######OpenITI# #META# URI: 1385AsadRustam.MustalahTarikh.Hindawi61483693 #META# Tags: history #META# ID: 61483693 #META# Title: مصطلح التاريخ #META# AuthorID: 96461919 #META# Author: أسد رستم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - التقميش‏ # 2 - العلوم الموصلة‏ # 3 - نقد الأصول‏ # 4 - تنظيم العمل‏ # 5 - تفسير النص‏ # 6 - العدالة والضبط1‏ # 7 - إثبات الحقائق المفردة‏ # 8 - الربط والتأليف‏ # 9 - الاجتهاد‏ # 10 - التعليل والإيضاح‏ # 11 - العرض‏ # المقدمة‏ # 1 - التقميش‏ # 2 - العلوم الموصلة‏ # 3 - نقد الأصول‏ # 4 - تنظيم العمل‏ # 5 - تفسير النص‏ # 6 - العدالة والضبط1‏ # 7 - إثبات الحقائق المفردة‏ # 8 - الربط والتأليف‏ # 9 - الاجتهاد‏ # 10 - التعليل والإيضاح‏ # 11 - العرض‏ # | مصطلح التاريخ # | مصطلح التاريخ # | وهو بحث في نقد الأصول وتحري الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها وفي ما يقابل ذلك في علم الحديث # تأليف # أسد رستم # | المقدمة # وأقدم التواريخ المدونة أسفار موسى الخمسة وأسفار يشوع وصموئيل، فإنها دونت فيما يظهر ~~حوالي السنة 900 قبل الميلاد، وأول من حاول نقد الروايات التاريخية هكتايوس الملطي ~~اليوناني. فإنه كتب في القرن السادس قبل الميلاد في أصل الشعب اليوناني وفي تجوالاته ~~الأولى، وقال: «ولست أثبت هنا إلا الحكاية التي أعتقد صحتها. فإن أساطير اليونان كثيرة، ~~وهي عندي حديث خرافة.» وجاء بعده عدد من أبناء جنسه يؤرخون، فينظرون إلى الأشياء على ~~حقيقتها ويبتعدون عن الخرافات والأساطير، شأنهم في كل عمل فكري قاموا به، ولكن أحدا منهم ~~فيما نعلم لم يحاول أن يجعل من هذا النظر إلى الروايات التاريخية على حقيقتها «علما ~~بأصول». # وأول من نظم نقد الروايات التاريخية ووضع القواعد لذلك علماء الدين الإسلامي، فإنهم ~~اضطروا اضطرارا إلى الاعتناء بأقوال النبي وأفعاله لفهم القرآن وتوزيع العدل. فقالوا: «إن ~~هو إلا وحي يوحى، ما تلي منه فهو القرآن وما لم يتل فهو السنة.» فانبروا لجمع الأحاديث ~~ودرسها وتدقيقها، فأتحفوا علم التاريخ بقواعد لا تزال، في أسسها وجوهرها، محترمة في الأوساط ~~العلمية حتى يومنا هذا، وهو ما سيتاح لنا الاطلاع عليه في تضاعيف هذا الكتاب في ~~حينه. # وجاء عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر (1332-1406) فكتب في مقدمته في «طبائع ~~العمران» وجعل من هذه الطبائع محكا علميا لنقد الأخبار التاريخية وتمحيصها، فسجل بذلك ~~فوزا كبيرا، ونحن وإن خالفناه في صحة هذه الطبائع وفي ms001 وجوب تطبيقها على حوادث الماضي، لا ~~يسعنا إلا أن نعترف بفضله وبتفوقه على سائر من كتب في التأريخ قبله، وسنعرض على القارئ ~~شيئا من هذا في حينه في فصل لاحق من فصول هذا الكتاب. وعاصر ابن خلدون فلافيوس بلوندوس ~~الإيطالي (1388-1463) الذي كتب في تاريخ روما، وحكم عقله وطبق منطقه الفطري، فقذف ~~بأساطير زملائه السابقين إلى حيث يطرح سقط المتاع. فكان خير زميل لجاره التونسي ~~الكبير. # وأدت الاكتشافات الجغرافية واليقظات العلمية الفنية والمنازعات الدينية، والمطامع ~~السياسية والوثبات الفلسفية في القرون الحديثة في أوروبا إلى الرجوع إلى الماضي، وتقليب ~~صفحاته والاهتمام بأخباره اهتماما شديدا، ولكن رائد المؤرخ الأوروبي في القرن الخامس عشر ~~حتى الثامن عشر، بقي طوال هذه العصور مجرد استغلال الماضي لصوالح سياسية أو دينية، ولم يدرس ~~لذاته؛ أي للوصول إلى الحقيقة المجردة. # وأول من نادى بنقل التاريخ من ميادين الخصام والنزاع والحرب إلى مجالس الدرس والتدقيق، ~~العالم الإيطالي جيوفني فيكو (1668-1744) فإنه درس أفلاطون وغروتيوس، فدفعه الأول إلى درس ~~بعض كبريات مسائل التاريخ والفلسفة، وبعثه الآخر على درس فلسفة القانون، وفي السنة 1725 ~~أصدر كتابه «أصول علم جديد» اعتبر به التاريخ فرعا من علم المجتمع الإنساني، وذهب إلى أن ~~البحث التاريخي الحقيقي يقوم على أصول منطقية دقيقة، وقال بمبدأ التطور، وسكت عن تدبير ~~الخالق، ونوه منتسكيو نفسه بتجرد هادئ تطور الحكم في فرنسا وإنكلترا، ووازن بين ~~الاثنين، وجاء فولتير (1694-1778) بنقده اللاذع، فنفذ إلى صميم عناصر القوة والضعف في ~~فرنسا، وحاول وضع تاريخ حر للثقافة، ولكن الاثنين أسرعا إلى الكتابة قبل إكمال نقد ~~المصادر واستيعابها. # وانتظمت الممالك في أوروبا في القرن السادس عشر، وقامت عصبية وطنية جديدة ونشأ شعور قومي ~~حديث، فقام علماء مؤرخون في دول الغرب، يعنون بجمع المصادر بدافع الاعتزاز بالماضي، وأهم ~~مجموعة من هذه المجموعات التاريخية الوطنية، مجلدات تواريخ العصور الوسطى التي بدأ بنشرها ~~الرهبان البندكتيون من جماعة القديس مور، وذلك في منتصف القرن السابع عشر، والواقع الذي لا ~~مفر منه هو أن رسالة جان مابيون ms002 في الديبلوماسيات (1681) هي فاتحة البحث العلمي الحديث ~~للمخطوطات، وظهر في القرن الثامن عشر سلاسل أخرى من نوع هذه منها مجلدات موراتوري الخمسة ~~والعشرون من كتاب الشئون الإيطالية (1723-1750) ومجموعة توما هيرن الإنكليزي للتواريخ ~~الإنكليزية القديمة. فتيسر لمؤرخي القرن التاسع عشر ما لم يتيسر لغيرهم من سهولة الرجوع إلى ~~المراجع، وإنعام النظر فيها ومقابلتها ومقارنتها مما لا بد منه للوصول إلى الحقيقة. # وفي السنة 1795 أصدر العلامة وولف الألماني مقدمته الشهيرة لمجموعة هوميروس الشعرية، ~~فأحدثت ضجة في الأوساط اللغوية الأدبية التاريخية، في ألمانيا وخارجها؛ لأن وولف ذهب فيها ~~إلى أن الإلياذة والأوذيسية لم يكتبهما هوميروس ولا غيره بهذا الاسم، بل جماعة من الشعراء ~~في فترات متباعدة من الزمن، ودفعت هذه الضجة التي أحدثتها مقدمة وولف بتلميذه أوغست بوخ، أن ~~ينقد المصادر التاريخية اليونانية، في موضوع الاقتصاد السياسي في أثينا (1817)، وقام برتولد ~~نيبور الألماني (1776-1831) وهو ابن الرحالة كارستن نيبور؛ صاحب المجلدات الثلاثة في وصف ~~الجزيرة العربية. نقول قام برتولد نيبور يغربل المراجع الرومانيا بغربال وولف، فوضع كتابه ~~تاريخ الرومان، ونهج به نهجا علميا جديدا، فلم يبق من أقاصيص الرومان وأساطيرهم سوى ~~راسب يسير من الحقيقة «فأحيا التاريخ الروماني وبوأه مكانة علم مستقل.» # وآمن بالنقد الجديد رهط من علماء الألمان في القرن التاسع عشر، جعلوا من ألمانيا معلمة ~~أساتذة للعالم بأسره في فن التاريخ الحديث، وزعيم هؤلاء، دون منازع، هو ليوبولد فون رانكي ~~(1795-1886) الذي ولد في فيهي وتوفي في برلين، وقد كان مثال النزاهة والعدالة، رائده ~~الحقيقة العارية، دون أي التواء، ودأب كثيرا، وطرق مواضيع شتى، فصنف في تاريخ إيطاليا ~~وتركيا والصرب وإنكلترا وفرنسا والكنيسة، وفي الثمانين من العمر بدأ تاريخه العام، فأتم ~~منه سبعة مجلدات، وعندما توفي في الحادية والتسعين من العمر، هب جماعة من تلاميذه ~~الأوفياء، فأكملوا هذا التاريخ، وتسلم شعلة نيبور ألماني آخر تيودور مومسن (1817-1903) ~~فوضع تاريخا عاما لروما، وآخر لولاياتها، لا يزالان مرجعين هامين لكل من يعني بالتاريخ ~~الكلاسيكي، حتى يومنا هذا. # وساهم المؤرخون الإفرنسيون مساهمة ms003 قيمة في نقد المراجع الأولية بعملهم العظيم، في مدرسة ~~الوثائق التاريخية التي أسسوها في السنة 1821، فعنوا عناية فائقة بنقد وثائق العصور ~~الوسطى، ووضعوا القواعد الأساسية لعدد من العلوم الموصلة لعلم التاريخ، كعلم الديبلوماسية، ~~وعلم السفر أجيستيك وفن الباليوغرافية، وغير ذلك مما لا بد لمؤرخ العصور الوسطى من التذرع ~~به، لفهم مراجعه الأولية، ونقدها نقدا علميا ثابتا، ومن أشهر تلامذة هذه المدرسة ~~بنيامين غيوار وغبريال مونو، وفوستيل ده كولانج. # وسرت عدوى هذا التدقيق في المراجع من ألمانيا وفرنسا إلى بريطانيا، فقام سر فرنسيس ~~بالغرايف (1788-1861) وجون ميتشل كامبل (1807-1857) يعنيان بتاريخ الجزر البريطانية، في ~~العهدين السكسوني والنورماندي، بالدقة المطلوبة، ففتحا بذلك عصرا جديدا في التاريخ، في ~~الجزر البريطانية، وفي منتصف القرن التاسع عشر أم مدارس ألمانيا، عدد من الطلاب ~~الأميريكيين، يدرسون التاريخ بالأسلوب الجديد، وأشهر هؤلاء قدما هنري أدمز الذي درس في ~~جامعة هيدلبوغ، ودرس في جامعة جونس هوبكنز، وجون برجس الذي عاد من ألمانيا، فأسس في جامعة ~~كولومبية مدرسة العلوم السياسية، على طراز ما شاهد في برلين. # وعلى الرغم من العناية بالمصادر وجمعها ونشرها ونمو الروح البريء من الهوى، وتقدم ~~الطريقة العلمية في البحث، وازدياد احترامها في جميع الأوساط في أوروبا الغربية وفي ~~الولايات المتحدة، ظل البعض من رجال التاريخ والفلسفة يندفع بالعاطفة، فيضل ويضلل، ولا ~~يزال رجال الفلسفة، حتى يومنا هذا يتذرعون بالتاريخ لتأييد نظرياتهم دون تبصر، فيما يقرءون ~~أو ترو في الاستنتاج، وما أكثر الفلاسفة الذين يجهلون التاريخ، ولا يكلفون أنفسهم مشقة ~~الاستشارة، فيجعلون التاريخ ينطق بما ليس فيه! # ولمس بعض أساتذة التاريخ هذا الضعف، وهالهم أمر هذا الشطط، فنبهوا إليه وردعوا عنه، وبين ~~هؤلاء غبريال مونو، فإنه ما فتئ منذ السنة 1876 عندما ظهر العدد الأول من مجلته التاريخية ~~الإفرنسية؛ نقول ما فتئ يردع عن التعميم قبل الإحاطة، وينذر بالخطر الذي ينجم عن تقبل ~~مذهب معين من مذاهب الفلسفة، وكتابة التاريخ على ضوئه، قبل التثبت من الحقائق التاريخية ~~تثبتا مستقلا عن كل رأي فلسفي، وذلك حتى وفاته ms004 في السنة 1912، وقال غيره من المؤرخين ~~الأساتذة، بوجوب تربية المؤرخين المبتدئين الصغار تربية علمية واقعية تتفق في جوها وأسلوبها ~~وتربية طلاب العلوم الطبيعية، وأشهر من أقدم على هذا العمل الشاق وأعرقهم شرفا العلامة ~~الألماني الأستاذ الدكتور أرنست برنهايهم . فإنه أعد في الثمانين من القرن الماضي، مؤلفا ~~خاصا لهذه الغاية، أبان فيه الخطوات الصائبة التي يجب على المؤرخ أن يخطوها، والعقبات ~~التي تعترضه، وكيفية تذليلها، والمهالك التي قد يقع فيها، وكيفية تحاشيها، وأردف كلامه فيها ~~كلها بالأمثلة الدقيقة المفصلة. ثم نشر هذا المؤلف الأول مرة في السنة 1889 وأعاد طبعه ~~مرارا، وهو لا يزال حتى يومنا هذا أكمل ما صنف من نوعه، وانبرى بعده المؤرخان ~~الإفرنسيان الكبيران شارل سينيوبوس وشارل لانغلوا، فأصدرا في السنة 1898 مقدمتهما في ~~الأبحاث التاريخية، فجاءت مختصرا دقيقا مفيدا. أما علماء الإنكليز، فإنهم آثروا ولا ~~يزالون التعليم بالأمثلة دون اللجوء إلى كتاب خاص بالقواعد. # ولست أذكر تماما متى بدأ عهدي بهذا العلم؛ ولكني أذكر تماما أني لما عدت من جامعة ~~شيكاغو سنة 1923، وباشرت عملي في جامعة بيروت توليت تدريس علم المثودولوجية فيها، وأول ما ~~عملته أني أخذت أجمع أهم المؤلفات التي تدور حوله. فتوفر لدي عدد منها في اللغات الأجنبية، ~~ولكني لم أعثر على شيء في العربية، فصممت آنئذ أن أتلافى هذا الفراغ، وأكتب شيئا في هذا ~~الموضوع. # ورأيت أن أتريث في الأمر، فأبدأ بتدريس الموضوع بلغة أجنبية، ريثما تتوفر لدي الأمثلة ~~التاريخية المحلية والاصطلاحات الفنية العربية. فاضطررت أن أرجع إلى مصطلح الحديث لسببين: ~~أولهما: الاستعانة باصطلاحات المحدثين، والثاني: ربط ما أضعه لأول مرة في اللغة العربية ~~بما سبق تأليفه في عصور الأئمة المحدثين. # فأكببت على مطالعة كتب المصطلح، وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعا عليها، ازداد ~~ولعي بها وإعجابي بواضعيها، ولا أزال أذكر حادثا وقع لي عام 1936 في دمشق، يوم احتفلت ~~الحكومة السورية بمرور ألف عام على وفاة المتنبي. فإني كنت من جملة الوافدين إلى عاصمة ~~الأمويين والمحتفلين بذكرى شاعر العرب، وأقمت فيها مدة من ms005 الزمن، أقلب في أثنائها مخطوطات ~~المكتبة الظاهرية، وما إن بدأت بالعمل حتى أيقنت أني أمام أعظم مجموعة لكتب الحديث النبوي ~~في العالم. ففي خزائن هذه المكتبة، عدد لا يستهان به من أمهات المخطوطات في هذا العلم، ~~وقسم منها يحمل خطوط أعاظم رجال الحديث، ومن أهم ما وجدت فيها، نسخة قديمة من رسالة القاضي ~~عياض في علم المصطلح، كتبها ابن أخيه سنة 595 للهجرة، وكنت قد قرأت شيئا عنها في بعض رسائل ~~المصطلح. فاستنسختها بالفوتوستات وبدأت في درسها وتفهم معانيها. فإذا هي من أنفس ما ~~صنف في موضوعها، وقد سما بهذا القاضي عياض إلى أعلى درجات العلم، والتدقيق في عصره، ~~والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ اليوم، أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، ~~وذلك على الرغم من مرور سبعة قرون عليها. فإن ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير ~~والاستنتاج، تحت عنوان «تحري الرواية والمجيء باللفظ» يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه في ~~كتب الفرنجة في أوروبا وأمريكا، وقد اقتطفنا من كلام القاضي عياض في هذا الموضوع شيئا ~~كثيرا أوردناه في باب تحري النص والمجيء باللفظ في كتابنا هذا. # والواقع أن المثودولوجية الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي، ليست غريبة عن علم ~~مصطلح الحديث، بل تمت إليه بصلة قوية. فالتاريخ دراية أولا ثم رواية، كما أن الحديث ~~دراية ورواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في ~~الحديث، تتفق في جوهرها، وبعض الأنظمة التي أقرها علماء أوروبا فيما بعد، في بناء علم ~~المثودولوجية، ولو أن مؤرخي أوروبا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين، ~~لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجية، حتى أواخر القرن الماضي. # وبإمكاننا أن نصارح زملاءنا في الغرب فنؤكد لهم بأن ما يفاخرون به، من هذا القبيل، نشأ ~~وترعرع في بلادنا، ونحن أحق الناس بتعليمه، والعمل بأسسه وقواعده. # وها أنا الآن أضع بين يدي القارئ رسالتين في مصطلح التاريخ، متوخيا خدمة لغتي وبلادي، ~~ومحاولا أن أفتح بابا جديدا لطلاب ms006 التاريخ العربي، ينفذون منه إلى مجاهله، ويتوصلون به ~~إلى فهم الروح العلمية الحديثة التي تتجلى في مؤلفات علماء الغرب اليوم. فكأي من قضية في ~~تاريخنا، لا يزال مؤرخونا يخبطون في حلها، خبط عشواء، وكأي من ناحية في حياة القدماء، في ~~العصور السالفة يجهلونها تمام الجهل، وحسبنا أن نذكر أن أكثر مؤرخينا اليوم يزعمون أن ~~كتابة التاريخ لا تتعدى نقل الرواية والإلمام بقواعد اللغة. ففي عرفهم أنك إذا أجدت الإنشاء ~~وفهمت بعض النص، فقد هيئت لك العدة لكتابة التاريخ، ولقد فات هؤلاء أن التاريخ هو علم ~~أيضا، يعوزه ما يعوز سائر العلوم الأخرى من طب وهندسة وفقه وغيرها، وأنه لا بد لصاحبه من ~~أن ينشأ نشأة علمية خالصة يتربى فيها على الشروط الفنية التي يقتضيها كل علم، مما أوردنا في ~~تضاعيف هذا الكتاب، ولعلي أول من حاول أن يربط ما توصل إليه علماؤنا في الحديث بما وضعه ~~علماء الغرب اليوم، في هذا الحقل من العمل. # أسد رستم # عن الشوبر لبنان في 12 أيلول سنة 1939 # عن رأس بيروت في 2 نيسان سنة 1955 # الباب الأول # | التقميش # إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. هذه قاعدة عامة لا موضع للجدال فيها، وذلك أن التاريخ ~~لا يقوم إلا على الآثار التي خلفتها عقول السلف أو أيديهم. فإذا سطت محن الدهر، أو ~~عوادي الزمن، على بعض هذه الآثار، وأزالت معالمها، فقدها التاريخ، وكانت كأنها لم توجد، ~~وبفقدها يجهل التاريخ عصرها ورجالها. أما إذا بقيت، وحفظت، فقد حفظ التاريخ فيها. لهذا ~~يرى المؤرخون لزاما في أعناقهم، قبل كل شيء، أن يتفرغوا للبحث والتفتيش، عن شتى الآثار ~~التي تخلفت عن السلف، والتي اصطلحنا أن نسميها أصولا. # والأصول لدى المؤرخ، هي جميع الآثار التي تخلفت عن السلف، فالرسائل الواردة إلى مجلس ~~محمد علي باشا، والصادرة عنه هي أصول لتاريخ هذه الحقبة من تاريخ العرب، ومجموعة المدافع ~~والأسلحة التي ترجع إلى عهده والتي لا تزال محفوظة في وزارة الحربية في مصر وفي سراي عابدي ~~الملكية، هي أيضا أصول، بعرف ms007 المؤرخ واصطلاحه، وكذلك جامعه الشهير القائم اليوم على هضبة ~~المقطم، والذي يطل ويشرف على مدينة القاهرة، وقل الأمر نفسه على عظامه المحفوظة في مثواه ~~في داخل هذا الجامع العظيم، وعن بقايا ألبسته وأدواته الشخصية التي لا تزال محفوظة، لدى ~~أحفاده في سراي عابدين الملكية، وسائر قصورهم . وما يصح من هذا القبيل على الآثار الشخصية ~~المتخلفة عنه، يصح أيضا على آراء غيره من المعاصرين وآثارهم؛ فتاريخ الشيخ عبد الرحمن ~~الجبرتي الذي عاش في القاهرة وعاصر عزيز مصر هو أيضا أصل من الأصول، وكذلك كتاب الدكتور ~~كلوت بك الذي استخدم في حكومة الباشا والذي أسس كلية الطب في القصر العيني، وكتاب ~~الدكتور مخايل مشاقة الدمشقي الذي درس الطب في القصر العيني، والذي التحق بخدمة الأمير بشير ~~الثاني، وغيره من الأمراء الشهابيين الذين عاصروا عزيز مصر، ودخلوا تحت حكمه ردحا من ~~الزمن، كل هذه في عرف المؤرخين ضروب من أصول، وهلم جرا. # فإذا صحت القاعدة العامة - وهي صحيحة دون جدال - في أنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ، ~~أقول إذا صحت هذه القاعدة لزم على المؤرخ أن يبدأ عمله دائما بجمع الأصول، وهي لعمري ~~حقيقة أساسية لازمة، عرفها علماء الحديث قرونا عديدة، وعملوا بها قبل أن يدرك فائدتها، ~~وينوه بصحتها، ويحبذ العمل بها المؤرخون الحديثون، إن في أوروبا أو في غيرها من مراكز ~~العلم الحديث. # قال المحدث الشهير أبو حاتم الرازي، # 1 # من أعيان القرن الثالث: «إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش.» # 2 # وقد جاء في المحيط: «قمش القماش يقمشه قمشا» جمعه من ها هنا وها هنا، ~~والقماش ما على وجه الأرض من فتات الأشياء، وتقمش الرجل أكل ما وجد وإن كان دونا، ~~فإحياء لذكر الرازي، واعترافا بجهود المحدثين وفضلهم على علم التاريخ؛ نرى من الواجب أن ~~نسمي أول خطوات المؤرخ المدقق المنقب التقميش، فنقول: على المؤرخ قبل كل شيء أن يعنى ~~بتقميش الأصول؛ لأنه إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. # والآن وقد ثبت لدينا وجوب التقميش، ننتقل إلى النظر في كميته فنتساءل: أيجب ms008 أن نجمع كل ~~الأصول أم نكتفي ببعضها؟ وبطبيعة الحال، يصبح هذا البعض ما يسهل علينا الوصول إليه - ما قد ~~نجده مثلا في البلدة التي نقيم فيها أو في أقرب المكاتب إلينا - نتساءل فنجيب: إذا كانت ~~غاية المؤرخ الوصول إلى الحقيقة؛ فالحقيقة هي كل الحقيقة، لا بعضها، وهي وحدة تامة لا ~~تتجزأ. # أوليس مما يثلج الصدر ويبهج النفس أن يكون علماء الحديث قد سبقوا الغرب في هذا أيضا ~~فنوهوا به؟ قال الإمام الحافظ مفتي الشام وشيخ الإسلام الشيخ تقي الدين الشهرزوري في مقدمته ~~الشهيرة، وبمناسبة الكلام في معرفة آداب طالب الحديث: # 3 ~~«ليكتب وليسمع ما يقع إليه من كتاب أو جزء على التمام ولا ينتخب. فقد قال ابن ~~المبارك، رضي الله عنه، ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت، وروينا عنه أنه قال: لا ينتخب ~~على عالم إلا بذنب، وروينا أو بلغنا عن يحيى بن معين أنه قال: سيندم المنتخب في الحديث ~~حين لا تنفعه الندامة.» # ومما لا بد من الإشارة إليه، قبل اختتام هذا الفصل، مساس الحاجة في العالم العربي اليوم ~~إلى المشتغلين في التقميش في شتى العلوم العربية، ولا يختلف اثنان، فيما نعلم، في أن علماء ~~العرب اليوم يعيشون في القرن العشرين، وإنهم مع احترامهم لما أنتجه السلف الصالح، ومفاخرتهم ~~به، ينوون النهوض بثقافتهم وتراثهم القومي، إلى مستوى الأمم الرقية كي يتمكنوا من خدمة ~~العلوم التي يشتغلون بها، ومن السير مع زملائهم الغربيين في مضمار التقدم والعمران. فالعلوم ~~العربية اليوم في بدء نهضة مباركة، وعلماء العرب في بدء عمل عظيم. فليس أفيد والحالة هذه ~~من الاشتغال في التقميش إن في اللغة أو في التاريخ أو في الفلسفة أو في الفنون ~~العربية. # والمجال واسع من هذا القبيل. فإنه بإمكان البعض أن يتعاضدوا في تأسيس أو تشجيع المكتبات ~~العمومية، وفي مقدور البعض الآخر أن يعنوا في التفتيش عن المخطوطات العربية في جميع ~~المواضيع، ومن المستحب أن يقوم البعض في نشر مجلة أو مجلات ببليوغرافية، أو في نشر فهارس ~~بعض المكتبات العمومية ms009 والخصوصية. # وقد قلنا، منذ عشرين سنة، عندما بدأنا بنشر الأصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد علي ~~باشا - قلنا، ولا نزال نقول: إن مؤرخي العصر الحاضر، وإن حسبناهم على مستوى واحد مع رصفائهم ~~في العصور السالفة، فهم يفوقونهم، بما توافر لديهم من المصادر والمراجع الأولية، التي لم ~~يتسن لأولئك الأسلاف الوقوف عليها. # الباب الثاني # | العلوم الموصلة # لا بد للمؤرخ العصري المدقق، من ولوج باب آخر، كي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة. عليه أن ~~يقلب ما قمش وينعم النظر فيه؛ ليرى إذا كان بإمكانه أن يدرك كنهه فيستعمله في تشييد ما ~~يبني من صروح التأريخ، وإذا فعل سرعان ما يشعر بحاجته إلى ما نريد أن نسميه بالعربية العلوم ~~الموصلة، والاستعارة في هذه التسمية من علم التفسير؛ فقد أجمع المفسرون على وجوب التمكن من ~~العلوم الموصلة إلى علم التفسير قبل الشروع في فهم القرآن الكريم، وبيان معانيه، واستخراج ~~حكمه وأحكامه، والعلوم الموصلة في عرف المفسرين إلى علم التفسير هي علم اللغة، وعلم النحو، ~~وعلم التصريف، وعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم القراءات، وأسباب النزول، ~~وأحكام الناسخ والمنسوخ، وأخبار أهل الكتاب، وعلم أصول الفقه، وعلم الجدل. # وقد وجدنا باختبارنا عندما خطونا خطوة التقميش في تاريخ العرب في النصف الأول من القرن ~~التاسع عشر، أن الأصول لهذه الحقبة من تاريخنا ترد في العربية والتركية والإفرنسية ~~والإنكليزية والألمانية والإيطالية والبولونية والروسية، وأهمها اللغات الخمس الأولى. ~~فأسرعنا إلى التقاط ما ينقصنا منها، وكم كنا نود لو كان بإمكاننا أن نتعلم الباقي منها كي ~~لا تكون استنتاجاتنا موقوفة على مقدرة المترجمين من هذه اللغات. # ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فإنه ليس لنا ما لبعض زملائنا في توريخ بعض الأزمنة مجموعات ~~من التعريفات الفنية، ونحن، وإن كنا لا ننكر فائدة قاموس محيط المحيط للعلامة بطرس ~~البستاني، فإننا لا نرى فيه جميع ما نطلبه من اللهجات العامية المحكية في عصره، وأما معجم ~~المستشرق الهولاندي رينهاردت دوزي، فإن معظمه مبني على آداب العربية في القرون الوسطى؛ ~~ولذلك فإن ms010 فائدته ضيقة النطاق محدودة الجدوى لمن يعنى مثلنا في تاريخ العرب في القرن ~~التاسع عشر. # وهل لعلمائنا الأعلام أقطاب اللغة العربية وأعضاء مجمع فؤاد الأول للغة، أن يكفوا عن ~~البحث في مثل الشاطر والمشطور والكامخ بينهما، والأرزيز والطرطران والعرعور والدويداء، ~~فينصرفوا إلى التعاون في تنظيم العمل لوضع قاموس على مثال معجم أوكسفورد للغة الإنكليزية؟ ~~فإنك لو طلبت كلمة أدميرل الإنكليزية في هذا المعجم العظيم تجد أولا مقدمة في أصلها العربي ~~- أمير البحر أو أمير الماء - واشتقاقها منه، ووصولها إلى الإنكليز من عرب الأندلس وصقلية، ~~بواسطة الإسبانية أو الإيطالية. وتجد ثانيا جميع معانيها الإنكليزية المستعملة الآن، ~~العمومي والخصوصي الفني، مع الاصطلاحات المشتقة منهما، وتحت كل من هذه المعاني تجد كذلك ~~الاستشهادات الكافية، باستعمالها في كتب أكبر أدباء الإنكليز وعلمائهم، منذ أن شاع ~~استعمالها، في أوائل القرن الثالث عشر، حتى الجيل الذي دخلت فيه هذا القاموس العظيم. فقد ~~ورد في الشرح على هذه الكلمة الدخيلة ما يزيد على الأربعين شاهدا، مأخوذة كلها من آداب ~~اللغة الإنكليزية ما بين سنة 1205 وسنة 1888، ومرتبة جميعها بترتيبها التاريخي، لإظهار تطور ~~المعنى، بتطور الظروف والأحوال. ومن محاسن هذا المعجم، أنك تجد فيه جميع هذه الاستشهادات ~~مقرونة بذكر كاتبها الأول، وتاريخ استعمالها مع الإشارة إلى المجلد والصفحة الموجودة فيها، ~~وقد ورد في الشرح على كلمة ست # SET # أكثر من مائة وخمسين ~~معنى، وما ينيف عن الثلاثة آلاف وثلاثمائة استشهاد، من أهم كتب هذه اللغة ما بين سنة 900 ~~وسنة 1900م. # ولدى إعادة النظر في بعض ما عثرنا عليه من الأصول المشار إليها، ألفينا رسائل رسمية ~~متبادلة بين حكام ذلك العصر، توخى كاتبها نوعا خاصا من الخط العربي هو الديواني المعلق، ~~ولا يخفى أن قراءة الخطوط العربية العادية لا تكفي للتيقن من قراءة الخط الديواني المعلق. ~~فأخذنا عندئذ ندرس قواعد هذا الخط للتثبت من قراءة الأصول المكتوبة به، وقل الأمر نفسه عن ~~الأختام المستعملة في هذه الرسائل. فلا بد لنا من معرفة المواد التي كانت تصنع منها هذه ms011 ~~الأختام، وكيفية بصمها، مثلا، وعدد الأشخاص الموكلين بها، وغير ذلك من الأمور التي تقع ~~اليوم في أوروبا، تحت علم «السفراجستيك». # ويشعر مؤرخ هذه الحقبة من تاريخ العرب بحاجة إلى أبحاث علمية، في أصول المخابرات الرسمية ~~في مصر وسوريا والعراق وغيرها من البلدان المجاورة في القرنين الأخيرين؛ لأنه يظهر أن ~~كتاب هذين القرنين كانوا يتمشون بموجب عادات مرعية، ففواتح مراسلاتهم، وغرضها المقصود، ~~وخواتمها جميعها تنم عن وجود عادات في الكتابات ~~الرسمية. قال أحد المقربين إلى الأمير بشير الشهابي الشهير - ولعله الشيخ ناصيف اليازجي: ~~«وكل واحدة من هذه الطوائف (في لبنان) في الطبقتين أعني الأمراء والمشايخ، يلقبه الحاكم في ~~كتابته له بالأخ العزيز. غير أن في ملحقات هذا اللقب اختلافا من وجوه كثيرة بين الأمراء. ~~فإن الأمير، إن كان من بني اللمع يكتب له الحاكم، جناب حضرة الأخ العزيز الأمير فلان ~~المكرم، حفظه الله - تعالى - أولا: مزيد الأشواق لمشاهدتكم في كل خير، والثاني كذا وكذا، ~~وهذه الكتابة تكون في نصف طبق من الورق، وإن كان من بني رسلان: يكتب له مثل ذلك، ولكن، في ~~ربع طبق من الورق، ولا يقول في أثناء كتابته، والثاني: وبعده، ومتى أراد أن يكتب اسم نفسه ~~في آخر الكتابة قال: محبا مخلصا لا أخا، ولا يكتب لقب نفسه بل يكتب ثلاث نقط متصلة تحت ~~اسمه، وتحتها نقطتان متصلتان. يشير بالأولى إلى شين شهاب وبالثاني حرف ب.» # 1 # وما إلى ذلك من قواعد منظمة متبعة كل الأتباع على ما يظهر. # وقد وجدنا بالاختبار أنه لا بد لنا في تحري الحقيقة التاريخية، من معرفة أنواع الحبر ~~وألوانه، وأشكال الورق - من حيث الطول والعرض واللون والسماكة - وشركات إصداره إلى الأقطار ~~العربية، وتمغاتها الشفافة عليه، وأصناف الأقلام وظروف استعمالها، في مختلف الدوائر ~~والدواوين، ولا يخفى ما في درس هذه الأمور جميعها من الأهمية، لفهم محتويات المخابرات ~~الرسمية وإيجاد تواريخها، وتثبيت أصالتها وعدم تزويرها، لا بد إذا من تعلم اللغات التي ~~ترد فيها الأصول، ومن الاستعانة بمثل ما تقدم ذكره، من العلوم ms012 والفنون، وهل ننسى القرآن ~~والتفسير والحديث ووجوب التضلع في هذه العلوم لمن يعنى بتاريخ العرب؟ # وهنالك طائفة أخرى، من العلوم الموصلة، لا مفر من الوقوف عليها، والاسترشاد بنظرياتها ~~ونواميسها، كي نستعين بالماضي، على فهم الحاضر، وتدارك المستقبل. لا بد للمؤرخ العصري، من ~~التبحر في العلوم الاجتماعية والفلسفية، إذا ما أراد أن ينظر إلى باطن المجتمع الماضي، ~~ليتوصل إلى العوامل الأساسية، التي أثرت في عقول السلف، ودفعتهم لإحداث ما حدث من وقائعهم، ~~إن في الحرب أو في السلم، وقد أظهر علماء الاجتماع، كل في دائرة اختصاصه، أن كل حادث مضى، ~~إنما هو مظهر لقوى شتى؛ اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية وغير ذلك، تضافرت في إبرازه ~~إلى حيز الوجود؛ ولذا كان محتما على المؤرخ المدقق، إذا ما أراد فهم حقيقة الماضي، أن ~~يحيط علما بهذه القوى، وأن يطلع على نتائج أبحاث العلماء، في جميع العلوم ~~الاجتماعية. # وهل يختلف اثنان، في أنه يجب على مؤرخ العلوم الرياضية، أن يكون مؤرخا ورياضيا من ~~الطبقة الأولى، وهل بإمكان من يجهل العلوم الرياضية من المؤرخين، أن يبت في تفوق علماء ~~اليونان على علماء الشرق القديم، في مضمار علمي الهندسة والفلسفة الطبيعية؟ أو أن يحكم فيما ~~إذا كان علم الجبر وعلم المثلثات من ابتكارات العرب أو لا؟ أو أن يقدر جهود لابلاس ونويتن ~~ومونج حق قدرها؟ أو ليس من المضحك أن يتصدى للحكم على ابتكارات أينشتاين من لا يفقه شيئا ~~من الرياضيات العالية؟ وقل الأمر نفسه عن تاريخ العلوم الطبيعية والطب وغير ذلك. # الباب الثالث # | نقد الأصول # الفصل الأول: التزوير في الأصول والدس فيها، ووجوب التثبت ~~من صحتها وأصالتها # والآن، وقد جمعنا الأصول، وتذرعنا بالعلوم الموصلة إليها، يجدر بنا أن نفكر قليلا في ~~الأمر، قبل أن نخطو خطوتنا الثالثة. # هل يبدأ المؤرخ، فور انتهائه من درس العلوم الموصلة، في مطالعة الأصول لاستخراج ~~مكنوناتها، أم يتربص قليلا للنظر في أصالة ما لديه منها (أي من الأصول)؟ # وهل من مبرر للتردد في هذا الأمر؟ فلو بدأنا فور انتهائنا من العلوم ms013 الموصلة في ~~استخراج المهم من أخبار الأصول، وزاولنا العمل مدة من الزمن، ثم تيقنا بعد ذلك أن ما ~~اعتبرناه أصلا من الأصول، هو في الحقيقة أثر من آثار المتخلفين غير المعاصرين، أو أنه ~~وضع خصيصا للمغالطة والتضليل، أقول: لو بدأنا بمثل ما تقدم ذكره، وتيقنا وقوع ~~التضليل والتزوير، لضاع وقتنا سدى، وأصبحنا من الخاسرين . # فعلى المؤرخ إذا، عند انتهائه من العلوم الموصلة، أن يتأكد، أولا: من أصالة ~~الأصول، ويتثبت من خلوها من كل دس أو تزوير، ولعله من المفيد أن نبدأ هذا البحث، ~~باستعراض بعض ما اختبرناه من هذا القبيل. # لما جاءت اللجنة الدولية، لتدرس قضية البراق الشريف، وقدم سماحة الحاج أمين أفندي ~~الحسيني وثائقه الرسمية، جاهر بعض المعاكسين بشكهم في صحة وثيقة ترجع إلى زمن اختصاصي. ~~فطلب إلي عندئذ بعض الأصدقاء، أن أستشف هذه الوثيقة من الوجهة العلمية الفنية ~~التاريخية، فلبيت الطلب. # وثيقة الحاج أمين أفندي الحسيني قطعة من الورق الصكوكي القديم، يبلغ طولها 27 ~~سنتمترا ولا يتجاوز عرضها ال 14، وهي مكتوبة بالحبر الأسود الإستانبولي، وموجهة من ~~محمد شريف «حكمدار بر الشام» في عهد الحكومة المصرية إلى السيد أحمد أغا دزدار متسلم ~~القدس الشريف آنئذ، وهي مؤرخة في 24 ربيع الأول سنة 1256ه، الذي يوافق 27 أيار سنة ~~1840م، وهذا هو نصها بالضبط: # افتخار الأماجد الكرام ذوي الاحترام، أخينا السيد أحمد أغا دزدار متسلم القدس ~~الشريف حالا: إنه ورد إلينا أمر سامي سر عسكري مضمنه صورة إرادة شريفة خديوية ~~صادرة لدولته يعرب مضمونها العالي أنه حيث قد اتضح من صورة مذاكرة مجلس شورى ~~القدس الشريف بأن المحل المستدعين تبليطه اليهود هو ملاصق إلى حائط الحرم ~~الشريف، وإلى محل ربط البراق، وهو كائن داخل وقفية حضرة أبو مدين (قدس سره) ~~وما سبق لليهود تعمير هكذا أشياء بالمحل المرقوم، ووجد أنه غير جائز شرعا، فمن ~~ثم لا تحصل المساعدة لليهود بتبليطه، وأن يتحذروا اليهود من رفع الأصوات ~~وإظهار المقالات ويمنعوا عنها، فقط يعطي لهم الرخصة بزياراتهم على الوجه ~~القديم، وصادر لنا ms014 الأمر السامي السر عسكري بإجراء العمل بمقتضى الإرادة المشار ~~إليها، فبحسب ذلك اقتضى إفادتكم بمنطوقها السامي لكي، بوصوله، تبادروا لإجراء ~~العمل بمقتضاها المنيف يكون معلومكم في 24 ر 1 سنة 256 محمد شريف. # جرنال 368 نمرة 39 # أصلية إذا أم مزورة؟ نقول: لا بد لنا للوصول إلى الحقيقة في مثل هذه الأحوال من ~~تفحص هذه الوثيقة التاريخية من وجهتيها الخارجية والداخلية، فنتذرع بما يسميه المؤرخون ~~الدليل الظاهري والدليل الباطني. فلنبدأ بالظاهر الملموس ولندقق بالورق أولا ثم ننتقل ~~بعد ذلك إلى الحبر والقلم فالخاتم، فعادات المراسلة في ذلك العهد، فاللغة ~~والأسلوب. # أما ورق هذه الوثيقة فإنه ورق الحكومة المصرية بالذات؛ إذ إنه صكوكي قوي يتفق من حيث ~~تركيبه الكيماوي وتوزيع أليافه، وتمغته الشفافة مع الألوف المؤلفة من وثائق الحكومة ~~المصرية، في ذلك العهد التي لا تزال محفوظة في سراي عابدين الملكية، وفي جامعة بيروت ~~الأميركية، وفي خزانات المؤسسات والبيوتات الكبيرة في مصر، وفي الأقطار الشامية، وحبر ~~هذه الوثيقة هو حبر وثائق الحكومة المصرية في ذلك العهد، وأكثر الوثائق الصادرة عن حكام ~~ذلك العصر كانت تكتب بالحبر الإستانبولي، وهو مزيج كيماوي بسيط للغاية ومؤلف من كمية ~~معينة من الكاربون التجاري، وقدر محدود من الصمغ والماء، وبإمكان من يود التأكد من ~~هذا الأمر، أن يتيقنه بالمكروسكوب أولا، ثم إن أراد بواسطة التحليل في المختبر، ولدى ~~التدقيق بالمكرسكوب والنظر في الأثر الذي تركه القلم في خط هذه الوثيقة وجدنا أنها ~~كتبت بقلم قصبي مما يتفق مع عادات الكتاب والنساخ في دواوين ذلك الزمن، وقل ~~الأمر نفسه عن الخط، فإنه من النوع الذي شاع في دواوين الحكومة المصرية ومجالسها، الخط ~~في عهد محمد علي باشا وابنه إبراهيم. # وليس في عنوان هذه الرسالة «افتخار الأماجد الكرام ذوي الاحترام أخينا السيد أحمد ... ~~إلخ»، أو في خاتمها «لكي، بوصوله تبادروا لإجراء العمل بمقتضاها المنيف يكون معلومكم.» ~~نقول ليس في عنوان هذه الرسالة أو في خاتمها من حيث المفردات المستعملة أو الأسلوب ما ~~يوجب الشك في أصليتها. # هذا، وفي ms015 الانتقال فجأة من العنوان إلى الغرض المقصود «إنه ورد لنا أمر سامي ... إلخ»، ~~وغض النظر عن التحية التي كانت ترد في غالب الأحيان، بعد العنوان وقبل عرض الغرض ~~المقصود، كقول عبد الله باشا مثلا، حينما خاطب متسلم بيروت وأعيانها سنة 1241ه: «بعد ~~التحية والتسليم بمراسم الإعزاز والتكريم المنهي إليكم ... إلخ»؛ نقول: إنه في الانتقال ~~فجأة من العنوان إلى الغرض المقصود وفي إهمال التحية، دليل آخر على صحة هذه الرسالة ~~وعدم تزويرها. فإن الولاة والحكام في الأقطار الشامية، قبل إبراهيم باشا ومحمد شريف ~~باشا وبعدهما، كانوا شديدي التمسك بالتحية المشار إليها أعلاه في مراسلاتهم الرسمية مع ~~متسلمي المدن وغيرهم من موظفي الحكومة. # ونرى، بعد هذا كله في جهل كاتب هذه الرسالة لقواعد اللغة العربية، دليلا آخر نستأنس ~~به على صحتها وأصالتها؛ فكتاب الدواوين في النصف الأول من القرن الماضي في مصر والشام ~~والعراق، كانوا يجهلون قواعد لغتهم ويكثرون في بعض الأحيان من استعمال المفردات ~~الأعجمية، عند مساس الحاجة إليها، ولا يستثنى من ذلك إلا ديوان حاكم لبنان الأمير ~~بشير الشهير. # وهي، لعمري حقيقة ناصعة تبدو للباحث حالما يرجع إلى المخابرات الرسمية المحلية في ذلك ~~العهد، ويبدأ بتفحصها واستشفافها، وطريقة التاريخ هذه الوثيقة، هي الطريقة المتبعة في ~~جميع أوراق الحكومة المصرية في ذلك العصر، كما أبنا ذلك بالتفصيل في مقدمتنا للأصول ~~العربية في تاريخ سوريا في عهد محمد علي باشا، وكذلك الإشارة إلى الجرنال والعدد فإنها ~~موجودة في قسم كبير من أوراق الحكومة المصرية التي صدرت في سنة 1256ه. # وهنالك طائفة من الأدلة يتذرع بها المؤرخ أحيانا بإمكاننا أن نقول فيها: إنها ~~ظاهرية وباطنية في آن واحد. فمن هو محمد شريف باشا الذي صدرت عنه هذه الوثيقة؟ ومن هو ~~أحمد أغا دزدار الذي وجهت إليه؟ وهل كان الأول حاكما عاما يصدر مثل هذه الأوامر، ~~والثاني متسلما على القدس يتلقى أوامره من الأول؟ وهل قاما بأعباء وظيفتيهما في شهر ~~ربيع الأول من شهور سنة 1256ه؟ وغير ذلك من الأدلة من نوع ما تقدم. ms016 فهي باطنية لأنها ~~تتعلق بمضمون الوثيقة، وظاهرية؛ لأنها ليست مما تنطق به الوثيقة، وإنما تستخرج من ~~مصادر أخرى مستقلة كل الاستقلال عن الوثيقة التي نحن بصددها. # ولحسن الحظ لا يزال قسم كبير من أوراق الحكومة في ذلك العصر محفوظا في سراي عابدين ~~الملكية، وبإمكان المؤرخ أن يرجع إليه للتثبت مما تقدم، وبإمكاننا نحن - بعد اطلاعنا ~~على محفوظات السراي في عابدين - أن نصرح، دون تردد، أن محمد شريف باشا كان حاكما ~~عاما على الأقطار الشامية من أوائل سنة 1248ه حتى أواخر سنة 1256ه، ومما لا شك فيه ~~أيضا بعد الاستناد إلى محفوظات عابدين الملكية وسجلات المحكمة الشرعية في القدس أن ~~أحمد أغا دزدار كان قائما بأعمال المتسلمية في القدس، في شهر ربيع الأول من شهور سنة ~~1256ه، وأن محمد شريف باشا كان يسيطر على أعمال متسلم القدس وغيره من حكام المدن ~~والمقاطعات في جميع الأقطار الشامية آنئذ، وأنه كان بدوره يتلقى أوامره من محمد علي ~~باشا وابنه السر عسكر إبراهيم باشا كما تنص الوثيقة، ومما يجدر ذكره في هذا الصدد، ~~الإشارة إلى اطلاع عزيز مصر على قضية البراق، وصدور الأمر عنه بمنع اليهود عن تبليط محل ~~ربط البراق، واستعماله للصلاة وإجراء بعض الطقوس الدينية فيه. فالبت في مثل هذه الأمور ~~الطائفية كان من صلاحية العزيز في مصر، لا يشاركه فيه أحد من الموظفين في ~~حكومته. # والدليل الباطن على صحة هذه الوثيقة متنوع أيضا. فلو تفحصنا محتويات هذه الوثيقة ~~وغرضها المقصود، نجد أنها توافق في روحها ما نعمله من تاريخ علاقة اليهود بمحل ربط ~~البراق، وما نعرفه عن موقف المؤسسات الإسلامية والحكومات المحلية من هذه القضية في ذلك ~~العهد. # قال الرحالة روبنسن المشهور، الذي زار القدس عام 1838 ما نصه: ~~«مباح لليهود أن يشتروا حق الدنو من مركز هيكلهم، وحق الصلاة والبكاء على خرابه ~~وتبدد أمتهم.» # وقال القنصل فن الإنكليزي الذي تولى إدارة القنصلية البريطانية في القدس، ما بين ~~سنة 1845 وسنة 1863 ما ملخصه: «يدفع الحاخام باشي إلى الأفندي الذي يجاور ms017 المبكى ~~ثلاثمائة ليرة إنكليزية كل سنة، بدل الإذن له ولليهود معه أن يصلوا هناك.» ولعل ~~الأفندي المشار إليه هنا هو وكيل وقفية أبي مدين، كما في الوثيقة التي نحن بصددها. هذا ~~ولا يخفى ما كان يؤديه اليهود من هذا القبيل إلى السلطات الوثنية، فالمسيحية قبل دخول ~~المسلمين إلى هذه البلاد. أما رتر الإلماني، الذي عاصر زمن الوثيقة، والذي وضع مؤلفه ~~العظيم، عن جغرافية فلسطين، حوالي سنة 1845، فإنه يقول: إن قسما مهما من مساكن ~~اليهود نفسها، ببيت المقدس، كان ملك الحرم الشريف. # ومن يطالع رحلات الفرنجة في هذه البلاد، حوالي سنة 1840، يجد أن قسما من اليهود ~~آنئذ، في أوروبا وأميركة وفلسطين، كان ينتظر مجيء المسيح وجمع الشمل كما ورد في بعض ~~الأسفار المقدسة، وكان بعضهم يعلق الآمال الكبيرة على كلام دانيال النبي، في الإصحاح ~~الثامن من سفره الكريم؛ حيث يقول: «فسمعت قديسا يتكلم قال قديس لفلان الذي يتكلم معه ~~إلى متى الرؤيا رؤيا المحرقة الدائمة والمعصية المدمرة، وحتى متى يجعل القدس والجند ~~مدوسين. فقال لي إلى ألفين وثلاثمائة مساء وصباح ثم يطهر القدس.» كان بعضهم يعلق ~~الآمال الكبيرة، على هذه النبوة، فيقول: إن المراد باليوم فيها هو السنة، وأن المدة ~~تبتدئ من سنة 456ق.م لقوله تعالى: «إن سبعين عاما حددت على شعبك وعلى مدينة قدسك.» ~~فيضيفون أربع سنوات إلى التاريخ المسيحي لأجل تصحيحه ويجمعون 456 مع 1844 (السنة 1840 ~~المصححة) فيصير العد 2300 كما في النبوة. # وكان هذا البعض من اليهود يعتقد أيضا أنه لا بد من تعمير المدينة المقدسة وتجديد ~~بناء الهيكل، كما ورد في الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر حزقيال النبي؛ حيث يقول: ~~«وآخذكم من بين الأمم، وأجمعكم من جميع الأراضي، وآتي بكم إلى أرضكم ... وأسكنكم في ~~المدن، وتبنى الأخربة.» # ووافق هذا المعتقد مجيء السر موسى مونتوفيوري، الأراضي المقدسة، وإكثاره من العطاء ~~كما تنص على ذلك الأصول التاريخية، وكما تشهد به المستعمرة التي لا تزال تحمل اسمه حتى ~~هذه الساعة. # وإذا تذكرنا أن هؤلاء اليهود عاشوا في عقد من ms018 الزمن، كثر فيه تسامح الحكومة المصرية ~~وتساهلها إذا تذكرنا كل هذه الأمور، سهل علينا الاستئناس بأمر التبليط في الوثيقة ~~الدزدارية، واضطررنا أن نرى في موافقة التاريخ لمضمونها دليلا آخر على أصليتها. # ولنا في موافقة مضمون هذه الوثيقة، لما جاء في محفوظات سراي عابدين الملكية دليل آخر ~~على صحتها وعدم تزويرها. فالمحفظة 259 من محافظ عابدين تحفظ لنا شكوى شيخ المغاربة في ~~القدس في سنة 1256 على اليهود في موضوع الوثيقة التي نحن بصددها، وقد حفظ لفا مع هذه ~~الشكوى قرار طويل لمجلس شورى القدس في الموضوع نفسه، وفي هذا القرار بيان واضح لحق ~~المغاربة واعتداء اليهود، وبين إمضاءات أعضاء المجلس إمضاء لممثل الطائفة اليهودية فيه، ~~فتأمل. # فبناء على ما نعرفه من نوع ورق هذه الوثيقة، وقاعدة خطها، وأسلوب إنشائها وطريقة ~~تاريخها وختمها، وبناء على موافقة النصوص التاريخية لمضمونها، نرانا مضطرين أن نقول ~~بأصليتها وعدم تزويرها. # ومما اختبره زميلنا الأستاذ جبرائيل جبور # 1 # من هذا القبيل نوع من التزوير لم يسلم منه كثير من الأصول، وذلك أن أصحاب ~~الكتب الخطية، كانوا في بعض الأحيان، يضيفون على الهامش أو في أواخر الفصول والأبواب، ~~أخبارا أو آراء جديدة تتعلق به. ثم تمر الأيام، وينسخ بعض هذه الكتب، فتدخل الزيادة في ~~الأصل ويثبت الشرح في المتن، ويختلط الأمر على المتأخرين، فينسب كل ما في النسخة ~~الخطية المتأخرة إلى المؤلف، وهذا النوع من التزوير هو ما نريد أن نسميه الدس، مقصودا ~~كان أو غير مقصود، وفي محيط المحيط: دس الشيء ودسه فيه يدسه دسا أدخل ودفنه ~~تحته وأخفاه. # وقد وجد الأستاذ جبور، عندما درس كتاب العقد لابن عبد ربه، # 2 # أن ناشري الطبعات التي بين أيدينا لهذا الكتاب، اعتمدوا على نسخة خطية، ~~دست فيها جملة كثيرة من الأخبار، فأثبتوا الأصل والزيادة في طبعاتهم، دون أن ينتبهوا ~~إلى الأمر أو يشيروا إليه، والغريب أن بعض هذه الأخبار المدسوسة، كانت ظاهرة، لا يحتاج ~~أمر اكتشافها إلى كثير من العناء أو التدقيق. # فإنك إذا قرأت العقد ترى أنه ms019 قد ترجم فيه، في كتاب اليتيمة الثانية، # 3 # لأربعة خلفاء من بني عباس، هم الراضي والمتقي والمستكفي والمطيع، وكلهم ~~توفي بعد وفاة ابن عبد ربه؛ أي بعد سنة 328ه، وترى ~~في ترجمة الأخير أنه قد خلع نفسه سنة 363ه؛ أي بعد موت ابن عبد ربه ب 35 سنة. أوليس من ~~المؤسف أن يقدم الناشر المحلي على مثل ما تقدم بعد أن يكون العلامة تيودور نولدكه قد ~~نبه في كتابه أمراء غسان، إلى هذا الدس؟! # 4 # ولم يكتف الأستاذ جبور في وقوفه مع العلامة نولدكه على إظهاره هذا القدر من الدس. ~~بل دفعه الأمر إلى مراجعة الباب كله. فإذا هو يستهل بالعبارة: «فرش ذكر خلفاء بني ~~العباس وصفاتهم ووزرائهم وحجابهم # 5 # وهي المرة الوحيدة التي تستعمل فيها كلمة فرش في أول باب ما، إذ أن ~~استعمالها في العقد كله واقع في أوائل الكتب لا في أوائل الفصول والأبواب.» وقد نبه ~~إلى ذلك ابن عبد ربه نفسه في المقدمة؛ حيث قال: «وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره، ~~من متخير جواهر الأدب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجواهر ولباب اللباب.» وإنما لي ~~فيه، تأليف الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش لدور كل كتاب # 6 # زد على ذلك، أنه ليس في الباب هذا، فرش كما في أوائل الكتب، وإنما هو ذكر ~~للفرش ليس إلا؛ حيث ترى أن الباب يبدأ بأبي العباس السفاح، دون توطئة أو تمهيد، أو ~~فرش كما اصطلح ابن عبد ربه أن يقول. # وبحث الأستاذ جبور في فرش اليتيمة الثانية، يطلب ذكر هذا الباب فلم ير لذلك أثرا، ~~وطلب فرش الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعها، وهو الكتاب الذي يلي اليتيمة الثانية، ~~يبحث عن ذكر لأخبار بني العباس، فلم يعثر على شيء. ثم عاد إلى مقدمة العقد نفسه، وفيها ~~جدول بكتب العقد وفصولها، فلم ير في شرحه سوى «تم كتاب اليتيمة الثانية» في أخبار زياد ~~والحجاج والطالبيين والبرامكة»، وهنا رأى الأستاذ جبور أنه يحق له أن لا يرتاح إلى أن ~~هذه الأخبار عن بني ms020 العباس قد دونها ابن عبد ربه، وأن يزعم أنها ربما قد دست عليه ~~بعد موته، أو أن قسما منها قد دس، ونقل القسم الآخر من موضع آخر؛ حيث إنه كان الأولى ~~بابن عبد ربه - إن كان قد ألف هذين البابين - حملا على ما عرف عنه من حسن التبويب ~~والتصنيف، وتبعا لما أخذ على نفسه في مقدمة عقده؛ حيث قال: «ثم قرنت كل جنس منها إلى ~~جنسه فجعلته بابا على حدته؛ ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب ونظيره من كل ~~باب.» كان الأولى به أن يضع هذين البابين في الكتاب السابق - كتاب العسجدة الثانية - ~~حيث يبحث في الخلفاء وتواريخهم وأيامهم، وحيث نرى بابا خاصا في أخبار الدولة العباسية. # 7 # ولابن عبد ربه، فصل في هذا الكتاب المذكور، يدور على توقيعات الخلفاء، فيه باب في ~~توقيعات بني العباس، # 8 # ليس فيه توقيع لخليفة بعد المأمون، والغريب أن الذي دس في المواضع ~~السابقة، قد فاته الدس هنا، وأن وقوف ابن عبد ربه عند المأمون ليحملن على الظن، أن أكثر ~~الأخبار التي وردت في العقد، عن خلفاء بني العباس، ممن عقب المأمون، دست على ابن ~~عبد ربه، بعد موته، وليس غريبا أن يصدق هذا الظن، لا سيما ونحن نعلم أن ابن عبد ربه، ~~قد أخذ أكثر أخباره، عن كتب مدونة، لمؤلفين سبقوه، أكثرهم لم يدون أخبار من عقبوا ~~المأمون. زد على ذلك، أن ابن عبد ربه، لم يذكر من توقيعات الأمراء المختلفين لأحد بعد ~~طاهر بن الحسين، أحد قواد المأمون. # وهناك أمر آخر، دفع الأستاذ جبور إلى الظن في أنه قد طرأ على العقد بعض التغيير أو ~~التحريف أو الزيادة، هو أن ترتيب كتب العقد، في معجم الأدباء لياقوت، يختلف عما هو ~~عليه في العقد نفسه وفي مقدمته. على المؤرخ إذا بعد جمع الأصول وبعد الانتهاء من درس ~~العلوم الموصلة، أن يتأكد من أصالة الأصول، ويتثبت من خلوها من كل دس أو تزوير، ~~ويتضح مما تقدم ذكره أعلاه أنه بإمكان المؤرخ أن يستعين ms021 بطائفتين من الأدلة. فهنالك ~~أدلة باطنية، يتوصل إليها بعد درس نص الأصل نفسه، وأدلة ظاهرية، يقف عليها بعد درس ~~الأصول الأخرى، أو بعد التمكن من بعض العلوم الموصلة. هذا ولا نرى بدا في هذا الصدد، ~~من الإشارة إلى وجوب التريث، والترزن والتثبت. فلا فائدة ترجى من التهالك في الأمر ~~والإسراع في العمل، ولا يخفى أن التثبت من صحة الأصول وأصالتها أمر صعب الممارسة، عزيز ~~المنال. # وحذار حذار من الاستسلام إلى الأول بالثقة العمياء والاسترسال إليها؛ إذ لا يجوز ~~للمؤرخ أن يكون قنوعا يثق بكل أحد أو يقنا يصدق كل ما يقرأ. # الفصل الثاني: التعرف إلى المؤرخ المجهول وتعيين الزمان والمكان # وهب أننا تثبتنا من صحة الأصل وخلوه من كل دس أو تزوير، فهل ننقاد إلى نصه وننزل ~~على حكمه؟ أم نمتنع عن ذلك، ونعرض عن الطاعة، إلى أن نتثبت من هوية المؤرخ ونتعرف إلى ~~شخصيته ونسبر غوره، وندرس المكان الذي عاش فيه، والزمان الذي دون فيه أخباره، أوليس ~~من فرق، في قبول الشهادة وردها، بين رواية رئيس حكومة، عن أعماله في أثناء قيامه بأعباء ~~الوظيفة، ورواية لحام عن الأعمال نفسها؟ أو بين رواية دونت في أثناء وقوع الحوادث ~~المروية، وغيرها دونت بعد وقوع الحوادث بربع قرن من الزمن؟ بلى! فمن المحتم أن ~~نتعرف إلى شخصية المؤلف، ونتثبت من أمياله ونزعاته ودرجة علمه وذكائه، واتصاله ~~بالحوادث التي يروي أخبارها، ولا بد من الوقوف على الزمن الذي كتبت فيه هذه الأخبار، ~~والمكان الذي سطرت فيه. # وإذا تأملنا هذا الأمير مليا نرى أن الأصول هي في غالب الأحيان صلتنا الوحيدة ~~بحوادث الماضي، فإن أخبرتنا الخبر على حقه توصلنا إلى الحقيقة التي ننشدها، وإن أرجفت ~~فخاضت في الأخبار المخطئة، أو الكاذبة أوقعتنا في مهاوي الضلال والتضليل؛ ولذا فإننا ~~نرى لزاما في أعناقنا أن نتعرف إلى شخصية المؤرخين الذين نصوا هذه الأصول كي نمزق ~~ظلمات الإشكال ونكشف معالم الهدى، ومهمتنا من هذا القبيل هي أصعب بدرجات من مهمة القضاة ~~والمحامين، إذ إن هؤلاء يتحدثون إلى ms022 من ينقل الخبر إليهم ويمتحنونه بالاستنطاق، فهو ~~مخبر حي ماثل أمامهم. أما مخبر المؤرخ فإنه ميت خلا مكانه وطويت صحيفته. # ومما يجدر ذكره من هذا القبيل، أنه في أواخر عام 1926 فاجأنا صديق لنا، بمخطوطة ~~صغيرة، تحفظ أخبار الدولة المصرية العلوية في سورية، في زمن إبراهيم باشا، وبعد أن ~~تصفحناها قليلا وجدنا أنها مغفلة، لا تحمل اسم مؤلفها، ولا تشير إلى الزمان الذي كتبت ~~فيه، ولا إلى المكان الذي دونت فيه أخبارها، فدفعنا حب الاستطلاع إلى فحصها والتنقيب ~~عن سرها للتعرف إلى مؤلفها، وتعيين محل إقامته، والزمان الذي دون فيه ~~أخباره . # وبعد أن قلبنا الطرف فيها، ونظرنا في أعطافها ومطاويها، ألفيناها تضم بين دفتيها، لا ~~أقل من ثلاثة مؤلفات مختلفة، تحتوي جميعها نتفا من أخبار إبراهيم باشا في الأقطار ~~الشامية وبر الأناضول. فالصفحات الثلاث الأولى، تختلف عن الخمس التي تليها، والصفحات ~~الخمس هذه تختلف بدورها عما قبلها وبعدها. # وتسهيلا للبحث، وإيراد بعض البراهين نسمي الصفحات الثلاث الأولى «ألفا»، والخمس ~~التي تليها «باء» والباقي «جيما». فلو درسنا ما دون فيما سميناه «ألفا» وجدناه ~~يبتدئ من حصار عكا سنة 1831 وينتهي بموقعة قونية، سنة 1832، ولو انتقلنا إلى «باء» ~~وجدنا أن مؤلفها لا يبتدئ بذكر الحوادث التي وقعت بعد معركة قونية، وينتهي بآخر أخبار ~~الدولة المصرية في سورية، كما هو منتظر منه فيما لو كان هو هو الذي كتب «ألفا» من قبل، ~~بل نراه يكرر أخبار «ألف» ويقف عند ذكر فتح دمشق، وهكذا يفعل كاتب «جيم» فإنه يبتدئ من ~~حصار عكا أيضا، ويكرر أخبار بعلبك والزراعة وزحلة ... إلخ، وينتقل بعد تكرار هذه إلى ذكر ~~الحوادث التي لم تذكر في «ألف» و«باء» والتي حدثت بعد موقعة قونية، ولدى التدقيق في ~~تواريخ الحوادث، وجدنا اختلافا بين روايات «ألف» و«باء» و«جيم». فإن واضع «ألف» لا ~~يستعمل إلا التاريخ الهجري، وأما واضع باء فإنه يتشبث بالتاريخ المسيحي. ثم إن واضع ~~«ألف» يؤرخ خبر توجه عبد الله باشا إلى مصر في 20 ذي الحجة سنة 1247، وأما «جيم» فإنه ms023 ~~يؤرخ الخبر نفسه في 29 ذي الحجة من السنة نفسها، وبينما واضع «ألف» يؤرخ معركة حمص في 9 ~~صفر سنة 1248، فإن واضع «جيم» يذكرها مع حوادث ربيع الأول من السنة نفسها، وفي الهامش، ~~على خلاف عادته، يقول: إن إبراهيم باشا دخل حمص في 8 تموز نهار الأحد. كذلك نرى واضع ~~«ألف» يقول: إن الأمراء الشهابيين ملحما وبشيرا وقاسما، توجهوا إلى إمارتهم، في 25 ~~جمادى الأولى من سنة 1248، بين أن واضع «جيم» يجعلنا نظن أن توجههم هذا، كان بين الثاني ~~والثامن من الشهر نفسه. أفلا يصح لنا بعد هذا الاختلاف، أن نقول إن مخطوطتنا، إنما هي ~~مجموعة لتواريخ، لا تاريخ واحد؟ # أما مؤلف القسم الأكبر من هذه المخطوطة، «جيم»، ~~فإنه، مجهول عندنا، لا نعرف اسمه، ولا مهنته، ولا نعلم عنه شيئا، سوى ما يمكننا أن ~~نتنسمه من أخباره في سياق كلامه عن حوادث هذه المخطوطة. فإننا لو أحصينا مثلا، جميع ما ~~ذكره في «جيم» من الأخبار، وجدنا أن ثلثيه أو أكثر، عن لبنان والثلث الآخر عن باقي ~~الأقطار الشامية وبر الأناضول، ولو أعدنا النظر فيما أثبته عن لبنان، وجدنا نحو ثلثيه ~~عن دير القمر وبيت الدين، والثلث الآخر فقط عن سائر المقاطعات اللبنانية، ولو أنعمنا ~~النظر في حوادث الدير وبيت الدين، لألفيناها أدق من غيرها وأكثر تعيينا وضبطا. نراه ~~مثلا يؤرخ وفاة امرأة حنا الحصباني في دير القمر، وحضور المعلم بطرس كرامة من بيت ~~الدين إلى بيته في الدير، وظهور الطاعون في البلدة نفسها، ويترك من أخباره سائر ~~المقاطعات اللبنانية ما هو أهم منها بدرجات، ونراه يقول: «دخل إبراهيم باشا إلى بتدين ~~في 29 أيلول بعد الظهر، حلت عساكره الظافرة في غربي سحرا الدير، عند البيادر، وأنه ~~كان لديه خمس آليات ومدفعان وعشرون جمل جباخانه.» ويكتفي في كلامه عن بعض حوادث كسروان، ~~بقوله: «شاع خبر» أنه صار حرب في كسروان بين عثمان باشا في عين الشقيق وأهل ~~كسروان. # ثم نراه يشير إلى المعلم بطرس كرامة بقوله، حسب عادة أهل الدير، «المعلم»، ms024 وإلى رئيس ~~كنيسة التلة في الدير بلفظة «الريس» فقط، ويذكر غيرهما، من أعيان سائر مقاطعات لبنان، ~~بكامل أسمائهم. أفلا يصح لنا، بعد هذا كله، أن نقول إن المؤلف إن لم يكن لبنانيا ~~ديرانيا، فقد كان من المقيمين في الدير أثناء وقوع الحوادث المروية في ~~المخطوطة؟ # بقي علينا أمر آخر، وهو أن ندرس خط هذه المخطوطة، ونقابله بما بقي من خطوط تلك ~~الأيام، لنتوصل إلى معرفة كاتبها، وهكذا فعلنا. فإننا قصدنا المكتبة البطريركية، في ~~بكركي، وطلبنا رسائل الحقبة 1831-1841 فوجدنا بعد العناء الطويل، عدة رسائل مكتوبة ~~بالخط نفسه، وممضاة هكذا: «القس أنطون الحلبي مدير أنطونياني»، وحينما فحصنا محتويات ~~هذه الرسائل، وجدنا أن نفسها هو نفس مخطوطتنا، وموضوعها موضوع هذه المخطوطة بعينه، ~~ووجدنا أيضا أن لهجة هذه الرسائل ولغتها هما لهجة مخطوطتنا ولغتها. # فقصدنا عندئذ غبطة البطريرك الماروني ماري إلياس حويك، وسألناه عن القس أنطون ~~المذكور، لنعرف علاقته بالأمير الشهابي، الكبير. فتكرم علينا بالجواب وأكد لنا أنه؛ ~~أي القس أنطون المذكور، كان من أقرب المقربين للأمير الكبير. فشجعنا هذا الجواب الصريح ~~على استقصاء أخبار القس المذكور، وأشار علينا سيادة المطران عبد الله بمراجعة الأب ~~عمانوئيل البعبداتي الأنطونياني، شيخ رهبانيته ومؤرخها. فطلبنا كتابه في تاريخ ~~الرهبانية المذكورة، ووجدنا أن القس أنطون الحلبي كان أستاذ الأب عمانوئيل، وأنه سكت ~~بتدين، وتقرب من الأمير الكبير. # 9 # وكتب إلينا الأب عمانوئيل نفسه، ردا على كتاب منا إليه، ما نصه: ~~«بعد افتقاد خاطركم الكريم أعرض أني تشرفت بكتابكم المؤرخ في 16 كانون الثاني ~~المنصرم (1927) ترغبون إلي أن أفيدكم عن المرحوم القس أنطون الحلبي المدبر الأنطوني، ~~فيما إذا كان يدون أخبار أيامه، أو أنه كتب رسالة في تاريخ الأمير الشهابي الكبير أو ~~إبراهيم باشا المصري في حروب سوريا، فأجيب أن القس أنطون المذكور عاش في أيام الأمير ~~بشير الكبير، وكان مستشارا في ديوانه، وقد كتب عن أحكام الأمير، وعن حروبه وحروب ~~إبراهيم باشا في سوريا، ولسوء الحظ أن تاريخه الخطي قد حرق في دير مار أنطونيوس بعبدا، ~~في ms025 الحوادث التي جرت سنة 1845 بين النصارى والدروز. فكونوا على ثقة مما بيدكم من ~~كتاباته؛ لأنه كان في عصره من الممتازين الذين يركن إلى قولهم، وأنا في حال ترهيبي كان ~~المرحوم القس أنطون، المحدث عنه، مرشدي. رحمه الله رحمة واسعة. عن دير مار شعيا ~~الموارنة في 3 شباط سنة 1927.» # أفلا يصح لنا، بعد هذا كله، أن نقول إن القس أنطون الحلبي هو في الأرجح مؤلف هذه ~~المخطوطة وكاتبها، وأن النسخة الموجودة أمامنا الآن هي المسودة، بدليل ما نجده فيها من ~~الضرب والتصحيح والزيادات على الهوامش؟ # ويستدل من نوع ورق هذه المخطوطة، وهو صكوكي قديم معتدل في السماكة، ومن ضبط الحوادث ~~المروية فيها، وزيادة تدقيق المؤلف في تعيين هذه الحوادث وترتيبها في يومياتها، أنها في ~~الأرجح كانت تدون في زمن وقوعها. لأنه ليس من المحتمل أن يذكرها كاتبها، بتمامها ~~وضبطها، بعد وقوعها بزمن بعيد، وفي بعض عبارات المؤلف واصطلاحاته، دليل آخر على تدوين ~~حوادث هذه المخطوطة، في زمن وقوعها. فإنه قال في أثناء كلامه عن حوادث 19 تموز سنة 1840 ~~ما نصه بالحرف: ~~«بتاريخه شاع خبر أن في الليل الماضي، أهل المتن المجتمعين مع الأمراء، في وادي ~~الشياطين تحت بسكنتا، قاموا وكبسوا الوزر الذين في حمانا.» # وجاء أيضا في أخبار 12 تشرين الأول ما نصه: ~~«ووصل الوزير لنهر الصفا، وتواجه مع حنا بحري، وأفهمه أن الأمير قام لجزين، ... غضب ~~ورجع إلى الصفا، وهذا النهار قام إلى مكسة.» # وجاء في الصفحة 108 من الكراس الثاني ما يأتي: «وقيل إنه سيتوجه إلى رومية ... إلخ.» ~~فتأمل. # بإمكان المؤرخ المدقق إذا أن يستعين بمضمون أصل من الأصول للتعرف إلى شخصية مؤلفه، ~~وإلى المكان الذي ألف فيه وزمن التأليف، وبإمكانه أيضا أن يتذرع بأخبار غيره من ~~المعاصرين للتأكد مما تقدم أو لزيادة التعيين والتحديد، وعليه أيضا أن يستنير ~~بالعلوم الموصلة لعله يفلح، ولا فائدة هنا من إعادة الكلام في العلوم الموصلة وكيفية ~~استخدامها توصلا إلى هذه الغاية، وقد سبق الكلام فيها فليراجع في محله. # وقد تخفق ms026 آمال المؤرخ في تعيين شخص المؤلف المجهول، وتحديد الزمن الذي كتب فيه ~~والمكان الذي عاش فيه، وعندئذ عليه أن يقنع بما قسم له ويرضى بشخصية المؤلف، وإن خفيت ~~عليه معرفة اسمه، وإذا استحال عليه تحديد الزمن بالضبط، فعليه أن يضع لزمن وقوع الحوادث ~~حدا أقصى وحدا أدنى؛ كيما يحصره أو يحصرها بينهما؛ أي إنه يجب عليه أن يعين ~~التاريخ الذي لا يمكن أن تكون الحوادث قد وقعت قبله، والتاريخ الذي لا يمكن أن تكون ~~الحوادث نفسها قد وقعت بعده، وهو أمر ميسور سهل الملتمس في غالب الأحيان، وذلك أن ~~المؤلفين المؤرخين يشيرون أحيانا إلى بعض الحوادث التي وقعت في أثناء قيامهم بعمل ~~التأريخ والتأليف مما يسهل مهمة المؤرخ المنقب، ويعاونه في تاريخ الأصل الذي يدرس. فلو ~~أشار أصل من الأصول إلى كسوف الشمس كسوفا كاملا أو نص بأن ما يدونه من الحوادث وافق ~~وقوعه حدوث حادثة مشهورة، وكان المؤرخ المنقب يعلم تاريخ هذا الكسوف أو زمن وقوع تلك ~~الحادثة، لسهل عليه التحتيم بأن الأصل الذي يدرس لم يدون قبل وقوع هذه الحوادث، وعندئذ ~~يجعل تاريخ وقوع هذه الحوادث حدا أقصى في تعيين الزمن الذي كتب فيه الأصل موضوع ~~بحثه، وهلم جرا. # الفصل الثالث: تحري النص والمجيء باللفظ # وهذه مأثرة أخرى من مآثر علماء الحديث؛ فإنهم قالوا بالأمانة في نقل الحديث، وفرضوا ~~وجوب تحري النص لأجل الوقوف على اللفظ الأصلي، ومنهم من أبى أن يصلح الخطأ أو يقوم ~~اللحن، واكتفى بإبداء رأيه على الهامش. # قال القاضي عياض، في موضوع «تحري الرواية والمجيء باللفظ»: «لا خلاف أن على الجاهل ~~والمبتدئ، ومن لم يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل وفهم ~~المعاني، أن لا يكتب ولا يروي ولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وإنه حرام ~~عليه التغيير بغير لفظه المسموع؛ إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم الجهالة، وتصرف على ~~غير حقيقته في أصول الشريعة، والنبي # صلى الله عليه وسلم # حض على ذلك وأمر بإيراد ما سمع ms027 منه كما ~~سمع. ثم اختلف السلف وأرباب الحديث والفقه والأصول، هل يسوغ ذلك لأهل العلم فيحدثوا ~~على المعنى، أو لا يباح لهم ذلك؟ فأجازه جمهورهم إذا كان ذلك من مشتغل بالعلم نافذ ~~بوجوه تصرف الألفاظ، والعلم بمعانيها ومقاصدها، جامعا لمواد المعرفة بذلك. روي عن مالك ~~نحوه، ومنعه آخرون، وشددوا فيه، من المحدثين والفقهاء، ولم يجيزوا ذلك لأحد، ولا سوغوا ~~إلا الإتيان به على اللفظ نفسه في حديث النبي # صلى الله عليه وسلم # وغيره، وروي نحوه عن مالك ~~أيضا، وشدد مالك أيضا الكراهة فيه في حديث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وحمل أئمتنا هذا من مالك ~~على استحباب كما قال، ولا يخالف أحد في هذا . فإن الأولى والمستحب المجيء بنفس اللفظ ما ~~أستطيع.» # ومما له علاقة بالموضوع نفسه، ما ورد نقلا عن هذا الإمام المحدث العظيم، في باب ~~«إصلاح الخطأ وتقويم اللحن» من رسالته الشهيرة المشار إليها - الإلماع إلى معرفة أصول ~~الرواية وتقييد السماع. قال القاضي عياض: «الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ نقل ~~الرواية كما وصلت إليهم وسمعوها، لا يغيرونها من كتبهم، حتى اضطردوا ذلك في كلمات من ~~القرآن، استمرت الرواية في الكتب عليها بخلاف التلاوة المجمع عليها؛ وذلك حماية للباب. ~~لكن أهل المعرفة منهم، ينبهون على خطأها عند السماع والقراءة وفي حواشي الكتب، وكان ~~أجرأهم على هذا من المتأخرين، القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني. فإنه لكثرة ~~مطالعته، وتفننه في الأدب واللغة وأخبار الناس وأسماء الرجال وأنسابهم، وثقوب فهمه وحدة ~~ذهنه، جسور على الإصلاح كثيرا وربما نبه وصححه على وجه الصواب. لكنه ربما وهم وغلط ~~في أشياء من ذلك، والحكم فيها بما ظهر له، أو بما رآه في حديث آخر، وربما كان الذي ~~أصلحه صوابا، وربما أيضا غلط فيه وأصلح الصواب بالخطأ ... وحماية باب الإصلاح والتغير ~~أولى، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم، وطريق الأشياخ أسلم مع ~~التبيين بذكر اللفظ عند السماع كما وقع، وينبه عليه ويذكر وجه صوابه، إما من جهة ms028 ~~العربية أو النقل أو وروده كذلك في حديث آخر.» # هذا ما توصل إليه علماء الحديث في القرون الأولى، وهو المعول عليه الآن لدى ~~المؤرخين المعاصرين، والفرق بين الاثنين أن المؤرخين المعاصرين يعممون قول المحدثين على ~~الحديث وغيره من النصوص التاريخية، ويندفعون في عملهم بعامل علمي بحت. أما المحدثون ~~فإنهم اقتصروا فيما أوردوه من هذا القبيل على الحديث الشريف، واندفعوا في تحري الحقيقة ~~بعاطفة دينية قلما نجد مثلها في هذه الأيام. # بقي علينا بعد هذا الاعتراف بفضل علماء الحديث، أن نطرق الموضوع من ناحيته العلمية ~~الحديثة، فنقول: التاريخ علم في تحريه الحقيقة وكعلم يطلب الحقيقة كما هي، والأصول هي ~~صلة المؤرخ الوحيدة بحوادث الماضي، وإذا فهدف المؤرخ المنقب أن يتحقق من هذه الصلة ~~ومن حرفية نص الشهادة التي فيها، ثم يروي هذه الشهادة كما صدرت عن صاحبها الأصلي ~~متحريا في ذلك درس ما يمكن أن يكون قد عرض عليها من زيادة أو تحريف أو نقصان. # والأصول التاريخية، من حيث تحري النص والمجيء باللفظ، تكون على وجوه ثلاثة. فإما أن ~~يكون الأصل بذاته أمامنا بخط واضعه أو بتصديقه، أو أن يكون الأصل مفقودا ولم يبق منه ~~سوى نسخة واحدة أو أن يكون الأصل قد فقد أيضا، وبقيت عنه نسخ متعددة. # فحيث يظفر المؤرخ بالأصل نفسه، بخط واضعه أو بتصديقه، عليه أن يبقيه كما هو بحروفه ~~وغلطاته؛ لأن ما يصحح اليوم ويحسب تقويما قد يمكن أن يكون اعوجاجا وتضليلا. فكم وكم ~~من الاصطلاحات العامية، تفقد قوتها أو ضعفها. عندما تبدل بما يفتكره الناشر مقابلا ~~لها بلغته الفصحى، وكم وكم من المعاني الفصيحة والعامية أيضا تتغير بتقديم أو تأخير ~~أجزاء جملها بعض عن بعض. لا لا! علينا أن نثبت الأخبار كما رواها شاهدها لا كما كان ~~«يجب عليه أن يرويها» وعلينا أيضا أن نتحاشى جميع الطرق في النشر التي تعرض الأصل لمثل ~~هذه المخاطر. التاريخ علم في تحريه الحقيقة، وكعلم يطلب الحقيقة كما هي لا كما يجب أن ~~تكون. فهو يختلف عن الفنون بأسرها، ms029 أدبا كانت أم تصويرا، ويكتفي هو بما لا تكتفي هي ~~به أحيانا، وزد على هذا كله أنه إذا بقيت الأصول التاريخية على حالها الأول، سهل على ~~الباحث إدراك ما وصل إليه رواته من العلم والرقي، إذ إن تضلع هؤلاء من قوانين اللغة ~~وآدابها، ينبئ أحيانا عن تهذيبهم العمومي، ومقدرتهم على فهم مجريات الأمور والتدقيق في ~~العمل. هذا ولا يخفى ما في إبقاء لغة هذا النوع من الأصول، على حالتها الأولى من ~~الفائدة الكبرى، لفهم تاريخ تطور معنى الكلمات والاصطلاحات بتطور الأزمنة والأحوال، ~~ولإدراك دورة عقول الذين تكلموها على طريقة الفيلسوف البحاثة فيلهلم ماكس فوندت ~~الألماني. # وقد تفنى أو تضيع نسخة المؤلف ولا يبقى عنها سوى نسخة واحدة، وفي مثل هذا الظرف يترتب ~~على المؤرخ المدقق، الذي يود تحري النص الأصلي والمجيء بلفظ المؤلف، أن يبدأ بدرس هذه ~~النسخة درسا وافيا من جميع نواحيها. ثم ينتقل إلى ترجمة مؤلفها، فالمصادر التي أخذ ~~عنها وتآليفه الأخرى، وعليه أن يتعرف إلى أشهر كتاب العصر الذي عاش فيه المؤلف ولا سيما ~~زملائه في الموضوع، وإذا ما وقف على جلائل النسخة ودقائقها وعجم عود مؤلفها وتعرف إلى ~~معاصريه وزملائه، عاد إلى نص النسخة التي يدرس ونبذ من صيغ كلماتها ما لا يتفق مع ذوق ~~مؤلفها، أو ذوق معاصريه، وأثبت في الهامش جميع ما ينبذه كما ورد في النسخة التي ~~يستعرضها، وليس في وسعنا إلا أن نعترف بأن العمل على هذا الشكل ضرب من المغامرات التي ~~يتوقف النجاح فيها على ذكاء الباحث وسعة اطلاعه وسلامة استنتاجه. # ومما اختبرناه من هذا القبيل، أننا لما شرعنا في جمع الأصول العربية لتاريخ سوريا في ~~عهد محمد علي باشا، وجدنا أن عددا لا يستهان به من النسخ الأصلية لمناشير إبراهيم ~~باشا قد ضاع، وأنه لم يبق من هذه النسخ الأصلية في بعض الأحيان سوى نسخة واحدة، ومثال ~~ذلك أن البيان الذي وجهه هذا القائد الفاتح إلى أهالي دمشق عن انتصاره في حمص على الجيش ~~العثماني قد ضاع، ولم يبق عنه ms030 سوى نسخة واحدة في كتاب المذكرات التاريخية الذي نشره ~~الخوري قسطنطين الباشا، وإليك نص هذا البيان كما ورد بالحرف: # 10 ~~«قدوة الأماجد الكرام متسلم الشام حالا أحمد بك بعد التحية والسلام بمزيد العز ~~والإكرام المنهي إليكم، إنه نهار السبت الواقع في 9 صفر سنة 1248 الساعة بالسبعة من ~~النهار كان ابتدا وصول عساكر المنصورة التي ساقته ركابنا ببحيرة حمص، وبتلك الساعة ~~نظرنا قدوم عساكر خيل الترك المحتشدين لمعونة الباشاوات الموجودين بحمص، وحالا هجمت ~~عليهم عساكرنا المنصورة خيالة الجهادية والعرب، وضربوهم وشتتوا شملهم وأسقوهم كأس ~~الوبال والنكال، وولوا هاربين وللنجاة طالبين، فاقتفوا آثارهم عساكرنا المظفرة وظهر ~~أمامهم أربعة الآيات نظام قرابة إستانلية وثلاث الآيات خيالة، وعند ذلك تقدمت ~~لحرابتهم عساكرنا المظفورة بترتيب الصفوف على رسم البديع، وهجموا عليهم هجوم الأسود ~~الكواسر وأذاقوهم كئوس المنايا بقطع الحراب وفتك السيوف البواتر، ولا تحملوهم سوى ساعة ~~واحدة إلا وولوا الأدبار صارخين: الفرار الفرار. من بعد أن وقع منهم من قتيل ومجروح ~~ما ينوف عن ألف وخمسماية نفر منهم من انمسك مسك اليد ما ينوف عن ألفين وخمسماية نفر ~~وارطتين قد كانوا في قلعة حمص للمحاصرة، عندما كانوا عزموا على الهرب مع جانب عساكر ~~أرنقوط، ومجرد حلول ركابنا في أو رضى الباشاوات القاعدين بمدينة حمص، فاستولينا على ~~أموالهم وخيامهم، وجبا خاناتهم وسائر ذخايرهم، وصاروا جميعا أغنيمته لنا والأرطتين ~~والعسكر الأرناءوط الذين كانوا في القلعة حينما نظروا هذه المهازل البديعة والظفر ~~البديع استفاقوا وطلبوا الأمان وحنان العفو، وكان اللطف غنامهم مرحمة منا أعطيناهم ~~الأمان، وخرجوا من القلعة آمنين مطمئنين نحمده تعالى على هذه النعمة العظيمة والمواهب ~~الكبيرة الجسيمة، فالآن لأجل نبشركم أصدرنا مرسومنا هذا لكم ويلزم منكم بوصوله تشهروا ~~ذلك إلى كافة الرعايا بعمل الشنك إلى كافة المقاطعات والبلاد؛ لكي يكونوا مثابرين على ~~سنيات الدعوات الخيرية بدوام دولة وتأييد صولة سعادة أفندينا ولي النعم، والدنا المعظم ~~وقهر أعداه المحجولين ما مر الأيام والسلام.» # نقول لدى اطلاعنا على هذا البيان، تخالج في صدرنا منه أشياء، وترددنا في ms031 صحة نصه، ولا ~~سيما والقسم الأخير منه مشوش غير مفهوم، فرجعنا أولا إلى المخطوطة التي أخذ عنها ~~الخوري الباشا نص هذا البيان. لنرى هل أخطأ في قراءة خطها، وبعد أن تأكدنا من أمانة ~~الناشر، عدنا إلى المؤلف نفسه، لعلنا نجد فيه من سائر بيانات الباشا ما يبدد هذه ~~الظلمات فلم نفلح، وعندئذ رأينا أن نعيد النظر في جميع البيانات التي صدرت عن إبراهيم ~~باشا، والتي أعلن فيها أخبار حروبه في سوريا وانتصاراته على أعدائه. فوجدنا لحسن الحظ ~~في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس بيانا آخر وجه الباشا إلى متسلم هذه المدينة، يعلن ~~فيه انتصاره على العثمانيين في حمص، وفي آخر هذا البيان ما نصه: ~~«والأرطتين والعسكر القرنبود الذين كانوا في القلعة حينما نظروا هذه المهاول المريعة ~~والظفر البديع، استغاثوا وطلبوا الأمان، وحيث إن العفو زكاة الظفر أغثناهم مرحمة منا ~~وأعطيناهم الأمان.» # فعلمنا عندئذ أن أحد النساخ الذين نسخوا بيان الباشا إلى متسلم دمشق أخطأ، في ~~الأرجح، في قراءة هذا البيان؛ فقرأ استغاثوا «استفاقوا»، وحيث إن «حنان»، وزكاة «وكان»، ~~والظفر «اللطف»، وأغثناهم «غنامهم»، وهلم جرا. على أننا نكرر القول بأننا لم نوفق ~~دائما إلى الفوز في تحري النص والمجيء باللفظ. في حال ضياع الأصل وبقاء نسخة واحدة، ~~كما توفقنا هنا، ونوافق الأستاذ شارل لانجلوا الإفرنسي في قوله: إن تحري النص في مثل ~~هذه الأحوال هو نوع من المغامرات، التي يتوقف النجاح فيها على ذكاء المؤرخ المدقق وسعة ~~اطلاعه وسلامة استنتاجه. # وقد تضيع أو تفنى نسخة المؤلف الأصلية ويبقى عنها نسخ متعددة، وفي مثل هذه الحال، ~~يجتهد المؤرخ المدقق في نبذ بعض هذه النسخ، إذا ظهر له أن ذلك البعض يعتمد على سابقه. ~~ثم يقسم النسخ الباقية إلى فصائل متخذا الأغلاط المشتركة بينها قاعدة لهذا التقسيم. ~~لأنه ليس من المرجح أن يجمع النساخ على غلطة ما، إلا ويكون أحدهم قد أخذ عن سابقه. ~~كما إنه ليس من المحتمل أن يتفقوا منفردين بعضهم عن بعض إلا على الصحة. ثم يحاول ~~المؤرخ استعادة اللفظ ms032 الأصلي بالمقابلة بين النسخ الباقية، وما يكون قد تشربه من روح ~~المؤلف وذوق معاصريه، ولا بد من الإشارة إلى الاختلافات في منطوق هذه النسخ على هوامش ~~ما ينشر؛ تسهيلا للتحقيق وضنا بالحقيقة. # ومثال ذلك أننا لما أقدمنا على نشر تاريخ الأمير فخر الدين المعني لمؤلفه الشيخ أحمد ~~الخالدي الصفدي لم نعثر على مخطوطة المؤلف الأصلية، ولكننا وجدنا خمس نسخ ثانوية. منها ~~نسخة تمتاز عن أخواتها بتجانس أجزائها من حيث اللغة والأسلوب واختصاصها بالتاريخ ~~الهجري، ورقها عبادي صقيل من النوع الذي شاع استعماله في أواخر القرن الثامن عشر ~~وأوائل القرن التاسع عشر، وهي في حوزة الشيخ كسروان الخازن، وسنشير إليها بالحرف ك، ~~والنسخة م وهي رقم 427 من مجموعة المكتبة العمومية بمدينة موينخ الألمانية، وقد جاء في ~~آخرها أنها بخط عبد اللطيف بن الشيخ أحمد الرشيدي، وعليها عبارة بخط إسكندر أبكاريوس ~~هذا نصها: «خاصة الفقير إسكندر أبكاريوس.» مما يدل على أنها كانت تباع وتشترى في ~~منتصف القرن الماضي، ونسخة جامعة برنستن في الولايات المتحدة، وقد استنسخها لنفسه ~~الأستاذ عيسى إسكندر المعلوف، فتم له ذلك في 11 كانون الأول سنة 1912، وهي رقم 38050 ~~من مكتبة بيروت الأميركية، وقد أشرنا إليها بالحرفين ج ب، ووجدنا أيضا نسخة أخرى في ~~مدينة طرابلس لدى الأستاذ جورج يني، استنسخها لنفسه عن نسخة للخوازنة. # فأخذنا ندرس هذه النسخ درسا دقيقا لننبذ بعضها، ولا سيما ما يعتمد منها على سابق ~~له. فأهملنا بادئ ذي بدء نسخة جورج يني؛ لأنها تتفق كل الاتفاق مع النسخة ك التي هي ~~أقدم منها، ولما كانت ك مع هذا الاتفاق التام، موجودة لدى أحد الخوازنة، وكان الأستاذ ~~جورج يني قد نسخ باعترافه عن نسخة خازنية أصبح من المحتمل أن يكون قد نسخ عنها نفسها، ~~وكذلك فإنه بالإمكان أن نعتبر نسخة جامعة برنستن والنسخة ج ب نسخة واحدة؛ لأن الأستاذ ~~المعلوف يعترف بهذه الصلة، ولأن المقابلة بين النسختين تؤيدها. ثم لاحظنا أيضا علاقة ~~ظاهرة بين النسختين م وج ب، وذلك بالأغلاط المشتركة بينهما. فقد ms033 ورد مثلا في كل من ~~هاتين النسختين ما نصه: ~~«فلما عاد مصطفى كتخدا وأعلم الأمير عليا بالذي صار في بعلبك من الاتفاق، وكتب ~~الحجة واستدانته من ابن الحرفوش العشرة آلاف غرش وأرسلها لابن الحرفوش واستكثر ~~خيره.» # وهو كلام مشوه بدليل النقص في معناه، ولا ينجلي المعنى إلا بالاتكال على ك فنقرأ ~~عندئذ: «فلما عاد مصطفى كتخذا وأعلم الأمير عليا بالذي صار في بعلبك من الاتفاق، ~~وكتب الحجة واستدانته من ابن الحرفوش العشرة آلاف غرش، ودفعه لأرباب الديوان في ~~الحال جهز الأمير علي العشرة آلاف غرش، وأرسلها لابن الحرفوش وتشكر منه.» وهنالك مثال ~~آخر يؤيد هذه الصلة بين النسختين. فقد ورد في كل منهما أن الوزير «خليل باشا عين جملة ~~بكلربكية وسناجق، ومعهم عشرون ألف عسكري جرد خيل وتوجهوا إلى أخذ المكسب من المذكورين ~~تصور باله أن لا بد أن يجيء إلى كبسهم.» وفي هذا القول نقص ظاهر، وصحيحه في الأرجح كما ~~ورد في ك: «وتوجهوا إلى أخذ المكسب من المذكورين، فلما علم الشاه عباس أن جماعة ~~الوزير مروا على التركمان والأكراد، تصور في باله أنه لا بد يجيء لكبسهم.» هذا وقد ~~وجدنا من هذا النوع من الأغلاط المشتركة ما يربو على الستين، ولا يخفى كما أشرنا سابقا ~~أن النساخ لا يجمعون على مثل هذه الأغلاط إلا ويكون أحدهم قد أخذ عن سابق له، كما أنه ~~ليس من المحتمل أن يتفقوا منفردين بعضهم عن بعض إلا على الصحة. فأما أن تكون ج ب ~~منقولة عن م، أو أن تكون م وج ب منقولتين عن أصل واحد مفقود، وأصبح لدينا بعد هذه ~~الغربلة وهذا النبذ نسختان رئيسيتان هما ك وم، وتوجب علينا أن نقابلهما الواحدة بالأخرى ~~وأن ننتقي منهما ما نراه أقرب لعصر المؤلف وللغته وأمياله، فنثبت نصه في المتن، ونرجئ ~~للهامش نص النسخة الأخرى. # الباب الرابع # | تنظيم العمل # يجدر بالمؤرخ المدقق بعد ولوج هذه الأبواب الثلاثة؛ أي بعد أن يكون قد جمع الأصول، ~~ونقدها، وتمكن من العلوم الموصلة إلى فهمها، أن ms034 ينسق ما جمع من الأصول ويتبع خطة عملية ~~رشيدة في استخلاص المعلومات منها، وقد أدرك المنفعة من مثل هذا العمل خاصة الناس ~~وعامتهم، وأجمعوا عليه في حياتهم الشخصية. فقالوا بوجوب ترتيب الثياب في الخزائن والجوارير، ~~ووضع أواني المطبخ في محلات معينة لها، وذلك لتسهيل الوصول إليها وعدم ضياع الوقت في ~~التفتيش عنها. # وعلى الرغم من هذه لا نزال نرى بعض علمائنا يقضون السنين الطوال في البحث والتنقيب وجمع ~~المعلومات، وعندما تضطرهم الظروف للرجوع إليها، يستغلق الأمر عليهم ويعسر الوصول إلى ما ~~يريدون مما جمعوا، إلا بعد العناء الطويل، ونحن نعرف صديقا لنا قضى عمره في درس تاريخ ~~لبنان الحديث، فوقف على جلائله ودقائقه، وأصبح أعرف الناس به، ولكنه قليل الترتيب في تدوين ~~ما يعلم. فإنك لو طلبت إليه أن يطلعك على مرجع من المراجع التي أخذ عنها وذهبت معه إلى ~~بيته، ودخلت مكتبته، لو فعلت هذا لرأيته يطلب دفترا قديما هنا، وهامشا هناك، وقصائص ~~أوراق دون في الواحدة منها معلومات شتى بخط سقيم ممجمج، وقد تبقى في غرفته ساعتين أو ~~أكثر، ثم يقول لك سأبحث عن هذا في جو رائق وأوافيك بالجواب، وقد يجد ما يطلب أو لا يجد، ~~ولست أدري من هذا الذي قال إن مثل هذا مثل قوم قضوا حياتهم كلها في تشييد بناء يحملون ~~حجارته على أكتافهم دون أن يفقهوا أين يضعونها، حتى إذا بلغوا المرحلة الأخيرة في حياتهم ~~نظرت إليهم وإلى ما يفعلون، فلا تسمع سوى ضجة تصم الآذان، ولا ترى سوى سحب من الغبار عقدت ~~سرادقات فوق رءوسهم تعمي الأبصار. # ومثل هذا التنسيق أو الترتيب على تواضع ظاهره، يعد في عرف المؤرخين المدققين، دعامة كبرى ~~في بناء التاريخ، وبفضله وحده يتميز نفر من المؤرخين على سواهم. فيوفرون على أنفسهم أتعابا ~~جمة، ويصلون من أهدافهم إلى ما لا يصل إليه غيرهم. # وإذا كان لا بد من تنظيم العمل فكيف يكون ذلك؟ وماذا يفعل المؤرخ فور انتهائه من نقد ~~الأصول؟ على المؤرخ أن يعترف بادئ بدء أنه ms035 ليس بإمكانه أن يعتمد على ذاكرته في العمل، وأن ~~يسلم بوجوب القيد، وهو أمر لا يرتاب فيه عاقل، وقد نطق بصحته فلاسفة علم النفس، وتناصرت ~~عليه حججهم. أولم يقل الفقيه اللغوي ابن عباس الكوفي: # لا تنس هاتيك العهود فإنما # سميت إنسانا لأنك ناسي # ويترتب على المؤرخ أن يبتعد كل البعد عن الدفاتر والأوراق المجلدة؛ لأنه إذا دون ما ~~يستخلصه من الأصول في دفتر أو دفاتر معينة تقيد بترتيب خاص، قد تقضي الظروف بتغييره أو ~~تعديله قبل الانتهاء من مهمة التأريخ، وقد يضطر المؤرخ، بعد الابتداء بالعمل، أن يفسح ~~مجالا أوسع لموضوع ما، فلا يرى سبيلا لذلك إلا بعد العناء، وقد لا يرى. أما إذا ابتعد ~~عن كل ما يمت إلى المجلدين بصلة، واتخذ للتدوين أوراقا منثورة، انطلقت يده في العمل، ~~وأصبح حرا يزيد متى يشاء، ويقدم ويؤخر ما شاء. # وقد اختلف المؤرخون في كمية ما يدونون على أوراقهم المنثورة. فمنهم من قال بتدوين كل ما ~~له علاقة بالموضوع. أي إذا عني مؤرخ ما بتاريخ حرب من الحروب، وأفرد لكل سبب من أسباب هذه ~~الحرب ورقة أو ورقات، ولكل موقعة منها مثل ذلك، وهلم جرا، فعليه أن ينقل على أوراقه كل ~~النص الذي يتعلق بمثل هذه المواضيع، وقال آخرون بوجوب الاكتفاء بخلاصة النص. # أما نحن، فقد وجدنا بالاختبار الشخصي، بعد أن بدأنا بتأريخ الحملة المصرية على الأقطار ~~الشامية (1831-1841)، أن لا هذه الطريقة ولا تلك تفي بالمرام، وذلك لأسباب نعرضها حالا ~~زيادة للإيضاح. أن الأصول لهذه الحقبة الوجيزة من تاريخ الأقطار الشامية تربو على الألف ~~كتاب بين مقالة ورسالة ورحلة وتاريخ رسمي، وهنالك ما لا يقل عن الخمسين ألف وثيقة تتعلق ~~بالموضوع نفسه. فلو عنيا بإدخال جميع هذه النصوص، على أوراق أو بطاقات منثورة، لاضطررنا أن ~~نقضي حياتنا بالاستنساخ، وبعد أن عملنا بما ورد في أعلاه مدة من الزمن، وزاولنا استنساخ ~~النصوص على البطاقات كما تقدم، اضطرتنا الظروف أن نكتب شيئا في بعض نقاط معينة. فوجدنا أنه ~~لا بد لنا من ms036 مراجعة المؤلفات نفسها للتحقق، إما من صحة ما نقلنا، أو من علاقته بما قبله ~~وما بعده. فلم نستفد من بطاقاتنا، والحالة هذه، سوى أنها أرشدتنا إلى النصوص في وقت قصير ~~للغاية، وأنها مكنتنا من ترتيب هذه النصوص ترتيبا تاريخيا في وقت وجيز أيضا. فرأينا، ~~بعد هذا الاختبار، أن نجعل من بطاقاتنا المنثورة فهرسا عاما لجميع مواضيع الأصول، وجميع ~~أسماء الرجال والأمكنة فيها. # على أن جميع المؤرخين، اليوم، يصرون على وجوب الإشارة إلى زمن وقوع الحوادث المرورية، ~~ويحتمون على المؤرخ المنقب وجوب الإشارة في كل ورقة من ورقاته المنثورة إلى المرجع الذي ~~استخلص منه محتويات هذه الورقات، وذلك بذكر المؤلف والمؤلف والمجلد والصفحة. # وقد لا يختلف اثنان من علماء التاريخ في ترتيب الأوراق المنثورة. فحيث نجعل من هذه ~~الأوراق فهرسا عاما للأصول نرتبها ترتيبا أبجديا، وإن آثارنا تدوين النصوص بكاملها ~~عليها رتبناها إما بموجب تواريخها، أو بحسب الأمكنة التي وجدت فيها، أو على أساس مواضيعها، ~~وليذكر المؤرخ المستجد أن ترتيب النصوص على أساس تواريخها ضروري في غالب الأحيان؛ وذلك لأنه ~~يوضح له تسلسل الرواية والحوادث المروية، ولأنه يقيه شر تقديم المسببات على أسبابها، وحيث ~~ترد بعض الأصول مجهولة التاريخ، عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتأريخها، كي يتمكن من ترتيبها ~~بموجب تواريخها. # ولا يتبادر إلى ذهن القارئ أنه لا يجوز ترتيب النصوص على أساس الأمكنة التي وجدت فيها، أو ~~المواضيع التي تحتوي عليها. بل بالعكس، فإنه من المستحسن أن يتفنن المؤرخ في الأسس التي ~~يتخذها للتصنيف والتنسيق، سواء أكانت زمنية أم جغرافية أم غير ذلك. فإذا ما عالج المؤرخ درس ~~موضوعه من مثل هذه النواحي المختلفة، برزت له الحقيقة التي يتوخاها بوضوح وجلاء، قد لا يصل ~~إليهما، إذا اكتفى باتباع أساس واحد للتنسيق. # وقد يضطر المؤرخ أحيانا إلى إهمال التنسيق على أساس زمن النصوص لاستحالة معرفة تواريخها، ~~فيكتفي، والحالة هذه، بما تبقى لديه من سائر الأسس، ولنا في اختبار علماء أوروبا، ولا سيما ~~العلامة الكبير تيودور مومسن، في مجموعة النقوش اللاتينية # Corpus ms037 ~~Inscriptionum Latinarum # مثال واضح يؤيد ما تقدم. فإن معظم هذه ~~النقوش غير مؤرخ، وقد اختلف العلماء، عشرات من السنين، في أمر تنسيقها وترتيبها. فقال البعض ~~بتصنيفها على أساس محتوياتها، وقسموها إلى نقوش دينية، ونقوش عسكرية، ونقوش أدبية شعرية، ~~واعترض آخرون على هذا التنسيق، وقالوا باتخاذ المكان الذي وجدت فيه النقوش أساسا للترتيب؛ ~~وذلك لأن تنسيقها على أساس محتوياتها قد يضطر المؤرخ إلى التكرار الممل. إذ إنه معقول جدا ~~أن يحتوي نقش ما على شعر ودين وحرب في آن واحد، وبعد اختبار طويل دام قرنا كاملا، أو ~~أكثر، أجمعت الآراء على أفضلية الترتيب الجغرافي، وبعد أن قال العلامة مومسن، مدة طويلة ~~بالتنسيق على أساس المحتويات، عاد فأيد الأساس الجغرافي، وظهرت المجموعة كاملة على هذا ~~الأساس . # الباب الخامس # | تفسير النص # وبانتهاء المؤرخ من نقد الأصول، على الوجه الذي تقدم شرحه في الباب الثالث من هذا ~~الكتاب، ينتهي النقد الخارجي، وينتقل المؤرخ من ظاهر النص ومجرد اللفظ إلى باطن الكلام وفهم ~~المعنى، فيشرع في النقد الداخلي. والنقد الداخلي في مصطلح التاريخ على نوعين: نقد داخلي ~~إيجابي، ونقد داخلي سلبي. فالإيجابي يفسر النص ويظهر معناه، والسلبي يكشف الستار عن مآرب ~~المؤلف وأهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية. # وتفسير النص، وهو موضوع هذا الباب، يكون على وجهين: أولهما: تفسير ظاهر النص، وثانيهما: ~~إدراك غرض المؤلف. فعلى المؤرخ المدقق المنقب؛ حيث يحاول تفسير ظاهر النص، أن يلم أولا ~~بلغة الأصل الذي يدرس، وعليه أن يجيد فهم هذه اللغة كما عرفت واستعملت في العصر الذي عاش ~~فيه راوي الرواية. فمعاني المفردات تتطور وتتغير أحيانا مع تطور الظروف وتغير الأحوال، ~~وكفانا دليلا على ذلك بعض أعمال المجمع اللغوي في مصر، وما وضعنا في هذا الكتاب من المعاني ~~الجديدة العصرية في بعض المفردات والاصطلاحات التي استعملت في كتب الحديث والتفسير منذ ~~مئات السنين، وعلى المؤرخ أيضا أن يذكر أن المفردات والاصطلاحات اللغوية تختلف أيضا ~~باختلاف الإقليم، وقد تختلف باختلاف الكاتب نفسه. # وحيث يشعر المؤرخ المدقق بشيء من الشك في فهم ms038 بعض هذه الدقائق اللغوية في أصل من الأصول ~~يجدر به أن يكمل قراءة النص، أولا، لعله يقف على إيضاح ما التبس. فإن أعياه ذلك فعليه ~~بسائر كتب المؤلف، وإذا لم يجد التفسير في النص نفسه، ولا في مؤلفات المؤلف الأخرى، رجع في ~~ذلك إلى أقوال الزملاء المعاصرين. هذا؛ وإن «لا أدري» لمن العلم! # وقد يكتفي المؤرخ، في قراءة الأوامر الإدارية وبعض النصوص التاريخية القصصية، بتفسير ظاهر ~~النص لإدراك غرض المؤلف، وذلك أن واضع النص، في مثل هذه الظروف، يتوخى استعمال الألفاظ التي ~~توضح المعنى دون أي تردد في الأمر. فإذا ما نجح المؤرخ في فهم ظاهر النص، توصل إلى إدراك ~~المعنى الحقيقي. # وقد يلمس المؤرخ غموضا أو نقصا أو تناقضا في ~~المعنى، إذا هو استمسك بظاهر النص. فقد يكون في الكلام كتابة، أو مجاز، أو استعارة، أو ~~تشبيه، أو هزل، أو مداعبة، أو تلميح، أو تعريض، وما إلى ذلك. قال ابن عبد ربه في عقده في ~~باب الكناية والتعريض: # 1 ~~«وقد كنى الله تعالى في كتابه عن الجماع بالملامسة، وعن الحدث بالغائط ... وقال تعالى: # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير ~~سوء ~~(طه: 22) فكنى عن البرص، ودخل الربيع ~~بن زياد على النعمان بن المنذر، وبه وضح، فقال: ما هذا البياض بك؟ فقال: سيف الله جلاه. ~~ودخل حارثة بن بدر على زياد، وفي وجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر الذي في وجهك؟ قال: ~~ركبت فرسي الأشقر فجمح بي. فقال: أما أنك لو ركبت الأشهب لما فعل ذلك. فكنى حارثة بالأشقر ~~عن النبيذ، وكنى زياد بالأشهب عن اللبن، وقال معاوية للأحنف بن قيس: أخبرني عن قول ~~الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم # فسرك أن يعيش فجيء بزاد # بخبز أو بتمر أو بسمن # أو الشيء الملفف بالبجاد # تراه يطوف في الآفاق حرصا # ليأكل رأس لقمان بن عاد # ما هذا الشيء الملفف في البجاد؟ قال الأحنف: السخينة يا أمير المؤمنين. قال معاوية: واحدة ~~بأخرى والبادي أظلم. والسخينة طعام كانت تعمله ms039 قريش من دقيق، وهو الحريرة، فكانت تسب ~~به.» # وهل ننسى ونحن نتكلم عن الكناية قول عمر بن أبي ربيعة: # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله! كيف يلتقيان؟! # هي شامية، إذا ما استقلت # وسهيل، إذا استقل، يماني # ويجدر بالمؤرخ العربي، بعد مطالعة القرآن ودرس حكمه ~~وأحكامه، أن يدرس رسالة الفخر الرازي «نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز»، فيلم ببعض ما ~~كان يجول في عقول السلف من هذا القبيل. فهنالك فصول متتابعة في الكناية وضروبها، والتجنيس ~~وأنواعه، والسجع، والتضمين، والترصيع، والمجاز والتشبيه، والاعتذار، والاستعارة، والمطابقة، ~~والمقابلة، والمزاوجة، والاعتراض، والالتفات، والاقتباس، والتلميح، واللف والنشر، ~~والتعديد، والإبهام، وتجاهل العارف، والإغراق، والجمع، والتفريق، والتقسيم، ومثل هذا يكثر ~~في النصوص الدينية، والمراسلات الشخصية، والقطع الأدبية، فعلى المؤرخ المدقق أن يستعد ~~لمثل هذه المفاجآت اللغوية، ويتهيأ لها. # وحيث يعترض المؤرخ مثل هذه العقبات، عليه أن يسعى لتذليلها بالوسائل نفسها التي يتذرع بها ~~لفهم الغامض من ظاهر النص، عليه بمطالعة النص كله أولا، ثم بمراجعة مؤلفات المؤلف الأخرى، ~~فأقوال الزملاء المعاصرين، ويجدر به أن يترزن في مثل هذه المواقف، فلا يتوقع الكناية مثلا ~~في غير محلها ولا يغفل عنها في محل وقوعها. # بقي علينا قبل اختتام هذا الباب أن نعترف بفضل علماء التفسير في هذا المضمار. فإن الأسس ~~التي اتبعوها في أصول التفسير علمية صحيحة. # قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في رسالته في أصول التفسير # 2 # ما نصه: ~~«فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن ~~بالقرآن؛ فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان، فقد بسط في ~~موضع آخر، فإن أعياك ذلك، فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام ~~أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فهو بما # 3 # فيه من القرآن، قال الله تعالى: # إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن ms040 للخائنين خصيما ~~(النساء: 105)، وقال تعالى: # وأنزلنا ~~(النحل: 44)، وقال تعالى: # وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا ~~فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~(النحل: 64)؛ ولهذا قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه.» يعني السنة، والسنة أيضا تنزل عليه ~~بالوحي كما ينزل القرآن؛ لأنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة ~~على ذلك بأدلة كثيرة، ليس هذا موضع ذلك، والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده في ~~السنة كما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. ~~قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول ~~الله، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد. # وحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، ~~فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام ~~والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة ~~المهديين مثل # 4 # عبد الله بن مسعود، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب ~~قال: أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال عبد الله - يعني ~~ابن مسعود: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين ~~نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناوله المطايا لأتيته، وقال الأعمش أيضا عن ~~أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن ~~والعمل بهن، ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وترجمان ~~القرآن ببركة دعاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # له؛ حيث قال: ms041 «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.» ~~وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان، عن الأعمش عن مسلم عن مسروق ~~قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. ثم رواه عن يحيى بن داود ~~عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن الأعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه ~~قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس، ثم رواه عن بندار عن جعفر بن عون عن الأعمش به كذلك، ~~فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة، وقد مات ابن مسعود في سنة ~~ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من ~~العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، ~~فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، ففسرهما تفسيرا لو سمعته ~~الروم والترك والديلم لأسلموا. # وهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السندي الكبير في تفسير عن هذين الرجلين ابن ~~مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان، ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي ~~أباحها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ حيث قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا ~~حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.» رواه البخاري عن عبد الله بن عمر؛ ~~ولهذا كان عبد الله بن عمر قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث ~~منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر ~~للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام؛ أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما نشهد ~~له بالصدق فذاك صحيح، والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه، والثالث: ما هو مسكوت ~~عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما ~~تقدم وغالب ذلك مما لا ms042 فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ ولهذا تختلف علماء أهل الكتاب في مثل ~~هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف، بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون # 5 # كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله ~~لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به المقتول # 6 # من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ... إلى غير ذلك مما أبهمه # 7 # الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه، تعود على المكلفين في دنياهم ولا ~~دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: # سيقولون ~~ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ~~رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي ~~أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ~~(الكهف: 22)، فقد ~~اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى ~~أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ ~~لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع ~~على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: # قل ربي أعلم ~~بعدتهم # فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، ~~فلهذا قال: # فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا # أي: ~~لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، ~~فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح ~~منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة ~~تحته، فيشتغل به عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها؛ فهو ~~ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف، ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من ~~الأقوال؛ فهو ناقص أيضا. فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب أو ms043 جاهلا فقد أخطأ، ~~كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى ~~قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان وأكثر مما # 8 # ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب. # إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة ~~في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق، ~~حدثنا أبان بن صالح عن مجاهد قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى ~~خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، وبه إلى الترمذي قال: حدثنا الحسين بن مهدي ~~البصري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها ~~شيئا، وبه إليه قال: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة عن الأعمش. قال: قال ~~مجاهد: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت، ~~وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب قال: # 9 # حدثنا طلق بن غنام عن عثمان الملكي عن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن ~~عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فقال ابن عباس: اكتب. حتى سأله عن التفسير كله؛ ولهذا ~~كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك - وكسعيد بن جبير وعكرمة مولى ~~ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب، وأبي العالية ~~والربيع وابن أنس وقتادة والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر ~~أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافا، ~~فيحكيها أقوالا وليس كذلك؛ فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره، ومنهم من ينص على ~~الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي، ~~وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، ms044 فكيف تكون حجة في ~~التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على ~~الشيء، فلا # 10 # يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من ~~بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ~~ذلك. # فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، حدثنا ~~مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.» حدثنا وكيع حدثنا ~~سفيان عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.» وبه إلى الترمذي قال: حدثنا عبد بن ~~حميد، حدثني حسان بن هلال، قال: حدثنا سهيل أخو حزم القطعي، قال: حدثنا أبو عمران الجوني ~~عن جندب قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.» قال ~~الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم، وهكذا روى بعض أهل ~~العلم عن # 11 # أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # وغيرهم أنهم شددوا في أن يفسر القرآن بغير علم، وأما الذي ~~روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم أنهم قالوا في ~~القرآن وفسروه بغير علم، أو من قبل أنفسهم، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا: إنهم لم ~~يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، فمن قال في القرآن برأيه فقد تكلف ما لا علم له به، ~~وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر ~~من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن ~~يكون ms045 أخف جرما ممن أخطأ، والله أعلم، وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين فقال: # فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون ~~(النور: 13)، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ ~~لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، وتكلف ما لا علم له به، والله أعلم؛ ولهذا تحرج ~~جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به كما روى شعبة عن سليمان عن عبد الله بن مرة عن ~~أبي معمر قال: قال أبو بكر الصديق: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب ~~الله ما لم أعلم، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمود بن يزيد عن العوام بن حوشب ~~عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ~~(الأنفال: 31)، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم، # 12 # وقال أبو عبيد أيضا: حدثنا يزيد عن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على ~~المنبر: # وفاكهة وأبا # فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، ~~فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر، وقال عبد بن حميد، حدثنا ~~سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر بن الخطاب، وفي ~~ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: # وفاكهة وأبا ~~، فقال: ما ~~الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدريه، وهذا هو كله محمول على أنهما - ~~رضي الله عنهما - إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا ~~يجهل لقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * ~~واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده ~~أجر عظيم * يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ~~يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم ~~والله ذو الفضل ms046 العظيم * وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر ~~الله والله خير الماكرين ~~(الأنفال: 27-30)، وقال ابن جرير: حدثنا ~~يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية عن أيوب عن ابن عباس أنه سئل عن آية لو سئل عنها ~~بعضكم لقال فيها فأبى أن يقول فيها، إسناده صحيح، وقال أبو عبيد الله: حدثنا إسماعيل بن ~~إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن # يوم ~~كان مقداره ألف سنة ~~(السجدة: 5)، فقال ابن عباس فما: # يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ~~(المعارج: 4)، ~~فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما ~~يومان ذكرهما الله في كتابه. الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم، ~~وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، # 13 # حدثنا ابن علية عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن ~~مسلم قال: جاء طلق بن حبيب إلى جندب بن عبد الله، فسأله ~~عن آية من القرآن، فقال: أحرج # 14 # عليك إن كنت مسلما لما قمت عني أو قال إن تجالسني، وقال مالك عن يحيى بن سعيد ~~بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئا، وقال ~~الليث عن يحيى بن سعيد بن المسيب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن، وقال شعبة ~~عن عمرو بن مرة قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن ~~وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء. يعني: عكرمة، وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي ~~يزيد قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن ~~تفسير آية من القرآن سكت، كأنه لم يسمع، وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبده العنبي، حدثنا ~~عبيد الله بن عمر، قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وأنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم ~~سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ms047 ونافع الديلمي، # 15 # وقال: وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن هشام بن عروة. قال: ~~ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله قط، وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي عن محمد بن ~~سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن. فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل ~~من القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد، وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ عن ابن عون عن عبيد الله ~~بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده. حدثنا ~~هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه، وقال شعبة عن عبد الله بن ~~أبي السفر قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله، ~~وقال أبو عبيد الله: حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي عن مسروق قال: اتقوا ~~التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله.» # فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير ~~بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن ~~هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما ~~جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنما كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول ~~فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: # لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه ~~(آل عمران: 187)، ولما جاء في الحديث المروي من طرق: «من سئل ~~عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.» وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن ~~بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ~~ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد ~~بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # الباب السادس # | العدالة والضبط1 # وهنالك نقد داخلي سلبي، يكشف الستار عن مآرب المؤلف ms048 وأهوائه ودرجة تدقيقه في الرواية، ~~فيظهر لنا مقدار ما عنده من العدالة والضبط أو ما ينقصه منهما، والمؤرخ العربي في أشد ~~الحاجة إلى مثل هذا النوع من النقد، ولا سيما وأنه لا يزال في العالم العربي من يقول قول ~~فنلون الإفرنسي ويحذو حذوه: # فما كتب التاريخ في كل ما روت # لقرائها إلا حديث ملفق # نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا # فكيف بأمر الغابرين نصدق # على ما عرف من جمهور علماء الحديث وعلى ما أنتجه قرائح رجال الغرب في القرنين الأخيرين ~~في هذا السبيل، حتى كاد بعضهم يحشر مسألة معالجة التاريخ من بعض نواحيه بين العلوم الثابتة، ~~ولكن صاحبنا شاعر، والشعراء يتبعهم الغاوون. # ومن الغريب أن ما أورده شاعرنا، في سبيل الهزء والسخرية، في البيت الثاني، إنما هو قاعدة ~~من القواعد التي يرتكز عليها علم التأريخ، وقد قال علماء التاريخ: شك المؤرخ رائد حكمته ، ~~وقالوا: الأصل في التأريخ الاتهام لا براءة الذمة. # ودليلهم في هذا مستمد من علم النفس؛ حيث يتهم رجاله حواس الإنسان، وأحكامه العقلية، ~~وذاكرته، ويذهبون إلى أنه كثيرا ما يخدع فيخدع، ونظرة إلى ما يقوم به المشعوذون على ~~المسارح لتضليل الجماهير تكفي لإقناع القارئ بما أقول، وخذ إذا شئت حصاة صغيرة وضعها في ~~كفك، ثم ضع وسطى أصابع يدك الأخرى فوق السبابة وتناولها بها تشعر بأنها اثنتان، وما يصدق ~~على اللمس يصح على الحواس الأخرى أحيانا. # وقد تنقل الحواس الخبر اليقين إلى الدماغ، ولكن العقل يسيء التفسير فيخطئ فهمها وتعليلها، ~~ويضل في وهمه، ومما نذكر من هذا القبيل، أننا في أثناء التلمذة، جلسنا مرة نصغي إلى ~~أستاذنا يلقي محاضرة علينا في هذه الناحية من علم النفس، وفي أثناء الكلام سمعنا ضجة قوية ~~خارج الغرفة. ثم دخل فجأة علينا رجل مذعور ووراءه اثنان يلحقان به، وأحدهما يقول له: قف ~~قف، وإلا قتلتك. وبيده مسدس صوبه إليه. فهرب الرجل الأول من باب آخر، وتبعه الرجلان ~~الآخران. فقال لنا أستاذنا اكتبوا ما شاهدتهم من هذه الواقعة. فكتبنا ما ورد في أعلاه، وبعد ~~أن ms049 اطلع على شهادتنا في الأمر ضحك، ثم استدعى صاحب المسدس وسأله أن يرينا مسدسه، ولشد ما ~~كانت دهشتنا حين علمنا أن مسدسه لم يكن سوى ثمرة جافة من أثمار الموز. أرأيتم إلى أي حد ~~يخدع العقل أحيانا في استناده إلى حواس؟! # هذا واذكروا أن الإنسان عرضة للنسيان. فقد تخونه الذاكرة أو يخلط بين حادثين. فيضيف ~~وقائع حدثت أو وقعت في الواحد وينسبها إلى الآخر، وإذن فعلم النفس، في هذا الباب، يفرض أن ~~نحتاط فلا نخدع، وإذا ما ذكرنا في الوقت نفسه أن الراوي يقول أحيانا فيما لا يفهم، وأنه قد ~~يقصد التحريض وإيقاد نار الفتنة، وقد يتعمد الكذب لغاية في النفس، إذا ما ذكرنا جميع هذه ~~الأمور، قلنا مع علماء التاريخ، شك المؤرخ رائد حكمته. # وينحصر شك المؤرخ في سلسلتين أساسيتين من الأسئلة التي لا بد من الإجابة عنها لإخراج ~~الحقائق التاريخية من سترة الريب إلى صحن اليقين، والسلسلة الأولى تتعلق برأي الراوي في ~~حقيقة ما يروي؛ لأنه قد يموه الباطل ويزين الخطأ. فيترتب على المؤرخ، والحالة هذه، أن ~~يتساءل عن أمور عدة منها ما يأتي: ~~(1) # هل لراوي الرواية مصلحة فيما يروي؟ وهل هو يزين لنا الأمر ويحسنه، فيتعمد ~~الكذب ليسوقنا إلى استنتاج معين؟ فإذا ما خامرنا في كلامه شك، وخالجنا فيه ظن، ~~تحرينا غرضه فيما يكتب، ومثل هذا يكثر في المخابرات السياسية الرسمية، ولا سيما ~~فيما تنشره الحكومات عن بعض المشاكل فور ظهورها. فقد تصدق الوزارات فيما تنشر ~~ولكنها لا تنشر كل الحقيقة، وليس على المؤرخ المستجد إلا أن يطلع على بعض ما ~~نشره الأستاذ هارولد تمبرلي، من أبحاثه في تاريخ أوروبة المعاصر، ليتأكد من صحة ~~ما نقول، وعليه أيضا أن يتعهد بنظره الرواة الذين ينتمون إلى فئة معينة من ~~الناس، أو يدينون بمذهب من المذاهب، أو يقولون قول حزب من الأحزاب، لعلهم ~~يموهون أو ينمقون أو يكذبون. ~~(2) # هل خضع الراوي لظروف قاهرة أكرهته على التلفيق والنطق بالبطل؟ ومثل هذا يقع ~~أحيانا في بعض المعاملات الرسمية، كأن تتطلب بعض ms050 الظروف الحكومية القانونية ~~شروطا لا تتوفر أحيانا بتمام دقائقها وحذافيرها. فيضطر منظم الضبط أن يقول ~~باكتمالها في حين أنها لم تكتمل. فمن خطأ في تاريخ الاجتماع إلى تأخير في ~~الساعة المعينة للجلسة إلى نقص في عدد الحاضرين وهلم جرا، وعلى الرغم من هذا ~~ترى العامة والخاصة أحيانا تعزو الصدق إلى وثيقة من الوثائق الحكومية الرسمية ~~لمجرد كونها رسمية، وإذن فيجدر بالمؤرخ المدقق أن يتردد في صحة هذا النوع من ~~الوثائق الرسمية أن ينجلي الشك ويشرق نور اليقين. ~~(3) # هل شايع الراوي، أو قاوم، فئة معينة من الناس حتى اضطر، عن قصد أو غير قصد، ~~أن ينظر بعين الرضى إلى الفئة التي انتمى إليها فيناصرها على الأخرى؟ وهو أمر ~~قديم العهد في مهنة التاريخ أشار إليه المؤرخون القدماء وعبروا عنه بالعبارتين ~~اللاتينيتين: # Stodium in longum jacens, studium immane ~~loquendi ~~. # ومعنى الأولى «رغبة في الكلام لا تعرف الشبع» والثانية «بغض مزمن » نقول: ~~عبر المؤرخون القدماء عن هذا الأمر بهاتين العبارتين، وتبرءوا من الأخذ بهما ~~منذ مئات السنين، فيجدر بالمؤرخ المدقق أن يتبصر في الأمر من هذه الناحية، ~~ويدرس الراوي من حيث علاقاته القومية والحزبية والمذهبية والفلسفية وما شاكل ~~ذلك. ~~(4) # وهل اندفع الراوي بشيء من الغرور والكبرياء لينطق بالباطل ويحيد عن الحق؟ وهل ~~أقدم على ما يروي بداعي المفاخرة، أو المنافسة، أو ما شابه ذلك؟ لا بد من ~~تفحص أخبار الراوي من هذه الناحية أيضا قبل الاعتماد على روايته، وليذكر ~~المؤرخ المستجد أن دوافع الغرور والكبرياء تختلف باختلاف الزمان والمكان، وأن ~~بعض الناس قد يفاخر بما لا يفاخر به البعض الآخر. فالإفرنسيون اليوم ينكرون على ~~أسلافهم قيامهم بمجزرة برثولوميو، والملك الإفرنسي شارل التاسع زمنئذ كان ~~يتبجح ويتباهى بأنه هو الذي نظم هذه المذابح. بيد أنه لا بد من الاعتراف ~~أيضا بنوع من التشرف والتبذخ والاعتزاز، لم يختلف على مدى العصور والأدهار، هو ~~حب الجاه والظهور بمظهر المقدرة والنفوذ والعظمة. فيجدر بنا، والحالة هذه، أن ~~نصر على اتهام الراوي بمثل ما تقدم إلى أن نتيقن ms051 من براءة ذمته. ~~(5) # وهل حاول الراوي أن يتودد إلى جمهور الناس أو أن يتملقهم أو يداريهم؟ ~~فهنالك عقائد دينية وعادات اجتماعية وأمور أخرى، قلما يجرؤ على مخالفتها أو ~~إهمالها فرد من الأفراد، وهذه مراسلاتنا الشخصية، فإنها قد تتضمن الشيء الكثير ~~من عبارات التودد والإخلاص والمحبة لمجرد المجاملة والانقياد للعرف، وقد لا ~~نجد، حتى بين أفراد العامة، من ينكر علينا هذا الأمر، ولكننا ننسى أو نتناسى ~~هذه الحقيقة الناصعة، عندما نرجع إلى بعض الأصول لتأييد رأي من الآراء. فنقول ~~مثلا بتواضع المقامات الإكليريكية العالية، في العصور الوسطى؛ لأنهم لدى ~~انتخابهم لتبوء عرش من العروش الكنيسية، امتنعوا عن القبول بداعي العجز ~~والتقصير وعدم الاستحقاق. نقول هذا القول وننسى في الوقت نفسه، أن العادة ~~والعرف في العصور الوسطى قضيا بمثل هذا التواضع، وإذا فلا بد من التردد ~~والتبصر، مرة أخرى قبل الاعتماد على رواية الراوي في مثل هذه الظروف. فقد ~~يكون مخلصا فيما يقول ويفعل وقد لا يكون، وعلى كل فإنه يحسن بالمؤرخ المدقق ~~أن يتعرف إلى الراوي؛ ليتأكد من الجمهور الذي يخاطب، ويجدر به أن ينعم النظر ~~في أحوال الجمهور المخاطب، ليقف على عرفهم وعوائدهم. ~~(6) # ومما يترقبه المؤرخ المدقق ولا يغفله، طرفة عين، الأسلوب الأدبي في الرواية؛ ~~وذلك لأن الأدب فن، وكفن لا يتطلب صاحبه فيه الحقيقة كما هي، بل كما يريدها ~~أن تكون؛ ولذا فإن الأديب يتعمد مداعبة الألفاظ والتراكيب للتأثير في النفس، ~~وقد يتطلب ذوقه الفني ما لا يتفق مع الحقيقة. فمن زيادة بسيطة هنا إلى تقديم ~~أو تأخير هناك، وما إلى ذلك من أساليب الفن مما يزعج المؤرخ العالم ويدفعه ~~للتيقظ. فيتعقب خطوات الراوي الأديب ويراقب حركاته وسكناته. ثم يسعى ما أمكنه ~~للتعرف إلى أدب العصر الذي عاش فيه الراوي، فيطلع على بدائعه وروائعه لعله ~~يقف على المثل العليا التي أثرت في أسلوب الراوي. فيسهل عليه عندئذ أن يتفهم ~~الرواية ويقدرها حق قدرها. # ولا نرى بدا في هذه المناسبة من مصارحة المؤرخ المستجد بأن شكنا في عدل الراوي، يتناسب ms052 ~~أحيانا كثيرة مع تفوقه في الإبداع الفني الأدبي. فكلما ازداد الراوي إبداعا في أسلوبه ~~الأدبي ازددنا شكا في عدله، وقل اطمئناننا إليه، وما يصح عن النثر في هذا الباب أحيانا ~~ينطبق كل الانطباق على الشعر في غالب الأحيان. # وهنالك سلسلة ثانية من الأسئلة العلمية يتذرع بها المؤرخ للتوصل إلى فهم الراوي ~~وإدراك مقدار ضبطه، وهي كالسلسلة الأولى مما أجمع عليه المؤرخون المعاصرون، وأبدع في عرضه ~~والتعبير عنه المؤرخ الإفرنسي الشهير الأستاذ شارل لانجلوا، وإليك أهمها: ~~(1) # هل كان الراوي يتمتع بحواس سليمة وعقل صحيح؟ أم كان عرضة للخطأ من هذا القبيل ~~كما أبنا ذلك في القسم الأول من هذا الباب؟ فقد يشاهد الراوي ما يروي وينوي ~~الصدق والإخلاص، ولكن حواسه تخطئ في نقل الخبر إليه، أو عقله يتوهم غير الواقع، ~~أو ذاكرته تخونه من حيث لا يدري. # ومما له علاقة بالموضوع نفسه أهواء الراوي وأغراضه، فإنها قد تؤثر عليه من ~~حيث لا يقصد، فيظن أنه يروي الحقيقة ويكون بعيدا عنها، فيتذرع المؤرخ عندئذ ~~ببعض الأسئلة التي أوردناها لإظهار العدالة، ويتمكن بها أحيانا كثيرة من ~~اكتشاف أهواء الراوي وأغراضه. # بيد أنه لا بد من الإشارة بهذه المناسبة إلى طريقة السؤال والجواب في نقل ~~بعض المعلومات التاريخية. فقد يستدعي شكل السؤال شكلا خصوصيا للجواب مما ~~يؤدي أحيانا إلى الضلال والتضليل، ولا سيما وإن السائل في بعض الأحيان يجهل ما ~~يسأل عنه، فيبتعد كل البعد عن الحقيقة التي ينشد. ~~(2) # هل تمتع الراوي بجميع شروط المشاهدة العلمية؟ وهي ما يلي: أولا: أن يكون ~~الراوي في مكان يتمكن فيه من مشاهدة الحوادث مشاهدة صحيحة، وثانيا: أن يكون ~~الراوي في أثناء المشاهدات بعيدا عن الغرض، وثالثا: أن يدون ما شاهده في ~~أثناء وقوع الحوادث المروية، ورابعا: أن يوضح بجلاء تام طريقته في المشاهدة ~~والتدوين. فقد يشاهد الراوي ما يروي، ولكنه يكون في مكان أو ظرف لم يتمكن فيه ~~من التدقيق في النظر والسمع، وقد يشاهد ما يروي وينقصه الاستعداد الفني لفهمه، ~~وقد يشاهد أيضا، ولكنه يتأخر في ms053 التدوين فتخونه الذاكرة، وتؤثر عليه ظروف ~~مستجدة، فلا ينقل إلينا الخبر اليقين، وإذا «فالذكريات» التي لا تدون عادة ~~إلا بعد مرور الزمن، هي في عرفنا من أضعف الروايات. ~~(3) # وهناك حقائق كان بإمكان الراوي أن يشاهدها ويفهمها لو كلف نفسه مئونة البحث ~~عنها. فقد يروي لنا تفاصيل لم يشاهدها، ولكنه تكاسلا أو إهمالا منه تخيلها ~~أو استنتجها دون أن يتحققها بنفسه، ومثال ذلك يروي أحيانا عن تفاصيل حفلة ~~دعي إليها الراوي، ولكنه لسبب ما لم يحضرها. فاكتفى بوقائع الحفلة وتخيل أو ~~استنتج الباقي. ~~(4) # وهل روى الراوي ما لا تكتمل معرفته بمجرد المشاهدة الشخصية؟ فقد تتعلق روايته ~~بحقيقة عامة تشمل عددا كبيرا من النفوس، أو بلادا واسعة من البلدان، مما لا ~~يتيسر لفرد واحد من الناس أن يدقق فيها، وينقل إلينا الخبر اليقين عنها. فمن ~~كلام إجمالي عن عادات قوم من الأقوام، إلى تعميم عن تطور عقيدة أو رأي في عصر ~~من العصور، وما إلى ذلك من الإجمال في الكلام والتعميم في المعنى، مما يستلفت ~~النظر ويوجب التبصر. فيترتب على المؤرخ في هذه الأحوال أن يذكر أن مثل هذا ~~التعميم، إنما هو استنتاج في أساسه لا مشاهدة، فينظر عندئذ في عدد الحقائق ~~المفردة التي بنى الراوي استنتاجه عليه، ويلتفت بصورة خاصة إلى مقدرة الراوي في ~~الاستنتاج، ولا بد من درس الراوي في جميع مؤلفاته للتعرف إلى عاداته في التفكير ~~والاستنتاج، وإذا ما ذكرنا بهذه المناسبة أن العقل البشري يتأثر بالعادة في ~~التفكير، أدركنا إمكانية التوصل إلى نقد الراوي من هذه الناحية، وتقدير تدقيقه ~~في التفكير والاستنتاج. # ونريد، قبل الفراغ من بحث هذه المسألة، أن نلاحظ أمرا هو من الأهمية بمكان. ذلك أن أمر ~~العدالة والضبط عند الراوي الواحد ليس جامعا مانعا كما يقول المناطقة. فلا يجوز مثلا أن ~~نثبت عدالة الطبري وضبطه، ثم نأخذ بجميع أقواله. إذ قد يجوز أن يكون عادلا ضابطا في بعض ~~ما يقول، ويكون على عكس ذلك في بعض أقواله الأخرى، وإذن فيجب على المؤرخ المدقق أن ينظر ms054 في ~~كل خبر من أخبار الراوي على حدة، فيطبق ما ورد من الأسئلة في أعلاه مرارا متعددة. # وقد تضطرنا الظروف أحيانا إلى الاعتماد على المصادر الثانوية، وذلك لأسباب منها؛ ضياع ~~الأصول أو المصادر الأولية، ومنها أن ما نسميه أصلا قد لا يخلو أحيانا من الاعتماد على ~~سابق له، فتصبح الرواية فيه مزيجا من شهادة أولية وشهادة ثانوية مأخوذة عن الغير، ومما ~~نذكر من هذا القبيل أنه لما زار الجنرال اللنبي جامعة بيروت الأميركية عام 1919 أتى بمعيته ~~أركان حربه، وبعد أن رحب به الدكتور هورد بلس رئيس الجامعة آنئذ قام الجنرال ليتكلم، ~~واتخذ موضوعا له موقعة طول كرم الشهيرة، وما كاد يتبسط في أخبار هذه الموقعة، التي خاض ~~غمارها بصفته قائدا عاما للقوات البريطانية، حتى أخذ يستعين بأركان حربه الجالسين معه ~~على المنبر، فيقول للجنرال بولفين: ألم تفعل كذا في الساحل؟ ويقول لغيره: أليس كذلك؟ ~~فانظروا إلى رجل، كان على رأس جيش فاتح، يحمل أكبر مسئولية في ساحة القتال، وهو أولى من ~~تؤخذ عنه أخبار فتوحاته، ولكنه على ذاك يعتمد على من كان يوجه إليهم الأوامر في تفاصيل ~~روايته، وإذا فرواية الجنرال اللنبي عن موقعة طول كرم هي مزيج من مشاهداته الشخصية ~~ومشاهدات ثانوية أخذها عن أركان حربه. # وهنا يجب على المؤرخ أن يوجه التفاته إلى الشاهد الذي أخذ عنه الخبر. فإذا كان هذا قد ~~شاهد بعينه فشهادته أولية، وإلا فمن الواجب أن نتأثر الرواة الذين تسلسل عنهم هذا الخبر حتى ~~نصل إلى الشاهد العيان، وعندئذ نطبق ما مر بنا من الأسئلة للتثبت من العدالة والضبط، وهو ~~أمر وعر المسلك لبعدنا في غالب الأحيان عن زمن الوقائع المروية، فنصبح تجاه أمر واقع وهو ~~النظر في شهادة ليس لها راو معروف، وشهادة مثل هذه هي في عرفنا قليلة القيمة، ولو تقيد ~~المؤرخون بهذه القاعدة لوفروا على الخلف كثيرا من العناء، ولكفوا أنفسهم مئونة سرد ~~أخبار لا طائل تحتها، ولعل كثيرا من التاريخ لو غربل بهذا الغربال لما زاده عن ~~عشرة. # ومما ms055 يذكر مع مزيد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا ~~الباب، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويها بتدقيقهم العلمي، ~~واعترافا بفضلهم على التأريخ. # قال الإمام مالك بن أنس (179ه): «لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك - لا يؤخذ من ~~سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى، يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس، وإن ~~كان لا يتهم على أحاديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا من شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا ~~يعرف ما يحدث به، وقال إسحاق بن محمد الغروي: سئل مالك: أيؤخذ العلم ممن ليس له طلب ولا ~~مجالسة؟ فقال: لا. فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ ولا يفهم ما يحدث به؟ فقال: ~~لا يكتب العلم إلا عمن يحفظ، ويكون قد طلب وجالس الناس وعمل ويكون معه ورع، وقال إسماعيل ~~بن أبي أويس وعرف: سمعت خالي مالكا يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. ~~لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا، ~~وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان به أمينا؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم ~~علينا ابن شهاب فكنا نزدحم عند بابه، وقال شعبة بن الحجاج: كان مالك أحد المميزين، ولقد ~~سمعته يقول: ليس كل الناس يكتب عنهم، وإن كان لهم فضل في أنفسهم، إنما هي أخبار رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلا تؤخذ إلا من أهلها، وقال ابن كنانة: قال مالك: من جعل التمييز رأس ماله عدم ~~الخسران، وكان على زيادة.» # 2 # وقال الإمام أبو الحسين مسلم # 3 ~~(261ه): «واعلم - وفقك الله تعالى - أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح ~~الروايات، وسقيمها وثقات الناقلين لها من المهتمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة ~~مخارجه، والستارة في ناقليه وأن يتقي منها ما كان منها ms056 عن أهل التهم والمعاندين من أهل ~~البدع.» وقال أيضا: «حدثني محمد بن عبد الله بن قهزاد من أهل مرو، قال: أخبرني علي بن ~~حسين بن واقد قال: قال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من ~~تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بل ~~قال عبد الله فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه، وأقول لا تأخذوا ~~عنه، وحدثني محمد بن أبي عتاب قال: حدثني عفان عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان عن أبيه ~~قال: لم نر في الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. قال مسلم: يقول يجري الكذب على لسانهم ~~ولا يتعمدون الكذب، وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد قال: ~~قال أيوب: إن لي جارا ... ثم ذكر من فضله، ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة.» # 4 # وقال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي (505ه): «العدالة في الرواية والشهادة عبارة ~~عن استقامة السيرة في الدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى ~~والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه. فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفا ~~وازعا عن الكذب. ثم لا خلاف في أنه لا تشترط العصمة من جميع المعاصي، ولا يكفي أيضا ~~اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة، وتطفيف في حبة قصدا، وبالجملة كل ما ~~يدل على ركاكة دينه إلى حد يجترئ على الكذب للأغراض الدنيوية. كيف وقد شرط في العدالة ~~التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة، نحو أكل في الطريق، والبول في الشارع، وصحبة ~~الأرذال، والإفراط في المزاح، والضابط في ذلك، فيما جاوز محل الإجماع، أن يرد إلى اجتهاد ~~الحاكم. فما دل عنده على جراءته على الكذب رد الشهادة به، وما لا فلا، وهذا يختلف ~~بالإضافة إلى المجتهدين، وتفصيل ذلك من الفقه لا من الأصول، ورب شخص يعتاد ms057 الغيبة، ويعلم ~~الحاكم أن ذلك له طبع، لا يصبر عنه، ولو حمل على شهادة الزور لم يشهد أصلا، فقبوله شهادته ~~بحكم اجتهاده جائز في حقه، ويختلف ذلك بعادات البلاد، واختلاف أحوال الناس في استعظام بعض ~~الصغائر دون بعض.» # 5 # ومما له علاقة بهذا الباب، وهو من أجود ما قرأنا، كلام القاضي عياض بن عياض (544ه) حيث ~~يقول: «الذي ذهب إليه أهل التحقيق من مشايخ الحديث وأئمة الأصوليين والنظار أنه لا يجب أن ~~يحدث المحدث إلا بما حفظه في قلبه أو قيده في كتابه وصانه في خزانته، فيكون صونه ~~كصونه فيه في قلبه حتى لا يدخله ريب، ولا شك في أنه كما سمعه، وكذلك يأتي لو سمع كتابا ~~وغاب عنه ثم وجده أو عاره ورجع إليه، وحقق أنه بخطه أو الكتاب الذي سمع فيه بنفسه، ولم يرتب ~~فيه حرف منه ولا في ضبط كلمة، ولا وجد فيه تغيرا. فمتى كان بخلاف هذا، أو دخله ريب أو شك ~~لم يجز له الحديث بذلك؛ إذ الكل مجمعون على أنه لا يحدث إلا بما حقق، وإذا ارتاب في شيء ~~فقد حدث بما لم يحقق أنه من قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ويخشى أن يكون مغترا، فيدخل في وعيد من ~~حدث عنه بالكذب، وصار حديثه بالظن، والظن أكذب الحديث، وقد هاب السلف الصالح من الصحابة ~~رضوان الله عليهم الحديث بما سمعوه من قلق فيه، وحفظوه عنه مخافة تجويز النسيان، والوهم ~~والغلط على حفظهم، ولا تأثير في الشرع للتجويزات، فكيف بما لا يحقق وبني على الظن وسلامة ~~الظاهر؟ ولهذا قال مالك - رحمه الله - فيمن يحدث من الكتاب ولا يحفظ حديثه أخاف أن يزاد ~~في كتبه بالليل، وقد قال مثل هذا جماعة من أئمة الحديث وشددوا في الأخذ.» # 6 # وقام في القرن السابع للهجرة الحافظ الفقيه ابن الصلاح الشهرزوري (643ه)، ونزل دمشق ~~ودرس الحديث في المدرسة الأشرفية. فاعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة وجمع شتات مقاصدها وضم ~~إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرق في ms058 غيره، وعكف الناس عليه وساروا ~~بسيره فنظموا أقواله، واختصروها، واستدركوا عليها، واقتصروا وعارضوا وانتصروا. # 7 # إلى أن قام في أيامنا العلامة الشيخ راغب الطباخ فعني بمصنف ابن الصلاح، ~~ونشره نشرا دقيقا وعمم فائدته. # 8 # فرأينا نحن أن نقتطف من هذا المؤلف جميع ما ورد في معرفة من تقبل روايته ومن ~~ترد. # قال ابن الصلاح: «أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن ~~يكون عدلا ضابطا لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق، ~~وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه أن حدث من ~~كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني، والله ~~أعلم، ونوضح هذه الجملة بمسائل: # الأولى: # عدالة الراوي، تارة تثبت بتنصيص ~~المعدلين على عدالته، وتارة تثبت بالاستفاضة. فمن اشتهرت عدالته بين أهل ~~النقل، أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني ~~فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، ~~وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه، وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر ~~الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث ~~وابن المبارك ... ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل ~~عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين، ~~وتوسع ابن عبد البر الحافظ في هذا فقال: كل حامل علم معروف العناية به ~~فهو عدل، محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه لقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وفيما قاله اتساع غير مرضي، ~~والله أعلم. # والثانية: # ويعرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر ~~رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان. فإن وجدنا رواياته ~~موافقة، ولو من حيث المعنى لرواياتهم، أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة ~~نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا ~~اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه، والله أعلم. # الثالثة: # التعديل ms059 مقبول من غير ذكر سببه، ~~على المذهب الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها، فإن ذلك يحوج ~~المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا فعل كذا وكذا، فيعدد جميع ~~ما يفسق بفعله أو بتركه، وذلك شاق جدا، وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا ~~مفسرا، مبين السبب؛ لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح. فيطلق ~~أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد ~~من بيان سببه، لينظر فيما هو جرح أم لا، وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله، ~~وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل البخاري ~~ومسلم وغيرهما؛ ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة ~~مولى ابن عباس - رضي الله عنهما - وكإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي ~~وعمرو بن مرزوق وغيرهم، واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم، ~~وهكذا فعل أبو داود السجستاني وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا ~~يثبت إلا إذا فسر سببه، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة، وعقد الخطيب ~~بابا في بعض أخبار من استفسر في جرحه، فذكر ما لا يصح جارحا. منها عن ~~شعبة أنه قيل له: لم تركت حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على برذون فتركت ~~حديثه، ومنها عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث الصالح المري، فقال: ما ~~يصنع بصالح! ذكروه يوما عند حماد بن سلمة فامتخط حماد، والله أعلم. قلت: ~~ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة، ورد حديثهم على الكتب ~~التي صنفها أئمة الحديث في الجرح، أو في الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون ~~فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، ~~ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف، وهذا حديث غير ثابت، ونحو ذلك. فاشتراط بيان ~~السبب يفضي إلى تعطيل ذلك، وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابه أن ذلك ~~وإن لم نعتمده في إثبات الجرح، والحكم به قد اعتمدناه في أن توقفنا عن ms060 قبول ~~حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية ~~يوجب مثلها التوقف. ثم من انزاحت عنه الريبة فلم يبحث عن حاله أوجب الثقة ~~بعدالته، قبلنا حديثه، ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ~~ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم. فافهم ذلك فإنه مخلص حسن، والله ~~أعلم. # الرابعة: # اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح ~~والتعديل بقول واحد أو لا بد من اثنين. فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا ~~باثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات، ومنهم من قال: وهو الصحيح الذي ~~اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره، أنه يثبت بواحد؛ لأن العدد لم يشترط ~~في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح رواية وتعديله بخلاف الشهادات، والله ~~أعلم. # الخامسة: # إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل؛ ~~فالجرح مقدم؛ لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي ~~على المعدل؛ فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى، والصحيح ~~الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه، والله أعلم. # السادسة: # لا يجزئ التعديل على الإبهام من ~~غير تسمية المعدل. فإذا قال: حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصرا عليه لم يكتف ~~به فيما ذكره الخطيب الحافظ، والصيرفي الفقيه وغيرهما، خلافا لمن اكتفى ~~بذلك؛ وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده، وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح ~~عنده، أو بالإجماع. فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف. # السابعة: # إذا روى العدل عن رجل، وسماه لم ~~يجعل روايته عنه، تعديلا منه له، عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم، ~~وقال بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي: يجعل ذلك تعديلا منه له؛ لأنه ~~يتضمن التعديل، والصحيح هو الأول؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل فلم يتضمن ~~روايته عنه تعديله. # الثامنة: # في رواية المجهول، وهو في غرضنا ~~ههنا أقسام: أحدها: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا، وروايته ~~غير مقبولة عند الجماهير، على ما نبهنا عليه أولا، والثاني: المجهول الذي ~~جهلت عدالته الباطنة، وهو ms061 عدل في الظاهر، وهو المستور. فقد قال بعض أئمتنا: ~~المستور من يكون عدلا في الظاهر، ولا نعرف عدالة باطنة. فهذا المجهول ~~يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول، وهو قول بعض الشافعيين، وبه قطع ~~منهم الإمام سليم بن أيوب الرازي. قال: لأن أمر الإخبار مبني على حسن الظن ~~بالراوي، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في ~~الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، وتفارق الشهادة فإنها تكون ~~عند الحكام، ولا يعتذر عليهم ذلك. فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن. ~~قلت: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، ~~في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة ~~بهم، والله أعلم، والثالث: المجهول العين، وقد يقبل رواية المجهول العدالة ~~من لا يقبل رواية المجهول العين، ومن روى عنه عدلان، وعيناه، فقد ارتفعت ~~عنه هذه الجهالة. ذكر أبو بكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: أن ~~المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه ~~إلا من جهة راو واحد، وقل ما يرتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان ~~من المشهورين بالعلم، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، ~~قلت: قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد منهم ~~مرداس الأسلمي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وكذلك خرج مسلم حديث قوم ~~لا راو لهم غير واحد. منهم ربيعة بن كعب الأسلمي، لم يرو عنه غير أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن، وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج من كونه مجهولا ~~مردودا، برواية واحد عنه، والخلاف في ذلك متجه في التعديل نحو اتجاه ~~الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل على ما قدمناه، والله ~~أعلم. # التاسعة: # اختلفوا في قبول المبتدع الذي لا ~~يكفر في بدعته، فمنهم من رد روايته مطلقا؛ لأنه فاسق ببدعته، وكما ~~استوى في الكفر المتأول، وغير المتأول يستوي في الفسق ms062 المتأول وغير ~~المتأول، ومنهم من قبل رواية المبتدع، إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة ~~مذهبه، أو لأهل مذهبه، سواء كان داعية إلى بدعته، أو لم يكن، وعزا بعضهم ~~هذا إلى الشافعي لقوله: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية من ~~الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وقال قوم: تقبل روايته إذا ~~لم يكن داعية، ولا تقبل إذا كان داعية إلى بدعته، وهذا مذهب الكثير أو ~~الأكثر من العلماء، وحكى بعض أصحاب الشافعي - رضي الله عنه - خلافا بين ~~أصحابه في قبول رواية المبتدع، إذا لم يدع إلى بدعته، وقال: أما إذا كان ~~داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته، وقال أبو حاتم بن حيان البستي، ~~أحد المصنفين من أئمة الحديث: الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند ~~أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافا، وهذا المذهب الثالث أعدلها ~~وأولاها، والأول بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث. فإن كتبهم طافحة ~~بالرواية عن المبتدعة، غير الدعاة، وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في ~~الشواهد والأصول، والله أعلم. # العاشرة: # التائب من الكذب في حديث الناس ~~وغيره، من أسباب الفسق، تقبل روايته إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنه لا تقبل روايته أبدا وإن حسنت توبته على ما ذكر ~~غير واحد من أهل العلم. منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري، ~~وأطلق الإمام أبو بكر الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي ~~فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نعد لقبوله ~~بتوبة تظهر، ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك، وذكر أن ذلك مما ~~افترقت فيه الرواية والشهادة، وذكر الإمام أبو المظفر السمعاني المروزي أن ~~من كذب في خبر واحد، وجب إسقاط ما تقدم من حديثه، وهذا يضاهي من حيث ~~المعنى ما ذكره الصيرفي، والله أعلم. # الحادية عشرة: # إذا روى ثقة عن ثقة حديثا، ورجع ~~المروي عنه، فنفاه المختار أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال: ms063 ما رويته أو ~~كذب علي، أو نحو ذلك، فقد تعارض الجزمان، والجاحد هو الأصل. فوجب رد حديث ~~فرعه ذلك، ثم لا يكون ذلك جرحا له، يوجب رد باقي حديثه؛ لأنه مكذب لشيخه ~~أيضا في ذلك، وليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا. ~~أما إذا قال المروي عنه: لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك. فلذلك لا يوجب ~~رد رواية الراوي عنه، ومن روى حديثا ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطا للعمل به ~~عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين، خلافا لقوم من أصحاب أبي ~~حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك، وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى عن ~~الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا نكحت المرأة بغير إذن ~~وليها فنكاحها باطل.» الحديث من أجل ابن جريج، قال لقيت الزهري فسألته عن ~~هذا الحديث فلم يعرفه، وكذا حديث ربيعة الرأي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه ~~عن أبي هريرة أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قضى بشاهد ويمين. فإن عبد العزيز بن محمد ~~الدراوردي قال: لقيت سهلا، فسألته عنه فلم يعرفه. والصحيح ما عليه ~~الجمهور. لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان، والراوي عنه ثقة جازم، فلا ~~يرد بالاحتمال روايته؛ ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني عن ~~أبي ويسوق الحديث، وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها ~~عن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني وعن فلان بكذا وكذا، ~~ولأجل أن الإنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن ~~الأحياء، منهم الشافعي - رضي الله عنه - قال لابن عبد الحكم: إياك والرواية ~~عن الأحياء، والله أعلم. # الثانية عشرة: # من أخذ على التحديث أجرا، منع ذلك ~~من قبول روايته عند قوم من أئمة الحديث، وروينا عن إسحاق بن إبراهيم أنه ~~سئل عن المحدث يحدث بالأجر. فقال: لا يكتب عنه، وعن أحمد بن حنبل وأبي ~~حاتم الرازي نحو ذلك، وترخص أبو نعيم الفضل بن ms064 دكين وعلي بن عبد العزيز ~~المكي وآخرون في أخذ العوض على التحديث، وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم ~~القرآن ونحوه. غير أن في هذا من حيث العرف خرما للمروءة، والظن يساء ~~بفاعله، إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه، كمثل ما حدثنيه الشيخ أبو ~~المظفر عن أبيه الحافظ أبي سعيد السمعاني: أن أبا الفضل محمد بن ناصر ~~السلامي ذكر أن أبا الحسين بن النقور فعل ذلك؛ لأن الشيخ أبا إسحاق ~~الشيرازمي أفتاه بجواز أخذ الأجرة على التحديث؛ لأن أصحاب الحديث كانوا ~~يمنعونه عن الكسب لعياليه، والله أعلم. # الثالثة عشرة: # لا تقبل رواية من عرف بالتساهل ~~في سماع الحديث أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع، وكمن ~~يحدث لا من أصل مقابل صحيح، ومن هذا القبيل من عرف بقول التلقين في ~~الحديث، ولا تقبل روايته من كثرة الشواذ والمناكير في حديثه. جاء عن شعبة ~~أنه قال: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ، ولا تقبل رواية من ~~عرف بكثرة السهو في روايته، إذا لم يحدث من أصل صحيح، وكل هذا يحرم ~~الثقة بالراوي وبضبطه، وورد عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهم، ~~أن من غلط في حديث وبين له غلطه، فلم يرجع عنه وأصر على رواية ذلك الحديث، ~~سقطت روايته، ولم يكتب عنه، وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك ~~منه على جهة العناد أو نحو ذلك، والله أعلم. # الرابعة عشرة: # أعرض الناس في هذه الأعصار ~~المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم ~~يتقيدوا بها في رواياتهم، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم، وكان ~~عليه من تقدم، ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود ~~المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها. ~~فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده، وليكتف في أهلية ~~الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف، وفي ضبطه ~~بوجود سماعه مثبتا ms065 بخط غير متهم، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد ~~سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي - رحمه الله تعالى - ~~فإنه ذكر فيما روينا عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه ~~الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ ~~عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك بأن الأحاديث ~~التي قد صحت، أو وقعت بين الصحة والسقم، قد دونت، وكتبت في الجوامع التي ~~جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب ~~على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها. قال البيهقي: فمن جاء اليوم بحديث لا ~~يوجد عند جميعهم لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ~~ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته، ~~والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا، وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة ~~التي خصت بها هذه الأمة، شرفا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم، والله أعلم. # الخامسة عشرة: # في بيان الألفاظ المستعملة من أهل ~~هذا الشأن في الجرح والتعديل، وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ~~الرازي في كتابه «في الجرح والتعديل» فأجاد وأحسن، ونحن نرتبها كذلك ونورد ~~ما ذكره ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره، إن شاء الله تعالى: أما ألفاظ ~~التعديل فعلى مراتب، الأولى: قال ابن أبي حاتم: إذا قيل للواحد إنه ثقة أو ~~متقن فهو ممن يحتج بحديثه. قلت: وكذا إذا قيل: ثبت أو حجة، وكذا إذا قيل في ~~العدل: إنه حافظ أو ضابط، والله أعلم. الثانية: قال ابن أبي حاتم: إذا قيل ~~إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي ~~المنزلة الثانية. قلت: هذا كما قال؛ لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة ~~الضبط، فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه، وقد تقدم بيان طريقه في أول ~~هذا النوع، وإن لم يتسوف النظر المعرف لكون ms066 ذلك المحدث في نفسه ضابطا ~~مطلقا، واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث، ونظرنا هل له أصل ~~من رواية غيره؟ كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر، ومشهور، ~~عن عبد الرحمن بن مهدي، القدوة في هذا الشأن، أنه حدث فقال: حدثنا أبو ~~خلدة فقيل له: أكان ثقة. فقال: كان صدوقا وكان مأمونا وكان خيرا، وفي ~~رواية، كان خيار الثقة شعبة وسفيان. ثم إن ذلك مخالف لما ورد عن ابن أبي ~~خيثمة. قال: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: فلان ليس به بأس وفلان ضعيف. ~~قال: إذا قلت لك: ليس به بأس فهو ثقة، وإذا قلت لك: هو ضعيف فليس هو بثقة ~~لا تكتب حديثه. قلت: ليس في هذا حكاية ذلك، من غيره من أهل الحديث فإنه ~~نسبه إلى نفسه خاصة، بخلاف ما ذكره ابن أبي حاتم، والله أعلم. الثالثة: قال ~~ابن أبي حاتم إذا قيل: شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه، وينظر فيه، ~~إلا أنه دون الثانية. الرابعة : قال إذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب ~~حديثه للاعتبار. قلت: وقد جاء عن أبي جعفر أحمد بن سنان قال: كان ~~عبد الرحمن بن مهدي، ربما جرى ذكر حديث الرجل به ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: ~~رجل صالح الحديث، والله أعلم. # وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضا على مراتب: أولاها: قولهم: بلين الحديث. قال ~~ابن أبي حاتم: إذا أجابوا في الرجل لين الحديث فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارا. ~~قلت: وسأل حمزة بن يوسف السهمي أبا الحسن الدارقطني الإمام. فقال له: إذا قلت: فلان لين إيش ~~تريد به؟ قال: لا يكون ساقطا متروك الحديث، ولكن مجروحا بشيء لا يسقط عن العدالة. ~~الثانية: قال ابن أبي حاتم: إذا قالوا: ليس بقوي، فهو ~~بمنزلة الأول في كتب حديثه إلا أنه دونه. الثالثة: قال: إذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون ~~الثاني لا يطرح حديثه، بل يعتبر به. الرابعة قال: إذا قالوا: متروك الحديث وذاهب الحديث، ~~أو كذاب فهو ساقط الحديث، لا يكتب ms067 حديثه، وهي المنزلة الرابعة. # قال الخطيب أبو بكر: أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال حجة أو ثقة، ودونها أن يقال: ~~كذاب ساقط. أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفردي، قراءة عليه بنيسابور، قال: أخبرنا ~~محمد بن إسماعيل الفارسي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ، أخبر الحسين ~~بن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: سمعت أحمد بن صالح. قال: ~~لا يترك حديث حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. قد يقال: فلان ضعيف، فإما أن يقال: فلان ~~متروك فلا، إلا أن يجمع الجميع على ترك حديثه، ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من ~~الألفاظ المستعملة في هذا الباب، قولهم: فلان قد روى الناس عنه، فلان وسط، فلان مقارب ~~الحديث فلان مضطرب الحديث، فلان لا يحتج به، فلان مجهول، فلان لا شيء فلان ليس بذاك، وربما ~~قيل: ليس بذاك القوي، فلان فيه أو في حديثه ضعف، وهو في الجرح أقل من قولهم: فلان ضعيف ~~الحديث. فلان ما أعلم به بأسا، وهو في التعديل دون قولهم لا بأس به، وما من لفظة منها ومن ~~أشباهها، إلا ولها نظير، شرحناه أو أصل أصلناه ننبه إن شاء الله به عليها، والله أعلم.» # 9 # ولم يغفل ابن خلدون عما توصل إليه علماء الحديث في هذا المضمار، ولا عن تطبيقه على ~~الروايات التاريخية. فإنه نظر في أمر العدالة والضبط، وذكر شيئا من هذا القبيل في مقدمته ~~الشهيرة، ثم ذهب مذهبا خاصا في تمحيص الأخبار، لا ينفصل عن آرائه الفلسفية في الاجتماع ~~والتاريخ، وإليك الآن بعض ما قاله في هذا الموضوع: ~~«اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، ~~وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات ~~للبشر، بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر ~~بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش، والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران ~~بطبيعته ms068 من الأحوال. # ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه. فمنها: ~~(1) # التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول ~~الخبر، أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع ~~لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار، لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع ~~غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتحميص، فتقع في قبول الكذب ونقله. ~~(2) # ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك ~~يرجع إلى التعديل والتجريح. ~~(3) # ومنها الذهول عن المقاصد. فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، ~~وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب. ~~(4) # ومنها توهم الصدق وهو كثير، وإنما يجيء في الأكثر من جهة الثقة ~~بالناقلين. ~~(5) # ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والتصنع، ~~فينقلها المخبر كما رآها؛ وهي بالتصنع على غير الحق في نفسه. ~~(6) # ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح وتحسين ~~الأحوال وإشاعة الذكر بذلك، فيستفيض الأخبار بها على غير حقيقة، فالنفوس مولعة ~~بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في ~~الأكثر براغبين في الفضائل، ولا متنافسين في أهلها. # ومن الأسباب المقتضية له أيضا، وهي سابقة على جميع ما تقدم، الجهل بطبائع الأحوال في ~~العمران. فإن كل حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته، ~~وفيما يعرض له من أحواله. فإذا كان السامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ~~ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل ~~وجه يعرض وكثيرا ما يعرض للسامعين قبول الأخبار المستحيلة، وينقلونها وتؤثر عنهم، كما نقله ~~المسعودي عن الإسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء الإسكندرية، وكيف اتخذ صندوق الزجاج ~~وغاص فيه إلى قعر البحر حتى صور تلك الدواب الشيطانية التي رآها، وعمل تماثيلها من أجساد ~~معدنية، ونصبها حذاء البنيان، ففرت تلك الدواب حين خرجت ms069 وعاينتها، وتم بناؤها في حكاية ~~طويلة من أحاديث خرافة مستحيلة من قبل اتخاذه التابوت الزجاجي، ومصادمة البحر وأمواجه ~~بجرمه، ومن قبل أن الملوك لا تحمل أنفسها على مثل هذا الغرور، ومن اعتمده منهم فقد عرض ~~نفسه للهلكة وانتقاض العقدة، واجتماع الناس إلى غيره، وفي ذلك إتلافه، ولا ينظرون به رجوعه ~~من غروره ذلك طرفة عين، ومن قبل أن الجن لا يعرف لها صور ولا تماثيل تختص بها، إنما هي ~~قادرة على التشكل، وما يذكر من كثرة الرءوس لها، فإنما المراد به البشاعة والتهويل، لا أنه ~~حقيقة، وهذه كلها قادحة في تلك الحكاية، والقادح المحيل لها من طريق الوجود أبين من هذا ~~كله، وهو أن المنغمس في الماء ولو كان في الصندوق يضيق عليه الهواء للتنفس الطبيعي، وتسخن ~~روحه بسرعة لقتله فيفقد صاحبه الهواء البارد المعدل لمزاج الرئة والروح القلبي، ويهلك ~~مكانه، وهذا هو السبب في هلاك أهل الحمامات إذا أطبقت عليهم من الهواء البارد، والمتدلين في ~~الآبار والمطافير العميقة المهوى، إذا سخن هواؤها بالعفونة ولم تداخلها الرياح فتخلخلها. ~~فإن المتدلي فيها يهلك لحينه، وبهذا السبب يكون موت الحوت إذا فارق البحر. فإن الهواء الذي ~~خرج إليه حار، فيستولي الحار على روحه الحيواني ويهلك دفعة، ومنه هلاك المصعوقين وأمثال ~~ذلك. # ومن الأخبار المستحيلة ما نقله المسعودي أيضا في تمثال الزرزور الذي برومة، تجتمع إليه ~~الزرازير في يوم معلوم من السنة حاملة للزيتون، ومنه يتخذون زيتهم، وانظر ما أبعد ذلك عن ~~المجرى الطبيعي في اتخاذ الزيت. # ومنها ما نقله البكري في بناء المدينة المسماة ذات الأبواب، تحيط بأكثر من ثلاثين مرحلة، ~~وتشتمل على عشرة آلاف باب، والمدن إنما اتخذت للتحصن والاعتصام كما يأتي، وهذه خرجت عن أن ~~يحاط بها، فلا يكون بها حصن ولا معتصم. # وكما نقله المسعودي أيضا في حديث مدينة النحاس، وأنها مدينة كل بنائها نحاس بصحراء ~~سلجماسة، ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب، وأنها مغلقة الأبواب، وأن الصاعد إليها ~~من أسوارها إذا أشرف على الحائط صفق ms070 ورمى بنفسه، فلا يرجع آخر الدهر في حديث مستحيل، عادة ~~من خرافات القصاص، وصحراء سلجماسة قد نفضها الركاب والأدلاء، ولم يقفوا لهذه المدينة على ~~خبر. ثم إن هذه الأحوال التي ذكروا عنها كلها مستحيل، عادة مناف للأمور الطبيعية في بناء ~~المدن واختطاطها، وأن المعادن غاية الموجود منها أن يصرف في الآتية والخرثى، وأما تشييد ~~مدينة منها فكما تراه من الاستحالة والبعد. # وأمثال ذلك كثيرة، وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في ~~تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى ~~تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأما إذا كان مستحيلا فلا ~~فائدة للنظر في التعديل والتجريح، ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول ~~اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل، وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار ~~الشرعية؛ لأن معظمها تكاليف إنشائية، أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها؛ وسبيل صحة ~~الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط، وأما الأخبار عن الواقعات، فلا بد في صدقها وصحتها ~~من اعتبار المطابقة. فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ~~ومقدما عليه؛ إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر منه ومن الخارج ~~بالمطابقة. # وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر ~~بالاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون ~~عارضا لا يعتد به، وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز ~~الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني، لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا ~~سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه، وكان ~~ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه، وهذا هو غرض ~~هذا الكتاب من تأليفنا.» # 10 # وفي كلام ابن ms071 خلدون ضعف ظاهر، ومصدر الضعف أن طبائع العمران التي ذكرها في مقدمته شيء أقل ~~ما يقال فيه: إنه غير مستقر أو راهن. فما يتعلق من طبائع العمران بالطبيعة فقد انتظمت ~~ظواهره وثبتت نواميسه، ويصح فيه تطبيق نظرية ابن خلدون كما سنبين في فصل آخر. أما ما يتعلق ~~من طبائع العمران بالمجتمع البشري فلسنا نستطيع قبوله، وذلك أن العلماء لم يتمكنوا بعد من ~~تعيين نواميس لعلوم الاجتماع كما فعلوا في العلوم الطبيعية، ولو تمكنوا فلن تكون نواميس ~~ثابتة لا تتغير بل تقريبية. # الباب السابع # | إثبات الحقائق المفردة # لقد جمعنا كل الأصول وتذرعنا بالعلوم الموصلة إلى فهمها ونقدناها. فتثبتنا من صحتها وعينا ~~تاريخها ومكان تدوينها. ثم تحرينا نصوصها وتوصلنا إلى فهم ظاهرها وباطنها، ودققنا في ~~أخبار رواتها للتعرف إلى أحوالهم فتوصلنا إلى تقرير عدالتهم وضبطهم. فهل يجوز لنا بعد هذا ~~القدر من النقد والغربلة أن نقبل ما تبقى لدينا من الروايات، فنؤلف منه التاريخ الذي نكتب؟ ~~أم يجب علينا أن نتابع البحث ونعيد الغربلة قبل الشروع في التأليف؟ # نقول: إن ما تذرعنا به من وسائل النقد والغربلة لم يثبت لنا الحقائق التاريخية، ولكنه ~~مكننا من المفاضلة بين الرواة، وتعيين درجاتهم على الشكل التالي: راو لا تقبل روايته، ~~وآخر ضعيف الرواية مجهول المكانة، وثالث وهو أولاهم في انتباهنا لسماع روايته، ولكنه على ~~هذا يظل موضوعا للنظر والاختبار، وإذا فالنقد الذي تذرعنا به لم يوصلنا إلى نتيجة ~~إيجابية، ويمكننا الاعتماد عليها للتأكد من حقيقة الماضي، ولم يقطع لنا في شيء سوى أمر ~~واحد؛ هو إسقاط رواية من لا يعتمد عليه، وهي نتيجة سلبية. # فلا بد للمؤرخ، والحالة هذه، من متابعة البحث والتنقيب للوصول إلى طمأنينة العقل وسلامة ~~الاستنتاج، وعليه أولا أن يبتعد كل الابتعاد عن الروايات التي انفرد بها راو واحد. فإذا ~~كانت العلوم الطبيعية تتطلب المشاهدة والاستدلال القياسي والتحقيق بالمقابلة والتجربة، ~~فتبتعد كل الابتعاد عن الإطلاق في النتيجة من مشاهدة واحدة. فالتأريخ أولى بذلك منها لأنه ~~بعيد عن المشاهدة، ضعيف الاستدلال بالقياس، عديم ms072 التجربة. # وهو أمر قديم العهد بيننا، وقد اعترف به علماء الحديث فجعلوا الحديث من هذه الناحية ~~درجات أعلاها المتواتر، وشرطوا فيه أن يبلغ عدد المخبرين مبلغا يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب. # 1 # ومن ذلك أبيات الجلال السيوطي في ألفيته المشهورة. قال: # وما رواه عدد جم يجب # إحالة اجتماعهم على الكذب # فالمتواتر وقوم حددوا # بعشرة وهو لدي أجود # والقول باثني عشرا وعشرينا # يحكى وأربعين أن سبعينا # 2 # ومن هذه الدرجات في الحديث العزيز، وقد أطلقوه على ما لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين. ~~قال شيخ الإسلام بن حجر العسقلاني: «وسمي بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عز؛ أي بمجيئه من ~~طريق أخرى.» # 3 # وفيه قال الجلال السيوطي: # وسم العزيز والذي رواه # ثلاثة مشهورنا رآه # 4 # ومن المحدثين من اشترط في الصحيح رواية راويين على الأقل؛ وهو شرط العزيز. # قال الحافظ زين الدين العراقي في شرحه على مقدمة ابن الصلاح: «قال البيهقي في رسالته إلى ~~أبي محمد الجويني - رحمهما الله - رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ - حرسه الله تعالى - ~~حكاية عن بعض أصحاب الحديث، أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروي عدلان عن عدلين حتى يتصل ~~مثنى مثنى برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه، وكأن البيهقي رآه في كلام ~~أبي محمد الجويني فنبه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث، والله أعلم.» # 5 # وجاء في رسالة ابن حجر العسقلاني ما يأتي: «والثالث العزيز، وهو أن يرويه أقل من اثنين عن ~~اثنين، وسمي بذلك إما لقلة وجوده وإما لكونه عز، أي: قوي بمجيئه من طريق أخرى، وليس شرطا ~~للصحيح خلافا لمن زعمه، وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد ~~الله في علوم الحديث؛ حيث قال: الصحيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة بأن يكون له ~~راويان، ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة، وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في ~~شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري، وأجاب عما أورد ms073 عليه من ذلك بجواب فيه نظر. لأنه قال: فإن ~~قيل: حديث الأعمال بالنيات فرد لم يروه عن عمر إلا علقمة، قال: قلنا: قد خطب به عمر رضي ~~الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة، فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه كذا، وقال: وتعقب بأنه لا ~~يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سلم في عمر، منع في تفرد ~~علقمة. ثم تفرد محمد بن إبراهيم به عن علقمة، ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد على ما ~~هو الصحيح المعروف عند المحدثين، وقد وردت لهم متابعات، لا يعتبر بها لضعفها، وكذا لا نسلم ~~جوابه في غير حديث عمر - رضي الله عنه - قال ابن رشيد: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ~~ادعى أنه شرط البخاري أول حديث مذكور فيه، وادعى ابن حبان نقيض دعواه، فقال: إن رواية اثنين ~~عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلا. قلنا: إن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط، ~~لا توجد أصلا فيمكن أن نسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من ~~اثنين عن أقل من اثنين.» # 6 # وقال الشيخ محي الدين عبد الحميد، المدرس في كلية اللغة العربية في الجامع الأزهر، في ~~شرحه على ألفية السيوطي، ما نصه: ~~«وقد قال باشتراط رواية رجلين عن رجلين إبراهيم بن إسماعيل بن علية، وهو من الفقهاء ~~المحدثين، وكان يميل إلى الاعتزال، وكان الشافعي يحذر منه ويرد عليه، وذهب أبو علي ~~الجبائي من المعتزلة إلى أن شرط الصحة رواية عدلين عن مثلهما، أو رواية عدل واحد بشرط أن ~~يعضده موافقة ظاهر كتاب أو ظاهر خبر آخر، ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي أن بعضهم اشترط ~~في قبول الخبر أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه.» # وبعضهم اشترط أربعة عن أربعة، وبعضهم اشترط خمسة عن خمسة، وبعضهم اشترط سبعة عن سبعة، وكل ~~هذه الأقوال غير قول جمهرة العلماء، وقد نسب الناظم القائلين بها إلى الغلط، وذلك في ~~قوله: # وليس شرطا ms074 عدد ومن شرط # رواية اثنين فصاعدا غلط # 7 # ومما جاء في أصول الفقه للإمام أبي حامد الغزالي # 8 # ما يلي: ~~«اعلم أن التكليف والإسلام والعدالة والضبط يشترط فيه الرواية والشهادة. فهذه الأربعة. ~~أما الحرية والذكورة والبصر والقرابة والعدد والعداوة، فهذه الستة تؤثر في الشهادة دون ~~الرواية. لأن الرواية حكمها عام لا يختص بشخص، حتى تؤثر فيه الصداقة والقرابة والعداوة.» ~~كما هي الحال في الشهادة. # وإذا، فالأمر قديم العهد بيننا، وقد قال به علماء الحديث في المتواتر والعزيز، وبعضهم ~~قالوا في الصحيح، ونوه به علماء الفقه في الشهادة. فحري بالمؤرخ العربي أن يعتنقه وينادي ~~به، فيبتعد عن كل رواية تاريخية، انفرد بها راو واحد. # 9 # فإذا قضت الظروف بتدوينها فعليه أن يصرح بأنها غريبة في بابها وأنها لم ترو ~~إلا عن راو واحد. هذا، وإنه لمن دواعي الأسف أن نرى بعض زملائنا المؤرخين الذين يعنون ~~بالعصور الوسطى والعصور القديمة، يهملون هذه القاعدة الأساسية في مصطلح التاريخ، فيثبتون في ~~تواريخهم روايات جمة انفرد بها راو واحد فيضلون ويضللون، وإذا ما تسرب إلى عقول البعض أن ~~بعض المؤلفات الحديثة في العصور الوسطى، وفي التاريخ القديم، هي أكثر جزما من بعض أخواتها ~~في العصور الحديثة، فإنما السبب في ذلك يرجع إلى إهمال واضعيها، وقلة درايتهم بقواعد مصطلح ~~التاريخ. # على أنه يجدر بالمؤرخ المدقق، قبل إسقاط الرواية التي ينفرد بها راو واحد، أن يعيد البحث ~~والتنقيب، لعله يجد بين الروايات المختلفة ما يزكي به روايته المنفردة، وهو أمر عرفه ~~المحدثون وعملوا به، فأفردوا له بابا خاصا سموه: باب الاعتبار والمتابعات والشواهد. قال ~~ابن الصلاح: ~~«هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل معروف أو لا؟ ~~وذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ - رحمه الله - أن طريق الاعتبار في الأخبار ~~مثاله أن يروي حماد بن سلمة حديثا لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فينظر هل روى ذلك ms075 ثقة غير أيوب عن ابن سيرين. فإن وجد علم أن للخبر أصلا ~~يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين ورواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي ~~هريرة رواه عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه وإلا فلا. ~~قلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة. فإن ~~لم يروه أحد غيره عن أيوب، لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة، أو رواه غير ~~أبي هريرة عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا لكن يقصر عن ~~المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا. فإن لم يرو ذلك ~~الحديث أصلا من وجه من الوجوه المذكورة لكن روي حديث آخر بمعناه، فذلك الشاهد من غير ~~متابعة. فإن لم يرو أيضا بمعناه حديث آخر فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ، وينقسم ~~عندئذ إلى مردود منكر، وغير مردود كما سبق، وإذا قالوا: في مثل هذا تفرد به أبو هريرة ~~وتفرد به عن أبي هريرة ابن سيرين، وتفرد به عن ابن سيرين أيوب، وتفرد به عن أيوب حماد بن ~~سلمة، كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه. # ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون ~~معدودا في الضعفاء، وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرهم في المتابعات والشواهد، ~~وليس كل ضعيف يصلح لذلك؛ ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا ~~يعتبر به، وقد تقدم التنبيه على نحو ذلك، والله أعلم.» # 10 # وقال الجلال السيوطي نظما ما يلي: # 11 # الاعتبار سبر ما يرويه # هل شارك الراوي سواه فيه # فإن يشاركه الذي فيه اعتبر # أو شيخه أو فوق تابع أثر # وإن يكن متن بمعناه ورد # فشاهد وفاقد ذين انفرد # وربما يدعى الذي بالمعنى # متابعا وعكسه قد يعنى # وقد تتعدد الروايات ms076 التاريخية في أمر واحد، فتتوافق أن تتناقض، وحيث تتناقض يحسن بالمؤرخ ~~أن يؤكد بدء وقوع التناقض. لأن ما يظهر من التناقض، لأول وهلة، قد يتلاشى لدى التدقيق ~~والتحقيق. فقد لا تتفق الروايات في الزمان أو المكان أو الشخص المقصود أو ما شاكل ذلك. أما ~~إذا ثبت التناقض فعلى المؤرخ ما يأتي: ~~(1) # أن يترفع عن اتخاذ موقف وسط بين الطرفين. فإذا ما وقع مثلا على أصل من ~~الأصول فيه أن عدد المحاربين في واقعة كان عشرين ألفا، وآخر فيه، أنهم كانوا ~~أربعين ألفا، فإنه من الخطأ الفاضح أن يوفق بين الطرفين؛ فيزعم أن العدد كان ~~وسطا بين الطرفين؛ أي ثلاثين ألفا. فإن ما يصح في علم الرياضيات يصح هنا. ~~فإذا جعل أحدهم حاصل الرقمين 2 × 2 أربعة وجعل الآخر الحاصل ستة، فهل يقال إن ~~الحاصل الحقيقي لا هذا ولا ذاك بل هو خمسة! ~~(2) # أن يعيد النظر في الطرفين لعله يكشف الستار عن عيب في إحدى الروايتين لم ~~ينتبه إليه أولا. أو لعله يجد ما يجعله يثق بالواحدة أكثر من الأخرى. فيسقط ما ~~قلت ثقته فيه ويرجح القول الآخر. ~~(3) # أن يمتنع عن الحكم بين الطرفين، إذا عم الشك وبانت قلة الثقة، فليس هنالك ~~ما يضطره لإبداء رأيه وإصدار حكمه، والعالم من يعلم أنه لا يعلم، وما يصح عن ~~التناقض بين روايتين يصح أيضا عن التناقض بين رواية من الجهة الواحدة، ~~وروايتين أو أكثر من الجهة الأخرى. فلا عبرة للعدد في مثل هذه المواقف، ~~والحقيقة العلمية لا تثبت بالصويت والأكثرية، وقد قال الفلاسفة القدماء: # Ne numerentur, sed ~~ponderentur ~~«الوزن لا ~~العدد» وحيث تتوافق الروايات التاريخية يجدر بالمؤرخ المدقق أن يلتفت إلى أمور ~~عدة، منها ما يأتي: ~~(1) # عليه أن لا يتسرع في الحكم، فيظن أن جميع ما لديه من الروايات هو من ~~النوع الذي يعول عليه. فالناس كثيرا ما ينقل بعضهم عن بعض، وهذه ~~جرائدنا اليومية. ألا ترى أن مخبرا واحدا أحيانا ينقل الخبر نفسه ~~إلى جرائد متعددة؟ وإذا فالمؤرخ المدقق هو من يتروى ms077 في الأمر، ويعيد ~~النظر في الروايات ليؤكد عدم اعتماد الرواة بعضهم على بعض، والتأكد من ~~الاعتماد أو عدمه ميسور لمن يسعى إليه، وقد سبق لنا أن طرقنا مثل هذا ~~الموضوع في باب تحري النص والمجيء باللفظ، فأتينا على ذكر قاعدة عامة ~~يقول بها المؤرخون في مثل هذه المواقف، وهي أن النساخ والرواة لا ~~يتفقون على خطأ إلا ويكون أحدهم في الأرجح قد أخذ عن غيره كما وأنهم لا ~~يتفقون منفردين إلا على الصحة. فليس على المؤرخ، والحالة هذه، إلا أن ~~ينعم النظر في الروايات التي يدرس ليرى إذا كانت تتفق على خطأ معين، ~~فيثبت لديه عندئذ اعتماد الواحدة منها على الأخرى وهلم جرا، فإن ~~أعياه ذلك فعليه أن يعلق حكمه في الأمر ويبقى متمسكا بالشبهة ~~والاتهام، ولا يخفى أن ما يصدق على الرواية بأكملها يصح أيضا على ~~أجزائها. فيحسن بالمؤرخ أن يتأكد من هذا الأمر أيضا، قبل الفراغ من ~~عمله. ~~(2) # وعليه أن يذكر أيضا أن شدة الانطباق بين الروايات المختلفة توجب ~~الشك لا الثقة، وهو أمر عرفه علماء التزوير في الخطوط، وقالوا به منذ ~~زمن بعيد. فحيث ينطبق إمضاء، معترض عليه، من جميع نواحيه وفي جميع ~~دقائقه، على إمضاء معترف به، يرجح وقوع التزوير، وحيث يشتد انطباق ~~الروايات بعضها على بعض يزداد قلق المؤرخ ويكثر ريبه. ~~(3) # وهناك تآلف بين الحقائق التاريخية لا بد من الالتفات إليه، ~~والاستعارة هنا من علم الموسيقى. فكما تتآلف الألحان المختلفة فتشكل ~~مجموعا موسيقيا شائقا مؤثرا في النفس، كذلك الروايات التاريخية ~~المختلفة، فإنها إذا ما عبرت عن الحقيقة الراهنة تتآلف بعضها مع بعض؛ ~~فتتناصر على البطل وتلمع لمعان الحق. فيترتب على المؤرخ المدقق أن ينظر ~~إلى رواياته المتوافقة ليرى إذا كانت تتآلف فتتناصر، وتظهر الحقيقة، ~~والعكس بالعكس. # وقد تكتمل هذه الشروط في رواية من الروايات، ولكن ~~المؤرخ يجد تناقضا بين مضمونها، وناموس من نواميس العلوم الطبيعية. فيضطر، والحالة هذه إلى ~~إسقاط الرواية وصرف النظر عنها، فلو قال قائل بما يتناقض كل المناقضة مع قواعد علم الطب ms078 ~~لاضطررنا أن نصدق الطبيب بترك الراوي، ومثله في أمور الفلسفة الطبيعة أو علم الكيمياء أو ~~الحيوان. فهنالك نواميس في هذه العلوم راسخة لا تتزعزع، ولا مفر من الاعتراف بها وقبولها، ~~إن عن الحاضر أو الماضي أو المستقبل. # ومثال بعض ما أوردناه في هذا الباب وفي الباب السادس أيضا ما أقدمنا على نشره عام 1930 ~~في تشريح موقف الدمشقيين من حملة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا على الأقطار ~~الشامية. # فبينما كان لبنان يخف لنجدة مصر 1831م، ويقدم لها المساعدة الواحدة تلو الأخرى، فيجاهر ~~بالخروج على السلطان، # 12 # ويقاتل في سبيل الشقيقة في طرابلس قتال الأبطال، ويؤمن الذخائر والمؤن في سهل ~~البقاع، ويقوم بحفظ الأمن في القسم الأكبر من البلاد المغلوبة، ويلبي الطلب في هذا الأمر وذاك، # 13 # بينما كان لبنان يصدق هذا السعي لمصر ويبذل طوقه في سبيلها، كانت دمشق تتقاعس ~~عن مساعدة الفاتح المصري، وتنقبض على إسعافه، وزاد تطرفها في هذا الأمر أن أقفلت أبوابها في ~~وجهه، وتجهزت لحربه فتصدت له بالقرب من داريا، قاصدة قطعة عن عزمه وإحالته عن قصده. # 14 # هذه حقيقة تاريخية كنا نرددها بالأمس، ولا نزال نقول بها اليوم، ولكن طالما توخينا ~~وحاولنا أن نعرف أسبابها، فاعترضتنا عقبة السكوت في بعض الأصول، والغموض في غيرها فحبستنا ~~عن حاجتنا، ولم يتوفر لدينا وقتئذ من معالم الطريق سوى بعض الروايات المبهمة، أو الممرضة ~~في مخطوطتي برلين # 15 # ولندن # 16 # وكتاب الدكتور ميخائيل مشاقه المشهور # 17 # وغيره، وبعض الأخبار المفردة الغربية في كتاب «كاد الفان وبارو» ورسالة فيدال وغيرهما. # 18 # فقد جاء في مخطوطة برلين في الكلام عن ثورة دمشق وقتل محمد سليم باشا عام 1831 ~~ما يأتي: «وبعد دخول الوزير بثلاث أيام هرب الجوربجي محمد أغا الداراني بالليل إلى بيت ~~الشوملي بالميدان، فلما بلغ ذلك الوزير اغتاظ، وأرسل له أمرا أنه لا يقعد في حكمه، فالتزم ~~توجهه إلى عكا، ولما مضى من الحصار خمسة عشر يوما شاع الخبر أن الجوربجي الداراني الذي كان ~~هرب إلى عكا، حاضر ms079 منها صحبته كيخية عبد الله باشا، وقبل أن يحضر الجوربجي كانت المادة ~~تناقصت، وبعد حضوره تجسمت، وتقوت المتاريس، والناس تواقحوا وصار الجوربجي رأس الجميع، ~~وظهر أن هذه إرادة عبد الله باشا والي عكا.» # 19 # وجاء في مخطوطة لندن ما نصه: ~~«ومحمد سليم باشا كان يفتكر يجيه إسعاف من جهات، وجميع الناس صاروا ضده من الجملة؛ عبد ~~الله باشا والي عكا، كان يرسل يقوي عبارة أهل الشام كذا شاع عنه.» # 20 # وكذلك الدكتور مشاقه، فإنه قال في مخطوطته المشار إليها سابقا ما يأتي: «ثم حضر من عكا ~~الجربجي الداراني الذي كان نازحا إليها من وجه سليم باشا، والقول إن عبد الله باشا أرسله ~~لإتمام ما جرى بعد ذلك، لغاية ما؛ لأنه كان صاحب سطوة جسيمة بين كبراء دمشق.» # 21 # ولا يخفى ما في هذا القول جميعه من صيغة التمريض والإبهام، كما يتضح من قول ~~المؤرخ المجهول في المخطوطة البرلينية «وظهر» وقول ميخائيل الدمشقي «وشاع» واكتفاء الدكتور ~~مشاقة بكلمة «والقول»، وكذلك فإن قول المؤرخين الإفرنج المشار إليهم آنفا لا يخلو من ~~الترجيم، ولا يخرج بعضه عن حد المظنونات. غير أننا مع إقرارنا بهذا التمريض والترجيم ~~والإبهام كله كنا نأمل أن نستبصر بهذا القول عن مقتل محمد سليم باشا، فنكشف القناع عن موقف ~~الدمشقيين الحقيقي تجاه النزاع الذي وقع بين والي عكة وعزيز مصر وقتئذ، ونحسر اللثام عن ~~أميالهم السياسية. # وهكذا جرى فإننا توفقنا عام 1927 فوجدنا في سجل المحكمة الشرعية بمدينة دمشق رسالتين من ~~عبد الله باشا إلى أهالي هذه البلدة يرجع عهدهما إلى سنة 1831، ويدور منطوقهما حول مقتل ~~سليم باشا وخروج محمد علي باشا إلى سوريا، ومع أننا لم نجد في هاتين الرسالتين نصا صريحا ~~على حقيقة موقف الدمشقيين، فإننا بدأنا آنئذ بالخروج من حيز الظن إلى جهة الترجيح واليقين ~~- ترجيح ما أومأته إلينا تلك المقدمات وما صوره لنا ذلك الظن. # نص الرسالة الأولى: ~~«بيورلدي بختم كبير من حضرة عبد الله باشا، والي عكا صدر الموالي العظام، عمدة العلماء ~~الكرام ونخبة ms080 الفضلاء الفخام ذو الفضل واليقين، رافع أعلام الشريعة والدين وارث علوم ~~الأنبياء والمرسلين، المختص بمزيد عنايت الملك (المعين) قاضي محروسة دمشق الشام حالا أفندي ~~زيدت فضائله، وافتخار العلماء الكرام وزبدة الفضلاء الفخام المأذون بالإفتا أفندي زيدت ~~علومه وفرع الشجرة الزكية وطراز العصابة الهاشمية، قائمقام نقيب الأشراف أفندي، زيد شرفه ~~ومفاخر أقرانهم علماء المدينة وأعيانهما ووجوهها وأرباب التكلم بوجه العموم زيدت مقاديرهم، ~~بعد السلام التام بمزيد الإعزاز والإكرام المنهي إليكم، اطلعنا على عرض محضركم المتضمن ~~التخبير عما حصل من المرحوم محمد سليم باشا وقتله كتخداه، وما حصل بهذه الحركة بينه وبين ~~الحراس وقتله ثلاثة أنفار منهم، وإنه أخيرا جلس على صندوق باروت، وقوصه بيده فاحترق هو ~~والأوده بما فيها، فلما بلغ ذلك أعيان البلدة توجهوا اخرجوا أتباعه بالسلامة، وسيروهم من ~~الشام بالأمن والحراسة، وحررتم الموجودين التي بالأودة التي احترقت بالمشار إليه، وأما أمين ~~بك أفندي المأمور من طرف حضرت ولي نعمتنا الدولة العلية صانها وحرسها رب للبرية، فهو مقيم ~~بالراحة والرفاه في قوناق أسدكم الحاج محمد أغا الداراني، وجميعها شرحتوه وأعرضتوه صار ~~معلوم، فنخبركم أن قبل تاريخه عرض محضركم الذي أرسلتموه لطرفنا قدمنا أعراضه لجناب العتبة ~~العليا الملوكية، فلا زالت على الدوام مصانة ومحمية، صحبة سر تاتاران بابنا، والآن عرض ~~محضركم هذا قدمنا أعراضه أيضا لجانب العتبة العالية الملوكية صحبة تاتاران بابنا، ونحن ~~بانتظار الأوامر الشريفة والإرادة السامية الشاهانية بمصلحة إيالت الشام المراد تكونوا ~~متنبهين لحفظ الموجودات، وراحة البلدة إلى حين ورود الأجوبة لنا من جانب حضرة ولي نعمتنا ~~الدولة العليا والسلطنة السنية أعز الله - تعالى - أنصارها وقوى شوكة اقتدارها، فبناء ~~على ذلك أصدرنا لكم بيور لدينا هذا من ديواننا في قلعة النصر، داخل دار الجهاد محروسة عكا ~~المحمية عن يد رافعه، فبوصوله ووقوفكم على مضمونه تعلموه وتعملوا بموجبه، وتعتمدوه غاية ~~الاعتماد في غرة ج سنة 1247 قيد سند في 6 ج سنة 47 بختم صغير.» # نص الرسالة الثانية: ~~«بيورلدي باختم كبير من عبد الله باشا والي عكا صدر الموالي العظام ms081 عمدة العلماء الكرام، ~~ونخبة الفضلاء (الفخام) معدن الفضل واليقين رافع أعلام الشريعة والدين وارث علوم الأنبياء ~~والمرسلين، قاضي محروسة الشام حالا مولانا أفندي زيدة فضائله وافتخار العلماء الكرام ونخبة ~~الفضلاء الفخام المأذون بالإفتا بها أفندي زيدة علومه، وفرع الشجرة الزكية وطراز العصابة ~~الهاشمية قائمقام نقيب السادة الأشراف أفندي زيد شرفه ومفاخر العلماء الكرام، ونخبة ~~المدرسين الفخام وزبدة العلماء العظام علماء المدينة ومدرسينها وصلحائها زيدة علومهم وفضلهم ~~وصلاحهم، ومفاخر الأماجد والأعيان وجوه وأعيان المدينة وأرباب التكلم ومقارشين الأمور زيد ~~مجدهم وقدرهم، بعد التحية والتسليم بمراسم الإعزاز والتكريم، والسؤال عن خواطركم المنهي ~~إليكم، اطلعنا على عرض محضركم المتضمن توارد الأخبار لطرفكم عن قدوم عسكر والي مصر إلى ~~إيالات بر الشام، ودخوله إلى غزة ويافا وإنه مرسل مراكبه بحرا وبوجه الفراسة تحققتم إن ذلك ~~خروج على السلطان، لزم عقدتم مجلس عمومي بحضور جميعكم وتفاوضتم بأمر هذا الخارجي، والجميع ~~منكم بقول واحد وقلب واحد اتفقتم، أن جميعكم عبيد حضرة ولي نعمتنا الدولة العليا والسلطنة ~~السنية أعز الله أنصارها وقوى شوكة اقتدارها وأعدا لمن عاداها وأصدق لمن صادقها وجميعكم ~~بهذا الاتفاق كجسم واحد بإطاعتنا، وتحت أوامرنا وجميع ما شرحتوه ووضحتوه حرفا بحرف صار ~~معلوم، فنخبركم أن الأمر كما تحققتم، ووالي مصر بوجه الخروج على السلطان تجرأ على الفعل ~~الوخيم العواقب، وأرسل عساكره وتكناته المنحوسة لأجل الاستيلاء على هذه المماليك الشامية، ~~التي هي وإيالت مصر أيضا ملك حضرة مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن، ومن المحقق تقارب ~~الأجل، وحلول أوان زوال النعم أغراه لهذا الخروج الذي عواقبه الدمار والبوار وقلع الآثار، ~~ولقد أصبتم بما عقدتم عليه رأيكم واتفقتم عليه بقلوبكم، وهو بلا شك موجب لكم سعادة الدارين، ~~ولقد انحظينا الحظ التام من ارتباطكم للخدامة الصادقة أمام حضرة ولي نعمنا الدولة العليا ~~صانها وحرسها رب البرية؛ إذ نحن بحوله تعالى وقوته وباهر جلال عظمته بغاية القوة والاستعداد ~~والنشاط التام لخدامة حضرة ولي نعم العالم، وسبب أمن وراحة بني آدم ظل الله الظليل سلطان ~~السلاطين وخاقان الخواقين - أعزه الله ms082 بنصره المبين - وقهر أعداء الخاسرين انكان بلقاء هذا ~~الخارجي وضربه وتدميره، وانكان بجميع الخدامات والمأموريات، فأنتم يلزم تقووا اعتصابكم ~~واعتضادكم هذا، وتنشطوا العزائم الإسلامية بهذا الاتفاق الحسن الذي فيه خير الدنيا والآخرة ~~وتكونوا منتظرين أوامرنا، فبناء على ذلك أصدرنا لكم بيورلدينا هذا من ديواننا في قلعة ~~النصر، داخل دار الجهاد محروسة عكا المحمية بوصوله واطلاعكم على مضمونه تعتمدوه غاية ~~الاعتماد، وتداوموا على خير الدعاء بالأماكن والأوقات المظنونة الإجابة بدوام سرير سلطنة ~~حضرة مولانا السلطان نصره العزيز الرحمن، وخلد سرير سلطنته العظماء إلى انتهاء الأزمان ~~وانقراض الدوران، هذا ما لزم أخباركم والدعاء في 11ج سنة 247 قيد سند 14ج سنة 247.» # إثبات الأصلية وإقرار المضمون # هذا هو نص هاتين الرسالتين كما عرفناه في سجل المحكمة المذكورة، وقد أبقيناه على حاله ~~بحروفه وغلطاته، ونحن نرى في وجود هاتين الرسالتين ضمن سجل رسمي يرجع عهده إلى ذلك ~~الزمن دليلا قويا يثبت أصليتهما ويقرها بوجه الإجمال، ولنا أيضا في صحة أصل الصكوك ~~الشرعية التي ترد قبل هاتين الرسالتين في السجل نفسه، وبعدهما ما يقوي اعتقادنا في ~~سلامة أصلهما وعدم تزويره، وبعد المقابلة بين نص هاتين الرسالتين ونصوص غيرهما من رسائل ~~عبد الله باشا التي تحمل ختمه وإمضاءه، والتي لا تزال محفوظة حتى الآن لدى أرباب البيوت ~~الكبيرة في فلسطين وسوريا تمكنا من الوقوف على دليل آخر يدعم هذا الإثبات ويؤيده. فإنك ~~لو طلبت المجموعة الفاهومية في الناصرة، وأخذت بيدك مراسيم هذا الباشا إلى الشيخ عبد ~~الله الفاهوم وغيره لوجدت فواتحها وخواتمها كفواتح هاتين الرسالتين وخواتمها بالضبط. ثم ~~إننا لا نجد فرقا بين لغة وأسلوب هاتين وتلك. # ويصح لنا بناء على هذا الإثبات للأصلية أن نقول: إن أهالي دمشق ودعوا عبد الله باشا ~~خيرا، فقال: إنه اتعد، وإنهم قالوا: إنهم فعلوا ذلك لخروج محمد علي باشا على السلطان، ~~وإن عبد الله شدد عزائمهم ونشط قلوبهم، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين لطلب تزكيتين على ~~الأقل مستقلتين، الواحدة عن الأخرى، لتأييد كلام الدمشقيين في سبب انقباضهم عن إسعاف ~~الباشا ms083 المصري، ومقاومتهم إياه، ولما كان هذا العدد والنوع من التزكيات الفنية غير ~~متوفر لدينا الآن، لا نرى مناصا من الاكتفاء بالقول إن الدمشقيين «قالوا»: إنهم قاوموا ~~المصريين لأن هؤلاء خرجوا على السلطان، وإنهم - أي الدمشقيين - اشتهروا بتعصبهم ~~ومحافظتهم على التقاليد القديمة، دينية كانت أم اجتماعية. # 22 # ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟ أم هناك دخلة مكنونة لا بد لنا من إظهار بعضها وإماطة ~~اللثام عنها. نقول: نحن على مرية من أمر مقتل الباشا كما ورد في الرسالة الأولى، وقد ~~ترددنا ولا نزال نتردد في صحته لغرابته ومخالفته الأصول المعروفة. قال المؤرخ الدمشقي ~~المجهول واضع مخطوطة برلين المشار إليها سابقا: «وفي الساعة الواحدة من الليل أحضروا ~~كيخية سليم باشا، وخاله من بيت المفتي إلى عنده، وقالوا لهم: إن الوزير طالبكم، ودخل ~~أولاد البلد الساعة الرابعة من الليل، قتلوا كيخية الوزير وخاله والقبجي والسلحدار ~~والخزندار والمهردار، وكان الوزير حينئذ في القاعة، فسمع العكرة بأرض الدار فسكر الباب ~~من جوا، وكان عنده مملوك وطواشي، صاروا يدكوا له، وهو يقوص حتى قتل ستة أنفار من أولاد ~~البلد، وبعد هذا طلع ناس إلى ظهر القاعة، حفروه ونقبوه وقوصوه فرموه، وأناس علقت النار ~~في باب القاعة ... وهو وقع من القواص، فلحقته النار احترقت ذقنه وشواربه وتشلوط كل بدنه ~~ولا يعاد ينعرف شكله.» # 23 # ويزكي قول هذا المؤرخ ما جاء في الجواب على اقتراح الأحباب للدكتور مشاقه، ~~وفي حوادث الشام ولبنان، ولعلها لمخائيل الدمشقي، وكتاب الروضة الغناء لنعمان القساطلي. # 24 # ولا يخفى ما في هذا القول المزكي من المناقصة لقول الدمشقيين أنفسهم، فهم ~~يقولون: إن سليما قتل نفسه، والمؤرخون المعاصرون يقولون: إنهم هم قتلوه. فأي القولين ~~نقبل؟ نقول: تدل محتويات المخطوطة البرلينية أن كاتبها كان دمشقيا # 25 # من وجهاء الطائفة الأرثوذكسية المسيحية، وأنه كان في إمكانه أن يشاهد بعض ~~ما يرويه عن مقتل الباشا، وأنه كان يدون رواياته حين وقوع حوادثها أو بعد ذلك بزمن ~~يسير. هذا ولا نعرف له مصلحة؛ كان بإمكانه أن يخدمها بقوله ms084 هذا أو ظروفا كانت تضطره ~~لتزوير شيء عن مقتل الباشا، أو أنه كان يتودد للعامة فيكتب ما يرضيهم، فهو لم يذكر اسمه ~~ولا مهنته، ولم يقصد نشر مخطوطته على ما نعلم. # 26 # وكذلك فإن الدكتور مشاقة ونعمان القساطلي اشتهرا بنباهتهما وتدقيقهما ~~وأمانتهما أيضا. # 27 # أما عريضة الدمشقيين فإنها وضعت لاستعطاف أولياء الأمر آنئذ، وكتبها أناس ~~اتهموا بقتل الوالي نفسه، وعرفوا بانخراعهم من جراء ذلك وخوفهم وجبنهم. # 28 # وبناء على هذا كله نرى أنفسنا مضطرين الآن أن نرجح صحة أقوال المؤرخين ~~المعاصرين، ونكذب الأعيان الدمشقيين. # فإذا صح أن الدمشقيين قتلوا واليهم، وأنهم حذروا بطش الآستانة من جراء ذلك فأظهروا ~~علامات الجبن والخوف، وأنهم فاوضوا عبد الله باشا في الأمر، وطلبوا إليه أن يتوسط بينهم ~~وبين الآستانة، ويستعطف السلطان عليهم، وإذا صحت الإشاعة أنه كان لعبد الله يد في ~~مقتل الباشا، إذا صحت هذه الأمور جميعها، أفلا يصح لنا أن نقول: إن ما اقترفه ~~الدمشقيون من الإثم في مقتل الباشا، وانخراعهم في عقابه، ربما كان سببا من أسباب ~~اتحادهم مع عبد الله باشا ومقاومتهم للفاتح المصري؟ # للدرس والتطبيق: ويجدر بالقارئ أن يطالع بإمعان وتدقيق ما قاله الأستاذ جبرائيل في ~~موت عمر بن أبي ربيعة في الجزء الثاني من مؤلفه المشهور، وإليك نصه: ~~«ولعل أخفى ما في تاريخ عمر أمر موته؛ وهو شيء غريب، فالرواة والمؤرخون عودونا أن ~~يختلفوا في أمر ولادة بطل أخبارهم؛ لأن أحدا من الناس لم يؤت النبوة ليعلم أن هذا ~~الصغير الذي يوضع سيكون له شأن، أما أن يختلفوا في ظروف موت شاعر طبق صيته العالم ~~العربي فأمر ذو بال. # غريب جدا أن يكون شاعر مثل عمر ملأ الدنيا بحق، وشغل الناس - نساء ورجالا - ثم ~~يموت فيجهل الرواة أمر موته ويختلفون في سببه وموضعه، فيزعم بعضهم أنه قضى في الشام، ~~ويزعم آخرون أنه مات غرقا في دهلك، ويذهب فريق إلى أنه مات من مرض أصابه، ويذهب آخرون ~~إلى أنه غزا في البحر فاحترقت السفينة به، ويذهب غيرهم إلى أن ms085 امرأة شبب بها ظلما، ~~فدعت عليه فقتله دعاؤها، ويضطرب حبل الرواة في تعيين سنة موته، فيرى بعضهم أنها كانت ~~ثلاثا وثمانين للهجرة، يرى آخرون أنها ثلاث وتسعون، ويمد فريق ثالث بعمره، فيجعل سنة ~~وفاته الواحدة بعد المائة، ولسنا نرى بدا بعد هذا الاضطراب والتشويش من عرض هذه ~~الروايات المختلفة للدرس والنقد، علنا نستطيع أن نتوصل إلى الحقيقة.» # أما أقدم هذه الروايات وأكثرها انتشارا في كتب السلف، وأشدها أثرا في نفوس الأدباء ~~العرب في هذا العصر وأحظاها قبولا عندهم، فهي تلك التي تنص على أن الخليفة عمر بن عبد ~~العزيز نفى ابن أبي ربيعة إلى دهلك # 29 # فغزا بالبحر فأحرقوا سفينته فاحترق، ولعل أقدم من ذكر هذه الرواية وأظهر ~~سبب وجود عمر في دهلك ابن قتيبة في كتاب «الشعر والشعراء» # 30 # وقد سبقه الجاحظ فذكر في «البيان والتبيين» خبر احتراق السفينة بعمر # 31 # ولكنه لم يذكر من الذي دفع بعمر إلى أن يغزو في البحر، ويظهر أن الجاحظ ~~وابن قتيبة أشفقا على عمر فختما له بالشهادة على هذه الصورة، وزعما أن عبد الله بن عمر ~~قال: فاز عمر بن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة؛ فغزا البحر فأحرقوا سفينته فاحترق، وقد ~~جارى الجاحظ وابن قتيبة في ما ذكراه عن استشهاد عمر في البحر كثيرون من المتأخرين نذكر ~~منهما ابن خلكان # 32 # والدميري # 33 # والسيوطي # 34 # والحنبلي # 35 # والعيني # 36 # والبغدادي، # 37 # ولعلهم قد ارتاحوا لسماع هذا الخبر فدونوه فرحين مطمئنين. أوليس حسنا أن ~~تختم حياة عمر في الجهاد؟ أوليس عظيما أن ترجع هذه النفس الضالة إلى رشدها، فيكفر ~~صاحبها عن سيئاته بالغزو فيموت شهيدا؟ والأغلب أن شيئا من هذا لم يجر، وهذه الرواية ~~في نظرنا أبعد الروايات عن الحقيقة. ذلك أن عمر بن عبد العزيز اعتلى عرش الخلافة سنة ~~تسع وتسعين كما هو مشهور، فلو فرضنا أن ابن أبي ربيعة قد عاش إلى ذلك الزمن، فقد دخل في ~~السادسة والسبعين من عمره، ونحن نعلم أنه كان زمن الوليد بن عبد الملك شيخا كبيرا ms086 ~~مسنا يتوكأ على مولى له لضعفه، فكيف يخشى شر هذا فينفى؟! وكيف يغزو مثل هذا في ~~البحر؟! والغريب أن كثيرا من هؤلاء الذين دونوا هذه الرواية ذكروا أن موت ابن أبي ~~ربيعة قد وقع سنة ثلاث وتسعين. أي قبل استخلاف عمر بن عبد العزيز بست سنوات، ولم يتصد ~~منهم أحد منهم لنفيها. زد على هذا أن روايتي الجاحظ وابن قتيبة تذهبان إلى أن عبد الله ~~بن عمر قص هذا الخبر على ابن أبي ربيعة، وزعم أنه في موته شهيدا قد فاز بالدنيا ~~والآخرة - كسب الدنيا حين تمتع بملذاتها، والآخرة حين مات شهيدا - ولسنا نعلم كيف ~~تورط الجاحظ وابن قتيبة في مثل هذا الخطأ، فقبلا الرواية المدسوسة على عبد الله بن ~~عمر، وعبد الله بن عمر قد مات سنة أربع وسبعين # 38 # أي قبل أن يصبح ابن عبد العزيز خليفة بخمس وعشرين سنة، وقبل أن يموت عمر ~~بن أبي ربيعة بزمن طويل. # وإذا فرواية الجاحظ وابن قتيبة مضطربة ضعيفة، ولنذكر أن أبا الفرج كتب أوفى ترجمة ~~لحياة عمر، ولم يذكر هذه الرواية، وأننا نذهب إلى أبعد من نفي موته شهيدا في البحر، ~~فننفي أيضا أمر تسييره إلى دهلك؛ إذ ليس في كل أخباره ما يفيد أنه نفي إلى دهلك غير ~~هذه الرواية التي تشير إلى موته في البحر، ولعل مصدرها أن عمر بن عبد العزيز نفى الأحوص ~~- فيما يزعمون - إلى دهلك، والرواة يعلمون أن عمر لم يكن بالفاسق اليسير، وإذن فلينف ~~مع الأحوص، قالوا: فلم يكن لعمر بن عبد العزيز حين ولي الخلافة من هم سوى الأحوص وابن ~~أبي ربيعة، وغريب أن ينفي مثل عمر إلى دهلك، ولا تحفظ عنه أخبار أو أشعار في ذاك، ~~بينما يذكر لنا الرواة أن أهل دهلك يأثرون عن الأحوص الشعر، وعن عراك بن مالك في الفقه # 39 # وقد خلط الرواة بين الأحوص وعمر كثيرا، ونسبوا لهذا بعض ما وقع لذاك # 40 # فليس غريبا أن يجمعوا بينهما في المنفى، ولكن الأحوص أعيد من منفاه # 41 # فما ms087 بقي لعمر إلا أن يموت شهيدا، ومن الممتع أن نعلم أن هناك من يزعم أن ~~ابن حزم عامل الوليد بن عبد الملك على المدينة، هو الذي نفى الأحوص إلى دهلك لا عمر بن ~~عبد العزيز. # 42 # بل هناك من يزعم أنه عامل سليمان. # 43 # ورواية ثالثة تذهب إلى [أن] الأحوص نفي إلى اليمن. # 44 # ولرب معترض يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان واليا على المدينة للوليد بن عبد الملك ~~سنة سبع وثمانين # 45 # فما الذي يمنع أن يكون، وهو وال قد نفى عمر إلى دهلك؟ وهنا نجيب أن أحدا ~~من الرواة لم يزعم هذا الزعم، وأن أخبار موته الأخرى تناقضه كما سيجيء معنا. # وهناك رواية ثانية في موت عمر تذهب إلى أن عمر نظر في الطواف، ذات سنة إلى امرأة ~~شريفة من أحسن خلق الله وجها فذهب عقله عليها، وكلمها فلم تجبه، فقال فيها: # الريح تسحب أذيالا وتنشرها # يا ليتني كنت ممن تسحب الريح # كيما تجر بنا ذيلا فتطرحنا # على التي دونها مغبرة سوح # أني بقربكم أم كيف لي بكم # هيهات ذلك ما أمست لنا روح # فليت ضعف الذي ألقى يكون بها # بل ليت ضعف الذي ألقى تباريح # إحدى بنيات عمي دون منزلها # أرض بقيعانها القيصوم والشيح # فبلغها شعره فجزعت منه، فقيل لها: اذكريه لزوجك ~~فإنه سينكر عليه قوله، فقالت: كلا والله لا أشكوه إلا إلى الله، ثم قالت: اللهم إن ~~كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح، فضرب الدهر من ضربه، ثم إنه غدا يوما ~~على فرس؛ فهبت ريح فنزل فاستتر بسلمة فعصفت الريح فخدشه غصن منها فدمي وورم به ~~ومات من ذلك. # 46 # وقد قبل هذه الرواية فيما يظهر أبو الفرج الأصبهاني، واكتفى بها ودونها ~~في آخر أخباره عن حياة عمر، ونقلها عنه البغدادي صاحب خزانة الأدب مثل ما نقل عن ابن ~~قتيبة الرواية الأولى دون أن يؤثر واحدة على الأخرى. # 47 # ولعل صاحب هذه الرواية لم يكن مشفقا على عمر، بل أراد أن ينتقم الله من ms088 ~~عمر، لهؤلاء النساء الشريفات اللواتي كان يشبب بهن، فأماته بدعاء واحدة منهن، ولو ~~شئت أن أعدد للقارئ أخبار من مات من العرب بدعاء أحد الناس عليه، لطال بي المقام، ~~ومهما يكن من الأمر فالصنعة ظاهرة في هذه الرواية، والاختراع بين في هذه المصادفات ~~الغريبة التي تتابعت على هذا النحو، ليتم دعاء هذه المرأة على عمر. زد على هذا أن أبا ~~الفرج قد تفرد بذكرها، وقد أسندها إلى رجل باسم ثعلبة بن عبد الله بن صعير، وفي هامش ~~طبعة دار الكتب للأغاني أن لهذا الرجل صحبة ولابنه رؤية. # 48 # ونحن نستبعد أن يعيش إلى أواخر القرن الأول للهجرة رجل كانت له صحبة مع ~~النبي، ولابنه رؤية، ونستبعد أيضا أن يقص مثل هذا الصحابي خبرا عن موت شاعر قضى ~~في أواخر القرن الأول. # ورواية ثالثة يذكرها البلاذري تذهب إلى أن عمر مات بالشام قال: فحدثت أن عمر بن أبي ~~ربيعة المخزومي لما نعي، وكان موته بالشام، بكت عليه مولدة من مولدات مكة كانت لبعض ~~بني مروان، فجعلت توجع له وتفج عليه، وقالت: من لا باطح مكة بعده، وكان يصف حسنها ~~وملاحة نسائها. فقيل لها: إنه قد حدث فتى من ولد عثمان بن عفان يسكن بعرج الطائف، ~~شاعر يذهب مذهبه. فقالت: الحمد لله الذي جعل له خلفاء، سريتم، والله عني. # 49 # وهذه الرواية تتفق مع رواية رواها الأصبهاني في ~~أكثر أجزائها، والاختلاف الوحيد هو أن الأصبهاني يروي أن الجارية حبشية، وكانت ~~بالمدينة، فلما أتاهم موت عمر جزعت، تعين رواية الأصبهاني أين حدثت وفاة عمر. # 50 # وقد ذكر الحصري الرواية نفسها، ولكنه لم يذكر أن موت عمر كان بالشام، بل ~~زعم أن الجارية كانت في الشام. # 51 # وقد أورد الأصبهاني مضمون الرواية نفسها في موضع آخر؛ غير أن الشاعر فيها ~~الذي زعموا أنه خلف عمر هو الحارث بن خالد المخزومي لا العرجي. # 52 # وسواء أكانت الجارية في الشام أم في المدينة، وسواء أكان الذي خلف عمر في فنه وغزله ~~الحارث أم العرجي، فإن هذا ms089 الخبر - إن صح - يفيد أن عمر مات قبل خلافة عمر بن عبد ~~العزيز؛ لأن العرجي والحارث عرفا وشهرا قبل ذلك الزمن. يؤيد هذا إشارة في الأغاني إلى ~~أن الثريا صاحبة عمر، وفدت على الوليد بن عبد الملك بعد أن مات زوجها، فسألها الخليفة: ~~هل تحفظ شيئا من شعر عمر فيها؟ فقالت: أي نعم - يرحمه الله - وفي بعض الروايات - رحمه ~~الله، وأنشدته شيئا من شعره. # 53 # ولعل في هذا القول إشارة إلى أن عمر قد مات قبل آخر خلافة الوليد ~~هذا. # وللأصبهاني رواية أخرى تذهب إلى أن عمر مات موتا يقول فيها: أنه لما مرض عمر مرضه ~~الذي مات فيه جزع أخوه الحارث ... إلخ. # 54 # وهذه الرواية تشير إلى أن عمر مات من مرض، وأن موته كان قبل موت أخيه، وقد ~~كان أخوه شابا مدركا في خلافة ابن الخطاب، وهذا الخبر يبعد احتمال وقوع موت عمر بعد ~~سنة 93ه، وقد أورد الأصبهاني أيضا أن عمر مات، وقد قارب السبعين أو جاوزها. # وهناك رواية تفرد بذكرها فيما نعلم أبو المحاسن بن تغري بردي، لم يشر فيها إلى سبب ~~موت عمر بل اكتفى بقوله: إن عمر مات سنة مائة وواحدة؛ أي سنة مات عمر بن عبد العزيز نفسه. # 55 # ولسنا نعلم من أين استقى أبو المحاسن هذا الخبر، والغريب أنه نقل عن ابن ~~خلكان شيئا من كلامه عن ابن أبي ربيعة، ولكنه لم ينقل سنة الوفاة عنه، ولا هو أشار إلى ~~اختلافها عما ذكر هو نفسه، وليس لدينا إلا فرض واحد نستطيع فرضه الآن، وهو أن ابن خلكان ~~ذكر في ترجمة حياة عمر التي تبلغ نحو صفحتين من طبعة بولاق روايتين مختلفتين عن سنه حين ~~مات؛ واحدة تشير إلى أنه كان ابن سبعين، وأخرى أنه كان ابن ثمانين، وقد تلا ذكر هذه ~~السنين خبر عن موت والد عمر سنة ثمان وسبعين، فلا يبعد أن يكون أبو المحاسن أراد أن ~~يجمع سن عمر إلى سن مولده؛ ليذكر متى مات، فجمع خطأ سنة موت والده ms090 المذكورة؛ وهي 78 إلى ~~27 وهي سنة ولادة عمر فبلغ 101، وهي السن التي ذكرها، ولا بد لنا من القول إن أبا ~~المحاسن من المتأخرين، وليس في كل المصادر التي طالعنا ما يسنده في روايته، وإذن فإنا ~~لا نرى داعيا لقبولها. # بقي رواية تشير إلى أن عمر مات سنة 93 للهجرة، ذكرها حاجي خليفة في كتابه «كشف ~~الظنون» عند ذكره ديوان عمر، # 56 # وهي تتفق مع أكثر الروايات القديمة في تعيين التاريخ، ولعل حاجي خليفة قد ~~نقلها عن بعض المصادر القديمة، واكتفى بها دون ذكر سبب الموت. # وقد ذكر الدميري رواية ابن قتيبة في أن عمر غزا في البحر واحترقت سفينته، ولكنه جعل ~~سنة الموت ثلاثا وثمانين. # 57 # ولعل الرقم خطأ مطبعي أو نسخي أو لعل الدميري أخذ روايته عن كتاب ابن ~~خلكان؛ حيث نجد أن الهيثم بن عدي زعم أن عمر ولد سنة ثلاث عشرة، فقبل الدميري هذه ~~الرواية، وأضاف إليها سن عمر - سبعين وجعل سنة وفاته ثلاثة وثمانين. # نرى بعد هذا كله أن نرفض خبر موته غرقا أو حرقا، وألا نقبل أنه مات بعد سنة 93ه، ~~وكذلك نستبعد خبر موته من غصن أدماه بعد ريح تهب عليه لكي يستجاب دعاء امرأة شبب ~~بها، ونحن نعلم أنه كان شيخا ضعيفا في آخر حياته يتوكأ على مولى له، ولا يقوى مثل ~~هذا على ركوب الخيل في الصحاري أو ركوب البحر للغزو، ~~فلا يبقى لدينا إلا أنه مرض ومات وقد قارب السبعين، ولنذكر أن عمر كانت تنتابه حمى ~~البرداء، وقد ارتحل مرة إلى اليمن ومرض فيها واضطرته الحمى أن يمكث هناك، فنظم قصيدة ~~يصف فيها مرضه ويشكو سوء حاله وحال رفاقه، ويعتذر إلى صاحبة له: # أرقت ولم يمس الذي اشتهي قربا # وحملت من أسماء إذ نزحت نصبا # لعمرك ما جاوزت غمدان طائعا # وقصر شعوب أن أكون بها صبا # ولكن حمى أضرعتني ثلاثة # مجرمة ثم استمرت بنا غبا # ومجلس أصحابي كأن أنينهم # أنين مكاك فارقت بلدا خصبا # فإنك لو أبصرت يوم سويقة # مقامي ms091 وحبسي العيس مطوية حدبا # إذا لاقشعر الرأس منك صبابة # ولاستفرغت عيناك من عبرة سكينا # 58 # وظاهر من وصفه لهذا المرض أنه البرداء، تلك الحمى التي تأتي غبا؛ أي تأخذه يوما ~~وتدعه آخر، وليس غريبا أن تكون هذه الحمى قد عاودته - ومن شأنها المعاودة - فمات منها، ~~ولكن أين مات؟ ذلك أمر لا نستطيع الجزم فيه، ويلوح لنا من اختلاف الرواة أنه لو كان ~~عمر قد مات في مكة أو المدينة لكان من السهل على الرواة أن يعرفوا ذلك، ويظهر أن سبب ~~اختلافهم يعود إلى أن عمر قد مات بعيدا عن الحجاز، ونستبعد أن يكون مات بالشام كما ~~يروي البلاذري، ولعل كلمة الشام في رواية البلاذري مصدرها أن الجارية المكية التي حزنت ~~لموت عمر قد صارت إلى بني مروان في الشام، وأغلب الظن أن عمر قد مات في اليمن وقد كان ~~له مزارع فيها، ورثها إما عن أمه أو عن أبيه، وكان ابنه جوان أيضا عاملا على تبالة، ~~فليس بعيدا أن يكون عمر قد قضى آخر حياته في بلد أمه وأخواله أو عند ابنه، وليس غريبا ~~أن يكون أخوه الحارث معه كما تشير رواية مرضه، ولنذكر أن المصادر التي بين أيدينا لا ~~تذكر شيئا عن الحارث بعد زوال سلطة آل الزبير، فلعله قد انقطع عن السياسة أو أقصي ~~عنها، آثر أن يعيش بعيدا عن الحجاز في آخر حياته، أو لعل أخاه عمر قد بعث وراءه في ~~مرضه الأخير ليكون عنده. # ولعمر ثلاثة أبيات شعر تقع في آخر بعض نسخ الديوان ~~الخطية وفي آخر طبعة أوروبة، ربما كان وقوعها هنا إشارة إلى أنها آخر شعر قاله، وفيها ~~يشير إلى مرضه بعيدا عن «أجياد» منازل قومه في مكة يشكو فيها قلة عواده: # سقى سدرتي أجياد فالدومة التي # إلى الدار صوب الساكب المتهلل # فلو كنت بالدار التي مهبط الصفا # سلمت إذا ما غاب عني معللي # هنالك لو أني مرضت فعادني # كرام ومن لا يأت منهن يرسل # والخلاصة: # أن الروايات متعددة ومتضاربة، والخطأ في ~~بعضها ظاهر، ms092 وأصحابها بعيدو العهد بعمر، فإن الجاحظ، وهو أقدمهم بدأ حياته الأدبية بعد ~~موت عمر بنحو ثمانين، ولم يعن بدرس حياة عمر، بل ذكر خبر موته عرضا، وقد كان هو وابن ~~قتيبة قليلي التدقيق في هذا الأمر. أما البلاذري فقد تفرد بذكر موت عمر بالشام، ولم ~~يسند روايته أحد، وأما الأصبهاني فبالرغم من أنه كتب أخباره مسندة إلى رواتها، فإنه قد ~~تأخر أكثر من مئتي سنة عن عمر، ويصعب علينا الآن متابعة الإسناد في رواياته لقلة ~~المعلومات التي لدينا عن رجال السند في الروايات الأدبية، فإن أحدا من الناس لم يعن ~~بهم عناية رجال الحديث برواته. أما المتأخرون فقد أخذوا عن الذين ذكرنا، وليس هناك ~~قيمة لأقوالهم في هذا الصدد، وفي مثل هذا الاضطراب في الروايات لا نرى شيئا ينير ~~سبيلنا سوى شعره الذي يؤيد رواية مرضه، فأغلب الظن إذا أنه مات من مرض - ربما في اليمن ~~- وكان موته كما تتفق أكثر هذه الروايات في حدود سنة ثلاث وتسعين للهجرة. # الباب الثامن # | الربط والتأليف # وبعد التثبت من صحة الروايات يشرع المؤرخ في التأليف وربط الروايات المختلفة. فينتفي ~~البعض منها، ويصرف النظر عن البعض الآخر، ثم ينسق ما انتفى منها، فينظمه ويجعله وحدة ~~متجانسة متآلفة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. # توطئة عامة # ويحسن بالمؤرخ المستجد أن يذكر بادئ ذي بدء أن ربط الحقائق التاريخية وتأليفها يختلف ~~عن الربط والتأليف في العلوم الطبيعية. فعلماء الطب والحيوان مثلا يشاهدون الجسد ~~بتمامه أولا، فيدرسونه درسا إجماليا وافيا. ثم يشرحونه فيقسمونه إلى الأجزاء ~~التي يتركب منها، وبعد التدقيق التام في هذه الأجزاء والتعرف إلى وظائفها وأعمالها ~~يستطيعون أن يقابلوا فيما بينها، ويتعرفوا إلى العلاقات التي تربط بعضها إلى بعض، ~~فيدونون هذه الحقائق المفردة التي يتوصلون إليها، ثم يعودون إلى ربطها وتأليفها، ~~فيتبعون خطة عينتها الطبيعة تكون ماثلة أمامهم. بل إنهم يستطيعون أن يتناولوا مجموعة ~~واحدة يقابلونها على مجموعة أخرى باعتبار كل من المجموعتين وحدة قائمة بنفسها، ~~وكأنهم بذلك أتموا مقابلة كل واحد بكل آخر، فيرون نقط ms093 التشابه بين هذا وذاك، ويصنفون ~~هذه الوحدات على أساس التشابه بينها، وهذا درس علمي حقيقي قوامه التحليل أولا ثم الربط ~~والتأليف بين أجزائه، ثم المقابلة والاستدلال القياسي. # على أن ظروف المؤرخ في الواقع، تختلف كل الاختلاف عما تقدم؛ فحقائقه المفردة هي غير ~~الحقائق المفردة في العلوم الطبيعية؛ إذ جل ما يمكنه الاعتماد عليه، في مثل هذه الظروف، ~~هو كلام الغير عن وقائع الماضي لا الوقائع نفسها، وليس بإمكانه أن يشاهد المجموع الذي ~~تفرعت عنه مفردات الحقائق، كما وأنه يجهل الأسس التي كانت تربط مثل هذه الحقائق لتؤلف ~~منها الكل؛ وإذا فمن العبث أن نربط الحقائق المفردة في التأريخ كما يربط علماء الطبيعة ~~حقائقهم، وعلينا، والحالة هذه أن نستنبط طريقة خصوصية لربط الحقائق المفردة نتذرع بها ~~للوصول إلى اليقين أو ما يقارب اليقين. # ولنذكر أن الحقائق المفردة التي تثبتنا من صحتها، تكون إما آثارا حقيقية تخلفت عن ~~السلف كالأهرام في مصر مثلا، أو وقائع السلف كعمل معين أو قول معروف، أو دوافع معنوية ~~كانت مكنونة في صدور الناس أفرادا وجماعات، وبعبارة أخرى، إن ما تثبتنا من صحته من ~~الحقائق المفردة يكون واحدا من ثلاثة؛ إما أثرا ملموسا، أو عملا محدودا، أو ~~دافعا نفسيا معينا، ولو كانت العلوم النفسية والاجتماعية قد ماشت العلوم الطبيعية ~~في تقدم أساليبها وأبحاثها ونتائجها لما كان عسيرا علينا اليوم، أن نهتدي بشكل علمي ~~جازم إلى معرفة الأعمال والدوافع الماضية التي أشرنا إليها، وربما كنا لا نفرق ~~التاريخ عن العلوم الجازمة. أما وحالة العلوم الاجتماعية والنفسية لا تزال قاصرة، فلا ~~يبقى سوى تخيل الماضي وفرض استمرار بعضه وتكراره في الحاضر. فنقول مثلا بعامل الجوع ~~في الماضي، ونتوقع تأثيره في ظروف معينة كما نفعل في الحاضر، وننظر في الإقليم وأثره في ~~المجتمع كما يتبين لنا بعض ذلك من الظروف الحاضرة، ونفرض التعاون بين الأفراد في بعض ~~الأزمنة الغابرة لدرء الأخطار كما يفعل بنو جنسهم في هذه الأيام، وهلم جرا، ولولا هذا ~~لما جرؤ البعث على القول بأن بعض التاريخ ms094 يعيد نفسه؛ نعم بعضه لا كله، ولو كان التاريخ ~~يعيد نفسه لما أقدم العلماء على درسه وتعميم فوائده، وإذا فهنالك فروق بين الماضي ~~والحاضر لا بد من تبيانها أيضا والانتباه إليها. # ولهذا يترتب على المؤرخ عند بدء العمل في ربط الحقائق المفردة وتأليفها أن يتخيل ~~لنفسه من مظاهر المجتمع الحاضر ما يفترض وجوده في الماضي، ثم ينظم حقائقه المفردة حول ~~أساس ما تخيل وجوده بالقياس، وإذا فعل هذا فسرعان ما يرى أن الحقائق المفردة تتوفر في ~~بعض النواحي، وتعدم في البعض الآخر، فيحدث هذا فراغا في بعض الأحيان لا بد من ~~تلافيه، ولدى الانتهاء من هذه المرحلة يبدأ في المقابلة والمقارنة بين الحقائق التي ~~تكتلت حول مواضيعه، فينتقل إلى تعليلها وإيضاحها وإصدار الأحكام العامة عنها. # وليس في وسعنا بهذه المناسبة؛ إلا أن نلفت النظر إلى وجوب التعاون بين عدد من ~~المؤرخين، لأجل البحث في موضوع تاريخي واحد؛ وذلك لأن ما يتطلبه مصطلح التاريخ من شتى ~~أنواع البحث والتنقيب قد لا يتمكن شخص واحد من القيام بأعبائه، وأقل ما يجب الالتفات ~~إليه، هو التمحيص والتدقيق في استنتاجات المؤرخين المعاصرين وأساليبهم في البحث، قبل ~~قبول أقوالهم والاعتماد عليها. # الانتقاء # ولا مفر من المفاضلة بين الحقائق المفردة، والاستمساك ببعضها، وصرف النظر عن البعض ~~الآخر. فإنها تكثر في غالب الأحيان، فتربو على الألوف وعشرات الألوف، ويضطر المؤرخ إما ~~لضيق وقته أو لقلة مورده أن ينتقي مما تجمع لديه من الحقائق ما يؤثره على غيره، فيجدر ~~به أن يتبع خطة معينة في الانتقاء. # ولا نرى في مثل هذه الظروف أفضل من تنسيق الحقائق المفردة على أساس علاقتها بالحاضر. ~~فما يعاوننا منها على فهم الحاضر هو أهم بدرجات من غيره؛ إذ القصد من درس الماضي، إنما ~~هو فهم الحاضر وإعداد العدة للمستقبل. هذا؛ ولا نرى مبررا لما وقع من المشادة بين ~~المؤرخين المعاصرين في أمر الانتقاء، ولعل القارئ يعلم أنه قام في ألمانية في القرن ~~الماضي من قال بوجوب الاعتناء بتاريخ الحضارة، وصرف النظر عن الحروب ms095 والحوادث السياسية، ~~وأنه قام في الوقت نفسه من استمسك بالتاريخ السياسي، ونوه بمنافعه، ومثل هذا جرى ~~أيضا في فرنسا وإيطاليا وأميركا وبلاد الإنكليز، والواقع أن الطرفين كانا محقين في ~~بعض ما ذهبا إليه، وأنهما تطرفا في القول في آن واحد. ففي تاريخ الحضارة ما لا يستغنى ~~عنه لفهم الحاضر، وفي تاريخ الحروب والحوادث السياسية، ما لا بد من إيضاحه لتفهم ~~الأحوال والظروف التي نعيش فيها. # ومثل المؤرخ في هذا هو مثل طبيب يحاول شفاء مريض له. فأول ما يفعل لتشخيص المرض هو ~~تفهم تاريخ الحادثة. فمن سؤال عن سير الحرارة، إلى آخر عن حركة الأمعاء، فنوع الأكل، ~~وما شاكل ذلك من الأسئلة عن الماضي التي تعين الطبيب في فهم الحاضر. # على أنه لا بد من الاعتراف بأن ما يحسبه المؤرخ يتوقف على الفلسفة التي يدين بها. فقد ~~يقول بآراء هيكل وقد يؤيد البلشفية أو النازية أو ما يسميه فلاسفة ألمانية اليوم ~~الفينومنولوجية. فيضطر؛ والحالة هذه أن ينتقي على أساس فلسفته في الحياة، وليذكر المؤرخ ~~المستجد أن الفلسفة هي من أهم العلوم الموصلة، وأنه لا بد للمؤرخ من تفهمها في ماضيها ~~وحاضرها، وأن الفيلسوف المؤرخ الإيطالي غروتشي ذهب إلى أكثر من هذا، فقال بأن التاريخ ~~هو الفلسفة وأن الفلسفة هي التاريخ. # أما إذا قال بعضهم: إنما العلم لمجرد العلم فنقول نحن: إن مثل هذا الموقف هو نظري صرف ~~لا يمكن تطبيقه، وأقل ما يقال فيه أنه يتطلب نفقات باهظة يصعب على فرد واحد تحملها، وقد ~~يتعذر ذلك على المؤسسات الكبيرة. ثم في حال درس الماضي لمجرد العلم لا بد من أخذ موقف ~~وسط بين العلماء المتطرفين. فالماضي مزيج من حضارة وسياسة، ولا بد من أخذ النوعين بعين ~~الاعتبار. # وقد يقول المؤرخ بوجوب انتقاء الحقائق المفردة على أساس علاقتها بالحاضر، ولكنه يبقى ~~في حيرة من أمره، إما لكثرة الحقائق الباقية أو لشدة اختلافها من حيث النوع أو ~~الموضوع أو الاثنين معا، أو ما شاكل ذلك. فيجدر به عندئذ أن يعيد النظر فيها ms096 ليتأكد ~~من شدة علاقة بعضها بالحاضر، فيؤثره على غيره، وحيث تختلف في النوع أو الموضوع، يحسن به ~~أن يقدم ما يتعلق منها بالمجتمع الكبير على الجماعات التي تؤلفه، وما يتعلق بالجماعات ~~على الأفراد. هذا؛ ولا يغرب عن البال بأن سير الأفراد تتفاوت في شدة ارتباطها بحياة ~~المجموع. فحياة نابليون الشخصية، وآراء فولتير الفردية، هي أهم للمؤرخ من أخبار غيرهما ~~وأشد تأثيرا في حياة المجموع من أخبار بعض الجماعات. # التنظيم والتأليف # وبعد المفاضلة والانتقاء يبدأ المؤرخ بالتنسيق والتنظيم. فيجد أنه بإمكانه أن ينظر ~~إلى كل حقيقة من حقائقه المفردة من ناحيتين مختلفتين. فإذا نظر إليها من حيث وقوعها، في ~~زمن محدود، وتعلقها بشخص معين، رآها فريدة في بابها لا تشاركها في ذلك حقيقة من ~~الحقائق، وإذا ذكر أن الناس جميعهم خلق الله، وأنهم كثيرا ما يتشابهون في أغراضهم ~~وحاجتهم وأعمالهم، قال بالتشابه بين الحقائق التاريخية المفردة وبتكرار وقوعها. # وهكذا؛ فإن بعض المؤرخين الذين ينظرون إلى الحقائق المفردة من الناحية الأولى، ~~فيرونها مجموعة من الحقائق الفريدة في بابها يستمسكون بالتنظيم القصصي، ويؤثرونه على ~~غيره، والبعض الآخر ينظر إلى التشابه بين الحقائق المفردة وإلى تكرار وقوعها، فيهتم ~~بعادات الجماعات في الماضي، وعرفهم، ومؤسساتهم، وما إلى ذلك من المظاهر المشتركة بين ~~الأقوام والجماعات، والواقع أنه بإمكان المؤرخ أن يعتبر حقائق مجموعة من الوقائع الفذة، ~~فينظمها بموجب تسلسلها الزمني، ويقدم لقرائه قصة كسائر القصص، وبإمكانه أيضا أن يحصر ~~عمله في التشابه، ووقوع التكرار، فينظم حقائقه بموجب محتوياتها، وإليك الآن مثالا لهذا ~~النوع ننقله لك عن كتاب الأستاذ سنيوبوس الذي أشرنا إليه واعتمدنا عليه غير مرة. # 1 # تنظيم الحقائق التاريخية بموجب محتوياتها ~~(1) # الأحوال المادية: ~~(أ) # درس الجسد: # النظر في أجناس البشر وعلم التشريح والفيزيولوجيا وغير ~~ذلك. # النظر في التكاثر، وما يقع تحته من دروس في الزواج ~~والتوالد والوفيات وما إلى ذلك. ~~(ب) # درس المحيط: # المحيط الطبيعي، والنظر في شكل الإقليم ومناخه ومياهه ~~وتربته ونباته وحيوانه. # المحيط المصطنع، والنظر في الفلاحة والتشجير وإنشاء ~~الطرق وغير ذلك. ~~(2) # العادات ms097 العقلية: ~~(أ) # اللغة وما يتفرع منها. ~~(ب) # الفنون من يدوية وغيرها. ~~(ج) # العلوم. ~~(د) # الفلسفة والأخلاق. ~~(ه) # الدين. ~~(3) # العادات التي تتعلق بالمادة: ~~(أ) # الحياة المادية والطعام واللباس والمنزل. ~~(ب) # الحياة الخصوصية والعناية بالجسد وعوائد الاجتماع ووسائل ~~التسلية. ~~(4) # العادات التي تتعلق بالاقتصاد: ~~(أ) # الإنتاج والزراعة والتعدين وما شاكل ذلك. ~~(ب) # الصناعة والمواصلات. ~~(ج) # التجارة. ~~(5) # المؤسسات الاجتماعية: ~~(أ) # العائلة وتشكيلها. ~~(ب) # التعليم. ~~(ج) # الطبقات الاجتماعية. ~~(6) # المؤسسات العمومية: ~~(أ) # الحكومة والمؤسسات السياسية. ~~(ب) # الكنيسة والمؤسسات الدينية. ~~(ج) # المؤسسات الدولية، والسياسية، العامة، والحرب، والقوانين ~~التجارية الدولية. # وليس في وسعنا قبل الانتهاء من هذا الموضوع إلا أن نلفت النظر إلى ما يلي: ~~(1) # أنه لا يستغني في تنظيم الحقائق المفردة بموجب مضمونها عن اتباع التسلسل ~~الزمني؛ وذلك لإظهار تطور الحقائق التي ندرس. كما وأنه لا يستغني عن ~~الالتفات إلى مثل هذه المواضيع التي وردت في الدول في أعلاه إذا ما أراد ~~المؤرخ أن ينظم حقائقه المفردة على أساس القصة. ~~(2) # إن اتباع الأسلوب القصصي في التأريخ يتطلب شيئا أكثر من ترتيب الحقائق ~~المفردة بموجب زمن وقوعها، ولو اكتفينا بذلك وحده لأصبح التاريخ مجرد ضم ~~الحقائق بعضها إلى بعض. فلا بد للمؤرخ في مثل هذه الظروف من النظر في ~~الأسباب والمسببات، وإظهار العلاقات المنطقية التي تربط حقائق الماضي بما ~~قبلها وما بعدها، وذلك لأجل تبيان التطور في التاريخ، وهو من أهم أهداف ~~المؤرخ وأنفع الوسائل التي يتذرع بهم لفهم الحاضر. ~~(3) # إن للظروف أحكاما، والمؤرخ مربوط بقرائه. فقد يؤثر القصة في مخاطبة ~~الجمهور، وقد ينظم حقائقه على أساس مضمونها، إذا هو خاطب طبقة معينة من ~~طبقات القراء، وقد يرى في ترتيب حقائقه على أساس جغرافي ما يضمن له ~~نجاحا باهرا في بعض الظروف. ~~(4) # على أنه لا بد من التصريح بأفضلية الأسلوب القصصي في غالب الأحيان؛ وذلك ~~لأن وقائع الماضي حدثت على هذا الشكل. فإذا ما حاول المؤرخ أن يرويها كما ~~وقعت فإنه يكون أقرب للحقيقة، والتاريخ علم من هذه الناحية؛ وكعلم يتطلب ~~الحقيقة كما هي لا كما نريدها أن ms098 تكون. # الباب التاسع # | الاجتهاد # وقد تتوفر الحقائق المفردة في ناحية من نواحي الماضي وتعدم في الناحية الأخرى؛ فيجتهد ~~المؤرخ في تلافي ما قد يقع من فراغ، والاجتهاد في اللغة كما قال أبو حامد الغزالي: «هو ~~عبارة عن بذل الجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا فيما فيه كلفة ~~وجهد. فيقال: اجتهد في حمل حجر الرحا، ولا يقال: اجتهاد في حمل خردلة. لكن صار اللفظ في عرف ~~العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة، والاجتهاد التام أن يبذل ~~الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه بالعجز عن مزيد الطلب.» # 1 # وقد يقع مثل هذا الفراغ في علم من العلوم الطبيعية، فيتلافاه العلماء بالتجربة والاختبار ~~وإعادة المشاهدة، فلا ينفكون عن ذلك حتى يتم لهم ما أرادوا، فيضيفونه إلى سائر المعلومات، ~~ويسدون الثلم. أما المؤرخ فإنه بعيد عن المشاهدة عديم التجربة؛ فيضطر، والحالة هذه، أن ~~يجتهد في الأمر فيتذرع بالمنطق، ويعمل أحيانا بما نريد أن نسميه الاجتهاد السلبي، وأحيانا ~~أخرى بالاجتهاد الإيجابي. # والاجتهاد السلبي هو ما عبر عنه المناطقة بقولهم: «السكوت حجة.» ومعناه أن يتمكن المؤرخ ~~من القول بأن كذا وكذا لم يحدث لأن الأصول خالية، وهو أمر خطير للغاية؛ فقد يكون السكوت حجة ~~وقد لا يكون، ولا بد من التثبت من أمور ثلاثة قبل التذرع بمثل هذه الحجة، وهي ما يأتي: ~~(1) # أن يكون المؤرخ على يقين جازم من أمر اطلاعه على جميع الأصول. ~~(2) # أن لا يعتريه شك في أن ما لديه من الأصول هو جميع ما دونه السلف في الموضوع ~~الذي يبحث، وأنه لم يضع منها شيء. فإنه بضياع الأصول يضيع التاريخ معها، وليس ~~من حق المؤرخ إذا فقدت الأصول أن يقطع برأي ما، وهكذا فإن التذرع بمثل هذه ~~الحجة هو أشد خطرا في التاريخ القديم مما هو في التاريخ المعاصر؛ وذلك لأن ~~إمكانية الضياع في الأصول القديمة هي أشد بكثير منها في الأصول ~~المعاصرة. ~~(3) # أن يتأكد من استحالة السكوت في الأصول عن الموضوع الذي يدرس؛ ms099 فقد تسكت الأصول ~~عن أمور شتى تكون قد وقعت في الماضي، وذلك لأسباب منها جهل الراوي لها، ومنها ~~قلة اعتنائه بها، ومنها تحذير الحكومة نشرها. فإذا ما سكنت الأصول مثلا عن فسق ~~وزير من الوزراء، لا يجوز للمؤرخ أن يستنتج أنه كان شهما فاضلا أو أنه كان ~~غير فاسق. # وهكذا فإن حجة السكوت لا تتم إلا إذا اقترن بالراوي حالتان لا تنفصلان. أولاهما: أن ~~تكون الوقائع التي يمكن أن يكون قد سكت عنها وقائع يهتم بها اهتماما شديدا؛ والثانية: أن ~~يكون الراوي قد صمم على تدوين جميع الأخبار التي أحاط علما بها. # ومما اختبرناه من هذا القبيل، أننا منذ أعوام عديدة، بينما كنا نقلب صفحات «بدائع ~~الزهور في وقائع الدهور» لابن إياس، للوقوف على أخبار الفتح العثماني، لم نجد ذكرا فيها ~~لتخلي المتوكل على الله، آخر الخلفاء العباسيين، عن حقوقه في الخلافة للسلطان سليم ~~العثماني. فرأينا أن نتابع البحث قليلا لنتأكد من هذا الأمر، ولا سيما، والحكومة التركية ~~كانت قد أثارت البحث في هذا الموضوع بعد خلع آل عثمان وإعلان الجمهورية. # فأعدنا النظر في كلام ابن إياس، وقرأنا فيه ثانية أخبار واقعة مرج دابق واحتلال حلب ~~ودمشق وغزة وواقعة الريدانية، ودخول العثمانيين القاهرة وخروجهم منها ورجوعهم ظافرين ~~للقسطنطينية. قرأنا هذا كله ولم نجد ذكرا للخلافة فيه ولا لتخلي المتوكل عنها، ولم يكن ~~ابن إياس ممن يعتسف الأمور، فيأتيها بغير علم، ولا ممن يغفل عن الحوادث، ولا سيما إذا كانت ~~ذات شأن. فإنك لو قرأت ما كتبه من أخبار سنة 1516 و1517 عن السلطان سليم وعن علاقته ~~بالمتوكل، ظننت أنه كان يتعقب خطواتهما، ويسأل عنهما كل وارد وصادر. تراه يذكر ما تحادثا به ~~في حلب، بعد معركة مرج دابق، وما دار بينهما في القاهرة بشأن ابن العداس، وبشأن زوجة ~~السلطان طومان باي وبشأن القاضي شمس الدين وحيش، وتراه يصف خروج ~~الخليفة من مصر وذهابه إلى القسطنطينية، ووصوله إليها، ~~وسكناه فيها، ويدون الأدعية التي تليت في مصر بعد فتحها. تقرأ كل هذا ms100 ولا تجد شيئا في ~~تخلي المتوكل على الله عن الخلافة. ثم طلبنا مخطوطة ابن زينل الرمال في السلطان سليم ~~والجراكسة وكتاب النجوم الزاهرة في ولاة مصر والقاهرة لبدر الدين المنهاجي، فلم نجد فيهما ~~ذكرا لهذا التخلي. # وبعد أن فرغنا من مطالعة الأصول العربية رجعنا إلى روايات الأتراك أنفسهم، وقرأنا مجموعة ~~فريدون، واطلعنا على كتاب السلطان سليم نفسه إلى ابنه سليمان بتاريخ كانون الثاني سنة 1517، ~~وكتب شاه شروان الشيخ إبراهيم، ومظفر شاه الثاني، وكلاهما معاصر لهذه الحوادث، فلم نجد ما ~~يؤيد التخلي، ومما هو جدير بالذكر، أن أحمد فريدون بك يذكر ستة عشر لقبا للسلطان سليم ~~وابنه سليمان، في بيروت والقدس والقاهرة، ولا في النقود التي سكت في عهدهما، ما يثبت ~~التخلي عن الخلافة. # وبعد أن أتممنا جميع ما تقدم، كتبنا إلى صديقنا المرحوم أحمد زكي باشا نستشيره في ~~الأمر، فأصدر، رحمه الله، حكما مبرما نفى فيه أمر التخلي بناء على سكوت المصادر. أما ~~نحن فإننا ترددنا في الأمر كثيرا وذلك لسببين: أولهما: أنه لا يمكننا أن نجزم بأن ما رجعنا ~~إليه من المصادر هو جميع الموجود منها، وثانيا: لأنه من الممكن أن يكون خبر التخلي دون في ~~أصل أو أصول فقدت فيما بعد، وجل ما في إمكان المؤرخ أن يفعله في هذا الصدد هو السكوت عن ~~التخلي؛ لأن المصادر ساكتة عنه. # وبواسطة الاجتهاد الإيجابي يحاول المؤرخ أن يستنتج أمرا معينا عن الماضي من مجرد تثبته ~~من أمر آخر تنص عليه الأصول؛ وذلك لأنه يرى ارتباطا وثيقا بين مثل هذين الأمرين في ~~الحاضر الذي يعيش فيه، وكثيرا ما يلجأ مؤرخو العصور القديمة إلى مثل هذا الاجتهاد، إما ~~لقلة الأصول أو لجهلهم قواعد المصطلح. فترى الواحد منهم يجزم بأن بلدة من البلدان هي ~~يونانية أو فينيقية لأن اسمها يوناني أو فينيقي، ويستند في ذلك إلى ارتباط الاسم بالمسمى في ~~الوقت الحاضر. # والواقع، أن هذا الاجتهاد لا يصح إلا في أحوال منطقية معينة. فلا بد من كلية معترف ~~بصحتها. كأن نقول مثلا: إن ms101 اللغة التي ينتمي إليها اسم بلد من البلدان هي دائما لغة الشعب ~~الذي أسس هذا البلد، ولا بد من جزئية صحيحة أيضا. كأن يقال: إن البلد الفلاني كان يحمل ~~اسما يونانيا أو فينقيا. فتلزم النتيجة بطبيعة الحال، فكل ما صدق على حد صدق على كل ما ~~يصدق عليه ذلك الحد إيجابا أو سلبا. # وليس على المؤرخ في مثل هذه الظروف إلا أن يذكر القواعد التي وضعها منذ أكثر من ألفي ~~سنة أرسطو الفيلسوف، والتي يعرف بها القياس الصحيح، وهي ما يأتي: ~~(1) # أنه لا بد للقياس من ثلاثة حدود لا أكثر ولا أقل. ~~(2) # أنه لا بد للقياس من قضيتين هما: مقدمتاه وثالثة تلزم عنهما وهي ~~النتيجة. ~~(3) # أنه لا بد من أن يكون الحد الأوسط كلي المصدوق ولو في إحدى المقدمتين. ~~(4) # أنه لا يكون في النتيجة حد كلي المصدوق ما لم يكن كذلك في إحدى ~~المقدمتين. ~~(5) # أنه لا نتيجة من سلبيتين. ~~(6) # أنه إن كانت إحدى المقدمتين سالبة فالنتيجة سالبة، ولا نتيجة سالبة إن لم تكن ~~إحدى المقدمتين سالبة. # وهنالك ملاحظات عمومية تشمل النوعين من الاجتهاد أهمها ما يأتي: ~~(1) # أن إثبات الحقائق التاريخية شيء، والاجتهاد فيها شيء آخر. فلا بد من فصل ~~الحقائق الثابتة عن الحقائق المستنبطة، وإظهار ذلك بصورة جلية واضحة أمام ~~القارئ. ~~(2) # على المؤرخ أن يحذر كل الحذر من الاستنتاجات التي لا تصدر عن وعي وروية، وليس ~~عليه في مثل هذه الظروف إلا أن يعطي حكمه شكلا منطقيا حتى يتأكد من وقوعه ~~في الخطأ. # الباب العاشر # | التعليل والإيضاح # وليس بإمكان المؤرخ أن يقف عند هذا الحد من البحث والتنقيب؛ إذ لا بد له من الإجابة عن ~~سؤال هو من الأهمية بمكان. كأن يقال: لقد تثبت من الحقائق الماضية فأخبرتنا عما جرى ولكنك ~~لم تقل كلمة حتى الآن في أسباب ما تروي لنا من حوادث الماضي. فإذا ما أجبت عن السؤال ماذا ~~جرى، عليك أن تزيدنا فهما للماضي، فتجيب عن سؤال آخر، هو لماذا جرى ما جرى؟ # وكثيرا ما يعتذر المؤرخ عن ms102 الإجابة فيقول: إن البحث في مثل هذا السؤال هو من واجب ~~الفيلسوف لا المؤرخ. # ولكن القارئ أو السامع هو طلعة ملح يريد أن يعلم لماذا سقطت روما؟ ولماذا هجمت القبائل ~~البربرية على أطرافها؟ ولماذا وقعت حروب الفتح الإسلامي؟ ولماذا قامت أوروبا بالحروب ~~الصليبية؟ ولماذا نشأ الحكم الإقطاعي؟ ولماذا خرج لوثيروس عن طاعة الكنيسة؟ ولماذا اندلعت ~~نيران الثورة الإفرنسية؟ ولماذا خسر نابليون موقعة وترلو؟ وما إلى ذلك من الأسئلة عن أسباب ~~وقائع الماضي. # والواقع أنه ليس بإمكان المؤرخ أن يقنع زملاءه في مثل هذا الموضوع إلا بالفلسفة. فجوابه ~~يتوقف على مذهبه الفلسفي؛ والبحث في هذا يكون بطبيعة الحال فلسفيا أيضا، وقد يصعب ~~التفريق من هذه الناحية بين الفلسفة والتاريخ كما أبان ذلك الفيلسوف المؤرخ غروتشي الإيطالي ~~وغيره. # على أن بإمكان المؤرخ أن يوضح الوقائع الماضية على طريقة علماء الطبيعة. فإنك لو طلبت إلى ~~أحد هؤلاء أن يوضح أو يعلل لك ظاهرة من ظواهر هذه العلوم، لبدأ بوصفها ثم استطرد إلى ذكر ~~خصائصها وعلاقاتها بمثل غيرها من الظواهر. غير أن هذه الأمور كلها لا تخرج عن أنها وجوه ~~مختلفا لحقيقة واحدة، وليس علمنا بها إلا مجموعة لهذه الوجوه، فتعليل علماء الطبيعة لظواهر ~~الطبيعة ليس إلا وصفا لخصائصها ومميزاتها، والآن إذا بدلنا الوصف بالقصة قلنا: إنه ~~بإمكان المؤرخ أن يوضح الوقائع الماضية على طريقة علماء الطبيعة؛ فحيث تضطره الظروف لإيضاح ~~بعض الحقائق يأتي بحقائق أخرى توضح ما سبق سرده من حوادث الماضي. فأما أن يزيدنا علما ببعض ~~الحوادث التي سبقت وقوع ما يروي أو أن يذكر حوادث أخرى وقعت في الوقت نفسه، وأثرت فيما ~~يروي. مما يسوقنا إلى القول بأن الفرق بين التاريخ وإيضاح التاريخ من هذه الناحية إنما هو ~~فرق في الكم لا الكيف. # بيد أنه لا بد للمؤرخ المتعمق من التذرع بالفلسفة، إذا ما أراد أن يقف على أسرار الحياة ~~البشرية في الماضي، وإن هو وقف عند هذا الحد من الإيضاح والتعليل يكون مثله مثل ولد تأخر عن ~~الذهاب إلى المدرسة، ms103 فإذا سئل عن سبب التأخر أجاب لأني لم أجد كتبي، وإذا قيل له: لماذا؟ ~~قال: لأني كنت في الجنينة وراء البيت، وهلم جرا، وقد يكون السبب الحقيقي أعمق من هذا ~~وذاك؛ إذ لا بد من درس الولد درسا علميا فلسفيا عميقا قبل البت في سبب ~~التأخر. # ولقد صدق ابن خلدون؛ حيث يقول: «أما بعد، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم ~~والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك ~~والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره، لا يزيد على أخبار عن الأيام ~~والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيه الأمثال، وتطرف بها ~~الأندية إذا غصبها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع الدول ~~فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال وفي باطنه ~~نظر، وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها، دقيق وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق، فهو ~~لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد ~~استوعبوا أخبار الأيام، وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر، وأودعوها وخلطها المتطفلون ~~بدسائس من الباطل، وهموا فيها وابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها، ووضعوها، ~~واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم، واتبعوها وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب ~~الوقائع والأحوال، ولم يراعوا، ولا رفضوا ترهات الأحاديث، ولا دفعوها؛ فالتحقيق قليل وطرف ~~التنقيح في الغالب كليل والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين ~~وسليل، والتطفل على الفنون عريض طويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم، وبيل ، والحق لا يقاوم ~~سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما هو يملي وينقل، والبصيرة تنقد ~~الصحيح، إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل. # هذا، وقد دون الناس في الأخبار وأكثروا، وجمعوا تواريخ الأمم والدول في العالم، وسطروا، ~~والذين ذهبوا بفضل الشهرة والإمامة المعتبرة واستفرغوا دواوين من قبلهم في صحفهم المتأخرة، ~~هم قليلون، لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل، ولا حركات العوامل مثل ابن ms104 إسحاق والطبري وابن ~~الكلبي، ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي وغيرهم من المشاهير المتميزين عن ~~الجماهير، وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات، ~~ومشهور بين الحفظة الثقات إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم واقتفاء سننهم في التصنيف، ~~واتباع آثارهم، والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم، فيما ينقلون أو اعتبارهم فللعمران ~~طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار، ثم إن أكثر التواريخ ~~لهؤلاء عامة المناهج، والمسالك لعموم الدولتين صدر الإسلام في الآفاق والممالك، وتناولها ~~البعيد من الغايات في المآخذ والمتارك، ومن هؤلاء من استوعب ما قبل الملة من الدول ~~والأمم، والأمر العمم كالمسعودي ومن نحا منحاه وجاء من بعدهم من عدل عن الإطلاق إلى ~~التقييد، ووقف في العموم والإحاطة عن الشأو البعيد، فقيد شوارد عصره، واستوعب أخبار أفقه ~~وقطره، واقتصر على تاريخ دولته ومصره، كما فعل أبو حيان مؤرخ الأندلس والدولة الأموية بها، ~~وابن الرفيق مؤرخ أفريقية والدولة التي كانت بالقيروان، ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد ~~وبليد الطبع والعقل، أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال، ويذهل عما أحالته ~~الأيام من الأحوال، واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال، فيجلبون الأخبار عن الدول، ~~وحكايات الوقائع في العصور الأولى، صورا قد تجردت عن موادها، وصفاحا انتضيت من إغمادها، ~~ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتالدها إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواع لم تعتبر ~~أجناسها، ولا تحققت فصولها يكررون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها اتباعا لمن عني ~~من المتقدمين بشأنها، ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها بما أعوز عليهم من ترجمانها، ~~فتستعجم صحفهم عن بيانها، ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا محافظين على ~~نقلها، وهما أو صدقا، لا يتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها، وأظهر من ~~آيتها ولا علة الوقوف عند غايتها، فيبقى الناظر متطلعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ~~ومراتبها، مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينها ms105 أو تناسبها، ~~حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب، ثم جاء آخرون بإفراط الاختصار وذهبوا إلى الاكتفاء ~~بأسماء الملوك، والاقتصار مقطوعة عن الأنساب والأخبار موضوعة عليها أعداد أيامهم بحروف ~~الغبار كما فعله ابن رشيق في ميزان العمل، ومن اقتفى هذا الأثر من الهمل وليس يعتبر لهؤلاء ~~مقال، ولا يعد لهم ثبوت، ولا انتقال لما أذهبوا من الفوائد، وأخلوا بالمذاهب المعروفة ~~للمؤرخين «والعوائد». # وهكذا فإنه يفترض في التعليل والتوضيح ما يأتي: ~~(1) # إن التاريخ يشمل جميع أخبار الماضي على أنواعها وفروعها، وإنه لا بد من ~~الالتفاف إلى الحياة الماضية من جميع نواحيها كي نحسن الإيضاح والتعليل. ~~(2) # وجوب التضلع من الفلسفة والعلوم الاجتماعية والجغرافية للاستبصار بنورها، ~~والتذرع بوسائلها واستنتاجاتها في فهم الماضي وإيضاحه. فلا بد للمؤرخ من فهم ~~العقل البشري فهما وافيا كافيا، وعليه أن يتعرف إلى المحيط الذي عاش أو ~~يعيش فيه الإنسان من وجهتيه الجغرافية والمادية. # ويجدر بالمؤرخ، بعد هذا القدر من الاستعداد؛ أي بعد أن يكون قد درس الفلسفة على رجالها، ~~وتمكن من العلوم الاجتماعية على أنواعها ومنها علم النفس، يجدر به أن ينسج على منوال ~~علماء الطبيعة مرة أخرى، فيتذرع بطريقتهم في فهم ما يجهلون، ويبدأ عمله بفرض يفترضه. ثم ~~يمتحن هذا الفرض على ضوء الحقائق بين يديه، فإن أحسن التعليل وتناصرت حقائق الماضي على ~~تأييد فرضه اطمأن عقله وأعلن رأيه، وإلا تراجع وافترض فرضا آخر، وهلم جرا. # هذه هي طريقة علماء الطبيعة في البحث عن النواميس وما شاكلها من النظريات العامة في ~~علومهم، فإنهم يبدءون بفرض قد يصح وقد لا يصح. قال أدوارد لانكستر : إن الطبيعة لا تلبي ~~نداء لطالب بحث من تلقاء نفسها، بل لا بد له من أن يوجه إليها أسئلة معينة محدودة تتضمن ~~الجواب الذي يريده منها. # 1 # وقال دارون بالمعنى نفسه ما محصله: كانوا يقولون منذ عهد غير بعيد إن على ~~علماء طبقات الأرض أن يشاهدوا ويدونوا ملاحظاتهم دون أن يكون في نفوسهم أي غرض أو فرض. كأن ~~يعتمد أحدهم إلى حضرة، فيحصي حصاها ms106 ويصف حصاها ويصف ألوانها، ومن السخف أن لا يرى العلماء ~~أن شيئا مثل هذا هو ناقص من أساسه، وأنه لا بد أن يكون رائد الباحث نظرية يريد التثبت منها ~~أو العدول عنها. # 2 # وزعم هكسلي أن تقدم العلوم الطبيعية لم يتأت له أن يصل إلى ما وصل إليه إلا ~~بفضل فرض النظريات، سواء أكانت تقوم على أسس متينة أو ضعيفة، وليس من اللازم أن يؤدي البحث ~~إلى دعم هذه النظريات. فكم من محاولة أدت إلى نقض النظرية من أساسها. # 3 # وقد يقول المؤرخ: ولكن التاريخ شيء والعلوم الطبيعية شيء آخر. فعلماء الطبيعية يبحثون في ~~المادة؛ والمادة حيادية. أما المؤرخ، فإنه يبحث عن أمور حيوية قد لا تنفصل عن العاطفة. ~~فعليه إذا أن يبتعد عن الغرض والهوى ويحرر عقله من جميع أنواع المؤثرات. # وهو قول، على ما في ظاهره من حق، مردود. فنحن لا ننكر أن على العالم أن يكون خالي الهوى ~~والغرض، ولكن هذا يجب أن لا يعني أن يكون خالي العقل. إذ لا يمكن للإدراك النشيط أن يتجرد ~~من الفكر وأثر الاختبارات، وأن العقل الذي يخلو من الاتجاهات لكالبيت الذي ينقصه الأثاث، ~~ومن يزعم من المؤرخين أنه باستطاعته أن يمحو ما بذهنه من الإدراك والاختبار، كما يمحو ~~بالإسفنجة ما يكتب على لوحه الحجري، لهو مخدوع قد جهل أبسط حقائق الإدراك. # فالذي يجب على المؤرخ أن ينكره هو ليس الغرض العلمي الذي نبدأ به بحثنا، بل النظرية ~~المغرضة أو المغررة التي تسيطر عليه. فقد جرت هذه كثيرا من مؤرخي عصرنا إلى الضلال ~~المبين. فزعم بعضهم أن العوامل الاقتصادية مثلا هي الكل في الكل. ثم أخذ يدفع الحقائق ~~ويسيرها طبقا لهواه. # وخلاصة ما نريد أن نقوله هنا هو أنه على المؤرخ أن يبدأ باستعراض الحقائق وإدراك كنهها، ~~ثم يكون في نفسه فكرة عنها أو نظرية تخليها من ظواهر هذه الحقائق. ثم يتابع درسه جاعلا ~~هذه النظرية أو «الغرض» أساسا يبني عليه عمله في التعليل والإيضاح. حتى إذا بدا له أن هذا ms107 ~~الأساس لا يصلح للبناء الذي يريد أن يقيمه عليه، عاد فنقضه، وبحث عن فرض آخر، يقيم عليه ~~بناء عمله، وهكذا دواليك، حتى يرى أن أساسه ثابت وأن بناءه متين. # وقد يعترض البعض على هذا، فيزعمون أن المؤرخ بتبنيه فرضا خاصا قد أصبح بحكم هذا التبني ~~ميالا إليه يعطف عليه عطف الأبوة، وهنا يرد عليهم آخرون في أنه ليس من المحتم أن يكون في ~~نفس المؤرخ فرض واحد، بل لا مانع من أن يضع فروضا متعددة في آن واحد. ثم يمضي في عمله حتى ~~يتوصل إلى أحسنها ملائمة للحقائق التي يستعرض، وبهذا يترفع عن الغرض المزعوم، ويبعد عامل ~~العطف الذي تالف في التبني. # فإذا اعترض معترض، في أن العقل لا يمكن أن يشغل نفسه في أكثر من فرض واحد في آن واحد، ~~عدنا إلى الأخلاق. فإنها أساس العلم كما أنها أساس العمران، والعالم من يبتعد عن الهوى، ~~ويتنزه عن مظان الزور ويخفض للحق جناح الذل والطاعة. # الباب الحادي عشر # | العرض # لقد انتهينا من التحليل والتحقيق والتنسيق والتنظيم والتعليل والإيضاح، ولم يبق أمامنا ~~سوى أمر واحد هو العرض، والعرض في عرف المؤرخين يتوقف على مكانة القارئ واستعداده لتقبل ما ~~نكتب، وهو نوعان ما يدون للعلماء ورجال الاختصاص وما يقدم لجمهور القراء. # فحيث نعنى ببحث علمي دقيق ونكتب لزملائنا المؤرخين يجدر بنا أن ننتبه إلى أمور، منها ما ~~يأتي: ~~(1) # أن تكون رسالتنا وحدة تامة المعنى مرتبطة الأجزاء، وهو سهل المنال لمن يتبصر ~~في الأمر، فيبدأ العمل بهيكل منطقي كامل شامل لجميع نقاط البحث، ثم يتروى في ~~الكتابة، فيبدأ كل فصل من فصوله وكل فقرة من فقراته بملخص عام يستعرض فيه آراءه ~~العمومية، ثم ينتقل إلى النقاط الفرعية والمواد الجزئية، وعليه أن يحسن ~~الانتقال من فقرة إلى أخرى ومن فصل إلى فصل بجمل معينة تعيد ما قاله أولا ~~وتبين علاقته بما يليه من الأقوال. ~~(2) # أن نفرق ما أمكننا بين المتن والهامش. فلا نورد في المتن ما قد يزعزع وحدته ~~أو يفصل أجزاءه بعضها عن ms108 بعض. ~~(3) # أن تتجلى أقوالنا بالأمانة والنزاهة، بحيث تظهر بمظهر التعليل والإيضاح، ~~حينما تكون تعليلا أو إيضاحا منا، وتنص بالحقيقة المجردة حينما تكون ~~حقيقة صرفا خالية من الرأي أو الإيضاح أو التعليل. فيتمكن القارئ من التفريق ~~بين آرائنا وبين الحقائق التاريخية المثبتة. ~~(4) # أن نؤيد كل حقيقة من الحقائق المفردة التي نأتي على ذكرها في المتن بإشارة في ~~الهامش إلى المرجع الذي أخذت عنه، وذلك بالتفصيل التام وبصورة جليلة واضحة ~~تسهيلا لمتابعة البحث والتدقيق؛ فقد يخالفنا أحد رجال الاختصاص فيما نذهب إليه ~~من الاستنتاج أو الاجتهاد، ومن المستحسن أيضا أن نذيل الهامش بشيء من التقدير ~~العلمي للأصل الذي أخذنا عنه، وإذا ما أشرنا إلى مرجع من مراجعنا فعلينا أن ~~نذكر أولا: اسم المؤلف، ثم عنوان المؤلف، ثم المجلد، فالصفحة، والطبعة. ~~(5) # أن نعرض الحقائق في المتن بترتيبها التاريخي، كي نتأكد من صحة الاستنتاج، ولا ~~سيما في أمر الأسباب والمسببات. # بقي علينا أن نقول كلمة في التواريخ التي تصنف خصيصا لجمهور القراء. فإنها يجب أن لا ~~تختلف عن سواها في صحة القول وسلامة الاستنتاج، ولكن وجه الاختلاف بينها وبين ما يكتب لرجال ~~الاختصاص أن على المؤلف في الأولى: أن يتبسط ما أمكنه في عرض الحقائق بحيث تصبح قريبة من ~~متناول أفهامهم، ولا بد أيضا من عرض هذه الحقائق بصورة جذابة محببة إلى القراء ترغبهم في ~~الاستطلاع، ويراعى فيها انتقاء الموضوع الذي يلذ لأمثالهم. # وهناك خطر نريد أن ننبه إليه، ذلك أن بعض المحدثين من العلماء كادوا يذهبون إلى أن من ~~شروط الطريقة العلمية في البحث أن لا يعمد المؤلف إلى هذه الأساليب الشيقة في عرض الحقائق. ~~كأنهم يزعمون أن العلم يتنافى معها، والواقع أنه بإمكان العالم أن يكون دقيقا في كلامه ~~واستنتاجه، وجذابا في أسلوبه وعرضه في آن واحد، ومن يدري فلعل الدافع عند هؤلاء إلى مثل ~~هذه الأحكام ضعفهم في الأداء، وعدم تمكنهم من ناحية اللغة، وقصورهم عن إيجاد التعابير ~~الشيقة، وهل يضير الحسناء إذا ظهرت بزينتها الكاملة! فواجب المؤرخ إذا أن يجيد ms109 اللغة التي ~~يصطنعها لتدوين حقائقه، وعرضها، بحيث لا تعوزه معرفة قواعد اللغة ومفرداتها وبيانها ~~وأساليبها، وعليه أن يتقن فن الرواية، وقص القصص في اللغة التي يكتب بها حتى إذا قص ~~أخباره وقعت موقعا حسنا في قلوب القراء. ms110