######OpenITI# #META# URI: 1384MuhammadMandur.MasrahiyyatShawqi.Hindawi16496361 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 16496361 #META# Title: محاضرات عن مسرحيات شوقي: حياته وشعره #META# AuthorID: 27181903 #META# Author: محمد مندور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # العرب والأدب التمثيلي‏ # التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي‏ # شوقي والمادة الأولية‏ # شوقي والفن المسرحي‏ # علي بك الكبير‏ # مصرع كليوباترة‏ # قمبيز‏ # مجنون ليلى‏ # عنترة‏ # أميرة الأندلس‏ # الست هدى‏ # العرب والأدب التمثيلي‏ # التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي‏ # شوقي والمادة الأولية‏ # شوقي والفن المسرحي‏ # علي بك الكبير‏ # مصرع كليوباترة‏ # قمبيز‏ # مجنون ليلى‏ # عنترة‏ # أميرة الأندلس‏ # الست هدى‏ # | محاضرات عن مسرحيات شوقي # | محاضرات عن مسرحيات شوقي # | حياته وشعره # تأليف # محمد مندور # | العرب والأدب التمثيلي # من المقطوع به أن الأدب التمثيلي فن غربي، لم يبتدئ أدباء وشعراء اللغة العربية ~~في معالجته إلا منذ قرن من الزمان تقريبا، فهو فن جديد في الآداب العربية، لا يزال حتى ~~اليوم يتلمس سبيله، ويتطلع إلى النضوج والأصالة، وليس من شك في أن العرب قد ~~تعلموه في العصر الحديث عن الغربيين، كما تعلمه هؤلاء عن اليونان القدماء. # ولقد تدفع النزعة القومية بعض الباحثين، إلى التنقيب عن آثار هذا النوع من الأدب، عند ~~المصريين القدماء أو عند العرب. # فأما المصريون القدماء، فإذا صح أنهم قد عرفوا المسرح أو شيئا يشبهه، كانوا ~~يعرضون بواسطته بعض أساطيرهم الدينية، فمن الواضح أن الصلة كانت قد انقطعت ~~تماما، بين مصر القديمة ومصر العربية الحديثة؛ إذ طوى الزمن أهم صلة بين المصريين، ~~وهي اللغة التي اكتشفت في العصر الحديث، وإلى اليوم لا تزال معرفة تلك اللغة محصورة، بين ~~عدد قليل من المتخصصين في الغرب والشرق، وإذا كانت مصر القديمة قد خلفت في العقلية ~~المصرية الحديثة بعض الرواسب، فإنها لا توجد إلا في بعض المعتقدات والخرافات والعادات، ~~أو الأدب الشعبي الذي توارثته الأجيال المتعاقبة، عن طريق الرواية الشفوية. # ومصر الحديثة بلاد عربية في كافة مقوماتها الثقافية؛ ولذلك يكون البحث عن موقف العرب ~~من المسرح أكثر جدية، باعتبار أن الأدب الذي تتغذى به اليوم، والذي تغذت به منذ ~~الفتح العربي، هو الأدب العربي، والباحثون الجادون يجمعون على أن العرب لم يعرفوا ~~المسرح ولا الأدب المسرحي في أي عصر من عصورهم القديمة، في المشرق أو المغرب؛ فالمقامات ms01 ~~وما شاكلها من قصص أو أقاصيص نثرية أو شعرية، لا يمكن أن تعتبر أدبا مسرحيا، ~~حتى ولو قامت على الحوار البسيط، وكذلك الأمر في المشاهد الدينية، التي تحكي على نحو ~~بدائي، مقتل الحسين أو غيره عند الشيعة، في كربلاء أو سواها، وإنما يجري البحث في ~~أسباب عدم معرفة العرب لهذا الفن، أو عدم اختراعهم له. # ولقد تناول هذه المشكلة عدد من النقاد والباحثين؛ ففي المجلد 22، ص563 من مجلة ~~«المشرق»، تناول الأستاذ إدوار حنين هذه المشكلة، وحاول أن يجد لها تعليلا في طبيعة ~~الشعر العربي القديم، وفي طبيعة العقلية العربية، ومنافاتهما لطبيعة الأدب المسرحي، فلاحظ ~~بحق أن الشعر العربي القديم، يمتاز بخاصيتين كبيرتين؛ هما: الخطابة، الوصف الحسي ~~الدقيق، وهذا صحيح في جملته، فنفحة الخطابة طاغية على ذلك الشعر، وأروع قصائد الأدب العربي ~~القديم تقوم على توجيه الخطاب للإنسان أو الناقة أو الدمن والديار، ومن منا لا يذكر: ~~«قفا نبك» و«يا دار مية» و«يا دار عبلة بالجواء تكلمي» ... إلخ إلخ. وفي الشعر العربي ~~القديم أدق وصف وأروعه لعالمهم الحسي، وما فيه من حيوان وجماد وظواهر طبيعية، ~~فضلا عن الإنسان، وبخاصة المرأة، ومواضع جمالها وفتنتها تبعا لذوقهم السائد، وبحكم ~~غلبة التقليد في الأدب العربي، والحرص على عمود الشعر وقوالبه المتوارثة، ظلت هاتان ~~الخاصيتان غالبتين على الشعر العرب في معظم عصوره، وإذا كانت قد حدثت بعض التطورات، مثل ~~تغني الشعراء الغزليين في العصر الأموي بحبهم، وشكواهم لواعجه، فعبروا عن بعض ~~أحاسيس النفس البشرية، ووصفوها وصفا نفسيا جميلا، وإذا كان شعر الفكرة قد ظهر عند ~~المتنبي وأبي العلاء، فإن كل هذا لم يغير الطابع العام للشعر العربي، الذي ظل في ~~جملته، شعر خطابة ووصف حسي. # وهاتان الخاصيتان تدلان بوضوح، على طبيعة العقلية العربية والملكات المسيطرة فيها؛ ~~فالعربي القديم قضت حياته بأن يعتمد على النغمة الخطابية في شعره؛ كي يستثير مشاعر ~~قبيلته، ويستنفرها للغزو أو رد الاعتداء، وكان الشعر هو لغة خطابتهم، وهو رجل ~~شحذت حياته في المهامه والقفار في نفسه ملكة الملاحظة الدقيقة لما حوله، ms02 من ~~إنسان وحيوان وجماد، ولم تلهب خياله جبال شاهقة ولا غابات، بل ظل بصره ينقب في ~~جزئيات الصحراء المنبسطة أمامه، ومن المعلوم أن الأدب التمثيلي يتطلب خيالا واسعا، ~~يخلق الأحداث والشخصيات، ويتصور المواقف وما توحي به من حوار. # ومن الغريب أن العرب قد عرفوا الأوثان وتعدد الآلهة، بل وعرفوا الجن ~~وعوالمه، ومع ذلك لم تنم عندهم الأساطير على نحو ما نمت عند اليونان مثلا، بل ~~وعند المصريين القدماء إلى حد بعيد، في أسطورة إيزيس وأوزوريس وغيرها، مما يدعونا إلى أن ~~نسلم بأن الناقد الكبير هيبوليت تين، لم يكن مخطئا كل الخطأ عندما جعل الجنس ~~والبيئة من العوامل الأساسية في تمييز أدب أمة عن غيرها، ومن الممكن تدعيم هذه الحقيقة ~~أيضا، بما نلاحظه من أن العرب قد كانت لهم أيام وحروب وغزوات، بين القبائل المختلفة، ~~ومع ذلك لم ينشأ عندهم شعر الملاحم على نحو ما نجده في «الإلياذة والأودسا» عند ~~اليونان، أو «الأنيادة» عند الرومان، بل وأحيانا في بعض الآداب الأوربية الحديثة، مثل ~~ملحمة «رولان»، أو «الفرنسياد» عند الفرنسيين. # ومن العجب أن لا تخلق الحروب الصليبية عند العرب هذا الفن، كما خلقته عند الفرنسيين ~~أو غيرهم من الغربيين، مع أن في بطولة صلاح الدين ما يبذ بروعته بطولة رولان ~~وغيره، وإن يكن الشعب قد تدارك ما فات فصحاء الأدب، فألف في العصور المتأخرة ~~ملاحمه الشعبية، عن عنترة وأبي زيد الهلالي وغيرهما. # وإذا كانت طبيعة الشعر العربي القديم وخصائص العقلية العربية، لم تساعدا على اختراع ~~الأدب التمثيلي الذي يعتمد على الخيال والتشخيص وتحليل النفس البشرية، أو معالجة الصراع ~~بين الإنسان والآلهة، أو بينه وبين قوى الطبيعة المحيطة به، أو بينه وبين القضاء والقدر، ~~أو الزمن أو الجبر الكوني، أو بينه وبين المجتمع وضروراته وتقاليده، وأخيرا بينه وبين ~~نفسه، إذا كان هذا هو الوضع الأصيل عند العرب، فإن الباحثين يتساءلون: لماذا لم يأخذ ~~العرب الأدب التمثيلي عن اليونان، على نحو ما أخذوا مبادئ العلوم والفلسفة والمنطق في العصر ~~العباسي، عندما نشأت الترجمة ، وتوثقت ms03 الصلة بين العرب والثقافات الأجنبية؟ وذلك ~~باعتبار أن المحاكاة مدرسة حقيقية للأصالة، وقد كان من الممكن أن يلقح العرب الأدب ~~التمثيلي بعقليتهم الشرقية الخاصة، على نحو ما لقحوا الفلسفة اليونانية. # ولقد تناول الأستاذ توفيق الحكيم هذه المشكلة في مقدمة مسرحيته عن الملك أوديب، فعالجها ~~علاجا عاما، إلا أنه قد تضمن الكثير من الحقائق الأساسية، كما تناولها كثيرون ~~غيره في مصر ولبنان وغيرهما من البلاد العربية. # ولا شك أن الأدب التمثيلي عند اليونان، كان وثيق الصلة بديانتهم الوثنية؛ ففي ~~أحضان تلك الديانة نشأ، ولتشخيصها وتجسيمها وعرض مبادئها وفلسفتها وضعت أولى مسرحياته، ~~ومن المعلوم أن هذا النوع من الأدب قد نشأ من عبادة ديونيزوس؛ أي باكوس إله الكرم ~~والخمر، وذلك على عكس العلوم والفلسفة التي هي ملك شائع بين البشر، تستطيع أن تتمثلها ~~كافة العقول، ولا ترتبط بأوضاع دينية أو اجتماعية خاصة، فلا تعارض بينها وبين ~~الإسلام، بل بالعكس استخدمت في تأييد الإسلام، والمحاجة دونه بالتفكير المنطقي، ~~والحجج والأدلة العقلية عند علماء الكلام وفقهاء الشرع، وبخاصة أورجانون أرسطو الذي طغى على ~~التفكير العربي. # ومع ذلك فلدينا الآن الترجمة العربية القديمة لكتابي الريتوريقا؛ أي الخطابة أو البلاغة، ~~والبويتيقا؛ أي الشعر لأرسطو، ولكنه إذا كان من الراجح أن الكتاب الأول، قد أثر ~~تأثيرا كبيرا في وضع أسس النحو والبلاغة العربية، فإن الكتاب الثاني لم يحدث أثرا ~~في توجه العرب نحو أدب الملاحم والأدب التمثيلي، اللذين لم يعرفهما العرب الأولون، ومن ~~الثابت أن أعلام الفلسفة العربية أنفسهم؛ مثل: الفارابي وابن سينا وابن رشد، فضلا عن ~~عامة العرب، لم يفهموا حديث أرسطو عن هذين الفنين، كما يتضح من شروحهم وتعليقاتهم على ~~كتاب الشعر، وقد نشرها حديثا الدكتور عبد الرحمن بدوي، مع ترجمة جديدة لهذا الكتاب ~~والترجمة العربية القديمة، وفيها نلاحظ كيف أن المترجمين قد أوقعوا بعض هؤلاء ~~المفكرين الكبار في الخطأ، وترجموا التراجيديا بالمدح، والكوميديا بالهجاء، قياسا ~~على ما كان يعرفه العرب عن هذين الفنين الشعريين، كما أنه من الثابت أيضا، أننا لم ~~نعثر على أية ms04 ترجمة أو تلخيص أو تحليل لأية تراجيديا أو كوميديا يونانية قديمة. # والواقع أن الديانة اليونانية القديمة التي نبع عنها الأدب التمثيلي عند اليونان، ~~لم تكن تتعارض مع الإسلام فحسب، بل ومع الوثنية العربية القديمة؛ وذلك لأن ~~اليوناني القديم لم يتصور آلهته كقوى منفصلة عن الإنسان ومن نوع يغايره، بل ~~تصورها على شاكلته وخلع عليها كافة صفات البشر بما فيهم من ضعف وقوة، فزيس كبيرهم ~~يحب ويكره ويشتهي ويختطف النساء بكافة الحيل، وينتقم من البشر، ويغار من عظمتهم، ويحطم ~~كبرياءهم، وفيه كافة نقائص الإنسانية رغم ما يتمتع به من سطوة وجبروت؛ ولذلك جعله اليونان ~~هو ورهط الآلهة كله خاضعين لقوة كونية أسمى من الآلهة نفسها، وهي القوة التي سموها ~~ب «الأنانكية»؛ أي قوة «الجبر الكوني»، أو «الضرورة»، وما داموا قد جردوا آلهتهم من ~~القداسة المعروفة عند الشرقيين، وأنزلوهم منزلة البشر، ووضعوا فوق الجميع «الضرورة» ~~التي ترادف «القضاء والقدر»، فقد استطاعوا أن يتخذوا من صراع الإنسان، ضد هذا ~~القضاء والقدر المادة الأساسية لمآسيهم المسرحية، وأدخلوا الآلهة وأنصاف الآلهة والملوك ~~والأبطال كشخصيات في تلك المآسي، وكل هذه الأوضاع لا يمكن أن تتفق مع فلسفة الإسلام، ~~الذي نادى بالوحدانية، وتصور الإله منفصلا عن عالمنا البشري، ومسيطرا على مصائره ~~سيطرة تامة، ومزج إلى حد بعيد بين «الجبر الكوني» و«الإرادة الإلهية»، وجمع بينهما، ~~فيما يسمى ب «القضاء والقدر»، وعلى نحو يتفاوت ضيقا واتساعا عند مختلف المفكرين ~~العرب، الذين حمي الوطيس بينهم حول «الجبر والاختيار». # وهكذا يتضح إلى أي حد تتعارض الفلسفة الدينية عند اليونان مع الفلسفة الدينية ~~في الإسلام، مما لم يكن يسمح بنقل الأدب التمثيلي اليوناني إلى البيئة ~~الإسلامية. # هذا هو السبب الأساسي لعدم انتقال الأدب التمثيلي إلى الأدب العربي، وأما ما دون ذلك من ~~أسباب، فإنها أمور ثانوية كان من الممكن التغلب عليها، لو لم يقم هذا العائق ~~الروحي الخطير، فإذا كان عرب الجاهلية لم يكن من المتصور أن يقيموا المسارح، فإن ~~خلفاء العباسيين وملوك الأندلس، قد كان من الميسور لهم أن يقيموها، بعد ms05 أن ازدهرت في ~~أيامهم معالم الحضارة والترف بكافة أنواعها. # وهناك سبب آخر أسهب في الحديث عنه الأستاذ إدوار حنين، في مقالة بمجلة «المشرق» ~~المشار إليها فيما سبق، وهو تحريم الإسلام لصنع التماثيل محاربة منه للوثنية الجاهلية، ~~وهذه حجة واهية الصلة بالأدب التمثيلي، بالرغم مما بذله الباحث الفاضل من جهد، في إثبات ~~أن خلق الشخصيات الروائية ضرب من صنع التماثيل المحرمة؛ وذلك لأنه سواء صح أو ~~لم يصح أن الإسلام الصحيح يحرم صنع التماثيل على نحو مطلق مستمر أو لا ~~يحرمه، فإن صنعها يختلف بالبداهة اختلافا تاما عن تصوير الشخصيات وتحريكها في ~~المسرحية، ومن المعلوم أن الأصل الفلسفي العام لتصوير الشخصيات الروائية، بل وخلق كافة ~~ألوان الأدب، إنما هو المحاكاة، كما قال أرسطو، لا الخلق من العدم، أي محاكاة الطبيعة ~~الخارجة من يدي الإله، وقد أسهب أرسطو في إيضاح هذا الرأي في كتاب الشعر؛ ولذلك يصعب ~~علينا أن نسلم بما ظنه الأستاذ حنين، من أن الإسلام قد رأى في التشخيص التمثيلي ~~اليوناني تحديا لقدرة الله أو محاكاة لها. # وأيا ما يكون الأمر فإن العرب لم يعرفوا أدب اليونان التمثيلي، ولم ينقلوه، ولم ~~يحاكوه؛ ولذلك ظل غريبا عنهم حتى كان العصر الحديث، وكان الاتصال بالغرب عن طريق البعثات ~~الدينية في الشرق العربي، وعن طريق الحملة الفرنسية على مصر، فأخذ العرب يتتلمذون على ~~الغربيين في هذا الفن الأدبي الأصيل، أحيانا بالنقل والتحوير، وأخيرا بالوضع ~~والابتكار. # وبالرغم من أن العرب المحدثين قد أخذوا هذا الفن عن الغربيين، فإنهم لم يستطيعوا ~~التخلص من تراثهم القديم، ومن خصائص عقليتهم المتوارثة وذوقهم الأدبي المتأصل، ~~ومن المعلوم أن للرجل العربي، بل وللرجل الشرقي عامة، خصائص تميزه عن الرجل الغربي، ~~فالعربي محمول بفطرته على التأمل الروحي والنظر الأخلاقي، كما أن غذاءه الروحي كان ~~الشعر الغنائي، حتى ليخيل إلينا بمطالعة كتاب «الأغاني»، وهو موسوعة الأدب العربي ~~الكبرى، أن شعرهم لم يكن غنائيا بخصائصه الفنية المعروفة فحسب، بل كان يلحن فعلا ~~على ضروب الموسيقى ونغماتها، فلكل قصيدة أو مقطوعة شعرية لحن ms06 وضعه أحد الموسيقيين ~~العرب، ولم يكن الأمر عندهم في أي عصر قاصرا على الإنشاد أو الإلقاء العادي، وجاءت عصور ~~الاستعمار الحديث، فولدت عند العرب شعورا دافقا بالوطنية، وتعلقا بحب الأوطان ~~والتفاني في سبيلها، والذود عن حياضها، ولم يكن بد من أن تجري هذه التيارات ~~الأخلاقية والوطنية والغنائية في الأدب المسرحي العربي الناشئ، وبخاصة في المآسي ~~الشعرية. # والظاهر أن المشرق العربي، وبخاصة لبنان، قد كان كعادته سباقا في مجال التجديد في ~~الأدب العربي، فهناك عدد من اللبنانيين يمكن أن يعتبروا روادا في مجال الأدب المسرحي ~~الحديث، وفي طليعتهم مارون نقاش، ولكن هذا التجديد، بل ونفر من هؤلاء المجددين، لم ~~يلبثوا أن انتقلوا إلى مصر، كما انتقلت الصحافة؛ حيث المجال أوسع، والإمكانيات المادية ~~والبشرية أكثر رحابة، وفي مصر ظهرت عدة محاولات في النقل والتحوير وأحيانا الابتكار، على ~~نحو ما فعل محمد عثمان جلال، وغيره في نقل المسرحيات الفرنسية، وبخاصة كوميديات موليير، ~~التي تماشي المزاج المصري المولع بالفكاهة والنكتة اللاذعة، كما وضعت بعض ~~المسرحيات المستقاة من التاريخ، وتخللتها مقطوعات غنائية مجاراة للمزاج المصري أيضا، ~~ومن الثابت أن هذين النوعين من الأدب المسرحي، أعني الكوميديا والمسرحية الغنائية، هما ~~أقرب أنواع الأدب المسرحي إلى المزاج المصري، ولعل في نجاح مسرح سلامة حجازي وعكاشة، ثم ~~مسرح الريحاني أكبر دليل على صحة هذا الرأي. # وأخيرا قيض الله للأدب العربي شاعرا كبيرا، ألم إلماما واسعا عميقا بالتراث ~~العربي، فنسج على غراره أروع القصائد، ثم اتصل بالغرب حيث رحل لتلقي العلم في ~~فرنسا، فشاهد مسارحها وحدثته نفسه الطموح، أن يدخل هذا الفن الرائع في آداب ~~العرب، فوضع سنة 1893، وهو لا يزال يطلب العلم أولى مسرحياته الشعرية، وهي «علي بك الكبير»، ~~وإن يكن قد عاد بعد ذلك بعشرات السنين فكتبها من جديد، وأعطاها وضعها النهائي، وهذا ~~الشاعر هو أمير الشعر العربي الحديث أحمد شوقي بك. # | التياران الشرقي والغربي في مسرح شوقي # رأينا فيما سبق كيف أن العرب القدماء لم يعرفوا المسرح ولا الأدب التمثيلي، مما يقطع ~~بأن المحدثين منهم أخذوا ms07 بلا شك هذا الفن الأدبي عن الغرب، ومع ذلك فمن المؤكد ~~أنهم لم يستطيعوا التخلص من اتجاهاتهم النفسية والمتوارثة، ولا من خصائص تراثهم ~~الأدبي، عندما أخذوا يعالجون هذا الفن الجديد؛ بحيث يتحتم تمييز التيارين الشرقي ~~والغربي، في مسرح الشاعر العربي الأصيل أحمد شوقي. # وإذا كان مسرح شوقي يقوم في هيكله الفني العام، من حيث إنه يتناول في كل مسرحية ~~موضوعا، يعرضه بواسطة شخصيات تتحرك وتتحاور على خشبة المسرح، ويتطور الموضوع إلى أن ~~يصل إلى أزمة، ثم ينتهي بحل تلك الأزمة على نحو ما، فإن الروح التي يتناول بها الأديب ~~هذا الموضوع وأنواع الأفكار والأحاسيس والاتجاهات الأخلاقية، فضلا عن أسلوب العلاج ووسائله ~~العقلية والجمالية، قد كانت بحكم الضرورة والتراث الموروث والتركيبات النفسية شرقية عربية، ~~ولا بد في تحليل هذا المسرح تحليلا صحيحا، من أن نتبين عناصر كل من الاتجاهين ~~الغربي والشرقي وتفاعل أحدهما مع الآخر. # أما عن التيار الغربي فمما لا شك فيه أنه لولا ما شاهده أحمد شوقي في فرنسا، ~~بصفة خاصة من ألوان هذا الفن، لما خطر بباله أن يلج بابه، ومن يطلع على ~~المقدمة التي كتبها شوقي للجزء الأول من شوقياته سنة 1898، يلاحظ بوضوح أن الشاعر قد أخذ ~~بألوان الأدب الغربي، بمجرد أن استقر به المقام في فرنسا، حيث أرسله خديوي مصر توفيق ~~باشا في بعثة لمدة أربع سنوات، ليدرس فيها الحقوق، ويطلع على الآداب الفرنسية، حتى يعود ~~منها بقبس يشعل أضواء جديدة في الآداب العربية، على نحو ~~ما قال وزير مصر رشدي باشا، في خطاب أرسله إلى الشاعر ~~على لسان الخديوي، بل. لقد بلغ الأمر بذلك الخديوي أن حث الشاعر على أن يمعن النظر ~~في دراسة معالم الحضارة والثقافة الفرنسية، أكثر من اهتمامه بدراسة القانون التي قال ~~الخديوي للشاعر عنها: إنه يستطيع تحصيلها من الكتب، وهو مستقر في بيته بمصر. # ولقد لاحظ الشاعر منذ حداثته ما ابتلي به الشعر العربي من ضيق الأفق، بسبب اقتصاره ~~في الغالب على المدح، واعتماد شعراء العربية على الملوك وذوي السلطان في ms08 رواج بضاعتهم، ~~وود الشاعر أن لو استطاع أن يخرج من هذا الأفق الضيق الذليل، إلى مجالات الشعر الرحبة ~~الطليقة، ولكنه لسوء الحظ كان من جهة رجلا طموحا مدينا للخديوي بأفضال كبيرة، كما ~~كان من جهة أخرى رجلا حذرا يخشى الخروج على الأوضاع والتقاليد الثابتة المتوارثة، ~~حتى ليقول في المقدمة الآنفة الذكر: إنه تبين «أن الأوهام إذا تمكنت من أمة ~~كانت لباغي إبادتها كالأفعوان لا يطاق لقاؤه، ويؤخذ من خلف بأطراف البنان.» وهو يقصد ~~بالأوهام هنا التقاليد المرعية والاتجاهات المتوارثة؛ ولذلك نراه يخضع لهذه التقاليد ~~بالرغم من ثورته النظرية عليها، ويعترف في صراحة بأنه كمن ينهى عن شيء ويأتي مثله، ~~ويبرر مخاوفه تلك ببعض محاولات قام بها؛ لإخراج الشعر من أفقه الضيق المحدود ~~بالمديح، إلى آفاق أوسع، فيقول إنه أراد أن يحتال للأمر بأن يستبقي المديح، على ~~أن يجمع في القصيدة بينه وبين الشعر الطليق المعبر عن خوالج قائله الشخصية، ~~وبالفعل أرسل إلى الخديوي قصيدة مدح استهلها بما يشبه قصيدة مستقلة في الغزل ~~وتحليل نفسية المرأة وهي التي مطلعها: # خدعوها بقولهم حسناء # والغواني يغرهن ~~الثناء # وكانت العادة قد جرت عندئذ بأن تنشر مدائح الخديوي في الجريدة الرسمية، فأرسلت ~~السراي هذه القصيدة إلى الشيخ عبد الكريم سلمان المشرف على الوقائع، وطلبت إليه أن ~~يحذف الغزل وينشر المديح، ولكن الشيخ سلمان، كان كما يبدو، أديبا ذواقا، فرأى ~~أن الغزل هو الذي يستحق النشر، والمدح هو الذي يستحق الحذف، وكانت النتيجة أن لم ~~ينشر شيء من القصيدة إطلاقا. # وكان شوقي كثير التردد على مسرح الكوميدي فرانسيز في باريس، حيث شاهد الكثير من روائع ~~الأدب التمثيلي الكلاسيكي والرومانتيكي والمعاصر، فأولع بهذا الفن، وعن له أن ~~يحاكيه، وبالفعل وضع وهو لا يزال يطلب العلم بباريس، أولى مسرحياته وهي «علي بك»، ~~وأرسلها إلى السراي، وتلقى من رشدي باشا ما يفيد أن الخديوي قرأها، وناقشه في ~~بعض أجزائها وتفكه بها، وكان هذا هو كل تقدير الخديوي لها، ومن البديهي أن الخديوي ~~كان أحرص على مدح الشاعر له، وتخليد ms09 ذكره من قراءة أو مشاهدة مسرحيات لربيبه ~~الشاعر؛ ولذلك طواها شوقي بين أوراقه، إلى أن رجع إليها في أواخر حياته، عندما انصرف إلى ~~الأدب المسرحي بمعظم جهده، فأعاد كتابتها من جديد على الوضع الذي نعرفه الآن. # وينبئنا شوقي نفسه أنه لم يتأثر بالأدب التمثيلي الغربي الفرنسي فحسب، بل وتأثر ~~أيضا بالشعر الغنائي، وبخاصة الرومانتيكي، فنقل إلى العربية قصيدة «البحيرة» الشهيرة ~~للامارتين، كما تأثر أيضا بحكايات لافونتين على لسان الحيوانات وحاكاها، فألف عدة ~~حكايات مماثلة أو مقتبسة نشرها في ديوانه الأول، ورأى فيها وسيلة طيبة لتهذيب ~~الأطفال. # وإذن فقد تأثر شوقي بالأدب الغربي تأثرا كبيرا، وانفعلت به نفسه منذ شبابه الغض، ~~ولكن ارتباطه بالسراي وطموحه إلى أن يصبح شاعرها من جهة، وشدة حذره وتخوفه من ~~التجديد، والخروج على الأوضاع المتوارثة والتقاليد الأدبية المرعية، حالت بينه وبين ~~الخروج إلى آفاق الأدب الواسعة، والسير في تيار الأدب التمثيلي، الذي وقف فيه عند ~~محاولته الأولى في «علي بك»، ولم يعد إلى هذا الفن إلا في أخريات حياته، بعد أن ~~ظهرت تيارات النقد الأدبي الحديث في الأدب العربي، وأخذ عليه النقاد سيره في ~~الدروب المطروقة، وعدم خروجه عنها، فألف للمسرح «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى» ~~و«قمبيز» و«عنترة» و«علي بك الكبير» شعرا، و«أميرة الأندلس» نثرا، وفي سنته الأخيرة عالج ~~الكوميديا أيضا، فوضع شعرا «الست هدى»، التي لا تزال مخطوطة حتى اليوم، ويحدثنا ابنه ~~الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، عن شروعه في تأليف روايتين أخريين؛ إحداهما عن ~~«البخيلة»، والثانية عن «محمد علي الكبير»، وكتب منهما أجزاء يظهر أنها فقدت، وإن كان ~~ابنه يظن أن والده قد خلفهما عند الدكتور سعيد عبده، الذي كان يكثر من ~~صحبته. # من هذه اللمحة التاريخية يتضح أن شوقي قد عرف الأدب الغربي، بما في ذلك الأدب ~~المسرحي، ولكن، هل يمكن تحديد الكتاب أو المذاهب التي تأثر بها الشاعر؟ للجواب على هذا ~~السؤال، لا نجد اعترافات خاصة من الشاعر، ولا من المحيطين به، الذين ~~كتبوا عنه كابنه في «أبي شوقي» أو الأستاذ ms10 أحمد عبد ~~الوهاب أبو العز سكرتيره في «اثنا عشر عاما في صحبة أمير الشعراء»، ولا في ذكريات الأمير ~~شكيب أرسلان في «أحمد شوقي أو صحبة أربعين عاما»، ولكننا نستطيع بدراسة مسرحياته وفنه ~~فيها أن نستنتج تأثراته المختلفة. # والواقع أن شوقي لم يأخذ أصول الأدب المسرحي عن كاتب واحد، ولا عن مذهب بعينه، بل ~~جمع بين عدة اتجاهات غربية، وأضاف إليها اتجاهات أخرى شرقية عربية، وهو يميل بعقليته ~~الشرقية وتراثه الثقافي في داخل المذهب الواحد، إلى أديب دون آخر، فنراه مثلا يتأثر ~~بالكلاسيكية الفرنسية، ولكنه يميل إلى ناحية كورني أكثر من ميله إلى ناحية راسين، ~~ونراه يود أن يتخذ من المسرح «مدرسة لعزة النفس والإباء ونبل الأخلاق»، على نحو ما ~~فعل كورني، وإذا كان قد تحدث عن الغرام والجنون به، فإنه لم يصوره قط على ما فعل ~~راسين، بل أخضعه، في الغالب، لمبادئ الأخلاق وسطوة التقاليد، بما فيها من عادات مرعية ~~ومشاعر وطنية أو قلبية؛ فكليوباترة تضحي بحبها في سبيل وطنها، وتضع مجده فوق «عبقري ~~جمالها»، وليلى تضحي بغرامها نزولا على التقاليد العربية، التي لا تبيح زواجها ~~بمن شبب بها وفضح غرامه بها، ونتيتاس تضحي بنفسها زوجة لقمبيز فداء لوطنها، وإن ~~كان هذا الاتجاه الأخلاقي لم يخل من اضطراب وشوائب وتناقض أحيانا في مجموع مسرحياته؛ إذ ~~ترى عبلة مثلا لا تعبأ بتلك التقاليد ولا تؤثر على عنترة أحدا، مع أن تلك التقاليد ~~كانت أشد قوة في حالة عنترة منها في حالة قيس ليلى، وذلك بحكم أن عنترة كان ابنا ~~لزبيبة الأمة الزنجية، بينما كان قيس عربيا خالصا من بني عامر، ولكن هذا التناقض لا ~~ينحي عن مسرح شوقي طابعه الأخلاقي العام، ولا يدخله في تيار المسرح التصويري النسبي ~~الذي يتميز به راسين، «مصور الشهوات البشرية». # وتأثر شوقي بكورني أكثر من تأثره براسين، لا يمنع من أنه قد تأثر بالمذهب الكلاسيكي ~~بوجه عام، ويمكن تلخيص أوجه التأثر بالمسائل الآتية: ~~(1) # اختار شوقي لمآسيه موضوعات تاريخية، سواء أكان هذا التاريخ حقيقيا أم ~~أسطوريا، وذلك ms11 على نحو ما فعل الكلاسيكيون الفرنسيون، # 1 # وإذا كان هؤلاء قد استقوا موضوعاتهم من تاريخ الإغريق ~~والرومان القدماء، فإن شوقي قد استقاها من تاريخ مصر وتاريخ العرب، ~~فالاتجاه واحد؛ إذ عاد كل إلى أصوله التاريخية، وإذا كان الفرنسيون قد ~~صبوا في قوالب مسرحياتهم القديمة، عقليتهم ومشاعرهم الإنسانية الحديثة ~~باعتبارها إنسانية عامة، تصح في كافة العصور والأزمان، حتى سمي أدبهم ~~الكلاسيكي بالأدب الإنساني على نحو مطلق، واستبدلوا الآلهة وإرادتها وقضاءها ~~بالدوافع الإنسانية المفطورة في جبلة البشر؛ فإن شوقي كرجل شرقي مولع ~~بالاتجاهات الأخلاقية والروحية، قد غلب تلك الاتجاهات على الدوافع النفسية ~~الإنسانية، واتخذ من مشاغل قومه ومقتضيات بيئته، محركات لمسرحياته، وفسر ~~التاريخ على ضوء تلك الاتجاهات، ونظر إلى الماضي من الوجهة الأخلاقية؛ ~~فكليوباترة لا تغدر بأنطونيو لأنها أحست بأفول نجمه وشروق نجم أوكتافيو، ~~ورغبت في إغواء هذا النجم الصاعد لانحلال خلقها وسيطرة شهوة المجد على ~~نفسها، بل لسياسة وطنية عميقة، هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم ~~بعضا، لتنفرد هي بعد ذلك بالسيطرة على الشرق والغرب معا، ونتيتاس لا ~~تقبل الزواج من قمبيز فرارا من حبها الفاشل لتاسو، بعد أن انصرف عنها إلى ~~نفريت، بل لتفدي وطنها الذي كان قمبيز يهدد بغزوه والسيطرة عليه، ~~إذا لم يقبل فرعون مصر أن يزوجه من ابنته، وهكذا في كثير من المواطن ~~الأخرى في مسرحياته، ومن البين أن الاتجاهات النفسية عند الغربيين جاءت ~~أكثر عمقا وإيحاء من الاتجاهات الأخلاقية التي اصطنعها شوقي مهما يكن نبل ~~نزعته. ~~(2) # اتخذ شوقي في خمس من مسرحياته الشعر أداة للتعبير، على نحو ما فعل ~~الكلاسيكيون، ومن الغريب أن نراه يستخدم النثر في إحدى مسرحياته، مع أنها ~~وثيقة الصلة بالشعر الأندلسي، ومع أن المعتمد بن عباد أحد أبطالها ~~البارزين، كان شاعرا على نحو ما كان عنترة ومجنون ليلى، حتى لنراه يضمن ~~مسرحيته بعض أشعار ذلك الشاعر الملك، بينما يكتب شعرا الكوميديا الوحيدة التي ~~ألفها وهي «الست هدى» التي تجري حوادثها المعاصرة في حي الحنفي بالسيدة ~~زينب، والنثر بطبيعته أكثر ملاءمة للكوميديا، ms12 وأقرب إلى الواقعية في تصوير بيئة ~~شعبية معاصرة، بينما الشعر ألصق بمأساة تاريخية غنائية كمأساة المعتمد بن ~~عباد، ومع ذلك نستطيع أن نغلب حكمنا، فنقول بأن شوقي قد استند إلى ~~الكلاسيكيين، في استخدام الشعر كأداة للأدب المسرحي؛ وذلك لأن الرومانتيكيين ~~مثلا، وإن كانوا قد استخدموا الشعر أحيانا - كما فعل هيجو وفيني - فإنهم قد ~~استخدموا أيضا النثر على نحو ما فعل ألفريد دي موسيه، بحيث لا يمكن القول ~~بأنهم كانوا يفضلون الشعر على النثر، بينما كان الكلاسيكيون يؤثرون الشعر ~~في أدبهم المسرحي. ~~(3) # من المعلوم أن الكلاسيكية تقسم الأدب المسرحي إلى تراجيديا وكوميديا؛ أي ~~مأساة وملهاة، وتختص المأساة بتصوير حياة الملوك والأمراء والأبطال، على نحو ما ~~كانت تفعل المسرحيات الإغريقية القديمة، في تصوير الآلهة وأنصاف الآلهة، فضلا ~~عن الملوك والأبطال، بينما تختص الكوميديا بتصوير حياة الشعب بل ودهمائه، وكذلك ~~فعل شوقي؛ فمآسيه كلها تدور حول حياة الملوك والأمراء والأبطال، مع أن ~~الزمن كان قد سار بالأدب المسرحي شوطا بعيدا، فظهرت الدراما البرجوازية التي ~~تتناول حياة الطبقة الوسطى، التي نهضت بالثورة الفرنسية، وازدادت ~~أهميتها الاجتماعية بعد تلك الثورة العاتية، بل وظهرت الدراما الحديثة ~~على يد إبسن وبرنارد شو، وتناولت تصوير حياة عامة الناس ومشكلاتهم الاجتماعية ~~والإنسانية المختلفة، والظاهر أن شوقي كان أكثر اتصالا بالمسرح الكلاسيكي؛ ~~حيث تنفرد التراجيديا بتصوير حياة الملوك والأبطال، بينما تنصرف الكوميديا إلى ~~تصوير حياة عامة الشعب، ولعل في تاريخ حياة شوقي ما عزز هذا الاتجاه في ~~نفسه؛ فقد كان حريصا دائما على أن يكون شاعر الأمراء كما أصبح أمير ~~الشعراء، وذلك بالرغم من أن تصويره لحياة الشعب في «الست هدى»، ربما كان أكثر ~~صدقا ونجاحا من تصويره لحياة الملوك والأمراء. ~~(4) # ولقد زعم بعض النقاد أن شوقي قد تأثر بالكلاسيكية في ناحية فنية ~~دقيقة، وهي إيثاره للوصف على المشاهد في بعض أحداث مسرحياته؛ فهو مثلا لا ~~يحاول أن يعرض على المسرح حرب أنطونيو مع أوكتاف، أو حرب علي بك الكبير مع محمد ~~علي أبي الذهب، ولكننا في الحق لا نستطيع ms13 أن نجزم بصحة هذا التأثر؛ وذلك ~~لأن شوقي ربما حمل نفسه هذا المحمل خوفا من صعوبة إخراج مثل هذه المشاهد ~~الواسعة على المسرح العربي، كما نلاحظ من جهة أخرى أن شوقي لم يحجم عن عرض ~~كثير من المآسي العنيفة على المسرح على نحو ما فعل شكسبير والرومانتيكيون من ~~بعده، إن لم يكن قد بذهم جميعا أحيانا، فكم من الضحايا والانتحارات! وكم ~~من الموتى لم يحجم عن عرض مشاهد موتهم على خشبة المسرح أمام النظارة! فأنطونيو ~~لا ينتحر وحده، بل يسبقه أوروس خادمه، وكليوباترة لا تنتحر وحدها بل تصاحبها ~~وصيفتاها، وإذا كانت هيلانة قد أنقذت، فإن شرميون قد ولت إلى ~~العالم الآخر، وفي عنترة لا يجندل البطل الرجال ~~بسيفه فحسب، بل ويخرون أحيانا لمجرد سماع ~~صيحته، وبوجه عام لا يحجم شوقي عن إراقة الدماء، ونثر الأشلاء على خشبة ~~المسرح، وبذلك لا يمكن القول بأنه قد قصد إلى تنحية مشاهد العنف عن مآسيه، ~~مؤثرا الوصف والرواية على نحو ما فعل الكلاسيكيون. ~~(5) # من المقرر في المسرح الكلاسيكي أن تبنى المسرحية في أساسها، على أزمة ~~تتصارع فيها قوى نفسية وأخلاقية متعارضة، ومن البين أن شوقي قد بنى ~~مآسيه في جملتها على هذا الصراع، وإن ظل أحيانا سطحيا وشلالا ~~يتعمق أغوار النفس البشرية، ولا يشق الحجب عن خفايا العقل الباطن، وعمل ~~الغرائز وشهوات النفس ونزواتها الدفينة، فالصراع قائم في كليوباترة بين ~~حبها ومجدها السياسي، وفي ليلي بين غرامها وتقاليد قومها، وفي عنترة بين ~~القيمة الشخصية للفرد وتقاليد المجتمع، وإن يكن هذا الصراع لا يجري في ~~الغالب بين نزعات النفس المختلفة، بقدر ما يجري بينها وبين التقاليد أو ~~مبادئ الأخلاق، ولكن مسرحه على أية حال، يعتمد في أساسه على الصراع، لا ~~على التصوير والتحليل، كما تعتمد الدراما الحديثة. # ومع أن شوقي قد استمد كل هذه الأصول العامة من الكلاسيكية، إلا أنه لم يتقيد ~~بها في كثير من الأصول الأخرى التي نذكر منها: ~~(1) # من المعلوم أن الكلاسيكية قد تعصبت لما يسمونه «الوحدات الثلاث»، أي ~~وحدة الموضوع والزمان ms14 والمكان، بمعنى ألا تحتوي المسرحية إلا على موضوع ~~واحد، وأن تجري أحداثها جميعا في مكان واحد، وفي زمن لا يتجاوز أربعا ~~وعشرين ساعة، وبمراجعة مسرحيات شوقي نجد أنه لم يتقيد بهذه الوحدات؛ ففي ~~«مصرع كليوباترة» حب آخر بين هيلانة وصيفتها وحابي أحد أتباعها، وفي «علي ~~بك الكبير» نجد إلى جوار غدر محمد بك أبو الذهب بسيده، قصة ولع مراد بك ~~بآمال، ثم اكتشافه أخوته لها، ونحن لا نذم الخروج على المعنى الضيق لوحدة ~~الموضوع؛ فقد أثبت الأدب المسرحي الخالد، أنه لا ضير من الخروج على ~~المعنى الضيق لهذه الوحدة، ولكن على شرط أن تكون الموضوعات الثانوية وثيقة ~~الصلة بالموضوع الأصلي، موضحة لبعض الجوانب النفسية أو الأخلاقية لأبطال ~~المسرحية، على نحو ما نجد عند شكسبير مثلا، حيث تندمج الموضوعات الجانبية في ~~الموضوع الأصلي، وتكشف عن جوانب في الشخصيات لا يكشف عنها ذلك الموضوع الأصلي، ~~وأما عن وحدتي الزمان والمكان، فمن البين أن شوقي لم يخضع لهما، ففي ~~مسرحية واحدة ك «علي بك الكبير» تنتقل مشاهد الرواية من القاهرة إلى عكا إلى ~~الصالحية، ومن البين أن مثل هذا الانتقال لا يمكن أن يتم في أربع وعشرين ~~ساعة، ونحن لا نرى ضيرا في خروج شوقي على هاتين الوحدتين، اللتين نسبهما ~~الكلاسيكيون إلى أرسطو تعسفا وبهتانا، وإنما يضير المؤلف المسرحي ~~تفكك مسرحياته، بانعدام وحدة الموضوع وتوثق الارتباط بين أحداثه المختلفة، ~~إذا تعددت تلك الأحداث. ~~(2) # من المعلوم أيضا أن الاتجاه الأصيل في المسرح الكلاسيكي، بل وفي غيره، ~~أن تنتهي التراجيديا بخاتمة محزنة، كما تنتهي الكوميديا بخاتمة ~~مضحكة أو سارة على الأقل، وإن تكن هذه القاعدة غير مطلقة؛ ففي ~~الكثير من كوميديات موليير تأتي الخاتمة محزنة، على نحو ما نشاهد في «عدو ~~البشر» أو «دون جوان»، وإن يكن من النادر أن لا تنتهي التراجيديا بمأساة، ومع ~~ذلك لم يأخذ شوقي بهذه القاعدة العامة على نحو مطرد، فإذا كانت ~~كليوباترة تنتهي بعدة انتحارات، كما تنتهي مجنون ليلى بموت البطلين؛ قيس ~~وليلى ، فإن عنترة تنتهي بزواجه من عبلة، ms15 بل وزواج صخر من ناجية أيضا، ~~ونحن لا نلوم شوقي لعدم خضوعه لهذه القاعدة العامة، ولكننا نلومه لبلبلة ~~إحساس القارئ أو المشاهد، بمحاولته دائما تخفيف قوة الانفعالات التي تنتهي ~~بها مآسيه، ولا نستطيع أن ندرك حكمة لهذا الاتجاه الذي اتخذه؛ ففي ~~«مصرع كليوباترة» مثلا كان من المفهوم، ومن دواعي الأدب المسرحي القوي، أن ~~تنتهي تلك المأساة العاتية بانتحار البطلين، ولكن شوقي يأبى إلا أن يصحب ~~تلك الخاتمة المؤثرة، بخاتمة أخرى هي زواج هيلانة من حابي، وانطلاقهما إلى ~~طيبة ليعيشا سعيدين في الضيعة التي أوصت بها لهما الملكة المنتحرة، ~~وفي «أميرة الأندلس» تختتم المأساة بانهيار دولة المعتمد بن عباد من ~~إشبيلية، وسجن الملك الشاعر وأسرته في شمال إفريقية، عند ملك المرابطين ~~يوسف بن تاشفين، ومع ذلك يأبى شوقي إلا أن ينعقد زواج بثينة ابنة هذا ~~الملك العاثر، بخطيبها حسون في نفس ذلك السجن، وهو بذلك يضعف من قوة أثر ~~مآسيه، ويجردها من إثارة عاطفتي الخوف والشفقة، اللتين ركز فيهما ~~أرسطو وظيفة المسرح، وجعلهما وسيلة تطهير النفوس. ~~(3) # والكلاسيكية جعلت من أصولها مبدأ فصل الأنواع، بمعنى أن التراجيديا يجب ~~أن تكون أحداثها مأساة متتابعة الحلقات، لا يتخللها أي مشهد ~~مضحك، ولا أية فكاهة، كما أن الكوميديا يجب أن تكون مهزلة خالصة، لا ~~تجري المأساة في أي عرق من عروقها، ولكن الرومانسية سخرت من هذه ~~القاعدة، مستشهدة بمآسي شكسبير الخالدة، التي لا تخلو من مناظر ساخرة ~~ضاحكة، ومن شخصيات هزلية رائعة، والظاهر أن شوقي لم يؤمن بما نادت به ~~الكلاسيكية في هذا السبيل؛ ففي الكثير من مآسيه نجد ألوانا من الفكاهة، بل ~~وشخصيات مضحكة، مثل أنشو في «مصرع كليوباترة»، ومقلاص في «أميرة الأندلس»، بل ~~وبشر في مطلع «مجنون ليلى»، وقد كانت فلسفة شكسبير والرومانتيكيين في هذا ~~الخلط، تقوم على أن المسرح عرض للحياة، وما دامت الحياة لا تتورع عن أن ~~تجمع بين المضحك والمبكي، فليس هناك ما يدعو المسرح إلى ذلك التورع، ~~والحجة سليمة، ولكن هناك فرق كبير بين مضحكات شكسبير مثلا ومضحكات ~~شوقي، ms16 فالمهرج أوفولستاف عند شكسبير فيلسوف لاذع تقطر ابتساماته وسخريته ~~أسى، وتكشف عن أعمق الجوانب في مآسيه، وأما عند شوقي ففكاهته لفظية ~~سطحية، وإن كان من الحق أن نعترف بأن مقلاص في «أميرة الأندلس»، يرتفع ~~أحيانا إلى مستوى رفيع من الحكمة الإنسانية المرة، يقذف بها في صراحة ~~دامية، وأكبر الظن أن شوقي لم يمد في مآسيه هذه الخيوط الضاحكة، ~~إلا مجاراة للروح المصرية المولعة بالنكتة اللفظية والمرح ~~الخفيف. ~~(4) # إنه وإن تكن الكلاسيكية قد قامت على محاكاة المسرح الإغريقي والروماني ~~القديمين، إلا أنها حققت للفن المسرحي استقلاله ومقوماته الذاتية؛ فقد ~~كان المسرح القديم يجمع بين الحوار والغناء والرقص والموسيقى، بل والنحت ~~والتصوير، فجاء الكلاسيكيون وقاموا بضرورة فصل الفن التمثيلي عن غيره من ~~الفنون، لينهض بذاته وبمقوماته الخاصة، فحذفوا الجوقة بغنائها وموسيقاها ~~ورقصها، كما حذفوا الفنون الأخرى، حتى يتركز انتباه المشاهدين على حركة ~~الشخصيات والحوار ومتابعة تيار العقل والإحساس، الذي يجري في المسرحية، ~~ولكن شوقي الشاعر الغنائي لم يستطع أن يجاري المسرح الغربي في هذا ~~الاتجاه؛ وذلك لأن المصريين بل والعرب بوجه عام، شعب طروب بفطرته ~~محب للغناء، وكان شوقي طموحا إلى إرضاء جمهوره، وقد لمس بخبرته إلى أي ~~حد بلغ نجاح المسرح الغنائي في مصر، عند سلامة حجازي وأولاد عكاشة وسيد ~~درويش، كما أن تراث العرب الشعري كله لم يكن غنائيا بخصائصه الفنية فحسب، ~~بل كان يتغنى به فعلا على ضروب وأنغام الموسيقى المختلفة، ولم يكن هذا ~~الغناء الموسيقي قاصرا على قصائد أو مقطوعات بعينها، بل الظاهر أنه ~~كان يتناول جميع الشعر العربي على اختلاف أوزانه وموضوعاته، وفي كتاب ~~«الأغاني» موسوعة الشعر العربي الكبرى أوضح دليل، كما سبق القول، على هذه ~~الحقيقة، حيث يذكر المؤلف النغم الخاص بكل قصيدة يوردها وضربها، ~~ولم يكن شوقي يستطيع التحلل من طبيعته الغنائية، أو من تراث قومه، أو يهمل ~~عاملا قويا في نجاح مسرحياته، أو يغضي عن مزاج قومه، ويا ليت شوقي قد ~~أتيح له من الموسيقيين من يستطيعون تلحين مسرحياته الشعرية تلحينا ~~كاملا، على نحو ms17 ما فعل ماسنيه الموسيقي الكبير، عندما لحن في سنة 1919 ~~مأساة غنائية عن كليوباترة، وفي الأجزاء التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب ~~من «كليوباترة» و«مجنون ليلى»، والنجاح العظيم الذي لاقته تلك الأجزاء، ما ~~يقطع بأن بعض مسرحيات شوقي مثل «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى» و«عنترة»، ~~لو أنها لحنت كاملة ومثلت كأوبرا لنجحت أكبر النجاح، وأصبحت ~~غذاء فنيا رائعا، يعوض ما يفتقده فيها النقاد القساة من ~~حقائق نفسية أو تاريخية أو وطنية، ونحن لا نلوم شوقي لتضمينه مسرحياته بعض ~~المقطوعات الغنائية، وكنا نود أن لو مثلت، كما قلنا، بعض تلك ~~المسرحيات كأوبرا، وعندئذ كان لا بد أن يختفي ما لاحظه بعض النقاد أو ~~معظمهم، من أن هذه المقطوعات الغنائية قد جاءت أحيانا دخيلة على بناء ~~المسرحية، معوقة لسير أحداثها وتطورها نحو خاتمتها، غير مجدية في ~~سير الأحداث، أو الكشف عن الحقائق النفسية للشخصيات. # وهكذا يتضح كيف أن شوقي لم يتقيد بتيار خاص، ولا بمذهب معين، بل جمع بين ~~الشرق والغرب، وبين مذاهب الأدب المختلفة، والظاهر أنه لم يتعمق دراسة فلسفة الأدب، ~~ولم يكون لنفسه حصيلة نظرية من تلك الفلسفة، وإنما كان يستهدي ذوقه الخاص ~~وتفكيره القريب المنال، والواقع أن الفلسفات الأدبية والمذاهب لا ترتجل ولا ~~تصطنع، وإنما تولدها تيارات فكرية وعاطفة خاصة، أو حالات نفسية واجتماعية بعينها، ~~وكان شوقي رائدا في مجال المسرح الشعري، ولم يكن في الميدان غيره حتى تتشعب المذاهب ~~وتتنوع الفلسفات، ولا ينبغي أن نأخذه بالأصول التي سار عليها هذا المذهب أو ذاك في ~~الأدب الغربي؛ فالكثير من تلك الأصول نسبي لم يتحرج الغربيون من الخروج عليها، حتى ~~ولو كانت مما نظنه بديهيا، مثل ضرورة انتهاء المسرحية إلى خاتمة ما، فالمذهب الحديث ~~المسمى بالسريالزم، أو ما فوق الواقع، صدرت عنه عدة مسرحيات تصور جوانب من المعركة ~~التي تدور عليها المسرحية، ولكنها لا تخبرنا عمن كان له النصر في طرفي المعركة، ~~وإنما تترك للقارئ أو المشاهد استنتاج ذلك أو تخيله حسبما يشاء ، وربما قصدت إلى ترك ~~الباب مفتوحا؛ ليستمر القارئ ms18 أو المشاهد في التفكير والحدس والموازنة وإعمال الخيال، ~~ومع ذلك لاقت بعض تلك المسرحيات الجيدة نجاحا عظيما، من حيث إنها تشق الحجب عن ~~عالم العقل الباطن العميق، وتتركنا نغوص في حناياه، ونكتشف الدور الخطير الذي ~~يلعبه من خلف الستار في حياتنا الواعية. # ومع ذلك فمما لا ريب فيه أن هناك أصولا عامة كلية لا يستطيع الأدب المسرحي أن ~~يفلت منها، وعلى ضوئها يكتب لهذا الأدب الخلود أو الفناء، والنجاح أو ~~الفشل. # فالأدب المسرحي ككل فن، يتناول مادة أولية يصوغها بأسلوب خاص، وعلى جودة تلك ~~المادة، وبراعة هذا الأسلوب، تتوقف قيمة ذلك الأدب، ولننظر الآن في هذين ~~العنصرين. # | شوقي والمادة الأولية # لقد استقى شوقي مادته الأولية كغيره من الأدباء، إما من التاريخ، وإما من الحياة ~~المعاصرة، ولكن التاريخ كان معينه الأول؛ إذ استمد منه مآسيه الستة، بينما لم ~~يستمد من الحياة غير الملهاة الوحيدة التي كتبها وهي «الست هدى». # فأما التاريخ الذي اختاره شوقي، فقد كان إما تاريخ مصر، وإما تاريخ العرب، وبالرغم ~~من النزعة الوطنية المسيطرة على روحه الأدبية، فإننا نلاحظ أنه قد اختار لمآسيه ~~فترات ضعف وانحلال وهزيمة، في تاريخ مصر أو تاريخ العرب، ف «مصرع كليوباترة» تصور ~~فترة انتهاء استقلال مصر ووقوعها تحت سيطرة الرومان، و«قمبيز» تصور سقوطها في يد الفرس، ~~و«علي بك الكبير» تصور الانحلال الأخلاقي، وتأجج الشهوات بين المماليك خلال الحكم ~~العثماني الفاسد، و«أميرة الأندلس» تصور انهيار حكم الطوائف في إسبانيا، وأما «مجنون ~~ليلى» و«عنترة» فقد اختارهما الشاعر لشهرتهما الشعبية، ولجريان حوادثهما حول شاعرين ~~كبيرين يلائمان مزاجه كشاعر غنائي. # ولقد تساءل بعض النقاد: لماذا اختار شوقي فترات الانحلال في تاريخ مصر والعرب، مع ~~أن هدفه كان تمجيد مصر والعرب؟ حتى اتهمه الأستاذ عباس العقاد في نقده لرواية ~~«قمبيز» بأنه قد اغتاب الشعوب، ولكن هذا النقد في الحقيقة مردود؛ وذلك لأن الكوارث هي ~~التي تظهر معدن الناس، وكان شوقي يهدف إلى أن يظهر البطولة وسط تلك الكوارث، ~~والفكرة في أساسها راجحة الصحة، ولا تثريب عليه في اختيار ms19 تلك الفترات كمادة أولية ~~لمآسيه، وإنما يجوز البحث في كيفية استخدامه لتلك المادة الأولية، وهل نجح في الوصول إلى ~~هدفه أم لا؟ وهنا يأتي مجال دراسة إلمام شوقي بالتاريخ، وطريقة استخدامه له. # ولقد قارن النقاد بين التاريخ ومآسي شوقي، وأحيانا نراهم يأخذون عليه استعباد ~~التاريخ له على نحو ما فعل في «مجنون ليلى»؛ إذ أخذوا يلتقطون من كتاب «الأغاني» القصص ~~والنوادر التي رويت عن قيس بن الملوح، ويضعونها إلى جوار أشعار شوقي، زاعمين أنه ~~لم يكن له من فضل غير صياغة تلك الأخبار شعرا، ويعززون نقدهم هذا بأن كل تلك ~~الأخبار لم يروها صاحب «الأغاني» على أنها تاريخ محقق، بل روايات شعبية كان الناس ~~يتناقلونها في جزيرة العرب، وبخاصة في قبيلة بني عامر، ولم يكن هناك ما يدعو شوقي إلى ~~التقيد بهذه الروايات، التي رأى نقاده أنها لا تخلو من سخف أحيانا، ومن إحالة ~~أحيانا أخرى، مثل قصة احتراق ردائه وهو لاه عن نفسه في حديث له مع ليلى، حتى مست ~~النار لحمه الحي، ومثل قصة الشاة التي أبى أن يطعمها؛ لأن خادمته كانت قد ~~نزعت منها القلب، وذلك فضلا عن كثرة إغمائه وإفاقته، وقد كان شوقي يستطيع أن يكتفي ~~بهيكل القصة، وأن يبتكر أعراض الغرام المبرح جسمية كانت أو نفسية، على نحو يشبع ~~الثقافة العصرية والتفكير النفسي الحديث، بدلا من تلك التفاصيل السقيمة، على نحو ما فعل ~~شكسبير مثلا في قصة «روميو وجوليت» التي تغلغلت في أعماق عاطفة الحب وعملها الدقيق ~~المدمر في النفس البشرية، بل وفي أعضاء الإنسان الحسية، وهذا النقد وإن تكن له وجاهته، ~~وبخاصة إذا ذكرنا أن شوقي عند حديثه عن «قيس بن الملوح»، لم يكن يعمل في مجال التاريخ ~~الصحيح، بل في مجال الأسطورة، وكانت الحرية أمامه مطلقة، نقول: إنه وإن يكن لهذا ~~النقد وجاهته إلا أن الطابع الغنائي لهذه المسرحية كفيل بأن يشفع لالتقاطه تلك ~~الروايات الشعبية الساذجة، ولو أن هذه المسرحية مثلت كأوبرا أو صحبتها الموسيقى ~~والغناء، لكان ما تخيره شوقي أدعى إلى ms20 النجاح، من التحليلات النفسية والعضوية العميقة ~~التي تطلبها النقاد، والمسرح الغنائي يزداد تحليقا ومداعبة للخيال وإثارة للأحاسيس ~~الجمالية كلما كان أكثر سذاجة، وكانت صوره أكثر انطلاقا. # وفي أحيان أخرى نرى النقاد يأخذون على شوقي أنه لم يدرس التاريخ دراسة استقصاء؛ ~~ولذلك لم يستخدم كل ما كان هذا التاريخ يستطيع أن يمده به، وذلك على نحو ما فعل الأستاذ ~~عباس محمود العقاد في كتيبه الصغير رواية «قمبيز في الميزان»، إذ أخذ ينقب عند ~~هيرودوت وغيره من المؤرخين، فعلم أن المشرع اللاتيني الشهير سولون، وأن قارون ملك ~~ليديا الذي يضرب بثرائه المثل، كانا في مصر أثناء حملة قمبيز عليها، فأخذ يلوم شوقي ~~لأنه لم يدخل هاتين الشخصيتين في مسرحيته، ليتحدث الأول عن أصول الحكم والتشريع، ~~ويتحدث الثاني عن المال ومباهجه ونكباته، ومن البين أن هذا النقد نقد تعسفي؛ وذلك ~~لأننا، بفرض صحة ما ذكره الناقد، لا ندري كيف كان يريد أن يقحم شوقي هاتين الشخصيتين ~~التاريخيتين في مسرحيته، دون أن يكون لهما مكان في أحداث المسرحية ولا دور في مجراها! ~~وعلى العكس من ذلك نرى أن هذا الناقد قد أصاب قلب الحقيقة، عندما أخذ على شوقي إهماله ~~لبعض الحقائق التاريخية، التي كان يستطيع استخدامها لإيضاح الحقائق النفسية لأبطال مسرحيته، ~~وبخاصة قمبيز، الذي ينبئنا شوقي أنه قد أصيب بالجنون، دون أن يفسر لنا سبب هذا ~~الجنون، مع أن التاريخ يتحدث عن نكبات بالغة لقيها وجنوده في صحراء ليبيا وفي بلاد ~~النوبة، بل لم يقف شوقي عند هذا الإهمال فحسب، إذ نراه يقلب حقيقة تاريخية كان الفن ~~المسرحي الصحيح يقتضيه على العكس أن يتمسك بها بل ويبالغ فيها، وذلك عندما زعم أن ~~قمبيز كان يعاف الخمر؛ لكي يحتفظ بالصحو في القتال، مع أن الثابت تاريخيا أن قمبيز ~~كان يدمن الخمر، وربما كان ذلك سببا من أسباب جنونه. # وبالرغم من صحة بعض الملاحظات الجزئية التي أخذها النقاد على شوقي، من حيث طريقة ~~استخدامه للتاريخ، فإننا نستطيع أن نقرر أنه لم يخرج عن الحدود العامة التي ms21 يلتزمها ~~الأدباء، عندما يستقون مادتهم من التاريخ، فهو لم يمتهن شيئا من حوادثه الكبرى أو من ~~حقائقه العامة، فلم يزعم مثلا أن أنطونيو قد هزم أوكتافيوس، أو أن كليوباترة قد أنقذت ~~مصر من براثن الرومان، ولا أن المعتمد بن عباد قد أنقذ ملكه في إشبيلية، وإنما ~~تصرف شوقي في حدود كليات التاريخ فاحترم الوقائع الكبرى، وإن يكن قد غير من دوافعها ~~النفسية والأخلاقية، وفقا لنزعات مسيطرة على نفسه، وفي مجال التاريخ الأسطوري عن قيس بن ~~الملوح وعنترة، انتقى من أحداثه ما يلائم منهجه الأدبي؛ ولذلك ربما يكون النقد أكثر صحة ~~عندما يتناول هدف شوقي في معالجة التاريخ، واستقامة ذلك الهدف أو تناقضه، ومبلغ سمو هذا ~~الهدف ومقدار جدواه. # وبمراجعة النظرات التحليلية التي زينت بها مسرحياته وكتبت بإيحائه وتحت إشرافه، نحو ~~ما ذكر ابنه الأستاذ حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي»، إذ قص كيف أن والده طلب إلى ~~الأستاذ عبد الرحمن الجديلي أن يكتب «النظرات التحليلية» الخاصة بمسرحية قمبيز، نقول: إنه ~~بمراجعة تلك النظرات يتضح أن شوقي كان يهدف إلى تمجيد الوطنية المصرية والنبل العربي، ~~ولكن هل وصل شوقي حقا إلى هذا الهدف، وهل ما وصل إليه يعوض ما فقدناه من تعمق ~~التحليل النفسي، وصدق تصوير الشخصيات، وخصائصها الإنسانية الدفينة؟ # لقد زعم كاتب النظرات التحليلية لكليوباترة، أن المؤلف أراد أن يرد إلى مصر ~~اعتبارها، وأن يشيد بمجدها وصدق وطنيتها، ولكن الإشادة بمصر وبمجد مصر كانت تفهم ~~وتتحقق، لو أن المؤلف أظهر إخلاص الشعب المصري وغيرته على وطنه وتفانيه في سبيله، ~~لا دهاء ملكة مصر وطموحها الذي لا يتورع عن أية وسيلة مهما انحطت، ومنذ مطلع المسرحية ~~تسمع من يصف الشعب المصري بأنه شعب أبله يصفق لمن شرب الطلا في تاجهم، وأحال ~~عرشهمو فراش غرام، كما يصفه بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وتمر تلك الأوصاف دون أن ~~تلقى ردا من أي مواطن مصري، والظاهر أن شوقي شاعر الأمراء لم يكن يحرص إلا على ~~الدفاع عن صاحبة العرش، فكليوباترة في مسرحيته لا تخون ms22 أنطونيو، ولا تتخلى عنه في المعركة ~~لغدر منها، وإنما لسياسة عليا هي أن تترك قواد الرومان يفني بعضهم بعضا؛ ~~ليخلو لها بعد ذلك الجو، وتستطيع أن تسيطر على العالم، وأن تجعل من الإسكندرية ~~عاصمته الكبرى، وهي تضحي في سبيل مصر بعبقري جمالها، وذلك مع أن كليوباترة كانت ~~ملكة أجنبية دخيلة على مصر، وكانت خاتمة أسرة شريرة، كم ذبح فيها الإخوة أخواتهم وأقرب ~~الناس إليهم رحما، طمعا في الحكم ومغانمه! ولكنه من الإنصاف أن نقر لشوقي بغنائه ~~الرائع بمجد مصر وخلودها واتخاذ ثراها مقبرة لغزاتها. # ومن المفهوم أن شوقي كان يهدف في مسرحيتيه «مجنون ليلى» «وعنترة»، إلى التغني بنبل ~~العرب وسمو أخلاقهم، حتى لنراه يأتي في «مجنون ليلى» بما لا يكاد أن يصدقه العقل؛ ~~لاستعصائه على الطبيعة البشرية، فليلى مثلا لا ترغم على عدم الزواج من قيس رغم غرامها ~~به، وإنما يترك لها الخيار فتختار الزواج من ورد الثقفي نزولا على تقاليد العرب ~~النبيلة، التي كانت تعيب تزوج الفتاة ممن شبب بها وفضح حبه لها، وزوجها ~~ورد لا يقربها بعد الزواج، بل يتركها بكرا، ولا يجد غضاضة في أن يتركها تخلو ~~بقيس عندما قدم إلى خبائه، ومع ذلك ففي مسرحية «عنترة» نرى عبلة، وهي بنت سيد قومها، ~~لا تفضل أحدا على عنترة، وعندما يحتكم إليها لا تتردد في أن تؤثره على صخر، وذلك ~~مع أن عنترة لم يكن أقل تشبيبا بها من قيس بليلى، كما أنه كان ابنا لزبيبة الأمة ~~الحبشية، ولم يرفض أبوها مالك زواجها من عنترة فحسب، بل استعدى عليه منافسيه، وجعل ~~رأسه مهرا لها، بخلاف والد ليلى الذي رفض بإصرار أن يمس أحد قيسا بسوء، باعتباره ~~ابنا للقبيلة تجري في عروقه دماؤها، ولسنا ندري سببا لهذا التناقض الذي لم يفسره ~~لنا المؤلف، اللهم إلا أن تكون بطولة عنترة وسحرها الخارق، قد أحدثت في نفس عبلة ما ~~لم يحدثه قيس في نفس ليلى، وما لم تكن أصالة دم قيس قد أحدثت في المهدي والد ليلى، ما ~~لم تستطع أن ms23 تحدثه بطولة العبد عنترة في نفس مالك العبسي. # وعلى أية حال، فالملاحظ أن شوقي قد عالج أحداث التاريخ وأساطيره من الناحية ~~الأخلاقية، وتخير من الأحداث والوقائع ما يتمشى مع وجهة النظر التي اختارها، حتى لتراه ~~يهمل التاريخ الواقعي كله أحيانا، مفضلا أسطورة شعبية تواتي وجهة نظره ~~الأخلاقية، فبالرغم من أن غزو الفرس لمصر قد كانت له أسباب حربية واقتصادية ودولية، ~~يطنب في إيضاحها المؤرخون، إلا أن شوقي لم يقف عند أي من هذه الأسباب، مفضلا ~~أسطورة شعبية رواها هيرودوت، عن رغبة قمبيز في الزواج من بنت فرعون، ورفض تلك الفتاة ~~الزواج منه، ثم تطوع «نتيتاس» بنت الفرعون السابق المقتول بالزواج من الشاه إنقاذا ~~لوطنها، ثم اكتشاف قمبيز لهذا الخديعة وغضبه وغزوه لمصر، وكل ذلك؛ لكي يظهر بطولة الفتاة ~~المصرية، وتضحيتها بنفسها في سبيل الوطن، ولكنه بالرغم من ذلك لم يستطع أن ينقي هذا ~~الدرس الأخلاقي من كل شائبة، فإلى جانب الروح الفدائية الرائعة التي تتحلى بها نتيتاس، ~~تقوم إثرة «نفريت» بنت فرعون الحاكم، بل إن روح التضحية عند «نتيتاس» نفسها لم يصورها ~~الشاعر خالصة نقية، إذ نراه يشير عند مطلع المسرحية إلى حب عاثر اكتوت بناره، ~~إذ لاحظت انصراف «تاسو» حارس فرعون عنها، بعد أن انتقل الملك من أبيها إلى فرعون ~~الجديد، وتلك كانت كارثة أضيفت إلى كارثة قتل أبيها، فامتلأت نفسها يأسا وهانت ~~عليها التضحية، مما يضعف من قيمتها الأخلاقية، ولكن شوقي مع ذلك غلب في مسرحيته ~~الاتجاه الأخلاقي، فاقتصر على مجرد التلميح إلى رزئها في الحب بعد رزئها في أبيها، ~~وبالرغم من تعقد الموقف وتنوع العوامل النفسية، التي كانت تحتشد بها نفسية «نتيتاس»، ~~مما كان يستطيع معه المؤلف أن يعقد الموقف، ويوسع من مجال الكشف النفسي وسبر ~~الأعماق، على نحو ما يفعل كاتب كبير كشكسبير مثلا، نراه يبسط الموضوع، فلا ينمي ~~العناصر النفسية الدفينة، ولا يوضح عملها مكتفيا بالتلميحات العابرة؛ لكي يوفر جهده ~~على إظهار دافعها الأخلاقي ونبلها الوطني، وبذلك أفقر الشخصية لا لشيء؛ إلا لكي ~~يدفعها في ms24 الطريق الذي رسمه لها، الهدف الذي اختاره حتى أصبحت مجرد هيكل مسلوب ~~الأعصاب فاقد الحياة، وكأنها مجرد رمز للوطنية والفداء؛ وكل ذلك لأنه مؤلف أخلاقي، ~~أو أراد أن يكون كذلك. # وباستطاعتنا أن نستقصي نفس الاتجاه الأخلاقي وتأثيره على المؤلف في مآسيه ~~الأخرى؛ ففيها جميعا نلاحظ في سهولة أنه حينما يكون هناك مجال واسع لصراع نفسي ~~عنيف، بين هوى النفس والواجب الأخلاقي أو الوطني، لا يتعمق المؤلف في تصوير هذا ~~الصراع بل يغلب، في سهولة، الدافع الأخلاقي على عواطف النفس وشهواتها، دون أن يصور ~~المشقات التي تعانيها شخصياته في هذا الصراع، ولا المعارك التي كان من المنتظر أن ~~تدور في حناياها، وبذلك تبدو انتصارات تلك الشخصيات سهلة رخيصة لا تنفعل لها النفس ولا ~~تهتز لها، حتى الانتصارات الأخلاقية لا تستند إلى أصول عريقة في الضمير الإنساني، بل في ~~الغالب إلى آداب مواضعة اجتماعية، مستمدة من الجماعة لا من أعماق النفس البشرية؛ ولذلك ~~لا يمكن القول بأن للمؤلف فلسفة أخلاقية بذاتها، على نحو ما استخلص النقاد من هذا ~~النوع عند «كورني» مستندة إلى مبادئ «ديكارت»، إذ أرجعوا بطولة شخصيات «كورني» إلى روح ~~الفلسفة الديكارتية المستندة إلى اليقين، بعد تنحية كل عوامل الشك، والتمسك باليقين ~~الأخلاقي عن بينة وتفكير عقلي سليم. ~~••• # وإلى جانب التاريخ الواقعي أو الأسطوري، حاول شوقي في الكوميديا الوحيدة التي كتبها أن ~~يتخذ الحياة منبعا لمادته الأولية، ولقد تساءل النقاد: كيف يستطيع شوقي أن ~~يصور حياة الشعب مع أنه لم يكن يعيش تلك الحياة؟ ولم يختلط بعامة الشعب، وهو ~~الأرستقراطي المدلل الذي كان يخالط الملوك والأمراء وعلية القوم، ويعيش في كرمة ~~ابن هانئ، لا حي الحنفي حيث كانت تعيش «الست هدى» وأمثالها من الطبقة الوسطى أو الدهماء! ~~ولكن هذا النقد مردود؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقرر أن جميع المؤلفين قد ~~عاشوا حياة عشرات أو مئات الشخصيات التي صوروها في قصصهم أو مسرحياتهم، وإلا لكان حتما ~~على شكسبير وموليير وإبسن وشو، أن يعيشوا عيشة اللصوص والمجرمين والأفاقين وقطاع ~~الطرق وحثالة ms25 المجتمع، الذين صوروا حياتهم أدق تصوير، وإلا كان مثلهم مثل ذلك ~~المصور الإغريقي القديم، الذي أراد أن يصور الألم البشري من ملامح الإنسان، فاشترى ~~عبدا وأخذ يكويه بالنار؛ لكي يلتقط على لوحته الزيتية تعبيرات الألم الفعلي التي ~~ترتسم على وجهه، وما أفقره خيالا ذلك الذي يحتاج إلى توليد الألم فعلا؛ لكي يصور ~~تعبيراته! ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نقول: إن شوقي قد عاش بمعزل تام عن حياة ~~الناس، وذلك فضلا عن وجود خصائص بشرية عامة مشتركة بين البشر، مهما اختلفت طبقاتهم ~~الاجتماعية، والمؤلف في وصفه للحياة، لا يستقي مادته كلها من ملاحظته أو تجاربه ~~المباشرة، بل يستمد أيضا الكثير من قراءاته، والخيال الخصب قادر على أن يبني البناء ~~الشامخ فوق ملاحظة جزئية توحي إليه بجذورها وفروعها وتشعبها في شتى الاتجاهات، وهذا هو ما ~~فعله شوقي في ملهاة «الست هدى»، التي يصور فيها هي الأخرى داء أخلاقيا متفشيا وهو ~~الطمع في ثروة الزوجة، وتهافت الرجال على المرأة طمعا في مالها، ثم خيبة ذلك الأمل، إذ ~~يموت الأزواج تباعا قبل الست هدى، حتى إذا ماتت هي قبل الزوج الأخير، اكتشف ذلك الزوج ~~لسوء حظه أنها كانت قد أوصت قبل أن تموت بكل مالها لبعض معارفها ولبعض جهات ~~البر، فأسقط في يده، وتنكر له من كان قد أخذ يتملقه باعتبار أنه قد أصاب الثراء، ~~وصور شوقي كل أولئك الأزواج المتعاقبين تصويرا سريعا ولكنه حي، وإن يكن هذا ~~التصوير قد جاء عن طريق السرد والرواية على لسان «الست هدى» لإحدى جاراتها، فبدا مفتعلا ~~لسوء الحظ، والواقع أن الموضوع يستعصي بطبيعته على المسرح، ولو أن المؤلف حاول أن ~~يعرض عرضا فعليا كل هذه السلسلة من الأزواج، لنراهم أحياء يتحركون ويتحاورون ~~ويعيشون على خشبة المسرح، لطال به الأمر وتسرب إلى النفوس الملل، ولأصبحت المسرحية ~~استعراضا مفككا، وإنما احتال المؤلف فعرض بالوصف السريع تلك السلسلة؛ لكي يمهد ~~لمهزلة الزوج الأخير التي تشغل الجانب الأكبر من المسرحية. # والفكرة التي بنى عليها المؤلف مسرحيته ليست في الواقع ملهاة، ms26 وإنما هي مأساة أخلاقية ~~لا تختص بها طبقة اجتماعية بذاتها، ولا هي وقف على عامة الشعب، بل يتردى فيها الكثير من ~~علية القوم الذين كان شوقي يخالطهم، فهي مرض إنساني عام صوره شوقي تصويرا ناجحا ~~يضحكنا ويحزننا في نفس الوقت، ويثير في النفس الكثير من التأملات الأخلاقية ~~والإنسانية. # وليس من شك في أن هذا الموضوع قد كان أكثر مواتاة لاتجاه شوقي الأخلاقي، بحيث ~~يمكن القول: إنه لو امتدت به الحياة، واستمر في تصوير واقعنا الاجتماعي والأخلاقي، ~~ونقده على هذا النحو، لأصاب من النجاح أكثر مما أصاب في مآسيه التاريخية، ولخلف لنا ~~أدبا مسرحيا رفيعا في مجال الكوميديا، وإن يكن من الراجح أن النثر أكثر صلاحية ~~للكوميديا من الشعر، بل وربما كان النثر العامي أكثر ملاءمة من النثر الفصيح، حتى يأتي ~~أقرب إلى الطبيعة وألصق بحياة الشعب التي يصورها. # | شوقي والفن المسرحي # ليس من شك في أن عنصر الدراما؛ أي الحركة، يعتبر العمود الفقري في الفن المسرحي، ~~وكلمة «دراما» اليونانية الأصل، معناها الاشتقاقي هو الحركة، ومنذ القدم استعرض أرسطو في ~~كتاب الشعر عند حديثه عن التراجيديا، الوسائل التي يولد بها المؤلفون المسرحيون هذه ~~الحركة، فتحدث عن المفاجآت المسرحية المختلفة، وطرق قيادة الأحداث المسرحية إلى نتائجها ~~النفسية والأخلاقية، ومن المعروف أن المسرح الذي نشأ نشأة دينية عند اليونان القدماء، كان ~~يعتمد أساسيا على الصراع بين البشر «والأنانكية»؛ أي الضرورة الكونية، التي كانت تختلط ~~عندهم أحيانا بالقضاء والقدر، بالرغم من أنهم كانوا يخضعون الآلهة ذاتها لتلك الضرورة، ~~كما كانوا يجرون ذلك الصراع أيضا بين الآلهة والبشر، ولكنه لما كانت آلهتهم ~~تتصف بجميع صفات الإنسان بما فيها من مواضع ضعف وقوة، وكانت تستشعر جميع المشاعر ~~البشرية بما فيها من قبح وجمال، فإن هذا الصراع كان يتخذ طابعا إنسانيا بحتا، ~~فالآلهة ترضى وتغضب، وتحب وتكره، وترتكب الآثام، وتخطف النساء، وتغار من البشر، وتفكر كما ~~يفكرون، حتى ليمكن القول بأن عنصر الدراما عندهم كان يقوم على أنواع الصراع البشري ~~المختلفة أي الداخلية والخارجية؛ ولذلك عندما نشأ ms27 الأدب الكلاسيكي بعد عصر النهضة اعتمد هو ~~الآخر على عنصر الصراع في توليد الدراما، والظاهر أن شوقي قد تأثر بهذا المذهب ~~الكلاسيكي، فاعتمد في الكثير من مسرحياته على الصراع الذي يجري داخل النفس البشرية أو ~~خارجها، على نحو ما نلاحظ في «مصرع كليوباترة» أو «مجنون ليلى» أو «عنترة»، ولكنه للأسف ~~لم يستطع أن يتعمق ذلك الصراع على نحو يثير ~~الانفعالات القوية، أو التفكير العميق في نفس القارئ أو المشاهد، وكان ذلك لسببين: # أولهما: # أن شوقي قد أجرى الصراع بين العوامل النفسية والعوامل الأخلاقية، وقد ~~لا يكون هذا الاختيار في مبدئه سببا لضعف تأثير مسرحياته؛ فقد اعتمد كورني ~~من قبله على نفس الصراع بين المشاعر والأخلاق، وعلى الأخص بين الحب ~~والواجب، ومع ذلك بلغ من التأثير والقوة مبلغا رائعا في «السيد» و«هوراس» ~~و«سينا» وغيرها من مآسيه، ولكن كورني لم يسلك مسلك شوقي، في تخير ~~المبادئ الأخلاقية التي يدخلها في صراع مع العواطف البشرية؛ فالأخلاق ~~التي يستند إليها كورني ترجع في جوهرها إلى ما يسميه علماء الأخلاق «أدب ~~الرياضة والاستصلاح»؛ أي أدب رياضة النفس على الخير والحق والجمال، ~~واستصلاحها على أساس قيادة الضمير والاستماع لصوته الإلهي، وأما شوقي ~~فإن مبادئ الأخلاق عنده تستند إلى ما يسمى ب «أدب المواضعة ~~والاصطلاح»؛ أي ما تواضع عليه المجتمع من عادات وتقاليد، لا تغوص جذورها ~~في الضمير الفردي، ولا تلقى جزاءها من وخزات ذلك الضمير، بل تستند إلى ~~رأي الجماعة في الفرد وحكمهم عليه، وجزاؤها يصدر عن رأي الجماعة أو ~~القبيلة ومدى سيطرته على الفرد، وبذلك لم تصبح مبادئ الأخلاق عنده شيئا ~~مستقرا في أعماق النفس البشرية، حيث تستقر أيضا المشاعر والعواطف ~~والشهوات، بحيث يمكن أن يجري الصراع العنيف الذي يمزق النفس البشرية، ~~ويثير تفكير ومشاعر القارئ أو المشاهد حتى تلهث أنفاسه ويرتفع ~~انفعاله، وهذا واضح في مأساة المجنون مثلا، حيث لا يجري الصراع في نفس ~~ليلى بين الحب والواجب، بل بين الحب وتقاليد العرب، فهي لا ترفض الزواج من ~~قيس؛ لأن ضميرها يأبى هذا الزواج؛ ms28 بل لأن العرب تستنكر زواج الفتاة ~~بمن شبب بها وفضح حبه لها، وفي «عنترة» نرى ألوانا من نفس النوع ~~الذي يستند غالبا إلى تقاليد وأوضاع المجتمع لا إلى الضمير الفردي ومبادئ ~~الأخلاق الشخصية. # والسبب الثاني: # هو أن شوقي لم يعمق حتى ذلك الصراع الذي أجراه بين المشاعر ~~الإنسانية والأخلاق الاجتماعية؛ ولذلك لا نجد في مسرحياته صراعا حقا ~~عنيفا، بل انتصارات سهلة يسيرة لمبادئ تلك الأخلاق على المشاعر الإنسانية، ~~فنحن لا نلمح في مجنون ليلى آثارا قوية لذلك الصراع، ولا تمزقا ~~داخليا عنيفا يهز مشاعرنا، وعلى العكس من ذلك يمر هذا الصراع مرورا ~~هينا، فوالد ليلى يفوض لها الأمر ويترك لها الخيار، فتفضل في ~~يسر وسهولة وردا الثقفي على قيس دون أن نحس بأن هذا التفضيل قد ~~كلفها عسيرا، أو أثار في نفسها شجونا، وإذا كان شوقي لم يشأ أن ~~ينطق ليلى أمام أبيها أو أهل قبيلتها، بما يفصح عن هذا الصراع، فقد ~~كانت لديه وسائل مسرحية معروفة يستطيع أن يصور لنا هذا الصراع المؤثر ~~بواسطة ما يسمونه ب «الائتمان»، أو بواسطة «المناجاة»، والائتمان هو أن ~~يحملها على الإفضاء بمكنون سرها إلى صديقة أو أمة أو تابعة تثق ~~فيها، والمناجاة تكون بواسطة المنولوج الفردي الذي تخلو فيه إلى نفسها، ~~تنفض مكنونها وتظهرنا على جراحها الخفية وآلامها أو آمالها الدفينة، ~~ولكنه لم يفعل، بل إننا لنلاحظ أنه يضعف أحيانا جلال وروعة ذلك ~~الانتصار الأخلاقي السهل، بإشارات عابرة لا ندري لماذا أقحمها، مع أنه لم ~~يستغلها في سياق المأساة، ولا في تصوير الشخصيات تصويرا كاملا، أو في ~~تزكية الأثر الذي تحدثه مسرحيته، وذلك على نحو ما نلاحظ في شخصية رئيسية ~~كشخصية نتيتاس في مأساة قمبيز، فهذه الفتاة النبيلة يتضح من مجموع المأساة ~~أنها ضحت بنفسها فداء لوطنها، عندما قبلت الزواج من قمبيز، حتى ~~تمنعه من غزو مصر بعد أن علق هذا الغزو على قبول أو رفض فرعون تزويجه من ~~ابنته، ومع ذلك يأبى شوقي إلا أن يشير في مطلع مأساته إلى حب عاثر ms29 ~~كان بين نتيتاس وتاسو حارس فرعون، إذ تخلى الأخير عنها وهجر حبها ~~لينقله إلى نفريت بنت فرعون الحالي، الذي قتل والد نتيتاس، وبذلك ألقى ~~في نفس القارئ شكا في نبل نتيتاس، وعظمة تضحيتها، وأصبحنا نتساءل هل ~~كانت تضحية نتيتاس عن يأس من حبها العاثر، أم فداء لوطنها؟ وفضلا عن ذلك ~~فإن ظروف نتيتاس، كانت تسمح بأن يصور الشاعر في نفسها أنواعا عاتية من ~~الصراع؛ وذلك لأن نفسها لم تكن جريحة بسبب غدر تاسو لحبها فحسب، بل ~~كانت جريحة أيضا بسبب قتل فرعون لأبيها واغتصابه الملك منه، وليس بمعقول ~~أن لا يكون لهذه الجراح أثر عميق في نفسها، ولو أن الشاعر عمق هذه ~~الجراح، واستغل المشاعر التي كان من الطبيعي أن تولدها في نفس نتيتاس، ~~ثم غلب في النهاية داعي النبل والوطنية الفدائية في نفسها لازدادت ~~شخصيتها قوة وجاذبية ونبلا وإثارة لمشاعر القراء والمشاهدين. # وهكذا يتضح لماذا لم ينجح شوقي النجاح الكامل في استغلال عنصر الصراع، الذي استغلته ~~التراجيديا الكلاسيكية عند الفرنسيين، فوصلت إلى قمة الدراما والتأثير المسرحي. # ودراسة عنصر الدراما عند شوقي، يتطلب النظر أيضا في طريقة استخدامه للحيل المسرحية ~~الثانوية، مثل «التعرف» الذي استخدمه في تعرف آمال على أخيها مراد بك، في مأساة «علي بك ~~الكبير»، وتعرف «حسون» على «بثينة» في مأساة أميرة الأندلس، وكذلك حيلة «المفاجأة» التي ~~استخدمها في مفاجأة بشر لقيس في مأساة «المجنون»، وأيضا وسيلتي «الائتمان» «والمناجاة» ~~في الكشف عن دخائل النفوس، وكل هذه حيل معروفة مطروقة في الأدب المسرحي منذ أقدم أزمنته، ~~وليس من الممكن المفاضلة على نحو مطلق بين هذه الحيل؛ ففي بعض المواقف قد تفضل المناجاة ~~الائتمان، وفي مواقف أخرى قد يصح العكس، وموضع المؤاخذة ربما كان في إسرافه في المناجاة، ~~حيث نطالع أو نسمع منولوجات غنائية طويلة، في مواقف حرية بأن تعقد اللسان أو لا ~~تنطقه إلا بالنزر اليسير، ولكنه شوقي الشاعر الغنائي الذي ينطلق على سجيته ~~ليطربنا بقصائده الشجية التي تكاد تكون قطعا غنائية قائمة بذاتها لا أجزاء من مسرحية، ~~على ms30 نحو ما نلاحظ في منولوجات كليوباترة وأنطونيو، أو وادي العدم، أو أغنية التوباد، وإن ~~يكن من الملاحظ أن مسرح شوقي قد تطور، فقلت قصائد المناجاة، أو أوجزت في ~~المسرحيات التي تلت «مصرع كليوباترة» و«مجنون ليلى»، وازدادت أهمية الحوار ~~وطبعيته. # ولو أننا نظرنا بإمعان في مسرح شوقي لوجدنا أنه يقوم على عناصر أخرى دخيلة على عنصر ~~الدراما: ~~(1) # ففي بعض الأحيان نلقى مشاهد قصصية ووصفية لا نتبين علاقتها بعناصر ~~الدراما، وهي أكثر صلاحية إما للقصص أو للملاحم، ونحن نفهم أن يأتي القصص ~~والوصف عرضا في بعض الحالات داخل الحوار، إذا كان هذا الوصف أو ذلك القصص، ~~يؤثر في عنصر الدراما أو يكشف عن جوانب نفسية من الشخصيات، ويفسر سلوكها، ~~ولكننا لا نتبين أحيانا أيه علاقة بين ذلك الوصف أو القصص، وسير الدراما ~~أو شخصياتها، ونضرب لذلك مثلا بالمشهد الذي يصف فيه الشاعر مرور موكب ~~الحسين بن علي في صحراء الحجاز وتهليل العرب وتكبيرهم لذلك الموكب، ولقد يصور ~~هذا المشهد حقيقة تاريخية ثابتة في مطلع حكم الأمويين وهزيمة العلويين وظهور ~~مذهب الشيعة في الحجاز، ولكننا لم نتبين في المسرحية تأثير هذه الظاهرة في ~~سيرها أو في أشخاصها، وكذلك مشاهد الجن وندوات غناء الغريض في نفس المسرحية، ~~وذلك مع العلم بأنه حتى في مجال القصص الذي يتسع لتصوير البيئة يحرص ~~القصاص على أن يربطوا بين تلك البيئة وأحداث قصتهم وشخصياتهم، وفي مسرحية ~~«أميرة الأندلس» نشاهد عدة لوحات استعراضية، تصيب عنصر الدراما فيها بشيء غير ~~قليل من البطء والتفكك، والظاهر أن شوقي كان يطمع في أن يصور البيئات ~~التاريخية التي استمد منها مواضيع مسرحياته، وهذا مطمع لا غبار عليه، ولكن ~~الفن المسرحي كان يقضي بأن يأتي هذا التصوير في تضاعيف عنصر الدراما، وأن يربط ~~به رباطا وثيقا، وإنه لمن الغريب أن نلاحظ أنه عندما يكون لوصف تلك ~~البيئة تأثير مباشر على سير الدراما نجد شوقي يلزم الصمت، أو الاقتضاب ~~المخل في تصويرها، ولعل هذا أوضح ما يكون في رواية «قمبيز»، حيث يوضح ~~كيف أن جنود ms31 اليونان المرتزقة، قد كانوا العنصر الغالب المسيطر في جيش فرعون، ~~ثم يفاجئنا بأن «فانيس» رئيس أولئك الجند، قد غدر بفرعون، والتجأ إلى ~~«قمبيز»، حيث أخبره بالخديعة التي خدعه بها فرعون عندما زوجه ب «نتيتاس» ~~موهما إياه بأنها ابنته، وذلك دون أن يخبرنا بسبب هذا الغدر ولا ~~بواعثه. ~~(2) # والعنصر الثاني الذي يراه النقاد المحدثون دخيلا على الدراما هو العنصر ~~الغنائي، وذلك باعتبار أن شوقي قد وضع مسرحياته؛ لكي تمثل، لا لكي ~~تغنى فهي مآس وملهاة، لا أوبرا ولا أوبريت، وهم يفسرون ذلك بأن شوقي ~~كان شاعرا غنائيا أقحم نفسه على الفن المسرحي دون أن يستطيع التخلص من ~~طابعة الغنائي، وهذا النقد صحيح، ولكنه لا يذهب بقيمة هذا الإنتاج الأدبي ~~الجميل، ونحن نصر على أن مآسي شوقي الشعرية لو أتيح لها الموسيقيون ~~والمغنون الذين يستطيعون تحويلها إلى أوبرا لأصابت نجاحا كبيرا، ومن منا لا ~~يطرب ل «أنا أنطونيو وأنطونيو أنا»، أو «جبل التوباد حياك الحيا»، أو ~~«تلفتت ظبية الوادي»؟! أو غيرها من المقطوعات التي لحنها وغناها المطرب ~~محمد عبد الوهاب، فما بالنا لو لحنت كل تلك المآسي من مطلعها إلى ~~نهايتها ومثلت بالغناء، وكلها مآس تصلح بموضوعاتها ولوحاتها وأشعارها؛ ~~لأن تكون أوبرات رائعة مستوفية لكافة العناصر، وبذلك يستمر المسرح المصري ~~الغنائي في تطوره الغنائي، ويكمل ما ابتدأه «سلامة حجازي» و«سيد ~~درويش». # ويسوقنا هذا النظر إلى دراسة مسألة الشعر وصلاحيته للأدب المسرحي. # وبالرغم من أن الأدب المسرحي قد نشأ شعرا عند اليونان القدماء، واستمر شعرا عند ~~جميع الكلاسيكيين، ثم عند عدد كبير من الرومانتيكيين، وظل شعرا عند بعض المحدثين ~~والمعاصرين، مثل إدمون روستان، إلا أن الجدل لا يزال قائما حول صلاحية الشعر للأدب ~~المسرحي، بعد أن طغى عليه النثر، حتى كاد يغرقه، وبخاصة بعد احتلال القصص النثرية مكان ~~الصدارة في جميع الآداب، وتقهقر الشعر حتى الغنائي منه، ونحن لا نريد استقصاء جميع ~~النظريات التي تدور حول الشعر والنثر والمقارنة بينهما، وإنما نكتفي بعرض سريع لبعض تلك ~~النظريات، التي تكشف عن اتجاهات ذلك الجدل، ms32 وهي نظريات قديمة متجددة قدم الأدب ~~وتجدده. # ففي سلسلة من المحاضرات التي ألقاها بول فاليري في الكوليج دي فرانس بباريس، عرض هذا ~~الشاعر العظيم، نظرية تشبه النثر بالمشي، والشعر بالرقص، وهذه النظرية، وإن تكن وثيقة ~~الصلة بالمذهب الرمزي الذي يدين به هذا الشاعر، الذي يعلق على موسيقى الشعر ونغماته ~~الإيحائية الأهمية الأولى، إلا أنها مع ذلك تصدق إلى حد بعيد على معظم أنواع الشعر ~~وأنواع النثر؛ فالنثر بوجه عام سير نحو هدف هو: التعبير عن مكنون الفكر أو إحساس ~~القلب؛ وهو لذلك وسيلة لا غاية، وأما الشعر ففن جميل في ذاته يقصد إلى خلق الصور ~~الجمالية أولا، ويأتي التعبير فيه في المرتبة الثانية، ونستطيع أن نقرب للفهم هذه ~~النظرية بمثل بسيط نسوقه دون تخير خاص؛ لأنه يكفي في إيضاح الفكرة، وليكن قولنا: «جاء ~~وقت الظهيرة» فهذا التعبير النثري البسيط يفصح عن المعنى الذي نريده، وهو يشبه ~~السير نحو هذا الهدف التعبيري، وأما الشعر فحرصه الأول ينصرف إلى خلق صورة جميلة ~~تداعب الخيال، وهذه الصورة هي الهدف الأول للشعر، بينما يأتي التعبير في المرتبة الثانية؛ ~~ولذلك يعبر الأعشى عن هذا المعنى بقوله: «وقد انتعلت المطي ظلالها.» فهذه الصورة، ~~وإن تكن تفيد حلول وقت الظهيرة، إلا أن المعنى يتضاءل أمام الصورة الشعرية في ~~ذاتها، وكأن هذه الصورة الجمالية رقص لغوي، وإذا صحت هذه النظرية يكون الشعر فنا ~~جميلا في ذاته، لا يطالب بتحليل خلجات النفس الخفية وخواطرها الهروب، بقدر ما يطالب ~~بخلق الصور الجمالية والإيحاء والتصوير بواسطة النغم والإيقاع، وعلى هذا النحو يكون ~~الشعر أصلح للوصف والتصوير منه للتعبير والإفصاح اللذين يتطلبهما الأدب المسرحي، ويكون ~~مجاله الغناء لا المسرح. # على أن هذه النظرية قد عارضها الأدباء والمفكرون، منذ القدم وباستطاعتنا أن ~~نعثر عند العرب أنفسهم على معارضة قوية لها، في قول صاحب «العقد الفريد»: «زعمت ~~الفلاسفة أن النغم فضل في المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه ، فاستخرجته الطبيعة ~~بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه الروح؛ ~~ولذلك ms33 قال أفلاطون: «لا ينبغي أن تمنع النفس من معاشقة بعضها بعضا».» ومعنى هذا النص ~~الجميل أن الشعر يفضل النثر؛ إذ يجمع بين التعبير والنغم، وبفضل هذا النغم يستخرج من ~~النفس ما يعجز المنطق؛ أي التعبير، على استخراجه، ويظهر ذلك عندما نرجع الشعر أي نترنم ~~به دون الاكتفاء بتقطيعه إلى تفاعيل، أو قراءته في صمت، وكأن النغم يستنزف عندئذ جزءا ~~من مكنون النفس البشرية، بقي متخلفا بها بعد أن حملت الألفاظ إلى الخارج ما تستطيع حمله ~~من ذلك المكنون؛ ولهذا تعشق النفس النغم؛ لأنه يحمل جزءا منها، وكأنها بذلك تعشق بعضها ~~بعضا، وهذا المعنى أحسه الكثيرون من نقاد الشعر في الشرق والغرب، ولقد كتب سليمان ~~البستاني في مقدمة ترجمته للإلياذة، صفحات دقيقة نافذة عن أوزان الشعر العربي، وصلاحية ~~بعضها لبعض الموضوعات دون الأخرى، وباستطاعتنا أن نضرب هنا مثلا أو مثلين لإيضاح هذه ~~النظرية الرائعة، ولنأخذ إحداهما من قول الشاعر أحمد زكي أبو شادي في حنينه إلى ~~الماضي: # عودي لنا يا ليالي أمسنا عودي # وجددي حظ محروم وموعود # وموضع الاستشهاد هو أننا نلاحظ تلك المدات المتلاحقة، التي نحس منها الحنين إلى ~~الماضي على نحو أقوى مما تحمله دلالة الألفاظ، وكأن النغم هنا وسيلة للتعبير العاطفي ~~تضاف إلى التعبير العقلي الذي تفيده الألفاظ، وبذلك لا يكون الشعر وسيلة للتعبير فحسب، ~~بل وسيلة مزدوجة تجمع بين العقل والعاطفة، أو تلون العقل بالعاطفة. # وليكن المثل الثاني قول أحمد شوقي في وصف كأس الخمر: # حف كأسها الحبب # فهي فضة ذهب # فالمعنى في ذاته قريب المنال، وهو أن الحبب؛ أي فقاقيع الخمر الصفراء، تتصاعد بيضاء ~~إلى حافة الكأس، ولكن روعة البيت تأتي من تصوير الحركة التي يوحي بها إيقاعه، الذي نكاد ~~نرى معه تلك الفقاقيع، وهي تتصاعد تباعا إلى حافة الكأس، وبذلك يصبح الشعر هنا وسيلة يجمع ~~بين المعنى العقلي للألفاظ والإيحاء الحركي للنغمات. # ومن هذين المثالين يتضح أن الشعر لا يعجز عن التعبير الذي يستطيعه النثر، بل على العكس ~~يفوق النثر؛ لأنه يستطيع بواسطة النغم أن ms34 يستخرج اللون العاطفي للفكرة، أو يوحي بالحركة ~~التي لا توحي بها دلالة الألفاظ في ذاتها. # وهكذا نخلص إلى أن الشعر أداة صالحة لكل ضروب الأدب، بما فيها الأدب التمثيلي، ولكن ~~«على الترجيع لا على التقطيع» كما قال بحق ابن عبد ربه نقلا عن الفلاسفة؛ أي على أن ~~يترنم بهذا الشعر لا على أن يقرأ في صمت أو أن يلقى في حوار، وفي رأينا أن هذا ~~الترنيم يبلغ مداه وتتحقق وظائف النغم وقدرته التعبيرية والتصويرية، إذا تغنى بهذا ~~الشعر، وبخاصة إذا كان شعرا غنائيا بخصائصه الجمالية المعروفة، على نحو ما جاء شعر شوقي ~~في أدبه المسرحي، وبذلك ننتهي إلى النتيجة التي سبق أن سقناها، وهي أن مسرح شوقي، ~~وبخاصة مآسيه الشعرية ترتفع إلى القمة إذا لحنت وعرضت في دور التمثيل ~~كأوبرا. # | علي بك الكبير # سبق أن وضحنا كيف أن إقامة شوقي في فرنسا لفتت نظره إلى فنون من الأدب، لم ~~يعرفها الأدب العربي، فأخذ يحاول تقليد تلك الفنون، وكان من أهم ما حاوله التأليف ~~المسرحي، فكتب في سنة 1893 مسرحية سماها: «علي بك الكبير»، أو «فيما هي دولة المماليك»، ~~وأرسلها إلى الخديوي الذي تلقاها فيما يبدو في فتور، ومن البديهي أن الخديوي كان ينتظر ~~من ربيبه أحمد شوقي قصيدة مدح، لا قصة تمثيلية، وربما كان هذا مما صرف شوقي عن هذا ~~الاتجاه، فلم يعد إليه إلا في أخريات حياته بعد أن تحرر بعض الشيء من سيطرة ~~السراي، واقترب من الشعب، وتركز طموحه في المجد الأدبي، واشتد ضغط النقاد عليه، ~~ومطالبتهم له بأن يخرج بشعره عن الدرب البالي المطروق، ويحاول التأليف المسرحي الذي ~~ازدهر في كافة الآداب العالمية الحديثة، وعندئذ كتب «مصرع كليوباترة» ثم «مجنون ليلى» ثم ~~«قمبيز»، وعاد إلى مسرحيته القديمة عن علي بك الكبير في سنة 1932، فأعاد كتابتها كلها من ~~جديد، وغير من بعض حوادثها، ثم قدمها إلى اللجنة العليا لمؤتمر الموسيقى الشرقية، الذي ~~عقد عندئذ في القاهرة تحت رعاية الملك فؤاد الأول، وذلك كما يقول في مقدمتها: «لكي ~~تعرضها ms35 وما اشتملت عليه من القطع الغنائية والمواقف الملحنة على حضرات المؤتمرين ~~ضمن ما يعرض عليهم من النماذج عن جهود مصر الحديثة في الفنون الثلاثة: التأليف القصصي، ~~والتمثيل، والتلحين»، وقد أخرجتها بالفعل فرقة السيدة فاطمة رشدي على مسرح الكورسال، ~~ولكنها لم تنل غير نجاح محدود. # لقد سبق أن عرضنا للخصائص العامة لمسرح شوقي، وهنا نحن نستعرض مسرحياته الواحدة بعد ~~الأخرى ونبتدئ بمسرحية «علي بك الكبير»؛ لأنه كان قد عالج نفس الموضوع كما قلنا منذ سنة ~~1893، ثم عاد إليه بعد أن كتب ابتداء من سنة 1927 ثلاث مسرحيات أخرى. # وسبب بدئنا بهذه المسرحية هو رغبتنا في أن نقارن بين المسرحية القديمة، والمسرحية ~~الجديدة؛ لنتبين تطور فن شوقي الشعري والدراماتيكي. # وبالرجوع إلى المسرحية القديمة نجد أنها، وإن كانت قد كتبت شعرا إلا أن شوقي ~~كان لا يزال في أول الشوط فملكته الشعرية لم تكن قد استحصدت بعد، وقدرته الغنائية ~~والموسيقية لم تكن قد استبدت بموهبته الشعرية وطغت عليها؛ ولذلك جاءت صياغتها ~~مغايرة لصياغة مسرحياته الأخيرة، بما فيها «علي بك الكبير» نفسها بعد أن أعاد كتابتها، ~~ولعله في هذا الزمن السحيق كان متأثرا بالفكرة العامة، التي كانت سائدة عن المسرح ~~عندما كان يسمى «بالتشخيص»، وينظر إليه كفن شعبي يقصد إلى التسلية والترفيه، ~~ويصاغ بلغة أقرب ما تكون إلى لغة العوام أو الزجل الشعبي؛ ولذلك حاول أن يجمع بين خصائص ~~هذا الفن الغربي، وحقائق الشعب المصري الذي يكتب له، فاختار موضوعا تاريخيا قريب العهد ~~بتاريخ مصر المعاصرة، ثم كتبه بلغة قريبة من لغة الحديث في مصر، وركز اهتمامه على ~~الحركة والحوار لا على الشعر وروعة القصائد، على نحو ما نلاحظ في مسرحه الجديد، وإن يكن ~~من الواضح أنه لم يحسن اختيار الفترة التاريخية التي يتحدث عنها، فحكم المماليك قد ~~كان أظلم حكم في مصر، وكانت آثامه لا تزال عالقة بذاكرة المصريين، يتوارثونها ~~ابنا عن أب، ولقد كنا نستطيع أن نغفل سوء الاختيار، لو أن شوقي قصد من مسرحيته إلى ~~معالجة النفس الإنسانية في ذاتها، ومن ms36 المعلوم أن مآسي تلك النفس تستفحل وتتضح في عصور ~~الانحلال والقسوة، أكثر مما تتضح في عصور النهوض والبطولة، وذلك على نحو ما فعل شكسبير في ~~اختيار موضوعات مآسيه من أحلك عصور إنجلترا مثلا، ولكن شوقي كما بدل عنوان مسرحيته ~~نفسه، لم يرد أن يعرض مأساة بشرية في ذاتها، بل أن يصور «دولة المماليك»؛ أي أن ~~يصور حالة سياسية واجتماعية تفشت في ذلك العصر أكثر من تصويره لمأساة فردية. # ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضينا أن نقر، بأن شوقي قد أحسن استخدام خياله ليوفر ~~لمسرحيته عناصر الصراع الداخلي، التي تبعث الحركة في اللوحة التاريخية التي أراد ~~تصويرها. # لقد اختار شوقي علي بك الكبير بطلا لمسرحيته؛ لأنه علم من التاريخ أن هذا المملوك ~~كان رجلا طموحا، استقل بمصر عن الأتراك، واتخذ لنفسه لقب السلطان سنة 1769، ~~ووسع من رقعة ملكه بالاستيلاء على اليمن وجدة ومكة وشبه جزيرة العرب، ثم غزة ونابلس ~~والقدس ويافا وصيدا ودمشق، وعندئذ احتال الأتراك للأمر بالمكر والدهاء، فاصطنعوا ~~محمد بك أبو الذهب، الذي كان مملوكا تبناه علي بك الكبير، فغدر أبو الذهب بسيده، وما ~~زال به حتى قتله، وخلفه في الولاية على مصر، ورأى شوقي أن هذا الموضوع لا يكفي ~~لتأليف دراما، فتخيل قصة أخرى هي قصة غرام مراد بك بآمال الجارية التي اشتراها علي بك ~~الكبير، واتخذ منها زوجة له، ونجح شوقي في الربط بين الموضوعين، بأن جعل مراد بك يتآمر ~~مع محمد أبو الذهب؛ لكي يفوز بمحبوبته آمال بعد قتل زوجها، وتخيل شوقي انقلابا ~~مسرحيا بأن جعل آمال أختا مجهولة لمراد بك، الذي لا يكتشف هذه الحقيقة إلا في نهاية ~~المسرحية، عندما يكشف له عنها والده ووالدها النخاس مصطفي الياسرجي. # وبالمقارنة بين المسرحية القديمة والمسرحية الجديدة، يتضح أن شوقي لم يغير الهيكل ~~العام للقصة، كما لم يغير من هدفه النهائي، وهو تصوير دولة المماليك، وإنما غير تغييرا ~~كاملا في صياغته الشعرية، التي ارتفعت في المسرحية الجديدة إلى مستواه الشعري المألوف، ~~وإن تكن الروح الغنائية تطغ عليها كما طغت ms37 على مسرحياته الأولى، بعد أن نبهه ~~النقاد إلى ذلك الطغيان، وأجمعوا على أن مسرحه غنائي أكثر منه دراماتيكي، فظل ~~قوام المسرحية الحوار، لا جمع قصائد طويلة بعضها إلى بعض بخيط واه من الحوار. # والظاهر أن الحملة التي شنها النقاد على شوقي، بمناسبة مسرحيته الأولى، وهي «مصرع ~~كليوباترة» قد لفتت نظره إلى بعض المآخذ التي نفر منها الجمهور المصري. # ونخص منها بالذكر نظرته إلى الشعب المصري، فقد لاحظ النقاد أنه بينما يدافع ~~عن كليوباترة، ويحاول أن يرد إليها اعتبارها التاريخي والأخلاقي، نراه لا ينصف الشعب ~~المصري، فيصفه في تلك المسرحية بأنه «ببغاء عقله في أذنيه»، وأنه يصفق «لمن شرب ~~الطلا في تاجه، وأحال عرشه فراش غرام»، وليس من شك في أن هذا النقد قد حمله على أن ~~يسقط من مسرحيته القديمة ذلك المشهد أو «المجلس» كما كان يسميه، الذي يصف فيه الشعب ~~المصري بأنه شعب ذليل لا يصعب ابتزاز المال منه بالسوط والعصا، وهو المشهد الثاني من ~~الفصل الثاني، حيث يجري الحوار بين حنا وكيل علي بك الكبير، وإقبال التي أصبحت آمال في ~~الرواية الجديدة على النحو الآتي: # حنا ~~(وهو يقدم الحساب لإقبال التي أصبحت زوجة لسيده ومديرة ~~لثروته) ~~: # هذا الخلاصة يا أميرة فاسمعي # لي بالقراريط ~~وبالحبات ~~(تبتسم إقبال.) # قد كان عند البيك من عام مضى # عشرون ألفا حلوة ~~الطلعات # ألفان منها مال ذاك العام والبا # قي ضرائب تسعة ~~لم تات ~~(إقبال ترجع إلى الخلف منزعجة.) # إقبال ~~: # لم تأت؟ كيف رأيتمو تحصيلها # هذا لعمري البغي ~~في الغايات # حنا لقد أقعدتني وأقمتني # أكذاك يفعل سائر ~~البيكات؟ # حنا ~~(لا تتغير هيئته) ~~: # لا؛ إذ من العادات ما لا يستوي # فيه البيكات ~~لكونهم درجات # إقبال ~~(تتقدم خطوة) ~~: # وبأيما كيفية تحصيلها # ومن الجباة فهن شر ~~جباة # هل في دم الفلاح سر الكيميا # أم هل يدين ~~لكل باغ عاتي # حنا ~~(مبتئسا) ~~: # تحصيلها سهل مع القرصات والكيا # ت والجلدات ~~والشنقات # والضرب فوق الظهر وهو مطاوع # والضرب فوق البطن ~~وهو مواتي # وأمر من ذا بيع واحدة النعا # ج أو ms38 التي ~~بقيت من البقرات # إقبال ~~(تشير وجهها نحو السماء باكية) ~~: # الآن بان لي الرشاد بوجهه # وعرفت مصدر هذه ~~الظلمات # وقنطت من مرجو عودك يا علي # ورجوع بيتك ظافر ~~الرايات # هيهات، ناس البغي تسقط مرة # لا يسقطون كغيرهم ~~مرات ~~(تطرق هنيهة، تتقدم نحو حنا ناظرة إلى الدفاتر.) # حنا ~~(يلقي الخلاصة) ~~: # إنما المبلغ الذي قلت عنه # لك لم يبق منه ~~غير القليل # أخذ البيك نصف ذلك مني # لاصطناع الرفاق عند ~~الرحيل # وأتاني محمد أخذ الرب # ع ببأس حلو وعنف ~~جميل # وصرفنا ثلاثة وبما يب # قى نرجي قضاء دين ~~ثقيل # وأنا اليوم قد كبرت فمالي # في الوكالات ~~فابحثي عن وكيل ~~(ينصرف وهو عند الباب.) # هو ذا مذهبي وهذا شعاري # وهو للناس من زمان ~~شعار # لم أحاسب وكان في البيت قط # كيف أرضى وليس في ~~البيت فار # فهذا الحوار وإن كان يشف عن مبلغ جشع المماليك، وقسوتهم حتى ليحصلون ضرائب عشر ~~سنوات لم يحل منها غير ضرائب عام واحد، إلا أنه ينم أيضا عن مبلغ ضعف الشعب حتى ~~ليدين لكل باغ عات، وحتى ليطاوعه ظهره للضرب ويواتيه دون تمرد أو إباء، وبذلك لا ~~يرتفع هذا الشعب عن مستوى شعب كليوباترة الذي أثار ثائرة النقاد، فنزل شوقي عند حكمهم ~~وأسقط هذا الفصل، وإن ظل مع ذلك يلطخ صورة حكم المماليك، بأحلك الألوان التي ~~يمليها التاريخ. # ولعل شوقي قد أحس في مسرحيته القديمة، بأن بطل قصته وسط كل تلك المخازي التي تلطخ ~~جبين ذلك العهد، لم يفز بعطف المشاهدين أو القراء، وبذلك يضعف تأثير المسرحية ~~العاطفي، فحاول أن يكسب هذا البطل شيئا من النبل بأن أبرز سمو خلقه الوطني، ~~فجعله يرفض معونة الروس بعد أن تحالف ضده المماليك والأتراك، وهرب إلى والي عكا، ~~صديقه الشهم ضاهر العمر، كما اتخذ من هذا الموقف وسيلة لتصوير عنصر دراماتيكي يدور في نفس ~~هذا البطل حيث يقول: # مالي قعدت وتركيا مقهورة # والروس حولي يخطبون ودادي # أسطولهم بيدي وقائدهم معي # سأصيب جندي عنده وعنادي # لا يا علي، رويد في الغضب اتئد ms39 # ما تلك خطة حكمة ورشاد # ماذا جنت مصر علي وأهلها # إن الجناة علي هم أولادي # وينتهي هذا الصراع الخاطف في المسرحية الجديدة بتغلب نزعة الخير والوطنية على شهوات علي ~~بك الكبير، فيقول: # لا أستعين على الأهل الغريب ولا # أرمي الذئاب على غابي وأشبالي # كما يقول: # رباه ماذا يقول المسلمون غدا # إن خنت قومي وأعمامي وأخوالي؟! # يقال في مشرق الدنيا ومغربها # فعلت فعلة نذل وابن أنذال # بل إنه ليعرف لمصر فضلها، ويعترف بهذا الفضل فيقول: # بلد رعاني في الصبا وأحلني # بعد الشباب مراتب القواد # كما يقول: # لا تنس موضع مصر واذكر ما لها # من أنعم سلفت ~~وبيض أيادي # ولم يقف شوقي من مسرحيته الجديدة عند هذا التغيير الجوهري، الذي يقرب بطل المأساة من ~~نفوس المشاهدين والقراء، بل عزز جوانب خير أخرى عديدة في نفس هذا البطل، وأضاف إليها ~~الكثير ليصلح من الفتور الذي يستشعره القارئ إزاء البطل في المسرحية الأولى، فجعل منه ~~رجلا نبيل الخلق يصيح قائلا: # بعدا وسحقا لعلياء الأمور إذا # لم ألتمسها ~~بخلق فاضل عال # وهو بر بالفقراء حتى أصبحت الخزانة بنداه «كالجحر الخرب لكثرة ما يجود وما يهب»، ~~كما أنه يعنى بالأزهر وبالثقافة، «فركن يبنى للثقافة والحجا، وركن يقام للصلاة»، بل ~~وحاول شوقي أن يحببه إلى الجمهور المصري، فأعلن عن اعتزازه بالصانع المصري حيث ~~يقول: # وكل ما أبصرت في # قصري من صنع ~~البلد # فليس يعلو الصانع المص # ري في الذوق ~~أحد # فعل شوقي كل هذا؛ لكي يجلب لبطل قصته ذلك العطف الذي حرمه منه في مسرحيته الأولى، ~~فأفقدها عنصر الإثارة الأساسي في كل مأساة، ومع ذلك يخيل إلينا أن شوقي لم ينجح في ~~هذه المحاولة أيضا؛ وذلك لأن المأساة تدور كلها حول غدر مماليك علي بك الكبير به رغم ~~تبنيه لهم وإحسانه إليهم، وفي رأينا أن شوقي قد بدد كل ما بذل من جهد في مسرحيته ~~الثانية عندما أنطق بطله بعد أن تبين دس محمد بك أبي الذهب له السم بقوله: # محمد نل كل ما شئت مني # ومالي ms40 ألومك والسم ~~فني # أخذت الخيانة والغدر مني # وعندما نسمع هذا الاعتراف الساحق الماحق، كيف نستطيع أن نعطف على هذا البطل «الشهيد»، ~~رغم رفضه الاستعانة بالأجنبي على مصر، وبره بالفقراء، وعنايته بدور العلم والعبادة، بل ~~واعتزازه بالصانع المصري. # ولقد يقال إن شوقي بإجراء هذا الاعتراف على لسان بطل مأساته، لم يفعل غير تسجيل حقيقة ~~تاريخية تملأ مسرحيته، كما تملأ صفحات التاريخ، وهي غدر المماليك بعضهم ببعض وقتل عبيدهم ~~لأسيادهم بالتوالي، ونحن نقر بهذه الحقيقة، ولكننا لا نستطيع أن نغفل منافاتها لجوهر ~~المأساة، حيث لا بد أن يثير فينا بطلها نوعا من الانفعال الشعوري إن سخطا وإن ~~رضا، ولكننا في هذه المسرحية نخرج باردين شاعرين بأن الحساب قد سوي، فكما غدر ~~علي بك الكبير بغيره، غدر به محمد بك أبو الذهب، فالقدر قصاص، لا نشعر إزاءه بعطف ولا ~~سخط. # والظاهر أن شوقي لم يكن يجهل هذه الحقيقة منذ أن كتب هذه المسرحية لأول مرة، وأنه قد ~~أحس بالفتور الذي تتركه شخصية بطله في نفوس القراء أو المشاهدين، فحاول أن يزج في ~~المسرحية بشخصيات ثانوية تنال عطف القارئ ومحبته، واختار لذلك شخصيتي آمال، وضاهر ~~العمر، فآمال فتاة أبية ترفض الرق وتثور على أبيها نفسه؛ لأنه يبيعها بالمال، وهي ~~ذات كبرياء، لا تقبل أن تنزل عن كرامتها الإنسانية، كما أنها زوجة مخلصة وفية عفيفة ~~ترفض إغراء مراد بك، رغم شبابه ووسامته إذا قيس بزوجها الشيخ، كما أن ضاهر العمر صديق ~~عالي الخلق، لا يقبل أن يتخلى عن صديقه علي بك عندما اشتدت به الخطوب، بل يضحي ~~بحياته في سبيله، كل هذه الحقائق ازدادت وضوحا في المسرحية الثانية، وإن تكن بذرتها ~~موجودة في المسرحية الأولى، ولكنها مع ذلك لا تنقذ المأساة من الفتور؛ وذلك لأن هاتين ~~الشخصيتين ثانويتان لا يتركز عليهما الانتباه إلا في فترات عابرة، بينما يظل البطل ~~محور الاهتمام المستمر، وما دام هذا البطل قد فقد عنصر الإثارة فقد فقدت المسرحية كلها ~~بالتبعية هذا العنصر، وأصبحت لوحة وإن تكن صادقة في تصوير عصر ms41 المماليك، إلا أنها ~~فاترة تعوزها حرارة الدراما وقوة الانفعال، وإن استقامت فيها الأصول الفنية من حيث ~~الحبكة والمفاجآت وحلها، وطريقة جريان الحوار، وخلوه من الحشو الغنائي، الذي يغزو معظم ~~المسرحيات الشعرية الأخرى التي كتبها شوقي. # ليس من شك أن شوقي قد اصطدم بحقائق التاريخ التي ترسم لحكم المماليك صورة قاتمة، لم ~~يصطدم فيها الخير بالشر، بل طغى الشر واستشرى في النفوس حتى لون مظاهر الخير ذاتها، ~~فكرمهم وبرهم بالفقراء وعنايتهم بدور العلم والعبادة لم تكن خالصة لوجه الله والشعب، ~~وإنما كانت إما للمباهاة، وإما لاصطياد ثقة الشعب وتسخيره في تحقيق شهواتهم وغدر ~~بعضهم ببعض، ولكن شوقي هو المسئول عن هذا الاختيار، بل قد كان في استطاعته أن يجري ~~الصراع بين الشعب وهذا الفساد، حتى لو بانتصار الفساد؛ لأن عطفنا عندئذ سيتوفر على ~~جانب واحد وهو جانب الشعب، وبذلك نتأثر وننفعل، ولكن الظاهر أن إحساس شوقي بالشعب ~~وإيمانه به كان محدودا، وذلك فضلا عن أن ما كتب إنما هو تاريخ الملوك في مصر، لا تاريخ ~~الشعب الذي لا يزال مجهولا إلى حد بعيد عن عمد أو غير عمد، ولم يظهر هذا الشعب وتظهر ~~صفاته الكريمة الأصيلة إلا عندما أخذ الجبرتي يكتب يومياته، ويسجل بطولة هذا الشعب منذ ~~الحملة الفرنسية ومقاومته لها مقاومة رائعة، ولا شك أن هذه البطولة لم تولد فجأة في عهد ~~الجبرتي، بل كانت لها أصولها السابقة منذ عهد المماليك، ولقد صور بعض الرحالة ~~الأوربيين جانبا من أخلاق ذلك الشعب الطيبة خلال تلك العصور المظلمة، ولكن شوقي فيما ~~يظهر لم يضن نفسه في الرجوع إلى قصص مثل تلك الرحلات. # | مصرع كليوباترة # منذ أن نشر شوقي في سنة 1893 مسرحية «علي بك الكبير» في طبعتها الأولى، لم يعد إلى ~~المسرح إلا في سنة 1927، حيث نراه ينشر «مصرع كليوباترة»، ومنذ ذلك الحين توالت مسرحياته ~~إلى أن توفي في سنة 1932. # ولقد كان موضوع كليوباترة من الموضوعات التي تداولتها أقلام كتاب المسرح منذ عهد ~~النهضة الأوروبية حتى القرن العشرين؛ ففي الأدب الفرنسي يستطيع ms42 الباحث أن يعثر على سلسلة ~~من المسرحيات التي تتناول بعض نواحي هذه الشخصية شبه الأسطورية، وذلك ابتداء من «جودل»، في ~~مستهل عصر النهضة، إلى «فيكتوريان ساردو» في أوائل القرن العشرين، وفي إنجلترا لن نعدم ~~سلسلة مماثلة تمتد من شكسبير إلى برنارد شو في العصر الحديث، بل وتناولها الموسيقيون ~~مؤلفو الأوبرا، ولعل أوبرا «مسنية» التي ألفها سنة 1919 من خير ما لحن الملحنون ~~لترجمة تلك القصة ألحانا وأنغاما. # وليس من اليسير أن نحدد المسرحيات الأوروبية التي يحتمل أن يكون شوقي قد اطلع عليها ~~أو أفاد منها من بين تلك السلاسل الطويلة، وهذا بحث طويل الأمد، بل ونخشى ألا يسفر عن ~~نتائج محققة؛ لأننا لم نعلم عن شوقي تبحرا في مطالعة الآداب الغربية أو دراستها، ~~والمقارنة بينها والإفادة منها؛ ولذلك ربما كان من الخير الاكتفاء في هذا البحث بما هو واضح ~~من أن شوقي قد اعتمد في كتابة مسرحيته على ثلاثة مصادر: ~~(1) # التاريخ الذي يلوح أنه قرأه في أحد الكتب الفرنسية أو العربية، التي ~~تناولت تاريخ مصر أو تاريخ الدول الشرقية في العصر القديم، أو تخصصت في ~~تاريخ البطالسة في مصر، وهناك احتمال كبير في أن اعتماده الأول قد كان على ~~كتاب عالم المصريات الكبير مسبيرو، في كتابه «تاريخ شعوب الشرق في العصر ~~القديم». ~~(2) # مسرحية «أنطونيو وكليوباترة» لشكسبير التي يرجح أن يكون اطلاعه عليها قد ~~كان في ترجمة فرنسية؛ وذلك لأن الترجمة العربية التي نشرها محمد عوض إبراهيم ~~بك لم تظهر إلا بعد وفاة شوقي بسنين طويلة، ولم نعثر لها على ترجمة عربية ~~سابقة. # واطلاع شوقي على مسرحية شكسبير نستطيع أن نؤكده استنادا إلى بعض ~~التفاصيل التي لا نظنها تخطئ، وذلك مثل استعارته بعض الأسماء غير التاريخية ~~في مسرحيته وبخاصة اسم وصيفة كليوباترة التي سماها شكسبير شارميان # Sharmain ~~، والتي أصبحت عند شوقي شرميون، بل ~~وبعض تفصيلات المعاني الشهيرة، مثل ذلك البيت الرائع الذي يجريه شوقي على ~~لسان قيصر عندما يرى كليوباترة ووصيفتيها صرعى دون أن يرى فيهن أثرا ~~لجراح وهو قوله: # عجيب ms43 يا طبيب أرى قتيلا # ولكن لا أرى أثر ~~الجراح # فقد أجرى شكسبير نفس المعنى على لسان قيصر حيث يقول: # The manner of their death?! # I do not see them bleed. # التي يترجمها محمد عوض إبراهيم بك بقوله: ~~«هل لي أن أعرف وسيلة موتهن؛ لأني لا أرى آثار الدم عليهن.» # وهي ترجمة تظهر إلى جانبها براعة شوقي الذي احتفظ للاستفهام في النصر ~~الإنجليزي بمعناه الذي يجمع بين السؤال والدهشة، بل وغلب الدهشة على السؤال على ~~نحو ما يفعل النص الإنجليزي. ~~(3) # وأما المصدر الثالث فهو مشاعر شوقي الشخصية والهدف الذي رمى إليه من كتابة ~~هذه المسرحية، وهذه المشاعر وذلك الهدف نجدها مبسوطة مفصلة في النظرات ~~التحليلية التي أرفقها شوقي بمسرحيته، إذ نراها تفصل المواضع التي جانب ~~فيها شوقي التاريخ، وتبرر هذه المجانبة بحرص شوقي على أن يرد إلى ~~كليوباترة كملكة مصرية، اعتبارها أمام التاريخ، وأن يدافع عن سمعتها، ~~وهذا العنصر هو الذي سيطر على شوقي في كتابة مسرحيته، وخالف بينها وبين ~~التاريخ من جهة، وبين المسرحيات الأوروبية التي تناولت هذا الموضوع من جهة ~~أخرى. # والذي لا شك فيه أن شوقي عند كتابة هذه المسرحية قد كان شديد الحرص على أن يحظى ~~بتصفيق الجماهير المصرية وإعجابها؛ ولذلك حاول أن يرضي مشاعرها الوطنية، ومع ذلك أخطأ ~~السبيل؛ وذلك لأنه وإن يكن قد تحرر في الفترة الأخيرة من حياته إلى حد ما من ~~تبعيته للسراي والأسرة المالكة، كما أخذ يتقرب إلى الشعب المصري منذ أن أثبت وجوده ~~بثورة سنة 1919 الرائعة، إلا أنه ظل مع ذلك يرى في ملوك مصر بؤرة الوطنية ورمزها ~~الأول، حتى خيل إليه أن دفاعه عن ملكة حكمت مصر يعتبر دفاعا عن الوطنية المصرية، ~~ولكنه نسي أن كليوباترة اليونانية الأصل لم تكن مصرية، بل سليلة الغزاة الذين - وإن ~~استقلوا بحكم مصر - إلا أنهم ظلوا دائما يستعلون على المصريين، ويشعرون إزاءهم ~~بعزة الغزاة، حتى كانوا يحرمون الزواج من المصريين واليونانيين، كما أثبتت الوثائق التي ~~اكتشفت في نيوقراطيس بمديرية البحيرة، وقد اشتهرت أسرة ms44 البطالمة ذاتها بالقسوة ~~والغدر والانحلال، حتى كان الواحد منهم يقتل أباه أو أخاه طمعا في الملك على نحو ما حدث ~~في تاريخ كليوباترة ذاتها، إذ تزوجت بأخيها الأصغر، ولم يمنعها ذلك من التآمر عليه ~~والاستعانة بالرومان للفتك به والاستئثار بالملك دونه، وبالضرورة لم يستطع شوقي أن ~~يطمس كل هذه الحقائق التاريخية، التي تتجمع إلى جوار انحلال كليوباترة الشخصي، وخضوعها ~~لمطامعها الجامحة وشهواتها الحيوانية، فتجعل منها شخصية حقيرة بغيضة لدى المصريين، ~~والراجح أن شوقي قد أحس في غموض بهذه الحقيقة النفسية الكبيرة، فحاول أن يصور شيئا ~~من حقيقة شعور المصريين عندئذ ضد هذه الملكة الداعرة، وصور هذه الحقيقة عند بعض ~~الشخصيات المصرية الثانوية في المسرحية، وبخاصة شخصية حابي الذي لا يتورع في مطلع الرواية ~~عن أن يعلن تمرده على كليوباترة ومخازيها، ولكنه لسوء الحظ لا يلبث أن يستخذي، وأن ~~ينسى تمرده وكرامة وطنه بعد أن أرسلت كليوباترة له حبل الغواية؛ لكي يهيم غراما ~~هو الآخر بهيلانة الوصيفة اليونانية، بل وأجهزت عليه كليوباترة، إذ منحته هو وعشيقته ~~ضيعة بصعيد مصر، فأفقدته فكرة الحياة فيها مع عشيقته كل تمرد وكل وطنية مصرية ~~ثائرة لكرامتها، وبذلك جعل منه شوقي ممثلا سيئا للشعب المصري، الذي صوره شوقي شعبا ~~سلبيا منساقا من السهل تضليله؛ إذ هو كما يقول: «ببغاء عقله في أذنيه»، حتى لنراه عند ~~شوقي «يصفق لمن شرب الطلا في تاجهم، وأحال عرشهمو فراش غرام»، ولقد يكون في هذه ~~الأوصاف شيء من الصدق، ولكنها على أيه حال تتنافى مع الهدف الذي رمى إليه شوقي، وهو ~~إرضاء عاطفة الوطنية عند المصريين، واكتساب إعجاب الجماهير، وهي قد تكون مفهومة، بل ورائعة ~~عند كاتب واقعي كشكسبير أو غيره، ممن يتخذون لهم هدفا الكشف عن الحقائق الإنسانية ~~مهما تكن قاسية مظلمة، وأما أن يريد شوقي تملق العواطف الوطنية، ثم يأخذ في الدفاع عن ~~كليوباترة الملكة اليونانية الفاجرة، ودمغ الشعب المصري بهذه الصفات، وتحقير ممثله فذلك ~~ما لا نراه متسقا مع هدفه. # والواقع أن تاريخ كليوباترة طويل حافل بالأحداث الدراماتيكية، ms45 وليس من الممكن، ولا من ~~المعقول أن يحشد مؤلف مسرحي كل أحداثه في مسرحية واحدة، كما أنه لم يقل أحد ~~بضرورة التزام المؤلف المسرحي لتفاصيل الحوادث التاريخية؛ إذ المشاهد في تاريخ الآداب ~~المسرحية أن المؤلفين لا يلتزمون إلا بالأحداث الكبرى التي يصدم الخروج عليها ~~عقول الجماهير ومشاعرها، وأما ما دون تلك الأحداث الكبرى من تفاصيل وبواعث، فللمؤلف ~~المسرحي الحرية المطلقة في التصرف فيها وفقا لمقتضيات فنه وضرورات الهدف الذي يرمي ~~إليه، وها هو كاتب عالمي كبير كبرناردشو يختار لإحدى مسرحياته الشهيرة فترة من حياة ~~كليوباترة، تتناول علاقتها بيوليوس قيصر، ومغامرتها الشهيرة معه، فيقلب التاريخ رأسا على ~~عقب، ويجعل من يوليوس قيصر مثال الشيخ الحكيم المسيطر على نفسه سيطرة تامة، بل ~~المترفع المحلق، كما يجعل منه مثال الحاكم الرحيم الذي يعرف كيف يسوس البشر بحكمة مثالية، ~~فهو ينظر إلى كليوباترة كطفلة صغيرة، بل كقطة يداعبها في ترفع، ويغادر مصر في نهاية ~~المسرحية، وكليوباترة تبكي كالطفلة التي تفارق أباها، أو كالقطة التي تفارق سيدها، وأما ~~ما يرويه التاريخ من غرام يوليوس قيصر بكليوباترة، بل وإنجابه منها ابنه قيصرون الشهير ~~في التاريخ، وإثارة الرومانيين ضده، وبخاصة أعضاء السناتو بسبب هذا الغرام العابث، إثارة ~~كانت من ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتياله، فكل هذا لا يحفل به شو، ولا يقيم له ~~وزنا، وعندما نرى هذا من شو لا نجد محلا لأن يأخذ النقاد في مماحكة شوقي باسم ~~التاريخ، فيدعون أنه قد أفسد التاريخ عندما زعم في مسرحيته أن كليوباترة لم تنسحب من ~~معركة أكتيوم البحرية، أو من معركة الإسكندرية البرية عن جبن أو خيانة لأنطونيو، بل لسياسة ~~عليا رسمتها لتحقيق مجد مصر الذي رأته يتحقق بأن تترك الرومان يفني بعضهم ~~بعضا، فيخلو لها الجو، وتستطيع أن تسيطر على العالم، وأن تحل الإسكندرية محل ~~روما، أو عندما زعم أنها لم تكن مسئولة عن الخبر الكاذب الذي وصل إلى أنطونيو عن انتحارها، ~~وجعل المسئول عنه طبيب كليوباترة الكاذب المتآمر، أو عندما غير في هذه الجزئية أو ms46 تلك من ~~جزئيات التاريخ، فالمؤلف المسرحي ليس مؤرخا، ولا يطالب بأن يكون مؤرخا، وإنما هو ~~أديب، له أن يتصرف في جزئيات الحياة المعاصرة عندما يأخذ في تصويرها، وكل ما يمكن أن ~~يؤاخذ به هو مدى توفيقه في استخدام التاريخ لتحقيق الأهداف الفنية والإنسانية، التي يسعى ~~إليها في تأليفه المسرحي. # وبمقارنة مسرحية شكسبير بمسرحية شوقي نجد اختلافا جوهريا يرجع إلى المنهج الفني وإلى ~~الأهداف الإنسانية، فشكسبير حرصه الأول منصب على تحليل المشاعر الإنسانية؛ ولذلك نراه ~~يحرص في مسرحيته على الوقائع التاريخية التي تسعفه، دون تقيد بأي قاعدة أو أصل من ~~الأصول المسرحية التي نادت بها الكلاسيكية فيما بعد؛ ولذلك نراه يستغل حادثة زواج أنطونيو ~~من أوكتافيا أخت أكتافيوس خصم أنطونيو اللدود، ويتخذ من هذا الزواج سببا من أسباب ~~إشعال نيران الحرب بين القائدين الرومانيين، وسببا لتحريك عنصر الغيرة في نفس كليوباترة، ~~كما كان سببا لتحريك حفيظة أوكتافيوس ضد أنطونيو وكليوباترة انتقاما لأخته المهجورة، ~~ولا يجد شكسبير حرجا في أن ينقل مكان المسرحية من الشرق إلى الغرب، ومن الإسكندرية إلى ~~روما وصقلية وبلاد اليونان، تبعا لانتقال الأحداث بعد وفاة زوجة أنطونيو الأولى، وسفره من ~~مصر إلى إيطاليا، حيث تم الصلح بينه وبين أوكتافيوس، كما تم زواجه من أخته، ثم هجره لهذه ~~الزوجة الجديدة وعودته إلى كليوباترة، واشتعال الحرب بينهما وانهزام أنطونيو وكليوباترة ~~وانتحارها، وذلك بينما يغفل شوقي هذه الحادثة التاريخية الهامة، ولعله أراد أن يجاري في ~~ذلك الكلاسيكيين الفرنسيين الذين يحرصون على مشاكلة الواقع في حدود تمثيل المسرحية لقطاع ~~محدد من الحياة؛ ولذلك ينفرون من أن يجمعوا في المسرحية الواحدة بين الشرق والغرب، وبين ~~أطراف الزمن المتباعدة؛ ولذلك ضيق شوقي من حدود الزمان والمكان، واكتفى بأن يجري ~~مسرحيته حول الحوادث التي وقعت في أكتيوم والإسكندرية بعد عودة أنطونيو، بل واستعاض بالقصص ~~عن المشاهدة على نحو ما يفعل الكلاسيكيون، فنراه يكتفي بوصف معركة أكتيوم الحربية، ومعارك ~~الإسكندرية البرية، وهذا الوصف ليس بدعا في الفن المسرحي، وله نظائره عند كبار الكتاب ~~الكلاسيكيين كراسين وغيره، ms47 ولقد يبلغ الوصف الفني الناجح أكثر مما تبلغه المشاهدة في ~~إثارة القارئ أو المشاهد، على نحو ما نرى في مسرحية شهيرة كمسرحية «فدر»، إذ يقص راسين ~~حادثة مصرع بطلها هيبوليت قصصا يفوق في قوة إثارته مشاهدة البصر، وبذلك يتجنب بشاعة ~~المنظر دون أن يفقد عنصر الإثارة، التي يسعى إليها كل مؤلف مسرحي، ويصل إليها بوسائله ~~الخاصة، فيؤثر الكلاسيكي الوصف، بينما يؤثر الرومانتيكي المشاهدة، ولا يتردد في أن ~~يعرض على خشبة المسرح أبشع المناظر، وأشدها عنفا، فيريق الدماء، وينثر الأشلاء أمام ~~المشاهدين. # لم يخرج شوقي إذن على أصول الفن المسرحي ومواضعاته في معالجة التاريخ، ولا نرى من ~~الإنصاف مماحكته في ذلك، ولكننا لا نستطيع إغفال مساءلته عن مقدار نجاحه في الهدف الذي ~~اختاره وحدده لنفسه، على النحو الذي ارتضاه، وهو رد اعتبار كليوباترة أمام التاريخ، ~~إثارة عطف الجماهير عليها، وهذا هو موضع إخفاقه الأساسي، فنحن نخرج من المسرحية وليس في ~~نفوسنا أي عطف، ولا في عقولنا أي تقدير لهذه الملكة العتيدة، وإن كنا نحسب أن شوقي كان ~~فيما يبدو يتوقع العكس، وذلك بدليل أنه قد حرص على أن يجعل للمسرحية ذيلا قد يوهم ~~بأنه من نوع الحيل المسرحية، التي اشتهرت عند شكسبير بما يسمى بالترويح # Relief ~~، إذ نراه يحرص على أن تتخلل بعض مآسيه العاتية ~~مناظر أو أحداث مضحكة أو سعيدة، يحاول أن يخفف بها من وقع مآسيه العاتية، ولعل قصة ~~غرام حابي وهيلانة، قد ظنها شوقي وسيلة من وسائل الترويح الشكسبيري، حتى لنراه يحرص على ~~متابعة هذه القصة الجانبية حتى بعد انتهاء المأساة بانتحار أنطونيو وكليوباترة، فنراه ~~يهيئ لهيلانة من ينقذها من سم الأفعى الذي اختارته مجاراة لسيدتها، فتصحو من السم، ~~وتنصرف من المسرح مع حابي إلى الضيعة التي منحتها لهما كليوباترة، وكأن شوقي قد أراد ~~بهذه الأقصوصة أن يروح عن المشاهدين وأن يخفف عن نفوسهم وقع مأساة ملكتهم كليوباترة، ~~ولكننا في الحقيقة لا نستشعر هذا الوقع في نفوسنا أو نفوس غيرنا من المشاهدين، بل لعل هذه ~~الأقصوصة الدخيلة قد ms48 أطاحت بما يمكن أن تكون المأساة الأصلية قادرة على أن تحدثه في ~~النفوس. # ولعل سبب إخفاق شوقي في إحداث الأثر النهائي المنشود، راجع إلى اضطرابه في وصف وتحليل ~~شخصياته الروائية، على نحو يستطيع أن يحقق المشاركة الوجدانية المطلوبة بينها وبين ~~المشاهدين أو القراء، بحيث يعجبون بمظاهر القوة والعظمة في نفوسهم، ويلتمسون العذر ~~لمواضع الضعف أو السقوط، وبخاصة إذا ذكرنا أن هدف شوقي الأساسي لم يكن التحليل النفسي ~~الإنساني لذاته، بل إثارة الشعور الوطني والإعجاب القومي، وأوضح ما يكون هذا الفشل في تصوير ~~شخصية كليوباترة نفسها على نحو يشعرنا بأنها غير مؤمنة على الإطلاق بأي شيء مما تقول، ~~فهي أحيانا ملكة مصر التي تضحي في سبيلها بكل شيء حتى «بعبقري جمالها»، وهي أحيانا ملكة ~~طموح تعمل لمجدها الشخصي، وتضحي بكل شيء في سبيله، وهي أخيرا شهوانية اللذات ~~تستعبدها غرائزها، وتسيطر على حياتها، وبين كل هذه الاتجاهات تضطرب حياتها وتختلط ~~تصرفاتها، بحيث يحس المشاهد أو القارئ بأنها كاذبة في كل ما تقول، وليس هذا الشعور ناتجا ~~عن تقلب مشاعرها وتغير حالاتها النفسية، فهذه التقلبات حقائق نفسية كثيرا ما ~~نصادفها في الحياة، وفي روائع المؤلفات الأدبية، ولكنها تكون تقلبات صادقة لها ما ~~يبررها من الأحداث، وأما كليوباترة عند شوقي فلا تحس الصدق في حالاتها المتقلبة، ولا ~~نلمس مبررات هذا التقلب وضروراته. # وفي الحق أن تصوير الشخصيات والنجاح في هذا التصوير، إلى الحد الذي يشبه خلق الحياة هو ~~مصدر المشقة الكبرى في التأليف المسرحي والقصص، وهو الغاية التي لم يصل إليها غير ~~عباقرة الأدب، الذين لم ينجحوا في تصوير الحياة فحسب، بل ونجحوا أحيانا في خلق تلك الحياة ~~أو خلق ما هو أعمق من الحياة الظاهرة، وأوضح خطوطا، وما نظن من العدل أن نطالب رائدا ~~كشوقي بأن يصل إلى ما وصل إليه شكسبير وأضرابه. # | قمبيز # قلنا: إن شوقي قد رجع إلى تاريخ مصر وتاريخ العرب، يستقي منهما موضوعات لمآسيه، وإنه ~~قد اعتمد على العاطفة الوطنية؛ لتحقيق المشاركة الوجدانية التي لا بد منها لنجاح الفن ms49 ~~المسرحي، ثم رأينا أنه لم يوفق في إثارة عطفنا على «كليوباترة»، فضلا عن إعجابنا ~~بها. # والآن ننظر في مسرحيته المصرية الأخرى «قمبيز»، لنرى هل وفق إلى ما لم يوفق إليه في ~~«مصرع كليوباترة»؟ # تناول شوقي في مسرحيته «قمبيز»، فترة حاسمة في تاريخ مصر، وهي فترة القضاء على استقلال ~~مصر وسيادتها، ووقوعها فريسة في يد الغزاة الأجانب الذين ظلوا يتعاقبون على حكمها ~~منذ أواخر القرن السادس قبل الميلاد حتى نهاية فاروق ... ولكن شوقي لم يرجع في تصوير هذه ~~الفترة إلى التاريخ الحقيقي، الذي يفسر أسباب غزو الفرس لمصر، بأسباب سياسية واقتصادية ~~وعسكرية، تتصل اتصالا وثيقا بالصراع الجبار الذي كان سائدا عندئذ بين الفرس من ~~جهة، واليونان وقرطاجنة من جهة أخرى، وتطلع الفريقين إلى الاستيلاء على مصر لترجيح كفة ~~الصراع. # بل آثر أن يستخدم لفنه المسرحي أسطورة رواها المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت، ~~ونقلها عنه بعض المؤرخين المحدثين، وهي تلك الأسطورة التي تزعم أن «قمبيز» غزا مصر ~~لأنه طلب إلى «أمازيس» فرعونها أن يزوجه من ابنته، ولكن أمازيس غشه ... فبدلا من أن ~~يزوجه من ابنته «نفريت»، زوجه من «نتيتاس» ابنة «إبرياس» ~~الفرعون الذي قتله أمازيس واستولى على عرشه، ثم ~~اكتشف قمبيز هذا الغش فثارت حفيظته، وانتقم من فرعون بغزو مصر، وسفك دماء أبنائها، ونهب ~~خيراتها، وتدمير معابدها، وقتل عجل أبيس إله المصريين القدماء ... وإن تكن نوبات جنون هذا ~~الملك الطاغية السفاح قد أطاحت بما بقي في رأسه من عقل، فقتل أيضا أخاه وأخته في ~~ساعة جنونية، بل ولقي حتفه. # الأسطورة والواقع # وليس من شك في أن شوقي كان له كل الحق في أن يفضل هذه الأسطورة على التاريخ ~~الواقعي، إذا رأى أنها أكثر مواتاة لفنه، وأوفر حظا في خدمة الهدف الذي رمى إليه ~~من تمجيد روح الفداء والتضحية الوطنية في شخصية «نتيتاس»، التي قدمت نفسها ~~قربانا على مذبح الوطن. # وإذا صح هذا لا يكون هناك محل لأن يشدد ناقد - كالأستاذ العقاد في كتابه «قمبيز ~~في الميزان» - النكير على شوقي باسم التاريخ، ما دام ms50 شوقي نفسه قد آثر لفنه أن ~~يخرج من مجال التاريخ إلى مجال الأسطورة، ومع ذلك فإن الحملة العنيفة التي شنها ~~الأستاذ العقاد على مسرحية شوقي باسم التاريخ، إذا كان لبعض تفصيلاتها شيء من الوجاهة، ~~فإن البعض الآخر لا يخلو من تعسف لا محل له. # فالأستاذ العقاد قد يكون محقا عندما يأخذ على شوقي أنه لم يستخدم بعض الحقائق ~~التاريخية الثابتة التي لا تتنافى مع هدفه الوطني، وتفسر إطباق الجنون على قمبيز مثل ~~الهزائم الشديدة، والخسائر الفادحة التي لقيتها جيوش الفرس في بلاد النوبة، وفي ~~الصحراء الغربية. # تعسف # وعلى العكس من ذلك يظهر تعسف الأستاذ العقاد عندما يأخذ على شوقي أنه لم يستخدم ~~في مسرحيته أسماء تاريخية لامعة، كانت لها بعض الصلات بمصر أو الفرس في تلك ~~الفترة مثل المشرع اليوناني الشهير «صولون»، أو «قارون» ملك ليديا الذي لا يزال يضرب ~~به المثل الشعبي في وفرة الثراء، ويزيد هذا التعسف وضوحا عندما نلاحظ أن الأستاذ ~~العقاد لم يوضح لنا على أي نحو كان يريد أن يدخل شوقي هاتين ~~الشخصيتين أو غيرهما في المسرحية، وما هي الأدوار ~~التي كان من الممكن أن تلعبها فيها ... وهكذا يتضح كيف أن هذا النقد التاريخي لم ~~يكن له محل، كما يتضح ما فيه من تعسف؛ ولذلك ربما كان من الخير أن نترك التاريخ ~~جانبا لننظر في المسرحية على أساس الأصول الفنية في تصوير الشخصيات، وعلى أساس الهدف ~~الذي قصد إليه شوقي. # شخصية أساسية # ومن البين أن الشخصية الأساسية في هذه المسرحية ليست «قمبيز»، وإنما هي ~~«نتيتاس»، التي أراد شوقي أن يصور فيها الروح الوطنية التي أراد أن يحقق بها - ~~كما قلنا - المشاركة الوجدانية، التي تضمن استجابة الجماهير؛ ولذلك يجدر بالناقد أن ~~يتخذ هذه الشخصية أساسا لنقده وحكمه على المسرحية. # والواقع أن شوقي قد أراد أن يجسم الوطنية المصرية في شخصية «نتيتاس»، وأن يجعل ~~منها ما يمكن أن يشبه باللؤلؤة التي لا تذوب في الأوحال؛ وذلك لأنه صور مصر ~~عندئذ على حقيقتها من حيث الضعف والانحلال والإسراف ms51 في البذخ ، حتى «قتل النعيم ~~حمية الشبان»، وأصبح جيش مصر نفسه خليطا من المرتزقة، وبخاصة من اليونان، ~~الذين وصل أحدهم وهو فانيس، إلى رتبة القائد، ثم غدر بمصر وجيشها، وأفشى سرها ~~إلى قمبيز، ثم التحق بالجيش الفارسي، ولكننا مع ذلك نلاحظ أن شوقي لم يستطع أن ~~يصون صفاء هذه اللؤلؤة، ولا أن يوضح لنا سر نقائها، بل ولا أن ينحي عنها ما ~~علق بها من أدران. # قدم لنا شوقي «نتيتاس» على أنها المصرية سليلة الفراعنة التي تفدي البلاد بنفسها، ~~وتدفع عن مصر شر العجم، وتقي الوطن دنس الفتح وعاره، وتهتف دائما «تعيش مصر ~~وتبقى»، ولكنه مع ذلك لم يوضح لنا كيف استطاعت «نتيتاس» أن تتغلب على حقدها ~~الإنساني المشروع على قاتل أبيها الفرعون «أمازيس»، أو كيف استطاعت أن تتناساه، ولم ~~يستخدم الصراع المؤثر الذي كان من الطبيعي أن يثور في نفسها بين الموجدة ~~الشخصية وحب الوطن، وبخاصة وأن شوقي قد جعل لتلك الموجدة أعقابا تزكيها وتزيدها ~~ضراما، حتى لتمس نتيتاس في أعز ما تملك الفتاة، وهو قلبها. # فشوقي يحدثنا أن «نتيتاس» كانت تحب «تاسو» حارس أبيها، وكان هذا الجندي ~~يبادلها حبا بحب طالما ظل أبوها فرعونا لمصر، حتى إذا قتله ~~«أمازيس» واغتصب منه العرش، تحول «تاسو» من ~~«نتيتاس» إلى «نفريت» بنت فرعون الجديد؛ وذلك لأنه على حد قول شوقي: # يعشق الجاه والغنى # ولا يحب الغواني # فهو كالنحلة من زهر إلى زهر، وكالنعمة من قصر إلى قصر، ولم يستطع شوقي أن يهمل ما ~~يثيره مثل هذا الغدر في «نتيتاس» من غيرة كاوية، فنراها تخاطب «تاسو» ~~بقولها: # أقسمت لي فاذهب فأقسم لها # فأنت أهل للقسم ~~الحانث # وإذا كانت هذه هي حالة «نتيتاس» النفسية، وهذا هو مبلغ نقمتها على «تاسو»، ~~وغيرتها من «نفريت» الأنانية المحظوظة، أوما يكون القارئ أو المشاهد على حق في أن ~~يشك في مدى نبل «نتيتاس»، وسيطرة روح التضحية والفداء الوطني على نفسها، مما يذهب ~~بروعة بطولتها، ويضعف من عطفنا عليها وتحمسنا لها، وبخاصة وأننا لم نشهد ~~معركة نفسية تدور ms52 في حناياها بين كل هذه العناصر المشتبكة المتضاربة من حقد على ~~قاتل أبيها، وغيرة من ابنته، ويأس من غرامها المحطم، ثم شعورها الوطني واشتعال ~~روح التضحية في نفسها، صراعا تخرج منه منتصرة مغلبة روح الوطنية النقية السامية ~~على مشاعرها الشخصية، ومآسيها الخاصة بحيث تزداد عندئذ تضحيتها نبلا، وتزداد قلوبنا ~~عليها حنوا! # لم يصب الهدف # هذا هو النقد الأساسي الذي يمكن أن يوجه إلى هذه المسرحية التي أراد شوقي أن ~~يمجد فيها روح الفداء والوطنية المصرية، ممثلة في فتاة من سلالة الفراعنة، ~~ولكنه لم يصب الهدف كما لم يصبه عندما حاول في «مصرع كليوباترة» أن يرد إلى ~~تلك الملكة اليونانية - التي جلست على عرش مصر - اعتبارها، وأن يثير فينا العطف ~~عليها، بل والإعجاب بها. # والآن ما سر إخفاق شوقي؟ أهو في عدم ملاءمة موضوعات مسرحياته للهدف الوطني الذي ~~قصد إليه؟ أم هو في عدم توفيقه في استخدام أحداث التاريخ، واتخاذها وسيلة إلى تصوير ~~شخصياته على النحو الذي أراد؟ أم هو أخيرا تركه الهدف الوطني يطغى على الحقائق ~~الإنسانية والعناصر النفسية، التي لم يكن بد من تجليتها، والغوص وراءها؛ حتى يكتسب ~~مسرحه قيمة إنسانية وأدبية خالدة؟! # هذه كلها أسئلة نترك الإجابة عليها إلى ما بعد فراغنا من الحديث عن مسرحياته التي ~~استقاها من تاريخ العرب وهي: «مجنون ليلى» و«عنترة» و«أميرة الأندلس». # | مجنون ليلى # استعرضنا فيما سبق مسرحيات شوقي التي استمد موضوعاتها من تاريخ مصر، وهي «علي بك ~~الكبير» و«مصرع كليوباترة» و«قمبيز»، وأوضحنا إلى أي حد استطاع شاعرنا العظيم أن ~~يحقق ما هدف إليه من كل من هذه المسرحيات. # ونعرض الآن للمسرحيات التي استقاها من تاريخ العرب، وأول هذه المسرحيات هي «مجنون ليلى»، ~~وهنا نلاحظ أن شوقي لم يختر هذا الموضوع من التاريخ الحقيقي، بل من التاريخ الأسطوري، ~~فقصة المجنون وليلى لا تعتبر تاريخا، بل قصة شعبية، تكاد تكون رمزا لجميع قصص الغرام ~~أو الهوى العذري، الذي تفشى في الحجاز في صدر الدولة الأموية؛ لأسباب اجتماعية ~~واقتصادية وسياسية، يعرفها مؤرخو الأدب العربي، ولقد ms53 سبق للدكتور طه حسين أن كتب منذ ربع ~~قرن سلسلة من المقالات عن هذا الهوى العذري الحجازي جمعها في الجزء الثاني من «أحاديث ~~الأربعاء»، وفيها ينكر وجود قيس بن الملوح المشهور بالمجنون إنكارا مطلقا، معتمدا ~~على ما في قصته من تناقض وإحالة وأحاديث خرافة، وهو في هذا الإنكار غير مبتكر، فقد ~~شكك أكبر مصدر لهذه القصة، وهو «الأصفهاني» مؤلف كتاب «الأغاني»، في هذه القصة ~~وتفاصيلها التي يرويها بكل حذر واحتياط. # ولم يكن شوقي إذن في مجال التاريخ عندما يعالج هذه القصة، وإنما كان في مجال القصة ~~الخيالية، أو الأسطورة الشعبية، وكان باستطاعته أن يطلق لخياله العنان في تصوير ~~الشخصيات، وإبراز سماتها النفسية وخصائصها الروحية، كما كان باستطاعته أن يتصرف في ~~الأحداث التي تكون الحركة المسرحية تبعا للهدف الذي اختاره، والقيم الإنسانية التي ~~يريد أن يجلوها في مسرحيته، وإن يحرك بها نفوس القارئين أو المشاهدين. # لقد كان شوقي يستطيع - لو واتته القدرة - أن يخلق في الأدب العربي الحديث من قصة ~~المجنون وليلى، مسرحية إنسانية عاتية تشبه «روميو وجولييت»، التي خلقها شكسبير في ~~الأدب الإنجليزي، وموضوع القصتين شديد الشبه، فكل منهما يدور حول حب فتى لفتاة، ~~ثم قيام عوائق أمام هذا الحب العارم الذي يسعى إلى الزواج، وإذا كان شكسبير قد أرجع هذه ~~العوائق إلى عداوة متأصلة بين أسرتي العاشقين، فإن العوائق في قصة مجنون ليلى تعود ~~إلى عادات وتقاليد اجتماعية، ليست أقل استبدادا بالنفوس وسيطرة عليها من العداوات التي ~~تقوم بين الأسر، بحيث يتسع المجال في الحالتين لذلك الصراع النفسي العنيف، الذي اتخذ ~~منه شكسبير سبيلا إلى سبر أعماق النفس البشرية، وإظهار قواها الخفية العنيفة المتمردة، ~~وبخاصة إذا ذكرنا أن الدراسات النفسية كانت قد تقدمت في عصر شوقي تقدما كبيرا، ~~كان باستطاعته أن يفيد منه، إذا أعوزه الاستبطان الذاتي، والخيال الخالق المدرك، ولكن ~~شوقي الشاعر الغنائي الموهوب كان، لسوء الحظ، لا يملك شيئا مما تميز به شكسبير من نفاذ ~~البصيرة وتحليق الخيال، كما أن حصيلته من الثقافة الإنسانية العامة كانت ضحلة؛ ms54 ولذلك ~~لم يستطع أن يعيد خلق هذه الأسطورة الأدبية على نحو ما أعاد شكسبير خلق أسطورة ~~«روميو وجولييت»، بل نراه يتقيد في مسرحيته بالكثير من التفاصيل التافهة أو الخرافية ~~التي يرويها صاحب «الأغاني»، حتى رأينا ناقدا كالأستاذ إدوار حنين يجمع في إحدى ~~مقالاته التي نشرها في مجلة «المشرق» البيروتية عددا كبيرا من فقرات الأصفهاني ويردفها ~~بأبيات شوقي، ليدلل على أن شاعرنا لم يعد صياغة تلك الأخبار والطرائف شعرا، بل ~~إن مراجعة الأشعار التي تنسب إلى قيس بن الملوح في الأغاني تمكننا في سهولة من أن ~~نرجع عدة مقطوعات من مسرحية شوقي إلى المجنون العربي القديم، وذلك عن طريق الاقتباس ~~المباشر، كقصة المجنون مع الظبية، وهي التي مطلعها: # رأيت غزالا يرتعي وسط روضة # فقلت أرى ليلى ~~تراءت لنا ظهرا # وكذلك الأمر في عدد من الصور والمعاني التي ضمنها شوقي مسرحيته، أو حورها إلى ~~أسلوبه الخاص، مثل قول المجنون لزوج ليلى يسأله عنها: # بربك هل ضممت إليك ليلى # قبيل الصبح أو قبلت ~~فاها؟! # وأغنية جبل التوباد الشهيرة، وهي الجبل الذي كان قيس وليلى يرعيان الغنم على ~~سفحه أيام الطفولة الأولى، ففي الأغاني، وفي المسرحية نعثر على هذين البيتين: # وأجهشت للتوباد حين رأيته # وكبر للرحمن حين ~~رآني # وأذرفت دمع العين لما رأيته # ونادى بأعلى صوته ~~فدعاني # وغير ذلك كثير مما كنا نستطيع قبوله باعتبار أن شوقي يعرض قصة شاعر كبير، عبر هو ~~نفسه عن أحاسيسه تعبيرا رائعا أحيانا كثيرة، وأما أن تستبد تفاصيل الأخبار القديمة ~~بشوقي، وتسيطر عليه سيطرة مطلقة في تصوير شخصياته، وتحليل دوافعها وخفايا نفوسها على نحو ~~ما فعل في «مجنون ليلى»، فذلك ما لا نستطيع أن نقره؛ إذ إنه قد قيد خيال الشاعر، ~~وحرمنا من أن نظفر منه بتحليل إنساني عميق لشخصياته، وتصوير قوي للمشاعر الإنسانية ~~التي تصطرع في حناياها فتثير نفوسنا، بحكم المشاركة الوجدانية التي لن نمل القول ~~بأنها الشرط الأساسي لنجاح الفن المسرحي. # ولقد أدى تقيد شوقي بما اختار من تفاصيل قصة المجنون القديمة إلى ملء مسرحيته بالكثير ms55 ~~من الخرافات القديمة التي قد يظن أن شوقي قد التجأ إليها جريا وراء ما يسميه ~~الرومانسيون «باللون المحلي»، ولكنها في الواقع لا تدخل في هذا اللون الذي ظل - ويجب ~~أن يظل - مقصورا على بعض المظاهر والعادات الخارجية، ولا يمكن أن يمتد إلى الحقائق ~~النفسية التي يجب أن تظل خاضعة للعنصر الإنساني العام الذي يستطيع وحده أن يكون تلك ~~المشاركة الوجدانية المطلوبة. # تقيد شوقي إذن باختيار تفاصيل تلك القصة وصياغتها شعرا غنائيا يبلغ الذروة أحيانا ~~كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يخفي ضعف عنصر «الدراما» في كثير من مواقف المسرحية، وبخاصة ~~في موقفها الأساسي، وهو الصراع الذي كنا نتوقع من المؤلف أن يركز عليه اهتمامه، وهو ~~الصراع الداخلي الذي كان من الطبيعي أن يثور في نفس ليلى بين حبها لقيس وخضوعها لتقاليد ~~العرب، التي تأبى على الفتاة أن تتزوج بمن تغزل بها في شعره، وفضح حبه لها، ففي ~~سهولة عجيبة يفوض المهدي والد ليلى لها الأمر لتختار زوجها، وفي سهولة عجيبة ~~تختار ليلى وردا الثقفي وتفضله على قيس، وكل ما نلمسه منها هو مجرد ندم على هذا ~~الاختيار، بل إننا لنلمح تناقضا واضطرابا في تصوير التقاليد العربية التي جعل لها شوقي ~~كل هذا السلطان، ولا أدل على ذلك من أن نرى وردا زوج ليلى يمهد لغريمه بعد الزواج ~~فرصة الاختلاء بزوجته، والتحدث إليها في بيته، فهذا ما لا نظن أن التقاليد العربية - ~~بل ولا المشاعر الإنسانية - يمكن أن تجيزه، وأكبر الظن أنه من ابتكار شوقي. # وإذا كان شوقي قد تقيد إلى هذا الحد بأسطورة المجنون القديمة، فشلت خياله وثلمت ~~بصيرته، فهل تراه قد تحلل من مثل تلك السيطرة في الأسطورة الأخرى، التي اختارها موضوعا ~~لمسرحية «عنترة»؟ أو تخير من تفاصيل هذه الأسطورة التاريخية ما يماشي فن الدراما، وما ~~يمكن من تصوير شخصيات إنسانية، نستطيع أن نشاركها حياتها مشاركة وجدانية عميقة؟ # هذا ما سوف نراه. # | عنترة # وهذه مسرحية عربية أخرى، أغرى شوقي موضوعها الذي أصبح من الأساطير الشعبية، التي نسج ~~حولها الخيال الشعبي ms56 الكثير من أعمال البطولة والفتك، فضلا عن الغرام، والصراع العنيف ~~بين قيمة الفرد الشخصية ووضعه الاجتماعي، فعنترة ابن زبيبة الحبشية فارس عربي شجاع، ~~ولكن سواد جلده، وانحداره من أمة حبشية يغمطه فضل هذه الشجاعة، ولا يجعله أهلا ~~لعبلة بنت مالك السيد العربي، والحائل بين عبلة وعنترة في هذه القصة أعنف وأشد تأصلا ~~في نفوس العرب من الحائل بين قيس وليلى، فقيس عربي سليم النسب كفء لليلى، ولا يحول ~~بينه وبينها شيء غير تشبيبه بها، أما عنترة فعبد وابن أمة، ومن المعلوم إلى أي حد ~~كان عرب الجاهلية يتمسكون بالأنساب ويستميتون في سبيلها، وكل هذه الحقائق توضح ~~الفارق الكبير الذي يميز عناصر «الدراما» في قصة مجنون ليلى عنها في قصة عنترة ~~وعبلة. # ولقد أغرت قصة عنترة خيال الشعراء والأدباء، وبخاصة بعد أن نماها الخيال الشعبي، ~~وضرب بها في مختلف الآفاق، وإذا كانت هذه الدراسة السريعة لا تتسع لتقصي جميع ما كتبه ~~الأدباء والشعراء من قصص ومسرحيات حول عنترة وعبلة، فلا أقل من أن نشير إلى أن هذا ~~الموضوع قد عالجه في سنة 1910 أديب لبناني، هو شكري غانم، الذي كتب باللغة الفرنسية ~~مسرحية عن عنترة مثلت في «مسارح باريس ذاتها»، وأكبر الظن أنه إذا لم يكن شوقي قد ~~شاهدها أو قرأها فقد سمع بها على الأقل، وربما كانت من الأسباب التي لفتت نظره ~~إلى هذا الموضوع، وأما قصة الأستاذ فريد أبو حديد التي نشرها في سلسلة «اقرأ» عن عنترة ~~فلاحقة لمسرحية شوقي. # والواقع أن قصة عنترة الشعبية قد أفسحت المجال أمام الشعراء والأدباء ليختاروا من ~~وقائعها ما يلائم فنهم، ويحقق الأهداف التي يقصدون إليها، وها نحن نرى كلا من شكري ~~غانم وشوقي وأبا حديد، يختار للقصة وجهة وحلا يختلفان عما اختاره الآخر. # فشكري غانم يستمد الحل من شجاعة عنترة الخارقة، التي حملت قومه على أن يلحقوه ~~بهم، وأن يصححوا نسبه ويزوجوه من عبلة بعد حسن بلائه في الدفاع عنهم ضد العرب ~~والفرس وحماية ذمارهم، وأما أبو حديد فيتخير الحل فيما قيل ms57 من أن والد عبلة ~~طلب لابنته من عنترة ألفا من النوق العصافير التي لا توجد إلا في الحيرة، وسافر ~~عنترة لعله يغنم تلك النوق، ولكنه وقع أسيرا في يد ملك الحيرة، ومع ذلك أكرم هذا ~~الملك مثواه، واشتغل عنترة في الحيرة بالتجارة، حتى جمع ألفين من تلك النوق، وعاد ~~بها إلى قومه وقوم عبلة، ففرق بينهم تلك النوق، وإذا بهم يظاهرونه ويزفون إليه ~~عبلة، وكأنه قد اشترى موافقة العرب على زواجه بهذه النوق العصافير. # وأما شوقي فقد اختط نهجا آخر؛ فهو لا يحدثنا في مسرحيته عن تصحيح نسبه، ولا عن ~~موافقة أهل عبلة على زواجها منه لشجاعته، أو لكرمه وسخائه، أو لحاجتهم إليه، بل ~~يترك معارضة مالك في زواج ابنته من عنترة عنيفة قاسية إلى نهاية المسرحية، وهي معارضة ~~بلغت حد طلب رأس عنترة مهرا من منافسيه: «صخر» و«ضرغام»؛ ولذلك اضطر أن يلتمس ~~خاتمة مسرحية لروايته، وهي تآمر عبلة مع عنترة؛ لكي تزف إليه هو لا إلى صخر في ليلة ~~زفافها، بينما تزف إلى صخر الفتاة الأخرى ناجية التي كانت تحب صخرا قدر محبة ~~عبلة لعنترة، وهكذا استحالت قصة عنترة عند شوقي إلى ملهاة، بل ملهاة مزدوجة من النوع ~~المسمى عند الغرب «تراجي كوميدي» أو «ڨودڨيل»، خاتمتها انقلاب مسرحي مزدوج، هو زواج ~~عنترة من عبلة وصخر من ناجية. # ولقد سبق أن لاحظنا كيف أن شوقي قد جمع في «مصرع كليوباترة» بين قصتي غرام، هما غرام ~~كليوباترة وأنطونيو، ثم غرام حابي وهيلانة، وانتقدنا في حق وشدة هذا الازدواج الذي أفسد ~~المسرحية لعدم ارتباط أحد الغرامين بالآخر، بل وإضراره بالأثر النفسي النهائي في مأساة ~~«كليوباترة»؛ إذ رأينا شوقي لا ينزل الستار بعد انتحار البطلة، بل يتركه مرفوعا لنشاهد ~~حابي المصري - الذي كان ساخطا في أول الأمر على عبث كليوباترة واستهتارها - يذهب مع ~~هيلانة وصيفة تلك الملكة الخليعة إلى الضيعة التي أقطعتها كليوباترة لحابي وهيلانة في ~~أرض الصعيد اصطناعا لمودة حابي وقتلا لروح التذمر الوطني في نفسه، وها نحن نشهد في ~~مسرحية «عنترة» ms58 أيضا غراما مزدوجا بين عنترة وصخر من ناحية، وبين عبلة وناجية من ناحية ~~أخرى، ولكن شتان بين الازدواج في هذه المسرحية والازدواج في «مصرع كليوباترة»! مما يدل ~~على أن خبرة شوقي بالفن «الدراماتيكي» قد استقامت، فحققت تقدما عظيما في أصول ذلك ~~الفن، فهنا نرى شوقي يستفيد من هذا الازدواج؛ ليربط كل شخصيات الرواية الأساسية بعضها ببعض، ~~ويوسع من دائرة الصراع والتضارب، فصخر يريد عبلة زوجا له، ولكنها لا تريده بل ~~تريد عنترة، وناجية تريد صخرا، ولكنه لا يريدها بل يريد عبلة، وإذا كان شوقي لم ~~يوضح خيوط المؤامرة المسرحية التي تمت بين هذه الأشخاص الأربعة الأساسية في الوصول ~~بالمسرحية إلى الحل الذي اختاره، فإن من السهل أن نحس بهذه المؤامرة المحكمة خلال عرضه ~~المسرحي. # وبالرغم من هذا التقدم الملحوظ عند شوقي في فن بناء المسرحية، فإننا لا نزال نلاحظ ما ~~أخذناه عليه في مسرحية «مجنون ليلى» بنوع خاص من عدم استغلاله للصراع النفسي العميق الذي ~~كان من الممكن أن يكسب مسرحيته قيمة «دراماتيكية» وإنسانية عالية، وإذا كانت ليلى في ~~مسرحية المجنون قد استسلمت للتقاليد العربية استسلاما سهلا مذهلا، فاختارت الزواج من ~~ورد الثقفي، عندما خيرها أبوها بينه وبين قيس، دون أن نحس بما كنا ننتظره من صراع نفسي ~~قوي قبل أن تلجأ إلى هذا الاختيار، فإننا نلاحظ هنا أن عبلة لم تتعرض هي الأخرى لأي ~~صراع نفسي ملموس، وإن يكن اختيارها في هذه المسرحية قد جاء على نقيض اختيار ليلى، فهي لم ~~تستسلم لتقاليد العرب، ولم تشعرنا - في أي موقف - بإحساسها بوطأة هذه التقاليد ~~وجبروتها، وذلك بالرغم من أنها كانت أشد قسوة في قصة عنترة، وكان مالك والد عبلة أعنف ~~في خضوعه لها، وتمسكه بها إلى حد طلبه رأس عنترة مهرا لابنته من خاطبيها، ومع كل ~~هذا نفاجأ في خاتمة المسرحية، بتآمر عبلة على الزواج رغم أنف التقاليد، ورغم أنف أبيها ~~وذويها، وهذا موقف يبدو غريبا من الفتاة العربية أيام الجاهلية، وذلك ما لم نفترض أن ~~شوقي قد أراد أن ms59 يجعل من عبلة بطلة شامخة متمردة على مواضعات اجتماعية فاسدة، ولكن هذا ~~الفرض لا نلمس له مظاهر في المسرحية، وإنما تتم المؤامرة في سرعة وخفة كانقلابات ~~المسرح الهزلية، في غير تمهيد ولا إظهار للأصول النفسية البعيدة التي تبرر مثل هذا ~~الانقلاب، وكأن شوقي بهذا التصرف قد مر مرورا عابرا بجوار مواقف «دراماتيكية» ~~وإنسانية، بل وأخلاقية بالغة القوة دون أن يفطن إليها، أو يحسن استغلالها، فيخلق شخصيات ~~بشرية عاتية، كشخصيات كبار المؤلفين الغربيين، الذين ضمنوا الخلود بقدراتهم على الخلق، ~~وثورتهم على الأوضاع الفاسدة، أو قيادتهم للبشر في سبيل الخير والكمال. # وبالرغم من أن قصة عنترة تصلح بطبيعتها لأن تكون «أوبرا» أو «أوبريت»، بقدر ما تصلح لأن ~~تكون «دراما» أو ملهاة، تعتمد على الحوار والحركة المسرحية فحسب، فإننا نلاحظ أن شوقي قد ~~استجاب لما أخذ على مسرحياته الأولى من الاسترسال في القصائد الغنائية التي تعطل من ~~سير الحوار، وتؤدي إلى بطء الحركة المسرحية فتخفف في «عنترة» من هذا العنصر، ~~وجاءت مسرحية أقرب من هذه الناحية إلى حقيقة «الفن» الدرامي من المسرحيات السابقة. # | أميرة الأندلس # هذه هي المسرحية الوحيدة التي كتبها شوقي نثرا، وذلك بالرغم من أن حوادثها تدور حول ~~شاعر ملك، هو المعتمد بن عباد الأندلسي آخر ملوك الطوائف في إشبيلية، بل وبالرغم ~~من تضمين شوقي مسرحيته مقطوعة من شعر ذلك الملك، ونحن لا ندري لماذا عدل شوقي في هذه ~~المسرحية عن الشعر الذي كان خليقا بأن يواتي موضوعها، وذلك في الوقت الذي نراه يكتب ~~بالشعر الملهاة الوحيدة التي كتبها في أخريات حياته، وهي «الست هدى»، التي استمد ~~موضوعها من الحياة المصرية المعاصرة، في حي الحنفي بالسيدة زينب، وكان النثر - بل وربما ~~النثر العامي - أكثر مواتاة لها، ولكنه شيطان الشعراء، الذي لا يخضع لمنطق، ولا يتقيد ~~بأوضاع. # لقد كتب شوقي «أميرة الأندلس» نثرا، ولكن لحسن الحظ تخلص في هذا النثر - إلى حد ~~بعيد - من تلك الصنعة المضنية العقيمة، التي نجدها في كتابه «مروج الذهب» بنوع خاص، فنثره ~~في المسرحية مرسل في الغالب ms60 الأعم، وهو لا يلجأ إلى الصنعة والسجع والمحسنات إلا ~~في المقطوعات الطويلة من الحوار، حيث ظن أن الحليات اللفظية قد تقي من الملل الذي قد ~~يتسرب إلى نفوس المشاهدين أو القراء، على نحو ما كان يستعين بملكة الشعر على ~~المقطوعات الطويلة في مسرحياته الشعرية. # وقصة المعتمد بن عباد استقاها شوقي من كتاب «المقري» المعروف ب «نفح الطيب في غصن ~~الأندلس الرطيب»، ولكنه لم يكتف بالوقائع التاريخية المحزنة الخاصة بانقراض الطوائف ~~في إشبيلية، بل زاوج بينها وبين قصة خيالية نسجها حول حب بثينة بنت المعتمد للفتى ~~العربي «حسون»، وانتهائهما بالزواج في سجن «أغمات» بشمال إفريقية، حيث استقر المقام ~~بالمعتمد بن عباد، بعد أن قضى ابن تاشفين - ملك المرابطين بإفريقية - على ملكه، وكان ~~المعتمد قد اضطر إلى أن يستعين به لرد عدوان الإفرنج. # ولقد احترم شوقي حقائق التاريخ في مسرحيته بوجه عام، على نحو ما احترمها الأستاذ على ~~الجارم في كتابه «شاعر ملك»، وإن لم يحلل بالطبع في مسرحيته أسباب انهيار ذلك الملك ~~الشامخ على نحو ما فعل الأستاذ الجارم، ولكن القصة الخيالية لم ينجح شوقي في ربطها ربطا ~~وثيقا بالكارثة الأساسية، حتى لتبدو قصة مفتعلة اصطنعها شوقي لظنه أن مسرحية ~~ناجحة لا يصح أن تخلو من قصة غرام، ثم لرغبته فيما يبدو في تخفيف وقع تلك الكارثة ~~الأندلسية، التي طالما حزن لها وتغنى بها في شعره، وبخاصة بعد أن عاش في الأندلس، وجاب ~~خلالها، وتعرف على معالمها وآثارها الإسلامية الرائعة، أثناء نفيه بإسبانيا خلال ~~الحرب العالمية الأولى. # ونحن قد لا نماحك شوقي في طبيعة ومعقولية قصته المسرحية، التي نراه يجمع فيها بين ~~إشبيلية وأغمات، كما يجمع بين الواقع المحزن والخيال الرومانتيكي المجنح، وذلك باعتبار ~~أن الآداب المختلفة - وبخاصة الرومانتيكية منها - قد فعلت أكثر مما فعله شوقي، فنقلت ~~ميدان المسرحية من الشرق إلى الغرب، ورفعت أحداثها من حضيض الأرض إلى سماوات الخيال، غير ~~عابئة بما يقال من أن كل مسرحية ما هي إلى قطاع من الحياة لا يجوز أن يعدو الزمان ~~والمكان ms61 المعقولين، زاعمة أن المسرحية ليست محاكاة للحياة، بل خلقا يؤلف الخيال بين ~~عناصره على نحو يجلو غامضا، أو يسري هما، أو يتمخض عن عبرة. # نقول: إننا قد لا نماحك شوقي باسم الأصول الكلاسيكية، ولكننا في الحق لا نستطيع أن نغفل ~~عجزه عن ربط موضوعه الخيالي بالمأساة التاريخية، كما لا نستطيع أن نغفل إضعافه للأثر ~~النفسي الذي كان من الممكن أن تحدثه تلك المأساة الإسلامية المحزنة، وبخاصة إذا كان هذا ~~الإضعاف قد تم بحيلة مسرحية غريبة تكاد تكون مضحكة، وهي حرص حسون وبثينة على التسلل ~~إلى سجن المعتمد في «أغمات» لعقد قرانهما بداخله، وبذلك تنقلب تلك المأساة إلى ملهاة ~~مصطنعة، إن لم نقل إلى مهزلة. # | الست هدى # لقد أثبت شوقي في جميع مسرحياته تقريبا أنه لم يكن محروما من روح الفكاهة، حتى لنرى ~~تلك الروح تحتل مكانا واضحا، وتلعب دورا هاما في مسرحية «أميرة الأندلس» بفضل ~~شخصية مقلاص الذي لم تعد فكاهته لفظية، بل فكاهة نفسية عميقة تستند إلى صراحة قوية في ~~فضح المعايب والمضحكات؛ ولذلك لا يدهشنا أن ينتهي المطاف بشوقي إلى أن يكتب ملهاة قائمة ~~بذاتها، وأكبر الظن أنه لو امتد به العمر لكتب غيرها بعد ما أصاب من توفيق في كتابة هذه ~~الملهاة، التي، وإن يكن قد استخدم فيها الشعر، إلا أنه قد استطاع أن يلائم بين هذا الشعر ~~وبين موضوعه الفكاهي الخفيف في روح لطيفة، وعبارات سلسة، نعجب كيف صدرت عن نفس القيثارة ~~العاتية، التي تغنت بأروع ألحان الشعر وأشدها أسرا. # وقصة الست هدى - التي لم تنشر حتى اليوم - تتناول عيبا أخلاقيا كان ولا يزال شائعا ~~في البيئة المصرية، وهو تكالب الرجال على المرأة ذات الثراء، فالست هدى امرأة استطاعت ~~بفدادينها أن تتزوج قطيعا من الرجال الواحد تلو الآخر، وكلما مات أحدهم، ~~استبدلت به غيره طامعا في مالها حتى فني الجميع! وعندما أدركها الموت ظن آخرهم ~~أنه قد أصاب الثراء، وتوافد الناس عليه مهنئين، ولكنه لم يلبث أن اكتشف أن الست ~~هدى قد أوصت بكل مالها لبعض ms62 صديقاتها وبعض جهات البر، وأنه لم يرث شيئا فجن ~~جنونه، وخرج من المسرح مشيعا بالضحكات. # والموضوع كما لخصناه مضحك بطبيعته، كما أن الضحك فيه له مغزاه الأخلاقي والاجتماعي؛ ~~إذ يعالج مشكلة قبيحة من مشاكل حياتنا، ولكن المشقة في هذا الموضوع تأتي من أن ~~الإضحاك والحبكة والدرس الاجتماعي لا يتم عرضها وعلاجها بتصوير قصة الزوج الأخير ~~فحسب، بل لا بد من استعراض سلسلة القطيع السابقة حتى يبرز ما في قصة الزوج الأخير من سخف ~~مضحك، ومن البديهي أن شوقي لم يكن يستطيع أن يعرض على المسرح كل هؤلاء الأزواج ~~السابقين الذين افترض أن الموت قد طواهم، ولو أن هذا الموضوع كتب للسينما لكان أسهل ~~علاجا؛ إذ كان المخرج يستطيع أن يعرض الست هدى، وهي تسترجع بخيالها القطيع السابق، ~~الواحد بعد الآخر، وفي لقطات خاطفة تتابع حياتها مع كل واحد منهم، أما والمسرح ~~لا يملك مثل هذه الإمكانيات، فإن شوقي لم يجد بدا من أن يستعين بالقصص، وأن يستخدمه ~~لتصوير شريط سينمائي يستغرق الجزء الهام من الفصل الأول في المسرحية، التي تتكون من ~~ثلاثة فصول. # لقد عرض شوقي في الشريط السينمائي في حديث يجري في مطلع المسرحية بين الست هدى وجارتها ~~زينب. # وها نحن نورد هذا الشريط: # الست هدى ~~: # يقولون: إني قد تزوجت تسعة # وإني واريت ~~التراب رفاقي # وما أنا عزريل، وليس بمالهم # تزوجت لكن، كان ~~ذاك بمالي! # وتلك فداديني الثلاثون كلما # تولى رجال ~~جئنني برجال # فما أكثر عشاقي! # وما أكثر ~~خطابي! # ولولا المال ما جاءوا # أذلاء إلى ~~بابي # لست ما عشت ناسية # لست سلو ~~حياتيه # أول البخت مصطفى # مصطفى كان ~~سارية # حين يمشي تظنه # نخلة المرج ~~ماشية # مات! فكدت أموت حزنا # وكان عمري عشرين ~~عاما # ثم تزوجت بعد خمس # من ذا يرى فعلتي ~~حراما؟ # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست هدى ~~: # وزوجي الثاني علي # ما كان بالصالح ~~لي # يا ليتني لم أقبل! # ذاك لمالي اختارني # واخترته ~~لماله # ما كان إلا مفلسا # وقعت في ~~حباله # يرحمه الله لقد عشنا ms63 معا # من السنين الصاحبات ~~أربعا # ثم مضى لربه لا رجعا # رحمة الله عليه # جن بالنسل ~~جنونا # ثم لما مات ما خل # ف لي إلا ~~ديونا # ومات لم تبكه عيوني # وكان عمري عشرين ~~عاما # ثم تزوجت من سواه # من ذا يرى فعلتي ~~حراما؟ # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست هدى ~~: # وزوجي الثالث عمدة البلد # لقد بنى بي وهو يطلب ~~الولد # وغير أطياني هناك ما قصد # يرحمه الله وإن # نغص يوما ~~عيشتي # ما جن بي وإنما # جن ~~بأبعاديتي # رحمة الله عليه! # مات لم يترك ~~تراثا # خلف المرحوم عش # رين ذكورا ~~وإناثا # ومات لم أكتئب عليه! # وكان عمري عشرين ~~عاما # ثم تزوجت بعد عام # من ذا يرى فعلتي ~~حراما؟ # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست هدى ~~: # ولست أنسى زوجي الرابعا # لا نافعا كان، ولا ~~شافعا # قالوا: أديب لم يروا مثله، # ولقبوه الكاتب ~~البارعا # قد زينوه لي، فاخترته # ما اخترت إلا ~~عاطلا ضائعا # رائح أكثر الزما # ن على الصحف ~~مغتدي # يكتب اليوم في «اللوا» # وغدا في ~~«المؤيد» # ليله أو نهاره # فارغ الجيب واليد # ويعجبني عند المباهاة قوله: # بنيت فلانا، ~~أو هدمت فلانا # وقد يصبح المبني أوضع منزلا # وقد يصبح ~~المهدوم أرفع شانا # رحمة الله عليه! # كان لا يحقر ~~مالا # كان إن أفلس لا # يسألني إلا ~~ريالا # ثم تزوجت بيوزباشي قمر # نهى كما شاء هواه ~~وأمر # لقد وددت أنه زوج العمر # عشنا ثلاثا ثم افترقنا # وكان عمري عشرين ~~عاما # طلقني، فالتمست زوجا # من ذا يرى فعلتي ~~حراما؟ # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست هدى ~~: # وعشت عامين دون زوج # ثم تزوجت ~~بالموظف # لم أنسه منذ مات يوما # ما كان أبهى! وكان ~~أظرف! # كان خفيفا، وكان حلوا # ومن نسيم الربيع ~~ألطف # ما كنت أدري إذا تولى # أجيبه أم قفاه ~~أنظف # يرحمه الله مات ما وجدوا # في جيبه غير قطعتي ~~ذهب # وسبحة من خزانتي سرقت # كانت على الرف من ~~وفاة أبي # ثم اقترنت بفقيه # عالم في ~~البلد # كهل أخو ms64 خمسين لكن # في نشاط ~~الأمرد # زينب ~~: # عرفته ذاك الفقي # ه الشيخ عبد ~~الصمد # قد كان في الخط وجي # ها ومقبل ~~اليد # وكل من مر به # خاطبه بسيدي # الست هدى ~~: # يرحمه الله! لقد أدبني # حتى عرفت كيف تخضع ~~النسا # زينب ~~: # أنت؟ ... ... ... # الست ~~: ~~... أجل، أدبني بيده # ورجله وبالعصا ... ... # زينب ~~: ~~... ... كيف؟ متى؟ # الست ~~: # رأى غبارا عالقا بجبهتي # ولم أكن أعلم من أين ~~أتى # فقال: هذا الترب من نافذة # من كنت تنظرين منها ~~يا ترى؟ # وهاج حتى خفت أن يقتلني # وشمر الذيل وجرد ~~العصا # فقلت: يهواني، وتلك غيرة # يا حبذا الزوج ~~الغيور حبذا! # وقبله لم أر من غار ولا # من ظن في قلبي ~~لغيره هوى # لكنه منذ كنا # ما حل عقدة كيسه # يفضل الأكل من غ # ير ماله ~~وفلوسه # عشت مع الشيخ نصف عام # وكان عمري عشرين ~~عاما # ومات! فاختارني سواه # من ذا يرى فعلتي ~~حراما # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست ~~: # أتذكرين بعده # من جاء بيتي ~~يخطب؟ # زينب ~~: # من ذاك؟ من؟ ... ... # الست ~~: ~~... ... ... أنت التي # جئت به يا ~~زينب! # زينب ~~: # مهدي المقاول الثري؟ # الممتلي من ~~الذهب # الست ~~: # قد ذهب الله به # أجل إلى النار ~~ذهب # لم ينس أن يذكر أبعاديتي # ما للغبي ولطيني! ما ~~له! # ولم يكن عند الطعام يستحي # يأكل مالي ويعد ~~ماله # عشت اثنتين معه # لم أنتفع بفرشه # لو لم يمت لمت من # تنفيسه ~~وفشه # ظللت عامين في بلاء # وكان عمري عشرين ~~عاما # ومات مهدي فاعتضت عنه # من ذا يرى فعلتي ~~حراما؟ # زينب ~~: # أجل، تعيشين وتدفنينا # حتى تصيبي منهم ~~البنينا # الست ~~: # ثم اقترنت بمحام عاطل # شريب خمر يحتسيها في ~~الضحى # قلت دعاويه، وقل ماله، # وأصبح المكتب منه ~~قد خلا # عبد المنعم ~~(المحامي زوج الست هدى وهو سكران يصعد السلم) ~~: # هدى! ضلال! أين أنت يا هدى؟ # أين العجوز؟ أين ~~جدتي هدى؟ # وبعد هذا السجل الحافل، الذي كان يعتبر عرضه المشكلة الأساسية أمام المؤلف، ~~تنطلق أحداث الملهاة، ويجري الحوار فيها بهذا الشعر السلس الخفيف، الذي لا يسف إلى ~~حد الابتذال ، ولا ms65 يرتفع إلى حد الجفاف الذي يجرده من العصير الشعبي، حتى تنتهي ~~الملهاة إلى خاتمتها المضحكة، ضحكا يثير الأسى على نحو يخيل إلينا معه أن هذه ~~الملهاة تعتبر من خير ما كتب شوقي من مسرحيات. ~~••• # ونختم هذا الحديث السريع عن شوقي ومسرحياته بالاعتذار إلى روح هذا الشاعر العظيم، ~~وقيثارته الخالدة مرددين قول الناقد الفرنسي الشهير بوالو: «ما أسهل النقد! وما أشق ~~الفن!» ms66