميع المقترنات، وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا ~~استحالته.» # هكذا وضع حجة الإسلام المسألة محاولا جعل المتكلمين في طرف، والفلاسفة في طرف، ~~وزاعما أن في رأي الفلاسفة حدا من قدرة الله المطلقة! # ولم يسع ابن رشد، في سبيل الرد على الغزالي وأمثاله، إلا أن يلجأ إلى المشاهدة ~~والحس وقوة ما فيهما من دلالة؛ فيقرر أن إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في ~~المحسوسات سفسطة، وأن من يتكلم بذلك إما أن يكون مخالفا لما يعتقد، أو عجز عن التخلص ~~من شبهة سفسطائية عرضت له. ثم يذهب إلى أن الفصل في أن هذه الأسباب تكتفي بنفسها في خلق ~~ما يصدر عنها من أفعال، أو تحتاج في ذلك إلى سبب أعلى، أمر ليس بديهيا، بل يحتاج إلى ~~بحث وفحص كثير، كما يقرر في تهافته. # وبعد استعانته بالحس، نراه يستعين بالمنطق الذي يؤكد أن العقل ليس شيئا أكثر من ~~إدراك الموجودات بأسبابها، وأن الذهاب إلى نفي الرابطة الضرورية بين الأشياء وأسبابها ~~رفع للعقل، ومبطل له. # على أن القول بقانون السببية هذا ليس معناه إثبات خالقين متعددين بجانب الله، وذلك ما ~~خافه المتكلمون. # ذلك بأن القول بأن النار سبب أو علة للإحراق - وهذا مثل من الأمثلة - لا ينفي أنها لا ~~تفعل ذلك من نفسها، بل من قبل ms45 مبدأ أعلى هو شرط في وجودها، فضلا عن إحراقها، فضلا ~~عما في الذهاب مذهب السببية وقانونها من الإقرار لله بالحكمة البالغة، التي تجعل لكل ~~شيء سببا، وترتب كل أثر على مؤثر، مع الاعتراف بأن كل هذه الأسباب والمؤثرات من صنع ~~إله عالم قادر حكيم، وأن كل شيء يرجع في آخر الأمر إليه وحده. # ذلك ما كان من الغزالي ضد الفلاسفة، ومن ابن رشد ردا عليه، وقد أطلنا في عرضه ~~قليلا؛ لأن في ذلك عرضا موجزا لقضية حرية الفكر والتقليد، والعقل والوحي، والحكمة ~~أو الفلسفة والشريعة من أهم نواحيها: ناحية الهجوم وناحية الدفاع. # ولعل من الخير أن نذكر هنا - بعد ما تقدم - أن الأستاذ الشيخ محمد عبده، في ردوده على ~~الأستاذ فرح أنطون، صاحب مجلة الجامعة، انتهى إلى أنه «ليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى ~~ارتفاع ما بين حوادث الكون من الترتيب في السببية والمسببية، إلا إذا كفر بدينه قبل أن ~~يكفر بعقله». # ويعلل هذا بأن ما يحصل في الكون لا يكون عن صدفة واتفاق، بل عن نظام قدره الله في ~~علمه الأزلي، والأسباب والمسببات بعض ما انتظم هذا العلم، فهي تصدر عنه على حسب ترتيبها ~~فيه، ثم ينتهي بأن «الفلاسفة وجمهور المتكلمين واللاهوتيين على وفاق في حقيقة ~~المسألة، وإن اختلفت العبارات، فابن رشد - رحمه الله - لم يخرج بآرائه عن المليين.» ~~ونقول: إن المتكلمين، الذين هم على وفاق في هذه المسألة مع الفلاسفة كما يقول الشيخ، ~~ليسوا هم الأشاعرة وأهل السنة، وفيما قدمناه عن الغزالي دليل على هذا أي دليل. # ومهما يكن، فقد ختم فيلسوف قرطبة كتابه «تهافت التهافت»، الذي خصصه للرد على الغزالي ~~وهدم كتابه «تهافت الفلاسفة»، بقوله: # وهذا الرجل - يعني الغزالي - كفر الفلاسفة بثلاث مسائل: إحداها هذه؛ أي ~~إنكارهم لبعث الأجساد، وقد قلنا كيف رأي الفلاسفة في هذه المسألة، وأنها عندهم ~~من المسائل النظرية؛ والمسألة الثانية قولهم إنه - أي الله تعالى - لا يعلم ~~الجزئيات، وقد قلنا: إن هذا القول ليس من قولهم، والثالثة قولهم بقدم العالم، ~~وقد قلنا: ms46 إن الذي يعنون بهذا الاسم ليس هو المعنى الذي كفرهم به ~~المتكلمون. # ثم قال في النهاية: # وقد رأيت أن أقطع ها هنا القول في هذه الأشياء، والاستغفار من التكلم فيها، ~~ولولا ضرورة طلب الحق مع أهله - وهو كما يقول جالينوس: رجل واحد من ألف - ~~والتصدي إلى أن يتكلم فيه من ليس من أهله، ما تكلمت في ذلك - علم الله - ~~بحرف، وعسى أن يقبل العذر في ذلك، ويقيل العثرة بمنه وكرمه وفضله، لا ~~رب غيره. # وما أحسن ما ختم به رده عدوان الغزالي على ~~الفلسفة ودفاعه عنها! # | خاتمة المطاف # على أنه برغم هذا كله، بل كان من أجل هذا كله، لم تخل حياة ابن رشد - مثله مثل غيره من ~~الموهوبين المجدودين - من متاعب وآلام، حسدا وبغيا من جماعة لم يهبهم الله ما وهبه، ولم ~~ينالوا من الخير ما ناله. # لقد توفي الخليفة يوسف أبو يعقوب، فولي بعده سنة 580ه ابنه يعقوب، الذي لقب ~~بالمنصور، فنال لديه فيلسوفنا ما كان له من المكان العلي لدى أبيه، إلا أن القدر كان له ~~بالمرصاد، فابتدأ يظهر سوء الظن به وبعقيدته، وكان هذا مقدمة لنكبته والحكم بنفيه. # لقد بلغ من المنزلة والحظوة لدى الخليفة المنصور درجة ارتفعت فيها الكلفة أو كادت، ~~فلم يكن يلزم نفسه رعاية ما تراعيه حاشية الملوك من الملق والأدب الزائد المصنوع، وكان - ~~كما يرويه لنا القاضي أبو مروان الباجي - متى حضر مجلس المنصور وتكلم معه، أو بحث عنده في ~~شيء من العلم، يخاطب المنصور فيقول: تسمع يا أخي! وربما قربه هذا الخليفة في مجلسه على كل ~~أصحابه. # وفي سنة 591ه، أراد المنصور غزو الفونس، ملك كاستيلا وليون، فجاء إلى قرطبة واستدعى ابن ~~رشد إلى مجلسه، فلما حضر أجلسه بجانبه، وقربه إليه أكثر من المعتاد، وجاوز به مكان أقرب ~~الناس إليه، وغمره بعطفه الكبير حتى قال - وقد خرج من لدنه - لمهنئيه من تلاميذه ~~وأصحابه بهذا العطف، بعد أن أرجف الأعداء بأن أمير المؤمنين قد أمر بقتله: «والله إن ~~هذا ليس مما يستوجب ms47 الهناء؛ فإن أمير المؤمنين قد قربني دفعة إلى أكثر مما كنت أؤمله فيه، ~~أو يصل رجائي إليه.» # على أن الأيام السود في حياة ابن رشد قد جاءته تسعى؛ فإن المراكشي يذكر أن المنصور أخذ ~~عليه أنه في شرحه لكتاب «الحيوان» لأرسطوطاليس قال عند ذكره للزرافة: «وقد رأيتها عند ملك ~~البربر - يريد المنصور.» فرأى هذا في ذلك إهانة له ولأسرته المالكة، إلا أنه أسرها في ~~نفسه ولم يبدها له، ولم يشفع له عنده، كما يذكر ابن أبي أصيبعة، ما اعتذر به من أنه ~~كتب «ملك البرين»؛ أي أفريقية والأندلس، فغلط الكاتب لتقارب الكلمتين في الحروف. # كذلك يروي نفس المؤرخ أن جماعة من أهل قرطبة، من الذين كانوا ينازعونه الشرف والمجد، ~~أخذوا يتلمسون الوسائل لإيغار صدر الخليفة عليه كما يحدث عادة بين النظراء إلا من عصم الله، ~~وأسعدهم الحظ بأن رأوه كتب بخطه في بعض تلاخيصه حاكيا عن بعض قدماء الفلاسفة: «فقد ظهر أن ~~الزهرة إحدى الآلهة.» فطاروا بهذه الكلمات فرحا إلى المنصور، وأوهموه أنها من كلام ابن ~~رشد لا حكاية لقول بعض القدماء. # كان من هذا وذاك أن استدعى المنصور ابن رشد في حفل ضم رجال الدين والرؤساء والأعيان ~~بالمسجد الجامع الأعظم بقرطبة، وكانت محاكمة لا ظل للعدالة فيها للقاضي الأكبر أو لشيخ ~~القضاة، الذي كان مثلا أعلى في قضائه وتحري العدل التام. # ذلك بأن الحسدة والدساسين قد أجمعوا أمرهم، وخيلوا للناس أن الأمر ليس إلا الاختيار ~~بين الدين والفلسفة؛ ولهذا لم يمكن - كما يقول الأنصاري - عند اجتماع الملأ إلا المدافعة عن ~~شريعة الإسلام، وكان بعد هذا أن أمر المنصور بلعنه وطرده ونفيه، ونفي من كان معروفا على ~~مذهبه، وبإحراق كتب الفلسفة كلها، اللهم إلا الطب والحساب وما يكون وسيلة من علم النجوم إلى ~~معرفة أوقات الصلاة واتجاه القبلة، وأمر بكتابة منشور عام للبلاد كلها بفضيحة هؤلاء ومروقهم ~~من الدين، ووجوب الاعتبار بهم وبمصيرهم. # على أن الأنصاري بعد روايته مسألة الاتهام والحكم بالنفي وسياقة المنشور، نقل عن أحد رجال ~~الدين، الذين ms48 اتصلوا بابن رشد أيام توليه قضاء قرطبة، أنه برغم رعاية أبي الوليد رعاية تامة ~~شعائر الدين، زل زلة لا جابر لها تبعد صاحبها عن الدين. # ذلك أنه شاع أن ريحا عاتية تجري بالشؤم ستهب يوم كذا ، واشتد جزع الناس لهذا حتى اتخذوا ~~الغيران والأنفاق تحت الأرض، ولما سار ذكر هذه الريح في كل الجهات جمع والي قرطبة طلاب ~~العلم والفقهاء، وفيهم القاضي ابن رشد وصديقه ابن بندود، فلما انصرفوا من عند الوالي قلت: ~~إن صح أمر هذه الريح فهي ثانية الريح التي أهلك الله بها قوم عاد، فلم يتمالك ابن رشد نفسه ~~أن التفت إلي وقال: «والله وجود قوم عاد ما كان حقا، فكيف سبب هلاكهم؟!» فوجم ~~الحاضرون، وأكبروا هذه الزلة التي لا تصدر إلا عن كافر مكذب للقرآن. # ونرى من الخير أن ننقل عن الأنصاري نفسه تلك الوثيقة الرسمية الدالة على روح ذلك العصر، ~~أي المنشور الذي أمر الخليفة كاتبه أبا عبد الله بن عياش بكتابته إلى مراكش وغيرها؛ لنرى ~~كيف تفكر العقول إذا غلبتها الأساطير، وكيف تنفث القلوب سما إذا ملأها الحقد والكيد. ~~وها هو ذا: # قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامهم بتفوق عليهم في ~~الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلا - لعل الصحيح: إلى - الحي القيوم، ولا حاكم يفصل بين ~~المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفا ما لها من خلاق، مسودة ~~المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، ~~يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقا، ~~ويسيرون فيها شواكل وطرقا! ذلك بأن الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون؛ ~~ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم. ألا ساء ما ~~يزرون! # ونشأ منهم في هذه السمحة البيضا شياطين إنس يخادعون الله والذين آمنوا، وما ~~يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون! يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ~~ما فعلوه، فذرهم وما يفترون؛ فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، ms49 وأبعد عن الرجعة ~~إلى الله والمآب؛ لأن الكتابي يجتهد في ضلال، ويجد في كلال، وهؤلاء جهدهم ~~التعطيل، وقصاراهم التمويه والتخبيل. # دبت عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان، إلى أن أطلعنا الله سبحانه منهم على ~~رجال كان الدهر قد أملى لهم على شدة حروبهم، وأعفى عنهم سنين على كثرة ذنوبهم، وما ~~أملي لهم إلا ليزدادوا إثما، وما أمهلوا إلا ليأخذهم الله الذي لا إله إلا ~~هو، وسع كل شيء علما. # وما زلنا - وصل الله كرامتكم - نذكرهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرة ~~إلى ما يقربهم إلى الله سبحانه ويدنيهم، فلما أراد الله فضيحة عمايتهم، وكشف ~~غوايتهم؟ وقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال، موجبة أخذ صاحبها بالشمال، ظاهرها ~~موشح بكتاب الله، وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، لبس منها الإيمان ~~بالظلم، وجيء منها بالحرب الزبون في صورة السلم، مزلة للأقدام، وهم يدب ~~في باطن الإسلام، أسياف أهل الصليب دونها مفلولة، وأيديهم عما يناله هؤلاء ~~مغلولة؛ فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم ~~وغيهم وبهتانهم. # فلما وقفنا منهم على ما هو قذى في جفن الدين، ونكتة سوداء في صفحة النور ~~المبين، نبذناهم في الله نبذ النواة، وأبغضناهم في الله كما أننا نحب المؤمنين في ~~الله، وقلنا: اللهم إن دينك هو الحق اليقين، وعبادك هم الموصوفون بالمتقين، وهؤلاء ~~قد صدفوا عن آياتك، وعميت أبصارهم وبصائرهم عن بيناتك، فباعد أسفارهم، وألحق بهم ~~أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم، ولم يكن بينهم إلا قليل وبين الإلجام بالسيف في مجال ~~ألسنتهم، والإيقاظ بحده من غفلتهم وسنتهم، ولكنهم وقفوا موقف الخزي والهون، ثم ~~طردوا من رحمة الله، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. # فاحذروا - وفقكم الله - هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم ~~السارية في الأبدان، ومن عثر له على كتاب من كتبهم؛ فجزاؤه النار التي بها يعذب ~~أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه، ومتى عثر منهم على مجد في غلوائه، ~~عم عن سبيل استقامته واهتدائه، فليعاجل بالتثقيف والتعريف. # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ms50 فتمسكم ~~النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا ~~تنصرون ~~، # أولئك الذين حبطت ~~أعمالهم ~~، # أولئك الذين ليس ~~لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون ~~. # والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم، ويكتب في صحائف الأبرار ~~تضافركم على الحق واجتماعكم. إنه منعم كريم! # هذا هو المنشور الذي كتبه الحقد والحسد والهوى والتعصب، والذي كان له - وقد ذاع في طول ~~البلاد وعرضها - أثر كبير في تنفير الخاصة والعامة من ابن رشد وصحبه الذين نفوا بسببه، ~~حتى إن أبا الحسن بن قطرال يروى عنه أنه قال: أعظم ما طرأ علي في النكبة أني دخلت أنا ~~وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة وقد حانت صلاة العصر، فثار لنا بعض سفلة العامة فأخرجونا ~~منه! # والشعر أيضا كان له دوره في هذه النكبة التي جعلت ما في الصدر يظهر على اللسان، فنسمع ~~أبا الحسن بن جبير يقول: # لم تلزم الرشد يا ابن رشد # لما علا في الزمان جدك # وكنت في الدين ذا رياء # ما هكذا كان فيه جدك # ويقول: # نفذ القضاء بأخذ كل مموه # متفلسف في دينه متزندق # بالمنطق اشتغلوا فقيل حقيقة # إن البلاء موكل بالمنطق # ويقول: # بلغت أمير المؤمنين مدى المنى # لأنك قد بلغتنا ما نؤمل # قصدت إلى الإسلام تعلي مناره # ومقصدك الأسنى لدى الله يقبل # تداركت دين الله في أخذ فرقة # بمنطقهم كان البلاء الموكل # أثاروا على الدين الحقيقي فتنة # لها نار غي في العقايد تشعل # أقمتهم للناس يبرأ منهم # ووجه الهدى من خزيهم يتهلل # وأوعزت للأقطار بالبحث عنهم # وعن كتبهم، والسعي في ذاك أجمل # وقد كان للسيف اشتياق إليهم # ولكن مقام الخزي للناس أقتل # وآثرت درء الحد عنهم بشبهة # لظاهر إسلام، وحكمك أعدل # وله - أي لابن جبير - في الفيلسوف المنكوب فترة قليلة غير ذلك مما يطول إيراده، كما يقول ~~الأنصاري. # ونظن أن من السهل أن نتمثل حال هذا الشاعر وغيره من الذين ظاهروا على أبي الوليد في ~~محنته. وقد فاء المنصور إلى نفسه ورجع في فيلسوفنا ms51 إلى جميل رأيه فيه، فعفا عنه وقربه بعد ~~قليل من هذه المحنة! # تلك هي نكبة ابن رشد ومظاهرها، وما تقدم هو جماع ما ذكره مؤرخو المغرب والأندلس من ~~أسبابها. فهل هي الأسباب الحقيقية التي تكفي لتفسير هذه النكبة وإيضاح عواملها؟ أو هناك سبب ~~آخر أهم من تلك الأسباب جميعا يجب أن يعتبر أو يضاف إليها؟ # نظن أن من الخير تحقيق هذه المسألة، وإن لم نكن بصدد رسالة عن ابن رشد من جميع نواحيه، بل ~~بصدد بحث عن رسالته التي اضطلع بها، وحياته وما كان فيها من أحداث. # يرى المستشرق الفرنسي «مونك # Munk ~~» أن تعصب الموحدين يكفي ~~وحده لتفسير تعصب الخليفة المنصور ضد ابن رشد، ويستشهد لما يرى بأن ابن أبي أصيبعة ذكر ~~في حياة أبي بكر بن زهر، أن المنصور أمره بتعقب الذين يدرسون الفلسفة الإغريقية، وبمصادرة ~~الكتب الخاصة بها وإحراقها. # وكذلك «رينان # Renan ~~» يذهب إلى هذا الرأي أو قريب منه؛ إذ ~~يرى أن تعصب الموحدين وكراهة الفلسفة هما السبب الحقيقي لهذه النكبة التي عاناها ابن رشد، ~~وللاضطهادات التي كان أمثاله عرضة لها، ويعلل ما يراه بأن الموحدين يتصلون مباشرة بمدرسة ~~الغزالي، وأن مؤسس دولتهم - وهو المهدي - في أفريقية كان تلميذا من تلاميذ حجة الإسلام، ~~وعدو الفلسفة. # ولكن للباحث أن يتساءل عما إذا كان تعصب الموحدين كما يرى مونك، أو هذا التعصب وكراهة ~~الفلسفة كما يرى رينان، هما وحدهما السبب الحقيقي لمحنة ابن رشد وصحبه وتلاميذه؟ نعتقد أن ~~الجواب هو: لا. # لقد ساق مونك دليلا لرأيه - كما قدمنا - تكليف المنصور الحفيد أبا بكر بن زهر إعدام ~~كتب الفلسفة، وأخذ المشتغلين بها بالعقاب الشديد، ولكن فاته أن يذكر أن المؤرخ الذي أورد ~~هذا الخبر - وهو صاحب طبقات الأطباء - أردفه بأن المنصور نفسه خص الحفيد بذلك حتى «إن كان ~~عنده شيء من كتب المنطق والحكمة لم يظهر ولا يقال عنه: إنه يشتغل بها ولا يناله مكروه ~~بسببها.» وذلك لما اتهمه بعض أعدائه بأنه يشتغل بالحكمة وعنده الكثير من كتبها، وشهد معه ~~كثيرون ms52 بما قال، كان جزاؤه - أي الشاكي - السجن ورد قوله لما يعرفه المنصور - كما قال - ~~في ابن زهر: «من متانة دينه وعقله.» # كذلك ساق نفس المؤرخ بعد ما تقدم مباشرة أن الحفيد هذا كان له تلميذان يدرسان عليه الطب ، ~~فأتياه يوما ومعهما كتاب في المنطق، فلما عرفه رمى به وهم بضربهما لولا أنهما فاتاه ~~عدوا، وبعد بضعة أيام حضروا معتذرين بعذر تظاهر بقبوله، ثم أمرهم بحفظ القرآن والاشتغال ~~بالتفسير والحديث والفقه، والمواظبة على رعاية الأمور الدينية، فلما امتثلوا وصارت تلك ~~الأمور عادة لهم، أخرج كتاب الفقه وقال: «الآن صلحتم لأن تقرءوا هذا الكتاب وأمثاله علي، ~~وأشغلهم فيه.» # يظهر لنا إذن أن بعض من عنوا بدراسة الفلسفة كانوا غير أهل لها، فكانوا يخرجون بسببها عن ~~بعض ما جاء به الدين، ويكونون بذلك سببا لإثارة العامة، ولاضطهاد الفلسفة وأهلها بصفة ~~عامة. # هذا فرض قريب من الحق، على ما يلوح لنا، إذا لاحظنا أن القرآن حض في كثير من آياته على ~~الدراسة العلمية الفلسفية. # نحن لا ننكر أن الفلسفة كانت في بعض العهود علما ممقوتا في الأندلس لا يسلم المشتغل بها ~~من اضطهاد، ولا أن بعض الذين عنوا بها قتلوا في سبيلها، أو كانت حياتهم في خطر بسببها، ~~ذلك حق لا شبهة فيه، وقد حفلت كتب التاريخ بالمثل والأدلة عليه، ولكن نرى أن من الحق أن ~~نذهب إلى أن اضطهاد الفلاسفة بصفة عامة، وابن رشد بصفة خاصة، كان من أسبابه الهامة الخروج ~~في شيء من آرائهم عن الدين؛ إما في الواقع، وإما لأن الجهل يخيل ذلك للعامة وللفقهاء، ~~فيندفعون للتعصب ضدهم، ويجاريهم الولاة والخلفاء أحيانا كسبا لقلوبهم، واستدامة ~~لسلطانهم. # وإلا يكن هذا صحيحا، فكيف لم ير المنصور نفسه بأسا في أن يشتغل ابن زهر بالفلسفة، التي ~~حرم الاشتغال بها، لثقته بدينه وعقله! وكيف أن ابن زهر هذا أبى على بعض تلاميذه أن ~~يشتغلوا بشيء منها قبل إتقان علوم الدين، واعتيادهم القيام بالشعائر الدينية كما سبق أن ~~بيناه! # فإن صح ما ذكره الأنصاري من حادث ms53 الريح، يكن من الواجب أن يدخل في أسباب النقمة على ابن ~~رشد ما كان منه في هذا الحادث؛ مما يعتبر تكذيبا لبعض ما جاء به القرآن، حين أنكر الريح ~~التي هلك بها قوم عاد. # وقد يدل لهذا أيضا ، أن نفس هذا الخليفة الذي نكب فيلسوفنا، وهو يعقوب المنصور، كان قد ~~ساءه كثيرا تشعب الآراء في الفقه، فعمل على محو مذهب مالك - رضوان الله عليه - وحمل الناس ~~على القرآن والحديث أو السيف، كما يذكر المراكشي. # إذن فما كان من نكبة ابن رشد وتشريد أصحابه يرجع، فيما يرجع إليه من أسباب، إلى الرغبة في ~~الحجر على العقل والتفكير في بعض الحالات، سواء أكان ذلك في الفقه أو الفلسفة؛ وذلك حتى ~~لا يحدث في الدين من آراء الفقهاء ما ليس منه، وحتى لا يكون من ناحية الفلسفة ما قد يؤخذ ~~منه المعارضة لبعض ما جاء به القرآن أو الدين بصفة عامة، فيثور الفقهاء وتتبعهم العامة، ~~وذلك ما لا يرضاه ملك يحرص على جمع الكلمة والأعداء منه بمرصد، وبخاصة وقد كان المنصور، ~~كما يذكر ابن خلكان والمقري، رجلا يحفظ القرآن والحديث، ومجددا للدين معليا ~~لسلطانه، ومتمسكا عمليا به، ومشورا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القول ~~والعمل، كما كان محبوبا من الشعب حبا شديدا. ~~••• # ومهما كانت الأسباب التي أدت إلى نكبة ابن رشد؛ فإنه كما يقول رينان بحق في كتابه «ابن ~~رشد ومذهبه»، في تلك الفترة من الزمن، قد نجح الحزب الديني ضد الحزب الفلسفي؛ إذ نفي مع ~~أبي الوليد أربعة آخرون ذكرهم صاحب «طبقات الأطباء». # أما هو فقد كان منفاه «أليسانه»، وهو بلد قريب من قرطبة، وكان لليهود خاصة، وفي هذا ~~غمز له في نسبه كما يروي الأنصاري، وأنه ينتسب إلى بني إسرائيل، وأما رفقاؤه الأربعة في ~~المحنة فقد أمروا أن يكونوا في مواضع أخر. # وقاسى ابن رشد في محنته هذه كثيرا من الشدائد، وكان آلمها طرده هو وابنه من المسجد ~~يوما ما في قرطبة؛ مشرقه وموطن مجده، وقد هما بدخوله لأداء ms54 صلاة العصر، كما ذكرنا قبل. ~~وهذا معناه أن نكبته ذاع أمرها، وعلم بها الناس حتى العامة، وأنها صادفت هوى في نفوسهم، ~~وهو الذي كان ينفق جاهه وماله في سبيل سعادتهم، كما أن تلاميذه تفرق شملهم وتباعدوا ~~عنه. # على أن زمن المحنة لم يطل، كما أن شمسه آذنت بعد ذلك للمغيب، فقد تغيرت نفس المنصور بعد ~~عودته إلى مراكش، ومال من جديد إلى تعلم الفلسفة، فألغى مراسيمه بتحريمها واضطهاد أهلها، ~~وشهد لديه جماعة بحسن دين ابن رشد وعقيدته، وأنه على غير ما نسب إليه، فعفا عنه وعن صحبه ~~سنة 595ه، واستدعاه إلى مراكش ليكون بحضرته. # إلا أنه لم يلبث طويلا، فمات في هذه السنة بمراكش قبل وفاة الخليفة المنصور بيسير، عن ~~اثنين وسبعين عاما وبضعة أشهر، ثم حمل رفاته إلى قرطبة بعد ثلاثة أشهر؛ حيث دفن ~~بمقبرة أسرته. # تلك حياة ابن رشد وأحداثها ومظاهرها، ولم يبق في هذه الناحية إلا أن نسجل أن أبا الوليد ~~مر بالمحنة، أو مرت به موفور الكرامة. إنه لم يطلب العطف أو يعتذر ويلح في الاعتذار ~~توقيا مما كان يتوقع من ظلم وشدائد، بل احتمل ذلك كله ساكن النفس صابرا ما دام ذلك لا ~~يثنيه عن غايته، وعن أداء رسالته التي وهب نفسه لها. # لقد كان من أجل هذا حريا بحكم ابن الأبار، في كتابه «التكملة»، حين قرر - كما قدمنا - ~~أنه لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا. # | ابن رشد وأثره من بعده # للعظمة معالم ومظاهر، قد تكون في الخلق، وقد تكون في الفن، وقد تكون في العلم، وقد تكون ~~في هذا كله وأكثر منه معا، وفي كل ضرب من هذه الضروب ألوان مختلفة، وصور متعددة. # وابن رشد - كما عرفنا - كان عظيما في خلقه، وعظيما في علمه، وعظيما في نظرته إلى ~~الحياة وغايته منها، كما كان عظيما في فلسفته، وفي الفكرة التي حركته إلى هذه الفلسفة. ~~وعلى كل هذا، فيما مر من أمره، شواهد ودلائل. # ومن سمات العظيم ألا يمر في حياته غير ملحوظ، كما هو ms55 شأن عامة الناس وأوساطهم؛ إنه في ~~الأعم الأغلب من الحالات يحدث حول نفسه دويا وهو حي، ويكون له أثر خالد بعد أن ينتقل ~~إلى الحياة الأخرى. # وقد توفرت هذه السمة لفيلسوفنا، فقد عرفنا كيف اصطفاه الخلفاء، ثم كيف عقدت المجالس ~~لمحاكمته، ثم كيف انتهى هذا بالحكم عليه بالإلحاد والكفر حينا من الزمن، ثم كيف يثوب ~~الخليفة إلى رشده فيعفو عنه ويستدنيه إليه قبل وفاته. # أما أثره فيمن بعده، فقد خصصنا هذا الفصل لبيانه، إلا أنه من الخير أن نذكر كلمة عن تأثره ~~في فلسفته بمن سبقه من أسلافه مفكري المسلمين وفلاسفتهم. # إنه لا يمكن أن يقول باحث عن مفكر من المفكرين: إنه اخترع علما كاملا أو فلسفة من نفسه، ~~غير مقيد أو متأثر بمن تقدمه في هذا السبيل، مهما كان عبقريا ألمعيا أو ملهما، ~~فابن رشد إذن لا بد أن يكون قد أفاد، وأفاد كثيرا من أسلافه، وبخاصة الفيلسوفين الكبيرين: ~~الفارابي وابن سينا. # ولسنا بسبيل كتابة رسالة خاصة عن ابن رشد وفلسفته، فنستقصي مواطن تأثره بغيره من الفلاسفة ~~المسلمين؛ لذلك نكتفي في هذه الناحية ببيان ذلك بإيجاز في مسألة التوفيق بين الحكمة ~~والشريعة؛ إذ كانت هذه المسألة معقد الطرافة في الفلسفة الإسلامية. # لم يكن فيلسوف الأندلس مبتكرا في هذه الناحية، فالتفكير فيها حري أن ينال نصيبا ~~كبيرا من كل فيلسوف يريد أن يعيش آمنا إلى حد ما بين الفقهاء ورجال الدين الذين ~~أشربوا بغض الفلسفة والفلاسفة، بل أكاد أزعم أنه لم يكن له فيها زيادات كبيرة عن المعلم ~~الثاني والشيخ الرئيس. # ذلك بأن قوام مذهب ابن رشد في التوفيق يرتكز - كما عرفنا - على ثلاث ~~دعامات: ~~(1) # تقسيم الناس طبقات مختلفة في استعداداتهم العقلية، وتنويع التعاليم التي يجب ~~أن تكون لكل من هذه الطبقات. ~~(2) # تفسير المعجزات والنبوة تفسيرا يجعلها على وفاق مع العقل والقوانين الطبيعية ~~العامة، وبيان الصلة التي يجب أن تكون بين العقل والوحي في مسألة ~~المعرفة. ~~(3) # وضع قواعد عامة لتأويل ما يجب تأويله من نصوص القرآن والحديث؛ لبيان متى يكون ms56 ~~التأويل، ولمن يكون، ولمن يصرح به من الناس. # ففي النقطة الأولى نراه مسبوقا بالفارابي في المشرق، وابن طفيل في المغرب. لقد عرف الأول ~~ما في بعض الذي جاءت به الشريعة من عقائد # 1 # من صعوبة في فهمها والاقتناع بها، فجعل الناس لذلك: عامة، ومتكلمين، وفلاسفة، ~~ورأى عرض هذه العقائد على كل طائفة حسب مقدرتها على تصورها وفهمها: إما بذكر حقائقها مجردة، ~~وإما بذكر محاكياتها من رموز وأمثال. # وكذلك نرى ابن طفيل ينتهي في قصته الفلسفية «حي بن يقظان» إلى مثل هذا؛ أي إن من الناس ~~طائفة ارتفعت عن العامة فهي تطيق المكاشفة بالحقائق عارية بذاتها، ومنهم من هم دون ذلك، ~~فالخير لهم اللجوء إلى الشريعة، والاكتفاء بما ضربته لهذه الحقائق من رموز. # وفي النقطة الثانية نجد تأثره بالفارابي وابن سينا أيضا واضحا؛ وكذلك في الثالثة الخاصة ~~بالتأويل وقانونه وما يتصل به؛ فتأثره بهذين وبالغزالي أيضا ظاهر ملحوظ. # من أجل ذلك كله، يكون من الحق ما يؤكده الأستاذ «جوتييه # Ganthier ~~» من «أن مذهب ابن رشد في التوفيق بين الدين والفلسفة مشترك بين ~~جميع الفلاسفة.» أي الفلاسفة المسلمين. # غاية الأمر أن فيلسوفنا يمتاز - كما رأينا - بالوضوح وكثرة التفاصيل، والحرية في العرض ~~والتوسع فيه، والإلحاح في رعاية التفرقة بين طبقات الناس والتعاليم المختلفة، وبيان موطن ~~النفوذ لكل من الوحي والعقل، أو بعبارة أخرى بين الشريعة والحكمة، حتى يظلا في سلام ~~ووئام دائمين. # ولعلنا حريون - إن استعرضنا سائر آرائه ونظرياته الفلسفية، وقارناها بأمثالها لدى من ~~تقدمه من الفلاسفة - أن نجد الأمر قريبا من هذا، أي إنه لم يستطع إلا أن يتأثر بأسلافه ~~هؤلاء قليلا أو كثيرا. # ولا عجب؛ فالمفكر الحق الذي ينشد الحق لنفسه هو من لا يأبى أن يفيد من غيره، ومن يضع ~~لبنة في الصرح الذي يعمل الجميع لتشييده وإعلائه. # وإذن فلنترك تأثره بسلفه إلى بيان أثره في خلفه. ~~(1) في الإسلام # يألم الباحث ويحس بخجل شديد حين يفكر في أثر ابن رشد وتعاليمه في الإسلام، شرقه ~~وغربه؛ إذ كان حظه في ذلك ms57 إهمالا مزريا له ولفلسفته، ولجهوده في الانتصار لها، ~~والتوفيق بينها وبين الشريعة. # حقا، لقد كان له شهرة كبيرة في أيامه، ومركز ممتاز مرموق بين معاصريه، حتى كان ~~يعد من مفاخر الأندلس حين يقع التفاضل بينها وبين المغرب، ولكن - وقد ران الظلام ~~على العقول في عصر الانحطاط - صارت الفلسفة التي قامت عليها شهرته هي السبب في إخمال ~~اسمه وذكره. # وقد كان من ذلك أن التاريخ لا يعرف - كما يقول رينان - له تلميذا وصل إلى شيء من ~~الشهرة في الإسلام، وأن تعاليمه لم تجد من يأخذ بها إلى الأمام حتى تبقى سائرة ممتدة مع ~~الأيام، وأن مؤلفاته التي أنفق حياته في كتابتها لم يكن لها إلا القليل من القراء. # وفي هذا يقول الأستاذ «دي بور # De Boer ~~»، في كتابه ~~«تاريخ الفلسفة في الإسلام»: # لم يكن لفلسفة ابن رشد ولا لشروحه على مذهب أرسطو سوى أثر قليل جدا في ~~العالم الإسلامي، وقد ضاعت أصول الكثير من مؤلفاته، وإنما وصلت إلينا مترجمة ~~إلى اللغة العبرية أو اللاتينية. # 2 # ولم يكن له تلاميذ ولا أتباع يواصلون فلسفته ... ولم تستطع الفلسفة ~~أن تؤثر في الثقافة العامة أو مجرى الحوادث. # كما يذكر «مونك # Munk ~~» أنه من أول القرن الثالث عشر ~~الميلادي - كانت وفاة ابن رشد عام 595ه/1198م - لم نعد نرى فلاسفة مشائين خالصين، ~~بل مفكرين يفكرون فلسفيا في الدين، مثل الإيجي صاحب «المواقف». وانحطاط الفلسفة ~~يعزي، فيما يعزي، للنفوذ الذي جد للأشاعرة. # وفي الحق كما يقول رينان: إن الفلسفة الإسلامية فقدت، بموت فيلسوف الأندلس، آخر ~~ممثليها في الإسلام، وصار انتصار القرآن # 3 # على التفكير الحر مؤكدا مدة ستة قرون على الأقل. # ليس من العجيب إذن أن نجد مؤرخي الحركة الفكرية والعلمية من المسلمين يهملون ابن ~~رشد إهمالا مؤلما، أو لا يذكرونه إلا عرضا؛ أمثال جمال الدين القفطي على قرب عهده ~~به، وابن خلكان، وحاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون». وهذا الأخير ذكر اسمه حقا، ولكن ~~ذكرا عرضيا بمناسبة الحديث عن مؤلفات الغزالي التي عمل ابن رشد على ms58 نقضها وبيان ~~تهافتها. # وابن بطوطة الرحالة المسلم المعروف، الذي جاب العالم الإسلامي، وترك لنا في رحلته ~~وصفا طيبا له وللحضارة الإسلامية على اختلاف ألوانها، لم يذكر في رحلته هذه كلمة عن ~~الفلسفة. وفي هذا شاهد قوي على ركود الفلسفة في العالم الإسلامي حينذاك، لا على ضعف ~~أو انعدام أثر ابن رشد وحده. # وإذن فليس لنا أن نبحث في الإسلام عن مذهب ابن رشد وأثره، بل يجب أن نتجه في هذا إلى ~~اليهود في الأندلس بصفة خاصة، وإلى أوروبا عامة فيما بعد. ~~(2) في أوروبا # هنا نجد مجال القول ذا سعة، ونجد الحديث مما يسر روح ابن رشد في سمائه العليا، حيث ~~يقيم في أمن من الله ورضوان. # لقد كان اليهود هم الخلف الحقيقي لابن رشد في تلكم العصور الوسطى، وكان في مدرسة ابن ~~ميمون الاستمرار المباشر للفلسفة الإسلامية، ولفلسفة ابن رشد خاصة، كما يقول رينان، ~~وبفضل اليهود بقي لنا جانب غير قليل من كتابات ابن رشد وإخوانه الفلاسفة، مترجمة إلى ~~العبرية، أو بلغتها العربية الأصلية، لكنها مرسومة بحروف عبرية. # بذلك وجدت هذه المؤلفات لديهم معاذا رد عنها عاديات الدهر، وعدوان المتعصبين ضد ~~الفلسفة ورجالها، من أسرة الموحدين وغير الموحدين الذين تداولوا ملك الأندلس. # وهكذا احتضن اليهود في الأندلس الفلسفة الإسلامية، وأقبلوا على دراستها، فانتفعوا بها ~~أيما انتفاع، حتى إن رينان يقول في ذلك بحق: «إن كل الثقافة الأدبية والعلمية لليهود في ~~العصور الوسطى إن هي إلا انعكاس الثقافة الإسلامية.» # وقد كان القرن الرابع عشر الميلادي هو العصر الذي بلغ فيه فيلسوف قرطبة وفلسفته ~~الذروة في الحظوة والسيادة لدى اليهود: لقد صار عندهم الفيلسوف الذي حل محل المعلم ~~الأول؛ فمؤلفاته صارت موضع الشرح والتفسير، والتلخيص والاقتباس، تبعا لحاجات التعليم ~~المتعددة. # واستمر فيلسوف قرطبة في مكانة المعلم الأول لدى اليهود في تلكم العصور، حتى إذا أدت ~~الفلسفة اليهودية رسالتها، وجاء دور انحطاطها في القرن الخامس عشر، كان ابن رشد أيضا ~~هو الذي تدرس مؤلفاته، ويتناولها المفكرون والمتفلسفون بالبحث والدراسة من نواحيها ~~المختلفة، وآية ms59 ذلك أن الجانب الأكبر من المخطوطات العبرية التي بقيت لنا من مؤلفاته ~~ترجع في تاريخها إلى ذلك العصر. # وابن رشد لم يأخذ مكانه ونفوذه لدى اليهود فحسب؛ فقد نفذت الفلسفة الإسلامية عامة إلى ~~أوروبا وهي في أشد الحاجة إليها، وانتشرت في معاهد التعليم على اختلافها، وكان لكل من ~~رجالاتها مؤيدون ومعارضون، حتى إذا كان القرن الرابع عشر كان لابن سينا وابن رشد، ~~وبخاصة هذا، المكان الأول بأوروبا، حتى أخملا ذكر الآخرين من فلاسفة الإسلام. # أما في القرن الخامس عشر، فقد كان ابن رشد وحده هو ممثل الفلسفة الإسلامية في أوروبا، ~~وواحدها الذي يعتمد عليه، ويعتبر رأيه هو المعبر عن هذه الفلسفة، بل إن بعض مفكري تلك ~~العصور كانوا - كما يذكر رينان - يرون فيه أبا الفلسفة المدرسية، والشارح الوحيد الذي ~~عرفته القرون الوسطى. # كان ذلك كله بعد أن فهم اللاتين هذه الفلسفة بحسب وسعهم حينذاك، وبعد أن ترجمت كل ~~مؤلفات ابن رشد المهمة تقريبا من اللغة العربية إلى اللاتينية، وكان هذا نحو منتصف ~~القرن الثالث عشر كما يقول رينان. # ولم تقف مكانة ابن رشد لدى اللاتين في أوروبا عند هذه المنزلة، بل ظلت تزداد علوا ~~وسموا في نظر هؤلاء حتى اختصموا من أجله، وصار منهم متعصبون له ومتعصبون آخرون عليه من ~~أساطين فلسفة القرون الوسطى. # كما كان من بين هؤلاء وأولئك، من ذوي العقول الممتازة الجبارة، من كان يحترمه ويقدره ~~قدره بوصفه أكبر أستاذ ومعلم لهم، ومن كان يرى فيه في الوقت نفسه أكبر زنديق وملحد ~~بمذهبه وفلسفته! # ليت شعري أين ابن رشد فيرى من يعدون أنفسهم اليوم سادة التفكير في العالم يحلون ~~فلسفته المكان العلي، ويجعلون منه المعلم والأستاذ، ويختصمون من أجله، ويكبر الواحد ~~منهم نفسه بالتعصب له أو عليه! # من له فيرى كل هذا من الذين غلوا في تقدير أنفسهم غلوا كبيرا، فاخترعوا أسطورة ~~العقلية السامية والعقلية الآرية، وتوهموا علو هذه على تلك علوا يرجع إلى الفطرة ~~والطبيعة وأصل التكوين! # إنه لو كان في المقدور أن ينزل ابن رشد ms60 من عليائه إلى حياتنا الدنيا، ويرى كل هذا، ~~لاغتبط أيما اغتباط، ولرجع إلى مستقره في جنة الخلد مطمئن البال، مرتاح الضمير؛ بسبب ~~ما قدم للإنسانية من خير. # | هل نجح ابن رشد في رسالته؟ # إذا نجح امرؤ في الوصول إلى غاية رسمها لنفسه، فيجب أن نتساءل: ما عوامل هذا النجاح؟ ~~وماذا يرجع منها إلى جهوده الخاصة؟ وماذا يرجع إلى الظروف التي وجد فيها فجعلت هذه الغاية ~~سهلة المنال يسيرة الحصول؟ وإن لم يقدر له النجاح، فيجب كذلك أن نتساءل: أهذا الإخفاق ~~لأنه رام أمرا غير مروم، أو هو مروم، لكنه عسير المنال دونه عقاب وأهوال؟ # على أن تعرف نجاح ابن رشد أو عدم نجاحه أشد عسرا - في رأينا - من أن نتبينه باللحظة ~~الخاطفة، أو النظرة العاجلة، أو التفكير الفطير، ما دام الأمر يتعلق برسالة فكرية فلسفية ~~يرجع النجاح والإخفاق فيها إلى عوامل متداخلة شديدة التعقيد والتركيب. إن ذلك يتصل بالفكرة ~~نفسها، وبالمنهج الذي رسمه للوصول إلى تحقيقها، وبالدين الذي يدين به، والبيئة التي كان ~~يعيش فيها، والعقليات التي كان يكتب لها، والعصور التي جاءت بعده وأحوالها، وبغير هذا كله ~~من العوامل التي قد يصعب استقصاؤها. # بعد ذلك نبدأ الحديث بالقول بأن فيلسوف قرطبة لم ينجح عند الناس فيما أراد من الجمع بين ~~الحكمة والشريعة، وبيان أنهما أختان رضيعتا لبان واحد، وأنه لا غنى لإحداهما عن ~~الأخرى. # لم ينجح عند الناس كما نقول؛ لأنه لا يزال في رأي جمهرة المسلمين أن الفلاسفة كفروا أو ~~ألحدوا في دين الله ببعض ما ذهبوا إليه في فلسفاتهم متأثرين في ذلك بفلاسفة الإغريق. # لن تغني عن ابن رشد شيئا في نظر المسلمين المتدينين التفرقة بين قدم العالم قدما ~~ذاتيا يستغني به عن الله في وجوده. وهذا ما ينكره الفلاسفة أيضا، وبين ما يرونه من قدمه ~~قدما زمانيا مع احتياجه لله في وجوده وبقائه. هذا لا يغنيه شيئا ما دام المحدث عند ~~الفقهاء والمتكلمين هو الكائن بعد أن لم يكن، أو هو المسبوق بالعدم. وهذا ما لا ms61 يرضى ~~الفلاسفة أن يتصوروه في العالم الذي لا أول لوجوده ولم يسبق بالعدم، في رأيهم. # وكذلك في علم الله، لن يقبل رجال الدين أن يقصره الفلاسفة على الأمور والكليات العامة ~~وهم يقرءون قول الله العليم الحكيم: # وعنده مفاتح الغيب ~~لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ~~ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~. # وأيضا في مسألة البعث والجزاء، أنى للفلاسفة أن يؤمن لهم رجال الدين بما يقولون والله ~~تعالى يفصل ويؤكد في آيات كثيرات أن المؤمنين سيكونون في جنات عرضها السموات والأرض، وهم: # على سرر موضونة * متكئين عليها ~~متقابلين * يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون * وفاكهة مما ~~يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * ~~وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون * ~~جزاء بما كانوا يعملون ~~! ~~••• # ولكن إذا حكمنا بأن ابن رشد لم ينجح في رسالته بالنظر إلى العامة والفقهاء والمتكلمين، ~~فهل من الحق أن نحكم بهذا إذا راعينا من يأخذ المسألة من ناحية البحث الحق؛ فلا يحكم إلا ~~بعد أن يقرأ ويوازن ثم يصدر حكمه أخيرا؟ # لن أستطيع أن أبت الرأي في هذا؛ فلست أزعم لنفسي أني من الذين يستطيعون أن ينظروا للأمر ~~من الناحية المنطقية الفلسفية البحتة، ثم يرون من الحق أن يؤولوا نصوص القرآن والحديث ~~إن تعارضت - في رأيهم - مع ما يؤدي إليه النظر الفلسفي. # ثم هناك ما حال دون ذيوع فلسفة ابن رشد ومذهبه في التوفيق أو الجمع بين الحكمة والشريعة؛ ~~أعني ذهاب ريح المسلمين وفقدانهم الاستقلال السياسي، وتبعيتهم لأمة أو أمم تضيق صدورها ~~بالبحث الحر، وما جر هذا كله من جهل ران على العقول والبصائر، ولا نزال نعاني من ~~عقابيله وآثاره حتى هذه الأيام. # كل ذلك عفى على الدراسات الفلسفية، وجعل النفوس ترى فيها إلحادا وكفرا، كما ترى في ~~رجالها ملاحدة وكفرة بالله واليوم الآخر، جزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو ينفوا من ~~الأرض! # من أجل هذا ذهبت ms62 صرخة ابن رشد، آخر نصير أو ممثل للفلسفة الإسلامية، فلم يقدر له أن ~~يسمع أولئك الذين اعتقدوا هذه الفلسفة كفرا؛ فأصموا آذانهم، ولم يأذنوا لعقولهم أن تسمع ~~لهذا الصوت القوي الذي هز أوروبا وأحدث فيها ثورة فكرية، والذي أراد فيلسوف قرطبة أن يصل ~~للناس جميعا لعلهم يجدون عليه هدى، ويقبسون منه ما يهديهم سواء السبيل في التوفيق بين ~~الحكمة والشريعة. # لم يكن إذن من الممكن أن ينجح ابن رشد في رسالته لسبب خارج عن نفسه وإرادته، وهو جهل ~~الأمة وعقلية العصور التي تلت العصور الذي عاش فيه. # هذا الإمام المحدث الفقيه أبو عمر تقي الدين الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، ~~والمتوفى عام 643ه، يصدر فتوى بتحريم المنطق والفلسفة؛ فيكون لهذه الفتوى خطر وسلطان ظل ~~قويا دهرا طويلا. إنه - غفر الله له - وقد سئل عن حكم الله فيمن يشتغل بكتب ابن سينا ~~وتصانيفه، يقول: «من فعل ذلك فقد غدر بدينه وتعرض للفتنة العظمى»؛ لأن ابن سينا «لم يكن من ~~العلماء، بل كان من شياطين الإنس.» # وفي فتوى أخرى له في هذه الناحية أيضا يقول: «إن الفلسفة أس السفه والانحلال، ~~ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن ~~الشريعة، ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه ~~الشيطان.» وانتهى أخيرا بأن أكد أن الواجب على السلطان أن «يعرض من ظهر منه اعتقاد ~~الفلاسفة على السيف أو الإسلام؛ لتخمد نارهم، وتمحى آثارهم!» # وقد بلغ من عنف أثر هذه الفتوى ومن قوة سلطان صاحبها، أن الإمام السيوطي جلال الدين، كما ~~يذكر في مقدمة كتابه «طبقات المفسرين»، مال في مبادئ الطلب إلى علم المنطق، ثم تركه حين علم ~~أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه! # وأخيرا، نجد طاش كبرى زاده، المتوفى عام 962ه، يذكر في كتابه «مفتاح السعادة»، أنه لا ~~يصح أن نطلق اسم العلم على «الحكمة المموهة التي اخترعها الفارابي وابن سينا.» كما يرى أن ~~حكماء الإسلام أعداء الله وأنبيائه ورسله، وأن الاشتغال بحكمتهم حرام في شريعتنا، وأن هؤلاء ~~الفلاسفة أضر ms63 على عوام المسلمين من اليهود والنصارى؛ لأنهم يتسترون بزي أهل ~~الإسلام. # ليس من العجيب، والحال كما نرى، ألا يكون لابن رشد وأمثاله ممن تقدمه من فلاسفة الإسلام ~~أثر طيب في العالم الإسلامي، وألا ينجحوا في رسالتهم التي عملوا على الاضطلاع بها، ~~وأنفقوا حياتهم في سبيل الوصول إليها، إنما كان يكون عجيبا حقا لو أن كان لهم هذا الأثر ~~الطيب المحمود، ولو أنهم نجحوا فيما أرادوه! # هذا، وكما كان ذلك العداء أو تلك الخصومة بين رجال الدين والفلسفة في تلك العصور شرا ~~على الدراسات الفلسفية، كذلك كانت شرا على الدين. # لقد صغر هذا الخلاف العنيف بين الفريقين هوة ظلت فاصلة بينهما دهرا طويلا، وأساء كل ~~من المعسكرين بالآخر الظنون، فرمى رجال الدين الفلاسفة بالإلحاد والكفر، وناصبوهم العداء، ~~وجازاهم هؤلاء شرا بشر، فرموهم بالجهل والجمود وعدم الفهم للدين! # وكان من نتائج تلك الخصومة الحادة أن حرم الدين الانتفاع بجهود كثير من أبنائه ~~المفكرين، وأن تحامى العامة وأشباه العامة الفلاسفة في كثير من الأحيان، فغدا بعض هؤلاء ~~غريبا أو كالغريب في بيئته، وغدا الفكر الحر عديم النصراء، فأخذ في الانكماش شيئا فشيئا ~~في عجلة تارة، وفي ريث أخرى، وأخلي الطريق للجهل والتقليد في عصور الانحطاط! # وفي الحق، لقد أكرهت عوامل مختلفة الفكر الحر على إخلاء الطريق للتقليد، وصارت الفلسفة في ~~خدمة علم الكلام تسير في ركابه؛ للتدليل على العقائد الدينية، وللرد على الخصوم والمخالفين، ~~كما أصبح طابع مؤلفات تلك العصور هو الاختصار والشرح والتحشية والتعليق، بدل الاستقلال ~~والابتكار. # وقد ظل الحال كذلك تقريبا إلى هذا العصر الذي نعيش فيه، هذا العصر الذي أخذت فيه ~~الدراسات الفلسفية في الحياة بعد أن طال بها الركود المميت؛ وذلك بفضل السيد جمال الدين ~~الأفغاني ومدرسته في مصر، وفضل التفات الجامعة والأزهر لها التفاتة طيبة، نرجو منها المزيد ~~ليكون لها ما نرجوه من ثمرات. # | كلمة أخيرة # وبعد؛ فها هو ذا ابن رشد في أسرته ونفسه وخلقه وعلمه وفلسفته، بل ها هو ذا عصر ابن رشد ~~يتمثل فيه بما ms64 وعى من علم وفلسفة وصراع بين التقليد والحرية في الرأي، ونضال عن الحقيقة ~~التي يراها الفيلسوف ضد من يحاولون طمسها مكتفين بما كان يعتقد الآباء والأجداد، بل ذلك ~~صفحة من تاريخ التفكير الإسلامي القوي الذي عرفت له أوروبا قدره، فأحلته المكانة العليا، ~~ووجدت فيه نورا تهتدي به. # وكنا نود أن نعثر لابن رشد القاضي على بعض الواقعات التي عرضت له فأصدر فيها حكمه، لنعرف ~~كيف كان قضاؤه ومبلغ الاستقلال فيه. كنا نود هذا، ولكنا لم نظفر به مع الرغبة القوية في ~~البحث، والاستقصاء في المراجع وشدة التنقيب. # على أنه، إن أعوزنا قضاؤه أو أقضيته فيما يختصم الناس فيه من نوازل وحوادث لا تتعدى شيئا ~~من متاع هذه الحياة، فقد رأينا قضاءه في أخطر ما يطلب الحكم فيه؛ نعني العلاقة بين الله ~~والعالم، والوحي والعقل، والصلة بين الشريعة والحكمة. # عرفنا فيه في هذه القضية الكبرى قاضيا رزينا، وحجة ثبتا، ينشد الحق فيما ثار من مشاكل ~~ومسائل بين المتكلمين ويمثلهم حجة الإسلام الغزالي، والفلاسفة الذين يمثلهم الفارابي وابن ~~سينا وهو نفسه، ومن ثم كان موقفه دقيقا. # وقد زاد في دقة موقفه أن الغزالي لم يكن - كما صرح مرارا بنفسه - يطلب الحق نفسه في ~~خصومته العنيفة للفلاسفة، بل كان قصده - كما يقول - التشويش على الفلاسفة، وتأليب المسلمين ~~عليهم جميعا، ونزع الثقة منهم، وأخيرا بيان أنهم أغبياء مغرورون ضلوا وأضلوا، فصاروا إلى ~~الإلحاد والكفر. # على أنه مع هذا، ومع أسلوب خصمه العنيف وتهكمه اللاذع المؤلم، استطاع كبير قضاة الأندلس ~~أن يضبط نفسه، وأن يسقط من الحساب ما لا يمت للموضوع بصلة، وأن يعترف بالحق لخصمه متى أصاب، ~~وأن يرد على كل حجة لا يراها حقا، حتى انتهى أخيرا - في رأيه - بالحكم للفلسفة، ~~والذود عنها، والانتصاف لها ممن نال منها نيلا كبيرا. # فرحمه الله من علم في الطب، وعلم في الفقه، وعلم في القضاء، وعلم في الفلسفة، ~~وعلم في الأخلاق والجدل بالتي هي أحسن. # | ثبت المراجع # أولا: باللغة العربية # 1 ~~(1) # المعجب في تلخيص أخبار المغرب، ms65 للمراكشي، نشر دوزي. ~~(2) # تاريخ الأندلس، للمستشرق يوسف أشباخ، وتعريب الأستاذ عبد الله ~~عنان. ~~(3) # نفح الطيب، للمقري، ج1، ج2. ~~(4) # الصلة، لابن بشكوال، طبع مدينة مجريط. ~~(5) # بغية الملتمس، للضبي، طبع مدينة مجريط. ~~(6) # الديباج المذهب، لابن فرحون. ~~(7) # المعجم، لابن الأبار، طبع مدينة مجريط. ~~(8) # التكملة، لابن الأبار، طبع مدينة مجريط. ~~(9) # عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة. ~~(10) # المنقذ من الضلال، للغزالي، طبعة دمشق. ~~(11) # تاريخ الفلسفة في الإسلام، للمستشرق دي بور، وتعريب الأستاذ عبد الهادي ~~أبي ريدة. ~~(12) # قصة حي بن يقظان، لابن طفيل، طبع دمشق. ~~(13) # تهافت الفلاسفة، للغزالي. ~~(14) # تهافت التهافت، لابن رشد، نشر الأب بويج. ~~(15) # تتمة صوان الحكمة، للبيهقي، طبع الهند. ~~(16) # فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة، لابن رشد، نشر المستشرق ~~ميلير. ~~(17) # آراء أهل المدينة الفاضلة، للفارابي، طبع ليدن. ~~(18) # رسالة العقل، للفارابي، نشر الأب بويج. ~~(19) # ابن رشد وفلسفته، للأستاذ فرح أنطون. ~~(20) # الجمع بين رأيي الحكيمين، للفارابي، طبعة ليدن. ~~(21) # فتاوى ابن الصلاح. # ثانيا: بالفرنسية ~~(1) # Renan, Averroês et l’averroïsme ~~. ~~(2) # Munk, mélanges des philosophies juives et ~~Arabes ~~. ~~(3) # Carra de Vaux, les penseurs de l’Islam, t. ~~IV ~~. ~~(4) # Carra de Vaux, Gazali ~~. ~~(5) # Léon Gauthier, la theorie d’lbn ~~Rochd ~~. ~~(6) # Léon Gauthier, introduction à l’étude de la philosophie ~~Musulmane ~~. ms66