######OpenITI# #META# URI: 1383MuhammadYusufMusa.IbnTaymiyya.Hindawi73920283 #META# Tags: biographies #META# ID: 73920283 #META# Title: ابن تيمية #META# AuthorID: 69426913 #META# Author: محمد يوسف موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # افتتاح‏ # القسم الأول‏ # الباب الأول: عصر ابن تيمية‏ # 1 - الناحية السياسية‏ # 2 - الناحية الاجتماعية‏ # 3 - الناحية العقلية والعلمية‏ # الباب الثاني: حياة ابن تيمية‏ # 1 - أسرته ونشأته ودراساته ومكانته العلمية‏ # 2 - جهاده التتار وكفاحه الظلم والمنكرات‏ # 3 - خصومه، محنته، ووفاته‏ # الباب الثالث: منهج وتطبيقات‏ # 1 - المنهج‏ # 2 - التطبيقات‏ # القسم الثاني‏ # الباب الأول: في الفقه وأصوله‏ # 1 - أصول الفقه‏ # 2 - فقه ابن تيمية‏ # الباب الثاني: في التفسير‏ # 1 - سورة الأعلى‏ # 2 - تفسير سورة الفلق‏ # 3 - سورة الناس‏ # الباب الثالث: في الاجتماع والسياسة‏ # 1 - في الاجتماع‏ # 2 - في السياسة‏ # خاتمة البحث‏ # افتتاح‏ # القسم الأول‏ # الباب الأول: عصر ابن تيمية‏ # 1 - الناحية السياسية‏ # 2 - الناحية الاجتماعية‏ # 3 - الناحية العقلية والعلمية‏ # الباب الثاني: حياة ابن تيمية‏ # 1 - أسرته ونشأته ودراساته ومكانته العلمية‏ # 2 - جهاده التتار وكفاحه الظلم والمنكرات‏ # 3 - خصومه، محنته، ووفاته‏ # الباب الثالث: منهج وتطبيقات‏ # 1 - المنهج‏ # 2 - التطبيقات‏ # القسم الثاني‏ # الباب الأول: في الفقه وأصوله‏ # 1 - أصول الفقه‏ # 2 - فقه ابن تيمية‏ # الباب الثاني: في التفسير‏ # 1 - سورة الأعلى‏ # 2 - تفسير سورة الفلق‏ # 3 - سورة الناس‏ # الباب الثالث: في الاجتماع والسياسة‏ # 1 - في الاجتماع‏ # 2 - في السياسة‏ # خاتمة البحث‏ # | ابن تيمية # | ابن تيمية # تأليف # محمد يوسف موسى # | افتتاح # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ~~إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، ~~إنك حميد مجيد. # اللهم إنا نستمد بك المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب ~~منك الرحمة. # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا، وأوزعنا ~~شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا يهدي إليك، وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه ~~عليك. لك مقاليد السماوات والأرض، وأنت على كل شيء قدير. # 1 # وبعد، فهذا كتاب كلفت بكتابته عن علم من أعلام العرب والإسلام، وهو الإمام ~~«ابن تيمية»، وقديما أعجبت بفقهه إعجابا شديدا، ورأيته أحد الأئمة الذين ~~شاء الله أن يجدد ms001 بهم الإسلام، وأن يعز بهم دينه وشريعته، وأن يحفظ به ~~وبأمثاله أمة العروبة والإسلام. # وقد جعلته على قسمين وخاتمة، وكل قسم ينتظم أبوابا ثلاثة. وعنيت في القسم ~~الأول ببيان عصره من نواحيه المختلفة، وبالكلام على حياته الخصبة المباركة ~~وجهاده، وبتجلية منهجه في البحث، مع ذكر تطبيقات له في العلوم ~~المختلفة. # وفي القسم الثاني، عنيت بالكلام على آرائه في الدين والحياة؛ في الفقه ~~وأصوله، وفي تفسير ما اضطلع به من كتاب الله، وفي الاجتماع وسياسة الحكم ~~وأصوله التي يقوم عليها. # وأخيرا، أشرت إلى مكانته ومنزلته العلمية، وإلى خصومه وأنصاره - وما أكثرهم! ~~- فيه. كما أشرت إلى مقدار ما نفيد من دراسته ومنهجه في الحياة، وإلى أثره ~~فيمن بعده. # ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا، ومنك نستمد العون والتوفيق ~~والسداد. # محمد يوسف موسى # روضة القاهرة في سنة 1381ه/1962م # | القسم الأول # عصره وحياته ومنهجه # الباب الأول # | عصر ابن تيمية # البلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه # كما يقول العليم الحكيم، ومن أصدق من الله قيلا! ~~وللبيئة - كما للوراثة - أثرها الكبير في الإنسان إلا أن يشاء الله، سواء في ~~ذلك البيئة الطبيعية والاجتماعية والسياسية. وقد تحكمت البيئة في حياة كثير ~~من الناس ومصايرهم، وبخاصة الذين صبروا على ما فيها من عادات وتقاليد متأصلة، ~~فلم يعملوا للخروج عنها مع ما قد يكون فيها من ضلال وفساد، ومنهم من كانوا ~~يقولون كما حكى الله عنهم: # إنا وجدنا آباءنا ~~على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~. # 1 # ولم يخرج عن أحكام البيئات الضالة إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ~~وكذلك المصلحون المجددون الذين ثاروا على ما توارثوه من عادات وتقاليد ليست من ~~الحق في شيء، فعملوا على الوقوف دونها وتغييرها، وتحملوا صابرين راضين بما ~~لقوا من اضطهاد وبلاء في هذه السبيل، ومنهم كان الإمام تقي الدين ابن تيمية، ~~كما سنعرف في القسم الخاص بحياته وجهاده وكفاحه. # ولذلك، يجب علينا أن نبدأ هذا الكتاب بالكلام، دون تفصيل، عن العصر الذي عاش ~~فيه ابن تيمية وما سبقه بقليل، ms002 # 2 # فنعرض أولا للحال السياسية، ثم بعدها للحال الاجتماعية؛ لننتهي ~~بالحال العقلية والعلمية. # ومن ثم نتبين أي زمن عاش فيه من نواحيه كلها، وكيف كان قدرا مقدورا عليه ~~أن يكافح ما رأى فيه من فساد، وذلك من حين بلغ الشيخ أشده واستوى وآتاه الله ~~حكمة وعلما. # الفصل الأول # | الناحية السياسية # (1) تمهيد # ظلت الدولة العربية الإسلامية دولة موحدة في الشرق والغرب طوال عهد ~~الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، لها أهدافها وغاياتها المعروفة، وتصدر ~~عن رأي واحد جميع، وسياسة واحدة يرسمها الخليفة بالمدينة، ثم بدمشق من ~~بعد. # وكان أول هزة عنيفة نالت من هذه الوحدة، ما كان من صراع معروف بين ~~الأمويين والعباسيين، وانتهى هذا الصراع بقيام الدولة العباسية في الشرق ~~والدولة الأموية بالغرب في الأندلس، ثم بالدول الأخرى التي قامت بشمالي ~~أفريقية. # واستقر الأمر للدولة العباسية بالمشرق، ومشت قدما إلى الأمام حتى ~~كانت فتنة الأمين والمأمون، فكانت إيذانا بتمزق الوحدة الإسلامية. ثم ~~جدت عوامل أخرى جعلت عقد الوحدة ينتثر، وتظهر في رقعة الوطن الإسلامي ~~الأكبر دولة صغيرة هنا وهناك، وكان لذلك أثره القوي في مركز الخلافة وضعف ~~نفوذ الخلفاء وسكون ريحهم. # نعم، مرت الدولة العباسية من ناحية القوة والضعف بأدوار مختلفة، كان ~~لخلفائها في بعضها الكلمة العليا والحكم النافذ، وفي بعضها لم يكن لهم من ~~الحكم والخلافة إلا الاسم والرسم، فكانت السيادة الفعلية للمتغلبين ~~عليهم، أمثال بني بويه الديالمة (334-447ه)، والأتراك السلاجقة ~~(447-590ه)، وفي بعضها الآخر كانوا يسترجعون شيئا من القوة الذاهبة ~~والعز الذي ولى، حتى انتهى أمرهم على أيدي التتار سنة 656ه. # وقد كان اصطناع الخليفة المعتصم بالله (218-227ه) للأتراك، يتخذ منهم ~~جندا يستغني به عن العرب والموالي من خراسان إيذانا ببدء طور الضعف ~~وزوال هيبة الخلفاء وذهاب الوحدة للأمة. # وذلك بأنه عندما أحس هؤلاء الجند الأتراك بأنهم عدة الخلفاء وقوتهم، ~~أخذوا في الاستئثار بالسلطان حتى تحكموا في الخلافة وأمورها، بل في ~~الخلفاء وحياتهم، وانتهى الأمر بأن صار الخليفة في منزلة من الهوان لا ~~يملك من أمر نفسه شيئا. # وهذه المنزلة ms003 تظهر للباحث من حالة النظر في بعض كتب التاريخ، مثل: ~~«الطبري» وصلته، و«الكامل» لابن الأثير، و«مروج الذهب» و«التنبيه ~~والإشراف» للمسعودي، و«البداية والنهاية» لابن كثير، و«تاريخ بغداد» ~~للخطيب، و«شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي . # وكان لذلك أثره المحتوم: استقلال كثير من أمراء الأطراف، وظهور عدد غير ~~قليل من الدول في رقعة البلاد العربية الإسلامية؛ مثل الفاطمية بمصر، ~~والحمدانية بالجزيرة، والسامانية فيما وراء النهر، والبويهية، ~~والخوارزمية، والسلجوقية، وذلك كله فضلا عن الدول التي ظهرت ~~بالمغرب. # هذا، وقد كان مما حدث في مصر والشام في هذا العصر حدثان لهما في هذين ~~البلدين الشقيقين أكبر الخطر من الناحية السياسية والاجتماعية معا، ~~ولهما في حياة ابن تيمية بصفة خاصة أثر أي أثر، هما: ظهور التتار بالمشرق ~~واستيلاؤهم على بغداد وزحفهم إلى الشام ومصر، والثاني: خروج الفرنج ~~الصليبيين إلى هذين الإقليمين أيضا. # وينبغي أن نتناول هنا - ولو بإيجاز - هذين الحدثين اللذين عاصرهما الشيخ ~~ابن تيمية، وأخذ كل منهما جانبا كبيرا من جهاده الحربي والسياسي، ~~راجعين إلى ابن الأثير، وهو مؤرخ ثقة معاصر، وإلى غيره من المؤرخين ~~المعاصرين له أو الذين جاءوا بعده. يقول ابن الأثير في أحداث سنة ~~617ه: ~~«لقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد ~~من الأمم؛ منها ظهور هؤلاء التتر - قبحهم الله - أقبلوا على المشرق ~~ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، وستراها مشروحة مفصلة إن ~~شاء الله تعالى. # ومنها، خروج الفرنج - لعنهم الله - من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار ~~مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن ~~يملكوها، لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم.» # 1 ~~(2) أولا: ظهور التتار # عن هذا الحدث، نجد المؤرخ نفسه يتحدث عن مقدار ما في خروج التتار إلى ~~البلاد الإسلامية بصفة عامة، فيقول: «لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر ~~هذه الحادثة؛ استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا ~~وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين! ... ~~ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي. # إن هذا ms004 الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت ~~الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين. فلو قال قائل: ~~إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتل بمثلها، ~~لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها ... # ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا ~~إلا يأجوج ومأجوج. وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه، ~~وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا ~~بطون الحوامل وقتلوا الأجنة ... # فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان ... ثم منها إلى ~~بلاد ما وراء النهر؛ مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون ~~بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا ~~وتخريبا وقتلا ونهبا، ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل ~~وما فيه من البلاد إلى حد العراق ... في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله ~~... # ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد ~~الهند وسجستان وكرمان، ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد؛ هذا ما لم يطرق ~~الأسماع مثله. # فإن الإسكندر، الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا، لم يملكها في هذه ~~السرعة، إنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا، إنما رضي من الناس ~~بالطاعة، وهؤلاء (أي التتار) قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه ~~وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة، في نحو سنة، ولم ~~يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم ~~...» # ثم يتكلم المؤرخ الثقة عن ديانتهم وبعض عاداتهم وتقاليدهم، فيقول: «أما ~~ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرمون شيئا؛ فإنهم ~~يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرهما، ولا يعرفون نكاحا، بل ~~المرأة يأتيها غير واحد من الرجال، فإذا جاء الولد لا يعرف أباه.» # 2 # وليس فيما يقوله ابن الأثير وغيره من المؤرخين عن ابتلاء العالم، وبخاصة ~~البلاد الإسلامية، بالتتار وما ارتكبوه من الفظائع ms005 وعظيمات الأمور، شيء ~~ما من المبالغة، فإن زحفهم الجياش، ومدهم المتلاطم الأمواج، قد أوقع ~~الرعب في العالم كله حتى للقارة الأوروبية، وبدل الناس جميعا من بعد ~~أمنهم خوفا. # ونعتقد أن المؤرخ «جيبون» قد صدق حين يمثل لقارئه مدى ما أصاب العالم ~~من ذعر ورعب بسبب موجات التتار أو المغول، وذلك بقوله: «إنها كانت أشبه ~~بهزات الطبيعة العنيفة التي تغير وجه الأرض»، وحين يقول: «إن بعض سكان ~~السويد، وقد سمعوا عن طريق روسيا نبأ ذلك الطوفان المغولي، لم يستطيعوا ~~أن يخرجوا كعادتهم للصيد في سواحل إنجلترا؛ خوفا من المغول!» # 3 # سقوط بغداد وأثره # يذكر المؤرخون لسقوط بغداد وذهاب الخلافة العباسية من العراق، أو ~~على الأقل لتعجيل هذا المصير الذي كان حتما مقضيا، عوامل مختلفة؛ ~~منها ما وصلت إليه الدولة من الضعف والفرقة لعوامل لا ضرورة لذكرها ~~هنا، ويكفي أن نشير إلى الصراع بسبب الجنس، والنزاع العنيف بسبب ~~اختلاف العقيدة أو المذهب الديني، وانصراف بعض الخلفاء ورجالات ~~الدولة إلى ضرب من الحياة أنساهم الواجب عليهم لأمة العروبة ~~والإسلام. # ولكن إذا كان كل ذلك حقا، فهل من الحق أن الخلاف بين أهل السنة ~~والشيعة الرافضة، كان من تلك العوامل التي يسرت للتتار دخول بغداد ~~أيضا؟ هذا ما يقرره كثير من المؤرخين، ومنهم ابن كثير الذي عاصر ~~تلك الأحداث. # إنه يذكر في حوادث سنة 656ه أن وزير الخليفة المستعصم بالله آخر ~~الخلفاء العباسيين، وهو مؤيد الدين محمد بن العلقمي - وهو من ~~الرافضة - عمل لذلك بسبب ما كان من عداء وحرب بين أهل السنة وشيعته، ~~«فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر ~~الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد ...» إلى آخر ما قال. # 4 # ومهما يكن من أمر، فقد أخذ التتار بغداد، وقتلوا أكثر أهلها حتى ~~الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها، وأزالوا معالم الحضارة ~~والثقافة الإسلامية، وكان لذلك كله أكبر الآثار في حياة مصر والشام ~~وسائر بلاد الإسلام. ونكتفي هنا بالكلام عن الناحية السياسية ~~وحدها. ms006 # ليس علينا أن نتتبع التتار في معاركهم في الشرق حتى كفى الله شرهم ~~وارتدوا على أدبارهم، ولكن نتعرض فحسب إلى مجيئهم بجموعهم إلى ~~الشام ومحاولتهم امتلاك هذا القطر أولا ثم مصر ثانيا، ثم إلى ما ~~كان من قيام الخلافة بمصر بعد بغداد. # في سنة 658 صار ملك العراقين وخراسان وغيرها من بلاد الشرق للسلطان ~~هولاكو ملك التتار، فأصبح الطريق مفتوحا أمامه إلى الشام، فبادر ~~إليها بجيوشه عابرين الفرات، وما لبثوا أن ملكوا حلب ثم دمشق، ~~وجاسوا خلال الديار، وقد ملأ الرعب قلوب الأهلين بعد أن وصل التتار ~~إلى غزة في طريقهم إلى مصر كنانة الله في أرضه. # وأرسل هولاكو رسله إلى مصر بكتاب يهدد فيه الملك المظفر قطز ~~تهديدا بالغا بدأه بقوله: «من ملك الملوك شرقا وغربا»، وفيه ~~يقول له: «فعليكم بالهرب وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم، وأي طريق ~~تنجيكم، وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص!» # ولكن الملك المظفر لم ينخلع قلبه من هذه الرسالة، وأعد للأمر ~~عدته مستعينا بالله الذي ينصر عباده المؤمنين به حق الإيمان، وذلك ~~أنه - كما يذكر ابن كثير - لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام، ~~وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر، بادرهم قبل أن يبادروه، فخرج ~~في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام. # ثم التقى الجمعان بالشام على «عين جالوت»، وكان قتال شديد انتهى ~~بنصر الإسلام وأهله انتصارا مبينا، وبهزيمة التتار هزيمة شنيعة ~~وبفرارهم، فلحق بهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع ~~ومكان. # ولما بلغ هولاكو ما صار على جيشه من المسلمين بعين جالوت، أرسل ~~جيشا آخر يحاول استعادة الشام، فحيل بينه وبين ما يشتهون، ورجعوا ~~إليه خائبين خاسرين؛ وذلك على يد الملك الظاهر بيبرس الذي خلف الملك ~~المظفر، وكان ذلك بفضل الله وتضامن المصريين ومن عاونهم من أمراء ~~الشام وأهله. # ويذكر المقريزي أن الملك المظفر، وقد عاين أن المسلمين زلزلوا ~~زلزالا شديدا، ألقى خوذته على الأرض وصرخ بأعلى صوته: «وا إسلاماه ~~(ثلاث مرات)! يا الله انصر عبدك ms007 قطز على التتار، وحمل بنفسه وبمن ~~معه حملة صادقة، كان بعدها نصر الله المبين.» # ثم يقول المقريزي: «وأما التتار، فإنهم لما لحقهم الطلب إلى أرض ~~حمص، ألقوا ما كان معهم من متاع وغيره وأطلقوا الأسرى، وعرجوا نحو ~~طريق الساحل ، فتخطف المسلمون منهم وقتلوا خلقا كثيرا وأسروا ~~أكثر. فلما بلغ هولاكو كسرة عسكره وقتل نائبه كتبغا، عظم عليه، ~~فإنه لم يكسر له عسكر قبل ذلك، ورحل من يومه.» # 5 # وهكذا هزم الله التتار على أيدي المصريين ومن انضم إليهم من جند ~~الشام من العرب وغيرهم، وأيقن التتار أن مصر لهم بالمرصاد، وأن قضاء ~~الله هو الغالب، وأن العزة لله ورسوله وللعرب وللمؤمنين. ~~••• # هذا عن الأثر السياسي الأول لسقوط بغداد بأيدي التتار، وإزالة ~~الخلافة العباسية عنها، وكان الأثر الثاني هو إقامة هذه الخلافة ~~بمصر بعد أن أصبحت مثابة للمسلمين ودرعا لهم، وستبقى كذلك بفضل ~~الله إلى يوم الدين. # ظل منصب الخلافة شاغرا بعد قتل آخر الخلفاء ببغداد ثلاث سنين ونصف ~~سنة، وفي هذه الفترة علا شأن مصر وبخاصة بعد وقوفها أمام التتار ~~وردهم على أعقابهم مدحورين إلى غير رجعة. # وأحس القائمون بمصر من المماليك بضرورة العمل لإضفاء صفة ~~«الشرعية» على ولايتهم وسائر تصرفاتهم، وكان من ذلك أن فكروا في ~~إقامة خليفة بالقاهرة يستمدون منه سلطاتهم شرعا دون أن يتحيف ذلك ~~شيئا من إمرتهم ونفوذهم، وقد تم لهم هذا على أيسر سبيل، وفرح الناس ~~فرحا شديدا باحتضان مصر للخلافة والخلفاء الشرعيين. # وذلك بأن قدم إلى مصر سنة 659، في عهد سلطنة الملك الظاهر بيبرس، ~~الأمير أبو القاسم أحمد ابن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وهو عم ~~الخليفة المستعصم الذي قتله التتار ببغداد، فخرج السلطان الظاهر إلى ~~لقائه ومعه القاضي والوزير والعلماء والأعيان وآخرون من ~~دونهم. # وفي الإيوان بقلعة الجبل أثبت الأمير نسبه بمحضر السلطان ومن معه، ~~فبويع بالخلافة، وكان أول من بايعه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد ~~السلام، وتلاه السلطان والقاضي ثم الأمراء ومن إليهم، # 6 # ولقب «المستنصر بالله»، وضرب اسمه على السكة، ms008 وكتب ~~ببيعته إلى الآفاق. # فلما كان يوم الجمعة بعد ذلك بأيام، ركب الخليفة إلى الجامع ~~بالقلعة، وخطب على المنبر ذاكرا شرف بني العباس، ثم دعا للسلطان ~~ونزل وصلى بالناس. وبعد بضعة عشر يوما، في رابع شعبان من ذلك ~~العام، ألبس الخليفة السلطان بيده خلعة توليته، وفوض إليه الأمور في ~~البلاد الإسلامية، ولقبه بقسيم أمير المؤمنين، وقرأ فخر الدين بن ~~لقمان رئيس الكتاب تقليد الخليفة للسلطان. # وكانت بيعة السلطان للخليفة، كما يذكر المقريزي في كتابه «السلوك»، ~~على العمل بكتاب الله وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وعلى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وعلى أخذ الأموال بحقها ~~وصرفها في مستحقيها. # 7 # ونشير هنا إلى أن هذه الخلافة كانت رمزية لا أكثر، وذلك ما كان ~~يتفق وطبيعة ذلك الزمان والحاكمين المتسلطين فيه، فلم يكن للخليفة - ~~كما يقول المقريزي في «الخطط» - أمر ولا نهي، إنما حظه أن يقال: ~~أمير المؤمنين! # ومهما يكن، فقد تبنى الخلافة بلد قوي، وآوت إلى ركن شديد، ~~وأصبحت الأنظار ترنو إلى مصر بعد أن ردت التتار عن الشرق والإسلام ~~والمسلمين، وبعد أن ظفر سلاطينها من المماليك بسند شرعي يتمثل في ~~تقليد الخلفاء إياهم وتوليتهم لهم. ~~(3) ثانيا: ظهور الفرنج # إذا كان ظهور التتار بالشام لم يكن إلا بعد سقوط بغداد سنة 656 كما ~~رأينا، فإن الفرنج بدءوا في غاراتهم على الشام ومصر قبل ذلك بأكثر من قرن ~~ونصف من الزمان، فإن ابن الأثير يذكر في حوادث سنة 491 أنه في سنة 490 ~~خرج الفرنج إلى بلاد الشام، ثم يقول: «وقيل - أي في بيان سبب خروجهم إلى ~~الشام - إن أصحاب مصر من العلويين (يريد أصحاب الدولة الفاطمية الشيعية) ~~لما رأوا قوة الدولة السلجوقية، وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى ~~غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم من دخولها وحصرها، خافوا ~~وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام؛ ليملكوها ويكونوا ~~بينهم وبين المسلمين، والله أعلم.» # 8 # ومهما يكن سبب خروج الفرنج إلى الشام، فإنهم استمروا في ms009 غاراتهم عليها ~~وعلى مصر، ينتصرون مرة وينهزمون أخرى، وظلت الحرب سجالا بين الطرفين نحو ~~قرنين من الزمان، حتى انتهى الأمر بطردهم نهائيا، على يد الملك الأشرف ~~خليل بن المنصور قلاوون سنة 690ه، وفي هذا يقول ابن كثير: «وفيها فتحت ~~عكا وبقية السواحل التي كانت بأيدي الفرنج من مدد متطاولة، ولم يبق لهم ~~فيها حجر واحد، ولله الحمد والمنة.» # 9 # من أجل ذلك كان عدم الاستقرار في مصر والشام هو طابع ذلك العصر؛ بسبب ~~هؤلاء الصليبيين الذين انضم إليهم التتار، وقد ظهروا في الميدان في النصف ~~الثاني من القرن السابع الهجري، وكانت معارك لا يكاد يخمد أوارها حتى ~~تندلع من جديد هنا أو هناك في الشام ومصر، وكان على الشيخ ابن تيمية ~~وأمثاله واجب يقومون به، وقد قاموا به فعلا. # ولسنا هنا في مقام قص أخبار أولئك الصليبيين حتى انتهى أمرهم وألقتهم ~~سيوف المجاهدين إلى البحر، فقد حفلت بذلك كتب التاريخ التي هي على حبل ~~الذراع لمن يريد. ولكن نشير إلى أمور تعتبر من صوى ذلك الزمن وأعلامه، ~~ومنها يتبين أي عصر عاش فيه ابن تيمية حين رأى نور الحياة: ~~(أ) # توطدت أقدام الصليبيين بالشام منذ زمن بعيد، واستولوا ~~على أكثر حصونها وقلاعها ومدنها، ثم عكا ويافا وبيروت ~~وصور وعسقلان وغيرها، كما ملكوا بيت المقدس سنة 492، ~~وقتلوا بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم ~~كثير من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم، ~~وذلك فضلا عما سبوه من الحريم والأولاد. # 10 ~~(ب) # إلا أن مصر، بأهلها وأولي الأمر فيها، لا تنام على ثأر ~~ولا ترضى بالضيم، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا ~~يسلمه، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ومثل ~~المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد ~~إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر ~~والحمى، كما يقول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # ولذلك كان من الطبيعي أن تهب مصر لنجدة إخوانهم ~~بالشام، وأن يعمل البلدان الشقيقان على رد عادية الفرنج، ~~بل لطردهم من الأماكن المقدسة. ومن أجل هذا يروي التاريخ ms010 ~~أن المعارك والحروب لم تفتر بينهم وبين المعتدين طوال ~~تلك السنين. ~~(ج) # ثم دار الفلك دورات، وتأذن الله بالفرج بعد الشدة، ~~وبالنصر المبين على الصليبيين، فهب جيش مصر، بقيادة ~~السلطان والبطل الخالد صلاح الدين الأيوبي لحرب هؤلاء ~~العتاة الذين عاثوا في الأرض فسادا، وعبثوا بالأماكن ~~المقدسة حتى أحالوا المسجد الأقصى أول القبلتين ~~كنيسة. # وكان أن فتح الله عليه كثيرا من مدن الشام وحصونها، ~~واستنقذها من أيدي غاصبيها الظالمين. ومن هذه المدن ~~والبلاد: عكا، ويافا، وعسقلان وما جاورها، وطبرية، ~~واللاذقية، وبيروت، وصور، # 11 # ثم بيت المقدس، وغير ذلك كله من البلاد ~~والنواحي الهامة الأخرى. # غير أن الأمر لم يستتب نهائيا على هذا الوضع، فإن ~~رغبة الصليبيين الجامحة في امتلاك موطن المسجد الأقصى لم ~~تهن أو تضعف، والاعتداء يغري بالاعتداء مرارا؛ ولذلك ~~كانت المدينة الواحدة، مثل عكا وبيت المقدس، كانت تنتقل ~~من طرف إلى طرف أكثر من مرة، كما هو معروف من ~~التاريخ. ~~(د) # وكان من ذلك أن رأينا الحرب سجالا بين الطرفين، وأن خرج ~~كثير من الفرنج في البحر إلى الشام وأرسوا بعكا وبيتوا ~~أمرهم على قصد بيت المقدس؛ استنفادا له من المسلمين، ~~وكان هذا سنة 600 على ما يقصه علينا ابن الأثير، ثم كثرت ~~غاراتهم ببلاد الشام على ما يرويه المؤرخ نفسه في أحداث ~~سنة 604. # وبعد بضع سنوات رأى الفرنج أن يشغلوا مصر بنفسها حتى لا ~~تمد يدها لنجدة الشام، وطمعا فيها نفسها من ناحية ~~أخرى، فسارت منهم جموع كثيرة بحرا إلى دمياط، وبعد حصار ~~طويل وقتال شديد استولوا عليها، ولكنهم لم يلبثوا بها إلا ~~يسيرا؛ إذ اضطرهم جيش مصر إلى الجلاء عنها سنة 618 بعد ~~أن ذهب الكثير ما بين قتيل وأسير وغريق في البحر، بحمد ~~الله تعالى. # 12 ~~(ه) # وننتهي من هذا العرض الموجز بالإشارة إلى أن الفرقة دبت ~~بين ملوك بني أيوب بعد وفاة أبيهم السلطان صلاح الدين حتى ~~صاروا أحزابا وفرقا، فقويت نفوس الفرنج بكثرتهم وبمن ~~جاءوا إليهم من البحر، فطلبوا من المسلمين أن يردوا إليهم ms011 ~~ما كان صلاح الدين افتتحه من أيديهم، وتم الصلح على أن ~~يرد إليهم بيت المقدس وحده فتسلموه، وكان هذا سنة 626، # 13 # ثم استرده المسلمون منهم بحمد الله سنة 636. # 14 # وهكذا كان ذلك العصر مليئا بالأحداث السياسية، وكان أهم هذه الأحداث ما ~~نعرفه من غارات الفرنج والتتار مجتمعين ومنفردين على الشام ومصر، ~~والمعارك التي قامت بين المسلمين وبينهم على مدى الزمان، حتى أدال الله ~~منهم، وتخلص منهم الإسلام وبلاده إلى غير رجعة. # الفصل الثاني # | الناحية الاجتماعية # عاش الشيخ ابن تيمية في مجتمع بعيد عن أن تجمعه وحدة أو ما يقاربها في الجنس ~~والمنزلة الاجتماعية، أو في الدين ومذاهبه التعبدية، أو في القضاء والقواعد ~~التي يتحاكم الناس بموجبها، أو في غير ذلك كله مما يجعل لأفراد المجتمع وحدة ~~لها أسسها وأهدافها وغاياتها المشتركة؛ بل كان مجتمعا متنافرا في هذه ~~النواحي وما إليها بسبيل، ويتضح ذلك من هذه الكلمات التي نتناوله بها. # أجناس وطبقات # كان المجتمع في الشام ومصر في ذلك الزمان يموج بكثير من الأجناس ~~المختلفة، بل المتباينة، في الطباع والعادات والتقاليد، وفي فهم الحياة ~~وألوان المعيشة، ومع هذا فقد عاشت هذه الأجناس في هذين البلدين في عصر ~~واحد، وامتزج بعضها ببعض حالة الحروب وفي ظل السلام، وكان لذلك أثر كبير ~~فيما كانوا عليه هم وذرياتهم من الناحية النفسية والفكرية ~~ونحوهما. # التقى في هذا العصر أقوام من أجناس مختلفة: أتراك، ومصريون، وشاميون، ~~وعراقيون وفدوا إلى الشام وبخاصة بعد خراب بغداد، وفرنجة وتتار وقعوا في ~~الأسر وأقاموا في البلاد، وأرمن وإسرائيليون. # هؤلاء جميعا وآخرون غيرهم، عاشوا في صعيد واحد على اختلافهم في عاداتهم ~~وأخلاقهم وتقاليدهم، فكان منهم مجتمع لا يعرف الاستقرار، بل مجتمع فيه من ~~الاضطراب وعوامله شيء كثير، وكان لهذا أثر بالغ خطير في الحياة السياسية ~~والفكرية والقضائية حينذاك. # وكان من الطبيعي أن يكون المجتمع الذي يقوم على هذا النحو، طبقات يتلو ~~بعضها بعضا في المراتب الاجتماعية، وفي السلطان والنفوذ، وذلك ما سنفصل ~~فيه القول بعض التفصيل بعد هذه الإشارة؛ وذلك لأن ms012 التدرج الطبقي في تلكم ~~الأيام كان له شأن كبير في ابن تيمية ونشاطه وكفاحه. # وفي هذا وذاك يقول المؤرخ المقريزي من كلام طويل له عن التتار خاصة ~~وأثرهم في الشام ومصر، ما يحسن أن ننقل بعضه بنصه، وذلك إذ يقول:« فلما ~~كثرت وقائع التتر في بلاد المشرق والشمال وبلاد القبجاق، وأسروا كثيرا ~~منهم وباعوهم، تنقلوا في الأقطار، واشترى الملك الصالح نجم الدين بن أيوب ~~جماعة منهم، سماهم البحرية، ومنهم من ملك ديار مصر وأولهم المعز بن أيبك. ~~ثم كانت للملك المظفر قطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت، وهزم ~~التتار وأسر منهم خلقا كثيرا صاروا بمصر والشام. # ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس وملئوا مصر والشام ... ~~فغصت أرض مصر والشام بطوائف المغل، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم. ~~هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبا من جنكيز خان ~~وبنيه، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم. # وكانوا (أي التتار) إنما ربوا بدار الإسلام، ولقنوا القرآن وأحكام ~~الملة المحمدية، فجمعوا بين الحق والباطل، وضموا الجيد إلى الرديء، ~~وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم ~~والزكاة والحج، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النظر في ~~الأقضية الشرعية كتداعي الزوجين وأرباب الديون، ونحو ذلك. # واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع لعهد جنكيز خان والاقتداء بحكم «الياسه»، # 1 # فلذلك نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من ~~عوايدهم، والأخذ على يد قويهم وإنصاف الضعيف منه على مقتضى ما في ~~«الياسه»، وجعلوا إليه مع ذلك النظر في قضايا الدواوين السلطانية عند ~~الاختلاف في أمور الإقطاعات؛ لينفذ ما استقرت عليه أوضاع الديوان وقواعد ~~الحساب ...» إلى آخر ما قال. # 2 ~~••• # وبعد هذا، لنا أن نقول بصفة عامة بأن المجتمع كان فيه قوتان كبيرتان لكل ~~منهما نفوذها؛ الأولى: طبقة الأمراء وعلى رأسهم السلطان، وكان لها نصيب ~~الأسد من النفوذ والجاه إن لم يكن النصيب كله، ومصدر ذلك سلطان الحكم ~~وقوته. # والأخرى: هي طبقة العلماء والفقهاء وكبار رجال الدين، ومأتى نفوذ هؤلاء ~~هو الدين ms013 نفسه، هذا الدين الجياش بالقوة والذي يقوى به - حتى على من ~~بيدهم الحكم - من يمثله حقا ويعمل به في كل الشئون والأحوال. ويرى ~~العارفون بالتاريخ ما كان في هذا العصر من نفوذ عز الدين بن عبد السلام، ~~ومحيي الدين النووي، وابن تيمية، وأمثالهم جميعا، على السلاطين أنفسهم ~~ومن إليهم، وعلى الشعب والأمة كلها، وسنرى في الفصل الخاص بحياة ابن ~~تيمية مصداق ذلك كله. # ويكفي هنا أن نشير إلى أحد مواقف الشيخ عز الدين بن عبد السلام مع ~~سلاطين عصره وأمرائه، وذلك حين أراد الملك المظفر الخروج لقتال التتار ~~بالشام، وجد قلة ما عنده من المال في خزانته، وأنه «محتاج إلى المساعدة ~~بشيء من أموال الرعية لإقامة الجند وتجهيزهم للسفر وما يعينهم على ذلك»، ~~فجمع القضاة والفقهاء والأعيان لاستشارتهم في هذا، وطلب الموافقة على ما ~~عزم عليه، فسكت من كان في المجلس إلا الشيخ عز الدين الذي قال: «إذا طرق ~~العدو بلاد الإسلام وجب على الحاكم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ~~ما تستعينون به على جهادكم، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح ~~والسروج الذهبية والفضية، والكبابيش المزركشة، وأسقاط السيوف والفضة وغير ~~ذلك، وتبيعوا ما لكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصر كل ~~الجند على سلاحه ومركوبه ويتساووا هم والعامة. وأما أخذ الأموال من ~~العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة، فلا.» # 3 # قال الشيخ هذه الكلمة المدوية غير ناظر لما يلقاه بسببها من اضطهاد ~~وبلاء، ولكن الملك المظفر قبلها منه وعمل بمشورته، فكان النصر من الله ~~القوي العزيز. # وبلغ من مهابة الشيخ عز الدين في قلوب السلاطين والأمراء، أنه لما مات ~~سنة 660 ومرت جنازته بالملك الظاهر بيبرس ورأى كثرة الخلق الذين معها، ~~قال لبعض خواصه: «اليوم استقر أمري في الملك؛ لأن هذا الشيخ لو كان يقول ~~للناس: اخرجوا عليه؛ لانتزع الملك مني!» # 4 # وبعد هذا، نشير إلى ما كان للشيخ محيي الدين النووي المتوفى سنة 676 في ~~عهد الملك الظاهر بيبرس من ms014 مواقف مشهودة خطيرة معه، ومراسلات إليه فيها ~~التوجيه الرشيد والنصح الصريح الشديد، وفيها طلب أن يعدل مع الرعية وأن ~~يرفع عنهم المكوس الظالمة. # 5 # وإذا كان الواحد من أولئك الفقهاء العلماء لا يخاف في الله لومة لائم، ~~ويرعى لما آتاه الله من العلم كرامته ومن الدين حرمته، فقد كان في ذلك ~~العصر من تنزله الحاجة أو الحرص على الدنيا ومتاعها منزلة الدون ، فهو ~~يستذل للسلطان ويضرع إليه في قصة له، وكان معاصرا لابن تيمية. # وفي هذا، ينقل السيوطي صور قصة «رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن ~~مالك، يقبل الأرض وينهي إلى السلطان (هو الظاهر بيبرس) أيد الله جنوده ~~وأبد سعوده أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة وفنون ~~الأدب، وأمله أن يعينه سيد السلاطين ومبيد الشياطين - خلد الله ملكه، ~~وجعل المشارق والمغارب ملكه - على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين ~~والمسترشدين بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله ~~... # وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية الناس خصوصا وعموما، وكشف ~~بها عن الناس أجمعين غموما، ولم بها من شعث الدين ما لم يكن ملموما؛ ~~فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خيراتها وعن يمين عنايتها غائبا ~~محروما، مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم الموالين ~~بمراعاة زمامها. # لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة ~~موفورة، وأعاديها مخذولة مقهورة، بمحمد وآله.» # 6 # ونعتقد أن هذا الصنف من العلماء لا يخلو منه عصر، وهو لا يذكر بجانب ~~العلماء والفقهاء الآخرين الذين أحاطهم الله برعايته، وملأت هيبتهم قلوب ~~السلاطين والأمراء وعامة الأمة، بما عرفوا للدين من حرمة، وللعلم من ~~كرامة، أمثال العز والنووي وابن تيمية وتلاميذهم، حتى كان الواحد منهم ~~تهون عليه نفسه، ولا يعطي الدنية في دينه أو كرامته. # وكانت الطبقة الثالثة تجيء بعد هاتين الطبقتين السالفتين: الحكام ورجال ~~العلم والدين، وهذه الطبقة الثالثة تشمل العامة والشعب من تجار وصناع ~~وزراع، وهم الذين عليهم الكد والكدح، ولم يكن الواحد منهم يصل إلى ثمرة ~~عمله ms015 كله، لما كان ينوبهم من مظالم ومكوس مختلفة تئودهم أحيانا ~~كثيرة. # وكان الشيخ ابن تيمية يعنى كل العناية بهذه الطبقة العاملة: فهو عليها ~~حان عاطف، ولها موجه مرشد، وكثيرا ما عمل لرفع ما كان ينزل بهم من ~~مظالم على اختلاف ضروبها، كما كان كذلك معنيا بالطبقة الأولى الحاكمة، ~~فهو يبذل جهده في إبعادهم عن الظلم، وتوجيههم للخير في الدنيا والدين، ~~وسنعرف من ذلك الكثير بعد حين. ~~••• # ولعل من الواجب أن نلاحظ أن العلماء ورجال الدين البارزين بصفة خاصة، ~~كانوا يعيشون في ذلك العصر معيشة راضية، بفضل ما كان يغدقه عليهم ~~السلاطين والأمراء من وظائف ذات مرتبات طيبة؛ رغبة منهم في استمالتهم إلى ~~جانبهم وضمانا لرضاهم عنهم؛ لأن إليهم قياد العامة في السخط ~~والرضا. # وفي ذلك يذكر المؤرخ ابن كثير أنه في سنة 690 طلب القاضي بدر الدين بن ~~جماعة من القدس على البريد إلى الديار المصرية لتوليته قضاء القضاة، بدل ~~تقي الدين ابن بنت الأعز الذي عزل من هذا المنصب، فجاء القضاة إلى ~~تهنئته. # ثم يقول عن ابن بنت الأعز: «وكان بيده سبعة عشر منصبا، منها: القضاء ~~والخطابة، ونظر الأحباس، ومشيخة الشيوخ، ونظر الخزانة، وتداريس كبار.» # 7 # ويقول عنه ابن السبكي وعن مناصبه العديدة: «إنه كان من أحسن القضاة ~~سيرة، جمع بين القضاء والوزارة، وولي مشيخة الخانقاه وخطابة الجامع ~~الأزهر، وتدريس الشريفية وتدريس الشافعي والمشهد الحسيني بالقاهرة ...» إلى ~~آخر ما قال عن المحنة التي جرت له. # 8 # وكذلك يقول المقريزي: «ولزم ابن بنت الأعز داره ولم يترك بيده شيء من ~~الوظائف، وكان بيده سبع عشرة منها، وهي: القضاء بديار مصر، وخطابة الجامع ~~الأزهر، ونظر الأحباس، ومشيخة الشيوخ، ونظر التركة الظاهرية ... وعدة ~~تداريس، وألزم الإقامة في زاوية الشيخ نصر المنبجي خارج القاهرة ...» إلى ~~آخر ما قال. # 9 # وبعد هذا نجد ابن كثير يذكر في حوادث سنة 701 أنه: «في يوم الأربعاء ~~تاسع عشر ربيع الأول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جماعة ~~بالخانقاه الشمساطية شيخ الشيوخ بها عن طلب ms016 الصوفية له بذلك ورغبتهم فيه، ~~وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه، وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله. ولم ~~تجتمع هذه المناصب لغيره قبله، ولا بلغنا أنها اجتمعت إلى أحد بعده في ~~زماننا هذا: القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ.» # 10 # ومن ذلك كله يتبين لنا أن كثيرا من رجال العلم والفقه كانوا يجمعون ~~وظائف كثيرة، ولعل ذلك يرجع أولا إلى ما كانوا يتميزون به من كفايات ~~نادرة، ومع هذا فقد كان جمهرة رجال العلم والدين البارزين يحيون حياة ~~طيبة بسبب ما كانوا يقومون به من أعمال عديدة يسندها إليهم السلاطين ~~والأمراء ومن إليهم. # جهات التقاضي وأحكامه # لم يكن في هذا المجتمع في ذلك العصر وحدة تجمع بين طبقاته كلها من ناحية ~~جهة التقاضي التي يتحاكمون إليها، ولا من ناحية الشرائع والقواعد ~~القانونية التي ينزلون على أحكامها، بل كان الاختلاف واضحا وكثيرا في ~~هاتين الناحيتين بسبب اختلاف الأجناس. # وذلك بأن التتار الذين كثروا بمصر والشام بسبب الأسر أو غيره، ثم أقاموا ~~في هذين البلدين، ونشئوا على الإسلام، أحلهم ملوك مصر محلا ممتازا لما ~~كان لهم من عظمة وهيبة في القلوب، ومنهم من وصل إلى أن صار من ملوك مصر ~~وحكامها، وأولهم المعز ابن أيبك كما يقول المقريزي في خططه. # وكان من هذا، أن هؤلاء التتار احتفظوا بكثير من العادات التي نشئوا ~~أولا عليها، وبكثير من القواعد القانونية التي وضعها لهم جنكيز خان، ~~والتي كانوا يعظمونها تعظيم الشرائع المنزلة من السماء، والتي كان ~~يتضمنها كتابهم المشهور: «الياسه». # إنهم - كما قلنا آنفا - جعلوا لقاضي القضاة القضاء فيما كان من الأمور ~~الدينية، وجعلوا للحاجب الحكم فيما شجر بينهم فيما يكون من الأمور التي ~~ترجع إلى ذات أنفسهم، وهنا كان الحكم حسب قواعد «الياسه» لا الشريعة ~~الإسلامية. # وكان من هذه القواعد، كما يذكر ابن كثير والمقريزي، أن من زنا قتل ~~محصنا كان أو غير محصن، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن تجسس ~~قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء ms017 ~~الواقف قتل، ومن أطعم أسيرا أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل، وكذلك ~~من وجد هاربا ولم يرده، ومن أكل ولم يطعم من عنده، ومن ذبح حيوانا ~~ذبحة المسلمين، إلى غير هذه القواعد التي لا تتفق وشريعة الإسلام العادلة. # 11 # ومن ثم نرى ابن كثير بعد ذكر ما نقلناه عنه يقول: وفي ذلك كله مخالفة ~~لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك ~~الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى ~~غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى «الياسه» وقدمها ~~عليه! # من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: # أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله ~~حكما لقوم يوقنون ~~، وقال: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما ~~. ~~••• # هذا ما كان متبعا بالنسبة للتتار ومن إليهم، أما بالنسبة للمسلمين فكان ~~القضاة طبعا يفتون حسب شريعة الله ورسوله، فكانت جهة التقاضي واحدة، ~~وكذلك الشريعة التي يحكم بها، فكان للبلد الواحد أو لجملة بلاد، من ديار ~~مصر والشام، قاض واحد يحكم حسب مذهبه الفقهي. # وظل الأمر كذلك إلى سنة 663، ففي هذه السنة كان القضاء في مصر كلها (في ~~عهد السلطان الظاهر بيبرس) للشيخ تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز وهو ~~شافعي، فرأى السلطان بيبرس تولية قضاة من بقية المذاهب الأربعة، وأن يكون ~~كل منهم مستقلا بالحكم فيما يرفع إليه من دعاوى حسب مذهبه، وأن يولي ~~كل منهم من جهته نوابا في البلاد التي جعل إليه القضاء فيها. وكان ~~السبب في هذا التغيير الكبير - كما يذكر ابن كثير - كثرة توقف القاضي ابن ~~بنت الأعز في أمور تخالف مذهب الشافعي وتوافق غيره من المذاهب. # 12 # وبهذا ذهبت وحدة القضاء وجهاته؛ لأن من المعروف أن المذاهب الفقهية ~~تختلف فيما بينها اختلافات كثيرة في الأصول والآراء والأحكام التي تنبني ~~عليها، فربما كان في المسألة أو القضية الواحدة آراء كثيرة مختلفة على ما ~~هو ms018 معروف. # أديان ومذاهب # وكما كان المجتمع في ذلك العصر كثير الأجناس والطبقات - على ما عرفنا - ~~مثله مثل سائر المجتمعات في كل مكان في تلكم الأيام، كان كذلك كثير ~~الأديان والعقائد، كثير النحل والمذاهب في الدين الواحد، وكان هذا كله ~~من بواعث القلق والفتنة والاضطراب، ومن العوامل التي يسر للفرنج ~~والتتر أن يعيشوا زمنا طويلا في البلاد. # نعم، كان هنالك المسلمون أهل البلاد والكثرة الغالبة بطبيعة الحال، وكان ~~بجانبهم أهل الذمة اليهود والنصارى، وكان المسلمون فرقا مختلفة من ناحية ~~العقائد الدينية كما نعرف في علم الكلام، وكان هناك الإسماعيلية وغيرهم ~~من الشيعة الروافض الذين يكيدون للإسلام وأهله منذ قديم الزمان وإلى ~~اليوم كيدا كثيرا. # وهنا نشير إلى ظاهرة بدت ملحوظة في ذلك العصر، ولكنها أخذت تختفي في هذه ~~الأيام التي نعيش فيها، وهي أن العاطفة الدينية كانت أقوى في ذلك الزمان ~~بكثير جدا من العاطفة الوطنية، بل كانت هذه لا شيء أمام تلك. # وذلك ما يفسر لنا إلى حد كبير ما ملأ ذلك العصر من عداء النصارى ~~للمسلمين والإسلام، في العصر الذي عاش فيه ابن تيمية وما اكتنفه قبله ~~وبعده، بل ما كان من فرحهم وترحيبهم بالفرنج والتتار حين غزوا الوطن ~~المشترك! كما يفسر أيضا موقف الشيعة الرافضة في مصر والشام والعراق ~~وميلهم إلى أعداء الدين والوطن، الغازين الظالمين. # ومهما يكن فنحن نسجل هنا هذه الظاهرة التي استشففناها من أحداث ذلك ~~العصر، ثم نأخذ في الكلام بإجمال عما كان فيه من أحداث، سببها تعدد ~~الديانات والنحل والمذاهب الدينية المختلفة؛ هذه الأحداث التي عاصر ابن ~~تيمية الكثير منها، واستنفدت منه كثيرا من جهده، واستوجبت الكثير من ~~جهاده وكفاحه الديني والسياسي المحمود. ~~(أ) # ونبدأ هنا بالإشارة إلى ما ذكرناه من قبل من مكاتبة ~~الدولة الفاطمية بمصر للفرنج يدعونهم للدخول إلى الشام؛ ~~وذلك ليكونوا حائلا بينهم وبين الدولة السلجوقية التي ~~استولت على الشام كله حتى مدينة غزة، على ما يذكره ابن ~~الأثير وغيره من المؤرخين. # كما نشير إلى موقف ابن العلقمي الرافضي وزير آخر ms019 الخلفاء ~~العباسيين ببغداد مع التتار وتيسيره لهم دخول العاصمة كما ~~ذكرنا سابقا؛ بسبب ما كان من عداء شديد بين أهل السنة ~~وشيعته، فكان هذا - كما يؤكد ابن كثير - مما أهاجه على ~~تدبير ذلك الأمر الفظيع؛ يعني دخول التتار بغداد ~~واجتياحهم بلاد الإسلام. ~~(ب) # والإسماعيلية طائفة من الشيعة الروافض # 13 # الذين خرجوا عن الإسلام بكثير من العقائد ~~التي يذهبون إليها، ولهم في الكيد للمسلمين؛ أهل السنة ~~والجماعة تاريخ سيئ قبيح مشهور، وبخاصة في الشام. وزعيمهم ~~في أيامنا هذه هو «أغا خان» المشهور، وكان المسلمون يقفون ~~لهم بالمرصاد على مر الزمان والعصور. # ولذلك نجد السلطان صلاح الدين الأيوبي يوقع بهم، ويخرب ~~بلدهم بالشام ويحرقها، ولم يرجع عنهم إلا بشفاعة شهاب ~~الدين الحارمي خاله وصاحب حماه. # 14 # وفي سنة 655، يذكر ابن كثير في تاريخه أنه كانت فتنة ~~عظيمة ببغداد بين الرافضة وأهل السنة، فنهب الكرخ ودور ~~الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمي؛ وكان ذلك ~~أقوى الأسباب التي دعته إلى ممالأة التتار على آخر ~~الخلفاء العباسيين بها. # 15 ~~(ج) # أما المسيحيون؛ فإنهم بعد دخول التتار بغداد، أظهروا ~~عداءهم للإسلام والمسلمين، وفي هذا يقول المقريزي في ~~حوادث سنة 658: «واستطال النصارى بدمشق على المسلمين، ~~وأحضروا فرمانا من هولاكو بالاعتناء بأمرهم وإقامة ~~دينهم، فتظاهروا بالخمر في نهار رمضان، ورشوه على ثياب ~~المسلمين في الطرقات، وصبوه على أبواب المساجد، وألزموا ~~أرباب الحوانيت بالقيام إذا مروا بالصليب عليهم، وأهانوا ~~من امتنع عن القيام للصليب. # وصاروا يمرون به في الشوارع إلى كنيسة مريم، ويقفون به ~~ويخطبون في الثناء على دينهم، وقالوا جهرا: ظهر الدين ~~الصحيح دين المسيح. فقلق المسلمون من ذلك، وشكوا أمرهم ~~لنائب هولاكو وهو كتبغا، فأهانهم وضرب بعضهم، وعظم ~~قدر قسوس النصارى، ونزل إلى كنائسهم وأقام شعارهم ...» إلى ~~آخر ما قال ذلك المؤرخ الأمين. # 16 ~~(د) # وأخيرا، نشير بعد هذا وذاك، إلى ما كان يسود هذا ~~المجتمع أحيانا كثيرة من قلق واضطراب بسبب اختلاف بعض ~~الفرق الإسلامية في بعض مسائل علم الكلام، مثل مسألة كلام ~~الله تعالى ms020 وقدمه وأزليته، وهل القرآن القديم الأزلي ~~ينقلب مدادا وحروفا وأصواتا، كما نراه في المصحف ~~ونقرؤه ونسمعه، فيكون كل ذلك قديما أزليا ~~أيضا؟ # نسب القول بذلك إلى فريق من الحنابلة؛ لأنه في رأيهم ~~كلام الله تعالى، وقال الأشاعرة ليس شيء من ذلك قديما، ~~والقديم الأزلي هو كلام الله النفسي، وما نكتبه بالمداد ~~ونقرؤه باللسان ونسمعه بالآذان دليل عليه، وهذا كله محدث ~~لأنه من أفعال العباد لا من أفعال الله تعالى. # وكان هذا الاختلاف في هذه المسألة مثار فتنة كبيرة أيام ~~الخليفة المأمون، كما كان مثار فتن كثيرة أخرى في أزمنة ~~مختلفة. # ومن ذلك ما كان بين العز بن عبد السلام شيخ الإسلام ~~وسلطان العلماء وإمام عصره (توفي سنة 660)، وبين هذا ~~الفريق من الحنابلة بسبب تلك المسألة الكلامية الشائكة، ~~وكان هذا في دمشق في عهد الملك الأشرف ابن الملك العادل ~~الأيوبي، وكان هذا الملك يعرف للعز منزلته وأنه سيد أهل ~~عصره وحجة الله على خلقه. # ولكنه مع هذا سمع للحنابلة وصدق ما أوهموه به من أن ~~الشيخ زائغ العقيدة، منحرف عما صح من العقائد الدينية ~~الصحيحة التي يسندها في رأيهم القرآن والحديث، وأن الذي ~~هم عليه هو اعتقاد السلف والإمام أحمد بن حنبل وفضلاء ~~أصحابه رضي الله عنه. # وكان عز الدين أشعريا في عقيدته، وكان السلطان ميالا ~~إلى المحدثين والحنابلة، فآمن بما قالوه، وصار يعتقد أن ~~من يخالف ذلك من الأشاعرة يكون كافرا حلال الدم. # وهكذا بدأت الفتنة تقوم، وصارت قضية كبيرة بين العز ~~وخصومه يؤيدهم السلطان وشغل العلماء بذلك، بل شمل القلق ~~والاهتمام بالأمر القاهرة أيضا. وبعد رسائل كتبها الشيخ ~~في بيان الحق الذي لا يخاف فيه أحدا حتى السلطان، وبعد ~~رده على ما رآه هذا ردودا عنيفة، حكم السلطان عليه بألا ~~يفتي أحدا ولا يجتمع بأحد، وبأن يلزم بيته. # وهكذا انتصر خصومه، ولكنه كان لا يبالي لأنه صدع بالحق. ~~إلا أن هذا الانتصار لم يدم طويلا؛ فقد انتصر له الملك ~~الكامل أخو الأشرف، وكان سلطان مصر وأشعريا في عقيدته، ~~كما ms021 انتصر له كثير من العلماء بعد لأي، وانتهى الأمر بأن ~~عرف السلطان الأشرف أن الشيخ على حق، فعاد إلى تقديره ~~وتعظيمه واسترضائه. # 17 # إلحاد وانحلال خلقي # كان من الطبعي أن تكون ملامح هذا المجتمع التي ألمعنا إليها، والتي ~~اكتفينا بها عن غيرها لتصويره، من العوامل القوية التي دعت إلى ظهور كثير ~~من صور الانحلال الخلقي وشيوع المنكرات من ناحية أخرى، فكان هذا وذاك من ~~الدواعي الشديدة التي حفزت كثيرا من رجال الدين والفقهاء والعلماء، ~~ومنهم الشيخ ابن تيمية، إلى مكافحة ذلك كله بكل سبيل، وكانوا يجدون العون ~~على ذلك من السلاطين. # ولا نرى ضرورة الإطالة في هذا، فإن هذا المجتمع في ذلك العصر لم يشذ في ~~ذلك عن كثير من المجتمعات الأخرى التي تقدمته أو جاءت بعده، ومن ثم ~~نرى أن نكتفي في تلك الناحية بهذه الكلمات الموجزة: ~~(أ) # يذكر المؤرخون للعز بن عبد السلام المتوفى في القرن ~~السابع أنه رأى السلطان الأشرف موسى ابن الملك العادل بن ~~أيوب جالسا يوم عيد في مجلس المملكة وفي أبهة عظيمة، ~~وقد أخذت الأمراء تقبل الأرض بين يديه على العادة، ~~فناداه بقوله: «يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: ~~ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟» فقال: «هل جرى ~~هذا؟» فقال: «نعم، الحانة الفلانية يباع فيها الخمر ~~وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه ~~المملكة!» # فقال السلطان: «يا سيدي، هذا أنا ما عملته، هذا من زمان ~~أبي.» فقال الشيخ: «أنت من الذين يقولون: إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة!» # 18 # فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة. # ويذكرون أن الشيخ قال لمن سأله عن الحال حتى فعل ما فعل ~~من مجابهة السلطان، فقال: «يا بني، رأيته في تلك العظمة، ~~فأردت أن أهينه؛ لئلا تكبر عليه نفسه فتؤذيه.» فقيل له: ~~«أما خفته؟» فقال: «يا بني، إني استحضرت هيبة الله تعالى ~~فصار السلطان أمامي كالقط.» # ولا عجب أن يكون هذا من الشيخ ابن عبد السلام، فقد كان ~~كما يذكر ابن العماد الحنبلي زاهدا ورعا، ms022 مع قيامه ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع الصلابة في الدين. # 19 ~~(ب) # ويذكر المقريزي في حوادث سنة 664 أن السلطان الملك ~~الظاهر بيبرس اشتد إنكاره للمنكر، وأراق الخمور، وعفى ~~آثار المنكرات، ومنع الخانات والخواطئ بجميع أقطار مملكته ~~بمصر والشام، فطهرت البقاع من ذلك. # 20 # ويقول المؤرخ نفسه في حوادث 667: «وكتب السلطان (هو ~~الظاهر بيبرس) بإزالة الخمور وإبطال المفاسد والخواطئ من ~~القاهرة ومصر وجميع أعمال مصر، فطهرت البلاد كلها من ~~المنكر، ونهبت الخانات التي جرت عادة أهل الفساد ~~بالإقامة بها ، وسلبت جميع أموال المفسدات وحبسن حتى ~~يتزوجن، ونفي كثير من المفسدين، وكتب السلطان إلى جميع ~~البلاد بمثل ذلك.» # 21 # وتكرر مثل ذلك من الظاهر بيبرس طول حياته (توفي سنة ~~676)، كما يذكر المقريزي أيضا في كتابه «السلوك» في ~~مواضع كثيرة منه. ~~(ج) # ويذكر ابن كثير أنه في سنة 701 قتل الفتح أحمد بن ~~الثقفي بمصر بحكم القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي؛ ~~وذلك لما ثبت عنده من حطه للشريعة واستهزائه بالآيات ~~القرآنية ومعارضة المشتبهات منها بعضها ببعض، ولأنه كان ~~يحل المحرمات من اللواط والخمر وغير ذلك لمن كان يجتمع ~~لذلك من الفسقة من الترك وغيرهم. # 22 ~~(د) # وأخيرا، نذكر في هذه الناحية أنه في سنة 726 ضربت رقبة ~~ناصر بن أبي الفضل الهيتي في ظاهر دمشق، بعد أن حكم ~~القاضي المالكي بكفره وزندقته وتلاعبه بدين الإسلام. ~~ويذكر ابن العماد الحنبلي أن الذي ثبتت زندقته عنده هو ~~قاضي القضاة شرف الدين بن مسلم الحنبلي، ثم نقل الثبوت ~~إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي، فأنفذه وحكم بإراقة ~~دمه. # وذكر أيضا أنه في ابتداء أمره عاشر الكبار وانتفع بهم، ~~كما كان كثير المجون، ولما كبر اجتمع بمحلولي العقيدة، ~~مثل ابن المعمار والباجريقي والمنجم بن خلكان وغيرهم، ~~فانحلت عقيدته وتزندق من غير علم. # 23 # الفصل الثالث # | الناحية العقلية والعلمية # نستطيع أن نقول بصفة عامة: إن هذا العصر كان زاخرا بالعلم والعلماء، ~~وبالإنتاج الكثير الضخم في جميع العلوم الإسلامية أمهاتها وفروعها، وقد بقي ~~لنا حتى اليوم ms023 جمهرة المؤلفات في هذه الناحية باختلاف أنواعها وضروبها، فنحن ~~نفيد منها أجل الفوائد؛ إذ تعتبر من مراجعنا الأصلية الأولى، سواء في ~~التفسير والحديث والفقه، أو في اللغة العربية وعلومها، أو في التاريخ وما يتصل ~~به، أو في غير ذلك كله من العلوم الإسلامية المختلفة. # ولكل عصر مميزاته التي يتميز بها عن غيره من العصور وملامحه وسماته التي يعرف ~~بها، ومعالمه التي تمكن الباحث من فهمه وتقديره. ولهذا، ينبغي أن نتكلم عن ~~كل ذلك كلمة موجزة؛ ليكون من مجموع هذه الكلمات ما يجلي هذا العصر الحافل من ~~الناحية الفكرية والثقافية. # ملامح وسمات # ليس لنا أن نقدر أن التجديد والابتكار الفكري كان طابع هذا العصر أو من ~~سماته بوجه عام، بل كانت الظاهرة التي تسوده هي العكوف على ما وصل أهله ~~من تراث العرب والمسلمين السابقين، وهو تراث قيم مجيد بلا ريب، وكان ~~عملهم فيه هو الانكباب عليه لفهمه والإفادة منه، ثم الزيادة عليه ما ~~وسعهم الجهد، دون خروج عن الروح الذي كان يسري فيه، وهو التقيد بالأفكار ~~والآراء التي وصلت إليهم عن الفقهاء والمتكلمين ونحوهم من رجال ~~الدين. # وكان من ذلك جمودهم على المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة يوجبون تقليد ~~واحد منها، وكانوا في هذا متأثرين بالفقهاء السابقين الذين حكموا بسد ~~باب الاجتهاد في القرن الرابع، وقد استمر ذلك فيما بعد، وربما ما يزال ~~ذلك حتى اليوم! # وفي هذا يقول ابن خلدون: «ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ~~ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه ... وردوا الناس ~~إلى تقليد هؤلاء ... ولم يبق إلا نقل مذاهبهم، وعمل كل مقلد بمذهب من قلده ~~منهم بعد تصحيح الأصول واتصال مسندها بالرواية. لا محصول اليوم للفقه غير ~~هذا، ومدعي الاجتهاد في هذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده، وقد صار ~~أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأربعة.» # 1 ~~••• # وكما جمد الفقهاء على هذه المذاهب الأربعة يتناولون المؤلفات فيها ~~بالشرح حينا والاختصار حينا آخر، جمدت جمهرتهم وجمهرة رجال علم الكلام ~~على مذهب الأشاعرة أتباع ms024 الإمام أبي الحسن الأشعري، وهذا الإمام يعتبر في ~~آرائه وسطا بين السلف وبين المعتزلة على ما هو معروف. وقد استمر هذا ~~التقليد في العقائد الدينية إلى ما بعد ذلك العصر، بل إلى هذه الأيام في ~~أكثر الأمصار الإسلامية، أو فيها كلها تقريبا ما عدا بلاد المملكة ~~العربية السعودية. # وبالرجوع إلى المقريزي المؤرخ الثقة، نجده يتكلم عن الحال في عقائد أهل ~~الإسلام إلى أن انتشر مذهب الأشاعرة، ثم يشرح حقيقة مذهب الأشعري، ويذكر ~~كيف نصره بشدة السلطان صلاح الدين الأيوبي وأولاده الملوك من بعده في مصر ~~والشام ، ثم في أيام مواليهم الملوك الأتراك الذين عاش في عهدهم ابن ~~تيمية. # وفي آخر البحث يقول: «فهذه جملة من أصول عقيدته (أي عقيدة أبي الحسن ~~الأشعري) التي عليها الآن (توفي المقريزي سنة 845) جماهير أهل الأمصار ~~الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه!» # 2 ~~••• # وكان من سمات هذا العصر أيضا قوة أمر التصوف واشتداد نفوذ رجاله على ~~العامة من الناس ومن إليهم، بل على بعض الفقهاء والسلاطين كذلك. ولعل هذا ~~كان من عوامل ضعف الحركة العلمية؛ فإن العلم يعتمد على العقل والفكر، على ~~حين يعود التصوف - إن كان تصوفا حقا - إلى الذوق والوجدان. # وزاد التصوف قوة على قوته، ما أثر عن الإمام الغزالي من إشادته به حتى ~~جعله الطريق الصحيح الموصل إلى الله تعالى، وذلك في كتابيه المشهورين: ~~«إحياء علوم الدين»، و«المنقذ من الضلال»؛ هذان الكتابان اللذان كان لهما ~~أثر كبير في ذلك العصر وفيما جاء بعده من عصور حتى اليوم. # كما زاد من قوته أيضا ظهور كثير من رجاله في ذلك العصر حتى صاروا من ~~أقطابه المشاهير، ويكفي أن نشير في مصر وحدها إلى الشيخ أبي العباس أحمد ~~البدوي المتوفى سنة 675، والشيخ إبراهيم الدسوقي المتوفى سنة 676. وهذا ~~فضلا عن المتصوفة ومدعي التصوف الذين كانوا منبثين في جوانب العالم ~~الإسلامي، وكان لكل منهم نفوذه على المحيط الخاص به. ~~••• # ونذكر أخيرا من ملامح هذا العصر الواضحة، ما كان من عداء ملحوظ للفلسفة ~~والمشتغلين بها تعلما وتعليما، ms025 وكان السبب القوي لذلك حملة الغزالي ~~عليها وعلى رجالها حملات أصابتها في الصميم ودعت الفيلسوف ابن رشد للرد ~~عليها والانتصاف لها. # 3 # وحسبنا هنا أن نشير إلى حادث قتل شهاب الدين السهروردي وهو في ~~ميعة الصبا حتى صار معروفا في التاريخ بأنه «الشاب المقتول»، وقد كان ~~كما يقول ابن أبي أصيبعة: «أوحد في العلوم الحكمية، بارعا في الأصول ~~الفقهية، مفرط الذكاء جيد الفطرة»، ولكن الفقهاء شنعوا عليه ورموه ~~بالتفلسف والإلحاد، بعد أن كان ناظرهم في حلب فأفحمهم. # إلا أنهم عملوا محاضر بكفره رفعوها إلى السلطان صلاح الدين بدمشق، ~~وطلبوا منه استئصال الشر بقتله حتى لا ينفث إلحاده بكل بلد يحل فيه، ~~فكان لهم ما أرادوا، وفعلا قتل بأمر السلطان، وكان ذلك بحلب سنة 587، ~~عن ستة وثلاثين عاما. # 4 # ونجد بعد هذا، فتوى خطيرة تتسم بطابع ذلك العصر، وكان لها أثرها ~~البالغ الذي دام قرونا طويلة، وهي فتوى أبي عمر تقي الدين الشهرزوري ~~المعروف بابن الصلاح المتوفى سنة 643، وقد أصدرها إجابة لمن سأله عن حكم ~~الله فيمن يشتغل بكتب ابن سينا وتصانيفه، فقال له: «من فعل ذلك فقد غدر ~~بدينه وتعرض للفتنة العظمى؛ لأن ابن سينا لم يكن من العلماء، بل كان ~~شيطانا من شياطين الإنس!» # وسئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة تعليما وتعلما، فقال من كلام طويل: ~~«الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ ~~والزندقة ... ومن تلبس بها تعليما وتعلما قارنه الخذلان والحرمان، ~~واستحوذ عليه الشيطان ...» # إلى أن يقول: «فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء ~~المياشيم ... ويعاقب على الاشتغال بفنهم، ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد ~~الفلاسفة على السيف أو الإسلام، لتخمد نارهم وتمحي آثارهم ...» إلى آخر ~~ما قال. # ونجد شبيها لهذا الرأي في الفلسفة والحكم عليها، في رأي الإمام الذهبي ~~في القرن الثامن، وهذا إذ يقول: «إن الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها من ~~يرجى فلاحه، ولا يركن إلى اعتقادها من يلوح نجاحه، فإن هذا العلم في شق، ~~وما جاءت به الرسل في شق. وما دواء ms026 هذه العلوم وعلمائها القائمين بها ~~علما وعملا إلا التحريق والإعدام من الوجود؛ إذ الدين كان كاملا حتى ~~عربت هذه الكتب ونظر فيها المسلمون، فلو أعدمت لكان فتحا مبينا.» # 5 # يا لله، ما أشد هذا التعصب! # ونختم بذكر ابن خلدون في الفلسفة وكتبها والنظر فيها، وذلك إذ يعقد ~~فصلا لإبطال الفلسفة وفساد أمر منتحليها، فيقول فيه: «إن هذا العلم كما ~~رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها، مع ما فيه من مخالفة ~~الشرائع وظواهرها.» # ثم يقول عن علومها الطبيعية وما يستعمله أصحابه من البراهين: «فليكن ~~الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها، وليكن نظر من ينظر فيها بعد ~~الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه، ولا يكبن أحد عليها ~~وهو خلو من علوم الملة، فقل أن يسلم لذلك من معاطبها.» # 6 # ونحن نعتقد أن ما ذهب إليه مؤسس علم الاجتماع من رأي، وما انتهى إليه من ~~حكم، وما قدمه لنا من إرشاد وتوجيه، هو الحق كل الحق، وهو الذي يليق ~~بالعلماء الباحثين غير المتعصبين. ~~••• # هذا، وقد كان لما أجملناه من سمات هذا العصر وملامحه، أثر قوي في الشيخ ~~ابن تيمية؛ فقد كان حربا على الجامدين والمقلدين بغير علم من الفقهاء، ~~وعلى الجامدين على مذهب الأشاعرة في علم الكلام، وعلى المتصوفة والتصوف ~~الذي دخله الكثير من مقالات غير المسلمين وآرائهم. # كما كان لذلك شديد الثورة على الفلسفة ورجالها الذين اعتنقوا كثيرا من ~~نظريات الفلاسفة اليونان وأمثالهم بغير برهان صحيح. # وكل ذلك سنعرفه في الفصل الخاص بحياته ونشاطه بعد حين. # مراكز العلم في هذا العصر # كانت مصر والشام منذ قديم الزمان من مراكز العلم الكبيرة في العالم ~~الإسلامي، ثم زاد خطرهما وأهميتهما في هذه الناحية بعد زوال الخلافة من ~~بغداد سنة 656، وقيامها بعد ذلك في القاهرة، فقد كان هذا سببا طبيعيا ~~لهجرة جمهرة العلماء - أو فرارهم - من بغداد إليها وإلى دمشق، أو إلى ~~غيرهما من مدائن مصر والشام، واستقرارهم فيها، واتخاذها أوطانا لهم تكون ~~مجال نشاطهم الفكري وإنتاجهم العلمي في ضروبه العديدة المختلفة. # إنه ms027 بعد هذا الحادث الجلل، نرى انتقال مراكز العلم التي كانت في بغداد ~~والري وبخارى ونيسابور، وغيرها من مدن العراق وغيره من ولايات الدولة ~~العربية الإسلامية أيام العباسيين إلى القاهرة والإسكندرية والفيوم ~~وأسيوط ودمشق وحلب وحمص وحماة، وإلى غيرها من مدن مصر والشام. # ومن ثم نجد في هذا العصر وما تلاه هذه النسب التي يعرف بها العلماء: ~~القاهري، الإسكندري، الفيومي، السيوطي، الدمشقي، الحلبي، الحموي، ونحوها. ~~كما نجد كثيرا من العلماء يقال في تعريف الواحد منهم: نزيل دمشق، أو ~~نزيل حلب، أو نزيل حماة، أو نزيل القاهرة، أو نزيل الإسكندرية ... ~~وهكذا. # وكان المركز من هذه المراكز له جامعه الذي يفد إليه الكثيرون من طلاب ~~العلم ورجاله، ومكتبته الضخمة التي تضم عيون التراث الإسلامي المجيد، ~~فيتزود الراغبون في المعارف والعلوم - من الجوامع والمكتبات الملحقة بها ~~- ما يفيدهم في دينهم ودنياهم، ويعلون بذلك صروح العلم التي بناها ~~العلماء السابقون. # والجامع الأزهر هو بلا ريب قمة هذه الجوامع، وأهم موطن للعلم والمعرفة ~~منذ قديم الزمان؛ فقد أنشأه الفاطميون في النصف الثاني من القرن الرابع، ~~ووقفوا عليه من الأملاك الدارة ما يضمن له الخلود على الزمن، وما يهيئ ~~المعيشة الطيبة لقاصديه من شتى البلاد والجهات، وما ييسر لهم سبيل ~~الدرس والبحث من الكتب والمراجع العلمية العديدة. # وإذا تركنا جوامع القاهرة التي كانت تعتبر بحق مواطن العلم والبحث ~~والدرس، نجد في هذه الناحية جامع العطارين بالإسكندرية الذي أنشأه أمير ~~الجيوش بدر الجمالي سنة 477، كما يذكر أبو المحاسن في كتابه «النجوم ~~الزاهرة». وكان هذا الجامع ينبوعا من ينابيع العلم والثقافة طوال عصر ~~الحروب الصليبية وبعده، كما كان حافلا دائما في تلك الأيام بطلاب العلم ~~وشيوخه الذين يقومون بالتدريس فيه. # ونجد في الشام جامعه المعدود في طليعة معاهد العلم فيها، والذي درس ~~فيه طائفة من أعيان العلماء الذين لا زلنا نتدارس آثارهم في الفقه ~~والتفسير والحديث والتاريخ والنحو، وغير ذلك من علوم الدين واللغة ~~العربية. # ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ، الحافظان الكبيران: ابن عساكر، وعبد الغني ~~المقدسي، وتوفي الأول عام ms028 571، والثاني عام 600، وكلاهما من رجال الحديث ~~وعلومه المشاهير. # ومن العلماء الكبار الذين درسوا في هذا الجامع أيضا، الإمام علم الدين ~~السخاوي المتوفى سنة 643، وفيه يقول ابن خلكان - وكان معاصرا له ورآه: ~~«كان قد اشتغل بالقاهرة على الشيخ أبي محمد القاسم الشاطبي، وأتقن عليه ~~علم القراءات والنحو واللغة ... ثم انتقل إلى مدينة دمشق، وتقدم بها على ~~علماء فنونه ...» # 7 # كما كان من أولئك العلماء، رجلان عظيمان لا تزال تدرس آثارهما بالأزهر ~~حتى اليوم؛ الأول هو عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب، صاحب ~~المؤلفات المعروفة في الفقه وأصوله، والنحو وغيرهما من العلوم. وقد توفي ~~عام 646، ويقول عنه ابن خلكان: «انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها في زاوية ~~المالكية، وأكب الخلق على الاشتغال عليه، والتزم لهم الدروس، وتبحر ~~في الفنون ...» إلى آخر ما قال. # 8 # والثاني هو الإمام محمد بن مالك الطائي الجياني (نسبة إلى جيان؛ بلد ~~من بلاد الأندلس) نزيل دمشق، كان حجة العرب في علوم اللغة والنحو والصرف. ~~وفيه يقول ابن العماد: «وأما اللغة، فكان إليه المنتهى في الإكثار من نقل ~~غريبها والاطلاع على وحشيها، وأما النحو والتصريف فكان فيه بحرا لا ~~يجارى وحبرا لا يبارى ...» ~~••• # تلك إشارات عابرة إلى المراكز الأولى للعلم والفكر في مصر والشام في ذلك ~~العصر، بل وفي كل عصر وبلد من بلاد الإسلام الأخرى، ثم ظهرت بعد ذلك ~~مراكز أخرى للحياة العقلية والفكرية، وهي المدارس والمكتبات العامة، وهذا ~~ما نعرض له الآن بإيجاز: # لم تعرف المدارس في البلاد الإسلامية زمن الصحابة والتابعين رضي الله ~~عنهم، بل لم تعرف حتى جاء القرن الخامس الهجري. ويقول المؤرخ المقريزي: ~~«إن أول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور، فبنيت بها ~~المدرسة البيهقية. # ثم كان أشهر ما بني في القديم المدرسة النظامية ببغداد؛ لأنها أول ~~مدرسة قرر بها للفقهاء معاليم، وتنسب إلى أبي علي الحسين الطوسي نظام ~~الملك وزير ملك شاه أبي أرسلان السلجوقي، وتم بناؤها عام 459، ودرس بها ~~أبو إسحاق الشيرازي، وأبو حامد الغزالي، ms029 وغيرهما من الأعلام. # ثم اقتدى بنظام الملك الناس من حينئذ، في بلاد العراق وخراسان وما وراء ~~النهر، وبلاد الجزيرة وديار بكر. # ولما كان عهد صلاح الدين الأيوبي، أبطل مذهب الشيعة من مصر وأقام بها ~~مذهب الشافعي ومذهب مالك، واقتدى بالملك نور الدين محمود بن زنكي، فإنه ~~بنى بدمشق وحلب وأعمالهما عدة مدارس للشافعية والحنفية، وبنى لكل من ~~الطائفتين مدرسة بمصر.» # وبعد هذا يقول المؤرخ نفسه أيضا: «ثم اقتدى بالسلطان صلاح الدين في ~~بناء المدارس بالقاهرة ومصر وغيرهما من أعمال مصر، وبالبلاد الشامية ~~والجزيرة، أولاده وأمراؤه، ثم حذا حذوهم من ملك مصر بعدهم من ملوك ~~الترك وأمرائهم وأتباعهم.» # 9 # وقد ذكر المؤرخون لهذا العصر، وبخاصة المقريزي في كتابيه العظيمين: ~~«الخطط»، و«السلوك»، هذه المدارس، التي كان بعضها يبنى لأصحاب مذهب بعينه ~~من المذاهب الفقهية الأربعة المعروفة، وبعضها كان يبنى لأصحاب أكثر من ~~مذهب، وبعضها الآخر لأصحاب المذاهب الأربعة كلها. # وكان يوقف على كل منها ما يضمن لها البقاء ويهيئ لطلابها وشيوخها سبيل ~~المعيشة الراضية، ويلحق بها مكتبة تعينهم على البحث والدرس والتزود من ~~مختلف العلوم بخير زاد، وما على الراغب في معرفة أهمية هذه الضروب من ~~مراكز العلم والمعرفة إلا أن يرجع إلى كتب التاريخ التي عنيت بهذا ~~العصر. # فقد بنى السلطان صلاح الدين بالقاهرة المدرسة السيوفية للأحناف، ووقف ~~عليها ما ينفق منه على من يقوم بالتدريس فيها وعلى الطلبة وعلى قدر ~~طبقاتهم. # وبنى القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني المدرسة الفاضلية سنة 580، ~~وجعلها لطائفتي الفقهاء الشافعية والمالكية، ووقف بها - كما يقول ~~المقريزي - جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم يقال إنها كانت مائة ألف مجلد. # 10 # وكان بالقاهرة أيضا المدرسة الصالحية التي بناها الملك الصالح نجم ~~الدين أيوب، وجعلها لفقهاء المذاهب الأربعة؛ إذ رتب لكل أصحاب مذهب درسا ~~فيها في سنة 641، وهو أول من عمل بديار مصر دروسا أربعة في مكان كما ~~يقول المقريزي. # 11 # ويذكر المقريزي بعد ذلك المدرسة المنصورية التي بناها هي والقبة التي ~~تجاهها الملك المنصور قلاوون الألفي سنة ms030 684، ورتب بها دروسا أربعة ~~لأصحاب المذاهب الأربعة المعروفة، ودرسا للطب، كما جعل بالقبة درسا ~~للحديث ودرسا للتفسير، وكانت هذه التداريس لا يعمل فيها إلا أجل ~~الفقهاء المعتبرين. # ويذكر المقريزي أنه كان بهذه القبة خزانة جليلة كان فيها عدة أحمال من ~~الكتب في أنواع العلوم، مما وقفه الملك المنصور وغيره، وقد ذهب معظم هذه ~~الكتب وتفرق في أيدي الناس. # 12 # وذكر هذا المؤرخ بعد ذلك المدرسة الناصرية التي كمل بناؤها سنة 703، ~~وكان هذا بأمر الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت لأصحاب المذاهب ~~الأربعة، يقوم بتدريس كل مذهب فقيه من أجل فقهائه، كما كان لطلابها ~~معاليم تجري عليهم. # وأخيرا، نذكر من مدارس القاهرة المدرسة المحمودية التي أنشأها الأمير ~~محمود بن علي الأستادار سنة 797، وكانت خارج باب زويلة كما يذكر المقريزي ~~في خططه، كما يقول: «وعمل بها خزانة كتب لا يعرف اليوم بديار مصر ولا ~~الشام مثلها ... وبهذه الخزانة كتب الإسلام من كل فن، وهذه المدرسة من أحسن ~~المدارس في مصر.» # 13 ~~••• # وإذا تركنا مصر إلى بلاد الشام، نجد الأمر مثل ذلك أو قريبا منه في هذه ~~الناحية، ولا عجب أن يكون هذا؛ فقد كان هذان القطران الشقيقان بلدا ~~واحدا في ذلك العصر، وقد صار في هذه الأيام التي نعيش فيها بلدا واحدا ~~كما كانا من قبل بفضل الله تعالى. # وكان الفضل الكبير في هذا العصر، في إنشاء هذه المدارس، أو المراكز ~~العلمية الهامة، للسلطان صلاح الدين، # 14 # ولأبنائه الملوك من بعده، ثم للأمراء ومن إليهم من ذوي الجاه ~~والفضل، ثم تتابع الأمر أيام دولة المماليك الذين عاش في أيامهم ابن ~~تيمية. # والباحث في الكتب التي أشرنا إليها آنفا، وفي أمثالها من المراجع التي ~~أرخت لمصر والشام في القرن السادس والسابع وما بعدهما، يتبين أن مدائن ~~الشام كانت زاخرة بالمدارس والمعاهد العلمية التي كانت مثابة للطلاب ~~والشيوخ، وأنه تخرج ودرس فيها كثير لا يحصون من الفقهاء والعلماء ~~الذين برزوا في فنون العلم وفروعه العديدة المختلفة، حتى الطب والهندسة ~~وما إليهما. # 15 # ففي دمشق ms031 وحدها وجد في القرنين السادس والسابع نحو تسعين مدرسة للفقه ~~بمذاهبه المختلفة، وللتفسير والحديث وغيرهما من العلوم الدينية الإسلامية ~~وعلوم اللغة العربية، وكان منها أربع للطب وحده؛ إذ كان يدرس نظريا في ~~المدارس وعمليا في المارستانات أو المستشفيات بلغتنا الحالية. # وكان لمدينة حلب حظها الموفور من هذه المدارس، فهي ثاني المراكز العلمية ~~في الشام بعد دمشق، كما كانت مثابة للعلماء وإليها يرحلون. وكذلك كان ~~الحال في القدس وحماة وحران وحمص، وغيرها جميعا من بلاد الشام، ففي كل ~~هذه المدن والبلاد كانت مدارس عديدة زاهرة تعج بالعلم وطلابه ~~وشيوخه. # هذه العلوم وأثرها # كانت مصر والشام في العصر الذي عاش فيه ابن تيمية؛ أي في القرنين السابع ~~والثامن (وكل منهما يعتبر إلى حد كبير امتدادا للقرن السابق له)، يموجان ~~موجا بالعلم على مختلف فروعه، وبالثقافة بمتنوع ألوانها، وكان طريق ~~العلم والمعرفة ممهدا لسالكيه. # كان يدرس في هذه المؤسسات العلمية التي ملأت البلاد: علوم القرآن، ~~والتفسير، والحديث، والسنة النبوية، والفقه بمذاهبه المعروفة، والنحو ~~والصرف، وسائر علوم اللغة العربية، والتاريخ، وتاريخ الرجال وطبقاتهم ~~... # وبجانب هذه العلوم الإسلامية المعروفة، كان يوجد مكان ملحوظ لعلوم أخرى ~~من علوم الحياة؛ مثل: الفلسفة، والهيئة أو الفلك، والهندسة، والرياضيات، ~~والطب وما يتصل به، إلى غير ذلك كله مما عرفه العرب والمسلمون من علوم ~~وفنون عديدة مختلفة. # وكان الطب يدرس في تلكم الأيام على ما ينبغي؛ أي من الناحية النظرية ~~والعملية، فقد كان في القاهرة ودمشق وحلب مدارس للطب خاصة، كما كان هذا ~~العلم يدرس في مدارس أخرى بجانب غيره من العلوم، وكانت المارستانات موطن ~~الدراسة العلمية لهذا العلم. # ومن أجل ذلك كله، نستطيع أن نقرر بأن هذا العصر كان عصرا مجيدا من ~~ناحية الثروة العلمية التي جمعت فيه في علوم الدين واللغة والتاريخ وعلوم ~~الحياة أيضا، حتى إنه ليعتبر بحق عصر المؤلفات المطولة والموسوعات ~~الجامعة في علوم القرآن، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، وطبقات ~~الرجال، وغيرها من العلوم الإسلامية المختلفة. # ولكنه لم يكن فيه من أصالة الفكر والتجديد والابتكار في ms032 الآراء، حظ كبير ~~يتميز به ويتناسب ولو إلى حد ما مع كثرة ما جمع فيه من معارف وعلوم، ~~اللهم إلا ما كان لدى نفر قليل على رأسهم الشيخ ابن تيمية كما سنعرف بعد ~~حين. # هذا، وقد كان لإنشاء المدارس آثار طيبة جدا من نواح كثيرة، ولكن - في ~~رأينا - كان لها أثر آخر غير محمود نكتفي هنا بالإشارة إليه؛ ونعني به ~~أنها أذكت روح التعصب بين الفقهاء والعلماء، وهذا ما أدى إلى تباغضهم ~~وتحاسدهم أحيانا كثيرة. # فقد كانت المدرسة تخصص أحيانا لعلم واحد كالحديث، أو لمذهب واحد من ~~المذاهب الفقهية، وهكذا، فكان كل فريق بما لديهم فرحين وعليه مستمسكين ~~وله ينصرون، غير مبالين ولا طالبين في حالات كثيرة للحق في ذاته، وغير ~~ملتفتين إلى أن العلم وطلبه يقضي بالتعاون والتناصر عليه متى ظهر في أي ~~جانب ومهما كان قائله. # ولهذه العصبية التي قد تؤدي إلى الخلاف والجدل بغير حق، عرق قديم في ~~العالم الإسلامي كما في سائر العالم كله بين أصحاب المقالات والمذاهب ~~المختلفة؛ نعرف ذلك بين أصحاب المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها من مذاهب ~~الشيعة وابن حزم، ونعرفها بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من رجال الفرق ~~الإسلامية، ونعرفها بين أهل السنة وأهل الرأي، ونعرفها بين الفلاسفة ~~والمتصوفة، وبين غيرهم من رجال الفقه وعلم الكلام. # كما نعرفها أخيرا بين الشيخ ابن تيمية وبين من عاصره من الفقهاء ~~والمتصوفة والفلاسفة وغيرهم من رجال المذاهب والفرق في العقائد ~~الدينية. # وقد أدت هذه العصبية التي بلغت أحيانا حدا ممقوتا، إلى جدل عنيف؛ بل ~~إلى معارك شديدة، وكان من آثار ذلك طمس الحق وضياع معالمه، وبخاصة بسبب ~~ما كان يذكيها ويزيد في أوارها من اختلاف مناهج التفكير، والاعتماد على ~~النقل عند فريق مهما يؤد إليه، أو الاعتماد على العقل والمنطق مهما تكن ~~نتائجه عند فريق آخر؛ ولله في خلقه شئون! يؤتي الحكمة في القول والعمل ~~لمن يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. ~~••• # ومهما يكن من أمر، فقد ظهر ابن تيمية في هذا الوسط الزاخر بالمعرفة ms033 ~~والعلم من قديم الزمن وحديثه حتى الأيام التي عاش فيها، وأفاد من ذلك ~~أكثر بكثير جدا مما أفاد معاصروه، وساعده على هذا الهبات الكبيرة ~~الجليلة التي منحها الله له: نفس طلعة، وقلب مشغوف بحب المعرفة والعلم، ~~وعقل نافذ لما فات غيره، وحافظة لا تضيع، وذاكرة قوية لا ~~تنسى. # ولم تكن هذه المناهل العلمية الدافقة هي كل ما أفاد منه الشيخ، بل كان ~~من الطبيعي أن يستفيد أيضا من كبار الشيوخ الذين عاصروه أو سبقوه بقليل ~~من الزمان، أمثال الحافظ ابن عساكر وابن الأثير في التاريخ، كما أفاد من ~~ابن قدامة، وابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، ومحيي الدين النووي، وابن ~~دقيق العيد، في الفقه وأصوله والتفسير والحديث واللغة وغيرها من العلوم الإسلامية. # 16 # وبعد، فقد جلينا فيما نعتقد عصر ابن تيمية من نواحيه المختلفة كلها، ومن ~~أجل هذا ننتقل إلى الشيخ نفسه لنعرف حياته، وما كان فيها من صراع وكفاح ~~وجهاد، انتهى به إلى أن صار حقا من الخالدين. # الباب الثاني # | حياة ابن تيمية # عرفنا العصر الذي عاش فيه الشيخ العظيم، وما سبقه مما يعتبر عصره امتدادا ~~له، من النواحي السياسية والعلمية والاجتماعية. ونأخذ الآن في الكشف عن حياته ~~الحافلة بالنشاط والأحداث من جوانبها المختلفة، وسيكون هذا في فصول أو مباحث ~~على هذا النحو: ~~(1) # أسرته، ونشأته ودراساته ومكانته العلمية. ~~(2) # جهاده في حروب التتار. ~~(3) # مواقفه مع مخالفيه. ~~(4) # محنته في مصر والشام ووفاته. # أما آراؤه الفقهية والكلامية، والسياسية، والاجتماعية، وغيرها في النواحي ~~العلمية الأخرى، فستأتي بعد ذلك في الأبواب الأخرى. # الفصل الأول # | أسرته ونشأته ودراساته ومكانته العلمية # أسرته # نبت ابن تيمية من أسرة ثابتة الدعائم قوية الأركان، فهي كدوحة سامقة ~~وارفة الظلال، أو كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها ~~كل حين بإذن ربها، فكانت هي وهو كما يقول الشاعر العربي: # وهل ينبت الخطي # 1 # إلا وشيجه # وتغرس إلى في منابتها النخل # وفي الحق، إنه سليل أسرة كريمة اشتغل أبناؤها بالعلم، وكلهم عرف به وبرز ~~فيه، فعني تاريخ الفقه والعلم ms034 بهم، وخلد أسماءهم والكثير من ~~آثارهم. # فأبوه هو شهاب الدين أبو أحمد عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن ~~تيمية، نزيل دمشق، ولد بحران # 2 # سنة 627، وسمع من أبيه وكثيرين غيره، حتى إذا أتقن العلوم ~~درس وأفتى وصار شيخ البلد وخطيبه وحاكمه. # ويذكر الذهبي في تاريخه أنه قرأ المذهب الحنبلي على أبيه حتى أتقنه، ~~ودرس وأفتى وصنف، وكان إماما محققا كثير الفنون، دينا متواضعا ~~حسن الأخلاق، كما كان جوادا من حسنات العصر، وكان من أنجم الهدى، وإنما ~~اختفى من نور القمر وضوء الشمس؛ يشير بذلك إلى أبيه وابنه. # ويقول البرزالي عنه: «كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار ~~الحديث السكرية، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.» # 3 # ذلك أبوه، وأما جده فهو شيخ الإسلام مجد الدين أبو البركات عبد السلام ~~بن عبد الله بن تيمية الحراني، الفقيه الحنبلي، الإمام المقرئ المحدث ~~المفسر الأصولي النحوي، وأحد الحفاظ الأعلام. # ولد بحران سنة 590 تقريبا، وحفظ القرآن الكريم بها، وسمع من عمه الخطيب ~~فخر الدين وغيره، ورحل في سبيل طلب العلم إلى بغداد سنة 603، وأقام بها ~~ست سنوات يشتغل بأنواع العلوم، ثم عاد إليها (بعد أن كان قد رجع إلى ~~حران) فازداد فقها وعلما. # ويذكر الذهبي عن ابن تيمية الأشهر؛ أي الحفيد موضوع هذه الدراسة، أنه ~~قال: «كان جدنا عجبا في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس بلا ~~كلفة.» وينقل عنه أيضا أن الشيخ جمال الدين بن مالك قال: «ألين للشيخ ~~المجد الفقه كما ألين الحديد لداود!» # وذكر الذهبي أيضا أن الشيخ مجد الدين كان معدوم النظير في زمانه، رأسا ~~في الفقه وأصوله، بارعا في الحديث وما فيه، له اليد الطولى في معرفة ~~القراءات والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر اسمه وبعد صيته، وكان فرد ~~زمانه في معرفة المذهب الحنبلي، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن. # 4 # وإذا تركنا أباه وجده نجد آخرين كثيرين مشهورين من أعضاء هذه الأسرة ~~الكبيرة من الرجال والنساء، لكل منهم مقامه في العلم ms035 في زمنه، ولا نرى ~~التعرض لذكرهم، فأمرهم معروف في التاريخ، فليرجع إلى كتب تاريخ الرجال ~~والطبقات من يريد معرفة ما كان لهم من كبير المنزلة وعظم الأثر. # نشأته ودراساته # أكد العلم الحديث ما عرفه القدامى من العرب من أن الوراثة والبيئة هما ~~العاملان اللذان لهما أكبر الأثر على ما يكون عليه الإنسان في نشأته ~~وتربيته ومستقبله، وأنه بالوراثة تنتقل الاستعدادات الخلقية والعقلية من ~~جيل إلى جيل، وأن البيئة هي التي تمهد لظهور هذه الاستعدادات ~~فعلا. # وقد جمع الله لابن تيمية كل العوامل التي جعلت منه رجلا عظيما فريدا ~~في عصره في الفقه وسائر العلوم الإسلامية: من وراثة طيبة قوية، وبيئة ~~صالحة تزخر بالعلم وتدفع إليه دفعا، عقل واع ألمعي، وحافظة ذاكرة لا ~~تنسى ما وعته، وشجاعة تستهين بالأخطار في سبيل الحق، وإرادة لا تقف ~~أمامها العقبات، وغير ذلك كله من أسباب العبقرية والنجاح والنبوغ والخلود ~~على الأيام، وصدق العليم الحكيم إذ يقول: # والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ~~ربه ~~. # ولد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في عاشر ربيع الأول سنة 661 بحران، ~~وأنبته الله نباتا حسنا، فعاش بها بضع سنين في كنف أبيه وتحت رعايته، ~~ثم انتقل أبوه به وبأخويه إلى دمشق سنة 667 عند قدوم التتار إلى الشام، ~~وكاد هذا البلاء الزاحف يدركهم في سيرهم لولا أن من الله عليهم ~~بالسلامة والنجاة، وكان هذا لخير الإسلام والعلم والمسلمين. # وفي دمشق، إحدى مدائن العلوم الكبيرة في ذلك الزمان، نشأ أحمد وترعرع، ~~ثم درس ونضج، حتى بلغ أشده وأتاه الله العلم والحكمة، وصار أحد الأئمة ~~الأعلام، ومن كبار شيوخ الإسلام الذين خلدوا على الزمن بفضل ما قاموا به ~~من جلائل الأعمال وما خلفوه لنا من عظيم الآثار. # ولا عجب أن ينبغ الفتى أحمد بن عبد الحليم، فقد وفر العليم الحكيم له كل ~~عوامل الفوق والنبوغ ومؤهلاته: وراثة طيبة عميقة الجذور، بعيدة الأصول، ~~سامقة الفروع، وبيئة علمية أوفت على الغاية، وقوى عقلية وذهنية بلغت حد ~~العجب والإعجاب بها حتى صار فريد عصره. ms036 # استقرت الأسرة إذن بدمشق الفيحاء، وفي كتاب من كتاتيبها حفظ ابن تيمية ~~كتاب الله وهو حدث ولم ينس شيئا منه حتى قضى نحبه؛ إذ كان سريع الحفظ ~~جدا بطيء النسيان، حتى ليقال إنه لم يحفظ شيئا من قرآن أو حديث أو علم ~~ثم نسيه، شهد له بذلك تلاميذه ومعاصروه، ومنهم من كانوا من خصومه ~~المعروفين. # ثم أخذ في الدرس وطلب العلم، وعاش متبتلا له طول حياته حتى بلغ منه ~~الغاية، وبز معاصريه وشآهم وجاوز أقدارهم جميعا؛ كل ذلك في عفة وتدين ~~ومروءة وأخلاق فاضلة مرضية تحدث بها الجميع، وقول للحق في قوة حتى لا ~~يخاف في الله لومة لائم. # ويذكر ابن الوردي # 5 # أنه بعد أن تعلم الخط والحساب وحفظ القرآن في المكتب، أقبل ~~على الفقه والعربية وبرع في النحو، ثم أقبل على التفسير إقبالا كليا ~~حتى سبق فيه، وأحكم أصول الفقه؛ كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة. فانبهر ~~الفضلاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وإدراكه، ونشأ في تصون ~~تام وعفاف وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل. # وكان يحضر المحافل في صغره، فيناظر ويفحم الكبار ويأتي بما يتحيرون ~~منه، وأفتى وله أقل من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتأليف. مات والده ~~وله إحدى وعشرون سنة، وبعد صيته في العالم فطبق ذكره الآفاق، وأخذ في ~~تفسير القرآن أيام الجمع في المسجد من حفظه، لا يتوقف ولا يتلعثم. # وكان للشيخ خبرة تامة بالرجال رواة الحديث، وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ~~ومعرفة بفنون الحديث وبالعالي والنازل والصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه ~~الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى ~~في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال إن كل حديث لا ~~يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، ولكن الإحاطة لله؛ غير أنه يغترف فيه من ~~بحر، وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي! # ثم يقول ابن الوردي: «وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات ~~للاستدلال بها قوة عجيبة، ولفرط إمامته في التفسير وعظمة اطلاعه بين ~~خطأ ms037 كثير من أقوال المفسرين، ويكتب في اليوم والليلة - من التفسير، أو من ~~الفقه، أو من الأصلين، # 6 # أو من الرد على الفلاسفة والأوائل - نحوا من أربعة كراريس.» ~~قال: «وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلدة.» # وإذا كان هذا هو رأي أحد تلامذته فيه، فإن رأي غيره، ولو كان من خصومه، ~~لا يبعد عنه فيما يتصل بقوى ابن تيمية العقلية والذهنية ومبلغ ما وصل ~~إليه من الإمامة في العلم. هذا هو كمال الدين بن الزملكاني، وكان شيخ ~~الشافعية بالشام وغيرها وإليه انتهت رياسة المذهب، يكتب مجلدا في الرد ~~على بعض آراء ابن تيمية الفقيه، وكان غير صالح النية من جهته بل يميل إلى إيذائه، # 7 # ومع ذلك يقول فيه: # 8 ~~«كان إذا سئل عن فن من الفنون ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك ~~الفن، وحكم أن أحدا لا يعرف مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا ~~جلسوا معه استفادوا في سائر مذاهبهم منه ما لم يكونوا يعرفونه قبل ~~ذلك! # ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم - سواء ~~كان من علوم الشرع أو غيرها - إلا فاق فيه أهله والمنسوب إليه، وكانت له ~~اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم ~~والتبيين.» # ولم يكتف ابن الزملكاني بهذا، بل كتب على بعض تصانيف الشيخ هذه ~~الأبيات، وهي كما ترى ناطقة بمبلغ ما وصل إليه ابن تيمية من العلم ~~والفضل: # ماذا يقول الواصفون له؟ # وصفاته جلت عن الحصر # هو حجة لله قاهرة # هو بيننا أعجوبة الدهر # هو آية في الخلق ظاهرة # أنوارها أربت على الفجر # ولا ندري مع هذا الثناء والتقديم العظيم كيف يصدق ما ذكره ابن كثير من ~~أن ابن الزملكاني كانت نفسه خبيثة، وأنه كان يروم أذى ابن تيمية! ولعل ~~الحق أنه قدره حق قدره وأثنى عليه بصفة عامة، وهذا لا يمنع من خلافه له ~~في بعض الآراء الفقهية ورده عليها ردا عنيفا، وبخاصة أنهما كانا ~~متعاصرين ومن كبار العلماء، فقد توفي ms038 ابن الزملكاني سنة 727. # هذا، وبالرجوع إلى الذين ترجموا له من معاصريه ومن جاءوا بعده؛ مثل ابن ~~الوردي في تاريخه، والحافظ شمس الدين الذهبي في كتبه العديدة، وابن ~~الألوسي في «جلاء العينين»، وابن رجب في طبقاته، وصلاح الدين بن شاكر ~~الكتبي في «فوات الوفيات»، وابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب»، نقول: ~~إنه بالرجوع إلى هؤلاء ونحوهم من أثبات المؤرخين، نعلم أن ابن تيمية بذل ~~غاية الجهد لطلب العلم من أبوابه، وتنوعت دراساته حتى شملت علوم عصره ~~كلها، وأنه بلغ الغاية وصار إماما في الكثير منها. # ولا نرى الإطالة في هذا، فحسبنا ما ذكرناه سابقا عن نشأته ودراساته، ~~ومن يريد التفصيل فما عليه إلا أن يرجع إلى المراجع التي ذكرناها، ففيها ~~الخبر اليقين عن العلوم التي حصلها وبرز فيها جميعا. # مكانته العلمية والدينية # بلغ من نبوغ ابن تيمية أنه تأهل للتدريس والفتوى وهو في صدر شبابه قبل ~~أن يتم العشرين من عمره، ثم قام بوظائف أبيه العلمية بعد وفاته وله ~~حينئذ عشرون سنة أو تزيد قليلا. # وعنه يقول الإمام الذهبي في «معجم شيوخه»: # 9 ~~«شيخنا وشيخ الإسلام، وفريد العصر علما ومعرفة، وشجاعة ~~وذكاء، وتنويرا إلهيا، وكرما ونصحا للأمة، وأمرا بالمعروف ونهيا ~~عن المنكر. # سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرج، ونظر في الرجال والطبقات، ~~وحصل ما لم يحصله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه ... ~~واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ ~~ما يحفظه من الحديث معزوا إلى أصوله وصحابته ... # وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، ~~بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقول بما دليله عنده. # وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتدليلا واختلافا، ونظر في العقليات ~~(نعتقد أنه يريد بصفة خاصة الفلسفة وعلومها)، وعرف آراء المتكلمين ورد ~~عليهم ونبه على خطئهم وحذر منهم. # ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، ~~وأخيف في نشر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى ~~على ms039 محبته والدعاء له، وكبت أعداءه وهدى به رجالا من أهل الملل ~~والنحل. # وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبا وعلى طاعته، وأحيا به ~~الله الشام بل والإسلام، بعد أن كاد ينثلم لما أقبل حزب التتر والبغي في ~~خيلائهم ... # ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين ~~الركن والمقام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، وأنه ما رأى مثل ~~نفسه.» # ويذكره الشيخ فتح الدين بن سيد الناس، أحد الحفاظ المعروفين، فيقول في ~~كلام طويل: «كاد يستوعب السنن والآثار حفظا، إذا تكلم في التفسير فهو ~~حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب ~~علمه وروايته، أو حاضر بالنحل والملل لم تر أوسع من نحلته في ذلك ولا ~~أرفع من درايته. # برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه ~~مثل نفسه ...» إلى آخر ما قال. # 10 # وذكره الشيخ عماد الدين الواسطي، وقد توفي قبله، فقال بعد ثناء طويل ~~جميل ما لفظه: «فوالله، ثم والله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء مثل ~~شيخكم ابن تيمية علما وعملا، وحالا وخلقا، واتباعا، وكرما وحلما، ~~وقياما في حق الله عند انتهاك حرماته. أصدق الناس عقدا، وأصحهم علما ~~وحزما، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة، وأسخاهم كفا، ~~وأكملهم اتباعا لنبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~...» # وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وقد سئل رأيه فيه بعد اجتماعه ~~به، فقال: «رأيت رجلا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها ويترك ما ~~يشاء ...» # 11 # وننتهي من كلام الأئمة الحفاظ والمؤرخين الدال على عظم مكانة ابن ~~تيمية العلمية، بتلخيص كلمة الحافظ ابن ناصر الدين، وذلك إذ يذكر بعد ~~ثناء جميل وكلام طويل: حدث عنه خلق كثير، منهم الذهبي والبرزالي وأبو ~~الفتح بن سيد الناس، وحدثنا عنه جماعة من شيوخنا الأكياس، وقال الذهبي في ~~عد مصنفاته المجودة: وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلدة. # 12 # وأثنى عليه ms040 الذهبي وخلق بثناء حميد، منهم الشيخ عماد الدين الواسطي، ~~والعلامة تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، و(كمال الدين) بن الزملكاني، ~~وأبو الفتح (لعله يريد: ابن سيد الناس)، وابن دقيق العيد. # وحسبه من الثناء الجميل قول أستاذ أئمة الجرح والتعديل، أبي الحجاج ~~المزي الحافظ الجليل: «ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت ~~أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه.» # وترجمه بالاجتهاد وبلوغ درجته، والتمكن في أنواع العلوم والفنون، ابن ~~الزملكاني والذهبي والبرزالي بن عبد الهادي، ولم يخلف بعده من يقاربه في ~~العلم والفضل. # 13 # هكذا كان الشيخ العظيم فذا في عصره، وإماما يقتدى به في حياته وبعد ~~مماته، ونجما متألقا لم يعتره أفول منذ ولد حتى اليوم، لم ير في عصره ~~مثله ولم ير هو أحدا مثل نفسه كما قيل عنه بحق من بعض من ترجموا له، ~~وكان وما يزال بحرا زخارا بالعلم ارتوى منه معاصروه، ويرتوي الناس ~~منه في كل جيل وزمان ومكان. # الفصل الثاني # | جهاده التتار وكفاحه الظلم والمنكرات # المؤمن الصادق القوي # الإسلام عقيدة وعلم، هو الاعتقاد والإيمان الصادق الذي لا ريب فيه بالله ~~الواحد الأحد، مالك الأمر كله، وله مقاليد السماوات والأرض وما بينهما، ~~وهو مع هذا عمل بما توجبه هذه العقيدة وتدفع إليه من شرائع وأحكام، ~~وتعاليم وأخلاق وآداب. # ومتى صار الإنسان إلى هذه العقيدة فملكت عليه نفسه وقلبه، وأصبح لا يعيش ~~إلا بها ولها؛ كان مؤمنا صادقا قويا حقا، وهان عليه كل أمر بعد ~~ذلك، وعز به الإسلام والمسلمون كما كان شأن الصدر الأول من المسلمين ومن ~~ساروا على طريقهم من بعد. # وفي هؤلاء المؤمنين وأمثالهم يقول الله تعالى: # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون ~~، # 1 # ويقول: # إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون ~~. # 2 # والمؤمن القوي هو قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد، وهو أحب إلى ~~الله ms041 من المؤمن الضعيف، ويكون لهذا أهلا لتأييد الله ونصرته، وذلك وفاء ~~من الله بوعده؛ إذ يقول: # وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين ~~، ويقول: # يا ~~أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم ~~. # والمؤمن القوي بإيمانه بالله وتوكله حق التوكل عليه وحده، لا تهوله كثرة ~~الأعداء، ولا ينخلع قلبه لمرأى الجموع الزاحفة، فهو يلجأ لله القوي ~~العزيز وليه وناصره، ويندفع للجهاد طالبا إحدى الحسنيين: الظفر والنصر، ~~أو الاستشهاد في سبيل الله والحق، وحينئذ يكون بفضل الله ومشيئته من ~~الذين قال فيهم: # يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ~~* الذين استجابوا لله والرسول ~~من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ~~منهم واتقوا أجر عظيم * الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة ~~من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا ~~رضوان الله والله ذو فضل عظيم ~~. # 3 # وبهؤلاء المؤمنين الأقوياء بالله والذين صدقوه ما وعدوه، انتصر الإسلام، ~~وغلبت القلة المؤمنة الكثرة المشركة بفضل الله، وانتشر الإسلام شرقا ~~وغربا حتى ملأ الأرض، ودالت دولتا الأكاسرة والقياصرة، والله دائما مع ~~المؤمنين. # المدافع عن الدين والوطن # وابن تيمية لم يكن على ما عليه الجمهور من علماء الدين هذه الأيام، بل ~~كان مؤمنا حقا بالله، عاملا بشريعته، متوكلا حق التوكل عليه، ~~معتزا بحوله وقوته، عالما بأن الجهاد في سبيل الله والوطن من أفضل ~~القربات إلى الله، وأنه فرض على القادر عليه بنفسه وماله أو بهما كليهما ~~معا، موقنا بأن الله لا يضيع أجر المجاهدين والعاملين، وبأنه تعالى ~~فضل المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما. # لم يتردد، إذن، الشيخ ابن تيمية في أن يكون في طليعة المجاهدين للتتار ~~بنفسه، هؤلاء الذين زحفوا على الشام كالطوفان أو السيل العرم، والذين لا ~~تصلهم وشيجة بالعرب أو الإسلام من جنس أو عقيدة، والذين كانوا يرون أنه ~~لن تقف أمة أو دولة أو قوة أمامهم في أي بلد من البلاد في العالم ~~كله. # وهنا يظهر ابن تيمية العالم ms042 العامل، المؤمن القوي، المجاهد في سبيل الله ~~وأمته حامية دينه وشريعته ومثله العليا، فتكون له مع هذا العدو الداهم ~~مواقف محمودة من الله والناس، وتكون لهذه المواقف آثارها العظيمة في ~~إذكاء الروح الديني والوطني لدى الملوك والسلاطين وعامة الناس. # وتكون النتيجة أن عرف التتار الهزيمة الساحقة بعد طول انتصارهم، وبذلك ~~كفى الله أخيرا الإسلام والعرب والمسلمين شرهم إلى الأبد. # مواقف مجيدة # ونحن نذكر هنا بعض هذه المواقف المجيدة، وبهذا يتبين لنا أي رجل كان ابن ~~تيمية في هذه الناحية بعد أن عرفنا سابقا كيف كان في علمه وفضله ~~ودينه: ~~(1) # لما زحف التتار على الشام، وتسامع الناس بأنهم يريدون ~~أيضا قصد مصر، تملك الرعب قلوب الأهلين، واتفق بعض أعيان ~~البلد والشيخ على لقاء ملكهم قازان # 4 # فذهبوا إليه وتكلم معه ابن تيمية كلاما ~~شديدا، وكانت الغاية أخذ الأمان لأهل دمشق ثم إيقاف ~~زحفهم الداهم وإنقاذ العباد والبلاد منهم. # ويشير بعض المؤرخين إلى هذه المقابلة (كانت سنة 699) ~~بقوله: إن شجاعته كانت تضرب بها الأمثال، وببعضها يتشبه ~~أكابر الأبطال، وقد أقامه الله في نوبة غازان، وقام ~~بأعباء الأمر بنفسه، واجتمع بالملك مرتين، وكان «سيف ~~الدين قيجق المنصوري» # 5 # يتعجب من إقدامه على المغول (هم ~~التتار). # قال القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل الله في ~~ترجمته: جلس الشيخ إلى السلطان غازان؛ حيث تجم الأسود في ~~آجامها، وتسقط القلوب داخل أجسامها ... خوفا من ذلك السبع ~~المغتال، والنمروذ المحتال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة ~~محتال ... # جلس إليه، وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره ~~(كان الحديث طبعا بواسطة ترجمان)، وطلب منه الدعاء، فرفع ~~يديه ودعا له دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه. # 6 ~~(2) # وفي سنة 700 اشتد الخطر على الشام من ذلك العدو الرهيب، ~~فأصبح الناس ما بين هارب أو لا يجد بدا من الاستسلام، ~~فخرج الشيخ في مستهل جمادى الأولى - والناس على خطة صعبة ~~من الخوف والفزع - إلى نائب الشام، فثبتهم وقوى جأشهم ~~ووعدهم النصر على الأعداء إن صبروا وأعدوا ms043 العدة للقائه، ~~وتلا قوله تعالى: # ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه ~~لينصرنه الله إن الله لعفو ~~غفور ~~، وبات عند العسكر. # ثم لم يجد أولو الأمر والناس ملاذا إلا إليه، فطلب ~~النائب والأمراء إليه أن يركب على البريد إلى مصر يستحث ~~السلطان أن يجيء بالجيش لإنقاذ الشام، وهنا في القاهرة ~~قال لهم فيما قال: «إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، ~~أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن»، ثم ~~قال: «لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، ~~واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه ~~وسلاطينه، وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم.» وقوى جأشهم ~~وضمن لهم النصر هذه الكرة، فخرجوا إلى الشام وكان الظفر والنصر. # 7 # ويصف ابن رجب هذه السفارة التي نجحت نجاحا عظيما ~~بقوله: وقد سافر الشيخ على البريد إلى الديار المصرية ~~يستنفر السلطان عند مجيء التتر سنة من السنين، وتلا عليهم ~~آيات الجهاد، وقال: «إن تخليتم عن الشام ونصرة أهله والذب ~~عنهم، فإن الله تعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم، ويستبدل ~~بكم سواكم»، وتلا عليهم قوله تعالى: # وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم ~~، وقوله تعالى: # إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما ويستبدل قوما ~~غيركم ولا تضروه ~~شيئا ~~. # وبلغ ذلك الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكان هو القاضي ~~حينئذ، فاستحسن ذلك وأعجبه هذا الاستنباط، وتعجب من ~~مواجهة الشيخ للسلطان بمثل هذا الكلام. # 8 ~~(3) # ولم يكتف الشيخ بالعمل الدائب على تحريض الناس والسلطان ~~والأمراء في مصر والشام على القتال، بل نراه سنة 702 يلقي ~~بنفسه في الميدان، وذلك في واقعة «شقحب» التي جمع فيها ~~التتار جموعهم واستعدوا لها بكل قواهم، وكان بسبب ذلك أن ~~بلغت القلوب الحناجر وزلزل الناس زلزالا شديدا. # في هذه الموقعة شهد ابن تيمية القتال بنفسه، وقاتل فيها ~~هو وجماعة من أصحابه، وكانت في رمضان من العام المذكور، ~~وانتهت بنصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، وقتل فيها من ~~التتار خلق كثير لا يعلم عدتهم إلا الله بحيث لم يسلم ~~منهم إلا ms044 القليل. واستقرت القلوب بهذا الفتح العظيم ~~والنصر المبارك الكبير، وأقبل الناس على الشيخ بالتهنئة ~~والدعاء بما يسر الله على يديه من الخير الكثير. # وذلك - كما يذكر ابن كثير # 9 ~~- بأن العسكر الشامي ندبه إلى السير إلى ~~السلطان يستحثه على السير إلى دمشق بعد أن كاد يرجع إلى ~~مصر، ففعل ذلك وجاء هو وإياه إلى المدينة، ثم سأله ~~السلطان أن يقف معه في المعركة، فقال: السنة أن يقف ~~الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا ~~معهم. # ثم أخذ يحرض السلطان على القتال، وبشره بالنصر، وجعل ~~يحلف بالله الذي لا إله إلا هو إنكم لمنصورون عليهم، ~~فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله ~~تحقيقا لا تعليقا. # الله أكبر، والعزة له تعالى ولرسوله وللمؤمنين، ما أكبر ~~هذه الثقة بالله التي ملأت قلب ابن تيمية وفاضت على كل من ~~حوله من المجاهدين المقاتلين! إنها ثقة المؤمن الصادق ~~القول في ربه القوي العزيز، فكأنه كان يستشف الغيب من ~~ستار رقيق. # ولم لا؟ والله لن يخلف وعده، وقد وعد في كتابه العظيم ~~عباده المؤمنين بالنصر؛ إذ قال: # وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين ~~، وقال: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا ~~، ومن أوفى بعهده ~~ووعده من الله! # أثره في هذا الجهاد # نكتفي بهذه المواقف لابن تيمية في جهاد التتار بنفسه، فهذه المواقف ~~كثيرة نستطيع أن نعد منها لا أن نعدها كلها، ونعتقد - ويؤيدنا التاريخ ~~والواقع فيما نعتقد - أن أثر الشيخ العظيم كان كبيرا وفعالا في هذه ~~الناحية. # فقد رأينا كيف كانت هزيمة التتار الساحقة، وبخاصة في موقعة «شقحب»؛ ~~نتيجة لسعيه المشكور في جمعه جيش مصر مع جيش الشام في الميدان، ولتحريضه ~~الدائب للسلطان والأمراء والناس جميعا على الثبات، والثبات للعدو الداهم ~~العظيم البأس والخطر. # ونرى سنة 699 التتار يقتربون من دمشق فتزايد فزع الأهلين، وطلب سيف ~~الدين قبجق من نائب القلعة تسليمها لهم فأبى، ثم تكلم معه أعيان البلد في ~~ذلك فأبى أيضا وصمم على ترك تسليمها إليهم ms045 وفيها عين تطرف، ونحن نقول: ~~لماذا وقف نائب القلعة هذا الموقف المجيد؟ # ذلك ما يجيب عنه ابن كثير في تاريخه إذ يقول: إن الشيخ تقي الدين أرسل ~~إلى نائب القلعة يقول له ذلك: لو لم يبق فيها إلى حجر واحد فلا تسلمهم ~~ذلك إن استطعت! وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام، فإن الله حفظ لهم ~~هذا الحصن والمعقل الذي جعله الله حرزا لهم. # 10 # وقصارى القول: إن الله «أحيا به الشام، بل والإسلام بعد أن كاد ينثلم ~~بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله ~~الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأب النفاق وأبدى صفحته» كما يقول الحافظ ~~الذهبي في ترجمته له في معجم شيوخه. # 11 # وذلك لأن الله فطر قلوب الناس والملوك والأمراء على طاعته والانقياد له ~~في أغلب الأمر؛ لأن تأثيره عليهم كان قويا عظيما، فقد كان إيمانه ~~بالله وبما يقول مددا ضخما لقوة تأثيره، كما كان لتكوينه الجسمي ~~والعقلي ما يجعله مهيبا مسموع الكلمة. # فقد ذكر الذين رأوه ووصفوه أنه كان قوالا بالحق نهاء عن المنكر، ذا ~~سطوة وإقدام وعدم مداراة، كما كان أبيض شديد سواد الرأس واللحية قليل ~~الشيب، شعره إلى شحمتي أذنيه، عيناه لسانان ناطقان، ربعة بين الرجال، ~~جهوري الصوت، فصيح اللسان، مع فرط ذكاء، وسيلان ذهن. # كل هذا، وما إليه من سائر خلاله وصفاته العقلية والخلقية جعل لكلامه ~~ومواقفه التأثير القوي والعاقبة الطيبة، حتى نصر الله به الجيش، وأعز به ~~الإسلام والمسلمين. # كفاحه الظلم # ننتقل بعد ذلك إلى مواقفه المحمودة القوية ضد الظلم والظالمين، وضد ~~البدع والمنكرات وأصحابها والمتشيعين لها، وقد فطره الله تعالى على ما ~~علمنا من الجهر بالحق لا يخاف فيه لومة لائم، كما كان شديدا في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل الجاد لإزالته. # كان لشيخ الإسلام من الإيمان والشجاعة والتأسي برسول الله وصحابته، ومن ~~الأخلاق الرفيعة القوية، ما يجعله لا ينام على ظلم ولا ينيم الظالم مهما ~~يكن بأسه شديدا؛ وذلك لما رواه سيدنا أبو بكر أنه سمع ms046 الرسول # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم ~~الله بعقاب منه.» # كما كان له من ذلك كله ما يجعله لا يرى الوقوف على إنكار المنكر بلسانه، ~~فإن هذا هو أضعف الإيمان كما جاء في الحديث، بل هو يعمل بقوة لإنكاره ~~باللسان ثم باليد إن لزم الأمر. # وهو في هذا يتأسى بالرسول # صلى الله عليه وسلم # إذ يقول: «لتأمرن بالمعروف ~~ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم ~~تدعونه فلا يستجاب لكم.» # والباحث في كتب التاريخ والتراجم يجد الكثير من مواقف ابن تيمية لله في ~~هذه الناحية، ولكننا نكتفي هنا بذكر القليل منها مما يدل دلالة كافية ~~قوية على ما نريد: ~~(1) # يذكر ابن شاكر الكتبي، على سبيل التمثيل بشجاعته وعمله ~~على رفع الظلم، أن رجلا من الناس شكا إليه من ظلم نزل به ~~من قطلو بك الكبير، وكان هذا فيه جبروت ويأخذ أموال الناس ~~غصبا، فدخل عليه الشيخ غير هياب ولا وجل، وتكلم معه ~~فيما جاء به إليه، فقال له قطلو بك: أنا كنت أريد أن أجيء ~~إليك لأنك عالم زاهد! يعني الاستهزاء به، فقال له الشيخ: ~~موسى كان خيرا مني، وفرعون كان شرا منك، وكان موسى ~~يجيء إلى باب فرعون كل يوم ثلاث مرات، ويعرض عليه الإيمان. # 12 ~~(2) # وفي إبان اشتداد الحال مع التتار، ووجوب التقرب إلى الله ~~بالطاعات والبعد عن المنكرات حتى يكونوا أهلا لنصره، كان ~~كثير من الناس لا يزالون مصرين على عاداتهم الخبيثة من ~~الاتجار بالخمر وفتح الخمارات، وكان ذلك خليقا بأن يثير ~~المؤمنين الصادقين وعلى رأسهم الشيخ العظيم ابن ~~تيمية. # ولهذا يذكر ابن كثير في حوادث سنة 699 أنه في السابع عشر ~~من رجب دار الشيخ تقي الدين رحمه الله وأصحابه على ~~الخمارات والخانات، فكسروا أواني الخمور وأراقوها، ~~وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش، ~~ففرح الناس بذلك. # ولعل شدة ابن تيمية في هذه الناحية، وتكرر ذلك منه، قد ~~أثار ضده ms047 جماعة من شانئيه، فثار بعضهم وشكوا منه بأنه ~~يقيم الحدود ويعزر الناس على ما يرى. ولكن الأمر سكن بعد ~~أن تكلم هو أيضا في شكاتهم وبين لهم أنه محق وأنهم مخطئون. # 13 ~~(3) # وكان من الطبيعي أن يكون للشيخ أنصار يؤازرونه على إزالة ~~المنكرات وقتال المفسدين، عملا بقوله تعالى: # ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون ~~. # ولذلك نرى أنه في شوال سنة 700 يخرج ومعه خلق كثير لقتال ~~ناحية جبال الجرد وكسروان بسبب فساد نيتهم وعقائدهم ~~وضلالهم، لممالأتهم التتار حين كانوا ينتصرون، فلما وصلوا ~~إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إليه معتذرين، فاستتابهم وبين لهم ~~الحق، فحصل بذلك خير كثير وانتصار كبير على أولئك المفسدين. # 14 # ومن المعروف أن الشيخ كان شديد الإنكار للتوسل بغير الله ~~الواحد الأحد، وشديد الإنكار أيضا لتقديم شيء من شعائر ~~العبادة والتقديس لغيره تعالى ؛ ولهذا نراه في شهر رجب سنة ~~704 يروح إلى مسجد التاريخ، ويأمر أصحابه ومعهم حجارون ~~بقطع صخرة كانت هناك بنهر «قلوط» تزار وينذر الناس لها، ~~فقطعها وأراح الله المسلمين منها ومن الشرك بها كما يقول ~~ابن كثير. # 15 # ويظهر أن ابن تيمية كان وحده رأس القائمين بتغيير المنكر ~~باللسان، وباليد إن وجب الأمر، فإنه في تلك السنة نفسها - ~~على ما يذكر ابن كثير - أحضر إليه شيخ كان يلبس دلقا ~~كبيرا متسعا جدا يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر ~~بحلق شعره وتقليم أظافره وكان ذلك طويلا جدا، وحف ~~شاربه المسبل على فمه المخالف للسنة. # وقد فعل به ذلك كله، ثم استتابه من فاحش القول الذي كان ~~يصدر عنه، ومن أكل ما يغير العقل من الحشيشة، ومن كل ما ~~لا يجوز من سائر المحرمات. ~~(4) # وأخيرا نشير إلى خروج الشيخ الأكبر في أوائل شهر المحرم ~~من سنة 705 إلى بلاد الجرد والرفض واليتامنة، وتبعه نائب ~~السلطنة جمال الدين الأفرم بنفسه، فنصرهم الله عليهم، ~~وأبادوا كثيرا منهم ومن فرقتهم الضالة، ثم عاد نائب ~~السلطنة في صحبة الشيخ إلى دمشق. # وقد كان لحضور ms048 الشيخ هذه الغزوة بنفسه أثر فعال في ~~النصر، وأبان فيها ما هو معروف عنه من العلم والشجاعة، ~~وكان منها خير كثير. # 16 # وبعد، إني أكتب هذه الكلمات موقنا بأن ابن تيمية لم يكن مؤمنا حقا ~~قويا فحسب، ولا ذا شخصية عارمة فحسب، ولكنه كان مع ذلك كله يشعر شعورا ~~بالغ المدى بالمسئولية التي ألقاها الله على عاتقه باعتباره رجلا مسلما ~~عربيا، وباعتباره من العلماء بدين الله وشريعته الذين يراهم الناس موضع ~~الأسوة والقدوة. # إن هذا الشعور القوي بما عليه من مسئوليات هو مفتاح شخصيته في رأينا، ~~هذه الشخصية التي جعلته يأتي بالعجب العجاب في زمنه، فصار من الخالدين ~~على مر الزمان. # إن إحساسه بما عليه من مسئولية باعتباره ابنا من أبناء الإسلام ~~والعروبة، جعله يجاهد بنفسه في حرب التتار لتحرير الوطن الكبير منهم، ~~ودفع شرهم عن الإسلام والمسلمين؛ وبذلك كان فعالا لا واعظا قوالا ~~فقط كما هو شأن الأكثرية الكاثرة من رجال الدين هذه الأيام! # وإن إحساسه بما فرض الله من مسئوليات - باعتباره عالما من علماء الدين، ~~والعلماء ورثة الأنبياء - في بيان الدين والحفاظ عليه، ألقى على كتفيه ~~تبعات ثقالا قام بها خير قيام على ما رأينا، أو على ما سنرى في فصول ~~البحث القادمة، إن شاء الله تعالى. # الفصل الثالث # | خصومه، محنته، ووفاته # رأينا الشيخ ابن تيمية فارسا مجليا في حرب التتار يشري نفسه ابتغاء مرضاة ~~الله، ويقذف بها في المعارك في سبيل الله والوطن والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، حتى كتب الله ~~النصر للعرب والمسلمين. # ورأيناه مع ذلك على رأس الذين يعملون بألسنتهم وأيديهم لإقامة دين الله ونصر ~~سنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو يحارب البدع وأصحابها، والظلم ومقترفيه، والمنكر على ~~كافة ضروبه، يحارب ذلك كله بكل سبيل، ولا يألو جهدا. # والآن نراه فارسا يصول ويجول في حلبة صراع أخرى مع خصوم أشداء أجمعوا أمرهم ~~على عدائه ومناوأته، صراع لم يخمد أواره وينقشع غباره إلا بوفاته ولحاقه بربه ~~الذي يعلم ms049 السر وأخفى. # خصومه # كان خصومه في هذا الصراع المستميت من الفقهاء والمتصوفة، وهو الذي خلقهم ~~بصراحته وجرأته، وبذهابه إلى آراء لم تؤثر عن الفقهاء السابقين، وإرساله ~~كلمات أحجم عن التصريح بمثلها الأولون والآخرون، ومست بعض ما يعده ~~القوم مقدسات لا يجوز المساس بها، بل ينبغي أن تظل هكذا أبد ~~الآبدين. # وهذه الأسباب التي جلبت على ابن تيمية خصومات كثير من معاصريه من ~~الفقهاء وأصحاب الحديث وغيرهم، قد عرفها وأحسها كثير من عارفي الشيخ ~~ومحبيه ومقدريه، وفي هذا يقول ابن رجب وهو يتحدث عن الشيخ عماد الدين ~~الواسطي وإجلاله وتعظيمه لابن تيمية: ولكن كان هو وجماعة من خواص أصحابه ~~ربما أنكروا من الشيخ كلامه في بعض الأئمة الكبار الأعيان، وفي أهل ~~التخلي والانقطاع (يريد الزهاد والمتصوفة) ونحو ذلك، وكان الشيخ رحمه ~~الله لا يقصد بذلك إلا الخير والانتصار للحق. # وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم كانوا يحبون الشيخ ~~ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة، كما ~~هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين كالشافعي وأحمد ... # وكذلك كثير من العلماء، من الفقهاء والمحدثين والصالحين، كرهوا له ~~التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها، حتى إن ~~بعض قضاة العدل من أصحابنا (يريد الفقهاء الحنابلة) منعه من الإفتاء ببعض ذلك. # 1 # ثم يذكر ابن رجب بعد هذا، وهو ينقل عن الذهبي بعض ما قاله فيه: «ولقد ~~نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور ~~لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر ~~هو عليها. # حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدعوه ~~وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يماري، بل يقول الحق المر الذي ~~أداه إليه اجتهاده ... # فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية مصرية، وكم من نوبة قد رموه ~~عن قوس واحدة فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة ~~والاستعانة به، قوي التوكل، ثابت الجأش ...» إلى آخر ما قال. # ولعل من الحق علينا هنا ms050 أن نضيف إلى تلك الأسباب التي خلقت هذه ~~الخصومات، سببا آخر نحس آثاره في كل عصر، وهو داء الحسد الذي إذا تملك ~~قلب إنسان أفسده وأعمى بصيرته، وجعله لا يبغي لخصمه إلا الشر والأذى؛ ~~ولهذا أمرنا الله أن نتعوذ من الحسد والحاسدين في سورة من قصار ~~المفصل. # ومهما يكن فإن الشيخ العظيم لم يكن يبالي شيئا من ذلك كله، بل كان يصدع ~~بالحق الذي أداه إليه اجتهاده وإن كان مرا، متوقع الأذى، ويقبله راضيا ~~محتسبا، وفي هذا يصدق عليه قول الشاعر العربي المؤمن: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان في الله مصرعي # مواقف ومحن # كان ابن تيمية على ما عرفنا بحرا زاخرا بالعلوم العديدة المختلفة، ~~وكان في جميع علومه ومباحثه مجتهدا حر الرأي لا يتقيد إلا بكتاب الله ~~وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ومن ثم ظهر بآراء شذ بها في رأي معاصريه من ~~الفقهاء والعلماء، فوقفوا دونه فيها ونالوه بالأذى من أجلها، وظاهرهم في ~~بعض مواقفهم رجال من ذوي الجاه والسلطان. # ومن هذه الآراء ما هو في الفقه، ومنها ما هو في العقيدة الدينية وعلم ~~الكلام، ومنها ما هو في التصوف والفلسفة بصفة عامة التي كان يعاديها عداء ~~شديدا. ومن ذلك، كان خصومه عديدين، وكانت له مواقف كثيرة معهم، ونتج عن ~~هذا ضروب من المحن والشدائد حاقت به حتى انتهى الأمر بوفاته وهو معتقل ~~مسجون. # ونحن لا نتعرض هنا لكل مواقفه مع خصومه، ولا لكل آرائه التي خالفه فيها ~~معاصروه، فربما تناولنا هذا فيما بعد في القسم الخاص بفقهه وآرائه في ~~علم الكلام والفلسفة والتصوف، وغير هذا كله من العلوم والدراسات. # وحسبنا أن نتناول في هذا الفصل بعض المسائل الهامة التي كان له في كل ~~منها موقف مع خصومه، وبخاصة التي كان لها أكبر الأثر فيما أصيب به من محن ~~قابلها بالصبر والرضا حتى لحق بالرفيق الأعلى: ~~(1) # يذكر صاحب «فوات الوفيات» # 2 # أن الشيخ العظيم أملى سنة 698 المسألة ~~المعروفة بالحموية في قعدة بين الظهر والعصر، ms051 وهي رسالة ~~أجاب بها عن سؤال ورد من «حماة» في الصفات، وجرى له ~~بسببها محنة، ولكن الله نصره وأذل أعداءه. # والواقع أن مسألة صفات الله تعالى، التي وصف بها ذاته في ~~القرآن، أثارت وما تزال تثير خلافا وجدلا كثيرا بين ~~رجال علم الكلام. # مثلا، يقول الله تعالى: # الرحمن على العرش استوى ~~، ~~ويقول: # وجاء ربك والملك ~~صفا صفا ~~، ويقول: # يد الله فوق أيديهم ~~. فهل هذه ~~الآيات تدل على أنه تعالى استوى حقا على العرش، وأنه ~~يجيء وينتقل، وأن له يدا، مع ما في القول بذلك من ~~التجسيم أو التشبيه؟ أو يجب تأويل الآية الأولى بأن ~~المراد أنه استولى على العرش، والثانية بأنه جاء أمرنا، ~~والثالثة بأن قدرته فوق قدرة البشر جميعا. وبهذا التأويل ~~نبعد الله سبحانه وتعالى عن شبهة التجسيم وعن مشابهة ~~المخلوقات. # يرى علماء السلف رضوان الله عليهم بأن علينا أن نؤمن بما ~~جاء في القرآن من هذه الصفات دون تأويلها؛ لأن تأويلها ~~وبيان المراد منها حقا فوق طاقتنا، مع الاعتقاد في ~~الوقت نفسه بتنزيه الله عن مشابهته لبعض ما خلق. # ويرى المتأخرون من رجال علم الكلام، وبخاصة الأشاعرة ~~منهم، وجوب تأويل هذه الآيات وأمثالها على النحو الذي ~~ذكرناه أو ما يشبهه، وبهذا انسد باب التجسيم والتشبيه ~~عن الله سبحانه وتعالى. # وقد كان شيخ الإسلام سلفيا في كل آرائه، فاتهم بلا ~~حق بأنه يرى رأي المجسمة أو المشبهة، وأثار خصومه ~~الناس وبعض السلاطين والأمراء عليه بسبب آرائه في هذه ~~المسألة التي جاءت في الرسالة الحموية، فكانت فتنة ومحنة ~~نجاه الله منها كما ذكرها صاحب «فوات الوفيات». # ويبسط ابن كثير القول قليلا في هذه المسألة، فيذكر أنه ~~في أواخر دولة الملك المنصور لاجين السلحداري قام على ابن ~~تيمية جماعة من الفقهاء وأرادوا أن يحضر إلى مجلس القاضي ~~الحنفي جلال الدين، ولكنه أبى أن يحضر، فشنعوا عليه ~~بالمناداة في البلد ضد رأيه الذي أبانه في الرسالة ~~الحموية. # ولكن أحد الأمراء انتصر له وأرسل يطلب من قالوا ضده، ~~فاختفى الكثيرون منهم، كما ضرب ms052 بعض من نادوا عليه فسكت ~~الباقون وسكنت الفتنة. # ثم اجتمع الشيخ بالقاضي إمام الدين وعنده جماعة من ~~العلماء والفضلاء، وبحثوه في الرسالة وناقشوه في مواضع ~~منها، فأجاب الشيخ عما سألوه بما أسكتهم بعد كلام كثير، ~~وكان القاضي إمام الدين معتقده حسنا ومقصده صالحا. # 3 ~~(2) # على أن خصومه لم يتركوه هادئا، واستعدوا عليه ذوي ~~السلطان متخذين عقيدته والطعن فيها لذلك سببا يتذرعون به ~~للنيل منه، وفي هذا يقول ابن رجب: ثم امتحن سنة 705 ~~بالسؤال عن معتقده بأمر السلطان، فجمع نائبه القضاة ~~والعلماء بالقصر، وأحضر الشيخ وسأله عن ذلك، فبعث الشيخ ~~من أحضر من داره «العقيدة الواسطية»، فقرءوها في ثلاثة ~~مجالس، وحاققوه وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن ~~هذه عقيدة سنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعا، ومنهم ~~من قاله كرها. # وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ~~ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف. # 4 # وهنا نذكر أن هذه العقيدة الواسطية نشرت مرات كثيرة، ~~وآخر نشرة لها سنة 1380ه/1961م بمطبعة المدني بالقاهرة، ~~ومن الخير أن نأتي هنا ببعض افتتاحه لها، وذلك إذ يقول ~~رحمه الله تعالى: ~~«أما بعد، فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام ~~الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره ~~وشره. # ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، ~~وبما وصفه به رسوله محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، من غير تحريف ولا ~~تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، بل نؤمن بأن الله سبحانه # ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير ~~، فلا ينفون ~~عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا ~~يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون ولا يمثلون ~~صفاته بصفات خلقه. # لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ند ~~له، ولا يقاس بخلقه، سبحانه وتعالى؛ فإنه أعلم بنفسه ~~وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا من خلقه. ثم رسله ~~صادقون مصدقون، بخلاف الذين يقولون عنه ما لا يعلمون.» # 5 ms053 ~~(3) # على أن الخصومة تجددت ثانيا في السنة نفسها؛ أي سنة ~~705، وإن اختلف الخصوم هذه المرة، فقد كانوا هم رجال ~~الطائفة الأحمدية من أهل الطرق الذين يموهون على الناس ~~بما يزعمون كرامات لهم، ومن هذه الكرامات أنهم يدخلون ~~النار ولا تمسهم بأذى. # وكان الفارس المتهم المشكو منه هو هو نفسه ابن تيمية ~~الذي لا تفوت عليه هذه الحيل، والذي لا يجامل ولا يداهن، ~~بل يقف دون البدع والدجالين صريحا شجاعا لا يخاف في ~~قول الحق لومة لائم. # ففي جمادى الأولى من هذا العام حضر جماعة من هذه الطائفة ~~إلى نائب السلطنة، وحضر الشيخ ابن تيمية، فسأل الأولون من ~~نائب السلطنة بحضرة الأمراء - كما يقول ابن كثير # 6 ~~- أن يكف الشيخ عنهم وأن يتركهم وحالهم، ~~فقال الشيخ: هذا ما لا يمكن، ولا بد لكل أحد أن يدخل تحت ~~الكتاب والسنة قولا وفعلا، ومن خرج عنهما وجب الإنكار ~~عليه. ومن أراد منهم أن يدخل النار منهم فليدخل أولا ~~الحمام ويغسل جسده جيدا، ثم يدخل إلى النار بعد ذلك إن ~~كان صادقا. # ولو فرض أن أحدا من أهل البدع دخل النار بعد أن يغتسل، ~~فإن ذلك لا يدل على صلاحه ولا على كرامته، بل حاله من ~~أحوال الدجاجلة المخالفة للشريعة إذا كان صاحبها على ~~السنة، فما الظن بخلاف ذلك! # وهنا ابتدر شيخ منهم وقال: نحن أحوالنا إنما تنفق عند ~~التتار وليست تنفق عند الشرع، فضبط الحاضرون عليه تلك ~~الكلمة، وكثر الإنكار عليهم من كل أحد. # ثم انتهى الحال على أن يخلعوا أطواق الحديد من رقابهم، ~~وأن من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. # وكان من أجل ذلك أن كتب الشيخ جزءا في هذه الطريقة، ~~وبين فيه أحوالهم ومسالكهم وتخيلاتهم، وما فيها من مقبول ~~ومردود بالكتاب، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم ~~وباطل ما كانوا يعملون. ~~(4) # وتقوم الفتنة مرة ثالثة بشأن عقيدته في هذه السنة نفسها، ~~بحيث يصح لنا أن نسميها «سنة المحنة» أو «سنة المحن ~~المتتابعة». وذلك أنه في أوائل رمضان من هذه ms054 السنة ورد ~~إلى دمشق كتاب من السلطان يحمل ابن تيمية إلى القاهرة ~~للكشف عما كان منه، فتوجه إليها على البريد وخرج معه خلق ~~كثير من أصحابه باكين خائفين عليه من أعدائه. # وكان من نائب السلطنة ابن الأفرم أن أشار عليه - كما ~~يذكر ابن كثير # 7 ~~- بعدم الذهاب إلى مصر، وقال له: أنا أكاتب ~~السلطان في ذلك وأصلح القضايا. فاعتذر الشيخ عن عدم قبول ~~هذه المشورة، وذكر له أن الخير في الذهاب إلى مصر، وأن في ~~ذلك مصالح كثيرة. # فلما جاءت لحظة السفر إلى مصر ازدحم الناس لوداعه ~~ورؤيته، «وهم بين باك وحزين من أجله، ومتفرج ومتنزه، ~~ومزاحم متغال فيه»، كما يقول ابن كثير. ووصل الشيخ إلى ~~القاهرة في الثاني والعشرين من رمضان، وعقد له غداة يوم ~~وصوله مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة وأكابر الدولة، ~~وأقيم الشمس بن عدنان مدعيا احتسابا، ثم أخذوا في ~~التحقيق معه. # وهنا ينبغي أن نشير إلى ما ذكره ابن رجب بشأن هذه المسألة ، # 8 # وهو أن المصريين هم الذين دبروا الحيلة في ~~أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث والجدل معه، وأجمعوا ~~أمرهم على أن يعقد له مجلس ويدعى عليه فيه وتقام عليه ~~الشهادات. # وكان القائمون في ذلك منهم بيبرس الجاشنكير الذي صار ~~سلطانا فيما بعد، ونصر المنبجي، # 9 # وكان خصما للشيخ لأكثر من سبب شديد المراس، ~~وابن مخلوف قاضي المالكية. # ومهما يكن من أمر، فقد عقد المجلس لمحاكمته، وادعى ~~عليه المدعي بأنه يعتقد أن الله على العرش حقيقة، وأنه ~~يشار إليه بالإشارة الحسية، وأنه يتكلم بحرف وصوت، ثم ~~قال: أطلب التعزير على ذلك؛ التعزير البليغ، يشير إلى ~~القتل على مذهب مالك. # فقال القاضي ابن مخلوف: ما تقول يا فقيه؟ فأخذ في حمد ~~الله والثناء عليه، فقيل له: أسرع، ما جئت لتخطب، فقال: ~~أأمنع من الثناء على الله تعالى! فقال القاضي: أجب، فقد ~~حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ. فقال: أجب! # فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو ~~الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت ms055 خصمي فكيف تحكم ~~في؟! وغضب، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد وقال: ~~رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس. # ويقال: إن أخاه شرف الدين ابتهل إلى الله ودعا عليهم في ~~حال خروجهم، فمنعه الشيخ وأمره أن يقول: اللهم هب لي ~~نورا يهتدون به إلى الحق! # ونعتقد نحن أنه رحمه الله كان يتأسى فيما أمر به أخاه ~~بقوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد اشتد إعراض قريش وأذاهم له: «اللهم ~~اهد قومي فإنهم لا يعلمون.» # وكان بعد هذا أن حبسوه في برج أياما نقل بعدها ليلة عيد ~~الفطر إلى السجن المعروف بالجب، وتلا ذلك إرسال كتاب ~~سلطاني إلى الشام بالطعن عليه والحط منه وإلزام الناس - ~~وبخاصة أهل مذهبه - بالرجوع عن عقيدته وإلا كان العزل ~~والحبس مصيرهم، ونودي بهذا في الجامع والأسواق. # وكان من الطبعي بعد ذلك أن ينال الحنابلة بمصر والشام ~~أذى كثير، حتى حبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع عن ~~العقيدة التي حوكم الشيخ وعوقب بالحبس هو وأخوه شرف الدين ~~من أجلها، كما جرت فتن كثيرة بسببها. # ولبث في السجن عاما وبضعة أشهر، ورفض الإفراج عنه على ~~أن يرجع عن بعض عقيدته. حتى إذا كان شهر ربيع الأول سنة ~~707 حضر حسام الدين مهنا بن عيسى أمير العرب إلى مصر ودخل ~~السجن وأخرج الشيخ بنفسه بعد أن استأذن في ذلك، وعقدت له ~~مجالس حضرها أكابر الفقهاء وانتهت على خير كما يقول ابن رجب. # 10 # ولكنه بعد إطلاقه رفض العودة إلى دمشق، وأقام بالقاهرة ~~يقرئ العلم على عادته ويتكلم في الجوامع والأماكن العامة، ~~ويجتمع الناس للإفادة منه. ~~(5) # على أنه لم يخرج من السجن إلا ليعود إليه في العام نفسه ~~بسبب شكاية تقدم بها الصوفية في شهر شوال ضده إلى القاضي ~~(أو الحاكم كما جاء في بعض النصوص)، وذكروا في شكايتهم ~~أنه يحمل على ابن عربي وغيره من أعلام التصوف، # 11 # وبعد سماع كلام الشيخ قال بعض الحاضرين إنه ~~ليس عليه في هذا شيء. # ولكن الدولة لم ترض بهذا (أغلب الظن أن ms056 ذلك كان بإشارة ~~من الشيخ نصر المنبجي عدو ابن تيمية، والذي كان له ~~التأثير الكبير على الملك المظفر ركن الدين بيبرس ~~الجاشنكير) فخير بين أشياء، وهي - كما يقول ابن رجب: ~~الإقامة بدمشق أو بالإسكندرية بشروط أو الحبس، فكان أن ~~اختار الحبس مؤثرا له على قبول تلك الشروط. # إلا أن أصحابه رغبوا إليه في السفر إلى دمشق ملتزما ما ~~شرطوه عليه، فأجابهم وركب فعلا متوجها إليها، إلا أنه ~~صدر الأمر برده، فرد في الغد إلى القاهرة وحضر عند ~~القاضي، فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس، إلا أن ~~أحدا من القضاة لم يجرؤ على الحكم عليه؛ لأنه ما ثبت ~~عليه شيء. # ولما رأى الشيخ تحيرهم بين الحق وبين ما تريده الدولة، ~~قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فأرسل ~~إلى حبس القاضي المعروف، واستمر فيه على عادته من التعليم ~~والإفتاء في الفتاوى المشكلة التي تأتيه من الأمراء ~~وأعيان الناس، وكان أصحابه يدخلون عليه كلما ~~أرادوا. # وحينئذ لم يجدوا بدا من إخراجه إلى الإسكندرية، وبقي ~~في حبس بها مدة سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير. فلما ~~عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة، أمر بإحضار ~~الشيخ إلى القاهرة في شوال سنة 709، وأكرمه إكراما ~~زائدا، وقام إليه وتلقاه في مجلس حفل بالقضاة المصريين ~~والشاميين وأعيان الدولة. # ثم استشاره في خصومه؛ إذ كان هم بقتل بعضهم فصرفه عن ~~ذلك وأثنى عليهم. وكان ابن مخلوف المالكي، يقول: ما رأينا ~~أفتى (من الفتوة والمروءة) من ابن تيمية، سعينا في دمه، ~~فلما قدر علينا عفا عنا. # 12 # واستمر الشيخ بالقاهرة على ما أخذ نفسه به من الاشتغال ~~بالعلم والفتوى، والناس والأمراء والجند يترددون عليه، ~~وكذلك الفقهاء الذين أخذ بعضهم في الاعتذار إليه. ثم عاد ~~إلى دمشق بعد غيبته عنها أكثر من سبع سنين، وكان هذا سنة ~~712. ~~(6) # لبث الشيخ بعد أن عاد إلى دمشق بضع سنين لا يزعجه خصومه، ~~فتفرغ لنشر العلم والتأليف والإفتاء، ولكنه تكلم في مسألة ~~الحلف بالطلاق وهي من المسائل الفقهية التي تفرد ms057 في عصره ~~بالقول بها، ورأيه أنه لا يقع الطلاق بالحلف به بدل الحلف ~~بالله، ولكن على الحالف إذا حنث في يمينه كفارة اليمين ~~المعروفة في القرآن. كما كان رأيه أن الطلاق الثلاث بلفظ ~~واحد لا يقع به إلا طلقة واحدة رجعية. # ولكن القوم وجدوا الأمر خطيرا، فإن الحلف بالطلاق يقع ~~به الطلاق عند الحنث في رأيهم، فصدر سنة 718 مرسوم سلطاني ~~بمنعه من الفتوى بعدم وقوع الطلاق، وعقد لذلك مجلس ونودي ~~بذلك في البلد ليكون الناس على بينة من أمورهم. # ولم يقفه هذا المرسوم عن الجهر برأيه لكل من يستفتيه، ~~وقال: لا يسعني كتمان العلم، واستمر على هذا حتى حبس ~~بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ثم أخرج من السجن ~~بعد ذلك وعاد إلى ما كان عليه من الاشتغال بالعلم والتعليم. # 13 # وقد أجمل ابن رجب ما كان في هذه المسألة بكلام واضح وذلك ~~إذ يقول: ثم في سنة 718 ورد كتاب من السلطان بمنعه من ~~الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، # 14 # وعقد له مجلس بدار السعادة، ومنع من ذلك ~~ونودي به في البلد. # ثم في سنة 719 عقد له مجلس أيضا كالمجلس الأول، وقرئ ~~كتاب السلطان بمنعه من ذلك، وعوتب على فتياه بعد المنع، ~~وانفصل المجلس على تأكيد المنع. # ثم بعد مدة عقد له مجلس ثالث بسبب ذلك، وعوتب وحبس ~~بالقلعة لأجل ذلك مرة أخرى، ومنع بسببه من الفتيا مطلقا، ~~فأقام مدة يفتي بلسانه، ويقول: لا يسعني كتم العلم. # 15 ~~(7) # وكاد الأمر ينتهي عند هذا الحد، لولا أن خصومه ظفروا ~~بفتيا قديمة له في مسألة «شد الرحال» المعروفة، فكان ~~اعتقال لم ينته إلا بوفاته. # وذلك بأنه يرى أن الذي عليه أئمة المسلمين وجمهور ~~العلماء هو أن السفر لأضرحة الأولياء، غير مشروع، بل هو ~~معصية من أشنع المعاصي لقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والأقصى، ومسجدي ~~هذا.» # على أنه يرى مع هذا أن السفر المشروع إلى مسجد النبي # صلى الله عليه ms058 وسلم # أو إلى المسجد الأقصى إنما يكون للصلاة التي ورد ~~الحديث في فضلها في أحدهما، وليس لأحد أن يفعل في ذلك ما ~~هو من خصائص البيت العتيق، كما يفعله بعض الضلال من ~~الطواف بالصخرة أو الحجرة النبوية. # 16 # وكان من الطبعي أن تثير هذه الفتوى خصوم الشيخ؛ إذ رأوا ~~فيها تنقصا لمقامات الأنبياء والأولياء والصالحين، ~~فرفعوا الأمر إلى السلطان، وهذا أصدر سنة 726 مرسوما ~~باعتقال صاحبها. # وسر الشيخ حين أخبر رسميا بهذا المرسوم، وقال: أنا كنت ~~منتظرا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة، وفعلا ~~اعتقل بقاعة بالقلعة بدمشق، وأقام معه أخوه زين الدين ~~يخدمه بإذن السلطان، ولكنه منع من الفتيا. # ولم يقف الأمر عند هذا، بل حبس بسجن الحكم جماعة من ~~أصحابه بأمر قاضي القضاة الشافعي، وذلك بمقتضى مرسوم نائب ~~السلطنة وإذنه له بأن يعمل في أمرهم ما توجبه الشريعة، ~~فعذر بعضهم ثم أطلقوا، سوى تلميذه الأشهر شمس الدين ~~محمد ابن قيم الجوزية، فإنه حبس بالقلعة أيضا، وعلى هذا ~~سكنت القضية إلى حين. # 17 # وأقبل الشيخ الصابر الراضي بقضاء الله وقدره على عبادة ~~الله وقراءة كتابه والتأليف والرد على مخالفيه، كما كتب ~~في المسألة التي حبس بسببها شيئا كثيرا، وكان فيما كتبه ~~فيها سنة 728 رد على ابن الإخنائي المالكي، وقد استجهله ~~في هذا الرد وبين له أنه قليل البضاعة في العلم، كما يذكر ~~ابن كثير. # فكان هذا سببا في أن رسم السلطان بحرمانه من الكتب ~~وأدوات الكتابة، فأخرجوا في تاسع جمادى الآخرة من هذا ~~العام كل ما كان عنده من الكتب والأوراق والدواة والقلم، ~~وبذلك منع من الكتابة والمطالعة. # وفي هذا يذكر صاحب «وفيات الوفيات» أنه كتب عقيب ذلك ~~بفحم يقول: إن إخراج الكتب من عنده من أعظم النقم، ثم بقي ~~أشهرا على ذلك، وزاد إقباله على التلاوة والعبادة ~~والتهجد حتى أتاه اليقين، فلم يفجأ الناس إلا نعيه؛ إذ ما ~~كانوا علموا بمرضه عشرين يوما. # وفاته # وأخيرا، آن لابن تيمية العالم ~~العابد الأواب، والمجاهد في سبيل الدين والوطن، ms059 وفي سبيل كتاب الله ~~وسنة رسوله، أن يلقى ربه الذي يعلم السر وأخفى، والذي لا يضيع أجر ~~العاملين. # آن له أن ينطلق من سجنه، وأن يرتاح من خصومه، وأن يترك الدنيا وما فيها ~~من متاع وزينة وجاه يتقاتل الناس من أجله، وقد كان ذلك كله على حبل ~~الذراع لو أراد، ولكنه صدف عن كل ذلك، وقصر حياته على إقامة الدين ونشر ~~العلم ابتغاء رضوان الله وحسن مثوبته. # وكانت وفاته - كما يقول علم الدين البرزالي في تاريخه - ليلة الإثنين ~~العشرين من شهر ذي القعدة سنة 728، وهو لا يزال في سجنه بقلعة دمشق، وكان ~~انتقاله إلى الرفيق الأعلى من أكبر الأحداث التي أخذت على الناس أنفاسهم ~~وقلوبهم. # وكان مشهد تشييعه إلى المقر الأخير أمرا عظيما، فقد تزاحم الناس على ~~جنازته، وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والثناء عليه والدعاء له. ولم تصل ~~الجنازة إلى مستقرها إلا قبيل وقت العصر مع أنها حضرت في الساعة ~~الرابعة من النهار؛ وذلك من كثرة الآتين للصلاة من أهل البساتين والغوطة ~~والقرى وغيرهم. # ويذكر ابن كثير، فيما قال في وصف جنازته وكثرة مشيعيها، أنه لم يتخلف عن ~~الحضور إلا من لم يستطع إلى ذلك سبيلا، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن ~~بخمسة عشر ألفا غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن، والجميع يترحمن ~~ويبكين عليه. وأما الرجال فحزروا بستين ألفا، إلى مائة ألف، إلى أكثر ~~من ذلك، إلى مائتي ألف. # 18 # ولما قضيت الصلاة عليه من الناس جماعة بعد أخرى، حمل إلى مقبرة الصوفية، ~~فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله. # رحم الله ابن تيمية، وأجزل ثوابه جزاء ما قدم للدين والعلم والأمة من ~~خير، وجعله مع الأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك ~~رفيقا. # وبعد: # فما كان ابن تيمية بائسا حزينا في سجنه، بل كان يراه قدرا مقدورا ~~عليه وفيه خير كثير له، ووجده فرصة طيبة للتفرغ للعلم والعبادة، وكان ~~يذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة الأخيرة من العلوم العظيمة ~~والأهوال الجسيمة. # وكان من قوله في هذا ms060 كما ينقل ابن رجب: قد فتح الله علي في هذا الحصن ~~في هذه المدة من معاني القرآن، ومن أصول العلم، بأشياء كان كثير من ~~العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني ~~القرآن. # وكذلك كان يقول فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: «إن في الدنيا جنة من ~~لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.» كما قال: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي ~~وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي ~~شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة!» # وكان في حبسه في القلعة يقول: «لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل ~~عندي شكر هذه النعمة.» أو قال: «ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من ~~الخير»، ونحو هذا. # وكان يقول في سجوده وهو محبوس: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن ~~عبادتك، ما شاء الله. وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور ~~من أسره هواه.» # ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: «فضرب بينهم بسور ~~له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.» # وهذه كلمات قصار لابن تيمية في أيامه الأخيرة، ولكنها على وجازتها ~~تظهرنا على إيمانه العميق بالله ورضائه من كل قلبه بقضائه وقدره، وتدلنا ~~على فهمه حق الفهم للحياة وما تأتي به من نعيم وبؤس، وقدرته على أن ينظر ~~من كل حدث إلى ما فيه من خير ونعمة، وبذلك يعيش قرير العين راضي النفس، ~~وهكذا كان رضوان الله عليه. # بعض رثائه # ترك ابن تيمية الدنيا للراغبين فيها المتقاتلين في سبيلها، فكان طبعيا ~~أن يشعر المسلمون وبخاصة أصحابه وتلاميذه بالحزن واللوعة لفقده، وأن ~~تترجم ألسنتهم نثرا وشعرا عن هذا الألم والأسى؛ ولهذا كثر الذين قاموا ~~برثائه شعرا. # ونحن نذكر بعض هذا الذي رثي به من الشعر، وهو إلا يكن من جيد الشعر ~~ومشرقه من ناحية ألفاظه وأسلوبه، فإنه يعبر عن العاطفة الصادقة والتقدير ~~العظيم للإمام الكبير. # فمن ذلك قصيدة للشيخ زين الدين عمر بن الودري، يقول فيها: # 19 # عثا في ms061 عرضه قوم سلاط # لهم من نثر جوهره التقاط # تقي الدين أحمد خير حبر # خروق المعضلات به تخاط # توفي وهو محبوس فريد # وليس له إلى الدنيا انبساط # ولو حضروه حين قضى لألفوا # ملائكة النعيم به أحاطوا # فتى في علمه أضحى فريدا # وحل المشكلات به يناط # ثم يقول: # فيا لله ما قد ضم لحد # ويالله ما غطى البلاط # هم حسدوه لما لم ينالوا # مناقبه فقد مكروا وشاطوا # وكانوا عن طرائقه كسالى # ولكن في أذاه لهم نشاط # وحبس الدر في الأصداف فخر # وعند الشيخ بالسجن اغتباط # بآل الهاشمي له اقتداء # فقد ذاقوا المنون ولم يواطوا # ثم يقول: # ألم يك فيكمو رجل رشيد # يرى سجن الإمام فيستشاط؟! # إمام لا ولاية كان يرجو # ولا وقف عليه ولا رباط # ولا جاراكمو في كسب مال # ولم يعهد له بكم اختلاط # ثم ينتهي بقوله: # فها هو قد مات واسترحتم # فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا # وحلو واعقدوا من غير رد # عليكم، وانطوى ذاك البساط # ورثاه ابن فضل الله العمري بقصيدة طويلة، ونحن نذكر منها: # 20 # مثل ابن تيمية في السجن معتقل # والسجن كالغمد، وهو الصارم الذكر # مثل ابن تيمية تذوي خمائله # وليس يلقط من أفنانه الزهر # مثل ابن تيمية شمس تغيب سدى # وما ترق بها الآصال والبكر # مثل ابن تيمية يمضى وما عبقت # بمسكه العاطر الأردان والطرر # ثم يقول في حساده ومناوئيه: # وهل فيهمو صادع للحق مقوله # أو خائض للوغى والحرب تستعر؟ # رمى إلى نحر «غازان» مواجهة # سهامه من دعاء عونه القدر # بتل راهط والأعداء قد غلبوا # على الشآم وطال الشعر والشرر # وشق في المرج والأسياف مصلتة # طوائفا كلها أو بعضها تتر # هذا، وأعداؤه في الدار أشجعهم # مثل النساء بظل الباب مستتر # هذا قليل من كثير رثي به الشيخ من عارفي فضله وحسن بلائه في سبيل ~~الإسلام والمسلمين والوطن، بعد أن صار من المتقين في جنات ونهر، في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر. # تراثه العلمي # تناول ابن تيمية علوم عصره بالدرس الواسع العميق، ثم بالتأليف بعد أن ~~أحاط بها ms062 خبرا، ورد على مخالفيه - وبخاصة علماء الكلام والمنطق ~~والتصوف والفلسفة - برسائل لطيفة أحيانا، وبكتب مطولة أحيانا أخرى، ~~وكانت نتيجة ذلك كله أن ترك عددا ضخما من المؤلفات يقول أكثر من ترجموا ~~له إنه يصل إلى خمسمائة. # 21 # ويكتفي ابن الوردي بأن يذكر أنه ما يبعد أن تصانيفه إلى الآن خمسمائة ~~مجلدة، ثم يقول: وله في غير مسألة مصنف مفرد كمسألة التحليل وغيرها، وله ~~مصنف في الرد على ابن مطهر الرافضي الحلي (أو إمام الشيعة الإمامية في ~~زمنه ابن المطهر الحلي البغدادي، كما يذكر بعض الباحثين) في ثلاثة ~~مجلدات كبار، وتصنيف في الرد على «تأسيس التقديس» للرازي في سبعة ~~مجلدات. # وكتاب في الرد على المنطق، وكتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول في ~~مجلدين، وقد جمع أصحابه من فتاويه ست مجلدات كبار ... وله مصنف سماه ~~«السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية»، وكتاب «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». # 22 # وإذا كان ابن الوردي كان موجزا هكذا في بيان بعض مؤلفات شيخه الإمام، ~~فإن ابن الكتبي كان مطيلا في هذه الناحية، كما حاول أن يصنف ما ذكره من ~~مؤلفاته حسب العلوم المختلفة ؛ أي في التفسير، وأصول الدين، وأصول الفقه، ~~وغيرها من العلوم والمعرفة. # 23 # هذا، وبالرجوع إلى دائرة المعارف الإسلامية نجد أن كاتب مادة «ابن ~~تيمية» وهو الأستاذ محمد بن شنب يذكر أنه وصل إلينا من الخمسمائة مؤلف ~~التي يقال إنه صنفها: (1) رسالة الفرقان بين الحق والباطل. (2) معالم ~~الأصول، وهو تفنيد لقول الفلاسفة والقرامطة الذين يذهبون إلى أن الأنبياء ~~قد يكذبون في بعض الأحيان. (3) التبيان في نزول القرآن. (4) الوصية في ~~الدين والدنيا (ويطلق عليه الوصية الصغرى). (5) رسالة النية في ~~العبادات. ~~(6) رسالة العرش هل هو كري أم لا؟ (7) الوصية الكبرى. (8) الإرادة ~~والأمر. (9) العقيدة الواسطية. (10) المناظرة في العقيدة الواسطية. (11) ~~العقيدة الحموية الكبرى. (12) رسالة في الاستغاثة. (13) الإكليل في ~~المتشابه والتأويل. (14) رسالة الحلال. (15) رسالة في زيارة بيت ~~المقدس. ~~(16) رسالة في مراتب الإرادة. (17) رسالة في القضاء والقدر. (18) رسالة ~~في الاحتجاج بالقدر. (19) رسالة في درجات اليقين. (20) كتاب بيان الهدى ~~من ms063 الضلال في أمر الهلال. (21) رسالة في سنة الجمعة. (22) تفسير ~~المعوذتين. (23) رسالة في العقود المحرمة. (24) رسالة في معنى القياس. ~~(25) رسالة في السماع والرقص. # 24 ~~(26) رسالة في الكلام على الفطرة. (27) رسالة في الأجوبة عن أحاديث ~~القصاص. (28) رسالة في رفع الحنفي يديه في الصلاة. (29) كتاب مناسك الحج. # 25 ~~(30) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. (31) ~~الواسطة بين الخلق والحق. (32) رفع الملام عن الأئمة الأعلام. (33) كتاب ~~التوسل والوسيلة. ~~(34) كتاب جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن # قل هو الله أحد # تعدل ثلث ~~القرآن. (35) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. # 26 ~~(36) الرسالة البعلبكية. (37) الجوامع في السياسة الإلهية ~~والآيات النبوية. (38) تفسير سورة النور. (39) كتاب الصارم المسلول على ~~شاتم الرسول. (40) تخجيل أهل الإنجيل، وهو رد على النصرانية. ~~(41) المسألة النصيرية. (42) العقيدة التدمرية. (43) اقتضاء الصراط ~~المستقيم ومجانبة أصحاب الجحيم، وهو في الرد على اليهود والنصارى. (44)، ~~(45) كتاب الرد على النصارى، (46) مسألة الكنائس، (47) الكلام على حقيقة ~~الإسلام والإيمان. (48) العقيدة المراكشية. (49) مسألة العلو؛ أي في ~~التحدث عن الله. (50) نقد تأسيس الجهمية. ~~(51) رسالة في سجود القرآن. (52) رسالة في سجود السهو. (53) رسالة في ~~أوقات النهي والنزاع في ذوات الأسباب وغيرها. (54) كتاب في أصول الفقه. ~~(55) كتاب الفرق المبين بين الطلاق واليمين. (56) مسألة الحلف بالطلاق. ~~(57) الفتاوى. (58) السياسة الشرعية. (59) جوامع الكلم الطيب في الأدعية ~~والأذكار. (60) رسالة العبودية. ~~(61) رسالة تنوع العبادات. (62) رسالة في زيارة القبور والاستنجاد ~~بالمقبور. (63) رسالة المظالم المشتركة. (64) رسالة الحسبة في ~~الإسلام. # تلك بعض رسائل ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها ما هو مطبوع ومنها ~~ما لم ير النور بعد، فأي رجل عظيم كان! # وفي رأينا أنه يجب العناية به وبأمثاله كل العناية، ووجوب البحث ~~والتنقيب عن كل مؤلفاته وطبعها طبعا علميا دقيقا كما ينبغي، حتى نعرف ~~ونوقن ما لأجدادنا وأسلافنا العظماء من فضل لا يقادر قدره في العلم ~~والحضارة الإسلامية والإنسانية، ولعلنا فاعلون بفضل الله تعالى وتوفيقه، ~~والله لا يضيع أجر العاملين. # الباب الثالث # | منهج وتطبيقات # الفصل الأول # | المنهج # نرى قبل أن نتناول بالبحث مذهب ابن تيمية وآراءه في القرآن وتفسيره، ms064 والفقه ~~وأصوله، وعلم الكلام والعقائد الدينية، والتصوف والمنطق والفلسفة، وما ذهب ~~إليه من الآراء الاجتماعية والسياسية، نقول: نرى قبل ذلك كله وما إليه، أن ~~نتكلم عن منهجه في البحث الذي سار عليه في كل هذه النواحي. # وذلك، بأننا نرى بحق أن الباحثين من العلماء يجمعون على أنهم لا يعملون إلا ~~للحق، ولا يبحثون إلا عنه، ولكنهم مع هذا يختلفون في نتائج بحوثهم - حتى في ~~العلم الواحد أو المسألة الواحدة من مسائل هذا العلم - اختلافا كثيرا؛ وذلك ~~بسبب اختلافهم في المناهج التي يسيرون عليها. # وتكون النتيجة الحتمية هذه الاختلافات التي رأينا الكثير منها بين الشيخ ابن ~~تيمية ومعاصريه، بل التي لا زلنا نحسها بينه وبين كثير من العلماء والفقهاء ~~في هذا العصر الذي نعيش فيه. # بيان منهج ابن تيمية ضرورة إذن لا بد منها، فقد آمن بهذا المنهج إيمانا ~~راسخا لا يزول، والتزمه في كل ما كتب، وصدر عنه في كل رأي ذهب إليه، ونحن ~~نتعرض له في هذه الكلمات: # الاعتماد على الكتاب والسنة # إنه يعتمد على كتاب الله وما صح عنده من أحاديث الرسول وسنته، ثم على ~~آراء الصحابة، على أنه قد يحتج أحيانا بأقوال التابعين والآثار التي ~~رويت عنهم، مستأنسا بها وبخاصة في الجدل والمناظرة. # وذلك بأن القرآن قد تضمن الشريعة التي أمرنا باتباعها - في أصول ~~الدين وفي فروعه وأحكامه العلمية المعروفة بالفقه، وفي غير هذا وذاك كله ~~من الآداب والأخلاق - أحيانا في إجمال، وأحيانا في تفصيل. ثم بين ~~الرسول ذلك كله، وأخذ الصحابة رضي الله عنهم بيانه وتفسيره، وعنهم أخذ ~~التابعون بإحسان. # فليس لنا بعد هذا إلا أن نسير على هذا النهج فنصل إلى ما نريد من معرفة ~~الدين وأصوله، وشريعة الله ورسوله، وسائر ما يجب معرفته مما فيه خير ~~الدنيا والآخرة. وليس لنا أن نتبع غير ما عرفناه عن السلف الصالح الذين ~~بلغوا إلينا ما فهموه عن الرسول فأحسنوا التبليغ، وإلا ضللنا ضلالا ~~بعيدا. # هذا، ونجد هذا العنصر الأول من عناصر منهجه واضحا في كل كتبه ورسائله، ms065 ~~ومن هذه الرسائل رسالة عنوانها: معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين ~~وفروعه قد بينها الرسول، وهي مما كتبه وهو بقلعة دمشق، ويكفي هذا ~~العنوان للدلالة على ما نريد. # 1 # وقد افتتح هذا الرسالة بقوله: فصل في أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بين ~~الدين، أصوله وفروعه، باطنه وظاهره، علمه وعمله. فإن هذا الأصل هو أصل ~~أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاما بهذا الأصل كان أولى ~~بالحق علما وعملا ... # 2 # ثم يقول بعد أن أشار إلى منهج المتكلمين والفلاسفة والصوفية: وأما أهل ~~العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق، وأنهم بينوه ~~مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدوقون، علموا الحق ~~وبينوه ... # 3 # ويزيد الأمر بيانا وتفصيلا فيقول بعد ما تقدم: وأما العمليات، وما ~~تسميه أناس الفروع والشرع والفقه، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان، فما ~~من شيء مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك. ~~وقد قال الله تعالى: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم # وقال: # ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين ~~. # وقال: # وما اختلفتم فيه من شيء ~~فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت ~~وإليه أنيب # وقال: # فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ~~، وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة رسوله بعد موته. # 4 # ولا يخالف الشيخ في أن الإجماع والقياس من أصول الفقه، ولكنه يردهما ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله اللذين هما الأصل في كل حال؛ ولهذا نراه يقول ~~في الرسالة نفسها: والمقصود هنا أن الرسول بين جميع الدين بالكتاب ~~والسنة، وأن الإجماع - إجماع الأمة - حق، فإنها لا تجتمع على ضلالة. # 5 # وكذلك القياس الصحيح حق يوافق الكتاب والسنة ... # ثم يقول: فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان للرسول، ولكن قد ~~يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإجماع فيستدل به ... وقد استقرينا ~~فوجدناها كلها منصوصة. # هكذا نجد ابن تيمية يرد الإجماع إلى الكتاب والسنة، وكذلك الأمر ms066 في ~~القياس؛ إذ يذكر - كما عرفنا - أن القياس الصحيح هو ما وافق الكتاب ~~والسنة، ويشير بعد ذلك إلى أن بعض الفقهاء قد لا يعرفون النص فيجتهدون ~~بالرأي الذي هو القياس ونحوه، ولكن ما أداهم إليه اجتهادهم بالرأي موجود ~~في كتاب الله أو سنة رسوله. # 6 # وفي غير الفقه وأصوله نجده يسير على نفس المنهج، ففي أصول الدين أو علم ~~العقائد نراه في آرائه لا سند له إلا القرآن وأحاديث الرسول وسنته وما ~~صح عنده من أقوال الصحابة والتابعين وآرائهم، وكذلك في رده على ~~الفلاسفة وأمثالهم ممن يحكمون عقولهم في العقائد الدينية. # ونجد هذا ماثلا أمامنا في جميع ما كتبه من رسائل في هذه الناحية، وما ~~أكثر هذه الرسائل التي تتناول العقائد التي جاء بها القرآن وبينتها ~~أحاديث الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومن باب التمثيل لهذا، نذكر العقيدة الواسطية التي كتبها سنة 698 إجابة ~~لطلب أحد قضاة واسط، ففي هذه الرسالة لا نجد الشيخ استدل لشيء من العقائد ~~التي يجب على كل مسلم اعتقادها في الله وصفاته، وغير ذلك من العقائد ~~الأخرى التي يتكلم عنها في علم التوحيد، إلا بالكتاب والسنة والصحيح ~~من الآثار. # ولذلك نجده يقول في بعض فصولها: ثم من طريقة أهل السنة والجماعة، ~~اتباع آثار رسول الله # صلى الله عليه وسلم # باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين ~~الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله حيث قال: «عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة.» # 7 # وفي رسالة أخرى كتبها إجابة عن استفتاء ورد إليه، بشأن ما يجب على ~~المسلم الإيمان به من صفات الله تعالى، نراه يقول بعد أن ذكر بعض ما جاء ~~في القرآن والسنة من الصفات: «إذا تبين هذا، تبين أن ما جاء به الرسول ~~هو الحق الذي يدل عليه المعقول، وأن أولى الناس بالحق أتبعهم له وأعظمهم ~~له موافقة، وهم سلف الأمة وأئمتها الذين أثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة ~~من الصفات، ms067 ونزهوه من مماثلة المخلوقات ...» إلى آخر ما قال رحمه الله تعالى. # 8 # ونكتفي بما قدمناه عن هذا العنصر الأساسي الأول لمنهج ابن تيمية، ~~وسنجده واضحا تماما في تفسيره لكتاب الله، وفي غيره من العلوم ~~الإسلامية التي كتب فيها، وذلك عندما نبحث في القسم الثاني آراءه ومذهبه ~~فيها، ونعرض الآن للعنصر الثاني من المنهج الذي لم يحد عنه قيد شعرة في ~~كل ما كتبه. # اعتماده على العقل في مجاله # وما ينبغي لنا أن نظن أن ابن تيمية يهمل العقل وتفكيره حين يجعل الكتاب ~~والسنة وآثار الصحابة ومن إليهم سنده الأول في بحوثه وآرائه، بل مستنده ~~الوحيد بعبارة أدق، فإن فهم كتاب الله وسنة رسوله فهما عميقا حقا ~~يحتاج بلا ريب إلى قلب واع وعقل مفكر نافذ، ولكنه كان يعرف للعقل قيمته ~~ومجاله الذي يصول فيه ويجول، فلا يجاوز به هذا المجال ولا يرتفع به عن ~~قدره. # ولكن معرفة هذا المجال هي المشكلة التي شغلت الفلاسفة والمفكرين في كل ~~عصر، وبخاصة مفكري الإسلام ورجال الفلسفة فيه، فإن منهم من آمن بالعقل ~~ونظره إيمانا راسخا، ووثقوا به ثقة مطلقة، فكان هذا سبب ضلال بعضهم إلى ~~حد كبير، حين ظنوا أنهم بعقولهم وحدها قادرين على معرفة عالم الشهادة ~~وعالم الغيب أيضا! # إن القرآن دعا حقا إلى وجوب ملاحظة ما خلق الله من عوالم مختلفة، وإلى ~~إعمال العقل فيها؛ وذلك ليصل الإنسان إلى الإيمان بإله واحد خلق ذلك كله؛ ~~ولذلك نجد آيات كثيرة تختم بهذه الجمل وأمثالها التي لها دلالتها: ~~لعلكم تعقلون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون، لقوم يتفكرون. # وكان من تنبيه القرآن، باشتماله على هذا الضرب من الآيات وأمثالها، ~~العقل إلى التفكير للوصول إلى الإيمان بالله الخالق العلي الحكيم، أن ~~ظهر في البيئة الإسلامية كتب «العقل» لداود بن المجبر بن فهدم أبي ~~سليمان البصري وأمثاله، وروى أصحاب هذه الكتب أحاديث عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # تشيد بالعقل إلى أكبر الحدود، وتجعل له الأثر البالغ في كل شيء. # 9 # ويذكر ابن تيمية حين سئل رأيه ms068 في هذا الحديث: «أول ما خلق الله العقل، ~~فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت ~~خلقا أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب والعقاب»، حين سئل ~~الشيخ عن هذا الحديث قال: هذا الحديث باللفظ المذكور قد رواه من صنف في ~~فضل العقل كداود بن المجبر ونحوه. ثم يذكر رأيه في الحديث فيقول: واتفق ~~أهل المعرفة بالحديث على أنه ضعيف بل موضوع. ثم ينقل عن الحفاظ أن ~~الأحاديث المروية عن الرسول في «العقل» لا أصل لشيء منها، وبخاصة والمراد ~~بالعقل فيها هو العقل الإنساني كما يزعم الذين رووها. # 10 # ومهما يكن من أمر، فقد كان المعتزلة أول من أشادوا من بين الفرق ~~الإسلامية بالعقل، فجعلوه الفيصل في أمر الإيمان والعقيدة، حتى ليقول في ~~مدحه أحد قدامى رجالهم، وهو بشر بن المعتمر من بغداد: # لله در العقل من رائد # وصاحب في العسر واليسر # وحاكم يقضي على غائب # قضية الشاهد للأمر # وإن شيئا بعض أفعاله # أن يفصل الخير من الشر # لذو قوى، قد خصه ربه # بخالص التقديس والطهر # 11 # على هذا النحو افتتن كثير من المفكرين المسلمين بالعقل، وجاوزوا به قدره ~~ومجاله، حتى رأوا فيه فيصلا بين الحق والباطل ، ومميزا الخير من الشر، ~~ومن ثم، عمدوا إلى تأويل كثير من نصوص القرآن والحديث الصحيح، إذا تعارضت ~~ومن ثم، عمدوا إلى تأويل كثير من نصوص القرآن والحديث الصحيح، إذا تعارضت ~~في ظاهرها مع نظر العقل، لتتفق وما يرونه من حقائق أدى إليها النظر ~~العقلي الصحيح. # ونجد هذا الضرب من التأويل الذي يفترض أولا تعارض النقل والعقل أحيانا ~~كثيرا عند المعتزلة والمتصوفة والشيعة، وكذلك بعض رجال الأشاعرة كأبي ~~حامد الغزالي الذي وضع لأجل هذا قانونا للتأويل؛ وذلك ليكون التزامه ~~حائلا دون الغلو في تأويل النصوص. # 12 # وإذا كان الإمام الغزالي قد اضطر للخوض في مشكلة التأويل، وكان التأويل ~~من عناصر منهجه في البحث، فلذلك سببه الواضح؛ فهو متكلم وفيلسوف ومتصوف ~~معا، فهل كان الأمر كذلك بالنسبة للإمام ms069 ابن تيمية؟ وهل كان من عناصر ~~منهجه في البحث تأويل ما لا يتفق ونظر العقل من النصوص؟ # ذلك ما سنتناوله هنا بإيجاز، وسنقتبس فيه بعض ما كتبناه في هذه الناحية ~~في كتاب ظهر لنا منذ سنوات. # 13 ~~••• # لم تعرض مشكلة تأويل نصوص القرآن والحديث لابن تيمية، وإنما هو الذي رأى ~~ضروريا أن يعرض لها، وذلك حتى يدفع عن النصوص المقدسة عادية «المؤولين» ~~الذين أسرفوا في التأويل لتشهد هذه النصوص لما ذهبوا إليه من آراء، فقد ~~كانوا يعتقدون ثم يستدلون، أما هو فكان يستدل أولا ثم يعتقد ثانيا ما ~~أداه إليه الدليل النصي. # إنه يرى أولا أن يفرق بين التأويل في عرف السلف، وبينه عند المتكلمين - ~~وبخاصة المعتزلة منهم - والفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين. # فالتأويل عند رجال السلف هو التفسير وبيان المراد من النص القرآني أو ~~الحديثي، وبهذا المعنى ورد كثيرا في القرآن نفسه، وهو التأويل المقبول. ~~ومن ثم، يقال: إن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كانوا على علم بتأويل ~~القرآن الذي فهموه وفسروه كله، وفي هذا يقول الحسن البصري من التابعين: ~~ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها. # 14 # ولهذا لا يجوز التوقف وترك بيان معنى الآية من آيات القرآن؛ لأن الله ~~أمرنا أن نتدبره وأن نفهمه، والرسول # صلى الله عليه وسلم # لم يترك هذا من غير بيان ~~للصحابة. اللهم إلا أن يقال إن الرسول كان لا يعلم معاني القرآن الذي ~~أنزل عليه، أو كان يعلمها ولم يبلغها كلها مع أنه مأمور من الله ~~بالتبليغ، وكل ذلك غير معقول ولا مقبول. # وأما النوع الآخر من التأويل، الذي قال به كثير من فلاسفة الإسلام ~~ومتصوفيه ورجال علم الكلام، فهو أمر آخر غير النوع الأول. إنه في ~~اصطلاحهم الخاص، كما يذكر ابن تيمية نفسه «صرف اللفظ عن المعنى المدلول ~~عليه المفهوم منه إلى معنى آخر يخالف ذلك»؛ أي صرف اللفظ عن معناه ~~الظاهري إلى معنى آخر خفي. # ومع ذلك، فهذا ضرب من التأويل لم يغب عن الرسول # صلى الله ms070 عليه وسلم ~~، فإنه نفسه ~~بين، في كل موضع يجب فيه ترك المعنى الظاهري، المعنى الآخر المراد بهذا ~~اللفظ؛ وذلك لأنه «لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله ~~باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من ~~كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه» إلى آخر ما قال. # 15 # وما دام الأمر كذلك، فلا تعارض بين المعقول الصريح والمنقول الصحيح عن ~~الرسول في رأي الشيخ الكبير؛ أي لا تعارض بين ما وصل إليه العقل السليم، ~~وبين ما ثبت نقله عن رسول رب العالمين بطريق صحيح لا ريب فيه. # هكذا يرى بحق، وهو يؤكد في مواضع كثيرة من كتبه أنه قد تحقق ذلك بنفسه؛ ~~إذ تبين له بعد استقصاء وتفكير طويل اتفاق ما جاء به السمع عن الرسول مع ~~ما وصل إليه العقل الصحيح النظر، وهو في هذا يقول: ~~«المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط، وقد تأملت ذلك في عامة ما ~~تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم ~~بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع. # وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار، كمسائل التوحيد والصفات، ومسائل ~~القدر والنبوات والمعاد، وغير ذلك. # ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط، بل السمع الذي يقال إنه ~~يخالفه، إما حديث موضوع، أو دلالة ضعيفة، فلا يصلح أن يكون دليلا لو ~~تجرد عن معارضة العقل الصريح، فكيف إذا خالفه صريح المعقول!» # 16 # ولنا أن نقرر بعد ما تقدم أن ابن تيمية لم ير أن هناك مشكلة تسمى مشكلة ~~التأويل تتطلب حلا لها، ولم ير أن يقوم منهجه في البحث للوصول إلى الحق ~~على التأويل الذي أمعن فيه غيره من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم. # وذلك لأن هذه المشكلة عرضت لهؤلاء من المسلمين لما قام لديهم من وجود ~~تعارض بين ما جاء به الشرع؛ قرآنه وحديثه، وبين ما أدتهم إليه عقولهم، ~~فقام منهجهم على تأويل ما لا يتفق ونظرهم العقلي من النصوص الدينية ms071 ~~الوحيية. # ولكنه هو لا يرى وجود تعارض مطلقا بين طريق النقل الصحيح وطريق العقل ~~الصريح، والمنقول الذي يخالف العقل لا يكون إلا حديثا موضوعا أو نصا ~~آخر لا يدل دلالة قاطعة على ما يراد الاستدلال به عليه، وعلى فرض وجود ~~تعارض بين العقل والنص، يجب ترجيح الأخذ بالنص الثابت عن الأنبياء على ما ~~يؤدي إليه العقل واستدلاله. # ومن الحق - وهذا ما ينبغي علينا هنا أن نشير إليه - أنه ذكر في بعض كتبه ~~أنه عند تعارض العقل والسمع، يجب تقدير ما تكون دلالته قطعية، سواء أكان ~~هو الدليل العقلي أم الدليل السمعي، ولكنه قال بعد ذلك بقليل: «لكن كون ~~السمعي لا يكون قطعيا دونه خرط القتاد»؛ # 17 # يريد أن يقول بأن الدليل السمعي، متى ثبت صحة نقله، يقدم ~~دائما على العقل وما يؤدي إليه. # وكل هذا ينتهي بنا إلى النتيجة التي استخلصناها آنفا، وهو أن مشكلة ~~التأويل لم تعرض لابن تيمية بل هو الذي عرض لها، وأن التأويل ليس من ~~عناصر منهجه الذي اتبعه بأمانة في كل بحوثه ومناظراته وكتاباته. # ومن البدهي مع ذلك كله، أنه لم يكن يهمل العقل والفكر في دراساته، وما ~~كان لمثله أو لأي باحث آخر أن يهمل أشرف جزء في الإنسان، وبه كرمه الله ~~وأعلاه على كل ما خلق، ولكنه لم يجاوز به قدره ومجاله، ولم يجعله حاكما ~~على نص قرآني أو حديث صحيح، بل أراد له أن يكون دائما في مدار الشريعة ~~وكتابيهما المقدسين: كتاب الله المحكم، وسنة رسوله الصحيحة، فإذا خرج به ~~الإنسان عن هذا المدار ضل ضلالا بعيدا. # عدم التعصب والجمود # لم يكن الشيخ ابن تيمية بالرجل الذي يتبع غيره في رأي له بغير بينة أو ~~دليل، ولا بالذي يتعصب لرأي ويجمد عليه، وقد بان له خطؤه، بل كان حرا ~~في تفكيره في دائرة الكتاب والسنة، وما صح عن الصحابة من الآثار، غير ~~متعصب إلا للحق وللحق وحده. # خلع عن عنقه ربقة التقليد للغير، ولم يقيد نفسه إلا بالقرآن وسنة الرسول # صلى الله ms072 عليه وسلم # وآثار السلف الصالح، إذا تبين له صحة صدورها عنهم. وفي هذه ~~المصادر الأولى للإسلام وشريعته كان له جولات ومجال أي مجال. # على كل هذا يجمع مؤرخوه، وبكل هذا تنطق رسائله وكتبه وآراؤه التي تفرد ~~بها وهي غير قليلة، كما تنطق به حياته وما لقي من سجن واعتقال مرات بسبب ~~بعض هذه الآراء حتى لحق بربه تعالى وهو سجين بقلعة دمشق. # وسنعرض فيما يأتي عند الكلام على فقهه، إلى هذه الآراء التي انفرد بها، ~~والتي حوكم وسجن من أجلها، # 18 # وحسبنا هنا أن نشير إلى ما فيها من دلالة على حريته في الفكر ~~وعلى عدم جموده على آراء قال بها قبله كثير من أعيان الفقهاء والعلماء، ~~مستهينا في هذا السبيل بما يلقى من عنت وأذى شديدين. # ومن ثم، كان من الحق ما قاله ابن الوردي عنه في هذه الناحية: «وأعان ~~أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار لا تحتملها عقول أبناء زماننا ولا ~~علومهم، كمسألة التكفير في الحلف بالطلاق (أي لا يقع الطلاق ولكنه يلزم ~~الحالف عند الحنث كفارة اليمين)، ومسألة أن الطلاق بالثلاث لا يقع إلا ~~واحدة، وأن الطلاق في الحيض لا يقع.» # 19 # وهو وإن كان حنبلي المذهب في نشأته، إلا أن ما أخذ به نفسه - من الرجوع ~~إلى المعين الصافي الذي أخذ منه أئمة الفقه المعروفون - أداه بعد دراسات ~~وتمحيص إلى أن يخالف مذهب الإمام ابن حنبل، بل مذاهب الفقهاء الآخرين ~~أيضا في بعض ما ذهب إليه. # ومن ذلك أن هؤلاء الفقهاء أجمعوا على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم ~~بالمصاهرة، وهذه قاعدة وصلوا إليها باجتهادهم واستنباطهم، ولكن ابن تيمية ~~لم يذهب إلى هذا الرأي الذي لم يشر إليه قرآن أو حديث، فقد نقل عنه أن ~~تحريم المصاهرة لا يثبت بالرضاع، فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته ~~وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وأبي أمه من الرضاع. # 20 # وكذلك في جواب هذا السؤال: ما الذي يحرم من الرضاع وما الذي لا يحرم؟ ms073 ~~يذكر أن زوجة الأب من الرضاع تحرم على ابنه رضاعا في المشهور عند ~~الأئمة، ولكن فيها نزاع لكونها من المحرمات بالصهر لا بالنسب. # 21 # ونحن نقول: إن هذا النزاع لم يأت إلا من أن القرآن نص بالإجماع على سبب ~~حرمة الرضاع، ونص الرسول # صلى الله عليه وسلم # على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، ~~فمن أين أتى قول الفقهاء بأنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالمصاهرة أيضا! ذلك ~~في رأينا، هو ما جعل الشيخ ابن تيمية يذهب إلى الرأي الذي انفرد به في ~~هذه المسألة. # 22 # ويظهر لنا أيضا ما يتسم به منهج ابن تيمية من حرية الفكر، وعدم الجمود ~~على ما رآه الفقهاء قبله مهما بلغت شهرتهم وجلالتهم في الفقه، من رأيه ~~الذي ذهب إليه في حرية المتعاقدين في الشروط التي يريانها ويرتضيانها ~~فيما يعقدون من عقود، سواء في هذا عقود المعاوضات والزواج وغيرها. # إنه يجيز كل شرط يرضى به المتعاقدان، ما دام لا يتناقض أو يتعارض مع حكم ~~الله ورسوله، ولا يستثني من هذا الأصل شيئا حتى في عقد الزواج. وهو ~~يستدل لهذا بقوله تعالى: # يا أيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود ~~، ويقول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا.» ثم يقول: ~~«إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم ويبطل منها إلا ما ~~دل [الشرع] على تحريمه وإبطاله نصا، أو [قياسا] عند من يقول به، وأصول ~~مذهب أحمد رضي الله عنه المنصوصة يجري أكثرها على هذا القول، ومالك قريب ~~منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر ~~تصحيحا للشروط منه.» # 23 # ثم يقول في موضع آخر كلمة موجزة جيدة جامعة، تعبر عن مذهبه بصفة عامة في ~~العقود والشروط، وهي: ~~«ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود، ~~لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالآجال في الأعواض، ونقود الأثمان ~~المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد ~~الزوجين، وقد تفيد الشروط ما ms074 لا يفيده الإطلاق، بل ما يخالف الإطلاق.» # 24 # وبعد: # تلك عناصر منهج الشيخ ابن تيمية في البحث والدراسة، وسماته: الاعتماد ~~على كتاب الله وما صح عنده من أحاديث الرسول وسنته وآثار السلف الصالح، ~~معرفة قيمة العقل والانتفاع به غير مجاوز به قدره ومجاله، رحابة صدر وعدم ~~تعصب وجمود، فلننظر الآن كيف كان أمينا لهذا المنهج، وكيف التزمه وطبقه ~~في دراساته ورسائله وكتبه. # الفصل الثاني # | التطبيقات # لا نريد هنا بيان التزام الشيخ ابن تيمية لمنهجه في جميع العلوم التي كتب ~~فيها، فذلك أمر فوق الطاقة، ولا ضرورة إليه في هذا البحث، فضلا عن أن الكثير ~~من كتبه لم تصل إلينا؛ ولهذا نكتفي ببيان ذلك في أهم ما كتب فيه من العلوم؛ أي ~~في علم تفسير القرآن، وعلم الكلام، وعلم الفقه. # في التفسير # قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي: «قال الشيخ أبو ~~عبد الله بن رشيق، وكان من أصحاب شيخنا (يريد ابن تيمية)، وأكثرهم كتابة ~~لكلامه وحرصا على جمعه: كتب الشيخ رحمه الله نقول السلف مجردة عن ~~الاستدلال على جميع القرآن، وكتب في أوله قطعة كبيرة بالاستدلال، ورأيت ~~له سورا وآيات يفسرها ويقول في بعضها: كتبته للتذكرة ونحو ذلك. # ثم لما حبس في آخر عمره كتبت له أن يكتب جميع القرآن تفسيرا مرتبا ~~على السور، فكتب يقول: إن القرآن فيه ما هو بين بنفسه، وفيه ما قد ~~بينه المفسرون في غير كتاب، ولكن بعض الآيات أشكل تفسيرها على جماعة من ~~العلماء، فربما يطالع الإنسان عليها عدة كتب ولا يتبين له تفسيرها، ~~وربما كتب المصنف الواحد في آية تفسيرا ويفسر غيرها بنظيره، فقصدت تفسير ~~تلك الآيات بالدليل؛ لأنه أهم من غيره، وإذا تبين معنى آية تبين معاني ~~نظائرها. # وقال: قد فتح الله علي في هذه المرة (أي من مرات الاعتقال والسجن) من ~~معاني القرآن ومن أصول العلم بأشياء كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت ~~على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، أو نحو هذا.» # 1 # وأرسل إلينا ms075 شيئا يسيرا مما كتبه في هذا الحبس، وبقي شيء كثير عند ~~الحكام لما أخرجوا كتبه من عنده، وتوفي وهي عندهم إلى هذا الوقت # 2 # نحو أربع عشرة رزمة، ثم ذكر الشيخ أبو عبد الله (ابن رشيق) ~~ما رآه ووقف عليه من تفسير الشيخ. # 3 # ولنا أن نقرر من هذا النص الذي نقلناه لابن رشيق، أن ابن تيمية لم يحاول ~~تفسير القرآن الكريم كله، وإن كان قد فهمه جميعه طبعا، ولكن هذا الذي ~~قام ببيان معانيه وتفسيره منه، وإن كان قليلا بالنسبة لمجموع القرآن، ~~إلا أنه كثير حقا في نفسه، ومنهجه واضح كل الوضوح فيه. # ومع هذا، نرى أن نرجئ النظر فيما كتبه في التفسير نظرا شاملا إلى ~~القسم الخاص ببيان آرائه في العلوم المختلفة العديدة؛ أي في التفسير ~~والفقه والعقائد وغيرها. ونقتصر هنا في بيان تطبيق منهجه العام في فهم ~~القرآن وتفسيره، على الرجوع إلى الرسالة التي كتبها هو نفسه في أصول ~~التفسير، فإن فيها الكفاية في هذه الناحية. # يبدأ ابن تيمية رسالته ببيان مبلغ عناية الصحابة والتابعين بمعاني ~~القرآن، والرسول بين لهم هذه المعاني كما بلغهم ألفاظه ونصه ~~الكريم، فإن قوله تعالى: # وأنزلنا إليك ~~الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم # يتناول هذا وهذا. # وكانت طريقتهم في تعلم القرآن هي السبب في بلوغهم درجة معرفة معانيه، ~~فقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - ~~كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا تعلموا من النبي # صلى الله عليه وسلم # عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ~~قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في ~~حفظ السورة. # 4 # وإذا كانت آيات كثيرة في القرآن توجب علينا تدبره وفهمه وعلم ما جاء ~~به من عقائد وأحكام، فإن الشيخ الكبير يقول بعد ذلك: وأيضا فالعادة تمنع ~~أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب دون أن يستشرحوه، فكيف ~~بكتاب الله الذي هو عصمتهم وفيه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم! ms076 ~~ولهذا كان النزاع بين الصحابة قليلا جدا، وهو وإن كان في التابعين ~~أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم ... # ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: # 5 ~~«عرضت المصحف على ابن عباس، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها ~~...» والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم ~~السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما ~~كانوا يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال. # 6 # فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن القرآن كتاب عربي مبين، وأن بعضه يفسر بعضا ~~آخر منه، خلص لنا أن منهج ابن تيمية في فهم القرآن وتفسيره وبيان معانيه ~~يقوم على هذه الأصول، وكل منها تكون عنه مرتبة في التفسير أحسن وأقوى مما ~~يليها، وهذه الأصول هي: ~~(1) # تفسير القرآن بالقرآن، وهي أحسن طرق التفسير وأعلاها ~~مرتبة، فإن ما أجمل في مكان قد فسر وبين في موضع ~~آخر، وما اختصر في مكان قد بسط في موضع آخر. ~~(2) # فإن أعيانا أن نجد تفسيرا لبعض آيات القرآن فيه، فعلينا ~~بالمرتبة الثانية لتفسيره وهي سنة الرسول، فإنها شارحة ~~للقرآن وموضحة له، وفي هذا يقول الله تعالى: # وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ~~ولعلهم يتفكرون ~~؛ ولهذا قال ~~الرسول: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»؛ يعني ~~السنة. ~~(3) # فإن لم نجد تفسير ما نريد لا في القرآن ولا في السنة، ~~كانت المرتبة الثالثة هي تفسيره بأقوال الصحابة، فإنهم ~~أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا ~~بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما ~~علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، ~~والأئمة المهديين ومنهم عبد الله بن مسعود والحبر البحر ~~عبد الله بن عباس. # وابن مسعود هو الذي يقول - كما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره: # 7 ~~«والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب ~~الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان ~~أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.» # وابن عباس هو ms077 ابن عم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو ترجمان ~~القرآن ببركة دعاء الرسول له إذ قال: «اللهم فقهه في ~~الدين، وعلمه التأويل.» ويقول عنه ابن مسعود فيما رواه ~~الطبري: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس!» ~~(4) # وبعد مرتبة تفسير القرآن به أو بالسنة أو بأقوال ~~الصحابة، تجيء مرتبة تفسيره بأقوال التابعين (إن لم نجد ~~لأحد من الصحابة قولا فيما نريد تفسيره من كتاب الله)، ~~مثل مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء ~~بن أبي رباح، والحسن البصري، وغيره من رجال العلم بكتاب ~~الله ومعانيه، والذين استفادوا علمهم من الصحابة رضي الله عنهم. # 8 # إلا أن الشيخ رحمه الله تعالى يتكلم هنا بحذر شديد ولا ~~يرضى كل ما نسب إلى التابعين من الأقوال في تفسير القرآن، ~~وهو من أجل هذا يقول: «إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا ~~في السنة ولا وجدته في أقوال الصحابة، فقد رجع كثير من ~~الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد فإنه كان آية في ~~التفسير.» # ثم يذكر أنه يجب أن يتفطن اللبيب لما أثر عنهم في هذا ~~العلم؛ لأن أقوالهم ليست حجة في الفروع، فكيف تكون حجة في ~~التفسير على غيرهم ممن خالفهم! ويختم كلامه هنا بهذه ~~الكلمة الموجزة الجامعة: ~~«أما إذا اجتمعوا على الشيء (يريد: الرأي) فلا يرتاب في ~~كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ~~ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو ~~السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة.» # تلك تطبيقات لمنهج ابن تيمية العام على تفسير كتاب الله، ومعنى هذا أن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # بين لأصحابه كل معاني القرآن، فعلينا أن نلتمسها من ~~أقوالهم جميعا، فقد يغيب شيء منها عن بعضهم، ولكنه لا يغيب عنهم جميعا. ~~ثم ورث التابعون هذا العلم عن الصحابة، إلا أنه لا يرى أن آراء التابعين ~~حجة على من خالفهم إلا إذا أجمعوا على رأي أو قول واحد. # 9 # هو إذن سلفي تماما في التفسير، كما ms078 هو شأنه في سائر العلوم التي ~~اشتغل بها، وهو إذن لا يرى تفسير كتاب الله بالرأي الذي لا يسنده حديث أو ~~قول مأثور؛ ولذلك نجده يقول: «فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام.» ~~وينقل في تأييد ما يراه أحاديث وآثارا كثيرة نذكر منها ما يلي: # 10 ~~(1) # عن ابن عباس أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «من قال في ~~القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.» ~~(2) # وعن جندب أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد ~~أخطأ»؛ أي لأنه لم يأت الأمر من بابه. ~~(3) # وعن معمر أن أبا بكر الصديق قال: «أي أرض تقلني، ~~وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لم ~~أعلم.» ~~(4) # وقال عبد الله بن عمر: «أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون # 11 # القول في التفسير، منهم سالم بن عبد الله، ~~والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.» # وبعد أن ذكر ابن تيمية آثارا كثيرة أخرى، قال في ختام مقدمته في أصول ~~التفسير: «فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على ~~تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من يتكلم بما ~~يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه. ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال ~~في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا ~~هو الواجب على كل أحد. # فإنه كما يجب السكوت عما لا علم للمتكلم به، فكذلك يجب القول فيما سئل ~~عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: # لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه ~~، ولما جاء في الحديث المروي ~~من طرق: «من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من ~~نار.» # وأخيرا، ينقل أن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: «التفسير على أربعة ~~أوجه، وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير ~~يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.» والله سبحانه وتعالى ~~أعلم.» # وبعد، إن الشيخ الكبير رضوان الله عليه لم يكن بدعا فيما وضعه وطبقه ~~من أصول التفسير، فإن كثيرا غيره من مفسري كتاب ms079 الله الذين سبقوه ~~كانوا مثله في تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم ~~يستأنسون بأقوال التابعين يقبلون منها ما صح عندهم ورضوه، وهذا كله ما ~~يعرف بالتفسير بالمأثور. # وكذلك، كما ذكر هو نفسه وكما ذكر الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة ~~تفسيره الكبير، كانوا يتحرجون من التفسير بالرأي المجرد، ولا يذهبون ~~إليه. # ولكن ما ينبغي لنا مع هذا أن نظن أن شيخ الإسلام حصر نفسه دائما وفي كل ~~حال في دائرة التفسير بالمأثور لا يعدوها مطلقا، فقد كان رحمه الله ~~عميقا في فهم القرآن وما فيه من أسرار وحكم، وما يؤخذ منه من تشريعات ~~لها عللها التي يستنبطها، وغاياتها التي يعمل عقله في تعرفها، إلى غير ~~ذلك كله من معاني القرآن ومراميه التي سنعرف إن شاء الله جانبا كبيرا ~~منها عند بحث آرائه الفقهية والكلامية والاجتماعية والسياسية. # ومن ثم، يكون لنا أن نقرر أنه كان حقا يمنع تفسير القرآن «بالرأي ~~المجرد» من غير علم، الرأي الذي لا يسنده - من قريب أو بعيد - إشارة من ~~قرآن أو حديث أو قول مأثور، ولكنه أعمل عقله فكان له في فهم كتاب الله ~~آراء قال بها عن علم، وإن لم تكن كلها مأثورة قبله. # ومهما يكن من اعتداد شيخ الإسلام بالعقل في فهم معاني كلام الله، فإنه ~~يحمل حملة شديدة صادقة على تفاسير المعتزلة والشيعة الرافضة والفلاسفة ~~ومن إليهم من أهل الفرق الأخرى المبتدعة، وعلى الطرق التي اتبعوها في ~~التفسير. # فإن من هؤلاء «قوما اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، ~~ومنهم قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من ~~الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، ~~والمخاطب به»؛ ومن ثم كان خطؤهم وضلالهم جميعا في كثير مما ذهبوا إليه. # 12 # ومن باب التطبيق، أشار إلى تفسير الكشاف للزمخشري الذي يمثل رأي ~~المعتزلة، ثم ذكر أمثلة غير قليلة لتفاسير الشيعة الرافضة الباطلة، ~~كقولهم: # تبت يدا أبي لهب # وهما ~~أبو بكر عمر، و # إن ms080 الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة # أي عائشة، و # مرج ~~البحرين # عليا وفاطمة، و # اللؤلؤ والمرجان # الحسن والحسين! # ثم يقول بعد ذلك: «وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين ~~وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا ... فمن خالف ~~قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدليل والمدلول ~~جميعا.» # ويذكر أن من أعظم أسباب الاختلاف في التفسير البدع الباطلة التي دعت ~~أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله بغير ~~ما أريد به، وتأولوه على غير تأويله. # 13 # في علم الكلام # في هذا العلم نجد واضحا كل الوضوح تطبيق الشيخ رحمه الله لمنهجه العام ~~في إثبات العقائد الدينية، مثل وجود الله وحدوث العالم عنه، ووجوب صفات ~~الكمال، وصلة العبد بربه وما يجب الإيمان به من القضاء والقدر، على غير ~~ذلك من العقائد التي لا يبينها ولا يستدل لها إلا بالقرآن والسنة، مع ~~الميل والاستئناس بالصحيح من آثار السلف الصالح. # وهو بذلك يبعد عن هذا العلم كل ما أدخله فيه رجاله من العناصر ~~الفلسفية؛ ولهذا ينتقدهم بشدة كما ينتقد المناطقة والفلاسفة ومنهم ~~الغزالي؛ لأنهم أدخلوا في أصول الدين ما لم يأذن به الله العليم الحكيم، ~~وأوقعوا الناس في شبهات وضلالات جعلتهم ينحرفون عما جاء به كتاب الله ~~وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. # إنه يذكر في بعض كتبه # 14 # أن الرسول بين أصول الدين الحق (وهذه الأصول هي موضوع علم ~~الكلام) الذي أنزل به كتابه أحسن بيان، وأنه دل الناس وهداهم إلى الأدلة ~~العقلية والبراهين اليقينية التي بها يعلمون إثبات ربوبية الله ووحدانيته ~~وصفاته، وصدق رسوله، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته، وكان بيانه لذلك ~~بالأدلة النقلية السمعية والأدلة العقلية أيضا في مواطن الحاجة. # ثم يقول بعد هذا: «بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى الآيات ~~والبراهين والأدلة المبينة لأصول الدين، وهؤلاء المغالطون (يريد رجال علم ~~الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية ونحوهم) الذين أعرضوا عما في ~~القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية، صاروا - إذ ms081 صنفوا في أصول ~~الدين - أحزابا يتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام ~~اختلط فيه الحق بالباطل ...» # 15 # ولذلك تراه في رسالته المسماة «العقيدة الواسطية» يشرح ما يجب الإيمان ~~به من العقائد الدينية، ويتكلم عنها وعن أدلتها بإجمال، ولا يلجأ فيما ~~يقول إلا إلى الكتاب والسنة، سواء في هذا الإيمان بالله وصفاته، ~~والإيمان بكتابه واليوم الآخر وأحواله، والإيمان بقضاء الله وقدره، ~~والإيمان بكرامات الأولياء وشفاعة الرسول. # ونراه في رسالة أخرى يبين بشيء من التفصيل كيفية الاستدلال لثبوت صفات ~~الكمال لله من القرآن، فهو يأتي ببعض آيات هذا الكتاب العزيز، ونذكر من ~~باب التمثيل هذه الآيات: # 16 ~~(1) # قوله تعالى: # أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~! ~~فبين الله هنا أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل ~~من الذي لا يخلق، وأن من عدل هذا بهذا فقد ظلم. ~~(2) # وقال: # ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء ومن ~~رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ~~منه سرا وجهرا هل يستوون ~~؟ ~~فبين أن كونه مخلوقا عاجزا صفة نقص، وأن القدرة ~~والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا ~~لله، وذاك لما يعبد من دون الله. ~~(3) # وقال: # ضرب لكم مثلا من ~~أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون ~~. # يقول الله تعالى: إذا كنتم ترضون بأن يشارك المملوك ~~مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي ~~وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟! وهذا يبين أنه أحق بكل ~~كمال من كل أحد. ~~(4) # وقال حكاية لقول سيدنا إبراهيم عليه السلام لأبيه: # يا أبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا ~~! فدل على أن السميع والبصير ~~والغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك، ومثل هذا ~~في القرآن متعدد وكثير. # وهكذا يخلص لشيخ الإسلام الاستدلال من القرآن على ثبوت صفات الكمال لله ~~تعالى، وعلى تنزهه عن كل صفات النقص، مبتعدا عما سلكه ms082 المتكلمون ~~والفلاسفة في هذه العقائد وناقدا لهم أشد النقد. # وكذلك نراه يسير على المنهج الصحيح في رسالة أخرى خصصها أيضا لصفات ~~الله وعلوه على خلقه، وهي كسابقتها جواب عن استفتاء رفع إليه. # 17 # يفيض شيخ الإسلام في الإجابة عن هذه المسألة المهمة الدقيقة؛ مسألة ~~علو الله تعالى على خلقه، ويستدل لإثبات هذه الصفة من القرآن والحديث ~~والآثار الصحيحة المروية عن الصحابة ومن إليهم، وهو يقول في ذلك ما ~~نصه: ~~«وجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه # 18 # أحدها: أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة، وكلام ~~السابقين والتابعين، بل وسائر القرون الثلاثة، مملوء بما فيه من إثبات ~~العلو لله على عرشه بأنواع من الدلالات، ووجوه من الصفات، وأصناف من ~~العبارات. # تارة يخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ~~ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع، وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها ~~وارتفاعها إليه، كقوله تعالى: # بل رفعه الله ~~إليه ~~... # وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده، كقوله تعالى: # والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق ~~، # قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~... ~~وتارة يخبر بأنه في السماء، كقوله تعالى: # أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~فإذا هي تمور * أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون ~~كيف نذير ~~؟ وكذلك قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا تأمنونني ~~وأنا أمين من في السماء !» وقال للجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء.» ~~قال: «اعتقها فإنها مؤمنة».» # وبعد أن أورد الشيخ رحمه الله هذه النصوص وأخرى من أمثالها، قال: إنه لا ~~يخلو الأمر من أن يكون الحق هو ما تضافرت عليه هذه النصوص من علو الله ~~على خلقه، أو أن يكون الحق هو نفي ذلك ونقيضه. # فإن كان نفي هذا هو الحق، فإن من المعلوم أن القرآن لم يبين هذا نصا ~~ولا غير نص، ولا الرسول، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ~~ولا يمكن أن ينقل عن واحد من هؤلاء ms083 أنه نفى ذلك أو أخبر به، وأما ما نقل ~~من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر، وإذن يكون الحق هو ~~إثبات صفة العلو؛ لأن الحق لا يخرج عن أحد النقيضين كما قلنا. # ولكن لنا ولغيرنا أن يتساءل: ما حقيقة أو كيفية استواء الله تعالى على ~~العرش، وكيف يكون في السماء وتعرج إليه الأشياء وتنزل من عنده؟ وذلك ما ~~يشعر بالتجسيم أو التشبيه على الأقل، فهلا يجب تأويل هذه الآيات ~~والأحاديث على أي نحو من أنحاء التأويل؛ أي بما يدل على أن المراد ~~بالعلو فيها هو علوه تعالى في المكانة مثلا؟ # هنا يذكر ابن تيمية أن هذا التأويل المجازي لا يمكن القول به، فإنه ~~«معلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن ~~يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي. # فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم، ~~يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما ~~يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد لا سيما إذا كان باطلا لا يجوز ~~اعتقاده في الله.» # 19 # يريد الشيخ رحمه الله بذلك أن يقول بأنه ليس في هذه الآيات والأحاديث ~~وأمثالها قرينة تصرفها عن ظواهرها، وترشدنا إلى وجوب تأويلها ~~مجازيا. # وإذن، يكون الواجب أن نؤمن - كما قال في «العقيدة الواسطية» - بما وصف ~~الله به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا ~~تكييف ولا تمثيل، مع الإيمان بأنه تعالى ليس كمثله شيء كما جاء في كتابه ~~الكريم. وهذا هو ما ذهب إليه رجال السلف الصالح، وفي ذلك يقول بعضهم: ~~الاستواء معقول (أو معلوم)، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. # هذا، ونجد شيخ الإسلام سلفيا تماما في الاستدلال على سائر العقائد ~~الأخرى، مثل أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى تكلم به حقيقة، ~~وأن المؤمنين يرون الله يوم القيامة، ثم بعد دخول الجنة، عيانا بأبصارهم ~~على الكيفية التي يشاؤها جل شأنه، وكذلك عقيدة الإيمان ms084 بفتنة القبر ~~وعذابه ونعيمه، وما يكون بعد البعث من أحوال الدار الأخرى من حساب يتلوه ~~ثواب أو عقاب. # 20 # وبعد، تلك مثل تطبيقية ترينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية سار في علم ~~الكلام على المنهج العام الذي أنار له طريق البحث في كل العلوم التي ~~تناولها بالدراسة والبحث، هو المنهج السلفي لم يحد عنه قيد شعرة. # في الفقه وأصوله # تكلمنا فيما سبق من هذا الباب عن اعتماد شيخ الإسلام في الفقه على ~~الكتاب والسنة أولا، ثم عن اعتباره الإجماع الحق - إجماع الأمة - ~~والقياس الصحيح، من أصول الفقه، على أنه يرجعهما إلى الكتاب والسنة؛ ~~لأنهما الأصلان المقدسان في كل حال. # كما ذكر أنه رحمه الله كان يعمل العقل في مجاله، ولا يرضى التعصب ~~والجمود، بل لا يذهب إلى ما يذهب إليه من الآراء الفقهية أو الكلامية إلا ~~عن دليل، ولا يبالي بعد ذلك أن يخالف غيره من الفقهاء الماضين أو ~~المعاصرين، واستشهدنا لهذا برأيه في الحرية في العقود والشروط، ما دام لا ~~يعارض شيء منها نصا محكما من كتاب الله أو حديثا من أحاديث رسوله ~~الصحيحة. # والآن نأخذ في الإتيان بشيء من آرائه الفقهية يتبين فيها عناصر ذلك ~~المنهج السديد الذي اتبعه، والذي نراه ماثلا في آرائه الفقهية وغيرها. ~~وهذه النماذج - ما عدا واحدا فقط منها - أخذناها من مختصر فتاويه ~~المصرية، تاركين بحث فتاويه الكاملة إلى القسم الثاني من هذا ~~الكتاب. ~~(1) # يذكر في حكم الهدية لمن يتولى عملا من الأعمال العامة، ~~أن من أهدى شيئا لواحد من هؤلاء لينال ما لا يحق له كان ~~ذلك حراما على المهدي والمهدى له، وهي من الرشوة التي ~~قال فيها الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «لعن الله الراشي ~~والمرتشي.» # أما إذا فعل هذا ليكف ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب، ~~فهذه الهدية تكون حراما على الآخذ، وجاز للدافع فيها أن ~~يدفعها، كما قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إني لأعطي أحدهم الهدية ~~فيخرج بها نارا يتأبطها.» قيل: «يا رسول الله، فلم ~~تعطيهم؟» قال: «يأبون إلا ms085 أن يسألوني، ويأبى الله لي ~~البخل.» # وهذا هو الحكم في الهدية للشفاعة، مثل أن يشفع لرجل عند ~~ولي أمر في أن يرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقه، أو ~~يوليه ولاية يستحقها ... فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول ~~الهدية، ويجوز للمهدي أن يبذل ما يتوصل به إلى أخذ حقه أو ~~دفع الظلم عنه. # هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر، وقد رخص فيه ~~بعض المتأخرين من الفقهاء، وجعل هذا من باب «الجعالة»، ~~وهو مخالف للسنة وأقوال الصحابة رضي الله عنهم والأئمة، ~~فهو غلط. # وذلك لأن مثل هذا العمل من المصالح العامة التي يجب ~~القيام بها فرض عين أو فرض كفاية، ومتى سوغ أخذ الجعل ~~على مثل هذا لم ينل غير الباذل حقه ولم يرتفع الظلم عنه. # 21 ~~(2) # من المعروف أن من قتل نفسا عمدا بغير حق عليه القود، ~~ولكن ما الحكم فيمن لم ير طريقا لاسترداد ما سرق منه ~~إلا بقتل السارق فقتله عمدا؟ هنا يقول الشيخ رحمه الله ~~تعالى: «ومن نزل مكانا فجاء لص سرق قماشه، فلحق السارق ~~فضربه بالسيف فمات، وكان هذا هو الطريق في استرجاع ما مع ~~السارق، لم يلتزم الضارب بشيء، فقد روي عن عمر رضي الله ~~عنه أن لصا دخل داره فقام إليه بالسيف، فلولا أنهم ردوه ~~عنه لضربه بالسيف. وفي الصحيحين: «من قتل دون ماله فهو شهيد».» # 22 ~~(3) # ومثال آخر ذكره بعد المثال السابق بقليل، وهو أن من كذب ~~على رجل حتى ضرب وأهين وحبس يجب عقابه عقوبة تردعه ~~وأمثاله، بل جمهور السلف يوجبون القصاص في مثل ذلك، فمن ~~ضرب غيره أو جرحه بغير حق، فإنه يفعل به كما فعل، وفي ~~هذا قال عمر رضي الله عنه: ~~«أيها الناس، إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ~~ليأخذوا أموالكم، ولكن ليعلموكم كتاب الله وسنة نبيكم ~~ويقسموا بينكم فيئكم، فلا يبلغني أن أحدا ضربه عامله ~~بغير حق إلا أقدته. فراجعه عمرو بن العاص (كان والي ~~مصر حين ذاك) في ذلك، فقال: إن رسول الله # صلى الله ms086 عليه وسلم # أقاد ~~من نفسه.» ~~(4) # بينا ونحن نتكلم عن العصر الذي عاش فيه ابن تيمية، أنه ~~كان عصرا مليئا بأصحاب المقالات والمذاهب والطوائف ~~المختلفة، وأن من هذه الطوائف طائفة «النصيرية» التي كانت ~~تزعم الإسلام ولا تعمل به، فكان من الطبعي أن يرى الشيخ ~~وجوب قتالهم الذي اشترك بنفسه فيه، وأن يصدر فتوى شرعية ~~فيهم وفي أمثالهم. # ولهذا نجده يقول: «ويجوز، بل يجب بإجماع المسلمين قتال ~~كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة ~~المتواترة، مثل الطائفة الممتنعة عن إقامة الصلوات الخمس، ~~أو عن أداة الزكاة، أو عن الصيام المفروض، ومثل من لا ~~يمتنع عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم بالباطل ~~... # فهؤلاء يجب قتالهم كما أمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، بقتل ~~الخوارج مع كون الصحابة كان أحدهم يحقر صلاته مع صلاتهم ~~وصيامه مع صيامهم، فقاتلهم علي رضي الله عنه.» # 23 ~~(5) # ونذكر أخيرا من مختصر الفتاوى المصرية هذا المثال، وهو ~~خاص بضروب من الرياضة البدنية (كالمسابقة والمصارعة) التي ~~تعين على تربية الناشئة والمجتمع تربية طيبة. # 24 # إنه يبدأ الكلام بذكر أن الأعمال التي تكون بين اثنين ~~فصاعدا، وفيها يطلب كل منهما الغلب لنفسه، ثلاثة ~~أصناف، وهي: ~~(أ) ~~«صنف أمر به الله ورسوله كالسباق بالخيل، ~~والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب؛ لأنه مما يعين ~~على الجهاد في سبيل الله.» ~~(ب) ~~«الثاني ما نهى الله ورسوله عنه بقوله تعالى: # إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه ~~، ~~ومحط الاستدلال هنا هو الميسر ونحوه.» ~~(ج) ~~«والثالث ما هو مباح لعدم المضرة الراجحة، ~~وليس مأمورا به أمر وجوب لعدم احتياج الدين إليه، ~~كالمصارعة والمسابقة على الأقدام ونحوه، فهذا مباح ~~إذا خلا عن مفسدة راجحة، وقد صارع النبي وسابق وكان ~~أصحابه يتسابقون بحضرته على أقدامهم. # ثم أخذ بعد ذلك في بحث طويل عن اختلاف الفقهاء ~~في جواز أو تحريم أن يكون في هذا جعل للسابق ~~الفائز فبعضهم وهو أبو حنيفة، أجاز هذا بشرط، ~~والجمهور على عدم الجواز مستندين إلى حديث للرسول # صلى ms087 الله عليه وسلم ~~، ولأن ذلك يكون من باب الميسر الذي حرمه ~~الله في كتابه، ولكنه رحمه الله مال إلى الجواز ~~مبينا أن ذلك ليس من الميسر الذي حرمه الله ~~تعالى، والله أعلم.» ~~(6) # ونختم الأمثلة التطبيقية بهذا المسألة: هل من شرط جواز ~~المسح على الخفين أن يكون الخف غير مخرق حتى لا ~~يظهر شيء من القدم؟ وهل للتخريق حد؟ وما هو القول الراجح ~~بالدليل كما قال تعالى: # فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر ذلك خير وأحسن ~~تأويلا ~~. # وذكر الشيخ رحمه الله أن في المسألة قولين مشهورين ~~للعلماء، فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه يجوز المسح على ما ~~فيه خرق يسير مع اختلافهم في حد ذلك، واختار هذا بعض ~~أصحاب ابن حنبل، ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه لا يجوز ~~المسح إلا على ما يستر جميع محل الغسل. # ويقول أصحاب هذا القول الثاني: «إنه إذا ظهر بعض القدم ~~فرض غسل ما ظهر ومسح ما بطن، فيلزم إذن الجمع بين الأصل ~~والبدل وهذا لا يجوز؛ لأن على المرء أن يغسل القدمين، أو ~~أن يمسح على الخفين.» # ولكن ابن تيمية يذهب إلى أن القول الأول أصح، وهو قياس ~~مذهب الإمام ابن حنبل؛ وذلك بأن السنة القولية والعملية ~~أجازت المسح على الخفين مطلقا دون اشتراط أن يكونا ~~ساترين لكل القدمين، فضلا عما هو معروف من العفو عن ظهور ~~يسير العورة وعن وجود يسير النجاسة. # ومن هذا قول صفوان بن عسال : أمرنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا كنا سفرا أو مسافرين ألا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ~~ولياليهن إلا من جنابة، ولكن لا تنزع من غائط وبول ~~ونوم. # وقد استفاض عن الرسول في الصحيح أنه # صلى الله عليه وسلم # مسح على ~~الخفين، وتلقى عنه أصحابه ذلك، فأطلقوا القول بجواز ~~المسح على الخفين، ونقلوا عنه أيضا أمره بذلك مطلقا ... ~~ومعلوم أن الخفاف في العادة لا يخلو كثير منها من فتق أو ~~خرق، ولا سيما مع تقادم عهدها، وكان كثير من ms088 الصحابة ~~فقراء لم يكن يمكنهم تجديد ذلك ... # فلما أطلق الرسول الأمر بالمسح على الخفاف مع علمه بما ~~هي عليه من العادة، ولم يشترط أن تكون سليمة من العيوب، ~~وجب حمل أمره على الإطلاق، ولم يجز أن يقيد كلامه إلا ~~بدليل شرعي. وكان مقتضى لفظه أن كل خف يلبسه الناس ويمشون ~~فيه عادة فلهم أن يمسحوا عليه، وإن كان مفتوقا أو ~~مخروقا من غير تحديد لمقدار ذلك، فإن التحديد لا بد له ~~من دليل. # 25 # وأخيرا، بهذه الأمثلة التي ترينا أن شيخ الإسلام كان أمينا في تطبيق ~~منهجه العام في الفقه، أمانته في تطبيقه في سائر العلوم، انتهينا من ~~القسم الأول من هذا الكتاب، وهو القسم الذي قصرناه على بحث عصره وحياته ~~ومنهجه، وننتقل بعد ذلك إلى القسم الثاني الذي نقصره على فقهه وآرائه ~~الاجتماعية والسياسية وغير ذلك من مختلف الآراء التي ذهب إليها. # | القسم الثاني # آراؤه في الدين والحياة # الباب الأول # | في الفقه وأصوله # يراد اصطلاحا بكلمة «الدين» هنا كل ما شرعه الله للمسلمين بالقرآن الكريم أو ~~بسنة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو لهذا يشمل أصول الدين أو علم الكلام، والفقه الذي ~~يجب أن ننزل على أحكامه في العبادات والمعاملات على اختلاف ضروبها، والأخلاق ~~التي ينبغي أن نسير عليها لنكون حقا خير أمة أخرجت للناس؛ والدين بهذا ~~المعنى العام يسمى شريعة أيضا، كما يسمى كذلك ملة. # وفي هذا، نجد محمد على التهانوي يقول وهو يتكلم عن الشريعة: «الشريعة ما شرع ~~الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم ~~وعلى نبينا وسلم، سواء أكانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون ~~لها علم الفقه، أم بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم ~~الكلام، ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة.» # 1 # ولذلك نريد بآرائه في الدين آراءه في الفقه وفهم القرآن وتفسيره وعلم الكلام ~~والفلسفة. كما نريد بآرائه في الحياة الآراء الاجتماعية والسياسية التي ذهب ~~إليها وعمل على الأخذ بها في الحياة العامة للمجتمع والأمة. ms089 # ومن مجموع هذا وذاك تتكون أبواب هذا القسم الثاني من الكتاب، وسنتناول مباحث ~~كل باب منها على نحو وسط بين الإيجاز والإطناب، ومن الله التوفيق. # الفصل الأول # | أصول الفقه # لكل فقيه من الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة أصول يرجع إليها في ~~استنباط الأحكام، وابن تيمية رحمه الله لم يكن صاحب مذهب عرف به كغيره من ~~أولئك الأئمة، ولكنه مع اجتهاده كان حنبليا؛ ولذلك كانت أصوله في الفقه هي ~~في جملتها أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. # وقد كانت هذا الأصول التي اعتمد عليها الإمام ابن حنبل في فقهه وفتاويه، على ~~ما يذكره أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم (توفي سنة 751ه)، # 1 # خمسة أصول وهي: النص من الكتاب والحديث، فمتى ظفر بنص في المسألة ~~أفتى بموجبه دون التفات إلى ما خالفه، ولا إلى من خالفه ولو كان من كبار ~~الصحابة؛ ولهذا لم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية من الصحابة بتوريث المسلم من ~~الكافر، عندما صح عنده الحديث المانع من التوارث بينهما بسبب اختلاف ~~الدين. # وعند عدم النص يلجأ إلى فتوى الصحابي، فإذا وجد لبعض الصحابة فتوى لا يعرف ~~لها منهم مخالفا لم يتجاوزها إلى رأي آخر، دون أن يدعي أن ذلك إجماع بل يقول ~~تورعا ما يفيد أنه لا يعلم شيئا يعارض هذه الفتوى. # وإذا تعددت الآراء من الصحابة في المسألة الواحدة، يلجأ إلى اختيار أقربها ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله، بمعنى أنه لا يخرج عن رأي من هذا الآراء؛ ولهذا كان ~~يتوقف أحيانا عن الفتوى إذا لم يجد مرجعا لأحد تلك الآراء. # وبعد ذلك، كان يرجع إلى الحديث المرسل أو الضعيف مرجحا له على القياس، ما ~~دام ليس هناك أثر آخر يدفعه، ولا قول صاحب ولا إجماع على خلافه. # وأخيرا، إن لم يجد شيئا من الأصول الأربعة المتقدمة، لجأ إلى القياس ~~فاستعمله للضرورة. # ومن ذلك نرى أن ابن حنبل رضي الله عنه كان رجل نص وأثر أكثر منه رجل فقه ~~وقياس، وهكذا ms090 كان الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، وإن كان له في بعضها نظر ~~خاص أو زيادة في البيان والتفصيل؛ إذ يذكر أن طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم ~~عنها في أصول الفقه، هي بإجماع المسلمين الكتاب، والسنة على اختلاف أنواعها، ~~والإجماع، والقياس، والاستصحاب، ثم المصالح المرسلة. # وسنتكلم عن كل من هذه الأصول بإجمال؛ لنتبين ما يريده شيخ الإسلام بكل منها، ~~ولنعرف المعين الضخم الذي استقى منه تراثه الفقهي الجليل. # 2 # الكتاب والسنة # أما كتاب الله فلم يختلف أحد من المسلمين في أنه الأصل الأول للإسلام ~~عقائده وتشريعاته، وأخلاقه وآدابه، وأما السنة فهي الأصل الثاني بعد ~~القرآن بالإجماع أيضا. ويذكر الشيخ رحمه الله أنها في هذه الناحية أنواع ثلاثة: # النوع الأول: # هو السنة المتواترة التي تفسر القرآن ولا تخالف ~~ظاهره، مثل ما جاء منها في عدد صلوات اليوم والليلة، ~~وعدد ركعات كل صلاة، ومقدار نصاب الزكاة في أنواع ~~الأموال المختلفة، ومناسك الحج والعمرة وكيفية ~~أدائهما، وغير ذلك كله من الأحكام التي بينتها ~~السنة، ولم تعلم إلا بها. # والنوع الثاني منها: # هو ما لا يفسر القرآن أو يقال يخالف ظاهره في شيء، ~~ولكنه أتى بحكم جديد، مثل السنة التي جاءت في تقدير ~~نصاب السرقة، ورجم الزاني، وما شاكل ذلك من السنن ~~التي جاءت بأحكام غير منصوص عليها في القرآن ولا ~~تخالف ظاهره مطلقا. # ومن البدهي أن السنة التي من النوع الأول تكون حجة ~~فيما جاءت به؛ إذ إنها متممة لما جاء به القرآن من ~~التشريعات التي جاء بها الدين ، وكذلك النوع الثاني ~~يجب العمل به إلا عند الخوارج أو بعضهم، وهو في هذا ~~يقول عن هذا النوع من السنة: «فمذهب جميع السلف ~~العمل بها أيضا، إلا الخوارج، فإن من قولهم أو قول ~~بعضهم مخالفة السنة (أي التي من هذا النوع) حيث قال ~~أولهم للنبي # صلى الله عليه وسلم # في وجهه: «هذه القسمة ما ~~أريد بها وجه الله.» # ويحكى عنهم أنهم لا يتبعونه # صلى الله عليه وسلم # إلا فيما ~~بلغه عن الله من القرآن ms091 والسنة المفسرة له، وأما ~~ظاهر القرآن إذا خالفه الرسول فلا يعملون إلا ~~بظاهره؛ ولهذا كانوا مارقة مرقوا من الإسلام كما ~~يمرق السهم من الرمية. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم # لأولهم: «لقد خبت وخسرت إن ~~لم أعدل.» فإذا جوز أن الرسول يجوز أن يخون ويظلم ~~فيما ائتمنه الله عليه من الأموال، وهو معتقد أنه ~~أمين الله على وحيه، فقد اتبع ظالما كاذبا ... وقد ~~ينكر هؤلاء كثيرا من السنن طعنا في النقل لا ردا ~~للمنقول، كما ينكر كثير من أهل البدع السنن ~~المتواترة عند أهل العلم، كالشفاعة والحوض والصراط ~~والقدر وغير ذلك.» # 3 # والنوع الثالث من أنواع السنة: # هو أحاديث أو أخبار الآحاد التي وصلت إلينا بروايات ~~الثقات عن الثقات، والمتلقات بالقبول، ويعتبرها ابن ~~تيمية حجة وأصلا من أصول الفقه، ويجب تقديم العمل ~~به على المصادر الأخرى التي تجيء بعده، وفيها يقول: ~~«وهذه أيضا مما اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل ~~الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم، وقد أنكرها ~~بعض أهل الكلام ... وكثير من أهل الرأي قد ينكر كثيرا ~~منها بشروط اشترطها # 4 # ومعارضات دفعها بها ووضعها. # كما يرد بعضهم بعضا (أي من السنة)؛ لأنه يخالف ~~ظاهر القرآن فيما زعم، أو لأنه خلاف الأصول أو قياس ~~الأصول، أو لأن عمل متأخري أهل المدينة على خلافه، # 5 # أو غير ذلك من المسائل المعروفة في كتب ~~الحديث والفقه وأصول الفقه.» # وهكذا نرى ابن تيمية يشتد في العمل بالسنة متى صحت، وفي اعتبارها أصلا ~~من أصول الفقه ولو كانت أخبار آحاد، ولا يرد بعضها لأنها مثلا تخالف ~~عموم القرآن أو ظاهره في رأي البعض، ولا يذهب مذهب أبي حنيفة ومالك في ~~ردهما لبعضها لهذا السبب، أو لأنها تخالف ما عليه عمل أهل المدينة عند ~~الأخير. # وإن كثيرا من آي القرآن وأحاديث الرسول تؤيده في المنهج الذي سلكه، ~~فالله تعالى يقول: # يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~، وليست طاعة الله إلا العمل بكتابه، كما أن طاعة ~~الرسول تكون بالعمل ms092 بسنته الصحيحة. # والرسول # صلى الله عليه وسلم # يقول محذرا من ترك العمل بما صح عنه من السنة: «لا ~~ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر بما أمرت به أو نهيت عنه، ~~فيقول: لا أدري! ما وجدناه في الكتاب اتبعناه.» # 6 # وبخاصة أن كثيرا من الأحكام الشرعية مأخوذ من السنة النبوية، وكثيرا ~~أيضا من هذه الأحكام التي ثبتت بالسنة هي في الواقع تخصيص لظاهر القرآن ~~وعمومه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: # حرمت ~~عليكم الميتة والدم # الآية، فهي بنصها وظاهره ~~عامة في تحريم كل ميتة ودم، ولكن الرسول قال في حديث له: «أحلت لنا ~~ميتتان السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال»، فكان هذا الحديث مخصصا ~~لتلك الآية العامة. # الإجماع # والإجماع طريق من طرق الأحكام التشريعية، ولكنه يجيء بعد نصوص الكتاب ~~والسنة بلا ريب، والإجماع الذي عليه اتفاق عامة المسلمين، والذي يعلمونه ~~جميعا، هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما كان بعد ذلك فالعلم به متعذر ~~غالبا. # ولذلك يقول ابن تيمية في رسالته عن المعجزات والكرامات: «ولهذا اختلف ~~أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة، واختلف في مسائل ~~منه، كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، والإجماع الذي لم ينقرض عصر ~~أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع السكوتي، وغير ذلك.» # كما يذكر في إحدى فتاويه أن معنى الإجماع هو أن يجتمع علماء المسلمين ~~على حكم من الأحكام، وإذا ثبت ذلك لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن ~~الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولكن كثيرا من المسائل يظن بعض الناس فيها ~~إجماعا ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة. # 7 # وبعد هذا لا بد للإجماع الذي يعتبر حجة وأصلا من أصول الفقه من سند من ~~النصوص؛ وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون من الأحكام الفقهية يكون ~~منصوصا عليه من الرسول، وقد بينه في حديث له، ولكن قد يخفى النص على بعض ~~الناس فيستدل بالإجماع الذي علمه، مع أنه لا توجد مسألة يتفق الإجماع ~~عليها إلا وفيها نص. # 8 ms093 # ويأتي الشيخ رحمه الله بمسائل كثيرة ترى بادئ الرأي أن أحكامها ثبتت ~~بالإجماع من غير نص عن الرسول فيها، كما يقول بعض الفقهاء، ولكنه بالبحث ~~يظهر أن ثبوت هذه الأحكام هو بالسنة لا بالإجماع. # ومن ذلك مسألة المضاربة، فإنها - كما يقول - كانت مشهورة بينهم في ~~الجاهلية لا سيما قريش، فإن الأغلب عليهم كان التجارة، وكان أصحاب ~~الأموال يدفعونها إلى العمال، والرسول # صلى الله عليه وسلم # قد سافر بمال غيره قبل ~~النبوة، كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان (هي العير ~~التي جاء ذكرها في غزوة بدر) كان أكثرها مضاربة معه وغيره. # فلما جاء الإسلام أقرها الرسول، وكان أصحابه يتاجرون بمال غيرهم مضاربة ~~ولم ينه عن ذلك، والسنة قوله وفعله وتقريره فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة. # 9 # وفي رأينا أن هذا استدلال جيد، وفيه رد الأحكام إلى أصولها ~~الصحيحة الأولى. # ونستطيع أن نذكر هنا مثالا آخر، وهو عقد السلم، فإن الفقهاء الأحناف ~~مثلا يرون جوازه استحسانا على خلاف القياس لأن فيه بيع المعدوم، ولكن ~~الحق أنه ثابت بسنة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنه جاء والناس في المدينة ~~يتعاملون به، فأقرهم عليه كما هو معروف. # وفي رأينا أن الأمر كما يقول ابن تيمية بعد ذلك بحق؛ أي أن المسائل ~~المجمع عليها قد تكون راجعة إلى أن طائفة من الفقهاء المجتهدين لم يعرفوا ~~فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند ~~غيرهم. # وابن جرير الطبري مع طائفة من الفقهاء يقولون بأنه لا ينعقد الإجماع إلا ~~عن نص عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس وحجيته، ونحن لا نشترط أن يكونوا ~~جميعا قد علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار، ثم يقول: لكنا ~~استقرينا موارد الإجماع فوجدنا كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم ~~النص وقد وافق الجماعة. # هذا، ومن الطبعي أن تكون المسائل المجمع عليها قليلة في رأي ابن تيمية، ~~بعدما رأيناه يشترط لحجية الإجماع أن يكون إجماعا من علماء المسلمين ~~كافة في عصر من العصور، ms094 ثم أن يكون سنده نصا عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ولهذا ~~نجده ينكر القول بأن الإجماع هو المستند الذي يرجع إليه أكثر مسائل ~~الشريعة الإسلامية، فيقول: «ومن قال من المتأخرين إن الإجماع مستند معظم ~~الشريعة فقد أخبر عن حاله، فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ~~ذلك، وهذا كقولهم إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة ~~النصوص عليها، فإنما هو قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على ~~الأحكام. # وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها ~~الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام، حدثت جميع ~~أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في ~~مسائل قليلة، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم؛ إذ هم أهل الإجماع فلا ~~إجماع قبلهم. # لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب الله، فإن لم ~~تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي ~~رواية فبما أجمع عليه الناس ... وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر: قدم ~~الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع. # وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في كتاب الله، ثم بما في السنة، ثم بسنة ~~أبي بكر وعمر لقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر ~~وعمر.» # وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وهم من أشهر الصحابة ~~بالفتيا والقضاء، وهذا هو القضاء، وهذا هو عين الصواب.» # 10 # بقي بعد ذلك أن نعرف رأي ابن تيمية فيما إذا تعارض الإجماع مع نص عن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، هل يؤخذ بالإجماع ويكون ناسخا للنص؟ أو يجب حينئذ ترك ~~الإجماع والأخذ بالنص؟ # هنا نراه يخطئ من قال من المتأخرين بأنه إن وجد نص يخالف الإجماع، ~~اعتقد أن هذا النص قد نسخ بنص آخر لم يبلغه، بل قال بعضهم إن الإجماع هو ~~الذي نسخه، ومعنى هذا أو ذاك وجوب الأخذ بالإجماع مع ms095 مخالفته للنص الذي ~~ظهر. # ثم يقرر بعد هذا أن الصواب هو غير ذلك، وهو ما كان عليه السلف؛ «وذلك ~~لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك ~~منسوخ. فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ، ~~فهذا ما لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما ~~أمرت باتباعه، وهي معصومة عن ذلك.» كما قال في رسالة «معارج ~~الوصول». # ويختم هذه الرسالة بتأكيد أن السنة لا تنسخ الكتاب، وأن السنة لا ينسخها ~~إجماع، وأن الإجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة. # القياس # وتجيء مرتبة هذا الأصل بعد الإجماع، لكنه القياس الصحيح الذي يطابق ~~النص، وأثر الاحتجاج به في استنباط الأحكام الشرعية عن بعض الصحابة، ~~وأقر الرسول # صلى الله عليه وسلم # من ذهب إليه في حياته، وذلك كما فعل مع معاذ بن جبل ~~حين أراد إرساله إلى اليمن وسأله كيف يقضي إذا عرضت له قضية. # ولأن من الصحابة من عمل بالقياس، نرى ابن تيمية يقول: «وقد روي عن علي ~~وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي ~~والقياس مطلقا فقد غلط، ومن ادعى أنه من المسائل ما لم يتكلم فيها أحد ~~منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من ~~العلم» إلى آخر ما قال. # 11 # والقياس المعتبر عند ابن تيمية هو القياس الصحيح دون الفاسد، وهو الذي ~~جاءت به شريعة الله ورسوله، هذه الشريعة التي جمعت في الحكم بين ~~المتماثلين وفرقت بين المختلفين، وذلك إنما يكون بطريق القياس في ~~المتماثلين في العلة دون المختلفين فيها. # ويذكر الشيخ رحمه الله في أول رسالته عن القياس # 12 # صورتين للقياس الصحيح، وهما: ~~(أ) ~~«أن تكون علة الحكم التشريعي في الأصل موجودة في الفرع، ~~من غير معارض في الفرع يمنع حكمها.» ~~(ب) ~~«القياس بإلغاء الفارق بين الصورتين؛ أي الأصل والفرع؛ ~~أي ألا يكون بينهما فرق مؤثر في الشرع.» # ومثل ms096 هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، بل إذا جاءت الشريعة في بعض ~~الأمور بحكم يخالف حكم نظائره، «فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب ~~اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره (أي في الحكم)، لكن الوصف الذي اختص ~~به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر ... فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا ~~للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفا للقياس ~~الصحيح الثابت في نفس الأمر.» ~~••• # ولعل ابن تيمية يشير بذلك الكلام إلى مشكلة كبيرة ثارت قبله وبعده، ولا ~~تزال تثور بين الفقهاء حتى اليوم على ما نعتقد، وقد لمسنا نحن هذه ~~المشكلة في كتاب ظهر لنا منذ سنوات. # 13 # إن النظام ومن تبعه من المعتزلة يقولون بأن من الحق أن العقل يقتضي ~~التسوية في الحكم بين المتماثلات، والتفرقة فيه بين المختلفات، ولو اطرد ~~الأمر كذلك في الشريعة كان القياس أمرا يدعو إليه العقل. # ولكن الشارع نراه يفرق في الحكم بين الأمور المتماثلة، # 14 # وقد يسوي بين أمور مختلفة، # 15 # وهذا على خلاف قضية العقل، وإذن لا يكون العقل مجوزا ~~للقياس. # وبعد هؤلاء المتكلمين، نجد ابن حزم المتوفى سنة 456ه يشتد جدا في ~~رفض القياس، اكتفاء بالقرآن والسنة، واستدلالا لمذهبه الظاهري وتقبيحا ~~لمذهب معارضيه، وقد بسط ذلك كله في كتابه «الإحكام»، ورد على خصومه ~~ردودا لم تخل من حدة لسانه وشديد نقده ومرير تهكمه. # إنه يرى أن من قال بالقياس في الشريعة قد تعدى حدود الله وقفا ما لا علم ~~له به، وقال فيها برأيه، ما دام لديه كتاب الله وسنة رسوله وفيهما كل ~~غنية إذا عرفنا كل ما فيهما من الأحكام؛ ولهذا لم يقل صحابي قط ~~بالقياس. # وأما كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري حين بعثه ~~قاضيا إلى اليمن، وكذلك نحوه مما روي عن الصحابة من الآثار التي تفيد ~~الأخذ بالقياس، فقد أنكر هذه الآثار جميعا بالطعن في أسانيدها من ناحية، ~~وبإلزام خصومه؛ إذ خالفوا بعض ما توجبه من ناحية أخرى. # ثم ms097 ينتقل ابن حزم في كتابه «الإحكام» خطوة أخرى أبعد مما سار إليه، ~~فيحاول أن يجد من القرآن والسنة نصوصا يدعم بها مذهبه في رفض القياس ~~رفضا باتا شاملا، فيرى هذه النصوص مبطلة للقياس، داعية إلى وجوب رفضه ~~والعمل به في شريعة الله ورسوله، وبخاصة أنه يرى أن القول بالعلل في شيء ~~من الشريعة وأحكامها باطل. # وفي رأينا أنه مهما تكن شدة معارضة ابن حزم، وقوة جدله ولدده في ~~الخصومة، ومهما تكن حجج الذين رفضوا الأخذ بالقياس من الطوائف الأخرى، ~~فإن الحق هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن القياس أصل من أصول الفقه ~~ومصدر من مصادره، مصدر لا يستغني عنه فقيه، ولم ينكره صحابي من قبل، بل ~~أرشد الله إليه في غير موضع من كتابه، كما يقول ابن تيمية وابن ~~القيم. # لقد عرض ابن القيم - وكان أكبر حفيظ للتراث العلمي لشيخه الأكبر - في ~~الجزء الأول من كتابه «إعلام الموقعين»، مسألة القياس عرضا وافيا، ~~وبين أدلة القائلين به وأدلة الآخرين الذين يرفضونه. # وتكلم عن عدم إحاطة النصوص أو إحاطتها بالحوادث التي تزيد كل يوم، ومعنى ~~هذا الحاجة للقياس أو عدم الحاجة إليه، ولم ينس أن يعرض لمسألة كون ~~أحكام الله معللة -وحينئذ يتأتى القياس - أو غير معللة فلا يكون ~~القياس ممكنا. # وبعد هذه البحوث وأمثالها المتعلقة بالقياس والخلاف الشديد فيه، # 16 # وبعد أن نقد كلا من الطرفين - الذين غلوا في الأخذ ~~بالقياس، والذين غلوا في رفضه - نقول إنه بعد ذلك كله، ذكر بأن في نصوص ~~الكتاب والسنة بيانا للأحكام الشرعية كلها، والقياس الصحيح مع هذا حق ~~مطابق للنصوص، وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس. # 17 ~~••• # هذا، وإذا كان ابن تيمية قد أخذ بالقياس الصحيح، وجعله أصلا من أصول ~~الفقه، فإن هذا يوجب عليه بيان العلة التي بسببها نعطي للفرع حكم الأصل ~~المقيس عليه. # وإذا كان قد رأى أن القياس المعتبر لا بد أن يطابق نصا من النصوص، كان ~~لا بد له من الذهاب إلى اشتمال نصوص الكتاب والسنة على ms098 جميع الأحكام ~~الشرعية جملة وتفصيلا. # وإذا كان قد قرر أن هذا القياس الصحيح لا تأتي الشريعة بخلافه قط، كان ~~عليه بيان رأيه فيما يقال عن كثير من الأحكام التشريعية أنها ثبتت على ~~خلاف القياس. # تلك مسائل ثلاث كان لزاما على شيخ الإسلام أن يتناولها بالبحث والبيان، ~~وقد فعل رحمه الله تعالى، ونحن نتكلم عنها على هذا الترتيب: # الأولى: # علة القياس عند الفقهاء الأحناف ومن سلك طريقهم، هي ~~الوصف الظاهر المنضبط المناسب الذي يبنى عليه الحكم ~~الشرعي لأنه مظنته. وقرروا بعد تعريف العلة على هذا ~~النحو أن تدور الأحكام الشرعية مع عللها وجودا ~~وعدما. # ولهذا شرطوا فيها الشروط التي ذكرناها ومنها الانضباط؛ # 18 # لأنها هي التي تعرفنا وجوب إعطاء الفرع ~~حكم الأصل متى وجدت العلة فيه؛ وبذلك تكون تكاليف ~~الله لعباده مستقيمة، وأحكام معاملاتهم متسقة على ~~اختلاف ضروبها، ما دام مناط الأحكام هي عللها على ~~النحو الذي عرفوها به. # ولكن ابن تيمية لا يسير معهم في تعريف العلة على ~~هذا النحو، بل يختلف عنهم على ما نراه في كثير من ~~كلامه وفتاويه، فهي المعنى المشترك بين الأصل ~~والفرع، أو الوصف المعتبر في حكم الله ورسوله، أو ~~الوصف الملائم المناسب الذي استوجب الحكم الشرعي لما ~~فيه من مصلحة، أو الحكمة الحقيقية التي كانت سبب ~~تشريع هذا الحكم. # وهذه العبارات متقاربة المعنى، وكلها تدور حول ~~المصلحة أو الحكمة التشريعية، هذه الحكمة التي لا ~~تخلو من أن تكون جلب منفعة أو دفع مضرة؛ وبذلك يتحقق ~~قصد الشارع من تشريعاته، فإن كل أحكام الشريعة ~~الإسلامية تحقق جلب المنافع ودفع المضار. # والذي يتبادر إلى العقل أن يكون الأمر كما قال ابن ~~تيمية، فتكون العلة التي يبنى الحكم عليها وجودا ~~وعدما هي حكمته؛ لأنها الباعث على تشريعه والغاية ~~المقصودة منه، ولأن لكل حكم شرعي حكمته التي أرادها ~~الله من العمل به. # ولكن هذه الحكمة إن ظهرت لنا وعرفناها في كثير من ~~الأحكام، فقد تكون خافية لا نستطيع التحقق منها ~~وجودا وعدما في كل حال؛ ومن ثم، شرط ms099 الأصوليون ~~الآخرون في العلة ألا تكون وصفا ظاهرا مناسبا ~~فقط، بل أن يكون أيضا منضبطا محددا يمكن التحقق ~~من وجوده أو عدمه، ويتضح ذلك بهذا المثال: أباح الله ~~للمسافر والمريض في رمضان الفطر، والعلة هي السفر في ~~الأولى والمرض في الثاني، والحكمة هي دفع المشقة عن ~~كل منهما، والسفر والمرض أمران منضبطان، على حين ~~المشقة أمر تقديري غير منضبط فلا يمكن التحقق منه؛ ~~ولهذا جعلت العلة هنا مجرد السفر أو المرض وإن لم ~~توجد مشقة في هاتين الحالتين. # ولكن هؤلاء وجدوا عقبة في طريقهم الذي سلكوه؛ وذلك ~~أنهم رأوا العلة التي جعلوها الوصف الظاهر الملائم ~~المنضبط (أي لا الوصف الملائم وإن لم يكن منضبطا ~~تماما، أو الحكمة التي هي سبب التشريع)، موجودة في ~~أشياء كانت توجب تحريمها، ومع هذا فقد ثبت جوازها ~~بالسنة، فلجئوا إلى القول بجوازها استحسانا لا ~~قياسا. # وذلك مثل السلم الذي أجازه الرسول # صلى الله عليه وسلم # بحديث ~~معروف أقر به هذا النوع من المعاملة؛ إذ وجد أهل ~~المدينة يتعاملون به، ومثل عقد إجارة الأشياء أو ~~الأشخاص، مع أن المعقود عليه في هذين العقدين معدوم ~~غير مقدور التسليم حين العقد، فالعلة في تحريم كل ~~منهما موجودة، ومع هذا هما جائزان شرعا. # ومهما يكن، فإن مسلك ابن تيمية لا يبعد كثيرا عن ~~مسلك الآخرين، فإن مبنى الأحكام الشرعية على جلب ~~المنافع ودفع المضار وليس من الأحكام ما لا حكمة له ~~أو ما لا يحقق مصلحة معروفة حقيقية أو يدفع ضررا ~~حقيقيا كذلك من تشريعه، وبذلك تلتقي الحكمة بالوصف ~~الظاهر الملائم المنضبط في أكثر الأحوال. # ومع هذا، فإن نظر ابن تيمية في هذه الناحية يجعل ~~القياس الصحيح قريب الإدراك، ومعينا على تعرف حكم ~~التشريع، وأدنى إلى ما يتبادر إلى الذهن ويتعارفه ~~الناس، ويجعل الأحكام الفقهية ذات آصرة قوية بتحقيق ~~ما أراده الله من تحقيق المنافع ودفع المضار. # الثانية: # لشيخ الإسلام رسالة أشرنا إليها كثيرا فيما سبق، ~~وهي «معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه ~~قد بينها الرسول»، وقد ms100 افتتحها بقوله: «إن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # بين الدين، أصوله وفروعه، باطنه ~~وظاهره، علمه وعمله.» # ولا ريب في أن المراد بفروع الدين وعمله هو الأحكام ~~التشريعية التي تسمى أيضا الفقه أو الشرع، وهذا ~~كاف في بيان ما يراد من أن في النصوص بيانا ~~للشريعة الإسلامية وأحكامها، بالتفصيل حين يجب، ~~وبالإجمال حين يكفي، وبالنص تارة، والحمل عليه تارة ~~أخرى. # والآن نذكر أنه رحمه الله قد رفعت إليه فتوى تعتبر ~~من صميم الموضوع الذي نعالجه، وأجاب عنها بما نرى من ~~الخير تلخيصه بعد ذكر نص الفتوى، وهو: ~~«من يقول إن النصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة، هل ~~قوله صواب، وهل أراد النص الذي لا يحتمل التأويل أو ~~الألفاظ الواردة المحتملة؟ ومن نفى القياس وأبطله من ~~الظاهرية، هل قوله صواب، وما حجته في ذلك، وما ~~معنى قولهم النص؟» # 19 # وقد بدأ الجواب بقوله بأن هذا القول قاله طائفة من ~~أهل الكلام والرأي، وهو خطأ، والصواب الذي عليه ~~جمهور أئمة المسلمين أن النصوص وافية بجمهور أفعال ~~العباد، ومنهم من يقول إنها وافية بجميع ذلك، وإنما ~~أنكر ذلك من أنكره لأنه لم يفهم معاني النصوص العامة ~~التي هي أقوال الله ورسوله، وشمولها لأحكام أفعال ~~العباد. # وذلك أن الله بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # بجوامع الكلم، ~~فيتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قاعدة عامة ~~تتناول أنواعا كثيرة، وتلك الأنواع تتناول أعيانا ~~لا تحصى، فبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام ~~أفعال العباد. # وضرب لهذا الخمر مثلا، فإن الله حرمها بنص القرآن ~~والسنة، فظن بعض الناس أن لفظ الخمر لا يتناول إلا ~~عصير العنب خاصة فلم يحرم إلا ذلك ، والبعض حرم ~~أيضا بعض الأنبذة المسكرة، ومن العلماء من حرم كل ~~مسكر مائعا كان أو جامدا، وهذا وذاك بطريق القياس ~~لعلة الإسكار في كل منها كالخمر المتخذة من عصير ~~العنب. # مع أن الصواب الذي عليه الأئمة الكبار هو أن الخمر ~~المذكورة في القرآن والسنة تتناول كل مسكر، فصار ~~تحريم كل مسكر بالنص العام والكلمة الجامعة، لا ms101 ~~بالقياس وحده، وإن كان القياس دليلا آخر يوافق ~~النص، كما جاء أيضا في صحيح مسلم أن الرسول قال: ~~«إن كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام.» # فمن ظن أن النص القرآني لم يتناول إلا خمر العنب، ~~وأن تحريم سائر المسكرات ثبت بالقياس، كان مخطئا في ~~فهم النص. ومما يؤيد شمول النص لكل مسكر أن الخمر ~~لما حرمت لم يكن بالمدينة شيء من خمر العنب، ~~وإنما كان عندهم النخل يتخذون من ثمره خمرا، فلما ~~نزلت آية التحريم أراقوا ما كان عندهم من أشربة، ~~ومعنى هذا أنهم كانوا يعرفون من اللغة أو بيان ~~الرسول أن لفظ الخمر ليس خاصا بعصير العنب ~~وحده. # وبعد أن أتى بأمثلة أخرى، وتكلم عن القياس صحيحه ~~وفاسده، قال: «ولفظ النص يراد به تارة ألفاظ الكتاب ~~والسنة، سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة، وهذا ~~هو المراد من قول من قال: النصوص تتناول أحكام ~~المكلفين ... ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، ~~فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد، ولا يوجد ~~نص يخالف قياسا صحيحا، كما لا يوجد معقول صريح ~~يخالف المنقول الصحيح ... # ومن كان متبحرا في الأدلة الشرعية، أمكنه أن يستدل ~~على غالب الأحكام بالنصوص وبالأقيسة، فثبت أن كل ~~واحد من النص والقياس دل على هذا الحكم كما ذكرناه ~~من الأمثلة. # فإن القياس يدل على تحريم كل مسكر كما يدل النص على ~~ذلك، فإن الله حرم الخمر لأنها توقع بيننا العداوة ~~والبغضاء، وتصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، كما دل ~~القرآن على هذا المعنى، وهذا المعنى موجود في جميع ~~الأشربة المسكرة لا فرق في ذلك بين شراب وشراب. # 20 # فالفرق بين جميع الأنواع المشتركة من هذا الجنس، ~~تفريق بين المتماثلين، وخروج عن موجب القياس الصحيح، ~~كما هو خروج عن موجب النصوص ...» إلى آخر ما ~~قال. # الثالثة: # نرى أخيرا أن شيخ الإسلام يقرر أن القياس الصحيح ~~لا تأتي الشريعة قط بخلافه، ويقول إنه لا يوجد نص ~~يخالف قياسا صحيحا، وإذن، فما رأيه فيما يقول ~~الفقهاء في كثير من الأحكام ms102 التشريعية أنها جاءت على ~~خلاف القياس؟ # إنه حقا لا يعبأ بالجواب، وعلمه بالسنة ودقة فهمه ~~لنصوص القرآن والسنة التشريعية يبين في دقة صحة ما ~~قال، ونكتفي هنا ببيان ذلك في بضع مسائل نعرف منها ~~أنه سلك السبيل السوي لتأييد ما رآه حقا. # ولكن نرى من الخير قبل تناول هذه المسائل أن نشير ~~إلى أن الأحكام التي يقال عنها إنها جاءت على خلاف ~~القياس نوعان كما يذكر ابن تيمية: # 21 # نوع لا نزاع بين الفقهاء في حكمه، ونوع ~~تنازعوا فيه: # والنوع الأول: # يتبين أنه على وفق القياس ما دام متفقا ~~عليه، ولكن الخلاف فيه هو هل يقاس عليه أو لا؟ فذهب ~~طائفة من الفقهاء، وحكي هذا عن أصحاب أبي حنيفة، أنه ~~لا يقاس عليه، وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يقاس عليه ~~غيره إن تحققت فيه شروط القياس، وهذا هو ما ذكره ~~أصحاب الشافعي وابن حنبل وغيرهما. # وذلك بأنهم قالوا كما يحكي عنهم ابن تيمية ~~نفسه: إنما ينظر إلى شروط القياس، فما علمت علته ~~ألحقنا به ما شاركه في العلة، سواء قيل إنه على خلاف ~~القياس أو لم يقل ... أما إذا لم يقم دليل على أن ~~الفرع كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس، سواء قيل إنه ~~على وفق القياس أو خلافه؛ ولهذا كان الصحيح أن ~~العرايا يلحق بها (أي قياسا) ما كان في ~~معناها. # وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس ~~الصحيح، بل ما قيل إنه على خلاف القياس لا بد من ~~اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى ~~مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك، فذلك الوصف إن ~~شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه ، وإلا كان من الأمور ~~المفارقة له. # وأما المتنازع فيه فمثل ما يأتي حديث بخلاف ~~أمر (أي مخالف للقياس)، فيقول القائلون هذا بخلاف ~~القياس أو بخلاف قياس الأصول، وهذا له أمثلة من ~~أشهرها المصراة، فإن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «لا ~~تصروا الإبل ولا الغنم، فمن ابتاع مصراة فهو ~~بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ ms103 إن رضيها أمسكها، وإن ~~سخطها ردها وصاعا من تمر»، وهو حديث صحيح، # 22 # فقال قائلون هذا يخالف قياس الأصول من ~~وجوه: منها أنه رد للمبيع بلا عيب ولا خلف في ~~صفة، ومنها أن الخراج بالضمان فاللبن الذي يحدث عند ~~المشتري غير مضمون عليه وهنا قد ضمنه، ومنها أن ~~اللبن من ذوات الأمثال فهو مضمون بمثله، ومنها أن ما ~~لا مثل له يضمن بالقيمة من النقد، وهنا ضمنه بالتمر ~~... # فقال المتبعون للحديث بل ما ذكرتموه خطأ، ~~والحديث موافق للأصول (فهو لهذا يكون موافقا للقياس ~~الصحيح)، ولو خالفها لكان هو أصلا كما أن غيره أصل، ~~فلا نضرب الأصول بعضها ببعض، بل يجب اتباعها كلها، ~~فإنها كلها من عند الله. # ثم أخذ الشيخ رحمه الله تعالى بعد ذلك يبين ~~بالدليل أن كل ما ذكره أولئك الفقهاء، من مخالفة هذا ~~الحكم الذي ثبت بحديث الرسول للقياس، ليس صحيحا في ~~شيء منه، وأن هذا الحكم لا يخالف القياس بل يوافقه ~~تماما، وقد نعرض لهذا الرد بالتفصيل بعد ~~حين. # هذا، ونأخذ الآن في الكلام عن بعض العقود التي ~~يرى شيخ الإسلام بحق أنها جاءت على وفق القياس، لا ~~مخالفة له كما قال جمهور الفقهاء الآخرين، وقد ~~اخترنا أن نمثل لذلك بهذه العقود: السلم، الإجارة، ~~المضاربة، ثم مسألة المصراة: # السلم: # من شروط صحة العقد عند جمهور الفقهاء أن يكون ~~موضوعه (أي المعقود عليه) موجودا حين العقد، ~~فالمعدوم لا يصح إذن أن يكون محلا للتعاقد؛ لأنه ~~من غير المعقول أن يتعلق حكم العقد وآثاره بشيء ~~معدوم لا يقدر على تسليمه إلا بعد إتمام التعاقد، ~~وحينئذ قد يثور النزاع والخصومة بين المتعاقدين، ~~على حين أن العقود يجب أن تقوم على التراضي من ~~الجانبين. # وترتب على هذا الشرط أو القاعدة، أنهم اضطروا ~~للقول بأن عقود السلم والإجارة والمضاربة ~~والاستصناع ونحوها مستثناة من هذه القاعدة العامة، ~~وأنها تجوز شرعا استحسانا لا قياسا، للحاجة ~~إليها. # ومن المعلوم أن السلم عقد على شيء معدوم، فإنه ~~بيع شيء آجل بثمن عاجل، ومع هذا لا ms104 خلاف بين الفقهاء ~~في جوازه شرعا، لما رواه الشيخان عن طريق ابن عباس ~~الذي قال: قدم النبي # صلى الله عليه وسلم # المدينة، وهم يسلفون ~~بالتمر السنتين والثلاث فقال: «من أسلف # 23 # في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى ~~أجل معلوم.» # ولكن ابن تيمية ينكر ما ذهب إليه أولئك ~~الفقهاء من اشتراط أن يكون موضوع العقد موجودا غير ~~معدوم، ومن ثم ينكر أن يكون جواز عقد السلم والإجارة ~~ونحوهما ثبت على خلاف القياس، وهو في ذلك يقول: «لا ~~تسلم صحة هذه المقدمة (أي القاعدة أو الشرط ~~المذكور)، فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، بل ولا ~~عن أحد من الصحابة، أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ ~~عام ولا بمعنى عام. # وإنما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي ~~معدومة، كما في النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي ~~موجودة، وليست العلة في النهي لا الوجود ولا العدم، ~~بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه نهى عن ~~بيع الغرر، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواء كان ~~موجودا أو معدوما، كالعبد الآبق والبعير الشارد، ~~ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه بل قد يحصل وقد ~~لا يحصل، وهو غرر لا يجوز بيعه وإن كان ~~موجودا. # فإن موجب البيع تسليم المبيع، والبائع عاجز ~~عنه، والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن ~~أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع، # 24 # وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري. # 25 # وهكذا المعدوم الذي هو غرر نهى عن بيعه لكونه ~~غررا لا لكونه معدوما، كما إذا باع ما يحمل هذا ~~الحيوان أو ما يحمل هذا البستان، فقد يحمل وقد لا ~~يحمل، وإذا حمل فالمحمول لا يعرف قدره ولا وصفه، ~~فهذا من القمار، وهو من الميسر الذي نهى الله ~~عنه. # ومثل هذا إكراء دواب لا يقدر على تسليمها، أو ~~عقار لا يمكنه تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، فإنه ~~إجارة غرر» إلى آخر ما قال. # 26 # هكذا ms105 فحص الشيخ رحمه الله عن العلة في منع بعض ~~الأشياء المعدومة، ووجدها بحق أنها الغرر الذي يكون ~~فيها؛ أي عدم القدرة على تسليمها، فإذا وجدت هذه ~~العلة في بعض الأشياء الموجودة كان بيعها أيضا ~~منهيا عنه؛ لأن في المبيع أو الإجارة في الحالين ~~قمارا وميسرا نهى عنه الله تعالى وحرمه بنص صريح ~~من القرآن، وإذن يكون كل من السلم والإجارة على ~~وفق القياس بلا ريب. # ولكنه مع هذا يخص كلا من هذين العقدين ~~ونحوهما بكلمة خاصة يبين فيها أنه ثبت جوازه شرعا ~~على وفق القياس، فهو يذكر أن قول الفقهاء إن السلم ~~على خلاف القياس هو من جنس ما رووه من أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال: «لا تبع ما ليس عندك، وأرخص في ~~السلم»، وهذا لم يرو في الحديث وإنما هو من كلام ~~بعض الفقهاء. # 27 # وذلك أن الرسول نهى حكيم بن حزام أن يبيع ما ~~ليس عنده فيكون جواز السلم بسنة الرسول مخالفا ~~للقياس. ولكن نهي النبي حكيم بن حزام عن بيع ما ~~ليس عنده، إما أن يراد به بيع عين معينة ليست عنده ~~ولا يملكها فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه، ~~وفيه نظر. # وإما أن يكون المراد به النهي عن بيع الإنسان ~~ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمة، وهذا أشبه، ~~فيكون قد ضمن للمشتري شيئا لا يدري هل يحصل أو لا ~~يحصل، وهذا في السلم الحال إذا لم يكن عنده ما ~~يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة. وأما السلم المؤجل وهو ~~المتعارف فهو أمر آخر. # إن موضوع العقد (وهو المسلم فيه) دين من ~~الديون مؤجل في صحيفة إلى أجل معلوم، فهو كالابتياع ~~بثمن مؤجل، ولا فرق بين أن يكون الثمن هو المؤجل أو ~~يكون المؤجل هو موضوع العقد. # وفي هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: أشهد أن ~~السلف المضمون في الذمة حلال في كتاب الله (يريد أنه ~~ثبت جوازه شرعا بالقرآن، لا استحسانا على خلاف ~~القياس كما يقول الفقهاء الآخرون)، وقرأ قوله ms106 تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه ~~. وينتهي ابن تيمية من هذا ~~بقوله: «فإباحة هذا على وفق القياس، لا على ~~خلافه.» # الإجارة: # تكلم ابن تيمية بعد عقد السلم عن عقد الإجارة ~~وناقش أقوال الفقهاء الذين ذهبوا إلى أن هذا العقد ~~جار على خلاف القياس؛ لأنه بيع معدوم وهو المنفعة ~~التي تتحقق بعد العقد شيئا فشيئا، ولأنه يجب في ~~العقود التي تجري على القياس القدرة على تسليم ~~المعقود عليه عقب العقد، وانتهى من هذه المناقشة إلى ~~أن الإجارة على وفق القياس لا على خلافه. # 28 # إن قولهم بأن الإجارة نوع من البيع لا يخلو أن ~~يكون المراد به أحد أمرين: البيع الخاص الذي يفهم من ~~لفظ البيع عند الإطلاق، أو المعاوضة العامة. ولا يصح ~~أن يراد بها المعنى الأول، فإنه إنما ينعقد على ~~الأشياء المعينة المحدودة، أو المضمونة في الذمة، ~~وليست الإجارة كذلك في كل حال. # والقول بأنها نوع من المعاوضة العامة التي ~~تتناول العقد على الأعيان أو المنافع، قول صحيح، لكن ~~قولهم إن هذه المعاوضة لا تكون على معدوم دعوى مجردة ~~من الدليل، بل هي دعوى كاذبة، وذلك بأن الشارع أجاز ~~المعاوضة على الموجود وعلى المعدوم. # ومن القياس الفاسد أن يقول قائلهم: «كما أن ~~بيع الأعيان لا يكون إلا على موجود فكذلك بيع ~~المنافع، وهذا حقيقة كلامه.» هذا القياس فاسد، بل في ~~غاية الفساد، فإنه - كما يقول - من شرط القياس ~~الصحيح أن يمكن إثبات حكم الأصل في الفرع، وهذا ~~متعذر؛ لأن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال ~~وجودها، فلا يتصور أن تباع المنافع في حال وجودها ~~كما تباع الأعيان في حال وجودها. # ولهذا أمرنا الشارع أن نؤخر العقد على الأعيان ~~التي لم تخلق إلى أن تخلق، كما نهى عن بيع الحمل ~~قبل أن يولد، والتمر قبل بدو صلاحه، وعن بيع ~~الحب حتى يشتد، وعلى هذا لا يبقى حكم الأصل ~~مساويا لحكم الفرع في كل حال. # وإذا كان ذلك يظهرنا على أحد الفروق بين ms107 عقد ~~البيع والإجارة، فإن هناك فرقا آخر ذكره شيخ ~~الإسلام إجمالا، وفصل القول فيه من بعده تلميذه ~~ابن القيم. # 29 # وهو أن الفقهاء حين لم يجيزوا بيع المعدوم في ~~كل حال بنوا على هذا بطلان ضمان الحدائق والبساتين؛ ~~لأنه - كما يقولون - بيع الثمار قبل بدو صلاحها، ~~بل قبل وجودها، ومنهم من ذكر الإجماع على ~~بطلانه. # والحق أنه ليس لهم دليل صحيح لما ذهبوا إليه، ~~فضلا عن دعوى الإجماع، بل ربما كان الإجماع هو على ~~جواز ضمان البساتين ونحوها شرعا. فقد جرى العرف ~~الصحيح على صحة هذه المعاملة من أيام الصحابة حتى ~~اليوم، بل - كما يذكر ابن تيمية - إن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ضمن حديقة أسيد بن خضير ثلاث ~~سنوات، وتسلف مقدار الضمان فقضى به دينا كان على ~~أسيد لأنه كان وصيه، ومثل هذا من عمر لم يكن ليخفى ~~على أحد. # بل قد كان ذلك - كما يذكر ابن القيم - بمشهد ~~من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومن جعل هذا ~~إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك، وأقل درجاته ~~أن يكون قول صحابي بل قول الخليفة الراشد ولم ينكره ~~منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء. # فالصواب، إذن، هو ما فعله سيدنا عمر الذي جعل ~~الله الحق على لسانه وقلبه، وبصحة هذا يتضح الفرق ~~الآخر بين البيع والإجارة، «إذ الفرق - كما يقول شيخ ~~الإسلام - بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع ~~والإجارة، ألا ترى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # نهى عن بيع ~~الحب حتى يشتد، ثم إذا استأجر أرضا ليزرعها جاز ~~هذا مع أن مقصوده الحب؟ لكن مقصوده ذلك بعمله لا ~~بعمل البائع.» # بقي ما يقوله النافون لجريان الإجارة على وفق ~~القياس، وهو أن موجب العقد تسليم المعقود عليه بعد ~~إتمامه، وهذا مستحيل في الإجارة بالنسبة لموضوعها ~~الذي يحدث آنا بعد آن في الزمان. # وهنا يذكر ابن تيمية أن هذا غير صحيح إن سلمنا ~~أن عقد الإجارة هو عقد بيع، فإن موجب العقد هو ما ~~أوجبه الشارع أو المتعاقدان ms108 على أنفسهما، # 30 # وكلاهما منتف، فلا الشارع أوجب أن يكون ~~كل مبيع مستحق التسليم عقب العقد، ولا العاقدان ~~التزما ذلك. # بل تارة يكون العقد على هذا الوجه؛ أي يكون ~~تسليم الثمن والمثمن عقبه، وتارة يشترطان التأخير في ~~أحدهما، أو في محل العقد بصفة خاصة لما في ذلك من ~~المصلحة للبائع أو المشتري، وهذا كما كان لسيدنا ~~جابر حين باع بعيره للرسول واستثنى ظهره إلى ~~المدينة. # وإذن، لا دلالة في الشريعة على أن من موجبات ~~العقد التسليم عقبه كما زعموا، وليس هذا أصلا من ~~أصولها يكون الخروج عنه خروجا عن القياس، بل ~~التسليم والقبض في الأعيان والمنافع على السواء ~~كالقبض في الدين، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه ~~حسب الإمكان، وتارة يكون موجبه تأخير التسليم لمصلحة ~~من المصالح المشروعة. # وأخيرا، نذكر أنه إذا تركنا عقد الإجارة الذي ~~لا يمكن فيه تسليم المعقود عليه عقب العقد، فإنه في ~~عقد البيع إذا كان في تأخير تسليم المبيع ضرر يسير ~~بالمشتري ومصلحة راجحة للبائع، نرى أنه من أصول ~~الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة يجب ~~أرجحهما كما هو معروف، كما يجب دفع الضرر الأكبر ~~باحتمال الضرر الأدنى. # وهكذا وصل الإمام ابن تيمية إلى دفع ما يحتج ~~به الفقهاء الذين ذهبوا إلى أن عقد الإجارة يجوز ~~استحسانا لا قياسا، وإلى التدليل بحق على أنه ~~موافق للقياس ولأصول الشريعة. # المضاربة والمزارعة: # ذهب جمهور الفقهاء إلى أن هذين العقدين، وكذلك ~~أيضا عقد المساقاة # 31 # تجوز شرعا على خلاف القياس؛ وذلك لأنها ~~من جنس عقد الإجارة، ومن ثم يجب أن يكون الربح ~~معلوما قدره حين العقد، ولكن الأمر في هذه العقود ~~على غير هذا النحو. # وذلك لأن أجر العامل في كل منها لم يعرف قدره ~~عند التعاقد، بل يكتفى فيها بأنه حصة شائعة في الربح العام # 32 # كنصفه أو ثلته على حسب ما يتفق ~~المتعاقدان عليه؛ ولهذا لا يجوز كل من هذه العقود ~~قياسا، بل استحسانا. # ولكن شيخ الإسلام لا يذهب مذهب أولئك الفقهاء؛ ~~أي في إرجاع هذه ms109 العقود إلى الجنس الذي يدخل فيه عقد ~~الإجارة وإلى ما استتبعه عندهم من جوازها استحسانا ~~لا قياسا للسبب الذي ذكروه، بل يرى أنها من جنس عقد ~~الشركة فتكون قياسية. # وإنه ليبني ما يراه على أصل هام يجب التنبه ~~إليه، فيه تتميز العقود الواردة على عمل العامل من ~~عقد الإجارة، وهو يقول في هذا ما ينبغي أن نأتي به ~~ولو بشيء من الاختصار؛ إذ يذكر أن العمل ثلاثة أنواع: # أحدها: ~~«أن يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على ~~تسليمه، فهذا عقد الإجارة اللازمة؛ أي العقد ~~اللازم.» # والثاني: ~~«أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر ~~فهذه الجعالة، وهي عقد جائز ليس بلازم. فإذا قال: من ~~رد عبدي الآبق فله مائة، فقد يقدر على رده وقد لا ~~يقدر، وقد يرده من مكان قريب أو بعيد ... فمن عمل هذا ~~العمل استحق الجعل وإلا فلا. # ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل ~~جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم، مثل ~~أن يقول أمير الغزو: من دل على حصن فله ثلث ما فيه، ~~ويقول أمير السرية التي يسريها لك خمس ما تغنمين ~~أو ربعه ... # ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء ~~المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # الذين ~~جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم ~~حتى برئ فأخذوا القطيع، فإن الجعل كان على الشفاء ~~لا على القراءة.» # وأما النوع الثالث: ~~«فهو ما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود المال، ~~وهو المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل ~~العامل، كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل؛ ~~ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء ~~... # بل هذه (أي عقد المضاربة) مشاركة، هذا ينفع ~~بدنه (أي بعمله) وهذا ينفع ماله، وما قسم الله من ~~الربح كان بينهما على الإشاعة؛ ولهذا لا يجوز أن يخص ~~أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن القول الواجب ~~في الشركة ...» # 33 # هكذا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية بحق، ms110 وأما ~~الذين ذهبوا إلى أن هذه العقود الثلاثة على خلاف ~~القياس فقد ظنوا أنها من جنس الإجارة فيشترط فيها ~~مثلها العلم بالعوضين، فلما رأوا أن العمل في هذه ~~العقود غير معلوم وكذلك الربح قالوا بمخالفتها ~~للقياس. # وهذا من غلطهم كما يقول: فإن هذه العقود من ~~جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي ~~يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركات جنس غير جنس ~~المعاوضة وإن قيل إن فيها شوب المعاوضة. # 34 # وبعد أن بحث ابن تيمية هذه العقود الخمسة ~~وعقودا كثيرة أخرى، وبين أنها جميعها على وفق ~~القياس لا بخلافه كما زعم جمهور الفقهاء، قال ما ~~ينبغي أن ننقله بنصه: ~~«وبالجملة، فما عرفت حديثا صحيحا لا يمكن ~~تخريجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من ~~أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا ~~صحيحا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول ~~الصحيح، بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ~~ضعف أحدهما. # لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى ~~كثير منه على أفاضل العلماء، فضلا عمن هم دونهم، ~~فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ~~ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة، من ~~أشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ~~ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم. # فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفا ~~للنصوص لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على ~~كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي ~~تدل على الأحكام.» # 35 # مسألة المصراة # ولعل مصداق هذا التأكيد، فضلا عما ذهب إليه في تلك العقود، رأيه في ~~«مسألة المصراة» وما جاء به حديث الرسول في ضمان لبنها الذي حلبه ~~المشتري، فقد رأى الفقهاء قبله في أن جعل هذا الضمان صاعا من تمر هو حكم ~~مخالف للقياس للوجوه التي ذكرنا عنهم من قبل. # 36 # إن الشيخ، رضي الله عنه وأرضاه، بعد أن بين هذه الوجوه أخذ في ~~مناقشتها، وانتهى بأنه ليس في الحكم الذي جاء به حديث الرسول # صلى الله عليه وسلم # شيء ms111 يخالف القياس، بل هو على وفقه تماما، وذلك إذ يقول: «أما قولهم: «رد ~~بلا عيب ولا فوات صفة» فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد في هذين ~~الشيئين، بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة، فإن ~~المبيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل، فإذا ظهر أنه على صفة وكان ~~بخلافها فهو تدليس ... # وأما قولهم: «الخراج بالضمان» (أي أن الأمر برد صاع من تمر مخالف ~~للقياس الذي يؤخذ من الأثر الذي يقول: الخراج بالضمان)، فإن حديث ~~المصراة أصح منه باتفاق أهل العلم مع أنه لا منافاة بينهما، فإن ~~الخراج ما يحدث في ملك المشتري ... # وهنا كان اللبن موجودا في الضرع فصار جزءا من المبيع، ولم يجعل الصاع ~~عوضا عما حدث بعد العقد، بل عوضا عن اللبن الموجود في الضرع وقت ~~العقد. # وأما تضمين اللبن بغيره وتقديره بالشرع، فلأن اللبن المضمون اختلط ~~باللبن الحادث بعد العقد فتعذرت معرفة قدره؛ فلهذا قرر الشارع البدل ~~قطعا للنزاع، وقدر بغير الجنس لأن التقدير بالجنس قد يكون أكثر من ~~الأول أو أقل فيفضي إلى الربا، بخلاف غير الجنس، فإنه كأنه ابتياع لذلك ~~اللبن الذي تعذرت معرفة قدره، بالصاع من التمر، والتمر كان طعام أهل ~~المدينة وهو مكيل مطعوم يقتات به كما أن اللبن مكيل مقتات به، وهو أيضا ~~يقتات به بلا صنعة، بخلاف الحنطة والشعير فإنه لا يقتات به إلا ~~بصنعة. # فهو (أي التمر) أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن؛ ولهذا ~~كان من موارد الاجتهاد أن جميع الأمصار يضمنون ذلك بصاع من تمر، أو يكون ~~ذلك لمن يقتات بالتمر، كأمره # صلى الله عليه وسلم # في صدقة الفطر بأن يخرج أهل كل بلد ~~مقدار الصاع مما يقتاتون به كالشعير ونحوه.» # وبعد ، فقد وصل الإمام ابن تيمية رحمه الله إلى بيان وإثبات ما اعتقده ~~الحق، وهو أنه ليس في الشريعة الإسلامية من الأحكام ما يخالف القياس ~~الصحيح، وقد تأتى له ذلك بما أوتيه من الحظ الوافر في فهم الفقه وأصوله ~~الأولى، ms112 والقدرة على رد الأحكام الشرعية إلى أصولها الأصلية بعد إدراك ~~عللها، والفهم العميق لكتاب الله والإحاطة بقدر المستطاع بسنة ~~رسوله. # وهو لهذا حقيق بأن يوصف بأنه فقيه مجتهد حقا وإن كان ينتسب للمذهب ~~الحنبلي لاتفاقه مع مؤسسه في أصوله الفقهية، ولو تقدم به الزمن إلى عصر ~~الأئمة الأربعة لعد بلا ريب من المجتهدين بإطلاق. # الاستصحاب # ويجيء هذا الأصل بعد الأصول السابقة، وهو حجة عنده وعند غيره من الفقهاء ~~في الوصول إلى الأحكام الفقهية، ويقول في تعريفه وحجيته: «وهو ~~البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، وهو حجة على عدم ~~الاعتقاد بالاتفاق، وهل هو حجة في اعتقاد العدم؟ فيه قولان.» # 37 # فإن عرض للمجتهد عقد أو تصرف جد في زمنه، وسئل عن رأيه فيه، ولم ~~يجد نصا من الكتاب أو السنة أو دليلا شرعيا آخر يبين حكمه الشرعي ~~بالإباحة أو التحريم، كان عليه أن يحكم بأنه مباح بناء على أن الأصل في ~~الأشياء الإباحة إلا ما حرم شرعا، وهذه الإباحة هي الحال التي خلق ~~الله عليها ما في الأرض جميعا، فما دام لم يقم لديه دليل على تغير هذه ~~الحال، يجب أن يكون الحكم باقيا على الإباحة الأصلية. # وكذلك الملك الثابت لشخص ما لشيء من الأشياء يعتبر قائما بدليل ~~الاستصحاب، ما لم تتغير الحال فيجد ما يثبت زوال ملكه له، وذمة الإنسان ~~البريئة من شغلها بدين أو التزام يظل حكمها أنها بريئة حتى يثبت أنها ~~مشغولة؛ وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما ~~يغيره. # ويقول الخوارزمي في كتابه «الكافي» عن هذا الدليل أو الأصل: «وهو آخر ~~مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في ~~السنة ثم في الإجماع ثم القياس ، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب ~~الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله، فالأصل بقاؤه وإن كان ~~التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته.» # 38 # ومع هذا، فإن الحق في رأينا أن من التجوز عد الاستصحاب ms113 دليلا؛ لأن ~~الدليل في الحقيقة هو الدليل الذي ثبت به الحكم السابق، وما الاستصحاب ~~إلا استبقاء دلالة هذا الدليل على حكمه. # 39 # وأخيرا، إن معنى قول الشيخ ابن تيمية رضي الله عنه أن الاستصحاب حجة ~~على عدم الاعتقاد بالاتفاق، وفي كونه حجة في اعتقاد العدم خلاف، أنه حجة ~~لمن لا يعتقد تغير الحال التي لها حكمها الثابت بالدليل، فيندفع بها (أي ~~بهذه الحجة) دعوى مدعي التغير إلا إذا قام عليه دليل، ولكنه مع هذا، ~~ليس حجة متفقا عليها في دعوى عدم تغير الحال فلا يصح حينئذ استصحاب ~~الحكم، فقد تكون الحال قد تغيرت فعلا مع أنه دليل على هذا ~~التغير. # ويظهر هذا واضحا لنا إذا أشرنا إلى مركز المفقود وحكمه عند الفقهاء؛ أي ~~الذين يرون منهم أن الاستصحاب حجة لعدم الاعتقاد لا لاعتقاد العدم، فإن ~~المركز الشرعي للمفقود عندهم هو اعتباره حيا في حق نفسه، وميتا في حق ~~غيره حتى تعرف وفاته أو يحكم بها القضاء، ويترتب على هذا ~~أمران: ~~(أ) # عدم قسمة أمواله بين ورثته بعد فقده؛ وذلك استصحابا ~~لحال حياته التي لم يقم دليل بعد على تغيرها. ~~(ب) # ألا يرث أحد ممن مات من أقاربه بعد فقده؛ لأن الميراث ~~يقتضي اعتقاد بقائه حيا، لا عدم اعتقاد موته فحسب. لكن ~~استصحاب الحال يصلح علة وحجة لبقاء ما كان على ما كان ~~(وهو حال الحياة) التي تمنع قسمة أمواله بين ورثته، لا ~~لاكتساب حقوق جديدة لا تكون إلا إذا اعتقدنا عدم موته، ~~وهذا ما لا يكون الاستصحاب حجة فيه عندهم، ومن هؤلاء ~~الفقهاء الأحناف. # 40 # على حين أن الفقهاء الآخرين الذين ذهبوا إلى أن الاستصحاب يصلح حجة في ~~الحالين، فإنهم يرون أنه استصحاب حال حياته لبقاء ما يملكه على ملكه حتى ~~يثبت موته حقيقة أو حكما يستلزم اعتقادنا عدم موته فيكون له حينئذ ~~وراثة من مات بعد فقده قبل الدليل على موته حقيقة أو حكما. # ونعتقد أن الرأي الأول الذي ذهب إليه بعض الأحناف هو الأصح، كما نرى أنه ~~هو ms114 الذي يذهب إليه بعض الحنابلة ومنهم ابن تيمية وتلميذه الأكبر ابن ~~القيم؛ وذلك بدليل ما جاء في كتبهم من المثل والأحكام الدالة على ~~الذهاب إليه والأخذ به. # وفي هذا يذكر ابن القيم - وهو يتكلم عن الاستصحاب وتحميله البعض فوق ~~ما يستحقه، وجزمهم بموجبه (أي في الحالين) لعدم علمهم بتغير الحال، مع ~~أنه ليس عدم العلم علما بالعدم - ما ينبغي أن ننقله عنه، وذلك إذ يقول ~~لبيان معنى رأي بعض الأحناف: «إنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغير الحال، ~~لإبقاء الأمر على ما كان، فإن بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب ~~الحكم لا إلى عدم المغير له، فإذا لم نجد دليلا نافيا ولا مثبتا ~~أمكننا ألا نثبت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من ~~أثبته. # فيكون حال المتمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل، فهو يمنعه ~~الدلالة حيث يثبتها، لا أنه يقيم الدليل على نفي ما ادعاه، وهذا غير ~~حال المعارض، فالمعارض لون والمعترض لون؛ المعترض يمنع دلالة الدليل، ~~والمعارض يسلم دلالته ويقيم على نقيضه. # وذهب الأكثرون، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيره، إلى أنه يصلح ~~لإبقاء الأمر على ما كان عليه؛ لأنه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل (أي ~~المغير للحال الأولى)، غلب على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه.» # 41 # والله أعلم. # المصالح المرسلة # عني ابن القيم بفقه الإمام أحمد بن حنبل وأصوله، فعليه تخرج وصار ~~إماما من أئمة الفقه الإسلامي، ولكن نراه حين تكلم عن أصوله الفقهية لا ~~يذكر فيها «المصالح المرسلة». # 42 # وعندما تناول شيخه ابن تيمية، في إحدى رسائله، بيان أصول الفقه التي ~~يرجع إليها استنباط الأحكام التشريعية، نراه يذكر المصالح المرسلة من ~~بينها، ولكنه يقف موقف المتشكك فيها، والمتردد في قبولها، كما سنعرف ذلك ~~بعد حين. # نرى هذا وذاك من الشيخ وتلميذه، وهو أمر قد يثير الدهشة والعجب في بادئ ~~الأمر؛ وذلك بأنه من المعروف أن هذا أصل من أصول الفقه عند الحنابلة، وقد ~~استند إليه الإمام أحمد رضي الله ms115 عنه، وكذلك ابن تيمية وابن القيم، في ~~كثير من الأحكام التي قالوا بها كما يتضح من تراثهم الفقهي ~~الكبير. # هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نرى الإمام أحمد نفسه فقيها سلفيا يتبع ~~نصوص الكتاب والحديث فإذا ظفر بنص في المسألة أفتى بموجبه دون التفات إلى ~~ما خالفه أو من خالفه ولو كان من كبار الصحابة؛ ولهذا لم يلتفت إلى قول ~~معاذ ومعاوية من الصحابة بتوريث المسلم من غير المسلم، عندما صح عنده ~~حديث الرسول المانع من التوارث بينهما لاختلاف الدين. # ثم هو يأخذ، عند عدم النص، بفتاوى الصحابة وآرائهم ويختار عند تعددها في ~~المسألة الواحدة أقربها من كتاب الله وسنة رسوله، فهو على كل حال لا يخرج ~~عن رأي من هذه الآراء، حتى إنه - كما يذكر ابن القيم نفسه - كان يتوقف ~~أحيانا عن الفتوى إن لم يجد مرجحا يرضاه لأحد تلك الآراء، كما كان لا ~~يلجأ إلى استعمال القياس إلا للضرورة. # فإذا صح هذا، وهو صحيح، يكون من البدهي أنه كان يأخذ بأصل المصالح ~~المرسلة كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في كثير من أحكامهم وآرائهم ~~الفقهية، ونذكر فيها بعض المثل التي تبين ذلك أجلى بيان، وقد تناولناها ~~في كتاب ظهر لنا منذ بضع سنوات، # 43 # وهي: ~~(أ) # ليس في القرآن ولا في سنة الرسول نص يوجب أو لا يوجب جمع ~~كتاب الله من الصدور والصحف والرقاع التي كان محفوظا ~~فيها، ومع هذا رأى الصحابة أيام الخليفة الصديق كتابته ~~وجمعه رعاية للمصلحة العامة، بعد أن تحرج أبو بكر أول ~~الأمر من هذا العمل وقال: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ ولكن عمر ظل يراجعه حتى شرح الله صدره ~~له. ~~(ب) # ثم جاء سيدنا عثمان ورأى اختلاف المسلمين، وقد ازداد ~~تفرقهم في البلاد، في قراءة بعض حروف من القرآن، فخشي أن ~~يؤدي الأمر إلى اختلافهم فيه كما اختلف اليهود والنصارى ~~في كتبهم، فأمر بجمع القرآن في مصحف واحد، وفرق منه ~~نسخا في الأقطار المختلفة، ثم أمر ms116 بما سواه من الصحف ذات ~~القراءات المخالفة فحرقت. ~~(ج) # منع سيدنا عمر إعطاء «المؤلفة قلوبهم» على الإسلام ~~نصيبا من الصدقات والزكاة مع ما جاء عن ذلك في القرآن ~~وسنة الرسول العملية، وكان من قوله في هذا لعيينة بن ~~حصن والأقرع بن حابس: «إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان ~~يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى ~~الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما.» # 44 ~~(د) # إبقاؤه رضي الله عنه أرض العراق وغيرها من البلاد التي ~~فتحت في عهده في أيدي أهلها، ووضع الخراج عليهم، بدل ~~توزيع أربعة أخماسها على الفاتحين أصحاب الحق في ذلك كما ~~هو معروف، وكان هذا الصنيع توفيقا من الله ورعاية ~~للمصلحة العامة للمسلمين. ~~(ه) # جواز أن يفرض الإمام العادل على الأغنياء من المال ما لا ~~بد منه لتكثير الجند وإعداد السلاح؛ ليكون ذلك حماية للبلاد. # 45 ~~(و) # قضاء الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع قيمة ما يضيع عندهم ~~من حاجات الناس وأمتعتهم، مع أنها أمانات عندهم، والأمين ~~لا يضمن، ولكن سيدنا علي بن أبي طالب خاف الخيانة ~~والتقصير، فقال في هذا: لا يصلح الناس إلا ذاك. # والإمام أحمد، كما قلنا، فقيه سلفي بكل معنى الكلمة، فهو بلا ريب يأخذ ~~بفتاوى الصحابة وبمنهاجهم في الاستنباط، وهو لهذا يرى بيقين أن من أصول ~~الفقه مبدأ المصلحة المرسلة لما فيه من تحقيق الصالح العام، ودرء المفسدة ~~العامة أيضا. # ومن ثم، نجد له آراء وفتاوى كثيرة كان مصدرها هذا المبدأ، وبخاصة في باب ~~السياسة الشرعية، ونحن نذكر من ذلك هذه الأمثلة مكتفين بها: ~~(أ) # يرى أن جزاء من شرب الخمر في رمضان، أو أتى شيئا نحو ~~هذا، هو إقامة الحد عليه مع التغليظ فيه، كمثل الذي يقتل ~~في الحرم - أي قتلا خطأ - فعليه دية وثلث. ~~(ب) # يرى وجوب نفي المخنث؛ لأنه لا يقع منه إلا الفساد ~~والتعرض له، وللإمام نفيه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن ~~خاف عليهم حبسه. ~~(ج) # ومما نص عليه أيضا أن من طعن ms117 على الصحابة يجب على ~~السلطان عقوبته، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ~~ويستتيبه، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة. # 46 # وبعد الإمام ابن حنبل نجد أصحابه وأتباعه يأخذون بهذا الأصل أيضا على ~~ذلك النحو، ومنهم أخيرا ابن القيم ففي كتبه - مثل: «إعلام الموقعين»، ~~و«زاد المعاد»، و«الطرق الحكمية» - الكثير من الآراء التي بنيت عليه، ~~ونذكر المثل الآتية من كتابه الأخير: # 47 ~~(أ) # روي عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «لا يحتكر إلا خاطئ»؛ ~~ولهذا - كما يقول ابن القيم - كان لولي الأمر أن يكره ~~المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس ~~إليه، ومن اضطر إلى طعام - مثلا - عند غيره لا يحتاج ~~إليه، كان له أن يأخذ بقيمة المثل. # ولو امتنع من بيعه له إلا بأكثر من سعره، فأخذه منه بما ~~طلب، لم يجب عليه إلا قيمة مثله؛ وذلك دفعا لضرر ~~المحتاج، وفي الوقت نفسه لا ضرر فيه على المالك. ~~(ب) # وكذلك يرى أن من اضطر إلى الاستدانة من الغير فأبى أن ~~يعطيه إلا بربا أو معاملة ربوية، فأخذه منه بذلك، لم ~~يستحق عليه للدائن إلا مقدار رأس ماله. ~~(ج) # وبعد ذلك تكلم عن التسعير وأن منه ما هو ظلم محرم، ومنه ~~ما هو عدل جائز، ثم قال ممثلا لهذا النوع: «وأما الثاني ~~فمثل أن يمتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها ~~إلا بزيادة عن القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها ~~بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، ~~والتسعير ها هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به، وفيه ~~دفع مفسدة عامة وتحقيق مصلحة.» ~~(د) # ومن هذا النوع أيضا - كما يقول - أن يحتاج الناس إلى ~~صناعة طائفة، كالفلاحة والنساجة وغير ذلك، فلولي الأمر أن ~~يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم؛ فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا ~~بذلك . ~~(ه) # ونذكر أخيرا أنه تكلم عن الاضطرار للسكنى فقال: إذا ~~قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون ~~سواه، أو النزول في خان مملوك - أي لغيرهم - أو ms118 استعارة ~~ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحين، أو دلو لنزع الماء، ~~أو قدر، أو فأس، أو نحو ذلك، وجب على صاحبه بذله بلا ~~نزاع. # لكن هل يجب أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء، وهما وجهان لأصحاب ~~أحمد، ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل، قال ~~شيخنا - يريد ابن تيمية: «والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل ~~عليه الكتاب والسنة.» إلى آخر ما قال. ~~••• # لعلنا عرفنا مما تقدم كيف أخذ الصحابة بالمصالح المرسلة، وكيف أخذ بها ~~الإمام ابن حنبل والذين اتبعوا مذهبه ومنهجه في الأخذ بها، فكان ذلك من ~~العوامل التي جعلت فقهه خصبا متفقا مع مقاصد الشريعة التي هي تحقيق ~~المصالح ودرء المفاسد عن الناس، هذه المصالح التي - وإن لم يشهد ~~لاعتبارها دليل شرعي خاص - تتفق وما جاء به الدين، ولا تخالف أصلا من ~~أصوله. # والآن، علينا بعد ذلك أن نعرض لهذه المسائل: ما هي المصلحة المرسلة، وما ~~هو موقف ابن تيمية منها، ولماذا تشكك وتردد فيها، وسنتناول كلا من ~~هاتين المسألتين على هذا الترتيب: # الأولى: # يجد الباحث العليم أن كل أمر تناوله الشارع بحكم من ~~الأحكام لا بد فيه من معنى أو وصف مناسب اقتضى هذا ~~الحكم الشرعي، وهذا المناسب ينقسم باعتبار شهادة ~~الشرع له بالملاءمة والتأثير وعدم ذلك إلى أقسام ~~ثلاثة: ما يعلم أن الشارع اعتبره، وما يعلم أنه ~~ألغاه، وما لا يعلم أنه اعتبره أو ألغاه. # والمصالح المرسلة هي هذا القسم الثالث؛ أي الذي لا ~~يشهد له أصل من أصول الشريعة لا بالاعتبار ولا ~~بالإلغاء، وعلى هذا يراد بها كل مصلحة غير مقيدة بنص ~~من الشارع يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها، ويكون ~~في اعتبارها مع ذلك جلب نفع أو دفع ضرر، وقد يقال: ~~إنها المصالح التي يرجع معناها إلى اعتبار أمر مناسب ~~لا يشهد له أصل من الشارع معين. # وليس صحيحا ما يقوله بعض العلماء من اشتهار الإمام ~~مالك ورجال مذهبه بانفرادهم بالقول بهذا الأصل ~~والأخذ به، ms119 فإن الفقهاء - كما يقول الشوكاني - في ~~جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى ~~للمصلحة المرسلة إلا ذلك. # 48 # وإذن، يكفي أن نقول بأن المالكية هم ~~أكثر الفقهاء أخذا بهذا الأصل المختلف فيه من أصول ~~الأحكام الفقهية. # 49 # ومهما يكن، فإنه يشترط لاعتبار المصالح المرسلة ~~مصدرا أو أصلا من أصول التشريع، في رأي القائلين ~~بها، ثلاثة شروط وهي: ~~(أ) # أن يكون ذلك في مسائل المعاملات لا العبادات؛ ~~لأن هذه ثابتة لا تتغير باختلاف الزمن والأحوال، ~~ولأن الله تعالى قد تعبدنا بها كما جاءت في الكتاب ~~والسنة. ~~(ب) # ألا تعارض هذه المصالح مقصدا من مقاصد شريعة ~~الله ورسوله، ولا دليلا من أدلتها المعروفة. ~~(ج) # أن تكون مصالح حقيقية ضرورية للمجتمع، أو على ~~الأقل أن يكون فيها تحصيل نفع أو درء ضرر ~~حقيقي. # وقد تعرض لها الإمام الشاطبي طويلا، وبحثها من ~~كل جهاتها، فإذا رجعنا إليه نجده يلاحظ أنه لا بد ~~لاعتبار المصالح المرسلة من أمور ثلاثة لا تخرج عما ~~ذكرناه، وهي ما يأتي بنص كلامه: # أحدها: # الملاءمة لمقاصد الشرع، بحيث لا تنافي أصلا ~~من أصوله ولا دليلا من دلائله. # والثاني: # أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها ~~وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على ~~العقول تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات ~~ولا ما يجري مجراها من الأمور الشرعية؛ لأن عامة ~~التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء ~~والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج ونحو ~~ذلك. # والثالث: # أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ~~ضروري ورفع حرج لازم في الدين، وأيضا مرجعها إلى ~~حفظ الضروري من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب»، فهي إذن من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها ~~إلى رفع الحرج راجع إلى التخفيف لا إلى التشديد. # 50 # المسألة الثانية: # هذه هي المصالح المرسلة كما حققها الفقهاء الأثبات، ~~فكيف وقف الشيخ ابن تيمية منها، ولم يبين من كلامه ~~التردد في القول بها؟ نجد الإجابة من هذا وذاك فيما ~~كتبه فيها، ms120 فلنرجع إليه، # 51 # كما نجد إشارات إلى ذلك في كثير من ~~رسائله ومؤلفاته الأخرى. # إنه يعرف المصالح المرسلة فيذكر أن الطريق السابع ~~من طرق الأحكام الشرعية هي المصالح المرسلة، وهو أن ~~يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس في ~~الشرع ما ينفيه، فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، ~~فالفقهاء يسمونها المصالح المرسلة، ومنهم من يسميها ~~الرأي، وبعضهم يقرب إليها الاستحسان. # ثم ينتقل إلى نقد من يضيقون مجالها، فيقول: «لكن ~~بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال ~~والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك، بل المصالح ~~المرسلة في جلب المنافع وفي رفع المضار، وما ذكروه ~~من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد ~~القسمين.» # ومجال المصالح المرسلة عنده واسع يشمل أمور الدنيا ~~والدين، ما دام مناطها تحصيل المنافع ودفع المفاسد، ~~وآية ذلك بقسميه قوله: «وجلب المنفعة يكون في الدنيا ~~وفي الدين، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي ~~يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي، وفي الدين ~~ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التي ~~يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي، فمن قصر ~~المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك ~~الأحوال ليحفظ الجسم، فقد قصر.» # هذا، وقد عرفنا من دراستنا لعصر ابن تيمية أنه كان ~~زاخرا بكثير من المتصوفة وأرباب المقالات المتعددة ~~في الإسلام، فربما كان من أعمالهم ما لم يأذن به ~~الله ورسوله ولكنهم مع هذا يرونها أعمالا طيبة تحقق ~~منافع وتدفع مضار كثيرة. كما كان فيه من الأمراء ~~والسلاطين والملوك من جنحوا إلى أعمال زينها لهم ~~بعض من يحيطون بهم، زاعمين أنها كذلك تحقق منافع ~~وتدفع أضرارا، وهؤلاء وأولئك قد يصدق عليهم كثيرا ~~قوله تعالى: # أفمن زين ~~له سوء عمله فرآه ~~حسنا ~~! # ولذلك نرى شيخ الإسلام يقف موقف المتريث، ويشكك في ~~المصالح المرسلة، ويتردد في القول والأخذ بها إلا ~~بعد التثبت وعن بينة، وهو لهذا يقول بعد الفقرة ~~الأخير التي نقلناها عنه: ~~«وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به، فإنه من جهته ~~حصل في الدين اضطراب عظيم، ms121 وكثير من الأمراء ~~والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على ~~هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور في الشرع ولم ~~يعلموه ... # وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعا، بناء ~~على أن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات أو ~~وقع في محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ~~ولم يعلمه. # وحجة «الفريق» الأول، أن هذه مصلحة والشرع لا يهمل ~~المصالح، بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على ~~اعتبارها، وحجة «الفريق» الثاني، أن هذا أمر لم يرد ~~به الشرع نصا ولا قياسا.» # يتبين من هذا أن الشيخ رحمه الله وأرضاه لم يتردد ~~في الواقع في قبول «المصالح المرسلة»، وفي اعتبارها ~~من أصول الشريعة واستخراج أحكام ما يجد من الحوادث ~~والوقائع، شأنه في هذا شأن إمامه وجميع الحنابلة ~~الذين أخذوا بها. # ولكنه كان يدعو إلى الوقوف حتى يظهر بجلاء أن ذلك ~~من المصالح المرسلة حقيقة أو ليس كذلك، وبخاصة أنه ~~يرى بحق أن أحكام الشرع كلها تقوم على تحقيق المصالح ~~ودفع المفاسد؛ ولذلك نراه أخيرا يقول: «والقول ~~الجامع: إن الشريعة لا تهمل مصلحة، بل الله تعالى قد ~~أكمل الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى ~~الجنة إلا وقد حدثنا به النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وتركنا على ~~البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا ~~هالك. # لكن ما اعتقده العقل مصلحة إن كان الشرع لم يرد به، ~~فأحد أمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث ~~لم يعلم هذا الناظر، وإما أنه ليس بمصلحة واعتقده ~~مصلحة؛ لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة، أو الغالبة، ~~وكثيرا ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين ~~والدنيا ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة، كما قال ~~تعالى في الخمر والميسر: # قل ~~فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس ~~.» ~~••• # والآن، وقد وفقنا الله للكلام على أصول فقه شيخ ~~الإسلام نأخذ في الكلام على فقهه نفسه، وسنرى إن شاء ~~الله أثر هذه الأصول في آرائه الفقهية التي تزخر بها ~~فتاويه ورسائله، وكم هو فقه خصب فيه توسعة ms122 على الناس ~~في تصرفاتهم ومعاملاتهم. # ولا عجب في ذلك، فإن مرجعه الأول والأخير في هذه ~~الآراء هو كتاب الله وسنة رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، والله ~~يقول في كتابه العظيم: # وما ~~جعل عليكم في الدين من ~~حرج ~~، ويقول أيضا: # يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر ~~. # الفصل الثاني # | فقه ابن تيمية # (1) نظرة عامة # نشأ ابن تيمية حنبليا كما هو معروف، وأفاد كثيرا جدا من أصول ~~الإمام أحمد وفقهه، إلا أنه لم يلتزمه في آرائه وفتاويه، بل كان مجتهدا ~~يقول ويفتي بما قام عليه الدليل وإن خالف مذهب إمامه أو مذاهب الفقهاء ~~الآخرين المعروفين. # كل من كتبوا عنه من معاصريه أو الذين جاءوا من بعده يصفونه بالفوق في ~~الفقه وسائر العلوم الإسلامية، وبالاجتهاد الذي اجتمعت له أدواته وتوافرت ~~فيه شروطه، وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وكان معاصرا له، يقول ~~عنه في كلام له: «واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.» # 1 # ويذكره الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي، وهو أستاذ أئمة الجرح ~~والتعديل في زمنه، فيقول: «ما رأيت أحدا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله، ~~ولا أتبع لهما منه»، كما جاء في كتاب «شذرات الذهب» في ترجمته. # كما يقول عنه الإمام الذهبي في تاريخه الكبير: «ولقد كان عجبا في معرفة ~~علم الحديث، فأما حفظه متون الصحاح وغالب متون السنن والمسند، فما رأيت ~~من يدانيه في ذلك أصلا»، على ما نقله ابن رجب في «الذيل على طبقات ~~الحنابلة». # ويضاف إلى هذا، عنايته التامة بتتبع فتاوى الصحابة والتابعين، فصار ~~عليما بها، كما عني كذلك بدراسة فقه كل من المذاهب المعروفة فوقف على ~~آرائهم واختلافاتهم وأسباب هذه الاختلافات، حتى «كان الفقهاء من سائر ~~الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء» كما يذكر ابن رجب في ~~الطبقات. # لا عجب، بعد هذا كله، إذا رأيناه قد انكسرت عنه ربقة التقليد لمذهب ~~الإمام أحمد أو غيره، بل كان يذهب إلى ما يراه حقا وقام الدليل عليه، ~~غير ناظر إلى موافقته أو مخالفته لأي من هذه المذاهب، كما ms123 كان فيما ~~يختاره من مذهب إمامه ابن حنبل يصدر عن دليل لا عن تقليد. # وفي ذلك يقول الإمام الذهبي أيضا عنه في معجم شيوخه: «وفاق الناس في ~~معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى ~~لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده.» # 2 ~~(2) أنواع آرائه # إن الذي يتتبع جمهرة آراء الشيخ الأكبر وفتاويه، يرى أنها تتنوع إلى ~~مجموعات، لكل منها طابع خاص أو وصف تدخل تحته، وكان من عوامل هذا التنوع ~~تدرج صاحبها في الزمن والبحث والتعمق فيه، وهذه الأنواع أو المجموعات ~~هي: ~~(أ) # آراء صدر فيها عن مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ~~(ب) # آراء اختارها لم يلتزم فيها مذهبا معينا، ولكنها لا ~~تخرج عن أقوال فقهاء المذاهب المعروفة. ~~(ج) # آراء خالف فيها كل هذه المذاهب، أو المشهور من أقوال ~~فقهائها. # وكان من الطبعي أن يكون ترتيب آرائه وفتاويه على هذا النحو، فقد كان أول ~~أمره حنبليا كما عرفنا؛ ومن ثم كان يتقيد غالبا بمذهب إمامه بعد بحث ~~واقتناع بأدلته. ثم انتقل به الزمن والبحث خطوة أخرى، فطوف في محيط ~~المذاهب المعروفة، وحلق في سماواتها، فكان يفتي بما يراه الحق غير ~~متقيد بمذهب واحد منها، وإن كانت فتاويه في هذه الحقبة لا تخرج عن ~~دائرتها جميعا. # وحين صارت دراساته محيطة عميقة كل العمق، واستحصد عقله وتفكيره، كانت له ~~اجتهادات بعقله، في دائرة النصوص ومقاصد الشريعة العامة، خالف فيها هذه ~~المذاهب جميعا، وهذا ما يضعه بعض مؤرخيه تحت عنوان «مفرداته ~~وغرائبه». # ولا نرى ضرورة لأن نتعرض للطائفة الأولى من فتاويه، فهي كثيرة بطبيعة ~~الحال وبخاصة في فتاويه المصرية، وليس له أصالة في استنباط أحكامها التي ~~تدخل في دائرة المذهب الحنبلي، وإن كان له كبير فضل في تحرير هذا الآراء ~~وبيان أدلتها ورجحانها على غيرها ولهذا رأى الأخذ بها. # ولكننا لا نجد بدا من ذكر نماذج لآرائه وفتاويه الأخرى؛ أي التي ~~اختارها من بين المذاهب الفقهية المختلفة أو انفرد بها، وبعدها نعرض لبعض ~~مفرداته التي خالف فيها المذاهب المعروفة، ms124 كما نعرض بعدها لبعض المسائل ~~التي يبين فيها بوضوح مقدار عنايته بالفقه المقارن، وهذا كله على النحو ~~التالي: ~~(3) نماذج من اختياراته # إذا كان لابن تيمية آراء كثيرة لم يلتزم في القول أو الإفتاء بها مذهبا ~~فقهيا معينا، ولكنها لا تخرج عن أقوال فقهاء المذاهب الأربعة ~~المعروفة؛ فذلك لأنه يرى أن الحق في عامة مسائل الشريعة لا يخرج عنها، ~~وهو في هذا يقول: «قول القائل: لا أتقيد بأحد هؤلاء الأربعة، إن أراد به ~~أنه لا يتقيد بواحد بعينه دون الباقين، فقد أحسن، بل هو الصواب من ~~القولين، وإن أراد أني لا أتقيد بها كلها بل أخالفها، فهو مخطئ في الغالب ~~قطعا؛ إذ الحق لا يخرج عن هذه الأربعة في عامة الشريعة. # ولكن تنازع الناس: هل يخرج عنها في بعض المسائل؟ على قولين، وقد بسطنا ~~ذلك في موضع آخر.» # 3 # هذا ونعرض هنا بعض هذه الآراء التي اختارها، وذلك من كتابه «الاختيارات العلمية»، # 4 # وهي آراء تعالج مسائل اجتماعية سواء ما كان منها في العبادات ~~والمعاملات. # في الزكاة # هل يجوز نقل زكاة أهل بلد إلى فقراء بلد آخر؟ وهل يجوز نقلها من ~~الريف إلى فقراء أهل المصر الجامع؟ في الإجابة عن هذين السؤالين ~~يختلف الفقهاء، وقد تعرض ابن تيمية لذلك إذ يقول: «وإذا نقل الزكاة ~~إلى المستحقين بالمصر الجامع، مثل أن يعطي من بالقاهرة من العشور ~~التي بأرض مصر، فالصحيح جواز ذلك؛ فإن سكان المصر إنما يعانون من ~~مزارعهم (أي مزارع أهل غير المصر)، بخلاف النقل من إقليم مع حاجة ~~أهل الإقليم المنقول عنه.» # 5 # وهل يجوز إعطاء شيء من الزكاة لمن لا يقوم بما عليه من طاعة الله ~~والعمل بشرائعه؟ يقرر ابن تيمية في ذلك أنه لا ينبغي أن يعطي الزكاة ~~لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته، ~~فمن لا يصلي (مثلا) من أهل الحاجات الذين هم من مصارف الزكاة، لا ~~يعطى شيئا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة. # 6 # ويصدر ابن تيمية رحمه الله في ms125 هذا عن أصل له في باب الأطعمة من ~~كتاب «الاختيارات العلمية» السابق ذكره، وذلك إذ يقول: «والأصل فيها ~~(أي في الأطعمة) الحل لمسلم يعمل صالحا؛ لأن الله تعالى إنما ~~أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا في معصيته، لقوله تعالى: # ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات ~~.» # ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على المعصية، كمن يعطي اللحم ~~والخبز لمن يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش، إلى آخر ما ~~قال. # ولعل مما جعل ابن تيمية يتخذ هذا أصلا له، ويبني عليه عدم جواز ~~إعطاء الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله (وإن كان لنا في هذا ~~الرأي مقال)، رغبته الشديدة في جعل المجتمع الإسلامي مجتمعا ~~مثاليا لا يخالف فيه أحد عن أمر الله ورسوله في عامة ~~أحواله. # هذا، ومن المعروف أن من عليه الزكاة تبرأ ذمته منها إذا أعطاها ~~بنفسه لأحد مصارفها، أو سلمها له وكيله في دفعها، أو أعطاها للوالي ~~الذي هو بحكم منصبه نائب عن المسلمين جميعا، فهل تبرأ ذمته ~~بإعطائها لولي الأمر عادلا كان أو ظالما؟ # هنا نجد ابن تيمية يقول: «ويبدأ بدفع الزكاة إلى ولي الأمر ~~العادل. وإن كان ظالما لا يصرف الزكاة في المصارف الشرعية، فينبغي ~~لصاحبها ألا يدفعها إليه، فإن حصل له ضرر بعدم دفعها إليه، فإنه ~~يجزئ عنه إذا أخذت منه في هذه الحالة عند أكثر العلماء. وهم في هذه ~~الحالة ظلموا مستحقها، كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضا المال ~~وصرفاه في غير مصارفه الشرعية.» # 7 # في البيع # المعروف أن العقد يتم إذا اتصل الإيجاب بالقبول وإذا توافرت في كل ~~منهما شروطه الصحيحة شرعا، ولكن قد يتخذ أحد المتعاقدين من العقد ~~سببا غير مشروع، فهل ينعقد العقد حينئذ، ويكون صحيحا شرعا لوجود ~~ركنه وهو مجموع الإيجاب والقبول؟ أو يعتبر غير صحيح لسببه غير ~~المشروع؟ # يرى أبو حنيفة والشافعي صحة هذا العقد لأن ركنه وهو الإيجاب ~~والقبول قد تحقق، ونية السبب أو الغرض ms126 غير المباح شرعا مستترة ~~فيترك أمره لله وحده. # ولكن الصاحبين وابن حنبل يرون عدم صحة هذا الضرب من العقود، ولا ~~يجعلون للإيجاب والقبول أثرا متى قام الدليل أو القرينة الصحيحة ~~على هذا القصد الآثم، وقد اختار ابن تيمية هذا الرأي. # وعلى ذلك، يكون بيع عصير ممن يتخذه خمرا صحيحا على الرأي الأول، ~~ويكون باطلا على الرأي الثاني الذي اختاره ابن تيمية إذ يقول: «ولا ~~يصح بيع ما قصد به الحرام كعصير يتخذه خمرا إذا علم ذلك، كمذهب ~~أحمد وغيره، أو ظن، وهو أحد القولين، يؤيده أن الأصحاب قالوا لو ~~ظن الآجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه لم يجز ~~له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة، والبيع والإجارة سواء.» # 8 # وفي بيان هذا الرأي نجد ابن قدامة المقدسي الحنبلي (توفي سنة 620ه) ~~يقول: «إن بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم ... إذا ثبت ~~هذا، فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم قصد المشتري بذلك، إما بقوله، ~~وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك، فإن كان محتملا، مثلا أن ~~يشتريه من لا يعلم حاله أو من يعمل الخمر والخل معا، ولم يلفظ بما ~~يدل على إرادة الخمر، فالبيع جائز. # وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح وهو مذهب الشافعي»، ~~إلى آخر ما قال، وفيه استدلال جيد لمذهب القائلين بعدم صحة العقد. # 9 # ونحن نرى أن الرأي الذي اختاره ابن تيمية هو الأولى بالاتباع، ~~فإنه رأي يساعد على تصحيح الأوضاع الفاسدة في المجتمع، ويتفق مع قول ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنما الأعمال بالنيات.» وليس يغني عن اتباع ~~الإمامين أبي حنيفة والشافعي ما ذهبوا إليه لتصحيح الرأي الآخر ~~وترجيحه، ومنهم الطحاوي إذ يقول: «ومن كان له عصير فلا بأس عليه ~~ببيعه، وليس عليه أن يقصد بذلك إلى من يأمنه أن يتخذه خمرا دون من ~~يخاف ذلك عليه؛ لأن العصير حلال فبيعه حلال ، كبيع ما سواه من ~~الأشياء الحلال مما ليس على بائعها الكشف عما يفعله المشتري بها.» # 10 ms127 # ليس يغني هذا التدليل من الحق شيئا في رأينا، وبخاصة الأحناف ~~الذين يقولون دائما: العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، والله ~~أعلم. # في الهبة # يذكر ابن تيمية، في باب الهبة من كتاب الاختيارات، أنه لا يجوز ~~للإنسان أن يقبل هدية من شخص ليشفع له عند ذي أمر، أو ليرفع عنه ~~ظلما، أو ليوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في ~~الجند المقاتلة، وهو مستحق لذلك. # وإذا كان لا يجوز شرعا أن يقبل الإنسان هدايا أو هبات لهذه ~~الأعمال وأمثالها، فإنه يجوز للإنسان أن يبذل ما يتوصل به إلى أخذ ~~حقه أو دفع الظلم عنه، وكل هذا وذاك هو المنقول عن السلف والأئمة ~~الأكابر، وفيه حديث مرفوع رواه أبو داود وغيره. # وقد تعرض الشيخ رحمه الله لهذا الموضوع بتفصيل في فتاويه المصرية، ~~فذكر - بعد أن بين ذلك الرأي الذي اختاره - أنه قد رخص بعض ~~المتأخرين من الفقهاء في قبول الهدية لمثل تلك الأعمال ويكون ذلك من ~~باب «الجعالة»، ثم قال: وهو مخالف للسنة وأقوال الصحابة رضي الله ~~عنهم والأئمة، فهو غلط. # وأفاض في بيان أن هذا الرأي غلط وخطأ من ناحيتين؛ الأولى: أن هذا ~~ليس من باب الجعالة في شيء؛ لأنه في الجعالة يكون النفع للجاعل ~~الباذل، وهنا «إنما المنفعة لعموم الناس، أعني المسلمين، فإنه يجب ~~أن يولى في كل مرتبة أصلح من يقدر عليها ... وهذا واجب على الإمام، ~~وعلى الأئمة أن يعاونوه في ذلك، فمن أخذ جعلا من شخص معين على ~~ذلك أفضى إلى أن تطلب هذه الأمور بالعوض، ونفس طلب الولاية منهي عنه ~~فكيف بالعوض!» # ومن الناحية الثانية، يلزم من إجازة قبول الهدية لمثل ذلك ضرر كبير ~~تام إذا كان الأمر أمر تولية عمل من الأعمال؛ أي ينتهي الحال إلى ~~«تولية الجاهل والفاسق والفاجر، ويترك العالم العادل القادر، وأن ~~يرزق في ديوان المقاتلة الفاسق والجبان العاجز عن القتال، ويترك ~~العدل والشجاع النافع للمسلمين ، وفساد هذا كثير.» # وبعد أن انتهى الشيخ من ذكر ما يجوز وما لا يجوز في ms128 هذه المسألة، ~~نراه لا يترك المشكلة دون حل، بل يذكر أن على ذي الجاه أن يساعد ~~المستحق بجاهه بلا عوض، وكذلك المظلوم حتى يصل إلى حقه ويرفع عنه ~~ظلمه، وأن ينصح لأولي الأمر بأن يبين لهم من يستحق الولاية والعطاء ~~ومن لا يستحق، فإن هذا من أعظم ما يجب عليه من ضروب طاعة الله ورسوله. # 11 ~~(4) من مفرداته وغرائبه # كان الشيخ رحمه الله تعالى يفتي بما أداه إليه اجتهاده، فتارة يوافق ~~بعض أئمة المذاهب الأربعة، وتارة يخالفهم جميعا أو يخالف المعروف من ~~آرائهم ومذاهبهم، وهذا هو ما يسميه كثير من مؤرخيه بمفرداته وغرائبه في ~~الفقه. # ونذكر هنا جملة من هذه المفردات والغرائب التي حوكم بسبب البعض منها ~~ومنع من الإفتاء بها، راجعين إلى «العقود الدرية» لابن عبد الهادي، ~~و«طبقات ابن رجب»، و«شذرات الذهب» لابن العماد، # 12 # ومكتفين منها بذكر ما يلي: # القول بقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا، طويلا كان أو ~~قصيرا، كما هو مذهب الظاهرية وقول بعض الصحابة. # القول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ~~ابن عمر، واختاره البخاري أيضا. # القول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل فبان أنه ~~نهار، لا قضاء عليه كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب، ~~وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. # القول بأن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة، ~~كما هو في القارن والمفرد، وهو قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # القول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، ~~والمطلقة آخر ثلاث تطليقات. # القول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين؛ أي مثل إماء أهل ~~الكتاب. # القول بجواز التيمم، مع وجود الماء، لمن خاف فوات العيد ~~والجمعة أو وقت صلاة أخرى من الصلوات المكتوبة إذا استعمل ~~الماء. # القول الذي مال إليه أخيرا بتوريث المسلم من الكافر ~~الذمي، وله في ذلك بحث طويل. # القول بعدم وقوع الطلاق بالحلف به إذا حنث، وليس على ~~الحالف حينئذ إلا كفارة اليمين، وقد جرى له بسبب هذا ~~الرأي محن وقلاقل معروفة. # القول ms129 بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة، ~~ومن الغريب أن هذا هو الحكم الذي كان عليه العمل أيام ~~الرسول، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر! # القول بأن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت، أو ~~شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره، لها أن تتيمم ~~وتصلي. # القول بأنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لأقل ~~الطهر بين الحيضتين، ولا بسن الإياس من الحيض؛ فإن ذلك ~~يرجع إلى ما تعرفه كل امرأة من نفسها. # القول بأن تارك الصلاة عمدا لا قضاء عليه ولا يشرع له ~~القضاء، بل عليه الإكثار من النوافل رجاء غفران الله ~~له. # القول بأن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة، كما هو مذهب ~~ابن عمر واختيار البخاري. # القول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره ~~كالخاتم ونحوه بالفضة متفاضلا، وجعل الزيادة في الثمن في ~~مقابل الصنعة. # القول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن ~~يتغير، قليلا كان أو كثيرا. # تلك طائفة من اجتهادات ابن تيمية رحمه الله تعالى، التي عدت من ~~مفرداته؛ لأنه خالف بها فقهاء المذاهب الأربعة المعروفة، أو خالف على ~~الأقل الأقوال المشهورة المعروفة لهم، وهي تدل على باع طويل في الاجتهاد، ~~وعلى شجاعة في الجهر بما رآه حقا وإن خالف غيره من جلة الفقهاء، وإن ~~حصل له بلاء بسبب ما يجهر به. ~~(5) من دراساته المقارنة # نتناول بالعرض هنا مسألة واحدة من أهم المسائل التي يجب بحثها في زماننا ~~هذا وفي كل زمان، وهي مدى حرية المتعاقدين فيما يعقدان من عقود ويشترطان ~~من شروط، وقد أفاض في بحثها بحثا مقارنا الشيخ ابن تيمية رحمه الله ~~وأجزل ثوابه، وذلك على ما جاء في رسالته عن العقود والشروط التي نشرت في ~~مجموعة فتاويه الكبرى. # ولهذه المسألة أهميتها وخطرها الكبير حقا؛ وذلك لأننا - كما ذكرنا في ~~كتاب ظهر لنا منذ بضع سنين # 13 ~~- نعلم أن لإرادة الإنسان التأثير الأول في عقوده التي ~~يعقدها وشروطه التي يشترطها، ونعلم أن الناس يعرفون اليوم من العقود ~~والشروط ms130 ما لم يكن يعرفه أسلافهم؛ نظرا للحاجة التي تتجدد بتجدد ~~الزمن. # فهل يكون للإنسان، مع هذا وذاك، أن يعقد ما شاء من عقود، ويشترط ما شاء ~~من الشروط، ويكون ما يعمله جائزا شرعا؟ بمعنى هل يعتبر كل ما يكون من ~~ذلك صحيحا شرعا، ما دام قد أراده والتزمه من نفسه كما أراده والتزمه من ~~يتعاقد معه؟ # وللإجابة عن هذا السؤال، نذكر أولا أن الأمر في القانون الوضعي واضح، ~~فإنه لم يراع إلا الإرادة الحرة لكل من المتعاقدين، فكل عقد أو شرط يكون ~~صحيحا متى صدر عن إرادة حرة؛ لهذا نرى الأستاذ الدكتور السنهوري يقول ~~حرفيا ما يلي: ~~«قد لخص «ديموج # Demogue ~~» نظرية سلطان ~~الإرادة في ست؛ أولا: التعاقد وهو حر في حدود النظام العام. ثانيا: ~~الالتزام وهو ما أراده المتعاقدان. ثالثا: العبرة بالإرادة الباطنة لا ~~بالإرادة الظاهرة. رابعا: يفسر القاضي العقد طبقا لنية المتعاقدين ~~الصريحة والضمنية. خامسا: لا يجوز تعديل العقد إلا بإرادة المتعاقدين ~~الصريحة والضمنية. سادسا: لا ينقضي الالتزام إلا بإرادة المتعاقدين. # 14 # ومعنى هذا أن السلطان الأول والأخير، في إنشاء العقد وآثاره التي تترتب ~~عليه، هو لإرادة المتعاقدين، دون النظر إلى ما قد يكون من عدم تعادل في ~~الغنم والغرم بينهما؛ أي دون نظر إلى ما قد يصيب أحدهما من غبن ~~فاحش. # هذا هو شأن القانون الوضعي، ولكن الفقه الإسلامي الذي يقوم على كتاب ~~الله وسنة رسوله ينظر إلى الأمر نظرة أخرى؛ وذلك بأنه يرى أن إرادة ~~المتعاقدين هي التي تنشئ العقد حقا، ولكن الشريعة تتدخل في ترتيب ما ~~لكل عقد من أحكام وآثار؛ ولهذا يقول الفقهاء بحق بأن العقود أسباب «جعلية ~~شرعية» لأحكامها ومقتضياتها وآثارها. # إنهم يريدون أن يقولوا بأن الرابطة بين العقد وأحكامه وآثاره، باعتبار ~~أنه سبب وهذه الأحكام والآثار مسبب عنه، ليست رابطة طبيعية عقلية، ~~بمعنى أنه متى وجد السبب ترتب عليه وجود المسبب حتما، بل هي رابطة ~~جعلها الشارع بينهما، ولكننا اعتدنا وجودها دائما، فاعتقدنا أنها طبيعية ~~يوجبها العقل وطبائع الأشياء. # ومسألة ترتب آثار ms131 العقود وأحكامها عليها، على اعتبار أن العقود أسباب ~~جعلية من الشارع، مسألة يكاد يجمع عليها الفقهاء؛ ولهذا تكون إرادة ~~الإنسان مقصورة على إنشاء العقد فقط، أما آثاره فهي من عمل الشارع؛ حتى ~~لا يبغي بعض الناس على بعض بما يشترطون. # وفي ذلك نجد الإمام الغزالي (توفي سنة 505ه) يقرر أن الله هو الذي أضاف ~~الأحكام إلى أسبابها؛ لأن الأسباب لا توجب الحكم لذاتها بل بإيجاب الله ~~تعالى، فالسبب هو ما يحصل الحكم عنده، لا به. # 15 # وكذلك يذهب الإمام أبو إسحاق الشاطبي (توفي سنة 790ه) هذا المذهب؛ إذ ~~يقول: «إن الذي للمكلف تعاطي الأسباب، وإنما المسببات من فعل الله تعالى ~~وحكمه، لا كسب فيه للمكلف، وهذا يتبين في علم آخر، والقرآن والسنة دالان عليه.» # 16 # هذا، وإذا كان رجال الفقه الإسلامي على اتفاق في هذه الناحية، ومنهم ابن ~~تيمية، فإنهم ليسوا على اتفاق فيما يختص بمدى حرية المتعاقدين في إبرام ~~العقود التي يرونها، وفي اشتراط ما يشاءون من شروط. # فهناك المضيقون وهم الظاهرية الذين يرون أن الأصل في العقود والشروط هو ~~الحظر، فلا يجوز منها إلى ما ورد به الشرع وأجازه، ومعنى هذا أنه يكاد لا ~~يكون لإرادة المتعاقدين أي سلطان أو أثر. # وهناك الفقهاء أصحاب المذاهب الأخرى الذين يرون أن الأصل في العقود ~~والشروط هو الحل والإباحة، فلا يحرم منها إلا ما جاء الشرع بتحريمه ~~والمنع منه. # وهؤلاء في التوسعة على الناس في معاملاتهم على درجات مختلفة، فمنهم ~~الأحناف ثم الشافعية الذين لا يكادون يفرقون عنهم من ناحية الأسس ~~والأصول، وإن كانوا أقل توسعة منهم في ناحية التطبيقات. # ثم يجيء المالكية الذين وسعوا على الناس أكثر من الأحناف، وأخيرا ~~الحنابلة - وبخاصة ابن تيمية وأتباعه منهم - الذين جروا في التوسع ~~والتيسير إلى آخر الشوط، وكانوا فيما ذهبوا إليه متفقين مع ما عرف به ~~الإسلام من رفع للحرج وتيسير. ~~••• # والآن، بعد هذه المقدمة التي لم يكن منها بد في رأينا، نبدأ في بيان ~~معالجة الإمام ابن تيمية للمسألة، وكيف كان محيطا ms132 بالمذاهب والآراء ~~الفقهية فيما على اختلافها، وباستدلال كل فريق لما ذهب إليه، وأخيرا ~~نعرض رأيه الحق الذي ذهب إليه واستدل له بما فيه مقنع وبلاغ لمن يطلب ~~الحق ويعتنقه مع ما قام عليه الدليل. # إنه رحمه الله يذكر أن العقود في المعاملات المالية وغيرها لها قواعد ~~جامعة عظيمة المنفعة، ثم أخذ يتكلم عن هذه القواعد واحدة بعد الأخرى، ~~وجعل القاعدة الثالثة في العقود والشروط، ما يحل منها وما يحرم، وما يصح ~~منها وما يفسد، ثم قال: «ومسائل هذا القاعدة كثيرة جدا، والذي يمكن ~~ضبطه منها قولان؛ أحدهما: أن يقال إن الأصل في العقود والشروط الحظر إلا ~~ما ورد الشرع بإجازته، وهذا قول أهل الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة ~~تبنى على هذا، وكثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد.» # 17 # وبعد هذا الإجمال أو الإشارة إلى مذاهب الفقهاء، شرع في تفصيل هذا ~~الإجمال بالنسبة لهم جميعا فقال: «فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد ~~بكونه لم يرد به أثر ولا قياس، كما قال في إحدى الروايتين في وقف الإنسان ~~على نفسه، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف ~~مقتضى العقد، ويقولون ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. # وأما أهل الظاهر فلم يصححوا لا عقدا ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو ~~إجماع، وإذا لم يثبت جوازه أبطلوه واستصحبوا الحكم الذي قبله، وطردوا ذلك ~~طردا جاريا، لكن خرجوا في كثير منه إلى أقوال ينكرها عليهم ~~غيرهم. # وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي أنه لا يصح في العقود شرط يخالف مقتضاه ~~المطلق، وإنما يصحح الشرط في المعقود عليه إذا كان العقد مما يمكن فسخه؛ ~~ولهذا له أن يشترط في البيع خيارا، ولا يجوز عنده تأخير تسليم المبيع ~~بحال؛ ولهذا منع بيع العين المؤجرة، وإذا ابتاع شجرا عليه ثمر للبائع ~~فله مطالبته بإزالته ... # ولم يصحح في (عقد) النكاح شرطا أصلا؛ لأن النكاح عنده لا يقبل الفسخ؛ ~~ولهذا لا ينفسخ عنده بعيب أو إعسار ونحوهما، ولا يبطل بالشروط ms133 الفاسدة ~~مطلقا، وإنما صحح أبو حنيفة خيار الثلاث للأثر وهو عنده موضع ~~استحسان. # والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثني ~~مواضع الدليل الخاص، فلا يجوز شرط الخيار أكثر من ثلاث، ولا استثناء ~~منفعة المبيع، ونحو ذلك مما فيه تأخير تسليم المبيع. # ولكنه يجوز استثناء المنفعة بالشرع، كبيع العين المؤجرة على الصحيح من ~~مذهبه، وكبيع الشجر مع استبقاء الثمرة المستحقة للبقاء، ونحو ذلك، ~~ويجوز في النكاح بعض الشروط دون بعض، فلا يجوز اشتراط دارها أو ~~بلدها، أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى، ويجوز اشتراط حريتها وإسلامها، ~~وكذلك سائر الصفات المقصودة على الصحيح من مذهبه كالجمال ونحوه ... # وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول لكنهم ~~يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي، كالخيار أكثر من ثلاث، وكاستثناء ~~البائع منفعة المبيع، واشتراط المرأة ألا ينقلها وألا يزاحمها بغيرها، ~~فيقولون كل شرط ينافي مقتضى العقد فهو باطل، إلا إذا كان فيه مصلحة ~~للعاقد. # وذلك أن نصوص أحمد تقتضي أنه يجوز من الشروط في العقود أكثر مما جوزه ~~الشافعي، فقد يوافقونه في الأصل ويستثنون للمعارض أكثر مما استثنى، كما ~~قد يوافق هو أبا حنيفة ويستثني أكثر مما يستثني للمعارض. # وهؤلاء الفرق الثلاثة يخالفون أهل الظاهر، ويتوسعون في الشروط أكثر ~~منهم؛ لقولهم بالقياس والمعاني وآثار الصحابة رضي الله عنهم، ولما قد ~~يفهمونه من معاني النصوص التي ينفردون بها عن أهل الظاهر.» # هكذا يذكر ابن تيمية آراء الأئمة الفقهاء في دقة وتفصيل، ويقارن بعضها ~~ببعض مبينا أصل كل منهم وما رأى استثناءه عن هذا الأصل وعلة هذا ~~الاستثناء أو أساسه. # هذا، والذين ذهبوا إلى المنع من العقود والشروط إلا ما أذن به الشارع، ~~بأن جاء به نص أو إجماع، وعلى رأسهم أهل الظاهر، يقولون بأن الشريعة ~~الصالحة يجب أن تنظم شئون الأمة جميعا، وبخاصة العقود التي تقوم عليها ~~المعاملات بين الناس، على أساس من العدل ينفي أن يضار بعض الناس ببعض، ~~وهذا ما لا يكون إن تركت لهم الحرية في ms134 عقد ما يريدون من عقود واشتراط ما ~~يرون من شروط. # وبخاصة أن الله قد أمرنا بالوفاء بالعقود والشروط، فإذا تعاقدنا أو ~~شرطنا ما لم يرد في الشريعة وأصولها، ثم أوجبنا على أنفسنا الوفاء بما ~~التزمنا من عقد أو شرط، نكون قد أحللنا أو حرمنا على غير ما شرع الله ~~وأذن به، وهذا ما لا يجوز بحال. # كما يستدل الظاهرية لمذهبهم أيضا بما روي أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال: «من ~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»؛ أي مردود عليه وباطل. # ولذلك نرى ابن حزم، بعد أن روى هذا الحديث ورضيه يقول: «فصح بهذا النص ~~بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه، إلا ما صح أن يكون عقدا جاء النص أو ~~الإجماع بإلزامه باسمه أو بإباحة التزامه بعينه.» # 18 # وهم يستدلون أيضا بحديث هو معتمدهم في هذا الباب كما يقول ابن تيمية، ~~وهذا الحديث جاء في الصحيحين، ونصه هكذا كما رواه الإمام البخاري: ~~«عن عائشة رضي الله عنها أن «بريرة» جاءت تستعينها في كتابتها، # 19 # ولم تكن قضت من كتابتها شيئا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى ~~أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت. # فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ~~ويكون ولاؤك لنا. # قالت (أي السيدة عائشة): فذكرت ذلك لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال لها رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق. # ثم قام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في ~~كتاب الله؟! من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة ~~شرط، شرط الله أحق وأوثق.» # وفي رواية أخرى أنه # صلى الله عليه وسلم # قال في حديثه: «ما كان من شرط ليس في كتاب ~~الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما ~~الولاء لمن أعتق.» # وإذا كان مجرد شرط من الشروط في عقد من العقود يكون باطلا؛ ms135 لأنه لم يرد ~~به نص أو لم يثبت جوازه بالإجماع، فبالأولى يكون العقد الذي هذه صفته ~~باطلا ولا يجب الوفاء به. # وبعد أن ذكر الإمام ابن تيمية هذا الحديث الذي يعتمد عليه أولئك ~~المضيقون في العقود والشروط، قال: «ولهم من هذا الحديث حجتان؛ إحداهما: ~~قوله (أي الرسول) ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، فكل شرط ليس ~~في القرآن ولا في الحديث ولا في الإجماع فليس في كتاب الله، بخلاف ما كان ~~في السنة أو في الإجماع فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة ~~بالإجماع. # ومن قال بالقياس، وهم الجمهور (أي غير الظاهرية)، إذا دل على صحته (أي ~~صحة الشرط) القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب ~~الله، فهو في كتاب الله. # والحجة الثانية: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي مقتضى العقد على ~~اشتراط الولاء؛ لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد؛ وذلك لأن ~~العقود توجب مقتضياتها بالشرع، فإذن إرادة تغييرها تغيير لما أوجبه ~~الشرع»، إلى آخر ما قال. # 20 ~~••• # وهكذا نرى الشيخ رضي الله عنه أمينا كل الأمانة في حكاية آراء الذين ~~ذهبوا إلى القول الأول في المسألة موضوع البحث، وفي بيان ما استدلوا به ~~لمذهبهم. # وبعد ذلك بين أن القول الثاني هو أن الأصل في العقود والشروط هو الحل ~~والصحة، فلا يحرم ويبطل منها إلا ما دل على تحريمه وإبطاله نص من الكتاب ~~أو السنة، أو قياس صحيح عند من يقول بالقياس، ثم قال: «وأصول أحمد رضي ~~الله عنه - المنصوص عنه أكثرها - تجري على هذا القول، ومالك قريب منه، ~~لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحا ~~للشروط منه. # وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط فيها تنبيه بدليل خاص من أثر أو ~~قياس، لكنه لا يجعل حجة الأولين مانعا من الصحة، ولا يعارض ذلك بكونه ~~شرطا يخالف مقتضى العقد، أو لم يرد به نص. # وكان قد بلغه ما في العقود والشروط من الآثار ، عن النبي # صلى الله ms136 عليه وسلم # والصحابة، ما لم يجده عند غيره من الأئمة فقال بذلك وبما في معناه قياسا ~~عليه، وما اعتمده غيره في إبطال الشروط من نص فقد يضعفه أو يضعف ~~دلالته، وكذلك قد يضعف ما اعتمدوه من قياس، وقد يعتمد طائفة من أصحاب ~~أحمد عمومات الكتاب - التي سنذكرها - في تصحيح الشروط.» # وبناء على هذا الأصل، يجوز الإمام أحمد للبائع - كما يذكر ابن تيمية - ~~أن يستثني بعض منفعة المبيع، كخدمة العبد وسكنى الدار ونحو ذلك، إذا كانت ~~تلك المنفعة مما يجوز استثناؤها في ملك الغير. # كما يجوز أيضا للمعتق أن يستثني خدمة العبد مدة حياته، أو مدة حياة ~~السيد، أو مدة حياة غيرهما، وذلك اتباعا لحديث سفينة لما أعتقته أم سلمة ~~وشرطت عليه خدمة النبي # صلى الله عليه وسلم # ما عاش. # وكذلك يجيز الإمام ابن حنبل أيضا في عقد الزواج عامة الشروط التي ~~للمشترط فيها غرض صحيح، لما في الصحيحين عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «إن ~~أحق الشروط أن توافوا به ما استحللتم به الفروج.» # فيجيز للزوجة مثلا أن تشترط ألا تسافر مع زوجها، ولا تنتقل من دارها، ~~أو لا يتزوج عليها، أو أن يشترط كل من الزوجين في الآخر صفة يصح قصدها، ~~كاليسار والجمال ونحو ذلك ويكون له الفسخ بفوات ما اشترطه في ~~العقد. ~~••• # وبعد أن انتهى الشيخ رحمه الله من بيان القول الثاني في المسألة، وهو ~~القول الذي ذهب إليه الإمام ابن حنبل وقاربه الإمام مالك في الأخذ به، ~~أبان صراحة عن رأيه حيث قال: # وجماع ذلك أن الملك يستفاد به تصرفات متنوعة، فكما جاز بالإجماع استثناء ~~بعض المبيع وجوز أحمد وغيره استثناء بعض منافعه، جوز أيضا استثناء ~~بعض التصرفات. # وعلى هذا فمن قال: هذا الشرط ينافي مقتضى العقد مطلقا، فإن أراد الأول ~~فكل شرط كذلك، وإن أراد الثاني لم يسلم له وإنما المحذور أن ينافي مقصود ~~العقد، كاشتراط الطلاق في (عقد) النكاح، أو اشتراط الفسخ في ~~العقد. # فأما إذا شرط شرطا يقصد بالعقد (كان هذا الشرط) ms137 لم يناف مقصوده. وهذا ~~القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار (يريد به ~~القياس)، مع الاستصحاب والدليل النافي. # 21 # ثم أخذ بعد ذلك يفيض في الاستدلال لما ذهب إليه بهذه الأدلة الشرعية ~~كلها، وهذا ما لا نرى ضرورة تتبعه فيه بالتفصيل، ونكتفي بهذه منها: # 22 ~~(أ) # أمر الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة من القرآن بالوفاء ~~بالعقود بوجه عام، فيدخل في هذا ما التزمه الإنسان وعقده ~~على نفسه من عقد بالمعنى المعروف، ومن شرط في عقد من ~~العقود. # وكذلك أمرنا برعاية العهد بعامة، وفي بعض الآيات برعاية ~~عهد الله، فيدخل في ذلك أيضا ما عقده المرء على نفسه، ~~فإذا كانت رعاية العهد واجبة، فإن رعايته هي وجوب الوفاء ~~به. ~~(ب) # وورد عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # أحاديث كثيرة تأمر بالوفاء ~~بالوعد والعهد، وتنهى عن الغدر وتذم الغادرين ذما ~~شديدا. وإذا كان من المسلم به أن كل من شرط شرطا ثم ~~نقضه فقد غدر، يكون من الواضح أنه «قد جاء الكتاب والسنة ~~بالأمر بالعهود والشروط والمواثيق والعقود، ولو كان الأصل ~~فيها الحظر والفساد إلا ما أباحه الشارع، لم يجز أن يؤمر ~~بها مطلقا ويذم من نقضها وغدر مطلقا.» # ومما جاء عن الرسول في ذلك قوله من حديث له: «والمسلمون ~~على شروطهم، إلا شرط حرم حلالا أو أحل حراما»، وهو ~~حديث حسن صحيح كما قال الترمذي، وكذلك قوله: «الناس على ~~شروطهم ما وافقت الحق.» ~~(ج) # وأما قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من اشترط شرطا ليس في كتاب الله ~~فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله ~~أوثق»، فإن معناه أن الشرط يكون باطلا إذا خالف كتاب ~~الله بأن يكون المشروط مما حرم الله، فإن كان المشروط ليس ~~مما حرمه الله، فلا يكون مخالفا كتابه. # وبعبارة أخرى، يكون المعنى أن من اشترط أمرا ليس في حكم ~~الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة فهو باطل؛ لأنه لا ~~بد أن يكون المشروط مما يباح فعله بدون الشرط حتى ms138 يصح ~~اشتراطه، وحينئذ يكون بالشرط واجبا ويلزم الوفاء ~~به. # وأيضا، فإن الشرط الذي دل الإجماع أو القياس على صحته، ~~وإن لم يرد نصا في الكتاب والسنة، يكون قد دل عليه ~~بأحدهما بواسطة؛ لأن الإجماع والقياس لا بد أن يكون لهما ~~سند من كتاب الله أو سنة رسوله. ~~(د) # وبعد ذلك، فإن الأصل في العقود، وما يكون فيها من الشروط ~~هو رضا كل من المتعاقدين بما يوجبه على نفسه بالتعاقد؛ ~~لأن الله يقول في كتابه (سورة النساء الآية رقم 29): # يأيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم ~~. # وإذا كان الله لم يشترط في صحة التجارة (ومعناها كل عقود ~~المعاملات) إلا التراضي، فإن هذا يقتضي صحة ما يتراضى ~~المتعاقدان من عقود وشروط بدلالة القرآن نفسه، إلا أن ~~يكون في ذلك ما حرمه الله فإنه يكون باطلا كالتجارة في ~~الخمر ونحو ذلك. # هذا، ونختم هذا البحث الفقهي الدقيق المقارن للشيخ رحمة الله في هذه ~~المسألة الهامة، مسألة العقود والشروط، بكلمة موجزة محكمة له في وجوب ~~رعاية مقاصد المتعاقدين ما دام ليس فيها ما يخالف الكتاب والسنة، وذلك إذ ~~يقول: ~~«ومقاصد العقلاء إذا دخلت في العقود، وكانت من الصلاح الذي هو المقصود، ~~لم تذهب عفوا ولم تهدر رأسا، كالآجال في الأعواض، ونقود الأثمان ~~المعينة ببعض البلدان، والصفات في المبيعات، والحرفة المشروطة في أحد ~~الزوجين، وقد تفيد الشروط ما لا يفيده الإطلاق، بل ما يخالف الإطلاق.» # 23 # وفي رأينا أن الحنابلة ومن نحا نحوهم، وبخاصة الإمام ابن تيمية، كانوا ~~موفقين فيما ذهبوا إليه في هذا الموضوع الذي تقوم عليه المعاملات بين ~~الناس، فإن في الرأي الذي قصره ابن تيمية توسيعا كبيرا على الناس، وهو ~~مع هذا يستند إلى أدلة صحيحة تجعله الأحق بالاتباع. # الباب الثاني # | في التفسير # عرفنا من قبل، ونحن نتكلم عن منهج الشيخ رحمه الله في التفسير أنه لم ير ~~ضرورة لأن يفسر كتاب الله كله؛ لأنه رأى أن منه ما هو بين بنفسه، ومنه ما ms139 ~~بينه المفسرون في كتب كثيرة، ولكن فيه آيات أشكل تفسيرها على العلماء؛ ولذلك ~~نراه يقول: «فقصدت تفسير تلك الآيات بالدليل لأنه أهم من غيره، وإذا تبين معنى ~~آية تبين معاني نظرائها.» # ولم يصل إلينا كل ما كتبه في التفسير، ولكن لدينا منه تفسير سورة النور، ثم ~~تفسير بعض قصار المفصل، وقد تكلم في تفسيرها بإفاضة، وجاء في أثنائها بآيات ~~كثيرة من غيرها وفسرها، كما تعرض فيها أيضا لكثير من المسائل والعقائد ~~الدينية بأوفى بيان كما هو شأنه دائما؛ ولذلك جعلنا مرجعنا في الكلام عن ~~تفسيره تفسير تلك السور ففيها الكفاية. # الفصل الأول # | سورة الأعلى # ونبدأ بالكلام على تفسيره لسورة «الأعلى»، فنراه يقول: «إن الأعلى على وزن ~~أفعل التفضيل، مثل الأكرم والأكبر والأجل؛ ولهذا لما قال أبو سفيان: «اعل ~~هبل! اعل هبل!» قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا تجيبونه؟» قالوا: «وما ~~نقول؟» قال: «قولوا: الله أعلى وأجل».» # ثم يأخذ في بيان ما بين العلو والكبرياء والعظمة من فروق، فيقول: «إن هذه ~~الصفات وإن كانت متقاربة، بل متلازمة، فبينها فروق لطيفة؛ ولهذا قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فيما يروي عن ربه تعالى: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ~~نازعني واحدا عذبته»، فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء، وهو أعلى من ~~الإزار. # ولهذا كان شعائر الصلاة، والأذان، والأعياد، والأماكن العالية، هو التكبير، ~~وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن، وهذه الكلمات هي: سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~». # 1 # وبعد أن أشار إلي مذاهب الفقهاء في أن التسبيح في الركوع والسجود واجب أو ~~مستحب، وإلى اختلافهم في صيغة التسبيح، ذكر أن المشهور عن الإمام أحمد وغيره ~~وجوبه، وعن الإمامين أبي حنيفة والشافعي استحبابه، وأن الأقوى أنه يتعين ~~التسبيح بلفظ «سبحان الله»، أو بلفظ «سبحانك»، ونحو ذلك. # وذلك - كما يقول - بأن القرآن سماها (أي الصلاة) تسبيحا، فدل على وجوب ~~التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع ms140 والسجود. كما سماها قياما، ~~وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام، وسماها القرآن سجودا وركوعا، وبينت السنة ~~علة ذلك ومحله. # 2 # ثم بين بعد هذا أن ما نقل عن الإمام مالك من كراهة المداومة على التسبيح في ~~الصلاة، ينبغي أن يصرف إلى المداومة على صيغة معينة منه مثل: «سبحان ربي ~~العظيم»، حتى لا يظن أن الواجب هو صيغة معينة، ودون وجوب جنس التسبيح، فإن ~~أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد علم أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يداوم ~~على التسبيح بألفاظ متنوعة ... # والله هو الأعلى بكل ما لهذه الكلمة الجامعة من معنى ومدلول، كما يذكر الشيخ ~~رحمه الله أن الله علي على كل شيء، بمعنى أنه قادر عليه، قاهر له، متصرف ~~فيه، ويدخل في معنى كونه «الأعلى» أيضا أنه متعال عن كل عيب ونقص، وعن ~~اتخاذه شريكا وولدا له؛ ولهذا يقول جل شأنه للمشركين: # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما * ~~ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما ~~يزيدهم إلا نفورا * قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون ~~علوا كبيرا ~~، # 3 # وهكذا نرى الله قرن تعاليه عن ذلك كله بالتسبيح. # هذا، والأمر بتسبيح الله يستلزم تنزيهه عن كل عيب وسوء كما عرفنا، كما يستلزم ~~أن تكون كل صفة من صفات الكمال له، فإن التسبيح - كما يقول الشيخ رحمه الله - ~~يقتضي إثبات المحامد التي يحمد عليها؛ فيقتضي ذلك تنزيهه وتحميده وتكبيره ~~وتوحيده. # سأل رجل ميمون بن مهران عن «سبحان الله»، فقال: اسم يعظم الله به ~~ويحاشى به عن السوء، وتنزيه الله نفسه عن السوء، كما جاء في هذا الأثر وفي ~~قول لابن عباس وفي حديث مرسل، يقتضي تنزيهه عن فعل السيئات، وعن كل صفة من ~~الصفات المذمومة. # ومضى الشيخ يتم تفسيره للآية الأولى من السورة في فيض ودقة تعودناهما منه، ثم ~~انتقل إلى تفسير الآية الثانية والثالثة مبينا أن الله خلق الخلق وسواه وهداه ~~إلى ms141 ما قدر له لحكمة قصدها، وبدأ الكلام عن الآية الأولى بقوله: «قال الله ~~تعالى: # الذي خلق فسوى # فأطلق الخلق ~~والتسوية ولم يخص بذلك الإنسان، كما أطلق قوله بعد: # والذي قدر فهدى # لم يقيده، فكأن هذا المطلق لا يمنع ~~شموله لشيء من المخلوقات، وقد بين موسى عليه السلام شموله في قوله (أي الذي ~~حكاه الله عنه): # ربنا الذي أعطى كل شيء ~~خلقه ثم هدى ~~. # وقد ذكر المقيد بالإنسان في قوله: # يا أيها ~~الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي ~~خلقك فسواك فعدلك ~~(سورة الانفطار 6، 7)، وذكر ~~المطلق والمقيد في أول ما نزل من القرآن، وهو قوله: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم ~~* الذي علم بالقلم * ~~علم الإنسان ما لم يعلم ~~. # ونرى من هذه الآيات أن الله - كما يذكر ابن تيمية - خلق جميع ما خلق لغاية ~~مقصودة، فلا بد أن تهدى جميع المخلوقات إلى تلك الغاية التي خلقت لها؛ إذ ~~لا تتم مصلحتها وما أريدت له إلا بهدايتها إلى غاياتها. وهذا مما يبين أن ~~الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها، كما قال بذلك السلف وجمهور المسلمين ~~وجمهور العقلاء.» # 4 # ثم شرع بعد هذا في بيان ما ذهب إليه «الجهمية» من أن الله لم يخلق شيئا ~~لشيء؛ أي لحكمة أرادها، وما ذهب إليه بعض الفلاسفة من إثبات عناية الله وحكمته ~~مع إنكارهم إرادته. # وأتبع هذا بالإشارة الكافية إلى ما استدل به كل من الفريقين، ثم بالرد ~~عليهما، وأطال في ذلك حتى تم له ما أراد من هدم هذه الآراء الضالة، وبيان الحق ~~الذي قال به جمهور المسلمين والعقلاء من إثبات إرادة الله وحكمته في جميع ما ~~خلق. # وأتبع ذلك بالكلام في تفسير الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: # والذي قدر فهدى ~~، بين صورا ومثلا ~~للتقدير والهداية، وتعرض لبعض ما ذكره المفسرون السابقون قبله، وقبل من ~~أقوالهم ما رآه حقا، وبدأ ذلك كله بقوله: «فقوله سبحانه: # والذي قدر فهدى # يتضمن أنه قدر ما ~~سيكون للمخلوقات وهداها إليه. علم ما يحتاج ms142 إليه الناس والدواب من الرزق، فخلق ~~ذلك الرزق وسواه، وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق، وهدى غيره من ~~الأحياء ... # وخلق الأرض وقدر حاجتها من المطر، وقدر السحاب وما يحمله من المطر، وخلق ~~ملائكة هداهم ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض فيمطر المطر الذي قدره ~~وقدر ما نبت بها من الرزق، وقدر حاجة العباد إلى ذلك الرزق وهداهم إلى ذلك ~~الرزق، وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم.» # 5 # وإلى هنا لا نجد ابن تيمية يتعرض للإنسان وهل هو خالق لأفعاله ومنها طاعة ~~الله وعصيانه، أم الكل مخلوق لله قدره عليه أزلا؟ ذلك هو محل النزاع بين ~~الفرق الكلامية، وبخاصة أهل السنة والمعتزلة أو القدرية، وهذا ما أخذ ابن ~~تيمية يتكلم فيه حين تعرض لأقوال رجال علم التفسير السابقين. # إنه يقول بعد ما تقدم مباشرة، بأن المفسرين ذكروا أنواعا من تقدير الله ~~وهدايته لخلقه، فهذا ابن جرير الطبري يروي عن قتادة في بيان معنى هذه الآية أن ~~الله قدر الإنسان للشقاوة والسعادة، ومعنى هذا أن الله أراد أفعال الإنسان ~~كلها وقدرها عليه وهداه إليها، وهو في ذلك يمثل آراء أهل السنة الذين يرجعون ~~كل شيء لله. # ثم يذكر عن قتادة أنه قال: «لا والله، ما أكره الله عبدا على معصية قط، ولا ~~على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره (أي بها)، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها، ~~ونهاكم عن المعصية.» # ولا يرى الشيخ رحمه الله بأسا فيما نقل عن قتادة من أن الله لم يكره ~~أحدا على معصيته، فهذا صحيح؛ وذلك بأن أهل السنة، الذين يثبتون تقدير الله ~~لما كان ويكون، على اتفاق بأنه تعالى لا يكره أحدا على معصيته كما يكره ~~الوالي والقاضي وغيرهما، بالعقوبة والوعيد الإنسان بأن يعمل خلاف ما ~~يريد. # بل إنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق إرادة العبد للعمل، كما يخلق قدرته وعمله، ~~وهو خالق كل شيء. # ومع هذا التأميل الطيب لرأي قتادة وكلمته، فإنه لم يسلم من أن يتهم بالميل ~~إلى آراء المعتزلة؛ ولذلك نجد ابن ms143 تيمية نفسه يقول في هذا ما نصه: «وهذا ~~الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية (أي المعتزلة)، وأنه لسبب ~~مثل هذا اتهم قتادة بالقدر، حتى قيل إن مالكا كره لمعمر أنه يروي عنه ~~التفسير لكونه اتهم بالقدر.» # 6 # ثم يمضي الشيخ رحمه الله في سيره حتى ينتهي من الكلام على هذه الآية، وبعدها ~~يتناول ما يتلوها حتى ينتهي من السورة كلها، وهو في سيره الطويل يتعرض إلى ما ~~يتصل بسبب إلى الآية التي يفسرها من آيات في سور أخرى، وما أكثر هذه الآيات ~~الأخرى التي تجيء عرضا فيشبع القول فيها أيضا! # ونحن، وإن كان ضيق المقام يحول بيننا وبين تتبعه في طريقه الشاق الطويل، ~~هذا الطريق الذي عرج فيه على مباحث كلامية وفلسفية وإسلامية مختلفة ومتعددة، ~~لا نرى بدا من التعرض بإيجاز إلى تفسيره الآيتين الأخيرتين من السورة، وهما ~~قوله تعالى: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى ~~. # المشار إليه في قوله تعالى: # إن هذا لفي الصحف ~~الأولى ~~، هو ما يقوم عليه الدين من الإيمان والعمل الصالح، ~~وهذان الأصلان يتضمنهما قوله جل ذكره: # قد أفلح ~~من تزكى * وذكر اسم ربه ~~فصلى ~~، كما يذكر ابن تيمية. # 7 # ثم أخذ بعد هذا يتكلم عن جمع القرآن بين إبراهيم وموسى عليهما السلام في ~~مواضع منه، وعن حكمة قرن أحدهما بالآخر في هذه المواضع، ومنها هاتان الآيتان ~~الأخيرتان من سورة «الأعلى»، ومنها ما جاء في سورة النجم في قوله تعالى: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى ~~. # وذلك لأن إبراهيم عليه السلام هو صاحب الملة وإمام الأمة، ولأن موسى عليه ~~السلام هو كليم الله وصاحب الشريعة والكتاب الذي لم ينزل من السماء كتاب أهدى ~~منه ومن القرآن، ثم أرسل الله محمدا # صلى الله عليه وسلم # بملة إبراهيم إلى ذريته وإلى ~~أتباع موسى، فصار بذلك رسولا للعالمين جميعا. # وفي ذلك يقول الشيخ رحمه الله تعالى: «ولما بعث الله نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، بعثه إلى ~~أهل الأرض، وهم ms144 في الأصل صنفان: أميون وكتابيون، والأميون كانوا ينتسبون ~~إلى إبراهيم؛ فإنهم ذريته وخزان بيته (أي الكعبة) وعلى بقايا من شعائره، ~~والكتابيون أصلهم كتاب موسى. # وكلا الطائفتين قد بدلت وغيرت، فأقام ملة إبراهيم بعد اعوجاجها، وجاء بالكتاب ~~المهيمن المصدق لما بين يديه، المبين لما اختلف فيه، وما حرف وكتم من ~~الكتاب الأول»؛ # 8 # أي الذي أنزل على سيدنا موسى عليه السلام. # وبذلك يكون إبراهيم وموسى عليهما السلام قد قاما بأصل الدين، وهو الإقرار ~~بالله وعبادته وحده لا شريك له، ثم جاء محمد عليه الصلاة والسلام فأقام الدين ~~وأكمله، فكان بهذا خاتم الأنبياء والمرسلين. # ثم استطرد الشيخ بمناسبة ذكر إبراهيم عليه السلام إلى مناظرة النمرود بن ~~كنعان ملك بابل، في إثبات الله خالق كل شيء، وقد جاء ذكر هذه المناظرة في سورة ~~البقرة من القرآن، وإلى مناظرته للمشركين الذين يعبدون الأصنام التي لا تسمع ~~ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا، وقد جاء ذكرها في سورتي: مريم والشعراء وغيرهما ~~من القرآن. # كما استطرد بمناسبة ذكر موسى عليه السلام، إلى ما كان بينه وبين فرعون ملك ~~مصر؛ إذ جحد ربوبية الله وإرسال موسى إليه وإلى وقومه، وإلى ما كان بينه وبين ~~قومه حين اتخذوا العجل، وذلك كله على ما بينه الله تعالى في كتابه الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # ولما انتهى من هذا وذاك نراه يشير إلى أنه - على هذا النحو أيضا - كان أمر ~~سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # مع المشركين من العرب، هؤلاء الذين كانوا يعبدون الأصنام ~~وغيرها ويجعلونها أندادا لله وشركاء له، مع أنها لا تخلق شيئا ولا تسمعهم إذ ~~يدعونها، ولا تستطيع لهم ضرا ولا نفعا. # وفي هذا جاء على لسانه قوله تعالى في الشرك، عموما وخصوصا كما يقول الشيخ ~~رحمه الله: # أيشركون ما لا يخلق شيئا ~~وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم ~~أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد ms145 أمثالكم ~~فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد ~~يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ~~آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ~~فلا تنظرون ~~. # 9 # وهكذا بين ابن تيمية بحق أن هؤلاء الثلاثة كبار الأنبياء والمرسلين، قاموا ~~ببيان أصول الدين، وأقاموا الأدلة الحاسمة على إثبات وجود الله الخالق لكل ~~شيء، وإثبات أنه واحد أحد لا شريك له، وأنه جل شأنه هو أهل الحمد والعبادة ~~وحده. # واستمر الشيخ رحمه الله يستطرد من بحث إلى آخر حتى بحث مسألة الصفات بين أهل ~~السنة والمعتزلة، وبحث معنى قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود ~~غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، # 10 # وهكذا حتى أتم تفسير السورة بما لا نراه لغيره من رجال التفسير ~~الذين سبقوه. # الفصل الثاني # | تفسير سورة الفلق # تشتمل هذه السورة و«الناس» التي تليها، وهما المعوذتان، على أصول الاستعاذة، ~~وهي: الاستعاذة، والمستعاذ به، ثم المستعاذ منه. وقد تكلم الشيخ رحمه الله على ~~كل هذه الأصول على حدة، وقدم لذلك ببعض الأحاديث التي وردت في هاتين ~~السورتين، وهذا إذ يقول: روى مسلم في صحيحه أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال، فيما روى ~~عقبة بن عامر: «ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط: أعوذ برب الفلق، ~~أعوذ برب الناس.» # وفي لفظ آخر أنه # صلى الله عليه وسلم # قال له: «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ به المتعوذون؟ ~~قلت: بلى. قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس.» # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان إذا أوى إلى ~~فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه ~~وما بلغت يداه من جسمه، فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.» # وفي رواية أخرى - وهي التي يرضاها ابن تيمية - أن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~«إن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما ms146 اشتد ~~وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عليه بيده رجاء بركتها.» # وهنا يقول ابن تيمية: «وهذا هو الصواب، أن عائشة كانت تفعل ذلك والنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، لم يأمرها ولم يمنعها، وأما أن يكون استرقى وطلب منها أن ترقيه، فلا.» # 1 # وبعد هذا، نرى الشيخ الأكبر يبين ما أراده بتفسير هاتين السورتين فيقول: ~~«والمقصود الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما وشدة الحاجة بل ~~الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرا خاصا في دفع ~~السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين ~~أعظم من حاجته إلى النفس والطعام والشراب واللباس.» # وهكذا أبان ابن تيمية سبب اهتمامه بتفسير هاتين السورتين في فيض من القول ~~السديد وإطالة، ثم أخذ في الكلام على الاستعاذة لبيان معناها فقال: «حقيقة ~~معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه؛ ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا ~~كما يسمى ملجأ ووزرا. # وقيل إن معناها لغة يرجع إلى الستر؛ لأن العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة ~~فاستتر بها «عوذ»، فكذلك العائذ قد استتر من عدوه بمن استعاذ به منه واستجن ~~به منه. # وقيل إن معناها هو لزوم المجاورة، فإن العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم ~~فلم يتخلص به «عوذ»؛ لأنه اعتصم به واستمسك، فكذلك العائذ يستمسك بالمستعاذ ~~به ويعتصم به ويلزمه.» # على أن معنى استعاذة المؤمن حين يستعيذ بالله حقا هو شيء فوق ذلك كله؛ ~~ولهذا يقول ابن تيمية بعد أن أورد تلك المعاني: «وبعد، فمعنى الاستعاذة القائم ~~بقلب المؤمن وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارات وتفهيم، وإلا، فما ~~يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار ~~إليه والتذلل بين يديه، أمر لا تحيط به العبارة.» # وفي معنى الفلق يقول: «واعلم أن الخلق كله فلق، وذلك أن «فلق» فعل بمعنى ~~مفعول كقبض وسلب وقنص بمعنى مقبوض ومسلوب ومقنوص، والله عز وجل فالق الإصباح ~~وفالق الحب والنوى، وفالق الأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن ~~المطر، والأرحام ms147 عن الأجنة، والظلام عن الإصباح»؛ وإذن يكون المستعاذ به هو ~~الله الخالق لكل شيء. # وبعد أن فرغ من بيان معنى الاستعاذة ومعنى الفلق، انتقل إلى الكلام على ~~المستعاذ به، وهو رب الفلق في هذه السورة، والملك والرب والإله في سورة الناس، ~~فهل اختلاف صفات الله على هذا النحو في السورتين، هو لمعان تتناسب ~~والمستعاذ منه في كل منهما؟ # وللإجابة عن هذا السؤال يقول الشيخ: «ولا بد من أن يكون ما وصف (الله) به ~~نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة ويقضي دفع الشر المستعاذ منه ~~أعظم مناسبة وأبينها. # وقد قررنا في مواضع متعددة أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى، فيسأل لكل ~~مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه ... فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيا ~~للمطلوب، وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه.» # 2 # ومن البدهي أنه لبيان هذه المناسبات بين ما وصف، أو سمي الله المستعاذ به ~~وبين الشر المستعاذ منه، يجب الكلام على أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين ~~السورتين، وهي في سورة الفلق: شر المخلوقات التي لها شر عموما، شر الغاسق إذا ~~وقب، شر النفاثات في العقد، وشر الحاسد إذا حسد، وفي سورة الناس نجد المستعاذ ~~منه شيئا واحدا، وهو شر الوسواس الخناس. # وقبل الكلام على كل من الشرور الأربعة التي ذكرت بتلك السورة تكلم على بيان ~~الشر: ما هو، وما حقيقته، وعلى الاستعاذة من الشر الموجود والشر المعدوم، وعلى ~~الدعاء الجامع لمصادر الشر وموارده والاستعاذة منها، ثم أخذ في بيان تلك ~~الشرور الأربعة المستعاذ منها في سورة الفلق: ~~(أ) # شر المخلوقات: إن «ما» في قوله تعالى: # من شر ما خلق # موصولة ليس إلا، فالشر في ~~هذه الآية مسند إلى الخلق لا الخالق، فإن الشر لا يدخل مطلقا ~~في شيء من صفاته أو أفعاله، فإن أفعاله خير محض كلها، ولو كان ~~من أفعاله ما هو شر لاشتق له منه اسم، فلا تكون أسماؤه كلها ~~حسنى. # وما يكون منه تعالى من العدل بعباده الذي يقتضي عقوبة من ~~يستحق العقوبة منهم، ms148 هو خير محض لأنه محض العدل والحكمة، ولا ~~يكون شرا إلا بالنسبة إليهم؛ أي في تعلقه وقيامه بهم. # ثم الشر من الأمور الإضافية، فهو خير بالنسبة لله خالقه، وشر ~~بالنسبة للعبد؛ وذلك - كما يذكر الشيخ - أن السارق إذا قطعت ~~يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى الناس ~~جميعا؛ وهذا لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم. وإذن، ~~يكون الشر هو ما قام بالسارق من تلك العقوبة، وأما ما نسب إلى ~~الله من إرادته لهذا فهو عين الخير والحكمة. # 3 # ومن ثم، كما يذكر الشيخ رحمه الله، نرى الرسول # صلى الله عليه وسلم # ينزه ~~الله تنزيها تاما عن نسبة الشر إليه، فيقول في الحديث ~~الصحيح: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس ~~إليك.» # إنه بهذا ينزه ربه سبحانه وتعالى عن نسبة الشر إليه في أسمائه ~~وصفاته وأفعاله وإن دخل في أفعال مخلوقاته. # هذا وقد دخل في قوله تعالى: # من شر ~~ما خلق ~~، الاستعاذة من كل شر أي مخلوق قام به ~~الشر من الإنس أو الجن أو الدواب، أو الريح والصواعق، أو من أي ~~نوع آخر من أنواع البلاء؛ ولذلك كان الرسول يستعيذ من هذا كله ~~كما ورد في الحديث الصحيح. ~~(ب) # شر الغاسق إذا وقب: جاء في كتب التفسير لهذا معاني عديدة، ~~وأكثر المفسرين أن المراد به - والله أعلم - هو الليل إذا ~~أظلم، قال ابن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في ~~كل شيء وأظلم، والغسق الظلمة. # ومن معانيها أيضا كما يقول البعض: الليل إذا برد، والغسق ~~البرد، وربما يستدلون بقوله تعالى: # لا ~~يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا ~~، # 4 # فيذكرون أن الغساق هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما ~~تحرقهم النار بحرها. # ولكن الشيخ يختار المعنى الأول، ويقول في هذا: «والظلمة في ~~الآية أنسب لمكان الاستعاذة؛ فإن الشر الذي يناسب الظلمة أولى ~~بالاستعاذة من البرد الذي في الليل؛ ولهذا، استعاذ برب الفلق ~~الذي هو الصبح والنور، ومن شر الغاسق الذي هو الظلمة، فناسب ~~الوصف المستعاذ ms149 به للمعنى المطلوب بالاستعاذة.» # 5 # وكان من الطبعي ألا يفوت الشيخ الأكبر بيان وجه الاستعاذة من ~~شر الليل، وهو أن الليل - كما يقول - محل سلطان الأرواح ~~الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين ... والليل هو محل الظلام، ~~وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار؛ فإن ~~النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع ~~المظلمة، وعلى أهل الظلمة. ~~(ج) # شر النفاثات في العقد: هذا الشر هو السحر، فإن النفاثات هن ~~السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كل عقدة حتى ينعقد ما ~~يردن من السحر. والنفث هو النفخ مع ريق خفيف، وبهذا يتم ~~السحر بإذن الله، وفي ذلك يقول الشيخ الأكبر: «فإذا تكيفت نفسه ~~(أي نفث النافث) بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين ~~عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق، فيخرج ~~من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى، مقترن بالريق ~~الممازج لذلك. # وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور فيقع فيه ~~السحر بإذن الله الكوني القدري، لا الأمري الشرعي.» # 6 ~~(د) # شر الحاسد إذا حسد: هذا الشر الرابع الأخير من الشرور التي ~~جاء الأمر في سورة الفلق بالاستعاذة منها، يقول ابن تيمية: ~~«وقد دل القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود، ~~فنفس حسده شر يتصل بالمحسود من نفسه وعينه، وإن لم يؤذه بيده ~~ولا لسانه.» # 7 # على أن من في طبعه الحسد قد يغفل عن المحسود فلا يصيبه منه ~~شر، ولكن إذا خطر المحسود بباله انبعثت نار الحسد من قلبه ~~إليه، فيكون من ذلك الأذى يقع به إن لم يتعوذ بالله ويتحصن به ~~من شر الحاسد، فقوله تعالى: # إذا ~~حسد # بيان أن شره يتحقق إذا حصل الحسد بالفعل إن ~~لم يعذه الله منه. # ولهذا يقول الشيخ رحمه الله ما نذكره بنصه: «ومعلوم أن عينه ~~لا تؤثر بمجردها؛ إذ لو نظر إليه نظر لاه ساه عنه، كما ينظر ~~إلى الأرض والجبل وغيرهما، لم يؤثر فيه شيئا. # وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة، واتسمت ms150 ~~واحتدت فصارت نفسا غضبية خبيثة حاسدة، أثرت في المحسود ~~تأثيرا بحسب صفة ضعفه وقوة نفس الحاسد، فربما أعطبه وأهلكه ... ~~وربما صرعه وأمرضه، والتجارب عند الخاصة والعامة أكثر من أن ~~تذكر.» # هكذا بين ابن تيمية الحسد وحقيقته وكيف يكون، ثم تأثيره وما ~~ينجم عنه من شر، فإنه لم يكتف بذلك، بل نراه يتكلم في فصول ~~أخرى على مباحث أخرى، مثل الفروق بين الحسد والعين والسحر، ~~واشتمال السحر على عبادة الشيطان، ومراتب الحسد الثلاث، وأن ~~سورة الفلق جاءت بدوائه الناجع. # 8 # ثم ذكر بعد ذلك في فصل طويل، أن شر الحاسد يندفع عن المحسود ~~بعشرة أسباب، وهي: الاستعاذة، والتقوى، والصبر، والتوكل على ~~الله، والتخلي عما سواه، والإقبال عليه، والتوبة، والصدقة، ~~والإحسان، والتوحيد. # 9 # وختم تفسير السورة ببيان الأقوال المختلفة في النفوس الناطقة ~~والجن وتأثيرهما؛ وذلك لأن هذا البيان لا بد منه في رأيه بعد ~~أن انكشف من أن نفوس الحاسدين وأعينهم لها تأثير، وأن الأرواح ~~الشيطانية لها تأثير أيضا بواسطة السحر والحسد، وكان رحمه ~~الله تعالى في بيانه موجزا ودقيقا. # الفصل الثالث # | سورة الناس # في هذه السورة، كما في التي سبقتها، لا بد أيضا من بيان هذه الأمور التي ~~تضمنتها، وهي: الاستعاذة، المستعاذ به، المستعاذ منه. وبيان الاستعاذة قد تقدم ~~في سورة «الفلق». # والمستعاذ به وهو الله الذي ذكر في السورة التي نحن بصدد الكلام على تفسيرها ~~بأنه: رب الناس، ملك الناس، إله الناس. # ولكن، ما تفسير هذه الإضافات الثلاث، وهل بينها وبين الاستعاذة من الشيطان ~~ووسوسته مناسبة؟ # وللإجابة عن هذا، يبدأ ابن تيمية بالكلام على معنى كل من هذه الإضافات، ثم ~~على المناسبة التي بين الله موصوفا بها جميعها وبين المستعاذ منه. # 1 # فهو يذكر أن الإضافة الأولى إضافة ربوبية تتضمن خلق الناس وتدبيرهم وتربيتهم، ~~ورعاية إصلاحهم ومصالحهم، ودفع الشر عنهم وحفظهم مما يفسدهم، كما تضمن أنه هو ~~الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف الكربات عنهم. # والثانية إضافة الملك، فهم مماليكه وعبيده يتصرف فيهم ويدبر أمورهم كما ~~يشاء، وهو ملكهم الحق ms151 إليه مفزعهم عند الشدائد، وهو مستغاثهم ومعاذهم وملجؤهم ~~إذا نزل العدو بساحتهم. # والثالثة هي إضافة الألوهية، فهو إلههم الحق الذي لا إله لهم سواه، ومعبودهم ~~الذي لا معبود لهم غيره، فكما أنه وحده ربهم ومليكهم لا يشركه في ربوبيته ~~ولا في ملكه أحد، فكذلك هو وحده إلههم ومعبودهم. # وإذا كان الأمر حقا كذلك، فالناس جميعا جديرون ألا يستعيذوا بغيره، ولا ~~يستنصروا بسواه، فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم، هو متولي أمورهم بربوبيتهم ~~وملكه وإلهيته لهم. # وبذلك «ظهرت مناسبة هذه الإضافات الثلاث للاستعاذة من أعدى الأعداء، وأعظمهم ~~عداوة، وأشدهم ضررا، وأبلغهم كيدا!» وكيف لا يلجأ العبد إلى ربه ومالكه ~~وإلهه عند النوازل والشدائد؟! # وهنا أشار شيخ الإسلام بوضوح إلى الحكمة في تقديم صفة الربوبية، وتأخير صفة ~~الإلهية، وتوسط صفة الملك؛ وذلك - كما يقول: «لأن ربوبيته تستلزم ملكه ~~وتقتضيه، وملكه يستلزم إلهيته ويقتضيها، فهو الرب الحق، الملك الحق، الإله ~~الحق، خلقهم بربوبيته، وقهرهم بملكه، واستعبدهم بإلهيته.» # وبعد ذلك، نراه يفرق فرقا لطيفا واضحا بين الشر المستعاذ منه في كل من ~~«المعوذتين»، فسورة الفلق فيها الأمر بالاستعاذة من الشرور التي تأتي ~~الإنسان من خارج، مثل السحر والحسد، على حين أن في سورة الناس الأمر ~~بالاستعاذة من الشر الذي يجيء الإنسان من الداخل، وهو وسوسة الشيطان التي هي ~~سبب الذنوب والمعاصي كلها. # ثم قال: «فالشر الأول (أي جنسه الشامل لأنواعه) لا يدخل تحت التكليف، ولا ~~يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كسبه، والشر الثاني في سورة الناس يدخل تحت ~~التكليف، ويتعلق به النهي.» # 2 # ثم يجيء الكلام على «الوسواس» والوسوسة، ويبدأ ببيان أن هذه هي الحركة أو ~~الصوت الخفي الذي لا يحس فيحترز منه، والوسواس هو الإلقاء الخفي في النفس، ~~إما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه، وإما بغير صوت كما يوسوس الشيطان ~~إلى الإنسان. # وإذا تم بيان المستعاذ به، بقي المستعاذ منه، وهو # شر ~~الوسواس الخناس * الذي يوسوس في ~~صدور الناس * من الجنة ~~والناس ~~. # فهل «الوسواس» مصدر لفعل «وسوس» أو صفة للشيطان ms152 المحذوف من الآية لوجود ما ~~يدل عليه دلالة لا تدع لبسا؟ # وابن تيمية يذكر هذين الرأيين اللذين وردا عن المفسرين؛ إذ قال البعض منهم إن ~~«الوسواس» في الآية مصدر لا وصف، وهو «مصدر وصف به على وجه المبالغة، أو ~~يكون على حذف مضاف تقديره: «ذو الوسواس»، والدليل عليه قول الشاعر: # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل # 3 # فهذا مصدر بمعنى الوسوسة سواء.» # ولم يرض المصنف رحمه الله هذا الرأي ورد عليه، واختار أنه وصف للمستعاذ من ~~شره وهو الشيطان، واحتج لهذا الرأي طويلا من وجوه عديدة، # 4 # وقال في أحد هذه الوجوه: ويدل عليه وجه آخر، وهو أنه (أي الله ~~تعالى)، وصفه بما يستحيل أن يكون مصدرا، بل هو متعين في الوصفية، وهو ~~«الخناس»، ف «الوسواس» و«الخناس» وصفان لموصوف محذوف وهو الشيطان. # وحسن حذف الموصوف ها هنا غلبة الوصف حتى صار كالعلم عليه، والموصوف إنما ~~يقبح حذفه إذا كان الوصف مشتركا فيقع اللبس، كالطويل، والقبيح، والحسن، ~~ونحوه، فيتعين ذكر الموصوف ليعلم أن الصفة له لا لغيره. # فأما إذا غلب الوصف واختص ولم يعرض فيه اشتراك، فإنه يجري مجرى الاسم ويحسن ~~حذف الموصوف، ك «المسلم (أي الرجل المسلم)، والكافر، والبر، والفاجر، ~~والقاصي، والداني، والشاهد، والوالي، ونحو ذلك، فحذف الموصوف هنا أحسن من ~~ذكره.» # وإذا كان «الوسواس» صفة للشيطان، فإن له في هذه السورة صفتين أخريين؛ وهما ~~«الخناس»، و«الذي يوسوس في صدور الناس»، كما يقول ابن تيمية رحمه الله. # وهذه الصفة مأخوذة من فعل خنس يخنس إذا توارى واختفى، وبابه «دخل»، وفي هذا ~~يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «لقيني النبي # صلى الله عليه وسلم # في بعض طرق المدينة وأنا ~~جنب، فانخنست منه.» # 5 # وحقيقة اللفظ - كما يقول شيخ الإسلام - اختفاء بعد ظهور، فليست لمجرد ~~الاختفاء؛ ولهذا وصفت الكواكب في القرآن ب «الخنس»، قال قتادة: هي النجوم ~~تبدو بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى. # ثم يقول: «والخناس مأخوذ من هذين المعنيين، فهو من الاختفاء والرجوع ~~والتأخر، فإن العبد إذا ms153 غفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان وانبسط عليه، ~~وبذر فيه أنواع الوساوس ... فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس وانقبض»، إلى ~~آخر ما قال. # 6 # وبعد هاتين الصفتين، يشير الله تعالى إلى الصفة الثالثة بقوله: # الذي يوسوس في صدور الناس ~~، ومعنى ~~هذا هو أن وسوسة الشيطان محلها صدور الناس، ثم تتسلل منها إلى ~~القلوب. # هكذا يذكر شيخ الإسلام، ولكن الظاهر فيما نرى أن هذه ليست صفة ثالثة للشيطان، ~~بل هي بيان لمحل الوسوسة، وقد عبر الشيخ عن حكمة كون وسوسة الشيطان تكون في ~~الصدر ثم تلج منها إلى القلوب بقوله: وتأمل السر في قوله تعالى: # الذي يوسوس في صدور الناس ~~، ولم يقل: ~~«في قلوبهم»، إن الصدر هو ساحة القلب وبيته، فمنه تدخل الواردات إليه ... ثم تلج ~~في القلب، فهو بمنزلة الدهليز له. # ومن القلب تخرج الأوامر والإرادات إلى الصدر، ثم تتفرق على الجنود، ومن فهم ~~هذا فهم قوله تعالى: (سورة آل عمران، الآية رقم 154): # وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في ~~قلوبكم ~~. # فالشيطان يدخل إلى ساحة القلب وبيته، فيلقي ما يريد إلقاءه إلى القلب، فهو ~~موسوس في الصدر، ووسوسته واصلة إلى القلب؛ ولهذا قال تعالى (سورة طه، الآية ~~رقم 120): # فوسوس إليه الشيطان ~~، ولم ~~يقل «فيه»؛ لأن المعنى أنه ألقى إليه ذلك وأوصله إليه، فدخل في قلبه. # 7 # والوسوسة تكون من شياطين الجن، كما تكون من شياطين الإنس؛ ولذلك ختم الله ~~تعالى السورة بقوله: # من الجنة ~~والناس ~~. # وإذا كان هذا هو رأي ابن تيمية، فقد ذكر أن في تفسير الآية رأيا آخر ذهب ~~إليه بعض من عنوا بمعاني القرآن وتفسيره، وهو أن قوله تعالى: # من الجنة والناس # بيان للموسوس في ~~صدورهم وهم قسمان: إنس وجن، فالشيطان يوسوس للجني كما يوسوس للإنسي. # وبعد أن أبان الشيخ رحمه الله هذا الرأي، بين ضعفه الشديد بوجوه عديدة، ~~وجره هذا إلى الكلام على اشتقاق كلمة «الناس»، وأن «الجنة» لا يطلق ~~عليهم اسم «الناس» لا أصلا ولا اشتقاقا، وبعد ذلك كله أخذ في ms154 الكلام على ~~الرأي الصحيح الذي اختاره وأقام الأدلة القاطعة عليه. # 8 # وهو في هذا يقول: «فالصواب القول الثاني، وهو أن قوله: # من الجنة والناس # بيان للذي يوسوس، وأنهم نوعان: إنس ~~وجن، فالجني يوسوس في صدور الإنس، والإنسي أيضا يوسوس إلى الإنسي ~~... # فإن الوسوسة هي الإلقاء الخفي في القلب، وهذا مشترك بين الجن والإنس، ~~وإن كان إلقاء الإنسي ووسوسته إنما هي بواسطة الأذن، والجني لا يحتاج ~~إلى تلك الواسطة؛ لأنه يدخل في ابن آدم ويجري منه مجرى الدم ... # ونظير اشتراكهما في هذه الوسوسة اشتراكهما في الوحي الشيطاني، قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا ~~. # 9 # فالشيطان يوحي إلى الإنسي باطله، ويوحيه الإنسي إلى أنسي مثله. فشياطين ~~الإنس والجن يشتركان في الوحي الشيطاني، ويشتركان في الوسوسة. # وعلى هذا، تزول تلك الإشكالات والتعسفات التي ارتكبها أصحاب القول الأول، ~~وتدل الآية على الاستعاذة من شر نوعي الشياطين: شياطين الإنس وشياطين الجن، ~~وعلى القول الأول إنما تكون الاستعاذة من شر شياطين الجن فقط، فتأمله، فإنه ~~بديع جدا. # فهذا ما من الله به من الكلام على بعض أسرار هاتين السورتين، ولله الحمد ~~والمنة، وعسى الله أن يساعد بتفسير على هذا النمط، فما ذلك على الله ~~بعزيز، والحمد لله رب العالمين.» # 10 ~~••• # وبعد ختام تفسير السورتين المعوذتين على هذا النحو الرائع، الذي يظهرنا على ~~مبلغ علم شيخ الإسلام بمعاني القرآن، ومبلغ ما آتاه الله من العقل النافذ ~~والبيان السديد، وأتبعه بقاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع ~~به شره؛ وذلك عشرة أسباب كل منها يعتبر حرزا للإنسان من الشيطان أصل كل ~~بلاء. # وهذه الأسباب مستقاة من القرآن العظيم، وفيها مباحث جدلية وعظات بالغات، ~~فنحيل القارئ إليها، ونحن على ثقة بأنه واجد فيها خيرا كثيرا بإذن الله ~~سبحانه وتعالى. # الباب الثالث # | في الاجتماع والسياسة # ظل ابن تيمية طول حياته المباركة مكافحا في سبيل نصرة الدين والحق، حريصا ~~الحرص كله على أن يكون أبناء دينه مخلصين العبادة ms155 لله وحده، وعلى أن يكون ~~المجتمع بريئا من الظلم والظالمين، وأن يكون ولاة الدولة وعمالها نصراء للحق، ~~مؤدين الأمانات إلى أهلها، وأساس هذا أن يكونوا أهلا لأن يسند إليهم شرف خدمة ~~الأمة والقيام بشئونها. # ولذلك كله، كانت له آراؤه في الدعامات التي يقوم عليها المجتمع، ليكون ~~مجتمعا سليما صالحا، وآراؤه في السياسة التي ينبغي أن تقوم عليها الأمة في ~~اختيار ولائها، وفيما يمكن من أداء الأمانات والحقوق إلى أصحابها، وفيما ~~يحمل كلا من أبناء الأمة على القيام بواجباته نحو دينه وأمته ووطنه الذي ~~يعيش فيه. # وسنعرض الآن هذه الآراء في هاتين الناحيتين؛ نعني الناحية الاجتماعية أولا، ~~ثم الناحية السياسية، وسيكون هذا وذاك بإيجاز لأن المقام لا يسع ~~الإطالة. # الفصل الأول # | في الاجتماع # يقول الله تعالى: # وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ~~، # 1 # ويقول: # إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل ~~. # 2 # ولهذا يرى الإمام ابن تيمية - بحق - أن المجتمع المؤمن السليم يجب أن يقوم ~~على هذين الأساسين: إخلاص الدين لله وحده، والعدل في المعاملة: # إخلاص الدين لله # أجمع كل أصحاب الملل السماوية على أنه لا بد من وسائط بين الله وعباده، ~~وهم الرسل الذين يتلقون عنه وحيه ويبلغونه لمن أرسلوا إليهم، وبدون هذا ~~كان الناس عاجزين عن معرفة ما يحبه الله ويأمر به، وما يكرهه وينهى عنه، ~~إلى غير ذلك مما جاء به القرآن من أصول الدين وفروعه. # وأما أن يقال إن المراد بذلك هو - كما يقول الشيخ رحمه الله: «أنه لا بد ~~من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ~~ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي ~~كفر الله به المشركين؛ حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء»، إلى آخر ~~ما قال. # 3 # ويذكر بعد هذا أنه يكون كافرا مشركا بالله من أثبت وسائط بين الله ~~وعباده من أئمة الدين ms156 أو غيرهم كما يكون الحجاب بين الملك ورعيته، فيجب ~~أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا الخالق ~~بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا. # وذلك بأن الوسائط بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة: إما ~~لإخبارهم إياهم بما لا يعرفونه من أحوال الناس، ومن قال إن الله لا يعلم ~~أحوال عباده حتى يخبره بها بعض ملائكته أو أنبيائه أو غيرهم فهو كافر ~~بالله العليم السميع البصير. # وإما لأن الملك عاجز عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان وأنصار، ~~والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل. # وإما لأن الملك لا يرحم رعيته ويحسن إليهم إلا بمحرك يحركه ممن حوله، ~~والله سبحانه هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، ~~وكل شيء فبمشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. # وهكذا ينتهي الإمام ابن تيمية إلى نفي الوسائط على النحو الذي ذكرنا، ~~فيجب أن يكون الدين خالصا لله الواحد الأحد الصمد الذي لا يرجى غيره، ~~ولا يجوز أن يقصد سواه. # وقد تناول هذا الموضوع في كثير من فتاويه ورسائله، ومن ذلك رسالته في ~~«زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور» # 4 # التي افتتحها بكلام جيد جدا منه قوله: الذي بعث الله به ~~رسله وأنزل به كتبه، هو عبادة الله وحده لا شريك له، واستعانته والتوكل ~~عليه، ودعاؤه لجلب المنافع ودفع المضار، كما قال تعالى: # تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم * إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون ~~. # وقال تعالى: # وأن المساجد لله فلا ~~تدعوا مع الله أحدا ~~، وقال تعالى: # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا ~~. # وبعد أن أتى بآيات أخرى منها قوله تعالى: # ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون ~~، قال: فإذا جعل (أي الله) من ms157 اتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كافرا، فكيف من اتخذ من دونهم من المشايخ وغيرهم أربابا! # 5 # وهكذا أشار الشيخ رضي الله عنه إلى حكمه على من يستنجد بأحد ~~أصحاب القبور. # ثم أخذ بعد هذا في تفصيل على الكلام عمن يستنجد بميت ولو كان نبيا، ~~فذكر أن من أتى إلى قبر نبي أو صالح يسأله حاجته ويستنجد به، فهذا «شرك ~~صحيح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال أنا أسأله لكونه ~~أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأني أتوسل إلى الله به كما ~~يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى» ~~... # وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته، فهذا ~~هو القسم الثاني، وهو ألا تطلب منه الفعل ولا تدعوه، ولكن تطلب منه أن ~~يدعو لك كما تقول للحي: ادع لي، وكما كان الصحابة رضوان الله عليهم ~~يطلبون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء. # فهذا مشروع في الحي، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع ~~لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة ~~والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث. # 6 # بل الذي ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا في زمن عمر رضي الله عنه، استسقى ~~بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون. # ولم يجيئوا إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: يا رسول ~~الله، ادع الله لنا، واستسق لنا، ونحن نشتكي إليك مما أصابنا، ونحو ~~ذلك، لم يفعل ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من ~~سلطان، إلى آخر ما قال. # 7 # العدل في المعاملة # كل مؤمن بالله ورسوله، محب لدينه ووطنه وأمته، يعمل بلا ريب على أن يقوم ~~المجتمع الذي ينسب إليه على العدل، كما يعمل جهده لكفاح الظلم والظالمين. ~~وكان ابن تيمية من رجال ms158 الدين القلائل - حاشا عصر الرسول والصحابة ~~والتابعين - الذين عملوا كل ما يستطيعون ليكون المجتمع مجتمعا عادلا ~~نقيا من الظلم وأعوانه، وقد قدمنا له من ذلك شيئا كثيرا في هذه الناحية. # 8 # وذكرنا من قبل أيضا بعض فتاويه الفقهية التي تحمل على البعد عن ظلم ~~المرء لنفسه بعدم طاعة الله، وأخرى تحول بينه وبين ظلم غيره، أو المجتمع ~~الذي يعيش فيه، مثل عدم جواز إعطاء الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة ~~الله، وتحريم قبول هدية من أحد ليشفع له في أمر لا يستحقه، وعدم إجازة ~~بيع عصير العنب لمن يقصد إلى جعله خمرا. # 9 # ولكراهة الشيخ الإمام للظلم، وإحساسه عاقبته البشعة بصفة عامة، سواء كان ~~ظلما لفرد أو ظلما لجماعة، نراه يقول في أول رسالة الحسبة: «إن الناس ~~لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى ~~أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ~~وإن كانت مؤمنة» إلى آخر ما قال. # ثم تناول بعد ذلك الكلام على واجبات المحتسب، ومنها أخذ الناس بأداء ~~الأمانات، وترك الخيانة والغش والتدليس فيما يتعاملون فيه، وتسعير عروض ~~التجارة إذا لزم الأمر، وكذلك إلزام أهل الحرف والصناعات بالعمل فيما ~~يحتاجه الناس. # 10 # وذكر بعد هذا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يعنى بمحاسبة العمال على المستخرج ~~والمصرف (ومن المعروف أن للإمام أن يكل ذلك لغيره ممن يثق بهم)، ويروي في ~~هذا حديثا جاء في الصحيحين، وهو أن النبي # صلى الله عليه وسلم # استعمل رجلا من ~~الأزد يقال له «اللتبية» على الصدقات، فلما رجع حاسبه فقال: هذا لكم، ~~وهذا أهدي إلي، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما بال الرجل نستعمله على ~~العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا قعد في بيت ~~أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا! # والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه ~~شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا ms159 له رغاء، وإن ~~كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر! ثم رفع يديه إلى السماء ~~وقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت.» # 11 # وأخيرا، بعد أن ذكر الشيخ رحمه الله واجبات أخرى على الإمام القيام بها ~~بنفسه أو بمن يوليهم أمرها؛ وذلك ضمانا للعدل وإبعادا للظلم عن ~~المجتمع، تكلم عن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا قد لا ~~يتم على ما ينبغي إلا بالعقوبات الشرعية والمالية التي يعاقب بها الذين ~~يخالفون عن أمر الله ورسوله؛ وبذلك يسير المجتمع على الجادة ويخلص من ~~الظلم والظالمين. # 12 # الفصل الثاني # | في السياسة # (1) في الولايات # وجوب اتخاذ الإمارة # لا بد للناس من الاجتماع والتعاون والتناصر، لجلب المنافع ودفع ~~المضار؛ ولهذا يقال بحق: إن الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا ~~بد لهم من أمور يفعلونها لما فيها من المصلحة، وأخرى ينأون عنها ~~لما فيها من المفسدة، ولا بد لهم من ناه عن هذه، وآمر بتلك، وهذا ~~الآمر الناهي هو من يكون أميرا عليهم، أو رئيسا أعلى إليه حكمهم ~~وأمرهم. # وفي ذلك يقول الإمام رحمه الله: «ويجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس ~~من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا ~~تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند ~~الاجتماع من رأس، حتى قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا خرج ثلاثة في سفر ~~فليؤمروا أحدهم ...» # فأوجب النبي # صلى الله عليه وسلم # تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في ~~السفر؛ تنبيها بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله أوجب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والعدل، وإقامة الحج، والجمع والأعياد، ~~ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، (وكل هذا وما إليه)، لا يتم إلا ~~بالقوة والإمارة»، إلى آخر ما قال. # 1 # وهكذا، يكون إقامة الحاكم الأعلى للأمة أمرا ضروريا لخير ~~المسلمين في الدنيا والأخرى، ويكون العمل على توليته قربة يتقرب ~~بها إلى الله تعالى، ويجب حينئذ حياطته بالنصح إذا لزم الأمر، فإن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ms160 # قال: «الدين النصيحة، الدين النصيحة.» قالوا: لمن ~~يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم.» # اختيار الولاة # ومن البدهي أن رئيس الدولة لا يستطيع أن يباشر كل أمر بنفسه، فلا ~~بد له ممن يعاونونه في إدارة شئون الأمة من الولاة والعمال الذين ~~يقومون بما يكل إليهم من الأعمال، وحينئذ عليه أن يحسن اختيار ~~هؤلاء، وبمقدار حسن اختيارهم تكون الإدارة صالحة، وتسير الأمور على ~~ما ينبغي؛ لأنه يكون قد وضع كل أمر في يد من يحسنه، وقام بالأمانة ~~التي لديه خير قيام، وفي هذا يقول ابن تيمية: # 2 # فيجب على ولي الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح ~~من يجده لذلك العمل، قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من ولي من أمر ~~المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح منه، فقد خان الله ~~ورسوله.» # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من ولي من أمر المسلمين ~~شيئا، فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله ~~والمسلمين.» # وليس له أن يقدم رجلا لأنه طلب الولاية، أو لأنه سبق غيره في ~~طلبها، بل إن طلبه أحرى أن يكون سببا لمنعه ما طلب، فقد جاء في ~~الصحيحين أن قوما دخلوا على الرسول # صلى الله عليه وسلم # فسألوه ولاية، فقال: ~~«إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه.» وقال لعبد الرحمن بن سمرة: ~~«يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها من غير مسألة ~~أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها.» # وقد يعدل ولي الأمر فيتبع هدي الله ورسوله، ويولي كل ولاية الأحق ~~بها والأصلح لها، وقد يجور فيعدل عن الأحق الأصلح لضغن عليه في ~~قلبه، ويولي غير الأصلح؛ لأنه من ذوي قرابته أو لصلة صداقة مثلا ~~بينهما، أو لرشوة أخذها منه، أو لأي سبب آخر. # ولي الأمر هذا، يكون مضيعا للأمانة التي بين يديه، وخائنا لله ~~ولرسوله وللمؤمنين، وداخلا فيما نهى الله عنه بقوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم ms161 وأنتم ~~تعلمون ~~. # 3 # والحكم أمانة في يد ولي الأمر، وكذلك كل الولايات التي تتبعه، ~~وفي هذا يقول الشيخ الأكبر: «وقد دلت سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ~~أن الولاية أمانة يجب أداؤها، في مواضع مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ~~ذر رضي الله عنه في الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة ~~خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» رواه ~~مسلم. # وروى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.» قيل: يا رسول ~~الله، وما إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة».» # 4 # مقياس الصلاحية # ولكن كيف يعرف ولي الأمر أن هذا هو الأصلح من غيره للولاية؟ تلك ~~حقا مشكلة يجب حلها بوضع مقياس للصلاحية، وهنا نجد ابن تيمية ~~يجري على منهجه العام من الرجوع إلى الكتاب وسنة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وليس على ولي الأمر إلا أن يعمل جهده في الاختيار، فالله يقول: # فاتقوا الله ما ~~استطعتم ~~، كما يقول الرسول: «إذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم.» # وبعد ذلك يلاحظ أن الولاة وكلاء عن الأمة وأجراء لها، ثم يقول: ~~إن الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة كما قال تعالى: # إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين ~~، وقال صاحب مصر ليوسف عليه السلام: # إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين ~~، وقال تعالى في صفة جبريل: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * ~~مطاع ثم أمين ~~. # 5 # وهكذا يخلص لابن تيمية المقياس الذي يجب اتخاذه هاديا ومرشدا. ~~على أننا نتساءل: هل القوة في كل عمل بمعنى واحد، أو أنها تختلف في ~~معناها باختلاف أنواع الأعمال؟ ويجيب عن ذلك بقوله بعد ما تقدم: ~~«القوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة ~~القلب، وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها فإن الحرب خدعة، وإلى ~~القدرة على أنواع القتال ... ونحو ذلك، كما قال تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة ومن رباط ms162 الخيل ~~. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ~~ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا.» # والقوة في الحكم بين الناس، ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه ~~الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام .» # وبعد أن بين الشيخ رحمه الله تعالى معنى القوة الذي يختلف ~~باختلاف الولايات، نراه يذكر أن اجتماع القوة والأمانة في الناس ~~قليل، وهذا حق بلا ريب؛ ولهذا كان سيدنا عمر بن الخطاب يقول: ~~اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر (أي قوته وعظم احتماله)، وعجز ~~الثقة! # وإذن، ما العمل إذا كان ركنا الولاية هما كما عرفنا القوة ~~والأمانة؟ هنا نرى صاحب «السياسة الشرعية» يقول ما يحسن نقله بنصه: ~~«فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم ~~أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية. # فيقدم في ولاية الحروب القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على ~~الضعيف العاجز وإن كان أمينا. كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين ~~يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع ~~أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على ~~نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى ~~مع القوي الفاجر، وقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله يؤيد هذا ~~الدين بالرجل الفاجر».» # 6 # وضرب بعد هذا مثلا لتولية القوي في الحرب، بتولية الرسول # صلى الله عليه وسلم # سيدنا خالد بن الوليد عليها، وقوله فيه: «إن خالدا سيف سله الله ~~على المشركين»، مع أنه أحيانا كان يعمل ما ينكره عليه، حتى إنه مرة ~~رفع يديه إلى السماء، وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد!» ~~وذلك حين أرسله إلى جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة، فوداهم ~~النبي عليه الصلاة السلام، ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب؛ ~~لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وقد كان منه ما كان بنوع ~~تأويل. # وإذا كان في الولاية للحروب تكون الحاجة فيها إلى الجلد والقوة ms163 ~~أشد وأظهر وألزم، فإنه في ولايات أخرى تكون الأمانة ألزم فيقدم ~~صاحبها وإن كان فيه ضعف. والأمانة ترجع - كما يذكر الإمام - إلى ~~خصال ثلاث: خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، ترك خشية ~~الناس. # وهذه الخصال، التي هي عند الله مناط الحكم على الناس وما يعملون، ~~جمعتها هذه الآية: # فلا تخشوا الناس ~~واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون ~~. # 7 # ومن الأعمال التي يقدم فيها الأمين؛ لأن الحاجة فيها إلى الأمانة ~~أشد، ولاية حفظ الأموال ونحوها، وإن كان استخراج الأموال ممن هي ~~عليهم، ثم حفظها كاملة لتنفق في مصالح الأمة، لا بد فيه من قوة ~~وأمانة، وحينئذ، يولى عليها عامل قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين ~~يحفظها بخبرته وأمانته. ~~«وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد، جمع بين ~~عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح، أو تعدد المولى إذا لم تقع ~~الكفاية بواحد.» # 8 # وإذا تركنا ولاية الحرب ثم ولاية أمور المال، إلى ولاية القضاء، ~~نجد أن منصب القضاء يحتاج إلى العلم بالأحكام الشرعية، والورع أو ~~التقوى، ثم إلى الكفاية للقيام به. ولكن ذلك كله لا يتوافر دائما ~~فيمن يصح أن يكون منهم القضاة على حد سواء، فما العمل إذن؟ # يقول الشيخ في هذا: «ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع ~~الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قدم فيما يظهر حكمه ~~ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه ~~الأعلم ... # ويقدم الأكفأ إن كان القضاء يحتاج إلى قوة وإعانة للقاضي أكثر من ~~حاجته إلى مزيد العلم والورع؛ فإن القاضي المطلق يحتاج إلى أن يكون ~~عالما عادلا قادرا، بل وكذلك كل وال للمسلمين، فأي صفة من هذه ~~الصفات نقصت، ظهر الخلل بسببه، والكفاءة إما بقهر ورهبة، وإما ~~بإحسان ورغبة، وفي الحقيقة لا بد منهما.» # 9 # المقصود من الولايات # ومما ييسر لولي الأمر معرفة الأصلح لولاية من الولايات، معرفة ~~المقصود منها ليسندها إلى الأقدر على تحقيق هذا المقصود بالطرق ~~المشروعة الحازمة ms164 التي تؤدي إليه، فعلى الإمام تعرف تلك المقاصد، ~~وتعرف الوسائل إلى تحقيقها، وأن يختار بعد ذلك لكل ولاية من ~~الكفاة من يرى أنه القادر على تحقيقها ... # ومن الطبعي أن تختلف مقاصد ولاية عن ولاية أخرى، ولكن هناك أمر ~~يعتبر مقصودا عاما من كل الولايات مهما اختلفت أنواعها، وهو ~~إقامة دين الله الذي به صلاح أمورنا في الدنيا والأخرى؛ ولهذا يقول ~~الإمام ابن تيمية: «المقصود الواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي ~~إذا فاتهم خسروا خسرانا مبينا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، ~~وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قسم ~~المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين، فمن لم يعتد، أصلح له دينه ~~ودنياه. # ولهذا كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: إنما بعثت عمالي ~~إليكم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم، ويقيموا بينكم دينكم، ~~ويقسموا بينكم فيئكم»، إلى آخر ما قال. # 10 ~~(2) في الأموال # وجوب أدائها # إذا كانت الولايات هي النوع الأول من الأمانات التي أمر الله ~~بأدائها بقوله تعالى: # إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~، فإن ~~الأموال هي النوع الثاني منها، فأداء الأمانات المالية أمر واجب ~~بالكتاب والسنة على الولاة والرعية معا. # فعلى كل منهما - كما يذكر الشيخ الإمام - أن يؤدي إلى آخر ما يجب ~~أداؤه إليه، فعلى ذي السلطان ونوابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق ~~حقه، وعلى جباة الأموال أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه ~~إليه، وكذلك على الرعية أداء ما يجب عليهم من الحقوق ~~المالية. # وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، وإلا كانوا ~~من جنس من قال الله فيهم: # ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ~~وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ~~. # 11 # ولكن هل للرعية أن يدفعوا للسلطان ما يجب عليهم من الأموال وإن كان ~~ظالما؟ يجيب الشيخ عن هذا بأنه ليس لهم أن يمتنعوا من ذلك، فإن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # أمر بذلك حين ذكر جور الولاة، ms165 فقال: «أدوا إليهم ~~الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.» # ومع هذا، فليس لولاة الأموال - كما يذكر الشيخ بعد ذلك - أن ~~يقسموها حسب أهوائهم كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ~~ووكلاء، وليسوا ملاكا، وفي ذلك يقول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «إني والله ~~لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، وإنما أنا قاسم أضع حيث ~~أمرت.» # وقد سار الخلفاء الراشدين على هذا النهج النبوي، فهذا رجل يقول ~~لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو وسعت على نفسك في النفقة من ~~مال الله تعالى؟ فيجيبه الفاروق بقوله: أتدري مثلي ومثل هؤلاء؟ ~~إنه كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا مالا وسلموه إلى واحد ينفقه ~~عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم بشيء من ~~أموالهم؟! # وحمل إليه، رضي الله عنه، مرة مال عظيم من الخمس فقال: إن ~~قوما أدوا الأمانة في هذا لأمناء، فقال له بعض الحاضرين: إنك ~~أديت الأمانة إلى الله تعالى فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت ~~رتعوا! # الظلم من الولاة والرعية # وبعد أن تناول أصناف الأموال السلطانية، من الغنائم والصدقات ~~والفيء، أخذ في الكلام على الظلم الذي كثيرا ما يقع من الولاة ~~والرعية، أولئك يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب. # كما قد يتظالم الجند والفلاحون، ويكنز الولاة من مال الله ما لا ~~يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال، فإنه قد يترك منها ما ~~يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل. # والأصل العام الذي يرجع إليه حكم الله في ذلك كله، هو أن من عليه ~~مال يجب أن يؤديه لأنه حق واجب عليه متى كان قادرا على أدائه ~~بالحبس أو الضرب إذا لزم الأمر. # ويستدل ابن تيمية لهذا بما جاء في الصحيحين من قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«مطل الغني ظلم»، وبما رواه أهل السنن من قوله: «لي الواجد ~~يحل عرضه وعقوبته.» # ولهذا كان من المتفق عليه أن كل من فعل محرما أو ترك واجبا استحق ~~العقوبة، فإن لم تكن مقدرة بالشرع، كان تعزيرا يجتهد فيه ms166 ولي ~~الأمر. وقد نص على ذلك الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، ~~وغيرهم من الفقهاء، ولا أعلم فيه خلافا. # 12 # هذا، وقد عني ابن تيمية بخاصة بما يأخذ القائمون على الأموال بغير ~~حق من مال المسلمين، وهو في ذلك يقول بأن لولي الأمر (لعله يريد: ~~فعلى ولي الأمر) استخراجه منهم، ومن هذا الضرب الهدايا التي يأخذها ~~الولاة والعمال بسبب العمل. قال أبو سعيد الخدري: هدايا العمال ~~غلول، وقال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «هدايا الأمراء غلول.» # 13 # وقد تقدم حديث «ابن اللتبية» الذي كان عاملا للصدقة للرسول، ~~فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقال الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله فيقول هذا لكم ~~وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر ~~أيهدى إليه أم لا؟!» إلى آخر الحديث. # ومن هذا الضرب أيضا محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة ~~والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة، كل ذلك ونحوه مما يعتبر ~~من الهدايا التي لا يجوز أخذها، وعلى ولي الأمر منعها والعقاب ~~عليها، كما يذكر ابن تيمية بحق. ~~«ولهذا، شاطر عمر بن الخاطب رضي الله عنه من عماله من كان له فضل ~~دين ولا يتهم بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل ~~الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام ~~عدل يقسم بالسوية.» # 14 # وإذا استرد ولي الأمر ما أخذ الولاة والعمال بغير حق من الرعية، ~~كان عليه ردها إلى أصحابها إن أمكن، وإلا كان عليه صرفها في المصالح ~~العامة، كسداد الثغور، ونفقة المقاتلة، ونحو هذا وذاك، كما يقول ~~جمهور العلماء، وكما هو منقول عن غير واحد من الصحابة رضي الله ~~عنهم. # وجوه صرف الأموال # ويجيء بعد ما تقدم الكلام على مصارف الأموال العامة التي تحصلها ~~خزانة الدولة، وفي هذا يذكر الشيخ الإمام أن الواجب البدء في ~~القسمة بالأهم فالأهم من مصالح المسلمين، فالمقاتلة الذين هم أهل ~~النصرة والجهاد هم أحق الناس بالفيء، فإنه لا يحصل ms167 إلا بهم، وأما ~~سائر الأموال العامة (أو السلطانية كما يقول) فلجميع المصالح وفاقا ~~إلا ما خص به نوع كالصدقات. # ومن المستحقين في هذه الأموال العامة أصحاب الولايات، كالولاة، ~~والقضاة، والسعاة على المال جمعا وحفظا وقسمة، ومنهم أيضا ذوو ~~الحاجات الذين ليس لهم ما يكفيهم، فعلى ولي الأمر أن يكفيهم شر ~~العوذ والسؤال. # ومن الطريف أن نذكر أن الشيخ الإمام تناول كلمة مأثورة لسيدنا عمر ~~بن الخطاب، وجعلها شبه دستور في مصارف تلك الأموال، وهذه الكلمة ~~هي: ~~«ليس أحد أحق بهذا المال (أي الذي جاء من الفتوح، ومال الفيء، ونحو ~~ذلك) من أحد، إنما هو الرجل وسابقته (أي في الإسلام)، والرجل ~~وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته.» # 15 # ثم يقول بعد أن ذكر هذه الكلمة: «فجعلهم عمر أربعة أقسام: # الأول: # ذوو السوابق الذين بسابقتهم حصل المال. # الثاني: # من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم، ~~كولاة الأمور والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدين ~~والدنيا. # الثالث: # من يبلي بلاء حسنا في دفع الضرر عنهم، ~~كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد، والعيون ... ~~والناصحين ونحوهم. # الرابع: # ذوو الحاجات. # فإذا عرفت أن العطاء يكون بحسب منفعة الرجل، وبحسب حاجته في مال ~~المصالح وفي الصدقات أيضا، فما زاد على ذلك لا يستحقه الرجل إلا ~~كما يستحقه نظراؤه مثل أن يكون شريكا في غنيمة أو ميراث.» # 16 # ثم تكلم بعد ذلك على بعض المصارف الأخرى، مثل «المؤلفة قلوبهم» على ~~الإسلام، وتناول مسائل أخرى تتعلق بالأمور المالية، ولا نرى ضرورة ~~لتتبعه في هذه النواحي، فلننتقل إلى القسم الأخير من آرائه ~~السياسية إن شاء الله تعالى. ~~(3) في الحدود والحقوق # أقسامها # بعد أن انتهى الإمام ابن تيمية من الأمانات التي أمر الله تعالى ~~بأدائها بقوله: # إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها ~~، شرع في بيان ~~الحدود والحقوق، التي أمر الله بالحكم بالعدل فيها بقوله في الآية ~~نفسها: ~~... وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل ... ~~، هذه الآية تسمى آية ~~الأمراء كما يذكر ابن تيمية نفسه وغيره من المفسرين. # وهو يبدأ هذا ms168 القسم الأخير من رسالته في «السياسة الشرعية»، بقوله: ~~«الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول ~~الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين ~~أو نوع منهم، ولكنهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله.» # 17 # وأما القسم الثاني، فسيجيء الكلام عليه، وهو كما يقول فيما بعد: ~~الحدود والحقوق التي لآدمي معين. # القسم الأول وأحكامه # ومن أمثلة هذا القسم حد قطاع الطريق والسراق والزناة ~~ونحوهم، والحكم في الأموال العامة أو السلطانية كما يقول، ~~والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور ~~الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: # لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير ~~المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: ~~يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ~~ويقسم بها الفيء. # ومن أحكام هذا النوع من الحدود والحقوق، أنه - كما يذكر الشيخ ~~رحمه الله - يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته من غير دعوى ~~أحد به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به، وإن كان ~~الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق هل يفتقر إلى مطالبة ~~المسروق بماله على قولين ... وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال ~~لئلا يكون للسارق فيه شبهة. # 18 # وكذلك يجب إقامة هذا النوع من الحدود على الناس كافة، بلا فرق ~~بين شريف ووضيع، أو قوي وضعيف، ولا تحل الشفاعة فيه، ولا ~~يجوز تعطيله بشفاعة أو غيرها، فإن خطره كبير على المجتمع ~~كله. # ومن عطل إقامته لذلك ونحوه، وهو قادر على إقامته، كان حريا ~~بلعنة الله وملائكته والناس جميعا، وكان ممن اشترى بآيات الله ~~ثمنا قليلا، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، كما يذكر ~~ابن تيمية. # جاء في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها، أن قريشا ~~أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول ~~الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، فلما ذهب إليه ~~قال له الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«يا ms169 أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل ~~أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف ~~أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد ~~سرقت لقطعت يدها.» # على أنه لا بأس في الشفاعة قبل أن يصل الأمر إلى السلطان أو ~~من له القضاء، وإلا كانت حراما وإثما كبيرا، وفي هذا روى ~~الإمام مالك في كتابه «الموطأ» أن جماعة أمسكوا لصا ~~ليرفعوه إلى عثمان رضي الله عنه، فتلقاهم الزبير فشفع فيه ~~فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: إذا بلغت ~~الحدود السلطان، فلعن الله الشافع والمشفع؛ يعني الذي يقبل الشفاعة. # 19 # ومن أحكام هذا القسم أيضا، أنه لا يقبل تنازل المجني عليه ~~إذا وصل إلى ولي الأمر أو القاضي، فيجب إقامة الحد رغم ~~تنازله؛ ولهذا يذكر ابن تيمية بعد ذلك أن صفوان بن أمية كان ~~نائما على رداء له في مسجد الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فجاء لص فسرقه، ~~فأخذه به النبي فأمر بقطع يده، فقال صفوان: «أعلى ردائي تقطع ~~يده؟ أنا أهبه له»، فقال الرسول: «فهلا قبل أن تأتيني به!» ~~ثم قطع يده. # يعني # صلى الله عليه وسلم ~~- كما يذكر ابن تيمية - أنك لو عفوت عنه قبل أن ~~تأتيني به لكان، فأما بعد أن رفع إلي فلا يجوز تعطيل الحد ~~لا بعفو ولا بشفاعة ولا بهبة ولا بغير ذلك. # وهذا حق بلا ريب، وبه يصان المجتمع عن كثير من الشرور ~~والآفات، فإن كثيرا من أمور الناس والمجتمعات يرجع إلى تعطيل ~~إقامة حدود الله وحقوقه بسبب الجاه أو ما يبذل من مال، أو ~~الشفاعة التي لا تحل يتقدم بها بعض الناس. # القسم الثاني وأحكامه # وبعد أن ذكر ابن تيمية عقوبة المحاربين وقطاع الطريق، وحد ~~السرقة والزنا وشرب الخمر والقذف، وغير ذلك من المعاصي التي ~~ليس فيها حد مقدر، # 20 # شرع في الكلام على هذا القسم الثاني من الحدود ~~والحقوق وهي التي تكون لإنسان معين. # وقد تناول في هذا القسم ms170 أحكام الاعتداء على النفوس بالقتل، ~~وعلى الأعضاء والجسم بالجراح، وعلى الأعراض وغير هذا كله مما ~~فيه تعد على شخص بعينه. # 21 # ونحن لا نرى ضرورة للتعرض لذلك كله، فإن الأمر هنا أكثر شبها ~~بالفقه العام منه بأحكام السياسة الشرعية بصفة خاصة، ولكن نرى ~~من الخير أن نشير إلى أنه تناول حد القذف في كلا القسمين من ~~الحدود والحقوق ؛ وذلك لأنه حق الله وحق الآدمي معا. # وهو يقول بصدده: «وهذا الحد يستحقه المقذوف فلا يستوفى إلا ~~بطلبه باتفاق الفقهاء، فإن عفا عنه سقط عند الجمهور لأن ~~المغلب فيه حق الآدمي كالقصاص والأموال، وقيل لا يسقط ~~تغليبا لحق الله؛ لعدم المماثلة (أي بينه وبين القصاص ~~والأموال)، كسائر الحدود»، إلى آخر ما قال. # 22 ~~••• # هذا، وإذا كان من الواجب إقامة دولة واتخاذ أمير أعلى لها كما ~~عرفنا فيما تقدم، فإن للحقوق التي من هذا القسم الثاني والأخير ~~حق المشاورة، فإن ولي الأمر لا يستغني عنها، وأمر الله نبيه ~~بها بقوله تعالى: # وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله ~~. # وروى أبو هريرة رضي الله عنه - كما يذكر ابن تيمية رحمه الله ~~- أنه «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # وإذا استشار ولي الأمر أهل الرأي في أمر من الأمور، فإن بين ~~له بعضهم ما يجب اتباعه، من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع ~~المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن ~~كان عظيما في الدين والدنيا، قال الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~. # وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا ~~صلح الناس، فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة ~~لله ورسوله، واتباع كتاب الله، # 23 # ففي ذلك خير الدنيا والآخرة معا للأفراد ~~والجماعات والأمة كلها. # | خاتمة البحث # والآن، بعد هذا المطاف الشاق الطويل، والذي كانت نتيجته هذا البحث الذي ~~يسعدنا اليوم التقدم به لطالبي الحق كل الحق لذاته، ومريدي القدوة الطيبة من ms171 ~~إمام تجرد للحق والعلم والجهاد في سبيل الله، نشير في هذه الخاتمة إلى هذه ~~الأمور: ~~(أ) # إن رأي الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في علوم المنطق ~~والكلام والفلسفة معروف واضح، فهو لا يرضاها ولا يرضى عنها؛ ~~ولذلك لم نر ضرورة أن نطيل البحث بالكلام عنها في باب أو فصل ~~خاص. # وبخاصة وقد تعرضنا لها في مواضع كثيرة في أثناء البحث، ولا ~~سيما عند بحثنا الحياة العقلية والعلمية في عصره، # 1 # وكذلك عند الكلام على خصومه ومحنته ووفاته. # 2 ~~(ب) # ثبت لنا أن ابن تيمية هو إمام من أئمة المسلمين بلا ريب، فقد ~~كان صاحب اللواء في كل علم من العلوم الإسلامية التي برع فيها ~~ونبغ، وكان إليه المرجع في المشكلات التي رفعت إليه وأفتى فيها ~~حتى بلغت فتاويه المجلدات العديدة الضخمة، والتي لا يزال ~~الفقهاء في شديد الحاجة إليها والإفادة منها. ~~(ج) # ومع ذلك كله، فقد كان له خصوم كثر رموه بما أعاذه الله من ~~الضلال، # كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا ~~! ~~ولكنه داء الحسد والحقد بين العلماء المتنافسين ~~المتعاصرين. # على أن الشيخ الإمام وإن ناله كثير من الأذى في ذات الله ~~والحق، فقد كان راضيا كل الرضا بما حصل له من هؤلاء الخصوم ~~والأعداء، ولعله كان يتمثل في هذه الناحية بقول الشاعر العربي ~~المؤمن الذي عاش في حياة الرسول، وهو خبيب بن عدي الذي قال يوم ~~الربيع: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان في الله ~~مصرعي ~~(د) # وإلى جانب أولئك الخصوم كان أنصاره لا يحصون كثرة، هؤلاء ~~الأنصار والتلاميذ المخلصون، وعلى رأسهم الإمام ابن قيم ~~الجوزية، هم الذين حملوا علمه وبثوه في كل مكان، حتى صار ذخرا ~~صالحا لجميع المتفقهين والعلماء الباحثين. # ولكننا مع هذا كله، نرى من الواجب على القادرين من المسلمين أن يعنوا عناية ~~جادة بتحقيق كتب الإمام مجدد الإسلام في عصره تحقيقا علميا بكل معنى ~~الكلمة، ثم نشرها بين الناس ليعم النفع بها إلى يوم الدين. ~~••• # رحم الله شيخ ms172 الإسلام ابن تيمية، ورضي عنه وأرضاه، وجعله في جنة الخلد مع ~~الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن ~~أولئك رفيقا. # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأله العون والتوفيق والسداد في كل ~~حال. ms173