######OpenITI# #META# URI: 1385DriniKhashaba.QissatTuruwada.Hindawi14858196 #META# Tags: literature :: history #META# ID: 14858196 #META# Title: قصة طروادة #META# AuthorID: 40468203 #META# Author: دريني خشبة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # التفاحة‏ # باريس يعود‏ # إلى أسبرطة‏ # التعبئة‏ # أخيل‏ # القربان1‏ # الفدائي الأول‏ # من السماء‏ # فتنة‏ # معركة بين الآلهة‏ # أندروماك‏ # بتروكلوس‏ # مقتل بتروكلوس‏ # أخيل يبكي بتروكلوس‏ # صلح‏ # فزع الآلهة‏ # طوفان‏ # مصرع هكتور‏ # بعد مصرع هكتور‏ # بريام الحزين‏ # مقتل أخيل‏ # فتح طروادة1‏ # مقدمة‏ # التفاحة‏ # باريس يعود‏ # إلى أسبرطة‏ # التعبئة‏ # أخيل‏ # القربان1‏ # الفدائي الأول‏ # من السماء‏ # فتنة‏ # معركة بين الآلهة‏ # أندروماك‏ # بتروكلوس‏ # مقتل بتروكلوس‏ # أخيل يبكي بتروكلوس‏ # صلح‏ # فزع الآلهة‏ # طوفان‏ # مصرع هكتور‏ # بعد مصرع هكتور‏ # بريام الحزين‏ # مقتل أخيل‏ # فتح طروادة1‏ # | قصة طروادة # | قصة طروادة # تأليف # دريني خشبة # إلى هوميروس الخالد. # | مقدمة # | هوميروس # لزمت هوميروس أعواما ثلاثة أقرؤه وأدرسه وألخصه فما ضقت به ~~ولا نفرت منه، بل ازددت له حبا وبه إعجابا. وكنت كلما تركته ~~فترة أحسست شوقا عجيبا إلى أدبه يجذبني ويلح علي فأعود إليه، ~~فيخيل إلي أنه قد شرع يغني لي، ويطلعني على صور غريبة رائعة ~~من فنه الجميل لم أكن قد ظفرت بها من قبل، فأكب عليه عودا على ~~بدء، لأطوي الأحقاب الطويلة الماضية، ولأجلس في شرفة الزمان فأطل ~~على أخيل وأجاممنون ونسطور وأجاكس # 1 # وديوميدز وأوديسيوس في جانب من المسرح، وعلى بريام وباريس ~~وأندروماك وهيلين في الجانب الآخر، وبينهما ذاك الضجيج وذاك النقع، ومن ~~حولهما آلهة الأولمب يشتركون في الوغى، ينصرون أو يخذلون. # ما أجمل هوميروس! # لقد اختلف المؤرخون فيه اختلافا شديدا، لكن اختلافهم فيه لا ~~قيمة له ما دامت الإلياذة والأوديسة، وما دمنا لا نجد بدا من أن ~~نعترف لهما بمؤلف استطاع أن يسجل شخصيته فيهما معا، وأن يطبعهما ~~بطابعه الخاص فلم لا يكون هذا المؤلف هوميروس؟ وإن لم يكن هو ~~مؤلفهما فماذا يضير الأدب إذا سمينا هذا المؤلف هوميروس؟ وهؤلاء ~~المؤرخون الذين ينكرونه بغير حجة ولا برهان إلا أنهم يستكثرون على عقل ~~بشري واحد هذا الإنتاج الضخم والمحصول الكبير الذي يكون أدب أمة، ~~والذي نهل منه شعراؤها وشعراء الأمم الأخرى في كل زمان ومكان، ولا ~~يزالون ينهلون. هؤلاء المنكرون لهوميروس لم لا يصدقون هيرودوتس ~~الذي هو أبو ms001 التاريخ والذي ذكر أن بينه وبين هوميروس أربعمائة ~~سنة؟! # ألا يكون التواتر صحيحا في أربعة قرون ويكون صحيحا في عشراتها؟ ~~إن تاريخ هيرودوتس هو أصدق ما وصلنا من التاريخ القديم، وقد ذكر لنا ~~هوميروس وذكر ملحمتيه، بل حدد يوم وفاته، وقد سمع المنشدين في كل ~~فج من اليونان يرددون بالتواتر أغاريده من الإلياذة ومن الأوديسة ~~ومن غير الإلياذة والأوديسة، وكان هيرودوتس خبيرا بأدب بلاده وبتاريخ ~~هذا الأدب، وكان يعرف أن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ~~بحالهما الذي تواتره الناس عن هوميروس قبل هوميروس. حقا؛ لقد كانت ~~الأساطير التي حشدها في ملحمتيه معروفة قبله بأجيال، لكنه كان أول ~~من نظمها في هذا العقد الجميل الرائع الذي قبس منه إسخيلوس، والذي ~~حام حوله يوربيديز، والذي ظل موردا لجميع شعراء الكلاسيك من غير ~~استثناء. # لقد كتب هيرودوتس تاريخه في زمن استقرار الحضارة اليونانية ونضوجها، ~~ونحن نلمح في تاريخه روح النقد والتمحيص، والبحث والتحقيق، فهو إذا ~~روى لم يثبت إلا ما يراه متفقا عليه من الناس، فإذا رآهم يتفقون على ~~شيء لا يطمئن إليه ضميره لم يبال أن يقول بعد إثبات ما اتفقوا ~~عليه: أما رأيي فهو كيت، أو أنا أعتقد كذا ... ولم يكن يبالي كذلك أن ~~يدلي برأيه في الآلهة، فقد صرح أنه لا يدري من أين نشئوا، وأن ~~شيئا عن ذواتهم لم يكن معروفا إلى زمنه. وذهب إلى أبعد من هذا، ~~فقرر أنهم جميعا من صنع هوميروس وهسيود؛ اللذين وضعا للإغريق ذلك ~~الثبت الطويل من الآلهة وأنصاف الآلهة، ثم راحا يوزعان عليهم ~~ذلك الاختصاص العجيب من مقاليد البر والبحر والأفلاك والهواء والنور ~~والظلمة والحكمة والفنون ... وقد رفض ما ذهب إليه الشعراء من أن هذا ~~التوزيع وذاك اللاهوت بطقوسه التي تعارفها الناس كانا موجودين قبل ~~هوميروس وهسيود، وأكد أن الميثولوجيا اليونانية كلها لم تعرف إلا ~~بعدهما. # وإذا كان هيرودتس قد ولد سنة 484 قبل الميلاد، فليس يبعد أن يكون ~~هوميروس قد ولد سنة 884 أو حوالي ذلك، أو أنه قد عاش بالفعل في ms002 ~~القرنين التاسع والثامن؛ أما ما قيل غير ذلك فلم تقم على إثباته ~~حجة، ولم يؤيده برهان. # وتتنازع فخر مولده مدائن شتى، على أن الذي حققه المؤرخون ~~ويؤيده ما جاء في ترتيلة أبوللو فهو أنه من مدينة خيوس الواقعة في ~~الشاطئ الشرقي من الجزيرة المسماة باسمها والقريبة من مدينة أزمير، وهو ~~لهذا إيونيوي (من إيونيا) بدليل أن أقدم نسختين من الإلياذة والأوديسة ~~مكتوبتان بلغة إيونيا. # ويختلف المؤرخون في اسمه ومعناه، فيذكرون له أسماء معقدة لا داعي ~~لذكرها هنا، ثم يفسرون اسمه فيقولون إن معناه «أعمى»، وإلى ذلك ذهب ~~هيرودوتس، وهو يعلل ذلك بأن الاسم «هوميروس» مركب من هو - مي - أورون، ~~ومعناها: الرجل الأعمى. ويتعصب هيرودوتس لهذا التأويل بالرغم من وجود ~~تفاسير أخر قد تكون أقرب إلى المعقول من تفسيره هو؛ ذلك أن بعض ~~القدماء يقولون: إن كلمة هوميروس قد تكون مشتقة من «هوميريدا»، وهي ~~اسم لإحدى العشائر التي كانت تقطن جزيرة خيوس آنفة الذكر، وقد قطنوها ~~برغمهم لأنهم كانوا أسرى حرب (رهائن) نفوا إلى تلك الجهة، وذاك بدليل ~~أن كلمة هوميروس نفسها تحمل معنى أسير تحت الفدية، أي رهينة ~~حرب. # ولم يضمن هوميروس إحدى ملحمتيه الخالدتين اسمه كما صنع هسيود ~~في منظومته العظيمة «شجرة أنساب الآلهة» # Theogony ~~، فقد ذكر في مقدمتها ~~اسمه الصريح، ثم ذكر في قصيدته الأخرى «الأرجا # Erga ~~» كيف هاجر من كيمي إلى أسكرا، وكثيرا من ~~حياته الخاصة وحياة أهله، ولو قد صنع هوميروس مثل هذا أو شيئا من هذا ~~لما وقع المؤرخون في هذا الخلط الكثير عن شخصه وعن زمانه وعن ~~حقيقته. # ولم يشر قط إلى السبب الذي ذهب ببصره. ويؤكد المؤرخون أنه قضى ~~شطرا عظيما من عمره بصيرا سليم العينين بحيث استطاع أن يقرأ ويكتب ~~ويسجل كثيرا مما نظم. ويذهب بعضهم إلى أنه بدأ نظم ملحمتيه - أو ~~إحداهما - وهو بصير معافى. # وكل ما جاء في ذلك لا يعدو إشارة طارئة في آخر ترتيلة أبوللو ~~يخاطب فيها العذارى اللائي كن يصغين إلى إنشاده: «إذا سألهن: أيما ~~ظاعن - أي ms003 المنشدين - أحب إليهن وآثر إلى قلوبهن؟ أن يجبن على ~~الفور: إنه رجل أعمى من قطان خيوس الجبوب المعزاء. # 2 # وإن أغانيه سيخلدن آخر الزمان!» # وحتى هذه الفقرة لم تسلم من تشكك المؤرخين في قائلها: هل هو راوية ~~هوميروس، أو هو هوميروس نفسه؟! # هذا ولقد كان للإغريق أدبهم وأشعارهم وأغانيهم وموسيقاهم قبل ~~هوميروس. وليس معقولا أن هوميروس هو الذي بدأ ذلك جميعا؛ لأن ذاك ~~الكمال أو ما يقرب من الكمال الذي جاء في ملحمتيه لا يمكن أن يأتي ~~طفرة. وإذا صدقنا هيرودوتس يكون هوميروس صاحب فضلين عظيمين على ~~هيلاس - اليونان - كافة؛ فهو الذي صنع آلهتهم وأنشأ بذلك لاهوتهم ~~الوثني العجيب، ووزع ما في الحياتين الأولى والآخرة على هذه الآلهة ~~وتلكم الأرباب، ثم هو الذي بدأ نظم الملاحم الطوال، ودبجها هذا ~~التدبيج المتألق البراق، مستغلا أساطيرهم القديمة، وذاك الفوكلور ~~الساذج الذي يفيض به تاريخهم القديم. # والثابت أن هوميروس لم ينظم الإلياذة والأوديسة للقراءة والاستمتاع ~~الأدبي، بل هو قد نظمهما للتلاوة والإنشاد في المحافل ومجامع السمر؛ ~~إذ كان من دأب دويلات بحر إيجه استدعاء الشعراء والمنشدين والمغنين ~~لإحياء أفراحهم وبعث المرح في حفلاتهم. وقد حفظ لنا الأثر أسماء ~~أورفيوس وميوزيوس ولينوس وغيرهم من شعراء عصر البطولة ومنشديه ~~وموسيقييه الذين سبقوا هوميروس إلى نظم الخرافات وقرض الأساطير، ~~متأثرين في ذلك بقصص الشعوب السامية في مصر والشام وأساطير الفرس ~~والبابليين. ولم يحفظ لنا التاريخ شيئا من آثار هؤلاء الشعراء، اللهم ~~إلا نتفا مما كان يستشهد به اللغويون ومؤلفو المراجع للتدليل على صحة ~~كلمة أو سلامة استعمال، وهو شيء يسير ليس فيه غناء. # وقد سهلت اللغة اليونانية القديمة على شعرائها الكلاسيكيين ~~عملهم، وجعلت نظم الملاحم الطوال من أيسر الأعمال الأدبية وأهونها ~~عليهم، ذلك أنها لغة واسعة شاسعة استوعبت لهجات كثيرة لمختلف القبائل ~~والبطون والأفخاذ الضاربة في شطآن البحر الإيجي، وقد تهيأ لها بذلك ~~ما تهيأ للسان قريش من كثرة المترادفات وليونة التعبيرات ~~وتعددها. # ولم يكن نظم الملاحم للتلاوة يستدعي فنية الأسلوب أو صقله بحيث ~~يحتاج مجهودا ms004 ويلتفت فيه الناظم إلى ما يلفت إليه شعراؤنا من التهذيب ~~والتطرية البيانية والزخرف الصناعي، وقد يحسب قارئ أدبهم أنه عبث ~~أطفال كما قال قدماء المصريين مرة لصولون، وقد كان المصريون معذورين ~~في قولهم هذا؛ فلقد كانوا يعنون بالجد الصارم من أمور الحياة أكثر ~~مما كانوا يلتفتون إلى هذا القريض الطويل الشعبي يهرف به الشعراء ~~والمغنون. # والحق أن روح الطفولة شائعة في ملاحم اليونان كلها، ولم تظهر ~~العناية القليلة بالأسلوب إلا عند شعراء الدرامة، ثم شعراء الإسكندرية ~~بعد ذلك. وهذه الروح واضحة في هوميروس وضوحا شديدا، فهو لا يعنى ~~إلا بالحادثة، وكثيرا ما يتحاشى (الرتوش) والتهاويل المملة والزخارف ~~اللغوية التي لا تتهيأ إلا في الأثر الأدبي الذي يؤلف للقراءة لا ~~للإنشاد أو للتمثيل. وهو لهذا يحصر انتباه سامعيه في صميم القصة، وقل ~~أن يشرد بهم خارجها كما يصنع شعراء الرومانتيك. وقل كذلك أن يستعمل ~~الأصباغ لتطرية بيانه كيما يستر فيه ضعفا أو يعوض السامع بفخامة ~~العبارة تفاهة الموضوع، فهو دائما يلتزم الروح ولا يلتفت إلى دمام # 3 # الجسم إلا بقدر وإلا في حدود النظم الذي أخذ به نفسه في ~~الملحمة. # وفي ذلك يقول الأستاذ بورا: «إنه يكتب - أو ينظم - لكل الناس وليس ~~لطبقة بعينها من الناس.» # وقد ساعد هوميروس تقلبه في البلاد على هضم اللهجات المختلفة في ~~الأصقاع المتدانية اليوم - المتنائية يومئذ - التي زارها. ونحسب أنه من ~~أجل ذلك تنازعت فخر مولده هذه المدائن السبع التي فعلت ذلك، فقد ~~كان يقيم حقبة بكل منها فينشد إلياذته - ولما يكن قد نظم الأوديسة - ~~ويغنيها بلهجة الجهة التي هو مقيم فيها، فيتقن إنشادها بهذه اللهجة ~~إتقانا لا يدع أثارة من الشك في أنه من أهلها. وهنا ملاحظة طريفة ~~انتبه إليها كل من برتون راسكو الأديب الناقد الأمريكي، وجلبرت موري ~~- المؤرخ الثقة في الأدب اليوناني - ذلك أنه لا بد أن يكون هوميروس قد ~~نظم الإلياذة مرتين، تتلى إحداهما في بلدان الشاطئ الآسيوي وفيها ~~يغلب أبطال طروادة على أبطال هيلاس، وتتلى الأخرى في بلدان هيلاس، ~~وفيها ms005 يغلب أبطالها على أبطال طروادة ويظفرهم بهم، وبغير هذا لم ~~يكن يستطيع أن ينشد إلياذة واحدة في كلا الشاطئين. ولو صح أنه فعل ~~لثار به الأهلون بفعل العصبية ولمزقوه إربا؛ لأنه كيف يترك أخيلا ~~مثلا يقتل هكتور وهو ينشد هذا الشعر لأحلاف هكتور وأهله؟ وكيف يسيغ أن ~~يترك هكتور يقتل أخيلا إذا كان الإنشاد للملأ من مواطني أخيل؟ # غير أن هذه الملاحظة لا تزال تفتقر إلى ما يثبتها؛ لأن الإلياذة ~~التي بأيدينا هي التي كانت تنشد وتغنى في هيلاس. ~~••• # ألم ينظم هوميروس غير الإلياذة والأوديسة؟ # لقد ذكر كالينوس الشاعر اليوناني القديم (660ق.م) منظومة لهوميروس ~~تدعى # Thebais # لما يعثر عليها ~~إلى عصرنا هذا. ويظن بعض المؤرخين أنها لا تعدو أن تكون الإلياذة في ~~صورة أفخم، نظمها للإنشاد في طيبة اليونانية؛ ولذلك أطلق عليها هذا ~~الاسم. # وعثروا على آثار للشاعر سيمونيدز «أمورجوس» الذي كان يعيش في منتصف ~~القرن السابع قبل الميلاد، وردت فيها مقتطفات من هوميروس يظن أنها ~~من الإلياذة، منها ذلك البيت المشهور: «وكما تساقط الأوراق (في ~~الخريف) فكذلك تساقط أرواح البشر.» # وبعد ذلك بقرن كامل (556-468) روى شاعر آخر يدعى: سيمونيدز (من ~~كيوس) بالتواتر عن هوميروس شعرا من ملحمة مفقودة لا تمت بصلة لا إلى ~~الإلياذة ولا إلى الأوديسة. # أما بندار (522-448ق.م) - وهو زعيم الشعر الغنائي في اليونان ~~القديمة - فقد كان مشغوفا بهوميروس وإن لم يمنعه شغفه به من مآخذ ~~أخذها عليه فيما يتعلق بأوديسيوس، وقد ذكر لهوميروس ملحمتين طويلتين عن ~~أخيل لا تزالان - وا أسفاه - مفقودتين إلى اليوم، وإذا كانت الأوديسة ~~قد بلغت هذه الغاية من الإبداع في سمو القصص وكثرة الوقائع - وهي ~~لبعض أبطال الإلياذة - فما بال هوميروس في ملحمتيه في أخيل وهو بطل ~~أبطال الإلياذة جميعا؟! أية ثروة أدبية من شعر البطولة قد فقدها ~~العالم؟! لقد كان بندار يعجب بهاتين الملحمتين «الإلياذة الصغيرة ~~والأثيوبيون» إعجابا فائقا جعله يشدو بهما كما يشدو عصفور الكنار ~~باللحن الموجع. # أما إسخيلوس فقد كان يقول عن ثلاثياته # 4 # التي نيفت على الثمانين ms006 ولم يصلنا منها - ويا للأسف - إلا ~~سبع: «إنهن فتات موائد هوميروس الحافلة!» والثابت أنه استخدم أبطال ~~الملاحم الهومرية في أكثر ما ألف إن لم يكن في كل ما ألف، فهل كانت ~~جميع مآسي إسخيلوس عن أبطال الإلياذة والأوديسة فقط؟! # وقد ألف سوفوكليس أربعا وعشرين ومائة مأساة، وكانت مآسيه تحوم حول ~~أبطال هوميروس # 5 # كما كان يفعل إسخيلوس، فهل كانت أبطاله في هذه الأربع ~~والعشرين والمائة المأساة كلها من الإلياذة والأوديسة؟ # يقول المؤرخون حين يعرضون لهذا إن كلا من إسخيلوس وسوفوكليس كان ~~يعد كل ما وصل إليهما من ملاحم العصر القديم هومريا، ولو لم يكن ~~من نظم هوميروس، ومن هذا التراث العظيم استمدا موضوعات مآسيهما، بل ~~يقولون إنهما كانا يدعوان ذاك العصر كله العصر الهوميري، على أنه ~~ليس في هذا الكلام دليل على أن هوميروس لم ينظم غير الإلياذة ~~والأوديسة، وإلا لم يقل إسخيلوس إن مآسيه فتات من موائده الحافلة؛ لأن ~~إسخيلوس كان يعني ما يقول أكثر مما يحاول مؤرخو زماننا هذا أن يفهموا ~~من عبارته وجهها الصحيح، وهو ولا شك كان يعني هوميروس نفسه ولم يعن ~~عصره كله وبعض العصر الذي سبقه وبعض العصر الذي جاء بعده، أو ما ~~يسميه المؤرخون العصر الهوميري، أو ما يزعمون أن إجزنوفان (القرن ~~السادس) كان يدعوه كذلك. # هذا وقد اعترف تيوسيديدز لهوميروس بالإلياذة وبالأوديسة وبترتيلة ~~أبوللو؛ أما أفلاطون فلم يستشهد بأكثر من نتف من الإلياذة والأوديسة ~~وجاء أرسطو فاعترف له بالإلياذة والأوديسة وملحمة فكاهية تدعى ~~«مارجيتس» ضاعت فيما ضاع من تراث الإغريق، أما أرسطرخوس الإسكندري ~~العظيم (160ق.م) فلم يعترف له بأكثر من الإلياذة والأوديسة. # وعلى ذكر أفلاطون وأرسطو نروي أن كلا منهما كان يقتني نسخة من ~~الإلياذة مختلفة في كثير من فصولها عن النسخة الأخرى، ولم يستطع ~~المؤرخون تعليل ذلك بعد، اللهم إلا ما يعزى إلى بزستراتوس - ~~منظم أشعار هوميروس فيما يقال - من أنه تناول الإلياذة بشيء من ~~التحوير، وأقحم عليها زيادات في تمجيد الأثينيين، وهو ما يشك في صحته ~~الأساتذة لانج وامري وبورا ms007 والعلامة كارل موللر. # على أنه ليس بزستراتوس وحده الذي اتهم (بتحشية) الإلياذة والتزوير ~~على هوميروس ، بل إن صولون نفسه قد اتهم بمثل ذلك، بل اتهمت بها ~~كل مدينة يونانية، وما حدث للإلياذة من ذاك القبيل هو ما حصل لحديث ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # حينما اختلفت الأحزاب وأراد كل منها أن ينصر مذهبه ~~بأثر من كلام الرسول، فكثر التلفيق وشاع الوضع، ثم نشأ بعد ذلك ما نشأ ~~من مدارس الحديث، وشمر الأئمة في التجريد والتضعيف وما إلى ذلك، فمثل ~~هذا حدث في اليونان القديمة. # ولقد ساهمت مدرسة الإسكندرية بأوفى نصيب في درس الإلياذة والأوديسة، ~~وفرغ من تلاميذها الأفذاذ لكلتا الملحمتين عدد عظيم استطاعوا عرفان ~~الزائف من غيره، وكان إمام هذه المدرسة المؤرخ الناقد الكبير أرسطرخوس ~~الذي وضع لنقد الأدب الهوميري قواعده الرائعة. # ويحددون عصر البطولة الذي وقعت فيه حوادث الإلياذة ثم حوادث الأوديسة ~~بالقرنين الثاني عشر والثالث عشر، وذلك أن القبائل اليونانية ~~(الإيونيوية والإيوليوية والدورية) كانت قد أخذت تنهض فجأة وتناضل في ~~سبيل مجدها وتناوئ الحثيين والمصريين على السواء، وكان لا بد لها قبل ~~كل شيء من أن تقهر طروادة المحصنة القوية الرابضة على ضفة الهلسبنت ~~«الدردنيل» الشرقية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبعد أربعة قرون أو ~~نحوها جاء هوميروس ليروي وقائع هذه الحرب في منظومته الخالدة، أو وقائع ~~السنة الأخيرة من السنوات العشر من حصار طروادة - أو إليوم - كما كان ~~يدعوها غالبا. # فالإلياذة من هذه الوجهة قصيدة حربية حافلة بأنباء المعارك، تكاد ~~تسمع صليل القتال وأنت تتلوها. وتكاد تشرف منها على ميدان صاخب ثائر ~~النقع شديد الروع فائر بالدماء، وإذا كنت من رجال الحرب سرتك الخطط ~~المرسومة والخدع المحبوكة، وراعتك هذه الفيالق المجيشة تأخذ ~~أماكنها ثم تتحرك كالموج، ثم ترتد قطعة بعد قطعة وهي في حالتي ~~الكر والفر كالرجل الواحد أو كالبنيان المرصوص، والإلياذة من هذه ~~الوجهة أيضا تصور لك حياة الجند في الثكنات أبرع تصوير وأروعه، كما ~~تصور لك حياة البحارة والرياضيين والرعاة ورجال الجبال، لكنها لا ~~تبلغ ms008 من ذلك ما بلغه هسيود في ملاحمه، وذلك ما نرجو أن يوفقنا الله ~~إلى التحدث عنه في كتاب آخر. # الإلياذة وصف قوي لهذه المجازر التي نشبت بين جيل من الناس يسكن في ~~طروادة، وبين جيل مختلف عن جيل طروادة؛ لأنه جيل من أنسال الآلهة ~~وذراري أرباب الأولمب فيما تزعم أساطير اليونان، جيل توالد من تزاوج ~~عجيب بين هذه الأرباب الأولمبية وبين إنسيات فاتنات من بنات حواء، فليس ~~أخيل العظيم ولا أودسيوس ولا أجاممنون ولا منلوس ولا ديوديميد ولا ~~نسطور ولا أجاكس ولا أبطال أخايا # 6 # جميعا أشباها لهكتور ولا باريس ولا أبيهما بريام ولا ~~لأبناء طروادة؛ لأن الأولين أبناء آلهة والآخرين أبناء بشر ~~مثلنا. # شخصيات عجيبة جدا تلك الشخصيات التي اخترعها هوميروس، فهو لم يكتف ~~بأن صنع للإغريق لاهوتا يعج بكل زوج من الآلهة، بل راح يزاوج بين ~~تلك الآلهة وبين الناس ثم ينسل أولئك الأبطال العظام الذين دوخوا ~~طروادة، وأرووا سوحها بالعزيز الغالي من دماء أبنائها. # فالسيدة هيلين التي بسببها نشبت الحرب، هي ابنة زيوس كبير الآلهة من ~~ليدا التي أحبها الإله الأعظم في غفلة من زوجه هيرا. # وأخيل - بطل الإلياذة - هو ابن بليوس ملك فتيا، لكن أمه عروس ~~الماء الحسناء المفتان ذيتيس، التي استطاعت أن تزلزل قلب الإله ~~الأكبر زيوس بجمالها الساحر، وأن تجعله - وهو سيد أولمب - بعض ~~عبادها، كما استطاعت كذلك أن تسحر قلوب الآلهة الذين أهرعوا من كل ~~مكان ليشاركوا في زفافها ويشربوا النخب في أكواب مما أهدى إليها ~~الصب المدنف إله الخمر باخوس! # وأوديسيوس - بطل الأوديسة - وثاني أبطال الإلياذة، وصاحب فكرة الحصان ~~الخشبي - يتصل بزيوس من أمه مايا - وكذلك ابنه تليماك. # أما أجاكس، وهو من أبرز فرسان الإلياذة وأشدهم بأسا فهو من حفدة ~~دردانوس. # وأجاممنون وأخوه منالوس هما ولدا أتربوس حفيدة تنتالوس؛ ذلك الملك ~~القاسي المتحجر القلب الذي حاول مرة أن يطعم الآلهة من شواء صنعه لهم ~~من بدن ابنه. # 7 # فكان جزاؤه النفي إلى ظلمات هيدز، حيث قاسى الظمأ ~~الممض وهو غريق في نهر ms009 من الماء العذب لا يصل إليه فوه، وإن بينه ~~وبين الماء لشبرا واحدا. # وجميع الأبطال الآخرين هم حفدة الآلهة وأبناء السماء كما دعاهم ~~هوميروس (الإلياذة ج2 سطر 513). # على أن أبطال طروادة يمتون هم أيضا بوشائج النسب إلى بعض الآلهة؛ ~~فبريام وأبناؤه التسعة (هكتور وباريس ... إلخ) ينحدرون من أسلاف أجاكس ~~«دردانوس». # وفي كثير من كتب الإلياذة مفاخرات عجيبة بالأنساب بين أبطال اليونان ~~وأبطال طروادة، إذ يرد الطرفان أصولهما إلى الآلهة (المفاخرة الجميلة ~~بين أخيل وبين إيناس - إلياذة - الكتاب العشرون). # 8 # بيد أن أبطال اليونان في الإلياذة يبدون أكثر اقترابا إلى الآلهة ~~وأشد اتصالا بهم مما تبدو العناصر المكونة لجيش طروادة. # وكذلك الحال بين آلهة الأولمب؛ فأكثرهم يعطفون على اليونانيين ~~ويناضلون عنهم، ويسدون إليهم أحسن الجميل فيما تقتضيه معاركهم من ~~تيسير وترشيد. # أما طروادة؛ فيعطف عليها أبوللو وتنحاز إلى صفوفها فينوس. أليس باريس ~~قد قضى بالتفاحة لها من دون هيرا ومينرفا؟ # لذلك تكاد تكون حرب الإلياذة قائمة بين قبيلين متفاوتين في ~~الطبائع، فأحدهما أقرب إلى الآلهة منه إلى الناس والآخر أقرب إلى الناس ~~منه إلى الآلهة، وفي ذلك ما فيه من ميل هوميروس الذي يبدو هواه مع ~~اليونانيين في الإلياذة التي نملكها، والتي هي من تمحيص اليونانيين من ~~أهل أثينا والإسكندرية. # على أن هذا الميل لم يكن حادا أو مبالغا فيه كما هي الحال في ~~القصص الشرقي الذي خلفته لنا عصور البطولة، ومن نحو قصة عنترة أو أبي ~~زيد أو سيف بن ذي يزن، فالغالب في هذه القصص أن يطبع الراوي سامعيه ~~بطابع خاص، فيجعل هواهم في جهة واحدة بحيث يطربون أبلغ الطرب وأشده ~~إذا جال عنترة جولة فأطاح برءوس مائة أو مائتين أو ألف أو ألفين، أو ~~إذا انهزم الزناتي أمام أبي زيد، لا، لم يفعل هوميروس كما فعل هؤلاء، ~~فهو بالرغم مما جعل لأبطال الإغريق من شرف النسب وكرم الحسب، وبالرغم ~~مما أنهى به الإلياذة من فتح طروادة وإشعال النيران فيها وقتل أبطالها ~~البارزين، قد خصهم بنوع عجيب من البطولة ms010 يرفعهم درجات فوق الأبطال ~~الإغريق؛ وذلك أنه جعلهم أناسا وجردهم في المعمعة من هذه الحضانة ~~الربانية التي خلعها على أخيل وغير أخيل، ومع ذلك فقد صبروا وصابروا ~~ولقوا جموع اليونانيين بمثل الشجاعة التي لقيهم اليونانيون بها، فلم ~~يجبنوا ولم يهنوا ولم يتخاذلوا عند اشتداد اللقاء، وكانوا يقتلون ~~ويقتلون، وكانت الكرة تكون لهم مرة ولخصومهم مرة، وكانت لهم مواقف ~~عجيبة مشرفة تنتزع من القارئ استحسانه أو رثاءه، وقد استطاع هوميروس ~~أن يستدر دموع سامعيه وهو يصور وداع هكتور لزوجه وولده، وفزع هذا ~~الولد العجيب وأبوه يتناوله من يدي أمه ليقبله القبلة الأخيرة ~~التي لم يره بعدها؛ لأنه ذهب ليصاول أخيلا فيقتله أخيل بمساعدة ~~الآلهة، لا لأنه أقوى منه وأشد مراسا. # لقد استطاع هوميروس أن يستدر دموعنا وهو يصور لقاء أخيل لبريام ~~المحزون وقد ذهب - وهو ملك طروادة - يرجو بطل الإغريق وزعيم الميرميدون ~~في أن يدع له جثة ولده هكتور، وأن يخلي بينه وبينها، فما كان من أخيل ~~إلا أن أصاخ ودموعه تنزف، فترك الجثة؛ جثة هكتور الذي قتل بتروكلوس ~~حبيب أخيل ووكيله على جنده وأعز الناس إلى نفسه، والذي بكيناه أحر ~~البكاء حينما قتل وحينما انتزعت أسلابه، وحينما جيء به إلى معسكر ~~أخيل معفرا بتراب المعمعة، وحينما سهدت عليه العيون وسهرت عليه ~~حبيبة أخيل. # وهكذا يرتفع هوميروس بأبطاله في الناحيتين، ويوزع إعجاب القارئ على ~~المعسكرين مما سنبينه فيما يلي. ~~••• # كان هوميروس يخفض الآلهة إلى مراتب الناس فيجعل لهم من الغرائز ~~الدنيا مثل ما للناس، ثم يرفع الناس إلى مراتب الآلهة فيجعل لهم من ~~الفضائل ما ليس ينبغي إلا للآلهة أو ما ليس يتوفر إلا للآلهة. # وعجيب أن تتخذ آلهة هوميروس مثلها العليا من البشر الذين ~~خلقتهم بأيديها؛ لأن هوميروس - على ما يبدو في ملاحمه - لا يرى الحياة ~~الدائبة النشيطة المفعمة بالغرائز المتضاربة إلا في محيطها المرئي ~~المعترف به الذي يتكون منا نحن البشر، ولكي تتم الصورة الشعرية ~~التي هي روح ملاحمه، والتي تفوق بها على ضريبه هسيود، تراه يلجأ إلى ~~الأساطير ms011 يلون بها فصوله، وليثير بغرابتها شوق سامعيه، وليجدد فيهم ~~الحماسة التي هي أولى غايات الملاحم؛ لذلك تراه يعقد مجالس الآلهة ~~للتشاور فيما ينبغي أن تكون الوسيلة لنصرة فلان أو لخذلان فلان، فإذا ~~اجتمع شمل الأولمب فلا بأس أن تثور الحفائظ بين أرباب وأرباب وبين ~~ربات وربات، ولا بأس أن يعير أحد الآلهة فلكان إله النار بما وقع ~~بين زوجة فينوس وبين مارس إله الحرب من خطيئة وفسوق # 9 # ولا بأس أن يدس هرمز أنفه في الموضوع فيصرح أن مارس معذور ~~جد معذور فيما حدث له من الصبوة إلى فينوس، وأنه أول من يشتهي أن يكون ~~الذي وقع لمارس كان قد وقع له. # وليس يرى هوميروس بأسا في أن ينزل الآلهة في معمعان الحرب ينافحون ~~عن الأبطال الذين ينتمون إليهم، ففي الكتاب العشرين من الإلياذة يستأذن ~~الآلهة سيد الأولمب فينقسمون فريقين، فتكون هيرا ومينرفا وهرمز وفلكان ~~في صفوف الإغريق، وينحاز أبوللو ومارس وديانا وفينوس إلى صفوف ~~الطرواديين، فإذا ثار النقع واضطرمت الحرب، والتقى أخيل وهكتور (الكتاب ~~العشرون) وقعقعا بالسلاح، وأوشك هكتور أن يظفر ببطل أبطال اليونان ~~عندما يسقط رمحه، تتقدم مينرفا فجأة وعلى عجل فتأخذ الرمح من فوق ~~الأرض وتناوله لأخيل فتنقذه من قتلة لم يكن فيها شك ولا عنها متحول، ~~وهي تفعل مثل ذلك في الكتاب الثاني والعشرين فتنقذ أخيل وتمهد له بذلك ~~فيقتل هيكتور، ومع أن مينرفا هي ربة الحكمة في الميثولوجيا اليونانية ~~فهوميروس في هذا الموقف ينحط بها إلى أسفل مراتب الإنسان؛ لأنها تكون ~~سببا في قتل رجل عظيم مثل هكتور يدافع عن وطنه ويذود عن حمى بلاده، ~~وهي لا تتسبب في قتله فقط بل تحرمه فرصة نادرة أوشك أن يبطش فيها ~~بأخيل. # وليتها فعلت كما صنع نبتيون في الكتاب العشرين حينما أنقذ إبنياس من ~~رمح أخيل مرتين حتى لا يغضب زيوس كبير الآلهة على بطل الإغريق. # 10 # هوميروس يزخرف الإلياذة بمثل تلك الأساطير ليقطع تسلسل المعارك ~~وليتقي سأم السامعين وليجدد حماستهم، وهو في ذلك أستاذ أرباب ~~المسرح ms012 من أمثال شيكسبير وأضرابه، وهو لا تعييه حيلة في اختراع ما ~~يخفف وطأة الحزن إذا استعرت نيرانه في قلوب الناس حوله ، فلا بأس ~~عنده إذن من أن يترك جثمان بتروكلوس ويقيم حفلا أولمبيا للألعاب ~~يشترك فيه أبطال الحرب، فينافس بعضهم بعضا، فيتسابقون ويتلاكمون ~~ويصطرعون ويقذفون القرص ويرمون الطوق ويحملون الأثقال ويسابقون على ~~الخيل، وتكون حفلة باهرة كأحسن ما يشهد العالم الحديث في حفلات ~~أولمبياد، ثم ينهض أخيل المحزون المرزأ في إثر كل مباراة فيوزع ~~الجوائز السنية على الفائزين (الكتاب الثالث والعشرين). # وقارئ الإلياذة يتولاه العجب وتأخذه الدهشة لبراعة هوميروس الأعمى ~~في الوصف، فكأس نسطور في الكتاب الحادي عشر ودرع هكتور في الكتاب ~~السادس، والنقوش الأخاذة التي حفرت في درع أخيل والستر الأزرق ~~الجميل في قصر ألكينوس، وشروق الشمس وغروبها وتكاثف الضباب والنقع ~~المثار فوق المعمعة، كل هذه آيات من الوصف الدقيق الذي يشهد لهوميروس ~~بملكة فنية قوية تتجلى في أكثر أنحاء منظومته، وتربك المترجم خاصة؛ # 11 # حتى يستعصي عليه أن يساير هوميروس - ملك الشعراء - الذي ~~تراه فيما ينظم مصورا ورساما وقائد جيوش وإلها وسحابا وبرقا ~~ورعدا وحدادا، ثم جزارا وشواء، ثم راهبا وواعظا وما شئت من ~~فنون الحياة التي لا حصر لها. # لقد يتهم الإنسان لغته وهو يترجم هوميروس؛ فهو لا يدري كيف ينقل ~~كلامه وهو يصف الرجل يتل الشاة ثم يذبحها ثم يسلخها ثم ~~«يوضبها!» ثم يشعل النار ثم يؤججها ثم ينثر فيها أعواد الند ~~والرند والصندل، ثم يلقي فيها بالقراميد، ثم بقطع اللحم، ثم ينتشر ~~القتار (رائحة اللحم المشوي)، ثم ... ثم ... # حقا إن في كتب فقه اللغة ما يعين المترجم على كل هذا، لكن ~~المترجم يغازل الذوق العام للقراء وهو ينقل آثار الأعاجم، وهو ~~إذا قسا على هذا الذوق أعرض عنه ولم يلتفت إليه، وذوق القراء ~~عندنا ذوق كسول لا يجب أن يرهق بما حشد في كثب فقه اللغة؛ لأن أكثر ~~ما في هذه الكتب حوشي وقد هجر استعماله، والمترجم لا يستعمله ~~إلا إذا ضاقت به الحيل، ولم ms013 يستطع أن ينحت من الكلمات الحديثة ~~السائغة ما ينزل بردا وسلاما على قلوب القراء. ~~••• # وبعد، فأي الملحمتين أثرت في نهضة الأدب المسرحي اليوناني أكثر من ~~الأخرى، الإلياذة أم الأوديسة؟ # لقد أشرنا إلى ما قيل من أن هوميروس قد نظم الإلياذة للرجل كما نظم ~~الأوديسة للمرأة الإلياذة التي تفيض بذكر الحروب ووصف المعامع ومقادير ~~الأبطال في أولئك جميعا، والأوديسة التي هي قضية زوجة وفية غاب عنها ~~زوجها حتى ظن أنه غير آيب وحتى طمع فيها كل طامع؛ لأنها تفردت ~~بين نساء زمانها بالحسن الذي لا يغيره مرور الأيام ولا ينال منه ~~تطاول الزمان. # نظم هوميروس الإلياذة لتكون مثالا للرجال يحتذونه؛ إذ ينبغي أن يكون ~~الرجال شجعانا. ينبغي أن تثور فيهم النخوة إذا تعرض رجل نذل مثل ~~باريس لامرأة أحد منهم بسوء فيقوموا كرجل واحد ويجتمعوا من كل حدب ~~وصوب ليردعوا من نالهم بالأذى في أعراضهم، ولو شبوها ضراما ~~وصلوها أعواما. # ونظم هوميروس الأوديسة للنساء مثالا رائعا من الوفاء يحتذينه؛ إذ ~~ينبغي أن يكون النساء وفيات لأزواجهن، فلا يفرطن في أعراضهن ولا ~~يستسلمن للمقادير إذا عارضت شرفهن. لقد غاب أودسيوس زمنا طويلا، ~~واجتمع عشاق بنلوب في قصره يراودون زوجه ويأكلون زاده ويهينون ~~ولده، ومع ذلك فلم تضعف بنلوب، بل احتالت للطاغين العتاة وصابرت ~~وضربت بعضهم ببعض حتى آب زوجها فخضد شوكتهم واستأصل ~~شأفتهم. # فالإلياذة خشنة كخشونة الرجال، والأوديسة لطيفة رقيقة فيها كثير ~~جدا من رقة النساء، وهي رقة جعلت صمويل بطلر الأديب الإنجليزي العظيم ~~يؤمن بأن هوميروس لم ينظم الأوديسة ولم يعرفها ولا تمت إليه بسبب، ~~وبأنها من نظم فتاة من جزيرة صقلية استطاعت أن تدرس هوميروس ~~والميثولوجيا اليونانية دراسة هادئة ثم فرغت إلى نظم الأوديسة ~~فأتمت عملها في سهولة وفي يسر، وأخرجت هذه الدرة الفريدة التي تسمو ~~في كثير من فصولها إلى ذروة الإلياذة إن لم تزد عليها. # لشد ما يدهش المرء لهذه الفكرة الغريبة التي قذف بها منطق بطلر! ~~إن كثيرا من القرائن تؤيد هذا الرأي، بيد أننا لا نميل ms014 كثيرا إلى ~~الأخذ به؛ لأن الأخذ به شرود خطير مبالغ فيه عن حيز الأدب اليوناني ~~القديم، وقليل من الاستقراء في المآسي التي ألفت بعد هوميروس تهدم ~~رأي بطلر وآراء الذين تشككوا في صحة نسبة الأوديسة إلى هوميروس، ~~فثلاثية إسخيلوس «الأورستيه» مثلا والتي تتركب من مآسيه أجاممنون ~~وحاملات الكئوس والإيومينيدز قد أشير إليها في الأوديسة (الكتاب ~~الحادي عشر)، إذ يقص أوديسيوس على ألكينوس الملك رحلته إلى هيدز ~~(الدار الآخرة) وما تحدث إليه به الكاهن تيرزياس عن أوبة أجاممنون، وما ~~حدث له من الغيلة على يدي زوجته كليتمنسترا وعشيقها إيجستوس ثم ما كان ~~من ثأر الفتى أورست لأبيه وقتله أمه ... إلخ. # فهذه الثلاثية التي أخذها إسخيلوس من الأوديسة وقدمها للمسرح تنقض ~~وحدها دعوى الأديب بطلر؛ لأن الفتاة الصقلية التي يزعم أنها نظمت ~~الأوديسة لم تكن قد وجدت بعد. # وقد جاء سوفوكلس فوضع مسرحيات كثيرة - معظمها مفقود بكل أسف - ~~متخذا موضوعاتها من صميم الأوديسة، ومما وصل إلينا من أسمائها تلك ~~المسرحية الجميلة المسماة نوزيكا، وقد أحذ فكرتها من الكتاب السادس، ~~وهي المسرحية التي يروى أن سوفوكلس نفسه قد قام فيها بتمثيل دور ~~الفتاة نوزيكا ابنة الملك ألكينوس حينما ذهبت إلى شاطئ البحر في سرب من ~~وصيفاتها تغسل أثواب عرسها وتنشرها في الشمس فوق أغصان أشجار الغابة ~~التي كان أوديسيوس مختبئا فيها بعد نجاته من الغرق. # وهناك أدلة كثيرة تهدم ما رآه بطلر خطأ في نسبة الأوديسة إلى مؤلف ~~غير هوميروس ولم أعثر في الكتب التي درست فيها ملك الشعراء من يوافق ~~الأديب الإنجليزي على وجهة نظره هذه. # والذي يقرأ مآسي اليونانيين القديمة يلاحظ أن الشعراء قد عنوا ~~بالإلياذة أكثر مما عنوا بالأوديسة، فأخذوا من الأولى أضعاف ما أخذوا ~~من الثانية. وقد لا يكون بعيدا أن إسخيلوس قد أخذ من الإلياذة ستين ~~مأساة على أقل تقدير من الثمانين التي ألفها والتي قال فيها إنها ~~فتات من موائد هوميروس الغنية، وكذلك أخذ سوفوكلس كثيرا من مآسيه ~~التي وضعها للمسرح. # والإلياذة حقيقة بهذا الالتفات من شعراء ms015 اليونان فهي النهر العظيم ~~الجياش المتدفق الذي تفرعت منه الأوديسة والإلياذة الصغيرة ~~والإلياذات الكثيرة التي ألفها شعراء القرن الثالث قبل الميلاد في ~~كل من أثينا والإسكندرية، والتي لا نستطيع هنا أن نحصرها ولا أن ~~نتكلم عنها. ~~••• # وليس من شك في أن شخصية أخيل هي أبرع شخصيات الإلياذة ولا غرو، ~~فقد سمى هوميروس إلياذته «قصيدة غضب أخيل!» وروح أخيل هي كهرباء ~~الحماسة في الإلياذة من أولها إلى آخرها. # انظر إليه وقد ذهبت به أمه إلى نهر الخلود تغطه # 12 # فيه حتى لا ينفذ في جسمه رمح ولا سهم من رماح الحرب أو ~~سهامها؛ لأن لماء هذا النهر ذلك الفعل العجيب! وانظر إليه كيف يبتل ~~جسمه كله ما عدا عقبه، ثم يكبر أخيل ويشب ويصبح بطل أبطال ~~اليونان، ثم تكون حروب طروادة فيمضي إليها بخيله ورجله، ويقتل ~~الأبطال الصناديد، ثم يصوب إليه باريس سهما من سهامه يقر في العقب ~~التي لم تبتل بماء نهر الخلود فيكون فيه حتفه! # وانظر إليه يختلف وأجاممنون من أجل الجارية بريسيز التي هويها ~~أخيل وعلقها قلبه، فيرفض أن يغشى المعركة، ويعتزلها وجنوده ~~الميرميدون، فتدور بذلك الدوائر على جيوش اليونان ولا يغنيها أن يكون ~~في صفوفها الأبطال المغاوير أودسيوس وأجاكس وديوميدز ومن إليهم، وانظر ~~إليه يكلمه بتروكلوس في نصرة بني جلدته حين يعز عليه أن يصطلمهم أبطال ~~طروادة فيأذن له، ويضفي عليه درعه العظيمة التي ذهبت أمه فصنعتها ~~له عند فلكان الحداد، ويذهب بتروكلوس فيكسر شوكة الطرواديين ويصيبهم ~~القرح على يديه وأيدي الميرميدون جنود أخيل. # وانظر إلى أجاممنون يعتذر إليه ويرد عليه بريسيز ويقسم له أنه لم ~~يطمثها ولم يمسسها بسوء. وانظر إلى أخيل لا يفيء ولا يلين ولا ينهض ~~لحرب الطرواديين، فيغضب الآلهة ويسخط أرباب الأولمب ويخرق الشرائع ~~وقوانين الأخلاق فتكون النتيجة أن يقتل بتروكلوس الحبيب ~~العزيز. # وانظر إلى أخيل كيف تسود الدنيا في عينيه حزنا على بتروكلوس فيمضي ~~إلى المعمعة فيصرع أبطال طروادة ويجول فيها ويصول، ويزأر ويزمجر ~~ويطويها كالعاصفة، ثم انظر إليه يظفر بهكتور - قاتل ms016 بتروكلوس - فيصرعه ~~ويجره خلف عربته ويدور حول طروادة غير موقر قدس الموت ولا حافل ~~بتقاليد السماء. # ثم قف عند أروع مناظر الإلياذة جميعا : بريام الحزين، والد هكتور! ~~هذا الرجل المحطم يمضي وحده إلى أخيل باكيا ضارعا متوسلا، يرجو ~~الرجل الذي قتل أولاده في أن يدع له جثمان هكتور ليشفي بالبكاء عليه ~~جوى نفسه، وليطفئ بتحريقه السعير المضطرم بين جوانحه، فيعصف الحزن ~~بأخيل العظيم ويعانق الرجل العظيم ويتبادلان البكاء، ثم يأذن له ببدن ~~ولده. # هنا نبل هوميروس، وهنا إنسانيته وسموه، وهنا فرق ما بينه وبين ~~قصاصينا الذين يشتركون مع سامعيهم في السخط على بطل الناحية ~~الثانية. ~~••• # ومن ألمع شخصيات الإلياذة شخصية أجاممنون، تلك الشخصية العجيبة التي ~~رفعها هوميروس فوق شخصياته جميعا، وخصها بالقيادة العامة للأسطول في ~~البحر وللجيوش في البر. # وأجاممنون هو شقيق منلوس زوج هيلين التي بسببها شبت الحرب بين ~~اليونان وطروادة، وهو الذي ضحى بابنته إفجنيا كي تتحرك الريح وتتأذن ~~الآلهة للأسطول في أن يقلع من أوليس بعد إذ لبث هناك زمانا طويلا لا ~~يقوى على حركة، لسكون البحر وجمود الرياح، وقد اتخذ إسخيلوس من مأساة ~~الفتاة إفجنيا # 13 # موضوعا لمأساته الرائعة التي دبرت فيها كليتمنسترا ~~زوجة أجاممنون غيلة زوجها بعد أوبته من طروادة وذلك بمعاونة عشيقها ~~إيجيستوس، ثم تتسلسل ثلاثية إسخيلوس المشجية «الأورستية» على هذا ~~الغرار. # ومن المشاهد المؤلمة التي ينقم فيها القارئ على أجاممنون، ذلك المشهد ~~الذي يقص علينا فيه هوميروس ما شجر من الخلاف بينه وبين البطل أخيل. ~~إنه مشهد يثير السخط على أجاممنون، كما أثاره تسليم رأس ابنته ~~للجلاد قربانا للآلهة حتى تثير الرياح كي يقلع الأسطول، وبمثل هذه ~~المشاهد التي سنضع بين يدي القارئ صورا رائعة منها وضع هوميروس أساس ~~المأساة اليونانية ومهد السبيل لمن جاء بعده من الشعراء فخلقوا ~~الدرامة وخلقوا المسرح وتركوا للذهن البشري ثروة لا يزال يستغلها ولا ~~يزال يروي ظمأه منها. # وقد ورد ذكر أجاممنون في الأوديسة كما أسلفنا وذلك عندما لقي ~~أودسيوس الكاهن تيريزياس في العالم الثاني وأخذ يقص ms017 عليه ما آل إليه ~~أمر أبطال الإلياذة بعد أوبتهم إلى أوطانهم، وقد ذكر له من أمر ~~أجاممنون ما دبرته له زوجه. # وللبطل ديوميد منزلة رفيعة في الإلياذة، ويكاد بشجاعته النادرة ~~يتفرد بالإعجاب بعد إذ هجر المعركة أخيل. ففي الكتاب الخامس الذي قصره ~~هوميروس على هذا البطل لا تقتصر شجاعته على التفوق على الآدميين الذي ~~خاضوا الحلبة، بل تتعداها إلى الآلهة، وحسبه فخرا أنه جرح فينوس ربة ~~الجمال التي كانت تتفانى في مساعدة جيوش طروادة، ثم مارس إله الحرب ~~الجبار المدله بهوى فينوس، وكلما حاق بأحد اليونانيين كرب في المعمعة ~~كان ديوميد أسرع الفرسان إلى نجدته بل إنقاذه، وقد ذهب في الكتاب ~~العاشر في صحبة أودسيوس إلى معسكر الطرواديين في حلك الليل حيث اغتالا ~~ريسوس بعد أن اجتازا ساحة تعج بالمنايا وتضطرب بألوان ~~المهلكات. # أما أودسيوس فله شخصية فذة؛ إنه بطل مخاطر لا يبالي الردى ولا ~~يرهب المنايا، إلا أنه يمتاز بناحية أخرى أظرف وألطف؛ ناحية تثير ~~المرح وتبعث الضحك، ضحك الجد الصارم لا ضحك المشعبذين ورجال المساخر، ~~إنه كان من عشاق هيلين قبل أن تنشب هذه الحرب، فلما فاز منلوس بهيلين ~~حزن وتولاه الكمد، لكنه تزوج من إحدى قريباتها «بنلوب» التي لم ~~تكن تقل عنها جمالا ونضرة وطلاوة، والتي استطاعت أن تحتل من ~~قلبه فراغ هيلين كله، فلما نشبت الحرب بسبب هيلين وعلم أودسيوس أنه ~~مدعو إلى خوض غمارها فيمن دعي من ملوك هيلاس وأمرائها آثر السلامة، ~~فادعى العته وذهب إلى شاطئ البحر بمحراث عظيم يجره ثور وجواد، ~~وجعل يحرث الأرض ويبذر فيها الملح كما يفعل المجانين، ولم تنطل هذه ~~الحيلة على بالاميدز رسول منلوس فقد عمد إلى تزييفها بوضعه الطفل ~~تليماك بن أودسيوس في طريق المحراث. فكان أودسيوس يتفادى ولده في مهارة ~~أشد الناس وعيا وأكثرهم إدراكا. وفي الإلياذة كثير من المشاهد التي ~~تدل على براعة أودسيوس وجمال حيلته وعمده إلى الخدعة في الحرب أكثر ~~من الاتكال على الشجاعة المجردة. كما كان يصنع ديوميد أو أجاكس أو ~~أخيل. وخدعة ms018 الحصان الخشبي التي فتحت طروادة هي من تدبير أودسيوس، أما ~~الأوديسة فإنها غاصة بحيل هذا الرجل العجيب، وهي حيل خلابة لا ~~يمكن استيعابها في هذه المقدمة المقتضبة عن هوميروس. وننتهز هذه ~~المناسبة فنشير إلى ما تسرب إلى قصص ألف ليلة وليلة من خدع ~~أودسيوس. فأكثرنا قد قرأ رحلات السندباد البحري، وأكثرنا يذكر المارد ~~الذي حبس السندباد ورجاله في كهفه، وراح يسمنهم ويتغذى بهم واحدا ~~بعد واحد حتى دبر السندباد حيلة سمل عيني المارد بالسيخ ~~(السفود) المحمى وما تم بعد ذلك من هرب السندباد ورجاله إلى ~~زورقهم ونجاتهم بأنفسهم في البحر. هذه صورة كاملة من صور الأوديسة ~~اقتبسها الراوية العربي وكساها هذا الرواء القشيب مباعدا بينها وبين ~~الأصل غير مشير إلى مصدرها. ونحسب نحن أن قصة السندباد كلها لم تكتب ~~إلا بعد العصر الذي فشت فيه الترجمة عن اليونانية، واشتدت فيه ~~أواصر الصداقة بين هارون عاهل بغداد وشرلمان عاهل الفرنك، وما تبع ~~ذلك من وفود تجار القسطنطينية إلى بغداد، ووفود تجار بغداد إلى العاصمة ~~الرومية، وما كان يصحب هذه الرحلات من تبادل القصص وسرد الأخبار، وليس ~~يبعد كذلك أن يكون لاختلاط العرب بأهل الإسكندرية من مصريين ويونانيين ~~أثر فيما نلحظه من تلقيح القصص العربي بطرائف القصص اليوناني. # هذه بعض شخصيات المعسكر اليوناني تقابلها شخصيات أخرى في معسكر ~~طروادة، ولسنا ندري بأيها نبدأ؟ إن باريس الذي كان سبب هذه الحرب ~~الضروس شخصية هزيلة مريضة شاحبة، وليس يستطيع الإنسان أن يفهم كيف جاز ~~أن تنشب هذه المجزرة الشنيعة المروعة بين هذين الحلفين الكبيرين من ~~أجل أن هذا الفتى باريس ينزل ضيفا على منلوس فيكرمه ويحتفي به، ثم لا ~~يلبث الضيف أن يغازل زوج مضيفه، ثم ما هو إلا أن يفر بها بعد تدبير ~~هو أسفل ما عرف في تاريخ الهمجية والقحة! حقا؛ لقد وعدته فينوس ~~قبل أن يقضي لها بالتفاحة المشئومة أن تمنحه أجمل زوجة وأفتن امرأة. ~~أفلم يكن هذا النذر الإلهي يقضى إلا على هذا النحو؟! والغامض الذي لم ~~يفسره علم الأساطير ms019 هو كيف أنه قد ساغ صنع باريس في ذهن أبيه ملك ~~طروادة؟ وكيف رضي بطل عظيم مثل هكتور عن هذه الدعارة التي أثار بها ~~أخوه الحرب بين هذين العالمين؟ قد نلتمس العصبية الجنسية عذرا واهيا ~~بهذا الرضى، بيد أنه يكون عذرا متهدما على كل حال. # يدرس الإنسان شخصية بريام الملك فيعجب لنبالة الرجل وفطرته التي ~~فطره الله عليها من محبة للعدل وميل إلى الإنصاف وإشفاق على الرعية، ~~فكيف وزن عمل ولده حين أبى أن يأمره برد هيلين إلى زوجها حقنا لكل ~~تلك الدماء؟! أين المرض إذن؟ أفي رأس بريام وملئه؟ أم هو في رأس ~~هوميروس؟ هنا موضع الضعف في عقدة الإلياذة، وهو ضعف يشبه الضعف في ~~عقدة الأوديسة، حين يجتمع عشاق بنلوب في قصر أودسيوس، وحين تمر عليهم ~~السنون الطوال منتظرين أن تختار منهم ربة الدار بعلا لها، فهم بذلك ~~يشبهون القطط. ويحاكون الديكة حين تقتتل على الأنثى. هذا ضرب ~~حيواني من تفكير هوميروس يشوه جمال ملحمتيه، ولعل للوثنية نصيبا ~~كبيرا في توجيه شاعر الخلود هذه الوجهة، ولعل المصريين القدماء لم ~~يكونوا متجنين حين قالوا عن ملاحم اليونان إنها نتاج صبياني؛ ولذا لم ~~يأبهوا لها ولم يعنوا بها برغم ما مدحها لهم صولون. # والعجيب في هوميروس أنه لم يبال أن ينحط بالمرأة اليونانية إلى ~~مستوى دون مستوى المرأة الطروادية بمراحل هائلة، لقد جعل المرأة ~~اليونانية متاعا شائعا وغرضا تتحيفه لبانات الرجال؛ فهيلين زوجة ~~منلوس ملك أسبرطة تفر مع باريس إلى طروادة دون أن تتأبى أو ~~تتمنع. ثم تشب الحرب بسببها فلا تحاول مرة أن تفر إلى معسكر ~~اليونانيين. بل تظل طوال السنوات العشر متعة حلالا لباريس، وتنتهي ~~الحرب وتضطرم النار في طروادة وتعود هيلين إلى أسبرطة فلا تثور نخوة ~~منلوس ولا يضطرب قلبه بقليل من غيرة الرجال. # أما بنلوب فقد ضربت المثل الأعلى لحفاظ المرأة ووفاء الزوجة، لكنها ~~مع ذلك عوملت من أمراء هيلاس معاملة عجيبة مضحكة تدعو إلى السخرية ~~التي فاجأ بها المصريون القدماء المشترع صولون، وإلا فما هذه ms020 العصبة ~~من العشاق لمعاميد تحتل منزل أودسيوس؛ فتريغ خيره وتأكل زاده وترتع ~~في شرفه وتستبيح عرضه؟! أكانت منزلة المرأة عند اليونانيين - ولو في ~~عصر هوميروس - بهذه الدرجة من الهوان؟! زوجة ملك إيثاكا تكون بطلة هذه ~~المأساة الغرامية الوضيعة، وقد قدم هوميروس من خيوس لينشد ملحمته في ~~المدائن اليونانية ليسمع أهلوها كيف كان أسلافهم يعاملون زوجة بطل ~~أبطالهم؟! # وكليتمنسترا زوجة أجاممنون، لقد عشقت هي أيضا إيجستوس المتآمر على ~~عرش مولاه والذي دبر له تلك القتلة الشنيعة بعد عودته ظافرا من ~~طروادة، فما الذي صنعه هوميروس بنساء اليونانيين؟ لقد عبث بهم وهو يرفع ~~أبطالهم إلى ذروة المجد، ولها بعقولهم حين عرض عليها بضاعة البطولة ~~المزجاة ملفوفة في أكفان تلك الأعراض الممزقة، حتى آلهتهم، لقد ~~تناولها كما يتناول الطفل دماه ولعبه يعبث بها ويلهو، حتى كبير ~~الآلهة وسيد الأولمب، انظر إليه كيف احتالت عليه زوجه جونو «حيرا» - ~~الكتاب الرابع عشر - فجعلته يغفى ثم يغط في نوم عميق كيما يذهب ~~نبتيون لنصرة الإغريق، فإذا استيقظ في الكتاب الخامس عشر وعلم ما كان ~~من أمر نبتيون أرسل إليه ينذره في المعركة، فيعود رب البحار وينبري ~~أبوللو لمشاكسة اليونانيين فترتد جموعهم إلى قواعدها عند ~~الأساطيل. # أما المرأة الطروادية فقد سما بها هوميروس سموا بلغ الغاية وأوفى ~~على المأمول، انظر إلى الأزواج والعذارى والأمهات يجتمعن حول هكتور في ~~الكتاب السادس في عودته من المعركة يسألنه عن ذويهن؛ وانظر إلى ~~أمه تبرز إليه من حريم بريام عابسة مقطبة تزجره لأنه عاد من ~~المعركة وهي على أشدها ثم تحضه على اللحاق بإخوانه ينصرهم ويشد ~~أزرهم ويرد عنهم عادية الإغريق، ثم انظر إلى هذه المرأة المرزأة - ~~هكيوبا - تجمع المتضرعات من بنات طروادة وتذهب فيهن إلى هيكل مينرفا ~~تصلي وتعقر القرابين كيما تشمل جيش طروادة بحسن رعايتها وجميل ~~حمايتها، ثم استمع إليها تحنو على هيكتور في الكتاب الثاني والعشرين ~~بعد إذ وعظه والده خوفا عليه من أخيل «الجني!» وقد أفزعها منظره ~~يصول في الحلبة ويجول، فتذري دمعها وتساقط نفسها بعد إذ ms021 أرسلت إلى ~~المجزرة بأكثر أبنائها، أو انظر إليها تمزق نياط القلوب في الكتاب ~~الرابع والعشرين إذ هي تبكي هكتور بعد إذ عاد أبوه بجثمانه من لدن ~~أخيل، أو انظر إليها تتعلق ببريام وقد انقض بيروس (ولد أخيل) على آخر ~~أبنائها يخترمه برمحه، ثم ينقض على بريام الشيخ الفاني المسكين فيجهز ~~عليه، ثم يقتاد هكيوبا، هكيوبا المحزونة المفجعة فتكون في جملة السبي ~~الذي يعود به اليونانيون من طروادة، # 14 # ويكون سبيا يجر عليهم النحس فيقتل من يقتل ويردى ~~من يردى. # وأندروماك! لشد ما يدوي في فؤاد القارئ هذا المشهد الرائع ~~بينها وقد حملت طفلها، وبين زوجها هكتور في الكتاب السادس من ~~الإلياذة! إن هوميروس يرتفع في هذا المشهد إلى ذروة فنه في ملحمته ~~الخالدة! لشد ما يحرق القلب وداع أندروماك الزوجة لهكتور ~~الزوج! # انظر إليها واقفة فوق برج من أبراج طروادة وقد قتل أخيل زوجها ~~وراح يجره وراء عربته في الساحة حول إليوم. والرأس الكريم العظيم ~~يثير التراب المنضوح بالدم، وأخيل يلهو بكل ذلك ويشتفي! # بل انظر إليها وقد وقفت تضرب صدرها وتسكب دمعها على جثة هكتور بعد ~~إذ عاد بها أبوه بريام من عند أخيل، ثم تقول: «زوجي! أهكذا تمضي في ~~عنفوان الصبا وشرخ الشباب، وتتركني وحيدة فريدة كاسفة! هذا ابنك ~~لا يزال في المهد، وهذان أبواك الشقيان! لن يشب ابنك يا هكتور عن ~~طوقه؛ لأن من دون هذا دك تلك الحصون، وتقويض طروادة التي كنت حاميها ~~وحامي نسائها والذاب عن بنيها! يا لشقاء الحرائر اليوم يا طروادة! إن ~~هي إلا لحظات ثم يحملهن البحر إماء للغزاة، وأنا وولدي في جملة السبي ~~يا هكتور. ولدي! ولدي البائس الشقي! إلى أين المسير! إلى بلاد العدو ~~الظالم لنكون من جملة الخدم والخول، ليراك من يحسب أباك قد قتل أباه أو ~~أخاه فيبطش بك، وينتقم منك ويقذف بك من فوق برج أو حصن.» ~~«لشد ما كنت حزنا لأبويك يا هكتور! بيد أنك كنت حزنا ممضا ~~لمخلوق آخر هو أنا!» # وهكذا بكت هذه الزوجة ms022 المخلصة الوفية زوجها، وهكذا كانت دموعها ~~الغوالي مدادا لا ينفد لمآسي يوربيديز. # وبعد، فهذه مقدمة عن هوميروس مسهبة، وهي مقدمة لهذا الكتاب والكتاب الذي ~~سيليه إن شاء الله، لم أر بدا من إثباتها بنصها كما كتبتها بعد ~~أن فرغت من تلخيص الأدب اليوناني، ونشر معظمه في أوقات متقاربة. ولم ~~يبق إلا أن يعلم القارئ لماذا آثرت تلخيص الإلياذة والأوديسة، ولم ~~أوثر ترجمتهما؟ ولا أحب أن أطيل في إيراد سبب ذلك؛ فأنا لا أزال عند ~~رأيي من وجوب تحبيب الأدب اليوناني الخالد إلى قراء العربية، وإزالة ما ~~عساه أن يصرفهم عن ورده، والاستمتاع بروائعه. والأدب اليوناني مثقل ~~بمئات من أسماء الآلهة والإشارات الأسطورية التي تصرف القارئ عن لب ~~الموضوع، بل ربما صرفته عن الموضوع نفسه، وزهدته فيه فلا يعود إليه ~~أبدا. # لهذا آثرت التلخيص على الترجمة؛ ولهذا بدأت بنشر كتابي «أساطير ~~الحب والجمال عند الإغريق» لأمهد به «لقصة طروادة» وهي هذا الكتاب، ~~و«لقصة الأوديسة» التي ستظهر بعد أسابيع. وأرجو أن أوفق إلى نشر ~~الجزء الثاني من أساطير الإغريق الذي لا غنى عنه لقراء الأدب ~~التمثيلي اليوناني قبل أن أنشر كتبي التي أنجزتها عن إسخيلوس وسوفوكلس ~~ويوربيديز حتى أكون قد ساهمت بنصيبي المتواضع في التعريف بالأدب ~~اليوناني، ولفت أنظار قراء العربية إلى روائعه حتى يتيح الله لهذا ~~الأدب من يترجم روائعه ترجمة نثرية لا غنى لقراء العربية ~~عنها. # ولو كانت إلياذة هوميروس تكفي لشرح نفسها بنفسها لاكتفيت بترجمتها، ~~وأعفيت نفسي من عناء البحث، ووصل تاريخ حروب طروادة بأسبابها ~~ونتائجها، فكنت أستريح من تسجيل فصول هذا الكتاب الأولى وفصوله ~~الأخيرة بالرغم مما في ذلك من تحد لأزمة الورق، وما في تسجيل هذه ~~الفصول من رفع لثمن الكتاب لم نتعمده بل اضطررنا إليه ~~اضطرارا. # القاهرة؛ أبريل 1945 # دريني خشبة # | التفاحة # نشيد الزمان! # وقصيدة الماضي! # وغناء السلف! # وحداء القافلة التي لا تفتأ تخب في بيداء الأزل، إلى الواحة ~~المفقودة في متاهة الأبد؛ ركبانها الآلهة، وأبوللو وكيوبيد وملؤهما ~~ولدانها المخلدون! ~~••• # أنشد يا هوميروس، # واملأ الأحقاب موسيقى، ms023 # واللانهاية جمالا وسحرا! # فالأرواح ظامئة، والقلوب متعبة، والإنسانية واجفة، والآذان مكدودة من ~~دوي العصر، فهي أبدا تحن إلى سكون الماضي. ~~••• # لن تصمت يا هوميروس، # فالقيثارة الخالدة لا تزال بيديك، # والقلوب هي القلوب! # فدع أوتارها تملأ الدنيا رنينا؛ فلقد أوسعتنا هذه الدنيا أنينا، ~~ورنينك العذب أذهب لأنين الشاكين ولوعة الباكين! # 1 # رآها تخطر فوق الثبج، وتميس على رءوس الموج، فهام بها، ~~وشغلته زمانا عن أزواجه في قصور الأولمب، فكان يقضي عند شاطئ ~~البحر أياما يترقب الفرصة السانحة، ويفتش في كل موجة عن حبيبته ~~«ذيتيس»، عروس الماء الفاتنة، «ذات القدمين الفضيتين»، ابنة نريوس ~~- رب الأعماق - الثاوي مع زوجته الصالحة دوريس في قصور المرجان، ~~هناك، هناك تحت العباب. # ورقت له الفتاة حين علمت أنه رب الأرباب وسيد آلهة الأولمب، ~~زيوس العظيم، فوصلت بحبالها حباله تطمع الخبيثة أن تصبح زوجة ~~أولمبية عظيمة، تصاول حيرا أم مارس وفلكان، وتفاخر لاتونا أم ديانا ~~وأبوللو، وتدل على ديون أم فينوس، وعلى سائر ربات ~~الأولمب! # وابتسم لهما الزمان، وتساقيا كئوس الغرام؛ وأوشك الإله الأكبر ~~أن يبني بها لولا وسواس خامر قلبه فآثر أن يستشير ربات الأقدار # 1 # قبل أن يبت في الأمر أو يقطع فيه بشيء. # ولقد شاء حسن طالع الإله الأكبر أن يفعل؛ إذ أخبرنه أن ذيتيس ~~الجميلة التي يهواها سيد الأولمب تلد غلاما لا يزال يقوى ~~ويشتد حتى يخلع أباه ويستأثر بالملك من دونه، أو على الأقل؛ ~~تكسف شمس عظمته شمس أبيه فيعيش إلى جانبه إمعة لا شأن له، ~~وهولن؛ فحدثنه عما يكون للغلام من مقام حين يثار النقع ~~ويستحر القتال بين شعبه «الإغريق» وجيرانهم ~~«الطرواديين». # وخفق قلب زيوس وذكر تلك الحرب الضروس التي انتصر فيها على أبيه ساترن # 2 # بعد فظائع وأهوال، فأشفق أن يكون له ولد يصنع به ما ~~صنع هو بأبيه. # لذلك قصر هواه وأصدر على غفلة من كل آلهة الأولمب إرادة سامية ~~تقضي بأن تتزوج ذيتيس من بليوس ملك فيتيا؛ الذي كان هو الآخر ~~مولعا بها مشغوفا بجمالها، حتى لقد خطبها إلى ms024 أبيها غير مرة فرفض ~~رب الأعماق أن تبني ابنته على بشري هالك ولو كان ملكا. # بيد أنه صدع بأمر الإله الأكبر وقبل بليوس لابنته ~~بعلا. # وحزنت ذيتيس وانعكفت في غرفتها المرصعة باللآلئ تشكو وتبكي؛ فلما ~~علم زيوس بما حل بها زارها من فوره وطفق يلاطفها ويترضاها حتى ~~رضيت أن تكون زوجة لبليوس الملك: «على أن تحضر بنفسك، أنت وجميع ~~الآلهة ليلة الزفاف، وليعزف أبوللو على موسيقاه، ولترقص ديانا ربة ~~القمر.» # 2 # ودقت البشائر، واضطرب بطن اليم، وانشق الماء عن طريق رحب ~~يتهادى فيه موكب الآلهة إلى قصر نريوس في أعماق المحيط، ووقفت ~~الأوسيانيد والنيرييد وسائر عرائس الماء صفوفا صفوفا تحيي ~~الضيوف الأعزاء الأوداء الأحباء، وتغني وتنشد وترسل ألحانها ~~الخالدة موقعة على الموسيقى المشجية. # وانبرى أبوللو يوقع على قيثارته الذهبية. أبوللو الذي اشترك في ~~بناء أسوار طروادة، فلم يكن يصنع شيئا أكثر من أن يلعب بأنامله ~~على أوتار القيثارة، فتقفز الحجارة مترنحة من الطرب إلى مكانها من ~~الأسوار! # وانطلقت ديانا ترقص، فما علم أحد من الآلهة أخطرات نسيم تهبط من ~~القمر الفضي وتعلو في السماء، أم ديانا الهيفاء ترقص في القلوب ~~والأحشاء؟! # ونهض الجميع إلى المقصف الفاخر الذي تفننت في تنويع آكاله ~~وأشرباته أيد إلهية ماهرة، فأكلوا ما لذ، وشربوا ما طاب، وأخذوا ~~في سمر جميل. وكان هرمز يرسل نكاته الطريفة فيقرقع المكان الحاشد ~~بالضحك، وتدوي الأكف بالتصفيق! # وبينما الآلهة في قصفهم لا يفكر أحدهم إلا في هناء العروسين، إذا ~~بالربة الخصيم أيريس # 3 # تظهر فجأة في وسط الجماعة، ثم تشرع تقلب فيهم عينين ~~تقدحان بالشرر، وتنفثان سم البغض وعلى رأسها الفاحم الأسود ~~تتلوى خصل ثعبانية شائهة ذات فحيح وصلصلة، وعلى صدغيها ~~الأبرصين يخشخش عقربان منكران، لكل منهما ذنابى يقطر الموت ~~الأسود منها ها هنا وها هنا. # ظهرت إيريس غضبى محنقة؛ لأن القائمين بالدعوة إلى العرس ~~أغفلوها فلم يرسلوا إليها بالدعوة التي أرسلت إلى الأرباب جميعا. ~~وهم قد قصدوا إلى ذلك عن عمد؛ لأنهم خشوا على العروسين من أذاها ~~الذي ما ms025 تفتأ تثيره في كل مكان وطئته قدماها، أليست هي ربة ~~الخصام النافخة في نار العداوة التي تتضرم منذ الأزل في الجوانح ~~والقلوب؟ # لكنها لم تنس لهم هذا الإهمال، بل أقبلت وهي تتميز من الغيظ ~~لتقلب هذا العرس الكريم إلى مأتم أليم. # ولقد أوجس الآلهة جميعا خيفة حين رأوا إليها تقلب فيهم ~~ناظريها المشتعلين، غير أنهم اطمأنوا قليلا حين رأوها تنصرف بعد ~~إذ ألقت على الخوان الفخم تفاحة كبيرة من الذهب، نقشت عليها هذه ~~الكلمة المقتضبة: «للأجمل!» # 3 # باريس # درجت عادة القدماء على أنه كلما ولد لأحدهم غلام توجه ~~من توه إلى الهيكل يقدم القرابين ويزف الهدي؛ ثم يستوحي ~~المعبود عما يكون من مستقبل ولده وما يفيض به من سعادة أو ~~شقاء، ليأخذ للأمر أهبته وليعد لكل شيء عدته. # فلما وضعت هكيوبا - ملكة طروادة - غلامها باريس، حمله أبوه ~~الملك بريام إلى هيكل أبوللو ليرى رأى الإله فيه. # واربد وجه الملك الشيخ وتغضنت أساريره حين قال له كاهن ~~المعبد: إن ولده سيكون كارثة على قومه وعلى بلده، وسيأتي من ~~الإثم ما يجر إلى قتل ذويه وبني جلدته ويفضي إلى سقوط ~~طروادة في يد أعدائها. # وتحدث بريام إلى هيكيوبا في ذلك، فصمما على الخلاص من ~~الطفل بتركه في العراء فوق إحدى جنبات الجبل ينوشه طير جارح ~~أو تفترسه ذئاب البرية. وأنفذا فعلتهما الشنعاء، ولكن القضاء ~~ينبغي أن يتم والقدر يجب أن يأخذ مجراه، فلقد جاز بهذا ~~المكان من الجبل أحد رعاة الأغنام فوجد الغلام وفرح به ~~واتخذه لنفسه ولدا؛ ثم سهر عليه واعتنى به ونشأه على ~~الفروسية التي كانت أحب مزاولات الحياة في هذا الزمن. # وشب باريس فتى يافعا جميلا ممشوقا فعمل مع الراعي الذي ~~أنقذه. وكان مولعا بالبحر تشوقه أمواجه وتفتنه أواذيه، فكان ~~يختلف إليه ريثما تفيء الأغنام من الحر، يلهو بالسباحة ويتريض ~~بمصارعة الموج. وبدت له إحدى عرائس الماء - إيونونيه - وكانت ~~قسيمة وسيمة فهويها وعلقها قلبه، وما لبثت أن أصبحت أعز ~~شيء عليه في هذه الحياة. # وعشقته إيونونيه وأخلصت له الحب، ms026 وكانت تنتظر أوبته من ~~رعي الغنم كما ينتظر الظمآن جرعة الماء والعليل برد ~~الشفاء. # وا أسفاه! # لقد قضت ربات الأقدار - كلوتو وأختاها - ألا يدوم هذا الحب طويلا! # 4 # 4 # اجتمع الغانيات حول التفاحة كل تريدها لنفسها، وكل تدعي ~~أنها أجمل من في الحفل جميعا، ثم ساد صمت عميق حينما نهضت حيرا ~~ومينرفا وفينوس، ميممات شطر الجهة التي يتنازع فيها الغانيات ~~من سائر الربات على التفاحة الثمينة. ~~- «أنا حيرا العظيمة، مليكة الأولمب، وصاحبة الحول والطول فيه، ~~وآثركن إلى قلب الإله الأكبر، أنا أحقكن بهذه التفاحة العلوية ~~وأعرفكن بقدرها، سأضمها إلى تفاحات هسبريا # 5 # فهي بهن أليق، وهن عليها أحفظ، سيعلقنها مع أخواتها ~~الثلاث لتزدان بها حدائقهن.» ~~- «أنت تفاخرين بملك الأولمب، وبالجاه والسلطان؟ إذن أين جمال ~~الحكمة وأبهة الموعظة الحسنة وجلال الرأي السديد؟ بل أنا ~~مينرفا، ربة الهدى والسبيل الحق، أحق منك بهذه التفاحة.» ~~- «فيم تختصمان يا أختي العزيزتين؟ أليس قد كتب الحكم على ~~التفاحة نفسها؟ أليست هي للأجمل؟ أو لست أنا ... فينوس جميعا ... ربة ~~الجمال؟ لم تربعت على عرش الفتنة إذن؟ هي لي من دونكما!» # واختلفت الآلهة، وساد الهرج والمرج، ولم يجسر أحد ممن احتشد ~~حول الخوان أن يفوه بكلمة يفضل بها إحدى الربات الثلاث حتى لا ~~يقع في سخط الأخريين وحتى لا يكون أبدا عرضة ~~لنقمتهما. # وتفرق الجمع بددا. # وقصدت الربات الثلاث جبلا شامخا يشرف على البحر فتلبثن به، ~~واتفقن على أن يفصل أول عابر مهما يكن شأنه بينهن في أمر ~~التفاحة، وتعاهدن بالأيمان المغلظة أن يخضعن لحكمه، وأن تكون ~~كلمته فصل الخطاب فيما اختلفن فيه. # وتنظرن طويلا؛ وكان البحر يضطرب من تحتهن فيقذف باللآلئ ~~والمرجان، كأن إلها حاول أن يشبع نهم الربات بالجواهر الغالية ~~فلا يتشاجرن من أجل تفاحة، ولكنهن ما كن يأبهن لحصباء الدر ~~المنثور على الشاطئ، بل ما كانت أعينهن تريم عن لقية ~~إيريس! # وكانت عروس فتانة من عرائس الماء تعلو وتهبط مع الموج ولا تفتر ~~تحدق ببصرها في الجهة التي جلست بها الربات يتربصن. # وكانت إيونونيه ms027 من غير ريب، وكان الجبل مستراد باريس الذي يريح ~~فيه قطعانه، ثم ينطلق للقاء حبيبته فيتباثان ويتشاكيان. # وأقبل باريس يشدو لشائه ويغني فزلزل قلب إيونونيه، وهلعت ~~نفسها وفرقت على حبيبها فرقا شديدا؛ ذلك أن أخبار النزاع الذي ~~انتهى إليه يوم الزفاف من أجل تفاحة إيريس كانت قد شاعت، وتسامع ~~بها كل عرائس البحار؛ فلما عرفت إيونونيه ما اجتمع الربات من ~~أجله اضطربت أيما اضطراب، وقلقت على باريس أيما قلق؛ لأنه وحده هو ~~الذي يجوز بهذا الطريق حين ينفذ إليها يحلمان ويتناجيان. وكان ~~مصدر قلقها هو ما عساه أن يجره على نفسه - إذا قضى بينهن - من ~~سخط الربتين اللتين لا يقضى لهما بالتفاحة. # 5 # وصاحت حيرا: «قف أيها الراعي الجميل فاحكم بيننا فيما نحن ~~مختلفات فيه: تلك تفاحة من الذهب ساقتها السماء إلينا منحة منها ~~لأكثرنا جمالا وأسطعنا رونقا، وأنا حيرا، مليكة الأولمب، وذات ~~الحول والطول فيه، وربة التاج والصولجان، وصاحبة القوة ~~والسلطان، وآثر أزواج ربك، كبير الآلهة، وأحبهن إليه، أنا حيرا ذات ~~الجبروت، وولدي مارس إله الحرب، ورب الطعن والضرب، أقوى أبناء زيوس ~~العظيم، وولدي فلكان كذلك، إذا شئت سرد لك الدروع من حديد فتصبح ~~سيد أبطال العالم، لا يشق لك غبار ولا يجرى معك في مضمار، ~~إذا خضت حربا حماك مارس وأيدك ونصرك فلكان وآزرك، ألست ترى ~~إذن أيها الراعي الجميل أنني أحق من هاتين بتلك التفاحة؟ أنا ~~حيرا مليكة الأولمب سأمنحك الثروة التي لا تفنى والسلطان الذي لا ~~يبيد، سأجعلك ملك هذه الديار التي ترى، ستكون صاحب عرش وتاج، ~~وستستريح إلى الأبد من هذه الحياة الضنك التي تحياها، أنت جميل يا ~~فتى، وأنت بعرش عظيم أولى منك بهذا القطيع الذي يثغو.» # وصمتت حيرا، وجعل باريس يقلب في التفاحة ناظريه، وفي قلبه ~~مما رأى وما سمع فرق عظيم. # لقد كانت حيرا تختال في ثوبها الأولمبي الموشى، وكان طاووسها ~~الجميل - الذي اتخذته منذ الأزل رمزا لها - يتشبث بناصيتها ~~ويميس فيزيدها جلالا وكبرياء. # وأوشك الفتى الراعي أن يقدم التفاحة لحيرا لولا ms028 أن صاحت به ~~مينرفا: «على رسلك أيها الشاب، اسمع منا جميعا ثم اقض بيننا، ~~أنا لن أزخرف عليك بملك ولا سلطان، فأنت أعقل من أن تنخدع بالعرض ~~الزائل وأعلى من أن يهيمن جسمك على عقلك ، وهواك على قلبك. أنا ~~مينرفا ربة الحكمة وإلهة الروح الأعلى المقدس، سأمنحك السداد، ~~سأكشف لك حجب الجهالة، وسيضيء مصباح المعرفة بين يديك فتكون أهدى ~~الناس وأعلم الناس وأحكم الناس.» # وسكتت مينرفا؛ وسمع هاتف من جهة البحر يصيح: «باريس، أعطها ~~لمينرفا يا باريس.» وكانت إيونونيه ما في ذلك شك. # وكاد باريس يلقي بالتفاحة في يد مينرفا لولا أن تقدمت فينوس ~~الصناع، فينوس الحلوة، فينوس الساحرة، فينوس ذات الدل، فينوس ~~التي تكفي غمزة ماكرة من طرفها الفاتر الساجي لإذلال ألف قلب، لولا ~~أن تقدمت فينوس كلها تطارد قلب باريس وتحاصر عينيه حتى ما يقعان ~~إلا على عينيها، تقدمت فينوس ترنو وتبتسم، وتتبرج وتهتز وتشد هذا ~~الثدي وتثني هذه الذراع، وتميل رأسها الذي كله خدود وعيون وأصداغ، ~~تقدمت فينوس تبسم للراعي الجميل عن فم حلو رقيق تتلألأ ثناياه ~~ويتضوع عبير خمره، وقالت: «باريس، هل لك عينان تعرفان الغزل، ~~وقلب يعرف الحب؟ باريس، أنا فينوس التي صليت لها بالأمس، والتمست ~~منها التوفيق، ها أنا ذي يا باريس، أليست التفاحة للأجمل! ألست تحب ~~أن أهبك أجمل زوجة في العالم؟ ستكون زوجتك مثلي تغمرك بجمال لا ~~نهائي لا حدود له، ولن تشعر معها إلا أنك تعيش منها في جنة، قبل، ~~نظرات حلوة، خد مورد، أهداب كظلال الخلد، ساق ملتفة عبلة، جسم ~~ممشوق طوال، جيد مهتز ناضج، ثدي مثمر يتحلب نعيما، هاتها يا ~~باريس هاتها يا حبيبي.» # وقبل أن تتم الخبيثة سحرها كان الفتى البائس قد ألقى ~~التفاحة في يديها الجميلتين برغم الصيحات المتتالية التي كانت تهتف ~~به من البحر: «لا يا باريس، لا يا باريس، أعطها لمينرفا يا باريس!» # وجر على نفسه غضب حيرا ومينرفا وكتبت التعاسة عليه وعلى ~~قومه، ولم يلق إيونونيه بعدها! # | باريس يعود # - «ألست تحن إلى وطنك، وتتمنى ms029 لو ترى والديك يا باريس؟» ~~- «وطني ووالدي؟» ~~- «...؟ ...» ~~- «وهل لي وطن غير هذه المروج الخضر، ووالدان غير أبي الراعي وأمي ~~المتداعية الفانية؟» ~~- «مسكين!» ~~- «بل أسعد الناس بأن أكون ابنهما! ولمه؟ أليس أبي سيد هذه الفلوات ~~وأمي أعز الأمهات؟» ~~- «ذلك حق لو أن أباك هذا الراعي يا باريس!» ~~- «ماذا تعنين؟» ~~- «أعني أنك لست ابنه!» ~~- «وي! لو لم تكوني فينوس لقتلتك!» ~~- «الحق أقول أيها العزيز!» ~~- «أنت تعذبينني! ابن من إذن؟» ~~- «أترى إلى جمالك البارع وجسمك الممشوق السمهري؟ أيكون هذا الخلق من ~~نسل الرعاة الأجلاف؟» ~~- «...؟ ...» ~~- «أتدور بك الأرض إذا علمت أنك ابن ملك؟» ~~- «سخرية وهزؤ، إلام تلذعين فؤادي يا ربة الحسن والحب؟ ألأني ~~أعطيتك التفاحة الخالدة؟» ~~- «الآلهة لا تكذب يا باريس!» ~~- «أنا؟ ... أبي ... ملك؟ ... هذا الراعي؟! ... ملك ماذا؟» ~~- «ليس هذا الراعي قلت لك! أنت لست ابنه! أنت سليل الملوك ~~الصيد!» ~~- «إذن من عسى أن يكون أبي؟» ~~- «ملك طروادة!» ~~- «ملك طروادة أبي؟ بريام؟!» ~~- «هو ... هو ...» ~~- «ها ها ها ... ومن جاء بي هنا؟ ... سرقوني؟ أليس كذلك؟» ~~- «لا تنس يا باريس أنك في حضرة فينوس، وأقولها لك كرة أخرى: إن ~~الآلهة لا تكذب، أجل أنت ابن بريام ملك طروادة، قيل له إنك تجر عليه ~~ألوانا من العذاب فصدق، وأرسل بك من تركك فوق جبل بعيد لتأكلك ~~الذئاب، كل هذا إذ أنت طفل صغير وليد، ولقد عثر بك ذلك الراعي الذي ~~تحسبه أباك، ففرح بك وقال لامرأته: عسى أن يكون لنا منه ولد، والآن، ~~لقد وعدتك زوجة جميلة، أجمل امرأة في العالم، فاذهب أولا إلى ~~طروادة، والق أباك فإنه سيعرفك لأن له أبناء خلقهم كخلقك، وسيحدثه ~~قلبه، وتكلمه روحه أنك ابنه، سيفرح بك بريام يا باريس، وسيخفق قلب ~~هكيوبا، أمك التي تبكي من أجلك وتتمناك بنصف ملكها! # فإذا اطمأنوا بك ولبثت فيهم أياما فأبد لهم رغبتك في الإبحار ~~إلى بلاد الإغريق في أسطول كبير، إلى أسبرطة، إن ثمة المرأة التي ~~وعدتك، أجمل نساء العالم.» # وغابت فينوس! ~~••• # وجلس باريس على صخرة تشرف على البحر المضطرب من جهة وعلى السفح ms030 ~~المعشوشب المصطخب بالحياة من جهة أخرى، ثم أخذ يفكر في كل كلمة انفرجت ~~عنها شفتا فينوس. ~~«ترى؟! أصحيح ما قالته فينوس؟ أصحيح أن بريام أبي؟ ألا أنادي ~~الراعي أبي بعد اليوم؟ وأنت أيتها الشاء والنعم : أفراق لا لقاء بعده؟ ~~وا أسفاه! لم لقيت فينوس؟ عزيز علي أن أهجرك إلى الأبد أيتها ~~البطاح! وأنت أيتها السماء الحبيبة؟ بم أستبدل قلائدك الدرية في الليل ~~وشمسك الدافئة وسحبك الموشاة بالذهب في النهار؟!» # الآلهة لا تكذب! هكذا كانت تقول فينوس! أنا إذن ابن ملك! وأبي لا بد ~~أن يكون غرا ضيق العطن وإلا فلم صدق ما ذكرته له الكهنة عني؟ ~~طفل صغير ينبذ بالعراء لتأكله السباع! يا لقساوة القلوب وتحجر ~~الأكباد؟! وأمي؟ أين كانت أمي؟ وأين كان قلب الأم في هذه المرأة؟ كيف ~~سهل عليها أن تدعني ينطلق بي لأنبذ بالعراء فريسة لا حول لها ~~لكلاب الجبل وطعمة شقية لسباع البرية؟!» # لا بد أن أذهب! لا بد أن أعلم حقيقة أمري! وداعا أيها البحر! # رجاها أبوللو أن تكون له وأن ترتضيه لها بعلا، ووعدها لقاء ذلك أن ~~يبني لها القصور الشماء في قبة السماء، وأن يحملها معه أبدا في رحلاته ~~العلوية فوق مركب الشمس فترى كل ما يدب على الأرض، وأغراها بالتوسط ~~لدى كبير الآلهة زيوس الأعظم فيمنحها الخلود وربما رفعها إلى صفوف ~~الآلهة أنفسهم، بيد أنها ما كانت لتزداد إلا شماسا وعنادا. # ولما ضاق أبوللو بها ذرعا صب جام غضبه عليها، وسلط عليها سخرية ~~سامعيها، فما تقول شيئا ولا تتنبأ بشيء ولا تكشف غيبا إلا استهزأ ~~بها الناس وعيروها بأنها تكذب وتهرف وتدعي! # فلما شاهدت ما كان من فورة الإحساس التي تجرف قلب أمها من أجل باريس ~~ذكرت أن هذا الشاب إن هو إلا أخوها الذي نبذوه بالعراء فوق الجبل ~~لتأكله السباع، وآيتها على ذلك هذا التشابه الشديد بينه وبين أبيها ~~الملك، وحاجها قومها فأحضروا باريس ليطابقوا بينه وبين هكتور، ولكن ~~ما كادت المطابقة تتم حتى أخذته هكيوبا في حضنها الحنون المرتجف ~~صائحة ms031 مستعبرة: «ولدي باريس، ابني باريس، ولدي، إلي إلي يا ~~بني!» أما الملك فقد بكى هو الآخر؛ ونهض فعانق ابنه عناقا طويلا ~~حارا، غاسلا جبينه المتلألئ حوله أصدوع الاعتذار عن الماضي البعيد ~~المحزن قطعانه وأوطاهم باريس أن فينوس، ربة الحب والحسن، هي التي ~~هدته، وطمأنهم أبوللو كريم أرومته، خر الملك وأهله لها ساجدين، «لا ~~ترى مثله عين، و... ودخلوا المدينة ...» # لقد عبست عبوسة قاتمة، وحدجت أخاها الغريب بنظرة كالحة، ثم صاحت ~~بالملك: «أبي، لتحذر هذا الأخ! لتحذر باريس، ولتذكر نبوءة الكهنة في ~~معبد أبوللو، ابنك يجر الخراب على مملكتك ويعرض شعبك للدمار وينشر ~~الموت في بيوت رعاياك!» # وهنا ينتقم أبوللو ويسخر من حبيبته الجافية! # لقد تضاحك الملك مستهزئا، وغمزت الملكة ابنتها ولمزتها بكلام ~~قارص، أما هكتور فقد عبث بأخته ومازحها مزاحا ثقيلا. # مسكينة كاسندرا! # حتى الحاشية استهزأت بها وأشعرتها المذلة والهوان! # كل ذلك والرعاة، أصدقاء باريس، ينظرون ويعجبون، ولا يفهمون! # الآلهة لا تكذب! # أفرخ روع باريس إذن، وصدق كل ما ذكرته فينوس! # ها هو ذا يعيش في قصر منيف باذخ؛ وها هو ذا لأول مرة في حياته يخلع ~~هذا الصوف الخشن الغليظ، ليلبس من سندس أبيض وإستبرق، والولدان البيض ~~كالتماثيل يطوفون عليه بأكواب الخمر من فضة وصحاف الآكال من ذهب، وشعب ~~بأسره يطيع أباه ويطيعه، وجيوش تصدع بأمره وأساطيل لجاب تملأ البحر إن ~~شاء أرست وإن شاء أقلعت، وملك وسلطان وتاج وصولجان! # لا تنقصه الآن إلا أجمل فتاة في العالم. # تلك الفتاة التي وعدته فينوس! وما دامت الآلهة لا تكذب فأجمل فتاة في ~~العالم هي من غير ريب في بلاد الإغريق؛ لأن فينوس أوصته بوجوب الإبحار ~~إليها، وهل أجمل من حسان أسبرطة في بلاد الإغريق؟! إنهم قوم يعبدون ~~الجمال واعتدال القوام. # إذن فليبحر باريس إلى أسبرطة! # | إلى أسبرطة # - «سمعت يا أبي قصة أختك المعذبة «هسيونيه»، إذ أنا أرعى الشاء ~~والبهم فكان قلبي يتفطر أسى؛ كيف يسكت شعب عظيم كشعب طروادة على ~~إهانة تصيبه في الصميم من شرفه وعار ليس أيسر من ms032 دفعه، لكنه يغضى عليه ~~وينام عنه كأن العزة القومية عند أهل هذا البلد ليست إلا أسطورة ~~قديمة أو حلما لا يدور لهم بخلد؟!» ~~- «حسبك يا باريس! حسبك يا بني! إنها محنة كتبت على طروادة صنعها ~~جدك بيديه!» ~~- «جدي؟» ~~- «أجل! جدك، أبي، أبي لايوميدون هو الذي نكث بعهده لبطل الأبطال هرقل، ~~الرجل العظيم الذي أنقذ هسيونيه من براثن هذا الوحش البحري الهائل، ~~الوحش الذي فتك بعذارى طروادة، لقد أعلن أبي أن من يقتل هذا التنين ~~فإنه يتزوج هسيونيه. ولما قتله هرقل العظيم ...» ~~- «رفض والدك أن يزوجها منه!» ~~- «هو ذاك!» ~~- «لم أسمع بهذا من قبل، ولكن كيف سمحتم لهرقل وملئه أن يستبيحوا ~~طروادة ويذهبوا ببعض الأعزاء من أفراد البيت الملكي؟» ~~- «كنت طفلا، وقد كنت بعض هذا السبي، ثم من الذي كان يستطيع دفع ~~هرقل أقوى أبناء زيوس وصاحب المجازفات الخرافية! من كان يستطيع حماية ~~طروادة منه بعد أن نكث الملك بوعده؟ ~~- «أنت كنت بعض السبي؟ أنت يا أبي؟» ~~- «أجل يا باريس! وقضيت في أيدي أعدائنا الشرفاء أجمل حقبة من شبابي! ~~لله كم كانوا كرماء حقا؟» ~~- «وكيف عدت إلى طروادة إذن؟» ~~- «مات أبي بعد حياة مفعمة بالمتاعب ولم يكن له ولي عهد غيري، ~~فتوجه الطرواديون إلى الأعداء يطلبونني ملكا عليهم بأي ثمن، ولكن ~~أعداءنا كانوا أكرم من أن يسترقوا الملوك أو يبيعوا الأمراء، لقد ~~أعادوني معززا مكرما إلى وطني بعد إذ أخمد خصومتهم موت ~~هرقل. ~~- «ولم لم تعد عمتي هسيونيه يا أبتاه؟» ~~- «لقد تزوجها تيلامون يا بني وأحسبها الآن أيما.» ~~- «ذلك أدعى لعودتها؛ إنها لا شك تتعذب في دار غربتها، مسكينة! إن ~~حدائق الخلد لا تجدي نفعا إذا كانت سجنا لأحدنا!» ~~- «هذا حق يا بني، ومثله القفص من ذهب يحبس فيه البلبل ~~المحزون!» ~~- «أنا حزين يا أبتاه، لا بد أن تعود عمتي، أفتأذن لي في الإبحار إلى ~~هيلاس؟ إذا أذنت، فلن أعود إلا بها.» ~~••• # الآلهة لا تكذب! # هكذا قالت فينوس! وإذا كانت الآلهة لا تكذب فلن يكذب أبوللو، لا بد ~~أن تصدق النبوءة ms033 القديمة، لا بد أن يبحر باريس إلى هيلاس ليجر الخراب ~~على طروادة وليخيم الموت في داراتها جميعا. # الآلهة لا تكذب! # لقد أبحر إلى أسبرطة في يوم عاصف، أسود من جبين الموت، وأبرد من ~~بطون القبور ، ولقد كان أسطوله اللجب يرقص على نواهي الموج كما يرقص ~~الطائر المذبوح في قبضة الفناء. # هيلين # 1 # ثمرة الحب الأولمبي الساحر، ابنة زيوس الغزل، زير النساء؛ من ~~ليدا الفاتنة، التي حولها حبيبها كبير الآلهة وسيد أرباب الأولمب ~~إلى بجعة بيضاء تتهادى في مرايا المستنقعات والغدران، ليسهل عليه ~~لقاؤها دون عزول أو رقيب. ولقد ولدت له هذه الطفلة التي كانت ~~كقطرة المداد يمهر بها إعلان الحرب! # شبت هيلين وشبت في أثرها شياطين الفتنة؛ وكبرت وكثرت تحت ~~قدميها مصارع العشاق. # لقد كان جمالها أسطورة مصورة في الحب موشاة بذهب الأصيل، كانت ~~نظراتها تتغذى بأرواح المحبين في غير شره وترتوي بماء ~~حياتهم في غير نهم، وإن كان محبوها يحصون بالآلاف! # وهي لم تعمد يوما إلى قتل هذه الأرواح المظلومة؛ ولم يكن ~~ذنبها كذلك أن تنظر فتصرع، أو تنعس فتصمي، ولكن القتل كان يذهب ~~بأرواح عاشقيها عفوا كلما نظرت هنا أو هناك، وذاك هو القتل ~~البريء. # وكان لها فم شتيت حلو أودعت فيه السماء أسرارها، وصبغته عرائس # 2 # الفنون بحمرة القبل؛ فهو دائما يبتسم وكل ابتسامة ~~منه تحيي وتميت! # وخداها الأسيلان كذلك، لقد كانت لهما نعومة ولمعة، و«نونة» # 3 # خلابة، هي ملتقى الفتنة بين الخد والفم والعين ~~والأنف. # ثم عنقها الطويل البلوري الشفاف، وجيدها الممتلئ الخصب، ~~وجسدها الرخص المرمري، وساقاها الملتفتان يختلط في بشرتهما بياض ~~الندف بحمرة الورد. # هذه هي هيلين! # فإذا فترت العينين وأرخيت الأهداب الكحيلة السوداء ذات ~~الوطف، وأرسلت نظراتك المذهولة ترف بالخد والجيد والفم ~~النضيد فترتد إلى فؤادك بأحمال الحب وأثقال الهوى، رأيت ~~التمثال المعبود الذي خلب ألباب أمراء هيلاس وأجج قلوبهم بالفتنة ~~وقرح أجفانهم بالسهاد! ~~••• # لم تنشأ هيلين مع ذاك في حجور الآلهة إذ تزوجت أمها بعد أن ~~هجرها زيوس من تنداريوس - أحد أمراء هيلاس ms034 - فترعرعت الطفلة في ~~مهاد النعمة وسعدت بالهناءة والعيش المخفرج حتى كانت هيلين التي ~~رأيت! # وقد تقدم إلى خطبتها كثير من سادة الإغريق ونبلائهم، ولكن ~~أحدا منهم لم تقبله هيلين بعلا لها، لا لعيب فيهم، ولكن ~~القلب. # أجل ؛ لم يكن يتفتح قلب هيلين الأولمبية الرائعة إلا لكل جميل ~~رائع، ولما لم يكن في كل من تقدموا لخطبتها من هو سليل ~~الآلهة مثلها، فقد رفضتهم جميعا، وعلة ذلك هذا الدم المتكبر ~~الذي يتدفق في عروقها، وذلك الجمال المعبود الذي كان أكثر من أن ~~يجري في امرأة واحدة! # وجرت الألسن في هيلين، وجمال هيلين، وعشاق هيلين، والساخطين ~~على هيلين ممن جرحت كبرياءهم لرفضها إياهم، ولقي زوج أمها من جراء ~~ذلك هولا شديدا ورهقا. # تحدثوا أن عشاق هيلين - ومنهم أبطال هيلاس وشجعانها وذوو ~~الصولة والجبروت فيها - كانوا يضربون معسكراتهم حول بيت زوج أمها؛ ~~يطمع كل منهم أن يفوز هو بهذه الغادة ذات المفاتن التي أذلت ~~الأعناق العزيزة ورغمت بها الأنوف الإغريقية الشماء. # وخشي تنداريوس أن تشب الحرب بينهم لو أن هيلين قبلت أحدهم ~~زوجا لها دون الآخرين، وأسقط في يده حين تقدم منلوس - ملك ~~أسبرطة وسليل الآلهة أيضا - إلى هيلين يطلب يدها، فلما أسرت ~~الفتاة إلى زوج أمها أنها ترضى ملك أسبرطة بعلا لها تضاعف فزعه ~~وازدادت خشيته، وأيقن أنه لو أنفذ من أمر ذلك الزواج شيئا فإن ~~أمراء هيلاس بأسرهم يصبحون له أعداء ألداء وهو لا حول له ~~بعداوة أحدهم بمفرده ولا قوة! # ولجأ تنداريوس إلى الحيلة. # لقد أقام حفلا شائقا دعا إليه كل من تقدموا لطلب يد هيلين، ~~وبالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم، ثم خطبهم فتحدث عن فتاته وما ~~كان من أمر خطبتهم لها وعدم التوفيق في إنجاز شيء مما أقدموا له ~~واختلفوا فيه، «أفإن بدا لهيلين يا سادة أن تختار أحدكم ليكون لها ~~زوجا من دونكم انقلبتم على أعقابكم، وثرتم بمن يقع عليه اختيار ~~الفتاة، فقتلتموه أو فضحتموه في عرضه، وجعلتم اسم هذا البيت ~~الكريم مضغة في أفواه الهيلانيين وجيرانهم؟ إنما ms035 نريد أن نتقي ~~هذا الشر فلا يستطير، ونتدارك الأمر فلا ندعه همجية بيننا، ولن ~~أكلفكم في سبيل ذلك شططا، يمين يا سادة صادقة تقسمونها فتكون عهد ~~الوفاء بيننا أن ترتضوا جميعا ما ترتضيه هيلين، وأن تكونوا يدا ~~على من يحنث ولو كان أعزكم جانبا وأكثركم قوة، بل لنتفق ~~جميعا على أمر يكون أعم مما أشرت إليه؛ أن نكون يدا على من ~~تحدثه نفسه بالإضرار بهيلين أو بسبيها؛ فقد تحدث إلي من ~~عنده علم أن بعضكم ينتوي هذه النية السوداء، ينتوي أن يسرق هيلين ~~إذا لم يكن من حظه أن يقع اختيارها عليه ليكون بعلا لها، وأنتم ~~السادة النجب من علية الإغريق وجيرة الأولمب؛ أفترضون أن يحدث في ~~أمر كلكم شاركتم فيه من قبل؟» # ويجيب المدعوون في صوت واحد: «حاشا حاشا! لنقسم جميعا.» # وأشرقت هيلين على الملأ وكادوا يفتتنون بعد إذ أقسموا، لولا أن ~~أرسلت الفتاة صوتها الموسيقي الرنان تختار ملك أسبرطة، الملك ~~منلوس ليكون زوجها الوفي الأمين! # وطأطئوا رءوسهم، وانصرف أحدهم في إثر الآخر. ~~••• # رسا أسطول باريس في مرفأ ليسديمونيا # 4 # الأمين، وخرج الأسبرطيون وعلى رأسهم ملكهم ومليكتهم ~~للقاء ابن بريام العظيم، حيث شاع أنه ينزل ضيفا كريما على صاحبي ~~العرش، فيلبث أياما في ضيافتهما ثم يعود أدراجه إلى طروادة ~~مصطحبا عمته الأيم هسيونيه. # وتقدم الملك والملكة فسلما على الضيف الشاب، وتحرك الموكب ~~الكبير في طريق حفت بالشعب الطروب، وفرشت بأوراق الورد، ~~وتأرجت في جنباتها أنواع الرياحين، وكانت فرق من الموسيقيين ~~تعزف هنا وهناك، فتراقص ألحانها العذبة حبات القلوب. وكم كان ~~جميلا رائعا إنشاد الجنود وقد وقفوا صفوفا صفوفا كلما مر ~~الموكب الملكي بفرقة منهم دوى هتافها حتى يبلغ عنان السماء، فإذا ~~فرغوا وصلت هتافهم فرقة ثانية، وهكذا. # وكان سرب من أجمل قيان اليونان وحسانها يحيط بالملكة ~~الجميلة وقد قصرن ثيابهن وأرسلن شعورهن، فبدون فتنة الركب، ~~وكن سحر الموكب ولفتن من باريس بصره وسمعه وفؤاده! # وكان الفتى يخالسهن نظرات مشغوفة، وكن بدورهن يبسمن له ~~ويتبرجن، حتى التقت عيناه بعيني الملكة، ms036 فنسي نفسه! # لقد خيل له أن قلبه انخلع من مكانه الذي بين جنبيه ليتأرجح في ~~مقلتيه! أين رأى هذه الملكة من قبل يا ترى؟ إنه لم يذهب إلى ~~الأولمب قط! وهل لبشري أن تطأ قدماه أرض الأولمب فيرى مثل هذا ~~الجمال الساحر والحسن الفتان؟ # الحق أن هيلين تعمدت أن تشك قلب باريس في قوة وعنف، حين ~~أدركت رسل العيون تنتقل بسرعة بينه وبين قيانها وحسانها، فلما ~~التقت عيناها بعينيه غمزت قلبه الضعيف الغض بسهم مراش من عينيها ~~الساجيتين انطلق إلى جوانحه في برق من بسماتها، ورعود! # لقد زلزل قلبه. # وأحس كأن قوى خفية تجذب روحه لتمرغها تحت قدمي هيلين! ~~وطفق يفكر ويفكر أين رآها من قبل، ولكن بلا جدوى. # ثم بدت له فينوس بحيث لا يراها أحد غيره، وقالت له: «هي، هي، كن ~~شجاعا!» ثم غابت ربة الحسن. # فذكر ماضيه القريب وذكر ما وعدته به فينوس، وذكر أن هيلين إن هي ~~إلا صورة أرضية سماوية من ربة الحب، وأنها مخلوقة كخلقها، عذوبة ~~روح ورقة نفس ودفء دم وسحر عيون ... # فصمم على أن تكون له. ~~••• # ولبث باريس في ضيافة الملك أياما كانت تتصرم كأطياف الأحلام، ~~ثم حدث حادث جلل في أطراف المملكة استلزم وجود الملك نفسه ليرى ~~رأيه فيه، فلما كان يوم السفر ودع منلوس زوجته الحسناء وأوصاها ~~بإكرام ضيفه العظيم باريس «ابن صديقي ملك طروادة»، فطمأنته هيلين ~~وخرجت تودعه حتى إذا كانت عند أسوار ليسديمونيا، حيته تحية ~~فاترة، وعادت لترعى عصفورها الغريد. # أقبلت هيلين على ضيفها غير هيابة وأقبل هو عليها في غير وجل. ~~أقبلت عليه تؤانسه كما أوصاها زوجها، وأقبل هو عليها يغازلها ~~ويبحث فيها عن أجمل امرأة في العالم كما وعدته فينوس! ~~«هي هي، كن شجاعا!» هكذا كانت تتردد هذه العبارة المقتضبة في ~~أذني باريس كما ذكر الوفاء وشكران الجميل؛ وكلما هم أن يبتعد ~~بقلبه عن زوجة الملك الكريم المضياف الذي احتفى به وأكرم ~~مثواه. ~~«هي هي، كن شجاعا»، إذن فليكن باريس شجاعا كما أمرته فينوس! ~~ليقترب من ms037 هيلين في هذه الخلوات الحلوة التي تمن عليه بها ~~فتستطيل كل مرة إلى ساعات وساعات. # ليقترب منها، ولتصب هي سلسبيلا من الموسيقى في أذنيه المرهفتين ~~لكل كلمة من كلماتها، وليرشف هو هذه الخمر التي تتدفق من عينيها ~~وأهدابها ، وليرشف هو هذه الخمر حتى تثمل روحه ويسكر قلبه، وتزيغ ~~عيناه. # ليقترب، ليقترب كثيرا، ليمس جسده المشتعل جسدها المعطر ~~الفينان، إنها لا ترفض أن تكون ذراعه فوق كاهلها، بل هي أيضا ~~تنثر ذراعها فوق كاهله، ها هما يتخاصران، الخبيث يجيل عينيه في ~~عينيها، هل يبحث عما يكنه قلبها، أم يفتش عن شيء مفقود في ~~نفسها؟ إنهما ما يتحولان عن عينيها! إنه يحملق فيهما ~~بشراهة! # قبلة ... # هي القبلة الأولى من غير شك، هي الاعتراف الصريح بنضوج ~~الحب! # وقبلة ثانية ... # وهي القبلة المؤكدة لأختها الأولى، هي عدم المبالاة بما عساه أن ~~يكون، أول شرط في عقد هذا الغرام الأثيم، هي الاعتداء الصارخ على ~~عرض منلوس، منلوس العظيم، منلوس ملك أسبرطة، وسليل ~~الآلهة. ~~••• ~~- «ألا يسرك يا هيلين أن نعيش سويا أبد الدهر؟» ~~- «ألا يسرني؟! ما السرور إذن يا حبيبي باريس؟» ~~- «إذن فلنرحل في ظلام الفجر!» ~~- «إلى أين؟» ~~- «إلى طروادة!» ~~••• # وأقلع الأسطول في غبشة البكور يحمل هيلين. # وعفا الحب عن عمة باريس، عفا الحب عن الأيم هسيونيه! # | التعبئة # عاد منلوس من رحلته في الحدود، وليته لم يعد! # لقد جن جنونه حينما علم من أمر زوجه وضيفه ما علم! ~~«علام إذن كانت كل هذه الضجة التي أحدثتها تلك اللعينة قبيل ~~زواجها؟ لقد تركت عشاقها الكثيرين صرعى حول قصر أبيها، وظلت تتيه ~~وتدل وتتأبى وترفض، وفيهم شجعان هيلاس وحماتها وأباتها وملوكها ~~الصيد وفرسانها الصناديد! # فيم إذن كانت كل هذه الضجة؟ # هل منحتني جسمها فقط يوم اختارتني بعلا لها؟ وهل ذخرت قلبها للعشق ~~الأثيم والهوى الفاجر حتى ترزقها شياطين الفتنة هذا الشاب الغرانق ~~اللاهي المستهتر فراحت تقدمه فوق مذبح جماله قربانا للذتها ~~النجسة وتقدمة لشبابها الرجيم؟ وا حربا! هل اختارتني بعلا لها لا ~~لشيء إلا لأني ملك وسليل آلهة؟! ms038 # يا للفاجرة! # أفي ذلك البيت الرفيع الذرى، ظلت تتقلب التاعسة في ذراعي هذا ~~الخائن شيقة متلذذة؟ هل ظل هو يضمها إلى صدره الثائر في شدة ~~وعنف؟! هل كانت تستزيده؟ # أيتها الجدران الحزينة! كم قبلة دنسة أصمت آذانك، وكم صرخة ~~فاجرة دوت كالرعد في حناياك؟ حدثني أيها الهواء المسمم عما كنت ~~تشهد في صميمهما حين كانا ينفثانك من صدريهما سما قتالا! خبري ~~أيتها الستائر، أيتها المصابيح، يا شموع قصري، أيتها الأرض الملوثة، ~~أيها العرش المهين، أيها التاج الذليل، أيتها الكئوس المتناثرة، ~~والأكواب المقلوبة، تحدثي إلي! # حدثني يا كل شيء هنا عن مهازل الفسق ومذابح الشرف! # آه! الشرف؟! الخرافة الكبرى! # الحرب! الحرب! الانتقام! الانتقام من الفاجرة، اقتلوا الخائن يا ~~حلفائي، تنداريوس، ادع حلفاءك، لقد أقسموا جميعا، لقد كنت تتوقع هذه ~~النهاية يا تنداريوس، استيقظ، استيقظي يا أسبرطة، جنودي، شعبي، هلموا ~~إلي.» # وهكذا أرسلها منلوس صرخة مدوية تجاوبت أصداؤها في جميع أجواء ~~هيلاس، واستجاب لها كل قادر على الحرب فيها إلا القليل. # لقد عجب عشاق هيلين حين وصلتهم صيحة تنداريوس، وصدقوا يمينهم التي ~~أقسموا، فلبوا سراعا؛ وانتفضت هيلاس كلها فصارت ثكنة تعج بالجند ~~وتضج بآلات الحرب، واضطربت البحار بالأساطيل تيمم شطر أوليس، # 1 # حيث اتفقت الكلمة على أن يبحر منها الأسطول المتحد؛ فلا ~~يرسو إلا في مياه طروادة. # لبى الصيحة كل عشاق هيلين الذين أقسموا اليمين، فهرعوا من ~~المشارق والمغارب بخيلهم ورجلهم، إلا ملك إيثاكا، أوليسيز. # 2 # أوليسيز # كبر في نفس أوليسيز أن يتقدم لخطبة هيلين فترفضه فيمن رفضت وهو ~~مع ذاك ملك إيثاكا وبطلها الحلاحل، وفارس هيلاس الذي لا يشق له ~~غبار، وكبر في نفسه أن تؤثر عليه منلوس، وهو مع ذاك دونه شجاعة ~~وأقل منه إقداما حين يثار النقع وتستحر الحرب، وكبر في نفسه ~~أيضا ألا تكون له زوجة يفاخر بها هيلين وأتراب هيلين وآل ~~هيلين، فذهب من فوره إلى عمها فتزوج ابنته الجميلة الرائعة ~~بنلوب: «الزهرة التي تهتز للندى، وترقص لخيوط الشمس الذهبية، ~~وتغني مع الأطيار ويسكر النسيم إذا داعب ms039 خديها، قبلة الحب ~~الخالد على خدود الجمال الطليق، وابتسامة السماء الضاحكة في قلوب ~~المحبين المعذبين بنلوب، الوديعة كالأطفال، الحلوة كالرضى، ~~الصافية كقطرة الندى بين أوراق الورد، المرحة كسطور الغرام في خطاب ~~الحب، بنلوب، التي تفخر الأرض بأنها تحملها، والهواء بأنها ~~تستنشقه، والسماء بأنها تظلها وتشرف عليها، والجبل بأنها تنظر ~~إليه، والبحر بأنه يغسل قدميها المعبودتين! # بنلوب، ذات الفم العطري والخد اللامع المورد، والجبين الناصع ~~الوضاح، والعنق الناهضة الجيداء، ربيبة الآلهة ولمحة الأولمب، ~~وبندورا الثانية. # تزوج أوليسيز من بنلوب هذه فأخلصت له الحب، وأصفاها المودة ~~والغرام، وولدت له طفله الجميل المتلألئ تليماخوس (تلماك)، فزادت ~~محبتها له وتضاعفت عبادته لها بعد هذا الرباط القدسي ~~الكريم. # عز على أوليسيز أن ينأى عن زوجته الجميلة وطفله العزيز ~~المحبوب، لا لشيء يجر عليه مغنما أو رفعة، ولكن ليحارب حربا ~~لا تعلم إلا الآلهة كيف تنتهي؛ فقد تكون عقباها القتل أو الغرق أو ~~الأسر، فتعيش الزوجة الجميلة أيما محزونة، ويحيا الطفل يتيما ~~مفجعا، وثمن ماذا كل هذه المصائب وتلك الآلام؟ ثمن امرأة أذلت ~~سادة هيلاس، وجرحت كبرياء زوجها وفضحت أباها، ثم هتكت عرضها - إذا ~~كان لها عرض - بفرارها مع هذا العاشق الفاجر الأثيم! # لم يشأ أوليسيز أن يقامر بسعادته وحياته في هذه الحرب إذن، ولو ~~كان في ذلك - كله أو بعضه - الحنث العظيم، فما يمين شرف هذه التي ~~يتمسك بها ملك كبير كملك إيثاكا من أجل امرأة ليس لها شرف؟ # ليقعد إذن عن هذه الحرب، وليصم أذنيه دون صيحتها الكبرى، فإذا ~~ألح عليه الملحون فليتظاهر بأنه مجنون مأفون، لا تهديه مسكة ~~من عقل ولا ترشده أثارة من تفكير. # أرسلوا إليه رسولهم السياسي الكبير بالاميدز يحضه على الحرب ~~ويذكره بيمينه التي آلاها ويحرضه على «الطرواديين اللؤماء ~~الذين يوشكون أن يفضحوا الهيلانيين في أعراضهم»، ولكنه ألفاه ~~يحرث شاطئ البحر بمحراث هائل يجره ثور ذو خوار، وحصان عربي ~~أصيل! ~~- «عم صباحا أيها الملك.» ~~- «...! ...» ~~- «ماذا يصنع مولاي؟» ~~- «أحرث هذا الحقل الخصيب!» ~~- «أي حقل؟» ~~- «الحقل الذي ترى، أليس لك عينان تسمع ms040 بهما، وأذنان تريان ما ~~أفعل؟» ~~- «عينان تسمعان وأذنان تريان؟» ~~- «اذهب، لا تشغلني، أريد أن أبذر حقلي هذا الصباح.» ~~- «وماذا عساك أن تبذر أيها الملك؟» ~~- «لست ملكا فلا تهزأ بي، نحن الفلاحين نطعمكم ونسمنكم ثم يكون ~~جزاؤنا أن تسخروا بنا، اذهب ، اذهب.» ~~- «وماذا عسيت أن تزرع؟» ~~- «سأزرع ملحا.» ~~- «تزرع ملحا؟! وتحصد ماذا؟» ~~- «أزرع ملحا وأحصد ... سمكا ... ها ها ... لا لا ... سأحصد باذنجانا ... ~~ولكن لماذا تقف هكذا قريبا مني؟ لماذا لا تذهب؟» ~~- «ألا تعرفني يا مولاي؟» ~~- «أرجوك! أنا لست مولاك ولا مولى أحد! اذهب ودعني أشتغل.» ~~- «أنا بالاميدز يا مولاي! وا أسفاه! إن هيلاس كلها تنتظرك ليومها ~~المشهود!» ~~- «تنتظرني؟ إنها لا بد جائعة يا بالا، يا باما، يا ~~بالاديز.» ~~- «لست بالاديز يا مولاي، أنا بالاميدز.» ~~- «بالاميدز! هذا عجيب! تعال إذن فاعمل معي ... سأسأ # 3 ~~...» ~~- «الحرب يا مولاي، الأساطيل في أوليس.» ~~- «أي حرب وأي أساطيل يا رجل؟» ~~- «سنحارب طروادة!» ~~- «ولم لم تذهبوا بعد؟» ~~- «نريد أن تكون معنا، فالكل يهتف بك ويدعوك.» ~~- «أنا؟ يدعوني أنا؟ أنت يا رجل لا تريد أن أزرع هذا الحقل ملحا، ~~وماذا أصنع في الحرب؟ هل أخبروك أنني فارس؟ اذهب، اذهب، سأسأ، ~~سأسأ.» ~~- «ألا تعرف من أنت يا مولاي؟» ~~- «وهل تعرف أنت من أنت؟» ~~- «أنا بالاميدز، وأنت؟» ~~- «أنا؟ أتريد أن أرسل اسمي إلى الميدان؟ أتتركني بغير اسم يا ~~رجل؟» ~~••• # لم يستطع بالاميدز أن يفوز من أوليسيز بطائل، فقد مثل ملك إيثاكا ~~دور المجنون تمثيلا متقنا يحاول أن يفلت من هذه الحرب التي لا ~~شاة له فيها ولا جمل، والتي قد يقتل فيها أو يؤسر من أجل زوجة ~~خائنة لا شرف لها ولا عرض. بيد أن بالاميدز لم ييأس حين رأى ما ~~شدهه من جنون الملك، فإن وسواسا وقر في قلبه أن هذا البله قد يكون ~~تبالها، وأن ما بالملك من مس إن هو إلا حيلة يحاول أن يفلت ~~بها من أرزاء الحرب وأهوالها، ثم هو حيلة كذلك للتحلل من اليمين ~~التي أقسمها عشاق هيلين. # لذلك لجأ بالاميدز إلى الحيلة هو ms041 الآخر فانقطع أياما ظل يرقب ~~الملك فيها عن كثب بحيث لا يراه أوليسيز، ولكن الجواسيس كانت تحمل ~~أخبار السياسي الداهية أولا فأولا إلى رئيس البلاط، وهذا يحملها ~~بدوره إلى مولاه الذي يفطن إلى مكر بالاميدز فيبالغ في ادعاء ~~الجنون، وينزل إلى البحر يحرث موجه بعد إذ فرغ من حرث ~~شاطئه. # ويسقط في يد بالاميدز فيطلق آخر سهم في كنانته. # ذلك أنه تحايل فسرق تليماخوس الصغير، ولي عهد أوليسيز، والأعز ~~عليه من نفسه ومن الدنيا وما فيها، سرقه فذهب به إلى حيث والده ~~يحرث الشاطئ ويحرث البحر، فطفق يضع الغلام أمام المحراث ليرى ما ~~يكون من جنون الملك، هل يقتل ابنه ويكون بذلك مجنونا حقا، أو ~~يتفاداه ويكون جنونه محض ادعاء وبلهه تلفيقا في ~~تلفيق؟! # ولكن الملك كان أحرص على ولي عهده وقرة عينه من أن تتم فيه ~~حيلة بالاميدز الداهية، فكان كلما تعرض ابنه لخطر الموت لوى ~~عنان الثور، وذاد الفرس متفاديا الطفل إلى الناحية التي لا يكون ~~عليه فيها خطر. # فتضاحك بالاميدز وفضح جنون الملك، وأخجل حيلته، ثم لم يزل به ~~حاضا محرضا حتى أقنعه بوجوب خوض هذه الحرب مع إخوانه ~~الهيلانيين. ~~••• # ازدحمت جحافل الهيلانيين في أوليس وانعقد المجلس الحربي لانتخاب ~~القائد الأعلى، فاختير ابن الشمس البكر، أجاممنون، شقيق منلوس ~~وصفيه بالإجماع. # اختير أجاممنون للقيادة العامة وإن لم يكن خير أعضاء المجلس ~~الحربي، وكيف يكون كذلك ومن أعضاء هذا المجلس أوليسيز العظيم ملك ~~إيثاكا، وأجاكس بطل الأبطال وفارس كل نزال، ونسطور أحكم من أشار ~~بخطة في معمعان، وديوميدز المحارب الصنديد، إلى آخر هذه العصبة ~~المختارة من جيرة الأولمب والسادة النجب من فرسان هيلاس. # اختير أجاممنون إذن؛ لأنه شقيق منلوس وممثله في الحرب، ثم لأنه ~~أكبر أعضاء المجلس الحربي سنا وهو مع ذاك أحد شجعان هيلاس ~~المعدودين. ~~••• # انتظمت صفوف الجند وأخذوا في مران عنيف أياما معدودات، ركبوا ~~بعدها في سفائن أسطولهم العظيم وظلوا ينتظرون إذن القائد الأعلى ~~أمير البر والبحر بالإقلاع فتجري بهم الجواري المنشآت في موج ~~كالجبال إلى طروادة، ms042 يحملون إليها المنايا الصفر، والغوائل السود ~~في شفار المشرفيات البيض. # ولكن أمير البحر والبر لم يأذن لهم بالإقلاع. # ذلك أن بعض أعضاء المجلس الحربي أشار بوجوب استيحاء الآلهة عما ~~إذا كانت حملتهم العظيمة هذه قد كتب لها الظفر والانتصار أو ~~الهزيمة والانكسار؟ ليكونوا من أمرهم على بينة، وليكونوا أيضا قد ~~استخاروا أربابهم فتخير لهم، واستشاروها فتخلص لهم المشورة، ~~ويمضون بعد ذلك على بركتها وفي حراستها. # وارتقبوا نبوءة الآلهة بقلوب فارغة ونفوس مبتهلة، ومضت ~~أيام. # ثم رأوا إلى تيرزياس كاهن المعبد يدلف نحوهم في هدأة فجر صامت ~~فشخصت أبصارهم إليه، وظنوا فيه الظنون. # وجلس الكاهن المسن يقلب في القادة عينيه الكبيرتين وصمت لحظة، ~~ثم قال: «أين ابن بليوس أيها الملأ؟» # ونظر القادة بعضهم إلى بعض ولم يحيروا. # فقال الكاهن: «ابن بليوس رب الأعماق من زوجته ذيتيس! أليس فيكم ~~أخيل؟! ...» # فأجاب أجاممنون: «ومن أخيل أيها الأب المقدس؟!» # فقال الكاهن: «هو ابن ذيتيس التي قالت فيها ربات الأقدار إنها ~~تلد غلاما يكسف مجده مجد أبيه، ابحثوا عنه، فلن تفتح طروادة ~~إلا أن يكون معكم، ولن ينفعكم أن تذهبوا بدونه، هكذا قالت ~~الآلهة.» # | أخيل # شده القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، ونهض الكاهن الوقور ذو اللحية ~~المرتعشة يضرب في غبشة الصبح متكئا على عكازه الذي أحنته وأحنت ~~صاحبه السنون، ولم يكد يتسنم ذروة الجبل حتى أشرقت ذكاء، فاختلط ~~ذهب أشعتها بفضة لحيته، فزادته رهبة وزاد البعد وقارا، وملأ بهامته ~~السامقة وطيلسانه القشيب قلوب العسكر وعيون القادة ألغازا ~~وأسرارا. ~~••• # عاشت ذيتيس في كنف بليوس قانعة راضية لا يعنيها من هذا العالم ~~الرحب إلا الجنين الحبيب الذي يتقلب في أحشائها فتتقلب معه أكبر ~~الآمال. # ومضت شهور ووضعته غلاما بكاء كثير الصخب، يضرب الهواء برجليه ~~الصغيرتين فكأنما يضرب المشرقين والمغربين، وينظر في السماء العميقة ~~بعينيه الزرقاوين وكأنما يبحث في أغوارها عن جده، ومجده، وترى إليه أمه ~~وتبتسم. # وشب الغلام وأيفع؛ وتحدثت إلى أمه العرافات والكاشفات الغيب أن ~~سيكون محاربا عظيما تتحدث بذكره الركبان وتتعطر باسمه المحافل في كل ms043 ~~زمان ومكان؛ وأن لا بد من رحلة به إلى الدار الآخرة - هيدز مملكة بلوتو ~~- حيث تستطيع الأم غمس ابنها في أمواه ستيكس، نهر الخلود الزاخر، الذي ~~أودعته الآلهة أسرارها ونظمت فيه شعراء الأولمب أشعارها، واشتهرت ~~بركاته في العالمين. # حدثنها أنها إن غسلت ابنها في أمواه ستيكس فإنها تكسب جسمه مناعة ~~ضد الموت، وحفاظا من الفناء؛ لأن جلده يصبح كالدرع المسرودة من حديد، ~~لا تنفذ فيه السهام، ولا يؤثر فيه طعن القنا، ولا ضرب المشرفيات ~~البيض. # ووقفت به على شواطئ ستيكس! # وهالها أن تنظر فترى إلى المنايا تقفز على غوارب الموج وتثب فوق ~~نواصي الثبج؛ تدمدم كأنها الذئاب، وتهوم كأنها البواشق، وترقص ~~ظلالا سودا كأنها الجن! # لقد ريعت الأم المسكينة وكادت تنثني بطفلها المعبود إشفاقا عليه من ~~هول ما شاهدت، بيد أن الطفل ... بيد أن أخيل الصغير، كان يصرخ وينتحب ~~كلما بعدت به أمه عن النهر، في حين كان يهدأ ويبتسم كلما اقتربت به ~~منه. فتعجبت ذيتيس وجلست ترقب من النهر فرصة هادئة فتغمر ابنها في ~~مائه لحظة وتمضي لشأنها. # وكأن الآلهة قد استجابت لتوسلاتها، فقد نامت الأمواج واستقر ~~سطح الماء وقالت # 1 # شياطين النهر المصطخب؛ فتقدمت الأم المضطربة حاملة ~~ولدها من إحدى رجليه وذكرت أربابها مبتهلة إليهم، وغمست أخيل في ~~الماء الهادئ في أقل من لمح البصر، وعادت أدراجها فرحة ~~متهللة. # إلا أن جزءا واحدا من جسم أخيل لم يغمره الماء! # ذلك هو عقب قدمه اليسرى، فيا للهول! # ثم أسلمت ذيتيس ولدها الحبيب للسنتور العظيم شيرون مؤدب هرقل ~~ومدربه، يلقنه الفنون الحربية، وينشئه على أعمال الفروسية ويبث ~~فيه ذلك الروح الكبير الذي بثه في سائر تلاميذه من قبل، فكانوا فرسان ~~كل حلبة وصناديد كل ميدان، ولقد نبغ أخيل في استعمال السيف واللعب ~~بالرمح، وتوتير القسي وثقف حيل المصارعة والملاكمة، وقصارى القول ~~أصبح فتى زمانه والهلع الملقى في قلوب أنداده وأقرانه، إن كان له ~~أنداد وأقران. # وعاد إلى أمه فاحتفت به، وذهبت من فورها هذا إلى العرافات ~~القدامى وكهنة المعبد، فاستوحتهم ms044 ما عسى أن يكون في كتاب الغيب من حظ ~~لابنها في الميدان. # ولكنها حزنت ودهاها من الهم ما دهاها حين قال لها الكاهن الأكبر ~~مؤمنا على ما تنبأت به العرافات من أن أخيل سيدعى للقتال في صفوف ~~الإغريق، وأنه سيلقى حتفه تحت أسوار طروادة بسهم يرميه به ألد ~~أعدائه، يصيب منه مقتلا في موضع دقيق من جسمه، هو - وا أسفاه - عقب ~~قدمه اليسرى التي لم تغمرها مياه ستيكس! # حزنت ذيتيس وتجهمت للحياة المشرقة وتجهمت الحياة المشرقة لها؛ ~~وآلت إلا أن تحول بين ابنها وبين حملة طروادة التي كانت الصيحة لها ~~تجوب آفاق هيلاس في تلك الآونة. # وجلست تفكر. # وبدا لها أن ترسل بأخيل حيث يحل ضيفا على ليقوميدس ملك سيروس ~~الكريم المضياف، وأن تنتحل الأعذار الواهية فتعرض على الملك أن يسمح ~~لولدها بالتنكر؛ بأن يصفف طرته ويرسل غدائره، ويزجج عينيه ~~وحاجبيه، ويصبغ خديه وشفتيه، ويضفي عليه من وشى العرائس، وأفواف ~~الإناث، وحبر القيان الغيد، ما يبدو به كأنه واحدة من بنات الملك ~~أو إحدى سراريه! تحسب المسكينة أنها بذلك تعفيه مما قدر له، وهو أينما ~~كان يدركه القتل ولو كان في برج مشيد! ~~••• # واشتد طلب الإغريق لأخيل، ولبث الأسطول الضخم يرقب مجيئه في كل ~~لحظة عدة أيام، وخشي أجاممنون إن هو أقلع بالفلك، ورسا عند شطآن ~~طروادة أن ترسل الآلهة ريحا صرصرا تسخرها عليه فتأتي على أسطوله، ~~أو يظل تحت أسوار أعدائه مرابطا أبدا، لا يتقدم ولا يتأخر، وتكون ~~إقامته ثمة بالهزيمة أشبه، وإلى الانخذال أقرب، فأخذ يبعث الرسول يتلو ~~الرسول للبحث عن أخيل الذي أنبأت الآلهة أن فتح طروادة مستحيل ~~بدونه؛ ولكن عبثا حاول أحد من الرسل العثور بأخيل أو بظل أخيل؛ بل ~~كانوا يعودون جميعا وهم يتعثرون بأذيال الخيبة ويلملمون أطراف ~~الفشل. # وهنا نهض البطل الملك أوليسيز، فتى إيثاكا؛ وندب نفسه للبحث عن أخيل، ~~وأقسم لا يعودن إلا به. # ومع أن بعض القادة من أعضاء المجلس الحربي أوجس خيفة من أن يفر ~~أوليسيز، وأن يكون ندبه لنفسه بحجة ms045 البحث عن أخيل، إن هو إلا حيلة يريد ~~بها أن يفلت من تبعات الحرب وأهوالها إلا أن أجاممنون نفسه وهو ~~القائد الأعلى للجيوش والأساطيل قبل أن يذهب أوليسيز كيما يقص أثر ~~أخيل، بعد أن أخذ عليه «يمينا على حد الحسام المهند!» ~~••• # استطاع أوليسيز أن ينفذ إلى مملكة بليوز في أعماق المحيط، واستطاع ~~أيضا أن يختلط بالخدم وحاشية القصر، وأمكنه أن يستدرج بعض الأمراء ~~المقربين من رجال الأسرة المالكة فيعلم منهم أين يختبئ أخيل، وكيف ~~يمارس حياة العذارى في بلاط ليقوميدس - ملك سيروس - كأنه إحداهن، وعلم ~~أيضا أن أخيل نشأ نشأة عسكرية على يدي شيرون العظيم ومن كان تلميذ ~~شيرون فأخلق به ألا يستنيم لهذه الحياة الناعمة التي لا تليق إلا ~~بأبكار الخدور وربات الحجال لا بالأبطال وصناديد الرجال، فانطلق إلى ~~سيروس من فوره. # انطلق أوليسيز إلى سيروس النائية التي تكاد تكون منقطعة عن العالم، ~~وقد حمل على ظهره العريض وكاهله القوي حقيبة كبيرة جمع فيها من كتان ~~مصر وأصباغها وعطورها، وحبر الشام وحريره وسموره، # 2 # وتصاوير فارس ~~وقماقمها # 3 # وسنجابها، # 4 # ومشرفيات الهند، وتحف السند، وطرف الصقلب، ومن كل ~~ما غلا وارتفع ثمنه من أدق صناعات العالم جميعا. # فلما كان في حاضرة المملكة يمم شطر قصر الملك، وكان الوقت ضحى؛ ~~ثم طفق يصيح باللهجة السيروسية معددا أسماء السلع التي: «استحضرناها ~~حديثا من مصر الجميلة المتفننة، والشام الصناع العبقري، وفارس الغنية ~~الكسروية، والهند العظيمة، والسند ال ... ونحن لا نبيع إلا للملوك ~~وأبناء الملوك؛ لأن الشعب فقير لا يقدر بضائعنا الغالية، ونحن ~~معروفون في مصر - لا يشتري فرعون إلا منا - وفي الشام، وفي فارس، وفي ~~الهند، حيث الأقيال العظام وال...». # وأرسلت بنات الملك فأحضرن هذا التاجر المفاخر بما معه واجتمعن حوله ~~يتفرجن ويتلهين؛ هذه تختار منديلا من حرير الهند، أو منطقة من ~~خز الشام، وتلك تشتري من أصباغ مصر وعطورها وخرزها، وثالثة تفتتن ~~بتصاوير فارس، فتشتري كل ما مع الرجل منها. # ولكن فتاة ملثمة وقفت وحدها ترمق سائر الفتيات بنظرات ساخرة، ولا ms046 ~~تكاد تبين إلا عن عينين زرقاوين متألقتين، تقدمت في خطوات متزنة ~~ومشية منتظمة، وأخذت الحقيبة من الرجل فقلبتها، وما كادت ترى إلى ~~المشرفيات الرقاق الظبى حتى تهللت وبدا البشر في عينيها، وتناولت ~~حساما مرهفا وشرعت تلعب به في الهواء ها هنا وها هنا كأنما تطيح به ~~رءوس أعدائها الذين تتصورهم في لوحة الخيال البعيد المنطبع على أسوار ~~طروادة! # وشده أوليسيز مما رأى! # إنه هو نفسه لا يستطيع أن يلاعب السيف كما تلاعبه هذه ~~الفتاة! # وإن فتاة تغازل السيف هكذا، لا يستطيع عشرة آلاف فارس أن يقفوا في ~~وجهها إذا جمعتهم وإياها حلبة للوغى! # إنها تأخذ على الهواء مسلكه؛ فالهواء نفسه ذبيح هذه الضربات ~~القاسيات. # وانقشع الشك عن نفس أوليسيز وأيقن أنه أمام البطل المنشود، فصاح ~~بصوته الجهوري وكأن الرعد ينبري من بين شدقيه: «أخيل! ...» # وكأن كل ما في الأرض والسماء راح يردد صيحة أوليسيز: «أخيل ... أخيل ~~... أخيل ...» # ووقف أخيل لحظة جامدا، شارد اللب، زائغ العينين، كأنه مستيقظ ~~من حلم كريه مفزع؛ ثم ما هو إلا أن نثر لثامه ومزق الغلالة الحريرية ~~التي كانت تحبس جسمه العظيم في سجن امرأة، وصاح بأوليسيز، وقد بدا في ~~برد الأسد. ~~- «أنا هو، أنا أخيل، فمرحى يا رجل!» ~~- «أنت هو؟!» ~~- «أجل، أخيل بن بليوز، أبي إله عظيم وأمي بنت إله عظيم، فلبيك ~~وسعديك!» ~~- «وأنت مختبئ هنا في خدور النساء خشية الحرب التي احتشد لها قومك ~~دفاعا عن الوطن؟!» ~~- «أية حرب يا رجل؟!» ~~- «بين هيلاس وبين طروادة.» ~~- «ومن أثارها؟» ~~- «لقد سرق باريس بن بريام، هيلين ملكة أسبرطة.» ~~- «سرقها؟ ولم لم تقتله الفاجرة؟» ~~- «فرت معه، ولم تبال بأن تلقي شرف هيلاس في الوحل!» ~~- «ولم لم تذهب أنت إلى الحومة ويبدو لي أنك محارب كبير؟» ~~- «بل أقبلت من الصفوف لأبحث عنك!» ~~- «ومن أنت حتى ينتدبك الجيش للبحث عن أخيل؟» ~~- «ومن أنا؟! وماذا يسرك أن أكون؟» ~~- «من أنت يا رجل؟» ~~- «أيسرك أن ملكا هو الذي يبحث عنك يا أخيل بن بليوز؟» ~~- «ماذا تعني؟ أأنت ملك إذن؟ ملك ماذا؟» ~~- «ملك ms047 إيثاكا يا أخيل.» ~~- «أنت ملك إيثاكا؟ أنت أوليسيز؟ ها ها، وما تلك الحقيبة إذن؟» ~~- «هي وسيلتي إليك، لقد مزقت بها خمارك وهتكت بما فيها أستارك.» ~~- «أنت تهينني!» ~~- «لا عليك؛ ما دام محدثك أوليسيز.» ~~- «أفي الحق أنك هو؟» ~~- «أقسم لك بالكناس # 5 # الذي آواك ...» ~~- «وفيم كنت تحرث شاطئ البحر إذن؟ لقد ذكر أنك زرعته ملحا فهل ~~حصدت سمكا يا أوليسيز؟» ~~- «أخيل، الأسطول ينتظرنا، ألف ألف يتحرقون شوقا لرؤياك، وأنت أكرم من ~~أن تفر من حرب، فهلم!» ~~- «هلم إلى أين؟» ~~- «إلى أوليس أيها العزيز، إلى حياة البطولة والمجد والشرف!» ~~- «البطولة والمجد والشرف! ماذا تقول؟» ~~- «لم يخلق تلاميذ شيرون للتقلب في قصور الراحة، والتلذذ بما في ~~العيش من طراوة ونعومة، هلم يا أخيل نخض المعمعة ونلق طروادة ~~العاتية، ونلقنها درسا داميا في الذود عن كرامة الوطن! لا تقتل ~~وقتنا فقد حرصنا جميعا على أن تكون معنا، وتحدثت إلينا آلهتنا أن ~~طروادة لا تفتح إلا عليك، ولا تعنو إلا لك، وقد اتفقت المقادير أن ~~ترميها بك، لا تترك لخصومك فرصة أن يقولوا فر أخيل وتقاعس، فأين ~~أبطال هيلاس؟! هلم هلم، فقومك بنو الكريهة وقروم الحرب وحتوف الأعادي، ~~لو رأيت إليهم مستلئمين في سلاحهم مقنعين في حديدهم ململمين في ~~سفينهم، لزهاك عسكرهم الجرار، وبهرك خميسهم العرمرم! وتمنيت أن ~~تكون أحدهم بالدنيا وما فيها. # دع الغيد يفاخرن بالقلائد والعقود، وتعال نحن نعد ما في ~~أجسامنا من ضربات السيوف ووخزات الرماح ومواقع السهام، فهذه أعز ~~مفاخر الرجال يا أخيل. # أخيل، رد علي! قل سأحضر معك. كلنا ننتظرك يا أخيل؛ لن تفتح ~~طروادة إلا عليك، فأي فخر ينتظرك تحت أسوارها، وأي مجد يكلل ~~هامتك يا أعز أبطالها! # تكلم ولا تصمت هكذا، إن ملك إيثاكا يتوسل إليك، أنا أوليسيز ~~كله! سأكون خدنك في الحومة، وصديقك في المعمعة. وأجاممنون! إنه قائدنا ~~إلى الفخار، وصاحبنا في مصارع الشرف. وديوميدز! بطل الأبطال وفارس كل ~~كريهة وقتال، سينسى شجاعته حين ينظر إليك تلاعب الأسنة وتقبل ~~مراشف الرقاق البيض. وأجاكس # 6 # يا أخيل! لقد ms048 بهره ما سمعه عنك، وهو يتمنى أن يراك، ~~ويحارب تحت بند من بنودك خفاق؛ أجاكس نفسه يود أن يكون جنديا من ~~جنودك وهو أقوى وأبسل جنودنا جميعا. # ماذا؟ تبكي؟ لا لا يا أخيل، لترقأ دموعك فهي أغلى من أن تنسكب هكذا، ~~أكرم بك هيلانيا رقيق القلب، بارا ببلادك، مناضلا عن رايتها في ~~ساحة المجد. # لتشرب من دموع أخيل يا ثرى الوطن. # لتروك هذه العبارات الغاليات، فهي ترياقك إذا حزبك أمر، أو ~~ادلهمت بك الخطوب.» ~~••• # وهكذا كان أوليسيز ماهرا في إثارة النخوة في قلب البطل! # وهل أحلى من كلمات البطولة، وأوقع من حديث المجد في نفس شاب مثل ~~أخيل؟ لقد تقدم مختارا طائعا، فقبل جبين أوليسز، ولثم سيفه، ثم ~~ودع بنات الملك، وحيا القصر، وتزود من الحدائق نظرات. # وانطلق في إثر أوليسيز! # إلى ... # أوليس! # | القربان1 # لم يبق إذن على الأسطول إلا أن يقلع إلى طروادة فيدمرها ~~تدميرا! # ولكن البحر هادئ، والرياح نائمة ولا بد لهذه السفن المثقلة بالعدة ~~والعديد من قوة هائلة تدفعها في هذا الخضم الساخر! # الأيام تمضي دون أن تستيقظ الريح! # والملال يدب في قلوب الجند من طول ما تلبثوا في تلك الجهة من ~~الشاطئ العابس المتجهم لا يريمون! # والميرة تكاد تنفد ... # والخيل تعلك حديدها كأنها برمت بهذا الركود! ~~- «كالخاس!» ~~- «مولاي!» ~~- «اذهب يا رجل فاستوح لنا أربابك ماذا تبتغي لتطلق الرياح؟» ~~- «لبيك يا مولاي.» # وانطلق عراف الحملة إلى المعبد القريب فمكث غير قليل، وعاد بقلب ~~موهون، وجسم مضعضع، ووجه مغبر وجبين كاسف معقد. ~~- «ما وراءك يا كالخاس؟!» ~~- «مولاي! ...» ~~- «تكلم! تكلم يا كالخاس!» ~~- «الآلهة! الآلهة عطشى يا مولاي!» ~~- «عطشى؟!» ~~- «أجل، عطشى إلى الدماء.» ~~- «دماء من؟!» ~~- «دماء ابنتك!» ~~- «ابنتي؟! ابنتي من؟!» ~~- «إفجنيا!» ~~- «ويلاه! ماذا تقول؟» ~~- «لا بد من تقديمها قربانا! لا بد من أن يطل دمها على مذبح ~~ديانا يا مولاي!» ~~- «ولمه؟» ~~- «لكي تطلق الرياح من عقالها، ولكي تكون فدى للجيش كله، ولهيلاس ~~جميعا!» ~~- «يا للهول! لا كانت هذه الحرب!» # وما كاد يقولها حتى تكبكب القواد حوله، وطفقوا يترضونه: «من أجل ms049 ~~الآلهة، وفي سبيل الوطن!» والرجل يبكي وينشج، ويذهب نفسه ~~شعاعا! # وأمرهم أن يتركوه وحده ليرى رأيه. # فلما انصرفوا دعا إليه كالخاس وأخذ معه في حوار طويل، ثم ترجاه أن ~~يذهب إلى المعبد فيضرع إلى الآلهة عسى أن تقبل قربانا آخر غير هذه ~~الفتاة الحبيبة المنكودة مهما غلت قيمة هذا القربان! # وعاد كالخاس وأخبر أن الآلهة لا تبتغي بإفجنيا بديلا! # وانهزم أجاممنون الأب وانتصر أجاممنون المؤمن التقي الورع الذي يقدس ~~الآلهة، ويعرف لها قدرها، فأمر بقرطاس وقلم، وكتب إلى زوجه كليتمنسترا: # بشراك يا حبيبتي! # أتعرفين أخيل؟ # أخيل الذي أصبح ملء الأسماع والأفواه والقلوب، بطل هيلاس ~~الذي وعدتنا الآلهة طروادة على يديه، الشاب الوسيم القوي ~~الأبي الشجاع، يتقدم أخيل لخطبة إفجنيا - ابنتنا المحبوبة - ~~ويود لو تزف إليه قبل أن يقلع الأسطول لتدمير طروادة! إنه لا ~~شك سيرى في مرآة إفجنيا وطنه، وحينئذ يكون حربا على الأعداء ~~ونقمة عليهم من السماء! # أرسليها أيتها العزيزة، وبودي أن تسرعي بإرسالها من دون ما ~~جلبة؛ فالوقت ضيق ونحن على وشك الإبحار. # أجاممنون # وانطلق رقيق عجوز بالخطاب إلى آرجوس، حيث تثوي كليتمنسترا في قصرها ~~المنيف «أتريدي» مع ابنتها إفجنيا وأبنائها الآخرين. # وخفق قلب الفتاة حينما أخبرتها أمها أن أخيل يريدها؛ فقد كانت ~~هيلاس كلها تتحدث بالفتى وتصلي للآلهة التي وفقته للانضمام إلى ~~الجيوش الغازية. # خفق قلب إفجنيا، وكأنما غرقت في لجة من الأحلام التي تجيش عادة ~~في قلوب العذارى حين يمر بهن هذا الطور الناعم الجميل من أطوار ~~الحياة. # ولكن ما الذي أوحى إلى أجاممنون بهذا التدبير؟ ولم اختار هذه الحيلة ~~المكشوفة لاستدعاء ابنته التاعسة؟ لا ندري! # لقد مرت أيام دون أن تحضر إفجنيا، ولم يكن الطريق طويلا أو شاقا ~~بين أوليس وآرجوس حتى تتأخر كل هذه المدة، فهل حدث شيء؟ # وكأنما أثار طول الانتظار العاصفة من جديد في قلب أجاممنون الأب، ~~فبدا له ألا يصدع لهذا الظلم الأولمبي، ولو صار بعدها زنديقا ملحدا ~~مطرودا من جنة الآلهة، مغضوبا عليه من قلب الوطن. # وقد كان! # فإنه استدعى ms050 الرقيق العجوز الذي كان يحمل دائما بريد القائد العام ~~إلى آرجوس، ودفع إليه برقعة أمر فيها ألا تحضر إفجنيا، وأمره أن يسرع ~~بها إلى زوجه قبل أن تكون قد أخذت أهبتها للسفر! ~~••• # وا أسفاه! # لقد لقي منلوس - شقيق أجاممنون وزوج هيلين وملك أسبرطة؛ والذي من ~~أجله شبت هذه الحرب - الرقيق العجوز حامل الرسالة، فاستوقفه ~~وقرأها! # ودارت الدنيا بالملك المحزون واحلولكت الحياة في عينيه، وقصد من ~~فوره إلى أخيه فانتهره، ونشبت بينهما معركة حامية من السباب والتعيير، ~~يدفع أجاممنون عن ابنته وفلذة كبده ويفتديها بنفسه وبالدنيا وما فيها، ~~ويعيره منلوس بالمروق من الدين وعصيان الآلهة وشق عصا الطاعة على ~~السماء! # وإنهما لكذلك إذا رسول يعلنهما أن كليتمنسترا زوجة أجاممنون وابنتها ~~إفجنيا تستأذنان في لقاء الملك ولقاء القائد العام! # يا لسخرية المقادير؟ لقد ذهل أجاممنون وانطلق يبكي حتى تفجر ~~الحنان في قلب منلوس المتحجر، ورق لأخيه البائس الملتاع، فقال له: ~~«أخي، أنقذها يا أخي؛ إنها ابنتي كما هي ابنتك، فأنقذها كما يحلو ~~لك.» # ويبهت أجاممنون لهول الموقف، ولا يدري ماذا في وسعه أن يصنع، ثم يراه ~~واقفا وحده يبكي كما يبكي الأطفال بعد إذ غادره أخوه. # ويلمح زوجه مقبلة فيصلح من شأنه ويتكلف البشاشة والتبسم، وإنها ~~لبشاشة باكية، وإنه لتبسم مر حزين! ~~- «أهلا أهلا إفجنيا! مرحبا مرحبا كليتمنسترا، سفر حميد ورحلة ~~طيبة.» ~~- «أين أخيل؟ وماذا أعددتم للاحتفال بالعروسين؟» ~~- «أ... أ... أجل. ولكن لا بد أن تعودي أنت إلى آرجوس.» ~~- «أعود إلى آرجوس! أعود وأترك ابنتي؟!» ~~- «أجل! تعودين وتتركين إفجنيا.» ~~- «والعرس؟ وإعلان الخطبة على الأقل؟ ألا أحضر شيئا من ذلك؟! هذا لن ~~يكون؛ لن أعود حتى أشهد كل شيء.» # وتصر كليتمنسترا على بقائها حتى تحتفل بابنتها، وحتى ترى إلى هذا ~~العسكر المجر والأساطيل المنتشرة في البحر كالدبى # 2 # تحيي ابنتها وتحيي أخيل وترقص طربا ~~للعروسين. # ثم يحدث ما ليس في حسبان أحد! # يحضر أخيل ليقابل القائد العام وليبدي له سخطه وسخط جنوده ~~«الميرميدون» من طول هذا الانتظار الذي يبدو أن ليس له آخر، ms051 ويلح لديه ~~في وجوب الإقلاع إلى طروادة مهما كلفهم الأمر! # وما تكاد كليتمنسترا تسمع كلام أخيل، # 3 # وتسمعه يذكر فرقة الميرميدون المشهورة في جميع الآفاق ~~ببسالتها وكلفها الخارق بالحروب حتى تعرفه، وتعرف أنه أخيل، أخيل ~~بعينيه، خطيب ابنتها، وزوج إفجنيا الحبيب! # فتتقدم إليه هاشة محيية حتى إذا أنس إليها، بدهته بالسؤال ~~عن العرس! ~~- «عرس! عرس ماذا؟» ~~- «عرس ماذا؟ ألست أخيل؟! ألست قد تقدمت إلى أجاممنون أمير آرجوس ~~تطلب أن تكون إفجنيا زوجة لك؟ ألم تطلب يد إفجنيا؟ تكلم!» # ولكن أخيل يسمر مكانه باهتا لا يدري ماذا يقول؛ لأنه لا يعرف مما ~~قالت السيدة شيئا! وتحملق الملكة في أخيل طويلا ويتصبب العرق من ~~جبين إفجنيا - الفتاة البريئة - لما ترى من حيرة أمها وارتباك هذا ~~الجندي الباسق الجميل الذي كانت تحلم به زوجا كريما لها! # وكأن هذا الموقف لم يرض أحدا، حتى الرقيق العجوز حامل بريد القائد ~~العام؛ فقد انفجر هذا الخادم الأمين من شدة الحنق، فباح بكل شيء، باح ~~بكل ما سمع من تحاور منلوس الملك وأجاممنون القائد الأعلى بخصوص هذا ~~الزواج المفترى: «مولاتي الملكة! خذي حذرك لفتاتك المسكينة؛ إنها ~~ستذبح! إن الكهنة الأشرار سيذبحونها اليوم ليسقوا أربابهم الظامئة من ~~دمها الزكي البريء! إن أخيل الكريم لم يتقدم ليطلب يد إفجنيا، بل هو ~~لا يعرف من أمر ذلك قليلا أو كثيرا، ها هو ذا أمامك فاسأليه.» # وكأن صواعق السماء جميعا نزلت على قلوب القوم! # لقد تحطمت كليتمنسترا! # وذاب الثلج في عروق إفجنيا! # وزلزل أجاممنون! # أما أخيل! فقد شده وحجبت ناظريه سحابة كثيفة من الذهول! ثم ~~ما هو إلا أن أفيق فاضطربت به الأرض، وأحنقه أن يتخذ مطية لهذا ~~العبث العابث والسخرية المهينة! # وصاح الشاب كأنه أسد مهيج، وانقدح شرر الغضب من عينيه حتى خيف أن ~~يبطش بأجاممنون وجنوده، كيما يثأر لاسمه ويصون كرامته. # وانتهزتها الملكة فرصة غالية لتنقذ ابنتها من القتل؛ فانبطحت ~~عند قدمي أخيل تقبلهما وتغسلهما بدموعها متوسلة إليه أن يدفع عن ~~إفجنيا ويحول بينها وبين الموت! ~~- «فإن لم يكن ms052 بحسبك أن أمرغ خدي تحت قدميك لتكون حامي ابنتي؛ ~~فإنها هي أيضا تفعل مثلي يا أخيل! إنها تمرغ حر جبينها عند موطئ ~~هذه القدم الطاهرة لتكون حاميها وحارسها.» ~~- «قفي يا سيدتي! وكلمي أباها في شأنها، فإن لم يحل بينها وبين ~~الموت فإني سأقاتل من دونها حتى أنقذها من الهلاك ولو حاربت هيلاس ~~جميعا!» ~~••• # وترجو الأم زوجها أن يحول بين ابنته وبين هذه القتلة الشنيعة؛ ~~ويتصدع قلب أجاممنون، وتنهمر دموعه شفقة على الفتاة التعسة ~~فيعد! ولكن لات حين موعد! # لقد نمى إلى العسكر أن أخيل أنذر أن سيقف دون الدم الذي أمرت به ~~الآلهة أن يراق فغيظوا وأحنقوا وذهبوا إليه يتحسسون جلية الأمر، ~~فصارحهم به فانقضوا عليه يرشقونه بألسنتهم الحداد ويرجمونه بحجارة ~~الشاطئ، فولى مدبرا! # وريعت الأم حين رأت إلى الميرميدون - جنود أخيل الأمناء - يرجمون ~~سيدهم فيمن يرجمه من الجنود الآخرين فعولت على أن تحمل السلاح وتقف ~~إلى جانبه لتذود هؤلاء الوحوش! # ولكن إفجنيا الصغيرة، إفجنيا الفتاة، إفجنيا العظيمة! وقفت في وجه ~~أمها، وصرخت قائلة: «مكانك يا أماه! لن يموت أخيل من أجل ~~فتاة! # من أنا حتى يفتديني هذا البطل العظيم؟ وما حياتي التافهة في حياته ~~المذخورة الغالية؟ إن رجلا يحارب من أجل هيلاس أجدر بالحياة من عشرة ~~آلاف امرأة لا يستطعن إلى حرب من سبيل؟ # أيها الجنود! # خلوا سبيل سيدكم فلن تفتح طروادة إلا عليه كما أخبرت بذلك آلهتكم! ~~وما دام النصر معلقا بحياتي، فكم يبهجني أن أفتدي الوطن وأرضي ~~أربابي! إن هيلاس كلها تنظر إلي اليوم، فهل فخر أكثر من أن أكون ~~عند حسن ظنها بي، أنا لها، أنا أفديك يا وطني، أماه، لا تحزني! انظري ~~إلي، ها أنا ذي أبتسم للموت، للقتل، للذبح، هلموا يا سادة، هلموا، ~~أين المذبح؟ صلوا من أجلي، تحيا هيلاس!» # وفي هذه اللحظة فقط تكبر إفجنيا في عيني أخيل فيتمنى لو أجلت ~~في حياتها لتكون زوجة كريمة له، ويعرض استعداده للمنافحة عنها بسيفه، ~~ولكنها تنهاه وتوصيه أن يعيش لوطنه ليذب عن بيضته ويعلي ~~كلمته. ms053 # وتنسكب دموع أخيل. # فيا للفتاة! # ويا للأم! # ويا لأخيل البطل! ~~••• # وتضع إفجنيا رأسها على رخامة المذبح، ويرهف الكاهن مديته، ولكن؟ ~~لقد شده القوم! ونظر بعضهم إلى بعض. # إنهم ينظرون فلا يرون إفجنيا! # بل يرون مكانها ظبيا ... رشأ غريرا! # إذن هي المعجزة! # لقد تفطر قلب ديانا الكريمة من أجل الفتاة، فهبطت من ذرى الأولمب ~~لتنقذها، فرفعتها إلى السماء، ثم أرسلتها لتكون راهبة معبدها العظيم ~~في مملكة توريس! # وارتفعت أغاني الغواني. # يسبحن للآلهة العطشى! # | الفدائي الأول # رويت الآلهة إذن وشفت ما في أنفسها من ظمأ إلى دماء الضحايا وإن لم ~~تغفر لديانا البارة - ديانا ربة القمر - إنقاذها للفتاة التعسة ~~إفجنيا، وهي قاب قوسين من خناجر الكهنة والربيين القساة. # لقد أبت الآلهة إلا أن تشرب من ماء الحياة القرمزي المتدفق في عروق ~~عبادها المخلصين من أبناء هيلاس؛ فلما ذهب كالخاس - عراف الحملة - ~~يستوحي أربابه في معبد دلفي هل لها مطلب آخر في ضحية أو قربان بعد ~~تقدمة إفجنيا، ارتفع الصوت الخافت المنبعث من صميم مقصورة الإله ~~الأكبر يقول: «لا ... ولكم أن تقلعوا اليوم ... فإذا كنتم عند شطآن طروادة، ~~فإن لنا دم الفارس الأول الذي تطأ قدماه رمال الشاطئ، سيقتل، ~~وسيكون لنا عوضا من إفجنيا.» ~~••• # ودعا إليه أبناءه # 1 # إيولوس رب الرياح الست، فأمرهم أن يكونوا جميعا في خدمة ~~الأسطول الهيلاني، حتى يصل إلى طروادة، «وأنا أعرفك يا بوريس حين تعصف ~~وتزف، وتصبح ويلا على الجواري أي ويل، وأنت يا كورس إياك وهذه البوارح ~~التي تصلى بها سفائن القوم، وأنت يا أكويلو؛ وأنت أيضا يا نيتوس، إن ~~ريحك مجفل وهبتك هوجاء، ولفحاتك حرور، وأنفاسك سموم، فإن لم ~~تترفق بالقوم وتجر بين أيديهم رخاء، فلأسجننك في الكهف الأسود ~~حتى حين، أما أنت يا ولدي إيوروس فاحذر أن تصيب الناس سيافيك، أو يسوء ~~فألهم فيك؛ بل كن لهم خادما أمينا تدفع ركبهم في رفق، وتملأ ~~شراعهم في أناة، ويسرني أن تسمعوا لنصيحة زفيروس، فهو ألينكم عريكة ~~وأكثركم صفاء، ألقوا إليه بزمامكم، ولا تختلفوا في أمر يلقيه ms054 إليكم، ~~أصلح لكم زيوس أحوالكم.» # وهبت الريح فخفقت أفئدة العسكر، وابتهجت أنفس القادة، واجتمع ~~الميرميدون حول أخيل يترضونه، ويعتذرون عن رجمهم إياه يوم القربان ~~المشئوم، ثم انتشرت الشراع ورفعت المراسي، وهمت الفلك فاحتواها البحر ~~اللجي، وما عتمت أن صارت من الماء والسماء في خضرتين، ومن دروع الجند ~~وزبد الموج في لبدتين ، ومن قلوب الشعب الهاتف فوق الشاطئ الشاحب في ~~بحر من الآمال! # واضطرب البحر بعرائس الماء وأبكاره، أسرعن من كل فج يحيين ~~أبطال هيلاس، يخفين الوشائح السود التي ادخرنها لأيام الفصل، إن أيام ~~الفصل كانت ميقاتا أي ميقات! # وتوارت الشمس بالحجاب، وبزغ القمر يفضض حواشي الماء، وحملقت النجوم ~~ترى إلى هذا الأسطول اللجب يمخر عبابا من خلفه عباب، ويطوي لجة من ~~ورائها لجة، والملاحون دائبون ما ينون، مرسلين في اللانهاية ~~ألحانهم، مرددة الرياح أغانيهم وأنغامهم؛ والقادة متكبكبون حول القائد ~~الأعلى - حول أجاممنون - يدرسون تلك الخطة وينقدون هذه الفكرة، ~~ويدبرون من أمرهم ما يصل بهم إلى نصر عزيز. # وتنفس صبح اليوم الثالث. # وبدت طروادة العاتية في الأفق الشرقي متشحة بالشفق النحاسي الذي صبغ ~~سماءها بالبنفسج الرائع تتفجر منه أنهار من الدم. # طروادة! # ذات الأبراج المشيدة، والقباب المنيفة! # إليوم! # 2 # بنية # 3 # نبتيون إله البحار يوم نفاه زيوس من جنة الأولمب ونفى معه ~~أبوللو، فساعده في بنائها بموسيقاه! # يا ما أروعه منظرا أن ترى إلى أبوللو العظيم يعزف على قيثارته ~~المرنة، فتثب الحجارة وتتراقص وتقفز إلى مكانها من أسوارك يا ~~إليوم! # طروادة يا ذات الحول! # أين تنام هيلين الساعة سالمة حالمة، وأيان تتقلب ترب فينوس ~~ملء ذراعي باريس! # ويحك يا منلوس! # إنه ينظر بعينين مشدوهتين إلى أسوار طروادة يتمنى لو تندك على ~~العاشقين الآثمين! ~~«أهو الآن يقبلها، ويجني جنا خديها بفمه النهم المشتعل؟ أم هو ~~يضمها إليه في عنف غير آبه لقلبي الخافق المضطرب!» # منلوس، لا بد مما ليس منه بد. # لقد ترامت أخبار الحملة الهيلانية إلى طروادة فهب أهلها البواسل ~~يستعدون، ويستعدون جيرانهم فنصروهم ولبوا نداءهم، وهرعوا إليهم من ~~كل فج ms055 عميق، وها هي ذي مشارف الجبال وقننها وسفوحها ونتوء ~~الشاطئ وصخوره ومغاوره، وها هي ذي ليديا المتيقظة، وإيوليا المتحفزة، ~~وإيونيا الرابضة # 4 # ها هي ذي تلك البلاد جميعا تضج بالجند، وتعج بالسلاح، ~~وتقعقع بآلة الحرب، وتدق طبول الوغى، وتذكي نيران الحراسة في قمم ~~الجبال، فلا تغفل عين ولا تهمد همة، ولا يتسرب إلى النفوس كلال. # واقترب الأسطول من الشاطئ. # ولكن أحدا لم يجسر أن يجازف بنفسه؛ لأن القتيل الأول هو أول من ~~يهبط إلى الأرض كما أخبرت النبوءة في معبد دلفي! # ومرت أيام والهيلانيون في سفائنهم ينظرون إلى أبراج طروادة ~~وفجاجها، ويتحرقون شوقا إلى لقاء جنودها، منلوس يحرق الأرم هو ~~الآخر؛ ولكن أحدا لا يرضى أن يكون الفدائي الأول؛ «لأني إذا نزلت ~~إلى هذا البر المخوف فسيكون الموت محتوما علي، دون أن أستطيع إلى ~~قتل أحد من هذا الجند من سبيل، وأنا لم أحضر إلى هنا لأكون قربانا ~~للآلهة، ولكن لأزاحم وأقاحم، وأنافح وأصول، فإن قتلت بعدها فبعشرات ~~وعشرات، لا كما يقتل كلب البرية غير مفدى.» # بروتسيلوس البطل # بيد أن هيلانيا مقاحما، هيلانيا واحدا من خيرة القادة ~~ومذاويدهم عز عليه ألا يكون في هذا الجيش العرمرم على ما جمع من ~~صناديد اليونان ومغاويرهم، فدائي واحد يتلقى الطعنة الأولى ~~النجلاء بثغر باسم وقلب لا يجزع، ونفس مؤمنة مطمئنة لا تهلع في ~~موقف الموت ولا تفرق إذا حم القضاء. # كبر على بروتسيلوس أن يرمى قومه بجبن ليست لهم يد فيه، ~~وكبر عليه أن يقف ألف ألف لو شاءوا لدكوا الجبال وزلزلوا السموات ~~من دون هذا البلد لا يتقدمون ولا يتأخرون كأنما حربهم هزل، ~~ونفيرهم مكاء وعزمهم تلفيق. أو كأنما ملئوا الدنيا وعيدا لتمتلئ ~~الدنيا عليهم سخرية وضحكا! # كبر على بروتسيلوس ألا يكون هو شهيد هذا الموقف فارتخص نفسه ~~وهانت عليه الحياة، وتفهت في عينيه لذائذ هذا العيش الذليل، ثم ~~استخار أربابه واستعاذ بسيد الأولمب، وما هو إلا أن لمح الشمس ~~يذر قرنها في خدر الشرق فوق جبين طروادة حتى قذف بنفسه على ms056 ~~الشاطئ، وأرسل في الخافقين صيحة الحرب كأنها رعد يميد به جانب ~~الجبل وتهتز من قصفه أسوار المدينة؛ ثم جال جولة هنا وجولة ~~هناك، وإذا بالسهام ترشقه من كل مكان، وإذا هو ملقى على أديم ~~الثرى مضرجا بدمه معفر الجبين بأول نقع هذه الحرب. ~~••• # وذاع خبر مقتله حتى انتهى إلى تساليا حيث زوجته المفجعة، ~~فحزنت عليه حزنا أمض قلبها وشف جسمها وأقض مضجعها وصير ~~الحياة في عينيها حلكا شديدا وظلاما قاتما، «بروتسيلوس! أهكذا ~~يا حبيبي ذكرت كل شيء في ميدان المجد والشرف ونسيت فيه كل شيء؟ ~~أهكذا يا حبيبي ذكرت التضحية والإقدام حيث تخاذل مواطنوك عن مواطن ~~التضحية والإقدام فغامرت بنفسك في هذا المعترك المضطرب، ونسيت أن ~~وراءك قلبا ينعقد رجاؤه بك، ونفسا ترف من خلف البحار فوقك، ~~وروحا لا سكن لها إلا صدرك الحنون، وعينين لا تعرفان جمال ~~الحياة إلا في وجهك المشرق، وأذنين ما التذتا إلا الموسيقى ~~المنسكبة من فمك! بروتسيلوس! ما قيمة الحياة بعدك يا حبيبي؟! من ~~لزوجتك التاعسة يوم يفخر النساء بأزواجهن؟ من للمحزونة الكاسفة ~~لاءوداميا؟ ما أشق الحياة علي بعدك يا رجلي ومن كنت كل ~~شيء لي! # لا أسخط عليكم يا أربابي. # بل أنا أصلي لكم، أصلي لكم بدموعي وقلبي، أصلي لكم بأحشائي التي ~~تتمزق، ورأسي الذي يحترق! أصلي لكم بلساني الذي يجف من شرق في ~~حلقي، وكان حديث بروتسيلوس يرطبه وينديه! أصلي لكم يا أرباب ~~الأولمب عسى أن تلين قلوبكم لي فأرى حبيبي وأموت! # رجية يسيرة على مقدرتكم يا أرباب الأولمب! إما أن أقضي ~~فأستريح من هذا الكمد الممض والبث المؤلم، وإما أن تأذنوا ~~فيعود بروتسيلوس، فأراه وأموت! # أتمنى عليكم أن يعود فأكلمه، أملأ أذني وقلبي من موسيقاه، أناديه ~~باسمه ويناديني باسمي، يعانقني وأعانقه، يرى إلى عبراتي وأنظر إلى ~~عبراته! يبتسم لي في رضاه وفرحه، وأبتسم له في انكساري ~~ولوعتي! # ائذنوا يا أرباب الألمب، فأنا ما أفتأ أصلي لكم، وأتوسل ~~إليكم بدمه الزكي وروحه الأبي وقلبه الكبير! # ارحموا ذلي ورقوا لهواني وارثوا لحالي!» ~~••• # وصيرت بنواحها ms057 إشراق الصباح ظلمة من الحزن لا أول لها ولا ~~آخر؛ وأرسلت في الليل البهم أناتها المؤلمة وزفراتها الحارة؛ ~~ووصلت بكاءها الطويل بصلاتها الخاشعة حتى ارتجفت قواعد الأولمب، ~~واهتزت عروشه الذهبية، وانعقدت بينه وبين لاءوداميا قنطرة من ~~الحزن عبرت عليها بركات الآلهة إلى فؤادها المكلوم، فمسحت ~~عبراتها، وهدأت من روعها، وبشرتها بعودة بروتسيلوس. # وفي هدأة ليلة مقمرة، سكن هواؤها وصدح بلبلها، وأنشد البدر ~~لحنه الصافي على آراده الفضية؛ ليغمرها بهاء وروعة، خرجت ~~لاءوداميا المحزونة من قصرها المنيف لتلقى روح بروتسيلوس يهدهده ~~هرمز الكريم بين يديه، حتى يكون تلقاء زوجه، فترتمي بين ~~ذراعيه! # ويغرقان في طوفان من القبل! # ويغرقان في لجة من العبرات! # ويقص عليها بروتسيلوس أنباء مقتله، فتبكي، وتبكي، وتعاتبه ~~لاءوداميا، وتعذله، ولكن الساعات الثلاث التي سمحت بها الآلهة ~~للقائهما تمر كاللمح، فينبههما هرمز إلى انقضائها، وما تكاد ~~تسمع نذير هرمز وتعرف أن زوجها عائد أدراجه إلى هيدز فيظل فيها ~~إلى الأبد حتى تصعق مكانها وتخر مغشيا عليها، وتموت! # فوا رحمتا للزوجين السعيدين اللذين لن يفترقا بعد ~~اليوم! # وما أجمل هذين الطيفين الحبيبين يعودان معا إلى دار ~~الخلود! # | من السماء # قضى بروتسيلوس نحبه، وعادت روحه الكريمة إلى هيدز مصطحبة روح ~~زوجته البارة، وغرست عرائس الفنون فسائل الدردار فوق قبر الراحلين ~~فنمت وترعرعت، ونعم بفيئها الوارف ماء الهلسبنت # 1 # ورتعت في ظلها أترابه. # ولكن! # لقد كانت روح بروتسيلوس الجذوة التي أججت نيران الحرب فجعلتها ~~ضراما؛ فإنه ما كاد يرمى بالسهام فيصمى، فيسيل دمه أنهارا حتى ~~تدفقت جيوش الهيلانيين على الشاطئ الآسيوي غير مبالين بالموت الأحمر ~~الذي كانت تمطرهم به سهام الطرواديين والمنية السوداء التي كانت تقطر ~~من سيوفهم فتحصد صفوف الغازين حصدا. لا؛ لم يبال الهيلانيون بهذا ~~الهول الأكبر، بل انقضوا على الشاطئ شكاكا في سلاحهم مقنعين في ~~دروعهم مرهفين سيوفهم، تفيض عليهم عدة الحرب كأنهم جنة ترقص في ~~زوبعة، أو ظلال من الذعر تجول في معمعة. # وتبعهم قادتهم العظماء فانطلقوا يبوءونهم مواقف للقتال، ويلقون ~~عليهم من كلمات الحماسة وخطب الاستبسال ما ms058 أضرموا به جوانحهم شوقا ~~إلى خوض الكريهة وحنينا إلى اقتحام الوغى وصبوة إلى تقبيل الرقاق ~~البيض. # ودقت الطبول فكانت إيذانا بهجوم الهيلانيين. # فانظر الآن إلى البحر يلتطم بالبحر، والموج يساور الموج، والموت ~~يصاول الموت، والحياة الحلوة تأخذ بتلابيب الحياة الحلوة، وصيحات ~~الهيلانيين تردها صيحات الطرواديين؛ وليل الآخرة يغطش نهار الدنيا، ~~وظلام القبور يكشر لهذه الدور ، والفزع يمشي في صفوف هؤلاء وهؤلاء، ~~واليتم يجرح هذه الكبد ويقرح ذلك القلب، والحزن يفيض على هذا السهل ~~ويجوب ذاك الوادي ويرف على قلل تلك الجبال، وأنين الجرحى يطن في ~~فضاء الساحة الحمراء فيملأ الآذان بالهلع، والنفوس بالجزع، والدماء ~~تتفجر هنا وتتحدر هناك، والرءوس منتثرة فوق الأديم المضرج زائغة ~~أبصارها، مفغورة أفواهها، معفرة بالتراب أنوفها التي عزت على ~~العالمين. # ثم انظر إلى أخيل يرعد بين الصفوف ويقصف، ومن ورائه الميرميدون ~~يوزعون المنايا ويهدهدون الحتوف ويقربون الآجال! # وأوليسيز المغوار؛ وتلك العجاجة المنعقدة فوق رأسه من خبار الحرب، ~~وهذه الصعدة السمراء بيمينه تنفث الموت في صدور الأعداء! # وأجاكس وجنوده! الكرار الفرار المذاويد الأحرار! # وبنليوس! قائد العساكر البووطية، القروم البواسل والليوث ~~الكواسر! # وديوميد! نبعة أرومته، وسيد عشيرته، ووجه قومه، وفارس كتيبته، ~~وأجابينور! فتى أركاديا، وملاك أمرها، وشمس ضحاها! # وميجيز! النجد الباسل، والبطل الحلاحل! # وإيدومينيز! ملك كريد وقائد جنودها؛ أباة الذل وكماة الوغى، ~~ومرادي الحروب! # وتليبوليموس بن هرقل بطل المجازفات المقدام أخو الغمرات! # 2 # ثم انظر إلى الصيد الصناديد من أبناء طروادة وجيرانهم ~~الكماة الأباة الحماة! # هاك هكتور العظيم بن بريام الملك، عضد طروادة وسندها وليث عرينها؛ ~~الثبت الصابر المصابر، رابط الجأش، شديد البطش، قوي الشكيمة، الفارس ~~المقدام. # هاك هكتور الأسد، يرغي في أسود الشرى ويزبد، ويوقل في بطاح ~~طروادة وينجد! # وهاك إينياس الهائل يقود «الدردان» # 3 # الأبطال إلى كرائم الفعال في ساحة القتال! # وهاك بنداروس! تلميذ أبوللو وربيبه، يقود فرسانه الفحول ورجاله ~~البهاليل! # وها هما ولدا ميروبس الكبير ملك أبيسوس يصولان في الحومة ~~ويجولان! # وهاك آسيوس بن ملك أبيدوس يتقدم رعيل فرسانه ويداعب أعداءه ~~بمرانه! # وها هم أشبال ms059 تراقية، يقودهم يوفيموس المقدام، ويقتحم بهم أيما ~~اقتحام! # وها هم نسور أميدون البواشق أقبلوا من هناك، من جنبات سيحون وجيحون ~~ليخوضوا الجحيم في ذلك اليوم العظيم، وليذودوا عن طروادة - حليفتهم - ~~ويدفعوا! # وها هم أمراء ميديا أقبلوا في عدة وعديد، وكل جبار مريد! # انظر إذن إلى الجيشين في مد وجزر، تبسم لأحدهما الآمال، وتعبس ~~للآخر المنايا؛ ثم تدور الدائرة، فيفلذ المنهزم، ويتأخر المتقدم، وهكذا ~~دواليك. # وتغيب الشمس وتشرق. # ويبزغ القمر، ويغرب. # وتكر الأيام، وتمر السنون! # وكلما لاحت للطرواديين غفلة من أعدائهم خرجوا إليهم وهم ألوف ~~فنالوا منهم، حتى إذا كروا عليهم عادوا إلى معاقلهم فلاذوا بحصونها، ~~واعتصموا بأبراجها، وتلبثوا هناك حتى تتاح لهم فرصة أخرى. ~~••• # أعوام تسعة! # مليئة بالتعب، مشحونة بالنصب، مفعمة بالخطوب والأهوال. # وكان الهيلانيون يرسلون البعوث والسرايا، فتجوب الريف، وتئوب ~~بالغنائم والفيء، والأسلاب والسبي، فيقتسمها القادة، ويفيضون منها ~~على الجند. # وهاجموا مرة إحدى القرى، فكان من جملة السبي فتاتان ذواتا رقة ~~وفتون. أما إحداهما فكانت من نصيب أجاممنون، واسمها خريسيز، وهي ابنة ~~كاهن القرية الورع، حبيب أبوللو وخليله وصفيه، القديس خريسز. وكانت ~~فتاة لعوبا حلوة الدل رشيقة الروح، وكان أبوها يحبها حبا جما لا ~~تعدل بعضه كل مباهج الحياة! # أما الأخرى فقد خلصت لأخيل وأخلصت له الود، وصافاها هو المحبة، ~~فكان أحدهما للآخر في هذه المحنة القاسية الصدر الحنون، والقلب النجي، ~~والملاذ الأمين. اسمها بريسيز، وأبوها شريف من أشراف هذه الناحية التي ~~نكبت بتلك الحرب الضروس، فصليت لظاها وطحنتها رحاها. # وعلم كاهن القرية بما كان من أمر ابنته فازدحمت على قلبه الهموم، ~~وأحس في أعماقه بثقل البلية، وشعر كأنه جرد من كل شيء حتى من ~~نفسه. # وبدا له أن يذهب إلى قائد الجند الهيلاني فيفتدي خريسيز، ولو نزل ~~لأجاممنون عن كل ما يملك. وحذره صحبه من المخاطرة بنفسه في هذا ~~الطريق الشائك، ولكنه لم يعرهم التفاتة واحدة، بل دهن نفسه بالطيب ~~الكهنوتي المقدس، ولبس مسوحه، وعقد زناره، وتناول مسبحة أبوللو ~~العظيم، ثم توكأ على عصاه العتيدة، وذهب يتهالك على ms060 نفسه، ويتعثر ~~في خطاه حتى كان تلقاء المعسكر الضخم. # وسأل عن خيمة القائد العام، فقيل له إنها هي الفسطاط الأكبر الذي ~~تبدو قبته هناك ... هناك عند شاطئ الهلسبنت، بين الجيش وبين ~~الأسطول. # وانطلق الكاهن الجليل والدمع ينحدر من قلبه قطرات من الدم، عن طريق ~~عينيه، فيعلق بلحيته البيضاء، ويصبغها بأرجوانه، كأنه آية السماء ~~الباكية، نذيرا لهذه القلوب القاسية، والغزاة الأقوياء! # وبلغ الفسطاط بعد لأي. # واستأذن على القائد العام فلم يؤذن له، فاستأذن ثانية فهدد ~~بالضرب وبالعقوبة! ولكنه أب مفئود، وحزين منكود، فتنظر قليلا ~~واستأذن في أدب ولين واستكانة، فأذن له. # ووقف أمام القائد الأكبر واهي الجسم، موهون القلب، محزونا ~~متصدعا، وحاول الكلام فكانت العبرات تخنقه، والأسى يعقد لسانه، ~~والنار المندلعة في رأسه تنسيه كل شيء. # وثار به أجاممنون! # لأنه على ما يبدو فوت عليه لذة طارئة، وسكرة مواتية بمجيئه في ~~تلك اللحظة الهانئة القريرة، وإلحافه الشديد بضرورة لقاء ~~القائد. # واحتشد القادة ورؤساء الجند حول فسطاط القائد، وسمعوا إلى الكاهن ~~الكبير يقول: # مولاي! # سعيت إليك عائذا بك، داعيا أبوللو العظيم لك، أن يفيء ~~عليكم من النصر والفتح المبين، وأن يهبكم من الرعاية والمنن ما ~~تشتهي أنفسكم، وتقر به أعينكم وما تترفعون به عن ظلم ~~الضعفاء، والجور على الملهوفين، فقد يغني القليل الذي ترضى ~~عنه الآلهة عن الكثير الذي يثير سخطها ويستنزل غضبها. # ابنتي يا مولاي! # خريسيز العزيزة! ردها علي يبارك لك أبوللو، وينر ~~لك سبيلك ببركة دعوات قديسه الحزين الواقف أمامك، المبتهل ~~إليك، المستعد لأن يفتديها بكل ما يملك، وبكل ما يقدر عليه ~~مما يرضي الملك! # لكن الملك أشاح بوجهه وكبر عليه أن يجرؤ هذا الكاهن على التفوه ~~بهذه الطلبة العزيزة أمامه! خريسيز! أينزل أجاممنون عن خريسيز وقد ~~احتلت من قلبه مكانة زوجه كليتمنسترا؟ واستحوذت على لبه حتى نسي ~~الحرب، وعزف عن الطعن والضرب، واستقر معها في فسطاطه آخذين في لهو ~~وحب وغناء وشرب! # أينزل أجاممنون عن خريسيز الجميلة الفاتنة، ولو استحالت عينا ~~الكاهن بئرين تنزفان الدمع وتفيضان بالدم؟ # كلا! لن ms061 ينزل أجاممنون عن خريسيز؟ ~~«أصغ إلي يا رجل! ليس بي أن تكون قديس أبوللو، وحامل صولجانه، ~~وحامي مسبحته، وعاقد زناره! # ستعود خريسيز معي ... إلى آرجوس ... وسيذوي جمالها هناك، وتذبل محاسنها ~~بين ذراعي، وسأكل إليها منزلي تخدم فيه، وتصير أم بنين، وسيكون بها ~~قصري جنة خلد ونعيما لا يفنى، اذهب؛ فاسفح دموعك في صومعة أبوللو، ~~وصعد زفراتك في هيكله، وبين يدي صنمه اذهب وانج بنفسك من عذاب ~~أليم. # خريسيز تعود معك؟! # إنك تثير النقمة في نفسي، فانج بنفسك، انج.» # وتصدع صدر الرجل، وكاد قلبه يقف فتقف أنفاسه! # وانثنى والدنيا المظلمة تحجب ناظريه، وكلمات القائد الظالم تردد ~~في مسمعيه، فما كاد يبلغ قريته حتى خلا إلى أبوللو، وجلس يبكي ~~ويصلي! ~~«أبوللو! # يا إلهي! أسمعت؟ لقد استهزأ بك أجاممنون، وفجعني في بنتي، وفلذة ~~كبدي، وقطعة قلبي، وحياة روحي! # أبوللو! # هل سمعت يا رب النور؟! أرأيت إلى ذلك العاتي المتجبر كيف ثار ~~بقديسك الضعيف المسن الذي أحنت ظهره السنون في عبادتك، والصلاة ~~لك، والتسبيح من أجلك، والهتاف باسمك؟! # ألا فلتنتقم لعبدك يا أبوللو العظيم، وليحل على الطغاة غضبك، ~~ولتسحتهم بعذاب واصب ليس له من قدرتك من دافع. # أبوللو! # استجب يا رب الهيكل الخالد، وحامي المعبد الأمين!» # وسقط الكاهن أمام المذبح ينتحب، والشموع الموقدة تذري دموعها ~~معه! # فثار في عليائه أبوللو! ~~••• # انتفض الإله العظيم انتفاضة رجف من هولها الأولمب، ورف في السماء ~~كأنه سحابة مظلمة في ليل بهيم؛ وفوق كاهله الكبير قوسه الفضية ~~المرنان، وعلى ظهره كنانته الواسعة الشاسعة، يسمع لسهامها صليل أي ~~صليل، وأشرف من سمائه المضطربة على سفائن الأسطول المطمئن، وما هو إلا ~~أن تميزها حتى عبس وبسر، ووتر قوسه فانهمرت منها سهام كالمطر، صبها ~~على السفن حاملات الخيل والبغال أولا، ثم لوى فأصلى سفائن الجنود ~~وابلا منها بعد ذلك، فلا تسمع إلا أنينا وبكاء، ولا ترى إلا صرعى ~~يضجون ويعولون، ولا تحس إلا زفير جهنم وشهيقها يأخذ القوم من هنا ~~وهنا فيقعون إلى أذقانهم سجدا وبكيا ... # أمطر يا طاعون. # ولا حنانيك يا ms062 أبوللو. ~~••• # واستمر هذا البلاء تسعة أيام طوال كأنها دهر بأكمله. # وفي اليوم العاشر أوحي إلى أخيل أن يدعو مجلس الجيش ليرى رأيه في ~~هذه النكبة التي دهتهم بها ميازيب السماء. فلما التأم شمل القادة ~~اجتمع الرأي على أن يذهب كالخاس فيستوحي أربابه لتكشف هذه الغمة، ~~أو ليرى بماذا ترضى من التضحيات والقرابين! # وعاد كالخاس - كعادته؛ كلما حمل أخبار الشؤم من لدن أربابه - كاسف ~~الوجه كالح الجبين، يحبس في صدره شجون الأرض وهموم السماء! ~~«خريسيز يا سادة!» ~~«خريسيز تعود إلى أبيها القديس، وإلا فتلك مصارعكم جميعا فوق هذا ~~الشاطئ المظلم، المضرج بدمائكم، ودماء أعدائكم!» ~~«هكذا تتفق كلمة الآلهة من أجل أبوللو، فويل لنا جميعا إن لم ~~نهدئ ثورة صاحب القوس، ورب النور، وسيد الشمس!» ~~«اسجدوا لأبوللو، واخشعوا.» # ونهض القوم من صلاتهم مشدوهين لا يحيرون، ينظر بعضهم إلى بعض، ولا ~~تنفرج شفة بكلمة، ولا يتحرك لسان بقول! # ولكن أخيل شعر في صميمه أن القدر يسخره هذه المرة أيضا لتفريج ~~الأزمة، وكشف البلاء، فنهض غير هياب، وأرسل قولة الحق في غير وجل، ~~وصرح بضرورة إرسال خريسيز إلى والدها القديس معززة مكرمة، ثم ~~تقديم القرابين من لحم العجول وشحم الأوعال إلى معبد أبوللو وإطعام ~~الحاضر من شوائها والباد. # وزلزلت الأرض زلزالها وهوت السماء فوق رأس أجاممنون! # ونشبت ملحمة هائلة بينه وبين أخيل أوشك البطل أن يغمد سيفه من ~~جرائها في صدر القائد العام، الذي طلب بكل صفاقة أن ينزل له أخيل عن ~~غادته بريسيز: «إذن، كان لا بد من نزولي عن خريسيز ليسلم الجند من هذا ~~الوباء، وليسكن غضب أبوللو، وترضى السماء!» # وتأججت نيران العداوة بينهما؛ ذاك يحرص على فتاته الهيفاء، وذاك ~~يحض على إنقاذ الجنود بتضحية الذات وإنكارها في سبيل ما هو أسمى ~~وأرفع، ولكن أجاممنون عمي عن هذا المثل العالي، فتشبث وأصر إلا ~~ما نزل له أخيل عن بريسيز لينزل هو عن خريسيز. # وهنا تنزل الآلهة لتحكم بين الخصمين! # تبدو مينرفا، ربة الحكمة والموعظة الحسنة، رسولا من لدن حيرا، سيدة ~~ربات الأولمب، ms063 للبطل أخيل، بحيث لا يراها غيره، فتعظه أن يضحي ~~بفتاته ما دام هذا الفظ يتأبى إلا أن يكون ذلك. # ويصدع أخيل بأمر السماء. # ويذهب أوليسيز بابنة القديس إلى أبيها حيث يلقاه في معبده يبكي ~~ويصلي، فيبشره بها، ويسأله الصفح والمغفرة فيهش الكاهن ويبش، ~~وتنهمر من عينيه دموع الفرح. # وتقدم القرابين باسم الجيش الهيلاني إلى معبد أبوللو. # فينكشف البلاء، وترضى السماء، ويدفن الهيلانيون موتاهم! # أما أخيل. # فينقطع عن المعركة، وينعزل في معسكره، لا يشترك في الحرب، ولا يشترك ~~فيها جنوده الميرميدون! # وتحس أمه بما يلم به من الحزن وتعده خيرا على يد الإله ~~الأكبر - زيوس - سيد أرباب الأولمب! # | فتنة # انتظرت ذيتيس - أم أخيل وحبيبة زيوس من قبل - حتى عاد الإله الأكبر ~~من حفل أولمبي دعي إليه حينما شبت السخيمة بين أجاممنون وبين ~~ابنها، فأسرعت إليه لتكلمه في الإهانة التي لحقت أخيل العظيم، وأزرت ~~بكبرياء بطل هيلاس. # عجلت ذيتيس إلى زيوس. # وكانت ذكريات غرام الإله الأكبر لا تزال تتدفق في قلبه، وكان رنين ~~القبل فوق شفتيها القرمزيتين لا يزال تتجاوب أصداؤه الموسيقية على ~~شفتيه المنهومتين الملتهبتين، وكان هذا الجمال الفتي لا يزال له ~~رجع في كل جوارحه وجوانحه. # وقفت أمام زيوس! # وكأن حلما لذيذا طوف بعينيه فرأى إلى قصة حبه تمثل بكل ~~ماضيها الحافل أمامه؛ ورأى إلى هذه الأويقات الحلوة التي التذ فيها ~~فتنة ذيتيس تثب فجأة من الأيام الخوالي فتغمره بسحرها وأسرها؛ ورأى ~~إلى ذراعيه المرتجفتين ملتفتين حول خصرها النحيل، وطرفه الساهم ~~الباكي يحول في طرفها الناعس الكحيل، ورأى إلى هذا المرمر الطروب ~~المنصب في تمثالها يكاد يكلمه، فيروي له من أخبار العناق، وسكرات ~~الهوى ما يفيض له دمعه، ويجب قلبه وترتعد من ذكره فرائصه. ~~- «ذيتيس؟!» ~~- «...؟ ...» ~~- «ما لك؟ ... تبكين! ...» ~~- «...! ...» ~~- «لا ... لا ... إلي يا حبيبتي!» # وكانت كلما ألحت في الصمت والبكاء، ألح هو في التلطف والرجاء، ~~وكانت ذيتيس تدرك ما أثارته في قلبه من غرامه القديم، فدلت وتاهت، ~~حتى أيقنت أنه منقاد لما تطلب، ولو كلفته هدم الأولمب، وثل عروش ~~السماء! ~~- «أ... ms064 أخيل ...!» ~~- «أخيل؟ ... ما له؟ ...» ~~- «ما كفاني أن يذهب ليلقى حتفه تحت أسوار طروادة حتى يهينه ~~أجاممنون!» ~~- «يهينه أجاممنون؟ يهينه كيف؟» ~~- «أغضب قديس أبوللو وكاهنه الأكبر، ولم يقبل أن يرد عليه ابنته ~~خريسيز؛ فغضب الراهب الشيخ، ودعا ربه، فسخر الطاعون على ~~الهيلانيين، حتى كاد يبيدهم، فلما طلب إليه أن يرد ابنة القديس على ~~أبيها الشيخ، أبى، وأخذته العزة بالإثم، فلما ألح عليه أخيل - ~~ولدي البائس - إنقاذا للجيش، وإبقاء على أبناء هيلاس، رضي أن ينزل عن ~~الفتاة، إذا نزل له أخيل عن بريسيز ... # وآثر أخيل حياة المحاربين ونجاتهم، فنزل عن الفتاة للقائد ~~الغاشم.» ~~- «... ثم ...» ~~- «ثم هو الآن يحترق بينه وبين نفسه، وقد اعتزل الحرب وخلا وحده في ~~معسكره، يجتر أحزانه وتجتره الآلام.» ~~- «لا عليك يا ذيتيس! لا عليك يا حبيبتي! قري عينا ... قري عينا ~~... فيما أخذه الناس بغير ما ينبغي له، لأذيقنه وجنوده البلاء ~~المبين!» # وعادت ذيتيس جذلانة بعد أن طبع على جبينها المتلألئ قبلة ... كم كان ~~يشتهي أن يطبعها على فمها الخمري ... لولا أن ذكر أنها زوجة. ~~••• # زلزلت ذيتيس قلب الإله الأكبر بدلالها وقوة فتونها، وأرق طيفها ~~الرائع جفنيه، فلم يذق طعم الكرى تلك الليلة بطولها، فهب من ~~مضجعه السندسي فوق سدة الأولمب، واستدعى إليه إله الأحلام، فأمره ~~بالذهاب من فوره إلى معسكر الهيلانيين. ~~«فإذا كنت ثمة فانطلق إلى فسطاط أجاممنون فداعب عينيه واجثم على ~~قلبه، وقل له وهو يغط في نومه العميق، إن الآلهة تأمرك أن تصبح ~~فتنفخ في بوق الحرب، حاضا عساكرك على اقتحام طروادة، فإن زيوس ~~يبشرك بالمدينة الخالدة، ولا يكاد النهار ينتصف حتى تكون جنودك في ~~شوارع إليوم ظافرة منتصرة بإذنه.» # وصدع إله الأحلام بما أمره سيد الأولمب، وانطلق إلى معسكر أجاممنون ~~في أقل من لمحة، فداعب عينيه وألقى في روعه الحلم الكاذب، وعاد ~~أدراجه إلى مولاه. # فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، هب أجاممنون ~~من نومه مذعورا، وأرسل رسله إلى رؤساء الجند، فاجتمعوا لديه قبيل ~~الشروق، وأعلن هو انعقاد المجلس الحربي، فصمت الجميع، ms065 ونظر بعضهم إلى ~~بعض، وكل يظن أن لا بد من أمر جلل، استدعى انعقاد المجلس في ~~هذه الساعة من بكرة اليوم! # ونهض أجاممون فتحدث إلى القادة، وأخبرهم برؤياه. ولما فرغ؛ نهض ~~نسطور الحكيم المحنك، فسبح باسم زيوس وأثنى عليه، وقال: لو أن أحدا ~~غير القائد الأعلى رأى تلك الرؤيا لأثار استهزاء الجميع، ولرماه الجميع ~~بجنة أو مس ، ولكنه قائدنا وملكنا، وسليل الآلهة العظام، ~~أجاممنون، هو الذي رآها وهي لا شك موحاة إليه من لدن ربنا وسيدنا ~~ومولانا مليك الأولمب، وهو لا بد ناصرنا على أعدائنا الظالمين. ~~فهلموا أيها الإخوان إلى رجالكم فأيقظوهم، وانفخوا فيهم الحمية ~~والحماسة، فإذا أشرقت ذكاء، فسووا صفوفهم واشحذوا عزائمهم، ~~ولنتوكل على أربابنا، وليهتف الجميع باسم زيوس، ولنصل له، ولنسبح ~~تسبيحا كبيرا.» # فلما كان الصبح، ارتجف السهل والجبل، ودوى المشرقان والمغربان ~~بجلبة الجند، وصار كل المعسكر كأنه خلية صخابة من النحل، تطن ~~وتطن، وصارت الساحة الحمراء كأنها سماء معتكرة، لرعدها هزيم ~~ولريحها هزيز، ولبرقها خطف يذهب سناه بالأبصار. # وشرعت الرماح، وأرهفت السيوف، وحملقت المنايا كأنها الأغربة ~~السود ترنق فوق الفرائس، وتدوم فوق الجيف! # ولم يكن أجاممنون قد انخدع بالحلم الكاذب، فشدهه أن يرى إلى استعداد ~~الجيش ونفرته نفرة واحدة، ولم يخدعه كذلك هذا العدد العديد من ~~الجنود طالما أن ليس فيهم أخيل وشياطينه المقاتلة، ~~الميرميدون! # فأوجس في نفسه خيفة، وهاله أن يكون في الأمر سر، ووقر في قلبه أن ~~غضبة أخيل لا بد أن تغضب السماء، واستقر في نفسه أن هذا الجيش ~~العرمرم سائر إلى الهزيمة المؤكدة، ووارد موارد الردى! # وهكذا جبن القائد العام، وندم على أن عقد المجلس الحربي! # فما إن متع النهار، ونظر إلى الجند فرآهم يغمرون الأودية، ويربضون ~~في مشارف الجبال، ورأى إلى طروادة المنيعة تهزأ بكواكب الهيلانيين ~~وجيوشهم، حتى نهض فوق يفاع من الأرض، وهتف بجنوده يقول: # يا أبناء هيلاس! يا بني قومي! # لست أدري إلام تمتد بنا هذه الحرب، وحتام ننفى هنا ~~في هذا المكان السحيق من الأرض! # تسعة أعوام يا قوم، ms066 ونحن هنا بمعزل عن العالم؛ ننام في ~~الخيام، ونأوي إلى السفائن، تلفحنا الرياح، ويثور بنا البحر، ~~وتتخطفنا المنايا! # وعبثا ينتظرنا أبناؤنا ونساؤنا في هيلاس العزيزة! ومن يدري؟ ~~فقد يكون بعض أبنائنا أو آبائنا قد انتقلوا إلى هيدز، ونحن هنا ~~نتصارع مع الموت من أجل امرأة آبقة لا عرض لها ولا ~~شرف! # أبناء وطني! # ألا أقولها لكم كلمة سواء صريحة؟! هلموا فاغمدوا هذه ~~الرقاق البيض، ولنعقد مع الطرواديين هدنة يعقبها صلح شريف، ~~ثم لنركب أسطولنا الذي نخر السوس في أخشابه أو كاد، ثم لنعد ~~أدراجنا إلى هيلاس سالمين! # حرب! # أية حرب هذه التي اشتعلت من هولها الرءوس شيبا! # أية حرب هذه التي تودي بأعز المهج، وتذهب بأغلى الضحايا من ~~نفوس الشباب؟! بل أية حرب هذه التي توقع العداوة والبغضاء بين ~~أخوين من أعز أبناء هيلاس، فيتراشقان بالفحش من القول، ~~ويتبادلان الهجر من الكلام، ويوشكان أن يلتحما في نزال ~~يودي بحياة أحدهما من أجل امرأة؟! # أنا - أجاممنون - أغضب أخيل أخي من أجل لذة طارئة، ومتاع ~~غير مقيم! # يا للهول! # لتنته هذه الحرب، لتنته هذه الحرب، ولنعد إلى ~~هيلاس. # وأرسلها أجاممنون خطبة طويلة تفيض بالحق وتعترف بالواقع. # فصادفت من قلوب الجند المعذبين هوى، ولقيت منهم استحسانا ~~وتحبيذا، وطربت لها نفوسهم التي أضناها الحنين إلى الأوطان، ~~وشفها التوق إلى لقاء الأهل، ونبذ نير هذه الغربة الطويلة التي ~~أنهكت قواهم وأوهنت شبابهم. # وفكر كل في أبنائه وأبويه وأحبائه، فهفت نفسه إلى الارتحال عن ~~هذه الساحة المشجية، عسى أن يقضي الحقبة القصيرة الباقية من حياته ~~الخريفية في راحة وهناء بين أهله وذويه. # لكن الآلهة لا تريد هذا! # وكيف تنتهي حرب أثارها باريس بين ربات الأولمب في البدء؟! # أليس هو قد قضى بالتفاحة لفينوس؟ # إذن ففينوس تنصره، وهي لذلك تقيه هوان الهزيمة وذل الانكسار؟ ~~ولكنه أين يهرب من حيرا سيد الأولمب التي وعدته نعيما وملكا كبيرا ~~إذا هو كان قد أعطاها التفاحة؟ # لقد أسخطها بما لم يسخطها أحد به من قبل، وهي لذلك تصل ليلها ~~بنهارها في ms067 تدبير السوء له، والكيد لوطنه وعشيرته وكل من يلوذ ~~بهما. # ثم أيان يهرب من سخط مينرفا كذلك؟! # أليست مينرفا كذلك قد وعدته الحكمة التي لم يؤتها أحد من قبل ~~إذا كان قد قضى لها بالتفاحة؟ # إن مينرفا هي الأخرى تتربص به السوء، وتود لو أظفرت به أعداءه ~~فينكلون به، ويسقونه عذاب الهون بما قضائه في التفاحة ~~لفينوس ! # سمعت حيرا خطبة أجاممنون من علياء الأولمب، فأفزعها أن ينقاد الجند ~~له، وهالها أن يستعد الجميع للرحيل! # فاستدعت إليها مينرفا، وخاطبتها بصدد ما قال قائد الهيلانيين، ثم ~~اتفقتا على أن تذهب مينرفا إلى معسكر القوم فتلقى البطل المغوار ~~أوليسيز، فما تنفك تحضه وتحرضه حتى يقوم بإلهاب عاطفة الجند، ~~وتفتيح عيونهم على العار الأبدي الذي ينتظرهم في بلادهم، إذا عادوا ~~إليها من غير أن يظفرهم أربابهم بأعدائهم، قانعين من الغنيمة ~~بالإياب! بعد تسعة أعوام في دار الغربة. # وانطلقت مينرفا إلى ساحة الحرب، وكانت ترف كالسحابة البيضاء في ~~دجنة الليل فيما بين جبل إيدا وشواطئ الهلسبنت، حتى إذا شارفت المعسكر ~~أطلت على القوم فوجدت رؤساءهم يتحاورون فيما قال أجاممنون، ورأت إلى ~~أوليسيز متجهما منقبض النفس مثقل الروح، يكاد ينشق من الغيظ ~~مما سمع من كلام القائد العام الدال على الخور واليأس، واستبشرت ~~مينرفا بما رأت من هياج أوليسيز، فهبطت عليه رحمة من السماء، وكلمته ~~قائلة، بحيث لا يراها أحد غيره: «أوليسيز فتى إيثاكا وبطل ~~هيلاس! # أسرعت إليك - إليك أنت - إليك يا أشجع جندي هنا، لأحذرك من أن تنخدع ~~بكلام أجاممنون! إنها خدعة يا أوليسيز! إن القائد العام يحاول أن يسبر ~~عزائمكم ويخبر هممكم فلا تنطل عليكم كلماته. # إنكم لم تنفروا إلى طروادة خفافا وثقالا لتغتربوا عن أوطانكم ~~تسعة أعوام طوال ثم لتعودوا كما أتيتم! بل أضل سبيلا! # أوليسيز! ما ذنب القتلى الأجرياء الذين خضبت دماؤهم ثرى هذه ~~الساحة، تتركونهم في حمرتين من مقابرهم؛ حمرة الدم، وحمرة الخجل مما ~~فرطتم في حقوقهم وتهاونتم في كرامتهم؟ # وما خطب السنين التسع يا أوليسيز؟ # أكنتم تلعبون يوم ضحيتم بإفجنيا؟ ms068 # أكنتم تلهون يوم أهدر بروتسيلوس دمه؟ # وشرفكم الذي يذبح كل يوم في قصور طروادة! # واستهزاء الأمم بكم، وضحك القبائل عليكم؟! # لا يا أوليسيز! هلم فحرض القادة، وانفخ من روحك في قلوب ~~الجند.» # وسمع أوليسيز إلى ربة الحكمة، فخفق قلبه، وثارت نخوته، والتهبت ~~نحيزته؛ وعاهدها على إضرام المعمعة، وتأجيج لظى الحرب. # وانطلق بين الصفوف فلقي نسطور وأجاكس وبالاميدز وغيرهم من زعماء ~~الجيش ورءوس فيالقه، فحذرهم «من الانخداع بكلمات أجاممنون؛ لأنها ~~حيلة يريد بها القائد سبر عزائمهم واختبار هممهم»، كما تحدثت إليه ~~مينرفا! # وحضهم على التضحية والصبر، وحرضهم على الجلد والاستبسال، ~~وذكرهم بعهودهم ونظر الدنيا جميعا إليهم، ثم حذرهم من العار ~~السرمدي الذي يتربص بهم إذا عادوا من دون أن يفتحوا طروادة! # وتغيرت الحال! # وتجددت روح الحرب، وفتح كل جندي عينيه على مجد الوطن! ونجح ~~أوليسيز! # ونجحت مينرفا! ~~••• # ودهش أجاممنون لهذا التحول المفاجئ في نفسية الجيش، تلك النفسية ~~التي كانت منذ لحظة فقط، مزيجا من القنوط واليأس، وخليطا من السرور ~~المخامر لمجرد الإيذان بالعود إلى الوطن؛ فصارت تضطرم تشوقا إلى ~~الحرب، وتتحرق شوقا إلى امتشاق السمهريات الظوامي! # وما وسعه إلا أن يثني على شجاعة الجنود، و... عدم استسلامهم، و... ~~ترفعهم عن الاستكانة والاستحذاء! # فكان تحوله أعجب، وموقفه بين عشية أو ضحاها أغرب! # ونظر الطرواديون من كوى أبراجهم، فراعهم التفاف الهيلانيين ~~بمدينتهم وإحاطتهم بها من كل جانب وسرى الرعب في قلوبهم، ودعوا ~~ثبورا كثيرا! # وكان يحنقهم أن باريس الذي جر عليهم كل ذلك الكرب، وكان السبب ~~العقيم لهذه الحرب، يقر في مخدعه الوثير، يداعب هيلين المنحوسة، ~~ويلاعبها ويساقيها كئوس الهوى وتساقيه، غير آبه لما يغص به قومه ~~من كئوس الردى والحمام! # وخرج باريس لشأن من شئون لهوه، وعبث باطل من أغراض غرامه الدنيء، ~~فسمع الناس يلغطون ويلمزون، ويلوكون اسمه بألسنة الهوان والتحقير، ~~فثار ثائره، وفارت حماسته، وأقسم ليرين الجبناء من ضروب شجاعته ~~ما تنخلع له قلوبهم، وتطير من هوله ألبابهم. # وذهب من فوره إلى أخيه هيكتور، فطلب إليه أن يرفع الراية البيضاء، ~~ويخترق ms069 الصفوف حتى يكون في وسط الميدان، وينادي قائد القوم ليتفق معه ~~على أن يستريح الجيشان طيلة هذا اليوم، ثم لتكون مبارزة بين باريس - ~~على أن يمثل الطرواديين - ومنلوس - على أن يمثل الهيلانيين - فإذا ~~فاز أحدهما بصاحبه، وأظهرته الآلهة عليه، عاد إلى قومه فرحا ~~مسرورا! # وطرب منلوس لما اقترحه غريمه الذي كان كالساعي إلى حتفه بظلفه؛ ~~وصمتت الأفواه وحملقت الأنظار، وتلمس كل جندي في الجيشين قلبه من ~~شدة الخفق وثورة الوجيب، وبرز منلوس وبرز إليه باريس، ومرت الأحداث ~~سراعا أمام عيني ملك أسبرطة، فذكر عشاق هيلين وصدود هيلين، وذكر ~~يوم الخيرة الكبرى، يوم رضيته من دون عشاقها الكثيرين بعلا ~~كريما لها، وذكر يوم احتفائه بباريس واحتفال أسبرطة كلها به كضيف ~~عظيم لملكها، وذكر أن هذا الفارس الذي تزلزل من تحته الأرض إن هو ~~إلا الغادر الختال الذي اعتدى كأحقر الجبناء على عرضه، ولطخ ~~بوحل الفضيحة شرفه، ثم ذكر كيف فرت زوجه معه تحت جنح الليل ... ذليلة ~~للذتها أسيرة هواها ... فثارت في قلبه زوبعة من الجنون، وتفجر في رأسه ~~بركان من الغضب، واتقدت في عينيه جحيم بأكملها من النقمة، واندفق ~~الدم يغلي في ساعديه، وانقض على خصمه فأوشك أن يحطمه، لولا أن هاله ~~هذا الطيف الغريب الذي كان يحمي باريس منه، واقفا إلى جانبه، ~~وخلفه، وأمامه، ومن فوقه، ومن كل جهة جاءه منلوس منها، يذود عنه، ~~ويتلقى الضربات الأسبرطية فوق درعه المسرودة السابغة ذات ~~الحلقات! # ماذا؟ # آه! إنها هي! هي بعينها! هي فينوس! لقد أسرعت إلى باريس تحميه في ~~ذلك الروع الأكبر! فلما أوشك أن يستسلم عز عليها ألا تنقذ حياته ~~وهو هو الذي حكم لها بالتفاحة. # لقد رفعته إلى عل! # وطفق منلوس يبحث عنه ها هنا وها هنا، ولكنه لم يعثر له على أثر! لقد ~~ذهبت به ربة الحب إلى مخدع الحب! # إلى هيلين! # ولكن ويل له من هيلين! لقد كانت تطلع على الساحة فترى إلى مبارزة ~~البطلين، فهالها أن يبطش ملك أسبرطة بحبيبها، لولا هذه السحابة ~~البيضاء التي كانت تحميه ms070 دائما من خصمه وتقيه. # وعذلته هيلين على هذا الفرار المشين، فكان عذلها له أشد على نفسه ~~من ضربات منلوس. # | معركة بين الآلهة # وقفت ندمانة الآلهة «هيب» اللعوب الهيفاء، تسقي أربابها خمرا! ~~وكان الأولمب يزخر بسادته. # فهذا زيوس العظيم مستويا على عرشه الضخم المرصع بالجوهر ~~والياقوت. # وهذا أبوللو سيد الشمس وصاحب القوس يوقع على قيثارته أشجى ~~ألحانه. # وهذا فلكان الحداد القذر قد بدا في حلة جديدة ذات ألوان ~~صارخة. # وذاك مارس الجبار، إله الحرب، يلاعب الأسنة، ويداعب الصعدة ~~المرنة. # وذلك هرمز قائد الأرواح إلى هيدز، ورسول الآلهة إلى سكان الأرض، ~~يرسل في الملأ نظراته الساخرة، ونكاته المنكرة. # وهذه حيرا مليكة الأولمب، تود لو تضرم النار في قصور مولاها إن لم ~~يقض بانتصار الإغريق! # وهذي مينرفا الحكيمة الراشدة تصمت صمتا أبلغ من وحي الأولمب كله، ~~ترى هل تستطيع تسخير هذه العصبة من الأرباب لسحق باريس وقومه ~~وأحلافه! # ثم طائفة كبيرة من الآلهة وأنصاف الآلهة ... # وهيب اللعوب تسقي الجميع خمرا! # وللخمر الأولمبية كما لخمر هذه الأرض نشوة وسورة، ولها على رءوس ~~أربابها صولة وسلطان، وهي مثلها تروي حتى تبلغ المشاش وتتغلغل حتى ~~تمتزج بالدم! # وهيب تروح وتجيء حلوة بسامة، كأنها مدامة! # وروي الجميع إلا حيرا! # وانتشى الجميع إلا مينرفا! # لقد كانتا لا تفكران إلا في هذه الساحة الحمراء وما يقع فيها من ~~بلاء! # أليس قد ذهب الهيلانيون ينتقمون لكبريائهما من باريس ومن قوم ~~باريس؟ # ألم تنصح عروس الماء - إيونونيه - لباريس ألا يصيح لفينوس وأن يعطي ~~التفاحة لمينرفا؟ # ألم تحذره من التعرض لنقمة الربتين العظيمتين؟ # غير أنه أبى! # وآثر الجمال والحب، ثم الشقاء والحرب مع فينوس، على القوة ~~والصولة، والملك الكبير، والحكمة والنورانية مع حيرا أو مينرفا! # وبذلك جلب على نفسه وقومه وبال هذه الحرب ونكالها! # وليس اليوم أروح إلى قلب حيرا، وأرضى إلى نفس مينرفا من أن تنصرا ~~جحافل الهيلانيين، وتثبتا في ساحة الحرب أقدامهم! # ولكن أخيل منفرد في معسكره وهو مفئود محزون! # وقد وعدته أمه بالإثآر له، وكلمت فيه زيوس سيد الأولمب، ms071 ولم تزل ~~به تسلط عليه ذكريات غرامهما القديم حتى زلزلت أركانه وسلبت جنانه، ~~وانتزعت منه وعدا قدسيا بأن ينتقم من أجاممنون وجنوده لأخيلها ~~العزيز! # تانكم إذن حيرا ومينرفا. # وذاكم زيوس كبير أرباب الأولمب. # أما أبوللو فهو لا ينسى ما فضحه أجاممنون به في بنت كاهنه، وهو ما ~~يفتأ يتربص بالقوم، ويدبر لهم سوء المنقلب! # وأما فينوس ...! # فتلك أبر بباريس وبقوم باريس، وهي أبدا ستحمي باريس وجند باريس؛ ~~لأنها ستذكر له أبدا أنه نصرها على حيرا كما نصرها على مينرفا! # وكذلك أوقدت هذه الحرب العداوة والبغضاء بين الآلهة، وأضرمت النيران ~~في قصور الأولمب! # فللآلهة في جبل «إيدا» معسكران كما لبني الموتى حول طروادة ~~معسكران! ~~••• # أوشك منلوس أن يفتك بباريس لولا أن أنقذته فينوس ولقيته هيلين ~~عاذلة مغضبة، لكنه نسي نفسه بين ذراعيها واستماحها أن تدع حديث ~~الحرب إلى نشوة الحب، «على أن أعود فأثأر لنفسي من منلوس العنيد الذي ~~لولا حماية مينرفا وحيرا له لبطشت به وجعلته خبرا في ~~الذاهبين.» # وكان العهد بين بريام الملك وأجاممنون قائد الهيلانيين أن يلقى ~~المغلوب السلم، فلما فر باريس تقدم أجاممنون وطلب أن يسلم ~~الطرواديون هيلين الأرجيفية، وأن يقدموا دروع باريس وسيفه وفرسه ~~وجميع عدته الحربية لتكون أثرا خالدا يحتفظ به الإغريق ويتوارثونه ~~رمزا لمجدهم الحربي وتذكارا لفوزهم وغلبهم. # بيد أن الطرواديين رفضوا هذا: «لأن أحدا من المتبارزين لم يظفر ~~بالآخر، ولأن قطرة من الدم لم تصبغ أديم الأرض فتكون شاهد ~~النصر». # وكانت بين الفريقين مهادنة. # فخشيت حيرا ومينرفا أن يطول أمدها، واتفقتا على أن تذهب مينرفا هذه ~~المرة أيضا فتضع حدا لهذا السلام الذي يشمل الساحة، وأن تثير الحرب ~~من جديد! # وذهبت مينرفا فاندست بين صفوف الطرواديين، وسحرت نفسها فبدت في ~~عدة «لاودوكوس» البطل الطروادي وهيئته، ثم وترت قوسها وأرسلت ~~سهما مراشا نفذ في جسم منلوس إذ هو يبحث عبثا عن باريس. # وتجددت الحرب بين الفريقين بسبب هذه السهم، فكانت حربا زبونا، ~~طاشت من هولها الأحلام، وبلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار فما ترى ~~إلا ms072 حميما. # وعز على فينوس أن ينهزم جند طروادة وهم أولياؤها وصنائعها، فذكرت ~~أن لها في أرباب الألمب عاشقا هيمانا يترضاها ويلتمس وصلة منها ~~تشفي قلبه الخفق، وتداوي هواه الثائر وأعصابه التي مزقها الحب، ~~وأذابها لظى الغرام، فانطلقت إليه تغريه بكل ابتسامة تلين الحديد، وكل ~~نظرة ساجية تفجر الماء من الصخر أن يقوم من فوره فينفخ من روحه في قلوب ~~الطرواديين، ويؤيد بنصره صفوفهم. # ذلك هو مارس، مسعر الحروب وموري لظاها! # وطرب الطرواديون لوجود رب القتال في صفوفهم يناصب أعداءهم الحرب ~~فيجعلها ضراما، ويصلصل دروعه فيوقع في قلوبهم الرعب، ويثير في نفوسهم ~~الهلع، ويروعهم ترويعا. # وكانت إلى جانبه فينوس تنفث فيه سحرها، فكان لا يلقى فارسا إلا طعنه ~~فيكبه على وجهه، ثم يشكه فيجفوه # 1 # من الأرض كأنما يتخذ منه هزوا وسخريا! # وهرع أبوللو فأمطر الهيلانيين وابلا من سهامه التي ما مست أحدا ~~إلا أردته، وما أقصدت صدرا إلا شقته. # وساء منقلب الهيلانيين! # وعز على حيرا ومينرفا أن ينهزم أصحابهما، وأن يصلوها من مارس ~~وأبوللو نارا حامية، وهزيمة منكرة، ثم لا يكون بحسبهم ضربات مارس ~~اللزاب، وسهام أبوللو المفوقة، بل تطحنهم هذه الصواعق الجهنمية ~~التي سلطها كبير الآلهة عليهم - زيوس سيد الأولمب - الذي أصبح كل ~~همه أن ينتقم لأخيل ابن حبيبته ذيتيس من هؤلاء الإغريق ناكري ~~الجميل! # وعبست حيرا عبوسا ثقيلا، ودعت إليها مينرفا، وجلستا تفكران! وبدا ~~لهما أن يذهبا إلى الأولمب فيستدعيا رب البحار العظيم نبتيون فيضع ~~حدا لهذه القسوة التي يبديها مارس وزميله أبوللو. # ولكن كيف السبيل إلى غل يد زيوس، ورد صواعقه التي تنحط على ~~الإغريق من عل، فلا تبقي عليهم ولا تذر؟ # آه! لا سبيل إلى ذلك إلا بمنطقة فينوس السحرية! سستوس! تلك المنطقة ~~العجيبة التي تغوي كل من نظر إليها، وتشعل في قلبه لظى من الهوى، ~~وضراما من الحب. لا بأس إذن من ممالقة فينوس حتى تنزل عن منطقتها ~~أياما لمليكة الأولمب وكبيرة رباته، ثم لتذهب مليكة الأولمب بمنطقة ~~فينوس لتعبث كثيرا - أو قليلا - بقلب زيوس؛ ms073 الذي ما يفتأ يرسل ~~صواعقه على الإغريق من جبل «إيدا»، وليس شك في أن سيصبو زيوس حين ~~يرى منطقة فينوس تزين خصر حيرا وتبرز مفاتن صدرها؛ فإذا عصفت به ~~فورة التشهي، وحاول قبلة واحدة من آثر زوجاته إليه، فلا بأس من أن ~~تمنحه إياها، ولكن لتنتهز سكرته العميقة وتسلط عليه إله النوم ~~الجبار - الذي هو دائما في خدمتها أينما سارت - فيغرقه في سبات ~~عميق، ويظل به يداعب أجفانه، ويعسل أحلامه حتى يكون نبتيون قد انكشف ~~لمارس وصاحبه وأجنادهما، فيقذف الرعب في قلوبهم، ويزلزل أركانهم، ~~ويوهي عزائمهم؛ ويختلط حابلهم بنابلهم، فيولوا مدبرين، لا يلوي أحد ~~على أحد! # وقد أفلحت خطة حيرا. # فهذا مارس ما يكاد يلمح نبتيون حتى يذكر هذه الأيام السود التي صب ~~عليه فيها رب البحار سوط عذابه، # 2 # فيخفق قلبه، وترتعد فرائصه، ويكبو زنده، وتذهب ريحه، ~~وتنحطم شوكته ... ثم يقذفه نبتيون بسهم - وقل أن تطيش سهام نبتيون - ~~فيصرخ إله الكريهة صرخة كريهة، وينفتل من الحلبة الحمراء موليا ~~عقبه، ساخطا على فينوس وما يجر إليه غرام فينوس! # وولى في إثره أتباعه الطغاة، آلهة الشرور: إيريس رب الشغب، وفوبوس ~~رب الرعب، وميتوس رب الخوف، وديميوس رب الفزع، وباللو رب الهلع ... عصبة ~~الإجرام وشرذمة الآثام، والطغمة الباغية من أوشاب الأرباب! # وأفيق الإغريق مما حل بهم من روع ... # ونظروا فرأوا مارس وملأه مولين الأدبار، والدم يتدفق من جراحهم ~~جميعا؛ فأفرخ روعهم وأمن سربهم، ثم لموا شعثهم، وهجموا على ~~أعدائهم هجمة رجل واحد، فأدالوا لأنفسهم، وثأروا لكبريائهم، وانصرفوا ~~يتفقدون جرحاهم، ويحرقون جثث قتلاهم الشهداء! # يا للهول! # لقد قتل أمبريوس البطل! قتله تيوسيز، غير راحم شبابه، ولا مبق ~~على عوده الفينان! # وأمفيما خوس! لقد صرعه هكتور بن بريام، غير راث لأمه العجوز الهرمة، ~~ولا آبه للباكين حوله والمعولين! # وديوميد! زين شباب هيلاس، وآثر فتيانها إلى قلوب الآلهة! لقد جرحه ~~باريس بسهم أوشك أن يكون قاتلا! لولا أن أدركه جنوده فأسعفوه، ~~وضمدوا جرحه، وإلى المعسكر حملوه! # وأجاممنون! لقد برز في المعمعة، ودل على الفروسية التي ms074 بهرت ~~الطرواديين، بيد أنه أصيب بسهم نفذ فيه؛ فارتد على عقبه يصرخ ~~ويتلوى! # وأوليسيز! أوليسيز العظيم! لقد أرسل إليه سوكوس أمهر رماة طروادة ~~بسهم مفوق، فجعله ينتفض كما ينتفض المحموم، ويخر إلى الأرض ~~فيتأود كمن لدغته أفعى، ولولا أن أدركه أجاكس ومنلوس فأسعفاه لكان ~~من الغابرين! # وأجاكس هذا كذلك! لقد أتاه سهم كاد يذهب به لولا بقية من ~~حياة ! # ومخاون! لقد روعه باريس هو الآخر فشكى وبكى! ~~••• # أرأيت؟ # لقد نال الطرواديون وأحلافهم من جموع الهيلانيين، ولولا أن أغاث ~~هؤلاء نبتيون القاهر لكانت ملحمة فاصلة في هذه الحرب الشعواء! # وكأن السماء قد أيقظت ضمائر اليونانيين، وبرهنت لهم على أنهم ما لم ~~يخض معهم المعركة أخيل فلا نصر لهم ولا غلبة، ولا محيص من هذه ~~الهزائم المتتالية، والجروح التي لما تكن قصاصا لولا أن أدركهم ~~نبتيون! # عرف اليونانيون هذا؛ وآمنوا بعد هذا الفزع الأكبر أن لو كان أخيل ~~بينهم يوم هذه الكريهة لما حفلوا بمارس وأتباعه، ولأظفرتهم آلهتهم ~~بأعدائهم، ومارس وملئه، وأبوللو وجنوده جميعا. # وانطلق نسطور فعرض على أجاممنون مصالحة أخيل وإرضاءه، وبعد لأي ~~رضي القائد العام أن ينطلق نسطور # 3 # وأوليسيز وأجاكس وفونيكس إلى معسكر أخيل، مندوبين عن ~~القائد ليعرضوا عليه صلحا شريفا، وموثقا كريما يرضاه الطرفان؛ ~~ولكن أخيل يثور لكرامته ويأبى إلا ... بريسيز ... ثم لا يشترك في حرب ضد ~~الطرواديين. # ويلح أوليسيز على صديقه القديم ... ولكن صديقه القديم ما يزداد إلا ~~شماسا وما يزداد إلا أنفة. # ويكون فونيكس قد نالت منه حجج أخيل، ويكون قد خلبه بيانه، وبهره ~~حسن منطقه، وطلاقة لسانه، وعظيم شجاعته، فيؤثر البقاء معه مخاصما ~~الهيلانيين جميعا حتى يرضى أخيل، فيتركه أوليسيز وصاحباه، ويعودون إلى ~~أجاممنون ... بخفي أخيل! ~~••• # وهكذا تتم كل هذه الأحداث الجسام. # وزيوس يغط في نومه الهادئ الناعم يوما بأكمله، حتى يبطل السحر، ~~وتذهب الرقية، فيهب الإله الأكبر من سباته حيران أسفا؛ لأنه ينظر ~~من ذروة جبل إيدا، فيرى إلى نبتيون الجبار يصول في ساحة طروادة ويجول، ~~ويصرع الأبطال، ويجندل الأقران، ويرى إلى مارس العتيد ms075 وجنوده الأقوياء، ~~يفرون من وجه سيد البحار، لا يلوون على شيء. # ويرى أيضا إلى أخيل لا يزال منفردا في فسطاطه، قريبا من سفائنه، ~~والحزن يمضه، ويوهي جلده، فيحزن الإله الأكبر، وينفذ إيريس إلى ~~نبتيون ليزجره، ويأمره أن يغادر المعمعان في الحال، وإلا أرسل عليه سيد ~~الأولمب صواعقه، وهناك لا يكون له حول ولا تكون له قوة. # ويغادر نبتيون الموقعة ولكن بعد أن دمر الطرواديين تدميرا! # | أندروماك # استطاع نبتيون أن يزلزل قلوب الطرواديين. # وحسبه أن يفر من ميدانهم مارس الجبار، وأن يفر في إثره أتباعه: ~~آلهة الروع، وفينوس، أصل البلية التي حاقت بإليوم لينتقل النصر طفرة ~~من جانبهم إلى جانب الهيلانيين. # وبرزت شمس اليوم التالي على الساحة الملطخة بآثام الإنسانية ~~المضرجة بأوزار الآلهة، المصطخبة بأنين الموتى، لتشهد من جديد صراع ~~الضغائن وتصاول الأحقاد، وأخذ السخائم بعضها برقاب بعض، وهذه الكتل ~~البشرية يفني بعضها بعضا. # واشتد الهيلانيون في طلب الطرواديين، واستبسل هؤلاء، فكانت أمواج ~~الغزاة تتكسر على صخور شجاعتهم، ولكنها لا تتلاشى. # وعظم الخطب، ومارت الأرض، وانعقد رهج الحرب مما تثير الخيل من ~~هبوات، واشتجرت الهيجاء حتى لكأنها قطع من الليل، وصلصلت الدروع ~~حتى لكأنها عواء ذئاب الجن، واستشرى الشر حتى لا ترى إلا إلى منايا ~~وآجال، في قتال ونزال. وأحس جنود طروادة بلغوب الوغى، وشعروا بالرجفة ~~تأخذهم من كل جانب، وكان هكتور العظيم يخطف كالبرق بين صفوفهم يحضهم ~~ويحرضهم؛ بيد أن الشجاعة لا تغني في موقف الموت شيئا، فقد شرعت ~~فيالقهم تتقهقر ببطء نحو الأسوار حتى إذا بلغوها لبثوا ثمة يصلون ~~أعداءهم وابلا من السهام، والرماة يساعدونهم من فوق الأبراج. # لكن الهيلانيين ما تفتر لهم همة، ولا يصل إلى حماستهم كلال؛ فقد ~~صمدوا في مواقفهم وثبتوا وصابروا، وأبدوا من ضروب البسالة واليأس ما ~~حير ألباب أعدائهم، وجعلهم إلبا عليهم واحدا! # وفي عنفوان المعمعة لقي هيلانوس بن بريام الملك، أخاه المغوار هكتور ~~يقصف بين الصفوف ويرعد، ويرغي بين المحاربين الصناديد ويزبد؛ وكان ~~هيلانوس خير كاشفي الغيب وعرافي الطرواديين، وكان حبيبا إلى الآلهة، ms076 ~~جميل الطلعة، بسام الثغر، حتى في الحرب، وكان إلى ذلك حازما موفور ~~الحزم، صارما شديد الصرامة، يقهر الغير على احترامه، ولو كانوا ~~يكبرونه سنا، فلما رأى هكتور يعبس العبوسة القمطرير لما يحيق بجنوده ~~من أذى، ذهب إليه قدما، وقال: «أي أخي! أي هكتور العظيم!» # وما كاد هكتور يسمع النداء الحبيب حتى هرع إلى أخيه يلتمس في صدره ~~الحنون بردا لحر تلك الجحيم التي لفحت شجعان طروادة بزفيرها، وصاح ~~به: «هيلانوس! أنت هنا؟ ادع لنا آلهتك يا أيها العزيز! لقد كؤد ~~النصر بعد إذ حسبناه في أيدينا أمس، ادع لنا آلهتك فقد عيينا بهؤلاء ~~الهيلانيين الأبالسة!» ~~«هكتور! أصغ إلي! لن تظفروا بهؤلاء ما دامت مينرفا معهم تؤيدهم، ~~وتشد أزرهم، وترد عنهم سهامكم فتجعلها في نحوركم!» ~~«هكتور! هلم إلى القصر يا أخي، فالق والدتك المرزأة ثمة؛ ~~فتوسل إليها أن تذهب من فورها، مرتدية أبهى ملابسها إلى هيكل ~~مينرفا، فلتبك عند قدمي تمثالها، ولتقدم الضحايا، ولتقرب القرابين، ~~ولتحرق البخور المقدس، الممزوج بالأفاويه والصندل وطيوب الهند، ولتنذر ~~أن تذبح اثنتي عشرة بقرة من خير أبقار إليوم، فتتصدق بلحومها، وتهب ~~الكهنة شحومها، إذا وعدت ربة الحكمة أن ترفع مقتها وغضبها عن ~~طروادة!» # وألحف هيلانوس على هكتور، فألقى نظرة على المعركة، وكاد قلبه ~~يتفطر على هذه الأشبال التي تسقط هنا وهناك، وفي كل صوب وحدب، لاقية ~~حتوفها في سبيل إليوم، وذرف عبرات تذوب حنانا ورحمة، ثم لوى عنان ~~حصانه إلى البوابة الكبرى، فدخلها وقلبه يتصدع من الهم، ووقف مرة ~~أخرى يلقي على الساحة المضطربة نظرة قائد بجنوده رءوف رحيم. # وانطلق إلى القصر الملكي المنيف ذي الشرفات. # وهناك، عند بوابة القصر، وتحت السنديانة الكبرى الوارفة، اجتمع حول ~~هكتور نسوة كثيرات، هن أزواج المحاربين البواسل وأخواتهم وبناتهم ~~وأمهاتهم كذلك، ازدحمن حوله يسائلن عن رجالهن، هل أودى بهم حتف ~~القضاء، وأرووا ثرى الوطن العزيز من دمائهم، أم لا يزالون يناضلون ~~الأعداء، ويردون عن طروادة حمي البلاء؟ # ولكن هكتور يوشك ألا يسمع لهن؛ لأنه ينطلق من فوره إلى داخل القصر، ms077 ~~وها هو ذا يهرع في أبهائه العظيمة، مارا بتلك الغرف الخمسين التي ~~تضم أزواج أبيه وأطفالهن، ثم بالبهو الأكبر ذي العماد الشامخة، ثم ~~بالجواسق المذهبة ذوات الدمى والتماثيل، حتى يكون عند ردهة الملكة، ~~فتلمحه أخته الجميلة ذات المفاتن، لاءوديس فتجري إليه، وتلف ذراعيها ~~حول ساقيه فيتخلص منها برفق، وتكون والدته قد أحست وجوده فتهرع إليه، ~~وتهتف به: «هكتور! بني، ماذا جاء بك؟ لمن تركت الساحة يا ولدي؟ ~~أهكذا تدع أبناء طروادة للموت الأحمر، وتجيء إلى الحرم تنشد الراحة يا ~~هكتور؟ لا. لا. لا أحسبك تتخلى عن جنودك لحظة، ولكن هلم إلي! ~~إليك هذه الكأس من أشهى ما عصر باخوس! رو ظمأتك منها، وعد إلى ~~الميدان.» # بيد أن هكتور يتجهم تجهمة مغضبة، ويهتف بها: «أماه! حاشاي يا ~~أماه! حاشاي يا أعز الأمهات! لن تهرق الخمر باسمي، وتلك دماء إخواني ~~تهرق باسم الوطن وتراق! حاشاي يا أماه أن أتذوق قطرة واحدة من تلك ~~الكأس، وهناك ... في سعير المعمعة، يجرع أبناء طروادة الأعزاء كئوس ~~المنايا وذوب الحمام! أريقيها على مذبح مينرفا إذن! هلمي؛ ولتك معك ~~أزواج القادة والمحاربين جميعا، فالبسن أبهى ثيابكن الحريرية ~~المفتلة وحبركن المفوفة، وانطلقن إلى هيكل مينرفا، فصلين ~~لها، واحرقن البخور الغالي من الأفاويه والصندل وأفخر طيوب الهند، ثم ~~اركعن عند قدمي تمثالها المعبود، وابكين بكاء طويلا، وسبحن باسم إلهة ~~الحكمة، واغسلن الأرض عندهما بدموعكن، ثم توسلن إليها أن ترفع عن ~~الطرواديين مقتها وغضبها، وانذرن أن تقربن - لو فعلت - اثنتي عشرة ~~بقرة من خير أبقار إليوم، تتصدقن على الفقراء وأبناء السبيل والمعترين ~~بلحومهن وعلى كهنة الهيكل بشحومهن. ~~«أماه! إن لم تفعلن كما أخبرتك فلا نصر لنا، بل لنا الهوان ~~والهزيمة المؤكدة، وعليك وعلى نساء طروادة السلام من أربابها ~~الكرماء!» # وصمت هكتور! واربد وجه هكيوبا! # وانطلق البطل إلى قصر أخيه، إلى قصر باريس، فوجده يلهو ويلعب، ولا ~~يأبه بهذه الأرواح الغالية التي تصطرع في الميدان، فأخذته الحنقة، ~~وصب عليه شواظ غضبه ... «أنت! أنت باريس بن بريام؟! عجبا وزيوس ~~الأكبر! أنت هنا ms078 تلهو وتلعب، وتدع ضحاياك تنافح عن آثامك تحت أسوار ~~إليوم، وتذوق الردى بجريرتك؟!» # وأطلق العنان للخيل، فذهبت عربته الحربية المطهمة تطوي الطريق إلى ~~الميدان. # أما أمه فقد جمعت نساء طروادة وجماعة المتوسلات # 1 # وذهبن جميعا إلى هيكل مينرفا، وصلين وبكين، وغسلن ~~بدموعهن قدمي التمثال المعبود، ونذرن لإلهة الحكمة ما أمر به هكتور أن ~~ينذر. # ولكن! # لقد أصمت مينرفا أذنيها! ولم تصخ لهذه التوسلات المكلومة، ولم ~~ترق لتلك العبارات المسفوحة، ولم تطمع أبدا في ضحايا وقرابين تكفر ~~عن خطيئات باريس؛ ذلك الراعي المفتون الذي آثر الجمال الفاني على ~~الحكمة الخالدة فقضى في التفاحة لفينوس، ربة الحسن والحب، تلك الحية ~~الرقطاء التي لدغت طروادة بأسرها، فهي إلى اليوم تصرخ من سمها ~~الزعاف يسري في أرواح أبنائها، فينكل بهم ويكاد يقضى عليهم ... ولا ~~ذنب لهم ولا جريرة إلا لبانات الهوى الآثم، والغرام الشائن، والحب ~~المجرم المهين! ~~••• # وأحس هكتور وهو منطلق إلى الميدان كأن منيته تنوشه من مكان بعيد، ~~وأحس في صميمه بشوق حار إلى لقاء أندروماك زوجه العزيزة عليه، ~~الأثيرة إلى قلبه، شوقا يشبه وداع الحياة في حرارته وأسره، وشوقا ~~يشبه الاستمتاعة الأخيرة من مباهج هذه الدنيا، في حزنه الصامت، ومعناه ~~العميق! # وأحس كذلك بلوعة إلى التزود بنظرات من سكمندريوس طفله الحبيب؛ ~~هذه الهبة السماوية التي توشك أن تصبح نقمة من نقمات اليتم، إذا كان ~~صحيحا هذا الهاجس الذي وقر في قلب هكتور والذي صور له أنه مقتول ~~اليوم لا محالة. # وألح الشوق على قلب البطل، فثنى عنان الخيل إلى الطريق المؤدية ~~إلى قصره الممرد ليشفي حاجات الفؤاد المعذب. # وذهب من توه إلى مخدع أندروماك! ولكنه لم يجدها هناك، فبحث عنها ~~في الغرف والردهات والأبهاء، ولكنه عبثا حاول الوقوف لها على ~~أثر! # وسأل عنها حشم القصر، وكأن صدره يعلو ويهبط حين كن يتحدثن ~~إليه عن أندروماك العزيزة وما تلقاه دائما من القلق، وما تتفزع به ~~روحها من الهواجس ما دام زوجها يخوض خبار هذه الحرب! # فهل هي من الأرض الثقيلة المخضبة بالدماء هذه ms079 العواطف المشتركة، أم ~~هي من السماء الصافية التي لا يرتفع إليها نغل، ولا يورى فيها زند ~~عداء ولا تشب فيها سخيمة؟! # وأخبرنه أنها يممت شطر برج طروادة الرفيع، تشهد منه ما يحدث في ~~المعركة من أهوال، وذلك عندما ترامت الأخبار أن الإغريق قد ضيقوا ~~الحصار على جنود طروادة، وأنهم خضدوا شوكتهم، وفلجوا عليهم ونخبوا ~~قلوبهم، وضعضعوا أركانهم، فريعت أندروماك، وذهبت من فورها إلى البرج ~~لتطمئن على رجلها وذخر حياتها وسندها في هذه الحياة ~~السوداء. # ونهد هكتور إلى البرج، فلقيته أندروماك بعينين مغرورقتين ووجه شاحب ~~وجبين مغضن وصدر ينوء بما فيه من الهموم. # كانت تقف ابنة إيتيون الجميلة البارعة، وعلى ذراعها المرمري الفاتن ~~طفلها الرضيع الشاحب، الذي حل بهذه الدنيا الهازلة ليكون عبرة ~~سخينة من عبرات الحزن القاهر، ثم ليكون مأساة وحده حين تضع هذه ~~الحرب الضروس أوزارها، وحين يشب فلا يرى حوله إلا الباكين ~~والمحزونين، وإلا هذه المدينة الكاسفة التي تعصف بها آلهة الحرب من غير ~~ما شفقة ولا مرحمة! # وتعلقت أندروماك بذراعي زوجها، وشرعت تنظر في عينيه المبللتين، ~~وتقول له: «هكتور! رجلي وذخري من هذه الحياة! إلى أين أيها الحبيب؟ ~~أما لهذه الحرب الطاحنة من نهاية؟ أهكذا قضت الآلهة على طروادة ~~الخالدة بالحزن الأبدي والأسى المقيم؟ هكتور! ألا تفكر في سلم يرفرف ~~على ربوع الوطن، ويبقي على هذا الشباب الذي تعصف به ريح ~~الحرب؟ # رجلي! # إن آلافا من الهواجس السوداء تضغط على قلبي تحدثه بالعقبى ~~الوخيمة والأيام الباكية القريبة! # هكتور؟ # هذه أشباح القتلى الأعزاء من بني وطني تحدثني عن مأساة أبي وإخوتي ~~السبعة، والمئين من أهلي، قتلهم أخيل الجبار بيده السفاحة، وجعل من ~~جثثهم كومة عالية تقص على القرون تاريخنا الحزين! # لقد هرعوا جميعا إلى هذه الساحة من قيليقية ملبين نداء الملك، ~~الملك التاعس، أبي، الذي سعى إلى طروادة لينام أبد الدهر في ظل ~~أسوارها نومة لا قريرة ولا هانئة. # هكتور! # لقد نام أعز الآباء في تراب ساحتكم دفاعا عن مدينتكم، ولكن ~~المأساة لم تتم بقتله وقتل أبنائه والمئين ms080 الأعزاء من بني جلدته، ~~ولكن المأساة أبت إلا أن تكون أمي ... آه يا أمي العزيزة! أن تكون هذه ~~الأم صفحة محلولكة من صفحاتها التي تفجر الدم في القلب، وتضرم ~~النار في الحشا! # لقد ساقها أخيل يا هكتور في جملة السبي، ولولا القود الكبير ~~والفدية الغالية التي بذلناها من أجلها لكانت إلى اليوم - لو مد في ~~أجلها - إحدى خادمات الأعداء الذليلات اللواتي لا يملك لهن في هذا ~~الآسار عزة، ولا يقدر لهن أحد شأنا! لكنها سقطت هناك؛ في هامش هذه ~~الساحة الظالمة، ضحية سهم مراش من قوس الإلهة ديان، فكأنما رفضت أن ~~ترفع كأس هذه الحياة إلى فمها النقي الطاهر، بعد إذ لوثته أحداث ~~الدهر بذل الإسار! # هكتور! # كل هذه النوازل هدت نفسي، وحطمت قلبي، وأثلجت مشاعري، وجعلتني ~~بائسة تاعسة موهونة لا حول لي، لولا أنك إلى جانبي تأسو جراحي ~~وتؤنس وحشتي، وتشيع نورا متلألئا في ظلمات حياتي! فأنت لي اليوم أب ~~نعم الأب، وأنت لي في وحدتي بقلبك الحنون أم نعم الأم، وأنت لي أخ، بل ~~أنت لي كل شيء في هذه الدنيا! # هكتور! # ابق إلى جانبي فأنا لا أستغني عنك بأب أو أم أو أخ، أو بمملكة ~~يزين مفرقي تاجها المشرق ويشد يميني صولجانها الرنان! # ابق إلى جانبي يا هكتور! # ابق إلى جانبي وارع هذا الطفل، ولا تسلمه وتسلمني لليتم ~~والشقاء. # هكتور! # إن المستقبل يعبس من اليوم لولدك سكمندريوس؛ فرده عنه، وادفع ~~عاديات الزمان من الآن عن فلذة كبدك وحبة قلبك، واستشعر نحوه حنان ~~الأب الرحيم، ولوعة الأم المفئودة! # وخنقتها عبرة حجبت عن ناظريها نور الحياة، وحبس منطقها كمد ~~ممض وحزن أليم؛ ووقف هكتور مبهوتا لا يحير، ينظر إليها مرة، وإلى ~~ولده أخرى، ثم يلقي على طروادة نظرات. # واستيقظ بطل إليوم من غفوته الصاحية، وانطلق لسانه من عقاله يقول: ~~«أندروماك! أيتها الحبيبة! اسمعي إلي!» # لا تخالي يا أعز الناس إلى أن قلبي قد تحجر فلم يخفق لكل ما ذكرته ~~من قبل! لا! لقد خفق كثيرا بمثل هذه الهواجس، بل ms081 هو قد ذكرك وقد ~~تصور أن هكتور مقتول، وكأنك كما ذكرت عن أمك في جملة السبي، وأنك ~~تئوبين مع أحد القادة الهيلانيين إلى هيلاس! وأن القائد الغليظ قد ~~ضمك إلى حريمه، أو بالغ في الإيذاء فجعلك إحدى سراريه أو خدمه، كلما ~~مر بك أحد أشار إليك بالبنان: «مسكينة! هذه زوجة هكتور فتى طروادة، ~~وابن ملكها المقدام، البطل الذي سفك الدماء وسعر الهيجاء، تعمل هنا ~~اليوم خادمة ذليلة، كسيرة القلب، مهيضة الجناح، تأتمر بأمر السفلة ~~والأخساء!» ~~«لا يا أندروماك! لقد ذكرت ذلك جميعا ومن أجل هذا فأنا لهذه الحرب ~~وأنا لهؤلاء الأعداء! سأحطمهم! سأدك الأرض من تحتهم! سأسقط السماء ~~عليهم كسفا! من أجلك! من أجلك يا أندروماك! لا ... لا ... بل من أجلك يا ~~طروادة! يا وطني! يا بلادي!» # وسكت فتى طروادة قليلا، ثم ذكر المعركة وما يدور فيها، فتقدم إلى ~~زوجه فطبع على جبينها قبلة كلها هموم، ومد يده يريد أن يأخذ ~~سكمندريوس فيداعبه أو يودعه؛ ولكن الطفل صرخ مروعا من هذه الخوذة ~~النحاسية المذهبة التي تحمي مفرق أبيه! وابتسم والداه برغم حزنهما، ~~ورفع هكتور الخوذة وألقاها على الأرض المعشوشبة، وتناول الطفل فأرقصه ~~قليلا حتى انفرجت شفتاه عن ضحكة عالية، ولثمه كما تلثم العاصفة ~~فننا وارفا فتلفحه، ودفع به إلى حضن أمه. # وانطلق يطوي الطريق إلى المعمعة! # | بتروكلوس # إن يكن قد أصاب الطرواديين قرح فقد أصاب الهيلانيين قرح ~~مثله. # ذلك أنه ما كاد يغادر نبتيوما حومة الوغى، صادعا بأمر الإله الأكبر، ~~حتى أفاق الطرواديون وأحلافهم، كما أفاق الهيلانيون من قبل حين غادر ~~الحومة مارس وزبانيته. # أفاق الطرواديون إذن، وصحا زيوس من رقية حيرا، فأقسم إلا أن تدور ~~الدائرة على جنودها من شانئي أخيل؛ وإلا أن يحيق بهم مكر هذا السحر ~~الذي ملأ جفنيه، وغلق سمعيه، وأطلق أيديهم في أبناء طروادة يضربون ~~منهم كل عنق كريم وكل بنان! # وما هي إلا أن لم الطرواديون شعثهم، ورتقوا فتقهم حتى ~~استطاعوا أن يعيدوا الزحف، ويأخذوا أعداءهم المزهوين بنشوة النصر على ~~غرة منهم، ويطلع سيد ms082 الأولمب من ذروة جبل إيدا فيمكن لهم من أبناء ~~هيلاس، ثم يسلط عليهم صواعقه ويفتح عليهم السماء فتمطرهم بعذاب واقع ~~ليس له من دونه دافع، إلا أن يثأر لابن ذيتيس، حبيبة القلب، ومنية ~~النفس! # وفزع أوليسيز إلى رمحه، # وأجاممنون إلى سيفه، # وديوميد إلى صعدته، # وأجاكس إلى جرازه. # وفزع الجنود إلى أسلحتهم يشحذونها، وإلى دروعهم يلبسونها، وإلى ~~الجياد الصافنات يمتطون صهواتها، وإلى الواقعة فيخوضون خبارها ويثيرون ~~غبارها. # ولكن ... لا جدوى ...! # فلقد طوردوا حتى بلغوا سيف البحر؛ وضيق عليهم حتى نظروا إلى ~~الهزيمة تأخذهم من هنا وهنا، ورأوا إلى هكتور كالأسد الهصور يزلزل ~~الساحة بزئيره، ويثير في قلوب جنوده الحمية بإقدامه، وأينما توجه ~~كشر الموت في ركابه، وقطرت المنية من سنان سيفه، وانقدح الشرر من ~~حوافر خيله، وتناثر الزبد من أشداقها، فيكون سما في قلوب ~~الهيلانيين. # وطرب الطرواديون لهذا النصر المفاجئ، وشاعت الخيلاء في أعطافهم حين ~~أبصروا فرأوا أوليسيز يغادر الميدان متأثرا بجراحه، وأجاممنون يفر ~~بنفسه كأحقر الأجناد، وديوميد محمولا إلى سفينته كمن يجود بروحه، ~~وأجاكس العظيم يولي دبره غير متحرف لقتال، فأوقدوا مشاعلهم، ~~وأججوا نيرانهم، واعتزموا إضرامها في أساطيل الأعداء، ليكفوا طروادة ~~شرورهم، وليأمنوا آخر الدهر مكرهم، وليتم نصرهم. # وهنا ...؟! # انتفض بتروكلوس الكبير، صديق أخيل، وأعز الناس عليه، وجذوة الحماسة ~~المتأججة في ضلوع الميرميدون! # لقد نظر بتروكلوس فرأى جموع الهيلانيين تنهزم إلى البحر فتلقي ~~بعتادها فيه، ثم يسبح منهم من يسبح إلى الأسطول الحزين الذي بدا عليه ~~كأنه يرثي لرجاله، ويبكي على أبطاله، ثم يغرق منهم خلق كثير، فيبتلعهم ~~اليم، إلى غير عود، ونظر فرأى الطرواديين وأحلافهم - وعلى رأسهم ~~هكتور الهائل كأنه زوبعة - يأخذون أبناء هيلاس غير راحمين، ثم نظر ~~أخيرا فرأى إلى حملة المشاعل والنيران يزحفون إلبا فيكونون غير ~~بعيد من السفائن اليونانية، لو أعملوا منجنيقهم في قذفها لأصبح الأمر ~~غير الأمر، ولأتوا على آخر قوة لبني قومه، ولباء بنو قومه بالفشل ~~العظيم! ولعاد الميرميدون كاسفي البال يحملون إلى هيلاس أنباء مصارع ~~إخوانهم الذين تخلى عنهم أخيل وجنوده وهم أشد ms083 ما يكونون حاجة إليهم، ~~ولكن أخيل لا يرضى أن ينسى الضغينة التي بينه وبين أجاممنون حتى في هذه ~~الساعة العصيبة، فينهض لنصرة إخوانه اليونانيين، وليدفع عنهم هذا ~~البلاء الذي حاق بهم، وليرد عنهم عادية هذه الكلاب التي تنوشهم ~~وتمزق صفوفهم. # ورأى بتروكلوس أنه لا سبيل لعودة الميرميدون إلى وطنهم بفرض نجاتهم ~~من نيران الطرواديين، يجرون أذيال الخيبة، ويلملمون أكفان الفشل، ~~فثارت في قلبه نخوة الجندي الباسل، واشتعلت في أضالعه نيران الغيرة من ~~مفاخرات هكتور ومنابذاته التي يملأ بها السهل والجبل، ثم تفطر قلبه ~~أسى وحسرة على هذه الجموع الهيلانية التي تتدافع إلى البحر، فكأنها ~~تفر من موت إلى موت، وتنجو من حمام إلى حمام، فذهب من فوره إلى ~~أخيل، واقتحم بابه غير مستأذن، ثم قال: «أخيل!» ~~«فتى هيلاس وغوثها في كل روع!» ~~«يا سليل الآلهة، المترفع عن الدنايا!» ~~«أرأيت ...؟!» ~~«ماذا تتحدث القرون إذا قيل إن الهيلانيين باءوا بالهزيمة فلم ينهض ~~أخيل لنصرتهم؟ وماذا تحمل إلى هيلاس إذا أبنا غدا غير أنباء السوء ~~ووقائع تلك النهاية المحزنة؟ وكيف نلقى الأمهات المعولات على أبنائهن؟ ~~وماذا نقول للوطن إذا طالبنا بصحيفة الحساب عن هذا اليوم الأسود الذي ~~بدت بوادره، وأخيل العظيم لا يحرك ساكنا؟ وكيف نتقي نقمة الشعب الذي ~~ندبنا لهذا الأمر إذا خنا أمانته، وبددنا ثقته، وحطمنا آماله؟ ~~وأين تذهب الشهرة الطويلة التي أحسبنا خدعنا بطراوة العيش فيها ~~والأحاديث المعسولة عنها؟» ~~«أخيل!» ~~«بل فكر معي إذا تم النصر لهذه الذئاب الوالغة في دمائنا، هل ~~يكون بحسبها أن تستأصل شأفة هذا الجيش المنهزم، وتحرق سفنه، ثم لا ~~تعتزم غزو هيلاس العزيزة لتثأر لهذه السنين السود التي أذقناهم طوالها ~~رهق الحياة وخباثة العيش؟!» ~~«ثم أين لوطننا قوة بعد هذه القوى المبعثرة، وأنى له جيش بعد هذا ~~الجيش المراع، ومن لنا بأسطول يعنو له الموج، وتذل لعزته ~~البحار؟» ~~«أخيل!» ~~«انظر إلى الميرميدون تكاد تقتلهم الحنقة على هذه البلادة التي ~~أخمدت سورة الحرب في نفوسهم، وأطفأت جذوة البطولة في قلوبهم، انظر ~~إليهم يكادون يقذفون بجموعهم من ms084 سفائنك لنصرة إخوانهم، وليلقوا على ~~هكتور درسا في النزال لا ينساه آخر الحياة!» ~~«ما لك لا يحركك هذا اللظى يا أخيل؟! إن هذا يوم ينسى فيه أمثالك ~~أحقادهم، ويدفنون سخائمهم، ولا يبالون ألف متعسف أفاك مثل ~~أجاممنون! إن هذا يوم هو كله للوطن من دون أيام الدهر جميعا، فإذا ~~أفلتت فرصته من أيدينا، أفلتت عزة الحياة وكرامة العيش من أيدي ~~الهيلانيين جميعا؛ ولن يقال في سبب ذلك إلا أن أخيل العظيم قد تقاعس ~~بجنوده عن نصرة الوطن، وفي سبيل إشباع شهوة الخصومة قامر بالوطن وأبناء ~~الوطن ومستقبل الوطن!» ~~«إيه يا فتى هيلاس، وحامي ذمارها إذا اشتد بها الكرب!» ~~«ما لك تصمت هكذا كأنك لا تسمع إلى ألف قرن تناديك، وتضع ثقتها ~~فيك؟!» ~~«أنا زعيم لك يا فتى هيلاس، إن هذه الجحافل الطروادية سترتد على ~~أعقابها فتكون للهيلانيين الكرة عليهم إذا رأوا خوذتك التي تكسف ~~بلألائها شمس الضحى، وشاهدوا هذه الشعرات البيض تزين ~~ذؤابتها!» ~~«أخيل!» ~~«رد على أعز الناس عليك؛ فالظرف أحرج من المطل، وأقصر من هذا ~~الصمت، والساعة مفزعة مروعة، وإخواننا في الوطن والآلهة يصرخون ~~ويموتون!» ~~«أخيل!» ~~«إن كان يعز عليك أن تحنث في عزمتك التي عزمت، فأذن لي ألبس خوذتك ~~وأمتشق سيفك، وأحل في دروعك السوابغ، ثم أقود الميرميدون باسمك، ~~فأرد عادية القوم، وأحير إخواننا الهيلانيين.» # وكان بتروكلوس يكلم أخيل وكأنما كان وحي السماء يتنزل على قلب ~~البطل بلاغة وحرارة، وقوة إيمان وثبات يقين، ونفسا تجيش بالحب ~~وأقدس المنى لوطن مصاب في أبطاله، منقوص في عزائم بنيه، يتلفت من ~~خلف البحار، يرى ماذا يصنع أخيل في هذا الروع هو وجنوده ~~الميرميدون! # وهب أخيل من جلسته الخاملة، وأخذ يدي بتروكلوس في كلتا يديه، وطبع ~~على جبينه المرتجف قبلة مهر بها صك التضحية في سبيل الوطن الشقي، ~~وقال لصديقه: «بتروكلوس! أخي! يا أعز جنودي علي! # أما أن أذهب أنا فأرد هذه الذئاب، فلا، ولكني آذن لك بكل ما أردت ~~من قوة وعتاد ما دمت تؤثر صالح الوطن، وتحرص على حقن دماء ms085 ~~الهيلانيين.» # بتروكلوس! لا يدر بخلدك يا صديقي الكريم أنني انتويت أن أغضب ~~غضبة لا انتهاء لها؛ ولكنني أمرت أن أنتظر حكم السماء بيني وبين ~~خصمي الذي لم يتورع أن يهتك أمر السماء، فيسلبني ثمرة خلعها رمحي ~~علي، وقدمها لي جيش بأسره، هلم يا بتروكلوس فالبس دروعي، وأسبغ ~~عليك لأمتي وشرف خوذتي بجبينك، ولأذهب أنا فأعد لك الميرميدون، ~~وتبرهنوا لناكر الجميل أننا سبب مجده وخير جنده، وذخيرته كلما حزبه ~~كرب أو ألم به خطب. ~~«هلم ... هلم ...» ~~••• # وانطلق أخيل فصاح بجنوده، فهرعوا إليه في سفنه الخمسين، الراسية ~~بمعزل من سائر الأسطول الهيلاني، وكم كان رائعا أن يتحرك أسطول أخيل ~~في أحرج ساعة مرت بهذا الجيش المغير الذي وقع فريسة كله في قبضة ~~الطرواديين! لقد كان أجاممنون وجنوده ينظرون إلى سفن أخيل؛ وكأنها ~~الخلاص من الموت الذي يلاحقهم، والمنايا التي ترقص فوق هاماتهم، وهي ~~مع ذاك فيما خيل لهم تزور عنهم، وتشيح عن نجدتهم؛ لأنهم لؤموا ~~مع زعيمها، وأنكروا عليه ما اعترفت به السماء أنه حقه خالصا ~~له! # أقلع أسطول أخيل! ولكنه لم يقلع ليفر من واجبه، بل أقلع نحو ~~الشمال ليكون جنده بمأمن حين يهبطون إلى الشاطئ من كبسة الصفوف الظافرة ~~المشغولة باستئصال شأفة الهيلانيين. # وما هي إلا ساعة حتى رسا شمال طروادة، وحتى أخذ سيل الميرميدون ينهمر ~~على شاطئها الشاحب فيملؤه، وكأنهم كسف من العذاب أرسله نبتيون رب ~~البحار من أعماق اليم ليقذف بها في قلوب الطرواديين! # وطفق أخيل يجيشهم فجعل منهم خمسة جحافل كقطع الليل البهيم، فكان ~~على رأس الجحفل الأول البطل الحلاحل، والقائد المناضل، منستيوس بن ~~سبرخيوس، ابن السماء وصاحب العزة القعساء، وعقد لواء الجحفل الثاني ~~لابن هرمز المقدام، الفتى يودوروس الذي طالما كان جزعا في فؤاد ~~الردى، ووجلا في قلوب المنايا! ووضع على رأس الجيش الثالث القائد ~~بيزاندر، ابن ميمالوس، صفي الآلهة وهبة الأولمب، وأقام على الجيش ~~الرابع صديقه فونيكس الذي آثر البقاء إلى جانب أخيل حين أقبل مع ~~أوليسيز وأجاكس يفاوضون في الصلح من قبل أجاممنون، أما ms086 الجيش الخامس ~~فقد عقدت رايته لابن ليرسيز، ألكميدون العظيم، أخي الغمرات وصاحب ~~الثارات. # أما بتروكلوس! فقد أقدم يتخايل فوق عربة أخيل، يجرها جواداه ~~الأشهبان: إكسانثوس وبليوس؛ أعز خيل زفيروس، وأحب دوابه إليه، ولقد كان ~~مظهره الوقور يبعث الروع في النفوس، فهذي خوذة أخيل تتألق فوق هامته، ~~والريح العاصف تداعب شعراتها فتجعل منها بركانا يقذف الحمم، وهذي ~~دروع أخيل سابغة فوق الصدر والفخذين والذراعين، كأنها لبد نبتت فوق ~~حيد جبل شامخ ينطح السماء بروقيه. # وتقدم أخيل فصافحه، ومنحه شرف القيادة العامة، وخطب الجنود، فقال: ~~«إيه أيها الميرميدون، هذا يومكم! # لقد كنتم تنظرون إلى الساحة وبكم من الظمأ إلى اقتحامها ما لو أن ~~بعضه بكم الآن لزلزلتم الجبال وخرقتم الأرض؛ ولقد كنتم تعذلونني فتقسون ~~علي في أني احتجزتكم هنا، ووقفت في سبيلكم دون نصرة إخوانكم، فها هو ~~الميدان أمامكم فاشفوا صدروكم، وأنقذوا أجاممنون مما حاق به، ولا ~~يجرمنكم شنآنه ألا تغيثوه، أغيثوه فنصره عز لكم؛ شد الإله ~~أزركم، وباركت الأرباب أسيافكم، وأحيت مجد الوطن بما أنتم قادمون ~~عليه؛ سيروا على بركة زيوس، وفي حمى حيرا، وعين مينرفا تكلؤكم.» # وانطلق الميرميدون فانطوت الأرض من تحتهم، ورجف الوادي رجفة أجفل ~~منها السهل والجبل؛ إذ كانوا ينسابون فلا يربعون على شيء، ويتدفقون ~~فما تحجزهم لابة، # 1 # ولا يعوقهم جرف، وتسجد من دونهم حزون الأرض ~~وآكامها. # وانتظم خميسهم؛ # 2 # فبرز القلب تتبعه الميمنة، تلقاءها الميسرة، وهرول ~~الجناحان فأخذا السبيل على جحافل الطرواديين. # ونفخ في البوق فانقض الميرميدون على مؤخرة الأعداء الظافرين، ~~فبدلوا نشوة ظفرهم بأنكر سكرة الموت، وانطفأ في أبصارهم بريق النصر ~~فكان أغطش من ظلام الهزيمة؛ ونظروا فرأوا تلك الخوذة المذهبة التي ~~طال عهدهم بها، وحسبوا أنهم أصبحوا بنجوة منها، خوذة أخيل التي كانت ~~تكفي وحدها لإلقاء الرعب في قلوب الطرواديين، وقذف الوجل في نفس كل ~~منازل أو مناجز. # وتصايح بعضهم ببعض: «يا للهول يا صاح! لقد أقبل أخيل! النجاء ~~والنجاء! أين كان الطاغية ...؟» ثم تنادوا يحذر بعضهم بعضا: «أيها ~~الطرواديون! خذوا حذركم! الفرار الفرار ms087 من الداهية الجبار! لقد قطع ~~الميرميدون رجعتنا! دعوا الهيلانيين وانشدوا خلاصكم، إلى البوابة ~~العظمى! أيها المقاتلون! لا تزحموا الجسر! القهقرى القهقرى ...!» إلى ~~آخر هذه النداءات المنزعجة الواجفة ... # ولكن أين يهرب الطرواديون من بتروكلوس؟! # لقد كان إكسانثوس وبليوس - الجوادان الكريمان - زوبعتين مغضبتين، ~~تثيران الرهج وتعقدان العجاجة، في جميع أنحاء الميدان؛ في القلب، في ~~الميسرة، في الميمنة، في الجناح الأيسر، في الجناح الأيمن ... بل ... في ~~السماء! # وكانت الشمس - شمس طروادة الملتهبة - تعكس أضواءها على خوذة أخيل، ~~فتذيب أفئدة الطرواديين! # واختلط نظام القوم، وتدافعت جموعهم مذعورة مولية نحو الجسر ~~الكبير الذي نصبوه فوق الخندق حول إليوم، ولم يحتملهم، فهوى بالألوف ~~المؤلفة في جوف الخندق؛ ولكن المؤخرة، وكانت غالبية الجيش، لم تنتبه ~~لما حل بأكثر المقدمة، وكذلك تدافعت لا تلوي على شيء، فجعلت من جثث ~~الموتى قنطرة تعبر فوقها إلى طروادة! # وأخذ الميرميدون السبيل على كتائب كثيفة فأبادوها، ثم جال بتروكلوس ~~جولة هنا وجولة هناك يبحث عن أصحاب النداءات المنكرة التي كانت تملأ ~~الساحة شماتة بالهيلانيين منذ لحظات، فلقي منهم برنوس فصرعه، ثم ~~ثستور فجندله، ثم إريالوس فأرسل به إلى الجحيم، وعشرات غيرهم من بني ~~طروادة النجب. # وكانت أعز أمانيه أن يلقى هكتور؛ فسعى إليه وضيق الحصار عليه، ~~وأرسل إليه طعنة لو أصابت جانب الجبل لصدعته، ولكن، يا لهكتور! لقد ~~ريع من هول ما رأى من مقاحمة بتروكلوس، فألهب جياده الضاريات فعدت ~~به وأنقذته من قتلة محققة وموت مبين. # ولشد ما شده بتروكلوس؛ إذ رأى إلى جانبه فتى هيلاس ومحاربها ~~الصنديد أجاكس يقود فلول الهيلانيين، ويقتحم بهم الحلبة كرة أخرى، ~~غير مبال بجروحه التي يتدفق من أفواهها الدم صببا. # وكم كان سرور الهيلانيين عظيما حين استيقظوا من سكرة هزيمتهم فرأوا ~~جنود أخيل يذودون عنهم، ويردون عادية الموت والقتل والغرق عن ~~جموعهم! # ونشبت ملاحاة بين بتروكلوس - قائد الميرميدون - وساربيدون # 3 ~~- البطل الطروادي الكبير - أدت إلى مبارزة دامية، وانتهت ~~إلى فجيعة طروادة في أشجع فتيانها بعد هكتور؛ إذ شكه بتروكلوس شكة ~~جرعته غصة الردى، وأوردته موارد ms088 الحمام! # وانكشفت غمة الهيلانيين. # ولكن الميرميدون هم الذين دفعوا ثمن هذا النصر، ودفعوه غاليا ~~وعزيزا، يا للهول! # لقد قتل بتروكلوس! # فمن لك بعده يا أخيل؟! # | مقتل بتروكلوس # قتل ساربيدون ملك ليسيا وقائد فرسانها، وأشجع مقاتل في جيش طروادة ~~بعد هكتور، ووقف بتروكلوس على جثته يصليها سخرية وهزوا، ناسيا أنه ~~يهزأ بابن زيوس سيد الآلهة، من آثر زوجاته إليه؛ أوروبا الجميلة ~~المفتان، التي وقفت من ذروة جبل إيدا تنظر إلى المعركة الحمراء وتشهد ~~مقتل ابنها، وتبكي. # وتثور ثائرة الأم التاعسة وتهيب بالإله الأكبر أن يحمي جثة ~~ولدها، بعد إذ عجز عن حمايته حيا، وبعد إذ عجز عن دفع ما قضت به ربات ~~القدر. # وينظر زيوس فيرى إلى بتروكلوس واطئا بقدمه صدر ساربيدون عادة ~~الجاهلية، ويسمع إليه يقذفه بأشنع عبارات التهكم والاستهزاء، غير ~~راث لهذه الروح التي تفيض، أو معتبر جلال الموت الذي تخشع أمامه ~~القلوب؛ فيثور الإله ويحنق على بتروكلوس، ويأمر ولده من لاتونا ... ~~أبوللو العظيم ... فينطلق من فوره إلى معمعان الحرب، ويرسل إلهي النوم ~~والموت فيحميان جثمان القتيل، ويدفعان عنه سباع الميرميدون التي تكاثرت ~~حوله تريد لو تسبي سلاحه وتستنقذ دروعه. # أما الجثة فيحملها الإلهان الكريمان إلى ليسيا، وثمة، يخلطان بها ~~حنوط الخلود، ويلفانها في ثوب سماوي من ثياب الرحمة، ويجمعان حولها ~~عرائس الفنون تبكيها وتنشد لها أوجع ألحانها، وأشجى ما تكن موسيقاها، ~~ويبدو لبتروكلوس أن طروادة بعد ساربيدون لقمة سائغة وغنيمة باردة، ~~فيهتف بالإغريق مرة، وبالميرميدون مرة أخرى أن يقاحموا نحو أسوارها، ~~وأن ينتهزوها فرصة تفتح عليهم فيها المدينة الخالدة. # ولا تدري كيف يستيقظ الطرواديون وأحلافهم من سكرة الروع التي ~~غشيتهم فينكشف لهم أن البطل الذي قتل ساربيدون وعشرات غيره من ~~صناديدهم، ليس هو أخيل العظيم، وإن يكن يحمل خوذته، ويقنع في دروعه، ~~ويذرع الساحة بعربته، فتهدأ أعصابهم، ويثبت جأشهم، ويأخذون في مناهضة ~~الميرميدون والإغريق جميعا. # ولكن بتروكلوس يهجم غير هياب، ويجندل من حوله الأبطال المذاويد، ~~ويقود جنده إلى البوابة الكبرى، حيث وقف هكتور ينظر إلى المعركة بعينين ~~مشدوهتين ms089 ونفس مذهوب بها وقلب حيران متصدع ... # ووقفت الآلهة دون البوابة تحمي طروادة الخالدة. # ذلك أن بتروكلوس كان كلما بلغ ثمة ... وجده وجنده ينسحبون إلى وراء ~~بقوة خافية لا يدرون سرها، ولا يعرفون من أين تأتيهم فتتخطفهم، ~~وتردي جحافلهم، وهي قاب قوسين من داخل المدينة ... أو أدنى! # وفي الهجمة الثالثة سمع بتروكلوس إلى صوت إلهي يقول: بتروكلوس! ليس ~~على يديك تفتح هذه المدينة الخالدة! بل هي لن تفتح على أخيل العظيم ~~الذي هو أقوى منك ومن عشرة من أمثالك! عد من حيث جئت، واحذر أن تكون ~~آخرتك اليوم في هذا الميدان المضرج بدماء ضحاياك!» # وتلفت بتروكلوس فرأى الهاتف هو إله الشمس، أبوللو! أبوللو بعينيه؛ ~~رب طروادة العظيم، واقفا فوق برجها الباذج، يقلب قوسه في يديه ~~الجبارتين، مرسلا في عساكر الميرميدون والجنود الهيلانيين نظرات تقدح ~~الشرر، وتوري نيران الكيد والجبروت! # واقشعر جسم بتروكلوس، وأيقن أن أبوللو هو الذي رفع جثمان ساربيدون ~~من مكانه من المعمعة، وأنه أقبل ليلعب دوره ضد الميرميدون وضد الإغريق ~~وضد بتروكلوس قبل كل شيء! # ولكن بتروكلوس محارب، وقلب المحارب العظيم لا يعرف الجبن، ولا ~~يتلجلج لقصف المنايا في المعركة، فكيف به يخفق فرقا إذا رأى الآلهة ~~نفسها تحارب في صفوف الأعداء! # أقبل يا بتروكلوس وأقدم، ولا يهولنك أبوللو، وألف ألف أبوللو، ~~ما دام أن العمر واحد، والساعة آتية، ولن يفلت أحد مما قدر ~~له! ~~••• # وبهت الجمعان المقتتلان حول جثمان ساربيدون حين رأوا إليه يرتفع في ~~الهواء، ثم يتهادى إلى جهة ليسيا، موطنه الذي يبكي عليه، فعلموا أن ~~السماء تعمل! # وأحس الليسيون هذا الفراغ المفزع الذي خلفه ملكهم المقتول ~~فيهم، فذهب رئيسهم المغوار جلوكوز نائب الملك وخير وجوه ليسيا، إلى حيث ~~وقف هكتور ينظر إلى المعمعة قريبا من البوابة الكبرى، فوقف تلقاءه ~~محطم القلب، دامع العين، موهون القوى، وقال: «يقف هنا بطل طروادة ~~العظيم، ويدع أحلافه البواسل يجودون بأرواحهم من أجل إليوم، ويسيلون ~~نفوسهم على ظبى الرقاق البيض التي يرهفها في وجوههم أعداؤكم! ولأي ~~شيء؟! لأنكم استجرتم بنا فأجرناكم، ms090 وأسرعنا إليكم نفتديكم بالمهج ~~الغالية والدماء الزكية! هكتور! لقد قتل ساربيدون، فهل علمت؟ هل ~~علمت هذه النفوس التي يمضها الأسى، والعيون التي تقرحها الدموع، ~~ويعصف بها الدم؟! فيم وقوفك هكذا ترمق الساحة، وقد رأيت من فتك ~~الميرميدون بنا ما رأيت، هل فكرت في حماية مولانا الملك، أو على ~~الأقل صيانة جثمانه العزيز؟! لقد سبوا دروعه وسلاحه، فأي عار يصمنا ~~في طويل الأحقاب والآباد؟ يا لثأرنا ... يا لثأرنا ...!» # ولم ينبس هكتور! # ولكنه شاهد الميرميدون يعيدون الكرة بعد الكرة على الطرواديين، ~~فينالون منهم ويمزقون صفوفهم، وشاهد البطل الإغريقي المشهور إيجيوس ~~يصول بين الجيشين ويجول، ويجندل الأبطال، ويبيد لهاميم الرجال، فأخذ ~~هكتور حجرا كبيرا وانتهز غرة من إيجيوس، وقذف بالحجر فوق رأسه ~~فشجه، وبرز المخ، وتدفق الدم، وتردى البطل فوق الحدود حتى ~~استقر في بسيط الساحة! # واستشاط بتروكلوس غضبا! وود لو كان قريبا من هكتور فيضغط على ~~عنقه ضغطة تذهب به إلى الجحيم! ولكنه لم يستطع إلا أن يثأر للقتيل ~~بمثل ما صنع هكتور؛ فقد تناول جلمودا كبيرا، وقذف به ستينلاس الهائل ~~أشجع شجعان طروادة الأحياء، فأطاح جمجمته، وهوى الجلمود على مفرش جواده ~~فقتله، بين عجب الطرواديين وشدة تحيرهم! # ولكن جلوكوز - رئيس الليسيين - يرى إلى ذلك فيتسخط وينقض على ~~البطل الهيلاني الكبير باثيسليز، فيشكه برمحه شكة تذهب به وتتركه ~~يتشحط في دمه، وتستمر المعركة ... ~~••• # أما أبوللو! فيغيظه من هكتور هذا الجمود الذي استولى عليه، وذلك ~~الموقف الجبان الذي يحول بينه وبين الميدان، وفي الحق؛ لقد كان هكتور ~~ينظر إلى شياطين الميرميدون ولا يصدق أنهم مقاتلة من البشر، بل وقر ~~في قلبه أنهم زبانية من جحيم بلوتو، سلطتهم المقادير على ~~الطرواديين يسومونهم الخسف وسوء العذاب! # وتنكر أبوللو؛ فبدا في زي محارب في عنفوان الشباب، ثم أجرى في ~~عروقه من دماء بني الموتى، وغضن قليلا من جبينه، وسوى من ساعديه، ~~ونثر فوق عدته من ثرى المعمعة، ولوح وجهه بملامح «أسيوس» العظيم - ~~أخي هكيوبا، وخال هكتور - وسار قدما إلى حيث وقف فتى طروادة المسحور ~~بروع الساحة ms091 الهوجاء: «هكتور! فيم إحجامك عن لقاء الأعداء يا بني؟ ~~هلم، هلم! فوأرباب الأولمب لو كان لي شبابك وعنفوانك لصاولت هؤلاء ~~الميرميدون الألداء، ولأخليت منهم تلك الحومة التي ملأتك هلعا! ~~أقدم يا هكتور ولا تحجم هكذا! الق بتروكلوس فقد تصرعه، وإنك ~~لصارعه، وإنك لعاقد إكليلا من المجد فوق رأسك لا يذبل أبد الدهر، ~~وحسبك أن أبوللو صاحبك وحاميك ومسدد خطاك، ومضاعف بتأييده ضرباتك! ~~هلم، هلم ، وعش عزيزا يا هكتور، أو مت كريما يا بني، بين طعن القنا ~~وخفق البنود!» # وانفتل أبوللو فانخرط في صفوف المقاتلين، وطفق يصرع أبطال ~~الهيلانيين ليضرب المثل لهكتور، وليشحذ من همته الخابية، وليوقظ ~~شبابه النائم. # فلما رأى هكتور جلائل هذه الفعال التي أبداها خاله - وما هو بخاله - ~~انكشفت عنه هذه الغمة التي غمرته، وأمر سبريونيس - سائق عربته - أن ~~ينطلق به إلى الحومة، فانطلق السائق المسكين نحو بتروكلوس، حتى إذا كان ~~على مقربة من شباة رمحه، ترك صاحبه وجها لوجه معه، وكان السائق من ~~مغاوير أبطال طروادة، فأخذ يناوش بتروكلوس هو الآخر، فما كان من قائد ~~الميرميدون العظيم إلا أن قذفه بحجر هشم رأسه، وصدع فقاره، وطار ~~بروحه إلى هيدز. # واقشعر هكتور من هول الضربة، وعز عليه أن يودي سبريونيس وهو بين ~~يدي مولاه فلا يجد له حاميا. ولكن الطرواديين تكبكبوا حول القتيل، ~~يذودون الهيلانيين الذين كان كل همهم أن يفوزوا بعدته ليحتفظوا به ~~أثرا حربيا خالدا! # واشتد صيال القوم حول جثمان السائق، وصخبت زوبعة القتال فوقه، ~~واشترك هكتور وبتروكلوس مع أجنادهما؛ فكان جماعة يشدون القتيل من ~~قدميه، بينا جماعة أخرى تشده من الرأس، وهم يعفرونه فيما بين هذا ~~وذاك بالتراب ويلطخونه بالدم! # ووجد أبوللو فرصته! # أبوللو الخائن! أبوللو سيد الشمس الذي لا يستحي! أبوللو الإله الذي ~~يفرق أن يلقى بتروكلوس وجها لوجه، فيأتيه من الظهر كأجبن ~~الجبناء! # يا للآلهة! ومسكين يا بتروكلوس! # لقد تقدم أبوللو مستجمعا كل قوته في قبضة يمينه الجبارة، فأهوى ~~على قفا بتروكلوس بضربة خائنة كضربات اللصوص حين ينسلون تحت أستار ~~الليل، فأطار صواب ms092 البطل، وأوقع الخوذة الأخيلية الهائلة وغودر الرأس ~~العظيم مكشوفا في متناول كل ظباة وكل سنان! # ولم يدع هكتور فرصته تمضي، بل سرعان ما أبصر بتروكلوس يتلفت ليرى ~~صافعه حتى أرسل رمحه الرعديد الخائر إلى الرأس العاري، فأفصده. # وسقط بتروكلوس المسكين ... مضرجا بدمه! # ووقف هكتور يتشدق ويفاخر تلك المفاخرة الكاذبة: «بتروكلوس! أرأيت؟ ~~لقد انتهيت! ولقد طاحت آمالك وذهبت أمانيك فوق هذه الساحة أباديد! ~~بتروكلوس! أكنت تحلم بأن تفتح طروادة عليك، فتسوق بيض خدورها إماء بين ~~يديك إلى بلادك، وتقرن في الأصفاد أبطالها البهاليل؟! أيها التاعس! ~~لقد ترديت من عربة أخيل التي لم تكن يوما أهلا لها، وبعد قليل تنوشك ~~سباع الطير، وتغادرك فوق ثرى طروادة صعيدا جرزا ورفاتا ~~سحيقا! # بتروكلوس! يا أتعس قتيل في هذه الساحة الحمراء! # كم كنت تحدث نفسك أن لو كان هكتور، هكتور الحلاحل، قاتلك وسافح ~~دمك، هو الذي ينام هذه النومة الساعة بين يديك! # وكم كنت تمني نفسك أن لو عدت بعدة هكتور وعتاده إلى مولاك؛ إلى ~~أخيل الذي أرسلك إلى الحومة، ولم يجازف بنفسه فيها، وهو يعلم أن أسدها ~~الهصور لا بد قاتله، فافتدى نفسه بك، وضحاك في سبيل خلاصه من هذه ~~الصرعة التي زلزلتك! # بتروكلوس! # أهكذا قد غرر بك أخيل، فأطلقك إلى حيث تلقى حتفك، وتسبح في دمك، ~~وتغص بآلامك؛ وإنه ليسبح الآن في شهواته، ويقارف لذاته، ولا يدري ~~مصيرك المحزن، ولا يعرف ما حل بك من موتة زؤام!» # وكان بتروكلوس العظيم يجود بروحه، ويسمع إلى هذا الهذر، ويبكي! فلما ~~انتهى هكتور، تأوه القتيل آهة عميقة، ثم قال: هكتور! # حق لك أن تفتخر الآن! # أما قبل هذه اللحظة فقد كنت تبحث عن قلبك الرعديد فلا تجده؛ لأنه طاش ~~من شدة ما عاينت من ضربت الميرميدون! # على أنك لو كنت رجلا لآثرت أن تدفن وجهك في الرغام، دون أن تفخر ~~بنصر ليس لك في أقله يدان! # لست أنت الذي رميت يا هكتور! بل هو سيد الأولمب، وولده أبوللو هما ~~اللذان رميا، وهما اللذان كتبا هذا القضاء ms093 وأبرما هذا القدر! # وإلا؛ فو أرباب هيلاس لو صاولت عشرين كلبا مثلك لما أفلت منهم أحد ~~أبدا؛ ولأرسلت أرواحهم الخبيثة تتردى في نار جهنم! # أجلي هو الذي أعجلني يا هكتور، وأبوللو هو الذي فتك بي الفتكة البكر، ~~أما أنت فلم تصنع شيئا أكثر من أن رميت رمية الجبان! # على أني أقولها لك قولة غير كاذبة. # إنك ستشرب بالكأس التي شرب بتروكلوس، ولن تبسم لك الدنيا أكثر مما ~~فعلت، فانتظر، فسيأتيك عذاب يشقيك، وسينتفض أخيل العظيم حين ينتهي ~~إليه نبأ مصرعي، فيهرع إلى هذه الساحة، والويل لك من رمحه الظامئ إلى ~~دمك!» # وكانت هذه المقالة قد أجهدته فسكت قليلا، ثم أغمض عينيه إغماضة ~~متعبة، وفتحهما فجأة ونظر إلى جنوده، وقال: «ميرميدون! # وداعا ... سلامي ... إلى ... أخيل!» ~~••• # وفاض الروح الكبير، وسكنت الساحة كلها، كأنها تبكي! # وكأنما هزت كلمات بتروكلوس فؤاد هكتور، وكأنما خشع بطل طروادة ~~لجلال الموت فصمت طويلا، وقال مخاطبا القتيل: «بتروكلوس! # من يدري إذا كان أخيل هو الذي يقتلني، أو كنت أنا الذي أقتل ~~أخيل! # هذه آجال يا أخي ... فالسلام عليك!» ~~••• # ولم يتورع هكتور أن ينزع حربته من رأس البطل، ولم يتورع كذلك أن يأمر ~~فينزع رجاله عدة أخيل ... # تذكارا حربيا! # وعتادا مؤقتا! # | أخيل يبكي بتروكلوس # قتل بتروكلوس! # وانقلب هذا النصر المؤزر إلى ذهول استولى على أفئدة الميرميدون، ~~صيرته الصدمة الهائلة أشبه شيء بالهزيمة المؤكدة! # وبينما كانت أبصارهم زائغة تنظر إلى ما حل بمولاهم، وبينما كانوا ~~ينظرون إلى أشباح المنايا ترف فوق الساحة، وتدوم على رءوسهم تكاد ~~تخطفهم، كان هكتور وملؤه ينزعون عدة أخيل، دون أن يلقوا أقل ~~معارضة! # ثم أفاق الميرميدون على صيحة من منلوس العظيم الذي اقتحم الحلبة نحو ~~زعيمهم قدما، وناضل وحده عن الجثمان العزيز الذي كان هكتور يمني ~~نفسه بحمله إلى طروادة ليجعله معرضا هنالك، يشهد له بالشجاعة ~~المغتصبة والجراءة المزورة، والبطولة التي لم يكن لها بأهل، ثم ينبذه ~~بعدها بالعراء، فتنوشه الطير وتغتذي بلحمه المر سباع طروادة ~~وكلابها! # وانقض الميرميدون يذودون عن الجثة مع منلوس، ولكنه ms094 انقضاض المهموم ~~المحزون، وهجمة المرزأ المكدود؛ فلم تكن ضرباتهم الواهية تخيف ~~الطرواديين بعد إذ أنقذوا من بتروكلوس الداهية، ولم تكن صيحاتهم ~~الوانية تهز بضعة من قلوب أعدائهم الذين أصبحت لهم الكرة ~~عليهم. # واستطاع منلوس بعد لأي شديد وجهد أن يحمل الجثة يساعده مريونيس ~~الكبير، وأن يقتحما بها المعترك المصطخب إلى الصفوف الخلفية، يحمي ~~ظهورهما أجاكس وجنوده. # وذعر قادة الهيلانيين حين رأوا شدة هجمات الطرواديين بعد مقتل ~~بتروكلوس، وحين نظروا فوجدوا الميرميدون يشتغلون عن المعركة بالبكاء ~~على مولاهم، والرثاء لما حل بهم بعده، والفزع الأكبر للقاء أخيل، لا ~~يتقدمهم إليه قائدهم، ولجأ منلوس إلى الحيلة، وفكر من فوره في إثارة ~~النخوة في قلب أخيل عسى أن يقدم فيقود أجناده، ويتم النصر للهيلانيين، ~~فأرسل إليه أنتيلوخوس يجمل النبأ العظيم، ويزلزل من تحته الأرض حين يقص ~~عليه ما لغط به هكتور. # ولو قد علم أنتيلوخوس ما يثيره هذا النعي في قلب أخيل، ما آثر أن ~~ينفذ إليه به! فلقد صرخ ابن ذيتيس صرخة اضطرب لها البحر، وماد ~~الشاطئ، وتجاوبت لها جنبات الجبال، ثم بكى فاربد أديم السماء واعتكر، ~~واحتلك الضحى وبسر، وشاعت في العالم ظلمة أهول من ظلمة القبور! ~~«بتروكلوس ...!» # أفي الحق يا أعز الأصدقاء أنك أوديت! وا حربا! أإذا لقيتك الآن فأنت ~~ما تحرك شفتيك لتكلمني، وما تفتح عينيك لترى إلى أخيل؟! ألا ينبض ~~قلبك بعد اليوم يا بتروكلوس، حتى ولا بحبي؟! # أإلى حتفك كنت تستأذنني إذن؟ # ويلي عليك يا بتروكلوس! ويلي عليك يا أعز الأحباب.» # ولم يطق؛ فطفق يحثو التراب على رأسه ويشد شعره فيكاد ينزعه، ~~ويرسل في السماء وفي الأرض والبحر صرخاته المدويات. # وانتفض الموج وفار الماء؛ وكأنما اتصل قلب أخيل باليم فاضطرب بما ~~فيه من وجد، واصطخب بما يئوده من كمد، وشاعت فيه أشجانه وأحزانه حتى ~~وصلت إلى الأعماق، حيث تأوي ذيتيس إلى زوجها رب البحار السفلية، فشعرت ~~الأم المحزونة بما ينتاب ولدها في أسطوله الراسي على هامش طروادة، ~~وأحست بما يأخذه من ألم، ويمزق حشاه من عناء؛ فصرخت ms095 ثمة صرخة اجتمع ~~لها كل عرائس البحر وعذارى الماء من حوريات نريوس، # 1 # وأخذن يلطمن خدودهن الوردية تحت الثبج، ويذرين من نرجس ~~عيونهن فيضا من الدمع الدري، ثم انتظمن صفوفا صفوفا، ورحن ~~يتهادين وراء ذيتيس، مرسلات في الأعماق أناشيد الحزن، طاويات ذلك ~~الرحب الذي يفصل بين مملكة مولاهن وبين شطآن إليوم؛ حتى إذا كن عند ~~الأسطول الهيلاني طفون فوق الماء فانقلبت اللجة بجمعهن جنة، ~~وارتد البحر بربربهن فردوس نعيم! # وبرزت ذيتيس فرقت سفينة ابنها أخيل الباكي الآن الحزين؛ وتقدمت ~~فضمته إلى صدرها الحنون، وجعلت تهون عليه أمر صاحبه، وتصرفه عن ~~هذه الحرب التي يفرق من هولها قلبها الخفاق أشد الفرق، لما تعلمه ~~منذ قديم من القتلة التي تخترم ولدها تحت أسوار طروادة، كما أنبأتها ~~بها ساحرات الماء ... # وأن أخيل أنة شديدة، وقال لأمه: «أماه! هكذا قدر لنا أن ~~نلقى ما حتمه القضاء علينا، وهكذا شاء سيد الأولمب الكبير المتعال، ~~ولكن خبريني بربك: ما قيمة هذه الحياة ما لم يعد بتروكلس ينضرها ~~ويزين حواشيها، وما دام أعز أحبابي وأودائي ملقى فوق هذه الساحة ~~النكراء، ذبيحا بين أشقى الخصوم الألداء! # آه يا بتروكلوس! لقد شفى هكتور غلة قلبه حين سفك دمك غادرا، ~~وحين انتزع عدتك غادرا، وحين يفاخر بكل أولئك غادرا! # وهذه العدة يا أماه! أيلبسها هذا الشقي وهي هدية الآلهة إلى بليوس، ~~أبي، رب الأعماق، وهدية من أبي إلي؟! # أبدا لن أعود معك إلى حيث العار الأبدي ينتظرني ما لم أثأر لأوفى ~~أحبائي بتروكلوس من هذا النذل هكتور، وما لم أرو هذه الصعدة الظامئة ~~من دمه النجس، وأقذف في وجهه بمفاخراته الكاذبة وإهاناته للقتيل الكريم ~~... لا، لا، لا تتحدثي إلي عن أوبة تصمنا بالذل إلى الأبد يا ~~أماه، وإني لأقسم بالسماء ومن فوقها: لن أبرح الأرض حتى ينفذ هذا ~~السنان في صدر هكتور!» # وصمتت ذيتيس قليلا، ثم لم تطق أن تخفي ما تخشاه على ولدها من ذلك ~~القضاء المحتوم. فأخبرته بما تحدثت به العرافات عام ولد؛ وما ~~تخافه من أمر هذه ms096 النهاية المحزنة، والفجيعة التي لا تكون مثلها ~~فجيعة. # ولكن أخيل يبتسم ابتسامة محزونة، ويتحدث إلى أمه عن المجد الخالد ~~الذي سيحمله اسمه آخر الدهر: «واستبشار الهيلانيين بعودتي ~~لمناصرتهم، ووضوح الحق وجلائه لأجاممنون أنني روح الجيش وحماسة الجند، ~~والقوة المذخورة لدحر الطرواديين! صه يا أماه! فلن تزعجني مخاوفك، ولن ~~تلقي في روعي أقل الجزع؛ لأنه إن كان حقا ما تحدثن إليك به، ~~فأين يهرب أحدنا من القضاء؟!» # وبهتت الأم مما صمم عليه ولدها؛ ولما أيقنت ألا سبيل لها إلى ~~قلبه الجريء، بدا لها أن تعاهده على ألا يخوض الكريهة حتى تعود إليه ~~من عند فلكان الإله الحداد؛ الذي ستذهب هي إليه تكلفه بعمل درع وخوذة ~~تحملهما إليه ليحمياه في كل يوم روع! وعاهدها أخيل. # وأمرت ذيتيس عذارى الماء فانثنين إلى مملكة بليوس يحملن إليه أنباء ~~ولده. أما هي؛ فانطلقت إلى فلكان ... هناك ... هناك فوق ذروة جبل إطنة، حيث ~~وجدته ينفخ في لظى كيره الضخم ... يصنع الدروع والعدد. # ولقيها الإله الحداد بالترحاب، وشرع من فوره يصنع عدة لم تر العين ~~مثلها، ولم يأبه أن يصنع مثلها حتى للآلهة! «وكيف لا، وأخيل الحبيب ~~سيدرع بها فتحميه من أوشاب الطرواديين، وأوغاد هذا الأخ اللئيم ~~مارس، الذي تعلمين مما كان من أمره مع فينوس ما تعلمين؛ لقد فضحني ~~السافل فضحته المقادير.» # 2 ~~» # ولكن الساحة كانت تضطرب، وجموع الطرواديين تأخذ الهيلانيين من كل ~~فج؛ وكانت حيرا - مليكة الأولمب - تطلع من عليائها فتأخذها الرهبة ~~لما يحيق بعبادها من تصريع وتقتيل؛ وكانت مينرفا كذلك تهلع عليهم ~~هلعا شديدا. # وتشاور الربتان واتفقتا على أن تنفذا إيرليس إلى أخيل، تأمرانه أن ~~يخوض الكريهة في جانب الهيلانيين، ولكنه قص على الرسول ما عاهد أمه ~~عليه، فعاد الرسول إلى الأولمب يحمل نبأ هذه المعاهدة. # بيد أن حيرا أشارت على مينرفا أن تنفذ الرسول إلى أخيل يحمل إليه ~~درعها، وكان لمينرفا درع اسمه إيجيس لم يصنع مثله لأحد من قبل فلكان؛ ~~وأن ينهي إليه أنهما تأمرانه بالتوجه إلى الساحة فيطلع عليها ليراه ~~الطرواديون، ms097 فإنه بحسبهم أن يروه فيولوا الأدبار! # وانطلق إيرليس برسالته إلى أخيل؛ فاهتز البطل من نشوة الطرب، وشاعت ~~الكبرياء في أعطافه؛ لأنه سينال شرفا لم ينله أحد من قبل؛ وذلك بأنه ~~سيدرع بقميص مينرفا، المسرودة من حديد! # وعندما نهض ليلبس الدرع رأى مينرفا نفسها تساعده بيديها الطاهرتين ~~النقيتين كالبلور، وتضع فوق جنينه إكليلا وضاء من الذهب، ثم تقوده ~~إلى الساحة! # وهناك وقف أخيل العظيم فوق ربوة عالية تشرف على الساحة كلها، ثم ~~أرسل في الآفاق صيحة مدوية، كانت تنفخ فيها مينرفا فتزيدها قوة ~~وعنفوانا، فزلزل قلوب الطرواديين وجعلها تدق في صدور ذويها ~~كالنواقيس! # وما كاد الأعداء يستيقنون أن الصيحة صيحة أخيل، وما كادوا ينظرون إلى ~~هذه الآراد المنشرة فوق رأسه والأضواء المتلألئة من إكليله حتى سقط ~~في أيديهم، وارتعدت فرائصهم، وولوا على أعقابهم مدبرين! وكانت ~~خيولهم المذعورة تولي هي الأخرى فتطأ الفرسان هنا وهناك وتسقط في ~~الخنادق المحيطة بطروادة، فتلقى فيها حتفها بمن عليها! # وتورات الشمس بالحجاب. # فتحاجز الجمعان وذهب كل ليستريح من هذا اليوم العصيب. # وكانت صيحة أخيل أكبر عون لمنلوس وزميله في الإسراع بجثة بتروكلوس ~~إلى مؤخرة الجيش، حيث الأمان والاطمئنان؛ فلما عاد أخيل كانت جثة صديقه ~~أول ما وقع بصره عليه ... فبكى ... وبكى ... واجتمع حوله الميرميدون ~~يبكون. # ثم رثاه بكلمة دامعة، ترجمت عن نفس مكلومة؛ وأمر فأوقدت نار كبيرة ~~وضع عليها دست ماء كبير؛ وأخذوا جميعا في غسل الجثة المعفرة ~~بالتراب، ودهنها بالطيوب ثم تحنيطها بالأفاويه والبهار والقرنفل، ~~ولفوها في مدارج طويلة من الحبر الغاليات البيض. ~~••• # واجتمع قادة الطرواديين يتشاورون في هدأة الليل، فخطب بعضهم # 3 # ناصحا بوجوب التحرز داخل الأسوار في غد، مخافة أن ~~يبطش بهم أخيل وشياطينه، لا سيما وهم سيخوضون الوغى بقلوب جرحها ~~مصرع بتروكلوس، وهم لا بد مثئرون له مهما كلفهم الإثآر له من أرواح ~~ودماء! # ولكن هكتور أبى إلا أن يخرج للقوم، وكأن قتله بتروكلوس غيلة قد ~~خدعه عن شجاعة أخيل وما قدر له مما سيلقاه من بطشة أخيل، وهل غد ~~بعيد؟! ~~••• # وفي ms098 هذه اللحظة أيضا، كان زيوس يتحدث إلى حيرا حديث الذي أظفر ~~بأعدائه وكأنما أطرب الإله الأكبر أن أخيل يعود إلى المعركة بعد أن ~~أديل له من الهيلانيين ومن الطرواديين على السواء. # وكانت حيرا تسمع إليه وهي تطفر فرحا! كيف لا؟ وهذا أخيل يعود إلى ~~أعدائها في الغد فيصليهم عذابا ويجرعهم غصصا ما ذاقوا مذ ترك ~~الحلبة أمثالها! ولتحزن فينوس! وليحل غضب السماء على باريس، ولتذهب ~~التفاحة المشئومة إلى الجحيم. ~~••• # وأشرقت شمس الغد. # ولاحت ذيتيس تتهادى فوق الزبد في الأفق الغربي، تحمل الدرع التي لم ~~يصنع مثلها فلكان. # حتى ولا للآلهة أنفسهم! # والويل لك يا هكتور! # | صلح # أشرقت الشمس أو كادت، وبدت ذيتيس تتهادى في الأفق الغربي فوق ~~الثبج، وهرعت عرائس الماء وعذارى البحر تحييها وتنشد لها ألحان ~~الفجر طلها الندى. # وكانت تتأود تحت حملها الثقيل فما إن بلغت سفينة أخيل ألقت ~~بالدرع المسرودة؛ وحتى هب ولدها يحييها بعين شكرى ومهجة حرى ~~وقلب موجع حزين. # وكان لا يزال جالسا أمام جثة بتروكلس يبكيها، ويكلم فيها الإخاء ~~والوفاء، ويناجي في لفائفها الود والولاء، وكان ما يزداد إلا لوعة، ~~وكان ما يزداد إلا أنينا! # وحنت عليه أمه تواسيه؛ ثم لفتته إلى الدرع والخوذة، ~~فحدجهما بنظرة قاتمة، وشكر لها هدية فلكان، ثم أوصاها بالجثة خير ما ~~يوصى به الصديق، «ذودي الذباب فلا يمسها يا أماه وادفعي عنها أذى ~~أسرابه، واسقيها من المعتقة الصفراء حتى تأذن الآلهة فأعود إلى بتروكلس ~~بثأره.» # وانطلق في غبشة الصبح يطوف بمعسكر الهيلانيين داعيا إلى مجلس ~~حربي. # وكان يهتف بالجند النائم هتافا عاليا فينتفض المقاتلون وقد خفقت ~~قلوبهم واهتزت جوانحهم وفاضت عبراتهم من الفرح للقاء أخيل! # وكان أجمل ذلك جميعا أن ينهض أوليسيز متهالكا على نفسه، وديوميد ~~مترنحا في عطفه ونسطور مرتجفا كأنه في يوم حشر، و... أجاممنون كأن ~~الحياء والخجل يصبغانه بحمرة الجحيم! # لقد كانت جروح القادة أنطق برهان على ما جرت تلك الخصومة الوضيعة بين ~~أجاممنون وأخيل من هزيمة للجيش، وضياع للجهود، وعبث بآمال أمة ترقب ~~أبناءها من ms099 وراء البحار! # وانتظم عقد القادة ووقف أخيل يتكلم؛ فأرهفت الآذان، وصغت القلوب، ~~وتحركت الألسن تبحث عن بلل من الريق تبتلعه: «ابن أتريوس ~~العظيم! # أخي في الوطن! # يا أمير هذه الجيوش الغازية! # أرأيت؟! أي جدوى عادت علي أو عليك من هذه القطيعة التي أججت ~~نارها، واندلع بيني وبينك أوارها، وأي غنم أفدت من شحناء لم تكن تخلق ~~بعظيم بن عظيم، بل سليل آلهة عظماء؟! # ألا ليتها أودت تلك الفتاة التي أثارت كل تلك العداوة، وأغرت جميع ~~تلك البغضاء بيننا! إي وأرباب الأولمب؛ ليتها أودت يوم غنمناها من ~~مدينة ليرناسوس حتى لا تفرح طروادة بما تم لها من نصر، وما حاق ~~بجحافلنا من خذلان، لم يكن شيء منه يقع لولا ما أثارته بريسيز ~~بيننا! # ولكن لا! فالفتاة نقية وطاهرة وبريئة لأنها لا تزر وازرة وزر أخرى! ~~ولكننا معشر الهيلانيين ينبغي أن نذكر أبدا أن لنا ثأرا عند هؤلاء ~~الطرواديين لا محيص لهم من أن نأخذهم به وأن نطلبه عندهم، فلا نرتد ~~عنهم حتى يدال لنا منهم وتكون لنا الكرة عليهم حين يظفرنا اتحادنا ~~بهم. # لنكبح جماح أنفسنا إذن! وليطفئ كل منا غيظه في سبيل هيلاس؛ ~~ولتندمل تلك الجراح التي تفثأ قلوبنا فتكاد تقضي على آمال أمة وتطيح ~~بأماني وطن! # أجاممنون بن أتريوس العظيم! # تلك يدي أضعها في يدك عهدا مخفورا وذمة وفية ألا ندع ~~أهواءنا تهدم ما صبت إليه نفوسنا من قبل، وأن نكون من الساعة يدا ~~على عدونا، وإلبا واحدا. # والويل بعدها لمن يجرؤ من جند طروادة أن يتصدى لنا، أو يجازف بنفسه ~~أمامنا ... هذا رمحي! وتلك قناتي! ويا طالما قد ظمئت إلى الدماء.» # وتدفقت الدماء في عروق القادة، وشعروا كأن السماء ترفعهم إليها ~~فتطهرهم وتزكيهم وتعود بهم لترى قوما آخرين! # ونهض أجاممنون من مكانه ولم يستطع أن يتقدم إلى مكان الخطابة، فقال: ~~«أيها الأصدقاء! يا أبطال هيلاس! يا وزراء مارس! # لست أدري ما أقول ردا على أخيل العظيم، بيد أنني سأفتح له قلبي ~~وأكشف لكم أمامه عن سريرتي وسيد الأولمب ms100 على ما أقول وكيل! # أبدا والله ما كنت سبب هذه المأساة التي أغرت بيننا العداوة، وأججت ~~نيران هذه البغضاء! وأبدا والله ما آثرت أن يكون بيننا - ونحن في هذا ~~الأمر ما نحن - شيء من تلك القطيعة التي دفعنا ثمنها غاليا: أرواحا ~~مطهرة ودما زكيا وشبابا أنضر الشباب! # أبدا والله ما آثرت من ذلك شيئا قط؛ ولكنها المقادير ومشيئة سيد ~~الأولمب، وهذه الربات الغالبات «أرينيس» # 1 # اللائي تحالفن علي فغشين بصيرتي، وأذهلنني عن نفسي، ~~فأتيت ما أتيت على غير وعي مني ولا هدى ولا برهان مبين! # ولقد ثاب إلي رشدي وارتفع الحجاب عن بصيرتي ساعة إذ أبصرت هكتور ~~يأخذ جموعنا فيحصرهم بينه وبين البحر، كأشد ما يكون حصار بين موتين! ~~عندها ذكرت أخيل! وذكرت أنني آثم في حق أخيل، وأن أخيل لو كان في هذه ~~الحلبة لما ملك هكتور رشاده، وما ملكت رجلاه أن تحملاه! فزاغت عيناي ~~واستبنت ضلالتي واستغفرت الآلهة من أجل آثامي! # أخيل! # ما أعظمك حين نسيت غضبتك، وسعيت إلى خصمك، ومددت إليه يمينك من أجل ~~الوطن! مرحبا بك يا أخي! ومرحبا بصلح يغسل الضغن، ويذهب بالجفوة ~~ويرأب ما انصدع من شملنا جميعا! # على أني أرى أن أمهر صلحي وأؤكد محبتي باللهى الغالية، والهدايا ~~العالية، وبكل مذخور ثمين؛ فهلم يا ابن بليوس، هلم؛ هيئ الصفوف ~~وجيش الفرق حتى أعود إليك بتذكاراتي.» # وأبى أخيل أن يلهو أحد في تلك الساعة أو يشتغل إلا بالحرب ~~والاستعداد ليوم الفصل، فشكر أجاممون؛ ورجاه أن يلبث معه حتى يأخذ كل ~~عدته؛ ولكن أوليسيز الجريح يتدخل، ويرجو أن ينطلق أجاممنون فيأتي ~~بالعطايا واللهى، وبالغادة المفتان، بريسيز، فتنة الفتن، ونادرة ~~الجمال، نقية كما هي، أخيلية كما فصلت من خدر مولاها يوم الخصام ~~الأكبر، «وأنا أقسم لأخي على ذلك ويقسم عليه ويؤكده أجاممنون». # ويقسم عليه ويؤكده أجاممنون، ويغسل إقسامه بالدمع السخين؛ ثم ~~يأمر خادمه «تلثبيوس»، فينطلق إلى حيث يأتي بخنزير سمين يذبحه ويطعم ~~القادة منه، ويحلف أخيل لا يذوقن من طعام حتى يعود بثأر صديقه وأعز ~~الناس ms101 عليه: «بتروكلوس»! # ويلح عليه أوليسيز في أن يأكل: «لأن الحرب شاقة، ويومها دهر ~~بأكمله، ومقارعة الأقران مجهدة للأبدان ...» وما يزيد أخيل إلا ~~إباء! # وعاد أجاممنون. # وكان أوليسيز نفسه يتقدم الركب الذي أقبل من سفينة القائد العام ~~يحمل هداياه لأخيل، ونهض أجاممنون فأشهد الآلهة على نقاء القلب وصفاء ~~النفس ورضاء الضمير، ثم قدم الهدايا إلى ابن بليوس الذي كان يشهدها ~~ويبكي! # وفي الحق؛ لقد كانت لهى أحسن اللهى وهدايا على قدر ~~مهديها! # فهذه صناديق سبعة مقفلة ملئت بالدر واليواقيت والزبرجد وبكل ما ~~غلت قيمته من كتان مصر وخز الهند وحبر الشام ... # وهذه اثنا عشر من صافنات الجياد كأنما ولدت في ليلة واحدة، ~~ولونتها الآلهة بألوان واحدة، وأضفت عليها عرائس الفنون من ~~سحرها، فكانت كخيل أورورا! # وهذه عشرون دستا من النحاس المزركش، حليت سطوحها بالميناء ~~والفسيفساء، وتبارت في حفرها كل يد صناع وفكر عتيد، وفيها ~~من أصناف الجوهر ما يبهر اللب ويشده القلب ويذهب سنا ~~برقه بالأبصار! # وهذه بدر عشر من الذهب الخالص يحملها أوليسيز ويتقدم بها ~~أبكارا سبعة من جملة اللهى؛ كل منهن كأنها فينوس حقيقية تميس ~~كأنها بانة وتبسم كأنها أقحوانة وتبدي عن الدر ~~النضيد! # ثم ... # هذه بريسيز! بريسيز الهيفاء وأصل هذا البلاء؛ الدمية التي ~~أترعت بالمفاتن، وفاضت عيناها بسحر الهوى! # هذه بريسيز تبرز فتخطف الأبصار وتتقدم فتثب القلوب، تود لو ~~تغمرها لمحة من جمالها النضر وشبابها الفينان! # فهل رأيت إلى العاصفة تقتلع الدوح وتطيح بالأيك، وتهب على ~~اليم النائم فيصطخب، والبحر الوادع فيضطرب ... و... على الغدير ذي ~~الخرير فيرقص من رعشة كأن به مسا من الخدر! # تلك هي بريسيز حين تبدت للقوم! # لقد هتف أوليسيز هتفة ضاعت في انذهال الملأ بما يرى على ما تعرف من ~~جبروت أوليسيز وشدة أيده ... ثم هتف فتلفت الناس، وراح الرجل يكرر ~~ما قيل من نقاء بريسيز وتمام طهرها؛ وأخيل مطرق ساهم، لا يكاد ~~يعي مما يقال شيئا! # واستل أتريديس خنجره، وأهوى به على عنق الخنزير يذبحه، وهو في ذلك ~~كله يصلي لأربابه، ويسبح ms102 بحمد السماء، ويشكر سيد الأولمب ما أتم من ~~صلح شريف بين سليلي الآلهة. # ونهض أجاممنون فقدم بريسيز إلى سيدها، وعقب بكلمة طيبة، ثم أشار ~~أخيل إلى الميرميدون؛ فحملوا الهدايا وانطلقوا بها إلى أسطولهم، ومعهم ~~فتاة مولاهم في صفوف موسيقية، وفي موكب رهيب! ~~••• # وانصرف القادة إلى زادهم والجنود إلى ميرتهم، ولا حديث لهم إلا ~~أخيل وفتاة أخيل، والصلح الذي باركته السماء، وكسبوا منه أن يكون فيهم ~~أخيل! # أما بريسيز فقد وصلت إلى سفينة مولاها؛ فشدهها أن ترى جثة ~~بتروكلوس في لفائفها وأكفانها، وإلى هذه الأم البارة، ذيتيس؛ جالسة ~~عندها تبكي، وتدفع أسراب الذباب، وتسقي القتيل خمرا! # لقد كانت بريسيز تعجب بالبطل منذ قريب، ولقد تركته ممتلئا صحة، ~~موفورا شبابا؛ نضر الصبى، ريان الإهاب، ثم عادت فكان أشق شيء ~~عليها أن تراه مسجى هكذا! لا نأمة ولا حركة ولا نفس! قتيلا كأدنى ~~من كان يقتل كل يوم روع، طعينا كأقل من كان يطعن كل يوم ~~نزال! # ودارت الدنيا بالفتاة فراحت تملؤها ندبة وبكاء! واجتمع لديها ~~الفتيات الأخريات يندبن ويبكين. # فما كان أروعه منظرا وما كان أشجاه إخلاصا! ~~••• # وأقبل فونيكس على أخيل يواسيه. # ولكن أخيل ما يرقأ له دمع وما ينقطع له نحيب. # واطلعت أرباب الأولمب فشهدت ما يأخذ البطل من رحضاء الحزن، ~~وبرحاء الأسى، فأشار زيوس إلى مينرفا، فهبت إلى أخيل ترعاه، وتخفف ~~عنه من بلواه. فلما كانت قاب قوسين من ابن بليوس، هالها أن ترى إليه ~~يعصف به الحزن ويوهنه الجزع، والجند مع ذاك قد بوئوا مواقف للقتال، ~~فما هي إلا أن أمرت فونيكس بأن يصب الخمر المعتقة على صدر صديقه ~~لينقذه من ضيقه وليخفف عنه من وطأة الجوع. ويصدع فونيكس؛ فيتقدم إلى ~~أخيل كاشفا عن صدره، ويصب السلافة الأولمبية فيشربها الجسم الضاوي، ~~ويسترجع بها ما فقد من قوة، وما يفتأ فونيكس يصب الخمر، وما يفتأ أخيل ~~ينظر إليه مشدوها، حتى يكون في كل قوته من أثر المدامة، فيصيح صيحة ~~الحرب التي تهتز لها أبراج طروادة! # فانظر إليه مقنعا في حديد ms103 فلكان، وانظر إليه تحت تلك الخوذة التي ~~لم تصنع مثلها يد الإله الحداد، وانظر إليه يداعب حربة شيرون أستاذه ~~السنتور العظيم، ثم انظر إليه كالبركان المضطرب يقذف النار من عينيه ~~المغضبتين ومن حوله الميرميدون يملئون الرحب ويسدون الشعاب. # ويل لك يا هكتور! # | فزع الآلهة # قلق زيوس من اعتزام أخيل اقتحام الحرب. # وكيف لا يقلق سيد الأولمب وكل من الفريقين يصلي له، ويطلب منه العون، ~~ويتوسل إليه أن يظفره بعدوه، فتنجلي هذه الغاشية التي صرعت الرجال، ~~وضرجت أديم الثرى بدماء الأبطال! # ودعا إليه أربابه فعقد منهم مجلسا للمشورة؛ فانتظم ديوان الأولمب، ~~وحفلت بهم ذروة جبل إيدا، وطفق الإله الأكبر يقلب الرأي على جميع ~~وجوهه، ويبحث المسألة من شتى أطرافها، والأرباب فيما بين ذلك يحملق ~~بعضهم في وجوه بعض، وتضطرم في أفئدتهم نيران العداوة والبغضاء؛ لأنهم ~~كانوا جميعا وقلوبهم شتى! فهذا فريق منهم يعطف على طروادة، ويشيد بذكر ~~طروادة، بل منهم من اشترك في بناء طروادة، وإقام أسوارها وتمكين ~~صياصيها؛ والطرواديون من أجل هذا قد أخلصوا العبادة لهؤلاء فأقاموا لهم ~~الهياكل المشيدة والمعابد المنيفة، وهم في طويل الأحقاب والآباد ما ~~يفترون عن عبادتهم والإخبات لهم، وتقديم القرابين والضحايا ~~بأسمائهم. # وفريق آخر من الآلهة يعتبر الشعب الهيلاني شعبه المخلص؛ فهو لذلك ~~يحدب عليه ويرجو الخير له، وهو أبدا يستأذن سيد الأولمب فيحارب في ~~صفوفهم ويشد أزرهم، ثم الهيلانيون يخلصون العبادة لهذا الفريق وهم ~~أبدا يتعلقون بهم ويقيمون المعابد لهم في كل حنية من جبالهم وبكل ~~منعرج من شعابهم، ومنهم كل مثال صناع اليد، مرهف الحس، رفيع ~~الذوق؛ وهم لذلك ملئوا المعابد والهياكل بتماثيل الآلهة حتى ما تقع ~~العين على أجمل منها! # وفريق ثالث لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ينقم على هذه الحرب الشعواء ~~التي سعرت لغير ما سبب يستأهل كل تلك الضحايا ويستحل كل هذه ~~المهج؛ وهذا الفريق يحنق على طروادة ويحنق على هيلاس على السواء، ~~ويود لو يأذن سيد الأولمب فيزلزل بهما الأرض، أو يرسل عليهما كسفا ~~من السماء، فلا يبقي ms104 على أحد منهم أبدا! # واتفق الآلهة على أن يذهب فريق منهم فيكون في صفوف الطرواديين ~~يرشدهم، ويدفع عنه عادية أخيل، ثم يذهب فريق آخر فيكون في صفوف ~~الهيلانيين يفل من نشاطهم، ويكسر من سورتهم حتى تكون الحرب بين ~~الجمعين سجالا؛ وإلى أن يرى الآلهة في شئون خلقهم رأيا آخر. # وانطلقت حيرا مليكة الأولمب ومينرفا ربة الحكمة، ثم هرمز رسول الآلهة ~~وقائد الأرواح إلى هيدز، وفلكان الحداد إله النيران ، الذي فضحه مارس في ~~زوجه، ونبتيون رب البحار العتيد الذي روع الطرواديين في هذه الحرب ~~أيما ترويع. # انطلق هؤلاء فكانوا في صفوف الهيلانيين. # وانطلقت فينوس إلى صفوف الطرواديين، وراح في أثرها أبوللو وأمه ~~لاتونا وديان ومارس وإكسانثوس وفئة غير هؤلاء من عشاق فينوس. # وانبث الآلهة ينفخون في أبواق الحرب. # وصاح أخيل في شياطين الميرميدون صيحة مدوية. زادتها مينرفا قوة ~~فما تركت فؤادا إلا زلزلته، وما غادرت نفسا إلا تركتها تزحف من خوف ~~وفزع. # وكان أبوللو ينظر إلى أخيل فيتميز من الغيظ، ويود لو يبطش به في ~~غدرة من غدراته التي أودت ببيتروكلوس من قبل، ولكنه أحس بفرائصه ~~ترتعد، وفقاره يندك من الرعب لما رأى حول أخيل من هذه الأرباب ~~المتعطشة للدماء، لا سيما هذا الإله الوحش نبتيون الذي كان يرسل من ~~عينيه بركانين من الغضب يضطرمان اضطراما. # وآثر أبوللو أن يستخفي في زي ليكاون بن بريام وصورته، وأن يذهب ~~من فوره إلى إينياس العظيم مستشار طروادة وأبسل شجعانها بعد هكتور، ~~فيثيره على أخيل ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر ~~بالأنساب، ولحمتها التباهل بالأحساب، والتبجح بأنا ابن من سمك ~~السماء، ودحا الأرض وأنبت فيها من كل زوج بهيج! # واستطاع أبوللو أن يهون على إينياس من شأن أخيل، وأن يحقر في ~~ناظريه خطبه، واستطاع ببيانه الموسيقي وطلاقته السحرية أن يدفعه ~~إلى ناحية أخيل الذي وقف مكانه يقذف الرعب في قلوب الطرواديين ~~وأحلافهم، باحثا عن غريمه البغيض هكتور بن بريام؛ يود لو يخلي ~~بينه وبينه فيبطش به، ويشفي هذا اللظى الذي يتأجج في جوانحه، ms105 لقتله ~~أعز أصدقائه وأحب الناس إليه. # ووقف إينياس تلقاء أخيل، فتبسم زعيم الميرميدون، ووعظ المحارب أن ~~ينثني فلا يلقى حتفه، وذكره بما حدث بينهما قديما، حين ساق أخيل ~~قطعان إينياس السائمة في سفح جبل إيدا؛ وما كان من فرار إينياس، هذا ~~الفرار المضحك الذي أشمت به الأعداء، وأثار عليه سخرية الأصدقاء ~~والأوداء! # ولكن إينياس الذي كان لا يزال مأخوذا بسحر أبوللو وموسيقاه أبى ~~واستكبر، وهز أعطافه ثم أخذته العزة بالإثم، وانطلق يقذف في وجه ~~أخيل بهذا التفاخر الذميم الذي لا يجدي في حلبة الحرب نفعا، ولا ~~يجر على صاحبه مغنما، يوم لا حكم إلا للمرهف البتار، ولا قول إلا ~~ما يقول الفيلق الجرار. # والتحم المحاربان العظيمان! # وارتطم الصخر بالصخر، وثار النقع في الميدان، وأظلم حتى قد تهاوت ~~كواكبه، ونظر الجمعان نظرة القلق الحيران، وأخذ الذهول يضرب أطنابه على ~~الساحة الحمراء، ونظروا فرأوا إينياس يستجمع كل قوته، ويقذف برمحه ~~العظيم فترده درع فلكان، وإن تكن الطعنة قد شقت منها طبقتين، ثم ~~فترت، فلم تصل إلى فؤاد أخيل. # وهنا! # اشتعلت نيران الدنيا في عيني زعيم الميرميدون، وذاب في أعصابه حميم ~~من الغضب، وأرسل بدوره رمحه الهائل يرن على درع إينياس فلا يصيبه ~~بأذى، ولكنه؛ لعظم الطعنة يصرعه ويطرحه فوق أديم الثرى فريسة رخيصة ~~لغوائل الردى، وضربات الرقاق البيض. # وينحني أخيل من عربته الفخمة فيتناول حجرا عظيما تنوء به العصبة من ~~صناديد الرجال، ثم يرفع الحجر ليقد به جمجمة إينياس. # ولكن ...! # لا! ينبغي ألا يقتل إينياس؛ لأنه ابن زيوس سيد الأولمب. # وهو لو قتل لم يرض به أبوه ألف ألف أخيل، وألف ألف جيش من ~~ميرميدون أخيل ...! # هكذا قدر نبتيون! وقتل نبتيون كيف قدر! # لقد أرسلها إلى حيرا، مليكة الأولمب التي كانت قريبة تشهد الحدث ~~الأعظم، قولة غير صادقة إلا في زعم نبتيون! # وعارضت حيرا في تدخل نبتيون، ولكنه؛ لشدة حبه أخيل لم يسعه إلا ~~أن يسرع إليه فينشر أمام ناظريه ضبابة كثيفة حجبت عنهما هدف إينياس، ~~ثم انكفأ يحمله بعيدا من أخيل، ms106 حتى انتهى إلى صفوف الطرواديين ~~الخلفية، فسجاه على العشب الأخضر، وأخذ في نصحه ألا يجازف بنفسه أمام ~~أخيل كرة أخرى! # وكان الجمعان ينظران إلى إينياس محمولا في الهواء، فيأخذ العجب ~~منهما كل مأخذ! ~~••• # وامحت الضبابة، وبطل السحر، ونظر أخيل فلم يعثر لإيناس على أثر، ~~وشدهه أن ينجو خصمه من قتلة محققة، فيلقى في روعه أن إيناس ~~سليل الآلهة كما ادعى منذ لحظة؛ ثم يشدهه أكثر تجابن الميرميدون ~~والهيلانيين على السواء، بعد إذ رأوا إلى إينياس محمولا في ~~الهواء! # ويحضهم أخيل على خوض المعمعة، ويستطيع بحماسته أن يلهب في صدورهم ~~روح الإقدام ... # ويكون هكتور في هذه اللحظة قائما في جنوده يحضهم هو الآخر ~~ويطمئنهم أن الآلهة معهم فلا يخافون ولا يحزنون، ويراه أخيل فيخفق ~~قلبه ويعلو صدره ويهبط كأنه الخضم الغاضب، ويدفع عربته نحوه، ~~فتندفع الخيل وكأن النيران تندلع من عيونها وأنوفها. # وكان أبوللو إلى جانب هكتور، فلم يرض له أن يلقى أخيل الذي ما خاض ~~المعمعة إلا ليثأر لصديقه بتروكلوس. # وكاد هكتور لا يأبه لكلام أبوللو، وتقدم فعلا ليلقى أخيل، ولكن ~~الإله الكبير زجره زجرا شديدا، ثم أمره بالتقهقر في الحال، فانسحب ~~بطل طروادة، وترك أخيل يحرق الأرم مكانه؛ إذ أفلته هذا الصيد ~~الثمين! # وانقض أخيل يشفي غيظه بقتل عشرات وعشرات من أبطال طروادة، فصرع ~~إيفتيون العظيم ابن عذراء البحر، ثم ثنى بالكمي الكبير ديموليون ~~فشج رأسه، فانبثق الدم يتفجر منه وبرز المخ، وذهبت روحه إلى هيدز! ~~ثم ثلث ببطل الأبطال هيوداماس، شكه شكة فتركه يخور كخوار الثور، ~~مسوقا إلى مذبح الآلهة، ثم انقض على بوليدور بن بريام ملك طروادة ~~فطعنه في ظهره طعنة صرعته ونشرت ظلام الموت في عينيه، فهوى إلى الأرض ~~يئن أنينا مؤلما أبكى الجند، وأحزن أخيل نفسه. # لقد كان بوليدور أحب صغار بريام إليه، وكان يجري فيسابق الريح ~~وينازل القروم الصيد فيصرعهم عشرات ووحدانا، فيا حزن أبيه الملك عليه ~~بعد اليوم! # وكأن ظلام الموت الذي خيم على عيني بوليدور امتد حتى ظلل عيني ~~هكتور! ولم تكن ms107 الحياة رخيصة في نظر بطل طروادة مثلها اليوم، فقد فجعه ~~أخيل في بوليدور، فلا بد أن يفجع ذيتيس وبليوس والدي أخيل، في أخيل ~~نفسه. # وألهب جياده فاندفعت بعربته ناحية أخيل. # واستبشر زعيم الميرميدون حين رأى هكتور يسرع ناحيته قدما، وذكر ~~أنه قاتل بتروكلوس فدارت به الأرض، وذكر أن بتروكلوس ينتظر ثأره ~~ميتا، ولا بد أن يعود أخيل إليه به، فتقدم نحو هكتور وقال له: ~~«هلم يا ابن بريام فتعجل قتلتك، وودع الحياة الحلوة التي لن تهنأ ~~بها بعد اليوم!» وتجهم هكتور، وكلم أخيل فاعترف أنه أقوى منه وأطول ~~في مواقف الحرب باعا، ولكنه حذره من الغرور؛ «ومن يدري؟! هل أوحت ~~إليك السماء أن تقتل هكتور؟ وهل أخذت على المقادير عهدا ألا يصرعك ~~هكتور؟!» ثم انقض ابن بريام فأرسل حربته الظامئة إلى صدر أخيل، ~~ولولا أن مينرفا كانت جانبه تحرسه، ولولا أنها زحزحته قليلا فتفادته ~~الطعنة، لكان أخيل حديثا من الأحاديث! # وبهت أخيل، ثم صاح صيحة رجف لها جانب الجبل، وجاوبتها أسوار طروادة، ~~ورددت أصداءها أجواز السماء؛ وانقض على هكتور يود لو يقتلعه من ~~عربته فيضرب به الأرض، وتذهب روحه بعدها إلى الجحيم! وكان أبوللو إلى ~~جانب هكتور هذه المرة كما كان إلى جانبه دائما؛ وراع الإله الأكبر أن ~~يهجم أخيل تلك الهجمة الي يعجز عن مثلها مارس الجبار نفسه. # وذهل أبوللو ماذا يصنع ليقي بطله من رمح أخيل؟! # ثم ذكر ما صنعه نبتيون من أجل إينياس، فنشر ضبابة كثيفة أمام عيني ~~أخيل، وتقدم إلى هكتور فحمله وذهب به إلى حيث يكون بنجوة من مصير ~~محزن كان يوشك أن ينتهي إليه. # وظل أخيل يطعن الضبابة، مشدوه اللب حيران! # طعنها مرة ثم مرة ثانية ثم ثالثة، ثم ما كاد يطعنها الرابعة حتى ~~أمحت وبطل السحر، وانكشف له الميدان يضج بالجند ويعج بعدة ~~الحرب، ولكنه مع ذاك وغير ذاك ... خلو من هكتور! ~~«جميل يا هكتور! صل للإله الذي أنقذك اليوم مني! صل لربك أبوللو! لقد ~~أنجاك من قتلة بينة وموتة محققة ... صل له ms108 هكتور! ولكن ثق أننا سنلتقي ~~بعدها، ولا أدري هل ينقذك إلهك عندها؟! # إن لي أربابي التي تحميني والتي إن فوجئت بغادر مثلك فهي تنجيني، ~~سنلتقي يا هكتور، فصل الآن لأبوللو.» ~~••• # وثار أخيل فكان زوبعة! # وطفق يصرع أبطال طروادة، فطعن دريوبس طعنة اخترمت حياته، ثم جندل ~~ديماخوس وأسرعت روحه إلى أمواج ستيكس المنصهرة، وتقدم فأطاح رأس ~~دردانوس العتيد، وجال جولة هنا وجولة هناك فكانت المنايا تتعثر أنى ~~ذهب وأيان سار، فهذا تروس البطل ملقى على الأرض، والدم ينبثق من ~~كبده، وموليوس الصنديد زائغ العينين يتوجع مما ألم به، وإخكلوس ابن ~~أجينور تساقط نفسه حشاشات، ثم ديكاليون الذي دوخ الجيوش وروع ~~الأبطال، وبث اليتم في كل دار، ها هو ذا فوق الثرى جسدا مثخنا ~~وجثمانا يتدفق الدم من جراحه، نهاية حمراء لحياة حمراء كلها حرب ~~وتقتيل! # ورجموس! # رجموس بن بريوس! الذي شد رحله من تراقية لينصر الطرواديين على بني ~~وطنه، قائدا جموعه التي لا حصر لها؛ مؤلبا القبائل والأفخاذ على ~~الأرض التي أنجبته والآلهة التي نشأته، لماذا؟ لا سبب معقول! # ولكنه طيش الملك وغروره وكبرياؤه، ولأن الهيلانيين لم يختاروه قائدا ~~لهم في هذه الحرب الزبون! # لقد امتشق أخيل سيفه، وأصلته على رأس رجموس، ثم أهوى به، فخر ~~الخائن يتشحط في دمه، وانتهت بموته حياة ذميمة. # وزلزل قلب أريثوذ، حارس رجموس وسائسه، فود لو فر بعربة سيده ~~لولا أن عاجله أخيل بضربة قدت أضالعه، وذهبت بروحه إلى حيث ذهبت ~~روح مولاه. # | طوفان # تفزع الطرواديون مما أخذهم به أخيل؛ وزادهم خبالا هذا الظلام الذي ~~راحوا يضربون فيه على غير هدى، والذي كانت حيرا تمد في دياجيره ~~فيتدجى فوق الساحة الصاخبة، ويمكن لابن بليوس من أعدائه فيضرب في ~~أقفيتهم، ويهوي على أعناقهم ويمسح بسوقهم ويضرب كل بنان. # وضاق الجسر بجموع الفارين، فاضطروا إلى خوض عباب النهر الزاخر، ~~وخوضوا فيه بخيلهم ورجلهم، وتطامن لهم سكمندر # 1 # فسكنت أواذيه ونامت جراجره، وانكشف قاعه عن حصباء ~~كالدر النضيد. # وتبعهم أخيل فخاض مياه النهر، ثم أعمل سيفه ورمحه، فكانت ms109 شآبيب ~~الماء تختلط وشآبيب الدماء، وأنين القتلى يمتزج وأصداء المنهزمين، ~~والجماجم المنتثرة تصطدم بالأشلاء الطافية هنا وهناك، والسماء الكاسفة ~~ترسل عقبانها تتغذى بالجزر المتساقط في رحب المعركة؛ من بطون ~~مبقورة وهام مفلقة ولحم مقروم. # واستطاع أخيل أن يحصر اثني عشر شابا فيأخذ عليهم سبيل الفرار، ~~وفضل أن يرسلهم إلى سفائنه أسرى حتى لا يثخن في الأرض، وحتى ~~يشهدوا ثمة ذلك القتيل المسجى تسقيه ذيتيس الحزينة خمرا؛ ~~فكبل أرجلهم وأيديهم من خلاف، ووكل بهم جماعة من رجاله، ~~فقادوهم إلى الأسطول بعد ما وقفوا هنيهة أمام جثة بتروكلوس، ~~يؤدون لها تحية المعركة التي دارت رحاها عليهم، واصطلوا من بعده ~~بنارها. # وطفق أخيل يأخذ الجموع من كل حدب، ويلقاهم في كل صوب، حتى كان ~~وجها لوجه أمام ليكاون بن بريام، الذي كانت له معه قصة قديمة مشجية، ~~زمان إذ أسره أخيل واستاق قطعانه، وحبسه في جزيرة لمنوس، حتى افتداه ~~أهله من الحرس الموكل به، ورشوهم بمائة ثور جسد ذي خوار ليطلقوا ~~سراحه! # مسكين ليكاون بن بريام! لقد فر من جزيرة لمنوس منذ اثني عشر يوما ~~فقط، وسعى إلى هذه الساحة النكراء ليلقى فوق أديمها حتفه، كما ~~لقيه أخوه بوليدور من قبل. # ودهش أخيل؛ إذ رأى ابن بريام يذرع في الميدان أمامه، وعجب كيف أفلت ~~من منفاه السحيق في عرض البحر، ثم أيقن أن في الأمر مكيدة، فانقض ~~على الفتى المسكين انقضاض الباشق، وأرسل إليه طعنة نجلاء كادت ~~تخترم أجله لولا هذه اللفتة الرشيقة التي انفتلها الشاب فأنقذت ~~حياته، ولو إلى حين! # وفتح الفتى عينيه فنظر إلى شبح الموت تنتشر سماديره من ظبة سيف ~~أخيل، وأحس كأن هذا الشبح يلاحقه في كل مكان فيقبض على عنقه ويضغطه، ~~ثم ينشب فيه أظفاره فيسري السم في هيكله الخاوي فلا يكاد ~~يبين! # وحاول أن ينجو من روع هذا الموقف، ولكنه كان أبطأ من حتفه الذي ~~يسابقه، فلما أيقن أن لا سبيل إلى الفرار ألقى سلاحه وتقدم إلى ~~أخيل فقبل ثرى الساحة عند قدميه، ثم لف ذراعيه المرتجفتين ms110 حول ~~ساقي زعيم الميرميدون، وطفق يضرع إليه ألا يقتله؛ «فإن لي أما ~~محزونة ما تفتأ ترسل دموعها على أخي بوليدور الذي قتلته منذ لحظة، ~~والذي أذويت شبابه النضر ولم تبق على عوده الفينان، ولم ترحم فيه ~~قلوبا تعطف عليه، وأبا شيخا أصبته في ولده بقاصمة الظهر، أرسلني ~~يا أخيل تباركك الآلهة وترعاك أرباب الأولمب، ولا تفجع في ~~ذينك القلبين الحنيين علي الحفيين بي ...» # وكان الفتى يغسل توسلاته بعبرات شبابه ، ويصهرها بآهات صباه ... ~~ولكن أخيل الذي يضطرم حزنا على بتروكلوس لم تأخذه رحمة في ابن بريام ~~المسكين، وأخي هكتور الذميم! بل استل جرازه البتار وأهوى به على ~~عنق الفتى، فطاح الرأس الطروادي الكريم! # وكان البطل الطروادي العظيم سترابيوس بن بلجون - رب البركات الذي ~~يدين له بحياته أكسيوس رب النهر الشرقي الكبير - كان سترابيوس على ~~مقربة من أخيل وهو يصرع ليكاون بن بريام، فجزع - شهدت الآلهة - على ~~ابن الملك، وأحزنه ألا يرق أخيل لتوسلاته؛ ووقر في نفسه أن يقتص ~~له من هذا الشيطان ويخلص الطرواديين منه، فيطير ذكره في الخافقين ~~ويقترن اسمه بما لم يقترن به اسم أحد في العالمين. فيمم شطر أخيل ~~والكبرياء تنفخ أوداجه، والغرور يشيع في أعطافه، ثم هز رمحه ~~هزة المتحدي الخصيم. # وزجره أخيل فلم يزدجر، فانقض عليه انقضاض الحتف، وأخذه أخذ ~~المنية، لا تجدي فيها إذا أنشبت أظفارها التمائم، ولا تدفعها ~~الرقى، ولا تفلت من أقصدته ولو كان في برج مشيد! # وأرسل أخيل رمحه كالصاعقة، لو لقي الصخر لقده، أو الجبل لنفذ ~~فيه، ولكن سترابيوس كان أرشق من أن يلقى الطعنة، فانزلق انزلاقة ~~خفيفة أذهبت الرمح في الهواء، ثم هوى إلى الأرض فغاص فيها؛ ومن ثمة ~~راح يداعب أخيل حتى أحنقه وحتى بلغ الغيظ منه، فامتشق ابن بليوس ~~سيفه وصرخ صرخة رجفت لها السماء، وانصدع من هولها جانب الجبل، وهجم ~~على سترابيوس هجمة رابية فلم يفلته، بل أرسل السيف في بطنه فخرج ~~سنانه يلمع من ظهره، وبرزت الأمعاء فاجتمعت حولها أسماك الماء، ~~تنوشها وتتغذى بها. # وريع سكمندر ms111 - رب النهر العظيم - إذ نظر فرأى ابن ضيفه المقدام ~~يلفظ أنفاسه ويساقط نفسه، فدارت الأرض به، وضاقت عليه بما رحبت، ~~وتجهم من توه لأخيل، وود لو انشق فابتلع ابن بليوس آخر الدهر، ~~أو لو يأخذ هو سيفا فيقد به أضلاعه ويطيح به رأسه، ويريح ~~العالم من بأسه. لكنه آثر كإله له وقاره، أن ينذر أخيل ويأخذه ~~بالحيلة، فخاطبه من القرار، فقال: «أخيل! يا ابن بليوس العظيم! أنا لا ~~يهمني أن تصطلم الطرواديين جميعا، ما دام زيوس قد سلطك عليهم ~~ورماهم بك، أنا لا يهمني من ذلك شيء، ولكن الذي يحزنني ويضيق به صدري ~~هذه الجثث الكثيرة التي يعج بها عبابي، وينتشر منها الخبث في ~~أرجائي؛ لقد أنتنت يا أخيل وخالطت عذوبة مائي، ولم يعد لي بها ~~طاقة ولا عليها جلد، وهي إلى ذلك كادت تقف تياري وتشل حركتي، فهلم ~~فارفعها عني، وقف التصريع والتقتيل حتى تطهر مجراي من أدرانها وحتى ~~ألفظ أنا إلى البحر ديدانها ...» # وتبسم أخيل قائلا: «أما أن أقف هذه الحرب فلا سبيل إلى ذلك حتى ~~آخذ بثأر بتروكلوس، وحتى أدك طروادة على رأس هكتور، فإما أن ألقاه ~~فأقتله، وإما أن يلقاني فيقتلني، وأما أن أطهر مجراك من هذه الجثث ~~الطافية فوقه، فليس لي الآن بذلك يدان، أو تضع هذه الحرب ~~أوزراها.» # وحنق سكمندر العظيم وانطلق إلى أبوللو يكلمه في أمر أخيل، ولم ~~يدعه أبوللو حتى أغراه بابن بليوس أعدى أعدائه وأشد شانئيه، وحتى ~~أثاره عليه وهاج فيه كل حقد دفين. وعاد سكمندر فأشار إلى الماء ~~فعلا وفاض، وإلى الموج فتلاطم وجرجر، وإلى الأواذي فدومت وهومت ~~ولاحقت أخيل من ها هنا وها هنا؛ وفطن ابن بليوس إلى الخطر الذي أوشك أن ~~يحيق به فهرع يحاول الفرار، ولات حين فرار؛ فقد أزبد الموج، وانساب ~~العباب، وتشققت الأرض عيونا ومسايل، وعمقت اللجة، وبعد ما بين ~~سطحها وبين قدمي أخيل، أو ما بينه وبين قرارها، فأطلق المسكين ذراعيه ~~يسبح في أغوارها، ويتعلق بالجثث الطافية فوقها. # واشتد الخطب وعظم الكرب، وصرخ أخيل ms112 يستنجد أربابه، فما كادت ~~حيرا تسمعه حتى فزعت إليه، وأمرت فلكان ابنها فانطلق يجفف الأمواه ~~بنيرانه، ويرسل على الطوفان بدخانه، ويستعين في كل ذلك بآلهة الريح ~~التي هرعت إليه من كل صوب تساعده، وكان زفيروس الكريم يهب على النهر ~~اللجي سجسجا، ويذهب منه بكل مزنة مثقلة، وديمة محملة، فلم يمض ~~غير بعيد حتى صفا الجو، وغيض الماء، وبرز أخيل يحمل عدته، فطربت ~~الآلهة لنجاته، وانقض فلكان على سكمندر يحاول أن يثأر لأخيل منه، ~~ولكن سكمندر يعاهد حيرا - إذا هي صدت عنه ولدها فلكان - أن يحصر ~~الطرواديين بموجه، فلا يمكنهم من الدخول إلى مدينتهم، ويجعلهم بذلك ~~هدفا لأخيل يصنع بهم ما يشاء! ~~••• # وتثار الخصومة بين الآلهة لموقف فلكان من سكمندر، ويغيظ مارس من ~~مينرفا أنها تؤيد فلكان وتحرضه على رب النهر المسكين الذي أفزعته ~~النيران تأخذه من كل حدب، فتقدم إليها وطفق يقرعها وتقرعه، ويرميها ~~بالمثالب وترميه بها، ثم تناول رمحه العظيم واستجمع كل قوته، وأرسله ~~يود لو يقضي به على ربة الحكمة الحازمة، ولكن؛ ويل لك يا مارس! لقد ~~ارتد الرمح فلم يستطع إلى درع مينرفا من سبيل؛ وانحنت الإلهة ~~المغيظة فأخذت حجرا من أكبر حجارة الجبل وقذفت به مارس فدكت عنقه ~~وقصمت ظهره وتركته على السفح الشاحب لقى من ألقاء هذه الحرب! # وظل مارس ممددا على السفح يخور ويئن ويتلوى بجثته العظيمة # 2 # التي كانت ترتطم بالجبل فتميد به وتهزه هزا ~~شديدا. # وأقبلت فينوس فوقفت تواسي مارس وتهون عليه ما فعلت به مينرفا، ثم ~~أنهضته وانصرفت به، ولكن حيرا أرسلت في إثرهما مينرفا ترى ما يكون من ~~أمرهما بعد كل تلك الفضائح التي لوثت شرفهما، وجعلت اسمهما مضغة ~~في جميع الأفواه. # وأقبلت فينوس على مارس تشفي حرقة في قلبه، وتنيله من قبلاتها ما ~~تنسيه به بعض الذي لقيه من أذى، ولكن مينرفا أهابت بهما! وطفقت تنصح ~~لهما أن يدعا إليوم فلا ينصراها على شعبهما المختار، هيلاس العزيزة! ~~ولكن! لقد أسمعت لو ناديت حيا! فلقد أعطت فينوس باريس موثقا وإن ms113 ~~فينوس لصادقة! # وانطلق نبتيون يعظ أبوللو ويصرفه هو الآخر عن مؤازرة الطرواديين، ~~فذكر له أيام أن نفاهما زيوس إلى أقصى الأرض، فأتيا إلى طروادة، وعملا ~~في خدمة أميدون الجبار الذي لم يتورع أن يرسل أبوللو فيرعى له ~~قطعانه ويسمن نعمه وشاءه # 3 # كأن لم يكن أبوللو ابن إله عظيم، وكأن لم يكن هو نفسه ~~إلها عظيما! «أتذكر هذه الأيام يا أخي أبوللو؟! ... أتذكر أيام أن كان ~~هذا العاتية العنيد يسومنا الذل ، ويقهرنا غاية القهر، وينزل بنا ~~أشد ألوان الخسف، متذرعا بغضب سيد الأولمب علينا، لا تأخذه فينا ~~رحمة، ولا يهمه أن نبرم ونتسخط ما دام - فيما كان يزعم - يؤدي ما ~~أمره به أبوك زيوس! # فيم هذه المناصرة كلها لطروادة يا أبوللو؟ ماذا تذكر من حسنات ~~لملكها اللعين أوميدون؟! أنسيت يوم أسخطناه بالتراخي قليلا في ~~عملنا، فأمر بنا فقطعت آذاننا وشد وثاقنا وأصبحنا ضحكة كل ~~راء؟! لا، لا يا أبوللو، أنا لا أرتضي لك أن تكون غبيا إلى هذا ~~الحد ...» # وعملت فيه كلمات العم نبتيون عملها فعاهده ألا يخوض غمار هذه ~~الحرب كرة أخرى، وقاسمه ألا يسدد فيها بعد اليوم سهما، ولو ~~عيرته أخته ديانا ألف تعيير! # وماذا لو عيرته ديانا ورمته بالجبن أمام نبتيون؟ ها هي ذي حيرا ~~تسمع إلى ربة القمر، فتقذفها أشنع القذف وأمره، # 4 # ثم تهجم عليها فتكبلها وتنثر كنانة سهامها - وتمضي ~~بعد ذلك لشأنها ... تأتي لاتونا - أم ديانا الباكية - فتواسيها وتذهب ~~وإياها إلى زيوس المتربع فوق سدة الأولمب، فتشكو إليه ما لحق ~~ابنتها من زوجه، ويغضي الإله ... لأنه ليس له على حيرا يدان! # ويتم الظفر لأخيل وجنده بعد أن ينسحب أبوللو من المعركة، فيأخذ ~~الطرواديين أخذ عزيز مقتدر؛ ويقف بريام الملك في برج شاهق يطلع على ~~الساحة، ويشهد هزائم جنده، فتدمع عيناه، ويأمر بالبوابة الكبرى ~~فتفتح، ويهرع الجنود ناحيتها فرارا من أخيل وشياطين أخيل، ولكن ~~أخيل وشياطين أخيل تشطر الجنود الفارين شطرين، بل يستطيع أخيل ~~وكوكبة قوية من الميرميدون أن ينفذوا إلى البوابة الكبرى ويدخلوا ~~طروادة ms114 فاتحين! # وهناك يثبت لهم أجينو البطل الطروادي الحلاحل، ويأخذ مع أخيل في ~~ملاحاة عنيفة، ثم يتقارعان برهة، ويصاول أحدهما الآخر. # ويكون أبوللو! إلى جانب أجينور يحضه ويحرضه ويثبت قدميه، ~~ناسيا مواثقه التي قطعها على نفسه أمام نبتيون. # ويهم أخيل أن يبطش بفتى طروادة. # لو لا أن يعز على أبوللو أن يلحق أجينور بصاحبه استرابيوس من قبل، ~~وبعشرات الأبطال من مثل استرابيوس، فيتقدم إلى أجينور يحميه، ويرسل ~~عليه سحابة بيضاء فيحمله فيها ... مضللا أخيل عن خصمه، ومبعده خارج ~~البوابة التي يقفلها الطرواديون من دونه. # | مصرع هكتور # اختلط حابل الطرواديين بنابلهم، وظلوا يهرعون إلى الأبواب حذر ~~الموت الذي يتلقفهم عن شمائلهم وعن أيمانهم، ومن فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم، كأنما جثت المنايا في كل خطوة فهي لهم بالمرصاد ... طالما ~~يكر أخيل هنا ويفر هناك، وتكر من خلفه وتفر شياطين الميرميدون ~~صائحين متهدجين «يا لثارات بتروكلوس!» # ووقف أبوللو وهو يتميز من الغيظ يشهد المعركة ويرى إلى أخيل يحصد ~~تلك الرءوس اليانعة التي لم يحن بعد قطافها فلم يملك أن دنا منه ~~وقال: «على رسلك يا ابن بليوس، فكأني بك ما كفاك من صرعت حتى ~~لتحدثك نفسك بقتال الآلهة، ومحاربتي أنا من دون أرباب الأولمب خاصة! ~~ولكن هيهات! فإنك لا بد يوما ذائق الموت الذي لن يذوقه إله في الأرض ~~ولا في السموات، فاقصد في تقتيل هؤلاء الأبرياء ولا يغرنك نصر قد ~~تكون في آثاره هزائم ...» # وعبس أخيل عبوسة قاتمة ثم نظر إلى أبوللو مغضبا وقال: «حسبك ~~يا سيد الشمس ما ضيعت من جهود وما فوت علي من ثارات. أعرج في ~~سمائك الشاسعة ودع بني الموتى يصطرعون من أجل المجد والشرف ... لقد ~~أنقذت خصمي من قتلة محققة، فهل يا ترى تظل يا سيد الشمس تعترض طريق ~~الأقدار ليمرح في كنفك الفجار الأشرار؟» # وانطلق أخيل يعدو في إثر هكتور، وكان هكتور قد أخذته العزة أن ينجو ~~بنفسه فيدخل المدينة مع الداخلين. # وكان بريام الملك الشيخ يشرف على الساحة الحمراء من أحد أبراج ~~مدينته، فرأى ابنه واقفا ms115 في إحدى حنيات الأسوار يستجم، ويرسل ~~في رهج الميدان عينين سادرتين محزونتين تشفان عن قلق عميق، واضطراب ~~دوي، فريع الأب المفئود وزلزل زلزالا شديدا، وطفق يئن أنينا ~~عاليا ويضرب صدره الموهون بيديه الواهيتين ثم يصيح بابنه أن يسارع ~~إلى البوابة الإسكائية قبل أن يلحق به أخيل، عسى أن ينجو مما يتربص ~~به من منون. ~~«أي بني! هكتور! فيم تقف في هذا الميدان وحدك تنتظر الطاغية أخيل ~~عليه لعنة السماء والآلهة بقتله بني وإهداره دماء مواطني! # هلم يا بني فحسبي ما جزعت على بوليدور، وحزنت أمض الحزن ~~وأوجعه على ليكاون، وما حطم قلبي من الأسى على أبناء إليوم! # هلم يا بني فأنت أمل طروادة ومعقد رجائها، وليس لها بعدك من ولي ~~ولا شفيع! # هلم فأبوك الشيخ قد صدعه الحزن وأوقرت ظهره ويلات الحرب ~~وأغطشت عينيه أرزاء هذا البلاء، فلا تكن أنت محنة المحن التي تحل ~~به، واستبق شبابك له يتسل بك، ولأمك المفجعة تستلهم بقربك الصبر ~~على ما كرثها الزمن الصارم من نكبات يلاحق بعضها البعض، وتأخذ ~~أولاها بتلابيب أخراها مشرق كل شمس وكل مغيب شمس. # هلم يا هكتور إلي! إلى والدتك! إلى زوجك! إلى طفلك الذي تكاد ~~تسلمه لليتم، وتدعه خلفك للشقاء! # هلم وحسبنا أرامل شجعاننا اللائي يحلن إشراق أيامنا ظلمة، ~~ويصيرن لألاء الحياة قتاما، ويرسفن في أغلال الاستعباد حيث يقمن ~~في خدمة الإغريق اللؤماء! # هلم إلي يا بني! فوأرباب الأولمب إني لأرتعد فرقا كلما خلتك ~~ملقى بالعراء تنوشك سباع الطير، منبوذا لضواري هذه البرية التي ~~طالما أطعمتها وأكرمت مثواها ...» # وصمت الملك وراعه أن ابنه لم يتحرك لتوسلاته، بل لبث مكانه ~~يرمق الميدان، فراح يضرب يدا بيد، ثم انحنى فجعل يحثو التراب على رأسه ~~المجلل بثلج الشباب وندف الأيام، وبهذه الشعلة البيضاء التي زادتها ~~أحداث الزمان اضطراما. # وكانت هيكوبا إلى جانبه ... هكيوبا مليكة إليوم ... هكيوبا الأم ... التي ~~فجعها أخيل في عدد من أعز أبنائها، ويحاول اليوم أن يفجعها في ~~هكتور، ابنها البكر، وتاج الأمومة الوضاح الذي تفخر به كل أم ms116 وتدل به ~~كل والدة! # وقالت الأم الباكية تخاطب هكتور: «هلم يا ولدي؛ فإنك وحدك لا ~~تستطيع أن تكبح جماح هذا البحر الزاخر من الجند، بل لو أن معك ألفا ~~من شجعان طروادة ما وسعهم أن يردوا عادية هؤلاء الميرميدون ~~المقنعين في حديدهم المدلين بعديدهم. # هلم يا هكتور واستبق شبابك وعنفوانك لأمك المحزونة التي لم يبق ~~لها من ولد غيرك، ولا عز إلا في جوارك ولا حمى إلا في كنفك، ولا ~~مجن يرد عنها عوادي الأيام إلا في ظلك، ولا فخر لها بين النساء ~~إلا فخرك، وما تمد الآلهة في أيدك وتشد به أزرك ... # هلم يا بني فقد أزعجتني الرؤى وروعتني الأحلام، وجثمت فوق ~~صدري أشباح هذه الساحة التي تفتأ تلبس الحداد وتخلعه وتغري بالنصر ~~ثم تنزعه، وإن سرت بطلا بفوز تنكص فتفجعه، فتقد أضلعه وتمزج بدمه ~~أدمعه ...» # وكانت الملكة - كما كان الملك - تمزج توسلاتها إلى ولدها بأغلى ~~الدموع وأحر الآهات؛ بيد أن هكتور ظل مسمرا مكانه كالحية ~~الرقطاء التي تتحوى وتتكوم في انتظار عابر تنقض عليه؛ وكان ~~يمني نفسه أن يأخذ أخيل على غرة، فيريح طروادة منه، ويضفر لنفسه ~~بنفسه إكليلا من المجد لم يزن مفرق بطل من قبل. # وكانت توسلات أبويه تتناثر حول أذنيه ولا يصغي لها قلبه، بل هو ~~قد ظل يحلم في يقظته أحلاما معسولة كانت تطن في خلده هكذا: ~~«ضلة لي إذا ثنيت عناني إلى المدينة ألوذ بها من أخيل، فأرسف أبد ~~الدهر في حضيض العار، وأطأطئ حياء كلما رأيت طرواديا يهمس في أذن ~~أخيه: إن هذا هكتور الذي ولى دبره ونكص على عقبيه ولم يجرؤ أن ~~يلقى أخيل بمفرده في الميدان، وأين أذهب من غادات إليوم وحرائرها إذا ~~أنا وليت الأدبار، وهاهن مشرفات على الساحة يرين ماذا يكون من أمري ~~مع ابن بليوس الذي تفزع الآلهة من ضرباته، وتمور الأرض تحت عجلاته، ~~وتنعقد عجاجة الوغى فوق رأسه، في حين يبرز منها كالكوكب الدري! حاشاي ~~أن أعود أجرر أذيال الخيبة؛ فإما أن ألقاه فأريح الدنيا قاطبة ms117 من ~~شره، وإما أن يريحني هو من هذا الهم المقيم فأقضي في سبيل بلادي ~~ومن أجل مملكتي. # ثم فيم صراخ أبي وعويل أمي؟ أيرجوان أن أدخل إلى المدينة فأكون ~~بنجوة من الموت الشريف فوق أديم الميدان ساعة ثم يفتحها أخيل علي، ~~فيذبحني كما يذبح شاة لا حول لها ولا طول، أو يضع الأغلال في عنقي ~~ويجرني في شوارع «إليوم» كما تكون أذن الجارية في يد النخاس بسوق ~~الرقيق؟!» ~~«حاشا ... بل خير لي ألف مرة أن أخوض خبار المعمعة ما دام لن يضيرني ~~إلا ما حتمت المقادير علي.» # وما كاد يفيق من أحلامه حتى كان أخيل أمامه وجها لوجه وعلى كتفه ~~الرحب الهرقلي رمحه الظامئ العتيد، وفوق صدره العريض الممرد سوابغ ~~دروعه التي سردها الإله الحداد فلكان، تنعكس عليها آلاف وآلاف من آراد ~~الشمس فتبهر الأبصار وتخلع الأفئدة وتذيب في الجوارح كهرباء الرعب ~~وتشعل في الرءوس ضرام المشيب! # وزاغ بصر هكتور واضطربت مفاصله ونخب قلبه واستطير لبه وأحس ~~كأن جبلا ينحط على روحه فلا يكاد يفلتها، وذاب الثلج في عروقه ~~فجمدت من الروع والفزع وهزته قشعريرة طفقت تعصف بكيانه الضخم وتلعب ~~بفؤاده الوني. # ثم بدا له أن يلهب جياده فتفر به من وجه أخيل، ولكن إلى أين؟ إنه ~~حيثما تولى فثم وجه أخيل! إن أخيل غدا آلافا لا حصر لها من ~~الأشباح المفزعة تملأ الساحة وتكظ الهواء وتأخذ على الطرواديين ~~أنفاسهم! # وانطلق ابن بليوس في إثر هكتور، وأشرف عذاري إليوم يطللن من أبراج ~~المدينة الخالدة ويمسكن حبات قلوبهم أن تثب إلى الميدان فتطأها ~~سنابك تلك الجياد الجوامح. وكان كلما أغذ هكتور خف أخيل في أثره، ~~فكانا كالأبردين: # 1 # لا الليل يدرك النهار ولا النهار يستأني فيدركه الليل حتى ~~نال منهما الجهد، وتفزعت الآلهة في علياء الأولمب إشفاقا على ابن ~~بريام العظيم، ورثاء لابن بليوس المتهدج ورحمة لهذه الأرض المضرجة ~~بدماء الشهداء. # وهم سيد الأولمب أن ينقذ هكتور لولا أن أقنعته ابنته مينرفا ربة ~~الحكمة والموعظة الحسنة فنحته عن طريق الأقدار وأخلت ms118 بين أخيل ~~وخصمه. # وطافا حول طروادة ثلاثا وما كادا يبدآن طوافهما الرابع حتى قبض زيوس ~~إليه ميزان القدر فهوت كفة الحق بقتل هكتور، واربد وجه أبوللو وسقط ~~في يده، وانطلق يضرب أخماسا لأسداس! ... # وأسرعت مينرفا إلى أخيل تزف إليه بشرى السماء، وآثرت له أن يلبث ~~مكانه يستجم نشاطه ويتنفس الصعداء حتى تذهب هي إلى هكتور فتغريه ~~بلقاء خصمه وتنفره من هذا الفرار الذي أضحك منه قيان إليوم ~~وحسانها ... # واستخفت مينرفا وبدت لهكتور في هيئة أخيه الأصغر ديفوبوس، ثم ~~راحت تحضه على الحرب وتحرضه على أخيل، وتهون له من شأن زعيم ~~الميرميدون، وتعده أنها ستقدم له كل عون حتى يظفر به وتنصره ~~السماء عليه نصرا عزيزا. # ولم يشك هكتور في أن الذي يخاطبه هو شقيقه وحبيبه ديفوبوس، فوقف ~~قليلا يفرج عن قلبه بعض ما كرثه من روع، وراح يمزج شكرانه لأخيه ~~بدموع الفزع، وذلة العبارات المتقطعة الحزينة، وخفقان القلب المضطرب ذي ~~الوجيب! # وانثنى هكتور للقاء أخيل. # فما كاد ابن بليوس يشهده مقبلا بعد إذ كان مدبرا حتى طرب قلبه ~~وشاعت بشاشة اللقاء في زنده القوي وسواعده المفتولة، ثم انقلبت هذه ~~البشاشة إلى جهنم من الغيظ تستعر بالتشوف إلى الانتقام في فؤاده، ~~وتضطرم بلظى البطش في سويدائه؛ وتطل من عينيه تود لو تنقدح في ~~أضلع هكتور! # وقال هكتور: تخدع نفسك يا أخيل إذا ظننت أني كنت ألوذ بأذيال الهرب ~~منك، حين أجريتك هذه الأشواط الثلاثة حول إليوم! لا ... فإنني ما حاولت ~~إلا إجهادك وأن ينال الإعياء منك، والآن، ها أنا ذا قد انقلبت ~~للقائك فإما أن أقتلك وإما أن تروي روحك الظامئ من دمي. من يدري؟ ~~أليست الأقدار مطوية عنا في صحائف الغيب؟ لا يعلمها إلا سيد الأولمب ~~وكبير الآلهة: زيوس جل شأنه! # بيد أنني أطمئنك من الآن يا أخيل، إن أظفرتني السماء بك، فلن ~~أفضحك في هذه العدة السابغة من فوقك، ولن أنزع عنك تلك الدروع ~~الضافية التي لن تنفعك من المقادير من شيء ... ثم أعدك أيضا ألا ~~أفضحك بعد موتك ms119 في هذا الجسم العزيز الذي سيكون بعد قليل جثة لا ~~نأمة فيها ولا حياة ... لن أرسل بك إلى عراء طروادة فأنبذك فتأكل ~~الطير منك، وتنوشك سباع البرية الموحشة التي تعج بالضواري والكلاب ~~... لا ... لن أفعل من ذلك قليلا ولا كثيرا ... بل سأترك لجنودك البواسل أن ~~يحملوك إلى سفائنك عزيزا في قتلتك كما كنت عزيزا في معاشك. # والآن؛ يا ابن بليوس! هل تعدني الوعد الذي وعدتك؟ وهل تعاملني ~~بمثل ما أنا معتزم أن أعاملك إن أظفرتك السماء علي؟ # وتزلزل الأرض تحت عربة أخيل مما سمع من مهاترة ابن بريام، ويقذفه ~~بشواظ من الكلم المحنق والقول المضطرم ثم يقذفه بصعدته الظامئة التي ~~تمرق إلى هكتور كالبرق الخاطف لو أصابت منه عضوا لذهبت به إلى ~~الجحيم. # ولكن هكتور العظيم ينفتل كالبرق الخاطف، فيهوي رمح أخيل إلى أرض ~~الساحة ويغوص ثمة إلى ثلثيه ... إلا قليلا. # وكانت فرصة طيبة لهكتور ينفرد فيها بخصمه الأعزل لو لم تكن مينرفا ~~حاضرة وعلى أهبة تامة لمعاونة أخيل؛ فلقد سارعت إلى الرمح فانتزعته ~~من الأرض، وسلمته لصاحبه دون أن يلمحها هكتور ... # وقبل أن يتهيأ لها أن تصنع ذلك قال ابن بريام: «أخيل! ها قد طاشت ~~ضربتك وآن لطروادة التليدة أن تستريح منك يا ألد أعدائها! لقد كنت ~~تحدث نفسك برأس هكتور غريمك وخصمك، فلتبحث الآن عن رأسك يا ابن ~~بليوس.» # ولم يكد البطل المسكين يتم قولته ويضيع بها فرصته حتى كانت ~~مينرفا قد أعادت الرمح إلى أخيل ... وحتى تبسم أخيل ابتسامة لاذعة ~~ساخرة بما قال هكتور الذي داعب هو الآخر رمحه ثم أرسله كأنه الحتف ~~فارتد على درع فلكان، ثم هوى إلى الأرض فغاص فيها؛ وقبل أن يلحق به ~~هكتور حال أخيل بينهما، وأصبح الموت أقرب إليه من حبل الوريد؛ ~~وتلفت ابن بريام يبحث عن أخيه ديفوبوس فلم يعثر له على أثر فصاح من ~~الوجل يقول: «يا ديفوبوس! أغثني يا ديفوبوس! أدركني يا ديفوبوس! هات ~~لي رمحا يا ديفوبوس ...» # بيد أن ديفوبوس لم يغثه ولم يدركه ولم يحضر له ms120 رمحا، ~~وبدت له مينرفا وهي تبتسم ابتسامة خبيثة زلزلت أركان هكتور؛ الذي ~~فطن إلى الحيلة التي جازت عليه، فقال يخاطب الربة الساخرة وهو يكاد ~~ينشق من الغيظ: «يا للسماء! أهكذا تخاتل الآلهة، فتقضي بموتي في معركة ~~لا أحمل فيها سلاحا ... ولكني سأقاومك يا ابن بليوس، فإذا سقطت فلن ~~يكون لك في ذلك فضل ولا محمدة، واذهب من بعدها فصل للخاتلة التي ~~نصرتك وآزرتك ...» # وامتشق المسكين سيفه، ولكن ماذا يصنع الجزار البتار في ملحمة لا ~~يقطر الموت فيها إلا على أسنة الرماح! # لقد انقض أخيل على فخر طروادة وأملها المذخور فعاجله بشكة من ~~رمحه الظامئ نفذت في عنقه وهوت به إلى أديم الأرض المقدسة التي طالما ~~دافع عنها مع جنوده البواسل الكرماء. ~~«هكتور! اليوم شفيت حزني الممض على بتروكلوس، واليوم تذهب روحك إلى ~~ظلمات هيدز غير كريمة ولا محمدة، يا كلب طروادة المذءوم! كم كنت ~~تمني نفسك لو تظفر بي فتنبذ جثتي بالعراء لوحوش طروادة وجوارح ~~طيرها ... ألا فحدث نفسك الآن ماذا صنع القدر بك!» # ويتهدج هكتور قائلا: «أخيل! يا ابن بليوس العظيم! أستقسمك برأسك ~~الرفيع وأبويك الحبيبين، ألا تأخذ جثتي فتنبذها لكلابك، وتعفر ~~جبيني الحر بثرى المذلة بين أصحابك، وحسبك أن الآلهة قد أظفرتك ~~بي وأن المقادير السود قد أفلذتك علي». # فيقول أخيل وقد زهاه النصر على ألد خصمائه: «اطمئن يا هكتور! ~~فكلابنا لا تستطيب إلا جزر الأبطال، وستكون لها وليمة فاخرة، فو ~~رأس أبيك لو ملأ لي بريام هذه الدنيا ذهبا على أن أخلي بينه وبينك ~~ليعود بك إلى إليوم ما رضينا بك بديلا ...» # وتكون سكرة شديدة من سكرات الموت جاثمة في صدر هكتور تعذبه ~~وتضنيه، فيتأنى قليلا حتى تنجاب عنه الشحرجة ويفتح عينيه، ويقول: ~~«أخيل! لا تغتر بما تم لك من نصر؛ فباريس أخي سيقتص لي منك، ~~وسيرميك من أبراج طروادة بسهم يعجل بك إلي ... في هيدز ... وثمة ~~سنلتقي!» # ويموت البطل! # وتنطوي صحيفة مجيدة من صحائف طروادة. بل تنطوي أنصع صفحاتها جميعا ~~بموت هكتور. # يا عجبا! # هل كان ms121 كتاب الغيب مفتوحا أمام هكتور يقرأ منه عندما أنذر أخيل ~~بسهم باريس؟! ~~••• # وازدحم الهيلانيون حول الجثة يطعنونها ويصلونها كلوما عجزوا عن ~~إيصالها إليها حية، فأبوا إلا أن يصلوها بها ميتة. # ونزل أخيل من عربته فانحنى على الجثة، ونزع عنها تلك العدة ~~العزيزة التي نزعها هكتور عن جثة بتروكلوس ... عدة أخيل ... فلن تكون بعد ~~اليوم إلا لأخيل! # واستل ابن بليوس خنجره، وأهوى على عقبي هكتور فخرمهما، وربط ~~القدمين العزيزتين في مؤخر عربته الحربية، ثم ألهب جياده فهامت على ~~وجوهها في الساحة، وطفقت تطويها مثنى وثلاث حول إليوم، والرأس العظيم ~~يتعثر بثرى المعمعة الذاهلة، والطرواديون فوق الأسوار ينظرون ولا ~~يحيرون، إلا هذا الملك الشيخ ... بريام المذهول، الذي راح يملأ الفضاء ~~أنينا موجعا، وشجوا مفزعا، وإلا هذه الأم المرزأة ... هكيوبا الملكة، ~~التي راحت تحثو التراب فوق رأسها، وتتقلب فوق الأرض كالطائر ~~المذبوح. # أما أندروماك ... فلها السماء ... ولها الآلهة! # لقد كانت تضفر أفواف الزهر للقاء هكتور، وترشق الورود في أرائك ~~المخدع، وتعد الحمام الساخن لغسل ثرى الميدان ... ولم تكن تفكر ~~قط إلا في عودة البطل مخضب الذيل بدماء الأعداء. # ولكنها سمعت لغطا وضوضاء يرتفعان فجأة خارج القصر، وكأن هاتفا من ~~السماء هتف بها أن تخرج لتستجلي النبأ، ولكنها شعرت بقوة خفية تدفعها ~~إلى البوابة الإسكائية، حيث وقف بريام يبكي ولده، فما كادت تصل ثمة ~~وتشهد هذا الجمع المحزون يذري دموعه، وما كادت تطل من شرفة البرج ~~فترى إلى هكتور مربوطا في عربة أخيل، وأخيل الجبار يطوي به الساحة، ~~ويذرع به الميدان، حتى وجفت نفس الزوجة البائسة وخرت إلى الأرض ~~مغشيا عليها. ~~••• # وأفاقت أندروماك التاعسة. # وطفقت تبكي زوجها وترثيه بالدم. # وطفقت نفسها تساقط عليه أنفسا! # | بعد مصرع هكتور # انتصر أخيل! # وعاد بجثة هكتور ليجد أمه لا تزال تسقي بتروكلوس خمرا! ولا تزال ~~تدفع عن القتيل المسجى فوق سرير الموت أسراب الذباب! ولا تزال تذرف ~~الدموع الغوالي! # ويهرول زعيم الميرميدون، ويهرول معه جنوده حول جثة صديقه ثلاثا، ثم ~~يقف فوق الرأس المتشح بجلال الفناء. ويقول: «السلام ms122 عليك يا ~~بتروكلوس؛ فلقد ثأرت لك! السلام عليك فأنت خير حياة من كثيرين ممن ~~ينعمون بالحياة، وإن تكن تسبح في لا نهاية هيدز! # هاك غريمك هكتور سأتركه جزر السباع وكواسر الطير، وسأضحي لك باثني ~~عشر من خير شباب إليوم ... أذبحهم عند قدميك بيدي! # ابكوا بتروكلوس يا رفاق!» # فيبكي الميرميدون على بطل أبطالهم، ويعولون حتى تخفق السماء ~~بأناتهم، وتضطرب الأرض بزفراتهم، ويمتلئ الهواء من حولهم أسى ~~وشجونا! # ويقبل الهيلانيون من كل فج يهنئون ويعزون : يهنئون بقتل هكتور، ~~ويعزون ويا حر ما يعزون في بتروكلوس! # ويمتلئ بهم شاطئ الهلسبنت؛ # 1 # ويأمر أخيل رجاله فيؤتى بالشاء والظباء، وبكل عجل ~~جسد وخنزير سمين؛ وتؤجج النيران، ويسطع الشواء حتى ينضج، وتكون ~~وليمة يقبل عليها القوم أيما إقبال، إلا أخيل ... المنعكف وحده يذرف ~~الدموع على بتروكلوس. # وأمر أجاممنون بماء ساخن يغسل به أخيل ما عليه من نضخ الدم وغبار ~~المعركة، ولكن أخيل يأبى إلا أن يظل النضخ ويبقى الغبار حتى يتم ~~تحريق بتروكلوس وحتى تنتهي المراسيم الدينية التي تقتضيها السماء، ~~ويفرضها بلوتو # 2 # على موتاه! # وتفرق الهيلانيون بعد أكل شهي وري، ونهض الميرميدون إلى خيامهم ~~يخلعون عددهم ويستجمون من عناء اليوم الحافل، ولبث أخيل وحده على ~~الشاطئ الشاحب يرقب أواذيه الصاخبة ويرى إلى أعراف الموج تنتطح هنا ~~وهناك وترتد ثم ترتد حتى تغيب في لا نهاية الماء! # ثم غفا إغفاءة فتمدد على العشب وأسلم جفنيه لنوم عميق. # ورأى ظلا حزينا يطيف به، ولا يكاد يبين، فتقلب ذات اليمين وذات ~~الشمال مما تأخذه الرؤيا به، ولكن الشبح ما يفتأ يهوم ثم يهوم، ~~ويقترب ثم يقترب حتى يكون عند رأسه، وحتى يقر النائم فما تبدو منه ~~حركة، ويسكن فما يتردد فيه نفس، ويحسر الزائر لثامه، فإذا هو ~~بتروكلوس! # لقد أقبل روحه الكبير يتحدث إلى مولاه، فيقول: «أخيل! أهكذا تنام ~~ملء عينيك وتدع صديقك يهيم في مملكة الظلمات دون أن يؤذن له بعبور ~~ستيكس الفائض بالحميم، ليقر في عدوته الأخرى مع المؤمنين! إنني يا ~~صديقي سأبقى طريدا شريدا ما ms123 دمت أنت متوانيا عن تأدية الطقوس التي ~~يتطلبها بلوتو وتفرضها السماء! # ماذا تبتغي بعد أن ثأرت لي يا أخيل؟ ألا يشجيك أن أظل معذبا في ~~هذا التيه الذي لا نهاية له، كاسف البال مسبوه اللب؛ لأنك تأبى أن ~~تؤدي لي فرائض الآخرة! # أتحسب أنا ملتقيان في دنياك كرة ثانية يا أخيل، فأنت تنتظر هذا ~~اللقاء؟ لا، لا يا صديقي؛ نحن لا نلتقي إلا هنا! في هذه الدار الجميلة ~~الهادئة التي لا صخب فيها ولا ضجيج ... سنلتقي هنا ... وسنلتقي سريعا ... ~~ولن أزعجك إذا أخبرتك بما علمته هنا! ... لأنك ملاق حتفك تحت أسوار ~~طروادة، لا تنزعج يا أخيل، فأنت بطل، والأبطال أمثالك لا يرهبون الموت، ~~والبطل الذي لا يجرع الكأس طافحة في حومة الوغى يموت موتة لا تشرفه، ~~فاطمئن! إنما ذكرت لك ذلك لأن لي رجية عندك أتمنى لو أديتها لي، ~~ذلك أن توصي فتدفن رفاتك في نفس الرمس الذي يضم رفاتي لنظل ~~آخر الدهر متقاربين كما كنا أول الدهر متقاربين، ولنقضي أحقاب الموت في ~~مربع معا كما قضينا شرخ الشباب في ملعب معا. # إيه يا ذكريات الماضي السعيد! # أبدا لن أنسى يوم حملني مولاي الأمين أمفيد أماس من نجاد أوبوس إلى ~~بلاط بليوس، حيث نشأت وترعرعت في ظلال القصر الذي ترعرعت فيه يا ~~أخيل، وأبدا لن أنسى هذا الحنان الذي كانت تغمرني به ذيتيس أمك ~~الرءوم حتى اشتد ساعدانا وسار الركبان باسمينا في كل ناد. # هلم يا أخيل، انهض يا زعيم الميرميدون، واذكر ما قلته لك.» # ويذرف أخيل عبرة غالية ويجيب بتروكلوس فيقول: «بتروكلوس! إلي يا ~~أعز الناس علي! سأفعل كل ما تريد، ولكن ... اقترب ... اقترب قليلا ... ~~لنسر من أحزاننا يا أخي! هب لي أن أعانقك فأنا مشوق إليك!» # وهب من نومه مذعورا مادا ذراعيه لعناق بتروكلوس، ثم ضمهما فجأة ~~... ولكن! # وا أسفاه! لقد ضم أخيل إليه الهواء! لأن الشبح العزيز قد ولى ~~بعيدا عنه ... هناك ... هناك ... في ظلمات السفل ... في ديجور الدار الآخرة ~~... في مملكة بلوتو الجبار ... حيث الأرواح والأشباح ms124 ... وحيث العذاب ~~والنعيم! # وصرخ الزعيم المفئود صرخة زلزلت عماد المعسكر، واجتمع لها القادة ~~مشدوهين مروعين، وروعهم أكثر هذا الحديث الطويل عن الرؤيا المشجية، ~~فأنفذ أجاممنون الملك عصبة قوية إلى غابات الصنوبر والشاهبلوط ~~القريبة، فجمعت أحمالا ثقالا من جذوع الأيك وحطام الدوح اليابس، ~~وأقبلت فكومت ما جمعت كومة واحدة عالية؛ ثم أمر أخيل جنوده ~~فاصطفوا حول الكومة بعددهم وعددهم وخيولهم وعرباتهم، وأقبل فوج ~~منهم يحمل جثمان بتروكلوس، موارى في شعر كثير انتزعه الفرسان من ~~رءوسهم حزنا على قائدهم بالأمس؛ وكان أخيل يتعثر خلف القتيل وقد ~~حطمه الحزن، ورزأته المصيبة في أعز أصدقائه، وغشيه من الهم ما ~~لو كان بعضه بوضح الضحى لأحاله ليلا من الوجد مظلما ... ونزع شعر ~~رأسه هو الآخر فغطى به وجه صاحبه، ومد ذراعيه المرتجفتين فرفع ~~الجثمان الطاهر، يعاونه نفر من الميرميدون ووضعوه فوق الكومة التي ~~تسامت وسمقت حتى غدا ارتفاعها مائة قدم أو تزيد. وأمر أخيل فذبحت ~~ألوف من العجول والخنازير والنعم، ونزعت عنها شحومها جميعا، ~~فوضعها بيده على الكومة من حول بتروكلوس، ثم أشار إلى حملة الزقاق ~~فطفقوا يصبون الزيت والعسل المصفى ليزيدا في ضرام الوقود. # وارتفع ضجيج بعيد وضوضاء فتلفت القوم وإذا فريق من الميرميدون ~~يسوقون الشبان الطرواديين الاثني عشر الذين أسرهم أخيل في ملحمة ~~الأمس، وقد كبلوا في الأصفاد ورهقتهم قترة مظلمة من الروع والحزن؛ ~~فلما شارفوا، تقدم أخيل المغضب الحنق، فاستل خنجره، وشرع يمسح ~~بأعناقهم ويبقر بطونهم، ويروي سنانه من قلوبهم ... والبشرية البائسة ~~تتلفت يمنة ويسرة ... وتتعذب ... وتبكي! # وأمر الزعيم فصفت الضحايا الاثنتا عشرة حول الكومة. # أما هكتور! فقد حدجه أخيل بنظرة ساخرة، وأقسم ألا يحرق جثمانه فينفد ~~روحه إلى هيدز، بل يتركه ثمة حتى تنوشه الطير، وتأكله كلاب البرية، ~~وتلقى عظامه في اليم، غير كريمة ولا مرجوة! # بيد أن منظرا عجبا خلب ألباب القوم، وأذهلهم عن أنفسهم ... ذلك أنهم ~~رأوا إلى شبح جميل أبيض، يصب دهن الورد فيجعل منه حنوطا مباركا ~~لجثمان هكتور، ورأوا كذلك إلى ضبابة ذات أفياء وظلال باردة تقف ms125 من فوقه ~~فتذود عنه أشعة الشمس المحرقة حتى لا ينتن أو يتعفن. # ماذا؟! آه! إنها فينوس الوفية التي تصب دهن الورد فوق هكتور، وإنه ~~أبوللو المحزون الذي ينشر الضبابة من فوقه تحميه من الشمس وتذود عنه ~~حرارتها! # وصلى أخيل صلاة قصيرة، ونذر لآلهة الريح إذا هي أقبلت تروح على ~~النيران حتى تذكو، أن يذبح لها ويقرب لها القرابين! وما كاد يفرغ ~~من صلاته حتى تقلب البحر واضطرب، ومار اليم واصطخب، وثارت العاصفة ~~الهوجاء في بطن الدأماء، وأقبل زيفروس وإخوته آلهة الريح فحاصروا ~~الكومة، وما هي إلا لمحات حتى كانت ضراما في ضرام ولظى يتأجج في ~~لظى. # وسكنت اللهب، وخفت أوار النار، وتقدم أخيل وحملة الزقاق ~~فصبوا على الجمر خمرا حتى خبا. # وتقدم نفر فرفعوا رفات بتروكلوس وهم يبكون، وأقدم أخيل فوضعها ~~بيديه في إران # 3 # من الذهب، وأشار إلى بعض أصحابه فحفروا في الأرض حفرة ~~كبيرة عميقة، وأسرع هو فوضع الإران فيها بين أنين الجند وبكاء القادة ~~وزلزلة الأرض والسماء! # وهيل التراب على الميت وعمل الكل في ذلك حتى كانت كومة عالية ~~من الردم ستظل آخر الدهر رمز البطولة الخالدة، وتحية الدار الآخرة ~~لهذه الدنيا المشحونة بالأشجان! # وكان من دأب الهيلانيين إذا مات أحد أبطالهم أن يحرقوه كما حرقوا ~~بتروكلوس، ثم تتلو ذلك حفلة ألعاب يشترك فيها أبطالهم، ويساهم فيها ~~الجندي الصغير إلى جانب القائد العظيم، وقد يفوز عليه فينال الجائزة ~~من دونه، وكانوا يعدون هذه الحفلة تتمة للجناز لا يكمل إلا بها؛ ~~فلما انتهوا من إقامة الشعائر الدينية للشهيد الكبير نهض أخيل فأعلن ~~القوم ببدء حفلة الألعاب ثم دعا للمشاركة في سباق العربات الحربية، ~~وعدد الجوائز فذكر أن للفائز الأول غانية من أبرع غانيات طروادة ~~جمالا، وأوفرهن حسنا، وأنبغهن في القيام بشئون المنزل، ثم آنية ~~عظيمة من الذهب الخالص، غالية الثمن، عالية القيمة، لا تقدر بمال ~~لما بذل في زخرفتها ونقشها من فن، وما أضفي عليها من عبقرية؛ وأن ~~للفائز الثاني مهرة صافنا تسبق الريح وتلحق البرق؛ وللثالث كوبا ms126 ~~من الفضة الناصعة، عظيم القدر، غالي الثمن، وللرابع بدرتين من الذهب ~~الإبريز، وللخامس إبريقا فضيا للخمر وكأسين للشراب. # واشترك في هذا السباق لهاذم أبطال الإغريق، وصناديدهم الصيد؛ وكان ~~أول من نزل إلى الحلبة يوميلوس الملك ابن أدميتوس العظيم، وتلاه ديوميد ~~الحلاحل ابن تيديوس؛ ثم منلوس سليل السماء، وفرع الآلهة بن أتريوس ~~الكبير؛ وكان رابعهم أنتيلوخوس المشهور بن نسطور الحكيم، الذي أخذ أعين ~~القوم بقامته السامقة، وعوده اللدن، وقوامه الأهيف السمهري الممشوق، ~~والذي تقدم إليه أبوه فقبله في حر الجبين، وزوده بنصائحه ~~الغوالي؛ وكان خامسهم مريونيس الهائل، صاحب الذكر البعيد، والشأو ~~المجيد، في كل مثار نقع وفي كل ميدان. # وكان على الفارس العظيم فونيكس أن يلاحظ السباق، فكان في مركزه هذا ~~حكما عدلا وقاضيا ماهرا. # وأعطى أخيل الإشارة، فانطلقت الجياد تزلزل الأرض، وتثير عجاجة ~~قائمة من ثرى الميدان، وتضرب الصخر بحوافرها فينقدح الشرر، ويميد ~~جانب الجبل، وتتصل أبصار القوم بالريح التي تتعثر في أدبار الخيل، ~~ويتحسس كل منهم قلبه، متمنيا قصب السبق لصاحبه الذي هو من ~~شيعته ... ثم ... تتدخل الآلهة في هذا اللهو البريء، فتغير دفة ~~المقادير، وتتحمس مينرفا للبطل العظيم ديوميد، حينما ينزع أبوللو السوط ~~من يده، ويلقي به على الأرض، فتعيده إليه؛ وتلحظ أن أبوللو يصنع هذا ~~ليظفر يوميلوس ويفوز بالسبق، فتذهب من فورها إلى ابن أدميتوس، وتنزع ~~إحدى عجلتي عربته، فيهوي البطل ويوشك رأسه أن يتحطم على الجلاميد ~~المتراكمة على جانبي الطريق. # وتعدو الخيل. # وتخفق قلوب القوم، ثم ينظرون فيرون إلى ديوميد قد أنهى الشوط، ونزل ~~من عربته فصافح فونيكس، واستحق بذلك الجائزة الأولى. # وتلاه أنتيلوخس، ثم منلوس الملك ثم مريونيس وكان أبطأهم. # وسكن القوم قليلا، وإذا هم يبصرون يوميلوس المقدام يسوق جياده، ~~وخلفها عربته التي حطمتها مينرفا، فيثير مرآه قهقهة عالية ~~وصخبا لا يقطعهما إلا أخيل بصيحة راجفة تعيد إلى الملأ وقارهم، ~~ويقضي ليوميلوس بالجائزة الرابعة «لأنه لولا الحظ العاثر لكان صاحب ~~الجائزة الأولى!» # واشرأبت الأعناق حين أعلن أخيل عن دورة الملاكمة. # وشارك فيها من الأبطال إبيوس ms127 فتى مفتول السواعد مكتنز العضل، رحب ~~الصدر، له قبضتان كأنهما حراشف جذور بارزة من جذع شجرة، ألقت بها ~~الريح في يوم عاصف، ونهض إلى جانبه شاب قوي بادي البأس، لم يلبث ~~القوم أن عرفوا فيه يوريالوس بن مسيتوس، الذي طالما شارك في أولمبيات ~~الملك أوديبوس، وكان أبدا فتاها وفارس حلبتها. # وأعطيت الإشارة فانقض الأسد على الأسد، وارتطم الجبل بالجبل، ولبث ~~البطلان يكيل أحدهما للآخر لكمات كانت تقشعر لها أبدان الآلهة، ~~وتنتفض من هولها أفئدة الرجال، ثم لاحت فرصة للبطل إبيوس كال فيها ~~لخصمه لكمة في ذقنه # 4 # ألقته فوق أديم الأرض بين هتاف الجند وضجيج القادة، وبذا ~~استحق إبيوس الجائزة الأولى، وهي بغل أشهب مسرج في شدقيه لجام من ~~الحديد يتصل به عنان من الفضة. أما يوريالوس فقد أفاق من اللكمة ~~القاسية لينال كأسين جميلتين أعدتا للفائز الثاني! # وأرهفت الأسماع حين نهض أخيل يعلن عن دورة المصارعة التي لم يجرؤ ~~أحد أن يتقدم إليها حتى أوشك زعيم الميرميدون أن يلغيها لو لم ~~ينهض أوليسيز ويتبعه أجاكس متثاقلين! # وأهطعت الرقاب ذاهلة نحو الزعيمين الهولتين، وشخصت الأبصار ترى ~~إلى الجبل يأخذ بتلابيب الجبل، والبحر ذي العباب يصاول البحر ذا ~~العباب، والشهاب الراصد يندق على الشهاب الراصد، لا هذا ينال فرصة ~~من ذاك، ولا ذاك يرى ثغرة ينفذ منها إلى هذا، والقلوب أثناء ذلك تخفق ~~وتخفق، والقشعريرة الباردة تشيع في أصلاب هؤلاء وهؤلاء، كل يتمنى ~~أن يفوز رجله ... حتى ثارت عجاجة حول البطلين انجلت عنهما صريعين فوق ~~الأرض، لم ينل أحدهما من الآخر! فكان القضاء العادل من ~~السماء! # وحاولا أن يعودا إلى صراعهما الأول، فحال بينهما أخيل؛ لأن الدورة ~~كانت لا تنتهي إذن ... فكان بحسبهما أن ينالا جائزتين متساويتين! # وبدأ سباق العدائين، واشترك فيه أوليسيز وأجاكس أيضا، ثم ~~أنتيلوخوس الذي استطاع أن يفوز بالجائزة الأولى، لما كان يبدو على ~~منافسيه من نصب من جراء صراعهما السابق. # وتبع ذلك سباق المبارزة، وشارك فيه أجاكس أيضا، ثم ديوميد العظيم ~~الذي استطاع بعد لأي أن يجرح ms128 خصمه في عنقه، فينبثق الدم من الجرح، ~~فينال الحزام الفضي بذلك! # ثم كان حمل الأثقال، وهو سباق يحبه الإغريق كثيرا، وقد شارك فيه ~~بوليبوتيس وإبيوس وليونتيوس ... ثم ... أجاكس! الذي فاز بالجائزة ~~الأولى. # وتلا ذلك سباق الرماية، واشترك فيه البطلان تيوسير ومربونيس، وفاز ~~الأخير بأسنى الجائزتين للبراعة الفائقة التي أبداها في إصابة الغرض ~~«وكان حمامة تنطلق وتنطلق ... حتى تكون خلف السحب ...!» # ثم كان سباق إصابة الغرض بقذف الرمح، وقد تقدم إليه قائد الحملة ~~العظيم ... أجاممنون الملك ... ثم ... مريونيس الشجاع وأحد أتباع الملك ~~إيدومنيوس ... وقد هال أخيل أن ينافس أحد قائد الحملة، فتقدم إليه ~~معترفا بتفوقه على الجميع في كل شيء، وقدم له الجائزة الأولى ... ثم قدم ~~الرمح لمريونيس ... وكانت مجاملة طيبة من أخيل تقبلها الجميع بثغور ~~باسمة. # | بريام الحزين # تفرق القوم إلا أخيل ... # لقد أوهنه الحزن، وشف قلبه الأسى؛ وكأن قتله هكتور لم يشف ما ~~فيه نفسه من شجو، ولم يخفف عنه ما يلقاه من عذاب البعد عن أعز ~~أصدقائه ... الفقيد بتروكلوس! # وخرج لبعض شأنه فرأى جثة عدوه في طريقه، تثير في نفسه الكوامن ~~الشواجن، فينقض عليها كالمجنون، ويشبعها ركلا بقدمه وكلوما ~~بخنجره، ويربط القدمين في عربته ثم يلهب جياده بسوط نقمته فتعدو ~~كالريح حول قبر بتروكلوس، جارة وراءها جثمان هكتور، تقلبه في ~~الأديم المندى، وتلته في التراب الهامد ... # ويكون أبوللو مطلا من سحابة سارية، فينتابه من الهم على صديقه ~~ما يثير في قلبه الحنان المقدس، ويلقي درعه الذهبي على القتيل ~~المهين، فيقيه الدرع من الصخر والحصى. # أما فينوس! فإنها ترف هي الأخرى فوق الجثة، وما تنفك تصب عليها ~~من خمر الأولمب ما تنضح به من دمائها ... وطلائها # 1 ~~... # وتطلع الآلهة من ذروة جبل إيدا، فترثي لما يحل بالميت المسكين من ~~هوان، ويلحظ أبوللو ما ينقدح من عيني سيد الأولمب من شر، فيجد فرصته ~~وينهض خطيبا مصقعا كيما يثير زيوس على أخيل ... عسى أن يحل عليه ~~غضبه، بعد إذ حماه طويلا. # وينجح أبوللو في إثارة رحمة الآلهة، وتأليبهم على زعيم الميرميدون، ms129 ~~وجعلهم إلبا عليه واحدا؛ لولا أن نهضت حيرا مغضبة، فانطلقت تدفع عن ~~أخيل، وتذكر سادة الأولمب بهذا المهرجان الفخم الذي أقامه بليوس ~~أخوهم ونجيهم، هناك ... هناك في أعماق المحيط احتفاء بقدومهم للمشاركة ~~في عرسه وبنائه على ذيتيس المسكينة ... التي يعلم الجميع أنها ثكلى ... ~~وإن لم تفقد أخيلا بعد! # وتذكرهم حيرا بالموثق الحرام الذي قطعوه على أنفسهم أن يباركوا ~~نسل بليوس، وأن يدفعوا عنه الضر ... حتى تنفذ مشيئة ربات ~~الأقدار. # ويحار زيوس بين سخط الآلهة ودفاع حيرا، ثم يبدو له أن ينفذ رسوله ~~الأمين «إيريس» إلى ذيتيس الحالمة في أعماق البحر، فتوقظها وتلقي ~~إليها برسالة السماء. ~~«... أن هلمي من فورك هذا إلى سيد الأولمب، فإنه يأمرك أن تسعي إليه في ~~مهمة تعرفينها فيما بعد.» # وتنتفض الأعماق بالأوسيانيد والنرييد وسائر عرائس البحر وعذارى ~~الماء، يسعين خببا في إثر ذيتيس، حتى تكون في أفق جبل إيدا، ~~فينثنين ... تاركات مولاتهن في ثوبها الحريري الأسود وزنارها القاتم، ~~تسعى وحدها حتى تكون فوق الثبج، ومن ثمة تعرج في الأديم الأزرق حتى ~~تلج أبواب السماء. # وألفت حشد الآلهة لا يزال يتحاور ولا يزال أبوللو يحاج حيرا، وحيرا ~~تقرعه، حتى نظر زيوس فرأى ذيتيس تتهادى في طيلسانها الأسود ووجهها ~~المشرق المترع بالمفاتن يزيده الحزن روعة، ويضفي عليه الأسى جلالا ... ~~فتبسم سيد الأولمب واهتز فوق العرش، ثم قال: «مرحبا ذيتيس! فيم ~~هذا الأسى يا فتاة؟! آه ... مسكينة! ولكن أصغي إلي: لقد دعوتك إلى ~~الأولمب لتذهبي برسالتي إلى أخيل العزيز فتوصيه بجثة هكتور؛ لقد ~~أثار بما ينزله بها من هوان غضب الآلهة جميعا، بل لقد أثار غضبي أنا ~~أيضا ... أنا ... حاميه ومنقذه ومرشده في كل مثار نقع ... اذهبي إليه ~~فأمريه أن يقلع عن هذه المثلة؛ فإنه لا شيء يحنق الآلهة مثلها، ~~وليسلم القتيل لأهله، فهذا خير له، وليقبل القود العظيم الذي ~~يقدمه إليه بريام الملك الشيخ الحزين ... الذي حطمه الرزء، وعظمت ~~عليه البلية، وصدعت قلبه المصائب ... أما نحن ... فسننفذ إيريس إلى ~~طروادة تأمر الملك بإعداد القود والتجهز للقاء أخيل في ms130 معسكره ... ~~وسنرسل ولدنا هرمز إلى بريام يحدو ركبه إلى معسكر أخيل ويعمي أبصار ~~الميرميدون حتى لا يثوروا به، وحتى يكون أمام زعيمهم وجها لوجه ~~... # ذيتيس! حسب أخيل ما حل بابن بريام ...» # وهمت ذيتيس فانطلقت إلى ولدها حيث ألفته يتناول وجبة الصباح، ~~فأبلغت إليه الرسالة الأولمبية وعيناها تفيضان بالدمع وقلبها يخفق ~~ويضطرب ونفسها تذوب على شبابه الغض حسرات ... # وهش أخيل لأمه، وتقبل رسالة الإله الأكبر قبولا حسنا، فنهضت ~~ذيتيس وعادت أدراجها بعد إذ طبعت على جبين ولدها قبلة خاطفة كانت، ~~وا أسفاه، آخر وداع منها له في الحياة. ~~••• # وانطلقت إيريس إلى بريام الملك فوجدته ما يفتأ يبكي هكتور، ومن ~~حوله أبناؤه التسعة، خضرا كأفراخ القطا، نضرا كأكمام الزهر، ~~والرجل مع ذاك يقلب فيهم عينين تفيضان حسرة، ووجها يتشح باليأس ~~والهم، وإلى جانبه جلست هكيوبا المرزأة تئن وتتفجع، وترسل من ~~أعماقها زفرات الهم والأسى. # وبلغته إيريس رسالة ربه، وعادت أدراجها إلى الأولمب، وما كاد ~~الملك يخبر زوجه بما أوحي إليه من ربه، حتى اضطربت هكيوبا، وأعولت، ~~وطفقت تضرب صدرها المتهدم بيديها الضعيفتين، لما اعتزم زوجها من ~~تنفيذ ما أشارت به السماء، والذهاب إلى أخيل يرجوه أن يهب له جثمان ~~هكتور خشية أن يأسره زعيم الميرميدون، ويستبقيه عنده رهينة حتى ~~يسلم الطرواديون! # ولكن الرجل كان مؤمنا لا يتسرب إلى قلبه الشك بما رسمت له ~~الآلهة، ولا يساوره ريب في أي مما تشير به أربابه؛ فزجر الملكة، ~~ونهض إلى خزائنه العامرة بالتحف، فتخير اثني عشر قرطقا من أغلى ما ~~نسجت مصر، ومثلها من المعاطف المصنوعة من القاقم والسنجاب، وعددا ~~كبيرا من الوسائد الرائعة والطنافس ذات التصاوير؛ ثم أمر بعشر بدر، ~~فأحضرت من بيت المال، وبدستين كبيرين من الذهب ذوي قوائم من الفضة، ~~وأيد من الجوهر؛ وبأربع قدور مهداة من ملوك الشرق، تزن إحداها ما ~~يملأ خزائن بن بليوس ذهبا، وبكأس من الإبريز الخالص بها من النقوش ~~والصنعة ما يعجز عن مثله عباقرة الجن. # أمر بريام بكل أولئك فوضعت في صناديق كانت هي الأخرى تحفا ms131 من ~~صناعات مصر والشام والهند، تهيم فوقها تصاوير فارس. # وصاح بأبنائه التسعة فهرعوا من كل مكان؛ باريس المشئوم وهيلانوس ~~وأجاثون؛ وبامون وأنتيفون وبوليت؛ ثم ديفوبوس وهبوثوس وديوس، كلاب ~~الأزقة كما كان يدعوهم أبوهم، «ليت المنية التي تخطفت هكتور ~~تلقفتكم وخلت سبيل هكتور، أو ليتها أصابت ألف ألف من أمثالكم وعميت ~~عن ليكاون وبوليدور!» # وأمرهم فصفوا الهدايا ورفعوها فوق ظهور البغال، وما ثقل منها وضعوه ~~في عربة كبيرة يجرها بهيمان؛ وتقدمت هكيوبا فصبت على يدي زوجها ~~خمرا يطهر بها ، وأخذ هو في صلاة طويلة لزيوس ... أن يحميه ويوقيه ~~ويرشده في طريقه إلى أخيل؛ ويرسل إليه الرسول الذي وعد، يقوده إلى ~~فسطاط زعيم الميرميدون! # ولم يكد ينهض من صلاته ويختم توسلاته، حتى رف فوقه طائر ظل يضرب ~~الهواء بخافيتيه، ويهوم ويدوم، ويرنق في سماء الهيكل تارة، ~~ثم يستقر عند المذبح أخرى، حتى أيقن الملك وملؤه أنه الرسول المنتظر ~~والقائد المنشود فخفقت قلوبهم وفرحوا واستبشروا. # وتقدم إيديوس الحكيم فألجم البغال، وأسرج الخيل، وشد البهائم إلى ~~عربة الملك، وأقبل بريام فركب، وأصدر أمره إلى حكيم طروادة وفيلسوفها ~~فسار بين يدي الركب يحدوه ويباركه، ويضمن له رعاية السماء. # أما الطائر الميمون فقد انتفض انتفاضة هائلة، وراح يحلق فوق ~~طروادة، ثم غاب عن الأبصار، إلى أين؟ إلى حيث لا يدري أحد! # وتهادى الركب، وانطلق إيديوس يحدوه، حتى كان عند مقبرة إليوس ~~الأكبر، وحتى كانت طروادة الخالدة وراءهم حالمة في غبشة المساء ساهمة ~~مستسلمة، كالفكرة الشاردة في دماغ الشاعر الغرير. # وغابت الشمس في مياه الهلسبنت، واختلط البنفسج الشاحب بسواد الليل، ~~ونقت ضفادع الأبالسة في فضاء البرية، فملأت القلوب وحشة، وأرسلت في ~~المفاصل رعدة، فلم يكن بد من أن ينيخ القوم حتى يأذن القضاء ~~بالرحيل. # وفيما كان إيديوس يسقي الدواب من الغدير النائم في كلة الغسق، ~~إذا شاب يافع يقبل نحوه ويسأل عن الملك، ويكون بين يديه بعد لحظات، ~~ويسأله الملك عن شأنه فيحدث أنه جندي آبق من جنود أخيل، وأنه ينصح ~~للملك ألا يجازف بنفسه وبما يحمل ms132 من اللهى والعطايا في هذه الرحلة ~~المهلكة التي قد تنتهي بما لا يدور للملك في خلد، أو يقع له بحسبان؛ ~~ولكن الملك يبدي تصميمه، ويلح في سؤال الشاب عن هكتور ... «ألا يزال ~~مسجى بين يدي أخيل يشفي بمرآه حرده، أم هو قد أسلمه للسباع ~~وجوارح الطير تنوشه وتتغذى به؟» ويطمئنه الشاب اللعاب ~~الداهية، ثم يرثي له فيعده أن يكون قائده إلى فسطاط أخيل، «لأن ~~أحدا من الناس لا يستطيع أن يخترق صفوف الميرميدون الدواهي ما لم يكن ~~مخاطرا بنفسه أو ملقيا بيديه إلى التهلكة.» ويستسلم الملك الشيخ، ~~ويلقي في يدي الجندي الشاب بزمامه، ويأذن له فيمتطي الجواد الأمامي ~~الذي يتقدم سائر الدواب؛ وتبدأ الرحلة إلى مرابض الميرميدون. # ويتحدث الشاب إلى الملك، ويتحدث الملك إلى الشاب، حتى إذا ~~كانا قيد خطوات من معسكر أخيل، مد الشاب ذراعيه المفتولتين ~~ولفهما حول جذع الملك، ثم رقاه رقية قصيرة، فإذا سأله الملك عما ~~يبتغي بها أنبأه، «كي لا تمتد إليك عين ولا يلمحك أحد، ولا يحس ~~بمسرانا أي من أولئك الميرميدون.» فيسكن جأش بريام الشيخ، ~~ويطمئن قلبه وتتضاعف ثقته في الجندي الشاب. # ويكون فسطاط أخيل تلقاءهما! # فينهض الشاب من جانب الملك، ثم ينتفض انتفاضة تكشف عن حقيقته، ~~ويقول ضاحكا: «أيها الملك أنت الآن في جوار أخيل، وعليك أن تلقاه في ~~غير هيبة ولا وجل، فادخل غير مستأذن، ولتكن رابط الجأش، ساكن ~~الروع، واركع بين يديه ثم اذرف أغلى دموعك حتى تلين ما قسا من قلبه، ~~وتحجر من مشاعره، واذكر له حاجتك فإنه راد عليك جثمان هكتور، ~~وثق أن السماء قد قضت بذلك، ولا مرد لقضائها، أما أنا، فلا تنتظر ~~أن أسعى بك إلى زعيم الميرميدون، وليس سرا أن أذكر لك أنني ... هرمز ... ~~أرسلني أبي إليك لأجيء بك إلى هذا المكان، انهض، انهض ماذا أخافك مني؟ ~~أجل ... أنا ربك ... ولكن لتقصر صلاتك هذه، فالفرصة تكاد تفلت، تشجع يا ~~بريام، قف، آمرك ...» # وينهض الملك من غشيته التي كادت تذهب به حين ذكر له الشاب أنه هو ms133 ~~هرمز ... هرمز نفسه الذي ذكرت له إيريس أنه سيقوده إلى فسطاط ~~أخيل. # وينظر بريام فيرى إلى ... الجندي الشاب ... يرف في الهواء المندى ثم ~~يرتفع ويرتفع حتى يكون في السماء التي تتفتح له أبوابها! # ويصلح الملك من شأنه ثم يتقدم بخطى وئيدة إلى فسطاط أخيل، ويدخله ~~ويرى زعيم الميرميدون في الصدر، وبين يديه وزيراه العظيمان أوتوميدون ~~وألكيموس، ثم قادة الجند منتثرين ها هنا وها هنا، يهمسون ولا يكادون ~~يبينون. # وكان السماط لا يزال أمام الزعيم، وزقاق الخمر لا تزال تقبل ~~الكئوس المفعمة، والشواء العظيم يملأ الخياشيم بقتاره، فلم يبال ~~بريام، بل تقدم وتقدم، حتى كان أمام أخيل، فركع ذاهلا عن نفسه، ~~ولف ذراعيه حول ساقي الزعيم، وراح يوسعهما لثما وتقبيلا، ~~ويمطرهما بأحر العبرات! # وشده أخيل! # بيد أنه كان يعلم من أمر هذه المفاجأة كل شيء، فلم يزد على أن ~~قال: «بريام؟!» ~~- «أجل يا بني، أنا بريام!» # وبهت القادة مما رأوا، وأذهلهم ما سمعوا! # أهذا حقا هو بريام ملك طروادة يبكي بين يدي أخيل وينتحب؟ إذن، فيم ~~هذه الحرب؟ وحتام ذاك الصراع؟ وإلام تذهب هذه المهج؟ ~~- «أجل يا بني، أنا هو، أنا الرجل المرزأ المحزون الذي قتلت ~~أبناءه وهرقت دماءهم؛ لأنهم يحاربون من أجل وطنهم، ويذودون عن بلادهم، ~~سعيت إليك، إليك يا أخيل العظيم، لأمطر هذه اليد التي ذبحتهم ~~بدموعي، ولأوسعها لثما وتقبيلا! # أتمنى يا بني أن تعود قريبا إلى أبويك سالما، فيهش أبوك ~~للقائك، وتبش أمك لعناقك، ويفرح ذووك بك؛ لأنك عدت إليهم بالنصر ~~والفخر ... أستغفر الآلهة؛ بل عدت إليهم سالما من نكبات الحرب ~~وكوارثها، فهل أكون قاسيا أن أرجوك، حين تعود إلى ديارك وتلقى فيها ~~أحباءك ... أن تذكر أن أبوين آخرين قد خلفتهما وراءك يشقيان ويبكيان ~~ويلبسان السواد أبد الدهر؛ لأن أبناءهما لم يعودوا من ساحة الحرب كما ~~عدت أنت، بل هم قد سقطوا فوق أديمها، مضرجين بدمائهم، شاكين إلى ~~أربابهم ما حل فيها بهم، تاركين آباء شيوخا فانين وأمهات ضعيفات ~~معولات، وقلوبا تتفجر أسى عليهم، وعيونا تختلط دموعها بدمائها ms134 من ~~أجلهم، وأرامل يلطمن الخدود ويشققن الجيوب، ويتامى لا حول ولا قوة على ~~الزمان الغادر، والحظ العاثر، والصبر الجميل! # هل أكون قاسيا يا بني إذا رجوتك أن تذكر ذلك أو بعض ذلك حين تعود ~~إلى ديارك وتلقى أبويك الفرحين بك؟ # أخيل! لم أسع إليك يا بني إلا بأمر الآلهة، ووحي سيد الأولمب ... ~~أرجوك في هكتور ... # وا حر قلباه يا هكتور! ... وا أسفاه عليك يا ولدي! # صدرت إليك يا أخيل عن أمر السماء أرجوك في هكتور أن تسلمه إلي ~~حتى تؤدى له فرائض الآلهة وطقوس الموت، وما أحسبك إلا ملبيا ندائي ~~الحزين، حتى تتيح للآلاف المؤلفة من جنوده وذويه وزوجه وابنه أن يبكوه ~~جميعا، وأن يشيعوه إلى الدار الآخرة بما رضيت أن تؤديه لبعض أصحابك، ~~حتى تقر روحه، ويؤذن لها فتلج إلى هيدز. # أخيل، لب ندائي أيها الزعيم الباسل، لب نداء هذا الشيخ الضعيف، ~~وارحم فيه هذا الذل الذي حمله إليك، وأسعده بتقبل هذه الهدية ~~التي أمرت بها السماء ... وإن تكن يا أشجع المحاربين في غناء عنها ولا ~~حاجة بك إليها ...» # وأحس أخيل كأنما تخاطبه السماء كلها بلسان هذا الشيخ المتهدم، ~~وكأنما الآلهة جميعا تنطلق من فمه لتكون بيانا ورحمة في قلبه، ~~فأنهضه من بين يديه، وأجلسه إلى جانبه فوق أريكته، ثم أخذا معا في ~~بكاء حار طويل. # وتقبل أخيل هدايا الملك، وأشار إلى أوتوميدون وزميله فأخذاها إلى ~~الأسطول، ثم أمر الخادمات فغسلن هكتور بالماء الساخن المعطر بدهن ~~الورد، ولففنه في مدارج بأكملها من كتان مصر، وتقدم هو فوضعه على ~~وسادة الموت، وأشار إلى جنوده فرفعوه إلى إرانه، ثم أخذ يهون على ~~بريام ويواسيه، ودعاه إلى تناول العشاء معه، فلبى الشيخ وهو يعول ~~ويبكي بكاء يفتت الأكباد ويذيب نياط القلوب. # وكان الليل قد انتصف أو كاد، وكان بريام الملك قد لبث الليالي الطوال ~~يتفجع على ولده، ولا يذوق جفنه طعم الكرى، فأحس بعد العشاء ~~بإعياء وجهد، وميل شديد إلى النوم، فصفت له ولرجاله وسائد فاخرة، ~~عليها طنافس وملاءات من الهند، واستأذن ms135 أخيل، فاستلقى على متكئه، ~~وقبل أن يسلم عينيه للكرى، سأله أخيل أن تكون هدنة بين الجيشين ~~المتحاربين حتى تؤدى كل الطقوس اللازمة لتحريق هكتور؛ واتفقا على ~~أن تكون هذه الهدنة لمدة أحد عشر يوما. # وفي الهزيع الأخير من الليل، أقبل هرمز الكريم فأيقظ بريام الملك، ~~ونبهه إلى الخطر الذي يحيق به إذا أشرقت الشمس وأقبل أجاممنون وسائر ~~القادة الهيلانيين، ورأوا كبير أعدائهم وصاحب إليوم في معسكر أخيل، ~~هنالك يحجزونه لديهم رهينة حتى تسلم مدينته، «فهلم أيها الملك ~~وانج بنفسك، وسأقودك إلى طروادة بحيث لا يشعر بك أحد ولا يحس ~~الميرميدون لركبك ركزا ...» # ويسير الركب في هدأة الفجر، ويحدو هرمز القافلة حتى تكون لدى ~~البوابة الإسكائية الكبرى، فيسلم على الملك ويبارك الميت، ويعرج ~~في السماء، وتكون كاسندرا، ابنة بريام الكبرى، أول من يلمح الركب ~~مقبلا، فتبشر الأهالي المحزونين، ويرتفع اللغط، وتشتد الضوضاء، ~~ويتكبكب المواطنون حول العربة التي تحمل الإران حتى ليتعذر السير، ~~ويبطئ السعي، فيصيح الملك بالملأ، فتنفرج الطريق، ويعم الصمت، ولا يحس ~~إلا وجيب القلوب وخفقانها. # وتقبل أندروماك فتذري دموعها، وتندب حظها، وتبكي زوجها، وتمزق قلوب ~~الطرواديين بما يذيبها من أسى وحزن، ووجد وكمد ... # وأم هكتور! ... ويا لمصاب الأمهات في فلذات أكبادهن، وأعز الأبناء ~~عليهن! # وهيلين! والعجيب أن تبكي هيلين هي الأخرى! هيلين الآبقة، هيلين ~~الأثيمة! ~~••• # ويأمر الملك فينتشر الجند يجمعون الوقود من كل فج حتى تكون كومة ~~عالية؛ ويوضع الجثمان المبكى فوقها، وتصب الخمر تحية لإله الموت ~~وتكرمة، وتشتعل النار فتكون ضراما. # 2 ~~••• # أنشد يا هوميروس! # يا شاعر الأحقاب الخالية! # يا صدى الزمان القديم! # أيها القيثارة المرنة في أنامل الأيام! # أرسل من الأزل أنشودتك تملأ الأسماع في الأبد! # واعصف مع الريح. # واهتف مع البلابل. # وتقبل تحيات المعجبين. # | مقتل أخيل # انتهت الهدنة، واندلعت نيران الحرب كرة ثانية، والتحم الجمعان ~~تؤجج العداوة بينهما ثارات وثارات؛ ولم يجد الطرواديين أن تنضم ~~إليهم مليكة الأمازون تحارب بفصائلها في صفوفهم، وتشد بجموعها ~~أزرهم، فإن أخيل هو هو لم ينقص ولم يزد، بل هو يزيد ms136 كل يوم ظمأ ~~إلى دماء قاتلي صديقه وأحب الناس إليه ... بتروكلوس الشهيد ... # لقد انقض أخيل على مليكة الأمازون التي انقضت بدورها على جحافل ~~الهيلانيين فأوقعت الروع في نفوسهم، وقذفت الرعب في قلوبهم، فلم ~~يزل بها يصاولها ويطاولها حتى نهز منها نهزة أنفذ بها رمحه في ~~صدرها، وعفر جبينها الملتهب بثرى المعمعة، وجردها من سلاحها فإذا ~~هي جثة هامدة، وانكفأ أتباعها وبهن من الحزن على صاحبة الأمر فيهن ~~ما صرفهن عن طروادة والطرواديين. # وإن أخيل ليصول في الميدان ويجول، وإنه ليرتفع بصره عفوا وعن ~~غير قصد إلى البرج الشاهق من أبراج إليوم فوق البوابة الإسكائية إذا هو ~~يلمح قمرا مطلا من شرفة البرج يرنو بعيني ظبي، ويهطع بجيد رئم، ~~ويشرق بخدين ناضجين من خدود ربات الخدور، يرسلان على الساحة ~~كلها سناء ورواء ... # من هي؟ # من هذه العذراء البارعة التي تشرف هكذا على الساحة الحمراء فتطفئ ~~جذوات الغل المتقدة بين أضلاع أخيل، وتضع حدا لهذه الثورة التي ~~ظلت إلى تلك اللمحة تعصف بنفسه الغضبى، وتحز في قلبه ~~المحزون؟ # أوه! إنها الأميرة الفتانة بوليكسينا، صغرى بنات الملك الشيخ، ~~بريام البائس الباكي الحزين. # لقد أرسلتها العناية لتشرف على الساحة الصاخبة، ولتنظر إلى هذا ~~البطل الخرافي الجبار الذي لم يعد بيت في طروادة كلها إلا وفيه ~~لسان يلهج بذكره، ويتحدث عن شجاعته، ويصف جبروته ... ثم لم يعد ~~بيت في طروادة كذلك إلا وفيه عين مؤرقة تبكي على عزيزها الذي قتله ~~هذا البطل، أو الذي سيقتله، أو الذي يخشى عليه أن يقتله، كأنه أصبح ~~سفير هيدز إلى إليوم، أو وزير بلوتو العظيم! # وأبصر أخيل بها ... ويا لها من نظرة أنبتت في قلبه دوحة من الحب ~~وارفة، ذات ظلال وذات أفياء ... # وظل الرمح يهتز في يده، ولا يصيب أحدا، وظل هو يسارق النظر ~~قمر البرج المطل مشدوها مسبوها، لا يعرف لماذا شبت هذه الحرب، ~~ولماذا يقتتل هذان الجمعان؟! # وانثنى من الميدان ينظر في هذا الغرام الجديد. # ولم يجد بدا من العمل لإحلال السلم محل تلك الحرب التي ms137 طالت ~~وتتابعت عليها السنون، من غير أن يظفر الهيلانيون بالطرواديين، أو ~~الطرواديون بالهيلانيين، ومن غير أن يفكر أحد في هذه المجزرة ~~الشائنة التي تتغذى كل يوم بقطوف الشباب من زهرات الأمتين على ~~السواء. # فيا له من حب مهد لسلم لولا قساوة في القلوب زادتها الثارات ~~عنفوانا. ولولا شرف أمة بأسرها تعبث به امرأة، ولولا الإحن التي ~~ذهبت بأبناء الملوك الصيد! # واستطاع أخيل أن ينفذ رسله إلى بريام يستعتبه، ثم استطاع الرسل ~~أن يخاطبوا الملك في بوليكسينا على أن تكون أحب أزواج أخيل وآثرهن ~~إلى قلبه، فوعدهم الملك بعد إذ لحظ من افتتان ابنته هي الأخرى بزعيم ~~الميرميدون، أن تتم مراسيم الزواج حين تضع الحرب أوزارها، وحين ~~تنكشف هذه الغمة القاسية عن طروادة. # بيد أن الهوى المبرح قد ألح على قلب أخيل، والصبابة العاتية قد ~~جمعت أفانين من السهاد في عينيه، وطيف بوليكسينا يراوحه ويغاديه ~~ويملأ عليه أمانيه، ويتهادى أمامه في كل نظرة ينفرج عنها هدبه، أو ~~غمضة يتناعس بها جفناه! فلم يطق إلى صبر من سبيل! # وأنفذ رسله كرة أخرى فاتفقوا مع الملك على إجراء مراسيم الخطبة، ~~عسى أن تفل من غرب هذه الحرب القاسية أو تبزغ منها تباشير السلام ~~المنشود! # وأعلنت هدنة ليوم أو بعض يوم؛ وأقيم المهرجان الفخم في صميم ~~الحومة الرائعة، وتقدم أخيل فصافح الملك، وأعلنت الخطبة، وانثنى ~~الزعيم العظيم وقلبه يكاد يطفر من الفرح أن أصبحت له بوليكسينا ~~... # وما كاد البطل ينقلب إلى جنده حتى كانت فينوس توسوس إلى باريس أن ~~ينتهز الفرصة العزيزة النادرة، ويريش سهما من سهامه المسمومة إلى عقب ~~أخيل التي لم تغمرها مياه ستيكس فيصميه ... فيرديه! # ووتر باريس قوسه، وأرسل السهم المسموم إلى عقب أخيل فنفذ فيه، ~~وأنفذ فيه قضاء ربات القضاء ... اللائي فرغن الساعة فقط من غزل خيط حياته ~~وقطعته أتروبوس # 1 # الهائلة بمقصها الجبار الفظيع. # وهكذا أنهى باريس الخائن تلك الحياة الحافلة بغدرة سافلة من غدراته ~~التي توشك أن تنتهي! ~~••• # واستطير الميرميدون! وانقض أوليسيز كالعاصفة ينافح عن جثمان صاحبه، ~~واستطاع ms138 أن يستنقذ القتيل العزيز من أيدي أعدائه الجبناء؛ وكان أجاكس ~~العظيم يعاونه في دفع الجموع الحاشدة التي تكاثرت حول الجثة تطمع في ~~عدة فلكان ... # وانصرف الجيش الحزين يذرف دموعه على أخيل! # واجتمعوا حول الجثة المضمخة بالطيب وحنوط المسك يحرقونها! # ووقفت ذيتيس تلقي على ابنها نظراتها الأخيرة، وتذرف عليه دموع ~~الوداع! # وكانت ثيابها السود تبكي معها ... # وكانت السماء كلها تذرف شئونها على أخيل ... # وعرائس البحر ساهمات على شواطئ الهلسبنت الفائض بالدم! # وبليوس المحزون يضطرب في الأعماق فيجعلها ضراما! # والأولمب كله، إلا عصابة فينوس يعزي بعضه بعضا! # وليس أولئك جميعا شيئا إلى ما حدث من بعد، قبيل أن تخمد النيران ~~فوق أخيل ... فقد ضج المكان الصامت بصيحات مفاجئة، نبهت ما سكن من ~~هول هذا المحشر الرهيب ... وتلفت القوم فإذا أجاكس العظيم قد أصابه ~~طائف من المس، وإذا به يرغي ويزبد، ويعول وينشج ثم يقذف من ~~فمه صبيبا من الدم، يتلوه شوب من العلق، وينبطح على الأرض ثم يثب ~~على قدميه، ويروح ويغدو دون أن يلوي على شيء ... ثم يستل جزاره ~~ويركزه فوق الأرض ويتكئ بصدره على سنانه، فينفذ السنان من ظهر ~~أجاكس ضحية جديدة لهذه الحرب التي لا تشبع، وخيط حياة حافلة يمر ~~وشيكا بين الشفرتين من مقص أتروبوس! # ويحك أجاكس! وللآلهة ما وفيت لأخيل يا بطل الأبطال! ~~••• # وذهل القوم لانتحار أجاكس، ولم يفيقوا من ذهولهم إلا ليروا مأساة ~~ضغضغت ما أبقى عليه الحزن من ألبابهم، وأطاشت ما بقي من حلومهم، ~~وتركتهم سكارى وما هم بسكارى. # هذه بوليكسينا! # إنها تقبل من طروادة كأنما بها مس. # وهي تطوي الساحة المزدحمة بالأشلاء المضرجة بالدماء، بقدمين ~~عاريتين لا يقيمها حذاء، وإن الدم ليتفجر منهما. # وهي تصرخ، وتضرب خديها الشاحبتين بكفيها الواهيتين. # وهي تجفل كالظبية المراعة، وتدور حول نفسها، ثم تقف لحظة، ~~وتنطلق. # وهي تفعل هذا حتى تكون أمام البركان الخافت المشتمل على رفات ~~أخيل. # وإنها لتقف تلقاءه جامدة كأنها دمية، ذاهلة كأنها تمثال. # يا للهول! # لقد انطلقت الفتاة فخاضت النيران، ودست رأسها في جمرات الغضى ms139 ~~تبحث عن حبيبها المرجو، وزوجها المؤمل، عن أخيل. # 2 # أخيل الجبار ... قاتل ليكاون وبوليدور ... وهكتور! ~~••• # ويجزع الهيلانيون مما ألم بهم من مقتل أخيل، وانتحار أجاكس حزنا ~~عليه، فينصرفون عن الحرب إلى استيحاء آلهتهم؛ وينفرد «كالخاس» يرسل ~~نظرة إلى النجوم، ويناجي سكان السماء، ثم يقبل على القادة وقد ~~فرغت قلوبهم من الصبر، وتبلبلت أفكارهم من طول الانتظار، فيقول ~~«سهام هرقل! لا بد من سهام هرقل! لن يفتح عليكم طروادة إلا سهام ~~هرقل!» # سهام هرقل؟ وما سهام هرقل هذه؟ # آه! لعلها هي هذه السهام التي غمسها هرقل في دم هيدرا # 3 # فتسممت به، وادخرت من الموت ما يكفي لإبادة الطرواديين ~~جميعا. # ولكن أين هي هذه السهام اليوم؟! وأنى للهيلانيين أن يهتدوا ~~إليها؟ # جلس القادة يفكرون. # وذهب العرافون يقلبون صحف الغيب. # وطفق مشايخ الجند يفتشون في زوايا أدمغتهم. # ثم اذكر أوليسيز بعد لأي أن هذه السهام المنشودة قد تركت مع ~~الجندي القديم فيلوكتيتس # 4 # الذي غادره الجيش فوق جزيرة لمنوس في طريقه إلى طروادة ... ~~فجر الحملة ... منذ عشر سنوات! # ولقد كان فيلوكتيتس قد أصيب بجرح كبير في قدمه جعل اصطحاب الحملة ~~له من المحال، لما كان يلقى أوانئذ من الآلام المبرحة، وما كان يملأ ~~به آذان الجند من الصراخ والأنين، فاضطر أوليسيز إلى تركه في جزيرة ~~لمنوس، حيث أوى الجندي المسكين إلى كهف منعزل عكف فيه على جرحه ~~يعالجه ... دون جدوى! # واتفق القادة على أن يذهب أوليسيز مصطحبا معه بيروس ابن أخيل؛ ~~(أونيوبتلموس كما كانوا يسمونه أحيانا) إلى جزيرة لمنوس ليريا هل ~~الجندي الجريح ما زال يحيا هنالك؟ وقد بحثا عنه في أنحاء الجزيرة حتى ~~عثرا به يئن في كهفه ويتوجع ويشكو إلى غير مسمع، فعرضا عليه أن ~~يصحبهما إلى طروادة فأبى. وجعله يشتد في الإباء تذكره هذا اليوم ~~الأغبر الذي آثروا فيه تركه فوق تلك الجزيرة القاحلة لا أنيس له ولا ~~سمير، ولا لسان يرفه عنه وحشة الألم ووحشة المنفى الذي لا يد له ~~فيه؛ وكبر عليه أن ينطلق مع هذا الجيش ms140 الذي جحده وغمطه حق الجهاد في ~~سبيل الوطن والذود عن شرف هيلاس واسمها المقدس ... # وتركه أوليسيز لبيروس يأخذه بالحيلة والرفق، ولكن بيروس ما يستطيع قط ~~أن يقنع فيلوكتيتس، فيكاد يدعه برما متسخطا، لولا أن يظهر طيف هرقل ~~فجأة مرفرفا في العلو؛ فيأمر فيلوكتيتس بعد تهويمة هنا وتهويمة هناك ~~أن ينصاع لما يأمره أوليسيز به. # 5 # ولا يسع الجندي الكريم إلا أن ينطلق مع أوليسيز، فيركب الجميع في ~~السفينة إلى طروادة، ويلقاهم العسكر المشتاق بالبشر، ويهرع إليهم ~~بالإيناس! # أليس في سهام هذا القادم الأعرج النصر كل النصر؟! ~~••• # ونفخ في صور الحرب، واشتجرت الأسنة، واستحر القتال، وتبوأ ~~فيلوكتيتس مقعدا للرماية لا يبصره فيه أحد؛ في حين يبصر هو منه كل ~~ما في الميدان! # وراش سهامه! وتطايرت المنايا عن قوسه المرنان! وسعت إلى الطرواديين ~~مصارعهم تهدهدها سهام هرقل، وتمهد لهايمين فيلوكتيتس! # ومرق سهم منها إلى باريس! # وكان يشرف على المعركة من أسوار إليوم! فوقع يتشحط في دمه، ويغص ~~بريقه، ويصرخ من الألم الذي يسري في عروقه مع الدم والسم! # واجتمع حول باريس أبوه وذووه وعشيرته ... وهيلين! # وطفق الجميع يبكون في باريس إخوته، والذكريات السود التي أقبلت من كل ~~صوب ترف فوقه وترنق على جبينه. # وأخذ الألم من باريس مأخذه، وراح المسكين يصرخ ويتلوى، غير آبه ~~لما تغرقه به هيلين من قبلات دنسة، ودموع مسمومة، كانت الويل كل ~~الويل على طروادة والطرواديين. # وذكر - وهو يتجرع غصص العذاب - أن حبيبته الأولى، وزهرة صباه، ~~ووردة حبه القديم، إيونونيه، كانت قد ذكرت له أنها تعرف من خواص ~~الأعشاب المختلفة ما يشفي أقله أشد أوجاع الجروح وأنكاها فأشار إلى ~~بعض أهله، وطلب إليه أن يذهب إلى سيف البحر، عله يجد إيونونيه، فإذا ~~لقيها فليخبرها بما انتهى إليه (حبيبها!) باريس، والآلام التي ~~تعذبه وتشقيه من جراء جرح هذا السهم المسموم، بيد أن إيونونيه ~~التاعسة ... إبونونيه المعذبة ... إيونونيه التي أخلصت لباريس الحب حتى ~~عبدته ... ذكرت ما كان من هجر هذا الحبيب وقلاه؛ وذكرت دموعها التي ~~ذرفتها مرة تحت قدميه، ضارعة ms141 متوسلة، وتلك القسوة التي كافأها هو ~~بها لما أن خدعته فينوس، وأوقعته في أحبولة هيلين، فرفضت أبية ~~شماء أن تذهب إليه، والآلهة وحدها تعلم مقدار ما كانت تكنه له - ~~برغم هذا الرفض - من الحب النقي، والصبابة الحزينة، والهوى المتأجج ~~المشبوب! # وقضى باريس! # وأعدت النيران الضخمة لتحريقه، فما هو إلا أن أشعلت من حوله ~~حتى شوهدت إيونونيه المتبولة تخرج من لجة الهلسبنت وتعدو، كأن ~~قد أصابها مس، حتى تكون تلقاء النار، فتقف باهتة، وتتنهد طويلا، ~~وتقذف بجسمها الجميل المرمري الممشوق في اللهب، وتصرخ صرخة مشجية ... ~~و... وتنتهي قصة حبها الباكي الحزين. # وهكذا تخط بيدها آخر سطر في كتاب باريس. # | فتح طروادة1 # لم يبرح فيلوكتيتس يرسل سهامه على الطرواديين، ولم تبرح المنايا ~~تتخطفهم، ولكن المدينة ذات الكبرياء ما برحت أمنع من عقاب الجو على ~~الغزاة الجبارين. # وذهب «كالخاس» عراف الحملة إلى آلهته يستوحيها، ثم هرع إلى سادته ~~قادة الجيش، فذكر لهم أنه ما دام تمثال مينرفا المقدس - البالاديوم ~~المشهور - في طروادة فلن يفتحها على أهلها فاتح، ولو عاونته الأرباب ~~جميعا! # وانطلق أوليسيز، وانطلق معه ديوميديز، فتنكرا، واحتالا على حارس ~~البوابة الإسكائية الكبرى ففتحها لهما وذهبا قدما إلى هيكل مينرفا، ~~وسرقا البالاديوم المقدس، وعادا به، وكل همهما أن تبطل نبوءات العم ~~«كالخاس» التي أخذت تترى، ويأخذ بعضها برقاب بعض، وكرت الأيام، ومع ~~ذلك لم تفتح طروادة! # ثم بدا لأوليسيز أن يصطنع الحيلة. # فعرض على زعماء الحملة أن يدعى مهرة النجارين والمثالين فيصنعوا ~~حصانا هولة كبير الحجم، خاوي الجسم، فيكون بداخله جمهرة من أقوى ~~شجعان الهيلانيين وأبسلهم، ثم يوهم الأسطول أنه أبحر بجنود الحملة، ~~فإذا مضى شطر من الليل، وأقبل الطرواديون على الحصان فأدخلوه مدينتهم ~~تذكارا لهذه الحرب الضروس التي أكلت أخضرهم، وأحرقت يابسهم، ~~وذهبت بالزهرة اليانعة من شبابهم ... ثم إذا كان الهزيع الخير من الليل، ~~خرج الأبطال المختبئون ففتحوا أبواب إليوم، وانقض الجيش المرابط ~~فاحتل المدينة العاتية التي رغمت تحت أسوارها أنوف، وذلت جباه، ~~وذابت أنفس، وذهبت أرواح دون أن ينال منها أحد. ms142 # وطرب القادة لهذه الحيلة التي بدههم بها أوليسيز ... # وانصرفوا عن القتال وهم له كارهون، وانصرف الطرواديون فاعتصموا ~~بأسوارهم، ورابطوا داخل صياصيهم، ومهرة النجارين وكبار المثالين دائبون ~~على حصانهم الهولة حتى فرغوا منه. # وأقلع الأسطول. # وانكشفت الساحة من هذا الجراد المنتشر الذي لبث ينوء فوقها عشر ~~سنين. # واختبأ أوليسيز داخل الحصان ومعه نخبة من شياطين الميرميدون، وعلى ~~رأسهم بيروس النجيب ابن أخيل الخالد، وعصبة قوية من فرسان الإغريق ~~البواسل. # ودق الطرواديون البشائر. # وجاءوا يهرعون إلى الساحة ويتكبكبون حول الحصان الهولة، ويكلمون ~~سينون الذي تركه الهيلانيون عند الحصان ليخدع الطرواديين ولينصح لهم ~~بنقله إلى المدينة ليكون آخر الدهر تذكارا لهذه الحرب التي شنها ~~قومه على طروادة ظلما، فباءوا منها بالبوار. ~~... هؤلاء الهيلانيون اللؤماء، الذين انصبت عليهم أحقاد الآلهة، ~~وثار بهم كبير الأولمب وسيده الأعظم، وسلطت عليهم الزوابع ~~والأنواء حتى كادت تفنيهم لولا أن أمروا بتضحية قربان بشري ~~ينجيهم من غضب السماء ... ولكن؟ ... من منهم أصاخ إلى الأمر المقدس؟ ~~ومن منهم سمع إلى هتاف الأولمب؟ لقد جبنوا جميعا، ولم يشأ واحد منهم ~~أن يضحي بنفسه لينقذ الجميع حتى أوليسيز نفسه! هذا الداهية ~~المغفل! لقد جبن هو أيضا! وفي الوقت نفسه حاول أن يرغمني أنا! أنا ~~سينون المسكين، على أن أقبل التضحية، وأن أهب دمي للآلهة لتهدأ ~~ثورتها. # ولكني رفضت في شمم، وامتنعت في إباء، لا خوفا من الذبح؛ ولكن ~~ضنا بدمي النقي الطاهر عن أن يهرق في سبيل هؤلاء الجبناء ... الذين ~~تكأكئوا وفزعت نفوسهم من صيحة السماء! # وهربت يا مولاي! يا مولاي بريام العظيم ... ولذت بظلال طروادة ~~الخالدة، طروادة المنيفة القوية، وجعلت أصلي لأربابي حتى استجابت لي، ~~وأرسلت إليهم من أنذرهم بسوء المنقلب إذا هم لم يقلعوا هذا المساء! ~~قاتلهم سيد الأولمب! وقاتلهم الآلهة جميعا! # والآن! ها هم أولاء قد تركوا هذا التمثال الرائع الذي أعدوه ليوم ~~نصرهم، فجعلته الآلهة آية فشلهم! انقلوه يا مولاي إلى المدينة ~~واجعلوه تذكار هذه النوبة الجنونية التي شنوها عليكم، فحاق بهم سوء ~~ما كانوا يمكرون، ألا فليكن ms143 قربة لمينرفا! # ولقد سمعت هاتفا في صلاتي يقول: «الويل لمن يصيب هذا التمثال ~~بشر! تنقض عليه رجوم السماء، وتنخسف من تحته الأرض، وتميد من ~~فوقه الجبال! وطوبى لمن احتفظ إلى الأبد به! إذن يحميه شر حدثان ~~الزمان وعوادي الأيام ...» # وكان سينون الداهية يمزج كلماته بدموع الصلاح والورع، ويشعل فيها ~~جمرات الإخلاص والصدق ... وكان يرسل آهاته من الأعماق! حتى استطاع أن ~~ينفذ إلى سويداء الملك، ويستولي على مشاعر الطرواديين؛ وحتى ثار ~~الطرواديون أنفسهم على قديسهم الوقور لاوكون، راهب نبتيون الأكبر ~~حين نصح ألا تجوز عليهم هذه الكلمات المعسولة، والنفثات السحرية التي ~~يتلجلج بها لسان سينون، وأن يدعوا الحصان مكانه، «فإنه إن دخل ~~طروادة جلب عليها الشر، وكان فأل السوء للضحايا والشهداء، ولا ~~تصدقوا أن الهيلانيين قد تركوا هذا الحصان تكرمة لنبتيون كما ~~يدعي هذا الآفاقي المأفون، بل هم قد صنعوه حيلة منهم لغرض سيء، وها ~~هي ذي ابنتك أيها الملك ... كاسندرا العزيزة فاسألها ... فإن لديها سر ~~السماء ...» # وسأل الملك كاسندرا فأفتت بما أفتى به لاوكون. # ولكن ... من يصدق كاسندرا ولا تزال نقمة أبوللو تنصب فوق رأسها، ~~وقد جعلها إله الشمس عرضة لكل مستهزئ، وضحكة كل ساخر لعاب! # وزاد الناس استهزاء بالقديس لاوكون، حين رأوا إليه تفترسه حيتان ~~عظيمتان على سيف الهلسبنت؛ إذ هو يقدم قربانه لربه نبتيون، ~~فتقتلانه وولديه، عقب تحذيره الطرواديين ألا يقربوا الحصان المشئوم ~~وألا يدخلوه مدينتهم! # وتعاون الطرواديون جميعا فجروا الحصان الهولة، وهدموا بأيديهم ~~جزءا كبيرا من سور إليوم المنيع لتتسع البوابة للتمثال الهائل، ~~فكانوا كالتي نقضت غزلها أنكاثا! ~~••• # وكان الأسطول قد اختبأ في ظلال الأيك النامي فوق جزيرة تندوس، فلما ~~كان النصف الثاني من تلك الليلة الخرافية الحالكة - وكانت طروادة ~~كلها قد استسلمت للنوم العميق الذي يسبق القضاء الصارم عادة في مثل ~~هذه الأحوال - هب سينون الخبيث ففتح الباب السري الذي لا يعرف ~~إلا هو مكانه من الحصان، وخرج الأبطال فقتلوا الحراس النائمين لدى ~~الأبواب، وأشعلوا النيران فرآها الجنود الذين عاد بهم الأسطول في دجى ~~الليل، فانطلقوا ms144 سراعا إلى إليوم الخالدة ... المستسلمة ... فدخلوها ... ~~وأعملوا السيف، وشرعوا الرماح، واستباحوا المدينة، وهتكوا الأعراض ~~النقية، وأحلوا حرمة الهياكل، وأضرموا النيران في القصور، وأتلفوا ~~الحدائق الفينانة، وهشموا تماثيل الآلهة في الميادين العامة، وقتلوا ~~الصبية والأطفال، وجعلوا المدينة أطلالا! # وهكذا، وفي سكرة الليل، وهدأة الظلام، تم للهيلانيين الاستيلاء ~~على تلك المدينة العتيدة، وهبت من تحت الثرى عشرة أعوام طوال مضرجة ~~بالدم، ملطخة بالإثم، حافلة بالذكريات، غارقة في الدموع ... تشهد إلى ~~الفتح المجرم، وترى إلى المأساة الظالمة في آخر فصولها! # وكان إيناس اليافع بن فينوس الهلوك من أنخيسيز ، فتى طروادة وأميرها ~~الجميل ذو القسمات يغط في نومه العميق ملء سريره الذهبي الوثير ... ~~مطمئنا آمنا ... لا يدور بخلده أن تحل تلك الكارثة بإليوم في هذه ~~الغفوة من الفجر. # وكان إيناس محببا إلى الآلهة، ولم يكن قد جاء أجله بعد، ~~فسخرت إليه ربات الأقدار طيف هكتور يزوره في نومه، ويريه حلما ~~مفزعا، وينذره: «أن هب يا إيناس؛ فقد سقطت طروادة، وانج بنفسك ~~وبأهلك؛ فالأسطول ينتظرك، واستنقذ التحف المقدسة والآثار العلوية؛ ~~فقد دنسها الفاتحون!» # وذعر إيناس، وهب من نومه لهفان صعقا، وفزع إلى سلاحه، ثم أشرف ~~على المدينة المروعة، فشهد المأساة تحل بها. # وهاله أن يرى الوحوش الضواري من بغاة الميرميدون وغزاة الهيلانيين ~~يسوقون أتراب طروادة وبيض خدورها المكنون، عاريات أو نصف عاريات، إلى ~~الأسطول، ليكن إماء في بيوت هيلاس، ورقيقا في أسواقها! # وكاسندرا! كاسندرا نفسها! ابنة بريام الملك، حبيبة السماء وصفية ~~الآلهة! التي حذرت أباها يوما من قبول باريس أن يحل البلاء ~~بالمملكة وينزل الشؤم بالناس! ها هي ذي مسوقة في قبضة أجاممنون نفسه، ~~أجاممنون سيد القوم وقائدهم العام إلى سفينته! # وفكر إيناس فلم يجد لإنقاذ المدينة وأهلها من سبيل، فأشار إلى بعض ~~رجال قصره، فقتلوا نفرا من جند الإغريق المتخلفين عن الجيش الغازي، ~~كانوا مشغولين بالسلب والنهب في متجر قريب، ثم نزعوا عنهم ثيابهم ~~فلبسها إيناس وصحبه ليستخفوا بها عن أعين المغيرين؛ وانطلقوا إلى ~~القصر الملكي، وبودهم لو استطاعوا أن يحموا الملك في هذا ms145 الروع ~~الأكبر، ولكن وا أسفاه! لقد كان بيروس بن أخيل قد سبقهم إليه في عسكر ~~مجر من أباسلة الميرميدون؛ وكان بوليتيس بن بريام، وآخر فرع من دوحته ~~الباسقة آبقا أمامه، مكروبا مفزعا، فارا إلى ذراعي أبيه الضعيف ~~الشيخ، يلتمس الحماية في أوهى حمى، فلم يزل بيروس ينهب الأرض في إثره، ~~حتى قتله بين يدي أبيه، وانقض على الملك التاعس فوضع حدا لهذه ~~الحياة الطويلة المملولة الشقية التي لطخها الدم البريء وصهرتها ~~جحيم الشدة، ولم يغن عن بريام المسكين توسلات هذه الزوجة المعذبة ~~التي وقفت بينه وبين بيروس، هكيوبا! الملكة المرزأة! التي بقيت وحدها ~~لتجرع الثمالة الباقية في كأس الحياة مرا وعلقما. # وهكذا صعدت روح الملك إلى سماء طروادة. # تتلفت حولها! ترى إلى المدينة الخالدة تضطرم. # النيران في جنباتها، وتندك صروحها العزيزة. # في الرغام، وتتهادى أبراجها المنيفة التي # كانت تسجد تحتها آسيا الجبارة، والآن! # ها هو ذا على ثرى إليوم لقى لا نفس فيه! # وجثة هامدة لا تحمل اسمها بعد، ورأسا # معفرا من غير جسد! # 2 # وزاغ بصر إيناس حين شهد هذا المنظر الرهيب، ووقر في نفسه أن مثل ~~هذه النهاية المحزنة قد تحل بأبيه الشيخ أنخيسيز؛ وبزوجته الهيفاء ~~كروزا، وبطفله المعبود إيولوس، فلم يبال أن يقتحم صفوف الأعداء إلى ~~قصره الذي خلا غابه اليوم من أسده، وبدل الشوك من ورده، وعاث ~~فيه جنود الهيلانيين فأصبح قاعا صفصفا، كأن لم يشد في دوحه بلبل، ~~ولم يحن فيه فؤاد إلى فؤاد! # وهناك ... في إحدى الردهات المنعزلة، وجد هيلين! نعم، هيلين! سبب هذه ~~الكوارث المتلاحقة التي حلت بطروادة والطرواديين ... هيلين التي لم ~~تبال أن تتزوج ديفبوس - أخا باريس - عقب مقتل حبيبها بأيام ~~معدودة! # وجدها هنالك ... تنقدح المصائب شررا من عينها، وتتدجى غواشي الكروب ~~فوق هامتها، وتنعقد ظلمات الكوارث على جبينها المغضن الكريه ... ~~الجميل! # وهم إيناس أن يفتك بها لما ذكر من الأرزاء التي حاقت بطروادة من ~~جرائها، لولا أن بدت له أمه ... فينوس، فأنذرته ألا يفعل، ثم كشفت ~~له حجاب الغيب المحرم على ms146 أعين البشر، فرأى إلى الآلهة أنفسهم يعملون ~~بأيديهم في تخريب طروادة وتدمير الطرواديين، وعلى رأسهم شيخ الأولمب ~~وسيده ... زيوس ... كبير الأرباب! ~~«فانج بنفسك يا بني ... ولذ بالبحر ... ولتنزح عن هذه الديار ~~...» # وانطلق إلى أبيه فنصح له أن يهرب معه، ولكن أباه استكبر وأبى، بحجة ~~أنه ينتظر نبوءة من السماء توحي إليه بما توحي ... فغيظ إيناس وأغلظ ~~لوالده القول؛ ثم أمره أن يهب من فوره غير مستأن فيركب كاهلي ابنه ~~وإلا قتلوا في الحال! # ولم يسع أنخيسيز إلا أن يطيع، فسار ابنه يحمله، وسار ولده ~~الصغير أيولوس بجانبه، وتبعتهم زوجه الجميلة كروزا. # كان قد اتفق مع أتباعه قبل أن يقصد إلى قصر الملك أن ينتظروه في هيكل ~~خرب قريب من مياه الهلسبنت، فلما أقبل نحوهم يحمل أباه اتفقوا على أن ~~يبحروا في الحال، ولكنه، وا أسفاه! افتقد زوجه فلم يجدها، زوجه ~~كروزا التي كانت الساعة فقط تتبعه! لقد قتلها كلب من شياطين ~~الميرميدون! ولما رجع إيناس ليبحث عنها لقيه طيفها الجميل، عند ~~تمثال مينرفا، فخاطبه قائلا: «هلم يا إيناس! غادر هذه الديار في ~~الحال، واذهب إلى شطآن التيبر؛ فإن الآلهة قضت أن تبني بيديك رومة أم ~~القرى!» وأبحر إيناس وأبحرت فلول الطرواديين معه وعينه تفيض من الدمع ~~على كروزا! # وفي غبشة الصبح المضطرب، كان صوت الطبل الكبير يقصف كالرعد في خرائب ~~طروادة. وكانت الجموع الحاشدة تهرول نحو الأسطول، وكان السبي الكثير ~~من عذارى طروادة وسائر نسائها يهرولن هن الأخريات نحو البحر، فكنت ترى ~~هكيوبا الملكة وأندروماك الحزينة التي اغتصبها بيروس لنفسه، وكاسندرا ... ~~تلك التي أحبتها السماء، فأصبحت في جملة السبي من سريات ~~أجاممنون وغانياته ... وكنت ترى غيرهن يهرولن في الصباح الباكي إلى ~~شاطئ الهلسبنت، ليركبن البحر فيغبن عن أرض الوطن إلى ~~الأبد. # وكانت كاسندرا تنظر إلى المأساة وتبتسم. # وكانت أمها ترمقها بعينين دامعتين، وتسألها عن سبب ابتسامتها، ~~فتفتر كاسندرا، وتقول: «أماه ليس حظ هؤلاء الغزاة المنتصرين بخير ~~من حظ أبطالنا، ها أنا ذي أقرأ ألواح القضاء، انظري ... ها هو ذا مصرع ms147 ~~أجاممنون بيد زوجته كليتمنسترا العاشقة ... إنها تفضل اليوم حضن ~~عاشقها الآثم على جنة يكون فيها زوجها ... إنها ستقتله، ستذبحه ~~بيديها ... حينما تطأ قدماه أرض الوطن! # وانظري يا أماه ... ها هو ذا أوليسيز تعصف به الريح، ويلعب به ~~الموج، ويؤرجحه البحر اللجي، والعشاق يتقاتلون من حول زوجه ... ~~وتليماك المسكين يضطرم غيرة ولا يستطيع أن يفعل شيئا ... # وانظري يا أماه ... ها هو ذا منلوس ... بائس ... كم أنت بائس يا منلوس، لقد ~~ظن المسكين أن هيلين نقية كما هي! لقد نسي الناعس أنها تقلبت في ~~أحضان أزواج غيره! انظري إليه يقذفه البحر إلى شطآن مصر، وانظري إليه ~~ذليلا بين يدي هيلين يتوسل إليها وكان أحرى لو أنه قتلها. ~~••• # ونسي الهيلانيون في نشوة النصر أن يقربوا القرابين للآلهة التي ~~نصرتهم وأيدتهم وأظفرتهم بأعدائهم؛ قبل أن يبحروا، فأثاروا غضب ~~الأولمب، واستنزلوا لعنة السماء، واستحقوا حنق حيرا ونبتيون ومينرفا، ~~ونقمة زيوس! # لقد ثارت ثائرة مينرفا، فانطلقت إلى أبيها وشكت إليه ما فرط هؤلاء ~~الجاحدون في جنبها وجنب الآلهة، واتفق الجميع على أن يسخر نبتيون ~~الجبار إله البحر أرياحه العاتية على أساطيلهم فتمزقها، وتضللها ~~تضليلا. # فما كادت الأساطيل تمخر عباب الماء، وما كادت تبتعد عن شواطئ ~~إليوم، حتى بدأت العاصفة تدوم، وحتى أخذت الأمواج ترسل أعرافها حول ~~السفائن، وحتى نثر الثبج حبابه فوقها، وحتى ارتعدت فرائص القوم، ~~ونظر بعضهم إلى بعض، كأنهم في يوم حشر، فهم لا ينبسون. # ولقد صدقت كاسندرا! # فها هي ذي الأساطيل الكثيفة تتمزق فوق سطح البحر، وها هي ذي جواري ~~منلوس المنشآت تدفعها العاصفة في طريقها إلى ... مصر، وها هي ذي مراكب ~~أجاممنون تنكسر على الصخور الناتئة في عرض اليم، وما يكاد يصل هو إلى ~~مملكته أرحوس حتى تقتله زوجته العاشقة مؤثرة عليه أحضان عاشقها ~~الأثيم إيجستوس، وها هي ذي سفين أوليسيز تضل في البحر الشاسع، وتتكسر ~~بما عليها من سلب، ويظل البطل المغوار في نقلة وترحل ... عشر ~~سنوات، وتظل زوجه بنلوب تنتظره، وعشاقها يقتتلون حول قصرها، وتليماك - ~~ابنها البائس - ينتظر أوبة أبيه، ms148 حتى يعود بعد شدة وبعد أهوال، ~~فيدمر العشاق الآثمين. # وهاك بيروس بن أخيل يعود ومعه أندروماك التي تظهر له الحب، ~~عاملة بنصيحة هكيوبا لها، حتى تنشئ ابنها، وكانت تعتزم مضايقة ~~بيروس ومناوأته ليقتلها، ولتستريح بالقتل من عذاب بالعيش بعد هكتور. # 3 ~~••• # وهكذا يا صديقي القارئ تنتهي تلك الملحمة الطويلة الدامية؛ فإن ~~أحسست أنت أنها لم تنته بعد، فأنت صادق؛ لأن المأثور أن هوميروس قد ~~نظم ملاحم طويلة عن أوبة كل من أبطاله إلى بلاده، ولم يبق منها - وا ~~أسفاه - غير درته اليتيمة الخالدة. # الأوديسة # وهي التي سنقدمها لك قريبا إن شاء الله مروية بطريقتنا التي ~~آثرنا أن نروي بها روائع الأدب اليوناني، الذي تسمع به جمهرة ~~قرائنا ولا تعرف عنه إلا اسمه. # وليس من شك في أن الأوديسة - كما أشرت إلى ذلك في مقدمتنا عن ~~هوميروس - هي أروع آيات الأدب اليوناني كله، إن لم تكن آية آيات ~~الأدب القديم جميعه، نسأل الله أن يلهمنا السداد، وأن يهبنا ~~من لدنه العناية وحسن التوفيق. ms149