######OpenITI# #META# URI: 1384BadrShakirSayyab.Shanashil.Hindawi16815906 #META# Tags: poetry #META# ID: 16815906 #META# Title: شناشيل ابنة الجلبي وإقبال #META# AuthorID: 17520516 #META# Author: بدر شاكر السياب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # شناشيل ابنة الجلبي‏ # إرم ذات العماد‏ # في الليل‏ # في انتظار رسالة‏ # الباب تقرعه الرياح‏ # من ليالي السهاد‏ # خلا البيت‏ # جيكور وأشجار المدينة‏ # ها ... ها ... هوه‏ # أحبيني ...!‏ # يقولون تحيا ...‏ # وغدا سألقاها‏ # ليلة الوداع‏ # أغنية بنات الجن‏ # جيكور أمي‏ # يا غربة الروح‏ # أم كلثوم والذكرى‏ # كيف لم أحببك؟‏ # أسير القراصنة‏ # نسيم من القبر‏ # في المستشفى‏ # سلوى‏ # متى نلتقي؟‏ # أظل من بشر‏ # القن والمجرة‏ # عكاز في الجحيم‏ # لوي مكنيس‏ # حميد‏ # المعول الحجري‏ # في غابة الظلام‏ # رسالة‏ # ليلة انتظار‏ # نفس وقبر‏ # إقبال والليل‏ # ليلى‏ # شناشيل ابنة الجلبي‏ # إرم ذات العماد‏ # في الليل‏ # في انتظار رسالة‏ # الباب تقرعه الرياح‏ # من ليالي السهاد‏ # خلا البيت‏ # جيكور وأشجار المدينة‏ # ها ... ها ... هوه‏ # أحبيني ...!‏ # يقولون تحيا ...‏ # وغدا سألقاها‏ # ليلة الوداع‏ # أغنية بنات الجن‏ # جيكور أمي‏ # يا غربة الروح‏ # أم كلثوم والذكرى‏ # كيف لم أحببك؟‏ # أسير القراصنة‏ # نسيم من القبر‏ # في المستشفى‏ # سلوى‏ # متى نلتقي؟‏ # أظل من بشر‏ # القن والمجرة‏ # عكاز في الجحيم‏ # لوي مكنيس‏ # حميد‏ # المعول الحجري‏ # في غابة الظلام‏ # رسالة‏ # ليلة انتظار‏ # نفس وقبر‏ # إقبال والليل‏ # ليلى‏ # | شناشيل ابنة الجلبي وإقبال # | شناشيل ابنة الجلبي وإقبال # تأليف # بدر شاكر السياب # | شناشيل ابنة الجلبي # وأذكر من شتاء القرية النضاح فيه النور # من خلل السحاب كأنه النغم # تسرب من ثقوب المعزف - ارتعشت له الظلم # وقد غنى - صباحا قبل ... فيم أعد؟ طفلا كنت أبتسم # لليلي أو نهاري أثقلت أغصانه النشوى عيون الحور. # وكنا - جدنا الهدار يضحك أو يغني في ظلال الجوسق القصب # وفلاحيه ينتظرون: «غيثك يا إله!» وإخوتي في غابة اللعب # يصيدون الأرانب والفراش، و«أحمد» الناطور - # نحدق في ظلال الجوسق السمراء في النهر # ونرفع للسحاب عيوننا: سيسيل بالقطر. # وأرعدت السماء فرن قاع النهر، وارتعشت ذرى السعف # وأشعلهن ومض البرق أزرق ثم اخضر ثم تنطفئ # وفتحت السماء لغيثها المدرار بابا بعد باب # عاد منه النهر يضحك وهو ممتلئ # تكلله الفقائع، عاد أخضر، عاد أسمر، غص بالأنغام واللهف # وتحت النخل حيث تظل تمطر كل ما سعفه # تراقصت الفقائع وهي تفجر؛ إنه الرطب # تساقط ms01 في يد العذراء وهي تهز في لهفه # بجذع النخلة الفرعاء (تاج وليدك الأنوار لا الذهب، # سيصلب منه حب الآخرين، سيبرئ الأعمى، # ويبعث من قرار القبر ميتا هده التعب # من السفر الطويل إلى ظلام الموت، يكسو عظمه اللحما # ويوقد قلبه الثلجي فهو بحبه يثب!) # وأبرقت السماء ... فلاح، حيث تعرج النهر، # وطاف معلقا من دون أس يلثم الماء # شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر ~~(عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاء) # وآسية الجميلة كحل الأحداق منها الوجد والسهر. # يا مطرا يا حلبي # عبر بنات الجلبي # يا مطرا يا شاشا # عبر بنات الباشا # يا مطرا من ذهب. # تقطعت الدروب، مقص هذا الهاطل المدرار # قطعها ووراها، # وطوقت المعابر من جذوع النخل في الأمطار # كغرقى من سفينة سندباد، كقصة خضراء أرجأها وخلاها # إلى الغد «أحمد» الناطور وهو يدير في الغرفه # كئوس الشاي، يلمس بندقيته، ويسعل ثم يعبر طرفه الشرفه # ويخترق الظلام. # وصاح «يا جدي» أخي الثرثار: ~~«أنمكث في ظلام الجوسق المبتل ننتظر؟ # متى يتوقف المطر؟» # وأرعدت السماء، فطار منها ثمة انفجرا # شناشيل ابنة الجلبي ... # ثم تلوح في الأفق # ذرى قوس السحاب، وحيث كان يسارق النظرا # شناشيل الجميلة لا تصيب العين إلا حمرة الشفق. # ثلاثون انقضت، وكبرت: كم حب وكم وجد # توهج في فؤادي! # غير أني كلما صفقت يدا الرعد # مددت الطرف أرقب: ربما ائتلق الشناشيل # فأبصرت ابنة الجلبي مقبلة إلى وعدي! # ولم أرها. هواء كل أشواقي، أباطيل # ونبت دونما ثمر ولا ورد! # لندن، 24 / 2 / 1963 # | إرم ذات العماد # (عند المسلمين أن «شداد بن عاد» بنى جنة؛ لينافس بها جنة الله، هي «إرم»، وحين أهلك الله ~~قوم عاد، اختفت «إرم» وظلت تطوف، وهي مستورة، في الأرض لا يراها إنسان إلا مرة في كل أربعين ~~عاما، وسعيد من انفتح له بابها.) # من خلل الدخان من سيكاره، # من خلل الدخان # من قدح الشاي وقد نشر، وهو يلتوي، إزاره # ليحجب الزمان والمكان، # حدثنا جد أبي فقال: «يا صغار، # مقامرا كنت مع الزمان، # نقودي الأسماك، لا الفضة والنضار، # والورق ms02 الشباك والوهار . # وكنت ذات ليله # كأنما السماء فيها صدأ وقار، # أصيد في الرميله # في خورها العميق، أسمع المحار # موسوسا كأنما يبوح للحصى وللقفار # بموطن اللؤلؤة الفريده، # فأرهف السمع لعلي أسمع الحوار. # وكان من ندى الخريف في الدجى بروده # تدب منها رعشة في جسدي فأسحب الدثار. # وانفرج الغيم فلاحت نجمة وحيده # ذكرت منها نجمتي البعيده # تنام فوق سطحها وتسمع الجرار # تنضح (يا وقع حوافر على الدروب # في عالم النعاس، ذاك عنتر يجوب # دجى الصحارى. إن حي عبلة المزار). # فسرت والسماء وجهتي، ولا دليل، # أرقب نجمها الوحيد، والشعاع # يخفت أو يؤج مانعا ومانحا، وكالشراع # ترفع أو تحطه الرياح في الصراع. # أسرت ألف خطوة؟ أسرت ألف ميل؟ # لم أدر إلا أنني أمالني السحر # إلى جدار قلعة بيضاء من حجر، # كأنما الأقمار منذ ألف ألف عام # كانت له الطلاء، # كأنما النجوم في المساء # سلن عليه ثم فاض حوله الظلام. # وسرت حول سورها الطويل # أعد بالخطى مداه (مثل سندباد # يسير حول بيضة الرخ ولا يكاد # يعود حيث ابتدأ # حتى تغيب الشمس، غشى نورها سواد، # حتى إذا ما رفع الطرف رأى ... وما رأى؟) # حتى بلغت في الجدار موضع العماد # تقوم فيه، كالدجى، بوابة رهيبه # غلفها الحديد، مد حولها نحيبه # أراه بالعيون لا تحسه المسامع. # وقفت عندها أدق ... # يا صدى أراجع # أنت من المقابر الغريبه؟ # أحس في الصدى # برودة الردى، # أشم فيه عفن الزمان والعوالم العجيبه # من إرم وعاد. # وحين كل ساعدي # وملني الوقوف في الظلام ~~(كناسك، كعابد # يرفضه الإله في معبده، يظل لا ينام # ولا يريد الماء والطعام، # يصيح: «كن على الهوى مساعدي # يا رافع السماء، يا موزع الغمام.») # جلست عند بابها كسائل ذليل # جلست أسمع الصدى، كأنه العويل، # يلهث خلف حائط من حجر ثقيل. # كأن بين دقة ودقة يمر ألف عام # وما أجاب العدم الخواء. # وحين أوشك الصباح يهمس الضياء # نعست، نمت ... واستفقت: مر ألف جيل! # الشمس والفلاه # والغيم والسماء # وكل ما أراه # هناك حيث كان سورها، المياه # تشع في الخليج.» # وقال جدنا ولج في ms03 النشيج: ~~«ولن أراها بعد، إن عمري انقضى # وليس يرجع الزمان ما مضى. # سوف أراها فيكم، فأنتم الأريج # بعد ذبول زهرتي، فإن رأى إرم # واحدكم فليطرق الباب ولا ينم. # إرم ... # في خاطري من ذكرها ألم، # حلم صباي ضاع ... آه ضاع حين تم # وعمري انقضى.» # لندن، 21 / 2 / 1963 # | في الليل # الغرفة موصدة الباب # والصمت عميق # وستائر شباكي مرخاة ... # رب طريق # يتنصت لي، يترصد بي خلف الشباك، وأثوابي # كمفزع بستان، سود # أعطاها الباب المرصود # نفسا، ذر بها حسا، فتكاد تفيق # من ذاك الموت، وتهمس بي، والصمت عميق: ~~«لم يبق صديق # ليزورك في الليل الكابي # والغرفة موصدة الباب.» # ولبست ثيابي في الوهم # وسريت: ستلقاني أمي # في تلك المقبرة الثكلى، # ستقول: «أتقتحم الليلا # من دون رفيق؟ # جوعان؟ أتأكل من زادي: # خروب المقبرة الصادي؟ # والماء ستنهله نهلا # من صدر الأرض: # ألا ترمي # أثوابك؟ والبس من كفني، # لم يبل على مر الزمن، # عزريل الحائك، إذ يبلى، # يرفوه، تعال ونم عندي: # أعددت فراشا في لحدي # لك يا أغلى من أشواقي # للشمس، لأمواه النهر # كسلى تجري، # لهتاف الديك إذا دوى في الآفاق # في يوم الحشر.» # سآخذ دربي في الوهم # وأسير فتلقاني أمي. # لندن، 27 / 2 / 1963 # | في انتظار رسالة # وذكرتها، فبكيت من ألمي: # كالماء يصعد من قرار الأرض، نز إلى العيون دمي # وتحرقت قطراته المتلاحقات لتستحيل إلى دموع # يخنقنني فأصك أسناني، لتنقذف الضلوع # موجا تحطم فوقهن وذاب في العدم. # دخان من القلب يصعد # ضباب من الروح يصعد # دخان ... ضباب # وأنت انخطاف وراء البحار، وأنت انتحاب # ونوح من القلب كالمد يصعد # ودمع تجمد # وغصت به الآه في الحنجره. # ذكرتك يا كل روحي ويا دفء قلبي إذ الليل يبرد # ويا روضة تحت ضوء النجوم بقداحها مزهره. # وذكرت كلتنا يهف بها ويسبح في مداها # قمر تحير كالفراشة، والنجوم على النجوم # دندن كالأجراس فيها، كالزنابق إذ تعوم # على المياه ... وفضض القمر المياها. # وكأن جسمك زورق الحب المحمل بالطيوب # والدفء، والمجداف همس في المياه يرن آها # فآها والنعاس يسيل منك على الجنوب # فينام ms04 فيه النخل تلتمع السطوح بنومهن إلى الصباح. # أواه ، ما أحلاك! نام النور فيك ونمت فيه، # والليل ماء، والنباح # مثل الحصى ينداح فيه، وأنت أول وارديه. # هو الصيف يلثم شط العراق # بغيماته ذاب فيها القمر، # وتوشك تسبح بيض النجوم لولا برودة ماء النهر # وهف شراع لأضلاعه في الهواء اصطفاق، # وغنى مغن وراء النخيل # يغمغم: «يا ليل، طال السهر # وطال الفراق!» # كأن جميع قلوب العراق # تنادي، تريد انهمار المطر. # وصعدت نحوك والنعاس رياح فاترات تحمل الورقا # لتمس شعرك والنهود به، تموت # حينا وتلهث في النوافذ من بيوت # ألقاك في غرفاتها، وأشد جسمك فار واحترقا. # إني أريدك، أشتهيك أمس ثغرك في رساله # طال انتظاري وهي لا تأتي، وتحترق الزوارق والتخوت # في ضفة العشار تنفض، وهي لاهثة، ظلاله # عل الرياح حملن منك لها رساله. # لم تبخلين علي بالورقات، بالحبر القليل وسحبة القلم الصموت؟ # إني أذوب هوى، أموت # وأحن منك إلى رساله. # لندن، 9 / 3 / 1963 # | الباب تقرعه الرياح # الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق، # الباب ما قرعته كفك. # أين كفك والطريق # ناء؟ بحار بيننا، مدن، صحارى من ظلام # الريح تحمل لي صدى القبلات منها كالحريق # من نخلة يعدو إلى أخرى ويزهو في الغمام # الباب ما قرعته غير الريح ... # آه لعل روحا في الرياح # هامت تمر على المرافئ أو محطات القطار # لتسائل الغرباء عني، عن غريب أمس راح # يمشي على قدمين، وهو اليوم يزحف في انكسار. # هي روح أمي هزها الحب العميق، # حب الأمومة فهي تبكي: ~~«آه يا ولدي البعيد عن الديار! # ويلاه! كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق؟» # أماه ... ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار # لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار! # كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون # من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار؟ # كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون، # يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون # ويسائلون الليل عنك وهم لعودك في انتظار؟ # الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار # هذا الغريب! هو ابنك السهران يحرقه الحنين. ms05 # أماه، ليتك ترجعين! # شبحا، وكيف أخاف منه وما امحت رغم السنين # قسمات وجهك من خيالي؟ # أين أنت؟ أتسمعين؟ # صرخات قلبي وهو يذبحه الحنين إلى العراق؟ # الباب تقرعه الرياح تهب من أبد الفراق. # لندن، 13 / 3 / 1963 # | من ليالي السهاد # (1) ليلة في لندن # كما ينسل نور خائف من فرجة الباب # إلى الظلماء في غرفه # سمعت هتافه المجروح يعبر نحوي الشرفه # ليرفع من سماوة لندن الليل المطل بلونه الكابي # على الطرقات ترقد في دثار الثلج ملتفه. # وأمس سمعت في إيران صوت الديك في الفجر، # ومن أفق المنائر في الكويت وزرقة البحر # أهاب، فرش جفني بالنعاس (رنين أكواب # بماء البصرة الرقراق تملأ ثم تسقيني)، # نداء راح ينثره المؤذن ... أطفئ الفانوس، رف ضياؤه رفه # وبعثره الظلام. # وليلي الأواه في بيروت يحييني # لأبصر فيه وجه الموت، راح يذيبه نبع من اللهفه # تدفق من فؤاد البلبل المسكوب بين غصون لبلاب # ليال من عذاب، من سقام، لست أنساها: # غريبا كنت حتى حين أحلم، لست في جيكور # ولا بغداد، أمشي في صحارى قلبي المسعور # يريد الماء فيها: «ماء ... أين الماء؟» وهي تريه أفواها # على آفاقها الربداء ظمأى تشرب الديجور # فلا تروى. أأقضي العمر في صحراء، في ليل من العطش؟ # أفتش عن عيون الماء، عن إشراقة الغبش؟ # كأعمى نال منه السكر صاح، ورفرفت كفاه بين مساند الماخور # ليبحث عن رفيق: «أين جاري؟ أين داري؟ أين - أواها! - # أميرتي التي كانت تناولني كئوس النور؟ # فيبصر قلبي الدنيا ويلقاها؟» # كأن الصبح أشرق في العراق، وتعبر الرؤيا # بحارا بي وتطوي ألف درب في الدجى تاها: # تراجع عالم وأطل ثان: عالم يحيا # على الأقمار تولد ثم تكمل ثم تندثر، # وما لبس الجديد بغير يوم العيد: يدخر # ويجمع ثم ينفق ثم يضحك وهو يفتخر # بأن الله يرزق حين يرزق ... هكذا الدنيا # شتاء ثم صيف. ليس في جيكور محتكر # ولا فيها مصارف أو جرائد: «ليل كوريا # يرى شفقا من النيران.» # فالنيران فيها حين تستعر # تضيء لحى الشيوخ يحدثون، وأعين النسوه # تحدق في الطعام وترقب الأطفال في ms06 نشوه. # أعدني يا إله الشرق والصحراء والنخل # إلى أيامي الحلوه، # إلى داري، إلى غيلان ألثمه، إلى أهلي! # لندن، 3 / 2 / 1963 ~~(2) ليلة في باريس # وذهبت فانسحب الضياء، # أحسست بالليل الشتائي الحزين، وبالبكاء # ينثال كالشلال من أفق تحطمه الغيوم. # أحسست وخز الليل في باريس، واختنق الهواء # بالقهقهات من البغايا ... آه! ترتعش النجوم # منها كبلور الثريات الملطخ بالدماء # في حانة لمدى السكارى في جوانبها انتضاء. # لم يبق منك سوى عبير # يبكي وغير صدى الوداع: «إلى اللقاء!» # وتركت لي شفقا من الزهرات جمعها إناء # كالأنجم الزرقاء والحمراء في أفق به حلم الصغير، # أرجعن لي عمر الطفولة: يا محارا في غدير # تتقارع الأقداح فيه، ترن أجراس كثار: # خوخ وأعناب ورمان ... وتمتلئ الجرار # عند الغروب، هو الخريف ونحن نسمر حول نار. # وكمستفيق في العراء # من حلمه: هو شهريار وتلمس الكف الخواء # ذهب التراب ... ورن في الليل النباح أو العواء، # عانقت كفك باليدين: «إلى اللقاء!» ~~«إلى اللقاء!» # وذهبت فانسحب الضياء. # لو صح وعدك يا صديقه، # لو صح وعدك. آه لانبعثت وفيقه # من قبرها، ولعاد عمري في السنين إلى الوراء. # تأتين أنت إلى العراق؟ # أمد من قلبي طريقه # فامشي عليه. كأنما هبطت عليه من السماء # عشتار فانفجر الربيع لها وبرعمت الغصون: # توت ودفلى والنخيل بطلعه عبق الهواء، # وهو الأصيل وتلك دجلة # والنواتي الخفاف يرددون: ~~«يا ليتني نجم الصباح # آه لأسقط يا حبيبي، إذ تنام، على الغطاء، # أعتل بالبرد: ارتجفت فلفني، برد الهواء!» # وهو الأصيل وأنت في جيكور تجتذب الرياح # منك العباءة، فاخلعيها ... # ليس يدثر الضياء! # يتماوج البلم النحيل بنا، فتنتثر النجوم # من رفة المجداف كالأسماك تغطس أو تعوم، # ويحار بين الضفتين بنا كأنا منه في أبد الزمان: # زمن ولا ماض يعود له، ولا غد كي يسير # إليه. تنطفئ النجوم ونحن نحن العاشقان. # وذهبت فانسحب الضياء، # لم يبق منك سوى عبير # يبكي وغير صدى الوداع: «إلى اللقاء!» # وتركت لي شفقا من الزهرات جمعها إناء ... # باريس، 18 / 3 / 1963 ~~(3) ليلة في العراق # وألهب كل ألواح الزجاج الزرق في الظلماء ms07 # فنور غرفتي، إيماض برق ثم رش مدارج الأفق # نثار من حطام الرعد فارتعشت له الأصداء # وحف، على الدجى، غاب من الأمطار والأزهار والورق، # وكنت أصيح من أرقي # ومن مرضي: «أريد الماء!» # وتخنق صوتي الظمآن وهوهة الدجى والماء. # ويعول من بعيد بوق سياره # يجيء إلي عبر الماء في الحاره، # يجيء إلي من أعماق بحر شمسه الخضراء # تنث على شراع السندباد أزاهر الشفق. # وكنت أصيح من أرقي # ومن مرضي: «أريد الماء!» # كأني وسط هذا الكون حيث يسوطني العطش # نواة حولها ارتجف العصير الحلو في ثمره # ويحرقها صداها. # وانتظرت: سيغسل الغبش # صداي، يحيلني شجره # تمص الماء، يقرع في مداها النسغ! # وألقى البرق، أرقص، ظل نافذني على الغرفه # فذكرني بماض من حياتي كله ألم: # طفولتي الشقية، والصبى، وشبابي المفجوع تضطرم # مشاعري البريئة فيه: كيف يجوع آلاف من الأطفال ملتفه # بآلاف الخروق تعربد الريح الشتائيه # بها وأظل أحلم بالهوى، والشط والقمر؟ # وتزحم كل درب من دروبي هذه الخوذ الحديديه # وتتبعني عيون الموت من زمر البنادق نز بالشرر # كواها ... في دروب الجوع ألهث زائغ النظر. # وإذ يتمرد الإنسان في على العبوديه # أثور على الشيوعيه. # ولكن البنادق ما تزال عيونها الغضبى # تطاردني لأني غير ربي وحده، لم أتخذ ربا. # وحين تنفست عند انحسار الليل عشتار # تنفض جرح تموز المدمى، تغسل التربا # عن الجنبات منه، وحين هد البغي ثوار، # أرحت جبيني المحموم # على شباك داري أرقب الدربا # تدفق بالحبال وبالعصي يشدها العار # لتسحب أو تمزق جسم طفل ثغره المحروم # من القبلات والغنوات والزاد # ينادي دون صوت: ~~«آه يا أمي! عرفت الجوع والآلام والرعبا # ولم أعرف من الدنيا سوى أيام أعياد # فتحت العين فيها من رقادي لم أجد ثوبا # جديدا أو نقودا لامعات تملأ الجيبا # لأن أبي فقيرا كان.» # يا لك ثورة تتأكل القلبا # فأصرخ: «أيها الجبناء، كفوا!» # ثم تزحم دربي الخوذ الحديديه # وتخنق من فم التنور في داري # فألهث في دروب الجوع أطحن من حصاها ثم أعجنه # وأقذفه إلى النار # لأطعم منه زغبا يطلبون الزاد في قر العشيات ms08 الشتائيه. # ويمضي بالأسى عامان، ثم يهدني الداء ... # تلاقفني الأسرة بين مستشفى ومستشفى # ويعلكني الحديد. # ومن دمي ملأ الأطباء # قناني وزعوني في القناني: تصبغ الصيفا # دمائي والشتاء. # وذات صبح قيل: إن الشر قد دحرا # ودك معاقل الطاغوت في بغداد أبطال # فقلت: سأوقد القمرا # سراجا عند بابي إنه ظفري، أما قالوا # بأن الشر قد دحرا؟ # وعدت إلى بلادي. يا لنقالات إسعاف # حملن جنازتي! متمددا فيها أئن رأيت (غيلانا) # يحدق، بانتظاري، في السماء وغيمها السافي. # وما هو غير أسبوعين ممتلئين أحزانا # ويفجأني النذير بأن أعواما من الحرمان والفاقه # ترصد بي هنا، في غابة الخوذ الحديديه # غريق في عباب الموج تنحب عنده الغاقه # تئن الريح في سعف النخيل، عليه ... ترثيه. # قصائده الحزينة بين أوراق من الدفلى أو الصفصاف تبكيه! # البصرة، 8 / 4 / 1963 # | خلا البيت # خلا البيت، لا خفقة من نعال # ولا كركرات، على السلم، # وأنت على الباب ريح الشمال # وماتت على كرمه المظلم: # تلاشت خطى موكب الدافنين # ومن مسجد القرية المعتم # تلوى، كما رف فوق السفين # شراع حزين، # أذان (هو الله باق، وزال # عن الأرض إلاه) الله أكبر، # وفي قبره اهتز، كالبرعم # إذا الصبح نور، # دفين ... وأصغى: أنين الرمال # وتهويدة النخل ينعس والليل أقمر # وفي بيته الآن - خل العويل # ونوح اليتامى وندب النساء - # لقد فتح الآن زهر الشتاء # ليملأ تنوره بالشذى والضياء، # أنار وجوها وأخفى وجوها، فسال الأصيل # ينث سنابله الدافئه، # وسمراء تصغي إلى الشاي فوق الصلاء # يوسوس عن خيمة في العراء # وعن عيشة هانئه. # خلا البيت وانسل لون المغيب # إلى المخدع المقفر، # هنا كان يطوي خيوط الدروب # صغيران تطفئ شمس الغروب # بشعريهما نار فانوسها الأحمر، # إذا ما ارتخت تحت ظل الهجير # جفون يرنق فيها النعاس # أفاءا إلى قصة عن أمير # تخطفه الجن حتى أتى منزلا من نحاس # تلامح شباكه عن أميره # تدلي إليه الضفيره # ليرقى إليها. # خلا البيت إلا أنين يابقا # يصعدها شاطئ من حنين. # البصرة، 26 / 7 / 1964 # | جيكور وأشجار المدينة # أشجارها دائمة الخضره # كأنها أعمدة من رخام # لا عري يعروها ms09 ولا صفره، # وليلها لا ينام # يطلع من أقداحه فجره. # لكن في جيكور # للصيف ألوانا كما للشتاء، # وتغرب الشمس كأن السماء # حقل يمص الماء، # أزهاره السكرى غناء الطيور. # ناحلة كالصدى # أنغامه البلور، # كأن فيها مدى # يجرحن قلبي فيستنزفن منه النور. # وتغرب الشمس وهذا المساء # أمطر في جيكور ... # أمطر ظلا، نث صمتا، مساء # غاف على جيكور. # والليل في جيكور # تهمس فيه النجوم # أنغامها، تولد فيه الزهور # وتخفق الأجنحه # في أعين الأطفال، في عالم للنوم. مرت غيوم # بالدرب مبيضا بنور القمر، # تكاد أن تمسحه، # تسرق منه الزهر ... # البصرة، 22 / 4 / 1963 # | ها ... ها ... هوه # تنامين أنت الآن والليل مقمر # غانيه أنسام وراعيه مزهر، # وفي عالم الأحلام، من كل دوحة # تلقاك معبر # وباب غفا بين الشجيرات أخضر. # لقد أثمر الصمت (الذي كان يثمر # مع الصبح بالبوقات أو نوح بائع)، # بتين من الذكرى وكرم يقطر # على كل شارع # فيحسو ويسكر # برفق فلا يهذي ولا يتنمر. # رأيت الذي لم صدق الحلم نفسه # لمد لك الفما # وطوق خصرا منك واحتاز معصما؟ # لقد كنت شمسه # وشاء احتراقا فيك، فالقلب يصهر # فيبدو، على خديك والثغر، أحمر # وفي لهف يحسو ويحسو فيسكر. # لقد سئم الشعر الذي كان يكتب # كما مل أعماق السماء المذنب # فأدمى وأدمعا: # حروب وطوفان، بيوت تدمر # وما كان فيها من حياة تصدعا. # لقد سئم الشعر الذي ليس يذكر # فأغلق للأوزان بابا وراءه # ولاح له باب من الآس أخضر # أراد دخولا منه في عالم الكرى # ليصطاد حلما بين عينيك يخطر # وهيهات يقدر! # من النفس، من ظلمائها، راح ينبع # وينثال نهر سال فانحل مئزر # من النور عن وضاء تخبو وتظهر. # وفي الضفة الأخرى تحسين صوته ~~(فما كان يسمع) # كما يشعر الأعمى إذ النور يظهر، # يناديك: ~~«ها ... ها ... هوه» # ماء ويقطر # من السعفة النشوى # بما شربت من غيمة نثها نجوى # وأصداء أقدام إلى الله تعبر. # وناديت: «ها ... ها ... هوه» لم ينشر الصدى # جناحيه أو يبك الهواء المثرثر. # ونادى ورددا: ~~«ها ... ها ... هوه!» # وفتحت جفنا وهو ما زال ينظر، # ينادي ويجأر. ms10 # لندن، 29 / 2 / 1963 # | أحبيني ...! # وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا، # ولكن ... كل من أحببت قبلك ما أحبوني # ولا عطفوا علي، عشقت سبعا كن أحيانا # ترف شعورهن علي، تحملني إلى الصين # سفائن من عطور نهودهن، أغوص في بحر من الأوهام والوجد # فألتقط المحار أظن فيه الدر، ثم تظلني وحدي # جدائل نخلة فرعاء # فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمه، # وإذ تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها، لا ينز هناك غير الماء # وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمه # على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق، # لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني. # وأجلسهن في شرف الخيال ... وتكشف الحرق # ظلالا عن ملامحهن: آه فتلك باعتني بمأفون # لأجل المال، ثم صحا فطلقها وخلاها. # وتلك ... لأنها في العمر أكبر أم لأن الحسن أغراها # بأني غير كفء، خلفتني كلما شرب الندى ورق # وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟ # وأمس رأيتها في موقف للباص تنتظر # فباعدت الخطى ونأيت عنها، لا أريد القرب منها، هذه الشمطاء # لها الويلات؟ ثم عرفتها: أحسبت أن الحسن ينتصر # على زمن تحطم سور بابل منه، والعنقاء # رماد منه لا يذكيه بعث فهو يستعر؟ # وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر # عيون الفل واللبلاب، عافتني إلى قصر وسياره، # إلى زوج تغير منه حال، فهو في الحاره # فقير يقرأ الصحف القديمة عند باب الدار في استحياء، # يحدثها عن الأمس الذي ولى فيأكل قلبها الضجر. # وتلك زوجها عبدا مظاهر ليلها سهر # وخمر أو قمار ثم يوصد صبحها الإغفاء # عن النهر المكركر للشراع يرف تحت الشمس والأنداء. # وتلك؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها، # شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء # تنشرها قصائدها علي: فكل ماضيها # وكل شبابها كان انتظارا لي على شط يهوم فوقه القمر # وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر # فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة # تؤج النور مرتعشا قوادمها، وتخفق في خوافيها # ظلال الليل. أين أصيلنا الصيفي في جيكور؟ # وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور؟ # وأقرأ وهي تصغي ms11 والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها؟ # تفرقت الدروب بنا نسير لغير ما رجعه، # وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه # فتذكرني وتبكي، غير أني لست أبكيها # كفرت بأمة الصحراء # ووحي الأنبياء على ثراها في مغاور مكة أو عند واديها. # وآخرهن؟ # آه ... زوجتي، قدري، أكان الداء # ليقعدني كأني ميت سكران لولاها؟ # وها أنا ... كل من أحببت قبلك ما أحبوني. # وأنت؟ لعله الإشفاق! # لست لأعذر الله # إذا ما كان عطف منه، لا الحب، الذي خلاه يسقيني # كئوسا من نعيم. # آه، هاتي الحب، رويني # به، نامي على صدري، أنيميني # على نهديك، أواها # من الحرق التي رضعت فؤادي ثمة افترست شراييني. # أحبيني # لأني كل من أحببت قبلك لم يحبوني. # باريس، 19 / 3 / 1963 # | يقولون تحيا ... # لأحببت لو أن في القلب بقيا ~~- ولقد لفه الليل - للمشرق، # يقولون: «ما زلت تحيا» ... أيحيا # كسيح إذا قام أعيا # به الداء فانهار، لم تخفق # على الدرب من الخطى؟ يا أساه # ويا بؤس عينيه مما يراه؟ # يقولون: «تحيا» فيبكي الفؤاد # فلو لم يكن خافقا لاستراح، # كطير رمي يجر الجناح # وقد مد، عبر الربى والوهاد، # بعينيه: في دوحة خلف تلك الظلال # سجا عشه، فيه زغب جياع # إذا حجب الغيم ضوء الهلال # يقولون: «هذا جناح أبينا وقد عاد بعد الصراع # بزهره، # بقطره # من الطل» ... حتى يطل الصباح. # كطير رمي يجر الجناح، # أقضي نهاري بغير الأحاديث، غير المنى، # وإن عسعس الليل نادى صدى في الرياح: ~~«أبي ... يا أبي.» طاف بي وانثنى، ~~«أبي ... يا أبي.» # ويجهش في قاع قلبي نواح: ~~«أبي ... يا أبي.» ~~«أبي ... يا أبي» في صفير القطار ~~«أبي ... يا أبي» في صياح الصغار ~~(خفاف الخطى يعبرون الدروب # بلا غاية، يقطفون الثمار # ولا يطعمون ابنة جائعه. # ولي منزل في سهول الجنوب # إذا كنت أسعى، من السابعه # إلى أوبة الطير عند الغروب، # فكي أطعم الجائعين # وراء نوافذه شاخصين # إلى الدرب: «أين الأب المطعم؟») ~~«أبي ... يا أبي» والدجى مظلم # وجيكور خلف الدجى والدروب وخلف البحار. # لندن، 23 / 2 / 1963 # | وغدا سألقاها # وغدا سألقاها، # سأشدها شدا فتهمس ms12 بي ~~«رحماك» ثم تقول عيناها: ~~«مزق نهودي، ضم - أواها! - # ردفي ... واطو برعشة اللهب # ظهري، كأن جزيرة العرب # تسري عليه بطيب رياها.» # ويموج تحت يدي ويرتجف # بين التمنع والرضا ردف، # وتشب عند مفارق الشعر # نار تدغدغها: هو السعف # من قريتي رعشت لدى النهر # خوصاته، وتلين لا تدري # أيان تنقذف. # ويهيم ثغري وهو منخطف، # أعمى تلمس دربه، يقف # ويجس نهداها # يتراعشان، جوانب الظهر # تصطك، سوف تبل بالقطر، # سأذوب فيها حين ألقاها! # لندن، 27 / 2 / 1963 # | ليلة الوداع # إلى زوجتي الوفية # أوصدي الباب، فدنيا لست فيها # ليس تستأهل من عيني نظره. # سوف تمضين وأبقى ... أي حسره؟ # أتمنى لك ألا تعرفيها؟ # آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم # ميت الساقين محموم الجبين # تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي # تائها في واحة خلف جدار من سنين # وأنين # مستطار اللب بين الأنجم. # في غد تمضين صفراء اليد # لا هوى أو مغنم، نحو العراق # وتحسين بأسلاك الفراق # شائكات حول سهل أجرد # مدها ذاك المدى، ذاك الخليج # والصحارى والروابي والحدود # أي ريش من دموع أو نشيج # سوف يعطينا جناحين نرود # بهما أفق الدجى أو قبة الصبح البهيج # للتلاقي؟ # كل ما يربط فيما بيننا محض حنين واشتياق # ربما خالطه بعض النفاق! # آه لو كنت، كما كنت، صريحه # لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه # ربما أبصرت بعض الحقد، بعض السأم # خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم # زرعتها في حياتي شاعره # لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي # إنها ذكرى ولكنك غيرى ثائره # من حياة عشتها قبل لقانا # وهوى قبل هوانا. # أوصدي الباب، غدا تطويك عني طائره # غير حب سوف يبقى في دمانا. # الكويت، 21 / 8 / 1964 # | أغنية بنات الجن # شعورنا بللها المطر # وأشعل القمر # فيها فوانيس، فيا قوافل الغجر # بشعرنا اهتدي، # سيري إلى السحر، # سيري إلى الغد؟ # نحن بنات الجن لا ننام، # نهيم في الظلام # على ذرى التلال أو نركض في المقابر، # نعشق كل عابر، # نسمعه أغاني الشباب والغرام. # إن نزلت صبية فيها من ms13 البشر # وأوحشتها وحدة القبور أو دجنة الحفر # سرت أغانينا إليها تعبر التراب # تقول: «إن عريت فالثياب # تنسجها عناكب الشجر # وكل خيط من خيوطها يرن كالوتر. # نامي إلى أن يؤذن القدر # ويحشر الموتى إلى الحساب. # حبيبك الوفي مس ثغره ابتسام، # فقد رأى سواك. # بل رآك في قوامها الندي كالزهر # وهدبها ومقلتيها. أشعل الهيام # في عينه السهر، # رآك فيها فاشتهاك. ليته انتظر؟» # نلوح للطفل فراشات من الشعاع # تخفق في ذوائب الشجر، # ويلمح العاشق في عيوننا الوداع # إذ يصفر القطار أو يصفق الشراع. # ونحن للشاعر إن شعر # نلوح في الدخان والعقار، # ننشد: «فلك سندباد ضل في البحر # حتى أتى جزيرة يهمس في شطآنها المحار، # يهمس عن مليكة يحبها القمر # فلا يغيب عن سماء دارها النضار.» # فيهتف الشاعر: «خذنني إلى حماها # لأنني أهواها # لأنني القمر!» # وجن وانتحر. # شعورنا بللها المطر، # ويرشف القمر # منها إلى أن يقبل السحر. # نركض في المقابر # نضل كل شاعر # وكل من عبر؟ # لندن، 26 / 2 / 1963 # | جيكور أمي # تلك أمي، وإن أجئها كسيحا # لاثما أزهارها والماء فيها، والترابا # ونافضا، بمقلتي، أعشاشها والغابا: # تلك أطيار الغد الزرقاء والغبراء يعبرن السطوحا # أو ينشرن في بويب الجناحين: كزهر يفتح الأفوافا. # ها هنا، عند الضحى، كان اللقاء # وكانت الشمس على شفاهها تكسر الأطيافا # وتسفح الضياء. # كيف أمشي، أجوب تلك الدروب الخضر فيها، وأطرق الأبوابا؟ # أطلب الماء فتأتيني من الفخار جره # تنضح الظل للبرود الحلو ... قطره # بعد قطره. # تمتد بالجرة لي يدان تنشران حول رأسي الأطيابا: ~~«هالتي» تلك، أم «وفيقة» أم «إقبال»، # لم يبق لي سوى أسماء # من هوى مر كرعد في سمائي # دون ماء. # كيف أمشي! خطاي مزقها الداء. كأني عمود ملح يسير ... # أهي عامورة الغوية أم سادوم؟ # هيهات ... إنها جيكور: # جنة كان الصبى فيها وضاعت حين ضاعا. # آه لو أن السنين السود قمح أو صخور # فوق ظهري حملتهن، لألقيت بحملي فنفضت جيكور # عن شجيراتها ترابا يغشيها وعانقت معزفي ملتاعا، # يجهش الحب، به، لحنا فلحنا # ولقاء فوداعا. # آه لو أن السنين الخضر عادت، يوم ms14 كنا # لم نزل بعد فتيين لقبلت ثلاثا أو رباعا # وجنتي «هالة» والشعر الذي نشر أمواج الظلام # في سيول من العطور التي تحمل نفسي إلى بحار عميقه # ولقبلت، برغم الموت، ثغرا من وفيقه # ولأوصلتك يا «إقبال» في ليلة رعد ورياح وقتام، # حاملا فانوسي الخفاق تمتد الظلال # منه أو تقصر، إذ يرعش في ذاك السكون، # ذلك الصمت سوى قعقعة الرعد، # سوى خفق الخطى بين التلال # وحفيف الريح في ثوبك، أو وهوهة الليل مشى بين الغصون، # ولعانقتك عند الباب، ما أقسى الوداع! # آه لكن الصبى ولى وضاع، # الصبى والزمان لن يرجعا بعد، # فقري يا ذكريات ونامي. # لندن، 5 / 2 / 1963 # | يا غربة الروح # يا غربة الروح في دنيا من الحجر # والثلج والقار والفولاذ والضجر، # يا غربة الروح ... لا شمس فأئتلق # فيها ولا أفق # يطير فيه خيالي ساعة السحر. # نار تضيء الخواء البرد، تحترق # فيها المسافات، تدنيني، بلا سفر، # من نخل جيكور أجني داني الثمر. # نار بلا سمر # إلا أحاديث من ماضي تندفق # كأنهن حفيف منه أخيلة # في السمع باقية تبكي بلا شجر. # يا غربة الروح في دنيا من الحجر! # مسدودة كل آفاقي بأبنية # سود، وكانت سمائي يلهث البصر # في شطها مثل طير هده السفر: # النهر والشفق # يميل فيه شراع يرجف الألق # في خفقه، وهو يحثو، كلما ارتعشا، # دنيا فوانيس في الشطين تحترق، # فراشة بعد أخرى تنشر الغبشا # فوق الجناحين ... حتى يلهث النظر. # الحب كان انخطاف الروح ناجاها # روح سواها، له من لمسة بيد # ذخيرة من كنوز دونما عدد. # الحب ليس انسحاقا في رحى الجسد # ولا عشاء وخمرا من حمياها # تلتف ساق بساق وهي خادرة # تحت الموائد تخفي نشوة البشر # عن نشوة الله من همس ومن سمر # في خيمة القمر # يا غربة الروح لا روح فتهواها. # لولا الخيالات من ماضي تنسرب # كأنها النوم مغسولا به التعب # لم يترك الضجر # مني ابتساما لزوج سوف ألقاها # إن عدت من غربة المنفى: هو السحر # والحلم كالطل مبتلا به الزهر # يمس جفنين من نور وينسكب # في الروح أفرحها ms15 حينا وأشجاها. # تسللت طرقتي للباب تقترب # من وعيها وهو يغفو ثم تنسحب، # ونشر الحلم أستارا فأخفاها # ورف جفناها # حتى كأن يدي # إذ تطرق الباب مست منهما: «واها! # من دق بابي؟ أهذا أنت يا كبدي؟» # وذاب في قبلتي ما خلف السهر # في عينها من نعاس، فهي تزدهر # كوردة فتحت للفجر عيناها . # لندن، 26 / 2 / 1963 # | أم كلثوم والذكرى # وأشرب صوتها ... فيغوص من روحي إلى القاع # ويشعل بين أضلاعي # غناء من لسان النار، يهتف: «سوف أنساها # وأنسى نكبتي بجفائها وتذوب أوجاعي.» # وأشرب صوتها ... فكأن ماء بويب يسقيني # وأسمع من وراء كرومه ورباه «ها ... ها ... ها» # ترددها الصبايا السمر من حين إلى حين. # وأشرب صوتها فكأن زورق زفة وأنين مزمار # تجاوبه الدرابك، يعبران الروح في شفق من النار # يلوح عليه ظل وفيقة الفرعاء أسود يزفر الآها # سحائب من عطور، من لحون دون أوتار. # وأشرب صوتها ... فيظل يرسم في خيالي صف أشجار # أغازل تحتها عذراء، أواها # على أيامي الخضراء بعثرها وواراها # زواج. ليت لحن العرس كان غناء حفار # وقرعا للمعاول وهي تحفر قبري المركوم منه القاع بالطين # وأذكرها، وكيف (وجسمها أبقى على جسمي # عبيرا منه، دفئا غلف الأضلاع) أنساها؟ # أأنساها؟ أأنسى ضحكة رعشت على لحمي # وأعصابي، وكفا مسحت وجهي برياها؟ # قساة كل من لاقيت: لا زوج ولد # ولا خل ولا أب أو أخ فيزيل من همي ... # ولكن. ما تبقى بعد من عمري؟ وما الأبد ... # بعمري # أشهر ويريحني موت فأنساها. # لندن، 9 / 3 / 1963 # | كيف لم أحببك؟ # كيف ضيعتك في زحمة أيامي الطويله؟ # لم أحل الثوب عن نهديك في ليلة صيف مقمره؟ # يا عبير التوت من طوقيهما ... مرغت وجهي في خميله # من شذى العذراء في نهديك. # ضيعتك، آه يا جميله! # إنه ذنبي الذي لن أغفره! # كيف لم أحببك؟! يا لهفة ما بعد الأوان # في فؤاد لم تكوني فيه إلا جذوة في مجمره! # شعرك الأشقر شع اليوم شمسا في جناني # يترآى تحتها ساقاك، يا للزنبق # رف من ساقيك؟! # آه كيف ضيعتك يا سرحة خوخ مزهره؟ # آه ms16 لو عندي بساط الريح! # لو عندي الحصان الطائر! # آه لو رجلاي كالأمس تطيقان المسيرا! # لطويت الأرض بحثا عنك ... # لكن الجسورا. # قطعتها بيننا الأقدار. مات الشاعر # في وانسدت كوى الأحلام. # آه يا جميله! # البصرة، 8 / 11 / 1963 # | أسير القراصنة # أجنحة في دوحة تخفق # أجنحة أربعة تخفق # وأنت لا حب ولا دار، # يسلمك المشرق # إلى مغيب ماتت النار # في ظله ... والدرب دوار # أبوابه صامتة تغلق! # جيكور في عينيك أنوار # خافتة تهمس: ~~«مات الصبى!» # لم تبق آثار # من فجره، وانفرط المجلس، # فالتل لا ساق ولا سامر باق وسمار: # وأراهم في سفحه الموحش المهجور حفار! # وتحسد الشحاذ إن لاحا # يمشي على عكازه البالي. # مشلولة رجلاك مشدودة عيناك بالآل # وألف درب دونك انداحا # يدعوك أن تقطعه في الدجى # وتقطف الأثمار عن جانبيه # وأنت لا تملك غير الشجى # ودمعة تجري اشتياقا إليه. # عامان من نزع بلا موت # وأنت ما كنت سوى صوت، # صوت يدوي في قلاع الرياح. # يا ليتك المشاء في صمت # لا عازف القيثار باسم الجراح؟ # وأنت في سفينة القرصان # عبد أسير دون أصفاد # تقبع في خوف وإخلاد # تصغي إلى صوت الوغى والطعان: # سال الدم، # اندقت رقاب ومال # ربانها العملاق # وقام ثان بعده ثم زال # فامتدت الأعناق # لأي قرصان سيأتي سواه # وأي قرصان ستعلو يداه # حينا على الأيدي؟! ~~«وليأت من بعدي ... # من بعدي الطوفان.» # تسمعها تأتيك من بعد # يحملها الإعصار عبر الزمان! # البصرة، 29 / 10 / 1963 # | نسيم من القبر # نسيم الليل كالآهات من جيكور يأتيني # فيبكيني # بما نفثته أمي فيه من وجد وأشواق # تنفس قبرها المهجور عنها، قبرها الباقي # على الأيام يهمس بي: «تراب في شراييني # ودود حيث كان دمي، وأعراقي # هباء من خيوط العنكبوت، وأدمع الموتى # إذا ادكروا خطايا في ظلام الموت ... ترويني. # مضى أبد وما لمحتك عيني!» # ليت لي صوتا # كنفح الصور يسمع وقعه الموتى. هو المرض # تفكك منه جسمي وانحنت ساقي # فما أمشي، ولم أهجرك، إني أعشق الموتا # لأنك منه بعض، أنت ماضي الذي يمض # إذا ما اربدت الآفاق في يومي فيهديني! ms17 # أما رن الصدى في قبرك المنهار، من دهليز مستشفى، # صداي أصيح من غيبوبة التخدير، أنتفض # على ومض المشارط حين سفت من دمي سفا # ومن لحمي؟ أما رن الصدى في قبرك المنهار؟ # وكم ناديت في أيام سهدي أو لياليه: ~~«أيا أمي، تعالي فالمسي ساقي واشفيني.» # يئن الثلج والغربان تنعب من طوى فيه، # وبين سريري المبتل حتى القاع بالأمطار # قبرك، تهدر الأنهار # وتصطخب البحار إلى القرار يخضها الإعصار. # أما حملت إليك الريح عبر سكينة الليل # بكاء حفيدتيك من الطوى وحفيدك الجوعان؟ # لقد جعنا وفي صمت حملنا الجوع والحرمان، # ويهتك سرنا الأطفال ينتحبون من ويل # أفي الوطن الذي آواك جوع؟ أيما أحزان # تؤرق أعين الأموات؟ # لا ظلم ولا جور # عيونهما زجاج للنوافذ يخنق الألوان # هناك لكل ميت منزل بالصمت مستور، # ولكنا هنا عصفت بنا الأقدار من ظل # إلى ظل ومن شمس إلى شمس يغيب النور # على شرفات بيت ضاحكات ثم يشرق وهي أطلال # ويخفق حيث كركر أمس أطفال # صرير للجنادب هامسات: «إنه المقدور # تصدع برج بابل منه وانهدمت صخور السور!» # أما حملت إليك الريح عبر سكينة الليل # بكاء حفيدتيك من الطوى بعلو من السهل؟ # البصرة، 18 / 4 / 1963 # | في المستشفى # كمستوحد أعزل في الشتاء # وقد أوغل الليل في نصفه، # أفاق فأوقظ عين الضياء # وقد خاف من حتفه، # أفاق على ضربة في الجدار # هو الموت جاء! # وأصغى: أذاك انهيار الحجار # أم الموت يحسو كئوس الهواء؟ # لصوص يشقون دربا إليه # مضوا ينقبون الجدار. # وظل يعد انهيار التراب # ووقع الفئوس على مسمعيه. # يكاد يحس التماع الحراب # وحزاتها فيه ... يا للعذاب! # وما عنده غير محض انتظار: # هو الموت عبر الجدار! # كذاك انكفأت أعض الوساد # وأسلمت للمشرط القارس # قفاي المدمى بلا حارس. # بغير اختياري، طبيبي أراد! # لقد قص ... مد المجس الطويل ... # لقد جره الآن. أواه ... عاد # ولا شيء غير انتظار ثقيل. # ألا فاخرقوا، يا لصوص، الجدار # فهيهات، هيهات، ما لي فرار! # لندن، 5 / 2 / 1963 # | سلوى # ظلام الليل أوتار # يدندن صوتك الوسنان فيها وهي ترتجف، # يرجع همسها السعف ms18 # وترتعش النجوم على صداه: يرن قيثار # بأعماق السماء. ظلام هذا الليل أوتار! # وكم عبر الخليج إلي والأنهار والترعا، # يدغدغ بيض أشرعة يهيم وراءها القمر # وينشج بينها المطر، # وأوغل في شعاب البرق، يرجف كلما لمعا # ليحمل من قرارة قلبك الآلام والفزعا. # أشم عبيرك الليلي في نبراتك الكسلى # يناديني ويدعوني # إلى نهدين يرتعشان تحت يدي وقد حلا # عرى الأزرار من ذاك القميص، ويملأ الليلا # مشاعل في زوارق، في عرائش، في بساتين. # شذى الليمون يصرع كل ظل في دواليها. # أراك على السرير وأنت بين الليل والفجر # يكاد النجم في الشباك والمصباح في الخدر # يمسهما النعاس، وأنت زنبقة حواشيها # ينبهها هتاف الديك يعبر ضفة النهر. # ويهمس بي صدى: «سلوى # تغني.» كل سلوى في خيالي تكشف الأضواء عنها وهي تبتسم: # صديقة كل فحل من سدوم، في يد قلم # يسطر في الجريدة أنها تهوى ولا تهوى، # هي امرأتان في امرأة ... ويسرب في دمي ضرم. # وجارتنا الصبية في حرير النوم تنسرب، # يشف الثوب عن نهدين طوديين كم رجفا # من الأحلام تحت يد تعصر بردها لهب. # لها من فورة العذراء عطر يرتخي، يثب، # يمازج نفح ما نفح الحشيش، يسيل مرتجفا. # وألمح في سماء الصيف عبر تماوج الشجر # سماوة لندن المنهل فيها الثلج كالمطر، # ونافذة تعلق في الظلام زجاجها الألق، # ومدفأة وراء الليل تحترق، # وأسمع من يحدث عن هوى سلوى ويرقب طلعة السحر: # وأشعلت الظهيرة نارها في الشارع الممتد بين حدائق النارنج والعنب # وأصدت في رحاب المنزل الخالي # خطى سلوى، وأرخيت الستائر يا لشلال # من الألوان والخدر البرود. # ومسها لهبي # فارعش كل عرق في صباها، كل ما عصب. # ويزرع ألف غاب للنخيل غناؤك المكسال # ترقرقت الجداول بينهن وأزهر الليمون ... # وأنسام الربيع تمر تنثر زهره في مائها السلسال # كما حمل الوجوه إلي ماء غنائك المكسال # ويحملني النعاس إلى جزائر في مدى محزون! # البصرة، 9 / 9 / 1963 # | متى نلتقي؟ # ألا يأكل الرعب منا الضلوع # إذا ما نظرنا إلى ظل تينه، # فلاحت لنا، من ظلام، قلوع # تهدهدها غمغمات حزينه؟ # ألا يأكل الرعب ms19 منا الضلوع؟ # ألا تتحجر منا العيون # إذا لاح في الليل ظل البيوت # هزيلا كما ينسج العنكبوت # ألا تتحجر منا العيون # ويلمع فيها بريق الجنون؟ # وبالأمس كنا يذيب العناق # دما في دم، # كنور ونار، سنا واحتراق # يجولان في منزل مظلم # ولكن ما بيننا كان بحر # تغنيك أمواجه العاتيه: ~~«سنرعاك من قلعة شد منها حديد وصخر # فما الحب هدم لجدرانك العاليه.» # ولكن ما بيننا كان بحر # وصحراء تنشج فيها النجوم # ولا نلتقي في دجى أو صباح، # تموت على رملها عاصفات الرياح # وتأكل عين الدليل التخوم # وصحراء تنشج فيها النجوم # وطارت بي الريح عبر البحار # إلى الليل والثلج والمجهل، # فصرنا إلى واقع لا نحار # بألغازه فاسألي، # وطارت بي الريح عبر البحار: ~~«أما من لقاء لنا في الزمان؟» # بلى ... حينما تفهمين اللقاء # فيأوي إلى اللوحة المغرقان # يشدانها، يرفعان الدعاء: ~~«ألا نجنا يا إله السماء!» # ألا يأكل الرعب منا الضلوع # إذا ما نظرنا إلى ظل تينه # فلاحت لنا، من ظلام، قلوع # تهدهدها غمغمات حزينه؟ # ألا يأكل الرعب منا الضلوع؟ # لندن، 10 / 3 / 1963 # | أظل من بشر # يا رب لو جدت على عبدك بالرقاد # لعله ينسى # من عمره الأمسا # لعله يحلم أنه يسير دونما عصا ولا عماد # ويذرع الدروب في السحر # حتى تلوح غابة النخيل # تنوء بالثمر # بالخوخ، والرمان، والأعناب فيها يعصر الأصيل # رحيقه المشمس أو تألق القمر # يدخلها فيختفي تحت ذوائب الشجر # ويقطف الجنى. # علق في رمانة عصاه وانثنى # يأكل أو يجمع الزهر # حتى إذا ما انطلقا # وراح يطوي الطرقا # أحس أو ذكر # بأنه بلا عصا سار وما شعر! # يا رب لو جدت على عبدك بالرقاد # لأنه يذكره السهر # بأنه أقل من بشر! # لندن، 25 / 2 / 1963 # | القن والمجرة # ولولا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهد أعصابي # ولم ترتد مثل الخيط رجلي دونما قوه، # ولم يرتج ظهري فهو يسحبني إلى هوه، # ولا فارقت أحبابي، # ولا خلفت أودسيوس يضرب في دجى الغاب # وتقذفه البحار إلى سواها دونما مرسى. # هناك تركته وطويت عنه كتابي المهجور، # سأكمل سفرتي معه، ms20 ستحملني إلى جيكور # سفينته، ولن أنسى # بأن وراء رغو البحر قلبا هده القلق # وعينا كلما زرع الغروب حدائق الديجور # بأنجمها الصبايا شد من حملاقها الشفق # على الأفق البعيد لعل خفقا من شراع أو سنا مصباع # على اللجج الضواري لاح. # فآه لو كبنلوب الحزينة زوجتي تترقب الأنسام # لعل جناح طياره # كمحراث من الفولاذ، شقق بينها الأثلام # ليزرع، ثم، أزهاره. # ألا تبا لحب هذه الآلام من عقباه! # كأن شفاهنا، حين التقت، رسمت من القبل # سريرا نمت فيه أنث منه الآه بعد الآه، # وعكازا عليه مشيت ثم هويت في ثقل. # كأن حجارة السور الذي ما بيننا قاما. # لها من هذه القبلات طين شدها شدا. # أدهرا كان أم سبعا من النكبات أعواما؟ # ولكن ما عليها من جناح، كنت معتدا # بذهني أو شبابي: # سوف أصهرها، أغيرها كطين في يد الفنان. # وقد غيرت. لكن الذي غيرت ماذا كان؟ # فؤادا ضيقا كاللحد ... كيف أوسع اللحدا؟ # ونفسا حدها بين السرير وبين قائمة الحساب كأنها قن من الأقنان # مداه يمد بين البيت والحقل # حبالا قيدت قدميه وهو يردد الألحان # ولم يك يفهم الكلمات (ليس لقطرة الطل # مكان إذ يجوع البطن يا لتلهف الظمآن! # أترويه المجرة وهي بحر - هكذا زعموا - على الشطآن # منه تناثرت كسر الكواكب فهي كالرمل # هنالك، والمحار؟ أكل هذا يشبع الجوعان؟) # ولكني أحن ... فهل أعود غدا إلى أهلي؟ # نعم سأعود، # أرجع، لا إليها بل إلى غيلان؟ # لندن، 2 / 3 / 1963 # | عكاز في الجحيم # وبقيت أدور # حول الطاحونة من ألمي # ثورا معصوبا، كالصخرة، هيهات تثور # والناس تسير إلى القمم # لكني أعجز عن سير - ويلاه! - على قدمي # وسريري سجني، تابوتي، منفاي إلى الألم # وإلى العدم! # وأقول سيأتيني يوم من بعد شهور # أو بعد سنين من السقم # أو بعد دهور! # فأسير ... أسير على قدمي # عكاز في يدي اليمنى # عكاز؟ ... بل عكازان # تحت الإبطين يعينان # جسما من أوجاع ... يفنى # طللا يغشاه مسيل دم # وأسير ... أسير على قدمي ... # لو كان الدرب إلى القبر # الظلمة والدود الفراس بألف فم # يمتد أمامي في أقصى ms21 أركان الدنيا ... في نحر # أو واد أظلم أو جبل عال # لسعيت إليه على رأسي أو هدبي أو ظهري # وشققت إلى سقر دربي ودحوت الأبواب السودا # وصرخت بوجه موكلها # لم تترك بابك مسدودا ... # ولتدع شياطين النار # تقتص من الجسد الهاري # تقتص من الجرح العاري # ولتأت صقورك تفترس العينين وتنهش القلبا # فهنا لا يشمت بي جاري # أو تهتف عاهرة مرت من نصف الليل على داري: ~~«بيت المشلول هنا، أمسى لا يملك أكلا أو شربا # وسيرمون غدا بنتيه وزوجته دربا # وفتاه الطفل إذا لم يدفع متراكم إيجار.» # انثرني، ويك، أباديدا # وافتح بابك لا تتركه أمام شقائي مسدودا # ولتطعم جسمي للنار! # | لوي مكنيس # أتى نعيه اليوم، جاب الديار # وجاب المحيطات حتى أتاني، # فلم تجر بالأدمع المقلتان # فقد غلغلت من دمي في القرار. ~~(أبي مات لم أبك حزنا عليه # وإن جن قلبي # من الهم وانهد شوقا إليه.) # نعته إلينا مجله، # نعاه مقال حزين # نعته لنا آدميا مؤله # سماواته الشعر يصرخ بالغافلين، # وأحسست بالشوق (كالمدمنين # إلى جرعة من طلى ظامئين) # إلى شعره ... # لأحرق، قربان وجد وحب، # فؤادي في جمره. # ولكن ديوانه # دفينا غدا بين أكداس كتب # تلص العناكب ألوانه # ويقرأه الصمت للآخرين. # ومن لي بإخراج كنز دفين # تهاوى عليه الحجار؟ # كسيح أنا اليوم كالميتين # أنادي فتعوي ذئاب الصدى في القفار: ~~«كسيح # كسيح وما من مسيح.» # وتقرع - للصدى في خيالي - # نواقيس من شعره في الضباب # أمن بعد عشرين مثل الحراب # يمزقن جنبي. مثل النضال # أرجي ادكارا لأبياته؟ # وهل يتذكر طفل ملامح أمواته # وقد بعثرتها صروف الليالي؟ ~~«وبين المحبين، زوجين عادا، # يدحرج شاي الصباح # صحارى يضيع الصدى في دجاها الفساح، # وعند المساء تقوم الجريده # جدارا يدقانه بالأكف الوحيده # فتضحك، إذ يضربان، الرياح!» # وما بين زوجي وبيني خواء، # فليت الصحارى وليت الجدار # توحد ما بين زوجي وبيني ببرد الشتاء # وصمت الحجار! # ويا ليتني مت. إن السعيد # من اطرح العبء عن ظهره # وسار إلى قبره # ليولد في موته من جديد! # البصرة، 9 / 1 / 1964 # | حميد # «حميد» أخي في البلاء الكبير ms22 # فقد كان مثلي كسيحا # يدب بكرسيه مستريحا # تساءلت عنه فقالوا: «يسير # على قدميه فقد عاد روحا # لقد مات.» # يا ويلنا للمصير! # ينام ورجلاه مطويتان # شهودا على الداء، في قبره # إذا ما رأى الله رأي العيان # وقد سار زحفا على صدره # فأي انسحاق وأي انكسار # يشعان من عينه الضارعه! # سيبكي له الله من رحمة واعتذار. # وفي الساعة السابعه # إذا ذرت الريح ورد الغروب # سأجلس في الشرفة الخاليه # ومن تحتي الدرب يخفق، ينأى، يذوب: # ألوف من الأرجل الماشيه # إلى أي مبغى وراء الدروب # وخمارة في الدجى نائيه! # إلى اللغو والقهقهات الكذوب # وألمح فيما وراء الظلال # حميدا وكرسيه في الخيال # فتخنقني اللوعة الباكيه # فأواه لو توقدين الشموع # لدى مسجد القرية المترب # تمد من النور خيطا تعلق فيه الدموع، # ولو تضرعين، مع المغرب، # إلى الله: «يا رب، رفقا بطفلي الصغير # وأبق أباه # وجنبه، يا رب، هذا المصير!» # ولكنني مت ... وا حسرتاه! # | المعول الحجري # رنين المعول الحجري في المرتج من نبضي # يدمر في خيالي صورة الأرض # ويهدم برج بابل، يقلع الأبواب، يخلع كل آجره # ويحرق من جنائنها المعلقة الذي فيها # فلا ماء ولا ظل ولا زهره # وينبذني طريدا عند كهف ليس تحمي بابه صخره # ولا تدمي سواد الليل نار فيه يحييني وأحييها. # تعالي يا كواسر يا أسود ويا نمور ومزقي الإنسان # إذا أخذته رجفة ما يبث الليل من رعب # فضجي بالزئير وزلزلي قبره # دماغي وارث الأجيال، عابر لجة الأكوان # سيأكل منه داء شل من قدمي وشديدا على قلبي # كلام ذاك أصدق من نبوءة أي عراف # تريه مسالك الشهب # حمى الأسرار، تطلعه على المتربص الخافي # إذا نطق الطبيب فأسكتوا العراف والفوال # رنين المعول الحجري يزحف نحو أطرافي # سأعجز بعد حين عن كتابة بيت شعر في خيالي جال # فدونك يا خيال مدى وآفاق وألف سماء # وفجر من نجومك، من ملايين الشموس من الأضواء # وأشعل في دمي زلزال # لأكتب قبل موتي أو جنوني أو ضمور يدي من الإعياء # خوالج كل نفسي، ذكرياتي، كل أحلامي # وأوهامي # وأسفح نفسي الثكلى ms23 على الورق # سيقرؤها شقي بعد أعوام وأعوام # ليعلم أن أشقى منه عاش بهذه الدنيا # وآلى رغم وحش الداء والآلام والأرق # ورغم الفقر أن يحيا # ويا مرضي، قناع الموت أنت، وهل ترى لو أسفر الموت # أخاف؟ ألا دع التكشيرة الصفراء والثقبين، # حيث امتصت العينين # جحافل من جيوش الدود يجثم حولها الصمت، # تلوح لناظري. ودع الدماء تسح من أنفي من الثقبين # فأين أبي وأمي ... أين جدي ... أين آبائي # لقد كتبوا أساميهم على الماء # ولست براغب حتى بخط اسمي على الماء # وداعا يا صحابي، يا أحبائي # إذا ما شئتمو أن تذكروني فاذكروني ذات قمراء # وإلا فهو محض اسم تبدد بين أسماء # وداعا يا أحبائي ... # | في غابة الظلام # عيناي تحرقان غابة الظلام # بجمرتيهما اللتين منهما سقر، # ويفتح السهر # مغالق الغيوب لي ... فلا أنام. # وأسبر الأرض إلى قرارها السحيق # ألم في قبورها العظام # فطالعتني - كالسراج في لظى الحريق - # تكشيرة رهيبة رهيبه # تليحها جمجمتي الكئيبه # سخرية الإله بالأنام. # عيناي من سريري الوحيد # تحدقان في المدى البعيد، # الليل وحش تطعنانه، مع النجوم، # بخنجريهما وخنجر السحر، # الليل خنزير الردى، العنيد # يشق خنجراهما إهابه الغشوم # لألمح العراق مرغ القمر # على ترابه البليل ضوءه الحزين. # ومقلتا غيلان تومضان بالحنين، # يرقب من فراشه ذوائب الشجر، # أمضه السهاد، عذبته زحمة الفكر ~~(أين من الطفولة السهاد والفكر؟) # عيناه في الظلام تسربان كالسفين. # بأي حقل تحلمان؟ أيما نهر؟ # بعودة الأب الكسيح من قرارة الضريح؟ ~~(أميت فيهتف المسيح # من بعد أن يزحزح الحجر: ~~«هلم يا عازر»؟) # عيناه لظى وريح # تحرق في أضالعي مضارب الغجر! # أليس يكفي أيها الآله # أن الغناء غاية الحياه # فتصبغ الحياة بالقتام؟ # تحيلني، بلا ردى، حطام: # سفينة كسيرة تطفو على المياه؟ # هات الردى، أريد أن أنام # بين قبور أهلي المبعثره # وراء ليل المقبره # رصاصة الرحمة يا إله! # الكويت، 9 / 7 / 1964 # | رسالة # رسالة منك كاد القلب يلثمها # لولا الضلوع التي تثنيه أن يثبا # رسالة لم يهب الورد مشتعلا # فيها، ولم يعبق النارنج ملتهبا # لكنها تحمل الطيب الذي سكرت # روحي به ليل بتنا ms24 نرقب الشهبا # في غابة من دخان التبغ أزرعها # وغابة من عبير منك قد سربا # جاءت رسالتك الخضراء كالسعف # بل الحيا منه والأنسام والمطر # جاءت لمرتجف # على السرير، وراء الليل يحتضر # لولا هواك وبقيا فيه من أسف # أن لم يرو هواه منك فهو على الشطين ينتظر # سفينة يتشهى ظلها النهر # فيها الشفاء هو الربان، والقدر # فيها المغني # لكان مما عراه الداء ينتحر! # جاءت تحدثني عني # عن شهقة الصيف في جيكور يحتضر # عن صوت أغربة تبكي، وأصداء # تذرذر الظلمة الصفراء في السعف # وعن بنات لآوى خلف منعطف # تعوي فتهتف أم: «أين أبنائي؟» # وتنفض الدرب عيناها وتهتف: ~~«يا محمود ... علوان!» # لا رد ولا خبر! # ويا حديثك عن «آلاء» يلذعها # بعدي فتسأل عن بابا «أما طابا» # أكاد أسمعها # رغم الخليج المدوي تحت رغوته # أكاد ألثم خديها وأجمعها # في ساعدي ... # كأني أقرع البابا # فتفتحين ... # وتخفي ظلنا الستر! # الكويت، 3 / 8 / 1964 # | ليلة انتظار # يد القمر الندية بالشذى مرت على جرحي، # يد القمر الندية مثل أعشاب الربيع لها إلى الصبح # خفوق فوق وجهي، كف طفلتي الصغيرة، كف آلاء! # وهمس حول جرحي: كف طفلتي الكبيرة، كف غيداء # تدغدغني ونحن على السرير معا، على السطح # هناك! وآه من ذاك المدى النائي، # لأقرب منه مجمرة الثريا وهي تلتهب # بعيد بعد يوم فيه أمشي دون عكاز على قدمي # يئست من الشفاء، يئست منه وهدني التعب # وحل الليل ما أطويه من سهر إلى سهر ومن ظلم إلى ظلم # ولكن اليد النديانة الكسلى ترش سنابل القمح # على درب من الهمسات في حلم # بلا نوم يرف على جفوني ثم يحشوهن بالملح # غدا تأتين يا إقبال، يا بعثي من العدم # ويا موتي ولا موت. # ويا مرسى سفينتي التي عادت ولا لوح على لوح # ويا قلبي الذي إن مت أتركه على الدنيا ليبكيني # ويجأر بالرثاء على ضريحي وهو لا دمع ولا صوت # أحبيني! إذا أدرجت في كفني ... أحبيني # ستبقى حين يبلى كل وجهي، كل أضلاعي # وتأكل قلبي الديدان، تشربه إلى القاع # قصائد ... كنت أكتبها لأجلك ms25 في دواويني # أحبيها تحبيني! # الكويت - المستشفى الأميري، 5 / 8 / 1964 # | نفس وقبر # نفسي من الآمال خاوية # جرداء لا ماء ولا عشب # ما أرتجيه هو المحال وما # لا أرتجيه هو الذي يجب # قدر رمى فأصاب صادحة # في الجو خرت وهي تنتحب # من ذا يعيد إلى قوادمها # أفق الصباح تضيئه السحب # صلب المسيح فأي معجزة # تأتي؟ وأي دعاء ملهوف # ستزيح أبواب السماء له # أغلاقها؟! حبل من الليف # هيهات يرقى للسماء به # ليهز عرش الله تخريفي ~~«مولاي مشلول!» فتحدجني # عين الملاك: «وأي ملهوف # لا يشتكي لله محنته؟ # ارجع لبيتك دون إبطاء» # فبأي آمال أعيش إذن # وأدب حيا بين أحياء # لولا مخافة أن يعاقبني # عدل السماء لعنت آبائي # ولعنت ما نسلوا وما ولدوا # من بائسين ومن أذلاء # الدودة العمياء يلسعها # برد يقلصها ويطويها # أواه لو ترضى تبادلني # عيشي بعيش كاد يفنيها # ولو استجاب الله صرخة ذي # بلوى لصحت: «وخير ما فيها # موت يجيء كأنه سنة # ويمس آلامي فينهيها» # كم ليلة قمراء يطفئها # ليل النجوم ودورة الشهر # محسوبة، ويلاه، من عمري # وهي التي ضاعت على عمري # وثلاثة خضراء، أربعة # نثرت أزاهرها وما أدري # يا ليتها بغد تعوضني # فتمر باكية على قبري # الكويت - المستشفى الأميري، 10 / 11 / 1964 # | إقبال والليل # وما وجد ثكلى مثل وجدي إذا الدجى # تهاوين كالأمطار بالهم والسهد # أحن إلى دار بعيد مزارها # وزغب جياع يصرخون على بعد # وأشفق من صبح سيأتي وأرتجي # مجيئا له يجلو من اليأس والوجد # الليل طار وما نهاري حين يقبل بالقصير # الليل طال: نباح آلاف الكلاب من الغيوم # ينهل، ترفعه الرياح، يرن في الليل الضرير # وهتاف حراس سهارى يجلسون على الغيوم # الليل والعشاق ينتظرون فيه على سنا النجم الأخير # يا ليل ضمخك العراق # بعبير تربته وهدأة مائه بين النخيل # إني أحسك في الكويت وأنت تثقل بالأغاني والهديل # أغصانك الكسلى و«يا ليل» طويل # ناحت مطوقة بباب الطاق في قلبي تذكر بالفراق # في أي نجم مطفأ الأنوار يخفق في المجره # ألقت بي الأقدار كالحجر الثقيل # فوق السرير كأنه التابوت لولا ms26 أنة ودم يراق # في غرفة كالقبر في أحشاء مستشفى حوامل بالأسره. # يا ليل أين هو العراق؟ # أين الأحبة؟ أين أطفالي؟ وزوجي والرفاق؟ # يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره # نحو الخليج. تصوريني أقطع الظلماء وحدي # لولاك ما رمت الحياة ولا حننت إلى الديار # حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار # لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار # وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار # والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد. # وخوض في الظلماء سمعي تشده # بجيكور آهات تحدرن في المد # بكاء وفلاحون جوعى صغارهم # تصبرهم عذراء تحنو على مهد # يغني أساها خافق النجم بالأسى # وتروي هواها نسمة الليل بالورد # أين الهوى مما ألاقي والأسى مما ألاقي؟ # يا ليتني طفل يجوع، يئن في ليل العراق! # أنا ميت ما زال يحتضر الحياه # ويخاف من غده المهدد بالمجاعة والفراق # إقبال مدي لي يديك من الدجى ومن الفلاه، # جسي جراحي وامسحيها بالمحبة والحنان # بك ما أفكر لا بنفسي: مات حبك في ضحاه # وطوى الزمان بساط عرسك والصبى في العنفوان. # | ليلى # قرب بعينيك مني دون إغضاء # وخلني أتملى طيف أهوائي # أبصرتها؟ كادت الدنيا تفجر في # عينيك دنيا شموس ذات آلاء # أبصرت ليلى فلبنان الشموخ على # عينيك يضحك أزهارا لأضواء # إني سألثمها في بؤبؤيك كمن # يقبل القمر الفضي في الماء # ليلى! هواي الذي راح الزمان به # وكاد يفلت من كفي بالداء # حنانها كحنان الأم دثرني # فأذهب الداء عن قلبي وأعضائي # أختي التي عرضها عرضي وعفتها # تاج أتيه به بين الأخلاء # عرفتها فعرفت الله عن كثب # كأن في مقلتيها درب إسرائي # ليلى هواي مناي شعري # روحي الأعز علي من روحي وآمالي وعمري # حملت ضفيرتها هواي كأنها أمواج نهر # حملته نحو مدى السماء # نحو المجرة والنجوم ونحو جيكور الجميله # فأنا فتى أتصيد الأحلام يا لك من فراشات خضيله # أتصيد الأشعار فيها والقوافي والغناء # أوتذكرين لقاءنا في غرفة للداء فيها # ظل كظل الليل يخنق ساكنيها # لكننا بالشعر حولناه زرعا من ضياء # بالحب أزهر واللقاء # ما كان ms27 أحلى حبنا العربي حب كثير وجنون قيس # التبغ صحرائي أهيم على رفارفها الحزينه # وهناك نبني خيمتين من التأسي # ليلى مناد دعا ليلى فخف له # نشوان في جنبات القلب عربيد # كسا النداء اسمها سحرا وحببه # حتى كأن اسمها البشرى أو العيد # هل المنادون أهلوها وإخوتها # أم المنادون عشاق معاميد # إن يشركوني في ليلى فلا رجعت # جبال نجد لهم صوتا ولا البيد # ليلى تعالي نقطع الصحراء في قمراء حلوه # متماسكين يدا إلى يد من نحب # وترن في الأبعاد غنوه # للرمل همس تحت أرجلنا بها، للرمل قلب # يهتز منها أو ينام وللنخيل بها أنين. # وتهر عن بعد كلاب يا لغيم من نباح # هيهات يعشقه سوى غبش الصباح # فأنا وأنت نسير حتى تتعبين ~~«ماء أريد أليس في الصحراء غير صدى وطين؟» # وتكركر الصحراء عن ماء وراء فم الصخور # فأظل بالكفين أسقيك المياه فترتوين # أسقي صداك فترتوين # أوتذكرين لقاءنا في كل فجر # وفراقنا في كل أمسية إذا ما ذاب قرص # الشمس في البحر العتي # تأتين لي وعبير زنبقة يشق لك الطريق فأي عطر # وتودعين فتهبط الظلماء في قلبي ويطفئ نوره القمر الوضي # فكأن روحي ودعتني واستقلت عبر بحر # وأظل طول الليل أحلم بالزنابق والعبير # وحفيف ثوبك، والهدير # يعلو فيغرق ألف زنبقة وثوب من حرير. ms28