######OpenITI# #META# URI: 1384MuhammadMandur.WaliDinYakin.Hindawi74979204 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 74979204 #META# Title: محاضرات عن ولي الدين يكن #META# AuthorID: 27181903 #META# Author: محمد مندور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # ولي الدين يكن‏ # معالم حياته1‏ # صورته النفسية‏ # أديب ملتزم‏ # أديب الحرية‏ # آثاره الأدبية‏ # ولي الدين الشاعر‏ # ملحق‏ # مقدمة‏ # ولي الدين يكن‏ # معالم حياته1‏ # صورته النفسية‏ # أديب ملتزم‏ # أديب الحرية‏ # آثاره الأدبية‏ # ولي الدين الشاعر‏ # ملحق‏ # | محاضرات عن ولي الدين يكن # | محاضرات عن ولي الدين يكن # تأليف # محمد مندور # | مقدمة # تحدثنا في العام السابق عن الشعر بعد شوقي، فلاحظنا وجود تيارين كبيرين؛ هما تيار ~~الشعر التقليدي، وتيار المجددين، وسايرنا كلا التيارين بعض الشوط، ولكننا لاحظنا بعدئذ ~~أننا قد جاوزنا في الحديث الزمن الذي عاش فيه شاعران كبيران، لم يتحدد لكل منهما ~~مكان في التيارين الكبيرين سالفي الذكر، وهذان الشاعران هما: ولي الدين يكن ~~(1873-1921)، وإسماعيل صبري باشا (1854-1923). # ولم يكن ذلك لضعف في مكانتهما الأدبية، أو تفاهة في إنتاجهما الشعري، ولكن لأن ~~كلا منهما كان في الواقع بمثابة جدول خاص ينساب إلى جوار التيارين الكبيرين، اللذين ~~كانا يشغلان حقل الشعر عندئذ، ويصطرعان اصطراعا مستمرا، لا هوادة فيه، ولا ~~رفق. # والواقع أن هذين الشاعرين لم يثيرا دويا في عالم الشعر العربي المعاصر، ولم ~~يخوضا معارك، ولم يحاولا اجتذاب أنصار، وتكوين مدرسة أو مذهب في الشعر، وإذا كان من ~~النقاد المحدثين من يرى أن إسماعيل صبري يدخل في تيار الشعر التقليدي، # 1 # بالرغم من ثقافته الفرنسية، وعمله في القضاء المختلط زمنا طويلا، بينما ~~يعتبر ولي الدين يكن شاعرا مجددا في روحه وأسلوبه، إذا كان هذا هو رأي بعض ~~النقاد، فإن الحقيقة الأكثر وضوحا هي ما سبق أن ذكرناه من أن هذين الشاعرين لم ~~ينضم أي منهما إلى تيار من التيارين الكبيرين، اللذين اصطرعا، ولا يزالان يصطرعان في ~~عالم الشعر العربي الحديث. # والواقع أن كلا من ولي الدين يكن، وإسماعيل صبري لم يحترف الشعر، ولم ~~يجعل منه وكده، ولا اشترك في معارك الشعر والأدب، وإن اختلف باعث كل منهما على ~~الموقف الذي وقفه منهما. # فأما إسماعيل صبري، فإننا لا نجد في تحديد موقفه من الشعر خيرا من اصطلاح ~~إيطالي، انتقل من الإيطالية إلى ms01 غيرها من اللغات الأوروبية الحديثة ، كالفرنسية ~~والإنجليزية وغيرهما، وهو لفظة ديلليتانتي # Dilettante ~~، ~~التي يمكن ترجمتها إلى العربية بلفظة «الهاوي»، فهو لم يكن يقول الشعر لأن من واجبه أن ~~يقوله عندما تعن مناسبة، ولم يكن الناس يحاسبونه على صمته كما يحاسبونه على قوله؛ ~~لأنه قد عرف بين الناس بأنه شاعر؛ أي: محترف، كما أنه لم يحرص على أن يخوض في ~~مناقشة أصول الشعر ومذاهبه، ولا على تحديد مكانه في عالم الشعر، وإنما كان يقول ~~الشعر إذا ساقه مزاجه إلى أن يقوله في غير قصد إرادي، ولا تصميم، وهو الرجل الهادئ ~~المنعم الذي يأخذ الحياة من أيسر سبلها، ولا يعرف الانفعالات العنيفة، أو المشاعر الجامحة، ~~أو التكالب على الأدب وعرش الأدب، حتى لقد وصفه الأستاذ العقاد في كتابه عن «شعراء مصر ~~وبيئتهم في الجيل الماضي» بأنه «شاعر قاهري»؛ لما لاحظه على شعره من روح المدن، ومدينة ~~القاهرة بنوع خاص، حيث تغلب على أمزجة سكانها روح اليسر، وعدم التزمت ~~والانفعال. # وأما ولي الدين يكن، فبالرغم من أن مزاجه العصبي العنيف كان يختلف الاختلاف كله عن ~~مزاج إسماعيل صبري القاهري المرفه الوديع الهادئ الطبع، إلا أنه هو الآخر لا ~~يمكن أن يوصف بأنه قد احترف الشعر، واتخذه غاية في ذاته، أو فنا جميلا قائما ~~بنفسه، وإنما اتخذ الشعر وسيلة للتعبير عن آرائه واتجاهاته السياسية والاجتماعية، حتى ~~لنراه يجمع بين الشعر والنثر في كثير من أبحاثه ومقالاته التي كان ينشرها في الصحف، ~~والتي جمعها بعد ذلك في كتبه: «الصحائف السود»، و«التجاريب»، و«المعلوم والمجهول» بجزأيه، ~~وأكبر الظن أن ولي الدين يكن لم يكن يلجأ إلى الشعر؛ ليستهل به مقالاته ~~إلا لإحساس عميق بأن الشعر يستطيع بفضل موسيقاه وأخيلته أن يستنفد ما في أفكاره من ~~انفعالات، حتى إذا هدأت نفسه، واستراحت من عصبيتها العنيفة الدافقة، لجأ إلى النثر ليفصل ~~القول، ويعالج المشكلة التي يدور حولها المقال، مما يدفعنا إلى أن نحدد الخاصية ~~الأساسية لشعر ولي الدين يكن في قولنا: إنه شاعر الانفعالات الفكرية، كما حددنا من ~~قبل ms02 إسماعيل صبري بأنه شاعر الهواية الأدبية. # ثم إن كلا من الشاعرين قد كان مقلا نسبيا في إنتاجه الشعري؛ وذلك لأن ~~إسماعيل صبري كان مشغولا بالحياة ونعيمها الميسر عن الشعر، كما أن ولي ~~الدين يكن قد كان مشغولا بمعاركه السياسية والاجتماعية عن الشعر كفن جميل يقصد ~~لذاته، وكل ما كان يحرص عليه - كما قال في مقدمات كتبه، وفي شعره أحيانا - هو أن يأتي ~~يوم ينتفع فيه مواطنوه من عرب وأتراك بآرائه ونزعاته الإصلاحية، وقد عبر عن هذا الأمل ~~في بيتين حرص على أن يدونهما تحت صورته التي يفتتح بها كتبه وديوانه، وهما: # ما كان أهنأني وأسعدني # لو كان ينفع معشري قلمي # أنا لي فؤاد لا أنزهه # لكن يراقب ما يقول فمي # وهو يردد نفس المعاني في نثره مثل قوله في تقديم كتابه المعلوم والمجهول: «بهذا الكتاب ~~أشياء، وقد فاتته أشياء، وفي أحوال العالم ما يمنع الإفصاح بكل ما يدور في الخلد، على ~~أنني لا أحب أن أخرج من هذه الدنيا قبل إظهار ما عندي من الخوافي، فإذا وفقني الله إلى ~~أمنيتي تلك كنت سعيدا ... حين تذهب دول الظلم، ويذوق الناس نعيم العدل، يقرءون مثل كتابي ~~هذا بارتياح، وإذا وهب الله أقوامنا من الترقي أكثر مما نالوه، وبقيت حيا بينهم، كلمتهم ~~بما يخالج صدري تصريحا لا تلميحا.» # | ولي الدين يكن # لا شك أن ولي الدين يكن يعتبر من الظواهر الفريدة بين رجال الأدب والفكر؛ ~~وذلك لأن هذا التركي العنيد يعتبر مثلا قويا في صلابة الرأي، وجرأة الفكر، وانفعال ~~العصب في كل أو معظم ما كتب من شعر ونثر. # ولا شك أيضا في أن وضعه الخاص، وظروف عصره، وتضارب التيارات السياسية والاجتماعية في ~~أيامه، لا شك أن كل هذا قد أثر تأثيرا بليغا على مكانة ولي الدين؛ ككاتب، ~~وشاعر، وعلى ما خلف من شعر ونثر، وعناية الناس بدراسة تراثه الأدبي. # وذلك لأن ولي الدين ولد تركيا، وهو بحكم هذا المولد لم يكن يستطيع إلا أن يتعصب ~~للجنس العثماني، وأن يغار على مجده وسلطانه، ms03 ولكنه من جهة أخرى كان ساخطا على ~~الفساد الذي انتشر في قصر الخلافة، وفي حكم الخلفاء العثمانيين، وقد أخذ يهاجم هذا الفساد ~~والظلم والطغيان هجوما عنيفا لا هوادة فيه، وانضم إلى جماعة تركيا الفتاة، وحزب الإصلاح ~~والترقي، حتى نفاه السلطان عبد الحميد إلى مدينة سيواس حيث ظل في منفاه من سنة 1902 ~~إلى سنة 1909، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن نجحت الثورة ضد الخليفة، وأرغمته على إصدار ~~الدستور، وتقرير الحكم النيابي سنة 1908، ومنذ أن أطلق سراحه قدم إلى مصر، وظل فيها حتى ~~توفي. # وكانت مصر في ذلك الحين تعج بالتيارات السياسية، والدينية، والعنصرية المختلفة المتضاربة. # 1 # ففيها المنادون بالجامعة العثمانية، المتحمسون للخلافة، والمتمسكون بأهدابها؛ ~~لكي يستعينوا بها على محاربة الاستعمار الإنجليزي، وكان هذا التيار هو الغالب عندئذ، حتى ~~لقد اختلط بفضل مصطفى كامل وزملائه في الحزب الوطني بمعنى الوطنية المصرية العنيفة ~~المتطرفة، بينما كان هناك نفر آخر يبغضون حكم الأتراك، وظلمهم واستبدادهم، ويرون من ~~الوطنية الواعية أن يوفروا الجهد أولا على تخليص مصر من السيطرة العثمانية، حتى ولو ~~أدى بهم ذلك إلى مهادنة الإنجليز والاستعانة بهم ضد الأتراك، وقد استغل هذا النفر شعور ~~العداء الذي ولدته الثورة العرابية ضد الأتراك والجراكسة، وغطرستهم، واحتقارهم للفلاحين، ~~واحتكارهم لمناصب البلاد الكبرى، وخيراتها الوفيرة؛ ولذلك نادى هذا الفريق بمبدأ «مصر ~~للمصريين» حتى يقضوا على الدعوة القائلة بأن مصر للعثمانيين، وهذا النفر هم الذين كونوا ~~حزب الأمة، وإن يكن هذا الحزب قد ضم الكثيرين من وجوه البلاد وباشواتها، وأصحاب ~~الإقطاع فيها، أي أولئك الذين كانوا يسمون أنفسهم بأصحاب المصالح الحقيقية، وكانت هذه ~~المصالح تتفق وترتبط بمصالح الاستعمار الإنجليزي الاقتصادية. # وكانت هذه الوحدة في المصالح من العوامل القوية التي قربت بينهم وبين الإنجليز، وذلك ~~بينما كان الحزب الوطني يرى أن تبعية مصر لتركيا لا تعتبر تبعية استعمارية، وبخاصة ~~بعد أن ضعفت تلك التبعية، وأصبحت أمرا شكليا، لا تعدو نتائجه الفعلية الإتاوة التي ~~كانت تدفعها مصر لتركيا سنويا، ثم بعض المظاهر المعنوية والروحية؛ كالمناداة بالخليفة، ~~والدعاء له ms04 في خطب الجمعة بالمساجد. # وفطن الإنجليز بالفعل إلى ضرورة تحطيم فكرة الجامعة العثمانية، والوحدة الإسلامية، لكي ~~تخلص لهم مصر، وغيرها من البلاد العربية، فأخذوا يناصرون المنادين بمبدأ مصر للمصريين، كما ~~أخذوا يناصرون الساخطين على فساد الخلافة وانحلالها وطغيان حكامها، حتى لنراهم يوحون ~~بفكرة انتقال الخلافة إلى العرب، وأولويتهم بها، بحكم أن الدين قد نزل على نبي منهم، ~~كما نزل القرآن بلسانهم العربي. # ولقد ناور معتمدو بريطانيا في مصر - وبخاصة اللورد كرومر - مناورات عميقة مؤثرة؛ ~~لتغليب سياستهم، وجمع الأنصار حولها، فنراهم مثلا يوحون ابتداء من سنة 1892 بإهمال قانون ~~المطبوعات القاسي الذي كان قد صدر في سنة 1881 إبان الثورة العرابية، ويطلقون للصحف ~~حرية مطلقة قلما تشهد مثلها، وظلت هذه الحرية على هذا الإطلاق حتى تغيرت الظروف، فبعثوا ~~من جديد هذا القانون العاتي في سنة 1909، وكان بعثه من ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتيال ~~بطرس باشا غالي، وكانت السياسة الإنجليزية ترمي من وراء إباحة حرية الصحف إباحة مطلقة إلى ~~هدفين؛ أولهما: تشتيت الرأي العام الوطني في فرق وأحزاب، يشغلها تطاحنها وسبابها وعنف ~~خصوماتها عن التنبه إلى الاستعمار الإنجليزي، والتكتل لمحاربته، والتخلص منه. وثانيهما: ~~شغل الرأي العام بمشاكل الإصلاح العاجلة وغير العاجلة، وصرفه عن المشكلة الكبرى، وهي مشكلة ~~الاستعمار الإنجليزي. # والواقع أن الإنجليز قد استطاعوا بهذه السياسة الخبيثة وأمثالها أن يجتذبوا إليهم عددا ~~من الوطنيين المستنيرين، الذين طربوا لهذه الحرية، وآثروها على الاستبداد التركي، حتى ~~أصبحت مصر عندئذ موئلا لكثير من الترك والعرب والأرمن وغيرهم، ممن نزحوا من بلادهم التي ~~كانت تركيا تسيطر عليها سيطرة مطلقة، وتنشر فيها أنواعا من الظلم والإرهاب البالغة ~~القسوة. # والواقع أيضا أن الإنجليز قد استطاعوا أن يوهموا نفرا من المصريين المستنيرين ~~بأنهم سينقلون إلى مصر الحضارة الأوروبية، ويساعدون على إصلاح مرافق البلاد، وتعميم ~~الخدمات الشعبية، ويستبدلون بظلام الأتراك نور الحضارة الغربية، بل واستطاعوا أن يقنعوا ~~عددا من المفكرين بأن تعصب رجال الدين في الإسلام وجمودهم وتخلفهم عن مجاراة روح ~~الحضارة، من بين الأسباب الأساسية في تخلف مصر، ms05 وغيرها من البلاد الإسلامية، وعجزها عن ~~مجاراة الحضارة الحديثة. # واستفحلت هذه الدعاية حتى رأينا عددا من المفكرين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة، وقصر ~~الدين على تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه، بل وتطرف البعض فأخذ يشك في صلاحية الدين ~~الإسلامي نفسه لأن يكون دين حضارة. # ولم تقتصر هذه التيارات المتضاربة على محيط المصريين الأصلاء، بل امتدت إلى عدد كبير من ~~المهاجرين، واللاجئين السياسيين الذين وفدوا إلى مصر من تركيا، أو من البلاد السورية ~~اللبنانية؛ فرارا من استبداد الأتراك، أو مما ظنوه تعصبا دينيا، واحتضن الإنجليز كل ~~هذه العناصر الدخيلة، واستخدموها في تغليب سياستهم، ونشرها بين طبقات الشعب العميقة، وكان ~~من بين هؤلاء النازحين أصحاب المقطم والمقتطف بنوع خاص، إذ نراهم يناصرون الاستعمار ~~البريطاني ورجاله في مصر مناصرة علنية صريحة، بل يكونون حزبا وهميا سموه بالحزب ~~الوطني الجديد، لمناهضة حزب مصطفى كامل، وسياسته الوطنية المتطرفة، واتجاهه العثماني ~~الديني. # وعلى ضوء هذه الحقائق والتيارات نستطيع أن نحدد الوضع، الذي لم يكن بد من أن نجد فيه ~~ولي الدين يكن العثماني بمولده، والساخط على الخلافة العثمانية، وحكمها الظالم ~~الفاسد، بطبعه ومزاجه وثقافته وظروف حياته، ثم موقفه من الإنجليز، وموقف الإنجليز منه، بعد ~~أن تيقنوا من أنه من رجال تركيا الفتاة، الذين يناهضون عبد الحميد الثاني وخلافته ~~الفاسدة المستبدة، بل وموقفه من حركة الإصلاح في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية، وفضلا عن ~~نزعته العنيفة نحو التحرر الفكري، والتخلص من سيطرة الكهنوت الديني، بل والتزمت الإسلامي ~~كله، واتجاهه بكل قوته نحو النظم المدنية والحضارة الحديثة. # وهكذا تآمرت الظروف والأحداث لكي تضع ولي الدين يكن في وضع لم يكن يرضي التيار ~~الوطني المسيطر، أو الآخذ في السيطرة عندئذ، وهو تيار مصطفى كامل وأنصاره من رجال الحزب ~~الوطني، الذين كانوا يحاربون الإنجليز حربا لا هوادة فيها، ويتمسكون بحكومة الخلافة، ~~ويستمدون منها العون ضد الاستعمار الإنجليزي، ويحرصون على الروح الدينية والوحدة الإسلامية. ~~وكان هذا الوضع من الأسباب الرئيسية التي أصابت ولي الدين يكن وأدبه بالخمول حتى ~~يومنا هذا، ms06 بالرغم من قوة نزعته التحريرية ونبلها، وإفناء حياته في سبيل مثل الحرية والتقدم ~~التي آمن بها، وتعصب لها، ودفع في سبيلها أبهظ الأثمان؛ من عذاب النفي، والفقر، والمرض، ~~وإنهاك الأعصاب. # والواقع أن ولي الدين يكن قد اتهم بمناصرة الإنجليز، والإشادة بعدلهم في مصر، ~~وتعميرهم لها؛ وذلك لأنه قد وجد فيهم حماة من الظلم التركي، حتى كانت مصر تعتبر عندئذ ~~موئلا للأحرار من الأتراك والعرب الخاضعين للحكومة التركية المستبدة، وكان ولي الدين ~~يجاهر بهذه الآراء، وينشرها في الصحف في مقالات أو قصائد، مثل المقال الذي نشره في جريدة ~~المقطم، وأعاد نشره في كتابه «الصحائف السود» (ص45-51) تحت عنوان «المحتلون يخرجون من مصر» ~~وفيه يقص حلما لموكب خروج الإنجليز من مصر، وما يترتب على ذلك من آثار مدمرة، ويختتم ~~المقال أو الحلم برؤيته لتمثال إبراهيم باشا، وهو ينزل إلى الميدان ليمنع جيش الاحتلال من ~~الخروج، قائلا: «تريدون اليوم أن تخرجوا من مصر؛ ليصبح عاليها سافلها، وليجري هذا النيل ~~أحمر قانيا، كلا ثم كلا، لأصيحن صيحة تخرق حجب الأزل، وتنفذ إلى من ولجوا غابته، ~~ولأبعثن لكم من تحت المقابر أجسادا تسد دونكم طرق الرحيل، أما والهرمين والنيل ليدخلن أهل ~~الطيش غدا على العذارى في خدورهن، وليأخذون بغدائرهن، وليقومون بعد زماعكم من الشر أضعاف ~~ما أتى بمقامكم من الخير، ارجعوا إلى ثكناتكم مأجورين غير مأزورين، إنما يأنس إليكم أهل ~~الوقار وأنصار الفضل.» وهو يعترف بجميل إنجلترا على الأحرار من أعضاء تركيا الفتاة في رثائه ~~لإدوارد السابع سنة 1910، فيقول: # أبا الأحرار لا ينساك حر # شبابهمو يجلك والكهول # رفعت بناءهم وجريت معهم # كذاك الليث يتبعه الشبول # تناديك الشعوب بكل أرض # فليتك سامع ماذا تقول # تناجي منك حاميها المرجى # وصولتها إذا قامت تصول # ومع ذلك فالظاهر أن ولي الدين يكن لم يكن يناصر الإنجليز؛ إلا لأنهم يحمونه من ~~عسف الأتراك، ولم يكن كشاعر آخر هو نسيم الذي كان يمدحهم ويذود عنهم طمعا في مغانم ~~الحياة؛ وذلك لأن ولي الدين يكن كان رجلا أبيا عفيف النفس ذا كبرياء، ms07 وقد خاصم ~~السلطان عبد الحميد الثاني خصومة عنيفة لا هوادة فيها ولا رفق، وتحمل في شجاعة الذل ~~والفقر والشقاء طوال حياته، وبخاصة أيام نفيه في سيواس على نحو ما نطالع في بعض فصول ~~كتابه «المعلوم والمجهول». # والظاهر أن بغض ولي الدين لعبد الحميد كان من ذلك النوع العنيف الجامح الذي لا تهدأ له ~~ثائرة، والذي قد يغشي البصيرة، ويسوق إلى التماس كافة السبل لإرضاء ذلك البغض، حتى لنراه ~~يستمر في بغضه وهياجه ضد عبد الحميد بعد عزله، كما نراه يغضب من شوقي؛ لأنه رثى لحال عبد ~~الحميد، وأبدى أسفه لعزله عن الخلافة في قصيدته التي مطلعها: # سل يلدزا ذات القصور # هل جاءها نبأ البدور # ثم يقول: # شيخ الملوك وإن تضع # ضع في الفؤاد وفي الضمير # فاستغفر المولى له # والله يعفو عن كثير # وتراه عند مصابه # أولى بباك أو عذير # ونصونه ونجله # بين الشماتة والنكير # عبد الحميد! حساب مث # لك في يد الملك الغفور # يغضب ولي الدين يكن من شوقي بسبب هذه القصيدة، ويرد عليه قائلا: # هاجتك خالية القصور # وشجتك آفلة البدور # وذكرت سكان الحمى # ونسيت سكان القبور # وبكيت بالدمع الغزي # ر لباعث الدمع الغزير # ولواهب المال الكثي # ر وناهب المال الكثير # حامي الثغور الباسما # ت مضيع آهلة الثغور # إن كان أخلى يلدزا # مخلى الخورنق والسدير # أو فاستسرت من سما # ها أنجم بعد الظهور # فلتأهلن من بعدها # آلاف أطلال ودور # وبعد أن عدد مآسي عبد الحميد وظلمه وفجوره، انتهى إلى التعريض بشوقي ومن نحا نحوه من ~~الشعراء، فقال: # لما أديل من السرير # بكاه عباد السرير # نذروا النذور لعوده # هيهات يرجع بالنذور # أسفوا عليه وإنما # أسفوا على المال الدرير # طلبوا له عفو الغفو # ر وشذ عن عفو الغفور # قلص ظلالك راحلا # ودع البرية في الهجير # وفي الحق أن المقارنة بين قصيدة شوقي «عبرة الدهر» التي قالها في سنة 1909 في خلع ~~عبد الحميد الثاني، وقصيدة ولي الدين يكن التي سماها أيضا «عبرة الدهر»، وقالها ~~مناقضة لقصيدة شوقي السابقة، وجمعتا جنبا إلى جنب ms08 في ديوان ولي الدين يكن ~~(ص26-32)، نقول: إن المقارنة بين هاتين القصيدتين يمكن أن نخلص منها إلى تحديد منهج كل ~~من الشاعرين في الحياة، ومزاج كل منهما الشخصي، مما يعيننا على أن نفهم كيف استطاع ~~شوقي بلباقته ومرونته أن يكسب أكبر عدد من الناس حتى يذيع صيته، ويشغل الدنيا بذكره، ~~بينما نرى ولي الدين الصلب العنيد يستكثر من خصومه، ولا يداري أو يواري أو يهادن فيما ~~يراه حقا وعدلا، في حين نرى شوقي يتجنب المزالق، ويحاول أن يرضي الجميع، فهو يرثي ~~لعبد الحميد، ويسهب في وصف ما كان فيه من نعيم، ويتحدث عما يظن أن «حريم» عبد الحميد ~~وجواريه الحسان سيجدنه من حزن ومرارة بعد عزل سيدهن، ويبدي أسفه؛ لأن عبد الحميد المحنك ~~الخبير لم يستطع أن يتدارك الأمر بحكمته، فيحتفظ بعرشه وقصوره وجواريه، قائلا له: # ماذا دهاك من الأمو # ر وكنت داهية الأمور # أين الروية والأنا # ة وحكمة الشيخ الخبير # إن القضاء إذا رمى # دك القواعد من ثبير # ثم ينتقل في مرونة نخشى أن تكون نفاقا ومداراة إلى تمجيد الثائرين الأحرار، ~~فيقول: # دخلوا السرير عليك يح # تكمون في رب السرير # أعظم بهم من آسري # ن وبالخليفة من أسير # أسد هصور أنشب ال # أظفار في أسد هصور # بل ويود أن لو احتفظ عبد الحميد بالدستور، ولم يتنكر له، ويشيد بذلك الدستور وبجدواه، ~~ثم ينتقل إلى مدح الجيش الثائر وقادته أنور ونيازي وشوكت، قائلا: # يا أيها الجيش الذي # لا بالدعي ولا الفخور # يخفي فإن ريع الحمى # لفت البرية بالظهور # كالليث يسرف في الفعا # ل وليس يسرف في الزئير # عند المهيمن ما جرى # في الحق من دمك الطهور # يتلو الزمان صحيفة # غراء مذهبة السطور # في مدح «أنورك» الجري # وفي «نيازيك» الجسور ~~«يا شوكت» الإسلام بل # يا فاتح البلد العسير # وأخذت يلديز عنوة # وملكت عنقاء الثغور # بل ويهنئ الخليفة الجديد ويبايعه، وما كان لشاعر القصور شوقي أن يغفل عن مثل هذه ~~التهنئة، فيقول: # المؤمنون بمصر يهد # ون السلام إلى الأمير # ويبايعونك يا محم ms09 # د في الضمائر والصدور ~~... إلخ (ص49). # وكل ذلك لا يروق رجلا عنيفا صارما لا يقول الشعر؛ لأن من واجبه أن يقوله، وأن ~~يراعي اللياقة، ويرضي كافة الجهات، بل يقول الشعر لينفس عن مكنون صدره، ولا يضمن شعره ~~إلا الحق الذي يؤمن به، والقول الذي يشفي نفسه مما بها، ولو أغضب من أغضب، وأرضى من ~~أرضى. # وبالرغم من بغض ولي الدين لعبد الحميد، ولكل حاكم تركي مستبد ظالم، فإنه كان ~~يتعصب للعثمانيين كما يتعصب للعرب، حتى لنراه يثور؛ إذ يطالع في جريدة المقطم مقالات ~~لكاتب اسمه عزت الجندي، وفيه يحمل على الأتراك ونكبتهم للبلاد العربية، فيرد عليه في ~~مقال ينشره في المقطم تحت عنوان «الشقاق»، يبدؤه بالبيتين العربيين القديمين: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم # وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا # ثم يقول: «شهد الله وكل عثماني حر يكون قد قرأ لي شيئا أني لا أتعصب للدين، ولا ~~للجنس، أنا تركي، وأبغض عباد الله إلي تركي يعتدي، أحب العناصر العثمانية كلها، وآخذ ~~بناصر المستضعف منها، ثم أحب العرب حبا خالط الروح، وجرى مجرى الدم من العروق، وأنا ~~عربي الأدب والقلم، عربي النزعة، ومن أبغض العرب فأنا مبغضه، أولئك إخواني الذين أغنيهم ~~فيطربون، وأحدثهم فيقبلون علي بالسمع، غير أني لا أكذبهم، إني كذلك لا أحب من يسب الترك، ~~ولا من يكون لهم عدوا، وكذلك العرب لا يحبون من لا يحب إخوانهم، وإذا جرى بين العرب ~~والترك شر أكون يومئذ بمعزل عن كليهما، داعيا عليهما بالفشل جميعا.» ثم يندد بروح ~~الخصومة بين العرب والأتراك، ويدعو إلى التآخي بينهم. # والواقع أن العصر الذي عاش فيه ولي الدين يكن كان عصرا شديد التذبذب بين ~~الاتجاهات المختلفة، وكان من الشاق أن يتبين المرء السبيل السوي، بل لقد كنا نرى كبار ~~المفكرين والأدباء والسياسيين يتأرجحون بين اتجاه وآخر من الاتجاهات المتضاربة المتعادية، ~~التي كانت تستغلها قوى الاحتلال والتعصب العنصري الديني، بحيث لا يسهل علينا اليوم أن نحكم ~~على ms10 هذا الرجل أو ذاك بالوطنية، أو الخيانة، وبالخير، أو الشر؛ لمناصرته هؤلاء ، أو أولئك، ~~ولاستعانته بهذا الفريق، أو ذاك؛ لمناصرة فكرته، وإن كنا بالرغم من كل ذلك لا نستطيع ~~إلا أن نأسف للظروف التي تآمرت، فساقت ولي الدين إلى المعسكر الإنجليزي يتقي به استبداد ~~الأتراك، مما أساء إلى سمعته، وحد من المجد الأدبي الذي يستحقه ككاتب جيد وشاعر كبير، ~~ورجل حر عزيز النفس، لا يهادن ولا يتملق، ولا يسخر قلمه ومواهبه لأعراض الحياة ~~الفانية. # | معالم حياته1 # ولد ولي الدين يكن - كما قلنا - في عام 1873 في الآستانة التي ظل يحن إليها ~~طول عمره، ويتغنى بجمالها، ويرثي لما يصيبها من محن، ويطرب لذكراها، رغم ما لاقى منها من ~~شدائد واضطهاد، وقد فصل الحديث عنها في كتابه «المعلوم والمجهول». # وقد نشرت مجلة الزهور في أحد أجزائها سنة 1913 مقالا في وصف الآستانة، فأرسل ولي الدين ~~إلى رئيس تحريرها كتابا يقول فيه: «لله وصفك لفروق ونوحك عليها، فقد هزا روحي هزا، رعى ~~الله فروق، ما أفتنها، هي أول ثغر بسم لوجهي بعد ثغري الوالدين، ثم لم ألقها بعد ذلك ~~إلا باكية وباكيا، ائتلفت العناصر فقامت بها الأشياء، وقامت فروق من عنصر واحد، لست ~~أدري ما هو، ولكنه عنصر يظلم عنده الراديوم، كنت أشتاق إلى فروق وأنا فيها، فكيف الحال ~~وأنا ناء عنها؟ إن أمة تضيع مثل فروق لمضياع، غير أن فروق ناشز لا تدوم على ود، ~~ليتها لم تكن، وليتها إذ كانت، كانت في دون هذا الجمال ...» # وقد ولد في بيت نبيل، فهو ابن حسن سري باشا يكن، وحفيد إبراهيم باشا يكن ابن أخت ~~محمد علي باشا الكبير، رأس الأسرة التي كانت مالكة في مصر، ولقب أسرته «يكن» معناه باللغة ~~التركية «ابن الأخت»؛ لأن جدها كان ابن أخت والي مصر، وكانت أمه بنت أحد أمراء الشراكسة، ~~وقد ربيت بعد هجرة أبيها من موطنه في قصر الأمير برهان الدين أفندي، أحد أنجال السلطان عبد ~~الحميد، وربما كان لهذه النشأة أثر فيما اتصف به ولي ms11 الدين من أنفة وكبرياء، وإباء ~~للضيم، وعناد في الرأي، ونفور من الاستسلام أو الاستخذاء، وإن لم يفتخر بأصله، بل كان ~~يفتخر بنفسه، ويعتز بصلابة خلقه، ويقول من خالطوه؛ كأنطون الجميل: إنه كان وديعا خافض ~~الجناح. # وقد جاء به والده إلى مصر، وهو لا يزال طفلا، ولم يلبث الوالد أن توفي والولد في ~~السادسة من عمره، فكفله عمه علي حيدر باشا يكن وزير المالية المصرية يومئذ، ثم ألحقه ب ~~«مدرسة الأنجال» الشهيرة التي أسسها محمد توفيق باشا خديوي مصر لتعليم أنجاله، بعد أن ضم ~~إليها عددا من أولاد أمراء مصر ووجهائها، فتلقى ولي الدين دروسه مع الخديوي عباس الثاني ~~في مدرسة واحدة، ودون بعض ذكريات الدراسة في «المعلوم والمجهول»، وأولع بالأدب العربي ~~فأخذ أصوله وفنونه عن أئمة ذلك العهد؛ كالشيخ محمد النشار، وأضرابه، وظهرت مواهبه الكتابية ~~على حداثة عهده، وأتقن العربية إتقانه للتركية مع معرفة واسعة بالفرنسية، وإلمام ~~بالإنجليزية، وانصرف إلى الكتابة في الصحف، تارة أديبا وتارة سياسيا، فكتب في جرائد ~~«القاهرة»، و«النيل»، و«المقياس»، حينا مراسلا، وحينا محررا، ولم ينقطع عن الكتابة في ~~الصحف إلا فترات قصيرة من الزمن، توظف فيها في النيابة الأهلية، ثم في المعية السنية، ~~ولما بلغ الرابعة والعشرين من عمره قصد إلى الآستانة، وقضى فيها حوالي سنة عند محمد فائق ~~بك يكن أحد أعضاء مجلس شورى الدولة، ثم عاد إلى مصر فأصدر جريدة «الاستقامة»، التي منعت ~~حكومة الآستانة دخولها إلى الممالك الإسلامية، فأوقف صدورها وودعها بقصيدة قال ~~فيها: # ولما غدا قول الصواب مذمما # عزمت على أن لا أقول صوابا # فجافيت أقلامي وعفت «استقامتي» # ورحت أرجي للسلامة بابا # وفيها يقول: # أبى الله إلا أن أزيد تصابيا # لمجدي ومجدي أن يقال تصابى # فمن مبلغ عني الغضاب الألى جنوا # بأني امرؤ ما إن أخاف غضابا # أذم فلا أخشى عقابا يصيبني # وأمدح لا أرجو بذاك ثوابا # علام أحابي معشرا أنا خيرهم # ومثلي إذا حابى الرجال يحابى # وقائلة حتام يفنى شبابه # فقلت إلى أن لا يصير شبابا # إلى أن تزول الأرض عن ms12 نهج سيرها # وتصبح هذي الكائنات خرابا # وأخذ بعد ذلك ينشر مقالات ضافية في السياسة العثمانية في جريدة «المقطم»، وجريدة ~~«المشير». وبعد سنة قصد ثانية إلى الآستانة، فعين في «الجمعية الرسومية الجمركية»، ثم ~~عضوا في «مجلس المعارف الأعلى». # ولم يلبث أن نفاه السلطان عبد الحميد إلى «سيواس»، فظل فيها سبع سنوات، بقي في منفاه ~~إلى أن أعلن الدستور العثماني سنة 1908، فعاد إلى الآستانة، ومنها إلى مصر، وبعد عودته إلى ~~مصر عاود الكتابة في الصحف السابقة، ثم في «الأهرام»، و«المؤيد»، و«الرائد المصري»، كما ~~تولى ردحا من الزمن رئاسة تحرير جريدة «الإقدام» التي أصدرتها في الإسكندرية الأميرة ~~ألكسندرة أفرينو ديفيس ديوسكا، وقد جمع معظم الكتابات التي كتبها في هذه الفترة في كتابي: ~~«الصحائف السود»، و«التجاريب»، كما ترجم من اللغة التركية إلى اللغة العربية كتاب: «خواطر ~~نيازي، أو صحيفة من تاريخ الانقلاب العثماني الكبير»، ونشرت الترجمة في سنة 1909. # وقد عين في وزارة الحقانية المصرية إلى أن تولى السلطان حسين كامل عرش مصر، فدعاه إليه ~~وعينه سكرتيرا عربيا في الديوان العالي السلطاني، وكانت هذه أسعد فترة في حياته؛ لأنه ~~كان معجبا بالسلطان حسين، مرتاحا إلى العمل معه، ولكن سعادته لم تدم طويلا؛ إذ أخذ مرض ~~الربو ينغصها حتى اشتد به المرض، واضطر إلى أن يعتزل منصبه، وأن يلازم منزله في حلوان حتى ~~لقي ربه في سنة 1921، وكان في مدة عمله بالديوان السلطاني قد ترجم من الفرنسية إلى العربية ~~رواية «الطلاق» لبول بورجيه. # ولقد عبر أنطون الجميل عن الشقاء وسوء الحظ اللذين لازما ولي الدين يكن في حياته ~~وموته في رثائه له، فقال: «وقد أبى الله إلا أن يغمط فضله بعد مماته كما غبن في ~~حياته، فقد اجتمعنا في الخامس عشر من شهر أبريل سنة 1921 لتأبينه، فإذا بنا نفر قليل حول ~~قبره، نفتش عن معظم أدباء مصر، وحملة الأقلام فيها فلا نجدهم، مع أنه كان خليقا بهم أن ~~يتألبوا حول ضريح من كان في طليعة الأدباء نزاهة، وإباء، وشرف نفس، وكرم عنصر، ولكن ~~ولي الدين ms13 كان يتوقع مثل ذلك.» # | صورته النفسية # يخيل إلينا أن الآنسة مي زيادة قد أجادت وصف حالة ولي الدين يكن النفسية عندما ~~قالت: «هو نفس كثيرة الأهواء، منهوكة القوى، متمردة وثابة حساسة رقيقة، حتى لتخال ~~رقتها وإحساسها سقاما أحيانا، وإذا جاء وقت الوثب كان متهورا في شجاعته غير مبال ولا ~~هياب.» # وقد جاء هذا الوصف في مقال نشرته في مجلة الفجر ببيروت بعدد أكتوبر سنة 1920، ثم جمعته ~~في كتابها «الصحائف» (ص88-93). وأوردت فيه بعضا من أحداث حياته وبدواته التي لاحظتها ~~وسجلتها بإحساس المرأة المرهف الدقيق، بحيث يمكن أن يعتبر هذا المقال من المفاتيح الأساسية ~~التي تعين على فهم نفسية ولي الدين يكن، وبالتالي فهم أدبه واتجاهاته فهما دقيقا؛ ~~ولذلك ربما كان من الخير أن نثبت هنا هذا المقال القصير كاملا. # قالت: «استوقفني في ردود على استفتاء قول فتاة أنها تود أن تموت غرقا، وقد سبق أني سمعت هذا ~~التمني ممن لم يكن فتاة، بل كان شاعرا، ولا يندر أن يكون الشاعر فتاة في بعض تخيلاته ~~اللطيفة، وأعني ولي الدين بك يكن. # إن حياة ولي الدين بك تعددت فيها الفواجع البكماء. # هذا الرجل الذي يعد من أعظم البيوتات الإسلامية في المشرقين، ومن أعظم أسرة ~~مصرية على الإطلاق، قد جلب على نفسه سخط ذويه بزواجه من سيدة يونانية مسيحية، ولأجل ~~شغفه بالحرية تعرض لصواعق عبد الحميد، فخسر منصبه العالي في الحكومة التركية، وذاق - وهو ~~النفس الكبيرة الأبية - الفقر والسجن والنفي، والبعد عن الأهل والوطن، ثم عاد إلى مصر ~~وتكاثرت عليه المصائب في السنوات الأخيرة، فمات ثاني أنجاله - وله من العمر 26 سنة - فجأة ~~بلمس سلك كهربائي، ثم توفيت والدته، وآلمه أكثر من ذلك فقد شقيقته التي كان يحبها ~~حبا شديدا، وهي قرينة أحد أعضاء الأسرة اليكنية، وها هو اليوم في حلوان يستشفي من مرض ~~ألم به، وقد قاطع جميع معارفه وأصدقائه، فنسمع زفراته هنا في نتاج قلمه، كما يسمعونها في ~~سوريا وفي البلدان الأخرى. # ورغم ما نزل به من الرزايا كان مجلسه مجلس ms14 ظرف وأدب، وتكاد النكتة تبرز في كل جملة ~~يقولها، وللأشياء عنده مقارنات غريبة ، رأى يوما خط المرحوم شميل - وكانت رداءة خط ~~الدكتور مشهورة - فوضع ولي الدين إصبعه على أحد الحروف قائلا: «تعجبني هذه الألف لأنها ~~تشبه النبوت!» أما كرهه لكلمة «أيضا» فلا حد له، وهو يهجوها بألفاظ ونعوت تضحك ~~الحاضرين حتى تستدر دموعهم، وتجعلهم يتجنبون لفظها ما استطاعوا، فقد يتفق أني أكتب مثلا ~~كلمتين أو ثلاث كلمات أو جملة بتمامها لأتخلص من وجود «أيضا»، وإذا اضطررت وكتبتها مرة ~~أو قرأتها أو سمعتها يوما عاودني بعض ما أضحكني في هجوها، فأسفت لأني دونتها ~~مسوقة. # سألت مرة ولي الدين بك: متى يجاوب الكاتب الذي يناقشه في إحدى الصحف؟ فأجاب بمنتهى ~~الجد: وكيف يمكنني أن أناقش رجلا يدمج في مقالة واحدة عشرين أيضا ولا يموت؟ إذا جاوبته ~~أقول له: ما لي ولك يا أيضا! # وكان يوما في حفلة حافلة بالوزراء والكبراء، وبعد انقضاء ساعة تقريبا قفز بغتة، ~~وخرج من القاعة مسرعا ثم عاد بعد انتهاء الحفلة معتذرا من الذين كانوا بجواره وذهلوا ~~لحركته الفجائية، اعتذر بأنه لم يكن عالما أن فلانا موجود، وأنه لا يحتمل أن يكون ~~وإياه في غرفة واحدة، فقيل له: «أنت تكره فلانا، ولكن لو هو أحبك وطلب صداقتك فماذا ~~تفعل؟» فأجاب لفوره: «أنتحر!» # والغريب أنه لم يكن من علاقة بينه وبين الشخص المكروه، ولم يكلمه مرة في حياته على ما ~~يقال، وليس في خلق ولي الدين بك شيء من التكلف، فهو صادق في ميله، صادق في نفوره، ~~سواء أكان فيهما على هدى أو على ضلال، وللألحان والألوان تأثير شديد في نفسه، قال لسماع ~~فتاة تغني بصوت خافت: «هذه نسمات البسفور.» أما تلك القطعة الموسيقية المرقصة المعروفة ~~باسم كارمن سيلفا، فلا يرى البيانو مفتوحا إلا ويطالب بأن تعزف له، وفي إحدى زياراته لنا ~~رأيت نظره جامدا بعيد وصوله، وإذ سألته ما به قال: «هذه (مشيرا إلى زهرة ليلكيه في ثوبي)، ~~يحزنني هذا اللون الليلكي.» فحاولت نزع الزهرة، فقال: «لا تفعلي ms15 أرجوك، يحزنني أن أراها، ~~ويحزنني أكثر من ذلك أن تنزع.» وأنشدنا ذلك المساء أبياتا من شعره الحزين. # وكما أن كرهه ونفوره شديدان، فكذلك حبه وإعجابه، هو معجب بالرسم الذي تعلم مبادئه في ~~المنفى، فلا يندر أن يكتب أبياتا يرسم فيها ذوات المعاني مثل: غرد الطير، فهو يكتب غرد ~~كتابة، ويرسم الطير رسما، وهكذا. وله ولع بخليل مطران وبشعره، فقد رأيناه مرة يضطرب ~~وتتغير ملامحه لمجرد سماع أبيات من قصيدة «الأسد الباكي»: # أنا الأسد الباكي أنا جبل الأسى # أنا الرمس يمشي داميا بين أرماس # فيا منتهى حبي إلى منتهى المنى # ونعمة فكري فوق شقوة إحساسي # دعوتك أستشفي إليك فوافني # على غير علم منك أنك لي آسي # فهتف ولي الدين بك: «كفى!» # ثم تابع بعد سكون قصير: «آه خليل! خليل! لو سئلت كيف ينظم موكب دفني، لتمنيت أن ~~يرثيني خليل مطران بأبيات ينشدها عزيز نصر على مقربة من نعشي السائر، أريد أن أشيع ~~إلى قبري على هذه الصورة في موكب ينظمه سليم سركيس.» # كتبت كل هذا عن ولي الدين بك؛ لأني أعلم أنه كاتب محبوب في سوريا، وأن أخباره تهم ~~القراء الذين لا يستطيعون الوقوف على مثل هذه المعلومات من الصحف السيارة. # إن الأدب العذب المتسم به هذا الرجل شأن من تربى تربية عالية ممتازة، لا يحول دون ~~شذوذ خاص به، هو نفس كثيرة الأهواء، منهوكة القوى، متمردة وثابة حساسة رقيقة، حتى ~~لتخال رقتها وإحساسها سقاما أحيانا، وإذا جاء وقت الوثب كان متهورا في شجاعته، غير ~~ميال ولا هياب. فلا عجب إذا جذبه البحر، ونبه فيه أشواقا غير مألوفة، ولا عجب أن تسمع ~~منه هذه الجملة: «أود أن أموت غرقا بدلا من أن أموت في سريري بين جدران ضيقة بعد عذاب ~~أيام وحشرجة ساعات. أريد أن أموت غرقا في البحر على غير استعداد؛ لأن في مثل هذه ~~الميتة الشعرية عظمة وشذوذا».» # هذه هي الأخبار والنوادر التي سجلتها مي عن ولي الدين، فأعطتنا مفتاحا لنفسيته، وإن ~~يكن من المفيد أن نتم هذه الأخبار ms16 والنوادر بما ذكره أنطون الجميل، وبخاصة عن موت ولي ~~الدين وطريقة هذا الموت ، فهو لم يمت بغتة ولا غرقا، وإنما مات بعد عذاب أليم، ومرض ~~طويل ألزمه البيت سنوات. # وكتب إلى أنطون الجميل في 12 فبراير سنة 1918 يصف هذا المرض فقال: «أنا في يأس شديد من ~~زوال هذا المرض ... الذي عجز الطب عن دفعه وهو المسمى «الربو» # emphyzème ~~. إذا دجا الليل تكاثرت مخاوفي، فلا يغمض جفناي فرقا؛ لأني لا ~~أغفي إغفاءة إلا وأنتبه صارخا مذعورا؛ إذ تتقطع أنفاسي، ويشتد اضطراب قلبي، وتبرد يداي ~~ورجلاي، فأختلج مكاني وأتلوى تلوي الأفعى ألقيت في النار. أريد تنفسا أستعيد به ما يوشك أن ~~يذهب عني من الحياة فلا أجده، حتى إذا بللني العرق وأنهكني التعب، عاودتني أنفاسي شيئا ~~فشيئا، وذهبت النوبة على أن تعود بعد ساعة أو ساعتين، ومصير مثل هذا المرض معلوم وهو ~~مذكور في كتب الطب، لم يختلف فيه طبيبان ... لا أدري أمن الموت وما أنتظره من أهوال يزداد ~~جزعي؟ وما تطلع علي شمس يوم إلا وزادتني قربا من قبري، وا لهفي على آمال تحولت آلاما! ~~ووا حسرتي على أيام عمر ما ضحكت لي مرة إلا جعلت دموعي لها ثمنا! أهذه عاقبة الصبر التي ~~أطلت انتظارها؟ ما أكثر ضلال الحكماء، وما أكثر غش القدماء ...» # وكان آخر ما كتب بيتين وجدا قرب سريره بعد موته، وهما: # يا جسدا قد ذاب حتى امحى # إلا قليلا عالقا بالشقاء # أعانك الله بصبر على # ما ستعاني من قليل البقاء # | أديب ملتزم # لقد أشاعت الوجودية في عالم الثقافة والأدب المعاصر فكرة خصبة بالغة الأهمية، وهي فكرة ~~الالتزام في الأدب كنتيجة للالتزام في الحياة، وهي قد لا تبدو جديدة، ولكن الوجودية قد ~~جعلت منها في العصر الحاضر مذهبا في الأدب والتفكير. # وإذا كان الالتزام في الأدب مذهبا يرمي إلى توجيه الأدب الجديد، فليس هناك ما يمنع من ~~اتخاذه فيصلا في الحكم على الأدب السابق، أو على الأقل نورا يهتدى به في إيضاح خصائص ~~الأدب السابق ومميزاته. # والالتزام في ms17 الأدب معناه بكل بساطة أن يكون للأديب رأي واضح متميز في المشكلة التي ~~يعرضها، أو في القصة التي يرويها، أو المسرحية التي يقدمها، بل وفي القصيدة التي ينظمها، ~~إذا كانت تلك القصيدة ذات موضوع يحتمل إبداء رأي، والالتزام به وتحمل مسئوليته. # والذي لا شك فيه أن العالم كله والبلاد العربية في حاجة ماسة إلى الأدب الملتزم، ~~وذلك حتى يستقيم للناس سلم صحيح للقيم، وحتى يتميز الحق من الباطل، والطيب من الخبيث، ~~والخير من الشر، والجميل من القبيح، ومن أجدر من الأدباء ذوي الوعي والحساسية بأن ~~يقدموا لأممهم هذا السلم الذي تفتقده. # والذي لا شك فيه أنه لو غلب مذهب الالتزام على أدبنا لاستطاع الأدباء أن يحتلوا مكانهم ~~في قيادة الأمة وكسب احترامها، ولاستطعنا أن نتخلص من أكبر أزمة روحية نعانيها، وهي ~~أزمة البلبلة والتردد والفوضى، واختلاط القيم والأقدار. # وإذا كنا قد لاحظنا عند حديثنا عن موقف الشاعر أحمد شوقي من عزل السلطان عبد الحميد، ~~وثورة الجيش عليه دفاعا عن الدستور، وموقف ولي الدين يكن من نفس الحادث ومعارضته، أو ~~على الأصح رده على قصيدة شوقي «عبرة الدهر» بقصيدة أخرى بنفس العنوان، إذا كنا قد ~~لاحظنا عندئذ أن شوقي لم يبد رأيا محددا حاسما، بل أخذ يلف ويدور وينافق ~~الجميع، فيرثي لعبد الحميد ويتفجع على جواريه، ثم يشيد بثورة الجيش وبطولته، ويتغنى بشجاعة ~~أنور ونيازي وشوكت، ثم ينتهي بمبايعة السلطان الجديد محمد الخامس، مما يبلبل الأفكار، ~~ويزعزع الثقة بالشاعر الذي تقول الحكمة القديمة أنه خليفة الأنبياء، وذلك بينما نرى ولي ~~الدين يسفه رثاء شوقي لعبد الحميد وعطفه على جواريه، ويصيح في قصيدته بأن عزل عبد ~~الحميد لم يكن إلا إيقافا لظلمه وفساده وطغيانه، وانتصارا لدماء الأبرياء وحقوق ~~الرعية. # إذا كنا قد لاحظنا هذا الفارق الكبير بين الشاعرين، فإن الحقيقة تقتضينا أن نعمم ~~خلاصة تلك المقارنة لنقرر أن ولي الدين يكن يعتبر من بين شعراء وأدباء العربية ~~القليلين الذين يمكن أن يوصف أدبهم بأنه أدب ملتزم. # والواقع أن ولي الدين يكن قد ms18 كان من أشد الناس إمعانا في الالتزام لا في الأدب ~~فحسب، بل وفي أسلوب حياته، بحيث يمكن القول بأن التزامه في الأدب لم يكن إلا صدى ~~لالتزامه في الحياة، وإذا كان ولي الدين يكن قد تعصب ضد بعض الألفاظ كلفظة «أيضا»، وضد ~~بعض ألوان الزهور كزهرة الليلكيه، ولم يخف كراهيته ونفوره من بعض الأشخاص، كذلك الشخص ~~الذي تحدثنا الآنسة مي أنه غادر وليمة رسمية عندما لمح وجوده فيها، إذا كانت هذه طبيعة ~~ولي الدين يكن في صغار المسائل، فإننا لا يمكن أن نتوقع من رجل في مثل هذه الطبيعة إلا ~~أن يكون صاحب رأي واضح محدد حاسم في كل مشكلة يتحدث عنها، وبذلك يصبح أدبه مثلا ~~قويا للأدب الملتزم. # وبالفعل يعتبر ولي الدين يكن من أولئك الأدباء والشعراء القليلين، الذين يحق ~~لدارسهم أن يبحث عن آرائهم؛ لأنهم قد كانت لهم آراء، بل وكانت لهم فلسفة في الحياة ~~يؤمنون بها، ويتعصبون لها ويفنون في سبيلها، وعند دراسة مثل هذا الأديب الشاعر تأتي دراسة ~~آرائه في المرتبة الأولى بالنسبة لدراسة فنه الأدبي أو الشعري. # وآراء ولي الدين يكن لم تكن مجرد أفكار باردة يرددها في فتور أو يأخذها عن ~~الغير، بل كانت انفعالات فكرية، وهذا الانفعال الفكري الذي نلمسه في أدبه وشعره هو الذي ~~يدخله في مجال الأدب، ولا يبقيه في مجال السياسة والإصلاح الاجتماعي، والبون شاسع بين ~~الأفكار العادية والانفعالات الفكرية، فالأفكار قد تدخل في ميدان الفلسفة أو السياسة أو ~~الاجتماع، ولكنها لا تدخل في مجال الأدب إلا إذا أصبحت انفعالات فكرية. # والانفعال الفكري خليق في ذاته بأن يولد الخصائص الأدبية والمميزات الفنية التي تميز ~~أسلوب الأديب عن غيره من الأساليب. # والانفعال الفكري لا يمكن أن يخضع للتقليد، أو أن يأنس للدروب المطروقة، أو يسكن إلى ~~قوالب التعبير التقليدية؛ وذلك لأن الانفعال ثورة، وكل ثورة تجديد وشق لدروب ~~جديدة، وبحث عن قوالب جديدة توائم هذه الثورة، وتستطيع أن تحتويها. # والانفعال الفكري يخرج بأسلوب صاحبه عن الصنعة المجتلبة؛ لأن المنفعل لا يستطيع ms19 أن يفلت ~~من انفعاله ليتسكع في صناعة الألفاظ، وأكبر دليل على هذه الحقيقة هو ما نلاحظه من أن ~~أديبا ذا انفعالات فكرية كولي الدين يكن لا يكاد يتميز أسلوب شعره عن أسلوب نثره، ~~وليس معنى ذلك هو أن ينحدر بأسلوب الشعر إلى مستوى النثر العادي المسطح، بل بالعكس فهو ~~يرتفع بأسلوبه النثري إلى مستوى أسلوبه الشعري في أغلب الأحيان؛ وذلك لأنه يصدر في كلا ~~الفنين عن نفس الطبيعة المنفعلة الحارة، ولعل في هذا التحليل ما يعيننا على فهم ما أحسه ~~صديقه أنطون الجميل بحق، وعبر عنه تعبيرا صادقا بقوله: «مهما حاولنا تصوير نفسه لا ~~نصورها بأقرب إلى حقيقتها مما صورها به صاحبها في شعره وفي نثره أيضا، فهو شاعر في كلا ~~الفنين المنظوم والمنثور، يصوغ كلامه المرسل كأنه الشعر؛ توقيعا وانسجاما وخيالا ~~وروعة معان، حتى لتكاد تستقيم لك جملته شعرا موزونا، ويسبك الشعر كأنه النثر؛ سهولة ~~وطلاقة وطبيعة وانقياد قواف، حتى لو نثرت نظمه ما جئت بأسهل منه، فتبيت بين هذا النثر ~~الأنيق، وذلك الشعر الطلي، لا تدري أولي الدين أشعر في هذا أم في ذاك؛ لأنه ما جرى قلمه ~~إلا بما خفق به قلبه، وتحرك له لبه، وهو في كلا الفنين ذو القلب المتألم مما حوله ولمن ~~حوله؛ لأنه قلب حساس شريف، تخدمه مخيلة ترى ما لا يراه الغير، حتى أصبح كما قال هو عن ~~نفسه: # قلبي يحس وهذه عيني ترى # ما حيلتي فيما يحس وما يرى» # | أديب الحرية # إذا كان ولي الدين يكن أديبا ملتزما، وكان له رأي ثابت محدد فيما يحتمل الرأي ~~من موضوعات الشعر والنثر، وكان من الأدباء القلائل الذين يجب على الدارس لهم أن يبحث ~~عن آرائهم، بقدر ما يجب عليه أن يبحث عن فنهم؛ وذلك لأن لهم آراء وصل إيمانهم بها ~~وتحمسهم لها إلى حد الانفعال، الذي جعل من آرائهم أدبا لا فلسفة أو تفكيرا فحسب، بل ~~وأعطى هذا الانفعال أدبهم مميزاته الفنية الخاصة من حيث الأسلوب ووسائل العبارة. إذا كان كل ~~هذا حقا؛ ms20 فإن البحث عن آراء ولي الدين يكن لا يمكن أن يطول بالباحث، أو أن يتعثر به ~~في مزالق المواربة والتحايل أو الغموض والإلغاز؛ لأنه لن يلبث أن يلاحظ أن النواة التي ~~تتبلور حولها جميع آراء ولي الدين، أو تنبعث عنها كما ينبعث النبات عن البذرة، هي الحرية؛ ~~حرية الفرد وحرية المجتمع وحرية الفكر وحرية العقيدة، وعلى أساس هذه الحرية بنى كافة ~~صداقاته وعداواته في مجال الحياة وفي مجال التفكير. # وحب ولي الدين يكن للحرية يمتاز بأنه لم يكن حبا عاطفيا يمكن أن يخبو أو ~~يهتز ككل حب عاطفي، كما أنه لم يكن إعجابا فكريا يتسم ببرود الفكر وهدوئه، وقبوله ~~للمهادنة وأنصاف الحلول والنزول على الضروريات، وهو من باب أولى لم يكن تظاهرا ولا ~~اصطناعا لتحقيق مجد شخصي أو تملق جمهور؛ وذلك لأن ولي الدين يكن كان أبعد ما ~~يكون بطبعه عن النزعة الديماجوجية، التي لا هدف لها غير استهواء الجماهير أو كسب الأنصار، ~~وهو الذي لم ترهبه عداوة الأفراد والطوائف، بل تحداها أحيانا كثيرة، وعارض التيارات ~~العامة الجارفة، وخاصم شخصيات ومشاعر كانت تستهوي لب الجماهير، وتستطيع أن تنفع وأن ~~تضر، وأن ترفع وأن تخفض في ميادين النجاح المادي والأدبي. # لم يكن حب ولي الدين يكن للحرية شيئا من كل هذا، وإنما كان كما أشرنا من قبل ~~انفعالا فكريا انتهى به - وهو داعية التسامح والحرية بكافة أنواعها - إلى التعصب للحرية ~~تعصبا عنيفا لا هوادة فيه ولا رفق، تعصبا يجمع بين شهوتي الحب والبغض العنيفين ~~المسرفين، اللذين قد يغشيان أحيانا بصيرة المتعصب في تبين حقيقة الوسائل التي يستخدمها، ~~واختياره للمعارك التي يقودها لمناصرة ما يحب ومحاربة ما يكره، وهذا التعصب الناشئ عن ~~انفعال فكري لما يراه حقا، هو الذي دفعه إلى مهاجمة شوقي هذا الهجوم العنيف عندما ~~رآه يعطف على خصمه وخصم الحرية والعدل عبد الحميد الثاني في قصيدة «عبرة الدهر» التي سبق ~~لنا الحديث عنها. # ولولي الدين يكن في نثره وشعره أناشيد تغنى فيها بالحرية، وهاجم الاستبداد، نكاد ~~نلمحها أو نلمح ms21 صداها في كل ما كتب، حتى ليعتبر باب السياسة أو الوطنيات في ديوانه ~~الصغير أهم أبوابه ، كما يعتبر كتابه الكبير «المعلوم والمجهول» بجزأيه حديثا متصلا ~~عن الحرية، وتاريخ الكفاح في سبيلها في تركيا والإمبراطورية العثمانية كلها، كما أن ~~كتابيه الآخرين الصغيرين وهما الصحائف السود والتجاريب يضمان أيضا الكثير من مقالاته التي ~~تدور حول الحرية وتفريعاتها، وقد زاده الاضطهاد والتنكيل تعصبا لهذه الحرية، التي اختلط ~~معناها بمأساة حياته الخاصة وما لقيه في تلك الحياة من محن وأهوال. # ففي فصل طويل له عن حزب تركيا الفتاة في الجزء الأول من المعلوم والمجهول (ص31-50) نراه ~~يستهل فصله بتعريف للاستبداد وتعريف للحرية، نحس إحساسا واضحا بأنه قد استقاه من ~~تجربة حياته وأحداثها المؤلمة، فيقول: «ملك من الملوك شديد البطش قاسي الفؤاد دائم الحقد، ~~جريء في غضبه، خائف في حيلته، مطلق اليدين على أمة تتوجع ولا تدري مكان وجعها، يبعث ~~بأمره إلى رجل من رجاله، ويجرده من ماله ونشبه، ويسلبه عزه وسلطانه، ويخرجه من بين أهله ~~وجيرته، ويسجنه صاغرا، كل ذلك لنصح نصح به أو قول صدق فيه، أو حق عرف حبه له، أو ظلم ~~أبى أن يعين عليه، ثم يفرق أهله ويشرد أولاده، ويقفل باب داره، ويختم عليها رجال الشرطة ~~بالشمع الأحمر، ويمسي الرجل وذووه خبرا من الأخبار. هذا هو الاستبداد.» ~~«ودولة عظيمة جم ثراؤها، رغد عيش أبنائها، يتقلبون في النعيم، ثغورهم باسمة، وألحاظهم ~~غير زائغة، يتسابقون ولكن إلى المجد، يتنافسون إلا أن تنافسهم في الفضل، ربوعهم آهلة ~~وخيراتهم عميمة، لا يخافون مسيطرا إلا كتابا هو القانون، ولا يتقون معاديا إلا الأجل ~~المحتوم، أيديهم مطلقة في عمل ما يفيد، مغلولة عن عمل السوء، تخفض الملوك رءوسها أمام ~~إدارتهم، وتنصاع الحكومات إلى إشاراتهم، لا يعرفون الحزن إلا وصفا، ولا يجهلون من السرور ~~طعما ولا شكلا؛ هذه هي الحرية.» # ثم يستطرد إلى مأساة العثمانيين وما عانوه من استبداد، فيقول: «الاستبداد الذي اشتكاه ~~العثمانيون هو أكبر مما جاءت به هذه السطور، والحرية التي كانوا يقنعون بنيلها أقل ms22 بكثير ~~مما مثلته في الكلمات المتقدمة، نعم كانت الأمة تريد شيئا ولا تدري ما هو، كانت تشكو ولا ~~تعلم ما يشكيها، بل كانت لا تطمع أن تعلم، فلما حل ميقات الخلاص انتفضت فتساقطت من ~~عليها نبال الظلم، فوقفت مستبسلة لا ترجو إلا الله، ولا تريد إلا الوطن، حتى إذا ذاقت وصال ~~الحرية، واستمتعت بجمالها وشبابها، علمت أنها كانت تئن من أجل ذاك، ودرت أن هذا ما لا ~~بد منه لحياة الأمم.» # ويتحدث عن رجال تركيا الفتاة، فيقول: «وإنما نقم رجال تركيا الفتاة على الملوك العثمانيين ~~جهلهم وخمولهم، وما ألفوه من البذخ والترف، وما جروا عليه من ظلم الرعية والتأله عليهم، ~~وإنكارهم على الأمة ما تطلبه من العدالة، وهي أصل الحرية والمساواة والإخاء، واستكبروا أن ~~يكونوا كالملوك في البلاد المتمدينة، وأبناء الملوك عندنا لا يربون على ما يفتح أذهانهم ~~ويهذب أخلاقهم.» # ولما كان سلاطين تركيا يستمدون سلطتهم من الدين باسم الخلافة التي يستترون خلفها، للبطش ~~بالرعية وإشباع شهواتهم الحقيرة الحيوانية، ويصطنعون رجال الدين في تثبيت تلك السلطة، فقد ~~كان من الطبيعي أن يهاجم ولي الدين يكن ورجال تركيا الفتاة رجال الدين هجوما عنيفا، ~~وأن يبذلوا كل جهد لتقويض سلطانهم على الأمة، وفي هذا يقول ولي الدين في نفس الفصل من نفس ~~الكتاب: «أما رجال الدين وهم عيال الرجال فينبشون عن منسوخة الأحاديث وغير الصحيح منها، فلا ~~يروون للملوك إلا ما كان حثا على طاعتهم، مثل قولهم: «قلب السلطان بين إصبعي الله يقلبه ~~كيف يشاء.» وقولهم: «الملوك ملهمون.» وقولهم: «اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي ~~كأن رأسه زبيبة.» كل ذلك يفسدون به أخلاق الملوك تقربا إلى جفانهم واستجداء ~~لحبواتهم.» # ويهاجم الشعراء المداحين المتملقين فيقول بعد حديثه عن رجال الدين: «فما يخرج هؤلاء ~~إلا يدخل السائلون المادحون، ونسميهم مسامحة شعراء، ليمدحوا الظالم سفاك الدماء ناهب ~~العباد فيقولوا له: «إن بين غلائلك لعدلا من الله، وبين جنبيك لروح القدس! يا مجزل العطاء ~~ومولى النعم! يا من يخصب بأمرك المحل وتجري الرياح، وتنقاد لمشيئتك ms23 الأقدار، وتحسد السماء ~~الأرض إذ كانت موطئا لأقدامك! يا ظل الله وباني الكون، يا من عتبته فوق الأفلاك ...» إلى غير ~~ذلك مما يستحي من ذكره ويشمئز من سماعه كل من كان في فؤاده مثقال خردلة من العقل ~~والإنصاف.» # وهو يصف الحكومة العثمانية التي كان يحاربها هو ورجال تركيا الفتاة بقوله: «أما ~~الحكومة العثمانية فلم تشبه حكومة في الوجود، وما انتظم لها أمر في ماضيها ولا في حاضرها، ~~ومثل رجالها كمثل سكان الخيام في زمان الجاهلية، إذا وليهم سيد عاقل، واتخذ بطانة خير ~~وحاشية عدل، أنعش نفوس محكوميه وأحيا موات آمالهم، وإذا وليهم غاشم جب منم الغارب ~~والسنان، وأذاقهم مضض الذل ومرارة العذاب، تجبى أموال الرعية بلا حساب، ويضيع بعضها في ~~جيب الجابي، وبعضها في جيب من هو فوقه، فلا يبقى لبيت مال الدولة إلا ما يتصدق به عليه ~~السارق والناهب فضالة، ينفق جانب منها على طرب الملوك ولذاتهم، وجانب على المقربين من ~~الغرانقة، ويبقى الموظف الصغير صفر اليد أو تدرك أمره رحمة، فينبز إليه بما يسد به ~~رمقه.» # والظاهر أن شدة سخطه على الخلافة المستبدة الفاسدة، وعلى من يمكنون لها في الأرض قد ~~دفعه إلى إساءة الظن برجال الدين أجمعين، فقال في الجزء الثاني من المعلوم والمجهول (ص137): ~~«رجال الدين في كل أقطار الأرض حرب على الناس، فهم يبدون غير ما يخفون، ويأمرون بما لا ~~يعلمون، ومنهم من صدق إيمانه، وكانت سريرته كعلانيته وهم أقل من القليل.» # والواقع أن مسألة رجال الدين من المسائل العالمية المزمنة؛ وذلك لأن الأديان كلها ~~تدعو إلى المحبة والإخلاص والأخوة بين البشر، ومع ذلك لم ترق دماء في تاريخ الإنسانية ~~الطويل مثلما أريقت بسبب الأديان، ولم يكن ذلك لتعارض تلك الأديان وتعصب أهل كل دين ضد ~~الآخرين، على نحو ما حدث في الحروب الصليبية فحسب، بل وكان ذلك داخل كل دين على حدة، وما ~~انشق إليه من فرق ومذاهب وطوائف، فضلا عما فرض على البشر باسم الدين من حجر على الفكر ~~البشري، وإعاقة تقدمه، وتقدم ms24 البحث العلمي، على نحو ما شهدت الإنسانية من محاكم التفتيش ~~واضطهاد الكهنوت وجامعاتهم للعلماء والمفكرين. # ولما لم يكن من المعقول تحميل الديانات السماوية مسئولية هذه الدماء، فإن المؤرخين ~~والمفكرين لم يروا بدا من أن يحملوا رجال الدين وكهنوته هذه المسئولية الجسيمة، وأن يدعوا ~~الكثير منهم إلى فصل الدين عن الدولة، والحد من نفوذ رجال الدين، حتى تواصل الإنسانية ~~تقدمها وتنجو من التعصب الديني والنفاق الممقوت. وكان ولي الدين يكن من هؤلاء ~~المفكرين أنصار حرية الفكر، وخصوم رجال الدين، حتى لنراه يستشهد على تعصبهم وجهلهم ~~بمناقشة طريفة جرت بينه وبين أحد رجال الدين في سيواس أثناء نفيه بها، وأوردها في ص140 ~~من الجزء الثاني من «المعلوم والمجهول»، فقال: «ذهب رجل منهم إلى أنه يحرم على المسلم أن ~~يدعو غير المسلم أخاه، واحتج بآية: # إنما المؤمنون إخوة # فقلت له: أنا لا ~~أجادل بالقرآن، ولكني أخالف الساعة عادتي، وأثبت لك فساد دعواك وخطأك في تأويلك، قال: هات ~~ما عندك، قلت: إن في علم المعاني بابا اسمه باب القصر، قال: أعرفه، قلت: وفي الآية قصر ~~موصوف على صفة، فهذا لا ينفي الإخاء من غير المسلمين، ولو كان فيها قصر صفة على موصوف، ~~كأن تكون: إنما الإخوة المؤمنون، لنفى من غيرهم الإخاء، ثم يضيف: فغضب الرجل من كلامي وقال: ~~أعوذ بالله أن يكون في علم المعاني شيء من هذا الكفر، وما هو إلا اختلاق منك، وهب جدلا ~~أن دعواك صحيحة، أيحملني ذلك على أن أصدق علم المعاني ولا أصدق القرآن.» # ويعلق على هذه الحادثة بقوله: «فأيقنت يومئذ أن الرجل ممن أفرغ في رأسه عشرون قنطارا ~~قطرا، فآثرت إهماله وأنشدت قول أبي الطيب: # ومن البلية نصح من لا يرعوي # عن جهله وخطاب من لا يفهم # هؤلاء الرجال يحللون من الأمور ما يوافق أهواءهم، ويحرمون منها ما يخالف أهواءهم، ~~يسطون على الناس بسيوف من الإيمان الكاذب، فلا يثبت على لقائهم إلا من: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # فما تحكم عبد الحميد ms25 بالأمة إلا بنصر هؤلاء، أما جنوده فأولئك منخدعون، ولقد فطنوا لذلك ~~فجعلوا صلواتهم وابتهالهم وقفا لظالم الأمة، استجلبوا له القلوب الخالية والنفوس الطامعة، ~~فوقفوا كلهم لقاء الأحرار يكيدون لهم كيدا، وكانوا يدعون المنفيين في بلادهم أعداء الدين ~~والدولة، وكانوا يذمون الشورى ويذمون من يدعو إليها، ولو أمكنتهم غرة من الأحرار لاجتثوا ~~أصولهم وأبادوا أعقابهم، فإذا طهرت البلاد من شر هذه الفئة راجعتها السعادة.» # وانفعال ولي الدين يكن العنيف للحرية أو تعصبه لها، هو الأساس الذي بنى عليه - كما ~~قلنا - صداقاته وعداواته، وبه نستطيع أن نفسر حبه للإنجليز، وبخاصة للورد كرومر الذي أطلق ~~حرية الرأي والكتابة وحرية الصحف في مصر لأغراض سياسية معلومة سبق الإشارة إليها، وأوقف ~~قانون المطبوعات منذ سنة 1892، وظل موقوفا حتى سنة 1909، كما حمى الأتراك الأحرار الذين ~~احتموا بمصر، وحمى غيرهم من رعايا الإمبراطورية العثمانية عندما نزحوا أيضا إلى مصر فرارا ~~من بطش الحكومة التركية. # ففي مقدمة الجزء الثاني من «المعلوم والمجهول» يقول ولي الدين: «نظر أناس في الجزء ~~الأول من المعلوم والمجهول فرأوا صورة اللورد كرومر وقد كتب تحتها «مصلح مصر» فألقوا ~~بالكتاب جانبا، وأطبقوا جفونهم وولوا عنه هاربين، راعهم شخص ذلك الرجل الجليل على الورق، ~~فأخذتهم سورته، ولم تقو عيونهم على النظر في وجهه، فكيف بهم لو تمثلوا بين يديه ورن صوته ~~في آذانهم، وقد زعموا بعد ذلك أني صنيعة الرجل، والرجل لا علم له بكتابي إلى يومنا ~~هذا.» # وهو في الجزء الأول من المعلوم والمجهول يعقد فصلا عن حال الأحرار وجمعياتهم بعد هرب ~~مراد من الآستانة، يتحدث فيه عن مراد الطاغستاني أحد أحرار الأتراك، واحتجاجه على اضطهاد ~~عبد الحميد الثاني للأرمن وتذبيحهم، ثم هرب مراد هذا إلى مصر، ويقول: «وجاءت الرسائل ~~برقية وغير برقية، تطالب فيها الحكومة العثمانية الحكومة المصرية بإعادة مراد إلى ~~الآستانة، أو طرده من مصر، أو عدم الإذن له بإصدار جريدة فيها، فلم ينل عبد الحميد من ~~لجاجه سوى الفشل وسوء المصير، والفضل في ذلك للورد كرومر حبيب الأحرار، ومصلح مصر ورجلها ms26 ~~العظيم.» وإن يكن قد غاب عنه - كما سبق أن قلنا - حقيقة سياسة كرومر الدفينة، التي لم تكن ~~تبغي خير مصر والأحرار، بل كانت تبغي تحطيم الإمبراطورية العثمانية والتهام ممتلكاتها، وفي ~~مقدمتها مصر، كما أثبتت الأيام من بعد. # وهذا التعصب للحرية هو الذي يفسر لنا أيضا إعجابه بإخواننا العرب، ولا سيما المسيحيين ~~السوريين المهاجرين إلى مصر، وصداقته لهم على غير تبصر ولا دقة في الاختيار، حتى لنراه ~~يوثق صلته بأصحاب «المقطم»، الذين لم يكن حبهم للإنجليز مبعثه حب الحرية، وبغض الاستبداد ~~التركي فحسب، بل كان يرجع إلى عوامل أخرى كثيرة أقل شرفا ونبلا، كالمصالح المادية، بل ~~والتعصب عند نفر من تلك الجماعة. # وهو يشيد في الجزء الأول من المعلوم والمجهول (ص71) بهؤلاء المسيحيين السوريين، ويوازن ~~بينهم وبين المسلمين الأتراك المقيمين بمصر، فيقول: «ويشهد الله وكل محب للحق أن ~~إخواننا العرب لا سيما المسيحيين السوريين منهم كانوا أشد الناس ضجرا وأعظمهم أنفة من ~~احتمال الذل، فهم الذين تاقت نفوسهم إلى الفضيلة العصرية من وراء حجب الاستبداد فأقبلوا على ~~مصر، وعلموا إخوانهم المصريين إنشاء الصحف واتخاذ المطابع واحتراف الأدب العصري واصطفاء ~~الحرية، هذا مع أنهم محرومون في بلادهم من التمتع بمثل هذا النعيم. # غير أن حب المعالي في أكثر النفوس طبع لا تطبع، وإلا فمن علم الطير ترجيعه ومن وهب ~~البلبل حب الورد؟ ولما طال عليهم احتمال الضيم هجروا أوطانهم وضربوا في أقطار الأرض، يجوبون ~~قاصيها ودانيها، يحلون من منازلها آهلها وحاليها، أعوانهم عزائمهم، وبضاعتهم عقولهم، فحيث ~~عثرت جدودنا انتهضت جدودهم ... إلخ.» # وهو يتحدث بعد ذلك عن الأتراك المسلمين الذين استوطنوا مصر من الأزمنة السالفة، فيقول ~~عنهم: «لا يهمهم من السلطان إلا كونه سلطانا، وهم يعتقدون أن لا حق للأمة في مشاركة ~~الملوك في أعمالهم، وأن الرعية عبيد للملوك، يؤمرون بالطاعة لهم وإن ظلموا، والشكر وإن ~~أساءوا، يتحدثون بذلك في مجامعهم وبأيديهم السبح وأمامهم النارجيلات، يمتصونها حتى تستطلع ~~حبابها، يؤتى لهم بالشاي منقوعا، وبين يديهم جماعات من المشايخ، منهم المدعون لعلوم ~~الكيمياء القديمة، ms27 ومنهم أولياء الله الناطقون بالغيب (بالسرياني)! ومنهم المتصوفون من ~~أتباع الرفاعي والكيلاني ومحي الدين العربي والبكطاشي والمولوي، ومنهم أئمة الشرع ورواة ~~الأحاديث والمفسرون، كل هؤلاء يكفرون الأحرار، ويدعون لعبد الحميد، ويمدون أنامل أكلت ~~أطرافها حبات السبح يجرون بها دراهم أعوانهم عدا، بطلا وجشعا ولؤما، كانوا يؤثرون حب ~~عبد الحميد على حب العادل الحميد.» # والذي لا شك فيه أن كل هذا إنما هو تفريع عن العقدة النفسية الأصلية عند ولي الدين، وهي ~~عقدة بغضه العنيف لاستبداد عبد الحميد باسم الدين، وهو في موضع آخر من نفس الكتاب يقارن ~~عبد الحميد بالجعل ويجمع بينهما في حكم واحد، حيث يقول: «كريهان يؤذيهما طيبان: ~~الجعل يؤذيه ريح الورد، وعبد الحميد يؤذيه نسيم الحرية!» # وهو يناصر المضطهدين من الأرمن، ويدفع عنهم في الجزء الأول من المعلوم والمجهول (ص48) تحت ~~عنوان «مذابح شهداء الحرية من إخواننا الأرمن»، ويشرح أسباب تلك المذابح، ويقرع التعصب ~~الديني والعنصري تقريعا شديدا، ويهاجم المتعصبين من الأتراك والأكراد هجوما عنيفا، ~~ويستشهد في وصف حالة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية، واضطهاد المسلمين لهم بأبيات ~~قديمة بالغة القوة، حيث يقول: «وقد صدق أحد شعراء الحماسة، إذ يقول: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم # طاروا إليه زرافات ووحدانا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد # ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة # ومن إساءة أهل السوء إحسانا # كأن ربك لم يخلق لخشيته # سواهم من جميع الناس إنسانا # فليت لي بهم قوما إذا ركبوا # شدوا الإغارة فرسانا وركبانا» # وليس من شك في أن استشهاده بهذه الأبيات ينم في ذاته عن مدى تعصبه للحرية، وكرهه ~~للظلم والاضطهاد، وهي أبيات جاهلية الروح تنطق بالحكمة الجاهلية المأثورة: «انصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما»، وهي روح تخالف روح التسامح التي كان يدعو ms28 إليها ولي الدين يكن، بل ~~لكأننا به يود أن لو تكتل الأرمن وتعصبوا ليفتكوا بمن أخذ يذبحهم من مسلمي الأتراك ~~والأكراد . ولا عجب فإن ولي الدين كان يتعصب للحرية وضد الظلم والاضطهاد، أكثر مما يتعصب ~~لأي شيء آخر كوحدة الدين أو وحدة العنصر أو الجنس أو غيرها. # وهو يبرر دفاعه عن الأرمن وثورته لمذابحهم بقوله: «هناك أناس يقولون لنا: إن الأرمن أعداء لنا، ويزعمون أنهم هم المعتدون ~~دائما، وأن المسيحيين لا يخلصون للمسلمين ودا، ولا يصفون لهم سريرة، وينعتونهم ~~لنا بالكافرين وأهل النار، وغير ذلك من كلام الجهل والجنون، وبسطاؤنا يصدقون هذه ~~الباطلات، حسن ظن منهم بقائليها، ولبعدهم عن مواضع العلم وفهم الحقائق، فإذا ذكرت ~~لهم تلك الفظائع لم تهز منهم موضعا من قلب، ومنتهى إنصافهم أن يقولوا: إن الأرمن ~~جنوا على أنفسهم.» # وهو يقص طرفا من مذابح الأرمن، فيروي كيف كان المتعصبون من أهل سيواس يذبحون كالوحوش من ~~عثروا عليه من الأرمن بالمناشير. # على أن دفاعه عن الأرمن وتعصبه لهم في محنتهم لا يفيد أنه كان ضعيف الإحساس بعثمانيته، ~~متهاونا في التمسك بها والدفاع عنها، وذلك بدليل أنه كان يكره العرابيين ويسفه ثورتهم، ~~كما كان يخاصم عبد الله النديم لأنه كان «من قدماء من يقولون: مصر للمصريين، ونحن نقول: ~~مصر للعثمانيين» (ص30 من المعلوم والمجهول ج1). # وفي حديثه عن عبد الله النديم في نفس الموضع من نفس الكتاب ما يلقي ضوءا على الكثير من ~~مشاعره نحو العرابيين وثورتهم، حيث يقول: «إن عبد الله النديم انتحل لنفسه السيادة، وجاراه إلى تسميته باسمها جماعة من ~~محبيه، ولكن اتصل بي ممن حضر مجالسه وسمع حديثه وألم ببعض أموره أنه لم يكن في ~~طباعه ما يشبه طباع السادة، وما كان إلا رجلا من الرجال ذكي القلب، شديد العارضة، ~~ذرب اللسان، سريع الخاطر، حاضر البديهة، ظريف المحاضرة، حلو الشمائل، وكان كذلك ~~جريئا على من يخافه، كثير الوقيعة بمن يعاديه، محاسدا أهل الفضل ممن هو ~~دونهم، سهل الغضب صعب الرضاء، مدمن الهجاء دائم السخط، فمن ms29 صاحبه على حذر منه ~~فاز بوده، ومن وثق به ضاع وضاعت ثقته معه، قرض الشعر فلم يملك له ناصية، ولا فاز ~~منه بسهم ، ورام الزجل فوفر منه حظه، وحلا في فمه نشيده فكان يرتجله ارتجالا، ~~ويسابق أهله فلا يشقون له غبارا. # هذا عبد الله النديم صاحب «الطائف»، و«التنكيت والتبكيت» من قبل، وصاحب «الأستاذ» ~~من بعد. اختفى بعد ثورة العرابيين، وكان حارثهم بن حلزة أو عمرهم بن كلثوم، رغا ~~فتجمعوا، وعقر فتفرقوا، ثم آوته قرى الريف فبات كأبي زيد السروجي، يحترف الحرف، ~~وينتقل في الأزياء والأشكال، فيوما هو واعظ، ويوما هو ماجن، ويوما هو عالم، ~~ويوما هو خليع، وما زال كذلك يطوف في البلاد حتى تعرفه بعضهم فوشى به إلى ~~الحكومة، فجيء به إلى نظارة الداخلية عليه غبرة ترهقها قترة، فأظهر الذلة ~~والاستكانة ووعد بالتوبة والإنابة، فزين بعض شيعته لمقام الإمارة المصرية أن تعفو ~~عنه بعد ذلك فعفت، فبدأ بعدئذ في نشر «الأستاذ»، وبيان النديم مشهور ومألوف ~~تفهمه العامة، وتبتذله الخاصة، ولو مسح على لفظه بشيء من جزالة اللفظ وسمو المعنى، ~~وأمعن النظر في غلطاته فاجتنبها لصح أن يعد من كبار الكتاب، فقد شهدت له ببعض ~~الذوق السليم، وأعجبني ترسله، وقرأت له في الأستاذ مقالة عنوانها «لو كنتم مثلنا ~~لفعلتم فعلنا»، فعلمت أن البيان سجية في الرجل، وكتابه المسمى «كان ويكون» يجوز أن ~~يقال فيه: إنه ابن قريحة وقادة. # ومن المعلوم عند أهل الدهاء أن حزب العرابي - وإن تمزق شمله بعد نكبة صاحبه - بقي مختبئا في مكامن خوفه اختباء الأفاعي في جحورها، وكذلك الفزع يستولي على أهل ~~الدعوة فيلجم أفواههم ويكبهم على أذقانهم؛ فلما عاد النديم وأعاد لهم نغماته، ~~تطربوا وعرتهم هزة أفلتوا بها من مرابطهم، فقال فصدقوا، ودعا فأجابوا، وما زال في ~~غلوائه وهم في غوايتهم، يدعو إلى الفتنة ويحض على الثورة، والإمارة تحبوه ما يقوم ~~أوده، ويطلق لسانه حتى آل أمره إلى الطرد؛ فترك مصر مأسوفا عليه من أشياعه، ~~مغضوبا عليه من العقلاء.» # والذي لا شك فيه أن دعوة ms30 العرابيين «بمصر للمصريين» هي التي أغضبت ولي الدين العثماني. ~~ومن المعلوم أن العرابيين قد ثاروا على محاباة الحكام للجراكسة والأتراك في مناصب الدولة ~~وبخاصة في الجيش، واحتقار هؤلاء الدخلاء للفلاحين المصريين، وإن يكونوا قد اضطروا إلى ~~مصانعة الخلافة الإسلامية وأظهروا خضوعهم لها، مع أن هذه السياسة لم تجدهم فتيلا، ~~وحاربهم توفيق باسم هذه الخلافة الإسلامية، وأذاع على الشعب منشورات يتهم فيها عرابيا ~~وأنصاره بالكفر والخروج على الخلافة. وأكبر الظن أنه لو قلب العرابيون سياستهم، وهاجموا ~~الخلافة المستبدة الفاسدة وتمسكوا - على العكس - بالوحدة العثمانية، لرأينا ولي الدين ~~يناصرهم ويتعصب لهم. # ومع ذلك؛ فإن المناداة بالوحدة أو الجامعة العثمانية لم تكن تكفي لكسب تأييد ولي ~~الدين، أو على الأقل تجنب عداوته، إذا لم تقترن هذه الدعوة بمحاربة الحكومة التركية ~~المستبدة، والخلافة الحميدية الظالمة، وذلك بدليل أن ولي الدين كان يخاصم أيضا مصطفى ~~كامل والحزب الوطني ويتهمهم بالنفاق والتهريج؛ وذلك لأن أنصار هذا الحزب، وإن لم يهاجموا ~~الجامعة العثمانية إلا أنهم ناصروا الخلافة الحميدية والحكومة التركية، واعتمدوا عليها في ~~محاربة الاستعمار الإنجليزي، وذلك بينما كان ولي الدين يرى عدوه الأول في ظلم عبد ~~الحميد وفساده، وإن لم يهاجم الخلافة العثمانية في ذاتها، ولا ناصر فكرة نقل الخلافة من ~~الأتراك إلى العرب، ومن الخليفة العثماني إلى الخليفة الهاشمي، كما كان يدعو البعض من ~~العرب، وكما كان الإنجليز يوحون لأغراضهم الخفية. # ولكي نستكمل آراء ولي الدين السياسية، وهي الآراء التي سيطرت على معظم إنتاجه الأدبي ~~نثرا وشعرا، يجب أن نوضح أنه إذا كان بغض ولي الدين لعبد الحميد وخلافته الفاسدة وحكومته ~~الظالمة لم تدفعه إلى مهاجمة فكرة الخلافة العثمانية في ذاتها، أو فكرة الجامعة العثمانية، ~~إلا أنها لسوء الحظ قد دفعته أحيانا إلى الاستخفاف ببعض أحكام الدين الإسلامي وشعائره، ~~فضلا عن مهاجمة رجاله وعلمائه، حتى لنراه يسخر ممن يدارون إفطارهم في شهر رمضان في مقال ~~له في «الصحائف السود» تحت عنوان «أكذوبة أبريل وأكذوبة رمضان» يختتمها بعبارة يتحدى فيها ~~شعور المسلمين على صفحات جريدة «المقطم» ms31 فيقول بعد أن تحدث عن الشدة التي تأخذ بها نظارة ~~الداخلية في تركيا المفطرين والسافرات من السيدات المسلمات: «وفي مصر من الحرية الشخصية ما ~~لا يضطر إلى التواري عن الأبصار، والاختباء تحت الموائد، ولكن في الناس كثيرين يفعلون ~~ذلك. ولولا أني شاركت بعض الأجانب في الكذب معهم في أول يوم من شهر أبريل، وذلك حين كنت ~~ابن عشرين سنة، لجاريت أهل المسابح إلى الكذب، غير أني جالس أمام مكتبي، وعيناي شاخصتان ~~إلى الساعة وقد دوى مدفع الظهر الذي أفطر عليه!» # والواقع أن ولي الدين لم يكن من أنصار الحريات السياسية فحسب، بل كان أيضا من أولئك ~~الذين عرفوا في تاريخ الإنسانية باسم أحرار الفكر، والذين ازدهر مذهبهم في فرنسا مثلا في ~~القرن الثامن عشر، وكان من بينهم فولتير وجماعة دائرة المعارف، والحرية الفكرية عندهم أدت ~~إلى التمرد لا على رجال الدين وحدهم، بل وعلى الكثير من أوامر الدين ونواهيه ذاتها، حتى ~~لنرى عبارة حرية الفكر تقترن عند خصومهم من المحافظين المتدينين بعبارة الزندقة عندما ~~يقولون «حرية الفكر والزندقة»، وإن يكن الجمع بين العبارتين على هذا النحو لا يخلو من ~~إسراف، فإنه إذا كان من بين أحرار الفكر من يبيح لمن يشاء الحق في الزندقة، إلا أنهم ~~لم يكونوا يدعون إليها، كما أن الكثيرين منهم لم يكونوا يصدرون عن خصومة شاملة مطبقة ~~للديانات، بل إن فولتير نفسه إذا كان قد أنكر الرسل والأنبياء، ووساطتهم هم ومن خلفهم من ~~رجال الكهنوت بين الله والبشر، فإنه لم ينكر وجود الله في ذاته، بل وقال: إنه إذا لم يكن ~~الله موجودا لوجب على البشر أن يخترعوه، وإن تكن فكرة الألوهية عنده تختلف بالضرورة عنها ~~في الديانات السماوية. # وعلى أية حال، وسواء أكان ولي الدين يكن قد تأثر بأولئك الفلاسفة والأدباء الفرنسيين ~~الذين كان يجيد لغتهم، أو سار في نفس الاتجاه الذي ساروا فيه بتأثير من العوامل المحلية في ~~الإمبراطورية العثمانية وخلافتها الفاسدة، ورجال دينها المنافقين، فالثابت أنه من المفكرين ~~الأحرار، وأنه أحد حلقات تلك ms32 السلسلة الطويلة التي انتهت بظهور مصطفى كمال، وتحطيم ~~الخلافة، وتكوين الدولة المدنية، والقضاء على كل نفوذ لرجال الدين، والاتجاه بتركيا ~~اتجاها كليا نحو الحضارة المادية الغربية. # وعلى ضوء هذه الحقيقة الكبرى نستطيع أن نفهم الكثير مما كتبه ولي الدين نثرا وشعرا في ~~محاربة التعصب الديني، والدعوة إلى التسامح، ومناصرة كافة قضايا التحرر التي كان يحاربها ~~رجال الدين، والواقعون تحت سلطانهم باسم الدين، إن حقا وإن باطلا، مثل قضية تحرير ~~المرأة، وقضية التوفيق بين الدين والعلم، كما كان يناصر الداعين لمثل هذه القضايا ويتحمس ~~لهم وفي مقدمتهم قاسم أمين ومحمد عبده. # أما عن حرية الفكر فله عنها مقال في «الصحائف السود» بنفس العنوان (ص93)، يستهله بقوله: «نحس بآلام بين أحناء الضلوع، فنكتمها صبرا، ونسكت عليها خيفة، لو كان هذا ~~الصبر في موضع يحمل فيه لنطق من جوانبه الثناء، ولكنه قصارى نفوس جبنت ونصيرها ~~الحق، وأقصرت وشأوها بعيد. # تغلبت سورة الجدل على سورة الدليل، وبات كلام الإنصاف والصمت أحب منه إلى ~~الناس، ألا قاتل الله اللجاج، لا العقل أغنى في الغلبة على سلطانه، ولا الهمم مضت ~~في التغلب على فجاجه، كلما جهر بالحكمة ناطق تألبت عليه عصب الغرور، فسدوا ~~بأيديهم فمه، يا ليتهم يجعلون أصابعهم في آذانهم تصامما، أو يلفتون وجوههم إلى ~~ورائهم إعراضا، ذلك إذن يهون. # يحجهم الصواب فلا يلبثون أن يقبلوا عليه، غير أنهم يعتدون فلا يدعون مكلمهم ~~يكلمهم، فكيف يجري فيهم نصح الناصحين. # إنما يقبل القول بعد سماعه ويرد بعد سماعه، وهذا البلد يتعجل أهله الحكم، سواء ~~عليهم أصابوا أم أخطئوا، يريدون وليس الذي يريدونه صوابا، ولكنهم يحاولون أن ~~يجعلوه صوابا، هذا محال، حقائق الأشياء لا يدخلها تغير، ومن لم يكن معه الهدى، ~~عليه أن يكون مع الهدى إذا رام رشدا. # قلت في إحدى الصحائف السود التي تقدمت كلاما على الأضاحي، فهاج قلوبا استوطنها ~~التعصب، وهاج على أهل الشر من المخضرمين، عفا الله عنهم ماذا يبتغون؟ طوت الأيام ~~برد الشباب، وأنالتنا من التجارب ما لا مندوحة فيها لجهل، إن ms33 يستطيلوا فقد استطال ~~أسلافهم من قبل، أنا ابن عصر عيت فيه الألسن وأفصحت بعبرها الأيام، ولي بمحمد عبده ~~وقاسم أمين أسوة حسنة. # على أنني لا أعجب من أهل القدم والمنتحلين صيغة الدين، وإنما أعجب من قوم ~~لبوسهم لبوس أهل التمدن، ومآكلهم مآكلهم يطاف عليهم بالآنية والجام، في مجالس ~~كأنها ديباجات الآفاق، ثم يصبحون فيقارعون الناس بالدين، يرموننا بالكفر ~~والمروق والزندقة ليثيروا علينا أشياعهم، وما نبالي نحن من أشياعهم، يغالبون ~~بالدين كلما تساقطت حججهم، وبه يحاربون كلما أجفلت نعائمهم ... أنتم أعداؤنا اليوم، ~~وأبناؤكم أنصارنا غدا، لن نشكوكم وحدنا، بل سوف نشكوكم ومعنا أعقابكم، ولنعمت ~~الشهود يومئذ يقولون آباؤنا كذبوا وهؤلاء صدقوا.» # وأما عن الدين وقداسته، فله فيه (في التجاريب ص26) رأي صريح، يقول فيه: «الأديان ~~مناهج للناس إلى ما يستطاع من الكمال، فإذا هي تجاوزت ذلك وأضحت سلعا يتجرون بها كان ~~شرها أكثر من خيرها، وإن من أشد ما ينزل بالحر أن يبلى بقوم لا تسمو مداركهم إلى ~~مقاصده، فيتعسفوا في تأويلها الشبهات، حتى إذا أعيتهم المناظرة وأعيتهم الحجج عمدوا إلى ~~الفساد، فاستثاروا العامة إلى الوقيعة، وفزعوا إلى الختل والغدر، وأكبر من هذا أن تكون ~~الحكومة عونا للمفسد على المصلح، لا اعتقادا بإيمانه ولا إعجابا برأيه، بل تحببا إليه ~~وإقرارا بالعجز عن إخضاعه وتقويمه.» # وهو يتحدى الرأي العام عند مقتل بطرس غالي فيرثيه شعرا، وينشر في المقطم مقالا بعنوان ~~«بطرس غالي في موكبه الأخير» (الصحائف السود ص101)، يستهله بقوله: «مشى بعاصمة مصر يوم ~~الثلاثاء 22 فبراير سنة 1910 مشهد لم تشهد مثله، ذاك مشهد بطرس غالي العظيم من كرسي ~~الرياسة إلى مضجع الأبد؛ لله درك من ظاعن ... قال النعاة: قتل أحد الباغين بطرس باشا غالي. ~~قلت: لقد قتل مصر.» وهو يدافع عن الوزير الذي أثارت تصرفاته سخط الوطنيين بقوله: «ماذا جنى ~~هذا الفقيد المظلوم، صاح أكثرهم مذكرا بحادث دنشواي، وتشدق آخرون باتفاق إنجلترا ومصر على ~~السودان، وشكا غيرهم من قانون المطبوعات، وهل كان لهذا الوزير هذا القدر من النفوذ بالإرادة ~~والخيار ms34 في الفعل؟ ومن أهاج أهل دنشواي ومن أتى بقانون المطبوعات: سائلوا تلك الجرائد التي ~~تود أن توقع البلد في الهلاك، عسى أن توافيكم بجواب سديد.» ثم يضيف : «الأقباط هم أولو مصر ~~قبل كل مصري، ما زال الجور يتصيدهم حتى قلوا عددا، ووفرتم وخسروا، وكسبتم ثم من الله ~~بعدله، فقالوا نحن إخوان، أفلا تريدون أن تكونوا لهم إخوانا؟ فما لهذه البراثن إذن ~~داميات؟» # وهو عندما يضطهد جميل صدقي الزهاوي لحرية فكره، ويتهم بالكفر والزندقة، يجرد قلمه للدفاع ~~عنه ودعوة الأدباء إلى مناصرته في مقالين حارين نجدهما في «التجاريب» تحت عنوان «التعصب ~~يخرج الحرية من ديارها، هلموا إلى نجدتها يا أحرار» (ص19-28)، و«الأحرار وأعداؤهم» (ص29-39)، ~~وقد بدأ المقال الأول بقصيدته التي مطلعها: # أسير بدار الظلم أعياه آسره # أما من فتى في الناس حر يناصره # أفي الناس أحرار وفيهم أحبة # فما لأخيهم لا يرى من يؤازره # وفيها يستثير الهمم لنصرة الزهاوي قائلا: «إن ينزل بالزهاوي نازل من الظلم فتلك سبيل ~~أبناؤكم سالكوها غدا، فإلا يحزنكم مصرعه، فإن في مصارع أبنائكم ما يستدر جامدات العبرات، ~~إيه لكم، قطعت الشعوب أشواطا في منازل الحياة، ونحن إلى الوراء راجعون، لا تكونوا واسطة ~~السوء بين الأسلاف والأخلاف، أما لتقذفن لكم الأرحام بأضاحي كالتي شهدتم تلبسون ليومها ~~السواد، ويطول عليها أنينكم تحت طيات الدياجير.» # وهو في المقال الثاني عن «الأحرار وأعداؤهم» يهاجم رجال الدين هجوما عنيفا، فيقول: ~~«الآكل من كسب غيره وهو قاعد لا يحمل نفسه عناء السعي لرزقه، وإذا علمت الأمة حقائق ~~الأشياء، وبصرت بضلالات أهل التعصب، قبضت عنهم جدواها ومنعتهم ورد جودها، والقوم يعلمون ذلك ~~ولا يدانيهم فيه ريب، فمن أي الطرق يأتي نحوهم الإنصاف، لو جمعنا العمائم التي بالبلاد ~~العثمانية، وجعلنا بعضها فوق بعض بنينا حصنا يعجز عن هدمه أسطول إنجلترا بأسره، ما في هذه ~~الجوازات ما يرجى منه أقل الفوائد إلا آحاد لا يصعب تسميتها، وما بقي من ذلك الجمع العديد ~~فأنصار للاستبداد سواء عليهم حق وباطل، لا يعجبهم من الحياة الدنيا إلا الجفان، ms35 أو ما ~~يكون ثمنا للجفان. # أروني واحدا من هؤلاء المبردين يكون جاد بدرهم واحد في خير يريده، ثم إذا التفت عليهم ~~المحافل ألفينا كل عثنون كحديدة الفأس، يضطرب غضبا لرأي رآه أحد العقلاء، فكم من عنفقة ~~كذنب السمكة تهتز على أثرها وتغضب لغضبها، ما أشقانا بهذه المخلوقات!» # وهو يناصر قضية المرأة بشعره ونثره، فيقول في «الصحائف السود ص9»: «قالوا: إن تعليم البنات مهيع إلى إفسادهن، وما في القائلين بذلك من تعلمت أمه وعرف ~~فسادها.» بل ويكتب في نفس «الصحائف السود» مقالا خاصا عن المرأة يقص فيه مصارع ثلاث ~~نسوة، إحداهن قتلها الاستبداد، والثانية أرداها الجهل، والثالثة أودى بها الحجاب. # أما الأولى فقد اشتراها باشا يقيم في إحدى قرى ولاية سيواس، ولكنها كانت تنفر منه ولا ~~تلبي رغباته، بل واحتالت فأنفذت لأبيها كتابا تشكو فيه الحياة، وتعبر عما تجد من اشتياق ~~إلى أهلها، وعلم بذلك الباشا فقتلها. # وأما التي أرداها الجهل ففتاة تلقت الدراسة في إحدى مدارس الراهبات ببيروت، ثم زوجها ~~أبوها رغم أنفها من مجهول، لم يلبث أن شق بطنها إذ رأى في يدها صورة رجل مكشوف الرأس عليه ~~ثياب قواد الجنود وفي يده قبعة، ولم تكن هذه الصورة إلا صورة واشنطون الشهير محيي مجد ~~أمريكا! # وأما الثالثة التي قتلها الحجاب فقد تزوجها رجل من أهل أدنه شديد الغيرة، دخلت بيته ~~ليلة زفت إليه ولم تخرج منه أبدا، حتى إذا مرضت وثقل عليها المرض واشتد الألم دعا زوجها ~~طبيبا، وأخذ يصف له ما تشكوه، فقال: أنا لا أداوي على السماع، ولا بد من رؤية المريضة، ~~وفحص موضع العلة، فأبى الزوج الأبي ذلك، «وما مضت أيام قلائل إلا وقد أزروها في أكفانها ~~وشيعوها إلى منزلها الأبدي من ضريح إلى ضريح.» # ويهاجم في نهاية المقال تعدد الزوجات قائلا: «رأيت رجالا يبذرون المال تبذيرا، فإذا ~~أقاموا الأفراح نصبوا السرادقات، ورفعوا الأعلام وأوقدوا الزينات، ومدوا الموائد، وجاءوا ~~بالمغنين والمغنيات، واستكملوا أسباب المسرات. كل ذلك ليدخلوا بامرأة لا يعرفونها، خطبوها ~~لأنها خلقت لتخطب، فإذا صارت ms36 في أيديهم أياما ملوا حديثها، وسئموا قربها، وراحوا ~~يفتشون على غيرها، فمثلهم كمثل الطفل المدلل يرى اللعبة فيبكي لأبيه وأمه حتى يبتاعاها له، ~~ثم لا يلبث أن يحطمها ويطرحها جانبا ليأتيا له بغيرها.» # ثم يختتم المقال بقوله: ~~«هذا عصر غارة شعواء يشنها المجددون على شيعة الرأي القديم، وما ضرني وقد اشتعل ~~الرأس شيبا أن أتقدم صفوف الشباب، فإن لم أكن صاحب أمرهم، فما علي أن أكون حامل ~~رايتهم، فمن لي بصاحب «تحرير المرأة» أن ينفض عنه تراب القبر ويخرج إلى الأحياء ~~ليرى مبلغ استفادتهم من رأيه، أما إنه لو فعل - ولن يفعل - وقرأ ما يكتبه قوم في ~~إبقاء الحجاب، والتحكم على أمهات الأجيال الآتية، لكر راجعا إلى مرقده وأغمض ~~عينيه حتى لا يرى، وأذنيه لكيلا يسمع.» # وأنشد قول الحكيم القديم: # ضجعة الموت رقدة يستريح # الجسم فيها والعيش مثل السهاد # هذه طائفة من الآراء التي التزم بها ولي الدين يكن، وقد كانت - كما قلنا - آراء ~~ثابتة لا خواطر شعراء يهيمون في كل واد، بل لقد نادى ولي الدين نفسه بدافع من فطرته ~~ومزاجه بالالتزام في الأدب والفكر والحياة، وندد بالتردد والنفاق، حيث قال في ص104 من ~~التجاريب: «إن من عجائب الشرق أن يشكو ابنه الرجل حاضرا، وأن يشتاق إليه غائبا، ومن ~~عجائبه أن يكون لكل امرئ رأيان ليس له أحدهما، ولكنه يحملهما استخداما لهما، فكلما حل ~~بين جماعة من أهل أحد الرأيين كلمهم به.» # وبمراجعة هذه الآراء وطوائف المجتمع التي كانت ترضيها أو تغضبها عندئذ تلك الآراء، ~~نستطيع أن ندرك مقدار الشجاعة الأدبية التي كان يتصف بها هذا الأديب الشاعر الملتزم، وذلك ~~بصرف النظر عن كونه قد أخطأ أو أصاب في تمسكه بكل هذه الآراء والتعصب لها، وبصرف النظر عما ~~إذا كان قد أحسن دائما فهم التيارات الظاهرة والخفية التي كانت سائدة في عصره، أو أساء، ~~والشيء المؤكد هو أننا لا نستطيع أن نرميه بفساد الضمير أو التواء القصد، فهو ربما يكون ~~قد أساء الرأي، ولكنه لم يسئ القصد. # وليس بخاف ms37 بعد ذلك أن آراءه لم تكن تصادف هوى إلا في نفوس طوائف ضيقة محدودة؛ ~~لأنه كان مخطئا في بعضها، وسابقا لعصره في بعضها الآخر، كما أن عصره كان - كما قلنا ~~- مبلبلا مضطربا بين الاتجاهات المختلفة والسبل المتعارضة، وكان الناس لا يزالون ~~يبحثون عن الوجهات المجدية الصالحة لأفرادهم ووطنهم، كما كانوا لا يزالون في حاجة إلى ~~غربلة القيم المختلفة المتوارثة والدخيلة، وانتقاء خيرها، وأجداها نفعا. # وعلى أية حال، فإن رجلا كان يغاضب العرابيين ورجال الحزب الوطني ورجال الدين ~~والمتزمتين والمحافظين، لم يكن من المعقول أن يحظى بجمهور كبير يشيد بفضله وينزله ~~المكانة التي يستحقها في عالم الأدب والشعر. بل إن إشادته بعدل الإنجليز، وحماية كرومر ~~للحرية والأحرار وإعجابه به كان وحده كفيلا بأن يحط من ذكره، وأن يصمه بما لا نزال نسمعه ~~حتى اليوم من أنه كان من أنصار الإنجليز المحتلين، وهذه تهمة استطاعت أن تطمس ما كان له من ~~اتجاهات أخرى خيرة، كتعصبه للحرية السياسية والفكرية، وثورته على الظلم والاستبداد، ~~ومناصرته للقضايا التقدمية. # | آثاره الأدبية # لقد كان ولي الدين يكن مشغولا بالمسائل السياسية والاجتماعية أكثر من انشغاله بمسائل ~~الأدب والفن في ذاتهما، بحيث يعتبر أدبه أبعد ما يكون عما يسمى بالفن للفن، أي: الفن لمجرد ~~الجمال الفني؛ ولهذا تغلب الروح السياسية والاجتماعية على معظم ما كتب من نثر وشعر، وإن ~~تكن شدة انفعاله الفكري قد صبغت كتاباته بصبغة الأدب وأكسبتها قدرة دائمة على ~~الإثارة. # لقد خلف ولي الدين يكن الكتب التالية: ~~(1) ~~«المعلوم والمجهول» في جزأين، صدر الأول منهما سنة 1909، والثاني 1911، وهو ~~يتضمن سلسلة من الفصول تكاد تكون تاريخا كاملا لحركة التحرير التركي، التي ~~قامت بها جماعة تركيا الفتاة، ثم حزب «الإصلاح والترقي»، كما يتضمن تاريخ ~~الويلات التي تعرض لها ولي الدين، من سجن ونفي واضطهاد وذكريات عن مدة ~~نفيه في سيواس، وعرض للكثير من آرائه السياسية والاجتماعية خلال حديثه عن ~~التاريخ، أو قصصه لذكرياته الخاصة. ~~(2) ~~«الصحائف السود» وهو مقالات جمعها في سنة 1910 بعد نشرها في جريدة المقطم، ~~وقد قدمها ms38 للقراء هو نفسه بقوله: «الصحائف السود مقالات نشرت في جريدة المقطم ~~الشهيرة، متتابعة، أردت أن أنتقد بها بعض ما يقع في معترك الحياة، واخترت حين ~~بدأت نشرها اتخاذ توقيع «زهير» تكتما لكيلا يمنع رجال الأدب من نقدها حق الود، ~~ولكن عرفني إخواني فرجعت عن الاختفاء وعدت إلى توقيعي الأصلي، واستهللت بعض ~~المقالات من صحائفي السود بأبيات ومقطعات نظمتها على ما يناسب المقام، وكنت ~~أود أن أستمر في كتابة هذه الفصول حتى أبلغها المائة أو الأكثر، غير أني خفت ~~ملل القراء فاكتفيت بالقلائل، وسأعود إلى مثلها بعد أن أختار اسما ~~جديدا.» ~~(3) ~~«التجاريب» وهي مجموعة مقالات اجتماعية لولي الدين، وقد عني بطبعها فؤاد ~~مغبغب في سنة 1913، وقدمها المؤلف بمقدمة خطية مصورة، قال فيها: «كل ما ~~يتعلم المرء من حوادث الأيام تجربة، وما يستفيد التجربة مستفيدها إلا وقد ~~امتلكها بشيء يخسره من الأمل، ولو كنا نعنى بتقييد العظات وهي أغلى ما بقي ~~لفاضت عن الكتب الضخمة وسالت، ولكن ما يسلم من النسيان قليل، وفي ذاك القليل ~~ذكرى إذا استعادها المرء وجد راحة في استعادتها، هذه آلام مصورة وشكاوى ~~متجسدة، هذه هدية الفؤاد المقروح إلى الأفئدة المقروحة، إن للأفئدة لنجيا ~~تتعارف به وتتآلف إذا لم ينفع اليوم ينفع غدا.» وهو يسير في هذه المقالات على ~~نفس النهج الذي سار عليه في «الصحائف السود»؛ ولذلك كثيرا ما نراه يبدأ كل ~~مقال بمقطوعة من الشعر ثم يواصل الحديث نثرا. ~~(4) ~~«دكران ورائف» وهي شيء يشبه القصة، ولكنها في الواقع عدة فصول تعرض ~~أنواعا من الظلم الذي كان ينزل بالرعايا العثمانيين في عهد عبد الحميد؛ فدكران ~~شاب أرمني جاهد هو وذووه حتى حصل على دبلوم الطب، وإن لم يمنعه اجتهاده من ~~أن يقدم رشوة لكي يحصل عليه، ورائف تركي صديق وزميل لدكران، ولم يكد ~~الشابان يتخرجان حتى اعتقلا وسجنا بتهمة التآمر مع الأحرار. وفي هذا الكتاب ~~صفحات من الوصف والتصوير، غارقة في جو شعري حار، وإن لم تكون تلك ~~الفصول وحدة قصصية، بل ظلت أشبه ما تكون بقطعة ms39 من قلم استعراضي، يقدم ~~لوحات من عصر الاستبداد والظلم، وما ينزل بالناس من محن وأحزان. ~~(5) # ترجم من التركية إلى العربية كتاب «خواطر نيازي أو صحيفة من تاريخ الانقلاب ~~العثماني الكبير»، وقد طبع في سنة 1909، كما ترجم في أخريات أيامه من الفرنسية ~~إلى العربية رواية «الطلاق» لبول بورجيه. ~~(6) # وفي سنة 1924 - أي: بعد وفاته بثلاث سنوات - جمع أخوه يوسف حمدي يكن ما ~~استطاع أن يجمعه من قصائد أخيه، ونشرها في «ديوان ولي الدين يكن»، وهو ~~ديوان صغير يقع في 127 صفحة، وقد قسمه جامعه إلى سبعة أقسام: أولها شعره ~~السياسي وهو أكبر الأقسام، وثانيها الرثاء والعزاء، وثالثها التهنئة والمديح، ~~ورابعها الدهريات، وخامسها الهجاء وهو أربعة أبيات، وسادسها الغراميات، ~~وسابعها المتنوعات. # وقد ضم هذا الديوان المقطوعات أو القصائد التي استهل بها ولي الدين الكثير من مقالاته ~~المنشورة في كتبه النثرية، ويقول أخوه في تصديره للديوان: «إن ولي الدين قد نطق بالشعر ~~قبل أن يبلغ العشرين، وكان له شعر كثير نشر في الصحف، أحرقه برمته منذ ثلاثين سنة، أما ~~هذا الشعر (أي: الديوان) فإنه مما قاله بعد ذلك، وقد كان محا منه بعض القصائد وفقد ~~بعضها، وأراد قبل وفاته بعامين أن يطبع ديوانه، فنقل من ما يربو على سبعمائة بيت، ثم حال ~~مرضه دون استمراره.» ثم يقص أخوه كيف استطاع أن يجمع ما نشره في الديوان من مخلفات أخيه ~~الشعرية. # | ولي الدين الشاعر # لقد فطن النقاد في سهولة إلى مكان ولي الدين يكن في تيارات الشعر العربي ~~المعاصر، ووضعوه بين جماعة المجددين، فقال عنه أنطون الجميل: «وقد نقل حريته هذه واستقلاله ~~في حياته إلى أسلوبه الشعري، ففي الشعر كما في السياسة حزبان: حزب استقلالي، وحزب ~~استعبادي، وكان ولي الدين في طليعة الحزب الأول؛ لأنه كان من القائلين بتحرير المخيلة ~~والشعور من نير العبودية للمألوف الراهن، وهذا التحرير أو الاستقلال أصبح من مميزات ~~الشعر العصري، وله روعته وجماله وإن بلغ حد الغلو والتطرف أحيانا؛ لأن للحرية عظمة خاصة ~~بها حتى في تهورها، فالشاعر الحر ms40 شغف بحرية الوحي الشعري كالسياسي الحر عبد لحرية ~~الرأي السياسي.» # والواقع أن ولي الدين يكن رغم معرفته الدقيقة الواسعة باللغة العربية وآدابها، لم ~~تستعبده تقاليد الشعر العربي، ولا طغت الذاكرة عنده على القدرة على الخلق وابتكار ~~التعبير أو الصورة أو القالب، وذلك لعدة أسباب منها: تنوع ثقافته الأدبية؛ إذ كان يجيد ~~معرفة الأدبين التركي والفرنسي إلى جوار الأدب العربي، كما كان يلم بالأدب الإنجليزي، مما ~~وسع في أفقه ووقاه خطر استبداد تقاليد الشعر العربي بشعره، وبخاصة وأنه كان نزاعا إلى ~~الحرية، وكان من الطبيعي أن تمتد هذه النزعة إلى وسائل التعبير والتصوير، فتحررها هي الأخرى ~~من التقاليد والقوالب المتحجرة، وربما كان في تحرر مطران من تلك التقاليد والقوالب ما ~~حمل ولي الدين على محبته والإعجاب به، بل والثمل بشعره. # وأخيرا لا يجوز أن ننسى أن طبيعة ولي الدين النفسية قد كانت - كما سبق أن قلنا - من ~~أهم العوامل التي دفعته إلى التجديد والابتكار في أسلوب الشعر والنثر؛ وذلك لأن الانفعال ~~الفكري القوي لا يمكن أن يسكن إلى العبارات أو الصور التقليدية المتوارثة التي أكلها ~~التحات لكثرة الاستعمال والتداول، ولا بد أن يبحث مثل هذا الانفعال الفكري القوي عن عبارة ~~أو صورة جديدة، واضحة المعالم قوية التعبير كالعملة الجديدة السك. # ولقد سبق أن مرت بنا لوحات من تصويره للأتراك المسلمين في مصر بنرجيلاتهم ومشعوذيهم، ~~ولرجال الدين بعثانينهم التي تشبه حدائد الفئوس! وكلها تنم عن رؤية شعرية أصيلة واضحة، ~~وقدرة على ابتكار التعبير القوي الدال في غير كسل ولا رجوع إلى التعابير والصور ~~التقليدية المتآكلة. # وفي الحق إننا لا نكاد نتصور كيف كان يستطيع مثل هذا الشاعر المنفعل الملتزم أن يجري في ~~شعره السياسي المعاصر، وفي نفثات منفاه وفي آرائه الاجتماعية الحديثة على تقاليد الشعر ~~العربي القديم، أو أن يستعير منه القوالب والأخيلة، وهو يسبح في عالم جديد مغاير تمام ~~المغايرة لعالم الشعر العربي القديم، وإنما يمكننا أن نتصور ذلك عندما يكون موضوع ~~الشعر من الموضوعات التقليدية عند العرب مثل الغزل، فهنا ms41 نعثر في ديوان يكن على بعض ~~مقطوعات قالها في صباه على النهج التقليدي، حتى لنراه يقف على الديار، حيث يقول (ص101) تحت ~~عنوان «ومن قوله في صباه»: # وقفت بالدار أبكي رسمها العافي # ما كل ذي شجن مثلي بوقاف # إلى أن يقول: # أهوى رضاه وأهوى أن يعذبني # سيان في حبه ظلمي وإنصافي # بل ونراه في معرض الغزل يعارض الحصري القيرواني، فيقول: # الحسن مكانك معبده # واللحظ فؤادي مغمده ~~... إلخ. # وذلك بينما لا نستطيع أن نسمي قصيدته «عبرة الدهر» معارضة لقصيدة شوقي التي تحمل نفس ~~الاسم، وإن اتفقت معها في الوزن والقافية، بل هي مناقضة يرد فيها على شوقي - كما رأينا ~~- ردا عنيفا. # وكذلك الأمر في كافة شعره السياسي الذي يكون الجزء الأكبر من ديوانه، بل والذي يعطي ~~الديوان قيمته الأساسية، وكله شعر مباشر ينبعث عن انفعال فكري حار، وإيمان عقلي ~~متين، ودعوة مخلصة إلى ما يتضمن من توجيه. # فهو يخاطب الوطن بقوله (ص19): # صحا كل شعب فاسترد حقوقه # فيا ليت يصحو شعبك المتناوم # هو الشعب أفتى دهره وهو خادم # وليس له فيمن تولوه خادم # يقلب من عهد لعهد على الأذى # إذا زال عنه غاشم جد غاشم # وهو يعالج في شعره السياسي كافة الموضوعات التي عالجها في نثره من دعوة إلى النهضة ~~والإصلاح إلى سخط على الظلم والظالمين، وثورة على العصر الحميدي ورجاله الذين يسميهم ~~«بغالا» في إحدى مقطوعاته، حيث يقول في ص42: # كفى حزنا إن الرجال كثيرة # وليس لنا فيما نراه رجال # نحكم قوما لا يبالون قائلا # وإن قام كل العالمين فقالوا # إذا ارتقبوا يوما فذلك منصب # أو اطلبوا شيئا فذلك مال # بغال تسوس الأسد شر سياسة # وما ساس أسدا قبل ذاك بغال # قضيتم وعشنا بعدكم مر عيشة # تعالوا انظرونا يا جدود تعالوا # وهو قد يترك الأسلوب الخطابي المباشر أحيانا؛ ليأخذ في أسلوب القصص السريع الخاطف، فيصل ~~بفضله إلى أبعد مما يصل إليه بأسلوبه الخطابي من ناحية التأثير والإثارة، ولعل من خير ~~أمثلة هذا المنحى مقطوعة صغيرة، لا تتجاوز العشرة أبيات، ومع ms42 ذلك تهز النفس هزا عنيفا، ~~وقد سماها: «خليج البسفور في إحدى ليالي الشتاء»، وقال فيها (ص60): # في ليلة ليس بها كوكب # كأنما مشرقها مغرب # يمسي سوادا كل ما بينها # ففوقها وتحتها غيهب # لا يدرك الفكر بها مطلبا # فكل ما يطلبه يهرب # جاءوا بمظلوم إلى ظالم # قالوا له هذا هو المذنب # بكى وفي الدار بكوا مثله # فكل من في داره ينحب # وقد رأينا حوله صبية # تندب حين أمهم تندب # قال اجعلوه مثل أترابه # من كان من مذهبه يذهب ~~••• # وأقبل الصبح على أيم # وصبية ليس لديهم أب # يا بحر لو تنطق أخبرتنا # ما قال من غيبت إذ غيبوا # فهذه المقطوعة تروي قصة أحد أولئك المظلومين، الذين كان عبد الحميد يأمر بالقبض عليهم ~~وإلقائهم في مياه البسفور أثناء الليل، وإذا كان قد أوجز القصص واستعان بالإشارة بدلا من ~~التصريح، والانتقال المفاجئ بدلا من التسلسل الرتيب، فإنه بذلك لم يضعف من التأثير، بل ~~لعله زاده حدة. # وهو في شعره يعبر أيضا عن مشاعره الخاصة إزاء الأحداث التي تأثر بها أو جاهد في سبيلها، ~~مثل اغتباطه بسقوط عبد الحميد، وبدء عصر الشورى والحرية، ومثل حنينه إلى مصر وإلى فروق ~~أثناء نفيه في سيواس، وتألمه من ذلك المنفى. وإذا كان شوقي قد قال عن مصر أثناء نفيه ~~بإسبانيا بيته الخالد: # وطني لو شغلت بالخلد عنه # نازعتني إليه في الخلد نفسي # فإن ولي الدين قد خاطب مصر هو الآخر ببيت رائع، هو قوله (ص34): # وإذا الإله قضى بوصلك بعد ذا # فلأمسحن وجهي ببعض ثراك # وبالرغم من صلابة ولي الدين وعناده وتعصبه لآرائه السياسية والاجتماعية، وإيمانه بتلك ~~الآراء، إلا أننا لا نعدم أن نجد في شعره السياسي أبياتا تكاد تنطق باليأس والتشاؤم، وذلك ~~مثل قوله في قصيدة «ويل للناس من الناس» (ص51): # وداع جاء يدعوني لنصح # وقد وهت النهى ووهى البنان # تعبت من الكلام فليس يجدي # لبث النصح نظم أو بيان # وكانت ضلة ونزعت عنها # فها أنا لا أدين ولا أدان # وما أسفي على عهد تقضى # ولكن صنت ms43 عهدا لا يصان # ظللت أمينه دهرا طويلا # وكنت أظن أني لا أخان # بل ونلمح في نفس الشعر تشاؤما فلسفيا في نظرته إلى الإنسان في ذاته نظرة تذكرنا ~~بفلاسفة الغرب المتشائمين، بل وبالجملة اللاتينية الشهيرة التي عبر بها الفيلسوف الإنجليزي ~~هوبز عن ذلك المذهب وهي # Homo Homini Lopus # أي: «الإنسان على ~~الإنسان ذئب.» بينما يقول ولي الدين (ص53): # أفسد الظلم أنفس الناس حتى # لو رأى الناس عادلا لارتابوا # قد أجيعوا فالبعض يأكل بعضا # غنم بعضهم وبعض ذئاب # وشعره السياسي ليس موضوعيا كله، بل فيه الشعر الغنائي الذاتي، مثل حنينه إلى مصر ~~وفروق، وتألمه من المنفى وبخاصة في قصيدته التي سماها: «في المنفى، زفرة من زفراتي» (ص55) ~~حيث يقول: # فؤاد دأبه الذكر # وعين ملؤها عبر # ونفس في شبيبتها # وجسم مسه كبر # وآمال مضيعة # ووقت كله هدر # وعيش عذبه مضن # وعمر صفوه كدر # أما يا ليل من صبح # لمن سهروا فينتظر # جفون الناس هاجعة # وجفني ضافه السهر ~~••• # أرى سيواس تغمدني # كأني صارم ذكر # صدئت بها وأحسبني # سأصدأ ما جرى العمر # ثم يختتمها بروح معنوية عالية حيث يقول: # رويدا إنها دول # تدول وبعدها أخر # يظل الحق منهزما # زمانا ثم ينتصر # سيوف الله إن سلت # فلا تبقي ولا تذر # هذا هو الشعر السياسي الذي تميز فيه ولي الدين يكن؛ لأنه كان مهموما بالسياسة ~~وشئون الإصلاح، وأما فيما عدا الشعر السياسي فإننا لا نرى لولي الدين أصالة خاصة، ~~ففي رثائه مثلا قد نحس بعاطفة صادقة قوية في رثائه لابنه، ولكنه لا يخرج عن القوالب ~~المألوفة في الرثاء، مثل قوله: # الله في لوعة أجرعها # يعرفها في الأنام من ثكلوا # يا كبدا من مناطها انفصلت # ما خلت أن الأكباد تنفصل # كما قد نجد انفعالا وعنادا في رثائه لبطرس باشا غالي في قصيدته التي اتخذ لها عنوانا ~~«جاهدت في إعلاء مصرك جاهدا»، إلا أننا بوجه عام لا نحس بأصالة لولي الدين إلا عندما ~~ينفعل للسياسة أو لإحساس شخصي. # وهو إذا قد كان قد أعجب بالسلطان حسين كامل، وأخلص له ms44 الود ومدحه عن اقتناع وإيمان، ~~إلا أننا أيضا نراه يودع الجنرال مكسويل ويرثي إدورد ملك إنجلترا! # وإذا كان التاريخ يحدثنا عن علاقة غرام بين ولي الدين «ومي» بل ويحتفظ لنا الديوان ~~بمقطوعة من ستة أبيات اتخذ لها الشاعر عنوانا «فيا رب هب لي مواجع مي» (ص103)، فإننا ~~بالرغم من ذلك نجده في غزله يسلك الدروب التقليدية، بل ويتسكع كما تسكع غيره في معارضة ~~«أليل الصب متى غده». # وكأن الأمر أمر قدرة ومهارة على قرض الشعر، لا تعبير عن تجربة إنسانية خاصة ~~وابتكار للصور الجمالية. # ولو أننا تركنا فنون شعره وأغراضه لننظر في ديباجته وأسلوبه للاحظنا أن أسلوبه مرآة ~~صادقة لنفسه، فهو أسلوب منفعل سريع متلاحق الإيقاع، يتميز بالقوة والانفعال أكثر مما ~~يتميز بالصيغة الفنية، أو التصوير البياني، بل لعل التصوير البياني أوضح في نثره منه في ~~شعره. ~~••• # والخلاصة أن ولي الدين يكن يتميز خاصة بأنه أديب وشاعر سياسي، ملتزم منفعل ~~مجدد، وأنه إذا كانت أفكاره واتجاهاته لم ترض التيار الوطني الغالب، إلا أنه كان بلا ~~ريب رجلا مخلصا لرأيه، مخلصا لنفسه، كما كان من محبي الحرية بل من عشاقها، ذوي النفوس ~~القوية التي لا يرهبها ظلم، ولا تثنيها تضحية في الدفاع عن الحرية السياسية، والحرية ~~الفكرية، وعن قضايا التقدم الاجتماعي، وإن استهدف بسبب ذلك إلى كثير من العداوات ~~والاضطهادات. # | ملحق # بعد إلقاء هذه المحاضرات ظهر في بيروت ضمن منشورات المكتبة العصرية كتاب جديد لولي ~~الدين يكن بعنوان «عفو الخاطر»، وقد نشره الأستاذ أمين نخلة عن نسخة كان قد نسخها عن ~~الأصل المكتوب بخط المؤلف، وكان هذا الأصل مودعا عند الأستاذ فؤاد مغبغب ناشر كتاب ~~التجاريب لولي الدين، وقد استعاره منه الأستاذ أنطون الجميل قبل وفاته بقليل لينسخه، ~~وتوفي دون أن يرده، فلم يعثر عليه بعد ذلك. ~~«وعفو الخاطر» يضم طائفة من القطع النثرية والشعرية التي لم يتضمنها الديوان، فيما ~~عدا مقطوعة واحدة مكررة وهي الخاصة «بالكلب جوجو» ص49 من «عفو الخاطر» وص119 من ~~الديوان. # والطريف في هذا الكتاب الجديد أنه ms45 يغاير مغايرة تامة كافة مؤلفاته الأخرى؛ وذلك ~~لأنه يعتبر من الأدب الخالص، أو ما يمكن أن يسمى بالفن للفن، فلا علاقة له بالسياسة أو ~~الاجتماع، ومن ثم لا محل فيه للأدب الملتزم، وإنما هو قطع ومقطوعات نثرية وشعرية منمقة ~~قصد منها إلى الجمال الأدبي وطلاوة التصوير وأناقة الأسلوب، وهي وإن سميت «بعفو الخاطر» ~~إلا أنها تعتبر في الواقع من قبيل الأدب المنمق. # وفي العناوين التي اختارها لمقطوعاته ما ينم عن معدنها مثل: «زهرة على شط نهر» ~~و«القلم المكسور» و«نكبة باريس» و«أيا ليتني» و«الأنفة» و«الزهرة» ... إلخ. # وها هو مثال مما جاء في هذا الكتاب نأخذه من قطعة «زهرة على شط نهر» ص32: ~~«حمراء صافية ذات أرج يملأ الروح، كأنها بسمة على ثغر ملك، أو قطرة دم من ~~فؤاد معذب، تناولتها بأناملي وقسوت عليها بالقطف، وشممتها فمازج روحي روحها ... ~~باعدت ما بين موردها العذب ومنبتها الطيب حرصا على جمال ليس لي منه إلا الإعجاب ~~به، فكأنه خلق لأصفه، وكأني خلقت لأعنى به، الله يأبى أن يبقى فؤاد الشاعر في ~~دعة، ويأبى سبحانه أن يظل خاطره في سكون.» # وظاهر من هذه الأسطر وأمثالها أن ولي الدين قد جارى في كتابتها روحا رومانسية عامة ~~كانت سائدة في ذلك العصر عند كتاب مثل المنفلوطي وجبران ومي، وهذه ليست الروح الأصيلة ~~التي تميز بها ولي الدين يكن، وحللناها في الصفحات السابقة، ورأينا أكبر خاصية لها في ~~تلك الانفعالات الفكرية العنيفة التي انبثقت عن اهتماماته السياسية والاجتماعية، وهي تلك ~~الاهتمامات التي طغت على كتاباته وعلى حياته، بحيث يعتبر «عفو الخاطر» جدولا صغيرا ~~رقراقا إلى جوار تيار أدبه العام الصاخب العاتي. ms46