######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 139 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: بسم الله740144E4 الخاتمة #META# bk: الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش #META# bkord: 780 #META# archive: 1 #META# الكتاب: الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش #META# cat: الدعوة وأحوال المسلمين #META# iso: الدعايه الي سبيل المؤمنين لابي اسحاق اطفيش #META# bkid: 379 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK الدعاية إلى سبيل المؤمنين لأبي إسحاق اطفيش # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم # نحمدك يا من شرحت صدورنا بنور الإيمان والتوفيق ،أرشدتنا إلى سبيل النجاة ~~من الحيرة والضيق ، وملأت قلوبنا إخلاصا للدين ،فكان أكبر باعث إلى إحيائه ~~بخدمة العلم وإحياء سيرة سيد المرسلين ، رغم كيد الكائدين ومعاكسة الخائنين ~~، حمدا يكون لنا نورا يسعى بين أيدينا يوم ينكشف الغطاء عن مساوي المفسدين ~~. ونصلي ونسلم على أشرف المخلوقات ، مطهر النفوس من وسن (1) الجمود ~~والغباوة ، سيدنا محمد الذي من تمسك بهديه سعد في الدارين . وآله وصحبه ~~الذين تحملوا كل إذاية وعبء (2) في سبيل تأييد الحق المبين. # وبعد فإن الله عز شأنه، خلق الإنسان في أحسن تقويم ،وكرمه بالعقل ، ~~ولولاه لكان في مستوى البهيمة، فتح له سبيلي السعادتين ، وهداه النجدين ، ~~فمنه من كان بلدا طيبا يخرج نباته بإذن ربه، ومنه من خبث لا يخرج إلا نكدا ~~، فصيره الله أسفل سافلين بسوء كسبه ، يتيه في هوجل (3) الجهالة بفساد ~~اختياره ، ينقدح الشك في فؤاده لأول وهلة (4) سمع الحق ، ويسعى وراء كل ~~ناعق يصيح بباطل أو بشر أو بضر ، اغتمضت (5) عيون كثير من الناس عن الواجب ~~، فعدلوا عن المنهج السوي ،وانصرفت قلوبهم عن مراقبة الحق ، ورعاية الصدق . ~~فتراهم يتمثلون في مظهر خلاب (6) وشكل يظنون انه مستطاب ، ويغدون ويروحون ~~في هيئة يخالونها (7) أبهج الصفات، وفي كل ذلك لا يناقشون أنفسهم ~~الحساب،ولا يوجهون إليها أدنى # (1) الوسن الغشيان من نتن ريح البئر يقال وسن وأوسن . (2) ثقل # (2) الأرض التي لم تكن لها أعلام ومعالم .(4) الوهلة أول الشيء (5) صارت ~~عمضه (6) خداع يقال برق خلاب أي لا مطر فيه (7) أحسنها # عتاب فيأتون بضروب(1) من الأعمال لا تتفق مع الحق والصواب بحال من ~~الأحوال ،يخادعون به ذوي البساطة؛لغاية في نفوسهم ، وما يخدعون الا أنفسهم ~~، وما يشعرون . PageV01P001 # أهملوا إعمال الفكر؛ فاستعصت عليهم الحقائق ،واستحكم فيهم الهوى فطلبوا ~~إرضاءنفوسهم ، وتركوها هائمة (2) فاستبهمت (3) سبيل الهدى ؛ فأصبحوا عقبة ~~وعثرة (4) أمام التقدم القومي والحياة العلمية والعملية ، فكلما أحسوا ~~بانتعاش الأفكار ن ms001 أونهوض في مضمار المنافسه ، أو حركة في ميادين الاقتصاد ~~، أو ركوب الأخطار للارتقاء إلى أوج (5) الشرف ، ملاوا الفضاء لجبا (6) ~~والأرجاء صخبا(7) ، ونادوا بالويل واستهولوا الامر ، وذهبت أفكارهم طرائق ~~قددا (8) ذلك لأنهم اعتادوا الخمول (9) وألفوا الذل والصغار والذبول (10)، ~~وشبوا وشابوا على الجهل بأسباب الحياة وأحوال الامم وماضي التاريخ، فحسبوا ~~أن كل ما يخالف مألوفهم فهو فساد يطرأ على مستواهم (11)، وخلل في الاعتقاد ~~وسبب في خراب البلاد على أنهم لاينفكون في الغالب يفصمون (12) عرى الأمة ~~وينقضون (13) ما أبرمه الراسخون ومن أوتوا الحكمة ، مما يصلح الهيئة ~~الاجتماعية وتحسن به عاقبة الأمة وينتظم به شملها فيا للعجب من هؤلاء ~~يتدخلون فيما لا يعرفون له كنها (14) # ولا يستطيعون له تحملا، ويفتاتون على كل عمل بمجرد دعوى الزعامة ، ظانين ~~أنها مقدسة ولو بدون التأهيل والاستعداد عرفانا وأخلاقا ، ويتحكمون في ~~نوازل بأحكام # (1)أنواع (2) متحيرة (3) اشتبه عليها بحيث لا تهتدي إليه من شدة التحير ( ~~4) كبوة # (5) العلو أو الأعلى (6) الجلبة والصياح والأرجاء الناحية (7) كثرة ~~الأصوات # (8) طرائق جمع طريقة والقدد بالكسر القطع (9) الستر الصغار والحقارة # (10) ذبل البقل ذوى (11) وسطهم (12) يقطعون (13) النقض ضد الإبرام # (14) حقيقة PageV01P002 ما أنزل الله بها من سلطان فمتى وجهت إليهم أسهم ~~الانتقاد أو حلوا العتاب؛ ليستقيموا أو يبعدوا عن مضان الريب، وينقلعوا من ~~عوامل الفساد، قاموا وقعدوا وأغاروا (1) وأنجدوا، فتبا (2) لتلك النفوس ~~الضارة ، والأحلام الطائشة ، والأفكار التائهة منشأ الخلاف ومبعث النزاع ~~والتشاكس (3) وآلة انفصام(4) التضامن والتكافل وفك التحام القلوب بين ~~الأفراد والجموع . # يتذرع ( 5) هؤلاء باسم الدين والحق، إلى غايات شخصية وأمنية حقيرة بشره ~~(6) زائد ونهم جسيم واغراق(7) في المكر، يعبثون بالواجبات والأعراض وحرية ~~الأفراد والعائلات ، بدون شفقة ولا رحمة ، أضف إلى ذلك استمدادهم من السلطة ~~الاستبدادية ، هنالك لا ترى دينا ولا رحمة ،ولا رعاية حق ولا عاقبة ~~ولارضوخا (8)للموعظة الحسنة ولا تبكيتا (9) للنفس ولا خوف نكاية (10) العدو ~~ولا غيرها من المهلكات ، الأهواء (11) تتلاعب بها الأهواء ، وأدمغة دبت ~~(12) فيها خمرة الحمية ، ونفوسا لعبت بها نشوة (13) الانتقام، صفات تذكرنا ~~الدور الجاهلي وما كان عليه العرب وغيرهم من الأمم الهمجية ms002 ، صفات ~~لايشاهدها المرء في النفوس المتشبعة بالتعاليم الاسلامية ، من الأداب ~~الكاملة والوجدان الطاهر والتهذيب الديني والاعتصام بحبل الله المتين . # (1) الغور المكان المنخفض والنجد المرتفع (2) التب الهلاك (3) المشاجرة # (4) الانفصام الانفكاك في المعاني ومقابله الانقصام في المحسوسات . (5) يتوسل # (6) غلبة الحرص والنهم شدة شهوة الشيء وأصلهافي الطعام (7) المبالغ فيه # (8) السكون والخضوع (9) تقريعا (10) ايقاع (11) جمع هوى ، الاول المراد ~~به ميول النفس والثاني النفس # (12) مشت (13) السكر # إن نهضات الشعوب وحركات الأحزاب الصالحة مبنية على قوة الإرادة في ~~الأفراد، وصدق العزيمة التي لاتثنيها عقبات، ولا يفلها (1)حسام ،ولا تنصدع ~~بمعارضة الرجعيين ، فبمقدار ما تكون الإرادة فيهم من السمو والخير تكون ~~النتيجة وحسن المآل . PageV01P003 # ومن المعلوم أن أحزاب الإصلاح لا تسلم من المعارضين الذين يألفون الخمول ~~ويؤون إلى كهوف الانزواء (2) طلبا للسلامة في زعمهم واتقاء من الحوادث ، ~~فكيف بالذين يستهترون(3) ويلجون(4) أبوابا طلبا للرياسة أو التذاذا بالخلاف ~~، في حين أنهم لا يدركون من يقظةالأفكار ولامن انتباه النفوس الساميةشيئا ~~ما إلا الجريان على قاعدة (خالف تعرف )كي يصلوا إلى بعض ما سولت لهم أنفسهم ~~من الظهور الفارغ. # ولقد كنا طوينا كشحا وضربنا صفحا (5) عن هذا الموضوع ردحا (6) من الزمن ، ~~رغم ما نشاهده من استهتار الذين جبلت نفوسهم على حب الشقاق والعناد ورفع ~~لواء النفاق والفساد ، تنزها عن أن نتنازل إليهم ،وترفعا عن أن نكون في ~~مستواهم وتجافيا (7) لمكافحة من لا تأثير له بالحق ، إذ هي عناء . لذا قال ~~المتنبي : # ومن البلية عذل من لا يرعوي (8) # عن غيه وخطاب من لا يفهم # وددنا والله أن تطوى صحيفته طيا لا نشر بعده ، لكن أبى أولئك الأشقياء ~~الا أن يلجوا في طغيانهم يعمهون(9) وحسبوا إعراضنا ضعفا ووهنا ، ولم يزالوا ~~منهمكين # (1)الفل الثلم (2) الاستتار (3) يتبعون هواهم فلا يبالون بما يفعلون ~~(4)الولوج الدخول # (5) كناية عن الإعراض وصفح ترك التثريب (6) سعة (7) إعراضا (8) يرجع ، ~~والغي الباطل # (9) عمه تردد في الأمر وتحير ، والطغيان تجاوز الحد ، ولج تمادى على العناد # في مقاومة الحق ومناوأة النهضة العلمية ، والطعن في الأعراض ، واختلاق ما ~~عساهم أن يلصقوه بأولئك الذين أخلصوا ms003 دينهم لله ، وعملوا بالواجب الذي ~~ينشده كل غيور ، ويسعى إليه كل حصيف، (1)ولابدع إن بادرنا إلى حماية الحق ~~وصون العرض من إفك الخراصين (2) ودفع شكوك ربما تحوم حول القاصرين # ولاخير في حلم إذا لم يكن له بوادرتحمي صفوه أن يكدرا # أصيب وطننا منذ أمد ببعض الحائرين ، يجرون إليه الخزي. PageV01P004 # وكم نزلت به من النكبات ، وتحمل من ويلات تنوء (3) بها الراسيات وكثيرا ~~ما رزح تحت كلكل (4) الاضطهاد والاعتساف . # وطن لم يزل ينكب بما جره فسدة أبنائه الخائنين العاقين المسلوبي الإيمان ~~ولسان حاله يقول : # وردت علي وقائع وشدائد وردت على الأيام صرن ليالي # هكذا تشقى أوطان بأبناء جهلة نحس مستمر، وتسعد بأبناء بررة عارفين كيف ~~كيف تجلب السعادة إليها . ولقد صدق والله القائل: # أنى اطلعت على البلاد وجدتها # تشقى كما تشقى الرجال وتسعد # قاتل الله الجمود والغباوة ، يذران نفوسا أعضاء مشلولة(5) في الهيئة ~~الاجتماعية # تصدى أشخاص منذ أن قامت فئة لخدمة العلم والدين والأخذ بيد الشبيبة ~~الناهضة لمقاومتها بالطعن وإيجاد العقبات والصد عن سبيل العلوم ، تارة ~~بالسعاية وحينا بالشتائم على صحف لاخلاق ولاذمة لذويها وطورا بالتغرير ~~والمكر . # تولى كبرهم شخص حلقات عمره ضروب من الفتن والأهواء . # (1) العاقل السديد الرأي (2) الكاذبون (3) تثقل وتميل ، ورزح سقط إعياء ~~وهزالا (4) الصدر # والاضطهاد القهر ، والاعتساف الظلم والجور (5) يبست وفقدت قوتها # كتب رسالة فوزعت بين الناس مجانا ، حشر فيها هجر القول وأباطيل وأدلة ~~محمولة على ما لم ياذن به الله،وأحكاما لم ينزل بها سلطانا ، مزج فيها بين ~~الغث(1) والسمين والرث (2) بالقشيب (3)والصفو بالكدر والغرر(4) بالغرر # (كمحتطب في اليل مهما يجد يضم) # إنا لنربأ بأنفسنا - لولا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أن ننفق ~~جزءا من حياتنا في جانب هؤلاء الذين خذلهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم ، ~~ولعمرو الحق إن نسبة تلك الرسالة إلى من له ذرة من الإيمان أو مسكة من ~~العقل عار وخزي،لولا الواجب لقلنا (سلام عليكم لانبتغي الجاهلين) ولقلنا ما ~~قاله المعري : # ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا # تجاهلت حتى ظن أني جاهل # وإنا لخصنا ذلك الإملاء في ms004 عشرة فصول هي محوره ومدار هوج(5) المملي ~~المغرور PageV01P005 أولا:الشباب المتعلم في معزل عن تعلم دينهم. # ثانيا: ذم العلوم الفلسفية مطلقا ، وذم العلوم العصرية. # ثالثا: ذم الأسلوب العصري في التعليم . # رابعا : ذم الفصاحة والبلاغة . # خامسا :مدح الخمول والذل والاستكانة . # سادسا : زعمه أنه سالك في تعليمه الأسلوب النبوي . # سابعا : الحكم على رجال النهضة بالضلال # ثامنا : دعوى الإعراض عن السلف الصالح وذم مسالكهم وجحود فضائلهم # (1) الهزال (2) الخلق (3) الجديد (4) الهلاك والغش والغرر جمع غرة مستعار ~~للشيء المستحسن # (5) الطيش والتسرع . # تاسعا: زعم تحليل بعض صور الربا والبيوع المنفسخة. # عاشرا:اتهام الرجال العاملين بالغاية الشخصية المادية . # ثم دعم أباطيله بدعاوى فارغة ليست في شيء من الصواب ، كما تراه إن شاء ~~الله ونبينه بالحجج القاطعة والبراهين الساطعة (1) ، زيادة على ما هو واضح ~~السقوط بطبيعته عند كل حاذق من مزاعمه ومقاصده الذاتية التي لم تعزب عن ~~البله فضلا عن النبلاء النبهاء # إذا جاء موسى وألقى العصى فقد بطل السحر والساحر) # فها نحن شارعون بحول الله وقوته في كشف ذلك الضباب بشمس الحق وغسل هاتيك ~~الأدران(2) بوابل الصواب ، مراعين آداب التأليف مجتنبين البذاءة (3) ،التي ~~جاء بها ،مقتصرين على الدليل والبرهان ، تاركين تيار الإحساس جانبا حتى ~~لايكون عملنا شخصيا # (وإني لتنهاني خلائق أربع عن الفحش (4) فيها للكريم روادع ) # (حياء وإسلام وشيب وعفة وما المرء إلا ما حبته(5) الطبائع) # (1) مسلكنا في إيراد ما بناه إيراد آيات أو أحاديث أو ما قاله جهابذة ~~العلم أو ذكر نظريات مسلمة بدهيا ، بحيث يدرك المطلع لدى المقارنة مبدأه ~~كليا ، وتنكشف له مخباته التي أبداها في صورة حق ، لكن أراد به باطلا لا ~~الاعتناء بعبارة منحطة وتمطق مؤلم اللهم الا اضطرارا لدافع ، فتنبه . # (2) الأوساخ (3) السفه وفحش المنطق (4 ) مجاوزة الحد وسيء القول أو القبح ~~مطلقا (5) أعطته . # مقدمة PageV01P006 إن العاقل - متى تأمل في حالة العالم، وما ظهر من تقدم ~~الأمم وتنافسها في ميادين العلوم،ومناهج الحياة والعز والعظمة، واستثمار ~~خيرات الأرض والأخذ بنواصي الأمم البسيطة، وغير ذلك من كل وصف يدل على ~~التمكن والسلطان - أدرك مقار فوز العلم على ms005 الجهل وأنه هو أس السعادة ~~والفلاح، وتبين له اتساع دائرة العلوم والتطور العجيب في بني الإنسان منذ ~~أفاض الإسلام على البرية بنو العرفان وسعادة الإيمان. # كان جهابذة(1) الإسلام وفطاحله(2) عند سواده وانتشاره في أرجاء الأرض، ~~وفرار الشرك أمامه فرار الظلام عند انفلاق الصبح، مجتهدين في تدوين العلم ~~واستنباط الفنون ونشر العرفان بكل ما في وسعهم إلى أن أصبحت الأمة ~~الإسلامية زاهرة مغتبطة ، تعنو(3) لإرادتها الأمم الأخرى وتقتبس (4) من ~~أنوارها وتأنس لجوارها . ولم يأل (5) جهدا أولئك الفحول في تنقيح ما سبق ~~للأمم الغابرة (6) من العلوم حتى لا يكون للقصور لديهم مجال ،وأضافوا إلى ~~ما استخلصوه إلى ما بين أيديهم ، حرصا على أعداء الإسلام ودفعا لكل تفوق في ~~الأخصام . # (1) جمع جهبذ النقاد الخبير (2) جمع فطحل العظيم (3 ) تخضع (4) تستمد ~~علومها (5) يترك # (6) الماضية . # وسهروا على حياة الأمة العلمية والعملية كي لا تخضع للأعداء ولا تجنح إلى ~~الخنوع (1) - وهما ضروريان بحكم القسر على الجاهل ولدينا ما يقنع - فتصبح ~~ذليلة بعد العز صاغرة بعد العظمة كل هذا بعد ظهور الإسلام بمبعث سيد ~~العالمين،- عليه الصلاة والسلام- بالفتح ونشر الدين ومحو الوثنية وتطهير ~~البشر من عبودية الأوهام، وخضوعه لسلطان الجهل والاستبداد . PageV01P007 # وإذا قارنا بين هذا العصر والقرون الوسطى وما آل إليه كثير من الأمم من ~~الانحطاط والهمجية والسذاجة(2) والجهل العميق بينهما من حيث انتشار العلم ~~وظهور النبغاء وتأثير النبوغ (3) في البيئات(4) وإن الحياة بتعميم المعارف ~~بين الطبقات على اختلافها في الجنس والاستعداد .على أننا نشاهد اليوم شدة ~~الحاجة إلى الشيء التافه # ( 5)(كالإبرةمثلا) المجلوب من الخارج ، وما ذلك إلا لخلونا من المعارف ~~وإعراضنا عنها وجهلنا مقار منفعتها . ويعتقد البسيط الفكر أن الأجنبي أولى ~~بالحياة والابتكار والتنعم والنفوذ ، وإن ذلك مخصوص به اختصاصا أزليا ، ~~والواجب على المسلم أن يستسلم للحكم القسري والقضاء الإلآهي الذي لايعقب ، ~~وأنه في سجنه(6) - # (1) الخضوع * للأمة الإسلامية أطوار يمكن تلخيصها في ثلاثة : # 1- طور النشر للدين والفتح والاستمداد من أنوار النبؤة ، 2- التدوين ~~واستنباط الفنون وزهور مدينة الإسلام ، # 2- التدلي وظهور أعداء الإاسلام على أهله وليس هذا محل الأسباب ms006 . # (2) البساطة (3) الظهور واتساع المعلومات (4) الأوساط التي يعيش فيها ~~المرء (5) الحقير . # (6) يستدل كثير بقوله :-عليه الصلاة والسلام- ( الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر ) على بؤس ونكد حياة المؤمن، وبحبوحة نعيم الكافر جهلا بالحقيقة ، ~~والحديث الشريف معناه الدنيا كسجن المؤمن؛ لما يعتوره من مشاق ~~التكاليف،وكره نفسه على أدائها وقمعها عن الشهوات ، والكافر كأنه في جنته ~~لأنها مبلغ نعيمه ، ولا يناله ما ينال المسلم من تكليف العبادات والحبس عن ~~الشهوات ، والأدلة على ما ذكرنا لا تحصى . # جهلا منه بوجوب تعاطي الأسباب (1)-إلى غير ذلك من كل ما يصرف عن الواجب ~~الديني والحيوي، ظنا منه أن ذلك يخفف وطأة الشقاء ونكبة العناء ، وما درى ~~أن الشقاء بعينه والبلاء الماحق الذي أباد كثيرا من الأجيال . PageV01P008 # إعلم أن العاقل لا يغتر بما يكتبه المتعجرف(2) الذي لم يتجاوز فكره عتبتي ~~داره، ولم يعرف من مسالك الحياة ولوازمها - التي هي مزرعة الآخرة - إلا ما ~~يعرفه الداجن (3)الذي يغدو إلى الكلأ(4)أويروح إلى مربضه(5)، ولقد ران على ~~قلبه سوء كسبه، فكان عليه غشاوة وسجافا (6)؛ فنبا(7) عن أن يكون مهبط ~~الحكمة وينبوع الهداية ومقر التوفيق ؛ لذلك طفق يهذي هذيان المحموم ويقبل ~~ويدبر كالهائم المكلوم(8) . يصور من الخيال ما عن(9) له، ويفرض من اللوازم ~~ما هو وفق أهوائه فيجعلها مناط (10)أحكامه شأن الذين زين لهم الشيطان ~~أعمالهم ، فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. # جهل القاعدة الكلية ( الحكم فرع التصور ) فحكم على الفنون الحيوية ~~بالفساد ولم يتصور منها شيئا ولا عرف لها نتيجة . # وثب إلى حكم الترجيح اغترارا وجهلا بالمآل فانكب ذلك بأن طعن في العلوم ~~الكونية التي ورد القرآن الحكيم بها والحث عليها، إذ هي من الوسائل العظيمة ~~إلى تقوية اليقين برسوخ الإيمان والاهتداء إلى منافع خلقها الله لنا وجعلها ~~آيات تدل على كمال قدرته الباهرة وحكمته العجيبة الزاهرة . # وإليك المسلك الذي توخاه الناهضون في تثقيف الشبيبة، (11) ونبذامن فوائد ~~تلك العلوم الجليلة ،وبيان مرتبتها من بين العلوم حتى يتضح السبيل أمام ~~السالك البصير . # (1)ومن الأدلة قوله تعالى:( ابتغوا من فضل الله - فامشوا في مناكبها ms007 ~~وكلوا من رزقه ) وقوله ع م ( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لاخرتك كأنك ~~تموت غدا وقوله ( تغدوا وتروح ) الحديث . # (2) العجرفة خرق في العمل وإقدام في هوج . (3) الحيوان الذي يألف البيوت ~~. (4) المرعى (5) مأوى الغنم ، وران غلب . # (6) سترا (7) بعد (8) المجروح (9) عرض (10) متعلق (11) جمع شاب ~~PageV01P009 إن المسلك الذي انتهجه المخلصون في تربية الشباب العلمي ،هو ~~تنمية الشعور الديني وتقويته ، وإيجاد الملكات(1) الإسلامية والبواعث على ~~التمسك بالدين، بالوجوه المقنعة والبيانات المؤثرة، وإظهار أسراره ومزاياه ~~وبيان أن لاحياة للمسلم إلا بدينه ولا سعادة إلا بالتمسك بأهداب تربيته ~~الفاضلة، والتحلي بأخلاقه الطاهرة التي بها يكون المرء فائزا في الحال ~~والمآل ، كالصدق والإخلاص والأمانة والوفاء والعفة والغير،ة وأضرابها من ~~الصفات الحميدة التي جاءت بها الشريعة الطاهرة المطهرة، واشتهر بها الأسلاف ~~الصالحون رضوان الله عليهم . # هذا المسلك الإجمالي الواجب سلوكه والذي نحن دائبون(2) فيه لإيجاد رجال ~~الحياة والعمل في المستقبل، ولم يتعام عن الحق المعرضون وأنكر النور ~~العامون . وإنكارهم لهذه الحقائق الناصعة(3)، وتصويرها بصورة شائنة(4) ليس ~~بعجيب ممن خذلهم الله ولا بحادث ، بل هؤلاء في كل عصر ، ومني بهم كل حزب . # وكيف لا ندأب على ما ذكرناه ونحن نعلم علم اليقين أن الأمة الإسلامية ما ~~بلغت إلى أن صارت فاقدة لعزها العريق ومجدها الباذخ(5) ونعمة الاسلام إلا ~~بترك ذلك السبيل السوي، والانسلاخ من الصبغة(6) الإلهية واجتراح الموبقات ~~التي جاءت الحنيفية السمحاء لتطهير البشر منها . # وإذا كان المسلم جاهلا بدينه فكيف يتسنىله الامتثال لأوامر الله واجتناب ~~نواهيه، اللذين لا يكون المرء مسلما بمعنى الكلمة إلا بهما ؟ وبذلك تطلب ~~السعادة الأبدية في الحياة السرمدية في الروح(7) والريحان ورضوان الله ~~الأكبر . # (1) جمع ملكة وهي الكيفية الراسخة في النفس بالتكرر . (2) سائرون (3) ~~الواضحة (4) معيبة (5) العالي . # (6) الصبغة الملة والدين والفطرة (7) الرحمة والريحان النعيم . PageV01P010 # ألق بنظرة إلى العالم تبصر مباراة(1) الشعوب لبعضها بعضا، كل في إحياء ~~شعائره وتأريخه وتقوية مركزه بين الأمم، دينيا وسياسيا وماديا وأدبيا . كل ~~منهم يرى سعادته وحياته في حرس مباديه ، وشقاوته ومحوه من صحيفة الوجود في ~~إهمالها .أفلا يكون لنا ms008 في ذلك أعظم عبرة؟ أم يتأتى لشعب إحراز مركزه ~~بالسذاجة والجهل لا بالقوة الموزعة بين الأفراد، كل منهم على حسب استعداده ~~الفطري ؟ اللهم إنا نريد بأنفسنا خيرا وغيرنا يريد بنا سوءا فمدنا بعنايتك . # نريد المحافظة على مبادئنا(2) وإحياء ما اندرس منها ، وعليها نحيا ونموت ~~، تلك المبادئ الصادقة التي استمات في سبيلها رجال جهابذة وأعلام كرام ، ~~وأيم الله حياتها بفنون العلم والاجتهاد لا بالبله(3) والاستكانه ، بالعمل ~~والعزيمة الثابته لا بالأماني والعزيمة الخائرة (4)، بالصدق والإيمان لا ~~بالخيانه والنفاق . (قال ): - صلى الله عليه وسلم - (تحروا(5) الصدق وإن ~~رأيتم فيه الهلكة ) # نريد مجاراة(6) العاملين الذين هم أكبر مثال محسوس في الشعوب ، لا ~~الاندماج(7) في غيرنا أو التفصي(8) من المباديء الصحيحة الممتزجة بدمائنا . ~~ومن الغلط الفادح (9)بل من من الموت الزؤام(10) . أن يرى البصير عناصر ~~تجاوره تعمل بجد ونشاط وعزم وهو صامت لا يبدي حراصا. # كفى ما مضى من الإغفال والإهمال يا قوم وحسبنا ما حل من نكبات الجهل ~~وانتبهوا من ذلك السكر المديد، لقد ضل من انخدع لمغالطة الجامدين وهلك من ~~خشع لوساوس اليائسين ، وقد أمرنا الله تعالى أن نكون مع الصادقين في ~~الأقوال والأفعال في قوله سبحانه( يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين) # (1)معارضة (2) تطلق المبادئ على ما يمتاز به شعب كالدين واللغة والتاريخ ~~وعلى ما به حياته . (3) الغفلة (4) الضعيفة . # (5) اقصدوا (6) الجري معهن أي فيما هو خير (7) الدخول (8) التخلص (9) ~~الثقيل (10) الكريه. PageV01P011 # فلا تغرنكم كلمات يكتبها من لازلتم تشاهدون منهم أعمال الجناية والنكاية ~~بقومهم ، وكيف ما كانت في نظركم حقا فقد أريد به باطل ، ولئن انخدعنا مرة ~~فلا ننخدع أخرى (المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين) # إن التلاميذ ليسوا في معزل عن تعليم ما يلزمهم من علمي التوحيد والشريعة ~~كما يدعي المعارضون ، وهم يعلمون أنهم لكاذبون ، بل يأخذون من هذه الواجبات ~~ما يترتب عليهم كأن يأخذوا دروسا في علم التوحيد، ودروسا في الفقه(1) في كل ~~أسبوع، مع اليقظة التامة في مراقبة البالغ منهم عند التباسه بأداء الواجبات ~~وإقناعهم بأنهم خلقوا للعمل ms009 العائد عليهم بالفلاح العاجل والآجل ألا وهو ~~تمسكهم بالدين الحنيف بمعنى الكلمة قولا وفعلا، بطريقة لا يحلم بها ~~الأجلاف، سهلة التناول واضحة البيان، يفهمون بها ما هي شريعة الله؟ ويدركون ~~ما هي العبادة؟ زيادة على ما يلقى إليهم من تاريخ الإسلام وحياة الأئمة ، ~~وعبثا نحاول أن نبرهن على ما هو ساطع كالغزالة (2)رأد الضحى. # (1) يلقى لهم درس يوميا في الأيام الطوال إما في الفقه وإما في التوحيد ، ~~وإما في تاريخ الأئمة ( سلم العامة ) و( جامع أركان الاسلام ) و( نور ~~التوحيد ) وأمثالها . # (2) الشمس وقت الضحى # ( أيعمى العالمون عن الضياء ؟) # ومما أوضحناه تعلم أن المسلك الذي انتهجناه مع هذه النهضة المباركة في ~~تثقيف أذهان التلاميذ وتهذيب أخلاقهم هو الصراط السوي والمسلك الحميد ، كما ~~سلمه المعارض نقلا عن المجلة(1) ، وهو أرقى ما ينبغي أن يتبع حيث لم يفقد ~~فيه الطلبة ما يجب من وظائف الدين قولا وعملا واعتقادا، ولا ما تتحلى به ~~نفوسهم من التهذيب والأخلاق الفاضلة والشيم الجليلة والشهامة والإباء وعزة ~~النفس التي بها يترفع المرء عن الدناءة ومواقف التهم ،وما ينمي فيهم القوى ~~العقلية والشعور الديني . PageV01P012 # وظهر لما ذكرنا آثار اعترف بها أهل المعرفة ، ولئن امتعضت بها النفوس ~~الموبوءة التي تتضرر بالمحامد والصالحات، فذلك شاهد قاطع إذ لا تزداد ~~العيون الرمداء بالنور إلا عموشة ، وأكبر شهادة على فوزنا ما نقله عن مجلة ~~( نور الإسلام )، هذا المعارض جاءت منه عفوا تأييدا لنا رغم إرادته إذ ذاك ~~نفس ما نحن دائبون فيه ، إن لم نقل بعضه والحمد لله . # (1) أما التهوش ومحاولة التذرع إلى تفويض مشيد الحق، وما أبرمه ذوو ~~الإخلاص بانتحال عناويين واهية، ومزاعم باطلة واعتبارات ساقطة ودعوى صرف ~~الناشئة عن علوم الدين عملا واعتقادا إلى علوم الفلسفة التي لا وجود لها في ~~هذه الأقطار فضلا عن أن تزاول في المدارس الابتدائية فلا يستفز ذوي الألباب ~~ولا يخفى مغزاه عن ملتمسي الصواب، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ، (1)ومن ~~العجب التجاء هذا المخذول إلى الاستدلال بالمجلات ، وإدراج المقالات في ~~الصحف ، وهو بالأمس كان يحكم ms010 عليها بأنها من لهو الحديث ، وربما أفتى بحرمة ~~الاشتراك فيها أو الاشتغال بمطالعتها ، هي الأغراض تفعل في النفوس التائهة ~~ما تشاء ، نسأله العصمة من الخذلان والخطل . # ( وشر ما يكسب الإنسان ما يصم ) # ولعمر الحق إن هذا الشخص وأضرابه لا يفهمون للفلسفة معنى إذا كان هذا ~~مبلغ إدراكهم ونهاية تصورهم ، PageV01P013 على أن الفلسفة الصحيحة حرم منها ~~معاهد التعليم الإسلامي بهذه الأرجاء والحال أنها من أجل الفنون التي توصل ~~الإنسان إلى المدارك السامية والوقوف على الحقائق والأسرار الكونية ، إذ ~~أمرنا الله بتدبرها والبحث عن منافعها ، لأن الإنسان لا يتوصل إلى شيء من ~~ذلك بدون النظر الصحيح والبحث الصادق ، وإذا أمعن ذو الإدراك السامي النظر ~~في الكتاب العزيز ، وما احتوى عليه من علوم الأولين والآخرين ، وجد من ~~المعاني والآيات الجاذبة للفكر إلى اكتشاف غوامضها واستطلاع أسرارها ~~والاهتداء إلى حكمتها ما يجعله مندهشا، وقد امتلك الإعجاب حسه وأخذ ~~بتلابيبه من كل ما يبعث النفس إلى التنقيب على مكنوناتها وإبراز دررها ~~والاستضاءة بأنوارها التي لايزال العالم في سنائها مجدا . # الكلام على الفلسفة الحقة # لا نعني بالفلسفة ما هو عبارة عن سوء العقيدة في الدين ومحاربته والإلحاد ~~فيه- معاذ الله - كما يتوهمه الذين لا يفقهون، وإنما الفلسفة الصحيحة ~~المطلوبة هي المعرفة بقول بعضهم: ( هي عبارة عن البحث عن حقائق الأشياء على ~~ما هي عليه في نفس الأمر على قدر الاستطاعة البشرية ) وهي العلم النافع ~~المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عليها المشار إليه بقوله تعالى : { ~~يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب } ( البقرة /269) # وعلى هذا يكون موضوع الفلسفة، هو الأشياء الظاهرة للعيان أو التي يمكن ~~تصويرها في الأذهان، وتكون الغاية منها التشرف بالكمالات في العاجل، والفوز ~~بالسعادة في الآجل ، وعلى هذا الشكل تتفق مع الدين ولا تنافيه. PageV01P014 # والفلسفة والحكمة ماصدقهما واحد ،والحكمة في اللغة العلم مع العمل، وتطلق ~~على العدل ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده وأفعال الله كذلك لأنه ~~يتصرف بمقتضى الملك؛ فيفعل ما يشاء ms011 وافق غرض العبادة أم لا . وتطلق أيضا ~~على القرآن قال تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } ( ~~النحل / 125) # أي القران . وعلى النبوءة قال تعالى: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم ~~الله من فضله فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما } ( ~~النساء / 54) # وعلى الفهم والعلم،قال تعالى: ( ولقد آتينا لقمان الحكمة )، وفي عرف ~~العلماء هي استعمال النفس الإنسانية لاقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة ~~الحاثة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها . # نقول انتصارا للحق وإفادة لمريدي التحصيل:قد قسم العلماء الفلسفة إلى ~~أقسام ،منها ما يخص العبادات فسموه بالفلسفة الإلهية ، ومنها ما يخص إدارة ~~الأحكام فسموه بالفلسفة السياسية ، وما يخص الأعمال البشرية من صناعة ~~وزراعة وتجارة وما أشبهها فسموه بالفلسفة المدنيه ، وما يخص النفس من حيث ~~التهذيب فسموه بفلسفة الأخلاق ، PageV01P015 وقسمها الإمام الجيطالي (1) ~~-رضي الله عنه- في ( القناطر ) على طريقة من جعل المنطق من فنونها لا من ~~مباديها إلى أربعة أقسام أيضا حسب ما جرى عليه الأولون، وهي إما أن يكون ~~البحث عن الخطوط والسطوح والأشكال بأنواعها ،عمليا وتعليما فهو الهندسه، ~~وإما البحث عن وجه الدليل وشروطه ووجوه الحد وشروطه فهو المنطق ،قال- رحمه ~~الله- (وصناعة المنطق تعطى بالجملة القوانين التي من شأنها أن تقوم العقل، ~~وتسدد الإنسان نحو الصواب والحق في كل ما يمكن الغلط فيه من جميع المعقولات ~~وذلك إن في المعقولات أشياء لا يغلط العقل فيها أصلا، وهي التي يحتاج ~~الإنسان في إدراكها إلى تفكير وقياس واستدلال، وفي هذه يضطر الذي يلتمس ~~الوقوف على الحق اليقين في مطلوباته كلها إلى قوانين ( المنطق ) ا هت # أما البحث عن صفات الباري عز وعلا وكمالاته فهو الإلهيات وأما البحث عن ~~صفات الأجسام وخواصها، وتراكيبها وكيفية استحالتها وتغيرها وتحليلها فهو ~~علم الطبيعيات(2).اهت # (1)نسبة إلى جيطال قرية من قرى الجبل بطرابلس الغرب ، وهو المحقق الجليل ~~الآخذ من كل فن القدح المعلى، الفيلسوف الماهر صاحب التصانيف المفيدة ~~والتحقيقات المنيفة الدالة على براعته وتضلعه الشيخ اسماعيل بن موسى ~~الجيطالي رحمه الله . PageV01P016 # من تآليفه هذا الكتاب المشتمل على ثلاثة أجزاء ms012 الجامع لفلسفة الأخلاق ~~والفنون الشرعية بأسلوب فائق وترتيب رائق مع الاختصار غير المخل ، وهو من ~~أهم الكتب في تربية النفس وتحليتها بالكمالات الإنسانية وتطهيرها من ~~الرذائل وقبائح الأخلاق ، وله القواعد في التوحيد والفقه وشيء من الحقوق ، ~~وهو من أنفس الكتب المعتمدة عند أصحابنا ، وله ( كتاب الفرائض والحساب ~~والجبر ، وكتاب المناسك وغيرها ، وكان -رضي الله عنه- مشهورا بالفضل والورع ~~والتقى والجد والاجتهاد ، يتبين للمطلع من غضون عباراته مقدار نبوغه وغوصه ~~في علوم الآداب وعلوم الدين وتأثيرها الدال على إخلاصه ، وبالجملة كان من ~~رجال العلم والعمل الذين تجاب إليهم الأقطار وتشد إليهم الرحال ،توفي- رحمه ~~الله -في جزيرة جربة وروضته معروفه تزار وتلتمس فيها الإجابة . # (2) لو تاملت أيها القارئ الكريم كيف تنجز من هذا الفن الفوائد العظيمة ، ~~التي ارتقى بها فن الطب في هذه العصور وع فن الكيمياء الذي هو فن تحليل ~~الأجسام واستخراج منافعها ومعرفة مضارها حتى أصبحت طريقة مقاومة الأمراض - ~~إلا نادرا - من الميسور على البشر ، والطب من أهم العلوم وأقواها نفعا ~~تتبارى فيه الشعوب المتمدنة ، فكم رفع هذا الف العظيم عن النسان مضض الالام ~~ونكبات الأسقام فأصبح في نعمة الصحة يرفل في برد العافية، قائما بجميع ~~الواجبات الدينية والدنيوية ، بعد ما كان إذا أصيب بألم لازمه لفقدان علم ~~الطب ، وربما لاينفك عنه إلى أن يفارق الحياة ، ضحية الجهل . # وعلى هذه الطريقة تدريس فن الطبيعة في المدارس النظامية كما نبينه في ~~موضعه . وقسم العلامة نور الدين السالمي (1)- رحمه الله- في (شرح المشارق ) ~~الفنون باعتبار الأحكام الخمسة، فقال : فمنها مختلف في إباحته وعدمها . PageV01P017 # الاول: المنطق الفلسفي والصحيح الإباحة ولا حجة للمانع ، وما ذكروه من ~~التعليل في تحريمه من أن اليهود والنصارى يتعلمونه فليس بشيء نعم ويلزم ~~عليه تحريم النحو والصرف لأن أولئك يتعلمونهويلزمهم تحريم تعليم القران إذا ~~ثبت أن أولئك يتعلمونه ولا خفاء في بطلان هذا القيل وما ذكروه من التعليل ~~بالإشفاق على الضعيف بأن يضل بضلالات الفلاسفه ويعتقد اعتقادهم فهو تعليل ~~لا يوجب التحريم لذلك العلم لكن نفس الضلالة ونفس الاعتقاد هو المحرم ms013 لا العلم # فأنت ترى ما يقوله الائمة الأعلام حملة الشريعة في هذا الفن الجليل الذي ~~تبجح المغرور بذمه افتئاتا وغباوة اعتمادا على قول ابن السبكي إذ وافق هواه ~~وهو لا ينهض حجة. # (3) هو الجهبذ الهمام أعلم علماء جزيرة العرب بطل عمان نور الدين أبو ~~محمد عبدالله بن حميد السالمي العماني -رحمه الله -، أحد الأعلام الفخام ~~صاحب التآليف الجليلة والمتون المفيدة منها: متن المشارق وهو أهم المتون في ~~التوحيد كتب عليه شرحين طويل ومختصر الأول جمع شتات مسائل الأصول وحقق ~~مسائل الدين وعقيدة أهل الاستقامة، ببيان شاف كاف ، وحاشية جميلة على ~~الجامع الصحيح في الحديث ومدارج الكمال نظم مختصر الخصال وشرحه معارج ~~الآمال في ستة عشر جزءا على ما بلغني وأظنه لم يتم وطلعة الشمس ألفية في ~~أصول الفقه وشرحها شرحا عظيم الفائدة في جزئين من أهم ما كتب في الفن ~~وأجمعه وغيرها من المتون والمؤلفات كان أكبر ركن في استقلال عمان تحت أمام ~~النير الأجنبي توفي- رحمه الله- في ربيع الثاني سنة 1332ه بعد أن ترك له ~~ذكر رجال التاريخ العاطر ورجالا من أفذاذ العلم والسياسة . PageV01P018 # وكان من أساطين الفلاسفة المحقق المجتهد الإمام الكامل شمس الدين أبو ~~يعقوب الوارجلاني (1) -رضي الله عنه- ويشهد بذلك تآليفه مرج البحرين الجامع ~~بين المنطق الفلسفي وعلمي العدد والهندسه وهو من أهم الكتب الإسلامية ~~المترجمة الى اللغات الأجنبية على ما بلغنا لعظم فائدته عند الأمم الحية ~~ومهجور لدينا # ( PageV01P019 1) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني -رضي الله عنه- ~~أحد الائمة المجتهدين البارعين الذين جابوا الأقطار وسبروا أغوار الأمم ~~وبحثوا في حقائق كتاب الله وفسروه ، وتفسيره -رحمه الله -لم ينسج على ~~منواله ذلك العصر مع أنه عصر التدوين والنبوغ ، ذكر أنه في سبعين جزءا جمع ~~فيه من العلوم ما لم يذكره غيره ، غير أنه تلاشى في تلك الحروب الداخلية ~~التي منيت بها الأمة الأسلامية حينا من الدهر وفتوح المغرب وترجمة رجال ~~الإباضية ، ذكر لنا أحد الأساتذة أنه اطلع عليه في كلية بأوروبا وأظن ~~بألمانيا وكتاب الدليل في أصول الدين وغيرها من ms014 التآليف المنبئة عن مقدار ~~تضلعه في العلوم، وكان من كبار المنجمين ، قرأ بقرطبة ونبغ فيها في علوم ~~اللسان والحديث والتنجيم والتفسير والفلسفة وغيرها من العلوم وعاد إلى وطنه ~~وهو من العلماء العظماء والفلاسفة الأعلام الذين هم خصب القلوب ونور ~~العقول، وكان معدودا عند علماء أوروبا في تراجم الرجال الأفريقيين الذين ~~يشار إليهم بالبنان رحل إلى السودان إلى خط الاستواء لمشاهدة تلك الأمم ~~والاطلاع على أحواله واكتشاف ذلك الإقليم الغميض والبحث عن اعتدال الليل ~~والنهار، ولا جرم أنه العالم الوحيد الذي عنى بهذا الاكتشاف في القرن ~~السادس، مما يدلنا على علو كعبه وسعة عقله، واعتناء المسلمين بالاكتشاف في ~~القرون الأولى عكس ماما يتمشدق به الأوروبيون من اعتنائهم بالاكتشاف ~~واجتلاء الحقائق دون المسلمين وهم لم يعتنقوا بذلك إلا منذ أربعة قرون ~~تقريبا، ولم يكتشفوا الراب الذي يعرفه المسلمون ويقرؤونه في القرآن إلا في ~~القرن التاسع عشر ولم يكتشفوا منطقة خط الاستواء إلا حوالي القرن السابع ~~عشر وهكذا كان الفضل في إبانة الحقائق لعلماء المسلمين ، وكان- رحمه الله- ~~كيمياويا واغترف من سائر مناهل الفنون وفاز بالقسط الأوفر فحاز قصب السبق ~~بين أقرانه توفي -رضي الله عنه- وأسكنه بحبوحة الفردوس في أواسط القرن ~~السادس بمسقط PageV01P020 رأسه جزاه الله عن العلم والإسلام أحسن جزاء ~~ونفعنا بتآليفه . # بعد أن عني به المحققون منهم البدر الشماخي(1) -رحمه الله- وضياء الدين ~~عبد العزيز الثميني (2) شرحه شرحا وافيا كشف فيه عن غوامضه وأظهر سر ~~الفلسفة الصحيحة وسر العالم العلوي ونوه بفحول هذا الفن . وأيم الله إن هذا ~~الشرح من النفاسة بمكان إلا أنه لم يتمه -رحمه الله- . # (1) هو العلامة المحقق نادرة زمانة الغزير المادة بدر الدين الشيخ أحمد ~~بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي- رضي الله عنه- ، أحد المؤلفين في كثير من ~~الفنون والذين أبرزوا نتائج قرائحهم للقاصي والداني وكشفوا غوامض المشكلات ~~وأزاحوا الشبهات ، يعلم من طالع كتبه مقدار تضلعه وما أوتيه من الحكمة وسعة ~~المعلومات . PageV01P021 # من تآلايفه ( شرحه على مختصره للعدل والإنصاف ) في أصول الفقه وشرحه لمتن ~~العقيدة وهو شرح لطيف ولكنه غاية في النفاسة، ms015 وكتاب السير جمع فيه تراجم ~~الأئمة وتواريخهم وكثيرا من العلماء أضاؤا الشريعة بنور المعارف فكانوا خير ~~قادة ، من خصائصه في بابه أنه جمع كثيرا من فتاويهم واستنباطاتهم ومنه ~~يستفيد الإنسان سيرة الأصحاب المحكمة التي هي سيرة الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم- وسيرة الصحابة وخيار التابعين -رضي الله عنهم- والعائلة الشماخية من ~~أعرق العائلات حسبا ونسبا قد ذكر أن نسبهم يتصل بنبي الله هود -عليه ~~السلام- وهي معروفة بالعلم وعظماء الرجال ، منهم ذلك المجتهد الجليل صاحب ~~الكرامات الجلية الشيخ عامر أحد المدونين والجهبذ العلامة الشيخ سعيد بن ~~قاسم -رحمه الله- نزيل مصر ونائب الدولة التونسية إذ ذاك بالقاهرة ، كان من ~~الأكابر الجامعين بين الدين والدنيا والعلم والسياسة حتى كان الفيصل الوحيد ~~عند خديوي مصر توفيق باشا وأبا حسن معضلاته ومن أشد العظماء على عرابي باشا ~~في ترك الفتنة وتحذيره سوء مغبتها وله في تلك الظروف الحرجة موقف هابه به ~~الخاص والعام ، ومات ولم يعترف باستيلاء فرنسا على تونس ، ولا سلم لهم ~~بالنيابة وكان قوي النظر بعيد الغور شديد العارضة قوي الإرادة ولم تزل هذه ~~الفئة الجليلة تبدي لنا من خيرة الرجال وكرام الفحول بعد العائلة البارونية ~~الفخيمة ما ترك لها في القلوب المكان السامي وصارت محل احترام وإجلال في ~~الأصحاب إلا أن أهلها الآن تفرقوا وهجروا العلم إلى الاشتغال بالدنيا ~~وانقرض أولئك الذين أجلهم التاريخ وحفظ لهم الآثار الحميدة ولله عاقبة ~~الأمور أرسل الله فردا منهم يجدد شبابها . # ( PageV01P022 2) هو علامة المعقول والمنقول نابغة عصره المحقق ضياء ~~الدين الشيخ عبد العزيز ابن إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله الثميني بن ~~عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز بن موسى بن محمد بن عبد العزيز بن ~~يحيى بن موسى الحفصي نسبة الياجراني بلدة مات- رحمة الله عليه- وهو ابن نيف ~~وتسعين سنة ، يوم السبت عشية أول العشرة الوسطى من رجب عام 1223ه ، كان ~~رحمه الله من العظماء العاملين وقدوة السالكين ، له من التصانيف ( النيل ) ~~وهو أحسن متن دون في الفقه الإسلامي ومكارم الأخلاق ، و ( تعاظم الموجين ~~على ms016 مرج البحرين ) و ( معالم الدين ) في أصول الدين جمع فيه من اللباب ما ~~يغني ذوي الألباب و ( مختصر المنهاج ) أحد الكتب المعتمدة في الفقه ~~والتوحيد و ( الورد البسام في رياض الأحكام ) أحسن كتاب أخرج للناس في ~~أحكام القضاء والمعاملات، ومن سوء الحظ لم ينتبه أحد المترفين إلى إبرازه ~~في عالم المطبوعات مع ما إليه من الحاجة في أكثر الأحكام و ( عقد الجواهر ~~مختصر القناطر ) و ( المصباح ) مختصر أبي مسالة والألواح و ( مختصر حاشية ~~المسند ) ومختصر أصول الأرضين سماه ( تكملة النيل ) و ( كتاب حقوق الأزواج ~~) وهو أعظم كتاب جمع من النظام العائلي والحقوق الزوجية مالا يفتقر إلى ~~سواه و ( شرحا الرائية والنونية ) وغيرها وله -رحمه الله- حسن التعبير ~~وأرقى أسلوب التأليف حتى كان شيخه -رضي الله عنه- يكنى عنه بالعربي السليقة ~~، تولى الرئاسة العامة وسلك بالشعب سبيل السعادة وقام بالوعظ والإرشاد ~~وتطهير النفوس الجامحة من داء الجهل والفتن وضرب على كل يد عابثة بالهيئة ~~الاجتماعية إلى أن لزم ربعه العامر لما استولى عليه الهرم حتى أتاه اليقين ~~فانتقل إلى رضوان الله والأمة عنه راضية آسفة . # ولا غرو فقد أبان لنا هذا العلم الذي يهتدى به قيمة فن الفلسفة في كتابه ~~معالم الدين وفتح لنا المهيع (1) الذي لا يضل من سلكه ولا يغتاله(2) طمسل ~~ولا هيم (3) PageV01P023 قال المصنف والشارح: ( وفائدة تدوين المنطق وتعلمه ~~كما قال الحفيد التمييز بين الحق والباطل والصدق والكذب والخير والشر وهو ~~معنى قول المصنف إيضاح الحق بالقياس كما سيأتي المؤيد أي المقوى بالبرهان ~~الصحيح ليكون المرء على ثقة ويقين من نفسه لأنه يثلج الصدور وبصيرة من أمره ~~في علمه ويعقبه في حجته السرور ليهلك من هلك عن بينه ويحيى منحي عن بينه ~~إلى أن قال المصنف وبفائدة المنطق حاج الله المشركين في القرآن وقرعهم ~~ببراهينه) # وأورد الإمام رسائل أخوان الصفا ونوه بشأنها تنويها وهي أصول الفلسفة ~~وعمدتها وجمعت من الفنون التي ذمها المفتون ، أبعد هذا يقام لضوضاء (4) ~~الجهلاء وزن؟! ولولا خشية الإطاله لأوردنا لك ما يبهر العقول ، ولنكتف بمصة ~~من ms017 وشل (5) فإذا تأملت بعين بصيرتك - وقد اتخذت الإنصاف رائدك (6)ونبذت عنك ~~غلاف الجمود - في كل ما ألممنا به مما كتبه هؤلاء المتبحرون في علم الشريعة أدركت # سذاجة (7) فكرة ذلك المسكين وتهتره بدون روية (8) ولا بصيرة واندفاعه ~~بباعث الشهوات الخسيسة ما يجب عليه أن يندب (9) حظه ويبكي على نبوه (10) عن ~~مقعد أهل النبل (11) وتلكده (12) بذوي الحماقة والجهل # (1) الطريق الواضح الواسع (2) اغتاله قتله بغته ، والطمسل بضم الطاء ~~والسين اللص (3) التحير وشدة العطش # (4) كثرة الأصوات (5 ) قليل من كثير وقد يطلق الوشل على القليل وهو ضد ~~(6) رسولك والأصل رسول لطلب الكلا . # (7)البساطة (8) فكر (9) يندب يبكي والحظ النصيب (10) نبا السيف عن مكانه ~~أخطا المحز # (11) العقل والنجابة والذكاء والحذق (12) التزاقه ولزومه لهم PageV01P024 ~~ولأهل العصر توسع في معنى الفلسفة ولذا أطلقوها علىالنتائج الفكرية العلمية ~~وكل ما يعتمد على البحث الفكري فقالوا فلسفة الآداب وفلسفة العربية كما ~~يقال فقه المسئلة . وكانت في الأصل هي علم الحكمة والمنطق مفتاحها ودليل ~~الصواب ومقوم العقل ومسع دائرة الفكر وذلك متى كان ملكة للإنسان تترتب عليه ~~حركات فكره وهذا يحصل بكثرة التمرين والاستعمال وقد أطال ضياء الدين ~~الثميني في إطرائه (1) في الشرح نقلا عن شرح المطالع، قال بعد كلام طويل:( ~~أصبح العلماء الراسخون الذين تتلألأ (2) في ظلم الليالي أنوار قرائحهم ~~الوقادة ، واستنارت على صفحات الأيام آثار خواطرهم النقادة ، يحكمون بوجوب ~~معرفته، ويفرطون في إطرائه ومدحه ، حتى أن الشيخ أبا علي بن سينا إذا حاول ~~التنبيه على جلالة قواعده وفضلها قال: المنطق لكم العون على إدراك العلوم ~~كلها ، وأبا نصرالفارابي ذلك الفيلسوف الذي لم يظفر بمثله في تحقيق المعاني ~~وتشييد المباني ، وترقى أمره إلى حيث لقب بالمعلم الثاني ،رآه كالعقد ~~النفيس ، وإذا قاسه بالعلوم الأخرى أحله منها محل الرئيس .الخ # فارجع إلى الكتاب فإن فيه ما يثلج (3) الفؤاد ، ويميط (4) الأذى عن طريق المراد # وبهذا النزر(5) اليسير يظهر للبصير فائدة الفلسفة الحقة التي نأسف ~~لفقدانها من مدارسنا وفقدان أساطينها المنورة للفكر ، والكاشفة لحقائق ~~الموجودات وأحوالها بقدر الطاقة البشرية. # والعجب من الذين إذا سمعوا ms018 الأبحاث العقلية أو علومها امتعضت (6) نفوسهم ~~واقشعرت جلودهم وتقطبت(7)وجوههم وهم يشاهدون الكتب العالية الإسلامية ، # (1) مدحه (2) تشرق # (4) يطمنه ويسكنه (4) أزال والأذى الضرر . # (5)القليل . تأمل ما أوردناه في هذه الصفحة مع ما نقله المخذول عن ابن ~~السبكي تدرك الحق . # (6)غضب وشق عليه (7) زوى ما بين عينيه وكلح . PageV01P025 # كمعالم الدين لضياء الدين والمواقف للسيد وغيرها كثير مشحونة بها ، وبها ~~تدفع الشبه الزائغة ويقرر الحق بما لا مزيد عليه وتظهر القوة الفكرية ~~وأسرار النفوس الشريفة ونتائج القرائح . وهل المراد بقوله سبحانه وتعالى: { ~~إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } ( ~~آل عمران / 190)الآية وقوله ( ألم ينظروا في ملكوت السماوات والارض ) الآية ~~في كثير من أمثالها إلا جذب العقول إلى البحث فيها وتدبرها حتى تقف على ~~كمال قدرة الباري جل شأنه وآياته العجيبة وحكمته الباهرة فتعترف له ~~بالوحدانية وتخضع لعزته وجبروته وصمدانيته ؟ سبحانه من إله عجزت عن أن ~~تناله الأفهام ، وتاهت في جماله واتقان صنعه الأحلام ، لااله الا هو، له ~~الحمد في الأولى والآخرة ، وله الحكم وإليه ترجعون. # وعرف بعض الفلسفة بالتشبه بالخالق بحسب الطاقة البشرية لتحصيل السعادة ~~الأبدية واستدلوا لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( تخلقوا بأخلاق الله ~~) أي تشبهوا به في الإحاطة بالمعلومات والتجرد عن الجسمانيات ، وقد رأيت ما ~~ذكرناه لك وهو الحق الذي ما بعده إن شاء الله وتوسع المتأخرون في مباحث ~~كثير من فنون الفلسفة ولا سيما فن الطبيعيات فسموا بعضا منها بأسماء ~~مخصوصة. # كعلم الجيولوجيا(1) وعلم الفسيولوجيا(2) وعلم الهستولوجيا(3) وعلم ~~البكتريولوجيا(4) وغيرها كثير . # واعلم أن البحث في الطبيعيات يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه ~~الرئيسية والخادمة وأسباب استحالة مزاجه ، فكما ليس من شرط الدين إنكار علم ~~الطب فليس من شرطه إنكار ذلك العلم (5) # (1) طبقات الأرض (2) وظائف الأعضاء (3) التشريح الدقيق (4) المكروبات أو ~~الجراثيم # (5) بقي في حافظتي أنني رأيت للشافعي ما نصه : العلم على قسمين علم ~~الأبدان وعلم الأديان فعلم الأبدان مقدم على علم الأديان . PageV01P026 # وأما ما يزعمه أهل مذهب النشوء والارتقاء فكلام سخيف ساقط صار الآن بين ms019 ~~العقلاء ضحكة وهزءا ، وكذا القائلون بمذهب الاشتقاق . وليس كتابنا محل ~~البسط فكل هذه لا تحوم حول أهل القرآن إلا من أضله الله ( ومن يضلل الله ~~فلا هادي له )فالمسلم يعتقد اعتقادا جازما أن الطبيعة مسخرة لله، لا تعمل ~~بنفسها استقلالا، بل التأثير لمن فطرها ( والشمس والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) # وأنه سبحانه قدر نجاح المسببات بتعاطي الأسباب، فهذا هو السر في ازدياد ~~إيمان المؤمن ورسوخه لأنه كلما تجلت له لطيفة تيقن أنها من دقائق صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء سبحانه هو الواحد القهار. # ومن الناس من يبحث في عالم الطبيعيات، وعجائب الحيوانات والنباتات، ~~والخوض في علم التشريح فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما ~~اضطروا معه إلىالاعتراف بالقادر الحكيم المطلع على غايات الأمور. # وقد أعرب لي أحد أصدقائنا من العلماء الأجلاء بالقاهرة أنه ما عرف الله ~~من نفسه ورسخ إيمانه إلا عند بحثه في النبات وإدراكه عجائب ما أودع الله ~~فيه من بدائع حكمتة { وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون } ( ~~الذاريات /21،20) # الكلام في الفنون الحديثة (1) # لا خفاء في أن العلوم نوعان مقاصد ووسائل كما تنقسم إلى فرض عين وفرض ~~كفاية وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - :( طلب العلم فريضة على كل مسلم ~~ومسلمة ) شامل للفرضين والنوعين وأن أل في العلم للجنس كما أثبته المحققون ~~ولا وجه للتخصيص بعلوم الدين . PageV01P027 # ولا إخال أن مسلما على وجه البسيطة يستخف بفن من الفنون ، سواء أكان من ~~الفنون الدينية أم الحيوية بل ولو من المحرمة ، للقاعدة المقررة ( يعرف ~~السم ليتقى ) وقولهم ( كل علم رديء فالجهل أردأ منه )، وقد استخرج الآن ~~كثير من الفنون فخصت بتآليف على حدة، وأدخلت في الجامعات الكبرى في العالم ~~رسميا وما تجاسر فرد من العلماء على نكران شيء منها (مع حرية الانتقاد مع ~~ما في الأمة الإسلامية، بقية من أصحاب الجمود ينعقون ، ولا جرم أننا في زمن ~~شديد المحن كثير الفتن جلبت فيه أوروبا على الشرق بخيلها ورجلها ms020 وهم من كل ~~حدب ينسلون حيثما أهمل المسلمون موجبات الدنيا والسيادة وهجروا العلوم ~~وارتطموا في أمواج الفتن والتفريق واستفحل فيهم داء التخاذل والتدابر وعموا ~~عن قوله- عز شأنه-: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) وأقبل الناس على الدنيا ~~واغتر الغالب (إن لم نقل إلا النادر ) بزخاريف المدينة الغربية الخلابة، ~~وما دروا أن ما يبثه المستعمرون بين الشرقيين جراثيم وسموم يعاكسون بها ~~الدين الاسلامي دين الحياة والسعادة وزاعموا التمسك به جاثمون يعتذرون بما ~~لا يجديهم نفعا وهم يعلمون أن العلم هو الذي رفع أولئك والجهل حط هؤلاء . # (1) لا نسلم إطلاق الحديثة او العصرية على التاريخ والهندسة والطب ~~والجغرافية لما ستراه عن الإمام شمس الدين وهو من ائمة القرن السادس كما ~~تقدم في ترجمته . PageV01P028 # هلكت الأمة الإسلامية بترك سنة الله في الكون وإهمال البحث عن واجب ~~الحياة وموجب الفلاح ، وظن كثير ممن يعدون أنفسهم في زمرة العلماء أن ~~الجمود والخمول والاستسلام أمام الهاجم هو الحق فهلكوا وأهلكوا . حسبوا أن ~~مجرد الانتساب إلى العلم يستنزل الحقائق إلى أدمغتهم ، ويستحقون الإجلال - ~~الذي يتهافتون عليه تهافت الذباب على جرح الدابة - ويستوجبون التكريم وقبول ~~الحكم والترجيح . جهلوا أن الإيمان ليس بمجرد التحلي ولا الدين بالتمني، ~~وإنما هما ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال . # وما كل ذي تاج ولابس جبة على زي ذي علم لعلم بصاحب # وما كل سيف ذا الفقار مهندا وما كل رمح عاملا في الترائب # شقيت أمة ابتليت بهؤلاء ، وسعدت التي هبت إلى العلم والعمل للدين والدنيا ~~والبحث عن الحقائق والتمسك بالإسلام الذي اعترف بفضله محاربوه ، وجهله ~~المنتسبون إليه ( فالمباديء لا تعتز إلا بنصرائها ) وهم يدعون أنهم على ~~منهج السلف (معاذ الله) مؤسسي المجد الذي حفظه التاريخ وغفل عنه الجاهلون ~~بأسباب حياة الأمم ، ومما لا خلاف فيه بين العقلاء العارفين أن الدين هو ~~أساس السعادة وما يستوجب من العلوم لازمة قطعا سواء أعينية أم كفائية . وما ~~خالف هذائك الذين هبوا إلى تخليص وطنهم من مخالب ms021 الجهل وأخطار الجمود إذا ~~لا ريب في تعنت المعارضين ومصارعتهم للحق ( من صارع الحق صرع ) PageV01P029 ~~إليك ما أسلفنا الوعد به من إلمام بيسير من فوائد العلوم الكونية وغيرها من ~~علوم الحياة مما يزاوله الشباب في المدارس النظامية الإسلامية الحرة، مع ~~العلوم الدينية التي ما كان ينبغي للمرء أن يحيد عنها أو يكون خاليا مما لا ~~يسع جهله منها أو يرجو رضاء الله بدون التلبس بمضمونها: { قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف / 110) # وتعاريفها تزييفا للشكوك التي اعتورت الأفهام الضعيفة الأفكار القاصرة ~~فجنت على أهلها وعلى الدين بما هو براء منه { ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين } ( الحاقة / 45،44) # فن التاريخ (1) # التاريخ فن دونت فيه أخبار الأمم وحوادثها، وسير الملوك ومشاهير الرجال؛ ~~ليطلع العاقل من ذلك على أحوال من سبق من الأمم وأخلاقهم وعاداتهم ~~وسياستهم؛ فيعتبر بما كان لهذه من النتائج الحسنة والسيئة، سواء في ذلك ~~الإنسان في خاصة نفسه أو مع أبناء جنسه، والملك في رعيته والأمة في سائر ~~شؤونها ، ذكر الله تعالى في كتبه المقدسه كثيرا من قصص الأولين؛ ليعتبر ~~الناس ويتبصروا في سائر أحوالهم فيتبعوا السبيل المستقيم الذي في سلوكه ~~الفوز والسعادة . # فالتاريخ علم نافع لا يجهل قدره إلا جامد لا يعرف من أين يستفيد وينمي ~~عقله ويوسع مجال نظره ، ولا كيف يصل إلى الحقائق ولا يخطئ في إصابة المرمى ~~ولا يغتر بظواهر ، ولا كيف يجد السبيل إلى معرفة المستقبل المجهول ويملأ ~~نفسه عظة واعتبارا ويعمر قلبه بالوجدان الشريف . PageV01P030 # أي نعم لا يجهل قدره إلا من يجهل ذلك؛ لأن تلك هي بعض فوائده وثمراته ~~وكيف لا ومن المعلوم أن أكثر ما يفيد كمال العقل التجارب . والتاريخ هو ~~العلم الذي يعطيك من التجارب كما يكون لمن عاش منذ بدء الدنيا، إلى اليوم ~~الذي أنت فيه . يمر بك على الأمم كأنك معهم، ويأخذ بيدك إلى الممالك، ~~حاضرها وباديها حتى كأنك ms022 فيها ويشهدك الحوادث والمناظرة الغابرة التي حصلت ~~في أكثر من ستة آلاف سنة ، ويطلعك على ما لو كنت في زمنه ما استطعت الوصول ~~إليه من دقائق السياسة وما كان يجري في قصور الملوك، ويعطيك علم التاريخ ~~هذا وأكثر منه في أقل جزء من الزمن فيه كل ذلك ، للتاريخ فائدة هائلة لا ~~يعرفها إلا من قرأ التاريخ أو رأى أعمال وأفكار من قرأه - يرقى الفكر إلى ~~درجة عظيمة ، ويؤثر في الأخلاق تأثيرا لا يمكن أن يصل إليه الإنسان بدونه ، ~~ويرقى العقل أكثر مما يتصور - وأقطع شاهد قوله تعالى : ( أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) وشيء يحضر بين يديك ~~العصور الخالية، والأمم البائدة والممالك السحيقة بأعمالها وعاداتها ~~وأخلاقها ومدنيتها وحسناتها وسيئاتها، ويمثل الحوادث بين يديك كلها لتأخذ ~~منها خلاصة المستحسنات وتبتعد عما عداها، لجدير أن تكون له أعظم فائدة، ~~حسبك في هذا كتاب الله الذي أتى على شيء كثير من تواريخ الأمم وحث على ~~التأمل في أحوال الأمم البائدة منها لغرض الاعتبار والموعظة(1) . # ( PageV01P031 1) فن التاريخ قسمان أثري وهو ما يستمد من استكشافات ~~الباحثين عن آثار الأمم وهو الأصح لأن ما يوجد من ذلك أعظم شاهد محسوس، به ~~تعرف حالة تلك الأمم ومبلغها من العلم والحضارة، والبأس الخ وروائي ولا ~~يخلو من الحشو والخرافات التي لاوجود لها ، ومن هذا كثير في كتب التاريخ ~~الإسلامي استنادا على الظنيات ، أو موافقة الهوى ، أو ثقة بالراوي مع إهمال ~~التحقيق ، ومنه أكثر ما يرويه غيرنا في الأصحاب تعصبا أو طاعة للهوى أو ~~جهلا بالحقيقة التي لو بحثوا عنها بإنصاف وتجرد لشاهدوا روح الإسلام وسيرة ~~أفضل الأنام وأنى يدرك الواقع من اقتنع بما بين يديه سواء أكان حقا أم ~~باطلا ، ومن ذلك ما يعتمده كثير من المفسرين وغيرهم من المؤلفين من ~~الإسرائيليات فصارت ملجأ للجامدين لا يقيهم حرا ولا قرا . # إن التاريخ اتخذه كثير ممن يدعي العلم مع عظم فائدته مهزءا ولعبة ~~ياللاسف،وبلغ بهم التهاون به إلى حد تزهيد الناس فيه ms023 وهم لايعلمون من تاريخ ~~الإسلام شيئا فكيف بتاريخ المذهب وتاريخ الوطن والأئمة وعظماء الدين ، ~~والحال إن حياة الأمة واتصال حاضرها بماضيها متوقف عليه،والوقوف على أحوال ~~الأمة الاسلامية وأطوارها التي تقلبت فيها وكيف تشتت وتمزقت وتجزات إلى فرق ~~منها الضال والمحق ، كل ذلك لايقف عليه إلا من عرف التاريخ . وكفاه شرفا ما ~~تضمن القران الكريم منه ولوله ما كنا أنعرف مثال قوم نوح وقوم لوط وغيرهم ~~من الأقوام ولا نعرف أعمالهم الخبيثة التي اجترحوها فاستحقوا بها عذاب الله ~~الاليم ، قال بعض الأدباء درس حياة الأجداد يربي أخلاق الأحفاد يصيبون فيها ~~حكمة بالغة وموعظة حسنة والتاريخ يلقن الفكر الجديد وينير الطريف بالتليد . # بمطالعة التاريخ يعرف الإنسان كيف تسعد الأمم ويسطع نورها في أفق الظهور ~~وكيف تشقى وينكسف ضياؤها ويأفل نجمها فتمسي في الغابرين PageV01P032 يصير ~~باقعة كأنه جاب الأقطار وسبر الأمم ؛ فحصلت له ملكة التجارب صاحب علم ~~ودهاء، كأنه نقب في البلاد ولم تخف عنه أحوال الشعوب غابرهاوحاضرها . # (1) خلاصة تاريخ مصر والعلم والعلماء مع بعض تصرف . # فن الجغرافيا # الجغرافية علم وصف الأرض من حيث هيئتها الطبيعية والاقتصادية والسياسية ~~به تعلم ما احتوت عليه الأرض من الأمم والأجيال، والمدن والجبال والبحار ~~والنباتات والبراكين وأنواع الحيوانات التي سخرها الله للإنسان، زينة ونعمة ~~ودفأ (والأرض وضعها للأصنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف ~~والريحان ) آلاء عظيمة خلقها عز شأنه لبني آدم ودلالة على وجوده وكماله ~~وعزته وجلاله . # علم يمكنك من معرفة بقاع الأرض وجهاتها والأوقات وأقسام الإسلام من غيرها ~~ومقار الأمم والأجيال السالفة، حتى إذا وقفت على شيء منها في الكتاب العزيز ~~فإنك تكون على بصيرة منه، ولا سيما في هذه الظروف التي أصبح البشر فيها ~~مرتبطا ببعضه ، الأفريقي مرتبط بالأوروبي والعكس وهكذا، يحتاج كل إلى نتائج ~~الآخر ويستمد كل من الآخر بمواد قطره ، ومن القبيح أن يتعاطى الإنسان ~~التفسير ولا يعرف من هذه الفنون التي أودعها الله في كتابه شيئا. # 1. الجرافيه دليل السياحة السياحة رأس النجاح وأس الفضائل وكم مرة حث ~~القران عليها ms024 { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } (الحج / 46) # الآية { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة إن الله على كل شيء قدير } ( العنكبوت / 20) وأمثالهما من الآيات ~~الواردة بصيغة التوبيخ والإنكار ، لكنا نحن ما أجهلنا بحاضرنا وبادينا وما ~~أشد تقصيرنا في أداء الواجب PageV01P033 لم لا نعلم الجرافية ونسير في ~~الأرض ونسافر في طلب المعالي ؟ لم لا نتبع سبيل الأسلاف الذين كانوا ~~يسافرون الشهور لمسئلة واحدة من العلم ؟ ،لم لا نعرف هذا الفن فنعلم مواقع ~~البلاد ونتائجها؟ ونعلم كيف نستوردها لتحصيل الثروة كالأجانب؟ # أليس من العار أن لا نعلم موقع عمان مثلا،أو الزنجبار أو الآستانهة أو ~~غيرها من المواقع الهامة ونرحل إليها ونجتمع بإخواننا أينما حلوا ،ونزيل ~~سوء التفاهم بين المسلمين حتى يلتئم شعث الإسلام ويرأب صدعه (1) . # أصبح هذا الفن يعرفه صغار التلاميذ، من الأجانب والعالم الإسلامي الضليع ~~لا يعرف منه شيئا،أليس من العار المبين أن يسود الإسلام في الصين حتى يبلغ ~~سبعين مليونا ولا نعرف عن أحواله شيئا؟ # ولنورد لك ما كتبه شمس الدين أبو يعقوب من رسائل إخوان الصفا؛ لتزداد ~~يقينا بما عليه الجامدون، من الإجرام والغباوة وتسفيه الحق حتى لايلتبس ~~عليك أمرهم فتكون من الهالكين ، قال رحمه الله : # (الرسالة الخامسة ) في جغرافية الأرض يعني صورة الأرض والأقاليم وبيان ( ~~بأن الأرض كروية الشكل )، بجميع ما عليها من الجبال والبحار والبراري ~~والأنهار والمدن والقرى،وكيفية تخطيطها ومسالكها وممالكها ، والغرض منه هو ~~علة ورود النفس # (1) الشعث التفرق ، ويرأب يصلح ، والصدع الشق . # إلى هذا العالم والحض على التفكير في هذه الآيات اللاتي في الآفاق لأنفس ~~الغفلين عنها حتى يتبين لهم الحق، فيستعدون للرحيل والتزود إلى دار الآخرة ~~قبل الممات وفناء العمر وتقارب الأجل وقبل الفوت والندامة(1) . PageV01P034 # الجغرافية هو العلم اللازم لمن يغار على دينه ويهمه انتشاره في بقاع ~~الأرض ؛ ليعرف ما يمكن نشره فيها وما لا يمكن، كما يعرف القسس أن أواسط ms025 ~~أفريقية مثلا وإن صعبت مسالكها كما هو مبين في هذا الفن لكن من السهل نشر ~~المسيحية فيها؛ لأن أهلها متوحشون على غير دين، أو على دين الوثنية والأكثر ~~تابع لحكومات أجنبية فيأتون أفريقيه ويتجولون وهم كأهلها في العلم بها ~~وبطبائعها، قد لا يحتاجون إلى دليل ولا يمكن أن يغرر بهم أحد ، ولكن من أين ~~يكون لنا هذا؟ ونحن لا نعرف بلاد المسلمين فضلا عن غيرها (2). # وترى كثيرا من أهل العلم لا يعرفون الحجاز، الذي فيه مكان النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- أشرف البقاع، وفيه قبلة أربعمائة مليون وهو مهبط الوحي ~~ومبعث الرسالة وينبوع نور الإيمان وشعاع الحرية للعالمين،ومحل أداء ركن من ~~أركان الدين الذي يشير إلى وجوب جمع كلمة المسلمين على أختلافهم، والتفافهم ~~حول راية الإسلام المرفرفة عليهم، من حدود بكين إلى شاطئ الأطلسي ورأس ~~الرجاء الصالح . # لا يعرفون هذا المكان المعظم بوجه علمي، اللهم إلا بتصور كما يتصورون ~~أنياب الأغوال عند ذكر بيت امرئ القيس : # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال # وهل بلغهم ما تحمله أفراد من الأوروبيين في اكتشاف جزيرة العرب؟ وما ~~ارتكبوه من الحيل حتى أشرفوا على جميع أرجائها ووقفوا معهم على جبل عرفات # (1) الدليل (2) العلم والعلماء ، أول سفر في التعاليم الإسلامية . # وأتوا جميع المناسك ثم رجعوا باكتشافهم إلى أممهم مملوئي الوطاب . PageV01P035 # نبغ في الأوروبيين من لا يحصون في اكتشاف أحوال القارات والأمم وينابيع ~~الثروة في الأرجاء،واطلعوا على خفايا البلاد الإسلامية وما تكنه من الكنوز ~~بعد أن كانوا في ظلمات الجهل منغمسين وفي الهمجية متقلبين ، والإسلام في ~~زهره وخفوق رايات عزه في أنحاء المعمورة { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك ~~من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك ~~على كل شيء قدير } ( آل عمران / 26)كل ذلك بهذا الفن الذي طالما هزأ به ~~الجامدون ، ولا يأتمون موطنا إلا بعد أن يكونوا على خبرة تامة منه من حيث ~~حدوده وعوارضه الطقسية وموارده وأحوال ساكنيه . # استشكل بعض العلماء كروية الأجرام الفلكية قائلا: لعل ms026 هذه الأجسام مسطحة ~~مبسوطة كذلك ويؤيده قوله تعالى: (وهو الذي مد الأرض) قالوا في تفسيرها: ~~بسطها طولا وعرضا (فأجاب ) بعضهم : كون هذه الأجرام كروية الأشكال مما شهد ~~به الحس والأرصاد، ودل عليه الأمارات والعلامات من غير إخلال بما ثبت من ~~القواعد الشرعيةوالعقائد الدينية،كيف وبعض المسائل الشرعية ينبني عليها ~~كتعدد المشارق والمغارب،واختلاف المطالع وسمت القبلة وأوقات الصلاة وانتفاء ~~وقت العشاء في بعض المواضع وغير ذلك . # وأما قوله تعالى: ( وهو الذي مد الأرض )،فقد قال الإمام الرازي في تفسيره ~~:(ثبت بالدليل أن الأرض كرة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى):مد الأرض) لأن جميع ~~الأرض جسم عظيم والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها يشاهد ~~كالسطح).اه PageV01P036 لهذا الفن ارتبط بفن التاريخ،وهو عمدة فيه،ولا ~~يتسنى لكاتب أو متكلم فيه أن يكتب أو يتكلم ما لم يكن له علم الجغرافيا ، ~~به يأمن الخطأ في الكلام على البلاد والأمم وما بين بعضها والبعض من ~~الروابط ، ولا بد له أن يعرف أقسام الأرض وما عليها من الأمم والممالك ~~وأحوالها، ونسبة بعضها إلى بعض كما أن المشتغل بعلم أقسام الأرض وتقويم ~~البلدان لا بد أن يكون عارفا بالتاريخ حتى يستقيم له وصف أقسامها وأقاليمها ~~وصفا صحيحا وإلا كانت أعماله سدى وكلامه لغوا (1) . # فن الهندسة # هو علم تعرف به المقادير والأبعاد والأنواع وخواصها،مباديه واجبه لتقوية ~~العقل وتقويمه وتوسيع دائرته، لقد كان الحكماء السابقون لا يقبلون من ~~التلاميذ إلا النابغين في هذا العلم؛ لنفس هذه الحكمة ، وأيضا فإن طبيعة ~~الجهل بشيء ما يعلمه # (1)من العلماء من يعد هذه الفنون من العلوم الأجنبية التي لاينبغي للمؤمن ~~أن يشتغل بها ولا حجة لهم إلا أنها لم تكن من معلومات أسلافنا، وهذا من ~~الأوهام والجمود بمكان ، هؤلاء لم يخل منهم عصر ،فقد كانوا في عصر النبوغ ~~والاستنباط يطعنون في الفنون العربية الحديثة إذ ذاك، كالبلاغة والنحو ~~والصرف والشعر، كما ذكر الشيخ عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز، مع ما ~~في هذه العلوم من حقائق أسرار العربية وإبراز أسرار التنزيل ودقائق التأويل ms027 ~~المعجزة لفحول بلغاء العرب، وقد شن غارة شعواء عليهم إمام الفن في كتابه ~~وما ذلك منهم إلا بما تكنه صدورهم من الحسد لكل من ظهر بفضيلة وهم عنها بعيدون # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم # ولع الناس بامتداح القديم وبذم الحديث غير الذميم # ليس إلا لأنهم حسدوا الحي ورقوا على العظام الرميم PageV01P037 ما أوهى ~~تعليلهم !وما أشنع حجتهم! على أن عدم اشتغال الأسلاف بتلك الفنون لا يدل ~~على بطلانها ومنابذتها للدين كما قدمنا ، بل قد كتب فيها فطاحل من المسلمين ~~كما رأيت وتراه، كالإمام أبي يعقوب والإمام الغزالي وابن رشد والرازي وسعد ~~الدين وأضرابهم ، قاتل الله الحسد والجمود . # بعض الناس يؤدي إلى النقص في أعينهم ، والعالم من حيث هو عالم ينبغي أن ~~يتأهل لأن يكون محترما في عين سائر الطبقات (ليكون لحكمته تأثير ونفوذ إلى ~~القلوب ) ولا يكون ذلك إلا بالإلمام بشيء مما تحتاجه سائر الطبقات ، كيف لا ~~يكون من الأمور اللازمة تعلم مبادىءالهندسه،ولنا غالبا وقفة عند ما ترد في ~~نحو المنطق أمثلة هندسية فلا نفهم المراد منها،بل هجرت دراسة كتب الحكمة ~~؛لوجود مسائل هندسية وطبعية لا يدركها من لم يكن له إلمام بفنهما، وإذا ~~تعاطى تدريسها فإنما هو كسالك في الدجى أو داخل لجيا لا يدري السباحة . PageV01P038 # من الكمال الواجب أن يتعلم العلماء وطلاب العلم شيئا من الهندسة،بل شيئا ~~من كل علم على قدر ما تسمح به الظروف،لا أقول إن الهندسة كالحساب ولا ~~كالجغرافية ولا كالتاريخ،ولكن أقول إنها كمال وإن منها قدرا لازما(1) ~~.ولنذكر لك ما ينثلج به صدرك،ويتنور به ذهنك من كلام الإمام وضياء الدين ~~ممزوجا قالا: ( ورأس العلم أي كل علم البرهان المنطقي، وغيره من العلوم ~~فروعه؛ لأنه آلة وخادم لجميعها، والبرهان من حيثما دار يتعلق بثلاثة علوم ~~أولها العدد وثانيها (الهندسة) وثالثها المنطق )) (ضياء الدين) مرتبة ~~المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الأخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرياضية من ~~الهندسة والحساب .( PageV01P039 الإمام ) إعلم أن الهندسة من العلوم ~~الضرورية ،كلما شهدت به فهو حق ms028 عند الله تعالى، واعلم أن العدد تكييف ~~الأزمنة ،والهندسة تكييف الأمكنة والدنيا والأخرة هما الأزمنة ~~والأمكنة،والهندسة هي معرفة المقادير والأبعاد والأنواع وخواص تلك الأنواع ~~، ومبدأ هذا العلم من النقطة التي هي رأس الخط ، والمقادير ثلاثة أنواع : ~~هي الخطوط والسطوح والأجسام وهي الهندسة ، وتقدير كل صانع في أول ابتدائه ~~في صناعته هو الهندسة - ولدفع ما عساه يورد قال : فالمتعلم لها إنما يتعلم ~~تفصيل تلك القواعد المذكورة في جبلة عقله أي إجمالا ، واعلم أن العلوم ~~العقلية الضرورية ثلاثة : المنطق و(الهندسة ) والعدد ، ثم قال إعلم أن الله ~~تعالى خلق ظروف الزمان وظروف المكان، فلن يستقيم لخلق وجود إلا بهما وفيهما ~~، والحال التي تجري على أهل الصين والهند الخ ، هي الحال التي تجري علىأهل ~~السماوات والعرش والكرسي والموجود الممكن ( دون الموجود الواجب الوجود ) ~~سبحان مقدر الأمور وجعل الأمكنة بخلاف ذلك،فارتبط العدد بالأزمنة وارتبطت ~~الهندسة بالأمكنة قال تعالى: { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا } ( الإسراء / 12) فجعل الرب تعالى العدد ~~حاكما على كل شيء منعقد وعلىتفاصيله، إلى أن قال وجعل الهندسة حاكمة على ~~الأمكنة ومنها نقتبس علمها(2)اه . انظر الرسائل الثانية والسادسة من إخوان ~~الصفا في الدليل والبرهان أيضا . PageV01P040 # ولهذا الفن ارتباط بعدة فنون كلها تستمد منه ،كفنون الفلك والميقات ~~والمساحة والصنائع والجغرافيا وغيرها ، ولا نريد إلا الاختصار في هذه ~~العجالة ، ولولاه لرفعنا القناع عن حقائق هذا العلم وغيره من العلوم ~~المفيدة في الحياة إفادة عظيمة ورافعة للنفس إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ~~وإن فسح الله في العمر فسنكتب فيها ما يسربه أرباب الوجدان والسعادة ~~الروحية بحوله وقوته سبحانه ما أعظم شأنه! وأكبر حكمته! # (1) من كتاب العلم والعلماء أول سفر في التعاليم الإسلامية ببعض تصرف . # (2) شرح مرج البحرين ، والدليل والبرهان ، من هذا يتبين لك هجوم ~~المتطفلين على موائد العلماء. # فليكن ما أوردناه أنموذجا (1) صالحا للنبيل(2)ولبابا يستغنى به عن القشور ~~التي لا تجديه(3) وخير مثال إلى تحصيل السعادة، فإن العلوم ms029 أنوار لا يبعد ~~عنها الا من كان غير موفق ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما ~~كانوا يعملون) ( الأنعام / 122) # علم الطبيعة # علم الطبيعة علم يبحث فيه عن معرفة الظواهر الطبيعية للاجسام،باعتبار ~~كونها كتلا أي بدون أن يحصل تغيير في تركيبها ، وبه تتعين النواميس التي ~~بواسطتها تتفاعل الأجسام . # وقولنا باعتبار كونها كتلا مخرج لعلم الكيمياء فإنه علم به تعرف طبيعة ~~العناصر الداخلة في تركيب الأجسام لكونه يبحث فيه عن الأجسام من حيث ~~التحليل والتركيب ، ومخرج أيضا لعلم المواليد الثلاثة ( المعدنيات ~~والنباتات والحيوانات )،فإن هذه الثلاثة إنما يبحث فيها عن الإشكال والصفات ~~المخصوصة بها وعن كيفية وجودها إن كان على سطح الأرض أو في جوفها، وعن ~~كيفية نموها وحيويتها،لا عن الظواهر التي تحصل بين كتل الأجسام،ومخرج أيضا ~~لعلم الفلك وعلم طبقات الأرض # ( PageV01P041 1) مثال الشيء وهو بضم الهمزة وليس بلحن ونموذج بفتح النون ~~(2) الزكي النجيب ولباب الشيء خالصه (3) لا تنفعه . # فالأول وإن كان يبحث عن الكواكب وحركاتها وأبعادها ونحو ذلك إلا أن ~~القواعد التي تستنتج من هذا البحث ليست عامة بخلاف الطبيعة . # والثاني إنما يبحث عن شكل الأرض الظاهر، ووضع الطبقات المعدنية في جوف ~~الكرة بالنسبة لبعضها،وعن تساوي أسطحة الأرض واختلاف ميلها، وعن تقطع ~~الشواطئ واتجاه تيار الماء،وعن وضع الجبال وتكونها ونحو ذلك لا عن الظواهر ~~العامة . # فكل ما تيسر لنا إدراكه بإحدى الحواس الخمس يسمى مادة ، والجسم يطلق على ~~الجزء المحدود منها، فالحجر والشجر والماء والهواء أجسام ، وهي كما ترى ~~ثلاثة أنواع (1) يابسة (2) سائلة (3) غازية أي بخارية . # واختلاف هذه الأحوال الثلاثة ناشيء من اختلاف كمية الحرارة الموجودة في ~~كل منها، فذرات الغاز أشد اضطرابا وحركة لتوفر الحرارة ، وأقلها في الجامد ~~حركة وحرارة ، وهي متوسطة في السوائل ، وبالحرارة يمكن تحويل الجسم من ~~صلابة إلى سيولة أو إلى غازية . # قال بعض المحققين وهذا العلم فضلا عن كونه لازما للطبيب والصيدلاني لا بد ~~منه أيضا في حسن التربية ، فإن ms030 دراسته تكسب العقل قوة واتقانا وملكة يحكم ~~بها حكما جيدا وتصرفا تاما ، وبالمعارف المكتسبة من هذا العلم نقف إجمالا ~~على معرفة هيئة السماوات والأرض والفراغ والزمن والمادة معرفة تامة على ~~معرفة هذا العالم العجيب الانتظام، وبه يمكننا التوصل أيضا إلى معرفة ~~الأسباب والنواميس العامة المفتقرة إليها جميع ما تبرزه القدرة الإلهية إلى ~~حيز الظهور، ومعرفة الظواهر التي تحدثها الآلات التي اخترعها الإنسان ~~بعقله،وبذلك نرتقي إلى درجات توصلنا لمعرفة الباري سبحانه اه PageV01P042 ~~وفائدة هذا الفن ، أولا تكميل القوة النظرية بالوقوف على بعض ما أودع الله ~~في هذا العالم البديع من الأسرار؛ فيزداد معرفة بحكمة العليم الحكيم المريد ~~القادر الذي لا تحيط به الأفكار فيقبل عليه بكليته قائلا:( ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) ( آل عمران / 191) # ثانيا: الاستمتاع بما ينشأ عنه من الأمور الجمة المنافع التي لها مدخل في ~~كثير من الصنائع .(1) # من الغلط الفادح أن يقول عاقل أن هذا الفن يوصل إلى الكفر، وهو على ما ~~ذكرنا يوصل إلى استكشاف آيات الله في الكون وتسخير منافعها وقد أخبر تعالى ~~على سبيل الامتنان والتذكير بنعمه بقوله:( خلق لكم ما في السماوات وما في ~~الارض جميعا ) وقوله ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) # فكفر بعض المتعلمين بالمدارس الأوروبية ولا سيما الكنيسية ناشيء عن ~~هجرانهم وعدم تحصيلهم لما لا يسع جهله من الدين،فشبوا بين الأجانب الذين ~~يفرسون فيهم سموما منافية للإسلام ، وذلك منهم لا يقدح في العلم وإنما هو ~~جناية عليهم ، والعلم نور وهدى ولا يعقل أن مرارة العسل في فم المريض فساد ~~له ،كلا وإنما هو شفاء للناس .ومن الأدلة القاطعة على حث المولى عز شأنه ~~لنا على العمل بسننه في الكائنات قوله عظمت قدرته:( لقد أرسلنا رسلنا ~~بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي ~~عزيز) ( الحديد / 25) # (1) الشيخ طاهر الجزائري في ( الفوائد الجسام ms031 ) ، وهو من الكتب النافعة ~~في هذا الفن . PageV01P043 # فالحديد نزل من كواكب السماء بإرادة الله تعالى في الأرض، وليس هو من أصل ~~مادة الأرض الترابية بل ألقى فيها، وأنزل إليها من الكواكب كما تثبت ذلك ~~العلوم الفلكية وعلم طبقات الأرض فقوله تعالى: ( فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~) أي ليعمل الآلات المختلفة المستعمل فيها الحديد وهي أكثر من أن يمكن ~~حصرها - وقوة الدفاع عن النفس وللصيد وعمل العدد والآلات الحربية ضد من ~~يعتدي على نظام الله في الأرض ولتساعد بني الإنسان على كد الحياة واجتياز ~~البحار بأنواع البواخر حربية وتجارية(1) وفي معنى هذا قوله عز من قائل:( ~~وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ) وقوله ( وجعل ~~لكم سرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) قال أهل هذا ~~الفن : إن الحديد معدن نفيس من أهم المعادن لا يوجد في جسم الأرض على هيئة ~~الإنفراد كالذهب أو الفضة # (1) فلسفة الإسلام ومدنية القران ج الأول ص 67 # أو النحاس ومبدأ استخراجه كان في الغالب من الأحجار التي تتساقط من ~~السماء على سطح الأرض المسماة ( بأحجار نيازيك ) وليس هو نقيا فيها بل ~~مختلط ( بالنيكل ) وغيره، ثم إن تلك الأحجار توجد مغطاة بطبقة سوداء لماعة ~~تشبه الورنيش، وتحتوي على أنواع متعددة من الصخور، أحيانا يتصاعد منها غاز ~~(الإيدروجين ) والمركبات الشهيرة المحتوية على كمية وافرة من هذا المعدن، ~~إلا أكسيد الحديد أي الحديد المغناطيسي . # ثانيا : كربونات الحديد ، ويوجد مركب آخر وهو ( سيسكوي أكسيد الحديد ) ~~وأما كبريتور الحديد فيوجد بكثرة في الأرض، ولكن لا يستعمل لما ينفق في ~~سبيله من العناء والمال والحديد المتصل به رديء . # وأكسيد الحديد المغناطيسي يوجد بكثرة في طبقات الأرض العتيقة، وله أحيانا ~~صفات حسنة وقد يكون جبالا كما في بلاد السويد ونيرويج . PageV01P044 # وأما كربونات الحديد فتوجد مبلورة على هيئة عروق في الأرض العتيقة أيضا، ~~وفي بعض الأحيان يجدونه بين طبقات الفحم الحجري فتتلون باللون الأسود ~~ويعطونه اسم حديد حجر الفحم (1) . # فتأمل أيها العاقل الذي يريد الوقوف على أسرار كلام ms032 الله الذي أنزله ~~هداية ورحمة جامعا لما فيه صلاح المعاش والمعاد للإنسان ، والمسلمون من ~~غفلتهم عنه معرضون (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون ) ( يوسف / 105) # ولا بأس أن نذكر هنا بعض ما أورده أبو يعقوب مما له علاقة بالموضوع، من ~~ذلك في رسائل إخوان الصفا قال في رسالة الآثار العلوية : الغرض منها هو ~~البيان عن كيفية حوادث الجو وتغييرات الهواء من النار والظلمة والحر والبرد ~~وتصاريف الرياح من البخارات والدخان الصاعد في الهواء من البحار والأنهار ~~وما يكون منها من الغيوم والضباب والظل والأنداء ، والأمطار والرعود ~~والبروق والثلوج والبرد والهالات وقوس قزح والشهب وذوات الأذناب وما ~~يشاكلها(1) اه # ثم أورد ما يخص تكوين المعادن والجواهر وعلة اختلاف جواهرها وكيفية ~~تكوينها في الأرض ، وعن ماهية الطبيعة ومولداتها التي هي ( الحيوان ) و( ~~النبات ) و( المعادن ) . # (1) الجواهر السنية # (2) الدليل والبرهان ، اعلم أن هذه الرسائل وضع جماعة من الحكماء لم تعرف ~~أسماؤهم وقد نسج على منوالها جماعة من الحكماء والمتأخرين إلا أنهم لم ~~يأتوا بشيء بالنسبة إلى الرسائل الأولى . PageV01P045 # وما أورده هذا المجتهد الجليل الذي عرف مكانته أرباب هذه الفنون العصر ( ~~كالهندسة )، و(الطبيعة )، و ( الكيمياء )، و ( التشريح)، و( تاريخ الحيوان ~~)، و ( علم النفس )، و( علم تهذيب الأخلاق )، وغيرها إلا أن هناك اختلافا ~~في المصطلحات والترتيب ،وهي الآن أخصر طريقة وأوضح بيانا وأكمل تفصيلا، ~~بهذه الفنون أصبح الإنسان يمخر عباب الأرض ؛ لاستخراج مكنونات أحشائها ~~واستخدام الميكانيكية ، وسراج الغياهب، والسوائل وغيرها من موارد الحياة ~~التي هي من آلاء الله، ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) سبحان بديع السماوات ~~والأرض القادر المريد . # علم الكيمياء # علم باحث عن تحليل الأجسام وتركيبها، سواء كانت تلك الأجسام بسيطة أو ~~مركبة ، فيكون هذا العلم باحثا عن كيفية تفاعل الأجزاء العنصرية الدقيقة ~~المركب منها الجسم في بعضها وعن طبيعة تلك الأجزاء وعن طريق كيفيات تحليل ~~الأجسام ثم تركيبها . # فخرج علم الطبيعة فإنه باحث عن النسب بين الأجسام من حيث إنها كتل وعن ~~الخواص العامة للأجسام وعن وسائط ذلك التفاعل . # وعن ms033 تفاعلها الميكانيكي في بعضها ، وخرج علم الفلك ؛ لأنه إنما يبحث عن ~~الأجرام السماوية من حيث حركاتها ودورانها وغير ذلك . # ففي سنن الكائنات : الكيمياء القديمة كان الغرض منها معرفة ( حجر ~~الفلاسفة) وهو الجوهر الذي إذا وضع على أي معدن يصير ذهبا على حد زعمهم ، ~~ومعرفة (إكسير الحياة ) وهو الذي كانوا يظنون أنه يعيد الشيخ شابا أو أنه ~~يشفي جميع الأمراض ، وأما الآن فالغرض من الكيمياء معرفة أصول المركبات ، ~~وكيفية تركيبها وتحليلها ، وهذه الأصول تسمى بالعناصر ، وهي كثيرة ولكنها ~~الآن لا تتجاوز الثمانين ، ومن أهمها الحديد والنحاس والأكسجين والكربون . # ( PageV01P046 قلت) وبتلك الخرافات الباردة تعلق الجامدون الذين لا ~~يصرفون مواهب أفكارهم في حقائق الكون والترقي الروحي بالبحث في أسراره ، ~~وبها تصوروا الفنون الكونية وهم يمرون عليها في كتاب الله العزيز الذي ~~أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين . # ما أخسر صفقة هؤلاء وما أسوأ حالهم ، يتلون آيات الله ولا يتدبرونها ، ~~وتقرعهم نوائب الجديدين ولا يعتبرون بها # ( كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول ) # وفي الجواهر السنية بعد أن تكلم على تاريخ الفن وأطواره (ثم ) جمع ~~الرجال، ما كان مفرقا من تلك الأعمال ورتبوه على قواعد معقولة حسب الإمكان ~~ثم دونوه علما مستقلا كامل الحدود والأركان، ثم توسعوا فيه حتى بينوا دخوله ~~في الصنائع والفنون بل في أطوار الحيوان ، فإن في التنفس عملا كيماويا في ~~الرئة به يتلون الدم بالحمرة الناصعة، وفي الهضم عملا كيمياويا في القناة ~~الغذائية به يستحيل الغذاء إلى أجزاء حيوانية ( حيوية ) متنوعة،وكذا في ~~النباتات أعمال كيمياوية بها التغذية والنمو ، وفي المعادن حركات كيمياوية ~~بها الامتزاج (الاتحاد ) بين الأجزاء والدنو ( الاختلاط ) وعلم الطب من بين ~~العلوم قد استفاد من علم الكيمياء أعظم المنافع فالطبيب بدون معرفة ~~الكيمياء لا يمكنه أن يركب دواء أو يطيعه للمريض . # إذا نظرنا إلى هذا العلم نظرة عامة نجده يحتاج إليه في كثير من الفنون ~~وحتى الفقيه في فتاويه،فكثير منها لا تصح إلا إذا كان عارفا بهذا الفن ولا ~~غرابة . # (وإليك البيان )إذا سئل ms034 المفتي عن مادة طبية أو دهنية أو عطرية مثلا وردت ~~من أوروبا،وهي مصدر الكل بلا نزاع،لا تصح فتواه إلا على طريق اكتشاف ~~مركباتها، لما في كثير من مواد أوروبا من الكحول والمواد الشحمية . PageV01P047 # وللنجاة من حرج المحرمات والانتفاع بالنافع لقاعدة ( جلب المصالح ودرء ~~المفاسد ) يكون عارفا بهذا الفن وفروعه،حتى إذا سئل عن شيء منها صح له ~~الإفتاء عن بصيرة وإلا كانت عن حدس فيعظم خطاه ، فكثيرا ما يحصل للمفتين ~~لجهلهم بالحقائق الواجبة عليهم كتحريم أشياء هي حلال في نفس الأمر ~~والعكس،وإذا سألت بعضا عن حقيقة الفتوى أجاب : بقاعدة ( استصحاب الاصل ~~)،على أن هذه القاعدة ولو كانت من القواعد العظيمة لكنها تنطبق على ما تعذر ~~الوصول إلى حكمه ، أما وقد تجلت الحقائق بقواعد العلم وتوفرت الأسباب إلى ~~تحصيلها،فالجنوح إلى الإهمال خلود إلى الجهل واستسلام إلى الحرمان . # وقد عمت البلوى الآن بما لا محيد عنه من واردات الغرب،أصحاب الجد ~~والمعارف فلا ينبغي للمسلمين أن يقفوا مكتوفي الأيدي بدون رعاية الحكم ~~الشرعي فيها والأخذ بما راق،ونبذ ما عداه ومضارعتهم في استنتاج المواهب ~~العقلية واستثمار القوى الطبيعية،وليست شريعتنا الحنيفية السمحاء قاصرة عن ~~ذلك،بل هي صالحة لكل زمان ومكان ولكل أمة مهما كانت منازعها ، بيد أن ~~حامليها بتقصيرهم وتهاونهم ومداجاتهم وجهلهم بأسرارها وغفلتهم عن سنن الله ~~في الكائنات،ترك العامة في جهل حالك لا يبالون بأحكام الله ولو جاءوا ~~بالواجب لما اقتحم العامة العمل بالجهل . # علم النبات # هو علم يبحث فيه عن الأوصاف العامة لجميع النباتات والخاصة بكل ~~نوع؛لتمييزه عما عداه ،وعن وظائف أعضائه وترتيب أنواعه ترتيبا قانونيا به ~~تتيسر دراسته . # وهو ينقسم إلى ثلاثة فروع : # الأول : التشريح النباتي وغايته معرفة المنسوجات الأصلية التي يتركب منها ~~النبات . # الثاني : الفيسيولوجيا النباتية ( وظائف الأعضاء ) وغايته معرفة الأعضاء ~~التي تتمها الأعضاء النباتية في الإنبات . # الثالث : الترتيب النباتي وغايته معرفة التراتيب المستعملة؛لسهولة دراسة ~~النبات . PageV01P048 # يعطي هذا العلم لمتعاطيه ملكة تربية النبات كل في فصله وتربته وما يليق ~~به من هواء ومياه ؛ لأن النبات كائن عضوي حي يتولد وينمو ويموت،وحيث كان ms035 ~~مشاركا للحيوان في التغذية والنمو؛فإنه يحتاج إلى قوانين بها يدرك الإنسان ~~كيفية تغذيته ونموه لتحصل له المنفعة التي أنعم الله بها عليه . # في البحث في النبات يشرف العاقل على بدائع الحكيم القدير ، يرى آيات ~~الكمال المطلق والقدرة الكاملة ، يشاهد في عالم النبات جمالا قاهرا ونظاما ~~باهرا وانقيادا لأمر المريد المدبر الحكيم الذي مدح ذلك الجمال الهائل ~~الخاضع لجلاله { والنجم والشجر يسجدان } ( الرحمن / 6)وأمر بتدبره وصرف ~~الفكر في تطوره،حتى آل إلى أن يقتات به ويتنعم بلذائذه فضلا منه ونعمة، { ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا ~~فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ~~ولأنعامكم } ( عبس / 24، 34) وقال عز من قائل حثا وإلفاتا للنفوس الغافلة ~~عن آياته وجليل آلائه { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل ~~صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك ~~لآيات لقوم يعقلون } ( الرعد / 4) # ثم نعى على النفوس المنصرفة عن التدبر والاعتبار التائهة في أودية ~~الضلالة والاحتيار فساد عقولها على سبيل التعريض فقال :( إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون ) # العلوم الرياضية # من الضروريات الحيوية واللوازم الأدبية والواجبات الدينية علم الحساب،لا ~~يستغني عنه أحد من بني الأنسان،وهو من العلوم التي ينبغي أن يتلقاها المرء ~~أول نشأته لأنه يقوي العقل ويورث النظر الصحيح وسرعة الإدراك وملكة الفهم . PageV01P049 # كفى فخرا وشرفا لهذا العلم أن مدحه الباري جل وعلا في كتابه العزيز فقال: ~~{ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون } ( يونس / 5) # جهل هذا الفن العظيم الفائده أكثرنا ولم يعلموا من فروعه شيئا مع شدة ~~لزومه لأبنائنا،ولا سيما المزاولون لمهنة التجارة الشريفة ، لا يعلمون شيئا ~~من مسك الدفاتر الذي هو من أكبر اللوازم التجارية ولا طرق الاختزال لاختصار ~~العمليات ولهذا كانت التجارة المفيدة المنظمة بيد الأجانب ، وإذا أراد أحد ~~منا تنظيم أعماله اضطر إلى استخدام أجنبي،وهذا نقص فاحش وخلل ms036 واضح وعار ~~كبير ، أفلا تأخذنا الغيرة وقد فاز الأجانب بكل مورد من موارد الحياة في ~~وطننا ونحن صامتون ؟ # أليس من الخزي أن يكون الأجانب على جانب عظيم من النظام في أعمالهم ~~وحياتهم ومعاملاتهم وجامعين لكل ما يعود من الفنون عليهم بالقوة ~~والسلطان،ونحن نعلل أنفسنا بأن هذه الفنون للحياة الدنيا وهي متاع قليل ~~وتضر بالدين إلى أمثال هذه الترهات التي لو لم تكن موجودة لبذل الأجنبي في ~~سبيل ايجادها ونشرها بيننا ملايين من الأموال،وأنفق في ذلك أعظم مجهودات ~~حتى لا يستقيم لنا أمر ، اللهم إن أعظم البلاء على الإسلام من المسلمين ( ~~لانهلك وأنت معنا يا رجاءنا ). # إن العلوم الرياضية لا يدرك منافعها الجسيمة العائدة بأجل الفوائد من ~~التربية العقلية وقوة الثروة الا من انصرف إلى البحث عن أسباب نجاح الأمم ~~وتدقيق النظر للتوصل إلى وسائل النظام وتسهيل المعاملات في عالم الحياة ~~الإنسانية . PageV01P050 # إن هذه العلوم صارت الآن بمراتب من الاختصار وسهولة التناول بكيفية هائلة ~~، ولا سيما فن الجبر منها الذي هو أعظمها فائدة ولو صعب التحصيل إلا أنه ~~جليل القدر ، واضح المزية لا تنكر فضيلته،فكم له من المآثر المرضيات على ~~علوم الرياضيات، خصوصا في حل المشكلات واستخراج المجهولات . # عليه مدار الميكانيكية والأرصاد والعمليات العظيمة وسير الأرتال والبواخر ~~والفنون الحربية وغير ذلك . # وشرف هذه العلوم أظهر من أن يذكر ومنافعها أجل من أن تبين ، إلا أن ~~الاستغناء عن الإلمام بها في موضوعنا ليس من الصواب . # اللغات الاجنبية PageV01P051 من النقص الفادح أن تكون أمة تحت سلطة شعب ~~أجنبي ولا تتعلم لغته وتطلع على أوضاعه ومزاياه،حتى تعرف كيف تتقي صولته ~~وتقاوم تعسفه وتستفيد بخصائصه ، وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام ( من تعلم ~~لغة قوم أمن مكرهم ) . على أن تعلم اللغات الأجنبية واجب بالنظر إلى نشر ~~الدعوة الإسلامية بين أمم العالم وبث التعاليم الحنيفية في تلك الشعوب التي ~~كثيرا ما تنعت الأمة الإسلامية بالأمة المتوحشة التي لا مدنية لها ولا ~~أخلاق ، لما يوحيه إليهم شياطين الكنيسة وأنصار الاستعمار، أم ارتفع وجوب ~~نشر الدعوة الاسلامية ؟ كلا ms037 إنها لواجبة على المسلمين في كل زمان ، كيف لا ~~والقرآن ينطق بذلك { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } ( آل عمران / 64) { ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~} ( آل عمران / 104) { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ~~إنني من المسلمين( فصلت / 33) PageV01P052 وأمثالها من الآيات الآمرة ~~بالدعوة إلى الله ولا يتأتى ذلك إلا بتعليم اللغات الأجنبية بها يقتدر ~~العلم على التفاهم مع تلك الأمم وإيقافها على حقائق الدين الاسلامي ، ولا ~~سيما وقد ارتبط التعامل بين الشعوب ، ولا يمكن لأحد الطرفين أن يشارك الآخر ~~مشاركة حقيقية إلا إذا كان يحس بما يحس به ، ويدرك كل وجدان الآخر وآراءه ~~وأفكاره وأمياله ، وكثيرا ما يقع سوء التفاهم وتعاند من غير أن يكون هناك ~~موجب ذلك ، وإنا كثيرا ما نشاهد الإرهاق والاعتساف في جانب المسلم ، وما ~~ذلك الإ لجهله اللغة الأجنبية يعرب بها عن حجته ويبين بها عما يختلج فؤاده . # يحرف دعاة المسيحية القرآن ويشوهون الآداب الإسلامية ويفترون على رسول ~~الله ويصفونه بمالا يليق به ، كل ذلك لصرف القلوب عن اتباعه وإيغار الصدور ~~على المسلمين ، وإفعامها بغضا وكراهة واحتقارا الإسلام والمسلمين ونحن في ~~غمرة ساهون عن الواجب غافلون . # إنا نرى ونسمع ما يبذله القسس الأوروبيون في سبيل تعليم العربية وما ~~يجازفون به من حياتهم وأموالهم في معارضة الإسلام وإفساد القلوب عنه وبث ~~الدعوة المسيحية ، ولانعتبر بذلك ولا ينفخ فينا روح الغيرة على الإسلام ، ~~فنقوم بنشر مباديه القويمة، بل كثيرا ما يقوم من الأجانب من يناضل عن ~~الإسلام ويدفع تلك الأراجيف الباطلة ولا نشعر به ، ولوكان منا أفراد نابغون ~~في اللغات الأجنبية لقاموا بهذا الواجب الديني العظيم ولجلبوا من الفوائد ~~العظيمة التي لا تخطر بالبال . # أجل قام بهذا كثير من أفاضل السوريين والمصريين والأتراك ، وكتبوا أحسن ~~كتابات في فنون متعددة ، وترجموا ms038 شيئا كثيرا مما ينفع ولكن غير كاف في بابه ~~ولا ساد ذلك النقص العظيم الذي حل بالمسلمين . # وبالجملة لو انتقل الجامدون من مغاور الجمود ونشطوا من عقالهم لأدركوا سر ~~ما ندعو إليه وأحسوا بما ينادي إليه الواجب وموقفهم الحالي . # الإنشاء PageV01P053 الإنشاء هو الكتابة وعرفها بعضهم بأنها ( صناعة ~~روحانية تظهر بآلة جثمانية دالة على المراد بتوسط نظمها ) (1) # إذا كان المرء بأصغريه قلبه ولسانه فلا شك أن القلم أحد اللسانين بل هو ~~أفضلها وأحقها بالعناية والاعتبار ؛ لأن عمله عام دائم ، فعمل اللسان ~~الأصلي من الأعراض السيالة ، قد لا ينتفع به إلا من يخالط صاحبه ويسمعه . ~~أما عمل القلم فهو من الصفات الثابتة ينتفع به من يخالط صاحبه ومن لا ~~يخالطه ولو كان بينهما بعد المشرقين ، بل وينتفع به من في عصره ومن يأتي ~~بعده على ممر الليالي والأيام . # (1) صبح الأعشى عن البيان # ولئن قامت الحاجة إلى الكتابة في كل عصر ففي هذا العصر أشد كما أنه وإن ~~احتاج إليها جميع الناس فإن العالم أشدهم احتياجا لأنها من أهم أسلحته التي ~~يقضي بها أغراضه ويقيم بها من دعائم الإصلاح ما شاء الله . # فضل الإنشاء معلوم من أول الدولة الإسلامية ، وقد كان سابقا لأصحاب ~~الأقلام النصيب الأوفر من التقدم والرفعة بل كان هو الميدان الذي يتسابق ~~فيه الفضلاء من أهل العلم والأدب . # لا ينكر فضل الإنشاء وقيمته العالية أحد ، حتى الجهال والبسطاء والأميون ~~الذين يحبون الكتابة المستمرة إلى أهليهم وأصدقائهم بعبارات إنشائية بليغة ~~وقد يدفعون في سبيل ذلك أجورا عظيمة . # وفائدته في التأثير أشهر من أن تذكر ، فقد تفعل الجملة الواحدة من جمل ~~الإنشاء ما تعجز عنه السيوف والحراب والمدافع . # وطالما أورث الإنشاء غنى وجاها وجلب سلاما وأقام حروبا ونجى من الموت ، ~~وطالما كانت له اليد الطولى في توبة العاصي وإنابة الفاسق (1) ، ومن العجيب ~~أن يجهله مع ذلك كثير ممن يدعون العلم ويعدون أنفسهم في مصاف الفحول جهلا ~~فاحشا وصل بهم إلى حد أن تضرب بهم الأمثال وتلوكه الألسنة في المحافل ، ~~وتتخذ بعض مكتوباتهم ms039 سخرية واستهزاء بين الناس . PageV01P054 # وإنك لتشاهد متى وجهت فكرك إلى الحالة العالمية اليوم وقبيله من التاريخ ~~مكانة للصحافة عظيمة وبأسا شديدا حتى إن الحكومات لتخشاها وتعنو لها في ~~الموقفين : الاستحسان والانتقاد ، وحتى صارت هي مسند كل مظلوم ولسان الشعوب ~~التي راج فيها عكاظ الآداب ، وراضت أذهانها في حدائق المعارف ، بل وأصبحت لسان # الحكومات تبشر وتنذر بها وترغب وترهب ، ولسان أرباب الصنائع والمبتككرين ~~تشهر تجارتهم ونتائجهم وتجلب لهم الرفاهية ، ولسان المصلح الداعي إلى مسالك ~~الفوز ، وصوت المرشد إلى أذهان الغافلين ورسول الآمر بالمعروف الناهي عن ~~المنكر العامل لإعلاء كلمة الله ، والرقيب الحارس للأمة من غوائل الأعداء ~~ودسائس الكائدين ومفاسد الأخلاق وقبائح العادات ، كل ذلك بفضل القلم ~~والإنشاء ، # (1) العلم والعلماء # وتجد التأثير وتصوير الحقائق بما هو مطابق للواقع بقدر رسوخ أربابها في ~~الصناعة وحوك المعاني .(1) # إن أهل التحقيق من أهل علماء الأدب ما برحوا يرجحون كتابة الإنشاء ~~ويفضلونها ويميزونها على ساءر الكتابات ويقدمونها لأمور : # منها اشتمال كتابة الإنشاء على البيان الدال على لطائف المعاني التي هي ~~زبد الأفكار وجواهر الألفاظ التي هي حلية الألسنة وفيها يتنافس أصحاب ~~المناصب الخطيرة والمنازل الجليلة أكثر من تنافسهم في الدر والجواهر . # ومنها ما تستلزمه كتابة الإنشاء من زيادة العلم وغزارة الفضيلة ، وذكاء ~~القريحة ، وجودة الروية : لما يحتاج إليه من التصرف في المعاني المتداولة ~~والعبارة عنها بألفاظ غير الألفاظ التي عبر بها من سبق إلى استعمالها مع ~~حفظ صورتها وتأديتها إلى حقائقها ، وفي ذلك من المشقة ما لا خفاء فيه على ~~من مارس الصناعة ، خصوصا إذا طلب الزيادة والعلو على من تقدمه في استعمالها ، # ( PageV01P055 1) لم تزل فكرة ذم الصحافة تدب في أفكار الغافلين ويستدلون ~~على ذلك باشتغال بعضها بالأعراض ونشر الموبقات ، ولم يلتفتوا إلا إلى جانب ~~العوارض فخفيت عنهم الذاتيات ، ولو علموا أن الصحافة بيد غيرأهلها كالسيف ~~الصقيل بيد الصبي ، وكالثروة بيد المتهتك والحكمة ، عند من لا يعرفها لما ~~عابوا الشمس في رابعة النهار ، نعم إن الحكومة الغشمة تمنحها غير أهلها ~~لتكون لها الة ولا تكون سدا ms040 حائلا دون مقاصدها الخبيثة وهذا غير قادح في ~~الصحافة . # أو أخذ حذو رسوم المبرزين الذين ينتحلون الكلام ويوقعونه مواقعه مع ~~مراعاة رشاقة اللفظ ، وحلاوة المعنى ، وبلاغته ومناسبته مع ما يحتاج من ~~اختراع المعاني الابكار للامور الحوادث والوقائع لاتتناهى ولا تقف عند حد. # أعظم شاهد لجليل قدر الكتابة ورفعة شأنها ذكر المولى عز شأنه لها على ~~سبيل الامتنان ، واضافة تعليمها إلى نفسه وعده لها من كرمه ووافر افضاله ~~وجزيل الائه ، فقال عز من قائل { اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم ~~الإنسان ما لم يعلم } ( العلق / 5،3) # مع أن الآية والتي قبلها من مفتتح التنزيل وحيا على أشرف نبي وأكرم رسول ~~- صلى الله عليه وسلم - وآله وفي ذلك من التعظيم ورفعة الشأن ما لاخفاء فيه . # لا جرم أن الذي لا يعرف قواعد الإنشاء ولا شيئا من فنون الأدب يعيب تعاطي ~~هذه المناقب ويعدها من قبيل الهزل وتضييع الفطرة السليمة و( المرء عدو ما ~~جهل ) سترا لقبحه والتماسا لعجزه عذرا. # (فما حسن ان يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر ) # وعديم الاحساس والشعور الحي لا يخجل إذا كتب ما يكون اضحوكة بين الناس ~~ولا سيما إذا كانت الكتابة رسمية . PageV01P056 # ولقد رأينا ورأى الناس كتابات يتصبب بها عرق الجبين خجلا ويتضاءل الإنسان ~~حياء كتبت إلى الحكومة وفي كتابها ودواوينها من المستشرقين الذين كرعوامن ~~حياض الأدب الشرقي نهلا وعللا وامتازوا من بين بني جلدتهم بتاريخه حتى صار ~~من البسيط الفرق عندهم بين الآداب الإسلامية والآداب الآرية بينما كنت ترى ~~منا من يعد نفسه بين العلماء الأعلام وهو لا يعرف أن هناك ما يسمى بالأدب ~~السامي والأدب الآري ذلك لبعدهم عن تلك المناهل بعد الفرقدين عن البسيطة ، ~~أفلا يكون هذا من أكبر العيوب وأشنعها ؟ وفراغا جسيما يستوجب الازدراء ومنا ~~أئمة الأدب وفرسانه وأبطال البيان وليوثه . # علم تهذيب النفس # هو علم يبحث فيه عن أحوال النفس وطرق إصلاحها وتطهيرها من سيء الأخلاق # حاجة العلماء والطلاب إلى هذا الفن لا تخفى لغرضين ساميين : # أولا _ ms041 تعديل أخلاقهم وتقويمها ورفع هممهم عن الدناءة واتصافهم بالفضائل ~~ومعرفتهم كمال الإنسان من حيث هو إنسان . # ثانيا _ لغرض إعدادهم لأن يكونوا هداة مرشدين داعين الأمة إلى فضائل ~~الأخلاق ومحاسن الشيم . # إذا كانت العلوم تشرف بشرف غاياتها وآثارها فإن هذا العلم من أفضل العلوم ~~وأعلاها وأحقها قدرا بالرعاية والالتفات والعناية خصوصا من العلماء وطلاب ~~العلم ؛ لأنه يتعلق بترقية النوع الإنساني وبلوغه أوج الكمال فيما يتعلق ~~بشؤون المعاش والمعاد ، علم يدعو إلى الابتعاد عن الشرور والمفاسد ، ~~والاقتراب من الخيرات والمصالح ، علم يدعو للتقدم ويرسم للإنسان طريق الخير ~~والسعادة . # إن الأمة التي لا تروج بضاعة علم الأخلاق في أسواقها جديرة أن تكون أحط ~~الأمم وأخسها ، وأن تكون رهينة الذل والنقص ، حليفة الاحتقار والصغار . # يتبين للناضر في أحوال النفس وقواها إنها تنقسم إلى ثلاثة : PageV01P057 # أولا _ القوة الناطقة وتسمى الملكية وهي القوة العاقلة ، وهي التي بها ~~يكون الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور ، فمتى كانت معتدلة وغير خارجة ~~عن ذاتها وكان شوقها إلى المعارف الصحيحة ( لا المظنونة معارف وهي في ~~الحقيقة جهالات ) حدثت عنها فضيلة العلم وتتبعها فضيلة الحكمة . # ثانيا _ القوة الشهوية وهي التي يعبر عنها بالبهيمية ، وهي القوة التي ~~بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى الملاذ التي في المأكل والمشارب ~~والمناكح وضروب اللذات الحسية ، فمتى كانت معتدلة منقادة للنفس العاقلة غير ~~مستعصية فيما تقسطه لها ولا منهمكة في اتباع هواها حدثت عنها فضيلة العفة ~~وتتبعها فضيلة السخاء . # ثالثا _ القوة الغضبية وهي التي يعبر عنها بالسبعية ، وهي القوة التي بها ~~يكون الغضب والنجاة والإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع وضروب ~~الكرامات . # فمتى كانت معتدلة تطيع القوة العاقلة فيما تقسطه لها فلا تهيج في غير ~~حينها ، ولا تحمي أكثر مما ينبغي لها حدثت منها فضيلة الحلم وتتبعها فضيلة ~~الشجاعة ، وباعتدال هذه القوى الثلاث تحدث فضيلة هي كمالها وتمامها وهي ~~فضيلة العدالة ، لهذا أجمع الحكماء على أن أجناس الفضائل أربعة : ( الحكمة ~~) و(العفة ) و ( الشجاعة ) و ( العدالة ) . ولهذه الفضائل أضداد أربعة أيضا ms042 ~~هي : ( الجهل ) و ( الشره ) و ( الجبن ) و ( الجور ) . # فأنت ترى أن القوة العاقلة هي أشرفها وبها صار الإنسان إنسانا وشارك ~~الملائكة وبأين البهائم ، وأدونها البهيمية ، وأوسطها السبعية . # فأشرف الناس من كان حظه من القوة العاقلة أكثر وانصرافهاليها أتم وأوفر ، ~~لهذا وجب تغذية النفس بالعلم والتهذيب بالأخلاق الفاضلة والزيادة في ~~المعقولات والارتياض بالصدق في الأراء وقبول الحق حيث كان ومع من كان ~~والنفور من الكذب والباطل كيف كان؟ ومن أين جاء ؟ PageV01P058 # ومن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة ويؤخذ بوظائفها وشرائطها ~~حتى يتعودها ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى يتأكد تلك الآداب والمحاسن ~~في نفسه بالبراهين ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة ~~البرهان فلا يسكن إلا إليها ثم يتدرج حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الإنسان فهو ~~السعيد الكامل # وعلم تهذيب النفوس ضروري للحياة الفردية وللحياة العائلية والحياة ~~الاجتماعية ، وهو لحفظ الفطرة في النفوس حتى لاتنطبع بالخبائث والرذائل ~~فتصبح من المفسدين . # فالقلوب التي هي محل نظر الله جل جلاله إذا كانت في نفوس متعهدة بالتهذيب ~~كانت ينبوع الخيور وإذا لم تتعهد بالتهذيب كانت مثار الشرور . # قال - صلى الله عليه وسلم - ( إن في الجسد مظغة إذا صلحت صلح الجسد كله ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهي القلب ) وبمقدار تأثر النفس بالفضائل ~~ورسوخ التهذيب فيها تكون مجاهدتها في سبيل الخير وعبادة الله تعالى ~~واستطابة الحق ولو كان مرا ثقيلا ، قال عليه الصلاة والسلام ( اعبد ربك على ~~الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير ) # وللتهذيب طرق متعددة ولم يزل علماء الأخلاق والنفس يستخدمون قواهم ~~لابتكار أساليب التهذيب باعتناء عظيم إلا أن الطريق المعمول به الآن في بعض ~~مدارس تونس هي بسيطة ولكنها لابأس بها ، وهي ترويض أذهان التلاميذ بما ~~ذكرنا من الفنون ، ثم بحفظ شعر الحماسة والأخلاق الطاهرة والمحاسن والحكمة ~~والفضائل وقطع نثرية من ذلك القبيل ، بعدة آيات وأحاديث وشرح ذلك كله لهم ~~وما يناسبه من الأمثال ، أما ما يخل بالأدب الإسلامي ms043 من المجون والسخف ~~والتغزل فلا وجود له وحسنا فعل أربابها ، وما قيل من وجوده فاختلاق محض ومع ~~وجود شيء من ذلك في دروس أولئك المختلقين وآدابهم ، أولئك الذين يطعنون ~~فيما رأيته وتراه من العلوم ويتخلل دروسهم مثل قول الشاعر : # ( قد أقبلت عزة من عراقها من عراقها ) # وقوله : (اعد نظرا يا عبد قيس ) PageV01P059 مما يخجل العاقل من ذكره ~~وسماعه ، وما انتبهوا إلى سنة الله في كتابه العزيز من التعبير بالكناية ~~كقوله تعالى { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ( البقرة / 223) ~~وقوله { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } ( ~~النساء / 21)وقوله { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن } ( البقرة /222) # وأمثالها من التعاليم العالية والآداب الكاملة .ونود أن يوجد تدريس علم ~~النفس حتى تتربى القوى العقلية في الناشئين وتنمو وتسمو مداركهم وتتثقف ~~غرائزهم . # وما أحوج بلادنا الجزائرية إلى المدارس وأنواع العلوم الإسلامية فقد ~~انتشرت في جميع أرجائها المدارس الفرنساوية وفقدت منها المدارس الإسلامية ، ~~اللهم إلا شيئا يذكر مع ضعف التعليم وهذه منافسة عظيمة للتعاليم الإسلامية ~~وإن استمر الأمر على هذه الحال فستصبح تعاليمنا في خبر كان ولله عاقبة ~~الأمور . # ولا بأس أن نأتي بنزر من الكلام على الفطرة وتضاربت آراء الباحثين في ~~نزعاتها ، وعند بعض هي نقاوة القلوب وطهارتها واستعدادها للخير ، ويدل لهذا ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - ( خلقت هذه القلوب حنيفية إلا ما كان من ~~الشيطان فإنه يخترمها عما خلقت له ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل ~~مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه ) # وعند آخرين هي الإسلام ، واستدلوا لقولهم بقوله تعالى { فأقم وجهك للدين ~~حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ( الروم / 30) PageV01P060 ومنهم من يرى هي ~~استعدادها للخير والشر ، ومنهم من يرى هي هيي استعدادها للخير والشر ، ~~ومنهم من يرى هي خلوها منهما ، ومنهم من يرى أنها الشر # ويستدلون برأي أبي الطيب ms044 المتنبي (1) في قوله : # ( والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم ) # ورأي المعري(2) في قوله : # ( وفضيلة النوم الخروج باهله # من عالم هو بالأذى مجبول) # وقوله : # ( ومن جرب الأقوام أوسعهم ثلبا ) # وبعض أنصار هذا الرأي يقول إن الطبع الإنساني متى وكل إلى نفسه ولم تحفظه ~~العصمة الإلهية وترشده الهداية الربانية التبست عليه الأمور وكان إلى الشر ~~أميل منه إلى الخير وأطوع إلى صولة الأول منه إلى سلطة الثاني ، ولذلك وجب ~~حياطة الناس بما صدر عن سنة خيرة الخلق المعصومين المطهرين وما جاؤا به من ~~الحكمة المبينة لجميع الخيرات بأصدق القول وأبلغ الكلام . # وللقائلين بأن الفطرة استعداد النفوس للخير والشر أدلة منها قوله سبحانه ~~: { فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( الشمس / ~~8- 10) فقد افادت الآية أن إلهام الله للنفس عقب تسويتها والفلاح لمن طهرها ~~من المعاصي ولم يدنس صفاءها الفطري بشيء من الرذائل والخيبة لمن دسسها ~~بالمعاصي ،ويأيد هذا قوله عز شأنه : { وهديناه النجدين } ( البلد / 10)أي ~~بينا له طريقي الخير ، وكذا قوله تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا } (الإنسان / 3) إلا أنك إذا تأملت جيدا تجد ترجيح رأي القائلين ~~بأن الفطرة ميل النفس إلى الخير والاستعداد له للحديثين الشريفين ( خلقت ~~هذه القلوب حنيفية ) و( كل مولود يولد على الفطرة ) .والقائلون الفطرة هي ~~الإسلام يستدلون بالآية المتقدمة ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) أي ~~ألزم فطرة الله وهي الاعتراف لله بالوحدانية فإنها الدين القيم لا تغيير ~~لها أولا تغيرها ، # ( PageV01P061 1) أبو الطيب أجمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أحد ~~كبار الشعراء الراقي الخيال الدقيق التصوير العيد ي المرمى ، له سلاسة ~~وانسجام في شعره ما جعله جذابا للقلوب ، كان مصاحبا لسيف الدولة ، وله فيه ~~كثير من القصائد ولكافور الإخشيدي في مصر ولعضد الدولة بفارس ، توفي سنة 354ه . # (2) هو أبو العلاء الفيلسوف الشاعر المشهور ، رمي بالكفر والإلحاد وذكر ~~أنه تاب ، عمي بعد ولادته بأربع سنين ، وهو من أساطين الأدب لبث زهاء 45 ~~سنة بعيدا عن أكل ms045 اللحم ، متزهدا عن تعذيب الحيوان بالذبح وكان يعتقد أن ~~الزواج جناية ، توفي سنة 449 ه كان من مشهوري الحفظ والذكاء النادرين . # على أن النفي بمعنى النهي وقد أخبر الله تعالى في آية { تسبح له السماوات ~~السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~إنه كان حليما غفورا } (الإسراء/ 44)بأن الخضوع لجلاله والاعتراف بوحدانيته ~~وألوهيته من جميع المخلوقات أما بلسان الحال وأما بلسان المقال . # زهد الجامدون في فن تهذيب الأخلاق وابتعدوا عنه فصارت نفوسهم مظلمة ~~وعقولهم غير صقيلة فضاعت منهم الفطرة السليمة فكان ما يمر عليهم من الدلائل ~~والحكم غير قار . ولو اشتغلوا بهذا الفن لكفى بعضهم شر بعض وكفوا شر الناس ~~وكفى الناس شرهم ورأوا ما تقر به أعينهم ولأدركوا ضرورة التعاون والاتحاد ~~مع أوساطهم لأن الضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلف بين أشتات الأشخاص ~~ليصيروا بالاتفاق والائتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على ~~الفعل الواحد النافع له . PageV01P062 # فالنقصان الذي يضطر الناس إلى الإتمام والاستكمال جعل أفراد البشر مرتبطة ~~، ولا سيما أفراد الشعب الواحد ، والمصالح العامة ضرورية بين الناس ~~الاستغناء عنها مستحيل ، لاتمنع منها ولاية ولا براءة لأنها من وظائف ~~القلوب لهذا قال - صلى الله عليه وسلم - (افشوا السلام تحابوا)ما أحوج ~~أولئك إلى درس علم النفس أيضا والوقوف على أسرار الإسلام حتى يعلموا سر ~~إيجادهم ومعنى إنسانيتهم وكونهم بالطبع مدنيين # { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } ( ~~القصص / 56) # المكاييل والمقاييس # من الفنون التي يزاولها الشبان بالمدرسة فن المكاييل والأوزان ، وليس ~~بخفي أن الأقيسة على اختلاف أنواعها هي القطب الذي تدور عليه رحى المعاملة ~~فيما بين الناس وينضبط به أمر التبادل العام الذي هو أس الثروة والعمران ~~وتتعين مقادير الحقوق الشرعية في الزكاة والصدقات وغيرها وبدونها لا يمكن ~~الوصول إلى هذه الغاية الشريفة فيتلاشى أو يفسد كثير من أصول الدين القويم ~~وتتعطل حركة المعاملة ويختل أمرها حيث لا يعرف الإنسان كيف تكون . # لم تزل مسائل هذا الفن مطمح ms046 أنظار العقلاء ومبحث القادة من العلماء ، ~~ولها أهمية عظيمة بين الأمم المتقدمة وتعد من الواجبات المدرسية على ~~التلميذ في أطواره المدرسية الأولية حتى يكون بصيرا بآلات التعامل بين أمته ~~وغيرها كذلك ، فإن سمحت له الأقدار بتعاطي المعاملة كان في تجارته لا يظلم ~~ولا يظلم . # وقد ورد عظيم في الإخلال بشيء منها فقال عز من قائل : { ويل للمطففين ~~الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن ~~أولئك أنهم مبعوثون } ( المطففين / 4،1) PageV01P063 ثم انذرهم ونبههم الى ~~مراعاة يوم يناقشون فيه الحساب ويقتص منهم فيما نقصوه من المكيال والميزان ~~فقال { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } ( المطففين /4) ، وببخس المكيال ~~والميزان أهلك الله قوم شعيب عليه السلام . # وغير خفي أن التعامل الآن في بلادنا بمكاييل وموازين فرنسوية واندثرت ~~مكاييلنا وموازيننا فوجب أن نعلم الشبيبة هذا الفن حتى يكونوا على بصيرة من ~~هذه الآلآت التي ابتلينا بالتعامل بها في ظعننا وإقامتنا كما يجب علينا أن ~~نحافظ على أوزاننا الشرعية لأداء الحقوق كما قدمنا . # وهذا الفن من لوازم العمران لا من الكماليات حتى يصح الاستغناء عنه لبعض . # الإجمال في الفنون بعد التفصيل # يتبين للمطلع على ما كتبناه على الفنون وما أتينا به باختصار وألممنا به ~~من تلك الفنون الحيوية ، عدم منافاتها للقرآن والإسلام ، ويتبين له كونها ~~من الواجبات الحيوية والعدة اللازمة للوقاية من انكسار شوكة الإسلام ~~وانهدام أطمه وانهزام أنصاره أمام أي قوة أجنبية عنه تحاول القضاء عليه ~~وطمس معالمه ، وتلك من وسائل إعلاء كلمة الله . # والزاعمون مباينتها للدين وأنها مما يضر به ، بينهم وبين إدراك أسرار ~~الله وفهم سننه في الكون أغوار وأنجاد ، ومعالم وأطواد وهذا النزر اليسير ~~من علوم حقائق الموجودات وخواصها وأسرارها ما هو إلا كمصة من وشل ، يندرج ~~تحت هذه الكلمة علوم شتى لا تكاد تحصى ولا تخطر ببال الجامدين الذين يصمون ~~الحق بالباطل ويتكلمون فيما ليس لهم به علم { ولا تقف ما ليس لك به علم إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } ( الإسراء / 36 ms047 ) # وكلها من العلوم المفيدة اللازمة في الدين والمعاني الأدبية والأمور ~~المادية ، وقد دعا الله إلى النظر في موضوعاتها غير مرة بل أكثر القرآن جاء ~~حاثا على النظر في الموجودات كما قدمنا . PageV01P064 # ولا شك لأنه وإن سلمنا أن النظر السطحي كاف في الإيمان لكن التحقق من هذه ~~الأشياء على الطرق العلمية مما يورث كمال اليقين . # إن اعتقاد الناظر في هذه العلوم والعالم ببعض تفاصيلها هو الاعتقاد ~~الكامل الذي يعد النفس إلى الاقتراب من موجد العوالم ، وفرق كبير بين الأثر ~~الذي يحصل في نفسك إذا سمعت أن فلانا شجاع كريم على سبيل الإجمال وبين ~~الأثر الذي يحصل عندك إذا شاهدت جزئيات وقائعه في الحروب ونظرت إلى ما يصدر ~~عنه من الإحسان .نعم نعم بين الإجمال والتفصيل فرق ما بين الشهود والتقليد . # الوجدان الذي يحصل من الاستكمال العلمي والنضر في الموجودات ومعرفة ~~أنواعها ونظامها وترتيبها إلخ يرفع الإنسان إلى حد يكاد يجعله سلطان ~~العوالم ( ولا شك أن العلم نوع من الاستيلاء على المعلوم ) ويريه كأنه يشرف ~~عليها من كوة عالية فوقها ويخيل له معنى السعادة ، والغنى التام ، والكمال ~~المطلق الرباني المتجلي في مخلوقاته . # ولئن امتاز الإنسان باتقان الفعل وحسن الآثار وتحصيل المصالح والابتعاد ~~من المضار فلا جرم أن ذلك لا يكون إلا بالاستكمال في العلوم الكونية والنظر ~~في خصائصها وأسرارها فكيف لا ننظر فيها على قدر الطاقة(1) . # ( الاتقان ) : وقد احتوى ( آي القران ) على علوم أخرى من علوم الأوائل ~~مثل الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر والمقابلة والنجامة إلخ # ثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب وشفاء الصدور . وأما الهيئة ففي تضاعيف ~~سورة من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السماوات والأرض وما بث في العالم ~~العلوي والسفلي من المخلوقات وأما الهندسة ففي قوله تعالى: { انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب } ( المرسلات / 30) (2) . # (1) العلم والعلماء ببعض تصرف واختصار . # ( PageV01P065 2) في الاستلال بهذه الاية على هذا الفن نظر ، وكانه يشير ~~الى الشكل المثلث والاشارة في قوله تعالى :( وكل شيء عنده بمقدار ) اقوى ، ~~ففي اقل اشارة او احتمالها في اية ms048 كفاية الرد على دعوى مباينة تلك الفنون ~~للقرآن . # وأما الجبر والمقابلة فقد قيل إن أوائل السور فيها مدد وأعوام وأيام ~~لتواريخ أمم سالفة وأن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة وتاريخ مدة أيام الدنيا ، ~~وما مضى وما بقي مضروب بعضها في بعض . # وأما النجامة ففي قوله تعالى: { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو ~~أثارة من علم إن كنتم صادقين } ( الأحقاف / 4)قال به ( حبر الأمة )(1) . ~~وفيه أصول الصنائع كلها والمعاملات .اه وبالجملة كتاب أنزله الله للبشر ، ~~كافل لسعادتهم في الدارين { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر ~~أولوا الألباب } ( ص / 29) # ( قلت) من العلوم الممتازة بالتآليف النفيسة وأخصاء ونوابغ ( علم النفس ) ~~وقد أصبح من العلوم المقفرة بالجامعات الكبرى وهو وإن كان شعبة من علم ~~الأخلاق لكنه توسع فيه العلماء وأبرزوه في ثوب قشيب وحلة بديعة ، المتبرزون ~~فيه لهم اقتدار في تربية القوى العقلية وإدراك النفوس واستعدادها وتهذيب ~~الأخلاق ، وسيكون في مستقبل الأيام لهذا العلم شأن وأي شأن بما ظهر فيه من ~~الأسرار العجيبة ، وقد أخبرني بعض الأساتذة أن الاعتناء بهذا الفن عند ~~الأمم الأوروبية أبلغهم إلى حد معرفة النفوس الشريرة كل بما يخصها من قبيح ~~الأعمال حتى صاروا يستخرجون قضايا الجنايات بهذه المواهب بطريقة صادقة ~~يحكمون بها . PageV01P066 # هو عبد الله بن عباس عم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما بحر ~~العلم وحبر الامة وعالمها ولد (والنبي صلى الله عليه وسلم واهل بيته بالشعب ~~من مكة ) فاتي به النبي ( عليه الصلاة والسلام ) فحنكه بريقه وذلك قبل ~~الهجرة بثلاث سنين على قول وراى جبريل عنده صلى الله عليه وسلم مرتين وكان ~~له لما مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ثلاث عشرة سنة وقيل خمس عشرة سنة ~~وتوفي سنة ثمان وستين بالطائف وهو ابن سبعين سنة في رواية . # وهي وإن كانت غير مطابقة للحكم الشرعي لكنها توصل إليه بدون أدنى ريب ~~ويعرف بها الجاني والنفوس الخبيثة فتتخذ ms049 وسائل إصلاحها فتغدو أعضاء نافعة ~~في الهيكل الاجتماعي # 1. فإن النفوس الجامحة منها المستعدة للتأثير بالزواجر الإلهية بمجرد ~~سماعها ومنه بتكرارها ومنها غير قابل لها بالكلية ، ولهذه الفروق شرع ~~الحدود تطهيرا لقابلية الصلاح وتمييزا لضدها { ليميز الله الخبيث من الطيب ~~ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون ~~} ( الأنفال / 37) # ولا غرابة أن نقول أن القرآن من أكبر الآيات وأعظم المعجزات وأسطع ~~البراهين على توحيد الله تعالى وكمال قدرته إذ جميع ما في الكون وما بلغت ~~إليه أفهام البشر من الاختراعات مذكور في الكتاب العزيز تصريحا أو تلويحا . ~~تأمل قوله سبحانه وتعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ~~ما لا تعلمون } ( النحل / 8) PageV01P067 ترى من الإبداع والإعجاز المرتبة ~~القصوى ، فإنه سبحانه ألفت نظرنا تذكيرا إلى آلائه الوافرة علينا في عالم ~~الشهادة من تسخير الحيوانات لنا وانقيادها ذلولة نتخذها مطايا وزينة ثم ~~ألفتنا ثانيا إلى عالم الغيب بأنه يخلق أشياء لم يحط بها علمنا قبل حدوثها ~~بصيغة الاستقبال المفيدة للتجدد والاستمرار صالحة للركوب والزينة وغيرها من ~~العجائب التي لاتنقطع . # اللهم عز شأن الإنسان ما لم يعلم فابتكر المراكب البديعة المائية والجوية ~~والبرية التي أصبحت تطوي الأرض وتقطع في جزء من الزمن يسير الأبعاد الشاسعة ~~وتصل كل منتأى ، وابتكر المخبرة السلكية واللاسلكية والمسرة يستكشف بها ~~مرامه في كل صوب ، وإنا نرى كل حين من غرائب صنع الله تعالى الذي أتقن كل ~~شيء مما ألهمه الذين خصهم بقوة الفكر واستخدام المواهب العقلية ما يبهر ~~الألباب . وأولئك الذين تعتمت أفكارهم بطحلب الجمود أو قصرت مداركهم وتعطلت ~~دون الوصول مواهبهم بعدم استعمالها عن آيات الله غافلون . # في رسالة حكم عيسى عليه السلام آخر الزمان(1) قال - صلى الله عليه وسلم - ~~( ما من شيء فهو في القران أو فيه أصله قرب أو بعد ، فهمه من فهمه وعمه عنه ~~من عمه ) . # وفيها قال بعضهم : ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله ، # (1) رسالة جليلة للسيوطي خطية في دار الكتب المصرية . # حتى إن بعضهم ms050 استنبط عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا وستين سنة ~~من قوله سبحانه في سورة المنافقين : { ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ~~والله خبير بما تعملون } ( المنافقون /11) # فإنها رأس ثلاث وستين سورة وأعقبها بالتغابن . PageV01P068 # قال - صلى الله عليه وسلم - :( لو أغفل شيئا لأغفل الذر والخردلة ~~والبعوضة(1)، وقال ابن مسعود(2) رضي الله عنه :( من أراد العلم فعليه ~~بالقرآن فان فيه خبر الأولين والآخرين ) ، وقال :( أنزل في القرآن كل علم ~~وبين لنا فيه كل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن ) . # مما ينبغي لنا أن نذكره هنا ونزين به هذه النبذة بعض أسرار كلام الله ~~العزيز الذي لا ينضب معينه ولا تخلق محاسنه ولا تنطفيء أنواره ، نرى كثيرا ~~ما يمدح سبحانه فيه أعمالا ويذكر على أخرى ثوابا ويثني على فاعلها مرة ~~أخرىتشويقا لنفوس المؤمنين وانتدابا لها إلى تلك الأعمال الجليلة بطريقة ~~مؤثرة بليغة لما فيها من المنافع الجمة وادخار الحسنى . ولو امعنت التفكر ~~مثلا في قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير } ( البروج / 11) # لرأيت في نفسك من التأثير ما لاتقدر على تكييفه ومن الشوق ما لاتتصوره ~~ومن انتعاش روحك وانجذاب نفسك ما تكتنهه ، لذلك قال العلماء يؤخذ الأمر من ~~ثلاثة من مدح الفعل ومن ذكر الثواب عليه ومن مدح الفاعل ،كذلك النهي يؤخذ ~~من ذم الفعل ومن ذم الفاعل ومن ذكر الوعيد عليه . ومن هذا القبيل ذكر ~~المولى عز شانه نعمه في معرض الامتنان الفاتا لنفوسنا الى شكرها واستعمالها ~~فيما خلقت لاجله وهذا كثير في القران مما تحسن حال الافراد به وتنتظم ~~الهيئة الاجتماعية ةتنال السعادة السرمدية . # ومن الغرور ان يقول قائل ان الكتب المنزلة لم تتضمن الا ما هو عبادة ~~ةتهذيب النفوس مع ما تضمنه القران مما ذكرناه وهو شيء يسير مما فيه ، وحتى ~~سيادة المسلمين ةاستخلافهم في الارض لحفظ النظام ونشر السلام . # (1) رواه ابو الشيخ وابن حبان في كتاب العظمة . # ( PageV01P069 2) هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي ms051 كان من كبار ~~الصحابة وعلمائهم ، شهد له ( صلى الله عليه وسلم ) بالجنة وشهد معه بدرا ~~واحدا والخندق وبيعة الرضوان وسائر المشاهد ، وهاجر الهجرتين الى الحبشة ~~والى المدينة وصلى الى القبلتين ، قال رضي الله عنه لقد رايتني سادس ستة ما ~~على الارض مسلم غيرنا ، وشهد وقعة اليرموك بعده ( صلى الله عليه وسلم ) ، ~~توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين واوصى الى الزبير بن العوام ودفن بالبقيع ~~وعمره بضع وستون سنة # أولا يرى إلى قوله سبحانه : { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر ~~بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } ( النور / 55) PageV01P070 كيف استنهض ~~المسلمين إلى العز والسلطان بأن وعدهم بالاستخلاف في الأرض وتمكينهم من ~~الإسلام الذي اختاره لهم دينا وإلا من بعد الخوف ، كل ذلك متى جمعوا بين ~~التصديق به والعمل الصالح ثم أمر بالخضوع لجلاله وعظمته والامتثال لأوامره ~~واجتناب نواهيه ثم ختم الآية بقوله ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ~~فأفادتنا الآية أننا متى تركنا الواجب صار أمننا خوفا وزال سلطاننا وأصبحنا ~~محكومين لا حاكمين وهذا هو المشاهد الآن ( أعاد الله للإسلام عزه وعظمته ~~ورفع لواء دينه على كل الألوية ) وأكبر دليل على أن القرآن جامع لعلوم ~~الأولين والآخرين قوله سبحانه : { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من ~~أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين } ( النحل /89) و { وما من دآبة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم ~~يحشرون } ( الأنعام / 38) # ولا يصح قصر الآيتين على ما يخص العبادات والمعاملات ، ولا دليل يصح قصر ~~الآيتين على ذلك إذ لا تخصيص لعمومهما ، وما ظهر من هجمات الملحدين وطعن ~~الأجانب في الدين الإسلامي ووصفهم له بأنه دين الجمود فمن أسبابه ما يكتبه ~~الجامدون والأعراض منهم عن سنن الله في الكون ، وهم ms052 يحسبون أنهم يرفعون ~~مناره بينما هم يقوضون بنيانه فكانوا أكبر مساعد لأولئك الأخصام الذين ما ~~ذاقوا المجد وعرفوا نعيم الحرية إلا بما نشره القرآن وأفاضه الإسلام بين ~~الورى من أنواع السعادة وبينته السنة الغراء من المحاسن ومكارم الأخلاق ، ~~ولم تزل تتفيأ ظلال الإسلام على العالم ولو أنكرها الجاحدون . PageV01P071 # من شأن المسلم أن يجعل نفسه مثالا تتشخص فيه مكارم الإسلام وآثاره ~~الفاخرة وكمالاته وتعاليمه العالية وأن لايبتدر منه ما يحط من محاسنه . ومن ~~الواجب إظهار حقائقه وفضائله والدعوة إليه ونشر مزاياه وإبانة ما جاء به ~~القرآن من السعادتين . # فبتصوير المسلم لدينه بجماله والدعوة إليه والترغيب فيه يحصل التأثير ~~العجيب ومصداق قولنا قوله سبحانه : { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين } ( فصلت / 33) # إن من كمالات الدين الإسلامي ونعمة القرآن انتشال البشر مما كان منغمسا ~~فيه من حمأة الجهالة والهمجية والخضوع لأسر الأوهام وما يخطر من الهواجس ~~التي ما لها على الإنسان من سلطان إلا سوط الجهل إطاعة لها ، أباح القران ~~للعقلاء في كل شي من المخلوقات وفتح لهم مراقي السعادة العقلية ولم يحظر ~~عنهم إلا التفكير في ذات الباري جل وعلا لأنهم لا يحيطون به علما لذا قال ~~عليه الصلاة والسلام : ( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق ) # الحكمة ضالة المؤمن PageV01P072 ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - ( الحكمة ~~ضالة المؤمن فحيث وجدها أخذها ) سواء قلنا الحكمة العلم أو إصابة الحق ~~بالعلم والعقل أو غير ذلك من الوجوه، فكلها تحوم حول معنى واحد وهو العلم ، ~~هو أنشودة المؤمن وغاية مناه ؛لأنه به يشرف ويسعد وينال الدرجات العلى ، ~~وأشرفه ما يبلغ به إلى معرفة ( مالك الملك ) (جل جلاله) عن يقين ،فمن هنا ~~قال المحققون إيمان المقلد ضعيف ، فكل علم يزداد به اليقين ويشرق به الباطن ~~وتتقوى به الكمالات الإنسانية فهو علم الحكمة { يؤتي الحكمة من يشاء ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب } ( البقرة / ~~269) يلتقطها المؤمن أينما وجدها ولا غبار عليه متى وجد ms053 علما نافعا من ~~العلوم التي لا ضرر فيها على الدين عند أي شخص وأخذه عنه، وقد جرى على هذا ~~العلماء قديما وحديثا ، وفي المثل السائر قال - صلى الله عليه وسلم - :( ~~الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها إذا وجدها ) والمراد بذلك أن الحكمة قد ~~يستفيدها أهلها من غير أهلها كما يقال:( رب رمية من غير رام ) ، وهذا لايخص ~~علما واحدا من العلوم بل يقع في كل علم .اه ففي بعض الروايات لحديث الباب ( ~~حيث ) وهي لعموم الأمكنة فتفيد أخذ كل علم نافع لا ضرر فيه شرعا من أي ~~إنسان وجد عنده . PageV01P073 # وفي الجواهر السنية : لما كانت الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها ، ~~وأبرك يوم عنده ما أحرز فيه مسالة واستفادها أو أفادها ، وكان من أجلها علم ~~الكيمياء الذي لم يسمح بمثله الزمان ، إذ هو أساس لعلم الشفاء ، ومعالجة ~~الأبدان فهو له كالأم وعلم الطبيعة كأبيه ، ولا ينكر ذلك إلا جاهل سفيه ، ~~لم لا وبه يعرف تحليل الأجسام وتركيبها وتقطير الأملاح وتبلور(1) الأملاح ~~وتذويبها وتأكسيد(2) المعادن واستحضار الغازات ، وتجهيز الحوامض(3) ~~والأملاح ومنافع الفلزات(4)وبه تتميز السموم من غيرها من الاستحضارات ، ولا ~~تتم مهارة الطبيب إلا به ويدرك خطؤه من صوابه ، كان الواجب على العاقل أن ~~يتلقاه ولو من غير أهل الإسلام حيث لا يجد فيه ما يخالف شريعة سيد الأنام . # وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : ( أعلم الناس من يجمع علم الناس إلى ~~علمه وكل صاحب علم غرثان ) ، وأنت ترى عند التحقيق أن الحكمة هي العلم ، ~~فتأمل يا مسكين شرف العلم ، فإن الله عز وعلا سماه الخير الكثير ( ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) والتنكير للتعظيم وسمى الدنيا بأسرها قليلا { ~~قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا } ( النساء / ~~77) وذلك أن الدنيا متناهية العدد متناهية المقدار ، متناهية المدة ، ~~والعلوم لا نهاية لمراتبها ولعددها ولمدة بقائها والسعادات الحاصلة منها . # واعلم أن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته ،والخير لأجل العمل ~~به ، فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق ، ومرجع ms054 الثاني إلى فعل العدل ~~والصواب ، قال بعض المفسرين في قول أبينا إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - : ~~{ رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } الحكمة النظرية ( وألحقني بالصالحين ) ~~الحكمة العملية . والله ولي التوفيق . # ( PageV01P074 1) اجتماع أجزاء مائعة أو غازية أو محلولة في مائع ~~وانعقادها تدريجا مع البطيء على أشكال مختلفة منتظمة تسمى بالبلورات ، فإن ~~كان الاجتماع بسرعة ومن غير انتظام في الشكل يسمى ترسيبا وما تكون منه يسمى ~~رسوبا . # (2) اتحاد مقدار من الأكسجين بجسم . # (3) هي الجواهر المتكونهة من اتحاد الأوكسجين أو الإيدرجين بجسم بسيط أو ~~جسمين أو ثلاثة . (4) هي الأجسام المعدنية . # الكلام على التعليم # لا ريب أن التعليم له طرق متعددة وأساليب متنوعة ، غير أن النجاح في ~~التحصيل مبني على مقدرة العالم في التأثير وإيصال المعاني إلى أذهان ~~التلاميذ بذكائه ومواهبه . # لم تكن أساليب التعليم فيما سلف منظبطة وإنما هي حسب ما يراه المدرس على ~~سبيل التقليد أو استنباطا منه لفوائد فيه يضمها إلى طريقته التي أخذ بها عن ~~أساتذته ، غير أن العلماء المعتنين بالتعليم ما زالوا يبتكرون طرقا ويمزجون ~~بأخرى ثمرات بلغت إليها عقولهم بحثا وتجربة ويختصرونها آنا بعد آن إلى أن ~~أصبح اليوم التعليم له طرق سهلة التناول مفيدة للمتعلمين موصلة إلى البغية ~~في يسير من العمر مع وفرة المعلومات ، وقد ألف فيها العلماء تآليف لا تحصى ~~وأعدت الحكومات والجمعيات مدارس لذلك يتخرج فيها المعلمون الأخصاء البارعون ~~في ايجاد الملكات للتلاميذ . # والتعليم من شعار العلم وأخص صفاته ، إذن فلا بد له من الكمال فيه ، وإذا ~~كان هو أساس السعادة وواسطة التربية والترقي ونشر الدين ، فلا بد من ~~الاعتناء به والسعي في تسهيله ولا يجوز الاقتصار فيه على ضرب غيره أحسن منه . # وبدهي أنه لا تلازم بين العلم وحسن التعليم ، فكثيرا ما يكون الشخص من ~~كبار العلماء ولكنه مشوش أو عاجز البيان أو قليل الخبرة بأساليب الإقناع ~~ليست عنده قوة التصرف ولا دراية بطرق التفهيم التي تختلف باختلاف المتعلمين ~~، ولا شك أن نجاح الطالب أو سقوطه وسعادته أو شقاوته يرجعان إلى أمر ms055 ~~التعليم . PageV01P075 # فهناك من يرفع البليد بحسن تعليمه ويقدمه إلى صفوف الأذكياء ويأخذ بأيدي ~~الطلاب إلى أسمى مراتب العلم وأقصى وجوه النظر من أقرب الطرق بدون تعب يذكر ~~، وهناك من يحط من قدر الأذكياء حتى يذهب ما ينتظر منهم ويضيع حسن ~~استعدادهم ، ويكون كالعلة التي تلحق الحيوان أو النبات في أول نشأته فتعوق ~~نموه وتورثه الذبول . # المتعلم يكون أول أمره عاجزا عن تعلم أصغر الجمل وأظهرها إلا على سبيل ~~الإجمال والتقريب بالعبارات الصريحة والإشارات الحسية ثم لا يزال الاستعداد ~~يتدرج فيه قليلا قليلا بمعاودة النظر في قواعد العلم وتكررها عليه ~~والانتقال فيها من التقريب والإجمال إلى الشرح والتفصيل ، ثم إلى الإحاطة ~~والاستيعاب حتى يتم ويكمل الاستعداد ، فمتى حصلت للتلميذ ملكة في علم من ~~العلوم رغبت نفسه وتشوقت إلى الاستزادة منه وتوسيع ملكته فيه ، ثم لايزال ~~ينتقل فيه تدريجا حتى يصل الغاية ويصير فيه إماما ، بخلاف ما إذا خلط عليه ~~من أول الأمر عجزت نفسه عنه وذهبت زهرة عمره بدون جدوى ، لهذا كان أغلب ~~المتعلمين ينقطعون عن العلم عندما يرون عدم التحصيل ، فكان فساد التعليم ~~جناية على مواهب كثير فعاقتها عن إبراز آثارها والانتفاع بها . # فالتعليم النظامي العصري جميل سريع مع نمو مواهب التلميذ تدريجيا ، فكان ~~كالمذكى لها إذا كان بيد المخلصين الأمناء ، وإنكار حسن التعليم الآن ~~وترقيه من قبيل انكار المحسوس وذمه ، من ( المفتون ) ضفاطة(1) وخطل . # الكلام على الفصاحة والبلاغة وتأثيرهما # من جمال ابن آدم وكماله الإنساني البيان ، جمال يأخذ القلوب ويلج الأسماع ~~بدون أذن ، ويستهوي النفوس ويخلب الألباب ، لولم يكن للبيان مدح إلا قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - :( إن من البيان لسحرا )(2) لكفاه شرفا وثناء خالدا ، ~~فكيف وقد مدحه الله تعالى في محكم كتابه الذي هو ينبوع البيان ، ~~PageV01P076 ومنهل العرفان ، فقال سبحانه : { الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان علمه البيان } # ( الرحمن / 4،1)علم البيان هو علم البلاغة _ وهو أجل العلوم الأدبية قدرا ~~ومكانا ، وأعلاها منزلة وأكبر شأنا ،لأنه علم يستولي على استخراج أسرار ~~البلاغة من معادنها وهذه توجد محاسن النكت المودعة ms056 في أصدافها ومكامنها ، ~~وهو الغاية التي ينتهي إليها فكر النظار والضالة التي يطلبها غاصة البحار ، ~~وعلبه التعويل في الاطلاع على حقائق الإعجاز في القرآن وإليه الاستناد عند ~~المسابقة في الخصل(3) والرهان ومنه تستشار المعاني الدقيقة على ممر الدهور ~~وتخرم الأزمان . # هو أبو عذرتها وإنسان مقلتها وشعلة مصباحها ، وياقوتة وشامها ، ولولاه لم ~~تر لسانا يحوك الوشي من حلل الكلام وينفث السحر والزهر مفتر الأكمام ، كيف لا # وهو المستولي على أسرار الإعجاز وحقائق المجاز، وكيف لا وبه يدرك ~~المستقيم من المعوج من التأويل .هو من العلوم الأدبية بمنزلة الإنسان من ~~سواد الأحداق وقد بلغ الذروة العليا من البلاغة الكتاب العزيز الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فأعجز البشر ووقف دونه فطاحل ~~الفصحاء والبلإاء ، منهم من خروا له خاضعين فنكسوا أمامه ألويتهم مندهشين ، ~~فما استطاعوا أن يبدوا أقل آية فكيف بسورة من مثله وقد أنزله الله تعالى ~~على (سيد العالمين ) - صلى الله عليه وسلم - وآله # (1) الجهل وضعف الرأي . (2) الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب (رحمه ~~الله) من أئمة القرن الثاني . # (4) الخصل والرهان عطف مراد . PageV01P077 # وسوق البلاغة نافقة (1)، ومنهم من انتقل عند عجزهم من المعارضة باللسان ~~إلى المقارعة بالسنان ومن المكالمة باللهازم(2) إلى الملاكمة باللهاذم(3) ~~.ليت شعري ما كان يخطر ببال أنه يوجد من يذم الفصاحة والبلاغة ، وأحكام ~~اللغة العربية الشريفة وإتقانها ، وقد مضى ذلك العصر الذي وجد فيه هؤلاء ، ~~عصر استخراج الفنون من أصدافها ، وتأسيس الضوابط لصيانتها وكفى مؤنة الرد ~~عليهم إمام البلاغة وفارس الفصاحة(4) في دلائل الإعجاز . # أجمعت كلمة البلغاء على أن القران معجز ، وإعجازه بوجوه عديدة بالنظم ، ~~واشتماله على المغيبات وخفايا الأمور التي لم تدرك إلا بعد ظهورها ، ووجوه ~~الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته ، وحسنه وبهجته ، وحسن ~~موقعه في السمع وسهولته على اللسان ، ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره ~~تصور المشاهد ، وتشكله على جهته حتى يحل محل البرهان ، ودلالة التأليف مما ~~لا ينحصر حسنا وبهجة وسناء ورفعة ، وإذا علا الكلام في نفسه كان له ms057 من ~~الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل ويبهج ، ويؤنس ويطمع ، ويضحك ~~ويبكي ، ويحزن ويفرح ، ويسكن ويزعج ، ويشجي ويطرب ، ويهز الأعطاف ويستميل ~~نحوه الأسماع ، ويورث الأريحية والعزة ، وقد يبعث على بذل المهج والأموال ~~شجاعة وجودا ويرمي السامع من وراء رأيه مرمى بعيدا ، وله مسالك في النفوس ~~لطيفة ومداخل إلى القلوب دقيقة ، وبحسب ما يترتب في نظمه ويتنزل في موقعه ~~ويجري على سمت مطلعه ومقطعه يكون عجيب تأثيراته وبديع مقتضياته . # (1) رائجة (2) عظمتان ناتئان خلف الأذنين والمراد المكالمة بالفم . (3) ~~الرماح القواطع . # (4) الشيخ عبد القاهر الجرجاني أول من لخص هذا الفن وأظهره برأسه وألف ~~فيه كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة ، فكانا ركن علم البلاغة العظيم . PageV01P078 # القرآن هو أشرف بيان وأهداه وأكمله وأعلاه وأبلغه وأسناه ، متضمن ثمرة ~~كتبه تعالى التي أولاها أوائل الأمم ، كما نبه عليه بقوله سبحانه: { رسول ~~من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة } ( البينة / 2، 3) # الله من معجزته أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم بحيث تقصر الألباب ~~البشرية عن إحصائه والآلآت الدنيوية عن استيفائه { ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز ~~حكيم } ( لقمان / 27) # كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا # كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا # محاسن أنواره لا يثقفها إلا البصائر الجلية ، والقلوب النقية المؤيدة من ~~الله بالتوفيق والعون . # ( المصباح )(1) : البلاغة أشرف أنواع الأدب وأعلاها مكانة وخطرا ؛ لأنه ~~علم لاستخراج أسرار البلاغة من معادنها ، والكشف عن محاسن النكت المودعة في ~~مكامنها ، الذي هو منتقد قوى البصائر ومسبار غور الفهم والخاطر ومضمار ما ~~يقع به التفاضل وينعقد بين الأماثل في شأنه التسابق والتناضل والذي إذا ~~حذفت فيه # اطلعك على إعجاز نظم القران وعلى خباء انصبابه في تلك القواليب ووروده على # تلك المناهج والأساليب ، وأقدرك في نسج الكلام على مايشهد لك من البلاغة ~~بالقدح المعلى وإن لك في إبداع وشيها اليد الطولى اه # (1) كتاب في البلاغة نفيس طبع حديثا لبدر الدين ms058 بن محمد بن مالك الإمام ~~النحوي . # ولولا البلاغة ما كان للشعر قيمة ولا كانت له مزية ولا كان له في النفوس وقع . # إن من الغرابة أن يذم إنسان هذه اللذة الوجدانية ، أو يزهد فيها وهي كما ~~رأيت من صفات القرآن وصفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أنا أفصح من ~~نطق بالضاد ولا فخر ) إن هذا لمن التحير والانقطاع بمكان . PageV01P079 # الكلام على الخمول والذل والاستكانة # ضعف الإرادة من بواعث الحرمان ، وإهمال واجبات المرء نحو دينه ووطنه ~~وأمته يلذ لصاحبهما الاستتار وتحمل الصغار والخضوع لإرادة الظالمين، ويرى ~~ذلك سعادة ونعيما، تعروه رعدة الخوف لأقل صوت أو حركة .قالت عائشة أم ~~المؤمنين : (رضي الله عنها)(1) ( إن لله خلقا قلوبهم كقلوب الطير ، كلما ~~خفقت ريح خفقت معها ، فأف للجبناء ) .إن الخمول والذل والاستكانة صفات يجب ~~أن يبعد عنها المسلم الغيور لدينه ، وكيف لا والإسلام مصدر العز والعظمة : ~~{ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } ( المنافقون ~~/8) أهمل المسلمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففشت المعاصي وفسدت ~~الأخلاق واختلت الآداب الحنيفية وأهملت الواجبات واشتدت وطأة الظالمين، ~~وتمكن روح الانخذال من النفوس ، # (1) هي أم المؤمنين زوج ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بنت أبي بكر ~~الصديق (رضي الله عنهما) تزوجها رسول الله قبل الهجرة بسنتين وهي بكر لها ~~سبع سنين وبنى بها وهي بنت تسع بالمدينة وهي أحب أزواجه إليه ( عليه الصلاة ~~والسلام ) كانت عالمة جليلة قال : - صلى الله عليه وسلم - في حقها ( خذوا ~~شطر دينكم من هذه الحميراء ) ومدحها الله في القرآن ( الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ) الآية وهي ممن أخذ عنه الإمام ~~جابر بن زيد (رضي الله عنه) ، توفيت سنة سبع وخمسين ودفنت ليلا بالبقيع ~~بأمرها . PageV01P080 # فضاع العلم والدين فصارت الأمة في في زلزلة وشقاق واستحكمت الذبذة ~~والنفاق ، وأصبح كثير من النفوس ميكروب الضرر وبيت المفاسد ألا لا يمدح تلك ~~الصفات إلا صاحب الجبن والخور قال بعض علماء الأخلاق : الجبن والخور تتبعها ~~إهانة النفس وسوء المعيشة ، وطمع طبقات الأنذال ms059 ، وقلة الصبر والثبات في ~~المواطن التي يجب فيها الثبات ، وهما أيضا سبب الكسل ومحبة الراحة اللذين ~~هما سببا كل رذيلة ، ومن لواحقهما الاستخذاء لكل أحد والرضى بكل رذيلة وضيم ~~، هذه أمراض نفسانية ناشئة عن فقدان مزايا الحكمة وعدم تتبع أعمال عظماء ~~النفوس بعقل صحيح ، وقلة الاتعاض بآيات التاريخ . # جدير بأن تتمكن الأهواء من النفوس عند فقدها لمزايا الحكمة والأدب والعقل ~~السليم والعلم النافع الذي يلزم صاحبه العمل لصالح أمته من طريق الحكمة ~~والموعظة الحسنة ويلزمه اجتناب الشؤون التي تنتج ضيق الفكر وفساد التصور ~~وسقوط المروءة وفقدان الشهامة والإعجاب بالرأي وتمكن الغرور من النفس ~~الأمارة . # ليت شعري كيف يتسنى لمن تمكنت منهم تلك الصفات الذميمة أن يعرفوا سنن ~~التطور الاجتماعي الضروري في البشر ماذا كتب فيما هو مسلم بالبداهة ، ~~أيحتاج النهار إلى دليل ؟ # وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يجنحون إلى الاستكانة تحت كلا كل ~~الاضطهاد والاعتساف باختيار منهم ، ويفضلون الخمول ويزهدون النفوس في ~~الواجب من النهوض العلمي والاقتصادي . # التطور الاجتماعي سنة الله في خلقه { استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا } ( فاطر / 43) PageV01P081 وما السعي في ~~معارضته إلا ضرب من المستحيل ، وحيث لا مناص منه فليعمل المصلحون الصادقون ~~والعلماء المرشدون في صرفه إلى الخير والسعادة بإنهاض الأفكار إلى العلم ~~والعمل والسعي وراء الحق بجميع الوسائل ومقاومة كل فساد ، وإلا وقع المحذور ~~من الشر والشقاوة ، وانحلت رابطة الأمة ودخلها كل وصف خبيث وتخلقت بأخلاق ~~مباينة للدين . # من الخداع والتغرير والجبن والخور أن ينتصب المرء لمعاكسة الحياة العلمية ~~وهي الحياة الصحيحة المعتد بها عند العقلاء إذ العلم غذاء العقول كما أن ~~العمل غذاء الأبدان ويأمر بتحمل الضيم والمهانة ، والخضوع لما تبديه الغشمة ~~من سلب الحقوق # وكذلك ذم التنعم بنعم الله وقد خلقها الله للمؤمنين به الموقنين : { قل ~~من حرم زينة الله التي أخرج ms060 لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } ( ~~الأعراف/ 32) # { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } ~~( الأعراف /32) # ألا يرى إلى توفر الأدلة على إباحة نعمه سبحانه بدون استثناء وكتابه ينطق ~~بذكرها كل آونة ، والنهي عن الحرمان منها ، وأنت خبير بما ورد في سبب نزول ~~قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ( المائدة / 87) PageV01P082 وذلك أن ~~جماعة من كبار الصحابة أثرت فيهم خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وشوقتهم إلى نعيم الآخرة فعزموا على هجر التنعم وقطع آلتهم حتى لا يشتهوا ~~النساء ولبس الخشن من الثياب والانقطاع إلى العبادة وإجهاد النفس بها ليل ~~نهار ، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فقال :(أما أنا فأقوم وأنام ~~وأصوم وأفطر وآتي النساء والطيب ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) وتحريمهم ليس ~~إلا منع نفوسهم عنها وحرمانها منها ، وهذا معنى قول بعض المفسرين في قوله ~~تعالى : ( لاتحرموا ) لا تقولوا حرمنا على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على ~~تركها تزهدا منكم وتقشفا . وقد سمى الله تعالى ذلك اعتداء على حدوده فقال : ~~( ولا تعتدوا ) على حدود الله أو على أنفسكم بحرمانها مما أباحه الله من ~~اللذائذ ، فإن لأنفسكم عليكم حقا ، وقال تعالى : { ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } ( المائدة / 93) # أي استمروا على التقوى وتحروا حسن الأعمال وأفضلها وأحسنوا إلى الناس ، ~~لما اشترط الله تعالى لانتفاء الجناح عمن طعم مستلذات المطاعم حصول التقوى ~~والإيمان فيه مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والإحسان اتجه أن يقال ، ~~ما الحكمة في تكرير اشتراط التقوى والإيمان فيه وعطف أحد المكررين على ~~الآخر بثم الدالة على التراخي ولا تراخي بين الشيء ms061 وبعضه ، فأجيب بأن ~~التكرير للتاكيد كما في قوله تعالى: { كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون } ~~( التكاثر / 4،3) # والتحقيق إن التكرير للتأسيس كما جرى عليه قطب الأئمة(1) شيخنا في تفسيره ~~الكبير ( هيميان الزاد إلى دار المعاد ) وكثير من محققي التفسير . # ( PageV01P083 1) هو الإمام الكامل مجتهد القرن الرابع عشر بين المعقول ~~والمنقول قطب الائمة شيخنا محمد بن يوسف اطفيش (رضي الله عنه) صاحب ~~المؤلفات الكثيرة والتصانيف العظيمة الذي بخل الدهر بمثله في القرون ~~الأخيرة ، ولد (رحمه الله) عام ألف وماتين وستة وثلاثين هجرية ونشأ في معهد ~~العلم والتربية الفاضلة ، توفي جدنا والده رحمه اللله وهو صغير ، وكفلته ~~الوالدة ، وشاهدت فيه النجابة والذكاء والفطنة وهو في سن لم يعهد فيه ~~لأمثاله تلك الصفات ، عهدت به إلى أحد المؤدبين فختم كتاب الله في مدة ~~وجيزة ثم اشتغل بالعلم وحضور مجالس العلماء حتى قدم أخوه جدنا (رحمه الله) ~~من رحلته في طلب العلم بمصر فعكف بين يديه مجدا حتى فاق أقرانه ثم اشتغل ~~بالتدريس حتى ظهر على كل علماء عصره وبلغ درجة الاجتهاد وصار هو المرجع ~~وكان نادرة الذكاء والاجتهاد وكان يحضر قبل ذلك على العلامة المفضال الشيخ ~~أي عيسى اشتغل بالتدريس والتأليف قبل عشرين سنة من عمره ، وفسر القرآن ~~ثلاثا ، وألف في التوحيد والفقه والحديث والبلاغة والنحو والصرف والفرايض ~~والعروض والفلك والتاريخ والحساب والمنطق ، تآليفه تجاوزت ثلاثمائة مصنف ~~بين كبير وصغير وحج مرتين ، ومن اجتهاده كان يؤلف في السفينة حريصا على ~~دقايق عمره لا تجده إلا في تدريس أو تأليف أو في لوازم الدين أو ضرورات ~~الحياة شديد المقاومة للبدع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر شديد الغيرة على ~~الدين لا يخاف في الله لومة لائم ذا هيبة ووقار وسخاء وإخلاص لله وتبتل ~~محدثا ومروعا يلقي في روعه فيحدث فيقع ما حدث به ولا غرو فهو من أولياء ~~الله ذاع صيته حتى صار مرجع المسلمين في جميع أقطار الاسلام في مشكلاتهم ~~ترد إليه الاسئلة منها ، ولو جمعنا أجوبتها لبلغت المجلدات العديدة وكان ذا ~~منزلة سامية ms062 لدى الملوك كالسلطان # ( PageV01P084 عبد الحميد الثاني ) وسلاطين عمان وزنجبار وأهدوه بأوسمتهم ~~اعترافا بمنزلته السامية في العلم والدين تبرز عنه العلماء الفطاحل أخص من ~~بينهم ذلك السري الفخيم سليمان باشا الباروني ، وبالجملة كان آية التحقيق ~~والتدقيق والتضلع في سائر الفنون وناهيك بتآليفه في أكثرها ، انتقل إلى ~~عالم الأرواح عند تنفس الفجر يوم السبت 23 ربيع الثاني 1332ه وقد اشبعنا ~~الكلام على حياته الشريفة ونسبنا الفخيم الحفصي العدوي في تاريخنا له عنه ( ~~الأقوال السنية في حياة قطب الأئمة ) إن ساعدتنا الأقدار فنمثله للطبع ، ~~نسأله سبحانه تحقيق الرجاء ، والعدوي نسبة إلى بني عدي القبيلة العمرية ، ~~قال في أرجوزته : # مع اجتماع في عدي بعمر وبالنبي في لؤي وزمر # فإن قيل قوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين } (المائدة /93) يفيد انتفاء الجناح عن المؤمن ~~الذي طعم مباحا بشرط إن آمن واتقى المعصية وعمل صالحا ، ومن المعلوم أن ~~انتفاء الجناح عن المؤمن ليس مشروطا بشيء من الإيمان والتقوى والإحسان ~~وإنما الجناح في ترك شيء من تلك المذكورات لا في تناول المباح عند انتفاء ~~شيء منها . فما الوجه في تقييد انتفاء الجناح عمن تناوله بقوله :( إذا ما ~~اتقوا وآمنوا ) أجيب بأن قوله تعالى :( إذا ما اتقوا وآمنوا ... إلخ لم ~~يذكر لتقييد نفي الجناح عنهم بتحقق تلك الأوصاف السنية مدحا لهم وثناء ~~عليهم فالسائلون من الصحابة ، تم جوابهم بقوله تعالى : ( ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) لأنهم طعموها قبل أن حرمت عليهم ~~فإن تلك الأوصاف لو ذكرت لاشتراط نفي الجناح عنهم باتصافهم بها لما كان ~~لختم الكلام بذلك وجه . PageV01P085 # نعم ينبغي للمؤمن الانكفاف عن بعض المباح أحيانا تحفظا للنفس عن الخسة ~~وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة وتوطينها على الاقتصاد الذي هو وسط بين رذيلتين ~~: التقتير والتبذير ، { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا } ( الإسراء/ 29)(1) وحديث ( إياكم والتنعم فإن عباد ms063 ~~الله ليسوا بمتنعمين )(2) محمول على ما قلناه # (1) في معنى ما قلناه قوله (عليه الصلاة والسلام) ( ما عال من اقتصد ) ~~أخذ المعنى ابن الوردي في لاميته المشهورة الجليلة : # بين تبذير وبخل رتبة فكلا هذين إن زاد قتل # (2) الحديث في الجامع الصغير وفي جامع الشمل أورده شيخنا على قاعدة العمل ~~بالحديث الضعيف في باب الترغيب والترهيب . # 1. وحمله على حرمة التنعم خطأ هائل ، ولاريب أن ترك التنعم رهبانية وقد ~~قال عليه - الصلاة والسلام- ( لارهبانية في الإسلام ) ولنا برسول الله أسوة ~~حسنة أولا ترى إلى قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ( الجاثية / 13)وقوله : { هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو ~~بكل شيء عليم } ( البقرة/ 29 ) # وغيرهما من الآيات كيف يتبادر إلى الذهن النفع الذي تدل عليه اللام وكيف ~~تشرق في سماء الأذهان النقية تلك الحكمة البالغة . # على أن ما ينتقده الجامدون ليس بتنعم وإنما هي بساطة في المعيشة عادية ~~ربما عدت تقتيرا ، وهل يريد هؤلاء أن تكون معيشة العقلاء كمعيشة الحيوان ~~الأعجم ؟ وما هذا إلا تنطع وليس من صفات الإسلام التي هي سعادة ونعيم : ( ~~يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون ) . PageV01P086 # قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا ~~وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي ~~النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ثم جمع الناس وخطبهم ، فقال : ( ما ~~بال أقوام حرموا النساء والطيب والطعام وشهوات الدنيا ، وإني لست آمركم أن ~~تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك النساء والطعام والطيب وشهوات ~~الدنيا ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد ، ~~واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشدد ~~، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ) وهذا لما حرم الجماعة من الصحابة على ms064 ~~أنفسهم الطيبات والمستلذات كما مر . PageV01P087 # العقلاء ينقسمون بالنسبة إلى كمال اللذات على قسمين ، فقسم يرى أن سعادته ~~في اللذات الحسية من المآكل والمشرب والمركب والمنكح والملبس ، فيحمله هذا ~~الاعتقاد على التأنق في ذلك والتفنن فيه ، ويراه هو الكمال الإنساني ~~والغاية والخير المطلوب والسعادة القصوى ، وما ركب فيه من القوى إنما هي ~~لأجل هذه اللذات والتوصل إليها ، وهذا هو اعتقاد الطبقة المنحطة رعاع الناس ~~وجهالهم وسفلة القوم وسقاطهم عبيد الشهوات الخسيسة ، وما علموا أنهم ~~يشاركهم في تلك الصفات الحيوان الأعجم ، وقسم يرى اللذات الحسية مهما بلغت ~~من الحسن والجمال فهي عوارض غير مقصودة بالذات ، وإنما الكمال والسعادة في ~~اللذات المعنوية ، من العقل والعلم والحكمة والفوز على الأعداء وشرف النفس ~~والشجاعة والعفة وكرم الأخلاق ومقارعة الباطل ببرهان الحق ، والعمل للسعادة ~~السرمدية والنعيم المقيم ، وأمثال هذه الكمالات وهذا القسم هم المشاركون ~~للملائكة المقيمون بينهم بروحانيتهم المستنيرون بالنور الإلهي لا يرون ~~للحسيات وزخاريفها شأنا ولا تختلبهم خدائع الطبيعة الجسمانية ، ولا يحزنون ~~على فقد محبوب ولا يتحسرون على فوت مطلوب ، يستمدون من فيوض الآمال ~~ويستعذبون أشد الأهوال ، وما ذلك إلا لما في نفوسهم من اللذة المعنوية ~~الصحيحة ، يعسر فك رموزها على النفوس التي أخلدت إلى الحسيات والجهل المبين . # وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام # 1. يذكر لنا التاريخ رجالا يأتون ضروبا من عظائم الأمور وأئمة تجرعوا ~~كؤوس الحتف نصرة للحق، واشتياقا إلى الحق تعالى ، أترى ذلك منهم لسوى تلك ~~السعادة والكمال المعنويين في نفوسهم ؟ كلا { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم } ( الجمعة /4) # كيف كان (عليه الصلاة والسلام) يعلم أصحابه PageV01P088 ولنعطر كتابنا ~~بنفحة من عطر الشمائل النبوية ، ولنأت للقاريء بيسير من سيرته - صلى الله ~~عليه وسلم - في تعليم الصحابة (رضي الله عنهم) ، ليرى من بعث من مرقد ~~الجمود تمحله في دعوى ( التعليم على الأسلوب النبوي ) . والجامدون هم من ~~السيرة الغراء أفرغ من جراب بني عامر ، وعنها أبعد من الأرض عن السماكين . # فما كل من صلى يقال مصليا فشتان بين الإسم والفعل ms065 في الأمر # كان - عليه الصلاة والسلام - أفصح خلق الله وأعذبهم كلاما وأسرعهم أداء ~~وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح ويشهد له ~~بذلك أعداؤه إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ، ليس بهذر مسرع ~~لايحفظ ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام . # قالت عائشة (رضي الله عنها ):( ما كان رسول الله يسرد سردكم هذا ولكن كان ~~يتكلم بكلام يبينه ، فصل يحفظه من جلس إليه وكثيرا ما يعيد الكلام ثلاثا ~~ليعقل عنه). # يجلس إليه أصحابه فيعلمهم الكتاب الذي تعرف به الكمالات وتتأدى به جميع ~~العبادات ، وتستفاد منه جميع العلوم ، ويوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ~~وخير الدنيا والآخرة ، والحكمة من الوعظ والإرشاد والدلائل والأحكام ~~والمصالح والسنة والتسبب بأمور الدنيا ؛ لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان ~~والعمل الصالح والمعرفة بالدين والتفقه فيه ، ويعلمهم من أخبار الأنبياء ~~والأمم الخالية والأيام الماضية وما هو حادث وكائن من الأمور التي لم ~~يكونوا يعلمونها من أحوال الكون ونعوت الكمال ، ويعلمهم من يحتاجون إليه في ~~معاشهم ومعادهم ، لذلك مدح بأنه على خلق عظيم ، يجلس إليه البدوي الفظ ~~الغليظ الطبع فيصدر عنه وهو من خير الناس وأرسخهم إيمانا ، قال تعالى: { ~~كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } ( البقرة / 151) PageV01P089 كان ~~حريصا على المؤمنين عزيزا عليه مشقتهم رؤوفا رحيما ليس بصخاب ولا لعان ولا ~~شاتم ، ( داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ) يرسل الكلام وهو قريب من حد ~~الإعجاز فيلج الأسماع بلا إذن ويستقر في القلوب فتصير منيبه إلى باريه (عز ~~شأنه) حتى هدى تلك الأمة التي كانت من الانحطاط بمكان ، وزكاها من كل ~~الأرجاس والأدناس { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم } ( الشورى / 52) # فأصبحت تخر له فتن الشامخات وتستكين لإرادتها الأمم العريقات وتنشر في ~~العالم أعظم المدنيات وقد أوتي عليه - الصلاة والسلام - من جوامع الكلم ~~التي لم تعط ms066 لأحد جمعت من الحكمة والفصاحة والبلاغة ما بهر العقول وعني بها ~~فلاسفة الأمم الأجنبية ، وهي ألذ شيء لدى القلوب الحية ، سطعت أنوارها في ~~العالم العلمي واهتدت بها نفوس ، واتخذها أكابر الكاتبين في مقدمة الكلمات ~~الذهبية ، منها قوله - صلى الله عليه وسلم - :( اتق الله حيثما كنت واتبع ~~السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) وقوله :( من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ) وقوله (كل الصيد في جوف الفرا ) وأمثالها كثير . # هذه صفاته وتلك أخلاقه التي مدحه عليها القرآن وجدير بالمؤمن المتبع له - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يتخلق بأخلاقه الكريمة ويتصف بصفاته الجليلة ~~البالغة نهاية الحسن والجمال . PageV01P090 # وإن تعجب فعجب قول القائل (المسكين ) إن الاشتغال بالإنشاء والفصاحة ~~والبلاغة مناف لقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين ) كلام يضحك الثكلى ، لا ينبس به من له أدنى إلمام بالعلم ، ~~ولا أدل على خذلان المرء من صرفه عن التجمل ( سيد الوجود ) - عليه الصلاة ~~والسلام - تلك الطريقة المثلى والسنة الغراء التي يجب أن تسلك في التعليم ~~حتى يكون له تأثير في الآداب ووقع في النفوس يظهر آثرهما بفوز المتعلمين ~~وسعادتهم في معارفهم ، وذلك لايكون إلا متى كانت نفوس العلماء المعلمين ~~متشبعة بروح الإخلاص لله والإخلاص للدين والأمة ، وهذه الصفات السامية تكون ~~في النفوس الطاهرة ، أما النفوس المتهالكة في الذاتيات والإعراض عن الله ~~وصرف الوقت في غيبة ونميمة وهتك أعراض وتتبع عورات الناس ونصب نفسها ميزانا ~~مرجحا لأحوال الناس ، والاسترسال في الطعن فيمن انتقد مفسدة منهم أو ظهر ~~برأي سديد ، والسعي في الإيقاع بالأبرياء واصطناع الخائنين ومعارضة الإصلاح ~~خذلانا وإنفاق الأموال في سبيل الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، والتخوف ~~من سياسة الظلم والإرهاق ظاهرا وتأييدها باطنا وإثارة الحمية الجاهلية ~~وإساءة الظن بذوي الخير والإخلاص والسعاية بهم ، وأمثال هذه الضلالات ~~والموبقات التي شقيت بها شعوب وبأصحابها فما هي إلا بلاء وفتنة وشقاء . # اللهم إنا نستعيذ بك من الجهل وخدعة المذلة ومن بوادر الحمق المضلة ، ~~ونسئلك السعادة بعقل رادع يستقيم به ms067 من زل وعلم نافع يستهدي به من ضل ) . # تلك النفوس لا تنفث في أفكار المتعلمين إلا سموما قاتلة وجراثيم فاتكة ، ~~ولا تزيد مواهبهم إلا قتلا ومسخا ولا أخلاقهم إلا فسادا . PageV01P091 # ولا تعجب من هوس الغافلين متى عدوا تعليمهم القاتل للقوى العقلية والمعقم ~~للفكر الصالح من التعليم النبوي ؛ لأن الهوس طرف من الجنون ، وخذ لك ~~بالنفحة النبوية وفلسفة التعليم التي مرت في كتابنا ،واعتقد أن المواهب ~~الرحمانية للعبد موهبة التعليم الصحيح والمقدرة على إيجاد رجال للمستقبل ~~تسعد بهم الأمة والدين ، وذر الغرور فإنه مما يطيح الإنسان ،والجمود فإنه ~~موت في عالم الحياة ، واعمل لواجبك الاجتماعي كما تعمل لواجبك الفردي ، فكل ~~ميسر لما خلق له . # الكلام على الجمود # الجمود علة من أكبر العلل وآفة من أشنع الآفات تثل عروش الأمم وتذرها ~~أثرا بعد عين ، ولقد أصيب بها المسلمون منذ قرون حتى نال منهم العدو كل ~~مبتغاه ، وبلغ فوق ما تمناه ، ولم نزل نتكبد آلام هذه العلة ونتجرع غصصها ~~كان أصحابها أقسموا أن لا تبدو حركة إصلاح أو نهضة فلاح إلا قاموا إليها ~~مصبحين بمعاول الهدم وتسلق القائمين بها بألسنة حداد ، يصح أن يقال : ~~الجمود هو عدم التصرف بالمواهب العقلية ، في الحوادث والعلوم وتطبيق الحديث ~~منها على أصول الشريعة ، ويصح أيضا أن يقال :هو رؤية النفس أن التمسك ~~بالمألوف هو الحق والخروج عنه باطل ومروق . # لو انتبه المسلمون واتعظوا بتقلبات الدهر ونظروا إلى ما كانت عليه الأمة ~~في عهد استنباط العلوم وما أوتيه أولئك المجتهدون من المقدرة على إبراز ~~كنوز القرآن والأخذ بالعلم الصحيح كما قدمنا لما كان ما نشاهد الآن من ~~المبكيات ، ورب قائل : إن ما حل بالمسلمين من الانحلال أمر طبعي للأمم وسنة ~~الله فيها ، فنقول :نعم ذلك نتيجة الإهمال وترك الواجب : { ذلك بأن الله لم ~~يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم } ~~( الأنفال / 53) PageV01P092 وإليك بعض ما ذكر في كتاب ( الغرائز ) من آثار ~~الجمود في النفوس : إن أدنى أنواع المحاكاة ما حوفظ به على ms068 الأصل بدون تصرف ~~، ولا إتقان على النحو الذي يتبعه صناع الفخار في قنا ، عادة ألفتها الأمم ~~الساذجة ووضعتها موضع الاحترام ، زرت مصنعهم يوما ، ولما رأى بعضهم أن الشك ~~داخلني في مقدرتهم الصناعية عمد إلى طين وسألني أن اقترح شيئا يمنعه ثم ~~انبرى فصنع طستا وإبريقا يجمعان إلى دقة الصنعة رقة الذوق ، ثم أعادهما إلى ~~عجين كما كان ولم يرد أن يدخل ما ورثه من أسلافه شيئا خوفا عليه ، كان بدعة ~~الصناعة الدينية التي لا مسوغ إلى إدخال التعديل عليها . # وإذا وصفنا المحاكاة بأنها من أنواع الحضارة وجب علينا أن نفسر ذلك ~~بضرورة الاطلاع على المحاكي وبحثه وتمحيص أدلته ، لتندفع النفس إلى محاكاته ~~بوازع صادق ، والمحاكاة روح توثق الرابطة بين الفرع وأصله ومن هنا نشأت ~~محبة المحافظة على القديم ، وقد تغلو الأمة في احترام قديمها فتقتصر على ما ~~أوصلته إليها الوراثة ، وتغض الطرف عن التغيير الذي تدعو إليه الحاجة ~~وأطوارها فتكسد بضاعتها وتبور صناعتها ، ويسل عليها الدهر سيف الحرمان ~~وتبطش بها عوامل الفناء . # ومن أمثلة الجمود والغلو في حب القديم والتحيز إلى مذهب ( ليس في الإمكان ~~أبدع مما كان ) ما روي أن أحد الهنود الذين يحرمون قتل الحيوان وأكله ، قد ~~باحثه عالم ألماني وأراه بالعيان نقطة من الماء الذي يشربه تحت المنظار ( ~~المكبرة ) ، فتخيلها لكبرها غديرا من الماء ، قد اكتظ بالهوام السابحة فيه ~~، فلم يقتنع الهندي بما رآه بعينه وسخر بقول هذا العالم وكسر المنظار ~~إصرارا على الباطل وعنادا للحق اه PageV01P093 ومن الجمود ما يعتقده السذج ~~أن لبس الخلق من الورع وتغييرها بالنظفة والكي مثلا أو التبييض بدعة ، ~~والحال أن الدين يأمر بالنظافة ومنها وظائف الطهارة للعبادات وقال عليه - ~~الصلاة والسلام- ( النظافة من الإيمان ) سئل أحد هؤلاء عن فن الجغرافية ~~فأجاب بسخرية لا حاجة إليه أو لا منفعة فيه فإذا كنت تريد السفر إلى قارة ~~مثلا فاحمل صرة من المال حتى إذا جئت إلى ربان الباخرة فسلم له الصرة واطلب ~~منه أن يوصلك إلى أي جهة شئت . # انظر إلى هذا الجمود الغريب ms069 ، يأمر الإنسان أن يكون كالأنعام أو كالبضاعة ~~ترفع وتوضع بإرادة الربان كأنه لا يملك عقلا ولا إرادة ، وهذا المسؤول ينعت ~~نفسه بمنار الدين وقدوة الصالحين إلى أمثالها من الألقاب الفخمة . # قل لمن يدعي سليمى سفاها لست منها ولا قلامة ظفر # وإنا إذا نظرنا نظرة عامة نجد علة الجمود من أكبر العوامل للأيدي السيئة ~~الخفية العاملة لتقويض مميزات الأقوام وطمس معالمها ومقاومة العلوم النافعة ~~الناهضة بالأمة من وهدة الوقوع كي يتسنى لها ازدهارها وتسخيرها آلة ~~لمشيئتها ، ولم تخف عنا قرائنها التي كادت تلمس باليد ، ولكن النفوس ~~الموبوءة ربما لا تشعر بها وهي مسخرة لها { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } ( إبراهيم / 42) # الكلام على تضليل العاملين لاسعاد القوم # هل أتاك نبأ الذي نغلت صدره الآثام ، وأثارت حفيظته منه باطن الأسقام ، ~~ذلك الذي نادى بضلال الذين يطاردون الأمية والجمود ، وأبوا الإغضاء عن ~~إجرام ذوي الجحود .. ذلك ما وقفت عليه من أول كتابنا من جميل السيرة ، ونشر ~~الفنون وتنوير الفكرة الخامدة وتغذية عقول الشبيبة بها لتكون ركن المستقبل ~~في الدين والحياة ، والدعاية إلى الله وإحياء الحنيفية السمحاء ومحجة ~~الإسلام البيضاء . PageV01P094 # يظن من خدعته نفسه وغرته الأماني الكاذبة أنه على بينة من أمره في كل ~~أحكامه وهو خطأ مبين ، ما كان لمن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان الصحيح ، ~~وله مسكة من العقل الرجيح أن يسترسل في الانهماك ، ويتوغل في ظلمات الهوى ~~حتى يحمله ذلك على تسفيه الحق والحكم بالباطل والهلاك على من وفقتهم ~~العناية الربانية إلى إيجاد نهضة علمية تعمل للدين والدنيا في عصيب من ~~الفتن ، انطماس معالم الدين . انصراف عن العلم ولا حياة إلا به ، انسياب ~~الأوضاع والتقاليد الأوروبية وهي ترمي إلى القضاء علينا وابتلاعنا وقتل ~~قومياتنا ، إن هذا لعمرو الحق جناية على الدين وإهانة لأهله . # ثم غلا في الحكم وشط في الخرق والإثم فقال ما حكمنا بالضلال إلا على ~~الولد الضال إلخ ، يا ترى كيف يتأتى الحكم بالضلال على الولد ، وأنت خبير ~~بأنه يطلق في ms070 مثل مقامه إلا على الكبيرة نفاقا أو إشراكا ، وكل منهما لا ~~يصح إطلاقه على غير البالغ لعدم تكليفه ، ولا وعيد ولا براءة إلا على ~~الإخلال بالدين اعتقادا وعملا ، وإنما الحكم على غير البالغ مذهب الخوارج ~~الصفرية الأزارقة ومن نحا نحوهم ، يحكمون على الأطفال كالمكلفين بالبراءة ~~والكفر ، فاستحلوا الدماء والأموال ، فضلوا عن سواء السبيل ، نعوذ بالله من ~~الحرمان والضلال المبين . # وليس بجائز حمل اللفظ على معنييه الحقيقي والمجازي ، وذلك من المفتون يدل ~~على جهله وتلاعبه وإلا فكيف ساغ له الحكم على غير المكلف بالضلال ، ولعله ~~أراد الحكم بالمئال فيكون كماش في الدجا ليس يهتدي . PageV01P095 # يتبين للقارئ الكريم كيف تنقاد النفوس الدنيئة للهوى ، وتكون أسيرة له ~~حتى يفضي بها إلى تطبيق الأحكام حسب الشهوة كتضليل وتفسيق المحق ، وأخلق ~~بمن كان على هذه الصفة أن لا يؤبه له ولا يعبأ بأحكامه ، إذ ليست أحكام ~~الشريعة منوطة بالشهوات ، وإنما هي جاءت بالنهي عن الهوى والهوى مهلك : { ~~فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ( القصص / 50) يجعل ستر ~~المروءة مهتوكا ، ومدخل الشر مسلوكا ، إن كان الذين يسعون لإسعاد الأمة ~~بنشر العلم وإعزاز كلمة الله ومقاومة الأباطيل والوقوف في وجه الظلم ضالين ~~بهذه الأعمال فمن هو المهتدي المستقيم ؟ أهم الخونة الذين لا يفترون عن ~~السعاية بالناس ظلما وعدوانا ؟ أم هم الذين يحملون الناس على البقاء في ~~الجهل ونبذ العلوم ؟ # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ( ~~الأنعام / 125 ) # ما أبعد هؤلاء عن إدراك مقاصد الشريعة ، وما أجرأهم على التلاعب بالأحكام ~~، وما أحقهم بالوعيد في قوله تعالى : { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ~~ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون } ( النحل /25 ) ~~PageV01P096 1. إذ لا قصد للمفتون وأمثاله في التأويل الباطل وخطأ الحكم ~~إلا تضليل الطبقة البسيطة ؛ استمالة لها واصطيادا ms071 في تلك المياه الآسنة ~~وتفريق الكلمة ، مصرين على ذلك وهم يعلمون ، ولا نلوث كتابنا بسوء أعمالهم ~~وسود صحائفهم ، ولقد استبان المنهج القويم لأولي الأبصار وهداهم المولى (عز ~~شأنه) إلى سلوكه : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا } ( الفرقان / 31) # وكفى للمفتونين واعظا وإنذارا أواخر هود . # الكلام على السلف # السلف الصالح (رضي الله عنهم) كانوا أهل جهاد في سبيل الخير ، أهل تواصل ~~وتراحم وصدق وإخلاص وعزة وإباء ، يأنفون من ارتكاب العار ولا يحيدون قيد ~~أنملة عن منهج المختار، ولو وقعوا في أشد الأخطار ولا يرهبون ظالما ولا ~~يخشون جبارا إلا الملك الجبار ، أهل ورع وثبات وسماحة وسلامة ، قلوبهم ~~مملوءة إيمانا وصدورهم موقورة حكمة وإيقانا ، يخضعون للحق ولو من أصغر ~~الناس ويأنفون أن يستسلمون للباطل ولو من أعظم السواس ، يرون المذلة كفرا ~~والعزة إيمانا : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت ~~عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } ( الأنفال / 2) # يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية في سبيله لا في سبيل ~~الطاغوت ، يبيتون لربهم سجدا وقياما . PageV01P097 # ومن آثارهم الجليلة سيرتهم وأنظمتهم المحكمة في وظائف الدين وتربية ~~النفوس وتنفيذ أحكام الله بحيث صارت من أعظم أنظمة الشعوب الراقية ، مستمدة ~~من الكتاب والسنة وأفكار الأئمة الأعلام الذين نظروا إلى العالم بنظر ~~الحقيقة وأخلصوا إلى الله في أعمالهم فاستمدوا من أنواره المشرقة به ~~ضمائرهم ، حتى أصبحت تلك المؤسسات العجيبة مما يدهش الألباب في أحكامها ~~وضبطها ، يسعى الباحثون عن أحوال الأمم وعوائدها إلى الوقوف واكتشاف آثارها ~~وأسرارها . # وكانت في عهد الاستقلال التام تسير الأمة بتلك النظامات كافلة لها في ~~أحوالها المدنية والدينية والاجتماعية ، حافظة ذاتيتها وقوميتها وأخلاقها ~~الطاهرة ، منذ انتقل الشعب إلى ذلك الوطن القاحل فرارا من الفتن واحتفاظا ~~على الذاتية شأن الشعوب العريقة ، وابتعادا عن تلك الشعوب المتجاورة التي ~~يجمعها دين واحد ووطن واحد ولغة واحدة وجنس واحد ، وما يقدح زنادها إلا ~~التعصب الفاسد وتقليد أزمتها لأفراد لا علم لهم بتسيير دفة السياسة ، وإنما ~~هم أسراء التقليد الأعمى ms072 ، حتى أصبحت تلك البلاد بلاقع بعد العمران متنائية ~~الأطراف بعد الحضارة والارتباط التام ، ولنا سابقا في قافيتنا : # مالي أراكم والحوادث جمة فرقا وكنتم خير ناد واق # كانت أوائلكم بعز شامخ ركبوا مطايا لم تنل بلحاق # شم الأنوف ذوو الشهامة والتقى طب القلوب وقرة الآمال # تنبي مآثرهم بحسن مسيرهم جمعا بغير خيانة ونفاق # كسبت لهم أحلامهم حسن الثناء فسموا بمجد سار في الآفاق # رفعوا لواء الدين حب محمد وذخيرة عظمى ليوم تلاق # وتواصلوا وتراحموا وتعاونوا وتواددوا وتجمعوا بوفاق # أيامهم غرا محافلهم ريا ض الأنس تحيي النفس بالإشراق PageV01P098 تلك ~~نبذة يسيرة من سيرة السلف الصالح التي لا تشم ذرة منها في الذين لا يبالون ~~بتضحية الدين والشرف القومي في سبيل شهوات شيطانية ، وما هي إلا صد عن سبيل ~~الله وإضرار بالمسلمين لو كانوا يعقلون ، لو فطنوا لنوائب الدهر وتحفظوا من ~~عواقب المكر لكانت مغانمهم مذخورة ومغارمهم مجبورة . # زعم المفتون أننا نعرض عن السلف ونجحد فضائلهم ونذم مسالكهم ، وهذه أكذب ~~كلمة قيلت ، ولا قائل بفضل هذا العصر على عصر النبوءة والسلف ولا بأفضلية ~~أهله وهم عالة على السلف . # من بحورهم استمداد الأمة في العصور بعدهم كيف لا وهم الأقربون إلى زمن ~~النبوءة والصحابة ، أما وجود المزايا التي لم تكن في عصرهم فلا ينكره أحد ~~له أقل إدراك . # إن الأفضلية موهبة من الله تعالى وكرامة يختص بها من يشاء من عباده { ~~لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } ( الحديد /29) PageV01P099 لا ريب ~~أن الإسلام منتشر في أطراف الكرة الأرضية بما لم يكن في العصور الأولى ~~واتسعت العلوم وكثرت الفنون وازدهرت المدنية وبسطت أجنحتها على العالم طرا ~~وترقي التعليم وانتشر ، ومع هذا كله لا يقدر أن يقول عاقل بفضل هذه العصور ~~على عصر النبوة ولو قالها أحد لعد من المعتوهين ، كيف لا وقد ورد عنه - ~~عليه الصلاة والسلام - ( خيار أمتي أولها )(1) وعنه ( خيركم قرني ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ms073 يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا ~~يستشهدون ولا ينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن )(2) وقد ورد عنه - عليه ~~الصلاة والسلام - ( خير أمتي قوم يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني ، ~~فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة )(3) ومع ذلك لا منافاة ~~ولا مناقضة ففضيلة الصحبة لايعدلها عمل لمشاهدة سيد العالمين - صلى الله ~~عليه وسلم - ، والصحابة كانوا يبذلون مهجهم في إعلاء كلمة الله ونصرة نبيه ~~- عليه الصلاة والسلام -وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولا سيما وقد صرح المولى ~~عز شأنه بمدحهم في كتابه العزيز : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } ( الأحزاب/23) # (1) رواه الطبراني في كبيره . (2) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي وشمس الدين في الدليل . # (3) رواه الإمام الربيع بن حبيب في المسند الصحيح عن الأئمة أبي عبيدة ~~مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس (رضي الله عنهم) . # { PageV01P100 محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } ( الفتح / 29) # وإذا ذكرنا فضل العصر أو فضل الفرد من أفراده فلا يلزم منه أنه في الفضل ~~أكثر من عصر النبوة أو أفضل من الصحابة أو السلف الصالح ، وإذا ذكرنا حسن ~~التعليم ورقيه فذلك بقطع النظر عن تأثير تعليم رسول الله ، إذ لايعقل أن ~~يوازيه أو يقاربه في تأثير غيره من التعليم ، وذلك من خصائصه - صلى الله ~~عليه وسلم - ، وعليك بمضان موضوعنا في المطولات تستفد . # غير أن اللدود إذا أعياه الدليل وأفحمته الحجة التجا إلى تكليف اللوازم ~~أو اختلاق الدعاوى ولو تلعثم في أذياله وتسكع في جهالته . # ولا أعجب ممن يبتاع الضلالة بالهدى والدنيا بالدين ، يستبيح الأعراض ويشي ~~بالمسلمين فينالهم العذاب الأليم ممن لا يرقبون في ms074 مؤمن إلا ولا ذمة ، وهم ~~يعدون أنفسهم في زمرة المؤمنين ، قال - صلى الله عليه وسلم - ( من سعى ~~بمؤمن أقامه الله مقام ذل وخزي يوم القيامة ) ولا أرى هؤلاء المتلبسين بهذه ~~الصفة الخبيثة إلا نفوسا مسخها الله على مكانتها وسلب منها إيمانها فأمست ~~في الهالكين . PageV01P101 # 1. قف معي أيها العاقل برهة وتفكر فيما طرا على المسلمين من القبائح ~~والرذائل ، ونبئني أتلك الصفات تحل في قلوب مملوءة إيمانا خاضعة للباري ~~فيما يأمر وينهى أم هاتيك قلوب في أكنة مما تتلوه من كلامه العزيز الذي ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، إنك تشاهد على مرأى ومسمع من العموم ~~سعاية وغدرا ورياء ، ومكابرة وكذبا ونفاقا وركونا إلى الذين ظلموا وتسمع ~~بجود حاتمي في سبيل الطاغوت { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ( النساء /60) # بينما كنت ترى البخيل بدرهم في سبيل العلم أو نفع عمومي ، ترى ارتشاء ~~وخيانة وتوعدا بالسوء لا لشيء اللهم إلا لهوس في النفوس ووصب في القلوب ~~وخيال فاسد علق بالأذهان الضعيفة . # أمور يضحك الجهال منها ويبكي من عواقبها الحكيم # استمرعت نفوس هذه الخلل الذميمة وعدتها رطبا جنيا وسلاحا باترا تعده ليوم ~~الكريهة ، فصدق عليها قول أبي نصر (رحمه الله)(1) : # أيا عجبا أما الديار ديارهم وسكانها قوم أطل تبارهم # ألم يأن لهؤلاء أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟ويتعظوا بما حل ~~بالمسلمين من النكبات والشتات # رب إن الهدى هداك وآيا تك نور تهدي بها من تشاء # ليس من الأسلم في شي من يخذله أو يخونه أو يعين على إضعافه ، أو يتهاون ~~به أو ينقصه ، قد أكمله الله وأتمم به نعمته على المؤمنين واختاره شريعة ~~للأنام لا عمل بسواه ولا قبول لما عداه : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم } ( المائدة / 3) # { PageV01P102 إن الدين عند ms075 الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب } ( آل عمران / 19 ) # هل يعقل أن يبقى هذا الدين العظيم الذي أسعد البشر بكمالاته صورة في نفوس ~~أهله أو يزعم بعض من ينتمي إليه أن العلم الحيوي يخالفه ، فيفضي به الأمر ~~إلى الاختلاق والاعتراض بالسوء والطعن على كل من يبدو بشيء من العلوم ~~النافعة . # إن الإسلام لا يؤيد بالسيئات والعيوب ، وإنما يؤيد بالحسنات ومحاسن ~~الأعمال ، وقد رأيت يسيرا مما يجب على المسلمين أمام الحالة العصرية وسترى ~~بحول الله أيضا ، ولا التفات إلى أقوال الذين أضناهم الجمود ولم يرق لهم أن ~~ينهض المسلمون إلى إنارة الأذهان واستعمال المواهب العقلية واستخدام العلوم ~~، حتى يكون ديننا في عز ومنعة بقوة أهله لا تؤثر فيهم ترهات الذين لم يألوا ~~جهدا في مقاومته بدعاة مبشرين تحت ما تسميه حكوماتهم بحرية الأديان ، ما ~~نهى الدين قط أن يكون المسلمون في العزة # (1) هو أبو نصر فتح بن نوح التملوشائي النفوسي شاعر الفقهاء وفقيه ~~الشعراء نظمه كله أخلاق وحكم وعلوم دينية له في التوحيد والصلاة منظومتان ~~من أجل المتون فائدة وأحكمها نظما وأمتنها حجة ومتونة كلها في البحور غير ~~الرجز ، كان بليغا لغويا وهو من علماء القرن السابع . # والباس والرفاهية التي عليها الأوروبيون باستخدام اللوازم واستنتاج دقائق ~~الحياة واستفراغ الجهد والطاقة، واستعمال حتى لحظات أعمار البله ، قال - ~~صلى الله عليه وسلم - :( اعملوا ولا تغتروا فكلكم ميسر لما خلق له ) ، إنا ~~نرى بأبصارنا الأفراد الذين ينزحون إلى أوطاننا من الأمم يعيشون بيننا ~~باحترام زائد ومامن من كل غائلة لما تبديه حكوماتهم من الاعتناء بهم وربما ~~آلت نكبة تحل بهم إلى مسالة دولية تنذر باصطلاء لهيب الهيجاء . PageV01P103 # أليس ذلك إلا مظهرا من مظاهر القوة والعظمة ؟ ولو كان المسلمون لهم قوة ~~السلطان وشدة الشوكة لكان الأفراد منهم النازحون إلى الأوطان النائية لمآرب ~~في تلك المثابة ، وإنك لتسمع من الذين يثنون على الحرية التي يلفونها ما ~~يبهرك ، وما ذلك ms076 منهم إلا حفظا لكرامتهم من أن ينسب إلى أوطانهم اضطهاد ~~وحيف ، ويتنافسون في ذلك اكتسابا لمودة الشعوب وثنائهم . # إن ذلك هو ما جاء به الإسلام والقرآن { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين } ( الممتحنة / 8 ) # أي تحسنوا وتعدلوا فيهم فإن الله يحب العدل ، وبه قامت السموات والأرض ، ~~ويأمركم به ؛ لأن ثناءه تعالى على وصف يتضمن الأمر به كما مر ، ولنأت ~~للمطلع البصير ببعض مفتعلات ضعيف الرأي وواهي الحجة لترى ما ينتحله أسير ~~الجمود وعبد الهوى . # مختلفات للتهويش وإثارة الخواطر # قال : لا يرى لسلفه فضلا ولا لكلامهم وزنا ... إلخ ، وهذا كدعوى الازدراء ~~بهم والتهاون بكتبهم(1)وذم أسلوب النبي أو الصحابة أو التابعين في التعليم . PageV01P104 # ودعوى أن اتباعهم والاقتداء بهم ضرب من الجمود ، وأعمالنا هي سيرتهم حيث ~~كانت لتقوية الدين وإيجاد الفكر العلمي ودرس أحوال الظروف وتنشيط النفوس ~~إلى ما خلقت لأجله من حسن أعمال الدنيا والآخرة ، وتكليفه لازم أفضلية آخر ~~الزمان على عصر النبوة ، على أن أفضلية ذلك العصر من المعلوم بالضرورة كما ~~رأيت لا يوازيها فضل بل ولا يقرب منها وإن وجدت مزايا في عصر مثلا ( ~~فالمزية لا تقتضي الأفضلية ) ومن المسلم أن العصر متوفر الاختراعات وسهولة ~~المواصلات برا وبحرا وجوا وانتشار التمدن والعلم بسائر فنونه ولا يقدر أيا ~~كان أن يجترئ على التصريح بأفضليته على عصره - صلى الله عليه وسلم - ، وأنى ~~ذلك ولو بلغ أهله الذروة العليا من الصلاح والحكمة ، فكيف وقد عبث بالإسلام ~~كثير من المنتمين إليه في كل صقع غير مبالين بما يحتج به أهل الشرك من سوء ~~أعمالهم على الدين الإسلامي ، ودعوى إنكار السموات والمعراج وكل منهما ~~منصوص عليه ، سبحانك اللهم هذا يهتان عظيم ، ولعل هذا ممن يقطع بإسرائه - ~~صلى الله عليه وسلم - بدنا لا روحا ، مع أنه لا دليل قطعي ، لذا قال قطب ~~الأئمة (رضي الله تعالى عنه) : # ( دع ذا وقل إن تشأ في اليقظ أو حلم ) # والشباب في معزل عن تعلم ms077 دينهم ، وانتقاص عبارة السلف إلقاء لتنقيصهم ~~(رحمهم الله) في قلوب التلاميذ ، وقد مر لك ما يناقض هذا وتنقيص العبارة لا يحط من # (1) يقول هذا وهو يعلم أن النيل تلقى منه ومن شرحه الدروس وسلم العامة في ~~تاريخ الأئمة ومختصر الوضع ومتن المسند الصحيح وكتاب الصوم ومتن نور ~~التوحيد وعقيدة العزابة وجامع أركان الاسلام ومن تلاميذه من يحضر بعضها . # كرامة المؤلف وفضيلته متى كان من أهل الفضل كذا السلف لا يبلغ شأوهم ولا ~~يحط من مقامهم الأسنى انتقاد عبارة أحدهم # ( لقد ألجموا المستصعبات وأسرجوا # فهل من راكب أو سالك حيث أنهجوا ) PageV01P105 والانتقاد الصحيح لا ضير ~~فيه بل هو مما يثبت قدم أولي المعرفة، ويبين فضل المؤلفين ومكانتهم من بين ~~أضرابهم إذ الفضل لا ينكر ، وجل من لا يخلو من عيب # (ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها # كفى المرء نبلا أن تعد معايبه ) # والإصداع بالحق شيمة الصادقين ، وما هذا إلا ملجأ لركاكة العبارة ورداءة ~~الأسلوب الخالي من حسن النظم والسبك الحاوي لضعف التأليف والانحطاط إلى ~~درجة تمجها الأذواق السليمة ولا أشد افتراء من دعوى تفضيل العلوم العصرية ~~على القرآن التي هي قطرة من يمه وجزء من كله، وهل يقول بهذا من في شرايينه ~~ذرة من دم الإسلام أو في خلده لمظلة من الإيمان . # ما قال بهذا أعداء الإسلام بل أجلوا القرآن وقدسوه ، فكيف بأهل القرآن ~~العاملين الراسخي الإيمان . # سلف لنا أن من وسائل مقاومي الإصلاح افتعال ما يظنون تأثيره في النفوس كي ~~يستخدموه ولو حملهم ذلك الى أعظم فرية ، ولا سيما ما هو مظنة الكفر والمروق ~~من الدين ، ولكن ذلك لا يزيدهم إلا خسرانا وخيبة { ليحق الحق ويبطل الباطل ~~ولو كره المجرمون } ( الأنفال / 8) # إن تفضيل كلام البشر على كلام الباري كفر بدون ريب ولو صدق الأفاكون في ~~إفكهم لاندفع لهيب براكينهم وهم بالمرصاد وهذا كدعوى إنكار السماوات ويأجوج ~~ومأجوج وكلها من المنصوص عليها المقطوع بها وإنكار ما نص عليه تجردهم من ~~العلم وخلوهم من الفكر الصحيح إذ لا يفرقون بين إنكار الشيء ms078 والبحث في ~~حقيقته ، وسيأتي الكلام على كل منهما إن شاء الله وكزعم تحليل بعض صور ~~الربا والبيوع المنفسخة لاقتضاء سياسة العصر واتهام العلماء العاملين ~~لتكوين النهضة العلمية ومراقبة الشباب المتعلم بالغاية الشخصية والدليل على ~~الإفك المبين اقتصار الخراصين على مجرد الحكاية بدون الاستشهاد بقضية صحيحة ~~والمخلصون لا تؤثر فيهم الافتعالات ولا يستفزهم تلويك ألسنة المفترين ~~وحسبنا أن نقول لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون . PageV01P106 # روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( أتدرون من المفلس ؟ قالوا : ~~المفلس من لا دينار له ولا متاع . فقال : إنما المفلس من أمتي من يأتي يوم ~~القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقد شتم هذا وضرب هذا وقذف هذا ، فيقتص لهذا من ~~حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم ~~يطرح في النار ) (1) # ومن آثار السلف الصالح ( لا يجوز حمل الناس على التهم ) وكانوا (رحمهم ~~الله) أهل توقف واحتياط وتحرز في أحكامهم وتثبت وأقمن بهم أن يكونوا كذلك ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام- ( المؤمن وقاف والمنافق وثاب ) (2) # الكلام على التفقه في الدين # مما ينبغي أن لانهمل الكلام عنه التفقه في الدين الذي ذكره الله تعالى في ~~قوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة / 122) # وذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله:( من يرد الله به خيرا ~~يفقهه في الدين )(3) وفي رواية ( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ~~وألهمه رشده ) (4). # التفقيه في الدين تفهيم الأحكام الشرعية إما بتصورها وبالحكم عليها حتى ~~يعلم ما يأتي وما يذر ، وإما باستنباطها من أدلتها ، كل ميسر لما خلق له ، ~~وإنما كان التفقه في الدين سببا لحصول الخير عند الله تعالى ؛ لأن الدين هو ~~السبيل إلى (رضى الله) وهو باب رحمته ( { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( ~~الأنعام / 153) PageV01P107 والآية إنما تحض على طلب العلم أي فهلا ms079 نفر من ~~كل فريق طائفة إلى اكتساب العلم والتفقه أى وطائفة إلى الجهاد ، فتفيد ~~الآية الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين الجماعات منها إلى النفير للجهاد ، ~~ومنها إلى تحصيل العلم وتلقي الشريعة منه- عليه الصلاة والسلام - ( ~~ليتفقهوا في الدين ) ليعالجوا الفقاهة ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها ( ~~ولينذروا قومهم ) وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه # (1) رواه شمس الدين أبو يعقوب في الدليل والبرهان عن أبي هريرة (رضي الله ~~عنهما) . (2) رواه البدر الشماخي في السير عن بعض المحققين . # (3) في المسند الصحيح للإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي البصري . (4) رواه ~~البزار عن أبي مسعود . # إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم ( لعلهم يحذرون ) عقاب الله فيعملوا ~~عملا صالحا . # قال بعض المفسرين : يصح عود الضمير على النافرين ويكون تفقيههم في الغزو ~~بمشاهدة نصرة الله لدينه وإظهاره فئة قليلة من المؤمنين على فئة كثيرة من ~~الكافرين ، وتعلمهم أساليب الكر والفر وضروب البسالة ، وهذا الوجه مروي عن ~~بعض التابعين . # وأنت ترى كيف جعل التفنن في الجهاد ضربا من التفقه في الدين لما يعود به ~~عليه من الفائدة العظيمة من النصر والتأييد والتمكين وفيه تدريب النفس على ~~تحمل المشقة لأجل السعادة . # قال بعض المحققين : هو أشبه بظاهر الآية نظرا إلى مادة نفر لأنه بمعنى ~~الخروج ، وبعض اختار الأول نظرا إلى مادة فقه . # في جامع البيان : إن أول الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال ؛ ليتفقه ~~الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل ~~عداوته والكفر به فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الإسلام وظهوره على ~~الأديان من لم يكن فقهه . # وإنما اختير هذا الوجه عند بعض لما يدل عليه لفظ النفر ، فإنه يراد به ~~عند الإطلاق غالبا الخروج إلى الغزو والجهاد والموالاة لفظ التفقه له كما مر . PageV01P108 # وعلى الوجه الثاني فلا بد من الإضمار ، والتقدير فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة وأقامت أخرى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليتفقه ~~المقيمون في الدين ولينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم من الجهاد . # وعلى كلا الوجهين ms080 تفيد الآية توزيع العمل بين المسلمين ؛ ليستقيم الأمر ~~ويحصل لهم الهم الفوز في كل موطن ، ويجمعوا بين العلم والعمل ، والفقه في ~~الآية يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ~~ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي ، وفي قوله : ( ~~ولينذروا قومهم ) إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعليم هو التخويف من عذاب ~~الله، والإرشاد إلى سبل السعادة ، لا ما يستبق إليه علماء السوء من الأغراض ~~الدنيئة والأعمال الذميمة وإفساد القلوب . # وكان هؤلاء في الوقت الحاضر يرون أنفسهم غير مطالبين بالواجبات العامة ، ~~وإنما خلقوا للشهوات والإضرار بغيرهم ، ولا عليهم في مصائبنا الحاضرة ~~وغوائل اليوم وما ينتاب الأمة من الأرزاء وأليم العذاب . # فاذا أمعنت النظر في أقوال المفسرين على الآية الكريمة وجدتها تفيد أمورا : # أولا - العمل بخبر الآحاد إذ لفظ الطائفة يصح إطلاقه على الواحد . # ثانيا _ الأمر بالسفر إلى العلم وتشير إلى مزاياه الجسيمة التي لا تحصر ~~بصيغة التحضيض الدالة على النهي عن التخلف . # ثالثا _ الأمر بتوزيع الأعمال العامة بين المسلمين ، إذ نهت أولا عن ~~النفير الكلي إلى الجهاد ، وأمرت ثانيا بالخروج إلى كسب العلم وبالتوزيع ~~ينتظم شمل الأمة ونكون جامعة للكمال الديني والدنيوي فتصبح في عز باذخ ~~ووارف الحرية . # رابعا _ تفيد أن ما يعود على الدين بالتأييد تفقه فيه بناء على جعل ~~النفير بمعنى الخروج إلى الجهاد . # خامسا _ تفيد جواز طلب العلم ، للقيام بأود الإسلام والمسلمين بالوعظ ~~والإرشاد والتخويف من عذاب الله ولا ينافي ذلك الإخلاص . PageV01P109 # سادسا _ تفيد أن العلم لا يدرك إلا بالتعليم ولهذا قال العلماء : العلم ~~يؤخذ من أفواه الرجال . # سابعا _ تفيد أن في تحصيل العلوم مشقة وتجشما فيلزم توطين النفس على ~~معالجة التحصيل وإلا فاتت المعالي وخابت الآمال . # ( لطيفة ) قال بعض المفسرين : وإن أمكنه ( أي التفقه ) في الحضر ، فلا شك ~~أن في السفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار اه # ( لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها ) # لعمرو الحق ms081 أن السفر مدرسة عظمى تطبيقية توجد في الإنسان ملكة يقتدر بها ~~على حفظ مميزاته مما يشاهد من تنافس الأمم في الظهور بها ، ويطلع على آداب ~~الأمم وأخلاقها ومواهب أفرادها وصنائعها ، ويعرف سنة الله في الكون فيكون ~~بذلك بصيرا بأحوال الهيئة الاجتماعية ، وسياسات الأمم وأغراض حكوماتها ~~ومالها وعجائب العالم ، فبه تقوى مداركه وتنمو مواهبه وتكثر معلوماته ويقوى ~~على التمييز بين الحق والباطل لهذا قال الله تعالى : { أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ~~ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ( الحج / 46) # ولو سئل أكثر من يدعي الفقه والتجرد لإحياء الدين بزعمه عن معنى من معاني ~~تلك العلوم حتى عن الإخلاص مثلا ، أو عن التوكل أو عن وجه الإحتراز عن ~~الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الدنيا والآخرة ~~، وكم سمعنا عن تخبطهم في الكلام على قواعد الإسلام وأركانه في متن العقيدة ~~وما يحشرونه من المعاني غير الصحيحة مما يقتلون به مواهب نفوس السامعين . PageV01P110 # ترى الشخص منهم يجهد نفسه ليلا ونهارا في درس متون الفقه وتفهم مسائل ~~الفتوى واللعان والظهار والسلم والشفعة والإجارات وما أشبه ذلك من مسائل ~~الفروع التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها ، وإن احتيج لم يخل البلد ~~عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها على أنها من الفروض الكفائية ، وهو في ~~غفلة عن واجبات نفسه من تطهيرها من الأدناس وتزكيتها بحسن الأعمال وتحليتها ~~بالفضائل ، وعن واجبات الهيئة الاجتماعية وحرس الدين والأمة من كل فساد جهد ~~استطاعته . # الفقه علم النفس ما لها وما عليها فعلا وتركا ، وإذا أراد الله خيرا ~~بعبده صيره عارفا بذلك بأن يلهمه تعاطي أسباب التحصيل ويؤيد بروح منه حتى ~~يفوز بالمراد ، وهذا شامل لكل الواجبات دينية أو دنيوية ، فمقاصد الخلق ~~مجموعة في الدين والدنيا ، ولا نظام في الدين إلا بنظام الدنيا ؛ لأن ~~الدنيا مزرعة للآخرة ، وهي المطية والآلة الموصلة إلى الله لمن اتخذها آلة ~~ومطية قال - عليه الصلاة والسلام- ( الدنيا مطية ms082 المؤمن عليها يبلغ الآخرة ) . # يظهر من الاستدلال بالحديث في كلام ( الجمود ) إن الاشتغال بغير الفقه من ~~العلوم لا يجوز ، ولا يكون إلا ممن لم يرد الله به خيرا ، وهو سخافة وهراء ~~فإن من التفقه في الدين العلم بالفروض العينية ، فمتى جاء المرء بواجباته ~~من صلاة وزكاة وصيام وحج وما يتابعها من الفروض كان من المتفقهين في الدين ~~؛ لأن الفروض الكفائية يسع للإنسان جهلها ما لم تتعين عليه . PageV01P111 # ولا نكران لفضل الفقه ؛ فإن علم العبادات ومعرفة الحلال والحرام وهو من ~~العلوم المقصودة بالذات لا من الآلآت التي يكون الغرض منها والتوسل بها إلى ~~غيرها من العلوم ، وبه يعرف ما يعرض لأفعال المكلفين من الوجوب والحرمة ~~والكراهية والندب والإباحة والصحة والفساد ولو أهمل العمل به ؛ لانهدمت ~~شريعة الله التي جاء بها الأنبياء { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه ~~من ينيب } ( الشورى / 13) # لكن لا يعقل أن تشتغل الأمة بالفقه وتعرض عما سواه ولا يقول بهذا عاقل ، ~~بل الواجب أن يكون ما يخص الهيئة الإسلامية كالمواريث والأنكحة والوصايا ~~والأحكام والإجارت وأمثالها ، موزعا بين أفراد مع مشاركتهم في غيرها من ~~العلوم ، كما يجب أن يتخصص أفراد لعلوم الحياة مع مشاركتهم في العلوم ~~الشرعية حتى تصير الأمة جامعة لما يكفل لها السعادة من العلوم في الدين ~~والدنيا ، وينتظم أمرها وهذا ما يرمي إليه غرض العاملين ؛ لإسعاد الأمة ~~بنشر المعارف وإحياء معالم الهدى . # لا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة إلا شارك فيه مشاركة يكون بها ~~خبيرا بمقصده وغايته ، ثم إن ساعده الحظ سعى أن يتضلع فيه ؛ فإن العلوم ~~متعاونة وبعضها مرتبط ببعض ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك ~~العلم بسبب جهله ، فإن الناس أعداء ما جهلوا فما قام المعارضون ضد الإصلاح ~~والطعن في العلوم الحيوية إلا لجهلهم لها وعدم النظر في نتائجها في ms083 الخارج ~~حتى يستبين لهم حكمها . # لهذا قال بعضهم لابنه : عليك بكل نوع من العلم فخذ منه ؛ فإن المرء عدو ~~ما جهل ، وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم وأنشد : PageV01P112 # تفنن وخذ من كل علم فإنما يفوق امرؤ في كل فن له علم # فأنت عدو للذي أنت جاهل به ولعلم أنت تتقنه سلم # وربما سمع بعض المتهوشين ما قلنا أولا في توزيع العلوم وتكفل أفراد ~~بالفتوى الكفائية فحمل الكلام على وجه الطعن من التزهيد في علم الشريعة ، ~~وذلك شأن الذين في قلوبهم مرض وهم جراثيم الهيئة الاجتماعية لا حياة لهم ~~إلا في جو متسمم بوباء الشغب ، إلا أنها لا تتستقر مع مواد التعقيم(1) ~~وآيات الشفاء { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا } (الإسراء/ 82) # بيان حقيقة # سبق لنا القول في بعض مفتريات وبيان الحق فيها ، ونعود الآن إلى بيان ~~حقائق أخرى حتى لا يبقى للخائضين مجال . # من المعلوم بالضرورة ومن لوازم الإيمان وجود السماوات وآيات القرآن طافحة ~~بذكرها ، وإنكارها كفر صراح ، أما البحث في ذاتها واكتشاف عجائبها فلا مانع ~~منه بل من الواجب ، كيف لا وكتاب الله يحضنا على ذلك كلما تلوناه ، وهي من ~~أعظم الدلائل على وجود باريء الكون وكمال قدرته سبحانه ، ما أعظم شأنه وأعز ~~سلطانه ، قال سبحانه : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب ~~المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } ( البقرة / 164) # (1) التعقيم هو النظافة بكل معانيها وهو في عرف أهل الطب تعقيم الشيء أي ~~قتل جراثيمه المرضية حتى لا يكون واسطة في نقل تلك الجراثيم إلى غيره . PageV01P113 # انظر كيف جمع تعالى في هذه الآية أعظم الدلائل وأكثرها مشاهدة ، وأجلها ~~نعمة بحيث لا يبقى للإنسان أدنى ريب متى التفت إليها في أن المعبود الحق هو ~~المتصرف في هذا الكون العجيب النظام ، وما سواه ms084 من المعبودات باطل بل هي ~~تخضع بلسان حالها لذي الجلال والاكرام # وفي كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبي أنه لك عابد # فإن البحث في الملكوت وتعاطي علومه يزيد المؤمن إيقانا والباطن نورا ~~والضال هداية ، وما أظهره العلم الصحيح الآن لم يناف الحق ، بل إنك إذا ~~تأملت قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } ( فصلت / 53) وجدت الآية تخبر ~~بظهور تلك البينات التي أبداها العلم ، فالواجب التصديق بها لا الجمود على ~~ما قاله علماؤهم أنفسهم وما ذكروه لا على سبيل الاحتياط ولا شك . # من الحماقة أن يقول المرء بأن السماوات إجرام معدنية كما تخبر ~~الإسرائيليات الموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكيف يصدق ~~عاقل أن السماوات من فضة ونحاس وذهب وزجاج .... إلخ وأن الأولى مخضرة بجبل ~~قاف وهي موج مكفوف إلى غير ذلك مما لم يذكره القرآن ولا السنة الصحيحة ، ~~ولو ذكراه لقطعنا به رغم كل قائل ، لكن (معاذ الله) أن يأتي العلم الصحيح ~~بخلافهما ، وقد قال قطب الأئمة وبعض المحققين(1) : أن ما يروى من أن ~~السماوات أجرام معدنية لا صحة له ولم يؤيده نقل صحيح عن رسول الله يعتمد . # (1) في حفظي أنني رأيت في شرح شرح التوحيد وأظنه للبدر التلاتي أنه زيف ~~هذا القول كشيخنا القطب (رضي الله عنهما) ولا يبعد أن يكون في غيرها من ~~تآليفه . PageV01P114 # وما اكتشفه علماء الفلك وأطبقت عليه الأرصاد في العالم أمور مسلمة لا ~~تقبل الرد ،وحيث لم يذكر القرآن ولا السنة المقطوع بها وصف الأجرام العلوية ~~فالبحث عن كيفيتها ونظام سيرها البديع وما بينها من النسب والجاذبية ~~والاقتران والدوران حول # نفسها أو حول بعضها واستمداد بعضها من نور البعض وخاصيتها وأبعادها ، ~~ومدد سيرها ومسافتها وأقطابها وأشباه ذلك : علم جليل الفائدة عظيم العائدة ~~يدلك على سر الوجود ولطيف صنع الله الذي أتقن كل شيء وترقى للكمالات ~~الروحانية كما أثبته العارفون بأسرار النفس ، ويرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ( ~~لآيات لاؤلي ms085 الألباب) ، (لآيات لقوم يعقلون ) ، { وما خلقنا السماء والأرض ~~وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } ( ص/ 27) ~~في أمثالها من الآيات . # عجبا أن يطعن من له مسكة من العقل في هذه العلوم ويعدها كفرا ومخالفة ~~الإسلام سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم .وقد خلى الجو للذين يشتغلون بها ~~وينتفعون بأسرارها ونحن في غفلة معرضون نمر عليها ولا نشعر { وكأين من آية ~~في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ( يوسف / 105) كأنما حظ ~~المسلمين الشقاوة . # والسماء لغة كل ما علاك { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم } ( البقرة /29 ) # قال تعالى : في آية { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق ~~غافلين } ( المؤمنون / 17) # ماذا يقول الخراصون الذين هم في سكرة وغفلة عن آياته ؟ ألم يكن لهم إدراك ~~يتفهمون به كلام العليم الخبير أم جبلوا على حب المعارضة والطعن في كل شيء ~~لم تصله مداركهم ؟ PageV01P115 # إن ما يقال عند اليونانيين في الهيئة الفلكية من أن السماوات السبع مركوز ~~فيها الكواكب السبع ، وأن الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع ~~ويسمى بالأطلس ، كل ذلك أصبح ساقطا لا صحة له على مقتضى العلم الصحيح الآن ~~والاشتغال به اشتغال بالباطل . # كان الأئمة الرستميون مصدر هذه العلوم ومنهلها أيام ملكهم الشامخ وعزهم ~~الباذخ بتاهرت ، حتى برعوا في التنجيم واشتهروا فيه في رحلهم وإقامتهم ، بل ~~حتى خدمهم يتعلمونه وهل أنكرها أحد العلماء الأعلام مع كثرة عددهم إذ ذاك ؟ ~~كلا وكيف ينكر ما هو حق ولا سيما علم أشتغل به الأئمة المجتهدون (رضي الله ~~عنهم) لا عاقل يقول أن الاشتغال بهذه العلوم مضر ولاحاجة إليها وعليها مدار ~~حياة العالم ولا يقع في حرج الاعتقاد ؛ فإن الأسباب كلها مضافة إلى المدبر ~~الحكيم سبحانه من خبير بالذرات في الأجواف وباللؤلؤ في الأصداف ، لا إله ~~إلا هو فليتقول الزاعمون فإن الحق كالطود يحقر نطحه الأوعال كلما بدا منهم ~~اعتراض إلا وكشف عن جهل مستور . # لم ms086 يزل العلم يكتشف كواكب وشموسا هي على غاية من البعد تظهر لنا كواكب ~~ويدل لذلك في القرآن قوله تعالى: { تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل ~~فيها سراجا وقمرا منيرا } ( الفرقان / 61) # جمع سراج في قراءة { وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر } ( ~~المدثر / 31) # وكفى إرشادا القرآن إلى العلوم والترغيب فيها دليلا فكل ما وافق الحق ~~وقبله العقل الصحيح فهو حق ، لاسيما إذا أيده الكتاب العزيز ، وإنك لتعجب ~~من المستدلين في القرآن عند التفسير بأقوال حكماء اليونان وهي مناقضة للعلم ~~الصحيح ، وبالإسرائيليات الكاذبة ومتى بلغهم شيء يناقض ذلك من البينات ~~المقبولة عقلا كانت منهم طعنات وحملات عنيفة كان ما يتلقى من تلك الأباطيل ~~هو من القرآن ، ولو تأملوا قليلا لوجدوا في نفوسهم نفورا منه . PageV01P116 # إنا نريد بهذه اللمعة تذكير الخامدين لعلهم يرشدون ولولاه لأتينا في هذا ~~المقام بالعجاب . # الكلام على يأجوج ومأجوج # أما يأجوج ومأجوج فأمة مذكورة في القرآن الكريم أيضا وفي الحديث الشريف ~~وهم أمة عظيمة كان لها في التاريخ الغابر شأن وأي شأن كما قصه تبارك وتعالى ~~في سورة الكهف وقد أنبانا بأن ظهورهم من أشراط الساعة الكبرى . # وهذا النوع من البشر قد انكشف للباحثين وظهر جليا للمحققين من أنه هو ~~الجنس الأصفر ( اسم المغول والتتار ) ومقره الآن الصين وقد ذكر كثير من ~~المؤرخين أنهم كانوا يشغلون الجزء الشمالي وتنتهي غربا مما يلي بلاد ~~التركستان(1) . # وما ذكره الله (عز وجل) من إفسادهم في الأرض فقد ذكر المؤرخون من الأمة ~~الإسلامية وغيرهم أن هذه الأمم كانت قديما تغير على من جاورها من الأمم في ~~أزمنة مختلفة وأهلكوا الحرث والنسل وقلبوها ظهرا لبطن ، وخربوا البلاد ~~ودمروا العالم تدميرا # (1) انظر فاكهة الخلفاء وابن مسكويه ونظام العالم . # ، وذلك في قوله تعالى : { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا } ( الكهف / 94) # وذكروا أن منهم الأمم المتوحشة والسيول الجارفة التي انحدرت من الهضبات ~~المرتفعة من آسيا الوسطى وذهبت إلى ms087 أوروبا ،وكم أغاروا على بلاد الصين وعلى ~~أمم آسيا الغربية التي كانت مقر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ) كل ذلك ~~قبل نزول القرآن وظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - ، إلى أن ظهرت تلك ~~الداهية الدهياء والغارة الشعواء ( غارة المغوليين ) التي اكتسحت قسما ~~عظيما من البلاد الاسلامية ، وأبادت جموعها وآتت من المنكرات ما لا يقدر ~~قلم كاتب على وصفه ولا خيال شاعر على تصويره . PageV01P117 # كم أحرقوا من الكتب وهتكوا من الحرمات ، حتى وصلوا إلى الشام بدون أن ~~ينال من همجيتهم وفسادهم الحرمين الشريفين ولا القدس كما أخبرت به بعض ~~الأحاديث . # وقد انسابوا على البلاد من كل حدب أي مرتفع ، ووقائعهم مشهورة ملأت بطون ~~التواريخ ، وكل ذلك مصداق القرآن ، إلا أن من العلماء من قالوا ليس ذلك ما ~~أخبر الله به من خروج يأجوج ومأجوج؛ لأن خروجهم وظهورهم من اشراط الساعة ~~لقوله تعالى : { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون } ( ~~الأ،بياء / 96) # فأجيبوا بأنه لامنافاة بين الوجهين ، فإذا صح أن التتر والمغول هم أولئك ~~الموعود بهم فلا مانع من وجود فاصل بين خروجهم وقيام الساعة ، فقد قال ~~تعالى : # { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } (الأنبياء/ 1) # وقال { اقتربت الساعة وانشق القمر } ( القمر / 1) PageV01P118 وقد وقع ~~انشقاق القمر في زمانه - صلى الله عليه وسلم - ومضى لذلك ألف وثلاثمائة ~~ونيف وأربعون عاما ، وقال - عليه الصلاة والسلام - :( بعثت أنا والساعة ~~كهاتين ) وأشار بالسبابة والوسطى ، وربما قال قائل أين الاقتراب على تسليم ~~ما قررتموه ؟ فنقول : من المعلوم أن ما مضى من عمر الدنيا لا يتناوله إحصاء ~~وما بقي قدره يسير ويؤيد هذا القول ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - : ( ~~سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين )(1) ومن ~~المسلم أن هذا السلام لم يبق له ذكر في هذا العصر في أي قطر من الأقطار ، ~~وهل يصح أمام تلك القذائف الجهنمية العصرية ، والحروب الكيمياوية التي ~~أصبحت تهدد العالم إن وقعت لا قدر الله تكتسح الملايين من البشر في جزء ~~يسير من الزمن،وهذه التحقيقات ms088 لا تنافي النصوص الواردة من الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية ، ولا يصح لأحد أن يقول ما ذكرتموه غير مقبول لعدم ظهوره ~~تلك الأمة ولم تعرف لحد الآن ولا مقرها من الكرة الأرضية ؛ لأن البشر قد ~~اكتشف القسم اليابس من الأرض ما عدا مركز القطبين والربع الشمالي لم يبق ~~فيه احتمال لوجود أمة مجهولة . # وعلى الرأي الثاني مع التسليم أن يأجوج ومأجوج هم أمم الصين كما سبق ~~سيظهرون في المستقبل ويعبر عنهم بعض ساسة أوروبا وعلمائها بالخطر الأصفر ~~المتوقع ،وذكر بعض علماء العصر أن عاهل جرمان كان يريد بممالاته المسلمين ~~وإمدادهم لو رجحت كفته في الملحمة الكبرى أن يجعلهم سدا محكما دون أوروبا ~~من ذلك الخطر الأصفر ، وليس ببعيد أن يكون سعي الدول الاستعمارية من ثل ~~عروش الأمم وافقادها عزها إذا أراد الله إنقاذ حكمه سببا لاهتياج ذلك الجنس # (1) رواه الترمذي عن النواس بن سمعان . PageV01P119 # وانسيابه على الأمم المجاورة له فيستأصلها قتلا ونهبا وسلبا وتخريبا كما ~~سلف من أعمال جان كز خان وأولاده المغوليين مما هو مشهور ومحفوظ في كتب ~~التواريخ إلى زمن ولاية هلاكو ، وقد وقعت إذ ذاك ملاحم جسيمة وأهوال ~~وانقلاب حتى إنه قتل في سمرقند في إحدى وقائعهم مليون نسمة ولله عاقبة ~~الأمور . # لقد بلغ الجشع الاستعماري إلى حد اقتطاع أطراف الصين والتدخل في شؤونه ~~الداخلية بما أدى كما ذكرت إحدى الجرائد الشرقية قبيل الحرب الكبرى إلى ~~تهديد الحكومة الصينية لتلك الدول بيد أنه أقعدها عن القيام بأعباء مملكتها ~~الشاسعة الأطراف الآهلة الجهل بالنظام العصري ، وفقدان العلماء الفنيين ~~والخصيصين وسواد الهمجية في تلك الأمم حتى انتشرت فيها الفوضى ، فكلا ~~الوجهين محتمل وغير مناقض لكلام الباري كلام الرسول - عليه الصلاة والسلام ~~- كما رأيت ، وأما ما يذكره أصحاب القصص من صفات ذلك الجنس فغالبه ليس ~~بصحيح ، وإنما هو من قبيل الخرافات والإسرائيليات التي هي محض كذب ، تناقله ~~أولئك الرواة والكاتبون بدون تحرز وتدقيق ، وبطلان ظاهر بأدنى تأمل أيده ~~التوفيق والعون . تلك الحقائق التي يطعن فيها الفارغون منها ومن حقائق ~~الكون ، وتظاهروا ms089 بين الملأ بدعوى دحض الشبه وإزاحة الزيغ وهم فيهما ~~منغمسون . # يتصور لك مما مر من الفرى وهو بعضها ما عليه النفوس الشريرة وما تحاوله ~~من لبس الحق بالباطل استسلاما لسلطان الهوى وتنفيذا لإرادته وإهمالا ~~لسياسته بالنفس العاقلة وجهلها بطرق تلك السياسة ، وقد شبه الحكماء من أهمل ~~سياسة نفسه العاقلة وترك سلطان الشهوة يستولي عليها برجل معه ياقوتة حمراء ~~شريفة لا قيمة لها من الذهب والفضة جلالة ونفاسة ، وكان بين يديه نار تضرم ~~فرماها في حباحبها حتى صارت كلسا لا منفعة فيها فخسرت وخسر ضروب منافعها . PageV01P120 # إعلم أن النفس العاقلة إذا عرفت شرف نفسها وأحست بمرتبتها من الله عز وجل ~~أحسنت خلافته في تربية قواها الثلاث : العاقلة والسبعية والبهيمية وسياستها ~~ونهضت بالقوة التي أعطاها الله تعالى إلى محلها من كرامة الله تعالى ~~ومنزلتها من العلو والشرف ولم تخضع للسبعية ولا للبهيمية ، بل تقوم النفس ~~الغضبية ( وهي السبعية ) وتقودها إلى الأدب بحملها على حسن الطاعة ، ثم ~~تستنهضها في أوقات هيجان هذه النفس البهيمية وحركتها إلى الشهوات حتى تقمع ~~بهذه سلطان تلك وتستخدمها في تأديبها وتستعين بقوة هذه على إباء تلك . # قال بعض علماء النفس : إن الغضبية قابلة للأدب قوية على قمع الأخرى ، ~~والبهيمية عادمة للأدب غير قابلة له ( على هذا الرأي ) # وأما النفس العاقلة فقد شبهها كبار الحكماء والفلاسفة كابن مسكويه(1) ~~بالذهب في اللين والانعطاف ، فمتى آثرت الفعل الجميل وجاذبيتك البهيمية إلى ~~خلافة فاستعن بالقوة الغضبية التي تثيرها الأنفة وعزة النفس واقهر بها ~~البهيمية ، وإن غلبتك ثم ندمت وأنفت في منهج الصلاح فتمم عزيمتك واحذر ~~معاودتها إليك بالطمع والغلبة ، وإلا كنت كما قال الحكيم الأول : إني أرى ~~أكثرالناس يدعون محبة الأفعال الجميلة ثم لا يحتملون المؤنة فيها على علمهم ~~بفضلها فيغلبهم الترفه ومحبة البطالة ، فلا يكون بينهم وبين من لايحب ~~الأفعال الجميلة فرق إذا لم يتحملوا مؤنة الصبر ويصبروا إلى إدراك ما عرفوا ~~فضله ، فمثله كمثل الضرير والبصير الواقعين في بئر فهما في الهلكة سواء وإن ~~كان الأول أعذر . # ( PageV01P121 1) هو أبو علي ms090 أحمد بن مسكويه الخازن من كبار الحكماء ، ~~وأجلاء علماء الأخلاق درس العلوم الحكمية في الكتب اليونانية المترجمة إلى ~~العربية واستخلص لبها وبرع في علم النفس ، ومن كتبه تهذيب الأخلاق من ~~النفائس في فنه ، قرن فيه الحكمة بالشريعة وبين طرق التربية وتهذيب النفس ~~وإنماء الفضائل فيها وتجريدها من أدناس الخصائل ، وكان من الأطباء المهرة ~~جمع بين طب العقول وطب الأبدان له تآليف كثيرة فيهما وفي التاريخ توفي سنة 421ه # ومن وصل إلى هذه المرتبة من معرفة النفس ومرتبة الآداب واكتساب الفضائل ~~فقد وجب عليه أن يفيض ما أعطاه الله على أبناء جنسه وتسنى له تأديب غيره ~~وكان فردا صالحا في بيئته . # إعلم أن النفوس التي لم تهذبها التربية ولم تغرس فيها الفضائل يبلغ بها ~~حب النفس إلى الحد المذموم فترى أنها أولى بكل شيء كأنها لا تعيش إلا ~~لنفسها ولم تخلق إلا لذاتها ، وكأنما الدنيا بما فيها إنما وجدت لأجلها دون ~~الخلق فلا تسعى إلا للذاتها ولا تتألم بما يتألم به غيرها ، ولا تحفل إلا ~~بنيل مطالبها ولا تعتبر الشخص إلا بقدر حاجتها إليه، ومن كان بهذه المثابة ~~فقد أخطا طريق السعادة ، ويسلك الاغترار ببعض النفوس مسالك مذمومة فتصير ~~أصلا لشيم نازلة منحطة أو مرذولة ممقوته ، # وتستحيل صفات غير مذمومة إلى مذمومة كالغيرة عند فقدان اعتدالها ( حسدا ) ~~والمبالغة في إكبار النفس إلى حد أن لا يكبر في عينها أحد ( كبرا ) وحب ~~النفس والتعالي إلى PageV01P122 حب الرئاسة وإلى حب السلطة ، وإليك ما ~~تتنور به بصيرتك وتقف به على بعض حالة النفس الطالحة من كتاب علم النفس : ~~ولا حرج على المرء في حب الرئاسة والسلة إذا كان فيه من ( الاستعداد ~~الطبيعي ) وعنده من (الكمال الأدبي ) ما يؤهله إلى هذه المكانة العالية ، ~~ولم يستفز به توليتها إلى الاستقلال الفاسد والاستبداد الباطل والتكبر ~~المشؤم والتجبر المهلك ، فلا يسوغ أن يترك المهلك فلا يسوغ أن يترك أحد ~~يطمح نظره إلى هذه المنزلة السامية إلا إذا تحقق فيه كرم العنصر وطيب ~~المحتد ، وتبين حسن مذهبه وجميل مقصده ms091 وعلو همته وظهرت جودة فكره وقوة عقله ~~وسعة معارفه وأصالة رأيه وكثرة تجاربه وحسن تدبره في العواقب ولطف تبصره في ~~الأمور ، وجمع إلى فصاحة اللسان وبلاغة القول والقدرة على العمل ومضاء ~~العزيمة وحب المشاركة في الآراء والمشاورة في المسائل ، والإذعان إلى الحق ~~والمساعدة إلى اظهاره والعمل به ، وإلا دخل بشهوة على الأعمال فأبطلها وحشا ~~بأهوائه المصالح فأفسدها ورمى النظامات بسوء تصرفاته فأخلها ، فكانت عاقبة ~~ذلك ليس فقط دمار الفرد الواحد بل دمار الأمة بأجمعها بل دمار الإجتماع ~~الإنساني برمته ، وذلك هو الوبال الأكبر والخسران المبين ، فحذار حذار من ~~حب الرئاسة والسلطة إلا من اتبع قانونا عدلا ولم يخالفه طرفة عين، أما إذا ~~كان الداعي إلى حب هذين الأمرين ليس هو حب النفس بل إرادة الإصلاح المعززة ~~بالاستحقاق والأهلية والكفاءة وذلك باستيفاء الشروط التي قدمناها فإنه يكون ~~شيمة كريمة كما في عصر الخلفاء الراشدين وأمراء المؤمنين المهديين اه # ويتبدل الحرص طبعا باشتداد حب الاستزادة إلى حد التعلق ببعض أسباب واهية ~~ظنا أنها توصل إلى الحصول على ما يراه ، وحب الاستئثار إلى ( بخل وشح ) وكل من # ( PageV01P123 الطمع والبخل والشح ) من الخلال الرديئة التي يجب العمل ~~على محوها واستئصالها منذ ظهورها مع النشاة الإنسانية ، فإنها أصل الذل ، ~~ومما يجب علمه أن حب النفس وما ينشأ عنه من الميول الشخصية دائرة على ~~المنفعة الذاتية ، بخلاف الميل إلى الجنس فإن كثيرا ما يكون مجردا عن قصد ~~الفائدة الشخصية ، ولهذا كان أشرف من الأول وأقرب إلى الكمال الإنساني . # فإذا يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلى به الإنسان من تلك النقائص ~~وأشباهها، وحاجاته الضرورية إلى إزالتها وتكميلها ، ويلتمس الفضيلة في نفسه ~~العاقلة التي صار بها إنسانا ، وينظر إلى النقائص التي في هذه النفس خاصة ~~فيروم تكميلها جهد طاقته ويلتمسها في غيره ؛ لأن الإنسان قلما يدرك عيوب ~~نفسه لهذا قال - عليه الصلاة والسلام - :( المؤمن مرآة أخيه ) فإن صفات ~~الكمال الإنساني خيرات لا تستر، وجمال يدنو إليه كل ذي وجدان ، وهي التي ~~يكون بها بعض الناس أفضل من ms092 بعض وبعضهم أقوي إنسانية من بعض ، ويغذو نفسه ~~العاقلة بغذائها الموافق لها وهو العلم والزيادة في المعقولات والارتياض ~~بالصدق وقبول الحق والنفور من الكذب والباطل . # واجب الأمة # مما لا مرية فيه رقي الغربيين في الفنون والصنائع وتقدمهم في النفوذين ~~السياسي والاقتصادي ، ولا جحود لما يبتكرون للبشر من مواد الحياة والعمران ~~والتمدن ، ولا ترد صوابا ولا تقطع قطرا ولا تقف على صناعة ولا تدخل سوقا ~~إلا رأيت من آثارهم ونتائج قرائحهم ، ولا يمر حين من الدهر إلا وتسمع ~~بمؤتمر لهم علمي أو عكاظ صنائعهم ، ولاتأتي بلدا بل قرية إلا وجدت فيها ~~مدارس لأبنائهم ، ولا تركوا صنفا من صنائع الشرقيين إلا جاؤا بمثله ، حتى ~~كادوا يقضون على سائر صنائعنا وهذا إحدى غاياتهم نحو الشرق . PageV01P124 # تسابقوا في ميدان النبوغ وميزوا عديد الفنون ، واستنبطوا كثيرا صالحا ~~ووسعوا دوائرها بعد أن كانت مسائل ضمن علوم أخرى ، وبرع فيها مؤلفون وبرروا ~~فيها اختصاصيون ما منهم إلا من يرى من واجبه إظهار ما لم يسبق إليه كي يخلد ~~له ولأمته حميد الأثر وعاطر الثناء بين الشعوب . # ما هو واجب الأمة تلقاء تلك البينات وهاتيك القوى والمكانة التي طولبت ~~بها على لسان نبيها في آي الذكر الحكيم ، أواجبها وضع الإصر عنها والأغلال ~~التي عليها بالأخذ بتلك الأسباب المسعدة ، أم الأعراض عنها والبقاء تحت كلا ~~كل الجهل والفاقة كما يدعو إليه الناعقون ؟ # هل نقعد على ضر ومسغبة وعيشة شأنها التعذيب والكدر # إن مواهب النفوس ليست متجهة إلى وجهة واحدة بل كل منها تميل إلى عمل وإلى ~~علم غير الذي تميل إليه الأخرى غالبا سنة الله في عباده ؛ ليحصل العمران ~~ويظهر سر الكون ومخباته فتتجلى وحدانية الباري وجلالة وصمدانيته { ليهلك من ~~هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم } ( الأنفال / 42) ~~PageV01P125 إذا الواجب على الأمة أن تتوجه إلى مناهل المعارف فتغترف من كل ~~فن بتوزيع الأفراد كل حسب استعداده كما أمر الله تعالى أن تقوم طائفة ~~بحماية الدعوة ونشرها ، وأخرى بتجشم المشاق في اكتساب العلم كما مر، ms093 ~~فلينقطع أفراد إلى العلوم الحيوية ، ، وآخرون إلى العلوم الدينية ،وآخرون ~~إلى الصنائع وآخرون إلى علوم الآداب ، مع انفراد كل بما عليه من الواجب ~~العيني ، ليقيم دينه فإنه لا سعادة للمسلم إلا بالدين ، فإن العلوم كلها ~~واجبة إما وجوبا عينيا وهو ما وجب على كل مسلم ، كفروض التوحيد والصلاة ~~والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم وترك الكبائر من الغيبة ~~والنميمة والخيانة والركون إلى الباطل وأشباه ذلك ، وإما وجوبا كفائيا وهو ~~ما وجب على الأمة ، فإذا قام به البعض ارتفع الوجوب عن المجموع ، كالعلوم ~~الحيوية من الرياضيات والاجتماعيات والشرعيات والصنائع وتوابعها والعلوم ~~الآلية ، أما الجمود أمام المزاحم فاستسلام وهلاك يربأ عنهما كل عاقل ، ~~والزاعمون أن العلوم الحيوية مباينة للدين واصفون له بالنقص وهم لا يشعرون ~~، وقد وصفه الله بالكمال وتمام النعمة : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (المائدة /3) وقد علمت أن أكثر ~~الآيات تشير إلى ما في العالم من أنواع الخلق وكافة العلوم المتنوعة حثا ~~لكل نفس أن تفتكر وتعمل بما يلائم إرادتها الخصوصية ومواهبها ، فبذلك تفوز ~~بأمرين عظيمين :- PageV01P126 الأول - قوة الإيمان والرسوخ فيه فيقدس ~~الإنسان ربه كلما رأى حكمته تعالى في الخلق ويشكره ، وهذان هما الحكمة في ~~إيجاده في هذه الحياة ، ولم يخرج الإنسان من بطن أمه إلا لهما ،تأمل ذلك في ~~قوله سبحانه : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } ( النحل / 78) # انظر كيف امتن الله علينا بالسمع والأبصار، إذ هما محل العقل والعلم ، ~~وهو القلب المعبر عنه بالفؤاد ، وعلل ذلك بالشكر الذي هو صرف تلك النعم ~~فيما خلقت له . # ثانيا :- الاستفادة المادية من تلك النتائج التي يدركها ويشرف عليها ~~ومعرفة المضر منها فيجتنبه ، وقال بعض الكاتبين : إن من الأسباب في ضعف ~~الأمة الإسلامية أولئك الذين ادعوا العالمية وخطوا لأنفسهم ما تقشعر منه ~~الأبدان ثم ألصقوه بالدين فسرى في الأمة سريان السم ولا يعلمون إلى أي حفرة ~~هم سائرون .اه # ليس شقاء الأمة الإسلامية سببه الفقر فقط ms094 كما يقول بعض الكاتبين وإنما هو ~~نتيجة فقدان ثلاثة : # فقدان التمسك بالدين بالمعنى الصحيح . # فقدان العلوم الحيوية # فقدان الرفاهية ، قال - عليه الصلاة والسلام- : ( لابد للناس في آخر ~~الزمان من الدنانير والدراهم يقيم المسلم بها أمر دينه ودنياه) أو كما قال . # بهذه الثلاثة كانت فيما هي عليه من الاستبعاد والتعذيب وضروب الإرهاق . PageV01P127 # إن المنافسة في العرفان وميادين الحياة من واجب الأمة ، والمحافظة على ~~الصنائع الوطنية وترقيتها وجلب وسائل التسهيل والتوفير لها كذلك ، كما أن ~~من واجبها اختصاص رجال العلم والمتعلمين كل بفن من الفنون مع مشاركته في ~~غيرها لارتباط؛ العلوم بعضها ببعض واستمداد بعضها من بعض ؛ ولاستحالة إحاطة ~~الفرد الواحد بجميع العلوم ، ولأن الأفراد إذا جاؤا بواجبهم تكون واجب ~~المجموع من نفسه ، فخذ لك مثلا علم التفسير فإنه ترتبط به علوم العربية ~~وعلوم السنة وتوابعها وعلم التاريخ والعلوم الكونية والجغرافية والطبيعية ~~وغيرها كثير، إن أراد المزاول له أن يدرك أسرار القرآن وما يحتوي عليه من ~~العلوم ، ويتمتع بذلك الجما ل الرائع ، فالهيئات لا تتكون بدون توزيع ~~اللوازم على أفرادها ؛ لأن الأمة شبيهة بالهيكل كل عضو له عملية يقوم بها ~~فمتى سلمت الأعضاء وقامت بلوازمها كانت سلامة ذلك الهيكل . # والقوة نتيجة اجتماعية ، فالقوة السياسية مثلا نتيجة ارتقاء في الهيئة ~~الاجتماعية، والقوة العملية نتيجة ارتقاء في العرفان ، والقوة الاقتصادية ~~نتيجة ارتقاء في الهيئة العاملة إلخ لهذا كانت الشعوب الفاقدة لتلك القوات ~~طعمة الأقوياء . # لماذا لا تضارع الأمة الإسلامية غيرها من الأمم المتمدنة؟ وهي الأمة ~~المتدينة بالدين الذي فتح أبواب الشرف في وجوه الأنفس وكشف لها عن غايته، ~~وأثبت لكل نفس صريح الحق في أي فضلية، وأنبأ كل ذي نطق بوفرة استعداده لأي ~~منزل من منازل الكرامة ومحق امتياز الأجناس ، وسوى بينها في كل الحقوق ، ~~وإنما جعل التفاضل بالعقل والفضلية { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله ~~عليم خبير } ( الحجرات / 13) # قال - عليه الصلاة والسلام -:( من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله ) . PageV01P128 # واجب ms095 على الأمة أن تضارع الأمة الحية لا دفعا للتفوق فقط بل الواجب يأمر ~~بذلك ، وكيف لا وهي الأمة التي أنبأها دينها بأنها ستحاسب على ما منحها ~~الله من المواهب والقوة الاختيارية التي هي مناط الثواب والعقاب والمدح ~~والذم : # { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ( النحل / 97) # ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ) . # كل شعب تمسك بالبساطة ولم يحفظ مميزاته الجميلة بسياج العرفان فإنه يكون ~~نهبة للأخطار وعرضة للاضمحلال . # والثروة الخالدة هي العلم وهو مع الرفاهية سعادة في سعادة ، وهي بدونه ~~عذاب وشقاوة ، إن المعارف من أعظم ما يتترس به الشعوب والأفراد ، وهي ~~السلاح في كل معترك والأنيس في الوحدة والدليل إلى كل مطلوب والنور في ~~الغياهب والرشيد عند كل حيرة ، والعلوم الحيوية قوة مندفعة إلى الأمام لا ~~يمكن إيقافها ولا حصرها في مكان واحد . # القول في الاتحاد # أنعم بنعمة الاتحاد إذا صدرت من أفئدة نقية طاهرة فإنها تفرح القلوب ~~المحزونة وتبعث الآمال والرجاء ، وتجدد الروح وتوقظ النفوس الخاملة ، نعم ~~كلمة طيبة ونغمة شجية تنعش الآيسين وتفتح الباب على مصراعيه للراجين ، ~~والاتحاد يحيي موات النفوس حياة الحبوب بالقطر ، وينبت فيها صالح العمل ~~إنبات الربيع البقل، نسمع هذه الكلمة من كثير لكنا نرى الغالب لا ينطقون ~~بها إلا تقليدا ، ولا يتصورون معناها إلا سطحيا ، ومنهم من يلفظ بها رياء ~~ونفاقا ، ألسنهم ترددها وقلوبهم تنبعث منها زفرات المكر وخبث النية . PageV01P129 # يالله من نفوس تبدو بمبدأ الإيمان وسلامة السريرة ، وتدبر بالكيد والرياء ~~وحملقة العيون والتوعد بالشرور ، نعم هي شعار المخلصين ، وإن شئت تسبيحهم ~~وذرة مغروسة في صدورهم ، يلهجون بها في كل مجتمع لا رياء ولا سمعة ، ودرة ~~يضعونها في أفكار الناشئة ، هي العقيدة والإيمان وتراث عن الآباء الأماجد # { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله ms096 لكم آياته لعلكم تهتدون } ( آل عمران / 103) # آية جمعت بين الأمر بالتمسك بحبله المتين والنهي عن التفريق والتباعد، ~~كيف لانلهج بها عن صدق وإخلاص وهي جزء من إيمان المؤمنين . # الاتحاد المطلوب يكون في الخير والأعمال الصالحة العائدة على الدين ~~والأمة بالفوز والصلاح ، ويكون مع النفوس التي تعرف ضرورة التعاون البشري ~~الذي به صار الإنسان إنسانا ،في الطاعة تأتي تلك القوة الهائلة التي بها ~~ينال المطلوب ويظفر بالمرغوب ، تلك القوة العظيمة التي خاطب الله بها عباده ~~المؤمنين ، وكثروا بها وهم قليلون وعزوا بها بعد أن كانوا ضعفاء وكانوا يدا ~~واحدة في شؤونهم الداخلية والخارجية ، قال - عليه الصلاة والسلام- : ( يد ~~الله مع الجماعة ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ) ، هو ~~وسيلة للرقي والكمال، به يلتئم شعث الأمة ، ويتكون المعدوم من الصالحات ، ~~ويوجد أكبر المدنيات ويعمر البلاقع ويوطد أركان الحرية وترتفع تلك المعاملة ~~السيئة التي تعامل بها الأمة . PageV01P130 # الاتحاد فكرة حيوية لا تقاوم ولن تقتحم ، وقوة توجد نظاما بديعا وبناء ~~محكما ، يخضع أمامها كل ظلوم وغشوم ، هذه المنقبة الكبرى لا تتحملها نفوس ~~عليلة الأفكار أسيرة غايات لها، فكيف بالتي في باطنها خيانة أو نفاق أو مكر ~~وأمثالها من الكبائر الموبقة للمبتلى بها ولقومه ، المفيدة للأضداد ~~المترصدين ، قاتلها الله من صفات لعينة تلعب بنفوس فتذرها جذوعا خاوية وأيد ~~شلاء لا تتناول أمرا إلا صيرته شتيتا ولا تدخل جمعا إلا جعلته وحدانا ولا ~~تبدي رأيا إلا كان مأفونا ، حظه عند ذوي الألباب المقت والحرمان ، صفات ~~يبغضها الله ورسوله والمؤمنون ، صاحبها أحبولة الطريد وفخ الشريد يتخذها ~~المجرم آلته يعمل بها على حسابه وهو لا يشعر، كم هدمت من مشيد المجد ، ~~ونسفت من جسور الوئام ، واجتثت من غروس الإصلاح ، وجلبت من أضرار جسام ~~وقوضت من آثار المودة ، هن أمهات الشقاء وأصول البلايا لو تطهر منها ~~المبتلون بها لعاد السهم إلى النزعة وانتأى كل بلاء ، ولو التفتوا إلى ~~نفوسهم بالتزكية من مفاسد الأخلاق وأمسكوا عن الخوض فيما ليس لهم به علم ~~حتى يعلموا لسلموا وسلم سواهم من أسوائهم ( لو ms097 سكت من لا يعلم لبطل الخلاف ). # إنا لفي زمن ترك القبيح به # من أثر الناس إحسان وإجمال # كلمة في الأخلاق # إذا كانت الأخلاق الطاهرة في قوم كانوا على جانب من العز والكرامة ، قال ~~العلامة بدر الدين التلاتي(1) في ( الفتح المبين ) : (الخلق كيفية راسخة في ~~النفس تصدر عنها الأفعال الاختيارية الممدوح بها بسهولة بحيث لا يتكلف ~~صاحبها في إيجاد تلك الأفعال كالإعطاء والصفح عن الزلات ومقابلة الإساءة ~~بالإحسان من أعظم أسباب سعادة الأمم الأخلاق الفاضلة ، ولا أجمل من أخلاق ~~الإسلام فقد تكفلت بسائر وسائل الإسعاد والفوز في كل المواطن لمن تخلق بها ~~، فإنه لم يدع خصلة كريمة وسمة جميلة إلا أمر بها ، ولا صفة خسيسة إلا نهى عنها . PageV01P131 # أمر بالإحسان والعدل ، وصلة الأرحام ، والبر بالضعيف وبر الوالدين والرفق ~~والأمانة والوفاء والحياء والجود ، والتعاون على البر والتقوى ، والتحاب ~~وإكرام الجار والضيف وابن السبيل وحفظ السر والاتحاد ، والأمر بالصدقة ~~والمعروف والإصلاح بين الناس وتحري الصدق ، والثبات والصبر على المكاره في ~~سبيل الخير ، وعلو الهمة والاعتماد على الله والعمل للدارين ، وإفشاء ~~السلام وإماطة الأذى عن الطريق وسائر الخصال الحميدة ،نهى عن التجسس ، ~~والعمل بالظن ، والبغي ، والركون إلى الظالمين ، والخيانة والكذب . # (1) هو العلامة المحقق الجامع لما تفرق في غيره من العلوم صاحب المؤلفات ~~المفيدة الشيخ أبو حفص عمر بن رمضان الجربي التلاتي أخذ العلم في الأزهر ~~الشريف ، وصنف في عدة فنون ما يفيد وكان مشهورا بفرط الذكاء وقوة الذاكرة ~~معاصرا للعلامة يحيى بن صالح (رحمهما الله) ، توفي بالقاهرة وهو من علماء ~~القرن الثالث عشر . # قال - صلى الله عليه وسلم - :( يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة ~~والكذب )(1) وعن الغش والخديعة والغيبة والنميمة والظلم في المال والأنفس ~~والأعراض ، وعن كل خصلة ذميمة ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ( بعثت ~~لأتمم مكارم الأخلاق ) ومن الكلمات الذهبية لشاعر الشرق التي سارت بها ~~الركبان : # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # وإن هم ذهبت أخلقهم ذهبوا # فليس بعامر بنيان قوم # إذا األاقهم كانت خرابا PageV01P132 قال - عليه الصلاة والسلام - : ( إن ~~من أخلاق المؤمن قوة ms098 في دين وحزما في علم وقصدا في غنى وتجلا في فاقة ، ~~وتحرجا عن طمع، وكسبا في حلال، وبرا في استقامة ونشاطا في هدى ، ونهيا عن ~~شهوة ورحمة للمجهود ، وإن المؤمن من عباد الله لا يحيف على من يبغض ، ولا ~~يأثم في من يحب ولا يضيع ما استودع ، ولا يحسد ولا يطعن ولا يلعن، ويعترف ~~بالحق وإن لم يشهد عليه ، ولا يتنابز بالألقاب ، في الصلاة متخشعا في ~~الزكاة مسرعا، في الزلزال وقورا ، في الرخاء شكورا قانعا بالذي له ، لايدعي ~~ما ليس له ، ولا يجمع في الغيض ولا يغلبه الشح عن معروف يريده ، يخالط ~~الناس كي يعلم ، ويناطق الناس كي يفهم ، وإن ظلم وبغي عليه صبر حتى يكون ~~الرحمن هو الذي ينتصرله)(2) # (1) رواه عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) ذكره السيوطي . # (2) رواه الحكيم عن جندب بن عبد الله . # انتقاد # كنا فيما مر أتينا على بعض انتقاد لما كتبه المفتون ضمن الكلام ، والآن ~~عن لنا أن نلم بشيء منه فيما يتناول فكرته وكتابته من حيث الصحة والفساد ، ~~فنقول أن ما كتب منذ تصدي المعارضون للعمل ضد النهضة العلمية ورجال الإصلاح ~~لم يخرج عن دائرة الثلب والسباب ، والكذب الفاحش وذم علوم الحياة والتشاؤم ~~من تعليمها ، وإذا تصفحت تلك الرسالة فلا تمر بك صفحة خالية من إحدى تلك ~~الخلل الذميمة ، ولا تجد انتقادا صحيحا ولا فكرة حسنة ، ولا فائدة علمية ، ~~ولا عبارة راقية تستميل النفس ، اللهم إلا ما دل على فراغ وطاب الكاتب ~~وتجرده من التربية الفاضلة والعلم الصحيح ، وما يدل على خبث النفس ~~والانسلاخ المبين . # لقد أجاد القاضي الجرجاني في تقسيمه أهل النقص إذ قال : أهل النقص رجلان ~~: رجل أتاه التقصير من قبله ، وقعد به عن الكمال اختياره ، فهو يساهم ~~الفضلاء بطبعه ، ويحنو عللا الفضل بقدر سهمه ، وآخر رأى النقص ممتزجا ~~بخلقته ومؤثلا في PageV01P133 تركيب فطرته ، فاستشعر اليأس من زواله ، ~~وقصرت به الهمة عند انتقاله ، فلجأ إلى حسد الأفاضل ، واستغاث بانتقاص ~~الأماثل ، يرى أن أبلغ الأمور في جبر نقيصته لوستر ما كشفه العجز ms099 عن عورته ~~، اجتذابهم إلى مشاركته ووسمهم بمثل سمته وقد قيل : # وإذا أراد الله نشر فضلية # طويت أتاح لها لسان حسود # صدق والله وأحسن ، كم من فضيلة لو لم تستثرها المحاسدة ، لم تبرح في ~~الصدور كامنة ، ومنقبة لو لم تزعجها المنافسة لبقيت على حالها ساكنة ، ~~لكنها برزت فتناولتها ألسن الحسد تجلوها ، وهي تظن أنها تمحوها ، وتشهرها ~~وهي تحاول أن تسترها ، حتى عثر بها من يعرف حقها ، واهتدى إليها من هو أولى ~~بها فظهرت على لسانه في أحسن معرض ، واكتست من فضله أزين ملبس ، فعادت بعد ~~الخمول نابهة وبعد الذبول ناضرة ، وتمكنت من بر والدها فنوهت بذكره ، وقدرت ~~على قضاء حق صاحبها فرفعت بقدره ، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم . # إن الفضل له آثار ظاهرة وشواهد باقية ، لايتناولها تنقيص بالاستحقار ولا ~~زراية واستصغار # بنقصك أهل الفضل بان لنا # أنك منقوص ومفضول # فالكتابة متى كانت خالية من علم يستفاد أو حكمة ترتاد أو راى صائب أو نسج ~~بديع رائق فلا حظ لها من القبول ، وإنما تعد من قبيل الفضول ، أما إذا كانت ~~هجرا وفحشا فنصيبها الرد والامتهان ، ولصاحبها المقت والشنآن . # وإليك ما اشتملت عليه تلك الرساله من النقائص الفادحة والغباوة : # أولا - ألفاظ الشتم والاختلاق وطعن الأعراض والبهتان ، ولا أعظم فرية من ~~قوله ( تفضيل علومهم على القرآن ) ودعوى نكران سد يأجوج وانكار هذا الجنس ~~وقد رأيت ما فيه . PageV01P134 # ثانيا - الاستدلال بما هو حجة على نفسه لو كان يعقل ، كقوله نقلا ( يا ~~أيها الكفلاء تعاهدوا إلخ ، اجتمعت كلفة العقلاء إلخ ) وكقوله ( ولمن انتصر ~~بعد ظلمه ) الآية وقوله - عليه الصلاة والسلام - ( أيما داع دعا إلى ضلالة ~~فاتبع كان عليه مثل أوزار من اتبعه ) الحديث ولا أضل ممن يدعو إلى نبذ ~~العلم والرضى بالجهالة . # ثالثا - تناقض الكلام ، فهو أخرق من ناقضة غزلها ، بينما هو يذم ~~الجغرافياوالهندسة وحوادث الجو وغيرها من العلوم ، ويعبر عنها بالعلوم ~~المذمومة إذا هو يقول نقلا ورب قائل يقول إن بعض جماعات الأمة الإسلامية في ~~أشد الاحتياج إلى تقدم الفنون والعلوم المناسبة للعصر ms100 الحاضر .... إلخ ثم ~~ذم طريقة العصر في التعليم بقوله # ( ما أنكرنا عليهم إلا الأسلوب الذي اخترعوه ) مع أنه لايوجد أسلوب غير ~~الطريقة النظامية ، ثم قال مناضلا عن نفسه ( وادعاء هذا ........ إنكاره ~~التعلم على الأسلوب مجازفة ) # رابعا - ضعف التأليف ورداءة التعبير ، كالتكرار الممل لغير فائدة ، ~~وتتابع الإضافات مثل ( إلقاء بذر فتنة شعوب وطنهم ) ومثل ( مقالة ألقاها - ~~وإنشاء الشقاشق الهدرية - والتيس النطوح وأمته الوطنية ) وكثير من هذه ~~السخافات التي يمجها السمع قبل الذوق . # خامسا - الخروج عن الأساليب العربية تارة باستعمال غير المشهور بين أهل ~~العلم كإتيان النكرة من المضاف له بدون شرط الحال من شروطه ، ونعت النكرة ~~بالمعرفة مع وجوب التطابق ، ولا يصح القطع لعدم تعيين المنعوت وتعدد النعوت ~~، وتارة بما ليس بصحيح مثل يأخذون عليهم وصوابه يأخذون منهم ، وقيامهم ~~عليهم وصوابه قيامهم بهم ، فينجر ذلك إلى تفرق كلمة الأمة صوابه فيجر ، ~~وتصغير توقيف صوابه تحقير إلخ لكن ليس الكريم من استقصى . PageV01P135 # سادسا - ارتكاب مفاسد لغوية ، مثل واقدها ، وصوابه موقدها ؛ لأن وقد ~~يتعدى بالهمزة كقوله تعالى : { كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون ~~في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين } ( المائدة / 64) # ومثل يورث لهم صوابه يورثهم . # ( كل من يدعي بما ليس فيه # كذبته شواهد الامتحان ) # ثم ماذا يرى في تلك الكبائر من الشتم الطعن في العرض بالظن والكذب،أهي ~~طاعة؟ فالله لا يعبد بالشتم ، ومن تقرب إلى الله بالمعصية كفر ، لما فيه من ~~الاستخفاف بالمولى عز شأنه ، أم معصية ؟ فتعمد ارتكابها ، ففي كلا الحالتين ~~من الخاسرين . # كم رأينا مأساة بما كسبت أيدي الذين أجرموا وتجرع الشعب من مضض العسف ~~والجور ، وقاسى كثيرا آلآم الاضطهاد ، وهناك من الذين نعدهم في زمرة ~~المفكرين ، وفي مقدمة المصلحين ، يوجهون سهام الانتقاد المر إلينا عن مخبات ~~ذوي الحيف والعناد بعد ما بلغ السيل الزبا. # ومن عجب الأيام أني على الهدى # ألام وغيري بالضلالة يحمد # فقد تبين الرشد من الغي ، وانكشف الغطاء عما كان خفيا ، فهل أنتم منتهون ؟ # الخاتمة # لقد مرت على الشعب أطوار المحنة والبلاء ، وصنوف الإرهاق ونقص ms101 من الأموال ~~والأنفس والثمرات ، وانتهز تلك الظروف العصيبة كل ذي كيد ، فطعن برمحه كيف ~~شاء ، طعنة نجلاء فهل تركت هذه المحن في النفوس أثر الموعظة ؟ PageV01P136 # إن شعبنا كسائر شعوب الشرق له قوى ومواهب ، وإنا لنأسف لضياعها ، وإن ~~استخدمت ففي يسي ،ر أولا يحسن استخدامها لفقدان المعارف ، وإنك لترى أناسا ~~يرضون بالتافه وفي مقدرتهم أن يكونوا على أحسن حال بما منحهم الله من قوة ~~الذكاء واستعداد النفس لأي عمل جليل ، وقد رأينا الأوروبي كيف يبذل قواه ~~لأن يكون على أكمل صفة من العلم والرفاهية والمجد وهو في بلاد غيره ، ونحن ~~نرى أنفسنا كالغرباء في بلادنا ، نخشى تناول أحقر شيء وأيسره ، ولو وجدت ~~هذه الطباع في شعب من الشعوب السائدة في العالم لما قامت لهم حضارة ولا ~~شاهدنا منها تلك الآثار الباهرة والأعمال الفاخرة . # فلتتوجه الأمة إلى واجبها من العلوم والعمل ، ولتنبذ الجمود وأهله ولتتعظ ~~بالشعوب الأجنبية في العمل الصالح لها ، ولا يتسنى لنا والحالة كما نشاهد ~~أن نسير مع أوهام وخيال ، ولا أن نعمل بفكرة الجامدين أمام سفور الحقيقة ، ~~فإنه لا حياة لشعب بدون المعارف واكتساب الكمال ، فقد بين تعالى في كتابه ~~الذي لا يمسه إلا المطهرون مزية العالم على الجاهل آية لقوم يوقنون ، فقال ~~عز شأنه : { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا ~~الألباب } ( الزمر / 9) # هذا ما ندعو إليه ويدعو إليه الصادقون الذين شعارهم ( الحق قبل كل شيء ) ~~لا ما يقول الغربيون : المصالح قبل كل شيء ، كل يعمل على شاكلته . # هذا آخر ما تيسر لنا ، والحمد لله أولا وآخرا ، ونستغفره من الزلل ~~ونستمنحه الهداية والتوفيق ، ونستعينه على خدمة العلم والدين ، لا نعبد إلا ~~إياه مخلصين له الدين ، والحمد لله رب العالمين . ms102