######OpenITI# #META# URI: 1384MuhammadMandur.FannShicr.Hindawi53803853 #META# Tags: literature #META# ID: 53803853 #META# Title: فن الشعر #META# AuthorID: 27181903 #META# Author: محمد مندور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تصدير‏ # الشعر وفنونه‏ # الشعر بين الإلهام والمحاكاة‏ # الشعر والوجدان الفردي‏ # المضمون والصورة‏ # خلاصة‏ # الشعر العربي وتطوره‏ # مدارس الشعر العربي الحديث‏ # تصدير‏ # الشعر وفنونه‏ # الشعر بين الإلهام والمحاكاة‏ # الشعر والوجدان الفردي‏ # المضمون والصورة‏ # خلاصة‏ # الشعر العربي وتطوره‏ # مدارس الشعر العربي الحديث‏ # | فن الشعر # | فن الشعر # تأليف # محمد مندور # | تصدير # لقد اعتمدت في استخلاص العصارة التي ضمنتها هذا الكتيب، العزيز على نفسي، على ~~نوعين من الدراسة، أولهما: الدراسة التاريخية لتطور الشعر عندنا وعند غيرنا من الدول؛ لكي ~~أظل مرتكزا على ما أنتجت البشرية فعلا من شعر. وثانيهما: النظريات الأدبية والفنية، ~~والمذاهب التي ظهرت عبر التاريخ. وكل ذلك لكي أستخلص في النهاية المقومات الأساسية التي ~~لا يمكن أن ينهض الشعر بدونها، طبقا لأهدافه. فالشعر لا بد أن يثير فينا إحساسات جمالية ~~وانفعالات وجدانية، وإلا فقد صفته. ولتحقيق هذه الأهداف هناك عدة وسائل أو خصائص لا بد ~~من توافرها فيه: كالوجدان في مضمونه، والصور البيانية في تعبيره، وموسيقى اللغة في ~~وزنه. # فإن كنت قد وفقت إلى ما قصدت إليه بفضل المنهج الذي اخترته، كان هذا خير جزاء على ~~ما بذلت من جهد في استخلاص هذه العصارة، وتقديمها إلى القراء عامة في أبسط تعبير وأوضحه، ~~ودون أن أثقل صفحات الكتيب بهوامش أو مراجع مما لا يتفق وطبيعة هذه المكتبة الثقافية ~~التي توخت الوزارة أن تكون في متناول أكبر عدد من القراء، وإن كان المتخصصون يمكن أن ~~يجدوا فيها هم أيضا بغيتهم. # محمد مندور # | الشعر وفنونه # لم يعد الحديث عن الأدب عامة والشعر بخاصة من البساطة واليسر على نحو ما كان عند أجدادنا ~~السابقين من العرب، بل أصبح من العجز أن نردد اليوم في محاولة تعريفنا للأدب وفنونه ~~أمثال تلك التعاريف الساذجة التي كان يرددها أجدادنا مثل قولهم: «إن الأدب هو الإلمام من ~~كل شيء بطرف»، وقولهم: «إن الشعر هو الكلام الموزون المقفى»، بعد أن أصبحت الثقافات ~~العالمية تعج اليوم بمختلف الفلسفات الجمالية ومذاهب الأدب والفن؛ حتى أصبح لزاما علينا ~~أن نعيد فهمنا للأدب عامة والشعر ms01 بخاصة على ضوء تلك الثقافات العالمية؛ حتى لا نظل ~~متخلفين عن ركب الإنسانية العام. # ويحس من يريد أن يتحدث اليوم عن فن من فنون الأدب بحاجة جذرية إلى أن يبدأ من ~~الكليات حتى يستطيع أن يرسي حديثه على أسس عامة تحدد وتوضح حقائق الأشياء، ~~وكأنه يبدأ هذا الحديث بأبجدية الفن والأدب. # ومن هنا يجدر بنا أن نحاول أولا: الاتفاق على تعريف يجمع ما تصطلح الإنسانية اليوم على ~~تسميته أدبا، ويمنع ما لا تعتبره داخلا في الأدب من أنواع الكتابات الأخرى؛ فنقول: إن ~~الأدب هو كل ما يثير فينا - بفضل خصائص صياغته - انفعالات عاطفية أو إحساسات ~~جمالية. # والأدب لا يزال ينقسم كما قال العرب القدماء إلى شعر ونثر، وإن تكن الفنون التي تنطوي تحت ~~كل قسم تختلف اختلافا بينا عند الغربيين عنها عند العرب. # فالنثر - في تقاليد الأدب العربي - كان لا يدخل في مجال الأدب إلا إذا كان نثرا فنيا؛ ~~أي في الغالب نثرا مصنوعا كنثر الرسائل والخطب والمقامات والأمثال السائرة، وذلك بينما ~~يشمل النثر الأدبي عند الغربيين الكثير من الكتابات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية، فضلا ~~عن النثر في معناه الضيق الذي يشمل القصة والأقصوصة والمقالة والسيرة والمسرحية، وهو أدب ~~أخذنا نحتذيه منذ نهضتنا المعاصرة؛ حتى وجدت لدينا كل الفنون النثرية، بينما اختفت فنون ~~النثر العربي القديمة أو الكثير منها: كالمقامة وما إليها بعد أن تحلل نثرنا الحديث من ~~الصنعة اللفظية التي كانت عماد تلك الفنون القديمة. # وأما الشعر فقد ميز الأوروبيون في مجاله منذ عصر الإغريق القدماء ثلاثة فنون كبيرة، ~~لكل منها خصائصه وأهدافه، وهي: شعر الملاحم، والشعر التمثيلي، والشعر الغنائي، وذلك بينما ~~لم يعرف العرب القدماء في مجال الشعر غير فن واحد، وهو الفن الغنائي، حتى إذا اتصلنا ~~بالغرب ودرسنا آدابه، وتبينا فيها تلك الفنون المختلفة، أخذنا نحاكيها كما فعلنا في مجال ~~النثر الأدبي، وذلك حين كان بعض تلك الفنون الشعرية الكبيرة قد انقرضت في الغرب، أو أخذت ~~سبيلها نحو الانقراض، وحل النثر محل بعضها كالشعر التمثيلي، على حين مات ms02 البعض الآخر ~~ولم يعد يستطيع الحياة بعد أن تطورت الإنسانية، وأصبحت عاجزة عن أن تأتي فيه بمثل ما ~~أتى الشعراء القدماء في فجر الإنسانية، ونعني بذلك شعر الملاحم، وكأننا بذلك نود أن نعود ~~فنمر بجميع المراحل التي اجتازها الأدب في الغرب، وذلك بدلا من أن نجاري تطور ~~الإنسانية العام، فندرك أن الشعر أوشك أن يصبح اليوم مقصورا على الفن الغنائي، وأن التجديد ~~والإبداع في الشعر إنما يتركز اليوم في هذا الفن، وأن معارك الشعر الأدبية إنما تدور عند ~~الغرب في العصر الحديث حول وسائل وأهداف ذلك الفن الغنائي. # ومع ذلك فإنه على الرغم من تطور فنون الشعر على النحو الذي ذكرناه، فإنه لا يزال من ~~الأهمية بمكان أن نوضح وأن نتفهم أصول وأهداف كل فن من هذه الفنون؛ لكي نستطيع فهم ~~مذاهب الأدب المختلفة، ومدى انطباقها أو تأثيرها على كل من هذه الفنون، كما ندرك أسباب نجاح ~~كل مذهب في السمو بأحد تلك الفنون دون الفنون الأخرى على نحو ما نلاحظه من أن المذهب ~~الكلاسيكي مثلا قد أدى إلى تفوق الشعر التمثيلي تفوقا لم يستطع أن يلاحقه أو يدنو منه ~~الشعر الغنائي عند الكلاسيكيين، وذلك على حين نلاحظ على العكس أن الرومانسية قد أنتجت شعرا ~~غنائيا يبذ في قيمته الإنسانية والفنية، الشعر التمثيلي الذي أنتجه الرومانسيون، كل هذا ~~على حين فشل شعر الملاحم عند الفريقين بل عند جميع المحدثين. # أما شعر الملاحم فقد ازدهر في فجر الإنسانية، وهو الشعر الذي يقص أنباء المعارك ~~والبطولة والأبطال على نحو ساذج خال من التعقيدات العقلية والفنية، حتى ليظن أن ~~الملحمتين اللتين تعتبران المثل الأعلى لهذا الفن وهما: الإلياذة والأوديسة لم يبتكرهما ~~شاعر بعينه إنما ابتكر أجزاءهما المختلفة شعراء شعبيون متعددون، ثم جاء هوميروس - إذا ~~سلمنا بصحة وجوده التاريخي - فوعى في ذاكرته كل تلك الأجزاء، ولربما أضاف إليها أجزاء من ~~ابتكاره، ثم أخذ يجوب بلاد اليونان ومعه قيثارته أو ربابته منشدا على نغماتها تلك الأشعار ~~الرائعة بما فيها سحر البساطة ونضرة الجمال الذي يشبه ms03 جمال الطفولة، حتى إذا جاء القرن ~~الخامس قبل الميلاد، رأى بيز ستراتوس حاكم أثينا أن يؤلف لجنة من الأدباء والشعراء؛ ~~لتدوين هاتين الملحمتين حفظا لهما من الضياع. ولما كان الخيال الشعري قد احتفظ بذكرى ~~هوميروس الشاعر الضرير، وتوارثت الأجيال أنباء شهرته الذائعة فقد نسبت الملحمتان إليه، ~~وهما تقصان بعض أحداث تلك الحرب الضروس التي نشبت فيما بين القرنين العاشر والحادي عشر ~~قبل الميلاد بين بلاد اليونان ومملكة طروادة في آسيا الصغرى، نتيجة لخطف باريس أحد أمراء ~~طروادة لهيلانة زوجة منيالاس الملك اليوناني أثناء رحلته البحرية إلى بلاد اليونان. ولما ~~كانت اللغة اليونانية عندئذ موحدة المستوى، ولم تكن هناك لغة عامية ولغة فصحى، كما ~~كانت أوزان الشعر وأصوله موحدة؛ فإن هذا الشعر لم يعتبر شعبيا بالنسبة إلى غيره من الشعر ~~الثابت النسبة لشعراء معينين، بل على العكس اعتبر التراث الأدبي الأول عند اليونان؛ حتى ~~رأينا شعراء التمثيليات يعترفون بأن مسرحياتهم ما هي إلا فتات تساقط من مائدة ~~هوميروس. # وسار الزمن سيرته، وأخذت الثقافة تنمو، وبنموها أخذت الطبيعة الإنسانية تتعقد وتبتعد عن ~~الطفولة الأولى، كما أخذت فنون الأدب الأولى - وبخاصة الشعر - هي الأخرى تتعقد وتبدأ فيها ~~بوادر الصنعة اللفظية، ومع ذلك استطاع فرجيل شاعر الرومان أن يضع لبني وطنه ملحمتهم، وهي: ~~الإنيادة التي تقص أنباء جدهم الأعلى البطل أتيوس وتأسيسه لمدينة روما، وما كان له من معارك ~~ومغامرات في هذا العالم وفي العالم الآخر أيضا. وعلى الرغم من براعة فرجيل الفنية، ونمو ~~ثقافته وتفكيره، فإن أدباء العالم كله لا يزالون يؤثرون الإلياذة والأوديسة على الإنيادة؛ ~~وذلك لسحر بساطتهما وجمال شعرهما التلقائي. # وفي العصور الحديثة حاول عدد من الشعراء في اللغات المختلفة، ابتداء من عصر النهضة حتى ~~القرن التاسع عشر كتابة ملاحم، لكنهم فشلوا جميعا، وطوى الزمن ملاحمهم في جوف أمواجه، ولم ~~تعد الإنسانية تقرأ وتعجب إلا بالملاحم القديمة كالإلياذة والأوديسة والإنيادة في الغرب، ~~والمهبراته والرميانا في الهند، والشاهنامة في فارس. # والواقع أن الآداب الفنية في العصر الحديث، قد تركت فن الملاحم للآداب ms04 الشعبية، بل في ~~استطاعتنا أن نلاحظ أن العصر الحديث قد أخذت تختفي منه أيضا الملاحم الشعبية، وذلك باختفاء ~~شعراء الربابة المتجولين تدريجا بعد أن تطورت الإنسانية وتعددت لديها وسائل التسلية ~~الآلية كالراديو وغيره، بل بعد أن تعقدت الطبيعة البشرية بنمو الثقافة والتفكير الوضعي، ~~وانقضاء روح الطفولة الغضة بين البشر. # وهكذا نستطيع أن نسجل أن فن الملاحم انتقل بعد العصر القديم من الأدب الفني إلى الأدب ~~الشعبي، ثم انتهى به الأمر إلى الاختفاء فلم تعد الإنسانية تبتكر ملاحم جديدة، وإن ظلت ~~تطرب للملاحم القديمة فنية كانت أم شعبية؛ بحيث يتضح لنا أن محاولة بعض شعرائنا المحدثين ~~كتابة ملاحم إنما هو ضرب من المجازفة التي تتنافى مع حقائق الأدب المعاصر، بل حقائق النفس ~~الإنسانية. وما نظن أن أحدا منهم يستطيع أن يهيئ في نفسه تلك الطفولة الغضة والسذاجة ~~الساحرة التي يكمن فيها جمال الملاحم القديمة. # هذا، والملاحظ أن الملاحم كانت تتناول معارك وبطولة الماضي السحيق الذي جعل منه الخيال ~~الشعبي والرواية الشفوية ما يشبه الأساطير وخوارق الأمور. والعالم اليوم لم يعد يخترع ~~أساطير، كما أن اختراع الكتابة وتدوين التاريخ لم يعودا يسمحان بتحويل أحداث الماضي إلى ~~خوارق وأساطير، ومن باب أولى أحداث الحاضر؛ بحيث يستطيع أحد شعرائنا المعاصرين أن ينظم ~~قصيدة قصصية أو حماسية طويلة عن حرب فلسطين مثلا دون أن نستطيع إدخالها في فن الملاحم الذي ~~تميز بخصائصه المحددة التي لم يعد يجهلها أحد من عامة الأدباء والدارسين في ~~الغرب. # هذا، وقد ترجم سليمان البستاني إلياذة هوميروس شعرا، وكتب لها مقدمة ضخمة عن الشعر ~~ونشأته وفنونه وأوزانه، لكننا نلاحظ أن هذه المقدمة هي التي تقرأ اليوم أكثر مما تقرأ ~~الترجمة؛ وذلك لجهامة الأسلوب الذي استخدمه، وبعده عن سحر الأصل اليوناني وسذاجته. # كما ترجمت هي وغيرها من الملاحم القديمة إلى اللغات الأوروبية الحية جميعها، ومن بين تلك ~~التراجم النثرية والشعرية ما يقارب الأصل في جماله، لكنه لا يلحق به، ومع ذلك فباستطاعة ~~القارئ لترجمة إنجليزية أو فرنسية، فضلا عن الأصل اليوناني؛ أن ms05 يتبين عناصر السحر في ~~تلك الملاحم، وملامح تلك السذاجة الغضة التي تتفتح لها النفس، بل باستطاعتنا أن نحيل ~~السامع لحسن الحظ إلى عدة ترجمات ودراسات ظهرت حديثا في لغتنا العربية عن الملاحم القديمة، ~~مثل: الترجمة الدقيقة التي نشرها الأستاذ أمين سلامة للإلياذة في مطبوعات «كتابي»، ومثل ~~ترجمة ودراسات أديبنا الكبير الأستاذ دريني خشبة لأشعار هوميروس، وأساطير اليونان الأقدمين، ~~ومثل التراجم التي صدرت لبعض ملاحم الشرق مثل: ترجمة أستاذنا المرحوم عبد الوهاب عزام ~~لشاهنامة الفردوسي، والمحاولات التي بذلت لترجمة المهباراتة. # ولا أدل على السذاجة الساحرة لتلك الملاحم من أن نرى هوميروس مثلا لا يحاول أن يستقصي ~~وصفا، أو يحلل نفسا بشرية أو موقفا إنسانيا، بل يقذف تلقائيا بصفة أو يلون ~~صورا عابرة، ومع ذلك يوحي بأسمى خصائص الجمال وأقوى عناصر التأثير. فهو مثلا يتحدث عن ~~هيلانة مثال الجمال الأعلى التي كانت السبب في نشوب الحرب بين طروادة وبلاد اليونان، كما ~~يتحدث عن أندروماك زوجة هيكتور التي سبت الرجال بجمالها، ومع ذلك لا يصف جمال هيلانة إلا ~~بصفة واحدة يلصقها باسمها، وتتكرر الصفة نفسها مع الاسم كلما جرى في شعره، وهذه الصفة هي ~~«عمق الحزام» فاسم هيلانة لا يرد إلا مردفا بقوله «ذات الحزام العميق» وأندروماك لا يرد ~~اسمها إلا مردفا بصفة لا تتغير وهي «ذات الذراع البيضاء» وأما ما دون ذلك من مواضع ~~الفتنة والجمال عن هيلانة أو أندروماك فذلك ما لا يشير إليه هوميروس مكتفيا بتكرار اسميهما ~~مردفا بكل منهما الصفة الخاصة به؛ بحيث يولد فينا هذا التكرار إحساسا عميقا بالجمال، ~~ويطلق هذا الإحساس العنان للخيال لتصور ما شاء من مواضع الفتنة والجمال. # وأما عن فن هوميروس الخاطف في تصوير الحالات النفسية المعقدة بواسطة صور حية خاطفة ~~دون تمهل عند التحليل النفسي أو الأخلاقي المعقد، فلسنا نجد له مثلا خيرا من موقف ~~إنساني شعري رائع، صوره هوميروس في الأغنية السادسة من الإلياذة؛ حيث قص قصة وداع ~~هيكتور بطل طروادة وزوجته الجميلة المحبوبة أندروماك ذات الذراع البيضاء قبل انطلاقه إلى ~~المعركة ms06 التي لقي فيها حتفه، ولم تكن أندروماك تجهل خطورة تلك المعركة التي كان زوجها سيلقى ~~فيها أخيل بطل اليونان «أخيل ذا القدم الخفيفة» وتشفق عليه من الموت الذي يتهدده، ومع ذلك ~~لا تريد أن تنال من شجاعته ومن ثقته بنفسه بإظهار الجزع؛ فهي تتجلد، لكن الجلد يخونها ~~عندما يتناول هيكتور من بين ذراعيها ابنهما الصغير لكي يقبله ثم يرده لأمه، في هذه ~~اللحظة الحاسمة تظهر قدرة هوميروس الخارقة رغم بساطتها وانحصارها في صورة حسية خاطفة ~~لقطتها ريشته، فجمعت فيها العواطف والانفعالات التي كانت تصطرع في نفس أندروماك في تلك ~~اللحظة، وهذه الصورة هي قوله: «ورد إليها هيكتور الطفل فتلقته بابتسامة تبللها ~~الدموع.» # وأما عن خصائص الصياغة الشعرية، فقد انفرد فيها أيضا هوميروس بوسائل تلقائية ساذجة هي ~~مع ذلك غزيرة الشاعرية، ومن أبرز تلك الخصائص استخدامه لنوع من الصفات التي يسميها ~~النقاد المحدثون بصفات «الماهية» # Epithètes de nature # وبيان ذلك أن الصفات في اللغات جميعها ليست كما نظن مجرد أدوات لتمييز شيء عن شيء آخر، ~~مثلما نقول: رجل أبيض؛ لتمييزه عن الرجل الأسود أو الأصفر، إنما هناك نوع آخر من الصفات ~~لا تستخدم للتمييز، بل تستخدم لإظهار الماهية؛ أي أنها صفات ملازمة لطبيعة الشيء ~~الموصوف مثل قولنا مثلا «الله الخالد الباقي» فصفتا الخالد والباقي لا تستخدمان هنا ~~لتمييز إله خالد باق عن إله غير خالد ولا باق، إنما تستخدمان لإظهار طبيعة أو ماهية ~~الله. وقد أحس هوميروس بهذه الحقائق اللغوية فأكثر من استخدام صفات الماهية التي تكسب ~~شعره قوة وجمالا ساذجا كقوله: «البحر المائي» وككل تلك الصفات التي يلحقها بأبطاله ~~لإظهار بعض خصائصهم لا لتمييزهم عن غيرهم. # وها هو ذا وصف هوميروس لبدء المعركة، كما حكاه في الأغنية الرابعة من هذه الملحمة مأخوذا ~~عن ترجمة الأستاذ أمين سلامة: # بدء المعركة ~~«وكما يضرب البحر الثائر الشاطئ الصاخب موجة بعد موجة مسوقا بالريح الغربية، فترفع ~~الأمواج رأسها على سطح اليم أولا كالصخرة العالية، ثم تتكسر بعد ذلك على الشاطئ ~~مدوية بصوت كقصف الرعد ms07 ناثرة زبدها من الماء الملح ... هكذا تحركت فرق الدانيين في ~~ذلك اليوم، صفا بعد صف، دون توقف، إلى القتال، وأصدر كل قائد أمره إلى رجاله، بينما ~~تقدم الباقون في صمت، وما كان يخيل إليك أن لتلك الجموع المتحركة أي صوت، بل كانوا ~~جميعا صامتين كأنهم يخافون قادتهم، وكانت الدروع المرصعة تتلألأ على جسم كل رجل، وهم ~~يسيرون. أما الطرواديون فكما تقف النعاج في جماعات لا تحصى في ساحة أحد الأثرياء ليحلب ~~لبنها الأبيض، وتثغو دون هوادة كلما سمعت أصوات حملانها. هكذا أيضا ارتفع صياح ~~الطرواديين في جميع صفوف الجيش الفسيح؛ لأنهم لم يكونوا كلهم يتكلمون لغة واحدة، بل ~~خليطا من اللغات، وقد جمعوا من بلاد كثيرة يدفعهم «أريس» كما كانت الربة «أثينا» ~~المتألقة العينين تدفع الآخيين الأغارقة، وتدفعهم معها آلهة الهلع والشغب والشقاق، ~~وكانت الأخيرة - التي لا تهدأ ثائرتها - هي شقيقة ورفيقة أريس قاتل البشر، وكانت تبدو ~~قصيرة القامة في أول الأمر حتى إذا اعتدلت في وقفتها طاول رأسها السماء، ووطئت قدماها ~~الأرض في وقت معا، وإنها لتشعل الآن روح البغضاء الشريرة وهي تطوف بين الجموع لتزيد في ~~أنات الرجال. # فلما التقى الجيشان الآن، وأصبحا في مكان واحد، التحما معا بالتروس والرماح، وكان ~~المحاربون جميعا يرتدون دروعا من البرونز، فاصطكت التروس المطعمة بعضها مع بعض، ~~وارتفع رنينها الصاخب، وبعد ذلك سمع صوت الأنين وصيحات النصر في وقت واحد من القاتلين ~~والمقتولين، وفاضت على الأرض الدماء، وكما يحدث عندما تتدفق سيول الشتاء هابطة من ~~الجبال من ينابيعها العظيمة إلى مكان يلتقي فيه واديان، فيجتمع فيضها القوي ليصب في ~~مضيق عميق، ويسمع الراعي صخبها من بعيد وسط الجبال؛ هكذا أيضا ارتفع الصياح والصخب من ~~التحام أولئك وأولئك في القتال، وكان أنتيلوخوس أول من قتل محاربا طرواديا في كامل ~~عدته الحربية، رجلا عظيما من مقاتلي الصفوف الأولى، هو «أنجيبولوس بن ثالوسيوس» وقد ~~ضربه الأول على قرن خوذته المزينة بخصلة من شعر الخيل، فانطلق الرمح إلى داخل جبهته، ~~ونفذت السن البرونزية داخل العظم؛ فخيم ms08 الظلام على عينيه ، وسقط في الصراع العنيف محطما ~~كالجدار، وإذ ذاك أمسك «أليفينور» بالقتيل من قدميه - وكان هذا ابن «خالكودون» وقائد ~~«الأيانتيس» ذوي النفوس العالية - وحاول جذبه من تحت السهام جاعلا همه أن يجرده من ~~درعه بمنتهى السرعة، لكن لم تلبث محاولته هذه غير فترة وجيزة؛ إذ بينما كان يسحب الجثة ~~أبصر به «أجينور» العظيم النفس، ولما كان جنبه بدون وقاية وهو منحن أهوى عليه هذا ~~برمحه ذي الطرف البرونزي فقطع أوصال أطرافه، وفي الحال فاضت روحه، وانهال على جثته سيل ~~مرير من الطرواديين والآخيين، وشرعوا كالذئاب يقفزون الواحد فوق الآخر، وراح الرجل منهم ~~يدحرج الرجل على الأرض.» # وأما فن الأدب التمثيلي فقد كان يصاغ هو الآخر عند اليونان الأقدمين شعرا، سواء منه ~~المآسي والملاهي، بل كان يجمع فيه من الشعر والغناء والموسيقى والرقص؛ حيث ترى أجزاء ~~المسرحية الإغريقية القديمة تتكون من مشاهد حوارية، وأغنيات للجوقة مصحوبة بحركات من ~~الرقص البدائي ونغمات موسيقية ساذجة، وتتعاقب هذه الأجزاء المختلفة؛ الواحدة بعد ~~الأخرى حتى نهاية المسرحية. ~~••• # وعندما بدأت حركة البعث الأوروبي في القرن الخامس عشر، وعاد الأوروبيون إلى الأدب ~~الإغريقي القديم يحتذونه، بل يستمدون منه مواضيع مسرحياتهم؛ رأيناهم في أول الأمر ~~يجمعون في المسرح بين الحوار وبين المقطوعات الغنائية، لكن هذا النوع من المسرحيات لم ~~يدم طويلا؛ فلم تلبث الكلاسيكية أن تكونت، وفيها انفصل فن التمثيل القائم على ~~الحوار عن الغناء، وإن ظلت المسرحيات الجدية والهزلية تنظم شعرا على نحو ما نلاحظ ~~عند كورني وراسين وموليير في فرنسا مثلا. # وإذا كان بعض كبار شعرائنا المعاصرين كشوقي وعزيز أباظة قد كتبوا بعض المسرحيات ~~الشعرية، فإن محاولتهم قد استهدفت للكثير من النقد على الرغم من قوة الشاعرية، كما أن ~~نجاحها المسرحي ظل محدودا. ~~••• # وأخيرا هناك فن الشعر الغنائي، وهو شعر القصائد والمقطوعات، وهو إذا كان قد اتخذ عند ~~العرب صورة محدودة ثابتة هي القصيدة ذات الوزن الواحد والروي الواحد والقافية ~~الواحدة والمستقلة الأبيات؛ فإنه قد اتخذ عند الغربيين منذ القدم صورا وأشكالا ~~متباينة، وكان ms09 لكل صورة تركيبها الموسيقي الخاص، كما ارتبطت بعض التركيبات الموسيقية ~~بالأغاني الشعرية المختلفة؛ فلأغاني الحماسة والنصر مثلا تركيب موسيقي يختلف عن ~~أغاني الغرام أو أغاني الرعاة أو الأغاني الريفية، وإذا كانت النزعة الذاتية قد غلبت ~~على الشعر العربي فإن الشعر الغنائي عند الغرب قد جمع بين الذاتية والموضوعية، بل إن ~~هناك من القصائد التعليمية الطويلة ما يرتفع إلى ذرى الشعر، كقصيدة «الأعمال والأيام» ~~لهزيود اليوناني، وقصيدة «طبيعة الأشياء» للوكريتوس الروماني، وذلك بفضل خصائص صياغتها ~~الشعرية. # هذا والملاحظ أن الشعر الغنائي كان يتغنى به فعلا في فجر الإنسانية سواء عند ~~العرب أو الإفرنج، وكلمة # Lirigue # الغربية مشتقة من كلمة # Lyre ~~؛ أي «عود». وفي موسوعة الشعر العربي وهي كتاب ~~الأغاني نجد المؤلف يورد المقامات الموسيقية الخاصة لكل قصيدة وإن تكن اصطلاحاته قد ~~أصبحت بالنسبة إلينا طلاسم ليس من السهل حلها، وإذا كان هذا النوع من الشعر قد تطور ~~في الشرق والغرب من الغناء إلى الإنشاد بل وإلى القراءة الصامتة، فإن العنصر الموسيقي ~~المتمثل في الوزن والإيقاع والانسجامات الصوتية لا يزال بالغ الأهمية في هذا الشعر، ~~بل وأخذت أهميته تزداد في أواخر القرن التاسع عشر حتى رأينا الرمزيين يقولون إن الشعر ~~موسيقى قبل كل شيء، وإن العنصر الموسيقي فيه يبذ في الأهمية المعاني والعواطف والصور ~~الشعرية ذاتها باعتبار أن الموسيقى هي أقوى أداة للإيحاء، والشعر عندهم إيحاء أكثر منه ~~تعبيرا لغويا صريحا واضحا. # هذا، والملاحظ كما سبق القول أن فن الشعر قد أوشك في العصر الحاضر أن ينحصر في هذا ~~النوع الغنائي بعد أن اختفى شعر الملاحم، وبعد أن حل النثر محل الشعر في الأدب ~~التمثيلي. # وبعد الفراغ من هذا الاستعراض السريع لتطور فنون الشعر، ننتقل إلى استعراض مماثل ~~لتطور فلسفة الفن عامة والشعر بخاصة؛ لنرى كيف ساير التطور التاريخي السابق. # التطور الفلسفي # الكلمات التي يسمى بها الشعر في اللغات الأوروبية الحديثة مأخوذة كلها من الكلمة ~~اليونانية القديمة Poetica ~~، وهذه الكلمة الأخيرة ~~مشتقة بدورها من الفعل اليوناني Poetin # ومعناها ~~«يعمل» أو «يصنع» أو ms10 «يخلق»، وعلى هذا الأساس يكون معنى «الشعر » الاشتقاقي عندهم ~~«الخلق» أو الإبداع، ومع ذلك نرى الفيلسوف الأول أرسططاليس يرجع الشعر، بل الفنون ~~الأخرى جميعها إلى ما يسميه بالمحاكاة: أي محاكاة الطبيعة وواقع الحياة بشتى الوسائل ~~التي تملكها الفنون المختلفة، وهي في حالة الشعر اللغة والموسيقى، وعند الفهم الصحيح ~~لنظرية المحاكاة كما تحدث عنها أرسطو لا نجد هناك تعارضا بين معنى الشعر الاشتقاقي ~~وحقيقته القائمة على المحاكاة؛ فأرسطو لم يقصد هو ولا غيره من المفكرين القدماء ~~والمحدثين إلى القول بأن المحاكاة الفنية نقل آلي أو شبه آلي عن الطبيعة أو الحياة، ~~ومثل هذا النقل هو وحده الذي تنتفي معه صفة الخلق والإبداع في الشعر بخاصة والفنون ~~عامة، فالفنان أو الشاعر لا ينقل عن الطبيعة أو الحياة رأسا وبطريق مباشر آلي، وإنما ~~ينقل عن الصورة التي تنعكس في نفسه عن بعض مشاهد الطبيعة أو الحياة، ولا أدل على ذلك ~~من أن أرسطو لم يحصر المحاكاة فيما هو واقع في الطبيعة والحياة، بل رأى أنها كثيرا ما ~~تكون محاكاة لما يمكن أن يكون أو لما يجب أن يكون، ولا يمكن أن تقتصر على ما هو كائن، ~~وعلى هذا الأساس يميز أرسطو بين التاريخ والأدب؛ فالتاريخ يتقيد بما كان، بينما الأدب ~~يحق له، بل يجب أحيانا، أن يعمل فيما كان من الممكن أن يكون؛ ولذلك يبحث الأدب عن ~~العام المشترك، بينما ينحصر التاريخ في الخاص المفرد؛ فهو قد يصور مثلا استبداد ~~«نيرون» ولكنه لا يصور الاستبداد في ذاته منطلقا من إطاري الزمان والمكان؛ ولذلك ~~يقدم التاريخ أفرادا وشخصيات بينما يستطيع الأدب أن يقدم نماذج بشرية، وفي كل ~~هذا ما يفسح المجال أمام الأدب عامة للخلق والإبداع؛ بحيث تقترب حقيقته عند أرسطو من ~~المعنى الاشتقاقي للفظة الشعر في لغة أرسطو نفسه، أي اليونانية القديمة، وهو معنى الخلق ~~والإبداع. # على أنه يلوح لنا أن أرسطو عندما أرجع الشعر إلى محاكاة الطبيعة والحياة إنما كان ~~ينظر إلى فنين بالذات من فنون الشعر، وهما: فن الملاحم، وفن التمثيليات ms11 الشعرية؛ أي ~~الفنين الموضوعيين قبل كل شيء ، وذلك بدليل أنه لم يتحدث عن فن الشعر الغنائي في ~~كتابه الذي تحدث فيه عن الشعر عامة، وهو كتاب «الشعر»؛ إذ نراه يكتفي بأن يقسم ~~الشعر إلى فنونه الثلاثة ثم يغفل بعد ذلك الحديث عن الشعر الغنائي؛ ليأخذ في تفصيل ~~القول عن الفنين الآخرين اللذين يستقيم فهمهما، أو يمكن أن يستقيم، على ضوء نظرية ~~المحاكاة باعتبار أن الملاحم والمسرحيات تعرض قطاعات من الحياة؛ أي تحاكيها بالمعنى ~~الواسع للمحاكاة سواء أكانت تلك القطاعات من الماضي كما كان الحال في الملاحم ~~والتراجيديات أو من الحاضر كما كانت الحال في الكوميديات، وبخاصة كوميديات ~~أريستوفان. # وعلى ضوء هذا التفسير نستطيع أن نفهم كيف أن الفلسفة الأدبية الكلاسيكية التي تقيدت ~~بآراء أرسطو في الفن وبنظريته عن المحاكاة؛ قد اتجهت وأنتجت بنوع خاص في فن موضوعي من ~~فنون الشعر كفن الشعر التمثيلي، كما نستطيع أن نفهم كيف أن الرومانسية التي تمردت على ~~الكلاسيكية وعلى فلسفة أرسطو في الفن عامة والشعر بخاصة؛ قد اتجهت وأنتجت بنوع خاص في ~~فن الشعر الغنائي الذي تفوقت فيه، وجعلت أساسه الفلسفي التعبير لا المحاكاة، فالشعر ~~عند الرومانسيين تعبير عن الذات الشاعرة قبل كل شيء، ومن الغريب أن نلتقي هنا مع ~~الرومانسية عندما ننظر في المعنى الاشتقاقي لكلمة «شعر» في لغتنا العربية؛ إذ من الواضح ~~أن الشعر من الشعور، أي إنه هو ما أشعرك كما كان يقول شاعرنا الكبير عبد الرحمن شكري ~~وإخوانه من رواد التجديد في شعرنا العربي المعاصر؛ إذ نلاحظ أن دعوتهم تلك لم تكن إلا ~~رجوعا إلى المعنى الاشتقاقي للفظة «شعر» ولغتنا العربية، وإن يكن من الواضح أن اتصالهم ~~بالشعر الغربي الغنائي هو الذي ردهم إلى هذا المعنى الاشتقاقي الخالد. # كان الرومانسيون إذن هم العامل الفعال في تغيير الأساس الفلسفي للفنون عامة والشعر ~~بخاصة من المحاكاة إلى التعبير، وبفضلهم قوي الشعر الغنائي بينما أخذ الشعر الموضوعي ~~يتراجع، وبخاصة في الفن الأدبي التمثيلي ليخلي مكانه للنثر. # وإغفال أرسطو الحديث عن الفن الغنائي في ms12 كتابه عن «الشعر» عامة؛ لا يزال موضع مناقشات ~~وتكهنات بين المفكرين والباحثين، فمنهم من يرجح ما أشرنا إليه من عدم تمشي الشعر ~~الغنائي باتجاهاته جميعها مع نظرية المحاكاة التي جعلها أرسطو أساسا للشعر بخاصة ~~والفنون عامة، بينما يرى البعض الآخر أن أرسطو إنما أغفل الكلام عن الشعر الغنائي في ~~كتابه «الشعر»؛ لأنه رأى أن الشعر الغنائي أدخل في مجال الموسيقى وألصق به من مجال ~~الأدب. ويزعم أصحاب هذا الرأي أن أرسطو لم يكن يؤمن بأن الشعر الغنائي نفسه يخرج عن ~~مجال المحاكاة؛ بدليل أن شعراء الإغريق ومفكريهم السابقين عليه كانوا أنفسهم يرون أن ~~الشعر كله ضرب من المحاكاة، وباستطاعتنا أن نعثر في أقوالهم على ما يؤيد هذا الرأي مثل ~~قول شاعرهم الغنائي سيمونيدس: «إن الرسم شعر صامت، والشعر تصوير ناطق.» وواضح من هذه ~~العبارة أن الشعر عند سيمونيدس شبيه بالرسم، ومن البديهي أن الرسم يسهل إرجاعه إلى ~~المحاكاة، ولكننا نحسب أن مثل هذا القول إنما يصح على الشعر الوصفي، بينما يصعب تطبيقه ~~على الشعر الوجداني الذي يبدو لنا أن أساسه الفلسفي هو حاجة الشاعر إلى التعبير لا ميله ~~الغريزي إلى المحاكاة، وذلك ما لم ندفع الجدل إلى حد السفسطة الميتافيزيقية، فنزعم أن ~~التعبير عن الوجدان ما هو إلا تصوير لحالات نفسية ومحاكاة لها. # ونحن إذ نفرغ إلى أن الشعر الغنائي بنوع خاص قد أصبح أساسه الفلسفي منذ الرومانسيين ~~الحاجة إلى التعبير لا الميل الغريزي إلى المحاكاة. # ننتقل إلى النظر في هدف هذا التعبير لنرى هل هدفه كما يرى الفيلسوف كروتشي: التنفيس ~~عن الذات الفردية دون نظر أو اعتبار إلى الجمهور المتلقي؛ أي إن الفنان يبدع لنفسه ~~أولا وينفس عن عاطفته قبل أن يخاطب الجمهور، وبذلك نعثر على الأساس الفلسفي لما ~~سميناه الشعر المهموس، أم أن الفنان يبدع كما قال تولستوي ليخاطب الغير ويعديه بمثل ~~حالته النفسية التي يعبر عنها، وبذلك نجد أساسا فلسفيا لما يسمونه بالشعر الخطابي أو ~~شعر المحافل ذي النغمات الرنانة الجهورية. # وإذا فرغنا إلى أن الشعر الغنائي ms13 تعبير عن الوجدان، ليشفي الشاعر نفسه، أو ليخاطب ~~الغير وينقل إليه عدوى نفسه، فلا بد أن ننظر بعد ذلك في طبيعة هذا الوجدان، وهل هو ~~الوجدان الفردي فحسب أم من الممكن أن يكون أيضا الوجدان الجماعي؛ بحيث لا يتحدث ~~الشاعر عن آلامه وآماله وأشواق روحه الخاصة فحسب، بل يتحدث أيضا عن آمال شعبه وآلامه ~~وأشواق روحه باعتبار أن وجدان الشاعر لا يمكن أن يكون ذاتيا خالصا في الأحوال ~~العادية، وفي غير حالات الانعزال، أو الانطواء المرضي، أو الأثرة المسرفة، أو الغفلة ~~التي لا تجعله يدرك أن وجدانه جزء من وجدان مجتمعه، متأثر به مؤثر فيه، وأن الشاعر ~~مهما كانت أصالته إنما يتكون من رواسب ماضيه وماضي قومه، وإشعاع حاضرهم، وإرهاصات ~~مستقبلهم. # ولا بد لنا أيضا من أن ننظر بعد كل ذلك في وسائل التعبير وطرائقه، وهل يكون هذا ~~التعبير بالطريق المباشر وبالأسلوب التقريري الذي يكشف به الشاعر عن ذات نفسه، ويعرضها ~~عارية محللة إلى عناصرها الأولية على القراء والسامعين، كما يفعل الرومانسيون، أم يحسن ~~به أن يلجأ إلى الصورة والرمز فلا يفصح عن حالته النفسية، بل يلتقط صورا ترمز لتلك ~~الحالة كما يفعل الرمزيون، وبذلك نعود إلى قول سيمونيدس إن الشعر تصوير ناطق، أو كما ~~يقول بعض نقادنا العرب القدماء تصوير بياني. # وإذا فرغنا إلى أن الشعر عامة، والغنائي خاصة، تصوير بياني يجب أن ننظر في مجالات ~~هذا الشعر، وهل للشعر كواحد من الفنون التعبيرية المتعددة مجال خاص كما حاول أن يثبت ~~الناقد الألماني الكبير «لسنج» في كتابه «لاوكون» أم أن كل المجالات مباحة له حتى ولو ~~اختلفت وسيلته عن وسائل الفنون الأخرى، كما يريد بعض الفلاسفة والنقاد المحدثين؛ بحيث ~~يحق للشاعر أن يلج جميع الميادين دون أن يخشى التخلف في قوة التعبير والإيحاء عن غيره ~~من الفنانين كالمصورين والنحاتين والموسيقيين. # وأخيرا لا بد أن نواجه مشكلة الصورة الشعرية التي كثيرا ما تقوم على المجازات ~~والتشبيهات والاستعارات، لننظر في وظيفة هذه الصورة، وهل هي مخاطبة الحواس فحسب بأن ~~يستند التشبيه ms14 إلى جامع من المظهر الشكلي، أم يخاطب الروح فيكون الجامع بين المشبه ~~والمشبه به هو الواقع النفسي لكليهما؟ وبذلك ننتقل إلى الطرائق الرمزية في التعبير على ~~نحو ما نحس في قول شاعر كبير مثل رابندرانات طاغور «السكون المشمس»؛ إذ من الواضح أنه ~~لا يشبه هنا السكون بالإشماس، ولا يصفه به، وإنما يشبه وقع ذلك السكون المبهج في ~~نفسه بوقع ضوء الشمس المشرقة؛ لأن المقصود بالتصوير البياني هو الإيحاء لا الإخبار، ~~وهنا تجرنا نظرية الإيحاء إلى النظر في موسيقى الشعر، ومدى أهميتها في التعبير ~~الشعري، هل هي جوهرية كما يزعم الرمزيون، أم أنها مجرد وسيلة كغيرها من وسائل التعبير ~~الشعري! # كل هذه رءوس مسائل نرجو أن نعالجها في الأبواب القادمة مع ضرب أمثلة منتقاة من الشعر ~~العالمي والشعر العربي على السواء، وتحليل تلك الأمثلة، وتطبيق النظريات الجمالية ~~المختلفة عليها. # | الشعر بين الإلهام والمحاكاة # لقد عرف اليونان القدماء الذين يعتبرون رواد الشعر العالمي منبعين أساسيين للشعر، قالت ~~بأحدهما الأساطير الشعبية التي زعمت أن للشعر إلها يوحي به هو أبوللو، وربات لكل فن من ~~فنونه كانوا يسمونها «الميز»، فلشعر التراجيديا ربة، ولشعر الكوميديا ربة، وللشعر الغنائي ~~ربة ثالثة، وباستطاعتنا أن نجد شبيها لهذا التصوير الشعبي عند الكثير من الشعوب القديمة، ~~فالعرب القدماء كانوا يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا في مثل قولهم «لولا هبيد ما كان لبيد.» ~~وإذا كان اليونان القدماء قد تصوروا أن لآلهة الفنون جبلا تقيم فيه هو جبل «البرناس»، ~~فإن العرب قد زعموا أن شياطين الإلهام تأوي إلى واد في بلادهم سموه وادي «عبقر»، ومنه ~~اشتقت لفظة «العبقرية» التي تعتمد على الإلهام. # ولقد اعتنق أفلاطون هذا الخيال الشعبي في فلسفته أخذا عن أستاذه سقراط الذي كان يؤمن ~~ويبشر بالوحي والإلهام، ويزعم أنه كان يتلقى هذا الوحي عن عرافة الإله أبوللو التي ~~تقوم على معبده في مدينة «دلفوس»، وقد نمى أفلاطون نظرية الإلهام كمنبع للشعر في عدد من ~~محاوراته وبخاصة في محاورة «أيون» ولكن هذا الاتجاه الغيبي لم يلبث أن عفى عليه ms15 أرسطو ~~بفلسفته العقلية الخالصة؛ فرأيناه في كتابه عن «الشعر» يجعل منبعه - كما قلنا - المحاكاة؛ ~~أي محاكاة الطبيعة وواقع الحياة بالمعنى الواسع لهذا الاصطلاح، وبتخلي أرسطو عن نظرية ~~المثل الأفلاطونية لم يعد الشعر محاكاة لتلك المثل! وإن كان أرسطو قد قرر أن تلك ~~المحاكاة يمكن أن تكون لما يجب أن يكون لا لما هو كائن أو محتمل أن يكون فحسب، ولكن دون ~~تقيد بعالم المثل الذي يمكن أن يفتح الباب لما سماه أفلاطون وسمته الشعوب القديمة بالإلهام، ~~بينما يسميه علماء التحليل النفسي المحدثون كما سنرى ب «اللاوعي» أي مختزنات العقل الباطن ~~ومكبوتاته التي تنطلق من مكامن النفس الخفية فيما يشبه فيض الإلهام. # ولما كان أرسطو يكاد يكون المفكر الوحيد الذي لم تمت مؤلفاته، بل ظلت حية نامية مؤثرة، ~~بل مسيطرة خلال القرون الوسطى ذاتها وبعد ركود الثقافة الإنسانية القديمة؛ حيث لم تجد فيه ~~الديانات السماوية الموحدة كالمسيحية والإسلام، اللتين سيطرتا سيطرة كاملة على جميع نواحي ~~الحياة الفكرية والعاطفية والفنية خلال القرون الوسطى؛ ما يتعارض مع تعاليمهما، بل على ~~العكس وجدتا في فلسفته العقلية ومنطقه ما يعين على تأييد مبادئهما الروحية العقلية مما ثبت ~~سيطرته ونماها، بحيث نلاحظ أنه عندما ابتدأت حركة البعث العلمي بأوروبا ابتداء من القرن ~~الخامس عشر الميلادي كانت فلسفة أرسطو لا تزال حية مؤثرة، وبقوة القصور الذاتي ظلت هذه ~~الفلسفة مسيطرة أيضا في عصر البعث، ثم في عصر النهضة التي تلته وازدهرت في القرن السابع ~~عشر قرن الكلاسيكية الأدبية الفنية، بينما ظلت فلسفة أفلاطون منزوية حتى القرن التاسع عشر؛ ~~حيث بعثها الرومانسيون ومكنوا لها، فعادوا يقولون: إن الشعر إلهام وإن منبعه هو الحاجة ~~إلى التعبير عن الوجدان المنفعل بالطبيعة، والحياة والله لا غريزة المحاكاة التي رد ~~إليها أرسطو النشاط الأدبي والفني. # ونتيجة لطغيان نظرية المحاكاة على المذهب الكلاسيكي لم يزدهر من الشعر في هذا المذهب غير ~~الشعر الموضوعي الذي تمثل في الشعر التمثيلي عند شعراء فرنسا الكبار: راسين وكورني وموليير ~~مثلا، وأما الشعر الغنائي، أي شعر القصائد والمقطوعات، ms16 فقد ظل خافت الصوت ضيق الإنتاج، ~~وإذا كان هذا الشعر الغنائي، الذي يمكن أن يستند إلى الأساس الفلسفي للمذهب الكلاسيكي وهو ~~المحاكاة، بحيث يأخذ هو الآخر طابعا موضوعيا؛ قد ازدهر في فترة من فترات أدب عالمي ~~كالأدب الفرنسي، فإن هذا الازدهار لم يحدث في العصر الكلاسيكي؛ أي في القرن السابع عشر، ~~وإنما حدث بعد ذلك بقرن كامل؛ أي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر عندما ظهر شاعر ~~غنائي شاب راح ضحية روبسبير إبان الثورة الفرنسية الكبرى، وهو الشاعر أندريه شينيه الذي ~~ولد من أب فرنسي وأم يونانية، وكان يعشق الأدب اليوناني القديم من كل قلبه، فنادى بما ~~سماه مؤرخو الأدب «الكلاسيكية الجديدة» التي لخصها الشاعر في بيت له يقول فيه: «فلنصغ ~~أفكارا جديدة في ثوب قديم» وبالفعل نراه يكتب في حياته القصيرة باقة جميلة من القصائد ~~التي اتخذ لكل منها موضوعا صب فيه أفكاره وأحاسيسه الحضارية الجديدة في أسلوب بسيط ~~سهل جميل خال من كل تعقيد لفظي أو معنوي، وكأنه أسلوب أحد شعراء الإغريق القدماء، وإن ~~لم تمنعه الموضوعية من أن يعبر عن ذات نفسه من خلال موضوعه على نحو ما نحس في قصيدة ~~الحرية التي صاغها في صورة حوار بين راعي غنم وراعي معز، أحدهما عبد والأخر حر، ومن ~~الواضح أن الإحساس بمرارة العبودية والعطف على العبيد إنما هو شعور حديث؛ فالعصور الوسطى ~~بل والعصر القديم كانت ترى في نظام الرق ظاهرة اجتماعية طبيعية، وإذا كانت الديانات قد ~~أوصت بالشفقة بالرقيق فإنها لم تحرم هذا النظام الذي ظل موجودا حتى العصر الحديث الذي قضى ~~عليه وحرمه باتفاق دولي. # وقصيدة «الحرية» لأندريه شينيه تعتبر مثلا واضحا للشعر الغنائي الذي يمكن أن يقوم على ~~أساس نظرية المحاكاة؛ فالشاعر يريد أن يظهرنا فيها على نزعات الخير التي لا بد أن تنمو في ~~نفس الرجل الحر مقابل نزعات الشر التي لا بد أن تنمو في نفس العبد، وكأنه بذلك يعطينا صورة ~~لنفس الرجلين كما يراها، وإن يكن قد عبر في الوقت نفسه ms17 عن وجدانه الخاص وطريقة انفعاله ~~بالوضعين وسخطه على أحدهما ولكن بطريق غير مباشر، وإن يكن من القوة والوضوح بحيث يخرج هذا ~~الحوار الشعري من مجال الأدب التمثيلي إلى مجال الأدب الغنائي. # وها هي ذي القصيدة: # راعي المعز ~~: # أيها الراعي، كيف أنت؟ وما بك؟ ما هذه الشعور السوداء التي نشرتها الآلهة فوق ~~بصرك؟ # راعي الغنم ~~: # هيه! نعم! وأما أنت فذو شعر جميل أصفر، أهذا ما تريد أن أعلمه! هيه! نعم! جبينك ~~أوضح من جبيني، ونظراتك أرق من نظراتي، أليس كذلك؟ # راعي المعز ~~: # قل لي إذن، أمن هذه الجبال الموحشة أتيت من حيث لا تلقى أحدا سواك والسبيل وعرة ~~مخيفة؟ # راعي الغنم ~~: # وأما أنت فتنعم بلا ريب بالمروج والغابات، وذلك في متناولك، لك أن تجلس بين ~~الحشائش المزهرة، أما أنا فمأواي الكهوف المقفرة؛ حيث يطيب لي أن أجلس على الصخر ~~حتى ينصرم ضوء النهار. # راعي المعز ~~: # ولكن إلهة الخصب «سيريس» قد أنزلت بتلك الصخور لعنتها، فهناك تتدفق السيول حصباء ~~حاملة قاتم الموج، وقد أحرق لهيب الشمس أديم الصخر؛ يكوي أرجل عابري السبيل الذين ~~يخفون عنها، وقد عريت عن جميل الزهر وحلو الفاكهة فلا تجد بها البلابل من الظلال ~~الوارفة ما تأوي إليه إلا أن تكون أشجار الزيتون المنتثرة على مسافات بعيدة، وفي ~~منظرها الجاف وقلة ما تعطيه من خيرات ما يزيد الجدب المحزن وضوحا، كيف تستطيع إذن ~~أن تجد بين تلك الصخور من الحشائش ما تغذي به غنمك الجائعة؟ # راعي الغنم ~~: # وماذا يعنيني من أمر الغنم؟ أهي لي؟ ما أنا إلا عبد. # راعي المعز ~~: # لا أقل إذن من أنك وجدت في ناي الغاب ما تؤنس به وحشتك وسط جدب الصخور، خذه! أما ~~تريد هذا الناي؟ لقد صنعته بيدي خذه، ولترسل أنفاسك في غابه، وغابه عذب الأغاني، ~~ولتسمعنا من النغمات ما تحاكي به تغريد الطيور. # راعي الغنم ~~: # لا، احتفظ بعطائك، ما أريد أن أسمع إلا طيور الظلام من بوم وعقبان، وفي نعيبها ~~بالغناء ما يكفيني، ولا أريد أن أحاكي غير أغانيها ... وأما نايك ms18 فأنا محطمه تحت ~~أقدامي، إنني لأبغض كل مسراتكم، وقلبي لا يخفق لجمال الزهر ولا لرقة الندى ولا ~~لزفرات البلابل العذبة، لقد أغلقت حواسي دون ذلك كله، ألست عبدا؟ # راعي المعز ~~: # وا حسرتاه! إنك لجدير بالرحمة، نعم ما أقسى الرق! نعم، لكل حي أن يخشى نيره، ~~ونيره ثقيل الحمل، ما أتعس أن نعيش لغيرنا وقد سلبنا ذلك الغير كل شيء! أيتها ~~الحرية، أيتها الحرية العزيزة، ابسطي فوقي جناحيك، يا أم الفضائل، يا أم ~~الوطن. # راعي الغنم ~~: # اغرب عني، ما الفضائل وما الوطن إلا كلمات خاوية، ثم إن في حديثك ما يجرحني، وفي ~~سعادتك المدعاة ما يحزنني ويثير حفيظتي، بودي أن لو كنت مثلي عبدا. # راعي المعز ~~: # وأما أنا فأود أن أراك مثلي حرا سعيدا، ولكن أما عند الآلهة من دواء لبلواك؟ ~~لدينا بلاسم عذبة ومياه صافية تسكن بها جراح النفوس، لدينا من سحر الأغاني ما ~~يجفف دمع الجفون. # راعي الغنم ~~: # لكم ذلك، أما أنا ... فلا ... ليس لي إلا الآلام، لقد حكم القضاء أن أكون عبدا، ولا ~~بد من نفاذ حكمه، وإلى جواري كلبي أسترقه بدوري حتى لترعده إشارتي، وما لدي ~~غيره، ينتقم منه يأسي الصامت لما ينزل بي من آلام. # راعي المعز ~~: # وتلك الأرض التي عنها صدرنا، وخصبها العذب أما تستطيع أن تشفي من آلامك؟ انظر إلى ~~جمالها المشرق، انظر إلى الصيف البهيج؛ يغدق نعمه وقد أقبل تسوقه أشعة الشمس، يحنو ~~على المروج فيباين من رداء الربيع الأخضر، انظر إلى حبات المشمش وقد أخذت عذوبتها ~~تذكو، ولونها يصفو كعسل النحل، انظر إلى زهر الخوخ البنفسجي وقد زين أشجاره ~~معلنا ما سوف يتبعه من حلو الفاكهة، انظر إلى حقول الغلال وقد تكاثفت سنابلها في ~~غابات صفراء منتظرة مناجل الحصاد، إن في ذلك لحفلا نبيلا من إلهة الطبيعة. ها هي ~~ذي إلهة السلام وآلهة الخصب الصافيتا النظرات، الهادئتا اللحاظ تخفان إلينا ~~وبأيديهما سنابل، وقد تبعتا آثار إله الأمل؛ لتسكبا من القرن الذهبي مشرق ~~الخيرات. # راعي الغنم ~~: # لا شك أنها تظهرك على مواقع أقدامها، ms19 أما أنا فلا أستطيع أن أراها، وعيناي عينا ~~رق، أرسل الطرف فلا أرى إلا أرضا مجدبة مهلكة، حملتها كارها على أن تدر ~~الخير على غيري، تحت الشمس المحرقة أكدح لأحصد ما يتغذى به غيري وأنا أتضور ~~جوعا، وذلك كل ما أعرف عن تلك الأرض، حتى لكأنها لم تكن لي أما كما كانت لكم بل ~~زوجة أب، والطبيعة كلها ليست أشد وقعا على بصري، وألما لنفسي من وادي الموت ~~الذي تراه هنا والذي يملؤك رعبا. # راعي المعز ~~: # ومهام غنمك وهمس ثغائها الرقيق الهادئ، أما في ذلك ما يدخل السرور على نفسك ~~الجامدة، أما تطربك رؤية حملانك الوادعة النظرات؟ كما تطربني مداعبة صغار معزي، ~~وقد أخذت تمرح وتجري مرسلة في الهواء أصواتها الرقيقة! لكم من مرة أراها تهرول ~~فوق الندى، ولامع الحشائش إلى جوار أمهاتها؛ فأقفز معها فرحا طروبا. # راعي الغنم ~~: # المعز معزك، وأما أنا فنصيبي من الحياة غير نصيبك، فتلك الغنم هي مصدر بلواي، ~~أسرح بها مرتين في النهار، وكلما عدت وجدت سيدي في انتظاري، والظنون تساوره وقد ~~عز رضاه: «لم ينم صوفها، لقد ضوت أجسامها، وتثاقلت خطاها، و... و...» فلا شيء يروقه. ~~إذا سقط بها ذئب واختطف واحدة منها موليا إلى الغابة فالذنب ذنبي، لقد كان علي ~~أن أغالب أنيابه الماضية، بل من واجبي أن أستأنس الذئاب!! ثم ينهال علي صياحا ~~وتهديدا وسبابا وقسوة مبرحة يسميها عقابا. # راعي المعز ~~: # لقد عهدت الآلهة رءوفة بالبريء، فلم تهجر رحابها وفي رحابها نصر للمستضعفين! ~~لم لا تأتي إلى مذابحها وقد حلتها الزهور فترقص معنا حولها، وقد حملت إليها متواضع ~~الهدايا، قليلا من حشائش المروج وزهر الغابات، وأنت بذلك نائل عطف «زيس» وعرائس ~~الطبيعة الرحيمة. # راعي الغنم ~~: # لا، إن قلبي الحزين لا يعرف رقص الرعاة ولا ألعابهم ولا مسراتهم، كل ذلك غريب ~~عني، وفيم حديثك عن الآلهة وهداياها، أو عن عرائس الطبيعة، وما عندي للآلهة ورد ~~ولا ريحان؟ إني أخشى آلهتك وقد رأيت رعدهم وبرقهم، وهم الذين وضعوا بيدي الأصفاد. # راعي المعز ~~: # هه! ولم ms20 لا تحب؟ وأي ألم مر يقوى على ابتسامة عذبة تبسمها عذراء القلب؟! لقد ~~أتيت أول أمس إلى حبيبتي مهديا باكورة ما أنتجت معزى هذا العام؛ ماعزا صغيرا، ~~تلقته وقد استحالت نظراتها رقة وجمالا ومحبة، وأخذ صوتها نبرة لا أزال أحس ~~بوقعها الجميل في نفسي. # راعي الغنم ~~: # وأي عذراء تقبل أن تنظر إلي، أعندي من المعز ما أستطيع أن أقدم منه هدية مثلك؟ ~~وكل يوم يعد سيدي الفظ الغليظ حملانه في حرص بشع حتى ليثلج قلبي عندما لا ~~يطالبني بأكثر مما أعطاني. «تميزيس» آلهة الانتقام! أقسم أن لو أصبحت يوما سيدا ~~لأكونن قاسيا فظا غليظا، ولأنزلن الويل والثبور بأرقائي كما أنزل بي هذا ~~الرجل. # راعي المعز ~~: # وأما أنا فأستشهدك آلهتي، أن أكون رقيقا حليما بخدمي المخلصين، وأن أرضي أماني ~~نفوسهم، حتى يشعروا بالسعادة، فيحبوا سيدهم، وحتى يرضوا عن الحياة، فيباركوا يوم ~~ولدوا. # راعي الغنم ~~: # وأما أنا فأصب اللعنة على تلك الساعة المشئومة التي أتيت فيها إلى هذه الحياة ~~لأشقى بها، لأكون تحت إمرة آخر يأمرني وينهاني، وقد جردت من كل شيء، واستحال ~~علي أن أروق لأي إنسان، والجوع يضويني، وقد انصرف كدي وألمي إلى آخر يشبع به ~~بطالته وكبرياءه. # راعي المعز ~~: # أيها الراعي البائس، إن في حزنك الشاكي ما يحمل الأسى إلى قلبي، انظر إلى هذه ~~الماعزة وولديها، وفي بياضهما ما يشبه ما ادخرت لهما من لبن، هي لك، خذها وإلى ~~عناية الله، ولتسأله أن يجعل في هذا القليل الذي أمنحك ما يمحو من ذاكرتك آثار ~~آلامك، وأن تجد في العناية بها ما يصرفك عن بلواك. # راعي الغنم ~~: # هاتها وعليك اللعنة، وأنا أعلم أن في هديتك ما سينغص حياتي، فسوف ينظر إليها ~~سيدي شزرا منكرا أن يمنحني إياها مانح وهو الخبيث الحسود، سيقول إني اختلست منه ~~ثمن الأم وثمن ولديها، سيتذرع بتلك الدعوى ليسلبني إياها، وعهدي به ملتمسا للظلم ~~كل عذر. # هذه القصيدة تعتبر مثلا واضحا لشعر الغناء الموضوعي النيوكلاسيكي، وباستطاعتنا أن نجد ~~لها شبيهات عند شاعرنا الكبير «خليل مطران» في ms21 مطولاته من أمثال قصائد «فنجان قهوة» ~~و «الجنين الشهيد»، وإن لم تتخذ عنده صورة الحوار، ولكنها تتفق معها في أنها تصب أفكارا ~~ومشاعر جديدة في ثوب كلاسيكي متين، وإن يكن هناك فارق كبير بين فن شينيه الساذج البسيط ~~الأنيق وفن مطران المركب المتقن الصنعة إلى حد الخفاء. # ومن البديهي أن نظرية المحاكاة وسطوة أرسطو العقلية لم تستطع أن تتغلب على حاجة ~~الإنسانية إلى التعبير عن ذاتها خلال الوجدان الفردي للشعراء، فلم يتوقف قط إنتاج الشعر ~~الغنائي المنبعث عن الحاجة إلى التعبير عن الذات، ولم تنتظر الإنسانية ظهور الرومانسية ~~لتعطيها حق التعبير عن الوجدان الذاتي؛ فقد ظل هذا الشعر حيا في عصور الإنسانية جميعها ~~منذ القدم حتى اليوم، وأما الذي أحدثه الرومانسيون فهو تغليب هذا المنبع الشعري على غيره من ~~المنابع، وجعله المنبع الأول لتلك الثروة الشعرية الضخمة التي خلفها لنا أمثال: هيجو، ~~ولامارتين، وموسيه، وشيلي، وبيرون، وكلوردج، وكيتس، ووردزويرث، وكل ذلك العدد الكبير من ~~العمالقة الذين نادوا بأن الشعر وجدان، أو على الأدق تعبير عن الوجدان الفردي للشاعر، وعلى ~~نحو أخص من خلجات قلبه وأحاسيسه بجمال الطبيعة أو حماسة الإيمان؛ حتى لنرى عندهم قصائد ~~يوحي عنوانها بأنها قصائد وصفية مثل قصيدة «البحيرة» للامارتين، ومع ذلك نقرأ هذه القصيدة ~~التي كتبها على ضفاف بحيرة بورجيه في جبال السافوي بفرنسا فلا نجد فيها أي وصف لتلك ~~البحيرة، وقد استحالت إلى مجرد إطار لتجربة عاطفية عاناها على ضفافها مع حبيبته «الفير» ~~التي قضى معها على ضفافها خمسة عشر يوما سنة 1816 ثم تواعدا على العودة إليها في العام ~~القادم، ولكن شاء القدر أن يعود لامارتين وحده، أما الحبيبة فكان الموت قد طواها بذات ~~الرئة، فكتب هذه القصيدة الرائعة باسم «البحيرة» وما فيها من وصف البحيرة غير ملامح خاطفة، ~~أما بقية الشعر فعن ذكرياته مع الحبيبة، ولواعجه على موتها المبكر وما يسوقه إلى الشاعر من ~~تأملات في الحياة والموت، وتلقف الغناء لفترات السعادة التي نصادفها في حياتنا العابرة. ~~فالقصيدة كلها تعبير عن ذات الشاعر ms22 لا وصف للبحيرة أو محاكاة لصورتها الشعرية التي انعكست ~~في نفسه؛ وبذلك يمكن القول بأن الكلاسيكية المستندة إلى نظرية المحاكاة الأرسططالية ونظرية ~~التعبير عن الوجدان الفردي، وهي النظرية التي يسهل ربطها بالإلهام الشعري قد وضعتا نهائيا ~~القطبين اللذين لا يزال الشعر يتأرجح بينهما منذ فجر الإنسانية حتى اليوم، وإليهما ترجع في ~~أيامنا هذه النظريتان الكبيرتان اللتان يتنازعان العالم، وسيظلان يتنازعانه إلى أمد طويل، ~~وهما «نظرية الواقعية والنظرية الرومانسية». # غلبت إذن النظرية الرومانسية الحاجة إلى التعبير عن الوجدان الذاتي على غريزة المحاكاة ~~الموضوعية حتى رأينا هذا الوجدان يطغى على كل شعر رومانسي، ولو أوحى بأنه شعر وصفي موضوعي، ~~وها هي ذي قصيدة البحيرة للامارتين شاهدا على ذلك: # أنظل هكذا منساقين أبدا إلى شواطئ جديدة، # محمولين دائما وسط الليل الأبدي بغير رجعة؟ # أوما نستطيع أن نلقى بمرساتنا يوما # على شاطئ الزمن اللجي؟ ~~••• # أيتها البحيرة، لم يكد العام يتم دورته، ومع ذلك انظري ها أنا وحدي جالسا فوق ~~هذه الصخرة # التي رأيتها تجلس عليها، # وإلى جوار أمواجك العزيزة التي كانت ستعود إلى رؤيتها. ~~••• # هكذا كنت تهدرين تحت هذه الصخور العميقة، # وهكذا كنت تتكسرين على جوانبها الممزقة، # وهكذا كانت الرياح تلقي بزبد أمواجك # فوق قدميها المعبودتين. # أوما تذكرين كيف كنا نجدف صامتين ذات مساء، # وكنا لا نسمع عن بعد فوق الموج وتحت السماوات # غير حفيف المجاديف وهي تضرب في صمت # أمواجك الناغمة؟ ~~••• # وفجأة ترددت في الشاطئ # أصداء نغمات تجهلها الأرض، # فأنصت الموج وتساقطت من الصوت الحبيب # هذه الكلمات: ~~••• # أيها الزمن، قف جريانك. # وأنت أيتها الساعات السعيدة قفي انسيابك، # واتركينا ننعم باللذات العابرة، # التي تتيحها أجمل أيامنا. ~~••• # كثير من منكوبي الحياة يضرعون إليك # فأسرعي! أسرعي عنهم، # واحملي مع أيامهم الآلام التي تنهشهم، # وانسي السعداء. # ولكنني أسألك عبثا فضلا من اللحظات؛ # فالزمن يفلت ويهرب، # وأقول لهذا الليل تمهل، # والفجر سيبدد الليل. ~~••• # فلنحب إذن، فلنحب! # ولنسرع إلى المتعة باللحظة الهروب؛ # فالإنسان لا مرفأ له، والزمن ما له من شاطئ، # إنه ينساب وننساب معه. ~~••• # أيها الزمن الغيور، # هل ms23 يجوز أن تنساب عنا لحظات النشوة، # التي يسكب لنا فيها الحب السعادة جرعات طوالا، # بالسرعة نفسها التي تنساب بها أيام الشقاء؟ # ثم ماذا؟ أوما نستطيع أن نستبقي الأثر؟ # أهكذا تمر إلى الأبد؟ أهكذا يضيع كل شيء؟ # وهذا الزمن الذي منحها والذي محاها، # لن يردها إلينا قط. ~~••• # أيها الأبد، أيها العدم، أيها الماضي، أيتها الأغوار الداكنة، ماذا تفعلين بما ~~تبتلعين من أيام؟ # تكلمي، هل ستردين إلينا تلك النشوات العلوية # التي تسلبينها منا؟ ~~••• # أيتها البحيرة، أيتها الصخور الصامتة، والكهوف والغابة الحالكة، # أنت التي يستبقيك الزمن أو يجدد شبابك، # احتفظي من هذه الليلة، أيتها الطبيعة الجميلة، # على الأقل بالذكرى. ~~••• # وفي لحظات هدوئك أو صخبك، # أيتها البحيرة الجميلة، وفي شواطئك الباسمة، # وفي صنوبرك الأسود وصخورك الموحشة # الحانية فوق أمواهك، ~~••• # وفي النسيم الذي يرتعش ويمر، # وفي النغمات التي ترددها شطآنك، # وفي النجم الفضي الذي يضيء صفحتك # بأشعته الرخية، ~~••• # وفي الريح التي تئن والغاب الذي يتنهد، # وفي العطور الخفيفة المنسابة في أريج هوائك، # وفي كل ما يسمع وما يرى وما يتنفس، # ليتردد في كل هذا: أنهما كانا حبيبين. # هذا، ومن الخير دائما أن نذكر مع الفيلسوف فيكو أن محور الأدب في تاريخ الإنسانية كلها ~~قد تطور من الآلهة إلى الأبطال، فالإنسان، وأنه ما دام قد انتهى إلى الإنسان فلم يكن بد ~~من أن يصبح دافعه ومنبعه الأول هو التعبير عن ذات ذلك الإنسان، وما ينطبع فيها من مشاهد ~~الحياة والطبيعة، أو ينبع من داخلها وحاجاتها وأشواق روحها، وهذا هو ما انتهت إليه ~~الرومانسية التي جعلت من الوجدان الفردي نبع الشعر الثري، وإن تكن قد اختلفت بعد ذلك مع ~~المذهب الرمزي في طريقة التعبير عن انطباعات الذات الفردية، وهل يكون هذا التعبير عن طريق ~~التقرير المباشر أم عن طريق التصوير، وبذلك نعود فنذكر قول الشاعر الإغريقي القديم ~~سيمونيدس: «إن الرسم شعر صامت، بينما الشعر رسم ناطق.» وهذه هي مشكلة التعبير بين ~~الرومانسية والرمزية على نحو ما سنفصل في الحديث القادم. # | الشعر والوجدان الفردي # من المؤكد أن الرومانسيين ms24 قد وضعوا للشعر الغنائي فلسفته النهائية عندما أخرجوه عن دائرة ~~المحاكاة، وقالوا إنه تعبير عن الوجدان الفردي للشاعر بحيث نستطيع أن نقول إن جميع المذاهب ~~الأدبية التي تلت الرومانسية لم تستطع أن تغير جوهر تلك الفلسفة؛ فقد ظل الشعر الغنائي ~~منذ ذلك الحين حتى اليوم شعرا وجدانيا، فالرمزية لم تهاجم الطابع الوجداني للشعر ~~الغنائي، بل أرادت أن تغير من فلسفة التعبير، فتستعيض بالصور عن التقرير المباشر، ولا ~~تأتي بالتشبيهات والاستعارات والمجازات لجامع شكلي بل لجامع نفسي؛ أي كوسيلة للتعبير عن ~~انطباعات النفس لا عن مظاهر الشكل الخارجي، والسيريالية لا تغفل الوجدان الفردي، بل تحاول ~~أن تغوص إلى أغواره لتكشف عن عالم اللاوعي ومكبوتاته، والمذهب التعبيري يستهدف هو الآخر ~~إبراز انطباعات النفس المتولدة عن مشاهد الطبيعة أو عن تجارب الحياة. # أما الواقعية والطبيعية اللتان تعتبران امتدادا لنظرية المحاكاة الأرسططالية فقد ~~انحصرتا في فنون الأدب الموضوعية كفن القصة وفن المسرحية، وأما الشعر الغنائي فقد ظل دائما ~~وجدانيا حتى في الآداب التي يطغى عليها التيار الواقعي، وإذا كان أديب كبير مثل مكسيم ~~جوركي أو كوموجو الصيني يؤكدان أن الأديب الكبير لا بد أن يجمع بين الرومانسية والواقعية، ~~فأكبر الظن أن رأيهما هذا ينصرف قبل كل شيء إلى الشعر الغنائي باعتبار أن الوجدان لا بد أن ~~يكون منبع هذا الشعر، وإن كان يتحول في ظل الاتجاه الواقعي العام من وجدان ذاتي أناني ~~إلى وجدان جماعي غيري، ولكنه يظل دائما وجدانا فرديا منبعثا عن ذات الشاعر الذي قد ~~يدرك في ظل الواقعية الاشتراكية أن ذاته غير منفصلة عن مجتمعه وبيئته وطبقته الاجتماعية، ~~وأن معظم هذا الوجدان متأثر بمحيطه ومؤثر فيه، وطبيعة الشعر الغنائي الوجدانية هي أيضا ~~التي تدفع أديبا فيلسوفا كبيرا صاحب مذهب عالمي كجان بول سارتر زعيم الوجودية إلى أن ~~يؤكد في كتابه «ما هو الأدب» أن الشعر الغنائي لا يمكن أن يخضع لمبدأ الالتزام الذي يريد ~~سارتر أن يأخذ به فنون الأدب الأخرى كلها وبخاصة الموضوعية منها، كفن القصة وفن الأقصوصة ~~وفن المسرحية. ms25 ~~••• # فعندما نادت الرومانسية بأن الشعر تعبير عن الذات الشاعرة وبخاصة عن آلام الشاعر وشكواه ~~من قيود الحياة الاجتماعية ولهفته إلى الانطلاق والتحليق، حتى قالوا إن خير الشعر ما كان ~~أنات خالصة، انتشرت هذه الدعوة، وسط ظروف الحياة القاسية التي انبثقت منها، انتشار النار ~~في الهشيم حتى عمت الإنتاج الأدبي كله، وسرعان ما انتهت إلى المبالغة والإسراف؛ فاستحال ~~الشعر عند صغار الرومانسيين المقلدين إلى افتعال عاطفي وهلوسة روحية وتهويمات أثيرية ~~وهروب من الحياة أو انطواء قاتل على الذات، ووسط كل هذه الاندفاعات أهمل التجويد الفني في ~~وسائل التعبير، بل أهدرت في أحيان كثيرة القيم الفنية والجمالية للأدب كله، حتى انحدر ~~التعبير إلى مستوى التقرير المباشر الضحل القليل الإيحاء، القريب الغور. # وقد أحدث هذا الإسراف في التيار العاطفي من الحياة والمحلق في أوهام الخيال دون اهتمام ~~كاف بالناحية الفنية الجمالية للشعر، حتى لكأنه قد أصبح مجرد وسيلة للتعبير عن الذات ~~الفردية، أحدث رد فعل مزدوج، فإلى جوار الرومانسية ظهر خلال القرن التاسع عشر المذهب ~~الواقعي الذي يطالب بأن يسلط الأديب طاقته الخلاقة على واقع الحياة؛ لينتزع منه ~~التجارب البشرية التي يريد أن يصوغها أدبا، وذلك لينصرف الأديب عن ذاته إلى موضوعه، ولكنه ~~من الواضح أن هذا الاتجاه الواقعي لم يكن من الممكن أن يتسلط إلا على فنون الأدب ~~الموضوعية كالقصة والمسرحية، وأما الشعر الغنائي فلم يستطع هذا التيار أن ينفذ إليه؛ ولذلك ~~لا نكاد نجد شعرا يمكن أن يوصف بالواقعية بمعناها الفلسفي المحدد، وإنما نجد قصصا ينطبق ~~عليها هذا الوصف كقصص «بلزاك وزولا»، كما نجد مسرحيات مثل مسرحيات «هنري بيك» وأقاصيص «جي ~~دي موباسان». # وأما رد الفعل الذي كان له أثره في مجال الشعر الغنائي فقد كان فيما نادى به «تيوفيل ~~جوتييه» وجماعته التي انسلخت عن المعسكر الرومانسي، ونادت بأن الشعر لا يجوز أن ينظر إليه ~~كوسيلة لغاية أخرى حتى ولو كانت تلك الغاية هي التعبير عن ذات الشاعر؛ لأن الشعر في رأيه ~~فن جميل يعتبر غاية في ذاته، وهذا هو مذهب ms26 «الفن للفن» الذي يقول بأن الشعر خلق لقيم ~~جمالية تنحت من اللغة، حتى لنحس في قصيدة «الفن» لجوتييه، وهي القصيدة التي تعتبر ~~إنجيل هذا المذهب، بأن جوتييه لا يفرق بين الشعر والنحت؛ فهو يطالب الشاعر بأن ينحت من ~~اللغة أبياته، وأن يختار من مادة اللغة أصلبها، كما يختار النحات من الرخام أصلبه، ولا يزال ~~يصارعه حتى يلين بين يديه ويخضع للصورة التي يريد أن ينحتها فيه؛ حيث يقول للشاعر: # انحت وابرد وشكل حتى يستقر حلمك الطافي في الصخرة الصلبة. # ولقد أثبتت التجارب الشعرية لأصحاب هذا المذهب أنه لا يستقيم إلا في فن الوصف الشعري الذي ~~يقوم على نحت صور لغوية تجسد المرئيات، وهذا هو الاتجاه الذي استقر عليه الجيل التالي ~~لجوتييه، وهو الجيل المعروف باسم «البارناسيين» نسبة إلى جبل «البارناس» الذي كانت تستقر ~~فوقه آلهة الشعر في بلاد اليونان الأقدمين حسبما تحكي أساطيرهم، وقد تزعم هذا الجيل في ~~فرنسا الشاعر «ليكونت ديليل» الذي كان يرى أن الشعر تجسيم بواسطة الصور اللغوية ووصف شعري ~~جمالي للمرئيات، وهذا هو الاتجاه نفسه الذي غلب تلقائيا على فن الوصف عند شعراء العرب ~~الأقدمين وبخاصة في عصر الجاهلية وصدر الإسلام وهو الاتجاه الذي يسميه نقادنا ودارسو ~~أدبنا القديم بالوصف الحسي، كما أنه الاتجاه الذي بنى على أساسه رواد التجديد في شعرنا ~~العربي المعاصر حملتهم على الشعر التقليدي والشعراء المقلدين بزعامة أحمد شوقي؛ حيث نرى ~~الأستاذ عباس محمود العقاد يوجه النقد العنيف إلى أحمد شوقي في كتاب «الديوان» الذي ~~اشترك العقاد في تأليفه مع المازني قائلا: # اعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها ويحصي ~~أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما ~~مزيته أن يقول ما هو ويكشف عن لبابه وصلته بالحياة، وليس هم الناس من القصيد أن ~~يتسابقوا في أشواط البصر والسمع، وإنما همهم أن يتعاطفوا، ويودع أحسهم ~~وأطبعهم في نفس إخوانه زبدة ما رآه وسمعه، وخلاصة ما استطابه أو كرهه، وإذا كان ms27 ~~وكدك من التشبيه أن تذكر شيئا أحمر ثم تذكر شيئين أو أشياء مثله في الاحمرار فما ~~زدت أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء حمراء بدل شيء واحد، ولكن التشبيه أن تطبع في ~~وجدان سامعك وفكره صورة واضحة مما انطبع في ذات نفسك، وما ابتدع التشبيه لرسم ~~الأشكال والألوان، فإن الناس جميعا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما ~~تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس، وبقوة ~~الشعور وتيقظه وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه؛ ~~لهذا لا لغيره كان كلامه مطربا مؤثرا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه؛ ~~لأنه يزيد الحياة كما تزيد المرآة النور نورا، فالمرآة تعكس على البصر ما يضيء ~~عليها من الشعاع فتضاعف سطوعه، والشاعر يعكس على الوجدان ما يصفه فيزيد الموصوف ~~وجودا إن صح هذا التعبير، ويزيد الوجدان إحساسا بوجوده. # وصفوة القول أن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا ~~يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس ~~شعورا حيا ووجدانا تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدم ونفحات الزهر ~~إلى عنصر العطر فذلك شعر القشور والطلاء، وهو شعر الحواس الضالة والمدارك الزائفة، ~~وما أخال غيره كلاما أشرف منه بكم الحيوان الأعجم. # ولسنا ندري هل كان الأستاذ العقاد يهدف إلى وسائل التعبير الرمزي وطرائقه عندما كتب هذه ~~الفقرة وأمثالها أم لا؟ ولكننا نعرف اليوم على ضوء المذاهب الأدبية المعروفة في الغرب أن ~~مثل هذه الفقرة كان من الممكن أن تجري على لسان أي ناقد أو شاعر رمزي ضد جماعة «البارناس» ~~أنصار الوصف والتجسم الحسيين اللذين يغلبان - كما قلنا - على منهج الوصف في الشعر ~~العربي القديم، وعلى فلسفة المجازات والاستعارات والتشبيهات في علم البيان العربي. # والواقع أن الشعراء لم يلبثوا أن أحسوا بأن مذهب الفن للفن ومذهب البارناسيين اللذين ~~يستهدفان نحت الصور الجمالية الحسية من اللغة لم يعودا يكفيان حاجات الروح الشاعرة، ~~فإحساساتنا الجمالية ms28 هي وحدها التي يمكن أن تطرب لهذا النوع من الشعر، وأما حاجاتنا ~~العاطفية والانفعالية فإنها تظل ظمأى؛ ولذلك لم يلبث أن ظهر في النصف الثاني من القرن ~~التاسع عشر المذهب الرمزي، وهو مذهب يعتبر وجدانيا خالصا، وإن اختلف عن المذهب ~~الرومانسي في أنه يفضل أن يعبر الشاعر عن حالاته الوجدانية وتجارب حياته بواسطة الصور التي ~~ترمز لتلك الحالات، وتوحي بها وتنقل العدوى من نفس الشاعر إلى غيره من النفوس المتلقية، ~~وعلى الأساس نفسه نراهم يطلبون إلى التشبيه والمجاز أن يعين على نقل العدوى من نفس إلى نفس ~~بأن يكون الجامع فيه وحدة الأثر النفسي بين المشبه والمشبه به، ولو كان من عالمين ~~مختلفين من عوالم الحس الظاهري. # وإنه لمن الخير أن نشير هنا إلى أن هذا الاتجاه الجمالي المحدد والقائم على أساس فلسفي ~~معين قد وقع عليه أيضا عدد من شعراء العرب الأقدمين بطريق تلقائي، فنجد شاعرا قديما ~~كذي الرمة يلجأ أحيانا إلى التعبير عن تجربته العاطفية، وحالته الوجدانية إلى طريق الصورة ~~بدلا من التعبير المباشر؛ فقد يأتي يوما إلى ديار الحبيبة، فيجد الأهل قد رحلوا عن الديار ~~وتركوها قاعا صفصفا فلا يصرخ ولا يولول ولا يبكي ولا يستبكي، بل يكتفي في التعبير عن ~~وجدانه بصورة ربما تكون قد وقعت له فعلا، وربما يكون قد استمدها من طاقته التصويرية، ~~ولكنها في الحالتين قوية الدلالة شديدة الإيحاء، كما أنها تجمع بين عمق التعبير الفني وبين ~~التصوير الجمالي، وبذلك تشبع حاجتنا العاطفية وإحساسنا الجمالي معا؛ حيث يقول: # عشية ما لي حيلة غير أنني # بلقط الحصى والخط في الترب مولع # أخط وأمحو الخط ثم أعيده # بكفي والغربان في الدار وقع # وليست هذه الصورة فريدة في الشعر العربي القديم الذي نستطيع أن نعثر فيه على الكثير من ~~أمثالها، مثل قول المجنون: # كأن القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها شرك فباتت # تعالجه وقد علق الجناح # وقوله: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى ms29 غيرها فكأنما # أطار بليلى طائرا كان في صدري # ثم قول كثير عزة: # وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني # بدل يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عني حين لا لي حيلة # وخلفت ما خلفت بين الجوانح # وقد علق الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني في الكتيب الذي كتبه عن الشعر سنة 1918 كواحد ~~من ثلاثة من رواد التجديد في الشعر العربي الحديث وهم: المازني، والعقاد، وشكري في صفحة 18 ~~من ذلك الكتيب بقوله: # هذان بيتان ليس فيهما معنى رائع ولا فكر دقيق، لكنهما يصفان حال قائلهما أبلغ ~~وصف، ويتغلغلان إلى النفس تغلل الماء إلى كبد الملتاح، وإنما يرجع الفضل في ذلك إلى ~~قوة الخيال. وشرح ذلك أن الشاعر لم يتجاوز الإشارة في بيتيه إلى التبيين، والتلميح ~~إلى التصريح، فذكر الدل ولم يذكر كيف دلها، وإن يكن مثل لك فعله وتأثيره، ~~وقال «وخلفت ما خلفت بين الجوانح» ولم يقل ماذا خلفت، فترك بذلك مضطربا ~~واسعا من الخيال ليتصور لطف دلها وسحره وفتنته وصبابة الشاعر وشغفه وحرقته، ~~وسائر ما ينطوي تحت قوله «وخلفت ما خلفت» فجاءا بيتين كلما زدتهما نظرا وترديدا ~~زاداك جمالا وحسنا. ولو أن الشاعر أراد الإحاطة بجميع ما خلفت، لكلف نفسه أمرا ~~شديدا إذا لانت لها جوانبه كان استيعابه هذا قيدا للخيال وحملا ثقيلا يرزح تحته ~~وينوء به؛ لأن الشعر يلذ قارئه إذا كان للمعاني التي يثيرها في ذهن القارئ في كل ~~ساعة تجديد، وفي كل لحظة توليد، فأما ما يأخذ على الخيال مذهبه، ولا يترك له مجالا ~~فهذا هو الغث الذي لا خير فيه؛ لأن حالات النفس درجات، فإذا أنت صورت أقصى ~~درجاتها لم تبق للخيال من عمل إلا أن يسف إلى ما هو أحط وأدنى، ولذة الخيال ~~في تحليقه، ومن هاهنا قالوا في تعريف الشعر إنه لمحة دالة ورمز لحقائق مستترة. ~~يعنون بذلك أن الشاعر ليقذف بالكلمة فتأخذها الأسماع وتعيها النفوس، ويستوعب ~~معانيها الخيال. # وبهذا التعليق وأمثاله تتحقق الفلسفة الشعرية التي نادى بها هؤلاء الرواد، وهي فلسفة أقرب ~~ما تكون إلى ms30 فلسفة الرمزية التي لا ترى أن وظيفة الشعر هي استنفاد كل ما في وجدان الشاعر ~~وسكبه في وجدان الآخرين، بل ترى أن وظيفته هي الإيحاء عن طريق الصورة والموسيقى بحالات ~~نفسية إيحاء ينير - عن طريق التأمل - للآخرين نفوسهم، فيستشعرون وقع التجربة التي عاناها ~~الشاعر في واقع حياته أو بطاقته التصويرية التي تخلق التجارب، بل وتستطيع أن تخلق الحياة ~~ذاتها. والواقع أن هذا الاتجاه الرمزي في مدرسة التجديد الشعري في أدبنا المعاصر يكاد يتفق ~~عليه جميع رواد التجديد في تلك الدعوة سواء منهم جماعة الديوان أو شعراء المهجر أو الشاعر ~~المجدد الكبير خليل مطران الذي كون وحده مدرسة قائمة بذاتها امتدت خصائصها إلى جماعة ~~التجديد في الجيل التالي، وهي جماعة أبوللو التي ازدادت إيمانا بطرائق التعبير الرمزي ~~والتصوير البياني أمثال: بودلير، وفيرلين، ومالارميه، وفاليريه، وإدجار ألن بو الذي كان ~~يقول إنه يسمع قدوم الليل، كما كان يقول إنه يرى من كل قنديل صوتا ناعما رتيبا ينساب إلى ~~أذنيه، ثم رابندرانات طاغور شاعر الهند الأكبر الذي رأينا - كما سبق أن قلنا - الشاعر ~~الأبوللي الشاب محمد عبد المعطي الهمشري يصيح معجبا في مقال له عن الإبهام الرمزي بمجلة ~~أبوللو بقوله «السكون المشمس». # وفي الحق إن أروع تجديد نلمحه في شعرنا المعاصر ويميزه عن شعرنا التقليدي إنما هو المنهج ~~الرمزي في التعبير؛ أي تفضيل الصورة دائما على التعبير المباشر والقصد إلى الإيحاء أكثر من ~~القصد إلى الإبانة والإفصاح، وفي هذا يفترق التعبير الرمزي افتراقا دقيقا عن التعبير ~~الكلاسيكي الذي كان يكره الغموض والإبهام، ويرى أن كل ما يدرك بوضوح يسهل التعبير عنه ~~بوضوح، ومن المؤكد أن الرمزية السليمة لا يرجع ما فيها من إبهام إلى غموض في الإدراك أو في ~~الرؤية الشعرية، وإنما يرجع إلى فلسفتها الشعرية التي ترى أن وظيفة الشعر هي الإيحاء بحالات ~~نفسية مركبة لا يسهل دائما تحليلها إلى عناصرها الأولية، بل إننا حتى لو نجحنا في هذا ~~التحليل لن نستطيع بفضله نقل العدوى بتلك الحالة النفسية المركبة من نفسنا إلى ms31 نفوس ~~الآخرين؛ وذلك لأن كل مركب توجد فيه خصائص ناتجة عن التركيب نفسه وليست موجودة في العناصر ~~المكونة لهذا المركب، وفي مثل هذه الحالات لا يكون أمام الشاعر وسيلة ناجحة غير وسيلة ~~الإيحاء عن طريق الصورة والرمز، ومن المؤكد أن الذي يطربنا ويشجينا ويهز وجداننا في ~~قصيدة مثل قصيدة العودة لشاعرنا الكبير المرحوم الدكتور إبراهيم ناجي إنما هو الإيحاء القوي ~~عن طريق الرمز والتصوير البياني؛ حيث يقول: # هذه الكعبة كنا طائفيها # والمصلين صباحا ومساء # كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها # كيف بالله رجعنا غرباء ~~••• # دار أحلامي وحبي لقيتنا # في جحود مثلما تلقى الجديد # أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا # يضحك النور إلينا من بعيد ~~••• # رفرف القلب بجنبي كالذبيح # وأنا أهتف: يا قلبي اتئد # فيجيب الدمع والماضي الجريح # لم عدنا ليت أنا لم نعد ~~••• # لم عدنا أو لم نطو الغرام # وفرغنا من حنين وألم # ورضينا بسكون وسلام # وانتهينا لفراغ كالعدم ~~••• # أيها الوكر إذا طار الأليف # لا يرى الآخر معنى للسماء # ويرى الأيام صفرا كالخريف # نائحات كرياح الصحراء ~~••• # آه مما صنع الدهر بنا # أو هذا الطلل العابث أنت! # والخيال المطرق الرأس أنا # شد ما بتنا على الضنك وبت ~~••• # أين ناديك وأين السمر؟ # أين أهلوك بساطا وندامى # كلما أرسلت عيني تنظر # وثب الدمع إلى عيني وغاما ~~••• # موطن الحسن ثوى فيه السأم # وسرت أنفاسه في جوه # وأناخ الليل فيه وجثم # وجرت أشباحه في بهوه ~~••• # والبلى أبصرته رأي العيان # ويداه تنسجان العنكبوت # صحت يا ويحك تبدو في مكان # كل شيء فيه حي لا يموت ~~••• # كل شيء من سرور وحزن # والليالي من بهيج وشجي # وأنا أسمع أقدام الزمن # وخطى الوحدة فوق الدرج ~~••• # ركني الحاني ومغناي الشفيق # وظلال الخلد للعاني الطليح # علم الله لقد طال الطريق # وأنا جئتك كيما أستريح ~~••• # وعلى بابك ألقي جعبتي # كغريب آب من وادي المحن # فيك كف الله عني غربتي # ورسا رحلي على أرض الوطن ~~••• # وطني أنت! ولكني طريد # أبدي النفي في عالم بؤسي # فإذا عدت فللنجوى أعود # ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي # وبالرغم من ms32 روعة هذا المذهب في طرائق التعبير الشعري، فإنه لم يرق بالبداهة لأنصار ~~الشعر التقليدي في أدبنا المعاصر على نحو ما رأيناه لا يروق لأنصار المذهب الكلاسيكي في ~~الغرب، فمنذ عهد قريب كتب الشاعر عزيز أباظة مقدمة لديوان «أصداء الحرية» للأستاذ عبد الله ~~شمس الدين امتدح فيها الصياغة التقليدية لتلك الأصداء، وانتقد في عنف التعبيرات الجديدة في ~~شعرنا المعاصر، وضرب لها الأمثال في قولهم «الأنين المشنوق»، و«الحزن الراقص»، و«الصمت ~~المقمر»، و«الشمس المعربدة»، و«اللانهائية الخرساء» دون أن يبين أساس نقده، مع العلم بأنه ~~إذا كان هذا النقد مبنيا على أساس فلسفة الشعر فإنه مردود بما أوضحناه من أن الشاعر قد ~~يجد في نفسه حالات نفسية عميقة مركبة لا سبيل إلى التعبير عنها غير سبيل الرمز والإيحاء، ~~وأما إذا كان النقد مستندا إلى أساس لغوي فإننا نراه أيضا مردودا؛ لأن الرمزية في ~~التشبيهات والمجازات والاستعارات لا تعتبر خرقا لأصول اللغة، بل ولا لعلم البيان العربي ~~التقليدي ذاته؛ وذلك لأنها تقوم في الرمزية على علاقة بين المشبه والمشبه به، ولكن العلاقة ~~هنا لم تعد في الشكل الخارجي بل في الوقع النفسي لطرفي التشبيه حتى ولو كان هذان الطرفان ~~ينتميان إلى مجالين مختلفين من مجالات الحواس كأن يكون أحدهما من مجال المرئيات والآخر من ~~مجال المسموعات أو من مجال المشموم ما دام كل منهما ينتمي إلى صفحة النفس ويؤثر فيها ~~تأثيرا متشابها هو أساس المجاز، فالسكون مثلا من مجال السمع وأشعة الشمس من مجال البصر، ~~ولكن السكون قد يثير اطمئنانا وبهجة في النفس يشبهان ما يثيره فيها ضوء الشمس، وعندئذ ~~يحق للشاعر أن يصف هذا السكون بأنه مشمس بجامع وحدة الوقع النفسي دون أن يكون في عمله هذا ~~خروج على أصول اللغة أو أصول البيان، وإذن فالرمزية من الناحية اللغوية إنما تستند إلى أصل ~~ثابت في لغتنا وفي لغات العالم جميعها، بل إلى الأصل الذي أثرت بفضله جميع اللغات واكتسبت ~~وسائل جديدة للتعبير بدل الاكتفاء بالوسائل القديمة البالية. # وأصدق من نقد الشاعر عزيز أباظة، وأدق ms33 حسا وأكثر اعتدالا ذلك النقد الذي وجهه الرائد ~~عبد الرحمن شكري إلى الرمزية في إحدى مقالاته بمجلة «أبولو» عندما رأى شعراء تلك الجماعة ~~يسرفون أحيانا في الصور الرمزية على نحو يصيب تلك الصور بالتناقض حينا، وبالتزاحم حينا ~~آخر مما يضر بالرؤية الشعرية على نحو ما يسيء النبات بعضه إلى بعض إذا ازدحم في بقعة ~~محدودة من الأرض. # وثمت نقد آخر يوجهه معظم النقاد العالميين أحيانا إلى الرمزية، وهو الغموض المسرف ~~الذي يستحيل معه الرمز إلى لغز وإن كان مثل هذا النقد يخضع للنسبية إلى حد بعيد، فنحن قد ~~نحس بالغموض الكثيف مثلا في عدد من قصائد «مالارميه» وتلميذه الكبير «بول فاليري»، ~~ولكننا نرى النقاد يختلفون أحيانا كثيرة اختلافا بينا حول بعض القصائد لهذين الشاعرين ~~الكبيرين، ونستطيع أن نضرب مثلا لذلك بقصيدة شهيرة لمالارميه عنوانها «البعث» حيث ~~يقول: # لقد طرد الربيع الشاحب في حزن # الشتاء الضاحي، # وفي جسمي الذي يسيطر عليه الدم القاتم # يتمطى العجز في تثاؤب طويل. ~~••• # إن شفقا أبيض يبرد تحت جمجمتي، # التي تعصبها حلقة من حديد وكأنها قبر قديم، # وأهيم حزينا خلف حلم غامض جميل، # خلال الحقول التي يزدهر فيها عصير لا نهاية له، # ثم آخر منهوك العصب بعطر الأشجار، # وأحفر برأسي قبرا لحلمي، # وأعض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس. ~~••• # وأغوص منتظرا أن ينهض عني الملل، # ومع ذلك فزرقة السماء تبتسم فوق سياج الشجر المستيقظ؛ # حيث ترفرف العصافير كالزهر في ضوء الشمس. # ففي هذه القصيدة يرى بعض النقاد أن الشاعر قد بلغ في رمزيته حد الغموض الكثيف الذي استحال ~~فيه الرمز لغزا وبعدت المسافة على الإيحاء القريب المدخل، وذلك بينما يرى نقاد آخرون أن ~~القصيدة لا غموض فيها بالرغم مما يبدو من أنه يعكس فيها الأوضاع ويقلب المواضعات؛ إذ بطول ~~التأمل فيها لا نلبث أن نحس بأن الشاعر قد نجح نجاحا رائعا في خلق ذلك الجو النفسي الذي ~~يشيع في روحه ويود أن ينقله إلينا أو يوحي به وهو جو الملل المتجانس مع جو الشتاء حتى ليلوح ~~له ms34 ذلك الشتاء ضاحيا، بينما يتمطى العجز بجسمه ويحفر برأسه قبرا لأحلامه، ويعض الأرض ~~الساخنة التي تنبت النرجس، وعلى الرغم من كل ذلك لا يفقد الشاعر أمله؛ فزرقة السماء تعود ~~إلى الابتسام والعصافير ترفرف في ضوء الشمس، ولعله الربيع الناهض، ولعلها القدرة تثب مكان ~~العجز المتمطي. # وهكذا نخلص إلى أنه وإن تكن قد نهضت مذاهب جديدة تعارض الرومانسية، إلا أن هذه المذاهب ~~مجتمعة ومتفرقة لم تستطع أن تنزع عن الشعر الغنائي طابعه الوجداني الذي يعتبر من صميم ~~جوهره؛ فالشعر لا بد أن يظل وجدانيا، وإن تكن الرمزية قد نجحت نجاحا نهائيا في أن تغير ~~من طرائق التعبير الشعري وأن تحل الرمز والإيحاء محل التقرير والإفصاح. # وأما الوجدان الذي يصدر عنه الشعر الغنائي فقد نجحت معارك الحياة والتيارات الوطنية ~~والقومية والفلسفات الواقعية الاشتراكية في أن تحوله من وجدان ذاتي كما قلنا إلى وجدان ~~جماعي، ولا نريد أن نتعقب هذا التحول في الآداب العالمية بل نكتفي بأن نتعقبه في شعرنا ~~العربي المعاصر الذي أخذ يتأثر منذ مطلع هذا القرن أبلغ التأثر بتيارات الفكر ومذاهب الأدب ~~والفن العالمية من الوجدان الذاتي إلى الوجدان الجماعي. # لقد كان شعراؤنا التقليديون ينظمون بلا ريب عن أحداثنا الوطنية والاجتماعية الكبرى، ~~ولكننا قلما كنا نحس في شعرهم بارتباط وجدانهم بتلك الأحداث وانفعاله بها على نحو يميز ~~شاعرا عن آخر بحكم أن هذا الانفعال يتخذ ألوانا متباينة بتباين الأمزجة الفردية، بل لا ~~نحسن بموقف خاص يتخذه الشاعر من تلك الأحداث أو رأي يلتزم به إزاءها؛ فكان شعرهم أقرب إلى ~~الصحافة المجردة منه إلى الأدب المنفعل الدائم الحياة، وكانت هذه الحقيقة الغامضة من بين ~~الأسباب الرئيسية التي حملت مدارس التجديد المتعاقبة على نقد الشعر التقليدي الذي لا يحسون ~~فيه بشخصية الشاعر المتميزة ولون روحه وطريقة انفعاله، ومن هنا نشأت الدعوة إلى شعر ~~الوجدان، ولكنه لما كان الوعي السياسي والاجتماعي لم يستيقظ بعد اليقظة الكاملة، ويتغلغل ~~في النفوس حتى ينزل منها منزلة الإيمان المحرك، وكانت ظروف الحياة العامة لا تسمح بظهور ~~الوجدان ms35 الجماعي الذي يربط الفرد بالمجتمع، ويرد جانبا من شقائه إلى فساد هذا المجتمع أو ~~صلاحه، لأن مثل هذا الاتجاه لم يكن يرضى عنه أو يجيزه الحكم وذوو السلطان باعتبارهم مسئولين ~~عن هذا المجتمع؛ فقد اتخذت الدعوة إلى شعر الوجدان وجهة الوجدان الذاتي الذي يتغنى فيه ~~الشاعر بآلامه وآماله أو يهرب منها إلى مباهج الطبيعة مرجعا سعادته أو شقاءه إلى ذاته ~~وإلى ظروف حياته الخاصة أو إلى القضاء والقدر الذي يكني له الشاعر باسم الزمان، غير مدرك ~~أنه لا ينفرد بهذا الشقاء؛ لأنه عام يكاد يشمل المجتمع كله أو على الأقل أن جانبا كبيرا ~~من أسبابه يرجع إلى الأوضاع الفاسدة في هذا المجتمع. # وعلى أية حال فقد أحدثت دعوات التجديد أثرها، وغيرت الاتجاه العام أو الاتجاه الغالب في ~~شعرنا المعاصر؛ فظهرت شخصية الشاعر في شعره، وظهر لون روحه وطريقة انفعاله المتميزة بأحداث ~~حياته الخاصة، وعلى هذا النحو رأينا شعر الروح المرحة المقبلة على الحياة عند علي محمود طه، ~~والروح النارية المتفجرة عند إبراهيم ناجي، والانطوائية المتأملة عند حسن كامل الصيرفي، ~~والثائرة المتمردة عند أبي القاسم الشابي. # ومع ذلك استطاعت بعض الأحداث الكبرى في مصر وفي العالم العربي كله أن تهز الوجدان ~~الجماعي عند بعض الشعراء، وأن تثير هذا الوجدان؛ فأخذوا يتحدثون عن أفراحهم أو أتراحهم ~~الناجمة عن تلك الأحداث الجسام. # ولقد كانت خيبة الأمل التي أصابت العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى عندما ~~رأوا الحلفاء يغدرون بهم بعد أن ضللوهم وحملوهم على الاشتراك معهم في الحرب والاكتواء ~~بنارها؛ على أمل أن يمنحوا الاستقلال عند انتهائها. وإذا بالحلفاء يتنكرون لكل وعودهم، ~~ويقررون اقتسام العالم العربي فيما بينهم؛ فكانت خيبة الأمل هذه مصدرا لقصيدة رائعة ~~عبر فيها الشاعر ميخائيل نعيمة عن مبلغ الحزن والأسى الذي أصابه كفرد من أبناء الشعب ~~العربي، وكانت هذه القصيدة من أروع شعر الوجدان الجماعي في أدبنا العربي المعاصر، وهي قصيدة ~~«أخي» التي يقول فيها: # أخي إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله، # وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش ms36 أبطاله، # فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا، # بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دامي، # لنبكي حظ موتانا. ~~••• # أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه، # وألقى جسمه المنهوك في أحضان خلانه، # فلا تطلب إذا ما عدت للأوطان خلانا؛ # لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم، # سوى أشباح موتانا. ~~••• # أخي إن عاد يحرث أرضه الفلاح أو يزرع، # ويبني بعد طول الهجر كوخا هده المدفع، # فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا، # ولم يترك لنا الأعداء غرسا في أراضينا، # سوى أجياف موتانا. ~~••• # أخي قد تم ما لو لم نشأه نحن ما تما، # وقد عم البلاء ولو أردنا نحن ما عما، # فلا تندب فأذن الغير لا تصغي لشكوانا، # بل اتبعني لنحفر خندقا بالرفش والمعول، # نواري فيه موتانا. ~~••• # أخي من نحن؟ لا وطن ولا أهل ولا جار، # إذا نمنا، إذا قمنا، ردانا الخزي والعار، # لقد خمت بنا الدينا كما خمت بموتانا، # فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر، # نواري فيه أحيانا. # وكما أن شعر الوجدان الذاتي لم يكن بد من أن يتخذ لون الروح المتميزة لكل شاعر، وتتنوع ~~نغماته بتنوع المزاج الفردي ونوع الثقافة وظروف الحياة الخاصة والعامة، فإن شعر الوجدان ~~الجماعي لم يكن بد هو الآخر من أن تتنوع نغماته وتتعدد ألوانه، ونحن هنا إزاء قصيدة نعيمة ~~لا نحس بثورة صاخبة متمردة ولا بنغمات خطابية مجلجلة، بل نحس بنغمات هامسة يسكبها ~~الشاعر العربي في أذن أخيه العربي، ليعبر بها عن حزنه وأساه في روح هادئة تكاد تكون ~~صوفية من شدة الألم، ولكنها مع ذلك روح قوية نافذة تستثير النفس وتهز أعماق الوجدان ~~الجماعي للشعب العربي كله. فالشاعر منفعل بأحداث مجتمعه الكبرى وما نزل به من محن وآلام - ~~لا في محاربة من ناصبهم العداء فعلا فحسب - بل وفي مجالدة أصدقاء الأمس المخادعين، ~~وأعداء اليوم من أولئك الحلفاء الغادرين الذين لم يكادوا يفرغون من حربهم الطاحنة وينتصرون ~~فيها حتى وجهوا نيرانهم إلى العرب الأوفياء؛ ليخمدوا ثوراتهم ويفرضوا عليهم استعمارهم ~~البغيض وسيطرتهم الخانقة. # والظاهر أن هذه القصيدة ms37 الرائعة قد استهوت بوزنها ونغماتها الموسيقية ، ومضمونها الجماعي ~~أفئدة الأجيال التالية من شعرائنا الشبان، وربما كانت حماستي لها في مطلع حياتي الأدبية ~~ونضالي الحار في سبيل كل ما سميته عندئذ بالأدب المهموس، وتفضيلي له على الأدب الخطابي ~~التقليدي؛ لها أثر في لفت أنظار شبابنا الشعراء إليها، فبين أشعار الأستاذ مختار الوكيل ~~نلتقي من الوزن نفسه ومن القافية نفسها التي اختارها نعيمة للمقطوعة الأخيرة من قصيدته، ~~وفيها يوجه الوكيل الخطاب أيضا بلفظة أخي؛ حيث يقول: # أخي قد شاء رب الكون أن يجمع قلبانا، # فأسكننا بواد فاض بالخيرات ألوانا، # وأجرى بيننا نهرا براح الخلد أحيانا، # ووحدنا على الأيام وجدانا وإيمانا، # وأنزل في جوانحنا هدى يغذو طوايانا. # ومن الواضح أن هذه القصيدة تصدر أيضا عن الوجدان الجماعي، أو هي على الأصح تحاول أن ~~تجلي أسس هذا الوجدان الجماعي، وهي بلا ريب لا توغل في الوجدان كما توغل قصيدة نعيمة ~~الرائعة، فالأستاذ مختار الوكيل غير منفعل فيها بأحداث معينة حتى إننا لا نحس فيها ~~بعاطفية متقدة كعاطفية نعيمة، ومع ذلك فالقصيدة تدخل بلا ريب في شعر الوجدان الجماعي ~~بحكم ما نستشعره فيها من بهجة بعناصر الوحدة التي تجمع بيننا وتوحد قلوبنا وتسهم في ~~التقريب بين ألوان روحنا. # ويمضي الزمن ويقوى الوعي الجماعي وتتسع آفاقه، فلا يعود وجداننا الجماعي قاصرا على ~~وطننا المحلي، بل يمتد إلى قوميتنا العربية العامة، ومن جهة أخرى لا يظل هذا الوجدان ~~الجماعي قاصرا على الناحية السياسية في قضايانا الوطنية أو القومية، بل يمتد أحيانا إلى ~~حياتنا كلها فيشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة بعد أن أخذنا نحل ~~قضايانا الوطنية والقومية تباعا مع الدول الاستعمارية، ونحقق استقلالنا السياسي دولة بعد ~~أخرى، ونحرر سياستنا الخارجية من كل تبعية للغير، ونقف في المجال الدولي هذا الموقف ~~الحيادي المشرف الذي ترتضيه الشعوب العربية كلها وتعتز به. # وفي خلال هذا الشوط الطويل الشاق الذي قطعناه كان الوجدان الجماعي يطغى شيئا فشيئا ~~على الوجدان الذاتي، وظهر بيننا شعراء أقوياء أخذوا يغذون هذا الوجدان الجديد النامي ~~حينا، ms38 ويهاجمون الوجدان الذاتي المنطوي أو الهارب هجوما عنيفا على نحو ما قال شاعر ~~شاب في قصيدة سماها «إلى الشاعر التائه»: # ما لعينيك تبسمان، وعيناي تموجان ثورة ووميضا! # ما لقلبي وأنت قلبك راض يطلب النور والفضاء العريضا! # ما لروحي تكاد تقتل جسمي فتراه العيون جسما مريضا! # ما لمثلي يرى الليالي سودا ويرى مثلك الليالي بيضا! # ما لشعري طغى الجنون عليه، أم ترى أنت لا تراه قريضا! ~~••• # أنت تخلو إلى النجوم، إلى الزهر، إلى الطير حينما يتغنى، # ربة الخمر باركتك فغنيت هراء ورحت تسأل دنا، # في سماء الخيال ضم جناحيك تقع بيننا فتصبح منا، # دع جمال الخيال وادخل كهوفا للملايين وارو للكون عنا، # إنما الفن دمعة ولهيب، ليس هذا الخيال والتيه فنا. ~~••• # قلب الطرف هل ترى غير جهل، وهزال وآهة مكتومه، # وعيون قد أغمضت وبخور أطلقوه فراح يذري سمومه، # وجيوش من الخداع تمشيها أكف لغاية مرسومه، # وأكف هي المتابع للمال أضاعت سنينها محرومه؛ # دع جمال الخيال وادخل كهوفا للملايين وارو للكون عنا، # إنما الفن دمعة ولهيب، ليس هذا الخيال والتيه فنا. # وبعد قيام ثورتنا الأخيرة وتحقيق الكثير من أهدافنا الكبرى التي كان شعراؤنا الشبان ~~يستنفرون الشعب حتى ينهض لتحقيقها لم يعد هناك لهذا الاستنفار العنيف نحو الثورة داع، وإن ~~ظل الوجدان الجماعي مع ذلك منبعا يستقي منه جيلنا الحاضر إلهامه، ومضمونه الشعري وهو ~~مضمون متفاوت قد يكون حديثا عن أمجاد الماضي وبطولات الجهاد، أو دعوة لمواصلة اليقظة ~~والحرص على مكاسب الثورة. # وقد ينضح الوجدان عن ابتهاج وتفاؤل بما حقق شعبنا من انتصارات على نحو ما نجد في قصيدة ~~أغاني إفريقيا من ديوان محمد مفتاح الفيتوري، وهي التي يستهلها بقوله: # يا أخي في الشرق في كل سكن # يا أخي في الأرض في كل وطن # أنا أدعوك فهل تعرفني # يا أخا أعرفه رغم المحن # إنني مزقت أكفان الدجى # إنني هدمت جدران الوهن # لم أعد مقبرة تحكي البلى # لم أعد ساقية تبكي الدمن # لم أعد عبد قيودي لم أعد # عبد ماض هرم عبد وثن # أنا ms39 حي خالد رغم الردى # أنا حر رغم قضبان الزمن # فاستمع لي استمع لي # إنما الجيفة صماء الأذن # ومنها يقول: # الملايين أفاقت من كراها # ما تراها؟ ملأ الأفق صداها # خرجت تبحث عن تاريخها # بعد أن تاهت على الأرض وتاها # حملت أفؤسها وانحدرت # من روابيها وأغوار قراها # فانظر الإصرار في أعينها # وصياح البعث يجتاح الجباها # يا أخي في كل أرض عريت # من ضياها وتغطت بدجاها # يا أخي في كل أرض وجمت # شفتاها واكفهرت مقلتاها # قم تحرر من توابيت الأسى # لست أعجوبتها أو مومياها # انطلق فوق ضحاها ومساها # يا أخي قد أصبح الشعب إلها # هذا، ولقد اقتضى المضمون الشعري الجديد النابع من الوجدان الجماعي أن يلجأ الشعراء إلى ~~صور وقوالب جديدة يصبون فيها وجدانهم الجماعي، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بعد ~~الثورة، ولم يعد هناك مجال مستمر للاستنفار الثوري العنيف الذي يلائمه القالب الغنائي ~~التقليدي في شعرنا العربي، فرأينا الكثيرين من شعرائنا الجدد يلجئون إلى قالب القصة الصغيرة ~~الساذجة حينا، وقال الحوار الدرامي السريع حينا، ولما كانت مثل هذه القوالب لا تستدعي ~~بالضرورة وحدة البيت الشعري كوحدة للموسيقى الشعرية، بل يقضي الحوار بتجزئة البيت الواحد ~~إلى تفاعيل وفصل بعضها عن بعض لتوائم القصص أو الحوار، فقد أقدم شعراؤنا على تغيير الصورة ~~مجاراة لتغيير المضمون وتغيير طريقة تصميم القصيدة وبنائها الهندسي. # الصورة الجديدة للشعر # والواقع أن الصورة الجديدة للقصيدة العربية المعاصرة لم تدفع إليها نزوة طارئة أو ~~مجرد الرغبة في التجديد، بل جاءت لتحول عميق في ثقافتنا الفكرية والفنية؛ ذلك لأنه ~~ما من شك في أن فلسفة ثورتنا الجديدة قد وجهت جيلنا الجديد الناهض نحو الواقعية ~~الاشتراكية، وهي واقعية تنفر من الذاتية الرومانسية وتجنح إلى الجماعية؛ أي إلى استقاء ~~التجارب الشعرية من مشكلات المجتمع ومواطن ضعفه وقوته وأفراحه وآلامه، لما كان الشعر ~~الغنائي، أي شعر القصائد، لا يمكن أن يكون بطبيعته إلا شعرا وجدانيا؛ أي شعرا ~~تلونه عاطفة الشاعر المنفعلة بتجارب الشعب، كما قد تشكله أحيانا فلسفة الشاعر في ~~الحياة ووجهة نظره والمذهب الاجتماعي ms40 الذي يدين به، فقد كان حتما على هذا الشعر أن ~~يكون لكل قصيدة منه موضوع يتخذ صورة القصة ولكنها قصة لا يمكن أن تصبح واقعية خالصة، بل ~~لا بد أن تمتزج بوجدان الشاعر الذي يعطيها طابع الشاعرية، كما أنها لا تحرص على ~~التفاصيل التي تحرص عليها عادة القصة النثرية ولا على التسلسل المنطقي المحكم أو تحديد ~~أبعاد الشخصيات وملامحها النفسية بقدر ما تحرص على إبراز انفعال الشاعر بهذه القصة وما ~~تثيره في نفسه من شتى العواطف حتى لكأنها تعبير من الشاعر عن الانطباعات التي أحدثتها ~~في نفسه. وإذا كان الشاعر لا بد أن يحيطنا علما بأحداث تلك القصة وبالصورة العامة ~~لشخصياتها فإنه يقتصر عادة على الإشارة السريعة واللمحة الخاطفة الموحية، حتى لا يصاب ~~شعره بالنثرية، وحتى لا يطغى عنصر القصص على عنصر الوجدان الذي سيظل أبدا الطابع ~~المميز للشاعرية. # ولعلنا نستطيع أن نلمس هذه الصورة الجديدة للقصيدة العربية المعاصرة في قصيدة كتبتها ~~أخيرا الشاعرة الوجدانية السيدة ملك عبد العزيز، وهي لم تكتبها مجاراة للتيار الجديد؛ ~~لأنها شاعرة لا تقول الشعر إلا تنفيسا عن وجدانها الذاتي، وهي أبعد ما تكون عن أن ~~تحترف الشعر أو تنتقل مع تياراته، وإنما تقوله عندما ينفعل وجدانها وتشعر بحاجة ~~ملحة إلى قوله، وقد انفعلت لما أذاعته صحفنا عن قصة البطل الشاب «جواد حسني زين ~~العابدين» أثناء معركة بور سعيد الخالدة، وما كان من سفره إلى ساحة القتال على رأس فريق ~~من زملائه الفدائيين، ثم إحاطة العدو بهم ورفضه أن يتراجع مع زملائه مؤثرا الموت على ~~الهزيمة، ثم وقوعه أسيرا في يد الجند الفرنسيين، وسجنه في غرفة ضيقة بمعسكرهم عند ~~شاطئ البحر، على الرغم من الدماء التي كانت تنزف من جراحه، وقد اتخذ من هذه الدماء ~~مدادا سجل به على جدران الغرفة بعض أحداث قصته البطولية الرائعة، وفي النهاية ~~تظاهروا بأنهم قد قرروا الإفراج عنه بعد أن أوقف القتال ولكنه لم يكد يخرج ويسير بضع ~~خطوات على الشاطئ متعثرا نازف الدم حتى أطلقوا عليه الرصاص غدرا ms41 من خلف، وألقوا ~~بجثته إلى البحر . وقد انفعلت الشاعرة بهذه القصة أيما انفعال، وزادها شجنا أن رأت ~~فيه صورة لأحد أبنائها، وأنار الانفعال طاقتها التصويرية، فخيل إليها أنها قد دخلت ~~إلى غرفة سجن البطل ورأت الكلمات المسطرة على جدرانها بدمه، وجسم خيالها هذه الرؤية ~~الشعرية المؤثرة فخيل إليها أن هذه الدماء قد أنبتت شجرة خضراء رمزا للحياة ~~المطمئنة التي يرويها دم الشهداء، ثم عاد خيالها إلى قصة البطولة كلها وما تعاقب فيها ~~من أحداث تصورها بخطوط سريعة عميقة، وتسبغ على اللوحة القصصية كلها فيضا من ~~مشاعرها كشاعرة وكإنسانة وكأم، ولكن دون أن تلتزم في عرض هذه القصة وتسلسلها إلا ~~منطق مشاعرها، فهي تبدأ القصيدة برؤية شعرية داخل غرفة سجن البطل ثم تنتقل إلى القصة، ~~وتعود في النهاية إلى تصوير شجرة الحياة التي صور لها خيالها أنها قد انبعثت وأينعت ~~وأورقت بفضل ما غذاها به بطلها من دم ذكي (راجع القصيدة في ديوان «أغاني الصبا» ~~للشاعرة، نشر دار المعارف بالقاهرة). # فهذه قصيدة ذات موضوع هو قصة البطل «جواد حسني زين العابدين» في معركة استشهاده، ~~وبفضل وحدة الموضوع حققت القصيدة تلك الوحدة العضوية، التي نادى بها رواد التجديد في ~~شعرنا العربي المعاصر منذ أوائل هذا القرن ولم يستطيعوا تحقيقها في شعر الوجدان الخالص ~~والخواطر المتناثرة، فظل ترتيب الأبيات في القصيدة وتسلسلها قابلا للتقديم والتأخير ~~دون أن يضطرب بناؤها، أما في هذه القصيدة فنرى وحدة الموضوع تمكن الشاعرة من أن ~~تحقق هذه الوحدة العضوية تحقيقا رائعا، وإن اختلفت تلك الوحدة في القصيدة عنها في ~~القصة النثرية التي لا بد أن تخضع للمنطق الموضوعي الصارم، بينما القصيدة لا تخضع ولا ~~يمكن أن تخضع إلا لمنطق الشعور، فالشاعرة تبدأ قصيدتها برؤية شعرية لسجن البطل، وإذا ~~بهذه الرؤية تطلق العنان للعاطفة التي تحرك الخيال، فتعود الشاعرة إلى القصة كلها ~~بحلقاتها المتتابعة لا لتفصل تلك الحلقات ولكن لتعبر عما تثيره كل حلقة في وجدانها من ~~انفعال عاطفي إنساني زاخر حتى لكأن القصيدة قد استحالت إلى وجدان خالص ms42 مع ~~استفادتها من الموضوع في تحقيق الوحدة العضوية التي يتكامل بها العمل الفني، ونجحت ~~الشاعرة في أن تغذي نفوسنا بالأحاسيس نفسها التي استشعرها وجدانها بفضل طاقتها ~~التصورية القوية، بل نجحت في أن تغمر أرواحنا بفيض من مشاعر الأسى المتأسي الرفيع، ~~ومن الإنسانية الشجاعة المستبسلة. # وأما من الناحية الموسيقية فالقصيدة مستقيمة النغم المبني على تفعيلة الرجز دون ~~تقيد بوحدة البيت الموسيقية؛ تلك الوحدة التي لا تشعر بلزومها إلا في شعر الخطابة ~~والمحافل أو شعر الوجدان الخالص أحيانا، وأما الوجدان المختلط بموضوعه والمصبوب في ~~تضاعيف القصة فوحدته الموسيقية هي القصيدة كلها، ومع ذلك حرصت الشاعرة على أن تقسم هذه ~~الوحدة الموسيقية الطويلة إلى وحدات تكاد تحكي الحركات المتتابعة في السيمفونية ~~الموسيقية، وقد جزأت هذه الوحدات الموسيقية وفقا لأجزاء القصة ومراحلها المتتابعة كما ~~تجزأ السيمفونية سواء بسواء وفقا للمدلول العاطفي لكل حركة من حركاتها. # | المضمون والصورة # على ضوء التطور التاريخي لنظرية الشعر نستطيع أن ننظر الآن في مقومات هذا الفن، وهي في ~~مجموعها لا يمكن أن تخرج عن المضمون والصورة؛ أي عن المادة الأولية التي يصبها الشاعر في ~~قصيدة، والصورة التي يبني بها قصيده، والبحث في المضمون الشعري يعتبر من المباحث الجديدة؛ ~~إذ إن النقد التقليدي والتاريخ الأدبي المتوارث كانا يبحثان دائما، في أغراض الشعر ~~وأهدافه أكثر مما يبحثان في مضمونه، فالعرب القدماء مثلا كانوا يقسمون الشعر بحسب أغراضه ~~فيجعلونه مدحا وهجاء وغزلا ورثاء ووصفا وحماسا وما إليها، دون عناية كبيرة بالمضمون ~~الذي يصبه الشاعر في كل من هذه الأغراض حتى رأيناهم يقولون مثلا إن المدح ثناء على ~~الحي والرثاء ثناء على الميت، دون مناقشة لطبيعة المضمون الذي يجب أن يصبه الشاعر في ~~قصيدة الرثاء، وهل يحسن أن يكون هذا المضمون تفجعا على الميت وحزنا لوفاته أو مدحا له ~~وتسجيلا لفضائله، وتفلسفا سطحيا حول الموت والحياة والقضاء والقدر، أو مزجا بين كل هذه ~~العناصر أو تغليبا لأحدها على الآخر. # وباستطاعتنا أن نعثر على تقسيمات مماثلة في آداب الأمم الأخرى القديمة، مثل أدب اليونان؛ ms43 ~~حيث نرى شعره الغنائي ينقسم أحيانا بحسب صورته الموسيقية، فيكون منه شعر ال # Elegie # ومنه شعر الأيامب اللذين يتميزان بالتركيب ~~الموسيقي لا بالغرض الشعري كما نجد تقسيما آخر يقوم على الأغراض، فهناك أناشيد النصر ~~وأغاني الزواج والأفراح وأغاني الرعاة والريفيات وما إليها. # ولكن ظهور علم الجمال وفلسفته في العصور الحديثة أخذ يربط بين الشعر وغيره من الفنون ~~الجمالية، ويخضعها كلها لفلسفات جمالية مختلفة، ويحاول أن يرسم لكل فن مجالات خاصة ~~حينا آخر، كما يبحث في مضمون كل فن وصوره. # ففي العصور القديمة كان الاعتقاد السائد أن الأشياء الجميلة وحدها هي التي تصلح لأن تكون ~~مصدرا للإلهام الشعري، بل ومصدرا للفنون الجميلة جميعها، ولكن التفكير الحديث أخذ يخلخل ~~هذه النظرية فيرى أن الأشياء القبيحة قد تصلح هي الأخرى لأن تكون موضوعا للفن الجميل، ~~وأننا قد نطرب لرؤية هذه الأشياء القبيحة مصورة أو معبرا عنها بأحد تلك الفنون مع أننا لا ~~نطرب، بل ولا نرتاح لرؤيتها في الطبيعة على نحو ما نطرب مثلا لرؤية لوحة زيتية تصور رجلا ~~فقيرا مريضا ملقى على قارعة الطريق؛ فنطرب باللوحة وإن كنا ننفر من مشاهدة موضوعها على ~~الطبيعة، وفي تفسير ذلك يختلف المفكرون؛ فمنهم من يرجع طربنا إلى مهارة المصور، ومنهم ~~من يرجعه إلى ما يضفيه المصور على موضوعه من ذات نفسه ومن قوة التعبير المثير، ومنهم ~~من يجمع بين الأمرين، ولعلنا نجد أمثلة كثيرة على ذلك في شعر الهجاء الذي ازدهر عند ~~الشعراء القدامى من عرب وغير عرب، فهو شعر يصور القبيح ومع ذلك نطرب له ونعجب به، وعند ~~شعراء النقائض وكبار الهجائين العرب من أمثال الحطيئة وابن الرومي شواهد لا تنفد لهذا ~~الشعر الجميل الذي يصور القبائح. # مجالات الفنون # ونمر من هذه القضية التي يلوح أنها قد حلت، واستقر الرأي فيها على أن الفنون ~~الجميلة قد تصور الجمال والقبح على السواء إلى قضية أخرى تبدو أكثر جدة وطرافة، وهي ~~القضية التي أثارها الناقد الألماني الكبير لسنج # Lessing # في القرن الماضي، ونعني بها نظرية المجالات ms44 الفنية، وهل يحسن أن ~~يقتصر كل فن جميل على إحداها خضوعا لطبيعته ووسائل تعبيره، أم أن المجالات جميعها ~~مفتوحة، ويحسن أن تظل مفتوحة للفنون كلها ولوسائل تعبيرها المتباينة؟ # ولقد اختار لسنج لبحثه هذا مجالا مواتيا هو مجال الوصف؛ لينظر إلى أي مدى تستطيع ~~الفنون المختلفة أن تتسابق في مجاله، وقد أثار هذا البحث في نفسه قراءته لوصف الشاعر ~~فرجيل في إينيادة الرومان للعذاب الذي أنزلته الآلهة بالكاهن لاوكون الذي خان أسرارها، ~~فأرسلت إليه أسرابا من الأفاعي التي طوقته هو وأولاده وعصرتهم عصرا أنزل بهم أقصى ~~العذاب. ورأى لسنج إلى جوار هذا الوصف الشعري المثير لمأساة لاوكون عدة تماثيل تجسم ~~هذا الكاهن وأولاده بين أحضانه والأفاعي تلتف بهم وتعتصرهم، وقد ارتسمت على ملامحهم ~~آلام عذابها المميت؛ فأخذ هذا الناقد الكبير يعقد المقارنات بين قوة تعبير الوصف ~~الشعري والفن التشكيلي ليستطرد بعد ذلك إلى البحث في مجالات الفنون عامة، وهل يحسن أن ~~يتخير كل منها مجاله أم يدلف إلى كل المجالات، وقد دون كل هذه المقارنات في كتابه ~~النقدي الشهير المسمى «لاوكون». # والنتيجة الصلبة التي نخرج بها من مطالعة كتاب «لاوكون» ل «لسنج» وتحليله: هي قوله إن ~~للفن التشكيلي لمحة في المكان، وأما الفن الشعري فله لمحات في الزمن بمعنى أن المصور ~~أو النحات لا يستطيع أن يلتقط بفنه غير وضع واحد لموضوعه أي لمحة واحدة في المكان، ~~أما الشاعر فيستطيع أن يصور بفنه عدة أوضاع متلاحقة للموصوف؛ أي عدة لمحات في ~~الزمن على نحو ما نشاهد مصورا أو نحاتا مثلا يرسم صورة أو ينحت تمثالا لحصان في ~~وضع معين بينما نرى شاعرا مثل امرئ القيس يقدم لنا في بيت شعر واحد عدة أوضاع ~~للحصان؛ حيث يقول: # مكر، مفر، مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل # إذ من المؤكد أن أي مصور أو نحات لا يستطيع أن يجمع في لوحة واحدة أو في تمثال ~~واحد كل هذه الأوضاع التي يمكن أن يتخذها الحصان في كره وفره وإقباله وإدباره ~~كجلمود صخر ms45 ينحدر على سفح ربوة. # هذا وقد استغل ناقدنا المرحوم إبراهيم عبد القادر المازني نظرية «لسنج» هذه في ~~دراسته لفن الوصف عند ابن الرومي في المقالات التي كتبها عنه، وجمعت في كتابه «حصاد ~~الهشيم» حيث أخذ يدلل على فطنة ابن الرومي الفنية باختياره في الوصف الشعري المواضيع ~~التي يحذقها هذا الفن ويبذ فيها غيره من الفنون، ونعني بها «مواضيع الحركة» ذات ~~المراحل المتلاحقة التي يستطيع الشعر وحده أن يصورها ويوحي بها في أضيق حيز، وقد ~~اختار المرحوم المازني للتدليل على ذلك وصف ابن الرومي للخباز وهو يصنع الرقاق؛ حيث ~~قال: # ما أنس لا أنس خبازا مررت به # يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر # ما بين رؤيتها في كفه كرة # وبين رؤيتها قوراء كالقمر # إلا بمقدار ما تنداح دائرة # في لجة الماء يلقى فيه بالحجر # ففي هذه الأبيات الثلاثة استطاع ابن الرومي أن يصور صانع الرقاق في أوضاعه ~~المتلاحقة؛ أي في لمحات متتابعة في الزمن لا في وضع مكاني محدد على نحو ما تستطيع ~~عادة الفنون التشكيلية. # وارتكازا على هذا التمييز البادي الوجاهة حاول «لسنج» في كتابه أن يحدد مجالات ~~الفنون المختلفة، ويفصل بينها بحيث لا ينبغي أن يجازف فن منها بالخروج من مجاله إلى ~~مجال آخر يتخلف فيه، ولكن أساس البحث لم يلبث أن تغير، فلم يعد يجري في تحديد ~~المجالات الفنية بل في خصائص كل فن وممكناته حتى داخل المجال الواحد، فالفنون التشكيلية ~~مثلا تستطيع أن تلتقط لمحة في المكان لتصورها، كما يستطيع فن الشعر أن يلتقط اللمحة ~~نفسها، ومع ذلك يختلف مضمون أحدهما عن مضمون الآخر، وإذا كان تاريخ الشعر بخاصة والفنون ~~عامة يوحي بأن كل فن قد حاول أن يغتصب خصائص الفن الآخر وإمكانياته حتى قيل - كما سبق ~~أن أوضحنا - إن الشعر رسم ناطق والرسم شعر صامت، فإن مضمون كل من الفنين قد أخذ ~~يتحدد بعد ذلك على نحو يلوح لنا اليوم حاسما، فالشاعر لم يعد يطمح إلى تجسيم ~~الموصوفات كما كان يريد «البرناسيون» وأنصار الفن للفن، بل أخذ ms46 يحصر همه في أن يعبر ~~عن وقع الموصوفات في نفسه وتفاعلها مع وجدانه، وكأن الوصف قد صار ضربا من شعر الوجدان ~~لا ضربا من المحاكاة الجمالية، حتى ليلوح لنا أحيانا كثيرة أن الشاعر الحديث لا يلجأ ~~إلى الوصف للتجسيد الحسي، بل كمحك للوجدان وامتزاج بالطبيعة وتجاوب معها وانفعال بها ~~قد يصل إلى حد الحلول الشعري؛ أي إلى حد فناء الشاعر في الطبيعة وامتزاجه بها وخلع ~~وجدانه عليها على نحو ما قال بودلير «إن الأشياء تفكر خلالي، كما أفكر خلالها.» ولعلنا ~~نستطيع أن نجد مثلا رائعا لهذا الوصف الوجداني الذي يصل إلى حد الحلول الشعري في إحدى ~~روائع أدبنا العربي الحديث وهي قصيدة «المساء» التي قالها شاعرنا الكبير خليل مطران في ~~صدر شبابه سنة 1902 وهو مريض بمكس الإسكندرية، ومطلعها: # داء ألم حسبت فيه شفائي # من صبوتي فتضاعفت برحائي # وفيها يقول: # إني أقمت على التعلة بالمنى # في غربة قالوا تكون دوائي # إن يشف هذا الجسم طيب هوائها # أيلطف النيران طيب هواء # أو يمسك الحوباء حسن مقامها # هل مسكة في البعد للحوباء # عبث طوافي في البلاد وعلة # في علة منفاي لاستشفاء # متفرد بصبابتي متفرد # بكآبتي متفرد بعنائي # شاك إلى البحر اضطراب خواطري # فيجيبني برياحه الهوجاء # ثاو على صخر أصم وليت لي # قلبا كهذي الصخرة الصماء # ينتابها موج كموج مكارهي # ويفتها كالسقم في أعضائي # والبحر خفاق الجوانب ضائق # كمدا كصدري ساعة الإمساء # تغشى البرية كدرة وكأنها # صعدت إلى عيني من أحشائي # والأفق معتكر قريح جفنه # يغضي على الغمرات والأقذاء ~~••• # يا للغروب وما به من عبرة # للمستهام وعبرة للرائي # أوليس نزعا للنهار وصرعة # للشمس بين جنازة الأضواء # أوليس طمسا لليقين ومبعثا # للشك بين غلائل الظلماء # أوليس محوا للوجود إلى مدى # وإبادة لمعالم الأشياء # حتى يكون النور تجديدا لها # ويكون شبه البعث عود ذكاء # ولقد ذكرتك والنهار مودع # والقلب بين مهابة ورجاء # وخواطري تبدو تجاه نواظري # كلمى كدامية السحاب إزائي # والدمع من جفني يسيل مشعشعا # بسنى الشعاع الغارب المترائي # والشمس في شفق يسيل نضاره # فوق ms47 العقيق على ذرى سوداء # مرت خلال غمامتين تحدرا # وتقطرت كالدمعة الحمراء # فكأن آخر دمعة للكون قد # مزجت بآخر أدمعي لرثائي # وكأنني آنست يومي زائلا # فرأيت في المرآة كيف مسائي # ففي هذه القصيدة يشكو الشاعر ألمه ويحن لحبيبته، ويصف مشاهد الطبيعة في مكس ~~الإسكندرية، ولكن الوصف عنده كشاعر حديث أبعد ما يكون عن الوصف الحسي الذي ألفناه ~~في شعرنا العربي القديم؛ إذ أصبح ما يمكن أن نسميه بالوصف الوجداني؛ أي الوصف الذي ~~يمتزج فيه الشاعر بالطبيعة ويتبادل وإياها ألوان وجدانه حتى لكأنه قد حلت به وحل ~~بها، فرياح البحر الهوجاء صدى لاضطراب خواطره، والصخرة الصماء ينتابها موج كموج ~~مكارهه، والبحر خفاق الجوانب ضائق كمدا كصدر الشاعر ساعة الإمساء، وكدرة البرية ~~صاعدة إلى عينيه من الأحشاء، والأفق معتكر قريح الجفن، وهو يرى خواطره بعينيه كدامية ~~السحاب، والدمع يسيل من جفنه مشعشعا بسنى الشعاع الغارب، والشمس في انحدارها الأخير ~~بين السحاب كأنها آخر دمعة للكون تمتزج بدموع الشاعر لترثيه، ومن كل هذا تتكون المرآة ~~التي يرى فيها الشاعر نفسه وترى فيها الطبيعة نفسها، وبذلك يتم التقابل بين الطبيعة ~~والوجدان ويبرز حتى في هذا المجال الطابع الوجداني الذي أصبح - ونرجح أن يظل - ~~الطابع الأساسي للشعر الغنائي كله من حيث مضمونه. # الفكر والتأمل # وإذا كان الشعر الغنائي في العصور القديمة والعصور الوسطى قد عرف ما يسمى بشعر الفكرة ~~وشعر الحكم، وكتب منه الممتع المركز الصافي الجوهر، فإن هذا النوع من الشعر قد تطور ~~في العصور الحديثة من الفكر والفلسفة والحكمة إلى التأمل والاستبطان الذاتي، فلم يعد ~~الشعر الحديث يحفل بالفكرة في ذاتها، ولا بالحكمة في ذاتها، بل يحفل بتأمل الأفكار ~~والحقائق تأملا وجدانيا؛ أي بالتعبير عن وقع هذه الحقائق والأفكار والحكم في النفس ~~البشرية وتأثيره فيها عن طريق التأمل، والنظر في تأثيرها في حياة الإنسان ومصيره ~~وسعادته أو شقائه؛ بحيث يمكن القول إن ما نسميه قديما بشعر الفكرة قد أصبح من الواجب ~~أن يصبح اليوم شعر التأمل الفكري وإلا رميناه بالجفاف والنثرية وفقا لمدى بعده ms48 عن ~~الطابع الوجداني الذي نسعى إلى تقريره كطابع حاسم للفن الشعري الذي لا تزال الإنسانية ~~تنتجه حتى اليوم، وهو فن الشعر الغنائي الذي طفا على وجه الزمن ولم يستطع موجه أن ~~يبتلعه كما ابتلع من قبل شعر الملاحم وشعر التمثيليات، وكان السبب الأساسي في الإفلات ~~من طوفان الزمن هو إشباعه لحاجة إنسانية خالدة ما خلد الإنسان، وهي الحاجة إلى ~~التعبير عن الوجدان البشري. # وإذا كان شاعرنا خليل مطران قد كان له أكبر الفضل خلال نهضتنا الشعرية الحديثة في ~~تطوير فن الوصف الشعري من الوصف الحسي إلى الوصف الوجداني مجاراة للتطور الإنساني ~~العام؛ فإن شاعرنا الآخر عبد الرحمن شكري قد كان له أكبر الفضل في تطوير شعر الفكرة إلى ~~شعر التأمل الوجداني والاستبطان الذاتي، فعبد الرحمن شكري قد يلوح شعره عند النظرة ~~السطحية الأولى من شعر الفكرة والتفلسف، ولكننا عند إمعان النظر فيه لا نلبث أن نتبين ~~أنه قد تطور بهذا النوع من الشعر تطورا واسع المدى، بأن أحاله من تفكير فلسفي إلى ~~تأمل وجداني، واستبطان ذاتي، وتعبير عن موقف النفس البشرية من الحقائق التي نعلمها ~~والحقائق التي نجهلها على السواء، حتى ليصح - بل يجب - أن نسمي شعره بشعر «التأمل ~~الوجداني» على نحو ما سمينا فن الوصف عند مطران بأنه هو الآخر فن الوصف الوجداني. ~~ولعلنا نستطيع أن نضع أيدينا على هذه الخاصية الفريدة في شعر عبد الرحمن شكري بالنظر في ~~القصيدة التي يخاطب فيها المجهول في الجزء الخامس من ديوانه ص31 حيث يقول: # يحوطني منك بحر لست أعرفه # ومهمه لست أدري ما أقاصيه # أقضي حياتي بنفس لست أعرفها # وحولي الكون لم تدرك مجاليه # يا ليت لي نظرة للغيب تسعدني # لعل فيه ضياء الحق يبديه # أخال أني غريب وهو لي سكن # خاب الغريب الذي يرجو تقاصيه # أوليت لي خطوة تدحو مجاهله # وتكشف الستر عن خافي مساعيه # كأن روحي عود أنت تحكمه # فابسط يديك وأطلق من أغانيه # والروح كالكون لا تبدو أسافله # عند اللبيب ولا تبدو أعاليه # وأكبر الظن أني هالك أبدا ms49 # شوقا إليك، وقلبي فيه ما فيه # من حسرة وإباء لست أملكه # يأبى لي العيش لم تدرك معانيه # وأنت في الكون من قاص ومقترب # قد استوى فيك قاصيه ودانيه # كأنني منك في ناب لمفترس # المرء يسعى ولغز العين يدميه # كم تجعل العين طفلا حار حائره # ورب مطلب قد خاب باغيه # لو النبال نبال القوس مصمية # كنت ادريت بسهم القوس أرميه # أو كان للسحر سهم نافذ أبدا # لكان لي منه سهم صال راميه # يا مصلت السيف قد فلت مضاربه # ورامي السهم قد خابت مراميه # قلبي يحدثني ألا يليق به # رضى بجهل ذليل اللب يرضيه # قد ثار ثائر نفس عز مطلبها # وطار طائر لب في مراقيه # كالنسر لا حاجب للشمس يحرقه # ولا الصواعق والأرواح تثنيه # وأنت كالليل والأفهام حائرة # مثل العيون علاها منك داجيه # ليل مهيب كموج البحر حندسه # تكاد تسمع منه صوت طاميه # فليتهن خفافيش تلوح لها # مجاهل الحق خافيه وباديه # بل ليت لي فكرة كالكون واسعة # أدحو بها الكون تبدو لي خوافيه # ليس الطموح إلى المجهول من سفه # ولا السمو إلى حق بمكروه # إن لم أنل منه ما أروي الغليل به # قد يحمد المرء ماء ليس يرويه # والقانعون بما قد دان عيشهم # موت فإن هدوء القلب يرديه # يا قلب يهنيك نبض كله حرق # إلى الغرائب مما عز ساميه # فالعيش حب لما استعصت مسالكه # تجارب المرء تدميه وتعليه # كم ليلة بتها ولهان ذا أمل # لم يسل قلبي أن غابت أمانيه # لعل خاطر فكر طارقي عرضا # يدنو بما أنا طول العمر أبغيه # يوضح الغامض المستور عن فطن # وأفهم العيش تستهوي بواديه # هيهات ما كشفت لي الحق خاطرة # ولم يجب لي سؤالا ما أناديه # فهذه القصيدة وكثير من أمثالها من روائع شكري قد تبدو فكرية الطابع ولكنها في الحقيقة ~~ليست من التفكير والتفلسف في شيء، بل هي تأمل وجداني خالص للمجهول ومعمياته، ~~واستبطان ذاتي لوقع هذا المجهول وتلك المعميات في نفسه البشرية المعذبة، وفي كل هذا ~~ما يحيل شعره إلى شعر وجداني رفيع يجمع ms50 بين التأمل الفكري والانفعال الوجداني ~~والاستبطان الذاتي على نحو ما أوضحنا في الجزء الأول من كتابنا عن الشعر المصري بعد ~~شوقي؛ حيث اتخذنا من شعر عبد الرحمن شكري كله ومن خواطره النثرية ما أيدنا به نظرتنا ~~إليه كرائد ضخم من رواد شعرنا العربي المعاصر الذي ماشى التطور العالمي؛ إذ رأيناه ~~ينتقل بالشعر من ظاهر الحواس إلى باطن النفس البشرية، ومن التفكير الفلسفي إلى التأمل ~~الوجداني عن طريق الرمز والإيحاء حينا، والإفصاح والتصوير البياني حينا آخر. # وهكذا نخلص من حديثنا عن المضمون الشعري إلى النتيجة نفسها التي حاولنا تأييدها، وهي ~~أن هذا المضمون سواء استمده الشاعر من الطبيعة الخارجية أو من ذات نفسه العاطفية أو ~~الفكرية لا بد أن يتخذ في الشعر الغنائي الطابع الوجداني الذي إذا فقده الشعر فقد ~~جوهره، ولم يستطع أن يعوض هذا الفقدان بأية واقعية أو طبيعية أو محاكاة، فالشعر في ~~مضمونه أولا وآخرا تعبير عن وجدان الشاعر أيا كان مصدر هذا الوجدان الذي تختلط فيه ~~الطبيعة في ذات الشاعر وبمجتمعه وحياة ذلك المجتمع. وإذا كان هناك تطور جديد قد طرأ ~~على نظرية الشعر الغنائي فهو ذلك التطور الذي جاء نتيجة لظهور فلسفات سياسية ~~واجتماعية جديدة غطت جميع مجالات النشاط البشري بما فيها مجال الشعر الغنائي، وإن ~~يكن من المؤكد كما سبق أن أشرنا أنها لم تستطع أن تقضي على الطابع الوجداني للشعر ~~الغنائي، وكل ما استطاعته هو أن حولت جانبا من هذا الوجدان من الذاتية؛ أي من ~~الرومانسية إلى الجماعية؛ أي إلى النظرة الاشتراكية للحياة، ولكن دون أن تحيله إلى فن ~~موضوعي خالص كما استطاعت أحيانا في مجال القصة والمسرحية النثريتين. # الصورة أو الشكل # أما من ناحية الصورة والتركيب الموسيقي للقصيدة العربية، فيخيل إلينا أن هذه القضية ~~لم تدرس بعد في شعرنا العربي دراسة علمية يجب أن ترتكز على المنهج التاريخي والمنهج ~~المقارن معا؛ وذلك لأننا لو نظرنا إلى صور الشعر وتركيباته في الآداب العالمية لوجدنا ~~أنها قد اتخذت أشكالا متباينة، فالملحمة الشعرية كانت لها صورتها ms51 وتركيبها الموسيقي، ~~والمسرحية الشعرية كذلك، بل إن القصائد الغنائية التي تعيننا هنا قد اتخذت هي الأخرى ~~عدة صور وتراكيب في الآداب الكبيرة، وإذا كنا لا نستطيع استقصاء كل هذه الصور والتراكيب ~~فلا أقل من أن نختار بعضها لنرتكز عليها في الدراسة المقارنة التي تستطيع وحدها أن تكشف ~~لنا صورة القصيدة العربية وتركيبها، بل وأن تعيننا على تفسير هذه الصورة وذلك ~~التركيب. # فمن الأدب اليوناني القديم وهو الأصل الذي استمدت منه جميع الآداب العالمية نستطيع ~~أن نختار نوعا من القصيدة الغنائية كان يسمى # ode ~~(أود)، ~~وقد وصل به إلى حد الكمال شاعر اليونان الغنائي الأكبر بندار، وهي عبارة عن نشيد كان ~~يتغنى به اليونان القدماء عندما ينتصر ممثلو مدينتهم أو قريتهم أو قبيلتهم في إحدى ~~المسابقات الرياضية الكبرى التي كانت تعقد لبلاد الإغريق كلها كالألعاب الأوليمبية ~~والكورنثية والدلفية والنيمية، وكانت تلك الأناشيد تصاحبها الموسيقى وحركات راقصة؛ ~~ولذلك كان تركيبها الموسيقي يقوم وفقا لأسلوب تنفيذها، فيتألف النشيد من مجموعة ~~متلاحقة من الثلاثيات، وكل ثلاثية تتكون من دور يتراوح بين الاثني عشر والأربعة عشر ~~بيتا ينشده المحتفلون وهم يدورون في حركة راقصة، ثم دور آخر ينشدونه في حركة راقصة ~~مضادة، وأخيرا مقطوعة ينشدونها وهم ثابتون في أماكنهم؛ وبذلك تتم الثلاثية لتتبعها ~~ثلاثية أخرى حتى آخر النشيد الذي قد يصل إلى الثلاثمائة أو الأربعمائة بيت من الشعر؛ ~~مما دعا مؤرخي الأدب إلى تسمية هذه الأناشيد البندارية بالشعر الكبير، وكان الشاعر فيه ~~يجمع بين التاريخ والأساطير والانتصارات الرياضية ويشيد بمجد الأبطال المنتصرين الذين ~~كانوا عادة من الملوك والأمراء والأرسطقراطيين؛ وبذلك امتاز هذا النوع من الأناشيد في ~~صورته وتركيبه الموسيقي عن غيره من القصائد الغنائية. # وباستطاعتنا أن نعثر على صورة خاصة وتركيب موسيقي متميز محدد لما يسمى بالشعر ~~الصغير في صورة طريفة من الشعر الغنائي ظهرت أول ما ظهرت بإيطاليا في عصر النهضة بفضل ~~الشاعر الكبير بترارك، وهي ما يسمى بالسونتة # sonette # التي انتشرت بعد ذلك في أوروبا كلها؛ فكتب شكسبير قصائده الغنائية في هذه الصورة، ms52 كما ~~شاعت عند شعراء النهضة في فرنسا بزعامة رائدهم الكبير بيير رونسار . # والسونتة مقطوعة شعرية قصيرة تتكون من أربعة عشر بيتا، لا تزيد ولا تنقص، ~~مقسمة إلى أربعة أجزاء: الجزأين الأولين كل منهما من أربعة أبيات، والجزأين الأخيرين ~~كل منهما من ثلاثة أبيات، وكل سونتة لا تشتمل في العادة إلا على عاطفة أو خاطرة محددة؛ ~~فلا استطراد ولا توارد خواطر ولا إسهاب في قصص أو وصف، بل تعبير أو تصوير مباشر لتجربة ~~بشرية محددة، حتى ليصح أن نترجم كلمة سونتة بعبارة صورة صوتية، وها هو ذا أنموذج لها ~~من شعر رونسار: # كما نرى الوردة على الغصن في شهر مايو في شبابها الجميل ونضرتها الأولى تثير ~~بلونها الحي غيرة السماء، عندما يرويها ندى الفجر بعبراته ... # وقد رقد الحب والرشاقة بين أوراقها، وأخذت تعطر الحدائق والأشجار بأريجها، ~~غير أن سعير الحر أو غزير المطر لم يلبث أن ضربها فذوت وتساقطت أوراقها ذابلة ~~... # هكذا في جدتك الفتية الأولى، والأرض والسماء تقدسان جمالك، قصفك القضاء، ~~فرقدت رمادا. # فلتقبلي قربانا دموعي وحسراتي، وهذا القدر المليء باللبن، وهذه السلة ~~المليئة بالزهور؛ لكيلا يكون جسمك حيا أو ميتا إلا ورودا. # ونكتفي بهذين النوعين من القصائد الغنائية عند الغربيين كدليل على تنوع الصورة ~~والتركيب الموسيقي تنوعا محددا، وهما نشيد النصر والسونتة؛ لنتساءل بعد ذلك لماذا ~~لم تتنوع الصور والتراكيب الموسيقية في شعرنا العربي التقليدي كما تنوعت عند ~~الغربيين، حتى إذا اطلعنا على آداب الغرب وأخذنا ننوع من صور القصيدة وتركيبها ~~الموسيقي عندما هبت الثورات البدائية الفقيرة ضد كل محاولة للتجديد أو ~~للتنويع؟ # وفي الحق أننا لا نستطيع أن نجد تفسيرا لرتابة التركيب الموسيقي للقصيدة العربية ~~التقليدية وتحجر صورتها، إلا في أثر البيئة عليها، سواء منها البيئة الطبيعية أو ~~البيئة الاجتماعية. # فالبيئة الطبيعية هي تلك البيئة التي نجدها في بادية العرب؛ أي البيئة الصحراوية ~~المتشابهة المعالم الممتدة الدروب على نسق واحد في أضيق حدود التنوع، فلا غابات ولا ~~جداول وأنهار ولا جبال مورقة، بل في الغالب الأعم صحراوات ممتدة ms53 على مدى البصر تعبرها ~~الناقة بخطى وئيدة وإيقاع مطرد هو الذي نجده منعكسا في التركيب الموسيقي للقصيدة ~~العربية، ومن المؤكد أنه لم يكن من قبيل المصادفة تنوع وتغير التركيب الموسيقي للقصيدة ~~العربية في بلاد الأندلس؛ حيث تتنوع مشاهد الطبيعة من جبال مورقة إلى أنهار وجداول ~~رقراقة إلى حقول وجنان منبسطة إلى صخور ووديان، فمنذ القرن الثالث الهجري أخذ يظهر في ~~الأندلس ما نسميه بالموشحات التي يعرفها ابن خلدون بقوله: إنها فن أحدثه أهل ~~الأندلس ينظمونه أسماطا أسماطا، وأغصانا أغصانا ويصدرون فيه عن جميع البحور ~~التقليدية مع تركيب الموشح على أشكال متباينة يعتبر من أكثرها ذيوعا تركيبه من لازمة ~~من بيتين ثم مقطوعة من ثلاثة أبيات، وهكذا إلى أن ينتهي الموشح مثل قول ابن سهل ~~الأندلسي في توشيح له: # هل درى ظبي الحمى أن قد حمى # قلب صب حله من مكنس # فهو في حر وخفق مثلما # لعبت ريح الصبا بالقبس # يا بدورا أشرقت يوم النوى # غررا تسلك بي نهج الغرر # ما لنفسي في الهوى ذنب سوى # منكم الحسنى ومن عيني النظر # أجتني اللذات مكلوم الجوى # والتذاذي من حبيبي بالفكر ~~••• # كلما أشكوه وجدي بسما # كالربا بالعارض المنبجس # إذ يقيم القطر فيها مأتما # وهي من بهجتها في عرس ~~••• # أيها السائل عن جرمي لديه # لي جزاء الذنب وهو المذنب # أخذت شمس الضحى من وجنتيه # مشرقا للشمس فيه مغرب # ذهب الدمع بأشواقي إليه # وله خد بلحظي مذهب ~~••• # ينبت الورد بغرسي كلما # لاحظته مقلتي في الخلس # ليت شعري أي شيء حرما # ذلك الورد على المغترس ~~••• # كلما أشكو إليه حرقي # غادرتني مقلتاه دنفا # تركت ألحاظه من رمقي # أثر النمل على صم الصفا # وأنا أشكره فيما بقي # لست ألحاه على ما أتلفا ~~••• # فهو عندي عادل إن ظلما # وعذولي نطقه كالخرس # ليس لي في الأمر حكم بعدما # حل من نفسي محل النفس ~~••• # منه للنار بأحشائي ضرام # تتلظى كل حين ما تشاء # هي في خديه برد وسلام # وهي حر وحريق في الحشا # أتقى منه على حكم الغرام # أسدا وردا وأهواه ms54 رشا ~~••• # قلت لما أن تبدي معلما # وهو من ألحاظه في حرس # أيها الآخذ قلبي مغنما # اجعل الوصل مكان الخمس # ثم إن الشعر العربي التقليدي لم يكد ينتشر في الأمصار ذات البيئات الطبيعية المتباينة ~~حتى أخذت صوره وتراكيبه الموسيقية تتعدد وتتنوع على غرار تلك البيئات الطبيعية؛ ~~فنشأ في الشعر الشعبي أنواع من التراكيب الموسيقية المختلفة التي يطول بنا تحليلها مثل ~~الزجل والمواليا والكان كان والقوما. # وأما البيئة الاجتماعية فقد كانت العامل الأساسي الذي تحكم في تصميم القصيدة ~~العربية التقليدية؛ ذلك لأن هذه كانت بلا شك عند نشأتها التقليدية الأولى تعبيرا من ~~الشاعر عن وجدانه وخلجات روحه أو وصفا لبيئته استجابة لغريزة المحاكاة الشهيرة، غير أن ~~البيئة الاجتماعية الفقيرة لم تلبث أن أنتجت التكسب بالشعر، فاضطر الشاعر إلى المديح ~~وعز عليه أن يترك هدفه التلقائي من قول الشعر وهو التعبير عن وجدانه ووصف بيئته، ~~فحاول أن يجمع الهدفين، ومن هنا ظهرت الصورة التقليدية للقصيدة العربية وتجمدت، وهي ~~تلك الصورة التي وصفتها مدارس التجديد في شعرنا العربي المعاصر بالتفكك وانعدام وحدة ~~الغرض فضلا عن وحدة الموضوع والوحدة العضوية، كما اتهمتها أحدث مدارسنا بالرتابة ~~المسرفة، وعدم التصميم الهندسي في البناء الموسيقي، والوقوف عند وحدة البيت بدلا من ~~وحدة التفعيلة التي يمكن أن تواتي الصورة الجديدة من القصيدة العربية التي تتضمن ~~موضوعا يقسم إلى مراحل، ومع ذلك يكون في جملته وحدة عضوية منسقة على نحو ما سبق أن ~~أوضحنا. # | خلاصة # وهكذا نخلص من هذا الاستعراض السريع لنشأة نظرية الشعر وتطورها إلى أن الشعر لم يعد يقصد ~~به اليوم في الغالب الأعم إلا إلى الشعر الغنائي الذي لم يستطع أن يخضع يوما خضوعا تاما ~~لنظرية المحاكاة التي تعتبر الأصل البعيد لمذاهب الواقعية والطبيعية في الأدب، بل لقد ~~استطاع هذا الفن الغنائي أن يتخلص تخلصا نهائيا سافرا من تلك النظرية ليصبح أساسه ~~الفلسفي الحاجة إلى التعبير لا غريزة المحاكاة، وقد تم ذلك بفضل الرومانسيين الذين قالوا إن ~~الشعر وجدان. # وعندما عاد الاتجاه الواقعي إلى الظهور في العصر ms55 الحديث بل والسيطرة على فنون الأدب كلها ~~لم تستطع تلك الواقعية أيضا أن تخضع الشعر الغنائي لسلطانها إخضاعا تاما، وإنما كل ما ~~استطاعته هو أن حولت الوجدان من الذاتية إلى الجماعية دون أن تنفي عنه الطابع الوجداني ~~الذي لا يمكن أن يعتبر الشعر شعرا بدونه، وإذا كانت قد حولته أيضا من الذاتية إلى ~~الموضوعية فإن هذه الموضوعية لم تستطع أن تختلط بموضوعية فنون الأدب النثرية كالقصة أو ~~المسرحية لا في بلادنا ولا في غيرها من بلاد العالم، وإن تكن تلك الواقعية الموضوعية ~~الاجتماعية قد أدت بالضرورة إلى تغيير صورة القصيدة في بنائها الشعري وبنائها الموسيقي على ~~السواء، ولكن دون أن تفقدها الطابع الشعري الذي يتركز أولا وقبل كل شيء في التصوير ~~البياني، ذلك التصوير الذي وسعت الرمزية من نطاقه ونقلته من عالم الحواس الظاهري إلى عالم ~~النفس ووقع الصور فيها دون أن تفقدها العنصر الموسيقي الذي يعتبر هو الآخر طابعا ~~أساسيا للشعر ومميزا له عن النثر، فضلا عن أن الموسيقى ليست حلية ولا وسيلة تطريب، بل ~~إنها وسيلة أداء تصل إلى التعبير عن مفارقات المعاني وظلالها العاطفية، بل وألوانها النفسية ~~التي كثيرا ما تعجز اللغة المنثورة عن استخراجها من باطن النفس؛ حتى رأينا مؤلفنا العربي ~~ابن عبد ربه يقول في عقده الفريد: «إن النغم فضل في المنطق لم تستطع اللغة استخراجه، ~~فاستخرجته الأوزان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهرت عشقتها النفس وحن لها الفؤاد.» ~~ويقول أفلاطون: «إن النفس لا ينبغي أن تمنع عن معاشقة بعضها بعضا.» # وكل ما طرأ على الطبيعة الموسيقية لشعرنا الحديث، هو أن استعضنا عن وحدة البيت الموسيقية ~~بوحدة التفعيلة مع توزيع التفعيلات في مقطوعات تستقل وتتكامل مع المقطوعات الأخرى لتحقق ~~الوحدة الموسيقية الكاملة للقصيدة؛ أي أن كل ما حدث هو تغيير التوزيع الموسيقي داخل ~~القصيدة، وأما إهدار تلك الموسيقى إهدارا كاملا فقول لا يستطيع أن يقره شاعر موهوب أو ~~ناقد مستنير. # | الشعر العربي وتطوره # فرغنا من الحديث عن النظرية العامة للشعر من حيث أساسها الفلسفي ms56 ومقوماتها الأساسية وتطور ~~تلك المقومات، ونود أن ننظر في الشعر العربي على ضوء نظرية الشعر العامة، وتطور ذلك الشعر ~~منذ العصر الجاهلي حتى اليوم. # وأول ما يستحق النظر هو تحديد وتعريف الفنون الشعرية التي عرفها العرب دون غيرها من فنونه ~~الأخرى مع تعليل سريع لما عرفوه وما جهلوه. # فالأدب العربي الفني لم يعرف من فنون الشعر المعروفة في الآداب العالمية غير فن واحد هو ~~الفن المعروف باسم «الشعر الغنائي» أي شعر القصائد دون الفنين الآخرين وهما: فن الملاحم، ~~وفن الشعر التمثيلي. وإن يكن الأدب الشعبي قد كان أكثر تنوعا وأوسع آفاقا من الأدب الفني ~~الذي ظل حبيسا في الآفاق التي رسمها أدب الجزيرة العربية منذ العصر الجاهلي، فالأدب العربي ~~لم يلبث أن انتقل مع الإسلام واللغة العربية إلى أقطار مترامية خلف حدود الجزيرة، ولم تقنع ~~الشعوب الجديدة التي اتخذت العربية لسانا بما رسم أدب الجزيرة من مجالات ونماذج وأصول ~~وقيود؛ لأن بيئات تلك الشعوب وحاجاتها النفسية كانت تختلف عن بيئة الجزيرة وحاجاتها؛ ولذلك ~~نرى الشعوب التي تعربت في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا تخلق لنفسها الملاحم الشعبية ~~التي لا تنتسب لشاعر معين بل يشترك في تأليفها والإضافة إليها عدد من الشعراء الشعبيين ~~المجهولين، منهم الشاعر فحسب، ومنهم الشاعر والمنشد والعازف على الربابة في وقت واحد، ~~وبفضل هؤلاء الشعراء الشعبيين المجهولين تمتعت تلك الشعوب بما لدينا اليوم من ملاحم ~~شعبية مثل: ملحمة عنترة وملحمة أبي زيد الهلالي سلامة، وملحمة الظاهر بيبرس، على نحو ما ~~تمتعت بالقصص الشعبية التي اكتسبت شهرة عالمية مثل قصص ألف ليلة وليلة. # وإذا كان الأدب الفني لم يعرف ما يشبه المسرحيات من قريب أو بعيد لأسباب وتعليلات لا يزال ~~الباحثون يتناقشون فيها، فإن الأدب الشعبي قد عرف فنونا تشبه إلى حد ما الفن المسرحي ~~مثل: الأراجوز وخيال الظل، وإن يكن هذا الفن بمعناه الكامل لم ينشأ في عالمنا العربي الحديث ~~تطورا عن هذه الفنون الشعبية، بل أخذناه عن الغربيين بعد اتصالنا بهم في القرن الماضي ~~وابتداء من ms57 سنة 1848 وهي السنة التي ابتدأ فيها هذا الفن في منزل أحد التجار الأدباء ببيروت ~~هو مارون نقاش. بل إن فن الشعر العربي التقليدي وهو الفن الغنائي إذا كان قد تحجرت صوره ~~وقوالبه في الشرق العربي؛ إذ البيئة شديدة القرب من الجزيرة مهد اللغة وأدبها؛ فإنه لم يلبث ~~أن تمرد على هذه الصور المتحجرة في بيئة جديدة نائية كبيئة الأندلس؛ حيث ظهرت ~~الموشحات كما سبق أن أوضحنا. وفي الشرق والغرب العربي معا تمرد الشعر الشعبي على تلك ~~الصور المتحجرة أيضا، فظهرت في الشعر الشعبي فنون الزجل والمواليا والكان كان والقوما ~~وغيرها. # وهكذا نخلص إلى أن شعرنا الفني الفصيح هو وحده الذي اقتصر في أدبنا العربي التقليدي على ~~الشعر الغنائي المحدد في صورة القصيدة ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة. # طبيعة الشعر العربي # والآن وقد فرغنا من تحديد نوع الشعر العربي التقليدي يحق لنا أن ننظر في طبيعة هذا ~~الشعر وتطوره فنرى أنه قد نشأ منذ جاهليته الأولى مطابقا مطابقة عجيبة لنظرية ~~المحاكاة الأرسططالية. # فالشعر الجاهلي من الشعر الذي يصدق عليه إلى أبعد الحدود القول بأن الشعر رسم ناطق؛ ~~أي تصوير حسي للبيئة الطبيعية والبشرية على السواء، وهو شعر لا يكاد يظهر فيه ~~وجدان الشاعر إلا في القليل؛ بحيث لا نستطيع أن نقول عنه إنه تعبير عن وجدان قائله، ~~وإذا كان في العربية شعر يمكن أن يوصف بأنه من قبيل الفن للفن فهو بلا ريب شعر الوصف ~~الجاهلي، وهو الفن الذي برع فيه شعراء الجاهلية وأتقنوه إلى حد الإعجاز الذي لا نكاد ~~نجد له مثيلا في أدب عالمي آخر؛ وذلك لفرط دقة الملاحظة واستقصاء الدقائق عند ~~شعراء البادية الذين لم يتركوا فيها شيئا إلا صوروه أدق تصوير، فوصفوا في دقة ~~حسية بالغة الناقة والحصان وحمار الوحش والذئب، كما وصفوا الأطلال والدمن ~~والأثافي وبعر الآرام والهضاب والدروب وأعشاب الصحراء، وبالمثل وصفوا المرأة وصفا ~~حسيا دقيقا، وانحصر غزلهم فيها في هذا الوصف، ولم يعرفوا الغزل العاطفي ولواعج ~~الغرام إلا بعد ظهور الإسلام وفي بيئة ms58 الحجاز المترفة في العصر الأموي؛ حيث ظهر الغزل ~~العذري عند المجنون، وقيس بن ذريح، وجميل بن معمر، وابن قيس الرقيات، وكثير ~~عزة. # فامرؤ القيس مثلا يتغزل في الحبيبة فلا يعدو هذا الغزل وصفها الحسي وتصوير مفاتنها ~~الجسمية إما على الطبيعة وإما وفقا للمثل الأعلى للجمال عند الشاعر وبيئته البدوية، ~~فيقول عنها: # مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # تصد وتبدي عن أسيل وتتقي # بناظرة من وحش وجرة مطفل # وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # غدائره مستشزرات إلى العلا # تضل العقاص في مثنى ومرسل # وكشح لطيف كالجديل مخصر # وساق كأنبوب السقي المذلل # ويضحى فتيت المسك فوق فراشها # نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # وتعطو برخص غير شثن كأنه # أساريع ظبي أو مساويك أسحل # تضيء الظلام بالعشاء كأنها # منارة ممسى راهب متبتل # فهذا وصف حسي للمحبوبة لا نكاد نحس فيه أي انفعال للشاعر بجمال ما يصف، وكأنه يصف ~~للوصف أو يفتن للفن، اللهم أن يكون هذا الوصف لمثل أعلى للجمال عند الشاعر وبيئته ~~أكثر منه وصفا على الطبيعة. ومن المعلوم أن المحاكاة قد تكون لما هو كائن كما قد تكون ~~لما يجب أن يكون أو يمكن أن يكون؛ فالشاعر يصف الحبيبة خلال مغامرة حسية بأنها بيضاء ~~خفيفة لحم البطن، ضامرة الخصر، مصقولة الترائب كالمرآة، طويلة الجيد كالظبية في غير ~~فحش؛ أي في غير إسراف، كما يصف شعرها الأسود الفاحم الذي يغطي ظهرها وقد عقصت بعضه فوق ~~رأسها وأرسلت بعضه، ويصف لين ساقها وطراوته التي يشبهها بالنبات الرخص الذي ينمو في ظل ~~النخيل ويسقيه الماء، وفي النهاية يصف عطرها وما تتقلب فيه من نعمة، يدلل عليها بأنها ~~نئوم الضحى لا تنتطق في الصباح ملابسها الخفيفة لتعمل بل لتتخفف، كما يدلل عليها ~~بطراوة أناملها ونعومتها شأن المترفات، وأخيرا بإشراق وجهها الذي يلوح وقت العشاء كأنه ~~مصباح راهب متبتل في صومعته. # والذي لا شك فيه أن الشعر الجاهلي كان من أصدق الشعر ms59 في التعبير عن بيئته ومثلها ~~العليا، نابعا عن طبع أصيل حتى لنحسبه هو والشعر الأموي خير ما أنتج العرب القدماء من ~~شعر من الناحية الفنية الخالصة، ومع ذلك فلا يستطيع أحد أن ينكر ما كان للإسلام من أثر ~~بالغ في تحريك وجدان الشعراء، سواء في ذلك الوجدان العاطفي الخالص أو الوجدان الديني أو ~~الوجدان السياسي الاجتماعي على أثر الخلافات السياسية والاجتماعية التي أخذت تظهر منذ ~~خلافة عثمان بن عفان وما تلاها من تحزب للأمويين أو للعلويين؛ فأدت إلى ظهور شعر ~~الخوارج وشعر الشيعة ذي اللون السياسي الواضح، كما أدى إلى ظهور البيئة المترفة المرهفة ~~المتعطلة بالحجاز بعد أن انتقلت الخلافة إلى دمشق. ففي هذه البيئة نرى شعر الوجدان ~~العاطفي يظهر لأول مرة عند الشعراء العذريين الذين نستطيع أن نقرأ شعر الشاعر منهم كله ~~دون أن نخرج بصورة ولو مقاربة للمحبوبة، وإنما نخرج منه بتعبير قوي حار عن لواعج ~~الحب وآلامه وآماله في وجدان الشاعر، وشتان بين هذا التعبير الوجداني الخالص وبين الوصف ~~الحسي الذي شاهدنا مثلا له في وصف امرئ القيس للعشيقة، وأين هذا الوصف الحسي من قول ~~قيس بن ذريح مثلا عن حبه للبنى: # ويا قلب خبرني إذا شطت النوى # بلبنى وزالت عنك، ما أنت صانع؟ # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # ويجمعني والهم بالليل جامع # نهاري نهار الناس حتى إذا دجا # بي الليل هزتني إليك المضاجع # فلا تبكين في إثر شيء ندامة # إذا نزعته من يديك النوازع # لقد رسخت في القلب منك مودة # كما رسخت في الراحتين الأصابع # فقيس لم يحاول قط أن يصور لبنى، والمجنون - أي قيس بن الملوح - لم يصور ليلى، وجميل ~~لم يكد يصور بثينة، وكثير لم يصور عزة، وإنما بكوا جميعا حبهم وعبروا عن لواعجه، ~~ولفظوا مكنون وجدانهم حتى لكأنهم من شعراء الوجدان المحدثين. # وعلى أية حال فالشعر الجاهلي قد كان شعرا صادقا أصيلا كما كان الشعر الأموي صادقا ~~أصيلا؛ لأن كليهما أخلص لبيئته ونوازعها ومثلها العليا وطبيعة حياتها فهو من شعر ~~الطبع، وأما شعر العصر ms60 العباسي وبخاصة العصر المتأخر منه فلم يعد يأخذ عن الطبيعة، بل ~~أخذ يحاكي الشعر الجاهلي والشعر الأموي، وكان ذلك بدء جفاف نبع الشعر العربي وتحجره ~~وطغيان التقليد عليه حتى أصبح شعر صيغ وقوالب أكثر منه شعر طبع وطبيعة. # فالشعراء العباسيون قد استمروا في وصف الأطلال والنؤى والأثافي على الرغم من أنهم قد ~~أصبحوا أهل حضر وسكان مدن وحدائق وأعناب، وقد تحكم التقليد في الشعر العربي إلى حد ~~فشلت معه كل محاولة للتجديد كتلك التي دعا إليها شاعر متمرد كأبي نواس عندما ~~قال: # صفة الطلول بلاغة القدم # فاجعل صفاتك لابنة الكرم # لا تخدعن عن التي جعلت # سقم الصحيح وصحة السقم # تصف الطلول على السماع بها # أفذو العيان كأنت في الحكم # وإذا وصفت الشيء متبعا # لم تخل من غلط ومن وهم # وذلك على الرغم من أن بعض شعراء العصر العباسي الآخرين حاولوا الاستماع إلى هذه ~~الدعوة مثل أشجع السلمي عندما أتى الرشيد مادحا في قصر له بالرقة فاستهل قصيدته ~~بقوله: # قصر عليه تحية وسلام # ألقت عليه جمالها الأيام # قصرت سقوف المزن دون سقوفه # فيه لأعلام الهدى أعلام # وذلك لأن التقاليد كانت أقوى من كل تمرد أو نزوع إلى التجديد أو رغبة في الصدور عن ~~الحياة مباشرة؛ حتى لنرى شاعرا معاصرا كأحمد شوقي لا يزال يحس بقبضة هذه التقاليد ~~العنيفة، فيصفها في مقدمة ديوانه القديم الذي صدر في سنة 1903 بأنها كالأفعوان؛ أي ~~كالثعبان الذي لا يؤخذ إلا من خلف وبأطراف البنان، وهذا هو ما فعله دعاة التجديد الذي ~~سمي بالبديع في العصر العباسي المتأخر، وهم أبو تمام ومدرسته، فإنهم لم يحاولوا ~~التجديد في معدن الشعر ومضمونه، وإنما حاولوا التجديد فيما سموه بالبديع؛ أي التجديد ~~في التعبير الشعري عن طريق الزخارف اللفظية من جناس وطباق وغيرها؛ مما أدى إلى ظهور ~~علم جديد بهذا الاسم وهو «علم البديع» الذي فصل أوجهه وبلغ بها الأربعة والثلاثين ~~أبو هلال العسكري في كتاب «سر الصناعتين». ومنذ ذلك الحين أخذ الشعر العربي يفقد طلاوة ~~أسلوبه إلى جوار فقدانه ms61 المضمون الحي، فانتصار البديع على عمود الشعر يعتبر في نظرنا ~~أقوى ضربة نزلت بالشعر العربي، وما زالت به حتى أحالته في عصوره المتأخرة إلى زخارف ~~لفظية خاوية وحرمته من كل جدة فكرية أو عاطفية أو فنية، وذلك فيما عدا شعراء قلائل ~~كانوا أقوى طبعا وأصالة من أن تسترقهم التقاليد أو يستهويهم البديع بمحسناته ~~اللفظية السقيمة، ومنهم ابن الرومي والمتنبي وأبو العلاء المعري الذين جاوروا عصر ~~البديع دون أن يطغى عليهم، فكانوا من رواد الشعر الذي تظهر فيه شخصية قائله. ويمكن أن ~~نلتقط ملامح الشخصية من شعرها، وربما كان المتنبي أصدق شاهد على ذلك الاتجاه الذي كان ~~لاتصال العرب بالثقافات الأجنبية وبخاصة الثقافة اليونانية أثر كبير في حدوثه، ~~فباستطاعتنا أن نعود إلى بعض أغراض الشعر العربي التقليدي عند المتنبي مثلا، فنجده قد ~~أحدث فيها من التجديد في المضمون ما لفت أنظار بعض نقاد العرب القدماء أنفسهم مثل ~~«الثعالبي» في «يتيمة الدهر» حيث نراه يتحدث عن مساوئ المتنبي ومحاسنه، فيذكر بين ~~محاسنه أنه قد انفرد في المدح بمذهب استكثر من سلوكه اقتدارا منه وتبحرا في الألفاظ ~~والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء وتدريجا لها إلى مماثلة الملوك، وذلك بمخاطبة ~~الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب ثم استعمال ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب ~~والجد. # هذا ما يقوله صاحب اليتيمة، والذي لا شك فيه أن له فضل ملاحظة الظاهرة ثم فضل ~~تعليلها، وفي الأمثلة التي يوردها ما يقطع بصحة ما يقول، وأما التعليل فواضح النقص؛ ~~وذلك لأنه لا يكفي أن نرى في تجديده مهارة فنية ورغبة في رفع نفسه إلى مرتبة ممدوحه ~~فتلك ظاهرة أعمق في تاريخ الشاعر وطبيعته النفسية مما ظن الثعالبي. # وأول ما نلفت إليه النظر هو ما لاحظه صاحب اليتيمة نفسه من أن استخدام لغة الحب في ~~المدح والحرب مذهب انفرد به المتنبي وهذا حق، فإننا لم نشهد ذلك من شعراء العرب، ~~جاهليين كانوا أو إسلاميين، وإذن فتفسيره لا يمكن أن نجده إلا في حياة الشاعر وطبيعته ~~النفسية (تراجع هذه ms62 المسألة بالتفصيل في كتاب «النقد المنهجي عند العرب» ~~للمؤلف). # وقد كان حب المتنبي لسيف الدولة حبا مخلصا فاضت به نفسه، وإنما تكلف وساقته ~~الدوافع الخفية عند مدحه لغير هذا الأمير العظيم، وهنا أيضا تصح ملاحظة الثعالبي ~~الأخرى عن مقدرة الشاعر الفنية في تصريف المعاني وإجادة النقل والتلاعب بالكلام. # ثم إن صدور المتنبي عن هذا المذهب في المدح وانفراده به يدل على أن الرجل لم يكن ~~شاعرا مرتزقا كما يزعم البعض، والناظر في مدائحه ذاتها يرى أن شخصية الشاعر لم تخل ~~منها قط، وأن مدحه الجيد هو ما قاله في سيف الدولة وهو مدح أشبه بالحب منه بالتملق، ~~وأما مدائحه الأخرى وبخاصة كافورياته فخير ما فيها ليس مدح كافور وإنما هو شعر المتنبي ~~الشخصي أو إشاراته إلى سيف الدولة. ~~••• # وبعد هذه الوقفة عند المتنبي الذي نعتبره أكبر شعراء العرب القدماء وأقواهم طبعا ~~وأكثرهم أصالة، نستطيع أن نتخطى عصور الانحطاط التي تتابعت على الشعر العربي بعد القرن ~~الخامس للهجرة حتى نصل إلى عصر البعث والنهضة الأدبية المعاصرة التي ابتدأها شاعر البعث ~~الكبير محمود سامي البارودي في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر، فهو الشاعر ~~الذي أعاد للشعر العربي ديباجته الأولى، وخلصه من المحسنات البديعية العقيمة والزخارف ~~اللفظية الخاوية التي كان قد انحدر إليها، وذلك بفضل عودته إلى الشعر العربي القديم في ~~عصور ازدهاره، وقد وضعت الطباعة الحديثة دواوين الشعر القديمة وموضوعات الأدب العربي ~~القديم بين يديه ويدي جيله كله فأفاد منها في رد الديباجة القديمة الناصعة لشعرنا ~~الغنائي، وذلك مع قوة في الطبع وانفعال بأحداث عصره وظروف حياته الثورية الشجاعة، فجاء ~~شعره إيذانا بنهضة شعرية رائعة، هي التي وضعت الأساس للنهضة الأدبية المعاصرة، ~~وأسفرت عن المدارس الأدبية المتباينة التي ظهرت إما بوحي من قديمنا وإما بتأثر بالثقافة ~~والآداب الغربية التي أخذنا نزداد بها اتصالا يوما بعد يوم. # حركة البعث # والذي لا شك فيه أن الشيخ حسين المرصفي أستاذ البارودي قد حدد في كتابه «الوسيلة» ~~المنهج السليم لكل بعث منتج عندما نصح شداة ms63 البعث بأن يستوعبوا من أصيل الشعر القديم ~~أكثر ما يستطيعون استيعابه، على أن ينسوا بعد ذلك كل ما استوعبوه حتى لا يظل حملا تنوء ~~به ملكاتهم الخلاقة، وحتى لا يأتي شعرهم شعر ذاكرة وقوالب محفوظة بدلا من شعر طبع ~~وحياة، وما من شك في أن البارودي قد استفاد بهذه النصيحة وعمل بها، فاكتسب من الشعر ~~القديم قوة العبارة وجهارة النغم وحاول ما استطاع أن يكون تعبيره أصيلا، وأن يكون ~~مضمونه منتزعا من ذات نفسه وأحداث عصره، ووفق في ذلك أحيانا كثيرة حتى ليذكرنا شعره ~~أحيانا بشعر المتنبي وما فيه من أصالة قوية يمكن أن نحس بها. # وعلى الرغم من وضوح المنهج العربي التقليدي في شعر البارودي من حيث صورته وديباجته ~~ونغماته، إلا أننا مع ذلك نستطيع أن نعثر على هذا الشاعر في شعره على نحو ما قلنا عن ~~ابن الرومي والمتنبي وأبي العلاء المعري، ولعله يبرز في ذلك شاعرنا التقليدي المعاصر ~~أمير الشعراء أحمد شوقي الذي لا نستطيع أن نجد في شعره ما يعيننا على تخطيط صورته ~~النفسية على نحو ما نستطيع أن نفعل مع البارودي في مثل قوله: # سواي بتحنان الأغاريد يطرب # وغيري باللذات يلهو ويعجب # وما أنا ممن تأسر الخمر لبه # ويملك سمعيه اليراع المثقب # ولكن أخو هم إذا ما ترجحت # به سورة نحو العلا راح يدأب # نفى النوم عن عينيه نفس أبية # لها بين أطراف الأسنة مطلب # ومن تكن العلياء همة نفسه # فكل الذي يلقاه فيها محبب # إذا أنا لم أعط المكارم حقها # فلا عزني خال ولا ضمني أب # خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة # علي يدا أغضي لها حين يغضب # فلست لأمر لم يكن متوقعا # ولست على شيء مضى أتعتب # أسير على نهج يرى الناس غيره # لكل امرئ فيما يحاول مذهب # وإني إذا ما الشك أظلم ليله # وأمست به الأحلام حيرى تشعب # صدعت حفافي طرتيه بكوكب # من الرأي لا يخفى عليه المغيب # فمن هذه المقطوعة وأمثالها نستطيع أن نخطط صورة نفسية لهذا الشاعر الفارس الذي عرف ms64 ~~بإباء الضيم والاعتزاز بالنفس بل والكبرياء المشروعة، بينما نخرج من دواوين شوقي مثلا ~~دون أن نستطيع أي تخطيط لصورته النفسية، وإذا جاز أن نتخذ العثور على شخصية الشاعر في ~~شعره مقياسا لشاعريته، لجاز أن نرتفع بالبارودي درجة فوق شوقي على الرغم من انتمائهما ~~معا إلى مدرسة البعث الشعري المعاصر. # خاتمة # وإذا كانت حركة البعث الشعري المعاصر قد استمرت بعد البارودي عند مدرسة بأكملها ~~تزعمها شوقي وكان من كبارها حافظ إبراهيم ومحمد عبد المطلب وعلي الجارم وغيرهم ممن ~~يعرفون اليوم بمدرسة الشعر التقليدي، فإنه قد ظهرت إلى جوارهم منذ أوائل هذا القرن ~~مدارس شعرية أخرى كبيرة، مثل مدرسة شكري والمازني والعقاد التي اصطلحنا على تسميتها ~~بمدرسة الديوان نسبة إلى كتاب الديوان الذي هاجموا فيه المدرسة التقليدية أعنف الهجوم، ~~ثم المدرسة المهجرية التي تزعمها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي، ~~ومدرسة خليل مطران الذي تنتسب إليه جماعة أبوللو، وأخيرا المدرسة الجديدة التي تعرف ~~اليوم بمدرسة الشعر الواقعي أو شعر الوجدان الجماعي على نحو ما سنفصل القول. # | مدارس الشعر العربي الحديث # انتهينا من الحديث عن الشعر العربي التقليدي وتطوره في ضوء النظرية العامة للشعر، ووصلنا ~~في استعراضنا السريع إلى حركة البعث الشعري الذي قام به في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن ~~الحاضر شاعرنا الكبير محمود سامي البارودي، وهو البعث الذي كان إيذانا ببدء الحركة الشعرية ~~المعاصرة وتنوع مدارسها استنادا إلى التراث العربي القديم حينا وإلى تأثيرات الآداب ~~الغربية ومقتضيات حياتنا الجديدة حينا آخر، وها نحن أولاء ننظر اليوم في هذه ~~المدارس. # المدرسة التقليدية # وقد كان أول هذه المدارس ظهورا وأوسع أصحابها شهرة «المدرسة التقليدية» التي تزعمها ~~أمير الشعراء أحمد شوقي، وكان من فحولها شاعر النيل حافظ إبراهيم، وشاعر البداوة محمد ~~عبد المطلب، وشاعر رشيد علي الجارم، والشاعر محمد الأسمر، ولا يزال من بين أنصارها ~~الأحياء الشعراء: محمود عماد، وعلي الجندي، وعزيز أباظة. # ولقد يبدو غريبا أن يتزعم أحمد شوقي هذه المدرسة مع أنه أوفد في بعثة دراسية إلى ~~فرنسا؛ حيث أقام ms65 أربع سنوات اتصل فيها بآدابها خاصة والآداب الأوروبية عامة، وتأثر ~~أثناء إقامته بتلك الآداب حتى رأيناه يترجم شعرا قصيدة «البحيرة» للامارتين، كما ترجم ~~عددا من أقاصيص «لافونتين» على ألسنة الحيوانات، وألف أقاصيص أخرى على غرارها، بل ~~وألف الطبعة الأولى من مسرحية «على بك الكبير» سنة 1893، ولكن هذا العجب يمكن أن يزول ~~إذا ذكرنا ظروف حياة شوقي الخاصة وإعداده نفسه؛ ليكون شاعر الأمير تمهيدا لأن يصبح ~~أمير الشعراء ويبايعه العرب على ذلك في سنة 1927، فهو نفسه يحدثنا في مقدمة ديوانه ~~الأول الصادر في سنة 1903 بأنه قد حاول أن يتأثر بالأدب الغربي، ولكنه لم يلبث أن تبين ~~أن المطلوب منه هو أن يلتزم عمود الشعر العربي وتقاليده، وفعلا نهج هذا السبيل حتى ~~إننا لنقرأ شعره فلا نكاد نتبين فيه أثرا واضحا للآداب الغربية، بل ولا للحياة ~~الأوروبية التي عاشها أربع سنوات، وذلك فيما عدا القليل النادر إذا قورن بشاعر لاحق ك ~~«علي محمود طه» الذي لم تتح له الإقامة المتصلة بأوروبا كما أتيحت لشوقي، ومع ذلك ~~نحس أنه قد تأثر تأثرا عميقا بتلك الحياة ومشاهدها الطبيعية والإنسانية خلال ~~زياراته الصيفية العابرة لأقطار أوروبا على نحو ما نشهد في عدد من قصائده ابتداء من ~~«الجندول» إلى «بحيرة كومو»، بل إن قصيدة شوقي الوحيدة التي تردد بعض ذكريات باريس وهي ~~قصيدة «غاب بولونيا» لا نحس فيها تعمقا من الشاعر في حياة تلك المدينة الصاخبة ولا غنى ~~في تجاربه فيها، وإن تكن بالغة الجمال والعذوبة في نسيجها الشعري وما يشيع فيها من أسى ~~مرهف؛ حيث يقول: # يا غاب بولون ولي # ذمم عليك ولي عهود # زمن تقضي للهوى # ولنا بظلك، هل يعود؟ # حلم أريد رجوعه # ورجوع أحلامي بعيد # وهب الزمان أعادها # هل للشبيبة من يعيد؟ # يا غاب بولون وبي # وجد مع الذكرى يزيد # خفقت لرؤيته الضلو # ع وزلزل القلب العميد # هلا ذكرت زمان كنا # والزمان كما نريد # نطوي إليك دجى الليا # لي والدجى عنا يذود # فنقول عندك ما نقو # ل وليس غيرك من يعيد # نطقي ms66 هوى وصبابة # وحديثها وتر وعود # نسري ونمرح في قض # ائك والرياح به هجود # والطير أقعدها الكرى # والناس نامت والوجود # ومن الواضح أن شوقي لم يقل هذه القصيدة وهو مقيم بباريس أيام شبابه، وإنما قالها وقد ~~تقدم به العمر عندما عاد في إحدى رحلاته إلى «غاب بولون»، وإن المرء ليحار في افتقاد ~~أصداء الحياة الباريسية في شعره المبكر، ولكن هذه الحيرة يمكن أن تخف إذا ذكرنا أن ~~شوقي لم يستطع قط أن يكون شاعرا وجدانيا، وأن شعر المناسبات هو الذي غلب على شعره، ~~ولعله رأى في هذا النوع من الشعر ما يواتي طموحه أكثر من شعر الوجدان، أو لعل مزاجه ~~الخاص لم يكن يطاوعه، أو لعل في ظروفه الاجتماعية وطبقته المترفعة المتزمتة ما منعه ~~من أن يستسلم لوجدانه مترفعا عن أن يعرضه على القراء أو السامعين، وأيا ما يكون ~~الأمر فإننا نعتقد أن أحمد شوقي لم يستطع - لسوء الحظ - أن يغذي طاقته الشعرية ~~الفذة بآداب الغرب وحياة الغرب، كما أنه لم يستطع أن يطلق طاقته على سجيتها، وأن ~~يخلص لنفسه وأن يرتفع بشعره إلى الآفاق الإنسانية الرحبة التي لا تتقيد بمناسبات الظرف ~~وبملابسات المكان والزمان؛ حتى ليصعب على أي ناقد اليوم أن يستشف من شعر شوقي شخصيته ~~ومعالمه الروحية وأية فلسفة خاصة في الحياة، وكل هذه الحقائق هي التي مكنت لمدرسة ~~التجديد التي قادها شكري والمازني والعقاد من الهجوم على شوقي ومدرسته، ذلك الهجوم ~~العنيف الذي نطالعه في الجزأين اللذين ظهرا في سنة 1921 من كتاب «الديوان» الذي قدر له ~~كاتباه المازني والعقاد أن يصل إلى العشرة أجزاء، وقد خصصاه لمهاجمة المدرسة التقليدية ~~كلها في الشعر والنثر، وذهب العقاد بنقد شوقي فاتهمه بعدم الصدق، وقرر أن الشاعر هو من ~~أخلص لنفسه؛ بحيث لا يحجب الكذب والتكلف شخصيته عن شعره، كما اتهمه بالتقليد والصدور عن ~~القوالب الشعرية المتوارثة دون قدرة على التجديد والابتكار ودون غوص وراء الحقائق ~~العميقة والصور الجديدة، وكل ذلك سواء في شكل القصيدة أو مضمونها. وكانت جماعة الديوان ~~متأثرة ms67 بلا ريب بالآداب الغربية وبخاصة الإنجليزية منها، بل وبالشعر الأوروبي الرومانسي ~~بنوع أخص بدليل إجماعهم على الدعوة إلى شعر الوجدان. # ولكن المدرسة التقليدية التي لاقت نجاحا شعبيا واسعا لم تستسلم قط، بل ظلت ~~تتشبث وتقاوم حتى اليوم. # مدرسة الديوان # وقادت مدرسة الديوان الدعوة إلى شعر الوجدان، واتفق ثلاثتهم على هذه الدعوة وإن ~~اختلفوا بعد ذلك في الاتجاه وفقا لمزاج كل منهم الخاص؛ فذهب عبد الرحمن شكري بالتأمل ~~الوجداني والاستبطان الذاتي على نحو ما رأينا سابقا في قصيدته التي يخاطب فيها ~~المجهول، بينما صدر المازني في مستهل شبابه عن روح رومانسية شاكية باكية، ~~متبرمة بالحياة ساخطة عليها، وظل يصدر عن هذه الروح حتى هجر الشعر كله، بعد الجزأين ~~اللذين صدرا من ديوانه، إلى النثر الذي برع فيه وأصبح من أعلامه، كما تخلص من الشكوى ~~والسخط بالسخرية والتهكم اللذين عرف بهما في نثره، ولعلنا نستطيع أن نحس بمدى سخطه ~~وشكواه وتبرمه بالحياة في مثل قوله عن «الإخوان»: # سل الخلصاء ما صنعوا بعهدي # أضاعوه وكم هزئوا بجدي # ركبت إليهمو زهر الأماني # على ثقة فعدت أذم وخدي # وصلت بحبلهم حبلي فلما # نأوا عني قطعت حبال ودي # وكانوا حليتي فعطلت منها # وغمدي، فالحسام بغير غمد # أذم العيش بعدهمو ومن لي # بمن يدري أذموا العيش بعدي # وما راجعت صبري غير أني # أكتم لوعتي في الشوق جهدي # ولو أطلقت شوقي بل نحري # وروى وبل غاديتيه خدي ~~... إلخ. # ولعلنا نستطيع أن نلمس المزاج الرومانسي الذي كان مسيطرا على المازني عندئذ في ~~قوله: # ويروعني يأسي ويفزعني # أملي وأفرق من لقاء غدي # أو في قوله: # إني أراني قد حلت وانتسخت # مع الصبا سورة من السور # وصرت غيري فليس يعرفني # إذا رآني صباي ذو الطرر # ولو بدا لي لبت أنكره # كأنني لم أكنه في عمري # كأننا اثنان ليس يجمعنا # في العيش إلا تشبث الذكر # مات الفتى المازني ثم أتى # من مازن غيره على الأثر # وأما العقاد أديبنا الطموح الواسع الآفاق فقد قال الشعر في الاتجاهات جميعها فله شعر ~~الوجدان وله الشعر ms68 الفلسفي، بل وله أيضا شعر المناسبات، ولكنني عن نفسي أفضل ما قاله ~~من الشعر الوجداني الخالص الذي تروقني منه أمثال قصيدة «نفثة» التي يقول فيها: # ظمآن ظمآن لأصوب الغمام ولا # عذب المدام ولا الأنداء ترويني # حيران حيران لا نجم السماء ولا # معالم الأرض في الغماء تهديني # يقظان يقظان لا طيب الرقاد يدا # نينى ولا سمر السمار يلهيني # غصان غصان لا الأوجاع تبليني # ولا الكوارث والأشجان تبكيني # شعري دموعي وما بالشعر من عوض # عن الدموع نفاها جفن محزون # يا سوء ما أبقت الدنيا لمغتبط # على المدامع أجفان المساكين # هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم # وما استرحت بحزن في مدفون # أسوان أسوان لا طب الأساة ولا # سحر الرقاة من اللأواء يشفيني # سأمان سأمان لا صفو الحياة ولا # عجائب القدر المكنون تغنيني # أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني # على الزمان ولا خل فيأسوني # يديك فامح ضنى يا موت في كبدي # فلست تمحوه إلا حين تمحوني # وعلى أية حال فإن دعوة جماعة الديوان وبخاصة دعوتهم النقدية قد ساهمت مع دعوة المدرسة ~~المهجرية، ومدرسة مطران في توجيه الشعر العربي الحديث الوجهة الوجدانية التي لا تزال ~~تلازمه حتى اليوم على الرغم من تطور الوجدان في الفترة الأخيرة من الفردية إلى ~~الجماعية. # المدرسة المهجرية # بينما كانت جماعة الديوان تدعو إلى التجديد في المشرق العربي كان إخوانهم في المهاجر ~~الأمريكية - وبخاصة الشمالية منها - يدعون دعوة مماثلة، حتى رأينا العقاد وميخائيل ~~نعيمة يتبادلان التحية والتأييد في كتاب «الغربال» الذي ألفه نعيمة وقدم له العقاد، ~~وفيه يرسم نعيمة للدعوة الجديدة سبلها، ويرسم لنقد الشعر وتوجيهه مقاييس يستمدها من ~~حاجاتنا النفسية الثابتة؛ بحيث يقوم الشعر بإشباعه لحاجة أو أكثر من هذه الحاجات التي ~~أجملها فيما يأتي: # أولا: # حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية من رجاء ~~ويأس، وفوز وفشل، وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف ~~وطمأنينة وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات ~~والتأثرات. # وثانيا: # حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من ms69 نور نهتدي به غير ~~الحقيقة، حقيقة ما في أنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، ونحن وإن ~~اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أن في الحياة ما كان حقيقة في عهد ~~آدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم، وسيبقى حقيقة إلى آخر الدهر. # وثالثا: # حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال، ~~وكل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال؛ فإننا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه ~~جميلا ونحسبه قبيحا لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالا مطلقا ~~لا يختلف فيه ذوقان. # ورابعا: # حاجتنا إلى الموسيقى؛ ففي الروح ميل عجب إلى الأصوات والألحان لا ~~ندرك كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، لكنها ~~تنكمش من الأصوات المتنافرة وتنبسط بما تآلف منها. # ولقد وجه جبران خليل جبران شعر المهجر توجيها قويا نحو الرومانسية المجنحة، ~~وامتد تأثيره إلى الشرق العربي كله، سواء في الشعر الموزون أو الشعر المنثور، وكان ~~تأثيره أوضح ما يكون في خلق شعر المناجاة الذي سميناه في كتابنا «في الميزان الجديد» ~~بالشعر المهموس، ورأينا مثلا رائعا له في قصيدة «أخي» لميخائيل نعيمة، ولنأخذ لهذا ~~الشعر مثلا جميلا آخر من مطلع قصيدة «الطين» لإيليا أبو ماضي: # نسي الطين ساعة أنه طين # حقير فصال تيها وعربد # وكسا الخز جسمه فتباهى # وحوى المال كيسه فتمرد # يا أخي، لا تمل بوجهك عني # ما أنا فحمة ولا أنت فرقد # أنت لم تصنع الحرير الذي تلبس # واللؤلؤ الذي تتقلد # أنت لا تأكل النضار إذا جعت # ولا تشرب الجمان المنضد # أنت في البردة الموشاة مثلي # في كسائي الرديم تشقى وتسعد # لك في عالم النهار أمان # ورؤى والظلام فوقك ممتد # ولقلبي كما لقلبك أحلا # م حسان فإنه غير جلمد ~~••• # أأماني كلها من تراب # وأمانيك كلها من عسجد # وأماني كلها للتلاشي # وأمانيك للخلود المؤكد # لا فهذي وتلك تأتي وتمضي # كذويها، وأي شيء مؤبد؟! # أيها المزدهي إذا مسك السق # م ألا تشتكي؟ ألا تتنهد؟ # وإذا راعك الحبيب بهجر # ودعتك الذكرى ألا تتوجد؟ # أنت مثلي ms70 يهش وجهك للنعمى # وفي حالة المصيبة يكمد # أدموعي خل، ودمعك شهد # وبكائي ذل، ونوحك سؤدد! # وابتسامي السراب لا ري فيه # وابتساماتك اللآلي الخرد # فلك واحد يظل كلينا # حار طرفي به وطرفك أرمد # قمر واحد يطل علينا # وعلى الكوخ والبناء الموطد # إن يكن مشرقا لعينيك إني # لا أراه من كوة الكوخ أسود # النجوم التي تراها أراها # حين تخفى وحينما تتوقد # لست أدنى - على غناك - إليها # وأنا مع خصاصتي لست أبعد # أنت مثلي من الثرى وإليه # فلماذا يا صاحبي التيه والصد # مطران ومدرسة أبوللو # وفي الوقت الذي كان فيه جماعة الديوان، وكان المهجريون يهاجمون المدرسة التقليدية ~~أعنف الهجوم ويدعون إلى التجديد دعوة عنيفة صاخبة كان ثمة شاعر كبير يجدد في صمت، ~~ويقدم روائعه الجديدة حاملة الدعوة العملية لهذا التجديد، وهو الشاعر خليل مطران الذي ~~كتب المطولات القصصية والدرامية الرائعة، كما كتب الوجدانيات التي رأينا مثلا جميلا ~~لها في قصيدة «المساء» التي كتبها سنة 1902 وهو مريض بمكس الإسكندرية، وقد رأينا كيف ~~أحال الوصف فيها من الحسية التقليدية إلى الوجدانية التي يمتزج فيها الشاعر بالطبيعة، ~~ويتجاوب معها وكأنه حل بها وحلت به؛ مما يجعل من مطران رائد الوصف الوجداني في ~~شعرنا العربي الحديث. # ولقد أعلن الشاعر أحمد زكي أبو شادي منذ ديوانه الأول «أنداء الفجر» أنه قد تتلمذ على ~~مطران، كما أعلن الاعتراف نفسه عدد من كبار جماعة أبوللو التي تأسست في سنة 1932 وأصدرت ~~مجلتها الشعرية الخالدة التي ظلت تصدر حتى آخر سنة 1934 متخصصة في نشر الشعر الجديد ~~ونقده، ومنهم الشاعر الوجداني الكبير الدكتور إبراهيم ناجي، الذي تحدث غير مرة عن ~~«الحمى المطرانية» التي أصابته وأصابت رفاقه. # وعلى الرغم من أن جماعة أبوللو لم تدع أنها تكون مدرسة ذات فلسفة شعرية ~~محددة، بل أعلنت على العكس أنها تفسح صدرها وصدر مجلتها لكل شعر جيد، فإنها في ~~مجموعها قد تميزت بالطابع الوجداني الخالص رغم اختلاف كبار أعضائها اختلافا بينا ~~في المزاج النفسي، وهو الخلاف الذي جعل من شعر ناجي قصيدة غرام ومن ms71 شعر أبي القاسم ~~الشابي ثورة نفسية عارمة، ومن شعر على محمود سيمفونية مرحة مبتهجة بالحياة، ومن شعر ~~حسن كامل الصيرفي تأملا انطوائيا متصلا في الحياة وحقائقها، ومن شعر الهمشري هروبا ~~عاطفيا من صخب الحياة إلى «نارنجته الذابلة» أو إلى «قمة الأعراف»، فأغنوا شعرنا ~~العربي المعاصر بثروة ضخمة من شعر الوجدان المتفاوت النغمات المتعدد الألوان امتدادا ~~من ناجي صاحب «العودة» و«الأطلال» والقائل: # تتعاقب الأقدار وهي مسيئة # كم عقنا ليل وخان نهار # وكأنما هذا الفضاء خطيئة # وكأن همس نسيمه استغفار # إلى أبي القاسم الشابي الذي ظل يغالب الأقدار والمرض العضال حتى أسلم النفس الأخير في ~~روح ثورية صلبة عاتية، نستطيع أن نحسها في مثل قوله من قصيدة «نشيد الجبار أو هكذا ~~غنى بروميثيوس»: # سأعيش رغم الداء والإعياء # كالنسر فوق القمة الشماء # أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا # بالسحب والأمطار والأنواء # لا ألمح الظل الكئيب ولا أرى # ما في قرار الهوة السوداء # وأسير في دنيا المشاعر حالما # غردا وتلك طبيعة الشعراء # أشدو بموسيقى الحياة ووحيها # وأذيب روح الكون في إنشائي # وأصيخ للصوت الإلهي الذي # يحيي بقلبي ميت الأصداء # وأقول للقدر الذي لا ينثني # عن حرب آمالي بكل بلاء # لا يطفئ اللهب المؤجج في دمي # موج الأسى وعواصف الأرزاء # فاصدم فؤادي ما استطعت فإنه # سيكون مثل الصخرة الصماء # لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا # وضراعة الأطفال والضعفاء # ويعيش كالجبار يرنو دائما # للفجر ... للفجر الجميل النائي # وقد سرت روح الشابي الثائرة في ضمير الأمة العربية كلها فأصبحت ترى المواطن العربي في ~~كل قطر يردد قوله: # إذا الشعب يوما أراد الحيا # ة فلا بد أن يستجيب القدر # ولا بد لليل أن ينجلي # ولا بد للقيد أن ينكسر # وكل ذلك إلى جوار نغمات على محمود طه الباسمة المبتهجة في دواوينه «الملاح التائه» ~~و«عودة الملاح التائه»، و«زهر وخمر»، و«الشوق العائد»، و«شرق وغرب». # وقد ردد عدد من مغنينا عددا من قصائده التي تنشر البهجة في النفوس وفي مقدمتها ~~أغنية «الجندول»: # أين من عيني هاتيك المجالي # يا عروس البحر يا حلم الخيال ms72 # مدرسة الوجدان الجماعي # وسار الزمن بخطوات حثيثة، فإذا بالمد الثوري يعلو موجه، وإذا بثورتنا الوطنية الكبرى ~~تجمع في سنة 1952 بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية، فيأخذ الوجدان الفردي في ~~التقهقر شيئا فشيئا أمام الوجدان الجماعي الذي نسميه حينا بالوجدان الواقعي، وحينا ~~آخر بالوجدان الاشتراكي، فيظهر إلى جوار شعر الوجدان الفردي الخالص شعر الوجدان الجماعي ~~الذي سبق أن رأينا كيف أخذ يجدد في صورة القصيدة العربية ومضمونها فيتحرر من وحدة ~~البيت ليجعل من القصيدة كلها وحدة موسيقية متصلة متماسكة، ويلجأ في أحيان كثيرة إلى ~~الأقصوصة الموضوعية والدراما القصيرة ليتخذ منها موضوعات لقصائده. ms73