######OpenITI# #META# URI: 1385AminKhuli.HadhaNahw.Hindawi39606949 #META# Tags: linguistics #META# ID: 39606949 #META# Title: هذا النحو #META# AuthorID: 81736093 #META# Author: أمين الخولي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذا النحو‏ # هذا النحو‏ # | هذا النحو # | هذا النحو # تأليف # أمين الخولي # | هذا النحو1 # بقلم أمين الخولي # معالم البحث ~~(1) # من النواميس الاجتماعية أن تعد الفكرة حينا ما كافرة تحرم، ~~ثم تصبح عقيدة تعتنق، وقد جرى هذا أمامنا في حياة الفقه الإسلامي ~~حديثا. ~~(2) # عملنا لغوي، والحياة تقتضينا فيه تجددا، وإنما بدأنا بذكر الفقه؛ ~~لأن أصول هذا النحو تبنى عليه عند القدماء، فحديث تجدده يمهد ~~للتجدد اللغوي. ~~(3) # طرائق الإصلاح اللغوي متعددة: منها الحر الطليق - المتطرف - ~~والمتوسط المعتدل الذي يقفي على أثر التجدد التشريعي، وقد خطا ~~التجدد التشريعي أخيرا خطوات فسيحة، وثم من طرائق الإصلاح اللغوي ~~ما هو مسرف في الاعتدال حتى يكاد يكون جمودا، وهو الطريق الذي ~~نسير فيه هنا الآن. ~~(4) # حياتنا اللغوية ومشكلاتها، ومحاولات المحدثين في التدبير لها. ~~(5) # تيسير النحو والرأي فيه: ما نأخذه منه، وما ندعه. ~~(6) # صعوباتنا اللغوية اليوم ليست ما رآها أصحاب تيسير النحو، بل هي غير ذلك، ~~فهي: المعيشة بلغة، وتعلم لغة أخرى، وهي اضطراب إعراب هذه الفصحى ~~التي نتعلمها، ثم هي اضطراب قواعدها. ~~(7) # التدبير لحل هذه العقد، والأصل العام لهذا الحل. ~~(8) # معالجة اضطراب الإعراب: في الأسماء الخمسة، والمثنى، وجمع المذكر السالم، ~~والجمع بألف وتاء، والأسماء المنقوصة، والأفعال الخمسة، والمضارع المعتل ~~الآخر. ~~(9) # معالجة اضطراب القواعد، ومحاولة طردها بمعونة أصول الأقدمين ~~النحوية. ~~(10) # مناقشة ما يمكن أن يورد على هذه الحلول من شبه؛ مثل: صلتنا ~~بالقرآن، وحال تلاميذنا مع هذه الحلول أمام التراث القديم، وروابط الشعوب ~~التي تتكلم العربية. # | هذا النحو # (1) نواميس اجتماعية # منذ أكثر من عشرين عاما كنت أتولى تحرير مجلة «القضاء الشرعي»، فنشرت فيها ~~مقالا من رسالة لأحد أبناء المدرسة عن «اجتهاد عمر» خاصا بالتطليق ثلاثا بلفظ واحد، ~~وأغضب هذا المقال من أغضب، حتى استدعيت من الريف سريعا لأدرك المجلة ~~وقد تعرضت لخطر مخيف على حياتها، فكتبت في افتتاحية العدد التالي (صفر سنة ~~1341ه) كلمة أهدئ بها النفوس، كان مما قلت فيها: # لم تنشر المجلة ذلك رأيا لها أو مذهبا، ولم تعلق عليه باستحسان أو ~~تحبيذ، ولم يجئ في ms01 سياق الكتابة نفسها ما يشعر بدعوة إلى جديد، أو ~~حمل عليه، أو تحسين له، ولكنه بحث نظري محض، كتب للخاصة من ~~المتفقهة، يروضون فيه النظر، ويمرنون الفكر، ولهم أن يفندوه ~~وينقضوه، ويردوا عليه بما شاءوا، والمجلة تتقبل ذلك بصدر رحب وقبول ~~حسن، ولا سيما إذا ذكرت أن البحث نظري محوج إلى التمحيص، ويحسن فيه ~~الأخذ والرد ... # إلى كلام آخر في هذا المعنى وما يتصل به. ~~••• # وشاء الله وقضت نواميس الكون الاجتماعية بعد ذلك بأعوام ليست كثيرة في حياة ~~الأمة أن يصبح منع التطليق ثلاثا بلفظ واحد قانونا رسميا معمولا به في ~~المحاكم، ثم قضت بأن يكون الأستاذ كاتب المقال السابق أحد أساطين المختصين ~~بإصلاح تشريع الأحوال الشخصية في مسائل أهم وأبعد مدى من الطلاق الثلاث بلفظ ~~واحد. # وإنها لظاهرة مطردة مكررة في حياة الكائنات المعنوية كلها، وقد ~~عرفتها الدنيا في شواهد جمة ومواطن متعددة، مما له صلة بالتدين ~~والاعتقاد، أو لا صلة له به. # إذ تعد الفكرة حينا ما كافرة تحرم وتحارب، ثم تصبح - مع الزمن - ~~مذهبا، بل عقيدة وإصلاحا، تخطو به الحياة خطوة إلى الأمام. # وعلى أساس من التنبه لهذا الناموس الاجتماعي والثقة به، نعرض لموضوعنا في «هذا ~~النحو». ~~(2) النحو والفقه # ولكن ما دام الناموس الاجتماعي مطردا في حياة الكائنات المعنوية جميعا، ففيم ~~البدء بالإشارة إلى هذا الفقه وما كان من أمره؟! ونحن قوم إنما نشتغل بالشئون اللغوية، ~~وقد قصدنا إلى الحديث في هذا النحو، حين استفاض القول بفساد ما بينه وبين الحياة؛ إذ ~~أقام الصعوبات المحرجة في أوجه الصغار حين يتعلمون الفصحى، فيعكفون على ~~تعلمها مدة لن تقل في حياة واحد منهم عن اثني عشر عاما حتى يحصل على شهادة ~~إتمام الدراسة الثانوية، وقد تزيد ... ثم لا يظفرون منها بطائل، بل يتقدمون إلى ~~الحياة كبارا لا يحسنون استعمال هذه الفصحى والانتفاع بها، وهي أزمة، إن ~~شكاها الأفراد فإن هذه الأمة لتشكو من أنها تعيش بلغة، وتبذل ما تبذل في ~~تعلم لغة تكاد تظل غريبة عنها، فلا تجد فيها ms02 ما لا بد منه للأمة، وهو ~~الأداة الطيعة المرنة المواتية للتفاهم والتعامل والتعلم والتفنن، تلك الأداة ~~التي تحقق رغبات الجماعة في ميادين النهضة على اختلافها، وتكون عاملا من أهم ~~العوامل في وحدة الأمة وتماسكها، وإعانتها على مسايرة الحياة والاستجابة لكل ~~تدرج وتطور فيها، والحياة بطبيعتها تدرج ونماء. # ومن أجل ذلك صار الواجب الاجتماعي الأول، على المشتغلين بالشئون اللغوية أن يفكروا ~~تفكيرا نفاذا، في تدبير الوسائل الفعالة لتذليل هذه الصعوبات كلها، وهو ما ~~حاولت بجهدي المتواضع أن أعرض فيه شيئا عن هذا النحو. # وإنما بدأت بالإشارة إلى الفقه لأدل بذلك على خطة من الخطط في بحث مسألة ~~النحو؛ إذ إن للبحث فيه أكثر من خطة؛ فقد يأخذ متناوله بالحرية المسرفة فيقول ~~لكم: إن اللغة - في نظر الاجتماع - أشد التقاليد الاجتماعية لينا، وأقلها ~~صلابة وتحجرا، وأطوعها للتطور، وأكثرها تأثرا بالعوامل المختلفة، ~~وانقيادا لسائر ظواهر الاجتماع وأنظمة المجتمع؛ ومن هنا تعددت اللغات بتعدد ~~الجماعات، ثم تفرعت اللهجات باختلاف البيئات، في وطن الجماعة الواحدة الجنس ~~والإقليم؛ ومن هنا أصابت اللغات الحية ألوانا من التطور حفظت بها حيويتها ~~واستجابت لطلبات الجماعة منها، فكذلك ينبغي أن نتناول لغتنا بإصلاح حر طليق، إذا ~~ما أردنا لها أن تكون في حياتنا، كما يجب أن تكون اللغات في حياة الأمم. # ولا تحسبوا أن هذا الذي أصفه هو احتمال فرضي، أو رأي نظري، فقد كان قولا ~~يقال وينشر في الجيل الماضي، مع أنه حديث عهد بتجدد، فكان من رجاله من أشار ~~بالتخلص من هذا النحو وإعرابه بالوقف مثلا، كما كان من رجاله - وإن لم أثبت ~~اسمه - من قال ما معناه: «إن كانت هذه اللغة التي تريدون أن نعيش بها، ميراثا آل ~~إلينا، فلنا فيه ما للمالك في ملكه من تصرف، فدعونا نتصرف فيها بما ~~يصلحها، وإن كانت عارية لا غير، فخذوها ودعونا نبحث عن لغة غيرها، نستطيع ~~التصرف فيها بما يدفع حاجة الحياة.» # وسواء أكان هذا قولا لشخصي بعينه «هو المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا»، فيما نقل ~~إلي، أم كان ms03 صرخة كل فرد مكظوم حين يعاني هذه الصعوبات، فإن واقع الحياة لا ~~يغفل تقديره. # ولكنا - رغم هذا كله - لن نأخذ هنا بشيء من تلك الحرية التي تبدو مسرفة، بل ~~ندع الآن هذه الخطة التي لا تتمسك إلا بحقها في التصرف، دون أن تقيم هذا ~~التصرف على أساس تعينه، ندعها هنا لنأخذ بخطة مسرفة في عكس ما أسرفت ~~فيه الأولى من حرية، مسرفة في الرجوع إلى القديم، والتعمق في البحث عنه، فهي خطة ~~معتدلة محافظة، تقيم نظرها في مسألة النحو، على ما يتكشف لها من تقدير لأصوله ~~البعيدة التي أقام النحاة عليها بناء قواعده، وللنحو أصول كأصول الفقه وأصول ~~القانون، صنعها أصحاب النحو على وجه يبين في تاريخه، والفحص لمناهج درسه، وما ~~دام للنحو أصول فإن الرجوع إليها أمر لا بد منه في فهم كيانه فهما يعين على ~~التحدث فيه عن بصيرة، ويدل على تقدير أصحاب هذه القواعد لها، ومدى ما يجيزونه ~~من التصرف فيها بنفي أو إثبات. # والناظر في هذه الأصول يرى النحاة منذ أول الدهر، قد ربطوا أصولهم بأصول ~~الفقه، بل حملوها عليها؛ فهذا ابن الأنباري - المتوفى سنة 577ه - حين يعد علوم ~~الأدب، يذكر أنه ألحق بها علم أصول النحو، فيعرف به القياس وتركيبه وأقسامه، من ~~قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطرد، إلى غير ذلك على عد أصول الفقه، ~~فإن بينها من المناسبة ما لا يخفى؛ لأن النحو معقول من منقول، كما أن الفقه ~~معقول من منقول، ويعلم هذا حقيقة أرباب المعرفة بهما. # 1 # ثم هذا الجلال السيوطي بعده - في القرن العاشر الهجري - إذ يزعم أن صنيعه في ~~كتابه «الاقتراح في أصول النحو» صنيع مخترع، وتأصيله وتبويبه وضع # 2 # مبتدع، لا يلبث أن يقول هو بنفسه عن هذا الاختراع أنه رتبه على نحو ~~ترتيب أصول الفقه في الأبواب والفصول والتراجم ... # 3 # إلخ، كما يقول في ثنايا كتاب «الاقتراح»: «هذا معلوم من أصول الشريعة، ~~وأصول اللغة محمولة على أصول الشريعة.» # 4 # وليست المسألة بنت القرن العاشر أو السادس، بل هي ms04 أسبق من ذلك وأقدم، فابن جني ~~في القرن الرابع - توفي سنة 393ه - قد زاول أصول النحو، كما يقول السيوطي ~~المخترع بنفسه: «إن ابن جني وضع كتابه «الخصائص» في هذا المعنى، وسماه ~~«أصول النحو»، # 5 # وقول ابن جني: هذا - في صلة النحو وأصوله بالفقه وأصوله - أكثر مما ~~روينا وأوضح؛ إذ ينقل عنه أنه قال في «الخصائص»: «أعلم أن أصحابنا ~~انتزعوا العلل من كتب محمد بن الحسن، جمعوها منها بالملاطفة والرفق».» # 6 # وفي كل حال، فإن الصلة بين الأصلين، وحمل أصول النحو على أصول الفقه مما استقر ~~أمره في نظر الأقدمين على ما نقلنا، وإن زاد ابن جني على هذا أصول ~~المتكلمين وضمها إلى أصول الفقهاء، # 7 # ورأى أن علل النحاة أقرب إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، # 8 # وجعل عللهم في منزلة بين التعليلين: الكلامي والفقهي، فهي متأخرة عن ~~علل المتكلمين، متقدمة علل المتفقهين. # 9 # وما نقف هنا لنرى رأيا في فقهية هذه الأصول النحوية، أو كلامية العلل النحوية، ~~فربما اطمأننا إلى غير ذلك كله حينما نعرض للبحث النظري فيه تحقيقا للمنهج ~~النحوي وما حوله، وإنما مهمتنا هنا - كما قدمنا - عملية، نلزم النحاة فيها ~~بقولهم، وأول هذا أن نسجل عليهم ما التزموه وقرروه، من حمل أصول اللغة ~~على أصول الشريعة حملا، وأخذها منها أخذا، بل نقدر مع ذلك أنهم تحروا ~~تأليف كتبهم في النحو على غرار ما ألف الفقهاء في فقههم، # 10 # فننظر أولا مكان: ~~(3) اللغة والشريعة في الحياة # من حيث اتصال كل واحدة منهما بهذه الحياة، ثم من حيث تأثر كل واحدة منهما ~~بها. # فكل من الشريعة واللغة مظهر قديم من مظاهر حياة الجماعات البشرية، ثم اللغة ~~من أقدم هذه المظاهر - إن لم تكن أقدمها - في تقدير أصحاب الاجتماع، وهما متصلتان ~~بالحياة العامة اتصالا وثيقا، بل عنيفا، وربما كانت اللغة في هذا المعنى أشد ~~وثاقة وأقوى ارتباطا؛ لأن بعض التشريع قد يغني عنه القانون الخلقي، ولا غنى ~~لجماعة متقدمة - إلى الآن - عن اللغة، والشريعة تنظم ناحية من نواحي معايش ms05 الناس، ~~على حين تتصل اللغة بكل النواحي. # وأما من حيث تأثر الشريعة واللغة بالحياة وواقعها، فإنا نعرف أن الشريعة ~~تعتبر العرف، وهو تركز اجتماعي بطيء التكوين بطيء التغيير، فهي إن ~~لاءمت الزمان والمكان وجعلت أحكامها تناسبهما، إلا أنها في ذلك بطيئة الخطى ~~بطيئة التغيير نوعا ما، ولعله بهذا انخدع الفقهاء حين أقفلوا باب الاجتهاد، ~~وتصوروا أن يجعلوا إقفاله أبديا. # أما اللغة فهي - على ما سمعتم من قول الاجتماعيين عنها - أشد المظاهر الحيوية ~~لينا وأقلها تصلبا وتحجرا، وأطوعها للتطور. وقدماؤنا أنفسهم يدركون ~~هذا واضحا حين يتحدثون عن تهذيب اللغة وعوامله، وحين يقررون أن الاستعمال ~~يحيي ويميت، ويقبح ويحسن، وحين يصفون تداخل اللغات وتحول اللسان، وما ~~إلى ذلك من دلائل الشعور بتأثر اللغة بالحياة تأثرا قويا. # وإذا ما كانت تلك هي صلة كل من الشريعة واللغة بالحياة، وحظ اللغة منها أقوى، ~~ثم إذا ما كان هذا مدى تأثر كل من الشريعة واللغة بالحياة، ونصيب اللغة منه ~~أوفر وأظهر، فإن من حقنا حين نحاول شيئا من تطويع اللغة للحياة أن ننظر ~~أولا في: ~~(4) صنيع أصحاب الفقه اليوم # إذ الواقع قد أجبرهم على صنوف من التدرج والمسايرة، بحكم قاس لا يرد، ~~فنظروا في قواعد التصحيح والترجيح عندهم، وخطة اختيار المذاهب والقضاء بها، وهي القواعد ~~التي تتبعها النحاة تتبعا، وقد قدم الفقهاء من ذلك ما غيروا به التشريع في ~~الأحوال الشخصية، وكانت لهم في هذا محاولات متفرقة، آخرها - وقد يكون أوسعها - ~~صنيع لجنة الأحوال الشخصية التي مضت عليها أعوام تباشر عملها، وقد أخرجت منه ~~ما أصدرته الحكومة قانونا بعدما أقره البرلمان، وهيأت قدرا آخر ~~للإصدار. # وقد آثرت ألا أقول في هذا شيئا من عندي، وإن كنت أستطيع هذا القول، فوجهت ~~سؤالا كتابيا في ذلك إلى أحد أعضائها المحترمين، ليجيب عنه كتابة أيضا، ولعله ~~من حسن الاتفاق أن هذا العضو المحترم هو صاحب مقال «اجتهاد عمر» الذي صدرت هذا ~~الحديث بالإشارة إلى ما كان من أمره، وما انتهى إليه الحال من جعل المحرم بالأمس ~~تشريعا اليوم، ms06 وهذا العضو هو حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري، ~~الذي تعرف اللجنة له في عملها أثرا محمودا ونشاطا بارعا. # قلت له في سؤالي: «... أعرف أنكم أعددتم في اللجنة التحضيرية للتشريع الجديد - في ~~الأحوال الشخصية - مذكرات في هذا التشريع، فأرجو أن تتفضلوا ببيان علمي واف عن ~~«الدستور» الذي اتبعتموه في اختيار الأقوال والآراء الفقهية، ولكم الفضل ~~والشكر.» # فتفضل بإجابة كتابية موقعة منه، ألخص منها هذا الدستور محتفظا بعباراته ~~نفسها لتروا ما فعل أصحاب الأصول التي حملت عليه أصول النحو حملا. ~~(5) دستور شرعي للتجديد النحوي # فقد قال: إن اللجنة التحضيرية التي تقوم بإعداد المشروعات الفقهية - وهو أحد ~~أعضائها الثلاثة - قررت مبادئ أقرتها فيما بعد اللجنة العامة، وتلك الأصول ~~هي: ~~(1) # أن الشريعة جاءت لمصالح العباد، وأن الدين يسر، وأن ~~المشقة تجلب التيسير، وأنه كثيرا ما أخذ المتأخرون بالقول ~~المرجوح واعتمدوه لتغير الزمان أو الأعراف، أو لأنه أرفق بالناس، ~~وعلى هذا الأساس سارت اللجنة في عملها على النظام الآتي: ~~(2) # أن تجمع الآراء من الكتب الفقهية كلها، بل من غير كتب الفقه أيضا ~~ككتب السنة والتفسير، ولا تعتمد على المنصوص عليه منها صراحة فحسب، ~~بل يعتمد على المنصوص، وعلى ما يؤخذ منه، ومن علله، وعلى القواعد ~~العامة المذهبية، والقواعد التي أقرها جمهور الفقهاء. ~~(3) # ألا تتقيد بمذهب واحد في مسألة بعينها، «بل ينتزع حكم المسألة ~~الواحدة من مذهبين أو أكثر، ولا تتقيد بما نص على أنه القول الأصح ~~أو الأرجح في مذهب من المذاهب، بل يؤخذ بالمرجوح وبه يفتى ~~ويقضى.» ~~(4) # أن تتخير أكثر الأقوال ملاءمة للمصلحة العامة، مراعاة لما يوافق ~~حاجة الأمة ويساير رقيها الاجتماعي، على ضوء التجارب القضائية، وما ~~وقفوا عليه من الشكاوى الحقة. # فإذا ما سمع حديثنا عن «هذا النحو» من يرى الاتباع خيرا من الابتداع، ومن ~~يحمي قواعد هذا النحو من كل يد متناولة، فهل تراه سيدعي للنحو قدسية ~~دينية؟ وهل تراه سيجعل تغير النحو عسيرا كتغير الفقه، ويلحق النحو بالفقه في ~~هذا كله مهما تكن مبالغته وتطرفه؟! وهبه سيفعل ms07 هذا كله على بعده، فإنا ~~نقول له: إنا لن نطلب في هذا النحو أكثر مما فعل أصحاب الفقه في الفقه، وهو أصل لهذا ~~النحو في تفكير أصحابه، كما سمعنا قولهم في ذلك، وها هم أولاء الفقهاء، وقد مهدوا ~~لنا سبيلا لا بدع بعد ذلك في أن نسلكها، وحيث كان الأمر على ما سمعت من الدستور ~~الشرعي، في تناول الفقه وإعداده للتشريع المساير للحياة، فإن من الحق الذي يقره ~~المحافظ المتبع، بل الجامد الراكد، أن نتبع تلك القواعد الإجمالية في تهذيب ~~هذا النحو، فنقرر: ~~(أ) # ملاحظة التيسير والرفق، ولا نقول: إن البلوى بالنحو أعم من الفقه ~~وأشمل، بل حسبنا أن يساوي النحو الفقه في ذلك، وإن كان من الناس غير ~~قليل يستطيعون الاستغناء عن الرجوع إلى هذه المحاكم الفقهية، وليس فيهم ~~واحد فرد لا يعرض للمشكلات اللغوية الكلامية، «وبخاصة حينما نعطي الناس ~~جميعا» حقهم الفطري في التعلم، ومجاوزة الأمية، واستعمال لغتهم ~~في الحياة قراءة وكتابة وكلاما. ~~(ب) # جمع كل ما يوجد من المذاهب النحوية، حيثما وجد، والتوسع في ~~فهمه دون وقوف عند نصوصه. ~~(ج) # عدم التقيد بمذهب نحوي واحد في مسألة بعينها، وعدم التقيد ~~بالأفصح أو الأرجح أو الأصح الذي نصوا عليه. ~~(د) # تخير ما يوافق حاجة الأمة، ويساير رقيها الاجتماعي على ضوء ~~التجارب العملية والخبرة التعليمية والشكاوى الحقة من المصاعب ~~اللغوية. # وليس من الابتداع في شيء مطلقا أن يأخذ بهذه الأصول في اللغة والنحو، أشد ~~المحافظين، بل المتعنتين، بعد الذي سمع أن أصولها محمولة حملا على أصول ~~الشريعة، وأن هذا ما أقرته أصول الشريعة، وأصدرت على أساسه قوانين اعتمدتها ~~السلطة التشريعية المصرية، ولم يرتفع صوت ما بمعارضة أصول هذا التشريع، مع الفرق ~~الهائل، بل البون الشاسع بين الفقه والنحو من حيث الصفة الدينية، والحل ~~والحرمة في الأول، وعدم ذلك تماما في النحو، ومع شدة صلة اللغة بالحياة، ~~ومسايرتها إياها مسايرة قهرية، لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها، وهو ما لا ~~يتوافر للشريعة بهذه القوة. ~~(6) اعتدال جامد # إلى هنا، من الحديث ms08 عن منهج البحث في هذا الموضوع، رأيتم أن صعوباتنا اللغوية قد ~~تعرض لتذليلها الجيل السابق، أو الأسبق - على بساطة حظه من التجدد - فتحدث ~~عن خطة حرة أو متطرفة، رأينا هنا ألا نأخذ بشيء منها، وتركناها إلى ~~خطة تتأخر عنها خطوة إلى الوراء، بل ربما تأخرت خطوات، فنظرنا إلى أصول النحو ~~كيف أصلها النحاة وأسسوها، وإذا هم قد انتزعوها من أصول الفقه انتزاعا، وإذا ~~أصحاب الفقه اليوم يعملون رسميا لمسايرة الحياة، فقلنا: «إن ما صنعه أصحاب الفقه ~~يتخذ مثله في النحو لتذلل صعوباته، مع ما بين النحو والفقه من فروق، توجب ذلك ~~في النحو أكثر وأقوى وأسبق مما توجبه في الفقه.» وحل لنا اتخاذ هذا الدستور ~~الشرعي للتجديد النحوي، على أن هذه لا تكون منا إلا خطوة محافظة، بل ~~مقلدة لا محافظة فحسب. # لكن ما رأيكم في أنه حتى هذه الخطوة لا نخطوها هنا، بل نرجع إلى ما وراءها ~~أيضا، فإذا كان أصحاب الفقه قد حوروا فلا نحور نحن! وإذا كانوا قد لفقوا فلا ~~نلفق نحن! وإذا كانوا قد التمسوا الحلول حيثما وجدت في غير كتب النحو، فلا نلتمس ~~شيئا من ذلك نحن! بل نلزم أصول النحو بنصها، ونقف عند منطوقها، ونبتغي الحلول ~~من عباراتها! وهو اعتدال جامد، أو هو أكثر من ذلك حقا، فلا يخشى عليه اعتراض ~~فيما أظن. # وعلى هذا الأساس، سنعرض عليكم الرأي والاقتراح، بعد أن تسمعوا قبله عبارة ~~النحويين في أصولهم، وأنها تحله في غير لوم ولا تثريب. ~~••• # والآن وقد أحجمنا عما تقدم إليه الجيل الأسبق قبلنا، ثم تأخرنا عما ~~تقدم إليه أصحاب الفقه حولنا، لا نظن أن حولنا عناصر للرجعية أكثر من ذلك ~~تأخرا، فلننظر بعين هذا الاعتدال الجامد في: ~~(7) حياتنا اللغوية # وإذا قلنا: حياتنا اللغوية، فإنا نقدر تقديرا صحيحا أن حياتنا هذه اليوم إنما ~~هي ثمرة ونتيجة لذلك الماضي الطويل الذي تعرضت فيه اللغة العربية لعوامل ومؤثرات ~~اجتماعية متنوعة، ورحلات وانتقالات بعيدة المدى، وصراع مع لغات أخرى انتصرت فيه ~~حينا وهزمت حينا، وتأثرت ببيئات طبيعية ms09 متغايرة، وبيئات معنوية متعددة، ~~فترك فيها كل ذلك وما إليه آثارا في كيانها، وفي علومها، وفي طرق تعلمها، ولا ~~بد لمن أراد فهم المنهج النحوي فهما صحيحا، من التعرض لدرس هذا الماضي السحيق ~~كله، وتتبع آثاره، والتفهم التفصيلي لتلك المؤثرات، فلعله بعد ذلك الدرس ~~يفهم من غوامض هذا المنهج وخفاياه حقائق كثيرة، ويتبين من نواحي خطئه وطرق تحريره ما ~~لا يستطيعه قط المتناول المستعجل، وفي العزم إن شاء الله أن نفرغ لهذا الدرس ~~بعد الآن لنحكم على هذا المنهج حكما دقيقا، ونتحدث في تغييره وتصحيحه، مما يقوم ~~على واقع الحياة وقول التاريخ وسنة الاجتماع. # أما هنا فغرضنا عملي قريب، لا يضيره الإغضاء عن هذا المنهج، ولا يفسده ~~التزام أصوله التي أشرنا إليها، راجين مع هذا الاحترام والالتزام أن نزيح ~~صعوبات ذاتية يعرض لها متعلم العربية في كل دور من أدوار هذا التعلم، وإن ~~كنا سنعنى هنا بغير المتخصصين في علومها المتفرغين لها، تاركين أولئك ~~المتخصصين يعانون تلك الصعوبات إلى أن يكون القول في المنهج قولا علميا ~~تاريخيا، يتم به التغيير البطيء لهذا المنهج إن واتت عليه الحياة العامة والخاصة، ~~فيغير إذ ذاك أصحاب العربية المختصون بها من أسس مقرراتها وأصول دراستها بقدر ما ~~يستطيعون من ذلك التغيير. # أما الآن، فالحديث عن متكلمي العربية ومتعلميها كافة. ~~••• # ونؤثر قبل أن نعرض لما نريده من ~~غرض عملي أن نصف في إجمال موجز المحاولات التي بذلت في سبيل إزالة تلك ~~الصعوبات، لنهتدي بالنافع منها، ونتقي ما ينقصها فيما نبتغيه. # وتبدأ المحاولات لتذليل صعوبة تعلم العربية واستعمالها، مع النهضة الشرقية الحديثة، ~~ولعلها في مصر تظهر مع «محمد علي باشا»، ولعل أصحاب هذا العهد وما تلاه لم ~~يضعوا مسألة اللغة موضع الدرس النظري والتدبير، بل سلكوا فيه خطوات عملية ~~ذللوا بها ما واجههم، ودفعوا اللغة إلى الاستجابة لمطالب النهضة العلمية والحربية ~~والصناعية التي ظهرت في الوادي، فأحيوا ألفاظا وأساليب واصطلاحات، وحاولوا من ~~ذلك ما حاولوا حتى أخرجوا ذلك النتاج القيم في الميادين المختلفة، عربي الصورة ~~إلى ms10 الحد الذي استطاعوه، مع مزاحمة التركية لها، وجمود العربية نفسها إذ ذاك. # ثم صارت مسألة اللغة موضع البحث والتدبير في مثل محاولة علي مبارك باشا إنشاء ~~مدرسة خاصة بهذا لتهيئ معلمين للغة غير الذين كانت تعرفهم من الأزهر، ومنذ ذلك ~~العهد عملت المعاهد التي أنشئت حول الأزهر، ولا سيما دار العلوم، على تذليل صعوبات ~~العربية، وربما كانت الصعوبات الخارجية أو الشكلية أكثر ما وجهت العناية إليه، أو ~~ما سمح بتوجيه العناية إليه وتناوله بالتغيير، فأصلحت طريقة تعليمها مثلا، ~~واستعين فيها بما ترشد إليه أساليب التربية الحديثة قدر المستطاع، ووضع الكتاب ~~الأقرب مأخذا، والأصلح شكلا في عرض قواعد اللغة، فأزاحت تلك الأعمال شيئا من ~~الصعوبات، ولكن ظل صراخ الشاكين يرتفع في كل مناسبة، كما ظلت قواعد النحو ~~نفسها في جوهرها وصورتها على ما كانت عليه في الكتب الأولى، وكما أسست على أصولها ~~الأولى، فيما اتخذه النحاة منها، نقلا عن أصول الفقه، أو تأثرا بغير ذلك من ~~مؤثرات وجهتهم في صنيعهم، بقيت تلك جميعا لم يفكر أحد في أن يمسها أو ينال ~~منها شيئا ما قليلا أو كثيرا. # ثم عمل الزمن عمله، وتأثرت الحياة اللغوية بما حولها من مؤثرات التجدد، ~~فجعلنا نسمع الكلام عن قواعد النحو نفسها وعمل النحاة فيها، ومنهجهم في ذلك، وجعل ~~الدارسون ينظرون إليها بعين ناقدة، لا تغضي أمامه إجلالا ولا هيبة، وجعل يرتفع ~~الصوت بذلك، فيما سمعنا من عناوين مثل: إحواء النحو، وتيسير النحو، وما أشبه ذلك، ~~مما نحاول أن نصفه قبل الإشارة بشيء غيره، انتفاعا بما فيه كما قلنا، واتقاء ~~لما نقصه، فلم يحقق الرغبة الملحة في تذليل العربية وتطويعها للحياة ~~والاستعمال. ~~(8) في تيسير النحو # فأما إحياء النحو، فما نحتاج إلى الوقوف عنده لأن صاحبه - أكرمه الله - قد صار ~~فيما بعد سادس خمسة كلفوا رسميا تيسير النحو، فجاء في ذلك بكل ما استطاع أن ~~يكون له أثر عملي يذلل من قسوة هذا النحو، فنظرنا في هذا التيسير يغني عن ~~القول فيما قبله. # وقد كان هذا التيسير عملا ms11 مرجو النجاح، إذ أتيحت له المعونة الحكومية والقوة ~~الرسمية، فصدر قرار وزاري سجل الشكوى من هذه الصعوبة، وقال: # بما أن الوزارة سبق لها أن عملت على تبسيط قواعد النحو والصرف والبلاغة، ~~فيما أخرجت من الكتب، وكان لهذا العمل نتيجة مرضية، وبما أن هذه ~~الخطوة التي خطتها الوزارة في الماضي لم تكن كافية؛ إذ إنه لوحظ أن ~~صعوبة قواعد النحو والصرف والبلاغة لا تزال قائمة، وأن المعلمين ~~والمتعلمين يبذلون جهدا كبيرا ووقتا طويلا في تعليمها وتعلمها، ولا ~~يصلون بعد هذا كله إلى نتائج تتفق مع ما يصرف من زمن وجهد. # وحدد هذا القرار الوزاري مهمة اللجنة # 11 # التي ألفها، بأنها: «البحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة - ~~كما سماها التبسيط الجديد - وطلب الأسس التي تشير اللجنة بوضع قواعد النحو ~~والصرف عليها، وقد أعدت اللجنة تقريرها في ذلك، وطبعته الوزارة ~~وأذاعته.» # ومما نحمده لهذه اللجنة أنها تمثلت حاجة الأمة اللغوية تمثلا واضحا؛ ~~إذ قالت: «ولن تكون اللغة العربية الفصحى، لغة حية خصبة حقا، إلا إذا شاعت ~~بين الناس على اختلاف طبقاتهم وأصبحت أداة يصطنعونها لتأدية أغراضهم المختلفة في ~~يسر وإسماح، وفي غير مشقة وجهد» (ص42، س7، 8). # وثاني ما نحمد لها أيضا اهتمامها بالعامل الاجتماعي الذي يزيد من صعوبة تعلم ~~العربية واستعمالها على الوجه الذي رأته اللجنة؛ إذ قالت: «... لأن الشباب لا ~~يتعلمون هذه اللغة كما يتعلم الشباب في الأمم الأخرى لغتهم، هم لا يسمعونها في ~~البيت، وهم لا يسمعونها في البيئة التي تحيط بهم، ثم هم لا يسمعونها في المدرسة ~~إلا أثناء درس اللغة العربية» (ص2، س20). وحين قالت: «... ويجب أن نلاحظ أن ~~الشاب الإنجليزي أو الفرنسي إنما يحسن لغته، ويتقن النطق بها والتصرف ~~فيها لأنه يسمعها صحيحة في البيت وخارج البيت، ويسمعها صحيحة في المدرسة بنوع ~~خاص، فقد تتأثر لغة البيت ولغة الشارع ببعض اللهجات العامية، وقد يكون لهذا تأثير في ~~لغة التلميذ، ولكن المحقق أن اللغة الصحيحة وحدها هي المسيطرة على التعليم الحديث ~~داخل المدرسة؛ والشاب الفرنسي أو الإنجليزي لا ms12 يسمع اللغة الصحيحة في درس اللغة ~~الفرنسية أو الإنجليزية فحسب، ولكنه يسمعها في درس التاريخ والجغرافيا، وفي درس ~~الطبيعة والكيمياء، وفي درس الرياضة أيضا» (ص3، س17 وما بعده). # ومن «تقدير اللجنة للعامل الاجتماعي» في صعوبة تعلم اللغة العربية واستعمالها، ما ~~أشارت إليه كذلك من مزاحمة اللغات الأجنبية للغة الوطنية، في عقول الصبية ~~وأذواقهم وذاكرتهم، وما رأته من أن التعليم الابتدائي يجب أن يخلص للغة الوطنية، ~~فلا يسمع الصبي في المدرسة الابتدائية غيرها (ص4، س3 وما بعده) ... كما قررت أهمية ~~الاعتبار الاجتماعي في حياة اللغة الوطنية بقولها كذلك: «ولنسجل أننا على إكبارنا ~~لخطر النحو والبلاغة لا نغتر بأثر هذا التيسير، ولا نراه السبيل الوحيد إلى إحياء ~~لغة وإشاعتها، وتمكين التلاميذ من أن يمنحوها ما ينبغي أن تمنح اللغة الوطنية من ~~الحب لها والإقبال عليها، وإنما هو سبيل من هذه السبل، يجب أن نأخذ بأسبابه، ~~ولكن يجب ألا نكتفي به ونقصر جهدنا عليه» (ص5، س11 وما بعده). ~~«والحق» أن لهذا العامل الاجتماعي دائما خطره في اللغة العربية وعلى اللغة ~~العربية أيضا طوال حياتها، كما هو الشأن الاجتماعي للغات في الحياة دائما، ومن هنا ~~ما أشرت إليه قريبا من ضرورة بحث أثر هذا العامل في حياة علوم العربية ومناهجها، ~~ولكن هذا العامل الاجتماعي مهما يكن خطره في الإقبال على تعلم الفصحى والنشاط ~~لاستعمالها، قد كان له منذ القدم أثر أشد خطرا في أبناء العربية نفسها، وقد ~~خلف فيها صعوبات ذاتية، هي التي نحاول تذليلها اليوم تذليلا عمليا، مع تقديرنا ~~أن الاهتمام الاجتماعي بهذه اللغة في الحياة مؤثر كبير جدا في التغلب على ~~هذه الصعوبات، إذا خف ما بها من تعقد جوهري، وصعوبات أساسية سنصفها فيما ~~بعد. ~~••• # والآن وقد حمدنا من نظرات أصحاب هذا التيسير ما حمدنا، ننظر فيما وراء ذلك منه ~~فنرى: # أن أصحابه يقولون: «وقد شرط علينا القرار الوزاري، وشرطنا نحن على أنفسنا ~~ألا ينتهي بنا حب التيسير إلى أن «نمس من قريب أو بعيد أصلا من أصول اللغة أو ~~شكلا من ms13 أشكالها»» (ص5، س15). فنقول لهم: هبوا أن القرار الوزاري - لاعتبار سياسي ~~أو نحوه - قد شرط عليكم ألا يمس التيسير والتبسيط «أصلا من أصول» اللغة ولا ~~شكلا من أشكال الإعراب والتصريف. كما قال: فهل ترونكم - وأنتم المكابدون المعانون ~~لهذه الآلام - تنزلون على ذلك وتلتزمونه؟! لقد أثرتم الناحية الاجتماعية وما إليها، ~~وأفسحتم لها من صفحات تقريركم ما يزيد عن ثلثه، ثم قلتم: «وقد أطلنا في هذه ~~الأشياء، مع أنها ليست من جوهر المهمة التي كلفنا النهوض بها، لنشير بما نرى أنه ~~الخير من جهة ... إلخ» (ص5، س9، 10). فكنتم بالقياس على هذا، بل بالإخلاص للعمل الذي أنتم ~~أهله الأولون، خلقاء بأن تشيروا بما فيه الخير من عدم التحرج من المساس بشكل ~~من أشكال الإعراب والتصريف، ومن وجوب النظر في الأصول نفسها لعل فيها ما ينتفع به ~~دون مساس ولا تغيير! بل كنتم - فيما أومن به - خلقاء بأن تشيروا أن المسألة من ~~الأهمية والخطر الاجتماعي، بحيث تحتاج إلى النظر المستأنف في هذه الأصول نفسها، لكنكم ~~فعلتم عكس ذلك، فحين شرط عليكم الإقرار ألا تمسوا فقط، زدتم أنتم فقلتم: وشرطنا نحن ~~على أنفسنا «ألا نمس من قريب أو بعيد ...» ذلك ما لا أرتاح إليه من حذركم ولا ~~ألتزمه إن شاء الله، وإن كنت مستغنيا فعلا عن المساس؛ لأنا لا نعرف لهذا النحو ~~تلك القدسية، وليس عنا يعرفها الناس له! على أنا سنرى فيما يلي أن اللجنة لم ~~تتهيب هذا المساس بل أقدمت على غير شيء منه، وإن كان أعضاؤها رغم كل شيء قد ~~غلبهم حب الحياة والتجدد، فعدوا عملهم خطوة معتدلة موفقة في هذا ~~التيسير، قد تتاح بعدها خطوات أدنى إلى التوفيق وأقرب إلى الكمال (ص2، س3). ~~••• # وننظر في اقتراحات اللجنة التي رأت أن فيها تيسير النحو، فنرى ما ~~يأتي: ~~(1) # أنها ترى: «وجوب الاستغناء عن الإعراب التقديري والإعراب المحلي» (ص7)، ~~ولكن: ما التيسير في هذا؟! إن الكلمات التي فيها هذا الإعراب من المقصور ~~والمنقوص والمضاف لياء المتكلم، والمبنيات ليست مصدر الصعوبة على ~~القارئ أو المتكلم، ms14 لعدم تغير الحركات عليها باختلاف مواضعها، بل ~~ليت اللغة كانت كلها من هذا الصنف، إذن لزالت الصعوبة ~~الأساسية. # ثم إن بيان هذا الإعراب التقديري والمحلي، بقدر ما يعرف متعلم ~~العربية، أجزاء الجملة لا بد منه لفهم المعنى، كما أنه لا بد من ~~معرفة موقع الإعراب للكلمة التي لم تظهر عليها الحركة ليمكن ضبط ~~تابعها بعدها، فمن يقول: جاء الفتى، لا بد له أن يعرف موضع الفتى من ~~الإعراب ليقال بعد ذلك: الأبيض أو الطويل ... إلخ. ودع عنك فوق هذا ما لا ~~بد منه في فهم معنى بناء الكلمة، من معرفة أنها وقعت في موضع تغيير ~~الآخر بكذا ولم تتغير، فكل الذي يمكن الاستغناء عنه هو الأخذ ~~بالرواسيم والصيغ المتحجرة، في بيان هذا الإعراب التقديري أو ~~المحلي، وتلك مسألة شكلية يكفي فيها أيسر لفت للمعلمين! ~~(2) # رأت اللجنة عدم التمييز بين علامات إعراب أصلية وأخرى فرعية، فلا ~~تقول: إن الأسماء الخمسة معربة بالواو أو الألف أو الياء نيابة عن حركة ~~كذا، بل هي مرفوعة بضمة ممدودة، منصوبة بفتحة ممدودة، مجرورة بكسرة ممدودة، ~~وفي هذه الفقرة من قرارها: قسمت اللجنة الأسماء بحسب ما تظهر فيه الحركات ~~كلها أو بعضها، وجعلت بين هذه الأقسام أيضا ما تظهر فيه ألف ونون، ~~أو ياء ونون، أو واو ونون، وعدت من كل أولئك أقساما سبعة، ثم ~~تقول بعد هذا كله: إنها تقرر عدم التمييز بين علامة أصلية وأخرى ~~فرعية. # وتنظر # 12 # في هذا الصنيع فترى - فيما يخص الأسماء الخمسة والحركات ~~الممدودة فيها - ليس فيه شيء من التيسير ما دمنا نفهم مع النفسيين وأهل ~~التربية أن اللغة إنما هي الأصوات، لا صور الأصوات، فهنا قد وجد ~~صوتان: ضمة قصيرة وأخرى طويلة، سواء أصورتها بواو أو بممدود الضمة، فهي ~~صوت مغاير للأولى، وقد وجد التعدد وتغيرت الأحوال والقواعد على ~~المتعلم. # ثم إنها فيما عدته من أقسام حسب ظهور الحركات على الكلمات، في ~~الأحوال جميعها - أو في بعضها - قد عدت فيما قلنا سبعة أقسام بالأسماء ~~الخمسة، فكثرت عما في القديم، ms15 إذ كانت تعد الياء حالة مشتركة في ~~المثنى وجمع المذكر، ثم ما التيسير في هذا، وقد ذكرت علامات متعددة، ~~هي حينا حركات، وحينا حروف، وحينا حركات بدل حركات كما في الممنوع من ~~الصرف ؟! ولعل في النص على النيابة راحة ذهنية، على أن القدماء ~~الأولين لم يجعلوا النص على النيابة أمرا هاما يجب ذكره، فليس ~~في هذا العمل كله تيسير. ~~(3) # قالت اللجنة: «جعل النحاة لحركات الإعراب ألقابا، ولحركات البناء ~~ألقابا» (ص8). لكنك تجد أن ليس النحاة - استغراقا ولا عهدا - قد ~~جعلوا ذلك، بل هو جعل سيبويه - والكوفيون يخالفونه # 13 ~~- وقد عادت اللجنة نفسها أخيرا فقالت: «ومن النحويين من ~~لم يلتزم هذه التفرقة.» وكانت تحسن لو قدمت هذا، وأخذت به. وفي كل ~~حال، انتهت اللجنة إلى أن ترى أن يكون لكل حركة لقب واحد في الإعراب ~~والبناء، وأن يكتفى بألقاب البناء، والأمر أيسر من أن يوقف عنده ~~كما ترى. ~~(4) # حاولت اللجنة ضبط الجملة بأصنافها تحت تقسيم واحد، ينتظم الفعلية ~~والاسمية، والجملة الصغيرة والكبيرة، وهو صنيع إن ساغ في المنطق لأنه ~~يبحث في المعاني والمفاهيم، ولا شأن له بالألفاظ مطلقا، أو قبل في ~~البلاغة؛ لأنها تبحث عن حسن المعاني، وتعرض للألفاظ بهذا المقدار، فلعل ~~هذا الصنيع - على ما يبدو لي - لا يسهل في النحو؛ لأنه يتحدث عن الصحة ~~واستقامة المعنى الأول، وفي هذا يطيل الوقوف عند الألفاظ، ويلحظ فيها ~~أدق الفروق، فيتحدث مكرها عن الفاعل ونائبه والمعنى فيه، والمبتدأ ~~والأحكام اللفظية لكل منهما، لا مفر، على حين قد ينظمها كلها ~~البلاغي أو المنطقي تحت اعتبارات جامعة، فيسميها مسندا ومسندا ~~إليه، وفي كل صنعت اللجنة في هذا السبيل أشياء فيها محل للنظر، فهي ~~مثلا: ~~(5) # قالت إن تسمية طرفي الجملة، المحدث عنه والحديث اصطلاح جديد، ~~ولكنه قديم يعرفه من اتصل بأوائل كتب النحو، وأحيانا يجده في ~~أواسطها في مواضع من «المفصل». ~~(6) # آثرت تسميتها - كالمناطقة - المحمول والموضوع، على ما فيه من ~~اعتبار معنوي، بعيد عن عقل المتعلم، وعن طبيعة الدرس اللغوي التي ~~تلتزم الألفاظ والظواهر الحسية ms16 لتدل بها على المعاني، وفي كل حال ~~حاولت ضبط إعراب الطرفين، فارتكبت صعوبات لا تطرد، وليس فيها يسر، ~~فهي مثلا: ~~(7) # تقول: «إن المحمول يكون ظرفا فيفتح، ويكون فعلا ... إلخ، ويكتفى في ~~إعرابه بأنه محمول» (ص9). وعادت في ص10 فقالت: «يخلو الفعل في «زيد ~~قام» من الضمير، وإنه المحمول.» ولا نقف عند خلوه من الضمير أو ~~تحمله إياه، ولكنا نسأل كيف يعرف الفاعل في «قام محمد»؟ وهل سيترك ~~القول في بنائه وإعرابه ليطرد إعرابه خبرا في «محمد قام» دون بيان ~~حال آخره؟! وهل ترك المسألة مرسلة هكذا يكون تيسيرا للصعوبة أو هو ~~فرار منها؟! ~~(8) # قالت اللجنة في المطابقة بين الموضوع والمحمول: «إذا كان الموضوع ~~مؤنثا كان في المحمول علامة التأنيث.» وهذا يصح في الجملة الصغرى، ~~أما في الجملة الكبرى فلا؛ إذ تقول: «اللجنة أصاب رأيها، وحسن ~~حظها»، فيكون المحمول في «أصاب» و«حسن» ناقضا للقاعدة، وإن قلنا معهم ~~- كما في ص9، س5 - أن الخبر الجملة يكتفى في إعرابه بأنه محمول، ~~فهذا خبر جملة، وجب فيه التفصيل في الإعراب ليعرف أن المطابقة فيه ~~بين «حسن» وفاعله، لا بين «حسن» و«اللجنة» التي هي مبتدأ، ثم فيه بعد ~~ذلك الربط بين جملة الخبر ومبتدأ لها لا بد من مراعاته، ففي المسألة ~~تعقيد ونقص لا يسر، إلا أن يكون التيسير بالإغفال والإنقاص! ~~(9) # قالت اللجنة: «إذا كان المحمول متأخرا لحقته علامة «العدد التي ~~توافق الموضوع»، وإذا كان متقدما لم تلحقه، فيقال: «الرجال ~~قاموا»، و«قام الرجال».» ونصت على أنها أخذت في ذلك برأي المازني الذي ~~يقول: «الواو للذكور، والنون للإناث، والألف للمثنى، والتاء للواحدة، ~~علامات لا ضمائر» (ص9، س16). وبذلك زادت اللجنة شيئا جديدا على الضمير، ~~هو علامة العدد التي اختارتها، ولكنها أهملت في هذه العلامة دلالتها على ~~الجنس ذكورة وأنوثة، وعلى الحال حضورا وغيبة وخطابا، ولم تستفد ~~شيئا إلا ترك إعرابها، ولو اكتفت بإعرابها فاعلا دون تفصيل لكان ~~أيسر، وهو ضروري؛ لأنها مضطرة إلى بيان الخبر الجملة في نحو المثل ~~السابق: «هذه اللجنة أصاب رأيها»، لتعلم الدارس ms17 أن المطابقة في ~~الجملة الخبرية بين جزأيها، لا بين جزء منها وبين الموضوع أو المبتدأ ~~التي هي خبره. # وتقول اللجنة في هذا المقام (ص9، س18): «إنها بتقسيم الجملة إلى محمول ~~وموضوع، وجعل إشارات العدد علامات، يسرت الإعراب، ونائب الفاعل، ~~وقللت الاصطلاحات، وجمعت أبواب الفاعل والمبتدأ واسم كان واسم إن في باب ~~الموضوع، وجمعت أبواب خبر المبتدأ وخبر كان وخبر إن في باب واحد هو ~~المحمول، وخففت برد باب ظن إلى الفعل المتعدي.» وحسن هذا لو كفى، ~~ولكنك تسألها: سيبقى بعد ذلك أحكام لكل واحد من هذه الأشياء، فأين ~~ستدرس؟ فهناك مثلا ما ينوب عن الفاعل مما لا يصلح فاعلا، وهناك مطابقة ~~الفعل للفاعل وجوبا وجوازا وصحة تعبير وخطأ، وهناك حذف المبتدأ وجوبا، ~~وتقديمه وجوبا، واستغناؤه عن الخبر، وحذف الخبر وجوبا، وتقديمه كذلك، ~~وهناك حذف اسم كان وخبرها وترتيبها معهما، وهناك فتح أن مثلا وكسرها ~~وتخفيفها، فهل ستبحث هذه الأشياء في باب المحمول والموضوع دون أن ~~تسمى؟ وكيف يكون ذلك؟! وإذا بحثت في موضوعات مستقلة، فماذا صنعنا؟! ~~وإذا تركت فماذا صنعنا؟! وهلا كان الأولى أن تكون النواسخ وأحكامها ~~مع المبتدأ والخبر بعد استيفاء أحكامهما ... إلخ؟! والحق أن الصعوبة ~~ذاتية ليست شكلية، يدفعها ضم باب إلى باب وإدماج مسألة في ~~أخرى. # ونكتفي بهذا في التعليق على أمهات الاقتراحات التي قدمتها اللجنة، ~~وننظر في محاولة أخرى حاولتها بعد الذي اعتبرته ضبطا للجملة، وتلك ~~هي: ~~(10) # أنها جعلت بعد الجملة وتكملتها ما سمته الأساليب (ص10)، ورأت أن ~~توجه العناية في درس هذه الأساليب إلى طرق الاستعمال لا بتحليل الصيغ ~~(ص11)، وقد يفهم هذا فيما مثلت به من التعجب والتحذير والإغراء، ~~ولكنها جعلت من الأساليب الاستثناء (ص13)، فكيف يدرس هذا الاستثناء ~~بطريق الاستعمال، وأدواته: أفعال وأسماء وحروف، وأحكام كل منها - كما ~~نعرف - كثيرة منتشرة لا يأتي عليها عرض، بل هو - إن كان - يتسع اتساعا، ~~خير منه درس الأحكام، وكذلك لا تغني هذه الشكلية في علاج صعوبة ليست في ~~صناعة النحويين، بل في بناء اللغة نفسها، وفي ms18 سعتها، وفي أشياء أخرى من ~~طبيعتها، هي التي نعرض لأهمها حين نتحدث عن: ~~(9) صعوباتنا اللغوية اليوم # ونكرر الإشارة هنا إلى أهمية العامل الاجتماعي في تخفيف هذه الصعوبات، أو في ~~زيادتها أحيانا، وقد تنبهت اللجنة إلى هذا العامل، وأشارت إليه على ما مر، ~~ونكرر هنا موعدتنا بأن نجعل هذا العامل الاجتماعي موضع البحث، حينما نعرض ~~لدراسة المنهج النحوي نظريا وتاريخيا. # أما هنا، فهدفنا - كما قلنا - عملي قريب، ولجنة التيسير قد قدمت بين يدي ~~اقتراحاتها ما رأته أساس الصعوبة في النحو، ولكني أخرت الحديث عن رأيها في ذلك إلى ~~ما بعد النظر في قراراتها، ليسهل تقدير نظرها في هذه الصعوبات، بعد فهم مدى ~~تيسيرها وأثره. # وعند اللجنة: أن أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء: # الأول: # فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في ~~الافتراض والتعليل. # والثاني: # إسراف في القواعد، نشأ عنه إسراف في الاصطلاحات. # والثالث: # إمعان، في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب. ~~(ص5-6). # وننظر في هذه الأسباب، فنجد أن: فلسفة ~~القدماء في النحو لها نظائر في الدراسات اللغوية عند الأمم المختلفة، وليس العيب في ~~التفلسف، وإنما العيب أن يكون التفلسف، في الكتب المدرسية التعليمية، على أنا مع ~~هذا قد رأينا أن ما برمت به اللجنة من آثار هذه الفلسفة لم يكن موضع عناية، ~~وكانت ملاحظة حازمة من أحد المفتشين تكفي في وقاية شره، كما أشرنا في الإعراب ~~التقديري والمحلي، وألقاب الحركات، وما فيها من مظاهر هذه الفلسفة. # وأما الإسراف في القواعد وما نشأ عنه من إسراف في الاصطلاحات، فقد رأينا من ~~اقتراحات اللجنة نفسها أن الذنب فيه ليس ذنب النحويين، لكنه شيء اقتضته أو اقتضت ~~أكثره طبيعة اللغة وسعتها، وأشياء في كيانها، نوفيها في البحث النظري بعد، وآية ~~ذلك ما رأيناه من عدم استطاعة اللجنة نفسها التخلص من شيء يذكر في هذه الاصطلاحات، ~~إلا بترك الموضوع وإغفال واقع اللغة ونقص ما يعرفه منها المتعلم. # وأما المباعدة بين النحو والأدب، فشيء يتصل بطريقة الدرس وخطته الفنية، ويكفي ms19 فيه ~~- كما أسلفنا - توجيه حازم من الرقابة على المدرسين، ثم إن الوصل بين النحو ~~والأدب لا يؤثر في كثرة القواعد، ولا في تشعب الاصطلاحات، وإن هون في تجرعها، ~~وخفف بعض وقعها على المتعلمين، لكن الأزمة بعد ذلك كله باقية. ~~••• # والذي يبدو لي أن اللجنة بعدما بدأت في تقريرها بالنظر إلى الناحية الاجتماعية ~~والاهتمام بها عادت إلى صعوبة النحو في القواعد وفي المعلمين، تاركة الحياة ~~الواقعة وأثرها في ذلك كله، ولو ظلت تنظر إلى المشكلة من حيث صلتها بالحياة لرأت ~~- فيما أرجح - غير هذه الأسباب، ولبدا لها أن أسباب هذه الصعوبات في الحقيقة ~~إنما هي ثلاثة أخرى: # الأول: # أننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، ~~وافرة الحظ من الإعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم ~~لغة أجنبية وصعبة؛ إذ إننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر ~~مثقفونا بهذه العامية، ثم ها هي ذي العامية تتابع زحفها الجريء ~~على مجال حياة تلك الفصحى، فقد اعترف بها رسميا في بلاط صاحبة ~~الجلالة الصحافة، كما قبلت على المسرح، وهي بهذا ومثله من الانتصار ~~المتصل تحرج العربية وتنفث حولها جوا نفسيا وعمليا ~~مسمما. # الثاني: # أن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل إعرابها علينا، لا ~~تسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدد قواعده ~~وتتضارب، فالفتحة تنصب وتجر، والكسرة تجر وتنصب، ~~والحذف يعرب، والإثبات يعرب، والسكون يبني ويعرب، والفتح، ~~والحركات كلها كذلك، والياء تنصب وتجر، و... و... إلخ ما نعرفه من ~~هذه المتقابلات التي تجعل التلميذ يعرف الإعراب وحركاته، ثم إذا هو ~~يقرأ حوارا فيه اثنان، ومؤنثات، ومذكرون، فلا يجد في الحوار ~~إلا خلاف ما عرفه من حركات الإعراب، وهكذا يرتبك ويرى أن ~~المدى بعيد، والأزمة شديدة، وهذا السبب هو ما سميناه اضطراب ~~الإعراب. # الثالث: # أن هذه الفصحى، فيما وراء إعرابها المضطرب، وسعتها، وانتشار ~~قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في ~~الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز ~~فيه الرفع والنصب والجر جميعا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ms20 ويزداد ~~التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة أو التعبير الواحد ~~بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد. # تلك هي الصعوبات الثلاث، أو بالأحرى هي أظهر هذه الصعوبات، وبالنظر في كنه هذه ~~العقبات وحقيقتها، يمكن البحث عن: ~~(10) تدبير لحل هذه الصعوبات # ويتضح جليا أنها كلها في جسم اللغة وكيانها، فالإعراب طابعها، واضطراب ~~الإعراب صدى تشعبها، واضطراب القواعد وتعدد الآراء في الكلمة والتعبير الواحد، من ~~سعتها وتفرقها، وكلها عقبات في سبيل التعلم، تكد الطاقة الحيوية ~~للمتعلم الناشئ، بل هي تحول بينه وبين التمثل الواضح لهذه اللغة، فيظل ~~كبارنا يعانون من ذلك بلاء مخزيا، ويبذلون جهدا ضائعا، وما أشك في أن الموظف ~~الكبير الذي كان يذيع في الراديو فيقول: «بدا لوزارة» - كذا بالضم - قد تعلم اللغة ~~العربية، بل تعلمها بضعة عشر عاما، واضطرب في ذهنه خلالها، جر الكسرة، وجر ~~الفتحة، أو اضطربت في ذهنه أشياء متدافعة متعارضة يلقاها بنفس منصرفة بل ~~كارهة وحانقة، إن لم تكن وراء ذلك محتقرة مشمئزة، وثائرة متمردة. # وإذا ما قدرنا أن هذه العقد جوهرية ذاتية، فقد بدا أن حلها يمس الجوهر ~~والكيان لا بد، ويحتاج إلى عمل جراحي أو ما يشبهه، وإلا فتلك الحلول السطحية ~~والمسكنات الظاهرية لا تحدث أثرا يذكر، ولا تسعف الفصحى في صراعها مع ~~العامية بسلاح ولا ذخيرة، ولا يعلم إلا الله ما يكون المصير إذا جمحت جامحة ~~اجتماعية تقول بالحرية المسرفة التي سمعنا صدى صوتها في الجيل الماضي! # فإذا ما كان هذا العمل الجوهري الذي نرجوه، سيجرى بمباضع معروفة من أصول ~~نحاتنا، فقد أعان الفصحى على مرضها، وأثبتت أن لها من الحيوية ما يخلصها من ~~هذه الأزمة الخطرة، وذلك - ولا مراء - خير لها وأجدى عليها، ونحن بعون الله محاولون ~~هنا أن نستعمل تلك الأسلحة نفسها، وأن نستعين على علاج العربية بحيويتها هي لا بنقل ~~دم، ولا إعانة بغريب عن جسمها أو عن نظامها. ~~••• # وعلى هذا الأساس سنجد أنه لا يد لنا بعمل يمس العقدة الأولى وهي الإعراب، ~~فسندعها هنا كما هي، وتبقى العقدتان الأخريان، وهما ms21 ما نأمل أن نصل فيهما إلى شيء ~~تخف به تلك المصاعب، على مستعملي هذه اللغة في حياتهم، من غير المختصين بدرسها، ~~والمتعمقين فيها. فإنما نريد أن يجد الشخص العادي إذا تعلم ما يزيل ~~أميته، ثم المتخصص في غير اللغة والأدب من طبيب ومهندس وعالم طبيعي ورياضي ~~ومن إليهم، نريد ليجد هؤلاء جميعا، وتجد الصحافة والتحرير على اختلاف صوره، ~~والتعامل على تنوع طرقه، لغة أقل عقدا في اضطراب الإعراب وفي اضطراب القواعد، ~~قدر ما تستطيع أن تسعفنا به الأصول النحوية التي سنعتمد عليها لا على ~~غيرها. # وأعرض عليكم الآن الأساس العام لهذا التدبير، ثم أعرض تطبيقه على العقدتين ~~الباقيتين، واحدة فواحدة، فإليكم: ~~(11) الأصل العام لهذا الحل # وهو أن ندع النحاة وآراءهم وقواعدهم، ونمضي إلى ما وراء ذلك من أصولهم التي ~~استخرجوا منها هذه القواعد، فنحاول بحسب استعمالهم هم لها، وكما دلوا على هذا ~~الاستعمال - وعلى رغم ما لنا من اعتراض على هذه الأصول - أن نرجح من منقول اللغويين ~~ومرويهم في اللغة، أوجها تدفع هذه الصعوبات، وتقلل هذا التعدد، وتغني ~~المتعلم عن بذل جهد عنيف، فالذي سنختاره من الأوجه، عربي، عربي منقول، مقرر ~~في أصولهم الاحتجاج به، لكنا سنلاحظ في اختياره اعتبارين: ~~(1) # تقليل الاستثناء؛ اضطراب الإعراب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. ~~(2) # اختيار ما هو بسبب من لغة الحياة والاستعمال عندنا، فإن لنا في ~~عاميتنا إعرابات بالحروف مثلا، قد نطمئن إلى إن لها أصلا عربيا، بل ~~هذا ما قد يرجحه البحث أو يثبته، وفي كل حال فإن أنسنا بها ~~وإلف المتعلم لها، في لغة البيت والشارع، سيجعل الوجه الذي نختاره من ~~الفصحى قريبا من أنفسنا سهلا، لا جدة فيه ولا إعنات، وسنجد التمثيل ~~لهذا في موضعه حين نعرض له قريبا. # وتلك هي المرحلة الأولى التي نعتمد فيها على أصول النحاة بنصوصها، وبما قرروا ~~فيها حل استعماله بلا لوم فيه علينا، ولا إنكار منهم، كما تسمعون نص عباراتهم في ~~هذه الإباحة؛ إذ يقولون: ~~(1) # كل ما ورد أن القرآن قرئ به جاز الاحتجاج به في ms22 العربية، سواء ~~أكان متواترا أم آحادا أم شاذا، وقد أطبق الناس على الاحتجاج ~~بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معروفا، بل ولو خالفته، ~~يحتج بها في مثل ذلك الحرف بعينه، وإن لم يجر القياس عليه، كما ~~يحتج بالمجمع على وروده ومخالفته القياس في ذلك الوارد بعينه، ولا ~~يقاس عليه، نحو استحوذ ... إلخ. # ثم يقول ناقل هذا: إن ما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة، لا ~~أعلم فيه خلافا بين النحاة، وإن اختلف في الاحتجاج بها في الفقه؛ ~~ومن ثم احتج على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء ~~الخطاب بقراءة: «فبذلك فلتفرحوا»، كما احتج على إدخالها على المبدوء ~~بالنون بالقراءة المتواترة: «ولنحمل خطاياكم»، واحتج على صحة قول من ~~قال: إن «الله» أصله «لاه»، بما قرئ شاذا: «وهو الذي في السماء لاه ~~وفي الأرض لاه». # 14 ~~(2) # اللغات على اختلافها كلها حجة، ألا ترى أن لغة الحجاز في إعمال «ما»، ~~ولغة تميم في تركه، كل منهما يقبله القياس؛ فليس لك أن ترد إحدى ~~اللغتين بصاحبتها؛ لأنها ليست أحق بذلك من الأخرى، لكن غاية ما لك في ~~ذلك أن تتخير إحداهما فتقويها على أختها، وتعتقد أن أقوى القياسين ~~أقبل لها، وأشد أنسا بها، فأما رد إحداهما بالأخرى فلا، ألا ترى إلى ~~قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «نزل القرآن بسبع لغات، كلها شاف كاف»؟ هذا حكم اللغتين ~~إن كانتا في الاستعمال والقياس متدانيتين متراسلتين أو كالمتراسلتين، ~~فأما أن تقل إحداهما جدا أو تكثر الأخرى جدا، فإنك تأخذ ~~بأوسعهما رواية وأقواهما قياسا، ألا تراك لا تقول: «المال لك»، ولا ~~«مررت بك»، قياسا على قول قضاعة: «المال له» ولا «مررت به»، ولا تقول: ~~«أكرمتكش» قياسا على قول من قال: «مررت بكش»، فالواجب في مثل ذلك ~~«استعمال ما هو أقوى وأشيع، ومع ذلك لو استعمله إنسان لم يكن مخطئا لكلام ~~العرب، فإن الناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، ولكنه ~~يكون مخطئا لأجود اللغتين، فإن احتاج لذلك في شعر أو سجع، فإنه ms23 مقبول ~~منه غير منكر عليه.» ا.ه. # وفي «شرح التسهيل» لأبي حيان: «كل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه». # 15 # وهكذا كل قراءات القرآن حجة، وكل ما كان لغة لقبيلة قيس عليه؛ أي ~~استعمل مثل استعمالها له، «والأخذ بالأقل استعمالا وشيوعا، والأضعف قياسا، سائغ ~~عند الاحتياج إليه في سجع»، وكذلك منذ القرن الرابع الهجري، وقبل الجنون بالسجع، يقول ~~ابن جني: # 16 ~~«فأما إن احتاج إلى ذلك «في شعر أو سجع، فإنه مقبول منه غير ~~منعي عليه»، وكيف تصرفت الحال فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير ~~مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرا منه.» فهل ترون يا قوم، أن جدوى هذا السجع خير من ~~تخفيف بلايا هذا الاضطراب عن الصغار، وخزايا الافتضاح عن الكبار، على ما صرخت به ~~وزارة المعارف قائلة: «إن المعلمين والمتعلمين يبذلون جهدا كبيرا ووقتا ~~طويلا في تعليمها وتعلمها، ولا يصلون بعد هذا كله إلى نتائج تتفق مع ما يصرف ~~من زمن وجهد.» ومع ذلك إن قعد بنا الجمود إلى هذا الحد عمدنا إلى المحلل، ~~فوعدناكم ووعدناهم أن نسجع عندما نستعمل مذهبا مخففا، ولغة ميسرة، ولله ~~الأمر! # لكن اطمئنوا إلى أنا لن نلم بشيء يؤثر على الفصاحة، مما ارتفعت عنه لغة قريش، ~~من عنعنة وكشكشة وكسكسة وتضجع وعجرفية وتلتلة ... إلخ. # هذه أصول النحاة أنفسهم ومآخذ قواعدهم المنصوصة، ننظر بها في تذليل ما بعد صعوبة ~~الإعراب في الفصحى، بادئين بالنظر في: ~~(12) اضطراب الإعراب # إذ كثرت - فيما نعلم - الاستثناءات في الأفعال والأسماء جميعا، فاتسعت بذلك ~~الهوة بين لغة الحياة ولغة التعليم ووجدت الصعوبة. # وننظر في هذه الاضطرابات وأقوالهم فيها فنرى: ~~(أ) # الأسماء البضعة - الخمسة أو الستة - والمشهور منها يعرب بالأحرف أو ~~بالحركات الممطولة المشبعة ... إلخ، وهو في كل حال يختلف عن معتاد الإعراب ~~بالحركات القصيرة، والنحاة يعربونها بالحركة القصيرة المعتادة، ~~فيقولون: «أبك» ... كما أنهم قد يجعلونها من المقصور الملازم للألف في ~~الأحوال كلها، ومن بني الحارث من ينطقها بالوجه الأول، وهم الذين ~~يقصرونها كذلك. # 17 # وننظر بعد ms24 هذا في لغة الحياة اليومية، فنجد أنها في هذه الثلاثة ~~المشهورة من تلك الأسماء «أب، أخ، حم» تنطق الأولين منهما بالواو ~~دائما، وتجعل الحم مقصورا بالألف دائما، فلا نجد هذا الصنيع كله ~~غريبا على العربية، إذ ينقل لنا من قراءات القرآن: «تبت يدا أبو لهب»، # 18 # ويقول الزمخشري : «كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو ~~سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع.» وكل قراءة حجة كما ~~سمعنا. وابن قتيبة كما يلخص قوله ابن مطرف في كتابه «القرطين» (1: ~~185) يقول في هذه القراءة: «فكأنه حين كني به قيل: أبو طالب، ثم ترك ~~كهيئته وجعل الاسمان واحدا.» والكنية كما نعرف قد تصدر بأخ كما تصدر بأب، # 19 # فللمسألة أصل ثابت يجعلني أجرؤ على فرض أن ما ننطقه ~~اليوم في لغة الحياة له أصل عربي، وربما يرجح هذا أن الشافعي قد ~~أعاد تصنيف «الرسالة» بمصر، وهذه النسخة هي التي بقيت بأيدي الناس، # 20 # أملاها بمصر على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي، الذي ترك ~~نسخة بخطه كما أيقن ناشرها. # 21 # وفي هذه النسخة المصرية التأليف والإملاء يورد الشافعي «أبو» ~~بالواو في موضع الجر، فيقول: «عن سالم أبو النضر» (ويشير الناشر الفاضل ~~في الهامش إلى ما سبق من قراءة «تبت يدا أبو لهب»، ومن قول ابن قتيبة ... ~~إلخ). # ومن هنا نستطيع أن نرجح أن إلزام أب وأخ الواو في عاميتنا له ~~أصل عربي، وقد قرئ به في القرآن، وكتب به في مصر علم ... وأما ~~الحم فقد قصرت بالألف دائما، وهي اللغة المعروفة في حياتنا، فهل ~~تتوسعون فتجيزون في تلك الأسماء ما جاز في الكنية، فتبقونها بالواو ~~دائما في أب وأخ؟! أو لا ترون هذا التيسير فترفضون هذا التوسع؟! لكم ~~ما تشاءون حين يجد بكم الجد في هذا التيسير العملي، وهو غير بعيد؛ ~~لأنه لون من القياس الذي أسس النحاة عليه نحوهم، وهم في هذا الباب ~~نفسه مثلا قد جاءهم نقلا تثنية أب على أبان، فقاسوا على هذا المسموع ~~تثنية أخ على أخان، وقالوا ms25 ينبغي أن يكون حمان كذلك. # 22 # أما أنا فحسبي هنا في هذه الأسماء أن تلزم الألف كالمثنى فتنقل ~~الأقسام: ~~(ب) # المثنى وما على صورته، يعرب بحرفيه الألف والياء، وقد برم به حتى ~~المحدثون الذين حاولوا أن يصلوا في هذا الإعراب إلى أصول تطرد، ~~فقالوا: «إن باب التثنية في العربية غريب» # 23 ~~... وما بنا أن نصحح هذا القول هنا، أو نطلب في تصحيحه كلمة ~~أصحاب مقارنة اللغات، وإنما أشرنا إليه لفتا للصعوبة النظرية، مع ~~الاستثناء العملي في الإعراب بالحروف، ونحن نعرف - مع هذا - أنه قد قرئ ~~في القرآن: «إن هذان لساحران» على أنه مثنى بصورة المقصور ~~ذي الألف دائما، وتأويله على غير هذا ليس بقوي، وقد ضعفوه هم أنفسهم. # 24 # وهذا القصر للمثنى في الشعر، وفي عبارات الحديث أيضا، ثم هذه القراءة ~~التي نقرأ بها، غير ما نعلمه لأبنائنا، وكلها غير ما نستعمله في ~~الحياة من إلزامه الياء دائما، وأحسب أننا لو رجحنا القصر في الأسماء ~~الخمسة، ثم رجحناه في هذا المثنى نريح ونستريح، وأصولهم وقواعدهم تعطي ~~هذا، كما عرفنا في سهولة وقرب. ~~(ج) # جمع المذكر السالم وما على صورته، وهو يعرب بحرفيه الواو والياء، ~~لكنا مع هذا نقرأ في متون النحو المشهورة غير هذا من إعرابه، فابن مالك ~~يقول: # وبابه، ومثل حين قد يرد # ذا الباب، وهو عند قوم يطرد # فيقول الأشموني في شرحه: «إن مجيء الجمع مثل «حين» عند قوم من ~~النحاة - منهم الفراء - يطرد في ~~جميع المذكر السالم، فيكون معربا بالحركات الظاهرة على النون، مع لزوم ~~الياء ولزوم النون، فلا تسقط للإضافة.» ويبدو أن الزمخشري من قبل ذلك ~~يقول بهذا الطرد؛ إذ أطلق العبارة في «المفصل»، # 25 # فقال: «وقد يجعل إعراب الجمع بالواو والنون في النون، وأكثر ~~ما يجيء ذلك في الشعر، ويلزم الياء إذ ذاك.» فلعل هذه العبارة ~~المطلقة تشير إلى ما عناه ابن مالك بقوله: «وهو عند قوم يطرد» وإن ~~كان ابن يعيش يقيد هذا الإطلاق ويجعله ~~فيما يجمع بالواو والنون عوضا عن نقص لحقه، وهو ms26 باب «سنين»، في قول ~~ابن مالك، ويقول: «والشيخ قد أطلق ها هنا، والحق ما ذكرته.» ولكن ~~عبارة ابن مالك وكثيرين من شراحه - وغير شراحه من النحويين # 26 ~~- واضحة في أن من العرب من يجعل الإعراب في جمع المذكر ~~السالم، وفي كل ما حمل عليه، على النون، ويسوقون لذلك الشواهد، رغم ~~تحكم ابن يعيش في إطلاق الزمخشري المؤذن بهذا الاطراد الذي ذكره ~~ابن مالك. على أن هؤلاء الشراح ينقلون في إجمال أن الصحيح في ~~إجراء الجمع مجرى حين، أن يقصر ذلك على السماع ولا يطرد، ونحن هنا ما ~~يعنينا هذا التصحيح بعدما اصطحبنا أصل النحويين في استعمال الأقل ~~والأبعد عن القياس، وتسويغهم ذلك في السجع، ولكنا نظن أن قول ~~الشراح في القصر على السماع كقول ابن يعيش في تقييده إطلاق الزمخشري ~~هذا الإعراب، كلاهما نوع من الإلف والميل إلى الشائع المستقر، لا يقوم ~~على وجه ولا على حجة. # وبعد هذا الذي قدمناه، ننظر فإذا نحن في لغة الحياة، نلزم هذا ~~الجمع الياء في أحواله كلها، ونستغني كدأب لغتنا كلها عن علامة ~~الإعراب، فهل هذه لهجة عربية أصلها إجراء جمع المذكر السالم مجرى حين؟ ~~ليس هذا عندي ببعيد أبدا، وإذا ذكرنا ما ورد في «التصريح» عند الحديث ~~عن إعراب جمع الذكور وما حمل عليه إعراب «حين»، من قوله في تعليل ذلك ~~وتوجيهه «لأن باب الياء أوسع من باب الواو.» # 27 # إذا ذكرنا هذا ونظرنا إليه، قدرنا أن هذه السعة في باب ~~الياء قد تكون العامل الذي أغرانا في مصر بإلزام هذا الجمع الياء ~~دائما. ~~••• # وبعد، فإذا ما قدرتم يا سادة، ~~أنهم جوزوا تركيب اللغات وتركيب المذاهب، كما أوضح ذلك ابن جني في ~~«الخصائص»، حين عقد فصلا في الجزء الأول لتركيب اللغات، وعقد فصلا في ~~الجزء الثاني المخطوط لتركيب المذاهب، وذكرتم مع هذا أن الأصوليين - وهم ~~أئمة النحاة في أصولهم - قد جرى ~~جمهورهم وجمهور الفقهاء على أخذ حكم المسألة الواحدة من أكثر من مذهب؛ ~~إذا قدرتم ذلك كله، فهل تجيزون أن نجري جمع ms27 المذكر السالم في ~~تعليمنا النحو على هذه الياء التي بابها أوسع من باب الواو، فنجعله ~~بالياء في كل حين، ونلزمه مع ذلك فتح النون تركيبا للغات أو ~~المذاهب؟ إن رأيتم ذلك فبها، وإلا فيكفي في اليسر أن يكون بالياء ~~دائما، كما نعرفه، وأن يعرب بالحركات على النون. ~~(د) # الجمع بألف وتاء، ينصب بالكسرة حين يجر ما لا ينصرف بالفتحة، وهي ~~مقابلة متعبة، مهما يجهد الأقدمون في الكلام عنها ويلتمسوا لها علة. # 28 # ويتعلق القدماء والمحدثون بأشياء في توجيه هذه المخالفة في ~~الحالتين: والقول في مثل هذه الأشياء باعتبارات نظرية عقلية يعد من ~~الإخلال القبيح بالمنهج اللغوي، وهو مع ذلك قول متهافت تهافتا ~~واضحا، ألا ترونهم في هذا الجمع بألف وتاء يحاولون حمله على جمع ~~المذكر السالم في الجر والنصب معا بالياء، ويكدون ليخرجوا من هذا أصلا في ~~العربية مقررا، على حين أن جمع المذكر نفسه قد سمعنا قريبا أنه قد ~~يطرد إجراؤه مثل «حين» في الإعراب على النون مع الياء، كما أن من ~~العرب من يلزمه الواو ويعربه على النون # 29 # كزيتون، فالأصل المقيس عليه نفسه لم يسلم له في العربية ~~أمر مقرر حتى يجهد المخلون بالمنهج اللغوي أنفسهم في مثل هذه ~~الأقوال، ويضيعوا فيها وقتهم. # على أن هذا الجمع بألف وتاء لم ~~يسلم فيه للعربية أصل مقرر في نصبه بالكسرة، فإنك لتقرأ في أكثر كتب ~~النحو تداولا قولهم: وقد أجاز الكوفيون نصب هذا الجمع بالفتحة ~~مطلقا؛ أي سواء أكان جمعا لما حذفت لامه أم لا. # 30 # وأصولهم التي أكثرنا من الإشارة إليها تجيز الاستعمال، وإن كان لا ~~بد من سجع لننصب هذا الجمع بالفتحة سجعنا، فذلك أهون من النصب ~~بالكسرة والجر بالفتحة. ~~(ه) # ما لا ينصرف، وهو - كما نعرف - ~~يجر بالفتحة، ويجهد في تعليله على غير طائل أولئك الذين يخضعون اللغة ~~للفروض النظرية، على حين هي ظاهرة اجتماعية يشرق بها الواقع ويغرب، ~~ويتيامن بها اللسان ويتياسر من غير ضبط ذهني ولا قواعد ~~نظرية. وما بنا هنا أن نصحح المنهج، ms28 ~~ولكنا نقول لهم: إن هذا الباب قد اضطرب أمره في يد النحاة أنفسهم، ~~وقرروا وهن القاعدة فيه، وقال قائلهم منذ بعيد: «إن حكم الإعراب لا ~~يتخلف ... أما حكم الصرف فإنه ~~يتخلف عن العلة. ومنع الصرف سبب ضعيف؛ إذ هو مشابهة غير ظاهرة بين ~~الاسم والفعل». # 31 # ثم هم يجيزون صرف الممنوع في الاختيار، رعاية للتناسب ~~واتساق اللفظ. وقد قرئ في القرآن الكريم: # وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~، # إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا ~~، # ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوثا ويعوقا ونسرا ~~. # ثم ما لبثوا أن نقلوا أن العربية - في وجه - لا تعرف منعا من ~~الصرف، وحكى الأخفش لغة لبعض العرب تصرف ما لا ينصرف مطلقا في ~~الاختيار، وقال: وكأن هذه «لغة الشعراء»؛ لأنهم قد اضطروا إليه في ~~الشعر، فجرت ألسنتهم على ذلك في الكلام» # 32 ~~... وأين أنتم يا قوم من لغة الشعراء، ترحمون بها صغاركم ~~وكباركم أيضا؟! إن في هذا النص من تعليل الأخفش، ما كان خليقا بأن ~~يهدي النحاة قديما وحديثا إلى المنهج اللغوي الصحيح، حين يقدرون ~~تصرف الألسن في اللغات، وجريانها بها، على نحو ما وصفوا من عمل ~~ألسنة الشعراء، لا على نحو ما يتكلفونه من قواعد نظرية! ~~(و) # الاسم المنقوص: كالقاضي، واختلاف ~~إعرابه بظهور النصب على يائه، وعدم ظهوره في الجر والرفع، فتحذف الياء في ~~المصروف، والنحاة مع هذا يقولون: إن من العرب من يسكن ياء هذا ~~المنقوص في النصب أيضا، وإن الأصح جواز هذا في السعة، بدليل قراءة ~~جعفر الصادق: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم»، بسكون # 33 # الياء. وقال السجستاني بعدما أجازه في الاختيار: «إنه ~~لغة فصيحة.» # 34 # وعدوه في الشعر من أحسن الضرورات. # 35 # وإذا كانت لغة فصيحة وقراءة قرآنية، فقد صح أن نستعمل ~~المنقوص دون «أل» بغير ياء في الأحوال كلها، ومع «أل» لا نظهر كذلك ~~على يائه حركة في الأحوال كلها، فيكون اختزالا مريحا وإعرابا غير ~~مضطرب، ويستريح المتعلم من المنقوص وتحريكه استراحته من ~~المقصور. # هذا مما في الأسماء من اضطراب الإعراب. # وفي ms29 الأفعال من ذلك مثلا: ~~(أ) # الأفعال الخمسة، أو الأمثلة الخمسة التي يجم الصغار أمام عدها، وتثبت ~~فيها النون في الرفع، حين تحذف مع النصب والجزم، وقد ورد حذف هذه ~~النون أيضا عند الرفع في النثر، وقرئ بها القرآن، فقرءوا: ~~«قالوا ساحران يظاهرا» أي يتظاهرا بدون نون، وفي الصحيح: «والذي نفس ~~محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا.» والأصل: لا تدخلون، ولا تؤمنون. # 36 # وقول عمر رضي الله عنه: «يا رسول الله، كيف يسمعوا؟! وأنى ~~يجيبوا؟!» دون نون، وإذا لم تحتجوا بالحديث مع المحتجين فبحسبكم ~~القرآن وقراءته، وقد سمعنا قاعدتهم في الاحتجاج بالقراءة دون خلاف ~~بينهم في ذلك، وقد ورد هذا الوجه في الشعر مثل قول القائل: «أبيت ~~أسري، وتبيتي تدلكي»، بدل «تبيتين، وتدلكين»، وبهذا قد انتهت ~~أصولهم إلى حذف هذه النون رفعا كحذفها نصبا وجزما. # واسمحوا لي هنا أن أحدثكم عن شيء مما عاق انتفاع القوم بمثل هذه ~~الأوجه في تيسير اللغة للحياة؛ ذلك أن السيوطي الذي ساق هذا في كتابه ~~«همع الهوامع على جمع الجوامع» يقول بعده: «ولا يقاس على شيء من ذلك في ~~الاختيار.» فيردده الصبان في «حاشيته» من قولة مطولة في حذف هذه ~~النون من الفعل المرفوع، ويمضي على أن هذا لا يقاس عليه في الاختيار كما ~~قال السيوطي قبله، مع أن الصبان نفسه بعد هذا بصفحتين عند ذكر ~~حذف ياء المنقوص في النصب على ما بيناه، وإيراد الأشموني قول ~~المبرد إن تسكين هذه الياء في النصب من أحسن ضرورات الشعر، يعلق ~~صاحبنا في «حاشيته» قائلا: والأصح جوازه في السعة، بدليل قراءة جعفر ~~الصادق: «من أوسط ما تطعمون أهاليكم»، فلماذا كانت هذه القراءة دليل ~~الجواز في السعة على الأصح، ولم تكن قراءة: «ساحران يظاهرا» دليل جواز ~~حذف النون في السعة على الأصح؟! وإذا كان السيوطي قد نقل عدم القياس في ~~الاختيار وهو يجمع؛ لأنه لم يتكلف التحري، فلماذا غفل الصبان وهو ~~يحشي ويعلق وينقد عما خطته يده قبل ذلك بقليل؟! وإن لم يكن ms30 ~~لواحد منها عذر؛ لأن القاعدة كما نقلها السيوطي نفسه في «الاقتراح»، هي ~~الاحتجاج مطلقا، وقد عقب عليها السيوطي بقوله عن نفسه: «وما ذكرته من ~~الاحتجاج بالقراءة الشاذة، لا أعلم فيه خلافا بين النحاة!» أهو الإلف ~~والتقليد يصرف الشخص عن تأمل ما قرره، ويرده عن استعمال حقه ~~العقلي؟ هو هكذا غالبا. # وأما قواعدهم فتخرج في جلاء حذف نون الأمثلة الخمسة رفعا ونصبا ~~وجزما، وهو تخفيف مريح، فيه اختصار أيضا. ~~(ب) # المضارع المعتل الآخر، ويحذف آخره في الجزم. وقد قال بعضهم: ~~إنه يجوز في سعة الكلام، وإن لغة بعض العرب إبقاء هذه الحروف مع الجازم. # 37 # وقد قرئ في القرآن: «لا تخف دركا ولا تخشى»، «إنه من ~~يتقي ويصبر». وهذا القدر من القراءة القرآنية، ومن أنه لغة، كاف ~~لإبقاء الفعل المعتل دون حذف شيء منه رفعا ونصبا وجزما إراحة من ~~الاضطراب الإعرابي، وتكون المعتلات الأواخر أسماء وأفعالا باقية ~~بحالها، لا يعنت بها متكلم ولا كاتب. ~~••• # تلك نواح من علاج صعوبة اضطراب الإعراب، أضعها بين يدي الباحثين الصادقي الرغبة ~~في جعل اللغة مادة للتفاهم الحيوي، لا يبذل فيها المتفاهم عناء وجهدا هو أحوج إلى ~~أن يوفرهما لما يريد أن يقوله وينقله من المعاني والأفكار، ولا تنسوا ما ~~كررته من أني إنما أتحدث بهذا إلى الذين ليس عملهم في الحياة الاشتغال باللغة ~~وأوجه إعرابها من سائر الطبقات العالمة والعاملة في الشعب. # ثم ننتقل بعد ذلك إلى النظر في الصعوبة الثالثة، وهي: ~~(13) اضطراب القواعد # إذ إن أساس القاعدة الضابطة هو الاطراد والعموم، الذي يهون به على الذهن ~~تمثل الأصل الشامل تمثلا يرجع إليه في التطبيق والاستعمال. فإذا ما كانت القاعدة ~~ذات شعب وصور، ثم ذات خلاف وآراء، فقد فقدت أخص صفاتها في الضبط الجامع، ~~وانتشر الأمر، واللغات بعامة قد تكثر قواعدها وضوابطها، لعدم سهولة تركيزها، نظرا ~~لما خلفته فيها المرونة ومسايرة الحياة ومطاوعة اللسان من تغيير على ما ~~يتبينه من ينظر في المنهج اللغوي نظرا محققا. # لكن لغتنا الفصحى فوق ما لها من هذه الكثرة ms31 في القواعد، تزيد على ذلك بما فيها من ~~اضطراب القاعدة في الكلمة الواحدة أو التعبير الواحد، لتعدد الصور والمذاهب ~~والخلافات التي تصل إلى حد التباين العجيب، وحسبنا مثلا لذلك أن «لم» وهي شهيرة في ~~عمل الجزم الخاص بالأفعال، على ما نعرف لا يتسق فيها ذلك ولا يثبت، بل يتفرق فيها ~~القول تفرقا يتناول كل احتمال ممكن، فهي أحيانا لا تجزم حملا لها على ما أو ~~لا، فيرفع الفعل بعدها، ثم هي حينا تنصب في لغة، ويقرأ في القرآن: «ألم نشرح»، ~~فيما نقلوا. # 38 # وتخريجاتهم لهذا النصب قد ضعفوها هم، كما في «المغني»، # 39 # فيكون الفعل بعد «لم» مجزوما أو مرفوعا أو منصوبا، ولم يبق إلا أن ~~يخرج الفعل عن ميزته فيجر بعد «لم»! # وهذه الأحوال كلها تعلم في كتب النحو التي يربى عليها معلمو لغة الأمة، فلا ~~أقل من أن تزعزع تلك الاضطرابات صورة القاعدة وثباتها في نفوس أولئك المعلمين! ~~وقدروا أن الأمر لا يقف عند وجود مثل هذه الآراء في كتب النحو، فيكون نقلا ~~تاريخيا فقط، بل نحن نجد هذا في الاستعمال نفسه إذ نقرأ للشافعي - رضي الله عنه - ~~في «الرسالة» نحو سبعة عشر استعمالا لم يجزم فيها ب «لم»، منها بضعة عشر لم يحذف في ~~آخرها حرف العلة من المضارع المعتل، فقال: «لم يرى»، ومنها بضعة مواضع لم يحذف حرف ~~العلة من المضارع الأجوف، فقال: «لم يحيل» مثلا، (وقد تتبعها الناشر الفاضل ~~وأوردها في فهرست الفوائد اللغوية، ص659)، ولو قد نقلت إلينا النصوص القديمة ~~المتحراة بكتابة عصرها لرأينا من أمثال هذه الظاهرة شواهد قوية، على فرق ما بين ~~اللغة المستعملة وبين هذه القواعد التي اشتهر تعلمها، ولاتضح تصورنا لواقع ~~الحياة اللغوية تصورا يجنبنا غير قليل من الأخطاء في منهج درسها. ~~••• # وما بنا أن نعلل هذا الاضطراب في القواعد، فتلك مسألة تبحث في غير هذا الموضع، ~~وإنما نريد لهذا الاضطراب تدبيرا عمليا يهون المهمة التعليمية، ويعين على ~~استجابة اللغة لحاجات الحياة؛ لأننا نجد آثار هذا الاضطراب للقواعد في كتب ms32 النحو ~~المدرسية على أبسط صورة لها، وبعد التيسير والإحياء، وما إلى ذلك، وخذوا لذلك مثلا: ~~باب الاستثناء الذي كان التيسير أن يعد في «الصيغ»، ولم تعرف كيف يكون الأمر في ~~أحواله المختلفة وأبوابه الكثيرة المتبعة، فإذا كتاب النحو المدرسي الذي ألفه ~~جماعة منهم صاحب الإحياء نفسه في الجزء الأول منه لتلامذة السنة الأولى الثانوية، يذكر ~~بضعة قواعد لبعض أحكام الاستثناء وأحواله، يلقاها أولئك الصبية الذين تعرفون ~~أنهم يبدءون مرحلة هذا التعليم الثانوي في العاشرة وما حولها، وليس الأمر واقفا عند ~~كثرة القواعد بكثرة أدوات الاستثناء، وأنها تكون حينا أسماء وحينا أفعالا وحينا ~~حروفا، بل هو كذلك تتبع للأحوال المختلفة في الأداة الواحدة أو الأدوات المتشابهة. # 40 # وأرجو أن نعالج مثل هذا الاضطراب الذي امتد إلى أبسط كتب النحو بعدما زلزل كيان ~~اللغة، وفرق أمرها كله، أرجو أن نعالجه كما فعلنا في الصعوبة الأولى، فنلتزم ~~أصول النحاة التي أصلوها هم أنفسهم ونقوم بأمرين: # الأول: # محاولة الاحتفاظ باطراد القواعد ما أمكن، فإذا ما أدى هذا ~~الاطراد إلى التسوية بين وجه لغوي قوي ووجه لغوي أقوى، أو ~~الجري على ما هو الأقل قوة، فقد سمعنا ما تجيزه أصولهم من عدم ~~اللوم في ذلك بمحلل هو السجع، وراحتنا من هذه الآلام أمتع ~~لنفوسنا آلاف المرات من سمج السجع. # الثاني: # اختيار ما هو أيسر إعرابا، أو أقرب فهما، أو أكثر رواجا في ~~حياتنا اللغوية الحاضرة، حينما نريد طرد القاعدة وإقلال التفريع ~~والأحوال والصور فيها. # وأسوق لهذا التدبير مثلا من علاج مسألة في الاستثناء الذي سبق ذكر ~~صعوباته، فأقول: إن في هذا الكتاب المدرسي الصغير أنه يستثنى ب ~~«خلا، وعدا، وحاشا»، فيجوز في المستثنى بها النصب، ويجوز فيه الجر، هذا ~~إذا لم يسبق «خلا وعدا» كلمة «ما»، فيجب نصب ما بعدها، ومن ذلك نرى ~~أن النصب مشترك في الأحوال كلها، مع «ما» وبدونها، فلو قلنا: ~~إن الاستثناء «بخلا وعدا وحاشا» له حكم واحد دائما هو نصب المستثنى، ~~وقد تدخل «ما» على «خلا وعدا»، فإنا بهذا الطرد ms33 للقاعدة نضبط ~~الأمر ونيسره، ولا نرتكب أكثر من أننا جعلنا بعض الأحوال ~~المختلف في قوتها أو المرجحة قوة الجر فيها أو النصب مثلا جعلناها ~~مرجوحة، أو سوينا فيها بين الحالتين، وقد رأينا جواز هذا، وأنه ~~عربي صحيح لا شيء فيه. # بمثل هذه الخطة نستطيع أن نمنع الكثير من اضطراب القواعد واختلافها المتعب، وبذلك ~~نمكن للفصحى من ألسنة الناس وقلوبهم. وإنما أعني من الناس - كما كررت - ~~هؤلاء الذين لا يشتغلون في الحياة باللغة وأبحاثها وآدابها، بل تعنيهم اللغة بقدر ~~ما تكون أداة عملية تسعف على عملهم أو علمهم أو فنهم أو منافعهم، فتمكنهم ~~من أن يترجموا عما في أنفسهم منه، وينقلوه إلى المتعلمين عنهم، أو إلى ~~معامليهم أو معاشريهم. # فإذا ما مكنا للفصحى في ألسنة هؤلاء وقلوبهم، فقد أمددناها في صراعها ~~للعامية بقوة تهيئ لها شيئا من الثبات والمقاومة إن لم يكن التغلب ~~والانتصار. # أما أولئك الذين عملهم في الحياة هو الاشتغال باللغة وعلومها وآدابها، فمنذ ~~يبدءون تخصصهم في ذلك، ويفصلون عن التعليم المشترك إلى أقسامهم الخاصة، لهم أن ~~يرددوا من هذه الاستثناءات التي تربك الإعراب ما يشاءون، وأن يتتبعوا من ~~أوجه الاختلاف ما يعرفون به الفصيح والأفصح، والأقل والأكثر، ما دامت الدنيا حولهم ~~تمكنهم من ذلك وتجيزه لهم. ~~(14) هو الاعتدال الجامد # ثم أعود فأكرر هنا ما أشرت إليه من قبل؛ إذ بينت أننا لم نأخذ بالخطة ~~الحرة للجيل قبلنا، ولا أخذنا بالدستور الشرعي الذي تقدم إليه الفقهاء حولنا، بل ~~رجعنا إلى ما وراء ذلك، فلزمنا أصول النحاة، ولم نعتمد على شيء أبعد مما أباحوه ~~في غير تعي ولا لوم. # وكل ما عرضناه هنا من حل قد التزمنا فيه أصول النحاة التي دونوها، ولو ~~قد جاوزنا ذلك إلى ما وراءه من عمل الفقهاء اطمئنانا إلى حمل أصول النحو على أصول ~~الفقه منذ القدم، وتقديرا للفرق الفسيح بين ما للفقه من قدسية ليس للنحو شيء منها إلخ، ~~لو أخذنا بقواعد أصحاب الفقه في صنيعهم، فتوسعنا في فهم المذاهب النحوية دون وقوف ~~عند ms34 نصوصها، وأخذنا الأحكام من التعليلات، أو من القواعد العامة للمذهب النحوي، أو من ~~القواعد العامة للنحاة جميعا، كما فعل أصحاب الفقه، أو لم نتقيد بمذهب واحد، ~~ولفقنا الحلول من مذاهب متعددة كما فعلوا، أو شعرنا بالحرية في اختيار ما يساير ~~الحياة ويلائم تطور الجماعة كما فعلوا، إذن لأوفى بنا ذلك كله على أبواب من ~~التصرف في هذا النحو، لم نفتح هنا شيئا منها يذكر. # وإنكم بهذا لتقدرون ما في الذي عرضناه آنفا من اعتدال، قد يرهب أن يعده ~~الزمن منا جمودا لا يرضي عشاق التجديد. ~~(15) شبه واهية # وبعد؛ فهذه فكرة حدثت فيها - كما عرضتها هنا - كثيرين من أولي العناية بهذا ~~النحو منذ بضع سنين، وانتهزت لذلك الفرص لتكون دعوة سرية ممهدة، ولأسمع ما عساه ~~يكون هناك من اعتراضات عليها، ربما أكون قد فتنت عنها أو لم أنتبه إليها. # وقد لقيت الدعوة - في الجملة - غير المحاربة والمخالفة المنكرة، إن لم أقل ~~إن بعض أصحاب الصفة الخاصة في الأمر، قد اطمأنوا إلى جملتها، لكن بقي أثر ~~الإلف والتقليد، يدفع نفرا إلى الجمجمة بأشياء هي خواطر حائرة، فيها كثير من ~~اللين والوهن، فلا أسميها اعتراضات، وأكثر ما تنعت به أنها شبه واهية؛ ~~منها: ~~(أ) القرآن وهذا التدبير # ولم أجد من صور هذه الشبهة في صورة تناقش، وإنما هو شيء يسبق إلى الوهم ~~لظروف اجتماعية وعملية، أو منفعية خاصة، وقد سمعتم ما تلونا من قراءات القرآن في ~~جل ما قلناه، وسمعتم أن كل قراءة حجة، فلم يبق إلا أن يكون فيما ~~نستعمله من اللغة ما هو غير الذي نقرؤه في قطر من الأقطار، ولا بأس بهذا لأن هذا ~~الاختلاف واقع بين ما نتعلم اليوم من القواعد، وبين قراءات القرآن، التي تقرع ~~أسماعنا به في الإذاعة - على الأقل - كل حين، فلو غيرنا ما نتعلمه بما هو ~~مخالف لقراءة وموافق لأخرى، فما حدث جديد ولا بدع، ولا انتقض شيء، ولا كانت ~~مشكلة. # على أنا نفرض أبعد ما يتصور، وهو: أننا أصلحنا لغة الحياة يوما ما، ~~بغير ms35 ما قرئ به القرآن، فهل نكون قد فعلنا ما لم نفعله أو يفعله أصحاب هذا القرآن ~~من قبل؟ لا، فقد وقع وتم، ما هو أخطر من ذلك وأشد؛ إذ مضى الهجاء والإملاء ~~العربي يوافق كتابة المصحف حينا، ثم تغيرت قواعد الكتابة العربية، وتقرر ~~ما يخالف رسم المصحف، فقال الزمخشري منذ مئات السنين: «... وقد اتفقت في خط ~~المصحف أشياء خارجة عن القياسات، التي بني عليها الخط والهجاء، ثم ما عاد ذلك ~~بضير ولا نقصان، لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف.» # 41 # بل لم يقف الأمر - كما تعرفون - عند هذا الحد، فقد أفتوا بكتابة المصحف ~~على قياسات الهجاء الجديد تيسيرا للتعليم، كل هذا والكتابة والخط والهجاء غير ~~الإعراب والضبط؛ لأن اختلاف الكتابة يمنع قراءة القرآن والاتصال بالمصحف، أما ~~هذا الإعراب والنحو فالقرآن معرض فيه للغات المختلفة، وعنه أخذنا، فشتان بين ~~اختلاف الكتابة عن المصحف، واختلاف النحو عن بعض قراءات هذا المصحف. # وكل هذا، على فرض أننا هذبنا لغتنا بغير ما في المصحف، وهو ما لم نقترح منه ~~شيئا، ولم يقع منه شيء إلى الآن، بل الذي عرضناه قراءات من القرآن نفسه. ~~(ب) حال التلاميذ # حين يدرسون نصا أدبيا قديما، وكل الصعوبة في ذلك، أن نقرأ لهم النص الأدبي ~~بتلك الأوجه الميسرة أو الموحدة من الإعراب، ولا شيء مطلقا في هذا، فهي لن ~~تخل بمعنى ما، وهي - في جملتها - لا تخل بوزن، وإن أخلت بشيء منه، ~~فليبق كما هو ضرورة للشعر، وما نسخنا هذه الضرورات وقراءة النص بوجه غير وجه ~~هو ما نعانيه في الروايات المتعددة للنصوص، فلا بدع فيه ولا حدث، وليست فيه ~~صعوبة تذكر حتى يوقف عندها، فما طلبنا كتابته بحروف لغة أخرى. ~~(ج) المتكلمون بالعربية واختلافهم # والمتكلمون بالعربية اليوم في الأقطار المختلفة، قد فرقت بينهم منذ مطلع شمس ~~الإسلام، عاميات مختلفة، استبدت كل واحدة منها بجماعة منهم، ثم ها هم ~~أولاء يسمعون الفصحى كل حين، في الإذاعة مثلا ملحونة لحنا رهيبا، فهل تراهم ~~لا يفهمونها ms36 لأنها ملحونة؟! لا شك أن لا، فهب أنهم لم يأخذوا بما ~~أخذنا به في مصر من هذه الأوجه، فسيكون قولنا كقراءات القرآن المختلفة، أو هو - ~~على أسوأ الفروض - كالذي يسمعونه كل حين من اللحن. وأما إن أخذوا بما أخذنا به ~~من هذا التهذيب وهو ما تدعو حالتهم إلى مثله، بل هو ما تحتاجه أشد الاحتياج، ~~فسيكون من هذا الاتحاد والاتفاق لا الافتراق والاختلاف، ثم سيكون ومن سهولة ~~هذه الفصحى عامل جديد لتوثيق الصلة بينهم؛ إذ تضعف بسهولة الفصحى ~~عامياتهم المفرقة لوحدتهم. # وهذا وجه من النظر الاجتماعي، يكفي وحده لأخذ أصحاب العروبة في كل إقليم بهذا ~~التهذيب، رجاء أن يجتمعوا على فصحى يسيرة تهاجم العاميات فتقتلها، أو ~~تضعف شأنها، وحبذا! # تلك هي الجمجمات التي همس بها من سمعتهم، وإن يكن غيرها فأحبب إلي أن ~~أسمع وأصيخ! # وختاما # قد عرضت بهذا أصول الحل العملي لمشكلتين معقدتين من مشكلات حياة الفصحى، هما ~~اضطراب الإعراب، واضطراب القواعد، وبسطت من الأمثلة ما يسهل الانتفاع بهذا الأصل، ~~وعلى غراره تخرج تخفيفات كثيرة إذا ما صدقت النية في الاستجابة لحاجة الحياة ~~والوفاء بمطالبها. # وإني بعد إذ فعلت ذلك أسأل كل من له شيء من الأمر: أتنحو هذا النحو؟ فإن ~~حالت دون الإجابة حوائل من أوهامنا الاجتماعية التي لا تدعنا نأخذ سمتنا إلى ~~الإصلاح، سألت المستقبل المرجو الناهض: أتنحو هذا النحو؟! تاركا للغد بعدي أن يسمع ~~الإجابة من شفتي الزمان. # وأنتم؛ فالسلام عليكم. ms37