######OpenITI# #META# URI: 1384BadrShakirSayyab.ManzilAqnan.Hindawi40275097 #META# Tags: poetry #META# ID: 40275097 #META# Title: منزل الأقنان #META# AuthorID: 17520516 #META# Author: بدر شاكر السياب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # رحل النهار‏ # هدير البحر والأشواق‏ # نداء الموت‏ # ربيع الجزائر‏ # خذيني‏ # حامل الخرز الملون‏ # سفر أيوب‏ # منزل الأقنان‏ # وصية من محتضر‏ # الشاهدة‏ # أسمعه يبكي‏ # درم‏ # قصيدة من درم‏ # قالوا لأيوب‏ # الليلة الأخيرة‏ # القصيدة والعنقاء‏ # هرم المغني‏ # قصيدة إلى العراق الثائر‏ # رحل النهار‏ # هدير البحر والأشواق‏ # نداء الموت‏ # ربيع الجزائر‏ # خذيني‏ # حامل الخرز الملون‏ # سفر أيوب‏ # منزل الأقنان‏ # وصية من محتضر‏ # الشاهدة‏ # أسمعه يبكي‏ # درم‏ # قصيدة من درم‏ # قالوا لأيوب‏ # الليلة الأخيرة‏ # القصيدة والعنقاء‏ # هرم المغني‏ # قصيدة إلى العراق الثائر‏ # | منزل الأقنان # | منزل الأقنان # تأليف # بدر شاكر السياب # | رحل النهار # رحل النهار # ها إنه انطفأت ذبالته على أفق توهج دون نار، # وجلست تنتظرين عودة سندباد من السفار، # والبحر يصرخ من ورائك بالعواصف والرعود، # هو لن يعود! # أوما علمت بأنه أسرته آلهة البحار # في قلعة سوداء في جزر من الدم والمحار؟ # هو لن يعود، # رحل النهار # فلترحلي، هو لن يعود! # الأفق غابات من السحب الثقيلة والرعود، # الموت من أثمارهن وبعض أرمدة النهار، # الموت من أمطارهن وبعض أرمدة النهار، # الخوف من ألوانهن وبعض أرمدة النهار، # رحل النهار ... # رحل النهار. ~~••• # وكأن معصمك اليسار # وكأن ساعدك اليسار، وراء ساعته، فنار # في شاطئ للموت يحلم بالسفين على انتظار # رحل النهار # هيهات أن يقف الزمان، تمر حتى باللحود # خطا الزمان وبالحجار! # رحل النهار ولن يعود. ~~••• # الأفق غابات من السحب الثقيلة والرعود، # الموت من أثمارهن وبعض أرمدة النهار، # الموت من أمطارهن وبعض أرمدة النهار، # الخوف من ألوانهن وبعض أرمدة النهار، # رحل النهار، # رحل النهار! # خصلات شعرك لم يصنها سندباد من الدمار، # شربت أجاج الماء حتى شاب أشقرها وغار، # ورسائل الحب الكثار # مبتلة بالماء، منطمس بها ألق الوعود، # وجلست تنتظرين هائمة الخواطر في دوار: ~~«سيعود! لا، غرق السفين من المحيط إلى القرار، # سيعود! لا، حجزته صارخة العواصف في إسار # يا سندباد، أما تعود؟ # كاد الشباب يزول، تنطفئ الزنابق في الخدود، # فمتى تعود؟ # أواه، مد يديك بين القلب عالمه الجديد # بهما ويحطم عالم الدم والأظافر والسعار، # يبني ولو لهنيهة دنياه، # آه ms01 متى تعود؟ # أترى ستعرف ما سيعرف، كلما انطفأ النهار، # صمت الأصابع من بروق الغيب في ظلم الوجود؟ # دعني لآخذ قبضتيك، كماء ثلج في انهمار، # من حيثما وجهت طرفي ... ماء ثلج في انهمار # في راحتي يسيل، في قلبي يصب إلى القرار، # يا طالما بهما حلمت كزهرتين على غدير، # تتفتحان على متاهة عزلتي.» # رحل النهار # والبحر متسع وخاو، لا غناء سوى الهدير، # وما يبين سوى شراع رنحته العاصفات، وما يطير # إلا فؤادك فوق سطح الماء يخفق في انتظار، # رحل النهار # فلترحلي، رحل النهار. # بيروت، 27 / 6 / 1962 # | هدير البحر والأشواق # هدير البحر يفتل من دمائي، من شراييني # حبال سفينة بيضاء ينعس فوقها القمر، # ويرعش ظلها السحر. # ومن شباكي المفتوح تهمس بي وتأتيني # سماء الصيف خلف طيفه في صحوها المطر # ونحن نسير، والدنيا تسير وتقرع الأبواب # فتوقظ من رؤاه القلب: ذاك عدوك الزمن # تدور رحاه ... كم ستظل تخفق؟ ها هم الأصحاب # تراب منه تمتلئ الدروب وتشرب الدمن! ~~••• # يود القلب لو حطمته، لو حطمت خفقاته شفتيك # والكتفين والصدرا، # ولو ذرتك من زفراتي الحرى # رياح الوجد والحرمان. وا لهفي على عينيك! # ليتهما تمران # بدمع أو بإشفاق على صحراء حرماني، # لينبت في مداها الزهر! ليتهما تمران # بما نسج التأمل من غيوم فيهما حيرى، # بما نسج التفرد من نجوم فيهما سكرى، # على عمري الذي عراه من زهراته الداء # يود القلب لو حطمته، لو حطمت خفقاته شفتيك # والكتفين والصدرا، # ولو عراك، لو ذراك، لو أكلتك أشواقي، # ولو أصبحت خفقا، أو دماء فيه، أو سرا، # فإن أحببتك الحب الذي أقسى من الموت # وأعنف من لظى البركان، والحب الذي يأتي # إلي كأن نفخ الصور فيه، فكل ذر الميتين دم وأحياء، # فذاك لأنك النور الذي عرى دجى الأعمى، # وأنت صباي عاد إلي، أختا عاد أو أما، # وأنت حبيبتي، أفديك، أفدي خفق جفنيك # وما نفضا من السحب، # وأفدي خفق نهديك # على قلبي! # بيروت، 1 / 7 / 1962 # | نداء الموت # يمدون أعناقهم من ألوف القبور، يصيحون بي: # أن تعال! # نداء يشق العروق، يهز المشاش، ms02 يبعثر قلبي رمادا ~~«أصيل هنا مشعل في الظلال # تعال اشتعل فيه حتى الزوال!» # جدودي وآبائي الأولون سراب على حد جفني تهادى، # وبي جذوة من حريق الحياة تريد المحال، # وغيلان يدعو: «أبي سر، فإني على الدرب ماش أريد # الصباح!» # وتدعو من القبر أمي: «بني احتضني، فبرد الردى في عروقي، # فدفئ عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر، واحم الجراح # جراحي بقلبك أو مقلتيك، ولا تحرفن الخطا عن طريقي!» # ولا شيء إلا إلى الموت يدعو ويصرخ، فيما يزول، # خريف، شتاء، أصيل، أفول، # وباق هو الليل بعد انطفاء البروق، # وباق هو الموت، أبقى وأخلد من كل ما في الحياه # فيا قبرها افتح ذراعيك ... # إني لآت بلا ضجة، دون آه! # بيروت، 3 / 5 / 1962 # | ربيع الجزائر # سلاما بلاد اللظى والخراب # ومأوى اليتامى وأرض القبور، # أتى الغيث وانحل عقد السحاب # فروى ثرى جائعا للبذور # وذاب الجناح الحديد # على حمرة الفجر تغسل في كل ركن بقايا شهيد، # وتبحث عن ظامئات الجذور # وما عاد صبحك نارا تقعقع غضبى وتزرع ليلا # وأشلاء قتلى # وتنفث قابيل في كل نار يسف الصديد، # وأصبحت في هدأة تسمعين نافورة من هتاف # لديك، يبشر أن الدجى قد تولى، # وأصبحت تستقبلين الصباح المطلا # بتكبيرة من ألوف المآذن كانت تخاف، # فتأوي إلى عاريات الجبال # تبرقع أصداءها بالرمال. ~~••• # بماذا ستستقبلين الربيع؟ # ببقيا من الأعظم الباليه # لها شعلة رشت الداليه، # تعير العناقيد لون النجيع # وفي جانبي كل درب حزين # عيون تحدق تحت الثرى، # تحدق في عورة العاجزين! # لو تستطيع الكلام # لصبت على الظالمين # حميما من اللعنات، من العار، من كل غيظ دفين! # ربيعك يمضغ قيح السلام. ~~••• # بيوتك تبقى طوال المساء # مفتحة فيك أبوابها، # لعل المجاهد بعد انطفاء اللهيب وبعد النوى والعناء # يعود إلى الدار يدفن تحت الغطاء # جراحا، يفر إليه الصغار، ترفرف أثوابها # يصيحون: «بابا»، فيفطر قلب السماء ~~- «وماذا حملت لنا من هدية؟» ~~- «غدا ضاحكا أطلعته الدماء.» # وكم دارة في أقاصي الدروب القصية # مفتحة الباب، تقرعه الريح في آخر الليل قرعا # فتخرج أم الصغار # ومصباحها في يد أرعش ms03 الوجد منها، # يرود الدجى، ما أنار # سوى الدرب قفر المدى، وهي تصغي وترهف سمعا # وما تحمل الريح إلا نباح الكلاب البعيد، # فتخفت مصباحها من جديد. ~~••• ~~«ولما استرحنا بكينا الرفاق!» # هماس لأنييس عبر القرون # وها أنت تدمع فيك العيون # وتبكين قتلاك # نامت وغى فاستفاق # بك الحزن عاد اليتامى يتامى، # ردى عاد ما ظن يوما فراق! # سلاما بلاد الثكالى، بلاد الأيامى # سلاما ... # سلاما. # بيروت، 7 / 6 / 1962 # | خذيني # خذيني أطر في أعالي السماء، # صدى غنوة، كركرات، سحابه! # خذيني، فإن صخور الكآبه # تشد بروحي إلى قاع بحر بعيد القرار # خذيني أكن في دجاك الضياء، # ولا تتركيني لليل القفار! # إذا شئت ألا تكوني لناري # وقودا، فكوني حريقا! # إذا شئت أن تخلصي من إساري، # فلا تتركيني طليقا! # خذيني إلى صدرك المثقل # بهم السنين # خذيني فإني حزين، # ولا تتركيني على الدرب وحدي أسير إلى المجهل # وكانت دروبي خيوط اشتياق # ووجد وحب # إلى منزل في العراق # تضيء نوافذه ليل قلبي، # إلى زوجة كان فيها هنائي # وكانت سمائي # كواكبها ترسم الدرب، دربي # وهبت عليها رياح سموم # تبعثر خيطان تلك الدروب البعيده، # فعادت جذى كل تلك النجوم، # صلبت عليها وعادت مسامير نعش، # وعادت دروبي دربا، إذا جئت أمشي # رماني إليك، كوزن يقود القصيده # فوا لهف قلبي عليك! # ودرب رماني إليك! # أما تعلمين بأني تشهيتك البارحه؟ # أشم رداءك حتى كأني # سجين يعود إلى داره يتنشق جدرانها؛ # هنا صدرها، قلبها كان يخفق، كان التمني # يدغدغه، يشعل الشوق فيه إلى غيمة رائحه # لأرض الحبيب، ستنضح أركانها # بذوب نداها # تشهيتك البارحه # فقبلت ردن الرداء؛ هنا ساعداها، # هنا إبطها، يا لكهف الخيال! # ومرفأ ثغري إذا جرفته رياح ابتهال # ودحرجه مد شوق ملح، وقد حار فيه السؤال: ~~«تحبينني أنت؟ هل تخجلين؟ # أم استنزفت شوقك الكبرياء، # فلم يبق إلا ابتسام الرثاء؟ # أترثين لي، أم ترى تشفقين # على قلبك انهد تحت الصليب المعلق في صخرة الكبرياء؟» # نباح الكلاب المبعثر في وشوشات النخيل # ينبه في قلبي الذكريات العتاق، # ويربط دقات قلبي بأرض العراق، # لأسمع: «بابا»؛ فيطفأ حبي وتبرد ms04 نار الغليل، # وأعدو على الدرب سدت خطاي عليه # نوافذ بيتي تجمد فيها الضياء، # تغربت عنه وعدت إليه. # بيروت، 3 / 7 / 1962 # | حامل الخرز الملون # ماذا حملت لها سوى الخرز الملون والضباب؟ # ما خضت في ظلمات بحر أو فتحت كوى الصخور # والريح ما خطفت قلوعك، والسحاب # ما بل ثوبك! ما حملت لها سوى الدم والعذاب! # في سجنها هي، خلف سور، # في سجنها هي، وهو من ألم وفقر واغتراب # عشر من السنوات مرت وهي تجلس في ارتقاب، # أطفالها المتوثبون مع الصباح # صمتوا وكفوا عن مراح، # زجرتهم لتحس وقع خطاك، برعمت الزهور # وأتى الربيع وما أتيت، وجاء صيف ثم راح # ماذا يعيقك في سواحل نائيات؟ في قصور # قفر يعيش الغول فيها، كلما رمت الرياح # بحطام صارية تحفز؟ ما يعيقك عن رجوع؟ # لم تبق للغد من دموع # في مقلتيها، لا ولم يبق ابتسام للقاء # ستعود - حين تعود - بالخرز الملون ~~والهباء، # ستضم منها طيف أمس، فلا يجيبك في الضلوع # منها سوى دمك المفجع والخواء. # بيروت، 9 / 5 / 1962 # | سفر أيوب # 1 # لك الحمد مهما استطال البلاء # ومهما استبد الألم، # لك الحمد، إن الرزايا عطاء # وإن المصيبات بعض الكرم # ألم تعطني أنت هذا الظلام # وأعطيتني أنت هذا السحر؟ # فهل تشكر الأرض قطر المطر # وتغضب إن لم يجدها الغمام؟ # شهور طوال وهذي الجراح # تمزق جنبي مثل المدى، # ولا يهدأ الداء عند الصباح، # ولا يمسح الليل أوجاعه بالردى # ولكن أيوب إن صاح صاح: ~~«لك الحمد، إن الرزايا ندى، # وإن الجراح هدايا الحبيب، # أضم إلى الصدر باقاتها، # هداياك في خافقي لا تغيب، # هداياك مقبولة، هاتها!» # أشد جراحي وأهتف بالعائدين: ~~«ألا فانظروا واحسدوني، فهذي هدايا حبيبي!» # وإن مست النار حر الجبين # توهمتها قبلة منك مجبولة من لهيب # جميل هو السهد أرعى سماك # بعيني حتى تغيب النجوم، # ويلمس شباك داري سناك # جميل هو الليل: أصداء بوم، # وأبواق سيارة من بعيد، # وآهات مرضى، وأم تعيد # أساطير آبائها للوليد # وغابات ليل السهاد؛ الغيوم # تحجب وجه السماء، # وتجلوه تحت القمر # وإن صاح أيوب كان ms05 النداء: ~~«لك الحمد يا راميا بالقدر، # ويا كاتبا - بعد ذاك - الشفاء!» # لندن، 26 / 12 / 1962 # 2 # من خلل الثلج الذي تنثه السماء، # من خلل الضباب والمطر، # ألمح عينيك تشعان بلا انتهاء # شعاع كوكب يغيب ساعة السحر # وتقطران الدمع في سكون # كأن أهدابهما غصون # تنطف بالندى مع الصباح في شتاء # من خلل الدخان والمداخن الضخام، # تمج من مغار قابيل على الدروب والشجر، # ذرا من النجيع والضرام، # أسمع غيلان يناديك من الظلام، # من نومه اليتيم في خرائب الضجر # سمعت كيف دق بابنا القدر # فارتعشت على ارتجاف قرعه ضلوع، # ورقرقت دموع، # فاختلس المسافر الوداع وانحدر؟ ~~••• # وقبلة بين فمي وخافقي تحار # كأنها التائه في القفار # كأنها الطائر إذ خرب عشه الرياح والمطر، # لم يحوها خد لغيلان ولا جبين، # ووجه غيلان الذي غاب عن المطار، # وأنت إذ وقفت في المدى تلوحين. ~~••• # إقبال ... إن في دمي لوجهك انتظار، # وفي يدي دم، إليك شده الحنين، # ليتك تقبلين # من خلل الثلج الذي تنثه السماء، # من خلل الضباب والمطر! # لندن، 27 / 12 / 1962 # 3 # بعيدا عنك، في جيكور، عن بيتي وأطفالي # تشد مخالب الصوان والأسفلت والضجر # على قلبي، تمزق ما تبقى فيه من وتر # يدندن: «يا سكون الليل، يا أنشودة المطر!» # تشد مخالب المال # على بطني الذي ما مر فيه الزاد من دهر # عيون الجوع والوحده، # نجومي في دجى صارعت بين وحوشه برده، # وإن البرد أفظع، لا، كأن الجوع أفظع، لا، فإن الداء # يشل خطاي، يربطها إلى دوامة القدر # ولولا الداء صارعت الطوى والبرد والظلماء # بعيدا عنك أشعر أنني قد ضعت في الزحمه، # وبين نواجذ الفولاذ تمضغ أضلعي لقمه # يمر بي الورى متراكضين كأن على سفر، # فهل أستوقف الخطوات، أصرخ: «أيها الإنسان # أخي، يا أنت، يا قابيل ... خذ بيدي على الغمه! # أعني، خفف الآلام عني واطرد الأحزان»؟ # وأين سواك من أدعوه بين مقابر الحجر؟ ~~••• # ولولا الداء ما فارقت داري، يا سنا داري، # وأحلى ما لقيت على خريف العمر من ثمر! # هنا لا طير في الأغصان تشدو غير أطيار، # من ms06 الفولاذ تهدر، أو تحمحم دونما خوف من المطر، # ولا أزهار إلا خلف واجهة زجاجيه، # يراح إلى المقابر والسجون بهن والمستشفيات # ألا ... ألا يا بائع الزهر # أعندك زهرة حيه؟ # أعندك زهرة مما يرب القلب من حب وأهواء؟ # أعندك وردة حمراء سقتها شموس إستوائيه؟ ~~••• # أأصرخ في شوارع لندن الصماء: «هاتوا لي أحبائي»؟ # ولو أني صرخت فمن يجيب صراخ منتحر، # تمر عليه طول الليل آلاف من القطر؟! # لندن، 28 / 12 / 1962 # 4 # يا رب أيوب قد أعيا به الداء # في غربة دونما مال ولا سكن، # يدعوك في الدجن، # يدعوك في ظلموت الموت: أعباء # ناء الفؤاد بها، فارحمه إن هتفا! # يا منجيا فلك نوح مزق السدفا # عني، أعدني إلى داري، إلى وطني! ~~••• # أطفال أيوب من يرعاهم الآنا؟ # ضاعوا ضياع اليتامى في دجى شات # يا رب أرجع على أيوب ما كانا: # جيكور والشمس والأطفال راكضة بين النخيلات، # وزوجه تتمرى وهي تبتسم، # أو ترقب الباب، تعدو كلما قرعا: ~~«لعله رجعا!» # مشاءة دون عكاز به القدم! ~~••• # في لندن الليل موت نزعه ~~السهر، # والبرد والضجر، # وغربة في سواد القلب سوداء # يا رب يا ليت أني لي إلى وطني # عود لتلثمني بالشمس أجواء # منها تنفست روحي طينها بدني، # وماؤها الدم في الأعراق ينحدر # يا ليتني بين من في تربها قبروا! ~~••• # لأنه منك، حلو عندي المرض، # حاشا، فلست على ما شئت أعترض # والمال؟ رزق سيأتي منه موفور، # هيهات أن يذكر الموت وقد نهضوا # من رقدة الموت، كم مص الدماء بها دود ومد بساط # الثلج ديجور! # إني سأشفى، سأنسى كل ما جرحا # قلبي، وعرى عظامي فهي راعشة والليل مقرور، # وسوف أمشي إلى جيكور ذات ضحى. # لندن، 29 / 12 / 62 # 5 # نازلا نازلا من صحاري السماء، # من عصور جليدية، من قبور # نام فيها الهواء # أيها الثلج، يا حشرجات الدهور، # وانتحاب المساكين في كل كهف يغور، # في جبال السنين! # كن لهيبا على أوجه العابرين، # قنع الخوف فيها بلون الرجاء! ~~••• # أيها الثلج، رحماك! إني غريب # في بلاد من البرد والجوع سكرى، # إن لي منزلا ms07 في العراق الحبيب، # صبيتي فيه تعلك صخرا # آه، لولاك يا داء ما عفت داري، # ما تركت الزهور التي فتحت في جداري، # والعصافير في ركن بيتي لهن اختصام # مر يوم، فشهر، فشهر، فعام. ~~••• # والزمان ارتماء بدون انتهاء، # تزفر الأرض عنه وتبكي السماء، # رب هل لي إلى منزلي من رجوع؟ # كم أمد الذراع وأهدم سقف الضلوع؟ # لا أمس المدى أو أصيب الزمانا، # فهو شيء على الروح يسعى؛ هباء وظلمه # ليت عصر النبوات لم يطو حلمه! # وشت المعجزات الحواشي فكانت وكنا. ~~••• # ليتني العازر انفض عنه الحمام، # يسلك الدرب عند الغروب، # يتمهل لا يقرع الباب: من ذا يئوب # من سراديب للموت عبر الظلام؟ # لن تصدق أني ... ستهوي يداها # عن رتاج، وتصفر لي وجنتاها # ثم تركض مذعورة، تشد بخيط الدروب # نحو قبري، وتطويه حتى تمس الضريح الحطام. ~~••• # إيه إقبال! لا تيأسي من رجوعي # هاتفا قبل أن أقرع الباب: عادا # عازر من بلاد الدجى والدموع، # سورها كان ملحا، نجيعا، رمادا # قبليني على جبهة صكها الموت صكا أليما، # حدقي في عيون شهدن الردى والمعادا # عدت، لن أبرح الدار حتى لو ان النجوما # دحرجت سلما من ضياء وقالت: # تخط السديما! # لندن، 31 / 12 / 1962 # 6 # خيال الجسد العاري # يطل علي محمولا على موج من النار، # من المدفأة الحمراء، ذاك الرحم الضاري. ~~••• # لكل تقلب من موجها خفق من القلب، # تدحرج عري النهدان، بان الجيد والساق، # تدحرج لي على الجنب، # تدحرج ثم صك أضالعي، وتثار أعراق # ويطفر للجبين دم، ويعروني # دوار منه تصطك النواجذ؛ خوف بحار # يطل فيبصر التيار يزفر مثل تنين، # ويصرخ آدم المدفون في: رضيت بالعار، # بطردي من جنان الخلد أركض إثر حواء! # أريدك، يا سرابا في خيالي ليس يسقيني، # أريدك. ثم تطوى موجة وتطير أشلاء # فقاعات من النيران، من شوق وتذكار. ~~••• # وجاء الجسد العاري، # خيالا جاء محمولا على موج من النار # من المدفأة الحمراء، ذاك الرحم الضاري. ~~••• # يميل علي كيف أشاء، أعصره كما أهوى، # ولا يقوى # على رفضي، على تهديم عرش من لظى وار، # أتوج فوقه الآمال ms08 راعشة القوى شهوى # بحار بيننا؛ ليلان من مدن وأمطار، # وإنك منك أقرب، أنت بعض دمي، # خيالي أنت، أمنيات عمري ... كل أمنيه # بعاطفتي تحرك لا عواطفك الأنانيه # علام مددت بحرا بيننا، دنيا جليديه # أعانق في دجاها جسمك العاري # يطل علي محمولا على موج من النار # من المدفأة الحمراء، من وهمي وأفكاري؟ # لندن، 31 / 12 / 1962 # 7 # البرد وهسهسة النار # ورماد المدفأة الرمل # تطويه قوافل أفكاري # أنا وحدي يأكلني الليل ~~••• # ويخب المركب إلى داري # برق يتلامح في الآفاق، يعريها # ويذريها # كرماد المبخرة الثكلى # في مقبرة تهب الليلا # ألوان الموت وآهات الموتى فيها. ~~••• # يا ليل، لكم طال الدرب # تعب الركب # وعراقي شط، وسماري # ناموا، وبقيت ولا زاد # عندي، وظمئت ولا ماء، ظمئ القلب # لا سقيا غير شظيات البرق الواري # يا أغصان الليل انهمري ثمرا إذ يؤكل يزداد # السلة منه سأملأها حتى إن عدت إلى داري # فرح الأطفال به، هتفوا: «بابا ...» # يا برق، أما تخبو؟ # فيغيب الدرب، ولا يبدو # كم منه على الساري بعد. ~~••• # البرد وهسهسة النار # ورماد المدفأة الرمل # تطويه قوافل أفكاري # أنا وحدي يأكلني الليل. # لندن، 1 / 2 / 1963 # 8 # ذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطار، # ولندن مات فيها الليل، مات تنفس النور # رأيت شبيهة لك شعرها ظلم وأنهار، # وعيناها كينبوعين في غاب من الحور # مريضا كنت تثقل كاهلي والظهر أحجار # أحن لريف جيكور # وأحلم بالعراق وراء باب سدت الظلماء # بابا منه، والبحر المزمجر قام كالسور # على دربي # وفي قلبي # وساوس مظلمات غابت الأشياء # وراء حجابهن وجف فيها منبع النور # ذكرت الطلعة السمراء، # ذكرت يديك ترتجفان من فرق ومن برد # تنز به صحارى للفراق تسوطها الأنواء # ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سياره # ليؤذن بالوداع. ذكرت لذع الدمع في خدي # ورعشة خافقي وأنين روحي يملأ الحاره # بأصداء المقابر، والدجى ثلج وأمطار. # لندن، 2 / 1 / 1963 # 9 # بالعضل المفتول والسواعد المجدوله # هرقل صارع الردى في غاره المحجب # بظلمة من طحلب # وقام تموز بجرح فاغر مخضب # يصك «موت» صكة، محجبا ذيوله # وخطوه الجليد بالشقيق ms09 والزنابق. ~~••• # وانخطف الموت علي كانخطاف الباشق # على العصافير، أحال ظهري # عمود ملح أو عمود جمر، # أحرك الأطراف لا تطيعني، مشلوله، # مات الدم الفوار فيها، أطفئ الشباب، # وامتد نحو القبر درب، باب # من خشب الصليب، فالمسيح # مات، وفي الطوفان ضل نوح # وأغضيت نواظري الذليله # لعلها تعتاد من دجاها # على دجى غطاؤها الضريح ! ~~••• # أي سلاح، آه، أي ساعد؟ # أية أزهار تمد فاها # لتأكل الموت؟ وأي ناصر مساعد؟ # سللت من قصائدي # سيفا كأن البرق حداد رمى أصوله # وصب مقبضا له وشفره # بالشعر، بالمبرق، بالمجلجل المدوي # رميت وجه يهوي نحوي # كأنه الستار في رواية هزيله، # رميت وجه الموت ألف مره # إذا أطل وجهه البغيض # كأنه السيرين، يسعى جسمي المريض # نحو ذراعيه بلا تردد، # فأنتضي من سيفي المجرد، # ويقطر الشعر ولا يغيض، # لأنني مريض # أودع الحياة أو أشد بالحياة # بخيطه الموروث عن أموات # لم يدفع الشعر مناياهم وقد # جاءت إليهم غيله! # 2 / 1 / 1963 # 10 # يا غيمة في أول الصباح، # تعربد الرياح # من حولها، تنتف من خيوطها، تطير # بها إلى سماوة تجوع للحرير، # سينطوي الجناح، # ستنتف الرياح ريشه مع الغروب، # يا غيمة ما أمطرت، تذوب! ~~••• # فأبرقي وأرعدي وأرسلي المطر # ومزقي ذوائب الشجر # وأغرقي السهوب، # وأحرقي الثمر! # سترجحن بعدك السنابل الثقال بالحبوب، # وتقطف الورود والأقاح # صبية يؤج في وجنتها الجنوب، # وأنت ذرة من الدماء والجراح. ~~••• # وأنت يا شاعر واديك، أما تئوب # من سفر يطول في البطاح، # تراقص النهر # وتلثم المطر؟ # أما سمعت هاتف الرواح: ~~«خام وزنبيل من التراب # وآخر العمر ردى»، ويطلع القمر؟ # فأبرق، ارعد، أرسل المطر # قصائد احتوى مداها دارة العمر، # يا غيمة في أول الصباح، # يا شاعرا يهم بالرواح، # وودع القمر. # لندن، 2 / 1 / 1963 # | منزل الأقنان # في جيكور # خرائب فانزع الأبواب عنها تغد أطلالا، # خوال قد تصك الريح نافذة فتشرعها إلى الصبح، # تطل عليك منها عين بوم دائب النوح # وسلمها المحطم، مثل برج داثر، مالا # يئن إذا أتته الريح تصعده إلى السطح، # سفين تعرك الأمواج ألواحه. ~~••• # وتملأ رحبة الباحه # ذوائب سدرة غبراء تزحمها ms10 العصافير، # تعد خطى الزمان بسقسقات، والمناقير # كأفواه من الديدان تأكل جثة الصمت، # وتملأ عالم الموت # بهسهسة الرثاء، فتفزع الأشباح تحسب أنه النور # سيشرق، فهي تمسك بالظلال وتهجر الساحه # إلى الغرف الدجية وهي توقظ ربة البيت: ~~«لقد طلع الصباح»، وحين يبكي طفلها الشبح # تهدهده وتنشد: «يا خيول الموت في الواحه # تعالي واحمليني، هذه الصحراء لا فرح # يرف بها ولا أمن ولا حب ولا راحه!» # ألا يا منزل الأقنان، كم من ساعد مفتول # رأيت، ومن خطى يهتز منها صخرك الهاري! # وكم أغنية خضراء طارت في الضحى المغسول # بالشمس الخريفيه، # تحدث عن هوى عاري # كماء الجدول الرقراق! كم شوق وأمنيه! # وكم ألم طويت، وكم سقيت بمدمع جاري؟ # وكم مهد تهزهز فيك؟ كم موت وميلاد # ونار أوقدت في ليلة القر الشتائيه! # يدندن حولها القصاص: «يحكى أن جنيه ...» # فيرتجف الشيوخ ويصمت الأطفال في دهش وإخلاد # كأن زئير آلاف الأسود يرن في واد # وقد ضلوا حيارى فيه، ثم ترن أغنيه: ~~«أتى قمر الزمان ...» ودندن القصاص: «جنيه ...» # وبؤسهم المرير؛ الجوع والأحزان والسقم، # وطفل مات لما جف در، ماتت المعزى # وجاعت أمه، فالثدي لا لبن ولا لحم، # سمعت صراخها والليل ينظر نجمه غمزا، # وولولة الأب المفجوع يخنق صوته الألم. ~~••• # ولو خيرت أبدلت الذي ألقى بما ذاقوا، # ممض ما أعاني؛ شل ظهر وانحنت ساق # على العكاز أسعى حين أسعى، عاثر الخطوات مرتجفا، # غريب غير نار الليل ما واساه من أحد # بلا مال، بلا أمل، يقطع قلبه أسفا # ألست الراكض العداء في الأمس الذي سلفا؟! # أأمكث في ديار الثلج ثم أموت من كمد، # ومن جوع ومن داء وأرزاء؟ # أأمكث أم أعود إلى بلادي؟ آه يا بلدي! # وما أمل العليل لديك، شح المال، ثم رمته بالداء # سهام في يد الأقدار ترمي كل من عطفا # على المرضى، وشد ضلوع الجائعين بصدره الواهي، # وكفكف أدمع الباكين يغسلها بما وكفا # من العبرات في عينيه؛ إلا رحمة الله؟! ~~••• # ألا يا منزل الأقنان، سقتك الحيا سحب # تروي قبري الظمآن، # تلثمه وتنتحب. # لندن، 3 / 1 / 1963 # | وصية ms11 من محتضر # يا صمت، يا صمت المقابر في شوارعها الحزينه، # أعوي، أصيح، أصيح في لهف فأسمع في السكينه # ما تنثر الظلماء من ثلج وقار، # تصدي عليه خطى وحيدات، وتبتلع المدينه # أصداءهن، كأن وحشا من حديد، من حجار # سف الحياة فلا حياة من المساء إلى النهار # أين العراق؟ وأين شمس ضحاه تحملها سفينه # في ماء دجلة أو بويب؟ وأين أصداء الغناء # خفقت كأجنحة الحمام على السنابل والنخيل # من كل بيت في العراء، # من كل رابية تدثرها أزاهير السهول؟ # إن مت يا وطني فقبر في مقابرك الكئيبه # أقصى مناي، وإن سلمت فإن كوخا في الحقول # هو ما أريد من الحياة. فدى صحاراك الرحيبه # أرباض لندن والدروب، ولا أصابتك المصيبه! ~~••• # أنا قد أموت غدا، فإن الداء يقرض - غير وان - # حبلا يشد إلى الحياة حطام جسم مثل دار # نخرت جوانبها الرياح وسقفها سيل القطار. # يا إخوتي المتناثرين من الجنوب إلى الشمال، # بين المعابر والسهول وبين عالية الجبال، # أبناء شعبي في قراه وفي مدائنه الحبيبه! # لا تكفروا نعم العراق ... # خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء، # الشمس، نور الله، تغمرها بصيف أو شتاء، # لا تبتغوا عنها سواها # هي جنة فحذار من أفعى تدب على ثراها # أنا ميت، لا يكذب الموتى، وأكفر بالمعاني # إن كان غير القلب منبعها # فيا ألق النهار، # اغمر بعسجدك العراق، فإن من طين العراق # جسدي، ومن ماء العراق ... # 2 / 1 / 1963 # | الشاهدة # «يا قارئا كتابي # ابك على شبابي» # شاهدة بين القبور تبكي # تستوقف العابر، يا صحابي # غضوا الخطا ولتصمتوا، إن القرون تحكي # في جملة خطت على التراب # من نام في القبر ودود القبر # يسأل لا ينطق بالجواب؟! # سيان عنده اتئلاق الفجر # وظلمة الليل بلا ثياب، # بلا طعام، لا هوى، لا حقد # أفقر أهل الفقر # فيه وأغنى الأغنياء، تعدو # في قبره الجرذان، وهو غاف # نام من الديدان في لحاف. ~~••• # لي نومة مع التراب في غد # صباحها أول ليل الأبد، # يمر بي الشيوخ والشبان # يثرثرون: «يدها فوق يدي # وعينها ...» وينفث الدخان # رب فتى مورد # يقرأ ms12 من شعري على الصحاب، # يقرأ في كتابي # قصيدة خضراء عن جيكور، # غافية تحت غصون النور # تحلم بالسحاب، # مر على قبري فقال: «قبر، # وأين من هذا الرميم الشعر # يدفق بالعواطف # كهبة العواصف القواصف؟!» # مر على قبري فكاد الصخر # يصرخ: «تحتي نام هذا الشاعر # صاحب هذه القوافي، يسمع # ما قلتموه، فالعيون تدمع # في عالم لا يرجع المسافر # منه ولا للنوم فيه آخر # رفقا به، دعوه في رقدته # تؤنسه الديوان في وحدته، # كان له قلب وكان أمس، # حتى إذا استنزف من مدته # توسد الترابا، # لا تقرءوا الكتابا!» ~~••• # ثم تغيب الشمس. # درم، 6 / 1 / 1963 # | أسمعه يبكي # أسمعه يبكي، يناديني # في ليلي المستوحد القارس # يدعو: «أبي كيف تخليني # وحدي بلا حارس؟» # غيلان، لم أهجرك عن قصد ... # الداء يا غيلان أقصاني، # إني لأبكي - مثلما أنت تبكي - في الدجى وحدي # ويستثير الليل أحزاني، # فكلما مر نهار وجاء # ليل من البرد # ألفيتني أحسب ما ظل في جيبي من النقد، # أيشتري هذا القليل الشفاء؟ # سأطرق الباب على الموت في دهليز مستشفى # في البرد والظلماء والصمت، # سأطرق الباب على الموت # في برهة طال انتظاري بها، في معبر من دماء، # وأرسل الطرفا # فلا أرى إلا الدجى والخواء # يا ويلتي إن يفتح الباب # فأبصر الأموات من فرجته # يدعونني: «مالك ترتاب # بالموت؟ في هجعته # ما يعدل الدنيا وما فيها؛ # دفء، نعاس، خدر وارتخاء» # أوشك أن أعبر في برزخ من جامدات الدماء # تمتد نحوي كفها، كف أمي بين أهليها: ~~«لا مال في الموت، ولا فيه داء.» # ثم تسد الباب كف الطبيب # تجرح في جسمي، # وهاتفا باسمي # أسمع صوتا ناعسا، قد أجيب # فيهزم الموت على صوتي، # وربما استسلمت للموت. # درم، 9 / 1 / 1963 # | درم # درم ... # بنفسي مما عراني برم # فمدي ذراعيك ولتحضنيني # إلى هوة من ظلام العدم، # فما قيمة العمر أقضيه أمشي # بعكازة في دروب الهرم؟ # أهذا شبابي؟ وأين الشباب؟ # ألا حب، لا زهو، لا عنفوان؟ # أهذا مشيبي؟ حصدت السراب # إذا كان معنى المشيب الهوان! # أعقبى المشيب الأسى والندم؟ # أما من شبابي الذي مر ms13 ذكرى؟ # أما منه مال وبقيا شمم؟ # أكان الذي منه خلفت شعرا # وبيتا وراء الرياح انهدم؟ # درم ... # تمنيت لو مت بين الثلوج # على جدول جمدته النسم، # فروحي تجوب المروج # وتأوي إلى رمة في الظلم، # ومن أين للروح هذا البقاء؟ # فناء، فناء # سوى قصة قد تثير السأم # يرددها سامر في الشتاء: ~~«لقد خط شعرا له من هباء، # وكانت له زوجة وابن عم # وطفلان، لا، لا، نسيت ... ابنتان # وطفل»، ويخبو لديه الضرم، # فيغفو على المسند السامر # وتفتح بوابة من دخان، # عليها الدجى حائر # يبعثر أنجمه من خلال الضباب # أهذا هو الشاعر؟ # حديث ينيم الصحاب # إذا مات، أو عاش فهو الألم # درم، # بنفسي مما عراني برم. # بيروت، 5 / 1 / 1963 # | قصيدة من درم # من درم أكتبها قصيده # كالنجم في آفاقه البعيده # لا يبعث الدفء ولا ينير، # يلمحه الصغير # فيبسط الكف له، يشير # يقطر في أحلامه السعيده # يعلق بالضباب # كنغفة السراب # تضلل القوافل الشريده. ~~••• # اليأس يوحيها أو الملال # كأنها في الظلمة الظلال # تعمق الظلمة حين تنشر # أظل ما يقال # في نفس شاعر يموت عمره، يبعثر # ويقبر؟ # يمشي على عكازة ويعثر، # أيامه إلى رداه سفر، # وعيشه انسلال # عبر جدار الموت ما يزال # شاء الردى، حاول أن يريده # لكن وحشا ضاريا يزمجر # في كهفه، وحية من بابل التليده، # يطير نحو الموت منه شرر، # تفح في وجه الردى وتصفر، # فيكتب القصيده # يريد أن يجدد البقاء، أن يعيده، # أن يهدي القوافل الشريده، # فلا تتيه في صحاري العدم # بقبره في درم. ~~••• # من درم أكتبها قصيده # كالنجم ضل في سديم العدم. # درم، 5 / 1 / 1963 # | قالوا لأيوب # قالوا لأيوب: «جفاك الإله!» # فقال: «لا يجفو # من شد بالإيمان، لا قبضتاه # ترخى، ولا أجفانه تغفو.» # قالوا له: «والداء من ذا رماه # في جسمك الواهي ومن ثبته؟» # قال: «هو التكفير عما جناه # قابيل والشاري سدى جنته # سيهزم الداء، غدا أغفو # ثم تفيق العين من غفوه # فأسحب الساق إلى خلوه، # أسأل فيها الله أن يعفو # عكازتي في الماء أرميها # وأطرق الباب على أهلي، # إن فتحوا ms14 الباب فيا ويلي # من صرخة، من فرحة مست حوافيها # دوامة الحزن ... وأأيوب ذاك؟ # أم أن أمنيه # يقذفها قلبي، فألفيها # ماثلة في ناظري حيه؟ # غيلان، يا غيلان، عانق أباك!» ~~••• # يا رب لا شكوى ولا من عتاب، # ألست أنت الصانع الجسما؟ # فمن يلوم الزارع التما # من حوله الزرع، فشاء الخراب # لزهرة والماء للثانيه؟ # هيهات تشكو نفسي الراضيه! # إني لأدري أن يوم الشفاء # يلمح في الغيب، # سينزع الأحزان من قلبي # وينزع الداء، فأرمي الدواء، # أرمي العصا، أعدو إلى دارنا وأقطف الأزهار في دربي، # ألم منها باقة ناضره # أرفعها للزوجة الصابره # وبينها ما ظل من قلبي. # درم، 6 / 1 / 1963 # | الليلة الأخيرة # وفي الصباح يا مدينة الضباب # والشمس أمنية مصدور تدير رأسها الثقيل # من خلل السحاب، # سيحمل المسافر العليل # ما ترك الداء له من جسمه المذاب، # ويهجر الدخان والحديد # ويهجر الأسفلت والحجر، # لعله يلمح في درام من نهر، # يلمح وجه الله فيها، وجهه الجديد # في عالم النقود والخمور والسهر. ~~••• # رب صباح بعد شهر، بعدما الطبيب # يراه - من يعلم ماذا خبأ القدر؟ - # سيحمل الحقيبة المليئه # بألف ألف رائع عجيب، # بالحلي والحجر، # باللعب الخبيئه، # يفجأ غيلان بها، يا طول ما انتظر! # يا طول ما بكى ونام تملأ الدموع # برنة الأجراس، أو بصيحة الذئاب # عوالم الحلم له، وتنشر القلوع # يجوب فيها سندباد عالم الخطر، # هناك فارس النحاس يرقب العباب # ويشرع السهم ليرمي كل من عبر. ~~••• # إن يكتب الله لي العود إلى العراق # فسوف ألثم الثرى، أعانق الشجر، # أصيح بالبشر: ~~«يا أرج الجنة، يا إخوة، يا رفاق، # ألحسن البصري جاب أرض واق واق، # ولندن الحديد والصخر، # فما رأى أحسن عيشا منه في العراق.» # ما أطول الليل وأقسى مدية السهر، # صديئة تحز عيني إلى السحر! ~~••• # وزوجتي لا تطفئ السراج: «قد يعود # في ظلمة الليل من السفر.» # وتشعل النيران في موقدنا: «برود # هو المساء، وهو يهوى الدفء والسمر.» ~~••• # وتنطفئ مدفأتي، فأضرم اللهيب، # وأذكر العراق: ليت القمر الحبيب # من أفق العراق يرتمي علي: آه يا قمر! # أما لثمت وجه غيلان؟ أنا ms15 الغريب # يكفيه لو لثمت غيلان، أن انتثر # منك ضياء عبر شباك الأب الكئيب، # ومس منه الثغر والشعر: # أحس منه أن غيلان - شذى وطيب # من كفه اللينة انتشر - # عابث شعري، صاح: «آه جاء # أبي، وعاد من مدينة الحجر!» # وشد بالرداء. # ما أطول الليل وأقسى مدية السهر # ومدية النوم بلا قمر. # لندن، 4 / 1 / 1963 # | القصيدة والعنقاء # جنازتي في الغرفة الجديده # تهتف بي أن أكتب القصيده، # فأكتب # ما في دمي وأشطب # حتى تلين الفكرة العنيده. # وغرفتي الجديده # واسعة، أوسع لي من قبري # إذا اعتراني تعب # من يقظة فالنوم منها أعذب، # ينبع حتى من عيون الصخر، # حتى من المدفأة الوحيده # تقوم في الزاوية البعيده. ~~••• # وترفع الجنازة اليابسة المهدمه # من رأسها، ترنو إلى الجدران # والسقف والمرآة والقناني، # ما للزوايا مظلمه # كأنهن الأرض للإنسان، # تريد أن تحطمه # بالمال والخمور والغواني، # والكذب في القلب وفي اللسان! # تريد أن تعيده # للغابة البليده! # وصفحة المرآة ما لها تطل خاويه # ما أثمرت بغانيه، # بالشفة المرجان # تنيرها، كالشفق، العينان، # وبالنهود العاريه؟ # كهذه المرآة # ستصبح الأرض بلا حياة # وفي الليالي الداجيه، # في ذلك السكون ليس فيه # إلا الرياح العاويه، # سيفزع الله من الأموات # ويسحب الموت ويغفو فيه # مثل دثار في الليالي الشاتيه. ~~••• # وهكذا الشاعر حين يكتب القصيده # فلا يراها بالخلود تنبض، # سيهدم الذي بنى، يقوض # أحجارها ثم يمل الصمت والسكونا # وحين تأتي فكرة جديده، # يسحبها مثل دثار يحجب العيونا، # فلا ترى، إن شاء أن يكونا # فليهدم الماضي، فالأشياء ليس تنهض # إلا على رمادها المحترق # منتثرا في الأفق، # وتولد القصيده. # درم، 10 / 1 / 1963 # | هرم المغني # بالأمس كنت إذا كتبت قصيدة فرح الدم # فأغمغم # وأهيم ما بين الجداول والأزاهر والنخيل # أشدو بها، أترنم، # زاد لروحي منذ سقسقة الصباح إلى الأصيل # زاد، ولكن عنه قد صدفت، تجوع ولا تريد # ما ينعش الآمال فيها، # هي حشرجات الروح أكتبها قصائد لا أفيد # منها سوى الهزء المرير على ملامح قارئيها # هرم المغني، هد منه الداء فارتبك الغناء # بالأمس كان إذا ترنم يمسك الليل الطروب # بنجومه المترنحات ms16 فلا تخر على الدروب، # واليوم يهتف ألف آه لا يهز مع المساء # سعف النخيل، ولا يرجح زورق العرس المحلى # بعيون آرام ودفلى، # ودرابك ارتعدت حناجرها فأرعدت الهواء. ~~••• # هرم المغني فاسمعوه - برغم ذلك - تسعدوه، # ولتوهموه بأن من أبد شباب من لحون، # وهوى ترقرق مقلتاه له وينفح منه فوه # هو مائت أفتبخلون # عليه حتى بالحطام من الأزاهر والغصون؟ # أصغوا إليه لتسمعوه # يرثي الشباب ولا كلام سوى نشيج: «بالعيون # سلم علي إذا مررت!» # أتى وسلم ... صدقوه! # هرم المغني فارحموه. # درم، 5 / 1 / 1963 # | قصيدة إلى العراق الثائر # عملاء «قاسم» يطلقون النار ، آه على الربيع # سيذوب ما جمعوه من مال حرام كالجليد، # ليعود ماء منه تطفح كل ساقية، يعيد # ألق الحياة إلى الغصون اليابسات فتستعيد # ما لص منها في الشتاء القاسمي، فلا يضيع # يا للعراق! # يا للعراق! أكاد ألمح عبر زاخرة البحار، # في كل منعطف، ودرب، أو طريق، أو زقاق، # عبر الموانئ والدروب، # فيه الوجوه الضاحكات تقول: «قد هرب التتار # والله عاد إلى الجوامع بعد أن طلع النهار، # طلع النهار فلا غروب.» # يا حفصة ابتسمي فثغرك زهرة بين السهوب، # أخذت من العملاء ثأرك كف شعبي حين ثار، # فهوى إلى سقر عدو الشعب، فانطلقت قلوب # كانت تخاف فلا تحن إلى أخ عبر الحدود، # كانت على مهل تذوب، # كانت إذا مال الغروب # رفعت إلى الله الدعاء: «ألا أغثنا من ثمود، # من ذلك المجنون يعشق كل أحمر، فالدماء # تجري وألسنة اللهيب تمد، يعجبه الدمار # أحرقه بالنيران تهبط كالجحيم من السماء، # واصرعه صرعا بالرصاص، فإنه شبح الوباء!» ~~••• # هرع الطبيب إلي، آه، لعله عرف الدواء # للداء في جسدي فجاء؟ # هرع الطبيب إلي وهو يقول: «ماذا في العراق؟ # الجيش ثار ومات «قاسم» ...» أي بشرى بالشفاء! # ولكدت من فرحي أقوم، أسير، أعدو دون داء! # مرحى له، أي انطلاق! # مرحى لجيش الأمة العربية انتزع الوثاق! # يا إخوتي بالله، بالدم، بالعروبة، بالرجاء، # هبوا فقد صرع الطغاة وبدد الليل الضياء، # فلتحرسوها ثورة عربية صعق «الرفاق» # منها وخر الظالمون، # لأن «تموز» استفاق # من بعد ما ms17 سرق العميل سناه، فانبعث العراق. # لندن، مستشفى سان ماري # 8 / 2 / 1963 ms18