######OpenITI# #META# URI: 1384MuhammadMandur.QisasRumaniyya.Hindawi59753693 #META# Tags: literature #META# ID: 59753693 #META# Title: قصص رومانية #META# AuthorID: 27181903 #META# Author: محمد مندور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # كونستانتين نجروزو (1801-1864)‏ # إسكندر لابوشنيانو1 (1514-1569)‏ # إيون كريانجا (1837-1889)‏ # ي. ل. كاراجيالي (1852-1912)‏ # باربي ديلا فرانسيا (1852-1918)‏ # تيودور أرغيزي (1880)‏ # بنايت إستراتي (1884-1935)‏ # سيزار بترسكو (1892)‏ # ال. ساهيا (1908-1937)‏ # زهاريا ستانكو (1902)‏ # مقدمة‏ # كونستانتين نجروزو (1801-1864)‏ # إسكندر لابوشنيانو1 (1514-1569)‏ # إيون كريانجا (1837-1889)‏ # ي. ل. كاراجيالي (1852-1912)‏ # باربي ديلا فرانسيا (1852-1918)‏ # تيودور أرغيزي (1880)‏ # بنايت إستراتي (1884-1935)‏ # سيزار بترسكو (1892)‏ # ال. ساهيا (1908-1937)‏ # زهاريا ستانكو (1902)‏ # | قصص رومانية # | قصص رومانية # تأليف # محمد مندور # | مقدمة # هذه صفحات مختارة من فن القصص في الأدب الروماني تمثل ألوانا مختلفة من هذا الفن ~~عند شعب صديق يشبه في كفاحه من أجل التحرر والوعي بذاته شعبنا العربي إلى حد كبير، ~~بل ربما كان كفاحه أكثر عنفا وضراوة، حتى بالنسبة للغته القومية والاحتفاظ بمقوماته ~~الأصلية. # فالشعب الروماني الأصلي جاءته اللغة اللاتينية مع الغزو الروماني، وتطورت تلك ~~اللغة كلهجة محلية حتى أصبحت ما يعرف اليوم باسم اللغة الرومانية، ولكن هذه اللهجة ~~التي أصبحت لغة لم تتم وتتطور وتستقر بغير عوائق وهزات أتتها من غزوات جيرانها ~~وسيطرتهم على البلاد بعد تضعضع الإمبراطورية الرومانية؛ فتعرضت تلك اللغة لمؤثرات ~~سلافية عميقة، ثم لمؤثرات تركية قد تكون أقل عنفا واتساعا، ولكنها مع ذلك عاقت نمو ~~اللغة القومية وأصابتها بالبلبلة؛ نتيجة لاحتلال تركيا لرومانيا قرونا طويلة، ولكن ~~الشعب الروماني الأصيل استطاع بالرغم من كل ذلك أن يسترد المقومات الأساسية لقوميته ~~وفي مقدمتها اللغة، وكان ذلك بنوع خاص وبشكل واضح في القرن التاسع عشر، فإن ظهور ~~القوميات في أوروبا نتيجة للروح الثورية التي اشتعلت بكل بلد من بلاد أوروبا في ذلك ~~القرن. # وإذا كان الشعب الروماني في مرحلة كفاحه من أجل قوميته الأصيلة، وتدعيم هذه القومية بكل ~~دم قوي سليم قد تعرض في ثقافته وأدبه وفنه إلى مؤثرات غربية قوية؛ كالمؤثرات ~~الألمانية والفرنسية وغيرها، فإنه لم يلبث ابتداء من منتصف القرن الماضي تقريبا أن ~~تخطى تلك المرحلة أيضا ليعتمد على نفسه، ويبحث عن أصالته الخاصة، وقاد هذه الدعوة ~~عدد من أدباء رومانيا ومثقفيها الذين التفوا في مقاطعة مولدافيا - بنوع ms001 خاص - حول ~~المجلة التي أصبحت من مشاعل تاريخ الثقافة والأدب والفن في رومانيا في النصف الثاني من ~~القرن التاسع عشر، وهي مجلة «داسيا الأدبية»، ورأى هذا النفر من الأدباء والفنانين أن ~~طريقهم إلى الأصالة هو العودة إلى ماضيهم القومي، ويوميات مؤرخيهم الأوائل بلغتهم ~~الرومانية النقية من جهة، واستحياء آدابهم الشعبية من جهة أخرى، باعتبار أن تلك ~~الآداب هي التي تعبر عن الروح الأصيلة للشعب وتقاليده، ومواضع اهتمامه بطريقة تلقائية ~~نابعة عن طبيعة الحياة، وغير متأثرة بالثقافات والتيارات والآداب والفنون الوافدة من ~~الخارج، والتي تؤثر بنوع خاص في المثقفين لا في أدباء وفناني الشعب. # وأخيرا دراسة واقع الحياة الرومانية المعاصرة والكشف عما فيها من مظالم ومساوئ، وتصوير ~~مشاهد الطبيعة وحياة البشر المرتبطة بتلك المشاهد، والمتأثرة بها والمؤثرة فيها، وهذه هي ~~التيارات الثلاثة التي سيجدها القارئ في هذه المختارات التي يرجع أقدمها إلى أبعد من سنة ~~1840؛ أي التي تقع كلها في الفترة الحديثة التي أخذت فيها رومانيا تكتشف نفسها، ~~وتستكمل مقومات أصالتها. ~~(1) مادة القصص # ففي هذه المختارات سيلتقي القارئ بالتيار التاريخي في مثل قصة «ألكسندرو تابو ~~شنيانو» للكاتب «كونستنتين نيجروزو» التي استقى مادتها من كتاب اليوميات ~~القدماء، وصور فيها ذلك الصراع الدامي الذي كان يجري بين الأمراء في العصر ~~الإقطاعي للسيطرة على الحكم، ويرسم فيها لوحة دامية لمذبحة فظيعة دبرها أحد ~~هؤلاء الأمراء لمنافسيه على نحو ما فعل محمد علي بالمماليك في مذبحة القلعة الشهيرة ~~في تاريخنا الحديث، بل وأشد ضراوة، وقد أعمل المؤلف في تصوير هذه اللوحة خيالا ~~قاسيا تهتز من حوله أصلب الأعصاب. # وفي هذه المختارات يلتقي القارئ بالحكايات الشعبية التلقائية التي قد لا تكون ~~فيها الحبكة الفنية، ولكن فيها سخر السذاجة وعصير الحياة الشعبية النضرة في مثل ~~قصة «الأب نيكيفور الحلنجي» للكاتب «إيون كرييانجا» الذي تقرأ قصته الشعبية ~~فيخيل إليك أنك تسمع متحدثا شعبيا خفيف الروح، ولا تقرأ لكاتب ~~محترف. # وبالمثل في قصة الكاتب الكبير «كاراجيالي» التي سماها «فندق مانيوالا»، وصور ~~فيها نزوات النفس الفطرية ومغامراتها، التي لا تحس ms002 فيها بأي افتعال أو تصنع، ~~وتوهمك بأنها من صميم الواقع الممكن الحدوث في الحياة التلقائية ومصادفاتها ~~العجيبة ومعتقداتها الساذجة. # وإلى جوار القصص التاريخية والفولكلورية، سيلتقي القارئ بالتيار الواقعي الفني ~~المحبوك الذي يرسم صورا أخلاقية دقيقة مكتملة القسمات، مجسدة في شخصية نموذجية، ~~مثل: شخصية «الحاج ديدوز» للكاتب «باربودي لافرانكيا» التي يجسد البخل على نحو ~~لا يقل دقة وشمولا وثراء في التفاصيل عن شخصية «هارباجون» عند «موليير»، ~~و«إيوجين جراندين» عند «بلزاك». # حتى إذا انتقلت إلى الكاتب «تيودور أرغيزي» التقيت بالمنمنمات؛ أي: ~~اللوحات الفنية الصغيرة الشاعرية الروح والأسلوب في مثل لوحاته عن «القط» و«شجرة ~~العرائس» و«سن سعيد» و«خطاب عائلي» و«رجل مسكين» و«ماريا نيكيفور»، وهي لوحات ~~تتفاوت بين المثالية العاطفية المرهفة في تصويره الشعري للقط، ولحياته في المنزل ~~وللأطفال، وبين الواقعية النقدية الحادة في مثل لوحات «الرجل المسكين» و«ماريا ~~نيكيفور»، وهذه اللوحات لا نعتبرها قصصا إلا تجاوزا؛ لأنها في الواقع وكما قلنا ~~منمنمات؛ أي: ميداليات فنية صغيرة مطرزة في دقة وشاعرية ساحرتين. # ولما كانت البيئة الزراعية أسبق إلى الوجود في رومانيا - التي كانت أول الأمر ~~تعتمد في حياتها على الزراعة قبل كل شيء - فقد كان من الطبيعي أن ينصرف اهتمام ~~الأدباء والفنانين أول الأمر إلى هذه البيئة ومشاكلها وويلاتها، عندما أدركوا ~~أن واقع حياتهم هو المنبع الثري الذي ينبغي أن يمنحوا منه، ومن هنا جاءت قصص ~~مثل: «أمطار يونيو» للكاتب «ساهيا» التي تصور كفاح الفلاحين الرومانيين، ~~وشجاعة المرأة الرومانية التي تلد في الحقول في تجلد، وهي تعمل كادحة مع زوجها ~~في سبيل لقمة العيش وسط الطبيعة المتجهمة وضغط السلطات الحاكمة وقسوتها، بل وتلد ~~توأمين؛ فيبلغ عدد أطفالها التسعة، وزوجها لا يملك إلا قطعة صغيرة من الأرض ~~لا يدري كيف يشبع بها أحد عشر فما جائعا، وهي قصة بالغة القوة والإثارة ورائعة ~~البنان الفني والتعبير الموحي. # ولما كانت رومانيا قد أخذت تتصنع - وبخاصة في القرن العشرين - بعد اكتشاف ~~ثروتها المعدنية الضخمة - وبخاصة آبار البترول الغنية - فقد كان من الطبيعي أن ~~يمتد اهتمام أدبائها وفنانيها إلى ms003 البيئة العمالية الصناعية الجديدة، ومن هنا ~~أخذ يظهر هذا النوع من القصص في مثل الفصل الذي ترجمناه من رواية «الذهب الأسود» ~~للكاتب «سيزار بترسكو»، وهو كاتب تقدمي مناضل صور في روايته الصراع العنيف ~~بين الشعب الروماني ورأس المال الأجنبي المستغل الذي وفد إلى رومانيا للسيطرة على ~~ذهبها الأسود؛ أي على ينابيع بترولها الغزيرة. # ولما كانت حياة الإنسان العاطفية لا بد من أن يكون لها نصيبها في كل إنتاج ~~أدبي فني، وفي أية صورة اتخذها هذا الإنتاج، فقد كان من الطبيعي أن نلتقي ~~في فن القصص الروماني أيضا بالقصص ذات الطابع العاطفي الخالص في مثل قصة «شجرة ~~الليلا» التي تكون فصلا من رواية «الجذوع مرة» للكاتب «زهاريا ستانكو» الذي ~~عرف كيف يمزج في قصته بين المأساة العاطفية الخاصة لبطلها وبطلتها، وبين ويلات ~~الحرب ومآسيها المفجعة، وفي مثل قصة «كيراكيرالينا» الرائعة للكاتب بنيات ~~إستراتي، التي مزج فيها المؤلف بين صورة عاطفة الصداقة البريئة المخلصة بين فتى ~~روماني شريد وبائع يوناني متجول التقى به في بلاد الشرق، وبين صورة حياة هذا ~~الشريد الشقية المعذبة؛ نتيجة لظلم وانحلال كبار أثرياء الإمبراطورية ~~العثمانية وتجارتهم بالرقيق الأبيض الذي وقعت بين براثنه «كيراكيرالينا» أخت هذا ~~الشريد، وخرج المؤلف من المزج بين الصورتين المتقابلتين المتداخلتين بلوحة ~~متكاملة موحدة تهز أعماق العاطفة الإنسانية الشريفة. ~~(2) الأشكال الفنية # وبالرغم من أن المجموعة الفرنسية التي اخترت منها هذه الصفحات من فن القصص ~~الروماني تحمل اسم # Nouvelles Rumaines ~~، وقد أعدها ~~الأستاذ الروماني «تيودور فيانو»، وقدم لها كما قدم لها أيضا الأستاذ الفرنسي ~~«جان بوتيير» المتخصص في الآداب واللغة الرومانية، إلا أن مختارات هذه المجموعة ~~لا تنطوي كلها تحت المصطلح الفني الذي اتخذ عنوانا لها، بل تضم - كما رأينا ~~- قصصا قصيرة وأخرى متوسطة وفصولا من روايات طويلة، بل ولوحات فنية شعرية ~~الطابع. # والواقع أن في اللغة الفرنسية ثلاثة مصطلحات يطلق كل واحد منها على نوع ~~خاص من فن القصة؛ فهناك لفظة # Cone # التي تقابل ~~ما اصطلحنا في العربية على تسميته بالقصص القصيرة، كما أن ms004 لفظة # Roman # التي اصطلحنا على ترجمتها إلى العربية ~~بلفظة الرواية أو القصة الطويلة ، بينما هناك لفظة ثالثة هي # Nouvelle # التي لم نستقر بعد على مرادف ~~لها بالعربية، وهي تطلق في الفرنسية على نوع من القصص المتوسطة الطول التي يغلب ~~عليها عادة الطابع الإخباري، وربما كان ذلك هو السبب في تسميتها بلفظة # Nouvelle # التي تعني في أصلها اللغوي «الخبر»، ~~وإن كنا نلحظ أنه إذا كان عملاق هذا الفن القصصي الخاص الكاتب الفرنسي «بروسبير ~~ميرميه» قد احتفظ له بطابعه الإخباري حتى لتكاد القصص التي كتبها من هذا النوع ~~تقتصر على تصوير الأحداث دون الوصف والتحليل المسهبين، إلا أن هذه الخاصية لم ~~تلتزم دائما من الكتاب الآخرين الذين اكتفوا في إدخال قصصهم تحت هذا ~~النوع بالاعتماد على كمها. # أي اعتبروا كل قصة متوسطة الطول داخلة فيه، مع أنه من الواجب فنيا ولتمييز ~~هذا النوع من غيره من أنواع القصص أن يحتفظ له بطابعه الإخباري، وعندئذ كنا ~~نستطيع أن نترجم هذا المصطلح إلى العربية بعبارة القصة الإخبارية متخذين لها ~~نماذج من قصص «بروسبير ميرميه» التي كتبها في هذه الصورة، مثل: «كولومبا» و«ماتيو ~~فالكوني» وغيرهما. # ومهما تكن الاختلافات الشكلية الاصطلاحية، فإن هذه الصفحات من فن القصص ~~الروماني تكون نماذج رائعة للفن القصصي كله مهما اختلفت صوره وأبعاده، وهي ~~تعطي فكرة واضحة متكاملة عن اتجاهات هذا الفن ومنابعه وأهدافه ومواضع ~~اهتماماته. ~~(3) أوجه شبه # والقارئ العربي - فضلا عن المتعة الثقافية والفنية التي سيجدها عند قراءة هذه ~~الصفحات المختارة - فإنه لن يعدم الوقوع على أوجه شبه بين حياة شعبنا العربي ~~وكفاحه واتساع اهتماماته وبحثه عن أصالته الخاصة، وبين حياة الشعب الروماني وكفاحه ~~واتساع اهتماماته هو الآخر وبحثه عن أصالته الخاصة. # وإذا كنت لم أقرأ حتى اليوم لأحد أدبائنا تصويرا لمذبحة المماليك في القلعة - ~~مثلا - على نحو ما قرأت هنا قصة الكاتب «نيجيرتسو» عن مذبحة «ألكسندرو ~~لابونشيانو»؛ فإنني قد وجدت مع ذلك ما يشبه هذا الفن القوي في مثل قصة ~~«العسكري الأسود» للدكتور «يوسف إدريس»، كما أنني ألاحظ أن ms005 فننا القصصي يمر ~~اليوم بنفس المراحل والتطورات والاهتمامات التي مر بها الفن القصصي الروماني ~~عندما أخذ يعود إلى ماضيه في القصة التاريخية منذ «جورجي زيدان»، ثم عندما أخذ يتجه ~~إلى حياتنا الريفية بأسلوب يجمع بين الرومانسية العاطفية والواقعية في قصة «زينب» ~~«لمحمد حسين هيكل»، وأخيرا اتجاه أدبائنا نحو مشكلات ومعارك الفلاحين في مثل قصة ~~«الأرض» «لعبد الرحمن الشرقاوي»، وكفاحنا الوطني في «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، ~~وفي الفترة الأخيرة اهتمامنا بالآداب الشعبية وجمعها وتسجيلها، ودراستها كأساس ~~لاستيحائها في أدبنا الجديد الذي أخذت طلائعه تظهر. # ويسرني أن ألاحظ أيضا أن حركة التصنيع القائمة الآن على قدم وساق في بلادنا ~~لا بد أن تخلق عما قريب الأدب الذي يعالج حياة الطبقة العاملة وكفاحها ~~الصناعي، ومشاكلها الخاصة على نحو ما حدث في الأدب الروماني سواء بسواء. # وهكذا أرجو أن يفيد عملي المتواضع في ترجمة وتقديم هذه المختارات إلى قراء ~~العربية فائدة تجمع بين المتعة الفنية الخالصة وإبراز أوجه الشبه والالتقاء ~~والتقارب بين كفاح الشعوب النامية وبحثها عن ذاتها. # محمد مندور # | كونستانتين نجروزو (1801-1864) # ينتمي كونستانتين نجروزو إلى أسرة متواضعة من نبلاء ملدافيا، وهو أحد جماعة كتاب ~~مجلة «داسيا الأدبية» التي كان يديرها «ميخائيل كجالنيشاينو»، والتي كانت تهدف قبيل ~~ثورة سنة 1848 إلى الكفاح في سبيل أدب قومي أصيل، وهو كاتب موهوب تميز في بدء ~~حياته الأدبية بالطابع الرومانسي، ولكنه لم يلبث أن تكشف في «أسود فوق أبيض» و«خطايا ~~الشبابا» عن كاتب واقعي عامر بالسخرية قادر على أن يصور شخصيات ومواقف أصيلة من حياة ~~ملدافيا في أواسط القرن الماضي، وهو خالق القصة التاريخية، وتعتبر قصة «إسكندر ~~لابوشنيانو» أروع ما كتب في هذا الفن، كما أنه خلف قصيدة ملحمية إضافية بطلها ~~الرئيسي هو إتيين الكبير الذي حكم ملدافيا في القرن الخامس عشر، وقد كان مترجما ~~متحمسا عرف الجمهور الروماني بمؤلفات موليير وفلتير وفيكتور هيجو وا. كانتمير ~~وبوتشكين وغيرهم. # | إسكندر لابوشنيانو1 (1514-1569) # (1) وإذا كنتم لا تريدونني فإنني أريدكم # كان يعقوب الهرقلي # 2 # قد مات مقتولا بأسلحة ستيفان ms006 تومسا # 3 # الذي كان يحكم البلاد، عندما استطاع إسكندر لابوشنيانو - الذي كانت ~~جيوش يعقوب قد هزمته مرتين وفر لاجئا إلى القسطنطينية - أن يحصل على ~~تعضيد الجيوش التركية، وأن يعود ليسترد الحكم من تومسا المغتصب، ويسترجع العرش ~~الذي ما كان ليفقده قط لولا خيانة النبلاء، وقد دخل ملدافيا على رأس سبعة آلاف ~~فارس، وثلاثة آلاف من الجنود المرتزقة ومزودا بفرمان بأمر خان التتار بأن يمد ~~له يد العون كلما احتاج إليها. # وها هو الآن يعدو فوق خيله، وإلى جواره وزيره روكدان، وقد امتطى كل منهما جوادا ~~عربيا، وتدجج بالسلاح من الرأس إلى القدم، وقال إسكندر بعد لحظة صمت: «ما رأيك ~~يا روكدان؟ هل سننتصر؟» # وأجاب الوزير: «لا شك في ذلك يا سيدي، فالبلاد تئن تحت نير تومسا، وسيعطيك ~~الجيش كله لمجرد أن نعده بزيادة المرتبات، وأما عن النبلاء الذين لا يزالون ~~أحياء، فإن خوف الموت هو وحده الذي يمسكهم، ولكنهم عندما يرون قوات عظمتك ~~سينضمون إلينا ويتخلون عنه.» ~~- إني لأسأل الله ألا أضطر إلى أن أفعل ما فعله الحاكم ميركيا # 4 # في الفلاكيين، ولكني أكرر ما قلته لك أكثر من مرة من أني أعرف ~~هؤلاء النبلاء بحكم حياتي بينهم. ~~- إن الأمر لعظمتك تقضي فيه بحكمتك السامية، وظلا في مثل هذا الحديث حتى وصلا ~~إلى قرية تيكوشي بين بوخارست ومدينة إياسي، ووقفا عند حافة غابة لكي. # واقترب أحد السواس ليقول: يا سيدي، لقد وصل بعض النبلاء وهم يطلبون الإذن بالمثول ~~أمام عظمتك. # وأجاب إسكندر: فليأتوا. # وفورا دخل إلى خيمة إسكندر أربعة من النبلاء محاطين بأتباعه وضباطه، وكان اثنان ~~منهما أكبر سنا واثنان أصغر، والأكبر هما موتزوك وزير الداخلية، وفيفر تزا كبير ~~الياوران، وأما الأصغر فهما القائدان المساعدان سبانكوك وستروبكي. # واقتربوا من الأمير إسكندر، ثم انحنوا حتى الأرض، ولكنهم لم يقبلوا - كما جرت ~~العادة - ذيول قفطانه. # فأجابوا: لك السعادة والرخاء يا صاحب العظمة، واستطرد إسكندر يقول: لقد علمت ~~بالرزايا التي حلت بالبلاط، وقد جئت لإنقاذها، وأنا أعلم أن الناس ينتظرونني في ~~غبطة. # وأجاب ms007 موتزوك قائلا: فلتسمح عظمتك بأن أقول أن كل شيء هادئ عندنا، ~~ولربما يكونوا قد قصوا عليك أشياء لا وجود لها ، فلدى قومنا عادة سيئة هي ~~تفخيم الأشياء تفخيما مسرفا، ولقد كلفنا بأن نخبرك أن الشعب لا يريدك ولا ~~يحبك، وأن عظمتك تحسن صنعا لو عدت إلى ... # وأجاب لابوشنيانو - وعيناه تقدحان الشرر: «إذا كنتم لا تريدونني ولا تحبونني، ~~فإنني أنا أحبكم، وسأستمر في طريقي، وافقتم أم لم توافقوا، وأما أن أترك أنا ~~البلاد، فأهون منه أن يرتد الدانوب صاعدا إلى منبعه! آه! البلاد لا تريدني، بل ~~أنتم الذين لا تريدوني إذا صح فهمي!» # فقال سبانكيوك: «إن رأس الرسول لا يمكن أن تقطع، وإن من واجبنا أن نخبرك ~~بالحقيقة، فالنبلاء مصممون على الهجرة إلى المجر وبولندا وفلاشيا، حيث لهم أقارب ~~وأصدقاء، وسيعودون مع جيوش أجنبية؛ فتنزل المحنة بشعبنا عندما يصطدم البعض بالبعض، ~~ولربما قاسيت أنت نفسك يا صاحب العظمة من هذه المحنة؛ وذلك لأن الأمير ستيفان ~~تومسا ...» # فقاطعه قائلا: «تومسا! هل هو الذي علمك أن تتكلم بهذه الجرأة؟ لست أدري لماذا ~~لا أسحق فكيك؟!» # ثم أضاف - وهو ممسك بالمدقة النحاسية التي كانت في قبضة بوجدان: «إن هذا الملعون ~~تومسا هو الذي علمك ...؟» # فقال فيفيرتزا: «لا يمكن أن يكون ملعونا ذلك الذي استحق أن يسمى «مسحة ~~الرب».» ~~- «ولكن ألست أنا أيضا «مسحة الرب»؟ أولم تقسموا لي أنا - أيضا - بالولاء ~~عندما لم أكن غير نبيل يافع؟ وأنت يا بترو، أولم تكن أنت الذي اختارني؟ وكيف ~~كان حكمي؟ أي دم أرقته؟ ومن الذي خرج من عندي دون أن ينال حقه بالعدل ~~والقول الطيب؟ ومع ذلك لا تريدونني الآن ولا تحبونني! ها ها ها!» وأخذ يضحك، والضحك ~~يلوي عضلاته وعيناه تختلجان بلا توقف. # وقال سترويكي: «فلتسمح يا صاحب العظمة بأن أقول لك: إن أرضنا ستطأها من جديد ~~أقدام عصابات البرابرة، وعندما تنهب أسراب الأتراك بلادنا وتدمرها، فما الذي ~~سيتبقى لتتولى عليه الملك يا صاحب العظمة؟» # وأضاف سبانكيوك: «ثم ما الذي ستستطيع أن تشبع به نهم هؤلاء ms008 الوثنيين الذين ~~اصطحبتهم معك يا سيدي؟» ~~- بأموالكم لا بأموال الفلاحين الذين تنهبونهم، فأنتم تعتصرون الشعب، وقد حان ~~الوقت لكي تعتصروا بدوركم! كفى! ارحلوا أيها النبلاء، اذهبوا لتنصحوا من ~~أرسلكم بأن يتنحى عن طريقي إذا كان لا يريد أن أصنع من عظامه أبواقا ~~ومن جلده طبولا! # وانصرف النبلاء محزونين فيما عدا موتزوك الذي بقي، فسأله الأمير: «لماذا بقيت؟» ~~فأجاب موتزوك - وقد جثا على ركبتيه: «مولاي، لا تعاقبنا على قدر أوزارنا، ~~ولتذكر أنك نشأت من هذه الأرض، ولتتذكر قول الكتاب المقدس لتغفر لنا أخطاءنا، ~~ولتجنب هذه البلاد التعسة الدماء، اصرف يا مولاي هذه العصابات الوثنية، ولا ~~تحتفظ إلا بالمولدافيين الملتفين حولك يا صاحب العظمة، ونحن مسئولون عن ألا يمس ~~أحد شعرة من رأسك، وإذا احتجت إلى جيوش فسوف نحمل السلاح جميعا رجالا ونساء ~~وأطفالا، وسوف نثير البلاد من أجلك، ونسوق أتباعنا وعبيدنا، ألا فلتمنحني ~~ثقتك!» # فقال لابوشنيانو الذي أدرك قصده: «أمنحك ثقتي؟ لعلك تظن أني لا أعرف المثل ~~المولدافي القائل: قد يغير الذئب من وبره، ولكنه لا يغير من ~~طبعه؟ ولعلك تظن أنني لا أعرفكم، ولا أعرفك أنت أكثر من الآخرين، وأنني ~~لا أعلم كيف تخليت عني عند الهزيمة وأنت قائد جيوشي؟ حقا، لقد كان فيفيرتزا ~~عدوا لي دائما، لكن وفي صراحة، وسبنسيوك لا يزال شابا، وقلبه عامر بحب وطنه، ~~وأنا أحب أن أرى جرأته التي لا يحاول أن يخفيها، وستويكي طفل لم يعرف بعد الناس ~~والملق والكذب، كما لا يعرف أن كل ما يلمع ليس ذهبا، وأما أنت يا موتزوك، أنت ~~الذي شاب في العداوة، وتعود تملق جميع الأمراء، وخان المستبد كما خانني ~~وكما ستخون تومسا، قل لي، أوما أكون بالغ الحمق إذا عدت فمنحتك ثقتي؟ ~~ومع ذلك، فإنني أغفر لك محاولتك خديعتي، وأعدك بأنني لن أدنس سيفي بدمك، ~~وسأجنبك الهلاك؛ لأنني في حاجة إليك لكي تعينني على تحمل عداوة الشعب، فلا ~~تزال هناك زنانبير ولا بد من تنظيف الخلية!» # وقبل موتزوك يده كالكلب الذي يلعق يد من يضربه بدلا من ms009 أن يعضها، فقد كان ~~مغتبطا بالوعد الذي حصل عليه، وكان يعلم أن الأمير إسكندر سيكون في حاجة إلى ~~رجل مغامرات مثله، وكان تومسا قد أمر رسله بأن يعودوا إذا لم يستطيعوا ~~إقناع لابوشنيانو، وأن يتجهوا إلى القسطنطية لكي يحاولوا حملها على التخلي عنه ~~بتقديم الضراعات والهدايا، ولكنهم عندما رأوا أنه يتمتع برضا الباب العالي، ~~وتوجسوا خيفة من العودة إلى تومسا خاوي الوفاض، فقد طلبوا من الأمير إسكندر ~~الإذن لهم بالبقاء ومصاحبته، وتلك كانت خطة موتزوك باسترضاء لابوشنيانو، وحصلوا ~~فعلا على ذلك الإذن. ~~(2) سيكون عليك تقديم الحساب يا سيدتي # أحس تومسا بعجزه عن مقاومة لابوشنيانو، ففر إلى فلاشيا، ولم يعترض أي عائق ~~طريق لابوشنيانو، ففي كل مكان استقبله الشعب بفرحة وثقة متذكرا فترة حكمه ~~الأولى التي كانت أقصر من أن تكشف عن خلقه البغيض. # ولكن النبلاء كانوا يرتعدون، وكان لديهم سببان قويان للقلق، فهم يعلمون أن ~~الشعب يبغضهم، وأن الأمير لا يحبهم. # وبمجرد أن وصل لابوشنيانو أمر بحمل كميات كبيرة من الخشب إلى جميع قلاع ~~مولدافيا - ما عدا قلعة هوتان التي تقع على الحدود بين يسارابيا وأوكرانيا - ثم ~~أمر بإشعال النار فيها لتدمير مأوى أولئك الساخطين الذين طالما احتموا خلف هذه ~~الجدران؛ لكي يدبروا المؤامرات ويثيروا الفتن؛ ولكي يحطم نفوذ النبلاء ويهدم ~~أركان الإقطاع، انتحل كافة الأعذار لكي ينتزع منهم أملاكهم، وبذلك يحرمهم من ~~الوسيلة الوحيدة التي بقيت بين أيديهم لإخضاع الشعب وإفساده. # ولما كان يرى أن هذه الإجراءات لا تكفي، فقد أخذ يقتل - من وقت إلى ~~آخر - بعض النبلاء لأهون خطأ يرتكبونه في الوظائف العامة، أو لأصغر مطلب يتقدمون ~~به، كانت الرءوس تتدلى معلقة على باب القصر مع بطاقة تدون عليها الجريمة ~~الحقيقية أو الوهمية التي ارتكبها كل منهم، وما تكاد رأس تتعفن حتى تحل ~~محلها رأس أخرى. # ولم يجرؤ أحد أن يغتابه، فضلا عن أن يتآمر ضده؛ وذلك لأنه كون لنفسه حرسا ~~من المرتزقة الألبانيين والصربيين والمجريين، والمطاردين بسبب جرائمهم، الذين وجدوا ~~ملجأ عنده، وبفضل سخائه عليهم التفوا حوله، ms010 وأما الفرق المولدافية وقوادها ~~من الضباط الذين أخلصوا له، فقد وضعهم في الاحتياطي، كما سرح معظم الجند، ولم ~~يستبق منهم إلا العدد القليل. # وذات يوم تحدث طويلا مع موتزوك الذي كان قد استرد حظوته لديه، والذي خرج من ~~القصر بعد أن عرض عليه خطة لجباية ضرائب جديدة، ثم أخذ لابوشنيانو يتمشى ~~في صالة القصر، وقد لاح أنه مضطرب يحدث نفسه، ويدبر - فيما يبدو - مذبحة ~~جديدة وجريمة جديدة، وإذا بالباب السري يفتح وتدخل الأميرة روكساندرا. # ويقول الراوي: إنه عندما مات أبوها الأمير الطيب بترولاريس # 5 # الذي بكاه الشعب كله، ودفن في دير بروباتا المقدس الذي كان قد بناه، ~~بقيت هذه الأميرة وهي في غضاضة العمر تحت وصاية أخويها الكبيرين إلياس وستيفان، ~~وخلف إلياس أباه على العرش، ولكنه بعد حكم قصير قضاه في الدعارة اتجه إلى ~~القسطنطينية، حيث اعتنق الدين الإسلامي وخلفه ستيفان على العرش، وكان أسوأ من ~~أخيه، فأرغم الأجانب وجميع الكاثوليك على التخلي عن دينهم، وكثير من الأسر ~~الغنية التي كانت مستقرة في البلاد أخذت طريقها إلى المنفى؛ مما أصاب الزراعة ~~والتجارة بأضرار فادحة. # وأما النبلاء الذين كان معظمهم ذوي قربى للبولنديين والمجريين، فقد اتفقوا مع ~~المنفيين على القسم على موت ستيفان، ولقد كان من الممكن أن يتريثوا في تنفيذ ~~خطتهم لولا أن حياة الأمير المنحلة حملتهم على التصميم على العمل بأسرع ~~ما يمكن، فالراوي يقول في سذاجة: «إن أية سيدة نبيلة لم تكن تستطيع أن تنجو من ~~نهبه لها ما دامت جميلة.» # وذات يوم بينما كان الأمير بناحية تيتورا في مقاطعة إسي القديمة، ينتظر النبلاء ~~الذين كانوا في صحبته عودة أقاربهم المنفيين، وخافوا أن يفلت من أيديهم، فقطعوا ~~حبال خيمته، وانقضوا عليه وقتلوه. # ومن أسرة بترولاريس، لم يبق الآن غير روكساندرا، وكان النبلاء قتلة أخيها ~~قد قرروا تزويجها ممن يدعى «يولد» الذي رشحوه لتولي العرش، ولكن لابوشنيانو ~~الذي اختاره النبلاء المنفيون تصدى «ليولد»، وبعد أن هزمه وسجنه قطع أنفه ~~واحتجزه في أحد الأروقة، ولكي يكسب قلب الشعب الذي كان ms011 لا يزال يذكر حكم لاريس ~~الطيب، تزوج من ابنة هذا الأمير. # وهكذا أصبحت روسكاندرا الرهينة من نصيب المنتصر، ودخلت إلى الصالة وفي ملابسها ~~من الأبهة ما يليق بزوجة وابنة وأخت أمير. # كانت ترتدي ثوبا مذهبا، وفوقه صدار من المخمل الأزرق مبطن بالفراء، أكمامه ~~الواسعة تتدلى إلى الخلف، وحول خصرها حزام مذهب ذو حلقات زمردية مطعمة ~~بالحجارة الكريمة، وحول عنقها عدة صفوف من اللؤلؤ الدقيق، وكانت بطانة الفرو التي ~~تميل قليلا على كتفها تزينها ريشة من الزمرد، وقد ثبتت إلى جوارها زهرة الزبرجد، ~~ووفقا لموضة العصر كان شعرها المرسل يتهدل على ظهرها وكتفيها. # وكان في وجهها ذلك الجمال الذي اشتهرت به نساء رومانيا، وإن يكن اختلاط الأجناس قد ~~انحط به، وكانت حزينة كالزهرة التي تتعرض للشمس دون ظل يحميها، فهي قد رأت ~~أقاربها يموتون، ورأت أحد أخويها يتخلى عن دينه، كما رأت الآخر يقتله ~~أعداؤه. # وقد كان من المقرر أول الأمر أن تتزوج من «يولد» الذي لم تكن تعرفه مجرد ~~معرفة، ولكن الشعب تصرف في قلبها دون استشارتها، واضطرها أن تصبح زوجة للأمير ~~إسكندر الذي أطاعته وكأنه مولاها وسيدها، وودت أن لو أحبته، ولكنها لم تجد ~~عنده أقل قدر من الحساسية. # اقتربت وانحنت وقبلت يده، فطوقها لابوشنيانو من خصرها، ورفعها كالريشة، ~~ثم أجلسها على ركبتيه، ثم طبع على جبهتها قبلة، وهو يقول: ما الأمر يا أميرتي ~~الحسناء؟ وما الذي جعلك تتركين مغزلك مع أن اليوم ليس يوم عيد؟! ومن الذي ~~أيقظك مبكرا هذا الصباح؟ ~~- إنهن الأرامل اللائي بللن بدموعهن عتبة بابي، وهن يصحن طالبات ~~الانتقام من الرب، ومن العذراء المقدسة لكل ما تريق من دماء. # فأربد وجه لابوشنيانو، وأرخى ذراعه عن خصرها، وخرت روكساندرا عند قدميه وهي ~~تقول: آه يا سيدي وزوجي الشجاع! كفى إراقة دم وكفى أرامل وأيتاما، فأنت يا صاحب ~~العظمة بالغ القوة، ولا يمكن أن ينال منك شيئا هذا النفر من النبلاء المساكين، ~~وما الذي ينقصك يا مولاي؟ وأنت لست في حرب، والشعب هادئ وخاضع، وأما أنا فالله ms012 ~~يعلم كم أحبك، وأطفالك صغار وحسان، وأذكر أننا جميعا مقضي علينا بالموت، وأنت ~~نفسك يا صاحب العظمة فان وسوف تقدم حسابا ، ولا يمكن أن يكفر بناء الأديرة عن ~~إراقة الدماء، كما أن محاولة تهدئة الله ببناء الكنائس يعتبر تحديا له. # فصاح بها لابوشنيانو قائلا: اخرسي أيتها المرأة الحمقاء. # ثم نهض فجأة واضعا يده - كما جرت العادة - على الخنجر المعلق في حزامه، ~~ولكنه عاد بسرعة إلى السيطرة على نفسه، وانحنى لينهض روكسندرا وهو يقول لها: يا سيدتي، لا تتركي مثل هذه الأقوال الحمقاء تخرج من فمك، وأنا في الواقع لا أدري ماذا ~~يمكن أن يحدث، توجهي بالشكر إلى القديس ديمتري الشهيد العظيم الذي يوزع الزيت ~~المقدس، ويحمي الكنيسة التي بنيناها في بانجاراتزي، إذ منعني من ارتكاب خطيئة ~~عندما ذكرني أنك أم أطفالي. ~~- لن أسكت ولو لقيت حتفي، فبالأمس وأنا داخلة إلى القصر ألقت امرأة ~~وأطفالها الخمسة بأنفسهم أمام عربتي لكي يوقفوني ويطلعوني على رأس مثبتة ~~بالمسامير على الباب. # وقالت المرأة: «إنك ستحاسبين يا سيدتي على تركك زوجك يذبح أبناءنا ~~وأزواجنا وإخوتنا، انظري يا سيدتي ... ها هو زوجي أبو هؤلاء الأطفال الخمسة الذين ~~أصبحوا يتامى ... انظري جيدا.» وأرتني الرأس الملطخة بالدماء ... ونظرت إلى تلك ~~الرأس نظرة مروعة! آه يا سيدي ... منذ تلك اللحظة وأنا أرى تلك الرأس وأرتعد، ولم ~~أعد أعرف طعم الراحة. # وقال لابوشنيانو - وهو يبتسم: وماذا تريدين؟ # أريد أن توقف سفك الدماء وأن توقف المذابح، ولا أريد أن أرى رأسا مقطوعة؛ وذلك ~~لأن قلبي يتمزق. # وأجاب الأمير إسكندر: لن تري ابتداء من بعد غد ... وأنا أعدك بذلك، وغدا سأعطيك ~~دواء ضد الخوف. # كيف؟! ماذا تعني؟ # سترين غدا، وأما الآن يا أميرتي المحبوبة فاذهبي لرؤية أطفالك، وللعناية ~~ببيتك كربة بيت طيبة، واعملي على إعداد وليمة؛ لأن النبلاء سيكونون ضيوفي ~~غدا. # وخرجت الأميرة روسكاندرا بعد أن قبلت يده من جديد، وصحبها زوجها حتى ~~الباب. # ودخل قائد الشرطة فأسرع الأمير نحوه، وهو يقول: هيه ... هل أعددتم كل شيء؟ ~~- نعم، أعددنا كل شيء. ~~- ولكن، ms013 هل سيحضرون؟ ~~- نعم، سيحضرون. ~~(3) إن ما نريد هو رأس موتزوك # في اليوم السابق دعي النبلاء إلى الاجتماع في اليوم اللاحق - يوم العيد في ~~الكنيسة العامة - حيث سيحضر الأمير أيضا لسماع القداس، ثم يأتي الجميع إلى القصر ~~لتناول الطعام. # وعندما وصل الأمير كان القداس الكبير قد ابتدأ، وكان جميع النبلاء قد اجتمعوا في ~~الكنيسة. # وخلافا للمعتاد كان لابوشنيانو ذلك اليوم في كامل أبهته الأميرية، فعلى رأسه ~~التاج الكبير، وفوق قميصه البولندي من المخمل الأحمر كان يلبس - وفقا للزي ~~العثماني - معطفا طويلا من الفراء، وأما السلاح فلم يكن يحمل منه غير خنجر ذهبي ~~المقبض، ومن خلال أزرار قميصه كان يلوح درع الزرد. # وبعد أن سمع القداس نزل عن مقعده الأميري لكي يذهب إلى الماء المقدس؛ ليرسم به ~~علامة الصليب أمام الأيقونات، وفي خشوع كبير اقترب من تابوت القديس يوحنا الصغير ~~وأحنى ركبته لكي يقبل المخلفات المقدسة ويقول: إنه كان في تلك اللحظة بالغ ~~الشحوب، وإن مخلفات القديس أوشكت أن ترتعد. # وعندما عاد إلى مقعده التفت نحو النبلاء، وقال: أيها السادة النبلاء، منذ أن ~~ارتقيت العرش وأنا أظهر نحو أغلبكم شدة بالغة، ولقد كنت قاسيا فظيعا ~~فأرقت دما كثيرا، والله يعلم كم ندمت وكم أسفت، ولكنكم تعلمون أن ~~ما اضطرني إلى ذلك إلا الرغبة في إيقاف المنازعات وخيانات أولئك الذين كانوا ~~يدبرون لهلاكي ولخراب البلاد، وأما اليوم فقد تغير الموقف، وعيون الناس قد ~~زالت عنها الغشاوة، فأدركوا أنه لا يمكن أن يكون هناك قطيع بلا راع، وكما قال ~~المسيح: «سأضرب الراعي فتتبدد النعاج»، أيها السادة النبلاء، فلنعش من الآن ~~في سلام، وليحب بعضنا البعض كإخوة وفقا لإحدى الوصايا العشر التي تقول: ~~«أحب أخاك الإنسان كما تحب نفسك»، وليصفح أحدنا عن الآخر ما دمنا جميعا ~~فانين، ولنصل لمخلصنا يسوع المسيح - وهنا رسم علامة الصليب - لكي يغفر لنا ~~خطايانا، كما يغفر بعضنا لبعض خطاياه. # وبعد هذه الخطبة العجيبة تقدم إلى وسط الكنيسة، ورسم علامة الصليب من جديد، ثم ~~التفت نحو الجميع، ونظر أمامه أولا ثم ms014 عن يمينه وعن يساره، وقال: اغفروا لي ~~أيها القوم، وأنتم أيضا أيها السادة النبلاء. ~~«ليغفر لك الله يا صاحب العظمة»، هكذا قال الجميع، ما عدا شابين من النبلاء ~~ظلا صامتين مستغرقين في التفكير، وهما مرتكنين إلى قبر بالقرب من باب ~~الكنيسة، ولكن أحدا لم يلاحظهما. # وخرج لابوشنيانو من الكنيسة، وهو يدعو النبلاء إلى الوليمة التي أعدها لهم، ثم ~~امتطى حصانه واتجه نحو القصر وانفض الجميع. # وقال أحد النبيلين اللذين لم يمنحا الغفران للأمير إسكندر: ما رأيك؟ # وأجاب الآخر: رأيي ألا نذهب إلى هناك. # ثم اختفى الاثنان في الجمع، وكان سبانيوك وسنرويكي. # كانت استعدادات ضخمة قد اتخذت في القصر لهذه الوليمة، وكان قد ذاع أن الأمير ~~قد تصالح مع النبلاء، وكان النبلاء قد تلقوا في غبطة هذا الحدث؛ لأنه ~~سيمكنهم من الحصول على مناصب جديدة، ومن جمع ثروات جديدة بنهب الفلاحين، ~~وأما الشعب فلم يكترث لهذه المصالحة، فهو لم يكن يأمل منها نفعا ولا ضررا ... ~~وكان الشعب يقبل إسكندر حاكما، بينما كان يزمجر ضد موتزوك، ذلك الوزير الذي لم ~~يكن يستخدم نفوذه عند الأمير إلا في اضطهاد، كلما رفع التظلمات التي يشكو منها من ~~نهب موتزوك، وكان لابوشنيانو لا يرد عليها، أو لا يلقي إليها بالا. # وباقتراب موعد الوليمة أخذ النبلاء يصلون كل على جواده، مصحوبا باثنين أو ~~ثلاثة من الخدم، ولاحظوا أن صحن القصر كان مليئا بالجنود المرتزقة المسلحين، ~~وأن أربعة مدافع كانت مصوبة نحو المدخل، ولكنهم ظنوا أنها وضعت هناك ~~لإطلاقها - كما جرت العادة - احتفالا بتلك المناسبة المبهجة، وإذا كان البعض قد ~~خشي أن تكون هناك مكيدة، فإنهم بعد دخولهم لم يستطيعوا الارتداد؛ وذلك لأن ~~الأبواب كانت محروسة، وكان الحراس قد تلقوا الأوامر بألا يسمحوا لأحد ~~بالخروج. # وما إن تجمع النبلاء - وعددهم سبعة وأربعون نبيلا - حتى جلس لابوشنيانو على رأس ~~المائدة، وعن يمينه بتروتوزان رئيس الديوان، وعن يساره الوزير مع موتوزك ونفخ في ~~البوق؛ فأخذت أطباق الطعام تصل. # وفي ذلك الوقت لم يكن ذوق الطعام مرفها في ملدافيا، فحتى ms015 في أكبر الولائم، ~~كانوا يقتصرون على قليل من الألوان، فكان هناك الحساء البولوني، ثم أطباق ~~يونانية بالخضر الطافية في الزيت، والأرز التركي، وأخيرا أنواع مختلفة من اللحوم ~~المحمرة، وكانت المفارش والفوط من نسيج رقيق ينسج في البيوت، وكانت الصواني ~~التي يحمل عليها الطعام، والأطباق والكئوس كلها من الفضة، وعلى طول الجدار كانت ~~تصف الدنان الكبيرة المنبعجة، مليئة بنبيذ أودوبستي وكتناري، وخلف كل نبيل وقف ~~خادم يسكب له الشراب، وكان جميع هؤلاء الخدم مسلحين. # وفي صحن القصر إلى جوار بقرتين كبيرتين أو أربعة كباش محمرة كانت هناك ثلاثة ~~براميل نبيذ مفتوحة، وكان الخدم يشربون ويأكلون كما يشرب ويأكل النبلاء، وكانت جميع ~~الرءوس قد أخذت تدب فيها الحميا، وقد أخذ النبيذ يعمل عمله، فالنبلاء يقدحون ~~كئوسهم في جلبة، ويشربون على صحة الأمير، والجند المرتزقة يجاوبونهم بصيحات مرحة ~~وطلقات المدفع تزأر. # واقتربت الوليمة من نهايتها عندما رفع فيفرتسا رأسه، وهو يقول: «إنني أرجو لك ~~حياة طويلة يا سيدي! فلتحكم في سلام في هذه البلاد، وليثبك الله فيك برحمته، نيتك ~~الطيبة في ألا تهلك النبلاء بعد الآن، وألا تظلم الشعب ...» # ولم يتم حديثه إذ ضربه قائد الشرطة بالمدقة على جبهته؛ فخر ميتا. # وصاح قائد الشرطة قائلا: آه! أتسبون الأمير؟ اهجموا عليهم أيها الرجال ... ~~وبسرعة استل الخدم الواقفون خلف النبلاء خناجرهم وأخذوا يضربون، كما دخل الجنود ~~المرتزقة بقيادة ضابطهم، وانقضوا على النبلاء بالحراب، وذلك بينما سحب لابوشنيانو ~~الوزير موتزوك من يده نحو النافذة المفتوحة، وأخذ يتأمل المذبحة التي ابتدأت وهو ~~يضحك، بينما موتزوك تصطك أسنانه وشعر رأسه يقف، وهو يحاول الضحك أيضا ~~إرضاء لسيده، وكان هذا المشهد الدامي في الواقع منظرا بشعا، ولنتصور صالة ~~طولها خمسة عشر قدما وعرضها اثنا عشر، وبها حوالي المائة من القتلة المصممين على ~~القتل - أي جلادين - ومن المحكوم عليهم بالإعدام، فريق يدافع بجنون اليأس، وفريق ~~بسورة الحميا، ولكن النبلاء الذين لم يتوقعوا مثل هذا الغدر، والذين حضروا ~~مجردين من السلاح، لم يستطيعوا الصمود في الدفاع، فأخذوا يتساقطون من الضربات ~~الجبانة ms016 التي تلقوها من الخلف، وكان الشيوخ منهم يموتون وهم يرسمون الصليب، ~~بينما دافع عدد من الشبان عن أنفسهم - في جنون - مستخدمين في ذلك كل ما وصلت ~~إليهم أيديهم من كراسي وأطباق ومعالق، كما أن البعض كان يطبق على رقبة قاتله رغم ~~ما به من جروح ويكاد يخنقه، ومن كان ينجح منهم في انتزاع حربة، كان يقتضي ثمنا ~~باهظا لحياته. # وقتل عدد من الجنود المرتزقة، ولكن أحدا من النبلاء لم يفلت من القتل عند ~~نهاية المذبحة، فالسبعة وأربعون جثة كانت ممددة على الأرض، وفي تلك المعركة ~~انقلبت المائدة وتحطمت الدنان، واختلط النبيذ بالدم مكونا بركة فوق ~~البلاط. # وبينما كانت المذبحة دائرة في أعلى، كان القتل يدور أيضا في صحن القصر، وعندما ~~رأى خدم النبلاء أنفسهم وهم يهاجمون غدرا أخذوا يهربون، ومن استطاع منهم الهرب ~~بتسلق الجدران جرى ليستنفر بيوت النبلاء، ويدعو إلى العون الخدم الآخرين، وبذلك ~~أثاروا الشعب، وراحت المدينة كلها تجري نحو أبواب القصر، وتهاجمها بضربات ~~البلط. # وكان الخمار قد أثقل الجند، فلم يقاوموا إلا مقاومة ضعيفة، بينما أخذت الجموع ~~تزداد حمية. # وعلم لابوشنيانو بهياج الشعب؛ فأرسل قائد الشرطة لكي يسأل الشعب عما يريد وعما ~~يطلب. # وقال الأمير - وهو يلتفت نحو وزيره: والآن يا موتزوك، أوما تراني على حق في ~~التخلص من كل هؤلاء الأشرار، وفي تخليص البلاد من مثل هذا الطاعون؟ # وأجاب هذا التابع الحقير بقوله: «إن ما فعلته يا سيدي في منتهى الحكمة، ومنذ ~~زمن طويل كنت أفكر في أن أنصح به يا صاحب العظمة، ولكن حكمتك سبقت نيتي، ~~ولقد أحسنت صنعا بقتلهم؛ وذلك لأن ... لأن ... بدون ذلك ...» # وقاطع لابوشنيانو موتزوك الذي أخذ يتلعثم قائلا: ولكني ألاحظ ... ثم أضاف: ~~بودي أن آمر بإطلاق المدافع على هؤلاء الرعاع. ~~- فليكن ... ولتطلق المدافع عليهم، وأي بأس في قتل عدد من هؤلاء الأجلاف، إذا ~~كان كل هؤلاء النبلاء أنفسهم قد هلكوا ... نعم فليقتلوا جميعا. # وأجاب لابوشنيانو - باشمئزاز: لقد كنت أتوقع هذه الإجابة، لكن لنسأل أولا عما ~~يريدون؟ # وفي تلك الأثناء كان مدير ms017 الشرطة يطل من أعلى الأسوار على الجمهور؛ ليصيح به ~~قائلا: «أيها الناس، إن صاحب العظمة الحاكم يريد أن يعرف ماذا تريدون ؟ وماذا ~~تطلبون؟ ولماذا ثرتم؟» # وظل الناس فاغري الأفواه، فهم لم يتوقعوا مثل هذا السؤال. # وكانوا قد حضروا دون أن يعرفوا لماذا، كما أنهم لم يكونوا يعرفون ماذا يريدون، ~~ثم أخذوا يكونون جماعات صغيرة، ويسأل بعضهم بعضا عما يجب أن يطلبوه، وأخيرا ~~أخذوا يصيحون: «فلتخفض الضرائب! ولتوقف إجراءات ملاحقتنا من أجل الديون! ليوقف ~~نهبنا ... إننا في بؤس، ولم يعد لدينا مال! ... لقد سلبنا موتزوك كل شيء، ~~موتزوك موتزوك هو الذي سلخنا ونهبنا! إنه مستشار الحاكم! ألا فليقتل! ... موتزوك ~~يجب أن يموت! إن رأس موتزوك هي التي نريد!» # ولاقت هذه العبارة الأخيرة صدى في كل القلوب، فأصبحت كالشرارة التي تشعل نارا ~~عاتية، فتجمعت جميع الأصوات لتكون صيحة واحدة هي: «إن رأس موتزوك هي التي ~~نريد.» # وعندما رأي لابوشنيانو قائد الشرطة داخلا سأله: «ما الذي يريدون؟!» # فأجابه قائلا: «رأس الوزير موتزوك.» # وانتفض هذا الأخير كمن لدغته أفعى قائلا: ماذا؟ ... ماذا تقول؟ لا بد أنك أسأت ~~السمع يا صديقي ... لعلك تمزح، ولكن الوقت ليس وقت مزاح ... ما معنى هذه الكلمات؟ ~~ولماذا يريدون رأسي؟ ... إنك أصم لم تحسن السمع. # وقال الحاكم: «بل نعم ... استمع أنت فصيحتهم تصل إلى هنا.» # وبالفعل، كان الجند قد أوقفوا المقاومة، وكان الشعب قد أخذ يتسلق الجدران، وهو ~~يصيح بملء حنجرته: «فليسلم إلينا موتزوك! إن رأس موتزوك هي التي نريد!» # وصاح هذا المجرم قائلا: «آه ... يا لتعاستي ... أيتها العذراء النقية، لا تتركيني ~~أهلك! ماذا فعلت في هؤلاء الناس يا أم الإله أنقذيني ... وأقسم أن أبني ~~كنيسة وأن أصوم بقية أيامي وأن أطلي بالفضة عرشك المقدس القائم في دير ~~نيامتزو ... أيها الأمير البالغ الرحمة، لا تصغ إلى هؤلاء الفلاحين الأجلاف! ~~أصدر أوامرك بضربهم بالمدافع وليهلكوا جميعا، فأنا نبيل كبير، وما هم إلا ~~فلاحين أجلاف.» # وأجاب لابوشنيانو - في برود: «فلاحون نعم! ولكنهم كثيرون، أليست خسارة أن ~~نقتلهم جميعا من أجل فرد واحد؟! ms018 إني أحتكم إليك ... اقبل الموت من أجل ~~هذا البلد الذي كما كنت تقول لي من قبل لا يريدوني ولا يحبني! وإني لسعيد إذ ~~أرى الشعب يكافئك عن الخدمات التي قدمتها إلي، أنت الذي باع جيشي في أنطون ~~زكلي، ثم تخلى عني لينضم إلى تومسا.» # وصاح موتزوك - وهو يشد لحيته بعد أن أيقن من كلمات الطاغية أنه لا أمل في ~~النجاة: «يا لتعاستي! ... دعني على الأقل أعود إلى بيتي لأرتب شئونه! ارحم زوجتي ~~وأطفالي! دعني أؤدي شعائر الاعتراف في الكنيسة!» ثم أخذ يبكي ويصيح ~~وينتحب. # فصاح به لابوشنيانو قائلا: «كفى! لا تنتحب كالمرأة! كن شجاعا كروماني أصيل! ~~وما جدوى الاعتراف؟! وماذا يمكن أن تقول للقس؟ هل تقول إنك لص وخائن وملدافيا ~~تعلم ذلك؟! هيا خذوه وسلموه للشعب، وقولوا له: هكذا يجازي الأمير إسكندر كل ~~من ينهبون البلاد.» # وفورا قبض عليه قائد الشرطة وضابط الجنود المرتزقة، وأخذا يجرانه وهو يعوي ~~بكل قواه ويحاول أن يقاوم، ولكن ماذا تستطيع يدا عجوز إزاء أربع أيد قوية! ~~وحاول أن يستخدم ساقيه كمتراسين، ولكنه أخذ يصطدم بجثث النبلاء الآخرين، ~~وينزلق فوق الدماء التي كانت قد تجمدت على البلاط، وأخيرا خارت قواه وسحبه أعوان ~~الطاغية خارج القصر، وهو أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، وألقوا به إلى ~~الجموع. # ووقع هذا النبيل التعس في أيدي ذلك التنين الذي مزقه إربا في أقل من ~~لحظة. # وقال رسل الطاغية: «هكذا يعاقب الأمير إسكندر من ينهبون هذا البلد.» # ورد الجمهور قائلا: «فليحي صاحب العظمة الحاكم!» واكتفى بهذه الضحية ~~وانصرف. # وبينما كان موتزوك التعس يهلك على هذا النحو، كان لابوشنيانو قد أصدر الأوامر برفع ~~أدوات المائدة ومفارشها، ثم قطع رءوس جميع النبلاء المقتولين، وإلقاء جثثهم من ~~النافذة. # ثم أخذ الرءوس وصففها على مهل وسط المائدة واضعا في الصفوف السفلية رءوس ~~النبلاء الأقل شأنا، وفي الصفوف العلوية رءوس الأكثر شأنا وفقا لأنسابهم ~~وألقابهم، حتى اكتمل أمامه هرم من سبع وأربعين رأسا، وعلى قمته رأس بيرهم حامل ~~الأختام. # وبعد أن غسل يديه اتجه نحو ms019 باب سري، ودفع المزلاج والقضيب الخشبي الذي كان ~~يغلقه، ثم دخل إلى مقصورة الأميرة. # ومنذ بدء هذه المأساة كانت الأميرة روكسندرا لا تعرف شيئا عما يجري، ولكنها ~~مع ذلك كانت تشعر بالقلق، ولم يكن باستطاعتها أن تعلم سبب الضجة التي سمعتها؛ ~~لأن النساء - كما كانت العادة عندئذ - لم يكن يخرجن من مقاصيرهن، كما أن ~~الخادمات لم يجرؤن على المخاطرة بأنفسهن وسط جيش لا يعرف أي نظام، ومع ذلك فإن ~~واحدة منهن أكثر جرأة كانت قد خرجت، وعندما سمعت عن حركة تمرد ضد ~~الحاكم جاءت لتخطر سيدتها. # وكانت الأميرة الطيبة ترتعد خوفا من غضب الشعب، وعندما دخل عليها إسكندر، وجدها ~~تصلي أمام الأيقونة ومن حولها أطفالها. # وصاحت قائلة: «آه ... هأنت ذا ... شكرا لله! لقد كنت في خوف شديد.» ~~- لقد أعددت لك ما يشفيك من خوفك على نحو ما وعدتك، تعالي معي يا ~~سيدتي! # ولكن ماذا كانت تلك الصيحات، وذلك العواء الذي كنت أسمعه؟ ~~- لا شيء! ... إن الخدم كانوا يتشاجرون، ولكنهم هدءوا الآن. # ثم أخذ روكسندرا من يدها وقادها نحو الصالة ... وعندما رأت ذلك المشهد المخيف صرخت ~~صرخة فظيعة وأغمي عليها، فقال لابوشنيانو وهو يبتسم: «المرأة هي المرأة دائما، ~~فهي تفزع عندما ينبغي عليها أن تبتهج!» # وأخذها بين ذراعيه وحملها إلى مقصورتها، ثم عاد بعد ذلك إلى الصالة، حيث قائد ~~الشرطة وضابط الجنود المرتزقة ينتظرانه. # وقال للضابط: «تول أنت قذف جثث هؤلاء الكلاب من فوق الأسوار، وصفف رءوسهم ~~على الجدران، وأما أنت يا قائد الشرطة، فلتحضر إلي سبانكيوك واسترويكي»، ~~ولكن سبانكيوك واسترويكي كانا الآن بالقرب من نهر دنيستر، وكان أعوان الأمير ~~الذين لاحقوهما قد أدركوهما في نفس الوقت الذي أخذا يعبران فيه النهر، وقد صاح بهم ~~سبانكيوك قائلا: «قولوا لمن أرسلكم: إننا سنلتقي قبل أن نموت.» ~~(4) إذا حدث أن شفيت، فإنني أنا أيضا سأحمل البعض على ارتداء المسوح # منذ ذلك المشهد كانت أربع سنوات قد مرت لم يأمر خلالها الأمير إسكندر بإعدام ~~أحد من النبلاء؛ وذلك وفاء بالوعد الذي كان قد قطعه ms020 للأميرة روكسندرا، ولكنه ~~أخذ يشبع نهمه الطاغي إلى رؤية الناس يتألمون باختراع أنواع مختلفة من ~~التعذيب. # كان يفقأ الأعين ويقطع الأيدي ويشوه كل من يشك بهم، وإن تكن شكوكه على غير ~~أساس؛ لأن أحدا لم يعد يجرؤ أن يهمس ضده. # وبالرغم من كل ذلك لم يكن مطمئنا؛ لأنه لم يستطع أن يضع يده على سبانكيوك ~~وسترويكي اللذين أقاما في كامينتزا «في أوكرانيا» في انتظار وترقب اللحظة ~~المناسبة، وبالرغم من أن إسكندر كان له صهران من الأمراء ذوي النفوذ في البلاط ~~البولوني، فإنه كان يخشى أن يستنفر هذين النبيلين البولنديين اللذين كانا ~~يترقبان أية تعلة لكي يدخلا ملدافيا، ولكن هذين الرومانيين كانا أكثر وطنية ~~من أن يجهلا أن الحرب ودخول جيوش أجنبية معناه نهاية وطنهما. # وكان لابوشنيانو قد دعاهما مرارا إلى العودة مقسما بأغلظ الإيمان أنه لن يسيء ~~إليهما، ولكنهما كانا يعرفان جيدا قيمة هذا القسم، ولكي يحكم لابوشنيانو ~~رقابته عليهما أقام في قلعة هوتان التي قوى استحكاماتها، ولكنه أصيب ~~بالتيفوس ثم استشرى فيه المرض سريعا حتى دنا به من حافة القبر. # وأثناء هذيانه لاح له أنه يرى جميع ضحايا قسوته الفظيعة، وهم يهددونه ~~ويرعبونه، ويدعونه إلى الحساب أمام الله، وعبثا كان ينقلب في فراش ألمه بحثا ~~عن الراحة. # واستدعى مطران المدينة تيوفان والقسس والنبلاء، وقال لهم: إنه قد وصل إلى نهاية ~~حياته، وطلب منهم الغفران في تضرع ثم ابتهل إليهم لكي يرأفوا بابنه روكدان وارث ~~العرش ويساعدوه؛ لأنه غض الإهاب ومحاط بأعداء أقوياء لا يستطيع مقاومتهم، كما لا ~~يستطيع الدفاع عن البلاد بدون اتحاد النبلاء وإخلاصهم وطاعتهم. # ثم أضاف قائلا: «وأما عن نفسي، فقد اعتزمت إذا شفيت أن أنقطع للعبادة في ~~دير سلاتينا، وأن أطلب الغفران حتى تحين نهايتي؛ ولهذا أرجوكم أيها الآباء أن ~~تخففوا عني مواعظكم عندما ترونني أقترب من الموت.» # ولم يستطع أن يقول أكثر من ذلك؛ إذ أخذته التشنجات، وتصلب جسمه في إغماءة ~~شبيهة بالموت، حتى إن مطران المدينة والقسس ظنوه يقترب من نهايته، فخففوا ~~عنه المواعظ ms021 ونادوه باسم «بيس» - وهو صيغة التدليل لبترو - الاسم الذي كان يحمله ~~قبل أن يصبح أميرا. # وبعد ذلك حيوا الأميرة روكسندرا كوصية على العرش حتى يبلغ ابنها القاصر سن ~~الرشد، وأعلنوا روكدان أميرا لموافيا، ثم انطلق الفرسان نحو النبلاء سواء منهم ~~من كان في البلاد ومن كان في المنفى ونحو قواد الجيش. # وعند هبوط الليل وصل سبانكيوك واسترويكي، وما أن وطئت أقدامهما الأرض عند بعض ~~الأصدقاء حتى اتجها مسرعين نحو الحصن الذي كان صامتا ومهجورا وكأنه قبر ~~عملاق، ولم يكن يسمع غير خرير مياه الدنيستر الرتيب وهي تصدم الجدران الرمادية ~~العالية، ثم صيحات جنود الحرس المملة، وهم يلوحون في ضوء الشفق مستندين إلى ~~رماحهم الطويلة، وعندما وصل النبيلان إلى القصر أدهشهما ألا يلتقيا بأحد، ~~وأخيرا دلهما أحد الخدم على حجرة المريض، وعند دخولهما سمعا ضجة كبرى ووقفا ~~يصغيان. # كان لابوشنيانو قد صحا من إغمائه. # وعندما فتح عينيه رأى راهبين واقفين: أحدهما عند وسادته، والآخر عند نهاية الفراش ~~بلا حراك كتمثالين من برونز، وألقى بنظرة على جسمه، فرآه مدثرا في معطف، ومسوح ~~راهب ملقى بالقرب منه، وأراد أن يرفع يده غير أن مسبحة من الصوف عاقته، وظن ~~أنه يحلم وأغلق عينيه، ولكنه عاد ففتحهما ورأى نفس الأشياء: المسبحة والمسوح ~~والرهبان. # وسأله أحد الرهبان عندما رآه لا ينام قائلا: «كيف حالك أيها الأخ بيسي؟» # وذكره هذا الاسم بكل ما حدث، وصعد الدم إلى رأسه، ونهض قليلا وهو يقول: «ما هذه ~~الوحوش ... آه ... إنكم تعبثون بي! اخرجوا من هنا يا حثالة القسس! اخرجوا وإلا قتلتكم ~~جميعا عن بكرة أبيكم.» # ونظر حوله ليتبين ما إذا كان هناك سلاح في متناوله، ولكنه لم يجد إلا المسوح ~~الذي ألفاه في هياج على رأس أحد الرهبان. # وعندما سمعت الأميرة وابنها ومدير البلدية والنبلاء والخدم صيحاته، هرعوا جميعا ~~إلى حجرته. # وفي هذه اللحظة وصل النبيلان اللذان كانا يسترقان السمع من خلف الباب. # وقال لابوشنيانو بصوت مبحوح فظيع: «آه ... لقد ألقيتم المعطف فوقي وأنتم تظنون أنكم ~~ستتخلصون مني! نحوا الغشاوة ms022 عن أبصاركم، إن الله أو بالأحرى الشيطان سيرد لي ~~صحتي، وعندئذ ...» # وقال الأسقف - مقاطعا: «لا تجدف أيها التعس! إنك في ساعتك الأخيرة! اذكر ~~أيها المذنب التعس أنك الآن راهب ولم تعد أميرا! اذكر أن تجديفك هذا وصيحاتك ~~تلك تفزع هذه المرأة المسكينة البريئة، وهذا الطفل الذي هو كل أمل ~~ملدافيا.» # فرد المريض - وهو يجاهد لكي ينهض من الفراش: «اخرس أيها الوحش المنافق! أنا ~~الذي جعلتك أسقفا، وأنا الذي سأعزلك ... آه ... لقد ألقيت فوقي المعطف، ولكنني إذا ~~شفيت سوف ألقيه أنا على الكثيرين ... وأما عن هذه الكلبة، فسأقطعها إربا هي ~~وابنها لكي أعلمها ألا تصغي بعد إلى نصائح هؤلاء الوحوش أعدائي، لقد كذب ~~من قال إنني راهب ... إنني لست راهبا بل أميرا! إنني الأمير إسكندر! إلي ~~بأتباعي! أين رجالي الشجعان؟ اضربوا! اضربوا حتى النهاية! إنني آمركم! اقتلوهم ~~جميعا! ولا ينجون منهم أحد! آه إنني أختنق! إلي بالماء ... الماء ... ~~الماء!» # ثم خر فوق سريره، وهو يلهث من الغضب والهياج. # وخرج الأسقف والأميرة حيث وجدا سترويكي وسبانكيوك في انتظارهما عند الباب. # وقال سبانكيوك - وهو يمسك الأميرة من يدها: «يا سيدتي، يجب أن يموت هذا الرجل ~~فورا ... ها هو مسحوق ضعيه في كأسه ...» فصاحت وقد تملكها الذعر: «سم؟!» # ورد سبانكيوك قائلا: «نعم سم! وإذا لم يمت هذا الرجل فورا، فإن إمارتك أنت ~~وابنك تتعرض للخطر، لقد عاش الأب ما يكفي، كما ارتكب ما يكفي من الجرائم، يجب أن ~~يموت الأب لكي يستطيع الابن أن يعيش.» # وخرج خادم من حجرة المريض، فسألته الأميرة: «ما الأمر؟» # لقد استيقظ المريض وهو يريد ماء ويطلب ابنه، وقد طلب إلي ألا أعود بدونه، فصاحت ~~الأم الحنون وهي تضم في لهفة الطفل إلى صدرها: «آه ... إنه يريد قتله!» # وأضاف سبانكيوك قائلا: «لم يكن هناك وقت للتردد يا سيدتي، تذكري حكم الطاغية ستيفانتزا، # 6 # واختاري بين ابنك وزوجك، واستدارت المرأة المسكينة نحو الأسقف وعيناها ~~تسحان الدموع قائلة: وما رأيك يا أبي؟» ~~- إن هذا الرجل قاس وفظيع يا بنيتي، فاستمدي الرأي من ms023 الله مولانا، وأما ~~أنا فسأشرع في الإعداد للرحيل مع ملكنا الجديد، وليغفر الله لمن كان أميرنا، وليغفر ~~لك أنت أيضا. # هكذا قال الأسقف الورع ثم أخذ ينصرف. # وتناولت الأميرة روكسندرا من يد إحدى الخادمات كأسا من الفضة مليئة بالماء، وفي ~~غير وعي منها تقريبا وتحت ضغط النبلاء أسقطت فيه السم، ودفعها النبلاء إلى حجرة ~~المريض. # وسأل سبانكيوك سترويكي الذي كان قد وارب الباب لكي ينظر: ماذا يفعل؟ # إنه يطلب ابنه ويقول: إنه يريد رؤيته ... إنه يطلب ماء ... الأميرة ترتعد ... إنها ~~تقدم له الكأس ... إنه لا يريد أخذها. # ووثب سبانكيوك، واستل خنجره. # لا ... إنه يأخذها ... إنه يشربها الآن ... ألا شكرا لك يا رب! # وخرجت الأميرة روكسندرا شاحبة ترتعد واستندت إلى الحائط، وقالت - وهي تبتسم: ~~«إنكم أنتم الذين ستحاسبون أمام الله؛ لأنكم أنتم الذين دفعتموني إلى ارتكاب هذه ~~الخطيئة.» # فدخل الأسقف ليقول للأميرة: «فلنرحل!» # ولكن من الذي سيعنى بهذا البائس؟ # ورد النبلاء قائلين: «نحن.» # وقالت للأسقف: «آه يا أبي، ماذا نصحتني أن أفعل؟!» ثم انصرفت معه وهي ~~تبكي. # ودخل النبلاء إلى حجرة المريض. # وكان السم لم يفعل بعد فعله، ولابوشنيانو ممدد على ظهره في هدوء، ولكنه ~~بالغ الضعف، وعندما دخل النبيلان نظر إليهما طويلا ولم يعرفهما، فسألهما: من ~~يكونان؟ وماذا يريدان؟ # وأجاب أحدهما: «أنا ... أنا سترويكي.» # وأضاف الآخر: «وأنا سبانكيوك، وما نريده هو أن نراك قبل أن تموت كما ~~وعدنا.» # فتنهد إسكندر قائلا: «آه ... أعدائي.» # واستمر سبانكيوك قائلا: «أنا الذي أردت قتله عندما أهلكت السبعة ~~وأربعين نبيلا، ولكني أفلت من براثنك، أنا سبانكيوك الذي جردته من أملاكه، ~~حتى اضطرت زوجته إلى أن تستجدي على أبواب الطيبين من الناس.» ~~- وصاح المريض - وهو يضغط بيديه على بطنه: «آه! ... ما هذه النار التي ~~تلتهمني!» ~~- صل صلاتك الأخيرة؛ لأنك ستموت والسم أخذ يعمل عمله. ~~- آه ... لقد سممتموني أيها المجرمون! يا إلهي أشفق بروحي! آه يا لها من نار! أين ~~الأميرة؟ أين ابني؟ ~~- لقد رحلوا وتركوك معنا. ~~- لقد تخلوا عني وتركوني معكم! آه ... اقتلوني، فلا أريد أن ms024 أتعذب أكثر من ~~هذا. # ثم التفت إلى استرويكي قائلا: «اطعني أنت بالخنجر! ارحمني! أنت الأصغر سنا! ~~خلصني من العذاب الذي يمزقني، اطعني بالخنجر!» ~~- لن أدنس خنجري الشجاع بدم بغيض لطاغية مثلك. # وازدادت الآلام ... وأخذ المسموم يتلوى في تشنجات عنيفة، وصاح: آه! إن روحي ~~تحترق! إلي بالماء! أعطوني شيئا أشربه.» # وقال سبانكيوك - وهو يتناول الكأس الفضية من فوق المائدة: «خذ هذه، ففيها ثمالة من ~~السم، اشربها وانتعش بها.» # وقال المريض - وهو يضغط على أسنانه: «لا! لا! لا أريد!» # وأمسك به سترويكي ليمنعه من الحركة، بينما فتح سبانكيوك بسن رمحه أسنانه؛ ~~لكي يبتلع السم الذي تبقى في الكأس، وأخذ لابوشنيانو يخور كما يخور الثور أمام ~~القرمة والبلطة التي سيضرب بها، ثم حاول أن يستدير نحو الحائط. # فقال النبلاء: «كيف ذلك؟ أتريد أن تتجنب رؤيتنا؟ إن عقابك هو أن ترانا! تعلم ~~الموت يا من لم يعرف لحياته غير القتل.» # وأمسك به الاثنان ومنعاه عن الحركة وهما ينظران إليه في نشوة جهنمية، ~~ويقرعانه بما ارتكب من جرائم. # أخذ الأمير التعس يتلوى في تشنجات الاحتضار، وهو يرغي ويصر بأسنانه، وقد ~~برزت عيناه من رأسه، وانثال فوق وجهه عرق ثلجي كنذير كئيب بالموت، وبعد ~~نصف ساعة من التلوي بالعذاب، أسلم روحه بين جلاديه. # تلك كانت نهاية إسكندر لابوشناينو الذي لطخ تاريخ ملدافيا ببقعة من الدم. # وفي دير تاتينا الذي بناه ودفن فيه يستطيع الإنسان أن يرى اليوم صورة هذا الأمير ~~هو وأسرته. # | إيون كريانجا (1837-1889) # كريانجا هو أكبر قصاص روماني، وقد ولد في أسرة من الفلاحين الأميين، ولكنه ~~تثقف وأصبح قسيسا، ثم معلما أوليا، وكان يتمتع بالذكاء والخيال والحساسية ~~وروح الدعابة التي يمتاز بها فلاحو ملدافيا. # وكان كريانجا يملك عبقرية الرواية الشفوية التي جعلته يتفوق تفوقا لا مثيل له ~~في حكاية القصص والطرائف الشعبية الملدافية. # وفي سنة 1875 بناء على نصائح صديقه الكبير الشاعر ميخائيل إيمنسكو أخذ يكتب ذكرياته، ~~ويسجل الحكايات والقصص الخرافية التي تغذت بها طفولته، وإذا بواحد من كبار القصاصين ~~يظهر في رومانيا بفضل ms025 «ذكريات طفولته» التي لا تنسى من جهة، وقصصه من جهة أخرى، أمثال: ~~«الحماة وزوجات أبنائها الثلاث»، و«المعزة ذات الجديان الثلاثة»، و«كيس النقود ذو ~~الفلسين»، و«دانيلا بريبلياك»، و«قصة الخنزير»، و«حكاية ستان المسلوخ»، و«قصة هاراب ~~ألب»، و«إيفان المخلاة»، و«الأب نيكيور الحلنجي»، و«الأب إبون رواتا» و«الاتحاد» ... ~~إلخ. # وحياة القرية الرومانية كلها بأخلاقها ومعتقداتها وقصصها الخرافية، وصورة فلاح ~~ملدافيا المرهق بالعمل، البسيط المنصف العاقل المرح، كل هذا يبرز في قصص كريانجا ذات ~~الأسلوب الغض ذي العصير الشعبي الذي يحتفظ بنضرة خالدة. ~~(1) الأب نيكيفور «الحلنجي» # ليس الأب نيكيفور شخصية خرافية، فنيكيفور قد وجد وعاش فعلا في قرية تتوييني ~~ضاحية مدينة ترجول نيامترولي في ملدافيا بالقرب من قرية فيناتوري نيامتزولي، وقد ~~عاش تقريبا في الفترة التي كان جد جدي يلعب فيها موسيقى القرب في حفل التعميد الذي ~~أقامه ببيته ديديو العجوز في قرية فيناتوري! وكان الإشبين، وهو الأمير باكيه نفسه ~~الذي قدم له العجوز ديديو هدية مكونة من تسعين حملا لكل منها - بغير استثناء ~~- عين محاطة ببقعة سوداء! وكان القسيس عما لعم أمي كلوبوك قارع أجراس ديز ~~نياموتزو، وقد أطلق عليه اسم القارع؛ لأنه صب لهذا الدير - على نفقته الخاصة ~~- ناقوسا كبيرا كان يحب أن يقرعه بنفسه في أيام الأعياد الكبرى، وهكذا عاش ~~الأب نيكيفور في ذلك الزمن في قرية تتوييني. # كان الأب نيكيفور حوذيا بمهنته، وبالرغم من أنه لم يكن يملك كأسواط غير حبال ~~من الزيزفون، فإن عربته كانت متينة ومريحة وواسعة، والمظلة الكبيرة التي ~~تغطيها تمنع المطر والشمس من دخولها، وصندوق الزيت وعدة التشحيم والكوريك، وكانت ~~كلها معلقة في السهم. # وأثناء السير كان يحتك بعضها ببعض، فتحدث الصوت: كراك كراك كراك! وفي الحلقة ~~الحديدية المدلاة من الدرابزين - في أسفل ناحية اليسار - كانت بلطة صغيرة معلقة ~~معدة للاستعمال عند الحاجة، وكانت هناك مهرتان بيضاوان كالثلج وملتهبتان ~~كالجمر، تحملان النير دائما تقريبا، وأقول تقريبا لأن الأب نيكيفور كان تاجر ~~مواش أحيانا، وعندما يلوح له الربح، لم يكن يتردد في أن يبيع أو أن يقايض ~~على إحدى ms026 هاتين المهرتين؛ حتى ولو كان في طريق السفر، وكان النير يظل أحيانا ~~معلقا في الفضاء. # وكان هذا العجوز يحب دائما المهار الصغيرة الجميلة، وكان هذا موضع ضعفه، ولقد ~~تسألونني: ولماذا يفضل المهار دائما والمهار البيضاء؟ وسأقول لكم السبب: فهو ~~يفضلها لكي تنجب له، وهو يفضل البيضاء؛ لأنها - كما يقول - تغنيه عن مصباح ~~الليل! # ولا نعتقد أن نيكيفور كان يجهل المثل السائر الذي يقول: إنه من الأفضل دائما ~~ألا تكون حوذيا لخيول بيضاء ولا خادما عند امرأة، فهو يعرفه جيدا، ولكن ~~المهار كانت له، وإذا اعتنى بها فحسنا يفعل، وإذا لم يعتن فمن الذي سيؤنبه على ~~ذلك! # والأب نيكيفور لم يكن ليقبل قط أن يعمل حوذيا على عربة نقل، وكان يتجنب ~~حمل الأشياء الثقيلة خوفا من أن يصاب بقيلة في خصيته! وكان يقول: إن العمل على ~~عربة ركوب أفضل بكثير؛ لأن الإنسان يتعامل عندئذ مع البضائع الحية التي تنزل ~~عندما يصعد الطريق أو ينزل، ثم عند الوقوف إلى أن يصبح الإنسان: إلى العربة ~~سيداتي وسادتي! # وكان الأب نيكيفور قد جدل بيديه سوطا من الكتان ذا طرف من الحرير، وكان يفرقع ~~به فرقعة تصم الآذان، وفي كل مرة تسير العربة في طريق صاعد، كان ينزل من مقعده ~~ليجر العربة مع مهاره، سواء أكانت تلك العربة محملة أم لا، وعندما ينحدر الطريق ~~كان يفعل نفس الشيء حتى لا يضني خيله العزيزة، وكان على زبائنه - أرادوا أم لم ~~يريدوا - أن يترجلوا هم أيضا، وإلا لما كف الأب نيكيفور عن الزمجرة وإرسال ~~العبارات اللاذعة من مثل قوله: هلا نزلتم قليلا أيها السادة، فالحصان حيوان لا ~~يعرف الكلام! # وأما إذا عرف الإنسان كيف يستأنسه بتقديم كأس صغيرة، فعندئذ لا يكون هناك من هو ~~ألطف من الأب نيكيفور، وعندما كان يلتقي برجل يركب حصانا كان يصيح به: ما هذا ~~أيها الغضنفر، لقد سبقتني وتركتني خلفك. # أليس كذلك أيها السيد؟ ثم يطلق سوطه في مهارة، وهو يغني: # أيتها البيضاء إلى الخلف # أيتها البيضاء إلى الأمام # النير يتدلى من ms027 ناحية # هوب! مهرتي تعدو كثمانية # لأن جالتزي على بعد خطوتين. # وإذا التقى في الطريق بنساء أو آنسات، أخذ يغني أغنيات فكهة توافق مزاجه، ~~مثل: # عندما تزوجت من عجوزتي # بكت ثمان عاشقات # ثلاث ذات أزواج # وخمس من بنات بلدي. # آه! كيف لا يشوقنا السفر، وبخاصة في شهر مايو مع مثل هذا الرفيق اللطيف الذي لا ~~تعوزه النكتة الفكهة، ولكن أحيانا عندما يمر أمام فندق، فيتظاهر صاحبه بعدم رؤيته ~~له، فلا يقدم له شيئا من شراب، تراه يزمجر، ولكنه مع ذلك يحث الخطى نحو ~~الفندق التالي. # وفي فترة ما اشترى الأب نيكيفور مهرتين تعدوان عدوا عجيبا، ولم يكن فيهما ~~غير عيب واحد، وهو توقفهما - مهما يكن من أمر - عند كل ملهى؛ وذلك لأنه كان ~~قد اشتراهما من قسيس! # فلم تكن هناك عندئذ مطافئ تستطيع أن تبيعه مهارا أخرى قادرة على أن تعدو دون ~~توقف. # ويؤكد والدي أنه سمع من العجائز نقلا عن الأب نيكيفور نفسه أن مهنة العربجي ~~في ترجوي نيامتزولي كانت قديما مهنة طبية، إذ كان لديه من الزبائن أكثر مما يلزمه، ~~ولم يكن يكاد يغادر فراتيك حتى يصل إلى أجابيا، ولا يبرح أجابيا حتى يدخل ~~سريعا إلى فراتيك، ومنها يعدو إلى رازبوييني حيث الأديرة المليئة بالرهبان، وحيث ~~الزبائن الذين لا يعرف ماذا يفعل بهم، وكان عليه أن ينقلهم حينا إلى بياترا، ~~وحينا آخر إلى بولتيشيني، ثم إلى الأسواق وإلى جميع الأديرة، مثل: دير نيامتزو ~~ودير سيكو، ثم إلى ابتيسكا فضلا عن أعياد القديسين. # وقال والدي أيضا: إنه سمع جد جدي يحكي أن أسقف نياميتزو التقي في ذلك العصر ~~ببعض الراهبات، وهن يتسكعن في السوق في أحد أيام المقدس، فقال لهن: ما هذا ~~أيتها الإخوة؟ ~~- باركنا أيها الأب الجليل. ~~- لماذا لا تقرن يا أخواتي ساكنات في الدين، تفكرن في خلاصكن، ولو في الأسبوع ~~المقدس على الأقل؟ # فأجبن - في خشوع: آه أيها الأب الجليل، إنه هذا الصوف الذي يعذبنا، وليغفر ~~لنا الرب، ولولاه ما وطئت أقدامنا هذا السوق، وأنت تعلم أن هذا ms028 النسيج الصوفي هو ~~الذي يأتي بغذائنا، وهو عمل بطيء ولكنه عمل على أية حال وفي الحركة ~~بركة. # وعندئذ تنهد الأسقف المسكين، وكظم غيظه وصدره يكاد ينشق، ثم ألقى الوزر على ~~الأب نيكيفور، وهو يقول: يا ليت هذا الحوذي ينفق إلى غير رجعة، فهو الذي ~~ينقلكن، ولو نفق لما بقي أحد لينقلكن من كل صوب إلى السوق! # وعندما علم الأب نيكيفور بذلك اضطربت نفسه فيما يقولون، وأقسم ألا يتعامل طوال ~~حياته مع رجال الكنيسة؛ وذلك لأنه كان لسوء حظه متدينا، وخشي أن يجلب لنفسه ~~لعنات القساوسة، وهذا هو السبب في أنه عدا مسرعا إلى دير فوفيدينيا، حيث يقيم ~~الراهب كيفياك فوق جبل آتوس، وهو الراهب الذي يصبغ لحيته وشعره بالكريز الأسود، ~~وينضج البيض يوم الجمعة المقدس على الشمعة تكفيرا عن خطاياه! ومنذ تلك الحادثة ~~اتخذ حوذينا قرارا بتفضيل التعامل مع التجار. # وكان الأب نيكيفور يقول: إن التاجر هو وحده الذي يعيش بالمقالب، ولا يقع فيها! ~~وعندما كان يسأل عن سبب ذلك، كان يجيب - في مرح: تلك هي إرادة الله. # وماذا تنتظرون من الأب نيكيفور المرح بطبيعته؟ ومع ذلك فقد أخذت تشوبه بعض الكآبة ~~بسبب تلك الحياة الملعونة. # فزوجته العجوز لا أدري ما الذي أصابها، ولكنها أخذت تتفكك منذ حين! فهي تشكو ~~حينا من هذا الجنب، وحينا من الجنب الآخر، تشكو اليوم من الأذن وغدا من الساق ~~ثم من العينين! # وكانت تتنقل بحثا عن الدواء بين امرأة وأخرى، وتلجأ إلى السحر، وقد ضاق الأب ~~نيكيفور بذلك، وأصبح ضيق الصدر باستمرار، وعندما كان يقضي في البيت يومين أو ~~ثلاثة أيام متتالية، كان يصيح زمجارا شكسا غضوبا، حتى إن عجوزه المسكينة ~~كانت تطيب نفسها لرؤيته يرحل. # ومن المؤكد أن الأب نيكيفور قد ولد في الطريق؛ وذلك لأنه كان يصبح رجلا آخر ~~بمجرد أن ينطلق على الطرق الكبيرة، وكان لا يتوقف عن فرقعة سوطه، وإطلاق النكات على ~~المسافرين، وقص الحكايات تلو الحكايات عن الأماكن التي يمر بها. # وذات صباح في يوم الأربعاء السابق على عيد ms029 القيامة، كان الأب نيكيفور قد خلع عجلات ~~عربته لكي يشحمها، وإذا به يلمح الأستاذ ستيرول من قرية نياموتزو - وهو تاجر ~~أصباغ ومراهم، وبودرة، وأدهنة، وأدوات تجميل، وصبغات للشعر، وزيت اللوز، وزهر ~~الكبريت، والحشيشة المغربية، وورق أرمينيا، وغيرها من السموم الصغيرة. # في ذلك العصر لم يكن هناك صيدلي في نياموتزو، وكان الأستاذ ستيرول يحضر كل ما ~~يحتاجه الرهبان والراهبات، وإذا شئتم الحق كان يزاول أيضا نوعا آخر من التجارة ~~سأكتفي بالتلميح به، وعليكم الفهم! وهو نوع أكثر أهمية بكثير من عمل قسيس الاعترفات ~~نفسه، ولولا الأستاذ ستيرول لأغلقت الأديرة أبوابها! ~~- صباح الخير يا أب نيكيفور. ~~- وعليك السلام يا أستاذ ستيرول! أي ريح مواتية قادتك إلى هنا؟ ~~- أتيت من أجل زوجة ابني، إنها تريد الذهاب إلى بياتزا، كم تطلب لتحملها ~~إليها؟ ~~- آه ... لا بد أنها تحمل معها عددا من الأغطية كما جرت العادة عندكم، ولكن لا بأس، فعربتي واسعة وبها مكان، ولكي لا أساومك يا أستاذ ستيرول، أعطني ستة عشر ليا - ~~أي: قطعة صغيرة جميلة من الذهب - وأنا أحملها لك كالملكة، وها أنت ترى كيف جددت ~~عجلات عربتي، بل وشحمتها أيضا؛ بحيث أصبحت تنزلق كقباقيب الانزلاق. ~~- تسعة ليات تكفي يا أب نيكيفور ... وابني سيقدم لك بعض الكئوس في ~~بياتزا. ~~- فليكن! على بركة الله يا أستاذ ستيرول، وأنا أقبل لأننا في عز السوق، ~~ولربما وجدت زبائن عند العودة، ولكنني أود أن أعلم فقط متى سنرحل؟ ~~- على الفور يا أب نيكيفور إذا كنت مستعدا. ~~- طبعا، أنا مستعد يا أستاذ ستيرول، ولكني يلزمني فقط أن أسقي مهاري، اذهب ~~لتخطر زوجة ابنك وسألحق بك بعد لحظة. # وفي نشاط ومهارة - كما اعتاد - ملأ العربة بالشوفان، وشد فوقها الغطاء، وربط ~~فيها المهار، وألقى بمعطف فوق كتفيه، وتناول سوطه، وها هو يرحل يا أطفال، ~~فلم يكد الأستاذ ستيرول يصل بيته حتى كان الأب نيكيفور قد وصل ~~بعربته. # وخرجت من البيت ملكة زوجة ابنه لكي ترى حوذيها على نحو ما يجري العرف في ~~الريف، كانت ملكة مولودة في بياتزا، وها ms030 هما خداها متوردان، ربما لشدة ما بكت ~~لفراق حمويها! وكانت تلك أول زيارة لها لنياموتزو، أو كما يقولون باكورة زيارتها ~~لحمويها، ولم تكن قد تزوجت إستيك ابن الأستاذ ستيرول إلا منذ أسبوعين، أو على الأصح ~~لم يكن إستيك قد تزوج ملكة؛ لأنه هو الذي ترك بيت أسرته كما تجري العادة، وبعد ~~أسبوعين اصطحب ملكة إلى بياتزا لمزاولة أعماله. ~~- أرى أنك قد حافظت على كلمتك يا أب نيكيفور. # باستطاعتك يا أستاذ ستيرول أن تثق دائما بكلمتي، ثم إنني لا أعرف شيئا في ~~المصابيح، وأفضل أن أبدأ رحلتي في الصباح الباكر؛ لكي أصل قبل هبوط ~~الليل. # هل ستصل بياتزا عند المساء يا أب نيكيفور؟ # ما هذا يا أستاذ ستيرول، إنني أرجو أن أصل بفضل الله بعد الغداء مباشرة! # إن ثقتي فيك كاملة يا أب نيكيفور، وأنت أكثر مني دراية وخبرة بهذه الأمور، ~~ولكني مع ذلك أرجوك أن تقود بعناية حتى لا تقلب زوجة ابني! # آه يا أستاذ ستيرول! لقد زاولت هذه المهنة لزمن مديد، وكم نقلت من سيدات ~~وراهبات وبنات أشراف وعلية القوم، وبفضل الله لم يشك في أحد، وذلك فيما عدا الأخت ~~إيفلامبيا بوابة دير فاراتيك، التي كانت لي معها بعض المضايقات بسبب ما اعتادته من ~~ربط بقرتها في مؤخرة العربة أينما ذهبت؛ وذلك لكي تحصل دائما على اللبن ~~مجانا! # وكان في هذا ما يزعجني؛ لأن البقرة هي البقرة دائما، وكانت تلتهم الشوفان من ~~عربتي، بل لقد كسرت سلم العربة ذات يوم، كما أنها في المرتفعات كانت تختلف فتشد ~~الوثاق، حتى كادت أن تخنق مهاري ذات مرة، وبالجملة «طهقت» منها، وتجرأت ~~على أن أقول لها: لماذا أيتها الأخت كل هذا الشح بدراهم معدودات، مع أنك لست ~~بخيلة فيما يتعلق بالإنفاق الكبير؟ رنت إلي عندئذ برقة لتقول في صوت هامس: ~~اسكت أيها الأب نيكيفور! اسكت! لا تغضب من هذه البقرة المسكينة التي لا ذنب ~~لها، فآباء جبل أنتوس المقدس هم الذين أملوا علي - كقاعدة - ألا أشرب إلا من ~~لبن نفس البقرة لكي ms031 أظل شابة زمنا طويلا، ولا حيلة لي في ذلك، فلا بد من ~~طاعتهم في كل شيء؛ وذلك لأن فخامتهم يعرفون أكثر مما نعرف نحن الخاطئات، وعندما ~~علمت ذلك أحسست أن الأخت على شيء من الحق وتركتها وشأنها، وعلى أية حال ~~فإنها لم تكن تخلو من العته؛ وذلك لأنها لم تكن تريد أن تشرب إلا من نبع واحد، ~~وأما أنت يا أستاذ ستيرول، فأظن أنك تلصق بي بقرة أثناء الرحلة! وأما عن السيدة ~~الصغيرة، فأنا متأكد أنها ستنزل عندما نصل إلى مرتفع أو منخفض حاد، وبخاصة أن ~~المناظر جميلة الآن في الريف على نحو مذهل، ولكن كفى ثرثرة! هيا اصعدي يا سيدتي ~~فسأحملك إلى زوجك العزيز! آه ... هؤلاء السيدات الشابات ... إنني أعرفهن جيدا! ~~فعندما يبعد عنهن الزوج لا يقر لهن قرار، ولا يفكرن إلا في العودة ~~السريعة إلى البيت على نحو ما يعدو الحصان إلى الحظيرة. # هيا يا أب نيكيفور! فأنا أصعد إلى العربة، ثم أخذ الجميع يحملون في سرعة ~~الأغطية والوسائد الوثيرة وسلة مليئة بالمأكولات وأمتعة أخرى صغيرة، وأخيرا ~~ودعت ملكة حمويها، ثم تربعت على الأغطية في قلب العربة! وقفز الأب نيكيفور ~~إلى مقعده، وقرقع بالسوط بينما الأستاذ ستيرول وذووه على عتبة الباب ينظرون إليه، ~~وهم يسيرون ووجوههم مبللة بالدموع. # وأثناء عبور المدينة كان الحوذي يعدو عدوا جهنميا، وكأن لمهاره ~~أجنحة. # وفي غمضة عين عبروا الوادي والقرية وتل هيموجستي، كما قطعوا المسافة بين أوشيا ~~وجرومانزستي قفزا. ~~- آه! يا إلهي ... انظري يا سيدتي الصغيرة إلى هذه القرية الجميلة، إنها جرومانزيستي # 1 # لو كان مثل هذا العدد من العجول في مرعاي، وكان لك من الأطفال قدر من ~~مات هنا عبر القرون من وحوش ووثنيين أقذار، إذن لأحسسنا بمناعة تامة. ~~- ألا ليس إله يهبني أطفالا يا أب نيكيفور! ~~- وأنا عجول يا ابنتي العزيزة؛ وذلك لأنني فقدت كل أمل في إنجاب أطفال، ~~فعجوزتي عاقر ولم تستطع الملعونة أن تعطيني ولو طفلا واحدا! ألا سحقا لها! فيوم ~~يتحطم غليوني ستذهب عربتي إلى الجحيم، ولن تجد ms032 مهاري لها سيدا! ~~- لا ينبغي أن تحزن يا أب نيكيفور، فتلك بلا ريب إرادة الله ، ولقد سطر في كتبنا ~~المقدسة أن البعض لم يوهبوا أطفالا إلا في سن الشيخوخة. ~~- دعيني من كتبك فلي فيها رأيي الخاص، وإنه لمن العبث أن ترج الماء في القربة ~~فلن يخرج منه زبد! ولقد سمعت أنا أيضا عندنا في الكنيسة من يقول: إن الشجرة ~~التي لم تعد تحمل ثمارا يجب أن تستأصل من جذورها، وأن ترمى في النار، وهذا ~~قول حق! والشيء الذي يدهشني هو أنني قد صبرت على معاشرة هذه العجوز حتى ~~اليوم، ودينكم من هذه الناحية خير من ديننا، فالمرأة التي لا تنجب أطفالا تأخذون ~~غيرها، وإذا لم تنجب هذه الأخرى انتقلتم إلى غيرها، حتى تنتهوا إلى واحدة ~~حظيت ببركة الله، وأما الأمر عندنا فمختلف، حيث نلزم بأن نعيش حتى آخر رمق ~~مع امرأة عاجزة، والأطفال لا أثر لهم، ومع ذلك فسيدنا المسيح لم يصلب من أجل ~~رجل واحد في هذه الدنيا! أليس كذلك يا سيدتي الصغيرة؟! أجيبيني إذا استطعت! ~~- قد تكون على حق يا أب نيكيفور. ~~- من المؤكد أنني على حق يا سيدتي الصغيرة! هو هو ... أعوذ بالله! أي شوط قطعناه! ~~لقد أخذنا نثرثر، وها نحن قد وصلنا فجأة! ... آه يا إلهي! إنه كان يعلم ماذا يفعل ~~عندما أعطى كل إنسان رفيقا! هيا ... إلى الأمام يا مهاري العزيزة، وها نحن قد ~~وصلنا إلى غابة بروماتزستي مصدر رعب التجارة وفزع النبلاء! هيه ... هيه ... يا سيدتي ~~الصغيرة! لو كان لهذه الغابة فم يحكي ما شهدته، لسمعت منه حكايات مفزعة لا تكاد ~~تصدقها الآذان! ~~- ولكن ما الذي حدث هنا يا أب نيكيفور؟ ~~- آه يا سيدتي الصغيرة! إن ما حدث لا يمكن وصفه! تصوري أن أحدا لم يكن ~~يستطيع أن يمر من هنا دون أن ينهب ويعذب ثم يقتل، وكان هذا يحدث ليلا ~~أكثر مما يحدث نهارا، وأما عن نفسي فقد لاقيت أحيانا ذئابا وحيوانات متوحشة ~~أخرى، ولكني كنت أتظاهر بعدم رؤيتها، وأتركها تمر في سكون ms033 إلى حال ~~سبيلها. ~~- يا إلهي ... لا تحدثني يا أب نيكيفور عن الذئاب، فأنا أخشاها خشية فظيعة! # لقد قلت لكم: إن الأب نيكيفور كان رجلا مهزارا، وإنه كان يملك الموهبة التي ~~يقص بها حكايات تجعلك تموت من الضحك، أو تهلك من الخوف. ~~- احذري يا سيدتي الصغيرة فها هو واحد قادم! ~~- يا ويلي! أين أستطيع أن أختبئ أيها الأب نيكيفور؟ ~~- حيث تستطيعين يا سيدتي الصغيرة، وأما عن نفسي فلست خائفا ولو جاء من الذئاب ~~قطيع بأكمله! # وعندئذ تعلقت ملكة المسكينة - في يأس - بعنق الأب نيكيفور، والتصقت به كالعلقة، ~~وظلت كذلك بعض الوقت، ثم سألته بصوت مرتجف: أين هو يا أب نيكيفور؟ وأين يمكن أن ~~يكون؟ ~~- لقد عبر الطريق أمامنا وتوغل في الغابة، ولكنك أوشكت أن تخنقيني يا سيدتي ~~الصغيرة، ولو أنني أرخيت من يدي الأعنة لكان أمرنا عجبا. # وردت ملكة - فورا - بنغمة ضارعة: أيها الأب نيكيفور، لا تحدثني بعد الآن ~~عن الذئب وإلا مرضت من الخوف. ~~- لست أنا الذي يحدثك عنه، بل هو الذي يأتي ... انظري ... ها هو يعود. ~~- آه ... يا إلهي! # ثم عادت إلى الاختفاء في جوار الأب نيكيفور. ~~- آه ... هذا الشباب! إنك تريدين أن تلعبي ... أليس كذلك يا سيدتي الصغيرة؟ وعلى ~~أية حال، لقد كان من حظك أن تكوني معي أنا، الذي لا تضطرب رأسه ولا يخاف الذئب ~~ولو كان أحد آخر مكاني ... ~~- ولكن قل يا أب نيكيفور ... إنه لن يعود ثانية؟ ~~- يا للعجب! أتريدين ذئبا في كل لحظة؟ # ومع ذلك فهناك واحد خلف كل شجرة، وهم لا يتنزهون قطعانا إلا في سانت أندريه، ~~وأما عن الصيادين فهل تصدقين أن قليلا من الذئاب هي التي تقع بين أيديهم في ~~المطاردات الكبرى؟ هيا ... فلنرح قليلا مهارنا، فها قد وصلنا إلى تل الدراجون ~~الذي يقولون: إنه سقط عنده تنين هائل كان ينفث اللهب من حلقه، ولم يكن إنسان ~~يجرؤ على أن يمر على هذه الناحية، وعندها ترتعد وترتمي مذعورة بعضها فوق ~~البعض. ~~- يا إلهي! وأين هو ذلك التنين يا أب نيكيفور؟ ~~- وكيف ms034 أعرف ذلك والغابة كبيرة؟! لا بد أنه مختبئ في ناحية ما! ومن الناس من ~~يقول : إنه بعد أن التهم العديد من الناس بل وقشر الأشجار، مات هنا في هذا ~~المكان، ومنهم من يقول: إنه شرب لبن بقرة سوداء، ثم ارتفع إلى السماء التي كان ~~قد نزل منها، ولكن أي القولين نصدقه؟ ... لست أدري! والناس يتحدثون كيفما اتفق، ~~وأما أنا فلحسن الحظ لا أخشى التنين أيضا؛ وذلك لأنني أعرف الكثير من ~~الوسائل السحرية، فأنا أقبض على الأفاعي في وكرها على نحو ما تتلقين أنت ~~الكتكوت من البيضة. ~~- ولكن أي نوع من الوسائل السحرية تعرف يا أب نيكيفور؟ ~~- لا تطلبي مني هذا يا سيدتي الصغيرة، فأنا لم أقله حتى لعجوزتي نفسها، ~~بالرغم من أننا متزوجان منذ أربعة وعشرين عاما، وقد فعلت كل شيء لكي تعرفه ~~حتى صدعت رأسي، ولكن دون جدوى؛ حتى لأظن أنها ستموت كمدا ... وإلى حيث ~~ألقت! ... وحسنا تفعل، حتى أستطيع أن أبحث عن «وظووظة» وأنعم بالحياة يومين أو ~~ثلاثة ثم أموت راضيا، ولقد أوشكت روحي أن تزهق من هذه العجوز العفنة التي ~~تطاردني من المساء إلى الصباح، وتتشاجر معي بسبب كل «وظووظة»، ولا أكاد أفكر في ~~العودة إلى منزلي والالتقاء بها حتى يصيبني الصرع، وأود لو رحت في ~~داهية! ~~- هيا ... هيا! اسكت يا أب نيكيفور، فأنتم جميعا كذلك أيها الرجال! ~~- ها قد وصلت يا سيدتي الصغيرة إلى نهاية الغابة ... هيا انزلي أثناء صعودنا هذا ~~السفح، ولو لتليين رجليك، انظري إلى هذه الأزهار الجميلة، التي تنبت على حافة ~~الغابة، وتعطر الهواء المحيط بها، أليس من الخسارة أن تظلي معسكرة في ~~العربة؟ # وقالت ملكة وهي ترتجف: إنني خائفة من الذئب يا أب نيكيفور. ~~- هيا فلنفرغ نهائيا من هذا الذئب! أوما لديك شيء آخر تحكينه؟! ~~- آه ... بل تقف قليلا حتى أنزل. ~~- هيا ... اقفزي بخفة! هيا ... ضعي قدمك فوق السلم ... هوب! هكذا ... وينتهي الأمر! ... ~~وفي رأيي أنك الآن شجاعة، وأنا أحب الشجعان كالدجاجات المبللة! # وبينما كانت ملكة تقطف بعض أزهار البراري من أجل ms035 إستيك، كان الأب نيكيفور - بعد أن ~~أوقف الخيل - يصلح بعض الهينات في العربة، ثم أخذ يصيح بسرعة: أوما انتهيت ~~يا سيدتي الصغيرة؟ ... هيا اصعدي ولنرحل على بركة الله، فالطريق الآن منحدر ~~باستمرار تقريبا. # وما إن صعدت ملكة حتى سألت: ألسنا متأخرين أيها الأب نيكيفور؟ # فأجابها: لقد انتهت الآن أشق مرحلة، وعما قريب سأصل بك إلى بياتزا. # ثم فرقع بسوطه، وهو يصيح: # إلى الخلف يا بيضاء # إلى الأمام يا بيضاء # النير يتدلى من أحد الجوانب # هيا! مهرتي ستعدو كثمانية # لأن جالتزي على بعد خطوتين. # ولم يكد يقطع مائة متر حتى انكسر محور العجلات، فصاح نيكيفور: «يا لله! أما ~~حكاية!» # بينما صاحت ملكة قائلة: «يا إلهي! سيافجئنا الليل في الغابة!» ~~- هيا يا سيدتي الصغيرة ... لا تكوني نذير سوء! كم مرت بي أحداث مماثلة في ~~حياتي، وبينما تتناولين وجبة خفيفة، ومهاري تزدرد قليلا في الشوفان، سأكون قد ~~أصلحت المحور. # ولكن الأب نيكيفور عندما بحث عن البلطة لم يجدها في مكانها. # فقال الأب نيكيفور - وقد قطب حاجبيه من شدة الغضب: «آه! لم يبق إلا هذا! ~~ألا سحقا لك أيتها العجوز! أهكذا اهتمامك بي؟! البلطة ليست هنا وهذا ~~واضح!» # وعندما رأت المسكينة ملكة هذا أخذت تتنهد، وقالت: «والآن يا أب نيكيفور ما ~~العمل؟» ~~- هيا يا سيدتي الصغيرة، لا تحرقي دمك فنحن لم نفقد كل أمل! # ثم أخرج سكينا قديمة من جرابها، وشحذها مرتين أو ثلاث مرات على حجر للشحذ، ~~وقطع غصنا من شجرة بلوط صغيرة، وشط به قدر المستطاع، ثم أخذ يبحث في قاع ~~عربته لعله يجد قطعة حبل، ولكن كيف يجدها إذا كان أحد لم يضعها؟ # وعندما تبين أنه لن يجد قطع حبائل خرجه وطرفا من المقود وجدلهما معا، ~~ونجح في أن يربط المحور الذي ارتجله، ثم وضع العجلة في مكانها وثبت السلم وقلب ~~النير وربطه في مقدم العربة، فاغرا فاه: «هيا يا سيدتي الصغيرة! ... كم ~~تعلمنا الشدائد! ... لا ينبغي لأحد أن يخاف وهو صحبة الأب نيكيفور ابن قرية ~~توتوبيني، والآن اثبتي جيدا في ms036 مكانك، فسأقود هذه المهار بسرعة مجنونة ... ولكن ~~تأكدي أنني سأري عجوزتي الويل بلكماتي الخشنة عندما أعود إلى البيت، وسوف ~~أدحو عقيصة شعرها؛ لكي أعلمها كيف تهتم بزوجها؛ وذلك لأن المرأة إذا لم تضرب ~~تصبح كالطاحونة بغير ماء! هيا اثبتي في مكانك يا سيدتي الصغيرة ... شي! شي!» # وأخذت المهار تعدو بشدة حتى راحت العجلات تقرقع، والغبار يتصاعد إلى السماء، ~~ولكن بعد جولة صغيرة أخذ المحور المرتجل يسخن ويهبط، ثم ... كراك! وها هي العجلة ~~تقفز بعيدا عن العربة. ~~- يا للداهية! لا بد أنني قد قابلت هذا الصبح قسيسا أو أي شؤم ~~آخر! ~~- ماذا سنفعل أيها الأب نيكيفور؟ ~~- سوف نرى يا سيدتي الصغيرة! وعلى أية حال اطمئني ولا تفزعي، ونحن لحسن الحظ ~~لسنا وسط الحقول، وفي الغابة - والحمد لله - أخشاب لا حد لها، ولربما أعارنا ~~عابر سبيل بلطة. # وفي هذه الأثناء لمح مسافرا قادما نحوهما وعلى ظهره خرجه. ~~- أسعد الله أوقاتك أيها الصديق! أرجو ألا يكون الطريق قد انقسم ظهره ~~كعربتك. ~~- لا مجال لمثل هذا الهذر أيها الصديق، فمن الأفضل أن تمد لي يد العون؛ كي ~~أعيد المحور إلى مكانه، وأنت ترى ما وصلت إليه من إعياء. ~~- لا سبيل إلى ذلك، فأنا على عجلة، ويجب أن أصل إلى أوسلوبيني، وليس أمامك إلا أن ~~تقضي الليل في الغابة، ولن يصيبك أي ضجر! # فرد نيكيفور غاضبا: «إنه ليدهشني ألا تستحي من مثل هذا القول، ما الذي يدور ~~برأسك العجوز الخربة؟» # فأجابه الرجل - وهو مستمر في الطريق: «لا تغضب يا صديقي إنها مجرد دعابة، ~~وداعا! وليحفظك الله.» ~~- انظري يا سيدتي الصغيرة، كم الناس أشرارا! إن الغنائم وحدها هي التي تغريهم! ~~آه ... لو كان معي زجاجة نبيذ أو عرق بالعربة، لما ظللت هكذا وسط الطريق! تأكدي من ~~ذلك! هيا! على الأب نيكيفور أن يتصرف هذه المرة أيضا وسأحاول. # ثم أخذ يشذب غصنا آخر، وظل يسويه حتى استطاع في النهاية أن يضعه في ~~مكانه، ثم أخذ يقرقع بسوطه من جديد، وأخذت المهار تعدو حتى اشتبكت العجلة في ~~حجر، ms037 وانكسر المحور من جديد. ~~- آه! ... لقد أخذت أعتقد يا سيدتي الصغيرة أننا سنضطر إلى قضاء الليل في الغابة، ~~كما قال ذلك الرجل الذي مر بنا. ~~- يا إلهي! هل هذا ممكن يا أب نيكيفور؟ ما هذا الذي تقوله؟ ~~- وماذا تريدينني أن أقول؟ انظري! ها هي الشمس تغرب خلف التل، ونحن لا نزال هنا، ~~ولكن لا بأس! اطمئني يا سيدتي الصغيرة، فأنا أعرف في الغابة ساحة مكشوفة على بعد ~~خطوتين من هنا، فلنذهب إليها حيث سنكون كأننا في بيتنا، فالمكان مكنون والمهار ~~ستستطيع أن ترعى فيه، وستنامين داخل العربة، بينما أقوم أنا بحراستك طول الليل، ~~وعلى أية حال فليلة واحدة لا تدوم قرنا، وسترين كيف تمر! وأما عن عجوزتي فسوف ~~تدفع الثمن؛ فبسببها حدثت كل هذه المضايقات. ~~- فليكن! افعل ما شئت يا أب نيكيفور ما دام ما تفعل صالحا. ~~- اطمئني يا سيدتي الصغيرة إلى أن كل شيء سيكون على خير حال. # وسحب الأب نيكيفور المهار بالمقود، وقلب العربة، وجرها بقدر استطاعته إلى ~~الساحة المكشوفة. ~~- انظري يا سيدتي الصغيرة! جنة الله على أرضه! كم يود الإنسان أن يعيش فيها ولا ~~يموت أبدا! آه! إنكم لا تعلمون شيئا عن جمال العالم! انزلي قليلا قبل أن ~~يخيم الظلام، سوف نجمع بعض الخشب الجاف، ونضرم النار طوال الليل لكي ~~نطرد الناموس وجميع حشرات العالم. # ولما لم تجد المسكينة ملكة بدا من ذلك نزلت من العربة، وأخذت تجمع الأغصان ~~الصغيرة. # آه! ما أجملك في هذا الوضع يا سيدتي الصغيرة! كأنك من بنات ريفنا، ~~أولم يفتتح أبوك - مثلا - حانة في إحدى القرى؟ ~~- نعم، لقد أدار فندقا لزمن طويل في قرية بودستي. ~~- آه! لقد كنت أتساءل لماذا تجيدين الحديث بلغة ملدافيا؟ ولماذا تلوح عليك سيماء ~~بناتنا؟ ولن أصدقك بعد الآن إذا قلت أنك تخافين الذئب، والآن! ما رأيك في ~~هذه الساحة المكشوفة؟! لقد كان من الممكن أن تموتي دون أن تعرفي ما هو الجمال! ~~أنصتي قليلا إلى هذا الكروان وكيف يشع مرحا، وهذه العصافير التي تتنافس في ~~الزقزقة. ~~- من ms038 يدري ما الذي سيحدث لنا هذه الليلة يا أب نيكيفور! وماذا سيقول إستيك؟ ~~- إستيك! ... سيظن أنه يرى الله عندما تعودين! ~~- ولكن هل تظن أن إستيك يستطيع أن يفهم هذه الأشياء وكل ما يمكن أن يحدث في ~~السفر؟ ~~- يخيل إلي أنه كعجوزتي، لا يعرف شيئا غير أنه ينتقل من الموقد إلى ~~الفرن، هيا سيدتي الصغيرة لنرى هل تعرفين كيف تشعلين النار؟ # وأخذت ملكة ترص الأغصان الصغيرة، بينما قدح الأب نيكيفور زناده، وأخذ ~~الاثنان يضرمان النار، ثم قال نيكيفور: انظري كيف تقرقع هذه الأغصان يا سيدتي ~~الصغيرة! ~~- إنني أرى جيدا يا أب نيكيفور، ولكن يجب أن أقول لك إنني غير خائفة. ~~- ما هذا الذي تقولينه؟ لكأنك من أسرة إستيك! شيئا من الشجاعة! وإذا كنت ~~رعديدة إلى هذا الحد اصعدي إلى العربة ونامي، وسيمر الليل كلحظة، وعما قريب ~~سيبزغ الفجر. # وشجعت كلمات الأب نيكيفور ملكة؛ فصعدت إلى العربة وتمددت لتنام، بينما أشعل ~~نيكيفور غليونه، وفرش معطفه على الأرض، وتمدد هو أيضا على جنبه إلى جوار النار، ~~وأخذ يشد بضعة أنفاس، وبينما كان النوم يغزوه تطايرت شرارة ووقعت على ~~أنفه. ~~- أعوذ بالله ... إنها بلا ريب شرارة من الأحطاب التي جمعتها ملكة ... آه! لقد ~~حرقتني ... هل تنامين يا سيدتي الصغيرة؟ ~~- لقد نمت قليلا يا أب نيكيفور ... ولكن الأحلام أخذت تراودني واستيقظت. ~~- عجيبة! لقد حدث لي نفس الشيء! ... لقد أحرقت شرارة طرف أنفي وطار النوم، ~~ويخيل إلي أنني قد نمت ليلة كاملة! ثم كيف ننام مع هذه الأسراب من الكروان ~~المجنونة التي تتفجر فرحا! ولكن ما العمل والآن موسم الحب بالنسبة إليها؟ ... ~~- هل تنامين يا سيدتي الصغيرة؟ ~~- لقد كنت على وشك النوم يا أب نيكيفور. ~~- اسمعي ... لدي فكرة! سأطفئ النار؛ لأنني ذكرت فجأة أن رائحة الدخان يجذب ~~الذئب الملعون. ~~- إذن، أطفئها يا أب نيكيفور! # وفورا غطى الأب نيكيفور النار بالتراب وأخمدها. ~~- والآن نامي مطمئنة يا طفلتي العزيزة، فالنهار سيأتي قريبا ... آه ... يا للغباء ... ~~لقد أطفأت النار، ونسيت أن أشعل غليوني، ولكن لحسن الحظ معي القداحة ... آه! ms039 ... هذا ~~الكروان الشقي! إنه لا يبخل على الحب بشيء! # وظل الأب نيكيفور ساكنا قليلا من الزمن؛ لينتهي من تدخين غليونه، ثم نهض في ~~خفة على أطراف أصابعه واقترب من العربة، وكانت ملكة قد أخذت تشخر قليلا، فهزها ~~الأب نيكيفور وقال لها: «يا سيدتي الصغيرة، يا سيدتي الصغيرة ...» فردت ملكة - وهي ~~تنتفض خائفة: «... ماذا يا أب نيكيفور؟» ~~- لقد خطر لي أن أنتهز فرصة نومك؛ لكي أمتطي مهرة وأعدو بها إلى البيت؛ لكي أعود ~~منه بمحور للعجلات وبلطة، وعند بزوغ النهار سأكون قد عدت. ~~- يا إلهي! ما هذا الذي تقول يا أب نيكيفور؟ أتريد أن تجدني عند عودتك ميتة من ~~الخوف؟ ~~- أعوذ بالله! فلتحفظك العناية يا سيدتي الصغيرة! هيا لا تخافي ... إن هو إلا ~~خاطر لي. ~~- كلا يا أب نيكيفور! وعلى أية حال، فلن أستطيع النوم الآن ... سأنزل وأمكث إلى ~~جوارك طوال الليل! ~~- أبدا يا سيدتي الصغيرة! ما هذا! ... ابقي حيث أنت مستريحة. ~~- كلا! ... ها أنا قادمة! # وها هي تنزل وتجلس على العشب إلى جوار الأب نيكيفور، وظلت هي تقول جملة وهو يقول ~~جملة حتى أخذها النوم ونامت نوما عميقا، وعندما استيقظا كان النهار قد انتشر في ~~يوم بالغ الصفاء. ~~- هيا يا سيدتي الصغيرة ... ها هي شمسنا المقدسة، هيا استيقظي يجب أن نغسل ~~وجهنا، والآن ... هل أكلوك؟! هل تخلصت من الخوف؟! # وعند سماع هذه الكلمات عادت ملكة إلى النوم، وأما الأب نيكيفور فقد صعد - كرجل ~~مسئول - إلى العربة وأخذ يبحث في الشوفان، وإذا به يعثر في القاع على بلطة وقطعة من ~~حبل ومخرمة! ~~- يا لله! ها هي! ومع ذلك فقد اتهمت ظلما عجوزتي المسكينة، والواقع لقد أدهشني ~~ألا تهتم بي، والآن لكي أكفر عن اغتيابها سأشتري لها طربوشا أحمر، وكوفية في لون ~~الكركم ترد إليها الشباب، وبينما كنت أنا أسرف في مداعبة الزجاجة، كانت هي ~~المسكينة تعرف ما أنا بحاجة إليه أثناء الرحلة، والخطأ الوحيد أنها لم تضع تلك ~~الأشياء في مكانها، ولكن كيف للنساء أن يحذقن شئون أزواجهن؟ ~~- يا سيدتي الصغيرة، ms040 يا سيدتي الصغيرة. ~~- ما الأمر يا أب نيكيفور؟ ~~- أنصتي قليلا، تصوري ... إنني وجدت كل ما كان يلزمني (بلطة وحبلا ~~وخرامة)! ~~- أين وجدتها يا أب نيكيفور؟ ~~- آه! تحت أمتعتك، لم يكن ينقصها إلا صوت تصيح به، وقد كنت كذلك الشحاذ الذي ~~يجلس فوق كنز، ثم يطلب الصدقة ... وعلى أية حال، فمن حسن الحظ أن أجدها، ومن ~~المؤكد أن عجوزتي المسكينة هي التي وضعتها. ~~- آه! انظر يا أب نيكيفور كيف كنت سيئا؟ وكيف أثقلت روحك بالخطايا؟ ~~- آه ... نعم يا سيدتي الصغيرة ... هذا حق! لقد أخطأت فيما أفضيت إليك عنها من ~~ألفاظ السوء، ولم يبق لدي إلا أن أغني لها أغنية صغيرة للصلح: # يا عجوزتي المسكينة ... إنني أعدك # طيبة كنت أم سيئة # أن أحتفظ بك إلى الأبد! # وأخذ الأب نيكيفور يشمر عن ساعديه، ويقطع شجرة بلوط صغيرة ليصنع منها محورا ~~للعجلات بالغ الجمال، وأعده على خير وجه، وأعاد العجلة إلى مكانها، وربط المهار ~~في العربة، واستأنف الطريق في رفق وصاح: الآن اصعدي يا سيدتي الصغيرة وإلى ~~الأمام! # ولما كانت المهار قد أكلت جيدا واستراحت، فقد وصلوا إلى بياتزا عند ~~الظهر. ~~- ها أنت في بيتك يا سيدتي! ~~- شكرا لله يا أب نيكيفور، فلم أكن في حالة سيئة حتى في الغابة. # وفيما هما يثرثران وصلا إلى بوابة المعلم إستيك الذي كان عائدا لتوه من ~~الكنيسة، وعندما رأى ملكة لم يتمالك نفسه من الفرح، وعندما علم ما صادفهما من ~~مغامرات وأخطار، لم يعرف كيف يشكر الأب نيكيفور الذي غمره بالهدايا إلى الحد الذي ~~أدهشه. # وفي اليوم التالي رحل مع زبائن آخرين، وعندما وصل إلى بيته كان في حالة من المرح ~~أدهشت زوجته التي لم تره في مثلها منذ سنوات ... وكل أسبوعين أو ثلاثة كانت ~~السيدة ملكة الصغيرة تأتي إلى نياموتزو لزيارة حمويها، ثم تعود وحدها مع الأب ~~نيكيفور لا غير، ولم تعد تخاف من الذئب. # وبعد عام وربما أكثر أخذ الأب نيكيفور يدلي باعترافات وهو يعب النبيذ، فهو ~~يقص على أحد أصدقائه مغامرة غابة دراجون، وخوف ms041 السيدة الصغيرة ملكة، وصديقه هو ~~الآخر يدلي أيضا باعترافات أمام أصدقاء آخرين، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الناس - ~~وهم دائما أشرار - عن معاكسة الأب نيكيفور بتسميته «نيكيفور الحلنجي»، ولصق ~~بالمسكين هذا الاسم، وبالرغم من أنه قد أصبح منذ زمن طويل ترابا، فإنهم لا ~~يزالون يسمونه «نيكيفور الحلنجي»! # | ي. ل. كاراجيالي (1852-1912) # يعتبر كاراجيالي الأديب المسرحي والقصاص - الكاتب الواقعي - الروماني الكبير في ~~القرن التاسع عشر، وبحكم مولده في أسرة من الممثلين عرف البيئات الحضرية معرفة ~~رائعة، وصور حياة وأخلاق سكان المدن على نحو لا يجارى، ويعتبر مسرحه «ليلة ~~عاصفة - الخطاب المفقود - السيد ليونيدا مشتبكا مع الرجعية - مشاهد من المرجان - كارثة» ~~ألذع هجاء وأصدقه لأخلاق المجتمع البورجوازي الإقطاعي في نهاية القرن الماضي، وفي صوره ~~القلمية «الثعلب - العدالة - صاحب الضيعة الروماني - مكافأة التضحيات الوطنية - تمبورا - ~~الصديق فلان - الساعة الخامسة - السيد جوان - زيارة - سلسلة التهاون - استطلاع - س. ف. ر ~~...» إلخ، وكذلك في قصصه وأقاصيصه «نصيبان كبيران - شمعة عيد الفصح - خطيئة - في زمن الحرب ~~- في فندق مانيوالا - كير إيانيوليا ...» إلخ يضيف كاراجيالي إلى روحه النقدية مواهبه ~~الكبيرة كقصاص يستلهم الفولكلور، أو يستوحي الخوارق، وبحكم طبيعته الجدلية لم يتردد ~~في أن يشهر سنة 1907 في منشور سياسي سماه: «من الربيع إلى الخريف» بحركة قمع ثورات ~~الفلاحين في ذلك العام، وتنكرت له سلطات ذلك العهد وشنعت عليه، فاعتزل في برلين في ~~آخر حياته حيث توفي سنة 1912 وهو في الستين من عمره. # ومع ذلك بعث إنتاجه إلى الخلود، وهو اليوم في مكان الصدارة في الأدب الروماني ومن ~~أمجاده. # ومن باريس إلى هلسنكي، ومن لندن إلى سانتياجو، ومن موسكو إلى القاهرة طافت مسرحية ~~«الخطاب المفقود» أرجاء العالم مؤيدة مكانة كاراجيالي كأحد كبار كتاب المسرح في عصرنا ~~الحديث. ~~(1) في فندق مانيوالا # في ربع ساعة تصل إلى فندق مانيوالا، ومنه إلى قرية بوتستي العليا من ضواحي ~~بوخارست، خمسة فراسخ يستطيع الحصان أن يقطعها في ساعة ونصف إذا سار خببا دون عدو، ~~وهي رحلة يتحملها الحصان الصغير إذا زود بالشوفان، ومنح ms042 ثلاثة أرباع الساعة ~~راحة في الفندق، ومعنى ذلك أن ربع ساعة وثلاثة أرباع ساعة - أي ساعة كاملة - يجب ~~أن تضاف إلى الساعة والنصف التي تستغرقها الرحلة إلى بوتستي، فيكون الزمن كله ~~ساعتين ونصف، ولما كانت الساعة الآن السابعة، فإنني في الساعة العاشرة على أكبر ~~تقدير سأكون عند الحكمدار إيوداكي، ولقد تأخر قليلا وكان يجب أن أرحل قبل الآن، ~~ولكن لا بأس فسينتظر على أية حال. # وبينما كانت تراودني تلك الخواطر، رأيت عن بعد وعلى مسافة طلقة نار أضواء كثيرة ~~في فندق مانيوالا - وكان هذا لا يزال اسمها - بالرغم من أن الرجل قد مات منذ خمس ~~سنوات، وأرملته هي التي تدير الفندق. # يا لها من سيدة قادرة أرملة مانيوالا! فلقد قادت الزورق؛ وذلك لأن الفندق كان ~~في حياة زوجها على وشك أن يباع. # وأما الآن ... فالديون قد سددت، والبناء قد جدد، وبنيت حظيرة من الحجر، ~~وجميع الناس يؤكدون أن لديها مالا غير قليل، بعضهم يزعم أنها قد وجدت ~~كنزا، وآخرون يتهمونها بالسحر، وفي ذات يوم جاء اللصوص لينهبوا المنزل، وحاولوا ~~أن يكسروا الباب، فرفع البلطة أحدهم - وكان أقواهم، شحط في قوة الثور - وأخذ ~~يضرب الباب بكل قواه، ولكنه خر على الأرض ورفعوه ميتا، وحاول أخوه أن ~~يتكلم ولكنه لم يستطع فقد أصبح أبكما! وكانوا أربعة ... ووضع الاثنان الآخران ~~الميت على ظهر أخيه، وحملا قدميه لكي يدفنوه في مكان بعيد، وأثناء خروجهم من ~~الفندق أخذت السيدة مانيوالا تصيح من النافذة قائلة: اللص! وفجأة ظهر ضابط الشرطة ~~ورجاله أمام اللصوص، وكانوا أربعة من الخيالة الذين تابعوا هؤلاء اللصوص، وأخذ ~~الشاويش يصيح: «من السائر هناك؟!» وهرب اثنان من اللصوص ولم يبق إلا الأبكم ~~وأخوه الميت على كتفيه، ولم يكن التحقيق سهلا فجميع الناس يعلمون أن الرجل لم ~~يكن أبكما، وقد ظنوا أنه يتصنع البكم، فأخذوا يضربونه لكي يسترد صوته، ~~ولكن عبثا، ومنذ ذلك اليوم لم يجرؤ أحد على أن يفكر في سرقة الفندق. # ولم أكد أحرك كل هذه الذكريات في نفسي حتى كنت قد ms043 وصلت؛ حيث رأيت في ~~فناء الفندق عددا كبيرا من العربات الواقفة، بعضها محمل بألواح الخشب التي ~~ستنحدر بها في السهل، وبعضها الآخر محمل بأكياس الذرة التي صعدت بها من الوادي، ~~وكنا في إحدى أمسيات الخريف والهواء منعش، وسائقو العربات يتدفئون إلى جوار ~~النار، تلك النار التي لمحتها عن بعد، وقاد سائس حصاني إلى الحظيرة لكي يعطيه ~~حقه من الشوفان، ودخلت الفندق حيث كان جمع كثير من الناس يشربون ويغنون، ~~بينما جلس اثنان من الغجر وسنانين في ركن؛ أحدهما يغمز قيثارته، والآخر جيتاره ~~على طريقة مقاطعة أولتينا، وكنت جائعا ومقرورا، وقد نفذت الرطوبة إلى ~~عظامي. # فسألت خادم المقصف: «أين المديرة؟» ~~- عند الفرن. ~~- لا بد أنها أكثر دفئا هناك. # وعبرت ممرا تاركا ردهة الفندق لكي أذهب إلى المطبخ، وكان مطبخا بالغ ~~النظافة، ووسط عطن المعاطف المصنوعة من جلود الغنم والأحذية الخشبية والأخفاف ~~الجلدية المبللة كانت تتصاعد مشهية رائحة الخبز الساخن. # وكانت السيدة مانيوالا تشرف على الفرن. ~~- إنني مسرور بأن أجدك في صحة طيبة يا مدام مرجيولا. ~~- على الرحب والسعة يا سيد فانيكا. ~~- هل هناك في هذه الساعة شيء أن أتبلغ به؟ ~~- حتى في منتصف الليل ... بالنسبة لمثلك من خيار الناس. # وفي سرعة أمرت السيدة مرجيولا خادمة عجوز بأن تعد المائدة في حجرتها ... ثم ~~اقتربت من طاقة إلى جوار الموقد، وقالت لي: هيا اختر لنفسك. # وكانت السيدة مرجيولا جميلة قوية البنية، واسعة العينين، وكنت أعرفها منذ طفولتي ~~ومنذ أن كان المرحوم والدي - والذي لا يزال - حيا، حيث مررنا عدة مرات بفندق ~~مانيوالا الذي يقع في طريقنا عندما نذهب إلى السوق، ولكنها - ومنذ أن عرفتها - لم ~~تبد لي ساحرة إلى هذا الحد، وكنت شابا وفتى وسيما مغامرا، بل وأقدر على ~~المغامرة مني على التلطف، وبينما كانت منحنية على الموقد اقتربت منها من ~~الناحية اليسرى وطوقت خصرها، ومست يدي ذراعها الأيمن الذي كان لحمه مكتنزا ~~كالمرمر، وقرصتها وكأنني مدفوع بالشيطان! # ونظرت إلي السيدة شذرا، قائلة: أليس لديك ما هو خير من هذا لتفعله؟ ~~- إن عينيك ms044 رائعتان يا مدام مرجيولا. ~~- هيا! لا داعي للمجاملات! قل لي أولا: ماذا تريد أن أقدم لك؟! ~~- قدمي لي ... قدمي لي ... ما عندك. ~~- حسن ... حسن. # وأخذت أكرر متنهدا: آه! حقا إن عينيك رائعتان يا مدام مرجيولا! ~~- ماذا يمكن أن يقول حموك لو سمعك؟ ~~- أي حمى؟ ... وكيف تعرفين؟ ~~- أتظن أنك إذا اختفيت تحت قلنسوة الفراء لن يرى أحد ماذا تفعل؟ أولست ~~ذاهبا إلى الحكمدار يورداكي لكي تخطب ابنته الكبرى؟! هيا لا جدوى من أن تنظر ~~إلي هكذا، اجلس على المائدة في حجرتي. # وكنت قد رأيت في حياتي حجرات نظيفة ومريحة، ولكنني في الحق لم أر مثل هذه ~~الحجرة ... أي فراش! وأية ستائر! وأية جدران! وأي سقف! ... كلها بيضاء كاللبن، ~~ومصباح المائدة وجميع المفارش مطرزة برسوم متباينة، وكانت دافئة في دفء الجو ~~الذي تهيئه الدجاجة تحت جناحيها لصغارها ... ثم رائحة التفاح والكمثرى ~~البرية. # وعندما هممت بالجلوس إلى المائدة أخذت - مجاراة للعادة التي ألفتها منذ الطفولة ~~- أدور باحثا عن جهة الشرق لكي أرسم علامة الصليب، وفحصت الجدران من حولي في ~~عناية الواحد بعد الآخر، ولكني لم أجد الأيقونة، وعندئذ قالت مدام مرجيولا: ~~ما الذي تبحث عنه؟ وأجبت: الأيقونات ... أين هي؟ # فقالت: سحقا للأيقونات! إنها أوكار للبق والصراصير! # كم هي نظيفة! ... وجلست على المائدة، ورسمت علامة الصليب كالعادة، وفجأة انطلقت ~~صرخة نافذة، لا شك أنني قد وضعت كعب حذائي الحديدي على قط عجوز كان قابعا تحت ~~المائدة، وقفزت مدام مرجيولا وفتحت الباب، فانطلق القط الهائج إلى الخارج، ~~بينما اندفع الهواء البارد إلى الحجرة وأطفأ المصباح، وأخذنا نبحث عن أعواد ~~الثقاب ونتحسس مكانها، وبحثت أنا هنا، وبحثت هي هناك، والتقينا في الظلام صدرا ~~أمام صدر، وبطبيعتي المغامرة أمسكتها بقوة بين ذراعي وأخذت أقبلها، ومع أن ~~المرأة أخذت تقاوم، إلا أنها بدت مستسلمة أحيانا وكانت وجنتاها ~~كالنار وشفتاها رطبتين، وإلى جوار أذنها كان يقف زغب جلدها. # وأخيرا وصلت الخادمة حاملة شمعة وصينية عليها الطعام، وكنا - بلا ريب - قد ~~قطعنا وقتا طويلا في البحث عن أعواد الثقاب؛ لأن ms045 زجاجة المصباح كانت قد بردت ~~تماما، وأشعلنا المصباح، يا لها من وجبة خبز ساخن، وبط محمر مع الكرنب ، وسجق مشوي ~~من لحم الخنزير، ونبيذ معتق وقهوة تركي، وضحك وثرثرة ... يا لها من امرأة مدهشة ~~مدام مرجيولا! وبعد القهوة قالت للخادمة العجوز: احملي إلينا قنينة من نبيذ ~~الموسكا. # يا له من نبيذ رائع! ... لقد أخذت أحس بمفاصلي تنخدر، وكان الفراش إلى جواري ~~فتمددت قليلا لكي أدخن سيجارة، وأنا أرتشف من كأسي القطرات الأخيرة ذات ~~اللون العنبري، ومن خلال دخان الطبقا أخذت انظر إلى مدام مرجيولا، وهي جالسة على ~~مقعد في مواجهتي تلف لي السيجار، وقلت لها: حقا يا مدام مرجيولا، إن عينيك ~~رائعتان ... ولكني أريد ... ~~- ماذا؟ ~~- قهوة أخرى إذا كان ذلك لا يضايقك، ولكن أقل سكرا هذه المرة! # وأخذنا نضحك، وحملت الخادمة القهوة وقالت: يا سيدتي ... إنك هنا تتحدثين ولا ~~تعرفين ماذا يحدث في الخارج! ~~- ماذا هناك؟ ~~- لقد أخذت الرياح تهب وستدمر كل شيء! # وفي غمضة عين وقفت ونظرت في الساعة، فإذا بها العاشرة وثلاثة أرباع، وهكذا بدلا ~~من أن أمكث نصف ساعة في الفندق مكثت ساعتين ونصف، وهذا ما يحدث عندما نأخذ في ~~الثرثرة. ~~- فليحضروا لي حصاني! ~~- من؟ ... لقد نام السواس! ~~- إذن أذهب بنفسي إلى الحظيرة؟ # وقالت مدام مرجيولا وقد انفجرت ضاحكة، ووقفت بيني وبين الباب: لقد سحرتك ~~أسرة الحكمدار! # وفي رفق نحيتها عن طريقي ووصلت إلى الشرفة، وكان الجو مريعا حقا، ~~فالنيران التي أشعلها سائقو العربات قد انطفأت، والحيوانات والناس قد ناموا فوق ~~أكوام سيقان الذرة، وقد انكمش بعضهم إلى جوار بعض على الأرض، بينما أخذت الرياح ~~تنبح هائجة في الفضاء. # وصاحت مدام مرجيولا - وهي ترتعد، وقد أمسكت بيدي بقوة: «إن العاصفة في هياج، ~~ولست مجنونا لكي ترحل في مثل هذا الجو! اقض الليلة وسافر غدا في وضح ~~النهار.» ~~- هذا مستحيل. # وانتزعت يدي من يدها، واتجهت نحو الحظيرة، حيث أيقظت سائسا بعد عناء ~~وأخرجت حصاني، وبعد أن لسعته بالسوط قدته حتى المدخل وصعدت إلى الحجرة ~~لكي أودع مضيفتي فوجدتها ms046 جالسة فوق الفراش غارقة في أفكارها، وقد ~~أمسكت بين يديها بقلنسوتي تقلبها بلا انقطاع. # وطلبت منها الحساب فأجابت - وقد ركزت نظراتها إلى قاع قلنسوتي: ستدفع عند ~~عودتك. # ثم نهضت وقدمتها إلي، فأخذتها ووضعتها على رأسي منحرفة قليلا، ونظرت إلى ~~المرأة في عينيها التي كانت تلمع بشكل غريب وقلت لها: إنني أقبل عينيك ~~يا مدام مرجيولا. ~~- سفر سعيد. # وقفزت فوق السرج، وفتحت لي الخادمة باب الساحة وخرجت، وارتكزت بيدي اليسرى ~~فوق عجز الحصان، والتفت إلى الخلف، ومن خلف السياج العالي لمحت باب الغرفة ~~مفتوحا على مصراعيه، وفي فجوته شبح المرأة الأبيض، وقد قوست يديها فوق ~~حاجبيها. # وتركت حصاني يسير الهوينى، بينما أخذت أهمس بأغنية حب، حتى إذا أخذت ~~أدور حول السياج لأواصل طريقي، أخذت اللوحة تختفي عن ناظري، فصحت: هيا ~~فلنواصل السير، ورسمت علامة الصليب وعندئذ سمعت الباب يقرقع والقط ~~يموء، ولا ريب أن مضيفتي قد قدرت أنني لم أعد أراها، فدخلت بسرعة إلى ~~الدفء، وحشرت القط خلف الباب، القط الملعون الذي يحوم دائما حول الناس. # وكنت بلا ريب قد قطعت شوطا من الطريق، وكانت الرياح التي تزداد عنفا تهزني ~~فوق السرج، وفي السماء كانت السحب تتلو السحب وكلها سوداء، وكأنها تفر من غضب ~~السماء، وبعضها منخفض يطير نحو السهل، والبعض الآخر الأكثر ارتفاعا يتجه نحو ~~التلال والستار الذي تنشره كثيفا حينا، وخفيفا حينا يحجب - لزمن طويل - الشعاع ~~الضعيف الذي يرسله الهلال، وكان البرد والرطوبة يخترقاني، فأحس ببطن ساقي وذراعي ~~وهي تتجمد، ومن كثرة إحناء رأسي لكي أقاوم الريح التي تعوق تنفسي، أخذت ~~أحس بآلام في رقبتي وجبهتي وصدغي، بينما أخذت أذناي الملتهبتان تطنان، ~~وظننت أنني قد أسرفت في الشراب وأسدلت قلنسوتي فوق رقبتي، ورفعت جبهتي ~~إلى السماء، غير أن زمجرة السحب أخذت تنزل بي الدمار، وأحسست بالتهاب تحت ~~الضلوع من الناحية اليسرى، وأخذت أنشق في عمق الهواء المثلوج ... ولكن بصيصا من ~~ألم ملح أخذ يشق صدري، وخفضت ذقني، ولما كانت القلنسوة تشد على رأسي ~~كجراب من حديد، فقد خلعتها ووضعتها ms047 فوق سهم السرج، وأحسست بالمرض، لقد أخطأت ~~بالرحيل، لا بد أن بيت الحكمدار يورداكي نائم كله، ولا بد أنهم بعد طول ~~انتظار قد قدروا أنني لست مجنونا لكي أسافر في مثل هذا الجو، وأخذت أدفع ~~الحصان الذي كان هو الآخر يترنح وكأنه قد شرب مثلي. # وأخذت الريح تهدأ، ويخف الاكفهرار مؤذنا بالمطر، وساد صحو رمادي، ومن خلال ~~السحب أخذ يقطر رذاذ دقيق نافذ، فأعدت لبس قلنسوتي، وفجأة أخذ الدم يحرق ~~من جديد جدار جمجمتي، وأما الحصان فقد أخذ يلهث منهكا وقد أضنته الرياح، فأخذت ~~أستحثه بكعبي وألسعه بالسوط، فخف إلى الأمام بضع خطوات سريعة، ثم استعصى ~~ووقف تماما، وكأنه قد اصطدم بحاجز غير متوقع، ونظرت فلمحت فعلا على بضع ~~خطوات أمام الحصان شبحا يقفز ويثب ... أهو حيوان؟! ولكنه أي حيوان؟ حيوان وحشي؟ ... ~~ربما! لكن لا ... إنه بالغ الصغر ... وأمسكت بمسدسي وسمعت عندئذ - في وضوح - ~~مأمأة معزاة صغيرة، ودفعت الحصان قدر استطاعتي، ولكنه استدار ليعود واستعصى ورفض ~~المسير، فالمعزاة لا تزال هناك، وحملت الحصان على العودة، ولسعت جانبيه بالسوط ~~وشددت على المقود، فتقدم بضع خطوات، ولكن المعزاة لا تزال هناك! وكانت السحب قد ~~تبددت تماما تقريبا، فأصبحت أرى في وضوح، وإذا بها معزاة صغيرة سوداء، تغدو ~~وتروح وتضرب الأرض بحوافرها، ثم تنتصب فوق رجليها الخلفيتين، وتقفز إلى الأمام ~~وذقنها ملتصقا بصدرها، وجبهتها مرتفعة في هيئة الاستعداد للنطاح، وأخذت تقفز ~~قفزات عجيبة وتثغو وتأتي بأغرب الحركات، فنزلت على الحصان الذي رفض أن يستمر ~~في السير، وأمسكت بالمقود بالقرب من رأسه، وانحنيت قائلا: «بسي! بسي!» وبحركة من ~~يدي دعوت المعزاة، وكأنني أقدم لها شيئا من الردة، فاقتربت المعزاة دون أن ~~تتوقف عن الوثب، فاستعصى الحصان مفزعا وشد المقود لكي يتخلص من قبضة يدي، ~~وسقطت على ركبتي ولكني لم أفلت المقود من يدي، واقتربت المعزاة من يدي فإذا ~~بها جدي أسود لطيف جدا استطعت بسهولة أن أحمله؛ لأنه أليف، ووضعته في ~~الناحية اليمنى من الخرج فوق بعض الثياب، وعندئذ أخذ الحصان يهتز وترتعش جميع ms048 ~~أوصاله، وكأنما أخذته حمى الموت، وامتطيته فاندفع أمامه ذاهلا. # ولمدة طويلة ظل يندفع كالسهم قافزا فوق الحفر ومتخطيا الموانع وجذور ~~الشجر دون أن أستطيع إيقافه، أو تعرف الأماكن أو تبين الجهة التي يحملني ~~إليها، وخلال هذا الشوط السحيق الذي خاطرت أثناءه في كل لحظة بكسر رقبتي، وجسمي ~~مثلوج ورأسي تحترق، أخذت أفكر في الفراش الوثير الذي أعرضت عنه في حمق ... ~~لماذا؟ إن مدام مرجيولا كانت ستتخلى لي عن حجرتها، وإلا لما رجتني أن أبقى، ~~وأخذ الجدي يتحرك في الخرج لكي يهيئ لنفسه مكانا أفضل، وأخذت أنظر إليه ~~ورأسه الذكية تطل من الخرج، وهو الآخر ينظر إلي أيضا نظرة حكيمة، وتذكرت ~~عندئذ عيونا أخرى، وأدركت مدى حمقي، واصطدم الحصان فأرغمته على الوقوف، وأراد ~~أن يستأنف السير، ولكنه من شدة التعب خر على ركبتيه، وفجأة برقشت السحب ~~وانفرجت قليلا عن الهلال الذي أنزلت بي رؤيته الدوار، فكأنني قد تلقيت على ~~جبهتي ضربة هراوة، وقد كان أمامي وكأن بالسماء هلالين، فقد كنت متجها نحو التلال، ~~ومن الواجب أن يكون الهلال خلفي، وأدرت رأسي بسرعة لكي أرى القمر، القمر ~~الحقيقي ... لقد ضللت الطريق فأنا أنزل نحو السهل، أين أنا؟ ونظرت أمامي فرأيت ~~حقلا من الذرة لم تقطع بعد عيدانه، ومن خلفي رأيت حقولا واسعة، فرسمت علامة ~~الصليب مهتاجا، وبساقي المخدرتين غمزت جنبي الحصان؛ لكي أحمله على النهوض، ~~وعندئذ أحسست على طول ساقي اليمنى هزة قوية ... وانطلقت صيحة، لا بد أنني قد ~~دست الجدي، وفي سرعة تحسست الخرج فوجدته خاليا، لقد فقدت الجدي في الطريق، ~~ونهض الحصان وهز رأسه واسترد وعيه واستعصى، ثم جمح فألقاني على الأرض ~~وكأنما لدغته ذبابة شريرة، فانطلق يعدو في الحقول حتى اختفى في الظلام، وأفقت ~~ونهضت مترنحا، فسمعت حفيف أعواد الذرة، وصوت رجل قريب يصيح: «بسي! بسي! يا ابن ~~الحرام، اذهب إلى جهنم.» # فصحت: من هنا؟ ~~- رجل طيب. ~~- من أنت؟ ~~- جورجي. ~~- أي جورجي؟ ~~- نطروز ... جورجي نطروز الذي يحرس حقل الذرة. ~~- هل لك أن تدنو قريبا من هنا؟ ~~- نعم ... نعم ... أنا ms049 قادم. # وأخذ شبح الرجل يظهر بين أعواد الذرة. ~~- قل لي أيها الصديق ... أين نحن هنا؟ لقد ضللت الطريق بسبب العاصفة. ~~- إلى أين تريد أن تذهب؟ ~~- إلى بوبستي العليا. ~~- آه ... نعم ... أنا أعرف ... تريد أن تذهب إلى بيت الحكمدار يورداكي. ~~- نعم. ~~- في هذه الحالة لم تضل الطريق، وإن يكن أمامك بعد شوط طويل لتصل إلى بوبستي، ~~فأنت لا تزال عند هاكولستي. # فأجبت في مرح: إذا كنت عند هاكولوستي، فأنا إذن لست بعيدا عن فندق ~~مانيوالا. ~~- إنه إلى جوارنا ... فنحن الآن خلف الحظيرة. ~~- أرني الطريق لو سمحت، فلست أريد أن أكسر عنقي الآن. # كنت قد ضللت أربع ساعات تقريبا، وببضع خطوات وصلت إلى مدخل الفندق، وكانت حجرة ~~مدام مرجيولا مضاءة، وأشباح تنعكس صورها على الستائر، لعل مسافرا أكثر فطنة ~~مني قد اقتنص فرصة النوم على هذا الفراش البالغ النظافة، ومن الراجحة أن أضطر إلى ~~الاكتفاء بأريكة بالقرب من الفرن، ولكن الحظ ابتسم لي؛ فلم أكد أدق الباب حتى ~~سمع دقي، فأسرعت الخادم العجوز إلى فتح الباب، وما أن عبرت المدخل حتى أحست ~~قدماي بشيء طري، وإذا به الجدي، نفس الجدي فهو جدي مضيفتي، وقد دخل هو الآخر ~~إلى الغرفة وفي تعقل نام تحت الفراش. # شيء غريب! ... هل توقعت المرأة أنني سأعود! ... أم أنها نهضت مبكرة؟ فالفراش ~~مسوى كما كان. # وكل ما استطعت قوله هو: مدام مرجيولا. # وأردت أن أشكر الله على نجاة حياتي، فرفعت يدي اليمنى إلى جبهتي، ولكنها أمسكت في ~~سرعة بذراعي وأنزلته واحتضنتني بقوة. # ويخيل إلي أني ما زلت أرى تلك الحجرة، أي فراش! أية ستائر صغيرة! ... أية ~~جدران! أي سقف! كلها بيضاء كاللبن! ومصباح المائدة، وكل هذه المفارش المطرزة ~~برسوم متباينة كانت دافئة في دفء الجو الذي تهيئه الدجاجة لصغارها تحت جناحها، ثم ~~رائحة التفاح والكمثرى البرية! # وكنت سأستمر مقيما في فندق مانيوالا لزمن طويل آخر لولا أن حماي الحكمدار ~~يورداكي - قبض الله روحه - أتى صاخبا وانتزعني منه، ولقد هربت من بيته ثلاث مرات ~~قبل الخطبة لأعود إلى الفندق، ms050 حتى كان يوم قبض علي فيه هذا العجوز، الذي أراد ~~زوجا لابنته بأي ثمن، وكان القبض بواسطة أعوانه مكبل الأيدي والأرجل! وقادوني ~~إلى دير في الجبل حيث قضيت أربعين يوما في الصوم والتسبيح وحضور القداس، وخرجت ~~منه بعد التكفير لكي أخطب وأتزوج، وبعد ذلك بوقت طويل بينما كنت جالسا في ليلة ~~شتاء صافية أنا وحماي على نحو ما يحدث كثيرا بالريف وأمامنا زجاجة نبيذ، دخل حارس ~~المزرعة قادما من المدينة حيث كان يقوم ببعض المشتريات، وأخبرنا أن حريقا ~~فظيعا قد هدم عند الفجر قرية هاكولستي، وأن فندق مانيوالا قد احترق من أعلاه إلى ~~أسفله، ودفن تحت كومة من الفحم المحترق جثة مدام مرجيولا المسكينة. # وقال حماي - ضاحكا: وأخيرا التهمت النيران تلك الساحرة. # ورجاني حماي أن أقص عليه مرة أخرى وبعد مرات عديدة سابقة هذه الحكاية التي ~~سمعتوها، والحكمدار يقسم أن المرأة كانت قد وضعت في قلنسوتي عملا مسحورا، ~~وأن الجدي والقط كانا شيئا واحدا! # فقلت: كيف ذلك؟ # فأجاب: صدقني ... لقد كانت الشيطان نفسه. # وأجبت: ربما ... ولكني إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أن الشيطان قد يريد لك الخير ~~أحيانا! ~~- إنه يبدأ بذلك لكي يخدعك، ثم يقودك بعد ذلك إلى الهاوية التي يلقي بك ~~فيها. ~~- ولكن ماذا تعرف أنت عن ذلك؟ ~~- فأجاب العجوز: ليس هذا من شأنك، إن له قصة أخرى. # | باربي ديلا فرانسيا (1852-1918) # ينحدر ديلا فرانسيا من أسرة ريفية من البرجوازية الصغيرة؛ ولذلك احتفظ دائما بالحنين ~~إلى الحياة الريفية، يوجه به ما تثيره في نفسه ضجة العاصمة من مضاضة، وبالرغم من أنه ~~كان محاميا وخطيبا كبيرا ونائبا في البرلمان ووزيرا، إلا أنه يدين بشهرته لعمله ~~الأدبي، فقصصه وحكاياته التي ابتدأها في سنة 1883 بقصة «سلطانيكا» تبعث الحياة في القرية ~~الرومانية بكل ما فيها من شعر وصراعات درامية، وأما عندما يصور أخلاق المدينة، ~~فإنه يستهدف الكشف عما فيها من فساد ورذائل على نحو ما فعل في قصص «لانكوموروا» ~~و«الطفيليون» و«السيد موكيا»، و«الحاج تودوز»، و«اليوم السابق على الانتخاب» ... إلخ، ~~وأحيانا يتحول ديلا ms051 فرانسيا إلى شاعر مرهف في حكاية الذكريات على نحو ما فعل ~~عندما قص - في رشاقة وعاطفية - ذكريات طفولته في «الجد» و«الجدة». # وإذا كان نشاطه العام والسياسي قد استغرقه، فإنه قد عاد إلى الأدب حوالي سنة 1909؛ ~~لكي يقدم إليه «أغنية البجع» والثلاثية المسرحية «الغروب» و«العاصفة» و«إبريون»، وهي ~~مسرحيات تاريخية استوحاها من أحداث حكم إيتيين الكبير وخلفائه، وهذه الثلاثية لا تزال ~~تعتبر من روائع الأدب الدرامي الروماني. ~~(1) الحاج تودوز # 1 # عندما تعبر حي الصليب الحجري تجد نفسك في شارع فيتان، حيث تنهض على يساره ~~كنيسة سانت ترينيتيه، وهي كنيسة بالغة الجمال من الداخل ومن الخارج على ~~السواء، ولا يمكن أن تتمتع بمثل هذا الجمال إلا في الكنائس القديمة، وعندما ~~تلقي السمع إلى ما يقوله القسس، وبخاصة المتقدمون منهم في السن، وعندما ~~ينزل بك الدوار مما يقولون من عبارات الإعجاب، وهم يزعمون أن أصابع أيديهم ~~لا تكفي لكي يعدوا العجائب التي يزخر بها هذا المكان المقدس، وعندما يتوه ~~عجائز «السانت ترينيتيه» في حسابهم يحتدم بهم الغضب، بل ويعضون أصابعهم من ~~الغيظ؛ وذلك لأنهم يستخدمون طريقة خاصة في عد عجائب كنيستهم، إذ يبدءون ~~برفع أيديهم إلى مستوى عيونهم، ثم يضعون أصابعهم المنفرجة تحت أنفك، ويقولون ~~عند كل عبارة إعجاب: «وهذه واحدة»، ويبلون أصبعا في فمهم، وعندما تحتدم ~~المناقشة ينسون أنها أصابعهم فيعضونها، ثم تتحول المناقشة إلى مشاحنة، ~~والمشاحنة إلى شجار، والشجار إلى قطيعة! وكيف يستطيعون أن يتفقوا وكل منهم ~~يذكر ويمتدح ما يروقه هو لا ما يروق الآخرين؟ # وإذا لم تكن من أبناء المدينة تشممك - ككلاب الصيد - ثلاثة أو أربعة شيوخ ~~ممن يقضون وقتهم في الاستماع إلى غناء تلاميذ معلم المدرسة الشهير نيكوتزا، ~~فاغري الأفواه، وقلنسواتهم على قفاهم، وما أن يحسوا بأنك غريب وأنك لم ~~تزر كنيستهم، حتى يأخذوا في فرك أيديهم، ويأخذوا في السعال لتسليك ~~أصواتهم، وفي غير عجلة وبخطى وقورة يتقدمون إلى لقائك، ويستقبلونك جميعا ~~بنفس الألفاظ في نغمة ممطوطة، والرأس محنية إلى الخلف: «إنك لست من هنا ~~أيها الشاب ... أليس كذلك؟ ms052 لعلك أتيت في مهمة سارة؟ ولعلك تبقى حينا ~~طويلا؟ لا شك أنك أتيت لبعض الأعمال؟ ولكن ما رأيك في كنيستنا؟ نعم ... قل ~~رأيك بإخلاص فلن يقطع أحد رأسك.» # وإذا ساقك الحظ السيئ إلى الإدلاء بملاحظات عن تماثيل القديسين الهيكلية ~~المتصلة، وبعضها يحمل الرمح والبعض الحربة، ويمتطي البعض الحصان، بينما يقف ~~البعض الآخر على قدميه، وقد ربع ذراعيه على صدره حتى برزت الأيدي على ~~جانبي الصدر - لرأيت العجائز وقد رفعوا ذيول قفاطينهم؛ ليدسوها تحت أحزمتهم ~~الحمراء، ويقطعون عليك الحديث الذي ابتدأ يجري على لسانك قائلين: «نعم أيها ~~الشاب ... يوجد في العالم مصورون كبار للأيقونات، ولقد رأينا نحن - أيضا - ~~أمثالهم، ولكننا رأيناهم - أيضا - يجنحون نحو الوثنية، فيصورون ~~القديسين بعيون كعيون البشر وأيد وأقدام كأيدينا وأقدامنا، بينما ~~القديسون الحقيقيون هم هؤلاء الذين ألفنا رؤيتهم منذ نعومة أظفارنا، ~~وأما أنتم يا شباب اليوم فإنكم تسخرون من التقاليد ومن الكتب المقدسة بل ~~ومن القديسين أيضا.» # 2 # ذلك كان رأيهم في ولن تنساهم قط، وسأذكر خاصة عيني ناظر أملاك الكنيسة ~~المجعدتين، وهو يشرح لي لوحات الحوائط، ويضغط بسبابته على صور القديسين، ~~ويصعد التنهدات الكبيرة وكأنه يريد أن يبكي على العصور التي خلت وعلى ~~إيمان الماضي. # كانوا أربعة: ثلاثة منهم كانوا يرتدون معاطف طويلة، وقلنسوات ذات ظلال ~~مصقولة، ولكن كابيه ومجعدة، وأما الآخر الذي كان يسمونه الحاج المعلم، فكان ~~يرتدي معطفا قصيرا من قماش أصفر ناصل ملوث بالزيت، ومبرقش ببقع من ~~الشمع. # أما ناظر الأملاك فلم يتوقف عن الحديث، بينما كان الثلاثة الأخر يسخرون ~~مني وكأنهم يقولون: ماذا تنتظر لكي تعترف بهزيمتك! إن أحدا لا يستطيع أن ~~يقاوم ناظرنا الذي كم رأى من أصناف الناس، وكم مرت به من أحداث. # وقال هذا الأخير مهتاجا: «ماذا تريد أكثر من ذلك؟ أوما يروقك هذا ~~القديس بطرس ومنظره الشجاع فوق الحصان؟ وكيف يقتل هذا التنين الملعون وكأنه ~~لا يبذل مجهودا أكثر مما يبذل في سحق دودة؟ وها هو الشهيد مينا الذي يهزأ ~~من الماكر الشرير، وانظر إلى نيقولا الأسقف القديس ms053 وهامته المرفوعة في ~~نبل. # ألا ما أجمل وجه هذا الشيخ وأصفاه! آه يا بني! ستعيش بلا ريب زمنا آخر ~~طويلا، ولكن لن تتاح لك كثيرا فرصة رؤية مثل هذه الروائع! وأما ما تراه ~~اليوم، فالحرس الوطني بريش الدجاج المغموس في اللون الأحمر، وتن تن تن ... إلى ~~اليمين ... إلى اليسار ... انتباه ... مكانك سر! وأما الأماكن المقدسة ... يا ~~للخجل!» # وكان الناظر تلهث أنفاسه ووجهه محتقن؛ فاستسلمت إلى الصمت، والآن ها هو ~~دهيلز الكنيسة وها هي الشياطين التي تبلغ أظافرها ثلاثة أضعاف أصابعها طولا، ~~والرجال ذوو الشعر الأشعث، والملائكة النحاف الطوال، وفوق الجميع الرب نفسه ~~وسط السحب محاطا بقوس قزح. # ولم يعد الناظر يسيطر على نفسه، ووضع يديه فارتدت أكمامه حتى كتفيه، ~~واستأنف بصوت حاد: «انظر كيف تتشبث الشياطين بكفة الميزان التي وضع ~~فيها الأتقياء ولكن عبثا؛ لأن هذه الكفة سترتفع دائما إلى أعلى، فالعمل ~~الطيب يستطيع أن يرجح شيطانين بل أكثر، وأنت تدرك أن هؤلاء - وأشار بأصبعه ~~إلى صف من الرجال العراة البيض كالجليد الذين اتخذوا سبيلهم نحو الجنة - ~~إن هؤلاء كانوا الطيبين المحسنين الذين لم يطمعوا في مال غيرهم، ولم ~~يتمردوا ولم يسرقوا، ولم يتفوهوا عبثا باسم الرب، ولم يشدوا وثاقا ~~غليظا على كيس نقودهم لكي يحكموا تاجه كما يحدث اليوم.» # وخفض الحاج رأسه وجمع ذيل معطفه، بينما ابتسم الآخران من جديد، وكأن ~~ابتسامتهما الماكرة تريد أن تقول هذه المرة أيضا: إن ناظرنا يجيد الحديث ~~هيا! ... استسلم، لا تحاول أن تقاومه إذا كنت لا تريد أن تسحق ترابا. # واسترسل الناظر يقول: «وها هم الأغنياء الأشرار الذين سيشوون في نار جهنم، ~~وأكياسهم على أكتافهم، وقد ناءوا تحت ثقل ذهبهم وفضتهم. # وسعل الحاج وشد ظلة قلنسوته فوق عينيه، وأدار ظهره إلى لوحة يوم الحساب، ~~وهو يصيح مهددا بقبضة يده الأغنياء الأشرار السائرين في سكون إلى ~~الجحيم: «اجمعوا كنوزا في السماء! ... اجمعوا كنوزا في السماء، فإنه لمن ~~السهل أن يمر جبل من سم الخياط عن أن يدخل غني في ملكوت ~~السموات.» # وظل الناظر هكذا ms054 موجها قبضته نحو الحائط، بينما عرى الآخران رأسيهما، ~~ورسما علامة الصليب، وهما يتمتمان: «أيها الرب ! ... إن قدرتك ورحمتك لا ~~حدود لهما.» # وانسحب المعلم الحاج متسللا في هدوء وبطء واختفى، واستأنف الناظر ~~قائلا: «لقد انسحب الحاج ... انسحب ناجيا بنفسه، فهو لا يحب أن يسمع مثل هذا ~~الحديث، وهو لا يضع قط درهما في صندوق الكنيسة «الناظر لديه منها الكثير في ~~الصندوق»، وذلك بالرغم من أن لديه في بيته أكواما من القطع الذهبية ذات ~~الرنين، وهو يدفن في كل حين تحت الأرض قدورا مليئة بالأصفر الرنان، ومع ~~ذلك فليس له في دنياه إلا بنت أخت آواها عندما سافر للحج لكي تحرس بيته ~~الحقير، وهو لا يساهم قط في زواج فتاة أو تطهير بئر، ولا يدفع شيئا لتجميل ~~المذبح الذي يتلقى أمامه الزيت المقدس، آه ... يا له من شقي!» # واشتعلت المناقشة بعد ذلك فورا كأنها اللهب. ~~- الحاج يدفع ... هذا محال؟ وتساءل الناظر: لكأنكم لم تروه قط، وهو ~~يستلل إلى الحانات ومحال البقالة! فهو يدخل ويلتقط خلسة زيتونة يحملها إلى ~~فمه، ويدسها بين أضراسه، ويمضغها في هدوء، ما ثمن هذا الزيتون يا سيدي ~~العزيز فلان؟ ~~- كذا. ~~- هذا ثمن غال ... غال جدا في الوقت الحاضر، فالحياة صعبة، ثم ينصرف ~~ويدخل إلى الدكان المواجه، حيث يختلس قليلا من الكفيار، ويدسه بسرعة في فمه، ~~ثم ... هم ... هم ... ويمضغه في أناة. ~~- كم ثمن هذه البويضات السمكية؟ ~~- كذا ... ~~- هذا الثمن غال ... غال جدا ... والحياة صعبة ... ثم ينصرف ويدخل عند تاجر ~~اللحوم المملحة في الناصية. ~~- أرني قليلا من بضاعتك يا أخي ... وأنت تعرف أنني لم أعد أضع قدمي ~~في دكان فلان. # ويأخذ شريحة من اللحم ويزدردها. ~~- كم الثمن؟ ~~- بالنقود. ~~- كم؟ ~~- كذا. ~~- لقد أصبحت أثمانك لا تطاق والحياة صعبة. # وينصرف ويحس بالعطش؛ فيدخل عند تاجر المشروبات الروحية. ~~- أذقني قليلا من شرابك ... أي نوع منه لديك؟ # ويشفط ما تبقى في قاع زجاجة: جلو ... جلو ... جلو! ~~- إنه أردأ من الطافيا! ... من يستطيع أن يشرب هذا؟! ومن يدفع له ثمنا؟! ... ~~آه ... يا له من ms055 عصير! # ثم ينصرف، وهكذا يأكل الرجل ويروي ظمأه بينما بيته يطفح ثراء. # ويضحك العجائز: هي هي ... هو هو ... هي هي ... يضحكون حتى الدموع، وينطلقون في ~~الحديث بحماسة، وأحدهم أكثر دهاء من الآخر بغمزات عينه، وهما يلويان طرف ~~شاربيهما الواقفين كخطافين بيضاوين يهددان أنفهما. ~~- إن عنق حذائه يرجع عمره إلى أيام شبابه، وكعب حذائه عندما يتآكل يصلحه ~~بنفسه بواسطة قطعة من الجلد. ~~- في كل مرة يلقاني تتكرر نفس الحكاية: «أعطني سيجارة ... لقد نسيت صندوق ~~سجائري في البيت.» # تصور! إنه لم ينس شيئا على الإطلاق ... إنه يشرب العرق الذي يعده ~~بنفسه، إنه يجمعه في الصيف، ويجففه ويسحقه بين كفيه، ويحتفظ به في ~~خزانة، ثم يشرب طوال الشتاء ويسعل حتى تكاد روحه أن تزهق. # وسأل الناظر - وهو يضحك ويشد في شاربه: هل رأيتم قط ما تحت معطف الحاج؟ طبعا ~~لا، وسأحدثكم عنه، ففي أحد الأيام بعد انتهاء القداس جرى حديث، وكان هناك ~~عدد من الرجال وبعض السيدات، وظل الحاج صامتا على مقعد منعزل وكان يتربص ~~القطعة من الخبز المقدس، وأشار شماس ماكر؛ ليريه على الأرض وعند أقدامنا ~~قطعة صغيرة من النقود، ويقول له: «يخيل إلي يا سيدي الحاج أنها قد سقطت ~~منك، وأنت ذاهب إلى التناول»، ويقفز الحاج فورا ويقترب من القطعة، ويحدجها ~~بنظرة حادة تثبتها في مكانها حتى لتصعب زحزحتها ولو بالقدم، وأخيرا ~~يمد يده ولكن في لحظة انحنائه ليتناولها انفجرنا كلنا رجالا وسيدات ضاحكين ~~ونحن نقف من خلفه، فالحاج كان قد نسي في المنزل سرواله الداخلي، وبلغ ضحكنا ~~حدا لم يجرؤ معه أن ينحني ليلتقط قطعة النقود، فاكتفى بالنظر إليها طويلا ~~والدموع في عينيه، ثم غادر الكنيسة وهو يتمتم: «إنها نقودي! ... إنها ~~نقودي!» # واستنتج الشماس من بنت أخت الحاج أنه كان يأخذ منذ عشر سنوات قطعا من ~~قاع سرواله الداخلي لكي يرقعه بها عند الركبتين، وأن المعطف الذي كان ~~طويلا قد أخذ يقصر باستمرار؛ لأنه يجز منه قطعا يرقعه بها عند ~~الأكمام! # 3 # لم ير أحد قط مدخنة الحاج يتصاعد منها ms056 الدخان، فأثناء العاصف يتجمع ~~الجليد أكواما حتى يصل إلى ارتفاع السقف، ومياه الأنهار تتجمد كما تشاء ، ~~وكل هذا لا يعنيه، كما لا يعنيه أن يسقط البرد كالحجارة في قلب الشتاء، أو أن ~~تصل الحرارة في شهر يوليو إلى الحد الذي تصاب منها الكلاب بالسعار، فهو ~~يكتفي في الشتاء بأن يرتعد من البرد، وفي الصيف بأن يختنق من ~~الحرارة! # وفي كل عام عندما يأتي عيد الميلاد وتقترح عليه بنت أخته التي أواها أن يذبح ~~خنزيرا كما يفعل كل المسيحيين الطيبين، يرد عليها العجوز قائلا: «إنني ~~أشعر بكثير من الألم يا بنت أختي عندما أسمعه يطلق الصرخات، إن قلبي لينفطر ~~له حقا ولا حيلة لي في ذلك، فأنا شديد الحساسية.» ~~- إذن فلتشتره جاهزا. # وعندما كانت ليانا توجه إليه مثل هذا الحديث، وريقها يجري وهي تفكر في شحم ~~الخنزير، كان العجوز يرد في هدوء: خنزير ... إن لحمه كثير ... ويمكن أن يتلف ~~ونحن لسنا غير اثنين لنأكل منه. # وعندما يقترب عيد الفصح كانت تسأله: «هل سيكون لدينا نحن أيضا يا عمي بيض ~~أحمر من أجل العيد؟» ~~- يا للحماقة! ... بيض أحمر؟! أوليس من الأفضل أكله طازجا؟ ... بيض أحمر ~~نحتفظ به عدة أيام؟! ~~- فلنكتف بتلوين عدد قليل. ~~- إذا لم نلون إلا عددا قليلا، فإننا سنوقد النار عبثا، ونبذر ~~في اللون، أي سنرمي النقود! الزمان صعب يا ابنة أختي. ~~- إذن ... فقطعة مشوية من حمل. ~~- حمل؟! أي نوع من الحملان؟! ثم كيف؟ وللحمل رائحة النعاج ... وعيد الفصح ~~يقع هذا العام قريبا من الصيف. ~~- أتسمي هذا صيفا يا عم تيدوز؟ أوما ترى المطر والجليد؟ ~~- الجليد؟! كيف؟ ... إنه ليس جليدا، ~~فهو يذوب بسرعة وأنا أختنق من الحر ... أف ... ~~- وأنا أموت من البرد! ~~- تموتين من البرد؟ ... موتي ... وهكذا عرفتك دائما نهمة ... ناكرة للجميل. # وتصمت لينا وتعلج لجامها، وهي فقيرة ليس لها أحد في العالم. # تصمت لأنه عندما يغضب العجوز يصيح ويصك الباب، ثم يرتمي على السرير، ~~ويئن حتى منتصف الليل، ناسيا حتى أن يعطيها شيئا من الخبز. # ومنذ شبابه المبكر كان ms057 الحاج طفلا عاقلا «واعيا»، ولم يكن أحد يسمع ~~مناغاته، ولا صوت خطواته ... ولم يكن يستخدم حذاءه أو يمزق ثوبه، وعندما يمسك ~~بشيء يحكم قبضته عليه. # وبعد ذلك عمل صبيا في ورشة للأشرطة المطرزة، وكان يتحدث برشاقة وحرارة مع ~~رفاقه في العمل، ويقول: «منذ أن كان طولي لا يتجاوز طول حذاء وأنا أفهم كيف ~~يسير العالم، وقد أدركت أن خرقة من القماش يعثر عليها الإنسان في صندوق ~~زبالة تمثل عملا إنسانيا، ويمكن أن يمتلكها الإنسان إذا احتفظ بها في ~~عناية، وعندما كانت أمي تعطيني فلسا لكي أشتري فطيرا، كنت أبحث أولا في ~~حقيبة كتبي، فإذا وجدت فيها قطعة من الخبز اكتفيت بها، وهلا يشبع الخبز ~~الجوع، وإذن فلماذا الفطيرة؟ وكنت أدخر قطعة النقود ... قطعة من هنا، وقطعة ~~من هناك، وها أنا أجمع بسرعة عددا منها ... يمكنكم أن تضحكوا، ومع ذلك فمن ~~الممكن أن تجروا بين أيديكم قطعا من النقود، وسترون كيف ترطبكم في الحر ~~وتدفئكم في البرد، ويكفي أن تفكروا فيما يمكن أن تستخدم فيه النقود؛ لكي ~~تستشعروا نفس المتعة التي يمكن أن تستشعروها عندما تشترون بها فعلا شيئا ما، ~~وعندما يستشعر الإنسان المتعة، فما الداعي لتملك الشيء المشترى؟ # يمكنكم أن تضحكوا كما تشاءون، وأي شيء أكثر إشراقا من حفنة من القطع الذهبية ~~المبسوطة فوق مائدة؟ نعم يمكنكم أن تضحكوا ... يمكنكم أن تضحكوا حتى القهقهة، ~~فما أنتم إلا مبذرين لن تتذوقوا في حياتكم كلها المتعة الحقيقية. # وذات يوم لمحه صبي آخر ويداه ترتعشان، وعيناه تبرقان كلما تحدث عن ~~النقود، فقال له - ممازحا: «إنك يا رفيقي تجمع وتدخر، ثم يأتي يوم تطير ~~فيه مدخراتك، وعندئذ تستطيع أن تجري وراءها.» # وعندما سمع تيودوز هذه العبارات الآثمة، نهض واقفا على طرفي قدميه، وجمع ~~قبضة يده وحملها إلى فمه، وصاح مغلق العينين: «عندما تستطيع أن تدس الأرض ~~كلها في جيوبك ... عندئذ فقط ستستطيع أن تسرق نقودي! تأكد من ذلك! نعم ~~تأكد من ذلك! ثم إنني ليس لدي فلس واحد، وفي وقتنا الحاضر لا يستطيع ~~أحد ms058 أن يدخر شيئا على الإطلاق.» # كان تيودوز يعمل كثيرا ويجمع النقود، ولا يشرب ولا ينظر إلى بنات الحي، ولا ~~يأكل إلا الخبز مبللا بالنبيذ الرخيص، وبعد عشر سنوات كان قد استثمر جزءا ~~من ماله مع صاحب الورشة، وبعد ذلك بخمس سنوات أخرى أصبح شريكا معه ~~مناصفة. # وفي أثناء السنوات الأولى من تلك الشركة، كان قد نحف كثيرا وشحب لونه، ~~وفي سن الثلاثين كان يبدو شيخا والخوف والهموم أصابته بالمرض، ولكنه لم ~~يقرر التزام الفراش، وكان شريكه ومعلمه السابق يدعوه إلى مائدته لكي ~~يمكنه من استرداد قواه، وعندما كان يأكل لم يكن يترك إلا العظام بعد أن ~~ينظفها تماما. # وبهذا النظام في الأكل استرد صحته بسرعة، وذات يوم وبينما كانوا يتناولون ~~الإفطار على العشب؛ لكي يحتفلوا بعيد أول مايو، ويحتسون فيه العرق، سأله معلمه ~~عرضا: «قل لي يا تيودوز ... أوما تريد أن أبحث عن فتاة لطيفة مناسبة ومعها ~~بائنة محترمة؟ وذلك لأن الإنسان يعرف لماذا يعيش عندما يكون له طفل أو ~~طفلان.» ~~- مستحيل يا معلمي، مستحيل امرأة وأطفال يتطلبون غذاء وكساء وتعليما! ... ~~ليست لدي القدرة على ذلك، والقليل الذي أمتلكه مستثمر في العمل، والمال ~~الذي يستثمر في التجارة إنما يملكه جميع أولئك الذين يريدون أن ~~يخاتلوك! ~~- تيودوز يا بني! لا تقل هذا ... إنه خطيئة ... واحذر أن تجلب على نفسك الفأل ~~السيئ! # ولف معطفه حول صدره، وتمتم بنغمة الغارق في التفكير: الفأل السيئ! ... مستحيل ~~يا معلمي! الأطفال يتطلبون خبزا وملابس وتعليما، والمرأة ثيابا ونزهات ~~ومعطفا من الفرو، وجونلات محبوكة ... مستحيل يا معلمي! ... صدقني ... ~~مستحيل! # 4 # أي سعادة استشعرها الحاج يوم أن بقي السيد الوحيد في المشغل! ولقد أحس ~~أول الأمر بما يشبه الحمى، فوجنتاه مشتعلتان وكذلك رأسه، وهو يشعر بنمنمة في ~~عينيه، وفي كل لحظة كان يخرج إلى باب المشغل لكي يتأمله من الخارج ~~ويتفحصه من جميع جوانبه، ويقيس الحجرات، ويتأمل الجدران في عناية، ~~وأحيانا كان يقف على أطراف قدميه لكي يلقي نظرة فوق السقف، وكان المشغل ~~بالنسبة إليه كطفل جميل وردي ms059 الخدين، وكأب سعيد لديه ما يغدق عليه ~~حنانه أو كامرأة فاتنة، وهو المجنون الذي يرتمي تحت قدميها مغلق العينين خافق ~~القلب. # لقد تحقق حلمه، الحلم الوحيد الذي راوده طوال حياته، فهو السيد الوحيد ~~للدكان، وجميع بكرات الخيط ولفائفه وربطاته ملك له، وكذلك الأنوال ~~والفكاكات، وأكوام الصوف، وهو وحده القائم على الخزينة، كما أنه هو وحده ~~الذي يساوم ويحدد السعر، ويده هو وحده هي التي تلمس قطع النقود. # وفي أول مساء، بينما كان يغلق الأبواب والمتاريس، كانت عيناه تسبحان في ~~كل ناحية، ولا يكف عن زجر صبيانه. ~~- برفق! برفق انتبه! إن الأبواب ليست من حديد. # لا تصك المصاريع إنها ليست من حديد. # حاسب على الأقفال أيها الأخرق! إنها ... ثم حتى لو كانت ... هناك يايات ~~ومفاتيح وهي تتكلف المال. # وعاد أدراجه عشر مرات لكي يمعن في فحص حانوته، وأخيرا ألقى عليه ~~نظرة طويلة وابتسم له، وامتلأت عيناه بالدموع، ثم قرر أن ينصرف وهو ~~يتمتم: «حانوتي المسكين! ... إنه حزين هو أيضا بستائره المسدلة وبابه ~~المغلق، وكأنه رجل أغلق عينيه، ولكن عند الفجر فتحت عيناه ونوافذه أيضا، ~~ولاح الحانوت وكأنه يتكلم؛ لكي يجذب الزبائن ويرجو لهم صباحا طيبا، ~~ويدعوهم لكي يشتروا منه شيئا ... يا له من فاتن!» # وعاد الرجل إلى بيته مطأطئ الرأس أشعث الشوارب، وهو يجفف العرق الذي ~~يغطي جبهته، ويسرع في مشيته ثم يبطئ ويتلمظ ويسعل، وأخذ يتحدث وحده، ~~فهو يرى نفسه يجابه الجميع - الصبيان والعمال والحرفيين الصغار وتجار ~~الجملة - ويبتسم للبعض ويشد على يده، بينما يتشاجر مع آخرين، وفي النهاية ~~يتفق مع الجميع، فهو يقنعهم ويغريهم ويخدعهم، وها هو يصل إلى بيته ~~منهكا. # وعند مفترق طرق؛ حيث يتفرع طريق يتجه نحو جاليا فرجيلوي، يقبع منزل ~~الحاج في أقصى حديقة ملتفة، ويفتح باب الردهة ثم يغلقه، ويدير في سرعة ~~المفتاح مرتين، ثم يدخل حجرة صغيرة مظلمة، ويوقد شمعة ويجلس على الفراش ~~ورأسه بين يديه ومرفقاه على ركبتيه. # الجدران مشققة وصفراء، وكتل خشب السقف سوداء ومغطاة بطبقة من التراب، ~~وفوق الأيقونات صورة للقديسين، ms060 تكاد تكون ممحوة، والسرير مغطى بنوع من ~~السجاد الطويل الوبر، والمخطط بخطوط بيضاء وحمراء، وإلى الحائط، ~~أسندت وسادتان مليئتان بالقش، وعند مكان الرأس وسادة ثالثة مغطاة بكيس ~~قذر، والأرض مرصوفة بحجارة عارية وباردة، والحجرة حزينة مظلمة وكأنها قبر، ~~ومن الخارج لا يجرؤ الإنسان أن يلقي نظرة من خلال الزجاج الذي لا يتجاوز ربع ~~صفحة من الورق خوفا من أن يرى في الداخل جثثا ممدة على ظهرها. # وقفز الحاج وأطفأ الشمعة، قائلا: «لا داعي للتبذير، ولست في حاجة إلى الضوء ~~لكي أفكر! آه يا إلهي! يا إلهي! كم أنت طيب وحكيم، لو أن الشمس لم تكن ~~موجودة، فكم من الشموع كان يلزمني لكي أضيء الحانوت بالنهار! يا لها من ~~تكلفة!» ولم يكد يقر في الفراش حتى أخذت أنواع من الأفكار تغزوه ~~لذيذة ولطيفة أولا ثم قلقة وداكنة. # أي سعادة في أن أكون وحدي يا سيد الدكان! لقد كان المعلم رجلا ~~طيبا، ولكن مع ذلك مفتاحان للخزينة الواحدة، ويدان تتعاملان مع النقود، عشرون ~~إصبعا تتجول فوق قطع النقود، أربعة جيوش وحسابان مختلفان، من يدرينا! قد ~~يقع خطأ بسرعة، وقطع النقود بالغة الصغر، من الممكن أن تنزلق من بين ~~الأصابع، وتسقط في الجيب ... في الكيس ... في حشو الملابس ... لقد كان معلمه رجلا ~~طيبا شريفا، ولكنه كثيرا ما كان يتسامح مع العمال والموظفين والصبيان عندما ~~يكسرون، أو يتلفون شيئا في الحانوت، وإذا جاء شحاذ أو اثنان أو عشرون، ~~تكررت نفس الحكاية: «يجب إعطاؤهم شيئا ففي هذا بركة لأطفالنا، حسن جدا، ~~ولكن الحاج ليس له أطفال، ونصف المال المبذول كان ثمرة عمله، والنقود ملكه ~~ومتعته وسعادته، ثم إن المعلم كان يضطر إلى شراء ملابس وشمع لعيد الفصح، ~~كما أنه كان مضطرا أن يدفع للإحسان والأعياد الدينية عندما كان المعلم ~~يسحبه مرغما إلى الكنيسة ثم الصندوق! # أي فزع كان يوحى به للحاج! وكان الحساب واضحا، فوجبات الطعام يقدمها ~~المعلم، ومكانته عند الناس وسمعته لا تعوض إسرافه في الكرم، والملابس ~~الضرورية لتلبية دعوات الزيارة ... ونفقات الإحسان الباهظة، ms061 وفوق كل شيء عدم ~~خبرته في تجارة الأشرطة المطرزة. # ويتململ الحاج في فراشه، فسعادته أكبر من أن يتحملها، وهو لا يستطيع النوم، ~~فيضحك ويتنهد ويظل مستيقظا، ومع ذلك يحلم، ويا له من حلم رائع! ... آه! يا ~~ليته يدوم دائما! وفي هذا الجو الخانق وهذه الظلمة، كم يكون رائعا أن ينتصب ~~ليرى إلى جواره كومة من الذهب آخذة في الازدياد، وكأنها نهر يفيض على ~~شاطئيه، ويرتفع من القدمين حتى قمة الرأس ... آه! كم سيكون الحاج إذن مثلوج ~~الصدر؛ لأنه سيكون عندئذ قد رأى وجه الرب وخلوده قبل أن يسلم الروح، وإذا ~~جاءه الموت ممسكا منجلا من الذهب فإنه سيمسك شباته بكلتا يديه! # قطرات المطر تدق الزجاج والحاج ينتفض وليس هناك أحد، ويجفف العرق الذي ~~يتفصد من جبينه، وتلهث أنفاسه وكأنه يصعد تلا حاملا ثقلا على كتفيه ~~وقلبه يدق، فحلم الموت السعيد الذي رآه قد تحول فجأة إلى حياة مليئة ~~بالفزع، وتتساقط قطرات ثقيلة مجلجلة على الزجاج ... وفكرة أنه من الممكن أن ~~يسطو عليه أحد تجعله يقفز من الفراش ويوقد الشمع، وهو شاحب كقطعة من القماش ~~الأبيض، وشعره الطويل المشعث يتدلى في خصلات متناثرة فوق قفاه وفوق جبهته، ~~ويلقي نظرة إلى الأيقونات، ويرسم علامة الصليب ويتذكر الرب، نعم يتذكر ~~الرب، ويقول لنفسه: إنه إنما يشقى على الأرض بسبب الكسالى واللصوص، ~~وإذا سرقوه فإنهم لن يسرقوا الحقيبة ذات المائة ألف دينار المدسوسة تحت ~~الفراش فحسب، بل سيسرقون روحه، ويسرقونها عشرة آلاف مرة؛ لأنها منصهرة في كل ~~من القطع الذهبية، وهو لم يعرف قط معنى الأرقام عشرة ومائة وألف، فليست إلا ~~ألفاظا وأرقاما مرسومة على الورق أو محفورة، وفي العشرة آلاف قطعة ذهبية كان ~~قد وضع قلبه عشر مرات، فالمائة قطعة تحتوي على قلبه مائة مرة، والألف ألف ~~مرة، والمائة ألف لا تمثل بالنسبة له كومة من الذهب، بل مائة ألف من ~~أطفاله، وكل منهم يجسد ملامحه وجزءا من ذاته، وهذا هو السبب في توجه ~~أفكاره في تلك اللحظة نحو الرب. ~~«سأشعل المسرجة بالقرب ms062 من الأيقونات، وإن يكن الرب الرحيم يرى بالتأكيد ~~بوضوح حتى في الظلام»، قال ذلك الحاج وهو ينهض لكي يتجه بخطى تهزه نحو ~~الصور المقدسة. # وأخذ في عناية الزجاجة التي تستخدم كمسرجة، ووضعها على الفراش، وضغط ~~بأصابعه لكي يقيم الذبالة، وصب في الوعاء القذر محتوى الزياتة، وقاس بنظره ~~سمك طبقة الزيت قائلا: «إصبع من الزيت! إصبع! هذا كثير! ... هذا تبذير ... ~~النهار سيبزغ قريبا ... وجلالة الرب لن يستطيع أن يرى هذه الذبالة الصفراء، ~~عندما تغمر الشمس العالم بالضوء. # ووضع الزجاجة في طاسة من الفخار وسكب فيها ماء، فتسرب الزيت إلى قاع ~~الطاسة، ولم يبق منه في الزجاجة إلا طبقة في سمك شفرة السكين. # واندس الحاج تحت الغطاء وأخذت ذبالة المسرجة تقرقع وتئز، فاضطرب الحاج ~~وأخذ يطن بين شاربيه قائلا: «لماذا تقرقع؟» إنه سيئ، ومع ذلك فقد ~~وضعت ما يكفي من الزيت، لماذا تئز هذه الذبالة؟ ... المهم ألا تشتعل ~~النار في الدكان. # 5 # هكذا وصل الحاج إلى الشيخوخة، وكانت حياته سلسلة متصلة من العذاب، فهو لم يكن ~~يأكل أو يلبس تقريبا، وكان يعيش بغير نار وبغير وجبات ساخنة وبغير حب لأحد، ~~يرتعد عندما يمس شبح ساقيه ويرتج بابه في النهار، ويقوم بكافة الأعمال، ~~ويلوح بالليل في حجرته وفي ضوء الشمعة كشبح عظمي. # وفي أيام شيخوخته لاحظ أن تجارته في الأشرطة تتدهور؛ فصفى الدكان ~~وباع كل شيء. ~~«لقد كسبت مع ذلك لقمة العيش بالعمل المضني من سن الثامنة إلى سن ~~الستين.» # ولكن هذا الشيخ الذي لم يكن له من أصدقاء وأطفال وزوجة غير النقود المدخرة ~~والمخبأة بعناية، كانت تطارده فكرة وحيدة تسيطر على كافة أفكاره الأخرى، ~~وتنزل الاضطراب بسعادته. ~~«إن الرب يرى كل شيء، ويعطي كل إنسان جزاءه ... نعم! يرى كل شيء ... ولكن ~~ماذا يرى في الحقيقة؟ إنني لم أسرق أحدا، ولم آخذ مال الآخرين، إنه ~~يرى كل شيء، ويعطي كل إنسان وفق ما يستحق.» # وتذكر الحاج الأيقونات والعبارات التي سمعها في الكنيسة، فلماذا يعتبر ~~الغني آثما ما دام لم يسرق ولم يضرب أحدا؟ ms063 وإذا أعطى الأغنياء كل يوم ~~للفقراء، فإن الفقراء سيغتنون والأغنياء سيفتقرون، وماذا يمكن أن يكسب ~~الرب من ذلك ؟ وجسم الحاج لم يطلب قط المرأة، وشفتاه لم تلامسا قط ~~طفلا، ومعدته لم تشته أطباقا شهية، ومع ذلك فإنه مقضي عليه ألا يرى ~~في الأبدية وجه الرب المشرق.» # وذات يوم لم يعد الشيخ يستطيع مقاومة أفكاره، فاتخذ قرارا خطيرا «نعم ... ~~نعم، سأستجلب محبة الرب ... سأذهب إلى الحج في الأماكن المقدسة! أية تضحية ~~بعد هذه؟ ... الأماكن المقدسة؟ ... حيث توجد غابة الصليب المقدس ... ويستطيع ~~الإنسان أن «يسرح» بمن لم يحجوا باسم هذه الغابة المقدسة ... ولا بد أن ~~جميع الغابات هناك مقدسة.» # وسافر العجوز للحج وعاد بلقب حاج، ولكن أكثر قذارة منه عندما سافر، وفي كل ~~مرة طلب إليه أن يصف الأماكن التي زارها، كان يرد بالحديث عن المعجزات ~~التي تجري في غابة الصليب المقدس، فقد رأى بعينه مرضى بالجذام تشفيهم الغابة ~~المقدسة، فيكفي أن تمس جروحهم قطعة صغيرة، بل صغيرة جدا من خشبها لكي ~~تندمل الجراح، ويعود الجلد أملسا في المواضع التي لم تكن من قبل غير هبر ~~دامية، وراهب معتزل عاش عشر سنوات دون أن يأكل شيئا مكتفيا بأن يشم رائحة ~~الخشب المقدس، كما أن مجنونا استرد عقله عندما مست جبهته قطعة من الخشب ~~المقدس. # وبينما كان الحاج يقص تلك المعجزات، ويرسم الصليب باستمرار، كان يبيع قطعا ~~من الخشب المقدس للعجائز والأرامل. # ومع أنه قد سعد سعادة غامرة بعودته إلى كنف الرب، وغبطته باسترداده ~~المال الذي أنفقه في الحج، بل وتحقيق بعض الأرباح، فإنه مع ذلك كان يزمجر ~~ويدور ببصره في كل ناحية قائلا: «يا لها من تجارة رابحة وعمل مجز وثروة ~~يمكن جمعها! فخشب غابة الصليب يباع خيرا من الأشرطة! ومنذ أربعين عاما لو ~~أن دكانا اتخذ بيعها تجارة؛ لجرى الذهب إلى خزينته كالطوفان، وأما الآن ~~فالعالم يسوء يوما بعد يوم ... والإيمان يندر ... آه يا إلهي! يا إلهي!» # ورسم الحاج علامة الصليب مؤمنا بأن العالم يسير نحو الضياع! # ملعونة أيتها الشيخوخة! كم ms064 حملك ثقيل، فالسعال يأخذه مرات أكثر ويمكث معه ~~وقتا أطول، ودمه لم يعد يحتمل البرد، وذاكرته أخذت تهبط ، وفي مرات كثيرة ~~كان يتشاجر مع نفسه: هناك ثمانية آلاف. # لا بل عشرة آلاف! # كيف ... عشرة؟ # إذن، فلا بد أنه يوجد ثمانية في الناحية الأخرى. # كيف؟ مستحيل! لقد أجدت العد ليلة الأمس. # وأخذ سمعه يضعف أيضا، وإذا رفع صوته أخذه الخوف، وأخذ ينظر فورا في كل ~~ناحية قائلا: آه! أيها الحاج المغفل ... الصغير العقل ... إنك ترفع عقيرتك ~~كأنك تمتلك ثروة طائلة، ولكن لا ... إنك لا تملك شيئا! إنك في فقر أيوب! ~~وبينه وبين نفسه كان يردد: «إن لدي بعض المدخرات وهذا حق، ولكن من ~~الأفضل أن أوهم بأنني لا أمتلك فلسا واحدا.» # 6 # وحتى سن الثمانين لم يحدث للحاج شيء خطير، بل لم يصبه حتى ألم في ~~أسنانه، فإذا كان قد فقدها في الشيخوخة، فإن فقده لها قد تم بغير ألم إذ ~~سقط بعضها مع الخبز المقدد، والبعض الآخر مع لباب الخبز. # ولكن شتاء هذه السنة كان قاسيا، فالأشجار تقرقع في الحديقة، وفوق زجاج ~~الحاج ارتسم الجليد كأوراق الشجر العريضة الكثيفة، وعبثا كانت بنت أخته ~~تنظف بعض أجزاء هذا الزجاج، وعبثا كانت تكور فمها وتنفخ بنشاط، فبقع ~~الجليد كانت لا تلبث أن تتغطى بطبقة من الثلج. # ويصيح الحاج - وهو متدثر في ركن من الفراش: «انفخي بقوة أكثر»، وترد ~~البنت - وهي ترتعش رغم البطانية التي تلفها حول كتفيها: ها أنا أنفخ يا عمي ~~الحاج ... أنفخ ... ولكن البرد يخترقني وأنفاسي تتقطع، أعطني خشبا إذا كنت ~~لا تريد أن نتجمد قبل الغد. # ماذا؟ خشب؟ الآن؟ ... في هذا الوقت عندما يصل البرد إلى هذا الحد يتكلف ~~موقد من الخشب على الأقل قطعة من الذهب ... أتفهمين؟ قطعة من الذهب! # وتنسحب ليانا لتأكل في الغرفة المجاورة، ويبقى الحاج وحده، وكل ما حوله حزين ~~مظلم وبارد، وريح ثلجيته تتدافع في المدخنة، ولكنها لا تجد فيها حجرا ولا ~~رمادا. # ويرتعش الحاج ويمضغ قطعة الخبز، وتسري في ظهره رعشات من الثلج، ms065 ولا يعود يشعر ~~بما بين القدمين والركبتين. # وترتفع أكوام الجليد إلى مستوى النوافذ، وفي القرية كلها لا يسمع صوت ثان ~~ولا نباح كلب. # وينام الحاج على مرارة، وهو يقول لنفسه: إن الشتاء لو استمر بهذه القسوة ~~لن يستطيع أن يستغني عن الخشب، ولما كان الخشب غاليا، فإنه سيكون بلا شك ~~طريح الفراش عند نهاية الشتاء، ولكنه مع ذلك نام في النهاية، وإن ظل ~~يتفزز في فراشه، ويتقلب يمنة ويسرة، ويحلم طول الليل بأنه يتدفأ ~~على ذهب نار كبيرة. # وفي الصباح تجده بنت أخته نصف متجمد، وبالكاد وجد القوة اللازمة ليقول: ~~«ليانا ليانا ... أوقدي النار بسرعة، فسأموت من البرد»، ويمد لها يده بقطعة ~~صغيرة من الذهب، وهو مغلق العينين، والخجل يرادوه من أن القطعة الذهبية ستحس ~~بالسهولة التي يلقيها بها إلى الأيدي التي لا ترحم، ثم يطلق زفرة ينشق ~~لها القلب! # وها هي النار تئز في المدفئة، وترسل حرارة حية وتلقي بظلالها على الحائط ~~المواجه، والسقف يقرقع والجدران يغطيها البخار، وليانا تكشف سيقانها حتى ~~الركبتين التماسا للدفء أمام النار، ويخرج العجوز من تحت الغطاء ويتدفأ، ~~ولكنه مع ذلك يرتعش، وساقاه ترتجفان فهو منهك، ولأول مرة في حياته يموت ~~لهفة لكوب من الماء. # لماذا أتيت بكل هذا الخشب؟ ... إنه أكثر من اللازم! أكثر مما ينبغي! ~~ستضرمين النار في المنزل! آه ... الخبز لم يعد يكفيني، ولا أستطيع الوقوف ~~على قدمي. # وأجابت ليانا: «قد تكون مريضا يا عمي ... هل تود أن أستدعي أحدا؟ ... هناك ~~طبيب يسكن إلى جوار الصيدلي.» # وصاح الحاج: «لا يمكن أن يجرؤ أحد على تخطي عتبة داري ... وثمرة عملي طوال ~~حياتي كلها لن تكفي لدفع ثمن ما يكتبه الطبيب على جذاذة ورق! إنني في صحة ~~جيدة وقوي، ولم أشعر قط بأنني في مثل هذه الصحة!» # ولكن عندما حاول أن يخطو بضع خطوات انهار على الفراش في نفس اللحظة التي قال ~~فيها: «بالتأكيد! لم أشعر قط بأنني في مثل هذه الصحة!» # وبعد ثلاث ساعات من الحمى غادر الحاج الفراش، وقد ظهر عليه ms066 الهزال ~~والشحوب وغارت عيناه في محجريهما وتشعث شعره، وسألته ليانا في رفق ~~عما إذا كان في حاجة إلى شيء . # فأجاب في حزن: «أريد ... أريد حساء دجاج ... وعليه قليل من الليمون ... لكن لا ... ~~الليمون غال ... وعليه بضع نقط من حامض الليمون! واحذري أن تكون الدجاجة كبيرة، ~~فأنا أريدها صغيرة ولكن طرية.» # وفي المساء فرشت ليانا فوطة كبيرة فوق الفراش، ووضعت فوقها سلطانية مليئة ~~بالحساء الساخن، ومن هذا الحساء الدسم برز جناح دجاجة أصفر مذهبا، وعلى ~~حافة السلطانية وضع ملعقة من القصدير، وإلى جوارها وضع زجاجة بها قدر إصبعين ~~من النبيذ مغلقة بلفافة من الورق، وألقى الحاج نحو الفراش نظرة نهمة وجفف ~~جبهته، وقال في ندم عميق: «يا لها من نزوة طفل!» # لقد خيل إليه أنه قد صهر في يده سبيكة من الذهب، وسبكها في ~~السلطانية لكي يشفطها بعد ذلك بالملعقة! واقترب من الفراش وأخذ يأكل، وكان ~~يقرقع بلسانه وصدغاه يغوران، وحاجباه يتقطبان إلى حد يكاد يحجب عينيه، ~~وفجأة طرح الملعقة والتفت نحو ليانا صائحا: «أعطني ملعقة من الخشب ... ~~فلهذه طعم غريب.» # وخرجت ليانا لتحضر الملعقة المطلوبة والحساء يسيل لعابها، فتكتفي بازدراد ~~ريقها. # وأخذ الحاج يأكل في صخب، ولعدة ~~مرات صهل وبصق، ثم قال: «احملي هذا الحساء لم أعد أريده ... فأنا أحس ~~له بطعم الصدأ في أعماق حلقي ... إنه حامض ... ملحي ... إن طعمه رديء بشكل ~~مخيف! احمليه ... أسرعي ... أوما ترين أن ما آكله هو حياتي نفسها؟» # وتناولت ليانا السلطانية وحملتها. # وترك الحاج رأسه تسقط على الوسادة المحشوة بالقش، ولاح كأن جسمه كله ~~كريشة من لهب! ... يا لها من حروق! لقد أخذ يشعر كأن هوة سحيقة قد انفتحت ~~تحته وأنه سيخر فيها، وأن سقوطه في جوفها يزداد عمقا باستمرار، وفي ~~حلقه أخذ يحس طعم الذهب ودم الذهب، وأنه كالأب البائس الذي يأكل لحم ~~أطفاله. # وعندما عادت ليانا إلى الحجرة نهض على مرفقيه، وقال - بصوت هائج: «أطفئي ~~النار، وردي الجمر والرماد إلى التاجر! ارمي الحساء، ولكن ردي الريش ~~وما تبقى من قطع اللحم إلى ms067 مكانها، فأنا أريد أن أسترد على الأقل نصف ~~نقودي إن لم يكن كلها.» # وأخذ يجهش بالبكاء قائلا لنفسه: «أيها القاتل! ... أيها المجنون! أيها ~~الوغد! أوما تشبع أبدا؟!» وتحجرت ليانا في موضعها دون أن ترفع عنه ~~بصرها، وفي هذه اللحظة سمعت خلف الباب مواء قطتها، شريكتها في البؤس التي ~~تقتسم معها الجوع والبرد، والكائن الوحيد الذي استطاعت أن تدلله وأن ~~يعزيها. # وواربت ليانا الباب، فألقى الحاج نحوها نظرة مذعورة، وعندما رأى الحيوان ~~ينزلق من فتحة الباب، صاح: «اقطعوا ذنبها! ... اقطعوا ذنبها! هذا الذنب ~~الطويل، فهو الذي يحتاج إلى وقت طويل لكي يدخل الغرفة، فيدخل معه البرد، وفي ~~وجودها نفقة أكثر! أين البلطة؟ أريد أن أقطعه لها بنفسي»! ونهض، فارتجفت ساقاه ~~وانثنت ركبتاه، وأخذت جميع مفاصله تقرقع، وانثنى على نفسه، وأخذ يرمش بعينيه ~~الجاحظتين ويفغر فاه واسعا، وسقط على ظهره، وذعرت ليانا وعدت إلى خارج ~~المنزل وهي ترسم علامة الصليب. # وعندما هبط الليل أخذت ليانا ترقب خلف الباب، وهي ترتعد وقلبها يدق في قوة، ~~وأرادت أن تدخل المنزل، ولكن الخوف من أن تجده ميتا أو مجنونا شلها عن ~~الحركة، والريح تصفر في المزاريق، والجليد قد سد باب الدخول، والمدخل بارد ~~مظلم. # وحول منتصف الليل أحست كأن بحجرة الحاج شخصا يسحب نفسه على أربع، فمدت ~~أذنها سمعت في وضوح صوت قطع من النقود، فتمتمت قائلة: «إنه هو ... إنه لم ~~يمت! فالنقود تمد في حياته ... مسكين يا عمي الحاج!» # وبعد أن هدأت قليلا أخذت تتحسس في الظلام حتى وجدت مقبض الباب، وفتحت ~~دون أن تحدث صوتا وذهبت لتنام، وهي ترتفي في رف لعمها، قائلة: «آه المسكين! ~~كم هو غني!» # وفي صباح اليوم التالي عندما دخلت حجرة الحاج وجدته في قميص النوم ... قميص ~~بال ممزق، ووجهه نحو الأرض، وقد تمدد مغلق العينين فوق كومة من الذهب ~~وهو مغطى بالذهب، واتخذ من كومة أخرى من القطع الذهبية وسادة. # وعندما رأته بنت أخته أخذت تبكي. # ولكن فيما يشبه المعجزة اهتز الحاج مرتجفا، فصلصلت قطع الذهب على طول ms068 جسمه ~~من قدميه إلى جبهته، ورفع رأسه وفتح عينيه وأدار نحو ليانا نظرة خايبة، ثم ~~تمتم بعبارات غير مفهومة ، وعض الهواء بأضراسه العارية، واستطاع أن يقول: ~~لا تنظري ... اقفلي عينيك ... فالعينان أيضا تسرقان ... اقفلي عينيك.» # فتح فمه فانهار لسانه في حلقه، ومالت رأسه إلى ناحية وتصلبت ساقاه، ~~وتشنجت يداه بين قطع الذهب، ونام إلى الأبد مفتوح العينين، ومحدقا في ~~ليانا، وعندما غسلوه رأوا على ركبتيه وصدره وجبهته خاتم القطع الذهبية! ~~ولكنه كان من الشاق إسدال جفنيه دون خلعهما، فإغلاق عينيه المذعورتين كان ~~أمرا مستحيلا. # وأقامت له ليانا جنازة ضخمة ضمت عشرة قسيسين ومطرانا وعربة، وقربانا ~~وراية كنيسة الترينيتين وزهورا وشموعا وأقمشة حداد، حتى أخذ من شاهدوا تلك ~~الجنازة يقولون: «يا للجمال! يستطيع أن يكون راضيا.» # ومشت ليانا على رأس الموكب ومن خلفها عدد من الشيوخ، ومن بينهم ناظر أملاك ~~الكنيسة الذي سأله أحد الشيوخ قائلا: هل ترك ثروة كبيرة؟ فأجابه الناظر: ~~مليونا. ~~- كم؟ ... مليونا؟! ~~- مليون! أي عشرة من مئات الآلاف! ~~- مسكين أيها الحاج! ~~- لو أنه رأى كل ما أنفق على جنازته! # فقال أحد الشيوخ: «لمات.» # واخترقت العربة وهي تهز جلاجلها الفضية فناء الكنيسة، بينما كانت أصوات ~~خافتة تترنم بصلاة الموتى: «فلتخلد ذكراه ... فلتخلد ذكراه.» # | تيودور أرغيزي (1880) # يعتبر تيودور أرغيزي أكبر شاعر روماني بعد إيمينسكو، وقد دفعه القلق الأصيل في طبيعته ~~وسط ظروف المجتمع الروماني في سنة 1900 إلى أن يحيا حياة متنوعة متناقضة خصبة ~~التجارب، فعمل تباعا راهبا وصحفيا وحرفيا في رومانيا، أو في سويسرا حيث أقام ~~زمنا طويلا. # وقد كرس أرغيزي جهده - في حماسة حارة لا تخبو - للشعر، كلما فرغ من تحرير ~~تحقيقاته الصحفية الهادرة ضد مظالم وفساد الحكم البرجوازي، ومجموعة أشعاره الأولى «أقوال ~~متجانسة» سنة 1927، تبعتها مجموعات أخرى مثل: «أزهار العفونة»، و«أشعار المساء»، و«سبع ~~أغان»، و«الفم المغلق»، و«الأعشاب السيئة» ... إلخ. # وأخيرا الحلقتان الكبيرتان: «أغنية الإنسان» التي يحدد فيها أرغيزي وضعه التقدمي ~~في معركة ازدهار المجتمع الاشتراكي، و«حلقة 1907» التي يرسم فيها صورة درامية لثورات ~~الفلاحين سنة 1907، ويهاجم في عنف ms069 القمع الدموي الذي قوبلت به من الطبقات المسيطرة، ~~ولنذكر من بين مؤلفاته النثرية: «أيقونات من الخشب»، و«الباب الأسود»، و«لوحات من ~~مقاطعة كوتي»، و«كتاب اللعب» الذي يضم: «صور جديدة» و«ميداليات»، ثم روايات «عيون ~~العذراء»، و«جبانة البشرى»، و«لينا.» # وفي الشعر والنثر على السواء قلب أرغيزي التعبير الأدبي رأسا على عقب بأنه أضفى ~~عليه المعاني الجديدة النابعة من عبقريته الغنائية والساخرة، تشبيهاته الخام غير ~~المسبوقة، ووضع كل ذلك في خدمة نزعة إنسانية مكافحة محبة للبشر والطبيعة والزهور ~~والحيوانات. # وإلى جوار ميخائيل سادوفيانو - الذي توفي أخيرا - لا يزال الأكاديمي تيودور أرغيزي ~~الدائم النشاط، الكاتب الكلاسيكي الكبير في الأدب الروماني رغم تجاوزه الثمانين من ~~عمره. ~~(1) ميلا # كنت أدير مكتبة في مصيف تائه وسط البحيرات، وهناك كنت أقضي إجازات الدراسة حيث ~~أعيد بيع الكتب التي أكون قد اشتريتها أثناء العام مضافا إليها عدد آخر أحصل ~~عليه بالتخفيض، وكان كل ما أملك من الكتب لا يعدو ملء أربعة صناديق، وكانت مرصوصة ~~على رفين يضفي عليهما شيئا من الحيوية تمثال من الخزف، وفي هذا العام كنت قد ~~اشتريت أيضا نسرا رماديا ووعلا. # كانت ميلا ترتدي ثوبا طويلا من قطعة واحدة يلفها كأنه القفاز، وكان ثوبا ~~أسود محلى بأزرار من الصدف وينزل من عنقها إلى حذائها الذي يمسه، وكانت تأتي ~~منذ أربع سنوات كل أسبوع لتختار كتابا تقرأه، ثم ترده، وقد اعتادت كتبي لمس ~~أصابعها الشقراء الحانية وراحة يدها الوردية، وذات أصيل تأخرت وخبا الضوء وانتشر ~~الظلام. # وتهافتت الأحاديث متباطئة كأنها العربات المحملة بأعشاب من الظلال تجرها ~~ثيران هادئة، وأضاء مصباح في أحد الأدوار من الناحية الأخرى للطريق ثم مصباح آخر، ~~وأخذت واجهات المحلات تتلألأ، وأمواج من خيوط الذهب ترتسم على مسافة أبعد في واجهات ~~أخرى. # وخرجت من صمت لأستيقظ في قلب صمت آخر. # وفي مواجهة المكتبة، رفع جزار سكينا طويلة فوق فخذة خنزير مجففة لكي ~~يبدأ في تقطيعها بمجرد أن تصدر له التعليمات من سيدة ذات عوينات بمقبض، بينما ~~شاربه الأحمر يصفر في أذنيه. # ومثله كنت أتساءل: كيف ms070 أقطع الصمت المظلم في مكتبي؟ فقطعه يستثير الفكر، والفكر ~~يجلب الصمت، صمتا عميقا كالنوم، وتحت مصباح مجاور عكس فجأة شعاعه في زرقة ~~عينيها، لمحت دموع ميلا التي كانت تتساقط منذ وقت طويل دون أن أفطن إليها، وقد ~~دفنت وجهها بين يديها، وكأنها تمثال نافورة في بستان، وهي تبكي في ~~هدوء. # كانت دموعها بالنسبة إلي كأنين الزمن عندما يقترب الظلام، وكتنهدات الألفاظ ~~المرصعة في أشعة تمزقها الأظافر، وكأنها العصافير الجريحة التي تخلت عنها ~~روح معذبة. # لقد كانت الزهور والحقول والغابات هي التي تبكي، بل وربما أيضا مطر الخريف ~~الرمادي، وكأن جوقة من القيثارات ترتعد في الفضاء، وزهرات أقحوان الغابات اللدنة ~~تهتز فوق سيقانها الرهيفة، وكأنها لباب الذهب، وأشجار وهمية تلقي أوراقا ~~وهمية على مخمل الطريق الذي تجوبه رعشة صدى يتيم. # وخطر لي أن أدير محول الكهرباء الموجود إلى جانبي، ولكنني شعرت بيدي يغزوها خدر ~~عذب، وأحسست كأنني قد انغمست في ماء عميق فاتر هادئ لم تجرؤ ذراعاي أن تبرزا ~~منه، وكثف الظل وكأن كتبي وجميع أشيائي قد نشر فوقها بساط من الزغب والعشب ~~والحشائش. # وقالت أزهار النباتات المشعة للضوء: إن القمر سيظهر قريبا. # وقال الجراد الخفي: ستبرز أمام أبصارنا أبهاء ذات قباب، وبيوت على السفوح بأسقف ~~من القرميد، وستنشق لنا بحيرة زرقاء مغطاة بالأزهار، وستخترق الوعول ~~المستنقع؛ لكي تعود إلى مأواها. # ثم انظر ... ها هي الغزلان تقفز في الموج، وتتسقط بأذنيها همسات النسيم، ثم أنصت ~~إلى هذه الأغنية العميقة التي تشبه النواقيس الغرقى، والضفادع ذات الظهر التركوازي ~~تظهر في ضوء القمر فوق رعشة الموج. # وعن بعد علا صوت بوق في مكان محاط بجدران صخرية، وطرقات مزدانة بالزهور، ~~وحاول رجل يشد حزاما ذا مفاتيح أن يفتح في رفق الأبواب الحديدية الصامتة، ~~وخطت قدمه فوق الدرجات المخملية، وكنت هناك خالي النفس وسط كتبي كلها، وميلا إلى ~~جواري ساكنة متكئة على الأرفف، وقد توقف لساني كإبرة البندول، وكنت أخشى أن ~~أحركه، وكيف تستطيع ساعة توقفت أن تحدد الزمن وسط الليل، فالإنسان ينظر ~~فيه دون ms071 أن يرى، وكان وجه ميلا أبيض كالقماش وباردا، ومددت ذراعي لكي أضيء النور، ~~فاصطدمت يدي بكتفها إلى جواري، بينما امتدت يدها لتتحسس رأسي، وكأنها ~~تبحث عن قبس، وعندما تصبح الألفاظ عبثا تعرف الأيدي كيف تجد الألفاظ والأفكار ~~المناسبة. ~~- وسألت ميلا: لماذا تبكي؟ لماذا؟! ~~- أنا لا أعرف البكاء. ~~- ولكننا نبكي على غير وعي منا كالغرقى فوق جزيرة مظلمة. # ودخل زبون ضعيف البصر يتعثر في خطاه إلى الدكان فأعادنا إلى الواقع، وهو يقول: ~~«عفوا ... هل هنا أحد؟ ... إنني أريد مرجعا حسنا في الفلسفة العامة.» ~~(2) القط # لقد دخل المنزل منذ شهرين في انطلاق وبساطة، وبالرغم من أنها كانت أول مرة ~~يدخل فيها، فقد لاح كأنه يعرف الأماكن، وأنه قد امتلك يوما شيئا في هذا ~~المنزل، بدليل الألفة المتناهية التي كانت تلوح في نظرات عينيه الصفراوين، وثبات ~~خطوته المخملية المنسابة التي أخذ يجوب بها الحجرات وبفروته المخملية، وملكة ~~الملوك نفسها لا يمكن أن يكون لها مثل أقدامه الرقيقة، وخطوه الأرستقراطي الطلق، ~~والمشية العذبة التي يسير بها قطنا الضال. # من أين أتيت أيها القط الأسود كسواد الظلام، واللدن كالبخار المتصاعد من ~~الهوات الداكنة؟ وكيف اخترت مسكننا مأوى؟ وهل كنت عندنا من قبل أثناء ~~غيابنا أو نومنا أو رحلاتنا إلى البحيرات المكسوة بقصب الأعشاب؟ كيف هبطت إلى ~~هنا؟ # هل أرسلك أحد لا نعرفه يعنى بنا؟ # نياو! هكذا أجاب القط، وقد رفع نظراته المشعة من عينيه القمريتين نحونا ~~واثقا من أنها ستلتقي بنظراتنا، فالله قد منح جميع الكائنات التي خلقها وسيلة ~~للتفاهم، والأعين هدية السماء، وقد خلقت خارج إطار الدم واللحم، وكأن كل عين ~~زهرة تحمل في جوفها فتاتا من نجمة. # ما دمت قد أتيتنا فجأة؛ فأهلا بك يا مينو، انظر إلى هذه الأريكة، سأعطيها لك ~~هدية! وانظر إلى هذه المرآة التي ستتجمد أمامها! وفي هذا الإناء الفخاري المطلي ~~بالميناء، ستجد نبع ماء لفمك الصغير الشبيه بورقة القرنفل الوردية الشاحبة، وسيملؤه ~~لك الأطفال كل يوم بدلوهم البلوري، وها هم الأطفال. # وأجاب القط: مياو مياو! # وفراؤه المخملي يمتد ms072 على طول جسمه من الصدغ إلى الذنب، وهو يروح ويغدو حاكا ~~دفئه بسيقان الأطفال العارية. # والولد الذي لم ير القط من قبل في قمة الانفعال، بينما الطفلة مأخوذة بفرائه ~~الأسود كالليل، وبقفازات مخالبه الناعمة كريشة فنان، والجدة الأكثر خبرة في ~~كثير من الأشياء تضفي علي القط وفرائه فضيلة جلب السعادة. # ولم يتركنا القط، وفوق وسادة من الحرير الخفيف التي تشبه الظلال مطرزة بخيوط ~~من الذهب أخذ ينام ليلا ونهارا، وكأنه سيستريح طوال حياته من مشاق ثقيلة ~~أنهكته في حياته السابقة، ولما كنا نعمل بلا راحة، فقد سعدنا بأن نؤوي في ~~بيتنا عاشق الراحة والكسل الباسم، وقد زينا الحجرة التي ينام فيها قطنا ~~بأثمن ما نملك من مقدسات: الذبالة والكتب والأيقونات، وما احتفظنا به من مخلفات ~~الأجداد كساعة الحائط التي تدق الساعات في بطء كأنها ناقوس البرج، والأبسطة ~~الصوفية المخططة كأنها الطرق عندما تستحم بضوء الشمس، وشرابة حرير من المفرش ~~تداعب أذن القط، وكأنها فراشة سوداء نسيت على صدغه ذي الشوارب. # إنه يغزل كالمغزل، ويوشوش كالبحر، ويغني كالريح، ويصفر كسيقان القمح، على ~~نحو ما تنتحب الغابة، والماء ينساب منها، ويئن الصفصاف وتزمجر العاصفة، وهو في ~~نومه يضع أذنه على الأرض ليسمع مزهر العالم، وصوته يغني في كل شيء في السماء وفوق ~~الأرض، وفي الهاوية، وفوق القمم الضاربة في الفضاء، وحلمه يسمع كصدى قيثارات ~~المياه! ~~(3) شجرة العرائس # 1 # ما دمتم قد كنتم عقلاء، وما دمتم لم تدقوا اليوم الطبل بالعصي فوق الطست، وما ~~دمتم لم ترموا الأطباق من النافذة، وما دمتم لم تكسروا أسنان الأقلام التي أشحذها ~~بعناية كل يوم، وما دمتم لم تتركوا الصنابير مفتوحة تغرق البيت كله، وما ~~دمتم لم تلطخوا مقابض الأبواب بالمربى، وما دمتم لم ترموا في النار كيس طباقي، ~~وما دمتم لم تحاولوا إصلاح ساعتي بالشاكوش ولم تشووها بعد، ما دمتم لم تصنعوا من ~~حذائي حساء، وما دمتم لم تحدثوا خروقا وفتحات جديدة في ملابسي، فإنني سأصحبكم ~~معي! نعم ... هيا يا صغاري الأعزاء! البنت مع بابا، والولد ms073 مع ماما لنتنزه في ~~الحقول بصحبة كلبنا جريفي! # سنخترق أولا ستائر الأعشاب المجنونة، ونسير عبر غابات الشيح، وعبر دانتيللا براعم ~~الأقحوان الصفراء. # وبمجرد أن نخرج من هذه الجنة الوحشية، ستحس أقدامكم بعش القديس جان ~~ندوس على بساطه: أنا بأرجلي الكبيرة، وأنتم بكعوبكم الصغيرة التي تشبه قطع الخبز ~~المجمرة الوردية، ولا تلقوا علي أسئلة كثيرة في وقت واحد حتى لا أرتبك، ~~ولا تكونوا طلعة فتسألوا لماذا الأرض سوداء والعشب أخضر والسماء زرقاء؛ وذلك ~~لأنني لا أعرف شيئا عن ذلك إطلاقا! وستنطلق أمامنا عصافير، وقطا مستحيل الجسد، ~~وغربان كبيرة، فلا تسألوني كيف ولماذا تطير لأنني لا أعرف، ولا ترموني بالحجارة، ~~وإلا اختفيت في العشب، ورفضت أن أستمر في السير ما لم يعطني كل منكم عشر ~~قبلات صغيرة؛ واحدة على خدي، والثانية على الخد الآخر، وعلى الذقن، وعلى طول أذني، ~~وعلى عيني مغلقة. # ماذا كنت أقول؟ ... آه نعم ... تذكرت ... ما دمتم قد كنتم عقلاء، فسأريكم شيئا على ~~الناحية الأخرى من القناة، وهو الطاحونة، حيث ترون رجلا عجوزا ذا لحية من ~~الكتان وحواجب كالفرشة يطحن طوال النهار الدقيق الجيد لصنع الحلوى، ولن تأخذوا ~~في الصياح عندما نمر إلى جوار الطاحونة؛ لأن العجوز سيخرج إلى العتبة ويهددنا ~~بإصبعه الطويل كالعصا، وعندئذ سأرفع ساقي إلى عنقي! وإذا أمسك بكم العجوز فإنه ~~سيضطركم إلى صنع كرات صغيرة من دقيق الذرة لفئران الطاحونة، ولديه منها ما يقرب من ~~الثمانمائة! # وعند عبور القناة سأحملكما أنتما الاثنين على ظهري: أحدهما على الكتف الأيمن، ~~والآخر على الكتف الأيسر؛ لكي لا تمسك الكابوريا بأرجلكم، وتنغمس في صفحة ~~أقدامكما، وسترون في الماء بهيمة كبيرة وطفليها فوق ظهرها، منحنيين فوق ~~القناة، فلا تسألاني عنهم، ولا تسخرا مني، وإلا انحنيت في الماء على أربع، وعبرت في ~~هذا الوضع بكم القناة، وأنا أصيح «كواك كواك» مثل هذه الضفدعة التي أخرجت من ~~الماء خيطومها الأخضر لكي تضللنا وتخيفنا. # ثم إنني سأريكم شجرة تنمو فوقها العرائس؛ ولذلك سماها الناس «أبو العرائس»، ~~وليس لتلك العرائس أم، بل لهم أب ms074 فقط، ولكنكم لا تستطيعون أن تتصوروا أي أب ~~هو، بشواربه الاثني عشر، وذقونه الاثني عشر الشبيهة بذقون الجدي، وفي لون الجزر، ~~وعرائس الأسرة كلها في هيئة واحدة، فقد احمروا لطول بقائهم في الشمس! # وسأريكم غابة تصنع العرائس مكسوة بملابسها، مكسوة بسبعة قمصان بيضاء، ومن ~~فوقها شد الأب عباءة ذات لون أخضر فاتح، وسترون هذه العرائس واقفة على الشجرة ~~ملفوفة بملابسها «المكشكشة.» # سترون العرائس بشعورها الحمراء المجعدة وسنأخذها معنا، ونقص شعرها لنعطيها ~~ملابس أخرى؛ وذلك لأن شجرة العرائس شجرة ذكية، فهي تصنع أيضا لآلئ من العنبر ~~الأصفر التي تأكلها الأرانب بالليل في ضوء القمر. # ليس هذا إلا جزءا صغيرا جدا مما سأريه لكم، وإذا أراد بابا - ويجب أن يريد ~~وإلا ضربناه بجوارب ماما - فسأريكم أشياء أخرى كثيرة خلف النهر وخلف التل، وخلف ~~الأماكن التي يطن فيها النحل ويجأر الدب. ~~(4) سن سعيدة # على المائدة # الملعقة لا تمسك باليد اليسرى ... حاسب على الفوطة ... ستوسخها! ولست أدري ما ~~العمل؟ فالأطفال يوسخون خمسة أطقم من المفارش كل يوم! لقد قلت لك: إنك ستصيب ~~ملابسك بالبقع. # هيا ... ارفع كوعك فسينغمس في الصلصة، والخبز لا يقضم قضم الفئران، بل تؤخذ ~~منه كسرة، يؤكل اللباب مع القشرة! حاسب ... تمخط ... لقد فقدت منديلك مرة أخرى ... ~~هيا ... مخط أنفك بقوة ... مخطه مرة أخرى ... ألم تسمع؟ ... تمخط بكل قواك ~~أيها القذر الصغير ... هيا ... غيروا له طبقه! انظروا إلى هذا الخنزير ... ستأكل ما ~~قلت لك أن تأكله لا ما تريده، إن من يريد أن يصبح جميلا يجب أن يأكل الشعرية، ~~شدوا أذنه! يا إلهي ... لم أر قط أطفالا عصاة إلى هذا الحد، من الذي علمك ~~أيها الأبله أن تضع الصلصة البيضاء في «الكومبوت»! امسح فمك! لا ليس بكمك ~~أيها القذر بل بالفوطة! لقد لوثت وجهك حتى العينين، وبقيت الشعرية على ~~أنفك! لا! لا! اشرب ماء فالنبيذ ليس للأطفال، وستشرب منه في مقتبل العمر! # هل لك أن تسرني بأن تقلع عن «التكشير»، وإلا أخذت علقة على عجزك بدلا من ~~الكمثرى، فالكمثرى تقشر قبل ms075 أن تؤكل! # لا تمسك السكين هكذا، فستجرح نفسك ... هه! ... أخيرا ... لقد تعلمت كيف تقشر ~~الكمثرى، الفظ النفاية في الطبق ... هه! لقد أوشكت أن تختنق، وفي المرة القادمة لن ~~تستمع إلي فتكون الطامة. # لقد أكلت جيدا؟ ... قبل يدي وقل شكرا ... هيا ... قبل! ... لا بطرف شفتيك بل من ~~كل قلبك ... لا بونون الآن بل بعد فترة. # والآن اجلس هناك والعب في لطف أثناء تناولنا للغداء، إذا أردت أن أصحبك معي ~~للنزهة! اجلس هناك ... هل سمعت؟ ولا تتحرك، فسوف نقوم بنزهة جميلة ... أليس ~~كذلك؟ # في النزهة # ستجنني ... أين ومتى وسخت ثوبك؟ ألم أقل لك أن تظلي عاقلة أثناء ارتدائي ~~لملابسي؟ بأي حائط احتككت؟ وأنت ... ما هذا البنطلون المفكوك الأزرار؟ هل رأى ~~أحد مثل هذا؟ تعال هنا كي أنظف حذاءك! ما هذا الحذاء «المزيكاتي»؟ أوما ~~تخجل؟ لقد أضعت زرك «زرارك»! أعطني يدك كي نعبر الطريق، ولكن لا ... فأنت تريد ~~أن تدوسك العربات! لقد قلت لك ألف مرة أن تنظر إلى اليمين وإلى اليسار قبل أن ~~تعبر الطريق، وأن تعطيني يدك! هيا! تماسكوا بالأذرع وسيروا بلطف ... كيف؟ أوما ~~تريد أن تعطي ذراعك لأختك؟ أين أنت فيما تظن؟ أعطها ذراعك وفورا ولا تزعجني ~~بزمجرتك! ماذا قلت لك في أذنك؟ لماذا شتمتها أيها الوقح؟ اترك يدها كي ~~أضعك في هذا الركن، وستسرني بألا تتحرك من هنا حتى يأتي جندي المرور ليأخذك ~~منه! ... وأنفك ملصق بالزجاج ... يا للعجب! هذا الغلام الشقي يجب أن يترك وحيدا، وها ~~هو قد أخذ يتسلق السياج وسيمزق ثيابه، تعال هنا! أتسمعني! لا تضطرني إلى أن ~~أصيح! تعال هنا فورا وإلا أتيت أنا يا رأس البغل، خذ هذه فستعلمك أن تكون ~~أكثر طاعة! # لا لا! إنها ليست لك ... اغرب عني، بل لهذا الكلب، وإلا قفز عليك ووسخك! هيا! ~~اذهب أوما ترى كيف أن الكلب أعقل منك! لقد فهم وابتعد! # لا، لا بالونات تنفجر فورا، ولديك من المطاط كل ما تريد في البيت! لا لا! لا ~~داعي للطبلة، فقد أصبت أذني بالصمم! هيا! ارفع رأسك ms076 إلى أعلى! ما هذه الأكتاف ~~المحنية؟ أتريد أن تصبح أحدبا ؟ لا ... اترك هذه القمامة يا قذر ... مستحيل! هذه الزهور ~~ملك للبلدية، ولا تمش على العشب وإلا جاءك أبو الشوارب «وهبشك»، لا ... الإنسان لا ~~يشرب ماء المدينة! كيف ستأكل هذه الفطائر الملوثة، والملبن لديك في البيت خير من ~~هذا! واللعب لديك منها ما يكفي ... لا تلمسها فالملك يقيم هنا، أنت ثانية؟! ألا ~~أستطيع أن أنظر في واجهة دكان، الشيكولاتة تسبب ألما في المعدة! لا ... هذا ليس ~~للأطفال! لماذا تحك ساقيك هكذا؟ ... لا تستند على لوح الزجاج فستكسره ... ماذا تفعل ~~هناك؟ أخرج إصبعك من فمك! # إذا كنتم عقلاء وسرتم في لطف؛ فسنذهب إلى المنزل وسأقص عليكم حكاية الدب ~~والقنفد. # في المنزل # لا ... اغتسل أولا وسنرى بعد ذلك، اخلعوا ملابسهم وألبسوهم قميص النوم ~~وأعدوا الحمام بماء فاتر ... وتتكرر نفس الحكاية عندما تأتي عملية الاغتسال ... ~~هل رأى أحد قط إنسانا يأكل أو ينام قبل أن يبتسم؟ ... ما هذا بغير صابون؟ ماذا في ~~الصابون؟ هكذا بالصابون والماء الساخن! لا تبكي وإلا أصبحت قبيحة! فأنت ملحوسة ~~كالفأر الذي رأيته منذ أيام، اسكتي ستقلبين المائدة وتكسرين كل شيء! انتبهي إلى ~~المرآة، خذوها من يديها، لا تشدي المفرش، إنها الساعة السابعة والنصف ولم تذهبي ~~بعد إلى الفراش! في الساعة الثامنة يجب أن يكون الأطفال وسط الأحلام ... لا لا! نامي ~~سريعا! ليست هناك صور، ولقد قلت لك مع ذلك إنني سأعود إليك وأنت نائمة، ما ~~هذه الوسائد الملقاة على الأرض؟ أوما تخجلين من الضحك علي؟ إلى النوم فورا، ~~لماذا هذه الشقاوة؟ ... آه! وإنك ستتسلين بذلك ... هه ... خلاص! فأنا أنام. # أيها الشقي! انتظر قليلا حتى أنادي بابا! هيا يا بابا تعال ومعك حقيبتك، ~~وخذ هؤلاء الملاعين الذين لا يريدون أن يناموا! ماذا تقولين؟ ليس هنا ملاعين، ~~أوما تخجل من هذا؟ لا لا لا! سننام أولا، وسنقرر غدا متى نذهب للنزهة، نام ~~الولد الصغير وبين ذراعيه عروس عجوز من الخشب، والبنت تحتضن على صدرها قسيسا في ~~ثوب أحمر وقلنسوة ونظارات. # وقالت ms077 الأم: آه، كم أتعبوني ... هؤلاء العفاريت الصغار، وقال الأب: قبليهم ~~برفق لكيلا توقظيهم. # قال ذلك وهو يدخل غرفة النوم بمعطفه وطاقيته المبطنة وعصاه، ولنذهب سريعا إلى ~~المائدة فالساعة الآن التاسعة والنصف. ~~(5) خطاب عائلي # كان لدينا قديما في صندوق قبعات قديم دب من القطيفة لو لم يكن أصفر في لون ~~عباد الشمس لأصبح مخيفا، ولارتعد منه المخزن كله، وكان تحت أخشاب السقف أيضا ~~خروفان مجزوزان، وثلاثة أبقار كسيحة ومهر سكن هناك؛ لأنه من الخشب! # وكان دبنا إذن أصفر، وهذا اللون يجرد الأشياء من صرامتها ولا يخيف أحدا؛ ~~ولهذا اختارته الأزهار، وكان للدب فوق ذلك عينان من الزجاج تتجهان بنظراتهما ~~مباشرة إلى السقف، وأعتقد أن الآنسة الخياطة بعد أن كست الدب بست قطع من ~~القطيفة - التي فصلتها بمهارة - أخطأت في اختيار الصندوق، وعندما همت بتركيب ~~العينين، فبدلا من أن تأخذ عيني دب أخذت عيني حمامة! والدب فيما يبدو لي يجب ~~أن تكون نظرته شريرة، ومع ذلك فنظرة دبنا كانت مليئة بالطيبة. # كان الدب قد أقام هنا في المنزل عامين كاملين قبل أن يصعد إلى المخزن، ولكنه ~~كان يحدث من الأضرار ما اضطرني إلى أن أعزله، وهكذا استيقظ ذات صباح ليجد نفسه ~~في صندوق القبعات، بعد أن حاولت عبثا وبكل الطرق أن أرده إلى ~~الاستقامة. # فالخياطة عندما كست دبنا بقطيفة جاكتة مبطنة من مخلفات الجدة، لم يخطر ~~ببالها أنها بحبك هذا الكساء قد خلعت عليه دون أن تدري عيوبا لم تكن في الجاكتة، ~~ولا في القطيفة في الزمن الخالي، وأبو جميع الدببة الذي يتجول في الخفاء عبر ~~العالم، ويسهر على صغاره هناك بأعلى الجبل، حافرا لها كهوفا، ومدحرجا في الشتاء ~~كتلا من الصخر؛ ليوصد بها أبواب تلك الجحور، والذي يقلق صغاره أثناء نومها ~~ويمشطها، ويقص أظافرها بمنشار من الفضة يحتال لكي يمر بالدببة الصغيرة ذات ~~القطيفة المحاكة للأطفال، وبالفتيات الصغيرات الرقيقات الأنامل، ويخدشهم هنا ~~وهناك. # ودبنا قد اكتسب عادة السرقة الرديئة، ولم يكن يسرق إلا البونبون والشيكولاتة ~~والمربى والفواكه والملبن! وبمجرد أن يأتي ms078 بابا إلى المنزل، ومعه صندوق من الحلوى ~~كان يتشممه ويسرع في الإجهاز عليه دون أن يراه أحد. # من أكل الشيكولاتة؟ # فتصيح البنت والغلام معا في جوقة صائحين: إنه الدب! # لقد رآه الاثنان معا، وقبضا عليه مرات كثيرة وهو يحاول الهرب تحت الأريكة ~~ممسكا الصناديق بين ذراعيه، وذات يوم مزقا أذنه المحشوة بالقطن، وخلال عامين ~~كاملين التهم الدب بهذه الطريقة جميع المربى والحلوى والمشمش الأخضر ~~والبندق والليمون الحلو والفالوذج، ولكن من الواجب أن نقول: إنه لم يكن يأكل ~~السلطانية دفعة واحد، بل يأخذ منها قليلا كل مرة، وكان يتناول بضع ملاعق من ~~المربى، وحفنة بونبون يتلمظ بها قليلا قليلا. # وهكذا تقرر عزل اللص في المخزن كعقاب له، وللمحافظة بعد ذلك على المربى ~~وبونبون الأطفال، ولكنه استمر في السرقة التي ينزل لأجلها من المخزن، حقا ~~إننا لم نقابله قط على درج السلم؛ لأنه يحذرنا، وأما الأطفال فقد رأوه هم ~~ولعدة مرات، فهو يقترب مختلسا الخطى، ويفتح الدولاب وينزع الأغطية ويفرغ ~~السلاطين والصناديق، ثم يعود سريعا إلى جحره؛ وذلك لأن الدب لا يفكر في ~~الاختفاء من الأطفال، وكان نفيه إلى المخزن ضرورة حتمية بعد أن تبين أن الجمل ~~الصغير المجعد قد انتقلت إليه العدوى من الدب، فأخذ هو الآخر يأكل ~~السكر. # والكرة حذت حذو الجمل، فأخذت تتذوق هي الأخرى المربى المسروقة والبونبون ~~والفطائر، بل يلوح أن الدب لم يأكل قط قدر ما أخذت تأكل جميع الكرات التي تهجم ~~الآن على السلاطين والصناديق وتفرغها بسرعة. # وبابا لم يعاقب الدب أو الجمل أو الكرات؛ لأنه يعلم أنها لا بد أن تنمو كما ~~أن الدواليب لا تغلق بالمفتاح، بل وغطاء صناديق البونبون مرفوع قليلا، وورق ~~السلفان الذي يغطي سلاطين المربى غير مربوط؛ وذلك لأن الكرات ليس لها أصابع ~~تحل بها الخيط وتفتح الدواليب، ومع ذلك فبابا سيتربص أحد الأيام في الدولاب ~~نفسه، وعندما يأتي الدب والجمل في هدوء لكي يتمتعا وبين مخالبهما ملعقة صغيرة، ~~سيجدون بابا مختفيا بين سلاطين المربى، ولست أدري من الذي سيتملكه الخوف ms079 أكثر ~~من الآخرين عندئذ ويولي الأدبار: الجمل أم الدب أم بابا؟ # سأكتب لكم بما يتم. ~~(6) الرجل المسكين # كنا نعرفه شقيا بائسا، وقد اعتدنا حالته الاجتماعية الثابتة إلى الأبد، كأحد ~~حروف الأبجدية، فهو مثقل بالهموم، ويستنشق حزنا عميقا. # ولم يكن يعرف كلما التقينا به حديثا غير حديث الظلم الأبدي الذي وقع فريسة ~~له، والمضايقات العديدة التي لا بد أن يخوض فيها كل يوم وكأنها البرك أثناء ~~غدوه ورواحه، والرجل المسكين كان يعمل مدرسا أو موظفا أو صحفيا أو بغير ~~مهنة محددة، وكان الرجل المسكين مشتتا ومجمعا، وكثيرا ما نلتقي في كافة ~~الطرقات وكافة الأيام بمثل هذا الرجل المسكين المسحوق بين العربات التي خرجت عن ~~شريط الحياة. # وذات يوم بينما كنا نكدح مع عائلتنا في نزهة يوم أحد على الأقدام بعيدا عن ~~المدينة، مر الرجل المسكين إلى جوارنا في سيارة فخمة، وكل من أفراد أسرته يحمل ~~مخلاة محشوة بالمأكولات، وقد أغرق أشباحنا في تراب الطريق، وأوشك أن يدوسنا، وعند ~~عبوره بنا لمحنا ولاح متأثرا، من كان بالسيارة؟! يلوح أنه قد ~~حيانا! # وبعد أيام قليلة قابلنا الرجل المسكين سائرا على قدميه في المدينة مقوسا ~~ممزق الثياب خابي النظرة، وكان يحمل تحت ذراعه حقيبة مليئة بالكتب، وقد أوضح لنا ~~- دون أن نطلب منه شيئا - كيف ولماذا كان يوم الأحد الماضي في سيارة فخمة، وقد ~~شل معارضتنا بإلحاح، فأكد أنها كانت عربة أحد أصدقائه، وهو رجل ثري يضعها ~~أحيانا تحت تصرفه لكي يمكنه هو وأسرته من الذهاب إلى الجبل؛ لاستنشاق قليل من ~~الهواء، وقد انتهز الفرصة لكي يصل إلى مصيف بوستيلي في الجبل، وعاد في نفس المساء ~~إلى بوخارست، والخوف يسيطر عليه من وقوع حادثة، لا بالنسبة له ولا بالنسبة لقبيلته ~~العائلية، بل بالنسبة للسيارة، وكان قد تعلم القيادة لحسن الحظ، وكان مثالا ~~للحذر، فعند انحناءات الطريق كان يهدئ إلى أقل سرعة ممكنة، وكذلك عند ملتقى ~~الطرق، وكان مالك العربة رجلا ثريا وكريما، فكان يعطيه البنزين نفسه مجانا؛ ~~لكي يجعل النزهة أقل ما تكون كلفة ms080 عليه، وأما فيما عدا ذلك، فالأمور تأخذ ~~مجراها العام، ولما كان الرجل المسكين لا بد له من أن يأكل في بيته، فقد ~~نقل ببساطة وجبته من العاصمة إلى الجبل. # وفي يوم آخر أخذ الرجل المسكين يبني بيتا، ووجدناه يصيح بالأوامر وسط الجرادل ~~والحفر المملوءة بالجير على حافة رصيف، ويقسم كالوثني، وعند رؤيته لنا تحول ~~إلى رجل ودود لطيف، ولاح خجولا، ولكن في غير اضطراب، ورأى أن يقدم لنا تفسيرات ~~مؤصلة، فامرأته قد ورثت من عم بعيد مات بغير وارث مباشر، ولو كانت التركة ~~متواضعة، لما منع ذلك الأسرة من أن تتشجع، فتذكر أن لها صديقا بالغ الغنى ~~كان قد وعدها بقطعة أرض صغيرة للبناء عن طريق القرض، على أن ترده عندما تستطيع ~~دون أن يضع أحد السكين على عنقها، وأما الطوب فقد استعاره من صاحب مصنع ~~كانت أحواله على غير ما يرام، وقد حصل منه أيضا على الخشب والجير، وعندئذ لم ير ~~ضيرا في أن يبدأ العمل، وأن يسير في المهمة، فالنجاح يصل إليه الإنسان دائما ~~بقوة الإرادة والنشاط؛ وخاصة مع الإيمان بالله، وكوخ يملكه الإنسان في نهاية ~~حياة كادحة، أوما يستحقه رجل مسكين؟ وما دام قد أخذ في بنائه فليجعله أكبر ~~اتساعا حتى ينجزه في وقت أسرع، وكان يضم سبع شقق، وأضاف الرجل المسكين: لا ~~بأس! شيء قد بني باقتصاد شديد وبأقل قدر من المواد. # الرجل المسكين هنا والرجل المسكين هناك، وفي كل مكان يحاول الرجل المسكين أن ~~يخفف ولو قليلا من بؤسه في فترة أزمة لم ير لها مثيل من قبل، وبطريق غير ~~محسوس لم يعد رجلا مسكينا وأصبح رجلا وقحا ثرثارا، يمتدح الشرف والاقتصاد وروح ~~التنظيم والعمل والمثابرة، وجميع الفضائل التي يستخدمها رجل مسكين لكي يمتلك منزلا ~~كبيرا وعربة كبيرة وأرضا واسعة وثروة ضخمة، بريئا عندما يسرق، وجريئا ~~عندما يصل إلى هدفه. # الرجل المسكين! ماذا تريدون؟ إنه يفعل ما يستطيع. ~~(7) ماريا نيكيفور # اتهمت بالسرقة من أسيادها ماريا نيكيفور الأبية، المنتمية إلى مقاطعة ~~أولكينيا، ذات المظهر الذي يشبه ms081 مظهر سيدات المجتمع، وألقيت في السجن وهي حامل ~~دون دليل يدينها، غير القرائن التي ساقتها ضدها طبيعتها الصامتة وفمها المغلق في ~~عناد، واقتيدت ماريا إلى عنبر النساء، كالمهر الضال وسط قطيع من الجاموس ~~الغارق في الأوحال. # وعند العتبة ارتدت خطوة وشدت قبضة يدها كأنها ستضرب، فدفعها الحارس برفق في ~~عنبر النساء، ولكنها دخلت في تردد متسللة حتى نهاية العنبر، وكأنها على ~~حافة معجنة الوحل، لا ينبغي أن توضع القدم على حافتها إلا في حذر. # ودعتها القديمات في المهنة قائلات: «هيا يا منافقة! إذا كنت لم تخجلي من ~~السرقة، فلا ينبغي أن تتحرجي منها! هيا! أقدمي، وحدثينا كيف ضربت ~~الضربة!» # وحاصرتها تلك الطغمة من النساء ذوات الأوجه الكريهة التي تتفاوت بين الانحلال ~~والحيوانية، وقد جلسن في حلقة داخل العنبر يقشرن البسلة، ورأت ماريا نفسها ~~مضطرة إلى أن تودع لفة ملابسها عند الحارسة، وقد وضعت فيها رداءها الجميل ~~الخاص بجبال جورج ومنديلها الهفاف، الذي كان يعطيها يوم الأحد هيئة ملكة منحدرة ~~من مملكة الغزلان والوعول بين خادمات بوخارست، وأخذت أصابعها تسرد حبات البسلة ~~وكأنها المسبحة، وانتهى الموسم وجاء دور الكرنب والطماطم والخيار، وأخذت ~~ماريا تقشر خضروات الشتاء في غير تململ، وكان صوت يصيح من وقت إلى آخر: «إذن يا ~~ماريا، هل سرقت أم لا؟ ... يلوح أنك قد سرقت مفارش من أسيادك.» # وردت ماريا - وهي ترسم علامة الصليب: أنا أسرق مفارش؟! لعنكن الله. # ومر الخريف ثم الشتاء كله، وفي الربيع وضعت ماريا طفلا كان أول طفل ~~يولد في هذا السجن، وكانت محجوزة منذ سبعة أشهر دون أن تستدعى للتحقيق، وقد ~~حرك نبأ ميلاد كائن إنساني في السجن انفعالا جديدا في قلب ثمانمائة سجين، وقد ~~كان هناك لصوص عتاة مكبلو الأيدي والأرجل يجرون قيودهم منذ سنوات متعثرين فيها، ~~وكأنهم بروميتيوس الهارب من صخرة عذاب، والقتلة الخطرون، والنشالون ~~النصابون، والمحتالون الخبثاء بقلنسواتهم المخططة، وطاقيات المحكوم عليهم ~~بالأشغال الشاقة، وجميعهم عندما وصل إلى العالم، هذا الكائن الغريب، ونزل في وسطهم، ~~أحسوا بموجة من الحرارة تغمرهم، وبخدر ms082 باسم يدب في طبيعتهم الوحشية، ورأوا ~~في هذا الكائن الرهيف يدا تمتد إليهم من الله. # وتم التعميد بعد القداس في كنيسة السجن في حضور جميع المجرمين الذين رددوا ~~الترانيم، وغنوا النشيد للرب، وترنموا بصوت ناعم كالقطيفة: «أيتها العذراء ~~المقدسة، يا أم الرب، امنحينا رحمتك»، وكان القسيس الذي قدم من القرية ليباشر ~~الشعائر هو المواطن الوحيد الحر، وأما بقية الجوقة من مغنين وشماسين ومؤمنين ~~فكانوا من المحكوم عليهم بعقوبات تمتد من سنة حبس إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ~~فهم يمثلون جميع مواد قانون العقوبات. # وتلقى الطفل هدايا عديدة، فقدمت له ملاعق من الخشب مصنوعة في السجن، ~~وحمالات بيض جميلة النقش، ومسبحات مصنوعة من شعر أشقر، ولآلئ من لباب الخبز ~~حمراء اللون ملونة بالماء المنساب من ميازيب السقف، المطلية باللون ~~الأحمر! # وأعطاه ميتيتا صانع القيثارات قيثارة جديدة صنعها له خصيصا، واللص ~~ماراكينيانو مبسما وشمعدانا، بينما أهداه مزور نقود فلسا من الفضة الحقيقية، ~~معلقا في خيط من الحرير كبركة. # وحوالي عيد الفصح أخذت ماريا تستفيد من بعض المزايا، والإدارة ابتدأت تشك في ~~إدانتها، فمنحتها حق التنزه في فناء السجن، حيث كانت تخرج وطفلها بين ~~ذراعيها وكأنها العذراء، وكانت إدارة السجن تحترم وضعها كأم احتراما مشوبا ~~بالقلق، وما كان المسجونون يرونها تظهر تحت الأشجار حتى يتملكهم خوف ~~غريزي. # ومر عام ونصف على هذا النحو، وكان من الممكن أن تمر الحياة كلها، لو أن إدارة ~~السجن لم تنه من خلال الروتين المعقد، إلى كتبة النيابة أنهم قد نسوا أن ~~هناك امرأة ومعها طفل ما زالت موجودة بالسجن ولم تقدم للمحاكمة، ولعدم وجود أدلة ~~في الملف حكم عليها بالحبس خمسة عشر يوما، وفي الواقع أنه كان من الصعب ~~الإفراج ببساطة عن امرأة متهمة بالسرقة، وبعد المحاكمة عرف أن أسيادها ~~السابقين قد وجدوا المفارش المذكورة في دولاب كانوا قد دسوها فيه عند عودتهم من ~~المرقص. # واستمعت ماريا إلى الحكم دون أن ترفع بصرها عن ثديها الذي كان يرضع منه طفل ~~متورد يقرقع بشفتيه، أزرق العينين عميقهما. # وكانت سعيدة ms083 بفكرة أنها ستستطيع بعد خمسة عشر يوما، أن تحمل طفلها الحبيب ~~خارج تلك الأقبية والأبواب المغلقة في السجن. # وفي اليوم السادس عشر ودعت اللصوص نساء ورجالا، وأسندت رأس طفلها على ~~كتفها المطرز بحرير قميصها، وأخذت لفافة ملابسها، وتوجهت نحو مكاتب الإدارة حيث ~~قال لها الموظف المختص: «إن أمر الإفراج لم يصل بعد، وليس لك إلا أن ~~تنتظري، فهو لن يتأخر»، وانتظرت ماريا ساعة وأخرى، ثم جاء وقت الغداء. ~~- ألم يصل ذلك الذي تحدثت عنه. ~~- لم يصل بعد. # وهكذا انتظرت حتى وقت العشاء، ثم يوما آخر ... ثم اثني عشر يوما! ومات الطفل ~~الذي كان قد سقط مريضا في تلك الأثناء، وفي اليوم الثالث عشر ترك الطفل السجن ~~وحده محمولا إلى المقبرة في نعش يجره حصان واحد، وبقيت ماريا بلفافة ملابسها، ~~والهدايا التي كانت قد قدمت للطفل في السجن ذي الأقفال الثقيلة، وفي اليوم ~~الخامس عشر وصل الأمر، فقد كانوا قد نسوها للمرة الثانية! # وعند عتبة باب السجن الكبير، ترنحت ماريا نيكيفور وانهار وجهها، وعجزت عن أن ~~تتم الخطوة التي بدأتها، وتجمدت أمام الأسوار ذات المخابئ العالية التي يكمن ~~فيها الحراس، ومن فوقها ترتفع قباب الكنيسة، وأكثر علوا قبة السماء البيضاء في ~~الخريف. # وفي مواجهتها على مسافة ما كانت تلوح المقبرة، وإلى اليمين الطريق الذي ينحدر إلى ~~المدينة ... إلى العاصمة. # | بنايت إستراتي (1884-1935) # بالرغم من أن بنايت إستراتي قد كتب مؤلفاته أول الأمر بالفرنسية، إلا أن جوركي ~~البلقان - كما عرفه في روعة رومان رولان - ينتمي إلى رومانيا بالمادة وروح الخلق، ~~وهو قد ولد في برايلا على شاطئ الدانوب، وقد عاش إستراتي شبابه كما وصفه في قصصه ~~الطريفة المؤثرة، واضطر إلى أن يزاول كافة المهن، وأن يمر بكافة التجارب، وبعد ~~سنوات شاقة طويلة عرف في فرنسا - بعد سنة 1920 - النجاح الذي ضمنه له إنتاج أدبي ~~فريد في نوعه، يضم الشعر، والواقعية الحادة، والاعترافات، والحوار الدسم، وتصوير ~~الفلاحين المرهقين بالبؤس، وتمرد الفقراء وسحر المواني، والدعارة في الطبقات ~~الدنيا، وسحر الشرق الأوسط، والحنين إلى سهول ms084 الوطن. # فكل هذا وجده القارئ الغربي في كتب إستراتي، مع ما نثره فيها من اصطلاحات ~~وأمثلة رومانية نقلها كما هي إلى الفرنسية لكي يزيد من إشراق أسلوبه، ولنذكر من إنتاجه ~~القوي الأصالة قصص: «أدريان زغرافي»، و«كيراكيرالينا»، و«العم إنجيل»، و«الهيدوكيون»، ~~و«أشواك باراجان». ~~(1) كيراكيرالينا # يقص إستاورو - بائع الليمونادة في قرية برايلا برومانيا - على صديق له تاريخ ~~حياته الغريبة المحزنة. # منذ طفولته شاهد حياة اللذة التي عاشتها أمه وأخته كيرا، وهما معا تجمعان ~~بين الاستهتار والجمال. # كما شهد تأديب الأب - وهو نجار متيسر - والأخ الأكبر للمرأتين، لمحاولة ردهما ~~إلى حياة أكثر وقارا، فأم ستاورو - الذي كان يسمى عندئذ دراجومير - أنهكت ~~ضربا وفقدت إحدى عينيها، وذات يوم هربت ومعها طفلاها اللذان انفصلت عنهما ~~سريعا، ولم يرياها بعد ذلك قط. # وعاد دراجومير وكيرا إلى قرية برايلا، حيث عاشا في نزل، حتى كان يوم استطاع فيه ~~تركي عجوز اسمه ناظم أفندي أن يغريهما ويقتادهما إلى مركبه الشراعي الفخم، ~~وسجنت كيرا في حريم القسطنطينية، وأتلف الغاصب الحقير أخلاق الأخ إتلافا ~~نهائيا. # وبعد أشهر طويلة في السجن الفخم، استطاع دراجومير أن يفلت، وكان عندئذ في الخامسة ~~عشرة من عمره، جميلا فخم الثياب، ولكن في سذاجة لا تصدق، وأخذ يتسكع في ~~المدينة إلى أن التقطه مصطفى بك، الذي وفر له حياة أكثر بذخا من حياته عند ناظم ~~أفندي، ولكنه أضاف الكحول إلى الانحرافات الأخرى التي كان اليافع قد ~~عرفها. # ومع ذلك فبرغم الرقابة الشديدة استطاع دراجومير أن يهرب مرة أخرى، والكمر - أي ~~حزام النقود المشدود على وسطه - مليء بالقطع الذهبية والحلي. # واستطاع أن ينتقل إلى بيروت، حيث استغلته أسرة من الفنانين، ثم انتقل إلى ~~دمشق حيث سرق منه - في أحد الفنادق - الحزام الذي يضم ثروته كلها، وها هو يرى كيرا ~~في عربة تدخل إلى فيلا فاخرة، فأراد أن يدخل هو الآخر، ولكنه ضرب ضربا مبرحا ~~بعصب ثور، وترك على حافة الطريق في شبه إغماء من الألم. ~~••• # هنا تصل رحل عذابي إلى قمتها، وهنا تنتهي أحزان ثلاث سنوات من الطفولة ms085 المعذبة؛ ~~وذلك لأنه إذا كان الله قد قسا علي وحرمني من كيرا، فإنه لم يحرمني من ~~لطفه، إذ أرسل لي صديقا. # جمعت جسمي الجريح، وبمشقة استطعت أن أسحب نفسي إلى الناحية الأخرى من ~~الطريق، وانطرحت على الأرض منهكا، وفي تلك اللحظة اقترب مني رجل بين ~~الأربعين والخمسين من عمره، فقير الثياب، في زي يوناني، حاملا في يد وعاء ~~السحلب، وفي الأخرى سلة بها الكوبات، ووضع أدواته وربع أذرعه، وتفوه بعلامة ~~تعجب صادرة من أحشائه قائلا باليونانية: «آه يا غلامي المسكين! لقد شهدت ~~ضربك ووقفت عاجزا، أية إساءة ارتكبتها في حق هؤلاء المتوحشين ~~لكي يعذبوك على هذا النحو؟!» # وتطلعت إلى وجهه المشرب بالإخلاص، وذقنه الشعثاء التي خطها الشيب، وعينيه ~~الطيبتين الناضحتين بالألم تحت جبهته المجعدة، وتملكني الغضب وتمردت على ~~مشاعري الخاصة قائلا: «اذهب إلى الشيطان، اغرب عني.» # وانفجرت باكيا، فتوثبت طيبته، قال: «لماذا ترسلني إلى الشيطان يا بني؟ ... ~~إنني أشعر حقا بالشفقة نحوك، وأريد عونك في محنتك.» ~~- دعوني لحالي، أنتم جميع الرجال بشفقتكم وقلبكم، لقد قاسيت منهما الكثير وأريد أن ~~أموت وحدي. ~~- أوه! البائس ... في هذه السن الصغيرة، وقد تقزز من الحياة! ولكن اشرب مع ذلك هذا ~~الكوب من السحلب الدافئ، فإنه سيرد إليك شيئا من القوة. # وقلبت كأس السحلب، ولكني لم أستطع تكوين رأي، فأية قاعدة أو أي فهم يمكن أن ~~أستخلصه من هذه التجربة القصيرة، عندما أذكر أن كثيرا من الرجال الذين ~~بدءوا بالتظاهر بالطيبة والكرم، قد تكشفوا في النهاية عن أنذال مجرمين؟ نعم، في ~~سن السادسة عشرة كنت قد عرفت حقارة النفس البشرية، وإن لم أعرف كل شيء. # لم أعرف بوجه خاص أن أعمال الخليقة بالغة التعقيد والتنوع، وأن ألف ~~دناءة نعانيها لا تعطينا الحق في أن نبصق على الإنسانية كلها، والله نفسه قد أدرك ~~ذلك عندما غضب من الإنسانية المخطئة؛ فقرر أن يعاقبها دون أن يستأصلها، ما دام قد ~~أنقذ من الكارثة نبيا عادلا وأسرته، وإذا كانت الإنسانية التي عاشت بعد الطوفان ~~لم تكن خيرا من الإنسانية ms086 السابقة، فإنها لا تتحمل مسئولية ذلك، إذ إن الله ~~«مثلي في السادسة عشرة» لم يحسن فهم العالم، ولم يعرف ماذا يفعل. # ولقد عرفت أنا منذ اليوم الذي أرسل لي فيه القدر بربايني بائع السحلب ذا ~~النفس القدسية، أن الرجل الذي تتاح له فرصة الالتقاء في حياته بمثل بربايني ~~يجب أن يعتبر نفسه سعيدا، وإن كنت لم ألتق قط من هذا النوع إلا به وحده، ~~ولكن كان فيه الكفاية لتحمل الحياة، بل ومباركتها أحيانا كثيرة، والتغني ~~بالثناء عليها؛ وذلك لأن طيبة رجل واحد أقوى من شرور ألف، فالشر يموت في ~~نفس الوقت الذي يموت فيه فاعله، بينما يظل الخير يشرق بعد اختفاء الرجل ~~العادل الذي فعله. # اضطررت إلى التسليم، وعلم بائع السحلب رسول العناية الإلهية المأساة ~~كلها، وكان علاجه سريعا كالبرق. # قال لي - مستخدما في حذر اسمي المنتحل بعد أن صاغ منه تصغيرا: «ستاوراكي! ~~يجب أولا أن تقلع عن البحث عن أختك بهذه الطريقة غير الحكيمة، واعلم أنه من ~~الأسهل أن تنتزع ظبية من فم النمر، عن أن تنتزع امرأة محبوسة في الحريم، وإذا ~~استطعت أن تتغلب على هذا الضعف العاطفي، فإن ما عدا ذلك يعتبر في منتهى ~~السهولة، فأنت تملك ثلاثة جنيهات مجيدية، فهذا المبلغ من المال يكفي لكي تشتري ~~إبريقا للسحلب وأكوابا، أي ما تراه بين يدي، وهو الذي يمكنني من أن أعيش حرا ~~منذ عشرين سنة، وبعد ذلك تحمل الإبريق على ذراع والسلة على الآخر، وباربايني ~~إلى جوارك، وسنذهب في مرح نجوب الطرقات والميادين والأعياد والأسواق، ~~ونصيح - في بهجة: «سحلب! ... سحلب! ... سحلب! ... ها هو السحلب اللذيذ! وستفتح أمامك ~~أرض المشرق واسعة حرة! نعم حرة؛ لأنهم مهما قيل عن الاستبداد في الأرض ~~التركية، فإنه ليست هناك أرض يستطيع أن يعيش فيها الإنسان بحرية أكبر، ولكن على ~~شرط: هو أن تمحو نفسك وأن تختفي بين الجموع، ولا تلفت إليك الأنظار بأي شيء، ~~وأن تكون أصم أبكم، وعندئذ فقط تستطيع أن تدخل في كل مكان غير مرئي، والأبواب ~~المغلقة لا تفتح ms087 إلا لمن يقتحمهما.» # ولم يكد يأتي اليوم التالي حتى كنت أحمل بين ذراعي الإبريق وسلة الأكواب، ~~وأصيح في شجاعة إلى جوار باربايني: «سحلب ... سحلب لذيذ»، وعرفت عندئذ الطريقة ~~التي يمكن أن يدخل بها في الكمر، ذلك الصديق الخائن، الذي لا قلب له، والذي تركه من ~~قبل. # فالنقود تتساقط من كل ناحية، ودخلت الحرية في كيسي، وعند هبوط المساء تذوقت ~~سعادة الرجل الذي يستطيع أن يعيش دون أن تمتلئ جيوبه بالذهب، وعند تدخين نرجيلتنا ~~في إحدى الشرفات، أخذت أتشرب الطيبة التي تشع من شخص باربايني كله، لقد ~~كنت معترفا له بالجميل وأحببته كما يحب الإنسان أبا طيبا وصديقا، وأقمت ~~عنده وعملت معه، وكنا نتناول طعامنا معا، وأوقات تسكعنا نتذوقها معا، وهكذا ~~أصبحنا لا نفترق، ولم تلبث صداقة قوية أن ربطتنا بأن غرست الغصن الصغير في جذع ~~الشجرة الناضجة. # بل وسبق باربايني حب استطلاعي بأن كشف لي عن ماضيه الذي لم يكن خاليا من ~~الهنات، بل من المرارة. # كان يعمل مدرسا في مدينة صغيرة ببلاد اليونان، وارتكب غلطة عاطفية حكم عليه ~~بسببها بسنتين من السجن وفقد وظيفته، وعند خروجه من السجن ترك المدينة لكي يجوب ~~عدة مدن أخرى، اشتغل فيها بالتجارة، وقاسى محنا وعقد صداقات، ودمي قلبه، وكادت ~~مغامرة غرامية أخرى أن تقضي على حياته، وعندئذ عبر إلى آسيا الصغرى وعاش في ~~الوحدة والاستقلال، بل وفي الحكمة تقريبا. # كان رجلا يجيد الكلام ويجيد الصمت، يصدر عن طيبة لا تتحول إلى بله، وعندما ~~لا يروقه أحد كان يرى أن لا جدوى من الإلحاح، وكان يعرف كل لهجات الشرق ~~الأدنى، ويوزع فراغه بين القراءة والتسكع وغسل ملابسه، ولم يكن يدفعني إلى شيء، ~~بل كان يريني فقط ما هو خير ونافع ومن الذكاء أن أفعله، قد تعلمت كتابة وقراءة ~~اللغة اليونانية، ولما رآني متعلقا بحياته - في أمانة - لم يساومني في ~~محبته. # وفي البدء أناديه بلقب «يا سيد»، ولكنه طلب مني أن أناديه ببربا، وبعد قليل أخذت ~~أنسى فقدي لكمري وكنزه الثمين، وأخذت أتحول إلى تلميذ ms088 له وصديق وحيد، وعزاء لأيام ~~شيخوخته. # ولكن بقي لي قبل ذلك سفح شاق لأتسلقه، وقد تسلقناه معا. # كنت قد نسيت فقد كمري، ولكنني لم أستطع أن أنسى فقد أختي، وكنت أحب ~~باربايني، ولكني أعبد كيرا، ولما كنت متأكدا من وجودها خلف الباب الذي ~~ضربت عنده فقد وسوس لي الشيطان أن أعود إليه. # كنا في قلب الصيف، وبعد ثلاثة أشهر من النزهة الحزينة في باب توما، وفي غفلة من ~~برباياني قمت بعدة زيارات للفيلا الملعونة، وحومت من بعيد، وتربصت وتجسست، ~~ولكن بلا جدوى، فنساء أخريات كن يخرجن في العربة، وأما كيرا فلا، وشجعني الحذر ~~الذي استخدمته في أن أقرر ذات مساء أن أكون أكثر جرأة، وحصلت على سلم مستقيم، ~~واستعنت بالليل المظلم، وذهبت لأسند السلم إلى جدار مرتفع يحيط بالفناء، وكنت ~~أبحث عن وسيلة أستطيع بها أن أرى داخل الحريم، حيث كنت أعلم أن النساء يرحن ~~ويغدون دون نقاب. # ولكنني لم أجد غير شبابيك مغلقة، وثابرت ودرت حول الحائط، وانتهيت بأن وجدت ~~نافذة مضيئة، ولم تكن غير غرفة كبيرة مؤسسة بأثاث فاخر لا أحد فيها، وانتظرت ~~خافق القلب بأعلى السلم، آملا دائما أن أرى النساء يمررن تحت بصري. # وفجأة فرقعت خشبة السلم التي كنت جالسا فوقها، وأوشكت أن أسقط، وتجمدت ~~من الخوف، وظللت معلقا على نحو ما عندما جاءت هزة مفاجئة عنيفة أراحتني، فقد ~~انتزع مني السلم، وسقطت بين ذراعي جندي البوليس الذي كال لي اللكمات دون ~~أن يتفوه بكلمة واحدة، وشد وثاقي ووضعت في عربة يجرها حمار اقتيدت ~~فورا إلى دمشق، حيث ألقيت في الحجز الاحتياطي. # والحجز الاحتياطي في تركيا ذلك العهد كان جحر النسيان بالنسبة للرعايا العثمانيين، ~~فالشقي الذي يدخله - وبخاصة بسبب الجرائم الكبيرة كجريمتي - لم يكن يعرف قط متى ~~سيحاكم ما لم يجر شخص ذو نفوذ حاملا الهدايا؛ ليضرع إلى أحد الحكام، ولم يكن ~~أقسى ما يعانيه عندئذ فقدان الحرية، بل الحياة الفظيعة التي يعيشها في داخل هذا ~~الحجز، وبخاصة عندما يكون السجان رجلا شابا. # وفي زنزانتي كنا ms089 دستة على سرير مشترك مكون من صف طويل من ألواح الخشب العارية ~~يملأ ثلاثة أرباع الحجرة، وفي أحد الأركان جردل من الخشب بغطاء يذهب إليه كل منا ~~لقضاء حاجته، وتنبعث منه رائحة كريهة خانقة، وقمل الجسم وقمل الرأس والبق الذي لا ~~حصر له، والفئران تمرح في فرق، ولم يعد أحد يهتم بقتلها؛ لأن قتلها يستغرق عمرا ~~كاملا! # وأنواع التعذيب البشعة كانت ترتكب تحت أبصار الجميع، فالترك واليونانيون ~~والأرمن والعرب لم يعودوا رجالا، والحقارة الإنسانية كانت على نحو لا تنعقد ~~المقارنة إلا بينها وبين نفسها؛ وذلك لأن الجنس البشري هو وحده الذي يستطيع أن ~~ينحدر إلى مثل هذا المستوى من بين كائنات الأرض كلها! # في جهنم الأرض هذه ووسط هؤلاء الوحوش وقعت، وكنت غنيمة طيبة بالنسبة ~~إليهم. # لم يقم أحد بالدفاع عني أو حمايتي، لا من بين المسلمين ولا من المسيحيين، وأسوأ ~~من ذلك أنهم تقاتلوا بسبب الفريسة الطازجة، وانتزعوا لحى بعضهم بعضا، وهكذا خلال ~~شهر عرفت أفظع الإهانات التي يمكن أن يتصورها الإنسان! # واليوم لست نادما على الوقوع في هذه المحنة، فبفضلها عرفت أعماق الكائن البشري، ~~وإذا كنت قد ظللت خيرا رغم كل ما رأيته وكل ما عانيته؛ فإنما ذلك ~~احتراما مني لمن خلق الطيبة وجعلها نادرة، ووضعها بين الوحوش كمبرر وحيد ~~للحياة. # كنت أعتبر نفسي مدفونا حيا وأفكر في الموت، ولقد حدث لمسجونين لم ~~يستطيعوا تحمل التعذيب أن شنقوا أنفسهم في قضبان منافذ الهواء الصغيرة بواسطة ~~الأشرطة التي مزقوها من ملابسهم، بينما كان الجميع ينامون في الليل، وكنت ~~مصمما على أن أفعل مثل هؤلاء الشهداء. # ومع ذلك أخذ صوت داخلي يدفعني نحو الأمل، فقد كنت أعرف أنني لم أعد وحيدا ~~في العالم كما كنت من قبل، فهناك في الخارج رجل ذو قلب صديق نادر، وبالرغم من أنه ~~فقير وبغير حماة، فإنه طيب وذكي ولا بد أنه يفكر في ويعمل على إطلاق ~~سراحي. # وكنت على حق؛ فذات يوم فتح باب الزنزانة ودخل الحارس ومن خلفه باربايني، يا لها من سعادة ms090 غامرة! وظهور كيرا وحده هو الذي يمكن أن يضفي علي تلك السعادة، ~~ولكن في نفس الوقت أي حزن، فالشر قد أشعل الشيب في رأس الرجل المسكين، وألقيت نفسي ~~على صدره باكيا، وكل ما ظهر من شفقة أمام هذا المشهد المؤلم هو أن صاح رجل ~~يوناني ممدد على سرير: «آه! أيها الشيخ العزيز أهذا ولدك؟ إنه بضاعة جيدة بالنسبة ~~لهذا المكان! فقد تمتعنا به، وها أنت تأتي لتختطفه!» # إنها أخف عقوبة استطعت أن أحصل عليها، فخطؤك جسيم؛ إذ أردت أن تدخل بالليل إلى ~~الحريم، ومع ذلك لا تحزن فسأصحبك، والعالم كبير وسنكون أحرارا، وإذا استمعت إلي ~~في المستقبل ستكون سعيدا على الأرض التركية ... هيا إلى اللقاء استعد لفجر ~~الغد. # لم أستطع أن أنام طوال الليل، وعند بزوغ الفجر أخرجوني. # وكان على الباب فارسان من الجند مسلحان بالبنادق والخناجر ومعهما عربة، ورأيت ~~عندئذ أننا كنا ثلاثة محكوما علينا بالاستبعاد، وكان باربايني هناك ومعه أمتعتنا، ~~ووضع الكل على العربة وابتدأت الرحلة إلى ديار بكير. # إن حياة الإنسان لا تقص ولا تكتب، وحياة الإنسان الذي أحب الأرض وجاس خلالها ~~أكثر استعصاء على القصص، وعندما يكون هذا الرجل عاطفيا حارا عرف جميع درجات ~~السعادة والبؤس وهو يجوب العالم، فإن محاولة رسم صورة حية لحياته يصبح عملا ~~مستحيلا تقريبا، مستحيلا عليه هو نفسه، ثم مستحيلا بالنسبة لمن يسمعونه، والسحر ~~والطرافة والمتعة في حياة رجل قوي النفس صاخبا ومغامرا في نفس الوقت، ليست دائما ~~في الأحداث البارزة في تلك الحياة، بل في التفاصيل حيث الجمال عادة، ولكن من ~~ينصت للتفاصيل؟ ومن يتذوقها؟ ثم بنوع خاص من يفهمها؟ # ولهذا كنت دائما عدوا لعبارة: «قص علينا طرفا من حياتك!» # وهنا أيضا صعوبة ... عندما يحب الإنسان لا يعيش وحده، والإنسان لا يعيش وحده حتى ~~عندما يريد ألا يحب - كما هي حالي اليوم - وهذا حق على الأقل بالنسبة للعاطفيين ~~الذين لم يكفوا عن أن يحيوا على الذكريات؛ وذلك لأنه ليست هناك ذكريات بغير ~~حاضر. # ولقد يرغب الإنسان في الموت كما رغبت ms091 بإخلاص عدة مرات في حياتي، ولكن الوجوه ~~الجميلة التي عرفتها في الماضي كانت تتقدم إلي حية وتلين قلبي، ~~وتحل البهجة محل المرارة، وتضطرني مرة أخرى ومن جديد إلى البحث عن البلسم ~~الخالد في وجوه الناس، ومن بين تلك الوجوه الجميلة كان باربايني. # لا أستطيع تقريبا أن أقص شيئا عنه، فقد عشت ثماني سنوات ملتحما بحياته، وقد ~~جاب شبحانا ديار بكير، وحلب وأنقرة وسيواس وإيرزروم ومائة مدينة أخرى صغيرة وقرية، ~~ولم نبع شيئا غير السحلب، ولقد مرت السجاجيد والمناديل والسكاكين والعطور ~~والعقاقير والخيول والكلاب والقطط جميعها بأيدينا، ولكن السحلب المبروك هو الذي كان ~~ينقذنا دائما من البؤس، وعندما كانت تطرحنا إحدى العمليات التجارية أرضا كنا نجري ~~عدوا لإحضار الأباريق المسكينة التي علاها الصدأ، ثم «سحلب ... سحلب ... ها هو ~~السحلب اللذيذ» ونحن نتبادل النظرات ونضحك. # كنا نضحك؛ لأن باربايني كان صديقا لا نظير له، وكنت أنا سبب الكارثة دائما بسوء ~~تصرفي الخارق، ومن بين حماقاتي أذكر واحدة كانت عاتية: كنا قد وضعنا نقودنا كلها ~~في حصانين جميلين اشتريناهما من سوق كبير على بعد خمسة عشر كيلومترا تقريبا ~~من أنقرة، وكنا سعداء؛ لأن الصفقة كانت طيبة في رأينا، وفي طريق العودة، بسبب ~~الانشراح وبسبب التعب أيضا، ثارت بي رغبة في أن نتوقف أمام حانة منعزلة. # وكنا في الليل، وعارضني باربايني قائلا: دع هذا يا ستاوراكي، ولنواصل السير ~~إلى المنزل حيث يتناول كل منا كأسا. # لا يا باربايني! هنا ... دقيقة واحدة فقط؛ لكي نحتفي بحظنا. # واستسلم الرجل المسكين وربطنا الحيوانين في عمود بالخارج، واحتفلنا بكأس وعيوننا ~~على النافذة، ثم بآخر، وأخذ الجوع يفري بطوننا فأكلنا وشربنا دورقا ثم آخر؛ لأن ~~باربايني أو أنا لم نعد نبصق على الحياة الطيبة، وتحركت القلوب فأخذنا ~~نغني: # لقد سكرت من جديد # ومن جديد تكسر الكئوس # آه ... إنك تفعل كالحيوان السيئ. # ولكن وسط الأغنية وقف باربايني هادئا ونظرته إلى ألواح الزجاج السوداء، وقال: أي ~~نعم يا ستراوراكي ... إنني أدرك أنك حيوان سيئ؛ لأن الحيوانين الجميلين اللذين ~~كانا بالخارج لم ms092 يعودا هناك إن لم أكن سيئ الرؤية. # وفي قفزة خرجت، ولكنني لم ألتقط غير ضوضاء عدو صاخب يتردد صداه في ~~الليل. # وبعد ساعة ونحن نتعثر في الظلام، ونتردى في كافة الحفر صاح بي باربايني ~~مؤنبا: «لقد أردت أن تحيي حظنا، والآن فلتمش على قدمك أيها الطفل الخائب ~~العنيد، ولكي تعزي نفسك غن، لقد سكرت من جديد ...» # ويل لمن يجهل أن السعادة هي أن يحس الإنسان بقلبه ينبض في أرض الإنسان ~~الطيبة، تلك الأرض الرفيعة المستوى التي تمدك بعصيرها المنعش. # فخلال السنوات التي التحمت فيها حياتي بحياة باربايني في كل موحد، كانت الطبيعة ~~نفسها تبدو لي ودودة أخوية شاعرية، وكان كل شيء يلوح لي جميلا وجديرا بأن ~~يحب، وفقد القبح ما يوحي به من تقزز، وكانت الحماقة تصطدم بسخريتنا، ~~والاحتيال ينكشف، وعنف الأقوياء لاح لي محتملا، وعندما كان الاحتكاك بالابتذال ~~يأخذ بخناقنا كنا نهرب منه إلى الحياة في صمت ... إلى الحياة؛ حيث تتحدث الطبيعة ~~وحدها بالعينين والقلب، كان باربايني قادرا على أن يمشي يوما بأكمله دون أن ~~يتفوه بلفظ، وبالنظرة وحدها كان يريني ما يستحق الانتباه، وكان يسمي هذا ~~حماما مطهرا، وكان هذا حقا، فمشاهد الطبيعة الصامتة تطهر وترد ~~للإنسان - الذي تجرحه الحقارة - روحه، وليس هناك - مهما بلغ من القوة - من يستطيع ~~أن يمر بالميكروب دون أن يحس بالعدوى. # ولكن هذا الصديق الكبير لسن يفاعتي، كان فوق ذلك عالما بالعصر القديم ~~وفلسفاته، وبجميع أحاديثه عن الحياة، وهي الأحاديث التي كانت ممتعة في أوقات ~~الراحة، وكان يؤديها بأمثلة يستمدها من الحكمة، وهو لم يكن حكيما، ولكنه كان يحب ~~سكينة القلب الواعية. # وقال لي: إن عاجلا أو آجلا، لا بد أن ينتهي الرجل الذكي إلى فهم عدم ~~جدوى الصخب العاطفي الذي ينزل الاضطراب بالسلام ويحرق الحياة، وسعيد من يصل إلى ~~فهم ذلك سريعا، فإن ذلك سيزيده متعة بالحياة. # وفي يوم من أيام الخريف البارد وجدنا أنفسنا في معسكر للمناورات بالقرب من ~~حلب؛ فانقض الجنود على شرابنا الساخن، وأسرع الضباط أنفسهم لينعموا به، ~~ولما ms093 كانت لدينا جمرات تحت الإبريقين فقد وقفوا يستكتبون ويتحادثون، وقص ~~ضابط كبير على مرءوسيه حماية الجنرال صديق الإسكندر الأكبر الذي أعطى رأيه إلى ~~جانب اقتراح السلام الذي تقدم به دارا، قائلا: «كنت مستعدا أن أقبل لو أن ~~الإسكندر الأول أو القاهر الأكبر كان قد رد.» # وأنا أيضا لو كنت ... لو كنت ... # وارتبك الضابط التركي وقال: «آه ... ماذا كان اسم صديق الإسكندر هذا؟» # ورد باربايني الذي كان ينصت للمحادثة: «بارمنيون.» # فصاح الضابط: «برافو أيها العجوز، كيف عرفت ذلك، والإنسان لا يلتقي بإسكندر ~~الأكبر وهو يبيع السحلب؟» # فأجاب صديقي: «بل نعم، فجميع الناس في حاجة إلى أن يستدفئوا كما ترى!» # وراق الضابط هذا التلميح المزدوج المعنى، وترفق فتحدث معنا، ولكن في تلك ~~اللحظة التقت نظرتي بنظرته فقال: «لقد رأيتك في مكان ما، ووجهك معروف ~~لي.» # فأجبت - وقد علت الحمرة وجهي: «لقد كنا في نفس العربة مع مصطفى بك في ~~القسطنطينية منذ خمس سنوات.» # إي والله، هذا حق، أنت الغلام الذي كان يبحث عن أمه ذات العين المفقوءة أيها ~~البائس، لا بد أنك قاسيت الأمرين من هذا الشيطان اللعين. # قاسيت كثيرا ... لم أكن أعرفه. # ولكن هل يستطيع الإنسان أن يطمئن على هذا النحو إلى أول من يلقاه عندما يأخذ في ~~مداعبة خدود طفل؟ # وظل الضابط يتحدث إلينا وقتا طويلا، وكشف لي عن السوءات التي كان يرزح ~~تحتها مصطفى بك، ثم اهتم بباربايني وتحمس لثقافته، وعند افتراقنا شد على أيدينا ~~في حرارة ورجانا أن يقبل كل منا جنيها تركيا من الذهب قائلا: «إنه ليس ~~بقشيشا، لكنه تقدير لحكمة العجوز ومحنة الشاب.» # وعند العودة إلى المنزل استخلص باربايني العبرة فقال: «انظر يا استاورو ... في كل ~~مكان مضللون، ولكن الذكاء يسقط الحواجز حتى ولو كانت ترتدي حلة ~~عسكرية.» # وأخذ باربايني يدخل في الشيخوخة، ومرض القلب يجعله من عام إلى عام غير صالح ~~لكسب قوته، والتعب يرهقه، وأصبحت السوداوية تعاوده مرات أكثر، وكنت أنا في ~~الثانية والعشرين قويا شجاعا واسع الحيلة، وبفضل المدخرات الصغيرة التي كانت ~~لدينا ms094 استطعت أن أقرر دعوته إلى الخلود إلى الراحة ؛ ولكي تروقه تلك الراحة اخترت ~~لإقامتنا مكانا لم نستكشفه من قبل؛ هو جبل لبنان. # آه ... يا له من جبل جميل وحزين، وكلما فكرت في العام الذي أقمناه فيه ثمل ~~قلبي ودمي في نفس الوقت! ... غزير غزير ... وأنت يا دليتا! وأنت يا هرمون! وأنت يا ~~ملمتين، وأنت يا شجرات السدر ذات الأذرع الطويلة الحانية التي كان يلوح أنها تريد ~~أن تحتضن الأرض كلها، وأنت يا أشجار الرمان التي تكتفين بثلاث حفنات من الطحلب ~~الذي ينمو في فجوات الصخور؛ لكي تهبي المسافر الجوال فاكهتك الغزيرة ~~العصير. # وأنت أيها البحر الأبيض الذي تستسلم في متعة إلى لمسات إله الدفء، وتمد صفحتك ~~الشاسعة الصافية إلى نوافذ البيوت اللبنانية الصغيرة المتدرجة أمام ~~اللانهاية! # إلى كل هذا أقول: وداعا فلن أراك بعد ذلك، ولكن عيناي ستحتفظان إلى الأبد بضوئك ~~الناعم الفريد، لقد خبا هذا النور في ذاكرتي، فالحياة لم تشأ أن تتم سعادتي، ~~ولكن يا إلهي! أين ومتى تمنحنا الحياة المتع الكاملة؟ # | سيزار بترسكو (1892) # ابتدأ سيزار بترسكو في سنة 1922 بمجموعة من القصص «خطابات ...» ثم رسخت قدمه ككاتب مرموق ~~بفضل روايته الطويلة «انهيارات» سنة 1927، وهي التي عرى فيها صراع الطبقات في المجتمع ~~الروماني قبل وبعد الحرب العالمية الأولى. # وككاتب خصب خطط سيزار بترسكو لعمل بلزاكي واسع حققه إلى حد بعيد، والثلاثون قصة ~~ورواية التي كتبها يمكن أن تكون «كوميديا بشرية» تجمع حقائق المجتمع الروماني من 1920 ~~إلى 1944 وتنقدها بلا رحمة، مثل: «كاليافيكتوري» و«كنز الملك درماييتس»، و«الذهب ~~الأسود»، و«يوم أحد الأعمى»، و«عين مصاص الدماء»، و«كارلتون»، و«في الجنة العامة»، ~~و«مدينة البطارقة» ... إلخ. # ومنذ سنة 1944 دخل سيزار بترسكو - عضو أكاديمية الجمهورية الرومانية الشعبية - معركة ~~المثقفين الرومانيين من أجل بناء الاشتراكية، ولم يتخل عن هذه المعركة التي يساهم ~~فيها بقصصه واستطلاعاته ومذكرات سياحاته، مثل: «تعال وسوف ترى»، و«رجال الأمس واليوم ~~والغد»، و«مذكرات ثأر»، و«تأملات كاتب» ... إلخ. ~~(1) الذهب الأسود # لقد حول اكتشاف طبقات كبيرة من البترول - في سرعة - قرية بيكول فويفوديزي ms095 إلى ~~مدينة ، وأدى تدفق الذهب الأسود إلى تغيرات اجتماعية عميقة، ولما كانت رءوس ~~الأموال الرومانية قد أصبحت سريعا غير كافية، فقد تكونت شركة دولية مديرها العام ~~إنجليزي هو ريجينالد جيبونز، وأسرع أليكوتوادر بربكوب ككثير غيره من الفلاحين ~~إلى بيع أرضه للشركة المستغلة وبدد - بسرعة - المال الذي دفع له ~~واستسلم للخمر، ولما لم يعد يملك غير بيت صغير، فقد اضطر إلى أن يقبل ~~وظيفة متواضعة كحارس للمغارة، ولكن كانت له بنت هي هينوتزا الرقيقة الرائعة ~~الجمال التي تعلق بها ريجينالد جيبوتز وتزوجها، وبعد أن أملى على بريكوب - ~~مقابل معاش يمنحه إياه - أن يذهب ليعيش في مكان يبعد بمقدار مائة كيلو متر، ~~وبالرغم من أن هينوتزا كانت مخطوبة لغيره، فإنها قد استسلمت - كواجب - لزواج بلا ~~حب ظل زواجا أبيض، وعاشت في إطار باذخ، ولكن مع رجل بارد العاطفة، لا بد أن ~~تخضع لمطالبه المذلة، وأصبحت حياتها من يوم إلى يوم أقسى احتمالا؛ حتى ~~اضطرت المرأة الشابة أن تسلم نفسها بإرادتها إلى موت فظيع في لهب جردل من ~~البنزين أشعلته بنفسها. # وعند العودة من تشييع الجنازة أخذ المهندس سباستيان لودوس الذي أحب المتوفاة ~~حبا لم يعترف به قط، والجيولوجي الهولندي فان دن فونديل يتحدثان في مكتب بمعمل ~~التكرير. # انهار سباستيان لودوس على مقعده وجبهته في يده، وعلى المقعد الآخر أمام المائدة ~~جلس فان دن فونديل. # وبنفس خاوية أخذ ينظر إلى الطين الذي يغطي حذاءه وقد احتفظ في يده بالصحيفة ~~الهولندية التي كان البواب قد أعطاها له فأخذها منه آليا. # كان الاثنان عائدين من الجنازة، ولم يكونا يستطيعان أن يقولا لماذا جاءا إلى هنا ~~بدلا من الذهاب إلى مكان آخر، ولماذا أتيا معا بدلا من أن يبحث كل منهم عن ~~رفيق آخر أو يبقى وحده خاليا بنفسه. # وفي الخارج خلف زجاج النوافذ المخططة بشعيرات المطر، كانت الحياة في معمل البترول ~~تجري كالمألوف في مدينة المضخات والأفران والبطاريات والبروج والقباب والأعمدة ~~والخزانات، والعمال يروحون ويغدون محملين بالمواسير والآلات في أيديهم، وعربات ~~النقل تمر في ضجة، ms096 والدخان الذي تسوقه السحب والمطر يطفو كأعلام منكسة، والرياح ~~تدفعه فيتبدد، محاولا التسلل على طول النوافذ، متلويا - في عناد - كأنه ~~دخان نار أوقدت، ويبحث عن منفذ إلى السماء ولكن السماء ترده إلى عالمه، ~~عالم الأبراج والأفران والبطاريات والخزانات. # وقال سباستيان لودوس - في صوت مكتوم: «سأعترف لك بشيء ... وهو اعتراف صعب، ولكنني ~~أعرف أنه سيصبح غدا أكثر صعوبة، غدا وفي المستقبل وإلى الأبد» ... ولم يقم فان دن ~~فونديل بأية حركة، ولاح أنه لم يسمع شيئا واستمر ينظر إلى الطين الذي يغطي ~~حذاءه، وقد انهارت رأسه المستديرة فوق صدره، وكأنها تستعد لأن تنفصل وتتدحرج عند ~~قدميه. # واستأنف سباستيان لودوس قائلا: «أعتقد أنه بالنسبة لهذا الكائن.» # وتوقف لأن الألفاظ لم تسعفه، وقد ظل الاعتراف غامضا حتى بالنسبة له نفسه، ~~وكان من الصعب أن يدلي به للغير. # ورفع فان دن فونديل يده الممسكة بالصحيفة وأسندها إلى حافة المائدة. # وحدق فيه من تحت حواجبه الغزيرة وقال - في ألم: «أنا أعرف ... لا فائدة من أن تقول ~~شيئا إذا كان لديك شيء من العاطفة نحوها فلماذا أخفيته؟ ... لماذا أخفيته على نفسك؟ ~~... لماذا لم تمنع ذلك؟» # وغطى سباستيان لودوس عينيه بيده وأجاب: «لم أكن أدرك الحقيقة، وعندما اكتشفتها ~~كان الوقت قد فات.» # وأجاب فان دن فونديل - بنغمة قاسية: «وكيف فات الوقت ولم يمض غير ساعتين؟ فقبل ~~الساعتين لم يكن هناك محل لفوات الوقت، وقد مضت ثلاثة أيام وثلاثة أسابيع وثلاثة ~~شهور، ولم يكن الوقت قد فات!» # وقال سباستيان لودوس: «لقد كانت زوجة مديري.» # وهز فان دن فونديل كتفيه وحدق في وجهه بشفقة، واستمر المهندس الشاب يقول: ~~«لقد كانت زوجة مديري، وواجبي كرجل شريف حظر علي أن أكشف لها عن مشاعري، وفوق ذلك ~~فعلت كل ما أستطيع؛ لكي لا يثير سلوكي عندها أي شك، وتجنبتها، وعندما كنت ~~ألقاها كنت أدير لها ظهري؛ لكي أتحدث مع أي إنسان ألقاه في أي موضوع ~~كان.» # وقال فان دن فونديل بابتسامة مرة: «لقد كنت بطلا ... رجل شرف ... لو كنت ~~وغدا لدنست شرفها، ولكننا ms097 ما كنا لندفن اليوم حفنة من الرماد!» # وجرت في سابستيان لودوس رعدة، وأخفى وجهه بين يديه، واستمر فان دن فونديل - في غير ~~رحمة - قائلا: «لقد كانت وحيدة وتعسة، وكان شبابها في حاجة إلى دفء شباب آخر، ولم ~~نستطع أن نفعل شيئا لا أنا ولا الثري زهاربادو هو ولا السيدة مداليا جريتزسكو زوجة ~~كبير المهندسين، ولكن أنت، أنت الذي كنت تحبها، يا له من شيء محزن! لقد كان يكفي أن ~~تحس بهذا الحب من بعيد، والحب يولد الحب، وعندئذ كانت ستجد فيك سندا ~~كاللبلاب الذي يتسلق على الجدار.» # وتمتم سباستيان لودوس قائلا: «لقد كانت شريفة متكبرة.» ~~- متكبرة؟ ... لا ... ولم يكن هناك ما يدعوها إلى ذلك. وأما شريفة فنعم، ولكن الحب ~~لا يخل بالشرف، وكان من الممكن أن تحب، وكنا نستطيع أن نبعدها من هنا، وكنت ~~أنت ستنتزعها من هنا، وبعد أن ترحل تلحق بها. ~~- إن مستقبلي إن لم يكن يسمح بذلك ... وكان فيه تحطيمه. # وزمجر فان دن فونديل - في نغمة كئيبة: آه ... المستقبل ... البترول، هناك في لندن ~~أبله آخر هو خطيبها الأول الذي ذهب إلى هناك؛ لكي يرتب لمستقبله على جثتها ... ~~المستقبل! ... البترول! ...» # ونظر إلى الخارج من خلال النافذة. # ومن كل جانب كانت الحركة دائبة حول الغلايات الملتهبة وكائنات لطحنها الدخان ~~بالسواد حول الغلايات الحمراء والسواء. # وقال - وهو يضرب بالصحيفة حافة المائدة: «هل لاحظت أن وجهه لم يبد عليه أي ~~انفعال؟ لقد بكى الجميع وانتحب الجميع واهتز الجميع من شدة الانفعال، بما في ذلك ~~مدام تينا ديابوني زوجة ناظر المحطة نفسها، وأما هو فقد مر متقلص الفكين، ~~ونظرته مثبتة أمامه.» # وعندما انتهى كل شيء قفل راجعا واعتزل في بيته، وكان همه الأول والوحيد إزالة ~~آثار الحريق بأسرع ما يمكن، وأنا متأكد أنه الآن يدخن ويقرأ جرائد لندن. # وضرب فان دن فونديل المائدة في عنف من جديد بالصحيفة، فتمزق غلافها واستمر ~~يمسك بالصحيفة آليا كما أخذها من البواب، وهو يوقع جمله بضرباتها على حافة ~~المائدة، وسقطت عيناه على عناوينها الكبيرة. # وترك الصحيفة ms098 تفلت من يده ثم التقطها وأخذ يقرأ: «ليد في 18 سبتمبر، إن التحقيق ~~الذي جرى حول موت المهندس و. و. سووموندان لم يسمح حتى الآن بالكشف عن السر ~~الذي يقلق منذ ثلاثة أيام مدينتنا الهادئة، وافتراض الانتحار قد نحي ~~جانبا، وليس هناك شك في الوقت الحاضر في أن المخترع البائس قد مات مقتولا، ~~وباعث القتل كان السرقة فيما يبدو، الأدراج والمكتب والدواليب قد وجدت كلها مقلوبة ~~رأسا على عقب، والأوراق في حالة فوضى بالغة، فقد عثر في المدخنة على بقايا رماد، ~~ومن المعروف أن المهندس و. و. سووموندان يعيش منذ اثني عشر عاما معتزلا في مسقط ~~رأسه، عاملا وحده في معمله الخاص المتواضع، مستغرقا في مشكلة العصر المثيرة، ~~مشكلة مستخرجات البترول. # ونحن نميل إلى الربط بين نهاية هذا المواطن التعس والنهائية الغامضة التي انتهى ~~إليها المهندس رودولف ديزل مخترع المحرك ذي الاحتراق الداخلي الذي يحمل اسمه، ~~والذي أحدث ثورة في الصناعة الحديثة، فعلى نفس النحو في 30 سبتمبر سنة 1913 اختفى ~~المهندس رودولف ديزل الذي كان عندئذ في عنفوان العمر، وهو يتأهب للسفر إلى لندن ~~لكي يناقش تطبيق اختراعه الجديد الذي كان من المقدر أن يغير بناء محركات ~~الغواصات، ونحن نستند على هذه السابقة وعلى الصراع الدائر بين شركة شل الهولندية ~~ومجموعة روكفلر؛ لإحباط المحاولات التي يقوم بها الدكتور فردريك برجويس مكتشف ~~الوقود الصناعي، ولما كانت تلك المجموعات قد انتهت باحتكار شركة بيرجينا الدولية ~~لإنتاج البترول الصناعي، وبذلك أصبحت تحتكر في الوقت الحاضر تنفيذ براءات الاختراع، ~~فإننا نعتقد أنه من الممكن الادعاء بأن المجرم القاتل كان يعمل لحساب أحد هاتين ~~المجموعتين القويتين، فمثل هذا المنافس الخطر كان لا بد من إزالته بأي ثمن وبكافة ~~الطرق. # وجريمة القتل تعتبر من هذه الناحية من أسهل الوسائل في عصر يمكن فيه أن تعد ~~من شيكاغو خطة محكمة لقتل إنسان مقابل خمسمائة دولار، وبذلك تفقد مدينتنا ابنا ~~نبيلا، بل أكثر من ذلك؛ تفتقد الإنسانية رجلا نافعا.» # وإن فان دن فوندل وهو يقدم الصحيفة إلى ms099 سباستيان لودوس ويقول: «اقرأ إذن ... ~~المستقبل ... البترول!» # ثم تذكر أن المهندس الروماني لا يستطيع أن يفهم المقال المكتوب بالهولندية فطوى ~~الصحيفة ونهض كما نهض بدوره سباستيان لودوس. # ونظرا من خلال النافذة، ثم اقتربا مجذوبين بما يجري في الخارج. # وعند الباب كان أليكو توادير بريكوب مشتبكا مع أحد الحراس. # كان يريد أن يدخل والحارس يحاول أن يمنعه؛ فصعقه أليكو توادير بريكوب بلكمة من ~~قبضة يده وعبر على جسمه. # ووصل مضموم القبضتين عاري الرأس بارز العينين، وفي المقبرة وقف صامتا محطما ~~مرتخي الجسم يتحامل هنا وهناك دون أن يلفظ بكلمة أو يبدي مقاومة. # والآن فقط أخذ اليأس يدب في نفسه، فإحدى بناته كانت قد أهلكتها صاعقة من السماء، ~~والأخرى صاعقة من أحشاء الأرض، واقترب بارز العينين مضموم القبضتين مشعث ~~الشعر. # وأراد سباستيان لودوس أن يضغط على الجرس، ولكن فان دن فوندل أمسك بيده ولواها ~~قائلا: «اتركه، إنه الهياج الجنوني.» # وخضع المهندس وإن لم يفهم. # وأما المهندس الأجنبي المحتل الذي جس الذهب الأسود في كافة أركان الكرة الأرضية ~~من القطبين إلى المناطق الاستوائية إلى كافة الأطراف المتقابلة، فإنه كرر وكأنه ~~يحدث نفسه: «أنا أعرف ما هو، إنه الهياج الجنوني الذي يحسه الأهالي، وهو في هذه ~~اللحظة هياج فردي أعمى انبثق عن اليأس، أعمى وفرديا، وهو أول عرض وأول نذير، ولكن ~~بعد ذلك وفي الغد وبعد عام أو عشرة أخشى أن يتخلى هذا اليأس الأعمى الفردي عن ~~مكانه ليحل محله صراع من نوع آخر، صراع منظم واع تقوم به الجماهير الشعبية ~~لاسترداد حقوقها وحريتها وثرواتها التي طالما سلبها منهم أسياد اليوم وشركاؤهم في ~~الجريمة، وهذا أمر حتمي لا مفر منه، وأما نحن فلا نستطيع ذلك، وإنما يستطيعه ~~أولئك الذي سيفعلونه حتما وكقدر لا مفر منه، وهذه هي الأمارة التي كنت أنتظرها ~~يا زميلي وصديقي الشاب!» # وصمت. # صمت ونظر وهو يقترب خطوة. # ومر أليكو توادير بريكوب أمام النافذة مشدودا في الملابس الضيقة لحضري من ~~الضواحي، حيث كان قد نفي بإرادة السيد ريجينال ديبونز، مر كشبح ms100 ضخم مخيف ~~حجب ضوء النهار كله. # وحاول رئيس عمال بولندي أن يقول له شيئا، ولكن أليكو توادير بريكوب ألقاه ~~بظهر يده في الوحل وواصل طريقه، فهياجه الجنوني لم يكن يبحث عن رجال، على الأقل في ~~تلك اللحظة. # وخلع أليكو من العقب باب كشك المراقبة، بقفله وما يتبعه. # وفهم سباستيان لودوس ... # كما فهم دون فوندل أيضا. # واستدار المهندس الروماني ليمسك بالتليفون. # ولكن الأجنبي قبض على ذراعه، ومرة أخرى سلم سباستيان لودوس - بسلبية أدهشته ~~هو - نفسه، وغطى عينيه وأذنيه إذ كان يعرف ما سيحدث حتما. # وأدار الرجل الهائج عندئذ المفاتيح المتحكمة في الضغط: مفتاحا ثم مفتاحين ~~فثلاثة فستة، وأصبحت غلاية ثم اثنتان ثم ستة على وشك الانفجار بعد عشر ~~دقائق. # وأشعل فان دن فونديل غليونه وجلس على حافة النافذة وانتظر. # وفي مدينة الأفران العالية والغلايات والبروج والمخازن، المدينة المحاطة بأسوار ~~حمراء، أخذت تجري وتضطرب وتتزاحم وتتناثر في كل ناحية أشباح سوداء، وتأتي لتدق ~~باب المكتب، وترك فان دن فونديل النافذة لكي يدير قفل الباب مرتين، وبذلك لم يعد ~~يزعجه أحد، كما لم يعد أحد يستطيع أن يستنجد بالتليفون. # وبعد شهر أو شهرين ستعود الغلايات مرة أخرى إلى مكانها وتعمل من جديد ولن ~~يتغير شيء. # ولكن الرجل المشعث الشعر الموجود الآن في كشك المراقبة كان قد وصل إلى حقه في ~~التنفيس عن ذلك العبء الكبير الخادع من الجنون الهائج. # وفتح سباستيان لودوس عينيه وأذنيه، بينما أخذ فان دن فونديل يدخن في هدوء ~~وينتظر. # الانفجار المروع ... سيل من النار انقذف ليغزو السماء، ثم انفجار ثان آخر ~~وغيرهما ... وأخذت النار تندلع من مخزن إلى آخر، راقصة متداخلة تصبغ السحب باللون ~~الأحمر وتتبدد ثم تلتقي من جديد، وتهز في الهواء ستارا أحمر يشبه قطيفة الأرائك ~~وستائر النوافذ. # وقال فان دن فونديل - وهو يضع يده على كتف سباستيان لودوس: «والآن نستطيع أن نذهب، ~~أن نذهب لأداء واجبنا.» # وأدار المفتاح وفتح الباب. # وخرج الاثنان وسط الحريق الذي تتحرك فيه أشباح سوداء بعيدا عن الغلايات والأفران ~~المتفجرة التي كان ms101 ينبعث منها سيل ضخم من اللهب والدخان. # وشق أليكو توادير بريكوب لنفسه طريقا عبر العقبات البشرية وقبضة يده إلى ~~الأمام، وعيناه داميتان وشعره متناثر جاف، وأخذ يلكم بقبضته دون أن يعرف من ~~يلكم؟ ولماذا؟ # ومر إلى جواره. # وصاح فان دن فونديل: «بريكوب»! # ورد عليه أليكو توادير بريكوب بلكمة من قبضته في صدره؛ فترنح فان دن فونديل ~~وسقطت قبعته وغليونه والصحيفة التي كان يحملها آليا. # وانحنى وجمعها في هدوء، وبكم سترته مسح قبعته، ثم وضع الغليون والصحيفة في ~~جيبه، وأضاء اللهب رأسه المستديرة بشعاع مخيف كما أضاء الجميع. # وانفجرت غلايات أخرى في زمجرة الزلزال وهزت الأرض والجدران وأطاحت بالنوافذ ~~هشيما. # وأخذ سباستيان لودوس يجري في كل ناحية، ويتحرك - في صخب - عاري الرأس، معطيا ~~أوامر قصيرة عديمة النفع، واستدار فان دن فونديل ليرى إلى أين يذهب أليكو توادير ~~بريكوب وقال: «إنه الآن يطارد الرجل.» # ولكن لم يكن هناك أحد ليسمعه. # فأليكو توادير قد عبر الباب تتقدمه الجموع، مطلقا صرخات مخيفة، وشق العملاق ~~طريقه عبر الجمهور وهو يضرب بلكماته - على غير بينة - الرءوس والصدور. # ووصل إلى باب ريجينالد جيبونز، وهز الأقفال الثقيلة ولكن الحديد كان أقوى من ~~قبضته، وأقوى منه الجدران والحجارة. # واقتربت منه فتاة صغيرة في رداء وظيفي أسود، وقالت: «السيد بريكوب!» # وبكف ملطخة بالدم دحرجها العملاق في الطين. # ونهضت نيفاستويكا صديقة المرحومة. # لم تقل شيئا، ولم تبك ولم تمسح الطين الذي لطخ مريلتها الجديدة، بل تسللت ~~تحت ذراع الرجل، ووقفت على أطراف أصابع قدميها وأدارت القفل؛ فانفتح الباب وقالت: ~~«هيا! سأفتح لك أيضا باب الدخول.» # ولكن أليكو توادير بريكوب سبقها، فباب من ألواح البلور يكفيه كتفه. # الكتاب الثاني، الفصل التاسع # | ال. ساهيا (1908-1937) # بالرغم من موت ساهيا المبكر، فإنه يعتبر رائد هذا الجيل الشاب من الكتاب ~~التقدميين الذي يزدهر اليوم في رومانيا. # لقد عمل صحفيا مكافحا في سبيل الأفكار اليسارية في «العهد الجديد» و«القمصان ~~الزرقاء»، وترك ساهيا إنتاجا صغيرا منعه الموت وحده من أن يثريه ويتمه، وفي قصصه ~~وحكاياته كان أول ms102 من حقق الطريقة البسيطة المباشرة في وضع المشكلات وتصوير الناس في ~~مثل: «ثورة الميناء»، و«المصنع الحي» أو «أمطار يونيو» التي تعتبر اليوم من القطع ~~الكلاسيكية في الأدب المستوحى من حياة العمال. # ونزاهته العقلية وشجاعته، وروحه الديمقراطية الصامدة لا تزال تعتبر مثلا حيا ~~لكتاب اليوم الشبان، الذين يواصلون اتجاهه في الكتابة والكفاح وسط الظروف الجديدة ~~التي تلت التحرير. ~~(1) أمطار يونيو # كانت شمس يونيو تصوب أشعتها الحارقة إلى السهول، وقد جف العشب جفافا ~~تاما وغاض عصير الحقول، فالقمح نادر والسنابل ضامرة، وشواشي الأزهار البرية ~~الزرقاء ونبات ذيل القط تنتثر على جوانب الدروب الصلبة. # وكانت بعض بخات من المطر قد سقطت حول منتصف مايو، ثم لم تسقط بعدها قطرة ماء ~~واحدة. # واتخذ سهل برجان منظرا جهما، ونهر إيالو منزا ينساب في هدوء بين شواطئه ~~المحروقة ليتجه نحو الدانوب. # ومن وقت إلى آخر يخترق الهواء الخانق صهيل مكتوم لأحد الخيول، والسماء صافية ~~زرقاء، وفي الأفق من ناحية المستنقعات على حدود برجان أخذت ترتسم سحابة واحدة وهي ~~تتقدم نحو حاصدي القمح. # وقطع بيتر ماجون عمله ونهض وهو يقرقع عظامه، وهب نسيم خفيف من الشرق على ظهره ~~فنفخ قميصه المبلل بالعرق، وقد نصل طلاء مقبض منجله الأزرق على راحة يده اليمنى؛ ~~فرشق آلته في حزمة من القمح، وانتزع بيده حزمة من اللبلاب ودعكها بقوة بين راحتيه، ~~ولكن الطلاء الأخضر كان قد تسرب إلى المسام فلم يستطع محوه، وأخذ العرق ~~يتصبب من جبهته على خديه زاحفا إلى ذقنه؛ لكي يسقط فوق صدر قميصه. # كان بيتر ماجون طويلا ضامرا طويل الرقبة كالنعامة، وحزمة من البوص تلف خصره، ~~وكان يعمل عاري القدمين مرفوع السراويل إلى ركبتيه، وبذلك يكشف عن ندبة كبيرة في ~~ساقه اليمنى التي كانت قذيفة قنبلة قد أطاحت بسمانتها أثناء الحرب؛ مما أعطى ساقه ~~شكل قطعة الخشب المنخوبة. # وإلى جواره كانت تعمل أنا وبطنها المستديرة تكاد تمس ذقنها، وكانت تجد مشقة في ~~أن تتحرك، ومشيتها تشبه مشية البطة المسمنة أكثر مما ينبغي، فهي تسير منفرجة ~~الساقين، وترسل ms103 من وقت إلى آخر أنات خافتة. # وكانت بلا حذاء هي أيضا، ويداها كبيرتان يعلوهما القشف، وكانت تمسك بيدها اليسرى ~~في عناية بحزمة من القمح، وباليمنى تقطع السيقان في بطء لكي تتجنب ~~الهزات. # وكانت تلبس على رأسها منديلا أصفر عقدت أطرافه على فمها لكي لا يضايقها التراب ~~الذي يتصاعد من القش عندما تحركه، ومن الأرض الجافة ومن وقت إلى آخر، كانت ~~تذهب لتتمدد فوق القش كحيوان أنهكه التعب، وعندئذ كانت الدموع تتصاعد ~~إلى عينيها، وبطنها تتخذ شكل تل مشوه. # وألقى بيتر ماجون نظرة قلقة على امرأته فرآها منبعجة بشكل مخيف، وعندما كانت ~~تنحني كان يلوح أن أنفها ووجهها كله يدخل في بطنها، وبعد كل حزمة تقطعها من القمح ~~كانت تمسح عينيها بطرف منديلها، فتلوح لبيتر وكأنها تبكي. # فسألها: «ماذا يا أنا؟ هل تبكين؟» # لا جواب. ~~- قولي ... هل تبكين؟ # وأسندت أنا يديها فوق ركبتيها، ثم مرت بهما - في مشقة - فوق فخذيها وعجزها، ~~وكل من هذه الحركات تزيد بطنها انتفاخا، وخلعت المنديل الذي يغطي فمها لكي ~~تربطه على قمة رأسها. # وأجابت - وهي تنفخ: «أبكي؟ ... لماذا؟!» ~~- لقد اعتقدت أنك تبكين. ~~- لا ... ولكني أشعر فقط أنني ثقيلة جدا، ولا أدري لماذا أحس أنني ثقيلة ~~اليوم وكأنني في أول حمل لي. # واقترب ثور ميزاندرو لوكيا وهو موثق القدمين، قافزا من حافة الحقل، وهو يرسل ~~نحوهما نظرات خبيثة، ويستعد للدخول في القمح. # فأسرع ماجون إليه وهو يقسم، ويضرب بظهر منجله. ~~- يا لله! يا لك من حيوان! أتريد أن ترعى حقلي؟ أنا لا أملك مائة فدان من الأرض ~~بل أملك هذه النتفة! # وارتفع صوت ليزاندرولوكيا الذي كان يحصد هو الآخر على مسافة قريبة قائلا: «حيلك ~~يا أب ماجون! لا تضرب ثوري ... بل سقه ناحيتي.» # ومرة أخرى انتشر الصمت على السهل. # وبيتر ماجون يحصد بيده العريضة حزما من القمح في حرارة ونهم بالغين، وأنا ~~على العكس تتحرك في مشقة، فهي دائما متأخرة عن زوجها؛ ولذلك كان بيتر يعود ~~أدراجه عندما يتقدمها بكثير. # وصمت الاثنان وأحيانا كان منجله يتعثر في ms104 بعض الجذور فيصيح لاعنا ، بينما ~~تلوح أنا وكأنها لم تسمع شيئا، مكتفية بأن تدير رأسها نحوه وتبتسم بشدة، ~~وكأنها تبتسم رغما عنها، فعيناها حزينتان وقد اتسعتا مسرفا. # وحوم صمت مر فوق سهل برجان، وكأنه يهتز في الهواء تحت وقدة الشمس، فالأرض ~~تحترق، وسيقان القمح تتقصف، وأوراق الذرة تصفر اصفرارا مبكرا وتنكمش في شكل ~~أقماع. # ومع ذلك فالفلاحون يعملون، ولا يرى الإنسان غير ظهورهم وهم يتقدمون منحنين ~~عبر حقول القمح، فهم يحصدون وعندما ينهضون يفحصون السماء، والزنابير تضرب بأجنحتها ~~السنابل المنحنية. # ومن ناحية المستنقعات ترتسم بقعة بيضاء هي سحابة خفيفة تكاد تشبه خيطا من الدخان ~~على وشك التبدد. # ويمتد الجفاف متسللا كالمرض ... # ويحسه الإنسان في زرقة السماء الكثيفة، وفي خوار الدواب، وفي كل ساق سنبلة فوق ~~الأرض المنهكة، وهو يمتد أبكما ثقيلا كالموت مبتلعا المياه والحياة. # ومرة أخرى تذهب أنا؛ لتتمدد على القش. # وينظر إليها بيتر مانجوم ويتابع بعينيه حركة بطنها وهي تصعد وتنتفض في إيقاع، ~~ويقول: «يا لها من حياة! ... هذه المسكينة أنا ... تلد كالكلبة، وكيفما اتفق طفلا ~~بعد آخر، ويسألها: متى الوضع؟» ~~- في الحقيقة لا أذكر، وأظن أنه لم يحن الوقت، ربما كان بعد أسبوع. # وتبتسم وهي تنظر إلى المساء ممدة على ظهرها. ~~- انهضي إذن ولنسرع! # وتنهض أنا وتعمل في صعوبة، وتتداخل سيقان القمح، وتترك خلفها صفا من السنابل ~~التي يجمعها بيتر في صبر وهو يربط حزمه، وأخيرا يقول: ربما كان من الأفضل أن تذهبي ~~لتستريحي إلى جوار العربة قليلا، فهناك ظل والحرارة أهدأ، وحملك يثقلك فيما ~~أرى، ولا أباهي إذا ذكرت أنك تلدين في الحقول، والقرية كلها تتحدث عن ~~ذلك. ~~- آه ... القرية ... ليس هناك غيري تلد في الحقول، وأنا أعلم أن الرجال يضحكون ... ~~ولكننا نحن نلد أطفالنا في أي مكان يأتينا فيه ألم المخاض، والله - لا الرجال - ~~هو الذي ينظم كل هذا. # ومرت بطرف منديلها الأصفر فوق وجهها لكي تمسحه، وخلعت - في عناية - مريلتها ~~من فوق بطنها، وذهبت والأرض تحرق صفحة قدميها، وكانت أنا في قوام ماجون تقريبا، ms105 ~~وأخذت تمشي بخطى واسعة ، ولكن حملها المتقدم كان يفسد اتزان مشيتها، ~~وظلها يتبعها - طويلا مشوها - فوق القش المنتصب، ويعكس على قمة الذهبية ~~فيصيبها بالدكنة. # وبسرعة تمددت أنا في ظل العربة رغم ندرة هذا الظل، فنصف جسمها ابتداء من ~~الخصر معرض للشمس، وقد أصابها بالتصلب ألم حاد، ولكن هل هو إشارة الخلاص؟ ~~لقد وضعت مرة على هذا النحو، وكان ذلك في الخريف وقت جمع الذرة تحت مطر ~~خفيف. # ويقلقها هذا الألم الذي يتكرر، وتأمل ألا يحدث الوضع الآن، وعرق غزير ~~بارد يثلج كليتيها، فتفزع وتمسك بيدها اليسرى عجلة العربة، وباليمنى تتعلق بالقش ~~الذي اقتلعته من الأرض. # وظلت ساكنة وعيناها إلى السماء وأنفاسها متوقفة. # وفي أعلى - أي في أعماق زرقة السماء - تتابع عصفوران وكأنهما نقطتان بالغتا ~~الصغر وهما يغنيان، وعلى الأرض وسط أعواد الذرة تغني سمانة أيضا، وخطر لأنا ~~أنه كان من الواجب أن تتمدد على الحصير الموجود إلى جوارها، ولكنها لم تجرؤ على ~~أن تتحرك، وبقيت ممدة فوق الأرض العادية. # ودنت من وجهها ضفدعة مبللة الظهر وهي تقفز، ثم وقفت وحدقت في أنا ~~فاغرة فاها، وعيناها جاحظتان، وحلقها المبرقش بالبياض ينبض. # وتقززت أنا وودت لو طردتها، ولكن الآلام ترهقها الآن، ولا تسكت عنها، ~~فانطوت على نفسها وهي تئن، واشتدت قبضة يدها على عجلة العربة، وارتعدت ركبتاها ~~فجأة، وأحست كأن ساقيها تنزعان من الفخذين. # وتلا تلك الهزة إحساس بالانتعاش، وغمرت النشوة قلبها وأشاعت البريق في عينيها ~~المليئتين بالدموع، وتخلت عن عجلة العربة ومسحت التراب الذي كان لا يزال عالقا ~~براحة يدها اليسرى. # وعندما نهضت على ركبتيها كانت عيناها مضطربتين محاطتين بهالات سوداء، وبيديها ~~المرتعدتين الهزيلتين انحنت؛ لتأخذ الطفل الذي كان يرفس بساقيه في القش. # وكانت شذرات من القش والتراب قد لصقت بلحم الطفل الأحمر، فنهضت الأم ورفعت الطفل ~~إلى السماء وهزته عدة مرات، فانطلقت منه صيحة، وفي لهفة أدنت أنا الطفل ~~من ثديها وقبلت رأسه. # وانتزعت القش ومسحت التراب عن الطفل، وخلعت مريلتها وطوتها وجعلت منها لفة ~~للطفل، ثم وضعته بسرعة في ms106 العربة التي مدت فوقها الحصيرة لتظللها. # ثم أصلحت ملابسها واتجهت نحو زوجها؛ لتواصل العمل إلى جواره وكأن شيئا لم ~~يحدث. # كان بيتر ماجون يسبح في العرق، وكأنه خارج من الاستحمام في النهر، ومن خلفه ~~عشرات من حزم القمح ملقاة على غير نظام، وقد أصبح الجو خانقا، واتخذت الأرض ~~لونا بنفسجيا، وكأن حريقا قد شب في سهل براجان. # واقتربت أنا من بيتر، ولكنه ظل منهمكا في عمله، وظلت واقفة منتصبة، والمنجل ~~في يدها تنتظر أن يتكلم، وماجون يستمر في الحصد متحمسا بلا هوادة، وبضربة قوية ~~يقصف أعواد القمح المنحنية على شبا منجله. # وقالت له أنا: «بيتر أنصت إلي ... بيتر ... لقد وضعت.» # ودون أن ينهض أدار ماجون عينيه نحوها. # وتكلمت المرأة بصوت خافت، وهي تحس بطعم الرماد بين شفتيها: «نعم يا بيتر ... ~~لقد وضعت.» # وسقط المنجل من يدي بيتر ونهض. ~~- وما حيلتنا في ذلك؟ لقد حدث لي ذلك مرة أخرى في الخريف في يوم ضباب. # وأرد بيتر أن يقول شيئا وأن يقسم بأغلظ الإيمان، ولكنه استسلم بسرعة واسترد ~~منجله، وبينما كان يحصد حزما جديدة من القمح سأل: «أهو غلام؟» ~~- نعم غلام. # فطالت عنقه أكثر من ذي قبل فهي أشبه بعنق النعامة. # وانشق فمه عن ضحكة عريضة صامتة، ثم قال: «ولماذا عدت إذن؟» ~~- لقد انتهى الأمر الآن، وأحس أني خفيفة. # وها هي تحصد من جديد، ولكن متخلفة بكثير عن بيتر الذي يسرع وكأن الذئاب تطارده، ~~والسنابل تحك ذقنه المبللة بالعرق، وتعلق بها بعض أعواد القش. # وأخذت ريح خفيفة حارة تهب من ناحية الشرق وتحمل في دوامات المسك والأزهار ~~البرية، ويختلس بيتر نظرة إلى أنا كلما وضع حزمة على الأرض، إنها بغير مريلة، ~~وجونلتها منحرفة عن وضعها، وبصعوبة تستطيع أن تضم السنابل في يدها، ومنجلها يهتز، ~~وهي الآن توحي إليه بالحزن المثير، فهي لم تكد تضع طفلهما الثامن، ومع ذلك ها هي ~~تعود إليه لتعمل! # وفجأة انتصبت أنا زائغة العينين والمنجل في يدها وقالت: «أحس بالألم من جديد ~~يا بيتر، سأذهب.» ~~- اذهبي ولا تعودي ms107 ثانية إلى هنا، ابقي إلى جوار الطفل واحرسيه من أن يتسلق ~~عليه النمل وهو نائم وغطه جيدا. # ومرة ثانية أصبح بيتر وحده، بينما اتجهت أنا ناصلة الشفتين بأسرع ما يمكن نحو ~~حافة الحقل حيث تقع العربة وبها الطفل، ولكنها لم تكد تصل حتى أخذت نفس الآلام ~~وبصورة أكثر عنفا تمزق أحشاءها وأخذها الخوف، وتمددت إلى جوار العجلة، واقترب ~~منها طفل حاملا زجاجة بين ذراعيه لكي يطلب إليها بلا ريب ماء، ولكنه لم يكد ~~يراها بهذا الوضع حتى ولى جاريا وهو يتعثر. # ودخل ثور ليزاندرو لوكيا إلى أرض بيتر ونطح بقرنه رحى القمح، وقالت أنا: «ألا ليت بيتر يعود ليراه.» # وقلص الألم جسمها، وتعلقت من جديد بعجلة العربة وأطلقت أنة، ثم شعرت براحة ~~نهائية لا حد لها، وسمعت صرخة قصيرة فنهضت واقفة مبتسمة واستخلصت من بين القش ~~الطفل الثاني، وفي جو يونيو المحترق أخذت وأوأة الطفلين تتردد في الحقول، ~~وأنا تصغي إلى تنفس الطفل الثاني الذي لم ينتظم بعد. # وحومت فراشتان حولها فضمت في خوف الطفل إلى صدرها وهي تلوح لتطردهما، ~~ولف خبر وضع أنا زوجة بيتر مانجون لغلامين الحقل بسرعة، فانبثقت ~~تلقائيا قابلات عديدات فيما يشبه المعجزة، وأخذن يغسلن الطفلين بالماء الممتوح من ~~البئر وينتزعن خيط قطن أحمر من ملابسهن؛ ليقمن بواجب ربط الحبل السري. # وقطع بيتر عمله؛ ليأتي إلى جوار زوجته، وأدهشه التجمع الذي تكون حولها حتى ~~أخذه قلق غامض، فاستند إلى نير العربة وترك نظراته تطفو فوق الحقول وكأنه غريب عما ~~يجري حوله، وغير بعيد كانت خيوله المربوطة في أوتاد تلف دوائر وهي تضرب بألسنتها ~~القش المسحوق تحت حوافرها، وتنفخ في ضجة فتثير من حولها سحبا من ~~التراب. # وقال أنتوني لانجو - وهو يتكئ بمرفقيه فوق العربة: «إن الإنسان يستطيع أن يعد ضلوع ~~خيلك يا بترو، فإذا لم ينزل المطر فسوف تموت جوعا.» # واقترب بيتر وهو يقول: «إنها لم تعد حياة، عندي سبعة أطفال وبالاثنين الجديدين ~~يصلون إلى تسعة، وبإضافة شخصينا يصبح المجموع أحد عشر فما تحتاج إلى الطعام، ms108 ~~ولنفترض أن الاثنين الصغيرين لا يحتاجان بعد إلى كثير من الطعام، ولكن يبقى التسعة ~~الآخرون، وأنا لا أملك غير هذه القطعة الصغيرة من الأرض، ولم أدفع بعد ضريبة ~~العشر ولا بدل المرعى.» # أسرع إلى الدفع وإلا جاءوك يوما فأخذوا جميع حاجياتك، وأنت تعلم ما حدث ~~للآخرين الذين أخذوا منهم الأغطية نفسها. ~~- وماذا أفعل؟ ... من السهل أن تقول: أسرع. ~~- بع شيئا. ~~- أنا أبيع؟ ... وهل لدي شيء أبيعه؟ # وفجأة تغطت السماء بسحب رمادية، آتية من المستنقعات ومن حواف سهل برجان، ~~وكانوا قد رأوا مثلها من قبل أكثر سوادا، ولكن أقل ارتفاعا تهبط على ~~الدانوب. # وفقدت الشمس بريقها بعد أن حجبت السحب جزءا منها. # وظلت الحرارة خانقة ثقيلة على امتداد الحقول. # ومع ذلك أخذت تسري - في هبات - تيارات من النسيم المنعش. # وزمجر الرعد وتدلت السحب إلى أسفل، ولكن الأرض ظلت حارقة تحت صفحة ~~الأقدام. # وقال أنطوني: سأذهب، فلربما أمطرت. # وأصبحت أنا الآن وحدها في العربة وطفلاها بين ذراعيها، وجلست على سرير من ~~الحزم الذي أعدته الفلاحات لكي يخفف من اهتزاز العربة التي جلست فوقها على ~~مستوى أعلى من الحاجز، وفي هذا الوضع كانت تشبه العذراء المقدسة. # وأخذ الرعد يقصف بسرعة متزايدة، وقطرات المطر الأولى تسقط كبيرة ثقيلة، وفك بيتر ~~رباط الخيل وشدها إلى العربة بسرعة ووضع ملابسه في العربة، وألقى نظرة أخيرة؛ ~~ليتأكد من أنه لم ينس شيئا. ~~- أنت مستريحة عندك يا أنا؟ ~~- نعم، لكن لا تسرع. # وأخذت الخيل تمشي وحدها، واطمأن بيتر إلى أنها قد أحست قدوم العاصفة؛ ولذلك ~~أسرعت. # وكان المطر أكثر كثافة ناحية القرية، فهو يهطل مثيرا التراب، ويمتد فوق السهل ~~بسرعة وكأنه ستارة من اللؤلؤ، والخيل تصهل وتنصب آذانها، وبيتر يبسط الحصير وكأنه ~~خيمة فوق أنا وطفليها. # وبعد أن كان المطر غير ملموس وكأنه زفرات الريح لهبوطه رذاذا، أخذ يهطل في بخات ~~قوية قصيرة، أشعثا هائجا فوق برجان، واحتمى بيتر أيضا تحت الحصير، ولكن ساقاه ~~ظلتا عاريتين، وصنعت أنا لطفليها من جسمها واقيا آخر بأن انحنت فوقهما ~~وهي تضعهما ms109 فوق ركبتيها وتحتضنهما بين ذراعيها، وعند كل هزة من العربة تصيح: ~~«هدئ يا بيتر، هدئ»، وترفع - في رفق - الطفلين وتنظر إليهما في ~~قلق. # وأخذت الخيل تتقدم في ركض عنيف، والمطر يثير فوق الطريق رائحة الأرض ~~المبللة. # وأخذ الماء يسيل في الأخاديد التي تحفرها العجلات ليصب في الحفر، والأعشاب ~~والحسك والأزهار - وقد غسلت ونضرت - نهضت على حافة الطريق، بل والقش ~~الذاوي نفسه رفع - بعد جفاف - أشواكه كالفرشاة. # ويخترق المطر الحصير فيبلل الشوفان والقش، وتنطوي أنا في نصفين فوق طفليها، ~~ومن وقت إلى آخر تدني شفتيها من أنفهما؛ لتتأكد من أنهما لا يزالان حيين، ~~وتشعر بنسمات دافئة من الهواء تداعب شفتيها: إنهما يتنفسان! # وخرج بيتر من تحت الوقاء مفضلا أن يجابه المطر، وألقى نظرة على أنا؛ فرأى ~~عينيها مبللتين بالدموع، وقد ألصق المطر منديلها برأسها وتقلص وجهها ~~وشحب. # وأحس ماجون هو أيضا بشيء رطب دافئ يبلل عينيه، ولكنه لم يعرف هو نفسه ما إذا ~~كان يبكي أو أن المطر قد أخذ ينزلق فوق وجهه. # وعلى جانبي الطريق كانت الحقول المنتعشة السوداء تلوح وكأنها تجري تحت المطر ~~الهادر المزبد، وكم لاحت له خيوله هزيلة تحت الطاقم الثقيل الذي يضرب جنوبها ~~المبللة، ومع ذلك أخذت تعدو ومانجون يضرب كفليها بمقبض سوطه، وكل ضربة تتبعها ~~قفزة مفاجئة من العربة، وأخذه القلق فاستدار برأسه ناحية أنا لكي يتأكد أنها لا ~~تشكو من شيء، ولكن أنا لم تعد تتلفظ بشيء منذ وقت طويل. # وسقطت الصاعقة عن بعد ممزقة قبة السماء من ناحية الشرق. # وتحت سهام وابل المطر لاحت القرية ميتة، وأزت عجلات العربة المبللة وهي تستدير ~~فجأة؛ لتعبر البوابة وتقف في الفناء. # وقفز ماجون إلى الأرض، وأمام المنزل خرج الأطفال ووقفوا صفا وهم يعلمون أن أمهم ~~تحت الغطاء، ولكنهم لا يفهمون لماذا تأخرت في النزول، وانطلق بيتر نحو أقصى الفناء ~~وصاح: إيه ... يا أب فاسيل ... يا ابنة العم ماريا ... احضروا بسرعة، ساعداني على إنزال ~~أنا من العربة، فقد وضعت في الحقول.» وأسرع الجيران عراة الأقدام وهم ~~يحمون ms110 رأسهم بقماش الجولات، واقتربت بنتا أنا الكبيرتان، وبكتا دون أن ~~تعلما ماذا حدث، وقفز بيتر من جديد داخل العربة، وسحب الطفلين الواحد بعد ~~الآخر من تحت الحصير وأعطاهما لابنة العم ماريا التي احتضنتهما فوق صدرها، وغطتهما ~~بطرف شالها، وأسرعت بهما إلى البيت، وأنا بحكم بقائها طوال الوقت منحنية فوق ~~طفليها قد تخشبت وكأنها قد انكسرت إلى نصفين. # ويستطيع الإنسان أن يسمعها إلى جوار الطفلين في السرير القائم عند النافذة. # والأطفال السبعة يبكون خائفين ولا يجرءون على دخول المنزل، وقد بقي بعضهم في ~~الشرفة، والبعض الآخر في الردهة، وهم في قذارة ممزقو الثياب. # ويتركهم بيتر يجأرون دون أن يلقي إليهم بالا، ومن وقت إلى آخر تتراءى أمامه ~~صورة ملحة، صورة وجبة كل يوم لتسعة أفواه جائعة دائما ويجب مع ذلك إطعامها، ~~وعما قريب ستصبح أحد عشر فما. # نعم كل المطر قد نزل، ولكن قطعة أرضه الصغيرة لن تزداد خصبا، وأما من يملكون مائة ~~هكتار يفلحونها بواسطة خدامهم فالأمر مختلف. # وخرج تحت المطر وهو يلعن؛ لكي يفك خيوله التي تركها تمرح في الفناء. # وأخذت بطة ضالة تصيح في يأس، وبيتر يحس بوخز في ساقه المجروحة. # ووصل جاراه فاسيل وماريا إلى عتبة البيت مغطيين رأسيهما بالقماش. ~~- لا تقلق يا ماجون ... إنهما غلامان، مبروك. # وأراد بيتر أن يرد وأن يشكرهما، ولكنهما لم يعطياه الوقت، فقد وصلا إلى الشارع، ~~وهدأ المطر فلم تعد تسقط غير قطرات نادرة من الماء، وأوراق الطلح تهتز فتقلق ~~راحة العصافير في أوكارها. # واصطف أطفال ماجون من جديد أمام الباب، ووضعت أنا رأسها في النافذة وهي صفراء ~~كالشمع، وظل بيتر وحده في الفناء وقدماه الكبيرتان العاريتان مغروستان في طين ~~أمطار يونيو، وليست لديه أية رغبة في الدخول، وصهل أحد خيوله، وأحس بأن صيحة ~~الحيوان الجائع تتخذ شكلا وإطارا؛ لتبقى معلقة على طلح الطريق تحت بصر ~~أطفاله. # وخرج ماجون من الفناء؛ ليذهب إلى بيت أنطواني لونجو متشوقا إلى أن يعرف عند ~~من ذهب صيارفة الخزانة في ذلك اليوم، وهل وقعوا الحجز على ms111 حاجيات أحد؟ # ولم يقل شيئا لأنا ولا لأطفاله، وعبرت أصوات الصهيل السور من جديد قادمة من ~~الفناء، وتقدم بيتر مبهوتا إلى وسط الطريق وأصوات الصهيل تتبعه، ويراها معلقة ~~على أشجار الطلح وهي تلح عليه، ولكنه يحاول أن يفهم قائلا: «هل حدث أن رأى ~~إنسان صيحات معلقة بأغصان الأشجار؟» # وهبط المساء - في هدوء - بخطى ناعمة، وصفت السماء، والشمس الغاربة ترسم ~~أزهارا بنفسجية فوق زجاج نوافذ المنازل الريفية. # | زهاريا ستانكو (1902) # زهاريا ستانكو الصحفي المكافح والشاعر الموهوب (قصائد بسيطة) فيما بين الحربين اكتسب ~~شهرة دولية؛ بفضل روايته «حفاة الأقدام» سنة 1948 التي ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة ~~من لغات العالم، وستانكو بارع في بعث التاريخ الذي عاشه طفلا وشابا، واتخذ منه ~~مادة لهذه القصة، فهي اعترافات حياته الخاصة، وفي نفس الوقت لوحة اجتماعية وسياسية ~~للحياة الريفية والحضرية منذ أربعين عاما، وواقعة القصة ترتبط عنده بلغة تصويرية تعطي ~~صفحاته طابع الشعر المنثور. # ولنذكر له أيضا قصته الكبيرة «أزهار الأرض» وروايته «الكلاب» التي خصصها لكفاح ~~الفلاحين سنة 1907، وحديثا أعطانا عضو الأكاديمية زهاريا ستانكو الحلقة الملحمية ~~«الجذور مرة» التي ترسم لوحة ضافية للمجتمع الروماني البرجوازي والكفاح الشيوعي قبيل ~~الحرب العالمية الثانية. ~~(1) زهرة الليلا ~~«الرواية رجل من سكان المدن أبيض الشعر مجعد الوجه يأتي بعد سنوات طويلة من ~~الغيبة ليحضر أعياد رأس السنة في القرية مسقط رأسه، حيث كان كل شيء قد تغير منذ ~~وقت طويل، فلا يلتقي بأحد ولا يعرفه أحد. # ومنع ذلك يلتقي عند البئر ذي الدلو بامرأة ذابلة عجفاء مشغولة بملء جرادلها، منها ~~فيلمونا التي أحبها عندما كانت أشجار الليلا مزهرة، وكانت تغطي رأسها بمنديل ~~من الموسلين، وبعد أن تبادل معها بضع كلمات ذهب إلى أخته؛ حيث أخذ يصك الأقداح ~~مع أفراد الأسرة المجتمعين لهذه المناسبة. # وفي المساء يخرج مع كوكلتز - أحد أبناء أخته - ويتسلق التل؛ ليرى الأطفال وهم ~~يجوبون القرية وفقا للتقاليد حاملين نجوما كبيرة من الورق ومرددين أغاني عيد ~~الميلاد.» ~~••• # استندت على عصاي، وتسلقت لاهثا مزلقان السكة الحديدية، ثم سفح التل، ms112 ~~واستندت على عصاي أيضا مبهور النفس لأنزل على السفح الآخر. # وقال لي كوكلتز: إنك مثقل الخطى كثور أضناه النير. ~~- إنك على حق، فأنا مبهور النفس لكثرة ما قاسيت في حياتي تحت أنواع مختلفة ~~من النير. ~~- أما أنا فخفيف كالعصفور، ومهما عدوت لا أحس بالتعب. ~~- وأنا أيضا لم أكن أحس بالتعب عندما كنت في سنك. ~~- وهل كان ذلك منذ وقت طويل؟ ~~- نعم ... إلى حد ما. ~~- وعندما أصل إلى الشيخوخة مثلك، هل ستكون لا زلت موجودا في العالم؟ ~~- لا يا كوكلتز، لن أكون في هذا العالم. ~~- وتنهد الغلام، وبعد لحظة تمتم قائلا: «أنا آسف.» ~~- علام تأسف؟ ~~- لست أدري ولا أستطيع أن أفسر لك، ولكنني أحس بالندم. ~~- أما أنا فلا، ولست نادما على شيء، وأعتقد أنني قد عشت ما فيه الكفاية. ~~- وأمام باب العربات ودعني أنا وأختي جميع أقاربي وهم يتمنون لنا ليلة ~~سعيدة. ~~- سنراه غدا؟ # وأجابتهم أختي: «ليس غدا، فأنتم ترون أنه متعب، وغدا يجب أن نتركه ~~يستريح.» ~~- فليكن. # وذهب كل إلى سبيله وتركني كوكلتز أيضا، وهو يسير بخطى ثابتة، وقلنسوة الفراء ~~منزلقة على قفاه وتحت ذراعه هراوة في مشية متكبرة كأنه سيد العالم، ولربما ~~كان. # وفوق القرية وفي أعماق السماء لمعت النجوم. # وقالت لي أختي: «كل لقمة ونم؛ فالرحلة قد أتعبتك.» ~~- الرحلة؟ ... الرحلة فقط؟ ... # وفوق الشرفة بالقرب من الباب رأينا امرأة مستندة إلى الحائط ساكنة حتى ~~ليحسبها الإنسان متحجزة، وهي تنتظرنا. # فسألت أختي: «أنت فيليمونا»؟ ~~- نعم أنا ... أتيت لأجل ... ~~- من الأفضل أن تمري غدا أو على الأصح بعد غد، لا غدا، فأخي ... # وقلت لأختي: اتركيها ما دامت قد جاءت ... اتركيها تدخل؛ فالنوم سيهرب مني على ~~أية حال حتى الصباح، وهو يفعل ذلك منذ سنوات. # وقالت فيليمونا: «لا بد أنهم قد سحروا لك حتى لا تجد راحة.» ~~- هذا ممكن. ~~- على أية حال لست أنا - أؤكد لك - التي سحرت لك. # ووضعت عصاي في ركن، وخلعت غطاء رأسي ومعطفي، وجلست على حافة السرير، والحجرة ~~دافئة مضاءة، وجلست فيليمونا فوق مقعد، وهي تلبس في قدميها ms113 حذاء حربيا باليا، ~~وترتدي ثوبا أسود، وتغطي رأسها وكتفيها بشال أسود أيضا، وأخذت أختي تنظر ~~إليها شزرا، ولولا خوفها من أن تغضبني لطلبت إليها أن تذهب، وقال لي فيليمونا: ~~«لو أنه كان فيما مضى في البيت نور لاستطعت أن تقرأ طوال الليل، كما كنت تفعل في ~~الليالي المقمرة.» ~~- هذا حق، لقد كنت أقرأ في ضوء القمر، وكانت عيناي قويتين عندئذ. ~~- والآن لم تعودا قويتين؟ ~~- لا، لم تعد لي عيناي قويتان، وأضطر أحيانا إلى استخدام النظارة. # ومر قطار فهز البيت هزا عنيفا، وارتجفت ألواح الزجاج بعض الوقت، وقالت أختي: ~~«سأذهب لإعداد الطعام، وسيعود زوجي من العمل بين لحظة وأخرى.» # وبقيت وحدي مع فيليمونا، وبصري يجذبه الحذاء الذي تلبسه. ~~- أنت تنظر إلى حذائي؟ إنني ألبسه أثناء الشتاء، وقد كان حذاء ابني الأصغر، ابني ~~فلوريكيل، ولست أنا التي دفنت الولدين الآخرين، فأحدهما مات في مكان ما بروسيا، ~~وسقط الآخر في المجر، وأما فلوريكيل فقد حملوا إلي جذعه فقط، أو على الأصح لم ~~يحملوه، بل طلبوا مني الذهاب إلى تورنو، حيث توجد المستشفى، وهناك رأيته وأخذته، ~~وقد ذهبت لإحضاره في عربتنا التي تجرها الثيران، وملأت العربة بالشوفان وسرت في ~~الطريق، وعند المستشفى حللت الثيران من العربة ودخلت، وكان هناك فناء كبير في ~~المستشفى، وفي ذلك الفناء مقاعد تحت أشجار الطلح، وعلى هذه المقاعد جنود في النقاهة ~~خرجوا إلى الشمس كالحشرات. ~~- عمن تبحثين أيتها الأم الصغيرة؟ ~~- عن ابني الأصغر العسكري. ~~- ما اسمه أيتها الأم؟ ~~- فوريكل لازو. ~~- آه ... لازو؟ ... اذهبي إلى الصالة الكبيرة. ~~- وأي طريق أسلك إليها؟ ~~- انظري أيتها الأم الصغيرة، سأصحبك إليها. ~~«وعندئذ ترك هذا الجندي مقعده واصطحبني متعثرا إلى الصالة الكبرى.» ~~- ادخلي هنا وستجدينه بسرعة. # لقد وجدته شاحبا كالشمع ممدا على الفراش: ~~- هل أنت في حالة طيبة يا بني؟ ~~- طيبة يا ماما. # كان هناك تحت غطاء، وها هو طبيب صغير يصل. ~~- أنت أم لازو؟ ~~- نعم، أنا أمه. ~~- تستطيعين أخذه إلى المنزل ... هل لديك عربة صغيرة أم كبيرة؟ ~~- كبيرة. ~~- حسن جدا ... اذهبي إذن وشدي الثيران ms114 إلى العربة وانتظري إلى جوارها ، فسوف نحمله ~~إليك حالا. # وضعت الثيران تحت النير، ووصل ممرض بعد قليل حاملا فلوريكل على ظهره، ومن ~~خلفه رجل آخر يحمل لفافة بها ملابسه، وسأل غلامي: «لقد وضعت أيضا حذائي في اللفة ~~يا أوبريا؟» ~~- لقد وضعته، وكان من الممكن أن تتركه لي فلن تحتاج بعد ذلك إلى حذاء. ~~- أريد أن أتركه لأمي فستلبسه بدلا من أن تسير حافية القدمين في الطين. # وحملت الحذاء إلى بيتنا، وفي المستشفى كانوا قد أعطوه قبقابا من الخشب كان يضغط ~~بيديه عليه ويزحف، أو يقفز كالجرادة، وكنت سعيدة لأن أجده إلى جواري، ولو أنه ~~مبتور الساقين، يا إلهي! يا للإنسان مع ذلك! لقد كان كسيحا، ولكن الشباب هو ~~الشباب، وها هو يصاحب أرملة نييلو زوجة ابني. ~~- إنها خطيئة يا فلوريكيل، إنها زوجة أخيك ولها منه أطفال ثلاثة. ~~- ليست هناك خطيئة ما دام أخي قد مات، ولم يعد في الأمر ما يزعجه. ~~- إن في هذا ما سوف يضحك القرية كلها يا صغيري فلوريكيل. # يضحكها؟! الأجدر بالقرية أن تبكي! ~~- وماذا كنت أستطيع أن أفعل؟ لقد تحملت العار مغلوبة على أمري، وبعد ذلك أخذ ~~يعتاد الذهاب إلى الحانة ويستولي على جميع النقود التي يجدها في المنزل، ويتسكع ~~في الحانة ويشرب الكثير، وعندئذ يأخذ في التشاجر مع الناس، بل ومع رجال البوليس ~~أنفسهم ويقول لهم: «أيها الكتاكيت! إنكم شبان فلماذا لا تذهبون إلى الجبهة؛ ~~لتحطموا أنتم أيضا بمدافع الروس؟» # وذات مساء لم يعد إلى المنزل، وانتظرته وبحثت عنه في كل مكان، وقبيل الصبح ~~وجدته وسط الأدغال على حافة الماء، ورأسه محطمة بضربة قالب من الطوب، وزوجة ~~ابني أرملة نييلو تركت القرية، وقد قيل لي: إنها عملت خادمة في بيت كبير ~~ببوخارست، وتركت أطفالها على كاهلي، وكان لا بد لي من أن أعنى بهم، ولم يكن ~~الأمر سهلا، وأثناء ذلك عاد سامينتزا أخو زوجي، وهو رجل أسمر أزرق العينين قصير ~~الشارب ضخم اليدين والأصابع، وقلت له: «أهلا وسهلا يا أخي.» ~~- أنا سعيد بأن أجدكم جميعا ms115 في صحة طيبة. # وعندئذ سمعت أختي وهي تسألني: «أوما تحضر لتناول الطعام؟» ~~- لست جوعانا، وأنا لا زلت أتحدث قليلا مع فيليمونا. ~~- تتحدث مع فيلمونا وتدخن ... وطبعا لا يمكن أن تحس بالجوع. ~~- حقا أنا أدخن، ولم أستطع التخلص من هذه العادة. # وأنظر إلى فيليمونا، وفيليمونا تنظر إلي، وقد أصبحت يداها خشنتين وغطتهما ~~التجاعيد، وجبهتها أيضا مجعدة وخداها غائرين، وشفتاها وإن ظلتا ~~ممتلئتين إلا أن الريح قد أضفت عليها صبغة بنفسجية. # وقالت: «الجو دافئ جدا.» # وخلعت الشال الذي يغطي رأسها ووضعته إلى جوارها على ظهر مقعد، ولم تحتفظ إلا ~~بمنديلها الأسود. # وأجبت: «هذا حق، الجو حار.» ~~- وقد ملأت الحجرة بالدخان ... ~~- هل تذكر أنك أتيت إلى المنزل لمدة أسبوع بعد الحرب؟ ~~- نعم أذكر. # وقالت فيليمونا: «كان ذلك في الربيع.» ~~- في الربيع فعلا! ~~- وكانت أشجار الليلا قد أزهرت. ~~- نعم يخيل إلي أن الليلا كانت مزهرة يا فيلي. ~~- وبعد رحيلك لم تكتب لي قط. ~~- لم أكتب لك ... هذا حق ... لم أكتب لك قط. ~~- ولا بضع كلمات. ~~- ولا بضع كلمات يا فيلي ... ~~- وسقطت مريضة ... آه ... لا ... لا تظن ... لا تظن أن ذلك حدث لأنك لم تكتب، وقد فهمت ~~جيدا أنك في تلك المدينة المحمومة لم تجد وقتا لتكتب لي. ~~- هذا حق ... لم أجد وقتا يا فيلي ... ~~- ولم أدر أنا نفسي ماذا حدث لي، فقد كنت كأنني في عالم آخر، وظننت أني ~~سأجن، هل تتذكر بوندار؟ ~~- أي بوندار؟ ~~- بوندار صول البوليس. ~~- الأسمر الطويل؟ ~~- نعم هو، كان قد انتهى لتوه من الخدمة العسكرية وأخذ يستعد للعودة إلى بيته في ~~قرية من ضواحي بيتستي، وقد وعدني بالزواج وطلب أن أرحل معه، وعندئذ رحلت معه، ~~كنت لم أعد أحب البقاء هنا، قد سئمت حقولنا، وسئمت التل، بل وسئمت منزلنا أيضا، ~~وحزمت أمتعتي ووضعتها كلها في جواري، وذلك مساء رحلت معه في القطار، وبعد ~~منتصف الليل بقليل وصلنا إلى بيتستي. # وهنا قال لي: «هيا لننزل، وسنقضي بقية الليل في فندق.» ~~- ولكنك ستحترمني؟ ~~- بكل تأكيد، وغدا سنصل إلى منزلي وهناك سنتزوج. ~~- وقادني ms116 إلى الفندق في مكان ما إلى جوار المحطة، وكان كوخا تفوح منه رائحة ~~البؤس، ويا لهول ما رأيت فيه! وما قاسيته في تلك الليلة ... يا إلهي ... يا ليتني ~~مت! ~~- لسوء الحظ يا فيلي إن الإنسان لا يموت عندما يرغب، وإنما يموت كل منا حين يحين ~~حينه. ~~- هناك من يموتون عندما يريدون؛ فيضعون نهاية لأيامهم ... وليس هذا صعبا، أوما ترى ~~ذلك؟! حبل في العنق وانتهى الأمر، ولقد فكرت في ذلك أيضا ولكنني خفت، ثم إنه ~~أمر غير مناسب أن يجدك الأغراب معلقا في مسمار ولسانك مدلى! # وأجبتها: نعم، أنت على حق يا فيلي، إنه أمر غير مناسب. ~~- الموت يجيء دائما في النهاية. ~~- نعم يا فيلي، يجيء إلينا جميعا. # وكانت تزن - في دقة - كلا من عباراتي، والحزن ينضح على وجهها، وسمعتها ~~تتمتم: «قل لي لماذا أنت منهار هكذا؟! كنت قد ظننت أنك قد أصبحت الآن شخصية ~~كبيرة، فما الذي ينقصك؟» # وأشعلت سيجارة جديدة رغم كل ما كنت قد أشعلته حتى الآن، وأخذت ~~أمتص - في عمق - الدخان الدافئ المر، وضحكت ... ضحكت بكل قوتي، ونهضت أجوب ~~الحجرة ويداي خلف ظهري، وإذا بأختي تدخل حاملة صينية. ~~- أنا سعيدة لأني أسمعك تضحك، والله وحده يعلم ماذا يمكن أن تكون هذه المجنونة ~~فيليمونا قد قصته عليك من خزعبلات! # وأخذت فيليمونا تضحك بدورها وتقول: «لقد أعدت على سمعه النكات التي ~~يحكونها عندنا من فم إلى أذن.» # وقالت أختي: «إنني أدرك ماذا يمكن أن تكون.» # ثم تضيف قائلة: «ها هو شيء تأكله وزجاجة نبيذ لكي تعطى شيئا من النشاط، وإذا لم ~~تكن ذاكرتي قد خانتني فإنكما كنتما حبيبين في الماضي.» # وقالت فيليمونا: «أبدا هذه أقاويل.» # وذهبت أختي؛ فزوجها الحداد ينتظرها في الغرفة الأخرى، وأكلنا قليلا من اللحم ~~المشوي ومن الخبز المنزلي الجيد، كما شربنا قليلا من النبيذ، ومسحت فيليمونا ~~فمها بظهر يدها وهي تقول: «هل تعلم أن هذه هي أول مرة نتناول فيها الطعام ~~معا؟» ~~- لم أكن قد فكرت في ذلك، ولكن نعم، أنت على حق يا فيلي. # وملأت ms117 كأس فيليمونا كما ملأت كأسي - أيضا - وقلت: «في صحتك يا فيلي.» ~~- في صحتك! # ولاحظت أنني قد أفرغت كأسي حتى قاعها ورأيتني أقول: «كأس آخر يا فيلي.» # واهتزت جدران الغرفة لحظة، وأيقونة القديس بطرس تنظر بعينيها الجاحظتين، ~~والعذراء ماريا تنظر إلي أيضا بعينيها الواسعتين هي والطفل الذي تمسكه بين ~~ذراعيها. ~~- سألتني يا فيلي عما إذا كان ينقصني شيء، ألا فاعلمي أنه لا ينقصني شيء، ولست ~~في حاجة إلى شيء، وأنا سعيد ... سعيد ... # وهدأت فيليمونا من نبرتي بقولها: «لا يلوح عليك ذلك، ولا يمكن أن يحس ~~الإنسان منك ذلك.» # فأجبتها: «ربما لا يحسه أحد، ولكن صدقيني فأنا سعيد ... سعيد.» ~~- وهناك في الفندق طلب بوندار مشهيات ونبيذا وتناولت الخبز معه، وشربت أنا أيضا، ~~وأنت تعرف كم كنت ساذجة في ذلك الوقت. ~~- نعم، أعرف يا فيلي. ~~- وعندما سكر أساء إلي، وفي صباح اليوم الثاني استيقظت لأجد نفسي وحيدة إذ كان ~~قد رحل، وحملت متاعي وذهبت إلى البواب لأسأله: أوما رأيت زوجي الذي أتيت معه ~~في الليل؟ ~~- نعم رأيته يا صغيرتي، فلقد دفع ثم سافر على بركة الله. ~~- والآن ما مصيري أنا؟ ~~- من أين أنت يا صغيرتي؟ ~~- أنا من ... وأخذت أبكي. # وقال لي البواب: «لا تبكي، فلا فائدة من الدموع.» ~~- وماذا أفعل الآن؟ وما مصيري؟ ~~- لست أولى من حدث لهن ذلك، وستفعلين ما فعلته الأخريات، ويجب أن ~~أتحدث عنك مع صاحب الفندق، مع السيد فوتاكي، وها هو قادم. # رجل أصلع ذو كرش، رأيته وهو ينزل على الدرج، وشارب كثيف يغطي فمه. ~~- من هذه الصغيرة؟ ~~- ليست شيئا ممتازا يا سيد فوتاكي، واحدة من الأوباش أحضرتها الليلة ~~ونسيتها هنا، وظننت أنه من الممكن أن نحتفظ بها عندنا. # ووزنني السيد فوتاكي بنظرته ومط بوزه، وقال: «نعم نعم، إنها ملفوفة نضرة ~~ومهندمة قليلا ويمكن أن تعجب.» # وعدت إلى البكاء، ووجه فوتاكي إلى البواب أمره قائلا: «استدع ~~المساعدة.» # كانت مدام كلارا امرأة ضامرة ذات أنف طويل حاد. # وسألها السيد فوتاكي: «هل تستحق هذه أن نحتفظ بها؟» ~~- رائعة يا سيد فوتاكي، ms118 ولكن في رأيي إنها تحتاج إلى بعض الوقت لتكوينها، وأنا أظن ~~أنها لا تعرف شيئا كثيرا، وأنت تعرف أن الزبائن يدققون ... والسيد جورجيل والسيد ~~كوستاكي، فضلا عن الحافر القديم حكمدار البوليس ... # وقلت: «باستطاعتي أن أغسل السلالم وأنظف الحجرات وأكنس الفناء.» # فرد السيد فوتاكي: «ليس هنا فناء.» ~~- آه يا إلهي! لماذا أقص عليك كل هذا؟ # الجدران لم تعد تهتز من حولنا ولا القديس بطرس تحملق عيناه نحونا، ولا العذراء ~~مريم أو طفلها الرابي الذي تحمله بين ذراعيها. ~~- وبعد ذلك بشهر استطعت أن أهرب وتناولت شجاعتي بين يدي وعدت إلى المنزل. # وقالت لي أمي: «أنت عاهرة، وقد أطلقت ألسنة الناس فينا، ثم من الذي سيتزوجك ~~الآن؟» ~~- رجل مسيحي. # وكان هناك هذا الرجل، فبعد بضعة أسابيع طلب يدي أونو لازو أبله القرية، ~~وتزوجته. # وعندما قادني إلى بيته، قال لي: «أنت لست عذراء.» ~~- لا لم أعد عذراء. ~~- لماذا لم تعودي عذراء؟ ~~- أنت تعرف جيدا حكاية بوندار. ~~- بوندار وحده؟ # ولم أرد عليه بشيء؛ فانهال علي ضربا بلكماته وسحق عظامي، وقضيت خمس سنوات ~~معه، نعم خمس سنوات، وخلال هذه السنوات الخمس استسلمت له ثلاث مرات، ووضعت ثلاثة ~~غلمان، وقد اختار الله إلى جواره أونو لازو، وبعد ذلك ... # وصمتت ونظرت إلي من جديد بعينيها السوداوين الكبيرتين الجافتين الغائرتين ~~في محجريهما، وأخذت قطعة من الشواء قضمتها، كما قضمت قطعة من الخبز، وقالت: «إنه ~~جيد هذا الشواء، والخبز كذلك جيد، وأختك تجيد صنعه.» # وأجبت: «نعم جيد، ولا بد أن القمح قد أجيد طحنه والفرن أجيد قدحه.» # وقالت فيليمونا: «نعم، لكي يجود مذاق الخبز يجب أن يعد له كل شيء بعناية، ولكن ~~أنت قل لي: ماذا فعلت طوال هذا الوقت؟» ~~- لقد تصرفت ... تصرفت بمهارة، أولا تعلمين ذلك؟ ~~- نعم، أعلم ... أعلم، فكل شيء يعرف في النهاية. ~~- ولكنك لم تنظري إلي. ~~- نعم، نظرت ولا أفعل شيئا غير ذلك، وأرى أنك تتوكأ على عصا. ~~- نعم، أتوكأ أحيانا عندما أكون متعبا. ~~- وبخطى خفيفة عادت أختي مرة أخرى. ~~- لقد حملت لكما زجاجة أخرى من النبيذ، ms119 وأنا أرى أنكما تريدان مواصلة الحديث ~~بينكما. # فقلت: «نعم، لا يزال لدينا ما نقوله.» ~~- إذن أترككما، فسامنتزا يريد أن ننام. ~~- مساء الخير. ~~- وأخذنا نشرب كأسا بعد آخر، وفيليمونا تقول: «في صحتك! ... في صحتك! ...» # ونهضت لكي أضرب كأسي بكأسها قائلا: «في صحتك يا فيلي وحظا سعيدا.» ~~- آه حظي! هل تعلم أني لا أتمنى مثله حتى بالنسبة لأعدائي! # ومر قطار آخر بالمنزل؛ فاهتزت النوافذ مرة أخرى. ~~- منتصف الليل يا فيلي. # وردت فيليمونا: «منتصف الليل!» # ونظرت إلى الساعة. ~~- أتذكر أننا مكثنا مرة أخرى نتحدث حتى منتصف الليل نحن الاثنان ... حدث ذلك ~~مرة واحدة. # هذا حق يا فيلي ... مرة واحدة. ~~- أنا ذاهبة، وربما تريد أن تنام. ~~- سأصحبك يا فيلي. ~~- لماذا ... أنا أعرف الطريق، ومع ذلك إذا أردت ... وأخذت شالها وغطت رأسها ~~وحبكته على أكتافها. # وأخذت أقفز إلى جوار فيليمونا متوكئا على عصاي عبر حارات القرية، والسماء ~~داكنة وبعيدة دائما، والنجوم جميعا لا تزال تلمع، وحدست فيليمونا ما يدور ~~بخاطري. ~~- حقا إن السماء فوق رءوسنا تشبه ما كانت عليه، وكذلك النجوم، هل تسمعني؟ وتحت ~~أقدامنا لا تزال نفس الأرض. ~~- السماء لا تشيخ يا فيلي. ~~- والأرض لا تشيخ أيضا. # ومررنا إلى جوار عمارة كبيرة حديثة البناء وضوء القمر يسقط على زجاج النوافذ ~~ويضيئها، فأسأل: لمن هذه العمارة يا فيلي فلست أعرفها؟ ~~- إنها ليست عمارة بل مدرسة، ولا تستطيع أن تعرفها؛ لأنها لم تبن إلا في العام ~~الماضي. # ووصلنا إلى أرض كبيرة مكشوفة وفي وسطها بيت مدبب السقف أعرفه. ~~- إن تراكالي يسكن هنا. ~~- تراكالي! أولم تنسه؟ ~~- لا. ~~- إن المنزل يسكنه الآن رجل يدعى لانجودي ستانيكوتز، وقد تزوج بنت تراكالي ~~الصغرى. ~~- وتراكالي؟ ~~- تراكالي؟ ... إنه هناك تحت التل إلى جوار الكنيسة القديمة. # وأيقظ مرورنا كلبا قفز على السياج ونبح ودار حولنا مهددا. # وقالت فيليمونا: «هل لك أن تذهب يا متوحش؟» # وعرف المتوحش صوتها؛ فهدأ وعاد لينام. # وقالت لي: «ها نحن قد وصلنا.» ~~- وصلنا إلى الباب؟ ~~- نعم، نفس الباب! # وظهر القمر وارتفع إلى كبد السماء، وهب الهواء رماديا أزرق في ms120 لون الدخان، ~~ورأسي تحترق وأضغط على صدغي بقبضتي بكل ما أستطيع من قوة وأقول: «يلوح لي يا فيلي ~~أن شجرة الليلا قد أزهرت.» # وأجابتني: «نعم أزهرت ... نعم أزهرت منذ مساء أمس، أزهرت ولكنك لم تدرك ذلك إلا ~~الآن!» ~~- الآن فقط يا فيلي؟ # وأخذتها بين ذراعي والتصق جسمها بجسمي ورفعت وجهها، وفي نهم عميق عضضت شفتيها ~~المليئتين الجافتين المرتين. # واهتزت السماء واهتزت النجوم واهتز المقر والأرض أيضا. # وانتزعت فيليمونا نفسها من أحضاني وأنا أسمع صوتها وهي تقول لي متمتمة: «يا لك ~~من غبي! وماذا يجدي هذا الآن؟» ~~- لا شيء يا فيلي، هذا لا يجدي شيئا. # وانفتح الباب وأغلق. # وأخذت أتسكع عبر طرقات القرية والكلاب لا تعرفني، فبعضها ينبح لمروري، والبعض ~~الآخر ينقض ليعضني. # وعندئذ أقف لأدافع عن نفسي بضربات العصا. ms121