######OpenITI# #META# URI: 1384AhmadAhmadBadawi.Sibawayh.Hindawi62591496 #META# Tags: biographies #META# ID: 62591496 #META# Title: سيبويه: حياته وكتابه #META# AuthorID: 15858053 #META# Author: أحمد أحمد بدوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # حياة سيبويه‏ # كتاب سيبويه‏ # مراجع البحث‏ # مقدمة‏ # حياة سيبويه‏ # كتاب سيبويه‏ # مراجع البحث‏ # | سيبويه # | سيبويه # | حياته وكتابه # تأليف # أحمد أحمد بدوي # | مقدمة # سيبويه أشهر عالم يدور اسمه على ألسنة الدارسين لقواعد اللغة العربية، وله في نفوسهم من ~~الإجلال والتقدير ما ليس لنحوي سواه، يمجدون آراءه، ويرونها في المكان الأول من العمق ~~والإصابة. # وقد أحببت أن أساهم في دراسة هذا الرجل الخالد، فأجلو بعض جوانب شخصيته، وأصف مؤلفه ~~الضخم، راجيا أن أرسم له بقدر ما أستطيع صورة من هذه الأشتات المبعثرة عنه في كتب ~~التواريخ. # وظهر هذا البحث لأول مرة فصلة من صحيفة دار العلوم الصادرة في يناير سنة 1948م، ~~وتقدم إلي بعض طلبتي راجيا أن أعيد طبعه، وهأنذا أخرجه مرة ثانية مؤملا أن ينفع ~~الله به. # ومن الله أستمد الهداية والتوفيق. # | حياة سيبويه # (1) اسمه ونسبه # يعنى الباحث كثيرا بدراسة نسب من يترجم له، إذا كان من وراء هذه الدراسة نور يضيء جوانب ~~البحث، أو يوضح نتيجة من النتائج، أو يفسر أثرا من الآثار، فقد يكون في أسرة من الأسر ~~توارث لنوع خاص من أنواع المعرفة، أو استعداد للون من ألوان الثقافة والفنون، ولكننا ~~نبحث في نسب سيبويه فلا نجد شيئا يلقي بصيصا من الضوء على حياة آبائه، بل لا نعرف من ~~هؤلاء الآباء إلى اثنين، هما: أبوه عثمان، وجده قنبر، وقنبر اسم عربي قح، هو اسم ~~جد الشاعر الحكم بن معمر، وأرجح أن ذلك هو ضبط اسم جده، لا قنبرة كما في كتاب «نزهة ~~الألباء» في الطبعة القديمة التي عثرت عليها، ويدل على ذلك رثاء الزمخشري له كما سنرويه ~~بعد، فإن الشعر لا يسمح بالنطق بقنبرة، وليست القاف مفتوحة كما ضبطت في كتاب «معجم ~~الأدباء»، وسلفستر دي ساسي (ص40)، وقد ترك ابن خلكان ضبط هذا الاسم مع شدة عنايته بضبط ~~الأسماء، ولعله لم يصح عنده ضبط يذكره، واكتفاء المؤرخين بهذين الاسمين من سلسلة نسبه، قد ~~يكون من حقنا أن نستنبط منه أن أباه وجده هما اللذان دخلا في الإسلام، ms01 وسميا بأسماء ~~عربية، ولم يكن لأجداده الفرس من الخطر ما يدفع المؤرخين إلى حفظ أسمائهم، وسيبويه وأسرته ~~موال لبني حارث بن كعب، أو لآل الربيع بن زياد، أو آل ولاؤه لآل الربيع بعد بني ~~الحارث. # أما أمه فكانت فارسية كذلك؛ بدليل أنها لقبت ابنها هذا اللقب الفارسي الصريح ~~الذي عرف به في التاريخ، وبدليل هجاء بشار له بأنه ابن الفارسية كما سيأتي، وقد سار ~~لقبه أشهر من اسمه وهو عمرو، وكنيته وهي: أبو بشر، أو أبو الحسن، ولا أريد أن أطيل في معنى ~~هذا اللقب؛ فيكاد مؤرخو العرب يجمعون على أن معناه: «رائحة التفاح»، ثم يعللون سبب هذا ~~التلقيب، مدعين حينا أنه كان جميلا ذا وجنتين كالتفاح، وحينا أنه كان جميل الرائحة ~~حتى إن من يقربه كان يشم منه رائحة التفاح، وهذه تعليلات لا قيمة لها ولا داعي إليها؛ ~~لأن الأسماء لا تعلل كما يقولون، ويقول المستشرق # Huart # في كتابه: # La Littérature ~~arabe ~~(الأدب العربي): إن هذه الصيغة قد يكون مدلولها التصغير في اللغة الفارسية، ~~فيكون معنى اللقب إذا: التفاحة الصغيرة، والرأي في ذلك للعلماء باللغة الفارسية، وسيبويه ~~هو الطريقة التي ينطق بها هذا النوع من الأسماء المنتهية ب «ويه»، ك «ابن خالويه» ~~و«نفطويه»، أما نطقه في لغته الأصلية فسيبويه بفتح الياء كما ضبطه ابن خلكان وصاحب ~~«إعجام الأعلام»، وبكسرها كما ضبطه «إيوارت»، وقد تعب المستشرق الفرنسي «دي ساسي» في ضبط ~~هذه الكلمة وبيان معناها في كتابه: # An. Gra. Ara. # والمرجع أيضا علماء اللغة ~~الفارسية. # سيبويه إذا فارسي صريح من ناحية أمه وناحية أبيه، وربما كانت اللغة الفارسية تحيا نوعا ~~من الحياة في منزله، وعلى لسان أمه وأبيه، ولعله كان على علم قليل أو كثير بهذه اللغة، وهذا ~~ما لا أستطيع إثباته، وإن كنت أستأنس له بهذا الفصل الذي عقده في كتابه للألفاظ المنقولة من ~~الأعجمية، واطراد الإبدال في حروف الكلمة الفارسية عند تعريبها لوجود حروف في الفارسية لا ~~نظير لها في العربية. # كان كثير من حملة العلم ودارسي اللسان ms02 العربي في تلك العصور من الفرس، والمؤرخون يعللون ~~ذلك بعلل كثيرة، كان من جملتها ولا ريب تطلع الشبان ذوي المواهب إلى نيل المناصب السامية في ~~دولة كانت تعتمد على سواعد الفرس، ولقد كان هذا الباعث - بدون شك - واحدا من بين الأسباب ~~التي حفزت سيبويه إلى دراسة اللغة العربية والتبحر فيها، كما يدل على ذلك رحلته إلى ~~بغداد، فإنها كانت رحلة يريد من ورائها المجد المادي والأدبي، كما سنرى. ~~(2) مولده # لا سبيل إلى تحديد سنة ميلاده، فقد أغفلها المؤرخون جميعا، ولا محيص لنا من الفرض ~~والتخمين للوصول إلى معرفة تلك السنة على وجه التقريب؛ ذلك أن التاريخ يذكر من أساتذة ~~سيبويه عيسى بن عمر الثقفي الذي يكاد المؤرخون يجمعون على أنه توفي سنة تسع وأربعين ومائة، ~~ويقول ياقوت في كتابه «معجم الأدباء»: «وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل، ولا يعقل حتى ~~يكون بالغا، فإذا حسبنا لبلوغ سيبويه سن الرشد أربعة عشر عاما، كان لنا أن نضع ميلاد ~~سيبويه في العام الخامس والثلاثين بعد المائة، ويكون عيسى بن عمر من أوائل الأساتذة الذين ~~أخذ عنهم سيبويه.» # أين ولد هذا النابغة؟ يجهل التاريخ كذلك مكان هذه الولادة، فهو لا يعرف البلد الذي رآه ~~للمرة الأولى، ولا يكاد يذكره إلا وهو طالب للعلم، يغدو إلى مجالسه في مساجد البصرة، وبعض ~~المؤرخين يروي أنه ولد بالبيضاء التي يصفها ياقوت في «معجم البلدان» بأنها مدينة ~~مشهورة بفارس، وأنها أكبر مدينة في كورة إصطخر، وإنما سميت بالبيضاء لأن لها ~~قلعة تبين من بعد ويرى بياضها، وكانت معسكرا للمسلمين يقصدونها في فتح إصطخر، وهي مدينة ~~تقارب إصطخر في الكبر، وهي تامة العمارة خصبة جدا، ينتفع أهل شيراز بميرتها، وبينها ~~وبين شيراز ثمانية فراسخ، وينسب إليها كثير من العلماء المبرزين، عد ياقوت منهم جملة ~~صالحة. # أرجح هذه الرواية، وأستأنس لهذا الترجيح بما سنراه بعد من أنه رحل بعد إخفاقه في ~~بغداد إلى فارس عائدا في أغلب الظن إلى مسقط رأسه، فوافاه الأجل بها، أو قبل أن يصل ms03 ~~إليها في شيراز. ~~(3) نشأته # وإذا كان التاريخ يجهل بالتحديد منبته، فهو يجهل كذلك نشأته الأولى، ولا يعرف ما ~~شداه الطفل من العلوم، ولا ما أخذه من ألوان الثقافة، وأغلب الظن أنه كان كنابتة هذا ~~العصر يقرءون القرآن ويحفظون شعر العرب وشيئا من السيرة النبوية وتاريخ الغزوات، ثم ~~يمضي من يريد التخصص في مادة فيما خصص نفسه له. # ويروي كثير من المؤرخين أن سيبويه لم يطلب النحو أول ما طلب، بل كان يطلب الفقه ~~والآثار، أي الحديث وتاريخ الغزوات، قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، ~~فقال حماد يوما: قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليس أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه، ليس أبا ~~الدرداء.» فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء.» فقال له حماد: «لحنت، ليس أبا الدرداء.» فقال ~~سيبويه: «لا جرم، لأطلبن علما لا تلحنني فيه أبدا.» وطلب النحو، ليس في هذه القصة شيء من ~~الغرابة، فقد يعن للمرء وهو يدرس ما يشعره بالنقص في ثقافته، فيتجه لاستكمال هذا النقص، وقد ~~تظهر موهبته المكنونة في تلك المادة الجديدة، فينبغ ويمتاز. ومما لا ريب فيه عندي أن ~~سيبويه لم يكتف بالنحو والفقه والآثار، بل ضرب في كل علم من علوم عصره بسهم، قال ابن ~~عائشة: «كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابا نظيفا جميلا، قد تعلق ~~من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنه وبراعته في النحو، فبينا نحن ذات ~~يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد ~~تمثال فرس، فنظر ثم عاد، فقال: «ما ثبتت على حال.» فقال سيبويه: «العرب تقول في مثل هذا: ~~قد تذاءبت الريح. وتذاءبت أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من ها هنا وها هنا، ليخيل، فيتوهم ~~الناظر أنه عدة ذئاب».» وإذا صحت هذه الرواية، وهي ليست بعيدة الصحة، دلتنا على ~~منهج سيبويه التعليمي، واعتماده على التطبيق العملي فيما يلقيه من القواعد والنظريات، ~~وإن علمه باللغة ms04 يدلنا عليه كثير من فصول كتابه، ولا سيما أبواب الصرف، ففيها من غريب ~~الكلمات ما يدلنا على محصول كبير في اللغة. ~~(4) أساتذته # أما العلم الذي كرس له معظم وقته، ونبغ فيه وشهر به، فهو علم النحو، وكتابه فيه ~~أول كتاب وصل إلينا في ذلك العلم، ويحفظ التاريخ من أساتذته في تلك المادة سيد أهل ~~الأدب وصاحب العقلية الجبارة الخليل بن أحمد، وهو أعظم أساتذته أثرا فيه، وأكثرهم ~~اتصالا به وأخذا عنه، وكان سيبويه يعد أبرع تلاميذ الخليل في النحو وأوثق من حمل عنه، ~~ومنهم عيسى بن عمر الثقفي، مؤلف كتابي «الإكمال» و«الجامع» في النحو، وهو الذي أخذ عن أبي ~~عمرو بن العلاء تلميذ يحيى بن يعمر أحد تلامذة أبي الأسود. ومنهم: أبو زيد الأنصاري تلميذ أبي عمرو بن العلاء أيضا، وقد عاش أبو زيد هذا بعد سيبويه ~~بنيف وثلاثين سنة، ورأى المجد الذي أدركه تلميذه بتأليف الكتاب، وقد نقل عنه سيبويه فيمن ~~نقل، فكان الأستاذ يقول كالمفتخر بذلك: كان سيبويه غلاما يأتي مجلسي، وله ذؤابتان، فإذا ~~سمعته يقول: حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني. ومنهم: يونس تلميذ ابن العلاء أيضا، ~~وقد عاش كذلك بعد سيبويه، ويروى أنه لما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب: إن سيبويه قد ~~ألف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، قال يونس: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ ~~جيئوني بكتابه، فلما نظر فيه ورأى كل ما حكى قال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل ~~في جميع ما حكاه عنه، كما صدق فيما حكاه عني. ويخيل إلي أن الصلة لم تكن وثيقة بين ~~سيبويه وأستاذه يونس كما نلمس ذلك في تلك الرواية وفي رواية أخرى نقلها ياقوت. ومن أساتذته ~~في اللغة أبو الخطاب الأخفش الكبير، أستاذ أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو غير أبي الحسن ~~الأخفش تلميذ سيبويه، وإن كان أكبر من أستاذه سنا. وروى سيبويه اللغة أيضا عن أبي عمرو ~~بن العلاء كما ذكر ذلك ياقوت في معجمه (ج11، ص160). ~~(5) زملاؤه ms05 # ويذكر التاريخ من زملائه ثلاثة نبغوا على يد الخليل بن أحمد، هم: النضر بن شميل، وكان ~~أبرع تلاميذ الخليل في اللغة، ومؤرج العجل، وكان أبرعهم في الشعر واللغة، وعلي بن نصر، وكان ~~أبرعهم في الحديث. ~~(6) مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة # نشأ سيبويه بالبصرة، وأخذ علم النحو عن أعظم علمائها قدرا، ومعروف أن البصرة قد سبقت ~~الكوفة في هذا اللون من الدراسة وانفردت به، حتى أخذ هذا العلم، عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى ~~بن عمر الثقفي، أبو جعفر الرؤاسي، وعنه وعن غيره من علماء البصرة أخذ الكسائي والفراء معاصرا ~~سيبويه، وقد بدأت مدرسة الكوفة في النحو منذ أنشأها الرؤاسي تناظر مدرسة البصرة، يقول الأستاذ ~~أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام (ج2، ص294): «بدأ الخلاف هادئا بين الرؤاسي في الكوفة، والخليل في البصرة، ويظهر أن العصبية ~~العلمية بين المدرستين كانت مؤسسة على العصبية السياسية التي ظهرت بين البلدين، فقد كان ~~الكوفيون يميلون في الجملة سياسيا إلى دولة بني العباس، بينما كان البصريون منصرفين ~~عنها. وقد ظهر في البصرة محمد بن الحسن العلوي الملقب بالنفس الذكية، والذي حاربه ~~المنصور، وكان هو المرشح للخلافة قبل أن يأخذها العباسيون. # أهم الفروق بين المدرستين # وربما كان أهم الفروق الأساسية بين المدرستين أن مدرسة البصرة رأت أن أهم غرض هو وضع ~~قواعد عامة للغة في الرفع والنصب والجر والجزم ونحوها، تلتزمها، وتريد أن تسير عليها في دقة ~~وحزم، وإذا كانت اللغات دائما لا تلتزم القواعد العامة دائما، بل فيها مسائل لا يمكن أن ~~تجرى على القاعدة، وخصوصا اللغة العربية، التي هي لغات قبائل متعددة تختلف فيما بينها ~~اختلافا كبيرا ... أراد البصريون تمشيا مع غرضهم أن يهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحتها ~~قالوا: إنها تحفظ، ولا يقاس عليها. بل جرءوا على أكثر من ذلك، فخطئوا بعض العرب في ~~أقوالهم إذا لم تجر على القواعد، فالبصريون إذا رأوا «إن» تنصب الاسم وترفع الخبر غالبا، ~~ثم رأوها في بعض المواضع لا تسير هذا السير مع الوثوق بصحة ما ورد نحو: # إن ms06 هذان لساحران # ألزموا الناس باتباع الأكثر الأغلب، فهم قد فضلوا القياس وآمنوا بسلطانه ~~وجروا عليه وأهدروا ما عداه. # أما الكوفيون فلم يروا هذا المسلك، ورأوا أن يحترموا كل ما جاء عن العرب، ويجيزوا ~~للناس أن يستعملوا استعمالهم، ولو كان الاستعمال لا ينطبق على القواعد العامة، بل يجعلون ~~هذا الشذوذ أساسا لوضع قاعدة عامة، قال السيوطي في «بغية الوعاة»: إن الكسائي كان يسمع ~~الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلا ويقيس عليه، فأفسد النحو بذلك. # فإن أضفت إلى ذلك أن الكوفيين كانوا أكثر رواية للشعر، وأن الشعر المصنوع لديهم أكثر من ~~الشعر المصنوع عند البصريين، أدركت مقدار الخلف بين البصريين والكوفيين في مسلكهم. # ونرى في هاتين النزعتين أن البصريين كانوا أكثر حرية وأقوى عقلا، وأن طريقتهم ~~أكثر تنظيما وأقوى سلطانا على اللغة، وأن الكوفيين أقل حرية وأشد احتراما لما ورد عن ~~العرب. # وكان البصريون أكثر اعتدادا بأنفسهم، وأكثر شعورا بثقة ما يروون، وأشد ارتيابا فيما ~~يرويه الكوفيون؛ لذلك كان الكوفي يأخذ عن البصري، ولكن البصري يتحرج عن أن يأخذ عن الكوفي.» ~~ا.ه. كلام الأستاذ أحمد أمين. # وسوف نرى أثر هذه النزعة التعليلية القياسية في كتاب سيبويه، وسنرى أن اعتداد سيبويه ~~بالقياس كان من الأسباب التي جعلته يخفق في رحلته إلى بغداد. ~~(7) رحلته إلى بغداد # متى رحل سيبويه إلى بغداد؟ ولم؟ وفي مجلس من دارت المناظرة بينه وبين الكسائي؟ وكيف ~~أديرت؟ وبم انتهت؟ ولم انتهت كذلك؟ وما الرأي في المسألة التي كانت موضع النزاع ~~بينهما؟ وما نتيجة إخفاق سيبويه؟ # أما أن سيبويه رحل إلى بغداد، ودارت بينه وبين الكسائي مناظرة، فذلك ما لا سبيل إلى ~~الشك فيه، ولكن متى رحل إلى بغداد؟ لم يحدد التاريخ هذه السنة، وكل ما يذكره أن الرحلة ~~كانت في عهد الرشيد، وأنها كانت إلى يحيى بن خالد البرمكي، ثم يذكرون أن الرحلة قد ~~تمت ولسيبويه من العمر نيف وثلاثون سنة، ثم مات بعد هذه الرحلة بقليل. والبعض يذكر ~~أنها تمت ولسيبويه نيف وثلاثون سنة، ولكنه ms07 عاش بعدها نحو عشر سنوات، ولا سبيل إلى استخلاص ~~وجه الحق من هذه الأقوال المتضاربة، والذي أرجحه - لأن أكثر المؤرخين عليه - أن سيبويه لم ~~يعمر طويلا بعد هذه الرحلة، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه مات - كما سأرجح ذلك فيما بعد - وعمره ~~نيف وأربعون سنة، كانت رحلته إلى بغداد بعد الأربعين من عمره حول سنة 179 هجرية. # أما الباعث على تلك الرحلة فالطموح إلى نيل المجد المادي والأدبي، فقد كان الكوفيون إلى ~~ذلك الحين يستأثرون بهبات الخلفاء والقيام على تربية أولادهم، فطمع سيبويه في أن يفتح باب ~~الخلفاء والأمراء للبصريين، وأن يشارك الكوفيين حظهم، وكان واثقا بنفسه الثقة كلها، ~~مؤمنا بتفوقه وقدرته على الغلب والظفر، فأراد أن يبرهن للأمراء على أن البصريين يفوقون ~~الكوفيين ويبزونهم، فعمد إلى رئيسهم مؤمنا بأن انتصاره عليه انتصار للبصرة على الكوفة، ~~ومن وراء هذا النصر يجلس هو على قمة المجد الأدبي، ويظفر بما يرغب من المال والثراء، ~~ورغبته فيهما واضحة، حتى ليروى أنه بعد أن أخفق في مناظراته قال الكسائي ليحيى - ولهجة ~~الشماتة والانتصار بادية عليه، بعد أن كان قلبه يرتجف عندما سمع برغبة سيبويه في الحضور إلى ~~بغداد - قال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد إليك من بلده مؤملا، فإن رأيت ألا ترده خائبا. ~~فأمر له بعشرة آلاف درهم، وشهرة البرامكة بالبذل والعطاء هي التي بلا ريب جذبت إليهم ~~سيبويه. # أما المناظرة فكانت في مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وعنده ولداه: جعفر والفضل، وأفضل ~~الروايات في وصف هذه المناظرة ما ذكره ياقوت في معجمه نقلا عن الأخفش والمبرد وثعلب، ~~قالوا: «قدم سيبويه إلى العراق على يحيى بن خالد البرمكي، فسأله عن خبره، فقال: جئت لتجمع ~~بيني وبين الكسائي. فقال: لا تفعل، فإنه شيخ مدينة السلام وقارئها، ومؤدب ولد أمير ~~المؤمنين، وكل من في المصر له ومعه. فأبى إلا أن يجمع بينهما [ومن ذلك تبدو رغبة سيبويه ~~في التحدي والغلب وثقته بنفسه]، فعرف الرشيد خبره، فأمره بالجمع بينهما، فوعده بيوم، فلما ~~كان ذلك اليوم غدا سيبويه ms08 وحده إلى دار الرشيد، فوجد الفراء والأحمر وهشام بن معاوية ومحمد ~~بن سعدان قد سبقوه، فسأله الأحمر عن مائة مسألة، فما أجابه عنها بجواب إلا قال: أخطأت يا ~~بصري. فوجم سيبويه، وقال: هذا سوء أدب. ووافى الكسائي وقد شق أمره عليه، ومعه خلق كثير من ~~العرب، فلما جلس قال له: يا بصري [ومن هذه النسبة يظهر أن المناظرة لم تكن مناظرة شخصية، بل ~~كان يلاحظ فيها أنها مناظرة بين البصرة والكوفة؛ ولذلك أهمل ذكر اسم سيبويه في مخاطبته، ~~واستبدل به: يا بصري] كيف تقول: «خرجت وإذا زيد قائم»؟ قال: «خرجت وإذا زيد قائم». قال: فيجوز أن تقول: «خرجت فإذا زيد ~~قائما»؟ قال: لا. قال الكسائي: فكيف تقول: «قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، ~~فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هي»، ولا يجوز النصب. فقال الكسائي: ~~لحنت. وخطأه الجميع، وقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه. ودفع سيبويه قوله، فقال ~~يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما، وهذا موضع مشكل؟ قال ~~الكسائي: هذه العرب ببابك، قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، ~~وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم، فيحضرون ويسألون. فقال يحيى ~~وجعفر: قد أنصفت. وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو ثروان، فسئلوا عن ~~المسائل التي جرت بينهما، فتابعوا الكسائي.» # هذه هي الرواية المعقولة للطريقة التي دارت بها المناظرة بين الكسائي وسيبويه، وأغلب ~~الظن أن الأعراب الذين استشهد بهم الكسائي قد نطقوا بتلك الجملة كما نطق، وأغلب الظن أن بعض ~~العرب ينطق بالجملة كذلك. وقد قال أصحاب سيبويه: إن الأعراب الذين شهدوا للكسائي من أعراب ~~الحطمية الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم. أما تلك الرواية التي تزعم أن الأعراب ~~اكتفوا بقولهم: الحق ما قال الكسائي، وهو كلام العرب، ولم ينطقوا كما نطق الكسائي، فغير ~~معقولة ولا مقبولة، فقد كان سيبويه يعلم أن العرب الخلص في ms09 ذلك الحين يسبق الصواب إلى ~~ألسنتهم. # ولم يكن سيبويه من قلة الذكاء بدرجة أنه لا يطلب من الأعرابي أن يتكلم، ويرجح الأستاذ ~~أحمد أمين أن إصبع السياسة قد لعبت في هذه المسألة، ويروي ابن خلكان ما يفهم منه أن ~~المسألة كانت مدبرة ضد سيبويه البصري، وكان الأمين تلميذ الكسائي من القائمين في هذا ~~التدبير، وأنهم أحضروا أعرابا مرنوا ألسنتهم على أن تنطق بما ينطق به الكسائي، فيتم ~~الأمر ويحكم للكوفة على البصرة، وفي ذلك إذلال لها أيما إذلال. والذي أرجحه أن ~~المسألة أبسط مما يتصور حتى مع فرض أن إصبع السياسة قد لعبت فيها؛ ذلك أن الكسائي يعلم ~~أن البصريين وعلى رأسهم سيبويه لا يعتدون بغير القياس، ولا يقرون ما يخالفه وإن ثبت ~~سماعه، ولا يجيزون القياس عليه، وكان من اليسير على الكسائي أن يأتي بمسألة تخرج عن القياس، ~~ولا يعدم أن يجد قوما ينطقون كما ينطق، ونحن نعلم أن بعض العرب قد شذ عن أشهر ما هو ~~مألوف في اللغة ونظم الكلام. # والآن: ما وجه الصواب في هذا الخلاف؟ لا شك أن القياس هو ما قاله سيبويه، وهو ~~المتمشي مع المنطق، ف «هو» مبتدأ و«هي» خبر، وهما ضميرا رفع، وأما: «خرجت وإذا زيد قائم» ~~فيجوز في «قائم» الرفع والنصب، وإنما جاز فيها الوجهان، وامتنع في: «فإذا هو هي» لأن ~~قائما تنصب على الحال وهي نكرة، أما إياها فمعرفة لا تصلح أن تكون حالا، فيتعين أن ~~نأتي بالضمير المعرفة خبرا. ~~(8) حبسة لسانه # يرجع إخفاق سيبويه في هذه المناظرة فضلا عن التحامل عليه، وأنه لم يستصحب معه أنصاره، ~~ولا يؤمن بالقياس على الشاذ، إلى أنه لم يكن من الفصاحة بحيث يستطيع التأثير في سامعيه، ~~ويكاد مؤرخو سيبويه يجمعون على أنه كان ألكن، حدث أحمد بن معاوية قال: ذكر سيبويه عند ~~أبي فقال: عمرو بن عثمان، قد رأيته، وكان حدث السن، كنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل ~~عن الخليل، وقد سمعته يتكلم ويناظر في النحو، وكانت في لسانه حبسة، ms10 ونظرت في كتابه فرأيت ~~علما أبلغ من لسانه، أو كانت هذه اللكنة سببا قويا في إخفاقه في المناظرات، فإنه لم ~~يخفق في مناظرته للكسائي فحسب، ولكنه أخفق في مناظرة أخرى دارت بينه وبين الأصمعي، وكان ~~الحق فيها معه، ولكنه هزم بسبب هذه اللكنة في لسانه، حدث أبو حاتم السجستاني قال: دخلت ~~على الأصمعي في مرضه الذي مات فيه، فسألته عن خبره، ثم قلت له: في نفسي شيء أريد أن ~~أسألك عنه. قال: سل. فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين سيبويه من المناظرة. فقال: والله ~~لولا أني لا أرجو الحياة من مرضتي هذه ما حدثتك، إنه عرض علي شيء من الأبيات التي ~~وضعها سيبويه في كتابه، ففسرتها على خلاف ما فسره، فبلغ ذلك سيبويه، فبلغني أنه قال: ~~لا ناظرته إلا في المسجد الجامع. فصليت يوما في الجامع، ثم خرجت فتلقاني في المسجد، ~~فقال لي: اجلس يا أبا سعيد، ما الذي أنكرت من بيت كذا وبيت كذا؟ ولم فسرت على خلاف ما ~~يجب؟ فقلت له: ما فسرت إلا على ما يجب، والذي فسرته أنت ووضعته خطأ، تسألني وأجيب. ~~ورفعت صوتي، فسمع العامة فصاحتي، ونظروا إلى لكنته، فقالوا: لو غلب الأصمعي سيبويه. فسرني ~~ذلك، فقال لي: إذا علمت أنت يا أصمعي ما نزل بك مني لم ألتفت إلى قول هؤلاء. ونفض يده في ~~وجهي ومضى، ثم قال الأصمعي: يا بني، فوالله لقد نزل بي منه شيء وددت أني لم أتكلم في ~~شيء من العلم، فأنت ترى أن لكنته سبب هزيمته. # ولقد كان لمناظرة سيبويه والكسائي أثرها في نفس كثير من العلماء، كانوا يؤمنون بصدق ~~سيبويه وخطأ الأعراب الذين أخذ عنهم الكسائي، ومن هؤلاء يحيى بن المبارك اليزيدي الذي قال ~~حينما سمع استشهاد الكسائي بأعراب الحطمية، وهي قرية على فرسخ من بغداد منسوبة إلى السري بن ~~الحطم أحد القواد: # كنا نقيس النحو فيما مضى # على لسان العرب الأول # فجاء أقوام يقيسونه # على لغى أشياخ قطربل # وقد علق المرحوم الأستاذ عبد الخالق على ذلك قائلا: ms11 إن الفساد الذي ينسب إلى ~~الكسائي ربما كان واقعا، فإن القرى التي يسكنها هؤلاء «الأعراب» كانت مرتعا للبطالين ~~والخمارين، وهي خليط من قوم لا يصح الاعتماد عليهم في اللغة، وقد ذكر ياقوت في «معجم ~~البلدان» مثل هذه الصفات، هذا وإن أبا نواس قد شهر قطربل القريبة من بغداد بالخمر ~~والخمارين. # ومن هؤلاء الذين ثاروا لهزيمة أستاذهم الأخفش الأوسط، راوي كتاب سيبويه، قال: «لما ناظر ~~سيبويه الكسائي ورجع، وجه إلي فعرفني خبره، ومضى إلى الأهواز، فوردت بغداد، فرأيت مسجد ~~الكسائي، فصليت معه خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته وقعد، وبين يديه الفراء والأحمر وابن ~~سعدان، سلمت، وسألته عن مائة مسألة، فأجاب بجوابات خطأته في جميعها، فأراد أصحابه الوثوب ~~علي، فمنعهم، ولم يقطعني ما رأيتهم عليه عما كنت فيه، فلما فرغت قال لي: بالله، أما ~~أنت أبو الحسن سعيد بن مسعدة؟ قلت: نعم. فقام إلي، وعانقني، وأجلسني إلى جنبه، ثم ~~قال: لي أولاد أحب أن يتأدبوا بك، ويتخرجوا عليك، وتكون معي غير مفارق لي، فأجبته إلى ~~ذلك، فلما اتصلت الأيام بالاجتماع ... قرأ علي كتاب سيبويه سرا، ووهب لي سبعين دينارا.» ~~وهكذا استطاع الكسائي - ويظهر لي أنه كان داهية - أن يلوي الأخفش عن قصده، وليس عليه في ~~ذلك من بأس بعد هزيمة رأس البصريين. # كان سيبويه يؤمل كبار الآمال على هذه الرحلة، ويرجو أن ينصر البصرة على الكوفة، وأن ينال ~~المكانة التي يجد نفسه جديرا بها، فما هو إلا أن وجد آماله تنهار أمام عينيه بانتصار ~~الكسائي عليه انتصارا يعده سيبويه مختلسا، فأزمع الرحلة عن بغداد. # إلى أين يتجه؟ إلى البصرة! وقد حبط فيما كان يبنيه لها من المجد؟ أم إلى الكوفة، وهو أعظم ~~منافس لأساتذتها، فضلا عن أنه لا يثق بعلمائها، ويرى أن ما يستنبطون منه قواعدهم النحوية ~~مكذوب مختلق؟ أم يبقى في بغداد التي شهدت أمله ينهار؟ لا سبيل إلى شيء مع ذلك، فأزمع ~~الرحلة إلى وطنه يقيم فيه عله يجد برد الراحة فيستريح. أزمع سيبويه الرحلة، ولكنها رحلة ~~المنطوي على ms12 الضغن، رحلة الذي لا ينسى أن له حقا في الحياة والمجد، فحيل بينه وبين ما ~~يشتهي. ~~(9) وفاته # ويظهر أن الصدمة كانت شديدة عليه فلم يحتملها، ولم يلبث أن مات غما بالذرب؛ وهو فساد ~~المعدة، وأعجله الموت، فلم يصل إلى بلده البيضاء، بل وافاه الأجل في شيراز أو بساوة بالقرب ~~منها سنة 180 هجرية، ومما يدل على أثر الصدمة في نفس سيبويه أنه كان يتمثل عند موته ~~قائلا: # يؤمل دنيا، لتبقى له # فمات المؤمل قبل الأمل # روى الأصمعي أن سيبويه مدفون بشيراز، وأنه قرأ على قبره هذه الأبيات، وهي لسليمان بن ~~يزيد العدوي: # ذهب الأحبة بعد طول تزاور # ونأى المزار، فأسلموك وأقشعوا # تركوك أوحش ما تكون بقفرة # لم يؤنسوك، وكربة لم يدفعوا # قضي القضاء، وصرت صاحب حفرة # عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا # وذلك هو ما أرجحه من تلك الروايات التي نجدها في الكتب التي أرخت لسيبويه، فابن نافع ~~وحده يذكر أنه مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وهو قول لم يؤيده فيه أحد، وغير معقول ~~أيضا؛ لأن سنه حينئذ لم تكن قد تجاوزت الخامسة والعشرين بكثير، وهو ما لم يقله مؤرخ، ~~ويرى ابن خلكان - غير متثبت - أنه وصل إلى البيضاء ومات فيها، ويروي ابن النديم أنه عاد إلى ~~البصرة، ثم ذهب إلى فارس، وعودته إلى البصرة مشكوك فيها بعد هذا الإخفاق. # وتحديدنا سنة وفاته بمائة وثمانين تحديد ترجيحي كذلك، وحسبي أن أذكر أن بعض الرواة يضعها ~~سنة إحدى وستين ومائة، وابن الجوزي يضعها سنة أربع وتسعين ومائة، والفرق بين التاريخين ثلاث ~~وثلاثون سنة، أما سبب ترجيحنا فإن أكثر الرواة عليه، ويرجحه ابن الأنباري، بدليل أنه مات ~~قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة. # كانت سن سيبويه عندما توفي تزيد على الأربعين، وعلى حسب ما حددنا تكون سنه زهاء خمس ~~وأربعين سنة، وهو المعقول بموازنة التواريخ، فليس بمعقول إذا أن نقبل قول الأستاذ أحمد ~~أمين الذي يضع تاريخ وفاته في الثمانين بعد المائة، ثم يقول إنه مات وعمره نيف وثلاثون ~~سنة؛ لأننا ms13 قلنا إنه أخذ عن عيسى بن عمر الذي توفي سنة تسع وأربعين ومائة، فيكون سيبويه ~~حينئذ في المهد صبيا. ~~(10) أخلاقه ومواهبه # كان سيبويه ذكيا، متوقد الذكاء، ذا عقل منطقي متزن، يحسن التفريع والتعليل، وكتابه ~~خير دليل على ذلك، ثم هو طموح لم يرض بحظه في البصرة وأنه أصبح شيخها، بل أبى إلا أن ~~يكون وحيد دهره، لا عالم فوقه في العالم الإسلامي، وإلى جانب طموحه كان واثقا بنفسه تمام ~~الثقة، يؤمن بقدرته في النحو قدرة فائقة. عن أبي عثمان المازني قال: حدثني الأخفش قال: ~~حضرت مجلس الخليل، فجاءه سيبويه، فسأله عن مسألة، وفسرها له الخليل فلم أفهم ما قالا، ~~فقمت وجلست له في الطريق، فقلت له: جعلني الله فداءك، سألت الخليل عن مسألة فلم أفهم ما ~~رد عليك، ففهمنيه. فأخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم أني أسألك إعناتا، فإني لم أفهمها ولم تقع لي. فقال لي: ويلك، ومتى توهمت أنني أتوهم أنك ~~تعنتني؟! ثم زجرني، وتركني ومضى. وذهابه إلى بغداد وطلبه مناظرة الكسائي تدلنا على هذا ~~الخلق الثابت في نفسه، ولكنه لم يكن مع ثقته بنفسه وطموحه من هؤلاء المتعجرفين الذين تمل ~~عشرتهم ويكره قربهم، بل كان محببا إلى نفس سامعيه ومجالسيه، والروايات كثيرة تدل على ~~ظرفه وكياسته. حدث ابن النطاح قال: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: ~~مرحبا بزائر لا يمل. قال: وكان كثير المجالسة للخليل، وما سمعت الخليل يقولها ~~لغيره. # وكان إلى جانب ذلك - على ما يظهر لي - مفرط اليأس إذا يئس، فلم يستطع أن يقاوم الصدمة ~~التي مني بها عندما أخفق في رحلته إلى بغداد، ولعله أراد أن يحارب اليأس الذي حل به، ~~فقيل: إنه سأل عن أمير له في النحو أرب، وخرج يريد بني طاهر في خراسان، كما يروى، ولكن ~~الألم الذي حز في نفسه لم يفارقه حتى مات. # هذا وقد تحدثنا عن لكنته فيما مضى، وبينا أثرها في إخفاقه في المناظرات. ~~(11) أسرته # أتزوج سيبويه وكون بيتا، أم ms14 وهب نفسه للعلم وكرس حياته له؟ لا يروي التاريخ شيئا ~~يتعلق بذلك، وأغلب الظن أن سيبويه عاش حياته كلها للعلم والتعليم، ونستأنس لذلك بأن ~~الروايات التي تتحدث عن وفاته، وتصف لحظاته الأخيرة، لا تتحدث عن زوجة ولا ولد، وكل ما ~~يذكره التاريخ له من الأقارب أخ، يظهر أن الحب والمودة كانت تربطهما معا بأوثق رباط، ولعل ~~سيبويه لم يكن له أخ سواه، قالوا: ولما اعتل سيبويه وضع رأسه في حجر أخيه، فبكى أخوه لما ~~رآه لما به، فقطرت من عينه قطرة على وجه سيبويه، ففتح عينه فرآه يبكي، فقال: # أخيين كنا، فرق الدهر بيننا # إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهرا # لم يترك سيبويه ذرية من بعده، ولكن ترك ذكرا مخلدا، واسما سوف يبقى ما بقيت اللغة ~~العربية، وما بقي دارس لهذه اللغة، ولقد نال سيبويه في حياته من الشهرة وذيوع الصيت ما لم ~~ينله قبله إلا أستاذه العظيم الخليل بن أحمد، بل لقد صار اسمه يذكر بجانب أستاذه كلما ~~تحدث الناس عن أعظم علماء النحو، ولم تقف شهرته عند العلماء، بل لقد كان مشهورا كذلك بين ~~جمهور الشعب، يتأثرونه ويقلدونه، حدث التاريخي عن المبرد عن الزواوي أبي زيد قال: قال رجل ~~لسماك بالبصرة: بكم هذه السمكة؟ قال: بدرهمان. فضحك الرجل، فقال السماك: ويلك، أنت أحمق، ~~سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان. ~~(12) تلامذته # ترك سيبويه من بعده تلاميذه، وكان من أشهرهم أبو الحسن الأخفش الأوسط، والناشئ، وأبو علي ~~قطرب، وترك كتابه العظيم الذي سنتحدث عنه فيما بعد. ~~(13) من أرخ لسيبويه # لم يدرس سيبويه إلى اليوم الدراسة التفصيلية التي يستحقها إمام ألف أول كتاب وصل إلينا ~~في قواعد اللغة، وأقدم ترجمة اهتديت إليها لسيبويه في كتاب أخبار النحويين البصريين ~~للسيرافي المتوفى سنة ثلاثمائة وثمان وستين للهجرة، وهي ترجمة موجزة، تحدث فيها عن اسمه ~~وبعض أساتذته وزملائه وتلامذته وكتابه، ولم يحدد بالزمن سني حياته ووفاته، ولا مكان موته، ~~وفي كتاب «الفهرست» لابن النديم المتوفى سنة 385 خمس وثمانين وثلاثمائة هجرية ترجمة موجزة ~~كذلك، وتحدث ms15 فيها عما تقدم، وأضاف إليه خبر رحلته إلى بغداد، وحدد سنة وفاته . # كنا نطمع من هذين العالمين أن يشفيا غليلنا من سيبويه لقرب عهدهما به، ولكن منهجهما في ~~التأليف وخطتهما التي اتبعاها في الإيجاز حرمتنا من معارف كثيرة كانا يستطيعان أن يقدماها ~~إلينا. # وفي «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة هجرية ترجمة لسيبويه، ~~نهج فيها المؤلف منهجه في ذكر الروايات المختلفة بأسانيدها، وفي هذه الترجمة بعض الطول، وهي ~~تحوي روايات متعارضة من مصادر مختلفة. # وفي القرن السادس للهجرة كتب صاحب «نزهة الألباء» المتوفى سنة 577ه، وهو كوفي يتعصب ~~للكوفيين، فصلا يشبه إلى حد كبير فصل الخطيب البغدادي، ولم يبين وجه الصواب في الخلاف ~~بين سيبويه والكسائي، ولكنه لم يستطع أن ينكر مواهب سيبويه ولا فضل كتابه، أما صاحب «معجم ~~الأدباء» المتوفى سنة 626ه، فقد عقد لسيبويه فصلا مطولا، هو أطول ما كتب عن سيبويه ~~إلى ذلك الحين، وفيه عيوب التأليف في تلك العصور، فلا ترتيب ولا تبويب، ولكنها روايات تجمع، ~~ينتقل فيها من موضوع إلى غيره بلا صلة ولا رباط، وإن كانت له تحقيقات نافعة في كثير من ~~الأحيان، كتحقيق سن سيبويه عند وفاته، كما تناول الحديث عن سيبويه في مواضع شتى، وفي هذا ~~الكتاب نقل لرواية لم يمحصها وتركها كما رواها، قال: نقلت من خط أبي سعد السمعاني، مما ~~انتخبه من طبقات أهل فارس وشيراز، تأليف الجاحظ أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز الشيرازي ~~القصار، بشير بن سعيد، وقيل: عمرو بن عثمان بن قنبر، يكنى أبا بشر سيبويه النحوي، «أخذ» عن ~~الخليل بن أحمد، وهو من الحارث بن كعب، مات وكان على مظالم فارس، وقبره في شيراز، لم يزد ~~في ترجمته على هذا. وأقول أنا بدوري: إن ياقوت لم يزد عن أن نقل هذه الترجمة ولم يمحصها، ~~فهل ولي سيبويه مظالم فارس؟ أستبعد ذلك؛ إذ لم يرو غيره من المؤرخين نبأ كهذا، والمترجم ~~يخطئ حتى في اسم سيبويه، مما يجعل هذه الترجمة تافهة قليلة القيمة. ms16 # عن هذه الكتب الخمسة أخذ ابن خلكان الذي توفي سنة 681ه، وقد عقد له فصلا موجزا ليس فيه ~~من جديد سوى ضبط اسم سيبويه في العربية والفارسية. وأخذ السيوطي أيضا المتوفى سنة 911ه في ~~كتاب «بغية الوعاة»، وأخذ المحدثون من أمثال جورجي زيدان، والرافعي، والإسكندري. # والأستاذ أحمد أمين في كتابه «ضحى الإسلام» قد تناول بالحديث نشأة النحو والتأليف فيه، ~~ومدرسة البصرة والكوفة، وتحدث حديثا مجملا عن كتاب سيبويه، وذكر أن دراسة الكتاب ~~وتحليله يحتاجان إلى فصل مطول. # وقد عرف المستشرقون سيبويه، وكتب عنه وعن مدرستي البصرة والكوفة وعن تلاميذه وأساتذته ~~المستشرق # Huart # في كتابه # La Littérature ~~arabe ~~(الأدب العربي)، وتحدث عنه وعن كتابه وحقق اسمه، وترجم بعض فصول ~~كتابه إلى الفرنسية المستشرق المعروف # Silvestre De Sacy # في ~~كتابه # Anthologie Gramaticale arabe ~~(مختارات من قواعد اللغة ~~العربية)، وذكر الأستاذ جورجي زيدان في كتابه أن المستشرق ديرنبورج طبع سيبويه في مجلدين كبيرين ~~في 1000 صفحة كبيرة، عليها تعاليق مفيدة، ومقدمة باللغة الفرنسية عن مسودات هذا الكتاب ومظانها، ~~وما قيل فيها، وقد نقله إلى الألمانية الدكتور ياهن وطبع في برلين، والآن يجدر بنا أن نزن ~~كتاب سيبويه، وأن ندرسه ونحلله، لنعرف قيمته الحقيقية. # | كتاب سيبويه # (1) موقف الأقدمين منه # قال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات، ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد ~~شيئا أشرف من كتاب سيبويه، وقلت له: أردت أن أهدي لك شيئا، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم ~~أر أشرف من هذا الكتاب، وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء. قال: والله ما أهديت إلي ~~شيئا أحب إلي منه. # وذكر صاعد بن أحمد الجياني من أهل الأندلس في كتابه قال: لا أعرف كتابا ألف في علم من ~~العلوم قديمها وحديثها فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب؛ ~~أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب أرسطاطاليس في علم المنطق، ~~والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من ms17 أصول فنه شيء إلا ما ~~لا خطر له. # وقال السيرافي: كان كتاب سيبويه لشهرته وفضله علما عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: ~~قرأ فلان الكتاب، فيعلم أنه كتاب سيبويه، وقرأ نصف الكتاب، ولا يشك أنه كتاب سيبويه. وكان ~~محمد بن المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه يقول له: هل ركبت البحر؟ تعظيما له ~~واستصعابا لما فيه. # وكان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه، ~~فليستح. # وقال الزمخشري في هذا الكتاب: # ألا صلى الإله صلاة صدق # على عمرو بن عثمان بن قنبر # فإن كتابه لم يغن عنه # بنو قلم ولا أبناء منبر # تلك كانت نظرة الأقدمين إلى كتاب سيبويه نظرة التقدير والتعظيم، ولم يقتصر إجلال الكتاب ~~على المعجبين بسيبويه، بل كان خصومه في تقديره والارتفاع به كالمحبين، حدث الأخفش - كما ~~سبق أن روينا - أنه قرأ كتاب سيبويه على الكسائي في جمعة، فوهب له سبعين دينارا، قال: وكان ~~الكسائي يقول له: «هذا الحرف لم أسمعه، فاكتبه لي، فأفعل.» # قيل: فكأن الجاحظ سمع هذا الخبر، فقال مما يعدده من فخر أهل البصرة على أهل الكوفة: ~~وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان، وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله! # وحدث أبو الطيب اللغوي عن أبي عمر الزاهد قال: قال ثعلب يوما في مجلسه: مات الفراء ~~(وهو كوفي كما نعلم) وتحت رأسه كتاب سيبويه. # والآن لكي نستكمل البحث نرى أن ندرس النقط الآتية: ~~(1) # متى ألف سيبويه كتابه؟ ~~(2) # متى ظهر الكتاب للجمهور؟ ~~(3) # من روى هذا الكتاب؟ ~~(4) # ثم ندرس خطة المؤلف وأسلوب عرضه. ~~(5) # ونبحث بعد ذلك مصادر الكتاب، وشخصية المؤلف، وأثر الكتاب في دراسة النحو، وآراء ~~منتقديه. ~~(6) # ونختم البحث برأينا في الكتاب. ~~(2) متى ألف سيبويه كتابه؟ # تاريخ تأليف هذا الكتاب مجهول كل الجهل، ولم تذكر كل كتب التاريخ أن الكتاب ظهر في حياة ~~مؤلفه، فالسيرافي والمؤرخون من بعده قد ذكروا أن الكتاب لم يظهر في حياة سيبويه، ولكنه ظهر ~~بعد وفاته، والذي نقله عنه ورواه للجمهور تلميذه الأخفش، قال السيرافي: والطريق ms18 إلى كتاب ~~سيبويه، الأخفش؛ وذلك أن كتاب سيبويه لا نعلم أحدا قرأه على سيبويه، ولا قرأه عليه سيبويه، ~~ولكنه لما مات سيبويه قرئ الكتاب على أبي الحسن الأخفش، وكان ممن قرأه عليه أبو عمرو ~~الجرمي، وأبو عثمان المازني. وقال ياقوت في معجمه: وكان الأخفش يستحسن كتاب سيبويه كل ~~الاستحسان، فتوهم الجرمي والمازني أن الأخفش قد هم أن يدعي الكتاب لنفسه، فتشاورا في ~~منع الأخفش من ادعائه، فقالا: نقرؤه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه، وأشعنا أنه لسيبويه، ~~فلا يمكنه أن يدعيه. فأرغبا الأخفش وبذلا له شيئا من المال على أن يقرآه عليه، فأجاب، ~~وشرعا في القراءة، وأخذا الكتاب عنه، وأظهراه للناس. # وتلك قصة تدل على أن الأخفش هو الراوي الوحيد لكتاب سيبويه، ويفهم منها أن كثيرا من ~~الناس كان يعلم بتأليف سيبويه للكتاب، بل أرجح أن بعض أجزاء الكتاب كان معروفا للجمهور، ~~وكذلك بعض ما استشهد به سيبويه من الشعر، بدليل ما ذكرناه من أن الأصمعي وجه هذا الشعر ~~توجيها غير توجيه سيبويه، واضطر سيبويه إلى مناظرته كما ذكرنا. وإذا فالذي كان مجهولا هو ~~الكتاب كاملا، أما بعضه فكان معروفا عند الجمهور، ولو أن أمر الكتاب كان مجهولا ~~بالكلية، ولم يكن يعلم أحد أن سيبويه قد ألف كتابا لكان من الميسور الشك في نسبته إلى ~~مؤلفه من ناحية، وهو ما لم يروه مؤرخ، بل الإجماع منعقد على أن هذا الكتاب لسيبويه. # غير أن عدم ظهور الكتاب كاملا طول حياة المؤلف يجعل من حقنا أن نستنبط منه أن سيبويه ~~ظل إلى آخر أيام حياته يراجع مؤلفه، يزيد فيه وينقص، ويقدم ويؤخر، غير راض أن يظهره ~~للجمهور إلا بعد أن يكون قد رضي هو نفسه عنه، فعاجلته المنية قبل أن يوفي على هذه الغاية، ~~ويؤيد هذا الاستنباط أيضا أن الكتاب خال من مقدمة يضعها المؤلف في رأس كتابه، ليقدم ~~بها الكتاب للجمهور، ويذكر فيها غرضه وخطته، وخال من خاتمة تنبئ بانتهاء المؤلف من فكرته، ~~بل إن المؤلف لم يضع لكتابه اسما يميزه كما ms19 هو المألوف، مما يدل على أن سيبويه قد مات من ~~غير أن يضع الكتاب في ثوبه النهائي. # والذي يلوح لي أن سيبويه قد استغرق في تأليف كتابه وقتا طويلا، وأنه قد بدأه في وقت ~~مبكر، فكان يقيد ما يسمعه من أساتذته وما يراه فيما ألف قبله من الكتب، ويجمع المتفرق، ~~ويؤلف من المتناثر مجموعا كاملا، وربما كان يعرض ما يكتبه على الأخفش الذي كان تلميذه، ~~وفي الوقت نفسه أخذ النحو عمن أخذ سيبويه عنهم، وهنا نستبعد على رجل مثل الأخفش في علمه، ~~وفي ثقة أستاذه أن ينسب الكتاب إلى نفسه، ولكنه وهم سبق إلى الجرمي والمازني. # ويظهر لي أن الكتاب قد ظهر للجمهور بعد موت سيبويه بقليل، فإن يونس بن حبيب قد راجع ~~الكتاب، وأقر بصدق ما رواه سيبويه عنه، كما سبق أن ذكرنا، ويونس قد مات بعد عامين من وفاة ~~تلميذه، كما أن الكسائي الذي توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة قرأ الكتاب على الأخفش سرا، ~~كما روى الأخفش. # هذا ويروي الأستاذ # Huart # أن الأخفش قد عارض أستاذه في بعض آرائه، ولكني لم أعثر فيما بين ~~يدي من كتب على هذه الاعتراضات. ~~(3) خطة المؤلف # لكتاب سيبويه وحدة وغرض معين؛ لأن موضوعه جمع القواعد النحوية والصرفية، وهنا يحسن أن ~~نشير إلى أن كتاب سيبويه لا يقتصر على ذكر قواعد النحو فحسب، بل شمل قواعد الصرف أيضا، ~~ففيه أبواب لأوزان الكلمة وأنواع الاشتقاق المختلفة، والتثنية، والجمع، والإعلال، والإبدال، ~~والتصغير، والنسب، وغير ذلك من أبواب التصريف. # والكتاب مقسم إلى أبواب تبلغ زهاء ستمائة، كل باب منها يعالج ناحية من نواحي القواعد، ~~وليس في الكتاب مقدمة كما ذكرنا، بل أوله في صميم الموضوع؛ إذ يتحدث عن أقسام الكلمة، ~~فيقول: «هذا باب علم ما الكلم من العربية». والكتاب جزءان: يحتوي الجزء الأول منهما على ~~الكلم وأقسامه، والفاعل، والمفعول، وما يعمل عمل الفعل، وإعمال المصدر، واسم الفاعل، والصفة ~~المشبهة، والحال، والظرف، والجر، والتوابع، والمعرفة والنكرة، والمبتدأ والخبر، والأسماء ~~التي بمنزلة الفعل، والأحرف المشبهة به، والنداء، والترخيم، ms20 والنفي بلا، والاستثناء، وباب ~~لكل من أحرف الجر. وفي الجزء الثاني ما ينصرف وما لا ينصرف، والنسب، والتصغير، والمقصور ~~والممدود، والجمع، والوقف، والإعلال، والإبدال، ووزن الكلمات، ولكن ترتيب الكتاب يخالف ~~النهج الذي نتبعه ويتبعه المؤلفون المتأخرون فيما يأتي: # أولا: # ترتيب أبواب الكتاب يخالف ما عهدناه من الترتيب فيما نتداوله من الكتب التي بين ~~أيدينا، فلا يأتي بالمرفوعات كلها على حدة ثم المنصوبات والمجرورات مثلا، بل بعضها ~~ممزوج ببعض، كما رأينا ذلك وأنا أسرد أبواب الكتاب، فينتقل من الفاعل إلى المفعول، ثم بعد ~~أبواب كثيرة يذكر المبتدأ والخبر، وهكذا. # ثانيا: # لا يسير في ترتيب أبوابه وفصوله على الطريقة المنطقية الدقيقة، فيقدم أبوابا ~~من حقها أن تتأخر، ويؤخر أبوابا من حقها أن تتقدم، ويضع فصولا في غير موضعها الطبيعي، ~~فهو يتحدث عن المسند إليه والمسند، وكان من اللائق أن يستوفي أبواب المسند إليه، من مبتدأ ~~وفاعل وغيرهما، ثم يعود إلى المسند ليستوفي أنواعه وأحكامه، ولكنه لم يتبع ذلك، وكثيرا ~~ما تقول - وأنت تقرأ الكتاب - ليت ذلك الباب وضع هنا، أو ليت ذلك الفصل قد انتقل إلى ~~هناك. # ثالثا: # يذكر سيبويه الباب العام، ثم يعقد لكل مسألة من مسائله تقريبا بابا خاصا ~~يعالجها، فهو يعنون مثلا للتصغير، ويذكر صيغه المختلفة، ثم يعقد أبوابا للمسائل ~~الجزئية فيه، فتجد بابا لتصغير ما يكون على خمسة أحرف، وآخر لتصغير المضاعف، وبابا لتصغير ~~ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته الزيادة للتأنيث، وأبوابا أخرى لفروع التصغير ~~المختلفة. # رابعا: # يذكر مسائل في أبواب نضعها نحن تحت عنوانات أخرى، فمثلا هو يعد في أبواب ~~الفاعل بابا للفاعل الذي لم يتعده فعله إلى مفعول، وبابا آخر للفاعل الذي يتعداه فعله إلى ~~مفعول، وبابا ثالثا للفعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين، بينما نحن الآن نضع ذلك تحت ~~عنوان الفعل المتعدي واللازم. # خامسا: # لا يذكر دائما مسائل الباب الواحد سلسلة متصلة متتابعة، بل يذكر بعضها في موضع ~~وبعضها الآخر في موضع ثان، بعد أن يفصل بينهما في كثير من الأحيان بأبواب أخرى، وتذكر ms21 هذه ~~المسائل لمناسبات تستدعيها. # سادسا: # إن الاصطلاحات النحوية لم تكن قد استقرت بعد؛ ومن أجل ذلك نجده يضع عناوين ~~طويلة لأبواب، وغالبا ما تكون هذه العناوين غير مفهومة لنا، فترى نفسك مضطرا إلى العودة ~~إلى صلب الكتاب لتفهم المقصود منها، وقلما تجد عنوانا مفهوما لك في هذا الكتاب، وحسبك أن ~~تعلم أنه وضع لإن وأخواتها هذا العنوان: «هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل ~~الفعل فيما بعده، وهي من الفعل بمنزلة عشرين من الأسماء التي بمنزلة الفعل، ولا تصرف تصرف ~~الأفعال، كما أن عشرين لا تصرف تصرف الأسماء التي أخذت من الفعل وكانت بمنزلته، ولكن يقال ~~بمنزلة الأسماء التي أخذت من الأفعال وشبهت بها في هذا الموضع، فنصبت درهما لأنه ليس من ~~نعتها، ولا هي مضافة إليه، ولم ترد أن تحمل الدرهم على ما حمل العشرون عليه، ولكنه واحد ~~بين به العدد، فعملت فيه كعمل الضارب في زيد، إذا قلت: هذا ضارب زيدا؛ لأن زيدا ليس من ~~صفة الضارب ولا محمولا على ما حمل عليه الضارب، وكذلك هذه الحروف منزلتها من الأفعال»، ~~وبعد ذلك كله يقول: وهي إن ولكن وليت ولعل وكأن. ويضع عنوانا لباب كان وأخواتها قوله: ~~«وهذا باب الفاعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول، واسم الفاعل والمفعول فيه لشيء ~~واحد». # ويضع عنوانا للمفعول لأجله قوله: «هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر». # ويدلنا على أن الاصطلاحات النحوية لم تكن قد استقرت أنه لم يضع لأسماء الإشارة أسماء، ~~بل دعاها: الأسماء المبهمة، كما كان يدعو التسكين: جزما، فيقول: وجزمت لدنه، ويسمي ~~المقصور: منقوصا، وغير ذلك كثير. # سابعا: # يذكر القاعدة وأمثلتها، ويمزج ذلك بالتعليلات المنطقية، وبيان وجه القياس فيما ~~يذكره من القواعد، وعرض الآراء المختلفة في الموضوع الواحد. # ثامنا: # يفرض فروضا يضع لها أحكاما، فيقول مثلا (ص3 / 2): «ولو جاء في الكلام شيء نحو أكلل وأيقق ~~فسميت به رجلا صرفته؛ لأنه لو كان أفعل لم يكن الحرف الأول إلا ساكنا مدغما.» # تاسعا: # لم تكن الأبواب قد ms22 تميز بعضها من بعض التميز الكافي، ويدلنا على ذلك باب ~~التمييز وباب التعجب، مما لم تتحدد معالمه التحدد الواضح في كتاب سيبويه. ~~(4) دراسة باب من أبواب الكتاب # ولعل من الخير أن ندرس بابا من أبواب الكتاب لنرى في صورة أوضح منهج الكتاب في التأليف، ~~وطريقته في تناول مسائل النحو، ولنأخذ باب الحال لنرى الفرق بين تناول سيبويه له وتناول ~~المحدثين. # لم يضع سيبويه عنوانا للحال ثم يذكر أحكامه المختلفة، كما نرى ذلك مثلا عندما نأخذ ~~كتابا كالتوضيح، بل ذكر أحكام الحال موزعة في نواح شتى، وأول ما ذكر باب الحال في كتاب ~~سيبويه كان بين أبواب المفعول، وعنون له سيبويه بقوله: «هذا باب ما يعمل، فينتصب وهو حال وقع ~~فيه الفعل وليس بمفعول أوضح»، وفي هذا الفصل أوضح سيبويه لم لا يجوز أن يعرب الحال مفعولا، ~~وبعد أبواب عدة تحدث فيها سيبويه عن كان وأخواتها، وظن وأخواتها، والتنازع، والاشتغال، وإعمال ~~اسم الفاعل، والمصدر، والصفة المشبهة، والمفعول المطلق، وشيء من التمييز، والتحذير، والمفعول ~~معه، وعاد إلى المفعول المطلق، عرض بين أبوابه بابين من أبواب الحال، عنون لأحدهما بقوله: ~~«هذا باب ما ينتصب من الأسماء انتصاب الفعل استفهمت أو لم تستفهم.» وذكر تحت هذا العنوان حكم ~~الحال عندما يكون عامله محذوفا، وذلك مثل قولك: أقائما وقد قعد الناس. وقدر سيبويه أن ~~العامل فيه فعل من لفظه، كأنه يقول: أتقوم قائما. قال السيرافي: وأنكره بعض الناس؛ لأن لفظ ~~الفعل لا يكاد يعمل في اسم الفاعل الذي من لفظه. قال المبرد: والقول عندي ما قاله سيبويه؛ لأنه ~~قد تكون الحال توكيدا كما يكون المصدر توكيدا. وعنون للباب الثاني بقوله: «وهذا باب ما جرى ~~من الأسماء التي تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، وذكر في هذا الباب ما يكون ~~عامل الحال فيه محذوفا وليس من لفظه، وذلك مثل قولك: أتميميا مرة وقيسيا أخرى؛ أي أتدعي ~~أو أتتحول، وإنما ذكر هذين البابين بين أبواب المفعول المطلق لمشابهتهما له في أن عامله ~~أحيانا يكون ms23 محذوفا، كقول جرير: «ألؤما لا أبا لك واغترابا»؛ أي أتلؤم لؤما وتغترب ~~اغترابا، ثم عاد بعد ذلك إلى المفعول المطلق في أبواب كثيرة، وانتقل إلى المفعول لأجله، ~~ثم عاد إلى باب الحال، فذكر في أبواب شتى المصادر التي تعرب حالا، سواء أكانت نكرة أم ~~معرفة، والأسماء التي تعرب كالمصادر أحوالا مع أنها معرفة. وذكر هذه الفصول من الحال في هذا ~~الموضع؛ لأن الحال مصدر أو كالمصدر. وبعد أن ذكر بابا آخر في المفعول المطلق عقد بابا فيه ~~مسائل مشتركة بين الحال والمفعول، ثم عاد بعد فصل آخر ليس من باب الحال إلى ذكر أبواب للحال ~~التي تقع جامدة، مما يدل على مفاعلة، ككلمته فاه إلى في، أو سعر، والحال التي تقع معرفة، ~~ثم انتقل إلى ظرف الزمان والمكان، وباب الجر، وباب النعت، والعطف، والبدل، ثم عاد إلى باب ~~الحال عندما يكون العامل فيه الابتداء، مثل قولك: ما شأنك قائما، وترك ذلك إلى النعت المقطوع ~~وأطال فيه، ثم عاد إلى باب الحال، فذكر فصلا عندما يكون صاحبها خبرا لاسم إشارة أو ضمير، ~~وفصلا آخر عندما يكون صاحبها معرفة ونكرة، مثل قولك: هذان رجلان وعبد الله منطلقين، وبابا لما ~~يصح أن يعرب حالا أو خبرا، مثل: هذا الرجل منطلق أو منطلقا. وبابا لما يعرب حالا، ~~وكان في الأصل خبرا مثل: فيها عبد الله قائما. ثم ذكر شيئا من باب المعرفة والنكرة، وعاد ~~إلى أبواب أخرى من أبواب الحال، هذا إلى مسائل متناثرة منه هنا وهناك تذكر في أبواب أخرى ~~لمناسبة بينها وبين هذه الأبواب. # هذه صورة لباب من الأبواب التي تناولها الكتاب، ذكرت مسائله موزعة في أماكن شتى، تبعا ~~للمناسبات التي تستدعيها، ولكن من الواجب أن أشير إلى أنه ليس كل الأبواب في الكتاب كباب ~~الحال، بل بعضها أفضل منه حظا، فذكرت مسائلها متقاربة نوعا من التقارب، كما كان بعضها ~~أسوأ منه حظا، فعرضت مبعثرة متناثرة. # وعذر سيبويه في ذلك كله أمران؛ أولهما أن ترتيب أبواب النحو الترتيب النهائي لم يكن قد ms24 ~~تم بعد، وثانيهما ما رجحناه من أن سيبويه لم يضع كتابه في وضعه النهائي كما ~~أسلفنا. ~~(5) أسلوب الكتاب # كتاب سيبويه كتاب موضوع للعلماء، وهو من أجل ذلك موجز، كل كلمة فيه موضوعة لمعنى، فهو ~~يشبه مع ضخامته متنا من المتون؛ ومن أجل ذلك وضع عليه العلماء كثيرا من الشروح، وقد ~~يستغرب أن أقول: إنه مع الإيجاز يلتزم جانب التفصيل والتوضيح لما يتناوله حتى يستوفيه، ~~ولكن لا محل للغرابة إذا ذكرنا أنه مع التفصيل يلتزم جانب الإيجاز أيضا، والذي ساعده على ~~التفصيل تجزئة الموضوع إلى أبواب كثيرة يستوفي في كل باب منها مسألة، يذكر قاعدتها وأمثلتها ~~ويفرعها ويفرض فروضا يضع لها أحكاما، ويذكر فيها الآراء المختلفة. # وهذا الإيجاز الذي تحدثت عنه يسبب في أحيان كثيرة غموضا وإبهاما والتواء، مما يحتاج ~~إلى إعمال الروية والتأني في فهم غرض المؤلف، ولست أرمي إلى أن الكتاب غامض أنه غير مفهوم، ~~بل أريد أن أثبت أن الغموض واقع في بعض الفصول، ولكنه في الأغلب واضح، غير أنك لا تستطيع مع ~~ذلك أن تقرأه إلا وأنت متريث على مهل، وأسلوب الكتاب يرمي إلى التفهيم لا التأثير، ومع ذلك ~~لا أستطيع أن أخفي ضعف الإبانة في كثير من صفحات الكتاب. ~~(6) مصادر الكتاب # وبعد، فمن المستبعد أن يظهر كتاب شامل في النحو والصرف ككتاب سيبويه من غير أن يكون قد ~~سبقته محاولات اقتبس منها، وسار على هداها، وهم يقولون لذلك: إن سيبويه قد اقتبس ممن سبقه، ~~ولا سيما عيسى بن عمر الثقفي، الذي ألف كتابين في هذه المادة، سماهما: الإكمال ~~والجامع، ويروون أن الخليل قال فيهما: # ذهب النحو جميعا كله # غير ما أحدث عيسى بن عمر # ذاك إكمال، وهذا جامع # فهما للناس شمس وقمر # غير أن هذين الكتابين لم يبقيا، وعفى على آثارهما كتاب سيبويه، ويظهر لي أنه من الحق أن ~~نعد كتاب سيبويه ثمرة لكل الجهود التي قام العلماء والمؤلفون بها، منذ بدأ أبو الأسود هذا ~~النحو، فجمع سيبويه ما تفرق في كتبهم، وما استشهدوا به من ms25 شعر، ورتبه ونظمه، وأضاف إليه ما ~~سمعه بنفسه. # وهكذا يجب أن نفهم ما قاله ثعلب: اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا، منهم ~~سيبويه، والأصول والمسائل للخليل؛ فليس معناه أن واحدا وأربعين إنسانا اشتركوا مع سيبويه ~~في تأليف كتابه، ولكن معناه أن سيبويه قد انتفع بعلم من سبقه - وقد كانوا كثيرين - وبنتائج ~~أبحاثهم. # أما هذه الرواية التي نقلها ابن خلكان في ترجمة عيسى بن عمر حين قال: وأخذ سيبويه عنه ~~النحو، وله الكتاب الذي سماه: الجامع في النحو، ويقال: إن سيبويه أخذ هذا الكتاب وبسطه ~~وحشى عليه من كلام الخليل وغيره، ولما كمل بالبحث والتحشية نسب إليه، وهو كتاب سيبويه ~~المشهور. قال ابن خلكان: والذي يدل على صحة هذا القول أن سيبويه لما فارق عيسى بن عمر ~~المذكور، ولازم الخليل بن أحمد، سأله الخليل عن مصنفات عيسى، فقال له سيبويه: صنف نيفا ~~وسبعين مصنفا في النحو، وإن بعض أهل اليسار جمعها، وأتت عنده عليها آفات، فذهبت ولم يبق ~~منها في الوجود سوى كتابين؛ أحدهما اسمه الإكمال، وهو بأرض فارس عند فلان، والآخر الجامع، ~~وهو هذا الكتاب الذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه. فأطرق الخليل ساعة ثم رفع رأسه وقال: ~~رحم الله عيسى. وأنشد: ذهب النحو ... إلخ. # أما هذه الرواية فمنقوضة لا أساس لها من الصحة فيما أرى، وهي أقرب إلى التأليف منها إلى ~~الحق والصواب، فغريب ألا توجد من مؤلفات عيسى سوى نسخة واحدة عند هذا الثري، وغريب أيضا أن ~~تأتي الآفة على جميع كتبه غير هذين الكتابين، هذا إلى أنني أستبعد على الخليل بن أحمد، ~~ومنزلته في النحو منزلته ألا يكون قد اطلع على أهم ما خلفه عيسى بن عمر، وأستبعد عليه، ~~وهو الرجل الذي يزن كلامه بميزان الذهب أن يتحدث عن كتابين لم يرهما هذا الحديث المليء ~~بالإكبار والإعجاب، وأستبعد عليه أيضا أن يظل جاهلا أن تلميذه يقرأ عليه كتاب الجامع ~~ليشرحه ويحشوه. هذا وكتاب سيبويه ليس فيه ما يدل على أن أصله متن وشرح، ولكنه كتاب ms26 وضع ~~وضعا ابتدائيا كذلك، وليس معنى هذا أنه لم ينتفع بكتابي عيسى بن عمر، بل قد انتفع بهما ~~وبغيرهما، شأنه في ذلك شأن كل مؤلف محترم حتى عصرنا الحاضر ، يريد أن يضع كتابا قيما، ~~فمن المحتم عليه أن يرجع إلى ما سبقه من الكتب يستفيد بنتائجها وتجاربها، ولا يعد ذلك ~~عيبا في المؤلف أو نقصا في كتابه، بل إنه ليعد ناقصا مقصرا إذا لم يرجع إلى الكتب ~~المؤلفة قبله. # استفاد سيبويه، ومن حقه أن يستفيد، من الكتب السابقة، ونقل أيضا عن أساتذته الذين تحدثنا ~~عنهم فيما مضى، وكلهم من البصريين، ولم يأخذ إلا عن الرؤاسي من الكوفيين، ناقلا عن كتابه ~~الذي سماه: الفيصل - كما ذكر ذلك ياقوت - وأكثر من روى عنه الخليل بن أحمد، وإن سيبويه ~~ليقف منه في الكتاب موقف التلميذ من أستاذه، يسأله عن الأحكام والعلل وفروق القياس، ويثبت ~~إجابة الخليل، بل لقد نقل إلينا في فصل من فصول الكتاب درسا من دروسه، فقد عقد بابا ~~عنوانه: هذا باب إرادة اللفظ بالحرف الواحد (ص61، ج2)، قال: قال الخليل يوما وسأل أصحابه: ~~كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في لك والكاف التي في مالك والباء التي في ضرب؟ ~~فقيل له: نقول: باء، كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف. وقال: أقول كه وبه. ~~فقلنا: لم ألحقت الهاء؟ فقال - وهنا أوجه النظر إلى مثل من أمثلة القياس الذي كان ~~يستخدمه الخليل - قال: رأيتهم قالوا: عه، فألحقوا هاء حتى صيروها يستطاع الكلام بها؛ ~~لأنه لا يلفظ بحرف، فإن وصلت قلت: وب، فاعلم يا فتى، كما قالوا: ع يا فتى. ويمضي سيبويه ~~بعد ذلك ناقلا أسئلة الخليل وأجوبته وأجوبة تلاميذه، ونستطيع أن نأخذ من ذلك صورة لسير ~~الدروس في ذلك الحين، فقد كانت تسير على طريقة المناقشة لا الإلقاء. # ونقل سيبويه كثيرا عن يونس أيضا، حتى لقد ينقل عنه أبوابا برمتها، ففي الكتاب فصلان في ~~التصغير نقلهما عنه، وقال: وجميع ما ذكرت لك في هذا الباب، وما أذكر لك ms27 في الباب الذي يليه ~~قول يونس. كما كان يروي عن أبي الخطاب الأخفش الكبير، ويقول: حدثني من أثق بعربيته ... ~~ويريد: أبا زيد، كما سبق أن ذكرنا، ويحكي أقوال أبي عمرو بن العلاء، ويوازن بينها وبين قول ~~الخليل ويونس، وكان رائده الحق، فلا يتعصب للخليل، بل للصواب، فنسمعه يقول أحيانا: وقول ~~يونس أقوى. وأحيانا يروي عن العرب مباشرة ويقول إنه سمع منهم، وذلك كله يدل على سعة ~~اطلاع سيبويه وتضلعه. ~~(7) شخصية المؤلف # استفاد سيبويه - ولا ريب - من الكتب المؤلفة قبله، وأخذ عن أساتذته - كما ذكرنا - فهل ~~أفنى كل ذلك شخصية المؤلف، فأصبح جماعا ليس غير؟ # إن كتاب سيبويه لتطل منه شخصيته واضحة قوية فيما يأتي: # أولا: # أسلوبه، فالمعلومات قد يتلقاها المرء من هنا ومن هنا، ولكن وضع هذه المعلومات في ~~أسلوب خاص وطريقة خاصة من طرق التعبير هو ما يميز شخصا من آخر، يقول # Buffon # في حديثه عن ~~الأسلوب: إن الموضوعات والمكشوفات تسرق، وتنتقل، وتكتب أيضا بأيد أكثر مهارة، إن هذه ~~الأشياء خارجة عن الرجل، أما الأسلوب فالرجل نفسه، وإذا فشخصية سيبويه واضحة كل الوضوح ~~في أسلوبه الذي صاغ به معلوماته التي أخذها من جميع المصادر المعروفة في ذلك الحين. # ويقول بعض المؤرخين: إن الكتاب معقود بلفظ الخليل، وهو ما لا أوافق عليه، فالكتاب بين ~~أيدينا معقود بلفظ سيبويه، وما نقله عن الخليل أو غيره نسبه إليه في صراحة، وقد تحدثنا عن ~~أسلوب سيبويه فيما مضى. # ثانيا: # تبويب الكتاب وتقسيمه وترتيبه، وذلك من صنع سيبويه، ولا نستطيع أن نعرف إلى أي ~~مدى استفاد من تبويب الكتب السابقة؛ لأنها لم تصل إلينا. # ثالثا: # الاستنباط وحسن التعليل والبرهنة والتفريع، وحظ سيبويه من ذلك حظ غير يسير، فلا ~~تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب من استنباط يسوقه، أو تعليل يأتي به، أو برهان يقدمه، أو ~~تفريغ يذكر أحكامه المختلفة، مما يدل على عبقرية ممتازة وشخصية قوية لا تكتفي بالنقل ~~والتقليد. # شخصية سيبويه واضحة إذا في كتابه كل الوضوح، فالكتاب كتاب سيبويه، كتبه بقلمه، وصاغ ms28 ~~أسلوبه بفكره، واشترك فيما فيه من استنباط وتعليل وبرهنة وتفريع، وهل يعظم الخليل سيبويه ~~إلا إذا كان قد رآه آخذا طريقته، مجيدا للتعليل والقياس والتفريع. ~~(8) شواهد الكتاب # للكتاب مصدران من الشواهد، هما : القرآن الكريم، وكلام العرب وأشعارهم وأمثالهم وحكمهم، ~~وفي العصر القديم احتاج العلماء إلى شعر العرب يستنبطون منه قواعدهم، ويثبتون به آراءهم، ~~وكانوا يستشهدون على ذلك بأشعار الطبقتين من الجاهليين والمخضرمين، ثم اختلفوا في ~~الإسلاميين كجرير والفرزدق، والأكثر على جواز الاستشهاد بأشعارهم، وكان أبو عمرو بن العلاء ~~وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة ومن على شاكلتهم، ~~ويعدونهم من المولدين الذين لا يجوز الاستشهاد بكلامهم، وقد كان بين ابن أبي إسحاق وبين ~~الفرزدق خصومة ونزاع، فقد سمع الفرزدق يقول: # وعض زمان يا ابن مروان لم يدع # من المال إلا مسحتا أو مجلف # فرأى أن «مجلف» في رفعها لا تناسب مسحتا في نصبها، فاعترض على الفرزدق، فهجاه الفرزدق ~~بقوله: # فلو كان عبد الله مولى هجوته # ولكن عبد الله مولى مواليا # فاعترض ابن أبي إسحاق على قوله «مولى مواليا» أيضا، وقال: بل هو مولى موال، وسمع قول ~~الفرزدق: # مستقبلين شمال الشام تضربنا # بحاصب كنديف القطن منثور # على عمائمنا تلقى وأرحلنا # على زواحف تزجى، مخها رير # 1 # فقال ابن أبي إسحاق: إنما هو رير. وخالفه يونس، فقال: إن ما قاله الفرزدق جائز حسن. فلما ~~ألحوا على الفرزدق قال: زواحف تزجيها محاسير. # ولكن الثقات مجمعون على أن الاستشهاد بالشعراء جائز به وبطبقته، وبمن جاء بعده من ~~المحدثين الذين ينتسبون في العرب، ولم يتجاوز الثقات بهم مخضرمي الدولتين الأموية ~~والعباسية، روى ابن قتيبة عن الأصمعي أنه قال: ساقة الشعراء ابن ميادة (سنة 149) وابن هرمة ~~ورؤبة (سنة 145) وحكم الخضري وجميعهم من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. # هذا، وقد كان البصريون يجتهدون - كما ذكرنا - في أن يتعرفوا قائل الشعر، وخلوص عربيته، ~~ولا يأخذون شواهدهم إلا من العرب الخلص الذين لم تفسد ألسنتهم بمجاورة الأعاجم، وهم يتثبتون ~~قبل أن يستنبطوا، أما الكوفيون فليس ms29 لهم ما لهؤلاء من التدقيق والتحقيق. # وقد بذل سيبويه جهده في تخير شواهد كتابه، وأخذ هذه الشواهد عن الجاهلية كزهير والنابغة، ~~والمخضرمين كحسان والحطيئة، وشعراء الأمويين كجرير والفرزدق والكميت وابن أبي ربيعة وابن ~~قيس الرقيات وجميل والأخطل، وأخذ عمن قال الثقات إن شعرهم آخر شعر يحتج به، وهم: ابن ~~ميادة وابن هرمة ورؤبة بن العجاج، فكان موقفه من هؤلاء الإسلاميين غير موقف أبي عمرو بن ~~العلاء وصحبه، ولست أدري رأي سيبويه في بيت الفرزدق: «مستقبلين شمال الشام ...» ولعله يوافق ~~رأي أستاذه يونس، من جوازه واستحسانه، ولا رأيه في البيت الأول: وعض زمان ... أما رأيه في ~~البيت الثاني، فقد ذكره في الجزء الثاني من كتابه (ص58) وبين أن الخليل قد خرجه على ~~الضرورة الشعرية التي تحفظ ولا يقاس عليها. # أما موقف سيبويه من بشار فلم يستشهد بشعره في كتابه، وروي أن سيبويه طعن على بشار في ~~قوله: # فالآن أقصر عن سمية باطلي # وأشار بالوجلى علي مشير # وفي قوله: # على الغزلى مني السلام فربما # لهوت بها في ظل مرءومة زهر # وفي قوله يصف سفينة: # تلاعب نينان البحور وربما # رأيت نفوس القوم من جريها تجري # وقال: لم يسمع من الوجل والغزل فعلى، ولم أسمع بنون ونينان، فبلغ ذلك بشارا، فغضب ~~وهجاه - وكلنا يعلم مرارة لسان بشار - بقوله: # أسبويه يا ابن الفارسية ما الذي # تحدثت عن شتمي وما كنت تنبذ؟! # أظلت تغني سادرا في مساءتي # وأمك بالمصرين تعطي وتأخذ! # وأي هجاء أبلغ من حذف المفعول في الفعلين: تعطي وتأخذ، فيقال إن سيبويه توقاه بعد ذلك، ~~وكان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه ووجد له شاهدا من شعر بشار احتج به استكفافا لشره، ولعل ~~بشارا أراد أن يحتج سيبويه بشعره، فغير نينان البحور وجعلها تيار البحور. # هذا، وأما جمع نون على نينان فقد أثبته صاحب القاموس واللسان، وحكى السيد المرتضى في شرح ~~القاموس تخطئة سيبويه لبشار، ثم قال: واستعمله المتنبي وغلطوه أيضا. # تثبت سيبويه في اختيار شواهد كتابه حتى ليقال إنها أصح شواهد، وقد انتقد ms30 بعضهم بعض ~~شواهده، فالمبرد في كامله يقول: وقد روى سيبويه بيتين محمولين على الضرورة، كلاهما مصنوع، ~~وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضرورة، والبيت الأول هو: # هم القائلون الخير والآمرونه # إذا ما خشوا يوما من الأمر معظما # والثاني: # ولم يرتفق والناس محتضرونه # جميعا، وأيدي المعتفين رواهقه # والبيتان مذكوران في الجزء الأول من كتاب سيبويه في باب إعمال اسم الفاعل، وقد رجعت ~~إليهما، فوجدت سيبويه يقول: واعلم أن حذف النون والتنوين لازم مع علامة المضمر غير المنفصل ~~... وقد جاء في الشعر، فزعموا أنه مصنوع، ثم أورد البيتين المذكورين، فسيبويه يخبر كذلك ~~أنهما مصنوعان، فلا وجه لاعتراض المبرد عليه. # وروى أيضا أن سيبويه سأل اللاحقي: هل تحفظ للعرب شاهدا على إعمال فعل؟ قال اللاحقي: ~~فوضعت له هذا البيت: # حذر أمورا لا تضير، وآمن # ما ليس منجيه من الأعداء # وقد رجعت إلى كتاب سيبويه فلم أجد هذه القصة، ولكنه أورد البيت شاهدا على إعمال فعل، ~~وقد علق الأعلم الشنتمري بعد أن ذكر قول من زعم صناعة هذا البيت بقوله: وإن كان هذا ~~صحيحا فلا يضر ذلك سيبويه؛ لأن القياس يعضده، وقد ألفيت في بعض ما رأيت لزيد الخيل بن مهلهل ~~الطائي بيتا في تعدي فعل، وهو قوله: # أتاني أنهم مزقون عرضي # جحاش الكرملين لها فديد # فقال: مزقون عرضي كما نرى، وأجراه مجرى ممزقين، وهذا لا يحتمل غير هذا التأويل، فقد ثبت ~~صحة القياس بهذا الشاهد القاطع. # وأقول بدوري: إن ذلك لن يكون مطعنا في شواهد سيبويه التي يبلغ عددها ألفا وخمسين بيتا، ~~حدث التاريخي عن المبرد عن المازني عن الجرمي قال: في كتاب سيبويه ألف وخمسون بيتا، سألت ~~عنها فعرف ألف ولم تعرف خمسون أي من قائليها، وذكر الأستاذ الرافعي في هامش كتابه أن ~~المرحوم الشقنقيطي ذكر في حماسته المطبوعة أنه علم واحدا من هذه الخمسين، وهو قول القائل: ~~«أفبعد كندة تمدحن قبيلا»، فقال إنه لامرئ القيس، ولكني رجعت إلى كتاب سيبويه فوجدت هذا ~~الشطر بالجزء الثاني (ص151) في باب ms31 نون التوكيد منسوبا إلى شاعر يسمى «مقنعا»، ولعل ~~الأستاذ الشقنقيطي نسبه إلى امرئ القيس لما فيه من مدح كندة قبيلة الشاعر، وذكر الأستاذ ~~الرافعي رأيه، فقال: والصحيح أن تلك الأبيات التي منها هذا الشطر موضوعة على امرئ القيس، ~~لنزولها عن طبقته، وظهور الصنعة والتوليد فيها. # هذا وقد كان استشهاد سيبويه في كتابه بآيات من القرآن الكريم مدعاة إلى تحرج بعض العلماء ~~أن يدرس الكتاب لغير المسلمين، قال صاحب كتاب الوافي بالوفيات: وكان المازني في غاية ~~الورع، قصده بعض أهل الذمة ليقرأ عليه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه ~~فامتنع، فقال له المبرد: جعلت فداك! أترد هذه المنفعة، مع فاقتك وشدة إضاقتك؟! فقال: إن ~~هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ~~ذميا، وغيرة على كتاب الله وحمية له. ~~(9) الكتاب ودراسة النحو # أصبح كتاب سيبويه بعد أن ظهر للناس برنامجا لمن أراد الدراسة العليا في النحو، وأصبح ~~الطالب لا يعد مستكملا هذا النوع من الدراسة إلا إذا قرأ كتاب سيبويه، وصار اسم الكتاب ~~يطلق عليه، ويفتخر الطلبة بأنهم قرءوه، وممن باهى بذلك أبو نواس وغيره من شعراء العصر، وقد ~~ذكرت فيما مضى مغالاة الناس بهذا الكتاب، وحرصهم على دراسته سواء أكانوا من محبي سيبويه أم ~~من خصومه، ومن هؤلاء الأعلام الذين درسوا كتاب سيبويه في تلك العصور الأولى غير من ذكرناه ~~فيما سبق: الجرمي، والزيادي، والسجستاني، وأبو العباس المبرد وغيرهم، ولم يكن يحسب العالم ~~عالما في النحو إلا إذا درس كتاب سيبويه كله، قال أبو علي الفارسي: جئت لأسمع من ابن ~~السراج سيبويه، وحملت إليه ما حملت، فلما انتصف الكتاب عسر علي إتمامه، فانقطعت عنه ~~لتمكني من مسائله، فقلت في نفسي بعد مدة: إذا عدت إلى فارس، وسئلت عن إتمامه، فإن قلت: نعم. ~~كذبت، وإن قلت: لا. بطلت الرواية. ~~(10) العناية بالكتاب # وكان كتاب سيبويه منذ تأليفه موضعا لمراجعة العلماء، منهم من يشرحه ومنهم من ينظم ترتيب ~~أبوابه، ومن ms32 هؤلاء ابن السراج الذي ألف كتاب الأصول، وقد جمع فيه أصول علم العربية، وأخذ ~~مسائل سيبويه، ورتبها أحسن ترتيب، كما أنه شرح كتاب سيبويه. # وممن شرح كتاب سيبويه أيضا سعيد بن المرزبان، والأخفش الصغير أبو سعيد السيرافي، كما قام ~~بشرح شواهده يوسف بن سليمان الشنتمري. # ولم يقف كتاب سيبويه عند حدود المشرق، بل جاز البحر إلى بلاد الأندلس، وقد عقد الأستاذ ~~الرافعي في كتابه تاريخ آداب العرب فصلا تحدث فيه عن كتاب سيبويه في الأندلس، فذكر أن ~~أقدم ما وقف عليه ممن حفظ كتاب سيبويه هناك هو حمدون النحوي، المتوفى بعد المائتين، ثم ~~ذكر من شهر بحفظ الكتاب وتدريسه وشرحه والتعليق عليه، مما يدل على ما لاقاه هذا الكتاب في ~~الأندلس من الإجلال وحسن التقدير تقديرا لا يقل عن تقدير أهل المشرق له إن لم يزد، حتى ~~كانوا يتنافسون في حفظه عن ظهر قلب، وقد قام بعضهم باختصاره للطلبة المبتدئين، ومن أشهرهم ~~أبو حيان في القرن الثامن. ~~(11) ما أخذه العلماء على سيبويه # قال ثعلب: يقول سيبويه في كتابه في غير نسخة: «حاشا حرف يخفض ما بعده، كما تخفض حتى، ~~وفيها معنى الاستثناء»، وقد رد عليه الزجاج بأن ذلك في كتابه، وهو صحيح ذهب في التذكير ~~إلى الحرف، وفي التأنيث إلى الكلمة، قال ثعلب: والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد، ~~فرد عليه الزجاج بأن كلا جيد، قال الله تعالى: «ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله ويعمل صالحا»، وقرئ: # وتعمل صالحا ~~، وقال عز وجل: # ومنهم من يستمعون إليك # ذهب إلى المعنى، ثم قال: # ومنهم من ~~ينظر إليك # ذهب إلى اللفظ، وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في ~~الاثنين كان أجود؛ لأن كلا جيد. # أما الفراء فكان يقول: إن سيبويه لا يدري حد التعجب. ولقد رجعت إلى الكتاب فلم أجد ~~سيبويه قد استوفى حقا أبواب التعجب وفروعه المختلفة. # وأما المبرد، فيقول الأستاذ الرافعي: إنه أفرد كتابا في القدح في كتاب سيبويه والغض ~~منه، ولم أطلع على هذا الكتاب الذي ms33 وضعه المبرد، ولم أعرف النقط التي خالفه فيها، ولكن ~~ياقوتا في معجمه ذكر أن عبيد الله القصري ألف كتابا سماه: الانتصار لسيبويه على أبي ~~العباس في كتاب الغلط. # وذكر الأستاذ «جورجي زيدان» أن أبا بكر الزبيدي ألف كتابا سماه: كتاب الاستدراك على ~~كتاب سيبويه، انتقد فيه مواد هامة، وطبع في روما سنة 1890م بعناية الأستاذ «جويدي» ~~المستشرق الإيطالي. ~~(12) رأينا في الكتاب ~~(1) # الكتاب في نظرنا مرجع من المراجع، نعود إليه عندما نؤلف كتابا في القواعد ~~العربية. ~~(2) # وهو صورة لآخر ما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري؛ لأن ~~الكتاب - كما قلنا - ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ بدأها أبو ~~الأسود. ~~(3) # وهو صورة أيضا لما كانت عليه دراسة النحو في ذلك الحين، من التعليل والقياس ~~والاستنباط والتفريع واستيعاب الفروض. ~~(4) # وفي رأيي كذلك أن كتاب سيبويه كان الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل ~~لقواعد النحو، وقف العلماء عندها، ولم يزيدوا عليها، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس ~~دراسته ووقف عند حد الشرح أو الاختصار، ولم يزد المتأخرون على كتاب سيبويه إلا أن ~~وضعوا الاصطلاحات التي كانت تنقصه - كما ذكرنا - وإلا أن رتبوا أبواب القواعد ترتيبا ~~جديدا، فالطبقة التي تلت كتاب سيبويه كانت طبقة الشرح والتكميل والتنظيم، ثم جاءت ~~طبقة أخرى اكتفت في القواعد بذكرها من غير أن تقرنها بعللها وأسبابها، وظل الأمر ~~يتدرج حتى انتهى إلى هذه المختصرات أو المتون التي احتاجت إلى شروح مطولة، ثم احتاجت ~~الشروح إلى حواش وتقريرات مصدرها في كتاب سيبويه. ~~(5) # نقرأ كتاب سيبويه على أنه مرجع ومصدر، أما أن نجعله أساس الدراسة مثلا في عصرنا ~~الحديث فلا؛ لأننا بذلك نلغي تطور التأليف النحوي وما ناله هذا التأليف من التنظيم ~~والتبويب منذ عصر سيبويه إلى وقتنا الحاضر. # ويا حبذا لو تضافرت الجهود واجتمعت القوى على إخراج كتاب فيه القواعد النحوية ~~المبعثرة مجموعة منظمة، واستخرجنا من كتب السالفين ما فيها من جواهر مستورة، ووضعنا ~~ذلك كله في أسلوب جميل تزينه شواهد ممتازة، ms34 ليكون عدة العالم في عصرنا الحديث. إن ~~كتابا كهذا يكون له من الأثر ما كان لكتاب سيبويه طوال هذه القرون المتعاقبة، والله يهدي ~~إلى سواء السبيل. # | مراجع البحث # (1) # كتاب سيبويه. ~~(2) # أخبار النحويين البصريين، للسيرافي. ~~(3) # الفهرست، لابن النديم. ~~(4) # تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي. ~~(5) # نزهة الألباء، لابن الأنباري. ~~(6) # معجم الأدباء، لياقوت. ~~(7) # وفيات الأعيان، لابن خلكان. ~~(8) # بغية الوعاة، للسيوطي. ~~(9) # كتاب الأغاني، لأبي الفرج الأصفهاني. ~~(10) # تاريخ آداب اللغة العربية، لجورجي زيدان. ~~(11) # تاريخ آداب العرب، للرافعي. ~~(12) # تاريخ اللغة والآداب في العصر العباسي، للسكندري. ~~(13) # ضحى الإسلام، لأحمد أمين. ~~(14) # الأعلام، لخير الدين الزركلي. ~~(15) # إعجام الأعلام، لمحمد مصطفى. ~~(16) # كشف الظنون، لحاجي خليفة. ~~(17) # La Littérature Arabe. par Huart ~~. ~~(18) # Anthologie Gramaticale Arabe. Par S. De Sacy ~~. ~~(19) # كتاب الاقتراح، للسيوطي. ms35