######OpenITI# #META# URI: 1385AnwarMacdawi.KalimatFiAdab.Hindawi29690479 #META# Tags: literature #META# ID: 29690479 #META# Title: كلمات في الأدب #META# AuthorID: 41804697 #META# Author: أنور المعداوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف‏ # الأثر الفني بين الفهم والتذوق‏ # مشكلة العلاقة بين مي وجبران‏ # ملحمة نجيب محفوظ الروائية‏ # الأخطل الصغير‏ # في الأدب المصري المعاصر‏ # أزمة الجنس في القصة العربية‏ # اتجاه جديد لنجيب محفوظ‏ # في القصة المصرية القصيرة‏ # لغة الأداء في القصة والمسرحية‏ # رواية «الأرض»‏ # من واقع الأدب في مصر‏ # المسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف‏ # الأثر الفني بين الفهم والتذوق‏ # مشكلة العلاقة بين مي وجبران‏ # ملحمة نجيب محفوظ الروائية‏ # الأخطل الصغير‏ # في الأدب المصري المعاصر‏ # أزمة الجنس في القصة العربية‏ # اتجاه جديد لنجيب محفوظ‏ # في القصة المصرية القصيرة‏ # لغة الأداء في القصة والمسرحية‏ # رواية «الأرض»‏ # من واقع الأدب في مصر‏ # | كلمات في الأدب # | كلمات في الأدب # تأليف # أنور المعداوي # | المسرح الاتجاهي، بين سارتر وتشيكوف # المسرح بمفهومه المتكامل؛ أعني حين ننظر إليه كعمل ورسالة، شيء جليل خطير. وحين نلخص هذا ~~المفهوم في صورته العملية، نقول إنه النص والعرض والتجسيم والمشاهدة. ومن وراء كل هذه ~~الإمكانيات - وفي نطاق تحمل المسئولية - يقف الكاتب والمخرج والممثل والجمهور. أما الجانب ~~الآخر من هذا المفهوم - أعني جانب الرسالة التي يمكن أن يؤديها المسرح - فتتركز في عملية ~~الاتجاه القيادي المساير لروح العصر، والمدرك لمشكلات الجموع. # على هذا الجانب الأخير تعتمد خطورة المسرح، خطورة الدور الذي يلعبه؛ فهو هنا - كأداة ~~تثقيف وتوجيه - يتصدر قائمة كل الأدوات المماثلة، من ناحية التأثير المباشر. وعلى الرغم من ~~المنافسة الشديدة التي يلقاها من السينما والتليفزيون، فإنه ما يزال في بعض الدول التي توفر ~~له كل نضج الإمكانيات، صامدا أمام منافسيه. إننا عندما نضع المسرح في ميزان المقارنة، وفي ~~كفة ما سميناه بالتأثير المباشر، يتضح لنا فارق جوهري بينه وبين السينما والتليفزيون. إنه ~~كأسلوب تجسيمي من أساليب العرض، يعتبر أكثر فعالية وإثارة؛ فنحن أمام خشبة المسرح، نشعر ~~أننا نلقى الأحداث والمواقف ذلك اللقاء الحي، الناتج من كون النماذج الإنسانية التي تواجهنا ~~نماذج حية. هؤلاء الممثلون الذين يجسمون لنا تلك الأحداث والمواقف، ويقدمون لنا الحياة من ~~خلال قطاع اجتماعي معين. لا يبدون في رؤيتنا ms001 النفسية والبصرية - كما هو الحال في السينما ~~والتليفزيون - وهم صور فوق شاشة. # إن مادية الإحساس في الجانب البصري من الرؤية، هي العامل ~~الأبعد أثرا في تعميق مجرى انفعالاتنا الداخلية. وكأننا لا نقف أمام تسجيل مصور الحياة، ~~وإنما نقف وجها لوجه، أمام الحياة نفسها وبلا وسيط؛ هذا الوسيط في السينما والتليفزيون هو ~~الشاشة وجهاز العرض. فإذا ما حيل بين طاقتنا الانفعالية، وبين مدى التجاوب؛ فلأننا لم نستطع ~~أن نلغي من إدراكنا الوجداني تلك الوساطة بيننا وبين الواقع. # من هنا تأتي قيمة المسرح وامتيازه. ولكن أي مسرح هذا الذي نعنيه؟ إنه المسرح الذي يجب أن ~~يتوفر له كاتب معين وجمهور معين. في حدود هذين البعدين من أبعاد أزمتنا المسرحية، تتمثل ~~المشكلة الأكثر تعقيدا وصعوبة. ولا نريد أن نذهب مع المهتمين ببحث هذه الأزمة إلى أن ~~الكفاية للمسرح ليست بالأمر الهين، ولا إلى أن كتابنا المسرحيين الذين يجيدون هذا العمل قلة ~~نادرة، فهذا كله مفروغ منه. من الممكن مع مختلف ألوان الدراسة والممارسة والتشجيع، أن ~~يرتفع مستوى الوعي والإجادة للكتابة المسرحية، وأن يزداد عدد الكتاب. المشكلة كما أتصورها ~~ليست مشكلة الفهم التكنيكي للعمل الدرامي، وليست مشكلة الكم العددي لما نحتاج إليه من كتاب ~~مسرحيين. الكيف لا الكم هو الذي ننشده لمسرحنا العربي الحديث، ومن زاوية موضوعية ~~محددة. # إننا نلاحظ - والواقع يزيد هذه الملاحظة - أن مسرحنا يعقد أكثر صلاته الاجتماعية مع ماضينا ~~القريب، حتى ليمكن أن يقال إن هذا الماضي قد أصبح الوطن الروحي لأعمالنا المسرحية؛ وليس من ~~شك في أن للماضي الذي مارسناه كتجربة نفسية معاشة، علاقة ارتباط وثيقة متعددة الجوانب ~~بالحاضر الذي نعيشه اليوم، مع اختلاف لون التجربة. وبمتابعة خط السير الطبيعي لعجلة ~~التطور، يصبح هذا الحاضر نقطة ارتكاز لمستقبل مرتقب يمكن أن يرسم له الكاتب من التصورات ما ~~يحدد معالمه. هي إذن عملية متشابكة ومتداخلة، تحتاج إلى نوع من الرؤية العقلية البعيدة، ~~التي تتخطى المنظور إلى ما وراء حدود المنظور. من هنا نستطيع أن نقول إن دوران المسرحية ~~العربية الحديثة حول ms002 مشكلات الماضي، وبمثل هذه الصورة الملحة، لا يمكن أن يقدم إلينا الكاتب ~~المسرحي الذي نريده؛ الكاتب الذي يملك من وسائل الخبرة الفنية، ما يتيح له أن يوجه سلوك ~~أبطاله على أساس التفاعل الحدثي بين الماضي والحاضر، وأن ينسج مصيرهم من خيوط تصوراته ~~العقائدية لواقع المستقبل، على ضوء تلك الرؤية العقلية البعيدة. # ولا نقصد بهذه التصورات أن يرسم لنا الكاتب المسرحي تخطيطات مفصلة لذلك الواقع المقبل ~~الذي يمكن أن يتطور إليه حاضر الشخصيات؛ لأن العمل المسرحي يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن ~~طابع الدراسة الاجتماعية أو الاقتصادية من جهة؛ ولأن المقصود من جهة أخرى هو نوع من ~~التخيل، الذي لا يمكنه أن يتمثل الأشياء البعيدة بكل جزئياتها الدقيقة، وإنما يتمثلها في ~~هيكلها الخارجي العام أو ملامحها الشكلية البارزة. إننا نستطيع في العمل المسرحي أن نجعل ~~المتفرج «يرى» الماضي والحاضر، أما المستقبل فنستطيع أن نجعل نفس المتفرج «يتخيله»؛ فكل ما ~~هو مدرج في قائمة الوجود المادي الذي يعاش كانفعال وتجربة، نطالب الكاتب المسرحي بأن ~~«ينقله» إلينا كواقع مرئي ومحس، وكل ما يتضمن قابلية الإدراج في نفس القائمة، ويحتمل منطق ~~النتائج المترتبة على المقدمات، نطالب هذا الكاتب بأن «يرسبه» في نفوسنا كواقع تصوري أو ~~متخيل. وعملية الترسيب هنا - كما تفرضها مقتضيات المسرح - يجب أن تتم عن طريق التركيز ~~والإيحاء، لا عن طريق التفصيل والتفسير، وذلك من خلال الاتجاه النفسي لسلوك ~~الشخصيات. # أنطون تشيكوف في «بستان الكرز»، يقدم إلينا النموذج التطبيقي لهذا المسرح الذي نريده؛ يقدم ~~إلينا حاضر الطبقة الأرستقراطية، بكل ما فيه من تفاهة وسطحية وانحلال، وهو يرينا هذا ~~الحاضر من وراء لمسات تهكمية موجعة، نستخلصها من خطوط رسم كاريكاتيري لاذع. وعلى امتداد ~~هذه الخطوط التحليلية المعبرة، تبدو هذه الطبقة وهي عاجزة عن التكيف مع الواقع؛ لأنها لا ~~تفهم - أو لا تريد أن تفهم - منطق هذا الواقع؛ وتتعرج خطوط الكاريكاتير لنخرج من هذه ~~التعارج بأن هذه الطبقة لا تصلح لشيء، وأن حاضرها يؤذن بالأفول. ومن نافذة الحاضر يسمح لنا ~~أنطون تشيكوف، بأن ms003 نلقي نظرة ساخطة على ماض بشع؛ نلقيها ونحن ننصت إلى «تروفيموف» وهو ~~يتحدث إلى «آنيا» الأرستقراطية المترفة، ويذكر بأن آباءها وأجدادها كانوا من ملاك الرقيق، ~~وأن وجوه هؤلاء الأرقاء وأصواتهم ترنو إليها، وتصرخ من أعماق كل ثمرة وكل ورقة وكل شجرة في ~~بستان الكرز. إن أهلها - طوال حياتهم - يعيشون عالة على وجود الغير، على وجود هؤلاء الرقيق؛ ~~وهم، هي وأمها وخالها، عاجزون عن فهم أوضاعهم القائمة على هذه الحقيقة، فإذا أرادت أن ~~تعيش معه في الحاضر فعليها أن تنزع من فوق جدران وجودها صورة ماضيها الكريه؛ يجب أن تضع ~~لهذا الماضي حدا وأن تتخلص منه كل الخلاص. إن هناك مستقبلا سعيدا ينتظرهما، وإذا لم ~~يقدر لكل منهما أن يعيش ليراه، فسيعيش غيرهما ليرى هذا المستقبل، ويجني ثماره. # هكذا يقوم المسرح التشيكوفي بعملية ربط هادفة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهو هنا لا ~~يقدم إلينا تخطيطا مفصلا لمجتمع الغد كما تخيله تشيكوف، وإنما قدم إلينا - بواسطة الإيحاء ~~المركز - مضمون الصورة العامة لواقع هذا المجتمع، عبر تلك الرؤية العقلية البعيدة. ومن ~~الملاحظ أن بعض أبطال تشيكوف، ممن كانوا يعيشون أحلام الغد وتصورات المستقبل، تنقصهم ~~إيجابية السلوك وقوة الإرادة؛ كانوا في حدود رسمه لهم، سلبيين في مواجهة وجودهم القابل ~~للتغيير والتطور. ونفس الملاحظة تقودنا إلى ملاحظة أخرى، بالنسبة إلى موقف تشيكوف من ~~سلبية أبطاله؛ وهو أنه كان يسخر من هذه السلبية المتمثلة في عجزهم عن تحقيق ما يتطلعون ~~إليه من أحلام. من هذا الموقف الاتجاهي يمكننا أن نلتقط مفتاح قضية من قضايا الأدب والنقد، ~~خلاصتها كما أوضحنا ذلك من قبل وفي غير هذا المكان، أن الكاتب يستطيع أن يكون إيجابيا من ~~خلال السلوك السلبي لأبطاله القصصيين أو المسرحيين، حين يصب هذا السلوك في قالب من العجز ~~المخفق، الذي يثير فينا دوافع الإنكار والسخط، والذي يوحي إلينا بأن الكاتب يشاركنا نفس ~~الشعور، ويقف معنا على نفس الصعيد الالتزامي المعترض؛ المهم هو موقف الكاتب من سلوك ~~أبطاله، موقفه من الناحية الفنية والالتزامية، وعند هذه النقطة تتحدد ms004 مسئوليته أمام القارئ ~~والناقد. # نريد أن نقول عن الكاتب المسرحي الذي نريده، على ضوء هذا النموذج التطبيقي من أعمال ~~تشيكوف: إنه الكاتب الذي يجب أن يعيش واقع حاضره وماضيه عن طريق الرؤية الفنية اللاقطة، ~~ويعيش واقع مستقبله عن طريق الرؤية العقلية المتصورة. ولا جدال في أن هذه المطالب، لكي تصل ~~إلى مرحلة عملية من التحقيق، تحتاج من روافد الثقافة وقيم الأخلاق، ما يهيئ للكاتب أن يكون ~~صاحب موقف، أو صاحب وجهة نظر عقائدية، تحدد اتجاهه الفكري والخلقي من مشكلات المجتمع وقضية ~~الإنسان. # وما دمنا في معرض الحديث عن أخلاقية الموقف الفكري لكاتب المسرح، فإن سارتر - على المستوى ~~النموذجي للدراما الحديثة - يطالعنا كمسرحي ممتاز؛ إننا نذكر له - على سبيل المثال - موقفه ~~من احتلال النازية لوطنه في «موتى بلا قبور»، وموقفه من اضطهاد الرجل الأمريكي الأبيض ~~للزنوج في «البغي الفاضلة» أو «العاهر الحفية» إذا أردنا الدقة في الترجمة. في «موتى بلا ~~قبور» يضعنا سارتر في الطرف المقابل من سلوك أبطاله، ليجعلنا نواجه - في حساسية فائقة وتوتر ~~بالغ - وجهة نظره الفكرية فيما يجب أن يكون عليه موقفنا من عدو غاصب؛ معنى ذلك أن تبدأ ~~حركة المقاومة، وقد بدأت هذه الحركة في عمله المسرحي، بأصدائها المنعكسة على عدد من ~~المجاهدين، الذين وقعوا أسرى في أيدي الألمان؛ إن «لوسي» بطلة المسرحية يحيلها سارتر إلى ~~واجهة عرض ضخمة لموقفه الاتجاهي الصارم، بالنسبة إلى مفهوم البطولة النفسية في لحظة لقاء ~~طويل ومرهق، بين سطوة المنتصر وكبرياء المهزوم. إن «لوسي» تعرض علينا - بالنيابة عن سارتر - ~~كل المقومات السلوكية لهذه البطولة، لقد عرضوا كيانها الجسدي والنفسي لأبشع ألوان التعذيب: ~~الضرب المبرح وهتك العرض، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يشيعوا في هذا الكيان الصامد معنى الذل، ~~لقد كانت تمارس تجربة مرة، ولكنها كانت بالنسبة إلى فم وجودها الإنساني سائغة المذاق. ~~مضمون هذه التجربة هو الكبرياء؛ كبرياء الألم؛ ولكي نمارس هذه التجربة بنجاح، يجب أن نفرض ~~على أنفسنا لونا من الحقد الانطوائي المترفع. إن الذين يريدون أن يخربوا في الإنسان ms005 كل ما ~~هو جميل وشريف وقيم، ينتظرون اللحظة التي تنبثق منها رغم أنف الإرادة بادرة من الضعف؛ إنها ~~بالنسبة إليهم لحظة الشعور بهزيمتنا وانتصارهم! إننا في قبضة أيديهم، هذا صحيح؛ والأصح ~~منه أنهم أيضا في قبضة أيدينا! إنهم لن يطلقوا سراح حريتنا وعلينا أن نعاملهم بالمثل، ~~ألا نطلق سراح حريتهم؛ حريتهم في أن يرونا يوما وقد عرفنا الذل والخضوع! إنهم أسرانا، تماما كما ~~نحن أسراهم؛ بهذا نشعرهم أن وجودنا شيء حقيقي ومجسم، ونشعر أنفسنا بأن وجودهم لا وجود له! ~~ومن الواجب أن ننتصر على أنفسنا، وذلك بأن نلغي من قائمة عذابنا معنى الإحساس بالألم؛ هذا ~~الألم يجب أن ينهزم، هذا هو المفهوم البطولي للتجربة، تجربة الكبرياء! # تقول «لوسي» لأخيها الصغير، وهي تشير إلى موقفها ممن هتكوا عرضها، ثم وهي تحذره من ~~الاعتراف للعدو بأسرار حركة المقاومة تحت ضغط الإرهاب: «إنهم لم يلمسوني؛ لم يلمسني أحد ... ~~لقد تحولت إلى قطعة من الحجر؛ ولم أشعر بأيديهم وهي ترغمني؛ كنت أتطلع إلى وجوههم وأفكر ~~في أن شيئا لم يحدث؛ كلا، لم يحدث شيء؛ لقد كنت في النهاية أذيقهم طعم الخوف؛ إنك إذا ~~اعترفت يا «فرانسوا» فإنهم يكونون في الواقع قد هتكوا عرضي!» # ويقول لها حبيبها «جان» أحد أبطال المقاومة: «إنني ألمح الجفاف في عينيك، وأدرك أن قلبك ~~يحترق، ولكن لا يبدو عليك أثر للألم، ولا بقطرة من دموع، لقد استحال كل شيء فيك من فرط ~~التوهج إلى بياض؛ ينبغي أن تتألمي من كونك لا تحسين بالألم! لقد فكرت كثيرا فيما تعرضت ~~له من تعذيب، ومع ذلك فما كنت أتصور أن التعذيب يمكن أن يكسبك كل هذه الفظاعة من كبرياء ~~الألم!» # وتجيبه «لوسي» معلقة على كلماته المعترضة: «قطرة من دموع؟! إنني لا أتمنى غير شيء واحد؛ ~~أن يأخذوني مرة أخرى ويضربوني؛ حتى ألوذ من جديد بالصمت، وأسخر منهم، وألقي في قلوبهم ~~الرعب. ترى هل كان الذنب ذنبي؟ إنهم هم الذين جرحوا كبريائي؛ إنني أمقتهم؛ وإذا كنت في ~~قبضة أيديهم، فإنهم هم أيضا في قبضة ms006 يدي؛ إنني أشعر أنني قريبة إليهم أكثر من قربي ~~منك!» # إن سارتر الفيلسوف، يتجه دائما - في قصصه ومسرحياته - إلى فلسفة مواقف أبطاله، وتغليف ~~وجودهم النفسي بغلاف شفاف من وجهات نظره الالتزامية؛ أو إنها مجموعة من اللافتات الضوئية ~~يسخرها للإعلان عن مضمون أفكاره. إن شخصياته وإن كانت تمثل موقفه الاتجاهي من قضية الإنسان ~~الفرنسي حيال أزمة معينة في «موتى بلا قبور»، أو الإنسان الزنجي حيال أزمة مختلفة في ~~«العاهر الحفية»، فهي في الوقت نفسه شخصيات، من لحم ودم، تتعادل فيها النسب التكوينية ~~لطبيعة النفس الإنسانية ولطبيعة أفكار الكاتب. إن «لوسي» مثلا كما رسمها سارتر، لا تتحول ~~إلى تمثال من الشمع لمجرد أنها قد قررت ألا تتألم؛ ولأنها قد نفذت هذا القرار، لقد كانت تحس ~~في داخلها وخز الألم، وتمر بها لحظات من الضعف، ولكنها إرادة التماسك والتجلد، هي التي ~~قامت بعملية الإلغاء لتلك المشاعر الداخلية، وهيأت لموقف الصمود؛ هي إذن نموذج بشري لا ~~يبتعد كثيرا عن أصالة البشر، وما يبدو لنا في ذلك النموذج من بعد عن تلك الأصالة، فمرجعه ~~إلى أن سارتر قد أراد أن يرسم لنا صورة للبشر الممتازين؛ من داخل الإطار المثالي لكبرياء ~~الإنسان. # وسارتر هنا يختلف تماما عن تشيكوف، من حيث مفهوم السلبية والإيجابية بالنسبة إلى سلوك ~~الشخصيات، وموقف الكاتب من هذا السلوك. إن شخصية «فوانيتسكي» مثلا في مسرحية «العم فانيا»، ~~وكذلك شخصية «فرشنين» في مسرحية «الشقيقات الثلاث»، ثم شخصية «تروفيموف» في مسرحية «بستان الكرز»؛ شخصيات تملك جرأة الأحلام على تغيير ~~الأوضاع، ولكنها لا تملك القدرة على التنفيذ؛ إنها تدرك حقيقة الواقع الذي تواجهه، ولكنها ~~لا تعرف الطريق الذي يمكن أن يؤدي إلى تطوير هذا الواقع؛ وهي بعد ذلك تفتقر إلى حركة ~~الدفع وقوة الإرادة. وليس من شك - كما فسرنا ذلك من قبل - في أن لتشيكوف فلسفته ~~الاتجاهية الخاصة، من وراء وضع شخصياته في أمثال هذه المواقف؛ ولكن يبقى بعد ذلك فارق بين ~~كاتب يستمد إيجابيته من اعتراضه الساخر على سلبية أبطاله، وكاتب آخر يستمد هذه الإيجابية ms007 من تعاطفه ~~الواضح مع أبطاله الإيجابيين، من أمثال «لوسي» و«هنري» و«كانوري»؛ النماذج البطولية ~~المكافحة في «موتى بلا قبور». # وكما يختلف سارتر في هذا المجال عن تشيكوف، فهو يختلف أيضا عن كثير من كتاب الواقعية ~~الاشتراكية، من ناحية رسم الشخصية التي تحمل أفكار الكاتب. إنهم في سبيل تجسيم العقيدة ~~المذهبية التي يعتنقونها في واقع الحياة والفن، غالبا ما يقومون بعملية تجويف للشخصية ~~المسرحية والقصصية، ليملئوها في الوقت نفسه بأفكارهم العقائدية الخاصة. وتبدو الشخصية ~~المجوفة وهي تحمل معنى الرمز التجريدي لفكرة معينة، أكثر مما تبدو وهي تحمل الخصائص ~~النفسية الأصلية لسلوك الإنسان. ولو قدر مثلا لكاتب من هؤلاء الكتاب أن يتناول مضمون ~~«العاهر الحفية» لسارتر، فإنه سينظر تلقائيا إلى مشكلة اضطهاد الزنوج في المجتمع الأمريكي ~~من زاوية مختلفة، تتفق وطبيعة اتجاهه العقائدي المحدد؛ وفي فلك هذا الاتجاه يفرض على سلوك ~~الشخصية المسرحية أن يدور. إن سارتر - على النقيض - لا يجعلنا نشعر على الإطلاق بأن بعض ~~شخصياته هي التي تنوب عنه، في نقل طعناته القاتلة إلى المجتمع الأمريكي؛ ذلك لأنه لن يسمح ~~لنفسه بأن يقف بيننا وبين شخصياته، بحيث نراه هو ولا نرى تلك الشخصيات، تبعا لأنه يتخذ ~~فنيا جانب الحياد ولا يحجب الرؤية! # إننا دون أن نلمح وجه سارتر الفكري، نستطيع أن نلمح رأيه في المجتمع الأمريكي عبر القطاع ~~الخاص باضطهاد الزنوج، حين نستطيع هذا الرأي من موقف «ليزي» الساقطة، والزنجي المعرض للقتل، ~~و«فرد» الثري المترف، و«كلارك» عضو مجلس الشيوخ؛ إنه يتناول هذا المجتمع بالتجريح من ناحية ~~المستوى العقلي متمثلا في النظرة إلى الحياة، ومن ناحية المستوى الحضاري متمثلا في النظرة ~~إلى الإنسان، فبينما نرى العقلية الأمريكية تقيم الحياة على أساس الدولار، نرى الحضارة ~~الأمريكية تقيم الإنسان على أساس اللون؛ ووسائل التقييم عندها لا تعرف شيئا اسمه الضمير، ~~فبالدولار تلجأ هذه العقلية إلى شراء الذمم وتدبير المؤامرات. # لقد حاول «فرد» ومعه أبوه عضو الشيوخ - بدولاراتهما الخمسمائة - أن يجعلا «ليزي» تغير ~~شهادتها أمام القضاء، لينجو «توماس» فتى العائلة الأبيض رمز الأمة الكريمة «العظيمة» ms008 ~~والتاريخ «المجيد» من تهمة قتله لزنجي بريء؛ وعندما تجيبهما «ليزي» بأن الزنجي الشهيد لم ~~يحاول أن يغتصبها، وإنما الذي قام بالمحاولة هو فتاهما الأبيض، وأنها مضطرة أمام القضاء إلى ~~أن تعلن هذه الحقيقة، عندما تقول هذا يكون الرد المنطقي للعقلية الأمريكية، هو أنه لا يوجد ~~هناك غير حقيقة واحدة: هناك بيض وسود ولا شيء غير ذلك! ومن خلال بعض اللقطات الجانبية لصورة ~~المجتمع الأمريكي يبلغ سارتر قمة السخرية الجارحة، وهو يوحي إلى العقلية الأمريكية بأن ~~المال يعجز في كثير من الظروف عن شراء الإنسان، وذلك حين اختار نموذجه الإنساني الرامز إلى ~~هذه الحقيقة إحدى المومسات! ولقطة أخرى من لقطات سارتر، تطلعنا - بالنسبة إلى مستوى الحضارة ~~الأمريكية - على مدى الوعي في اختيار الزاوية؛ يقول «فرد» للبغي الفاضلة، وقد سيطر عليه ~~جنون الرغبة في امتلاكها بالقوة، إنه قد اشتهاها وهو ينظر إلى زنجي قد علقوه فوق شجرة؛ لقد ~~شارك في قتله، وكان معه مسدسه؛ ولا يدري لماذا كان يرى جسدها وهو يرى جسد الزنجي المتأرجح ~~فوق الأغصان؛ لكأنما كان جسدها في تلك اللحظة - عبر رؤيته النفسية المزدوجة - يتأرجح هو ~~الآخر فوق ألسنة اللهب؛ في تلك اللحظة التي مرت منذ دقائق، اشتهاها؛ وأطلق على الزنجي ~~الرصاص! # إن قيم الحضارة الأمريكية من وراء منظار سارتر، تبدو وهي قائمة على لونين من الشهوة: شهوة ~~الجنس وشهوة الدم! # إننا حين نتطلع إلى النموذج المنشود لكاتبنا المسرحي الذي نريده، فإنما نتطلع إليه ~~متتلمذا في البداية على مدرستي سارتر وتشيكوف، في حدود هذه القيم الاتجاهية التي قدمناها ~~على ضوء التحليل والتطبيق. وتواجهنا بعد ذلك مشكلة الجمهور، إذا ما وضعنا في حسابنا عنصر ~~الملاءمة بين المستويات الفنية اللازمة لمسرحنا الحديث. إن مستوى الكاتب - على مدار قوى ~~التطور - يستطيع أن يرفع إليه تدريجيا مستوى الجمهور. ومن طبيعة المجتمع في خطواته ~~التطورية، أن يلائم بين عمليات التفاعل المندمجة في خط سير إنساني، يشترك في ميدان النشاط ~~العملي مع بقية الخطوط، فإذا كانت هناك قوى معينة من شأنها أن تسهم في تطوير ms009 المستوى العقلي ~~لجمهور المسرح، حتى يستطيع أن يتجاوب مع مثل تلك القيم الاتجاهية تجاوب فهم وإدراك وتأثر، ~~فإن من بين هذه القوى - وفي طليعتها - كاتبنا المسرحي الذي ينبغي له أن يقوم بدوره في عملية ~~القيادة؛ إن أزمة جمهورنا المسرحي ليست أزمة الإقبال العددي على دور العرض، ولكنها أزمة ~~التهيؤ العقلي لمسرح جديد تتوفر له تلك القيم إذا ما نضج المستوى الاتجاهي للكتاب؛ لأنه لا ~~جدوى إذا ما نجح الكاتب وسقط الجمهور! # إن سقوط الجمهور معناه أن يسقط العمل المسرحي على الرغم من نجاحه، وهذا هو حادث لمسرحية ~~«الطائر البحري» لتشيكوف، عندما واجهت في أول عرض جمهورا تخلف مستواه العقلي عن مستوى ~~المضمون الرمزي للمسرحية؛ ولكنها في العرض الثاني وبعد ذلك بعامين، وعندما وجد الجمهور ~~المتطور الإدراك، المكتشف لما وراء الرمزية الموضوعية من أفكار واتجاهات، تحقق لها ما هي ~~جديرة به من تقدير ونجاح. ولقد نجحت مسرحية «الذباب» لسارتر - على الرغم من رمزيتها ~~الفلسفية المسرفة - لأنها عرضت على جمهور استطاع بإدراكه المرهف، أيام الاحتلال النازي ~~واندلاع حركة المقاومة، أن يفهم المعاني الخفية التي أراد الكاتب توصيلها عن طريق الرمز إلى ~~مواطنيه؛ ما دامت قوى الاحتلال تحول بين أصحاب القلم وبين حرية التعبير! # | الأثر الفني بين الفهم والتذوق # هناك فنان فهم الحياة حق الفهم وخبرها كل الخبرة، ومع ذلك فهو يتذوقها بقدر محدود لا ~~يتناسب وخبرته العميقة، ولا يتفق وفهمه الأصيل. فما هو الفارق بين طبيعة «الفهم» وطبيعة ~~«التذوق» في حياة الفنان؟ لتوضيح هذا الفارق الفني بين الطبيعتين نقول: إنك تفهم الشيء ~~بعقلك وتتذوقه بشعورك، نعني أن الفهم أداته الذهن الثاقب وأن التذوق أداته الإحساس الرهيف ... ~~إنهما طاقتان: طاقة عقلية وطاقة شعورية، والذين قويت عندهم الطاقة الأولى وضعفت الثانية، هم ~~الذين تتوقد في وجودهم شعلة الفهم وتخبو شعلة التذوق، بالنسبة إلى أي قيمة من قيم الفن وأي ~~معنى من معاني الحياة. إن هناك مثلا من «يفهم» قصيدة من الشعر، يفهم فيها اللفظ والصورة، ~~ويفهم فيها الوزن والقافية، ويفهمها اتجاهيا إذا طلبت إليه ms010 الشرح والتفسير، ومع هذا كله ~~لا يستطيع أن «يتذوق» فيها وحدة العمل الفني، ولا إيحائية التركيب اللفظي، ولا تماسك ~~التجربة الشعورية، وهي معروضة تفصيليا من خلال مضمون. وقل مثل ذلك عن الذي يفهم أصول ~~النوتة الموسيقية للحن من الألحان، ثم لا يتذوق جمال اللحن، ولا يهتز لروعة الإيقاع، ولا ~~يستجيب لتصويرية النغم. # إن فهم الحياة هو أن نفتح «لمشاهدها» أبواب العقل، أما تذوق الحياة فهو أن نفتح ~~«لتجاربها» أبواب الشعور؛ إننا «نراها» هناك تحت إشعاع الومضة الذهنية، ولكننا «نتلقاها» ~~هنا تحت تأثير الدفقة الوجدانية، وعلى مدار هذه الكلمات نستطيع أن ننظر إلى كل عمل يمت إلى ~~الفن بسبب من الأسباب. # هذه الكلمات هي معالم الطريق إلى «الأداء النفسي»، أو إلى هذه المحاولة المذهبية التي تحمل ~~ذلك العنوان، وهدفها أن تزن قيم الفن بميزان جديد، سواء أكان الفن ممثلا في قصة تحليلية ~~أم في لوحة أم في مقطوعة موسيقية أم في قصيدة، وسواء أكان الفهم أو التذوق في كل أثر من ~~هذه الآثار متعلقا بموقف الفنان من مشاهد الحياة وتجارب النفس حين ينتج، أم كان منتسبا ~~إلى موقف الذين يحكمون على الفن ويقيمون له الميزان عن طريق الذهن أو عن طريق الشعور. إن ~~الفن في جوهره ليس فهما للحياة يقف بنا عند حد الرؤية المادية والآثار العقلية، حين تقوم ~~هذه من تلك مقام النتيجة من المقدمة أو مقام النهاية البداية، وإنما هو إلى جانب هذا حركة ~~في الوجود الخارجي، تعقبها هزة في الوجود الداخلي يتبعها انفعال، انفعال يحدث تلك المشاركة ~~الوجدانية بين منتج الفن وبين متذوق الفن؛ نتيجة لذلك التجاوب الشعوري بين الفنان وبين مصدر ~~التلقية الأولى والإلهام الوليد؛ نريد أن نقول إن اللقطة البصرية في الإنتاج الفني حيث ~~يعقب عليها العقل وحده، ليست كل شيء مهما بلغت الطاقة الذهنية في التفكير والتعبير عن صور ~~شتى وآفاق، وإنما العبرة باللقطة النفسية التي تفتح نوافذ الحس ثم تنحدر إلى كوى الشعور، ~~وتستقر آخر الأمر في أعماق الذات الشاعرة في الطبيعة الإنسانية. # وعندما ms011 نقول الوجود الخارجي والوجود الداخلي، فإنما نقصد بالتعبير الأول ذلك المسرح ~~الكوني الزاخر بالمشاهد المادية ونعني به الحياة، ونقصد بالتعبير الأخير ذلك المعرض الإنساني ~~الحافل بالصور الوجدانية ونعني به النفس، هناك حيث ترقب المدركات الحسية وتتأمل، وهنا حيث ~~تتلقى المدركات النفسية وتسجل. ولا بد من المشاركة الفنية التي يتم فيها التوافق بين عالم ~~النفس وعالم الحياة، لنحصل على هذا المزيج الأخير من واقعيتين. # هذه الخواطر التي يثيرها في الذهن كل مشهد مادي في الواقع الخارجي، يجب أن يصهرها الفن في ~~تلك البوتقة الداخلية لتتحول إلى مشاعر. أليس الفن في حقيقته المثلى عملية استقبال حسية ~~تعقبها عملية إرسال نفسية؟ إنه لكذلك على التحقيق، وإننا لنفرق تبعا لهذا التحديد بين ~~إنتاج فني لا يهز من الكيان الشاعر غير الحواس الخارجية، وبين إنتاج آخر يثير في هذا ~~الكيان ما أثاره الإنتاج الأول، ثم يزيد عليه حقيقة أخرى حين يطرق أبواب الشعور في صدق ~~وأصالة. # كلمات نؤيدها بالدليل حين ننتقل إلى مرحلة التطبيق، ونقدم أول مثال: دعي الموسيقار ~~العظيم فرانز لست إلى حفل من تلك الحفلات الخاصة، التي كانت تزخر بها الصالونات الباريسية، ~~ويدعى إليها جمهور خاص من الطبقة الأرستقراطية التي كانت تعشق فيما تعشق من متع الحياة ~~أنغام الخالدين؛ وحين نهض لست ليأخذ مكانه من البيانو، طلب إليه المدعوون أن يعزف شيئا من ~~آثار بتهوفن، وشيئا من آثار ذلك العبقري الآخر الذي كان يجلس بين الصفوف في انتظار العزف، ~~صديقه فردريك شوبان. ومن المعروف عن لست أنه كان يجمع إلى موهبته الفذة في التأليف ~~الموسيقى، موهبة أخرى لا يختلف في تقديرها النقاد، وهي أنه كان أقدر القادرين على عزف موسيقى ~~بتهوفن خاصة، وموسيقى غيره من أقطاب النغم على العموم. # وحين انتهى لست من عزف مقطوعة «ألا داجيو» من سوناتة «دودييز مينير» لبتهوفن، أقبل عليه ~~المدعوون وفي مقدمتهم شوبان، ليثنوا بمشاعرهم التي أغرقها في فيض الذهول سحر النغم، على تلك ~~القدرة الفائقة التي أعادت إلى الأذهان صورة حية من صور بتهوفن الخالد. ومرة أخرى ms012 طلب ~~الحاضرون إلى لست، أن يعزف لهم مقطوعة خاصة من مقطوعات «البريلود» لشوبان، وكانت مقطوعة ~~يعتز بها الموسيقار البولوني ويعتز بها الفن؛ لأنها قطعة من نفسه الشاعرة في فترة من فترات ~~ألمه النبيل، ذلك الذي طالما تحدث عنه إلى الناس في أنغام، وعندما فرغ لست من عزف المقطوعة ~~ظهر عدم الارتياح على وجه شوبان؛ إن لست لم يخرج على أصول النوتة، ولم تخنه المقدرة على ~~العزف في يوم من الأيام، ولم يستطع صديقه صاحب «البريلود» أن ينكر هذا عليه، ولكن؛ ولكن ~~كان هناك شيء ناقص أحسه شوبان ولم يحسه أحد سواه، إلا حين نهض ليأخذ مكان لست من البيانو ~~ويبدأ عزف المقطوعة من جديد. # لقد لمس الحاضرون أن هناك فارقا ملحوظا بين الأنغام، حين انطلقت في المرة الثانية من ~~بين أنامل شوبان، ولقد كانت «مشاعرهم» هي المرصد الدقيق لتسجيل الفارق الفني هنا وهناك، حتى ~~لقد أقبل لست على صديقه يعانقه ويقبله ويقول له: حقا يا عزيزي شوبان إن اللحن قد خرج من ~~بين يديك وهو شيء آخر؛ لقد بعثت فيه من روحك لأنه قطعة من حياتك أنت. # هذا هو الأثر الفني بين الفهم والتذوق حين يتمثل في مقطوعة موسيقية، لقد كان الفارق ~~الملموس بين لست وشوبان، هو الفارق بين من «فهم» اللحن بعقله حين نقله عن أصول النوتة، وبين ~~من «تذوق» اللحن بشعوره حين نقله عن حديث الوجدان، ومن هنا بدت مقطوعة «البريلود» عند لست ~~جسدا جميلا بغير روح، وبدت عند شوبان جسدا يفوق الأول جمالا؛ لأن فيه الروح الذي يضفي ~~على الفن كل معنى من معاني الحياة. # هنا، في هذا المثال، مفرق الطريق بين أسلوبين في تقديم الأثر الفني إلى الجماهير: أسلوب ~~يعتمد على الذهن «الفاهم»، وأسلوب يعتمد على الشعور «الذواق»، أو قل إنه اختلاف بين ~~طبيعتين: طبيعة تتلقى الإثارة عن طريق الحس، وطبيعة تتلقى الإثارة عن طريق النفس، أو قل مرة ~~أخرى إنه اختلاف بين مزاجين: مزاج يحلق بالتجربة المادية في آفاق الفكر، ومزاج يحلق ~~بالتجربة النفسية في ms013 آفاق الشعور ... # وإنه لذلك الاختلاف الذي تبرزه الفوارق الدقيقة بين فنان تذوق الحياة منعكسة على الذات ~~الشاعرة، وبين فنان فهم تلك الحياة منعكسة على الورقة الناقلة؛ ونعني بها النوتة الموسيقية ~~التي نقل عنها لست فترة من حياة صديقه نقلا ذهنيا لا حرارة فيه. # اقرأ قصة «أم» لفرانسو مورياك، إنها قصة لا تطالعك بتلك الطاقة التحليلية الضخمة، التي ~~تطالعك بها آثار كاتب مثل بلزاك أو دستوفسكي أو ستندال، ولا بذلك الفهم الواسع الذي يحيط ~~بصور الحياة، ليفرغها بعد ذلك في إطار؛ ليس فيها شيء من هذا الذي أشرنا إليه، ولكن فيها ~~الفنان الذي يعيش في موضوع قصته، ويتمثل التجربة تمثلا شعوريا لا غلو فيه، ويتذوق الحياة ~~في لحظاتها النفسية النادرة، التي لا يفطن إليها غير أصحاب الوعي العميق. # هناك لحظة من تلك اللحظات النادرة التي نعنيها في قصة مورياك، وقبل أن نقف بك عند تلك ~~اللحظة، نلخص لك مضمون القصة بصراعه النفسي، وهو مضمون العلاقة «الخالدة» بين كل أم وكل ~~زوجة ابن، تحتدم في أعماقهما المعركة حول الرجل الذي تربطه بالأولى روابط البنوة وبالثانية ~~صلات الزوجية. هذا الرجل الذي يقف بين «العدوتين» موقف الحائر المتردد، الذي تتعرض حياته في ~~كل وقت لهبوب العواصف والأعاصير. الابن هنا، وهو فرنان كازيناف، رجل ضعيف الشخصية مسلوب ~~الإرادة، يعطف على زوجته ولكنه لا يستطيع أن يجهر بهذا العطف؛ خوفا من تلك الأم التي بقيت ~~له بعد وفاة أبيه، وطبعته منذ صباه الباكر بطابع الخضوع والرهبة؛ فهو لا يستطيع أن يجادل ~~ولا أن يعترض ولا أن يقف في وجهها عندما تتعقد الأمور. والأم كازيناف امرأة تحب ابنها برغم ~~قسوتها عليه، وما كانت قسوتها تلك إلا نتيجة لهذا الحب، الذي تريد به الأمومة أن تملك وأن ~~تتحكم وأن تستأثر، ولا يشاركها في هذا اللون من حب التملك إنسان. والزوجة، وهي ماتيلد ~~كازيناف، فتاة لقيت من ظلم الحماة وإهمال الزوج وقسوة الحياة، ما ينوء به الطوق ويفرغ معه ~~الصبر؛ ومع ذلك فقد صبرت واحتملت ، ولقيت متاعب العيش بالرضا ms014 القانع والصبر الجميل. # وتمضي القصة في طريقها لتصور لك أدوار الصراع، الصراع الذي انتهى بموت الزوجة بعد حالة ~~وضع، قوضت من الجسد المتهالك آخر حصن من حصون المقاومة، أو آخر معقل من معاقل الكفاح، ولقد ~~ماتت وحيدة، لا همسة عطف من الابن، ولا نظرة رثاء من الأم، ولا موعد لقاء مع رحمة القدر ... ~~وحين انتهى كل شيء، وسكتت كل حركة، ودفنت في تراب الموت كل خصومة، استطاع فرنان كازيناف أن ~~يصعد إلى حجرة الشهيدة، وأن يحس لذع الندم وأن يوجه إلى أمه كلمة عتاب. # ونلتقي باللحظة التي يصور فيها مورياك موقف النادم أمام الجثة الهامدة؛ تلك اللحظة ~~النادرة من لحظات «التذوق» لمشهد من مشاهد الحياة منعكسا على صفحة الشعور. لقد وقف فرنان ~~أمام جثة الشهيدة، وكأنه يقف أمام قديس ليعترف له بما جنت يداه، بما اقترف من إثم، بما حمل ~~من ذنوب؛ ترى من أغمض عينيه كل تلك الأعوام فلم ير هذا الجمال؟ ومن أغلق قلبه كل تلك ~~السنين فلم ينعم بهذا الصفاء؟ وهذا الطهر، وهذا الصبر، وهذا الإيمان، وهذه القيم الإنسانية ~~من حال بينه وبينها، حتى لكأنه يبصرها لأول مرة، ويستشعرها لأول مرة وينكشف له منها في ~~لحظة عابرة، ما غاب عنه فيما مر من أيام دنياه؟ ترى هل يستطيع أن يفعل شيئا لهذا الجسد، ~~الجسد الذي احترق في موقد العذاب، وتألم، وحمل من الشقاء فوق ما يحمل طوق الأحياء؟ شيئا ~~ولو كان صغيرا ضئيلا لا قيمة له، يشعره بأنه قدم إليه في رحاب الموت ما عجز أن يقدمه في ~~رحاب الحياة؟ إنه يريد الآن أن يعبر للجسد الهامد عن عطفه، عطفه الذي لم يستطع أن يعبر عنه ~~في يوم من الأيام، ولقد قدر له أن يعبر عن هذا العطف، حين خطر «لذبابة» هائمة أن تستقر على ~~الوجه الحزين؛ لقد انتفض كالمصعوق ليرد العدوان الأثيم عن تلك البقعة «الآمنة»، البقعة التي ~~لن يسمح بعد الآن بأن «تقلق» أمنها هجمات المعتدين. # هذا هو الأثر الفني بين الفهم والتذوق ممثلا في ms015 قصة تحليلية، إن مورياك في هذه القصة كما ~~قلنا لك، لا يطالعك بذلك «الفهم» الواسع، الذي يحيط بصور الحياة ليفرغها بعد ذلك في إطار، ~~ولكنه يطالعك بذلك التذوق للحياة في لحظاتها النفسية، التي لا يفطن إليها غير أصحاب الوعي ~~العميق؛ تلك اللقطة النادرة في جملة عابرة، اللقطة المتمثلة في تصوير الندم والشعور به، ~~وفي الإيحاء بالذنب والتكفير عنه، وتلك الزاوية الفريدة التي اختارها ليركز فيها ذلك ~~الإيحاء، بلمسات قليلة موجزة قوامها «الذبابة الهائمة»، التي راح يدفع عدوانها عن الوجه ~~الحزين؛ كل هذه القيم التصويرية التي ارتفعت بالمشهد النفسي إلى آفاق متسامية في فن ~~القصة، نستطيع أن نلخصها في معنى واحد هو المحور الرئيسي، الذي ندور حوله منذ البداية، ~~ونعني به التذوق الشعوري الكامل للوجود الخارجي، حين يتحول إلى تجربة داخلية كاملة في ~~النفس الإنسانية. # أما عن الأثر الفني بين الفهم والتذوق ممثلا في لوحة تصويرية، فارجع إلى اللوحة الثمينة ~~التي رسمها جيرار لمدام ريكامييه، قف أمامها طويلا، وتأمل نظرة العينين في ذلك الوجه ~~الساحر الآسر، إنها ومضة الأسى الدفين اللافح يشع من عيني امرأة؛ امرأة كانت وحيا ملهما ~~لأقطاب الشعور والتصوير والأدب. إن جيرار لم يكن يعلم كل شيء عن قصة مدام ريكامييه، التي ~~كان واقع حياتها أعجب من الخيال وأغرب من الأسطورة، هذا الواقع الذي لم يفهم كل الفهم سره ~~العميق ولكنه تذوقه، حين أوحى التذوق إلى ريشته البارعة، أن تصور هذا الأسى اللافح في ~~العينين الساحرتين. # لقد قدر لهذه المرأة الجميلة أن تتزوج من أبيها، الذي كان أحد الأثرياء في عصره، ولم تكن ~~تعلم أن الزوج هو الأب، الذي انحدرت من صلبه وقضت كل أيام الحياة معه، وهي عذراء؛ أما هو ~~فكان يعلم أنها ابنته، ولكن ظروفا قاهرة هي التي أملت عليه أن يقترن بها، وأن يعيش معها ~~تحت سقف واحد، دون أن يعرف سره # 1 # الحقيقي غير أمها وغير الله، من هنا تعذبت لأن حياتها قد خلت من الرجل؛ الرجل ~~الزوج، والرجل الآخر الذي حال بينها وبينه ms016 سياج من العفاف والطهر، في بيئة كم امتحنت ~~صمودها بألوان من المغريات. لقد عاشت كل أيامها في أسر الحرمان؛ حرمان الروح ~~والجسد. # هذا المعنى الأخير، استطاع جيرار الفنان أن يتذوقه وأن يستشفه، وأن يصبه صبا في نظرة ~~العينين الحالمتين. إنه كما قلنا لم يكن «يفهم» الكثير من قصة تلك الحياة، ومع ذلك فقد ~~استطاع أن ينفذ شعوره الملهم إلى ما وراء المجهول، وأن «يتذوق» الحياة في قصة، وأن يصورها ~~في نظرة، وأن يتحدث بها إلى الناس في ألوان وظلال. # هذا التذوق الشعوري الكامل هو أساس الأداء النفسي، أو هو الطريق إليه في مختلف الفنون. ~~لقد كان طريق شوبان إلى هذا الأداء الذي نعنيه في مقطوعة «البريلود»، وكان طريق مورياك إلى ~~هذا الأداء نفسه في قصة «أم»، وقل مثل ذلك بالنسبة إلى جيرار في لوحة «مدام ريكامييه». # ونحن بعد هذا لا ننكر أثر «الفهم» كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، ولكن الذي نريد أن ~~نقوله وقد سبق أن قلناه، هو أن الفن في جوهره ليس فهما للحياة، يقف بنا عند حد الرؤية المادية ~~والإثارة العقلية، وإنما هو - إلى جانب هذا - حركة في الوجود الخارجي تعقبها هزة في الوجود ~~الداخلي يعقبها انفعال؛ وكل هذه النقلات المترابطة تكون في مجموعها عملية التذوق، التي ~~تمهد الطريق للأداء النفسي. ولو قدر للفنان أن يملك هذه الموهبة، فلا بد له من أن يملك ~~القدرة على التعبير الصادق ليبلغ الهدف الأخير من ذلك الأداء. # إن الأداء النفسي لا يكمل معناه، إلا وهو قائم على دعامتين، هما: الصدق الشعوري والصدق ~~الفني؛ متحدين في مجال صورة تعبيرية. أما الصدق الشعوري فهو ذلك التجاوب بين التجربة ~~الحية وبين مصدر الإثارة، أو هو تلك الشرارة المشعة التي تندلع في الوجود الداخلي من التقاء ~~تيارين: أحدهما نفسي متدفق من أعماق الشعور، والآخر حسي منطلق من آفاق الحياة؛ هذا هو ~~الصدق الشعوري وميدانه الإحساس، أما الصدق الفني فميدانه التعبير، التعبير عن دوافع هذا ~~الإحساس بحيث يستطيع الفنان أن يلبس تجاربه ذلك الثوب الملائم ms017 من فنية التعبير، أو يسكن ~~مضامينه ذلك البناء المناسب من إيحائية الصور. # | مشكلة العلاقة بين مي وجبران # إذا وصفت العلاقة بين مي وجبران بأنها مشكلة، فأنا لا أعدو الواقع بالنسبة إلى الحقيقة ~~التي عاشت في نفسي ردحا من الزمن، وكانت مفرق الطريق بيني وبين غيري من الدارسين؛ هل كانت ~~علاقة مي بجبران لونا من الصلة الشعورية، التي تندرج تحت كلمة الحب حينا وكلمة العاطفة ~~حينا آخر، وتتصل من قريب ومن بعيد بأنوثة المرأة ورجولة الرجل، إذا ما حددنا العاطفة ~~الأنثوية نحو الطرف المقابل بأنها تفضيل وتمييز وإيثار؟ هذه هي المشكلة؛ المشكلة التي ~~يتطلب بحثها الكثير من الوعي والكثير من الحذر والكثير من الأناة؛ لأن الباحث المسرع في ~~الدراسة أشبه بالسائق المسرع في القيادة، كلاهما وهما في سبيل الوصول إلى هدفه المنشود في ~~أقرب وقت قد يرتكب جريمة قتل، وفي خلال الطريق قد يكون المقتول بالنسبة إلى السائق رجلا ~~وبالنسبة إلى الباحث حقيقة؛ والحقيقة التي قتلها الدارسون «المسرعون»، هي أن عاطفة ~~«الأنوثة» في مي لم تتجه يوما إلى جبران! # إن صورة تلك العلاقة قد بدأت في نفسي، وهي داخل إطار من الشك المثير. أما مصدر هذا الشك ~~فهو طبيعة من الأنثوية. لقد بدت لي هذه الطبيعة يوما وهي مغلفة بالانحراف ملفعة بالشذوذ، ~~حتى استحالت في بوتقة الفكر إلى سؤال حائر ينتظر الجواب: هل كانت مي امرأة؟ امرأة ورثت ~~كغيرها من النساء تلك التركة الخالدة عن الأم الأولى وهي حواء؟ إن المرأة الطبيعية في رأيي ~~هي تلك التي يستيقظ في أعماقها الشعور بالرجل، سواء أكانت هذه اليقظة في صورة حب مضطرم، أم ~~كانت في صورة عاطفة جياشة، أم كانت في صورة حس مشبوب؛ هذه هي المرأة الطبيعية. أما المرأة ~~الشاذة فهي تلك التي «تنام» في أعماقها مثل هذه «اليقظة»، هي تلك التي تلهب دون أن تحس بين ~~جنبيها وهج النار، هي تلك التي تثير ولا تثار؛ هي مي في حقيقتها العميقة التي لم «تتذوق» ~~طعم الحب؛ لأنها فقدت «شهية » الأنوثة، وهذا هو ms018 الباب المغلق الذي يحتاج ليفتح على مصراعيه ~~إلى طرق عنيف! # لقد تتبعت حياتها النفسية وهي بين الرجال، وهي في صالونها الأدبي في أيام الثلاثاء، وكان ~~من بين أولئك الذين يحيطون بها رجال ممتازون؛ بعضهم لا تنقصه الرجولة، وبعضهم لا تنقصه ~~الشهرة، وبعضهم لا تنقصه المكانة الأدبية والاجتماعية، وكل هذه الصفات جديرة بلفت نظر ~~المرأة واجتذاب أعمق ما فيها من غرائز الأنوثة، تلك التي تنشد في الرجل وجها معينا من ~~وجوه الإثارة. كانت تجتمع بهم، وتتحدث إليهم، ثم لا شيء وراء الحديث المألوف واللقاء ~~المتكرر مما يتصل بالشعور الأنثوي والعاطفة الوجدانية. ولقد شغف بها بعضهم ذلك الشغف الذي ~~يؤدي بالكرامة ويعصف بالوقار، ومع ذلك فقد ظل القلب العجيب على هموده، وخموده، وكأنه لا ~~يعرف النبض ولا يعترف بالخفوق! هذا ولي الدين يكن يقول لها يوما في إحدى رسائله: # سيدتي ملكة الإلهام؛ ما أسكت هذا القلم عن مناجاتك إلا حرب الأيام، إنه منذ أيام ~~كثيرة أسيرها الذي لا يرجى فكاكه. غير أني كنت أناجي روحك كلما بدت لعيني أشياء من ~~محاسن هذا الوجود؛ كم وقفت أمام الأبيض المتوسط أرتجل العبرات، هذه أشعاري لا ~~أهديها إليك، إني لأشفق أن أحييك بغير الابتسامات؛ وكم دخلت الروض أساجل قماريه، ~~تلك أغان أرجعها لديك، إني لأخاف أن أغنيك بغير المسرات. والآن عندي قبلة هي أجمل ~~زهرة في ربيع الأمل أضعها تحت قدميك، إن تقبليها تزيدي كرما وإن ترديها فقصاراي ~~الامتثال. وبعد، فإني في انتظار بشائر رضاك، وطاعة لك وإخلاص! # أسلوب في الأدب والحب عند ولي الدين يكن، يلتقي مع أسلوب مماثل عند الرافعي. واستمع له هو ~~الآخر وهو يوجه الخطاب بعد المقدمة الشعرية إلى مي فيقول: # يا نسمة في ضفاف النيل سارية # مسرى التحية من ناء إلى ناء # يا ليت رياك مست قلب هاجرتي # فتشعريه بمعنى رقة الماء # ليست تحب سوى ألا تحب فما # أعصى الدواء على من حبه دائي! # هذا، وإن النفس لتنازعني إليك، ولكن لم أتطفل على أحد من قبلك ولن أتطفل عليك مرتين، ms019 ~~نقول الشمس والقمر والنجوم، فإذا أنت تريدين أن نراك من مرصد فلكي! وأي بليغ يراك ولا ~~يعرف فيك فنا جديدا في حسن معانيه ومبانيه، ويعرفك ولا يرى فيك أبدع البديع فيما يعانيه ~~من افتنانه؟ لله الحمد أن جعلنا نتلقى الماء ولم يجشمنا أن نصعد من أجله السماء! # أسلوبان كلاهما في الحب ذليل وفي الأدب مصنوع، وكم قلت لنفسي وأنا أستعرض ما فيهما من ~~المواكب اللفظية، المواكب التي كانت تمر تحت شرفة مي، وهي تقدم تحية المقهور وولاء التابع ~~وضراعة المبتهل: أتكون مي قد نظرت إلى الرجلين نظرة المرأة المدلة بكبرياء الأنوثة إلى كل ~~حب ذليل؟ أم تكون قد نظرت إليهما كأديبين نظرة الأديبة المعتزة بشرف الثقافة إلى كل أدب ~~غير خلاق؟ فرضان إذا وضعتهما تحت مجهر الفكر لم يظفر أحدهما بما ينشده الباحث من وسائل ~~الإقناع. تريد أن تطمئن إلى كلا الفرضين فيقلقك هذا الخاطر الذي يثب من مكمنه ليعترض عليك: ~~ألم يكن في حياة مي محب كريم على نفسه؟ محب لا تنحني بين شفتيه ظهور المعاني ولا تخر على ~~قدميها الكلمات؟ ألم يكن في حياة مي أديب تثق بفنه؟ أديب لا تختنق في أدبه الأخيلة تحت ضغط ~~الصنعة المسرفة، ولا تتحول الصور إلى جثث محنطة قد أطبقت عليها توابيت الألفاظ؟ يعترض هذا ~~الخاطر فلا تملك إلا أن تعترف بالواقع، الواقع الذي يشير في حياة مي إلى وجود جبران ... ~~وعندئذ تتبخر في الفضاء كل الظنون وتنهار تحت أقدام الفكر كل الفروض! # لقد كانت طبيعتها الأنثوية واحدة هنا وهناك؛ فتور عجيب يزلزل في نفسك قوائم الإيمان ~~بأنها كانت امرأة، امرأة يضطرب بين جنبيها الإحساس الخالد بالأنوثة، وينطلق من وجودها ~~الداخلي نداء الأعماق. إن بين أيدينا رسائلها ورسائله، فتعال نبحث بين السطور عن أثر الأنثى ~~الطبيعية، وتعال بعد ذلك نفتش بين ركام الألفاظ عن المفتاح؛ المفتاح الذي نديره في ثقب ~~الباب المغلق ليفتح على مصراعيه، إذا لم يؤمن الذين نادوا بحب مي لجبران بنتيجة الطرق ~~العنيف! # أنا ضباب يا مي؛ أنا ضباب ms020 يغمر الأشياء ولكن لا يتحد وإياها؛ أنا ضباب وفي الضباب ~~وحدتي، وفيه انفرادي ووحشتي، جوعي وعطشي. ومصيبتي هي أن الضباب وهو حقيقتي، يتوق إلى ~~استماع قائل يقول: لست وحدك ونحن اثنان، أنا أعرف من أنت! # أخبريني يا مي، أفي ربوعكم من يقدر ويريد أن يقول لي: أنا ضباب آخر أيها الضباب؛ فتعال ~~نخيم على الجبال وفي الأودية، تعال نسير بين الأشجار وفوقها، تعال نغمر الصخور المتعالية، ~~تعال ندخل إلى قلوب المخلوقات وخلاياها، تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة غير ~~المعروفة؟ قولي يا مي: أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من هذه ~~الكلمات؟ # أرأيت إلى هذا الأسلوب الجديد في الأدب والحب؟ أرأيت إلى جبران الإنسان تحترق في موقد ~~العذاب خلجات نفسه، وإلى جبران الفنان تنتشر في متحف الإبداع لوحات أفكاره؟ إنه الرجل الذي ~~يعيش في الضباب ويود أن يلمح من خلاله شبح أنثى، أو بارقة عطف، أو طيف أمل؛ وها هو ذا ~~ينادي، ينادي أنثاه نداء الوحدة والغربة، والانفراد والوحشة، والجوع والعطش، ترى هل فهمت ~~لغة نفسه، ووعت منطق شعوره، وتذوقت في النداء حرارة الدعاء؟ إن الأنوثة الخامدة تقدم إليك ~~هذا الجواب: # لقد قصصت شعري؛ وعندما ترى من صديقاتك بعد اليوم يا جبران من هن في هذا الزي ~~يمكنك أن تذكرني، وأن تقول لهن في سرك إنك تعرف من يشبههن! كنت إلى شهور راغبة في ~~التخلص من هذه الذوائب، التي يقولون إن لطولها يدا في قصر عقل المرأة، وهو افتراء ~~طبعا. ولكن عندما رأيت شعري بحلكته وتموجه الجميل وعقاربه الجريئة مطروحا أمامي، ~~تداعبه يد المزين شعرت بأسف على هذه الخسارة! غير أن المزين طيب خاطري بعبارات، ~~تكسرت فيها الكلمات الألمانية والإيطالية، وهو روماني على ما يقول، فهل كان في وسعي ~~أن أضحك؟ لقد مضى يصف لي جمال الشعر القصير ومنافعه ومميزاته، لا سيما وأنه، على ما ~~زعم المزين الصالح، يليق لي كثيرا؛ وسألته إلى كم امرأة يقول كل هذه الكلمات، ~~فأجاب : «أنت فيلسوفة!» أرأيت ms021 هذه الفيلسوفة التي تسعى إلى قص شعرها ثم تحزن عليه، ~~ثم تضحك لأن المزين يعزيها عن فقده بكلمات مسرحية؟! # هذه هي المرأة التي كان يخاطبها جبران؛ المرأة التي كان يخاطبها بلغة الشعر فتخاطبه بلغة ~~الشعر، ويحدثها عن قلبه وهو بين يدي الأشواق، فتحدثه عن رأسها وهو بين يدي الحلاق، وإنه ~~لحديث الأنوثة المكفنة بأثواب العدم، ومن حولها صرخة من أصدق صرخات الوجود! # أنوثة مقتولة ولو التمست لها مي شتى الأسباب والمعاذير، ولو حاولت أن تبرر شذوذها وهي ~~تقول لجبران في رسالة سابقة، تمهد بها لهذا الشذوذ: # جبران! لقد كتبت كل هذه الصفحات ضاحكة لأتحايد كلمة الحب؛ إن الذين لا يتاجرون ~~بمظاهر الحب ودعواه في السهرات والمراقص والاجتماعات، ينمي الحب في أعماقهم ~~قوة ديناميتية رهيبة، قد يغبطون عليها الذين يوزعون عواطفهم في اللألاء السطحي؛ لأنهم ~~لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن ~~يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم ويفضلون تضليل قلوبهم عن ودائعها، والتلهي بما لا ~~علاقة له بالعاطفة. # ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكنني أعرف أنك محبوبي وأني ~~أخاف الحب. إني أنتظر من الحب كثيرا، فأخاف ألا يأتيني بكل ما أنتظر! أقول هذا مع ~~علمي بأن القليل من الحب كثير، الجفاف والقحط واللاشيء في الحب خير من النزر ~~اليسير؛ كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا، وكيف أفرط فيه؟ لا أدري! الحمد لله أنني ~~أكتبه على الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربت خجلا بعد هذا ~~الكلام ولاختفيت زمنا طويلا، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى! # حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا؛ لأني بها حرة كل الحرية؛ أتذكر قول ~~القدماء من الشرقيين إنه خير للبنت ألا تقرأ ولا تكتب. إن القديس توما يظهر هنا، ~~وليس ما أبدي هنا أثر الوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة. قل أنت ما هو هذا؟ ~~وقل لي ماذا كنت على ضلال أو هدى، فإني أثق بك وأصدق بالبداهة ms022 كل ما تقول. # أصدق ما يقال هنا عن هذا التمهيد أنه متعمد ومقصود، أو أنه حركة بارعة من حركات التغطية ~~والتعمية والإيهام؛ تزعم مي أنها تخشى الحب، ولو صدقت لقالت إنها لا تستطيع أن تتذوقه؛ ~~لأنها كما سبق القول قد فقدت أبرز الخصائص عند المرأة الطبيعية! تخشى الحب ولماذا تخشاه؟ ~~ألأنه قد يأتيها بالنزر اليسير، وهي لا ترضى بما دون الكثير؟ وما هذا الكثير إن لم يكن هو ~~الرباط المقدس في منظار حواء؟ لقد لوح لها جبران يوما بهذا الأمل المشتهى عند كل أنثى، فلم ~~يلق منها غير الصد والإعراض؛ لقد أرادتها صداقة فكرية وأرادها جبران علاقة وجدانية، وها هي ~~مي ترفض عرضه وتدور حول هذا المعنى بهذه الكلمات: ~~... لقد فهمت ما أريد وإنما في غير معناه الحقيقي، وفهمته على وجه لم أقصده! ثم ~~سطت عليك الكبرياء، كبرياء الرجل، فنسيت أن السكوت لا يحسن بيننا على هذه الصورة، ~~نحن اللذين تكاتبنا أبدا كصديقين مفكرين؛ آلمني سكوتك من هذا القبيل، وأرهف ~~انتباهي، فأعلمني أنك لم تشاركني ارتياحي إلى تلك الصداقة الفكرية؛ لأنك لو كنت ~~سعيدا بها مثلي لما كنت رميت إلى أبعد منها! وصار معنى سكوتك عندي: «إما ذاك وإما ~~لا شيء»، وأنت أدرى بأثر هذا في نفسي! # تناقض بين موقف اليوم وموقف الأمس، وكلمات يطلقها اللسان هناك ويكذبها هنا واقع الشعور. ~~وما زلنا بعد هذا كله نفتش بين ركام الألفاظ عن المفتاح؛ مفتاح الطبيعة الأنثوية الشاذة، ~~التي لم ينبض فيها عرق بعاطفة نحو رجل من الرجال! وقبل أن نقدم إليك هذا المفتاح نحب أن ~~نرجع إلى تلك العبارة، التي ذكرت فيها مي اسم «توما» القديس، وأثر الوراثة في حياتها ~~النفسية. هناك - كما تقول لجبران - ما هو أبعد من أثر تلك الوراثة في تكوين نفورها من الحب، هذه ~~الكلمات التي تحمد الله على أنها لم تنطلق من بين شفتيها، وإنما انطلقت من بين شفتي القلم ... ~~هناك «شيء» آخر تسأل عنه جبران، وتستنجد بذكائه ليلهمه الجواب، ومعذرة للذكي النابغ إذا لم ~~يفطن ms023 لهذا «الشيء»، وهو بالنسبة إلى المشكلة مفتاح الباب؟ معذرة لجبران إذا لم يفهم لغة مي ~~النفسية لأنه كان يحب، وفي الحب تقرأ القلوب وحدها ولا تقرأ العقول؛ إن عقل جبران لو لم ~~يكن أمام لغة مي معصوب العينين، لرأى هذا «الشيء» البعيد وكأنه يراه من مدى قريب! # ما هو هذا الشيء؟ رجعة أخرى إلى الوراء؛ إلى رسالة قديمة من رسائل مي، لنلتقط من بين ~~سطورها المفتاح! لقد أغاظها جبران يوما بكبريائه، كبرياء الرجل الذي يريد أن يشعر المرأة ~~بأنه قادر على السيطرة والامتلاك؛ إزاء رجل من هذا الطراز لا تستطيع المرأة المعتزة ~~بكرامتها إلا أن تثور، وإذا ما ثارت المرأة فهي الثورة التي تعصف بالوعي، وترفع عن وجه ~~حقيقتها «الداخلية» كل قناع! هكذا تجد كل امرأة وهكذا تجد مي. وتختلف الحقائق بعد ذلك تبعا ~~لاختلاف التكوين النفسي عند شتى النساء؛ لقد ثارت على جبران، وفي خلال ثورتها على مرجل ~~وجودها الداخلي ولم يكن محكم الغطاء، فتطايرت قطرات السر الرهيب في هذه الكلمات: ~~... لما كنت أجلس للكتابة كنت أنسى من وأين أنت؛ وكثيرا ما أنسى أن هناك شخصا، ~~أن هناك «رجلا» أخاطبه! فأكلمك كما أكلم نفسي، وأحيانا كأنك «رفيقة» لي في ~~المدرسة! # هكذا تكلمت مي، وإذا تكلمت مي فليس هناك زيادة لمستزيد؛ إن ذلك «الشيء» الذي سألت عنه ~~جبران، قد أجابت عنه هنا في لحظة غضب ثائرة، ولم يكن في كلمة واحدة غير «الأنوثة ~~المقتولة»، وإذا ما قتلت الأنوثة في أعماق المرأة فقد قتل إحساسها بالرجل، وانمحت الفوارق ~~الجنسية في عالم الشعور؛ يبدو الرجل في منظارها وهو لا يختلف عنها في شيء؛ لأنها حرمت حاسة ~~الجنس وسلبت توجيه الغريزة، وقل بعد ذلك أنه فقد الشهية نحو الأشياء، وما يترتب عليه من ~~أثر في سلوك الأحياء: تفقد شهية الطموح فتزهد في المجد، وتفقد شهية القراءة فتشغل عن ~~العلم، وتفقد شهية الأكل فتعزف عن الطعام؛ وكذلك المرأة حين تفقد شهية الأنوثة فتنسى الرجل ~~وتنفر من الحب! لقد كانت مي في تلك السطور الأخيرة ms024 التي كتبتها لجبران، هي المرأة التي ~~«نسيت» أن هناك «رجلا» تخاطبه، وكل امرأة تتعرض لهذا الشذوذ فهي واحدة من اثنتين: امرأة ~~يتجرد إزاءها الرجل من أعمق صفات الرجولة، فإذا هو بوتقة إحساسها «رفيقة» من عالم النساء، ~~وامرأة تتجرد إزاء الرجل من أبرز خصائص الأنوثة، فإذا هي في البوتقة نفسها «رفيق» من عالم ~~الرجال، ومن هنا ينقطع «التيار» العاطفي بينها وبينه وكأنه تيار كهربائي بين قطبين سالبين ... ~~وهذا هو المفتاح! # ترى هل كف جبران بعد ذلك عن السير مع عاطفة مي «السابقة» أو المسلوبة إلى نهاية الطريق؟ ~~كلا؛ لأنه ما زال يحدق في لغة نفسها بعقل معصوب العينين: # لدي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر، ولكن علي أن ~~أبقى صامتا عنها، وسوف أبقى صامتا حتى يضمحل الضباب، وتتفتح الأبواب الدهرية ~~ويقول لي ملاك الرب: تكلم فقد ذهب زمن الصمت، وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة! ~~متى يا ترى تتفتح الأبواب الدهرية؛ هل تعلمين؟ هل تعلمين متى تنفتح الأبواب ~~الدهرية ويضمحل الضباب؟ ها قد بلغنا قمة عالية فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية، ~~فلنجلس هنيهة يا مي ولنتحدث قليلا، نحن لا نستطيع البقاء هنا دائما؛ لأنني أرى عن ~~بعد قمة أعلى، وعلينا أن نبلغها قبل الغروب! # إنه ما يزال يسأل عن أبواب الأمل متى تفتح، الأبواب التي تقف من ورائها امرأة تنتظره وفي ~~شفتيها همس، وفي عينيها لهفة، وفي يديها ذلك المنديل الإلهي، الذي تجفف به عرق النفس وتمسح ~~غبار الروح، بعد رحلته الطويلة المضنية في طريق الحياة؛ إنه يريد أن يجلس قليلا ليستريح ~~ويتحدث عن تلك القمة، التي يود أن يبلغاها معا قبل أن تحتضر شمس العمر على فراش الغروب! ~~ولكن الأيام تمر والأبواب لا تنفتح، وليس هناك من ينتظر، والقمة التي بلغها وحيدا بلا رفيق ~~أو حبيب، كانت قمة اليأس والخيبة وضيعة الرجاء. وانتهى الحديث عن اللقاء، وابتدأ الحديث عن ~~الرحيل، وها هو جبران ينثر بين يديها أشلاء شعور تمزقت أوصاله على بقايا الصخور: # أتعلمين ms025 يا مي أني ما فكرت في الانصراف الذي يسميه الناس موتا، إلا وجدت في التفكير ~~لذة غريبة وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل؟ ولكني أعود فأذكر أن كلمة لا بد من قولها، فأحار ~~بين عجزي واضطراري وتغلق أمامي الأبواب. لا لم أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير ~~الدخان، أقول لك يا مي، ولا أقول لسواك، إني إذا انصرفت قبل تهجئة كلمتي ولفظها، فإني ~~سأعود لأقول الكلمة التي تتمايل الآن كالضباب في سكينة روحي؛ أتستغربين هذا الكلام؟ إن ~~أغرب الأشياء أقربها إلى الحقائق الثابتة، وفي الإرادة البشرية قوة اشتياق تحول السديم فينا ~~إلى شموس! # وأخيرا ودع جبران الدنيا ورحل عن عالم الأحياء؛ أما مي فقد بقيت من بعده وحيدة، لقد ~~أضحت حياتها فراغا من كل شيء: فراغا من عطف الأبوة وحنان الأمومة، من صحبة الرفيق ونجوى ~~الصديق، من ألق الشهرة وفنون المجد، من رونق الصبا وهتاف المعجبين؛ وما كان أصدقها وهي ~~تعبر عن هذا الفراغ، في رسالة إلى نسيبها الدكتور زيادة فتقول: # إني أتعذب شديد العذاب يا جوزف، ولا أدري السبب، فأنا أكثر من مريضة وينبغي خلق تعبير ~~جديد، لتفسير ما أحسه في وحولي. إن هناك أمرا يمزق أحشائي ويميتني في كل يوم، بل في كل ~~دقيقة! لقد تراكمت علي المصائب في السنوات الأخيرة وانقضت علي وحدتي الرهيبة - التي هي ~~معنوية أكثر منها جسدية - فجعلتني أتساءل كيف يمكن عقلي أن يقاوم عذابا كهذا! وكان عزائي ~~الأوحد في محنتي هذه مكتبتي ووحدتي الشعرية، فكنت أعمل وأعمل كالمحكومة بالأشغال الشاقة، ~~لعلي أنسى فراغ مسكني، أنسى غصة نفسي، بل أنسى كل ذاتي! # وقفة متأملة عند بعض الصور التعبيرية في هذه الرسالة؛ لأن تلك الصور ما هي إلا اعترافات ~~نفسية لم تفصح عن مدلولها الكلمات؛ ما هو هذا «الأمر» الذي كان يمزق أحشاء مي، ويميتها في ~~كل يوم كما تقول؟ أليس هذا الأمر الذي يرمض جوانحها بالعذاب، هو ذلك «الشيء» الذي كانت تسأل ~~عنه جبران؟ أليس هو الشعور بأثر «الأنوثة المقتولة» التي حرمتها ms026 الرجل حبيب قلب وأنيس ~~وحدة وشريك حياة؟ ألا تسمعها وهي تشكو «فراغ المسكن» وتصور وحدتها الرهيبة، بأنها كانت ~~«معنوية أكثر منها جسدية»؟ لقد كانت وحدة نفس أكثر مما كانت وحدة جسد؛ لأن المرأة التي تقتل ~~فيها الأنوثة، قلما تحس ذلك القلق الناتج عن كبت الغريزة، وإنما الشيء الذي يكثر إحساسها به ~~من غياب الرجل هو فراغ الحياة! لقد كانت أضواء الشهرة تحول بين ناظريها وبين رؤية هذا ~~الفراغ، كما كانت صيحات الإعجاب تغطي على طنينه الضخم، كلما طرق السمع من حين إلى حين ... ~~وعندما أقبل اليوم الذي همدت فيه من حولها كل حركة، وخفت كل صوت وانطفأ كل بريق، تجلت لها ~~الدنيا على حقيقتها المفزعة، التي لا وهم فيها ولا خداع! # على ضوء هذا كله نستطيع أن نقول إن علاقة مي بجبران، لم تكن علاقة قلب وإنما كانت علاقة ~~فكر، وإن عاطفتها نحوه لم تكن عاطفة حب، وإنما كانت عاطفة إعجاب؛ ولقد كان جبران جديرا ~~بإعجابها وتقديرها وتفضيلها له على كل معاصريه من الأدباء؛ لأنه في رأينا ورأي الحق قد سبق ~~بفهمه لحقيقة الفن، ذلك الجيل الذي عاش فيه! إن الفن في جوهره كما قلنا عنه يوما ليس فهما ~~للحياة، يقف بنا عند حد الرؤية المادية والإثارة العقلية، حين تقوم هذه من تلك مقام النتيجة ~~من المقدمة أو مقام النهاية من البداية، وإنما هو إلى جانب هذا حركة في الوجود الخارجي ~~تعقبها هزة في الوجود الداخلي يتبعها انفعال، انفعال يحدث تلك المشاركة الوجدانية بين منتج ~~الفن وبين متذوق الفن، نتيجة لذلك الفناء الشعوري بين الفنان وبين مصدر التلقية الأولى ~~والإلهام الوليد. # | ملحمة نجيب محفوظ الروائية # 1 ~~«بين القصرين» عمل فني جديد ظفر أخيرا بجائزة الدولة؛ ونجيب محفوظ صاحب هذا العمل، ~~ظفر بتقدير النقد قبل أن يظفر بتقدير الدولة، منذ أن بدأت خطوط فنه الروائي تتجمع في ~~نقطتي ارتكاز رئيسيتين، لا بد من توافرهما لكل عملية انطلاق فنية، هدفها الوصول إلى ~~نقطة النهاية. عنصر المراقبة النفسية الدقيقة لشتى التجارب الجماعية المعاشة ms027 هي نقطة ~~الارتكاز الأولى لعملية الانطلاق الفني، حين تتركز هذه التجارب في بؤرة العدسة ~~اللاقطة، لتبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره؛ وانصهار الملكة القاصة في بوتقة الممارسة ~~المذهبية لكتابة العمل الروائي هي نقطة الارتكاز الثانية، حين تكون هذه الممارسة ~~تفاعلا ثقافيا واعيا مع المقاييس النقدية المتطورة، بحيث تنبثق من خلاله - أعني ~~هذا التفاعل - قيم الكاتب من الناحية الفنية. # إن أعمال نجيب محفوظ - على مدار نقطتي الارتكاز الأولى والثانية - تمثل نوعا من ~~التصاعد الهرمي الذي يتدرج من القاعدة ب «خان الخليلي»، و«القاهرة الجديدة» و«زقاق المدق»، ~~و«السراب» و«بداية ونهاية»، ثم ينتهي إلى القمة في «بين القصرين»، و«قصر الشوق»، و«السكرية»، وهي ~~الأجزاء الثلاثة التي تكون في مجموعها عمله الروائي الأخير، أو ملحمته الروائية ~~الجديدة. وإذا كان هذا التصاعد الهرمي لم يسجل تفاوتا كبيرا بين الأعمال الأولى ~~والعمل الأخير، من ناحية المستوى الفني للكاتب، إلا أنه قد سجل هذا التفاوت، من ناحية ~~الوعي الاتجاهي بين درجات التصاعد وقمته. # إن المستوى الفني عند نجيب محفوظ، ما يزال يحتفظ بمقوماته، فطريقته في رسم الأبعاد ~~النفسية للشخصيات، وأسلوبه في إبراز الأبعاد المكانية كإطار مادي للأحداث والمواقف، ~~وطابعه في اختيار النموذج الإنساني الرامز إلى المشكلة، هي التي تكون حتى اليوم، ~~الملامح الثابتة لشخصيته الروائية. وإذا كان هنا بعض التغير، فهو خاص بعرض المونولوج ~~الداخلي في صورة جديدة، قوامها تسجيل الحركة النفسية مباشرة قبل كل عملية تطوير موقفية، ~~ورسم الحدث من الداخل وليس من الخارج، كما فعل في تقديم اللحظة التي استشهد فيها فهمى، ~~بطل الجزء الأول من روايته الطويلة. # ولكن الخطوة الكبيرة الزاحفة كما قلنا، هي التي سجلها العمل الأخير من ناحية الوعي ~~الاتجاهي، الذي يمثل موقف الكاتب من مشكلات عصره؛ فبعد أن كان نجيب يقتطع المشكلة ~~الجماعية من واقع مرحلة زمنية واحدة، بحيث تمثل قطاعا عرضيا من قطاعات المجتمع في ~~جيل معين، بعد هذا اتسعت لديه دائرة العرض الفني، بحيث تركزت فيها مشكلات العصر على ~~امتداد أجيال ثلاثة، هي : الجيل الذي عاش قبل ثورة 1919، والجيل الذي عاصر ms028 تلك الثورة، ~~والجيل الذي جاء بعدها ومهد لتلك الانتفاضة الشعبية المتمثلة في ثورة 1952؛ ومن خلال ~~قطاع طولي ممتد، عبر الأجيال الثلاثة، استخدمت فيه شتى القطاعات العرضية، كروافد نهرية ~~تعين المجرى الرئيسي على الانطلاق، تبرز لنا أسرة السيد أحمد عبد الجواد تاجر البقالة ~~بالنحاسين، بما فيها من الأبناء والأحفاد، كرمز إنساني صادق لتطور المجتمع المصري في ~~تلك المرحلة التاريخية الطويلة، من مختلف الزوايا السياسية والاجتماعية ~~والفكرية. # وعندما نستعرض النماذج البشرية، التي يتألف منها الكيان الاجتماعي لهذه الأسرة التي ~~بدأت حياتها قبل ثورة 1919، نلمس أن لكل نموذج تركيبته النفسية التي تميزه وتوجه سلوكه ~~حيال الأحداث؛ فالسيد أحمد عبد الجواد، رب الأسرة، شخصية ازدواجية تمثل اتجاهين ~~متناقضين في الحياة؛ فهو من جهة: شعار واقعي لطبقة التجار الميسورين في جيله، وهي ~~الطبقة التي كانت تبحث عن المتعة الروحية والجسدية، وتمزج بينهما مزجا كاملا على ما ~~بين المتعتين من تفاوت صارخ؛ يملك الأذن الحساسة والشعور المرهف، لاستقبال الصوت ~~الإنساني المطرب والنغمة الموسيقية الشجية، ويسعى إلى مجالس الغناء والطرب، ويشارك فيها ~~إذا جاوزت النشوة عنده حدها المعقول؛ وهو من جهة أخرى يضيف إلى هذه المتعة الروحية، ~~متعة أخرى تتركز في اتجاهه الديني الذي يحرص عليه، إلى الحد الذي لا يتصور معه، أن مثله ~~قد يفكر يوما في ارتكاب المعصية، ومع ذلك فهو عبد خاضع يستلذ عبوديته لسلطان الغريزة، ~~بدافع الفتوة الجنسية التي كانت المباهاة، عند أبناء جيل عاش في فراغ هائل من تمثل ~~القيم الإنسانية الرفيعة، كنتيجة طبيعية للحرمان من توجيه الثقافة. وهو، ذلك المرح ~~العربيد خارج بيته، شخصية أخرى تتميز داخل البيت بالجد والوقار والاستبداد والعنف، حتى ~~تحول البيت أمام تقاليده الإرهابية إلى سجن مرهق، قيدت فيه - بالنسبة إلى نزلائه - حرية ~~السلوك والإرادة. # وأمينة - الزوجة - تمثل تركيبة نفسية أخرى، هي تركيبة الأكثرية المطلقة من بنات جيلها ~~المتزوجات؛ إنسانة - تبعا لفهم المجتمع المصري لوضع المرأة في ذلك الحين - لا تصلح ~~إلا للقيام بدورها المصنع الآدمي لإنتاج النسل، والبقاء كل فترات العمر خلف جدران ~~البيت، لتؤدي فروض ms029 الطاعة للزوج، على طريقة الجواري المجلوبات من سوق الرقيق. # وياسين - الابن الأكبر للسيد أحمد عبد الجواد من الزوجة الأولى المطلقة - شاب يعيش ~~على هامش الحياة كرمز معبر عن كل النماذج التي عاشت في جيله، ممثلة لتكرارية النسخ ~~العقلية المشوهة، حيث تكتفي هذه النسخ بقسط ضئيل من التعليم، لتواجه به المصير في ~~معركة الحياة؛ وهكذا ورث هذا الابن الأكبر - كاتب مدرسة النحاسين - ورث نظرة أبيه إلى ~~القيم الحياتية، حين تتركز هذه القيم في بؤرة إشباع الغريزة عن طريق السلوك الجنسي، هذا ~~السلوك الذي تلقى فيه ياسين - بحكم قانون الوراثة المزدوج - جانب الاندفاع فيه عن الأب ~~النزق، وجانب الانحطاط عن الأم المطلقة. # وفهمي - الابن الثاني لرب الأسرة، الشاب المثقف طالب الحقوق - هو النموذج الوحيد الذي ~~يمكن أن يتخذ عنوانا ضخما لتلك الانتفاضة العقلية المتوثبة التي وعت سطورها الشبيبة ~~المثقفة، وعكست أهدافها الجارفة على خط السير الكفاحي لثورة 1919. إن صورة هذه الشخصية ~~- كما رسمها نجيب محفوظ - تماما مع طبيعة الدور الذي قامت به: شاب هادئ، متزن، لا ~~يتكلم إلا بحساب، وتحت رماد الهدوء الخارجي، تختفي جمرات تنتظر اللحظة المناسبة، لتبهر ~~بوهجها كل العيون؛ وإنسان يغلف اتزانه بأثواب طبيعية من الطموح الحزين. لم يكن فهمي ~~يعيش من أجل ذاته، ولكنه كان يعيش من أجل المجموع؛ ولهذا علق على صورة سعد زغلول - ~~الرمز الكبير الخالد لكفاح الشعب - علق هذه الصورة على جدران فكره وشعوره. كان يدرك ~~الإمكانيات الرهيبة التي يملكها المستعمر، لمواجهة حركة شعبية عزلاء، يقودها زعيم أعزل؛ ~~من هنا كان الشعور بالحزن. ومع ذلك فقد كان طموحه يتفوق على حزنه، حين يمتلئ أملا في ~~أن تنتصر قوة الحق الأعزل على قوة الباطل المدججة بالسلاح. وفي سبيل القيم الإنسانية ~~الرفيعة التي عاش من أجلها فهمي، لقي بطل «بين القصرين» مصرعه في إحدى المظاهرات التي ~~نظمتها لجنة الطلبة التنفيذية، ابتهاجا بعودة الزعيم من منفاه. # وإذا ما انتقلنا إلى شخصية كمال الابن الأصغر، والطالب بمدرسة خليل أغا الابتدائية - ~~تصادفنا أخطر شخصية في العمل الروائي كله، بل أخطر ms030 شخصية رسمتها ريشة نجيب محفوظ على ~~الإطلاق. ولكننا لن نجد في «بين القصرين» إلا جذور هذه الشخصية، أو بداية نموها ~~الإنساني، فإذا ما انتقلنا إلى «قصر الشوق» و«السكرية» طالعتنا امتداداتها الفكرية ~~السامقة، التي تبرز لنا كل الأبعاد الموضوعية لتلك الأزمة، التي عاناها جيل كان من ~~أبنائه نجيب محفوظ، ومجموعة الذين استمدوا قيمهم الهادفة، من جلال الكلمة وقدسية ~~الثقافة، ثم عاشوا ليروا بأعينهم، كيف انهارت قيمهم تحت أقدام الرجعية السياسية ~~والاجتماعية. # ويبقى بعد ذلك من أفراد الأسرة ومن نماذجها البشرية، ابنتا السيد أحمد عبد الجواد؛ ~~وهما خديجة وعائشة، ولكل منهما اتجاهها السلوكي الناتج عن وجهة نظر نفسية إلى واقع ~~الحياة. # وعلى ضوء هذا الاتجاه السلوكي، الذي يميز كل شخصية من شخصيات العمل الروائي في «بين ~~القصرين»، يمكننا أن نحدد مفهوم الواقعية عند نجيب محفوظ؛ إنها واقعية النمط الإنساني ~~في إطار الأكثرية المطلقة، والمحافظة على تقديم هذا النمط، في حدود مستوياته النفسية ~~والعقلية، من خلال الخط الاتجاهي لسير الأحداث والمواقف. إن أسلوب نجيب في التعبير عن ~~المضمون الاجتماعي للمشكلة، هو أسلوب الواقعية الإيحائية، التي تحرص على نقل هذا ~~المضمون مرتبطا بالتزامية الصدق التاريخي، بحيث لا يخلو هذا الالتزام من عنصر الإيحاء ~~الفكري الخاص بوجهة نظر الكاتب الموقفية. ولا تعد وجهة النظر هنا - بالنسبة إلى طريقة ~~نجيب محفوظ - نوعا من أيديولوجية الواقع التي يلتزمها أصحاب الخط السياسي في أدب ~~القصة، حين يتدخلون بفلسفة معينة توجه المضمون الاجتماعي على أساس الرؤية العقائدية ~~لمجتمع مثالي لم يوجد في واقع الحياة، ولكنه ينبغي - تبعا لوجهة نظرهم - أن يوجد في واقع ~~الفن. # ومن خلال المنظار النقدي المحايد، تبدو لنا واقعية نجيب محفوظ، أكثر ضمانا لسلامة ~~العرض الفني بالنسبة إلى التجربة الجماعية؛ ذلك لأن تدخل الكاتب بفلسفة عقائدية معينة، ~~يفرضها على خط السير الاتجاهي للعمل الروائي، من شأنه أن يحجب رؤيتنا الداخلية ~~الحقيقية، للمستوى النفسي والعقلي لكل شخصية من الشخصيات؛ وفي هذا الجو الضبابي لا ~~نستطيع إلا أن نلمح غير شبح الكاتب؛ لأنه يقف حائلا بيننا وبين الآخرين. ms031 # من هنا يبدو أحمد عبد الجواد، وأمينة، وياسين، وكمال، وبقية أفراد الأسرة يبدو كل ~~منهم حيال الأحداث التي تمر بهم، على حقيقة مستوياتهم النفسية والعقلية؛ إنهم حيال ~~أحداث الثورة مثلا أنماط واقعية متباينة: فبينما نجد فهمي بحكم وعيه وثقافته وإدراكه ~~لقيمة اللحظة الصاعدة التي تصنع الحاضر والمستقبل، دائم الثورة على الاستعمار، دائم ~~التقديس لكفاح سعد زغلول، مضحيا بنفسه في النهاية من أجل أهدافه ومبادئه، نجد في ~~الأطراف الأخرى المقابلة: أمينة، وهي لا تكف عن دعاء الله أن ينشر السلام، ويصفي قلوب ~~المصريين والإنجليز، والأب وهو قانع دائما من وطنيته بالمشاركة الوجدانية، دون الإقدام ~~على عمل يغير وجه الحياة، ثم وهو يحاول أن يستغل سلطته الأبوية الرهيبة، في تجميد كل ~~الخطوات الزاحفة لفهمي في طريق الكفاح، ولتنمحي الثورة في منطق الأنانية، طالما كان ~~الخطر بعيدا عن أبنائه؛ ونرى ياسين وهو يعلق على الأحداث بأسف هادئ، لا يمنعه من ~~مواصلة حياته المعتادة، والسهر حتى منتصف الليل في أوكار العاهرات؛ وإحدى فتيات الأسرة ~~وهي تصب سخطها على سعد زغلول؛ لأنه في رأيها سبب هذا الشر كله، ولولاه لعاش هو وعاش معه ~~بقية المصريين في دعة وسلام؛ أما صغير الأسرة كمال، فكل ما يعنيه من تلك الأحداث هو ~~أن الجنود الإنجليز، في معسكرهم القائم أمام البيت يحتفون به ويداعبونه ويقدمون له قطع ~~الشيكولاتة، كلما أطرب آذانهم بصوته الطفولي الحبيب؛ وبهذا الأسلوب من الواقعية ~~الإيحائية، لا يحول المؤلف بيننا وبين رؤية السلوك الاتجاهي لكل شخصية من شخصياته؛ ~~لأنه يضعنا وجها لوجه - دون أن يتدخل - أمام مستويات التفكير الحقيقية لتلك ~~الشخصيات. # ونجيب محفوظ يقدم الشخصية المرسومة أحيانا بطريقة جديدة، يقدم إلينا النموذج ~~الإنساني في موقف من المواقف وكأنه مرآة ذات وجهين، يعكس أحدهما صورة الوجود الداخلي ~~للنموذج نفسه، بينما يعكس الوجه الآخر صورة أخرى لنموذج إنساني مغاير، يشترك مع النموذج ~~الأول في التقاء الخطوط النفسية المنطلقة من نقطة ارتكاز الحدث. إننا نرى أحمد عبد ~~الجواد مرة من خلال أمينة، ونراه مرة وكأنه واجهة عرض مزدوجة؛ فإذا ms032 ما فكر ياسين مثلا ~~في شخصية أبيه، وإذا ما فكرت أمينة في تلك الشخصية؛ تحول كل منهما - إلى واجهتي عرض: ~~إحداهما أمامية تلمح من ورائها صورته النفسية الأصيلة، والأخرى جانبية تطالعنا بالصورة ~~المقابلة التي تتفق معها أو تختلف، في مدى التأثر بواقع التجربة الإنسانية ~~المعاشة. # 2 # مفهوم السلبية والإيجابية في العمل الفني، من أي زاوية يمكن أن ينظر إليه؟ الواقع أن ~~هذا المفهوم يحتاج إلى تحديد. إن شخصية فهمي مثلا - كما رسمها نجيب محفوظ - شخصية ~~تخيرت طريقها بأسلوب إرادي صارم، ورسمت لهذا الطريق بداية واعية صاعدة، كانت نهايتها ~~أشبه بعملية تتويج بطولية، لمجموعة من خطوات النضال الهادف؛ وإزاء هذا التحديد ~~الاتجاهي للشخصية الإنسانية، يبدو نجيب محفوظ - على ضوء الرؤية النقدية عند بعض النقاد ~~- كاتبا واقعيا تتميز واقعيته بالطابع الإيجابي، الذي ينبغي للروائي أن يلتزمه عند ~~تصوير الشخصيات، والإيجابية المقصودة مصدرها أن فهمي بطل «بين القصرين»، لم يكن سلبيا ~~في مواجهة المشكلات، ولم يكن سلبيا في مواجهة الموت؛ على عكس بعض الشخصيات الأخرى ~~كحسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، حين عالج كل منهما مشكلته بالانتحار، وهو - على ضوء ~~تلك الرؤية النقدية عند هؤلاء النقاد - موقف هروبي بالنسبة إلى المشكلة؛ لأن الانتحار - ~~بمضمونه النفسي والإنساني - ما هو إلا عملية إنهاء سلبية لحياة غير هادفة؛ ومن هنا ~~يتهم نجيب محفوظ بأنه لم يكن في عمله الروائي السابق، كاتب الواقعية الإيجابية كما ظهرت ~~بنسيجها المحكم، في الجزء الأول من روايته الأخيرة «بين القصرين»؛ وقد يتهم مرة أخرى ~~بأنه كان سلبيا بالنسبة إلى بعض المواقف، التي أبرز من خلالها أخطر شخصية رسمتها ~~ريشته، وهي شخصية كمال بطل «قصر الشوق» و«السكرية». # من هنا كان مفهوم السلبية والإيجابية يحتاج إلى تحديد. إن الحكم بسلبية العمل الفني ~~أو إيجابيته، يجب أن يستمد من موقف الكاتب نفسه، وليس من موقف الشخصية المرسومة؛ من ~~الموقف «التأثيري» لذلك الكاتب وليس من الموقف «السلوكي» لهذه الشخصية. فقد يكون الكاتب ~~- من ناحية التأثير الانفعالي في قرائه - إيجابي الهدف، حين تكون الشخصية التي يرسمها ~~سلبية ms033 السلوك أو سلبية الاتجاه، وعلى العكس؛ إذا لم يستطع الكاتب أن يفجر في وجودنا ~~الداخلي تلك الطاقة الانفعالية، فهو كاتب سلبي على الأساس التحديدي للسلبية التأثيرية. ~~إن الكاتب الإيجابي الهادف هو الذي يفتح عيون الطبقات على مشكلاتها، وذلك عن طريق تجسيم ~~هذه المشكلات بأي أسلوب من أساليب العرض، ولن تتم هذه العملية التجسيمية، إلا إذا ~~استطاع الكاتب أن يصب المشكلة في نفوس قرائه، وأن يملأ وجودهم الداخلي بكل عنصر من ~~عناصر الإثارة. وفي رأينا أن نجيب محفوظ، قد حقق هذا الهدف الإيجابي، وهو يدفع حسنين ~~ونفيسة إلى الانتحار في «بداية ونهاية»، ثم وهو يدفع بكمال إلى هاوية التردد والحيرة ~~والكفر بالقيم، في بعض المواقف من «قصر الشوق» و«السكرية». # لقد كانت المشكلة التي دار حولها نجيب بمجموعة الأحداث والمواقف في «بداية ونهاية» هي ~~مشكلة الفقر، في مجتمع إنساني متخلف لا ضمان فيه؛ فإذا انحرفت نفيسة عن طريق الشرف ~~لتمارس الخطيئة «ضمانا» للقمة العيش، وإذا تحول حسن عن الحياة النظيفة ليعيش في كنف ~~العاهرات؛ «ضمانا» لاستمرار بقائه، وإذا اضطر حسنين أن يعتمد على صدقات أخيه البلطجي، ~~«ضمانا» لاستكمال تعليمه بالكلية الحربية، وإلى أن يحكم بعد ذلك على أخته وعلى نفسه ~~بالموت؛ «ضمانا» لإنقاذ سمعته بعد أن أصبح محترما في المجتمع، فتلك هي الواقعية ~~الإيحائية التي يلتزمها نجيب محفوظ؛ إنه هنا يبدو إيجابيا من خلال المواقف السلبية ~~لشخصياته؛ لأن هدفه الإيحائي من وراء هذه العملية التجسيمية، هو أن يفتح عيوننا على ~~الواقع البشع للمشكلة، وكأنه في موقف المحتج - الذي يدفعنا معه إلى الاحتجاج - على ~~مجتمع تعود أن يرغم بعض أفراده - تبعا لخلوه من ضمان للحياة الشريفة، على أن يلتمسوا ~~تلك الضمانات المنحرفة، التي تتفق مع منطق الفقر والحاجة، وتعود أن يقنع البعض الآخر أن ~~الموت - بالنسبة إلى حياتهم القاسية - يعد طريقا من طرق الخلاص. # هذه الواقعية الإيحائية التي التزمها الكاتب في «بداية ونهاية»، هي التي تطالعنا مرة ~~أخرى - بوجهها الإيجابي - من خلال بعض المواقف السلبية لشخصية كمال في «قصر الشوق»؛ إن ~~كمال يبدو ms034 لنا أكثر من واجهة عرض مزدوجة، إنه مجموعة من واجهات العرض المتداخلة، التي ~~قدم نجيب محفوظ من وراء زجاجها الشفاف، مختلف الخيوط الناسجة لمشكلات جيل مأزوم، لم ~~تستطع صحته النفسية أن تقاوم أمراض مجتمع فاسد؛ إنه الجيل الذي عاش من بعد ثورة 1919 ~~إلى ما قبل 1952. لقد بدأ كمال حياته وهو صحيح النفس، كان امتدادا طبيعيا لفهمي، حين ~~ورث عنه إيمانه بكل القيم الرفيعة، وحين اقتبس منه أشرف جوانب شخصيته، وحين اختار نفس ~~الطريق الذي سار فيه. فإذا ما تعثرت خطوات كمال، بعد أن دميت قدماه تحت صدمات الصخور ~~المعوقة، وإذا ما شك في قيمة قيمه التي آمن بها، بعد أن رأى مثله العليا تنهار تحت ~~أقدام الرجعية السياسية والاجتماعية، فتلك هي اللحظات الموحية، التي تتيح لنا رؤية ~~الموقف الاحتجاجي للكاتب، من خلال التصوير المجسم لواقع مجتمع مريض. إننا نستطيع أن ~~نحدد مفهوم الإيجابية الموقفية للكاتب الروائي، بمدى نجاحه في هز وجودنا الفكري بالقلق؛ ~~القلق الذي يصبح عملية بدء موجهة، لكل محاولة جماعية لتغيير الأوضاع، ويستطيع الكاتب ~~- من خلال لحظات الضعف في حياة أبطاله - يستطيع أن يصب في نفوسنا هذا القلق، حين يربطنا ~~بهذا الضعف ربطا شعوريا، عماده تصور المشكلة بأنها ليست مشكلة فرد، ولكنها مشكلة ~~مجموع. # إن نجيب محفوظ - بقسوته المسرفة على بعض أبطاله - يذكرنا بالكاتب الفرنسي مورياك ... ~~لقد سئل مورياك مرة: لماذا تسرف في القسوة على أبطالك؟ فأجاب: ليزداد القارئ عطفا ~~عليهم؛ والواقع أن هذا هو المفتاح، مفتاح الغرفة النفسية الكبيرة التي يضعنا فيها كل ~~من مورياك ونجيب محفوظ، ونعني بها غرفة الشعور بالعطف والرحمة، إزاء لحظات الضعف في ~~حياة الآخرين. إن عطفنا على حسنين ونفيسة في «بداية ونهاية»، وعلى كمال في «قصر الشوق» ~~هو وليد ذلك التأثر الانفعالي، الناتج عن تقديرنا بأن القوى المعوقة التي اعترضت طريق ~~حياتهم كانت - بالنسبة إلى إمكانياتهم الكفاحية - أكبر من أن تقاوم. ومما يعمق مجرى ~~الشعور بالعطف على هؤلاء الأبطال، إحساسنا بأننا لو وجدنا في ظروف قاسية كظروفهم، ~~فربما سرنا مثلهم في ms035 نفس الخط، وتعرضنا مثلهم لنفس المصير، ومن هنا نمتلئ عطفا عليهم، ~~بل وثورة من أجلهم. والكاتب الإيجابي الهادف، هو الذي يستطيع أن يكسب لأبطاله - سواء ~~كانوا إيجابيين أو سلبيين - يستطيع أن يكسب لهم من إدراك قرائه تلك اللحظات المضيئة ~~بالعطف والثورة. # كمال في «قصر الشوق» - وكما رسم نجيب محفوظ شتى الأبعاد النفسية لشخصيته - لم يكن ~~يمثل نفسه، بل كان يمثل جيلا من المثقفين وعى رسالته، وحدد دوره، ورسم لنفسه بداية ~~الطريق؛ ولكن عوامل كثيرة - عرضها الكاتب من خلال العمل الفني في «السكرية» - قد عوقت ~~هذا الجيل وأزمت وجوده؛ لأنها كانت أضخم من قدرته النضالية على تغيير الأوضاع: فانتكاس ~~الحركة الوطنية بعد موت سعد، وتزييف الإرادة الجماعية بواسطة زعماء الأقليات طمعا في ~~الحكم، وتآمر القصر مع الاستعمار لخنق انتفاضات الشعب، ورواسب الصراع الطبقي في الوجود ~~الإنساني للبرجوازية الصغيرة، وانهيار قيم الفكر والثقافة في مجتمع، سيطر عليه ~~الانحلال الخلقي وخلا من تكافؤ الفرص؛ كل هذه القوى المدمرة هي التي صنعت جذور الأزمة ~~النفسية لجيل المثقفين بعد ثورة 1919. ولقد كان كمال هو الرمز الكبير، الذي رأينا من ~~خلاله جذور الأزمة في «قصر الشوق»، وامتداداتها الرهيبة في «السكرية». # إن المشاهد التي تقدم لنا كمال - كشخصية متماسكة تمثل المضمون الثوري للإنسان - هي ~~تلك التي يعرضها نجيب محفوظ من خلال الأحداث والمواقف في «قصر الشوق». هو ثائر على رأي ~~أبيه، الذي يريد له أن يلتحق بمدرسة الحقوق، ليكون في المجتمع من أصحاب النفوذ؛ ولهذا ~~قرر أن يلتحق بمدرسة المعلمين، ليتخذ من تعلم اللغات الأجنبية معبره الحقيقي إلى شتى ~~الثقافات. ومن خلال هذا المشهد الثوري، نرى كمال وهو يقول لصديقه فؤاد: «وا أسفاه! إن ~~والدي كأكثر الناس ممن يهيمون بالمظاهر الزائفة؛ الوظيفة، النيابة، القضاء؛ هذا كل ما ~~يهمه، لست أدري كيف أقنعه بجلال الفكر والقيم السامية، الجديرة بأن ينشدها الإنسان من ~~هذه الحياة!» ويقول فؤاد: «قيم جليلة من غير شك، ولكن أين البيئة التي ترفعها إلى ~~المنزلة اللائقة بها؟» ويرد كمال في إصرار نبيل: «لا يمكنني أن ms036 أنبذ عقيدة سامية لا ~~لشيء، إلا لأن من حولي لا يؤمنون بها!» # هذا المشهد يقدم لنا إنسانا مثاليا يؤمن بدور الثقافة، يؤمن بدورها في حياة الفرد ~~والمجموع؛ ومن نافذة قيمه الثقافية الجديدة، أطل على كثير من قيم الأمس الممتدة على ~~حدود الرؤية العقلية، وأطلق عليها ثورته؛ ثار على سلطة الأب المستبد، كان بالأمس يخاف ~~هذا الأب، أما اليوم فبعد أن قرعت يداه أبواب عابدين في المظاهرة الكبرى، التي تحدت ~~الملك هاتفة: «سعد أو الثورة ...» فتراجع الملك واستقال سعد من الاستقالة. أما بعد ذلك فلن يذعن لقوة ~~الخوف، إنه وهم كسائر ما امتحن به من أوهام. وثار على جهل أمه كما ثار من قبل على ~~استبداد أبيه، لا بالتحدي والعصيان، ولكن بالتحرر من قيد أفكارهما الموجهة؛ ويقول كمال ~~مخاطبا نفسه: «أبي هو الفظاظة الجاهلة، وأمي هي الرقة الجاهلة. إن جهلك يا أمي هو الذي ~~ملأ حياتي بالأساطير، فأنت همزة الوصل بيني وبين عالم الكهوف، وكم أشقى اليوم في سبيل ~~التحرر من آثارك، كما سأشقى غدا في سبيل التحرر من أبي!» # ثار مع الشعب على القصر، وثار وحده على الأب، أما ثورته على الأم؛ فلأنها قد غرست في ~~تربة نفسه منذ الطفولة، بذور مفهوم خرافي عن الدين؛ وما لبث أن ثار على هذا المفهوم ~~الخرافي، الذي ربطه بعالم الكهوف. واتسع بعد ذلك الحيز النفسي لثورته، فشمل زعماء ~~الأقلية الذين تعاونوا مع الاستعمار والقصر، كان الوفد «عقيدة تلقاها عن فهمي، واقترنت ~~في قلبه باستشهاده وتضحيته!» # هذا الاتجاه الشعبي لبطل «قصر الشوق»، يبرز لنا من خلال المناقشات المحتدمة في ~~السياسة، بين كمال وبين مجموعة من أصدقاء المدرسة الأرستقراطيين. كانوا بحكم نشأتهم ~~الأرستقراطية المنعزلة، يتعالون على الشعب، وإذا ما تكلموا عنه فكأنما يتكلمون عن شعب ~~غريب. أما هو - ذلك المنحدر من صلب الشعب - فكان يدافع عنه ويقف إلى جنبه، وفي شخص ~~زعيمه سعد زغلول، ومن هنا - وفي كل معركة كلامية تنشب بينه وبينهم، يصبح هو مندوب سعد ~~ويصبحون هم مندوبي عدلي وثروت ومحمد محمود. كان ms037 أحدهم مثلا يناقشه بهذا المنطق: «إذا ~~كان سعد وعدلي سيين عندي في الناحية السياسية، فإنني لا أراهما كذلك كرجلين؛ لا يمكن ~~أن أتجاهل ما يمتاز به عدلي من كريم الأصل، وعظيم الجاه والثقافة، أما سعد؛ فما هو إلا ~~أزهري قديم.» ويقول له الآخر: «ليست الوطنية عند سعد إلا نوعا من البلاغة تستهوي ~~العامة.» وينفجر كمال في غيظ وسخرية: «إن الذين تؤمنون بهم ليسوا إلا خونة، ليسوا إلا ~~طبقة من الإنجليز المطربشين؛ أنتم تقللون من شأن الكلام كأنه لا شيء، الحق أن أخطر ما ~~تمخض عنه تاريخ البشرية من جلائل الأمور، يمكن إرجاعه في النهاية إلى كلمات، الكلمة ~~العظيمة تتضمن الأمل والقوة والحقيقة، نحن نسير في الحياة على ضوء كلمات. على أن سعدا ~~ليس صانع كلمات فحسب، إن سجله حافل بالأعمال والمواقف؛ ولست في حاجة إلى أن أذكركم ~~بأن العظمة شيء غير الفقر والغنى، وغير العمامة والطربوش!» # نجيب محفوظ يقدم الصراع هنا في صورة مزدوجة: الصراع السياسي والصراع الطبقي، في مجال ~~واحد متشابك الخطوط؛ حسين شداد ابن المليونير صنيعة الخديو، وحسن سليم ابن المستشار ~~صنيعة أحزاب الأقلية في جانب، وكمال أحمد عبد الجواد ابن تاجر البقالة بالنحاسين في ~~الجانب الآخر؛ أو عدلي وثروت في طرف، وفي الطرف المقابل سعد زغلول، الأرستقراطيون ~~يواجهون الشعب، والصراع حول كرم الأصل وشرف المنبت والفوارق الشاسعة بين طبقتين. ويبلغ ~~الصراع قمته حين يفصح كمال عن حبه لعايدة أخت حسين شداد، ويكشف عن رغبته في أن تكون ~~زوجة له؛ لقد هزم الشعب في المعركة، وخرج منها ودماؤه تنزف، لقد سخرت عايدة من أوهام ~~كمال، وتزوجت من ابن طبقتها حسن سليم؛ فضلت ابن المستشار على ابن تاجر البقالة؛ وكانت ~~نقطة تحول ضخمة في خط السير النفسي لكمال، تناولها نجيب محفوظ - من خلال العمل الفني في ~~«السكرية» - كبداية لأثر الصراع الطبقي في أزمة جيل عاش في مجتمع مريض! # 3 # في آخر صفحة من «قصر الشوق»، يرسم لنا نجيب محفوظ خط اتجاه نفسي جديد لشخصية كمال، ~~وهو يتلقى الصدمة الثانية ms038 بموت زعيمه وزعيم الشعب: سعد زغلول؛ كان خط الاتجاه النفسي ~~الأول، حين ركز كل اهتمامه العاطفي في حب فتاة من طبقة غير طبقته، ثم خرج من هذا الصراع ~~الطبقي وهو مهزوم؛ لقد فقد في الصدمة الأولى حبه العاطفي، وفقد في الصدمة الثانية حبه ~~القومي، وكلاهما كان نقطة ارتكاز موجهة لأبرز انطلاقات السلوك الفكري والموقفي بالنسبة ~~إلى شخصية كمال في «السكرية»، وهي الجزء الأخير من هذه الرواية الطويلة «ومات سعد» ... ~~المنفى والثورة والحرية والدستور مات صاحبها، كيف لا يحزن وخير ما في روحه من وحيه ~~وتربيته؟! وماتت عايدة؛ بمعنى أنها خرجت من حياته. الموت حادث نسبي، مضمونه الشعوري ~~بالنسبة إلينا هو أن يخرج من حياتنا إنسان نحبه؛ ولقد هز موتهما - موت حبه القومي ~~وموت حبه العاطفي - جانبا كبيرا من قيم وجوده: الأمل والتفاؤل، والخطوة الزاحفة إلى ~~المستقبل، فوق معبر من الطموح والثقة بالنفس. # صورة طبيعية لشخصية إنسانية صميمة، لونها نجيب محفوظ، دون أن يلجأ إلى افتعالية ~~الرتوش؛ إنه يقدم إلينا عنصر التبرير الموضوعي لتحول هذه الشخصية من موقف إلى موقف. ~~أقوى الأقوياء لا تخلو حياتهم من لحظات الضعف، ولكن افتعالية الرتوش هي التي تظهر لنا ~~الصورة الإنسانية، وقد خلت من ألوان تلك اللحظات، وكأن الإنسان آلة تسيرها قوة منظورة ~~إلى طريق مرسوم. نجيب محفوظ - كدارس سيكولوجي واجتماعي من خلال العمل الروائي - لا ~~يتورط في فرض تلك الآلية على أبطاله، ومن هنا تبدو شخصياته وهي بعيدة عن قابلية التحول ~~من موجات نفسية تندفع وتنحسر في نهر الحياة، إلى دمى خشبية تفرض عليها الأصابع المحركة ~~أن تتخذ أوضاعا معينة! # في الفصل الرابع من «السكرية» نرى كمال وهو يندفع مع الجموع الشعبية إلى سرادق ~~الاحتفال بعيد الجهاد الوطني، «كان هذا ثامن عيد يشهده، وكان كالآخرين قد امتلأ بمرارة ~~التجارب السياسية التي خلفتها الأعوام السابقة، والأعوام التي تلت موت سعد، وقال لنفسه ~~وهو يستعيد ذكريات تلك المرارة: لقد عاصرت عهد محمد محمود، الذي عطل الدستور ثلاث ~~سنوات قابلة للتجديد واغتصب حرية الشعب، كما عشت سنين ms039 الإرهاب والعهر السياسي، التي ~~فرضها إسماعيل صدقي على البلاد؛ كان الشعب يثق في قوم ويريدهم حكاما له، ولكنه كان ~~يجد فوق رأسه دائما أولئك الجلادين البغضاء، تحميهم هراوات الكونستبلات الإنجليز ~~ورصاصهم، وسرعان ما يقول له بلغة أو بأخرى: أنت شعب قاصر ونحن الأوصياء؛ والشعب يخوض ~~المعارك دون توقف، فيخرج من كل معركة وهو يلهث، حتى اتخذ في النهاية موقفا سلبيا ~~شعاره الصبر والسخرية، فخلا الميدان إلا من الوفديين من ناحية والطغاة من ناحية أخرى، ~~وقنع الشعب بموقف المتفرج وراح يشجع رجاله في همس، دون أن يمد لهم يدا. إن قلبه لا ~~يستطيع أن يتجاهل حياة الشعب، إنه يخفق معه دائما، رغم عقله التائه في ضباب ~~الشك!» # من خلال هذا التسجيل النفسي والتاريخي، يتخذ نجيب محفوظ من شخصية بطله كمال، إحدى ~~اللافتات المضيئة التي تشير إلى منعطفات الدروب الاتجاهية، بالنسبة إلى جيل بدأت ~~خطواته وهي ثابتة، ثم انتهت وهي متعثرة؛ لأن رصيده من أسلحة المقاومة لم يكن متكافئا ~~مع رصيد أعدائه من أسلحة القمع والإرهاب. وفي ضوء هذه اللافتة، نرى كمال وقد بدأ ~~يتأزم، نراه وقد بدأ إيمانه بالقيم يهتز؛ هذا الشعب الذي استكان للطغاة في سلبية ~~مثيرة، أهو ذلك الشعب الذي كان يلتقي به في عيد الجهاد الوطني، فيذكره هديره العاصف بأن ~~في «مكتبته - أي مكتبة كمال - أصدقاء قليلين ممتازين مثل دارون وبرجسون ورسل، وفي هذا ~~السرادق ألوفا من الأصدقاء يبدون بلا عقول، ولكن يتمثل في مجتمعهم شرف الغرائز ~~الواعية، وليسوا في النهاية دون هؤلاء المفكرين خلقا للحوادث وصنعا للتاريخ؟!» إن ~~إيمان كمال بالشعب بدأ يعتريه الشك؛ وزحف الشك بعد ذلك إلى إيمانه بالعلم وبالفلسفة، ~~لقد أصبح من رأيه أن «الفلسفات قصور جميلة، ولكنها لا تصلح للسكنى.» أما العلم فقد غدا ~~من خلال رؤيته العقلية: «دنيا مغلقة من حولنا، لا نعرف إلا بعض نتائجها القريبة، لقد ~~اطلع على آراء نخبة من العلماء، يرتابون في مطابقة الحقيقة العلمية للحقيقة الواقعية، ~~وآخرين ينوهون بقانون الاحتمال، وغيرهم ممن تراجعوا عن ادعاء الحقيقة المطلقة؛ ms040 فلم ~~يلبث أن حرك رأسه مرتابا!» # كان له إيمانه الديني ثم إيمانه بالحقيقة، ولم يلبث الله أن خرج من عالم كمال، ولم ~~يلبث أن خرج بعده رسل وبرجسون وإسبينوزا ودارون؛ ويقول له صديقه عبد العزيز الأسيوطى ~~صاحب مجلة «الفكر الحر»، التي يشارك في تحريرها ببحوثه ودراساته: «أنت أعزب في فكرك كما ~~أنت أعزب في حياتك!» ويقول كمال لنفسه: «ترى أكانت عزوبته نتيجة لفكره، أم كان فكره ~~نتيجة لعزوبته، أم أن الاثنين كانا نتيجة لشيء ثالث؟!» # في هذا المنولوج الداخلي الموجز، يقدم نجيب محفوظ خريطة المعالم النفسية لأزمة بطله ~~كمال، وعلى امتداد الخطوط في هذه الطريقة، نستطيع أن نحدد تضاريس تلك الأزمة، التي صنعت ~~شتى الاتجاهات الأخيرة لشخصيته؛ إن مضمون الفكر الأعزب والحياة العزباء، هو في جوهره ~~مضمون الوحدة المقلقة، وهذه الوحدة كما تساءل كمال بينه وبين نفسه - كانت نتيجة لشيء ~~ثالث، والشيء الثالث كان في ضوء الواقع شيئين: لقد هزم الشعب - بعد موت سعد - في صراعه ~~القومي ضد الأقلية والاستعمار والقصر، وهزم هو - أي كمال - في صراعه الطبقي ضد «عايدة». ~~ومن هنا، من هذين المنبعين الرئيسيين، انبثق تيار الأزمة العقلية والنفسية، جارفا ~~معه إيمان كمال بأكثر ما اعتنقه من قيم، وتدفقت بعد ذلك في حياته تيارات أخرى من منابع ~~جديدة، عمقت مجرى الأزمة وجسمت معالم المشكلة. لقد سيطر الانحلال الخلقي على المجتمع، ~~وأصبح المنحلون أخلاقيا - من أمثال رضوان ابن أخيه ياسين - هم أصحاب الحظوة والنفوذ ~~لدى المسئولين من رجال الحكم، أما هو - الإنسان الجاد الذي كان مرتبطا في حياته بقيم ~~ومبادئ - فقد بقي مدرسا مغمورا يلقن مبادئ اللغة الإنجليزية لتلاميذه الصغار، واستمر ~~موظفا لم يتخط بعد عشرة أعوام من العمل المرهق حدود الدرجة السادسة. وحين يتقرر نقله ~~إلى أقاصي الصعيد لا يجد من يتوسط له ويبقيه في القاهرة غير ابن أخيه الناعم المنحل ~~الذي لا يعرف مبادئ الشرف؛ وماذا كانت النتيجة التي خرج بها من إيمانه بالثقافة؟ لقد ~~أدرك أخيرا أن الثقافة لا كرامة لها في بلده! إن أخاه الجاهل ms041 ياسين - بفضل المكانة ~~المرموقة لنجله المنحرف - قد سبقه في ميدان المكاسب المادية من وظائف الحكومة؛ وصديقه ~~فؤاد - ابن جميل الحمزاوي الذي كان عاملا في محل أبيه السيد أحمد عبد الجواد - أصبح ~~يخاطب رب نعمته بلغة التعالي والكبرياء، وقد وضع ساقا على ساق؛ لأنه اليوم وكيل ~~للنيابة بعد أن تخرج في مدرسة الحقوق أو مدرسة النفوذ، ولم يتخرج كما فعل هو في مدرسة ~~المعلمين أو مدرسة الثقافة؛ والدراسات الجادة العميقة التي كان ينشرها في مجلة «الفكر ~~الحر»، لم تجد من يقدرها في مجتمع تسوده في ميدان الفكر والخلق والسياسة كل أسباب ~~التدهور! # ويقول له صديقه رياض قلدس الكاتب القصصي، الذي كان يشاركه في تحرير تلك المجلة: «إنك ~~تعاني أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار ~~الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثي لك؛ إنك توحي إلي بشخصية الرجل الشرقي الحائر بين ~~الشرق والغرب، الذي دار حول نفسه كثيرا حتى أصابه الدوار!» ويقول كمال لنفسه وقد تفجر ~~في داخله أحد المنبعين الرئيسين لأزمته: «يتكلم عن الشرق والغرب؛ ولكن من أين له أن ~~يعرف عايدة؟ قد تكون التعاسة متعددة الجوانب.» # هل انتهى كمال، الشخصية المصرية الصميمة، المعبرة عن واقع جيل مأزوم، والتي انتزع لها ~~نجيب محفوظ - من خلال لحظات ضعفها النبيل - كل ما في نفوسنا من إيجابية الثورة على ~~مجتمع بشع، تعود أن يحطم أروع ما يستقر في نفوس أفراده من إيمان بالقيم؟! # لقد انتهى كمال ليبدأ من نقطة النهاية؛ ليبدأ في شخصية أخرى رسمها نجيب، لتكون واجهة ~~عرض جديدة للجيل المتطور؛ الذي مهد لثورة 1952، إنها شخصية أحمد شوكت، المكافح الشاب ~~صاحب الأفكار التقدمية، المعبر عن انتفاضة الشعب الناطقة بعد صمت طويل؛ انتهى فهمي ~~ليبعث في كمال، وانتهى كمال ليبعث في ابن أخته أحمد، من خلال قطاع طولي ممتد عبر العمل ~~الروائي على مدار الأجزاء الثلاثة، ومن وراء الزجاج الشفاف لواجهة العرض الجديدة، نلمح ~~مجموعة القيم العقائدية لشخصية أحمد شوكت. ~~«إن الوفد حزب الشعب، وهو خطوة تطورية ms042 وطبيعية في آن؛ كان الحزب الوطني حزبا ~~تركيا دينيا رجعيا، أما الوفد فهو مبلور القومية المصرية ومطهرها من الشوائب، إلى ~~أنه مدرسة الوطنية والديمقراطية. ولكن المسألة أن الوطن لا يقنع ولا ينبغي له أن يقنع ~~بهذه المدرسة؛ نريد مرحلة جديدة من التطور، نريد مدرسة اجتماعية لأن الاستقلال ليس ~~بالغاية الأخيرة، ولكنه الوسيلة لنيل حقوق الشعب الدستورية والاقتصادية والإنسانية. أما ~~الأدب فهو وسيلة من وسائل التحرير الكبرى، ولكنه قد يكون وسيلة للرجعية، فمن الأزهر ~~ودار العلوم خرجت آداب مرضية عملت أجيالا على تجميد العقل والروح؛ والعلم أساس الحياة ~~الحديثة؛ ينبغي أن ندرس العلوم وأن نتشبع بالعقلية العلمية، الجاهل بالعلم ليس من سكان ~~القرن العشرين ولو كان عبقريا. وعلى الأدباء أن ينالوا حظهم منه. لم يعد العلم وقفا ~~على العلماء، أجل لهؤلاء التضلع والتعمق والبحث والكشف، ولكن على كل مثقف أن يضيء نفسه ~~بنوره وأن يعتنق مبادئه ومناهجه؛ ادرس الآداب كما تشاء، ولكن لا تنس العلم الحديث، ولا ~~يجب أن تخلو مكتبتك - إلى جانب شكسبير وشوبنهور - من كونت ودارون وفرويد وماركس وإنجلز، ~~لتكن لك حماسة أهل الدين، ولكن ينبغي أن تذكروا لكل عصر أنبياءه؛ وأن أنبياء هذا العصر ~~هم العلماء!» # هذه الأفكار والمبادئ تلقاها البطل الثاني للسكرية، عن أستاذه عدلي كريم رئيس تحرير ~~مجلة «الإنسان الجديد»، وسرعان ما آمن بها، واستقرت جذورها في أعماقه، واتخذ منها شعاره ~~القومي والإنساني في معركة المصير؛ ولقد كان أحمد شوكت معجبا بخاله كمال، ككاتب يمثل ~~الطبقة المثقفة في جيله، ولكنه يتلقى من زميلته سوسن حماد - الصحفية المستنيرة التي ~~أصبحت فيما بعد شريكة حياته - يتلقى من نقدها الموضوعي لموقف كمال الثقافي، ما يضيف إلى ~~وجوده الفكري مزيدا من اللحظات المضيئة؛ إن كمال الكاتب، من خلال المنظار النقدي ~~لسوسن: «واحد من الذين يهيمون في تيه الميتافيزيقيا؛ إنه يكتب كثيرا عن الحقائق ~~القديمة: الروح؛ المطلق؛ نظرية المعرفة، هذا جميل، ولكنه - فيما عدا المتعة الذهنية ~~والترف الفكري - لا يفضي إلى غاية! ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف، وأن يكون ms043 ~~هدفها الأخير تطوير هذا العالم، والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر. الإنسانية في ~~معركة متواصلة، والكاتب الخليق بهذا الاسم حقا يجب أن يكون على رأس المجاهدين، أما ~~وثبة الحياة فلندعها لبرجسون وحده؛ عندما يكون الإنسان متألما يركز اهتمامه في إزالة ~~أسباب الألم، مجتمعنا متألم جدا، فيجب أن نزيل الألم قبل كل شيء؛ ولنا بعد ذلك أن ~~نلهو وأن نتفلسف!» # هذه اللحظات المضيئة التي تصنعها الكلمة الموجهة، تبرز موقف الكاتب من مشكلات عصره ... ~~إنها تمثل دورا قياديا بالنسبة إلى المحيط الفكري للمجموع القارئ. ونجيب محفوظ لا ~~يقتصر على الواقعية الإيحائية لإبراز مثل هذا الموقف الالتزامي، ولكنه يجسم عملية العرض ~~بمجموعة من الأحداث المتشابكة، التي يربط فيها بين السلوك الداخلي والسلوك الخارجي ~~لشخصياته؛ ومن هنا يمكننا أن نتابع خطوات أحمد شوكت - النموذج الصاعد للجيل الذي مهد لثورتنا ~~الأخيرة - وهو يشق طريقه إلى هدف محدد، تقوده أضواء باهرة من الإيمان بقيم جديدة، ~~عماده التطلع إلى حياة أفضل! # لقد انتهت هذه الخطوات بصاحبها إلى المعتقل، ومن وراء القضبان كانت أفكار أحمد شوكت ~~ومبادئه تتسلل إلى الخارج، لتنضم إلى أمواج المد التطورية في نضالها الزاحف. وعلى ~~أصداء تلك الأفكار والمبادئ استيقظ ماضي الجيل المأزوم ممثلا في كمال، وبدأ يرتبط ~~بالحاضر ويتفاءل بالمستقبل؛ ويقول كمال لصديقه رياض قلدس، بعد أن هزت ضميره قوى ~~الدفع الجديدة: «إن من المستحسن دائما أن يتأمل الإنسان ما يراود نفسه من أحلام، ~~وعلى ذلك فالتصرف هروب، كما أن الإيمان السلبي بالعلم هروب، وإذن فلا بد من عمل، ولا بد ~~للعمل من إيمان، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيمانا جديرا بالحياة؛ دعني أخبرك بما ~~قال لي أحمد شوكت، عندما زرته في سجن القسم قبل نقله إلى المعتقل، لقد قال لي إن الحياة ~~عمل وزواج وواجب إنساني عام، وليست هذه المناسبة للحديث عن واجب الفرد نحو مهنته أو ~~زوجه. أما الواجب الإنساني العام فهو الثورة الأبدية، وما ذلك إلا العمل الدائب على ~~تحقيق إرادة الحياة ، ممثلة في تطورها نحو المثل الأعلى؛ أتدري ماذا ms044 قال أيضا؟ قال إني ~~أؤمن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزما باتباع مثلهم العليا ما دمت أعتقد أنها الحق، ~~إذ النكوص عن ذلك جبن وهروب؛ كما أرى نفسي ملزما بالثورة على مثلهم، متى ما اعتقدت ~~أنها باطل، إذ النكوص عن ذلك خيانة. وهذا هو معنى الثورة الأبدية!» # لقد بدأ كمال يفيق من الإغماءة النفسية الطويلة، بدأ يستعيد إيمانه بنفسه، وبالشعب ~~وبالحياة؛ لقد انتفض مع الانتفاضة الجديدة؛ وحين التقى القطب السالب بالقطب الموجب، ~~اندلعت الشرارة المقدسة التي أضاءت للجموع الزاحفة معالم الطريق! # 4 # المضمون الاجتماعي والاتجاهي - كما عرضناه في نقدنا لهذه الملحمة الروائية - ينحصر حتى ~~الآن في نطاق القطاع الطولي لمجرى الأحداث والمواقف. أما القطاعات العرضية فيستخدمها ~~الكاتب - كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من هذه الدراسة - كروافد فنية، تعين المجرى ~~الرئيسي على الانطلاق، هذه القطاعات أو هذه الروافد تمثل الأطراف المتقابلة على جوانب ~~الحيز الامتدادي لخط التطور، كما رسمه الواقع التاريخي للمجتمع المصري، وكما لونه ~~الالتزام الموقفي لنجيب محفوظ. # إن الأطراف المتقابلة تواجهنا مرة من داخل الإطار السلوكي للشخصية، وتواجهنا مرة أخرى ~~من داخل الإطار الاتجاهي للثقافة، وتواجهنا مرة ثالثة من داخل الإطار المذهبي للعقيدة ~~السياسية والدينية؛ هناك تقابل من ناحية المفهوم الثقافي والسياسي بين كمال وأحمد ~~شوكت، وتقابل من ناحية المفهوم القومي والديني بين كمال ورياض قلدس، وتقابل من ناحية ~~العقيدة المذهبية بين أحمد شوكت وأخيه عبد المنعم، وتقابل من ناحية الوضع الاجتماعي ~~بين أمينة وسوسن حماد. فبينما نجد مفهوم الثقافة عند الجيل الذي يمثله كمال، هو مفهوم ~~القراءة والاطلاع لمجرد الترف العقلي والمتعة الذهنية، نرى هذا المفهوم يتطور عند الجيل ~~الذي يليه والذي يمثله أحمد شوكت، بحيث تتحول الكلمة المقروءة من عملية إضاءة بالنسبة ~~إلى الفرد، إلى عملية قيادة بالنسبة إلى المجموع؛ إلى تحقيق مصير عادل بالنسبة إلى ~~قضية الإنسان. وبينما نرى كمال يؤمن بالوفد كحزب، يمثل الأغلبية الشعبية وأمانيها في ~~الاستقلال، ويقف بإيمانه عند هذا الحد كنقطة نهائية لهدفه الاتجاهي ، نرى أحمد شوكت وهو ~~يتخطى بتفكيره هذه ms045 النقطة، وينظر إلى الوفد على أنه مرحلة انتقالية، يجب أن تعقبها ~~مراحل أخرى من البناء الهادف إلى إسعاد الجماهير. وكمال وعايدة يقابلهما - داخل الإطار ~~السلوكي للشخصية - أحمد شوكت وعلوية صبري، نفس الصراع الطبقي الذي ينتهي هنا كما انتهى ~~هناك، بهزيمة الطرف الممثل للطبقة الوسطى من الشعب! ولكن حين يتأزم كمال وتترك الأزمة ~~رواسبها العميقة في نظرته إلى الحياة والناس، يتماسك أحمد شوكت ويرتفع بطموحه فوق ~~مستوى الموقف، ويرتبط بفتاة من طبقته ويحول الهزيمة إلى انتصار؛ لقد بقي كمال مأزوما ~~حائرا، حتى بعد أن أحب بدور أخت عايدة، ولم يستطع أن ينتصر على نفسه ليرتبط بهذه ~~الفتاة، التي أرغمها الزمن على أن تهبط من عليائها، إلى المستوى الطبقي الذي ينتمي ~~إليه! # يقول له صديقه رياض: «أمن المعقول أن تحبها وأن يكون في وسعك أن تتزوجها؛ ثم تمتنع ~~عن زواجها؟!» فيجيبه بأنه يحبها ولكنه لا يحب الزواج! فيقول له محتجا: «إن الحب هو الذي ~~يسلمنا للزواج، فما دمت لا تحب الزواج كما تقول، فأنت لا تحب الفتاة!» فيجيب بإصرار: ~~«بل أحبها وأكره الزواج!» فيقول له: «لعلك تخاف المسئولية»، فيجيبه محتدا: «إني أحمل ~~من أعباء المسئولية في بيتي وفي عملي ما لا تحمل بعضه!» ويعقب رياض: «لعلك أناني أكثر ~~مما أتصور!» فيقول ساخرا: «وهل يتزوج الفرد إلا مدفوعا بأنانيته الظاهرة والخفية؟!» ~~ويقول له: «لعلك مريض؛ فاذهب إلى طبيب نفساني لعله يحللك!» فيجيب: «من الطريف أن ~~مقالتي القادمة في مجلة الفكر عن «كيف تحلل نفسك»!» فيقول له: «أشهد لقد حيرتني»، فيكون ~~جوابه: «أنا الحائر إلى الأبد!» # كان مصابا بانقسام الشخصية من ناحية، وبدا له الحب من ناحية أخرى «ديكتاتورا»، وقد ~~علمته الحياة السياسية في مصر، أن يمقت الديكتاتور من صميم قلبه، «ففي بيت العالمة ~~جليلة كان يحب «عطية» بجسده، ثم سرعان ما يسترده، وكأن ما كان لم يكن! أما هذه الفتاة ~~المستكنة في حيائها، فلن تقنع بما دون روحه وجسده جميعا إلى الأبد!» # إننا مرة أخرى أمام لحظة تفجير لأحد المنبعين الرئيسيين لأزمة كمال، ms046 أمام هزيمة ~~الشعب في صراعه السياسي ضد الديكتاتورية! لقد مرت بنا لحظة تفجير أخرى للمنبع الآخر، ~~حين أثار رياض في نقاشه مشكلة الشرقي الحائر بين الشرق والغرب، فأثار بها في نفسه مرارة ~~الذكرى المترسبة في مشكلته مع عايدة؛ لقد كره الدكتاتور الطبقي في شخص عايدة، كما كره ~~الدكتاتور السياسي في شخص صدقي ومحمد محمود؛ وعلى طول المدى الانفعالي بهذه ~~الديكتاتورية السياسية والطبقية، تعذب كل ما فيه حتى الحب! # وإذا ما انتقلنا إلى القطاع العرضي الذي نرى من خلاله كمال كرمز للأكثرية المسلمة، ~~ورياض قلدس كرمز مقابل للأقلية المسيحية في المجتمع المصري - رأينا نجيب محفوظ يطالعنا ~~بوجهة نظر موقفية لمشكلة الوضع الديني والقومي لهذه الأقلية، مع التزامية الصدق ~~التاريخي في عرض جوانب المشكلة. يقول رياض لصديقه كمال: «إن الأقباط جميعا وفديون، ذلك ~~أن الوفد حزب القومية الخالصة؛ القومية التي تجعل من مصر وطنا حرا للمصريين، على ~~اختلاف عناصرهم وأديانهم. أعداء الشعب يعلمون ذلك؛ ولهذا كان الأقباط هدفا للاضطهاد ~~السافر طوال عهد صدقي، وسيعانون ذلك منذ اليوم!» ويقول له كمال في دعابة: «ها أنت تتحدث ~~أنت الذي لا تؤمن إلا بالعلم!» ويعقب رياض في حماسة: «إني حر وقبطي معا، أشعر في ~~أحايين كثيرة بأن المسيحية وطني لا ديني، وربما إذا عرضت هذا الشعور على عقلي اضطربت ... ~~ولكن مهلا، أليس من الجبن أن أنسى قومي! شيء واحد خليق بأن ينسيني هذا التنازع، ألا ~~وهو الفناء في القومية المصرية الخالصة، كما أرادها سعد زغلول!» ويقول كمال وصدره يجيش ~~بالعواطف: «لا تؤاخذني، فقد عشت حتى اليوم دون أن أصطدم بمشكلة العنصرية؛ فمنذ البدء ~~لقنتني أمي أن أحب الجميع، ثم شببت في جو الثورة المطهر من شوائب التعصب، فلم أعرف هذه ~~المشكلة.» ثم يسأله: «وكيف نستأصل مشكلة كهذه من الجذور؟» ويجيب رياض: «من حسن الحظ ~~أنها ذابت في مشكلة الشعب كله، مشكلة الأقباط اليوم هي مشكلة الشعب؛ إذا اضطهد ~~اضطهدنا، وإذا تحرر تحررنا!» # إن التزامية الصدق التاريخي هنا، تبدو لنا من خلال الواقع الاجتماعي الذي يصوره ms047 نجيب ~~محفوظ بأمانة؛ ذلك لأن اضطهاد الأقباط في تلك الفترة بواسطة الدكتاتورية الحاكمة، ~~وأشياعها من أبناء الرجعية الشعبية، كان بسبب الاتجاه السياسي، ولم يكن بسبب العقيدة ~~الدينية، ولعل نجيب محفوظ يرمز إلى الوحدة الشعورية كرباط قومي بين الأكثرية المسلمة ~~والأقباط، بتلك الصداقة الخالصة من التعصب بين كمال ورياض قلدس. وكل خلاف طائفي يمكن ~~النظر إليه على ضوء الجانب الموقفي للكاتب، وهو جانب الدعوة إلى الفناء في القومية ~~المصرية. ولقد اتسع الأفق المذهبي اليوم لهذه الدعوة، حتى شمل المفهوم الإنساني العام ~~لمعنى «الفناء»، بالنسبة إلى القومية العربية! # وفي مجال الأسرة الصغيرة - أسرة شوكت - يدير نجيب محفوظ صراعا مذهبيا بين أحمد ~~شوكت وأخيه عبد المنعم؛ إنه الصراع الذي شهده المجتمع المصري بين اتجاهين متناقضين، ~~لكل منهما نظرته العقائدية الخاصة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية على أسس معينة. ومن ~~داخل هذا القطاع العرضي الجديد، نتابع خط السير الفكري لأحمد التقدمي المتطور، والخط ~~الآخر المضاد الذي يتخذه عبد المنعم، كشعار اتجاهي للإخوان المسلمين؛ يقول عبد المنعم ~~في معرض النقاش بينه وبين أحمد: «لسنا جمعية للتعليم والتهذيب فحسب، ولكننا نحاول فهم ~~الإسلام كما خلقه الله، دينا ودنيا وشريعة ونظام حكم؛ ماذا تعرف عن الإسلام حتى تهرف ~~بما لا تعرف؟!» ويرد أحمد بهدوء: «أعرف أنه دين، وحسبي ذلك، أنا لا أؤمن بالأديان.» ~~ويتساءل عبد المنعم مستنكرا: «ألديك برهان على بطلان الأديان؟!» ويجيب أحمد بنفس ~~الهدوء: «ألديك أنت برهان على حقيقتها؟!» ويعقب عبد المنعم محتدا: «عندي وعند كل ~~مؤمن، ولكن دعني أسألك أولا كيف تعيش؟» ويقول أحمد باعتداد: «بإيماني الخاص، إيماني ~~بالعلم وبالإنسانية وبالغد، وبما ألتزمه من واجبات ترمي في النهاية إلى تمهيد الأرض ~~لبناء جديد!» ويصيح عبد المنعم في غضب: «لقد هدمت كل ما الإنسان إنسان به!» ويواصل أحمد ~~انطلاقه الجدلي: «بل قل إن بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة ليست آية على قوتها، ولكن على ~~خطة بعض بني الإنسان؛ ذلك ضد معنى الحياة المتجددة؛ ما يصلح لي وأنا طفل يجب أن أغيره ~~وأنا رجل؛ طالما كان ms048 الإنسان عبدا للطبيعة والإنسان، وهو يقاوم عبودية الطبيعة بالعلم ~~والاختراع، كما يقاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية؛ ما عدا ذلك فهو نوع من ~~الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة!» # هكذا يرافق نجيب محفوظ موكب التطور الحياتي، للمجتمع المصري من مختلف زواياه، وما ~~تزال الروافد الجانبية في العمل الروائي، تصب في المجرى الكبير؛ فشخصية سوسن هي ~~الامتداد التطوري لشخصية أمينة. لقد حطمت المرأة المصرية قضبان السجن وخرجت إلى الحياة؛ ~~من البيت إلى الشارع، ومن رق الزوجية إلى حرية الإرادة، ومن جمود الانطواء إلى حركة ~~الانطلاق، ومن سلبية الوضع الاجتماعي إلى إيجابية المشاركة في توجيه المصير، ونظرة ~~الرجل إلى المرأة تتفاوت هي الأخرى على مدار الأجيال: ينظر إليها أحمد عبد الجواد في ~~صورة أمينة، كمصنع آدمي لإنتاج النسل، وكجارية تناديه دائما بكلمة «يا سيدي»، تجسيما ~~للعبودية المعترفة بالاستبداد كحق مشروع! وينظر إليها في صورة زنوبة، وزبيدة وجليلة ~~كنموذج ترفيهي في مجال العلاقة الجنسية؛ وينظر إليها فهمي في صورة مريم جارته ~~الجميلة، التي تبلغ من فهم الحياة مرحلة تتساوى فيها مع أختيه خديجة وعائشة، وتتفوق ~~فيها نسبيا على أمه؛ وينظر إليها كمال في صورة عايدة، كنموذج للمستوى المعيشي ~~الرفيع، والجمال الأرستقراطي الباهر والثقافة الفرنسية المتميزة، كرد فعل لحرمان بيئته ~~الشعبية من كل هذه القيم المغرية! وينظر إليها أحمد شوكت في صورة سوسن، الفتاة ~~المكافحة المستنيرة، التي تكسب قوتها بعرق الجبين، ولا تستمد فتنتها الأنثوية في نظره ~~من جمال الوجه، كما يفعل الآخرون، وإنما تستمدها من جمال الفهم لمشكلة الحياة وقضية ~~الإنسان! # وعلى ضوء الرؤية النقدية لواقعية نجيب محفوظ الإيحائية، نستطيع أن ننظر إليه وهو يتخذ ~~موقفه، إلى جانب التطور بالنسبة إلى الأطراف المتقابلة، حتى لقد جعل كمال في نهاية ~~«السكرية»، يتفاعل تفاعلا إيجابيا مع خطوات النضال الجديد. ونجيب في واقعيته لا ~~يفرض الشخصية على الموقف، وإنما يفرض الموقف على الشخصية، بمعنى أنه يضع الشخصية في ~~مستوى عقلي معين، يتحتم معه أن ترتبط بسلوك موقفي مناسب، وهذا ما نلاحظه على شخصياته ~~في مختلف المواقف والمستويات؛ ms049 إن فرض الشخصية على الموقف عند كتاب الواقعية ~~الأيديولوجية، ناتج من كون الموقف جاهز الإعداد مقدما في ذهن الكاتب، وأن الشخصية قد ~~تكون غير جاهزة الوجود في الواقع الخارجي، ومن هنا نشعر أن الكاتب الأيديولوجي غالبا ~~ما «يجوف» الشخصيات ليملأها بأفكاره الذاتية! # ومع ذلك فإن هذه الملحمة الروائية - كعمل فني يقف موقف الندية من أنضج الأعمال ~~المماثلة في أدب الغرب - لا تخلو من بعض المآخذ، فنجيب محفوظ مثلا - وعلى الأخص في ~~«بين القصرين» - يسرف أحيانا في رسم الأبعاد النفسية لبعض الشخصيات من خلال عملية ~~السرد؛ وعيب هذه الطريقة أنها تطبع خط السير الحدثي بطابع البطء والرتابة! # إن الحركة بطيئة في بعض فصول الجزء الأول من هذه الرواية، ولو رسم نجيب تلك الأبعاد ~~النفسية من خلال اللقطات الحديثة والموقفية، لرأينا تلك الحركة الجياشة، التي شملت ~~الوجود الداخلي والخارجي للشخصيات في «قصر الشوق»، وبلغت الذروة في إبراز العنصر ~~التجسيمي والتركيز لمختلف اتجاهات النسيج الروائي في «السكرية». # وهناك قطاعات عرضية قليلة، تخرج عن نطاق البعد الموضوعي الرئيسي للمشكلة في خطوطها ~~العامة؛ وذلك حين يعمد نجيب إلى التفصيلات الجزئية، لما يدور أحيانا من أحداث ذاتية ~~في الجو العائلي لآل شوكت، أو في جو المغامرات الجنسية لطبقة العوالم المغنيات، من ~~أمثال زبيدة وجليلة زنوبة، أو في جو العلاقات البيئية والشعورية بين أحمد عبد الجواد ~~وأصدقائه من طبقة التجار؛ لا تخلو عملية الالتقاط من الإسراف في تجميع كل الزوايا من ~~أجل اكتمالية الصورة، وكنا نفضل لو لجأ نجيب إلى «الاختيار»؛ فاختيار الزاوية المعبرة ~~قد تغنينا عن زوايا كثيرة، واختيار اللقطة الموحية قد تغنينا عن مجموعة كاملة من ~~اللقطات! # | الأخطل الصغير # دراسة فنية لشعره ~~«عندما يتزوج الفكر الحياة، تولد التجربة في الفن.» # إذا لم تخني الذاكرة، فألبير كامي هو صاحب هذه الكلمات، وبقدر ما تحمل كلماته هنا من روح ~~الشعر، فهي تحمل الكثير من منطق التحديد العلمي الضابط للمقاييس النقدية؛ ذلك لأن مفهوم ~~المزاوجة بين كل طرفين متقابلين، هو أن تكون عملية ارتباط تفاعلية، يتحقق فيها عنصر ms050 التبادل ~~المثمر والمشاركة المنتجة، إنها عملية يتوفر فيها جانب الإرادة، كما يتوفر فيها جانب ~~الإدراك؛ لأننا حين نفكر في أن نرتبط بالطرف المقابل لوجودنا الإنساني، ندرك ما وراء ~~اتجاهنا من رغبة ملحة في الشعور المكثف بالحياة؛ من خلال رؤية عقلية معينة، من هنا يتم ~~تفتيت اللحظة الزمنية في بوتقة التفاعل المزدوج، بين الوجود الداخلي والوجود الخارجي، أو ~~بين حركة التأمل الفكري للفنان، وحركة الحياة المندمجة في حركة الزمن. وتفتيت اللحظة ~~الزمنية إلى جزئيات: متغيرة ونامية، هو ما نعبر عنه بمراحل التجربة. والتجربة النفسية في ~~الفن تقتضي - لكي تتم لها كل أبعاد التجسيم - أن نعيش في قلب اللحظة الزمنية، وأن نراقب ~~نموها من الداخل؛ ذلك لأن عملية المعايشة من الخارج، بعيدا عن مجال المراقبة التأملية ~~الدقيقة، لا يفتح من نوافذ الرؤية لمراحل النمو المطرد غير تلك النافذة التي نطل منها على ~~مرحلة التبلور النهائي، عندما يقتصر الفنان على أن يعطينا خلاصة التجربة. وعملية المعايشة ~~من الخارج يترتب عليها من جهة أخرى أن تعرض التجربة وهي مبتورة، وبمعنى آخر: وهي جذور ~~بغير امتدادات. وإذا ما اقتصرت هذه المعايشة على دور التفاعل الحسي بيننا وبين مشاهد ~~الحياة، فهنا تتلاشى التجربة النفسية المكثفة، لتأخذ مكانها اللوحة الوصفية المجردة. # بشارة الخوري أو الأخطل الصغير - في هذا المجال التحديدي وعبر الرؤية النقدية - يبدو وهو ~~شاعر اللوحة وليس شاعر التجربة؛ إنه رسام لوحات مبدع، وصاحب لغة شعرية ممتازة. وهو في محيط ~~التعبير بالألفاظ والصورة، يتيح للنقد أن يعتبره واحدا من شعراء الجيل الماضي، وأن يعتبره ~~في الوقت نفسه واحدا من شعراء هذا الجيل. إن النقد - على ضوء السمات التعبيرية لشعره - ~~يستطيع أن يلحقه بمدرسة الشعر التقليدي إلى جانب شوقي ومطران، ويستطيع أن يلحقه بمدرسة الشعر ~~التجديدي، إلى جانب إيليا أبي ماضي وعلي محمود طه؛ فكما نجد في شعره من ملامح المدرسة ~~الأولى، ذلك الميل إلى التقرير والخطابية والاحتفاء برنين اللفظ، نجد من ملامح المدرسة ~~الثانية تلك العناية بأن يحل التجسيم الإيحائي والموسيقى الداخلية والصورة المركبة، محل ~~التقرير ms051 والخطابة والتعبير المباشر. # في محيط الشكل التعبيري؛ يمكننا أن ننسب بعض شعر الأخطل الصغير إلى المدرسة الأولى، وأن ~~ننسب بعضه الآخر إلى المدرسة الثانية. وعندما نقول إنه ليس شاعر التجربة، فإنما نعني التجربة ~~بشكلها الفني الناضج، كوليد كامل النمو لزواج الفكر بالحياة. إن عملية الارتباط التفاعلي ~~بالوجود المقابل عند بشارة الخوري، تعتمد على حركة الحواس الخارجية اللاقطة، أكثر مما تعتمد ~~على حركة المشاعر الداخلية المتأملة؛ وفي نطاق التخطيط الإطاري والموضوعي للقصيدة، نلمس ~~بوضوح مدى تفوق اللوحة المرسومة على التجربة المعاشة، بل إن هذا التفوق ليبلغ من السيطرة ~~ذلك الحد الذي تتضاءل معه التجربة، بحيث تبدو لنا هي نقطة ارتكاز بغير انطلاقات. وإذا ما ~~نظرنا إلى الشعر على أنه مزيج متعادل من المعايشة الحسية والنفسية للوجود المقابل، فإننا ~~نستطيع أن نكتشف جوهر التفاوت بين نجاح اللوحة وإخفاق التجربة في شعر الأخطل الصغير. وجوهر ~~التفاوت بين المدرسة الأولى والمدرسة الثانية، عندما نذكر «الطلاسم» مثلا لأبي ماضي أو ~~«الله والشاعر» لعلي طه، كنموذجين تطبيقيين لتلك العلاقة الزوجية بين الفكر الشعري وبين ~~حقائق الوجود، ومدى ما توفر للتجربة من توازن الأبعاد الموضوعية المختلفة، في مجال انعكاس ~~المد الخارجي على جدران الذات. # وإذا ما نظرنا إلى بشارة الخوري كواحد من شعراء المدرسة الثانية - بالنسبة إلى الشكل ~~التعبيري واتجاهات المضمون الشعري - فإنه يؤكد لنا أصالته كوجه فني لا يعكس ملامح الآخرين. ~~إنه هنا نسخة غير مكررة، لا تحمل طابع أبي ماضي ولا طابع علي طه، على الرغم من وحدة الخط ~~التجديدي الذي يلتقي على امتداده الشعراء الثلاثة. إن من أهم القيم الفنية لشعرنا المعاصر، ~~أن يكون لكل شاعر طعمه الخاص، ولونه المتميز وطابعه المستقل؛ إننا بذلك نضمن تنوع ~~الشخصية الشعرية، على أساس من تنوع الأداء، حتى لا يستطيع شاعر واحد يمثل مركزية الطابع ~~والاتجاه، أن يلغي من وجودنا الذوقي كل المتفرعين من نقطة البداية. ولقد قلنا يوما ونحن ~~نشير إلى الفن الغربي، ممثلا في القصة واللوحة والقصيدة، إن النسخة الأصيلة هناك، تبهرنا ~~دائما حيث لا تحدث ms052 ظاهرة التكرار والتقليد لشكلية العمل الفني وموضوعيته، مهما اتحد ~~الاتجاه المذهبي عند الكتاب والشعراء والمصورين؛ جان بول سارتر وألبير كامو بينهما اتجاه ~~وجودي في القصة، وبول إيلوار ولوي أراجون يجمع بينهما اتجاه يساري في الشعر، وبابلو بيكاسو ~~وسلفادور دالي يجمع بينهما اتجاه سريالي في التصوير، ومع ذلك فلن تجد واحدا من هؤلاء - في ~~حدود الاتجاه المذهبي - نسخة مكررة من الآخر؛ إنهم جميعا يمثلون هذه الظاهرة الجميلة في ~~تاريخ الفن، ونعني بها ظاهرة الاستقلال والأصالة. # هذه هي صورة الأخطل الصغير كشاعر مجدد، أما حين نلقاه كشاعر كلاسيكي من داخل الإطار الذي ~~يضم صورتي شوقي ومطران، فإننا لا نستطيع أن نميز وجهه الشعري في زحمة الوجوه المتشابهة؛ ذلك ~~لأن المجرى التعبيري العام لتدفق الطاقة الشعرية عند شعراء المدرسة الأولى، كان يعتمد على ~~كثير من الروافد الجانبية للشعر العربي القديم، من هنا فقد شعر هذه المدرسة - وهي المدرسة ~~التي اقتطعت جزءا من الوجود الفني والزمني لبشارة الخوري - جوانب مهمة من مفهوم التنوع ~~الحاسم للشخصية الشعرية، وهو التنوع الذي لا يمكن أن يقوم إلا على أسس ثابتة من الاستقلال ~~والأصالة. # ونعود بعد ذلك إلى مجموعة من نماذج التطبيق، لنكرر القول بأنه شاعر اللوحة وليس شاعر ~~التجربة. إنك في معرض هذا الشاعر الرسام، يواجهك عدد من اللوحات الوصفية، منها: «هند ~~وأمها»، «سلمى الكورانية»، «الصبا والجمال»، «عمر ونعم»، «ندى ووداد». ونشير إلى هذه ~~اللوحات؛ لأنها تمثل في مجال التعبير بالصور ملامح المدرسة التجديدية، وتقدم إلينا ذلك ~~الطابع الاستقلالي المتميز، لواحد من شعراء المدرسة الثانية، ولنقف أمام لوحة رسمتها ريشة ~~الأخطل الصغير: # أتت هند تشكو إلى أمها # فسبحان من جمع النيرين! # فقالت لها: إن هذا الضحى # أتاني وقبلني قبلتين # وفر فلما رآني الدجى # حباني من شعره خصلتين # وما خاف يا أم بل ضمني # وألقى على مبسمي نجمتين # وذوب من لونه سائلا # وكحلني منه في المقلتين # وجئت إلى الروض عند الصباح # لأحجب نفسي عن كل عين # فناداني الروض: يا روضتي! # وهم ليفعل كالأولين # فخبأت وجهي ولكنه # إلى الصدر ms053 يا أم مد اليدين # ويا دهشتي حين فتحت عيني # وشاهدت في الصدر رمانتين! # وما زال بي الغصن حتى انحنى # على قدمي ساجدا سجدتين # وكان على رأسه وردتان # فقدم لي تينك الوردتين # وخفت من الغصن إذ تمتمت # بأذني أوراقه كلمتين # فرحت إلى البحر للإبتراد # فحملني ويحه موجتين # فما سرت إلا وقد ثارتا # بردفي كالبحر رجراجتين # هو البحر يا أم كم من فتى # غريق وكم من فتى بين بين! # فها أنا أشكو إليك الجميع # فبالله يا أم ماذا ترين؟ # فقالت وقد ضحكت أمها # وماست من العجب في بردتين # عرفتهم واحدا واحدا # وذقت الذي ذقته مرتين # في هذه القصيدة صور جزئية، تعبر عن مختلف النقلات التخطيطية للريشة الراسمة؛ إن الشاعر ~~يرسم لنا لوحة ممتازة، مضمونها إبراز المفاتن الجسدية لفتاة جميلة في دور التكوين، ثم يتيح ~~لنا أن نتابعه وهو يتنقل بريشته من مرحلة إلى مرحلة، وكأنه بسياحة خارجية لمعالم هذا ~~التكوين الجسدي، من الوجه الأنثوي إلى القدم. وهو يستخدم الضحى والليل والروض والغصن ~~والبحر، يستخدمها كمجالات خلقية لصوره المرسومة؛ ومن الملاحظ أنه لم يلجأ - كما هو الحال ~~عند المدرسة الكلاسيكية - إلى التعبير المباشر في التشبيه، لم يلجأ إلى طريقة التجسيم ~~التقليدية ليشبه بياض الوجه بنور الضحى، وسواد الشعر بظلام الليل، وبريق الأسنان بضوء ~~النجوم، إلى آخر السلسلة من تلك القائمة الرتيبة والمكررة. لقد كانت وسيلته الأولى إلى ~~التجسيم، قائمة على الرمز الإيحائي للصورة المركبة؛ صورة الضحى مثلا في موقف التقبيل، ~~الدجى في موقف العناق، والغصن في موقف الهمس والسجود، وما يكمن وراء كل حركة من أمثال هذه ~~الحركات الموقفية من معنى رامز أو دلالة موحية. أما وسيلته التجسيمية الثانية، فقد ارتكزت ~~على ذلك الجو القصصي، الذي غلفت به أجزاء المشهد المعروض، فأكسبتها عنصرا جديدا من ثراء ~~التلوين ودينامية الترابط. ولقد ختم الشاعر مجموعة لمساته الحسية، بلمسة نفسية أخيرة في ~~أسفل اللوحة، مضمونها أن غيرة المرأة الجميلة من المرأة الجميلة، شعور أصيل من شأنه أن يلغي ~~أمام المنافسة، منطق الاعتراف للطرف المنافس بقيمه الجمالية؛ ms054 لأن المقارنة في أساسها غير ~~عادلة. وحين نقف وقفة أخرى أمام اللوحة الثانية، يواجهنا في بدايتها نفس الطابع الفني، الذي ~~عرفناه في اللوحة السابقة، وهذه هي بداية «سلمى الكورانية»: # تعجب الليل منها عندما برزت # تسلسل النور في عينيه عيناها # فظنها وهي عند الماء قائمة # منارة ضمها الشاطي وفداها # وتمتمت نجمة في أذن جارتها # لما رأتها وجنت عند مرآها: # انظرن يا إخوتا هذي شقيقتنا # فمن تراه على الغبراء أنقاها؟ # أتلك من حدثت عنها عجائزنا # وقلن إن مليك الجن يهواها # فأطلق المارد الجبار عاصفة # تغزو النجوم فكانت من سباياها؟ # قصت نجيمتنا الحسناء بدعتها # عن نجمة الشط والآذان ترعاها # وكان بالقرب منها كوكب غزل # يصغي فلما رآها سبح الله # وراح يقسم إلا بات ليلته # إلا على شفتيها لاثما فاها ~~••• # يا ملعب الشط من «أنفا» أتعلم من # داست على صدرك البازي رجلاها؟ # ويا نواتئ من موج ومن زبد # أثنى عليك وحسب الفخر نهداها # والشط في الصيف جنات مفوفة # كم فاخر الجبل العالي وكم باهى # إذا أرتك الجبال الغيد كاسية # فالشط أذوق منها حين عراها # لو قدمت إلينا هذه اللوحة لسلمى الكورانية، وهي غير موقعة أو غير «ممضاة»، أفلا نستطيع أن ~~نضع عليها - دون خوف من الوقوع في الخطأ - توقيع الشاعر، أو إمضاء الأخطل الصغير؟ إن لهذا ~~العمل الفني قيمته التي لا تنكر من الناحية الشكلية، ناحية الإطار القصصي وما يحتوي عليه من ~~صور إبداعية في التعبير، واستخدام الطاقتين كوسيلة موفقة من وسائل التجسيم؛ ولكن كان من ~~المفروض أن يضعنا الشاعر أمام تجربة عاطفية، عاشتها البطلة كموقف متطور، ومارستها كانفعال ~~حي. وتبعا لأن المعايشة الخارجية قد اقتصرت على دور التفاعل الحسي مع الحدث، فقد أثر ذلك ~~على حركة النمو الداخلي لتلك اللحظة الزمنية الطويلة، الحافلة بالصراع والتوتر، لتحيل ~~التجربة في النهاية إلى لوحة مجردة. وبدلا من أن نخرج من موضوعية اللوحة بجوهر المضمون ~~الصراعي لقصة حب مخفق، خرجنا بلمسات سردية سريعة تمثل التخطيط الحدثي لهذا المضمون. ومن ~~خلال رؤية شعرية غائمة، لم نستطع أن نتبين ms055 دوافع الانفصال بين سلمى وحبيبها فؤاد؛ لأن ~~الأبيات التالية تضع المفتاح في ثقب الباب ولا تفتح: # وراح يقرع باب الرزق مشتملا # بعزمة سنها علم وأمضاها # حتى انثنى وعلى أجفانه بلل # ود الإباء لها لو كان أعماها # بكى فؤاد لسلمى والبلاد معا # وأنفس رضيت في الذل مثواها # فحمل الموج من أشجانه حمما # وشد يضرب أولاها بأخراها # وقال واليأس يمشي في جوارحه: # ديار سلمى على رغم هجرناها # إننا ندرك لماذا بكى فؤاد من أجل سلمى، وندرك ذلك بطريقة إيحائية. معنى أن ينفصل محب عن ~~إنسانة تحبه، معناه بالنسبة إلى هذه الإنسانة شعور بالضياع، في مثل هذه المواقف يحتاج الشعر ~~إلى التركيز، ولا يحتاج إلى التفصيل؛ ولكن الذي يجب أن يفصل هو لماذا بكى من أجل البلاد، ~~ماذا حدث لهذه البلاد حتى يرغم على هجرها وهجر حبه؟ خضوع وذل؟ ما هي حقيقة هذا الذل وهذا ~~الخضوع؛ والصراع الذي دار في داخل البطل كمرحلة رئيسية من مراحل التجربة، كتوتر انفعالي ~~متبادل بينه وبين من يحب؟ كل ما عرفناه بعد ذلك أن «خمسا من السنوات السود قد صبت بلاياها ~~على رأس لبنان»، وأن حب سلمى ما يزال حيا يقتات على الذكريات؛ وهكذا نجد أنفسنا أمام ~~لوحة قصصية يغلب فيها جانب التسجيل على جانب التحليل؛ لأن عملية المراقبة تتم من الخارج. ~~وتستمر جولتنا في معرض الصور حتى نقف مرة ثالثة أمام هذه اللوحة لعمر بن أبي ربيعة، اللوحة ~~الأولى جمعت بين هند وأمها، واللوحة الثانية جمعت بين سلمى وفؤاد، واللوحة الثالثة جمعت بين ~~عمر ونعم؛ هذه الازدواجية الصانعة لنوع من المقابلة بين طرفين، قيمتها في الشعر الوصفي ~~أنها تنقذ اللوحة المرسومة من التسطح، وتجعلها لوحة ذات أبعاد؛ منها بعد الحركة، وبعد ~~التجسيم، وبعد الخلفية المجالية. ولا بد من الإشارة إلى أن الحركة في لوحة «عمر ونعم»؛ ~~تختلف في نوعيتها عنها في اللوحتين السابقتين؛ الحركة هناك ناتجة عن تدرج الأحداث وانبثاق ~~المواقف، سواء أكان ذلك في منطقة الرؤية التحليلية أو منطقة الواقع المحس، ولكن الحركة هنا ~~ناتجة ms056 عن تحويل المجرى التعبيري نفسه من منعطف موضوعي إلى آخر، أشبه بحركة الكاميرا ~~المنتقلة من زاوية إلى زاوية. # أخاك يا شعر فهذا عمر # وهذه «نعم» وتلك الذكر # لوحان من فجر الصبا وورده # غذاهما قلب وروى محجر # فرخان في وكر تلاقى جانح # وجانح ومنقر ومنقر # يختلس القبلة من مبسمها # هل تعرف العصفور كيف ينقر؟ # وهو إذا أمعن في ارتشافها # علمنا كيف يذوب السكر # رسالة من فمه لفمها # كذا رسالات الهوى تختصر! # الموضوع الشعري في هذه الأبيات، يمثل نقطة البدء الانطلاقية لمجرى التعبير؛ ونشعر أن ~~الحركة تنساب فوق أرضية مبطنة بأحلام التصور، إنها لوحة جزئية ممهدة، يلعب فيها الحلم ~~الشعري دور التحضير لواقع حسي مغيب، الشاعر هنا يحلم بالرؤية؛ الرؤية المجسدة التي يمكن أن ~~يتصور من خلالها حسية العلاقة بين نعم وعمر، على مدار هذه التوزيعات المشهدية. # وفي المقطوعة التالية، يتحول المجرى التعبيري إلى منعطف جديد؛ ينتقل من غيب التهويم إلى ~~حضور المواجهة، وبعد أن كانت حركة التعبير مصبوبة في قالب الحديث عن عمر، غير الشاعر من ~~اتجاهها لتصب في قالب الحديث إلى عمر: # قل لي بنعم وبأتراب لها # يلعبن ما شاء الصبا والأشر # ليلة ذي دوران هل كانت كما # حدثت أم أخيلة وصور؟ # ونعم هل كانت كما صورت # أم بالغ في تلوينها المصور؟ # يا للمنى أعن يمين كاعب # وعن شمال كاعب ومعصر؟! # فمن هنا حيث تندى الزهر # ومن هنا حيث تدلى الثمر # وأنت لا تألو دعابا في الهوى # شم وتقبيل وأشياء أخر # ويتغير الاتجاه مرة أخرى - في حركة صاعدة - من البعد المكاني للذكريات، إلى تلك الشرفة ~~البعيدة التي تتحول إلى ساحة عرض صغيرة، لبعض جوانب الشخصية النسائية المسهمة في ازدواجية ~~الصورة؛ ويلاحظ أن اتجاه الشاعر الأساسي إلى عملية التصوير من الخارج، هو الذي يدفعه ~~غالبا إلى أن ينظر إلى المرأة من زاوية التكوين الجمالي للوجه والجسد، حيث لا يظفر التكوين ~~النفسي بما يحتاج إليه من سياحة داخلية: # قالوا الحجاز مجدب لما عموا # ونعم فيه روضة ونهر # إن زفت العود أناشيد الهوى ms057 # حن لها العود وجن الوتر # أو صفقت للهو في أترابها # ماج لها الوادي وغنى الشجر # الحب مذبوح على أقدامها # والحسن في ألحاظها يكبر # تعرت الشمس على وجنتها # وانشق - لو تعلم أين - القمر # العنب الأحمر مسفوح على # شفتها، ما الأقحوان الأصفر؟ # والوردة البيضاء أو قل نهدها # كأنه من خيلاء يسكر # هذه النظرة إلى المرأة كتكوين جمالي مقبولة في الشعر، إذا ما كانت انبثاقا تجريديا ~~لتجربة حسية بحتة، ومقبولة نسبيا في «عمر ونعم»، وغير مقبولة على الإطلاق في «ندى ووداد»؛ ذلك لأن التجربة هنا عاطفية تحتل مكان القمة من مرتفع الإنسانية، إنها تجربة الشعور ~~المتبادل بين عاطفة الأبوة وعاطفة البنوة، تجربة الوجود الإنساني الذي يلغى فيه معنى ~~الإحساس بالعدم، حين يتحقق له امتداده الحياتي المتصل الحلقات بحركة الزمن الدائبة؛ إننا ~~لا نكاد نرى «وداد» ابنة الشاعر وهي في العشرين، إلا من خلال رؤيته البصرية: # يا قطعة من كبدي # فداك يومي وغدي # وداد يا أنشودتي البك # ر ويا شعري الندي # يا قامة من قصب السك # ر رخص العقد # حلاوة مهما يزد # يوم عليها تزد # توقدي في خاطري # وصفقي وغردي # تستيقظ الأحلام في # نفسي وتسقيها يدي ~~••• # عشرون قل للشمس لا # تبرح وللدهر اجمد # عشرون؛ يا ريحانة # في أنملي مبدد # عشرون؛ هلل يا # ربيع الصبا وعيد # وبشر الزهر بأخ # ت الزهر واطرب وانشد # وانقل إلى الفرقد ما # نمنمته عن فرقدي # الرؤية البصرية - في هذه الأبيات - هي الغالبة والمسيطرة؛ وعبر هذه الرؤية تلوح لنا ~~«وداد»، وهي مجموعة من صور التكوين الجمالي: أنشودة وشعر، قامة من قصب السكر، حلاوة زائدة، ~~ريحانة عبقة، زهرة يانعة؛ وهلل يا ربيع واجمد يا دهر، ولا تبرحي يا شمس. الشاعر الأب يسجل ~~أكثر مما يحلل، ولو حدث العكس لاستحالت اللوحة على امتداد الرؤية النفسية إلى تجربة ... ~~تجربة تتفتت فيها تلك اللحظة الزمنية المفجرة لطاقة الانفعال، إلى جزئيات متغيرة ونامية، ~~هذه اللحظة التي تعتبر مركز التفجير الانفعالي، هي تلك التي دار حولها الشاعر بمجموعة من ~~اللفتات الذهنية؛ لحظة الإحساس بالوصول الزمني للابنة إلى ms058 سن العشرين. وإذا ما أردنا أن ~~نفتت تلك اللحظة إلى جزئيات، أعني إلى لحظات فرعية ومتولدة، فمن الحتم علينا - ونحن نأخذ ~~مكان الشعر - أن نعيش في قلب اللحظة، لنراقب نموها من الداخل؛ عندئذ تبدو لنا هذه اللحظات ~~الجزئية الوليدة، وهي أشبه بانعكاسات الأشعة المنطلقة من مركز الضوء إلى كل اتجاه، لقد كانت ~~اللحظة الزمنية - لحظة سن العشرين - هي مركز الانطلاق لأشعة الفكر الشعري بالنسبة إلى تجربة ~~الشاعر، انطلاقة إلى الماضي وأخرى إلى الحاضر وثالثة إلى المستقبل، وتلك هي الاتجاهات ~~النفسية التي يمكن أن تلتقي بعد ذلك في نقطة تجمع فكرية، أساسها ارتباط الأزمنة الثلاثة في ~~الوجود الداخلي للطرفين المتقابلين، لنحقق فكرة الشعور بذلك الامتداد الحياتي، المتصل ~~الحلقات بحركة الزمن. # وما نقوله هنا نقوله عن لوحة «ندى» وهي في الخامسة؛ إنها - في منظار الشاعر - بسمة الورد، ~~وهمسة الطهر، وشعلة الحب، ووشاح الجمال، وأخت الفراشات. ولكن الأخطل الصغير يهزنا بعنف في ~~ختام المقطوعة الأخيرة، يهزنا لأنه قد أعطانا على الأقل «خلاصة» التجربة؛ أعطانا مرحلة ~~التبلور النهائي لوقع اللحظة الزمنية - لحظة سن الخامسة - على وجوده الداخلي كإنسان، هذا ~~الواقع مجسم بانفعال صادق ومركز، في الأبيات الثلاثة النهائية من هذه المقطوعة: # نداي! من سلسل الخم # ر في الثنايا العذاب؟ # من صفف الشعر فوق ال # جبين سطر كتاب؟ # رددت لي بعد يأسي # حلم الهوى والشباب # من أنت؟ # الله الله لما # عضت على العناب # وصفقت بيديها # وغمغمت بالجواب # سل الرياحين عني # وسل حنين الرباب # بقدر ما كانت «ندى» - في بداية العمل الشعري - انعكاسا لتكوين جمالي، عبر رؤية البصر ~~والتخيل، أصبحت - في نهاية هذا العمل - وهي انعكاس لتكوين وجودي عبر رؤية الشعور والفكر ... ~~اللحظة التي تعض فيها الطفلة على الشفتين، وتصفق باليدين، وتغمغم بالكلمات، معناها بالنسبة ~~إلى الأب، أن وجوده الإنساني قد بدأ بصورة منطقية، من نقطة البدء الحقيقي لهذا الكيان ~~الطفولي الذي ينتسب إليه؛ إنها عملية إثبات للوجود، وظاهرة امتداد ونفي للعدم، وكل هذا ~~نستطيع أن نستشفه من خلاصة التجربة أو من مرحلتها النهائية، وهو في ms059 الوقت نفسه يؤكد لنا مدى ~~الخسارة التي يمكن أن تلحق بالشعر، إذا لم تكتمل لتجاربه كل المراحل الزمنية لارتباط الفكر ~~بالحياة. # وليس معنى هذا أن شعر بشارة الخوري يخلو من التجربة؛ تجربته الذاتية أو تجارب الآخرين، ~~ولكن المشكلة هي طغيان اللوحة واحتلالها أكبر حيز من الموضوع الشعري، مما ينتج عنه أن ينكمش ~~مضمون التجربة، فيصبح وهو تعريجة نفسية في مرحلة العبور الفكري للحظة زمنية، يقتضي الوصول ~~إليها أن نسلك الكثير من المنحنيات، وإذا عثرنا عنده على تجربة لا تطغى عليها اللوحة، ~~واجهتنا مشكلة الأداء التكنيكي الذي يعرضها من خلال تصميم بنائي مترابط، تبدو فيه مراحل ~~التجربة وهي وحدة عضوية متناسقة. ومن نماذج التطبيق التي يمكن أن تجسم لنا هذه المشكلة، ~~تجربته المعاشة عن طريق «الذات» في قصيدته «إلى امرأة»، وتجربته المعاشة عن طريق «الآخر» في ~~قصيدته «رب قل للجوع». النموذج الثاني مثلا يقدم لنا تجربة فتاة شريفة، مات أبواها ولم ~~يتركا لها غير ثروة ضخمة من الجمال، تعادلها في الضخامة ثروة من الفقر؛ وموطن التجربة ~~لبنان وأرضيتها الزمنية أيام الحرب، وتنتهي مراحل الصراع بين الجمال الشريف وبين ذل الحاجة، ~~إلى أن تغامر الفتاة بذهابها إلى قصر الحاكم - مخدوعة بكلمات قوادة عجوز؛ لتلتمس لنفسها ~~ولأخيها الصغير، ما يعينها على الصمود في معركة الجوع، وهناك داخل حجرة مغلقة، أعطت الفتاة ~~قبل أن تأخذ؛ أعطت شرفها وهي مرغمة. # لو اكتسب الأداء التكنيكي شيئا من النضج في هذه القصيدة، لأتاح لمراحل التجربة أن تكون ~~خيوطا حية لنسيج عضوي موحد، فبدلا من أن يهيئ الشاعر لهذه المراحل أن تتتابع - في خط سير ~~نموها الاطرادي - دون حركة انفصال معوقة، رأيناه يقطع خط السير في بعض المواضيع ليفسر ~~موقفا أو يعلق على حدث؛ ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا التدخل المتكرر أن تظهر الفجوات في ~~البناء العضوي للتجربة، لتحول بين خيوطها الناسجة وبين وحدة التماسك. وإذا عدنا إلى نموذجه ~~الشعري الأول بما فيه من تجربة ذاتية، لمسنا اختلافا جوهريا فيما يتصل بالأداء التكنيكي ~~المناسب، فبقدر ما نشاهد ms060 هناك من انفصال بين اللحظات الزمنية، الرامزة إلى مراحل التجربة، ~~نشاهد هنا - في قصيدة «إلى امرأة» - من الإسراف في الترابط مظهرا من مظاهر الضغط الذي ~~يصيب الأبعاد التحليلية لكل مرحلة بشيء من التقلص والضمور، وتتراءى لنا - تبعا لذلك - ~~كل المراحل وهي مجموعة من المفاتيح، أكثر مما تتراءى لنا وهي مجموعة من الغرف ~~المفتوحة. # ماذا؟ أحقا كنت بي تهزئين # وكنت في حبك لي تكذبين # لم تخدعيني مطلقا إنما # نفسك يا هذي التي تخدعين # منعت حبي عنك لكنما # منحت عفوي شيمة الأكرمين # مهلا فمصباحك لم يتألق # إلا بما من شعلتي تقبسين # مهلا فإني مثل ذاك الذي # في عرس قانا أدهش العالمين # صيرت خمرا آسن الماء في # نفسك: خمرا ينعش الشاربين # وليمة كانت لنا في الهوى # أكثرت فيها عدد المعجبين ~~••• # هل كنت في أبهى ليالي الهوى # أيام كنت فتنة الناظرين # هل كنت إذ ذاك سوى آلة # ألحانها مني ومنها الرنين؟ # أنشدت أحلامي على فارغ # من خشب القلب الذي تحملين # كالنغم الرنان في آلة # فارغة تحت يد الضاربين # الأبعاد التحليلية في هذه المراحل الثلاث من مراحل التجربة، مضغوطة إلى درجة الاختزال ... ~~وما دام الشاعر قد وضعنا أمام تجربة «بجماليونية»، تتحول فيها المرأة «التمثال» إلى امرأة ~~«حية»، يتدفق في كيانها الرخامي - بفضل لمسات الفنان - كل معاني النبض والحركة، فقد كنا ~~ننتظر من بجماليون الشاعر أن يحدثنا - بشيء من التفصيل - عن دوره الإحيائي للرخام البارد، ~~وكيف تنكر له الرخام الحي، حتى قد قرر في النهاية، أن يقف من تمثاله هذا الموقف الذي يشبه ~~التحطيم: # والآن سيري في الطريق الذي # شئت فلي أيضا طريق أمين # سيري ولا تنسي بأن تستري # إن كنت تستحين، ذاك الجبين # مأدبة أفرغت كأسي بها # وقمت عنها لا كما تزعمين # ففضلة الكأس التي عفتها # تركتها للخدم الساقطين # ما الذي نريد أن ننتهي إليه من وراء هذه الجولة النقدية الدارسة؟ هو ما قررناه في البداية ~~من أن بشارة الخوري - من خلال هذه النماذج وكواحد من شعراء المدرسة الثانية - وجه فني أصيل ~~ومتميز؛ لا يمكن ms061 أن تخطئه العين الفاحصة؛ هو على هذه الصورة بالرغم من كونه شاعر اللوحة، ~~وليس شاعر التجربة. ويتضح من هذه الدراسة أنه يعيش تجاربه، ولكنه يعيشها بطريقته الخاصة ~~التي تكسب لوحاته أولوية التفوق من الناحية الفنية، تبعا لاكتمال الموهبة عند الشاعر ~~الرسام، أكثر من اكتمالها عند الشاعر المفكر؛ وإذا كان هناك جانب النقص فهناك جانب التعويض؛ ~~وفي ميدان الإضافة إلى هذا الجانب الأخير، إنه واحد من الأساتذة القلائل في شعرنا ~~المعاصر، بالنسبة إلى ارتفاع المستوى التركيبي للجملة الشعرية. # أما حين نسلط عليه الضوء كواحد من شعراء المدرسة الأولى - وعلى مدار شعر الترديد والتقليد ~~- فإننا لا نستطيع أن نحدد قسمات وجهه الشعري في غمرة الزحام؛ إن وجهه يختلط أحيانا بوجه ~~شوقي، ويختلط بوجه مطران، ويختلط أحيانا بوجوه أخرى في شعرنا العربي القديم. ونفس الظاهرة ~~تنسحب على كل شعراء تلك المدرسة، ولا تقتصر على الأخطل الصغير: # عش أنت إني مت بعدك # وأطل إلى ما شئت صدك # ما كان ضرك لو عدلت أما # رأت عيناك قدك؟! # وجعلت من جفني متكأ # ومن عيني مهدك # أي شيء هنا يميز بشارة الخوري من ناحية الشكل والمضمون؟ إننا نواجه شعر «الأكلشيهات» ~~اللفظية، التي تحمل طابع النسخة المكررة، ومن وراء هذا المطلع التقليدي للقصيدة، نستطيع أن ~~نلمح وجه البهاء زهير؛ الشاعر المصري القديم وهو يقول: # تعيش أنت وتبقى # أنا الذي مت حقا # هذا الموت «الرومانتيكي» كان بعدا رئيسيا، من الأبعاد الموضوعية لشعر الغزل عند شعراء ~~المدرسية الأولى، وهو مظهر من مظاهر التبعية لقافلة الغناء العربي المتوارث، حيث تتفرع من ~~نقطة البداية في إيقاع رتيب كل أنغام الحداة المتشابهة. وبشارة الخوري - كواحد من هؤلاء ~~الحداة - يتغنى مرة أخرى برومانتيكية الموت، ليذكرنا بقصيدة «أزواد بيت الله» للعباس بن ~~الأحنف: # بلغوها إذا أتيتم حماها # أنني مت في الغرام فداها # واذكروني لها بكل جميل # فعساها تبكي علي عساها # واصحبوها لتربتي فعظامي # تشتهي أن تدوسها قدماها # ويبقى بعد هذا كله من الناحية الاتجاهية؛ من ناحية الحكم عليه كشاعر صاحب موقف من قضايا ~~مجتمعه الذي ms062 يعيش فيه. إن الشاعر كفنان - في مجال العرض والتقييم - لا يمكن أن نفصله عن ~~الشاعر كملتزم، كمرتبط بمشكلات الجموع بصورة أخلاقية؛ في هذا المجال نجد تجاوبا واضحا ~~وتعاطفا أصيلا، بين الكيان النفسي للشاعر وبين الكيان القومي للبنان، كوطن محلي لوجوده ~~الذاتي، وكوطن عربي لوجوده الإنساني الكبير، ولك أن تلقاه في «وكر النسور»، وفي ختام «سلمى ~~الكورانية» وفي «نحن والموت صاحبان»، وفي «غنيت للشرق الجريح» وفي «لبنان عيد ما أرى»، وفي ~~«غصة الشراب» وفي «ليالي الجهاد»، وفي «ثورة من دمنا» وفي «يا أمة غدت الذئاب»؛ وأخيرا في ~~«بني وطني» و«صدى القبلات»: # بني وطني والحادثات ملمة # فما لي أرى هذي العيون غوافيا؟! # ألا فانهضوا نبني الحصون موانعا # ونعلي على مر العصور المبانيا # ونرسي على أس العلوم مدارسا # توجه أميال البنين الجوافيا # ونرفع في هذي البلاد مصانعا # تضم إليها العاملات الأياديا # ونكشف عن هذي السماء غيومها # فتبصر وجه الأفق أزهر صافيا # فيا لك أحلاما إذا ما تحققت # رضيت حياتي أن تكون ثوانيا # هنا شاعر اليوم والغد، شاعر الحاضر المشهود وشاعر التطلع إلى المستقبل، والخطاب موجه إلى ~~وطنه العربي الكبير، وآماله المستقبلية تحلق في أفق التسليح والتثقيف والتصنيع، كوليد شرعي ~~لوعي الرؤية العقلية البعيدة؛ إنها تجربة أحلام أمسية معاشة، وهي تعاش اليوم كتجربة واقع ~~يومي محقق. ولا حاجة بالشاعر - في سبيل أمنية الأمس - إلى أن يكون الثمن المقابل هو التضحية ~~بالحياة، وعلى امتداد التجاوب والتعاطف مع كل بقعة من بقاع العروبة، تلوح له الأرض العربية ~~المقدسة للوطن السليب. # يا جهادا صفق المجد له # لبس الغار عليه الأرجوانا # شرف باهت فلسطين به # وبناء للمعالي لا يدانى # إن جرحا سال من جبهتها # لثمته بخشوع شفتانا # وأنينا باحت النجوى به # عربيا رشفته مقلتانا # نحن يا أخت على العهد الذي # قد رضعناه من المهد كلانا # يثرب والقدس منذ احتلما # كعبتانا وهوى العرب هوانا # قم إلى الأبطال نلمس جرحهم # لمسة تسبح بالطيب يدانا # قم نجع يوما من العمر لهم # هبه صوم الفصح، هبه رمضانا # إنما الحق الذي ماتوا له ms063 # حقنا، نمشي إليه حيث كانا # في هذين النموذجين يعيش الأخطل الصغير، تجربة الجموع العربية في وطن بلا حدود؛ والشعور ~~بالقومية في النموذج الأخير هو مركز التجربة وقلبها النابض، حين يلتقي معنى الجوع الديني ~~المشترك من أجل فلسطين في وجدان الشاعر، بمفهوم وحدة الأرض واللغة والتاريخ والتقاليد. أما ~~تجربة الجموع العربية في الوطن الذي وضع نقطة البداية لوجوده الإنساني، لبنان، فهي هنا ~~مجسمة في هذه الزفرة التي أطلقها بشارة الخوري في يوم له تاريخ؛ وما أكثر أيام وطنه التي ~~أذاقته طعم الغناء والبكاء. # لبنان عيد ما أرى أم مأتم؟ # لله أنت وجرحك المتبسم! # عصروا دموعك وهي جمر لاذع # يتنورون بها وصبحك مظلم # قل للرئيس إذا أتيت نعيمه # إن يشق رهطك فالنعيم جهنم # أيطوف الساقي هنا بكئوسه # ويزمجر الجابي هناك ويرزم # تعرى الصدور هنا على قبل الهوى # وهناك عارية تنوح وتلطم # والكهرباء هنا تشع شموسها # وسراج أكثر من هناك الأنجم؟ # وهو بعد ذلك شاعر الدعوة إلى العمل؛ وشاعر الدعوة إلى الحياة، والحياة من وراء منظاره ~~سلوك جاد وأيد خشنة، وسعي متصل وميدان للتضحية: # نشء لبنان هذه راية الأرز فإما الفداء بالنفس أو لا # قم نخشن منا اليدين فلا نحصد حقلا إلا ونزرع حقلا # الأكف اللدان من شغف الغيد فحدد منهن للحق نصلا # شقيت أمة إذا الجد ناداها تلوت على الأسرة كسلى! # هذا هو الأخطل الصغير بناحيته الفنية والالتزامية؛ كصاحب طابع شعري متميز، وكصاحب موقف ~~اتجاهي واضح المعالم، وحسبنا هذه النماذج من شعره لتتحدث عنه وتشير إليه. # | في الأدب المصري المعاصر # حياتنا الأدبية في حاجة ملحة - ومنذ حين - إلى محاولات مخلصة في ميدان النقد؛ وعندما ~~نقول مخلصة فإنما نعني الإخلاص في المراقبة وفي المعرفة، وفي التقسيم المستند إلى أساس من ~~هذه وتلك، وإلى أساس آخر من مراجعة الضمير. أما الإخلاص في المراقبة فيفرض على الناقد، أن ~~يكون متتبعا لخط سير الحياة الأدبية، ذلك التتبع اليقظ الذي يربط بين طبيعة الواقع ~~الاجتماعي، في كل مرحلة من مراحل التطور الإنساني، وبين طبيعة الواقع الإنتاجي في ms064 كل مرحلة ~~من مراحل التطور الفني. وبهذه الجزئية من المحاولة المخلصة ككل، يمكننا أن نضمن سلامة ~~التقييم لكل أثر من آثار الفن، بالنسبة إلى ارتباط هذا الأثر بمفاهيم عصره وإمكانيات بيئته، ~~تلك التي حددت ملامحه الفنية ورسمت خطوطه الاتجاهية، عندئذ يتلافى النقد ذلك الخطأ الناتج ~~عن تطبيق مقاييس هي نتاج عصر أدبي بعينه، على عصور أخرى سابقة رغم اختلاف الظروف ~~والمقومات. ولا يخطئ بالتبعية حين يزن إنتاج شاعر أو كاتب في جملته، بميزان مرحلة معينة ~~تمثل تعريجة واحدة من خط سير فني يزدحم بالمنعطفات والتعاريج. # وإذا ما تخطينا الإخلاص في المراقبة إلى الإخلاص في المعرفة، فقد بلغنا المنطقة التي ~~تتركز وراء حدودها المبدئية قيمة من القيم هي «حرمة الثقافة». وحرمة الثقافة تفرض على ~~الناقد، ألا يحبس فهمه داخل سرداب ضيق من سراديب المذهبية الباحثة، وألا يحصر نظرته داخل ~~منظار متعصب من مناظير الذاتية المتذوقة، إذا ما حاول أن يصدر حكما نهائيا على أعمال ~~الآخرين؛ ذلك لأن المنظار المتعصب يدعو بطبيعته إلى تقييد الرؤية الفنية، بحيث لا ينظر إلى ~~العمل الأدبي إلا من خلال عقيدة معينة؛ ولأن المذهبية الضيقة من شأنها أن تجمد الملكة ~~الناقدة، بحيث لا يقيم الأثر الفني إلا على أساس فهم خاص. وهنا يكمن الخطأ الآخر الذي يدفع ~~النقد المصري - عند بعض النقاد - إلى إغفال قيمة التكنيك تعصبا للاتجاه، أو إلى التضحية ~~بالشكل في سبيل المضمون. # ويبقى بعد هذا خطأ ثالث يرتكبه هذا اللون من النقد المصري المعاصر، وهو «مجاملة» الاتجاه ~~السياسي الذي يدين به الأديب؛ لأن الناقد مثلا يدين بنفس الاتجاه. والمجاملة هنا مصدرها ~~تعمد المناصرة للعقيدة الفكرية، حتى لا تتعرض هذه العقيدة لهزات الشك، إذا ما تعرض الأثر ~~الفني للنقد العادل. ومن هذه النقطة تنبع قضية الضمير الأدبي، الذي نعده الدعامة الرئيسية ~~لكل تقييم صحيح؛ فقد يكون الناقد بصيرا بمجموعة الأخطاء والمآخذ في العمل الفني، ولكنه ~~يغض الطرف عن تلك الأخطاء والمآخذ؛ اتقاء لخذلان الأديب المنتج، تبعا لأن إنتاجه يعد بمنزلة ~~اللسان المعبر عن الوجود العقائدي ms065 لكل من الأديب والناقد. وهذا بالطبع على حساب القيم ~~الفنية حين تكون بعيدة عن مراجعة الضمير. # هكذا يسير النقد المصري في الطريق الذي رسمه له بعض النقاد. والنتيجة هي أن أسواق الأدب ~~قد استقبلت في هذه الأيام، مجموعة جديدة من الثمار الأدبية غير الناضجة؛ لأن تربة الإنتاج ~~في حقل الشعر والقصة على الخصوص، قد سمدت بسماد نقدي غير مناسب، أو لأن المشرفين على ~~التربة يهمهم أن تمتلئ السوق بهذا النوع من الثمار، بصرف النظر عن خطورة كل عملية قطف قبل ~~الأوان. ونحن الذين نؤمن بقيمة أدب الكفاح في سبيل خلق حياة أفضل، حياة تسودها القيم ~~الهادفة إلى تمجيد كرامة الفرد، كعنصر تكويني هام في بناء المجتمع، نشعر أن قضية هذا الأدب ~~هي قضية التركيب الفني السليم، الذي لا يتاح بغيره أن يشق المضمون الاتجاهي مجراه إلى نفوس ~~الجماهير؛ ولهذا قلنا إن حياتنا الأدبية في حاجة ملحة، إلى محاولات مخلصة في ميدان النقد، ~~حتى يكون للتوجيه النقدي المدرك أثره الفعال في قيادة الإنتاج. # ونحن اليوم أمام محاولة نقدية جديدة، محاولة سلمت من الأخطاء السابقة، فاستحقت أن نصفها ~~بالإخلاص؛ ذلك لأن الدكتور عبد القادر القط في كتابه الذي أصدره منذ قريب، تحت عنوان «في ~~الأدب المصري المعاصر»، قد راعى في كثير من الإنصاف أن يطبق مقاييس النقد المتطورة، على ~~إنتاج أدبي ينتسب إلى مرحلة اجتماعية متطورة؛ ولهذا تجنب أن يطلق أحكاما عامة على منقوديه ~~من الأدباء في جملتهم، حين ركز أحكامه عليهم في حدود الأعمال الأدبية التي تناولها بالنقد ~~والدراسة؛ وهو في تقييمه لتلك الأعمال ينظر من خلال منظار، يرى ويقف فوق أرض محايدة، هناك ~~حيث لا مجال للتعصب المذهبي ولا تودد للعقيدة الفكرية، مما يقتضي عند غيره أن يصدر الرأي أو ~~نقيضه، وكلاهما رمز صادق للتجني أو المجاملة. فالمؤلف - على ضوء معرفتنا به - لا تربطه ~~بمنقوديه صلات شخصية أو عقائدية من صداقة أو خصومة، وإنما تقوم الصلة بينه وبينهم على أساس ~~من الإنكار لظاهرة فنية أو اتجاهية، لا ترضي الميزان النقدي ms066 العادل، أو أساس من الإعجاب ~~بظاهرة أخرى تبدو وهي راجحة في حساب الوزن والتقييم. والمؤلف معرض في بعض المواضيع من ~~كتابه لأن نختلف معه تبعا لأننا سننكر عليه بعض آرائه، ولكنه الإنكار الذي يرجع إلى ~~اختلاف وجهات النظر، وليس إلى أنه قد أبصر الحقائق ثم أغمض عينيه؛ كما يفعل ~~الآخرون. # القسم الأول من الكتاب خصصه الدكتور القط لدراسة «السلبية في القصة المصرية». أما النماذج ~~التي اختارها من الإنتاج الأدبي المعاصر، ليسجل من خلالها مظاهر تلك السلبية، فهي أربع ~~مسرحيات ذهنية لتوفيق الحكيم تتمثل في «أهل الكهف» و«بجماليون» و«الملك أوديب» و«شهرزاد» ... ~~ثم ثلاث قصص طويلة هي: «أزهار الشوك» لمحمد فريد أبو حديد، و«إني راحلة» ليوسف السباعي، ~~و«بعد الغروب» لمحمد عبد الحليم عبد الله. وطريقة المؤلف في عرض العمل الفني ودراسته ونقده ~~تعد في جملتها سليمة، ما دامت محصورة في نطاق الزاوية التي اختارها لتلك الدراسة، ونعني بها ~~زاوية السلبية؛ ولهذا فقد كان منصفا لبعض منقوديه - كتوفيق الحكيم مثلا - حين قال في ~~مقدمة كتابه: ~~... ولم أقصد من دراسة ما درست من كتب، أن أتناول جميع جوانبها، وأحلل كل عناصرها الفكرية ~~والفنية، ولكنني اتخذت كل مجموعة منها مثالا لاختلاط بعض مفاهيم الأدب عند منشئيه في تلك ~~الفترة الحرجة من حياتنا الأدبية. وقد يكون في بعض القصص التي اخترتها موضوعا لبحث السلبية ~~في القصة المصرية مثلا، وصف فني جميل أو تحليل نفسي عميق، أو أسلوب قصصي جيد في بعض ~~المواضيع، ولكنني لم أشر إليه ولم ألتفت إلا إلى تلك العناصر، التي توضح الفكرة التي من ~~أجلها اتخذت تلك الأعمال موضوعا لهذه الدراسة. # وعلى هذا الأساس سار المؤلف في طريقه متجها نحو الهدف الذي حدده في تلك الكلمات. ولكنه ~~قبل أن يصل إلى هدفه يعرج على بعض القيم والمفاهيم المتصلة بجوهر السلبية والإيجابية، ~~كوجهة نظر فنية ترتكز عليها مقاييسه وأحكامه في مرحلة الدراسة والتطبيق؛ وفي هذا المجال ~~الجوهري نقف مع الدكتور القط حين يقول: # والقصاص حين يصور الحياة يستطيع أن يختار نماذجه من بين الإيجابيين ms067 أو السلبيين أو منهما ~~معا، ولكنه بعد ذلك مطالب بأن يضع هذه النماذج تحت ضوء خاص، يخلق لها دلالات جديدة ويبث ~~فيها معاني طريفة، تجعل من قصته حافزا إلى الحياة ومنبها إلى ما فيها من خير وشر، بحيث ~~يخلق في نفوس قارئيه وعيا قويا بمجتمعهم ومشكلاته، ونفوسهم وحقيقة ما يعتمل فيها من ~~أحاسيس. وهكذا يكون الفن - إلى جانب المتعة الجمالية - دافعا إلى التطور باعثا على اليقظة ~~العقلية والنفسية، لا مجرد تسلية محضة فحسب. ومن اليسير على القصاص أن يصور النماذج ~~الإيجابية لتجتمع فيها كل هذه الصفات والمعاني، إذ إنها بطبيعتها قادرة على ذلك مستجيبة لما ~~يبثه الفنان فيها من حياة وإيحاء؛ وقد يستطيع القصاص أن يصور الشخصيات السلبية على وجه ~~يتحقق معه ما ينبغي للفن من وظيفة إنسانية اجتماعية وعناصر جمالية؛ وذلك بأن يثير حول تلك ~~الشخصيات من الأفكار والأحاسيس ما يثيره حول الشخصيات الإيجابية القوية، إذا أثارنا على ~~ضعفها أو خلق تعاطفا مع هذا الضعف. وهو يستطيع أن يثيرنا على ضعفها، إذا لم يرسمها مجرد ~~شخصيات وانية فاترة تمضي حياتها رتيبة مملة، بل يخلق لها من المواقف والأحداث ما ينفرنا ~~من عجزها وسلبيتها، ويثير فينا احتقارا لها وازدراء لشأنها. ويستطيع أن يثير فينا تعاطفا ~~مع ضعفها، إذا رد هذا الضعف مثلا إلى عوامل نفسية قاهرة، لا تستطيع الشخصية منها فكاكا، ~~فهي كالمغلولة تريد الانطلاق ولا تجد إليه سبيلا. # هذه الصورة النقدية التي رسمها المؤلف، لما يجب أن يكون عليه المضمون الفني والاجتماعي في ~~القصة، لا تختلف عن الصورة التي نرتضيها ونريدها لمثل هذا المضمون؛ فهو مثلا لم يغفل عن ~~وجوب العناية بالناحية التكنيكية - وهي التي عبر عنها بالمتعة الجمالية - إلى جانب العناية ~~بالناحية الاتجاهية؛ ذلك لأنه يؤمن معنا بأن التضحية بالأصول الفنية لكتابة القصة في سبيل ~~إبراز مضمون قصصي ملتزم، هي في الواقع تضحية بهذا المضمون نفسه، حين يقف «وحده» عاجزا عن ~~إتمام عملية حفر عميقة في كيان مجتمع قابل للتطور. وهو من جهة أخرى لم يقصر نجاح الالتزام ms068 ~~القصصي على تصوير الشخصيات الإيجابية، الثائرة بطبيعتها على أوضاع اجتماعية معينة، بل جعل ~~المرجع في ذلك إلى قدرة القصاص نفسه على الإيحاء والتوجيه والإثارة، بمعنى أن هذا القصاص ~~يستطيع أن يشيع في أعماق القارئ كل هذه القيم الإيجابية، ولو كان أبطاله من السلبيين، وحسبه ~~في ذلك أن يقدمهم من خلال أحداث ومواقف تجسم فيها المشكلة، بحيث نثور نحن من أجلهم ولو ~~كانوا هم في حالة ضعف وعجز عن الثورة؛ وعلى هذا الأساس الأخير مضى المؤلف ليناقش في غير ~~تجن ولا مجاملة، ما وقع عليه اختياره من أعمال ~~توفيق الحكيم ومحمد فريد أبو حديد، ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله. # والمؤلف بعد العرض الأمين لمضمون هذه القصص الثلاث: «إني راحلة» و«أزهار الشوك» و«بعد ~~الغروب»، وهو العرض القائم على التلخيص بما يتخلله من وقفات نقدية متأنية أمام الأخطاء ~~والمآخذ في محيط الاتجاه والتكنيك، ينتهي إلى أن هذه القصص: # قد اتفقت اتفاقا طريفا في رسم الشخصيات وبناء الأحداث، فالشخصيات جميعها سالبة، ~~والصراع لا وجود له، والمصادفة هي التي تحرك الأحداث وتتحكم فيها، وثقافة المؤلف تظهر ~~بوضوح تام وتطغى على تفكير الشخصيات الروائية، وسلوكها الذي يتسم بقدر كبير من المثالية ~~الزائفة. وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون نتيجة اتباع لمذهب معين، أو تفضيلا لأسلوب خاص في ~~القصص، بل هو تعبير عن السلبية الغالبة في المجتمع بمثلها وقيمها الخلقية، وهو تعبير عن تلك ~~السلبية الكامنة في شخصيات المؤلفين أنفسهم، إذ كانوا جزءا من مجتمعهم يدينون بما يدين ~~به. # إزاء هذا الرأي - وعلى ضوء دراستنا الشخصية لهذه القصص الثلاث - لا نملك إلا أن نوافق ~~المؤلف على ما ذهب إليه؛ والواقع أننا إذا ما أردنا أن نبحث عن مناطق الفراغ في الوجود ~~الفني لأصحاب هذه القصص، لأدركنا بعد جولة فكرية دارسة أن هذه المناطق متشابهة من حيث ~~الشكل، تبعا لوحدة المسالك المؤدية إلى حقيقتها الموضوعية. فالمؤلفون الثلاثة مثلا يتفقون ~~في أن كلا منهم، لا يلم إلماما كافيا بالمنهج التصميمي لكتابة القصة، وذلك لضآلة ~~الثقافة الفنية في ms069 هذا المجال من جهة، ولانعدام الممارسة العملية لأي تجربة إبداعية من ~~جهة أخرى، وينتج عن هذه الظاهرة أنهم يكتبون القصة بأسلوب اجتهادي، لا تستطيع الموهبة - ~~حتى ولو توفرت لهم - أن تملأ بقية الجوانب في منطقة الفراغ. بل ويترتب على نفس الظاهرة ~~أيضا، تكرارية هذا الأسلوب الذاتي بصورة ملحوظة، بحيث تصبح أعمالهم القصصية - رغم تنوعها ~~الموضوعي - نسخا مكررة من ناحية التصميم الفني العام؛ وفي رأينا أن عنصر السلبية ~~الاتجاهية كما حدده المؤلف في نقده لهذه القصص الثلاث، يرجع إلى ضعف القابلية التطورية لدى ~~المؤلفين من ناحية التجاوب الاجتماعي الصاعد، كنتيجة مباشرة لضعف القابلية نفسها، من ناحية ~~التفاعل الفني مع المفاهيم الأدبية الجديدة. ولا بد من نقلة أخرى تدفعنا إلى أن نقف مع ~~المؤلف - متفقين حينا ومختلفين حينا آخر - أمام المسرح الذهني لتوفيق الحكيم. # إن السلبية في مسرحية «أوديب»، ومن دور التجاربخلال العدسة المقربة في منظار المؤلف، تتلخص في أن ~~القالب الفكري الذي صب فيه توفيق الحكيم تركيبة أوديب الإنسانية، لا يصلح كرمز لذلك الترقب ~~الإنساني - بقيمه الهادفة - لانبلاج صبح الحقيقة؛ ذلك لأن أوديب في هذه المسرحية قد شارك ~~«ترسياس» في مؤامرة، أخفيت فيها الحقيقة عن الشعب، وخدعت عنها حتى زوجته وأولاده، وعاش هذا ~~الباحث عن الحقيقة سبعة عشر عاما في ظلال زيف متصل الحلقات. هذا بالإضافة إلى أن الكاتب لم ~~يعالج الاتجاه المسرحي، بمحاولة تخليصه من الجبرية الصارمة والقدرية المهزومة. أما السلبية ~~في «أهل الكهف» فتتركز في ذلك الصراع الرئيسي، الذي أقامه توفيق الحكيم بين القلب والزمن ... ~~بين الثلاثمائة عام التي قضاها «ميشيلينا» في ظلام الكهف، وغيرت طعم القيم الحياتية في فم ~~وجوده بعد البعث، وبين قلب «بريسكا» الذي طوى القرون الثلاثة، ليصل الماضي بالحاضر في قصة ~~حب مثيرة. لقد أراد الكاتب لهذا القلب أن ينتصر على الزمن، فأنهى الصراع بانتحار «بريسكا»، ~~بأن دفنت نفسها حية مع «ميشيلينا»، ليتم الاتحاد العاطفي في عالم الموت، بعد أن عجزت يد الحياة ~~عن صنع هذه المعجزة؛ إنه ليس انتصارا في رأي الناقد، ولكنه صورة ms070 مجسمة للهزيمة، هذا إلى ~~جانب بعض مظاهر السلبية الأخرى في الحوار، مثل إشارة الكاتب إلى إخفاق مصر في مقاومة الزمن ~~وانتقام التاريخ. وإذا ما سعينا وراء السلبية في «بجماليون» فهي هناك، في ذلك الصراع الذي ~~أدار الحكيم أحداث المسرحية ومواقفها حول محوره، وهو الصراع بين المثل الأعلى والواقع ~~المادي بالنسبة إلى الفنان، حيث ينتهي هذا الصراع أيضا بأن يحطم المثال تمثاله الرائع، ثم ~~يفارق الحياة وهو يسير في قافلة من اليأس، كان حداؤها الشك والفرار من مواجهة القوى ~~الدافعة. والحق أن المؤلف في دراسته لعناصر السلبية في هذه المسرحيات الثلاث، قد بذل جهدا ~~ملحوظا في رصد هذه العناصر، وتحليلها على ضوء المفاهيم الإيجابية التي حددها كمقاييس في ~~مقدمة كتابه، ومع ذلك فلا مناص من أن نختلف معه في بعض الجوانب الموقفية، التي سلط عليها ~~أضواءه الكاشفة «من بعيد»، وأن نختلف معه مرة أخرى في تفسيره للفكرة الرمزية في «شهرزاد»، ~~وما ترتب على هذا التفسير من حكم ظلمت معه في رأينا الحقيقة الفنية. # لقد وقف الدكتور القط عند المعنى القريب في المضمون الفكري لمسرحية «شهرزاد»، ولم ينفذ ~~إلى ما وراء المعنى القريب من رمز بعيد؛ فهو مثلا قد ظن أن شخصية شهرزاد ما هي إلا شخصية ~~امرأة مغلفة بالأسرار، يسعى كل من «شهريار» و«قمر» إلى الكشف عن حقيقتها، بحيث ينظر إليها ~~الأول على أنها عقل كبير، وحيث ينظر إليها الثاني على أنها قلب كبير، بينما هي من وجهة نظر ~~«العبد» لم تكن إلا جسدا جميلا. واعتمد المؤلف في هذا التفسير الذي لم يحالفه الصواب على ~~هذه العبارة التي قالتها شهرزاد لكل منهم وهي ساخرة: «أنت تراني في مرآة نفسك.» وينتهي ~~إلى أن هذا المفتاح التعبيري هو جوهر المضمون الفكري للمسرحية، وخلاصته «أن الحقيقة لا ~~حقيقة لها إن صح هذا التعبير»، واعتمادا على هذه النظرة أصدر المؤلف حكما، ظلمت معه ~~الحقيقة الفنية كما سبق القول، ومدار هذا الحكم هو أن شخصية شهريار شخصية سالبة؛ لأنه فشل ~~على يد الكاتب في الوصول إلى ms071 حقيقة شهرزاد، وعاد من نقطة النهاية إلى نقطة البداية وهو ~~مهزوم. # ولا ندري كيف لم يفطن الدكتور القط - على وفرة لقطاته الواعية - إلى حقيقة الفكرة الرمزية ~~في «شهرزاد»، مع أن هناك أكثر من مفتاح تعبيري لفتح الأبواب المؤدية إلى هذه الفكرة؛ يقول ~~شهريار في أحد المواضع من المسرحية موجها حديثه إلى شهرزاد: «أنت لست امرأة ككل النساء.» ~~فإذا ما أجابته قائلة: «أتمدحني أم تذمني؟» كان تعقيبه هو هذا المفتاح الأول: «لست أدري، ~~بل قد لا تكونين امرأة!» ومفتاح آخر عندما يقول شهريار أيضا كاشفا عن قلقه وحيرته: «إن ~~شهرزاد مثل الطبيعة، تبدي لنا محاسنها وتخفي عنا أسرارها.» ومفتاح ثالث في موضع ثالث، حين ~~يقول معبرا عن شكه ويأسه: «لست أحب الجلوس إلى هذه الأرض؛ دائما هذه الأرض، لا شيء غير ~~الأرض، هذا السجن الذي يدور، إنا لا نسير، لا نتقدم ولا نتأخر، لا نرتفع ولا ننخفض، إنما ~~نحن ندور، كل شيء يدور، تلك هي الأبدية، يا لها من خدعة؛ نسأل الطبيعة عن سرها فتجيبنا ~~«باللف» والدوران!» # هذه المفاتيح الثلاثة وغيرها مضافة إلى اتجاه المضمون الفكري في جملته، تطلعنا على جوهر ~~الفكرة الرمزية؛ وهي أن شهرزاد قد رمز بها توفيق الحكيم إلى سر الطبيعة، أو سر الأبدية، أو ~~سر الوجود على أي تسمية من هذه التسميات؛ ومن هذا المنبع الرمزي تدفقت كل الرموز الأخرى في ~~المسرحية، حيث يصبح شهرزاد رمزا أصيلا لهذه المجموعة البشرية، التي تنظر إلى سر الطبيعة ~~من نافذة «العقل»، فتتعرض تبعا لذلك لهزات عنيفة من أعاصير الشك والقلق والحيرة، وحيث ~~يصبح قمر رمزا آخر لتلك المجموعة البشرية، التي تنظر إلى سر الطبيعة من نافذة «القلب»، فهي ~~عنوان صادق لذلك الإيمان الأعمى، الذي يسلم بكل ما يراه، وحيث يصبح العبد رمزا ثالثا ~~لمجموعة بشرية ثالثة، لا تنظر إلى الطبيعة إلا من نافذة «الحواس»، فهي أسيرة المظهر المادي ~~الذي يعود عليها بكل متعة حسية ، ومن هنا آمن العبد بجسد شهرزاد فاستمتع، وآمن قمر بقداسة ~~شهرزاد فاطمأن، وشك شهريار في هذه ms072 القداسة فشك في حقيقة شهرزاد كلها، ومضى يجوب الأرض ~~باحثا عن سرها فلم يظفر بغير الإخفاق، وهذه النهاية تعد في رأينا طبيعية بالنسبة إلى كل ~~النماذج البشرية التي يمثلها شهريار، وبالنسبة إلى المضمون الاتجاهي الذي تمثله مسرحية ~~توفيق الحكيم؛ لأنه مضمون «وجودي» بحت، يرمز إلى الموقف الكوني للإنسان، بصورة لا يمكن أن ~~تتسع لأي خط اجتماعي هادف؛ مما يتعذر معها أن يوصف الكاتب بأنه كان سلبيا أو قريبا إلى ~~السلبية. # ومن الجوانب الموقفية التي يدور حولها الخلاف بيننا وبين المؤلف، هذا الحوار مثلا كما ~~أطلقه توفيق الحكيم على لسان كل من «بجماليون» و«جالاتيا»، حيث يقول بجماليون: «معاني ~~التقدير لمحتها في عينيك هذا الصباح، وأنت تنظرين إلى أولئك الحطابين في الغابة، والعرق ~~يتصبب من جباههم.» وتقول جالاتيا معقبة على هذا الاعتراض: «كل كد جدير بالتقدير.» فيقول ~~بجماليون مرة أخرى محددا موقفه: «كل زوجة لا تستريح حتى ترى جبين زوجها يتعفر بتراب العمل ~~والشقاء، إنك تعرفين أني لست في حاجة إلى أن أعمل وأشقى.» وهنا يصدر الدكتور القط حكما ~~نهائيا على اتجاه الكاتب في نطاق هذا الجانب الموقفي، فيقرر أن توفيق الحكيم: «قد جعل ~~اضطرار الناس إلى العمل رمزا لما في الحياة من تبذل وامتهان، وهو رأي يمثل فكرة الفنان ~~الذي يعيش في برجه العاجي، دون أن يحس بما للعمل من فضل على الحياة وعليه هو نفسه، حين يهيئ ~~له ذلك البرج العاجي الأنيق، الذي يعيش فيه بمعزل عن الكادحين.» # الحق أننا نشفق من «نهائية» الأحكام النقدية في مثل هذا الموقف، الذي نخرج فيه من الحوار ~~برأيين متعارضين، يحمل كل منهما في أحشائه وجهة نظر فنية تعبر عن اتجاه فكري محدد؛ فإذا ~~قال المؤلف - وبطريقة حاسمة - إن وجهة نظر بجماليون بالنسبة للعمل والكادحين، هي وجهة نظر ~~الفنان المنعزل الذي يمثله توفيق الحكيم، جاز لنا أن نقول أيضا إن توفيق الحكيم قد يكون ~~معترضا - وبطريقة إيحائية - على موقف بجماليون، من خلال وجهة النظر الأخرى التي تعبر عن ~~موقف جالاتيا، وهي تهتف في انفعال ms073 صادق: «كل كد جدير بالتقدير»، ومعنى هذا أنه ما دام هناك ~~احتمال ممكن لوجود تفسيرين لجزئية مضمون اتجاهي، فينبغي للناقد أن يتجنب الأحكام ~~النهائية. # وجانب موقفي آخر حين استجابت الآلهة لدعاء بجماليون، فأحالت التمثال الرخامي البارد إلى ~~«جالاتيا» البشرية المتدفقة بالحياة، لقد طلبت جالاتيا الجديدة إلى بجماليون أن يفترق كل ~~منهما عن الآخر؛ لأنها تشفق من ذلك اليوم الذي سيعرض شعرها للشيب ووجهها للتجاعيد، في تلك ~~المرحلة من العمر التي تبهت فيها الصورة الجميلة تحت لفح الشيخوخة، وعندئذ يتعرض وجودها ~~الإنساني - ومن خلال نظرته المتذوقة - إلى الإذلال والهوان. وحين يجيبها بجماليون في فزع، ~~بأنه لا يستطيع أن يتخيل هذا الذي سيحدث، تجابهه هي بهذه القضية الفكرية الناصعة: «لقد لفظت ~~الحقيقة الساعة يا بجماليون. إنني لست عملك الفني، ولا أستطيع أن أكون كذلك، ينبغي أن تفكر ~~أيضا بشيء آخر هو احتمال موتي، وبه يمحي كل أثر لعبقريتك.» لقد عقب الدكتور القط على ~~مضمون هذا الحوار بأنه: «فلسفة مخطئة عن الفن والحياة، مردها تصور المؤلف الحياة كما تتمثل ~~في كائن حي واحد يشيخ ويموت، وإغفاله لحقيقة الحياة الممتدة الباقية من جيل إلى جيل. إن ~~الحياة باقية وكذلك الفن؛ لأنه يستمد منها وجوده، أما الذي يفنى فهو الكائن الحي في نطاق ~~عمره المحدود، وكذلك يفنى الأثر الفني، فما يمنع أن يتحطم التمثال ويعود قطعا لا معنى لها، ~~من العاج أو الرخام؟» # وهذا في رأينا تفسير بعيد عما قصد إليه توفيق الحكيم، إن نقطة الارتكاز في هذه القضية ~~الفكرية، هي هذه العبارة في المضمون الحواري، حين تقول جالاتيا لبجماليون: «إني لست عملك ~~الفني، ولا أستطيع أن أكون كذلك»، والمعنى البعيد الكامن وراء العبارة، هو أن العمل الفني ~~إذا لم يكن من صنع الفنان ومن خلق يديه، فهو عمل معرض للفناء «المعنوي»، بحيث لا يستطيع أن ~~يجد لصاحبه مكانا في سجل الخلود؛ ذلك لأنه منسوب بغير حق إلى صاحبه، وهو من صنع الآخرين، ~~وكل التعبيرات الواردة في الحوار عن الشيب والتجاعيد، وتغير الصورة الجميلة بفعل ms074 الشيخوخة ~~وفنائها بفعل الموت، هي في حقيقتها رموز معنوية أراد توفيق الحكيم، أن يصل إليها فوق معبر ~~فني من «مادية» الكلمات. # ونحن مع الدكتور القط بعد ذلك في القسم الثاني من كتابه، حيث خصص هذا القسم للإيجابية ~~بمفهومها الفني والاجتماعي، كما حدده في القسم الأول؛ وهو هنا يسجل أدوار المرحلة ~~الانتقالية، التي مر بها الأدب المصري المعاصر ليواجه الدور الأخير، وهو دور التجاوب مع ~~حركة المد الجديدة، المندفعة إلى ربط الأدب بمشكلات عصره. ويتخطى المؤلف هذا الدور ليصل إلى ~~الساحة النقدية، التي يمكن أن يمارس فيها عملية التطبيق، على أربعة أعمال فنية حاول أصحابها ~~- جهد طاقتهم - أن يربطوها بعجلة الأدب الملتزم. وهذه الأعمال التي اختارها المؤلف كنماذج ~~للمحاولة هي: رواية «أنا الشعب» لمحمد فريد أبو حديد، ومسرحية «غروب الأندلس» الشعرية لعزيز ~~أباظة، ومجموعة من القصص القصيرة بعنوان «السماء السوداء» لمحمود السعدني، وديوان من الشعر ~~هو «أغاني أفريقيا» لمحمد الفيتوري. # أما رواية فريد أبو حديد فقد انعكست على صفحة المرآة النقدية للمؤلف، في تلك الصورة التي ~~رسمنا خطوطها التعبيرية من قبل، حين قلنا إن عدم الإلمام بالأصول الفنية لكتابة القصة، هو ~~في الواقع تضحية بالمضمون الاتجاهي نفسه، حين يقف وحده عاجزا عن عملية حفر عميقة في نفوس ~~الجماهير. وتتكرر الصورة مرة أخرى بالنسبة إلى المضمون الاتجاهي أيضا في مسرحية عزيز ~~أباظة، تبعا لانعدام الوعي بالتكنيك المسرحي أولا، وللحذلقة اللغوية التي يلجأ إليها ~~الشاعر ثانيا، ويشعر معها النظارة بحاجتهم إلى القواميس، ويرغم معها القراء على الرجوع إلى ~~الهوامش الشارحة. ونحن معجبون مع المؤلف بكثير من جوانب الملكة القاصة عند محمود السعدني، ~~وإن كان هذا القصاص الشاب في رأينا، ينقصه التنويع في عرض المستويات النفسية لنماذجه ~~الكادحة، حتى تكون هذه النماذج في جملتها تجميعا صادقا في بؤرة العدسة اللاقطة لنظائرها ~~الحية في المجتمع المصري. وإذا ما اهتم هذا القصاص بعملية التطوير الموقفي للأحداث، لتخرج ~~بعض قصصه من نطاق «الصورة» إلى نطاق «المشكلة» المكتملة العناصر، فليس من شك في أن إنتاجه ~~يصبح كسبا كبيرا ms075 للقصة المصرية القصيرة. ولقد أنصف المؤلف شعر الفيتوري وهو في رأينا جدير ~~بالإنصاف. # | أزمة الجنس في القصة العربية # أن ندرس العمل الفني من الداخل فتلك هي مهمة الناقد، أما أن ندرس العمل الفني من الخارج ~~فهذه هي مهمة الباحث. وكل من الباحث والناقد - من ناحية التكامل الازدواجي للكاتب - مطلوبان ~~كصفتين بارزتين، في مجال التقييم الحقيقي لمختلف الأعمال الفنية. # إننا ندرس العمل الفني من الداخل، لنحكم على عملية بنائه كتركيب عضوي، ينمو ويمتد من خلال ~~حركة دينامية متطورة؛ وعلى هذا الأساس من توفر عنصر الإيجاب والسلب، نهيئ أول جانب من ~~أركان المعادلة التقييمية للعمل الفني عبر لمسات النقد؛ نهيئه في حدود قطاع واحد هو القطاع ~~الداخلي، ونعني به قطاع الملكة الناقدة، أما ذلك الجانب الآخر من أركان المعادلة، فإننا ~~نهيئه في حدود القطاع الخارجي أو قطاع الملكة الباحثة، إذا ما نظرنا إلى العمل الفني على ~~أنه وليد شرعي، لما يحيط به من عوامل التكوين، تلك التي تتمثل في الدوافع المؤثرة والتيارات ~~الموجهة. # من هنا يتحتم علينا ونحن ندرس في أعمال الآخرين مشكلة من المشكلات أو نبحث ظاهرة من ~~الظواهر، ألا ننظر إلى المشكلة أو الظاهرة، وهي معزولة عن واقعها الاجتماعي وجذورها ~~التاريخية؛ إن هذا العزل لو حدث، لترتب عليه أن يقتصر الكاتب - بطريقة مرغمة - على الرصد ~~التسجيلي الذي ينقصه التفسير والتبرير. إن المشكلة أو الظاهرة نتاج مباشر لعديد من ~~الأوضاع، التي تشكل في مجموعها هيكل مرحلة حضارية متطورة الملامح، ولكنها على التحقيق تستمد ~~الجوهر الأصيل لملامحها - على مدار تجمد الترسيب أو تكيفه - من مراحل أخرى سابقة، هي نقط ~~الانطلاق الأولى لهذه المرحلة الحضارية الممتدة. # من هذه الزاوية يتاح لنا أن نرصد المشكلة، وأن نحدد أبعادها الموضوعية من جهة، وأن نضع ~~أيدينا - من جهة أخرى - على مصادر هذه الأبعاد؛ على المنابع التي تفسر لنا جريان النهر ~~الحياتي للمشكلة، واندفاعه في اتجاه معين، عبر مسالك العمل الفني الرامز إلى مرحلة حضارية. ~~وقد يكون العمل الفني تجسيما لواقع تاريخي يتشابه مع واقع تاريخي آخر، ms076 ينشئ بينهما نوعا ~~من التجاوب الفكري والعاطفي في الفن، بحيث ينشئ بدوره نوعا من التكرار لظاهرة اتجاهية ~~محددة؛ يحدث هذا على اختلاف البعد الزمني والمكاني، بين نوعي الأرضية التاريخية التي تدور ~~فوقها الأحداث. # غالي شكري في كتابه الجديد «أزمة الجنس في القصة العربية»، يحقق الكثير من هذا التكامل ~~الازدواجي للكاتب، حين يجمع بين الباحث والناقد على صعيد الرؤية الإدراكية للعمل الفني من ~~الداخل والخارج؛ يحقق هذا الكثير في المقدمة الطويلة، التي مهد بها لبحثه النقدي تحت ~~عنوان: «محور الفن منذ فجر التاريخ» و«تطور مفهوم الجنس عبر العصور»، ثم وهو يطبق اتجاهه ~~المنهجي على مشكلة الجنس في القصة العربية المعاصرة، عند كتابها من أمثال نجيب محفوظ ويحيى ~~حقي ويوسف إدريس، ومحمود البدوي وسهيل إدريس وإحسان عبد القدوس، وعند كاتباتها من أمثال ~~كوليت خوري وليلى بعلبكي وصوفي عبد الله. # أوجه التقصير القليلة في هذا الكتاب القيم، تتركز في بعض المواقف التي ينفصل فيها ~~«الناقد» عن نفسه «كباحث»، ناسيا وهو يجوب العمل الفني من داخل، أثر الهزات الخارجية التي ~~طبعت المضمون الاتجاهي بطابعها الخاص؛ عندئذ نواجه الملكة الناقدة، وهي ترصد الظاهرة أو ~~تضع يدها على المشكلة، دون أن تنفذ إلى ما وراءهما من عوامل خارجية، وجهت خط سير العمل ~~الفني إلى مصير موضوعي محدد. # ونترك المقدمة الطويلة التي مهد غالي شكري لبحثه، لنلتقي بعدها أول ما نلتقي بالبداية ~~الحقيقية لجوهر هذا البحث، وهي: «أزمة الجنس في القصة العربية» إن غالي شكري كباحث يقرر: ~~«إن أي مجتمع حديث يعتبر وليدا لما سبقه من مجتمعات، فالحضارة القائمة في عصرنا هي ابنة ~~العصور الذاهبة، مضافا إليها ما استجد من ظروف التقدم؛ لذلك يتحتم أن نبحث أولا عن جذور ~~تراثنا، قبل أن نبحث أزمة الجنس في القصة العربية الحديثة، فليس من شك أننا ورثنا الكثير من ~~مقومات الحياة المادية والقيم الفكرية القديمة، حتى إنه يلزم لنا أن نغوص في أعماق التكوين ~~الاجتماعي لحضارتنا، منذ اللحظة التي قامت فيها دولة للرقيق، ولعبت الجواري والقيان دورا ~~كبيرا في حياة ms077 المجتمع العربي، حينذاك راح الشعراء يصورون العلاقات الإنسانية الناشئة في ~~مثل تلك الدولة، العلاقات الشاذة والطبيعية على حد سواء، وبرزت دلالات جديدة للعلاقة ~~الجنسية، استمدت مضمونها ومحتواها من جوف البنيان الحضاري الجديد.» # بمثل هذا التصور المدرك لقوى الدفع الموجهة لكل واقع حضاري يعيشه مجتمع من المجتمعات، ~~وضع غالي شكري نقطة البدء، ليتخطاها بعد ذلك إلى مرحلة الشواهد والتطبيق؛ لقد استشهد أولا ~~ببغداد أيام الحكم العباسي، ثم بالقاهرة أيام الحكم الفاطمي، في كلتا العاصمتين كان هناك ~~بيوت للإثم ودور للدعارة، تديرها النساء الساقطات بطريقة رسمية تحت حماية الدولة، حيث كانت ~~تجبي عليها الرسوم؛ وفي تلك الفترة - وعلى الأخص في مصر الفاطمية - كانت سهولة الطلاق تغري ~~الكثير من الرجال على أن يتزوج الواحد منهم في عشر سنوات نحو عشرين أو ثلاثين زوجة، وتغري ~~الكثير من النساء على أن تكون الواحدة منهن زوجة لاثني عشر زوجا، حيث تترك هذا لتقترن بذاك. ~~هي إذن تركة ورثها مجتمعنا على مر الأجيال، فما يزال الطلاق منتشرا؛ وما يزال منتشرا ~~كل ما يترتب عليه من نتائج وخيمة عمادها الزنا والبغاء! # وينتهي غالي شكري من هذا التمهيد إلى تقرير هذه الحقيقة، وهي أن الخيوط الناسجة لثوب ~~الواقع العربي في مختلف أقطاره، وإن تشابهت تقريبا في نوع النسيج، إلا أنها تختلف ~~أحيانا من حيث اللون، حتى لتختلف تبعا لذلك - في نطاق معنى الجنس - السمات الغالبة على ~~الأدب في لبنان، عن السمات الغالبة على الأدب في مصر. وهنا يستشهد الباحث الناقد بقصة ~~امرأة قروية، كانت تمارس البغاء في المدينة للكاتب اللبناني توفيق يوسف عواد، وهي قصة قصيرة ~~عنوانها «المقبرة الدنسة»، ويخرج منها بأنها إذا كانت تعبيرا صادقا للمشاعر، التي تنتاب ~~أهل القرية اللبنانية تجاه امرأة ضلت الطريق، فهي تختلف من حيث الجو، وتصوير تلك المشاعر ~~الإنسانية عن القرية في مصر. ويستشهد مرة أخرى بقصة ثانية لتوفيق عواد عنوانها «الشاعر»، ~~وقصة ثالثة لخليل تقي الدين عنوانها «الإعدام»، على أن المرأة الأجنبية - كخط اتجاه موضوعي ~~من خطوط العمل القصصي - كان لها دور ms078 ملحوظ في الأدب اللبناني. # بعد ذلك ينتقل غالي شكري إلى القصة العربية في مصر، ليلتقي «بالفنان الذي أرخ لفجر ~~الرواية المصرية بقصة زينب. نجح الدكتور هيكل في هذه الرواية نجاحا باهرا - إذا لم نغفل ~~العامل الزمني - في أن يرسم ببراعة، الصورة الرومانسية للجنس، وقد صدرت القصة عام 1914؛ أي ~~ذلك التاريخ الذي كانت تعاني فيه مصر أزمتها التاريخية بداية الحرب العالمية الأولى، ~~وكان النظام الإقطاعي المهيمن على أشكال الحياة المصرية، يخيم في الوقت نفسه على العلاقات ~~الاجتماعية بين الأفراد؛ لهذا كان حامد - بطل قصة هيكل - رمزا لشباب ذلك الجيل المعذب، ~~بين مثله العليا المستمدة من ثقافة الغرب، وبين الأوضاع السيئة السائدة آنذاك في المجتمع ~~المصري». ومن خلال عرض سريع لأحداث قصة زينب، يشير الناقد - وأقول الناقد فقط - إلى أن ~~القارئ لا يعثر على موقف جنس صريح في القصة؛ لأن العلاقة بين الرجل والمرأة في ذلك المجتمع ~~لم تكن نفسها صريحة، وما نلاحظه في الرواية من أحاديث «عن» الجنس، تكتسي بثوب فضفاض من ~~الحياء والتخفي؛ لأن نظرة العصر والمجتمع إلى هذا الموضوع، كانت هي بعينها نظرته إلى سائر ~~الأشياء: نظرة ضبابية غائمة تحيل كافة المرئيات والعلاقات، إلى ألوان باهتة غير ~~واضحة. # من وراء هذه اللمسات النفاذة نلمح - كما سبق أن قلت - الناقد فقط، الناقد وهو يقف وحده في ~~ميدان يستوجب وجود الباحث، ليفسر الظواهر والمشكلات؛ لقد ظهرت قصة زينب عام 1914، وهي قصة ~~رومانسية، ونحن لا نعثر فيها بوضوح على موقف جنس بعينه، ولقد كانت نظرة العصر والمجتمع إلى ~~هذا الموضوع، نظرة مغلفة بالغيم موشحة بالضباب؛ نحن في حاجة إلى أن نفسر هذا كله، وأن ~~نرده إلى أسبابه ودوافعه، نحن في حاجة إلى الباحث الذي يحدثنا عن طبيعة الوعاء الاجتماعي، ~~الذي استقرت بداخله الظاهرة أو المشكلة، واستمدت تبعا لذلك من استقرارها لون هذا ~~الوعاء. # أدبنا المعاصر في الربع الأول من القرن العشرين، يبدو من خلال النظرة الدارسة والمتأملة، ~~وهو متشح بأثواب الرومانسية تأليفا وترجمة؛ لماذا اندفع أدبنا بالأمس القريب إلى هذا ~~الاتجاه، أو ms079 لماذا سار أدباؤنا - والشباب خاصة ومنهم هيكل - في هذا الطريق؟ طريق أدب الحلم ~~والوهم والعاطفية المرهفة، والميل إلى الحزن والتفكير في الموت، والهيام بالطبيعة والإيمان ~~بالغيبيات، والولع بالفروسية والإعجاب بالبطولة؛ كان الاتجاه الرومانسي هو الغالب والمسيطر ~~على اختيار أدبائنا المترجمين، وعلى أذواق الجماهير القارئة التي كانت تقبل إقبالا كبيرا ~~على هذا اللون من الأدب. لقد كان أدباؤنا يترجمون عن الفرنسية في ميدان الأدب الروائي، ~~وكانت أمامهم كل الأعمال الفنية للكتاب الفرنسيين وغيرهم، وهي تمثل مختلف المذاهب ~~والاتجاهات، ومع ذلك نراهم ينبذون الكلاسيكية والواقعية والطبيعية، ويقصرون مختاراتهم ~~المترجمة على الأدب الرومانسي وحده؛ نرى المنفلوطي وهو ينقل لنا «بول وفرجيني» لبرناردين ~~دي سان بيير، و«ماجدولين» لألفونس كار، ثم قصة «في سبيل التاج» التي تمثل البطولة ~~الرومانسية ليهديها إلى «البطل» المصري سعد زغلول. ونرى أحمد حسن الزيات وهو ينقل لنا ~~«رفاييل» و«آلام فرتر» لجيته. ونرى حافظ إبراهيم وهو ينقل لنا «البؤساء» لفكتور هيجو. وفي ~~الاتجاه نفسه يسير الدكتور أحمد زكي، فيقدم «غادة الكاميليا» لألكسندر ديماس، ثم حسن صادق ~~فيقدم «أدولف» لبنجامان كونستان، وعلي أدهم عندما ترجم «رينيه» لشاتوبريان، وكل هذه الأعمال ~~الروائية تمثل الأدب الرومانسي خير تمثيل. # هكذا كان أدبنا في ميدان الترجمة، أما في ميدان التأليف فقد سار في الطريق نفسه واصطبغ ~~بنفس اللون وحمل نفس الشعارات؛ المنفلوطي حين يؤلف محاولا أن يكتب فصولا، يسلك فيها مسلك ~~كتاب القصة يبدو وهو رومانسي مسرف في كتابه «العبرات»، ولعل هذا العنوان الذي اختاره لذلك ~~الكتاب، كان نتاجا تأثريا للنزعة الرومانسية. ومحمد حسين هيكل في قصته «زينب»، يطالعنا ~~ببعض الخصائص الفنية التي نعرفها عن الأدب الرومانتيكي الفرنسي، ومن هذه الخصائص ذلك الهيام ~~بالطبيعة، وهو يتغنى بجمال الريف، وتلك العاطفية المرهفة وليدة الحرمان في قصة حب بريء، ~~وتلك الشاعرية الأسلوبية الناتجة عن الإغراق في الخيال. ولا ننسى إيمان بطل القصة ~~بالغيبيات حين يلجأ - ليطهر روحه من أدران الإثم - إلى أحد مشايخ الطرق، وأن البطلة قد مرضت ~~بالسل وماتت على طريقة غادة الكاميليا لألكسندر ديماس. # وشباب الشعر ms080 في ذلك الحين - علي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمد عبد المعطي الهمشري - لا ~~نكاد نسمع منهم إلا نغمات حزينة وملتاعة؛ نظرتهم إلى الوجود كانت من خلال منظار قاتم، ~~تذوقهم للحياة كان مغلفا بالضيق والكآبة والشكوى والشعور المرير، وهم في النهاية ككل ~~الرومانسيين الصادقين يهربون من قسوة الواقع إلى رحمة الخيال، ولا يجدون ملجأ إلا في رحاب ~~الطبيعة، الأم الحانية التي تمثل الواحة الظليلة لكل المكتوين بلفح الهجير. وما أكثر ~~الكلمات التي تطوف في شعرهم حول الموت؛ الموت الرومانتيكي المتركز في الشعور بالهزيمة أمام ~~عدو قاهر هو الحياة. # مجتمعنا المصري في الربع الأول من القرن العشرين، مسئول عن صهر الكاتب والشاعر في بوتقة ~~المشاعر الحزينة والنظرة القاتمة، لقد كانت المحنة على التحقيق محنة المثقفين، أولئك الذين ~~كانوا يعرفون عن طريق الثقافة والاطلاع والوعي أن مجتمعهم تسيطر عليه قوى قاهرة، لا ميل ~~لهم بمقاومتها والوقوف في وجهها. كانت هناك قوى الرجعية والاستعمار والإقطاع، وطغيان ~~الملكية وسيطرة التقاليد العتيقة. ومعنى هذه القوى الباطشة بالنسبة إلى المثقفين - وما كان ~~في تلك الفترة - معناها الحرمان من حرية الرأي والسلوك والعقيدة والمقاومة، والشعور الطليق ~~بالحياة. من هنا امتلأت نفوس المثقفين بالحزن، وتذوق وجودهم طعم الموت، فمضوا يمضغون ~~أشجانهم في الشعر، ويجترون آلامهم في القصة، ويعبرون عن هزيمتهم في حدود المشاعر الفردية. ~~ومن هنا - كما سبق أن قلت - هربوا من قسوة الواقع إلى رحمة الخيال؛ إلى هذا الأدب ~~الرومانسي الذي كان انعكاسا مباشرا لشعورهم بوطأة الجو الخانق الذي يعيشون فيه، والذي ~~كان تقليدا اتجاهيا للأدب الرومانتيكي الفرنسي، الذي قرءوه وترجموه وتأثروا به. وكما ~~تأثر هيكل في قصة «زينب» بقصة «غادة الكاميليا» لديماس، فقد تأثر علي محمود طه في بعض ~~أشعاره الأولى بنتاج الشعراء الرومانسيين الفرنسيين. ومن الطبيعي - تبعا لهذا التأثر أو ~~ذلك التقليد - أن يجيء الحب في قصة هيكل حبا بريئا مطهرا من الإثم، كما شاءت له ~~الرومانسية أن يكون، وقد كان كذلك في شعر علي محمود طه الأول. هذا جانب من تفسير الظاهرة، ~~ويبقى جانب آخر، ms081 هو سيطرة التقاليد العتيقة داخل الأسرة والمجتمع في ذلك الحين. لقد وضعت ~~تلك التقاليد على وجه المرأة حجابا حتى لا يراها الرجل، والواقع أنها لم تحجب بذلك رؤية ~~الرجل البصرية للمرأة، وإنما حجبت في الوقت نفسه رؤيته العقلية والوجدانية، تبعا لتلك ~~القيود الصارمة التي وقفت كجدار فاصل بين الشباب من الجنسين. من هنا - وحفاظا على حرمة ~~آداب المجتمع وتقاليده - خفت صوت الجنس في القصة المصرية الأولى والشعر المصري الأول، ~~واكتسى كما يقول غالي شكري - دون تفسير - بثوب فضفاض من الحياء، واكتسب تلك النظرة ~~الضبابية! # ونمضي مع غالي شكري بعد ذلك، وهو يتابع الخط التطوري للقصة المصرية، عند روادها من أمثال ~~محمود طاهر لاشين وعيسى عبيد؛ لنقفز إذن خمسة عشرة عاما بعد ظهور «زينب»، لنلتقي بمحمود ~~طاهر لاشين، سنفاجأ بأن النظرة الرومانسية في الحياة والأدب على السواء بدأت تنقشع، لكن ~~المفاجأة تصبح غير ذات موضوع، لو تتبعنا الخطوات التاريخية الرائعة التي نقلت المجتمع ~~المصري - بعد ثورة 1919 - إلى مرحلة حضارية جديدة. إن السنوات التي بدأت بفشل الثورة ~~الوطنية أخذت تشحن النفوس بقوى إيجابية جديدة، وفدت مع ثبات أقدام الطبقة المتوسطة، ~~وبزوغ سلطانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. صاحبت هذه الطبقة نظرة جديدة للحياة والإنسان ~~والمجتمع، انعكست على آداب تلك الفترة وفنونها، ولنستعرض - على سبيل المثال - أقاصيص المجموعة ~~الثانية لطاهر لاشين؛ المسماة ب «يحكى أن»، فنرصد الموضوعات التي طرقتها وأشكالها ~~التعبيرية، لنحصل في النهاية على «اهتمامات العصر» ونظرة المجتمع إليها: # قواد يتظاهر بأنه من ~~الأعيان وأنه فقد وعيه من الخمر، ويجر ضحاياه إلى داره وهي ماخور. # الكهلة المزهوة: امرأة ~~عجوز أرمل، تتزوج من نصاب يبدد أموالها. # ونمضي مع المؤلف مرة أخرى، مع لمساته التفسيرية الباحثة، وهو يتعرض لقصة «حديث القرية» ~~لطاهر لاشين، وقصة «مأساة قروية» لعيسى عبيد. لقد كانت القرية هي الأرضية الفنية التي ~~اتخذت كمسرح للأحداث في قصص هيكل وعبيد ولاشين، ولعب فيها المعنى المتطور للجنس دوره ~~الملحوظ. ما سر تلك العناية المفرطة بالريف آنذاك، ولماذا اختفى شبح المدينة فلا يكاد يلقي ~~ظلاله ms082 على أحداث القصة المصرية عند هؤلاء الرواد؟ يرد غالي شكري على هذا التساؤل بأن ~~«المدينة بشكلها الحضاري الجديد في ذلك الحين، لم تكن حفرت في وجدان الأدباء إحساسا عميقا ~~بمشكلاتها وقضاياها؛ ذلك لأن التكوين الصناعي كان في خطواته الأولى المتعثرة، قبلما يصبح ~~تكوينا متكاملا يدعي المدنية؛ ولعل توفيق الحكيم هو أول من أدرك هذا المعنى الجديد، ~~فروايته «الرباط المقدس» - التي صدرت عام 1944 - قد أوضحت شعوره الحاد بالتمزقات الملتاعة، ~~التي رافقت ذلك التكوين الحضاري الوافد.» # ونمضي مرة ثالثة مع غالي شكري، وهو يخرج بنا من أزقة القرية إلى شوارع المدينة، هناك حيث ~~نواجه أول ما نواجه، كاتبنا الروائي الأول نجيب محفوظ؛ نواجهه في «السراب» وفي «خان ~~الخليلي» و«القاهرة الجديدة»، و«بداية ونهاية» وثلاثية «بين القصرين»؛ وسنوافق المؤلف على ~~بعض آرائه وسنختلف معه في بعضها الآخر، وعلى الرغم من ذلك تبقى حقيقة يسجلها له النقد، وهي ~~أنه قد بذل جهدا ملموسا في قراءة نجيب محفوظ وفهمه وتمثله، ومحاولة النفاذ إلى أغوار ~~شخصياته الفنية، على ما فيها من كثرة التعقيد وتشابك العلاقات. # في «الثلاثية» مثلا ينحصر مفهوم الجنس - تبعا لاختلاف الفهم والنظرة وتطور المجتمع - ~~بين شخصية أحمد عبد الجواد الأب وياسين الابن الأكبر وكمال الابن الأصغر وأحمد شوكت الحفيد. ~~الأب يضعه غالي شكري تحت المجهر ليكشف لنا عن الجزئيات الدقيقة المكونة لوجهة نظره ~~العقلية والذوقية، بالنسبة إلى وضع المرأة الاجتماعي في عصره. لقد كانت وجهة نظره لا تختلف ~~كثيرا عن وجهة نظر المجتمع العبودي الأول، يوم أن كانت المرأة «شيئا» مسلوب الإرادة، ~~«سلعة» تشترى حيث توجد القدرة على الشراء. لقد كان أحمد عبد الجواد في رأينا يتعامل عقليا ~~مع الزوجة بنفس المستوى الذي يتعامل به مع العشيقة، كلتاهما «جسد» مشبع وشهوة عابرة، ولا ~~يمنع من هذا أن يختلف الجسدان من حيث الوسيلة الغائية، حين تكون هذه الوسيلة هنا إشباع ~~الرغبة وتكون هناك إنجاب النسل! وياسين الابن صورة مجسمة عن أبيه، وإن اختلفت الصورتان في ~~بعض الخطوط. ولا بد من وقفة مع المؤلف؛ لأنه ms083 ينكر - من خلال وجهة نظر إصرارية - أن ياسين ~~«شخصية موروثة»؛ الواقع أنه شخصية موروثة إذا ما قيمناه على ضوء السلوك الحركي الرامز إلى ~~تكوينه النفسي، ذلك التكوين الذي يعد وليدا لاتجاه مذهبي يهدف إليه في فنه نجيب محفوظ، إنه ~~اتجاه المذهب «الطبيعي» الذي يخطط الشخصية الإنسانية سيكولوجيا، على مدار عاملين رئيسيين ~~هما البيئة والوراثة. # لقد كان ياسين ابن بيئته كما كان ابن أبيه مرة وابن أمه مرات؛ ابن بيئة الطبقة الوسطى ~~المحدودة الثقافة، التي يتفق مستواها التقييمي للمرأة مع مستواها العقلي - أقصد مستوى هذه ~~الطبقة - المتجمد حيال مفهوم الحياة؛ وابن بيئة الطبقة الوسطى من التجار، حيث تتركز النظرة ~~إلى أكثر الأشياء - ومن بينها المرأة - على أنها سلع عامة لا تصلح لغير الاستهلاك. هو ابن ~~بيئته عبر هذا التفسير المستمد من حركات السلوك الإرادي والسلوك الفاقد للإرادة، وهو ابن ~~أبيه حين يرث عن هذا الأب أكثر مقومات التذوق الجسدي للمرأة، بكل ما فيه من ضراوة الشهوة ~~واندفاع الغريزة وتصارع النزوات. وهو في النهاية ابن أمه في علاقاته الجنسية المنحطة التي ~~يهبط فيها الذوق ذلك الهبوط البشع في مجالات الاختيار؛ لقد عرفت أمه هذا اللون من ~~العلاقات وطلقت بسببه من أبيه، واستمرأت ذلك التمرغ في الوحل بعد الطلاق. وياسين ثمرة ~~أنضجتها الوراثة من تلك الشجرة، كان يترك الزوجة الجميلة ليرتمي - مرة بعد مرة - في أحضان ~~الخادمات الدميمات، وتبعا لهذا الدرك الأسفل من الارتباطات الجنسية الهابطة، لم يستطع ~~ياسين أن ينعم يوما بحياة زوجية مستقرة! # ونعود بعد ذلك إلى كمال لنراه من وراء المنظار، الذي اختاره غالي شكري للرؤية النقدية ... ~~إن كمال - على النقيض من ياسين - لا يضع العلاقة الجنسية في مكانها الطبيعي، بل يتجاهلها ~~تماما، فيبدو «مشوها» في تكوينه النفسي وسلوكه الاجتماعي؛ يبدو هذا في عزوفه المطلق عن ~~الزواج، وفي خطواته الوجلة المتعثرة نحو بائعات اللذة، وفي الحركة الميكانيكية الصماء، التي ~~يمارس بها هذه العلاقة. ويفقد «الجنس» قيمته الحقيقية بعدما أكسبه كمال قيمة رومانسية، كما ~~أكسبه ياسين وأحمد عبد الجواد من قبل، ms084 قيمة إقطاعية! # أما أن كمال قد أكسب الجنس قيمة رومانسية فهذا صحيح، ولكن كلمة «مشوه» بالنسبة إلى تكوينه ~~النفسي وسلوكه الاجتماعي، تبدو لنا وهي تعبير غير دقيق، فليس كل عازف عن الزواج يعتبر ~~تركيبة نفسية مشوهة، وعلى الأخص إذا كان واحدا من هذا النمط الذي ينتسب إليه كمال، ويرتبط ~~بقيم ثقافية معينة؛ قد يكون العزوف بالنسبة إلى المثقفين موقفا من المواقف إزاء الحياة ~~الزوجية، أو خطا من خطوط الاتجاه العقلي في لقاء الوجود. إن سيمون دي بوفوار مثلا في ~~كتابها «قمة أيام العمر»، تفسر لنا لماذا اتجهت عقليا إلى أن تكون - بالنسبة إلى سارتر - ~~رفيقة فكر وليست رفيقة حياة، أو لماذا قررت ألا تكون زوجة يترتب على ارتباطها به أن تنجب ~~عددا من الأبناء. إن الوجود في رأيها مزيج من العبث، وهي لا تريد - كما تقول - أن تشارك ~~عن طريق الزواج والنسل، في مشكلة التكثيف الكمي لهذا العبث! # هي وجهة نظر عقلية وليست تشويها في التكوين النفسي. وبالنسبة إلى كمال - كواحد من ~~المثقفين في جيله، ومن خلال التخطيط النفسي لشخصيته - ينصب عزوفه عن الحياة الزوجية في ~~قالب من التعبير الموقفي عن وجهة نظر خاصة، قوامها أن الزواج بأعبائه ومسئولياته يحيل حياة ~~الفرد إلى «عملية حسابية»؛ وعندما تتحول الحياة إلى عملية حسابية تصبح وهي شيء لا يطاق! ~~وعندما نذكر في مجال معنى الجنس إشارة المؤلف إلى خطوات كمال المتعثرة نحو بائعات اللذة، ~~والحركة الميكانيكية التي كان يمارس بها العلاقة الجنسية، يتمثل لنا كمال وهو تركيبة نفسية ~~«مأزومة» وليس تركيبة نفسية «مشوهة»؛ لقد كان وجوده الداخلي ميدانا رحبا لعديد من ~~التيارات الانعكاسية المتصارعة، تلك التيارات التي كانت تصنع أزمة المثقفين في جيله؛ لدينا ~~صراعه الطبقي مع «عايدة»، ضياعه الاجتماعي كمثقف، انحلال المجتمع من حوله، سخطه - كمرتبط ~~بحزب الأغلبية الشعبية في بلده - على حكم الأقليات الذي كان يسانده الاستعمار والقصر؛ كل ~~تلك الجذور الرهيبة التي استقرت في تربة نفسه، وتفرعت منها امتدادات وجوده، هي المسئولة عن ~~كل جوانب وضعه الإنساني المتأزم. من هنا ms085 كان التعثر في إقباله على المتعة الجنسية، ومن هنا ~~كان الشعور الأصم في لقاء المرأة؛ لأنه إقبال الملول وشعور المهزوم، ذلك الذي يريد أن يفرغ ~~طاقة السخط الحسية في كأس من الخمر أو نزوة من الجسد، وهو في كلتا الحالتين هارب من نفسه ~~هنا وهناك! # مواقف قليلة كما سبق أن قلت، تلك التي يقف فيها غالي شكري «ناقدا»، يرقب العمل الفني من ~~داخله، ناسيا نفسه كباحث يجب أن يتخذ من الواقع الخارجي للظاهرة أو المشكلة، مادته الفنية ~~اللازمة للتفسير والتبرير، ومع ذلك فما أكثر المواقف التي تواجهنا وفيها الباحث والناقد، ~~ومن ورائهما مستوى لا ينكر من الفهم الناضج؛ ولنأخذ مثلا ثالثا في أحمد شوكت، نراه ~~حاسما عندما انسحبت فتاة «المعادي» من حياته، لم يذب عمره في لحن جنائزي طويل، بل راح يبحث ~~عن وجوده مع شريكة كفاحه في المبدأ والعمل؛ وكان الزواج إكليلا رائعا فوق هامتيهما، كان ~~طريقا طبيعيا لبقية العلاقات الطبيعية الأخرى، حيث يصبح الجنس - لأول مرة - قيمة حقيقية ~~في مستواها ونوعيتها، القيمة التي تطلب من نجيب محفوظ أكثر من ألف صفحة، ليرسم مقوماتها ~~الضرورية ومعالمها الرئيسية، فتستمد دلالتها الإنسانية من طبيعة التكوين الاجتماعي لكل من ~~أحمد و«سوسن»، القائم على أساس وطيد من المساواة الاجتماعية، التي تتولد عنها بالضرورة ~~المساواة النفسية. # ولننتقل من «الثلاثية» إلى «بداية ونهاية» لنلتقي بغالي شكري، وهو ~~يطوف بنا حول شخصية نفيسة مستخرجا لنا - من رسم نجيب محفوظ - أدق ملامحها النفسية: «وتنعكس ~~مأساة الأسرة على هذه الفتاة، التي نكبت بوجه دميم وجسد يغلي، فلم يكن أمامها طريق أفضل ~~من أن تدفن دمامتها في صدر كل رجل يستطيع أن يدفع غائلة الفراغ عن أمعائها وبطون إخوتها، ~~ولا تعنيه الدمامة في غمرة ذهوله الحسي بين ثنايا جسدها. لم تكن دمامتها هي «العامل ~~الحاسم» في سقوطها، فالسقطة الأولى في حياتها كانت احتجاجا لا واعيا على دمامتها، أرادت ~~أن تؤكد ذاتها وتحقق وجودها، قبل أن تعي تلك الذات وهذا الوجود؛ لقد تطورت بها الحال من ~~«تحقيق الذات» إلى مرحلة ms086 خطرة، إلى تلك الساعات التي تذهل فيها عما يدفعها إلى تسلية نفسها ~~من دواعي اليأس والفقر؛ هنالك تنسى كل شيء إلا الرغبة المحرومة الجائعة، فتمثل بنفسها أفظع ~~تمثيل. ولعلني لم أصادف أبشع - وأروع - من هذا التصوير لامرأة تجمدت خلايا ذهنها وقلبها ~~ونفسها في بقعة دموية ذاهلة تدعى الجنس. لقد وصلت نفيسة إلى قمة تعاستها، فمن حيث أرادت ~~تحقيق ذاتها، تلاشت هذه الذات وفنيت، وفقدت إحساسها بالوجود والحياة، حتى الشعور باللذة مات ~~معها، وتحولت بقسوة إلى قطعة من لحم الأميبا؛ لأنها بعيدة الشبة عن ذكر النحل، الذي يستشهد ~~فور أدائه للوظيفة الجنسية. إنه أفضل منها لأنه يحيا سعادته إلى أقصى حد ممكن، ثم يستشهد ~~رغم أنفه، أما هي فقد أصبحت «رغبتها المحرومة الجائعة» عجلة قيادة تسرع بلا سائق!» # لماذا يتعرض نجيب محفوظ للجنس، ويهدف عامدا إلى تشريح العلاقة الجنسية في أكثر أعماله؟ ~~هل يعمد إلى هذا بقصد إثارة القارئ، كما يفعل غيره من الكتاب بغية الرواج، أم أن له اتجاها ~~معينا يتسم بالمنهجية التي يلتزمها كلون من ألوان التعبير عن وجوده العقلي؟ غالي شكري يرد ~~على هذا التساؤل رد الباحث المقنع: «إن منهج نجيب محفوظ في التفكير يرى العلاقات الاجتماعية ~~جميعها مترابطة بخيط واحد، لا تنفصل إحداها عن الأخرى، ولا يمكن رؤيتها الواحدة بمعزل عن ~~الكل؛ لأن العلاقة في مفهومها تتحدد بالضرورة والحتمية مع بقية العلاقات الإنسانية بين ~~الأفراد، كإفراز طبيعي للمجتمع، يتلون بلونه ويتشكل في قالبه ويتسم برائحته؛ لذلك يمضي ~~الجنس في أعماله في مؤازرة العلاقات الأخرى بحركة تلقائية عفوية. ونجيب محفوظ في «القاهرة ~~الجديدة» و«بداية ونهاية» بذل جهدا رائعا في أن يتجه بلوحاته الإنسانية إلى ذلك المنهج ~~العميق. فلقد رأيناه يطرح للمناقشة الجادة، قضية هذه الفئات السفلى من الطبقة المتوسطة في ~~مصر، ثم يتتبع تشابك علاقات أفرادها وتعقد الحياة من حولها، فإذا انحدرت بأحدهم علاقة ما - ~~كالجنس - إلى الحضيض، فلأن كافة العلاقات الأخرى لا ترتفع عن مستوى التراب، وهنا يتألق ~~منهجه في التعبير إذ هو يتخير بإحساس مرهف وشفافية، ms087 الزاوية النموذجية للكشف عن جوهر الحدث ~~أو الشخصية أو الموقف الدرامي.» # بعد نجيب محفوظ أحب أن ألتقي - عند غالي شكري - بكاتب القصة القصيرة يوسف إدريس. في نطاق ~~معنى الجنس يجد القارئ نفسه - أول ما يجد - أمام «أرخص ليالي»، أحد الأعمال الفنية المحلقة ~~سواء في الشكل الفني أو المضمون الاجتماعي. في هذه القصة يضع يوسف إدريس يده على المأساة ~~الحقيقية للقرية المصرية أو الريف المصري، يشير إلى المشكلة ويحرث الأرض من حول جذور ~~المشكلة، حتى يعرض مكمن الداء لمختلف أنواع الرؤية؛ كل هذا في بضع صفحات يمكن أن تكون نقطة ~~ارتكاز جوهرية لباحث اجتماعي، إذا ما حاول أن يرى القرية المصرية من خلال دائها الأصيل ~~وعلتها المزمنة. القصة في كلمات، تعرض لنا مشهد إنسان قروي، يقع في حيرة متصلة، مصدرها ~~البحث عن وسيلة من وسائل الترفيه يقضي بها ليلته، انتهى من صلاة العشاء في المسجد وبدأ ~~يفكر، استعرض أكثر من طريقة وخطرت له أكثر من فكرة، ولكن كانت هناك عقبة تسد منافذ الطريق ~~أمام وسائل التنفيذ؛ إن قتل الفراغ والعثور على مصدر من مصادر التسلية يحتاج إلى بضعة ~~قروش، لا يملك هذه القروش القليلة. المهم عنده كيف يقضي ليلته؟ كيف يقضي على هذا الملل الذي ~~يتسرب إلى داخله وينفذ إلى أغوار نفسه؟ وأخيرا، وعندما عجزت منه كل حيلة، لم ير عبد ~~الكريم بدا من أن يعود إلى بيته؛ وهناك لم يلق غير زوجته، وكانت نائمة، حتى في بيته لم ~~يجد رفيقا يؤنسه، وينقذه من وحش الملل الهائل الذي يريد أن يفترسه؛ إنه يريد أن يهرب من ~~الوحش بأية وسيلة، أن يجد ملاذا يأوي إليه؛ كان مرغما على البحث عن هذا الملاذ، ولقد ~~وجده - تحت ضغط الإرغام - في لقائه مع زوجته، هناك بين ثنايا الجسد. وبعد شهور، وكما تنتهي ~~القصة، كانت النساء كالعادة يبشرنه بولد جديد، وكان هو يعزي نفسه على السابع الذي جاء في ~~آخر الزمان، والذي لن يملأ طوب الأرض بطنه هو الآخر! # لا شك في أن يوسف إدريس - من ms088 وراء المضمون العام لقصته - يريد أن يقول لنا شيئا، يريد أن ~~يوصل إلينا فكرة، أن يكون له هدف يسعى إليه؛ فمن أي الزوايا نظر غالي شكري إلى مغزى ~~الفكرة التي يريد أن يوصلها إلينا يوسف إدريس؟ إن الزوايا التي اختارها للرؤية تتلخص في ~~أننا: «لن نستقبل الولد الجديد بفزع كما يتوهم الكاتب، بل إننا نستقبل تجربة الأب بفيض من ~~التساؤلات، حول الأزمة الضاربة المحكمة حول عنق الإنسان الكادح في بلادنا، وكيف أن شبحها ~~يظلل كافة المنافذ أمامه بالسواد، فلا تعود عيناه تريان ومضة نور؛ وإنما تصبح حياته نسيجا ~~داكنا من الذل والفاقة والعلاقات غير الإنسانية، حتى إن العلاقة بين الرجل والمرأة، تصبح ~~تعويضا عن الملل، وتعبيرا قاسيا عن أنه لا يوجد شيء آخر؛ إنه الضياع الجنسي ربيب الضياع ~~النفسي، وكلاهما نتاج الضياع الاجتماعي. والجانب الفكري والاجتماعي لمعادلة يوسف إدريس، هو ~~الاهتمام بالطبقات الشعبية اهتماما إنسانيا، يتعاطف مع قضاياها في الحياة، وإن ما نراه ~~من شرور وآثام في سلوك أبناء هذه الطبقات، ليس إلا نتاجا للأنظمة الاجتماعية ~~السيئة!» # هذا فهم جيد لجوانب الفكرة التي يرمي إليها يوسف إدريس، ولكنه - على هذا المستوى الذي ~~أشرنا إليه - فهم للجوانب ويبقى بعد ذلك الجانب البعيد؛ إننا يجب أن نخالف غالي شكري ~~ونستقبل الولد الجديد بفزع، الولد السابع في حياة فلاح فقير، لا يجد بضعة قروش يقضي بها ~~ليلته؛ إننا هنا أمام ظاهرة الكم العبثي على حد تعبير سيمون دي بوفوار، وإن كانت العبثية ~~بالنسبة إلينا تنحصر في معنى المجتمع ولا تنحصر في معنى الوجود. الريف المصري مشكلته ~~الأساسية هي الفقر والجهل والمرض، مرتبطة بعضها ببعض، ارتباط ثالوث محكم متداخل الحلقات ... ~~إن الأبناء في الريف نسخ مكررة من الآباء، يعيدون دورة المشكلة من جديد حين يكبرون فلا ~~يجدون غير الفراغ، ولا يجدون غير العلاقة الجنسية كوعاء يصبون فيه هذا الفراغ، ومرة أخرى ~~يكثر الإنجاب ويتعدد النسل وتتضخم المشكلة؛ مشكلة الفقر والجهل والمرض. هنا مفتاح القضية ~~التي يعالجها يوسف إدريس في ثنايا المضمون العام لقصته، إنه ms089 - كما سبق أن قلت - يحرث الأرض ~~حول جذور المشكلة، ليقع مكمن الداء تحت أضواء الرؤية، رؤية الإصلاح الاجتماعي إذا أريد له ~~أن يكون. # من «أرخص الليالي» وهي بداية الإنتاج الفني ليوسف إدريس، ينقلنا غالي شكري إلى قصة ~~«العيب»، وهي أحدث مراحل هذا الإنتاج؛ وفي رأيه أن كل ما هناك من فروق بين القصتين، يتركز ~~في أن القصة الأولى - حين ظهرت - كانت دفعا ثوريا للقصة القصيرة، وأن القصة الأخيرة لم ~~تضف شيئا جديدا في مجال النظرة التعبيرية والفكرية إلى التجربة المبكرة. ويمضي غالي شكري ~~فيقدم إلينا تلخيصا موجزا لقصة «العيب»، التي تتناول الخطيئة كثمرة أنضجتها أوضاع المجتمع ~~الخاصة في «المدينة»؛ فتاة تعمل في إحدى المصالح الحكومية، تفاجأ بجو موبوء عماده الرشوة ~~وفساد الذمم بين زملائها من الموظفين، ويثور ضميرها وتحاول أن تبقى نظيفة، ولا تتيح لهذا ~~الجو الملوث أن يمتد إلى وجودها النفسي، مهما تعددت وسائل الإغراء. وتصمد الفتاة فترة من ~~الزمن أمام العروض المغرية من أحد زملائها الموظفين، بأن تتنازل عن ضميرها - ولو مرة - ~~وتنضم إلى الزمرة الفاسدة. تصمد على الرغم من الوضع المؤلم الذي تعرض له شقيقها في المدرسة، ~~حين لم يستطع أن يواصل الدراسة عجزا عن سداد المصروفات. ومع ذلك فإن صمودها لم يستطع أن ~~يصمد حتى النهاية: موقف أخيها من ناحية، وإغراء المال من ناحية أخرى، وعين الذئب التي كانت ~~تخدرها من ناحية ثالثة، وتشتهيها كأنثى ناضجة. وأخيرا تسقط «سناء» أمام ضغط الحاجة وبريق ~~الذهب. وفي لقطات واعية يناقش غالي شكري مضمون القصة عبر ما فيها من معنى الجنس: ~~«التجربة عند يوسف إدريس - تجربة الفتاة التي تدخل مصلحة «رجالي» لأول مرة في تاريخ هذه ~~المصلحة - هي تجربة أصيلة وبنت مجتمعنا، بالإضافة إلى أنها تسجل إحدى المراحل الهامة في ~~تاريخنا الاجتماعي. ولقد اكتفى يوسف إدريس في تعبيره الوجداني عن هذه المرحلة، بأن القديم ~~ما يزال قويا وأنه يستطيع أن يغتال الجديد. وهذا صحيح، ولكن الأزمة الحقيقية ليست كامنة ~~في عملية الاغتيال هذه؛ وبالتالي ليست كامنة في مئات الظروف ms090 الشاقة المريرة المحيطة ~~بالموظفين عامة، وسناء خاصة؛ إن سقوط إحدى القلاع في ذات الإنسان كقبول سناء للرشوة مثلا، ~~لا يعني مطلقا سقوط بقية القلاع، فتفرط في شرفها مرة واحدة. إن مجموعة القيم عند الفرد ~~والجماعة موغلة في التشابك حقا، ولكنه تشابك معقد، بحيث لا نستطيع أن نجمع هذه القيم على ~~قماشة بيضاء، إذا رفعها الإنسان في لحظة ضعف، رفعت بأكملها، وإذا أبقى على واحدة منها، ~~أبقى على الكل. وهذا هو ما يجعل قصة يوسف إدريس، تبدو كما لو أنها كتبت بخطة عقلانية ~~مسبقة!» # ويمضي غالي شكري في استعراض عدد آخر من قصص يوسف إدريس، نترك مراجعته للقارئ أو لغيرنا من ~~النقاد. # وينتهي بنا المطاف إلى رائد من رواد القصة القصيرة في مصر، هو يحيى حقي؛ كيف ينظر هذا ~~القصاص إلى معنى الجنس في أدبه؟ غالي شكري يرد بأن الجنس في مرآة يحيى حقي الفنية، يتجلى ~~لنا وهو قوة ذاتية دافعة، ولكنها ليست القوة الوحيدة الحاسمة في توجيه السلوك الإنساني، ~~وبذلك يختلف مع فرويد وأنصاره من الأدباء والفنانين، حين يجعلون من الجنس محورا اتجاهيا ~~لهذا السلوك؛ بعد ذلك يتناول قصة «احتجاج» من مجموعة «أم العواجز»، كواجهة عرض تطبيقية ~~لوجهة نظره الناقدة؛ بطلة القصة «بمبة» عانس في الأربعين، تعمل خادمة عند أسرة يرثها ~~أفرادها جيلا بعد جيل، فهي من هذه الناحية - ناحية لقمة العيش - مطمئنة إلى أن في حياتها ~~لونا من الضمان، بالنسبة إلى الحاضر والمستقبل، هي إذن لا تفكر إلا في ذلك الشاب، الذي ~~استأجر دكانا أسفل البيت، وبدأ يداعبها وتداعبه، تلمس جسده أحيانا في شغف، وتثور ثورة ~~عارمة حينما يتعرض أفراد الأسرة لشخصية الأسطى حسن، ويشير كل منهم إلى حاجته لبنت الحلال ~~التي تصلح زوجة له. وحين لم يرد اسمها على لسان أحد منهم، تصيح في غضب هائج: «يعني إيه ... ~~تأخذوا الجدع من إيدي؟!» # ما هو جوهر السلوك الحركي لتلك العانس حيال ذلك الشاب؟ إنها عند غالي شكري «لا تعبر عن ~~ضراوة الجنس تعبيرا ضاريا أو وحشيا؛ لأنه لا يتوسد ms091 في خفاياها نتيجة أزمة طارئة أو ~~عابرة؛ لقد أمسى مع السنوات الأربعين رمزا للحياة نفسها، ليس رمزا خياليا؛ إنه يموج ~~بالرغبة الدافعة لخلاياها، أن تستصرخ الضمير الاجتماعي حقها في الحياة. ولم يعد هذا الحق هو ~~ارتفاع مستواها المعيشي، فأعصاب وعيها الاجتماعي ماتت مع المستوى الراهن؛ ولم يبق لها سوى ~~أعصاب الجنس التي تختلج لمرأى حسن، كما كانت تختلج في ليالي الزفاف مع بنات الأسرة!» # هذا التفسير لا يتفق - من ناحية التطبيق - مع ما نادى به غالي شكري، من أن الجنس في فن ~~يحيى حقي، ليس هو القوة الوحيدة الحاسمة في توجيه السلوك الإنساني؛ لأننا هنا بالنسبة إلى ~~سلوك العانس - ومن خلال تشريح المؤلف لمنابع ثورتها العصبية - لا نكاد نجد دافعا واحدا ~~لتلك الثورة غير دافع الجنس؛ نحن أمام «أنثى» تثور طلبا «للرجل»، ولسنا أمام امرأة تهدف ~~إلى العثور على زوج يكفل لها ضمان العيش؛ لأنها - في ظل تلك الأسرة - مطمئنة كما قلنا إلى ~~الحاضر والمستقبل؛ ولأنها - من جهة أخرى، وكما أقر بذلك غالي شكري - لا تفكر في ارتفاع ~~مستواها المعيشي؛ لأن أعصاب وعيها الاجتماعي قد ماتت؛ لم يبق لها باعتراف المؤلف سوى أعصاب ~~الجنس، وعندما لا يبقى للإنسان - في مثل هذا الموقف - غير نوع واحد من الأعصاب، يصبح هذا ~~الدافع الوحيد هو المحور الحاسم في توجيه انطلاقات السلوك؛ هنا شقة خلاف بين الوجهة ~~النظرية وبين التطبيق! # بعد هذا يعود غالي شكري فيعرض عددا آخر من قصص يحيى حقي في مجموعته «دماء وطين»، ويمضي ~~في طريقه إلى محمود البدوي وعبد الحميد جودة السحار، وسائر من طاف حولهم من كتاب القصة، هو ~~هو بمنهجه الفكري والتعبيري، الذي قدمناه إليك في ثنايا هذا المقال، ولك أن تتبع هذا المنهج ~~فيما بقي من فصول الكتاب، فحسب الناقد أن يقدم لك إنتاج الآخرين من خلال العرض الكيفي لا ~~الكمي لهذا الإنتاج. # | اتجاه جديد لنجيب محفوظ # «اللص والكلاب» - آخر عمل فني لنجيب محفوظ - هل نضعه في خانة القصة القصيرة الطويلة # Long ~~Short Story ~~، أم ~~نضعه في ms092 خانة الرواية القصيرة # Short Novel ~~؟ أكثر الذين تناولوا هذا العمل بالتحليل والنقد، ~~أجمعوا على وضعه في الخانة الأولى، خانة اللون المطول من القصة القصيرة. من هنا - ومن وجهة ~~نظري الخاصة - أراني مضطرا إلى مخالفة هذا الإجماع، والخلاف بعد ذلك يستند إلى المقاييس ~~النقدية، إذا ما وضعنا هذه المقاييس بالنسبة إلى العمل الفني موضع التطبيق. # حجة الذين قالوا عن «اللص والكلاب» إنها قصة قصيرة طويلة، أن مجرى الأحداث فيها يسير في ~~خط واحد، يشمل حياة البطل من البداية إلى النهاية. صحيح أن خط السير الواحد الذي تنبثق ~~منه الأحداث والمواقف بالنسبة إلى الشخصية المرسومة، هو السمة الرئيسية للقصة القصيرة؛ ذلك ~~لأننا إذا نظرنا إلى القصة القصيرة، على أنها قطاع حي من قطاعات الحياة، فهو بلا شك ذلك ~~القطاع الطولي الممتد الذي يقدم إلينا التجربة المعاشة، من خلال مجموعة متلاحقة من اللحظات ~~الزمنية والنفسية، تتركز حدثيا وموقفيا في اتجاه واحد. # وعبر الرؤية النقدية ونحن في مجال التحديد والمقارنة، نستطيع أن نشبه القطاع الطولي ~~الممتد - وهو عماد القصة القصيرة - بالمجرى الرئيسي للنهر، حين يندفع إلى الأمام وحده بغير ~~روافد، بغير تلك القطاعات العرضية التي تصب في المجرى وتكتنفه، وتضاعف من قدرته على التدفق. ~~الفارق الفني بين القصة القصيرة والرواية القصيرة يتمثل في تلك الروافد، في تلك القطاعات ~~العرضية التي تقوم بدور التكثيف والتعميق وتوليد طاقة الاندفاع. هناك - أعني في القصة ~~القصيرة - مسار واحد للأحداث والمواقف، وهنا - أعني في الرواية القصيرة - مجموعة مسارات ~~تبدو عبر رؤية النقد، وهي موزعة من الناحية الاتجاهية بين الطول والعرض. هذا المسارات لا ~~يمكن أن تجدها مثلا في قصة «لعبة الشطرنج» أو «رسالة من امرأة مجهولة» للكاتب النمساوي ~~ستيفان زفايج؛ لأن كلتيهما تدخل في خانة القصة القصيرة الطويلة، وتمثل خط السير الواحد لنمو ~~التجربة التي تعيشها الشخصية. # إذا رجعنا إلى «اللص والكلاب» بعد هذا التحديد فماذا نجد؟ نجد شخصية رئيسية مأزومة هي ~~شخصية سعيد مهران؛ الأحداث والمواقف كلها تعبر عن أزمته، تعبر بحركة الوجود الداخلي وحركة ~~الوجود الخارجي، على ms093 مدار التفاعل المشترك بين تأثرية الشعور ومادية السلوك. وعلى امتداد ~~القطاع الطولي الذي يعرض لنا الملامح الوجهية لأزمة البطل، أو المجرى الشعوري والسلوكي لنهر ~~حياته المندفع في صخب الضياع والتمرد، يلوح لنا على جوانب النمو عدد من القطاعات المستعرضة؛ ~~عدد من الروافد المكثفة لأزمة سعيد مهران. # لقد كانت أزمة البطل منذ البداية، نابعة من تنكر الابنة وخيانة الزوجة وغدر الصديق؛ سناء ~~ونبوية وعليش، هم صناع هذه التركيبة النفسية المأزومة لبطل القصة، ومن الممكن لو أردنا ~~لرواية «اللص والكلاب» أن تكون قصة قصيرة، أن نمضي بالأحداث والمواقف في حدود خط طولي واحد، ~~يسير في اتجاه تلك الشخصيات، ولكن العمل الفني خرج عن هذه الحدود إلى حدود أخرى جانبية، ~~ليصل بنا إلى مرحلة معينة من التكثيف النفسي لأزمة البطل؛ ومن هنا تكتسب «اللص والكلاب» ~~أبعادا موضوعية جديدة عمادها تلك التعريجات المتنوعة على طول الطريق؛ وبذلك ننتقل معها من ~~المستوى التحديدي للقصة القصيرة، إلى المستوى التحديدي الآخر لفن الرواية. # التعريجات المتنوعة أو القطاعات أو الروافد الجانبية، هي على التوالي: رجل الدين الشيخ علي ~~الجندي، ورجل الصحافة رءوف علوان، وامرأة الليل أو البغي الفاضلة نور. أولئك الذين يلعبون ~~أدوارا رئيسية على مسرح الأحداث. لقد التمس سعيد مهران حلا لأزمته عند رجل الدين - صديق ~~والده - فلم يظفر إلا بمجموعة من التهويمات الصوفية والعبارات المبهمة، والتمس نفس الحل ~~عند رجل الصحافة - رفيق صباه - فلم يظفر بغير النفور والإعراض وتأليب رجال الأمن عليه. ~~وعندما خذله الشرفاء أنصفه غير الشرفاء، أنصفته نور عندما اتخذ من بيتها وقلبها مأوى له ... ~~ومع ذلك، فبقدر ما تذوق في رحابها طعم الوفاء، تذوق مرارة الأزمة: خانته الزوجة ووفت له ~~البغي؛ أي مفارقة يعدها له القدر؟! وعندما اهتز قلبه لأول مرة بعاطفة حقيقية نحو إنسانة، ~~وكانت هذه الإنسانة هي نور، أدرك أن وجوده قد وصل - في مرحلة صعود لا تتوقف - إلى قمة العبث. ~~إن الكلاب تطارده ، وتتربص به، وتسد عليه المسالك؛ لا فائدة إذن من أن يبوح لها بحبه ~~وعرفانه للجميل. إن حياته ms094 كلها قد غدت وهي تحمل معنى اللاجدوى، وكل الطرق أمام أحلامه قد ~~أصبحت مغلقة! ~~«أبي كان يفهمك. كم أعرضت عني حتى خلتك تطردني طردا، ورجعت بقدمي إلى جو البخور والقلق، ~~هكذا يفعل موحش القلب الذي لا بيت له! وقال سعيد مهران للشيخ علي الجندي: مولاي، قصدتك في ساعة أنكرتني فيها ابنتي! # فقال الشيخ متأوها: يضع سره في أصغر خلقه! # فقال جادا: قلت لنفسي إذا كان الله قد مد له في العمر فسأجد الباب مفتوحا. # فقال الشيخ بهدوء: وباب السماء كيف وجدته؟ ~~- لكني لا أجد مكانا في الأرض، وابنتي أنكرتني ... ~~- ما أشبهها بك! ~~- كيف يا مولاي؟ ~~- أنت طالب بيت لا جواب. ~~- ليس بيتا فحسب، أكثر من ذلك، أود أن أقول: اللهم ارض عني! # فقال الشيخ كالمترنم: قالت المرأة السماوية: أما تستحي أن تطلب رضا من لست عنه براض! ~~- مولاي، ماذا كنت تفعل لو ابتليت بمثل زوجي، ولو أنكرتك كما أنكرتني ابنتي؟ # فلاحت في العينين الصافيتين نظرة رثاء وقال: العبد لله لا يملكه مع الله سبب!» ~~••• ~~«هذا هو رءوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب؛ تخلقني ثم ترتد، تغير ~~بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي، كي أجد نفسي ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل؛ ترى ~~أتقر بخيانتك ولو بينك وبين نفسك، أم خدعتها كما تحاول خداع الآخرين؟ ألا يستيقظ ضميرك ولو ~~في الظلام؟ أود أن أنفذ إلى ذاتك كما نفذت إلى بيت التحف والمرايا؛ بيتك، ولكني لن أجد إلا ~~الخيانة. سأجد نبوية في ثياب رءوف، أو رءوف في ثياب نبوية، أو عليش مكانهما، وستعترف لي ~~الخيانة بأنها أسمج رذيلة فوق الأرض. كذلك أنت يا رءوف، ولكن ذنبك أفظع يا صاحب العقل ~~والتاريخ، أتدفع بي إلى السجن وتثب أنت إلى قصر الأنوار والمرايا؟ أنسيت أقوالك المأثورة عن ~~القصور والأكواخ؟ أما أنا فلا أنسى!» ~~••• ~~«لن يرى نور مرة أخرى، وخنقه اليأس خنقا ؛ ودهمه حزن شديد الضراوة، لا لأنه سيفقد عما ~~قريب مخبأه الآمن؛ ولكن لأنه سيفقد قلبا وعطفا وأنسا؛ ms095 وتمثلت لعينيه في الظلمة ~~بابتسامتها ودعابتها وحبها وتعاستها فانعصر قلبه؛ ودلت حاله على أنها كانت أشد تغلغلا في ~~نفسه مما تصور، وأنها كانت جزءا من حياته الممزقة المترنحة فوق الهاوية، وأغمض عينيه في ~~الظلام واعترف اعترافا صامتا بأنه يحبها!» # الحياة ظلام ووحدة وضياع وعبث؛ ما أكثر هذه الشعارات «الوجودية» التي تصنع الإطار النفسي ~~لأزمة سعيد مهران، وتنتشر كلافتات موجهة في ثنايا الكثير من صفحات «اللص والكلاب»! إننا ~~نستنشق من خلال المضمون - وفي مجال الانعكاس التأثيري لأزمة الوجود - شيئا من عطر ألبير ~~كامي، ونستنشق من خلال التكنيك السردي - وفي مجال التعبير عن واقعة مجرى الشعور - شيئا آخر ~~من عطر سارتر؛ ولنستعرض هذين النموذجين من «سن الرشد» ومن «اللص والكلاب»: # ولم يعد ماتيو يصغي، كان خجلا أمام هذه الصورة للألم، كان يدرك جيدا أنها لم تكن إلا ~~صورة، ولكن مع ذلك؛ «لست أعرف أن أتألم. إنني لا أتألم أبدا بما فيه الكفاية.» كان أشق ~~ما في العذاب أنه كان شبحا، وأن المرء يقضي وقته في الجري خلفه، ويحسب دائما أنه سيدركه ~~ويرتمي في داخله، ولكنه ما إن يسقط فيه حتى يفر؛ «إنني أكذب.» كان انهياره وانتحابه أكاذيب ~~وفراغا، كان قد قذف بنفسه في الفراغ، على سطح نفسه، ليفلت من ضغط عالمه الحقيقي، عالم أسود ~~شديد الحرارة ينتن الأثير. وكانت مارسيل هي التي ستكون هالكة، إذا لم يجد خمسة آلاف فرنك ~~قبل اليوم التالي، ستكون هالكة حقا وبلا جدوى؛ في ذلك العالم لم يكن العذاب حالة نفسية، ~~ولم تكن ثمة حاجة إلى الكلمات للتعبير عنه، وإنما كان مظهرا للأشياء؛ تزوجها أيها ~~البوهيمي المزيف، تزوجها يا عزيزي، لماذا لا تتزوجها؟ أراهن أنها ستموت من ذلك. # في هذا النموذج من التكنيك السردي لواقعية مجرى الشعور، استخدمت الضمائر الثلاثة في عملية ~~العرض الداخلية لأزمة «ماتيو» بطل سارتر، وسنرى نفس الظاهرة التكنيكية بالنسبة إلى أزمة ~~«سعيد مهران» بطل نجيب محفوظ : # ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة، هذه ~~الطرقات المثقلة ms096 بالشمس، وهذه السيارات المجنونة والعابرون والجالسون والبيوت والدكاكين، ~~ولا شفة تفتر عن ابتسامة، وهو واحد، خسر الكثير حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، ~~وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن الغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى ~~الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية؛ عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا؟ ~~أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب، وقديما ظننتما أن باب السجن لن ينفتح، ولعلكما تترقبان ~~في حذر ولن أقع في الفخ، ولكني سأنقض في الوقت المناسب كالقدر. استعن بكل ما أوتيت من دهاء، ~~ولتكن ضربتك قوية كصبرك الطويل وراء الجدران، جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة، ويطير في ~~الهواء كالصقر، ويتسلق الجدران كالفأر، وينفذ من الأبواب كالرصاص. # استخدمت الضمائر الثلاثة هنا وهناك: ضمير الغائب وضمير المتكلم وضمير المخاطب، في شريحة ~~تحليلية واحدة هدفها تعرية الوعي الباطن تعرية كاملة، حتى نستطيع أن ندرك حقيقته من خلال ~~النظرة المصوبة إلى مختلف زواياه. من ضمير الغائب نستطيع أن نستخلص من الكاتب معالم الجو ~~النفسي الذي تعيش فيه الشخصية، ومن ضمير المتكلم نستطيع أن نحصل من الشخصية على نوع من ~~الاعتراف الذاتي المفسر لطبيعة وجودها الداخلي، ومن ضمير المخاطب نستطيع أن نترقب خطوات ~~سلوكها الحركي منتظرا لما يدور بداخلها من طاقة انفعالية. # يتفق النموذجان من ناحية الهدف الفني لاستخدام الضمائر الثلاثة، ثم يختلفان بعد ذلك من ~~ناحية المستوى التلويني في التعبير عن مجرى الشعور عند البطلين، تبعا لاختلاف المستوى ~~العقلي عند هذا وذاك. لقد كان سارتر يقوم بعملية سياحة داخلية، في نفس مدرس للفلسفة واسع ~~الثقافة هو «ماتيو»، بينما كان نجيب محفوظ يقوم بنفس الدور، بالنسبة إلى لص لم ينل إلا ~~قسطا ضئيلا من التعليم وهو سعيد مهران! # ومضمون «اللص والكلاب» مضمون واقعي، وليس مضمونا رومانسيا كما قرر ذلك أحد النقاد، # 1 # واقعي في أحداثه ومواقفه، وإن كانت المواقف لم تخل من مذاق «وجودي » في بعض ~~الأحيان. إن سعيد مهران بكل ميوله النفسية الناقمة، لم يكن إلا نمطا إنسانيا صنعته ms097 ظروف ~~ضاغطة، ظروف اجتماعية حددت خط سيره في طريق الحياة. وكل واحد منا لو نشأ نفس النشأة وتعرض ~~لنفس الظروف؛ أعني لو نشأ محروما من كل الفرص التي تهيئ للفرد كرامة الشعور بأنه إنسان، ثم ~~عرف خيانة الزوجة وتنكر الابنة وغدر الصديق وضياع كل وسائل الإنقاذ، لو قدر لكل منا أن ~~يرتطم بكل هذه القوى المحطمة، فسيتحول قطعا إلى النمط «الواقعي» الذي يمثله سعيد مهران، ~~وأقول «قطعا» إذا كان هذا النمط شجاعا لا يعرف الجبن. ومن هذه الزاوية نستطيع أن نتمثل ~~حقيقة الوجود الداخلي لبطل «اللص والكلاب» من وراء هذه الكلمات: «إن من يقتلني إنما يقتل ~~الملايين؛ أنا الحلم والأمل فدية الجبناء؛ أنا المثل والعزاء والدمع الذي يفضح ~~صاحبه.» # نجيب محفوظ واقعي في روايته القصيرة كما كان واقعيا في روايته الطويلة، وأعني بها ثلاثية ~~«بين القصرين»؛ كل ما في الأمر أنهما نمطان من الواقعية: واقعية كلاسيكية تعنى بالتفصيلات ~~الكثيرة، وتحاول أن ترصد كل شيء وأن تفسر كل شيء، وتهتم بالترتيب الزمني للأحداث، وواقعية ~~تساير روح العصر فتحل التركيز محل التفصيل، وتستغني بالرمز عن الشرح وبذكاء القارئ عن مهمة ~~التفسير، وهي في النهاية تستبدل بالترتيب الزمني للأحداث لونا من الترتيب الشعوري، الخاص ~~بنظرة البطل إلى خريطة التضاريس النفسية لحياته. # واقعية الأمس وواقعية اليوم عند نجيب محفوظ، أشبه بمن يصحبك إلى بيت كبير ليطوف معك بكل ~~حجرة من حجراته؛ وفي كل حجرة يقف بك وقفة طويلة ليصف لك كل ما بها من محتويات. جهد عظيم ~~بلا شك؛ جهد الخبرة والمعرفة والصبر الطويل، ونقل هذه الخبرة إليك بصورة أمينة وكاملة. ~~ولكن عيب هذه الطريقة أن الكاتب لا يشركنا معه، لا يترك لنا فرصة التأمل الذاتي في أن نكتشف ~~بأنفسنا ما وراء كلماته أو ما بداخل حجراته، إنه يقول لنا كل شيء، ومن الأفضل ألا يقدم لنا ~~الكاتب كل ما عنده، وأنا أقصد الكاتب الروائي بالذات؛ ذلك لأن الرؤية الموحية في رأيي أكثر ~~تجسيدا للمشكلة المعروضة من الرؤية المباشرة، ومن هنا كانت الواقعية الرمزية ms098 أعمق إثارة ~~للوجود الذهني عند القارئ من الواقعية التصويرية. إن الإيحاء - وبخاصة عن طريق الرمز - ~~أشبه بباب نصف مفتوح، باب يغرينا بأن نحاول فتحه على مصراعيه، لنكتشف ما وراءه من ممرات ~~تقودنا إلى الحقيقة، ثم هو بعد ذلك يدفعنا بحماسة إلى أن نلتمس للرمز أكثر من تفسير، وقد ~~نصل إلى تفسير معين لم يخطر للكاتب الروائي في بال، وقد يتفوق تفسيرنا على المعنى الذي ~~استقر عليه هو من وراء رمزيته، وبذلك يكتسب العمل الفني الناضج مزيدا من الأبعاد. # وهكذا فعل نجيب محفوظ في «اللص والكلاب»؛ فقدم إلينا اللون الواقعي الملائم لروح العصر، ~~ترك لنا حرية التفسير والتبرير لسلوك شخصياته، وحرية الحكم عليها كأنماط بشرية تعيش في ~~مجتمعنا، أو كرموز إيحائية لمشكلات يعرفها نفس المجتمع. إن شخصيات الشيخ علي الجندي ورءوف ~~علوان ونور ونبوية وعليش، يصلح بعضها أن يكون نمطا، ويصلح بعضها الآخر أن يدخل في نطاق ~~الرمز؛ الرمز إلى كيان موضوعي لمشكلة معينة. نبوية مثلا نمط، نمط من النساء تندرج تحته كل ~~امرأة فارغة العين، لا تستقر نظرتها إلا على كل رجل يملأ عينيها ببريق الغواية. وعليش هو ~~الآخر نمط، نمط من الناس يندرج تحته كل رجل فارغ المروءة، لا يستعذب العدوان إلا على من أحسن ~~إليه. ونور في رأيي رمز؛ لا للوفاء كما هو ظاهر من دلالة السلوك، ولكنها رمز لمفارقات ~~الحياة الضخمة، حين تتحول المفارقة في حياتنا إلى مشكلة؛ وجوهر المفارقة أننا نلجأ أحيانا ~~إلى الشرفاء والمثاليين، نلتمس عندهم الإنقاذ والخلاص، فلا ينقذنا - أو يتعاطف معنا على ~~الأقل - غير الضائعين أو الذين هم في رأينا لا شرف لهم. ورءوف علوان مثلا هو الرمز ~~الكبير لكل هؤلاء الذين يتظاهرون بالمثالية والتمسك بالقيم، حتى إذا ما حققوا مآربهم من ~~وراء هذا التظاهر، بدت وجوههم على حقيقتها وهي خالية من زيف المساحيق. ويبقى الشيخ علي ~~الجندي كرمز أخير لمشكلة؛ مشكلة التدين. يتحول مفهوم الدين عند بعض الناس إلى نوع من ~~الغيبوبة العقلية، التي تواجه واقع الحياة ومشكلات الأحياء بالمنطق المترنح والفكر ms099 النائم. ~~إن الدين في تعامله مع الحياة - وبخاصة حياتنا المتطورة المعقدة - يجب أن يكون صحوة عقل ... ~~صحوة مرنة واعية تفتح الباب أمام اجتهاد المسارية لروح العصر، بغير إحراج للدين وبغير إحراج ~~للحياة، وهذا - في اعتقادي - هو ما يريد أن يقوله لنا نجيب محفوظ. # ولا أعتقد أن نور، من حيث التسمية وكما قال بعض النقاد # 2 # كانت رمزا لجانب النور في حياة سعيد مهران؛ لأن نجيب محفوظ لو كان قد عني ~~برمزية الأسماء، ما اكتفى بشخصية واحدة دون بقية الشخصيات؛ أعني أنه كان يختار أيضا الاسم ~~الرمزي المناسب لبطل القصة، وللشيخ علي الجندي ونبوية وعليش ورءوف علوان، تبعا لدلالة ~~التسمية على المضمون الوجودي للشخصية. وما أعتقده عن رمزية الأسماء ينطبق على رمزية ~~الأماكن؛ إن القرافة التي يطل عليها بيت نور، ليست رمزا للدنيا يلتقي فيها الموت بالحياة، # 3 # وليست رمزا للتيه والضياع، # 4 # وما أظن أنها كانت عند نجيب محفوظ رمزا لأي شيء؛ ولم لا نقول - كتفسير ~~للموقف - إن طبيعة الحياة التي كانت تحياها نور كامرأة رقيقة الحال محدودة الدخل، هي التي ~~فرضت عليها أن تسكن في ذلك المكان المتواضع الذي يتناسب ودخلها المحدود؟ لقد عادت يوما إلى ~~سعيد مهران وهي باكية وبغير طعام لها وله؛ كانت عند بعض الطلبة الذين ضربوها وهي تطالبهم ~~بالحساب. وإذا كان سعيد مهران قد عاش لحظات، وهو يفكر في الحياة والموت، كلما نظر من ~~النافذة المطلة على القرافة، فهي خواطر طبيعية جدا تراودنا جميعا، كلما وقعت أبصارنا على ~~مشهد القبور؛ إن الرمزية في «اللص والكلاب» رمزية شخصيات ومواقف، وليست رمزية أسماء ~~وأماكن. # وننتقل بعد ذلك إلى لغة الحوار؛ من المعروف عن نجيب محفوظ، أنه يحرص على وضع حواره في ~~قالب الفصحى المبسطة، بل ويحرص في الوقت نفسه على التقريب بين هذه الفصحى وبين لغة الحياة ~~اليومية؛ ليحافظ - بقدر الإمكان - على واقعية اللغة المنطوقة من جهة، وليطمئن - من جهة ~~أخرى - على أنه قد تخطى العقبات التي تحول بينه وبين القراء العرب في مختلف الأقطار، وهي ~~العقبات ms100 الناتجة من اختلاف اللهجات المحلية هنا وهناك. موقف له مطلق الحرية في أن يتمسك به ~~كوجهة نظر خاصة، تمثل علاقته العاطفية باللغة، وتمثل في الوقت نفسه علاقته الجماهيرية ~~بالقارئ؛ وأعني به القارئ العربي في كل مكان. # حين تبصر نور سعيد مهران مثلا واقفا ينتظر فتقول له: «أنت؛ يا كسوفي؛ انتظرت قليلا؟» ~~نواجه الجملة الحوارية التي قلنا عنها أنها تحافظ على واقعية اللغة المنطوقة، على الرغم من ~~أنها مكتوبة بالفصحى المبسطة. وكثير جدا من جمل نجيب محفوظ يتميز فيها بالقدرة الفائقة ~~على صبها في مثل هذا القالب، ولكنه - في أحيان قليلة - تخونه هذه القدرة؛ تخونه مثلا ~~عندما يقول الشيخ علي الجندي، وقد صمت مليا ثم مسح على لحيته: أنت تعس جدا يا بني. # فيتساءل سعيد مهران في قلق: لمه؟ # ترى أيمكن أن تكون هذه هي واقعية اللغة المنطوقة، بالنسبة إلى رجل من طراز سعيد ~~مهران؟ # إن اللغة الأصيلة للشخصية في الحوار القصصي، تحمل في ثناياها أكثر من دلالة؛ تحمل دلالة ~~المستوى النفسي ودلالة المستوى العقلي ودلالة المستوى الاجتماعي لهذه الشخصيات، بالإضافة ~~إلى وجوب التزامنا للواقع التعبيري بالنسبة إلى لغة الحديث؛ ذلك لأن التركيبة النفسية لأي ~~نموذج إنساني، من شأنها أن تطبع سلوكه الحركي والكلامي بالطابع الملائم لاتجاهها الداخلي. ~~وكذلك الأمر فيما يختص بالتكوين العقلي لهذا النموذج، حين نلاحظ التلوين بين المنابع ~~الذهبية وخطوط الاتجاه اللفظي كانعكاس مباشر، وما نقوله هنا نقوله مرة أخرى عندما نتحدث عن ~~ظاهرة التفاعل، بين الوسط الاجتماعي للشخصية وبين منطق التعبير. # لقد قدم نجيب محفوظ في «اللص والكلاب» تجربة مفيدة، وأهم ما فيها من جديد هو التكنيك ... ~~ومعنى هذا أن نجيب محفوظ يتطور، ويساير روح العصر، ويثبت أنه موفور الرصيد من تجارب الفن ~~وتجارب الحياة. # | في القصة المصرية القصيرة # ذكاء الملاحظة - عند الكاتب القصصي - يضعه الناقد أول ما يضع، في قائمة التقييم الفني ~~لإنتاج هذا الكاتب؛ ذلك لأن الملاحظة الذكية - من ناحية الحكم النقدي على الأصالة - تمثل ~~نقطة الارتكاز الجوهرية لكل ما يملكه القصاص من ملكات؛ لا ms101 بد من توفر هذه الموهبة أولا: ~~موهبة التأمل والملاحظة ورصد الحركة الدقيقة الموحية، في نطاق الوجود الخارجي والداخلي ~~للإنسان، وعلى الناقد بعد ذلك أن يضع في القائمة - على صعيد الترتيب الفني لإمكانيات الكاتب ~~- كمية الرصيد الثقافي من تجربة الفهم للأصول التكنيكية، وتجربة التمثل للواقع المعاش. لقد ~~كانت الملاحظة الذكية هي أكثر الأرصدة ثراء في فن أنطون تشيكوف، وكانت من وجهة النظر ~~النقدية عند كثير من النقاد، هي نقطة الانطلاق الباهر لتفوق المدرسة التشيكوفية - في محيط ~~أدب الغرب - على كل مدارس القصة القصيرة، إنه يبهرنا بصفاء الرؤية القصصية في فنه، رؤية ~~الجزئيات الدقيقة التي يتكون منها موقف داخلي معقد، يتجسم بعد ذلك في انعكاسات حركة سلوكية ~~معبرة؛ ومن هنا سمي تشيكوف بحق، كاتب التفصيلات الصغيرة. # هذه التفصيلات الصغيرة، نستطيع أن نتتبعها في كل ما يكتب؛ ولكنها تجذبنا بصفة خاصة، ~~عندما يعرض تشيكوف إحدى شخصياته من خلال لحظة حرجة، بحيث تتدرج هذه اللحظة تدرجا هرميا ~~يصل بالشخصية إلى قمة أزمة نفسية معينة. هنا نرى ذكاء الملاحظة في رصد هذا التدرج الهرمي ~~وتسجيل تطوراته، وكأنه تجربة كيميائية في المعمل؛ تتركب من محاليل مختلفة، وتمر بمراحل ~~متتابعة، تمتزج فيها هذه المحاليل وتتفاعل، حتى نحصل في النهاية على خلاصة التجربة أو ~~نتيجتها النهائية. ولقد كانت مفارقات الحياة غالبا هي المحاليل المختارة لتجارب أنطون ~~تشيكوف؛ ذلك لأن الحياة في حركتها الدينامية لا تقدم إلينا أعمق لحظاتها إلا من خلال ~~المفارقة، من خلال ذلك التناقض المثير الذي لا نتوقعه، حين يخرج منطق الحياة أحيانا عن خط ~~سيره المرسوم؛ عندئذ يصطدم منطق الحياة مع منطق الأحياء، ومن هنا تحدث المفارقة، وقد تكون ~~المفارقة مضحكة أو مبكية، تبعا لجوهر التناقض بين منطقين أو اتجاهين، يحدث بينهما تصادم ~~غير متوقع ولا منتظر. # محمد أبو المعاطي أبو النجا تلميذ # 1 # مجتهد في مدرسة أنطون تشيكوف؛ فيه من خصائص هذه المدرسة - في عدد من قصصه ولا ~~أقول كلها - ذكاء الملاحظة وصفاء الرؤية الفنية، ولكن من خلال عدسة مصرية صميمة. الكاتب ~~الذي وقف ms102 في «الطابور» ساعات طويلة ومرهقة، لم يقف لمجرد تجديد بطاقته أو لمجرد التسلية ~~بمنظر طابور آدمي عجيب، لقد وقف يرقب الشعب ويتأمله ويلاحظ، ويفسر لنا - عن طريق عملية ~~السرد الموحية وعلى ضوء السلوك الخارجي - أكثر من حقيقة نفسية داخلية تصنع وتوجه هذا ~~السلوك. لقد كان الطابور قطاعا حيا من قطاعات هذا الشعب، كان كما تخيله الكاتب قد تكون ~~بهذه الطريقة: «جاء رجل ضخم جدا وراح يمد يده في كل مكان، في الشوارع والحواري، في ~~العمارات والأكواخ، في المصانع والمؤسسات والحقول، ويجذب من كل مكان رجلا ويأتي به إلى ~~هذا الطابور. إن هذا الطابور قطعة من الشعب؛ شريحة منه، فيها كل خصائصه العظيمة والوضيعة ~~على السواء.» # إن العمل الفني في قصة الطابور - من ناحية المقاييس التحديدية لأركان القصة القصيرة - ~~يخرج من خانة «القصة» ليوضع في خانة «الصورة». إنه لا يمثل ذلك القطاع الطولي الذي تلتقي ~~على امتداده - كما هو الحال في القصة - تلك الخيوط الصانعة لنسيج موضوعي موحد. ونحن تبعا ~~لذلك لا نرى شخصية بعينها تنمو على مدار التجربة من خلال الحدث، بحيث تنتهي بنا إلى موقف ~~معين ينتهي إلى اتجاه إيجابي أو سلبي، استنادا إلى جوهر التكوين النفسي لهذه الشخصية أو ~~تأثرها بشتى الدوافع الموجهة؛ في محيط هذه المقاييس التحديدية نجد القصة القصيرة. أما «في ~~الطابور» فهي «صورة» من حيث الإطار التكنيكي الذي يحيط بأبعادها الموضوعية؛ هي مجموعة من ~~القطاعات المستعرضة لحياة مجموعة من النماذج البشرية، معروضة من خلال لحظة معينة تربط بين ~~هذه النماذج من ناحية الموقف، ولكنها لا تربط بينها من ناحية الاختلافات في اتجاهات ~~السلوك. # هذه القطاعات المستعرضة في نطاق مثل هذا التصميم البنائي، نجد لها مثيلا - مع الفارق ~~بين طبيعة العمل الروائي وطبيعة الصورة القصصية القصيرة - في رواية «الأب جوريو» للكاتب ~~الفرنسي بلزاك، وفي رواية «زقاق المدق» للكاتب المصري نجيب محفوظ؛ الشخصيات عند بلزاك خليط ~~متنافر من الأحياء، يجمع بينهم بنسيون مدام «فوكيه»، ونفس هذا الخليط المتنافر تجده عند ~~نجيب محفوظ في «زقاق المدق»، وتجده عند ms103 محمد أبو المعاطي أبو النجا في «الطابور». ومما ~~يلفت النظر هنا وهناك أن النماذج الإنسانية المريضة، هي التي تحتل مكانها في المقدمة من ~~مسرح الأحداث، وإن كلا من «البنسيون» و«الزقاق» و«الطابور» قد بلغ مرحلة من التجسيم ~~المادي، جعلته يبدو وكأنه شخصية حية من شخصيات العمل الفني. # وإذا ما استعرضنا الملاحظات الذكية التي يمكن أن نلتقطها من وراء المفارقة، يواجهنا موقف ~~الكاتب وهو يرحب عقليا وشعوريا بأن يقف في الطابور، ويخضع لنظامه الصارم؛ ذلك لأنه يريد ~~«أن يمارس تجربة الديمقراطية على مستوى آخر غير مستوى الكلمات»، ولكنه وهو يعيش في قلب ~~التجربة، يكتشف أخيرا أن في هذه الديمقراطية - ديمقراطية الطابور الذي تتجمد فيه الحركة - ~~شيئا من الديكتاتورية؛ «إنه منطق الطابور اللعين يجعل كل فرد هنا أسير مصيره، أسير حظه ~~الذي وضعه في مكان لا حرية له في اختياره!» # ونحن في الطابور - ذلك القطاع الحي من قطاعات الحياة - قد نجد أنفسنا رغم كل الجهود في ~~المؤخرة، أو على الأقل خلف أناس لا يملكون مثل رصيدنا من القيم والإمكانيات، سبقونا لأن لهم ~~وسائلهم الخاصة في الوصول قبل غيرهم. إن الوصوليين في كل طابور تبطئ فيه الحركة أو تتجمد، ~~حريصون دائما على أن يحتلوا مكانهم في مقدمة الصفوف. # وفي الحياة أكثر من طابور، ولكل طابور وضعه ونظامه وخط سيره الحياتي، الذي لجأ إليه عن ~~إرادة أو غير إرادة؛ وحين تلتقي هذه الطوابير كما التقت في أول عمل فني من أعمال هذه ~~المجموعة، يبدو كل طابور وهو غريب في منطق الطابور الآخر، وتتحول هذه الغرابة إلى حركة ~~تعبير خاصة، تجسم وجهات النظر المتبادلة بين الطوابير: طابور صامت وكأنه يتخذ من الصمت ~~شعار احتجاج صارخ على وضعه ومصيره، وهو طابور الأولاد المشردين. وطابور يعبر بوجهة نظر ~~أخرى عنصرها اللامبالاة، ووسيلتها للأداء إخراج اللسان وهز الأرداف، وهو طابور البنات ~~الساقطات. وطابور يواجه لغة التشرد ولغة السقوط، بما يناسب اختلاف المستويات العقلية لجموع ~~الواقفين فيه، وهو طابور الراغبين في إثبات وجودهم بطريقة رسمية! # وكل شيء في الحياة إنما ms104 يستمد قيمته من مقدار حاجتنا إليه: بقدر ما نحتاج يصبح الشيء في ~~تقديرنا وهو شيء، وبقدر ما نستغني يصبح الشيء في تقديرنا وهو لا شيء؛ إن قيم الأشياء نسبية ~~بحتة، يحدث هذا عندما لا نحس شيئا من الفراغ والوحدة في طابور الحياة؛ في مثل هذه اللحظة ~~يبدو لنا الإنسان العادي، وهو كم مهمل لا حاجة بنا إليه، أما عندما نمارس تجربة الوحدة ~~والفراغ ومرارة السأم، فإننا نتلهف على أن يؤنس وحدتنا ويقضي على سآمتنا أي مخلوق ولو كان ~~أبله؛ «الشيخ الذي أمامي لا يزال يقرأ، لا يزال يتمتم بصلوات وأدعية، يبدو أنه ليس لديه ~~أي استعداد لأن يتحدث مع أحد، كأنما جاء إلى هنا ليتفرغ للعبادة؛ آه أين أنت يا صديقي ~~الأبله؟ إن الإنسان لا يدرك أحيانا قيمة أن يتحدث إليه أي شخص، أي حديث ولو كان هذيانا، ~~لا شك أن الحيوانات كائنات تعسة للغاية؛ لأنها لا تستطيع أن تثرثر.» # أما الواقعية بالنسبة للشخصيات فهي واقعية نمط؛ الرجل الذي يشتغل في كل مهنة ولا يستقر ~~في مكان، ويتزوج خمس مرات وله أولاد لا تربطهم به صلة، مثل هذا الرجل الأبله نمط؛ والعامل ~~الذي يشكو من الضغط المادي لحياة المدينة الكبيرة، والذي كان الأبله ينصحه بأن يشتغل «مرسال ~~صنف» ليحيا حياة مريحة، مثل هذا العامل نمط؛ والموظف الصغير المثقل بأعباء العمل، والذي ~~يحيله الإرهاق المتواصل إلى آلة، تتعامل مع الناس على أنهم مجرد أسماء وعناوين وأعمار ومهن، ~~مثل هذا الموظف نمط؛ والشيخ الذي يذكر الله بطريقة ميكانيكية تشغله عن كل ما حوله، حتى ~~ليخيل إليك أنها تشغله عن الله نفسه، مثل هذا الشيخ نمط؛ وكل دمية بشرية كانت تقف في طابور ~~البنات أو طابور الأولاد، وينبئ مظهرها الخارجي عن حقيقتها الداخلية، مثل هذه الدمية نمط ... ~~وكل نمط من هذه الأنماط البشرية يمثل مجموعة متشابهة من الأحياء. # وحين نترك «في الطابور» لنلتقي بالعمل الفني الذي يليه وهو «حارس المقبرة»، نجد أن هذا ~~العمل الفني قد اكتملت له كل الأركان اللازمة للقصة القصيرة: ms105 نجد فيه ذلك القطاع الطولي ~~الذي أشرنا إليه من قبل، ونحن نفرق بين القصة والصورة، وقلنا عنه إنه تتلاقى على امتداده ~~تلك الخيوط الصانعة لنسيج موضوعي واحد، ونجد فيه الشخصية التي تنمو من خلال الحدث على مدار ~~التجربة، حتى تصل مع النمو النفسي المطرد إلى عملية تطوير موقفية معينة. إن المشكلة التي ~~يقدمها إلينا الكاتب كنقطة ارتكاز للحدث، تتحول بعد ذلك إلى نقطة انطلاق للموقف المتطور، هي ~~مشكلة كل إنسان فقير ومحروم، حين يضطر أمام قهر الظروف وتحت ضغط الحرمان والحاجة، إلى أن ~~يسلك سلوكا قد يبدو في رؤية الناس وهو غير مشروع. عبد العال هو الشخصية التي ترمز إلى ~~المشكلة، وتشير إلى جذورها الطويلة الضاربة في تربة الوضع الاجتماعي لأمثاله من أبناء ~~القرية المصرية، الإنسان الضائع الذي يعيش الحياة يوما بيوم، بلا أمل في الحاضر ولا ضمان، ~~لجأ إلى الموتى بعد أن فقد الضمان والأمل في صحبة الأحياء؛ لجأ إلى الموتى ليأخذ منهم، لجأ ~~إلى الناس الطيبين الذين كانوا يرعونه ويرعون أمثاله، يوم أن كانوا على قيد الحياة؛ لقد ~~خلت الحياة بعدهم من الرحمة والخير، وحين أتاحت له الظروف أن ينزل ضيفا عليهم، قرر بعد ~~تفكير مرهق ومعذب، أن يمد إليهم يده! # محمد أبو المعاطي أبو النجا يقودنا إلى هذه المسالك النفسية، وهو يرسم لنا شخصية عبد ~~العال من الداخل، وهو في أثناء الرسم، كثيرا ما يستخدم اللقطات الجانبية التي توضح بعض ~~الأوضاع الخاصة للشخصية المرسومة: عبد العال وهو يقرر أن يسرق أكفان الشيخ عوض، ليشتري بها ~~كسوة لأولاده، لا يقرر ذلك لأنه لص؛ بل لأنه فقير ومحتاج! والملاحظة الذكية التي تواجهنا ~~من وراء المفارقة، أن عبد العال قد كلف بأن يكون حارسا للمقبرة، يحمي أكفانها من سطو ~~اللصوص! إنها المفارقة التي تجسم المشكلة من خلال ذلك الصدام غير المتوقع، بين منطق ~~الحياة ومنطق الأحياء؛ المنطق الأخير يفرض عليه أن يقف موقف الحارس، والمنطق الأول يرغمه ~~على أن يقف موقف اللص، ومن هنا يحدث الصدام المضحك أو المبكي بين ms106 موقفين! # وعبد العال بعد ذلك - وتلك هي المفارقة الثانية - ما زال محتفظا بقيمه كرجل عاش طول ~~عمره، وهو عف النفس رغم أنه فقير؛ ولهذا لم يحاول أن يجرد الجثة من «كل» أكفانها كما يفعل ~~اللصوص، ولكنه يكتفي بأخذ كفنين اثنين من أكفان الشيخ عوض الثلاثة، إنه منطق الشرف حين ~~ترغمه الحاجة، وهو في رأيه منطق عادل؛ إن بعض الأحياء من أمثاله لا يجدون إلا ثوبا ~~واحدا، في الوقت الذي يتدثر فيه الموتى بثلاثة أثواب! لو كان الحاج أحمد الذي يرقد في قبر ~~مجاور - والذي كان يمثل خلاصة الناس الطيبين - على قيد الحياة، لوقف وقال بأعلى صوته: «يا ~~بلد لازم نكفن الميت في كفن واحد، وبقية قماش الكفن نفرقه على الناس الغلابة!» # وعبد العال وهو يرتجف تحت برد الليل وقسوة المطر، تتلون أفكاره بألوان اللحظة النفسية ~~التي تمر به وتعكس ألوانها في حلم اليقظة: «كان يتصور أن شريطا عريضا من قماش الأكفان، ~~ينبعث من هذه المقابر يشده رجلان، وأن هذا الشريط يمكن أن يغطي القرية كلها، ويصنع فوقها ~~خيمة كبيرة لا يخترقها المطر!» # والكاتب يبرز لنا - من أعماق إحدى الزوايا في عمله الفني - جانبا من الجو العقائدي الذي ~~يعيش فيه كل الفقراء والمحرومين؛ إنهم يحلمون بالعالم الآخر، بالجنة، بتلك المائدة الحافلة ~~التي يمكن أن تعوضهم عن كل ما وجدوا في عالمهم من حرمان. فتحية بنت عبد العال - وهي تتحدث ~~إلى أبيها بجوار القبر - تمثل هذه الأحلام العقائدية التي يلقنها الكبار للصغار، والتي تمثل ~~بدورها واحدا من الشعارات النفسية لطبقة معينة من طبقات المجتمع. # إلى هنا ومحمد أبو المعاطي أبو النجا يجسم المشكلة من خلال الملاحظة الذكية وهي في قالب ~~المفارقة، ولكن المشكلة حين تتحول إلى مأساة، تبلغ ذروة التجسيم من داخل عملية السرد نفسها ~~في الموقف الأخير من مواقف القصة؛ موقف عبد العال وهو مهدر الآدمية تحت أقدام القطيع ~~البشري في حواري القرية. # إن أعنف ما يهزنا من موقف الإنسانية في لحظات الضعف، هو أن يتحول ضعفها النبيل إلى ذل ~~رخيص ms107 وتافه؛ إذا كان الذين يحيلون ضعف الإنسان إلى ذل، رخصاء وتافهين! # على ضوء هذه الذروة التجسيمية يمكننا أن ننظر إلى مأساة عبد العال؛ إن الكاتب يرسب ~~المأساة في نفوسنا ترسيبا عميقا عن طريق عملية التصوير المادية لحركة الموكب الثائر ~~الشامت، موكب القرويين وهم يزفون بطل القصة، من داخل هذه «الحركة» لم نكن نرى وجه البطل، ~~ولكننا كنا نستخلص الصورة الحقيقية لهذا الوجه من خلال الواقع الإيحائي، بكل ما يرتسم على ~~قسماته من ذل صامت أو معبر. لقد استخدم الكاتب حركة الموكب كمجال خلفي كبير للصورة ~~المرسومة، وفي نهاية الحيز الامتدادي لهذا المجال الخلفي الكبير، نرى اللمسات الأخيرة التي ~~تكمل ما في الصورة من زوايا وأبعاد؛ عبد العال معروض أمامنا بواسطة موكب آخر يفترق عن ~~الموكب الأول في كونه يعلق ولا يتحرك، موكب من النساء يكتفي بأن يزف بطل القصة مجموعة من ~~الكلمات تمثل في جملتها وجهتين من وجهات النظر: «يعني كان حد قال له يروح يسرق الكفن؟ دول ~~ناس آمنوه لأنه راجل طيب يقوم يعمل كده؟ والله ما تخافي إلا من الطيبين دول»؛ «هوه لو ما ~~كانش طيب كان اتمسك؛ أولاد الحرام اللي بيسرقوا كتير، إنما ده كونه راجل طيب مسكوه» ... ~~وجهتا نظر تقدمان إلينا الجوهر الحقيقي للطبيعة البشرية ممثلة في موقفين: موقف الذين ~~يسيئون الظن بالإنسان، وموقف الذين يحسنون الظن بالإنسان! # ومرة أخرى نجد الأركان الفنية اللازمة للقصة القصيرة تكتمل بصورة ملحوظة في «الآخرون»، ~~وهي العمل الثالث من أعمال هذه المجموعة. بطل القصة - وهو مراسل حربي لإحدى الصحف المصرية ~~في معركة القنال - نموذج بشري يمثل نمطا من الأحياء في المجتمع المصري وكل مجتمع آخر ... ~~نمطا يحدد اتجاهه السلوكي دافع واحد، هو حب الذات، الحب الذي ينكمش فيه «الأنا» بحرص بالغ ~~داخل قوقعة الفردية، ثم تتضخم جدران الواقع ذلك التضخم الذي يحول دون رؤية العالم الخارجي، ~~هناك حيث يقف الآخرون. # وبطل القصة - من خلال زاوية أخرى من زوايا صورته العامة - شخص يتحدث إلى الناس بلغة أخرى ~~غير اللغة التي يتحدث ms108 بها إلى نفسه؛ إنه مع نفسه - حين ينفرد بها - شجاع لا يخشى الصراحة، ~~ولكنه مع الناس؛ جبان تعيش مشاعره الحقيقية في الظلام، ومن هنا كان الدافع الرئيسي الذي ~~حبب إليه دوره الصحفي في معركة القنال، هو أن يلقى هؤلاء الفدائيين عن طريق التسلل إلى ~~حقيقتهم النفسية، ليعرف أي سر يكمن وراء المقامرة بحياتهم في سبيل هدف - هو بالنسبة إليه - ~~غير منطقي وغير واضح. ~~«إنه يفهم أن يكافح الإنسان من أجل سعادته؛ أن يناضل، أن يتألم، أن يشقى من أجل حياة ~~سعيدة، أما أن يفقد الإنسان حياته فيها، فهذا ما لا يمكن تصوره بحال، هل هناك شيء أغلى من ~~الحياة نفسها حتى يمكن أن نبذلها من أجله؟ يقولون الحرية! ولكن، ما هي الحرية؟ إنها إحدى ~~حاجات الحياة، وحين نفقد الحياة، نفقد معها حاجتنا إلى الحرية، يقولون الحرية من أجل ~~الآخرين، ولكن من هم الآخرون هؤلاء؟ إنه لا يكاد يحس بهم، وهم أيضا هل تراهم يحسون به؟ هل ~~يحسون به إلا حين يحتاجون إليه؟ وهل يحس بهم إلا حين يحتاج إليهم؟ وحين يموت الإنسان؛ ماذا ~~يبقى منه ليحتاجه الآخرون؟» # هذا التحليل الموفق الذي يرسم به الكاتب خط الاتجاه النفسي، لنمط إنساني معين يمثله بطل ~~القصة، هو بمثابة عنصر التبرير الموضوعي لموقف البطل إزاء الحياة وإزاء الآخرين. إن الواقع ~~الداخلي لمشكلة هذا النمط من الأحياء، هو واقع السلبية المطلقة التي تحول دون التعاطف ~~الشعوري بينهم وبين الغير، وتحصرهم داخل وجود انعزالي، تفصله عن وجود الآخرين زحمة الدوافع ~~الفردية، والكاتب أمام هذه الزحمة قد وقف واعيا ليختار، ليقتطع من جسم الواقع أهم منطقة ~~نفسية، يمكن أن يجسم من خلالها المضمون الكلي للمشكلة؛ مشكلة السلبية المطلقة؛ وذلك حين ~~وضع بطل القصة - وهو رمز النمط البشري المنعزل - تجاه حركة دفع إيجابية هدفها أفدح تضحية في ~~سبيل المجموع! # إننا نرى البطل - في المرحلة التخطيطية للحدث - وهو يناقش أحد الفدائيين محاولا من وراء ~~النقاش أن يتسلل إلى حقيقته النفسية؛ وفي تلك الأثناء تقبل عليهما عربة جيب إنجليزية ثم ms109 ~~تقترب، ويطلق جنودها النار في هجمة مفاجئة؛ ويرد الفدائي بالمثل فيصيب العجلات وتتعطل ~~العربة عن السير في منطقة مكشوفة؛ وتبدأ معركة ظالمة غير متكافئة؛ بندقية واحدة تناضل ضد ~~مجموعة من البنادق، تحصن أصحابها وراء عربة الجيب، وأخيرا تتوقف البندقية الواحدة بعد أن ~~عجزت عن الصمود في وجه سيل جارف من الرصاص، ويصمت الفم الذي تحدث حتى الثرثرة، عن عذوبة ~~التضحية في سبيل الآخرين، ويتحول الحدث إلى موقف بالنسبة إلى المراسل الصحفي، ويتكشف ~~الموقف عن سوء عملية تطوير إيجابية. ~~«وفي هذه اللحظة كانت مشاعر محمود - المراسل الحربي - تعاني انقلابا هائلا؛ لقد بدأ ~~يحس كأن حسن - الفدائي المصري - ليس شخصا آخر منفصلا عنه، وإنما يحس كأنه قد صار قطعة منه؛ ~~ووجد نفسه يزحف إلى جواره، ويأخذ منه البندقية، ويغير مكانه قليلا، ويعاود إطلاق الرصاص، ~~ولا يدري كيف حدث ذلك أيضا، لقد أحس كأن حمى هائلة تجتاح كيانه، وتكتسح أمامها كل خوف ~~وتردد؛ وفجأة توقفت البندقية وأدرك أنه قد أصيب؛ إنه هو الآخر سيموت، ولكنه لم يمت بعد، ~~إنه لا يزال حيا، إن حسن هو الذي منحه هذا القدر من الحياة، هذه اللحظات التي يعيشها ~~الآن، وبدأ يدرك أنه هو الآخر يمنح الحياة أناسا آخرين، يحس بهم كأنهم أيضا قطعة منه ... ~~ولأول مرة بدأ يدرك الصلة التي تربطه بهم، إنه يمنحهم الحياة التي يفقدها هو، إنه يتيح ~~لحياتهم أن تستمر، أن تبقى، أن تمتد؛ وذاب في أعماقه شعور بالأسف، إنه يفقد الحياة بعد أن ~~عرفها لأول مرة، وأدرك في قسوة أنه لم يعش قبل هذه اللحظات، لا بل كان يعيش؛ كان يعيش داخل ~~قوقعة مظلمة، داخل ذاته، وحين انطلقت بعض الرصاصات وحطمت تلك القوقعة؛ بدأ يحس ~~بالآخرين!» # إن القصة - كعمل فني - تصوير للواقع وتجسيم للمشكلة، ووراء التصوير والتجسيم شيء يريد أن ~~يقوله لنا الكاتب؛ محمد أبو المعاطي أبو النجا يقول لنا هذا الشيء في كثير من أعماله ~~الفنية، قاله لنا في «الطابور» وفي «حارس المقبرة»، كما قاله لنا في «الآخرون»؛ إنه هنا ~~كما ms110 كان هناك صاحب رأي أو صاحب فكرة، وكل منهما - أعني الرأي والفكرة - يمكن أن يستخلصه ~~الناقد والقارئ من أعماق المضمون الاتجاهي للمشكلة المعروضة. إنها خصيصة أخرى من خصائص ~~المدرسة التشيكوفية، وكاتبنا - كتلميذ مجتهد في هذه المدرسة - يريد أن يقدم لنا هذا الرأي. ~~إن مشكلة السلبية التي تمارسها بعض الأنماط البشرية في حياتنا لا يمكن أن تعالج ~~بالنظريات، وإنما تعالج بكل وسيلة عملية. الانعزاليون لا يمكن أن نعلمهم معنى الارتباط ~~بالحياة، إلا إذا دفعناهم دفعا إلى قلب الحياة، إلا إذا صهرناهم في بوتقة التجربة. ~~الأنانيون لا يمكن أن نلقنهم دروس البذل والعطاء إلا على يد فئة معينة، فئة بلغت درجة ~~الأستاذية في مدرسة التضحيات. فلنضع هؤلاء السلبيين أمام الإيجابيين وجها لوجه، ومن التقاء ~~القطب السالب بالقطب الموجب، يمكن أن تندلع شرارة الإحساس بشرف الفناء؛ في سبيل ~~المجموع! # والكاتب في عمله الفني الرابع: «خروج عن الموضوع»، يريد أن يقول لنا كعادته، هذا الشيء ~~الذي يمكن أن نستخلصه عن طريق الإيحاء؛ إننا في هذا العمل الفني أمام «صورة» من حياة مدرس ~~في مدرسة بنات، مدرس يضيف بخروج تلميذاته عن المعنى المحدود لموضوعات الإنشاء، هذا الخروج ~~الذي كأن هناك يدا خفية ترغمهن عليه، ويجد نفسه - حيال الظاهرة المتكررة - أعجز من أن يصل ~~إلى تفسير معقول. والعدسة اللاقطة تصور لنا تلال الكراريس، وعناء المهنة المرهقة، ~~والملامح النفسية للتلميذات من خلال الموضوعات الإنشائية، وشخصية الأستاذ حسين المدرس ~~كواجهة عرض تجسيمية لمجموعة المدرسين، وذكاء الملاحظة وهي مصبوبة في قالب المفارقة، حين ~~يلتقط الكاتب مركز الصدام المضحك بين منطق الحياة ومنطق الأحياء. المنطق الأخير يفرض على ~~الأستاذ حسين أن يطالب تلميذاته بعدم الخروج عن الموضوع، وحين يكتب الأستاذ خطابا لصديقه، ~~يرغمه المنطق الأول - منطق الحياة - على أن يخرج هو نفسه وبلا إرادة، عن الموضوع. إن اتجاه ~~المضمون يوحي إلينا بهذا الشيء الذي يريد أن يقوله لنا الكاتب: إن الحياة تعاملنا في كثير ~~من الأحيان بمثل هذا المنطق؛ قد تكون لنا قيم معينة نحرص عليها، أو خط سير مستقيم ms111 نطالب ~~الغير بأن يسلكه ونفرض على أنفسنا أن نسير فيه؛ ومع ذلك، فما أكثر ما ترغمنا يد خفية أو ~~ظروف ضاغطة، على أن نخرج بلا إرادة عن موضوع حياتنا الذي اخترناه! # وإذا ما انتقلنا إلى العمل الفني الخامس في هذه المجموعة، واجهتنا «تجربة مع الموت». إن ~~المضمون الاتجاهي في هذه القصة، كما هو في «الآخرون» التزامي هادف، قطاع من حياتنا في لحظة ~~صراع بطولي من خلال معركة، عاشها كل منا بوسيلته الخاصة: الفدائي بروحه ودمه، والكاتب ~~بوجدانه وقلمه؛ بطل القصة وهو خارج التجربة، كان قد رسم للموت صورة محددة الملامح مكتملة ~~الخطوط، ولكنها - على الرغم من ذلك - لم تكن صورة حقيقية؛ ملامحها لم تكن مستمدة من الواقع ~~المعاش، وخطوطها كانت تنطلق من جوانب الوجود الخارجي للموت. أما حين أصبح داخل التجربة في ~~أعماقها، بين جدرانها المطبقة، فقد عجز عن تحديد موقفه العقلي والشعور إزاء الموت، وعجز ~~تبعا لذلك أن يقدم إلينا صورته. إن صورة الموت ونحن خارج التجربة تعد نوعا من التصور ... ~~أما ونحن داخل التجربة فإن الرؤية تتعذر، وتتعطل الحواس المهيأة لعملية التصوير. # هذه هي الدلالة الإيحائية التي نستخرجها من المنعطفات الاتجاهية للمضمون، كلون من ~~الإضافة التفسيرية إلى المشهد الواقعي المكون من أحداث ومواقف. ولكن محمد أبو المعاطي أبو ~~النجا يخطئ هذه المرة فنيا واتجاهيا، وهو يقدم هذه الدلالة الإيحائية إلى القارئ في ~~بداية القصة. إن الإيحاء بالفكرة يفقد كل ما فيه من عوامل الإثارة، إذا لم يستخلصه القارئ ~~أو الناقد من السلوك الموقفي للشخصيات؛ هذا السلوك الموقفي أشبه بمجموعة من الغرف ~~المغلقة، على الكاتب أن يعطينا مفاتيحها وينصرف، وعلينا نحن بعد ذلك - ما دامت المفاتيح ~~موجودة - أن نقوم بتلك المحاولة المثيرة؛ محاولة اكتشاف ما في الغرف المغلقة من محتويات ~~نفسية. أما أن يسبقنا الكاتب إلى مثل هذا العمل، فماذا يبقى لنا ليثير فينا متعة البحث ~~والتنقيب؟! # ونخطو بعد ذلك خطوات أخرى إلى هاتين القصتين وهما: «مملكة نبيل» و«فتاة في المدينة». إن ~~التخطيط الإطاري والموضوعي لهاتين القصتين - في حدود ms112 أحداثهما ومواقفهما والتكوين النفسي ~~الخاص للشخصيات - تخطيط ناضج، ولكن المشكلات فيهما كما يعالجها الكاتب مشكلات فردية؛ ومن ~~هنا لم تكن واقعية النماذج البشرية المعروضة واقعية نمط. ترى هل نجد الكثير من أمثال نبيل، ~~في مثل هذه البيئة التي نشأ فيها، والتكوين النفسي الذي صنع منه هذا السلوك؟ هل نجد نماذج ~~متعددة من طراز هذا الفتى الصغير، الذي يحس سعادته الحقيقية في حرية الانطلاق وحب الناس ~~والتجاوب معهم، ولو ضحى في سبيل ذلك بجزء من دخله اليومي، وهو في أشد الحاجة إليه؟ صحيح أن ~~الكاتب قد قدم إلينا عنصر التبرير الموضوعي لهذا السلوك، وهو أن الفتى الصغير - حين قرر أن ~~يترك عمله الممل في دكان البقالة - كان قد مارس من قبل نفس التجربة الشعورية، التي تصنع في ~~اندماجه مع الناس مملكته الكبيرة، يوم أن كان بائعا للصحف يجوب القرى العديدة جريا وراء ~~الرزق؛ ولكننا مع ذلك لا نجد في بيئة نبيل كثيرا من أمثاله. # إننا في واقعية النموذج الفردي لا نحس إحساسا كاملا بأن الشخصية تنبض بدم الحياة ~~والحركة، بل إن الإحساس الذي نتعرض له هو أن الشخصية، لم تكن إلا «مجرد» رمز لفكرة في ذهن ~~الكاتب؛ هذه الفكرة هي أننا نستطيع أن نخلق من حب الناس مملكتنا الخاصة! إن هناك فارقا ~~ملموسا بين واقعية النموذج الفردي وواقعية النمط الجماعي؛ الشخصيات في الواقعية الأخيرة ~~لا تتحول إلى رموز لأفكار، ولكنها تتحول إلى رموز لمشكلات اجتماعية ضخمة، تستمد ضخامتها من ~~ضخامة الكم العددي الذي يمثلها من النماذج الإنسانية، كما رأينا ذلك بصورة مجسمة في ~~«الآخرون» و«حارس المقبرة». وإذا وجدنا في واقعية النمط شيئا من الرمز لفكرة، فهو كما قلنا ~~من الإضافة التفسيرية التي يستخلصها القارئ من المضمون الإيجابي لمشكلة يعيشها ~~المجموع. # وما نقوله عن شخصية نبيل نقوله عن شخصية الفتاة المأزومة، التي عقدتها طبيعة العلاقات ~~السطحية المنهارة في حياة المدينة. إن الكاتب يثير عطفنا على البطلة ، وهو يكثف الأزمة ~~تكثيفا نفسيا مطردا، يتناول الجذور والامتدادات، ولكننا نشعر أن التركيبة النفسية ~~للبطلة كإنسانة ms113 مرهفة الحس، لا تمثل ظاهرة عامة. صحيح أننا حين نتعرض في قلب المدينة ~~الكبيرة لأزمة من أزمات فقد الثقة في قيمة من القيم، صحيح أننا تبعا لذلك قد نفقد ثقتنا ~~بكثير من أمثال هذه القيم، ولكن هذا لا يحدث كثيرا بالنسبة إلى القيم العاطفية التي تعيش ~~في أعماق الصخب والضجيج. إن الأغلبية المطلقة من فتيات المدينة قد ألفن هذه العلاقات ~~السطحية المنهارة، لدرجة أن الفتاة التي ترمز إلى هذه الأكثرية إذا فقدت ثقتها فيمن تحب، ~~فإن ذلك قد لا يترتب عليه أن تفقد ثقتها في الآخرين. البطلة التي اختارها الكاتب إذن تمثل ~~واقعية النموذج الفردي، ولا تمثل النمط في محيط المشكلة الجماعية! # | لغة الأداء في القصة والمسرحية # شيوخ الأدب في مصر، ومعهم قلة من الأدباء تقتفي خطاهم، يقفون موقف المعارضة من اتجاه ~~نقدي ننادي به، وندعو إلى تطبيقه في ميدان القصة القصيرة والطويلة وبعض ألوان المسرح؛ وهم ~~يتشبثون برأيهم بأن لهم فهمهم الخاص لرسالة الأدب، وهو - أعني هذا الفهم - يعد نتاجا ~~تأثريا لجيل معين نشئوا فيه، وطبعهم بطابع قيمه واتجاهاته. أما نحن كمجموعة من النقاد ~~تحمل لواء الدعوة إلى هذا الاتجاه النقدي الذي أشرت إليه، فمرجع إيماننا الاتجاهي أن لنا ~~فهمنا الخاص لرسالة الأدب وكذلك نظرتنا الذاتية، وهما - بلا شك أيضا - يعدان نتاجا تأثريا ~~لجيلنا الذي يساير ركب التطور، وينشد التجديد إذا ما تحققت من ورائه بعض أهداف النقد، ومن ~~أهمها مثلا أن نشق للأدب مجرى عميقا وطويلا خلال أكبر عدد من الصفوف الجماهيرية ~~القارئة. # الخلاف بيننا كما قلت، لا يتعدى مجال القصة القصيرة والطويلة وبعض ألوان المسرح، وهو خلاف ~~من شأنه أن يتحول إلى معركة، إذا ما كانت المعركة بطبيعتها حربا بين رأي ورأي، أو نضالا ~~بين فكرة وفكرة، أو صراعا بين مجموعة من القيم الفنية؛ ومن حق النقد أن يخوض هذه المعركة ~~ما دام هدفه البعيد أن تنتصر دعوة نبيلة، مضمونها أن يتخلص الأدب من بعض القيود التي تربطه ~~بالمثقفين «وحدهم»، حتى يستطيع أن يخاطب كل الطبقات وأن ms114 يحطم الأبراج العاجية، ويهبط من ~~عليائه إلى الشارع؛ وحتى يستطيع آخر الأمر أن يحمل رسالة التوجيه ويلوح بعصا ~~القيادة. # لماذا كانت القصة والمسرحية بالذات ميدانا للخلاف أو ميدانا للمعركة؟ لأنهما أكثر فنون ~~الأدب على الإطلاق رواجا في عصرنا، وأصدقها تعبيرا عن الواقع الاجتماعي للشعوب، وأبعدها ~~دلالة على المستويات النفسية والعقلية للجماهير، وأحقها - تبعا لذلك - بتحمل مسئولية الدور ~~القيادي الذي يمكن أن يؤديه الأدب للفرد والمجموع. # محور الخلاف الذي تدور حوله المعركة هو اللغة، اللغة التي يعبر بها كاتب القصة وكاتب ~~المسرحية؛ إنها خيط الاتصال بين الأديب المنتج والجمهور القارئ، وإذا ما تعرضت هذه الخيوط ~~الاتصالية لبعض ألوان التعقيد في النسيج الفني، تعقدت معها بالتبعية عملية التجاوب الفكري ~~والشعوري بين جهاز الإرسال والاستقبال؛ أعني بين منتج الفن ومتذوق الفن! # نحن في اتجاهنا النقدي الذي ننادي به، نرى أن تكون عملية السرد في القصة باللغة الفصحى ~~على أن تكون مبسطة، بحيث لا يصعب فهم تعبير معين على رجل الشارع أو أنصاف المتعلمين؛ أما ~~الحوار الذي يدور بين الشخصيات سواء أكان ذلك في القصة أو المسرحية، فيجب أن يكتب بنفس ~~اللغة التي تنطق بها الشخصيات في الواقع المعاش، أو بتعبير آخر بلغة حياتها اليومية. ولنا ~~من وراء ذلك هدف مزدوج؛ هو أن نضمن سلامة المفهوم الفني لعملية التصوير القصصي من جهة، ~~وسلامة التحقيق الفعلي لظاهرة التجاوب الجمهوري مع مضمون الأدب من جهة أخرى. # إن اللغة الأصلية للشخصية في الحوار القصصي والمسرحي، تحمل في ثناياها أكثر من دلالة ... ~~منها دلالة المستوى النفسي ودلالة المستوى العقلي ودلالة المستوى الاجتماعي لهذه الشخصية، ~~بالإضافة إلى أننا نلتزم صدق الواقع التعبيري للغة المنطوقة؛ ذلك لأن التركيبة النفسية لأي ~~نموذج إنساني، من شأنها أن تطبع سلوكه الحركي والكلامي بالطبع الملائم لاتجاهها الداخلي. ~~وكذلك الأمر فيما يختص بالتكوين العقلي لهذا النموذج، حين نلاحظ وحدة التلوين بين المناهج ~~الذهنية وخطوط الاتجاه اللفظي كانعكاس مباشر. وما نقوله هنا نقوله مرة أخرى عندما نتحدث عن ~~أثر الرابط التفاعلي بين طبيعة الوسط الاجتماعي للشخصية ms115 وبين منطق التعبير، فإذا ما كان هدف ~~القصة أو المسرحية هو أن تقدم لنا قطاعات حية وتجارب معاشة من حياة الناس، فمن حق هؤلاء ~~الناس - ممثلين في مختلف النماذج المرسومة - أن يجدوا أنفسهم على حقيقتها في مرآة الكاتب ~~القصصي المسرحي، بكل مشكلاتهم وانفعالاتهم وملامحهم النفسية والتعبيرية، وعندما يتحقق لهم ~~ذلك - عن طريق لغة الكاتب المبسطة في عملية السرد، ولغة حياتهم اليومية في عملية الحوار - ~~فقد تحقق للأدب أن يرسل خيوطه الإشعاعية إلى كل اتجاه، وأن يشق طريقه في كل الدروب. # إننا، عندما يقول ناقد كبير معاصر عن الروائي الفرنسي بلزاك إنه أعظم كتاب الرواية، نجد ~~أنه قد بنى حكمه على أساس حقيقة ناصعة، هي أنه لم يستطع أن يخرج من كل كتب التاريخ التي ~~قرأها عن المجتمع الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بصورة واقعية ومتكاملة لهذا ~~المجتمع، كما خرج بهذه الصورة من الأعمال الروائية لبلزاك. وعندما نذكر أن هذا الكاتب ~~العظيم كان يحرص على البساطة المتناهية في لغة الأداء، نذكر في الوقت نفسه أنه قد تعرض - ~~بسبب هذه البساطة - لبعض صيحات الإنكار من نقاد عصره، حين لم يجدوا مأخذا في فنه غير أن ~~أسلوبه يشبه في رأيهم أسلوب الكتاب الصحفيين. ولم يكن بلزاك عاجزا عن مجاراة أصحاب الصنعة ~~البيانية من الكتاب الرومانسيين وبقايا الكلاسيكيين في جيله، ولكنه آثر ألا يقصر أدبه على ~~المثقفين ورواد الصالونات الأدبية، ومضى يشق لهذا الأدب الواقعي مجرى عميقا وطويلا، خلال ~~أكبر عدد من الصفوف الجماهيرية القارئة. ومن هنا استطاع أن يطفئ بريق الرومانسية التعبيرية ~~في عصرها المتألق، وأن يبهر بالوهج الجديد للأدب الواقعي في شكله ومضمونه، كل العيون ~~المتطلعة إلى ضوء التطور! # هكذا كانت الصيحات التي ارتفعت في وجه بلزاك، ولم تستطع أن تعوق خط السير الذي رسمه ~~لأدبه، وانتهى به إلى مزيج رائع من التفوق والانتصار. إننا نسمع اليوم نفس الصيحات أو ما ~~يشبهها إنكارا وثورة، كلما استجاب واحد من كتابنا القصصيين أو المسرحيين لصوت النقد، وقام ~~بتبسيط لغة الأداء بالنسبة ms116 إلى عملية السرد، وإدارة الحوار القصصي والمسرحي بما يطابق ~~الواقع للشخصيات. وتنطلق فنون الاتهام من أفواه المعترضين، بأن في هذا الاتجاه خطرا على ~~الفصحى مبعثه تشجيع اللغة الدارجة، وإفساح الطريق إلى كل عاجز عن الأداء «البليغ»، ليكون ~~واحدا من حملة الأقلام. ثم يمتد الاتهام بعد ذلك حتى يتخذ نقطة ارتكاز جديدة، مؤداها أن في ~~هذا الاتجاه خطرا آخر على وحدة الفهم المشترك بين القراء العرب، وهي الوحدة التي تحققها ~~لهم تلك اللغة الفصحى، التي يعبر بها الأدب في كل أقطار العروبة؛ ذلك لأن اختلاف اللهجات ~~المحلية بين قطر وآخر، كفيل في رأيهم بأن يخلق مجموعة من حواجز التمثل المعنوي للتعبير ~~بين كاتب من هنا وقارئ من هناك. # إذا احتاج هذا الاتهام إلى رد فإن الرد مهيأ وميسور؛ مهيأ بالكلمة وميسور بالتجربة، أما ~~التجربة فقد قام بها توفيق الحكيم منذ خمسة وعشرين عاما على وجه التقريب، يوم أن خرج على ~~القراء العرب بعمله الروائي الناضج «عودة الروح». لقد كانت «عودة الروح» بداية التطبيق ~~العملي لما ندعو إليه اليوم في أدبنا القصصي الحديث، كانت عملية السرد بالفصحى المبسطة، ~~وكانت عملية الحوار باللغة العامية، ولم يقل أحد إن اتجاه توفيق الحكيم قد أنقص من قدر ~~القيمة الفنية لعمله الروائي الناضج، أو إن اللغة الفصحى قد أصابها شيء من التصدع في ذلك ~~الحين، أو إن لغة الحوار في «عودة الروح» كانت حاجزا من حواجز الفهم المعنوي الفني، ~~بالنسبة للجمهور القارئ في المملكة السعودية مثلا أو في لبنان أو في سوريا والعراق. ولا ~~خوف بعد ذلك على الفصحى، وهي ما زالت تملك مثل هذا الرصيد من فنون التعبير، ونعني بها النقد ~~والدراسة الأدبية والقصيدة والمسرحية الشعرية والتاريخية، وكل الآثار الفكرية لكتابنا ~~المفكرين. # ونحن نؤمن بأن المستقبل القريب سيحطم من تلقاء نفسه كل الحواجز الفاصلة بين القراء العرب، ~~يوم أن تصبح الوحدة المرتقبة بين الأقطار العربية عاملا جوهريا من عوامل الاتصال في ~~مختلف ألوانه، ومنها الاتصال اللغوي الذي يحقق وحدة الفهم المتبادل بين اللهجات المحلية، ~~وعندئذ ms117 يستطيع الكاتب القصصي أو المسرحي مهما كانت جنسيته العربية، أن يخاطب القراء العرب ~~في كل بقعة من الوطن الكبير باللغة الفصحى، إذا أراد شيوخ الأدب، أو بتلك اللغة المزدوجة ~~إذا ما فرضتها إرادة الفن! # ترى هل كان توفيق الحكيم يوم أن استخدم تلك اللغة المزدوجة في «عودة الروح»، عاجزا عن ~~التعبير بتلك اللغة التي يطلق عليها شيوخ الأدب صفة الأداء البليغ؟ الواقع أن اتجاه توفيق ~~الحكيم لم يكن له يومئذ غير دافع واحد، هو على التحقيق لون من الوعي السابق لزمانه؛ لقد ~~كانت «عودة الروح» - بالنسبة لحياته الفنية - نقطة بدء يريد لها بعد ذلك أن تكون نقطة ~~انطلاق، ولن يتهيأ له هذا الانطلاق إلا إذا غزا بعمله الأول أكثر من ميدان قرائي، يجمع بين ~~المثقفين وغير المثقفين في مصر والبلاد العربية. وتم لتوفيق الحكيم ما أراد، ولقيت «عودة ~~الروح» من الرواج ما لم يلقه كتاب عربي سواء كان قصة أو غير قصة، ولم يكن عجيبا أن يلمس ~~الناقد يومئذ أن الأوساط الشعبية من ذوي الثقافة المحدودة، كانت ميدانا بارزا من ميادين ~~هذا الرواج؛ ومن هنا تفاعل توفيق الحكيم - الكاتب الناشئ في ذلك الحين - مع وجدان رجل ~~الشارع، في نفس الوقت الذي تفاعل فيه مع وجدان رجل الأدب. وعندما نجحت التجربة الأولى ~~أعقبها الكاتب بالتجربة الثانية في «يوميات نائب في الأرياف»، ولقد توفر للتجربة الأخيرة ما ~~توفر للتجربة السابقة من عوامل النجاح. ولعل توفيق الحكيم - بعد أن اطمأن إلى تحقيق هدفه - ~~أراد بعد ذلك أن يثبت لحراس اللغة في زمانه، أنه قادر على الأداء «البليغ»؛ ولهذا نراه ~~يختار لنفسه أفقا جديدا، يحلق فيه بجناح الفصحى وهو أفق المسرحية الأسطورية، حيث لقيه ~~القراء العرب في «أهل الكهف» و«بجماليون» و«شهرزاد» و«سليمان الحكيم». # ولا جدال في أن اللغة الفصحى هي اللغة الملائمة للمسرحية الأسطورية والتاريخية؛ لأن هذا ~~اللون من التأليف المسرحي يختلف من ناحية المقومات الفنية، عن المسرح ذي المضمون الاجتماعي ~~المعبر عن مشكلات عصرنا بما فيها من تجارب معاشة؛ ولما كانت شخصيات المسرح ms118 الأسطوري ليست ~~إلا رموزا لأفكار الكاتب واتجاهاته، أو واجهات عرض لمجموعة من وجهات النظر الفنية ~~والفلسفية، فمن الطبيعي ألا ننطق هذه الشخصيات - التي ينقصها دم الحياة ونبض الحركة - بلغة ~~حياتنا اليومية. وشخصيات المسرح التاريخي إما أن تكون منتزعة من تاريخنا العربي القديم، أو ~~من تاريخ مماثل لدولة تختلف عنا في لغة التعبير، وما دام الأمر كذلك فمن الطبيعي أيضا ألا ~~ننطق شخصية عربية قديمة أو شخصية أجنبية مماثلة من حيث القدم، بنفس اللغة التي تتحدث بها ~~النماذج الشعبية في مسرحنا الاجتماعي المعاصر. # من هنا كان توفيق الحكيم وغيره من كتابنا المسرحيين على حق، وهم يختارون اللغة الفصحى ~~كوسيلة أدائية لحوار المسرحية الأسطورية والتاريخية؛ ولكننا نرى توفيق الحكيم في الأيام ~~الأخيرة، يتجه اتجاها جديدا في لغة الحوار، بالنسبة إلى مسرحه الذي يعالج بعض مشكلات ~~مجتمعنا الحديث، إنه يحاول أن يرضي حراس الفن وحراس اللغة، يحاول أن يلبي نداء الفنان داخل ~~نفسه، ونداء زملائه من شيوخ الأدب داخل المجمع اللغوي؛ ولهذا لجأ إلى حل وسط يرضي به ~~الطرفين المتنازعين، وأمسك بالعصا من منتصفها حتى لا يكون موضع احتجاج واتهام. لقد كتب ~~توفيق الحكيم حوار مسرحية «الصفقة» باللغة الفصحى، التي يمكن أن يختلف فيها النطق عن ~~القراءة، بمعنى أن هذه اللغة تتحول على لسان الممثل فوق خشبة المسرح إلى لغة عامية، وتتحول ~~على لسان القارئ الذي يتصفح المسرحية إلى لغة فصيحة؛ وما من شك في أن توفيق الحكيم قد ~~بذل كثيرا من الجهد، وهو يختار الجمل الحوارية التي أتاحت لمسرحية «الصفقة»، مثل هذا ~~التزاوج اللفظي الذي التزمه كعلاج للمشكلة، وما كان أغنانا وأغناه عن هذا العلاج. # ولقد حرص توفيق الحكيم على عامية اللغة المنطوقة على خشبة المسرح، لهدف فني يعيه حق ~~الوعي؛ وهو الهدف الذي ندعو إليه في سبيل تكامل المقومات الواقعية، لرسم الشخصيات في العمل ~~المسرحي. ولهذا الاتجاه هدف آخر جعله الأستاذ الحكيم نصب عينيه، وهو عملية التجاوب ~~الجماهيري مع المسرح التمثيلي، الذي يصور شتى الجوانب من مجتمعنا الحديث، بلغة الواقع في ms119 ~~حياتنا اليومية، إن شباك التذاكر في مسارحنا المصرية، يشهد ظاهرة تتكرر دائما كلما عرضت ~~إحدى المسرحيات الجديدة لكاتب من كتابنا المسرحيين، وهي أن رجل الشارع المصري بقدر ما يعرض ~~عن المسرحية المكتوبة باللغة الفصحى، يقبل على المسرحية التي يعرف أن مضمونها سينقل إليه، ~~عن طريق تلك اللغة الأخرى التي يتم بينه وبينها كثير من الألفة والتجاوب. من هنا ندرك ~~جانبا مهما من جوانب النجاح الذي أحرزه في السنوات الأخيرة عندنا فريق من كتاب المسرح ~~الشبان؛ إن سر نجاحهم الفني والجماهيري يرجع أولا إلى أنهم يمثلون مشكلات عصرهم، من خلال ~~الملاحظة الدقيقة والتجارب المعاشة، وإلى أنهم يعرضون المضمون الاجتماعي لهذه المشكلات بعد ~~ذلك، من خلال الشكل التعبيري الملائم، ونعني به لغة الحوار في قالبها الواقعي ودلالاتها ~~الموحية. ومثل هذا النجاح من ناحيتيه الفنية والجماهيرية، وبنفس هذ المقومات يطالعنا مرة ~~أخرى بالنسبة إلى مجموعة أخرى من كتابنا الشبان في ميدان القصة القصيرة والطويلة. # ولا بد لهذه الجولة الاتجاهية الناقدة أن تقف عند نموذج آخر من شيوخ الأدب هو محمود تيمور؛ ~~هذا الكاتب الشيخ - منذ انضمامه إلى طائفة المجمعيين - يسلك طريقا آخر غير الذي كان ~~يسلكه من قبل، بالنسبة إلى لغة الأداء في القصة والمسرحية. كانت الصفة الغالبة على جوهر ~~الشكل التعبيري عند محمود تيمور، هي البساطة التي لا تقطع خيوط الاتصال الفكري بينه وبين ~~رجل الشارع؛ وتحقيقا لهذا الاتجاه الذي كان يلتزمه كلون من المسايرة الواقعية لروح ~~العصر، كتب بعض مسرحياته الأخيرة باللغة العامية، والتقى كثيرا من ناحية الأداء السردي في ~~مجال القصة، مع هذه الخطوات الموفقة التي يخطوها اليوم كتابنا الشبان. ولكنه تغير بعد أن ~~أصبح عضوا من أعضاء المجمع اللغوي؛ مسرحياته التي كتبها بالعامية أعاد كتابتها بتلك اللغة ~~الفصحى التي ترضي المجمعيين، وكأنه أراد أن يثبت لهم أنه جدير بزمالتهم وقدرته على الأداء ~~«البليغ»؛ ونظرة من نظرات المراجعة النقدية لهذه المسرحيات المعدلة من حيث لغة الحوار، ~~تؤكد مدى الفوارق الفنية بين واقع كل شخصية رسمها هنا وهناك، لقد فقدت الشخصيات ms120 في صورتها ~~الأخيرة كثيرا من أصالة تكوينها النفسي والإنساني، حين فقدت أصالة الواقع التعبيري في ~~اللغة المنطوقة، وهو أحد العناصر الرئيسية المبرزة لهذا التكوين! # والقصة عند الأستاذ تيمور قد انتقلت هي الأخرى من طابع الفصحى المبسطة إلى طابع الفصحى ~~المعقدة بل المسرفة في التعقيد؛ ولقد قلت له - يوم أن كنت واحدا من النقاد الذين اختارتهم ~~الإذاعة المصرية لمناقشة روايته الأخيرة «شمروخ» - إن هذه الرواية من حيث المضمون تعد ~~نموذجا طيبا يباركه النقد؛ ذلك لأنها تمثل على مستوى جيد أدب الواقعية الاشتراكية، ولكنها ~~للأسف قد كتبت ليقرأها أعضاء المجمع؛ إن الأغلبية المطلقة من القراء لا تستطيع مثلا أن ~~تفهم في لغة الأداء، أمثال هذه النماذج من التعبير «بخ بخ يا صاحبي؛ ذو الوجه المصوح ~~والأعصاب المستفزة؛ وعرك أذن المذياع!» لماذا لا نستبدل هذه النماذج التعبيرية مثلا، بما ~~يؤدي المعنى نفسه في الفصحى المبسطة؟ لقد كان الأستاذ تيمور يستطيع أن يقول: «حسنا حسنا ~~يا صاحبي؛ ذو الوجه الذابل والأعصاب المتوترة، وأدار مفتاح الراديو.» إن الأدب القصصي ~~والمسرحي يجب أن يكون في متناول أيدي الجماهير، ولكي يكون في متناول أيديهم يجب أن يكون في ~~متناول عقولهم، وبخاصة إذا كان هذا الأدب يتحدث عن مشكلات الجموع ويخدم قضية ~~الإنسان! # إن الأدب صورة القارئ كما يقول الكاتب الفرنسي جان بول سارتر؛ ومن خلال هذا الوعي ~~التحديدي الناضج لموضوعية العمل الفني عند واحد من رواد التعبير عن روح العصر، نخرج بما ~~يؤيد وجهة النظر النقدية التي ننادي بتطبيقها على فنين من فنون الأدب، ونعني بهما القصة ~~والمسرحية؛ ونستطيع أن نجمل خلاصة الرأي السارتري بأن القارئ هو الذي يوجه الأدب عن طريق ~~الكاتب الأديب، بمعنى أن هذا القارئ - كرمز جامع لأكثر طبقات القراء - هو على التحقيق تلك ~~المادة الحية التي تشكل الخيوط الناسجة لمضمون هذا الأدب؛ إنه بقلقه وانفعالاته، بحاجاته ~~ومطالبه، بوضع ماضيه وحاضره وأحلام مستقبله، يمثل تلك المادة الحية التي تفرض نفسها على ~~إنتاج هذا الكاتب، وتحدد لهذا الإنتاج معالم الطريق. إن القارئ على اختلاف طبقاته ms121 ومستوياته ~~وبالنسبة إلى الأدب، هو القوة الدافعة والموجهة؛ ذلك لأنه مركز الخطط وموضوع التجربة. وعلى ~~هذا الأساس نجد أن القارئ قد لون وجه الأدب فجعله كلاسيكيا مرة، ورومانسيا مرة أخرى، ~~وواقعيا مرة ثالثة، ووجوديا مرة رابعة، وواقعيا اشتراكيا في النهاية، على مدار خط ~~التطور العقلي والاجتماعي في مختلف العصور. وعلى ضوء هذا التفسير المجمل ندرك دقة الصلات ~~الرابطة بين موضوع التجربة ومخرج التجربة، أو بين القارئ والكاتب من خلال مشكلة ~~التعبير! # من الطبيعي إذن أن يكون الأدب صورة صادقة للجمهور القارئ؛ ومحور هذا الصدق أن نتحاشى - ~~عند رسم الصورة - تلك «الرتوش» المفتعلة في مضامين التجربة وفي أشكال التعبير. وليس معنى ~~الدعوة إلى البساطة التعبيرية - كما يعتقد من يخطئون الفهم - هو أن نهبط بالأدب إلى مستوى ~~رجل الشارع، هناك فارق ملموس بين الهبوط والوصول؛ إننا نريد أن «نصل» بالأدب إلى رجل ~~الشارع لنتفاهم معه، لنطلعه على مشكلاته، لنقدم إليه صورته؛ لأنه - في هذا العصر الواقعي ~~الذي نعيش فيه - هو الذي يفرض علينا هذا الوصول. # وليست بساطة التعبير بعد ذلك - كما يعتقد أيضا من يخطئون الفهم - منافية للجمال، وإنما ~~يتنافى الجمال مع التعقيد والغموض، وتلطيخ وجه الأسلوب بمساحيق الزخرفة اللفظية. إن جمال ~~الأداء بالنسبة إلى الشكل التعبيري في البلاغة الحديثة، يختلف عنه من حيث المفهوم في ~~البلاغة القديمة؛ فبقدر ما يفهم القارئ من الكاتب ويتأثر به ويتجاوب معه، وبقدر ما يكتسب ~~على يديه جديدا من الخبرة الرفيعة بالنفس والحياة، في تعبير يتسم بالإيحاء والتركيز، ~~والملاءمة بين ثوب الأسلوب وجسم الفكرة، يكون الأدب - وبخاصة في القصة المسرحية - قد قام ~~بدوره البليغ من الناحية الجمالية في الفن والأداء. # | رواية «الأرض» # بين أيديولوجية الفن وواقع الحياة # قلت عن هذا النموذج الروائي في العدد الثاني للسنة الثالثة من «الآداب»: # هذه القصة الطويلة التي سماها كاتبها «الأرض»، والتي صور فيها كفاح رقيق الأرض ضد ~~مختلف القوى المسيطرة على وجودهم الإنساني، فقد فيها الاتجاه الملتزم رسالته ~~التأثيرية الموجهة؛ فقدها لأن الكاتب عني بالاتجاه أكثر مما عني بالأصول التكنيكية ms122 ~~لبناء الرواية، ومن هنا خرجت «الأرض» وهي أقرب إلى الريبورتاج الصحفي في طريقته ~~وأسلوبه، منها إلى العمل الروائي بمقوماته الفنية. # كان هذا هو رأيي في «الأرض» لمؤلفها الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي، سجلته وأنا أتحدث عن ~~فردية الاتجاه في الأدب الملتزم، ولكن الناقد المصري الأستاذ محمود العالم قد خالفني في هذا ~~الرأي، بما يثبت العكس من الناحية التقييمية؛ إن «الأرض» من خلال منظاره النقدي: «عمل ~~روائي تتحقق له مقومات فنية أصيلة في بناء أحداثه وشخصياته وأنماطه وتطوير عناصره»، حتى لقد ~~طالبني في النهاية من باب المساجلة النقدية أن أحدد له أوجه النقص في هذا العمل الروائي، ~~تحديدا تفصيليا موضوعيا يمكن أن يتضح فيه الكثير من مسائل النقد المعلقة. # من هنا أضع نقطة البداية لهذا النقد التفصيلي الموضوعي، فأقرر كما سبق أن قررت، أن ~~«الأرض» ليست رواية بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة بالنسبة إلى التقييم النقدي؛ والمؤلف ~~نفسه يضع مثل هذه النقطة التقريرية حيث يقول في أول صفحة من صفحات الكتاب: «لست أريد بهذه ~~الصفحات أن أكتب رواية طويلة؛ ولا أن أروي هنا تاريخ بعض الرجال أو النساء، ولا ذكرياتي، ~~ولست أحتال على القارئ لأسرق اهتمامه ويقظته، فأؤكد له أن الأبطال الذين يضطربون عبر هذه ~~الفصول، لم يعيشوا أبدا إلا في الخيال، لن أخدع القارئ لأسرق اهتمامه إلى هذا الحد ... ~~فخيالاتنا في النهاية لا تستطيع أن تخلق الكائنات التي تمضي مع الحياة مثقلة بالحياة: تحلم ~~وتتعذب، وتعرف المتاع واليأس والهوى والدموع والضحكات والأمل الغامض وتصنع المستقبل في ~~إصرار حزين، وما أنا بزاعم أني عرفت حياة الذين أتحدث عنهم، فنحن في مصر لا نكاد نعرف قصة ~~كاملة لإنسان؛ وقصة الإنسان في مصر تظهر فجأة، وتمضي فاترة رتيبة يخالجها الاحتدام ~~والغليان لبعض الوقت، ثم تمهد وتغيض، تغيض شيئا فشيئا كمياه منسابة على الرمال، هكذا كانت ~~حياة وصيفة وعبد الهادي وخضرة وعلواني ومحمد أبو سويلم والشيخ يوسف، والشيخ الشناوي ومحمد ~~أفندي والشيخ حسونة، وكل النساء والرجال الذين عرفتهم في قريتي منذ عشرين عاما.» # لم يحاول ms123 المؤلف إذن أن يكتب رواية طويلة، ولا تاريخا لغيره، ولا ذكريات؛ أما أنه لم ~~يرد أن يقدم إلى القارئ عملا روائيا، فحقيقة يؤيدها الواقع في كثير من الإنصاف، ولكن ~~هذا المنطق التبريري الذي يمهد به كقضية متبلورة لنفي الصفة الروائية عن عمله، يثير قبل ~~التعرض لهذا العمل بمختلف خطوط النقد هذا السؤال: هل صحيح أن قصة الإنسان في مصر تظهر فجأة، ~~وأننا في مصر لا نكاد نعرف قصة كاملة لإنسان؟ وهل يمكن أن نطبق هذا المفهوم الاجتماعي على ~~قصة الحياة في الريف المصري، بحيث تندرج تحته أسماء وصيفة ومحمد أبو سويلم وعبد الهادي ~~وعلواني والشيخ يوسف، وبقية النماذج البشرية التي تكون في مجموعها جوهر المضمون الإنساني ~~لعمل المؤلف؟ الذي أعرفه عن يقين أن قصة هؤلاء جميعا؛ أعني قصة وجودهم الضائع بما كان فيه ~~من حيرة المصير، هي قصة الأرض نفسها التي ارتبط بها هذا الوجود؛ وقصة الأرض في مصر قصة ~~كاملة، لها مقدمات ولها بداية ولها تاريخ. إن قصة الأرض التي هي قصة هذا القطيع البشري ~~التعس، يتحدث فصلها الأول عن مفهوم شيء اسمه الإقطاع، ويتحدث فصلها الثاني عن أثر هذا ~~الإقطاع في نظام المجتمع، حين يتحول هذا المجتمع إلى فريقين: قلة تملك كل شيء، وإلى جانبها ~~كثرة لا تكاد تملك شيئا؛ ثم إلى طبقتين: طبقة السادة، وطبقة الرقيق، أعني سادة الأرض ~~ورقيق الأرض. ويتحدث فصلها الثالث عن أثر هذه الطبقية في تكوين الجهاز النفسي للفريق الآخر، ~~وهو الجهاز المعقد الذي يوجه سلوك القطيع البشري في طريق الحياة. # هذا القطيع الذي يمثل الإنسان الحقيقي في مصر، لا يمكن إذن أن تظهر قصته فجأة، وإنما كان ~~لها تلك الجذور الضاربة في أعماق التاريخ؛ ولو نظر المؤلف إلى وضع الأرقاء من أبطاله ~~الروائيين من خلال الرواية الحقيقية لتكوينهم النفسي، لاستطاع أن يتجه بخط التطوير في العمل ~~الفني اتجاها آخر، لا تنطمس فيه الأبعاد النفسية على هذه الصورة، التي اهتزت فيها ~~أيديولوجية الواقع. # توهم «الفجائية» في ظهور قصة الإنسان «الفلاح» في مصر، هو ms124 الذي جعل المؤلف يبرز مشكلة ~~وضعه الاجتماعي، من خلال مضمون إنساني لا عمق فيه، أين هو هذا العمق في مثل هذه الملاحظة ~~السطحية، التي تصور لصاحبها أن حياة الفلاح متوقفة على حياة الأرض، وأن حياة الأرض متوقفة ~~على وفرة مياه الري، وأن هذه هي العلاقة النفسية بين الفلاح وأرضه في معركة معينة من معارك ~~الكفاح؟ لقد كانت الملاحظة عند المؤلف من هذا الطراز؛ مشاهد متتابعة لتلك المعارك الكفاحية ~~حول الماء، وهي حينا تقع بين الفلاحين بعضهم وبعض، وهي حينا آخر تقع بينهم وبين رجال ~~الحكومة، وتنتهي كما هو المألوف في عهد حكومة «صدقي»، إلى نوع من المقاومة السلبية ~~المتمثلة في الشكاوي المكتوبة، يكتبها أمثال محمد أفندي من المدرسين الإلزاميين، يوم أن ~~كانوا هم النماذج البشرية المتميزة في كل قرية، أو تنتهي إلى نوع من المقاومة الإيجابية ~~المتمثلة في اختلاس الماء، الذي تغدقه الحكومة على أرض نائبها «الباشا» بشتى الطرق، وتحدي ~~رجال الإدارة عن طريق التمرد الخاضع في النهاية لأوامر المسئولين. والنتيجة كما كان يسجلها ~~الواقع المشهود، هو أن تبدأ حركات القبض على الجموع المتمردة، ثم تتعرض هذه الجموع لألوان ~~خسيسة من التأديب الذي يهدر كرامة الإنسان. # هذا هو الواقع «المجرد» الذي شاهدته في قريتي، كما شاهده المؤلف في قريته، وكما شاهد ~~الألوف من أبناء هذه القرى المصرية في ذلك الحين؛ ولكن ما هو موقف الروائي إزاء هذا ~~الواقع؟ هل ينقله هذا النقل الريبورتاجي الذي جردت فيه الصور من مجالاتها الخلفية؟ إن ~~المجال الخلفي الذي يمثل أيديولوجية الواقع بالنسبة إلى صور المواقف الكفاحية للفلاح ~~المصري، لا يلون بمثل هذا اللون الباهت، الذي أبرز عنصر التكوين النفسي وهو معطل الإحساس ~~برواسب المشكلة، ثم أبرز عنصر التطوير تبعا لذلك، وهو منحرف عن الاتجاه الطبيعي كما يجب أن ~~يكون. إن الإقطاع في مصر قد سلب الفلاح المصري وجوده، سلبه حاضره ومستقبله، وكل حقه ~~المشروع في تقرير المصير، ومع ذلك فهذا الفلاح عند المؤلف ومن خلال منظاره الروائي، عندما ~~تحتدم الثورة في نفسه على «الباشا» ms125 وعلى الحكومة التي تقف من ورائه، فهي لا تحتدم على هذا ~~الباشا بصفته ممثلا للإقطاع، ولا على هذه الحكومة بصفتها حامية لهذا الإقطاع، وإنما تحتدم ~~عليه بصفته «نائبا» لحزب الشعب، وتحتدم عليها بصفتها مسئولة عن تنفيذ رغبات ممثليها من ~~النواب؛ وهكذا ظهرت قصة الفلاحين «فجأة»، وكأن لم يكن لهم تكوين نفسي سابق، وظهرت قصة الأرض ~~«فجأة»، وكأن لم يكن لها مقدمات تاريخية سابقة. ولا عجب بعد ذلك إذا ما بدا الفلاحون ثائرين ~~في منظار المؤلف، لا لأنهم قد سلبوا «دهرا» كل وجودهم الإنساني، ولكن لأنهم قد سلبوا ~~«يوما» في سبيل مصلحة أرض الباشا نصف الفترة المقررة لهم في دور مياه الري، ثم قطعة من ~~الأرض - ستدفع لهم الحكومة تعويضها المناسب - لإنشاء طريق عبر الحقول! # ولقد وقع المؤلف في خطأ تكنيكي بارز، عندما جعل مقدمته التفسيرية لماهية الوجود الإنساني ~~في مصر، وما تلاها من عرض لبعض ذكرياته العاطفية التي استنفدت خمسين صفحة من صفحات الكتاب، ~~بمثابة التخطيط الخارجي للمشكلة؛ إن التخطيط الخارجي يجب أن يكون داخل الحدود، أعني داخل ~~حدود الأبعاد الموضوعية للعمل الفني، بحيث تنبع منه نقطة الانطلاق الروائي للمواقف ~~والأحداث: المواقف التي تبرز عملية التكوين النفسي لكل شخصياته، والأحداث التي تهيئ عنصر ~~التبرير الموضوعي لكل موقف، حين يتحول هذا الموقف إلى مجموعة من السلوك الحركي على مدار ~~الخط الروائي الصاعد. # إن نقطة الانطلاق الروائي في «الأرض»، تبدأ على التحديد في الصفحة الحادية والخمسين، أما ~~الصفحات السابقة كلها فتعتبر خارج الحدود؛ لقد خصصها المؤلف لذكرى علاقة شخصية كانت تربطه ~~في الصغر بوصيفة، ووصيفة كما تبدو لنا من خلال تلك الصفحات كتلة من شباب الجسد، كانت تهز في ~~أعماق الفتى الصغير كل مشاعر الجنس؛ وهي فورة مبهمة قبل الأوان. ويمضي هو فيشرح لنا أدوار ~~تلك العلاقة من خلال الصور الجسدية الملونة لوصيفة، ومن خلال كل موقف جمع بينهما مع صبيان ~~القرية، وهم يستحمون عراة في مياه الترعة فيتحسس جسدها الفائر المليء، ثم وهو يمثل معها ~~بأحلام الطفولة وفي مصلى الشناوي، ذلك ms126 الوضع الجنسي لكل زوجين في ليلة الزفاف، ثم وهو ينفرد ~~بها ذات مساء تحت جميزة عبد الهادي، ليقطف بأوهام الرجولة كل ثمار هذا الجسد؛ إلى آخر تلك ~~المواقف الفردية، التي لا تندمج في المضمون الجماعي للمشكلة، ولا تتصل بالخط الاتجاهي الذي ~~تتبلور في حدوده الأحداث، فضلا عن كون شخصية المؤلف قد أقحمت في العمل الروائي على بقية ~~الشخصيات الصانعة للتجربة، حتى بدت وهي «نشاز» في النغم العام لمثل هذه التجربة الإنسانية ~~المعاشة! # ولقد ترتب على هذا الإقحام أن عملية الرصد المادي للأحداث، وكذلك عملية المراقبة النفسية ~~للمواقف، قد أصبحت كلتاهما تنقل إلى القارئ بواسطة المؤلف نفسه، بعد أن تموضعت شخصيته في ~~مركز الضمير الأول في السرد الروائي؛ وهنا يكمن خطأ تكنيكي آخر لا يقل عن الخطأ الأول ~~جسامة؛ ذلك لأن عملية الرصد والمراقبة - عندما تكون العدسة الروائية مسلطة على تجارب ~~الآخرين - لا يمكن أن تتم عن طريق الضمير الأول إلا في حدود اللقطة البصرية أو السمعية، ~~فإذا ما أراد المؤلف أن يتخطى حدود اللقطتين، ليقدم صورة تحليلية تكشف لنا عن مضمون الوجود ~~الداخلي للشخصيات، فهو ملزم تكنيكيا بأن يقدم هذه الصورة، في إطار الحركة الخارجية الدالة ~~على طبيعة هذا المضمون. # لقد انطلق عبد الهادي مثلا إلى الجسر يبحث مرتاعا في الظلام عن وصيفة، بعد أن أخبره ~~المؤلف أنه رآها تتسلل خلسة إلى أحد الحقول، ولعلها كانت مع علواني على ميعاد؛ إلى هنا وكل ~~شيء في حدود المنظور أو المسموع: انطلاق عبد الهادي يفتش في كل مكان عن الحبيبة الضالة، وعن ~~الغريم الذي كاد أن يسلبه أعز ما يملك، واطمئنانه بعد ذلك إلى أن الرواية التي نقلت إليه ~~كانت من صنع الخيال؛ ولكن المؤلف يتخطى بعد لحظات حدود اللقطة البصرية والسمعية، إلى ~~اللقطة الاستبطانية التي تخرج في النقل الروائي عن اختصاص الضمير الأول، ما دامت هذه اللقطة ~~الأخيرة لم تعرض من خلال السلوك الحركي، وما فيه من معنى الدلالة الموحية: «وارتاح عبد ~~الهادي قليلا، وهمهم لنفسه أن علواني يشبه خضرة تماما، ms127 وأن ما جمع بينهما وفق حقا؛ فهي ~~أيضا تعيش في القرية بلا أرض ولا أهل، وأقاربها قد تنازلوا عنها منذ تركوها للبيه الأعزب، ~~تخدم في ضيعته الصغيرة ذات الثلاثين فدانا، وطردها محمود بيه بعد أن خدمته سنتين؛ وهاجت ~~نفسه في الصمت والظلام والفضاء، وشعر بحاجة إلى أن يحدث أحدا، وتمنى لو أن معه وصيفة - ~~زوجة له - تجلس إلى الساقية أمام ثور كبير يدور بالساقية، وهو يروي أرضه من بعيد: هي تغني ~~على الساقية، وهو يغني هناك وسط الماء المنسكب؛ وشعر بحب مباغت لكل شيء لوصيفة ولعلواني ~~وخضرة ولكل ما في القرية.» # هكذا يختم المؤلف عملية الرصد الحدثي بمثل هذا الاتجاه المنحرف عن الأصول التكنيكية؛ وهو ~~اتجاه يتكرر في أكثر من موضع، بل إنه ليزداد انحرافا في مواضع أخرى حين يفرض على مفهوم ~~السمعيات والمرئيات، أن يتسع حتى للتجربة الغيرية التي تنعزل تماما بمواقفها الخاصة، عن ~~طاقة الأبعاد التصورية لواقع النقل الروائي بواسطة الضمير الأول؛ لقد كانت القرية مثلا ~~تعلم أن خضرة الساقطة، تهب اللذة بثمن بخس لبعض الشباب الضائعين من أمثال علواني، تعلم عن ~~طريق النقل السماعي لا عن طريق الرؤية البصرية. والمؤلف حين ينقل إلينا بدوره كل ما يدور في ~~القرية من أحاديث، تستحق الجهر أو تدعو إلى الهمس، يخطئ تكنيكيا حين يقدم إلينا الواقع ~~المسموع، من خلال تجربة تصور موقفا من مواقف اللقاء الجنسي بين علواني وخضرة، ثم هو يصف ~~لنا هذا الموقف بتفاصيله وجزئياته، وكأنه قطاع عرضي من حياة القرية قد انحصر في دائرة ~~المنظور! # والواقعية في «الأرض» سواء أكانت واقعية حدث أو واقعية موقف، كثيرا ما تتسم بالمغالاة ~~التي تنتج حينا من ضعف الرؤية القصصية لمجرى الخط الانسيابي لحركات الشخوص، وتنتج حينا ~~آخر عن فرض أيديولوجية مزورة على المضمون الاتجاهي لعناصر التطوير؛ لقد انفرد المؤلف ذات ~~مساء وتحت جميزة عبد الهادي بوصيفة، وكانت هي الفائرة الواعية بنت السابعة عشرة، مهيأة ~~الشعور والجسد للحظة جنسية مشتهاة، لم يهيأ لها بحكم عمره الفتى الصغير الحالم ابن الثانية ~~عشرة. ms128 وهتف هو في صوت حنون هامس وقد أحاط خصرها بذراعيه: «يا غرامي؛ أحبك.» وفتحت هي ~~عينيها المكحولتين في دهشة بالغة لتقول له: «يا اختي بلا وكسة! انت تتكلم كده ليه يا ~~اخويا؟ والنبي ما انا فاهمة منك حاجتن تخلق، أصل أنا ما اعرفش الكلام الإنكليزي اللي انت ~~بتقوله ده!» من يصدق أن وصيفة إن مادية الإحساس «الواعية» التي استمدت وعيها من اختلاطها الطويل بخضرة ~~الساقطة، ومن السنوات الخمس التي قضتها في عاصمة الإقليم مع أختها المتزوجة، لا تعرف معنى ~~كلمة «غرامي» وكلمة «أحبك»؛ حتى لتبدو لنا من خلال الرؤية القصصية عند المؤلف وكأنها تسمع ~~- ولأول مرة - كلاما «إنجليزيا» لا معنى له؟! # ومع ذلك نمضي مع المؤلف إلى نهاية الموقف؛ لقد أغراها بزجاجة عطر لتلاقيه في الظلام، ~~وعندما سألته عنها اعتذر بالنسيان ثم منحها «بريزة»، أو قطعة من ذات العشرة قروش؛ وهنا ~~أوشكت وصيفة أن تطير من الفرح، وتهيأت تماما لتلك اللحظة الجنسية المشتهاة: راحت تجذبه ~~إليها في عنف، وتوقعه معها على الأرض، وتسأله ماذا يصنع مع فتيات مصر، وكيف يصنعن مع ~~الرجال، ثم تلف جسده بذراعيها وتضع خدها على رأسه، وهي تقول له: «مش بنات مصر بيعملوا كده؟» ~~ومع ذلك، ومع كل هذا الإغراء الذي زلزل كيان الفتى الصغير، فإنه لم يستجب لما كانت تدعوه ~~إليه وصيفة، لم يستجب لا لأنه تبعا لمنطق الواقع، ولحكم تكوينه الجسدي كان عاجزا عن أن ~~يستجيب، ولكن لأن المؤلف «اليوم» بعد أن تجاوز الثلاثين، قد خلع على نفسه «بالأمس» وهو لم ~~يتجاوز الثانية عشرة، ثوبا من الوعي الإنساني والاجتماعي تنسج خيوطه المتنافرة مثل هذه ~~التجربة النفسية: «ولم أجب أمام المفاجأة، وأخذت أفكر فيما صنعت قروشي بوصيفة، وبدأ اللوم ~~يزحف إلى قلبي؛ لأنني أعطيت وصيفة نقودا، وخيل إلي أنني اشتريت منها لحظات سعيدة، وكأنما ~~أنا واحد من الذين يخدعون الفتيات الفقيرات بالمال. وغاظني هذا التصور فنحيت وصيفة ~~بعيدا، وأوشكت أن أصرخ في وجهها بما في نفسي، بينما كانت صور النار والفاحشة وشراء فتاة ~~فقيرة، تملأ ms129 مني القلب بالندم وترهق إحساسي بالعار!» وهكذا في سبيل نوع من الأيديولوجية ~~المزورة، تنحرف التجربة الداخلية تحت قوة الدفع الخارجي عن المجرى الروائي الممتد، لتتم ~~عملية تطوير معينة لا تترتب تلقائيا على فسيولوجية الحدث كبعد موضوعي خاص! # هذه الأيديولوجية؛ أيديولوجية الفن لواقع الحياة، وهي في مثل تلك الصورة المهزومة التي ~~يعرضها المؤلف، تواجهنا في مواقف أخرى نقتطع واحدا منها لفتى الأمس الصغير، وهو يستعير ~~وعي التجربة من إنسان آخر، يكبره اليوم بعشرين عاما على الأقل أو يزيد! لقد كان هذا ~~الفتى الصغير - ابن الثانية عشرة - يسترجع من خلال صراع القرية ضد مختلف القوى المسيطرة، ما ~~قرأ في الصيف من كتب الأدب، يسترجع «زينب» لهيكل، و«إبراهيم الكاتب» للمازني، و«الأيام» ~~لطه حسين، ليخرج أخيرا بمثل هذه الملاحظة الفكرية الواعية: «وتمنيت لو أن قريتي كانت هي ~~الأخرى بلا متاعب، كالقرية التي عاشت فيها «زينب»، الفلاحون فيها لا يتشاجرون على الماء، ~~والحكومة لا تحرمهم من الري، ولا تحاول أن تنتزع منهم الأرض، أو ترسل إليهم رجالا بملابس ~~صفراء يضربونهم بالكرابيج، والأطفال فيها لا يأكلون الطين ولا يحط الذباب على عيونهم الحلوة. ~~وتمنيت لو أن قريتي كانت هي الأخرى كقرية «زينب»، لا ينزل فيها من الرجال والنساء بعد ~~البول دم وصديد، ولا يدهم أهلها المرض المفاجئ في جنوبهم فيتلوى الإنسان منهم لحظة، ويطلق ~~صرخات يائسة فاجعة من حدة الألم، ثم يسكت؛ يسكت إلى الأبد!» # مثل هذه الملاحظة الفكرية بما فيها من انبثاقات التفتح العقلي الراصد، لا يمكن أن تتلاءم ~~بحال مع الواقع العمري والثقافي لتلميذ، كان يعبر المرحلة الأولى من مراحل التعليم؛ ذلك ~~لأننا هنا أمام نقدية مستكشفة لمضمون إنساني مزيف في قصة «زينب»، وأمام إفرازات نفسية ~~منعكسة من امتصاص شعوري مرسب لتجربة القرية. وكل هذه المنعطفات الاتجاهية المصطنعة، مردها ~~إلى سيطرة الدافع الأيديولوجي على ذهن المؤلف، ثم إلى الخطأ الرئيسي في التكنيك حين تمت ~~عملية السرد الروائي، كما سبق أن قلت، من زاوية الضمير الأول، أو حين تركزت في بؤرة «الأنا» ~~كأشعة مضمونية مقحمة ms130 على تجارب الآخرين! # ولا أعرف مفهوما محددا لعملية التطوير، كوضع من الأوضاع الفنية بالنسبة إلى الوعي ~~الروائي للمؤلف؛ هل هو أن يبدأ الحدث بوصول «الهجانة» إلى القرية ليلزم الفلاحون بيوتهم من ~~المغرب، وليلهب الشاويش عبد الله ظهورهم بكرباجه الطويل، ويشيع في نفوسهم وينشر في طريقه ~~الإرهاب، ثم يتحول الحدث إلى موقف، يبدو من خلاله الشاويش عبد الله وهو يتطور نفسيا - بلا ~~مقدمات - في اتجاه إنساني صاعد، حتى يتقوقع في التجربة الجماعية للقطيع التعس، وحتى يبلغ ~~التطوير حد التزوير، فينهال بكرباجه على ظهر «المأمور»، وهو يحاسبه على إهماله في تأديب ~~الفلاحين؟! إن المؤلف حقا لا يعرف قصة هؤلاء الذين يتحدث عنهم، لا يعرف قصة الأبعاد ~~النفسية للهجانة من خلال نموذج بشري يمثل هذه الأبعاد وهو الشاويش عبد الله؛ ومن هنا كانت ~~هذه المغالاة، التي تتحول معها أيديولوجية الواقع إلى ما يشبه خيالية الأسطورة. إن الروائي ~~يجب أن يكون على معرفة تامة بالتركيبة النفسية لشخصياته، حتى يستطيع - بمجموعة من الخطوط ~~الحاسمة - أن يهيئ عنصر التبرير الموضوعي للحركة الخارجية، وهي مرتبطة - كمسلك انعكاسي ممتد - ~~بحركة الوجود الداخلي لهذه الشخصيات. # لا أعرف للمؤلف مفهوما محددا لعملية التطوير كما قلت؛ لأننا - وعلى سبيل المثال لا الحصر ~~- أمام حدث آخر نرى من أبطاله «العمدة»، وهو يوزع شفويا أوامر الحكومة على خفراء القرية، ~~ويطلب إليهم أن يشددوا المراقبة على الفلاحين الذين يسرقون المياه، وأن يقبضوا على كل ~~مخالف للأوامر وهو متلبس بجريمة السرقة. ومرة أخرى يتحول الحدث إلى موقف، يبدو من خلاله ~~الخفير عبد العاطي وهو يتطور أيضا بنفس الطريقة، ويتقوقع بنفس الأسلوب، وإذا هو يقف من ~~زملائه في مركز القيادة الثورية على العمدة، لتحوله إلى أداة تنفيذ ذليلة في يد الحكومة ... ~~ولكن عبد العاطي الثائر يختلف في نهاية التطوير عن الشاويش عبد الله الثائر: إنه هنا لم ~~يحاول مطلقا أن يعترض على العمدة، وهو يأمره بأن يحضر له العصا من داخل البيت، ولا هو ~~يأمره بأن ينام على الأرض كعبد ذليل، ولا هو ينهال عليه بالضرب ms131 المبرح حتى تتعب يداه ... ~~ومعذرة لأنني نسيت أن عبد العاطي قد اعترض مرة واحدة بأن النوم على الأرض - وهي مبللة - ~~سينتج عنه أن تتسخ بدلة الحكومة! # لا أدري إن كان المؤلف قد عني بتقديم موقف إنساني جاد على طريقة الكتاب الروائيين بحق، أم ~~أنه كان منصرفا إلى عرض مشاهد هزلية مضحكة على طريقة كتاب «الصالات» في مصر! إننا بعد هذا ~~أمام موقف روائي ثالث، يدور في نفس الفلك الكوميدي الهازل: لا مناص قبل تطوير الموقف من ~~تخطيط الحدث، والحدث في هذه النقلة التخطيطية الجديدة يبدأ بموت العمدة، ثم بإقامة سرادق ~~العزاء، ثم بإقبال وفود المعزين: الأعيان ورجال الحكومة في الإقليم وعلى رأسهم المأمور. ~~وتبدأ علمية التطوير الموقفي داخل السرادق؛ هؤلاء المكافحون من أهل القرية ينتمون شعوريا ~~إلى حزب الوفد، حزب القيادة الشعبية في ذلك الحين، أما المأمور ورجاله فينتمون شعوريا ~~ورسميا إلى حزب الشعب، وهو حزب الأقلية الحاكمة بزعامة صدقي؛ والقرية تريد أن تنتهز ~~المناسبة لتعبر عن شعورها الحاقد المكبوت، بالثورة السلبية التي تتنفس من خلال سلوك لفظي ~~ساخر، وعندما يحس الشيخ إبراهيم مقرئ السرادق بقدوم رجال الحكومة، يبدأ في تلاوة آية جديدة ~~ليوجه مضمونها اللفظي إلى المأمور، هي: # وانظر إلى حمارك ... # وتنطلق الضحكات ~~هنا وهناك، وتشيع التعليقات الساخرة، وترتسم علامات التشفي على مختلف الوجوه، وتتركز ~~النظرات على شخص واحد كان هو المقصود بالآية، كلما تعمد المقرئ أن يعيد تلاوتها من جديد ... ~~وأخيرا ينفجر المأمور في صوت المغيظ المحنق: «صدق الله العظيم؛ طيب يا أخي ما تقرأ آية ~~وحشرناهم يوم القيامة وفدا! طيب يا بلد، مش انتو بتوع يحيا الوفد!» ويعقب أحد الفلاحين في ~~سخرية: «شوف شوف؛ وانظر الى حمارك؛ بس يا بتاع وانظر الى حمارك!» ليسمح لي مؤلف «الأرض» ~~والناقد الذي دافع عن أصالة العمل الروائي في «الأرض»، أن أقول لهما دون أي تجن أو مغالاة: ~~إنني أشتم هنا رائحة المؤلف المصري في برامجه الهزلية التي يقدمها لرواد الصالات! # إنها تجربة شمية على حد تعبير الأستاذ الناقد. ونحن ما ms132 زلنا في حدود هذه التجربة عندما ~~نرى عبد الهادي وعلواني على الجسر، يتحدثان عن الأيام السود التي عرفتها القرية في عهد ~~حكومة صدقي - وكأن القرية المصرية في نظر المؤلف قد عرفت الأيام المضيئة في ظل العهود ~~الأخرى السابقة - ويستعرضان حالهما وأحوال الآخرين، حين مر عليهما مهندس من الري ومعه أحد ~~أتباعه، ليسألهما عن سر هذا الحديث الذي خيل إليه أنه خاص بسرقة المياه؛ لقد تصدى له ~~علواني ليطلعه على حقيقة الموقف، بمثل هذه البهلوانية اللفظية: «لا والنبي يا جناب ~~الباشمهندس؛ وحياة مقامك ورقبتك؛ والله ما في حاجة من دي أبدا يا حضرة الهندزة؛ واحنا ~~أصلنا قاعدين هنا كده يعني؛ أصل الحكاية يا حضرة الحكومة ...» علواني هذا الذي أضفى عليه ~~المؤلف صفة الوعي، فعرف أن الشخص الذي يخاطبه هو «جناب الباشمهندس»، كيف تجرد فجأة من هذه ~~الصفة فأصبح هذا الشخص مرة وهو «حضرة الهندزة»، ومرة أخرى وهو «حضرة الحكومة»؟ إننا هنا كما ~~كنا من قبل نصطدم بواقعية لفظية مزيفة، نتيجة لضعف الرؤية القصصية لمجرى الخط الانسيابي ~~لحركات الشخوص. # والمؤلف يقدم إلينا أحيانا مفاتيح مواقف؛ بلا مواقف! لقد كانت القرية كلها تتحدث يوما ~~عن الإهانة، التي ألحقها العمدة بشيخ الخفراء السابق وشيخ الثائرين: محمد أبو سويلم؛ إهانة ~~تتعلق بشرف زوجته، وتمس العرض في الصميم، ومع ذلك فلا يتحرك الثائر المثالي، والقرية كلها ~~من خلال العمل الروائي تنتظر أن يتحرك، وتتوقع أن يكون دم العمدة هو الثمن الوحيد؛ ونسي ~~المؤلف هنا أن يرسم موقفا من المواقف الحية الزاخرة بالتطوير، على أساس البعد المحدد من ~~قبل لتلك الشخصية الرئيسية، وعلى أساس الوضع الاجتماعي لمشكلة الأعراض في الريف ~~المصري؟ # وشخصيات المؤلف في مجموعها شخصيات مسرحية، أعني أنها تتسم بهذا الطابع المسرحي سواء في ~~الحركة أو الحوار؛ إنهم جميعا باستثناء الشيخ الشناوي ومحمد أفندي يصيحون دائما في لهجة ~~خطابية رنانة، ويتحركون دائما بأسلوب دراماتيكي مصطنع ؛ وهي حلقة أخرى في سلسلة الأخطاء ~~التكنيكية، تضاف إلى أن القارئ لا يخرج بأي رسم تخطيطي لشخصية الباشا مثلا، مع أنها ms133 ~~الشخصية الواقفة بكيانها الموضوعي الضخم على الطرف الآخر من خط الصراع! # والعمل الروائي في «الأرض» لم يخضع لمفهوم الاختيار في الفن؛ إنه عبارة عن حشد مبعثر من ~~المواقف والأحداث، لم «يتخير» منه المؤلف مضمونا محددا لمشكلة معينة، أهو يريد أن يعرض ~~مشكلة الأرض من خلال هذا المضمون السطحي الذي أشرت إليه، أم يريد أن يتحدث عن مشكلة الوضع ~~السياسي لعهد صدقي في مصر، أم يريد أن يسجل مشكلة الوضع الاقتصادي للريف المصري في ذلك ~~العهد، أم يريد أن يروي طرفا من ذكريات الطفولة في ملاعب القرية؟ إن القارئ يجد نفسه مبعثر ~~الشعور بين كل هذه المنحنيات والتعاريج، إن الريبورتاج الصحفي هو الذي ينقل إليك هذا الواقع ~~«كله»، دون أن يقوم بعملية اختيار؛ لأنه عبارة عن «محضر تحقيق» في عرف التسمية ~~الصحفية! # | من واقع الأدب في مصر # كل حديث عن حياتنا الأدبية اليوم، يجب أن يتناول التركيبة العضوية المكونة لهذه الحياة: ~~الأديب الذي ينتج، والقارئ الذي يلتقي به عبر السطور، والمنبع الثقافي الذي يرسب في ذهن ~~الأديب والقارئ مختلف القيم والمفاهيم، سواء أكان هذا المنبع معهدا من معاهد الدراسة، أو ~~مجالا من مجالات الجهد الذاتي، تلك التي تقوم بدور قد يفوق دور المعاهد في حقل التثقيف ~~والتوجيه. هذه التركيبة العضوية التي تصنع واقع الأدب في مصر، تفرض على الجولة الذهنية ~~الدارسة أن تضعها تحت المراقبة، لتقدم في النهاية تقريرها الفني عن جوهر ذلك الواقع. # إن المنابع الثقافية هي القوى المحركة للجهاز الأدبي، المكون من أداة الإرسال وهي الأديب، ~~وأداة الاستقبال وهي القارئ. فما هي حقيقة تلك القوى المحركة، وما هي حقيقة ذلك الجهاز؟ ~~كلية اللغة العربية في الأزهر وكلية دار العلوم، وكلية الآداب في جامعاتنا الثلاث، هذه هي ~~المعاهد التي ينتظر منها أن تقدم إلى الحياة الأدبية منتج الأدب وقارئ الأدب؛ ذلك لأن ~~المفروض فيها - تبعا للقسط الأوفر من وظيفتها الدراسية - أنها البيئة الفنية المتخصصة في ~~تلقيح الذوق الناشئ بمادة الفن الأدبي، حتى لتعد مسئولة عن أول مرحلة تكوينية لأداتي ~~الإرسال ms134 والاستقبال، في ذلك الجهاز الحي. # وعندما نربط هذه المسئولية الفنية بتلك المعاهد، تبدو لنا كلية اللغة العربية وهي تشرف ~~على الحياة من وراء سياج قديم، إنها ما تزال حتى اليوم محصورة في حدود الثقافة العربية، ~~الخالصة بنماذجها الموضوعية المألوفة. وكان مفهوم الأدب لديها تركة موروثة، لا يجوز التصرف ~~فيها بتعديل أو تجديد. # ولهذا نجد خريجي الأزهر - سواء أكانوا من منتجي الأدب أو من قرائه - نمطا معينا من ~~الفهم والتذوق، يصعب عليه أن يتجاوب مع حركة التطور الجديدة، التي نسخت كلاسيكية الشكل ~~والمضمون. والصعوبة هنا مرجعها إلى طول الألفة لمثل هذا الانطواء الثقافي، الذي يصل ~~بالطاقة الذهنية إلى حد الجمود، ويعطل قابلية التفاعل الذوقي مع مختلف الهزات الأدبية ~~الوافدة. # أما كلية دار العلوم فهي نموذج للذبذبة بين القديم والحديث، بين الطريقة السلبية المتبعة ~~في الأزهر والطريقة الإيجابية المتبعة في كلية الآداب. وهي في الناحية الأخيرة تحاول أن ~~تطرق أبواب التطور، ولكنها في رأينا محاولة قاصرة؛ لأنها تعتمد غالبا على نوع من الاجتهاد ~~الفردي، الذي تنقصه الروافد الثقافية الأصيلة، ومن أهمها الإلمام بعدد من اللغات الأجنبية، ~~التي يتم عن طريقها التمثل الحقيقي لذلك التطور في صورته العامة؛ ولهذا نجد خريجي دار ~~العلوم - سواء أكانوا من منتجي الأدب أيضا أو من قرائه، نمطا آخر من الفهم والتذوق، يختلف ~~عن النمط السابق في كونه يملك قدرا من قابلية التفاعل. ولكن مما يحول بينه وبين التفاعل ~~نفسه، أن النافذة التي يحاول أن يطل منها على حركة الدفع الجديدة؛ نافذة مغلقة أو شبه ~~مغلقة. وإذا كان هناك بعض أفراد قد خرجوا من دائرة النمط «الدرعمي»، وتفاعلوا مع المفاهيم ~~الأدبية المتطورة، فهم نتاج الجهد الذاتي الذي قلنا عنه إنه يفوق دور المعاهد في حقل ~~التثقيف والتوجيه. # ويبقى بعد ذلك النمط الثالث الذي ينتسب إلى كلية الآداب، وهو يختلف كثيرا من الناحية ~~الفهمية والذوقية عن النمطين السابقين . وإذا كانت كلية الآداب لا تلتزم على الوجه الأكمل، ~~تقديم الطريقة النموذجية في دراسة الأدب ونقده، فمما لا شك فيه أنها ms135 تحمل رسالة «التوجيه» ~~إلى تلك الطريقة وتؤديها بوعي، وهو دور يقوم به بعض الأساتذة المتخرجين في الجامعات ~~الأوروبية. ورسالة التوجيه هذه تحقق غايتها المرجوة، إذا ما نظرنا إلى هذه الحقيقة، وهي أن ~~النافذة المغلقة التي تحجب الضوء عن الأزهريين والدرعميين؛ أعني نافذة الإلمام باللغات ~~الأجنبية، تعد مفتوحة بالنسبة إلى النمط الجامعي، بحيث يستطيع من خلالها أن يبصر الطريق؛ ~~ولهذا يمكننا القول بأن الجامعيين كأدباء وقراء، هم هذا النمط الذي لحق بالمد التطوري ~~الجديد، في حركة هاضمة ومستوعبة، وبخاصة من أضاف منهم إلى الأرصدة المعهدية رصيده الذاتي ~~من الثقافة الغربية الحديثة. # هذا العرض الموجز لطبيعة الأسلوب الدراسي داخل هذه المعاهد، لا نقصد به النقد بقدر ما ~~نقصد به إلى أن يكون مقدمة تفضي إلى نتيجة. والنتيجة التي نريد أن نصل إليها حول واقع الأدب ~~في مصر، هي أن هذا الأدب ليس له مفهوم موحد؛ بل هو مبعثر المنهج موزع الاتجاه، بين عدد من ~~المفاهيم المتناقضة عند عدد من الأنماط المنتجة والقارئة. ومن هنا تنبع الأزمة الحقيقية في ~~حياتنا الأدبية؛ ذلك لأن الإنتاج الأدبي قد تعرض بسبب هذه الحواجز الاتجاهية لمثل هذه ~~الظاهرة الملموسة، وهي أن هذا الإنتاج إذا كان أزهريا مثلا فقد انحصر في دائرة القراء ~~الأزهريين، وإذا كان درعميا فقد انحصر في دائرة القراء الدرعميين، وقل مثل ذلك عن الإنتاج ~~الجامعي بالنسبة إلى خريجي كلية الآداب. وعلى ضوء هذه الحقائق نعرف سر المجال الضيق، الذي ~~يتم فيه مثلا فهم كتاب يحمل قيما أدبية جديدة؛ وكذلك توزيعه، إذا ما أضفنا إلى هذه ~~الحقائق، قلة النسبة العددية لقراء الأدب الجامعيين وغيرهم من أصحاب الثقافة الذاتية؛ حين ~~نذكر إلى جانبهم تلك الكثرة الغالبة من قراء الأزهر ودار العلوم. # إن الأزمة كما قلنا هي أزمة المفاهيم الأدبية غير الموحدة أو أزمة القيم الجديدة التي ~~تعيش اليوم في شبه عزلة، ولن تستطيع أن تبسط نفوذها غدا إلا إذا تغيرت بعض النظم المعهدية ~~على الوجه الذي يشمل المناهج المفروضة والعقول الموجهة. وإذا استطعنا أن نحقق يوما ms136 مثل هذه ~~الغاية، فقد حصلنا على نوع من الضمان الفني لمستقبل الأدب، خلاصته أن تتمركز الألوف ~~المبعثرة من القراء في نقطة التقاء، أساسها وحدة الفهم القائمة على وحدة المنابع الثقافية؛ ~~ذلك لأن موجة الركود الأولى التي يظن البعض، أنها نتيجة مباشرة للانصراف عن القراءة، ليست ~~في الواقع إلا نتيجة لتشتت القراء - على كثرتهم - بين طرق مختلفة ودروب متباعدة. # وظاهرة أخرى تسجلها الجولة الدارسة عن مشكلة المفاهيم غير الموحدة، وهي تلك الخصومة الفنية ~~بين شيوخ الأدب وشبابه، وهم هذا الفريق الذي قلنا عنه إنه لحق بالمد التطوري الجديد. إنها ~~خصومة بين نظرتين في الأدب، ترتبط إحداهما بالأمس في خطوات متقهقرة إن لم تكن جامدة، ~~وتتعلق الأخرى باليوم والغد في خطوات متقدمة إن لم تكن زاحفة، ولا مناص بعد ذلك من ثورة ~~الجديد على القديم؛ ذلك لأن الشيوخ - في رأي الشباب ورأي الحق - لا يريدون أن يأخذوا مكانهم ~~في ركب التطور، حتى تندفع القافلة المنتجة في اتجاه فني واحد؛ وتندفع من ورائها القوافل. ~~وما من شك في أن ظاهرة التنافر بين النظرتين في مشكلة الاتجاه، قد أنتجت ظاهرة تنافر أخرى ~~في مشكلة التقييم؛ لأن المفاهيم الأدبية المتطورة عند الشباب، ما تزال تصيب الشيوخ بلون من ~~عسر الهضم التمثيلي، سواء أكانت هذه المفاهيم منعكسة على إنتاج من النقد أو متبلورة في ~~إنتاج من الشعر والقصة، وتبعا لهذا فقلما يظفر ذلك الإنتاج بتقدير معنوي أو مادي، من ~~لجان التحكيم المكونة من الشيوخ في تلك المسابقات الأدبية، التي ترصد لها جوائز الدولة أو ~~مجمع اللغة العربية. # ولا وجه للمقارنة بين خصومة اليوم حول الجديد والقديم، وبين خصومة الأمس حول الموضوع ~~نفسه، وعندما نشبت الخصومة الأخيرة منذ ربع قرن بين الرافعي وطه حسين. إن هناك فارقا ~~كبيرا بين تعارض أفهام وأذواق حول أشكال الأدب ومضامينه، وبين تعارض أفهام وأذواق أخرى، ~~حول أشكال الأدب «وحدها» من ناحية النسب التقييمية. لقد كانت كلاسيكية الرافعي في مقياس ~~طه حسين كلاسيكية شكل أو تعبير، ولم تتعد المعركة بينهما هذا الحد، ms137 ولم تخرج في الكثير ~~الغالب عن هذا النطاق، لم يقم الخلاف بين الرجلين وأنصارهما حول المضمون الفكري في ذلك ~~الحين، وإنما قام حول أسلوب الرافعي الذي كان يعتبره صاحبه نوعا من الرصانة التقليدية، ~~ويعتبره الدكتور طه ضربا من الحذلقة الموروثة المجافية لروح العصر؛ لأن مفهوم التطور ~~العصري والأدبي يومئذ كان محصورا في معنيين؛ هما: التحرر من أسر التقليد الأسلوبي، والتزام ~~البساطة والوضوح. # إن معركة الأمس كان ينقصها التمثل الكامل لموضوعية الأدب بشطريها: الداخلي والخارجي؛ أعني ~~الصورة الفكرية والتعبيرية؛ ومن هنا تبدو جوهرية التفاوت بينها وبين معركة اليوم حول ~~المعايير الصحيحة التي تفرق وهي واعية بين حقيقة الجديد وحقيقة القديم. ms138