######OpenITI# #META# URI: 1384AhmadAhmadBadawi.AtharMisriyyaFiAdabCarabi.Hindawi52028503 #META# Tags: literature #META# ID: 52028503 #META# Title: الآثار المصرية في الأدب العربي #META# AuthorID: 15858053 #META# Author: أحمد أحمد بدوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الأهرام‏ # أبو الهول‏ # الهياكل‏ # المقابر‏ # توت عنخ آمون‏ # تمثال رمسيس‏ # منارة الإسكندرية‏ # عمود السواري‏ # مقدمة‏ # الأهرام‏ # أبو الهول‏ # الهياكل‏ # المقابر‏ # توت عنخ آمون‏ # تمثال رمسيس‏ # منارة الإسكندرية‏ # عمود السواري‏ # | الآثار المصرية في الأدب العربي # | الآثار المصرية في الأدب العربي # تأليف # أحمد أحمد بدوي # | مقدمة # كانت الآثار المصرية مصدر إعجاب الناس في القديم والحديث، حتى قال الجاحظ وغيره: عجائب ~~الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشرة منها بسائر البلاد والعشرون الباقية بمصر؛ وهي: الهرمان، وهما ~~أطول بناء وأعجبه، ليس على الأرض بناء أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان؛ ~~ولذا قال بعض من رآهما: ليس شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمان، فأنا أرحم الدهر ~~منهما، وصنم الهرمين ... وتسميه العامة: أبو الهول، ويقال إنه طلسم الرمل، لئلا يغلب على ~~الجيزة، وبربى سمهود ... وبربى إخميم، كان فيه صور الملوك الذين ملكوا مصر ... وهي مبنية بحجر ~~المرمر، طول كل حجر خمسة أذرع في سمك ذراعين، وهي سبعة دهاليز، ويقال: إن كل دهليز على اسم ~~كوكب من الكواكب السبعة، وجدرانها منقوشة بعلوم الكيمياء، والسيمياء، والطلسمات، ~~والطب. # ويقال: إنه كان بها جميع ما يحدث في الزمان حتى ظهور رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأنه كان مصورا ~~فيها راكبا على ناقة، وبربى داندار كان فيها مائة وثمانون كوة تدخل الشمس كل يوم من كوة ~~منها، ثم الثانية ثم الثالثة حتى تنتهي إلى آخرها، ثم تكر راجعة إلى موضع بدأت، وحائط ~~العجوز من العريش إلى أسوان محيط بأرض مصر شرقا وغربا، قال المسعودي: ... وأثر هذا الحائط ~~باق إلى وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. # 1 # والفيوم ... وكانت ثلاثمائة وستين قرية ... تميز كل قرية منها مصر يوما ... ومنف وما ~~فيها من الأبنية والدفائن والكنوز، وآثار الملوك والأنبياء والحكماء، وكان فيها البربى الذي ~~لا نظير له ... # وعين شمس وهي هيكل الشمس، وقد خربت وبقي منها عمودان من حجر صلد، فكان طول كل عمود منها ~~أربعا وثمانين ذراعا على رأس كل عمود منها صورة إنسان على دابة، وعلى ms01 رأسهما شبه الصومعة ~~من نحاس ... وصنم من نحاس كان على باب القصر الكبير عند الكنيسة المعلقة على خلقة الجمل، ~~وعليه رجل راكب عليه عمامة متنكب # 2 # قوسا، وفي رجليه نعلان ... # والإسكندرية والمنارة التي بها، وكان طولها سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة؛ مائتين وثلاثين ~~ذراعا، وكان طولها قديما نحو أربعمائة ذراع، وكان بناؤها على ثلاثة أشكال، فقريب من الثلث ~~مربع مبني بالحجارة، ثم بعد ذلك بناء مثمن الشكل انبنى بالآجر والجص نحو ستين ذراعا، ~~وأعلاها مدور الشكل. وبرغم أن بعض الملوك في الإسلام قد عني بأمرها، فكان يرم ما وهى من ~~بنائها، قد تخربت مع الزمن في أيام قلاوون أو ولده # 3 # في أواخر القرن السابع الهجري، ولم يبق منها في أيام ابن فضل الله العمري، ~~المتوفى سنة 749ه، إلا ما في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس # 4 # وهو عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة وفوقه قاعدة، ويقال: إنه لا نظير له في ~~علوه ولا في استدارته. # ويمضي السيوطي في كتابه حسن المحاضرة معددا عجائب الآثار في مصر القديمة، # 5 # وقد شاركه كثير من المؤرخين في وصفها كابن فضل الله العمري في كتابه المسالك ~~والممالك، والمسعودي في كتابه مروج الذهب. وقد بدا في تاريخهم لهذه الآثار نظرة الناس إليها ~~في عصورهم وما ورثوه عن أسلافهم من آراء حول إنشاء هذه الآثار، وبعضها خرافي أثاره الإعجاب ~~بها، والجهل باللغة التي كتبت فوقها. # وقد كشف العصر الحديث عن كثير من آثار لم تكن معروفة من قبل، وكان للمعروف منها في القديم ~~والحديث صدى في الشعر العربي منذ زمن بعيد. ونحن الآن بسبيل نظرة شاملة ندرس فيها كثيرا ~~مما أنشأه الشعراء في هذه الآثار. # | الأهرام # لعل الأهرام صاحبة الحظ الأوفر مما قيل في الآثار من الشعر العربي. والقارئ لكتاب حسن ~~المحاضرة لمؤلفه جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة 911ه، وهو يجمع الآراء التي قيلت قبله ~~يدرك مقدار ما كان من اختلاف في الرأي حول الوقت الذي بنيت فيه، وحول بانيها، والهدف الذي ~~أنشئت من أجله. # ومن ms02 الطريف أن ننقل بعض هذه الآراء لنرى صداها في الشعر من ناحية، ولكي نرى الفرق الشاسع ~~بين نظرة القدماء ونظرتنا اليوم إلى هذه الأهرام. # روى السيوطي أن جماعة من أهل التاريخ قالوا: إن الذي بنى الأهرام هو سوريد بن سلهوق بن ~~شرياق؛ ملك مصر، وكان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة، وسبب ذلك أنه رأى في منامه كأن الأرض انقلبت بأهلها، وكأن الناس هاربون على وجوههم، وكأن ~~الكواكب تساقطت، ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فأغمه ذلك وكتمه، ثم رأى بعد ذلك كأن ~~الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صورة طيور بيض، وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين ~~عظيمين، وكأن الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة، فانتبه مذعورا وجمع ~~رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، فأخبروه بأمر الطوفان، فأمر عند ذلك ببناء الأهرام وملأها ~~طلسمات وعجائب وأموالا وخزائن وغير ذلك، وكتب فيها جميع ما قالته الحكماء، وجميع العلوم ~~الغامضة، وأسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، وعلم الطلسمات والحساب والهندسة والطب، وكل ذلك ~~مفسر لمن يعرف كتابتهم ولغاتهم، وأحضر لها الصخور من ناحية أسوان، وجعل أبوابها تحت الأرض ~~بأربعين ذراعا. # فلما فرغ منها كساها ديباجا ملونا من فوق إلى أسفل، وجعل لها عيدا حضره أهل مملكته ~~كلها، ثم عمل في الهرم الغربي ثلاثين مخزنا مملوءة بالأموال الجمة والآلات والتماثيل ~~المصنوعة من الجواهر النفيسة، وآلات الحديد الفاخر والسلاح الذي لا يصدأ، والزجاج الذي ~~ينطوي ولا ينكسر، والطلسمات الغريبة، وأصناف العقاقير المفردة والمؤلفة، والسموم القاتلة ~~وغير ذلك، وعمل في الهرم الشرقي أصناف القباب الفلكية والكواكب، وما صنع من أجداده من ~~التماثيل، وجعل في الهرم الملون أخبار الكهنة في توابيت من صوان أسود، مع كل كاهن مصحفه، ~~وفيها عجائب صنعته وحكمته وسيرته وما عمل في وقته، وما كان وما يكون من أول الزمان إلى ~~آخره، وجعل لكل هرم خازنا يقتل كل من يقترب منه. # 1 # كما روي أيضا أنها كانت قبورا لملوك مصر؛ كان الملك منهم إذا مات وضع في حوض حجارة، ~~ثم يبنى من الهرم على قدر ms03 ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض فيوضع وسط الهرم، ثم ~~يقنطر عليه البنيان والأقباء، ثم يرفعون البناء على هذا المقدار. # 2 # وقد بدت هذه الحيرة في الشعر يومئذ، فقال بعضهم: # حسرت عقول أولي النهى الأهرام # واستصغرت لعظيمها ~~الأجرام # ملس، موثقة البناء، شواهق # قصرت لعال دونهن ~~سهام # لم أدر حين كبا التفكر دونها # واستعجمت لعجيبها ~~الأوهام # أقبور أملاك الأعاجم هن، أم # هذي طلاسم رمل أم أعلام؟ # 3 # ولعل هذا الشعر من أول ما قيل في الأهرام؛ لأنه يتحدث عن ملاستها، والغالب أن يكون ذلك ~~قبل أن يحاول المأمون فتح باب فيها عند زيارته لمصر. # والشعر ينبئ عن حيرة للعقول يومئذ في الأهرام، وما وقع في نفس الشاعر لها من الإكبار ~~والإجلال. والبيت الأخير يدل على بعض ما كان يدور حول الأهرام من آراء. # ووجد الرأي الذي سبق أن عرضنا صداه في الشعر، فقد روي أن أحمد بن طولون حفر على أبواب ~~الأهرام، فوجدوا في الحفر قطعة مرجان مكتوبا عليها سطور باليوناني، فأحضر من يعرف ذلك ~~القلم، فإذا هي أبيات شعر، فترجمت فكان فيها: # أنا باني الأهرام في مصر كلها # ومالكها قدما بها ~~والمقدم # تركت بها آثار علمي وحكمتي # على الدهر لا تبلى، ولا تتثلم # 4 # وفيها كنوز جمة وعجائب # وللدهر لين مرة، ~~وتهجم # وفيها علومي كلها غير أنني # أرى قبل هذا أن أموت ~~فتعلم # ستفتح أقفالي، وتبدو عجائبي # وفي ليلة في آخر الدهر تنجم # 5 # ثمان وتسع واثنتان وأربع # وسبعون من بعد المئين، ~~فتسلم # ومن بعد هذا جزء تسعين برهة # وتلقي البرابي صخرها، ~~وتهدم # تدبر فعالي في صخور قطعتها # ستبقى، وأفنى قبلها، ثم تعدم # 6 # قيل: فجمع أحمد بن طولون الحكماء وأمرهم بحساب هذه المدة، فلم يقدروا على تحقيق ذلك، فيئس ~~من فتحها. # وإذا صح هذا الخبر، فإن ناظم هذا الشعر أراد أن يضع ألغازا لا يستطاع حلها؛ ليظهر بمظهر ~~العالم الخبير. # ولا يمكن أن يكون ذلك ترجمة لشعر كتب على شيء في الأهرام؛ لأن الباني لها لا يمكن ms04 أن يكون ~~قد أراد فتحها، ولكنه كان يرغب في أن تظل سرا مغلقا إلى الأبد. # وإذا كان بعض من رأى الهرمين قال: ليس شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمان؛ فأنا ~~أرحم الدهر منهما. # 7 # فإن المتنبي قد وقف أمامهما يستعظم أمرهما، ويستعظم بناءهما، ويجل الشعب الذي ~~أنشأهما، حين يستفهم هذا الاستفهام المنبئ عن الإعجاب إذ يقول: # أين الذي الهرمان من بنيانه # من قومه؟ ما يومه؟ ~~ما المصرع؟ # تتخلف الآثار عن سكانها # حينا، ويدركها الفناء فتتبع # 8 # ولكنه في البيت الثاني يعلن أن هذه الآثار مهما تخلفت بعد أصحابها سيلحقها الفناء وتتبع ~~من شادوها. # وقد قال المتنبي هذين البيتين بعد أن خرج من مصر في قصيدة يرثي بها أحد رجال مصر. ولم ~~يشر المتنبي إلى آثار مصر في غير هذين البيتين. أما عمارة اليمني فيملؤه الجلال عندما يرى ~~الهرمين، فيرى الدهر عاجزا عن أن تمتد إليهما يده، ويراهما مثال الإتقان، ولكنه يعلن عجزه ~~عن الوصول إلى سرهما ويقول: # خليلي ما تحت السماء بنية # تماثل في إتقانها ~~هرمي مصر # بناء يخاف الدهر منه، وكل ما # على ظاهر الدنيا يخاف من ~~الدهر # تنزه طرفي في بديع بنائها # ولم يتنزه في المواد بها فكري # 9 # وتعبير الشاعر بخوف الدهر منها يصور مناعتها وقوة صلابتها. # أما أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي فيراهما أجمل شيء يمكن أن تراه العين في هذا ~~الوجود؛ إذ يقول: # بعيشك، هل أبصرت أحسن منظرا # على ما رأت عيناك من هرمي ~~مصر # أنافا بأعنان السماء وأشرفا # على الجو إشراف السماك ~~أو النسر # 10 # وقد وافيا نشزا # 11 # من الأرض عاليا # كأنهما نهدان قاما على صدر # 12 # وأخذ صورة النهدين شاعر آخر، فجعل الأرض تكشف عنهما عندما أخذت تدعو الله أن يمن على ~~البلاد بالري بعد الظمأ، خوفا على بنيها الساكنين في هذا الجزء، فاستجاب الله دعاءها ~~وأغاثها بالنيل يروي ظمأها، ويشفي غليلها؛ وذلك إذ يقول: # انظر إلى الهرمين إذ برزا # للعين في علو، وفي ~~صعد # وكأنما الأرض العريضة ms05 إذ # ظمئت لفرط الحر ~~والرمد # حسرت عن الثديين بارزة # تدعو الإله لرقة ~~الولد # فأجابها بالنيل يوسعها # ريا، ويشفيها من الكمد # 13 # واتخذ بعضهم شبه الهرمين بالنهدين دليلا على أن مصر صدر الأرض، وعجب من أن يظلا ناهدين، ~~برغم كثرة من ولدته من الأبناء، فقال: # تبين أن صدر الأرض مصر # ونهداها من الهرمين ~~شاهد # فوا عجبا، وقد ولدت كثيرا # على هرم، وذاك النهد ناهد # 14 # أما ابن الساعاتي فيرى الهرمين من العجائب التي لا تحتاج إلى إسهاب في بيان غرابتها، فقد ~~مر عليهما أزمان طويلة الأمد، ولم يزدها ذلك إلا جدة في الشباب، فما أعجبهما من بناء أزلي ~~يريد أن يصل بارتفاعه إلى عنان السماء، وإنهما في ثباتهما بمكانهما يشبهان وقفا متبلدا ~~حزنا على الزمن الذي مضى، وإذا كانت الأهرام غير واضحة السر أمام العين، فإن العقل وحده ~~هو الذي يستطيع أن يصل إليه؛ وذلك إذ يقول: # ومن العجائب، والعجائب جمة # دقت عن الإكثار ~~والإسهاب # هرمان قد هرم الزمان، وأدبرت # أيامه، وتزيد حسن ~~شباب # لله أي بنية أزلية # تبغي السماء بأطول ~~الأسباب # وكأنما وقفت وقوف تبلد # أسفا على الأيام ~~والأحقاب # كتمت على الأسماع فصل خطابها # وغدت تشير به إلى الألباب # 15 # ولكن الشاعر لم يذكر شيئا عن هذا السر الذي تفضي به الأهرام إلى الألباب، وإذا كانت ~~الأهرام تزيد على الأيام شبابا وقوة فلم تقف متبلدة حزينة على الأحقاب التي انقضت. # وجاء شاعر آخر فألم ببعض معاني ابن الساعاتي، وشبهها بالخيام المقامة من غير عمد ولا ~~أطناب، فقال: # لله أي غريبة وعجيبة # في صنعة الأهرام ~~للألباب # أخفت عن الأسماع قصة أهلها # وقصت عن الألباب كل ~~نقاب # فكأنما هي كالخيام مقامة # من غير ما عمد ولا أطناب # 16 # وفي تشبيه الأهرام بالخيام ما يوحي بأن الشاعر رآها عن بعد فكانت صغيرة، يذكر مرآها ~~بمرأى الخيام. # ووقف ظافر الحداد أمام الهرمين وبينهما أبو الهول فرآهما كالهودجين لحبيبين مرتحلين، ووقف ~~بينهما رقيب يحول بينهما وبين اللقاء، فذرفا دموعا هي ماء النيل، وانتحبا لهذا الفراق ms06 بما ~~نسمعه من صوت الريح العاصفة. أما المقطم فيشبه ركبا مسافرا أدركه التعب فبرك على الأرض ~~ليستريح؛ وذلك إذ يقول: # تأمل هيئة الهرمين وانظر # وبينهما أبو الهول ~~العجيب # كعماريتين # 17 # على رحيل # بمحبوبين بينهما رقيب # وماء النيل بينهما دموع # وصوت الريح عندهما ~~نحيب # ودونهما المقطم وهو يحكي # ركاب الركب أبركها اللغوب # 18 # وتلمس الشهاب المنصوري للهرمين شبيها، فوجدهما مسافرين آبا إلى موطنهما فاستقرا، أو ~~عاشقين وشى بحبهما أبو الهول، أو ضالين في الصحراء اهتديا بنجم السماء فأرشدهما، أو ~~ظامئين استسقيا مطر السماء فهطل عليهما حتى رويا. # وأحس الشهاب بغيظ من الزمن منهما لعجزه عن أن ينال منهما منالا، فقال: # إن جزت بالهرمين قل: كم فيهما # من عبرة للعاقل ~~المتأمل # شبهت كلا منهما بمسافر # عرف المحل فبات دون ~~المنزل # أو عاشقين وشى بوصلهما أبو ال # هول الرقيب فخلفاه ~~بمعزل # أو حائرين استهديا نجم السما # فهداهما بضيائه ~~المتهلل # أو ظامئين استسقيا صوب الحيا # فسقاهما عذبا روي ~~المنهل # يفنى الزمان، وفي حشاه منهما # غيظ الحسود وضجرة المستثقل # 19 # ولا أجد في كل ما جاء به الشهاب المنصوري من تشبيهات مصورا للإحساس النفسي إزاء الأهرام؛ ~~فليس هناك شيء يربطهما بالمسافر أو العاشق أو الحائر أو الظامئ، ولكنه قد وفق في تصوير ~~غيظ الزمان منهما. # وظل الشعر إلى العصر الحديث يحمل دلائل الحيرة والعجز عن الوصول إلى معرفة السر في إقامة ~~هذه الأهرام، كما يحمل أسمى مظاهر إجلالها واتخاذها عظة تصل إلى أعماق القلوب وإن لم تنطق ~~الأهرام بلسان، كما نتبين ذلك في قول فخر الدين عبد الوهاب المصري: # أمباني الأهرام، كم من واعظ # صدع القلوب، ولم يفه ~~بلسانه # أذكرتني قولا تقادم عهده ~~«أين الذي الهرمان من ~~بنيانه» # هن الجبال الشامخات تكاد أن # تمتد فوق الأرض عن كيوانه # 20 # لو أن كسرى جالس في سفحها # لأجل مجلسه على ~~إيوانه # ثبتت على حر الزمان وبرده # مددا، ولم تأسف على حدثانه # 21 # والشمس في إحراقها، والريح عن # د هبوبها، والسيل ~~في جريانه # هل عابد قد خصها بعبادة ms07 # فمباني الأهرام من ~~أوثانه # أو قائل يقضي برجعى نفسه # من بعد فرقته إلى ~~جثمانه # فاختارها لكنوزه ولجسمه # قبرا، ليأمن من أذى ~~طوفانه # أو أنها للسائرات مراصد # يختار واحدها أعز ~~مكانه # أو أنها وصفت شئون كواكب # أحكام فرس الدهر أو ~~يونانه # أو أنهم نقشوا على حيطانها # علما يحار الفكر في ~~تبيانه # في قلب رائيها، ليعلم نقشها # فكر يعض عليه طرف بنانه # 22 # والشاعر هنا يكاد يستوعب ما رواه عصره من آراء في سبب بناء هذه الأهرام. ومما يلحظ أنه ~~منذ القدم قد قرر بعض الآراء ما نؤمن به في العصر الحديث من أنها بنيت لتكون قبورا ~~لبناتها، الذين كانوا يؤمنون بعودة الروح إلى جسدهم. وفي تشبيه الأهرام بالجبال تصوير ~~للإحساس النفسي بضخامتها. ولأول مرة في الشعر، يوازن الشاعر بينها وبين إيوان كسرى ~~ويفضلها على الإيوان. # وشارك النثر الشعر في الإعجاب بالهرمين؛ إذ يقول القاضي الفاضل: «الهرمان فرقدا # 23 # الأرض، وكل شيء يخشى عليه من الدهر إلا الهرمان؛ فإنه يخشى على الدهر منهما.» # 24 # وذلك إحساس رأيناه في الشعر أيضا كما في قول عمارة اليمني. # وأعجب ضياء الدين بن الأثير بارتفاع الهرمين، فقال في حديثه عن مصر: «وبه من عجائب الآثار ~~ما لا يضبطها العيان فضلا عن الإخبار؛ من ذلك الهرمان اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان، ~~قد اختص كل منهما بعظم البناء وسعة الفناء، وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد ~~تحليقه، ولا يدركها الطرف على مدى تحديقه، فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا ~~استدار عليه قوس السماء كان له سهما.» # 25 # ولم أجد في وصفهما شيئا أبعد عن الصواب من تصوير أحد الكتاب لها بأنها بعض لعب ~~يتزين بها. # 26 # ومن كل ذلك يتبين أن الشعر في القديم صور حيرة الناس إزاء الأهرام، وأعلن إعجابه العميق ~~ببنائها وبناتها، ومضى يسجل إحساسه نحوها، وإن لم يستطع في أكثر الأحوال أن يرتفع إلى ~~مستوى عال ينبض بالقوة والحياة. # ومما يلحظ أن الذي حظي من الشعر في العصر القديم ms08 بأوفى نصيب إنما هما هرما الجيزة ~~الكبيران. أما غيرهما من باقي الأهرام، بما في ذلك هرم الجيزة الأصغر، فلم يحظ بنصيب من ~~التقدير. ويرجع سبب ذلك إلى ما اختص به الهرمان الكبيران من ضخامة وإتقان بناء. ~~••• # ونالت الآثار المصرية، ومن بينها الأهرام، عناية كثير من الشعراء في العصر الحديث؛ نرى ~~بشائر ذلك فيما قاله السيد علي الدرويش، المتوفى سنة 1853م، في الهرمين الكبيرين: # انظر إلى الهرمين، واعلم أنني # فيما أراه منهما ~~مبهوت # رسخا على صدر الزمان وقلبه # لم ينهضا حتى الزمان يموت # 27 # وهي نظرة تشبه نظرة القدماء في بقاء الهرمين راسخين دائمين، وإن كانت صياغة الشعر غير ~~قوية ولا رائعة. # وربما كان البارودي أول شاعر في العصر الحديث أطال في الحديث عن الهرمين، ورأى فيه أثرا ~~حصاه أغلى من الدر، وصخره لا يقوم بالتبر. ولنصغ إليه لنتبين ما في شعره من إحساسات شعر ~~بها، وقد أقام بالقرب من الأهرام شهرا يتردد عليها مستغرق الفكر فيها، متأملا ما نقش ~~فوقها، ناظرا عبث العابثين بما كان فيها، فيقول: # سل الجيزة الفيحاء عن هرمي مصر # لعلك تدري غيب ما ~~لم تكن تدري # بناءان ردا صولة الدهر عنهما # ومن عجب أن يغلبا صولة ~~الدهر # أقاما على رغم الخطوب ليشهدا # لبانيهما بين البرية ~~بالفخر # فكم أمم في الدهر بادت وأعصر # خلت، وهما أعجوبة العين ~~والفكر # تلوح لآثار العقول عليهما # أساطير لا تنفك تتلى إلى ~~الحشر # رموز لو استطلعت مكنون سرها # لأبصرت مجموع الخلائق في ~~سطر # فما من بناء كان أو هو كائن # يدانيهما عند التأمل ~~والخبر # يقصر حسنا عنهما صرح «بابل» # ويعترف «الإيوان» ~~بالعجز والبهر # فلو أن هاروت انتحى مرصديهما # لألقى مقاليد الكهانة ~~والسحر # كأنهما ثديان فاضا بدرة # 28 # من النيل تروي غلة الأرض إذ ~~تجري # وأول ما يلحظ في هذا الشعر إذا وزن بمعظمه الشعر الماضي قوة البناء، وشدة الأسر، وإحكام ~~النظم. # أما معانيه فقد رأينا بعضها فيما مضى من الشعر، وبعضها مما انفرد البارودي بالشعور ~~به. # ففي مطلع القصيدة يوحي الشاعر بعظمة ms09 الهرمين عندما دعا إلى السؤال عنهما، عسى أن يعلم ~~السائل أمورا جليلة لم يكن يدري عنها شيئا قبل هذا السؤال، وإنما يسأل عن الأمر ~~الجليل. # وفي الأبيات التالية يبين عظمة هذين الهرمين فيصور الصراع بينهما وبين الزمن، ويصور معركة ~~انتصر فيها الهرمان على صولة الزمن، ويتحدث عن إعجاب الناس بهما على مر العصور والأحقاب، ~~ويحكم حكما قاطعا بأنه ما كان ولن يكون في الدنيا بناء يضارعهما. # وأصول هذه المعاني مما ألم به الشعراء الأقدمون، كما سبق أن أوردتها. أما المعنى الذي ~~انفرد البارودي به، فهو أن الهرمين شاهدان على أن صاحبهما جدير بأن يفتخر بهما لما يدلان ~~عليه من عظمة وعقل جبار، تمضي عقول الخلق في أثره تريد أن تتبين ما وراء بنائهما من أسرار ~~تحاول أن تصل إليها ما بقي هذا الوجود. # وربما كان من آثار الأفكار القديمة في شعر البارودي ما كان بعض الناس يظنونه من أن الذين ~~بنوا الأهرام أودعوا في رموزها جميع ما كان لهم من علم وحكمة. # ونجد من آثار الشعر القديم عند البارودي تشبيه الهرمين بالثديين، وللعين أثر في هذا ~~التشبيه. وأما أن يجعل البارودي النيل قد فاض عنهما، فخيال مصنوع لا يقوم على أساس نفسي؛ ~~لأن الواقف عند الأهرام لا يشعر من قرب أو بعد بمثل هذا الفيضان. # ويمضي الشاعر في وصف أبي الهول الرابض بين الهرمين، فيقول: # وبينهما «بلهيب» # 29 # في ظل رابض # أكب على الكفين منه إلى ~~الصدر # يقلب نحو الشرق نظرة وامق # 30 # كأن له شوقا إلى مطلع الفجر # والجديد في إحساس البارودي أنه شعر في نظرة أبي الهول إلى الشرق أنه مشتاق إلى مطلع ~~الفجر، فليت شعري أيريد البارودي بمطلع الفجر إشراق نور المجد على الوطن الحبيب؛ ليعود كما ~~كان في الماضي مجيدا عظيما. وذلك إحساس طبيعي أقرب إلى النفس من إحساسها بأبي الهول ~~رقيبا على حبيبين يركبان هودجين، كما رأينا في الشعر القديم. # ويتحدث البارودي بعدئذ عن سعادته بمحاورته للأهرام شهرا، لعله قضاه في دراسته لها، وتأمل ~~فيما ms10 توحي به من المعاني إذ يقول: # مصانع فيها للعلوم غوامض # تدل على أن ابن آدم ذو ~~قدر # رسا أصلها، وامتد في الجو فرعها # فأصبح وكرا للسماكين والنسر # 31 # فقم نغترف خمر النهى من دنانها # ونجني بأيدي ~~الجد ريحانة العمر # فثم علوم لم تفتق كمامها # وثم رموز وحيها ~~غامض السر # أقمت بها شهرا، فأدركت كل ما # تمنيته من نعمة ~~الدهر في شهر # نروح ونغدو كل يوم لنجتني # أزاهير علم لا تجف مع ~~الزهر # إذا ما فتحنا قفل رمز بدت لنا # معاريض لم تفتح بزيج ~~ولا جبر # فكم نكت كالسحر في حركاته # تريك مدب الروح في ~~مهجة الذر # سكرنا بما أهدت لنا من لبابها # فيا لك من سكر أتيح لا ~~خمر! # ورسو أصلها وارتفاع بنائها ليكون مقرا للنجوم من المعاني التي جاء بها القدماء في ~~الشعر، كما سبق أن أوردنا. # أما الجديد عند البارودي، فهو نظرته إلى الأهرام على أنها آيات تدل على عظمة الإنسان؛ إذ ~~استطاع أن يأتي بهذه المعجزات. # ولست أدري - على وجه التحديد - لون الدراسة التي قام بها البارودي في الأهرام، وما ~~النتائج التي ارتاح إلى الوصول إليها من هذه الدراسة التي يعلن أنه نال منها كل ما كان ~~يتمناه، واستمتع بها كما يستمتع النشوان أسكرته الخمر، فهل كان يحاول قراءة ما على الأهرام ~~من الكتابة الهيروغليفية، ويرى فيها روحا تدب في الصخر فتحييه؟ # وجديد كذلك في التجربة التي أحس بها البارودي شعوره بالحنق على هؤلاء الذين لم يراعوا ~~حرمة هذه الكتابة، فحطموا بعض الصخور التي كانت مكتوبة لكي يصلوا إلى خزائنها وما فيها من ~~ثروة وكنوز، وهو يصب جام غضبه على المعتدين على حرمة هذه الآثار ويقول: # وما ساءني إلا صنيع معاشر # ألحوا عليها بالخيانة ~~والغدر # أبادوا بها شمل العلوم، وشوهوا # محاسن كانت زينة البر ~~والبحر # فكم سملوا عينا بها تبصر العلى # وشلوا يدا كانت ~~بها راية النصر # تمنوا لقاط الدر جهلا وما دروا # بأن حصاها لا ~~يقوم بالدر # وفلوا لجمع التبر صم صخورها # وأيسر ما فلوه ~~أغلى ms11 من التبر # ولكنهم خابوا فلم يصلوا إلى # مناهم، ولا أبقوا عليها من الختر # 32 # فتبا لهم من معشر نزعت بهم # إلى الغي أخلاق ~~نبتن على غمر # 33 # ألا قبح الله الجهالة إنها # عدوة ما شادته فينا يد ~~الفكر # وتلك أول صيحة في الشعر العربي تستنكر الاعتداء على الآثار، وتعتز بها، وترى قيمة حصبائها ~~أغلى من الدر والذهب. # ويختم البارودي قصيدته مقلدا الشعر القديم في إرسال التحية مع النسيم، والدعاء لها بأن ~~يسقيها المطر فيقول: # فيا نسمات الفجر، أدي تحيتي # إلى ذلك البرج المطل ~~على النهر # ويا لمعات البرق، إن جزت بالحمى # فصوبي عليها ~~بالنثار من القطر # 34 # ويرى جمال الدين الأفغاني في الآثار المصرية، ومن بينها الأهرام، حافزا على التشبه ~~بالآباء والأجداد، ودافعا إلى التمسك بالعزة والكرامة؛ إذ يقول: «انظروا أهرام مصر، وهياكل ~~منفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم، وعزة أجدادكم. ~~هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارا سعداء.» # 35 # وتلك نظرة جديدة إلى الآثار، أوحى بها ما كانت قد وصلت إليه الأمة المصرية حينئذ من ~~تأخر وهوان، وما تدل عليه هذه الآثار من قوة وعلم وحضارة وصل إليها المصريون القدماء، ~~فدفع ذلك إلى اتخاذ هذه الآثار وسيلة لحث الأبناء على اليقظة والعمل والشعور بالكرامة، حتى ~~يكون الأبناء جديرين بأن ينتسبوا إلى مثل هؤلاء الآباء. # ويمثل النظرة الجديدة أوفى تمثيل قصيدة إسماعيل صبري التي أنشأها على لسان فرعون يحث ~~المصريين على العمل المجيد، فيقول: # لا القوم قومي، ولا الأعوان أعواني # إذا ونى يوم ~~تحصيل العلا وان # ولست، إن لم تؤيدني فراعنة # منكم، بفرعون عالي ~~العرش والشان # ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت # جباله تلك من غارات ~~أعواني # ففرعون في هذه الأبيات ينكر قومه، ولا يعترف بنسبتهم إليه إذا قصروا في طلب المجد، أو ~~تهاونوا في السعي إلى العلا، ويقرر أنه لن يكون بذلك الأب الرفيع الشأن إذا لم يشبهه أبناؤه ~~في علو الهمة، ولن يكون الملك المهيب القوي إذا لم يكن من ms12 أبنائه جيش قوي يغير على الأعداء ~~في قوة وجبروت. # وهو من أجل ذلك يطلب منهم أن يعملوا ويكدوا؛ لأن ماء النيل العذب لم يجر ليشربه كسلان، ~~ولا يستحق بنوه أن يرووا ظمأهم منه إذا لم يعملوا عملا جليلا، ولم يبنوا كما بنى آباؤهم ~~من قبل، ولم يحاولوا تذليل المستحيل حتى يصير ممكنا، واستمع إلى فرعون يحث بنيه على ~~العمل قائلا: # لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا # فماؤه العذب لم ~~يخلق لكسلان # ردوا المجرة كدا دون مورده # أو فاطلبوا غيره ريا لظمآن # 36 # وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم # لا تتركوا بعدكم فخرا ~~لإنسان # أمرتكم، فأطيعوا أمر ربكم # لا يثن مستمعا عن طاعة ثان # 37 # فالملك أمر وطاعات تسابقه # جنبا لجنب إلى غايات ~~إحسان # لا تتركوا مستحيلا في استحالته # حتى يميط لكم عن وجه إمكان # 38 # ذلك ما قاله فرعون، وأمره واجب الطاعة تلبيه الجماهير التي تملأ الوادي بآثارها: # مقالة هبطت من عرش قائلها # على مناكب أبطال وشجعان # مادت لها الأرض من ذعر، ودان لها # 39 # ما في المقطم من صخر وصوان # لو غير فرعون ألقاها على ملأ # في غير مصر لعدت حلم يقظان # لكن فرعون إن نادى بها جبلا # لبت حجارته في قبضة الباني # وآزرته # 40 # جماهير تسيل بها # بطاح واد بماضي القوم ~~ملآن # والشاعر يشير بذلك إلى أن أهل مصر كانوا كفرعون مغرمين ببناء المجد، فلا يكاد فرعون ~~يدعوهم إلى تشييد مأثرة حتى يتسابقوا إليها فرحين مجدين. وهو بذلك لا يقبل رأي أولئك ~~الذين يزعمون أن تلك الآثار بناها المصريون بالظلم والسخرة والاستبداد. # ويمضي الشاعر متحدثا عما شادوه من آثار حديث المعجب المفتون، فيقول: # يبنون ما تقف الأجيال حائرة # أمامه بين إعجاب وإذعان # 41 # من كل ما لم يلد فكر، ولا فتحت # على نظائره في الكون ~~عينان # ويشبهون إذا طاروا إلى عمل # جنا تطير بأمر من ~~سليمان # برا بذي الأمر، لا خوفا ولا طمعا # لكنهم خلقوا ~~طلاب إتقان # والأبيات تحمل أقصى دلائل الإجلال لقدماء المصريين الذين يبنون ما تحار ms13 أمامه الأجيال، ~~وما تقر بعظمته وجلاله، ويؤكد ما أشار إليه في الأبيات السابقة من غرام المصريين بالمجد، ~~وإسراعهم إلى بنائه رغبة منهم في إتقان ما يعملون، وحبا لملكهم لا خوفا منه ولا طمعا ~~فيما بيديه من المال. # ويخص الشاعر الأهرام من بين تلك الآثار، فيقول: # أهرامهم تلك حي الفن متخذا # من الصخور بروجا ~~فوق كيوان # 42 # قد مر دهر عليها وهي ساخرة # بما يضعضع من صرح وإيوان # 43 # لم يأخذ الليل منها والنهار سوى # ما يأخذ النمل من ~~أركان ثهلان # 44 # كأنها والعوادي في جوانبها # صرعى، بناء شياطين لشيطان # 45 # وإذا كان الشعراء قبله قد تحدثوا عن بقاء الأهرام، فقد انفرد صبري بإحساسه بأنها تسخر بما ~~يهدمه من القصور والأواوين، وربما كان يريد بذلك ما صرح به البارودي من صرح بابل وإيوان ~~كسرى. وجميل جدا تصويره ما استطاع الليل والنهار أن يأخذاه منها بما يستطيع النمل أن ~~يأخذه من جبل ضخم، وهو بلا ريب شيء تافه لا يؤبه له. # ويذكرنا قول إسماعيل صبري بأن الأهرام كأنما بناها شياطين لشيطان بقول البحتري في وصف ~~إيوان كسرى مبديا أقصى ما يمكن من الإعجاب به: # ليس يدرى أصنع إنس لجن # سكنوه، أم صنع جن ~~لإنس # لأن كلمة الشيطان، ولا سيما في عصرنا الحاضر، وكلمة الجن توحيان بالأعمال الخارقة ~~للعادة. # ويصور الشاعر الجموع التي تفد لزيارتها، فيجدون كل موجود ضخم صغيرا بالنسبة إليها، ~~حقيرا إذا وزن بها، ويعودون معترفين بفضل المصريين، مقرين بما لهم من فضل وإحسان، ~~فيقول: # جاءت إليها وفود الأرض قاطبة # تسعى اشتياقا إلى ما ~~خلد الفاني # فصغرت كل موجود ضخامتها # وغض بنيانها من كل ~~بنيان # وعاد منكر فضل القوم معترفا # يثني على القوم في سر وإعلان # 46 # وقصيدة إسماعيل صبري تشترك مع قصيدة البارودي في تمجيد الأهرام والإشادة ببناتها، وتنفرد ~~عنها بالدعوة الملحة إلى التعب والجهاد لكي يصبح الأبناء جديرين بآبائهم الأمجاد. # ويتخذ السيد محمد توفيق البكري الهرمين شاهدين على عظمة المصريين شهادة لا يمكن إنكارها؛ ~~إذ يقول: # ملك محيط الأرض ms14 يص # غر عن مداه ~~ويكبر # في كل صرح مخبر # وبكل سفح منظر # هرمان فيه كشاهدي # ن شهادة لا تنكر # 47 # ونظر الشعر إلى الأهرام والآثار المصرية بعامة نظرة جديدة بعد إسماعيل صبري؛ تلك هي نظرة ~~الفخر بها؛ لأنها من صنع أيدي آبائنا وأجدادنا. وكانت هذه النظرة طبيعية لشعراء وجدوا في ~~عصر يريدون أن يكون من رسالة شعرهم أن يقوي الروح المعنوية في نفوس أبناء وطنهم، وكان فارس ~~مجال هذه الحلبة أحمد شوقي، الذي بز جميع الشعراء في تمجيد الآثار المصرية والفخر بها؛ فهو ~~في قصيدته كبار الحوادث في وادي النيل يقول: # وبنينا فلم نخل لبان # وعلونا، فلم يجزنا ~~علاء # وملكنا، فالمالكون عبيد # والبرايا بأسرهم ~~أسراء # قل لبان بنى فشاد، فغالى: # لم يجز مصر في الزمان ~~بناء # ليس في الممكنات أن تنقل الأج # بال شما، # 48 # وأن تنال السماء # أجفل # 49 # الجن عن عزائم فرعو # ن، ودانت لبأسها ~~الآناء # شاد ما لم يشد زمان ولا أن # شأ عصر، ولا بنى ~~بناء # هيكل تنثر الديانات فيه # فهي والناس والقرون ~~هباء # وقبور تحط فيها الليالي # ويوارى الإصباح ~~والإمساء # تشفق الشمس والكواكب منها # والجديدان # 50 # والبلى والفناء # فاعذر الحاسدين فيها إذا لا # موا؛ فصعب على الحسود ~~الثناء # زعموا أنها دعائم شيدت # بيد البغي ملؤها ~~ظلماء # دمر الناس والرعية في تش # ييدها والخلائق ~~الأسراء # أين كان القضاء والعدل والحك # مة والرأي والنهى ~~والذكاء # وبنو الشمس من أعزة مصر # والعلوم التي بها ~~يستضاء # فادعوا ما ادعى أصاغر آثي # نا، ودعواهم خنا # 51 # وافتراء # ورأوا للذين سادوا وشادوا # سبة أن تسخر ~~الأعداء # إن يكن غير ما أتوه فخار # فأنا منك يا فخار براء # 52 # ولم تظفر الآثار المصرية من قبل بمثل هذا الدفاع المدعم بالحجة، ورفع الفراعنة عن أن ~~يكونوا قد شادوا هذا المجد بيد الظلم وتسخير الرعية، وتحس في هذه الأبيات بروح الاعتزاز ~~بتلك الآثار، وبتاريخ الآباء الذين حكموا وسادوا. # وشوقي يرى الأهرام جبالا نقلها الإنسان، وليس من الممكن نقل الجبال العالية، ولا بلوغ ~~أعنان السماء، ms15 ويرى عزائم فرعون أشد بأسا من الجن؛ فقد شاد ما لم يستطع أن يشيده أحد في ~~هذا الوجود. أما الهياكل التي أنشأتها مصر، فإنها خالدة في حين تفنى الديانات والناس ~~والقرون، وأما القبور فإن الليالي تتكدس فيها، ويخشاها الليل والنهار، والبلى ~~والفناء. # ذلك مجد باذخ أثار حساد مصر، فأرادوا أن يقللوا من شأنه، فزعموا أنها بنيت بيد الظلم، ~~ويستبعد شوقي ذلك الزعم بما كان في مصر من قضاء عادل، وما كان لبنيها من حكمة وذكاء، وما ~~أشرق فيها من علم ناضج، وما في أبنائها من عزة. وليس معيبا أن يقوم الأسرى بالعمل في إقامة ~~هذه الآثار. # ويختم شوقي هذه الأبيات ببيت حماسي يتبرأ فيه من الفخر، إن كان الفخار غير ما أتى به ~~هؤلاء الفراعنة. # وإذا كان شوقي قد نفى عن ملوك مصر القدماء تهمة التسخير، فقد نفاها قبله إسماعيل صبري، ~~كما سبق أن رأينا. # غير أن شوقي قد سلم مرة بأن تلك الآثار قد شادها الظلم، ولكنه ظلم في سبيل إشادة المجد، ~~وبناء آثار تنبئ عن عظمة الإنسان، حتى إن الظلم ليشرق وجهه فخرا عندما تعد تلك الآثار من ~~صنع يديه: # هي من بناء الظلم إلا أنه # يبيض وجه الظلم منه ~~ويشرق # لم يرهق الأمم الملوك بمثلها # فخرا لهم يبقى، وذكرا يعبق # 53 # وأعجب شوقي كغيره من الشعراء بالأهرام، ويرى عليها من الجلال ما لم يره على السهول ~~والجبال، ولها من الروعة القدسية ما للمعابد، ويحس بأن لها روحانية. وهذا إحساس انفرد ~~بتصويره شوقي، كما أنه يرى أنها قد استقرت قواعدها فوق الثرى بما أوتيه المصريون من عقل ~~راجح وذكاء، وأنها ارتفعت إلى عنان السماء بفضل ما أوتوه من خلق رفيع هو بلا شك خلق الثبات ~~والمثابرة والطموح؛ وذلك إذ يقول: # قل للأعاجيب الثلاث مقالة # من هاتف بمكانهن ~~وشاد # لله أنت! فما رأيت على الثرى # هذا الجلال، ولا على الأوتاد # 54 # لك كالمعابد روعة قدسية # وعليك روحانية العباد # 55 # أسست من أحلامهم بقواعد # ورفعت من أخلاقهم بعماد # 56 # وهذا ms16 الشعور بروحانية الأهرام وقدسيتها رأيناه يظهر مرة أخرى عندما وقف عند قبر نابليون، ~~فناجاه بقوله: # قم إلى الأهرام واخشع واطرح # خيلة الصيد # 57 # وزهو الفاتحين # وتمهل، إنما تمشي إلى # حرم الدهر، ومحراب ~~القرون # هو كالصخرة عند القبط، أو # كالحطيم الطهر عند المسلمين # 58 # ويرى الأهرام توحي إلى الأجيال بمعنى الثبات والجد والكفاح، وتلك المعاني هي التي ~~استوحاها نابليون في معركته ضد المماليك؛ ولذلك قال شوقي وهو يحيي الطيارين الفرنسيين، ~~معيدا إلى أذهانهم تلك الذكرى، وكيف جرح نابليون عزة الأهرام، وجزته على ذلك بهزيمته في ~~الحرب وأسره وموته في المنفى، فلما عاد إلى وطنه ليدفن فيه كان جريحا في عزته ومجده. لقد ~~استوحى نابليون الأهرام عندما وقف على الهرم يشجع جنده: «أيها الجنود، إن أربعين قرنا تنظر ~~إليكم من قمة الأهرام.» ويسجل شوقي ذلك في قوله: # أين «نسر» قد تلقى قبلكم # عظة الأجيال من أعلى ~~بناء # جرح الأهرام في عزتها # فمشى للقبر مجروح ~~الإباء # أخذت تاجا بتاج ثأرها # وجزت من صلف بالكبرياء # 59 # ويناجي نابليون قائلا: # وتسنم منبرا من حجر # لم يكن قبلك حظ ~~الخاطبين # وأعدها كلمات أربعا # قد أحاطت بالقرون ~~الأربعين # ألهبت خيلا، وحضت فيلقا # وأحالت عسلا صاب المنون # 60 # وإذا كان نابليون قد تلقى عظة الأهرام، ووعى الدرس الذي أوحت به إليه، فإنه يثور ثورة ~~عنيفة على المصريين الذين لم يعوا هذا الدرس ولم يصغوا إليه. وتحس بهذه الثورة في ~~قوله: # عظة قومي بها أولى، وإن # بعد العهد، فهل ~~يعتبرون؟ # هذه الأهرام تاريخهمو # كيف من تاريخهم لا ~~يستحون؟ # ولم تغب صورة الأهرام عن مخيلته وهو في مغتربه بالأندلس، فنسمعه يقول في قصديته ~~السينية: # وكأن الأهرام ميزان فرعو # ن بيوم على الجبابر ~~نحس # أو قناطيره تأنق فيها # ألف جاب، وألف صاحب مكس # 61 # روعة في الضحى، ملاعب جن # حين يغشى الدجى حماها ويغسي # 62 # وتخيل الأهرام موازين يشير إلى ضخامة ما يوزن بها من فدية الأعداء، وتخيلها قناطير ~~يشير إلى ضخامة الثروة التي كانت لفراعنة مصر. وهو في منفاه يتخيل ms17 روعتها في الضحا، وما ~~يكسوها من الرهبة إذا جن الليل، حتى كأنها ملعب للجن. وفي التعبير بروعة في الضحا تصوير ~~لما يحمله لهذه الأهرام من الإعجاب. # ويقول في القصيدة النونية الأندلسية أيضا: # ولم يضع حجرا بان على حجر # في الأرض إلا على آثار ~~بانينا # كأن أهرام مصر حائط نهضت # به يد الدهر لا بنيان ~~فانينا # إيوانه الفخم من عليا مقاصره # يفني الملوك، ولا ~~يبقي الأواوينا # 63 # كأنها ورمالا حولها التطمت # سفينة غرقت إلا أساطينا # 64 # كأنها تحت لألاء الضحا ذهب # كنوز «فرعون» غطين الموازينا # 65 # فهو عندما يتخيل الأهرام وبناءها يهتف من أعماق قلبه بأن ما قام في الأرض من حضارة في ~~البناء إنما وضع أسسه المصريون، بل إن ثبات الأهرام وخلودها مما يوحي بأن الباني لها إنما ~~هو الطبيعة نفسها، وكأنما نشأت بفعلها لا بيد فانية. # ولكنني لا أرى في تشبيهها بأساطين سفينة غرقت تشبيها يبرز جلالها، ويوحي إلى النفس ~~بعظمتها وروعتها، وليس لهذا التشبيه أثر حظ من الجمال تحس به النفس، وإنما هو وقوف عند حد ~~التصوير البصري. # وفي البيت الأخير عود إلى خواطر الميزان وكنوز فرعون، مما ألم به في القصيدة ~~السينية. # ولم يكتف شوقي بما أنشأه شعرا في الأهرام، بل كتب في ذلك قطعة نثرية يقول فيها: «ما أنت ~~يا أهرام؟ أشواهق أجرام؟ # 66 # وأوضاح معالم، # 67 # أم أشباح مظالم؟ وجلائل أبنية وآثار، أم دلائل أنانية واستئثار، # 68 # وتمثال منصب من الجبرية، # 69 # أم مثال ضاح # 70 # من العبقرية؟ # يا قليل البصر عن موضع العبر، قليل البصر # 71 # بمواقع الآيات الكبرى، قف ناج الأحجار الدوارس، وتعلم؛ فإن الآثار مدارس. هذه ~~الحجارة حجور لعب عليها الأول، وهذه الصفاح صفائح # 72 # ممالك ودول، وذلك الركام # 73 # من الرمال، غبار أحداج # 74 # وأحمال، من كل ركب ألم ثم مال. # في هذا الحرم درج عيسى صبيا، ومن هذا الهرم خرج موسى نبيا، وفي هذه الهالة طلع يوسف ~~كالقمر وضيا، # 75 # ووقعت بين يديه الكواكب جثيا. # 76 # وها هنا جلال الخلق ms18 وثبوته، ونفاذ العقل وجبروته، ومطالع الفن وبيوته، وها هنا ~~تتعلم أن حسن الثناء مرهون بإحسان البناء.» # وفي هذه القطعة ألم شوقي بعناصر أربعة: # العنصر الأول: # يتساءل فيه شوقي عن بناء الأهرام، وهل هي آثار جليلة أم دلائل على الظلم ~~والأنانية، وشواهد على إجرام منشئيها، وبموازنة ذلك بما سبق أن أوردناه ~~لشوقي، يتبين هنا تردده، في حين أنه كان هناك قاطعا مرة بأنه لا أثر للظلم ~~في بنائها، ومرة بأنها ظلم يبيض منه وجه الظلم. وأرى أن جعل الأهرام ~~أشياء يستدل بها على الطريق أمر تافه لا يتناسب مع عظمة الأهرام. # والعنصر الثاني: # اتخاذ الأهرام عظة وعبرة لما مر عليها من دول، وما شاهدته من تعاقب ~~الممالك في هذا الوادي. وجعل شوقي الرمال التي حولها غبار هذا الركب ~~المسافر من الأجيال المعاقبة. # أما العنصر الثالث: # فهم الأنبياء الذين رأتهم الأهرام يدرجون في حرمها ويبعثون كموسى وعيسى ~~ويوسف. # ويختم شوقي قطعته مبديا إعجابه بتلك الأهرام لما تدل عليه من خلق جليل أساسه المثابرة ~~والثبوت، ومن جبروت عقل استطاع أن ينشئ هذه المعجزات، ومن فن رفيع كان هو مشرق الفن في هذا ~~الوجود. ~~••• # أما خليل مطران فلم ير في الأهرام ما رآه غيره فيها من الجلال، وما أحس به من أنها مصدر ~~مجد وفخار، ولكنه رآها مصدر عار لبناتها؛ فإن الملوك الذين أشادوها استعبدوا أمتهم في ~~بنائها، فاعتاد بنوها المعبودية، فسهل على العدو استعبادهم، وفي ذلك يقول مطران: # شاد فأعلى، وبنى فوطدا # لا للعلى، ولا له، بل ~~للعدى # مستعبد أمته في يومه # مستعبد بنيه للعادي ~~غدا # ويتخيل خليل تلك الأيام التي كان العمل يجري في بنائها، فيصور له الخيال عمالا كعدد ~~الرمال لا يستطيع العد إحصاءهم، قد اصفرت وجوههم من تعب العمل، ونديت جباههم بالعرق، وذبلت ~~أجسامهم من الضنى، فصاروا كالكلأ اليابس عليه قطرات الندى. لقد أحنى الجهد الثقيل أجسامهم ~~يمشون في شقاء لا يسمع لهم صوت، مخلدين إلى الاستكانة والخضوع، يجتمعون فيخيل إليك أنهم ~~البحر في اضطرابه، ويمضي كل فريق إلى عمله؛ ms19 كالجداول تنبثق من بحر، يصعدون وينحدرون. # وهنا يتساءل مطران عن هذا الجيش اللجب من المخلوقات الفانية قد اجتمعت في هذا الفضاء ~~لتبني قبرا خالدا لإنسان سيفنى. # ويبلغ خليل مطران الذروة في تصوير هذا الشعور إذ يقول: # إني أرى عد الرمال ها هنا # خلائقا تكثر أن ~~تعددا # صفر الوجوه ناديا جباههم # كالكلأ # 77 # اليابس يعلوه الندى # محنية ظهورهم، خرس الخطى # كالنمل دب مستكينا مخلدا # 78 # مجتمعين أبحرا، منفرعي # ن أنهرا، منحدرين ~~صعدا # أكل هذي الأنفس الهلكى غدا # تبني لفان جدثا # 79 # مخلدا # فخليل لم يلحظ في الأهرام جلالها ، ولا جبروت عقل من أنشأها، ولا ما فيها من روعة الفن ~~وعظمة البناء، وإنما لحظ جانب ما صحب بناءها من عسف وظلم، وكان ذلك وحده كافيا لانصرافه ~~عنها، وتنديده بمن بناها. وهو من أجل ذلك يسأل هؤلاء الموتى: هل أفادتهم هذه الأهرام شيئا؟ ~~لقد عرفت القبور التي تحصنوا فيها، وأصبح سوقة الناس يدوسون هام الملوك، وأجسادهم في ~~المتاحف معروضة يراها كل من يريد أن يرى. أما العدو فطاغ مستبد يحكم البلاد كما يشاء. # 80 # ونحن اليوم نحاسبهم على ما فعلوا، فلم يغنهم ما رفعوه من شاهق البناء، وكان ~~يغنيهم عن ذلك السير بالهدى وجميل الذكر، كما قال: # يأيها الموتى، ألم يسمعكم # صوت المنادي صادعا مرددا # 81 # قوموا انظروا السوقة فيما حولكم # تدوس هامات الملوك همدا # 82 # قوموا انظروا العدو في دياركم # يحكم فيها مستبدا أيدا # 83 # قوموا انظروا أجسادكم معروضة # في مشهد لمن يروم ~~المشهدا # بعث به يسألكم حساب ما # قدمتم من راح منا ~~واغتدى # لم يغنكم منه البناء عاليا # والأرض نهبا، والملوك أعبدا # 84 # وكان يغنيكم جميل الذكر لو # خفضتم اللحد، وشدتم ~~بالهدى # أخطأ من توهم القبر له # حرزا يقيه بالردى من الردى # 85 # ولكن النظرة العادلة تدل على أن مطرانا كان في تلك النظرة ظالما غير منصف؛ فإنه على فرض ~~أن هذه الأهرام أنشئت بالظلم، فإنه ليس من العدل أن تمحى لهؤلاء الملوك كل حسنة من أجل هذه ~~السيئة. على أنه ms20 من المستبعد أن يكون الظلم هو الذي بناها مع ما عرف عن مصر في القديم من ~~قضاء عادل، وما شهد به حكماؤها من العقل والذكاء، وما كان لملوكها من اعتزاز ببني ~~وطنهم. # ومن الظلم، كما فعل مطران، أن تنسى هذه الحضارة التي أشرقت في هذا الوجود، وكان لها من ~~الآثار ما لا يمكن أن ينساه التاريخ. # ولم يشارك خليلا في هذا الإحساس أحد من الشعراء، بل كان الاتجاه العام عندهم هو الفخر ~~بتلك الأهرام وبناتها، حتى هؤلاء الذين ينحدرون من أصل عربي؛ كالشيخ محمد عبد المطلب، الذي ~~يرى في ولادته بمصر سببا كافيا للاعتزاز بتاريخها وبناة أهرامها، فيقول: # رويدك، إنا في العلا يوم ننتمي # كلانا أبوه النيل، أو ~~أمه مصر # لنا آية الأهرام يتلو قديمها # حديث الليالي، فهي في ~~فمها ذكر # ملأنا بها لوح الوجود مناقبا # إذا ما خلا عصر تلاها ~~به عصر # وللعلم من آثارنا في جبالنا # على الدهر آيات بها ينطق ~~الصخر # إذا جهلوا «مينا» و«خوفو» و«خفرعا» # فليس «برمسيس» على ~~ملكه نكر # لنا كل ما في الأرض من مدنية # بها تعمر الأمصار ~~والبلد القفر # لنا في الورى حق المعلم لو رعوا # لنا ذمة، والدهر ~~شيمته الغدر # 86 # وهكذا إذا استثنينا مطرانا رأينا الإعجاب بالأهرام وبناتها متوارثا على مر العصور، ~~ورآها الشعراء المحدثون حافزا لهمم المصريين، ودافعا لهم إلى المجد والعلا، ~~ومبعثا للفخر بها؛ لأنها أثر جليل من آثار الآباء والأجداد. # ولا تزال هذه النظرة باقية عند شعرائنا الأحياء فيما أنشئوه من شعر حول الأهرام، وما ~~يحفظه تلاميذنا في مدارسهم من المحفوظات. # | أبو الهول # قد رأينا الشعراء فيما عرضناه من الشعر يعدونه من العجائب، ورأينا بعضهم يتخيله كأنه رقيب ~~على حبيبين يركبان هودجين. وهو خيال مجدب لا يحرك النفس، ولا يثير وجدانها؛ لأن هذا الجسد ~~الضخم لأسد رأسه رأس إنسان أكبر من أن يقف عند حد رقيب على عاشقين. فهو خيال مصنوع دفع ~~إليه الشبه البصري بين الهودج والهرم، والذي يركب في الهودج إنما هي المرأة، فلتكن عاشقة، ~~وليكن ms21 أبو الهول رقيبا على العاشقين. # وتخيله البارودي كأنه مشتاق إلى مطلع الفجر. وإذا كان الشاعر يرمز بذلك إلى مطلع فجر ~~المجد للوطن كان الإحساس عميقا. # ولعل خير قصيدة أنشئت في أبي الهول هي تلك التي أنشأها فيه أحمد شوقي، وقد قسمها الشاعر ~~فقرات، كل فقرة تدور حول معنى، فجعل الفقرة الأولى تتحدث عن طول بقاء أبي الهول، حتى جعله ~~الشاعر قد ولد مع الدهر، وبرغم بلوغه في الأرض أقصى العمر، وما مر عليه من عصور متطاولة، لا ~~يزال أبو الهول كما كان في أول العهد به حدثا صغير السن، ويسأله الشاعر إلى متى يظل يطوي ~~الأصل، ويجوب الأسحار، ويتنقل عبر القرون مسافرا، حتى كأن بينه وبين الجبال عهد أن ~~يظلا مقيمين إلى أن يزولا يوم القيامة، وذلك إذ يقول: # أبا الهول، طال عليك العصر # وبلغت في الأرض أقصى ~~العمر # فيا لدة الدهر، # 1 # لا الدهر شب # ولا أنت جاوزت حد ~~الصغر # إلام ركوبك متن الرمال # لطي الأصيل وجوب ~~السحر؟ # تسافر منتقلا في القرون # فأيان تلقي غبار ~~السفر؟ # أبينك عهد وبين الجبال # تزولان في الموعد ~~المنتظر؟ # وفي الفقرة الثانية يسأل أبا الهول عن طول بقائه، وهل جنى منه غير ضجر ثقيل على النفوس، ~~وهنا يعجب الشاعر للقمان بن عاديا، الذي عمر عمر سبعة أنسر، كان آخرها يدعى لبدا. وكان ~~لقمان حريصا على هذه النسور؛ لأن عمره مرهون بأعمارها. ويزعمون أنه عاش ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة سنة، فعجب الشاعر من طول هذا البقاء، وحرص لقمان عليه، كما عجب من لبيد الذي عاش ~~- كما روي - مائة وأربعين سنة، فسئم من طول الحياة وقال: # ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس: كيف ~~لبيد؟ # ويتعمق شوقي في النفس الإنسانية فيراها مغرمة بطول البقاء، كما رأى المتنبي ذلك من قبله ~~إذ يقول: # وإذا الشيخ قال: أف، فما مل # حياة، وإنما الضعف ~~ملا # فيقرر شوقي أن لبيدا لو كان قصير العمر لشكا قصر حياته، وود أن لو طال عمره، وكيف ~~بالخلود مع الحياة التي تفل الحديد وتبلي ms22 الحجر إذا دبت فيهما الحياة، فيقول شوقي: # أبا الهول، ماذا وراء البقاء # إذا ما تطاول، غير ~~الضجر؟! # عجبت للقمان في حرصه # على لبد والنسور ~~الأخر # وشكوى لبيد لطول الحياة # ولو لم تطل لتشكى ~~القصر # ولو وجدت فيك يا ابن الصفاة # 2 # لحقت بصانعك المقتدر # 3 # فإن الحياة تفل الحديد # إذا لبسته، وتبلي ~~الحجر # ويسائله في الفقرة الثالثة عن السر الذي يرمز إليه إقامته وإنشاؤه، فقد تحير الناس في ~~أمره عندما رأوا رأس إنسان على جسم أسد، وكلما ظنوا أنهم اقتربوا من إدراك السر، عادوا ~~فرأوا السر بعيدا عن الإدراك. ليت شعري هل يرى شوقي أن أبا الهول رمز للإنسان، فإنه برغم ~~ما يحمله من العقل يضم بين جنبيه نفس سبع مفترس. ولننصت إليه إذ يقول: # أبا الهول، ما أنت في المعضلات # لقد ضلت السبل فيك ~~الفكر # تحيرت البدو: ماذا تكون # وضلت بوادي الظنون ~~الحضر # فكنت لهم صورة العنفوان # وكنت مثال الحجا والبصر # 4 # وسرك في حجبه كلما # أطلت عليه الظنون ~~استتر # وما راعهم غير رأس الرجال # على هيكل من ذوات ~~الظفر # ولو صوروا من نواحي الطباع # توالوا عليك سباع ~~الصور # فيا رب وجه كصافي النمير # 5 # تشابه حامله والنمر # ويعود الشاعر مرة أخرى للسؤال عن طول عمر أبي الهول، وما كان أجدره أن يجعل هذه ~~المقطوعة قبل المقطوعة السابقة التي تساءل فيها عن سر أبي الهول؛ لتكون المقطوعات التي تحدث ~~فيها عن طول عمر أبي الهول متعاقبة متصلا بعضها ببعض. # وهو في المقطوعة الجديدة يثبت بعض ما أصاب الدهر به أبا الهول عندما امتدت يد الأيام إلى ~~عينيه فأتلفتهما، فصار أعمى لا يبرح مكانه كأبي العلاء المعري الذي سمى نفسه: رهين ~~المحبسين، وفي ذلك يقول شوقي: # أبا الهول، ويحك، لا يستقل # مع الدهر شيء، ولا ~~يحتقر # تهزأت دهرا بديك الصباح # 6 # فنقر عينيك فيما نقر # أسال البياض، وسل السواد # وأوغل منقاره في ~~الحفر # فعدت كأنك ذو المحبسين # قطيع القيام، سليب ~~البصر # ويقلب الشاعر عينيه فيما حول أبي الهول من رمال، ms23 فيتخيل لكثرتها أنها ذنوب الناس تكدست من ~~حوله، ويتخيله بينها كأنما هو رقيب يدبر أمر الأرض، أو كأنه ضارب رمل يرى في الرمل ما يكنه ~~الغيب لهذا الوجود؛ إذ يقول: # كأن الرمال على جانبيك # وبين يديك ذنوب ~~البشر # كأنك فيها لواء القضاء # على الأرض أو ديدبان ~~القدر # كأنك صاحب رمل يرى # خبايا الغيوب خلال ~~السطر # ويتجه شوقي إلى الناحية التاريخية، ولما كان أبو الهول قد ولد مع الزمن، فمن الواضح أنه ~~قد شاهد أحداث العصور من أول خلق الحياة على هذا الكون، يودع عالما قد مضى، ويستقبل ~~عالما جديدا، فعين تستقبل وأخرى تودع، فلا غرابة إذا استنبأه الشاعر أمر الذين مضوا منذ ~~فجر التاريخ، وفي ذلك يقول: # أبا الهول، أنت نديم الزمان # نجي الأوان سمير ~~العصر # بسطت ذراعيك من آدم # ووليت وجهك شطر الزمر # 7 # تطل على عالم يستهل # وتوفي على عالم يحتضر # 8 # فعين إلى من بدا للوجود # وأخرى مشيعة من ~~عبر # فحدث؛ فقد يهتدى بالحديث # وخبر، فقد يؤتسى # 9 # بالخبر # ويسائله الشاعر عن الدول التي قامت في هذا الوادي منذ عصر الفراعنة إلى العهد الذي أنشأ ~~فيه شوقي قصيدته. # والشاعر يرى عصر الفراعنة عصر عزة وحضارة، ومجد وآثار جليلة، أسس فيها الفراعنة كل ما ~~أجدى وأثمر؛ يقول الشاعر لأبي الهول: # ألم تبل فرعون في عزه # إلى الشمس معتزيا ~~والقمر # ظليل الحضارة في الأولين # رفيع البناء جليل ~~الأثر # يؤسس في الأرض للغابرين # ويغرس للآخرين ~~الثمر # وإنه من الطبيعي - بعد أن رأى أبو الهول هذه الحضارة الظليلة - أن يرتاع ويفزع عندما يرى ~~هذه الحضارة تنهار تحت سنابك خيل لجيش غاز يدمر البلاد، ويروع الساكنين: # وراعك ما راع من خيل قمبي # ز، ترمي سنابكها ~~بالشرر # جوارف بالنار تغزو البلاد # وآونة بالقنا ~~المشتجر # أما الإسكندر الأكبر، فقد رآه أبو الهول في أوج المجد وهو شاب ناضر الشباب، غير أنه لم ~~يبق في الملك طويلا: # وأبصرت إسكندرا في الملا # قشيب العلا في الشباب ~~النضر # تألق في مصر إكليله # 10 # فلم يعد في الملك ms24 عمر ~~الزهر # وشر ما بليت به مصر حكم الرومان، فقد استبد قيصر وأذل الرقاب، وتجبر أعوانه، وساموا ~~الناس الخسف والهوان حتى جاء العرب قليلين في عددهم، نبلاء في أخلاقهم، فحطموا تاج قيصر، ~~وهزموا جموعه، وقوضوا عرشه. وهكذا أذل الدهر من كبريائه: # وشاهدت قيصر كيف استبد # وكيف أذل بمصر القصر # 11 # وكيف تجبر أعوانه # وساقوا الخلائق سوق ~~الحمر # وكيف ابتلوا بقليل العديد # من الفاتحين، كريم ~~النفر # رمى تاج قيصر رمي الزجاج # وفل الجموع، وثل السرر # 12 # فدع كل طاغية للزمان # فإن الزمان يقيم الصعر # 13 # ومر شوقي في هذه الأبيات القليلة بمعظم الدول التي رآها أبو الهول في مصر، حتى جاءت ~~الإشارة إلى العرب الفاتحين الذين جاءوا بدين جديد، فكان ذلك مثيرا لذكرى الديانات التي ~~رآها أبو الهول في الوادي منذ نهضت فيه عبادة «إيزيس»، إلى أن جاء عمرو ومعه القرآن وصحابة ~~الرسول، وكل ذلك في خطوات سريعة كأنما هي لمحات من خواطر قد أمعنت في بعد سحيق؛ وذلك إذ ~~يقول: # رأيت الديانات في نظمها # وحين وهى سلكها وانتثر # 14 # تشاد البيوت لها كالبروج # إذا أخذ الطرف فيها انحسر # 15 # تلاقى أساسا وشم الجبال # كما تتلاقى أصول ~~الشجر # و«إيزيس» خلف مقاصيرها # تخطى الملوك إليها ~~الستر # تضيء على صفحات السماء # وتشرق في الأرض منها ~~الحجر # و«آبيس» في نيره العالمون # وبعض العقائد نير ~~عسر # تساس به معضلات الأمور # ويرجى النعيم، ويخشى ~~سقر # ولا يشعر القوم إلا به # ولو أخذته المدى ما ~~شعر # يقل أبو المسك عبدا له # وإن صاغ أحمد فيه الدرر # 16 # وآنست موسى وتابوته # ونور العصا، والوصايا ~~الغرر # وعيسى يلم رداء الحياء # ومريم تجمع ذيل الخفر # 17 # وعمرو يسوق بمصر الصحاب # ويزجي الكتاب، ويحدو ~~السور # فكيف رأيت الهدى والضلال # ودنيا الملوك، وأخرى ~~عمر # ونبذ المقوقس عهد الفجور # وأخذ المقوقس عهد الفجر # 18 # وتبديله ظلمات الضلال # بصبح الهداية لما سفر # 19 # وتأليفه القبط والمسلمين # كما ألفت بالولاء ~~الأسر # وواضح من هذا الشعر أن شوقي يعطف على الديانات التي قامت في مصر، إذا ms25 استثنينا عبادة ~~العجل آبيس، فهو يرى فيها نيرا عسرا، ويسخر بعبادته. على العكس من «إيزيس»، فهو يعطف على ~~عبادة قدماء المصريين لها، وهي رمز «للقمر»؛ ولذلك يقول شوقي: إنها تضيء على صفحات السماء، ~~فإذا عبدت في الأرض أشرقت بعبادتها مقاصير الهياكل. وقد حدثنا الشاعر في همزيته أن عبادة ~~«إيزيس» قد انتقلت من مصر إلى غيرها من الأقطار، ومنها اليونان: # فإذا قيل: ما مفاخر مصر # قيل: منها إيزيسها الغراء # 20 # وينتقل الشاعر ليتحدث عن حاضر أبي الهول، ويجعله حيا يحس ويشعر بما يجري في الحياة ~~الحاضرة من حوله، بعد أن أعاد إليه ذكريات الماضي جميعها، فيراه رمزا للوفاء، فقد أطال ~~وقوفه عند الهرمين. وهنا يتخيله حزينا مسرفا في الحزن، كأم فقدت ولدها. ولم لا يسرف ~~في حزنه وهو يرجو أوبة من بنى الهرمين؟ ولكن تلك العودة مستحيلة؛ فقد صاروا رمة بالية، ~~وكيف لا يكون حزينا وهو يجوس بعينه خلال الديار، وفوق نهر النيل، يريد أن يرى في «منف» ~~عاصمة مصر القديمة ما اعتاد أن يراه من جيش ضخم، ذي عدة وعديد يمثل عظمة مصر وقوة ~~سلطانها، ويلتمس ما ألفه فيها من علم وفن بلغا ذروة التقدم، ونالا من المصريين أوفى ~~عناية ورعاية؟! ولكن أبا الهول لا يلبث أن يعود كسير القلب، حزين النفس، عندما يرى هذه ~~العاصمة المجيدة لم تعد سوى قرية ضئيلة، لا يكسبها الجمال سوى آثارها الدارسة، وقد أغرقت في ~~سبات عميق وجمود إلى درجة أن الأرض تكاد تنساها إذا دارت. وتحس بهذا الخاطر المؤلم في قول ~~شوقي: # أبا الهول، لو لم تكن آية # لكان وفاؤك إحدى ~~العبر # أطلت على الهرمين الوقوف # كثاكلة لا تريم الحفر # 21 # ترجي لبانيهما عودة # وكيف يعود الرميم النخر # 22 # تجوس بعين خلال الديار # وترمي بأخرى فضاء ~~النهر # تروم بمنفيس بيض الظبا # وسمر القنا، والخميس الدثر # 23 # ومهد العلوم الخطير الجلال # وعهد الفنون الجليل ~~الخطر # فلا تستبين سوى قرية # أجد محاسنها ما اندثر # 24 # تكاد لإغراقها في الجمود # إذا الأرض دارت بها لم ~~تدر ms26 # ولكن نغمة الألم هذه لا يلبث أن يتلوها روح من الرجاء والأمل، يبدد ظلمة اليأس، وينشر ~~نورا من التفاؤل في مستقبل مشرق بالتقدم، مزدهر بنيل الآمال، فيتمنى شوقي أن لو علم الآباء ~~أن بنيهم قد اقتدوا بسيرهم، ومضوا يطلبون المجد، ويقدمون له أغلى ما يملكون، وأنهم ~~ركبوا الشدائد في سبيل الوصول إلى أهدافهم، ووضعوا ثقتهم في أيد أمينة ذكية بعيدة النظر، ~~تستطيع أن تبين عنه بالحجة البالغة، وإذا لم يكن لمصر أسطول ضخم تفتخر به يومئذ، فإنها ~~تفتخر بدستورها. # إن هذه الآمال في نظر شوقي قد ملأت الناس ابتهاجا وغبطة، واستخفهم بها السرور، حتى لم ~~يبق من لم يستخفه الطرب غير أبي الهول. وهو لذلك يختم القصيدة طالبا إليه أن يتحرك؛ فقد ~~تحرك كل شيء في هذا الزمان حتى الحجر الذي لا حياة فيه، وتسمع جمال هذا الرجاء في قول ~~شوقي: # فهل من يبلغ عنا الأصول # بأن الفروع اقتدت ~~بالسير # وأنا خطينا حسان العلا # وسقنا لها الغالي ~~المدخر # وأنا ركبنا غمار الأمور # وأنا نزلنا إلى المؤتمر # 25 # بكل مبين شديد اللداد # وكل أريب بعيد النظر # 26 # نطالب بالحق في أمة # جرى دمها دونه ~~وانتشر # ولم تفتخر بأساطيلها # ولكن بدستورها ~~تفتخر # فلم يبق غيرك من لم يخف # ولم يبق غيرك من لم ~~يطر # تحرك أبا الهول، هذا الزمان # تحرك ما فيه حتى ~~الحجر # ويستمر شوقي في نغمة الرجاء عندما ينشئ شعرا على لسان أبي الهول، فما يكاد الشاعر يتم ~~القصيدة حتى يجيب أبو الهول: # نجي أبي الهول، آن الأوان # ودان الزمان، ولان ~~القدر # خبأت لقومك ما يستقون # ولا يخبأ العذب مثل ~~الحجر # فعندي الملوك بأعيانها # وعند التوابيت منها ~~الأثر # محا ظلمة اليأس صبح الرجاء # وهذا هو الفلق # 27 # المنتظر # فأبو الهول يطمئنه بأنه قد آن الأوان بأن يتحقق رجاء البلاد، وأن تتبدد ظلمة اليأس، ويعده ~~بأنه قد خبأ له حياة عذبة مقبلة. كما تتجلى روح الفداء والأمل في مستقبل مشرق في هذا النشيد ~~الذي يلقيه أمام أبي الهول فتى وفتاة يمثلان ms27 الجيل الناشئ، فيقولان: # اليوم نسود بوادينا # ونعيد محاسن ~~ماضينا # ويشيد العز بأيدينا # وطن نفديه ~~ويفدينا # وطن بالحق نؤيده # وبعين الله ~~نشيده # ونحسنه ونزينه # بمآثرنا ومساعينا # سر التاريخ وعنصره # وسرير الدهر ~~ومنبره # وجنان الخلد وكوثره # وكفى الآباء ~~رياحينا # نتخذ الشمس له تاجا # وضحاها عرشا ~~وهاجا # وسماء السؤدد أبراجا # وكذلك كان ~~أوالينا # العصر يراكم والأمم # والكرنك يلحظ ~~والهرم # أبني الأوطان ألا همم # كبناء الأول ~~يبنينا # سعيا أبدا، سعيا، سعيا # لأثيل # 28 # المجد وللعليا # ولنجعل مصر هي الدنيا # ولنجعل مصر هي الدينا # 29 # وهو نشيد عامر بالأمل والطموح إلى سيادة وإعادة أمجاد الماضي، وتشييد عظمة الوطن، وتأييد ~~حقه، وتجميله بالسعي والعمل، ولم لا وهو يضم سر التاريخ، وفي أرضه نهضت حضارة الإنسان في ~~قديم الزمان، وهو جنة الخلد، ونيله كوثر هذه الجنة ، وذكرى آبائنا عطرة في صفحات التاريخ؟ ~~إنه جدير بأن يكون تاجه من الشمس، وعرشه من الضحا، وأن يرقى بنوه في سماء السؤدد كما كان ~~آباؤهم من قبل. # ويشهد النشيد على بني الوطن العصر والناس والكرنك والهرم، لكي يكون لهم همم تبني كما ~~كان آباؤهم يبنون. ويختم شوقي نشيده بالدعوة إلى السعي لبناء المجد، وأن تصبح مصر للمصريين ~~دينهم ودنياهم. # وفي هذا النشيد يجعل الشاعر الماضي المجيد وسيلة لحفز الهمم لبناء مستقبل مشرق سعيد جدير ~~بهذا الماضي. # وإذا نحن وازنا بين الآمال التي كانت تجول بالنفوس يوم أنشأ شوقي قصيدته وبين ما وصلنا ~~إليه اليوم، رأينا المدى الشاسع الذي وصلنا إليه في تحقيق أهداف كانت تجول في النفس رغبات ~~وآمالا. # وكما أن الأهرام لم تبرح خيال شوقي وهو مغترب بالأندلس كما ذكرنا، لم يبرح أبو الهول ~~خياله كذلك؛ ففي قصيدته السينية الأندلسية يقول عنه: # و«رهين الرمال» أفطس إلا # أنه صنع جنة غير فطس # 30 # تتجلى حقيقة الناس فيه # سبع الخلق في أسارير ~~إنسي # لعب الدهر في ثراه صبيا # والليالي كواعبا ~~غير عنس # 31 # ركبت صيد المقادير عيني # ه لنقد، ومخلبيه لفرس # 32 # فأصابت به الممالك «كسرى» # و«هرقلا» و«العبقري الفرنسي» # 33 # فالشاعر في ms28 مغتربه يتخيله بأنفه الأفطس، ويضع في كلمة «جن» ما يحمله لصانعيه من معاني ~~الإكبار والتبجيل والإعجاب؛ لأنه يستعبد أن يكون صانعوه من الإنس، ويراه ممثلا لحقيقة ~~الناس؛ فهم يحملون وجه آدمي، وفي أعماقهم أخلاق السباع وطباعهم، ويرى القدر على قوة سلطانه ~~قد استعار عينيه لينقد بهما الناس، واستعار مخلبيه ليبطش بهما، فأصاب كسرى وهرقل ~~ونابليون. # وقد رأينا شوقي بعدئذ يردد فكرته في تصوير أبي الهول لحقيقة الناس في قصيدته المطولة ~~الرائية عن أبي الهول، كما سبق أن رأينا. # | الهياكل # واسترعت معابد مصر المقامة على ضفتي الوادي أنظار بعض الشعراء، وبخاصة إسماعيل صبري ~~وشوقي. # أما إسماعيل صبري فيرى تلك الهياكل المقامة في المدن المصرية تشهد بما للمصريين من سبق في ~~المدنية، ومبالغة في إتقان العمل، ويرى أن مجد إقامتها وما تدل عليه من الحول والمقدرة ~~يتقاسم الفخر فيه فرعون وقومه المصريون، والشاعر بذلك يرد الفضل إلى أصحابه، ولا يبخس الذين ~~شادوا تلك الهياكل بسواعدهم حقهم من الثناء والتبجيل. # ويرى أن كل حجر في تلك الهياكل ينهض شاهدا على تلك العبقرية الخالدة، ويحس وهو يقف ~~أمامها والناس خاشعون حيالها، كأنما هي صحف من غير هذا العالم الذي نعيش فيه. # ويصور صبري ما دار حول جدرانها من صور تفصح عما أراده منشئوها من المعاني. إنها صور كثيرة ~~مفرطة في الكثرة؛ لدرجة أنها لو كانت ذوات أصوات لروعت بصوتها الصم من الإنس ~~والجان. # ويتساءل الشاعر عن بناة هذه الهياكل الذين سجلوا سيرتهم في الصخور، وشادوا من الآثار ما ~~يتضاءل أمامه آثار كل ملك فوق هذه الأرض. لقد بادوا أو بادت دول جاءت من بعدهم، ولكنهم ~~خلفوا من الآثار ما هو خالد يقف في ثبات يحارب الدهر، ويقوى على مجالدة الزمان. # ويثور الشاعر على العلم الحديث الذي سطا على بناة هذه الهياكل، فجنى عليهم، وهتك أستارهم، ~~واقتحم جلالهم، وأخرجهم من قبورهم إلى حيث يعرضون على الناس في المتاحف. وكان الأجدر ~~بجلالهم أن يظلوا حيث كانوا، متحجبين بأستار من الوقار والجلال، ولنصغ إلى إسماعيل صبري ~~إذ ms29 يقول: # تلك الهياكل في الأمصار شاهدة # بأنهم أهل سبق، أهل إمعان # 1 # وأن فرعون في حول ومقدرة # وقوم فرعون في الإقدام ~~كفئان # إذا أقام عليهم شاهدا حجر # في هيكل قامت الأخرى ~~ببرهان # كأنما هي والأقوام خاشعة # أمامها صحف من عالم ~~ثان # تستقبل العين في أثنائها صور # فصيحة الرمز دارت حول ~~جدران # لو أنها أعطيت صوتا لكان له # صدى يروع صم ~~الإنس والجان ~~••• # أين الألى سجلوا في الصخر سيرتهم # وصغروا كل ~~ذي ملك وسلطان # بادوا وبادت على آثارهم دول # وأدرجوا طي أخبار ~~وأكفان # وخلفوا بعدهم حربا مخلدة # في الكون ما بين أحجار ~~وأزمان # وزحزحوا عن بقايا مجدهم، وسطا # عليهم العلم، ذاك ~~الجاهل الجاني # ويل له، هتك الأستار مقتحما # جلال أكرم آثار ~~وأعيان # للجهل أرجح منه في جهالته # إذا هما وزنا يوما بميزان # 2 # ويدل الشعر على لهفة الشاعر أن يبقى للفراعنة جلالهم، وألا يستباح لهم وقار. # ويقف شوقي أمام هذه الهياكل كما وقف إسماعيل صبري معجبا بما لها من جلال وروعة، فيتساءل ~~عن أصحاب هذه الهياكل التي ارتفع بها الباني، حتى رسا أصلها في الأرض، وارتفع ذراها إلى ~~الثريا في السماء. لقد بدا بعضها كالحصن، وبعضها كالجبل الأشم. إنها تظهر جديدة كأول العهد ~~بها، ومن حولها يبدو القدم على كل شيء حتى على الأرض الفضاء. # إنها هياكل ضخمة يحس الشاعر كأن الدنيا متعبة بحملها، وكأن الأرض ضيقة عن سعتها. وهي ~~أبعد من أن تصل إليها يد الفناء، لا يدري كيف يصل إليها أو يتمكن من تحطيمها، ولم لا وهي ~~ثابته في الأرض كأنها الطود قد نهض محلقا في السماء. وإذا كانت قد بنيت بالظلم، فإنه ظلم ~~مشرق مضن، لم يرهق الملوك أمما بمثلها؛ لأنها فخر خالد للأمم، وذكر لا يبيد. # لقد فتن الناس بهذه الهياكل؛ يحج إليها القاصي، ويرمقها المقيمون بعين من الإكبار ~~والتبجيل، وزادها مر العصور مهابة وجلالا، يحس بهما الزائر، ويشم فيها عبير القدم. # ولكنه يرى التماثيل على سررها متقابلة، قد لبست رداء من الذل والإهمال، قد علاها ~~التراب، ms30 وما كان يفوح منها سوى رائحة العطر وأخلاط الطيب. لقد وطئت حجراتها المقدسة، ~~وهتك البلى أستارها ومزقها، وأفنى الزمان حليها وزينتها، ومع ذلك حسنها باق، وشبابها ~~دائم. # لقد كان لهذه التماثيل معان يدركها عبادها، وقد نسيت هذه المعاني، فلو بعث فرعون ~~وعاد إلى الحياة لعجب من أن هذه التماثيل لم يعد الناس يدركون معانيها، أو يفهمون ما ترمز ~~إليه، وفي هذا يقول شوقي: # ولمن هياكل قد علا الباني بها # بين الثريا والثرى تتنسق # 3 # منها المشيد كالبروج، وبعضها # كالطود مضطجع أشم منطق # 4 # جدد كأول عهدها، وحيالها # تتقادم الأرض الفضاء وتعتق # 5 # من كل ثقل كاهل الدنيا به # تعب، ووجه الأرض عنه ضيق # 6 # عال على باع البلى، لا يهتدي # ما يعتلي منه وما يتسلق # 7 # متمكن كالطود أصلا في الثرى # والفرع في حرم ~~السماء محلق # 8 # هي من بناء الظلم إلا أنه # يبيض وجه الظلم منه ~~ويشرق # لم يرهق الأمم الملوك بمثلها # فخرا لهم يبقى، وذكرا يعبق # 9 # فتنت بشطيك العباد، فلم يزل # قاص يحجهما، ودان يرمق # 10 # وتضرعت مسك الدهور، # 11 # كأنما # في كل ناحية بخور ~~يحرق # وتقابلت فيها على السرر الدمى # مسترديات ~~الذل لا تتفنق # 12 # عطلت وكان مكانهن من العلى ~~«بلقيس» تقبس من ~~حلاه، وتسرق # 13 # وعلا عليهن التراب، ولم يكن # يزكو بهن سوى العبير ويلبق # 14 # حجراتها موطوءة، وستورها # مهتوكة، بيد البلى تتخرق # 15 # أودى بزينتها الزمان وحليها # والحسن باق، والشباب الريق # 16 # لو رد فرعون الغداة لراعه # أن الغرانيق العلى لا تنطق # 17 # وقد خلد شوقي من بين هذه الهياكل قصر أنس الوجود، الذي قال عنه شوقي: إنه «الأثر ~~المحتضر، الذي جمع العبر، ومحاه الدهر أو كاد، وكان إحدى آياته الكبرى هياكل لفرعون ~~وبطليموس، توارثها عن الكهنة القسوس، وصارت للمسيح، وكانت لهوروس، # 18 # ثم ظهر الأذان فيها على الناقوس، ثم لا تكون عشية أو ضحاها حتى يهوي في ~~الماء كل حجر كان يقبل كالأسود، # 19 # وكل ركن كان يستلم كالحطيم.» # 20 # وقد أنشأ شوقي ms31 في هذا الهيكل قصيدة خالدة، سيظل فيها خالدا ما بقي الزمان، كما خلدت ~~قصيدة البحتري إيوان كسرى. # وهو في مطلع قصيدته يطلب إلى رائد هذا الأثر الخالد الذي أحس به الشاعر عالي القدر، رفيع ~~المكانة كالثريا في السماء، أن يدخل الهيكل خاشعا، خافض الطرف، يملؤه الجلال والمهابة، ~~فيقول: # أيها المنتحي بأسوان دارا # كالثريا تريد أن ~~تنقضا # اخلع النعل، واخفض الطرف، واخشع # لا تحاول من ~~آية الدهر غضا # ويصف شوقي هذا الأثر الجليل، فيرى بعضه قد أمسك ببعض، كأنها قد خافت الغرق فأرادت أن يسند ~~بعضها بعضا. إن قصور أنس الوجود يبدو بعضها ويخفى بعضها الآخر، في روعة وجمال كأنها ~~العذارى السابحات. # إنها اليوم مشرفة على الزوال، وكانت من قبل تنهض رافعة الرأس في فخر وتيه تعلو كواكب ~~السماء. لقد قدمت وتقادم العهد بها، ولكن الفن الذي يتجلى فيها لا يزال غضا ناضرا كأول ~~العهد به، فرب نقش في هذا الأثر ، كأنما انتهى الصانع أمس من إتمامه، ورب طلاء لا يزال ~~زيته مضيئا مشرقا، وخطوط دقيقة كأهداب العين وقد صنعها، وحسن طولها وعرضها، ورسم ضحايا قد ~~أتقن صنعها إلى درجة أن الله لو نفخ فيها من الروح لصارت أحياء تمشي، ومحاريب كأنها الحصون ~~بناها قوم لهم عزمات الجن، وحجرات كان المسك يفت في أرضها، واليواقيت تزين أرضها، فأبدلت ~~بذلك التراب والحصى. # إن التخريب حظ هذه القصور في يومها، في حين أنها كانت بالأمس يصرف الملوك منها حظوظ ~~الناس، فيرفعون ويضعون، حتى أصبح النحس الخالص من نصيبها. # ويختم شوقي هذا الجزء من قصيدته بصيحة إعجاب من هذه الصنعة التي تملأ العقول بالدهشة، ومن ~~هذا الفن الذي كان فرضا على المصري أن يتقنه. واستمع إلى شوقي إذ يقول: # قف بتلك القصور في اليم غرقى # ممسكا بعضها من الذعر ~~بعضا # كعذارى أخفين في الماء بضا # سابحات به، وأبدين بضا # 21 # مشرفات على الزوال، وكانت # مشرفات على الكواكب ~~نهضا # شاب من حولها الزمان، وشابت # وشباب الفنون ما زال ~~غضا # رب نقش كأنما نفض الصا # نع ms32 منه اليدين بالأمس ~~نفضا # ودهان كلامع الزيت مرت # أعصر بالسراج والزيت وضا # 22 # وخطوط كأنها هدب ريم # 23 # حسنت صنعة وطولا وعرضا # وضحايا تكاد تمشي وترعى # لو أصابت من قدرة الله ~~نبضا # ومحاريب كالبروج بنتها # عزمات من عزمة الجن أمضى # 24 # شيدت بعضها الفراعين زلفى # وبنى البعض أجنب يترضى # 25 # ومقاصير أبدلت بفتات ال # مسك تربا، ~~وباليواقيت قضا # 26 # حظها اليوم هدة، وقديما # صرفت في الحظوظ رفعا ~~وخفضا # سقت العالمين بالسعد والنح # س إلى أن تعاطت ~~النحس محضا # 27 # صنعة تدهش العقول وفن # كان إتقانه على القوم ~~فرضا # ويناجي شوقي تلك القصور الغريقة في النيل، وهي على وشك أن تتهاوى فملكه الحزن ~~فبكى. # إنه يراها سطرا في كتاب أمجاد مصر، ويتألم كيف فض البلى ذلك الكتاب الذي كان مصونا، ~~فكشف عن أسرار كان الفراعنة أنفسهم لا يدركونها لغموضها. # ويدعو شوقي من صميم فؤاده أن يظل لتلك القصور جلالها وعظمتها، وألا تنزل عن سماء عليائها؛ ~~فقد حارت عقول المهندسين في بنائها، وعجز العلم عن إدراك أسرارها. # ويسألها الشاعر عما شاهدته في ماضيها من ملك عال، وحضارة مترفة، وعما رأته من مواكب ~~لفرعون كان بعضها يتلو بعضا؛ إذ كان يمضي لفتح الممالك، أو لإشادة الحضارة في أيام السلم، ~~وعما كان لإيزيس من ملك عريض، وتقديس وعبادة، ثم أصبحت اليوم لا حامي لها، ولا ناصر لها على ~~ما تلاقيه من نوائب الزمان. لقد صارت أسيرة سجن في البحر لا تستطيع الخلاص. واستمع إلى تلك ~~المناجاة إذ يقول الشاعر: # يا قصورا نظرتها وهي تفضي # 28 # فسكبت الدموع، والحق ~~يقضى # أنت سطر، ومجد مصر كتاب # كيف سام البلى كتابك ~~فضا # وأنا المحتفي بتاريخ مصر # من يصن مجد قومه صان ~~عرضا # رب سر بجانبيك مزال # 29 # كان حتى على الفراعين غمضا # قل لها في الدعاء لو كان يجدي # يا سماء الجلال، لا صرت ~~أرضا # حار فيك المهندسون عقولا # وتولت عزائم العلم ~~مرضى # أين ملك حيالها وفريد # من نظام النعيم أصبح فضا # 30 # أين فرعون في المواكب ms33 تترى # يركض المالكين كالخيل ~~ركضا # ساق للفتح في الممالك عرضا # وجلا للفخار في السلم ~~عرضا # أين «إيزيس» تحتها النيل يجري # حكمت فيه شاطئين ~~وعرضا؟ # أسدل الطرف كاهن ومليك # في ثراها، وأرسل الرأس ~~خفضا # يعرض المالكون أسرى عليها # في قيود الهوان عانين جرضى # 31 # ما لها أصبحت بغير مجير # تشتكي من نوائب الدهر ~~عضا # هي في الأسر بين صخر وبحر # ملكة في السجون فوق حضوضى # 32 # أين «هوروس» بين سيف ونطع؟ # أبهذا في شرعهم كان يقضى؟ # 33 # وهكذا خلد الشعر تلك الهياكل الضخمة في بنائها، المليئة بأسرارها، والتي كانت مقر عبادة ~~آلهة المصريين القديمة، وموطن خشوعهم وتقديسهم. وقد راع الشعراء فيها تلك الضخامة، ودقة ~~الصنع، وإحكام البناء. # وصور الشعر ما أحس به الشعراء من الإجلال والتقديس لدى هذه الهياكل المقدسة، وما أثارت في ~~نفوسهم من ذكريات تاريخية مجيدة. # | المقابر # وكانت عناية المصريين القدماء بمقابرهم من ناحية حفرها في أعماق الصخور مثار التفكير ~~العميق. # وقد وقف شوقي متأملا في هذه الظاهرة، معجبا بعنايتهم البالغة بتلك القبور؛ فقد أقاموها ~~بحيث لا يستطيع البلى أن يمسها، وكأنهم عندما رقدوا في تلك المقابر قد تحجبوا بالهيبة تحت ~~الثرى، كما كانوا وهم أحياء يحجبون بهيبة لا تزال أستارها. لقد عرفوا حقيقة الحياة، وأدركوا ~~أنها سر مغلق، فأحاطوا أنفسهم بالأسرار المغلقة، وآمنوا بأن السعادة لا يمكن أن تتحقق إلا ~~بإدراك الخلود، فعملوا على أن ينالوه؛ فكانت بيوتهم التي يعيشون فيها أكواخا تفنى كهذه ~~الحياة الفانية، في حين أن الحياة الآخرة هي الباقية الخالدة، فبنوا لهذه الحياة قبورا ~~كالقصور الشم يبنونها من الصخور الصلدة، فيبدو ظاهرها جميلا رائعا كجمال هذه الحياة ~~الدنيا، ويختبئ في باطنها حياة أخرى خالدة، يعيش فيها الملوك مخلدين لا يعرف البلى سبيلا ~~إلى أجسامهم. فوراء هذه الأسوار التي نراها أسرار مختبئة، فإذا دخلت هذه القبور رأيت كأنها ~~فنادق تمتلئ بالزاد، رحبة لا تضيق بسكانها، يقول شوقي: # أين الفراعنة الألى استذرى بهم # عيسى، ويوسف، ~~والكليم المصعق # 1 # الموردون الناس منهل حكمة # أفضى إليه الأنبياء ليستقوا ms34 # 2 # الرافعون إلى الضحى آباءهم # فالشمس أصلهم الوضيء المعرق # 3 # وكأنما بين البلى وقبورهم # عهد على أن لا مساس وموثق # 4 # فحجابهم تحت الثرى من هيبة # كحجابهم فوق الثرى لا ~~يخرق # بلغوا الحقيقة من حياة علمها # حجب مكثفة، وسر ~~مغلق # وتبينوا معنى الوجود، فلم يروا # دون الخلود ~~سعادة تتحقق # يبنون للدنيا كما تبني لهم # خربا غراب البين فيها ينعق # 5 # فقصورهم كوخ وبيت بداوة # وقبورهم صرح أشم وجوسق # 6 # رفعوا لها من جندل وصفائح # عمدا، فكانت حائطا لا ينتق # 7 # تتشايع # 8 # الداران فيه؛ فما بدا # دنيا، وما لم يبد أخرى ~~تصدق # للموت سر تحته، وجداره # سور على السر الخفي، ~~وخندق # وكأن منزلهم بأعماق الثرى # بين المحلة # 9 # والمحلة فندق # موفورة تحت الثرى أزوادهم # 10 # رحب بهم بين الكهوف المطبق # ويصف شوقي في هذه القصيدة حج الناس إلى هذه القبور، وكيف يأتون إلى «طيبة»؛ عاصمة مصر ~~القديمة، في جماعات تضيق بها المدن والقرى، ويملئون البر برواحلهم، والبحر بسفنهم، حتى إذا ~~ألقوا عصا التسيار بمعبدها المقدس وفوا نذورهم، وتقاربوا إلى آلهتهم، وتصدقوا بما معهم ، ثم ~~جرت الزوارق بالحجيج مسرعة من شاطئ يعج بالحياة إلى الشاطئ الآخر، وهو وادي الملوك حيث ~~يرقد آباؤهم وأجدادهم، وحيث تغرب أرواحهم كما تغرب الشمس، وحيث يتساوى الناس عظيمهم وحقيرهم ~~في لقاء الموت، وحيث تتناثر القبور على الرحب كأنها قطع السحاب. إنهم ينتقلون من زخرف ~~الحياة على شاطئ طيبة، إلى شاطئ يضيء فيه سناء الحق كأنه الصبح، يعنو له الملوك، فيخلعون ~~رداء العظمة والجلال، ويمشون على أقدامهم تكريما لهؤلاء الموتى، ويخشع الغني والفقير، ~~ويضيق وادي الملوك بساكنيه، حتى كأنما قد بعث فيه الموتى، ويظل الأحياء مع موتاهم ~~يتنادمون كأنهم لم يفترقوا، وشوقي يصور ذلك إذ يقول: # وإذا همو حجوا القبور حسبتهم # وفد «العتيق» بهم ترامى الأينق # 11 # يأتون «طيبة» بالهدي أمامهم # يغشى المدائن والقرى ويطبق # 12 # فالبر مشدود الرواحل محدج # والبحر ممدود الشراع موسق # 13 # حتى إذا ألقوا بهيكلها العصا # وفوا النذور، وقربوا، ~~واصدقوا # وجرت زوارق بالحجيج ms35 كأنها # رقط # 14 # تدافع، أو سهام تمرق # من شاطئ فيه الحياة لشاطئ # هو مضجع للسابقين، ومرفق # 15 # غربوا غروب الشمس فيه، واستوى # شاه ورخ في التراب وبيدق # 16 # حيث القبور على الفضاء كأنها # قطع السحاب أو السراب الديسق # 17 # للحق فيه جولة، وله سنا # كالصبح من جنباتها يتفلق # 18 # نزلوا بها، فمشى الملوك كرامة # وجثا المدل بماله والمملق # 19 # ضاقت بهم عرصاتها، فكأنما # ردت ودائعها الفلاة الفيهق # 20 # وتنادم الأحياء والموتى بها # فكأنهم في الدهر لم ~~يتفرقوا # وهو شعر يعطينا صورة حية لما كان يحدث في تلك الأزمان من عناية الناس بزيارة هيكل طيبة ~~وقبور وادي الملوك، كما فسر الشعر قبله سر عناية المصريين القدماء بقبورهم أكثر من بيوتهم ~~التي يعيشون فيها. # | توت عنخ آمون # ومن تلك المقابر التي ظفرت بعناية شوقي وإبداعه مقبرة توت عنخ آمون، وما وجد فيها من آثار ~~ظفرت بإعجاب العالم أجمع عندما كشف عنها. # وقد نظم شوقي فيها عدة قصائد: منها تلك القصيدة التي بدأها بمناجاة الشمس وسؤالها عما حدث ~~في القرون الماضية لأنها رأت مصارع الأمم وسقوطها، فجدير بها أن تروي الأخبار وتعرف أنساب ~~الناس وهي التي تلد ثم تأكل ما ولدت، وفي ذلك يقول شوقي: # قفي يا أخت يوشع خبرينا # أحاديث القرون الغابرينا # 1 # وقصي من مصارعهم علينا # ومن دولاتهم ما تعلمينا # 2 # فمثلك من روى الأخبار طرا # ومن نسب القبائل أجمعينا # 3 # نرى لك في السماء خضيب قرن # ولا نحصي على الأرض الطعينا # 4 # مشيت على الشباب شواظ نار # ودرت على المشيب رحى طحونا # 5 # تعينين الموالد والمنايا # وتبنين الحياة ~~وتهدمينا # فيا لك هرة أكلت بنيها # وما ولدوا، وتنتظر ~~الجنينا # وهذه المناجاة مناسبة كل المناسبة لحديثه عن هذا الملك المصري القديم، فهو - كما زعموا ~~- ينحدر من الشمس من ناحية، وقد شاهدت الشمس ملكه وملك آبائه ومن جاء بعده من ناحية ~~ثانية. # وينتقل شوقي من مناجاته للشمس واهبة الحياة والموت إلى حديثه إليها أما لملوك مصر ~~القديمة، مباهيا بهؤلاء الملوك، ممتلئ القلب إعجابا ms36 بأمجادهم؛ فقد رآهم ملوكا جديرين ~~بالملك، أناروا الأرض بحضارتهم، حينما كانت الدنيا في ظلام دامس، وكان الناس يعيشون في ضلال ~~مبين، أخذت روما من حضارتهم، واقتبست أثينا من نور علمهم؛ إذ يقول: # أأم المالكين بني أمون # ليهنك أنهم نزعوا # 6 # أمونا # ولدت له المآمين الدواهي # ولم تلدي له قط الأمينا # 7 # فكانوا الشهب حين الأرض ليل # وحين الناس جد ~~مضللينا # مشت بمنارهم في الأرض روما # ومن أنوارهم قبست ~~أثينا # ويمضي شوقي مليئا بالفخر يتحدث عن هؤلاء الملوك الذين اتخذوا قبورهم في وادي الملوك، ~~محجبين كما كانوا في حياتهم محجبين بالجلال. إنهم اليوم مقيدون في حياتهم تساق لهم الملوك ~~أسرى في القيود والأغلال. وتنطلق صيحة إعجاب من شوقي بهم، فيرى أن أعمالهم المجيدة خارقة ~~للسعادة كأنها السحر، ويرى من مظاهر هذا السحر أنهم ينطقون الحجر الأصم بما يقومون به من ~~إتقان تنطق بما يراد منها. لقد أغرموا بالخلود، فعمدوا إلى بناء الآثار الخالدة التي تقوم ~~على دعائم من الخلق المتين، وإتقان ما يصنعون، وأن الخلد لا ينال في سهولة ويسر؛ لأنه يحتاج ~~إلى الهمم الكبيرة، والعبقرية الخارقة التي يمجدها التاريخ، وتدع الدنيا لسان ثناء، وأذنا ~~تصغي إلى مجد الخالدين: # ملوك الدهر بالوادي أقاموا # على وادي الملوك ~~محجبينا # فرب مصفد منهم، وكانت # تساق له الملوك مصفدينا # 8 # تقيد في التراب بغير قيد # وحل على جوانبه ~~رهينا # تعالى الله كان السحر فيهم # أليسوا للحجارة ~~منطقينا؟! # عدوا ينبون ما يبقى، وراحوا # وراء الآبدات ~~مخلدينا # إذا عمدوا لمأثرة أعدوا # لها الإتقان والخلق ~~المتينا # وليس الخلد مرتبة تلقى # وتؤخذ من شفاه ~~الجاهلينا # ولكن منتهى همم كبار # إذا ذهبت مصادرها ~~بقينا # وسر العبقرية حين يسري # فينتظم الصنائع ~~والفنونا # وآثار الرجال إذا تناهت # إلى التاريخ خير ~~الحاكمينا # وأخذك من فم الدنيا ثناء # وتركك في مسامعها ~~طنينا # ويعقد شوقي موازنة بين شباب اليوم وشباب الأمس فيرى شباب اليوم قانعين بالكلام دون ~~العمل، ويغالون في تقدير ما يفعلون وإن كان ضئيلا فيسخط شوقي ويقول: # فغالي في بنيك الصيد غالي # فقد ms37 حب الغلو إلى ~~بنينا # شباب قنع لا خير فيهم # وبورك في الشباب ~~الطامحينا # ويعود إلى الفخر بعرش مصر القديم الذي كان أخا لعرش الشمس، وكان يتحلى بالعزة والجلال، ~~ويقوم على دعائم من القوة في البر والبحر ويكلأ أمجاد ملوكه من أمثال رمسيس وخوفو ومينا ~~الذين ارتفعت رءوسهم عزة وكبرياء وأبوا أن يخضعوا وأن يذلوا: # فناجيهم بعرش كان صنوا # لعرشك في شبيبته سنينا # 9 # وكان العز حليته، وكانت # قوائمه الكتائب ~~والسفينا # وتاج من فرائده ابن سيتى # ومن خرزاته خوفو ومينا # 10 # علا خدا به صعر، وأنفا # ترفع في الحوادث أن يدينا # 11 # ويتعرض شوقي للدفاع عن هؤلاء الملوك، ويرد على من زعم أنهم ظلموا الرعية، وعسفوا بالعمال ~~وجلدوا الخدم في سبيل إقامة هذه الآثار؛ وذلك أننا في أيامنا التي نعيش فيها ناقصون فلا ~~يليق بنا أن نطالب الأولين بالكمال، وليس أدل على هذا النقص من سجن الباستيل بفرنسا؛ فقد ~~كان يخفي وراء جدرانه سجناء أكل الحديد أجسامهم، ومن هذه البيع التي ارتفعت على أكتاف ~~الظلم والسخرة، وكم ارتكب في بنائها من ألوان القسوة، برغم أنها شيدت لرسول الحب ~~والحنان: # ولست بقائل: ظلموا، وجاروا # على الأجراء، أو جلدوا القطينا # 12 # فإنا لم نوق النقص، حتى # نطالب بالكمال ~~الأولينا # وما البستيل إلا بنت أمس # وكم أكل الحديد بها ~~سجينا # وربة بيعة # 13 # عزت، وطالت # بناها الناس أمس ~~مسخرينا # مشيدة لشافي العمي عيسى # وكم سمل # 14 # القسوس بها عيونا # وبعد حديثه إلى اللورد كارنارفون الذي كشف عن قبر توت عنخ آمون، وتسجيله ما ذاع من أخذ ~~بعض كنوز هذا القبر، يأتي الحديث عن قبر الملك الدفين فيخصه بالتحية، ويرى القبر لحسنه ~~وطيبه تكاد حجارته تضيء، ويكاد طيبه تنتشر له رائحة زكية، ويخيل لرائيه أن حجارته لقداستها ~~قد اقتطعت من جبل طور سيناء، الذي تجلى الرب عنده لموسى. # لقد كان نزيله يدعى ملكا، فصار اليوم يسمى كنزا ثمينا، لكن ذلك لا يحول دون الهتاف له ~~كما كان بنو شعبه يهتفون، إذ لم ينقص له مقدار، ms38 فلا تزال له مهابته وجلاله الذي استمر برغم ~~مرور القرون الأربعين التي مرت منذ عهده، بل إن جلال الملك أيام تنقضي، ولا ينقضي جلال ~~الخالدين. # ويرحب شوقي بالملك القادم، ويحيي مقدمه المبارك، ويهدي إليه السلام يوم مات، ويوم كشف ~~قبره. لقد ظهر إلى الوجود كما ظهر عيسى، عليه جلالة ووقار، وأخذ اسمه يجوب أرجاء العالم ~~سهوله وجباله: # خليلي، اهبطا الوادي، وميلا # إلى غرف الشموس ~~الغاربينا # وسيرا في محاجرهم # 15 # رويدا # وطوفا بالمضاجع خاشعينا # وخصا بالعمار وبالتحايا # رفات المجد من ~~توتنخمينا # وقبرا كاد من حسن وطيب # يضيء حجارة، ويضوع # 16 # طينا # يخال لروعة التاريخ قدت # جنادله العلا من «طور ~~سينا» # وكان نزيله بالملك يدعى # فصار يلقب الكنز ~~الثمينا # وقوما هاتفين به، ولكن # كما كان الأوائل ~~يهتفونا # فثم جلالة قرت، ورامت # 17 # على مر القرون الأربعينا # جلال الملك أيام وتمضي # ولا يمضي جلال ~~الخالدين # وقولا للنزيل: قدوم سعد # وحيا الله مقدمك اليمينا # 18 # سلام يوم وارتك المنايا # بواديها، ويوم ظهرت ~~فينا # خرجت من القبور خروج عيسى # عليك جلالة في ~~العالمينا # يجوب البرق باسمك كل سهل # ويخترق البخار به الحزونا # 19 # ويسأل شوقي توت عنخ آمون عن فراقه لهذه الحياة الدنيا: أكان قصيرا كأنه سنة نوم، أم طال ~~فاستغرق السنين الطوال؟ وكيف قطع في ظلام القبر ليلا طويل الأمد، لا يصل المرء إلى صبحه ~~إلا بعد عناء وضنى؟ ويسأله عن سر الاحتفاظ بالجسد بعد موته، وهل ذلك لأن النفوس تبقى ما ~~دامت أجسامها باقية، وتفنى إذا فنيت هذه الأجسام. # ويسأله عن قباب هذا القبر، وكيف ظلت مجهولة طول هذه القرون. إنها قباب ملساء يظنها الرائي ~~برجا مدفونا في باطن الأرض، امتلأ بالأثاث فصار كأنه القصر، وتغطى بالصور فبدا كأنه ~~المعبد. # ويعجب شوقي من حرص الملك على أن يدفن العرش معه، فهل ذلك لأنه يؤمل عودة إلى الحياة، ~~ويكون له حينئذ ملك ودولة، أو لأنه سيبقى لكن وهو جالس على عرشه في حين يلقاه الناس ~~مترجلين؟ # ويعجب من الطعام وقد ظل ذا رائحة طيبة ms39 ومذاق طيب كما تركته أيدي صانعيه، لقد كان الملك لا ~~يصبر عن الطعام يوما، فكيف صبر هذه المئين من الأحقاب؟ # ثم يقول للملك: لقد حدث ما كان قومك يخافون؛ لأن الإنسان يحب أن ينبش أخاه حيا وهالكا، ~~وها أنت ذا قد أخرجت من القبر يوم البعث، وسوف يأتي اليوم الذي تبعث فيه حقا إذا كان ~~بعثك ليس بهذا البعث الموعود. # وما قيمة صيانة جسمك بعد الموت؟ إنك لا تحس بأذى بعد أن تفارق الحياة، ولا تشعر بألم، ~~وإنما يشعر بذلك الأحياء. ولننصت إلى هذه المفاجأة الرائعة إذ يقول شوقي: # تعال اليوم أخبرنا: أكانت # نواك سنات نوم أم سنينا؟ # 20 # وماذا جبت من ظلمات ليل # بعيد الصبح ينضي المدلجينا؟ # 21 # وهل تبقى النفوس إذا أقامت # هياكلها، وتبلى إن ~~بلينا؟ # وما تلك القباب وأين كانت # وكيف أضل حافرها ~~القرونا؟ # ممردة # 22 # البناء تخال برجا # ببطن الأرض محطوطا ~~دفينا # تغطى بالأثاث، فكان قصدا # وبالصور العتاق، ~~فكان زونا # 23 # حملت العرش فيه، فهل ترجي # وتأمل دولة في الغابرين؟ # 24 # وهل تلقى المهيمن فوق عرش # ويلقاه الملا ~~مترجلينا؟ # وما بال الطعام يكاد يقدى # 25 # كما تركته أيدي الصانعينا؟ # ولم تك أمس تصبر عنه يوما # فكيف صبرت أحقابا # 26 # مئينا # لقد كان الذي حذر الأوالي # وخاف بنو زمانك أن ~~يكونا # يحب المرء نبش أخيه ميتا # وينبشه، ولو في ~~الهالكينا # سللت من الحفائر قبل يوم # يسل من التراب ~~الهامدينا # فإن تك عند بعث فيه شك # فإن وراءه البعث ~~اليقينا # ولو لم يعصموك لكان خيرا # كفى بالموت معتصما ~~حصينا # يضر أخو الحياة، وليس شيء # بضائره إذا صحب ~~المنونا # ثم يحدث الملك بأن الحكم المطلق قد انقضى، وحل مكانه حكم الشعب لنفسه، وأصبح الملوك ~~ينزلون على حكم رعاياهم، وهكذا لم ينس شوقي وهو في غمرة الفخر تلك اللمحة إلى ما حدث في ~~الحكم من تطور وتجديد؛ وذلك إذ يقول: # زمان الفرد يا فرعون ولى # ودالت # 27 # دولة المتجبرينا # وأصبحت الرعاة بكل أرض # على حكم الرعية نازلينا # 28 # أما القصيدة ms40 الثانية فقد تحدث فيها عن توت عنخ آمون، وهو في مجال ذكرى مكتشف قبره: ~~«كارنارفون»، وهو في هذه القصيدة يتحدث عن أوبة الملك المصري القديم، وأنها ليست أوبة ~~البعث، ويرجو أن يترك حيث هو في قبره بعيدا عن مظاهر الحكم والسلطان، لا أن يحمل، كما كان ~~يحمل في حياته، فوق الرقاب؛ لأن الحاكم المستبد يطاق في قبره لا فوق عرشه: # ما آب جبار القرون، وإنما # يوم الحساب يكون يوم إيابه # 29 # فذروه في بلد العجائب مغمدا # لا تشهروه كأمس فوق رقابه # 30 # المستبد يطاق في ناووسه # لا تحت تاجيه، وفوق وثابه # 31 # والفرد يؤمن شره في قبره # كالسيف نام الشر خلف قرابه # 32 # ويستبعد الشاعر في هذه القصيدة أن يكون توت عنخ آمون قد تقمصت روحه بعوضة حقيرة لدغت ~~كارنارفون وقتلته؛ لأن الملك المصري وفي لصحبه، ولا يمكن أن يكون ذلك جزاء من كشف عن ~~قبره، وعرف الناس به: # هل كان «توتنخ» تقمص روحه # قمص البعوض ~~ومستخس إهابه # 33 # أو كان يجزيك الردى عن صحبة # وهو القديم وفاؤه لصحابه # 34 # تالله، لو أهدى لك الهرمين من # ذهب لكان أقل ما تجزى ~~به # أنت البشير به، وقيم قصره # ومقدم النبلاء من حجابه # 35 # أعلمت أقوام الزمان مكانه # وحشدتهم في ساحه ~~ورحابه # لولا بنانك في طلاسم تربه # ما زاد في شرف على أترابه # 36 # ويصف الشاعر ما قام به اللورد الراحل من جهود، فقد فض الختم فأرانا أزمانا متطاولة، ~~ونقلنا إلى فجر التاريخ، وكر راجعا إلى العصور القديمة حتى انتقل إلى فرعون في حياته ~~العادية بين الطعام والشراب، متخذا عرشه من عود المندل الطيب الرائحة، ومحليا ثيابه ~~باللؤلؤ الباهر الضياء، وكأنما الفاكهة قد جناها الجاني صباح اليوم لم يصبها تغير. لقد حوى ~~القبر ما لم يستطع قصر غمدان أن يحويه، يقول شوقي: # أفضى الحمام على أبيه همة نفسه # في المجد والباني ~~على أحسابه # أفضى إلى ختم الزمان ففضه # وحبا إلى التاريخ في ~~محرابه # وطوى القرون القهقرى، حتى أتى # فرعون بين طعامه ~~وشرابه ms41 # المندل الفياح عود سريره # واللؤلؤ اللماح ~~وشي ثيابه # 37 # وكأن راح القاطفين فرغن من # أثماره صبحا، ومن أرطابه # 38 # جدث حوى ما ضاق «غمدان» به # من هالة الملك الجسيم وغابه # 39 # بنيان عمران، وصرح حضارة # في القبر يلتقيان في أطنابه # 40 # فترى الزمان هناك قبل مشيبه # مثل الزمان اليوم بعد ~~شبابه # وتحس ثم العلم عند عبابه # تحت الثرى، والفن عند عجابه # 41 # والشاعر هنا معجب بما في القبر من آثار، ويراها مظاهر عمران وحضارة باذخة لا تقل عن هذه ~~الحضارة التي نعيش اليوم فيها، وتريك هذه الآثار أنها ثمرة علم ناضج متبحر، وفن تجاوز غاية ~~الإعجاب. # ويؤكد هذا المعنى في القصيدة نفسها فيقول: # أخرجت من قبر كتاب حضارة # الفن والإعجاز من أبوابه # 42 # وخص شوقي توت عنخ آمون وحضارة عصره بقصيدة مطولة أخرى، بدأها بالحديث عن هذا الكنز الذي ~~مضت عليه القرون، فازداد بمضيها قدرا وقيمة. إنه كالسيف قد مضى الزمان عليه في غمده؛ حيث ~~يقيم في مكان كأنه الغيب المكنون لا تصل إليه الظنون، حتى جاء العلم فكشف سره المصون، وأهل ~~العلم كأهل بدر حلال لهم كل ما يصنعون. # لقد كشف العلم عن حضارة رائعة، وفن رفيع، واندس العلم يزيح الظلام عن أسرار هذه المخبآت ~~وتلك الحفر المظلمة، وهذه الحجر التي تشبه المعاقل المرتفعة، والحصون العالية التي لا تهتدي ~~إليها الريح العاصفة، ولا الغيث المدرار، وقد لجأ إليها الملك يستأمنها على نفسه وثروته، ~~فخانت هذه الأمانة يوم باحت بسرها الدفين. # درجت على الكنز القرون # وأتت على الدن السنون # 43 # خير السيوف مضى الزما # ن عليه في خير الجفون # 44 # في منزل كمحجب ال # غيب استسر عن الظنون # 45 # حتى أتى العلم الجسو # ر، فغض خاتمه ~~المصون # والعلم «بدري» أح # ل لأهله ما يصنعون # 46 # هتك الحجال # 47 # على الحضا # رة، والحذور على ~~الفنون # واندس كالمصباح في # حفر من الأجداث جون # 48 # حجر ممردة المعا # قل في الثرى شم الحصون # 49 # لا تهتدي الريح الهبو # ب لها، ولا الغيث الهتون ms42 # 50 # خانت أمانة جارها # والقبر، كالدنيا، ~~يخون # وينتقل شوقي إلى مناجاة للملك المصري، ويبدو في هذه المناجاة الحب والإعجاب؛ إذ يرى ~~المصريين القدماء قد انفردوا بين العالم كله بحب الخلود، فربى ذلك في نفوسهم خلقا ~~يتميزون به من بين الناس جميعا هو إتقانهم لكل ما يصنعون، ورغبتهم في إحسان ما ~~يعملون. # وإذا كان الهدف الذي يسعون إليه هو الخلود، فإنهم ليسوا كالناس يبعثون بعد موت. ويسألهم ~~شوقي أيسبقون العالم يوم القيامة كما كانوا السابقين في هذه الحياة الدنيا؟ # ويبدو إعجاب شوقي بالغا عندما يجعل المصريين القدماء أصل الحضارة، والمحسنين في إشادة ~~أركانها، والمتقنين الذين نالوا الخلود بسبب هذا الإتقان. # وتلمس الحب العميق والإعجاب البالغ عندما يقول شوقي مناجيا توت عنخ آمون: # يا ابن الثواقب من «رع» # وابن الزواهر من ~~«أمون» # نسب عريق في الضحى # بذ # 51 # القبائل والبطون # أرأيت كيف يئوب من # غمر القضاء المغرقون # 52 # وتدول آثار القرو # ن على رحى الزمن ~~الطحون # حب الخلود بنى لكم # خلقا به تتفردون # لم يأخذ المتقدمو # ن به، ولا ~~المتأخرون # حتى تسابقتم إلى الإح # سان فيما ~~تعملون # لم تتركوه في الجلي # ل، ولا الحقير من ~~الشئون # هذا القيام فقل لنا: ال # يوم الأخير متى ~~يكون؟ # البعث غاية زائل # فان، وأنتم خالدون # السبق من عاداتكم # أترى القيامة ~~تسبقون؟ # أنتم أساطين الحضا # رة والبناة ~~المحسنون # المتقنون، وإنما # يجزى الخلود ~~المتقنون # وبعد هذا الحب والإعجاب بالحضارة المصرية القديمة، يتحدث عن قبر توت عنخ آمون، فيتساءل ~~أهو قبر أم هو حجرة عرش الملك؟ إنه يبدو من قبور الموتى ومن قصور الأثرياء المتوفين، فليس ~~هناك مظهر من مظاهر الحضارة إلا قد حواه ذلك المكان؛ فالملك الدفين تحيط به مظاهر الحياة، ~~وكل آيات المدنية في عصره دينية ودنيوية، حتى انبهر أمام روعتها الزمن وأهله المعجبون ~~بحضارتهم الراهنة، وظنت «باريس» أن ذلك المجد من صنع أبنائها، يقول شوقي: # أنزلت حفرة هالك # أم حجرة الملك ~~المكين؟ # أم في مكان بين ذ # لك يدهش المتأملين؟ # هو من قبور المتلف # ن، ومن ms43 قصور ~~المترفين # لم يبق غال في الحضا # رة لم يحزه، ولا ~~ثمين # ملك تحيط به الحيا # ة زمانه معه دفين # وذخائر من أعصر # ولت، ومن دنيا ~~ودين # حملت على العجب الزما # ن، وأهله ~~المستكبرين # فتلفتت «باريس» تح # سب أنها صنع ~~البنين # ويفصل شوقي بعدئذ ما عثر عليه في ذلك القبر من ذهب لم تذهب السنون ببريقه الوهاج، وقد ~~صنعت أيدي القيون من هذا الذهب صفائح وسبائك وتوابيت متوهجة لا يتخذها الموتى. ولو أنهم ~~فطنوا لهذه النواويس لمضوا ينبشون عنها، وحاول كل واحد أن تكون له. وقد فصل الكفن برقائق من ~~الذهب، وقد لفه في رفق محنط رزين رفيق، كما يلف الطبيب الضماد في حنان، كما تحنو ~~الكمائم على أوراق الورد. # وبدا القبر مزخرفا بالصور والصحف والتماثيل الرائعة، فيخيل إليك أنك في معبد للأصنام، ~~وترى الصور تمثل لك الحركة، وتعبر لك في وضوح عما تريد، وقد مرت عليها عصور تلو عصور، ~~ودهانها غض برغم الزمن المتطاول، حي لم تمته القرون. لقد خدع العيون فظنته حديث العهد، ~~ومضت الأيدي تتلمسه لتتأكد من حياته وغضارته. # إن مظاهر الحياة تحيط بالملك في قبره، فصور غلمان القصر تجسمهم أمام أعيننا كأنهم لا ~~يزالون يزاولون الصيد ويناولونك السهام، وكأن البوق يدوي صوته في الفضاء، والسهام والأقواس ~~ترن، وكلاب الصيد تلهث لطول جريها، والخيل تجري في جنون، والوحش ينفر بين يديك يجري في ~~السهول، وحينا يثب الجبال، والطير يئن من جراحه. # وكأن الناس قد اجتمعوا إليك من كل فج، وكأننا لا نزال نعيش في عهد الفراعنة. ولننصت إلى ~~هذا الشعر الذي يصور في قوة وروعة تلك الآثار الدفينة في هذا القبر، فيقول: # ذهب ببطن الأرض لم # تذهب بلمحته القرون # استحدثت لك جندلا # وصفائحا منه القيون # 53 # ونواوسا وهاجة # لم يتخذها الهامدون # 54 # لو يفطن الموتى لها # سرحوا الأنامل ~~ينبشون # وتنازعوا الذهب الذي # كانوا له يتفاتنون # أكفان وشي فصلت # برقائق الذهب الفتين # 55 # قد لفها لف الضما # د محنط آس رزين # 56 # وكأنهن كمائم # 57 # وكأنك الورد الجنين ms44 # وبكل ركن صورة # وبكل زاوية رقين # 58 # وترى الدمى فتخالها ان # تثرت على جنبات زون # 59 # صور تريك تحركا # والأصل في الصور ~~السكون # ويمر رائع صمتها # بالحس كالنطق ~~المبين # صحب الزمان دهانها # حينا عهيدا # 60 # بعد حين # غض على طول البلى # حي على طول ~~المنون # خدع العيون، ولم يزل # حتى تحدى ~~اللامسين # غلمان قصرك في الركا # ب يناولون ويطردون # 61 # والبوق يهتف، والسها # م ترن، والقوس ~~الحنون # وكلاب صيدك لهث # 62 # والخيل جن لها جنون # والوحش تنفر في السهو # ل، وتارة تثب ~~الحزون # والطير ترسف # 63 # في الجرا # ح، وفي مناقرها أنين # وكأن آباء البري # ة في المدائن ~~محضرون # وكأن دولة «آل شم # س» # 64 # عن شمالك واليمين # ويناجي شوقي الملك ويسميه ملك الملوك، ويحييه تحية ولاء وحب، ويسجل في شعره أنه مغرم ~~بالوقوف عند آثار المجد، والاستغراق فيما توحي به من عظمة وجلال، ويرى أن هؤلاء الفراعنة ~~مثل عليا ترفع أمام الشباب ليقتدوا بهم، ويعملوا على أن يكونوا مثلهم في حب الخلود، ~~والغرام بالإتقان، ويؤمن بأن تاج مصر إنما استقر على جبين ملوكها معتمدا على ما كان لمصر ~~من قوة حربية مستعدة، فتسمعه يقول: # ملك الملوك تحية # وولاء محتفظ أمين # هذا المقام عرفته # وسبقت فيه القائلين # ووقفت في آثاركم # أزن الجلال، ~~وأستبين # كنتم خيال المجد ير # فع للشباب ~~الطامحين # تاج تنقل في الخيا # ل، فما استقر على ~~جبين # خرزاته السيف الصقي # ل يشده الرمح السنين # 65 # وهنا تثور في نفس شوقي آلام ممضة عندما يوازن بين القوة الحربية القديمة لمصر، وبين ما ~~كانت عليه مصر من الضعف عندما كشف قبر توت عنخ آمون. ويبدو الألم البالغ في قول ~~شوقي: # قل لي: أحين بدا الشرى # لك، هل جزعت على العرين؟ # 66 # آنست ملكا ليس بالشا # كي السلاح ولا ~~الحصين # البر مغلوب القنا # والبحر مسلوب ~~السفين # لما نظرت إلى الديا # ر صدفت # 67 # بالقلب الحزين # لم تلق حولك غير «كر # تر» والنطاسي ~~المعين # أقبلت من حجب الجلا # ل على قبيل ~~معرضين ms45 # والله يعلم لم يرو # ه من قرون أربعين # وتبدو لوعة شوقي بالغة في هذا الجزء من القصيدة على ما وصلت إليه مصر من الضعف في ذلك ~~الحين، فقد أحس بالملك المصري القديم حزينا أشد الحزن عندما فتح عينيه على وطن ألفه قويا ~~بالغ القوة، عزيزا راسخ العزة، فوجده على غير ما اعتاد أن يراه، رآه بلدا أعزل، لا سلاح ~~يحمي بره، ولا أسطول يدافع عن بحره؛ فلا غرابة إن أعرض عن الديار بقلب متألم ~~حزين. # ولم لا يحزن وهو لم ير حوله أبناءه المصريين هم الذين اهتدوا إلى قبره، بل وجد وجها ~~غريبا، وسحنة لا تمت بصلة إليه؟! # ولم لا يحزن وهو يرى قومه لا يسهمون في بناء الحضارة وإشادة المجد، كما كان هو يساهم في ~~ذلك بحظ وفير؟! # ولكن الشاعر برغم تمجيده للملك المصري وحضارة عصره لا يقبل حكم الفرد، ولا يرضى عن حكم ~~الجمهور نفسه بديلا، ويرى أولئك الذين يقبلون حكم الفرد متخلفين في التفكير، متأخرين لا ~~يعيشون في عصرهم. واستمع إلى شوقي إذ يقول: # قسما بمن يحيي العظا # م، ولا أزيدك من ~~يمين # لو كان من سفر إيا # بك أمس أو فتح مبين # أو كان بعثك من دبي # ب الروح أو نبض الوتين # 68 # وطلعت من وادي الملو # ك عليك غار ~~الفاتحين # الخيل حولك في الجلا # ل العسجدية ينثنين # 69 # وعلى نجادك هالتا # ن من القنا والدارعين # 70 # والجند يدفع في ركا # بك بالملوك مصفدين # 71 # لرأيت جيلا غير جي # لك، بالجبابر لا يدين # 72 # ورأيت محكومين قد # نصبوا، # 73 # وردوا الحاكمين # إن الزمان وأهله # فرغا من الفرد ~~اللعين # فإذا رأيت مشايخا # أو فتية لك ~~ساجدين # لاق الزمان تجدهمو # عن ركبه متخلفين # هم في الأواخر مولدا # وعقولهم في ~~الأولين # وتبدو نظرة شوقي الحزينة أيضا في أرجوزة أخرى ناجى بها توت عنخ آمون؛ حيث ثار على الضعف ~~الذي كان عليه الوطن، فتخيل الملك المصري كما كان، قائدا مغوارا يقود جيشا يملأ السهل ~~والجبل، يمضي به فاتحا منابع النيل. ms46 # ويحدثه عما اكتسبه وادي الملوك من الشهرة والازدهار يوم كشف عن قبر هذا الملك، الذي أعاد ~~إلى الأذهان ذكرى دولة الفراعنة، الذين أبلت آثارهم قوى الدهر وفلت سطوته. # وظلت آثار الملك الراحل تسافر عبر القرون، حتى انقضى أربعون قرنا، حتى إذا عاد إلى وطنه ~~وجد به إنجلترا وجيشها ومندوبها مقيمين فيه مسلولي السيوف؛ لتحمى الهند، وتفصل السودان، ~~وتقتطع قناة السويس. يقول الشاعر للملك المصري القديم: # قم سابق «الساعة»، # 74 # واسبق وعدها # الأرض ضاقت عنك، فاصدع ~~غمدها # واملأ رماحا غورها ونجدها # وافتح أصول النيل ~~واستردها # شلالها، وعذبها، وعدها # 75 # واصرف إلينا جزرها ومدها # تلك الوجوه لا شكونا فقدها # بيضت القربى لنا ~~مسودها # سللت من «وادي الملوك» فازدهى # وألقت الشمس عليه رأدها # 76 # واسترجعت دولته إفرندها # 77 # أبيض ريان المتون وردها # أبلى ظبى الدهر، وفل حدها # وأخلق العصور ~~واستجدها # سافر أربعين قرنا عدها # حتى أتى الدار فألفى ~~عندها # إنجلترا، وجيشها، ولوردها # مسلولة الهندي تحمي ~~هندها # قامت على السودان تبني سدها # وركزت دون القناة بندها # 78 # وكانت هذه المفاجأة التي فوجئ بها الملك المصري مذهلة محزنة، فقال في حسرة: ليتني ظللت في ~~القبر مختفيا وراء جدرانه، ولم أنتبه من رقدتي. حدثني أيها الشاعر المصري القديم عما حدث ~~بعدي من لعب مصر واستهتارها، ونسيت جلال الآباء والأجداد، ولم يصدها عن هذا الاستهتار ~~جلال الموت، ولا هيبة من ماتوا، يقول شوقي على لسان ملك مصر: # فقال والحسرة ما أشدها # ليت جدار القبر ما تدهدها # 79 # وليت عيني لم تفارق رقدها # قم نبني يا بنتئور، # 80 # ما دها؟ # مصر فتاتي لم توقر جدها # دقت وراء مضجعي ~~جازبندها # قد سحبت على جلالي بردها # ليت جلال الموت كان ~~صدها # وهنا يمجد شوقي الملك المصري القديم، ويمجد ملوك مصر القديمة بعامة إذ يقول: # فقلت: يا ماجدها وجعدها # 81 # لو لم تك ابن الشمس كنت رئدها # 82 # لحدك ودته النجوم لحدها # أريتنا الدنيا به ~~وجدها # سلطانها وعزها ورغدها # وكيف يعطى المتقنون ~~خلدها # آثاركم يخطي الحساب عدها # انهدم الدهر، ولم ~~يهدها ms47 # ولم يكن الشاعر هنا برغم احتلال الإنجليز للوطن المفدى متشائما، بل كان يرى مصر قد ~~بلغت حدا من الرشد يبشر بمستقبل سعيد، وكانت ثورتها المباركة سنة 1919 دليل يقظة ورشد، ~~فأرسلت وفدها إلى أوروبا، وأقامت البرلمان تستقبل فيه نواب البلاد، ولعل ذلك كان نقطة لبدء ~~العمل الجليل لبناء مستقبل رشيد: # مصر الفتاة بلغت أشدها # وأثبت الدم الزكي ~~رشدها # ولعبت على الحبال وحدها # وجربت إرخاءها ~~وشدها # فأرسلت دهاتها ولدها # 83 # في الغرب سدوا عنده مسدها # وبعثت للبرلمان جندها # وحشدت للمهرجان حشدها # 84 # ويختم هذه الأرجوزة بالدعاء لمصر أن يقوي الله يدها، ويشد أزرها، وأن يفتح أمامها السبل ~~ولا يسدها، وأن يجعلها تقدر لكل خطوة ما بعدها، وأن يبعدها عن صغار الأمور، ويوجهها إلى ~~العظائم، حتى لا تذهب دماء الضحايا هدرا، وأن يكبح هوى النفوس ويكسر أحقادها، ويجمع القلوب ~~على حب مصر الأم الرءوم، وأن يجعل النبوغ من حظ أبنائها، وألا تخلق بيديها من يستبد ~~بأمورها. # ولعل الكشف عن آثار توت عنخ آمون، وقيام الثورة المصرية المباركة، وفتح البرلمان أبوابه ~~لاستقبال نواب البلاد هو الذي أثار هذه الأماني الطيبة في صدر شوقي عندما قال: # يا رب قو يدها، وشدها # وافتح لها السبل، ولا ~~تسدها # وقس لكل خطوة ما بعدها # وعن صغيرات الأمور ~~حدها # واصرف إلى جد الشئون جدها # ولا تضع على ~~الضحايا جهدها # واكبح هوى الأنفس، واكسر حقدها # واجمع على الأم ~~الرءوم ولدها # واملأ بألبان النبوغ نهدها # ولا تدعها تحي ~~مستبدها # وتنتحت براحتيها فردها # وهو هنا، كما سبق في شعره، يكره حكم الفرد ويمجد الشورى، وهكذا كان الكشف عن آثار توت ~~عنخ آمون مثيرا لخواطر متنوعة في شعر شوقي، فحينا هو فخور بالمجد المصري القديم، تياه ~~بهذه الحضارة الرفيعة التي دل عليها كشف ذلك القبر، وحينا يصف هذا الكنز الثمين، وحينا ~~يوازن بين الماضي والحاضر، وحينا يتفاءل بمستقبل مزدهر لهذا الوطن العزيز، ولكنه في جميع ~~الحالات لا يطمئن إلى حكم الفرد، ولا يرتاح إلى استبداده. # ومن كل ما عرضناه يبدو تبريز شوقي ms48 في وصف الآثار المصرية؛ مما يجعلنا نشعر بصدقه يوم ~~افتخر بسيفه في ميدان الوقوف عند آثار مصر والإشادة ببناتها فقال: # هذا المقام عرفته # وسبقت فيه القائلين # | تمثال رمسيس # كان نقل تمثال رمسيس من البدرشين حيث كان، إلى محطة القاهرة حيث أقيم، مثيرا في نفوس ~~الشعراء كثيرا من الذكريات والخواطر، فهذا شاعر قد أثار فيه نقل التمثال ذكريات تاريخية عن ~~رمسيس، هي ذكريات مجده الحربي، فتخيل رمسيس على رأس جيشه، وقد ملأ الوادي صهيل خيله، وزلزل ~~الأرض هدير صوته الذي لا تزال ربى النيل تردده، وقد انتظم جنده من حوله يرون فيه القائد ~~المظفر. إنهم يكونون جحفلا جرارا كأنهم السيل المنهمر يثقلون كاهل الأرض، لهم شجاعة ~~الجبابرة الذين يطلبون أن يخلد التاريخ شجاعتهم، ولهم أصوات مفزعة. # أما رمسيس فتعنو لسيفه الأعناق المتوجة، وتهوي به يمينه كالقدر يردي فلول المنهزمين أمام ~~بسالته، تحمله مركبة يحملها الدهر، ويرعاها الشمس والقمر، يسدد منها سهام الموت تحصد ~~أعداءه، فتهون عزيمتهم أمام عزمه، ويدق بأسه الحصون السامقة، حتى انفرد في عصره بالمجد لا ~~يشاركه فيه سواه. # وها هو ذا يعود إلى وطنه تطلق أبواق جنده عودته منتصرا على أعدائه، ذكريات يسجلها الشاعر ~~فيقول: # رمسيس، ما أروع التاريخ محتشدا # وقد ذكرت فأصغت للعلا ~~السير # صهيل خيلك في الوادي تردده # ملاحن جاوبتها الريح ~~والشجر # وزلزل الأرض إيقاعا وتصدية # هدير صوتك والماضون قد ~~نشروا # وفي ظلال العلا أجنادك انتظموا # يستلهمونك أمجادا لها ~~انتصروا # سارت جحافلهم في الأرض تثقلها # كأنها السيل في الوديان ~~ينهمر # عنت لسيفك أعناق متوجة # بالغار من قبل أن تذرى بها ~~النذر # في مركب لك هام الدهر تحمله # والشمس ترعاه، والأفلاك ~~والقمر # ودق بأسك حصنا كان سامقه # يطاول النجم، حتى ما له ~~أثر # حتى انفردت بمجد الدهر أجمعه # فما تخطاك من عليائه ~~وطر # والنصر بشراه في الآفاق تطلقها # أبواق جندك في ~~الوادي، وقد ظفروا # 1 # وهذا شاعر يرى رمسيس قد عاد بعد هذه القرون الطويلة والأجيال المتعاقبة، عاد في موكب من ~~المجد تنطق به الأفعال لا الأقوال، ms49 عاد يمشي في شعبه، رهيب الخطوة، فارع الطول، شامخ الأنف، ~~رائع الجمال، يمسك بيده صحيفة أعماله التي سجل فيها كفاحه ونضاله. # وهنا يمجد الشاعر شعب مصر القديمة الذي أنشأ هذا التمثال الرائع، ويرى هذا الشعب صانع ~~المجد، باعث الفن، قد سكب روحه في المعابد والأهرام، ويرى رمسيس رمز هذا الشعب الأبي؛ إذ ~~يقول: # من وراء القرون والأجيال # عاد، لكن في صورة التمثال # عاد يزهو في موكب من فخار # صامت القول ناطق الأفعال # عاد يمشي في شعبه مشية الأم # س رهيب الخطى فسيح المجال # فارع الطول، شامخ الأنف، يبدو # رائع الفن، عبقري ~~الجمال # في يديه صحيفة القدر الغا # لب مكتوبة بروح ~~النضال # من بطون التاريخ ينشر ألوا # نا من الزهر والنقوش ~~الغوالي # دبجتها الأكف من شعب مصر # صانع المجد في العصور ~~الخوالي # باعث الفن والحياة بوادي الن # يل بين المصب ~~والشلال # ساكب الروح في المعابد والأه # رام تجري بكهرب ~~سيال # فهو رمز العلا لشعب أبي # بين أقرانه، عزيز ~~المنال # وصور الشاعر خروج الشعب للقاء تمثال رمسيس، وما أثارته رؤيته في نفسه من ذكريات قديمة ~~وحديثة، فتخيله راكبا عجلة الحرب يصمي أعداءه بالنبال، وتخيله قائدا مغوارا يهجم على ~~أعدائه في معاقلهم، وتخيله وهو يبني معبد الرمسيوم، وتمثله في قرية «البدرشين» وهو ملقى في ~~ساحتها طريح الرمال في مهب الريح ينظر إلى السماء، شاكيا ما وصل إليه أمره من سوء المآل ~~بعد عز الحياة، حتى قيض الله له من نفض التراب عنه، ورفعه أمام الزمان أصيد عالي ~~المكان. وهذه بعض أبيات تصور هذه الذكريات: # خرج الشعب كله يتملى # وجه رمسيس ذي العلا ~~والجلال # كان عهدي به على عجلات ال # حرب يصمي أعداءه ~~بالنبال # كان عهدي به أخا الفتح يغشى # في حمى الغاب موطن ~~الرئبال # كان عهدي به أخا المجد يعلي # معبد «الرمسيوم» بين ~~الجبال # وعندما كان في البدرشين: # طالما هبت الرياح عليه # وهو في ساحها طريح ~~الرمال # ناظر للسماء يشكو إليها # بعد عز الحياة سوء ~~المآل # يتمنى على المدى من بني مص # ر ms50 جريئا في فعله لا ~~يبالي # ينفض الترب والغوائل عنه # ليراه الزمان أصيد # 2 # عال # ثم يناجيه الشاعر بما أثارته رؤيته في نفوس المصريين من آمال كبار في المجد والنصر، ويراه ~~خطيبا بما اتصف به من الخصال السامية. # ويرحب الشاعر برمسيس في مصر الحديثة بعد الثورة، فقد تطهرت من عار الاحتلال، وصارت أمة ~~تسعى إلى المجد والعلا، قد حزمت أمرها واتحدت كلمتها، وتخلص حتى السجين من الأغلال، فيقول ~~له: # هذه مصر رحبت بك يا رم # سيس في موكب من ~~الأبطال # فادخل اليوم أرضها، فهي طهر # غسلت من هزيمة ~~واحتلال # ستراها كما عهدت قديما # أمة المجد والنهى ~~والمعالي # حزمت أمرها اتحادا، وثابت # للهدى بعد فرقة ~~وضلال # عيدها أن تراك فيها، وما ير # سف حتى السجين في الأغلال # 3 # أما هذا الشاعر فيستوقف نظره تمثال رمسيس وهو راقد في صحراء البدرشين؛ حيث تضربه الشمس ~~نهارا ويناجيه القمر ليلا، فلو أن التمثال كان حديدا لانصهر في حرارتها. لقد مرت عليه ~~آلاف الأعوام وتهاوت كما تهاوت أوراق الشجر لم تغير منه شيئا، يقول الشاعر: # من ذلك الراقد في الص # حراء من دهر ~~غبر # تضربه الشمس، وفي الل # يل يواسيه ~~القمر # لو أنه كان حدي # دا في لظاها # 4 # لانصهر # آلاف أعوام تها # وت مثل أوراق الشجر # ما غيرت منه، وكم # شوهد فيها من غير؟ # ويسأله الشاعر عن سر هذا النوم الطويل، وهل كان ذلك لطول سهره على مصلحة رعيته وبناء ~~مجدها؟ لقد نام طويلا نوما لم تزعجه فيه الأحلام، فكيف استيقظ بعد هذا النوم الطويل؟ ويجد ~~الشاعر الجواب في هذه الثورة التي أيقظت في البلاد كل شيء حتى الحجر الأصم، فيقول: # يا نائما دهرا، أطو # ل النوم من طول ~~السهر # ما كدرت نومك آ # لام، ولا حلم خطر # كيف انتبهت بعدما # خدرت ذلك الخدر # أيقظك العهد الذي # أيقظ في مصر الزمر # ويخاطب الشاعر رمسيس قائلا له: إنه قد نال الخلود في كل ناحية من النواحي، فخلد جسمه ~~محنطا، وخلد تمثاله، وخلد تاريخه الباهر على الزمن. ms51 أما روحه فمكفول لها الخلد إلى يوم ~~القيامة، وقد أمدها المصريون بالطعام، وحرسوها بالسلامة والتعاويذ من كل شر يستطيع أن ~~يمسها؛ إذ يقول: # رمسيس، قد خلدت في الد # نيا على كل ~~الصور # جسما، وتمثالا، وتا # ريخا على العهد ~~بهر # والروح مكفول لها ال # خلد ليوم ~~المستقر # أما أمدوها بما # تطعمه طول السفر # وعوذوها بالسلا # ح والرقى من كل ~~شر # ويناجي الشاعر رمسيس فرحا بما أحرزته مصر على يد الثورة من أمجاد، فقد طهرت البلاد من ~~أرجاس المستعمرين، ولو أن رمسيس رأى البلاد قبل الثورة لخزي لما يراه في مصر من خور تنحني ~~له الرءوس خجلا، وينفطر له القلب أسى، ورام لو عاد إلى وحشة الصحراء، حتى لا يرى عار ~~احتلال الأجنبي للبلاد؛ فقد دام سبعين عاما عاث فيها فسادا وظلما، حتى أرسل لها القدر من ~~خلصها من عار ذلك الدنس، يقول الشاعر: # رمسيس، لو في مصر قب # ل اليوم لحت ~~للنظر # لكان أخزاك الذي # يلقاك فيها من خور # وكان رأسك انحنى # وكان قلبك انفطر # ورمت لو عدت إلى الص # حراء زهدا في ~~الحضر # هذا هو المحتل يج # لو بعدما في مصر ~~قر # سبعين عاما عاث في # ها، واسترق ~~وهدر # مستوزرا منها الذي # هان، ومان، # 5 # وغدر # حتى أتاها قدر # من جانب الغيب ظهر # فاجتث، واحتث، # 6 # ونم # ى وبنى، ثم عمر # ويختم الشاعر قصيدته متحدثا عن العدو الرابض لنا في الشرق، كما كان العدو رابضا لرمسيس ~~في الشرق أيضا. وإذا كان رمسيس قد قضى على عدوه في معركة «قادش»، فإن الشاعر يتمنى أن يلقى ~~العدو في معركة قادش أخرى يهزمه فيها هزيمة نكراء، فيقول: # رمسيس، يا سليل «رع» # سل «رع» يقي مصر ~~الخطر # ما زال في الشرق لنا # خصم كخصمك انتظر # يا ليتنا في «قادش» # أخرى لقيناه، ففر # 7 # ويحس شاعر آخر أن رمسيس عندما هب من نومه واقفا على قدميه ظن أنه قد بعث، وكان على مدى ~~العصور يحلم بالبعث ويتوق إليه، فأخذ يتساءل أين جنده وقصوره وعواصم بلاده، ms52 والمعبد الذي ~~أقامه، ومن يملؤه من العباد؟ بل أين قلبه الذي يحس به الحياة والخلود؟ # ويسرع الشاعر فيجيبه بأن ذلك بعث حقيقي؛ لأن النيل قد استيقظ بنوه، يستمدون مجدهم من مجد ~~رمسيس، فلم يبق في الوادي نائم ولا كسلان، ولا خاضع ذليل، بل قد غدا الشعب كخلايا النحل، ~~يعمل في جد ودأب، حتى أحال الصحاري التي كانت خرابا جنة مزدهرة. أما جيش رمسيس فهو في ~~الوادي قد شمر عن ساعديه للأحداث، فجنده أسود في الحرب، ويحمون الحقوق في السلم. # وكل ما يمكن أن يراه رمسيس من فرق بين ما يراه اليوم وما كان يراه بالأمس، هو أن شعبه ~~كان يدين بالعبادة لآمون، في حين أنه يدين اليوم لإله عزيز، رحيم، واحد، خالد، خلق الخلق ~~كما شاء. # لقد بعث رمسيس اليوم في أشخاص أبنائه، فكلهم له قلب رمسيس وعزمه، وقد صمموا أن يكتبوا ~~لأنفسهم تاريخا مجيدا، وأن يتخذوا من معركة قادش نموذجا ينسجون على منواله، يقول ~~الشاعر: # هب من نومه على قدميه # ينشد البعث، وهو بين ~~يديه # وصحا فاستقام يلقي على الد # نيا سؤالا يجول في ~~عينيه # أوحقا بعثت للنيل أم أن # خيالي بالبعث يهفو ~~إليه؟ # أين جندي؟ وأين ركبي؟ وجيشي؟ # وعتادي أمضي وأغدو ~~عليه # أين ممفيس؟ أين طيبة؟ والمع # بد والعابدون في ~~ساحتيه؟ # أين قلبي أرده لضلوعي؟ # أستمد الخلود من ~~خفقتيه؟ # فيجيبه الشاعر: # يا ابن آمون، إنه البعث فانظر # يقظة النيل والذين ~~عليه # انظر النيل لا ترى فيه وسنا # ن، # 8 # ولا جاثيا على ركبتيه # شعبه قد غدا خلايا من الن # حل لجني الثمار من ~~ضفتيه # والصحاري التي عهدت يبابا # 9 # قد نمت جنة على شاطئيه # وهنا جيشك المظفر قد شم # ر للحادثات عن ~~ساعديه # جنده في الوغى أسود، وفي الس # لم حماة الحقوق من ~~عنصريه # لم يعد ثم يا ابن رمسيس آمو # ن تفيض الخيرات من ~~راحتيه # خالق الكون قد هدى الناس لل # إيمان والحي، واصطفاهم ~~إليه # وحبا مصر كلها قلبك البا # سل، ترجو الخلود من ~~خفقتيه # كل أبنائها ms53 لهم قلب رم # سيس وعزم الأسود من ~~ساعديه # يوم «قاديش» يا ابن رمسيس قد # خلف جندا سينسجون عليه # 10 # وهكذا أثار تمثال رمسيس في نفوس الشعراء خواطر متعددة، فاستعاد بعضهم تاريخ رمسيس الحربي، ~~وأحس بعضهم أنه قد عاد بين شعبه كما كان بالأمس، وملأته ذكريات الماضي والحاضر، وفاض أملا ~~في مستقبل للوطن مزدهر، وكانوا جميعا فرحين بما ظفر به الوطن في العهد الجديد من حرية، ~~ونهضة شاملة توحي بما ستكون عليه البلاد من مجد وعزة. # | منارة الإسكندرية # وقد سبق وصفها في أول هذا البحث، وقد تحدث عنها المسعودي في مروج الذهب (1: 232)، ~~والسيوطي في حسن المحاضرة (1: 43)، ويقول عنها ابن فضل الله العمري: وقد كانت المنارة سرح ~~ناظر، ومطمح أمل حاضر، طالما جمعت أخدانا، وكانت لجياد الخواطر ميدانا، ولم يبق منها إلا ~~ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس. # 1 # ومن هذه الخواطر التي حركتها خواطر شاعرين من أبناء القرن السادس الهجري؛ هما: ابن قلاقس، ~~والوجيه ابن الذروي؛ فقد روي أنهما طلعا المنارة، فاقترح ابن قلاقس على صاحبه أن يصف ~~المنارة، فقال الوجيه على البديهة: # وسامية الأرجاء تهدي أخا السرى # ضياء إذا ما حندس # 2 # الليل أظلما # لبست بها بردا من الأنس ضافيا # فكان بتذكار الأحبة معلما # 3 # وقد ظللتني من ذراها بقبة # ألاحظ فيها من صحابي ~~أنجما # فخيل أن البحر تحتي غمامة # وأني قد خيمت في كبد السما # 4 # فاشتد سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها: # ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا # كأنما فيه للنسرين # 5 # أوكار # 6 # راسي القرارة، سامي الفرع في يده # للنون والنور أخيار ~~وأخبار # أطلقت فيه عنان النظم فاطردت # خيل لها في بديع ~~الشعر مضمار # ولسنا الآن بسبيل نقد هذا الشعر، وتقدير قيمته الفنية، ولكننا بسبيل استنباط ما يدل عليه ~~من الإعجاب بارتفاع المنارة في جو السماء، حتى خيل لابن قلاقس أنها بلغت عنان السماء، ~~وتخيل الوجيه أنه خيم في كبدها، والإعجاب بهذا النور ينبعث منها فيهدي السارين إذا اشتد ~~ظلام الليل، والإعجاب برسو أصلها في الأرض، واستقرارها ms54 في ثبات. # | عمود السواري # وصفه المؤرخون للآثار المصرية من غير أن يرووا شعرا يصف إحساس الشعراء نحوه، أو إعجابهم ~~بدقة صنعه وارتفاعه الشاهق في الجو. # وبعد، فهذه عجالة تبين الاتجاهات المختلفة التي نظر بها الأدباء إلى آثار مصر في القديم ~~والحديث، وكلها باستثناء الشاعر خليل مطران معجبة بتلك الآثار، مسجلة ما تدل عليه من ~~حضارة وعلم وخلق رفيع. ms55