######OpenITI# #META# URI: 1384MuhammadMandur.IsmacilSabri.Hindawi85830684 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 85830684 #META# Title: محاضرات عن إسماعيل صبري #META# AuthorID: 27181903 #META# Author: محمد مندور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # شاعر الغناء‏ # معالم حياته‏ # شاعر الغناء‏ # معالم حياته‏ # | محاضرات عن إسماعيل صبري # | محاضرات عن إسماعيل صبري # تأليف # محمد مندور # | شاعر الغناء # إذا كنا قد سمينا ولي الدين يكن شاعر الحرية، وأوضحنا أن أصالته لا تبرز ~~إلا في شعره السياسي، فإننا على العكس من ذلك سوف نرى إسماعيل صبري لا يتميز ولا ~~تظهر أصالته إلا في الشعر الغنائي الذي يتحدث فيه عن نفسه، أو بمعنى أدق عن عاطفتين ~~إنسانيتين كبيرتين شغلتاه كما شغلتا الكثير من الأدباء والشعراء، بل والعاديين من الناس؛ ~~وهما العاطفتان اللتان تثيرهما فكرتا الحب والموت. وذلك بينما جرى في مدائحه الكثيرة ~~وتهانيه في الدروب المطروقة، وقلد الأقدمين أو استوحاهم معانيه، حتى استطاع الشاعر أحمد ~~محرم أن يحرر في سبتمبر سنة 1934 عددا خاصا من مجلة أبوللو، استنفد معظم صفحاته في ~~تتبع المعاني التي أخذها إسماعيل صبري عن القدماء. # وجاء الأستاذ عمر الدسوقي في الجزء الثاني من كتابه «في الأدب الحديث» ص256-305، فأخذ ~~بالكثير من ملاحظات أحمد محرم وتنقيباته، واتخذ من إسماعيل صبري مثلا للمدرسة ~~التقليدية وخصائصها، وذلك بينما كان بعض الكتاب والأدباء والنقاد الآخرين أكثر ~~إنصافا لإسماعيل صبري؛ مثل: الدكتور محمد صبري، الذي أصدر كتيبا عن إسماعيل صبري، ثم ~~عاد فأدمج هذا الكتيب في كتابه الكبير المعنون «أدب وتاريخ واجتماع» ص85-128، والدكتور ~~محمد حسين هيكل في كتابه «تراجم مصرية وعربية» ص181-195، والأستاذ عباس محمود العقاد في ~~كتابه «شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي» ص32-39. # ثم الأساتذة: طه حسين، وأنطون الجميل، وأحمد أمين، وأحمد الزين في المقدمات التي ~~صدروا بها ديوانه، فكل هؤلاء لم تغب عنهم أصالة إسماعيل صبري وقد رأوها في روحه الحضرية ~~الرقيقة المرهفة، وهي روح تتجلى بنوع خاص في شعره الغنائي، وهو شعر لا نسميه ~~غنائيا أخذا بالاصطلاح الأوروبي فحسب، بل ونسميه بهذا الاسم لأنه شعر يصلح فعلا ~~للغناء. وقد تغنى المغنون ببعض مقطوعاته، كما تضمن ديوانه في «التذييل» عدة مقطوعات ~~غنائية كتبها إسماعيل صبري بالعامية، ولحنها كبار الملحنين في عصره؛ كمحمد عثمان وغيره، ~~وإن يكن ms01 حكم هؤلاء النقاد قد اختلف بعد ذلك على هذه الروح الحضرية أو القاهرية العذبة ~~المرهفة. # فالعقاد يرى «أن الحياة غير تلك الحياة، وأن الطبيعة الإنسانية أرحب وأرفع وأقوى ~~وأعمق من الطبيعة الصبرية، وأن النعومة كالطفولة الضعيفة تروقنا بعض الأحيان، ولكننا لا ~~نلتزم لأجلها الطفولة أبد الزمان.» # وذلك بينما يعلق طه حسين مثلا على مقطوعة صبري الشهيرة: # أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة # ولا بشافعة في رد ما كانا # بقوله: «هل تعرف روحا أعذب من هذا الروح، وعاطفة أصدق من هذه العاطفة، ولهجة أرق من هذه ~~اللهجة، وموسيقى أجل وأظرف وأحسن تمثيلا للروح المصري الشعبي من هذه الموسيقى التي ~~يلائم بها بين «نافعة وشافعة» في البيت الأول؛ يأخذ هاتين الكلمتين من حديث الشعب في حياته ~~اليومية العادية فيرتفع بهما إلى أشد الشعر روعة، وأعظمه حظا من سذاجة؟! وهل تجد ~~شيئا من الغرابة في أن يغني في هذا الشعر بعض المغنين؟» # وبالمثل يطرب محمد حسين هيكل لروح «ابن البلد»، أو روح رجل الصالونات والمجتمعات التي ~~يحسها في شعر صبري الغنائي. كما يسميه الدكتور محمد صبري بشاعر الذوق. # هذا، ولعل الآنسة مي زيادة قد وصلت إلى الحق في حكمها على شعر إسماعيل صبري بفضل ~~إحساسها الأنثوي المرهف، عندما قالت في كتابها «الصحائف» ص116-128: # إنه ينبوع صغير، بلوري المياه عذبها، ينبوع يرشح المرة البيت والبيتين والثلاثة ~~الأبيات، وينتظم مرة أخرى تسلسله المكرر اللماع الملون، على أنه غير ~~فياض، لا يدهش بروعته، ولا يرهب بجلاله. إنما يجذب بحسنه المأنوس، ويرضى ~~ببساطته وجلائه، ويدخل الطرب على النفس الطروبة برقة عواطفه، وسلامة ألفاظه، ~~وإتقان نظمه. وهل ألطف من الينبوع الصغير في تدفقه الموزون بلا تهور؟! وهل ~~أقرب منه إلى إرواء الظمأ؟! هي هذه الصفات يسيطر عليها دواما الذوق الدقيق ~~المصفى، التي جعلت من صبري باشا على بضاعته الشعرية المحدودة شاعرا ~~كبيرا. # إذا نظم وقعت شاعريته من نفسك في مكانها الخاص بها، وصارت جزءا من حاستك ~~الغنائية تتناولها حافظتك بلا إجهاد، ويشربها قلبك كأسا منعشة قد تخالطها مرارة ~~مستحبة، ms02 غير أنها لا تجدد منك عطشا ، ولا تقلق عندك غورا، ولا تبعث فيك هوس ~~الطيران والغوص والمخاطرة. # | معالم حياته # هذا هو إسماعيل صبري الذي ولد بمدينة القاهرة في 16 فبراير سنة 1854، والتحق بمدرسة ~~المبتديان في 22 أكتوبر سنة 1866، ثم بمدرستي التجهيزية والإدارة، وأتم دراسته بمصر في ~~22 نوفمبر سنة 1874، ثم ألحق بالبعثة المصرية إلى فرنسا، ونال شهادة ليسانس في ~~الحقوق من جامع إكس في 20 مايو سنة 1878. # ولما عاد من فرنسا عين مساعدا للنيابة بمحكمة مصر الابتدائية المختلطة ~~في 11 يوليو سنة 1878، ونقل بنفس الوظيفة إلى محكمة ~~المنصورة المختلطة سنة 1878، ثم إلى محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة بالوظيفة ~~عينها في 29 أبريل سنة 1880، ثم عين نائبا في محكمة المنصورة المختلطة في 13 فبراير ~~سنة 1883، ثم وكيلا بمحكمة طنطا الأهلية في أول يناير سنة 1884، ثم رئيسا لمحكمة ~~بنها في 13 مارس سنة 1886، ثم رئيسا لمحكمة الإسكندرية الأهلية في 22 يونية سنة 1886، ~~ثم عين قاضيا بمحكمة استئناف مصر الأهلية في 30 نوفمبر سنة 1891، ثم وكيلا لمحكمة ~~استئناف مصر الأهلية في 27 ديسمبر سنة 1891. # ثم أضيفت إليه أعمال النائب العمومي لدى المحاكم الأهلية في 21 أبريل سنة 1895، ~~وكان أول مصري عين نهائيا في هذه الوظيفة في 5 ديسمبر سنة 1895، ثم عين محافظا ~~للإسكندرية في أول مارس سنة 1896، ثم وكيلا لنظارة الحقانية في 6 نوفمبر سنة 1899. ~~واعتزل الخدمة في 28 فبراير سنة 1907، وانتقل إلى رحمة الله في 21 مارس سنة 1923 بمدينة ~~القاهرة، بشارع القصر العيني أمام كلية الطب. # هذه هي المعالم والتواريخ التي استقاها ناشرو ~~ديوانه من ملف خدمته الموجود في دار المحفوظات المصرية، وهي معلومات جافة لا تسعفنا ~~كثيرا في التعرف على بيئته، وجو أسرته، والمؤثرات الأولى التي تحكمت في تربيته ~~وتوجيهه نحو الشعر، وإعطاء حياته ذلك الطابع الأرستقراطي الخاص الذي عزله عن عامة ~~الشعب، وأحاطه ببيئة خاصة، حتى جاء شعره غير منفعل بأحداث مصر الكبرى، وأحداث العالم ~~التركي أو العالم العربي المتصلين بمصر على نحو ما نشاهد عند ولي الدين يكن مثلا، ms03 ~~حتى إننا عند دراستنا له لم نحاول كما حاولنا في دراستنا لولي الدين أن نبحث له عن آراء ~~في السياسة أو الاجتماع، وعن شعر أو أدب يتضمن تلك الآراء. # فإسماعيل صبري أبعد ما يكون عن هذا الاتجاه، وكل شعره لا يكاد يخرج عن نوعين؛ إما شعر ~~تقليدي في المدح والتهاني لإسماعيل وتوفيق وغيرهما من ذوي الجاه والسلطان، يمدحهم ~~ويهنئهم و«يؤرخ» لهم في شعره، ويجري في مدحه وتهنئته على التقاليد القديمة المتوارثة، ~~والقوالب والصفات المتداولة، والمحسنات اللفظية المعروفة، من جناس وطباق ~~ومقابلة وما إليها. وهو يبتدئ هذه القصائد بالغزل على نحو ما فعل في أول قصيدة كتبها ~~تهنئة للخديوي إسماعيل بعيد الأضحى سنة 1870؛ أي والشاعر في السادسة عشرة من عمره طالبا ~~بمدرسة الإدارة والألسن؛ حيث يقول: # سفرت فلاح لنا هلال سعود # ونما الغرام بقلبي المعمود # وجلت على العشاق روض محاسن # فسقى الحياء شقائق التوريد # ورنت بأحور طرفها وتبسمت # فبدا ضياء اللؤلؤ المنضود # يا ربة الطرف الكحيل تعطفي # وعلى محبك بالمودة جودي # جودي ولو بالطيف في سنة الكرى # وصلي برغم مفند وحسود # قسما بما يرضيك من صدق الوفا # ما حلت عنك بسلوة وصدود # أنا قائم أبدا بمفروض الهوى # مستبدل للنوم بالتسهيد # فإلى متى ولهي وفرط صبابتي # وسرور عذالي وخلف وعودي # وإلى متى ذا الصد عن مضنى الهوى # عودي ليورق بالتواصل عودي # واستأنفي موصول عائد أنسنا # فالقرب عيدي والبعاد وعيدي # إلى أن يقول: # ليطيب لي في حبها ذلي كما # في مدح إسماعيل لذ نشيدي # ثم يستمر على هذا النهج في كافة قصائد المدح والتهنئة، ولا يقلع عن الطريقة ~~التقليدية إلا في بعض المقطوعات الصغيرة. # وأما النوع الثاني من شعره فهو شعره الذاتي الذي يصدر فيه عن مزاج أصيل، قد ~~نستطيع التقاط ملامحه من ذلك الشعر نفسه، وإن كان من الشاق تفسيره. وهذا المزاج هو ما ~~وصفه البعض بأنه مزاج قاهري، أو مزاج رجل الصالونات، أو مزاج النديم. وذهب البعض في ~~تفسيره إلى أنه طبع جبل عليه إسماعيل صبري الذي ولد أنيقا مرهفا، حتى ms04 لقد برع ~~في فن الخط وأوشك أن يتخذه مهنة، لولا أن صرفه عن ذلك علي مبارك باشا، الذي ضن ~~بمواهبه عن أن تقف عند هذه المهنة، فدفعه إلى السير قدما في الدراسة، ثم في الحياة، ~~ولكن التفسير بالطبع والجبلة لا يعتبر في الواقع تفسيرا، وإنما هو تسجيل لواقعة راهنة، ~~ولذلك أخذ بعض النقاد يبحثون عن تفسير هذا المزاج الرقيق المرهف في بيئة القاهرة، ومجالس ~~الظرفاء فيها، فقال الأستاذ العقاد: «إذا أتيح لك أن تحضر مجلسا من مجالس الظرفاء ~~القاهريين في الجيل الماضي، خيل إليك أنك في حجرة رجل نائم مريض، فالكلام همس، ~~والخطو لمس، والإشارة في رفق، وسياق الحديث لا إمعان فيه ... في هذه البيئة نشأ إسماعيل صبري ~~الشاعر الناقد البصير بلطائف الكلام، فنشأ على ذوق قاهري صادق يعرف الرقة بسليقته ~~وفكره، وليس يتكلفها بشفتيه ولسانه.» # ولكن هذه البيئة القاهرية ومجالس الظرفاء فيها لم تكن تضم إسماعيل صبري وحده، بل ضمت ~~غيره ممن يخالفونه مزاجا وشعرا مخالفة كاملة مطلقة؛ كولي الدين يكن الذي عاش ~~مع إسماعيل صبري في نفس البيئة، بل وغشي معه مجالس مشتركة مثل ندوة الآنسة مي، ومع ذلك أين ~~ولي الدين الدائم الانفعال والعنف من إسماعيل صبري الهادئ الوديع المسالم الذي ~~يقول: # إذا خانني خل قديم وعقني # وفوقت يوما في مقاتله سهمي # تعرض طيف الود بيني وبينه # فكسر سهمي فانثنيت ولم أرم # كما يقول: # إذا ما دعا داع إلى الشر مرة # وهزت رياح الحادثات قناتي # ركبت إليه الحلم خير مطية # وسرت إليه من طريق أناة # بل لقد ينساه الناس ولا يعود يذكره أحد، وكأنه حي ميت، فلا يثور ولا ينفعل ~~ولا يسخط، بل يعروه أسى رقيق يعبر عنه بقوله: # أين صبري؟ من يذكر اليوم صبري # بعد أعوام عزلة وشهور؟ # اسألوا الشعر فهو أعلم، هلا # أكلته الأسماك طي البحور # وهذه النفس الهادئة المطمئنة لا يخيفها الموت نفسه ولا تنفر منه، بل تدعوه أن يحث ~~الخطى؛ حيث يقول: # يا موت ها أنا ذا فخذ # ما أبقت الأيام مني # بيني ms05 وبينك خطوة # إن تخطها فرجت عني # ولا غرابة في ذلك، فمزاجه الهادئ قد أوحى إليه بفلسفة مماثلة عن الحياة والموت، ~~فقال: # إن سئمت الحياة فارجع إلى الأر # ض تنم آمنا من الأوصاب # تلك أم أحنى عليك من الأم # التي خلفتك للأتعاب # لا تخف فالممات ليس بماح # منك إلا ما تشتكي من عذاب # وحياة المرء اغتراب فإن ما # ت فقد عاد سالما للتراب # والواقع أن كل محاولة للتفسير لا بد أن تصل في النهاية إلى جوهر الشخصية ~~الإنسانية الذي لا يمكن تفسيره، والذي به يتفاوت الأدباء والشعراء، بل ويتفاوت الناس ~~قاطبة؛ ففي داخل كل شخصية بشرية يوجد ذلك الجوهر أو تلك النواة التي يتميز بها ~~العنصر الأصيل في كل فرد، وإنما تأتي العوامل الخارجية لتعزز الاتجاهات الفطرية، أو ~~لتخفف من حدتها أو تخفي من معالمها، وعلى هذا الأساس يمكن أن نقبل ما يقال في تفسير ~~مزاج هذا الشاعر أو الأديب أو ذاك. # هذا، ولإسماعيل صبري قصيدة نشرها في سنة 1901 تحت عنوان: «لواء الحسن»، أكبر الظن أنها ~~كانت القصيدة التي وجهت الباحثين والدارسين كل وجهة في دراستهم لإسماعيل صبري، ~~ومحاولة تفسير مزاجه، واكتشاف المؤثرات التي ساهمت في تكوين ذلك المزاج وتوجيه شعره. ~~وها هي هذه القصيدة: # يا لواء الحسن أحزاب الهوى # أيقظوا الفتنة في ظل اللواء # فرقتهم في الهوى ثاراتهم # فاجمعي الأمر وصوني الأبرياء # إن هذا الحسن كالماء الذي # فيه للأنفس ري وشفاء # لا تذودي بعضنا عن ورده # دون بعض واعدلي بين الظماء # أنت يم الحسن فيه ازدحمت # سفن الآمال يزجيها الرجاء # يقذف الشوق بها في مائج # بين لجين عناء وشقاء # شدة تمضي وتأتي شدة # تقتفيها شدة؛ هل من رجاء؟ # ساعفي آمال أنضاء الهوى # بقبول من سجاياك رخاء # وتجلي واجعلي قوم الهوى # تحت عرش الشمس في الحكم سواء # أقبلي نستقبل الدنيا وما # ضمنته من معدات الهناء # وأسفري، تلك حلى ما خلقت # لتواري بلثام أو خباء # واخطري بين الندامى يحلفوا # أن روضا راح في النادي وجاء # وانطقي ينثر إذ حدثتنا # ناثر الدر ms06 علينا ما نشاء # وابسمي، من كان هذا ثغره # يملأ الدنيا ابتساما وازدهاء # لا تخافي شططا من أنفس # تعثر الصبوة فيها بالحياء # راضت النخوة من أخلاقنا # وارتضى آدابنا صدق الولاء # فلو امتدت أمانينا إلى # ملك ما كدرت ذاك الصفاء # أنت روحانية لا تدعي # أن هذا الحسن من طين وماء # وانزعي عن جسمك الثوب يبن # للملا تكوين سكان السماء # وأري الدنيا جناحي ملك # خلف تمثال مصوغ من ضياء # نعم، إن هذه القصيدة هي التي طغت على كافة ما كتب عن إسماعيل صبري ومزاجه ~~القاهري أو «الصالوني»، فكل من كتبوا عنه استندوا إليها لكي يظهروا أن مزاج صبري ~~ليس مزاج شاعر حار منفعل، بل مزاج نديم، أو رجل صالونات، أو ظريف من ظرفاء القاهرة، ~~بل وذهب البعض إلى تفسير هذا المزاج بتأثير الأدب الفرنسي، أو على الأدق الأدب ~~اللامارتيني الذي تفاعل وانسجم مع قاهرية صبري، فقال الأستاذ العقاد: «ولما تهيأ ~~لإسماعيل صبري أن يتلقى العلم في فرنسا، ويطلع على آدابها وآداب الأوروبيين في لغتها، ~~كان من الاتفاق العجيب أن اطلع على الآداب الفرنسية وهي في حالة تشبه حالة الذوق ~~القاهري من بعض الوجوه؛ لأنها كانت تدين - على الأكثر الأغلب - بتلك الرفاهية الباكية ~~التي كان يمثلها لامارتين وإخوانه الأرقاء الناعمون.» # بل وتعسف التفسير بعض الأساتذة الباحثين، مثل الأستاذ عمر الدسوقي في الجزء الثاني من ~~كتابه «في الأدب الحديث»، فعلق على بيت صبري: # وانزعي عن جسمك الثوب يبن # للملا تكوين سكان السماء # بقوله: «وعجيب من صبري المهذب الرقيق الحاشية، رجل النادي الذي اشتهر بأنه لا يفحش، أن ~~يطلب من محبوبته أن تنزع الثوب عن جسمها أمام الندامى، لا بل أمام الملأ أجمعين ليروا تكوين ~~سكان السماء! ولا شك أن هذه فلتة من فلتات صبري ما فطن إليها.» ثم يشمل المقطوعة كلها ~~بتعليقه فيقول: «إن صبري شغل في هذه القطعة - مقتفيا أثر المدرسة الفرنسية - بمحاسن ~~المحبوب الظاهرة عن الكشف عن لواعج نفسه، ومكنون قلبه، وبث لوعته وحرقة فؤاده، فهو ~~ينظر إليها نظرة مادية رخيصة؛ يريدها أن ms07 تسفر لأن هذا الحسن لا يصح أن يتوارى، ~~ويريدها أن تخطر بين الندامى ويتمتعوا بهذا الجمال كأنهم في سوق الرقيق، ويريدها أن ~~تتحدث وتبتسم، ويعنى كل العناية بحسنها ومفاتنها حتى لم يستطع إلا أن يطلب منها أن ~~تخلع ثيابها، ولا يبرئه ما وصف به ونداماه من العفة ومن أنها ملك. إنه ~~تقليد مزدوج للعرب القدماء وللمدرسة الفرنسية على السواء.» # ونحن نصف هذا التفسير بالتعسف، ولكنه في الواقع خطأ في الفهم، فالبيت الخاص بنزع الثوب ~~لا يمكن فصله عن البيت السابق له وهو: # أنت روحانية لا تدعي # أن هذا الحسن من طين وماء # كما لا يمكن فصله عن البيت الذي يليه وهو: # وأرى الدنيا جناحي ملك # خلف تمثال مصوغ من ضياء # فالأبيات الثلاثة تكون رؤية شعرية واحدة يزعم فيها الشاعر أن الفتاة «روحانية» ليس ~~حسنها من «طين وماء»، وإنما هي «تمثال مصنوع من ضياء»، وبه «جناحا ملك». وهو يريد منها ~~أن تنزع الثوب لكي تثبت صحة رؤيته الشعرية، فلن يظهر عندئذ جسم بشري، بل «تمثال ~~مصنوع من ضياء» هو «تكوين سكان السماء»، وبذلك لا تكون «فلتة» من إسماعيل صبري، ولا يكون ~~هناك «سوق للرقيق»، ولا «عرض لجسم عار بين الندامى»، وإنما هناك رؤية شعرية ~~روحية. # وأما عن المدرسة الفرنسية التي حرص الأستاذ العقاد على أن يحددها بالمدرسة ~~اللامارتينية، وجاء الأستاذ عمر الدسوقي فعممها على الأدب الفرنسي كله، واستند على ~~البيت الخاص بنزع الثوب لكي يهاجم صبري ومن خلفه الأدب الفرنسي كله، بدعوى أن الأدب ~~الفرنسي «لا يعنى إلا بمحاسن المحبوبة الظاهرة دون الكشف عن لواعج النفس، ومكنون ~~القلب، وبث اللوعة وحرقة الفؤاد.» فكل هذا لا يمكن أن يقره دارس للأدب الفرنسي؛ وذلك ~~لأن الأدب الفرنسي لا نعرف أنه يعنى بمحاسن المحبوبة دون الكشف عن «لواعج النفس وحرقة ~~الفؤاد»، وإنما نلاحظ ذلك على فترة واحدة من فترات الأدب العربي لا الفرنسي، وهي فترة الأدب ~~الجاهلي؛ حيث كان الشعراء يحرصون على وصف محاسن المحبوبة دون لواعج النفس؛ وذلك ~~لأن الأدب الجاهلي كله يمتاز ms08 بالوصف الحسي لكافة ما كان يقع عليه بصر شعرائه. # وأما عن المدرسة اللامارتينية، فالبون شاسع بينها وبين إسماعيل صبري، وإلا فأين عند ~~صبري تلك «الرفاهة الباكية التي كان يمثلها لامارتين وإخوانه الأرقاء الناعمون.» فيما يقول ~~الأستاذ العقاد. # وإنه لمن الغريب أن يشيع في بعض الأوساط المصرية والعربية ذلك الفهم الخاطئ لطبيعة ~~المزاج الفرنسي والشعب الفرنسي؛ حيث يتوهم البعض أنه شعب الميوعة وأدب الميوعة. وهذا ~~خطأ ضار؛ فالمزاج الفرنسي انفعالي حار لا رخو مائع، ولقد يدفعهم الانفعال الشديد ~~إلى الحمق أو سوء التصرف، ولكنهم أبعد ما يكونون عن ~~التخنث والنعومة. وعاطفة الحب عند لامارتين عاطفة ~~حارة رفيعة تمتزج بحب الطبيعة، بل وبحب الله في وقدة إحساس صوفي حار، يستطيع من لا ~~يعرف الفرنسية من أدباء العرب الإحساس بحقيقتها بمطالعة قصة رافائيل، أو بعض القصائد ~~التي ترجمت؛ مثل قصيدة البحيرة التي ترجمها الأستاذ أحمد حسن الزيات مترجم «رافائيل»، ~~حتى لقد سمى لامارتين نفسه ديوانه «بالتأملات». # وقصيدة «لواء الحسن» قد حملها - في الواقع - النقاد والباحثون أكثر مما تحتمل، ~~أو غير ما تحتمل عندما استندوا إليها ليتخذوا منها مرآة لمزاج إسماعيل صبري ونفسيته، ~~واستنبطوا منها أنه ليس بشاعر ولا عاشق موله، وإنما هو نديم فاتر لا يغار على ~~محبوبته، ولا يود أن يستأثر بها دون غيره. # هذا، ولعل شارح الديوان الأستاذ أحمد الزين هو الذي يتحمل جانبا كبيرا من ~~مسئولية تفسير قصيدة لواء الحسن على النحو الذي أوضحناه ولا نريد أن نقبله؛ وذلك ~~لأنه قد قدم لهذه القصيدة، التي يؤرخها بسنة 1901، بقوله: «وقد قالها لتترجم إلى ~~اللغة الفرنسوية ضمن مجموعة مختارة من الشعر العربي القديم يراد ترجمته إليها، وهو في هذه ~~القصيدة يخالف غيره من الشعراء في حبهم الاستئثار بالحسن، ويرغب إلى الحسناء أن تسوي ~~بين محبيها في التمتع بالنظر إلى حسنها الباهر.» # ولعله يكون من الصحيح تاريخيا أنه قد كان هناك مشروع لترجمة مختارات من الشعر ~~العربي إلى اللغة الفرنسوية، ونحن نعلم أن واصف باشا غالي الذي أقام معظم حياته في ~~فرنسا كان ms09 يقوم بمثل هذه الترجمة، كما نعلم أنه كان صديقا لإسماعيل صبري، بل ونطالع في ~~الديوان خطابا أرسله واصف غالي من باريس إلى إسماعيل صبري، وفيه يطلب إليه أن يبذر بذور ~~السكينة والوفاق بين الأقباط والمسلمين؛ وذلك على أثر اغتيال بطرس باشا غالي، وعقد الأقباط ~~في 6 مارس سنة 1911 مؤتمرا بمدينة أسيوط للنظر في حالهم مع المسلمين، ومطالبة الحكومة ~~بعدة مطالب للطائفة القبطية، ثم رد المسلمون على هذا المؤتمر القبطي بمؤتمر ~~مصري أو إسلامي عقدوه في مصر الجديدة في نفس العام. # وبالفعل أنشأ إسماعيل صبري قصيدة طويلة في هذا المعنى بعنوان «نداء إلى الأقباط»، ص180 من ~~الديوان، بل ونجد في صفحة 84 قصيدة بعنوان «إلى واصف غالي باشا»، يشيد به فيها إسماعيل ~~صبري، وقد ألقاها في حفل أقيم لتكريمه في فندق شبرد ~~تحت رعاية الخديوي السابق عباس حلمي الثاني سنة 1914، ويقول شارح الديوان: إن هذه ~~الحفلة التكريمية قد أقيمت لواصف غالي «لما قام به من ترجمة بعض الشعر في كتاب سماه ~~«روض الأزهار»، ونشر هذا الكتاب في باريس، ولما كان يقوم به أيضا من إلقاء بعض ~~المحاضرات في باريس في الإشادة بفضل الشرق والشرقيين.» # كل هذه الوقائع التاريخية قد تغري بالظن بأن قصيدة «لواء الحسن» قد أعدت أو ~~صنعت لتترجم إلى الفرنسية، أو ليترجمها واصف باشا غالي بالذات، وإن كنا قد ~~راجعنا كتاب «روض الأزهار» - الموجود بدار الكتب المصرية، والمنشور سنة 1913 - فلم نجد تلك ~~القصيدة من بين ما يضمه هذا الكتاب. # وسواء أكانت هذه القصيدة قد ترجمت أو لم تترجم إلى الفرنسية، فإن الذي نحرص على ~~إيضاحه وتصحيحه هو تبديد ما يتوهمه البعض ممن لا يلمون بالشعر الفرنسي الإلمام ~~الكامل، وبشعر لامارتين وغيره من الرومانسيين بنوع خاص، من أن هذه القصيدة تجري مجرى ~~الشعر الفرنسي، وتتلاقى فيها روح ذلك الشعر مع الروح القاهرية التقاء يتركز في روح ~~الاستهتار بالحب، وعدم تقديسه، وتجريده من تلك الوحدانية، بل الأثرة الطبيعية التي ~~تتميز بها تلك العاطفة في جميع الشعر الصادق الحار. # والواقع ms10 أن لواء الحسن أو المرأة الجميلة التي يتحدث عنها إسماعيل صبري في هذه ~~القصيدة ليست امرأة مبتذلة، ولا نهبا للأطماع، وإنما هي امرأة روحانية تقصر عن التطلع ~~إليها شهوات النفوس. وليس في القصيدة أية نغمة حسية أو مستهترة أو مبتذلة، وهي ~~أبعد ما تكون عن روح الندماء ومجالس الظرف أو الخلاعة. وكل هذا يغرينا بأن نرجح أنها ~~قصيدة تعبر عن تجربة بشرية صادقة شريفة، بل وأن نميل إلى الاعتقاد بأنها قيلت في ~~الآنسة مي زيادة بالذات. # نعم، إن هناك صعوبات في التواريخ؛ وذلك لأن ناشر الديوان يقول: إن قصيدة لواء الحسن ~~قد نشرت في سنة 1901، والدكتور منصور فهمي يرجح في المحاضرات التي ألقاها في هذا المعهد ~~عن الآنسة مي، أنها قد ولدت بين عامي 1885 و1886، وإذا صح هذان الخبران، فيكون معنى ذلك ~~أن إسماعيل صبري قد قال قصيدة لواء الحسن ومي في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها، ~~ولكننا على أية حال لا نستطيع أن نجزم بمدى صحة هذين التاريخين؛ فقد تكون القصيدة أحدث ~~تاريخا، وقد تكون مي أقدم ميلادا. # وعلى أية حال، فإنه إذا صح تاريخ ميلاد مي السابق، وقورن بما هو مؤكد رسميا من ~~ميلاد إسماعيل صبري في 16 فبراير سنة 1854، يكون معنى ذلك أن بينه وبينها من فارق السن ~~ثلاثين عاما على الأقل. ومع ذلك، فإن في ديوان صبري بيتين ص128 يذكران مي بصريح اللفظ، ~~وهما بيتان أرسلهما إليها في أحد أيام الثلاثاء التي كانت تعقد فيها ندوتها. وقد اضطر صبري ~~في ذلك اليوم إلى التخلف عن حضورها بسبب بعض أسفاره، وهذان البيتان هما: # روحي على دور بعض الحي حائمة # كظامئ الطير تواقا إلى الماء # إن لم أمتع بمي ناظري غدا # أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء # وفضلا عن ذلك فإن لدينا مقطوعة أخرى تصدر عن نفس الروح التي تصدر عنها قصيدة «لواء ~~الحسن»، وقد أرخها الناشر بسنة 1909: # يا راحة القلب يا شغل الفؤاد صلي # متيما أنت في الحالين دنياه # زيني الندى وسيلي في جوانبه # لطفا ms11 يعم رعايا اللطف رياه # ريحانة أنت في صحراء مجدبة # من الرياحين حيانا بها الله # إن غاب ساقي الطلا أو صد لا حرج # هذا جمالك يغنينا محياه # وعلى أية حال، وسواء أكانت قصيدة لواء الحسن، وهذه القصيدة الأخيرة وأمثالهما مما قد ~~نجده في ديوان صبري قد قيلت في الآنسة مي، أو في فتاة أو سيدة مهذبة شريفة مثلها، ~~فإننا في كلتا الحالتين نستطيع أن نجزم بأن هذه القصائد لم يقلها إسماعيل صبري ~~متأثرا بالأدب الفرنسي، بل قالها صادرا عن تجربة واقعية ومزاج خاص؛ وذلك لأننا لا ~~نعرف في الأدب الفرنسي غزلا يشبه في روحه هذه المقطوعات، وإنما نعرف في الأدب ~~الفرنسي أحد اتجاهين: إما الاتجاه الرومانسي، وهو الاتجاه العاطفي الحار المنفعل الثائر ~~أحيانا كما هو الحال عند ألفريد دي موسيه، والرقيق المتأمل، بل والباكي أحيانا كما هو ~~الحال عند لامارتين، الذي يختلط عنده حب الحبيبة بحب الطبيعة - كما قلنا - بل وبحب الله ~~أحيانا، والتأمل فيه. ثم الاتجاه البودليري الذي يمكن أن يسمى بالأدب المكشوف، وهو لا ~~يشبه مقطوعات صبري العفيفة في شيء. وإذا لم يكن بد من التماس شبيه لهذا الاتجاه ~~البودليري في الأدب العربي، فقد نجده عند الشاعر عمر بن أبي ربيعة، ثم بنوع خاص عند ~~بعض الجاهليين؛ مثل امرئ القيس، الذي لم يكن يتورع عما يزعمه من أنه كان يلهي عشيقته ~~عن مرضعها «ذي التمائم المحول»؛ حيث يقول: # إذا ما بكى من خلفها التفتت له # بشق وتحتي شقها لم يحول # كما قد نجده عند الشاعر المعاصر إلياس أبي شبكة. # ومع ذلك، فإن من الظلم أن نعمم الحكم على إسماعيل صبري فنتهمه بأنه لم يتحدث عن ~~لواعج الحب وحرقته وما تثيره نكباته من أسى في النفوس، وهو القائل ص117: # يا آسي الحي هل فتشت في كبدي # وهل تبينت داء في زواياها؟ # أواه من حرق أودت بأكثرها # ولم تزل تتمشى في بقاياها # يا شوق رفقا بأضلاع عصفت بها # فالقلب يخفق ذعرا في حناياها # بل وهو الذي تحدث عن أسى الحب الضائع ms12 حديثا يعتبر بلا شك من أجمل ما قيل في الأدب ~~العربي قديمه وحديثه في مقطوعته الشهيرة: # أقصر فؤادي فما الذكرى بنافعة # ولا بشافعة في رد ما كانا # سلا الفؤاد الذي شاطرته زمنا # حمل الصبابة فاخفق وحدك الآنا # ما كان ضرك إذ علقت شمس ضحى # لو ادكرت ضحايا العشق أحيانا # هلا أخذت لهذا اليوم أهبته # من قبل أن تصبح الأشواق أشجانا # لهفي عليك قضيت العمر مقتحما # في الوصل نارا وفي الهجران نيرانا # هذا وقد علق الشاعر خليل مطران على قصيدة «لواء الحسن» بقوله: «كانت الغزليات قبل ~~الآن فيها ما يمس الآداب العمومية من ذكر القدود والنهود، والضم والعناق، ورقة الخصر ~~وكثافة الردف. ولقد كان هذا من العام حتى في قصائد المديح للملوك والأمراء، وهو ما لا ~~ترضاه الأذواق في هذه الأيام وينكره علينا أدباء الغرب. وقد سئل صاحب السعادة المفضال ~~إسماعيل باشا صبري نظم أبيات تنقل إلى اللغة الفرنسوية، وتجعل في كتاب يؤلف الآن في ~~مختار الشعر العربي قديمه وحديثه، فجادت قريحته الوقادة بهذه الأبيات التي جاءت على ~~الطريقة الصوفية من حيث سمو الخيال، ونزاهة الشيمة، وغرابة الوضع، ولعلها أحسن ما جمع ~~فيه بين الأسلوبين العربي والغربي في نظم الشعر.» # ولقد يكون من المبالغة القول بأن هذه المقطوعة قد جاءت على الطريقة الصوفية، ولكن هذه ~~المبالغة لا تصل إلى حد المبالغة المضادة التي تريد أن تصف هذه المقطوعة بالرقاعة أو ما ~~يشبهها، وهي بعد تجريدها من هذه المبالغة تنم عن حقيقة المقطوعة من حيث إنها لا تمت ~~بصلة إلى الغزل الحسي، أو غزل الندماء والسكارى، كما تدل على أن التمسك بالبيت ~~الذي يدعو فيه الشاعر الفتاة الملائكية لنزع الثوب لكي يسفر عن «تمثال مصوغ من ضياء» ~~للحكم على هذه المقطوعة بالحسية الممجوجة تعسف بالغ، بل خطأ واضح تفضحه بقية معاني ~~القصيدة التي تحدثنا عن الشعور الحقيقي للمعجبين بهذه الحسناء الملائكية التي كانت ~~الصبوة تتعثر إزاءها بالحياء. # وأما عن تأثر إسماعيل صبري بالأدب الفرنسي، فقد حاول الدكتور محمد صبري تلمسه في ~~بعض ms13 المعاني التي جاءت في شعره، ولكن مثل هذه الأبحاث لا بد أن تؤخذ بالحذر الشديد، وهي ~~شبيهة بالبحث عن السرقات عند نقاد العرب القدماء؛ فالشعراء يستقون من منابع متشابهة هي ~~الإنسان والطبيعة وما خلف الطبيعة والمجتمع أحيانا، وكثيرا ما تتوارد الخواطر؛ ولذلك لا ~~نستطيع الجزم بالأخذ عن الغير إلا عندما تكون الفكرة أو يكون الإحساس قد اتخذ ~~قالبا تعبيريا أو تصويرا بيانيا يضع عليه الطابع الخاص لقائله؛ وبذلك نستطيع أن ~~نجزم بملكيته الأدبية له. ولعلنا نستطيع أن نضرب لذلك مثلا بقول صبري: # أواه لو علم الشبا # ب وآه لو قدر المشيب! # فهذا المعنى بهذه الصياغة يكاد يكون ترجمة حرفية لمثل شعبي سائر في فرنسا هو: # Ah! Sixjeunesse savait, et si vieillesse ~~pouvait! # وقد أشار الشارح صراحة إلى ذلك في تقديمه لهذه المقطوعة؛ حيث قال: «استوحى هذه ~~الأبيات من المثل الفرنسوي الذي ترجمته: «ليت الشباب يعرف، وليت المشيب يقدر».» كما أشار ~~الديوان إلى أن صبري قد استوحى مقطوعته عن الساعة ص188 من عبارة قرأها على عقرب إحدى ~~ساعات كنيسة رمس بفرنسا؛ وهي: «كلهن جارحات والأخيرة القاتلة.» وفيها يشكو الساعات ~~وتعاقبها عليه بما يكره. # وكما ترجم شوقي بعض أقاصيص «لافونتين» التي كتبها على ألسنة الحيوانات، نرى صبري يترجم هو ~~الآخر أقصوصة الثعلب والغراب ص137، ويستهلها بقوله: # أبصر الثعلب على غص # ن نضير في روضة غناء # وأما فيما عدا الترجمة أو الاستيحاء المعترف به، فيخيل إلينا أن النقاد قد أخذوا ~~يتعسفون عندما راحوا يلتمسون شبها قريبا أو بعيدا بين هذا البيت أو ذاك، وبين بيت عربي ~~قديم أو بيت فرنسي على نحو ما فعل أحمد محرم في عدد سبتمبر 1934 من مجلة أبوللو، وجاراه ~~الأستاذ عمر الدسوقي في كتابه عن الأدب الحديث، بل وكما فعل أحيانا الدكتور محمد صبري، ~~والأستاذ مصطفى صادق الرافعي. ونضرب لذلك مثلا بقول إسماعيل صبري: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # شجيين فاضا لوعة وعتابا # كأن صديقا في خلال صديقه # تسرب أثناء العناق وغابا # فالرافعي يرى أن هذا المعنى أصله ms14 لبشار في قوله: # وبتنا جميعا لو تراق زجاجة # من الخمر فيما بيننا لم تسرب # ويعارضه الدكتور محمد صبري، ولكن ليقول: «وأرى إذا كان لا بد وأن يكون صبري قد أخذ هذا ~~المعنى من أحد قبله، وهذا ما لا أظن، فقد أخذه من «مونتيني » # Montaigne # الفيلسوف الفرنسي في القرن السادس عشر، الذي قال في موقف عناق: ~~وما كنت ~~أدري أكان هو أم أنا # je ne sais si ~~c’est lui, si c’est moi ~~. يشير بذلك إلى فناء الشخصين أحدهما في ~~الآخر.» # فأما عما يقوله الأستاذ الرافعي، فإنه إذا كان هناك تشابه بين المعنيين اللذين عبر ~~عنهما بشار وصبري؛ وهو شدة الالتصاق، فإن التصوير البياني الذي يدمغ ~~المعنى بملكية قائله يختلف اختلافا مطلقا عند ~~كليهما؛ فالالتصاق عند بشار لا يسمح بتسرب الخمر لو سكبت بينهما، بينما صبري يقول: ~~إن العناق كان شديدا حتى لكأن الصديق قد تسرب خلال صديقه. وهذا تصوير يختلف ~~تماما عن تصوير بشار. # وأما عن الفيلسوف الفرنسي، فهو لم يقل عبارته في مجال العناق، وإنما وردت في مقال ~~شهير له عن الصداقة، تحدث فيه عن صديق فقده هو دي لابويسيه ورثاه، وفصل القول عن مدى ~~صداقتهما التي وصلت إلى حد الامتزاج الكلي حتى ما كان يميز أحدهما نفسه عن شخص ~~صديقه، وعن هذه الصداقة قال الفيلسوف الفرنسي: «لم أكن أدري أكان هو أم أنا.» بعد أن أوضح ~~أنه كان يقتسم مع صديقه وهو حي كل شيء، حتى ليخيل إليه منذ مات أنه يسرق نصيب صديقه من ~~كل شيء يأكله أو يتمتع به. # ومع ذلك، فإنه إذا كان من التعسف البحث عن جزئيات المعاني أو المشاعر التي يزعم بعض ~~النقاد أن صبري قد أخذها عن غيره من شعراء العرب أو الفرنسيين، فإنه من الثابت ~~باعتراف صبري نفسه وبحقائق حياته أنه قد تأثر في روحه وفنه العام بشعراء بعينهم، ~~تجاوبت معهم روحه، وذهب إليهم تفضيله؛ مثل عمر بن الفارض الذي نحس بروح مشابهة لروحه في ~~قول صبري: # يا رب أين ترى تقام ms15 جهنم # للظالمين غدا وللأشرار؟ # لم يبق عفوك في السماوات العلى # والأرض شبرا خاليا للنار # يا رب أهلني لفضلك واكفني # شطط العقول وفتنة الأفكار # ومر الوجود يشف عنك لكي أرى # غضب اللطيف ورحمة الجبار # يا عالم الأسرار حسبي محنة # علمي بأنك عالم الأسرار # أخلق برحمتك التي تسع الورى # ألا تضيق بأعظم الأوزار # بل ولقد نحس في هذه المقطوعة، أيضا، شيئا من روح الشاعر المتدين الرقيق لامارتين، ~~دون أن نستطيع الجزم بأنه قد أخذ أية جزئية من جزئيات معانيه عن لامارتين أو غيره، ~~كما زعم الدكتور محمد صبري. # وكذلك الأمر في البحتري الذي يقول صديقه وشارح ديوانه أحمد الزين: إن صبري قد حدثه ~~ذات مرة بأنه حين قرأ ديوان البحتري خيل إليه أنه لم يقرأ ~~شعرا قبله، بل وأحس نفس الشارح بشبه قوي بين ~~الرائية التي قالها صبري في تهنئة الخديوي عباس الثاني بعيد الفطر، وأولها: # بعلاك يختال الزمان تبخترا # وبقدرك الأسمى يتيه تكبرا # وبين قصيدة البحتري الرائية، أيضا، التي قالها في تهنئة الخليفة المتوكل بعيد الفطر ~~كذلك، وأولها: # أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر # وألام في كمد عليك وأعذر # وإن يكن الصديق الشارح لم يأخذ في التنقيب عن المعاني التي يمكن أن يتهم صبري بأنه قد ~~أخذها عن البحتري، بل اكتفى بإيضاح الشبه بين الشاعرين «في حسن التنسيق، وصفاء الديباجة، ~~وسفور المعاني، وعذوبة الألفاظ وطلاوتها، وذلك الجمال الذي تراه شائعا في شعره، ~~مترقرقا في عباراته ترقرق الظل في السحر على أوراق الزهر.» # وبالرغم من كل ما قد يكون في هذه الملاحظات من صدق، إلا أننا لا نميل إلى تركيز ~~الاهتمام على هؤلاء الشعراء في تفسير مزاج إسماعيل صبري وروحه الشاعرية الخاصة، ونفضل ~~أن ننظر إلى هؤلاء الشعراء لا على أنهم من عوامل تكوينه الشاعري، بل على أنه اختارهم ~~وآثرهم بدافع من مزاجه الخاص الذي فطر عليه؛ وذلك أخذا بالحكمة القديمة الصادقة التي ~~تقول بأن اختيار المرء قطعة من عقله. # وإذا كان قد حدث بعد ذلك تجاوب بين صبري وابن الفارض والبحتري ms16 ولامارتين، فإن تأثيرهم ~~فيه لا يعدو أن يكون قد عزز اتجاهات نفسه، وساعد على نمو البذرة التي فطرت ~~فيها. # والواقع أن إسماعيل صبري من أولئك الشعراء والأدباء الذين ينطبق عليهم إلى حد بعيد ~~قول أحد كبار النقاد الفرنسيين: «إن أسلوب الرجل هو الرجل نفسه.» وذلك على أن نفهم معنى ~~الأسلوب بالمعنى الغربي؛ حيث نراهم لا يقصدون به طريقة التعبير اللفظي وخصائص ذلك التعبير ~~اللغوية، بل يقصدون طريقة الكاتب أو الشاعر في معالجة الأمور، وفي النظر إلى الحياة ووجهة ~~انفعاله بها، فيقولون: إن هذا الأديب أو ذاك عاطفي الأسلوب، أو خياليه، أو ساخره، ~~أو رقيقه. # شعر إسماعيل صبري يمثل إذن أسلوبه في الحياة ومزاجه الخاص، حتى ليصح القول بأن ~~أسلوب صبري الشعري هو صبري نفسه، وأنه لم يستمد هذا الأسلوب من أحد بقدر ما استمده من ~~أعماق نفسه. وإذا صحت هذه الحقيقة يصبح من العبث البحث عما أخذه عن الغير، بل وعما ~~تأثر فيه بالغير، ويكفيه أصالة أن يكون أسلوبه الشعري مرآة لحياته، ولطبيعة نفسه. ونحن ~~لا نعني بذلك أنه قد قصر شعره على أحداث حياته الخاصة وأحاسيسها، بل نعني طريقة ~~التناول، بصرف النظر عن الموضوعات التي يعالجها؛ ففي هذه الطريقة تظهر أناقته، وعذوبة ~~روحه، ووداعة طبعه وميله إلى اليسر والتسامح واطمئنان النفس، والبعد عن الجلبة والعناد ~~والعنف والتعصب للرأي، على نحو ما لاحظنا عند شاعر آخر كولي الدين يكن، شاعر ~~الانفعالات الفكرية. # وأول ما نلاحظه على إسماعيل صبري ولاحظه غيرنا: سلامة الذوق ورقته، ورهافة إحساسه اللغوي ~~والموسيقي؛ مما أحال شعره غناء، وجعل منتداه الأدبي في بيته سوق عكاظ، بل صالون شعر ~~وصفه حافظ إبراهيم بقوله: # لقد كنت أغشاه في داره # وناديه فيها زها وازدهر # وأعرض شعري على مسمع # لطيف يحس نبو الوتر # كما تحدث مصطفى صادق الرافعي، في مقتطف مايو سنة 1923، عن ملكته الناقدة نقدا ~~يستند إلى سلاسة الطبع، ورقة العاطفة، وسلامة الذوق، فقال: «ولم يكن في مصر ممن يحسن ~~ذوق البيان، ويميز أقدار الألفاظ بعضها عن بعض وألوان دلالتها ms17 كالبارودي، وصبري، وإبراهيم ~~المويلحي، والشيخ محمد عبده، رحمهم الله جميعا، والبارودي يذوق بالسليقة، وصبري بالعاطفة، ~~والمويلحي بالظرف، والشيخ بالبصيرة النفاذة. وذلك شيء ركبه الله في طبيعة صبري ولم ~~يحصله بالدرس أكثر مما حصله بالحس؛ ومن أجله كان يفضل البحتري على غيره.» # ولقد روى الدكتور محمد صبري عنه أحكاما مركزة عن شوقي وحافظ ومطران ؛ حيث قال: «شوقي ~~ينظم، وحافظ يبني، ومطران يبتدع.» وهذه عبارات تدل على إحساس فني صادق؛ لأنها تبرز ~~الخاصية الأساسية لكل من الشعراء الثلاثة؛ فشوقي يتميز بروعة موسيقاه، وحافظ ~~ببراعة سبكه، بينما يذهب مطران بالأصالة والابتكار حتى اعتبر رائد التجديد في الشعر ~~العربي المعاصر. # وسلامة الذوق ترجع - كما قال الرافعي - إلى طبيعة صبري، ورقة مزاجه، وسلاسة طبعه، ~~ورفاهة إحساسه. وكل هذه صفات حددت منهجه الشعري الذي وصفه صديقه ومعاصره خليل مطران ~~وصفا دقيقا صادقا بقوله: «أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها، أو ~~خبر ذي بال يسمعه، أو كتاب يطالعه.» ~~«ولما كان لا ينظم للشهرة، بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه، فالغالب في أمره أنه ~~يقول الشعر متمشيا، وربما قاله بحضرة صديق وهو مائل عنه بعنقه، وله بين حين ~~وحين أنة تتمثل ما تنطق به لفظة «إيه» مستطيلة. ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين ~~عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة، وهو نادر. ~~شديد النقد لشعره، كثير التعديل والتحويل فيه، حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من ~~رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، وهكذا يمر به الآن بعد الآن فيجيش في صدره ~~الشعر، فيرسل بيته إطلاق زوجي الطائر فيذهبان في الفضاء ضاربين من أشطرهما بأجنحة ملتمعة ~~شاديين على توقيع العروض إلى أن يتواريا وينقطع نغمهما من عالم النسيان. ذلك هو الشعر ~~للشعر.» # وهكذا لم يكن صبري يقول الشعر للشهرة، بل لمجاراة نفسه على ما تدعوه إليه؛ ولذلك صح ~~أن يوصف منهجه بأنه الشعر للشعر، بل الشعر للغناء، وكان خير ما قال من شعر ms18 هو تلك ~~المقطوعات والقصائد التي قالها للتعبير عن وجدانه الخاص، وهو الشعر الذي غلب عليه في مرحلة ~~كهولته بعد أن نضجت ملكاته، واستوى منهجه، وتخلص من الشعر التقليدي ذي المحسنات ~~البديعية، الذي كان يقوله جريا على عادة عصره في صدر حياته في تهنئة الخديوي أو مدحه، أو ~~في بعض المناسبات الكبرى، بل ورأيناه لا يكتفي بهذا الشعر الغنائي الفصيح فيؤلف للغناء ~~مقطوعات عامية يكاد يجمع معاصروه على أنها ارتفعت بالأغاني ارتفاعا كبيرا، ~~وهذبت الأذواق، حتى ليخيل إلينا أنه كان ذا أثر واضح في بعض شعرائنا ~~المعاصرين الذين اشتهروا بالأغاني مثل أحمد رامي. ولقد حرص جامعو ديوانه على أن يذيلوه ~~بطائفة مختارة من أغانيه العامية الذائعة الصيت؛ مثل أغنية: # قدك أمير الأغصان # من غير مكابر # وورد خدك سلطان # على الأزاهر # والحب له أشجان # يا قلب حاذر # والصد ويا الهجران # جزا المخاطر # وهذا الإحساس المرهف لم يكن بد من أن تصحبه عدة صفات أخلاقية، نطالعها في شعره كما ~~يرويها معاصروه عن واقع حياته، ومن بينها: سمو النفس، والاعتزاز بالكرامة، والبعد عن ~~مواضع المهانة والصغار، فهم يحدثوننا أنه قد كان من بين وجهاء المصريين ~~القلائل الذين لم يدخلوا قط دار اللورد كرومر، صاحب الحول والطول في ذلك الحين، رغم دعوته ~~المتكررة له، وهو يصور في شعره عزة النفس بقوله: # لكسرة من رغيف خبز # تؤدم بالملح والكرامة # أشهى إلى الحر من طعام # يؤدم بالشهد والملامة # بل كان ينتقم لكرامته في دعة وسخرية باسمة، مثل قوله: # أيها التائه المدل علينا # ويك! قل لي: من أنت؟ إني نسيت # ومن كانت تلك عزة نفسه كان من الطبيعي أن يزهد في الحياة ومغانمها الباطلة، ولا يرى في ~~الموت كارثة يفرق لها، بل لعله يؤثر الميت المستريح على ميت الأحياء؛ حيث ~~يقول: # مقابر من ماتوا مواطن راحة # فلا تك إثر الهالكين جزوعا # وإن تبك ميتا ضمه القبر فادخر # لميت على قيد الحياة دموعا # بل وكان يرى في الموت راحة لنفسه ومخلصا من آلامه التي زادتها حساسيته حدة؛ حيث ~~يقول: ms19 # يا موت خذ ما أبقت الأي # ام والساعات مني # بيني وبينك خطوة ... # إن تخطها فرجت عني # على أننا لو تركنا شعره الذي يتحدث فيه عن نفسه وعن خوالجه الخاصة، ونظرنا في ~~فنون الشعر التقليدية التي عالجها، وفي القصائد الموضوعية التي نظمها؛ لاتضح لنا على نحو ~~أفصح دلالة ما قلناه من أن صبري ينطبق عليه بحق قول أحد الفرنسيين: إن أسلوب الرجل ~~هو الرجل نفسه. # ففي الأغراض التقليدية لا نجد عنفا في الطبع، ولا حدة في المزاج، كما لا نجد ~~سيرا على الدروب المطروقة، بل تلوينا لتلك الأغراض بمزاجه الخاص، واتجاها نحو الأسلوب ~~الذي يستمده من طبيعته. # ففي الإلهيات نطالع له عدة مقطوعات جميلة مؤثرة لا يحسم فيها موقفه من الله ~~وحقائق الدين؛ أي إنه لا يتعصب للإيمان كما لا يتعصب للكفر، بل ولا يتعصب للشك، بل ~~يصور حالته النفسية الوديعة في غير تزمت ولا عناد ولا التزام؛ حيث يقول مثلا ~~ص192: # خشيتك حتى قيل إني لم أثق # بأنك تعفو عن كثير وترحم # وأملت حتى قيل ليس بخائف # من الله أن تشوي الوجوه جهنم # فشأني في حالي يا رب حيرة # بها أنت من دون البرية أعلم # أقلني من الشك الذي قد أحاط بي # فشأني في حالي يا رب مبهم # مر الحجب ترفع عنك أستقبل الهدى # صريحا وينهج منهج الحق مجرم # كما يقول في نفس الموضع: # أنا يا إلهي عند بابك واقف # لا أبتغي عند الزمان عدولا # ما جئت أطلب أجر ما قدمته # حاشا لجودك أن يكون قليلا # عظمت آمالي وصغرت الورى # من ذا لها إن لم تكن مأمولا # إني ليعجبني وقوفي سائلا # إن كنت أنت السيد المسئولا # وكل هذا شعر وادع صادق يصور حقيقة نفسية واقعة، ويصدر عن مزاج خاص، فلا هو ~~تصوف حار يشبه العشق، ولا هو شك عنيد، ولا هو إسراف في الإيمان، بل طبع وادع، ~~ومزاج سلس، وشعر صادق يصور أسلوب صاحبه في الحياة وما بعد الحياة تصويرا ~~أمينا. # وهو في فن تقليدي كفن الرثاء يغلب الناحية العاطفية ms20 الطاغية على مزاجه، ~~فلا يجعل وكده مدح الميت على نحو ما كان يفعل أغلب العرب القدماء، وبخاصة عندما يرثون ~~عظماء الرجال والحكام الذين لا تربطهم بهم وشيجة قربى خاصة، حتى قال بعض نقادهم: ~~إن الفرق بين المديح والرثاء هو أن المديح للأحياء والرثاء للموتى. # ولعلنا نستطيع أن نجد خير تدليل على هذه الحقيقة عند صبري في رثائه للزعيم مصطفى ~~كامل؛ وذلك لأنه من الثابت تاريخيا أن إسماعيل صبري كان من المعجبين المؤيدين للزعيم ~~الشاب، بل إننا لنذكر أنه خالف رغبة الحكومة أثناء توليه منصب محافظ ~~الإسكندرية تأييدا لمصطفى كامل، وحرصا على تمكينه من أداء رسالته الوطنية عندما أراد أن ~~يخطب أهل الإسكندرية، فأوعزت الحكومة إلى إسماعيل صبري، محافظ المدينة، أن يحول بينه ~~وبين ما يريد محتجة بالأمن أن يختل نظامه، والقانون أن تنتهك أحكامه، فأبى ~~صبري على الحكومة كل الإباء، وخلى بين مصطفى وبين شعبه يخطبه كما يشاء، وقال للحكومة: ~~«أنا مسئول عن الأمن والنظام في محافظتي، ومحتمل ما تعقبه هذه الخطبة من تبعات.» ومع ~~ذلك، عندما مات الزعيم الشاب ووقف إسماعيل صبري ليرثيه، لم يتجه نحو المدح والإشادة ~~بالوطنية والوطنيين، بقدر ما أطلق لحزنه العنان، وأخذ يتحدث عن لوعته لفقد هذا ~~الصديق العزيز أكثر مما يتحدث عن عظمة الزعيم وقضية الوطن؛ مما دعا البعض إلى أن ~~يظن خطأ أن إسماعيل صبري قد أخذ بالتقية، وتجنب في رثائه للزعيم الخوض في ~~المسألة الوطنية والجهاد ضد الاستعمار. وهم في ذلك جد ظالمين؛ وذلك لأن إسماعيل صبري لا ~~يجوز أن يتهم باصطناع الاتجاه العاطفي في رثائه للزعيم؛ لأن هذا الاتجاه هو الغالب ~~على شعره كله، وهو الجوهر الأصيل في نفسه، حتى ليحدثنا الرواة أن إسماعيل صبري أراد إنشاء ~~رثائه على قبر الزعيم يوم وفاته، ولكنه لم يكد ينشد البيت الأول حتى غلبه البكاء، فقطع ~~إنشاده، ولم يلق القصيدة كلها إلا في حفل تأبينه بعد مرور أربعين يوما على وفاته، ~~وفيها يقول (ص213 من الديوان): # أجل أنا من أرضاك خلا موافيا # ويرضيك في ms21 الباكين لو كنت واعيا # وقلبي ذاك المورد العذب لم يزل # كما ذقت منه الحب والود صافيا # سوى أنه يعتاده الحزن كلما # رآك عن الحوض المهدد نائيا # ويعثر في بعض الخطوب إذا مشى # إلى بعض ما يهوى فيرجع داميا # وإن رامه سرب المسرات لم يجد # محلا به من لاعج الهم خاليا # ألا عللاني بالتعازي وأقنعا # فؤادي أن يرضى بهن تعازيا # وإلا أعيناني على النوح والبكا # فشأنكما شأني وما بكما بيا # وما نافعي أن تبكيا غير أنني # أحب دموع البر والمرء وافيا ~~••• # أيا «مصطفى» تالله نومك رابنا # أمثلك يرضى أن ينام اللياليا؟ # تكلم فإن القوم حولك أطرقوا # وقل يا خطيب الحي رأيك عاليا # لقد أوشكت من طول صمت وهجرة # تخالك أعواد المنابر فانيا # وتبكيك لولا أن فيها بقية # تعللها من ذلك الصوت داويا # فهل ألفت ما بين جفنك والكرى # محالفة أم قد أمنت الأعاديا؟ # فقدناك فقدان الكمي سلاحه # وساري الدياجي كوكب القطب هاديا # وبتنا ودمع العين أندى خمائلا # وأكثر إسعافا من الغيث هاميا # ولولا تراث من أمانيك عندنا # كريم بكينا إذ بكينا الأمانيا # طواك الردى طي الكتاب تضمنت # صحائفه من كل فخر معانيا # مضاء إذا البيض انتمت لأصولها # غضبنا إذا سماك قوم يمانيا # ورأي يجلي اليأس واليأس ضارب # على الأفق ليلا فاحم اللون داجيا # إذا ما تقاضينا ولم تك بيننا # ذكرناهما حتى نجيد التقاضيا # فليتك إذ أعييت كل مساجل # قنعت فلم تعي الطبيب المداويا # وليتك إذ ناضلت عن مصر لم تفض # مع الحبر قلبا - يعلم الله - غاليا # لقد ضاع إخلاص الطبيب وحذقه # سدى فبكى الفخر الذي كان راجيا # ولم تنتهز تلك العقاقير فرصة # ترى الناس فيها فضل بقراط باديا # نحييك سيفا بات في الترب مغمدا # تقلده - فيما مضى - الحق ماضيا # ففي هذه القصيدة نلاحظ أن أروع أبياتها وأكثرها تأثيرا في النفس هي تلك التي ~~يتحدث فيها عن حزنه ولوعته استجابة لإحساسه الرقيق، وأما الأبيات القليلة التي ~~يستجيب فيها إلى العرف الشعري المتوارث من ضرورة الإشادة بالميت في الرثاء، فإننا ~~لا نلبث أن ms22 نلمح فيها المعاني والقوالب التقليدية كالسيف اليماني، والرأي الذي يجلي ~~اليأس والظلام ... إلخ. # هذا، وفي باب المراثي من ديوان صبري مقطوعة صغيرة يرثي فيها عمر بن الشيخ علي يوسف، صاحب ~~«المؤيد»، وقد قالها في سنة 1908، ولم يكن في المجال محل للمديح أو للحديث عن ~~العظمة أو المسائل العامة؛ لأنه رثاء لشاب في مقتبل العمر؛ ولذلك جاء رثاء ~~عاطفيا خالصا جارى فيه الشاعر مزاجه الرقيق، فأجاد في تصوير ألم الثكل عند الوالدين، ~~وأسى الحرمان من الولد؛ حيث قال (ص217 من الديوان): # يا مالئ العين نورا والفؤاد هوى # والبيت أنسا، تمهل أيها القمر # لا تخل أفقك يخلفك الظلام به # والزم مكانك لا يحلل به الكدر # في الحي قلبان باتا يا نعيمهما # وفيهما - إذا قضيت - النار تستعر # وأعين أربع تبكي عليك أسى # ومن بكاء الثكالى السيل والمطر # قد كنت ريحانة في البيت واحدة # يروح فيه ويغدو نفحها العطر # ما كان عيشك في الأحياء مختصرا # إلا كما عاش في أكمامه الزهر # فارحل تشيعك الأرواح جازعة # في ذمة القبر بعد الله يا عمر # ولعل تحرر إسماعيل صبري من الانفعالات العنيفة هو الذي سمح لشاعريته بأن تصدر ~~أحيانا عن روح دعابة لاذعة يسميها الأوروبيون «بالهيومر»، ويرون فيها ميزة لكبار ~~الأدباء، وهي روح لا تتفق مع الانفعال العنيف، ولا مع السخرية الدامية، أو التهكم ~~القاسي، أو الهجاء الموجع والسخط العاتي، بل تنفذ إلى أغراضها بروح دعابة لاذعة رقيقة ~~دقيقة، تظهر المفارقات، وقد تعبث بالأوضاع أو تقلبها. ومن أمثال ذلك مقطوعاته الصغيرة ~~التي كتبها عندما استقالت نظارة مصطفى فهمي باشا سنة 1908، وقد نشرها ممضاة باسم بنتامور، ~~وهو الشاعر المصري القديم، وفيها يعبر عن طريق الفكاهة المعكوسة عن سخط الشعب على تلك ~~الوزارة المعمرة التي عبثت بالوطن والمواطنين وقضاياهم، وصانعت المستعمر، ~~وراحت بغضب الشعب وسخطه البالغ. # ولنكتف من تلك المقطوعات بما قاله على لسان مصطفى فهمي (ص248 من الديوان): # إنني أستغفر الله لكم # آل مصر ليس فيكم من رجال # فل غربي ما أرى من نومكم # ورضاكم بوجود الاحتلال # لم ms23 أجد فيكم فتى ذا همة # إن عدا الدهر عدا أو صال صال # رحم الله وزيرا سامه # قومه ما ليس يرضى فاستقال # ولقد يظهر في سنة 1910 مذنب هالي المشهور، فيتخذ ظهوره مناسبة يصف فيها ما في ~~الناس من نفاق ورياء وطمع بعضهم في بعض، واسترقاق قويهم لضعيفهم، ويتمنى أن لو ~~أهلك هذا المذنب جميع من في الأرض فيستريح بعضهم من بعض. # وها هي هذه القصيدة التي تعتبر من خير مطولاته ص140: # غاض ماء الحياء من كل وجه # فغدا كالح الجوانب قفرا # وتفشى العقوق في الناس حتى # كاد رد السلام يحسب برا # أوجه مثلما نثرت على الأج # داث وردا إن هن أبدين بشرا # وشفاه يقلن أهلا ولو أد # ين ما في الحشا لما قلن خيرا # عمرك الله هل سلام وداد # ذاك أم حاول المسلم أمرا؟ # عميت عن طريقها أم تعامت # أمم في مفاوز الجهل حيرى # غرها سعدها ومن عادة السعد # يواتي يوما ويخذل دهرا # فتجنت على الشعوب وشنت # غارة في البلاد من بعد أخرى # نسيت في الصعود يوم التدلي # والتدلي بصاعد الجد مغرى # تعب الفيلسوف في الناس عصرا # وتولى السرائر الدين عصرا # والورى طارد إزاء طريد # وعقاب يمسي يطارد صقرا # وجيوش يفل من بعضها # البعض وهضب كبرى تناطح صغرى # حاذري يا ذئاب صولة أسد # منك أقوى نابا وأنفذ ظفرا # لا تنامي يا أسد إن ذئابا # لم تنم من روابض الغيل أضرى # عبر كلها الليالي ولكن # أين من يفتح الكتاب ويقرا؟! # أنت نعم النذير يا نجم هالي # زلزل السهل والرواسي ذعرا # ظن قوم فيك الظنون وقالوا # آية أرسلت من الله كبرى # إن يكن في يمينك الموت فاقذف # ه شواظا على الخلائق طرا # هل تلقيت من لدن خاذل البا # غي وحامي الضعيف يا نجم سرا # أمحيط بكل شيء ومرد # كل حي وتارك السهل وعرا؟ # أغدا تستوي الأنوف فلا ين # ظر قوم قوما على الأرض شذرا؟ # أغدا كلنا تراب ولا ملك # خلاف التراب برا وبحرا؟ # أغدا يصبح الصراع عناقا # في الهيولى ويصبح العبد حرا؟ ms24 # إن يكن ما يقولون يا نجم فاصدع # بالذي قد أمرت حييت عشرا # فهذه القصيدة وإن تكن في الأخلاق، إلا أننا لو بحثنا عن أساس الأخلاق فيها لما ~~وجدناه في الضمير الديني أو الضمير الاجتماعي بقدر ما نجده في الضمير الجمالي، فهو لا ~~يكره النفاق والغطرسة وبطش القوي بالضعيف لمنافاة كل ذلك للدين أو أصول المجتمع، ~~بقدر ما يكرهه لما فيه من قبح ودمامة تتمثل في تلك الوجوه القبيحة بشرها ~~قبحا يذكره بالأجداث. # وهو يكره كل إسراف في الغرور والاطمئنان إلى إقبال الحياة؛ وذلك لما في كل إسراف من ~~قبح يذهب بمعالم الجمال في كل حياة منسجمة معتدلة منسقة، وكأننا ~~به يستمد فلسفته الأخلاقية من أولئك الإغريق القدماء، الذين كانوا يجعلون من الحق ~~والخير والجمال أقانيم مقدسة متصلة يكاد أحدها يرادف الآخر، وإن كنا على ~~يقين من أنه لم يستوح أساس الأخلاق عنده من أحد، وإنما استوحاها على وعي منه أو ~~غير وعي من طبعه الخاص، ومزاجه الجميل المنسجم. # هذا المزاج الوادع المتواضع الذي يود أن لو اصطدم مذنب هالي بالأرض فأبادها وأباد ~~من فيها، حتى تستوي الأنوف فلا ينظر قوم قوما على الأرض شذرا، وحتى يصبح ~~الصراع عناقا في الهيولى، ويصبح العبد حرا. # وهكذا تكتمل أمامنا الحلقة التي توضح أصالة صبري في صدوره عن مزاجه الخاص وطبيعة ~~نفسه فيما أبدى من رأي، أو ساق من خالجة وجدان، وفيما عالج من فن تقليدي أو ~~نظم من قصيدة موضوعية؛ ففي كل هذا الشعر الذي قاله بعد أن نضجت شاعريته، وتخلص من ~~الشعر التقليدي والدروب المطروقة التي ساقته إليها روح العصر في صدر شبابه، نجد شاعرا ~~يصدق عليه ما يقال من أن «أسلوب الرجل هو الرجل نفسه»، وأسلوب صبري في الحياة هو أسلوبه ~~في الفن: مزاج رقيق، وحساسية مرهفة، ووداعة في الطبع، ولين في العريكة. وكل هذه ~~الصفات هي التي تحدد أصالته. # وبالرغم من هذا المزاج الخاص - بما فيه من يسر ووداعة - فإن صبري لم يهمل قضايا وطنه، ~~ولا واجهها ببرود، بل نراه ms25 يعنى بهذه القضايا، ويتحدث عنها على النحو الذي يتفق ~~ومزاجه في غير مبالغة ولا طنطنة لفظية، أو استهواء للجماهير. ولعلنا نلمح هذه الروح ~~أوضح ما تكون في تلك القصيدة التي نشرها في سنة 1909 على لسان فرعون، وفيها يستحث الأمة ~~المصرية على طلب المجد، ويذكرها بماضيها فيقول: # لا القوم قومي ولا الأعوان أعواني # إذا ونى يوم تحصيل العلا واني # ولست - إن لم تؤيدني فراعنة # منكم - بفرعون عالي العرش والشان # ولست جبار ذا الوادي إذا سلمت # جباله تلك من غارات أعوان # لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا # فماؤه العذب لم يخلق لكسلان # ردوا المجرة كدا دون مورده # أو فاطلبوا غيره ريا لظمآن # وابنوا كما بنت الأجيال قبلكم # لا تتركوا بعدكم فخرا لإنسان # إلخ ... ~~••• # وهكذا نخرج من هذه النظرات السريعة في حياة إسماعيل صبري وشعره إلى ما هو واضح من أنه ~~قد مر بمرحلتين: # مرحلة أولى كان يقلد فيها شعراء عصره قبل نهضة البارودي؛ أي شعراء البديع. # ثم مرحلة ثانية، وهي تلك التي نضجت فيها شاعريته، وظهرت أصالته في صدوره عن مزاجه الخاص، ~~وطبعه الوادع، ونزعته الغنائية التي جعلت منه رائد الغناء الرقيق في أدبنا ~~الحديث، بحيث يظهر في وضوح أنه كان عاملا فعالا في ارتفاع مستوى الأغاني ~~الفصيحة والعامية على السواء، حتى ليخيل إلينا أن لا بد قد أثر في شعراء ~~الغناء المعاصرين، من أمثال أحمد رامي وصالح جودت وغيرهما ممن هم أحدث جيلا من إسماعيل ~~صبري. ومع ذلك، لا نعدو الحق إذا قلنا: إنهم لا بد قد تأثروا بتلك النغمات العذبة الرقيقة ~~التي لا نزال نشعر بها في «يا آسي الحي» أو «أقصر فؤادي». ms26