######OpenITI# #META# URI: 1385DriniKhashaba.Udisa.Hindawi90807572 #META# Tags: literature #META# ID: 90807572 #META# Title: الأوديسة: لشاعر الخلود هوميروس #META# AuthorID: 40468203 #META# Author: دريني خشبة #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # بين مينرفا وتليماك‏ # تليماك يجادل العشاق‏ # في بيلوس؛ تليماك يسائل نسطور عن أبيه‏ # العشاق يتآمرون‏ # أوديسيوس يبحر من جزيرة كاليبسو‏ # حفل أولمبي‏ # في أرض المردة (السيكلوبس)‏ # أوديسيوس يروي قصته‏ # أوديسيوس يروي قصته: رحلة أوديسيوس إلى العالم الثاني‏ # تمام قصة أوديسيوس‏ # أوديسيوس يصل إلى إيثاكا‏ # مع الراعي‏ # عودة تليماك‏ # أوديسيوس يلقى تليماك‏ # أوديسيوس في قصره‏ # أوديسيوس يتشاجر مع شحاذ‏ # المرضع العجوز تعرف أوديسيوس‏ # نذير من السماء‏ # وما رميت إذ رميت ...‏ # الانتقام الهائل‏ # بنلوب، وأخيرا ... بنلوب!‏ # أوديسيوس يصل إلى إيثاكا‏ # مقدمة‏ # بين مينرفا وتليماك‏ # تليماك يجادل العشاق‏ # في بيلوس؛ تليماك يسائل نسطور عن أبيه‏ # العشاق يتآمرون‏ # أوديسيوس يبحر من جزيرة كاليبسو‏ # حفل أولمبي‏ # في أرض المردة (السيكلوبس)‏ # أوديسيوس يروي قصته‏ # أوديسيوس يروي قصته: رحلة أوديسيوس إلى العالم الثاني‏ # تمام قصة أوديسيوس‏ # أوديسيوس يصل إلى إيثاكا‏ # مع الراعي‏ # عودة تليماك‏ # أوديسيوس يلقى تليماك‏ # أوديسيوس في قصره‏ # أوديسيوس يتشاجر مع شحاذ‏ # المرضع العجوز تعرف أوديسيوس‏ # نذير من السماء‏ # وما رميت إذ رميت ...‏ # الانتقام الهائل‏ # بنلوب، وأخيرا ... بنلوب!‏ # أوديسيوس يصل إلى إيثاكا‏ # | الأوديسة # | الأوديسة # | لشاعر الخلود هوميروس # تعريب # دريني خشبة # | مقدمة # هذه هي الملحمة الثانية - بعد الإلياذة - لشاعر الخلود هوميروس كما عربها وأعاد ~~صياغتها دريني خشبة. # أجمع النقاد على أن «الأوديسة» أكثر عمقا ونبلا ورقة من سابقتها «الإلياذة»، ~~وأجمعوا على أنها ملحمة الفضائل الحضارية - فضائل الوفاء والإيمان والأسرة والفن - بعكس ~~الإلياذة التي كانت ملحمة فضائل البداوة وحياة الخشونة، وقالوا: إن «الأوديسة» تشيع فيها ~~روح أنثوية رقيقة عذبة مستمدة من «بنلوب» زوجة البطل الوفية، ومن الربة «مينرفا» ربة ~~الحكمة وحارسة أوديسيوس ومسددة خطاه. # والأوديسة هي قصة عودة البطل الإغريقي أوديسيوس أو أوليسيز، بعد سقوط طروادة، إلى وطنه ~~ومملكته «إيثاكا»، لقد نسي البطل أن يقدم القرابين للآلهة بعد الانتصار وقبل إبحاره إلى ~~وطنه، وفي الطريق وأثناء دفاعه عن نفسه وعن رجاله أوقع الأذى البالغ بأحد أبناء رب البحار ~~نبتيون، فكان أن طارده الإله في البحر، وحكم عليه بالنفي لمدة عشر سنوات، ولم يستطع أن يعود ~~إلى ms001 دياره إلا بعد أن نزل إلى العالم الآخر؛ لكي يستعلم من حكماء الموتى عن طريق العودة، ~~وفي إيثاكا واجه البطل عشاق زوجته الذين حاولوا إجبارها على الزواج من أحدهم، فأبادهم ~~جميعا قبل أن يكشف عن شخصيته ويستقر في بيته بين زوجته وولده. # وقد اعتمد دريني خشبة في صياغته العربية على نفس الترجمات الإنجليزية التي اعتمد عليها في ~~صياغة «الإلياذة»، وقد ذكرناها في مقدمة الملحمة الأولى التي صدرت في روايات الهلال في ~~أكتوبر سنة 1969م، وهي ترجمة «جورج تشابمان» في القرن السابع عشر، وترجمة «وليام كاوبر» في ~~القرن الثامن عشر، وترجمة «ألكسندر بوب» في القرن الثامن عشر أيضا، وترجمة «وليام إيرل أوف ~~دربي» في القرن التاسع عشر. # كذلك اعتمد دريني خشبة في ترجمته للأوديسة على نفس الأسلوب الذي اعتمد عليه في ترجمة ~~الإلياذة، فقد حافظ بأمانة على الأحداث الروائية وروح النص، وإن كان قد أعاد بناء الأحداث ~~وترتيبها لتناسب ذوق القارئ الحديث، وهو نفس الأسلوب الذي اعتمد عليه المترجمون الإنجليز ~~وخاصة «جورج تشابمان». # | بين مينرفا وتليماك # أنشد يا هوميروس! # وظل في فم الأبد قيثارته المرنة، ونايه المطرب، وعوده الآن، ونغمته الحلوة الحنون. # أنشد يا شاعر العصر الخالي. # وحل في الأسماع موسيقى مدوية، وفي العيون دموعا جارية، وفي القلوب رحمة ومحبة، وانفح ~~عرائس الشعر من لدنك سلطانا، وحكمة وبيانا، وسريرا وصولجانا. # تغن يا شاعر أولمب! # ولترسل من جنتك نغمة تنتظم الأفلاك، ورنة تجلجل في الأفق، وآهة تزلزل قلوب ~~الجبارين! ~~••• # سقطت إليوم، # 1 # ونزح المغير بخيله ورجله، فتعالي يا عرائس الفنون فافتقدي أوديسيوس في ذلك ~~البحر اللجي يذرعه، موجة تلبسه وموجة تخلعه، لا يعرف لمملكته ساحلا فيرسو عليه، ولا ~~شاطئا فيقصد إليه، يخبط في اليم على غير هدى، ويرسل عينيه في الماء والسماء على غير ~~بصيرة؛ زرقة متصلة في العلو والسفل، وتيه لا نهائي يخبط في أحشائه أسطول السادة ~~المنتصرين. # والأقدار وحدها تعلم لماذا ضل أوديسيوس بجنوده في ~~ذلك العباب؟ وقد عاد كل أقرانه إلى هيلاس بعد طول النأي وشحط المزار، إلا هو ms002 وإلا هم ، ~~ممزقين في دار الغربة كل ممزق، يتجشمون المصائب ~~والأهوال، ويتخبطون بين موج كالجبال، ويخلصون من بحر إلى بحر، ومن روع إلى روع، فإذا ~~أرسوا على أرض وظنوا أنهم نجوا، أفزعهم فيها غير الذي رجوا. # ولقد رقت قلوب الآلهة، وودوا لو أدركوا برحمتهم أوديسيوس، إلا نبتيون الجبار - رب ~~البحار - الذي يضمر للبطل في أعماقه كل كراهية وكل بغضاء، والذي آلى أن يصب على رأسه كل ~~تلك الأرزاء. # عندما ينشد شاعر الأولمب تحل في الأسماع موسيقى مدوية وآهة تزلزل قلوب ~~الجبارين. # وحدث أن كان نبتيون في حرب مع الإثيوبيين، فانتهزها الآلهة فرصة سانحة، وعقدوا مجلس ~~الأولمب في ذروة جبل أيدا، وتفضل الإله الأكبر «زيوس» فافتتح الجلسة بكلمة مخلصة توجع ~~فيها لما يلقاه بنو الإنسان من صروف الحدثان، واستطرد فذكر مأساة أجاممنون المسكين، وما ~~لقيه على يدي زوجه وعشيقها الأثيم إيجستون من غدر وغيلة، ثم أنحى باللائمة على هؤلاء البشر ~~البائسين الذين يقولون إن كل ما يصيبهم من خير وضير هو من عند الآلهة، وما هو إلا من عند ~~أنفسهم، ولكن لا يفهمون! # ثم نهضت مينرفا ربة الحكمة ذات العينين الزبرجديتين، فأيدت ما قال أبوها سيد الآلهة، ~~وأثنت عليه، ثم ذكرت أوديسيوس؛ «ذلك التعس المسكين الذي تخبطه # 2 # وصحبه البحر، وقضى عليه - دون أقرانه جميعا - أن يشقى هذا الشقاء الطويل عند ~~عروس الماء الفاتنة كالبسو في جزيرة أوجيجيا ثمانية أعوام أو يزيد. ما ذنبه؟ ما جريرته؟ ~~لماذا ينفى هذا العبد الصالح في أقصى الأرض يا أبي، إنه خير عبادك أجمعين، أذكر كم ضحى ~~في الأضحيات باسمك، وقدم القرابين من أجلك، وحارب أعداءك، وجاهد شانئيك! لقد نمى إلي أن ~~كالبسو تحاول جاهدة أن تستميل قلب البطل، وأن تنسيه وطنه إيثاكا، يا للهول! كيف يا ~~أبتاه؟! وهذه الزوجة التاعسة بنلوب؟ بنلوب المحزونة المرزأة، بنلوب التي صبرت وصابرت ~~طوال هذه السنين على ما كرثها الدهر به من بعد زوجها، بنلوب التي حافظت على طهرها ~~وإخلاصها، أتظل هكذا سجينة في قصرها المنيف الباذخ؟ ويظل هذا ms003 القصر محاصرا بعشاقها ~~المجانين من أمراء الأقاليم؟ أبي! يا سيد الأولمب، ألا تدرك برحمتك أوديسيوس وترده إلى ~~وطنه ليذود هذه الكلاب التي ولغت في حوضه، وكادت تخوض في عرضه؟ تداركه يا أبي، تداركه ~~بعطفة واحدة منك، وإنك على إنقاذه لقوي مكين.» # واستجاب لها سيد الأولمب، وقضى أن يعود أوديسيوس إلى إيثاكا، لكنه ذكرها برب البحار ~~نبتيون، وذكرها بما بينه وبين البطل من ترات وثارات، «سببها هذه الفعلة الجنونية التي ~~فعلها أوديسيوس بواحد من السيكلوبس # 3 # أبناء نبتيون؛ إذ اقتلع عينه الواحدة التي كان ينعم بسبيلها بزينة الحياة. ~~اطمئني يا بنية وقري عينا، إننا نحن الأعلون، وسيرى نبتيون أنه لن يغلب الآلهة مجتمعة ~~أبدا.» # وشاعت الغبطة في أعطاف مينرفا، وتضرعت إلى مولاها أن ينفذ ولده هرمز إلى جزيرة ~~أوجيجيا، فيأمر عروس الماء كالبسو أن تعد مركبا عظيما لأوديسيوس ورفاقه؛ ليعودوا عليه ~~إلى أوطانهم، ثم ذكرت أنها ستمضي من فورها إلى إيثاكا حيث العشاق المآفين يحاصرون قصر ~~بنلوب، وحيث ابن أوديسيوس المنكود، تليماك، يشهد خراب مملكة أبيه ولا يستطيع أن يحرك ~~ساكنا لصغر سنه؛ «إني سألهب إحساسه، وأفتح عينيه على ما ينبغي، سأجعله يخرج من هذه ~~العزلة المعيبة ليبحث عن والده؛ فإنه لم يعد طفلا بعد.» # هبطت مينرفا من السماء إلى الأرض، وانقلبت فاتخذت شكل الآدميين، ولمحها ~~تليماك، وهب للقائها. # وانطلقت مينرفا فربطت نعليها السحريين على قدميها الجميلتين، وحملت رمحها العظيم ~~الذي تقطر المنايا من سنانه، ووضعت تاجها المرصع على رأسها الكبير، وأطلقت ساقيها ~~للريح، حيث كانت بعد لحظة على مقربة من قصر أوديسيوس، فهبطت من السماء إلى الأرض، وفي ~~لمحة انقلبت فاتخذت شكل الآدميين، وتخايلت في هيئة ~~الأمير منتش # 4 # وطيلسانه، ثم تقدمت فدخلت ردهة القصر الواسعة، حيث اجتمع العشاق المجانين ~~من أجل وليمة، وتلفتت يمنة ويسرة، ورأت الفتى السادر الساهم الحزين تليماك، وقد ~~تعقدت فوق جبينه هموم وهموم، وتغضنت ملء أساريره آلام وآلام. # وما هو إلا أن لمحها تليماك حتى أخذه من هيبتها شيء عظيم، فهب للقائها مسرعا، ثم مد ms004 ~~إليها يده مصافحا وهو لا يعرف من هي، وقال: «مرحبا مرحبا بالغريب المكرم! هلم فشارك ~~في ذلك القرى، ولنتحدث بعدها فيما أقدمك إلينا، مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا.» ودلف ~~نحو الصالة المزخرفة، وتبعته مينرفا وفي يمناها رمحها الجبار الذي يقدح من سنانه الشرر، ~~حتى إذا بلغا العمود الأكبر الذي أسندت إليه مئات الرماح، والذي كان أوديسيوس يسند ~~إليه رماحه وعدة حربه، تناول تليماك الرمح وأسنده بعد جهد، حيث برز بكل عظمته وكل جلاله ~~بين رماح العشاق الفاسقين. وتقدم نحو أريكة وثيرة منعزلة، وسأل مينرفا فاستوت عليها، ~~وكانا ثمة بمأمن من أن يستمع إليهما أحد. وأقبلت جارية فينانة رائعة تحمل طستا ~~وإبريقا من الذهب، فصبت الماء على يدي الضيف ويدي تليماك، ثم مضت فأحضرت مائدة ~~نسقت عليها الورود والرياحين، ونشط النادل # 5 # يحمل أطباق الطعام والفاكهة والحلوى، فيأتي بها ملأى، ويمضي بها فارغة. والندمان # 6 # فيما بين ذلك يجذب الزق # 7 # إليه ويسقي، ثم يسقي، وشرع العشاق المجرمون بدورهم يلتهمون ما لذ وطاب من أكل ~~وشراب. حتى إذا انتهوا شرع فيميوس نايه وانطلق يغني. # وانتهز تليماك فرصة انصراف القوم إلى لهوهم وشرابهم ~~فساءل الضيف قائلا: «يا أعز الأصدقاء، أرأيت إلى أولئك الفساق؟ لو أن رب البيت هنا ~~أكانوا يلهون لهوهم هذا أو يفسقون فسوقهم هذا؟ كلا، لقد كانوا إذن أسرع إلى الهرب منهم ~~إلى ذلك الطرب، ولكن، أواه! أين هو؟ أين أوديسيوس العظيم الذي انقطعت عنا أخباره، ويئست من ~~أوبته دياره؟ ولكن حدثني بربك من أنت؟ ومن أي الأقاليم قدمت؟ ومن رجال البحر ~~الذين ألقوا مراسيهم عند إيثاكا؟ أغريب أنت أيها السيد؟ أم كنت فيما خلا من الزمان من ~~أصدقاء أبي وأحبائه؟» # وقالت مينرفا ذات العينين الزبرجديتين: «ليهدأ بالك يا بني؛ فإني مجيبك على كل ما ~~سألت؛ إنك ترى الآن منتش أمير «جزيرة الطافيان» البحارين، وسليل إنخيالوس الكبير، ولقد ~~أبحرنا من جزيرتنا ميممين شطر جزيرة النحاس من أجل ذلك المعدن الثمين، وسفائننا ~~ملقية مراسيها بالقرب من غابات «نيوس»، ولقد كنا ولا نزال ms005 من أحب ضيفان أبيك وأودهم إلى ~~فؤاده، فلما سمعنا بما حل به من شدة، وببيته من لأواء، استوحينا آلهتنا فخبرتنا أنه ~~لا بد عائد إلى وطنه سالما غانما، وأنه لا بد منتقم من هؤلاء الفجار الأشرار، ولكن ~~خبرني بأربابك أفي الحق أنك ابن أوديسيوس العظيم؟ إن ملامحك تشبه ملامحه، وإنك لقريب ~~الشبه منه جدا، وإن هذا البريق الذي يشع من عينيك هو نفسه الذي كان يشع من عيني ~~أوديسيوس ... يا للآلهة! كم سمرت إلى أبيك قبل أن يشد رحاله إلى طروادة، فهل يقدر لي أن ~~أسمر إليه مرة أخرى؟ إنني من وقتها إلى اليوم لم أره، وهو كذلك لم يرني. ألا ما أشوقني ~~إليه! ما أشوقني إليك.» # وشاع بارق من الأمل في نفس تليماك فقال: «ويحك أيها الصديق، إنني أنا ابن أوديسيوس، ما في ~~ذلك ريب، والعالم كله شهيد على ذلك.» # ثم اختلطت الزرقة بالخضرة في عيني ربة الحكمة وقالت: «على رسلك يا تليماك! إذن فما ~~هذه الولائم وتلك السمط؟ وهذا الزحام من أين أقبل؟ إني لأقلب ناظري في القوم فلا أرى ~~شريفا ذا حسب يستأهل أن يحتفى به أو يقام له وزن.» # ويبتئس تليماك ويجيب: «أيها العزيز، لقد هاجرت الفضيلة من هنا في أثر المهاجر العظيم، ~~وكانت آلت ألا تعود إلا معه، وكان هو - تداركته السماء - يلقنها هؤلاء بنظرة واحدة تكفي ~~لتزول منها الجبال؛ وا أبتاه! لقد أطمع العاديات فينا بطول نأيه. فيا للنوى! إننا لا ندري ~~اليوم أين مقره ولا أيان مستودعه. ولو قد خر تحت أسوار إليوم لاجتمع الإغريق من كل ~~حدب هنا، هنا؛ في حاضرة إيثاكا ليذرفوا دموعهم من أجله، وليقيموا له صحائف صدورهم بمداد ~~أبدي من التبجيل، ولكن وا أسفاه! لقد انتصر انتصار الأبطال، ثم مضى على وجهه وراء البحار ~~في فجاج الثبج، وغدونا لا تحلم العين بنظرة مفردة منه، ولا الأذن بلفظة عذبة من لسانه ~~المبين، تباركت يا آلهة الأولمب! ماذا عندك من الأقضية المخبوءة لي؟ الذئاب! أي يا آلهة ~~هذه الذئاب! وحوش البرية ms006 التي اجتمعت من كل فج؛ من الجزائر المتناثرة في البحر، ومن ~~المدائن المترامية في البر، من ساموس ودلشيوم وزاكنثوس، ومن كل إقليم وكل مصر ... كلهم ~~يرابطون حول هذا القصر، ولا يستحيون. الفساق الأوشاب ~~العرابيد يطلبون يد الزوجة الوفية، الأم المكلومة؛ بنلوب! بنلوب الباكية المحزونة المصدعة، ~~كنز أوديسيوس الذي لا يفنى، يطلبون يدها ولا يرحمون وفاءها وبكاءها ولأواءها؛ لا تستطيع ~~أن تردهم لعجزها، ولا تستطيع أن تجيبهم وهي لا تدري من أمر زوجها. وهم طوال هذه السنين ~~يريغون نعماء أبي، فكهين في أشربات وآكال حتى أقفر الزرع وجف الضرع، وما أحسبهم مبقين ~~على شيء، حتى علي!» ~~••• # وانثال الحنان في فم مينرفا إذ هي تجيب الفتى المحزون: «ويح لك أيها الفتى! رحمتا لك يا ~~بني الصغير! أواه! لو أن أباك هنا اليوم ليذود أولئك المناكيد! وحق السماء لو أنهم رأوه ~~وهو يلاعب رمحيه أو يداعب سهامه لأجفلوا وولوا مدبرين، إن له لسهاما مسمومة سقاها أبي ~~بعد إذ رفض أن يسمها إيلوس بن مرمريس، # 8 # وهو لو صوبها إلى أولئك المفاليك لأبادهم. يا رحمتا له إن أحدا غير الآلهة ~~لا يعلم إن كان لا يزال حيا يرزق أو هو قد ابتلعه اليم أو عاجلته المنون. تليماك! ~~يا ابن أعز الناس علي، أصغ إلي، وع الذي أقول: إنك لست طفلا بعد، فلم لا تشمر ~~عن ساعد الجد وتبحث بنفسك عن أبيك؟! لم ترض أن يلطخ شرف بيتك هؤلاء الفجار؟ لم لا ~~تكلمهم بنفسك في أمر أمك؟ ولم لا تصرفهم عن هذه الدار إلى بيت جدك ليطلبوا إليه يد ~~ابنته إن شاءوا؟ أليس أبوها أليق لهذا الشأن من كل رجل سواه ما دام أوديسيوس لم يؤب؟ ~~لم يربضون هنا كسباع الفلاة يوهون ثروتك ويأكلون مالك، ويذهبون بالأخضر واليابس مما ترك ~~أبوك؟ استمع لما أقول يا تليماك، نبئ القوم فليجتمعوا لك، ولتسمعهم كلمتك ولتصارح ~~أمك إن هي أرادت منهم بعلا فلتنصرف إلى بيت أبيها؛ فهو أولى بهذا الأمر من كل أحد، ثم انهض ~~أنت يا ابن ms007 أوديسيوس، فابحث عن أوديسيوس. أعد ما استطعت من سفين وزاد، وميرة وعتاد، ~~ولتبحر على بركة الآلهة، فلتذهب أولا إلى «بيلوس» حيث الحكيم الباسل نسطور، ثم إلى ~~أسبرطة حيث صاحب هذه الداهية منلوس. # 9 # أقلع بفلكك إلى هذين فسائلهما أين مضى أبوك؛ فقد تقع منهما له على خبر، ~~ولتكن لك أسوة في الفتى الجريء المقدام أورست الذي قتل قاتلي أبيه # 10 # وفيهم أمه. بوركت يا أورست، بوركت يا أورست! هلم يا تليماك؛ فقد تعود بأبيك ~~حيا، فيرد الشرف والمجد إلى هذا البيت، وقد تعود به ~~ميتا فترفع ذكره، وتقيم قبره، وتخلد في العالمين أثره، والآن فلأنهض أنا إلى رجالي وسفني، ~~فلقد بعدت طويلا عنهم. وكلي يقين يا بني أن تقدر نصيحتي، وعلى الآلهة فلنتوكل.» # الورود وأطباق الفاكهة والحلوى للعشاق الذين استغلوا غياب أوديسيوس ~~العظيم الذي انقطعت أخباره. # وحين انتهت مينرفا من هذا الحديث حدجها تليماك وقال: «أيها الصديق حبا، ويا أبر ~~الأوفياء سمعا، لقد أيقظت في ضميرا أنت أحييته، فألف شكران لك. أبدا لن أنسى كلمتك: ~~أنا ابن أوديسيوس! فلأبحث عن أوديسيوس.» وحاول الفتى أن يقدم لمحدثه هدية سنية تكون ~~تذكار هذا اللقاء، ولكن مينرفا شكرته وأبت أن تأخذ شيئا: «فإذا نجحت في مسعاك يا بني ~~فسوف أعود، وسوف أقبل أية هدية منك.» # ثم انطلقت ربة الحكمة ذات العينين الزبرجديتين، ولشد ما ذهل الفتى ووقف مسبوها ~~مشدوها حين رأى هذا الأمير «منتس» ينتفض انتفاضة هائلة فيكون نسرا قشعما يضرب الهواء ~~بجناحيه ثم يعلو ويعلو، فيكون في السماء ويغيب عن ناظريه. # ولم يحس الفتى يوما بما أحس به الساعة من هذه الذكريات الملحة على فؤاده ~~تهيج فيه الشوق إلى لقاء أبيه، وجدد الثقة عنده وأكدها فيه يقينه أن إلها يساعده هو ~~هذا الضيف الذي أرسل جناحيه وغاب في السماء. # وانطلق تليماك حيث جلس الفساق يستمعون إلى أغاني فيميوس، وحيث وجد أمه في الشرفة ~~العليا تستمع هي الأخرى إلى تلك الأغاريد بين قيانها من وراء ستار صفيق وتبكي، وتسأل ~~فيميوس أن يتغنى غير ms008 هذا الغناء غناء لا يثير شجوها وشحنها، وتثور النخوة في قلب ~~الفتى فيصيح بأمه: «علام العويل يا أماه؟ وما وقوفك هذا الموقف تسترقين الغناء؟ وما ~~اعتراضك على المغني؟ دعيه فليتغن ما يشاء، فلقد غدونا سخرية القضاء وهزو المقادير. ~~ولقد ذهب أوديسيوس وذهبت معه كرامة هذا البيت، وإني لصاحبها بعده. فادخلي وليدخل معك ~~قيانك، ولتقمن جميعا بشئون المنزل، ولتخلن إلى مغزلك ومنسجك، ودعي كل ما عدا ذلك ~~للرجال؛ لي، لي أنا وحدي؛ سيد هذا القصر!» # وأثرت مقالة الابن في نفس أمه؛ فانثنت مع قيانها إلى مخدعها بالطابق العلوي حتى إذا ~~خلت إلى نفسها ذرفت من الدمع على أوديسيوس ما شاء لها حزنها أن تذرف. أما تليماك فقد انطلق ~~وسط القوم ونادى بأعلى صوته: «أيها الفساق! يا عشاق أمي، خذوا في لهوكم وتمتعوا قليلا أو ~~كثيرا، فإذا كان الغد فاجتمعوا في الساحة الكبرى، فإن لي كلاما معكم؛ سأطلب إليكم أن ~~تشدوا رحالكم من هنا، أتسمعون؟ لقد طالما أتلفتم لنا زادا وعتادا، ألا فلتلتمسوا ~~الزاد والعتاد من عند أنفسكم، ولتقيموا أفراحكم وولائمكم في غير هذا المكان، فإن أبيتم ~~فإني مستعين بالآلهة عليكم، ولتقتص منكم السماء بما جرحتم.» # وما كاد يفرغ من قالته حتى عضوا على أصابعهم لمفاجأتهم بهذا الكلام الخشن الذي لم ~~يعتادوه، ونهض أنتينوس من مجلسه وقال: «تليماك، لقد حق لك أن تخاطبنا بهذه الشجاعة، ~~ولكن يا لشؤم اليوم الذي تتوجك السماء ملكا فيه على إيثاكا؛ عرش آبائك وأجدادك.» # ويجيب تليماك: «ليس أحب إلي من الملك حين تخلعه علي السماء، غير أن أمره إليكم ~~اليوم إن كان قد قضى أوديسيوس، أما أنا فلا أريد إلا أن أكون سيد هذا القصر، ولا غرو؛ ~~فإن هذا من حقي.» # وأجابه يوريماخوس: «إن من حقك أن تقول ما تشاء يا أخانا تليماخوس، أما ملك إيثاكا ~~فالسماء وحدها تؤتيه من تشاء. ولكن قل لنا بربك: من هذا الضيف الذي كان معك الساعة؟ هل ~~من قبل أبيك أقبل، أو أن له عليكم دينا؟ إن أحدا منا لم يلقه ms009 ولم يره، ولكنا ~~لمحناه من بعد، عليه سيماء النجابة والجلال، من أين أقبل يا تليماك؟ وفيم قدم؟» # وأصلح تليماك من شأنه وقال: «أيها السيد يوريماخوس، إن يقيني أن أبي قد انتهى، ولن ~~تغريني هذه الكلمات المعسولة التي يتشدق بها المنجمون. أما هذا الضيف ... هو من ~~أصدقاء أبي طبعا، وقد أقبل لمجرد الضيافة، وهو الأمير منتش أمير البحارين، وسيد تافوس، ~~وابن سيد هذا الزمان، الملك الشجاع إنخيالوس.» # قالها تليماك وهو أعرف الناس بضيفه، ثم انثنى كل إلى مخيمه، وانثنى تليماك إلى مخدعه ~~بالطابق العلوي، حيث كانت مربيته يوريكليا تنتظره وتوقد له الشموع والسرج، يا لها من ~~أنثى طيبة تخلص لمولاها وتحنو عليه! لسرعان ما خلع ملابسه فعطرتها وحفظتها، ولسرعان ~~ما هيأت له فراشه الوثير! # وقضى تليماك ليلة نابغية ممتلئة بالهواجس والأفكار. # بعد ضياع أوديسيوس هاجرت الفضيلة هذا القصر العظيم وطمع العاديات في ~~أهله. # | تليماك يجادل العشاق # موهت أورورا # 1 # ابنة الفجر الوردية مشرق الأفق، فهب ابن أوديسيوس من مرقده وأصلح من شأنه ~~وتقلد سيفه، # 2 # ثم انفتل مختالا، كأحد آلهة الأولمب من باب مخدعه، وجعل يقلب عينيه في ~~هذه الخيام المضروبة التي تملأ حديقة القصر والتي يثوي فيها أولئك الفجار الأشرار عشاق ~~بنلوب، وتلبث قليلا وفي القلب لظى، وفي النفس كلوم، ثم صاح بالملأ فهبوا مسرعين، ~~وأخذوا ينسلون إلى الردهة الكبرى، حتى إذا انتظم عقدهم والتأم شملهم تقدم هو ~~متهدجا نحو عرش أبيه، وفي يمينه رمح ظامئ إلى تلك الدماء النجسة التي تتدفق في أبراد ~~تلك الذئاب، وعن جانبيه كلباه الضاربان، وفي عيني كل منهما جمرتان، وكانت مينرفا ~~نفسها تضفي على الشاب سيماء النبل، وترقرق فوق ناصيته أمواها من العظمة والمجد؛ لتقذف ~~منه الرعب في قلوب أعدائه حتى لبهرهم أن يروا في تليماك ذاك الضرغامة المختال. # وما كاد الفتى يستوي على عرش آبائه الصيد وأجداده الصناديد، حتى نهض شيخ يحمل فوق كاهله ~~السنين الثقال، وتشتعل في رأسه شيبة التجاريب وجلائل الفعال، وكان هو إيجبتوس بعينه، ~~إيجبتوس المسكين الذي بعث بولده أنتيفوس ms010 في أسطول عظيم وجند لجب؛ ليشارك في حرب إليوم مع ~~أوديسيوس؛ فنازل وناضل ، وكر وفر، وجال وصال، وصمد وانتصر. ولكنه، وا أسفاه! لم يعد إلى ~~أوطانه في العائدين، بل صحب أوديسيوس في رحلته المشئومة وراء البحار حيث أكله السيكلوب ~~الوحش فيمن أكل، وقف إيجبتوس بين أبناء له ثلاثة؛ أحدهم من عشاق بنلوب، ثم قال: «أيها ~~الرفاق، يا أبناء إيثاكا النبلاء، إنها أول مرة منذ أن بارح أوديسيوس بفلذات أكبادنا ~~ندعى فنجتمع مثل هذا الاجتماع، فمن ذا الذي دعا إليه؟ وماذا يبتغي؟ أنفحة من نفحات ~~الشباب؟ أم زفرة من زفرات الشيب؟ أم خبر من جيشنا الهالك يبشر بعود؟ لينهض باركته ~~السماء فليحدثنا عما دعانا إليه.» # وتناول تليماك صولجانه من قواسه، وتقدم حتى كان في وسط القوم، وجهر فقال: «أنا السيد ~~الوقور صاحب هذه الدعوة، أنا تليماك بن أوديسيوس صاحب هذه الدار، وصاحبكم ومولاكم من قبل، ~~لقد دعوتكم لأشكو إليكم بثي وحزني، لا لأزف إليكم بشريات الجيش المفقود لا يعلم ~~مصائره إلا زيوس! لقد فقدت والدي ووالد الإيثاكيين جميعا، ثم أنا اليوم حبيس هذه الدار، ~~أسير هؤلاء العشاق # 3 # الذين يطمعون في الزواج من أمي، غير متقين في عرضي إلا، ولا راعين لأبي ~~ذمة، يذبحون النعم # 4 # ويريغون # 5 # الزاد، ويعاقرون ابنة العنب، ولا يبالون أن يهلك الزرع والضرع ما داموا ~~يبيتون وبطونهم ملأى، ويبيت غيرهم على الطوى! لقد استباحوا هنا كل شيء، ما دام لا ~~أوديسيوس هنا فيردعهم، ولا حول لي فأغل أيديهم، ولا ضمائر فيصيخوا إلى قولي ويرحموا ~~ضعفي، ويذهبوا من فورهم إلى جدي فيخطبوا إليه ابنته إن أرادت أحدهم بعلا، فهو بها أولى ~~وبشأنها أحق. إنكم ضعفاء أيها الإيثاكيون الأوفياء، ولو استطعتم لرددتم عني غائلتهم؛ ~~فلقد طفح الكيل، وحزب الشر، وعم الأذى، والآن أوجه إليهم قولي، ولن أستحي أن أصارحكم ~~مرة أخرى أيها العشاق، اخجلوا إذن، ولتصبغ الفضيلة وجناتكم بحمرة الحياء، اذكروا ما ~~عسى أن يعيركم به جيرانكم، واخشوا قارعة تحمل عليكم من أربابكم، واتقوا يوم تلقونهم ~~تودون لو ms011 تلقفتكم الصواعق. يا قوم، أستحلفكم بسيد الأولمب، بربة العدالة ثيميس، إلا ما ~~تركتموني أقضي البقية الباقية من أيامي في شقوتي وجدي، هل أجرم أبي مرة مع أحد منكم فأنتم ~~اليوم تأخذونني بجريرته؟ فيم إذن مقامكم هنا؟ وفيم إذن تستنزفون آخر قطرة من خمري دون ~~مقابل؟! اذهبوا، اذهبوا، ودعوا تليماك البائس تحز في نفسه أشجانه، وتبري اصطباره ~~بلواه.» # ودق الأرض بصولجانه، وانفجر يبكي، وكأنما انهمرت دموعه في نفس القوم، فوجموا وجوما ~~شديدا، ولم ينبس أحدهم ببنت شفة، حتى نهض أنتينوس آخر الأمر فقال: «لله بيانك يا ~~تليماك! لقد كنت مصقعا حقا، ولكنك لم تصب كبد الحقيقة حين قصرت علينا اللوم، وحين ~~لا ملوم إلا أمك، لقد خدعتنا جميعا طوال سنوات ثلاث كادت تتم أربعا، إذ رسائلها تترى ~~علينا، تحيي في نفوسنا الآمال وتذكي فينا الأماني، لقد كانت وعودها تترادف كالبروق ~~الخلب، وتتراءى كالسراب المضل، لقد اتخذت لها منسجا وطفقت تعمل عليه وهي تغرر بنا، ~~وتقول: «أيها الإغريق، لقد قضى أوديسيوس، ما في ذلك ريب، وكلكم تطمعون أن تفوزوا بزوجته، ~~ولكن أبي ليرتيس رجل شيخ وهو يدب بخطى وئيدة إلى حافة القبر، أفليس أخلق بي وبكم أن ~~تنتظروا حتى أنسج له هذا الثوب لتكون منه أكفانه؟ وحتى لا أكون مضغة في فم الإغريقيات إن ~~تركته برغم ثروته الطائلة وليس له كفن يضم رفاته.» ولقد أجبنا سؤلها وتلبثنا طويلا، ~~نرجو لو تفرغ من نسج هذا الكفن، بيد أنها كانت تنقض بالليل ما تنسجه بالنهار، وهكذا ~~دواليك، ظلت تخادعنا تلك السنين الثلاث حتى فضحت سرها إحدى وصيفاتها؛ إذ حدثتنا به ~~واستطعنا أن نضبطها وهي تنقض غزلها أنكاثا في ضوء المشاعل في جنح الليل، فأجبرناها على ~~إتمامه بالرغم منها. هذه هي الحقيقة يا قوم، والآن فلترسل أمك أيها الفتى إلى أبيها، ~~وليختر لها من بيننا بعلا، أو فلتختر هي لها بعلا، أما إذا عكفت على ختلها بنا فلتثق أن ~~شيئا منه لم يعد يجوز علينا مهما ظنت أنها أحذق من نيرو أو أكيس من الكمينا ms012 أو أبرع ~~من ميسينيه. # 6 # حسبها ما خدعتنا! وإنا نقاسمك يا تليماك أننا لن نبرح عاكفين على ما شكوت ~~من ذبح لنعمك، وإراغة لزادك، ومعاقرة لخمرك حتى تختار لنفسها، أو فلتعف هذه الدار، ~~ولينضب معين خيرها.» # وشاعت الكبرياء في كل جارحة من جوارح تليماك، فقال: «أنتينوس! ماذا أصابك؟ كيف تسألني أن ~~أقهر أمي التي غذتني ونشأتني على غير ما ترضاه؟ كيف أطردها من قصر بعلها الذي لا يعلم ~~غير الله إن كان حيا أو ميتا؟ لبئس ما أجزيها به، ولشد ما أغضب أبي وأثير غضب الآلهة ~~علي إن فعلته، إنها ستدعو إيرينيس كي تنتقم لها مني، وستنصب علي لعنات الناس جميعا، ~~ويحك أيها الرجل! لن أقولها أبدا، بل اذهبوا أنتم فسلوها ما شئتم، فإما أجابت طلبتكم، ~~وإلا فانصرفوا غير مأجورين، اذهبوا فأولموا ولائمكم في غير هذا القصر، وأريغوا من زادكم، ~~وأنفقوا مما تحبون، أما إن رأيتم أنه أحلى لكم أن تأكلوا مال غيركم؛ فإني سأهتف أبدا ~~بالآلهة أن تقتص لي منكم، فهي محيطة بكم.» # شرع العشاق المجرمون يلتهمون ما لذ وطاب، ثم شرع فيميوس ~~ليغني. # وما كاد يفرغ تليماك من مقالته حتى أرسل سيد الأولمب نسرين عظيمين طفقا يضربان الهواء ~~بخوافيهما، ثم جعلا يدومان فوق الملأ ويقدحان الشرر من أعينهما نذيري ردى وصيحة منون، ~~ثم انطلقا نحو المدينة وغابا في ظلام البعد. # وشده القوم، وريعت أفئدة العشاق وأخذوا يتخافتون. ثم نهض فيهم القديس هاليتير بن ~~نسطور المعروف بورعه وصدق نبوءته، فقال: «أيها الناس، يا أبناء إيثاكا، اسمعوا وعوا، ليحذر ~~العشاق المعاميد ما يخبئ لهم الغيب من شر أوشك أن ينقذف على رءوسهم، إن أوديسيوس حي ~~يرزق، وإنه عائد إلى وطنه، بل إنه ليغذ السير إلى ~~هنا، وإنه ليحمل الموت الأحمر إلى خصومه، والخير الأخضر إلى مواطنيه، أنا هاليتير ~~قديسكم الذي لا يكذب قد أنبأته قبل أن يبحر إلى طروادة بذلك النبأ وأنه عائد إلى وطنه ~~بعد أن ينتصر على أعدائه، ويذيقهم ضعف ما صنعوا، ولن يجديهم أن يتوبوا أو يندموا، ms013 ~~وليأتينكم نبؤه بعد حين.» # وسخر القوم منه واستهزءوا به، وقام يوريماك يرجمه بهذه الكلمات: «انقلب إلى دارك أيها ~~العجوز الخرف، هلم إلى أحفادك الكسالى فتنبأ لهم بما ينبغي أن يأخذوا حذرهم منه، لقد ~~قصف المنون عود أوديسيوس الفينان، فليته قصف عودك كذلك! طير؟! ها إن الطير طالما يستنسر في ~~سماء إيثاكا، إن أكبر الظن أنك تطمع في منحة من ابن مولاك تليماك، ولكن أصغ إلي، لتكن لك ~~منحة منا إن تنبأت له عما يكاد يذهب بك وبه من بطشتنا إن لم يختر لنفسه، أسمعت؟ لقد نصحنا ~~له أن يرسل أمه إلى بيت أبيها ليختار لها الكفء الذي ترضى به فلم ينتصح، وأنا أرسلها ~~كلمة صريحة في غير مين؛ إننا لن نبرح عاكفين على ما نحن فيه من هذا الخير حتى تخضع بنلوب ~~فنمضي مأجورين، وثق أيها الشيخ المهيب الخرف أن نبوءاتك لن تفزعنا، بل هي تضاعف سخطنا ~~عليك وبغضاءنا لك، ألا ما أطيب الإقامة هنا! لتزدد بنلوب عنادا؛ فإنا لن نزداد إلا ~~جلادا.» # ونهض تليماك فقال: «على رسلك يا يوريماك، وعلى رسلكم أيها العشاق جميعا، لقد ~~أرسلتها كلمة حق فلم تستمعوا لها، أبدا لن أضرع إليكم مرة أخرى. الآلهة بيني وبينكم، ~~والإغريق أجمع أعلم بأمري وأمركم، غير أن لي طلبة إليكم بودي لو أنلتموني إياها؛ فهل ~~تسمحون لي بمركب وعشرين بحارا فأقلع من فوري هذا إلى بيلوس ثم إلى أسبرطة، عسى أن أسمع ~~خبرا عن أبي، أو أتلقف نبوءة من سيدة الأولمب الذي بيده ملكوت كل شيء. إني إذا أيقنت أن ~~أبي لا يزال حيا فقد أوفق في العثور عليه ولو بعد حين، أما إذا استيقنت من هلاكه فإني ~~عائد إلى إيثاكا فمقيم له نصبا يتفق وهذا المجد الباذخ والذكر التليد، ثم يكون لي ~~مطلق الحرية في منح أحدكم يد أمي فتكون زوجه المخلصة إلى الأبد، بعد أن أتم لأبي كل ~~المراسم الجنائزية؛ لتقر روحه العظيمة وتسكن إلى ربها في ظلال هيدز.» # 7 # وكان في المجتمعين رجل تبدو عليه مخايل ms014 النبل، وتتقد في رأسه جمرات المشيب، تهالك ~~على نفسه حين وقف ينافح عن تليماك، فإذا هو الشيخ منطور الذي كان ~~أوديسيوس قد استخلفه على أهله قبل إبحاره إلى طروادة ~~لصداقة قوية كانت تجمع بينهما. قال منطور: «اسمعوا إلي يا أهل إيثاكا، ما لكم اليوم قد ~~نسيتم آلاء ملككم أوديسيوس عليكم، وهو الذي كان يرعاكم كأب، ويغدق عليكم من فيضه العميم؟ ~~ما لكم قد تقاعستم دون هؤلاء العشاق الذين يذهبون بخير مولاكم ويأكلون مال ابنه بغير ~~الحق، وهم قل وأنتم كثر، آمنين مطمئنين، لا يرهبون أوبة مفاجئة من البطل ~~الشريد؟» # وهاجت كلمة الرجل كوامن العشاق فهب أحدهم وهو ليوكريتوس يقول: «رويدك يا منطور! أيها ~~الثرثارة العجول، كيف تجرؤ أيها الرجل فتثير الشعب على العشاق وهم سادتك؟ هل أعجبتك ~~كثرتهم يا منطور؟ إذن فأبشر بعجزهم دون ما ابتغيت، وثق أن ملك إيثاكا نفسه لن يستطيع ~~معهم شيئا إذا حاول إخراجهم من بيته هذا - إذا قدر له يوما أن يعود - إنه إذا فعل ~~فسيذوق وبال أمره، ولن تنال منا حماقاتك ولا نبوءات هاليتير، وبنلوب نفسها لن تسر ~~بأوبة أوديسيوس، ولكن اسمع أيها الشيخ، إنه لن يضيرنا أن يذهب تليماك فيذرع البحر باحثا عن ~~والده، وله أن يتخير من السفن ما يشاء.» # وتفرق القوم وأهرع العشاق إلى خيامهم، وانقلب تليماك إلى سيف البحر، حيث وقف فوق صخرة ~~ناتئة يناجي مينرفا: «أيها الربة المباركة، يا إلهة الحكمة مينرفا، يا من كنت أمس ضيفة ~~مكرمة تحت سقف هذا البيت أصلي لك - أنا تليماك التعس - وأبتهل أن تباركيني وتسددي ~~خطواتي، وأن تكوني رائدي الأمين في عباب هذا البحر، وأن تشدي أزري وتكوني معي إلبا ~~على هؤلاء الفساق العرابيد، وأن تشرقي في ظلماتي البعيدة، وأن تحلي أمنا وسلاما علي. ~~يا مينرفا، يا مينرفا، استجيبي يا ربة العدالة.» # واستجابت مينرفا وأقبلت في صورة الأمين منطور حتى كانت قبالة تليماك، ثم شرعت ~~تكلمه كلمات هن أروح من أنفاس الفجر، وأندى من نسمات الورد، وأعذب من قطرات الندى: ~~«السلام عليك يا ms015 تليماك، السلام عليك حين تثبت أنك ابن أوديسيوس الوفي، وفرع دوحته ~~الوارف، وحيث تبدو فيك بدوات من حوله وطوله وقوة بأسه، وحين تقلع على بركة السماء، وفي ~~عناية الآلهة ورعاية سيد الأولمب، في رحلة لن تكون عبثا. أنت ابن أبيك يا تليماك، أتى بك ~~من بنلوب، وآية ذلك هذه الروح القلقة التي تشيع فيك من أجله، وهذا الجبروت الذي هو نفحة ~~منه، وذاك الصوت الجبار الذي يتلجلج في فمك كأنه فيض من لسانه، وذلك الذكاء الوقاد الذي ~~هو قبس من ذهنه العظيم ... بشراك يا تليماك! لا يحزنك خبال أعدائك؛ فقد أوشك القضاء أن ~~ينقض على رءوسهم فيحطمهم. أنا، أنا هذا الشيخ المهدم، صديق أبيك وأمينة منطور، سأكون ~~معك، وسأخدمك، وأسهر عليك، وأفديك، ولكن لتمض الآن فلتعد للرحلة ما هو حسبها من زاد ~~وعتاد، ونخبة أولي بأس من رجالك الأقوياء، وسأنتقي أنا نفسي أشدهم مراسا وأصدقهم عزيمة. ~~امض على بركة الآلهة، امض لا وقت لدينا فنضيعه، هلم.» # وسكتت مينرفا، ولكن حرارة كلماتها أشرقت بالآمال في نفس تليماك، فذهب وقلبه يخفق بألف ~~أمنية إلى القصر؛ حيث رأى العشاق يذبحون ويعدون نار الشواء، وحيث قفر أنتينوس للقائه ~~ساخرا مستهزئا: «تليماك! ناشدتك الآلهة إلا ما شاركتنا غداءنا واطرحت بغضاءك ~~هنيهة! هلم تحس من هذه الخمر قرقفا أيها الصديق، لا يشغلك أمر هذه الرحلة؛ فقد أمرنا ~~أن يعد لك الآخيون سفينة عظيمة، وقدرا من الزاد كبيرا، وعصبة من الرجال أولي قوة، ~~وستبحر قريبا فتذرع البحار وراء أبيك. هلم، هلم.» # ولكن تليماك عبس عبوسة قاتمة ثم قال: «أنتينوس! إليك عني فما أستطيع مشاركة خصومي السفلة ~~غداءهم، ولا لي قلب فأشرب النخب من يدك، لا بورك لكم هذا الذبح الذي لا يحل لكم، والذي ~~استبحتموه من غير حق، إذ أنا طفل أحبو! أجل، لأستعجلن لكم الخراب، ولأسعين في حتفكم، ~~ولأذهبن إلى بيلوس فأنتصر إذ عزني النصر في إيثاكا، أيها الذئاب، حتى سفائني وعتادي ~~تنكرونها علي.» # وكان اللئيم قد أمسك بيمين تليماك كالمصافح المستهزئ، ولكن تليماك جذبها ساخطا، ms016 وترك ~~الكلاب تغمزه وتلمزه، وتستهزئ بهذا العون الذي يرجوه من بيلوس، وتلك الجحافل التي يأمل أن ~~يجردها عليهم من أسبرطة ... «ومن يدري؟ فقد يهتدي إلى أيفير المثمرة فيجد في أعشابها بقلة ~~يدس لنا منها في كئوسنا فتريحه منا»، «بل من يدري؟ فلقد يبتلعه اليم كما ابتلع ~~أوديسيوس من قبل، وتكون هناك الطامة، إنا إذن نقتسم هذا المتاع وتلك الضياع، ثم نمهر ~~أحدنا الذي تختاره بنلوب بعلا لها بهذا القصر المنيف.» # تركهم تليماك ومضى قدما إلى غرفة أبيه بالطابق العلوي، حيث كنوزه التي لا تقدر من ~~عدة للحرب، وذهب مدخر، وخمرة معتقة، وروح أذفر، وخز وديباج، ودر وجوهر، ومغافر # 8 # أعدت لليوم المنتظر؛ يوم يعود أوديسيوس فيظفر ويقهر، ويطهر بيته من ذاك ~~النفر. # ووجد عندها حارستها يوريكليا فصاح بها: «ربيبة يوريكليا، هيا صبي من خمرك في زقاقي من ~~مدامتك التي ادخرتها لأبي. لا لا، ليس من صفوتها يا ربيبة، احتفظي بصفوتها له، املئي ~~اثني عشر دنا، وهيئي عشرين جوالقا من دقيق، هيا، أعديها كلها لتحمل إلى ~~سفينتي بعد أن تنام الملكة؛ لا يعلمن أحد بأمر رحلتي إلى بيلوس وأسبرطة، حتى ولا أمي، ~~سأرحل ثمة، سأتسمع أخبار.» # أورورا ربة الفجر في الميثولوجية اليونانية وإحدى تابعات أبوللو. # وصمت تليماك هنيهة، واستعبرت ربيبته يوريكليا، وأرسلت هذه الكلمات على أجنحة من الحنان، ~~وفي أنسام من الرحمة: «رويدك يا بني، أي سفر وأي نوى؟! لقد انتهى أوديسيوس وانتهى معه كل ~~شيء، وهو اليوم رفات سحيق في رمس عميق في بلد لا نعرفه، أتسافر يا تليماك ليأتمر هؤلاء ~~الذئاب وقد يسلطون عليك من يغتالك، ثم يستصفون كل مالك بعد ذلك؟ حاشا يا بني، لتبق ~~معنا نحن الذين أحببناك واصطفيناك، فيم تذرع عباب هذا البحر ولا رجاء لك في مطمح، ولا ثقة ~~لك في شيء؟» # وأجاب تليماك في رفق: «رويدك أنت يا ربيبة، إني لم أعتزم شيئا من تلقاء نفسي؛ إنها ~~السماء هي التي توحي إلي، ولكنني أستحلفك بكل أربابك ألا تقصي شيئا مما اعتزمته ~~على أمي إلا ms017 بعد أحد عشر يوما أو اثني عشر يوما من رحيلي؛ فإنها لو علمت بسفري ~~لأظلمت في عينيها مباهج الحياة ، وذهبت نفسها علي حسرات.» # وأقسمت يوريكليا بكل أربابها، وانثنت تهيئ دنان الخمر وأحمال الدقيق. # أما مينرفا، أما ربة العدالة والحكمة الخالدة، ذات العينين الزبرجديتين، فقد يممت ~~شطر البحر وقصدت إلى المرفأ، حيث لقيت تويمون بن فرونيوس سيد الملاحين، سألته إحدى جواريه ~~المنشآت فأعد لها واحدة من خيارها، وما كادت ذكاء تلج في خدر الأفق، وما كاد الشفق يبكي ~~فيصبغ بدموعه جبين السماء حتى كان الملاحون قد هيئوا القلوع ونشروا الشراع، وخبروا ~~مجاديفهم، وأحضروا عددهم، وتزودوا من السلاح، وكانت مينرفا نفسها تستحثهم؛ فسرعان أن ~~تهادت السفينة ورقصت نشوى فوق هامات الثبج. # وذهبت مينرفا في صورة منطور وفي طيلسانه، فأشرفت على عصبة العشاق، وتمتمت بكلمات ~~فانتشر الظلام فوق خيامهم، ولعب النعاس ملء جفونهم، وكانت الكئوس لا تزال تقهقه في ~~أيديهم، فسقطت عن غير عمد لتسقي الأرض من تحتهم شرابا. # وطفقوا، تحت طائف الكرى، ينسلون إلى خيامهم ... # ريعت أفئدة العشاق وأخذوا يتخافتون. # وأدلفت مينرفا نحو القصر لتلقى تليماك: «تليماك، هلم، البدار! أنت هنا وكل رفاقك في ~~الفلك المشحون ينتظرونك! هلم، يجب ألا نضيع وقتنا سدى.» # ونهض تليماك وسارت مينرفا، وسار هو في أثرها حتى كانا عند سيف البحر وحتى أشرفا على ~~السفينة. ~~«مرحبا يا رفاق، هلموا فاحملوا هذه الدنان وتلك الأحمال إلى السفينة، لا أحد يعلم ~~أمر رحلتنا حتى ولا أمي، إلا ربيبتي.» # وامتثل الملاحون أمر سيدهم، ثم تقدمت مينرفا فركبت السفينة ومن ورائها ابن أوديسيوس، ~~وجلست هي عند الدفة، ونشط البحارة فهيئوا المركب. وحدجت المغرب ربة العدالة ~~بعينيها الزبرجديتين فهبت النسمات رخاء، ورقصت تحتها الأمواج من طرب، وانتصب تليماك ~~واقفا يحث رجاله، واضطرب الماء تحت السفينة واصطخب، وصب القوم دنانا من الخمر تقدمه ~~للآلهة وقربانا لمينرفا وتحية لا تبيد. # واحلولك الليل وتدجى غيهبه، ثم انجاب ظلامه عن فجر مبين! # | في بيلوس؛ تليماك يسائل نسطور عن أبيه # برزت ذكاء من لجة المشرق فصبغت آرادها ms018 # 1 # الذهبية جبين الأفق النحاسي، وسكبت الأضواء الجميلة لتهدي إلى السبيل السوي، ~~وألقت السفينة مراسيها تلقاء بيلوس - مدينة نليوس - # 2 # حيث وجدوا القوم على الشاطئ يقربون القرابين باسم بوسيدون ذي الشعر ~~اللازوردي، وقد جلسوا في صفوف تسعة، وفي كل صف خمسمائة شيخ عنيد، وذبحت كل فئة ~~قرابينها؛ تسعة عجول سمان ذوات خوار فأكلوا الحوايا، # 3 # وضحوا بالسواعد والأفخاذ، ثم أقبل تليماك وبين يديه مينرفا تتهادى وتقول: ~~«تليماك! تشجع يا بني، ولا تجعل للاستيحاء سبيلا إلى نفسك، وتقدم إلى أمير هذه البلدة ~~الصنديد نسطور؛ فقد تكون لديه أخبار عن أبيك، وقد يجلو لك الشكوك التي تخامرك، وثق أنه ~~لن يخفي عليك من أمره خافية؛ فقد تقدمت به السن، وهو اليوم أحكم الناس.» # ويقول تليماك: «أواه يا منطور، ما أحسبني أقوى على لقاء الرجل، وأنا من تعرف من قلة ~~الشأن ورقة الحال أنا الفتى الحدث، أنى لي بقاء الشيخ ذي التجاريب؟» # وتجيبه ذات العينين الزبرجديتين: «لا عليك يا بني، إن هي إلا كلمات تقولها وعلى الله ~~قصد السبيل، العالم كله يعرف أنك نشأت في ظروف قاهرة ما كان لك بها يدان.» # ودلفت مينرفا، ودلف في أثرها تليماك، حتى كانا في وسط القوم، وحيث جلس نسطور العظيم بين ~~أبنائه، وحيث اشتغل أهله بالشواء، وهب الجميع للقائهما، وتقدم ابن نسطور الأكبر ~~بيزسترانوس، فصافحهما هاشا، وتلقاهما باشا، وأجلسهما. # فوق الفراء المبثوث إلى جنب أبيه، وأخيه الأصغر تراسميديس، وقدم لكل مضغة من حوية، ~~ثم كأسا ذهبية من خمر معتقة، تذوقها قبل أن يحيا بها، ثم قال مخاطبا مينرفا: «مرحبا ~~بك أيها الضيف المكرم، لقد شرفت في عيد نبتيون، وبودنا لو أفرغت باسمه ما في هذه الكأس من ~~خمر صلاة له وزكاة، ونرجو لو أشركت في التقدمة زميلك، فما أحسبه إلا محبا للآلهة خابتا ~~لها.» # وتبسمت مينرفا، وتناولت الكأس في وقار، وأرسلت هذه الصلاة باسم رب البحار: «نبتيون ~~العظيم، تقدس اسمك، وأحاط باليابسة ملكوتك ... يا منقذ الضالين، ومغيث المتضرعين، أدرك ~~بلطفك التائبين إليك، ونجهم من دأمائك ببركة ms019 أسمائك، مولاي وتقبل من نسطور ومن ذريته، ~~وتقبل من جميع أهل بيلوس أضحياتهم، ثم تفضل يا مولاي فسدد خطى تليماك وخطاي إلى ما ~~أقلعنا فوق هذا المركب الشاحب من أجله؛ آمين آمين!» # وتناول تليماك الكأس بدوره، ثم أفرغ ما فيها وتمتم بصلاة قصيرة، وما كاد يفرغ حتى تفرق ~~المدعوون من أهل بيلوس طاعمين شاكرين، إلا مينرفا وصاحبها إلا نسطور وولديه. ثم قال نسطور: ~~«أما وقد فرغنا من غدائنا فماذا أيها الوافدون؟ من أنتم؟ ومن أين حملكم هذا البحر؟ ~~أتجار أنتم؟ أم قرصان تملئون الشطآن ذعرا وفزعا؟» # واستجمع تليماك شجاعته، ونفخت فيه مينرفا من روحها، وتكلم فقال: «على هينتك يا ابن نليوس ~~العظيم يا فخر هيلاس، إني أنا ابن صديقك وصفيك أوديسيوس، سعيت إليك من أقصى الأرض أسائلك ~~عن أبي، أبي صفيك وخليلك الذي صال معك تحت أسوار إليوم وجال، ثم لا أحد يعرف من أنبائه ~~اليوم شيئا، لقد انتهت إلينا أخبار الأبطال اليونانيين جميعا، وعرفنا مصارعهم إلا إياه؛ ~~أين رقد؟ وأنى ثوى؟ وأيان قرت رفاته إن كان قد شالت نعامته، أو مضى على وجهه في الأرض ~~إن كان لا يزال حيا ... إن الآلهة نفسها لا تشاء أن تدلنا من أخباره على أثر، ولشد ما ~~أخشى أن يكون قد ثوى هناك؛ في أعماق مملكة نبتيون مع الجميلة أمفتريت؛ # 4 # لذلك سعيت إليك يا فخر هيلاس؛ كيما تحدثني عن أبي، وكيما تذكر لي بعض ما ~~تعرف عما ألم به إن كنت قد شهدته، أو تقص علي ما عسى أن تكون قد سمعته من بعض حاشيتك ~~التي تجوب هذه البحار، قل، تحدث يا نسطور ولا تخف عني شيئا، قل؛ إني أستحلفك بكل ما ~~كان يفتديكم به في ساحة اليوم أن تقص علي أنباءه؛ لقد كان يحبك ويجلك ويوقرك، فاجز ~~ابنه بعض ذلك.» # وكأنما رأى نسطور حلما لذيذا فقال: «ويحك أيها الصديق الشاب! ما أروع ما هجت ذكريات ~~الماضي المفعم بالأشجان! ذكريات السادة الذادة والمغاوير الصناديد، الذين سقطوا تحت ~~أسوار إليوم العتيدة فأرووا ثرى ms020 الميدان بدمائهم، وسطروا آية المجد بمهجهم؛ آية أخيلوس ~~يا سليل الآلهة، وبتروكلوس يا معجز الأنداد والأقران، وأجاكس، أجاكس الذي كان أمة وحده، لقد ~~رقدوا جميعا تحت قلاع بريام الجبار الشيخ، ورقد معهم ولدي، يا ولدي، أواه يا قطعة قلبي، ~~وفلذة كبدي، وثمرة حياتي وسؤددي! يا أشجع الشجعان يا أنتيلوخوس، أية قصة وأية مأساة؟! يرعاك ~~الله أيها الشاب المحزون، أنى لي أن أقص عليك أحداث سنين تسع كانت هموما متصلة ~~وأحزانا فاجعة وآلاما تتسعر في جميع القلوب؟! أي لسان ذرب يقص فلا يمل؟! وأي مقول ~~رطب يحكي وما يعيا؟! إلا لو أنك أقمت تسمع الأعوام الطوال فما أحسب القصة تنتهي، القصة ~~التي لم تجد فيها شجاعة الألوف لولا خدعة أوديسيوس وحيلته، وطول أناته وهمته، ولكن ~~حدثني بربك أيها الشاب، أئنك حقا لولد أوديسيوس؟ أجل، إنك بملامحك وقسماتك غصن دوحته، ~~وإنك بكلماتك العذاب عسلوج أرومته، أوه أوديسيوس، يا رفيق الشباب وحبيب القلب، لشد ما ~~تعتلج في النفس تلك الخاتمة الهائلة التي قضاها على الأرجيف # 5 # سيد الأولمب غب انتصارهم وقبيل أوبتهم! لقد حنقت مينرفا على ولدي أتريوس ~~إذ تنازعا، فقال قائل منهما: نضحي لربة العدالة عند سيف البحر تلقاء إليوم، ولكن الآخر ~~أبى وأبحر على أن يقدم لها القرابين في آرجوس، يا للتعسين؛ أجاممنون البائس، ومنلوس ~~المسكين! إنهما لم يصليا لمينرفا فحاق بهما غضبها، وعبثا حاولا بعد ذلك أن ~~يترضياها، اختلف الأخوان ونام الجند حتى مطلع الفجر، ثم أقلع نصف الأسطول في موج ثائر ~~مصطخب من غضب الآلهة بقيادة أجاممنون، وما هي إلا سويعات حتى هدأ اليم ونام الموج، وبلغنا ~~تندوس فذبحنا الأضحيات باسم الآلهة، وسبحنا لرب البحار نبتيون فتطامن العباب، ولكنا ما ~~كنا ندري ما تنسجه يد جوف # 6 # حولنا، بل لم يكن يخامرنا أقل شك في وصولنا إلى الوطن سالمين؛ ذلك أن أوجه ~~النظر اختلفت ثمة، ونشب بين القادة نزاع في الرأي؛ هل يقلعون من تندوس؟ أو يتلبثون ~~بها حتى تنجلي العاصفة التي شرعت تهب في عنفوان وشدة؟ وهنا آثر ms021 ملاحو أبيك أن يعودوا ~~أدراجهم بسفائنهم إلى طروادة؛ وذلك مجاملة للقائد العام، بيد أني لم أر هذا الرأي، بل ~~فررت من العاصفة بسفائني إلى جزيرة لسبوس ولحق بنا ديوميد، ثم وصل منلوس في أثره وأرسينا ~~ثمة، وانتظرنا إذنا من السماء، أو قل بارقة من الآلهة، نقلع بعدها. وكانت العاصفة تشتد ~~وترقص فوقنا ومن تحت أساطيلنا، فلم نر بدا من المجازفة وإلا تكسرت جوارينا على الصخور ~~وفوق الأواذي. يا للهول! لقد بلغت قلوبنا الحناجر قبل أن نصل إلى جيريستوس، حمدا لك يا ~~نبتيون وثناء عليك، وقل أن نذبح باسمك ألف قربان من كل عجل جسد وكبش حنيذ، ولقد فاز ~~ديوميد فوصل بجنوده سالما على آرجوس، وكذلك فاز الجبابرة الميرميدون، جنود أخيل، بقيادة ~~شبله العظيم نيو بتوليموس، فوصلوا إلى أوطانهم غانمين، ووصل من بعدهم فيلوكتيتيس، كذلك وصل ~~أجاممنون وليته لم يصل، لا ريب أنك سمعت بما حاق به، لقد قتله المجرم إيجستوس، # 7 # ولكنه دفع روحه ثمنا لفعلته، إن العيش لم يطب لابن أجاممنون حتى ثأر لأبيه، ~~فانقض كالصاعقة على قاتله وغاله بيده، يا للفخار أيها الصديق الشاب حيني، تنتقم لأبيك ~~فتسجل اسمك في سجل الخالدين!» # وشاع العجب في نفس تليماك، فقال: «ويك نسطور! إنه سيكون انتقاما عادلا بحق السماء، ~~وستتغنى الأجيال القادمة بقصته، وسيرويه الخلف عن السلف كم ذا وددت لو مكنت لي الآلهة في ~~أعناق هذه العصبة الفاجرة من العشاق الآثمين الذين يدلون علي بعددهم وعددهم، والذين ~~يقذفون في وجهي بالإهانة تلي الإهانة. وا أسفاه! ليت شعري لم لا تؤيد الآلهة حقي على ~~باطلهم؟ لقد نفد اصطباري وكلت حيلتي، فماذا أعمل؟» # وقال نسطور: «أيها الصديق، لقد أذكرت مني غافلا. ويحك تليماك! لقد تناقل الناس ما كان ~~من حماقة هذه الطغمة التي تستبيح عرض أوديسيوس وتستنزف ثروته، ولكن من يدري هل أمنوا ~~أن يعود يوما فيستأصل شأفتهم ويديل منهم وتكون له الكرة عليهم؟ لقد كان أبوك العظيم ~~حبيب مينرفا وصفيها، وهي لا بد آخذة بناصرك كما أخذت بناصره من قبل، وهي ms022 لا بد مدركتك ~~وشيكا، وحائلة بين أعدائك وأعداء أبيك، وبين هذه الزيجة المجرمة.» # ويجيب تليماك: «ألا من يدري؟ إنه لا أمل في ذلك قط، آه أيتها الأحاسيس الغريبة التي ~~تجيش في قلبي! الآلهة فقط هي القادرة على تحقيقك بمعجزة.» # تفرق القوم وأهرع العشاق. # وهنا حدجته مينرفا بنظرة هائلة من عينيها الزبرجديتين، وقالت له: «تليماك! أية كلمة ~~هائلة زل بها لسانك؟ ما أيسر على الآلهة أن تقول للمستحيل: كن فيكون! أنا نفسي كم تجشمت ~~أهوالا في أسفاري ثم عدت بعناية أربابي سالما إلى أرض الوطن! بل كم من أناس ظنوا أنهم ~~نجوا من الموت في يوم غشيهم بموج كالظلل، فلما وصلوا إلى البر حاقت بهم مناياهم كما ~~حاقت به منيته أجاممنون، حين خر صريعا بيد إيجستوس الأثيم ويد زوجه الملكة # 8 # الغادرة الفاجرة الزنيم! حقا إن الآلهة لا تملك أن تحول بين المرء وبين ~~المنون ما دام قد جاء أجله مهما يكن حبيبها وأعز عبادها عليها.» # وعبس تليماك عبوسة خفيفة وقال: «مهما يكن من الأمر فلندع هذا الآن يا منطور، إنني لا ~~أمل لي مطلقا في عودة أبي، ولكنها أقضية من السماء ومقادير أن أذرع وراءه البحار، وأن ~~أعود فأسأل فخر اليونان نسطور، اللبيب الأريب الذي حكم كما هو مأثور أجيالا ثلاثة، والذي ~~يتألق في عينيه سناء الآلهة ... أعود فأسائله كيف قتل أجاممنون؟ وكيف تهيأ لإيجستوس أن ~~يقتله، وهو من هو أعلى منه نسبا وأعز حسبا وأشرف قدرا؟ وأين كان منلوس الملك شقيق ~~أجاممنون؟ ألم يكن قد عاد بعد إلى أرض الوطن؟ أم كان لا يزال يطوي الآفاق، فشجع ذلك ~~إيجستوس ونفخ في قلبه؟» # وقال نسطور: «رويدك أيها الصديق الشاب؛ فإني قاص عليك نبأ ما لم يأتك به علم؛ تالله ~~لو لم يقتل إيجستوس قبل عودة منلوس ما أقيم على رفاته جدث، وما بكت عليه عين، ~~ولألقي بدنه النجس لكلاب البرية وطير الفلاة تنوشه وتمزقه وتغتذي به جزاء فعلته ~~الشنعاء وجرمه الذميم وخطيئته التي لا تغتفر، أصغ إلي؛ لقد أناب منلوس ms023 عنه حارسا ~~أمينا يسهر على أمور المملكة، ذاك هو أتريدس الحميم الذي تغفله إيجستوس، واتصل بمولاته ~~سرا وهو لا يدري، واستطاع أن يدبر معها هذه المؤامرة الشنيعة التي انتهت بنفي الحارس ~~الأمين ثم قتله في برية موحشة غالبته فيها السباع الضارية والأوابد # 9 # الكاسرة، حتى إذا خلا لهما الجو أسلست له المملكة القيادة فحكم وساد، وطغى ~~واستبد، وسلط على البلاد أعواما سبعة طوالا ... كل هذا والسماء ساهرة لا تغفل، فقد عاد ~~أورست ابن الملك الغائب وابن الملكة الفاجرة، فأنقذ عرض أبيه وقتل الوحش اللئيم الذي دنس ~~شرف المملكة ولطخ بالوحل هذا المجد الأثيل، ثم قتل أمه ... أجل، قتل أمه وجمع حوله الأرجيف ~~البؤساء يحتفلون بهذا النصر ويصلون للآلهة التي أنقذتهم من ذاك الشر، وبينا هم في ~~أفراحهم وانشراحهم إذا بالملك العظيم يصل بأساطيله بعد رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر؛ فلقد ~~أبحرنا (أنا ومنلوس) من طروادة معا، وما كدنا نبلغ صنيوم، # 10 # أول مرافئ أثينا، حتى وقع ما لم يكن لنا بحسبان؛ ذلك أن رب الشمس أبوللو غال ~~بسهامه التي لا تطيش ربان الأسطول العظيم فرونتيس، فاضطر الملك أن يلقي مراسيه حتى ~~يصلي على صديقه ويقيم الشعائر على جثمانه، ثم أقلع وما كاد حتى اضطرب البحر وفغرت ~~اللجج أفواهها، وتدافع الموج حول الأسطول كالجبال، وعتم الجو، وغامت السماء، وانقضت ~~الصواعق، فانشعب الأسطول، وتفرقت سفائنه وانشطرت وحداته؛ فبعضها شرق، وبعضها غرب، وبعضها ~~يمم شطر سيدورن عند كريت، وبعضها اتجه برغمه نحو شطآن مصر، وبعضها غاص إلى الأعماق، وخمس ~~فقط، وصلت بعد طول الجهد إلى هنا.» ~~«بني، أيها الصديق الشاب، أخلق بك أن تذهب من فورك إلى منلوس فتسائله عن أبيك؛ فلقد ~~لقي الأهوال في البحر، ولا ريب أنه سمع كثيرا مما جرى فيه من مختلف الأمم في رحلته ~~المشئومة. هلم، انطلق إليه، وإن لم تسعفك سفينتك فإني ممدك بكل ما تحتاج من مركب ~~البر أو البحر، وها هم أولاء رجالي معك أينما توجهت، بل ها هم أولاء أبنائي، ليصحبك أحدهم ~~أو كلهم إلى ms024 منلوس؛ فإن عنده الخبر اليقين.» # وكانت الشمس قد توارت بالحجاب، والليل قد نشر ظلامه فوق الطبيعة المنهوكة الخامدة، فنهضت ~~ابنة زيوس العظيم، مينرفا الخالدة، وهي لا تزال في صورة منطور أمير البحر وطيلسانه، فقالت: ~~«مرحى يا فخر هيلاس! لقد قلت حقا وتكلمت صدقا، هلم البدار البدار، قطعوا ألسن القرابين # 11 # وأريقوا الخمر باسم الآلهة وباسم نبتيون قبل كل شيء.» # وانتشر الولدان بين المدعوين يصبون الماء على أيديهم بعد إذ أدوا التحية الخمرية ~~المقدسة لأربابهم، ثم تفرقوا شيعا ونهض تليماك وصاحبه لينصرفا، لولا أن صاح بهما نسطور: ~~«حاشا يا رفاق، أنتما ضيفي # 12 # فكيف تبيتان في سفينتكما تحت طل الليل، وهذا بيتي فيه كن لكما وفراش وثير، ~~وفيه - والحمد للآلهة - خير كثير، وهؤلاء أبنائي سماركما، وهم ثمة طوع لكما.» # وشكرت مينرفا للملك عطفه ثم قالت: «بوركت أيها الملك، ليبق تليماك هنا، ولأمض أنا ~~إلى البحر لأسهر على صوالح مركبي، ولأطمئن بحارتي؛ فكلهم أتراب تليماك، وكلهم متطوعون ~~لخدمته وفاء وحبا، وليس يجمل إلا أن أبيت أنا معهم تلك الليلة، على أن نقلع صبيحة ~~الغد إلى كوكون، ولتأذن فتمنحه عربة وزوجا من صافنات جيادك ليلحق بنا ثمة، يصحبه أحد ~~أبنائك ما دمت قد عرفت فيه ابنا لأعز أحبائك وأوفى أصدقائك.» # سفينة تليماك التي أخذ يعدها في رحلته إلى بيلوس وأسبرطة. # ثم حدثت المعجزة؛ فإنه ما كادت مينرفا تتم كلامها حتى انتفضت انتفاضة هائلة، وتحولت ~~من صورة منطور أمير البحر إلى نسر عظيم مهوب اللفتات، ما عتم أن ضرب الهواء بخافيتيه حتى ~~حلق في السماء وغاب في لانهايتها بين دهش القوم وشديد حيرتهم. # وتناول نسطور العظيم يد تليماك وظل يقلب فيه بصره، ثم قال: «أيها الصديق، لشد ما عظمت ~~منزلتك وسمت مكانتك، حتى لتكون في رعاية الآلهة وعناية السماء! هذه دون ريب ابنة سيد ~~الأولمب - الكريمة مينرفا - التي ما وقرت أحدا من أبناء هيلاس كما وقرت أباك.» ~~«ولكن أنت، أنت يا مليكة العدالة ضرعت إليك أن تتلطفي بنا جميعا! امنحيني بركاتك؛ أنا ~~وأبنائي وشعبي، ms025 اكتبي أسماءهم في الخالدين، وسنصلي لك ونذبح باسمك خير بقرة، لا ذلول، ~~تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها، منضورة بالورد محلاة القرنين ~~بالذهب.» # وقبلت مينرفا صلاته ولبت دعاءه ونهض وفي إثره أبناؤه وأحفاده، ففتحت أبواب القصر، ~~وتقدمت ندمانة الشراب، فقدمت إليه كأسا من خمر لها نسب من عهد أولمب، فأفرغها في ~~الأرض تحية لمينرفا، واقتدى به أبناؤه فأفرغوا كئوسهم ثم مضوا إلى غرفاتهم، ومضى الملك مع ~~تليماك إلى مخدع وثير، وفراش من حرير، وأمر ابنه بيزستراتوس فقام معه، ثم ذهب حيث وجد ~~الملكة في انتظاره. # ونشرت أورورا # 13 # غلالتها الذهبية في مشرق الأفق، فاستوى نسطور على عرشه المرمري المتألق عند ~~بوابة القصر، حيث كان أبوه تليوس يجلس كإله للنظر في صوالح العباد، وأقبل بنوه الستة ومعهم ~~تليماك الذي جلس إلى جنب أبيهم، وتحدث إليهم نسطور فقال: «هلموا يا بني، لنذبح القربان ~~المقدس باسم مينرفا الكريمة التي باركت حفلنا أمس، لينطلق أحدكم إلى الحقل فليحضر ثورا # 14 # سمينا، وليذهب آخر فليدع رجال تليماك - إلا اثنين - من السفينة، وليمض ~~ثالث فليأت بالصناع الفنان «ليرسيوس» ليجلل قرني القربان بالذهب، وليبق الآخرون ~~هنا ثم لتحضر كل حاشيتنا من النساء ليكسبن الوليمة بهجة ورواء.» # وأطاع أبناؤه الأوفياء وأحضر القربان وأقبل الملاحون الأمناء، ثم قدم الفنان ~~ليغطي قرني البهيمة بالذهب، ثم وافت مينرفا؛ مينرفا نفسها لتشهد الطقوس التي تقام ~~باسمها. وبدأ الفنان عمله فأخذ يرقق صفائح الذهب ويثبتها بمهارة في القرنين الصغيرين، ~~وتقدم أريتوس بن نسطور وفي إحدى يديه باقة كبيرة من الزهر وفي الأخرى سلة من أفخر أنواع ~~الكعك، وتقدم ابنه الثاني تراسيميد وفي يده شاطور كبير ليذبح الثور، ووقف قبالته يرسيوس ~~يتلقى الدم في وعاء كبير، ونهض نسطور الأب فسبح وصلى أمام نار كبيرة مضرمة، وتمتم باسم ~~مينرفا، وقذف في اللظى بكعكتين كبيرتين وبناصية القربان، وبقدر قليل من الماء المقدس. ~~وإذا انتهى الجميع من صلاتهم شمر تراسيميد عن ساعده وجزر القربان، وانكب الجميع ~~يجهزونه، وكانت يوريديس الجميلة المفتان تعنى أشد عناية ms026 بالفخذين، فسترتهما بثوب ~~غال من الديباج، وكان نسطور نفسه ينثر الخمر المقدسة والعطور والأرواح، وهكذا أخذ الجميع ~~في شغلهم، وشرعوا يلقون في الجمر بالحوايا، وشرعت بوليكاست تنثر البهار والتوابل. وتهادى ~~تليماك بعد هذا فاستوى إلى جنب الملك، وانتصب الولدان والندامى يصبون الخمر، وبدأ الكل ~~يأكلون هنيئا ويشربون مريئا. # وما كادوا يفرغون حتى أمر نسطور فهيئت الصافنات الجياد لرحيل تليماك، وأحضر القواص ~~عربة كبيرة مثقلة بكل ما تحتاج الرحلة من زاد وعتاد. # وأخذ تليماك مكانه من العربة الأولى، واستوى إلى جانبه بيزستراتوس أشجع أبناء نسطور، ثم ~~سلم تليماك وودع وشكر وأثنى، وجذب أعنة الخيل فانطلقت تنهب الرحب، وتبعد عن بيلوس ~~وتطوي الزمان. # وبلغوا مع مغرب الشمس فيريه حيث تلقاهم رب البيت بالبشر والترحاب، وباتوا عنده حتى ~~أيقظتهم أورورا المشرقة، فواصلوا رحلتهم إلى أسبرطة. # يممت مينرفا ربة العدالة شطر البحر وقصدت المرفأ. # | العشاق يتآمرون # وصل الركب إلى أسبرطة بعد أن غور في وهادها وأنجد، وانطلق تليماك وصاحبه من فورهما إلى ~~باب منلوس الملك حيث وجدا - لحسن الطالع - وجوها مسفرة، وجماهير مستبشرة، وموسيقى تصدح، ~~ومنشدين يرددون أناشيدهم ويرسلون أغنياتهم، ووليمة ملكية حافلة اجتمع لها الملك وأبناؤه ~~وخلصاؤه ونداماه، يأكلون ويشربون ويسمرون ويتطربون ... ماذا؟ لقد اجتمع القوم من كل حدب ~~وأقبلوا من كل صوب، يحتفلون بابني الملك؛ بابنه الذي زوجه أبوه من أجمل غادات أسبرطة ~~وأكثرهن وسامة وقسامة وفتنة، ابنة ألكتور العظيم، ثم بابنته المفتان اللعوب الطروب ~~التي رزقها على كبر من هيلين، والتي نافست بجمالها ودلها هرميون ابنة فينوس. # وما كادا يجاوزان الوصيد حتى لمحهما أتيون كبير أمناء الملك، فانطلق إلى مولاه وحدثه ~~عنهما: «إن لهما لمهابة وإن عليهما لرواء، فهل يأذن لهما مولاي أو يأمر فنردهما من حيث ~~أقبلا؟» # وأومأ الملك برأسه الكبير الذي يزيد في وقاره وحسن سمته شعره الذهبي، وأمر أتيون أن ~~يذهب إليهما، فيسير بين أيديهما إليه؛ «إذ كيف يرد عن طعامي الغرباء وقد طعمنا طويلا ~~زاد الغرباء؟» # ودعا إليه أتيون طائفة من الخدم وذهب إلى الوافدين الكريمين فحيا ms027 وسلم، وحل ~~اللحم وأناخ البهم، ومضى بهما إلى داخل القصر من طريق يشرف على مكان الحقل وترى منه ~~الجدران التي ازدانت بأحسن زينة، وقبة العرش التي تلألأت في الأنوار الوضاءة والسرج ~~الوهاجة، ثم لقيتهما فتيات من عذارى القصر فقدنهما إلى الحمامات المرمرية الباذخة، ~~فاغتسلا وتضمخا ولبسا ثيابا ملكية، ثم ذهبا للقاء رب هذه الدار. # وهش الملك لهما وبش، وأجلسهما إلى جانبه على مقعدين وثيرين، وهما في دهش من ذاك ~~المنظر العجب. وأقبلت فتاة فصبت على أيديهما الماء، وذهبت فأحضرت مائدة رائعة منسقة عليها ~~قدر غير قليل من أفخر الأشربات وأشهى الآكال، ووقف خادم آخر يقدم طبقا بعد طبق، وكأسا ~~من ذهب بعد كأس من ذهب، والملك فيما بين ذلك يبالغ في إيناسه لهما والحفاوة بهما، وينظرهما ~~حتى يفرغا من طعامهما فيخبراه عن أمرهما، وكان يتلطف فيقدم لهما قطعا من شوائه ~~بيده. ~~«بيزستراتوس يا صديقي، ما أجمل وما أفخم وما أروع هذا الحفل الباهر، يتألق في الذهب ~~والفضة والعاج والكهرمان ودروع النحاس! أبدا ما ترى العين مثل ذلك، ولا تسمع الأذن إلا عن ~~قصر سيد الأولمب في شعاف جبل أيدا، أية ثروة وأي كنز؟» # وسمعه منلوس الملك فقال: «بني، لا تقرن قصر أحد منا - نحن بني الموتى - إلى قصر سيد ~~الأولمب، وأنت على حق حين ترى أن لا أحد يملك ما أملك أنا من أذخار وكنوز؛ فقد سحت في أقصى ~~الأرض سنين عددا، وجمعت الدرر الغوالي من كل فج؛ من كريت وقبرص، وفينيقية ومصر، ومن ~~أثيوبيا وأيرمبي، ومن صيدا ولوبيه، ورءوس الشاء والوعل هذه؛ الوعل الوحشي السائم، والشاء ~~التي تمدنا بخيرها بغير حساب ... لقد طوفت في الآفاق وتركت في كل منها ذكرى. ولا غرو؛ ~~فقد نبأكم آباؤكم أنباء منلوس الملك الذي دك المعاقل وهدم القصور. ما أنسى لا أنسى هذا ~~القصر العتيد الذي جعلت عاليه سافله بما فيه من أذخار وقنى، وددت لو كان في قصري شيء ~~منها، وود الإغريق لو حصلوا في بلادهم جميعا على بعضها، هناك! هناك تحت أسوار ms028 طروادة يا ~~صاح، يا ويح نفسي! يا رحمتا للأصدقاء الأحباء الأعزاء الذين ناموا ثمة! لشد ما أسلي ~~النفس عنهم بالتأسي! لشد ما يندلع الأسى في قلبي عليهم جميعا، ولا سيما صفيي وخليلي ~~وأعز أودائي علي؛ أوديسيوس، أوديسيوس الكريم! ليت شعري يا صديقي فيم شطت بك النوى ~~وطال عليك الأمد؟ أحي ترزق؟ أم ثويت في بطحاء بلقع؟ يا ويح لك ولأبيك الشيخ وزوجك ~~الملتاعة وابنك المحزون اليتيم تليماك، الذي غادرته في المهد ما بلغ الفطام إلى حومة الوغى ~~وحلبة الحمام.» # ولم يملك الفتى دموعه حين سمع هذا الهتاف باسم والده، فنشج نشيجا مؤلما، ثم استخرط في ~~البكاء، وطفق يذري شئونه في طرف ثوبه، بين دهشة منلوس وحيرته وذهول الحاضرين. وانعقد لسان ~~الملك فلم يسأل الشاب عن حاله حتى أقبلت هيلين فجأة، فتلفت القوم ينظرون إلى هذا الرشأ ~~الذي يتثنى مياسا في ظلال من الفتنة كأنه ديانا ربة القوس الذهبية. # واستوت على عرشها المنضد الذي أصلحته يدا أدرستا وعناية أكليب، ثم أحضرت الطرف ~~والهدايا واللهى؛ فهذه سلة من الفضة المزخرفة بالتصاوير هدية من ألكندرا زوج بوليت أمير ~~طيبة عروس المدائن المصرية، وتلك عشر بدر من النضار الخالص، وطستان من الذهب ودنان من ~~الإبريز؛ يقدمها كلها ملك أسبرطة إلى زوجه البارعة الرائعة الهيفاء، ونظرت هيلين إلى ~~الضيفين الغريبين، وسألت زوجها: «ملكي، نشدتك الآلهة أن تخبرني من هذان؟ إن أحدهما ~~شديد الشبه بطفل أوديسيوس، الصغير تليماك، الذي تركه أبوه صبيا في المهد من جراء حرب ~~إليوم المشئومة.» # وقال الملك: «وأنا مثلك يا هيلين، لقد دار بخلدي ما دار بخلدك من أمر هذا الفتى، ألا ~~ما أشبه الساقين والساعدين وتفتير العينين واسترسال اللمتين # 1 # بما كان لأوديسيوس؟ لقد ذكرت ما قاسى صاحبي من أجلي وفي سبيلي تحت أسوار إليوم، ~~فسرعان ما رأيت الشاب يبكي ويبكي ويبالغ في البكاء، ثم يغلبه حزنه فيخفي وجهه، وفيه ~~روحه، في ثيابه من الهم.» # وانتهز ابن نسطور الفرصة فقال: «حقا أيها الملك إنه هو، ولكنه خجول حيي، ولقد أوشك ~~حياؤه ms029 أن يمنعه من لقائك، وقد هاج تباريحه ما ذكرت عن أبيه. أما أنا فإني ابن نسطور صديقك ~~الآخر، وقد أمرني أبي أن أصحب تليماك إلى هنا عسى أن يسمع خبرا عن أبيه الذي ذهب يذرع ~~الأرض ولا يعلم أحد أيان قد ذهب. وهاك ابنه المكلوم يجتر أشجانه، وتطحن فؤاده ~~أحزانه.» # وشده البطل - ذو الشعر الكهرماني - فقال: «يا للآلهة! أهكذا أفاجأ بلقاء ولدي! أنت؟ أنت ~~ابن أوديسيوس الذي شقي طويلا بسببي، وبذل نفسه من أجلي، ولا يزال يناضل الويلات من جرائي؟ ~~كرامة وحبا يا ابن خير الأصدقاء، لو عرفت أنك تسعى للقائي لشدت لك مدينة في آرجوس ~~تتيه على المدائن وتزهى على القرى، ورفعت لك عماد قصر منيف طالما كنت إخاله يؤوينا جميعا ~~فنسعد سعادة لم يحلم بها قوم من قبل ولا من بعد، ونلتذ، أنا وأبوك وأنت وجميع أهلي وأهله، ~~ذكريات الماضي المترع ... آه يا أوديسيوس لقد طاشت الأحلام وذابت الأماني وقست عليك السماء، ~~فحرمتك كل شيء، حتى الأوبة إلى أرض الوطن!» # وأثارت كلمات الملك شجون القوم فبكى تليماك وأذرفت الملكة وانبجس الدمع من عيني ~~بيزستراتوس حين ذكرت طروادة، فأذكرته قتل أخيه تحت أسوارها، ثم قال: «حسبك أيها الملك! لقد ~~تذاكرنا - أنا وصاحبي - جلائل أعمالك فعرفنا فيك المليك الأجل، والمقدام البطل، ولكن ~~ماذا تجدي دموعنا؟ لقد غالت يد الردى أخي وابن أمي وأبي في سبيلك كذلك! ألا تذكر؟ ~~أنتيلوخوس البطل المغوار والفارس الكرار الذي لم تكتحل عيناي برؤيته! أوه يا ابن أورورا ~~الغادر، شلت يداك بما فتكت بأخي.» # جلس نسطور العظيم بين أبنائه واشتغل أهله بالشواء وهب الجميع للقاء ~~مينرفا. # وتعطف الملك فطيب ابن نسطور بكلمات عاليات، وأمر الندمان فصب الماء على أيديهم ~~جميعا، ثم أخذوا في آكالهم، وصبت هيلين قطرات من طيب مذهب للأحزان في كأس تليماك وكأس ~~صاحبه، لا يعرف من يذوقها إلى الأسى من سبيل، وهي قطرات عجيبة أهدتها للملكة زوجة «ذون» ~~الأميرة المصرية بوليدامنا، وكم في مصر من سحر مبين! # وتكلمت هيلين فذكرت ما كان من ms030 أوديسيوس يوم التقى الجمعان عند إليوم، وكيف استطاع أن ~~يتسلل مستخفيا في ثياب شحاذ إلى داخل المدينة العتيدة؟ وكيف قابلها في حجرة باريس ~~ليطلعها على خطة اليونانيين؟ وما كان من رجائه إياها ~~ألا تفضحه عند أعدائه حتى يعود سالما إلى معسكره ومخيمه، وأنها برت فلم تنبئ أحدا ~~بوجوده، ثم رأت أن تتنصل من فضيحة فرارها مع باريس فادعت أنها كانت مسوقة إلى ذلك ~~برغمها؛ لأن فينوس كانت قد سحرتها عن نفسها (لما وعدت به باريس من أنها ستهبه أجمل غادات ~~هيلاس إذا هو قضى لها بالتفاحة). # 2 ~~«وا خجلتاه! لقد أزرى بي أن أفر راغمة فأهجر فراشي الطهور وطفلتي اليافعة إلى ~~بلاد قاصية لا ناقة لي فيها ولا جمل.» # وأعذرها الملك ثم ذكر أوديسيوس فقال: «أبدا ما رأيت أثبت جأشا ولا أربط قلبا من ~~أوديسيوس، وإن أنسى لا أنسى يوم الروع الأكبر، يوم فكر أوديسيوس وفكر، ثم دبر هذه ~~الحيلة العجيبة؛ حيلة الحصان الهولة الذي قهر لنا طروادة في يوم أو بعض يوم، وقد عيينا بها ~~السنين الطوال. لقد اختبأ داخله فرسان هيلاس # 3 # الصناديد، وكنت أنا - سقى الله الشباب - واحدا منهم، فما أنسى قط حين أقبلت في ~~عصبة ذوي أيد من مذاويد الطرواديين (إذ هتف بهم هاتف أن الحصان يحمل لهم شرا ويطوي ~~لقريتهم ثبورا)، فجعلت أنت تنادين بأسماء الفرسان اليونانيين واحدا بعد واحد؛ لتري هل ~~اختبأ منا بداخله أحد كما تنبأ بذلك المتنبئون. تالله لقد كدت أرد عليك نداءك حينما هتفت ~~باسمي، وتالله لقد أوشك زميلي ديوميد يرد عليك هو الآخر، لولا أن فطن أوديسيوس فحذرنا ~~وحبس ألسنتنا الشقشاقة التي كادت توردنا موارد الهلاك، لو أن أحدا منا خدع فنبس ببنت ~~شفة، وا حربا! لقد صمتنا جميعا ولكنك عاودت، فما كدت تهتفين باسم أنتيكلوس حتى أوشك ~~المجنون أن يلبي، لولا أن كتم أوديسيوس أنفاسه بكلتا يديه حتى لكاد يزهق روحه، ولم يعفه ~~حتى أيقنا أنك عدت أدراجك وعاد معك القوم المنكرون.» # ثم كان الهزيع الأخير من الليل، فتلطف ms031 تليماك واستأذن الملك في الانصراف ليأخذ كل ~~نصيبه من النوم فتأذن، وأشارت هيلين إلى وصيفاتها، فأهرعن إلى مخادع الأضياف فأصلحن ~~فرشها، وأعددن الملاحف والوسائد والحشايا، ثم نهض أمين الملك ونهض في أثره بيزاستراتوس ~~وتليماك، حتى كان في مخدعه، وحتى اطمأن كل في سريره، وناما في حرير وسمور وفي فاقم وفي ~~سنجاب وتهاويل غير ذاك من الرقم ومن سندس ومن زرياب. # 4 # ونهض الملك والملكة كذلك فدخلا القصر، واستسلما لأطيب الرقاد. ~~••• # وذر قرن أورورا ربة الفجر في المشرق الوردي، فهب الملك وأصلح شأنه، ورف بازيه الأشهب ~~فوقف على غاربه، ثم مضى إلى مجلسه حيث لقي تليماك في انتظاره، فحيا وجلس وبدأ حديثه، ~~فقال: «أي بني! تليماك، أيها البطل وسليل البطل، فيم شددت رحلك إلى هنا؟ إلى رحاب ليسديمون # 5 # في فلوات البر وسروات البحر؟ ألأمر عام؟ أم لشأن يخصك ويتعلق ~~بشخصك؟» # وأجاب تليماك: «مولاي الملك منلوس العظيم، لقد جئت أتحسس خبرا عن أبي، وأقبلت أحدث عن ~~أعدائه الذين آووا إلى بيته فما يريمون، يستنزفون غلته، ويهلكون حرثه، ثم هم مع ذاك ~~ينافس بعضهم بعضها في كبر وزهو وخيلاء؛ من أجل زوجه يا للعار! إنهم استباحوا كل شيء؛ كل ~~نعمه وكل شأنه، ولم يعفوا آخر الأمر عن عرضه. إني أستجيرك يا مولاي وأضرع إليك أن تخبرني ~~عما تعلم من أمر أبي؛ هل قضى تحت أسوار إليوم؟ أم غالته يد المنون في ركن آخر من أركان ~~الأرض؟ لقد كان خليلك وصفيك وآثر أصدقائك وأعز أودائك عليك، فبكل آلاء ذلك عندك ~~أستحلفك أن تصدقني؛ ماذا تعرف من أخباره؟ وماذا عسيت سمعت من أنبائه؟» # وتنفس الملك تنفسة عميقة وقال: «يا أرباب الأولمب، أبلغت حقارة نفوسهم أن يفضحوا ~~أوديسيوس في عرضه؟ ألا باءوا بما صنعوا، ألا ما أشبههم بهذه الوعلة التي أجاءها المخاض ~~فولدت في عرين الأسد، فلما عاد الأسد إلى عربته لم يبق عليها ولا على أغفارها، # 6 # حنانيك يا آلهة؛ زيوس، مينرفا، أبوللو! # 7 # أين هو فيبطش بالجبارين كما بطش بغليوميليد العتي من قبل؟ ms032 تالله لقد اقتربت ~~ساعتهم وأزفت آزفتهم، فطب نفسا يا بني، إني منيبك بما علمته عن أبيك من «بروتيوس» راعي ~~الأعماق وكاهن الأغوار. # ضلت بنا الفلك بما نسينا من التضحية باسم الآلهة، فبلغنا شطآن مصر، ورسونا عند جزيرة ~~فاروس بحيث كان في مقدورنا أن نروى من كوثر هذه البلاد التي تجري من تحتها الأنهار، ثم ~~لبثنا ثمة عشرين يوما لا تجري بنا ريح ولا يرفه عنا نسيم، حتى نفد الصبر وفرغ الزاد، ~~وظننا أنه المعاد، لولا أن رثت لنا إحدى عرائس البحر فبرزت إلينا، وكانت لنا غوثا أي غوث، ~~كنت أجلس وحدي في منعرج بأحد أطراف الجزيرة، وكان بقية صحبي وأكثر الملاحين يرتادون الماء بشصوصهم؛ # 8 # عسى أن يحصلوا على سمك طري يكون غذاء لنا، إذ برزت عروس الماء «إيدوتيا» ~~الجميلة، ابنة كاهن الأعماق بروتيوس، وتهادت حتى كانت تلقائي ثم جلست لجانبي وحدثتني ~~فقالت: «أيها النازح الغريب، أكبر الظن أنك مذهوب بك أو أن بك مسا، أو أن طائفا من ~~الجنون قد ألم بك، أو أنك قد آثرت الشقاء السرمدي حيث لصقت بأرض هذه الجزيرة فما تنوي ~~مضيا ولا تلتمس مخرجا ولو هلك كل أصحابك.» # إن الآلهة لا تملك أن تحول بين المرء وبين المنون ما دام قد جاء أجله، ~~مهما يكن حبيبها. # ولم أبال أني شدهت، فسألتها قائلا: «حسبك يا ربة، إني ما لصقت بأرض هذه الجزيرة ~~بأمري، ولا أقمت فيها بمرضاتي، بل كان ذلك قدرا علي مقدورا، ولكن خبري بحقك؛ إذ الآلهة ~~تعلم كل شيء، من من أرباب السماء يحبسني هنا؟ هل مقدور لي أن أرتد إلى وطني فوق ~~غوارب هذا اليم المضطرب.» # وقالت عروس الماء: «أيها النازح الغريب، سأنبئك فأصدقك، إنك الآن مقيم بشطآن مصر التي ~~تقع تحت إشراف أبي بروتيوس، سيد الأعماق ورب المياه المصرية، والمتصل برعايا نبتيون في ~~أغوار هذا البحر، فإذا استطعت أن تتغفله فتقبض عليه وتشد وثاقه؛ فإنه يقفك على أبعاد ~~هذا اليم، والطريق السوي الذي ينتهي بك سالما غانما إلى بلادك، بل ربما ms033 - إذا طلبت إليه ~~ذلك - وقفك على كل ما حصل في بيتك من خير أو شر خلال سفرتك الطويلة؛ لأني أعرف أنك صفي ~~السماء وحبيب الآلهة.» # غير أني لم أدر كيف تستطيع أيدي بني الموتى أن تقبض على هذا الإله البحري الكريم ، ولم ~~أخف عليها ذلك بل حدثتها به، وذكرت لها أنه ربما ولى دبره إذا شعر مني بهذه المحاولة ~~فلا أستطيع لقاءه بعدها أبدا، بيد أنها طمأنتني وذكرت أن أباها يخرج من الأعماق في ~~الظهيرة إلى جون قريب حيث يستلقي برهة وسط قطعان كثيفة من عجول البحر، من ذراري هاليسودنا ~~الجميلة، تأتي هي الأخرى في أثره لتنام ثمة ... «فإذا كانت هذه الساعة فإني سأقودك بنفسي إلى ~~هناك، وليكن معك من رجالك ثلاثة هم أشجعهم وأكثرهم قوة، وسأدلكم على منعرج آمن تنتظرون ~~به حتى يكون قد غلبه الكرى، ثم تنقضون عليه فتكبلونه وتشدون وثاقه، وإياكم أن يرهبكم ~~بشيء أبدا، إنه سيكون تارة سيلا رابيا، وتارة سيكون نارا ترمي بشرر كالقصر، كأنه ~~جمالات صفر، وأخرى يكون أفعوانا هائلا ينفث السم، ولكن خذوه أخذا شديدا، ولا تقتلوه ~~فتهلكوه؛ فإنه إن آنس فيكم قوة عاد فانتفض إلى صورته الأولى التي رأيتموه عليها، ثم ترونه ~~بعد ذلك وقد أسلس قياده، وهدأ وتطامن. فإذا فعل ذلك سألكم عن حاجتكم، ففكوا وثاقه ~~وأطلقوا سراحه وسلوه ما شئتم، فإنه مجيبكم عما تسألون.» ~~••• # ثم غابت عروس البحر في طيات الثبج، وتركتني في حيرة مما ذكرت، ثم إني عدت إلى قمرتي في ~~السفينة وعاد كل إلى قمرته، وبعد أن تعشينا وكان الليل قد أرخى سدوله، نمنا نوما لا ~~آمنا ولا قريرا، وبزغت أورورا تموه المشرق بأصباغ الورد، فنهضت أصلي للآلهة فوق السيف ~~الممتد، وأبتهل إلى السماء أن توفقنا لما فيه خيرنا، ثم انثنيت فتخيرت من رجالي ثلاثة ~~هم أصلحهم لهذا الأمر، وهم موضع ثقتي ومعقد رجائي، وبرزت من الماء عروس الماء، وأحضرت لنا ~~أربعة من جلود عجل البحر لنلبسها ونستخفي بها، ولتتم الخدعة على أبيها، وأعدت لنا مهادا ~~في رمل ms034 الشاطئ. ثم دلفنا نحوها ونام كل في معهد، وألقت فوقنا ما معها من الجلود المنتنة ~~التي أروحت حتى كدنا نختنق برائحتها لولا أن نثرت العروس فوقنا طيبا عبقا ملأ خياشيمنا ~~وأنقذنا من صلول # 9 # تلك الجلود. # وتلبثنا نرقب اليم حتى برزت عجول البحر فنامت في الجون، ثم كانت الظهيرة فبرز ~~بروتيوس وطفق يعد قطعانه مبتدئا لغفلته بنا، وكأن إثارة من الشك لم تخامره في حالنا ~~فانطرح ونام، وانتهزنا الفرصة فانطلقنا نعدو إليه، وقبضنا عليه وشددنا وثاقه بحيث لا يستطيع ~~إفلاتا. يا عجبا! لقد انتفض انتفاضة هائلة، فإذا هو أسد غضنفر ذو لبدة، ثم انتفض فإذا ~~هو أفعوان أرقم يتحوى ويتحوى، ثم انتفض فصار نمرا رائعا ذا أنياب، ثم صار خنزيرا ~~بريا، فسيلا رابيا ذا عباب، فأيكة باسقة ذات غصون وأفنان! ولما لم يجد بدا من أن ~~يبدو لنا على حقيقته انتفض فكان على صورته الأولى، ثم قال: «عمرك الله يا ابن أتريوس، أي ~~إله جبار حبسك في مياهنا وسلطك علي، تمسك بي وتشد وثاقي؟ ماذا تريد؟» فقلت له: ~~«حسبك يا رب هذا البحر، أنك كنت بي عليما، لقد طال مقامنا بهذه الجزيرة، ولست أدري أي إله ~~عادل حبسنا فيها ولأي شيء؟» وقال بروتيوس: «ويك يا منلوس، لم لم تصل في تيه هذا البحر ~~حتى تكون تلقاء مصر فتقيم ثمة حتى يثوب إليك رشدك وتصلي للآلهة خاشعا إلى أوطانك؟» ~~وعراني مما ذكر ما عراني، فقلت له: «الحمد لك أيها الإله القدوس! سأفعل، سأفعل كل ما تأمرني ~~به، ولكن قل لي بحق ربوبيتك؛ هل وصل كل رجالنا إلى أوطانهم سالمين كما تركتهم أنا وصاحبي ~~نسطور عند طروادة؟ أم أن منهم من غرق وقتل أو مات حتف أنفه؟» # وكأنما ضاق بي ولكنه قال: «ويك يا ابن أتريوس، ما هذه الأسئلة؟ أتبتغي أن تقف على كل ~~أسراري؟ إذن فاعلم أن أكثر رجالك قد عادوا سالمين إلى أوطانهم، وأن قليلا منهم من مات، ~~ومن هؤلاء قائدان فقط قد قضيا، ولا يزال واحد يذرع رحب هذا ms035 البحر، ضالا على غير هدى! لقد ~~هلك أجاكس بما تحدى الآلهة، وبما ادعى أنه ناج برغم السماء من البحر اللجي الذي كان يناوح ~~سفينته، فبرز نبتيون غاضبا وشطر السفينة نصفين بضربة قاضية من رمحه السمهري ذي ~~الثلاث شعب، ثم رطم حطامها بعد ذلك فوق صخرة موحشة. مسكين أجاكس، لقد غص بالأجاج ~~وشرق بقطرات فمات! أما أخوك # 10 # فقد نجا، لقد دفعته موجة هائلة فوق شاطئ «ماليا»، أرض ذيستيس وإيجستوس، ومن ~~ثمة ركب البحر إلى وطنه آمنا، ألا كم كان أخوك رائعا حين وطئ أرض الوطن، فراح يقبل ~~رمالها ويناجي كثبانها، ألا ليته ما نجا، لقد لمحه أحد الأوغاد من جواسيس إيجستوس فانطلق ~~يخبر سيده الذي أعد كمينا من عشرين رجلا من أفسق رجاله فاغتالوه كما يذبح العجل؟ ~~الأوشاب الفجرة لقد باءوا بما صنعوا، وأبيدوا عن بكرة أبيهم.» # ولم يكد يصعقني هذا الخبر حتى خذلتني رجلاي، وانطرحت أتقلب في الرمال من الغم، ~~وذرفت الدمع مع الحرقة على أخي ولكنه خاطبني قائلا: «انهض يا ابن أتريوس، إنك تبكي ولات ~~حين بكاء! هلم نعد إلى وطنك لترى بعينيك قبره ولتشهد ابنه العظيم أورست ينتقم له، ~~ويستأصل شأفة قاتليه.» # وكأنما سرى عني بما قال بعد، فنهضت وساءلته بعد أن شكرته على ما أنبأني: «إذن من هذا ~~البطل الثالث الذي ما يفتأ يذرع البحر ضالا في رحابه؟» # فقال: «ذاك ابن ليرتيس وسيد إيثاكا «أوديسيوس»، لقد شهدته بعيني حبيسا في جزيرة عروس ~~الماء كاليبسو؛ لقد حل عليها ضيفا برغمه، فلقد تحطمت سفائنه وهويته عروس الماء، وهو ~~لا يزال عندها لا يجد مركبا يحمله إلى وطنه. أما أنت، أيها الملك منلوس، فطوبى لك، إنك ~~ستحيا سعيدا، ثم تنتقل إلى دار الخلد ونعيم لا يفنى؛ جنات الإليزيوم، حيث لا برد ولا ~~زمهرير، ولا يوم عبوس قمطرير، بل تسقى ومن معك من الأناسي من ماء معين لا لغو فيه ولا ~~تأثيم؛ مقام كريم وجنة نعيم، وغادتك الحسان هيلين، يا ذرية زيوس العظيم.» # ثم غاص في اليم، وعدت ورجالي إلى ms036 الفلك، وفي القلب لوعة وبالنفس أسى، وتبلغ كل ~~بلقمات، ثم أسلمنا عيوننا للكرى، وكأنما نام أسطولنا في ظلام الشاطئ. # وانبلجت أورورا، فنضرت بالورد جبين المشرق، وهبت أنفاس الصباح المنداة فأهرعنا ~~جميعا وجزرنا الأضاحي باسم الآلهة، وصلينا لها مخبتين، وأقمت لأخي رمسا فوق ثرى مصر ~~الخالدة، ثم هبت الريح رخاء، فنشرنا الشراع وأصلحنا القلوع، وأقلعنا من فورنا إلى أرض ~~الوطن، فبلغنا هيلاس سالمين. # وبعد، فلتقم معنا ها هنا أياما تمرح وتفرح، ونسعد نحن بك يا ابن أعز الأصدقاء، ثم لنعد ~~لك الهدايا واللهى التي تليق بك، ولتعد إلى وطنك على عربة فاخرة تجرها ثلاثة من ~~الصافنات الجياد، ولنزودك بكأس ذهبية تصب منها قرابين الخمر للآلهة فتذكرنا أبدا. # وشكر تليماك واعتذر، وأبدى من الحنين إلى وطنه وما عليه من واجبات وما ينبغي من عودة ابن ~~ملك بيلوس؛ ما برر عنده أن يستأذن في الأوبة. فأعذره ملك أسبرطة وأهدى إليه كأس فيديموس ~~الفضية ذات الشفة الذهبية، الكأس الخالدة التي صنعها الإله فلكان بيديه لينفخ بها ملك ~~سيدونيا. # ما كادت مينرفا تتم كلامها حتى انتفضت وتحولت من صورة منطور أمير البحر ~~إلى نسر عظيم. # وهيا الندل مقصفا فاخرا به جزور وخمر، وأقبلت أزواجهن يحملن الخبز، فأكل الملك ومن ~~معه ورووا. # هذا ما كان من أمر تليماك ومنلوس. # أما ما كان من أمر العشاق آنئذ فقد كانوا يلعبون ويمرحون في بيت ملك إيثاكا يلاعبون ~~الأسنة ويقذفون القرص، ويتصارعون ويمزحون، كانوا جميعا يأخذون في هذا اللهو لتزجية الوقت ~~إلا أنتينوس ويوريماك، فقد جلسا بمعزل يتحادثان، إذ أقبل الفتى نومون ابن فرنيوس وقد ~~تغضن جبينه، وانتشرت على أساريره سحابة كئيبة، فقال: «أرأيت إذ أعطيت سفينتي للفتى ~~تليماك فإني أريد أن أبحر إلى إيليس لأرعى أفراسا لي اثنتي عشرة لا تزال توضع أفلاؤها، # 11 # متى يرجع من بليوس يا أنتينتوس؟» # وروع الرجلان لهذا الخبر، فلم يكن أحد يعلم أن تليماك قد غادر إيثاكا، بل كانوا يظنون ~~يجتر آلامه وأحزانه في أحد الأدغال النامية في مزارعه. قال أنتينوس: «أحقا ms037 أنه أبحر يا ~~تومون؟ وهل صحبه أحد من ذويه؟ وعلى سفينتك سفينتك أنت؟ وهل أبحر عليها بدون إذن منك؟ أم ~~أنت الذي أذنت له بها أول ما طلبها منك؟» # وأجابه نومون: «بل أبحر عليها بإذني، وماذا عساك كنت صانعا لو سألك أمير في مثل بأسائه ~~أن يبحر على سفينتك؟ أكنت ترفض وتتأبى؟ لقد أبحرت معه ثلة من أشجع البحارين كلهم ~~فينان العود غريض الشباب، وقد رأيت معه أمير البحر منطور. ألا كم كان يبدو منطور بهيا ~~وقورا رائعا! تالله لقد خلته - بل أكبر ظني أنه - أحد الآلهة، وكيف لا يكون إلها وقد ~~رأيته بعيني هاتين صباح أمس وهو قد أبحر إلى بيلوس قبيل ذلك، فأنى عاد؟» # وفرغ نومون، وعاد أدراجه إلى دار أبيه، واستولى الذهول على الرجلين وكان العشاق قد ~~فرغوا مما أخذوا فيه من لهو ولعب، وجلسوا يستريحون من التعب، فيمم شطرهم أنتينوس وهو ~~يتميز من الغيظ، وينقدح الشرر من مقلتيه، فقال: «يا أرباب السماء، أفيقوا أيها الرفاق! ~~عمل باهر، باهر جدا، لقد أبحر الفتى تليماك في عصبة من شباب الملاحين ليؤلب عليكم ~~العالمين، ويرسل علينا حسبانا، الويل له! أعدوا لي مركبا وعشرين فارسا من أبسل ~~صناديدكم لأفجأ - بين أواذي ساموس ونتوء إيثاكا - التاعس الذي ذهب يستروح أخبار أبيه ليسعى ~~إلى حتفه بظلفه.» # وتحمس الملأ وعلا هتافهم، وهرولوا إلى الرحبة الداخلية في بيت أوديسيوس يتآمرون، وكان ~~على مقربة منهم الأمين ميدون الذي انطلق بدوره ينقل ما عقدوا خناصرهم عليه من إفك إلى ~~الملكة الباكية المفئودة؛ بنلوب. وما كاد يقص عليها ما اعتزموه من قتل تليماك حتى تضعضعت ~~وتخاذلت ومادت من تحتها الأرض، وتحبست أنفاسها هنيهة، ثم سألت ميدون فيم أبحر ولدها؟ ~~«ألكي ينقرض اسمه من صفحة الوجود؟» وأجابها الرجل: إنه ذهب يتسمع الأنباء عن أبيه. ثم ذهب ~~لطيته، وجلست الملكة المرزأة لدى الوصيد تبكي وتنتحب ومن حولها الغيد الرعابيب والعجوز ~~الشمطاء من خادمات القصر يعولن ويكفكفن ... # قالت الملكة: «ويح لي أيها العذارى! أبدا ما أحسب واحدة من النساء قد ms038 لقيت بعض الذي ~~لقيت مما كتبته علي السماء؛ لقد فقدت زجي أسد هيلاس الكريم أوديسيوس الأمير الحلاحل، رجل ~~الفضائل والمروءات، ثم لم يبق إلا أن يرحل عني ولدي، دون أن أعلم أمر رحيله من إحداكن، ~~فكنت أحول بينه وبين ما اعتزم ولو أديت ثمنا لذلك روحي، ولكن، هيا، لتمض دليون - خادمتي ~~الوفية ذات التجاريب - إلى ليرتيس، فلتحدثه عما تآمر الذئاب، وي! لم يبق إلا أن يقتلوا ولدي ~~وسليل أوديسيوس!» # ونهضت يوريكليا مرضع تليماك تنثر دموعها وتقول: «وا أسفاه علي أيتها الملكة، سأعترف بما ~~كان ولك أن تقتليني، أو تبقي علي، لقد زودت الأمير بكل ما أمر من زاد وخمر، وأخذ علي ~~موثقا ألا أبوح بسره حتى يمضي اثنا عشر يوما بتمامها. حتى أنت يا مولاتي، لقد أمرني ~~ألا أعلمك بشيء، فاهدئي يا مولاتي ولا تضاعفي أحزان القصر بحزن جديد، وامضي إلى مخدعك ~~فاستريحي ثمة، ولنصل جميعا لربة العدالة مينرفا باللاس الطيبة؛ أن تصون مولاي الأمير ~~وترعاه، وتكلأه من كل خطر، وليعد إلى عرش آبائه ليحكم ويعدل ويدير شئون البلاد.» # ورقأ الدمع في عيون الحاشية، ونهضت بنلوب فصعدت إلى الطابق العلوي، وأمرت بسلة من الكعك ~~فنفحت بها العذارى قربانا لمينرفا وتقدمة، ثم أرسلت هذه الصلاة: «اسمعي يا ابنة سيد ~~الأولمب، يا مينرفا العادلة، باسم ما ذبح لك أوديسيوس في هذا القصر وما ضحى نضرع إليك ~~ونتوسل بك ونصلي لك أن تصوني ابنه الأمير، وأن ترسلي عبوسة من شواظ غضبك على أعدائه؛ ~~أولئك الأضياف الظالمين، آمين.» # وانهمرت الدموع من عيني الملكة، فاستجابت مينرفا صلاتها لما علا ضجيج القوم وارتفع ~~صخبهم، وكان فيهم شاب نزق التأثت في أذنيه صلاة بنلوب فحسبها أشرفت تناغي وتغازل، فراح ~~يعرض بها في كلمات قوارص، قطعها عليه أنتينوس بتحذيره القوم ونصيحته لهم أن يستعينوا ~~على حزم أمرهم بالكتمان. # وتخير أنتينوس عشرين من خيرة رجاله، ويمم بهم شطر البحر، ثم ركبوا في سفينة أعدت ~~لما اعتزموه من تلصص وقرصنة وفتك إعدادا كافيا، فنقلت إليها الأسلحة، وحملت إليها ~~أحمال الزاد ms039 والذخيرة، وأقلعت، لا باسم الآلهة مجراها، ولا سلكت سبيل الرشاد. ~~••• # واضطجعت بنلوب في فراش حشوه فكر وهم، وجاشت في قلبها الوساوس، وطفقت الأوهام تفتك ~~برأسها القلق الحيران بسبب ولدها وما دبر له الكلاب وما كادوا؛ مسكين أيها الأسد، لولا ~~قوتك وجبروتك ما أكثر صائدوك حولك الأحابيل. # وأخذتها سنة من النوم، فأقبلت مينرفا الكريمة في رؤيا عجيبة تواسيها وتذهب عنها طائف ~~الحزن، فتزيت بزي الأميرة المفتان أفتيما، ابنة البطل الكبير إيكاريوس، ثم وقفت عند رأسها ~~وشرعت ترسل هذه الأحلام: # قدر غير قليل من أفخر الأشربات وأشهى الآكال وحفاوة مبالغ فيها. # أهكذا تنامين ملء عينيك الجميلتين يا بنلوب العزيزة؟ ليفرخ روعك، وليصف بالك؛ فالسماء ~~ترعى ولدك، وهو عائد إليك عما قريب، إنه لم يقترف شيئا مما يغضب الآلهة؛ ولذا فهي تكلؤه ~~وترعاه وتحفظه، فقري عينا واسلمي وانعمي. # وتقول بنلوب إذ هي تحلم: «من؟ أفتيما؟ عجبا فيم قدمت يا أختاه وقد ندر ما كنت ~~تلمين بهذا القصر؟ ألتواسيني وتسليني؟ لقد تكاثرت الأحزان على قلبي، وتكسرت النصال ~~على النصال؛ لقد فقدت زوجي، أسد هيلاس وفخر آرجوس وعزي الأبدي، ثم ها أنا ذا أنتفض فرقا ~~على ولدي؛ ولدي الطري الفينان الذي لا قدرة له ولا احتمال، في هذا البحر اللجي، لقد ~~أقلعت به سفينة كأنها تسبح في بحر من دمي وأحزاني، وها قد تعقبه الأشرار في سفينة أخرى ~~يريدون غيلته قبل أن يرتد إلى وطنه.» # وتجيبها مينرفا: «لا عليك يا ملكة ولا عليه هو الآخر، إن معه راعيا يحفظه ويوقيه، ~~راعيا يتمنى الجميع أن يكونوا في رعايته أبدا؛ مينرفا، إنها أيضا تبشرك وترفه عنك، ~~وأنا هنا رسولها إليك أقبلت بأمرها أواسيك.» # وهلعت بنلوب ثم قالت: «وي! أما إنك إذن لربة وقد كلمتك الأرباب! ألا قصي علي إذن ما ~~كان من أمر رجلي؛ ألا يزال حيا يرزق؟ أم تخطفته يد المنون؟» # وتضاحك الشبح العابس فقال: «لا، ليس الآن لن أذكر لك إذا كان رجلك لا يزال حيا أو أنه ~~قد قضى. ما لنا ولذلك؟» # ثم رفت ms040 في ظلام الغرفة وصعدت في سماء الأحلام. # ونهضت الأم وقد سري عنها بهذا الحلم، وانجاب كابوس الهم الذي كان يجثم على ~~قلبها. # وأقلع العشاق بفلكهم في اليم المضطرب، كل تحدثه نفسه بمقتل تليماك حتى كانوا عند ~~برزخ إستريس بين ساموس وإيثاكا، فأرسوا ثمة يتربصون . # | أوديسيوس يبحر من جزيرة كاليبسو # هبت أورورا من فراش زوجها الدافئ الحبيب «تيتون» فنشرت في المشرقين غلالة سنية من فيض ~~ضوئها، بينما كان مجلس الآلهة منعقدا في ذروة أولمب، وقد استوى زيوس على عرشه، ومينرفا، ~~ربة الحكمة والموعظة الحسنة، قائمة بين يديه، تحصي آلام أوديسيوس وتبث أشجانه وتصور ~~للآلهة صنوف العذاب التي يتجرع غصصها وحده في هذه الجزيرة النائية السحيقة، فتقول: ~~«أبتاه! يا سيد أرباب أولمب جوف، أصغ إلي، وأنتم يا آلهة الخلود، أعيروني انتباهة واحدة ~~منكم؛ فإنها حسبي! إلى أين تصير الأمور إذن؟ هاكم قد أصبح أمر الناس فوضى، والطغاة يعيشون ~~في الأرض مفسدين، وكأنما أغمضتم أعينكم عن خيارهم، ولم يضركم ألا تكفوا أشرارهم، فنسيتم ~~الرجل الصالح أوديسيوس الذي طالما منحكم محبته والذي بذل لشعبه مهجته، يثوي اليوم في تلك ~~الجزيرة الموحشة يجتر همومه ويبعثر في صفحة السراب آماله. كلا على كاليبسو عروس الماء، ~~لا يملك سفينة فيقلع إلى الوطن، ولا يجد قلبا إلى جانبه فيبثه حزنه ويشتكي إليه لأواءه! ~~وكأنما لم يكن بحسبه بعض ذلك، بل تسلط عليه الأقدار القاسية عصبة من الأعداء الألداء ~~يتربصون بابنه الشر وينتوون غيلته، إذ هو عائد من أقصى الأرض؛ من أسبرطة وبيلوس، بعد رحلة ~~منهكة باكية قام بها يتنسم خبرا عن أبيه يشفي في قلبه غلة، ويبرئ في نفسه ~~كلوما.» # ويجيبها رب السحاب الثقال: «أية كلمة هائلة انفرجت عنها شفتاك يا ابنتي؟ ألست تتشوقين ~~إلى عودة أوديسيوس سالما آمنا فيبطش بكل أعدائه؟ اطمئني إذن ولتحرسي ولده تليماك حتى يصل ~~سالما آمنا هو الآخر إلى أرض الوطن، وليبؤ أعداؤه بالفشل.» # ثم توجه بالخطاب إلى ولده هرمز رسول الآلهة، فقال: «هرمز! هلم يا بني إلى عروس الماء ~~الشقراء كاليبسو برسالاتي؟ ms041 مرها أن ترسل أوديسيوس على رمث # 1 # وحده، لا أنيس له من إنس ولا آلهة، فليلق الأهوال الطوال حتى يصل إلى شيريه ~~أرض الفيشيين ملوك البحار وأصهار الآلهة، فليزودوه بسفينة وزاد وذخيرة من أحمال من ذهب ~~وديباج، وبكل ما تشتهي نفسه مما يفوق نصيبه الذي حصل عليه من أسلاب إليوم، لو عاد به غير ~~منقوص إلى أرض الوطن، ثم ليبحر سالما إلى إيثاكا؛ بذا قضت المقادير أن يثوب، وأن يستعيد ~~سلطانه وصولجانه، وملكه وإيوانه، ويلقى بعد طول النأي خلانه.» # وأصلح رسول الآلهة الأمين «هرمز» نعليه الذهبيتين، فخفتا به كالريح فوق السحاب، وفي ~~يمناه عصاه السحرية العجيبة التي إن شاء داعب بها الجفون فأغفت، وإن شاء ردها إلى الصحو ~~واليقظة، وما فتئ يرف بين السماء والماء، ويدوم في ذاك الفضاء كالغرنوق # 2 # الذي يتواثب على أعراف الموج يصيد ما يقتات به، حتى كان فوق تلك الجزيرة ~~المنعزلة عن جميع العالم، ثم ما برح يرنق هنا ويرنق هناك حتى اهتدى إلى ذلك الكهف السحيق ~~الذي تأوي إليه عروس الماء الشقراء ذات الشعر الكهرماني، وقد جلست ثمة تغرد وتغني ~~وتعمل دائبة في منسج أمامها، ويداها تتلقفان الوشيعة # 3 # الذهبية كما يخطف البرق، والنار تتأجج في الموقد بقربها وتتوهج، وجمر ~~الأرز والصندل يعبق ويتأرج، ويملأ نشره أركان الجزيرة وفجاجها، وقد بسقت أشجار الحور ~~والسنديان عند مدخل الكهف فغشته بظلال رائعة وظلمة رهيبة، وصنعت جوارح الطير أوكارا لها في ~~الدوح الذاهب في السماء، ووكنت # 4 # الحدأة بيضها وقر الغداف # 5 # جنب صغاره، وطفقت البومة ترسل في الآفاق صفيرها، وتناثرت فوق الشاطئ أفاحيص ~~الطير من كل نوع، وامتدت الكروم عن يمين الكهف وعن شماله مثقلة بالعناقيد ذوات السكر، ~~وتدفقت جداول أربعة عن عيون كوثرية تسقي السندس الجميل المنضر بأفواف الورد والبنفسج؛ منظر ~~عجب، وأي منظر عجب يبعث البهجة والانشراح حتى في قلوب سكان السماء! # ووقف هرمز يمتع ناظريه بسحر هذه الجنة ثم دلف إلى الكهف، ولم يكن يسيرا على عروس ~~الماء أن تعرف من هو، وأي ms042 إله خالد طرق بابها، ولو أنها هي أيضا فرد من أسرة الخالدين؛ ~~ذلك لأن سكان السماء يكونون مثلنا أحيانا، لا يعرف أحدهم جميع الآخرين لبعد الشقة ~~ونأي الدار وانقطاع المزار، وأرسل عينيه في كل شق من شقوق الكهف، بيد أنه لم يقف ~~لأوديسيوس على أثر، فانثنى، ويمم نحو الشاطئ واستوى على صخر عظيم ناتئ، وشرع ينثر من ~~عينيه الدموع الغوالي، يطفئ بها في القلب سعيرا سرمديا يلازمه أبد الدهر، وكأنما عرفت ~~كاليبسو من هذه الآية أنه هرمز فراحت تسائله، إذ هي مستوية على عرشها الممرد ~~العظيم: # واستوت هيلين على عرشها المنضد الذي أصلحته يد أورست وعناية إكليب، ثم ~~أحضرت الطرف والهدايا واللهى. ~~«هرمز، يا صاحب العصا السحرية، يا من طالما أحببته وبجلته، حدثني فيم أقبلت وقد ندر ~~ما قدمت إلى هنا، هلم فقل، سل حاجتك فسأقضيها إن تكن في وسعي. ولكن هلم أولا ~~ولتؤد لك مراسم القرى وواجبات الضيافة، هلم.» # ومدت عروس الماء سماطا حافلا بأشهى ألوان الطعام وصنوف الشراب، وأقبل هرمز فاغتذى ~~وروى من هذه المائدة القدسية، ثم توجه بالكلام فقال: «تسألين أيتها الربة فيما أقدمت، ألا ~~فاعلمي أنني ما أقدمت عن أمري لكنه أبى، سيد الأولمب وكبير الآلهة هو الذي أرسلني؛ إذ أية ~~حاجة لإله في هذه القطعة المنعزلة من الأرض، يحيط بها الملح من كل مكان، حيث لا عباد ولا ~~خلق يؤتون الزكاة ويقيمون الصلاة، ولا أثر لعبادة زيوس العظيم، إنه جل جلاله يقول: إنك ~~تحتجزين هنا أتعس مخلوقاته، البطل الكبير الذي نزح عن بلاده إلى إليوم، فقضى ثمة تسع سنين ~~ثم أبحر عنها بعد سقوطها في العاشرة مع محاربي هيلاس الذين تفرقوا في البحر شذر مذر، ~~فمنهم من غرق ومنهم من قتل، ومنهم من وصل إلى بلاده ... إلا إياه؛ فقد هلك كل رجاله، ~~وقذفه البحر فوق جزيرتك النائية. جوف يأمرك أن ترديه، ففي كتاب المقادير أنه لا يهلك هنا، ~~بل يعود إلى بلاده ويلقى فيها آله.» # وزلزلت كاليبسو زلزالا وقالت تجيبه: «ها! الظلم والحسد، دائما، هذا ms043 دأبكم يا آلهة، ~~كم تأكل قلوبكم الغيرة كلما ضمت ربة إلى ذراعيها أحد بني الموتى، وهل نسيتم يوم ثرتم ~~عندما علقت ديانا ذات الأصابع الوردية هذا الفتى الجميل أوريون، وكيف دبت الغيرة في قلب ~~أبوللو فمكر هذا المكر السيئ، ودبر قتل الفتى بيدي حبيبته ديانا؟ # 6 # هل نسيتم أيضا كيف أرسل أبوكم جوف إحدى صواعقه على أياسيون المسكين؛ لأن سيرس ~~ربة الربيع قد هويته وأخذته بين ذراعيها حين شغفها حبا، كذلك أنتم معي اليوم، وكذلك ~~أنتم غيورون دائما، فما أقساكم إذ تنفسون على حبيبي! لقد أنقذته بنفسي من هذا اليم الذي ~~التقم سفينته بمن فيها حين شطرها أبوكم بسهمه في عبثة من عبثاته، حبيبي الذي أهواه من ~~أعماقي وأفتديه بروحي، والذي أمهد له حياة الخلود. ولكن، وا أسفاه! كيف أطرده من عندي؟ ~~ويحي! إن تكن هذه مشيئة زيوس فلأحدثن أوديسيوس ليرى لنفسه؛ إذ ليس عندي مركب يأمن فيه ~~غائلة هذا البحر المضطرب وإني ناصحة له.» # وكلمها هرمز فأنذرها من غضبة سيد الأولمب، وحضها أن تعمل على إبحار البطل. ~~••• # ورف هرمز الرسول في لازورد السماء، وانطلقت عروس الماء تبحث في الجزيرة عن أوديسيوس، ~~حتى لقيته فوق صخرة ساهما واجما تفري قلبه الهواجس، ويعبث به محال الأماني، وقد انهمرت ~~فوق خديه عبرات حرار، واللحظات تذبل فتسقط من حياته في ظلام اليأس كأوراق الخريف، وقد ~~مل هذا المقام الطويل البائس في جوار عروس الماء التي كانت تخلع عليه حبها البارد، وتقسره ~~على أن يقضي لياليه بجانبها على فراش واحد في ذلك الكهف السحيق. ولكما فكر في وطنه، ~~ونظر إلى الموج المتواثب في أفق اليم، وعرف أن لا قدرة له عليه. بكى وأن وتوجع ~~وتصدع، وأرسل في لا نهاية الماء والسماء، آهات وآهات. # واقتربت منه عروس الماء في رفق وحدب، وقالت له: «أيها التعس، لا تنتحب هكذا، ولا تصهر ~~حياتك الغالية في تنور من الآلام، هلم، هيا إلى عمل مجيد. أمامك الدوح العظيم والأيك ~~الذاهب فاقطع منه ما شئت، واصنع لنفسك رمثا يحملك فوق ms044 هذا العباب المتلاطم، وسأزودك ~~بكل ما يكفيك من طعام وشراب، وسأمدك بأثواب جديدة تقيك الحر والبرد، وسأسخر لك الريح ~~تهدهدك إلى بلدك البعيد. هذا قضاء من آلهة السماء التي تقدر فتعدل، وتقضي فلا يرد ~~لها قضاء.» # وتفزع أوديسيوس لهذه المفاجأة ثم قال: «أوه يا عروس، بل في الأمر سر تحاولين إخفاءه ~~عني. أي رمث يحملني في ذلك البحر اللجي؟ وأي ريح تسخرين من أجلي؟ وإن السفينة العظيمة ~~لتمخر عبابه وهي لا تدري أتسلم أم يكون أهلها من المغرقين؟ لن أفعل حتى تعطيني موثقك ~~وحتى تقسمي القسم العظيم أنك لا تبطنين لي شرا ولا أذى.» # وتبسمت الربة الهيفاء، وراحت تربت على خديه وهي تقول: «ويحك! كيف تسيء بي الظن يا ~~أوديسيوس؟ أية حجة تملأ بها يديك على ما قلت؟ ولكن أصغ إلي، أقسم لك بقسم الآلهة في ~~الأرض والسماء والدار الآخرة ... بالقسم العظيم الذي يقشعر لذكره كل شيء، إني لم أضمر ~~لك فيما عرضت عليك شرا ولا أذى. إن الذي تبكي من أجله أبكي أنا أضعاف ما تبكي منه ~~مثله، فلقد كنت ضرورة من ضرورات حياتي هنا، ولقد علق بك قلبي، وهامت بحبك نفسي، وليس قلبي ~~من صخر فيحتمل البعد عنك بله الإضرار بك.» # وانطلقا سويا إلى الكهف، وجلس أوديسيوس فوق المتكأ الذي كان يجلس عليه هرمز منذ هنية، ~~ثم أقبلت جواري الماء يحملن شيئا كثيرا من اللحم والشراب فأكلا ورويا، ثم شرعت كاليبوس ~~تحدث وتقول: «أهكذا يا ابن ليرتيس العليم أيها الحكيم الصناع، لا تفتأ تحن إلى وطنك ~~وتعتزم الرحيل إليه، أنا عذيرك يا أوديسيوس، فوداعا، ولكن هل فكرت أيها الرجل في الأهوال ~~الجسام التي تخرط قتادها قبل أن تصل إلى بلادك؟ أليس خيرا لك أن تظل إلى جانبي وتقاسمني ~~كهفي فتصبح من الخالدين، وتنسى هذا الجمال الفاني الذي لا ينفك يصبيك ويسبيك، والذي أحسب ~~جمالي وفتنتي لا يقلان عنه سحرا إن لم يزيدا عليه فتونا؟» # فيجيبها أوديسيوس الحكيم: «أيتها الربة المخوفة، هوني من حفيظتك فأنا أعلم أن بنلوبي ~~العزيزية ms045 لا تزن من جمالك وفتونك مثقالا؛ لأنها هالكة ولأنك من الخالدين، بيد أن الذي ~~يصيبني هو وطني، وطني الحبيب الذي أحن إليه وأهيم به، وفي سبيل العودة إليه لن يخيفني ~~هذا اللج المتلاطم، فلقد بلوت الأعاصير في البر والبحر في خبار المعمعة وفي الفلك تحت ~~كلكل الزوبعة. إلي إلي يا خطوب، وأقدمي بكل حولك يا رزايا.» ~~••• # وتوارت الشمس بالحجاب، وأرخى الليل سدوله فوق الجزيرة، ونامت الربة في سريرها الوثير وبين ~~ذراعيها حبيبها تشمه وتضمه وتحسه وتلثمه ... حتى إذا نضرت بالورد أورورا جبين المشرق هب ~~الإلفان وتدثرا، هذا بثوبه الخشن وتلك بشفوفها الرقيقة الثلجية الناصعة التي كأنما نسجت ~~من سنمات الصباح العطري، وراحت تخطر فينانة ريانة وقد اتشحت حول وسطها النحيل بقرطق # 7 # جميل، وألقت على رأسها بخمار صفيق رقيق، وقدمت إليه فأسا ذات حدين أحدهما ~~كالساطور، ركبت فيها يد من خشب الزيتون المتين، ثم إزميلا حادا مرهفا. وسارت بين ~~يديه حتى كانا عند غابة عظيمة مخوفة لاحبة شاحبة، بسقت فيها أشجار الحور والسنديان والشربين، # 8 # وتركته ثمة وعادت أدراجها إلى كهفها. # ولم يهدأ للبطل المسكين بال، بل شرع من فوره يقطع كل أيكة عظيمة حتى اجتث عشرين من أكبر ~~دوح الغابة. ثم أقبلت كاليبسو وقد حملت إليه آلات ساعدته على تشذيب الشجر، واستطاع بعد ~~لأي أن يضم بعض الجذوع إلى بعض، ثم كلبها بكلابات كبار، وأفرغ في وسط الرمث له ولما ~~يحمل مكانا أمينا كأحسن ما يصنع السفانون، ودعم ذلك جميعا بألواح ودسر، وصنع قلعا ~~وجعل في القلع شراعا، ثم سوى السكان مكانه، وجعل في الباطن صبارة # 9 # كبيرة تقي الرمث الانقلاب، ولم ينس أن يجدل جوانبه بفروع وأغصان تزيد في قوته ~~تضاعف من متنه، وأتم صنع مركبه في أربعة أيام، وأنزله إلى البحر في الخامس، ثم أدخلته ~~عروس الماء حمامها فغسلته وضمخته بالطيوب والعطور، وخلعت عليه من ديباج ثمين، وزودته ~~بزقين من خمر وماء، وأمدته بشيء كثير من طعام وأثواب. # مارس وفينوس. # وودع عروس الماء المحزونة وجلس عند السكان ms046 ثم دفع الرمث في البحر وابتعد رويدا ~~رويدا. # وكان قلبه يفيض بالبشر وصدره يمتلئ بالانشراح. وظل يجري به الفلك الصغير سبعة عشر ~~يوما، وعيناه في كل ليل ما تريمان عن الثريا في علياء السماء، وما تفتران تنظران إلى نجوم ~~الدب الأكبر التي تقف للجبار # 10 # بالمرصاد كما علمته عروس الماء - قبل أن يبرح - أن يجعل هذا النجم إلى شماله ~~أبدا. # ثم بدت جبال فيشيا الشم كأنها دروع مسرودة فوق صدر الأرض الشاحبة. ولكن وا أسفاه! لقد كان ~~الجبار نبتيون ثانيا عنانه من سوليما، # 11 # فلمح أوديسيوس فوق رمثه يتواثب على هام الموج ويقترب من الشاطئ، فينجو إلى ~~الأبد من بطشه. وثارت في نفس نبتيون - إله البحار وأعدى أعداء أوديسيوس - ثورة من الغضب، ~~وظل يعلك هذه الكلمات في نفسه من فوق بطاح أثيوبيا. # 12 ~~«وي! أوقد تبدلت مقادير الآلهة إذن وتحركت فيهم عواطف الحنان من أجل هذا الرجل ~~أوديسيوس، فقضوا فيه ما قضوا لأنهم يسكنون السماء، ولم يبالوا بي لأني أسكن الأرض في ~~أثيوبيا؟ إنه يرى شاطئ فيشيا قيد وثبات منه، وهو إذا قفر إليه أصبح بنجوة من هموم ~~تترصده في كل موجة من موجات هذا اليم. ولكن، لا، لألهبنه سوط عذاب قبل أن يصل إلى ~~البر.» # ثم إنه لاعب السحاب بصولجانه ذي الشعب الثلاث فانعقدت منه ظلمات في أرجاء السماء، ~~وطفق يهز أعماق البحر فهاج وماج وتلاطم بالأمواج، وصاح صيحة برياح المشرقين ورياح ~~المغربين فاجتمعت إليه من مكان سحيق، ثم هبت ريح الشمال الثلجية اللافحة فانطفأ لألاء ~~النهار وأظلم الليل فجأة، وطغى العباب وشابت نواصيه بالثبج، وتناول الموج الغضوب حول الرمث، ~~وهلع فؤاد أوديسيوس وأصبح قلبه فارغا، وطاشت أحلامه وذابت أمانيه العذاب، وراح يحدث ~~نفسه هكذا: «يا لتعاستي! أي مقدار قاس يترصدني؟ لقد أنذرتني ربة الماء مغبة هذه الرحلة ~~الهوجاء في البحر، فما صدقتها، وتنبأت عن الشدائد التي تعتور طريقي إلى الوطن فها هي ذي ~~تتحقق، أية أعاصير هوج وأي موج ينتفض من الأعماق قد سلطه جوف على هذا البحر! ms047 بعد لحظة ~~أغوص في ظلمة هذه القبور التي يشقق عنها الموج، ألا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا تحت أسوار ~~إليوم، يوم أوشكت أن أقضي ثلاثا في سبيل إنقاذ الأتريدس، # 13 # أو يوم أوشكت أن أصرع برماح الطرواديين إذ أدفع جموعهم عن جثة أخيل! أجل، لو ~~أنني مت ثمة لأقيمت من أجلي الطقوس الجنائزية، وأديت لي الشعائر الدينية، وذرف فوق ~~قبري كل يوناني أغلى دموعه وأعز عبراته، وتفاديت هذه الموتة المجهولة التي تكاد ~~تلتقمني.» # ثم كانت الطامة؛ فإن موجة كالطود فجأته، فبعثرت الرمث، وأفلت مقبض السكان من يدي أوديسيوس ~~فانتشر في اللجة ثم غاص في أعماقها، وعبثا حاول أن يطفو؛ لأن الرياح تكالبت عليه من كل ~~مكان، وكلما نجا من موجة فغرت له فاها أخرى، ثم حدثت المعجزة؛ فقد وسعه بعد لأي وبعد ~~عناء شديد أن يدفع نفسه دفعة اليأس إلى السطح، وأن يملأ رئتيه المنهوكتين بتنفسه من ~~الهواء كانت تمتزج بالماء الأجاج المتصبب من جبينه حتى لأوشك أن يغص بها، لولا أن لطفت ~~به الصدفة فرأى الرمث قريبا منه وقد انتزعت العاصفة قلاعه وشراعه، فسبح إليه وأمسك به، ثم ~~استوى عليه وتركه للموج تلعب به واحدة وتعبث به أخرى، وتجتمع عليه الرياح عن شماله ويمينه ~~ومن خلفه وقدامه، حتى قيض له القدر عروس الماء «إينو» ابنة قدموس التي كانت تعيش في ~~البر وتعرف فيه بهذا الاسم، والتي اتخذت اسم «لبوكوتيا» بعد أن نزلت إلى البحر وعلقها ~~أحد الآلهة فوهبها الخلود، لقد تفجرت في قلبها شآبيب الرحمة من أجل أوديسيوس لما رأته في ~~هذا الروع الذي ليس كمثله روع، فسحرت نفسها، ووثبت على الرمث في صورة غطاس الماء، ثم قالت ~~له: «ويحك أيها البائس! فيم أثرت غضبة نبتيون عليك حتى ليتبعك سربا في شعاب البحر ويصب ~~عليك كل تلك الرزايا؟ على أنني أنصح لك أن تدع هذا الرمث تتدافعه الرياح حيث تشاء ثم تخلع ~~ملابسك وتقفز في الماء، وتسبح بقوة وجلد حتى تصل إلى شطآن فيشيا حيث تسلم بنفسك، وتكون ms048 ~~بمأمن من بطش هذا الجبار، خذ هاك زنارا # 14 # من حرير من حياكة السماء، لفه تحت صدرك؛ فإنه يجعلك بمأمن حتى من مجرد ~~التفكير في الموت، فإذا وصلت سالما إلى الشاطئ فارمه بكل ما أوتيت من قوة بعيدا في ~~البحر، وأدر بوجهك بمجرد أن تفعل؛ بشرط ألا تنظر إليه وهو يسقط في الماء.» # وسلمت إليه الزنار الموعود ثم غاصت في الماء، وبقي أوديسيوس مكانه في حيرة شديدة وحزن ~~عميق، ثم أفاق من غشيته، وجعل يهرف هكذا: «أوه! ترى أذاك شرك آخر تدبره الآلهة لي؟ ~~ولكن لا، لن أبرح مقيما فوق الرمث؛ فالبر بعيد، ولأظل مكاني ما دامت الجذوع مكبلة ~~هكذا فإذا حطمتها يد الحدثان فلأفعلن كما أشار الإله الذي كان يكلمني منذ لحظة.» وما ~~كاد يفرغ حتى أرسل عليه نبتيون موجة جارفة حطمت رمثه، وتركته عالقا بأحد الألواح، وأسرع ~~أوديسيوس فخلع الرداء الجميل الديباجي الذي خلعته عليه كاليبسو، ولف الزنار الموعود ~~حول صدره، وقذف بنفسه في الماء، وراح يسبح. # أشيل يعطي ل «نسطور» ثمن الحكمة. # وكان نبتيون الجبار يرى بعينيه ويشفي حرده، ويقول في نفسه: «ذق يا أوديسيوس وبال أمرك في ~~هذا الطوفان قبل أن تصل حبالك بحبال الشعب الذي هو حبيب الآلهة، وسترى ثمة هل تنتهي ~~آلامك؟» # وحث مطيه حتى وصل «إيجه» حيث يشرف قصره المنيف. ~~••• # وكانت مينرفا تشهد الكفاح الهائل بين أوديسيوس وبين اليم فاطلعت من عليائها وداعبت ~~الرياح حتى استنامت وونت، ثم أطلقت بوريس ريح الصبا الشمالي الكريم، فجرى # 15 # رخاء يدفع أمامه البطل العظيم الذي ظل يناضل الموت ويصرعه يومين أطول من ~~دهر، وليلتين أحلك من غيابة جب، حتى إذا غابت أورورا في اليوم الثالث استطاع أن يرى ~~الشاطئ على مرمى البصر فوق موجة عالية. # ما أحلى الأمل الذي يحيا بعد يأس، لقد كان أوديسيوس ينظر إلى التلال والجبال القريبة، ~~والغابة النائمة في أحيادها، كما ينظر الأطفال الأبرار إلى أب لهم أنهكته العلة، ثم ~~تماثل للشفاء بعد تسليم وقنوط. # وتحسس الأرض بقدميه، ولكن، وا أسفاه! الأعماق ms049 الهائلة والصخور والأواذي، والموج الذي ~~يرتطم بأقدام الجبال فيرغي ويزبد. # لم يكن بهذه الجهة مرفأ، ولم تكن تجوس خلالها سفن، ولقد ظل أوديسيوس يكافح ويكافح، حتى ~~غم على قلبه، وكاد يتغشاه طائف من الخور بعد أمل وطيد. # وجاشت الوساوس في قلبه، وطفق يحدث نفسه حديث الهلك في هذه اللجة الرجراج، وكان أخوف ~~ما يخشاه أن يدفعه الموج على نتوء الصخر فيحطمه، أو أن تلمحه أمفتريت زوج نبتيون عدوه ~~اللدود إله البحر، فتسلط عليه من وحش الماء ما يلقفه، أو يقذف به إلى أعمق الأعماق، ~~كرة أخرى. # وبينا هو في بحرين من ماء ومن هواجس، إذا موجة هائلة يضطرب بها اليم تدفعه في قوة وعنف ~~إلى الشاطئ ذي النتوء والنؤى، فتكاد تدق عنقه وتذرو عظامه، لولا أن قبض بذراعيه ~~الجبارتين على حافة صخرة بارزة، فظل معلقا ثمة حتى أقبل جبل آخر من موجة البحر، فاحتمله ~~إلى الأعماق كأنه أحد سراطين الماء، وجاهد المسكين ثانية وثالثة حتى تدافع الموج من ~~خلفه، فقذفه في مسيل من مسايل الماء المنتشرة الذي كاد يسلمه بدوره للمحيط؛ مما جعله يضرع ~~لرب النهر ويبتهل، ويدعو من أعماق قلبه ويصلي حتى استجاب الرب الرحيم لصلاته فكسر حدة ~~التيار، وفل من غرب الماء، واستطاع البائس المنهوك أن يصل إلى إحدى العدوتين واهيا ~~متهالكا محطما، فانطرح على الثرى يقبله، ويلهث ويقول: «ويح نفسي! ماذا تبتغين يا ~~آلام؟ لقد أقبل الليل وأنا عيي مصدع، ولا قبل لهذه البقية من حشاشتي بطل العشاة ~~وصقيع الفجر، فلو أنني استطعت أن أتسلق هذا الحدور فألوذ بأجمة من هذه الغابة، ولكن وي أي ~~وحش ضار يغتذي بلحمي ثمة؟» # فلكان وفينوس. # بيد أنه توغل في الجبل حتى أوشك أن يضرب في الغابة، ثم كان بين زيتونتين؛ إحداهما ~~مثمرة والأخرى عقيم، كل منهما لفاء شجراء حتى لا تنفذ الريح بينهما، ولا تنسرق أشعة الشمس ~~خلالهما، ولا الماء بواصل إلى من استذرى بهما. # هنا، وجد أوديسيوس مأمنه، فراح يمهد الأرض ويلملم ما استطاع من قش ويحتطب، حتى صنع ms050 ~~لنفسه منامة تكفي اثنين غيره من الضاربين المشردين في الأرض، ودعم حفافيها بفروع الشجر، ~~ثم أسلم عينيه لنوم هادئ عميق، سكبته مينرفا في مقلتيه. # فلله ما كان أروعه غارا في هذا السفط من القش كشعلة من زيتونة لا شرقية ولا غربية، يعتز ~~بها ريفي شاب في قرار مكين. # 16 ~~••• # نام أوديسيوس منهوك القوى. # وذهبت مينرفا تدبر له أمرا في شيريا ، بلد السلالة ذوي المجد من أبناء فياشيا - ملوك ~~البحر الذين فروا من وجه جيرانهم الجبابرة السيلكوبس - في العصر الخالي ونزلوا بهذا البلد ~~فشادوا حصونه، وأقاموا أسواره، وتوزعوا أرضه المخصبة، وسكنوا الدور والقصور، وأنشئوا ~~المعابد للآلهة عرفانا وشكرانا. # وقضى ملكهم وزعيمهم نوزيتوس، ثم استوى على العرش من بعد ألكينوس، حبيب الآلهة، وصفي ~~السماء. ~~••• # كانت الأميرة الحسناء - نوزيكا - ابنة ألكينوس الملك تغط كالملاك في نوم عميق بين ~~وصيفتين رائعتين من وصيفاتها فوق سرير وثير في مخدعها الملكي الفاخر. # وكان رتاج الباب محكما كأنه باب الجنة، ولكن ذلك لم يقف بسبيل ربة الحكمة مينرفا التي ~~خطرت إلى الداخل كنسمة نادية من نسمات الصباح، ووقفت لدى رأس ابنة الملك تزخرف لها هذا ~~الحلم الفضي الجميل، وكأنما تبدو لها في المنام في صورة صديقتها وأعز أترابها ابنة إيماس ~~الكريم. ~~«نوزيكا! يا ويح لك أيتها النئوم المكسال، أهكذا تهملين ملابسك وأنت موشكة أن ~~تزفي إلى عروسك، وعليها يتوقف مظهرك ومنظرك ورواؤك وراء حاشيتك ووصيفاتك، كما يتوقف ~~عليها زهو أبويك بين الناس، انهضي مع الفلق # 17 # فاذهبي بمطارفك إلى المغتسل عند ضفة النهر فاغسليها وأعديها ليوم زفافك، يوم ~~تودعين مرح هذا الشباب الخالي. هلمي! إني سأعاونك، أنت يا ساحرة ألباب الشباب الخالي ~~الفياشيين، سلي أباك أن يرسل لك عربة وبغالا تحمل ثيابك ومطارفك إلى عدوة النهر حيث لا ~~شاهد ولا رقيب.» # وانفلتت مينرفا ذات العينين الزبرجديتين، ورقت أسباب السماء حتى كانت فوق ذروة ~~الأولمب؛ حيث السكون والهدوء والصمت، وحيث مستقر الآلهة، وحيث لا تعصف ريح ولا يتلبد ~~سحاب ولا تدمع عين مطر، وحيث السماء لازوردية صافية إلى ms051 الأبد. ~~••• # وخطرت أورورا فوق عرش المشرق، وأرسلت من لدنها أمينا من رسل النور يداعب جفني نوزيكا، ~~فهبت وحلمها الجميل لما يفتأ يساور رأسها الصغير، وهرعت من فورها تبحث عن أبويها ~~تقص عليهما أنباء ما رأت، وقد ألفت أمها لدى المدفأ منكبة على غزل من صوف أرجواني موشى ~~بصبغ بحري، ومن حولها وصيفات يساعدنها، ثم لقيت أباها يكاد يذهب ليترأس مجلس شيوخ المملكة، ~~فاستوقفته وكلمته في العربة، واحتجت بملابس إخوتها الخمسة الذين يستحيون أن يراقصوا ~~العذارى في الحفلات بملابس لا تليق بأبناء الملوك، وعقد الخجل لسانها فلم تذكر مطارف ~~زواجها وشفوف زفافها، ولم يبخل أبوها بما طلبت، بل أمر لها بعربة كبيرة عتيدة ودواب، ~~وزودتها أمها بأشربات وآكال وطيوب ومروخ. # 18 # واستوت مع وصيفاتها في العربة، وساطت البغال فانطلقت تطوي الرحب إلى النهر حيث وقفت عند ~~منعرج يترقرق فيه بلور الماء متدفقا من نبع قريب، وسرحت الدواب لترعى العشب الحلو ~~النامي على حفافي الماء، ثم أخذن في غسل المطارف ونشرها فوق حصباء الشاطئ الذي طمه ~~المد ونضحه الجزر، واغتسلن بعد ذلك وتضمخن وجلسن على شفا النهر يتبلغن بلقمات، ثم ~~نهضن فتلاعبن بالأكر، وتغنت ابنة الملك أعذب الأغاني، وتثنت كما تتثنى ديانا في شعاف ~~الجبال وفي يدها القوس والترس، تصيد الخنازير في أريمانت، ومن حولها ربرب من عذارى الآلهة، ~~ابنة لاتونا # 19 # تتيه عليهن وتدل. كذا كانت تميس ابنة الملك فيكسف لألاؤها جمال الأخريات، ~~وهنا شاءت مينرفا أن يهب أوديسيوس من نومه؛ ليشهد الغادة الهيفاء التي كتب في الأزل أن ~~تقوده إلى المدينة، ففيما كانت توزيكا تضرب الكرة لتلقفها إحدى وصيفاتها إذ هي تعلو وتعلو، ~~ثم تدوم كما يدوم الطائر وتهوي في العباب المصطخب. # وصرخ العذارى صرخة مدوية، فانتفض أوديسيوس وهب مذعورا مشدوها ليرى هذا المنظر ~~العجب. ~~«ويحي! أي بني الموتى قطان هنا؟ ليت شعري أشوس عرابيد أم كرام أجاويد؟ أوه، ~~إنهن عرائس ماء تفزعن فرجعت الغيران أصداء صراخهن، وتراقص الحباب فوق العباب من ~~جرسهن، وتثنى الكلأ نشوة في الوادي؛ لأدلف نحوهن ms052 فأراهن.» # وخطر من دغيلته # 20 # خطران الأسد هاجته العاصفة فاتقدت في عينيه جمرتان من غضب أو ظمئ فاشتدت غلته ~~إلى الدماء، ودال # 21 # نحو العذارى، فما إن رأينه حتى تفزعن وولين مذعورات في الشاطئ ذي النؤى، إلا ~~نوزيكا؛ فقد نفخت فيها مينرفا من روحها، ونزعت من فرائصها رجفة الخوف، فوقفت شماء الأنف ~~تنتظر القادم. # وارتبك أوديسيوس ولم يدر ماذا يصنع؟ أيجثو تحت قدميها بتوسل ويتضرع ؟ أم يقف عن كثب ~~يستعطف ويسأل الفتاة دثارا، ويرجوها أن تهديه إلى المدينة؟ وآثر الثانية فتلطف ثم قال: ~~«عمرك الله أيتها الملكة! أربة من الخالدات؟ أم حسناء من بني البشر؟ أضرع إليك أن تجيبي؛ ~~فإنك إن كنت ربة فما إخالك إلا ديانا ابنة سيد الأولمب، ولم لا؟ ولك قسامتها ووسامتها ~~وقدها الممشوق وحسنها السوي وجمالها الروي، أما إن كنت إنسية فما أسعد آلك بك، ولشد ما ~~يزهون بجمالك كلما خطرت في ملعب، أو بدحت في # 22 # مرتع، ثم ما أسعد الزوج الذي سيحظى بكل ذلك الجمال لا يضارعه في العالم جمال، ~~ألا ما أروع ما تبدين كالنخلة اليانعة في ديلوس عند مذبح أبوللو، أيتها الأميرة ألا كم ~~أتمنى أن ألثم قدميك لولا ما ينتابني من روع ويئودني من فزع، «أنا» ذلك المعنى المحزون ~~المشجون، «أنا» ذلك العيي الموهون الذي أفلت من يد المنون أمس، بعد إذ كشر له عن نابه في ~~ذلك البحر اللجي بعد سفرة عشرين يوما من أوجيجيا، وسط أنواء وأهوال، وموج كالجبال، حتى ~~شاءت العناية أن تطرحني بشطآنكم الحبيبة، ولست أدري ما خبأت لي المقادير بعد، ولكن هل ~~ترثي مليكتي من أجلي وهي أول من لقيت في هذه الأرض بعد طول عنائي فترشدني إلى مدينتها، ~~وتسبغ علي - أسبغت عليها الآلهة كل ما تتمشى من هناءة وبلهنية وقران قوي العرى لا ~~تتطاول إليه أعين الأعداء - دثارا يستر سوأتي؟» # كاليبسو عروس الماء تلتقي بهرمز رسول الآلهة. # وأجابته نوزيكا: «حبا أيها الغريب النازح وكرامة، إن سيماك تدل على نبل، وسمتك ينبئ ~~عن رفعة، اصطبر على ms053 ما ابتلاك به كبير الآلهة الذي بيده العزة يشقي من يشاء ويهب لمن ~~يشاء، وإني سأدلك إلى المدينة مدينة الفياشيين ملوك البحر التي أنا ابنة ملكها العظيم ~~ألكينوس، رب نعمائها ومصدر رخائها.» وأومأت إلى وصيفاتها تقول: «مكانكن يا عذارى، فيم ~~فراركن هكذا من إنسي كريم؟ لقد أبت الآلهة أن تطأ قدم عدو أرض أحبائها، بلادنا المقدسة، ~~التي انعزلت في لجج هذا الخضم عن كل العالم، إنه غريب يا عذارى، جواب آفاق، قذفه البحر ~~إلى شاطئنا، فمرحبا به ضيفا من لدن زيوس، وأهلا بوفادته وسهلا. هلم إذن يا صويحبات ~~فقدمن له طعاما وشرابا، ثم هيئن له حماما في منعرج ظليل عند حفافي النهر.» # وأهرع البنات فقدن أوديسيوس إلى منعرج ذي ظلال وأفياء، وأعددن له ثوبا وكساء، ~~وهيأن طيوبا بها إذا فرغ من حمامه، وسألهن أن يذهبن بعيدا حتى لا يتعرى أمامهن؛ ~~إذ «لشد ما يخجلني أن أبدو عاريا أمام الخرد الخفرات»، وتهادين إلى مولاتهن يحدثنها ~~بما قال، بينا هو قد انقذف في الماء يغسل كاهله وحقويه مما جمد عليهما من ملح اللجة، ~~وصعد فتضمخ بالطيب الثمين، ثم أسبغ على بدنه العتيد ذلك الكساء الذي منحته إياه نوزيكا، ~~ومن أعجب العجب أن مينرفا نفسها كانت تعاونه في تجميل خلقه، وتزيل من شعره الكث الأشعث ~~تلبداته التي كانت تبدو كأنها أزهار الخزامى، ثم هي بعد كل ذلك تضفي عليها أمواها من ~~البهاء تظلل بها صداره كأنما هي فلكان الصناع يعمل حلية من فضة وذهب، وجلس على الشاطئ ~~في رونق وروعة، حتى إذا لمحته الأميرة العذراء أذهلها جماله وقالت لوصيفاتها: «تالله يا ~~صويحبات لقد شككت في حال هذا الرجل أول الأمر، ولقد حسبته أفاقيا من رعاع الناس، لولا ~~أنني أثق أن الآلهة لا تسوق إلى بلادها الحبيبة هذا الصنف من البشر. أما هو الآن فلشد ما ~~يشبه أرباب السماء! أواه لوددت أن يكون لي زوج في بهائه وحسن سمته على أن نبقى آخر الدهر ~~هنا. هلم يا وصيفات، قدمن له طعاما وخمرا.» # ومددن أمامه ms054 سماطا كبيرا وزودنه بأحسن الأشربات والآكال، وأخذ أوديسيوس في أكلته ~~حييا متآديا يرد عنه تلك المسغبة الطويلة التي أنهكته وأوهت قوته. # ووضعت أحمال المطارف والثياب فوق العربة، وشدت البغال واستوت الأميرة في مكانها، ثم ~~هتفت بأوديسيوس فقالت له: «هلم أيها النازح الغريب إلى المدينة إذن، إني سأرشدك إلى قصر أبي ~~حيث تلقاه في جمع من أشراف الفياشيين، وسننطلق وسط هذه الحقول، وإني لي معك من أجل هذا ~~لكلمة؛ لقد بنيت مدينتنا فوق صخرة راسية وأحاط بها سور عظيم، ثم وصل بينها وبين فرضتها ~~جسر ضيق تقر على جانبه سفائننا رابضة متراصة، ثم ينهض عندها معبد نبتيون العظيم، وبجواره ~~سوق المدينة ا لمبني منه الحجر الصلد، حيث تباع حبال السفن وشرعها، وحيث تصنع مجاديفها ~~وأكثر عتادها؛ لأن الفياشيين لا يعنون بشيء عنايتهم بهذه المنشآت في البحر كالأعلام، ~~والذي أخشاه أن يرانا الناس ثمة فيستهزئوا بنا، وقد يسلقونني بألسنة حداد، قائلين في سفاهة ~~وتندر: وي! من يكون هذا الغريب النجيب الهرقلي الذي يقص أثر الأميرة ابنة الملك؟ أي ~~صدفة جمعت شملهما يا ترى؟ سرعان ما نراها تزف إليه عروسا كاعبا، قد يكون ضيفا غير ~~محدود من أرض نائية، أو ربما صادت بصلاتها وتسبيحها واحدا من الآلهة أبق من السماء ليقر ~~في حصنها إلى الأبد، الحمد لله الذي من عليها بزوج سعيد من بلاد غريبة يشبع أمانيها ~~الجامحة بعد أن رفضت الأيدي الكثيرة التي تقدمت إليها من أبناء الفياشيين؛ هكذا سيقول ~~الناس إن رأونا أيها الرجل - ولهم الحق - فأنا نفسي لا أعفي من اللائمة فتاة عذراء تستبيح ~~أن تمشي مكشوفة مع رجل غريب قبيل عرسها، ولكن أصغ إلي: إنك واصل حتما إلى أبي إذا اتبعت ~~نصيحتي، بعد قليل سيصل ركبنا إلى حرج أشجار الحور المقدس النامي في تخوم الطريق باسم ربة ~~العدالة والحكمة مينرفا، وإن عنده لنبعا يترقرق وسط كلأ وأعشاب، وإن عنده لحديقة أبي، ~~الجنة الضحوك المئناف، قف ثمة حتى إذا دخلنا نحو المدينة وحصلنا في بيت أبي، فتقدم أنت ~~وادخل المدينة ms055 واسأل أيا من الناس - ولو طفلا يافعا - قصر ألكينوس الملك أبي الحبيب، ~~فإنه معروف مشهور لا يضارعه منزل آخر في سعته وأبهته، فإذا دخلته فلا تتوان لحظة، بل ~~سر قدما حتى تلقى أمي جالسة لدى الموقد المتأجج بجانب عمود مرمري، منكبة على غزلها ~~الصوفي الموشى بأصباغ البحر، ومن حولها وصيفاتها يعاونها في إنجازه، وقريبا منها ترى ~~أبي مستويا على عرشه يطعم ويشرب كأحد آلهة الأولمب، لا تكلمه، بل جاوزه إلى أمي الرءوم ~~ثم رسل حاجتك تقضها لك، وتعدك إلى وطنك مهما كان سحيقا نائيا. أثر في صميمها عامل ~~الخير والمحبة تردك إلى آلك وذويك وبلادك، وسلام عليك.» # ثم إنها ألهبت ظهور البغال فانطلقت تعدو مولية عن النهر الذي صار يبتعد قليلا قليلا، ~~وكانت نوزيكا آخذة بزمامها لتكبح من جماحها حتى لا تفوت أوديسيوس من ورائها. # وكانت الشمس تصبغ بالورس جبين المغرب حينما وصل الركب إلى حرج كأنما يناجي ابنة جوف ~~المدرعة بايجيس. # وهنا، وقف أوديسيوس يصلي لمينرفا: «يا ابنة جوف القوي المتعال، اسمعي لي، أصيخي الآن ~~يا ربة، لقد تصاممت عني إذ كانت اللجج تلقفني فراعيني الآن، اجعلي لي مرفقا من أمري وهبي ~~لي محبة ورحمة في قلوب أبناء الفياشيين أنسى بها آلامي؛ آمين آمين.» # ولبت ربة الحكمة واستجابت لدعائه، بيد أنها احتراما لعمها «نبتيون» الذي لا يفتأ أثر ~~أوديسيوس عدوه الأكبر لم تشأ أن تبدو له. # وفرغ أوديسيوس من صلاته، ووصلت عربة الأميرة إلى القصر، فلقيها إخوتها الأمراء الخمسة ~~النجب، فحلوا الدواب وحملوا المطارف والثياب، وصعدت هي إلى مخدعها حيث كانت خادمتها ~~العجوز الشمطاء «يوريمديوسا» تعنى بنار المدفأة. # ولم تكد يور ترى سيدتها حتى حيت وبيت، وانطلقت تعد لها وجبة العشاء. # أما أوديسيوس فقد هب من مجلسه ويمم شطر المدينة، وقد نشرت حوله مينرفا - صفيته ~~الوفية - ظلالا وغماما يحجبه عن أعين الناس حتى لا يضايقه أحدهم بسؤاله من هو؟ وفيم ~~أقبل؟ ومن أي الأقطار جاء؟ ... بيد أنها لاحت له قبل أن يلج باب المدينة في هيئة فتاة قروية ~~كاعب ms056 تحمل فوق رأسها جرتها، وتعمدت أن تعترض طريقه فانتهزها فرصة وراح يسألها هكذا: «يا ~~بنية! أتسمحين فتدليني على بيت رب هذه البلدة ألكينوس الكريم؟ لقد ينال مني الونى وطول ~~السفر، وحللت عليكم يا أهل فيشيا الأجاويد ضيفا غير معروف من بلد سحيق فهل تفعلين؟» # وقالت مينرفا - ذات العينين الزبرجديتين - وهي تجيبه: «حبا أيها الغريب الوقور ~~وكرامة، سأدلك على بيت ألكينوس بنفسي؛ فهو غير بعيد من بيت أبي، ولكن لي إليك وصية؛ اصمت ما ~~دمت سائرا، ولا تحدج أحدا بنظرة، ولا تكلم من أهل هذه البلدة إنسيا، فقد جبلوا على ~~ازدراء الغرباء وقلة إيلافهم وتلقيهم في فتور وبرود طبع، وقد أحبهم نبتيون رب البحار، ~~فأذل لهم أعناق الموج وأساس لسفنهم أعراف الماء، فهي تخطر فيه كالطير حين تزف، أو كالفكرة ~~حين تخطر في الخلد.» # وتهادت ربة الحكمة بين يديه ودلف هو وراءها، ولم تره جموع البحارة الحاشدة التي كان يسير ~~بينها؛ لأن مينرفا ضربت على أعينهم غشاوة عجيبة حجبته عنهم، وكان ينظر بعين الدهش إلى ~~ميانئهم وسفائنهم ورحبة السوق التي يأوي إليها أبطالهم، وإلى تلك القلاع المحدقة بالمدينة ~~في أبهة وجلال، ثم بلغا بيت الملك فقالت مينرفا: «هاك يا أبتاه القصر الذي سألت أن أدلك ~~عليه، وستلقى فيه رؤساءنا وأمراءنا أصحاب السمو يولمون ويقصفون، فهلم فالقهم بقلب رابط ~~وجأش ثابت؛ فهم أشد الناس إعجابا بشجاع جريء، وأكرمهم للاجئ غريب، وستكون الملكة أريتا - ~~سليلة الشرفاء الأمجاد آباء ألكينوس الكبير وحفيدة المردة الجبابرة من ذراري نبتيون # 23 ~~- أول من تلقى، إنها سيدة قومها وهي محبوبة مبجلة إلى درجة التقديس من ~~زوجها وأبنائها ومن جميع الفياشيين ملوك البحار، الذين طالما تكبكبوا حول موكبها في شوارع ~~المدينة هاتفين داعين. إنها تجلس وقورا كإحدى ربات الأولمب فتغمر بالمحبة أبناءها، وتقضي ~~فيما يشجر بينهم. لك الله يا سيدي إن قدر لك فاستطعت لقاءها؛ إنها إذن تمنحك برها ~~وتسبغ عليك من بركتها فتعود إلى بلادك راضيا، وتلقى آلك وخلانك عزيزا مكرما.» # ثم غابت مينرفا عن الأنظار، غادرت أرض ms057 شيريا الحبيبة إلى مرثون، ومن ثمة رفت رفة فكانت في ~~أثينا حيث أوت إلى قدسها الكريم أركتيوس. # نبتيون رب البحار. # ودخل أوديسيوس قصر الملك هيابا متخاذلا، غارقا في بحر لجي من الوهم والفكر؛ لأنه ما ~~كاد يطأ بقدمه وصيد الباب الكبير حتى بهره لألاء شديد خاطف ينبعث من الداخل، يزيد في شدته ~~ولمعانه تلك الجدران المصفحة بالنحاس، يزينها إطار من اللازورد الأزرق، وتلك الأبواب ~~الهائلة من الذهب الخالص، والعماد السامقة من الفضة المجلوة، تكللها تيجان من النضار ~~الثمين، وعلى اليمين وعلى الشمال ربضت كلاب من ذهب، صنعة فلكان، صناع السماء الخالد، وخالد ~~أبد الدهر كل ما صنعت يدا فلكان. ثم تلي بعد ذلك ردهة فسيحة مترامية صفت إلى جدرانها ~~كراسي كأنها عروش، وبثت فوقها نمارق ذوات أفواف وشفوف، صنعة وصيفات القصر، وهنا يولم ~~الملك لأمراء شيريا، فيقف الولدان في جلابيب من ذهب، وفي يد كل شعلة تسكب الأضواء من فوق ~~المذبح على جموع الطاعمين في كل ليلة. يا للقصر كأنه جنة الخلد! إن خمسين من غيد شيريا ~~الرعابيب يخدمون الملك ثمة، يطحن القمح وينتخلن الدقيق، ويندفن الصوف ويعملن على النول، ~~مائسات كأفنان الدوح يداعبهن النسيم الحلو، حاذقات في الغزل والنسيج كأحذق ما يكون ~~بحارة شيريا في عنفوان العاصفة، قد ثقفن صناعتهن عن مينرفا فأفتن وأبدعن إبداعا، ثم ~~تكون البوابة الكبرى حيث فردوس القصر اليانع وجنته دانية القطوف ذات الأسوار المنيعة ~~المحيطة بهذه الأربعة الأفدنة، للآلهة هذا الدوح بسق في جنباتها، وللآلهة أشجار الرمان ~~المثقلة بأثمارها مفترة عن شفاه الأقاح، وحمرة الخجل قد خضبت خدود التفاح والكمثرى، ~~وسالت قطرات من الشهد في ثمرات التين، وتأججت أنوار زاهية في أفنان الزيتون، فاكهة شهية ~~جنية لا مقطوعة ولا ممنوعة شتاء وصيفا يانعة أبدا، تداعبها أنفاس زفير رب الصبا، فتشيع ~~فيها النضج والنماء، كلما قطفت يد من جناها ثمرة نمت مكانها في الحال ثمرات، فما تقل ~~آخر الدهر قطوفها وما تنقص. # وخلال هذه الجنة المثمرة تمتد الكروم ذوات أعناب والرطب والعناقيد من نور، بعضها ms058 ~~يعصر فتقطر الخمر منه، وبعضها يجف على سوقه فيكون زبيبا جنيا، ثم توشى أطراف ~~الحديقة أحواض من الزهر المشذب المنسق، وتتفجر في وسطها عينان نضاختان، يترقرق الماء ~~من إحداهما كاللجين في مسايل هذا الروض، وتتدفق مياه الأخرى في نهر صغير ينساب إلى ~~المدينة من تحت عتبة القصر، فيرتوي الأهلون منه. # ملك كبير ولألاء وافرة أسبغتها الآلهة على ألكينوس الملك. # وقف أوديسيوس مسبوه اللب مشدوه الفكر، يردد طرفه في هذا المنظر العجب، ثم أفاق فخطر ~~إلى الداخل، حيث اجتمع زعماء المدينة وشيوخها يصبون الخمر باسم هرمز رسول السماء تقدمة ~~وقربانا، وصلاة لخاتم أرباب الأولمب قبل أن يأووا إلى مضاجعهم. ولم يتلبث عندهم بل ~~تقدم في خطى حثيثة برغم إعيائه، وكانت مينرفا تحجبه في ظلال كثيفة عن أعين الملأ حتى ~~وصل إلى حيث الملك والملكة، فكشف عنه غطاءه، وجثا عند قدمي الملكة يبث شكاته بين دهش ~~الملكين الكريمين وشدة تحيرهما: «أريتا يا ابنة ركسنور صفي الآلهة، أتوسل إليك وإلى ~~المليك العظيم وأضيافكم النبلاء، من الله عليهم وضاعف لهم آلاءه، وأنعم على ذراريهم ~~وألف بين قلوبهم وقلوب رعاياهم، أتوسل إليك يا سليلة المجد ضارعا أن تعطفي علي وأن ~~تكرمي مثواي، وأن تعينيني على الرحلة من فوري إلى بلادي التي أتحرق إليها شوقا، والتي ~~فصلتني عنها أهوال وأهوال.» # وساد سكون عميق وصمت، وظل البطل المسكين جاثيا عند حافة الموقد المتأجج حتى تفجرت شآبيب ~~الرحمة والحنان في قلب أخنيوس ابن الملك البكر، فراحت الكلمة الطيبة تتدفق من فمه الجميل ~~العذب في فصاحة وتبيان، وحكمة تقليدية وخير؛ حيث قال: «حاشا لمجدك أيها الملك أن تدع هذا ~~الغريب جاثيا هكذا في غبار الموقد وفي وهج النار، وأن تترك أضيافك ينتظرون أمرك، وما ~~تكلم منهم أحدا، ألا فخذ بيد الغريب وأقعده مقعد الندى، ومر الندمان يسقه من كأس ~~جوف كبير الآلهة، # 24 # وحبيب الغرباء وذوي الحاجات والنادل يهيئ له عشاء مما تبقى من وليمة ~~الليلة.» # وما كاد الأمير يفرغ من قوله حتى أنهض الملك أوديسيوس وأجلسه على كرسي ms059 فخم جانب ولده ~~الحبيب الحكيم لأوداماس، ثم أقبلت إحدى وصيفات القصر فصبت الماء على يديه من إبريق فضي، ~~ثم أحضرت مائدة حافلة بأشهى الأكل وأطيب اللذائذ والأشربات، فأكل أوديسيوس وارتوى، وأمر ~~الملك كبير السقاة بونتونوس، فمزح الراح وقدمها إلى الجميع حيث صبوها تقدمة لجوف رب ~~الصواعق وكبير الآلهة وحبيب الغرباء وحامي ذوي الحاجات، ثم شربوا بعد ذلك حتى رووا. # وقال الملك: «أيها الرؤساء والشيوخ الفياشيون كلمة: عفو الخاطر فاسمعوا وعوا؛ لقد طعمتم ~~جميعا وستتفرقون إلى مضاجعكم ثم نجتمع عند مطلع الفجر، نحن ومن لم يحضر من نواب الأمة ~~الأجلاء، فننظر في شأن هذا اللاجئ الغريب بعد أن نضحي للآلهة. إنه يطلب أن يعود في ~~حمايتنا إلى وطنه كيما يصل سالما غانما من غير أن يمسه أذى، إلا أن تكون ربات الأقدار ~~قد قضت عليه أمرا، وإلا أن يكون من أرباب السماء الخالدين. لقد وصلت بيننا وبين الآلهة ~~وشائج القربى، وطالما غشيت مجالسنا وشاركت في ولائمنا، وهي تبقى على محبتنا فلا تمس بأذى ~~رجلا منا يضرب في الأرض، وليس ما بيننا وبينها أقل مما بينها وبين سيكلوبس أو المردة ~~الجبابرة، وفي ذلك فخارنا وهو آية مجدنا.» # ونهض أوديسيوس الحكيم فقال: «غفرا غفرا أيها الملك، ما أنا في الآلهة؟! أين لي خلقها ~~السوي وكيانها السماوي؟! بل أنا شقي من أبناء هذه الغبراء، وأثقلت كاهله حمولة هائلة من ~~الكوارث والآلام حتى لا يعرف الناس من شقي شقاءه، ولا من تحمل مصائبه وأرزاءه؛ بلايا ~~صبتها على رأسه الآلهة فصبر وأناب ... أوه! أبدا لا أنتهي إذا سردت لكم طرفا يسيرا منها، ~~ولكن لا داعي الآن، أرجوكم، أتوسل إليكم، دعوني أتبلغ بهذه اللقيمات في هذه الملحمة ~~الحالمة من الراحة التي لم أنعم بمثلها منذ بعيد. لشد ما يصرخ الجوع في أذن الجوعان، ولشد ~~ما يعذبه الطوى، إنه يلح عليه بكل صنوف الألم حين ينسيه آلامه وأشجانه، إن له لشهية ~~عالية الصخب تطلب العون في جؤار وجنون، حتى ليضيع في ضجيجها هتاف جميع الآلام إلى أن ~~تكتفي، ms060 عفوا أيها السادة إني أتضرع إليكم أن تيسروا لي عودا أحمد وأوبة سالمة، بعد طول ~~العناء والشقاء الذي ليس بعده شقاء، إنه لا أحب إلي من أن أودع الحياة بعد نظرة واحدة ~~أتزودها من أهلي ووطني.» # وتأثر القوم من أجله، فأثنوا عليه، واتفقت آراؤهم على معاونته حتى يعود إلى بلاده ويلقى ~~ذويه، ثم نهضوا فصبوا خمر الصلاة باسم الآلهة، وشربوا نخب رب الدار، ثم تفرقوا إلى ~~منازلهم إلا أوديسيوس، فقد ظل جالسا ساهما واجما، كما ظل الملكان إلى جانبه ساهمين ~~واجمين، والندل فيما بين ذلك يحملون أطباق المائدة وأكوابها، حتى إذا فرغوا أخذت ~~الملكة تتحدث إلى أوديسيوس، وقد لفت نظرها هذا الثوب الفضفاض الذي كان يلتفع به. # والآن جاءت نوبتي في التحدث إليك أيها الغريب الكريم، من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأنى لك ~~هذا الصدار وذاك الدثار؟ ألست قد قلت: إنك غريب نازح أفلتتك المنايا في لحجج البحار؟ # وقال أوديسيوس يجيب أريتا: «أيتها الملكة، قد لا أفرغ من الحديث إذا حاولت أن أسرد قصتي ~~بحذافيرها، بل ليس أشق علي ذلك؛ فقد كرثتني الآلهة بكل أنواع الهموم وصنوف الآلام، ~~بيد أنني ألم بمأساتي المحزنة في كلمات فأقول: في أوجيجيا - إحدى الجزر القاصية التي لم ~~تطأها قبلي قدم بشر ولم يخطر بها إله - تقيم عروس الماء المفتان «كليبسو» البارعة الرائعة ~~الصناع، ابنة أطلس الجبار التي قدر علي أن أكون أول لاجئ إلى جزيرتها بعد أن سقط جوف ~~صواعقه على سفينتي فشطرها وأغرق كل رجالي، وظللت أنا متشبثا بالسارية ليالي وأياما حتى ~~دفعتني المقادير في الليلة العاشرة إلى ساحل الجزيرة حيث أوتني كليبسو الجميلة الريانة، ~~وأنقذتني من موتة أكيدة، وأطعمتني وأكرمت مثواي، ثم عرضت أن تهبني الحياة الخالدة والشباب ~~الأبدي لولا أني تأبيت، ثم أقمت عندها سبع سنوات لم يرقأ طوالها دمعي الذي نضحت به أثوابي ~~وما خلعت علي من دثار، وفي الثامنة أرسل إليها جوف كبير الآلهة من يأمرها بإطلاق سراحي، ~~فأبحرت على رمث زودته بالأطايب والأذخار، والأشربات والآكال، ثم أرسلت بين ms061 يدي ريحا ~~رخاء ما انفكت تجري بي في عباب من بعده عباب طيلة سبعة عشر يوما. وفي الثامن عشر لاحت ~~قمم جبالكم الشم فخفق قلبي فرحا، بيد أنه كان أملا خلبا لم يطل أمده؛ فقد أبى ~~نبتيون الجبار إلا أن يقف بسبيلي، وإلا أن يرسل ريحا معاكسة تثير الموج وتهيج اللج، ~~وتمزق ما التأم مني ومن فلكي الصغير الذي كان أملي، ولم يعد بد من أن أكافح الماء ~~وأذرع اليم بالسباحة، حتى تضافرت الريح والموج، فقذفاني إلى ساحلكم ذي النؤى، ولم أحتمل ~~صدمة الصخور فنضحني السيل الرابي إلى الأعماق كرة ثانية، وشرعت أكافح مرة أخرى حتى ~~نثرتني موجة مزبدة في نهر وديع متطامن، فسبحت إلى إحدى عدوتيه، واستلقيت على الشاطئ خفق ~~الأحشاء منهوك القوى، وأقبل الليل فتهالكت على نفسي إلى دغيلة مهدتها بعساليج وشيء من القش ~~وفروع الشجر، ونمت ليلا طويلا وضحوة متعبة وظهيرة كلها نصب وإعياء، ثم أيقظتني صيحات ~~قريبة مرنة، فإذا ابنتكم الأميرة الحبيبة الحسان في ربرب من أترابها يتلاعبن كربات ~~الأولمب على رمال الشاطئ، وجثوت تحت قدميها، وما زلت بها أتملق شبابها الغض بدعوات ~~معسولات، وأثير نخوة صباها الفينان حتى أمرت لي بطعام شهي وخمر معتقة، وأشارت إلى منعطف ~~فتوجهت إليه فغسلت ما على جسمي من خبث، ثم منحتني هذا الصدار وذاك الدثار، تلك قصتي ~~أسردها عن قلب محزون، وما فيها من أثارة من مين.» # قال الملك: «لشد ما أخطأت بنيتي إذ لم تصحبك إلى هنا في جملة حشمها ما دمت قد رجوتها في ~~ذلك أول الأمر.» # وقال أوديسيوس يجيبه: «إنها لم تخطئ أيها الملك الكريم وما عليها من ملام، لقد كلمتني ~~في مثل ذلك فأبيت؛ لأني خفت أن يسوءك ذلك منها ومني؛ ولأني أعلم أن الناس في كل مكان ~~طنانون قوالون.» # فقال الملك: «كلا أيها السيد، إن صدري لا يحمل مثل ذلك القلب النزق؛ إن الرصانة والأناة ~~أفضل ميزات الخلق الكريم. تالله يا بني إني لأوثرك كولدي، وبودي لو قبلت فصهرت إلي ~~وتزوجت ابنتي، وعشت معنا ms062 كواحد منا، وإني - إن رضيت - لمقطعك الأقطاع الشاسعة ومانحك ~~المنزل الرحب، هذا وليس في فياشيا كلها من يجسر أن يقسرك على شيء تأباه نفسك، معاذ ~~الله يا بني، إن هذا إلا عرض، مجرد عرض مني لما آنسته فيك من سمو ورجاحة ونبل، فإن لم ~~يرقك أن تفعل فإني معد لك أسباب عودتك غدا، وستنام ملء عينيك بينما يكون الفلك ~~ينهب اليم ويطوي العباب منسربا فوق الموج لقوة الأذرع الفتية التي تعمل في المجاديف حتى ~~تصل إلى وطنك سالما غانما، بل حتى تصل إلى أبعد منه، ولو إلى ما وراء أيوبيا أبعد ~~الجزائر منا، حيث يحمل بحارتنا ردمنتوس # 25 # ذا الشعر الذهبي لزيارة تتيوس # 26 # جبار الأرض، إنهم يبحرون به إلى هذه الجزيرة ويعودون في يوم في غير عناء أو ~~إعياء، وستعرف سبب فخاري بسفائني وبحارتي الذين يذرعون البحار ويضربون أكبادها حين يبحرون ~~بك.» # وشاع البشر في أسارير أوديسيوس ذي التجاريب فقال: «أيها الأب الخالد، لله محامدك الغر، ~~أنجز يا مولاي يسر ذكرك في البلاد، وألق أهلي وأنشق نسمة من وطني.» ~~••• # وهكذا تشقق الحديث بينهما. # ثم أمرت الملكة وصيفات القصر فأعددن فرشا وثيرا في الرواق ذي الأعمدة، وهيأته بوسائد ~~من دمقس، وبثثن فوقه الأرائك والحشايا، وعلقن الستائر والأسجاف، ووضعن البرانس # 27 # واللحف، وكانت كل منهن تحمل شعلة كبيرة تتوهج في جوانب القصر، حتى إذا فرغن ~~من كل شيء دعون أوديسيوس في أدب ظرف أن ينهض لينام، وغفا بطل هيلانس، وأسلم عينيه لأحلام ~~سعيدة. # ونهض الملك والملكة لينعما بطيب المنام. # | حفل أولمبي # وصبغت أورورا بمثل حمرة الخجل وجنات المشرقين، فاستيقظ الملك وهب أوديسيوس من نومه، ~~وذهبا إلى الشاطئ حيث تلقي السفن مراسيها، وهناك فوق مقعد حجري أملس جلسا يتحدثان، بينما ~~كانت مينرفا تدق البشائر في شوارع المدينة، وقد بدت في صورة منادي الملك طيلسانه تدعو ~~سادات الفياشيين وشيوخهم إلى مجلس الملك؛ للنظر في أمر هذا الغريب الكريم اللاجئ الذي حل ~~عليه ضيفا، كأحد آلهة الأولمب برغم ضربه الطويل في عرض البحار. # وازدحم ms063 سادات المدينة وأشياخها في قاعة المجلس، وكانوا يقلبون في أوديسيوس نظرات ~~الإعجاب والدهش، وكيف لا؟ وهذي مينرفا قد أضفت على صدره الرحب وكتفيه العظيمتين وجسمه ~~السامق رواء علويا من الأبهة والجلال كان ينعكس وقارا ورهبة في قلوب ~~الفياشيين. # ولما انتظم عقد القوم نهض ألكينوس الملك فقال: «يا سادة الفياشيين وشيوخ الأمة، كلمة ~~مرتجلة، فاسمعوا وعوا: لقد حل هذا الضيف الكريم الذي لا أذكر اسمه في بيتي بعد أن شرق ~~في آفاق العالم وغرب، وإنه ليرجو أن تمدوا له يد المعونة، فيعود أدراجه إلى بلاده في ~~كنفكم سالما؛ إذ طالما كان هذا دأبكم، وإكرام الضيف والإحسان إلى الغرباء اللاجئين وردهم ~~إلى ديارهم مهما كانت سحيقة آمنين، فالبدار إذن، هلموا إلى سفائنكم فتخيروا أحسنها حالا ~~وأصلحها لمجالدة هذا البحر، ولتعدوا لها نخبة ذوي بأس من أصلب فتيانكم عودا وأشدهم ~~مراسا؛ اثنين وخمسين عددا من أينع زهرات شباب هذه الأمة، ثم تعالوا إلي فإني مولم لكم ~~تحية لهذا الضيف فلا يتأخر منكم أحد أبدا، وليحضر معكم أحب المنشدين دمودوكوس الإلهي ~~صاحب الألحان الخالدة والصوت السماوي الساحر، فليشنف آذاننا بحلو أنغامه التي لا يقدر ~~عليها إلا هو.» # وانصرف الملك وفي أثره شيوخ الفياشيين، وانطلق رسول إلى منزل المنشد دمودوكوس الإلهي، ~~واختيرت النخبة ذات البأس من شباب الملاحين، وأعدت السفينة في مكانها الأمين من اليم، ~~فنصب القلاع ونشر الشراع وصفت المجاديف، ثم مضى الجميع إلى بيت الملك، حيث كانت الجماهير ~~الحاشدة تكظ الأبهاء وتزدحم في الدهاليز وتملأ الصالة الكبرى، وجيء بالذبائح، فهذان ~~ثوران كبيران ذوا خوار، وهذي اثنتا عشرة شاة سمينة، وتلك أربعة خنازير كناز # 1 # ما كادت تذبح وتنتزع أنيابها حتى أخذ الجميع فيما أقبلوا له من طعام وشراب، ~~ثم أقبل منادي الملك يقود المنشد الإلهي الأعمى رخيم الصوت صفي ربات الفنون اللائي عدلن له ~~بقسطين من خير ومن شر سواء، فوهبنه التطريب المعجز، وسلبنه النور من عينيه العزيزتين، ~~وأقيم له عرش ممرد في وسط الصالة الكبرى عند عمود مرمري عظيم، فاستوى عليه، وأعلمه ms064 ~~بونتونوس بمكان قيثارته المعلقة فوق رأسه، ووضع بين يديه سلة من طعام ومزة. # 2 # وما كادوا يفرغون من أكلهم حتى رقصت عرائس الفنون في فم المنشد المطرب، فأرسل غناء سحر ~~ألباب الناس، ورقى بها إلى أثير الآلهة في قبة السماء! لقد تغنى هذه الأغنية التي تنظم ~~النزاع الذي شجر بين أخيل بن بليوس وبين أوديسيوس بن ليرتيس أثناء الوليمة الإلهية، والذي ~~جاءت به نبوءة أبوللو (في دلفوس) حينما استوحاه أجاممنون عن يوم سقوط طروادة في أيدي ~~اليونانيين. # وسكت المغني ودفن أوديسيوس وجهه الساهم في ذيل ثوبه الأرجواني الفضفاض خشية أن يلحظه أحد، ~~وطفق يبكي، ويستخرط في البكاء، ثم كشف عن جبينه وسقى الثرى كأسا من خمر صلاة للآلهة، ثم ~~عاد إلى بكائه حينما واصل المطرب غناءه، وكان يرسل عبراته في كسائه غير ملحوظ من أحد إلا ~~من ألكينوس الذي عز عليه ما رأى وما سمع من عبرات ضيفه ومن تنهداته، فقال: «حسبنا يا ~~سادة ما طعمنا وما سمعنا! هلموا جميعا نشهد الضيف الكريم بعض ألعابنا ليذكر في العالمين ~~أن الفياشيين خير من يجري ومن يثب، أمهر الناس في اللكم والمصارعة.» # ونهض الملك ونهض في إثره كل أضيافه، وتقدم المنادي فقاد دمودوكوس وقصد الجميع إلى ساحة ~~السوق الكبرى، حيث احتشدت مواكب الشجعان والشباب اليانع من ذوي القوة والفتوة والبأس ~~الشديد، أتوا من كل حدب لهذا الحفل المشهود، وفي وسط الحلبة وقف الأبطال آكرون وأوكيال ~~وألاتريوس ونوت وبرمنيوس، ثم وقف خلفهم الأبطال الخيال وأنابيسين وأرتميوس وبونت وبرور ~~وأمفيال وتون، ثم نهض حليف مارس المهوب يوريالوس، ثم فخر شباب الفياشيين نوبوليد، وقف كل ~~هؤلاء، ثم هب أبناء الملك الثلاثة؛ لوداماس ولده البكر ثم هاليوس ثم كليتون الأصغر، ~~وشارك نفر من أولاء في سباق الجري، فأخذوا أهبتهم ثم انطلقوا يثيرون التراب في أثر كلبتون ~~ابن الملك، الذي سبقهم جميعا وتركهم يتعثرون وراءه كما تتعثر الثيران في أثر البغال، ~~وتلقاهم النظارة بالهتاف العالي والتصفيق الشديد، ثم كانت المصارعة التي برز فيها يوريالوس ~~على كل أقرانه، ms065 كما برز أمفيال في الوثب الطويل، وألاتريوس في قذف القرص. أما في الملاكمة ~~فقد تفوق لوداماس النبيل ابن ملك شيريا، وكان فوزه مسك ختام المباريات، ثم نهض لوداماس ~~فقال: «والآن أيها الأصدقاء نسأل ضيفنا الكريم إذا كان يحذق شيئا يفخر به من هذه الألعاب، ~~إنه لا يزال غريض الشباب بادي الفتوة مكتنز العضلات، عظيم منة الساقين والفخذين مفتول ~~الساعدين، وإن له لعنقا أي عنق! كل ذلك بالرغم من بدوات الضنى وأمارات العناء، وما حطم ~~البحر من جسمه الخصب، وهل أهلك لجسوم الرجال من أجيال العباب؟» # وكأنما راقت هذه الكلمات البطل يوريالوس فطلب إلى لوداماس أن يدعو الضيف إلى النزال، ~~فنهض لوداماس ثانية وقال: «هلم أيها الضيف فأرنا هل تجيد من هذه الألعاب شيئا؟ إنه ما ~~استحق أن يعيش من لم يعمل بيديه ويسع بساقيه. هلم، حاول إذن فيم احترازك هكذا؟ إنا ~~لن نؤخرك قط؛ فالسفينة معدة، والملاحون على أهبة.» # وقال أوديسيوس يجيبه: «أتتخذني هزوا حين تدعوني للعب يا لوداماس؟ أي لهو وأي لعب وأنا ~~نضو أسقام وطريح آلام؟ لا أمل له إلا أن يعود إلى بلاده، وفي ذلك ما يضرع للملك ~~وللناس.» # وهب يوريالوس يصد # 3 # ويقول: «كلا أيها الصديق، إني عذيرك؛ فسيماك لا تنبئ عن رجل رياضي، بل أكبر ~~الظن من رجال الأعمال أو حفظة المخازن، أو - إن لم يخب حدسي - من أدلاء السفن في الثغور، ~~ومن يدري؟ فقد تكون عيارا أو قرصانا.» # وعبس أوديسيوس وبسر، وانتشرت فوق جبينه ظلمات من الهم، وتهدج صوته فقال: «إنك لم تحسن ~~كيف تتكلم أيها السيد، وإنك لم تبال أن تطلق في لسانك بهجر القول كأنني رجل لا ~~اعتبار لي. على أن الآلهة - جلت وعلت - لم يتفق أن منحت أحدا من العالمين كل آلائها في ~~وقت معا؛ بساطة الجسم، ورجاحة العقل، وقوة البيان؛ فقد يلوح لك هذا الرجل مهدما محطما ~~في حين قد وهبه جوف بيانا متينا ولسانا مبينا حتى ليخلب ألباب سامعيه، وحتى ليرتفع في ~~نفوس إلى مصاف الآلهة، وقد تنظر إلى ms066 ذاك الرجل كأنما تتدفق في عضلاته قوى السماء وهو لا ~~يحسن أن يقول كلمة، مثلك، مثلك تماما؛ فلقد أوتيت بسطة في الجسم، حتى لتوشك في ذلك ~~أن تكون مثالا تقيس عليه الآلهة إذا أردت أن تخلق ماردا جبارا، ولكنك وا أسفاه! لم ~~تؤت بيانا ولا حكمة، فلقد أثرت ثائري بكلماتك الغلاظ العجاف، إني أيها السيد - كما ذكرت - ~~لا أحسن من هذه الألعاب قليلا ولا كثيرا، ولكني كنت فتاها وفارس حلبتها أيام كنت ~~شابا يافعا غض الإهاب ريان الشباب ... أما أنا الآن فوا أسفاه! إن حدثان الزمان لم ~~يبق مني ولا علي، لقد ذبل شبابي في نقع الحروب وسوح الوغى، وفي هذا البحر اللجي يغشاه ~~موج من خلفه موج كالجبال! بيد أنني، على الرغم مما ينقض ظهري من ويلات، سأثبت في سجل ~~شجاعتكم قوتي، فإن لما هرفت به من قول السوء لأنيابا تعضني وتنهشني، أو أدل على قوتي ~~وجبروتي.» # وكان إلى جانبه قرص القذف الذي يستعمله أبطال الفياشيين في مبارياتهم، فانقض عليه ~~واحتمله بيده القوية المفتولة، ثم دفعه دفعة هائلة كان لها هزيم وقصف، واستهولها بحارة ~~الفياشيين الشجعان فخفضوا رءوسهم حتى استقرت بعيدا خلفهم، وهنا بدت مينرفا بين الملأ في ~~صورة أحدهم، وهبت عجلى تقيس مدى القذفة، ثم قالت: «ألا أيهذا الغريب الأعمى نفسه لا ~~ينكر برهانك الدامغ القوي، إنه مدى لا يستطيعه أحد غيرك، فته على هؤلاء الفياشيين، إن ~~منهم من لا يستطيع أن يباريك في أي من هذه الألعاب فادعهم إليك وما عليك من بأس.» ~~وشاعت الكبرياء في نفس أوديسيوس حين سمع هذا الهاتف من صميم الفياشيين يطريه ويثني عليه ~~وينصب من نفسه قاضيا له، فقال وقد انكسرت حدة غضبه: «هلموا أيها الشباب فاقذفوا هذه القذفة ~~أبعد منها وبقرص أكبر وزنا، هلموا ليأت أقوى ملاكميكم فإني له، وليقف أضرى مصاريعكم ~~فأنا أخوه، وليجر معي أسرع عدائيكم فلن يلحق غباري، لقد هجتم ثائري فهلموا! إني ~~أتحداكم جميعا، إلا لوداماس؛ فإنه مضيفي وصاحب قراي، وليس بي أن أنازل من أكرم مثواي ms067 في ~~دار غربتي، وليس من النزق ما يحملني على شيء من ذلك. أما غيره فأنا له، وسيعلم منازلي مهما ~~يكن مبلغ قواي؛ إنه ليس من ألعاب الناس ما يعجزني، فأنا رب القوس، وطالما صرعت الألوف من ~~الأعداء تحت أسوار طروادة، وأبدا ما رمى أحد سهما كما رميت إلا فيلوكتيبتيس يوم حاز قصب ~~سبقها دوني، على أنه من؟ إنني لم أبلغ من الحول بعض ما بلغ هرقل أو يوريتوس الذي نفس ~~عليه، فإني أبلغ به المدى الذي لا تبلغه سهامكم، على أنني لا أطمع أن أبلغ خفتكم ورشاقة ~~حركاتهم، فلقد قاسيت من الأرزاء ما قصم ظهري، وصارعت موج هذا الخضم حتى حطمني وأوهاني، ~~ولقيت من الطوى ما براني.» # وخطرت أورورا فوق عرش المشرق وأرسلت من لدنها أمينا من الرسل يداعب ~~جفني نوزيكا. # وصمت الفياشيون ولم ينبسوا، ثم تكلم الملك فقال: «عمرك الآلهة أيهذا النازح الكريم! لقد ~~جلجلت في آذاننا كلماتك، فدلت على شجاعة وعنفوان، وأفحمت هذا الشاب الذي جرح عزتك ~~وأهان كبرياءك أمام الجميع، ثم سكت عن تحديك، ولكن تعال فانظر إلى ما نريك من ضروب الخفة ~~وفنون الرقص وفتون الغناء والسبق في العدو، ومهارتنا حين نسوس الفلك فوق أعراف الموج ~~ورغاء الثبج، كيما تتحدث بهذا كله إلى أقرانك وبين ظهراني قومك وتحكيه لأطفالك، عمرك ~~الله أيها الغريب المكرم! إنه لا فخر لنا في ميدان اللكم والمصارعة، بل غاية المتاع عندنا ~~ثوب موشى وطعام ملون وقيثارة مرنة ورقصة خاطفة وحمام دافئ وفراش وثير، والآن هلموا أيها ~~الفياشيون فالهوا أمام ضيفكم والعبوا، وأروه من رقصكم وشنفوا أذنيه بغنائكم، فلسوف ~~يتحدث بكل ذلك في الآفاق، وحسبكم أن يذكر عنكم أنكم أمهر من ركب البحار، هلموا، ليحضر ~~أحدكم دمودوكوس الإلهي يعزف على قيثاره ويلاعب قلوبنا بغنائه، ابحثوا عنه في بعض ردهات ~~القصر.» # وانطلق منادي الملك يبحث عن المطرب الإلهي، وانطلق آخر يعد قيثاره، ثم نهض تسعة فياصل ~~يمهدون أرض الملعب ويهيئون الحلقة ويزحزحون الجماهير، وأقبل المنادي والطرب يسعى بين ~~يديه، وجلس في وسط الحلقة ms068 حيث أحدق به الولدان اليوافع اليوانع يميسون ويرقصون بسيقان ~~تخطف كمثل خطيف البرق، بين دهشتي أوديسيوس وشدة تعجبه والمطرب فيما بين ذلك يوقع لهم ~~النعم الحلو والموسيقى العالية، وفرغوا من رقصهم فشرع يتغنى أسطورة مارس ومعشوقته الآثمة سيتريا؛ # 4 # إذ أغواها رب الحروب المستهتر بمعسول الكلام ومطلول الغرام، فلانت له، وكان ~~أبوللو - إله الشمس - يرقبهما من مركبته الذهبية في علياء السماء، فطار بالفضيحة المشئومة ~~إلى الزوج التعس، فلكان الذي استطير وثار ثائره، فراح يصنع أنشوطة كبيرة كالشرك من حلق ~~الحديد المفرغ الذي لا يقوى عليه أحد، حتى إذا فرغ منها حملها إلى داره ودسها حول سريره، ~~ثم ألم بالمنعرج النجس حيث أوى مارس إلى فينوس - الزوجة الآثمة، وكان مارس يغالب في ~~عينيه أخريات غفوة الضحى، فلمح فلكان يطوي الرحب إلى أرض لمنوس أحب المدائن إلى قلب الإله ~~الحداد، وطرب مارس أيما طرب، وأيقظ معشوقته قائلا: «هلمي فينوس، انهضي أيتها الحبيبة، ~~لقد ذهب زوجك إلى لمنوس أرض البرابرة. هلمي إلى البيت إلى السرير الدفيء، إلى الحب، إلى ~~نعيم الهوى.» وهبت فينوس، وانطلق الأثيمان إلى سرير فلكان، وفي قلب مارس غلة وملء جوانحه ~~غواية وإثم، وفي دمه شبق إلى هذه الفاكهة يكاد يقتله، ولكن، وا أسفاه! إنهما ما كادا ~~ينطرحان فوق الفراش الوثير حتى انطرحت فوقها الأنشوطة الهائلة، وأمسكت بهما إمساكا شديدا، ~~لم يجدا منه حولا، ولم يجدا منه مخلصا، وكان أبوللو يرقبهما كذلك، وقد حدث فلكان بما ~~رأى، فعاد الإله الحداد على عجل، ولم يكن قد بلغ شطآن لمنوس بعد، وكان قلبه يدق. لا، بل كان ~~قلبه يكاد ينخلع فوقف في البهو الكبير، ثم أرسل صيحة مدوية يستصرخ بها الآلهة: «يا جوف ~~العظيم! يا آلهة الخلود جميعا، انظروا، اشهدوا كيف تفضح فينوس زوجها مع عشيقها الفاجر مارس ~~ولمه؟ لأنه وسيم قسيم قوي؛ ولأنني محطم موهون! ذنب من؟ إنها جريرة من أنسلوني وجاءوا بي ~~إلى الحياة، انظروا كيف يتمرغ الأخبثان الأفسقان فوق فراشي، لقد تثلجت مشاعرهما فهما لا ~~يباليان أن يأكلني الغيظ ms069 أو يقتلني الحنق، ولكن لا! حسبهما هذا الشرك الذي لن يفلتهما حتى ~~يرى جوف فيهما رأيه؛ جوف الكبير المتعال، والد فينوس الذي أطلب إليه أن يرد إلى قناطير ~~الهدايا الزوجية التي قدمتها باسم ابنته العاهرة كشروط لإطلاق سراحها.» # ولم يكد يفرغ من صرخته حتى اجتمع في بيت جوف ذي الأرض النحاسية جميع الآلهة، وكان أول ~~من أقبل نبتيون رب البحار، ثم تلاه هرمز رسول الآلهة وصاحب القوس، ثم أبوللو، ثم غيرهم ~~وغيرهم، ولم يحضر من ربات الأولمب واحدة؛ فقد احتجزهن الخجل عن شهود هذه الفضيحة، ثم ها ~~هم الآلهة يقهقهون ويضحكون، ويتلهون بهذا المنظر العجيب، ويقول بعضهم لبعض: «يا للإثم ~~ساق إلى أوخم العواقب، ويا للأعرج الأكسح يشائي # 5 # السباق المجلى، لقد استطاع فلكان أن يمسك بتلابيب مارس الذي هو من هو؛ ~~مارس، أسرع العدائيين، إن عليه أن يؤدي الغرامة الفادحة للإله الأعرج.» ثم خاطب أبوللو - ~~رب الشعاع الوضاء - هرمز فقال: «أيا ابن جوف، يا رسول السماء، ألك في هذه الغفوة الحلوة ~~في حضن فينوس على أن تقع معها في هذا الشرك؟» وأجابه هرمز عابسا: «يا رب الرماة، بنفسي ~~بنفسي، من ذا الذي يأبى حضن فينوس في شرك هو ثلاثة أضعاف هذا الشرك على أن يرمقه سكان ~~الأرض والسماء؟» وتضاحك سكان السماء، ولكن نبتيون الذي ساءته هذه الحال خاطب فلكان فقال: ~~«هلم فلكان ففك هذه السلاسل والأغلال، وإني زعيم لك كفيل أنه مؤد إليك كل ما تفرض ~~عليه من غرم.» ورفض فلكان أن يطلق فريسته؛ «لأنه من ~~يضمن ألا ينطلق مارس وهو لا يلوي على شيء غير عابئ بكل ما عساه أن يعد؟» وقال رب البحار: ~~«ليطمئن قلبك يا فلكان؛ فوعزتي وجلالي لئن لم يف مارس لأنجزن أنا ولأؤدين عنه ~~غرامته.» فأجاب رب الحديد الصناع: «إذن فلن يخيب رجاؤك ولن يرد طلبك.» وتقدم ففك ~~الأغلال عن العاشقين الفاسقين، وانطلق مارس إلى مأواه بأرض تراقيه، وانطلقت فينوس إلى ~~مرتعها الجميل بأرض بافيا، حيث تلقاها ربرب من أترابها بالبشر والترحاب، فغسلنها ~~وضمخنها ms070 بالطيوب القدسية، وأسبلن عليها شفوف الصبا وأردية الشباب. ~~••• # وفرغ دمودوكوس من إنشاده بين تأثر أوديسيوس وتلهف البحارة الفياشيين، ثم أومأ الملك ~~إلى أبنائه، فوثبوا وسط الساحة، وأخذوا يرقصون في خفة، ويتقاذفون كرة غالية من صنع بوليب، ~~فكان أحدهم يرسلها عالية حتى تدنو من السحب فيثب الآخر فيلتقطها وهو معلق في الهواء، ~~ثم يتقاذفها أحدهم بعد الآخر بين تهليل الفتيان وتصفيقهم الشديد، وسر أوديسيوس مما أبداه ~~أبناء الملك في الرقص، وأثنى عليهم لأبيهم، ورجاه في الذي رجاه فيه من تهيئة عدوته، فتوجه ~~الملك إلى زعماء شعبه وقال: «يا زعماء الفياشيين وأشياخ الأمة، حري بنا أن نكرم مثوى ~~هذا الضيف الذي بدا لكم من وقاره وحكمته، وأثير أرومته الشيء الكثير، هلموا إذن، إنكم اثنا ~~عشر زعيما وأنا الثالث عشر، فليحضر كل منكم بدرة من الذهب وصدارا مفوفا فتكون من ~~الجميع هدية سنية له. أما يوريالوس فعليه هدية كذلك، وعليه أن يعتذر مما فاه به.» ووافق ~~الكل على ما اقترح الملك، وأرسلوا رسلهم يحضرون البدر والصدر، ثم نهض يوريالوس يعتذر ~~ويقدم لأوديسيوس سيفا جرازا له مقبض من فضة وقراب مطعم بالعاج، ودعا له أن تكلأه ~~الآلهة بعين الرعاية حتى يرى زوجه وولده وبلاده بعد كل الذي احتمل من عناء ونصب، وتقبل ~~أوديسيوس الهدية ودعا لصاحبه بحياة الأمن والسلم والرفاهية، ثم علق الجراز فوق كاهله ~~الضخم. # أبوللو ومارسياس وميداس. # ووصلت الهدايا الأخرى مع غروب الشمس، فنهض أبناء الملك يتسلمونها، ويحملونها إلى داخل ~~القصر، حيث أمهم أريتا الملكة، ونهض الملك فتوجه إلى الداخل كذلك، وسأل الملكة أن تحضر ~~ثوبا وأكسية، وأن تعد صندوقا يتسع لهدايا الزعماء ملوك البحر التي خلعوها على الضيف، ~~وقدم هو هديته؛ كأسه الخاصة من الذهب الخالص المحلاة بأبهج الطرف وأبهى التصاوير؛ ~~«ليذكرني بها كلما أفرغ منها الخمر تقدمه للآلهة»، وسألها أن تعد للرجل حماما ينعشه وأن ~~تعطيه الأثواب والأكسية كيما يتدثر بها. # وأمرت الملكة خدمها فأعددن الحمام، وأحضرت هي ثوبا فضفاضا فوضعت فيه بدر الذهب وكأس ~~الملك وسائر الهدايا، ثم تلفتت ms071 إلى أوديسيوس فقالت له: «والآن أيها السيد، هلم فغلق هذا ~~الصندوق فهو لك؛ لتكون آمنا عليه إذا غفوت في السفينة.» ولبى أوديسيوس، وأغلق الصندوق ثم ~~ربطه بحبل طويل عقده تعقيدا. ثم دعته ربة البيت إلى حمامه، ولله كم ألقت عيناه حين رأى ~~الثوب الديباجي العظيم، الذي لم يلبس مثله منذ فارق كليبسو، ثم اغتسل وتدثر، وتضمخ ~~بأحسن الطيوب وبرز كأحد آلهة الأولمب، وبينا هو يطوي الأبهاء إذا صوت جميل ذو غنة يهتف ~~به، وإذا هي الأميرة الفينانة «نوزيكا» واقفة خلف عمود وهي تقول: «س ... س ... أيها الغريب ~~النازح، اذكرني دائما، أنا أول من لقيك هنا.» وتبسم أوديسيوس وقال: «نوزيكا! أنت؟ ابنة ~~أكرم الملوك ألكينوس؟! لك الله ألا وحق جوف رب الصواعق، لو صحت الأحلام ووصلت سالما إلى ~~بلادي لظللت آخر الدهر أعبدك عبادة أيتها الجميلة العذراء، كما أعبد الآلهة أربابي.» وبلغ ~~مجلس الملك فاستوى إلى كرسي بجواره، واجتمع الفياشيون مرة أخرى ودارت الأقداح، وأجلس المطرب ~~الأعمى الإلهي فخر شيرا قريبا من العرش، وقدم إليه أوديسيوس جزءا من شواء حملة أحد ~~الندل، فأقبل عليه المطرب حتى اغتذى، ثم توجه إليه أوديسيوس بالحديث فقال: «كم أنت جديري ~~بالثناء يا دمودوكوس، بل أنت أولى به من أكثر الناس، ليت شعري هل ثقف موسيقاك عن عرائس ~~الفنون! أم أنت قد حذقتها على أبوللو نفسه؟ لقد أنشدت ما كان من جيش الأخيين كأنك كنت ~~شاهد عيان، أو كأن شاهد عيان قد قصه عليك، أنشد لعمرك، تحدث عن الحصان الهولة الذي صنعه ~~أبيوس بإرشاد مينرفا، والذي حمله أوديسيوس الجبار هو وصحبه إلى قلاع طروادة، ثم اختبأ هو ~~وهم فيه، فكانوا أول خراب إليوم! تغن، إني سوف أحمل اسمك فأنشره في الآفاق أيها المطرب ~~المعجز الذي لا يباريه إلا عازف موسيقى السماء أبوللو تقدس اسمه.» # وتنزل أبوللو على لسان المنشد فراح يقص الوقائع الطروادية منذ حرق اليونانيون معسكرهم ~~وبعد إقلاعهم من شطآن إليوم، وذاك الانقسام في الرأي بين الطرواديين بسبب الحصان الهولة ~~أيقصمون ظهره أم يدقون عنقه ms072 أم يحفظونه تذكارا لهذه الحرب ونصبا للآلهة؟ على كل حال لقد ~~نقلوا الحصان داخل أسوارهم؛ ليكون القاضي عليهم بمن فيه من هذه النخبة أولي القوة من ~~أبطال الإغريق، وهكذا قدر عليهم في الأزل أن يهدموا قريتهم بأيديهم. تغنى الشاعر المفتن ~~بكل هذا، وأثنى أيما ثناء على أوديسيوس الذي كان يكر كأنه مارس، ومنلوس الذي كان يفر ~~كالصاعقة، وعلى بقية الأبطال الصناديد الذين فازوا بالنصر في ظل باللا - مينرفا - ربة ~~الحكمة، وكان أوديسيوس ينصت إلى غناء المطرب وإنشاده ودموعه تنحدر غزيرة على خديه، ~~والآهات العميقة تشق صدره شقا، كأنها آهات تلك الأم الرءوم التي وقعت فوق جثمان زوجها ~~الباسل تبكيه وتنعيه، وقد سقط في الحومة يدفع عن مدينته أعداءها، وقد وقف من خلفها أبناؤها ~~خضرا يتامى كأفراخ القطا، ثم يقبل الأعداء فيخمدون أنفاس هذه الأم بضربة لازبة فتنظر ~~مرة إلى زوجها القتيل ومرتين إلى أبنائها التاعسين! كذاك كان أوديسيوس، وكذاك كان يخفي ~~دموعه في طرف ردائه فلا يراها أحد إلا ألكينوس الملك الجالس قريبا منه، وقال الملك ~~متحدثا إلى رعاياه: «أيها الزعماء والأشياخ الفياشيون، أولى للمنشد ثم أولى أن يفرغ من ~~إنشاده؛ فلقد تصدع قلب ضيفكم ووهنت روحه مما يسمع من هذا القصص الحزين، لقد أحببناه كأخ ~~ووهبنا له محبتنا وودنا وصافي أخوتنا لا ليحزن أو يأسى، والآن هل يسمح ضيفنا فيذكر ~~لنا اسمه الذي يعرفه به آله ويدعونه به؟ لقد كتم هذا عنا، فهل ولد أحد ولم يحمل اسما؟ ~~من أنت أيها العزيز؟ وما بلادك؟ وإلى أين تحملك سفينتي ويبحر بك رجالي؟ لقد منحنا نبتيون ~~- رب البحار - الأمن في ذلك اليم، وذلل لنا غواشيه، ولكنه ليس أشق عليه من أن تحمل ~~سفننا أغرابا مثلك لا نعرفهم فنبحر بهم إلى بلادهم، إنه يغضب علينا، وقد يغرق سفننا ~~تشفيا وانتقاما حينما تعود أدراجها إلى بلادنا، فتهوي إلى الأعماق ثم يسحرها إلى جبل ~~ناتئ فوق العباب قبل شيريا، تكلم أيها السيد، اصدقنا؛ من أنت؟ ومن أي البلاد قدمت؟ وأين ~~ضربت بطون الركائب؟ وأي ms073 الأمصار شاهدت؟ وماذا يفجر هذا الأسى في أعماقك كلما سمعت عن ~~جنود الأخيين، وكلما ترددت في أذنيك أغنيات طروادة؟ إن الآلهة تحيك من حاضر المرء طيلسان ~~الهموم لغده، أقتل أبوك ثمة؟ أم صرع أخوك تحت أسوارها؟ أم قضى حموك في ساحتها؟ أم أودى ~~أصدقاء لك أحباء في حلبتها كنت تعدهم كبعض أهلك أو أعز من أهلك؟ تكلم.» # النجيب الهرقلي الذي يقص أثر الأميرة ابنة الملك. # | في أرض المردة (السيكلوبس) # وشرع أوديسيوس يجيب عما تساءل عنه الملك فقال: «أيها الملك تعالى جدك، لشد ما يطرب ~~ما تغنى هذا المنشد غناء الآلهة، ولقل ما تعدل الدنيا بأسرها هذا المجلس الشادي ذا ~~الأضياف والآكال والأشربات، على أنني مجيبك على ما بدهك من دموعي وهمومي، وما لقيت وما سوف ~~ألقى مما قسم لي من أشجان وأحزان، إذن فاعرف اسم ضيفك الشريد الذي لا يجهل اسمه أحد؛ ~~ضيفك اللائذ بكرمك المستذري بحماك، المتشبث بك ليصل في ظلك إلى بلاده مهما تقاصت ومهمات ~~نأت. أنا أيها الملك أوديسيوس، أجل، هو أنا أوديسيوس ذو الذكر المعروف في السموات ~~بالدهاء والمكر، ابن ليرتيس رب إيثاكا وملك نريوس ذي الشعاف السامقة والجزائر الآهلة حول ~~ساموس ودلخيوم وزاسنتوس، أم الجزائر التي تصافح تباشير الصباح بكل روضة فيحاء وخميلة لفاء، ~~وجنات ذوات شجر وثمر، صبغا لأبنائها الأوفياء؛ هناك، حيث احتجزتني عروس الماء كليبسو في ~~كهفها وراودتني لأكون بعلها، وهناك حيث أغرتني سيرس هي الأخرى، سيرس صاحبة جزيرة أيايا، ~~التي حاولت أن تتخذ مني خليلا، فأبيت ولم أقبل أن أضحي بأهلي ووطني ولو أصبحت زوجا ~~لإحدى الربات الخالدات، ولكن لا، هلم قبل كل شيء أقص عليك من أنباء رحلتي منذ بارحت إليوم، ~~ولأدع ما قبل ذلك فهو معلوم مشهور. # أقلعت بنا الفلك إلى بلد السيكون (أزماروس)، # 1 ~~(فبدا لي أن أزيد في ثروة رجالي وما فازوا به من أسلاب طروادة، فأشرت عليهم ~~بفتح المدينة واغتنام ما فيها من كنوز وأذخار) # 2 # وسرعان ما تم لنا ذلك، فقتلنا العسكر وملكنا القرية، ووزعت السبي ms074 ~~والأسلاب على جنودي، ثم أشرت عليهم بالرحيل، فعصوا أمري وعثوا في المدينة مفسدين، وعاقروا ~~من الخمر، وعقروا من الشاة ما أذهلهم عن أنفسهم وأتاح لأعدائهم لم الشعث، ففاجئونا بجيش ~~عرمرم منهم ومن جيرانهم، وناضلونا عن مدينتهم فأوقعوا بنا، ولم يغننا أنا قاتلناهم حتى ~~مطلع فجر اليوم التالي، بل ظل فرسانهم الصناديد يكرون ويفرون، حتى قذفوا بنا في البحر، ~~فوقفنا في سفائننا نناوشهم برماحنا، وصمدنا لهم حتى توارت الشمس بالحجار، فانسحبنا نجر ~~أذيال الهزيمة والخزي بعد أن انتزع السيكون فخار النصر، وعدت إلى الجند، فوا أسفاه! لقد ~~افتقدت ستة من رجال كل سفينة؛ سقطوا في المعركة الخاسرة.» # وأجننا الليل فجلسنا نتذاكر أسماء القتلى، وما كدنا نفعل حتى سخر علينا جوف - رب ~~السحاب الثقال - صرصرا عاتية أثارت البر والبحر، وعصفت بمراكبنا فأطاحت قلاعها ومزقت ~~شراعها، ففزعنا إلى المجاديف وأعملنا السواعد مستقتلين مستميتين حتى نجونا بعد لأي إلى ~~البر، حيث تلبثنا ليلتين طويلتين في أين وإعياء، وشكاة وشقاء، نصلح القلاع ونرتق ~~الشراع. وفي صباح اليوم الثالث تطامن البحر ونام هائجه فبادرنا إلى الفلك وأقلعنا باسم ~~الآلهة مجراها ومرساها، وما كدنا نلمح شطآن ماليا حتى هبت زوبعة عنيفة تلاعبت بنا وحملتنا ~~إلى جزيرة سيتيرا، وطفقنا بعدها نذرع العباب تسعة أيام أخرى حتى بلغنا بلاد «لوتوفاجي»، ~~هذا الشعب الغريب الذي يقتات بالفاكهة فحسب، من دون ما تنبت الأرض وما يدب عليها. ورسونا ~~ثمة وأهرع الملاحون إلى البر فاستراحوا وسمروا، ثم تخيرت اثنين من أوثق رجالي، وجعلت ~~عليهما ثالثا رئيسا ووجهتهم إلى سكان هذه الأرض ليتعرفوا أحوالهم، فاختلطوا بهم وقابلهم ~~اللوتوفاجي بالبشر والترحاب، ثم عرضوا عليهم من ثمر اللوتس العجيب الذي ينسى آكله ما سلف ~~من حياته، وينبت ما بينه وبين وطنه من وشيجة فما يفكر فيه، وإذا فكر فيه فما يؤثر أن ~~يرتد إليه، بل يصبح كل مناه أن يأكل ويأكل من هذا اللوتس العجيب، وأن يعيش أبد الدهر ~~بين أولئك اللوتوفاجي السحراء. وتنظرت عودة رجالي، بيد أنهم لم يرجعوا، فاضطررت أن أذهب ~~بنفسي إلى ms075 حيث سحروا، فحملتهم قسرا إلى الشاطئ بين العويل والضجيج، وقذفت كلا منهم في ~~قمرة مغلولا مكبلا مشدود الوثاق، ثم أمرت الملاحين فأبحروا على عجل قبل أن يأكل بعضهم ~~من اللوتس الملعون فيضلوا ضلالهم وينسوا أوطانهم، ويظلوا في هذه الأرض جاثمين. # وما عتمنا أن وصلنا إلى أرض المردة الجبابرة - السيكلوبس - الطغاة العتاة، الذين لا ~~يخضعون لشريعة ولا يأتمرون بقانون، الذين تؤتي أرضهم أكلها رغدا، من غير كد ولا عناء، ~~حبا وأبا وحدائق غلبا وقضبا وعنبا، تسقي مما يفيض عليها جوف من مائه المعين، ~~يعيشون فوضى لا تربطهم رابطة ولا قوم بينها نظام، يأوون إلى كهوف موحشة وغيران سحيقة، قلل ~~الجبال وأحيادها، يعنى كل منهم بنفسه وزوجه وأولاده وقطعانه، ولا يأبه للباقين، وتلقاء ~~أرضهم توجد جزيرة معشبة أريضة شجراء فيها من الماعز السائم قطعان لا حصر لها، ولكنها مع ~~ذلك بهماء # 3 # مضلة، لم تطأها فيما غبر قدم إنسان، ولم يرش إلى حيوانها سهم صائد؛ لأن ~~السيكلوبس لم يحاولوا أن يركبوا البحر مطلقا، ولم يعرفوا طوال حياتهم هذه الجواري ~~المنشآت فيه كالأعلام؛ لذلك سلمت الجزيرة بما فيها من خير وتكاثر قطعانها حتى امتلأت بها ~~مروجها الخضر السندسية، وثمة في جون هادئ جميل ألقينا مراسينا، ونزلنا من سفائننا في ظلام ~~الليل الدامس وفي حراسة الآلهة، بعد إذ ارتطمنا بسيف البحر. ثم نمنا على الشاطئ حتى مطلع ~~الفجر، وأشرقت أورورا تنضر بالورد مشرق الأفق، فنهضنا نجوب الجزيرة ونتفيأ ظلال الحور، ~~ونرى عرائس الماء ترعى الماعز، فبادرنا إلى سفننا وأحضرنا الحراب والأقواس، ثم تفرقنا ~~ثلاث فرق، وشرعنا نصيد من هذا الحيوان، فاجتمع لنا منه الشيء الكثير، ونال كل من رجال ~~سفائننا الاثنتي عشرة تسع أعنز، بعد أن تخيرت عشرات لنفسي، ولبثنا يومنا هذا نتغذى بكل ~~شواء حنيذ، ونكرع كل كأس روية في غير تخمة ولا شجى، # 4 # وللآلهة تلك الخمر السلاف السيكونية التي افترعناها من زقاق أزماروس، ثم ~~نظرنا ناحية الغرب فما راعنا إلا دخان كثيف يصاعد في الأرض القريبة، ورغاء وضوضاء ~~كالرعد تنتشر في ms076 جنباتها، وإذا هؤلاء السيكلوبس المردة ينتشرون في الأرجاء، وأمامهم ~~قطعانهم من الشاء والأنعام ... أعداد لا حصر لها، عليها إذا عد الحصى يتخلف. # ونمنا ليلتنا مروعين حتى إذا بزغت أورورا نهضنا واحتشدنا في صعيد واحد، ثم قمت في ~~رجالي خطيبا فقلت: «أيها الإخوان، لتبق غالبيتكم في هذه الجزيرة؛ فإني ذاهب في نفر منكم ~~نرود هذه الأرض، ونعرف من أنباء أهلها، ونعلم من أحوالهم، ونرى هل قوم ظلم وضيم ونضال، أم ~~هم ربيون يهشون للمكرمات ويخبتون للآلهة؟» # وأقلعت في نخبة من رجالي فوصلنا طرفا من الجزيرة ناتئا في البحر، فوقه قلاع مشرفة عليه ~~فهبطنا فيه وذهبنا نروده، حتى انتهينا إلى كهف عظيم ضارب في الصخر، وقد نما الغار الجميل ~~على بابه الضخم، ودخلنا، وأثار دهشتنا هذه الحظيرة الكبيرة في وسط الكهف، تتسع لقطعان لا ~~عدد لها من الأنعام والأغنام والماعز، ثم هذا الفناء العظيم المحدق بها يفصله عنها سور ~~عتيد من الحجر الصلد مترس بجذوع الحور والسنديان، ولقد عرفنا فيما بعد أن صاحب هذه المغارة ~~مارد جبار من أراذل السيكلوبس، لصق بهذا الطرف من الجزيرة يعسف ويظلم ويملؤه بغيا ~~وعدوانا، ثم هو إلى الجان والشياطين أقرب منه إلى أي خلق آخر، فوجهه مربد عبوس ~~أبدا، وهو إلى ذلك هولة تحسبه إذ تراه قطعة من الصخر نحت منها ناطور فوق ناصية الجبل ... وتوقلنا # 5 # وكان معي زق من خمر معتقة مما أعطانيه مارون بن إيفانت قس فوبوس رب ~~أزماروس؛ لقاء ما أبقينا عليه وعلى زوجه وأولاده يوم غزوتنا لقريته. يا له من كاهن سمح طيب ~~القلب! لقد نفحني بأكرم اللهى # 6 # وأجزل الهبات، وهل أنسى ما حييت تلك البدر السبع من الذهب الخالص، وذلك الدن ~~من الفضة الغالية، وتلك الجرار الاثنتي عشرة من الخندريس الصرف التي تشرب باسم الآلهة؟ ~~لقد كان يفديها بنفسه وماله، فلم يكن يعرف مخبأها أحد غيره وزوجه وأمينه ... لقد كانت كأس ~~روية واحدة من هذه المدامة تمزج بعشرين ضعفا من الماء القراح، وهي مع ذاك سكر ولذة ~~وروح علوي ms077 للشاربين، ثم كان معنا ركز # 7 # به أكل كثير، وكنا عددا عديدا من الأبطال الصناديد، ولكنا مع ذلك كانت ~~تعترينا رعدة، وكان يشيع في قلوبنا فزع أن يفجأنا هنا الجني صاحب المكان، الذي لا يخشى ~~فينا شريعة، ولا يرده عن أذانا قانون، ثم توقلنا كذلك، فأشرفنا على مغارة سحيقة هي مقام ~~السيكلوب ومنامته من غير ريب، بيد أننا لم نجده عندها، فقلنا ربما انطلق بقطعانه يرعاها في ~~المروج القريبة، ورددنا الطرف في المغارة فرأينا مصافي كثيرة معلقة، ينز الحصير # 8 # منها ها هنا وها هنا، فعرفنا أن السيكلوب يصنع الجبن من ألبان مواشيه، سيما ~~وقد امتلأ المكان ببواط كثيرة مفعمة بالحصير والمخيض، وعلى مقربة منا شهدنا حظائر واسعة ~~لصغار الشاه والحملان والماعز، وقد قسمت فرقا حسب سنها، وقد بدا لبعضنا أن نذهب بما ~~هنالك من جبن وزبد، وأن نستاق الحملان والجذعان إلى سفائننا، غير أني - وا أسفاه - تأبيت؛ ~~لأنني آثرت لقاء السيكلوب؛ رجاء أن ينفحني من كنوزه ويسبغ علي من آلائه؛ ولذا جلسنا ~~ريثما يعود وأكلنا من جبنه وزبده، وأشعلنا نارا نستدفئ، ثم إذا هو طوى المروج الخضر ~~بقطعانه، وإذا على كاهله الرحب أثقال وأحمال من الحطب وفروع الشجر اليابس، حتى إذا كان لدى ~~الباب ألقاها في بطش، فاهتزت الأرض المكان، وانحبس وصيد الكهف، فانقذف الرعب في أفئدتنا، ~~فهرولنا مذعورين صعقين، واختبأنا كالخفافيش في زوايا المغارة وشقوقها ... أما هو فقد أدخل ~~قطعانه واحتجز ذكرانها في الفناء الخارجي، ثم أخذ في حلب الإناث في الرحبة الداخلية، ونهض ~~بعد ذلك فسد مدخل الكهف بحجر واحد كبير لو وضع على عربتين عظيمتين لم يستطع عشرون ~~ثورا ضخما أن تزحزحه عن مكانه، وجلس يحلب النعاج والماعز، وكلما فرغ من واحدة أرسلها إلى جذعانها # 9 # ترضع ما تبقى في ضرعها، وكان يقسم لبنه قسمين؛ فيحتفظ بأحدهما لشرابه، ويمخض ~~الآخر لزبده وجبنه، ثم فرغ من هذا كله وأضرم نارا عظيمة ما كادت تلتهب حتى رآنا معلقين ~~فوق نؤى الكهف، فصاح بنا: «من هنا؟ وي! من أنتم ms078 أيها الغرباء؟ ومن أي البلاد نزحتم؟ وفيم ~~خضتم هذا العباب إلى هنا؟ آفاقيون، أم تجار، أم قرصان تعيشون في بلاد الناس؟» وزلزلنا ~~زلزالا عظيما، وكان صوته الأجش الخشين يلقي الرعب في قلوبنا فتعتلج اعتلاجا، ثم إني ~~جمعت ما تبقى من وعيي، وما أبقى عليه الروع والهلع من أدراكي، فقلت أجيبه: «نحن إغريقيون ~~أيها العزيز، وقد ذرعنا البحر اللجي شرقا ومغربا، وتقاذفتنا فوقه كل ريح منذ بارحنا إليوم ~~التي فتحها الله علينا؛ لأننا من عساكر أجاممنون الملك ابن أتريوس الكريم قاهر طروادة ومبيد ~~الطرواديين، وها نحن أولاء قد لذنا بك بعد طول النصب، فنضرع إليك أن تفيء علينا مما ~~أفاء جوف عليك، وأن تردنا غانمين، فيا مولانا أكرم مثوانا، فنحن الأغراب في كنف جوف ~~أبدا، وأينما نول فإنه معنا.» # وتجهم السيكلوب الجني وقال مغضبا مستهزئا: «حسبك أيها الأخ المغفل، ما خوفت من جوف؛ ~~فنحن السكلوبس لا نبالي جوف حامل إيجيس، # 10 # ولا سكان السماء قاطبة؛ أنا أقوى منهم بكثير، وأنا نفسي لن آبه لأيما نذير ~~من جوف كبير الأولمب، ولكن حدثني قبل كل شيء؛ متى ألقت سفينتكم مراسيها في أرضنا؟ وأين ~~هي؟ أقريبة أم قاصية من هنا؟ قل الحق ولا تخف عني شيئا.» # أبوللو حينما استوحاه أجاممنون عن يوم سقوط طروادة في أيدي ~~اليونانيين. # وأجبته في حيطة ورفق، وقد عرفت ما رمى إليه: «لقد نسف نبتيون رب البحار مركبنا في اليم ~~نسفا، وسلط عليها الزوابع فجرت بألواحها بعيدا من ها هنا، ونجوت مع هذا النفر من رفاقي ~~فقط إلى شاطئكم.» ولم ينبس السيكلوب الجبار بكلمة، بل أقبل نحونا وانقض على رجالي ~~كالصاعقة، ثم أمسك باثنين منهم وأرسلهما في الهواء، ثم ضرب بهما أرض الكهف ذات النؤى ~~فتهشم رأساهما، وانتثر المخ فوق الحجارة هنا وهنا، وألقاهما بعد ذلك في الجمر المتأجج ~~حتى نضجا، واستوى كالسبع الرئبال وطفق ينهشهما، ولم يمض وقت طويل حتى أتى عليهما غير مبق ~~على عظمة واحدة، أما نحن فيالآلهة السماء! لقد كان هذا المنظر الفاجع يعصف بنفوسنا ولم ms079 نملك ~~إلا أن نرفع الأكف فنبتهل إلى جوف أن ينجينا وأن يرحمنا، ولم يكن لنا مع ذاك من أمل في ~~نجاة. # طرب مارس أيما طرب وأيقظ معشوقته فينوس. # وبعد أن أشبع الجبار نهمته من هذا اللحم الآدمي الغريض، وبعد أن رب من اللبن شرب الهيم ~~انطرح بين قطعانه، وجعل يرسل في الكهف شخيرا مزعجا، وقد حدثتني نفسي أن أنقض عليه ~~فأخوض في لبته بجرازي، ولكن فكرة سوداء طافت برأسي حينما نظرت إلى باب الكهف فأبصرت ~~الحجر الضخم الذي لا يطيق أحد أن يزحزحه، وتذكرت الموتة الجاهلية المفزعة التي سنموتها إن ~~فعلت، فقنطت قنوطا شديدا، وأرسلت آهات الحسرة والندامة أنا وأصحابي، وانتظرنا بقلوب فارغة ~~تباشير الفجر، ورأينا أورورا الوردية ترسل أول أشعتها من الكوى الصغيرة، فهب السكلوب إلى ~~قطعانه، وأخذ في حلب إناثها، وكلما فرغ من واحدة أرسلها إلى صغارها ترضع وتنخب، ثم إنه قبض ~~على اثنين من رجالي وفعل بهما كما فعل بصاحبنا أمس، حتى إذا فرغ من إفطاره هب إلى الحجر ~~فزحزحه في سهولة ويسر، كأنما كان يزحزح غطاء آنية، ثم استاق قطعانه وأعاد الحجر إلى مكانه، ~~ومضى يرعى بهمه، وبقينا نحن ندعو ثبورا، وفكرت ألف فكرة في وسيلة أنتقم بها من هذا ~~المارد الوحش، وتوسلت بمينرفا أن أستطيع، وانفرجت أساريري فجأة وأشرق وجهي بنور الأمل؛ ذلك ~~أنني أبصرت بجذع زيتون مشذب أعده الجني ليكون عصا يهش بها على قطعانه، فقلت في نفسي: ~~«ولم لا يكون في هذا الجذع خلاصنا؟» ثم إني أمرت رجالي ببري أحد طرفيه، وكان الجذع ~~طويلا جدا، يصلح سارية لسفينة كبيرة يعمل فيها عشرون بحارا، فأقبلوا عليه ينحتون ~~ويبرون، وأكببت أنا على نهاية الطرف أحدده. ثم انتهينا من عملنا وأخفينا الجذع تحت القش ~~الكثير الملقى في الكهف، وجلسنا نتخير من بيننا أشجعنا وأكثرنا أيدا وقوة، وأشدنا ~~استعدادا لحمله وغرزه من طرفه المحدد في عين السيكلوب، وانتهينا من ذلك إلى أربعة وكنت أنا ~~خامسهم، ثم عاد الجني في موعده فأدخل قطعانه وأرجع الحجر إلى مكانه، وجلس ms080 يحلب الإناث ويقسم ~~اللبن ويمخضه، ويرسل كل جذع إلى أمه، ثم نهض إلينا فبطش باثنين منا وتعشى بهما، ~~وقبل أن يستلقي على الأرض ليستريح أفعمت كأسا كبيرة مما كان معنا من خمر مارون وتقدمت ~~إليه وأنا أقول: «ألا أيهذا السكلوب، هاك كأسا من الخمر إذا تحسيتها بعد أكلتك ~~الهنية من اللحم البشري عرفت أي خمر فقدنا في سفينتنا المغرقة. # لقد كنت أحضرتها تكرمة لك إذا أنت أكرمت مثوانا وأطلقت سراحنا وساعدتنا على العودة إلى ~~وطننا سالمين، ولكن أواه إن سورتك طامية أيها القاسي الجبار، وإن أحدا من البشر لن يجسر ~~على أن يقترب من جزيرتكم بعد اليوم.» وأخذ الكأس فعبها عبا، وسر بها سرورا كبيرا، ~~ثم سأل أخرى فقال: «أيها الفتى ما اسمك؟ أعطني العناقيد وأنا مثيبك عليها، إن لدينا خمرا ~~صرفا من أكرم ما تعصر العناقيد يسقيها جوف من شآبيبه، ولكنها أبدا لا تبلغ هذه الخمر ~~البكر جودة.» وأعطيته ثانية وثالثة، وراح المجنون يشرب ويشرب، ولما شهدت النشوة ترقص ~~برأسه قلت له في ظرف: «أيها السيكلوب، لقد تساءلت عن اسمي، ألا فاعلم أنه أوتيس، # 11 # وبه أسمى في بلادي، ولكنك وعدت أن تثيبني على ما قدمت لك من خمر، فماذا ~~عساك مانحي؟» فاستهزأ السيكلوب وقال: «اطمئن يا صح، سأهب لك أن تكون آخر من آكل من ~~إخوانك؛ هذا هو جزاؤك.» وتثاءب وتثاءب، ثم انطرح وسط قطعانه يغط في نوم عميق، وكان يصعد ~~أنفاسه بقوة فتنقذف من بلعومه شوائب من خمر ممتزجة بقضمان من لحم بشري، وقفزنا إلى جذع ~~الزيتون فوضعنا طرفه المحدد المبري في الخمر المتأجج حتى تأجج مثله، وبكلمات قليلة ~~أثرت النخوة في نفوس إخواني حتى لا تخذلهم قواهم، ثم استعنت الآلهة فابتعثت فينا قواها ~~السحرية، واستجمعنا كل ما فينا من منة اليأس، ووضعنا الطرف المشتعل في عين السيكلوب ~~المقفلة، وحركنا الجذع وطفقت أنا أقلبه فيها من مكان عل، كما فعل السفان الصناع ~~بمثقابه في خشب السنديان، وانبجس الدم من عين السيكلوب العمياء وجحظ إنسانها كأنه عين حمئة ms081 ~~من دم وعلز، وقصاراي لقد كنا كالحداد الماهر الذي يطفئ سلاحا محميا في ماء بارد، ولقد ~~صرخ السيكلوب # 12 # صرخة ردد أصداءها الكهف، ثم رددتها الغيران والجبال المجاورة، وذعرنا نحن ~~فلصقنا بالشقوق والزوايا، وراح الجني الجبار يخبط في ظلام العمى بعد أن انتزع الجذع ~~المشتعل من عينه، وهرول كالجبل نحو الباب فوقف عنده، وطفق يولول ويهتف ويصيح ويدعو جميع ~~إخوانه السيكلوبس كلا باسمه، فاجتمعوا إليه من كل فج عميق، وقال قائلهم: «ماذا دهاك يا ~~بوليفيم حتى تروعنا هكذا في ظلام الليل، وحتى تقض مضاجعنا بصراخك الفظيع؟ هل خفت أن ~~يستاق أحد قطعانك؟ أم خشيت أن يقتلك أحد بقوة أو غدر؟» وقال بوليفيم وهو يتصدع: «آه ~~أصدقائي، إني أموت ولقد قتلني أوتيس.» فقال قائلهم: «إن كان أوتيس - الذي هو لا أحد - قد ~~ألحق بك أذى فما صنع بك هذا إلا جوف؟ تجلد يا صاح، وادع أبانا نبتيون ليساعدك؛ يأتك ~~من أعماق اليم.» ثم تركوه وانصرفوا لشأنهم، وضحكت أنا في سريرتي؛ لأني استطعت أن أعمي ~~عليهم بهذا الاسم الملفق المفترى، وما برح بوليفيم يبكي ويعول ويهزه الألم والأسى، حتى ~~زحزح الحجر الذي يسد الباب وجلس عنده مادا ذراعيه ليمنع أحدا منا أن يفلت، أو أن ~~يذهب بعض أنعامه. إنه يحسبنا بلهاء مثله، وجلسنا نعمل الفكرة ونرسم الخطط تلو الخطط ~~لنجاتنا. حتى تاحت لي فكرة حسنة أيقنت أنها تفلتنا من هذا السجن السحيق إن كان شيء ~~مستطيعا أن يطلق سراحنا منه، لقد فكرت وفكرت، فبدا لي أن لدى السيكلوب كباشا كنازا ~~تستطيع أن تحملنا إذا ربط كل منا تحت بطن واحد منها. # لقد كانت الكباش سمينة حقا ذات فراء كثة وقوة كبيرة، فقمت من فوري فجدلت من أغصان ~~الصفصاف التي كان السيكلوب الشنيع ينام فوقها، وجعلت من كل ثلاثة حبلا واحدا، ثم ~~ربطت كل رجل تحت بطن كبش كبير قوي جعلته بين كبشين لا يحملان أحدا، بل يكونان وقاية ~~للكبش الذي يحمل رجلا بينهما. أما أنا فتعلقت بصوف الكبش الأخير وبقيت ساكنا صامتا، ms082 ~~ومكثنا هكذا ننتظر الفجر المقدس الرهيب بعيون واكفة وقلوب واجفة ... حتى بزغت أورورا ~~فهرولت الذكران كعادتها للمرعى، وبقيت الإناث لكي تحلب، وتهادت الكباش بالأثقال ~~المعلقة تحتها وهي تكاد تنوء بها، وكان السيكلوب لا يزال يعول ويشكو بثه إلى غير سميع، ~~وكان يلمس بيديه ظهور الكباش وهو لا يدري ما تحتها، حتى إذا برز كبشي زلزلت، وسمعته ~~يقول له وهو يتحسسه: «يا كبشي الحبيب، ما لك استأنيت هكذا وكنت دائما سباقا إلى ~~المرعى وعلى رأس القطيع تقضم الكلأ الحلو، سباقا إلى الغدير ذي الخرير تنهل من مائه ~~السلسبيل، بل كنت سباقا إلى مأواك هنا، في كل مساء؟ ويحك! ويحك يا كبشي الحبيب، لقد ~~أسيت لي وحزنت من أجلي، وشعرت بما دهى صاحبك من التعس الرجيم أوتيس وأتباعه اللؤماء ~~المفلوكين؛ أوتيس الذي سحرني بخمره، ويل له! إنه لن يفلت من الموت اليوم، آه لو كان قلبك ~~مثل قلبي، وآه لو كان لي بصرك الحديد فيدلني أين اختبأ أوتيس التعس؟ إذن كنت أحطم رأسه ~~فوق هذا الصخر، أوتيس الوغد! الذي اسمه لا أحد؛ فهو لا يساوي شيئا.» # ثم أفلته المغفل فانطلق الكبش في أثر رفاقه، حتى إذا كنا بعيدين من الكهف ومن صاحبه قفزت ~~من مكمني، وعدوت فأطلقت سراح رفاقي، وسقنا نخبة من أحسن النعاج إلى حيث سفينتنا ~~المختبئة في الجون الهادئ، في ظلال الحور والسنديان، وأبحرنا من فورنا، فوصلنا إلى إخواننا ~~في الجزيرة الأخرى، الذين هنئونا بقدر ما ذرفوا الدموع على ضحايا بوليفيم، واعتزمنا ~~الإبحار فاستعد كل في سفينته، وأقلعنا لا نلوي على شيء، حتى إذا كنا على مبلغ الصوت من ~~الشاطئ نهضت وجعلت أهتف بالسكلوب بوليفيم هكذا: «بوليفيم، لقد بؤت بما صنعت يداك وكان ~~جزاؤك وفاقا، أيها النذل الخسيس! لقد حسبت أنك تغتال رجال قائد لا سلطان له عليك، ولا ~~قدرة على الانتقام منك، فرحت تغتذي كالوحش بلحم ضيوفك الذين لجئوا إليك وتفيئوا ظلك، ~~فاهنأ الآن أيها الهولة بما حل بك!» وما كدت أصمت حتى ثار ثائره وغلت مراجله، وانتزع ~~صخرا ms083 كبيرا من شعاف الجبل وقذف به في قوة وعنفوان ناحية الصوت، فهوى الصخر على مقربة ~~منا، وكاد يهشم سكان السفينة، وقد انفرج البحر وانشطرت أمواجه، وارتدت السفينة نحو ~~الشاطئ حتى لكادت أن تغوص في رماله وتتحطم على أواذيه، لولا أمسكت بالسارية الكبرى وجعلت ~~أدفع، حتى عادت السفينة إلى مكانها في البحر ... وابتعدنا قليلا، وجاهد رجالي بمجاديفهم حتى ~~كنا على مسافة هي ضعف المسافة الأولى، وهنا حاولت أن أصيح بالسيكلوب مرة أخرى، غير أن ~~إخواني حالوا بيني وبين ذلك، وسمعت بعضهم يقول: «ويك أوديسيوس! لم تهيج الجني بكلماتك، ~~وقد كاد الحجر الذي قذفه إلينا يودي بنا جميعا ويحطم سفينتنا على الشاطئ؟! أما نحمد ~~الآلهة التي أنقذتنا من ساعديه الجبارتين؟ وهو لو سمع ركزا من أحدنا لهشمنا جميعا ~~قبل أن نغادر غارة؟» على أنني ما أصخت لهم، بل هتفت بالمارد الجبار أقول: «أيها السيكلوب ~~الطاغي، إذا سألك أحد عمن عماك فقل له: أعماني أوديسيوس بن ليرتيس الإيثاكي!» وتأوه ~~المارد حتى كاد يتصدع وقال: «ويلي منك! فقد صدقت النبوءة وتحقق ما قال تلموس يوريميد النبي ~~الذي شب بيننا، وطالما تحدث إلينا معشر السيكلوبس عما خبأ القضاء في صحف الغيب لنا، ~~لقد قال لي: إني سأفقد بصري على يد رجل من البشر يدعى أوديسيوس، فظللت أنتظره وكنت أحسبه ~~مخلوقا طويلا عظيم الجسم بادي القوة، فإذا هو أنت أيها القزم «اللا شيء» الذي قهرتني ~~أولا بالخمر ثم أذهبت بصري وأطفأت النور من عيني! أوه، ولكن عد إلي يا أوديسيوس وحل ~~علي ضيفا من جديد أكرم مثواك، وأصل من أجلك لأبي نبتيون، الفخور بي، أن يمهد ~~لك البحر، ويطامن من تحتك الموج حتى تصل إلى بلادك سالما؛ إنه وحده هو اللطيف بي، وليست ~~قوة في الوجود غيره تستطيع أن تشفيني وترد علي بصري.» فقلت له: «بنفسي لو استطعت فقذفت بك ~~من حالق إلى قرار جهنم فلا يقدر أحد على رد بصرك إليك، حتى ولا أبوك هذا.» وغيظ السيكلوب ~~وحنق، ورفع كفيه إلى السماء يصلي لأبيه هكذا: ms084 «أبتاه المحيط بالأرض، اسمع دعائي، يا ~~صاحب الشعر اللازوردي، إذا كنت حقا أبي، وإذا كنت حقا تفخر ببنوتي، فاحرم هذا القزم ~~المدعو أوديسيوس بن ليرتيس الإيثاكي من العود إلى بلاده، إلا أن يكون هذا في الأزل فأقم ~~العقاب في طريقه، وشرده طويلا في البحر وأغرق سفائنه، واقبر في الأعماق أصحابه، ~~وأحوجه إلى ذل السؤال وطلب المعونة الناس ليمدوه بمركب يعود عليه، وإذا عاد فليلق ~~الهم والغم مقيمين ببابه؛ آمين آمين.» ولبى نبتيون ورفع السيكلوب حجرا أضخم من الأول، ~~وجعل يهوم به بكلتا يديه، ثم قذفه هائلة فذهب يرنق فوقنا، وسقط وراءنا بمقربة من السكان، ~~فانشطر البحر فرقين كالطود العظيم، ثم انحسر الماء فجرت السفينة إلى الشاطئ مرة أخرى، ~~ولكنها هذه المرة أرست على الشاطئ الآخر الذي أرست عنده سفائننا الأخرى، حيث أقام إخواننا ~~يشهدون المعركة الهائلة ويجزعون، ثم إننا نزلنا إلى البر، وفرقنا الأنصبات من نعاج ~~السيكلوب بيننا، وكان من نصيبي ذلك الكبش المفدى الذي نجاني، فذبحته على رمال الشاطئ ~~قربانا لجوف المتعالي، وا أسفاه! إن أكبر ظني أنه لم يقبل قرباني؛ لأن أكثر سفائننا ~~أغرقت فيما بعد، وأكلنا هنيئا وشربنا الخمر المعتقة، وانتظرنا مد البحر، ولكنه ~~استأنى علينا فنمنا حتى نضرت أورورا جبين الشرق بالورد، ونهضنا، ونشرنا الشراع وأصلحنا ~~القلاع، وأبحرنا بقلوب واجفة ونفوس نال منها الهلع لائذين بالفرار. # أبوللو ومارس. # | أوديسيوس يروي قصته # (أ) # أيولوس وجعبة الرياح الأربع. ~~(ب) # في جزيرة الجبابرة. ~~(ج) # غرام سيرس. # وبلغنا جزيرة الأيوليين حيث يحكم الملك إيولوس بن هبوتاس حبيب الآلهة، ~~وهي جزيرة تلوح طافية فوق العباب بسورها النحاسي الهائل، وأواذيها التي يتكسر فوقها الموج، ~~ولقد زوج الملك أبناءه الستة من بناته الست، وهو يقيم معهم في قصره المنيف في فيء وارف من ~~حب الملكة في بلهنية ورغد، وعيش واسع مخفرج، ونعمى طائلة ولذائذ شتى ... يقضون وقتهم في لهو ~~بريء ومرح، ويأوون إذا أجنهم الليل إلى سرر موضونة وزرابي مبثوثة، وأرائك من ~~حرير. # ولقد لقينا الملك بالبشر والإيناس، وأقمنا في كنفه شهرا كاملا ms085 ناعمين طاعمين، ثم ~~سألني فقصصت عليه قصة «إليوم»، وكيف سقطت في أيدينا؟ وما كان من إبحار أسطول الآخيين بعد ~~ذلك، وما تم من رحلتنا في ذاك العباب، عاشين ضاربين على غير هدى، ثم إني ضرعت إليه أن ~~يعيدني في حفاوته إلى بلادي، فأجاب سؤلي وأمدني بكل ما ييسر رحلتي، ثم تفضل فمشى معي ~~إلى البحر، حيث قدم إلي جعبة مصنوعة من جلد عجل كبير جسد، خيل إلي أنه ذبح في ~~سن التاسعة، وهي جعبة من صنع جوف سيد الأولمب، حبس فيها عظيم الآلهة رياح العالم أجمع، ~~وأحكم رباطها بسلك فضي متين، حتى لا يفلت منها نفس واحد إلا بإذن. وانطلق الملك بعد أن ~~أمر زفيروس - رب النسيم الحلو - فملأ شراعنا، وهب بين أيدينا، وا أسفاه! لقد كانت هباته ~~اللطيفة الرخية عبثا، وضاعت في غفلة من رجالي سدى؛ فلقد جرت بنا الفلك آمنة مطمئنة ~~طوال تسعة أيام بلياليها، ثم بدت لنا شطآن إيثاكا فخفت قلوبنا فرحا، واستطعت أنا نفسي ~~أن ألمح مواطني الأعزاء يوقدون النار في شعاف الجبال، بيد أني كنت منهوكا موهونا من ~~كثرة العمل ووعثاء السفر وطول السهر والمراقبة، فداعبت عيني سنة من الكرى؛ لأني كنت أسهر ~~على القيادة بنفسي طيلة الرحلة، ولم أكن آمن أحدا من رجالي على الاضطلاع بها خشية الونى ~~ومخافة التأخير. وبينما كنت نائما لعب الوسواس في صدور رجالي، زاعمين أني أحمل أذخارا من ~~الذهب والفضة أسبغها على أيولوس الملك؛ قال قائلهم: «يا للآلهة! أبدا ما وطئت قدما ~~أوديسيوس بلاد قوم حتى تهالكوا عليه فرحين معجبين مكبرين، وهو اليوم يعود من طروادة ومعه ~~من طرفها وسلبها الجم الكثير، أما نحن فوا أسفاه علينا! لقد شاركناه تلك الرحلة ~~المشئومة، وها نحن نرضى من الغنيمة بالإياب، ونعود منها أصفار الأيدي لا أمامنا ولا وراءنا، ~~وها هو أيضا قد فاز دوننا برفد ملك الرياح أيولوس العظيم، هلموا يا رفاق! البدار إلى ~~هذه الجعبة ننظر ما احتوت من أصفر وأبيض، وأعطيات وهبات ولهى!» وأقبل بعضهم على بعض، ~~وامتدت أيديهم ms086 إلى الجعبة فحلوا رباطها، وا حسرتاه! لقد انطلقت الرياح الحبيسة، وزمجرت ~~العواصف الهوج من كل صوب، وطفقت تكسحنا في شدة وعنف، بعيدا عن إيثاكا، ولقد قفزت من ~~غفوتي خائفا مذعورا، حتى لخيل لي أن طوفانا قد غمرنا! وظللت برهة في ذهول ودهش، ~~وطفت الأحزان على قلبي، ورانت الهموم على نفسي، وفت اليأس في عضدي، ولكنني لم أجد من ~~الصبر بدا، فتحملت الكارثة في هدوء وصمت، وعصبت رأسي بثوب شف، وانبطحت في قمرتي، وراحت ~~العواصف تدفع الأسطول في غير هوادة حتى بلغ شطآن الأيوليين مرة أخرى! وهناك بكى صحبي ، ولات ~~حين بكاء! وهبطنا الشاطئ، وكان همنا أن نرتشف من ماء أيوليا العذب رشفات، ثم جلسنا نعد ~~أكلة عجلى ونلتهمها، وتوجهت أنا وصديق إلى قصر الملك ثانية، وقد كان يجلس لوليمة كبيرة هو ~~والملكة الحسناء المصون وأبناؤه الغر الميامين، ولشد ما بدهه أن يرانا بعد طول النأي، ~~فحدجنا وقال: «ويك أوديسيوس! فيم عدت أدراجك؟ وأي سلطان مشئوم لوى عنانك بعد أن أرسلناك ~~مزودا بخير زاد لتصل إلى بلادك وتلقى آلك؟ أو أي آخر؟» وكان فؤادي ينخلع حين قلت ~~أجيبه: «تبارك الملك، لقد خانني رجالي اللؤماء، وخانني معهم طائف من الكرى، فإذا شاء الملك ~~فليجبر ما انصدع منا، وهو لا يزال صاحب الحول والطول!» وهكذا شاءت المقادير أن أقف ~~ضارعا إلى هذا الملك مرة أخرى، وقد تلبث أبناؤه صامتين لا ينبسون، واكفهر وجه الملك ~~وقال: «أيها الرجل انطلق، اغرب عن جزيرتنا هذه يا أتعس الناس! انطلق فوالله إني لأستغفر ~~الآلهة أن أكرمت مثوى رجل مثلك عدو نفسه، ممقوت من الأرباب، مغضوب عليه من السماء.» وهكذا ~~طردني الملك شر طردة، فمضيت على وجهي ولقيت أصحابي، وأبحرنا نذرع اليم المصطخب بمجاديفنا، ~~ونسكب في هذه الأعماق المضطربة قوانا، لا أمل لنا في الوصول إلى بلادنا، ولا رجاء في ~~الخلاص من هذه البئوس، ووصلنا مدينة ليستريجونيا بعد نصب ستة أيام بلياليها؛ تلك المدينة ~~الموحشة التي بناها منالاموس العظيم، والتي «تغزو الحشرات مروجها نهارا، فيخرج الرعاة ~~بقطعان الغنم ms087 ذات الفراء الكثة التي تحمي الحيوانات من ذبابة الماشية وتدفع عنها غائلتها، ~~فإذا جن الليل عادوا بأغنامهم إلى حظائرها، وذهبوا بالنعم لترعى في هدأة الليل، ولتكون ~~بمأمن من غوائل الذباب الذي يكون قد غلبه النعاس. # 1 # وصلنا إلى هذه المدينة فألفيناها محصنة بسور عظيم من الحجر الصلد، ينحدر ~~قليلا إلى الميناء بمضيق صغير لا تعلو فيه موجة، ولا يتحرك فيه الماء، وقد أدخل رجالي ~~سفائنهم في هذا البوغاز، وآثرت أنا أن أظل بسفينتي عن فمه مما يلي البحر، فألقيت بربوة ~~عالية، وأخذت أجيل ناظري في الجزيرة، ولم أقف لإنس أو حيوان على أثر، وبدت الأرض جرداء ~~بلقعا، بيد أن دخانا كثيفا كان يتصاعد من وسطها، فرأيت أن أبعث باثنين من رجالي جعلت ~~عليهم ثالثا رئيسا؛ ليعلموا لنا من أنباء الجزيرة، وليتحسسوا أخبار أهلها، وقد قص هؤلاء ~~آثار العربات التي يستعملها السكان في نقل الأخشاب من الغابة إلى مدينتهم، ولقوا عند مدخل ~~المدينة فتاة عذراء تملأ جرتها من عين ماء هنالك، فما كادوا يسألونها حتى علموا أنها ~~ابنة الملك أنتيباتاس ملك هذه البلدة، ومشت بين أيديهم حتى كانوا في قصر الملك، وهناك ~~لقيتهم امرأة هولة عظيمة الجسم كأنها هضبة، فلم يجسروا أن يمدوا إليها أبصارهم مما غشيهم ~~من الفزع، وكانت هذه هي الملكة التي صاحت - عندما لمحت رجالي - بزوجها، فأقبل يهتز وتزلزل ~~الأرض تحته، وما كاد يلمح هؤلاء الغرباء حتى أمسك بواحد منهم وخبط به الأرض فحطمه؛ كأنما ~~أقبل ليخوض معمعة، وانطلق الآخران لا يلويان على شيء حتى بلغا سفائننا، ثم زمجر الملك بصوت ~~قاصف كالرعد يدعو إليه رعاياه، فأقبلوا إليه من كل حدب مردة جبارين كالأغوال، لا عدد ~~لهم ولا تقع العين على أبشع منهم، ثم تهاووا إلى الشاطئ حيث أرست سفننا، فجعلوا يقذفونها ~~بحجارة من سجيل جعلت رجالنا كعصف مأكول، وجعلت مراكبنا حطاما كان يهوي إلى الأعماق، بينما ~~هؤلاء الجبابرة ينشلون قتلانا بحرابهم؛ ليعودوا بهم إلى بيوتهم فرائس سائغة يملئون بها ~~بطونهم، وهكذا استمرت المذبحة الدامية، وكنت واقفا في ms088 مركبي وجرازي إلى جانبي، فأسرعت إلى ~~حبال المرساة فقطعتها به، وبادر رجالي إلى مجاديفهم فأعملوا فيها أيديهم. وبذلك نجونا من ~~هذا الروع برغم الحجارة الهائلة التي كانت تتطاير فوق رءوسنا وتتهاوى عن شمائلنا وعن ~~أيماننا، فتشيع في فرائصنا خطر الموت، وظللنا نكافح الموج ونصارعه فرحين بنجاتنا، ومع ذاك ~~فقد كانت تعتلج قلوبنا هما وأسى على إخواننا، ثم رسونا آخر ذات عند جزيرة إيايا حيث ~~تقيم سيرس ربة الغناء السحر ذات الشعر الكهرماني، أخت إيتيس الحكيم من أبيها الشمس، وأمها ~~برس ابنة أوشيانوس، # 2 # وكأنما مشت عناية السماء بين أيدينا فرسونا في جون هادئ ساكن في غير جلبة ولا ~~ضجيج، ثم هبطنا إلى الساحل فتلبثنا فيه يومين كاملين نستجم ونستروح مما بنا من أين ~~وجهد، وكلنا فرائس لما في أضالعنا من شجو وهم وشجن، ثم إني تسلحت برمحي وسيفي، وحثثت ~~خطاي في أسناد الجبل؛ كنت في ذراه الشاهقة، ووقفت ثمة أنظر وأتحسس، فلمحت في البعد ~~دخانا يصاعد بين الدوح والزهر من قصر سيرس، وبدا لي أن أتوجه إليه من فوري؛ عسى أن ~~أجد عنده خيرا. ولقد ترددت بعد ذلك كثيرا، وكدت أعود أدراجي إلى السفينة؛ لأرسل نفرا من ~~رجالي يكشفون لي الطريق إلى القصر، وما كدت أخطو خطوات حتى ساق إلي أحد الآلهة ظبيا ~~غريرا شرد من المرج المعشب الحلو؛ ليستقي مما ألح به من ظمأ، فأرسلت إليه رمحي فقصم ظهره، ~~وسقط يتخبط في دمه، وقطعت شيئا من عساليج الصفصاف وجدلت منها حبالا، وأوثقت الغزال من ~~أياطله واحتملته على ظهري، ومضيت قدما إلى رفاقي متوكئا في كل خطوة على رمحي، إذ لم تعد ~~شيخوختي تستقيم لمثل هذا الحمل الكبير، وهتفت برجالي في مرح وظرف: «هلموا يا رفاق؛ فلن ~~نقضي قبل أن تحين آجالنا، هلموا إلى ظبي فنيق وخمر عتيق، واطرحوا ما بكم من هم وضيق.» ~~وأقبلوا فرحين وشمروا عن سواعدهم وهم يستهولون من جذل هذا القنص الغريض، وظللنا يومنا هذا ~~نطعم ونشرب، حتى إذا أرخى الليل سدوله انكفأنا على الشاطئ نغط ms089 في سبات هادئ، وذرت أورورا ~~ابنة الفجر الوردية فهتفت برجالي فهبوا، ثم جلسنا ساعة نتشاور، وأنا أقول لهم: «أيها ~~الرفاق، يا إخوان الشدائد، ها نحن أولاء قد لصقنا بهذه الأرض، ولسنا ندري أيان نذهب؛ هل ~~نشرق أو نغرب؟ أو نظل هنا أبد الدهر؟ ولكن هلموا ننظر لأنفسنا مخلصا مما نحن فيه؛ ~~فإني حينما تسنمت ذروة هذا الجبل أجلت الطرف في أرجاء هذه الأرض، فعرفت أنها جزيرة ~~تترامى إلى مدى البصر، ثم إني آنست دخانا يعلو في الجو من وسطها، ينبثق من سروات طوال ~~فيها، فروا لأنفسكم أثابكم الله.» وكأنما سقط في أيديهم، وكأنما حاقت بهم ذكريات ~~أنتيباتاس وقومه اللستريجون، وما لقوا من هول السكالب أكلة اللحم البشري، فبكوا ساعة من ~~الزمان، ثم استرجعوا حيث لا يجدي البكاء، ثم قسمتهم فريقين؛ جعلت على أحدهما يوريلاخوس ~~قرن الآلهة، وجعلت نفسي على الفريق الآخر، وجلسنا نقترع على من يذهب لارتياد الجزيرة، ~~فوضعنا الرقاع في خوذتي، ثم كانت القرعة على يوريلاخوس، فمضى وتحت إمرته اثنان وعشرون من ~~رفاقنا كانوا جميعا يذرفون الدمع خوفا وفزعا مما وجهوا إليه، وكنا نحن نبادلهم دمعا ~~بدمع وبكاء ببكاء. ووجدوا قصر سيرس في بطيحة # 3 # منخفضة، فماذا رأوا؟ قصرا منيفا ممردا تحدق به تماثيل حية من سباع ~~وذؤبان سحرتها سيرس بعقاقيرها ذات القوى الخارقة الخفية، ولم تؤذهم تلك الوحوش، بل كانت ~~تثب على أرجلها الخلفية في دل وتلطف، ثم تبصبص بأذنابها كأنها كلاب السادة العظماء ~~حينما تتملقهم في وليمة من أجل لقيمات. وتسمعوا فإذا سيرس تتغنى بصوتها المعجب المطرب ~~وهي تعمل على نولها، مشغولة بنسيج سابري عبقري عجيب، ليس يقدر على مثله إلا الآلهة، وكان ~~في رجال الفريق أمير عظيم هو عندي أربطهم جأشا فقال: «أتسمعون أيها الأصدقاء إلى هذا ~~الغناء الحلو تردده جنبات القصر؟ إنه لا شك غناء ربة الدار التي تعمل على نولها، ولست ~~أدري أربة خالدة هي، أم من بنات حواء؟ وعلى كل هلموا نهتف بها.» وتنادوا وأقبلت سيرس ~~فهشت لهم وبشت، وأذنت لهم أن يدخلوا، ms090 فدخلوا، وا أسفاه! إلا يوريلاخوس؛ فقد خشي أن تكون ~~ثمة مكيدة أو أحبولة، قادتهم إلى بهو كبير صفت فيه عروش فخمة من ذهب، ما كادوا يستقرون ~~عليها حتى أقبل الساقي بخمر وعسل، ثم جيء بجبن وطعام آخر مخلوط بعقاقير سحرية تذهب وعي ~~آكليها، وتنسيهم ما سلف من أمورهم، بل تسلبهم ذكريات أوطانهم، ثم ضربت كلا بعصاها ~~السحرية بعد أن أكلوا ورووا، واستاقتهم إلى حظائرها حيث مسخوا فكانوا خنازير، وإن أبقى ~~السحر على ألبابهم، أما طعامهم بعد هذا فقد كانوا يتناولونه من يدها مباشرة، فكانت تطعمهم ~~جوز البلوط والشاهبلوط والكريز # 4 # الكلابي وما إلى هذا وذاك من أكل الخنازير الخسيسة السائبة. # وانطلقت فينوس إلى مرتعها بأرض بافيا. # وأقبل يوريلاخوس ينتفض من الذعر، وينعقد لسانه فما يكاد يبين، ثم هدأ روعه قليلا فطفق ~~يصعقنا بأنباء ما رأى: «أوديسيوس يا ذا المجد، لقد ذهبنا نتحسس كما أمرتنا، ونرود هذا ~~الوادي الأشب فوجدنا قصرا مشيدا فوق أكمة عالية وسط بطيحة منخفضة ذا قبة سامقة جلست ~~تحتها امرأة أوربة - لا أدري - وهي لا تفتأ تعمل على منسج بخفة وصنعة، وترسل ألحانا ~~حنونا حلوة، وما كادوا يهتفون بها حتى نهضت فلقيتهم بالبشر وفتحت بابها على مصراعيه ~~فدخلوا جميعا - حاشاي - فقد أوجست خيفة، ووقر في قلبي أن ثمة شركا نوشك أن نتردى فيه، ~~وقد راقبت رفاقي إذ هم جلوس لحظة غير قصيرة، ثم هالني ألا أراهم فجأة.» وما كاد ينتهي قفزت ~~إلى سيفي فتسلحت به وأخذت قوسي وسهامي، وأمرته أن ينطلق بين يدي إلى حيث ذهبوا من قبل، ~~ولكنه ركع أمامي وتعلق بساقي وجعل يرجو ويلحف في الرجاء ألا أذهب؛ «فإنك لن تفشل في ~~إعادة رفاقنا فقط، بل قد تفشل في أن تنجو بنفسك، فانطلق بمن بقي منا، ويا حبذا لو استطعنا ~~الفرار.» ولكني أجبته أن له أن يبقى هو فيأكل ويشرب في السفينة، ويكون بنجوة مما فزع منه، ~~أما أنا فلم أر ضرورة لبقائي. # وانطلقت لا ألوي على شيء، ولكني قبل أن أبلغ البطيحة التي بها ms091 القصر لقيني هرمز الحبيب ~~إله العصا السحرية، وكانت مخايل الصبا وبداوات الشباب تتدفق في بردتيه، وحمرة الورد ~~تلتهب في خديه، لقيني فصافحني متلطفا وقال: «أيها التعس، أيان تضطرب وحدك في هذه ~~الأرض، وقد حبست سيرس من أرسلت من رجالك في حظائرها بعد أن سحرتهم إلى خنازير شقية؟ هل ~~أقبلت لتنجيهم؟ أم جئت لتحتجزك معهم إلى الأبد؟ ولكن أصغ إلي، إني سأحبط ما فعلت، ~~وسأحميك وأحفظك، خذ هذا العقار، # 5 # ولا يهمك بعد أن تدخل قصر سيرس فإنه ينقذك من كل خطر! وهلم أعلمك ما عندها ~~من السحر، إنها ستمزج لك كأسا من الشراب بما عندها من رجس، وستضع لك منه في طعام تقدمه ~~لك، فكل وارو ولا تبال، فهذه البقلة العجيبة التي أعطيك ستحبط كل ما تحيك لك فلا تقدر ~~على مسخك كمن مسخت من رفاقك، فإذا عالجتك بعصاها السحرية فاهجم عليها بسيفك غير هياب، ~~وأرسل إليها شرر الغضب من عينيك فإنها حينذاك تنقاد لك، وتقودك إلى فراشها وتحتال عليك ~~بصنعة الحب وتلطفات الهوى، فإياك أن تنصاع لها حتى تعطيك موثقها أن تبطل ما أنزلت برفاقك ~~من سحر، وأن تترفق بك فلا تمسك بأذى، واحذر يا صاح أن تدنس فضل خيرك بما ركب في ~~طبعها من شر.» وانحنى رسول الآلهة فالتقط عشبة من الأرض، ثم وضعها في يدي، وأخذ يكشف لي ~~أسرارها ويقص علي قواها الخارقة، وذكر لي أن اسمها «مولى» وبه يدعونها في السماء، وأن ~~الآلهة وحدهم يعرفون كيف يشفون بها رقى السحر، وكانت جذورها سودا حالكة السواد، أما زهرتها ~~فكانت بيضاء ناصعة البياض كاللبن. وودعني هرمز ثم رف ورف وعرج في السماء، وانطلقت أنا ~~أخبط في ظلمات من هواجسي حتى كنت لدى باب ربة السحر التي وجدتها تعمل كما ذكر لي صاحبي على ~~نولها، وصحت صيحة عالية فأقبلت تتهادى نحوي، وفتحت مصاريع أبوابها ودعتني فدلفت وراءها، ~~حتى كنا عند عرش عظيم ممرد فضي ذي درج، فاستويت عليه وذهبت هي فمزجت لي كأسا من الخمر ~~بشيء من عقارها، وقدمته ms092 لي فاحتسيته، بيد أنني لم أتغير ولم أتحول عن صورتي، فضربتني ~~بعصاها السحرية وهي تقول: «هلم إلى الحظيرة حيث تقر مع رفقائك.» ولم تكد تصمت حتى وثبت من ~~مقعدي وامتشقت سيفي وهجمت عليها، وفي عيني جحيمان من نار الغضب، فروعت ربة السحر ~~وزلزلت زلزالا عظيما وجرت نحوي، وركعت عند قدمي وتعلقت بساقي، وأخذت تضرع إلي ~~وتقول في بيان رائع وكلمات باكية: «عمرك الله من أنت؟ ومن أين قدمت؟ ما ديارك؟ تكلم أنت ~~يا من لم تسحره جرعتي الهائلة التي لم يذقها أحد وظل في صورته لحظة واحدة، ولكنك تحمل ~~قلبا لا تجوز عليه نفثات السحر. هلم، تعال، إلي إلي أعرفك أحسن المعرفة؛ إنما أنت ~~أوديسيوس الصناع ذو الذكر، ولقد وصلت إلى هنا من اليوم بدورك فلم يشأ هرمز ذو العصا ~~الذهبية أن يخبرني بمجيئك، ولكن أغمد سيفك، وهلم ننعم بالعناق فوق فراشي الوثير كزوجين، ~~وليفرخ روعك وليهدأ بالك ... اطمئن يا أوديسيوس، هلم.» وصمت لحظة ثم انطلقت أجيبها: «سيرس، ~~كيف تتصورين أني فرخ روعي ويهدأ بالي وقد حبست في رحابك رفاقي وشركاء رحلتي بعد إذ ~~سحرتهم إلى خنازير أيتها الربة؟ ثم تخشين إفلاتي فتخادعينني وتبهرجين علي بطلاسم ~~الحب، داعية إياي إلى فراشك لتشوبي صفاء فضيلتي برجس رذيلتك! لا، لا إني لن أقاسمك هذا ~~الفراش حتى تقاسميني أغلظ الأقسام ألا تلحقي بي أذى، وألا تحاولي الإضرار بي.» وراحت ~~تحلف وتؤكد الحلف، وتقسم وتغلظ في القسم، ثم إني انطرحت في سريرها الفخم الديباجي، ~~وأقبلت أربع من عرائس البحر خطرن من اليم وأقبلن من العيون والحرج المجاور لينهضن بخدمتنا، ~~أما الأولى فقد أصلحت من سريرنا وطرحت عليه مطارف الخز، وأما الثانية فقد صفت الموائد ~~ورتبت الكراسي، وجاءت الثالثة بزق عظيم من خمرة طيبة ملأت بها الكئوس الذهبية المنضدة فوق ~~الموائد، أما الرابعة فقد أعدت لي حماما ساخنا وضمختني بأحسن الروائح والطيوب حتى ~~انتعش جسمي الخائر وتأرجت روحي الفاترة، ثم ألبستني ثوبين غاليين من أندر الديباج، ومشت ~~بين يدي إلى عرش عظيم مزدان بأحسن التصاوير ms093 مطعم بالذهب والفضة، فاستويت عليه واضعا ~~قدمي على درج من لباد ناعم ... وأقبلت بعد ذلك عروس أخرى فصبت الماء على يدي من إبريق ~~من ذهب في طست من فضة، وجاءت بمائدة حافلة بأشهى الآكال فوضعتها أمامي، لكنني ما مددت ~~إلى شيء من ذلك يدي؛ لما كان يساورني من الهم، وما يشغل بالي من الانتقام، فلما لحظت ذلك ~~سيرس أقبلت تميس، وأخذت تلاطفني وتقول: «ما لك تجلس ساكنا هكذا يا أوديسيوس كالذي غشي ~~عليه؟ ما تكاد تمتد يدك إلى شيء، كأن ألف وسواس يخامرك؟ ألا تزال تخشى مكيدة فتخاف أن ~~تتردى فيها؟ ألا ما أكبر غفلتك يا صاح! اطمئن فلقد أعطيتك موثقي وحلفت لك بأغلظ الأيمان.» ~~وأجبتها قائلا: «كيف تمتد يدي إلى طعام أو شراب ورفاقي لا يزالون في إسار سحرك؟ أبدا لن ~~أذوق شيئا حتى ترديهم إلى صورهم ثم ألتقي بهم.» ونهضت تحمل عصاها السحرية، وذهبت من ~~فورها إلى الحظائر حيث أطلقت رفاقي، وكانوا لا يزالون في صور الخنازير، ثم جاءت بترياق ~~فمسحتهم به، فعادوا إلى صورهم البشرية، وبدوا في أنضر شباب وأصباه، ثم أقبلوا نحوي يلثمون ~~يدي، ودموع الفرح تبلل مآقيهم، وطفقوا يصيحون ويصخبون وتردد أصداءهم جنبات القصر، ~~حتى تأثرت سيرس نفسها مما رأت، وراحت تقول: «يا ابن ليرتيس الصناع، هلم إلى مركبك فاشددها ~~فوق البر لتكون بمأمن من غوائل البحر، ثم خبئ كنوزك وأذخارك في غيران هذه الجبال، وعد ~~إلي مع جميع رفاقك.» وطربت لهذه الفكرة فهرولت إلى الشاطئ حيث لقيت رفاقي الآخرين ~~يندبوننا ويذرفون دموعهم علينا، وما أن رأوني حتى أهرعوا نحوي يرقصون ويطربون ويحيون ~~كهذه البهم التي تعود في المساء إلى حظائرهم فتتلقاها صغارها بالثغاء والرغاء والضوضاء. ~~وهكذا تلقاني أولئك الرفاق، وبدلت دموع أحزانهم بعبرات المسرة، وخيل لهم أنهم رأوا ~~في شخصي وطنهم المحبوب إيثاكا، حيث ولدوا وحيث نشئوا وترعرعوا ... قال قائلهم: «تالله لكأنا ~~رأينا فيك أوطاننا يا أوديسيوس، وتالله لقد طفرت قلوبنا حين عدت إلينا فعادت أرواحنا إلى ~~أبدانها، حدثنا أيها العزيز كيف هلك إخواننا ms094 في هذا التيه؟» وقلت لهم: «هلموا أولا نجر ~~مركبنا على هذا السيف الهادئ، ولنخبئ أذخارنا وسلاحنا في غيران هذه الجبال، ولننطلق ~~جميعا إلى سيرس حيث ترون جميع رفاقكم في أمنة وعز وطعام وشراب ونعيم مقيم.» وصدعوا بما ~~أمرتهم إلا يوريلاخوس، فقد سمر مكانه، وكأنه لم يحفل بما أخبرت به، ثم حرك شفتيه فقال: ~~«ويح لنا نحن الأشقياء البائسين، فيم ذهابنا نحن الآخرين إلى قصر سيرس وقد تمسخنا جميعا ~~إلى سباع أو ذؤبان أو خنازير؟ ونظل إلى الأبد نحرس عرينها مرغمين! لقد ذهب كثيرون منا ~~ضحية هوس أوديسيوس وقلة بصره، يوم حبسنا السيكلوب من أجل أطماع رئيسنا الطياش. # 6 ~~» وأوشكت أن أضرب رأسه بجرازي فيخر إلى الأرض برغم ما يربطني به من آصرة الوطن ~~ووشيجة الغربة، لولا أن هب رجالي الآخرون يصرخون ويقولون: «أوديسيوس الكريم، لنتركه هنا ~~ليحرس فلكنا، أما نحن فراحلون معك إلى قصر سيرس ولو كان ملئه الفزع الأكبر.» وتدفقوا من ~~السفينة إلى الشاطئ، وانخرط يوريلاخوس بينهم منصاعا لنظراتي المتأججة. أما ما كان من ~~سيرس حينذاك فإنها أدخلت رفاقي إلى حمامها ثم ضمختهم بأحسن الطيوب، وخلعت عليهم أفخر ~~الملابس، ولما وصلنا وجدناهم يطعمون، فما إن رأونا حتى هبوا يعانقون صحابهم ويبكون، ثم ~~جلسوا يستمعون إلى قصة ما حل بإخوانهم، وهم يصعدون زفرات الحزن ترددها قباب القصر، ونهضت ~~سيرس فوجهت إلي الخطاب إذ تقول: «ابن ليرتيس العزيز، هون عليك، وليرفه رجالك عن ~~أنفسهم ولا يستسلموا هكذا لنوبة الحزن، ولترقأ دموعهم جميعا؛ إني لا أجهل ما تجشموا من ~~أهوال في ذلك البحر المضطرب، وما لقوا من فوادح في كل أرض بما كتب لهم في لوح القضاء. ~~ولكن تعالوا جميعا، أنعشوا نفوسكم الخالدة بكئوس الراح، ولتستشعروا بأسكم الذي كنتم ~~تستشعرونه يوم غارتهم شطآن إيثاكا العزيزة. إنكم إن تتناسوا آلامكم فإنها تفت في عضدكم ~~وتوهي من قوتكم، وتكون أبدا حلفا لكم وإلبا عليكم، ولا تعودون تشعرون معها بلذة العيش ~~وبهجة الحياة.» ووقعت كلماتها في قلوبنا فأقبلنا على الطعام والمدام، ثم إننا أقمنا عندها ms095 ~~عاما بأكمله في أرغد عيش وأحسن حال، متقلبين في أرفه نعيم، ثم استدار الزمان وهتف بنا ~~قانون الأزل، فدعاني رجالي إلى جلسة خارج القصر فقالوا لي: «تذكر يا مولانا وطننا الأول، ~~فإننا نحن إليه ونتمنى لو ساقتنا المقادير إلى شطآنه.» # الحصان الذي صنعه أبيوس بإرشاد مينرفا، والذي حمله أوديسيوس الجبار هو ~~وصحبه إلى قلاع طروادة. # وكأنما نبهوا مني غافلا، فتلبثنا يومنا هذا على مائدة ربة السحر في بلهنية وعيش ~~مخفرج وخمر، وأقبل الليل فأوى كل إلى فراشه، وأويت أنا إلى سيرس فداعبتها ولاطفتها، ثم ~~قلت لها في رجاء وظرف: «سيرس يا ربة، حبذا لو وفيت بعهدك فأرسلتنا فوق هذا البحر رحمة ~~بنا؛ لنقضي حاجات الوطن، ولتنقطع شكاوى أصحابي التي مزقت نياط قلبي.» وقالت سيرس: ~~«أوديسيوس العزيز المعروف بأصالة الرأي ورجاحة الفك، إني لن أقسرك على البقاء هنا لا أنت ~~ولا أحدا من رفاقك، ولكنك قبل أن تفكر في شد رحالك إلى بلادك ينبغي أن تذهب في رحلة ~~شاقة بعيدة المدى؛ إلى هيدز، # 7 # دار بلوتو، # 8 # وبرسفونية؛ حيث تلقى النبي الصديق الصالح تيرزياس، الذي احتفظ وحده في عالم ~~الموتى بكل أسراره وقواه الغيبية الخارقة، والذي يثوي في رحاب مليكة الفناء يتنبأ لها ~~وتستوحيه وتستشيره فيعرف # 9 # لك عما يهمك، ويقفك على ما ينطوي لك من صحف الغيب.» وما كادت تنتهي حتى ~~احلولكت الدنيا في عيني، وتدفقت الهموم في نفسي وأجهشت وأجهشت، ثم استخرطت في بكاء طويل، ~~وما كدت أصحو من هذه النوبة حتى قلت لها: «أنى لي يا ربة أن أذهب إلى هيدز؟ ومن الذي ~~يحدوني إليها ولم يسبقني إليها أحد من أحياء البشر؟» فقالت تجيبني: «يا سليل ليرتيس ~~العظيم ليفرخ روعك، ولا يحزنك ألا يكون لك إلى هيدز من دليل، بل هلم إلى سفينتك فأصلح ~~قلاعها وانشر شراعها وستهب الصبا سجسجا فتدهديكم رويدا، فإذا جزتم هذا البحر ~~المحيط، وبلغتم الشاطئ النز # 10 # الذي تنمو فوقه أشجار الحور والصفصاف الباسقة، ثمة باسم برسفونيه، فادفعوا إليه ~~بسفينتكم، ثم تهاووا إلى مثوى ms096 بلوتو السحيق الذي يبتدئ عند الصخرة الهائلة التي تتكسر ~~فوق أواذيها أمواه أشيرون # 11 # وستيكس وكوكيتوس، فاتركوا سفينتكم ثمة واحفروا عندها حفرة ذراعا في ذراع، ثم ~~صبوا في جهتها الأولى قربانا من لبن وعسل، وفي الثانية خمرا معتقة من أحسن ما ~~تعصرون، وفي الثالثة ماء قراحا، فإذا كانت الرابعة فانثروا الدقيق فوق الجميع، واصنعوا ~~ذلك باسم الموتى جميعا، ثم انذروا لهم أن تذبحوا - يوم تعودون إلى إيثاكا سالمين - عجلا ~~جسدا من أحسن قطعانكم، وانذروا كذلك لتيرزياس كبشا سموريا ليس في أغنامكم أسمن منه ولا ~~أقوى جلادا، فإذا فرغتم من صلاتكم ونذوركم وأدعيتكم لجميع الموتى من كل الأمم فاذبحوا في ~~الحال كبشا ونعجة سمورية، على أن تكون رأسا الضحيتين تلقاء أربوس، وعلى أن تشيحوا ~~بوجوهكم تلقاء الشاطئ، فإذا صنعتم كل هذا فسرعان ما ترون أرواح الموتى تقبل نحوكم من فج، ~~فسارعوا إلى ذبائحكم فاسلخوها وألقوا بلحومها في النار مصلين ملبين داعين؛ كيما تهدأ نفسا ~~بلوتو وزوجته برسفونيه، ولا تسمحوا لأرواح الموتى أن تقرب أضحياتكم، وذودوهم عنها بأسيافكم ~~حتى تلمحوا تيرزياس قادما فيلقاكم ويحدثكم ويوضح لكم ما غم عليكم من سبيلكم في هذا ~~البحر الرجراج المتلاطم بالأمواج.» وسكتت وانبلج الصبح، فنهضت تصلح من أثوابها وتضفي عليها ~~من شفوفها البيض كالندف، وتنثر فوق رأسها تلك الغلالة الرقيقة كالثلج، أما أنا فنهضت كذلك ~~واكتسيت صداري ودثاري، ثم توجهت إلى رفاقي فأيقظتهم وحثثتهم على الإبحار من تونا كما رسمت ~~سيرس، وقد هبوا جميعا إلا فتى يافعا لم يكن له يدان في هذه الشدائد، بل كان كل همه في ~~كأس من خمر ينطرح بعدها وهو لا يعي شيئا، وكان اسمه ألينور، وكان قد غرق في سبات عميق فوق ~~سطح القصر، وقد أفزعه ما سمع من جلجلة أسلحتنا فهب من نومه مخمورا متخاذلا، وساقته ~~قدماه إلى حافة السطح فزلتا وسقط إلى الأرض، ودق عنقه فسبقت روحه إلى هيدز، وقلت ~~لأصحابي لما اكتمل جمعهم: أتظنون أنا مبحرون إلى أوطاننا؟ كلا يا رفاق، فأمامنا رحلة ~~طويلة شاقة إلى هيدز، ms097 حيث ينبغي أن نلقى تيرزياس النبي الصالح ليعرف لنا ويقفنا على صفحة ~~مما يطوي لنا الغيب، بهذا رسمت سيرس وإنا لنصيحتها لسامعون.» وخفقت قلوب إخواني ونظر ~~بعضهم إلى بعض، ثم جلسوا يشدون شعورهم من الحسرة ولكنهم صدعوا أخيرا، بعد إذ أيقنوا أن لا ~~شيء غير هذا ينفعهم، وانقلبنا إلى البحر، وكانوا لا يزالون يذرفون دموعهم ويصعدون ~~حسراتهم، وفيما نحن ذاهبون كانت سيرس تسوق إلى السفينة كبشا عظيما ونعجة سمورية، وإن كنا ~~لم نرها قط، ومن ذا الذي تستطيع عيناه أن تريا ربة كريمة رائحة أو جائية إن لم تشأ هي أن ~~تكشف عن نفسها؟ # أرض المردة الجبارين الطغاة الذين لا يخضعون إلى الشريعة. # | أوديسيوس يروي قصته: رحلة أوديسيوس إلى العالم الثاني # «وذهبنا إلى الشاطئ، وأنزلنا الفلك إلى الماء، ثم أصلحنا القلاع ونشرنا الشراع ووضعنا ~~القرابين على السطح، وذرفنا من الدموع ما شاءت لنا الهموم والآلام، وأقلعنا، وأرسلت سيرس ~~بين أيدينا ريحا رخاء كانت خير معوان لنا وخير رفيق في سفرتنا الرهيبة هذه، حتى لتركنا ~~لها مقاليد الفلك، وانسدحنا # 1 # فوق السطح من غير ما عمل، ولم تزل تجري بنا طول هذا اليوم حتى إذا أوشكت الشمس ~~أن توارى بالحجاب، وقارب الظلام أن يلقي أردانه على الكون الهادئ، أشرفنا على تخوم البحر ~~الأعظم، حيث تنهض مدينة السمريين التي ينعقد من فوقها دجن # 2 # كثيف وظلمات داجية، فلا تنفذ إليها شعاعة من نور، ولا يحييها رسول شمس هذه ~~الدنيا العاملة الدائبة، التي يسطع في سماوتنا ركبها الفخم، فهي أبدا في ليل متصل مدلهم، ~~لا تنجاب عنها غواشيه، وهنا ألقينا مراسينا، وأنزلنا الكبش والشاه إلى البر، وانطلقنا فوق ~~سيف البحر إلى حيث أمرتنا سيرس، وتركنا يوريلاخوس بن برميد عند القربانين، وعنيت أنا ~~بحفر الوهدة فجعلتها ذراعا في ذراع، ثم شرعت أصب تقدمات الشراب باسم الموتى، فبدأت بمزيج ~~اللبن والعسل المصفى، وأتبعته بالخمر المعتقة، وثلثت بالماء القراح، ثم نثرت على ذلك ~~كله دقيق الشعير، وصليت من أجل الموتى، ونذرت - إن عدت إلى إيثاكا - أن ms098 أضحي لهم بعجل ~~جسد ذي خوار يكون أسمن وأقوى ما في قطعاني أذبحه وأحرقه في نار مجللة بكل ما يشوق ~~الأشباح من أرواح وطيوب، وخصصت الكاهن الطيبي «تيرزياس» فنذرت أن أضحي له بأحسن كباشي ~~وأعظمها منة، ثم شمرت عن ساعدي، وذبحت القربانين فتدفق الدم في الوهدة، وهنا ~~أهرعت الأشباح من كل فج، وأقبلت مهطعة كأسراب الدبى! # 3 # يا للآلهة، هنا زرافات العذارى جرعن كأس الحمام في ميعة الصبا، وهنا جموع ~~الشباب اليانع كأفواف الزهر غالهم عادي الردى، وثمة عرائس تسربلن سواد الحزن، فاجأتهن ~~المنايا ليلة الزفاف، وهناك أطفال كأكمام الورد لما تفتح قطفتهم أيدي المنون وعن كثب ~~وقفت كواكب المحاربين الذين لطخوا بالدماء وجه البسيطة، والآباء والأمهات والأجداد ... ~~أقبلوا يتدافقون نحو الوهدة صائحين صاخبين، قاذفين في قلوبنا الرعب، ثم هتفت برجالي فشرعوا ~~يحرقون القرابين ويصلون لرب هذا الدار - بلوتو - ولزوجه، ورحت أنا أذود الأشباح الهائمة ~~عن دم الضحايا بسيفي أضرب به ها هنا وها هنا، حتى لمحت روح رفيقي ألينور # 4 # الذي تركناه في أرض سيرس دون أن نقيم له شعائر الموت؛ لما كنا بسبيله من هموم! ~~لمحت روح رفيقي فتصدعت، ثم ذرفت عبرات وعبرات، وكلمته قائلا: «ألينور يا صديقي، كيف ~~وصلت إلى ظلمات هذه الدار الآخرة في مثل هذه السرعة ولم تحملنا إليها سفينتنا إلا بعد لأي؟ ~~إليها عمرك الله هل سبحت في الهواء، أم طويت إليها الرحب ماشيا؟» وانهمرت من عينيه دموع ~~ودموع، ثم قال يجيبني: «يا ابن ليرتيس النبيل، والمعروف في العالمين بالحكمة ودقة الفهم، ~~لقد أودى بي السكر فسقطت من سطح سيرس فدق عنقي، وأسرعت من ثمة على درج الظلمات إلى ~~هيدز؛ على أنني أستحلفك بكل عزيز عليك؛ ببنلوب بالنار المقدسة التي تتأجج عن قبسها حياتك، ~~بولدك الأوحد تليماك أن تجمع ما تبقى من سلاحي وعتادي إذا عدت إلى سيرس، وإنك إليها لعائد ~~حين ترجع أدراجك من عالم هيدز، وأن تحرق جثماني في نيران هذا العتاد، ثم تصلي لي وتضرع ~~إلى الآلهة من أجلي حتى أقر ms099 هنا، وتهدأ في الظلمات روحي، وأن تغرس فوق الكومة التي تشمس ~~رفاتي مجدافي العزيز الذي عملت به في البحر تحت إمرتك وفي ذرى سلطانك وقيادتك، حتى يذكرني ~~في العالم الفاني الذاكرون.» ووعدته أني فاعل، ثم لم أزل أذود الأشباح عن الدماء المتدفقة، ~~وفجأة لمحت بين أرواح الموتى شبح أمي! أمي المحبوبة أنتكليا ابنة الشجاع أوتوليكوس التي ~~تركتها يوم يممت طروادة قوية، غريضة الصبا ريانة الشباب، وما وقعت عيني عليها حتى أجهشت ~~وأجهشت، ثم انهمرت من مقلتي أحر العبرات، ومع ما كان يعتلج به صدري من الأسى عليها ~~فقد ذدتها عن الدماء كذلك، وبي من الهم لتلك الفعلة ما أوهنني وأضواني، ثم أقبل نبي طيبة ~~وكاهنها الجليل يتوكأ على عصاه الذهبية، وما كاد يحملق في قليلا حتى عرفني وخاطبني ~~يقول: «لم غادرت الدنيا الدافئة المشرقة أيهذا التعس، وقدمت لترى هؤلاء الموتى ولتضرب في ~~ظلمات هذا العالم العبوس؟ ولكن نح هذا السيف قليلا حتى أجرع من تلك الدماء، وإني ~~لمحدثك حديث الصدق عما جئت من أجله.» وأغمدت سيفي وانحنى الكاهن فعب من الدماء ما شاء، ~~ثم قال لي: «أوديسيوس، إنك تجتهد أن تعود أدراجك إلى بلادك، غير أن طريقك إليها محفوفة ~~بالمكاره ممتلئة بالعقبات، وإن لك فيها لعدوا لدودا يتأثرك، ذلك هو نبتيون الذي أسخطته ~~بما سملت عين ولده السيكلوب «بوليفيم» على أنك واصل بعد أهوال جسام إلى وطنك، فإنك إن كبحت ~~جماح شهواتك أنت ومن معك فإنك واصل يوما إلى شطآن تريناشيا، وتكون قد أفلت من روع ~~اليم وأرزائه، فإذا كنت ثمة فاحذر أن تمس قطعان رب الشمس السائمة في الجزيرة بأذى إن كنت ~~حريصا على العودة إلى بلادك سالما مهما اقتحمت بعد ذلك من عباب وعقبات، فإذا مسها ~~منكم أحد بأذى فويل لكم جميعا، إن فلكك تغوص إلى الأعماق ويغرق رجالك أجمعون، أما أنت ~~فتنجو بعد جهد، وتلتقطك سفينة عابرة وتعود بك بعد شقاء وبلاء، وعناء أيما عناء، إلى وطنك ~~الذي ينتظرك فيه ألف ويل وويل، ستجد قصرك المنيف محتلا ms100 بطغمة أشرار من عشاق زوجك الوفية ~~لك، يريغون خيرك ويذبحون شاءك، ويغرون بنلوب بالعطايا والرشى لتختار بينهم بعلا لها، ~~ولكنك ستنتقم منهم وتنتصف لما قدموا من سوء، وستبيد جموعهم فإذا تم لك النصر عليهم ~~فانطلق من فورك إلى الشعب الذي لم ير البحر أحد من أهله ولم يذق الملح أحد منهم قط، ~~وليكن معك مجداف عظيم يدلك عليهم، فإنهم إن رأوه عجبوا من منظره، وظنوه مذراة مما يذرى ~~به القمح، فإذا عرفتهم فاغرس المجداف في أرضهم، وضح لنبتيون رب البحار بعجل جسد وكبش ~~سمين وخنزير كناز، # 5 # ثم تبتل إليه وأخبت وانطلق إلى وطنك وضح بأحسن ما تملك من الشاء ~~والنعم للآلهة، وصل لكل منها واخشع تعش آمنا غانما، وتمت بعد حياة هادئة موتة ~~قريرة ناعمة بعد حكم عادل طويل وشيخوخة هانئة موفورة ... هذا من أنباء الحق عرفتها ~~لك.» # وقلت له: «أنا لا أكذبك يا تيرزياس فيما كشفت لي من أنباء الغيب، ولكن، جعلت فداك، إني ~~ألمح شبح أمي جاثما بالقرب من الدم دون أن تتعطف بكلمة واحدة على ابنها الحبيب، فمن ذا ~~الذي يشعرها أني - أنا ابنها الأوحد - قريب منها.» فقال: «لا أيسر من ذلك يا ابني، فإنك ~~إن تركت أيا من هذه الأشباح يرشف رشفة من ذاك الدم، فإنه يتحدث إليك بعد وينبئك بما ~~تشاء.» ثم غاب شبح الكاهن في ظلمات مملكة بلوتو، وسمرت أنا مكاني أنتظر شبح أمي التي ما ~~كادت تتذوق الدم حتى عرفتني، وانطلقت تكلمني في ترفق وحنان: «أي بني كيف أتيح لك ~~الضرب في دياجير هذه الدار الآخرة وأنت لا تزال حيا تدب على رجليك؟! ألا ما أشق هذا ~~على بني الموتى من أهل الدار الأولى، إن ها هنا أنهارا من حميم يدور بعضها على بعض، وقد ~~تطغى على شطآنها بعباب حميء، ويحيط بها البحر الأعظم الذي لا تشق أجباله فلك، بله قدم ~~سائر عابر، أواه لقد ذرعت البحار شرقا ومغربا في رحلتك من إليوم أنت ومن معك، ولما تصل ~~إلى إيثاكا العزيزة.» وسكتت ms101 قليلا فسألتها: «الظروف القاسية وحدها يا أماه هي التي قادتني ~~إلى مملكة بلوتو، ليعرف لي الكاهن الصالح الطيبي تيرزياس، ولقد تجشمت الأهوال الثقال منذ ~~توجهت مع أجاممنون للقاء أبناء طروادة، وها أنا ذا منذ ذلك اليوم لم تطأ قدماي أرض وطني، ~~ولكن نبئيني يا أماه أية ضربة أودت بحياتك الغالية؟ هل سفك دمك أحد، أم أصماك سهم من ديانا؟ ~~وحدثيني كذلك عن أبي السند الشيخ، وعن ولدي تليماك، وحدثيني عن ملكي وعتادي، هل غلب ~~عليها أحد من سادات البلاد حين يئس الكل من عودتي؟ وخبري عن زوجي، ألا تزال تعيش مع ولدي ~~مخلصة وفية لي؟ أم تزوجت من أحد أمراء هيلاس؟» وقال الشبح الكريم يجيبني: «حاشا يا بني! ~~إنها لا تزال وفية لك، مبقية على ذكراك، مقيمة في قصرك، وإن تكن تقضي لياليها وأيامها في ~~حزن ممض عليك، ودموع جارية من أجلك، وآلام ما تنتهي لبعدك، أما أملاكك فلا تزال لك، ~~وما يفتأ ولدك يغلها باسمك، وما يفتأ يغشى الولائم في أبهة الأمراء ورواء الأماثل ~~العظماء، ولم يزل أبوك مقيما في مزارعك عزوفا عن المدينة وبهرجها، وأرائك القصور ~~وزرابيها، وهو يقضي أيامه يصطلي نار المدفأة في الشتاء قابعا على فروته الفقيرة ~~المتواضعة، غارقا في أثماله ومزقه، فإذا جاء الصيف أو فجأه الخريف اعتكف في ناحية، ~~وانطرح على الهشيم المتساقط من الأشجار، وراح يعالج من الحزن عليك والبكاء بسببك ما يوهيه ~~ويضنيه طوال تلك السنين السوالف، وهكذا هلكت أنا الأخرى من طول التفجع عليك والتصدع من ~~أجلك، فلا ديانا أصمت فؤادي بسهم، ولا اعتدى علي معتد، بل الحزن وحده يا أوديسيوس ~~والوحشة والضنى وطول الوجد، وذكراك في كل حين، كل أولئك يا بني اختصر عود حياتي، وعجل ~~إلي مماتي.» وما كادت تفرغ من حديثها حتى أزرفت # 6 # إليها أود لو ضممتها إلى صدري، بيد أني فشلت مرة وأخرى وثالثة، إذ كانت تنفتل ~~في كل مرة من بين ذراعي كما ينفتل الظل، أو كما يسري الحلم، ولم أطق على ذلك صبرا ~~فقلت ms102 لها: «لماذا تأبين علي عناقك يا أماه وقد نتداوى به مما بنا من شجو، ولو كنا هنا في ~~مملكة بلوتو، أم يا ترى أرسلت إلي برسفونيه شبحا يعبث بي ويتضاحك علي؟» قالت: «أواه ~~يا بني، يا أتعس بني الموتى، أبدا ما حاولت ربة هيدز أن تعبث بأحد، ولكنها طبيعة الموتى ~~هنا، فهم لا عضل ولا لحم ولا عظم، ولا ما ذهبت به النار بعد الموت في الدار الأولى ... بل هم ~~أرواح تشبه الظلال أو الأحلام في خفتها وسرعة انفلاتها، ولكن هلم فعد أدراجك إلى ~~النور؛ فلقد جاءك من الحق ما هو حسبك.» ثم همهمت حولي أشباح العذارى والأزواج من بنات ~~هيدز، سعين من عند برسفونيه فامتشقت سيفي وطفقت أذودهن، فلا يقربن الدم إلا بإذني واحدة ~~بعد واحدة، لتقص علي كل منهن قصة حياتها، ولقد كلمت تيرو # 7 # الحسناء كريمة المحتد طيبة الأعراق، فذكرت لي أنها ابنة سالمون وزوجة كريتيوس ~~بن أيولوس، وأن أينبوس إله السلسبيل - أعذب أنهار الدنيا - كان مشغوفا بها حبا، وأنها ~~كانت تغشى شطآنه النضر وخمائله الخضر من أجل ذلك، وأنها كانت يوما تلعب هناك، فإذا شبح ~~جميل كأنه شبح حبيبها يظهر فجأة ثم يأخذها بين ذراعيه، ثم يعلو طوفان من اليم فيطويهما ~~معا، ثم تفيق فترى نفسها بين ذراعي نبتيون الجبار رب البحار الذي يشاكيها غرامه هو ~~الآخر، ويبثها حبه ولاعج قلبه، ثم يهوي بها إلى أعماق مملكته السحيقة ويعاشرها كزوجة، ثم ~~يرسلها بعد أن يوصيها بولديه التوءمين منها ثمرة الحب السرمدي المقدس، ويغوص في اليم ~~وتعود هي إلى بلدها فتضع ولديها العظيمين - وزيري جوف الأكبر - بلياس ونليوس، ويشب بلياس ~~ويضرب في الأرض فينتهي إلى مروج أياؤلخوس ويرعى ثمة بهمه وقطعانه، أما نليوس فيسكن ~~البلقع الجدب من أرض بيساوس، وتتزوج كريتيوس بعد ذلك كله، فتنجب منه أبناءها الثلاثة الآخرين # 8 # ذوي الشهرة والمجد، ثم كلمت أنتيوب ابنة أسوب التي راحت تفخر بما كان بينها ~~وبين جوف - كبير آلهة الأولمب - من هوى وصبابة وحب، وأنها أنجبت له ولديه ms103 العظيمين ~~أمفيون وزيتوس منشئ طيبة العظيمة ذات القلاع والتلاع والأبواب السبعة، ولقيت بعدها الكمينة ~~ابنة أمفتريون حبيبة جوف وأم هرقل الحديدي الجبار، ولقد ذكرت لي أنها تزوجت من كريون بعد، ~~فأنجبت له ابنته ميجارا زوجة ابن أمفتريون، ولقيت الحسناء أبيكاست # 9 # أم أديبوس الملك التابع، الذي تزوجها وهو لا يدري أنها أمه بعد أن ذبح أباه، ~~فصبت عليه السماء سياط عذابها، وذهب على وجهه في الأرض حيران، أما أمه فقد سبقت روحها إلى ~~هيدز بعد إذ شنقت نفسها في سقف بيتها، تاركة ولدها لربات العذاب يسمنه الخسف ~~ويجرعنه الأوصاب، ولقيت الغادة الحسان خلوريس التي هام بها نليوس ونثر تحت قدميها ~~هداياه، فأسلسلت له ورزق منها أبناءه الثلاثة: نسطور وخروم وبركل الميامين ذوي المجد، ثم ~~كلمتني ليدا زوجة تندار أم كاستور الصنديد وبوللكس الملاكم العتيد، إنهما ينعمان بنعمة ~~زيوس أبي الآلهة؛ فهما يتبادلان الموت والحياة سنة فسنة؛ وفاء منهما ومحبة وإعزازا، ثم ~~رأيت أفيمديا الحبيبة التي فخرت بهيام نبتيون والتي أنجبت له طفليه الجميلين؛ أوتوس ~~وأفالث اللذين بزا بجمالهما كل من دب على وجه الأرض باستثناء أوريون. يا لهما من ~~طفلين! لقد شبا نيران الحرب على آلهة السماء، وحاولا رفع أوسا إلى قمة الأولمب فجعلا ~~يليون على أوسا ركاما، وقد أوشكا أن يفلحا لولا أن ذبحهما زيوس وولده أبوللو ليكونا ~~عبرة لغيرهما، فيا للموت هذا المعتدي على شبابها الغض، فأذبل الخدود وأذوى الورود. # ورأيت بعد ذلك فيدرا، ولقيت أريادن المفتان وبروسيز اللعوب، أما أريادن فقد حملها ثيذيوس ~~من كريت إلى فراديس أثينا، ولكن وا أسفاه إنها ما تمتعت ثمة لا قليلا ولا كثيرا فقد ~~أصمتها ديانا الغادرة بسهامها، وشهد فعلتها المنكرة باخوس العظيم، في ديا. # ورأيت ميرا، وكليمنيه، وأريفيل التاعسة التي قبلت أن تنال ثمن روح زوجها من الذهب. # والآن وقد أوشك الليل أن يلقي علينا طيلسانه، فما أحسبني أستطيع أن أحصي زوجات ~~الأبطال العظام وبناتهم اللائي لقيت في هيدز، فأرجو لو أمر الملك فانطلقت لأستريح في ~~سفينتي، أو هنا إن ms104 أذن، وكلي ثقة فيكم وإيمان بالآلهة أنكم ستدبرون أمر إبحاري إلى وطني ~~حتى الصباح.» # وسكت أوديسيوس وصمت الجمع المحتشد في الردهة الملكية فكأن على رءوسهم الطير من روعة ما ~~حدث، حتى نهضت أريتا الملكة ذات الذراعين العاجيتين، فقالت: «أيها الفياشيون، كيف أنتم ~~وهذا المهاجر النبيل الذي زادته الآلهة بسطة في العقل والجسم، وأضفت عليه هذا البهاء وذاك ~~الرواء؟ إنه ضيفي، بيد أنكم تشركونني في ضيافته والاحتفاء به، فخليق بكم ألا تسرحوه على ~~عجل كما يجب، بل حري بكم أن تسبقوه أياما حتى تخلعوا عليه، وتقدموا له أطرف الهدايا ~~وأعز اللهى، وتفيئوا عليه مما حبتكم السماء، فكلكم غني جم الغناء، ثري واسع الثراء.» ~~وتكلم البطل أخنيوس أكبر أمراء فياشيا وأتلدهم ذكرا فقال: «إن مليكتكم ذات المجد ~~والكبرياء يا أصدقاء لا تبدي رغبة فحسب، بل هي تصدر عن إرادة عالية وأمر سني، فحبذا ~~لو أصختم وصدعتم ... على أن كل شيء هو رهين بمشيئة الملك فلير إذن رأيه.» وقال الملك: ~~«إني أوافق على ما رأت الملكة زهرة فياشيا وسيدة البحار، ليبق الضيف إلى غد إذن برغم ما ~~يحدوه من الشوق إلى بلاده، حتى أسبغ عليه وأدبر أمر عودته التي يعنى بها الجميع.» ~~وكأنما صادف مقال الملك هوى في فؤاد أوديسيوس فنهض وقال: «ألكينوس، يا ملك فياشيا العظيم، ~~بودي لو بقيت هنا عاما بأكمله؛ ليتم الملك نعمته علي، وليدبر أمر عودتي سالما إلى ~~أرض الوطن، فما أجمل أن أعود بالعطايا والهدايا والنعم؛ لأملأ عيون مواطني، ولأكسب احترامهم ~~وأنال محبتهم بعد طول النأي وفدح البعاد!» # فأجابه الملك: «لله ما أروع ما حدثت يا أوديسيوس! وكأنما حدثت بلسان ساحر عليهم ~~يبهرج القصص ويوشي الأخبار ويروق ويزوق في زكانة وفطانة وحذق وترتيب! أبدا ما تساكبت ~~الموسيقى والنغم الحلو من لسان كلسانك الذرب الحبيب، ولكن ماذا عندك من أخبار الأبطال ~~الإغريق الصيد الصناديد الذادة المذاويد؟ حدث يا أوديسيوس قل، قص علينا أخبارهم، أرأيت ~~أحدا ممن شهد معك وقائع طروادة؟ إن الليل لا يزال في عنفوان يا صاح، وما ms105 بأعيننا من سنة ~~فنأوي إلى فراشنا في مثل تلك الساعة، هلم فحدثنا؛ فبنا من حديثك شغف، وكلنا إليه شوق، ولو ~~حدثت حتى مطلع الفجر إن لم ينل منك وصب أو يعيك ملال.» # وقال أوديسيوس: «بورك سيد فياشيا الملك ألكينوس لا يزال في الوقت متسع للحديث وللنوم ~~معا، وإن شئت حدثتك طائفة من الأحاديث عن أبطال الإغريق، سواء منهم من ثوى تحت أسوار ~~طروادة ومن أفلت من الموت ثمة فترصدته المنايا في أرض وطنه صببا من كف زوجه الأثيم ~~الزنيم! إليك إذن، وحينما هتفت برسفونيه - ربة هيدز - بأشباح العذارى وأرواح الحسان، ~~فتكبكبن وانثنين عني إلى ظلمات دار الفناء، بدا لي طيف ~~أجاممنون - ابن أتريوس - ومن حوله كوكبة من أشباح الذين ~~قتلوا معه في داره بيد إيجستوس، أهرع إلى الدماء فرشف منها رشفات ثم نهض فعرفني، وكأنما ~~شاعت فيه رعدة من الدهشة والذعر، وتحدرت دموعه الحرار السخينة فوق خديه، ثم مد ~~إلي ذراعيه يود لو عانقني، ولكن، وا أسفاه وهل يعانق الشبح إنسيا؟ ونال مني الحزن ~~فبكيت من هذا المنظر الفادح الأليم، وبدأت أكلمه في أسلوب بائس وعبارة باكية: «ويحك يا ~~ابن أتريوس يا ملك الدنيا العظيم! ماذا جرعك كأس المنايا؟ خبرني هل جرعتها في قرار اليم ~~مغرقا بيد نبتيون، أم فوق ظهر الأرض حين كنت تسوق قطعانك، أم قتلت وأنت تحارب من أجل ~~بنات أخايا إذ هن محاصرات خلف أسوار مدينتهن؟» فقال يجيبني: «أوديسيوس الزعيم النبيل، ~~يا ابن ليرتس الحكيم، أبدا ما مت مغرقا بيد نبتيون، ولا فوق ظهر الأرض في حومة حرب ~~زبون، بل ذبحني اللئيم إيجستوتس بعد أن دبر غيلتي مع زوجتي الآثمة، حين ملق # 10 # لي وبالغ جهده في الاحتفال بي، ثم ذبحني كما يذبح الثور في مذودة، وكر على ~~رجالي فذبحهم كما تذبح الخنازير لوليمة في عرس أو في حفل لزعيم عظيم، أوه أوديسيوس لا ~~جرم أنك قد شهدت ألف معركة ومعركة جندلت فيها أبطالا وراء أبطال، بيد أنها جميعا لم تك ~~شيئا في ذلك الحديث الرهيب، ms106 لقد هوينا نتخبط في دمائنا التي ضرجت الأرض تحت أخاوين # 11 # حافلة بأطيب الآكال وأشهى الأشربات، ثم جلجلت في أذني الصرخة الرهيبة، صرخة ~~ابنة بريام، فكانت ما أروع وما أفدح! لقد انبطحت على الأرض إلى جانب كاسندار قتيلا بيد ~~زوجتي كليتمنسترا، ومع ذلك لم أفقد الأمل يا صديقي، بل حاولت أن أمتشق جرازي، لكن الخائنة ~~انسحبت كالأفعى ولم تعبأ بي، بل لم تشأ أن تغمض عيني أو تسند ذقني، في اللحظة التي أوشكت ~~أن أطرق فيها أبواب هيدز، ويلاه وويلي على المرأة التي طاوعتها يداها فأتت هذا المنكر، ~~وارتكبت إثم قتل زوجها ورفيق صباها. # لقد حسبت حين عدت أدراجي أنني سأقابل بالأهل والسهل من أبنائي وأهلي وحاشيتي، ~~ولكنها، الفاجرة الغادرة ، التي بزت بفجورها كل صنوف الفجور، قد سحبت على نفسها أذيال ~~العار والخزي، بل هي قد سحبت أذيال العار والخزي على كل أنثى لم تر النور بعد، وعلى كل ~~الصالحات الطيبات من بنات جنسها.» # وسكت أجاممنون، فقلت بدوري: «يا سماء، ما أقسى ما قضت يد زيوس على بيت أتريوس منذ البدء! ~~كله من الأنثى دائما، لقد قتلنا في غير رحمة ولا رفق من أجل هيلين # 12 # وتدبر لك كليتمنسترا تلك الفعلة بينما أنت نازح بعيد عن ديارك.» # قال: «من أجل ذلك أوصيك ألا تلين عريكتك لامرأة قط، وألا تجعلها موضع سرك ومحل ~~ثقتك، بل إن أسررت لها بشيء فخبئ عنها أشياء، هذا وإن تكن زوجك وفية خالصة لك لا ~~يخشى عليك منها رهق ولا غدر كهذا الغدر؛ لأنها ابنة إيكاريوس وحسب، ذات الحصافة واللب، ~~لقد غادرناها ولما تزل عروسا يوم غادرناها إلى اليوم، وعلى صدرها الوفي ولدك الحبيب، ~~الذي شب ليحمل اسمك، ويعلي في الخافقين ذكرك، والذي ينتظرك لهفان ليضمك إلى صدره ~~يوم تعود إلى إيثاكا، وإنك إلى إيثاكا لعائد، وبذا قضت الآلهة. أما أنا فوا أسفاه على ~~أورست، ولدي المسكين، الذي قتلتني الغادرة قبل أن أتزود منه نظرة! اسمع يا أوديسيوس، أصغ ~~إلي، إني سأفيء عليك من كنوز خبرتي ms107 وتجاريبي، عليك بالسر في أوبتك إلى وطنك، واستعن على ~~رحلتك بالكتمان؛ لأنه لا ثقة في امرأة بعد اليوم، # 13 # ولكن اصدقني بربك، أين يأوي ولدي الآن؟ هل يقيم في بيلوس؟ أو يثوي في ~~أرخومينوس؟ أم هو يستذري بذرى جدته - أمي الحبيبة - في قصرها المنيف بأسبرطة؟ إنه لا يزال ~~حيا يرزق، ولم يأو بعد إلى دار الظلال هيدز، واعتذر إليه أني لا أعلم إذا كان حيا ~~يرزق أو أنه غدا من أشباح هيدز.» وظللنا نتحدث شجون الحديث، ونذرف الدموع على كل ذكرى ~~حتى وافى شبح أخيل البطل، ابن بليوس العتيد، وفي أثره شبح تربه بتروكلوس العظيم، وبمقربة ~~منه طيف أنتيلوخوس يتدهدى مع طيف البطل المغول أجاكس الذي امتاز ببسطة الجسم وجبروت المظهر ~~على الجميع ما عدا بيليدس وحده، وعرفني شبح العداء الكبير أياسيدس # 14 # فقال يخاطبني في خفة وظرف: «أوديسيوس يا رجل الدهاء والخدع، أي تدبير ليست ~~فيه تدابيرك الماضية وحيلك السوالف شيئا ما؟ أنى لك إلى هذه الدار؟ أضيف أنت؟ أم هو ~~طيشك وقلة مبالاتك جعلاك تضرب في دياجير هيدز الرهيبة بيت الأرواح والظلال والأشباح؟» فقلت: ~~«أخيل يا ابن بليوس العظيم، يا أشجع أبناء أخايا قاطبة، لقد سعيت إلى هنا لألقى الكاهن ~~الطيبي تيرزياس ليعرف كيف أصل إلى شطآن إيثاكا الصخرية؛ لأني عييت بالزوابع والعواصف في عرض ~~اليم، فما استطعت أن أصل إلى أخايا أو أن أرسو في بلادي. إني أغبطك يا أخيل من أعماقي؛ ~~فلقد عشت في هناء وعز، وبجلك الناس كأحد آلهتهم، وها أنت ذا تحكم هنا وتنهى وتأمر على ~~جميع هؤلاء الموتى، فما أجدرك ألا تأسى؛ لأنك مت هذه الموتة في الدار الأولى.» وأجابني على ~~الفور: «أوديسيوس ذا الذكر، لا تخالن عزاء يخفف من وطأة الموت، لقد كنت أوثر لو أعيش في ~~الدنيا كأحقر الأجراء الأذلاء، وأتبلغ بلقمات قليلات لا تقيم أود الشيخ الفاني، على أن ~~أقيم هنا مملكا في جميع هذه الأشباح والتهاويل، ولكن تعال هلم فحدثني عن ولدي الحبيب، ~~هل وصل ما انقطع من حياتي ms108 الحربية؟ أو هجر السيف وطلق المعمعة؟ وحدثني عن أبي بليوس ~~الكريم، ألا يزال يتمتع باحترام الناس وتبجيلهم وحب الميرميدون # 15 # وفدائهم؟ أم تجرد من الأبهة ونزل على حكم المشيب والكبر والأيام التي أوهنت ~~عظامه؟ أواه يا أبتاه، ليس لك اليوم أخيل كان ينشر الرعب في جنبات طروادة، أواه لو وسعني أن ~~أعود إليك لحظة، إذن لقسرت الناس على الخضوع لك، ولأرغمت كل جبار عصي على تمليقك وذل ~~العبودية لك، بدل الثورة بك وقلة الاحتفال بشيخوختك.» وقلت أجيبه: «أنا لا علم لي بما كان ~~من أمر بليوس أبيك، ولكني ذاكر لك ما ترامى إلي من أخبار ولدك نيو بتلموس؛ لأني حملته على ~~سفائني من سكيروس إلى الجيوش الحاشدة من أخايا، ولقد كنا نجتمع للشورى # 16 # تحت أسوار إليوم فما كان يتكلم إلا لماما، وما كان ينطق عن الهوى إذا فعل، ~~وإذا استثنينا نسطور، وأنا، فما كان أحد ينهض إلى مقامه، أو يقارن به من جميع الأبطال ~~الإغريق، وكنا نكر حول طروادة ونفر، فما أعرف أن أحدا كان أجرأ منه كرا ولا أحذق فرا ~~... ولقد جندل من أبناء طروادة الصناديد أقرانا وفرسانا حتى ما أستطيع سرد أسمائهم جميعا، ~~بيد أنني أذكر فيمن أذكر منهم يوريبيلوس بن تلفوس البطل الذي أغرى «بريام» نساءه بالرشى ~~ليقنعنه بخوض غمار الحرب إلى جانب الطرواديين، فما زلن به حتى خاضها هو وجنوده السيتيون. ~~لله ما كان أجمل وما كان أروع! أبدا ما رأيت زعيما ولا سيد قوم - باستثناء ممنون - أبهى ~~منه ولا أصفى جمالا، وما أنسى لا أنسى يوم حصان أبيوس الخشبي، يوم قمت أتخير الصناديد ~~المذاويد من أبناء هيلاس ليكونوا معي داخله، وكان علي أن أظل عند بابه السري؛ لأرى في ~~فتحه أو إغلاقه ما أرى. لا أنسى ما كان من هلع أبطالنا وذعرهم وذهاب نفوسهم وتحدر دموعهم ~~من هذه المهمة رعبا وفرقا، أما ولدك فيا ما كان أشجع ويا ما كان أربط جأشا! إن عبرة ~~واحدة لم تنسرق من عينيه، بل إنه كان يحثني ويحرص ms109 جد الحرص على أن أختاره، حتى إذا ~~فعلت تقدم متبخترا يجر رمحه الظمئ، ويغلي صدره بنار الانتقام يود لو يصبها على ~~طروادة وأبنائها جميعا، وما إن فتحت علينا وأبنا منها بالغنائم والأسلاب والسبي حتى ~~نظرت إليه قبل أن يبحر فما وجدته يشكو رمية، ولا يئن من جرح، ولا أثر في جسمه لخدش مما ~~تصنع الحرب، وما تسجل فعال مارس.» # الملكة الحسناء والأبناء الغر الميامين. # وزهى أخيل من كثرة ما أثنيت على ولده، فراح يتخايل ويدل وسط شجر البرواق، # 17 # وكانت جموع من أشباح الموتى تملأ الرحب، وقد جلس كل أو هام على وجهه يبكي ~~ويشكو بثه لغير سميع، وقد رأيت بينهم شبح صديقي التيلاموني - أجاكس - وكان يحدجني في ~~الفينة بعد الفينة، ولكنه لم يشأ أن يكلمني ، آه إنه لا يزال ينقم علي ما شجر بيني ~~وبينه من نزاع على عدة أخيل «بعد مقتله» وما كان من طلب ذيتيس # 18 # ألا يلبس دروع ولدها سواي، ثم ما كان من تأييد مينرفا للأم الرءوم فيما طلبت، ~~لقد كان انتصارا لي، كم كنت أوثر ألا يكون؛ لأنه كان فيما يبدو سبب مقتل أجاكس المغوار ~~الذي لم يكن فينا من هو أشجع منه إلا أخيل نفسه، ولقد وجهت إليه ألين الخطاب لأقل ~~من ثورة غضبه، فقلت له: «أيها العزيز أجاكس، يا ابن تيلامون المجيد، أما تستطيع أن تغضي ~~- وأنت في الدار الآخرة - عما شجر بيننا بسبب هذه العدة المشئومة؟ لعنتها الآلهة من عدة ~~كتبت فوقها صحيفة موتك، فخسرنا فيك أشجع فرساننا وأعظم مقاتلينا، إنا ما نفتأ نبكيك ~~ونشكو رزأنا فيك، ونعد فقدك كفقدنا أخيل نفسه ولكن لا تثريب على أحد قط؛ فجوف - كبير الآلهة ~~- الذي ما ينفك يصب لعنته على جيوش آخايا هو الذي قضى عليك بالموت. أيها البطل، هلم ~~نحوي كيما تسمع إلى الكلم الطيب الذي أجهد أن أترضاك به؛ لتخمد جذوة الغضب علي في نفسك، ~~ولنحسم ما بيننا من خصام.» بيد أنه ما حرك شفتيه، بل لوى عنانه وانخرط في جماهير الأشباح ms110 ~~الهائمة، وترك الرغبة الملحة المشتعلة في صدري شوقا إلى تكلمه تنطفئ رويدا، فقلبت ~~نظري في الأرواح القريبة عسى أن أعرف منها أحدا فأتحدث إليه، فلمحت بينها مينوس سليل جوف ~~الأكبر، وكان يجلس على عرش ممرد للقضاء بين الموتى، وفي يمينه صولجانه الذهبي الثمين، ومن ~~حوله زرفت جموع سكان هيدز؛ فمنهم الواقف ومنهم الجالس، ومنهم المنتصب يشرح للقاضي شكواه ~~ويبثه بلواه، بينا قد أهطعت الرءوس وانحبست النفوس، وتكأكأت الموتى عند البوابات الكبيرة ~~الهائلة تنتظر دورها. ثم راعني أن أرى بين تلك الجموع أوريون الجبار يسوق قطعانه التي ذبحها ~~بيديه في الدار الأولى، وهو يرعاها على أوراق البرواق، ورأيت فيمن رأيت تيتوس الجبار سليل ~~هذه الغبراء، وقد كان منبطحا على الأرض بحيث يشغل فضاء تسعة أفدنة، وعلى كل من جنبيه ~~أفعوان هائل يتغذى بمضغ من كبده الكبير الدامي، وينغب من أحشائه الغلاظ؛ جزاء بما حاول ~~أن يستذل لانونا اللعوب الطروب عشيقة جوف سيد الأولمب، التي فرت من وجهه في بطائح بيتو ~~إلى فراديس بانوبيوس، ثم رأيت تانتالوس في ضعف من العذاب، رأيته يتخبط في عين حمئة من ~~حميم، وقد غاص فيها إلى ذقنه، والموج يضرب وجهه ويسفعه، وهو مع ذاك يلهث من الظمأ، لا يجد ~~ما يبل به غلته أو يطفئ جواه وصداه، فهو إن حنى رأسه غمرته الحمم، وإذا رفع جسمه كرت ~~الأرض على قدميه بأمر ربها فهو في عذاب مقيم، ولله أشجار الفاكهة دانية قطوفها فوق رأسه ~~من رمان حلو وتفاح عطري وتين معسول وزيتون، كلما اشتهى أن يقطف ثمرة وكاد، هبت الرياح ~~عاتية فذهبت الغصون عالية في السحاب، ثم رأيت سيسفوس ذا الأنياب يضنى ويشقى ويتعذب، ~~يدفع أمامه حجرا جلمودا عظيما فيجعله في رأس جبل، حتى إذا انتهى إليه غاضت الأرض من تحته ~~بقوة خفية فكانت بئرا عميقة، فيهوي الحجر من عل، فيعود المسكين إلى نصبه عودا على ~~بدء، ويتحدر عرقه على جسمه العظيم، ويتبخر من رأسه كأنما ينقذف من بركان، ثم شهدت هرقل ~~الحديدي القوي الجبار، شبحه فقط؛ ms111 لأنه هو قد منح بركة الآلهة وخلودها، فهو أبدا يحضر ~~ولائمها في شعاف الأولمب، شهدته يحتضن ابنة جوف الجميلة المفتان، هيب، ذات القدمين ~~الناصعتين والنعلين الذهبيتين، رأيته وأشباح الموتى ترف من حوله صافات كالطير، ثم ~~يقبضن. وراعني أن أراه عابسا كالحا كقطعة من الظلام، وقد حملق بعينيه في الأرض وفي يديه ~~قوسه وسهامه يوشك أن يرميها، وعلى وسطه حزامه الرائع المموه بالذهب، وقد نقشت عليه ~~صور مئات من الدببة والذؤبان والسباع ينقدح الشرر من عيونها، دائبة في عواء وزئير وتقاتل ~~ونهش؛ صنعة معجزة لم يقدر على مثلها أحد من قبل ولا من بعد، وما كاد يتبينني حتى ~~عرفني، وظل يقلب في عينيه السادرتين، ثم قال لي: «آه، يا ابن ليرتيس النبيل ذا ~~المجد ما أتعسك! ما أظنك إلا معنيا ببعض المجازفات التي كنت أشغف بها في حياتكم الدنيا. ~~ها أنت ذا تراني هنا في ظلمات هيدز عبدا رقيقا لإله أحقر مني شأنا وأقل قدرا؛ لأنني - ~~وأنا ابن جوف الأعظم - قد كتب علي أن أشقى هنا لأصل آلام الحياة ولأواءها، أتصدق أنه ~~يأمرني أحيانا أن أسوق كلبة، مع ما في هذا الأمر من سخرية وتحقير! ولكني لن أنسى أني جذبته ~~من مملكته هيدز إلى نور الحياة الدنيا بمساعدة أخي هرمز، وبمعونة مينرفا ذات العينين ~~الزبرجديتين.» ثم هام على وجهه في ظلمات مملكة بلوتو، ثم تلبثت أنا مكاني راجيا أن ألقى ~~غير من لقيت من أرواح الأبطال الذين عرفتهم في الدار الأولى، أولئك العظماء ذوو العزة ~~والمجد، وكم وددت أن أرى بيريثوس وثيذيوس سليلي ~~الآلهة. بيد أن جموع الموتى الحاشدة التي أقبلت تصرخ قذفت الرعب في قلبي، وخفت أكثر أن ~~ترسل برسفونية ملكة هيدز رأس الجرجون من ظلمات هيدز فتفعل بي الأفاعيل، فآثرت أن أسرع ~~بمركبي. وأمرت الملاحين فأقلعوا، وجلسوا على الظهر وحملنا تيار سريع عبر البحر المحيط ~~بعد أن أعملنا المجاديف وقتا غير طويل. # | تمام قصة أوديسيوس # (1) # السيرينات المغنيات. ~~(2) # سكيللا الهولة. ~~«والآن» وقد احتملنا العباب ذو الثبج، وذرعنا اليم المترامي، وعتمنا ms112 نضرب ~~في موج كالجبال، فقد وصلنا بعد لأي إلى جزيرة أيايا المرجانية حيث ترتع أورورا ابنة الفجر ~~الودية وتلعب، وحيث مطلع الشمس وراء البحر المضطرب، وألقينا مراسينا، وتلبثنا فوق رمال ~~الشاطئ نرقب انبلاج الفجر، حتى إذا لاحت تباشيره أرسلت طائفة من رجالي إلى قصر سيرس ~~فأحضروا جثمان ألينور «الذي خرج من السطح فدق عنقه»، ثم إننا بكيناه أحر البكاء، وجمعنا ~~له من الحطب والخشب ما وسعنا، وطرحناه وسط الكومة التي صنعناها من هذا الوقود، وطرحنا معه ~~سلاحه، وأقمنا إلى جانبه مجدافه العظيم، ثم أدينا له الشعائر الجنائزية التي أرويناها بأذى ~~دموعنا، وأشعلنا النيران بعد أن أقمنا نصبا جليلا تحية وذكرى ولم تعلم بعودتنا سيرس، بيد ~~أنها مع ذاك أقبلت في ربرب من وصيفاتها الحسان الأتراب يتهادين نحونا ، حاملات دنانا من ~~أكرم الخمر، ووقفت بيننا العروس الهيفاء ثم قالت: «ويحكم أيها الأشقياء، كيف حلا لكم أن ~~تموتوا مرتين بينما يموت جميع الناس مرة واحدة؟ ولكن تعالوا هلموا إلى طعامكم، وتحسوا ~~من هذه الخمر لتقضوا يومكم فوق رمال الشاطئ في شراب وآكال؛ فإنكم ضاربون في ظلمات ذاك البحر ~~فجر غد، وإني منبئتكم عما يروعكم في طريقكم عسى ألا تضل بكم، ويا ما أكثر ما تتجشمون ~~من أهوال في البر والبحر!» ولبينا دعوة الربة المضياف، فأقبلنا على طعام شهي وشراب ~~روي طيلة يومنا، حتى إذا توارت ذكاء بالحجاب، وشملنا ظلام الليل، تطرح رجالي فوق الرمال ~~النائمة، ثم انتحيت أنا وسيرس ناحية، وجلست قبالتها وراحت هي تحدثني وتقول: «أما وقد ~~أوشكت متاعبك أن تنتهي فأصغ إلي، افقه إلى ما أقوله لك وتدبره؛ فهو يوحى إليك من ~~السماء ينفعك إذا جد بك الجد، وأزفت حولك الآزفة؛ ستصل أول ما تصل في رحلتك عبر هذا ~~البحر إلى جزيرة السيرينات الشاديات اللائي يسحرن بغنائهن القلوب، ويخلبن بجرسهن ~~الألباب، ويطبين # 1 # كل من أوصله سوء حظه إلى جزيرتهن بحلو تطريبهن وجميل شدوهن حتى ليلصق ~~بأرضهن وينسى آله وأوطانه، ولا يخطر في باله أن يعود إلى بلاده ليهنأ بلقاء ms113 زوجه الحبيبة ~~وأولاده الأعزاء، بل يجمد مكانه من الشاطئ حيث يكون بمسمع من السيرينات، وتكون عن يمينه وعن ~~شماله رفات الضحايا الكثيرين الذين عرجوا من قبل ليشنفوا آذانهم بغناء أولئك العذارى ~~فجمدوا مثله، وذهلوا عن أنفسهم حتى ذووا وذبلوا وضووا وحاق بهم الفناء، بينما تخطر ~~السيرينات بين شجر البرواق متهاديات فوق السندس الحلو الجميل، فأوصيك أن تفرغ في آذان ~~رجالك من سائل الشمع قبيل أن تبلغ أرضهن، فإنهم بذلك لا يسمعون شدوهن ولا يسحرون ~~بغنائهن، أما أنت فلك أن تنصت إلى ذاك الغناء إن شئت، بيد أنه ينبغي أن يشد رجالك وثاقك في ~~قلع سفينتك شدا قويا محكما، فيربطوا ذراعيك وساقيك بأمراس وأحبال، حتى لا يسبيك ~~ما يشنف أذنيك من غناء وشدو فلا ترضى إلا أن تثوي بأرض السيرينات، فإذا اشتد بك ~~الوجد من سحر ما تسمع، وطلبت إلى رجالك أن يخلوا عنك لزم أن يزيدوا في رباطك ويحكموا ~~وثاقك أضعاف ما فعلوا بك من قبل، فإذا جزتم تلك الجزيرة وغابت مناظرها عن أبصاركم، ~~فلرجالك أن يطلقوا سراحك؛ على أنني لا أدري أي السبل ينبغي أن تسلكوا بعد هذا؛ فهناك ~~طريقان أحلاهما مر، وأيسرهما عناء وضر، وإني واصفة لك كليهما، وأدع لذكائك أن يختار لك؛ ~~إنكم بالغون في سبيلكم إلى صخور هائلة ناتئة في البحر، تتكسر فوقها أواذيه، وترتطم ~~بجلاميدها أمواجه، وتدافعه على أحيادها أمفتريت «زوجة نبتيون» الجبار، وقد أطلق الآلهة على ~~هذه الصخور اسم «أبراتيك» وهي قلال موحشة لا يستطيع مخلوق أن يقترب منها، ولا يجسر الطير أن ~~يهبط فيها، بل طير أبينا جوف نفسه الذي يحمل إليه غذاءه الإلهي المقدس لم يجازف مرة فحط ~~فيها يستجم من سفر؛ لما يعلم من أنها مهلكة زلقة، ولم ترس عندها سفينة قط إلا ارتطمت فوق ~~نتوئها وهوت إلى القاع بما حملت، أو ابتلعتها العواصف الهوج فغابت حيث لا يدري أحد ولا يعرف ~~أحد سفينة جازت مهالك هذه الصخور إلا السفينة «آرجو» التي حاطتها جونو # 2 # برعايتها؛ رحمة بجاسون وحنانا من لدن ms114 سيدة الأولمب، حين أقلعت من جزيرة ~~إيايا، وقوام تلك الصخور هضبتان شامختان شاهقتان، تمثل إحداهما صنما هولة ضخما يضرب في ~~السماء بروقية وتتراكم فوقه منذ الأزل ثقال السحاب التي لا يذيبها خريف ولا صيف؛ لأن الشمس ~~لم تنشر عليها أشعتها قط، ولو أن أحدا من العالمين له عشرون يدا وعشرون رجلا ما استطاع ~~أن يرقى عليها أبدا؛ لأنها ملساء ناعمة كأنما صقلتها يدا مثال صناع، وإن في سنده ~~الغربي لكهفا سحيقا نقر ثمة باسم «أربوس»، # 3 # وإني لأحذرك أن تقترب منه حين تجوز به يا أوديسيوس، بل كن بنجوة منه بعيدا ~~بقدر ما تستطيع، أو على الأقل على مرمى سهم مراش من سفينتك إلى وصيده؛ ذاك لأنه مأوى سكيللا ~~المخيفة التي تدوي بصوتها وعوائها، ويفرق الناس والآلهة من وجهها المكلثم القبيح، وحسبك ~~أن تعلم أن لها اثنتي عشرة قدما كلها أمامية، وأن لها ستة أعناق طوال ينتهي كل منها ~~برأس كبير فظيع، سلح بثلاثة صفوف من أنياب حداد أصلها ثابت وحشوها سم زعاف، وهي تربض في ~~غور كهفها السحيق، بينما رءوسها بارزة من فوهة الكهف تبحث في الماء عن الدلافن وكلاب ~~البحر ودواب الماء وجميع حيوان مملكة أمفتريت، وليس يجسر بحار أن يفخر بأنه نجا مرة من ~~شرها؛ فهي تنقض كالصاعقة على السفينة العابرة، وتلتقم بأفواهها الستة الجائعة ستة من ~~بحارتها مرة واحدة تقضمهم قضما، وتلقاء هذه الهضبة هضبة أخرى على مرمى سهم أوديسيوس، وقد ~~نمت فوقها تينة برية كبيرة ذات أفنان وعساليج حانيات فوق الماء، وتحتها عين خاربديس ~~الحمئة التي يغتص فيها ماء البحر كله، ثم تعود فتمجه ثلاث مرات في اليوم، ويك أوديسيوس خذوا ~~حذركم، فوالله إنكم إن دنوتم منها فإنها تبتلعكم، ولا يستطيع نبتيون نفسه بعد ذلك أن ~~ينجيكم، وإني أرى أن تدنو من الصخرة الأولى فتلتقم سكيللا ستة منكم؛ فهو خير لكم من أن ~~تغرقوا جميعا.» وسكتت سيرس، وقلت أسائلها: «بحق الآلهة عليك يا ربة أن تخبري، أما ~~أستطيع أن أنقذ رجالي المساكين من سكيللا إذا ms115 نجونا من خاربديس؟» فقالت تجيبني: «أيها ~~التعس، أما تفتأ تحن إلى مجازفات الحرب وخوض غمار الوغي؟ إنه لا سلطان للآلهة نفسها على ~~سكيللا، وهي ليست مخلوقا مما يجوز عليه الفناء، بل هي غول سرمدي شديد المراس، شكس شديد ~~الشراسة، لا يغالب أحدا إلا غلبه، فأطلق سفينتك للريح، ولذ منها بالفرار، وإياك أن ~~تفكر في التسلح لها، فهي لا بد ملتقمة ستة من رجالكم، وإذا حاولت مدافعتها فإنك منهم، ~~فإذا بعدت فاضرع إلى كرافيس، أم هذه الهولة التي هي إلى الأبد طاعون للبشر، أن ترد كيد ~~ابنتها عنكم فلا تتبعكم في سبيلكم ولا تلتقم منكم أكثر مما فعلت، وإنكم بالغون «تريناشيا» ~~بعد هذا حيث ترعى الربتان الحسناوان، لمبتيا وفيتوزا ابنتا هيريون من عروس الماء نيرا، ~~قطعان أبيها السبعة التي يشمل كل منها خمسين شاة ذوات صوف ناصع كالثلج، وكل هذه الشاء ~~ترعى ثمة باسم رب الشمس العظيم، فإذا كنتم حقا تتشوفون لبلادكم، وتتحرقون شوقا إليها ~~فاحذروا أن تصيبوا تلك القطعان بسوء، فإنكم إن فعلتم غرقت بكم سفينتكم وذهب رجالك أباديد، ~~أما أنت فتنجو بعد لأي وبعد نضال وأهوال، فتصل إلى بلادك ملوما محسورا.» # هؤلاء الجبابرة ينشلون القتلى بحرابهم. # وتنفس الصبح الندى الرخي فذهبت تتبختر وتجرر أذيالها إلى قصرها المنيف، وذهبت أنا ~~إلى الشاطئ فأيقظت رجالي، وأمرتهم فجروا السفينة حتى استوت في الماء ورفعت مراسيها، ثم ~~جلس كل إلى مقعده، وأعملوا أيديهم في مجاديفهم فتدافعت الفلك في البحر، وما هي إلا لحظة ~~حتى أرسلت سيرس - الربة المقدسة - نسيما رخاء كان خير رفيق لنا، إذ كفانا عناء التجديف، ~~فتطرحنا في المركب، واشتدت الريح في غير عصف فأسرعت بنا دراكا، ثم كلمت رجالي وفي قلبي ~~وجيب فقلت: «أيها الأصدقاء، تعالوا أحدثكم عما تنبأت به سيرس لنا في رحلتنا هذه، فإنه ~~سيان إن أفلتنا من العذاب أو تردينا فيه، بل أردت أن أطلعكم على ما خبأته المقادير ~~لنا؛ لتأخذوا حذركم وتبرموا أمركم، ويكون كل على نفسه وكيلا، لقد حذرتني أن يستمع ~~أحدكم إلى غناء السيرينات ms116 الشاديات وحلو تطريبهن، وأجازت لي وحدي أن أصغي إليهن، بيد ~~أنها أوصتني أن أخبركم أن تشدوا وثاقي بأمتن الأمراس في سارية السفينة فلا تطلقوا سراحي ~~حتى نبعد عن جزيرتهن، وكلما رجوتكم أن تخلوا عني شددتم وثاقي أكثر فأكثر، هذا إن أردتم ~~أن نكون بنجوة من الهلك في تلك الأرض الملعونة.» وهكذا نبهت غافلهم بتحذيري، ثم إننا ~~انطلقنا في اليم، وأخذنا نقترب من جزيرة السيرينات، وعرفت ذلك لما هدأت الريح فجأة ونام ~~الموج وخفتت أنفاس الطبيعة، وشمل الركود كل شيء حولنا، كأنما مسحت يد مقدسة علوية كل هذا ~~الوجود الرحب، ونشط الملاحون إلى مجاديفهم، فالتمع تحتها بساط الماء، ثم نشطت أنا إلى قدر ~~من الشمع فعالجته بسكين، ثم قومته براحتي، وتركته كي يلين قليلا في أشعة الشمس، ثم جعلت ~~منه في آذان رجالي واحدا فواحدا، واستسلمت لهم بعد هذا فشدوا وثاقي في شراع السفينة ~~شدا محكما، وجلس كل إلى مجدافه، وانسربت الفلك في الماء تشقه وتجرجر فيه ... وصرنا ~~على مدى ما بلغ الصوت من الجزيرة إلى آذاننا فأصغيت وأصغيت، وإذا السيرينات الشاديات ~~يتغنين هكذا: # أوديسيوس أيها الزعيم، يا من لهج بذكره كل لسان، # ألق في جزيرتنا مراسيك يا فخر اليونان، # تلبث عندنا أيها العزيز وشنف أذنيك بأغانينا؛ # فما من أحد جاز بجزيرتنا حتى عرج يتزود من هذا الغناء، # ثم يقلع أسعد ما يكون وأفطن ما يكون، # ذلك ونحن نعلم من أنباء ما أصابك كل شيء، # ما خضت من معمعان طروادة، وما أصابتك الآلهة من مصيبة، وما لقي قومك في كل ~~مكان، # تعال تعال، هلم نحدثك؛ فعندنا علم كل شيء. # وهكذا شرع العذارى يسكبن إرنانهن الجميل في قلبي، وكأنما كن ينفثن فيه ~~السحر فيصغي ويصغي وتلح عليه الرغبة في الإصغاء، ورحت أن أضرع إلى قومي أن يفكوا قيودي ~~ويطلقوا سراحي ويخلوا بيني وبين السيرينات المطربات، فلم يسمعوا لإشاراتي ولم يستجيبوا ~~لتوسلاتي، بل هب يوريلاخوس وبرميديس فضاعفا أغلالي وشدا علي حبالي، ثم بعدنا، وظللنا ~~نبعد ونبعد حتى إذا كنا حيث لا يصل إلينا ms117 من شدو السيرينات شيء؛ نهض رجالي فأزالوا ما كنت ~~قد جعلته في آذانهم من الشمع، ثم عمدوا إلي فأطلقوا سراحي، وما كادوا يفعلون حتى أبصرت في ~~ظلام البعد موجا كالجبال كأنه ظلمات بعضها فوق بعض، ودخانا كثيفا ينعقد في الجو، ثم إذا ~~بي أسمع رعدا قاصفا يصم الآذان وقد ذهل رجالي عن أنفسهم، وطارت المجاديف من أيديهم ~~فلم تجدهم نفعا، ووقفت السفينة كأنها الأرجوحة على رءوس الموج، وذهبت أنا أشجعهم ~~رجلا فرجلا: «أيها الرفاق، ها نحن نلقى أولى عقباتنا، وهي ليست على كل حال أشد هولا من ~~مصيبتنا يوم حبسنا السكلوب في كهفه السحيق، وكيف احتلت لفرارنا من وجهه، وسيأتي يوم نذكر ~~تلك الشدة المفاجئة بمثل الغبطة التي نذكر بها الشدائد والسوالف. هلموا إذن فاثبتوا في ~~أماكنكم، واصمدوا لهذا اللج المصطخب، واضربوا فيه في جلد وصبر؛ عسى أن يكلأكم جوف ربكم ~~فينجيكم منه، وأنت أيها الربان أصغ إلي، إنك تقبض على ناصية الحال فتحاش أن تقترب من ~~هذا الدخان وتلك الأمواج الثائرة، ابتعد ما استطعت عنها، وخذ سبيل هذه الصخرة؛ ذلك أدنى ألا ~~تقذف بنا في حمأة الخطر، وظللت أنفخ فيهم روح الصبر حتى فاءوا إلى أمرهم فاستقتلوا في ~~مجاهدة الأمواج استقتالا. وتسلحت أنا بكل ما استطعت من عدة، وجعلت في يدي رمحين ~~طويلين، ووقفت أرقب سكيللا الهولة من بعد، ولم أجسر أن أذكر كلمة عنها لرفاقي حتى لا ~~تفرغ أفئدتهم فرقا فيهربوا من عملهم ويكتظوا في بطن السفينة مخافة أن يمسهم منها ~~أذى. وشرعنا نعبر البوغاز، ولشد ما أفزعني أن أرى سكيللا ترمقنا وتتلمظ، وقد انتصبت ~~كالموت على الشاطئ القريب، ثم أرى في الوقت نفسه خاربديس على الشاطئ الآخر تحشرج في حلقها ~~الرحب الفظيع عباب الماء ثم تمجه، فكأنما تقذف من جوفها ماء فائرا يعلو في الجو ~~كالحميم، ثم ينهمر وبله في كل فج، وتعود فيفيض في البحر من بلعومها ثم تقذفه، وهكذا دواليك ~~... يا للروع ويا للفزع الأكبر! تالله لقد كنا ننظر ما تبدئ خاربديس وما تعيد في ms118 جزع وفي ~~هلع، بينما كانت سكيللا تتوثب وتتوثب ثم ترسل رءوسها الستة فتلتقم ستة من رجالنا كانوا ~~وا أسفاه أشجعهم جميعا، وكان قلبي يتمزق حين راحوا يهتفون بي وينادونني باسمي وأنا ~~كالذي أسقط في يديه ما أستطيع شيئا فأصنعه، بل أنظر إلى أذرعهم وأرجلهم تتقلب في ~~الهواء وهم يصيحون ويعولون، وأنا ساكن ذاهل أقلب كفي ولا أفعل شيئا آخر، وا حزناه! ما ~~كان أشبه سكيللا المتوحشة بصائد السمك الذي أطعم سناره، وأرسلها من فوق صخرة تداعب ~~السمكة المسكينة، حتى إذا حان الحين جذبها إلى عل تترنح هنا وهناك، هكذا كانت هذه ~~اللعينة التي جذبت إلى كهفها أشجع رجالنا وراحت تقتات بهم بين الصراخ والبكاء وبين التوجع ~~والأنين، وكلهم يمد إلي ذراعيه مستنجدا مستغيثا في قنوط ويأس، أبدا ما وقعت عيناي في ~~جميع مخاطراتي على منظر أبعث للأسى وأمض للنفس وأجرح للفؤاد من ذلك المنظر ~~الرهيب. # وما كدنا نفلت من سكيللا وخاربديس بعد تلك الفاجعة حتى اقتربنا من أرض الشمس، حيث ترعى ~~قطعان هيبريون # 4 # الجميلة الكثيرة ذات الفراء الناصعة، ولقد كنت أسمع ثغاءها ورغاءها؛ إذ أنا ~~على ظهر سفينتي في عرض البحر، وسرعان ما ذكرت ما قاله لي الكاهن الطيبي الأعمى، تيرزياس ~~في هيدز، عن هذه القطعان، ثم ما أنذرتني به سيرس سيدة أيايا من وجوب الابتعاد عن هذه ~~الجزيرة التي كانت منذ الأبد غواية البشر، حتى قمت في رجالي فجعلت أحذرهم وأقول: «أيها ~~الرفاق، اسمعوا؛ هذه هي جزيرة الشمس الهائلة التي حذرنا تيرزياس الكاهن الطيبي من الرسو ~~بها أو الاقتراب منها، وكذلك حذرتني منها سيرس ربة أيايا، فإن كان ما لقينا من أهوال ليس ~~شيئا من الهول الذي يحيق بنا إذا حللنا بها، فاسمعوا نصحي، وسيروا بنا نذرع هذا البحر؛ ~~نسلم من شر مستطير، وبلاء لا يجيرنا منه مجير.» وكانوا يصغون إلي في حيرة وذهول، ~~وما كدت أفرغ حتى انتصب يوريلاخوس يرد علي في جفوة وضيق: «أوديسيوس، أيها القاسي الطاغية، ~~أما أوهنت كل تلك الشدائد جلدك؟ أمخلوق أنت من ms119 حديد فما ترق وما تلين؟ أتأبى على ~~رجالك الموهوبين المكدودين أن يرسلوا بهذه الجزيرة الفيحاء المعشبة ليربعوا مما بها من ~~آلاء، وليطعموا من خيرها الكثير؟ أتصرفنا عنها بنزقك وقلة بصرك لنخبط طول الليل في هذا ~~البحر الأجاج خبط عشواء، مع ما تكون الريح عليه حينئذ من شدة وعنف؟ خبرنا أيها الأحمق، ~~ماذا نصنع إذا عصفت بنا نكباء من الجنوب تحطم فلكنا ولا ينجينا من بطشها أحد حتى الآلهة؟ ~~أليس الأفضل لنا أن نرسو في هذه الجزيرة فنقضي بها ليلنا، حتى إذا انفلق الإصباح أقلعنا ~~منها على هدى؟» # وحبذ الملاحون ما قال، فدار في خلدي أن لا بد مما ليس منه بد، وأن لا بد من وقوع ~~القارعة الكبرى، فقلت في كلمات يائسات: «لا ضير يا يوريلاخوس! وليس بي من بأس أن أخضع لما ~~ترى الجماعة، ولكن تعالوا جميعا فأعطوني موثقكم ألا تذبحوا شاة ولا تجزروا نعمة مما هنا ~~من هذه القطعان مهما ألح عليكم السغب، وأضواكم الجوع، بل يكون حسبكم ما حملتم من آكال ~~من عند سيرس.» # وأقسموا أغلظ الأقسام أن يفعلوا، ثم يمموا بالفلك في جون هادئ ترتفع في وسطه نافورة ~~رائعة، فأرسوا ثم وتدفقوا الشاطئ وراحوا يعدون وجبة المساء، بيد أنهم سرعان ما نسوا ~~مسغبتهم حين تذكروا إخوانهم الذين غالتهم سكيللا، وراحت تتغذى بهم أمام كهفها السحيق ~~فأخذوا يبكونهم ويذرفون عليهم دموعهم حتى غلبهم النعاس فناموا، وفي الهزيع الثالث من الليل ~~- حين عبرت النجوم فكانت في كبد السماء - ساق جوف رب السحاب الثقال ريحا جابت البر ~~والبحر، وغمرتها بماء منهمر، ثم عقد في الكون ظلمات فوق ظلمات يتدجى بعضها في بعض، ثم ~~أشرقت أورورا الوردية، فنهضنا من مراقدنا، وسحبنا الفلك إلى غار كان لبعض عرائس البحر يرقصن ~~به أو يسترحن فيه، وما كاد شملنا يجتمع ثمة حتى نهضت في رجالي أقول: «أيها الرفاق إننا ما ~~ينقصنا غذاء، وما بنا من حاجة إلى أكل؛ فمعنا من ذلك الشيء الكثير، فإياكم أن تمسوا هذه ~~القطعان بأذى، وحسبكم أن تعلموا أنها ms120 ملك خالص لربة الشمس التي تراكم أينما كنتم.» وهكذا ~~أيقظت في نفوسهم النخوة، ثم إنا لبثنا في هذه الجزيرة شهرا ما نريم عنها، وما كان لنا ~~إلى غيرها متحول؛ ذلك لأن الدبور # 5 # ظلت تهب من الجنوب في صرامة وشدة، فإن هدأت لم تهدأ إلا لتهب ريح شرقية ~~أشد منها عنفا، لم يمسوا قطعان الجزيرة السائمة بأذى ما دام لم ينفذ ما كان معهم من طعام، ~~فلما تناقصت ميرتهم راحوا يتلمسون صيد البر والبحر، أما أنا فكنت أجوس خلال الجزيرة عسى ~~أن ألقى إلها أضرع إليه فيجعل لنا من أمرنا مخرجا، وبينما أنا أجوب الجزيرة إذا بي أبعد ~~كثيرا عن رفاقي، فبدا لي أن أسكن إلى منعطف دافئ هادئ على سيف البحر، فأغسل # 6 # يدي مما علق بهما من قذر، ثم جلست أصلي للآلهة، وأدعو واحدا بعد واحدا ~~أن تهيئ لنا من شدتنا مرفقا، ولكنها جميعا - وا أسفاه - أصمت آذانها عن دعائي، ثم ~~أرسلت علي طائفا من الكرى، فنمت نوما عميقا، بينما كان يوريلاخوس التعس يوسوس إلى ~~رفاقه فيقول: «أيها الأخلاء، أنا أخوكم في البلاء فاسمعوا وعوا، ليس أشنع من الموت إلى ~~النفس، ولكن الموت جوعا هو أشنع أنواع المنايا التي يرتجف منها الإنسان، هلموا لنذبح من ~~هذه الشاء والنعم، ولنضح للآلهة أضخم ثيران الشمس، ولننذر أن نبني للرب المبارك ~~هيبريون هيكلا عظيما حالما نصل سالمين إلى إيثاكا، ولننذر أيضا أن نجعل في الهيكل من ~~الطرف والتحف ما يرضي الإله ويكفر عن سيئاتنا. أما إذا آثر أن يغرق فلكنا، ~~وتضافرت معه جميع الآلهة على ذلك؛ لأننا ألحقنا أذى بعدد من قطعانه، فإني أول من يجاهر ~~بقبول الموت مرة واحدة في أعماق هذا اليم على أن أموت هذا الموت البطيء جوعا.» وزين ~~لهم ما قال، فاستاقوا أسمن ما في القطعان التي كانت ترعى العشب قريبا منهم، ثم أطعموها ~~أنضر أوراق الشجيرات الباسقة إذ فرغ كل ما لديهم من الشعير، ثم صلوا للآلهة، وجزروا ~~الحيوانات البائسة ثم سلخوها، وفصلوا الأفخاذ والشحم، وقذفوا ms121 بها إلى النار تقدمة للآلهة ~~وقربانا، ولم يكن معهم خمر ليتموا بها الشعائر القدسية، فقذفوا في النار بدلا منها ماء ~~قراحا، وجلسوا بعد هذا يعدون شواءهم من الحوايا # 7 # والكبد وما إلى ذلك مما في جوف البهيم، حتى إذا طعموا ملء بطونهم انطرحوا ~~في مراقدهم، بينما استيقظت فجأة من سباتي، ونهضت لأنطلق في طريقي صوبهم، وما كدت ~~أشرف عليهم حتى ملأ خياشيمي قتار # 8 # ما فعلوا؛ فوجمت وجوما شديدا، ثم أجهشت، ثم استخرطت في بكاء طويل، وضرعت ~~إلى الآلهة وظللت أقول: «أهكذا يا أرباب السماء، تلقون علي ذلك الطائف من الكرى، فيفعل ~~أصحابي ما فعلوا إذ أنا أغط في نوم عميق؟» وطارت لمبتيا بالخبر المشئوم إلى إله الشمس ثار ~~ثائره، وطفق يصخب ويهتف بالآلهة ويقول: «يا جوف العلي» وأنت يا آلهة السموات اثأري لما فعل ~~السفهاء من رجال أوديسيوس، لقد اجترءوا فجزروا من نعمي وشائي التي هي بهجتي وأنسي، ~~والتي أرمقها أبدا من علياء السماء، فإن لم تنتقم لي فوعزتي لا أهبطن بشمسي إلى هيدز ~~فأنير آفاقها وأضفي أضوائي على الأشباح ثمة، «وأدع هذا العالم المشرق الجميل يضرب في ~~دياجير ما مثلها دياجير.» وأجابه رب السحاب الثقال فقال: «يا إله الشمس، على هينتك، بل ظل ~~مشرقا على بني الموتى الدائبين في تلك الأرض، وإني مسخر صواعقي على سفينتهم في لمح ~~البصر فتذهب بها وبهم أباديد.» أما من أخبرني هذا فقد حدث به هرمز رسول الآلهة، ثم وقفت ~~فيهم أنتهرهم وأنعي عليهم، ولكن، وا أسفاه أي انتهار وأي نعي وقد سبق السيف العذل؟ ثم ~~حدثت المعجزة وبدأت السماء تشهد آياتها فقد تحركت الجلود الملقاة على الأرض وزحفت نحونا، ثم ~~سمعنا مضغ اللحم الغريض سواء ما ظل منها دون أن يمس وما علق منها بالسفافيد، وقد أرسلت ~~ثناء وخوارا كأنها لا تزال على قيد الحياة، وهكذا ظل رفاقي يجزرون كل ثور حنيذ من ماشية ~~إله الشمس ويغتدون بحواياها طوال ستة أيام، حتى إذا كان السابع أمر جوف العاصفة فهدأت ~~والبحر فتطامن، فأهرعنا ms122 إلى الفلك فأنزلناها في اليم ونشرنا الشراع، وأقلعنا حيث لا ندري ~~ماذا يراد بنا؟ ثم غابت الأرض عن الأنظار، ولم يكن إلا البحر من ورائنا وأمامنا وعن ~~شمائلنا وأيماننا، ثم السماء من فوقنا، ثم شرع زفيروس # 9 # يهب ويهب، ويقلب اللج من حولنا، ثم اشتد واشتد، وصار ريحا عاصفا ~~هوجاء كسرت قلاعنا وحطمت سكاننا، وذهبت بقلب الربان المسكين فلم يعد له صبر ولا ~~جلد، ثم سلط علينا جوف صواعقه فقصمنا، وحطم سفينتنا فترنحت أول الأمر، ثم غاصت إلى ~~الأعماق، وطفونا على سطح البحر الغاضب بلا أدنى أمل في أي شيء، بله العودة إلى بلادنا، ~~ولقد كنت أرقب حطام الفلك يطفو معنا ويغوص، حتى عن لي أن أعلق بالهراب القريب مني، فطويت ~~عليه قطعة من الشراع الممزق، وجعلته لي ثماما لصقت به، بينما نامت الشمال لسوء حظي ، ~~وأخذت الجنوب تهب في عنفوان وبأس. # خفقت القلوب ونظر بعضهم إلى بعض، ثم جلسوا يشدون شعورهم من ~~الحسرة. # وتدفعني بقسوة وقوة حتى خيل إلي أنها ستنتهي ~~بي إلى عين خاربديس الحمئة، يا للهول! لقد مضى علي ليل أيما ليل، حتى إذا أشرقت ذكاء، ~~رأيتني ويا للأسف عند صخرة سكيللا، وعلى مسافة من عين خاربديس، ولحسن حظي كانت اللعينة قد ~~ابتلعت كل مياه الشاطئ، ثم دفعتني موجة من الأعماق، فاستطعت أن أعلق بأحد أغصان التينة ~~الهائلة النامية فوق صخرتها، فبقيت لاصقا به كالخفاش لا يمكنني أن أهبط أو أن أتسلق؛ ~~لعظم ما كانت الأغصان تبتعد من الأرض وتمتد من حولي؛ ولأنها كانت تعرش من فوق خاربديس، ~~حتى كنت أرتعد من فزع وهلع عندما كنت أبصر تحتي فأرى العين الحمئة الملعونة تبتلع الموجة ~~إثر الموجة، ثم رأيت الهراب وقطعة الشراع التي كنت عالقا بهما ينقذفان نحوها ويكونان تحتي، ~~فطربت، ولو أن هذا جاء متأخرا حتى ريع قلبي ووهنت قواي، وغمرني شعور الذي انفرجت أزمته، ~~وكشفت عنه غمته، فهويت إلى الماء، وتعلقت بهما بقبضتين مستميتين، ويلاه! أواه لو ~~لمحتني سكيللا الهائلة طافيا هنالك إذن ما استطاع إنقاذي ms123 رب الأرباب نفسه من مخالبها ~~وأنيابها، ثم بقيت هكذا تسعة أيام بلياليها يصرعني البحر وأصرعه ويناضلني الموج وأناضله، ~~حتى رثت الآلهة لحالي فساقتني في العاشر إلى أوجيجيا، جزيرة عروس الماء كليبسو، فرسوت ثمة ~~في ليلة ليلاء، مظلمة طخياء، وقد نالني من كرم العروس وجميل معروفها ما رد إلي قواي، ~~وأثابني عما لقيت من شقوة وأرزاء. # ولكن لم هذا؟ لقد سمعتم قصتي مع كليبسو من قبل؛ إذ رويتها للملك ولزوجه أمس، وإني لأكره ~~الحديث المعاد.» # | أوديسيوس يصل إلى إيثاكا # وفرغ أوديسيوس من حديثه، وجلس القوم في الردهة ذات الظلل مسبوهين مشدوهين من روعة ما ~~حدث ومن غريب ما روى، حتى تكلم الملك فقال: «أوديسيوس، يا أيها العزيز، صفا بالك وطاب ~~حالك واستذريت من ذرى هذه القبة الشماء بركن ركين، فلن ينالك أذى بعد اليوم، ولن تقدر ~~عليك الرياح الهوج في رحلتك الآمنة إلى بلادك، وإن يكن مثلك لا يبالي الحدثان، ولا يأبه ~~لصروف الزمان بعد إذ رضع لبانها، وتقلب طويلا في أحضانها، وإنه والله ليس أحب إلينا ~~من أن تقيم آخر الدهر عندنا فتتحسى معنا من أكرم هذه الخمر، وتشنف أذنيك بما ~~يتغنى مطربنا الحبيب الإلهي، وإلا فذاك صندوقك العزيز وفيه أذخار الهدايا وأعز اللهى؛ ~~من مطارف الديباج، ومكنون الذهب الوهاج، ولكن على رسلك، هلموا يا معاشر الفياشيين ~~فليحضر كل منكم للنازح الكريم طرفة من أبر الطرف، وتحفة من أجل التحف، ولتكن ~~ركيزة من الذهب وأصيصا صغيرا للزهر، وليسهم الشعب في هذا؛ ذلك أدنى ألا تطيقوا ثمنها.» # 1 # وصادفت مقالة الملك هوى في قلوب السادة زعماء الفياشيين، ثم نهضوا فتفرقوا إلى ~~منازلهم يلتمسون الراحة وينعمون بطيب المنام، ونضرت أورورا ابنة الفجر جبين المشرق ~~بأفواف الورد، فهب الزعماء العظام من مراقدهم، وبادروا إلى السفينة بهداياهم التي وصف ~~الملك، وقد كان ألكينوس نفسه ينتظرهم ثمة، وكان يتناول كل هدية بيديه فيضعها موضعها ~~الأمين تحت مقاعد المجدفين حتى تكون بنجوة من ضرر يصيبها أو أذى يلحق بها، حين يكون ~~الملاحون مشغولين فيما هم بسبيله ms124 من عمل البحر ومصارعة الموج، حتى إذا أسلموا تذكاراتهم ~~عادوا مع الملك إلى قصره المنيف لوليمة الوداع الفاخرة، وقد قرب إلى جوف الكبير المتعال، ~~رب الأرباب ورب السحاب الثقال، بثور جسد عظيم، وأعد من فخذيه شواء شهيا أقبل عليه ~~القوم يأكلون ويروغون، # 2 # بينما يسكب في آذانهم غناء ديمودوكوس مطربهم الحذق الحبيب، وكان أوديسيوس يرنو ~~بطرفه المشتاق إلى الشمس يود من أعماقه لو عجلت إلى خدرها، وكان يضجره منها ~~جريانها الوئيد، فهو دائما يرقب مغيبها بعيني الزارع الشقي الجوعان الذي أجهده طول ~~النصب في حرث حقله، فعلق بصره بالشمس يتمنى لو هبطت فجأة في المغرب ليلوي أعنة ~~بهائمه إلى كوخه؛ وليتبلغ هناك بلقيمات. وما كادت تتوارى بالحجاب حتى وجه الخطاب ~~لزعماء الفياشيين في شخص الملك، فقال: «مولاي الملك الجليل ألكينوس، يا فخر شيرا وعماد ~~الفياشيين، تمنيت لو أديت الصلاة الخمرية يا مولاي، وتفضلت فأذنت لي في وداعكم؛ ما دمتم قد ~~أعددتم لي الهدايا واللهى، والأبطال الصناديد من رجالكم الملاحين، وإني لأضرع إلى الآلهة ~~أن ترعاني في رحلتي في اليم، وأن أصل إلى بلادي فألقى فيها آلي وعشيرتي سالمين، كما ~~أسأل أرباب الأولمب أن ترعاكم وأن تقر أعينكم جميعا بذويكم، وأن تفيء عليكم من نعمائها، ~~وتحفظ بلادكم من عاديات الزمان وملمات الحدثان.» وسر الجميع من مقالته فهتفوا له، ~~ورجوا الملك أن يأذن له في السفر، فالتفت ألكينوس إلى مشيره وقال: «هلم يا بنتون فأدهق ~~الزق واحمل الخمر إلى جميع أضيافنا؛ ليريقوها خالصة لوجه سيد الأولمب؛ كي نتأذن ~~لأوديسيوس بالرحيل إلى دياره.» ولبى المشير وأخذ كل كأسه، ولم ينتظر أوديسيوس حتى يصل ~~الندمان إلى الملكة المبجلة الوقور، بل هب مسرعا وقدم إليها كأسه الهائلة، وقال: ~~«وداعا يا مولاتي الملكة آخر الوداع، وداعا إلى آخر العمر، وليكن عمرا موفورا مخفرجا ~~تقرين فيه بمولاي الملك والسادة النجب أبنائك المحبوبين وشعبك.» وحيا وبيا، ثم أهرع ~~إلى المرفأ ومشير الملك يسعى بين يديه، وثلاث من وصيفات الملكة يتهادين في أثره؛ أما ~~أولاهن فكانت تحمل الثوب الديباجي ms125 الموشى، وأما الثانية فكانت تحمل الصندوق الثمين ذا ~~الأذخار، وحملت الثالثة مئونة حافلة من أشهى الآكال وأطيب الشراب، حتى إذا كن عند ~~السفينة سلمنا ما حملنا للملاحين الشجعان، وانثنينا من حيث أقبلنا، واشتغل بعض ~~البحارة بإعداد فراش وثير في قمرة خلفية من أجل أوديسيوس، الذي آوى إلى منامته واستغرق ~~ثمة في سبات لذيذ، بينما كان الملاحون دائبين في فك الحبال ورفع المرساة من صخور الشاطئ، ~~حتى إذا انتهوا توزعوا إلى مجاديفهم وأعملوا فيها أيديهم، فهمت الفلك واحتواها الماء، ~~وأقلعت تشق الأمواج، وتأخذ سبيلها في البحر سربا ... هذا بينما كان النائم البريء قد ~~استسلم لطائف من الكرى يشبه طائف المنون، وعمرك الله هل رأيت أربعا من صافنات الجياد ~~تتبارى في حلبة وقد أذن المؤذن فاندفعت تنهب الرحب، وأرسلت في الهواء أعرافها؟ لقد كانت ~~السفينة تتواثب على أعراف الموج مثلها ، والعباب الزاخر يصطخب من ورائها، واللجة من بعد ~~اللجة تجيش وتضطرب تحتها، كأنما تتحدى اليم في طمأنينة وثبات، أو تسابق في الجو البواشق ~~البزاة، وكيف لا وقد حملت رجلا لا كالرجال وبطلا بز الأبطال، وحكيما تربا # 3 # للآلهة في المكرمات وعظيم الفعال، وقرنا ليس كمثله قرن في يوم كريهة أو ~~نزال، لم يغف من قبل هذه الغفوة الناعمة التي باعدت بينه وبين ما تجشم من آلام وأحزان ~~وأشجان ... # وتلألأت في الأفق الشرقي نجمة الفجر الصادق حينما كانت الفلك قبالة الأرض الموعودة؛ ~~إيثاكا، بعد إذ أتمت رحلتها الخاطفة في جنح الليل، وهناك في شاطئ المدينة أنشئ مرفأ ~~أمين باسم فورسيز رب الأعماق يدخل إليه بين حاجزي أمواج ممتدين على مدى الجون الجميل بين ~~ذراعي الميناء، فما تستطيع ريح أن تعبث بما فيه من سفين وقد بسقت أشجار الزيتون على ~~الشاطئ وامتدت امتدادا هائلا إلى كهف حريز تأوي إليه طائفة من عرائس البحار يقال لها ~~النياد. وثمة - أي في هذا الكهف المقدس - صفت أباريق من حجر وجرار كثيرة، يأتي النحل ~~فيودع فيها شهده، وقامت فيه أيضا عمد من حجر يقال إن عرائس الماء تنسج ms126 عليها أثوابها ~~العجيبة، وفيها أيضا عيون من ماء زلال تسقي ساكنيه، ويؤدي إلى الكهف طريقان عظيمان، ~~أحل أحدهما للناس يضربون فيه ما يشاءون، أما الآخر فلا تطؤه إلا قدم إله كريم، ويعرف ~~بطريق الجنوب المقدس. # أرسلت سيرس بين أيدينا ريحا رخاء كانت خير معوان لنا وخير رفيق في ~~سفرتنا الرهيبة. # ويمم البحارة بفلكهم شطر الميناء ثم أرسوا فيه، وجنحت السفينة بنصف حيزومها على ~~رماله، وحملوا أوديسيوس الزعيم دون أن يوقظوه ووسدوه على فراش # 4 # وطئوه على الشاطئ، ثم حملوا كل متاعه وأذخاره فجعلوها إلى جانبه خلف زيتونة ~~ضخمة تحجبها عن أنظار المارة؛ حتى لا يعبث بها عيار إذ هو مستغرق في نومه العميق، ~~وركبوا الفلك بعد هذا وعادوا أدراجهم إلى شيرا، وأحس نبتيون الجبار رب البحار وعدو ~~أوديسيوس الأكبر بما فعل الفياشيون فثار ثائره، وقال يعتب على زيوس: «أيها الإله الأعظم ~~الأبدي، أبدا ما أحسبني أنال نصيبي من التقديس والتبجيل بين الآلهة منذ اليوم، ما دام شعب ~~فياشيا لم يأبهوا أن يحقروني أن يبالوا بي، فقد كنت عولت على ابتلاء أوديسيوس بأروع صنوف ~~البلايا قبل أن تطأ قدمه أرض بلاده، ولم يكن في تصميمي أن أحول بينه وبين العودة إليها؛ ~~لأنك كنت قد وعدت بتمهيد السبيل لهذه العودة، ولكنهم حملوه على فلكهم غارقا في أحلى ~~المنام، حملوه إلى الشاطئ الإيثاكي بما معه من العطايا والأذخار وطرف النحاس وتحف النضار ~~ومطارف الديباج، وما حمل من كنوز لم يكن يحمل شيئا منها حتى لو عاد بنصيبه من أسلاب ~~طروادة! وا أسفاه وا أسفاه!» وقال يجيبه رب السحاب الثقال: «ماذا تقول يا مزلزل الشطآن ~~والخلجان، يا ذا الملكوت والجبروت، يا أيها العظيم نبتيون؟! لا عليك يا أخي لا عليك، فإنه ~~لن تحقرك الآلهة ولن تستخف بك، فإذا استخف بك ملأ ضعيف من بني الموتى - عبادنا البشر - ~~فما يضيرك؟ أليس في يديك ألف ألف فرصة للبطش بهم والانتقام منهم؟ اربع عليك يا نبتيون ~~وصل ملاذك؛ فإنك لست عبدا لأحد.» قال نبتيون: «جوف يا رب ms127 السحاب إنه ليس أحب إلي من أن ~~أبطش بهم كما أشرت، ولكني لا أخشى إلا تحديك لي دائما بغير حق، وإني أرجو أن أعصف ~~بسفينتهم في دأمائي اللجي حتى لا يحملوا ضاربا في البر والبحر مثل أوديسيوس مرة أخرى، ~~وإني مقتف آثارهم الآن فضارب فلكهم اللعين، فساحره في الحال إلى طود عظيم ينهض بروقية ~~أمام مدينتهم ليحجبها عن كل سارب في البحر فلا يراها أحد أبدا.» فقال جوف يجيبه: «هلم ~~يا أخي فاصنع ما بدا لك، وافعل فعلتك التي رسمت، وليكن ذلك حينما يقتربون من مدينتهم حتى ~~يرى أهل شيرا ما يحل بسفينتهم؛ لتكون لهم آية.» وانطلق مزلزل الأعماق في أثر الفياشيين حتى ~~إذا كانوا قاب قوسين من الشاطئ أرسل يده تحت فلكهم فضربها ضربة هائلة أرسلتها في الهواء ~~وهوت بها إلى اللج، ثم تركت مكانها جبلا عاليا أشم، ولوى عنانه إلى أرجاء ملكه ~~الرحب. # ووقف الفياشيون - ملوك البحار - على شاطئ البحر مسبوهين دهشين يسأل بعضهم بعضا: من ذا ~~الذي أرسى هذا الجبل الهائل مكان سفينتهم تلقاء المدينة حتى لحجبها عن أنظار السفن العابرة ~~في اليم؟ والتفت الملك وكان واقفا بينهم فقال: «يا للآلهة! لقد ذكرت نبوءة قصها علي ~~والدي فيما غبر من الزمان؛ فلقد ذكر لي أن شعبنا المجيد مأذون له من نبتيون أن يحمل الناس ~~من كل فج، من ضل سبيله منهم إلى بلادهم مهما تناءت، وقد ذكر أيضا أن سفينة من سفننا ~~بعد إذ ترتد من رحلة لها إلى بلد رجل غريب نازح ستغرق في اليم، ويبسق مكانها جبل عظيم شاهق ~~يحجب شيرا عن البحر، وها قد تحققت النبوءة، فهلموا نقرب لإله البحار نبتيون باثني ~~عشر عجلا جسدا تكون أعظم عجولنا وأعلاها قيمة؛ عسى أن يرثي لنا فيكشف عنا هذه الغمة، ~~ولا يحول بين البحر وبين مدينتنا بهذا الطود الكبير الراسي.» وتفزع زعماء الفياشيون ~~وبادروا إلى عجولهم فجزروها باسم نبتيون وتكبكبوا حول مذبحة فصلوا له وسبحوا بذكره، أما ~~أوديسيوس فقد هب من نومه وهو لا يدري أين ms128 هو، ومع أنه كان ينام ألذ النوم فوق شاطئ ~~بلاده فإنه لم يعرفها لطول ما شطت به النوى؛ لأن مينرفا الكريمة - سليلة جوف العظيم - ~~كانت قد ألقت حوله ظلالا تحجبه عن أعين المارة؛ مخافة أن يعرفه أحد منهم قبل أن تلقنه ~~من حكمها ما هو ضروري له في حالته هذه؛ كأنما أرادت ألا يستبينه أحد من مواطنيه ولا من ~~أصدقائه وذويه، حتى يبطش البطشة الكبرى بالعشاق الفساق الذين استباحوا عرضه، واستحلوا بغير ~~الحق زاده وخيره، وعمروا كالشياطين داره؛ لذلك موهت مينرفا كل شيء في عيني أوديسيوس، ~~فالطرق مستقيمة مستطيلة والموانئ رحبة مترامية، والجبال ذاهبة في السماء، والدوح باسق ~~يطاول الجوزاء، وكل شيء ليس مما عهده البطل في بلاده، ووقف يقلب عينيه في المشاهد ~~المحدقة به، ثم تنهد من أعماقه، وبسط كفيه إلى السماء، وضرب بهما في برم على فخذيه، ~~وأنشأ يقول: «وبلاده علي وألف ويل! أي شعب من الشعوب يقيم بهذه الأرض يا ترى؟ أأجلاف ~~ظلمة هم؟ أم أطهار أخيار يخبتون للآلهة؟ ليت شعري أين أخبئ هذه الكنوز والأحراز؟ وي! ~~بل أيان أذهب أنا؟ لعمري لقد كنت أوثر ألا أنال شيئا منها من هؤلاء الفياشيين على أن ~~أكون قد حللت بأرض ذي نخوة وذي نجيزة من ملوك الأرض غير ألكينوس هذا، فكان يرسلني آمنا ~~سالما إلى بلادي، ماذا أصنع يا ربي؟ أأترك هذه الثروة الطائلة هنا؟ أأدعها فريسة حلالا ~~لغيري من الناس، وأهيم في هذه البطحاء على وجهي؟ وا أسفاه! أهكذا يغرر بي فيلقوني في ~~شاطئ غير شاطئ بلادي، وقد وعدوا أن يهبطوا بي مرفأ إيثاكا الأمين؟ اللهم يا جوف العظيم، يا ~~من إليه بحار أبناء السبيل والمهاجرون والمساكين، انتقم لي يا رب الأرباب من هؤلاء الخونة ~~المبطلين! ولكن يجدر بي قبل كل شيء أن أحصي أذخاري لأرى هل سلبني منها هؤلاء اللصوص ~~شيئا؟» ثم راح يحصر كنوزه، فما وجد شيئا منها ناقصا أو غير موجود، وزاد ذلك في أشجانه، ~~فأخذ يندب حظه، ويبكي على ما لقي من زمانه، وينشج ms129 نشيجا مؤلما لهذه الهجرة الظالمة عن ~~أوطانه، وجعل يروح ويغدو على سيف البحر المضطرب وحيدا معنى، ويرسل دموعه وزفراته حتى ~~بدت له آخر الأمر مينرفا في صورة راع صغير غض الإهاب عجيب الثياب جميل المحيا ~~كأبناء الملوك، ملتفعا حول عنقه ومن فوق صدره بشفيف # 5 # صفيق طوي حولهما طيتين، وفي قدميه نعلان متواضعتان، وفي قبضته حربة ~~ناعمة لامعة، وكانت مفاجأة سارة فوجئ بها أوديسيوس، فخطا خطوات عاجلة إلى الشاب وراح ~~يسائله: «مرحبا أيها الغرانق الجميل، لقد كنت أول إنسي ألقاه هنا، فبحق هذا عليك أن ~~تحميني وتحمي أذخاري هذه، وألا تلحق بأينا أذى، إني أتوسل إليك كما لو كنت أتوسل ~~إلى أحد الآلهة أن تصدقني فيما أسألك عنه: أية بلاد هذه؟ وأي قوم يعيشون فيها؟ أهي جزيرة ~~آهلة؟ أم حدور من بلاد مترامية؟ أخبرني بأربابك أيها الفتى.» # وقالت مينرفا - ذات العينين الزبرجديتين - تجيبه: «أيها الغريب اللاجئ، كم أنت ساذج! ~~كيف تسائل عن هذه البلاد كأنك لست من أهلها؟ إنها بلاد ذات ذكر في المشارق والمغارب، ~~ومنها وإليها تصدر الركبان إلى كل فج، ثم هي ليست بهماء مجهولة، بل هي جنة مأهولة، زاخرة ~~الخيرات موفورة البركات، ففيها أنضر سهول القمح، وأبهج عرائس الكروم، وأخصب المراعي الخضر ~~الحافلة بقطعان النعم والشاء، تسقى من ماء معين وأنهار وعيون، هذه يا رجل إيثاكا؛ ~~إيثاكا المباركة التي استطالت شهرتها، واستطار ذكرها حتى ملأ الخافقين وجاوز طروادة ذات ~~المجد التي لا تبعد شطآنها من أخايا.» # وشاع البشر في نفس أوديسيوس لما سمع الراعي الجميل يؤكد في لهجة قاطعة أن هذه البلاد ~~هي إيثاكا الموعودة، وهز السرور أعطافه لما رأى من زهو الشاب وافتخاره بها، بيد أنه مع ~~ذلك راح يتجاهل ويبدي عدم معرفته لهذه البلاد، ويحاول أن يخدع الفتى عن نفسه، وما يخدع ~~إلا نفسه هو؛ قال: «أجل، لقد سمعت عن إيثاكا في أقاصي البحار، والناس يعرفونها حتى في كريت ~~التي وصلت منها اليوم بعتادي هذا، تاركا فيها أبنائي وذوي رحمي، فارا بنفسي من الفعلة ~~الهائلة ms130 التي فعلت. يا ويح لي! لقد قتلت العداء المعروف أرسيللو بن أيدومين العظيم الذي ~~لم يكن يباريه في سرعة عدوه أحد. لقد حدثته نفسه أن يسلبني ما غنمت من كنوز طروادة ~~وأسلابها، وما حصلت عليها إلا بعد قتال شديد، ولظى حرب، وركوب أهوال في ذلك اليم؛ وذاك لأني ~~أبيت أن أقاتل تحت لوائه أو لواء سيده ومولاه، بل قدت فيلقا من الجند، فظفرت وانتصرت ~~فكبرت عليه هذه، وحفظها لي، وأضمر في نفسه الغدر، فلما عدنا أدراجنا إلى أرض الوطن، حاول أن ~~يسرقني كنوزي فأقصدته برمحي فأرديته، وكان معه زميل له شرير، فذبحته واستعنت عليهما بدجى ~~الليل ودجنته، ثم هربت تحت أستار الظلام بأحرازي إلى الشاطئ، حيث حملتني سفينة فياشية ~~رجوت ملاحيها أن يبحروا بي إلى شاطئ بيليا، أو إلى مرفأ إيليس، لكنهم وا أسفاه ~~اضطروا إلى الإرساء هنا؛ لأن ريحا عاصفا قسرتهم على ذلك، فوصلنا هنا برغمنا في جنح ~~الليل البهيم، ولقينا عناء عظيما في النزول بالمرفأ الأمين، ومع شدة حاجتهم إلى الطعام ~~فإنهم لم يستأنوا بل تركوني وحدي، وأبحروا على عجل بعد إذ نمت على الشاطئ من الإعياء، وبعد ~~إذ حملوا إلي هنا متاعي، وهم الآن في طريقهم إلى سيدونيا، وها أنا ذا وحدي هنا لا أعرف ~~أيان أذهب ولا أين أمضي؟» # أوديسيوس يروي لبنلوب. # وسكت أوديسيوس، ولكن الراعي الشاب الجميل أخذ يتحول في فنون وسحر إلى صورة خلابة ~~أخرى، لقد أصبح امرأة حسناء هيفاء، وها هي ذي، تلك المرأة الحسناء الهيفاء، تبدو في صورة ~~مينرفا - ربة الحكمة - التي اقتربت من البطل في تبسم وظرف، وأخذت تعبث بلحيته الكثة ~~الشعثاء في دلال وسخرية، وراحت بدورها تجيبه: «مرحى أوديسيوس، مرحى مرحى! ما أحسب أن ~~أحدا - أحدا من الآلهة - يفوقك في مكرك وبراعة حيلتك ~~يا ابن ليرتيس، أما أن تقلع عن مراوغاتك التي حذقتها مذ كنت يافعا وعن توشية الأحاديث ~~الملفقة التي حذقتها واشتهرت بها في العالمين؟ ولكن تعال، ليدع كلانا ما يحاول أن ~~يزوق به كلامه؛ فكلانا بارع في ذلك ms131 صناع؛ أنت بفصاحتك، ودقة فهمك وطريق حيلتك بين ~~الناس، وأنا بحكمتي وقوة تدبيري بين الآلهة، وما أحسبك تجهل مينرفا ابنة جوف الأكبر، التي ~~كانت رائدك ورفيقك في كل ما حاق بك من مكروه، فقد كنت أقذف الشجاعة في قلبك في مواقف شدتك، ~~كما كنت أثير الحمية في أفئدة الفياشيين الذين وصلوا بك إلى هنا، وها أنا ذي طويت إليك ~~فدافد الرحب لأخلو ساعة لك؛ ولأن لي حديث نصح معك، بودي أن أمحضك إياه، وقبل هذا ينبغي ~~أن تخبئ كنوزك التي أسبغت عليك بمشورتي، ثم إني محدثتك عما يتحيفك من أرزاء، وما يدبر ~~لك من كوارث تحت سقف بيتك، ونصيحتي أن تحتمل ما يصيبك أول الأمر بقلب جليد وصبر ثابت وطيد، ~~واحذر أن يعلم أحد - رجلا كان أو امرأة - بوصولك إلى إيثاكا وحيدا شريدا لا حول لك كما ~~وصلت، بل اصمت كلما حاول أحد أن يتعرفك، واحتمل الأذى كلما امتدت به يد إليك.» وقال ~~أوديسيوس وقد أسقط في يده: «لله درك يا ربة! ما أبرعك في تغشية العيون وتضليل الأبصار ~~والتشكل في أي صورة شئت! بيد أنك برغم ذلك حليمة رحيمة كعهدي بك دائما، ألا كم نصرت ~~أبطال أخايا المذاويد، وأظفرتهم بأعدائهم في ميدان طروادة، ولكني لن أنسى مذ أقلع أسطولنا ~~من مياه تلك المدينة بعد سقوطها في أيدينا أنك لم تظهري لنا قط، ولم تبادري مرة إلى ~~إنقاذي من إحدى الرزايا التي كانت تحيق بي، والتي كنت أحتملها بقلب حديد وصبر شديد، حتى رثت ~~الآلهة لحالي فجعلت لي منها مخرجا وأنقذتني إلى بر فياشيا، حيث أثرت في صدري النخوة ~~وأوليتني الشجاعة، وكنت دائما دليلي ورائدي، ولكن اصدقيني بأبيك يا ابنة جوف، هل وصلت ~~حقا إلى إيثاكا؟ أم أنا في صقع سحيق عنها، وإنما أنت تسخرين مني وتعبثين بي؟ اصدقيني ~~بأبيك يا ربة، هل هذه بلادي العزيزة إيثاكا؟ هل هي حقا؟» وقالت ذات العينين الزبرجديتين ~~تجيبه: «دائما حذر يا أوديسيوس، وإلى الأبد يملأ الوسواس صدرك برغم ما أوتيت من حكمة ~~وتبيان ms132 ورجاحة فكر وسلامة جنان، بيد أنك معذور يا صاح، إذ أي رجل يتشوف لرؤية زوجه ~~وأبنائه ولا يتحرق شوقا للقياهم بعد هذا النوى الطويل والبعد الممض والأهوال الجسام ~~الجمة؟ غير أنه أفضل لك ألا تعلم شيئا ولا تسأل عن شيء حتى تلمس بنفسك مقدار ما تكنه لك ~~من الحب، تلك الزوجة الوفية المخلصة التي ذهب شبابها عليك حسرات، والتي زرفت دموعها من ~~أجلك آناء الليل وأطراف النهار طوال تلك السنين الباكية الحزينة الموحشة. # إني لم أتركك يا أوديسيوس كما تظن، بل كنت أعلم أنك راجع دون ما ريب إلى بلادك، وإن ~~فقدت كل رجالك ورفاق سفرك الطويل الشاق، غير أنني أشفقت أن أثير حنق نبتيون - عمي وشقيق ~~أبي - الذي يحز الأسى في قلبه من فعلتك التي فعلت بعين ابنه السيكلوب، ولكن هلم، إني ~~سأقطع الشك باليقين، وسأدلك على علائم تؤكد لك أنك في إيثاكا؛ فهذه هي ميناء فورسيز ~~حكيم البحار، وها هي الزيتونة الكبرى عند رأس المرفأ وعلى مقربة منها ذلك الكهف المقدس ~~الإلهي الذي تأوي إليه عرائس البحر المعروفة باسم النياد، وقد طالما كنت تجزر القرابين ~~والأضاحي باسمهن عند وصيده، وهاك جبل نيربتوس وهذه غاباته الشجراء.» ثم رفعت ربة الحكمة ~~الغشاوة عن عينيه، فعرف دياره ولم ينكر شيئا منها، وهكذا شاءت العناية أن يشهد البطل ~~المكدود بلاده الحبيبة مرة أخرى، وهكذا خر أوديسيوس جاثيا يقبل ثرى الأرض المقدسة، ~~ثم رفع يديه يصلي لعرائس الماء كسابق دأبه: «يا عرائس البحر، يا بنات جوف الأعظم، لقد ~~قنطت قبل هذا من أن أراكن، فها أنا ذا أعود إليكن بألف نذر وألف تحية وسلام، من القرابين ~~الغوالي إذا مدت أختكن - مينرفا الحكيمة - في أيامي، وباركت رجولة ولدي ومعقد ~~أحلامي.» # وقالت ابنة جوف تؤيده: «تشجع يا أوديسيوس، لا طائل لهذه الوساوس التي تعذبك. هلم! ~~البدار البدار، لنخبئ هذه الكنوز في أغوار ذلك الكهف السحيق؛ لتكون في مأمن من عبث عابث، ~~ثم هلم أدبر الأمر معك.» وانطلقت الربة في ظلمات الكهف تتكشفه بينما حمل أوديسيوس ms133 ~~أذخاره فوضعها حيث أشارت مينرفا، ثم حملت بيديها الجبارتين صخرا عظيما فأحكمت به غلق ~~المدخل الرهيب، وجلسا عند أصل زيتونة باسقة، وشرعا يرسمان الخطط ويحكمان التدبير لهلاك ~~العشاق الفساق المعاميد، فقالت مينرفا: «أوديسيوس، يا ابن ليرتيس المجيد، هلم فأعمل فكرك ~~الآن في الوسيلة التي تبيد بها أعداءك الذين لا يستحون، أولئك العشاق الذين استبدوا ~~بأسرتك طوال أعوام ثلاثة واستباحوا حماك، وتكالبوا حول زوجتك كل هذه السنين يغرونها ~~بالوعود، ويزخرفون لها الأماني، ويعسلون لها كلمة الفسق، وهي ما تزداد إليك إلا تحرقا، ~~وما ترقأ دموعها من أجلك فتحتال لهم، وتعد هذا وتوشي المنى لذاك معللة نفسها بعودتك ~~لتسحقهم جميعا.» واستعبر أوديسيوس قليلا وقال: «أوه! كأن القضاء الذي أسكت نأمة ~~أجاممنون يكاد يحيق بي أنا الآخر في صميم داري! ولكن وي! أضرع إليك أيتها الربة أن تشيري ~~علي وتنصحي لي وتلقنيني كيف أثأر من هؤلاء الطغاة؟ وأتوسل إليك أن تقذفي في قلبي الشجاعة ~~كما قذفتها فيه تحت أسوار طروادة، فإني بعونك أدوخ المئين من أعدائي، وما دامت يدك فوق ~~يدي فإني مستأصل شأفتهم جميعا.» قالت مينرفا: «اطمئن يا أوديسيوس فسأكون معك وإن لم يمتد ~~إلي طرفك حتى تغتالهم أجمعين، وحتى تطيح رءوس أكثرهم على أرض قصرك، ولكن تعال ألق بالك ~~إلي، إني سأغير من صورتك، وأحور من شكلك حتى لا يعرفك منهم أحد؛ فهاتان الوفرتان # 6 # تستطيلان حتى تغطيا كتفيك وحتى تتصلا باللمة، # 7 # وسأدثرك بدثار مرقع رث، يثير التقزز في نفوسهم فلا يمدون أبصارهم ~~إليك، وسأحدث أوراما حول عينيك تزيد في تنكرك، حتى ليحسب من ينظر إليك من أعدائك أنك ~~وأهلك بعض المساكين الذين لا يفتئون يضربون في الأرض؛ على أنه ينبغي أن تلقى راعيك الأمين ~~«أيبومايوس» الرجل الوفي الذي لا يزال يخلص لك ويفي لابنك، ويؤثر بأصفى وده زوجك، ~~فاذهب إذن إلى جبيل كوراكس المطل على نبع أريثوزا تجد قطعانك ترعى العشب الحلو ثمة، ~~وتسقى من السلسبيل المجاور، وتجد راعيك الشيخ يتشوف إلى رؤيتك فحيه واجلس إليه، ~~واسأله عن كل ms134 ما تريد أن تعرف من أنباء بيتك وأهلك وعقارك، وتلبث معه حتى أعود إليك بابنك ~~من أسبرطة؛ ابنك تليماك الذي ذهب يذرع الرحب سائلا عنك، متحسسا أخبارك حيث حل ضيفا ~~كريما على الملك منلوس الذي أرسله إلى ليسديمون ليرى هل لا يزال أبوه حيا يرزق.» قال ~~أوديسيوس «وا أسفاه عليك يا ولدي! ولم أيتها الربة المحيطة بكل شيء لم تخبريه أنني حي ~~أرزق وأنني لا بد عائد إليه؟ فكنت كفيته بلاء الرحلة في تيه البحر، بينما هؤلاء الكلاب ~~يستنزفون ثروته وماله.» فقالت تجيبه: «لا تأس على ولدك هكذا يا أوديسيوس، لقد أرسلته أنا ~~ثمة ينشد الشرف وينشر ذكره بين الناس؛ إنه لا يلقى عنتا هناك، بل هو ينعم بالرعاية في قصر ~~إنريدس، وأعلم أن فريقا من عشاق بنلوب يتربصون به ويترصدونه في طرقه ابتغاء أن يقتلوه ~~قبل أن يبلغ أرض الوطن، ولكن لا ، خاب فألهم، إنهم لن يمسوه بأذى حتى تكون الأرض قد ~~رويت من دمائهم، وغيبوا جميعا في بطونها، أولئك السفلة الذين يستحلون زادك وعتادك ~~الآن، ثم مسته بعصاها السحرية فبدت عليه بدوات الكبر؛ فهذا جلده قد تغضن، وهاتان ~~وفرتاه ولمته قد استطالت حتى بلغ شعرها قدميه، وها هي ذي تضفي عليه الدثار المرقع ~~الرث، وها هي ذي تحدث الأورام حول عينه وتزوده بمزق قذرة علق بها التراب والسخام، # 8 # وها هي تضفي عليه بعد ذلك جلد ظبي قديم غليظ وتدفع إليه بعكازة طويلة يتوكأ ~~عليها، وتمده بمزود # 9 # تدلت منه أوشية قبيحة، وأحيط بسيور من جلد عتيق.» # وافترقنا؛ فهو إلى حيث يلقى راعيه، وهي إلى حيث تلقى تليماك في مملكة ليسديمون. # لتقص على كل منهن قصة حياتها. # | مع الراعي # وسلك سبيله في طريق وعر محفوف بالأشجار الباسقة إلى مأوى صديقه الراعي الشيخ الأمين، ~~فوجده جالسا وحده في مدخل الحظيرة الشاسعة القائمة وسط المرج المعشوشب النضير. # ولقد سورها يومايوس - إذ سيده غائب في أقصى الأرض - بسور عظيم ضخم من حجارة قوية نحتها ~~من محجر قريب، وجعل على السور فروعا ms135 من قتاد وشوك، وجذوعا من سنديان، حتى صارت أمنع من ~~عقاب الجو ... كل ذلك دون أن يساعده أحد، ثم قسمها اثني عشر زربا، # 1 # جعل في كل منها خمسين خنزيرة كنازا، أما ذكران الخنازير فقد تركها سائبة ~~في الخارج ليرسل منها إلى العشاق المعاميد ما يأكلون منه وما يريغون، وقد بقى منها بعد تلك ~~الأعوام الطوال ستون وثلاثمائة، وربضت لدى الباب كلاب أربعة كسباع البرية تلحظ الحظيرة ~~بأعين كالجمر، وجلس الراعي يعمل لنفسه نعالا من جلد ثور مدبوغ، بينما انطلق خدمه ومعاونوه ~~الأربعة يعملون ويدأبون هنا وهناك، وكان رابعهم على وشك أن يترك الحظائر إلى المدينة، ~~حاملا لحم خنزير حنيذ يذهب به برغمه إلى العشاق الفساق، ولمحت الكلاب أوديسيوس فأهرعت ~~إليه، وظلت تعوى وتنبح، وترغي وتزبد، وأوشكت أن تفتك به، لولا أن هب يومايوس فكسر ~~شرتها بما رماها به من الحجارة، ولولا أن ترك أوديسيوس عكازه يسقط من يده؛ لأن الكلاب ~~لا يغيظها إلا أن يمسك لها أحد عكازا ... قال الراعي: «أيها اللاجئ العجوز، سلمت، خطوة ~~واحدة وكانت هذه الكلاب قد مزقتك إربا، وكانت قد لحقت بي سبة لا تبيد! ألا كم ترسل ~~علي الآلهة من كروب! وكم ترميني به من آلام! أنا هذا العجوز الهالك الذي أمضني الحزن ~~وشفني الأسى من أجل سيدي ومولاي، ها أنا ذا أسمن قطعانه وأرعاها لينعم بها غيره، بينما ~~هو نازح غريب يجوب الآفاق ويشتهي كسرة يتبلغ بها إن كان لا يزال حيا يرزق، أوه تعال ~~أيها الصديق! هلم فاتبعني إلى داري أطعمك ما تيسر، وأسقك كفايتك من الخمر، وتخبرني ~~بعدها من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وماذا وراءك؟» وانطلقا وقدم إليه الراعي الكريم حشيته ~~التي كان يجلس عليها، والتي اتخذها من جلد عنز حشاه بالقش، فشكره أوديسيوس، ودعا له بما ~~يحب وبكل ما تصبو إليه نفسه، فقال الراعي يجيبه: «أيها الصديق، ليس أمقت إلي من أن ~~أذود لاجئا إلى داري، وإن يكن أرث منك حالا؛ لأن أبناء السبيل جميعا هم ضيوف زيوس رب ~~الأرباب، ms136 وأنا مع ذاك أعتذر إليك إذا لحظت أن زادي قليل، وأن حالي رقيقة، فلقد مضى زمن العز ~~والعيش الواسع المخفرج، وأصبحنا نعاني القل والفاقة، والعيش النكد تحت إمرة هؤلاء ~~الرؤساء الأصاغر، آه يا مولاي يا زين الحياة ومؤدب الناس أين أنت وأين أيامك وخيرك الوفر؟ ~~ليتها دامت، وليتك ظللت فعشنا في كنفك، وليت هيلين وكل من في بيت هيلين فداؤك، هيلين ~~التي قتلت سادات هيلاس # 2 # ممن أبحروا مع أجاممنون؛ لينيلوه النصر في ميدان طروادة.» ثم لملم دثاره وذهب ~~إلى الزرب الأول فجاء بخنزيرتين سمينتين، فذبحهما وسلخ جلديهما وجعلهما إربا إربا، ثم ~~أشعل نارا عظيمة فسوى على جمرها السفافيد المثقلة باللحم، وجاء بالشواء فوضعه أمام ~~أوديسيوس، ثم نثر عليه من الدقيق، وأحضر زق الخمر وجلس قبالته وقال: «هلم يا ضيفي العزيز ~~فكل وارو، لا تؤاخذني إذا رأيت الشواء لا سمينا ولا حنيذا؛ فكل سمين حنيذ يذبح أولا ~~فأولا، ويرسل إلى العشاق السفلة الذين لا يرعون في الآلهة إلا ولا ذمة، ولا يخافون ~~سماء ولا بشرا! بالله من هؤلاء الفجرة! ألا يلمون شعثهم ويغيرون بخيلهم ورجلهم على ~~بلد قاص فيثوبوا بأسلاب الغزو وسخط الآلهة؟ أم تراهم أوحي إليهم بموت مولاهم فهم هنا ~~قائمون ما يريمون، ولزاده آكلون ومن خمره شاربون حتى فرغت الجرار وخوت الدار، وضؤل ~~الزرع وجف الضرع! أبدا ما ملك أحد مثل ما ملك مولاي، لقد كانت ثروته تعدل ما يملك عشرة ~~أو عشرون أميرا، ولا أزال أذكر مما ملكت يداه اثني عشر قطيعا من الأنعام كانت ترعى العشب ~~في مروج الشاطئ # 3 # المقابل، وكثيرا من قطعان الأغنام وأرعال # 4 # الخنازير وأسراب الماعز، عليها أجزاء وخدم ورعاة لا يحصون، ورجال مخلصون ~~يزرعون في حقوله الشاسعة ويحصدون، ورجال يجلبون من قطعانه كل كناز للذبح ... أما أنا، فقد عهد ~~إلي بهذه الأرعال التي ترى، أطعمها وأعنى بها، وا أسفاه! وأرسل إلى العشاق كل يوم ~~بخيارها.» # أفيمويا الحبيبة التي فخرت بهيام بنتيون. # وصمت الراعي بينما كان أوديسيوس يصغي ويلتهم طعامه، ويفكر ألف ms137 فكرة، ويدبر ألف ~~تدبير لسحق هؤلاء العشاق المفاليك، حتى إذا انتهى قدم إليه يومايوس كأسه دهاقا، ~~فتقلبها وشرب ما فيها وقال: «ترى ماذا كان اسم سيدك أيها الصديق؟ لا بد أنه كان مشهورا ~~ذا ذكر؛ لما وصفت من واسع ثرائه وسمو جاهه وبسطة ملكه، لقد قلت: إنه ذهب إلى طروادة مع ~~أجاممنون، فهل تتفضل فتذكر لي اسمه؛ عسى أن أقص عليك أنباءه؟ لقد ذهبت أنا الآخر ثمة ~~وسافرت في بلاد شتى، ومحال ألا أعرف العظماء الذين جاهدوا مع أجاممنون.» فأجابه الراعي: «وا ~~أسفاه أيها الأخ العجوز أبدا لا تنطلي الأنباء الملفقة عن مولاي على زوجه أو ولده، فكم ~~من جواب آفاق مثلك محتاج إلى لقمات أو سراول، قد لقي الزوجة المسكينة فلفق لها قصصا ~~مكذوبة عن رجلها، ثم دلت الأيام على كذبه وزخرفه، والزوجة في كل ما تسمع تذرف الدموع ~~وتصعد الآهات كأحسن ما تصنع زوجة وفية من أجل زوجها الذي قضى في بلد بعيد، وأكبر ظني أنك ~~تطمع في كساء تخلعه عليك هذه الزوجة المفئودة الرءوم، فاربع عليك؛ فالرجل قد قضى، وليس ~~بعيدا أن تكون كلاب البرية وسباعها قد اغتذت به، أو أنه قد غرق فأكله السمك ولفظت عظامه ~~على سيف البحر لتذروها الرياح تاركا وراءه قلوبا تأسى عليه، أحزنها عليه قلبي! تالله ~~ما وودت أن أرى أبوي اللذين غادرتهما منذ أحقاب كما أتشوف اليوم إلى رؤية هذا الرجل، ~~آه يا أوديسيوس أين أنت؟ إنك مهما شطت النوى وشخطت الدار فلن أبرح أذكرك وأسبح باسمك ~~وأوقرك بما أحسنت إلي وعنيت بشأني، يا من فراقك عندي آلم لي من فراق أعز إخوتي ~~وأشقائي.» # وحدجه أوديسيوس وقال: «أيها الصديق لم تيئس من عودة مولاك هكذا؟ لم يخامرك الشك في ~~أن رجوعه محتوم لا ريب فيه؟ إذن فأنا أقسم لك قسما لا أحنث فيه أنه عائد لا محالة، ومعاذ ~~الآلهة أن أقسم وأؤكد الأيمان لأنال القميص الذي ذكرت، أو الدثار الذي أنا في شدة ~~الحاجة إليه، بل ليبق القميص والدثار حتى يتحقق ms138 قسمي وتبر يميني فأتسلمهما منك؛ فإني ~~أمقت الكاذب الحانث في يمينه كما أمقت أبواب الجحيم، والله على ما أقول وكيل! اطمئن إذن يا ~~صاح، وثق أن أوديسيوس لا بد عائد هذه السنة إلى إيثاكا، بل ربما عاد هذا الشهر، ولن يمضي ~~شهر آخر حتى يكون قد ثأر لعرضه من أعدائه وبطش بهم جميعا؛ أولئك الفجرة الأشرار الذين ~~جسروا على استباحة حماه وإهانة زوجه، وعدم المبالاة بولده.» وسخر الراعي وقال: «أهكذا ~~تقسم وتؤكد القسم يا صاح؟ أبدا لن تنال الرهان أبدا؛ فقد أودى أوديسيوس ولن يعود ~~بعد. هلم هلم، تحس كأسك الروية ودع هذا الحديث؛ فإنه يحزنني ويثير شجوني. خل قسمك، ~~وليقدم أوديسيوس في خيالك أو في الحقيقة؛ فأنا وزوجه وأبوه وولده ... كلنا نشتهي ذلك ~~ونتمناه على الآلهة! يا ويح لك يا تليماك الحبيب! لقد كنت أرقص طربا كلما رأيتك تنبت كما ~~نبت أبوك، وتشب على الفضائل التي شب عليها ، أين أنت؟ لقد ذهبت إلى ملك بيلوس تتحسس ~~أخبار أبيك، وها هم العشاق يترصدونك ويتربصون بك ليغتالوك في الطريق، ألا طاشت أحلامهم ~~وحماك جوف الأعظم من مكرهم، وحفظك لبيت أرسسياس يا أعز الناس، ولكن تعال أيها الضيف الكريم، ~~قل لي بربك واصدقني في كل ما تقول: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وفيم قدمت؟ وما بلدك؟ وأين ~~يقيم أبواك؟ وأي سفينة حملتك إلى شاطئنا؟ فلعمري إنك لن تدعي أنك وصلت إلينا سائرا على ~~قدميك!» فقال أوديسيوس يجيبه: «سأقص عليك من أنبائي التي لا يأتيها الباطل ما لو لبثت ~~عندك عاما بين هذه الخمر وذاك الطعام، بينما يكد الآخرون من أجلنا ويجهدون، ما فرغت من ~~قصها عليك؛ فهي أنباء باكية وآلام متصلة، شاءت السماء أن أقاسيها وأن أجرع غصصها؛ إذن ~~فأنا ابن كاستور هيلاسيد أحد سراة كريت، من سريته المحبوبة التي كان يعزها كزوجة، ~~ولم يكن أبي يفرق بيني وبين إخوتي من زوجه، بل كان يولينا حبه على السواء، وكان الناس ~~يبجلونه كأحد آلهتهم لثرائه الواسع وحسبه الضخم ولأعماله الناجحة، فلما مات اقتسم ms139 ~~أبناؤه كل ما ترك، وكان نصيبي منزلا متواضعا ومالا كثيرا وزوجة غنية ذات مال وجمال، ولم ~~يحاول إخوتي أن يدعوني أو يأكلوا تراثي؛ لما كنت عليه من كريم الخصال وحميد الفعال، وجمال ~~المنظر ووسامة المظهر - لا كما تراني الآن - وا أسفاه على ما فات من نضارة الشباب! تالله لن ~~تستطيع ولن يستطيع أحد أن يحدس كم شقيت وكم بليت؟ وكم من الآلام والضنك وأوضار الحياة ~~تحملت؟ فلقد كنت لا أرهب الردى، وكنت دائما أخوض غمار المعامع في حمى مارس ومينرفا، ~~فأشك قلوب الأعادي وأبهر القادة والزعماء بجلائل الأعمال، ولم يكن من دائي أن أشغل نفسي ~~بأكلاف البيوت ومشاغل الحياة المعيشية الدنيا التي هي بالأحداث والغلمان أولى، بل كنت ~~مشغوفا أبدا بركوب البحار وخوض غمار الوغى وملاعبة الأسنة، وما إلى ذلك مما جعلته ~~السماء غراما وفرحا لي، وضراما وفزعا في فؤاد سواي، والناس كما تعلم فيما يعشقون ~~مذاهب، ولست أرسل القول على عواهنه؛ فلقد قدت إلى طروادة تسعة جيوش ظفرت بفيالقها قبل ~~هذه الحرب الضروس الأخيرة بينها وبين هيلاس، ولقد حزت الثراء الجم والغنى الوافر من ~~جراء هذه الحروب، فأصبحت بين شعب كريت المفضل المبجل، ثم كانت الحرب الأخيرة التي ~~قتل بسببها مئات من السادة الصناديد من رجال الإغريق، فاختاروني أنا وصاحبي أيدومين ~~قائدين للأساطيل، ثم حاربنا حول طروادة تسع سنين حافلات مثقلات، وفي العاشرة سقطت المدينة ~~في أيدينا، وعدنا أدراجنا نطوي اليم لا ندري ماذا خبأت لنا المقادير؟ ومن ثمة بدأ جوف ~~يرسل صيبا من الرزايا فوق رأسي، حتى إذا وصلت إلى كريت سالما لم ألبث طويلا هناك، ~~ولم أمتع النفس بالأهل والوطن إلا شهرا واحدا، ثم أقلعت في نخبة من رفاقي بأسطولنا إلى ~~مصر بعد أن أولمت لهم وقربت القرابين. # وقد أرسلت العناية لنا ريحا جرت بسفننا رخاء كأنما أبحرنا مع تيار نهر لا جبار ولا ~~عنيد، ولم يحدث لأي من جوارينا سوء حتى بلغنا شطآن مصر في اليوم الخامس، واتخذت سفننا ~~سبيلها في النيل عجبا، ثم حدث ما ms140 لم أود أن يحدث؛ إذ سطا رجالي بعد خلف في الرأي وشجار ~~بينهم عنيف على حقول الفلاحين، فاستاقوا أنعامهم وسبوا نساءهم، واسترقوا أطفالهم ثم ~~ذبحوا رجالهم ... بيد أنهم لم يسلموا مع ذاك من شر المصريين؛ إذ استيقظت المدينة على صراخ ~~الجرحى وأنين القتلى وتصويت النساء فأقبل أهلها كالجراد بين فارس وراجل، وكل يحمل السيف ~~البتار أو الرمح السمهري، فأعملوا فينا ضربا وتقتيلا واستنقذوا السبي كله، وشفوا حرد ~~صدورهم منا ... أما أنا، فيا ليتني قتلت فيمن قتل واسترحت من هذه الدنيا التي جرعتني ~~ضعف هذه الآلام بعد! لقد كنت أشهد رجالي يهوون إلى الأرض، وأعلم أن جوف قد أنزل هذا ~~البلاء بهم جزاء لهم وفاقا، فلما رأيت أني لا محالة شارب بالكأس التي شرب بها رفاقي ~~ألقيت سيفي، وجريت أعزل من السلاح إلى حيث الملك الكريم؛ فركعت بين يديه، وقبلت الأرض ~~إجلالا له، وبكيت ما شاء جوف أن أبكي، ثم سألته العفو والمغفرة؛ فرق لي ورثى لحالي، وأمر ~~بي فأخذني في جملة خدمه وخوله إلى المدينة، وقد رام رجاله أن يقصدوني برماحهم لولا أن ~~صدهم مخافة من الله الذي أمن اللائذين به المستذرين بظله، ثم لبثت في أهل مصر سبع سنين ~~هانئا سعيدا محبوبا من الجميع، وحدث في السنة الثامنة أن قدم إلى المدينة رجل فينيقي ~~جواب آفاق، ما زال بي حتى أقنعني بالفرار إلى بلاده، وأغراني بأن له ضياعا وأملاكا ~~ومالا ففعلت، ولبثت معه حولا بأكمله، ثم حدث أن كلمني بعد هذا الحول في رحلة لا أعرف إلى ~~أين، كانت أكبر الظن للسطو والقرصنة، أو على الأقل لأباع في بلد قصي بيع الرقيق فينتفع ~~بثمني، ورحلنا، ولكن عاصفة جبارة هبت علينا وتلاعبت بنا، وعبست السماء وكلح الدأماء # 5 # وتمرد من تحتنا الماء، ثم أرسل جوف صواعقه على السفينة فقصمها، وغرق الملاحون ~~جميعا، وأكرمني الله العلي اللطيف فبعث إلي بقلع السفينة الأكبر فتعلقت به، ولبثت ~~الصبا تقذف بي نحو الجنوب أياما تسعة، وفي ظلام الليلة العاشرة دفعتني على شطآن تسبروتيا ~~حيث ms141 أكرم مثواي ملكها العظيم البطل فيدون وعني بشأني؛ وذلك أن ولده رآني طريحا على ~~الشاطئ أكاد أموت من البرد والجوع، فحملني إلى قصر الملك حيث ردت إلي الحياة، وأعطيت ~~دثارا وصدارا، وخصصت لي غرفة فسيحة ذات أرائك، وهناك سمعت عن مولاك النازح البطل ~~أوديسيوس، ورأيته بعيني رأسي وقد ذكر لي عن فضل الملك وإكرامه مثواه ما برهنت عليه ~~أعماله، ثم أراني أوديسيوس كنوزه من الذهب والنحاس وطرف الحديد التي جمعها في أسفاره، ~~والتي تكفي للنفقة على أسرته عشرة أحقاب، وكأن الملك يحفظها له في غرف كثيرة في قصره ~~إعزازا له وتكريما، وذكر لي أنه ذهب إلى ددونا النائمة بين أحضان الحور والسنديان؛ ~~ليستوحي كاهن جوف الأكبر عما إذا كان خيرا له أن يذهب إلى بلاده متنكرا، أو في صورته ~~الصريحة الحقيقية بعد هذا الغياب الطويل عن أهله، وقد أكد لي الملك أن المركب الذي سيحمل ~~أوديسيوس إلى بلاده - إيثاكا - معد في المرفأ، ولولا أني أبحرت قبله لشهدته بعيني يركب ~~الفلك؛ ذلك أن فلكا آخر لملاحين من جزيرة دلشيوم كان راسيا في الميناء، فأمرهم الملك أن ~~يحملوني معهم ويذهبوا بي بأقصى ما يمكنهم من السرعة إلى الملك أكاستوس. ولكنهم وا أسفاه ~~تألبوا علي في عرض البحر، وتآمروا بي ونزعوا صداري، ونضدوا دثاري، ثم انتهزوا فرصة ~~المد فأرسلوا بي إلى شاطئ إيثاكا، بعد أن ألبسوني تلك البزة القبيحة التي ترى، ولكيلا ~~أقاوم أدنى مقاومة ربطوا ذراعي وساقي وشدوا وثاقي في السارية، فلم أبد حراكا! ~~بيد أن الآلهة رأفت بي وحلت وثاقي فقذفت بنفسي في الماء، وسبحت إلى الشاطئ حيث وجدتهم ~~يعدون عشاءهم ويلتهمونه سراعا، وقد اختبأت في الأدغال الكثيفة فلم يروني، وهالهم ألا ~~يجدوني حيث شدوا وثاقي، فذهبوا يبحثون عني حتى إذا لم يقفوا لي على أثر أقلعوا عجلين، ~~ونجاني الله منهم، وساقني إلى الرجل الصالح الطيب الذي وصل حياتي وأكرم مثواي.» # سعيت إلى هنا لألقى الكاهن الطيبي تيرزياس؛ ليعرف كيف أصل إلى شطآن ~~إيثاكا الصخرية. # فتبسم يومايوس وقال: «تالله لقد أثرت ms142 في فؤادي مقالتك أيها الضيف الكريم، وأشجاني ~~ما لقيت من أهوال، ولكنك - كما يبدو لي - لم تكن جادا فيما رويت من أنباء أوديسيوس، فلم ~~أيها الأخ - وعليك من سيما النبل ومخايل الفضل ما عليك - تلفق مثل هذه الترهات ~~المضحكات؟ أما والله إنه إن يكن قد نجا من الموت في ساحة طروادة بما ألب عليه من سخط ~~الآلهة أجمعين، فأكبر ظني أنه قد غدا جزر السباع وكل نسر قشعم، وا أسفاه عليه! ألا ليته ~~قتل في سبيل بلاده في حرب عوان يحمي في وغاها بيضة الوطن؛ إذن لبكاه جميع الإغريق، ~~ولاجتمعت هيلاس كلها تتنافس في صنع لبنات قبره وتخليد ذكره، ولأورث ولده المجد والخلود، ~~ها أنا ذا يا صاح ثاو في هذا المكان، لاصق بذلك البيت العتيق، يفد علي في كل آنة غرباء ~~مثلك يروون لي القصص، ويلفقون الأحاديث عن مولاي؛ فبعضهم يبكيه ويتحسر عليه، وبعضهم ~~يوشي الأكاذيب ليغنم بعض الرفد وينال بعض العطاء، حين أقدمه للملكة الحزينة الكاسفة ~~بنلوب، ولعمري ما انطلت علي يوما أحاديثهم، ولا خدعت مرة بما روقوا وزوقوا، ~~أفتحسبني أصدق ما زخرفت أنت الآخر عن أوبة مولاي مثقلا بأحمال الذهب من كريت، واهما أنني ~~بهذا أبالغ في إكرامك، وأحرص على التلطف بك؟ لم تصنع هذا أيها الرفيق بعد أن ترفقت بك ~~الآلهة وهدتك إلى شاطئنا؟ أما والله إني إنما أكرمتك حبا لجوف ورهبة من بطشه، ولما ~~جاش في صدري من الشفقة عليه والرثاء لك والتألم من أجلك.» وقال أوديسيوس يجيبه: «لشد ما ~~أوتيت قلبا أفعمته الوساوس، ونفسا ساورتها الشكوك أيها الشيخ! هبها أنباء ملفقة ~~فما يميني التي أقسمتها لك إذن؟ تعال هلم نتقاسم يمينا تكون آلهة الأولمب عليها شهداء أنه ~~إن آب مولاك إلى بيتك هذا في أقرب ما تظن من الزمان، فيكون لي عليك صدار ودثار أصلح بهما ~~شأني حين أعود أدراجي إلى دلشيوم، فإن لم يؤب كما عاهدتك فتجتمع أنت ورجالك وعمالك ~~وتقذفوا بي من رأس قلة عالية سامقة يخشى أحقر الآفاقيين أن يتربع عليها.» ms143 وأجابه راعي ~~الخنازير: «جميل والله أيها الغريب اللاجئ، تكون ضيفي وتؤاكلني وأؤاكلك على مائدتي وتطمئن ~~إلي وتأتمنني، ثم أقذف بك من حالق؟! جميل والله هذا! وتضيع صلواتي ونسكي لدى جوف العلي! ~~صه. هلم هلم، العشاء يا صاح، لقد آن وقت العشاء. البدار قبل أن يدهمنا عمالنا، فيزحموا ~~المائدة ولا تجد لك مكانا بينهم.» # وهكذا تشقق الحديث بين الرجلين، ثم وصلت رعال الخنازير وأهرعت إلى حظائرها حيث ارتفع قباعها # 6 # وعلت ضوضاؤها، وهتف الراعي بأحد غلمانه فأمره أن يحضر واحدا من أسمنها ~~لعشاء الضيف ولعشاء الرعاة؛ «أفما تستحق واحدا منها ما تلتهم بطون غيرنا الذين ينعمون ~~بثمار كدنا ونصبنا؟» # وجيء بخنزير جسد، وأججت النيران واتقد الجمر، وصلى يومايوس للآلهة، ودعا لمولاه ~~بالخير وتمنى له العود؛ أحمد العود، ثم أهوى بشاطوره على عنق الحيوان فخر يتلبط في ~~دمه، وسلخوه بعد ذلك، وهم به يومايوس فقطعه ووضع إرب اللحم على صبغ الشحم، ونثر من الدقيق ~~على كل ذلك، ووضع الجميع في الجمر، وكلما نضج شيء وضعه الغلمان على المائدة، حتى إذا فرغوا ~~تولى الراعي العجوز توزيع الأنصبة، فجعل لابن مايا # 7 # سبعة أسهم، ولعرائس الماء سهما واحدا، وجعل لكل من عماله نصيبه بعد أن أتحف ~~أوديسيوس بأجزل الأنصبة جميعا، ثم كان يمده بعد ذلك بإمدادات جمة؛ مما أطلق لسانه ~~له بالشكر وعليه بالثناء، ورد عليه الراعي في أدب وافر: «إن الله هو مانح كل شيء، يعز ~~من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي ويسلب، له الملك لا شريك له.» ثم أدوا صلاتهم الخمرية ~~فأهرقوا المدامة للآلهة، وكذلك صنع أوديسيوس، وهم ميسولوس مولى يومايوس وخادمه الذي ~~اشتراه بماله، فوزع الخبز، ولبث يخدم ويسقي، ويجيء ويروح، حتى إذا فرغوا نظف المائدة ~~وأعاد كل شيء إلى مكانه، وانصرف القوم إلى مضاجعهم ليناموا ليلة ليلاء ممطرة شديدة ~~القر، عظيمة البرد، ونام أوديسيوس قريبا من مضيفه، ولم يكن عليه من الغطاء ما يقيه هول القرس، # 8 # فلفق هذا الحديث للراعي الشيخ ولمن نام معه من عماله: «لله ما تصنع ms144 خمركم ~~بالألباب يا قوم! لقد أوشكت أهذي وأنتفض وأملأ شدقي بالضحك! ولولا هذا القر لقمت فرقصت، ~~ولكنني محدثكم حديثا من أحاديث الشباب فيه هذيان وفيه ثرثرة، وفيه من حميا سلافكم ما ~~فيه، ألا ما أحلى أيام الشباب وما أروعها لو رجعت! إن لها لصدى في نفسي يتردد، وإني ما عشت ~~لن أنسى تلك الليلة القارسة الشاتية التي قضيتها في صدر الشباب وريعان الصبا مع صديقي ~~أوديسيوس ومنلوس في كمين تحت أسوار طروادة، في مستنقع آسن ذي قصب، ترقب من عدونا فرصة ~~تظفرنا به وتنصرنا عليه، مقنعين في الحديد والزرد، صابرين لما يصفعنا به بوريس # 9 # من ريح عاتية وبرد، ويسفعنا به من قر وبرد حتى انعقد الصقيع على دروعنا، وكدت ~~أنا أجمد ويجمد الدم في عروقي؛ لأني وا أسفاه استهنت أول الأمر بما أنذرت به الحال من هذا ~~المآل، فخرجت في عدتي وسلاحي، ولم ألبس معطفي ولم ألتفع ربطتي، # 10 # بينما قد احترز رفاقي فتدثروا بكل ثقيل، وخفت أن أصبر لهذا البرد فتكون ~~القاضية، فهتفت بأخي أوديسيوس: «أدركني يا ابن ليرتس النبيل، فقد أشفيت على الهلاك من ~~ذلك الزمهرير، أدركني بأربابك؛ فإني قد استخففت بالفصل الذي نحن فيه فلم أحضر معي ~~معطفا، ويكاد يقتلني البرد ويهرؤني الصقيع.» وأسكتني أوديسيوس خشية أن يسمعنا أحد فلا ~~نفلت من الموت، وقال لرفاقه: «أيها الإخوان، رأيت رؤيا بودي لو يذهب أحد إلى أجاممنون ~~فيطلب لنا مددا؛ فلقد بعدنا عن الأساطيل، ولسنا بخير لما ترون من قلتنا.» وانبرى لها ~~أندريمون فخلع معطفه وأطلق ساقيه للريح، وأشار أوديسيوس الخبيث إلي، فلبست المعطف ~~واستدفأت به وحمدت الآلهة، «أفليس فيكم أيها الأجاويد رجل رشيد فينزل لي عن معطفه أتقي به ~~هذا البرد الشديد وأنا في مثل سني وأنتم في ميعة شبابكم؟ ألا تفعلون! لتكن لكم هذه اليد ~~علي تفضلا أو تأدبا؟» وقال يومايوس يجيبه: «لا عليك يا ضيفنا العزيز؛ إنك لن تشكو ~~بردا ولا تقصيرا عندنا، وليس لدى كل منا إلا دثاره وصداراه ومعطفه، وليس لدينا منها ~~كثير ms145 نباهي به، ولسوف يعود تليماك ابن سيدنا ومولانا فيخلع عليك من الملابس ما يسرك ~~ويبهجك، ولكن رويدا فسأكفيك عادية القر برغم هذا، وبرغم ما غمزت في حديثك ولمزت.» ثم نهض ~~فجمع شيئا كثيرا من فراء الغنم وجلد الماعز، فجعله ركاما بالقرب من المدفأ، ثم جعل عليها ظهارة # 11 # من الصوف، فصلحت بذاك أن تكون لأوديسيوس وسادة وثيرة ليس بها من بأس، نام فيها ~~فاستراح، والتحف بفراء آخر، وبات ليلته والابتهاج يغمر نفسه؛ لما رأى من حرص راعيه على ~~ذكراه وحنينه للقياه وعنايته بقطعانه. أما الراعي العجوز الشيخ فكأنما أثرت فيه مقالة ~~أوديسيوس فهب فألقى عليه سلاحه، وأضفى على كاهله دروعه بعد أن خلع معطفه، واتزر بجلد ~~عنز، ثم أجلس بازيه الباشق على كتفه الشعيف، وحمل حربته التي يذود بها الناس والسباع عن ~~رعاله، وانطلق في العراء حيث جلس على صخرة مشرفة على السهل، وذاك ليحرس القطيع النائم، غير ~~عابئ بقرس الريح ولا وحشة الليلة الليلاء.» # | عودة تليماك # ثم رفت مينرفا رفتين أو نحوهما، فكانت في وادي ليسديمون الخصيب حيث حل تليماك ضيفا ~~كريما على الملك منلوس، وحيث وجدته يتقلب على فراش السهد والأرق، لا يستطيع أن يغمض ~~عينيه من هول ما يفكر في أبيه، بينما نام ابن الملك نسطور ملء عينيه نوما هادئا ~~عميقا على سرير مقابل لسرير الفتى المحزون. # ووقفت الربة عند رأس تليماك وأنشأت تقول له: «إلام تظل هنا في مهاجرك بأقصى الأرض ~~نائيا عن وطنك يا تليماك؟ أوهكذا رضيت أن يأكل العشاق الفساق تراثك، ويذاهبوا بنعماء ~~السماء عليك، ثم لا تلبث أن تثوب إليهم من تطوافك بالآفاق بقبضة من هواء، وخيبة من رجاء! ~~هلم هلم، سل الملك أن يأذن لك في السفر من فورك؛ فقد ألح جدك وأخوالك على أمك أن تتزوج من ~~الأمير يوريم؛ لما أنفق عليه من مهر ضخم وتقدمات وافرة أضعاف ما وعد الآخرون، هذا فضلا ~~عما يوشك أن يسلب من القنى العزيزة عليك من بيتك التي تنقص من هنا لتزيد فيما هناك، فإنه ms146 ~~ليس أحب من هذا إلى فؤاد المرأة، وهي سرعان ما تنسى أطفالها من زوج شبابها ورفيق صباها من ~~أجل زوجها الثاني الذي تود لو تهبه كل شيء. فالبدار البدار إذن، وعد أدراجك إلى بلادك ~~لتحفظ تراث أبيك ينفعك حيث تكون لك زوجة صالحة وذرار أنجاب ببركة السماء ورعاية الآلهة، ~~ثم خذ حذرك يا تليماك؛ فلقد اختبأ زعيم العشاق في ثلة من رجاله بين ساموس وإيثاكا ~~يتربصون بك ويترصدونك ليغتالوك قبل أن تصل إلى شاطئ الوطن، وإن فألهم لخائب، ولن يفعلوه ~~حتى يهال تراب الموت عليهم جميعا. ألا فارحل يا بني في ظلام الليل، واجنب سفينتك أن تسلك ~~سبيل ساموس، وابعد ما استطعت عن الجزائر القريبة منها، وسيرعاك بعض ~~الآلهة ويسخر لك ريحا رخاء تسارع بك إلى بلادك، ~~فإذا بلغت أول الشاطئ الإيثاكي فانزل إلى البر، ولتسلك الفلك سبيلها من دونك، ولتذهب أنت ~~إلى يومايوس راعي قطعانك الذي يحبك فأرسله إلى أمك كي تقر عينيها بأوبتك.» وما ~~كادت تفرغ حتى زفت # 1 # إلى الأولمب، وهب تليماك فأيقظ رفيقه من نومه قائلا: «هلم بيزاستروس هلم ~~فأسرج الخيل ولنرحل من فورنا.» وقال له ابن نسطور يجيبه: «هلم إلى أين يا صاحبي؟ كيف ~~نخبط في هذا الليل الدامس؟ ألا نصبر حتى تشرق ذكاء وحتى يلقاك الملك فيخلع عليك ويحسن ~~وداعك؛ لتظل ذكراه الحسنة ماثلة إلى الأبد في روعك؟» # سكيللا الهولة تدوي بصوتها وعوائها. # وانبلج الصبح فنهض منلوس الملك من حضن هيلين الدافئ، ويمم شطر الغرفة التي نام فيها ~~تليماك ورفيقه. وما كاد تليماك يلمح في غبشة الفجر صورة الملك حتى هب مسرعا، وأضفى عليه ~~طيلسانه الفاخر، واتزر فوقه بمئرز آخر، ثم دلف نحو الباب فلقي الملك ثمة وقال له: بورك ~~الملك تعالى جده! تالله لقد آن لي أن أعود إلى إيثاكا، وبودي لو أذن الملك بذلك، فقال ~~الملك: «إنا لا نستطيع أن نحجزك إذا كانت رغبتك أن تشد رحلك يا تليماك، وإنه ليس أشق ~~علينا أن يقيم ضيف لدينا برغمه أو أن نعجله على ms147 الرحيل من عندنا، بيد أنه يحسن أن ~~تنتظر قليلا حتى نهيئ لك أفخر الهدايا وأعز اللهى، وحتى نعدها لك في عربتك، وسآمر ~~نداماي فيعدون لنا فطورا يليق بوداع ضيف كريم عزيز مثلك، لا بد به من أكلة حافلة تصبر ~~لسفر طويل يزمعه، فلو أن سفرك هذا كان خلال هيلاس وكنت من أجله ستجتاز آرجوس شرقا لغرب ~~إذن لسافرت معك، ولجزت بك مدائن شتى، ولأهرع إلينا عمال الأقاليم يقدمون إلينا ~~الهدايا والتحف من صحائف الذهب ورمائز الإبريز وكل كأس ثمينة، ومن كل دابة مطهمة وجواد ~~كريم.» وأجاب تليماك في أسلوب الفطين الحذر: «مولاي أتريدس، منلوس العظيم تالله إنه لآثر ~~إلي أن أرحل لساعتي، فلقد تركت ورائي بيتا لم أدعه في صيانة أحد، وحطاما لست آمن عليه ~~أحدا، وأخشى يا مولاي أن أقضي في رحلتي هذه وراء أبي، فلا أكون قد أبقيت على نفسي، ولا ~~رعيت تراثه الذي تركه لي.» وأمر الملك خدمه فهيئوا الخوان، وزودوه بما بقي من عشاء أمس ~~بعد أن أضرم رئيسهم أيتون نارا أسخن عليها ما ينبغي أن يكون منها حارا، وتوجه الملك ~~إلى غرفته، فلقي فيها زوجه وولده، فتناول كأسا من الذهب الخالص، ودفع لولده بدلها من ~~الفضة، أما الملكة فنهضت إلى خزانتها فأحضرت ساجا # 2 # عملت فيه يدها الصناع فزخرفته وزركشته حتى بدا كسماء التمعت فيها نجوم، وعاد ~~ثلاثتهم إلى حيث ينتظرهم تليماك وكلمه الملك فقال: «ذاك تذكاري إليك يا ابن أوديسيوس ~~بودي لو تقبلته، وهو كأس عجيبة من صنع فلكان، أهداها إلي البطل فيديم ملك سيدون حين ~~حللت عليه ضيفا، هذا وأنا أدعو لك أن يكلأك جوف في رحلتك بعين الرعاية، وأن يكتب لك ~~السلامة والتوفيق.» ثم قدم إليه الكأس العظيمة وكذاك فعل ابنه، أما هيلين فقدمت إليه ~~الساج، وتبسمت عن فم ألذ من أقحوانة، وقالت له: «وأنا ~~أيضا أدعو لك يا بني، وأقدم إليك سدوسا # 3 # من أنفس الديباج حبذا لو جعلته قنية تذخره لك أمك حتى تقدمه بدورك لعروسك ~~ليلة زفافها إليك.» وكان ms148 لكلماتها في نفسه نشوة، فأخذ الطيلسان وناوله ابن نسطور الذي عني ~~به ووضعه بمكانة من العربة، ثم يمموا المائدة الكبرى، وصبت الماء على أيديهم جارية ذات ~~حسن وأناقة وظرف، وأخذوا بعد ذلك في فطورهم، بينما وقف ابن الملك يدق الكئوس ويشرب الخمر، ~~حتى إذا فرغوا نهض تليماك ورفيقه فسلما وودعا، وركبا العربة الفخمة المثقلة بأثمن ~~الهدايا، وتناول الملك كأسا من الخمر، وسار حتى دنا من الخيل، فصبها صلاة للآلهة من أجل ~~الراحلين وقال: «لكما الصحة والصفاء أيها الشابان اليافعان، تحياتي إلى نسطور أخي الذي كان ~~يرعاني كأحد أبنائه تحت أسوار طروادة.» فأجابه تليماك: «لا غرو أيها الملك، فسنقص عليه ~~آية كرمك وعظيم سخائك، وأرجو لو وصلت إلى إيثاكا فلقيت أبي أوديسيوس ثمة؛ إذن لقصصت عليه هو ~~الآخر ما غمرتنا به من حفاوة وكرم وعطف.» وما كاد ينتهي من كلمته حتى بدا عن يمينه نسر عظيم ~~يحمل في مخالبه أوزة كبيرة بيضاء وقد حلق في الهواء، وجرى حوله الخدم والحشم من أهل ~~المدينة، بيد أن النسر فاتهم جميعا، وقد زعج الملأ الواقف لتوديع تليماك، وبدأ الهلع في ~~وجه بيزاستراتوس، فسأل الملك فقال: «ليتفضل الملك فيحدثنا عن هذه العلامة إذا كانت من ~~أجلنا أو من أجل مولانا.» ولكن الملك لم يحر جوابا لفرط دهشه. فلما لحظت حيرته هيلين ~~زوجته تكلمت فقالت: «أيها الملأ اسمعوا واعوا، فإني أحدثكم كما علمتني الآلهة؛ تالله ~~إن هذه الآية، فكما غلب ذاك النسر أولئك الناس وذهب بتلك الأوزة البيضاء فهي له، فكذلك يعود ~~أوديسيوس من تجواله وطويل ترحاله إلى إيثاكا، فيبطش بأعدائه الذين استباحوا عرضه وعشقوا ~~زوجه، ويخلو له وجه بنلوب.» وانتفض تليماك من شدة ما أثرت فيه كلمات الملكة فقال: «ألا ~~حبذا أن يتم هذا! اللهم يا جوف المتعال، حقق النبوءة أعبدك، واكتب لأبي السلامة ~~أخبت لك، واكتب لي أن أعود إلى بلادي فألقاه ثمة تكن لك صلاة دائمة وذكر متصل، إله ~~السموات.» ثم حيا الملك وألهب الجياد فانطلقت تنهب الرحب. # ولم يزالا على سفر طوال ms149 يومهما حتى بلغا قصر ديوكليس مع مغيب الشمس، فاستضافهما وباتا ~~ليلتهما عنده، وما كادت أورورا تنضر جبين الشرق بالورد حتى هبا مسرعين، وودعا مضيفهما ~~الكريم وواصلا رحلتهما، وكان ابن نسطور قد أخذ بأعنة الخيل فجعلها تنساب حتى لكأنها ~~تسابق الريح. ولما بلغا أبواب بيلوس قال تليماك لصاحبه وهو يحدثه: «أنت عذيري يا أعز ~~الأصدقاء، إذا سألتك أن تصل بي إلى السفينة من غير أن أتوجه إلى بيتكم للقاء أبيك، فقد ~~يكبر علي أن أرفض نزله، وأستأني بذلك عنده في وقت أنا في أشد الحاجة إلى العودة إلى ~~الوطن! على أنني سأحفظ لك في أعماقي ذكرى خالدة لا تمحى، زادتها هذه الرحلة الحزينة ~~جمالا، وعقد أواصرها ما بين أبوينا من الود وما بيننا من اتفاق السن وصفو المودة وجميل ~~الإخاء.» وتردد ابن نسطور أول الأمر، بيد أنه لم يستطع إلا أن يلبي رجية تليماك، ~~فثنى أعنة الخيل إلى الشاطئ حيث كانت تنتظره الفلك فنقل فيها متاعه، ثم ودعه صديقه ~~وعقرت القرابين باسم مينرفا، وصلى لها الجميع وسبحوا سبحا طويلا، وإنهم لكذلك إذا ~~شاب طويل مفتول العضل يتقدم إلى تليماك فيخبره أنه قاتل آبق # 4 # وأنه يلوذ به، وأن اسمه تيوكلمين، وأنه يرجوه في أن يسافر معه، فهش له ~~وبش، وأخذ سلاحه فألقاه في السفينة، وأذن له في الركوب، وجلس الرجل مع تليماك عند مؤخر ~~السفينة، في حين كان الملاحون يهيئون القلاع وينشرون الشراع، ثم أقلعت الفلك وأرسلت ~~مينرفا بين يديها سجسجا تدفعها في رفق وتطوي تحتها الماء في حدب، وكانت الشمس تتوارى ~~بالحجاب، وكان الليل يلقي سدوله فوق الكون، وما هي إلا عشية حتى مرت السفينة بفيريا، ثم ~~بإيليس، وجوف في كل ذلك يحرسها ويرعاها. # هذا ما كان من أمر تليماك الفتى. أما ما كان من أمر أوديسيوس وراعيه، فقد كانا يلتهمان ~~في هذا الوقت طعامهما، وما كادا يفرغان من ذلك حتى أحب أوديسيوس أن يرى لنفسه إذا كان ~~الراعي قد ضاق به ذرعا فينطلق من لدنه، أو هو كريم ذو ms150 نخوة ونجيزة فيبقى عنده، فنهض يقول: ~~«أيها الراعي يومايوس، وأنتم أيها الأصدقاء الرعاة، اسمعوا وعوا؛ تالله إني لأخشى أن أرهقكم ~~بضيافتي أو أثقل عليكم بلبثي عندكم طويلا، فرجائي إذا انفلق الإصباح أن يقودني أحدكم ~~إلى المدينة لأستجدي وأتكفف، فلن أعدم فيهم من يتفضل علي ببلغة أو كسرة أو جرعة ~~ماء ... ولسوف أيمم شطر بنلوب، وعسى أن أستطيع لقاءها لأبلغها أنباء أوديسيوس، فإذا لم ~~أستطع فلن أعدم عملا في خدمة العشاق؛ لأني - والله المحمود - ولي من أولياء هرمز رسول ~~السماء ونصير الضعفاء، ولن أضيق بتكسير الخشب أو إضرام الحطب أو حمل الكاس والطاس، أو ~~القيام على الشواء ... أو ما إلى هذا وذاك من عمل الفقراء البائسين.» واهتز يومايوس إشفاقا ~~وقال: «أيها الرجل، ماذا تقول؟ أتجازف بنفسك فتلقي بها إلى التهلكة وسط هؤلاء الناس؟ من ~~أنت أيها الفقير حتى تحسبك تقدم الخمر لهم أو تخدمهم ولهم خدم شباب غرانيق، وندامى ~~كالكواكب نضرة وجمالا، وحشم يلبسون أحسن الوشي وأفخر الحرير والديباج! لتبق معنا أيها ~~الشيخ، فلن نضيق بك، وحين يعود سيدي تليماك فإنه يكسوك ويسبغ عليك، ويبعثك مكرما ~~معززا أنى شئت.» وشاع البشر في أعطاف أوديسيوس فقال: «شكرا لك يا يومايوس ألف شكر، ~~وجزاك الله عني أجزل الخير بما كفيتني شر السؤال وذل الاستجداء، وليس شرا منهما على ~~نفس أبية قاست الأهوال ولا تزال تقاسي! بيد أن لي مسألة عندك بودي لو جلوتها لي: ألا ~~يزال والد أوديسيوس حيا يرزق؟ وهل لا تزال أمه بخير؟ أو أنهما اليوم من أهل الدار ~~الآخرة؟ لقد غادرهما أوديسيوس يوشكان أن يطرقا باب هيدز، فهل عندك من أخبارهما شيء؟» قال ~~الراعي: «وما لي لا أصدق أيها الشيخ؟ إن ليرتيس - أبا مولاي - لا يزال على قيد الحياة؟! ~~لكنها حياة شاقة انقضت بالموت، إنه قد فقد أحسن آماله حين فقد حامي شيبته الذائد عن ~~شيخوخته، ولده أوديسيوس، وقد عجل له الشقاء موته، وحياته هو من بعده، فهو ما يني يبكيه، ~~وما ينفك يساقط نفسه حسرات عليه، أما أمه فقد ms151 قضت من أسى وحزن وطول بكاء قضاء ما قضى ~~مثله صديق ولا عدو، إنني حزين عليها يا صاح، بل أنا أفتقدها كأعز من أمي؛ لأنها نشأتني ~~صغيرا ورعتني كبيرا، وكانت تحبني كمحبة ابنتها ستيمينا التي تزوجت أحسن زيجة في ساموس ~~من كفء مهرها أحسن مهر وأعلاه، أبدا لا أنسى أنهم ألبسوني أحسن اللباس، وأعطوني نعلين ~~جديدتين فرحا بزواجها، ثم أرسلوني إلى الحقل، ولكنهم لم ينقصوا من محبتي. لقد عاشت مولاتي ~~بعد أوديسيوس معيشة شقية كلها آلام، وكنت أواسيها وأعزيها، ولكنها ما انتفعت قط بعزاء، ~~ولا استروحت إلى سلوة حتى ماتت، وها أنا ذا أبكيها كلما ذكرتها وقل أن أنساها، على أني ~~أحمد السماء على ما أولتني من خير، وأسبغت علي من نعم، هي حسبي الضيف الذي يغشاني، ~~على أني أعذر مولاتي وسيدتي بنلوب، إذ لم أر منها عطفا علي؛ لأنها في شغل بحالها وسط ~~هؤلاء الأوغاد المعاميد، وهي بالرغم من ذلك تولي خدمها المقربين منها نصائح غالية ~~تنفعنا جميعا، ثم هي لا تنسى أن تنفح الكثيرين منهم ما يفرحون به من آلاء وأعطيات غير ما ~~يأكلون وما يشربون.» وكأنما أراد أوديسيوس أن يتهكم عليه ويسخر به، فسأله ~~عن بلده ووالديه، وعن القوم الذين أخذوه عنوة، وفي ~~أي سفينة جاءوا به، وبكم باعوه لأهل أوديسيوس، فقال الرجل: «أيها الصديق، أعرني أذنيك ~~وارشف خمرك أقص عليك قصتي؛ فالليل طويل وفي جنحه يحلو السمر، وليس أشهى من أن يروي ذو ~~أشجان، وأنتم أيها الإخوان من كان منكم في حاجة إلى النوم ليصحو مبكرا فليذهب ولينعم ~~بالكرى، ثم أحسبك سمعت أو عرفت جزيرة سيريا التي عند أورتيجيا، إنها جزيرة صغيرة، لكنها ~~غنية بأغنامها وماشيتها وقمحها وأعنابها، كما اشتهرت بهوائها العليل ومناخها الجميل وصفوها ~~وطيب رباها ... لذلك لا تعرف أبدان أصحابها الأوصاب، بل يعمرون حتى يأتيهم أبوللو # 5 # فيصميهم بسهامه، وتعجل أرواحهم إلى هيدز، ويقتسم أرض الجزيرة أهل مدينتين ~~عظيمتين كانتا تخضعان لسيطرة أبي الزعيم العظيم ستزيوس أورميند، وحدث أن أرسلت في شاطئنا ~~سفينة فينيقية ms152 محملة بالطرف والتحف وبلعب الأطفال من صناعة الفينيقيين، وحدث أن ~~كانت في بيت أبي جارية قسيمة وسيمة ذات حسن وذات دلال كانت تقف على سيف البحر لبعض شئون ~~المنزل، فرآها بعض ملاحي المركب واستطاع أن يخدعها بكلام معسول ذي طنين وذي رنين، ثم ~~سألها من هي، ومن أي البلاد أقبلت إلى هذه الجزيرة، وكان الخبيث يمزج ألفاظه بنظرات ~~الأبالسة، وغمزات الشياطين وابتسامات الغزل؛ فانقادت له ضعيفة كبني جنسها إذا نصبت لهن ~~شراك الهوى وجذبتهن أحابيل الغرام، وقد أخبرته الغادة أنها من سيدون المشهورة بصناعة ~~الصلب والنحاس، وأن أباها أربياس الفلاح، وأن بعض القرصان قد اختطفها حين كانت عائدة ~~أدراجها من حقله، وباعها لصاحب تلك الجزيرة بأبخس الأثمان، وقد أغراها الملاح بالعودة معه ~~إلى بلدها على فلكه، وبالفرار من حياة الرق والعبودية للقاء الأهل والأحباب والأبوين ~~الثريين اللذين كان لا يزالان حيين يرزقان، فاستحلفته المسكينة إذا كان جادا ~~فيما قال، فحلف لها، واستقسمته إذا كان أمينا غير ذي غرض أو لبانة، فأقسم لها، ثم ~~تعاهدا على ذلك وقالت له: «والآن فلا يذكر أحد من أمري معكم شيئا لأي من أهل ~~المدينة، حتى لا يفشو السر ويعلم به صاحبي، فيكون في ذلك وبالي ووبالكم وهلاكي وهلاككم، بل ~~امضوا في بيع بضاعتكم وشراء ما يلزمكم، ثم إذا عزمتم أن تفعلوا فابعثوا أحدكم إلي بقصر ~~صاحب الجزيرة فإني مرضع ابنه وهو الآن يحبو بل يدرج، ~~وإني محضرته معي فإنه سينفعكم، بل تستطيعون بيعه في أحد البلاد ببعض المال، وسأحضر معه كل ~~ما تستطيع يدي أن تحمل من آنية وأكواب من خالص الذهب وغالي الفضة، مما يخف حمله ويغلو ~~ثمنه.» وعادت البائسة إلى قصر أبي. ولبث الملاحون عامهم كله في مرفئنا يبيعون ويشترون، حتى ~~إذا حال الحول أو كاد حضر واحد منهم إلى بيتنا يبيع بنيقة # 6 # من ذهب وكهرمان، فالتفت حوله وصيفات القصر، ثم حضرت أمي فاشترت بضاعة الرجل ~~الخبيث، الذي استطاع أن يومئ ايماءته المتفق عليها إلى مرضعي، فلما انصرف من في القصر ms153 ~~من أضياف، وذهب الخدم إلى شغلهن قادتني مرضعي التاعسة من يدي فمرت بي في غرفة الزائرين ~~حيث كانت أكواب الشراب لا تزال على المائدة، فدست منها ثلاثة في ثيابها ثم ذهبت بي - وأنا ~~طفل لا أدرك - إلى المرفأ، حيث ركبت معها في سفينة الفينيقيين، فأقلعوا ساعة الغروب، ~~ودفعتنا ريح عاصف طيلة ستة أيام، وفي صبيحة اليوم السابع أرسلت ديانا سهامها مسمومة إلى ~~صدر المرأة - مرضعي الآبقة - فماتت لساعتها، ووضعوا جسمانها في سأب، # 7 # ثم قذفوا بها في اليم طعمة غير سائغة للأسماك، ورحت أنا - لفرط حبي لها - ~~أبكيها وأعول في أجلها، ثم دفعتهم الريح والموج إلى شاطئ إيثاكا، حيث ابتاعني صاحبها العظيم ~~ليرتيس، وبقيت فيها إلى اليوم.» وتألم أوديسيوس لما قص الراعي وتوجع، وواساه بكلمات ~~طيبات؛ «فلقد وصلت في رعاية جوف إلى سيد رحيم ورجل بر، كفل لك الهناءة والحياة الهادئة، أما ~~أنا فلا أزال موكلا بفضاء الأرض أذرعه، وببلد ألبسه وآخر أقلعه.» ولما يناما طويلا، فقد ~~قطع حديثهما حبل الليل. # عازف موسيقى السماء أبوللو. # أما ما كان من أمر تليماك ورجاله، فقد وصل ملاحوه سالمين إلى الشاطئ الإيثاكي، وأرسوا ~~ثمة وربطوا حبالهم في أوتاد المرفأ، ثم اجتمعوا إلى فطورهم فأكلوا وشربوا، فلما فرغوا ~~أمرهم تليماك أن يذهبوا هم إلى المدينة، «أما أنا فذاهب لبعض شأني في المراعي القريبة ~~وسأعود قبيل الغروب، وفي الغد سأسقيكم سلافة الأوبة التي تذهب عنكم وعثاء هذا السفر.» ~~ونهض تيوكلمين (الشاب الآبق) فاستأذن في الذهاب بالبشرى إلى والدة تليماك، ولكن تليماك قال: ~~«كلا يا تيوكلمين، لا أريد أن تعلم أمي بقدومي اليوم، فابق مع رجالي هؤلاء حتى ولا تقع ~~أبصار العشاق المناكيد عليك، وإن شئت فاذهب إلى أحدهم - يوريماخوس - فهو أعظمهم قدرا ~~وأنبههم ذكرا، وهو الذي يحاول جاهدا الزواج من والدتي، والجلوس على عرش أبي، فاربط ~~حبالك بحباله. أواه يا أرباب السماء! حنانيك يا جوف! بعدا لهذا الزواج، وبعدا لمن ~~يحلمون به.» وما كاد يفرغ من حديثه حتى بدا إلى يمينه باز باشق - هو من ms154 غير ريب رسول ~~أبوللو الأمين، وقد أمسك في مخالبه حمامة بيضاء، فظل يدوم ويرنق حتى إذا كان بين الفلك في ~~البحر وتليماك في البر نثر خوافيها في الجو، فنزلن بالقرب من تليماك، وهنا تكلم تيوكلمين ~~فقال: «تالله إنها لآية من السماء يا سيدي، إنك ابن أعظم من في هذه الأرض، وإن بيتك أعرق ~~بيوتها، وستظفر كما ظفر آباؤك.» وشكره تليماك وتمنى لو صدقت نبوءته، ثم أوصى به أعظم رجاله ~~وأخلصهم له - كليتوس - فاهتزت أريحية الرجل، ووعد أن يكون له كسيده «تليماك» حتى يئوب، ~~وسلم تليماك، ومضى للقاء يومايوس، ثم أقلعت السفينة بمن عليها إلى المدينة. # | أوديسيوس يلقى تليماك # لقد كانت هدأة الفجر الساكنة الجميلة حينما هب يومايوس وضيفه من نومهما ليلبسا ~~ثيابهما ويعدا فطورهما، وليرسل الراعي عماله وراء قطعانه النائمة بين السهل الصامت ~~الوديع، وحينما أقبل تليماك أهرعت إليه الكلاب تلحس ثيابه وتلعق قدميه، وتهتز في نشوة ~~وطرب؛ لأنها رأته بعد طول الغياب، وقد لحظ أوديسيوس ذلك فقال يتحدث إلى الراعي: «يومايوس، ~~هذا أحد معارفك أو الأوداء إليك مقبل، لشد ما تملقه الكلاب التي أوشكت من قبل أن تعقرني! ~~لا تنبح ولا تكثر، بل تقعي في أثره ذليلة.» وما كاد يفرغ من حديثه حتى كان ولده واقفا ~~أمامه في رحبة الدار، وما كاد يومايوس يلمحه حتى هب من مقامه مسبوها مرتبكا، وحتى ~~انقذفت الكئوس التي كان يمزج فيها الخمر من يديه، بيد أنه ذهب إليه يقبله ثم يقبله، ~~ويبالغ في تقبيله، كأب مشوق لقي ولده فجأة بعد بضع سنين من مرارة البعد وألم الفراق، ثم ~~قال يكلمه: «أواه تليماك! أهو أنت يا نور عيني؟ أنت نفسك؟ أوقد عدت؟ تالله ما كان يخطر ~~بخلدي أنك عائد من سفرك بعد الذي دبروا لك، هلم يا حبيبي، تعال يا بني؛ فلقد عادت روحي ~~من سفر سحيق برؤيتك! تعال تليماك فما أندر ما تزورنا هنا لطول اشتغالك بالمعاميد المناكيد!» ~~وقال تليماك يجيبه: «أجل أيها الصديق، غير أنني أتيت لأسألك عن أمي؛ ألا تزال مخلصة ms155 لذكرى ~~أوديسيوس قائمة على عهده، أم أنها هجرت مهاده لتقع في شرك من شراك العناكب المحدقة ~~بها؟!» وأجابه الراعي فوصف له ما تلقاه الأم المحزونة من الضنى والحزن، وما تذرف من الدموع ~~في جنح الليل لما يرميها به الحدثان. ثم دخل تليماك بعد أن أخذ الراعي حربته، فنهض أوديسيوس ~~ليخلي لولده مقعده، فأبى تليماك؛ «لأن المكان فسيح، ولأن يومايوس يستطيع أن يعد لنا ~~مقعدا آخر، فوالله لتجلس أيها اللاجئ الكريم.» وهيأ الراعي لسيده مقعدا من الحشائش ~~الغضة والحلفاء الرطبة جعل عليها فروة كبيرة مما عنده، وجلس تليماك، وأحضر يومايوس ~~فطوره في أطباق من أطباق أمس وشيئا من الخبز والخمر، ونثر الصحاف على الخوان أمام مولاه، ~~وأخذ الثلاثة يلتهمونها أكلة مريئة هانئة. حتى إذا فرغوا، توجه تليماك بالحديث إلى راعيه ~~فقال: «من ضيفك يا أبتاه؟ ومتى وصل إلى إيثاكا؟ وكيف؟ وأي الملاحين حملوه إلى شاطئنا؟» ~~قال الراعي: «والله يا بني ما أستطيع أن أخفي عنك ما قال، فهو يدعي أنه من نسل الأماثل ~~الأمجاد من أمراء كريت، وأنه طوف في الآفاق، وسافر في البلاد ورأى من المدن ما لا عين ~~رأت، وهو يقول: إن فلكا قبرصيا حمله إلى شاطئنا قبل أن تحمله رجلاه إلى كوخي هذا، ~~ولكن لم هذا؟ ولم أتولى أنا الإجابة؟ إنه أمامك وأنا أدع أمره لك، فاصنع به ما تشاء، ~~إنه لائذ بك قاصد بابك، وأحسب أن له حاجة عندك؟» وبدا الألم في محيا الشاب فأجاب: «تالله ~~لقد آلمني حديثك أيها الأب يومايوس، أنت تجعله لائذا بي قاصدا بابي، وأنت تعرف من حالي ~~ما تعرف، وتعلم أنني مرزأ بهذه الطغمة، مشغول بوالدتي التي لا أستطيع أدفع عنها إصر ~~هؤلاء الأنجاس المناكيد الذين طال لبثهم حولها وتوقحهم بسببها، حتى لأخشى أن تضيق بهم ~~فتختار مرغمة أفضلهم بعلا لها أو أكثرهم عطاء وأوسعهم ثراء ... بيد أنني أوثر أن أمنحه ~~دثارا وصدارا ونعلين وسيفا جرزا، ثم أرسله إلى أي أقاليم العالم شاء في حمايتي، ~~وإن أحب فليبق في ضيافتك أنت، وسأرسل ms156 إليه ما هو حسبه من طعام وشراب؛ خشية أن يرهقك وأن ~~تضيق به؛ أما أن يصحبني إلى القصر الذي تعلم من أمره ما لا تعلم فذاك ما لا أرضاه له، فقد ~~يغمزه أحد بكلمة فيجرحه، وأجرح أنا بسببه، وأنت لا يخفى عليك أنني صغير لا أستطيع مهما ~~أوتيت من الشجاعة أن أرد عادية هؤلاء الأوغاد.» وتولى أوديسيوس الإجابة فقال: «أوه أيها ~~الحبيب الطيب القلب! لشد ما تتمزق نياط قلبي لما سمعت من أمر هؤلاء العشاق الأشقياء الذين ~~يستبيحون منزل فتى كريم مثلك! ولكن قل لي - إذا أذنت أن أتكلم في هذا الشأن - هل عن رضا ~~منك لصقوا بمنزلك فما يريمون، أو برغمك أيها العزيز؟ أليس لك إخوة يسندونك ويشدون أزرك ~~فتطردهم من بيتك؟ أواه لو عاد لي شبابي الآن، وأواه وآه لو عاد الآن أوديسيوس، تالله لو ~~أنني في حالك هذه لآثرت أن أشهر سيفي في وجوههم فإما أن أطهر بيتي منهم، وإما أن ~~أخر قتيلا بينهم فلا تقع عيني على ما يصنعون ، ولا أنظر إلى عيثهم وعبثهم بكل ما في منزل ~~أبي من خير وميرة السنين الطوال.» فقال تليماك: «ليس سرا أيها اللاجئ الكريم ما بيني وبين ~~قومي، وليس منهم من يضمر لي عداوة أو يطوي جوانحه لي على حقد ... أما الإخوة والأشقاء فليس ~~في أسرتنا من رزق هذه النعمة، بل هذا دأب عائلتنا منذ القدم، ذلك أرسباس لم ينجب غير ~~ليرتيس، ولم ينجب ليرتيس غير أوديسيوس، وهذا لم ينجب غيري أنا، هذا المرزأ المحزون الموجع ~~القلب؛ من أجل ذلك طمع هؤلاء الطامعون فينا، وتكالبوا على بيتنا من كل فج، فأقبلوا من ساموس ~~ودلشيوم وزاكتوس وأطراف إيثاكا، ومن الجزر الكثيرة المنتشرة في هذا البحر؛ كل يرغب في أن ~~تكون أمي له من دون العالمين زوجة يرغمها، فهم مقيمون لا يريمون آكلين ناعمين، يستنفدون غلة ~~ما ترك أوديسيوس، آتين على كل ما في بيته وخزائنه، ويوشكون أن يأتوا علي أنا الآخر.» ثم ~~أمر يومايوس أن يذهب إلى القصر فيخبر أمه ms157 بعودته سالما من بيلوس، فذكره يومايوس بجده ~~الضعيف الشيخ الذي امتنع عن الأكل والشراب منذ أن رحل تليماك يسائل عن أبيه؛ وذلك مما ~~أضواه من الهم، واستأذنه في أن يمر عليه فيخبره بعودة مولاه حتى يطمئن هو الآخر، ولكن ~~تليماك أمره بأن يذهب من فوره إلى القصر فيخبره، وانطلق يومايوس وكانت مينرفا تنتظر ذهابه ~~لتبدو لأوديسيوس في صورة حسناء ذات وقار وحسن سمت، وقد أخذت الكلاب بروعة مرآها فتكبكبت ~~في أحد أركان الحظيرة، وراحت توقوق وتهر # 1 # مما شدهها من منظر مينرفا، وقد لفت فعلها أوديسيوس فهب مسرعا إلى ربة ~~الحكمة التي قالت له: «الآن ينبغي لك أن تكشف نفسك لولدك فتقفه على حقيقة الأمر، ثم تذهب ~~معه إلى المدينة وفي قبضتك الموت الزؤام تجرعه صابا ويحموما للعشاق، وسأكون دائما معك ~~وسأشرف على المعركة بنفسي.» ولمسته بعصاها السحرية فارتد إلى صورته الحقيقية، وعاد إلى ~~الكوخ في حلته الضافية التي كانت عليه من قبل، فلما رآه تليماك شده وفرق وقال له: «أيها ~~النازح الغريب، ماذا أصابك؟ لقد تبدلت أيما تبدل، خبرني أرجوك وأتوسل إليك، أأنت إله ~~كريم فتعقر لك القرابين، وتذبح من أجلك الأضاحي؟» قال أوديسيوس: «ليفرخ روعك يا بني، ~~فما أنا إله، إن أنا إلا بشر، وإن أنا إلا أبوك الذي ذهبت تذرع الدنيا من أجله، والذي بسببه ~~غصصت بكل هذه الآلام، وصبرت للؤم هؤلاء الناس.» ثم ضم إليه ولده وطفق يقبله ويذرف ~~دموعه على خديه، بيد أن تليماك لم يصدق وراح بدوره يقول: «أبي؟ لن تكون مطلقا أبي، بل ~~أنت إله تنزل من السماء ليعبث بي، وليزيدني شقوة وأشجانا، أي بشر يستطيع أن يصنع ما ~~صنعت وكنت منذ لحظة عجوزا محدودب الظهر مجعد الوجه غائر العينين، تلوح في مزق وأسمال، ~~ثم تخرج هنيهة وتعود في هذا البدن الفينان وذاك المظهر الفتان الذي لا يكون إلا للآلهة؟» ~~فقال أبوه: «أي بني، أنا أوديسيوس ولن يرجع إليك أوديسيوس آخر سواي، اطمئن فقد صنعت مينرفا ~~ما رأيت بأبيك، وما صنعته أنا بنفسي، ms158 إنها ربة، ولها القدرة على كل شيء؛ ففي وسعها أن ~~تظهر من تشاء في صور شتى، وليس هذا على مينرفا بعزيز.» وأحس تليماك ما كان يشيع في ~~كلمات أبيه من حرارة وإخلاص لا يصدران إلا عن قلب أب، فانطلق يبادل والده عناقا بعناق ~~ودمعا بدمع وقبلات بقبلات، ثم سأله كيف عاد إلى الوطن بعد كل تلك السنين الطوال؟ فقص ~~عليه قصته ثم قال له: «ولكن حدثني أنت عن أمر أولئك العشاق الأوغاد ما عددهم؟ وهل نستطيع، ~~كلانا، أن نقف لهم فنظفر بهم؟» فأجاب تليماك: «أبتاه لقد سمعت الثناء على شجاعتك وسعة حيلتك ~~وجليل حكمتك في كل ملحمة وبكل نقع؛ ثناء يلهج به فم الدنيا جميعا، بيد أنه ينبغي ألا ~~نجازف هذه المجازفة التي لا نعرف ماذا وراءها؛ إذ ماذا يصنع اثنان بعشرين ومائة من خيرة ~~صناديد إيثاكا وما حولها؟ الرأي أن نفكر في أنصار يشدون أزرنا ويكونون عونا لنا.» ~~فقال أوديسيوس وهو يبتسم: «وما قولك يا بني في اثنين الله - جوف العلي - ثالثهما، ومينرفا ~~نصيرتهما على القوم الظالمين، إذا كان هذان معنا أفنحتاج إلى عون آخر؟» فقال تليماك: «بلى. ~~تعالى جوف وجلت مينرفا، إن لهما لأيدي فوق أيدي الناس؛ لأنهما يحكمان من فوق عرشهما ~~الممرد فوق السحاب في الأرض وفي السماء على السواء.» وقال أبوه يزيده طمأنينة: «وسيكونان ~~معنا في الحلبة حين يجد جدها، فإذا كان الصباح فاذهب إلى القصر واختلط بالعشاق، ~~وسيقودني راعينا الأمين إلى هنالك متنكرا في صورة الشحاذ الفقير الذي رأيت، فإذا فرطوا ~~علي فلا تأس، حتى ولو كان فرطهم بالضرب والسباب، ويسرني أن تحتمل وتصطبر، فإذا زادوا ~~فاصرف عني أذاهم بكلمة طيبة حتى يحكم الله بيني وبينهم حين يحين حينهم، واحذر أن تخبر أحدا ~~بعودتي حتى ولا أبي، بل على الأخص أمك بنلوب، أو هذا الراعي يومايوس؛ إذ ينبغي أن نستعين ~~على أمرنا بالكتمان حتى نعرف أصدقاءنا ونخير أعداءنا.» وطمأنه تليماك وأكد له كل شيء. ثم ~~وصل يومايوس إلى بنلوب فأخبرها بعودة تليماك، وذاع النبأ بين ms159 العشاق فذعروا لفشل ~~مؤامراتهم ضده، وانتشروا خارج القصر، واعتزموا أن يبعثوا نفرا منهم بهذا النبأ إلى الطغمة ~~التي ذهبت تتربص بالفتى لتغتاله إذ هو عائد من بيلوس، ثم اجتمعوا يمكرون السيئات، ~~ويدبرون قتل تليماك حين تتيح فرصة أخرى، وكان ميدون قريبا منهم فاسترق سمعهم، وطار به ~~إلى بنلوب التي هالها ما مكروا وما دبروا، فذهبت في جميع وصيفاتها إلى رحبة القصر، حيث ~~اجتمع أعداؤها إلى شياطينهم، فصاحت بزعيمهم أنطونيوس من وراء حجابها قائلة: «أنطونيوس، ~~تبت يداك يا ألأم الناس! أنت يا من يدعونك التقي الصالح وأنت أسفه مما يظنون طوية ~~وأخبث سريرة، كيف حدثتك نفسك بهذا التدبير السيئ فترسم لأشرارك قتل ولدي الذي لم يعد لي ~~في الحياة رجاء غيره؟ ألأنه ضعيف بنفسه؟ ألا فاعلم أنه قوي بالله الذي ينتقم لعباده من ~~الظالمين. أيها اللئيم، أبمثل هذا تجزي جميل أوديسيوس الذي حال مرة بين أبيك وبين أعدائه ~~معرضا بنفسه للتهلكة ولولاه لظفروا به، ولولا أن قتل منهم من قتل وصرع من صرع ~~لعجلت روحه إلى نيران هيدز وبئس القرار، أفلم يكفك ما تأكل بغير حق من زاده، وتعبث غير عابئ ~~بعتاده فترسم لأشرارك غيلة ابنه؟» وانبرى يوريماخوس يهدئ من ثورتها ويطمئنها أن أحدا من ~~العالمين لا يستطيع أن ينال تليماك بأذى ما دام هو حيا يدب على قدمين، وكان يتكلم ~~برغم ما كان ينطوي عليه قلبه؛ لأنه كان من أكبر المتآمرين على حياة ابنها العزيز الحبيب. ~~وبعد أن توارت أورورا عاد الراعي إلى حظائره يدب على عكازه، وكانت مينرفا قد لمست ~~أوديسيوس بعصاها السحرية فعاد إلى صورة الفقير الشحاذ، وعادت إليه مزقه وأسماله، فوجد ~~سيده وضيفه الفقير يعدان عشاءهما، ولما لمحه تليماك قال له: «ما وراءك يا يومايوس ~~الصالح؟ أعلمت عن الطغمة التي استأنت في ساموس تتربص بي شرا؟» فأجابه الراعي: «تالله لا ~~علم لي بشيء يا مولاي، فأنا لم أنتظر طويلا في المدينة لأتسقط الأبناء؛ لأنك أمرتني أن ~~أرتد على عجل بيد أنني لمحت مركبا يطوي البحر إذ أنا ms160 عائد ويدخل المرفأ، وفيه من ~~العدة والعدد ما يبهر النظر ويخطف البصر، وأحسب أنهم هم الأمراء الذين تعني، غير أنني لا ~~أجزم بهذا.» # ونظر تليماك إلى والده متبسما محاذرا أن ينتبه الراعي إلى شيء. # | أوديسيوس في قصره # ونضرت أورورا جبين الشرق بالورد، وخضبته بالشفق، فهب تليماك من نومه الهادئ الهانئ ~~الموشى بالأحلام، فلبس وانتعل، واخترط سيفه، ثم قال لراعيه: «أيها الأب الصديق، إني ~~متوجه إلى المدينة لألقى أمي، فأكبر الظن أنها لن يرقأ لها دمع ولن تخفت لها آهة حتى ~~تراني. أما هذا اللاجئ، فرأيي أن ينطلق إلى المدينة فليسأل الناس وليطرق الأبواب، ولن يعدم ~~إذا تكففهم أن ينال رزقه ويحصل على لقمات يتبلغ بها، إن لدي من المتاعب والمشاق ما ~~يشغلني عن كل جواب آفاق؛ امض به إلى المدينة إذن فإذا آلمه هذا فهو حر؛ إني رجل لا أعبأ ~~أن أقول الحق.» # فنهض أوديسيوس ليقول: «يا سيدي، إني لم أبلغ أن أتلبث هنا؛ فليس لشحاذ فقير مثلي أن ~~يلتمس رزقه في الحقول والغيطان ، بل إني منطلق إلى المدينة، ولست مقعدا أو ضعيفا، فلا ~~أقوى على عمل يؤجرني عليه أحد أمرائها. تفضل أنت فاذهب لطيتك، وسأمضي أنا مع خادمك حين ~~تمتع الشمس قليلا؛ فأنا كما ترى رجل شيخ، وأخشى أن يقتلني برد الصباح وصقيعه، وليس ما ~~يحفظني منها إلا ما ترى من مزق مضى أصلها وبقي رقعها.» وانطلق تليماك فبلغ القصر، ولقي ~~أول من لقي مرضعه يوريكليا، حيث كانت وأترابها ينشرن فراء على كراس وحمالات مبعثرة ~~في الردهة، فلما رأته عجلت إليه ورحبت به وسلمت عليه، وانطلقت الدموع من عينيها فانعقد ~~لسانها وانحبس منطقها، ثم اجتمع الجواري يقبلن تليماك ويحدقن به حتى لفتن نظر الأم ~~المعذبة المحزونة المطلة من إحدى شرفات القصر، فهرعت من عل وأخذت في حضنها المحب ~~الرحيم أعز الأبناء، وأمطرت جبينه وخديه بالدموع والقبل، ثم جعلت تقول له: «أوقد ~~عدت إلى الوطن يا نور عيني تليماك، تالله لقد وقر في قلبي أنني لن أراك بعد أن أبحرت ms161 إلى ~~بيلوس برغمي وعلى غير علم مني، لتتسقط أنباء أبيك، ولكن خبرني يا بني ماذا عساك سمعت؟!» ~~فقال الفتى: «أماه لم تعودين بذاكرتي إلى عبوس الحياة وقد أفلت من الموت، أولى لك ثم ~~أولى أن تضفي عليك من أفخر أثوابك، ثم تصلي للآلهة أن تهيئ لنا يوم انتقال عادل لا ~~يبقي ولا يذر، بيد أنه ينبغي أن أذهب الآن لألقى ضيفا كريما عزيزا جدا علي - عزيزا ~~جدا يا أماه - حضر معي في سفينتي أمس، وقد أرسلته مع من يضيفه عني حتى أعود ~~فأضيفه أنا نفسي.» وذهبت بنلوب فصلت طويلا للآلهة، وانطلق تليماك فلقي تيوكلمنوس وعاد ~~معه إلى القصر، وجلسا يتحدثان بينما أحضر أحد الخدم مائدة حافلة بألوان الطعام وأطيب صنوف ~~الشراب فوضعها أمامهما، وأقبلت بنلوب فجلست لدى الباب تنسج ثوبها الذي لا ينتهي، فلما فرغا ~~من طعامهما أقبلت فقالت تخاطب تليماك: «يبدو لي أنك لن تقص علي الآن ما سمعت من أنباء ~~أبيك دائما بدموعي منذ فارق أوديسيوس، فإذا انصرف الأوغاد المعاميد وفرغت من شغلك بهم ~~فاحضر إلي لتقص علي من أنبائه.» # ولكن تليماك قال: «أماه، لم لا أقص عليك ما سمعت، وما سافرت إلا لأطمئنك وأطمئن نفسي؟ ~~لقد سافرت إلى بيلوس وحظيت بلقاء نسطور الذي هش لي وبش، وفرح بي كأنما أنا ابنه الذي ~~افتقده طويلا وعاد فجأة إليه، غير أنه لم يذكر لي عن أبي قليلا أو كثيرا لعدم علمه بشيء ~~من أنبائه؛ ولذلك بعثني مع واحد من أبنائه إلى ملك أسبرطة لأسأله عن أبي، وقد لقيني منلوس ~~فأحسن لقائي وأكرم مثواي، ورأيت زوجه هيلين الحسناء المفتان التي شبت بسببها حروب طروادة، ~~والتي لقي من أجلها أبطال الإغريق أنكى ألوان العذاب، ولما سألني الملك فيم قدمت، نبأته ~~بأنباء العشاق المعاميد، ووصفت له ما يجرون على بيت أبي من الخراب، فأرغى وأزبد، ولعنهم ~~أشد اللعن، وتوسل إلى الآلهة أن ترد إليهم أوديسيوس، فيبطش بهم ويعيد إليهم صوابهم، ~~ثم قص علي ما سمعه من أحد أرباب الماء - بروتيوس - الذي أخبره ms162 أن أبي لا يزال حيا ~~يرزق في إحدى الجزر النائية، وأن عروسا من عرائس الماء تحجزه عندها في تلك الجزيرة ~~برغمه؛ لأنها تحبه وتهواه، وأنه لا يجد سفينة يثوب عليها إلى الوطن. هذا يا أماه كل ما ~~علمته عن أبي من الملك منلوس، وقد أذن لي في العودة، فأبت في رعاية السماء وحفظ ~~الآلهة.» وكانت بنلوب تصغي وثورة من الحزن تجتاح نفسها، ولظى من الوجد يفتك بقلبها، فلما ~~فرغ تليماك التفت تيوكلمنوس المتنبي إلى السيدة الرءوم فقال: «يا زوج أوديسيوس، أعيريني ~~سمعك، أصغي إلي فسأتنبأ لك أن ابنك هذا لم يسمع عن أبيه أي نبأ يقين، أما أنا فقد بدت ~~لي أمارات، وشهدت في السماء علامات، ومحال أن تكذب علامات السماء! أقسم لك بجوف العلي رب ~~الأرباب، وأقسم بهذا البيت، بيت أوديسيوس، أن زوجك هنا وفي إيثاكا، وهو يعلم كل صغيرة ~~وكبيرة من أنباء العشاق وخياناتهم، وإنه ليدبر لهم عقابا هائلا لن يفلت أحد منهم.» ~~وسكت المتنبي، وأقبل العشاق من لعبهم فخلعوا عباءاتهم، ثم نشطوا إلى الشاء والخنازير، ~~فجزروا لطعامهم. # وليمة الوداع الأخيرة. # هذا ما كان من أمر تليماك وأمه، وما كان من أمر العشاق، أما ما كان من أمر أوديسيوس فقد ~~مضى في الطريق إلى المدينة بخطى متعثرة والراعي بين يديه، وعلى كاهله حقيبته وفي يده ~~عكازه، وكلما لقيهما أحد صعر خده، وشمخ بأنفه تقززا من منظر هذا الشحاذ الفقير ~~القذر. ثم أتيا إلى نبع يتفجر في الطريق فيستقي الناس منه، وقد بسقت من حوله أشجار الحور ~~والسنديان، وترقرق الماء فوق الحصباء كاللجين يتدحرج من حيد أكمة هناك، أقام الصالحون ~~فوقها مذبحا لعرائس الغاب، حيث يتقدم الناس بنذورهم ويعقرون أضحياتهم، وقد لقيا هناك ~~راعي ماعز الملك - ملانتيوس - يسوق قطيعا من أسمن ما يرعى لأجل ولائم العشاق، ولقد كان ~~ملانتيوس هذا من أذنابهم ومتملقيهم، وكان يصنع كل ما يحببه إليهم ويضمن له عطفهم، فلما ~~رأى الفقيرين - وأحدهما زميل له - انطلق يهوي ويصخب، ويسب ويخر، ويغمز الرجلين غمزا ~~شديدا موجعا، حتى ms163 غلى الدم في رأس أوديسيوس: «انشملا أيهذان المسخان، طاعون يجتاحك يا ~~راعي الخنازير القذر، حقا إن الطيور على أشكالها تقع، كلب يقود آخر إلى أين؛ إلى حيث ~~يلتقط فتات موائدنا! عجبا ألا تطلقه معي إلى المزارع ينظف الزرائب ويحمل العلف ويحرس ~~الغلة، ويشرب ما شاء من اللبن الحازر # 1 # والمخيض، ويكسو عظامه المعروقة بإهاب من اللحم؟! ولكن هيهات فقد بلدت طباعه فلا ~~يصلح لعمل شريف.» وهكذا ظل الراعي الشرير يقيء من هذا البذاء، وركل أوديسيوس آخر الأمر ركلة ~~قوية في ساقه، فلولا ما حرص الملك عليه من كتمان أمره لحطمه بسببها، ولمسح به ظاهر الأرض، ~~ولقد هاج هائج يومايوس فدعا آلهته لتنتقم لرفيقه الضعيف وطفق يقول: «يا عرائس هذا النبع ~~المقدس، اسمعي بحق ما عقر لك أوديسيوس، وباسم ما ضحى أن ترديه إلى بلاده فينتقم من أمثال ~~هذا الوغد الزنيم الذي لا يحسن إلا أن يتملق أعداء مولاه، وإلا أن يغشى رحابهم، بينما ~~قطعانه سائمة في المرج لا راعي لها ولا قيظ.» فصاح الراعي الوقح : «هاه! أجيبي يا عرائس ~~دعاء كلبك الأمين! أواه لو أستطيع أن أحملك في فلك أحد هؤلاء السادة فأبيعك بيع الرقيق في ~~بلد سحيق؛ أوديسيوس ماذا أيها البهيم! لقد أودى أوديسيوس ولن يعود إلى الحياة قط. وبودي ~~لو لحق به ابنه تليماك!» قالها وانطلق، حتى بلغ القصر وغشي مجلس العشاق يطرفهم بما حدث له ~~مع راعي الخنازير؛ أما أوديسيوس وأمينه فقد سارا رويدا حتى أتيا بوابة القصر فتلبثا ~~عندها. # وتناول أوديسيوس يد الراعي وقال: «يومايوس، لا ريب أن هذه سراي الملك، انظر ها هي ذي ~~الحجرات يتلو بعضها بعضا، وهاك الرحبة الكبرى ذات العماد وذات الأبواب، وإني أحدس أن هناك ~~أضيافا اجتمعوا لوليمة، وهذا قتار اللحم يملأ خياشيمي، وأرنان القيثار يجلجل في أذني.» ~~فقال يومايوس يجيبه: «أنت ذكي شديد الذكاء، إنه هو المكان بعينه، والآن هل تذهب أنت وحدك ~~فتستعرض الأمراء وتعود؟ أو تنتظر حتى أذهب أنا فأخطف نظرة إليهم؟ على أنك يجب ألا تتلبث ~~هنا ms164 طويلا؛ فقد يراك بعضهم فيؤذيك ويطردك من هنا شر طردة.» وقال أوديسيوس: «بل انطلق ~~أنت وإني منتظرك هنا فإذا لكمني أحد أو لكزني أو ركلني، فلشد ما أحتمل هذا وذاك، وهل هو إلا ~~بعض ما احتملت في حروبي الطويلة؟» وبينما هما يتحدثان إذا كلب كبير رابض يقف فجأة ~~فيبصبص بذنبه وينصب أذنيه، ويحدق بصره في أوديسيوس، ويظل مسحورا ذاهلا، آه إنه ~~الكلب العزيز أرجوس الذي رباه الملك قبل أن يرحل إلى طروادة، لقد أهمل أمره فهو رابض ~~هكذا في حمأة من الروث والقذر والقمل أمام بوابة القصر، كالشاعر العجوز الذي يجتر ~~ذكرياته، لقد عرف صوت مولاه برغم السنين الطوال، فبكى وهر وأرسل الدموع حرارا تسقي ~~صدغيه، وقد تأججت في قلبه الحيواني ثورة من الحزن الطارئ المفاجئ، فلم يوان يزحف ~~ليمسح بلسانه قدمي مولاه، وقد لحظ أوديسيوس ما أصاب كلبه العزيز فبكى هو الآخر تأثرا، ~~وسجل هذه الآية من الوفاء للحيوان على الإنسان، وأشاح بوجهه عن الراعي حتى لا يدرك ما ~~بعينيه من دموع، فلما مسحها بكمه قال يحدث يومايوس: «أليس عجيبا ومؤلما معا يا ~~صديقي أن يتركوا هذا الكلب الذي تبدو عليه سيماء النبل فوق هذه الكومة من الروث، قد يكون ~~أقعده الضعف عن متابعة الصيد، وقد يكون إبقاؤهم عليه من أجل منظره وحسن سمته.» فأجابه ~~الراعي: «أوه، بلى أيها الرفيق، أما والله لو شهدته في أثر مولاه أوديسيوس لعجبت لعظم قوته ~~وشدة جبروته، أبدا لم يخلق الله وقتئذ كلبا أتبع لصيد أو أقوى حاسة شم منه، وأبدا لم ~~يكن عندنا كلب كأرجوس هذا الرابض يساقط نفسه أنفسا، إنه يبكي مولاه الذي قضى وتركه من ~~ورائه لإهمال الوصيفات وقلة اكتراثهن، أما عبيد هذا القصر فهم كالوصيفات حذوك النعل ~~بالنعل، فهم لا ينشطون لعمل كما ينشطون وسيدهم بينهم، ثم هم قد فقدوا بالعبودية وذلة الرق ~~نصف آدميتهم ورجولتهم.» ثم مضى أوديسيوس نحو صديقه وخدن صباه، فبكى وذرف دموعه وكذلك فعل ~~الكلب حتى مات! ولكن بعد أن رأى سيده تارة أخرى. # ولمح ms165 تليماك راعيه فأومأ إليه وأخذه جانبا، ثم أمده بنصيب جزيل من طعام الوليمة، وبعد ~~لحظات أقبل أوديسيوس في صورة الشحاذ الفقير وجلس على الأرض، فأرسل إليه ولده شيئا من ~~اللحم والخبز مع يومايوس، وأسر إليه أن يرسله بين الأمراء يتكفف، وبالأحرى ليتعرف، ~~فلما فرغ من طعامه نهض فسار بينهم يسأل هذا ويحدق فيه، وينصرف إلى ذاك ويحدجه، ويمد يده من ~~أجل لقمة كما يصنع الشحاذون، وقد رثى له كثيرون فأمدوه بلقمات ومضغ من اللحم إلا ~~أنطونيوس، فقد استهزأ به وبمن أحسن من الأمراء إليه وغيرهم بأنهم يتصدقون بما ليس لهم، ثم ~~هاج وماج، ورفع كرسيا أوشك أن يحطم به رأس أوديسيوس، وأمره أن ينصرف فلا يعكر عليهم ~~صفوهم أكثر مما فعل، ولكن الكرسي صدع كتف الملك وأعفى رأسه، ووقف أوديسيوس كالصخرة لا ~~يتحرك ولا ينبس ببنت شفة، ولكن ألف ألف فكرة سوداء كانت تكظ فؤاده وتزحم تفكيره، ثم مضى ~~فجلس حيث كان من قبل، وهتف بالعشاق في صوت جهوري فقال: «سادتي الأمراء، اسمعوا، تالله لو ~~أنها ضربة في حرب بين كفأين لما حملت لها موجدة في نفسي، ولكن أنطونيوس رأى من سلطان ~~الجوع والضعف ما جرأه وأثار نحرته، وأنا مع ذاك أترك جزاءه لله، وأضرع إليه - جل ثناؤه - ~~أن يقبضه قبل أن تزف إليه عروسه.» وكأنما خجل العشاق مما فعل أنطونيوس فجعلوا يلومونه ~~ويتلاومون فيما بينهم، قال قائلهم: «من يدري؟ ألا يحتمل أن يكون أحد آلهة السماء جاء ~~ليبلونا، والويل لك يا أنطونيوس إذا صدق حدسنا! ألا تعلم أنهم طالما يتنزلون فيغشون مدننا ~~في صور الشحاذين ليروا بأعينهم ما نأفك وما نمين؟» ولم يبال بهم ولم يأبه لما قالوا، ~~وكان تليماك يتميز من الغيظ، ويسر في نفسه أوجع الألم؛ لما نال أباه من الضرب، بيد ~~أنه غلب غضبه وحبسه في أعماقه، كما حبس في عينيه وابلا من الدموع، وكانت بنلوب تطلع من ~~شرفتها وترى ما حل بالرجل من إيذاء، فهتفت بيومايوس أن يرسله إليها كيما تسأله عن ~~أوديسيوس؛ لما يبدو ms166 عليه من أثر السفر وجوب الآفاق، قال الراعي: «أجل يا مولاتي، إنه رجل ~~من كريت، وقد خاض ألف مكروه قبل أن تحمله الصدفة إلى بلادنا، ثم هو محدث ساحر الحديث على ~~الرواية، حتى ليخلب سمع من يصغي إليه بأشد مما يستطيع منشد مطرب أن يفعل، وكلما طال ~~حديثه لذت طلاوته، كثرت حلاوته فلا تمله أذنان، ولا يضيق به مصغ إليه، وأعجب ما ذكره مرة ~~لي أنه رأى أوديسيوس وعرفه في أبيروس، بل يزيد فيؤكد أن مولاي عائد أدراجه إلينا حاملا ~~معه كنوزا من الذهب، وأذخارا لم تر العين مثلها ولم تخطر على قلب بشر.» فتنهدت بنلوب ~~وقالت: «انطلق إذن فأحضره، ودعه يحدثني بما روى وجها لوجه، وسأهبه صدارا ودثارا ~~إذا توسمت في قوله الحق، وآنست في روايته الصدق.» # وادعى أوديسيوس أنه يخشى أن يجوز وسط الأمراء مرة أخرى، وفضل أن يلقى الملكة فيتحدث ~~إليها إذا جن الليل بجانب المدفأ، ووافقت الملكة وصوبت رأي الرجل، وكان الوقت أصيلا ~~فقصد الراعي إلى تليماك واستأذنه في الانصراف إلى حظائره، فأذن له ولكن بعد أن أمره ~~بالتزود لعشائه، ففعل يومايوس ثم مضى ليسهر على خنازيره. # | أوديسيوس يتشاجر مع شحاذ # وبينما كان أوديسيوس جالسا يزرد طعامه، إذا شحاذ ضخم الجسم شائه المنظر يدخل فجأة، ~~فيلتفت إليه جمهور العشاق، ويعرفون فيه الفقير إيروس، المشهور بنهمه الذي لا يوصف، ~~وبإقباله الشديد على أردأ ألوان الشراب، وكانت له عليهم دالة، وليس في الجزيرة كلها من ~~يجهله. فلما لمح أوديسيوس جالسا يتبلغ بلقماته، نظر إليه نظرات المغيظ المحنق وقال له: ~~«انصرف عن الباب أيها العجوز القذر وإلا جررتك من عقبيك، ولو أنني أترفع عن مقارعة ~~أمثالك!» وحدجه أوديسيوس وقال: «أيها الصديق، إني ما آذيتك، وإن في المكان متسعا ~~لكلينا، أرجو ألا تثيرني أكثر مما فعلت وإلا فلا يغرنك هرمي وتقدم سني؛ فتالله ~~لأرينك كيف أضربك ضربا تقول منه الهامة: اسقوني. اجنح للسلم هو خير لك وأصغ إلى نصحي ~~وإلا فلن تدخل قصر أوديسيوس بعد اليوم.» وغيظ الشحاذ إيروس وقال: ms167 «اسمعوا ماذا يهرف هذا ~~الشره المخرف، ألا ما شبه بزوجة حمقاء تثرثر أمام كانون، تالله ليخيل إلي أن ~~أنقض عليه فأنفض ثناياه، هلم أيها الرجل استعد للقاء، وليشهد السادة كيف أمثل بك؟» ~~وقهقه أنطونيوس وقال: «أيها الأصدقاء، اشهدوا أن إيروس يتحدى هذا الفقير، والفقير بدوره ~~يتحداه فهلم نجعل حولهما حلقة لنرى هذا العراك المضحك.» وسكت أنطونيوس وقال: «اسمعا ~~إذن، ها هنا كعكات ليس أجود منها، وإنها خالصة لمن يتفوق منكما على قرنه، ولمن فاز أجر ~~عندنا عظيم؛ إنه سيجلس معنا في جميع ولائمنا منذ غد، ولن ندع أحدا من الشحاذين يضايقنا ~~بعد هذا اليوم.» وتخابث أوديسيوس وقال: «يا سادة، من الظلم أن يتبارى رجل عجوز ضعيف مثلي مع ~~هذا الهولة، ولكن الجوع يدفعني إلى البطش به مع ذاك، بيد أن لي رجاء ألا يساعده أحد ~~علي فيلكمني مثلا أو يلكزني حينما أكون مشغولا به.» فقاسموه ألا يفعلوا، وتقدم ~~تليماك ابنه فقال: «أيها الرجل، إذا وسعك أن تناضل هذا الزميل فلا تخش من هؤلاء رهقا؛ ~~إني مضيفك وليس أحب إلى أنطونيوس ويوريماخوس من أن يشهدا هذا اللقاء الفذ بينكما.» ~~ثم إن أوديسيوس شمر عن ساعديه وفخذيه، وكشف قليلا عن صدره؛ عامدا ليظهر الأمراء ~~على عضله المكتنز وقوته الخارقة، وقد صدق حدسه؛ فقد بهت العشاق ونظر بعضهم إلى بعض ~~يقولون: «وا عجبا أي عضل وأي ساعدين وفخذين يخفي هذا الرجل تحت أسماله ومزقه البالية؟ ~~مسكين إيروس ماذا يبقى منه بعد هذا اللقاء؟» أما إيروس فقد انتفض واقشعر بدنه مما عراه من ~~الذعر، ولكن الخدم لم يتركوا له أن يفر من اللقاء الذي دعا هو إليه، بل شمروا له عن ~~ساعديه وفخذيه كما فعل غريمه، ثم جروه إلى الحلقة برغمه، وود أوديسيوس أن يبطش بالرجل ~~فيحطمه بأول لكمة، غير أنه آثر ألا يفعل خشية أن يكتشف العشاق من هو، فلما امتدت ~~الأيدي تصنع الدفاع، وأقبل وأدبر، وكر وفر، ثم أهوى على أذن الرجل بضربة سحقت عظامه ~~وطرحته على الأرض، ولبث المسكين لا يبدي ms168 حراكا من هول ما حل به، بيد أن أوديسيوس ~~جره من عقبيه إلى ساحة القصر، ثم عرج به نحو جدار كبير حيث سنده إليه، وجعل في يده ~~عكازه وقال: «البث هنا ولا تغش منازل الملوك بعد، وذد بعصاك الخنازير السائبة، فذلك ~~خير من أن تصيب بها الغرباء أمثالي، فإن عدت إلى مثل حماقتك فلن يصيبك إلا شر مما ~~رأيت!» وتركه وانثنى إلى حيث كان، فوجد العشاق يضحكون حتى كاد يقتلهم الضحك، وهتفوا له ثم ~~قالوا: «حقق الله آمالك، وأنالك أمانيك أيها الغريب اللاجئ، بما خلصتنا من هذا الشحاذ ~~النهم الملحاح.» وسمع أوديسيوس دعاءهم، وابتهل إلى الآلهة أن تستجيب، ثم وضع أنطونيوس بين ~~يديه كعكة كبيرة، وزوده أمفيتوموس بخبز وخمر صبها له في كأس كبير من ذهب، ودعا له ~~بخير، وآنس في أوديسيوس طيبة ودماثة خلق فقال له: «هيه هلم أيها العزيز أمحضك نصيحتي ~~وأحدثك عن تجاربي؛ ألا ما أضعف الإنسان! إنه إذا ما مسه ضر دعا الله فإذا كشف عنه الضر ~~فهو مقتصد ناء بجانبه كأن لم يمسسه ضر! فأنا مثلا لقد كنت في عنفوان صباي أعيث في الأرض ~~مغترا بقوتي وفتوتي حتى أسقط الكبر في يدي ففئت إلى أمر السماء، ولكن بعد أن كتب ~~علي الشقاء، وهكذا أولئك الأمراء الذين غرتهم الأماني وأضلهم جبروتهم، فأقاموا بهذا ~~القصر غارين آمنين، لا يظنون أن له صاحبا قد يفاجئهم بعودته فيستأصل شأفتهم ويذهب بريحهم، ~~وإني والله أيها السيد لأرى أنه عائد ليس من هذا بد، وأنه عائد قريبا، فتقبل أنت ~~نصيحتي ولا تقم معهم، بل انطلق إلى بيتك وأهلك، ولا تستأن حتى يدهمك معهم فيحطمنكم ~~أجمعين.» وشرب أوديسيوس، ودفع الكأس إلى الأمير الشاب الذي بدت عليه أمارات الهم مما قال ~~الرجل، ولكن، وا أسفاه! لقد كتب عليه الشقاء، فلم يصغ لنصيحة أوديسيوس. # وبدا لبنلوب أن تذهب في بعض وصيفاتها فتخطر بين العشاق ليروها، ولترى ماذا يكون، وقبل أن ~~تفعل ألقت عليها مينرفا نعاسا وأمنة، وبدت لها في الرؤيا كأنما تعطيها لهى عجيبة، ms169 ~~ثم إن الربة أضفت عليها رواء كرواء الآلهة ونضرتها بنضرة الشباب والجمال فربا جسمها ~~واستطال، وزانته لمعة عاجية وسناء، فلما هبت من نومها مرست عينيها متعجبة، وشدهتها ~~تلك الغفوة الطارئة التي جلبت لها السعادة في دنيا من الهموم، وتمنت لو أراحها الموت من ~~حياة اتصلت أشجانها وباعدت بينها وبين إلفها بمفاوز من الآلام والأحزان، وانطلقت في سرب من ~~وصيفاتها، فأشرفت على العشاق وقد ضربت بخمارها الشف على وجهها المتألق الناصع، فذهل الملأ ~~وزاغت أبصارهم، وأحسوا أن شيئا يخلع قلوبهم، فما منهم إلا من تمنى أن يكون صاحب هذا ~~الجمال الرائع، والحسن الباهر، والفتنة المتقدة، ونهض يوريماخوس فقال يخاطبها: «يا ابنة ~~إيكاروس بوركت، تالله لو رآك كل من في هيلاس لاجتمعت حولك قلوب غيرنا من العاشقين، ~~ولأقبلوا من كل فج فازدحموا حولك ها هنا، في ذلك القصر العتيد.» فقالت بنلوب: «يوريماخوس، ~~تالله لقد ذهب الآلهة بجمالي الذي تصف يوم رحل عني زوجي أوديسيوس فيمن رحل إلى طروادة، وما ~~أنسى لا أنسى ما قال لي وهو قابض على يميني يودعني: «زوجتي، إن أكثر من ترين من هذا ~~الجيش لن يعودوا إلى ديارهم؛ ففي طروادة محاربون صناديد، وملاعبو أسنة لا يشق لهم ~~غبار وذادة ورماة، وإني لا أدري ماذا يكون من أمري هنالك؛ ولذا أكل إليك كل ما أودع ~~ورائي، وإني موصيك أول ما أوصيك بأبي وأمي، فاعني بهما كأحسن ما كنت تعنين وولدهما ~~معك، فإذا شب ولدي وترعرع فلك أن تتركي هذا القصر إن شئت وتتزوجي ممن تختارين من ~~الأكفاء والأنداد.» هذا وإني أرى أن هذا اليوم العصيب قد حان، ولكن وا أسفاه إنكم اجتمعتم ~~هنا لتأكلوا وتشربوا وتعيشوا بكل ما ترك صاحب القصر، وكنت أظنكم تقيمون في منازلكم ~~وترسلون إلي هداياكم؛ لتكبروا عندي ولا تهزل مكانتكم لدي! ألا ساء ما تزرون.» # وتبسم أوديسيوس من قولها، ووثق من إخلاصها، وعجب من شدة ما سحرت ألباب العشاق ومما ~~أخذتهم به من حزم. أما أنطونيوس فقد أجابها بقوله: «أما هدايانا يا ابنة إيكاريوس فلا ms170 أحب ~~إلينا من تقديمها إليك، على أننا لن نريم عن هذا القصر حتى تختاري لنفسك بعلا يكون كفؤا ~~لك.» وأيد العشاق ما قال قائلهم، فنهضوا ليحضروا هداياهم، وسرعان ما عادوا يحملونها، ~~وتقدموا بها إلى بنلوب؛ فهذا ثوب ثمين من قاقم موشى بالذهب تزينه اثنا عشر زرارا ~~ذهبيا، وهذا عقد حليت خرزاته بقطع من الكهرمان الحر، وتلك أساور من ذهب وشنوف كثيرة وأقراط. # 1 # وعادت بنلوب ومن خلفها وصيفاتها يحملن الهدايا واللهى، وأخذ العشاق كدأبهم في ~~القصف واللهو، والعبث والغناء، حتى أقبل الليل، فقدم الندامى بمجامر من نحاس بها وقود ~~يشتعل، وطفقن يلقين فيها من الند والرند والعود ذي العرف، وطفق البخور يعبق في أرجاء ~~البهو الكبير ... وهنا نهض أوديسيوس وتوجه إلى البنات يقول: «أيها العذارى، أولى بكن ثم ~~أولى بكن أن تذهبن إلى سيدتكن فتسلينها وتواسينها، وسأقوم بالنيابة عنكن على هذه ~~النار حتى ينصرف العشاق، ولن يئودني أن أقوم عليها حتى مطلع الفجر، ولن أضيق بجمعهم مهما ~~عبثوا بي، فأنا رجل ذو تجارب.» فتضاحكن به، وقالت ميلانتو التي هي أجملهن وأقلهن ~~احتشاما تعبث به: «ماذا أصابك الليلة أيهذا النازح الغريب؟ انطلق إلى حداد المدينة فنم ~~في دكانه؛ فهو خير لك من أن تسهر ها هنا وتثرثر! هل غاب صوابك يا شيخ؛ لأنك ظفرت بالشحاذ ~~إيروس؟ اربع عليك؛ فقد تبتليك السماء بمن يبطش بك كما بطشت به ويطردك من هنا.» ورشقها ~~أورديسيوس بعينه وقال: اسكتي يا هناة! # 2 # والله لأحدثن بنا حدثت الأمير تليماك فليقطعن لسانك وليمزقن جسدك.» ~~وذعر العذارى وولين هاربات، وقام أوديسيوس على النار وجعل يلحظ العشاق وفي قلبه ضرام، ~~وما فتئ يفكر في ألف خطة للانتقام منهم والبطش بهم، ولم تشأ مينرفا أن تنهي هذا ~~الشقاء الذي ضربته على أوديسيوس، بل تركته يستهزئ به العشاق، ويسخر به يوريماخوس فيضحك ~~العشاق إذ يقول: «ما أظن إلا أن الآلهة قد أرسلت إلينا هذا الرجل ليكون حامل مشاعلنا وحامي ~~قبسنا؛ انظروا إلى رأسه النحاسي، أليس يصلح أن يكون مشعلا يضيء لنا؟» ms171 ثم التفت إلى ~~أوديسيوس وهو يقول: «إذا استأجرتك لتسوج مزرعة لي بعيدة من هنا وتغرس بها أشجارا، على أن ~~أطعمك وأكسوك وأنقدك مالا فإنك ترضى؟ ولكن لا؛ إني لأظنك تنسرق منها طواعية لغرائزك ~~وخبث جبلتك فتنطلق إلى المدينة لتستجدي وتتكفف.» # ووقف الفياشيون ملوك البحار دهشهن يسأل بعضهم بعضا من الذي أرسى الجبل ~~مكان سفينتهم. # وتخابث أوديسيوس وقال يجيبه: «يوريماخوس، تالله إنه ليس أحب إلي من أن أباريك في ~~فلاحة في يوم من أيام الربيع حين يطول النهار من مشرق الشمس إلى مغربها، على ألا يذوق أحدنا ~~طعاما ولا يسيغ شرابا، أو أن يعهد إلى كل منا بأربعة أفدنة في أرض جبوب وثورين ~~حنيذين ذوي خوار في ذلك اليوم؛ لترى أينا يصمد لحرثه ويفلح أرضه؟ بل إني لأتمنى إذ نحن ~~في هذه الأرض أن يدهمنا عدو بخيله ورجله وتكون لي درع سابغة وخوذة من نحاس ورمح في ~~يدي؛ لترى كيف لا يحول الجوع بيني وبين أقراني؟ وكيف أضرج بدمائهم الأرض وأتركهم في ~~البرية جزر السباع وكل نسر قشعم ! أيها اللكح الوقح، والله لو أن أوديسيوس رب هذا البيت قد ~~فجأك الآن لضاقت عليك الأرض بما رحبت. أنت أيها المغرور المتعاظل الذي غره أن يكون شجاعا ~~بين نوكى لا حول لهم.» # وجن جنون يوريماخوس، وأخذ متكأ ثقيلا وقذفه شطر أوديسيوس، ولكن البطل انفتل ~~بعيدا وسقط المتكأ على الساقي المسكين، فخر إلى الأرض يئن ويتوجع، وغيظ العشاق ~~أيما غيظ، وعلا لغطهم وودوا لو يسحقون أوديسيوس لولا أن تقدم تليماك وحال بينه ~~وبينهم، وهو يقول: «يا سادة، إني كصاحب هذا القصر لا أستطيع أن أطرد الرجل منه بعد إذ آويته ~~وضيفته، والرأي أن تقطعوا سمركم هذا، وتذهبوا من فوركم إلى منازلكم حتى يتصرم الليل.» ~~وأيده الأمير أمفينوس، ووقفوا جميعا فاحتسوا الكأس الأخيرة ثم انقلبوا إلى منازلهم، ~~وفي يوريماخوس من الهم ما تنوء بحمله الجبال. # | المرضع العجوز تعرف أوديسيوس # وهكذا خلا الجو لأوديسيوس وولده، فقال يحدث تليماك: «أي بني، ينبغي أن نخبئ أسلحة ~~القوم في ms172 مكان حريز، فإذا سألوك عنها فقل لهم إنك تحفظها لهم حتى لا تتأثر بالدخان والغبار ~~وتقلبات الجو. وامتثل تليماك ودعا المرضع العجوز يوريلكيا فقال لها: «أماه ليقر الوصيفات ~~في مضاجعهن حتى أنقل أسلحة أبي إلى مكان حريز؛ فقد تراكم عليها الوسخ وأتلفها الدخان.» ~~وقالت يوريكليا معجبة: «أجل يا بني، إنه ينبغي أن تعنى بكل ما يتعلق بأبيك وبكل ما ملكت ~~يداك، ولكن قل لي؛ من يحمل لك المصباح حتى تنقلها إلى حرزها؟ ألا أدعوهن فيحملنه لك؟» ~~وشكرها تليماك، وذكر لها أن الرجل الغريب سيحمله، وأهرعت يوريكليا إلى داخل القصر، وهب ~~أوديسيوس وولده يحملان الخوذ والدروع والرماح، وبدت مينرفا الكريمة تحمل بين يديها ~~مصباحا ذهبيا كان يشع سناء عجيبا ونورا لم تقع عينا تليماك على مثله، فقال لأبيه ~~وقد أخذه العجب: «أبتاه، ما هذا النور المنعكس على الجدران والعمد والقوائم والعوارض، حتى ~~ليكاد يجعلها تلتهب! أبدا ما رأيت مثل هذا أبدا؛ لا بد يا أبي أن إلها معنا هنا.» وقال ~~أبوه: «اخزن عليك لسانك يا بني، واملأ قلبك بما ترى؛ فإنه من نور السماء، وهذا دأب الآلهة، ~~والآن لتصعد أنت فلتنم ملء عينيك كي تستريح. أما أنا فباق هنا؛ لأنه لا بد لي من أن ~~أكلم أمك وخدمها.» # وانطلق تليماك إلى مخدعه، وأقبلت بنلوب وأقبل في أثرها سرب من خدمها، فأعددن لها عرشا ~~ممردا من ذهب وعاج استوت عليه، وأسندت قدميها العاجيتين إلى متكأ جميل، فبدت كإحدى ~~الآلهة. # وجلس أوديسيوس على كرسي صغير بثت عليه فروة غليظة، ثم كلمته الملكة فقالت: «والآن ~~أيها الغريب الكريم، قص علي من أنبائك، وخبرني من أنت، ومن أي البلاد قدمت.» فقال ~~أوديسيوس: «أيتها الملكة، تعالى جدك وصلح حالك! إن لك في العالمين لذكرا يعبق كالعطر، ~~واسما كريما ليس لملك عظيم يحكم أمة عظيمة بالعدل وتجزيه بالمحبة! إنني يا مولاتي رجل ~~كرثه الزمان وعصفت به يد الحدثان، فإذا سألتني ما اسمي وما بلادي، فإنك تثيرين في أعماقي ~~ذكريات عنيفة تدمي فؤادي، وتفجر الدموع في مآقي، فأعفيني ms173 أيتها الملكة من ذكر ذلك؛ فإنه ~~ليحزنني أن أجلس بين يديك باكيا متصدعا مهموما.» وبدا الهم على وجه بنلوب وقالت: ~~«أواه أيها الغريب، ما أقسى ما ذبلت حياتي وذوت زهرتي منذ رحل زوجي المحبوب إلى طروادة، ~~تاركا لي الهم ومخلفا لي الحسرة! ألا ما أقسى ما يحن قلبي إليه، ولشد ما يخفق من ~~أجله! لقد أسلمني بعاده لليل من الآلام، فما أدري منذ فارق كيف أهش لضيف مسكين مثلك، ولا ~~كيف أبش لأحد من العالمين، وهؤلاء الأمراء اللؤماء الذين تكبكبوا حولي يريدون أن يرغموني ~~على اختيار أحدهم بعلا لي من دون أوديسيوس لا أدري كيف أذودهم، ولا أعرف السبيل لدفع ~~أذاهم! لقد مكرت بهم طويلا، ولكنهم مكروا بي السيئات، فلا أدري كيف أنقذ نفسي منهم؟ ~~وهذان أبواي يريدانني على هذا الزواج البغيض إلي، وهذا ابني قد شب وهو يضيق بعشاقي ~~ذرعا، وإن في صدره حرجا منهم؛ لأنهم يهلكون ثروته ويعيثون في قصره، ويخوضون في عرض ~~أبيه، ولكن حدثني بأربابك من تكون، ومن قومك، وأي بلاء من الدهر شردك عن وطنك ... ~~تكلم أيها العزيز ولا تحزن.» وأرسل أوديسيوس آهة عميقة، ثم تكلم فزخرف حديثا طويلا ~~موشى، ولفق قصة حزينة متقنة، وذكر للملكة أنه رجل مرزأ من جزيرة كريت، كانت له نعمه ~~الخفرجة التي كانوا يحيونها، وذكر أنه عرف أوديسيوس أول ما عرفه حين غرقت به الفلك وقذفه ~~الموج على الشاطئ الكريتي، فهرول إليه وتلطف به وأخذه إلى داره حيث أكرم مثواه واحتفى به ~~أبواه. ولم يكد أوديسيوس يفرغ من حديثه حتى ترقرقت الدموع في عيني بنلوب، وانطلقت تبكي على ~~زوجها الذي لم تدر أنه جالس إليها يحدثها ويوشي لها أطراف الكلام، وتأثر هو من ~~بكائها فكادت عيناه تفيضان بالدمع لولا أن ملك حاله، وهيمن على عواطفه، فحبس العبرات التي ~~أوشكت تنهمل بأجفان من حديد. ثم أرادت الملكة أن تمنحه إن كان صادقا فقالت: «وهل تذكر أيها ~~العزيز ماذا كان يلبس يوم لقيته؟ أتستطيع أن تصفه لي وتصف رفاقه الذين صحبوه في ms174 هذه الرحلة ~~المشئومة؟» تخابث أوديسيوس فقال: «مولاتي، ليس من اليسير على شيخ كبير مثلي أن يذكر أحداث ~~ما قبل عشرين عاما، بيد أنني سأحاول أن أرسم لك الظلال الضئيلة التي لا تزال تنطبع من ~~صورته في رأسي؛ أذكر يا مولاتي أنه كان يلتفع بثوب أرجواني موشى بالذهب، وقد رسم فيه ~~بالذهب أيضا صورة كلب صيد معروف يحمل في بوطيله # 1 # ظبيا مرقطا، وأذكر أنني رأيت قميصه ولمسته، فلا أذكر أنني لمست في حياتي أنعم ~~ولا أرق ولا أثمن منه، وكان يسعى بين يديه مشير أكبر منه جسما وسنا ذو كتفين ~~مستديرتين وبشرة سنجابية وشعر مفلفل، وكان أوديسيوس يوقره ويبجله أكثر مما كان ~~يبجل سائر أصحابه.» # موهت مينرفا كل شيء في عين أوديسيوس. # وصمت أوديسيوس وبكت بنلوب فاستخرطت في البكاء، ثم قال: «لشد ما كنت أرثي لك أيها الغريب ~~النازح الجواب، أما الآن فإني أحترمك وأعطف عليك، بل أحبك، تالله لقد صنعت له هذا الثوب ~~بيدي، وأنا التي وشيته بالذهب، وا أسفاه عليك أوديسيوس! إنك لن تعود إلي يا حبيبي، ~~بعدا ليوم نزحت فيه عن وطنك إلى هذا البلد اللعين المشئوم؛ طروادة!» وهش أوديسيوس ~~وقال: «خففي عنك يا مولاتي، ولا تتلفي قلبك بطوال هذا البكاء، ثم لماذا تيئسين من أوبته ~~وقد سمعت عنه أخبارا سارة حين كنت في أبيروس؟ لقد مات عنه كل أصحابه، ولقد غرقت سفينته ~~في أعماق اليم لغضب صبته الآلهة عليه، بيد أنه نجا مع ذاك، وهو الآن سليم معافى يوشك ~~أن يصل إلى إيثاكا بخير، وأنا لا أرسل ما أقول حديثا ملفقا، بل أحلف عليه وأقسم ~~بأغلظ الأيمان أنه سيصل إليكم في عامكم هذا، بل ربما كان بينكم قبل أن يتم القمر دورة ~~هذا الشهر!» فتأوهت بنلوب وقالت: «ويك أيها الضيف! تالله إن قلبي ليكذب ما تسمع أذناي، ~~وإنه لا يصدق أن صاحبي عائد يوما إلى إيثاكا، ولكن هلم، إني سآمر وصيفاتي فيغسلن ~~قدميك ويعطينك ثيابا وكسوة، ويهيئن لك فراشا وثيرا هنا، فإذا كان الغد فستجلس مع ms175 ~~تليماك على مائدة الأمراء، ولن يجسر أحد منهم أن يكلمك كلمة أو أن يمد يده إليك ~~بأذى.» وشكر لها أوديسيوس وقال: «مولاتي، لقد اعتدت أن ألتحف السماء إذا نمت، وأن ~~أفترش الغبراء، ولن تمسني وصيفاتك؛ فقد يذعرن من خشونة قدمي، ولكن إذا كان فيهن ~~واحدة مخلصة شربت من كئوس الزمان مثل ما شربت من محن وآلام، فلا بأس أن تغسل لي قدمي على ~~أن تكون عجوزا حيزبونا.» وسرت بنلوب وقالت تجيبه: «أبدا ما علمت أحزم منك ولا أوفر ~~ذكاء وعقلا أيها الضعيف الكريم، لك ما سألت؛ فإن عندنا خادمة أمينة طاعنة في السن كانت ~~موكلة بمولاي أوديسيوس إذ هو طفل تغسله وتسهر عليه، وهي التي ستغسل لك قدميك. يوريكليا ~~... يوريكليا، أقبلي فاسهري على هذا الرجل العجوز الذي له مثل سنك وتجاربك! إن له سحنة ~~كسحنة أوديسيوس وسيماء كسيمائه. اغسلي قدميه وقدمي له كسوة تليق بضيف حل بيتنا.» ~~وكأنما هاجت ذكرى أوديسيوس شجون المرأة فترقرق الدمع في عينيها الملوزتين وقالت: «آه يا ~~أوديسيوس! لشد ما ينزع فؤادي إليك ويخفق لذكراك! تالله لم أر رجلا أخبت للآلهة كما أخبت، ~~وضحى لها كما ضحى، ومع ذاك فقد ناموا جميعا عنه فلم يتأذنوا برجوعه إلى وطنه ومن يدري؟ ~~فقد يكون غريبا كهذا الغريب جواب آفاق في بلاد نائية، ومن يدري؟ فقد تكون نسوة تعبث ~~به كما عبث نسوة هذا القصر بهذا الرجل. هلم أيها الضيف الكريم، لا أحب إلي من أن أغسل ~~قدميك هكذا، يا للآلهة، أبدا ما رأيت من أضياف هذا البيت العتيق أشبه بأوديسيوس منك ~~صورة وصوتا وخطرانا.» وتأثر الملك وأنشأ يقول: «ربما يا أماه، لقد قال مثل ما قلت كثيرون ~~ممن رأوني ورأوا أوديسيوس.» وذهبت يوريكليا فأحضرت طسا # 2 # به ماء، وانتهز أوديسيوس انشغالها عنه فابتعد عن الموقد؛ لأنه ظن أن المرأة قد ~~ترى الندوب التي بقدميه الباقية ثمة من عضة خنزير بري كان قد بطش به في حداثته فتكشف ~~ما حرص هو عليه من كتمان أمره، بيد أنها لمست الندبة ms176 # 3 # الكبرى في ساق سيدها إذ هي تغسلها، وكانت الظنون قد ساورتها لما سمعت من صوته، ~~واستذكرت من صورته، فلما تحسست الندبة زاغ بصرها، وحملقت فجأة في وجه مولاها، وسقطت يداها ~~من غير وعي فانقلب الطس النحاسي محدثا صوتا مرنا مدويا، وسال الماء، وانحبس الدمع ~~والمنطق في عيني العجوز ولسانها، ثم عالجت المفاجأة السارة المحزنة في صدرها، وصرخت تقول: ~~«أنت! هو أنت! والله إنك لأوديسيوس، لقد عرفتك؛ هذه هي الندبة التي أحدثها الخنزير بساقك! ~~لقد لمستها بيدي.» وأهرعت العجوز مذهولة نحو بنلوب لتزف إليها البشرى الهائلة، ولكن ~~مينرفا كانت أسبق منها، فقد سحرت عيني بنلوب وسمعها، وعجل أوديسيوس إلى العجوز فأطبق ~~بكفه على فمها، وقال: «يوريكليا، اصمتي، أنا هو، ولكن اصمتي؛ إن كلمة واحدة منك تقضي ~~علي، لقد غذوتني ونشأتني في حضنك صغيرا، فهل تكونين نكبتي وشاحذة سكيني كبيرا؟ ~~وبعد أن وصلت إليكم بعد يأس وقنوط من عودتي! اصمتي، أنا هو، ولكن اصمتي، إن كلمة واحدة منك ~~تقضي علي هنا، وإلا، فتالله لن أرحمك - ولو أنك مرضعي - يوم يجد الجد .» # وارتعدت يوريكليا، وقالت تجيبه: «أي بني، لم تكلمني هكذا؟ أتشك في ثباتي وحفاظي؟ ~~اطمئن يا بني فسأكون أصمت من الحجر الصلد، وأستر لسرك من الحديد.» فحدجها أوديسيوس ~~وقال: «اصمتي إذن ولا تفسدي تدبيرنا، ولنتوكل جميعا على الله.» وذهبت فأحضرت ماء آخر، ~~وأخذت في غسل رجليه العظيمتين، فلما فرغت ضمختهما بأفخر الطيوب، ووقفت تقلب ~~عينيها في مولاها بينما كان هو يربط لفائف على ندوب ساقيه، وأخذ أوديسيوس كرسيه، وجلس ~~قريبا من الموقد تلقاء بنلوب التي شرعت تحدثه وتقول: «أيها الضيف، ما أرى بأسا في أن ~~أسألك إذا كنت أبقى هنا مع ولدي أو أختار أحدا من أولئك الأمراء فيكون لي بعلا، على أن ~~رؤيا رأيتها لا تزال تضطرب في خلدي ولا أعرف كيف أعبرها؛ ذلك أنني كنت أقتني عشرين أوزة ~~بيضاء، وكنت أحبها وأرعاها بنفسي، فرأيت فيما يرى النائم نسرا قشعما انقض عليها من ~~الجو، فافترسها جميعا بينما كانت تأكل طعامها ms177 من المعلق الذي أعددته لها، ولما رأى ~~النسر شدة حزني والتياعي على أوزي وقف على نتوء قريب، ثم أنشأ يكلمني ويقول: لا تحزني يا ~~ابنة إيكاريوس على الأوز؛ فإنه يمثل عشاقك الفساق. أما أنا فأمثل زوجك النازح الذي ~~سيعود من سفره فجأة فيبطش بالطغمة العاتية التي استباحت قصره، وولغت كالكلاب في عرضه. ألا ~~يا ابنة إيكاريوس اسعدي. واستيقظت من نومي مسبوهة، ونظرت إلى أوزي لأطمئن عليه فوجدته ~~سالما، فهل تستطيع أن تعبر عن تلك الرؤيا أيها العزيز؟» # فقال أوديسيوس: «أيتها السيدة الفاضلة، لقد فسر لك الرؤيا زوجك بلسانه، وهي لا تعني غير ~~ما قال؛ إنه قادم وشيكا لا ريب، وإنه حامل إلى العشاق مناياهم.» # واثاقلت بنلوب ثم قالت: «أبدا، إن هي إلا أضغاث أحلام! إذا كان غد فإني ذاهبة إليهم ~~فذاكرة لهم شرطا إن استطاعوه نالني أقواهم، فذهبت من فوري إلى بيته، وتركت كل هذا القصر ~~الذي دخلته زوجة لخير زوج؛ ليكون حلما جميلا يزخرفه لي الماضي؛ وذلك أنني شارطة عليهم ~~أن يحملوا قوس أوديسيوس بها غرضا يخترق السهم إليه اثني عشر «دنجلا» # 4 # فإن أصابه أحدهم فإني له.» # وهش أوديسيوس وأيد فكرتها: «لأن واحدا منهم لن يستطيع أن يوتر قوس أوديسيوس قبل ~~أن يحضر أوديسيوس فيحطمهم جميعا.» وأشارت بنلوب إلى خدمها فأعددن لأوديسيوس متكأ وفراشا ~~وثيرا، وذهبت بنلوب لتذرف في مخدعها دموعا من بلور. # | نذير من السماء # طفق أوديسيوس يتقلب في فراشه على أحر من الجمر، وطفق رأسه يغلي كالقدر، بل يفور ~~كالتنور بطائفة ثائرة صاخبة من الأفكار والوساوس، وهو لا يدري ماذا يصنع بهذه العصبة أولي ~~القوة من أولئك العشاق المفاليك وهو وحده! ومهما يكن شجاعا صنديدا فقد يتكاثر الذباب على ~~الأسد فيقتله. # هبطت من السماء مينرفا اللطيفة في صورة حسناء هيفاء ممشوقة القد بارعة القسمات، فجعلت ~~تواسيه وتطمئنه وتبشره بأن الأولمب كله من ورائه، فلا يخاف ولا يأسى. ~~«هذا حسن أن يكون الأولمب وتكوني أنت يا ربة الحكمة من ورائي، حتى أنتصر على أولئك ~~الجبارين، فكيف لا ms178 أخشى أن يهب من ورائهم قبائلهم وذراريهم واللائذون بهم يثأرون لهم، ~~فيحل بي بطش شديد؟» فتقول مينرفا: «الذي يحفظك منهم غدا يحفظك من غيرهم بعد غد، ولو جمعوا ~~لك جحفلا أضعافا، فلا عليك أيها العزيز! خل عنك الوساوس إذن، ونم ملء جفنيك، واترك ~~للسماء قيادك؛ فهي حسبك.» قالت هذا وزفت في الأثير اللانهائي إلى الأولمب، تاركة وراءها ~~القصر العتيد بمن به من نوام وغير نوام. # مسكينة بنلوب! لقد كانت هي الأخرى شاردة اللب موزعة القلب، ما ترقأ لها عبرة، ولا ~~تغفى لها عين، ولا قر لها قرار؛ لقد لبثت ليلها كله تتشوف إلى أوديسيوس، وتبكي عليه، ~~وتستذكر أيامه، وترثي لهذا الفتى اليافع تليماك، ثم تدعو الموت كي يخمد أنفاسها، ويوفر ~~عليها أحزانها، ولكن المنايا نوافر لا تستجيب لدعاء أحد، وهب أوديسيوس عند مطلع الفجر، ~~فانطلق إلى المذبح الكبير حيث جثا متضرعا لهفان، يسبح باسم زيوس العلي ويصلي له، ~~ويهتف به أن يجعل له علامة يطمئن قلبه بها، وليعلم أن ~~كبير الآلهة لا يزال يحميه ويكلؤه، كما كلأه في شدائده في البر والبحر، وكان أوديسيوس يزكي ~~صلاته بأطهر الدموع وأحرها، وكان سيد الأولمب يصغي لدعائه من علياء السماء، فما إن فرغ ~~الملك المحزون حتى أرسل زيوس في الأرجاء زلزلة عظيمة مدوية رجعت أصداءها جنبات القصر ~~الساكن، وأحياد الجبال الشامخة، وكانت خادمة بائسة تسهر طوال ليلها عاملة في طاحونها ~~ناصبة، فلما وقرت في سمعها الزلزلة ذعرت وروعت، وأزاحت طرف الستر لتنظر إلى السماء فلم ~~تجد فيها سحابة واحدة، بل وجدتها مشرقة بتباشير الصباح مضيئة بنور ربها، فجعلت تجأر إلى ~~الله وتقول: «زلزال وليس في الأفق سحاب! أما والله إنه لنذير، أما والله إنها لغضبة ~~السماء على هؤلاء المناكيد القساة، الذين يقسرونني على هذا العناء وذاك النصب طوال الليل ~~كأنني من حديد! يا جوف العلي، إن يكن ما سمعت حقا، فإني أسألك بحق أسمائك أن يكون هذا ~~الدقيق آخر ما يأكلون من زاد هذه الدنيا.» # وتبسم أوديسيوس من قولها، وتوسم فيه وفي تلبية ms179 السماء خيرا له، وشاع في أعطافه شعور ~~قدسي بما دنت ساعة الانتقام، وكانت الوصيفات الأخريات يوقدن نار المدفأ في الردهة الكبرى، ~~بينما برز تليماك من مخدعه مخترطا سيفه ورمحه يختال من خلفه، حتى إذا بلغ وصيد الباب ~~الكبير هتف بالمرضع العجوز يوريكليا يقول: «كيف حال الغريب النازح يا أماه؟ بودي لو ~~أنكن عنيتن به كما ينبغي؛ لأن والدتي على ما جبلت عليه من خير ولطف لا تهش لأمثاله ~~من النازحين الغرباء.» وقالت يوريكليا تجيبه: «يا بني، لا تثريب على والدتك في هذا السبيل؛ ~~فقد احتسى ضيفك من الخمر ملء بطنه، حتى لقد أبى أن يذوق طعاما بعد، وقد أبى إلا أن ينام ~~على فراش خشن في الردهة الكبرى، ولا أدري لماذا تشبث بهذا.» وانطلق تليماك إلى المدينة ~~يتبعه كلباه، ثم أقبل الراعي يومايوس يسوق بين يديه ثلاثة خنازير كناز من أسمن قطعانه، وما ~~إن رأى أوديسيوس - الشحاذ الفقير في حسبانه - حتى قصد إليه، ولبث يسائله عما لقي من ~~العشاق، فذكر له أوديسيوس ما كان من وقاحتهم، وبينا هما كذلك إذ أقبل الراعي السفيه سليط ~~اللسان ميلانتيوس وهو يحدو قطعانه وماعزه، وطفق كدأبه يسب أوديسيوس، ويرسل عليه وعلى ~~يومايوس ما نزح به فمه من شتائم؛ تحرشا بالرجل الشحاذ الفقير، ولكن أوديسيوس لم ~~يحرك ساكنا. وأقبل راع آخر يقود بقرة صفراء لا ذلول ولا فارض، يدعى فليوتيوس، ~~فوقف عند زميله يومايوس يسائله عن صاحبه الفقير الشيخ، وكأنما راعته ملامحه وحسن سمته: ~~«إن له سيماء كسيماء الملوك برغم أسماله ومزقه.» ثم صافح أوديسيوس وقال له: «مرحبا أيها ~~الأب! خفف الله عناءك ووضع عنك وزر ما تشكو، يا للسماء! إن مرآك يفجر الدموع في ~~عيني؛ لأنك تذكرني بمولاي أوديسيوس الذي وكل إلي رعي قطعانه وأنا بعد صغير حدث، ~~فكبرت كما كبرت وتضاعف عددها، ولكني وا أسفاه لا أفرح بسمنها ووفرة عددها، بل إن الحزن ~~ليرزح على نفسي؛ لأنها تسمن فتكون غذاء لا مباركا ولا هنيئا لأولئك الظالمين، ولولا ~~رجائي في السماء، وأملي الكبير في ms180 عودة مولاي أوديسيوس للذت من زمن بعيد بسيد آخر أخدمه؛ ~~لأن الصبر على خبائث هؤلاء البغاة الطغاة لم يعد في طوق أحد، وا أسفاه عليك يا مولاي! أين ~~أنت اليوم؟ ألا ليتك تعود فتبطش البطشة الكبرى بهؤلاء الجبارين!» واغتبط أوديسيوس بما سمع ~~من كلام الراعي فقال له: «الله ما أشجعك أيها الصديق! ولكني أبشرك وأطمئنك، وأقسم لك أن ~~مولاك عائد ما في هذا شك، وهو عائد عما قريب، وستشهد عيناك هاتان مصارع البغاة الطغاة.» ~~وبينما هما يتحدثان إذا بالعشاق يقبلون أفواجا فيملئون البهو، ويجلسون إلى وليمتهم، ~~فيشير تليماك إلى أبيه فيجلسه معهم ويعد له مائدة ومقعدا، ويحضر له من الشواء ~~والخبز والشراب ما هو حسبه، ويقول له بمسمع من الجميع: «اجلس أيها السيد، ولا تخش رهقا؛ ~~إني أمقت أن أسمع شغبا اليوم، فالبيت بيت أوديسيوس وإني لصاحبه.» وغيظ أنطونيوس فقال: ~~«دعوه، فقد حق له أن يقول ما شاء، فتالله لولا أن حال جوف بيننا وبينه لأسكتنا إلى ~~الأبد أنفاسه.» وقال سفيه آخر: «طب نفسا يا تليماك خوس، وقر عينا؛ فهاك منحة لضيفك ~~مضغة مشتهاة.» ثم تناول عظمة من السلة القريبة فقذف بها أوديسيوس الذي انحرف عنها فلم ~~تصبه، وعندئذ قال تليماك غاضبا: «تالله لو أصابته لأقصدتك برمحي هذا، فنفذ في صدرك ~~وخرج من ظهرك، ولانقلب العرس الذي تحلم به إلى مناحة تؤز بيتك! إني لم أعد صبيا بعد ~~فلا ترهبوني، سترون كيف أستطيع أن أضع لكل حدا بعد إذ طفح الكيل.» وهنا هب لئيم آخر ~~فحبذ في سخرية مقالة تليماك؛ «لأن من حقه أن يحمي ضيفه، ولكن اسمع يا تليماك خوس، لم ~~لا تمضي إلى أمك وقد يئست من عودة أبيك فتطلب إليها أن تحضر فتختار البعل الذي يروقها من ~~بيننا؟» فتعمل تليماك الكلام وقال: «هي حرة مطلقة الحرية، إني لا أقف في طريقها ولا ~~أقسرها على شيء.» وما كاد يفرغ حتى انفجر المناكيد يضحكون ويضجون. # ثم حدثت المعجزة! # لقد تضرجت وجوه القوم بحمرة الدم، ولقد تحركت قطع اللحم فوق ms181 الخوان فهي تقطر دما ~~أحمر كأنه ينبثق من غلاصم قتلى، ثم امتلأت عيونهم بدموع غزار حرار، ثم طفقت دموعهم تعلو ~~وتهبط، وتنشق عن تنهدات تصعد من سويداءات القلوب، ثم ~~هذا تيوكلمنوس - الكاهن الآبق - يشهد المعجزة ويرى النذير، فينهض فيهم قائلا: «تعسا لكم ~~أيها الأنجاس! لقد سيء بكم! ماذا تخبئ المقادير يا ترى؟ ما هذه الظلمات كأنها قطع الليل ~~تغطش رءوسكم وتزلزل أقدامكم؟ وما هذه الدموع تتصبب من عيونكم فتشوي خدودكم؟ انظروا إن ~~استطعتم ما هذه الدماء التي تضرج جدران القصر؟ ما هذه الأشباح التي تكظ البهو الخالد؟ إنها ~~تتهاوى إلى عالم الفناء فويل لكم! أوه! وتلك آية أخرى؛ لقد كسفت الشمس فجأة، توارت ~~بالحجاب، الضباب الضباب! ما أروع الضباب ينتشر فيملأ ما بين الأرض والسماء!» # لقد قتل العداء المعروف أرسيللوب أيدومين العظيم الذي لم يكن ~~يباريه في سرعة عدوه أحد. # وبالرغم مما أنذر الكاهن فقد أغرق القوم في الضحك، ولم يزدادوا إلا خبالا، وقال قائلهم، ~~وإنه ليوريماخوس: «ما أحسب إلا أن به جنة. خذوه فغلوه، ثم في السوق صلوه، عسى أن يجد ~~ثمة ضياء يمشي فيه، إنه لا يجد ضياء هنا.» # وتلبث الكاهن فقال: «اربع عليك يا يوريماخوس فإن لي عينين وأذنين، وإني لأرى وأسمع، ~~وإني نذير لكم من بلاء يحل بكم فلا يبقي ولا يذر، أيها الأفاكون المفسدون.» وانطلق ~~الكاهن من القصر، ولمز أحد العشاق تليماك فقال: «ألا ما أتعسك في كل من ضيفت من ضيف يا ~~فتى! أما كان بحسبك هذا الفقير الشحاذ القذر الذي تطعمه، ما عليه من سبيل، حتى تجلب هذا ~~المتفيهق الذي يدعي النبوة ويرجم بالغيب؟» # وصمت تليماك فلم ينبس، وظل ينظر إلى أبيه، ويرقب ساعة الجد. # | وما رميت إذ رميت ... # وكانت بنلوب جالسة في الحريم تسمع إلى ضجيج القوم وعجيجهم، فبدا لها أن تضع حدا لهذا ~~العبث العقيم الذي استمر كل هذه السنين الطوال، فأمرت بعض وصيفاتها، فتبعتها إلى ~~المخبأ الذي حفظت به أذخار الملك وعتاده، والسلاح الذي فرقت له قلوب وارتعدت له قلوب، ms182 ~~وارتعدت له فرائص وزاغت من هوله أبصار. # لله ما كان أشجاها ذكريات حافلة بأروع ضروب المجد! ها هي ذي تلك الرماح التي طالما لاعب ~~بها أوديسيوس الأسنة، والسيوف التي طالما انتزع بها الأرواح، والدروع السابغات التي كانت ~~تدرأ عنه وتحميه، وتحفظه وتفتديه، ثم ها هي ذي تلك القوس العظيمة معلقة فوق الحائط تلمع، ~~وترقص من حولها المنايا؛ القوس ذات الذكر التي أهداها إلى أوديسيوس أحد المعجبين به، ها هي ~~ذي بعد هذه السنين الطوال لم يحملها أحد غير أوديسيوس؛ لأن أحدا غير أوديسيوس لا يستطيع ~~أن يثني قوس أوديسيوس وفيها الوتر العرد، الذي لا يلين ولا يبين ولا يرد، إلا إذا كلمه ~~أوديسيوس، وتناولت بنلوب كنانة السهام التي طالما قذفت المنون في قلوب الأعادي، وجلست ~~تنثرها في حجرها وتنتقي منها، وتبكي أحر البكاء؛ لأن كل سهم منها كان يهيج في قلبها ~~ذكريات زوجها البطل، وأشارت إلى وصيفاتها فحملن القوس العظيمة، وحملن «الدناجل»، ثم حملت هي ~~السهام وسارت أمامهن وعلى وجهها نقابها السادر الحزين، حتى إذا كانت عند الأمراء هتفت ~~فصمتوا، ثم قالت لهم - وفي صوتها نبرة الحزن وموسيقى الآلام: «ها هي ذي قوس أوديسيوس، وتلك ~~هي سهامه أيها السادة الأمراء، فمن استطاع أن يثنيها فيرسل عنها سهما يخترق الدناجل ~~الاثني عشر فإني له وهو صاحبي، وعسى أن تبطل السماء حجتكم؛ ~~فقد طالما ذهبتم بخير هذا القصر، وأرغتم من زاده بحجة ~~أنكم عشاقي، كما استبحتم أن تسموا أنفسكم، فإليكم القوس فانظروا ماذا تصنعون!» وأشارت ~~إلى الراعي يومايوس فتسلم القوس العظيمة، وحملها معها زميله راعي الضأن فيلوتيوس، ثم إن ~~الراعيين لم يطيقا ذكريات سيدهما التي هاجتها فيهما القوس فذرفا دموعهما ثم استخرطا في ~~البكاء، وانتهرهما أنطونيوس فقال: «تبا لكما أيها الفلاحان القذران! فيم هذا البكاء؟ ~~ألتهيجا الشجو في فؤاد سيدتكما؟ انطلقا أيها المسخان فابكيا بعيدا؛ فتالله ما أحسب ~~بكاءكما إلا يزيد في صلابة القوس، وتالله ما أحسب أحدا منا ببالغ منها مأربا، وي! من ~~منا له بأس أوديسيوس؟ لقد كنت طفلا بل ms183 كنت وليدا حينما رأيت رجلا ذا صولة وفتوة يهديها ~~إلى البطل، أجل رأيت هذا بعيني هاتين.» وكان في كل ما قال ساخرا؛ فقد هيأ له الغرور ~~أنه بقليل من العناء سيثني القوس ويرسل السهم ويحظى ببنلوب. # ونهض تليماك فقال: إنه سيسهم في الرماية، فإذا استطاع فإنه سيبقي أمه لديه ولا ~~يتركها تغادر منزل أبيه أبدا، ثم حفر حفرا على خط مستقيم، فجعل في كل منها دنجلا، ~~وثبت حولها بالحجارة والتراب، ثم إنه تناول القوس العظيمة وألقمها السهم، وجمع قواه وطفق ~~يشد، وفشل مثنى وثلاث وكانت القوس تشمخ عليه فلا تكاد تنثني، حتى إذا حاول الرابعة وأوشك ~~أن يظفر أومأ إليه والده ففهم ما يريد: «أوه، إنه لا يقدر على هذه القوس إلا من هو أقوى ~~مني وأكمل جسمانا وأتم بنية، فليتقدم لها من شاء منكم حتى نرى.» # وقال أنطونيوس: «إنهم جميعا مشتركون في التجربة حسب مقاعدهم حتى الكاهن.» فنهض هذا ~~ويمم شطر الوصيد وحمل القوس الرهيبة، وحاول مائة مرة أن يثنيها فلم يستطع، فألقاها وقال: ~~«أيها الرفاق، ما أحسب هذه القوس إلا موئسة للجميع، لقد أوهتني وذهبت بمنتي! ألا ~~فلتحملوا بامرأة أخرى غير بنلوب، فوالله ثم والله إنها للرجل الذي كتبتها المقادير له، ~~الذي يحضر إليها بما ليس في وسعكم من كنوز ومن أذخار.» # وغضب أنطونيوس وتجهم للكاهن ثم قال: «ألا ساء ما تقول أيها الرفيق! أحسبت أننا نيئس من ~~هذه القوس لأنك لم تقدر عليها؟ ومتى كنت رجل جلاد وجهاد؟ ومتى ثنيت قوسا أو أرسلت ~~سهما؟ اربع عليك؛ ففينا الكثيرون الذين يستطيعونها بالقليل الأقل من الجهد.» ثم أمر ~~راعي الضأن ملانتيوس أن يحفر حفرة ويوقد فيها نارا يجعل بها وعاء من شحم؛ ليعالجوا به ~~القوس عسى أن تلين قبل أن يدلوا دلوهم، فلما كان هذا أخذ الأبطال كل بدوره يحاول أن ~~يثني القوس، ولكنها استعصت عليهم جميعا، ولم يبق إلا أنطونيوس ويوريماخوس، وهما أكثر هذا ~~الجمع قوة وأوفرهم فتوة. # ثم نهض راعي الخنازير، يومايوس، ونهض في إثره صديقه الراعي ms184 الآخر، فحثا الخطى خارج ~~البهو لما شاهدوا من يأس القوم، وقد تبعهما أوديسيوس، فلما كانوا بعيدا قال لهما: «أيها ~~الحبيبان، وإذا أرسلت العناية أوديسيوس في هذه اللحظة ليبطش بهؤلاء المناكيد، أفتحاربونهم ~~معه؟ أم تحاربونه معهم؟» فرمقه فيلوتيوس وقال: «يا للسماء! تالله لو صحت أحلامك لرأيت ~~كيف أفتديه منهم نفسي ومهجتي، وتالله لرأيت كيف يهتز سلاحي فيحصد رءوسهم ويبعثر ~~أشلاءهم.» وقال يومايوس مثل هذه المقالة، ولما وثق من إخلاصهما كشف لهما عن حقيقته، ~~فقال: «إذن فاعلما أنني أنا أوديسيوس، وهذه هي الندوب التي أحدثها الخنزير في ساقي، وقد ~~أبت إلى وطني فجأة فلقيتكما أول من لقيت، وأكرمت مثواي يا يومايوس وأنت لا تعرفني، ~~ولم أشأ أن أبدو للقوم حتى أعرف عدوي من صديقي.» ولم يكد يفرغ من قوله حتى انحنى الرجلان ~~يشهدان الندوب، فلما استيقناها ذهلا عن نفسيهما، وجثوا عند قدمي مولاهما، وطفقا ~~يقبلانهما ويغسلانهما بدموعهما، ثم نهضا فألقيا سلاحهما عليه، بيد أنه أمرهما أن يصمتا ~~حتى لا يفضح أمرهما أحد، وقال لهما: «لا بد أن نعود أدراجنا إلى البهو وسأنطلق أنا قبلكما، ~~وسأطلب منك يا يومايوس أن تعطيني القوس لأقوم بنصيبي في التجربة، وسيرفض القوم أن أفعل، ~~ولكنك يجب ألا تبالي، بل تناولني القوس، ثم تسرع بعد هذا إلى الحريم فتخبر النساء فيه ~~ألا يذعرن إذا سمعن ضجة أو عويلا في البهو، أو شهدن حربا وقتالا. أما أنت يا ~~فيلوتيوس فتسرع إلى باب البهو فتوصده وتحكم إغلاقه حتى لا يفلت منهم أحد ~~أبدا.» # مينرفا ربة الحكمة التي اقتربت من البطل في تبسم وظرف، وأخذت تعبث ~~بلحيته الكثة الشعثاء في دلال وسخرية. # ثم مضى فجلس مكانه لدى الباب، وتبعه الراعيان، وفي هذا الوقت كان يوريماخوس يحاول ~~محاولته، وكان من وقت إلى آخر يذهب بالقوس العظيمة فيعرضها للنار عسى أن يسهل عليه ~~ثنيها، لكن القوس أبت مع ذلك أن تلين، فلما بلغ من يوريماخوس الجهد ألقى بها يائسا ~~وقال: «تبا لها من قوس عنيدة! والعار الأبدي لنا جميعا يا رفاق! ما لنا ms185 ولهذا؟ إن في ~~إيثاكا حسانا، وإن فيهن أزواجا تربا أبكارا لمن يشاء، أوه يا للخزي! أواه لو لم ~~تقل الأجيال المقبلة إننا دون أوديسيوس قوة وأقل منه فتوة حين عجزنا أن نثني قوسه، ~~يا للخزي! يا للخزي!» # وروع أنطونيوس وذهل عن أمره، ولم يشأ أن يخزي نفسه بأن يحاول كما حاول غيره، فوقف ~~فقال: «ما أحسب القوس عنيدة ولا مستعصية كما تزعمون، ولكن اليوم يوم عيد أبوللو رب القوس ~~العظيم، فأنى لنا أن نحمل قوسا اليوم، دعوها واتركوا الأهداف مكانها، فلن يجسر أحد أن ~~يدخل بهو أوديسيوس فيمضي بها، وفي بكرة الغد يحضر ميلانتيوس من قطعانه عنزات سمانا ~~فنضحي بها لأبوللو، ثم نتم محاولتنا.» # ولكن أوديسيوس هب من مجلسه فقال: «يا سادة ما دمتم لن تحاولوا الرماية اليوم، فأرجو أن ~~تدفعوا إلي هذه القوس لأجرب أنا أيضا، ولأرى هل لا تزال بقية من منة الشباب ~~مخبوءة في أعصابي أو أنها ذهبت بها جميعا متاعب الحياة وكثرة التجوال في أطراف ~~الدنيا.» وجن جنون القوم لما قال أوديسيوس هذا، وعجبوا كيف يجسر شحاذ فقير مثله أن ~~يطلب أن يشارك السادات في مباراتهم، ومن يدري؟ لعلهم ذعروا أن ينجح هذا الفقير فيما ~~فشلوا هم فيه! قال أنطونيوس: «اخزن عليك لسانك أيها السليط الوقح، ألا يكفيك أن يسمح لك ~~بوجودك بين هؤلاء السادة الأخيار من أقيال البلاد حتى تطلب أن تباريهم؟» وكانت بنلوب ~~تطلع فلم تحتمل أن يؤذى ضيف ولدها هكذا، فقالت: «أنطونيوس، أنى لك أن يؤذى تليماك ~~في ضيفه؟ بل ينبغي أن يحاول الرجل كما حاولتم، فإما أنك تخشى أن يظفر فيما فشلتم فيه، فلا ~~ضير! إنه لا جرم، ليس يحلم مثلكم بأن أكون زوجة له، فليفرخ روعك إذن ولتطمئنوا جميعا.» ~~وقال يوريماخوس: «يا ابنة إيكاريوس، ما دار بخلدنا قط أن تكوني زوجة له إذا ظفر، ولكنا ~~خشينا أن يفضحنا في الناس فيقول: «عجبا لسادات إيثاكا وما حولها، يطمعون أن يتزوج أحدهم ~~امرأة البطل العظيم أوديسيوس، ثم لا يستطيعون رمي سهم عن قوسه، ms186 ويأتي رجل شحاذ فقير، ~~فيثني القوس ويرمي السهم، وهم مع هذا لا يستحيون.» هذا ما خفنا أن يكون يا ابنة إيكاريوس، ~~أو هذا ما خشينا أن يذهب بشرفنا.» فقالت بنلوب: «لتطمئن يا يوريماخوس؛ فليس في مثل هذا ~~يضيع شرفكم، ولكن الرجل ذو جسم طويل ومظهر جبار، وقد ذكر آباءه فعلم كريم العنصر طيب ~~الأرومة عريق المحتد، فلم لا يعطى القوس لنرى ما يكون؟ وإنه إذا ظفر فسأخلع عليه ~~وأدفع له سلاحا وأرسله أنى شاء.» ثم نهض تليماك فقال: «أماه، إن القوس قوسي وإني ~~لصاحبها، أعطيها لمن أشاء، وأصونها عمن أشاء، ولن ينازعني حقي أحد من العالمين، ولو شئت ~~لأعطيتها الرجل فتكون حقا خالصا له، وما سمحت لأحد أن يمنعني. تفضلي أنت فغلقي ~~عليك أبواب الحريم، وانظري في أعمال البيت، وصرفي شئون الخدم، وخذي في غزلك ونسجك، ~~وسننظر - نحن - أمر القوس، وسأرى أنا لمن تكون النوبة؛ فإني هنا سيد لا مسود.» وشدهت ~~بنلوب قليلا إلا أنها عرفت أن ابنها قال حقا، فانسحبت وغلقت عليها أبوابها، وانطرحت ~~في فراشها حيث وافتها مينرفا فسكبت في عينيها غفوة هادئة لذيذة، فاستسلمت لسبات ~~عميق. # وتقدم يومايوس فحمل القوس، وأوشك أن يذهب بها إلى أوديسيوس، لكن الأمراء زأروا غاضبين ~~فخشي الراعي، وألقى القوس ثانية فصاح به تليماك: «هات القوس هنا، أيها الرعديد، لشد ما ~~أود أن أخلص منك ومن هؤلاء السادة الذين ترهبهم!» وسخر الأمراء وضجوا ضاحكين، ولكن ~~الراعي تقدم إلى مولاه، وانطلق بعد هذا إلى الداخل، فنادى المرضع يوريكليا وقال لها: «إن ~~مولاي يأمرك أن تغلقي جميع الأبواب، ويقول لك: إنه إذا سمع النساء ضجة في البهو أو ~~قتالا، فليجلسن حيث هن ولا ينزعجن، وليأخذن في عملهن، أتسمعين؟» # وغلقت المرضع الأبواب وبلغت رسالة مولاها، ثم هم فيلوتيوس فغلق باب البهو وأحكم ~~أقفاله وربطه بسلب # 1 # طويل كان لسفينة وألقي لدى الباب، وعاد فجلس مكانه وعيناه لا تريمان عن ~~مولاه، وتناول أوديسيوس القوس فجعل يفحصها ويبحث في أجزائها، مخافة أن يكون السوس قد نخرها ~~إذا هو ms187 ناء عن بلاده، وزاغت أبصار القوم، وجعلوا يبرقون في الشحاذ الفقير ويقولون: «الهلوف # 2 # الزنيم! إن له لعينا فاحصة كأن لها عهدا بالرماية، وإنه ليبحث القوس كأنه ~~يقتني أمثالها!» ثم قبض أوديسيوس على القوس، وشد طرفها في سهولة وفي يسر، كما يشد ~~الموسيقي وترا من أوتار قيثارة، ونظر إلى الأهداف المتراصة أمامه، وأرسل سهما اخترقها ~~جميعا، وسمع له صوت كسقسقة العصافير. # يا عجبا! لقد أراش أوديسيوس السهم، وأرسل زيوس العلي زلزلة ورعدا مدويا وثب له فؤاد ~~البطل، وطارت منه ألوان القوم، وانقذف الرعب في قلوبهم. # ثم أخذ أوديسيوس سهما آخر فثبته، ثم أراشه فاخترق الأهداف مرة أخرى. # قال أوديسيوس: «تليماك أيها العزيز، إن ضيفك لم يخيب رجاءك ولا أضاع عشمك، # 3 # ولقد أصبت الأهداف كلها على حداثة عهدي بالرماية، والآن هلم؛ إن النهار يوشك ~~أن يولج، وإنه لينبغي أن نعد وليمة المساء للسادة الأمراء، ولن يعدموا بعدها ما دأبوا ~~عليه من رقص وعزف، وقصف وغناء.» # وهم تليماك فألقى حمائل سيفه على كاهله، وتناول رمحه العظيم ... وسنرى! # | الانتقام الهائل # وألقى أوديسيوس أسماله، واطرح مزقه، وبرز للملأ أوديسيوس القوي الحديدي الجبار، ~~وتناول كنانة الأسهم التي تهمهم فيها المنايا وتغمغم، والقوس العتيدة العنيدة، ووقف ~~عند الوصيد حتى لا يفر أحد من أعدائه فينجو من الموت الذي هو ملاقيه، ثم نثر الكنانة ~~عند قدميه وهتف بالعشاق يقول: «وهكذا يا سادة تتم فصول المأساة، وهكذا أيضا تنتهي ~~المباراة التي لم يفز فيها واحد منكم، والآن انظروا، إني لن أسدد سهامي إلى هذه الأهداف ~~بعد، بل إني مسددها إلى غرض آخر!» وشد الوتر العرد، وأرسل إلى حلقوم أنطونيوس سهما ~~مراشا عجل به إلى هيدز، وكان العلج يوشك أن يحتسي كأسا ذهبية من أعتق الخمر، فسقطت ~~الكأس من يده الذاهلة، وسقط هو يتشحط في دمه ويلفظ أنفاسه، وذعر الآخرون حينما رأوا ~~أخاهم يسقط إلى الأرض رمة لا نفس فيها ولا حراك، فهاجوا وماجوا، وهبوا يبحثون عن ~~أسلحتهم، ولكن هيهات! لقد أخفاها أوديسيوس وولده ليلة أمس، فأنى لهم ms188 بها! وصاحوا ~~بأوديسيوس: «أيها المجنون، لقد أخطأت المرمى! ماذا أصابك؟ إنك تسدد إلينا، لقد قتلت ~~أنبل شباب إيثاكا، ثكلتك أمك! أبدا لن تحمل بعد هذه قوسا أبدا.» # وانكشف الستر وعاد إلى الشحاذ الفقير عنفوانه، وانقذفت من فمه الحمم، فقال: «أيها ~~الكلاب، قال # 1 # ما زعمتم أن أوديسيوس لن يثوب! ها أنا ذا أيها العبيد، لقد استبحتم حمى بيتي، ~~وأذللتم قدسه الحرام، وأوضعتم في الفتنة فاعتديتم على ~~نسائي، ولم تبالوا أن تتعشقوا زوجي، بينا رجلها حي يسعى على قدميه، غير عابئين بمن ~~يطلع عليكم في السماء وهو بكم محيط، ولا مبالين بما تضج به الرفات الكريمة في ثرى هذه ~~الأرض من فعالكم، فويل لكم! لقد حان حينكم.» # وارتعدت فرائص الكلاب، كما دعاهم أوديسيوس، وطارت حمرة الخمر من خدودهم، ووقف يوريماخوس ~~متخاذلا وهو يقول: «إن كنت حقا ملكنا أوديسيوس فكلنا نعتذر عما ارتكبناه من الإثم ~~في بيتك، ولقد تكلمت فقلت الحق كل الحق، ولكنك قد أرديت أنطونيوس الذي دعانا إلى كل ~~ذلك، والذي كان يطمح أن يتربع على عرشك ويملك كما ملكت، فاعف عنا واصفح عن خطايانا ، فنحن ~~بالرغم من كل ما حصل شعبك الأمين، ورعاياك الأوفياء؛ على أننا سنعوضك عما استبحنا؛ مالا ~~بمال، وعتادا بعتاد.» فقال أوديسيوس: «يوريماخوس أيها النذل، إنكم مهما ملأتم يدي ~~بالذهب فلن تشفوا حردي ولن تذهبوا غلتي حتى أنتقم منكم جميعا؛ لما صدر عنكم من إفك، وما ~~ارتكبتم من أزوار، فاختاروا لكم؛ الحرب التي جدت بكم فجدوا بها، والقتال الذي لا محيص ~~منه ولا محيد عنه، أو فالفرار الفرار، ولن تجدوا إلى الفرار سبيلا.» وزلزل الجميع ~~زلزالا شديدا، وجفت ألسنتهم في حلوقهم فما عرفوا ماذا يحيرون! ثم هتف فيهم يوريماخوس ~~فجأة يقول: «أيها الإخوان، لقد تحجر قلب هذا الرجل فلن يعرف سبيلا إلى الرحمة، وها قد ~~قبض على القوس بكلتا يديه، ووقف عند الوصيد يذودنا عن الباب، ولم يفلت أحد منا من سهامه ~~قط، بل إنه سيقنصنا واحدا بعد واحد، ولا أدري إلا أن تفزعوا إلى سيوفكم ms189 فتخترطوها، وإلى ~~المناضد فتدرعوا بها، ثم نهجم عليه كرجل واحد عسى أن نزحزحه عن الباب فننجوا بأنفسنا، ~~ونلوذ بالفرار، فإذا بلغنا المدينة فإننا سالمون.» ثم فرغ من صيحته واستل سيفه، وهجم على ~~أوديسيوس مرعدا مزمجرا، ولكن أوديسيوس أصماه بسهم في صدره، فصرعه، وخر اللئيم يعالج ~~سكرة الموت، وانتشرت ضبابة الفناء الأبدي على وجهه المقبوح فأطبقت عينيه، وهنا هاج الأمير ~~أمفينوم وماج، وهجم على أوديسيوس بسيفه الذي تقطر من حده المنايا، وكاد اللئيم ينال من ~~خصمه منالا، لولا أن قفز تليماك برمحه العظيم فأغمده في صدره ورده عن أبيه، وعاد مكانه ~~دون أن ينتزع الرمح مخافة أن يتكاثر عليه الأعداء، وقال تليماك لأبيه: «هلم يا والدي، وهات ~~ما استطعت، فشد ما أخشى أن تفرغ هذه السهام فلا أستطيع أن أدفعهم عن الباب!» وانطلق تليماك ~~إلى غرفة السلاح، فأحضر ما مست إليه الحاجة من رماح وسيوف وخوذات، وادرع بما هو حسبه ~~منها، ثم ألبس الراعيين الأمينين درعين سابغتين، # 2 # وزودهما بسيفين بتارين، ووقف الثلاثة إلى جنب البطل العظيم يمنعون تكاثر ~~العشاق عليه، بينا هو يرسل سهامه فتخترقهم وتستأصل شأفتهم واحدا فواحدا، حتى إذا فرغت ~~سهامه وقف الأبطال الثلاثة يذودون من دون الباب حتى لبس أوديسيوس دروعه، ووضع على رأسه ~~خوذته، وأخذ رمحين عظيمين في كلتا يديه، وعاد إلى كفاحه، وكانت في الجانب الآخر من البهو ~~بوابة صغيرة لم يفطن العشاق إليها، فأرسل أوديسيوس راعي الخنازير ليحرسها وليحول بين ~~العشاق وبينها، وضاقت الدنيا حتى غدت ككفة الحابل في أعين القوم، وتجهمت لهم حتى غدت ~~كالليل إليها ألقى غواشيه فوق رءوسهم، وناء بكلكله على صدورهم، فقال قائلهم: «ألا يستطيع ~~أحد أن يمرق من البوابة فيصيح بأهلنا ويستنجدهم لنا؟» # فانبرى له ميلانتيوس # 3 # يجيبه: «هذا عبث لن يكون وراءه طائل؛ فإن رجلا واحدا يستطيع أن يقفنا جميعا ~~لو فعلنا، دون أن نبلغ الباب، بل لدي فكرة؛ إني أعرف أين خبأ أوديسيوس وابنه أسلحتنا، ~~وسأنطلق فأحضر لكم منها ما يقيكم منهما.» ثم تعلق بحبال مدلاة من ms190 كوة في السقف ~~وتسلق عليها حتى نفذ ثمة، وانطلق إلى غرفة السلاح، فأحضر اثنتي عشرة درعا، ورماحا ~~كثيرة وخوذات، وظل يلقي بها من الكوة، فيتلقاها رفاقه ويدرعون بها ... ولو كان مع ~~أوديسيوس سهم واحد يرسله إلى هذا العلج قبل أن يتعلق بالحبال لما استطاع أن يحضر ~~هذه العدد. قال أوديسيوس: «أي بني، لقد خاننا بعضهم ودل القوم على غرفة السلاح، فانظر ~~كيف يتضاعف عناؤنا ويزيد بلاؤنا!» فقال تليماك: «كلا يا أبتاه، إنه لم يخنا أحد، والذنب ~~ذنبي؛ فقد تركت باب الغرفة دون أن أوصده! يومايوس، انطلق فغلق باب غرفة السلاح وأحضر ~~مفتاحها، وانظر هل خاننا أحد؟ أو أن هذا من فعل ميلانتيوس كما أحدس.» وانطلق يومايوس فرأى ~~ميلانتيوس ذاهبا إلى غرفة السلاح ليحضر عددا أخرى ورماحا، فقال الراعي: «ها هو ~~ميلانتيوس الوغد منطلق إلى الغرفة كما حدس مولاي.» وهتف بتليماك: «ها هو ذا، هل أحضره ~~حيا ليلقى جزاءه، أو أقتله حيث هو؟» فقال أوديسيوس: «بل اذهب أنت وأخوك الراعي فشدا ~~وثاقه، واحبساه في الغرفة حتى يلقى جزاءه، وسأبقى أنا وتليماك لنذود دون الباب.» انطلق ~~الراعيان فوقف كل منهما خلف مصراع من باب الغرفة حتى إذا برز ميلانتيوس انقضا عليه ~~وكبلاه ودفعاه داخل الغرفة، ثم ربطاه في عمود هناك، وقال له يومايوس: «اهنأ يا صاح، ~~وارقد هنا إلى الصباح، وأكبر ظني أن الشمس لا تشرق عليك إلا وروحك في عالم الظلال ~~والأشباح، فلا تراك قطعانك بعد اليوم!» وأغلقا الباب وعادا أدراجهما إلى مولاهما وولده، ~~ووقف الأربعة يناضلون جحفلا بأكمله. ثم بدت مينرفا الحكيمة في زي منطور وطيلسانه، ~~فعرفها أوديسيوس وفرح بها قلبه، وهتف بها قائلا: «منطور أيها العزيز، معونتك وتأييدك؛ ~~فنحن صديقان منذ القدم!» وهتف العشاق ينادون: «احذر يا منطور وإلا فتلقى حتفك بعد أن ~~نظفر بهذا الوغد.» ولحظت مينرفا ذعر أوديسيوس مما رأى من تسلح القوم فقالت تؤنبه ~~وتحثه: «ما هذا التقاعس عن الحلبة يا أوديسيوس؟ هل فقدت شجاعتك وعنفوانك؟ إنك ما ~~أحجمت مثل ما تحجم اليوم طوال عشر سنوات ms191 حاربتها في طروادة من أجل هيلين، فهل يشق ~~عليك أن تلقى هذه الحفنة من عشاق بنلوب في بيتك بل في عقر دارك؟ هلم! قف إلى جانبي وانظر ~~إذا كان منطور قد عق الصداقة القديمة.» # وحاربت معه ساعة، ولكنها تركته ليعمل للنصر بمفرده، وانسحرت فكانت عصفورا من عصافير ~~الجنة جعل يرف ويرف في سماء البهو، حتى وقف على إحدى خشباته، وفرح العشاق لما رأوا من ~~مفارقة منطور، وعادت إليهم بعض شجاعتهم لما رأوا المحاربين الأربعة يقفون وحدهم في مدخل ~~الباب الكبير. # وقال أحدهم يخاطب الباقين: «هلموا فليقذف ستة رماحهم قذفة واحدة إلى صدر أوديسيوس.» ~~ولكن هيهات! إن واحدا منهم لم يصب غرضا من الصدر العظيم، وهنا هتف أوديسيوس برفاقه، ~~فانقض الأربعة على أربعة من المهاجمين، فجعلوا في صدورهم رماحهم، ورد الله كيدهم في ~~نحورهم، فقتل كل مهاجميه، وروع الآخرون فارتدوا على أعقابهم، وانزووا في الركن ~~السحيق من البهو، وبهذا استطاع أوديسيوس ورفاقه انتزاع الرماح من صدور المقتولين، ولم ~~يهتم الراعيان بما أصابهما من جراح بالغة، بل وقفا يناضلان ويفديان سيديهما، ولما رأت ~~مينرفا ما يلقى المحاربون الأربعة من تكاثر الأعداء رفت في الهواء، ثم كشفت عن درعها ~~الهائلة التي تجلب الموت إلى كل من يراها، ووضعت خوذتها الرائعة ثم انبرت للقوم، وهجم ~~المحاربون الأربعة يطاردون الأعداء، والأعداء يجرون من ها هنا وها هنا مذعورين ذاهلين مما ~~رأوا من درع مينرفا، وجعل أوديسيوس ورفاقه يصطلمونهم أربعة بعد أربعة، حتى لم يبق إلا ~~المنشد المسكين فيميوس، الذي قسره العشاق على الإنشاد لهم، وتطريبهم تطريبا لم يؤثره ~~ولم يؤجر عليه! لقد فزع المنشد المسكين من هول المجزرة، وانطرح تحت قدمي أوديسيوس يقول: ~~«مولاي أوديسيوس العظيم، ارحمني واعفني؛ فقد قهرني القوم على ما رأيت، اصفح عن المنشد ~~البائس الذي يدخل السرور على أفئدة الآلهة، ويذهب الحزن عن قلوب الناس.» وهتف تليماك ~~بأبيه يقول: «اصفح عنه يا أبي؛ فإنه لا تثريب عليه ولا لوم، وهلم ننقذ المنادي إن كان ~~لا يزال به رمق، فلقد كان يعنى ms192 بي إذ أنا صبي في المهد.» وكان المنادي قد فزع مما رأى، ~~وخبأ نفسه تحت مقعد كبير، ثم طرح عليه جلد ثور، فلما سمع تليماك يقول لأبيه هذا القول ~~برز من مكمنه، وتعلق برجلي تليماك، وأنشأ يتوسل ويتضرع، ويبكي ويتصدع، فقال ~~له أوديسيوس: «لا تجزع أيها الرجل، فلقد أنقذك ولدي كما أنقذ المنشد! اذهبا فانتظرا في ~~الرحبة؛ فعندي ما يشغلني عنكما الآن.» وانطلق الرجلان وهما لا يصدقان أنهما نجوا، ~~وجلسا عند المذبح ينتظران قتلتهما في كل لحظة. ثم مضى أوديسيوس يبحث في البهو وتحت ~~المناضد عمن يكون به رمق من الحياة فيجهز عليه، بيد أنهم خروا جميعا مضرجين بدمائهم ~~في التراب، وقد تكبكبوا فوق بعضهم كالسمك فوق الساحل يقذف به الصياد في يوم صائف. ثم قال ~~لابنه أن يدعو المرضع العجوز يوريكليا، فأقبلت ورأت أوديسيوس واقفا كالمارد بين القتلى، ~~وقد لطخت الدماء يديه ورجليه وصدره، فكادت المرأة تجن من الفرح لهذا النصر المبين ~~الحاسم، وأوشكت أن تصيح وتزغرد، لولا أن ردعها أوديسيوس عن ذلك: «أيتها المرضع العجوز، ~~اكتمي فرحتك، فإنه ينبغي ألا تكون شماتة فوق جثث القتلى وألا يكون صياح؛ لأنها إرادة ~~السماء قد نفذت فيهم بما أسرفوا من قبل وكانوا من المفسدين!» ثم أمر بالجثث أن تحمل ~~خارج القصر وبالدماء أن تغسل، فتم ذلك في أقصر وقت، والتفت إلى المرضع يحدثها ~~ويقول: «أرأيت؟ اذهبي الآن فأحضري نارا وكبريتا كيما نطهر المكان، ثم أخبري بنلوب أن ~~تلقاني ها هنا.» # فقالت العجوز: «سمعا وطاعة لك يا بني، سأفعل ما أمرت، ولكني سأحضر لك ثوبا تلبسه قبل ~~كل شيء؛ فإنه لا ينبغي أن تظل واقفا، وهكذا في أسمالك هذه.» بيد أن أوديسيوس أمرها أن ~~تفعل ما أخبرها من فورها، فانطلقت العجوز وعادت بالنار والكبريت، وأخذ أوديسيوس في تطهير ~~البهو الكبير. # | بنلوب، وأخيرا ... بنلوب! # وهرولت المرضع العجوز فصعدت إلى الطابق العلوي، حيث كانت سيدتها المحزونة تتقلب على ~~فراش الهموم والأحزان، فهتفت بها وهي تضحك، وتكاد تجن من الفرح: «يا بنيتي، فاشهدي ~~بعينيك كيف ms193 حققت الآلهة أحلامك واستجابت لصلواتك! هلمي، لقد عاد أوديسيوس وبطش البطشة ~~الكبرى بأعدائه، فقتلهم عن بكرة أبيهم بعد ما كان من خباثاتهم، وبعد ما استباحوا من حرماته، ~~وما أراغوا من خيره وهزئوا بولده، انهضي.» # ولم تصدقها بنلوب، وقالت مستهزئة بها: «لشد ما عدوت طورك وغبت عن صوابك أيتها ~~المرضع العزيزة حين توقظيني بمثل هذا العبث وذاك الحديث الملفق! لقد حرمتني من غفوة يا ~~لها من غفوة! لم تكتحل عيناي بأهدأ منها ولا أروح منذ أن فارقنا أوديسيوس إلى الأرض ~~المشئومة! تالله لو حصل مثل هذا ممن هن دونك سنا ومنزلة من الخدم لكان لي معهن شأن ~~آخر، ولكن لا عليك يا يوريكليا!» فتبسمت المرضع ثم قالت: «وي! تالله إنه للحق! ولا مرية ~~فيما أقول؛ إنه هو الشحاذ الفقير الذي كلمك، والذي عبث به القوم، وقد كان يعرف تليماك ~~كل ذلك، ولكنه جعل سرا بينه وبين أبيه حتى يثأر من الأمراء ويستأصل شأفتهم.» فوثبت ~~بنلوب من سريرها مسبوهة ذاهلة، وطوقت بذراعيها عنق يوريكليا، وأنشأت تقول: «خبريني ~~بالله عليك أيتها العزيزة، خبريني بالله عليك ... إذا كان ما تقولين حقا فأنى لأوديسيوس ~~أن يلقى وحده كل هؤلاء؟ وأنى لواحد أن يهزم فيلقا من مئة أو يزيدون؟» فقالت المرضع: ~~«لعمرك ما رأيت كيف حدث هذا الأمر، ولكني سمعت ~~بأذني هاتين أنين القتلى؛ لقد كنا جميعا جالسات داخل القصر، وفرائصنا ترتعد من ~~الفرق، وكانت النوافذ كلها مغلقة بأمر سيدي، حتى أقبل تليماك فدعانا إلى البهو، حيث ~~رأينا أوديسيوس واقفا بين الرمم، وهو الآن يطهر البهو من أدرانهم بالنار والكبريت، ~~والمدفأ يتأجج بلظى كالجحيم، ولقد أرسلني لأدعوك إليه حتى يفرح بك ويطمئن قلبك بعد طول ~~العذاب.» وكانت العجوز تتكلم وهي ما تنقطع عن الضحك والمرح، فقالت لها بنلوب: «أيتها ~~المرضع العزيزة، لا يقتلك الفرح والضحك! تالله إنه لن يفرح بأوديسيوس اليوم أحد كما أفرح ~~به أنا وولدي تليماك! هذا إن كان ما قلت حقا! على أنني لا أصدق ... لا جرم إنه إله كريم ~~أقبل لينتقم لنا ms194 من هؤلاء العرابيد جزاء ما أنزلوا بنا من هوان، فأبادهم جميعا. أما ~~أوديسيوس فلا، لقد قضى أوديسيوس، وقضى أوديسيوس إلى الأبد.» فقالت يوريكليا: «ألا تزالين ~~غير مصدقة يا طفلتي العزيزة؟ ألا فاسمعي، هاك دليلا آخر، بينما كنت أغسل قدمي الرجل ~~الفقير اللاجئ تحسست يداي ندبة في ساقه ذكرتني بالندوب التي أحدثها الخنزير البري ~~في ساق سيدي أوديسيوس، فلما كشفت عنها تبينتها وتأكدت أنه هو، وأردت أن أصيح بك ~~لأخبرك، وأزف إليك البشرى، لكنه أطبق يده على فمي فلم أستطع أن أنبس ... تعالي هلمي ~~معي الآن وانظري بعينيك لتري إن كنت كاذبة، تعالي جعلت فداك!» وانطلقتا معا وأطافت ~~الذكريات برأس بنلوب، ولم تدر ماذا عساها فاعلة إذا كان ما أنبأت به المرضع حقا، فلما ~~دخلتا البهو جلست بنلوب على مقعد كبير قريب من المدفأة، ثم طفقت تحدق بصرها في أوديسيوس، ~~وكان جالسا وظهره إلى عمود من عماد البهو، وعيناه تبحثان في الأرض، وكأنه كان ينتظر أن ~~تتكلم بنلوب قبل أن يفوه هو بكلمة ... بيد أنها لم تنبس، بل كانت ذاهلة شاردة، تنظر إليه مرة ~~فتوشك أن تعرف فيه بعلها الحبيب، ولكنها كانت إذا نظرت إلى مزقه وخرقه والأسمال التي ~~لا تستر بعض جسمه الهائل عجبت، وتولاها الدهش، وانعقد لسانها فما يكاد يبين. # وقال تليماك آخر الأمر: «أماه، لشد ما تحجر قلبك وغلظت كبدك! لم لا تنهضين فتعانقي ~~أبي؟ أية زوجة ينحبس لسانها كما انحبس لسانك؟ فما تكلم زوجها الذي آب من سفر سنين كلها ~~أشجان وكلها أحزان، وكلها آلام متصلة ومتاعب تنوء بحملها الجبال.» فقالت أمه تجيبه: ~~«تالله يا بني لقد ذهلت عن نفسي وإني لفي تيه فما أكاد أبين، ولكن إذا كان حقا ~~أوديسيوس، إن لنا علامات هي سر ذات بيننا، ولا يعرفها أحد سوانا.» فتبسم أوديسيوس ~~وقال: «لا عليك يا بني! دعها فستستبين حقيقتي حين أخلع هذه الأسمال.» ثم انتحى وولده ~~ناحية، وأسر إليه أنهما ينبغي أن يتهيآ لما عسى أن يكون من تألب الإيثاكيين عليهما ~~وشغبهم؛ لما كان ms195 من قتل ساداتهم، وما يتوقع من قيامهم بثورة عامة لا تبقي ولا تذر ~~للانتقام من القاتل. وذكر أوديسيوس أنهما يجب أن يقيما في البهو فيأخذا مثل ما كان العشاق ~~يأخذون فيه من قصف وعبث ومجانة. # بروتسيلوس البطل. # وحسب المارة أن بنلوب قد اختارت بعلها من بين الأمراء؛ «فهي لم تعد تطيق الوحدة، ولا ~~تحتمل الترمل، ولا تقوى على حياة الآمال الكواذب التي تجرعت غصصها مدى عشرين عاما.» ~~أما أوديسيوس فقد مضى فاستحم وتضمخ بأحسن الطيوب، وأضفى عليه من كل سابري وفوف ~~موشى، ثم تنزلت مينرفا فنفخت بيديها الكريمتين على وجهه المجعد ذي الأسارير فأشرق ~~وتألق، وهدلت شعره على كتفيه غدائر فاحمة كقطع من الليل البهيم. ثم إنه انطلق إلى ~~البهو فجلس تلقاء بنلوب، وأنشأ يقول: أيتها الزوجة المعجبة، والله لقد ركبت الآلهة بين ~~جنبيك قلبا ليس كقلوب النساء، وأي امرأة تنبذ من زوجها مكانا قصيا كما تنتبذين يا ~~بنلوب، بعد إذ عاد إليك من تجوال عشرين سنة كلها قلاقل وأهوال؟ يوريكليا، هلمي فمهدي ~~لي فراشا بيديك الضعيفتين، ما دام الحديد البارد الذي خلق منه قلبها لا يلين .» ومع ~~كل هذا فقد كان الريب يرين على فؤاد بنلوب، فقالت تختبره: «مولاي، إني وأيم الحق لا معجبة ~~ولا بي خيلاء، ولكني أذكر أحسن الذكر كيف كنت يوم همت بك سفينتك الجبارة إلى طروادة ... ~~يوريكليا، اذهبي أيتها المرضع، فأحضري سرير زواجنا من المخدع، واجعلي عليه الوسائد ~~والحسبانات ليستريح عليه مولاك كما أمرك.» وعجب أوديسيوس لما تكلمت به زوجته. فقال: «إنك ~~يا زوجتي تمزقين نياط قلبي بما تقولين، أنى لأحد ما من العالمين أن يحرك سريري، ~~بله أن يحمله؟ إن لم تكوني قد أطلعته على سره؟ لقد صنعت مخدعي واتخذت سريري في جذع ~~الزيتونة الهائلة، فهل لا يزال سرير في موضعه ثمت؟ أو أن أحدا قطع الجذع العتيد ~~واحتمل السرير إلى مكان بعيد؟» وهنا مادت الدنيا برأس بنلوب، وتأكدت أن الرجل زوجها من ~~غير شك، فخفق قلبها خفقانا شديدا، وانطلقت تعدو نحوه، ثم طوقت ms196 عنقه بذراعيها، ~~وراحت تبكي وتنتحب، وتقول له: «لا تنقم علي إذن يا أوديسيوس، ولا يحزنك أنني لم أعرفك منذ ~~أول نظرة! أواه أيها العزيز! لقد قضت الآلهة أن نفترق وأن تتعذب كل هذه السنين، وما كان ~~من شكي فهو أثر من احتراسي خشية أن يخدعني أحد فيدعي أنه أنت، ويزخرف علي ويبهرج ~~حتى ينالني بالخداع والحب، ولكن ما دمت قد ذكرت لي سر المخدع والسرير والزيتونة، وهو ما ~~لا يعلمه أحد غيري وغيرك وغير يوريكليا، فالآن فاهنأ، ولأهنأ أنا، وليطمئن قلبي؛ قلبي الوفي ~~الذي أرده إليك كآخر عهدك به، لا ينطوي إلا على حبك، ولا يضمر غير الوفاء لك.» ~~وعانقها أوديسيوس، وضم إلى صدره صدرها، والتف حول عنقه ذراعاها البضتان البيضاوان، ~~وجمد عاجهما الناعم الأملس حول كاهله، ووقف أوديسيوس على شاطئ الذكرى كما يقف السباح ~~المتعب المنهوك على شاطئ اليم وقد بلغه بعد جهد؛ فأعضاؤه متراخية، وأعصابه موهونة، وقلبه ~~خفق، وروحه نشوى، وذراعاه مع ذاك معلقتان بالشاطئ وقد سمرتا فيه ... وقال بعد لأي: ~~«والله يا زوجتي العزيزة إنا ما بلغنا بعد نهاية أشجاننا وأحزاننا، وإن أمامنا لأمدا ~~بعيدا وهموما أخر تنبأ لي عنها الكاهن تيريزياس حينما رحلت إليه في هيدز، وإني لا ~~أدري ماذا يكون من أمري، ولكن لا ... لننطلق الآن إلى مخدعنا العزيز الطاهر؛ فإن بي حاجة إلى ~~الراحة والاستجمام، وإن بي لشوقا مبرحا ونزوعا شديدا إليك.» فقالت بنلوب: «المخدع ~~الطاهر النقي معد في أيما لحظة أردت يا أوديسيوس العزيز، بيد أنك أثرت شجني وفزعت ~~شجوي بما ذكرت عما يتربص بنا من هم جديد، فهلا ذكرت إلي ماذا زعم لك تيريزياس في ~~العالم الآخر؟ إني مشوقة إلى ما قال، اذكره بحق الآلهة عليك.» فأجاب أوديسيوس: «عمرك الله، ~~لم تسألين عن أمر إن يبد لك يسؤك؟ ولكن لا ضير سأذكر لك ما نبأني به تيريزياس.» ~~ثم وجم قليلا وقال: «لقد أشار أن أحمل مجدافا عظيما على كاهلي، ثم أنطلق مهاجرا إلى ~~ممالك نائية وأصقاع سحيقة، حتى أكون في قوم لم ms197 يسمعوا عن البحر قط، ولم يروا في حياتهم ~~مجدافا ولا سارية، فإذا لقيت أول من يسألني عما أحمل، وهل هو مذراة مما ينسف به القمح، ~~غرست المجداف في الأرض، ثم تقربت إلى إله البحار نبتيون الجبار بقرابين تمحو ما بيني ~~وبينه، وتعقد بيننا أواصر السلام والوئام، كما تقربني إلى أعوانه الآخرين من آلهة الماء، ~~فإذا فعلت استرحت من لأواء الحياة، ونأت عني أرزاؤها، وعدت إلى شعبي وإليك، وإلى ولدي ~~وقصري، فعشت بينكم بسلام حتى يأتيني الموت، هادم اللذات، من أعماق البحر، ولكنه سيكون ~~موتا طيبا لا مخوفا ولا مرهوبا، بل سكرة بين أمنة ونعاس، بعد إذ الجسم موهون، ~~والقلب فارغ، والرأس مشتعل، والروح سالية قالية.» # وهكذا ظل الحبيبان المشوقان يتحدثان قطعا من الليل، بينما كانت المرضع وخادمة أخرى ~~تمهدان الفراش على ضوء المشاعل، ثم أقبلت الوصيفة فذهبت تمشي بين أيديهما إلى المخدع، ~~وفي أيديهما المشعل المقدس يفيض نورا ولألاء كما أفاض منذ عشرين سنة. # ولفهما ظلام الليل وستر الهوى. وسكن البهو بعدما ضج بالعزف والقصف، وهدأ القصر في ~~سدول السعادة. # | أوديسيوس يصل إلى إيثاكا # وهتف هرمز بأرواح القتلى فهمهمت، ثم أشار إليها بعصاه، فسحر الكرى مقلها، ثم أشار ~~كرة أخرى فأهرعت في أثره كما تهرع الخفافيش في أثر دليلها. # وانطلق حبيب الآلهة فعبر عباب البحر المحيط، وعبرت الأرواح الهائمة في أثره، وجاز صخرة ~~لوكيديا وبوابة الشمس الخالدة، ثم انطلق والأرواح الهائمة من خلفه في تيه الأحلام، وعبر ~~بها في مروج أسفوديل ذات الأشباح، حيث لقي القتلى أرواح ذويهم وأبطالهم من رجال هيلاس الذين ~~سقطوا تحت أسوار طروادة، وهناك وقفوا طويلا يتناجون، وكلم ابن بليوس قائد الهيلانيين ~~أجاممنون، ورثا له، فكلمه أجاممنون وتحسر عليه، ورأوا روح بتروكلوس حبيب أخيل زعيم ~~الميرميدون، وروح أخيل نفسه، وروح أجاكس العظيم ... وعرف أجاممنون روح أمفيديون العاشق ~~المحروب الذي قتله أوديسيوس فيمن قتل من عشاق بنلوب، فكلمه، وكلمه أمفيديون فقص عليه ما ~~كان من مأساتهم الغرامية وما كان من أوبة أوديسيوس المفاجئة واختلاطه بهم في صورة ms198 فقير ~~شحاذ ... إلى آخر القصة الدامية المشجية التي انتهت بقتلهم جميعا، وما كاد يفرغ حتى بدا ~~العجب في محيا القائد أجاممنون، وطفق يثني على وفاء بنلوب وشجاعة صديقه أوديسيوس، ثم ~~راح ينعى على زوجته الآثمة كليتمنسترا ما كان من غدرها، وتدبير غيلته مع حبيبها الفاسق ~~إيجستوس ... # وهكذا انتهت الأشباح الآثمة إلى ظلمات هيدز؛ إلى مملكة بلوتو، حيث تلقى جزاءها العادل من ~~مخالب سيربيروس الحادة وأظفاره القواطع. # هذا ما كان من أمر تلك الفئة الباغية. # أما ما كان من أمر أوديسيوس فقد استيقظ في بكرة اليوم التالي، واستيقظت معه بنلوب ~~السعيدة، وهب من فراشه فارتدى ملابسه، ووضع عليه سلاحه، ثم أمر زوجه ألا تخاطب من الناس ~~إنسيا حتى يعود، وأن تغلق عليها أبواب القصر؛ لأنه منطلق إلى أبيه ليزف إليه البشرى ~~بنفسه، ودعا إليه تليماك ليصحبه، وليصحبه الراعيان المخلصان الوفيان، بعد أن يسبغ كل ~~منهما عليه دروعه، ويستعد بسلاحه. # وانطلق الأربعة يطوون شوارع المدينة التي خيم عليها الصمت دون أن يشعر بهم أحد من ~~أهلها، حتى بلغوا الخلاء، وما زالوا يذرعونه حتى كانوا عند المزرعة المصون الناضرة، وهناك ~~نظر أوديسيوس - بعينين مشوقتين وقلب ملتاع خفق - إلى البيت الصغير الذي يؤوي أباه ~~الضعيف الشيخ، حيث يقضي أيامه في أسى ليس بعده أسى، ويجتر همومه في صمت الموتى، ويذرف ~~دموعه في قنوط وسكون ... لا يراه أحد، ولا يشكو بثه إلى مخلوق، إلا هذه المرأة العجوز ~~الحيزبون التي تخدمه في رضا، وتسهر عليه في حب له، وإشفاق من أجله. وكان ليرتيس - الأب ~~المحزون - يتلهى بالعمل في بستان قريب، يشذب شجيراته، ويهذب زهيراته، فأمر أوديسيوس ~~ولده وراعييه أن يبقوا في المنزل ليعدوا غداء فاخرا وشواء سمينا؛ لأنه يحب أن ~~يلقى أباه في البستان وحده. # وانطلق أوديسيوس إلى البستان، فوجد الفلاحين قد انصرفوا إلى أعمالهم، ووجد أباه يجوس خلال ~~الأشجار كالشبح، ويهوي بفأسه فيحتفر حولها بين الفينة والفينة يصلح من لباسه الخشن الذي ~~اتخذه من جلد عنز، كما اتخذ منه قفازيه وجوربيه ... ووقف أوديسيوس تحت كمثراة ms199 باسقة وطفق ~~ينظر إليه، ويقلب في السنين الطوال التي يرزح تحتها عينيه، ثم يتعجب للقلب الكبير ~~الذي صمد لحدثان الزمان ولإيواء الأيام فلم يتصدع ولم يهن، وإن كان بعض حزنه لتنوء منه ~~الجبال. # وانبجس الدمع من عيني أوديسيوس، وانهمر على خديه وأوشك أن يمضي نحو أبيه فيأخذه في ~~حضنه ويفاجئه بالبشرى القاتلة، لولا خيفته على تلك الشيخوخة المتداعية أن تنقض حين لا ~~تحتمل النبأ العظيم؛ نبأ عودة قطعة القلب والكبد، بعد يأس دام عشرين عاما! لهذا آثر ~~أوديسيوس ألا يفعل، وآثر أن يلقى أباه كرجل غريب جواب آفاق ويحدثه؛ ليعلم ما في قلبه، ~~فذهب إليه، ووقف عن كثب يكلمه. ~~«أيها الشيخ، ويكأنك لا علم لك بأمور هذا الزرع، وإن أثمر بستانك وآتى أكله حقا، إني ~~لا أرى عشبا في الأرض، ولا شجرة إلا وهي مثمرة، ولا زهرة إلا وهي مسفرة نامية، وما ذاك ~~إلا لسهرك عليها ... بيد أنه لن يسوءك أن لاحظت أنك تعنى بهذا البستان أكثر مما تعنى ~~بنفسك، مع ما أنت فيه من تقدم السن ولفحة الشمس ووطأة المرض، وما أحسب مولاك إلا قاسي ~~القلب عليك، قليل الاحتفاء بك والتوجع من أجلك، مع ما لك من سيماء النبل ومظاهر ~~الملوك، فما كان أحجى بك - وأنت في هذه السن - أن تستحم وتتضمخ وتنام ملء عينيك، لا ~~يزعجك عمل ولا تئودك أكلاف الحياة، ولكن قل لي بالله عليك أيها الشيخ، لمن تنصب كل هذا ~~النصب، وبستان من هذا؟ خبرني لا تخف علي أيها الأب؛ فلقد لقيت من سألته فلم ~~يأبه لي ولم يعن بمسألتي، ولقد ذرعت الرحب حتى وصلت هذه الأرض، إيثاكا؛ لأني كنت ~~أقدم فيما مضى من الزمان فأحل ضيفا على أمير عزيز فيها، وما أعرف إن كان حيا ~~يرزق، أو مضى لا قدر الله إلى هيدز، ولقد كان هذا الصديق يزورني في وطني، فأكرم ~~مثواه كما يكرم مثواي، ولقد كان يحدثني الأحاديث عن أبيه ليرتيس بن آزيرياس، وما أنسى ~~أيام كان يحمل إلي الهدايا فأردها إليه أضعافا مضاعفة، ms200 فمن ذلك أنني نفحته مرة بسبع ~~بدر من خالص الذهب، وبحمالة من فضة مزدانة بأفواف الزهر واثني عشر صدارا، واثني عشر ~~دثارا، ومثلهن من أكرم البسط، وشيء كثير من ثياب القاقم والسنجاب، ثم أهديت إليه أربع ~~جوار كنس أبكار، اختارهن بنفسه، مثقفات مهذبات، يتخايلن في الخز، ويرفلن في ~~الديباج.» # وازدحمت الدموع الحرار بكل الذكريات المشجية في عيني الرجل الشيخ، وقال يجيب أوديسيوس: ~~«أيها الأخ، لقد بلغت مناك، فهذه هي إيثاكا، بيد أنها، وا أسفاه، نهب مقسم بين فئة ~~باغية ظالمة لا تخضع لقانون ولا تعرف شريعة ... أما صديقك فوا أسفى عليه، ويا ألف أسى على ~~هداياك! من لك به اليوم ليردها عليك أضعافا مضاعفة يا صاح؟ ولكن قل لي بربك واصدقني: منذ ~~كم سنة لقيت صديقك التاعس الذي هو ابني؟ إيه! له الله ما أحسب إلا أن السمك قد اغتذى به، أو ~~أنه غدا يوما جزر السباع وكل نسر قشعم! أواه عليك يا أوديسيوس يا ولدي! هكذا قضيت ولم أذرف ~~على ثراك عبرة، ولم تكتحل عينا أمك قبل أن تموت برؤياك، ولا بنلوب! ولا بنلوب أيضا ~~كانت إلى جانبك لتغمض بيدها أجفانك، ولكن ... ولكن قل لي أيها الأخ من أنت؟ ومن أي البلاد ~~قدمت؟ وابن من من الكرام الأكابر؟ وفي أي الرفاق وصلت إلى إيثاكا؟ وفي أي السفائن؟ أم ~~وصلت بك إحدى الجواري المنشآت ثم غادرتك في إيثاكا؟» # وقال أوديسيوس وهو يلفق ما يقول: «أما من أنا، ف... أنا أبيريتوس بن أفيداس بن ~~بوليبمون من أمراء أليباس، من أعمال صقلية، ولقد هبت على سفينتي عاصفة هوجاء فدفعتنا ~~نحو بلادكم، وألقينا المراسي في مينائكم. ولقيت أوديسيوس لآخر مرة منذ خمس سنوات، وقد ~~افترقنا وكلنا أمل أن نلتقي لنتبادل تذكارات المحبة وهدايا الصداقة والوفاء ~~والود.» # أخيل الذي أصبح ملء السمع والأفواه، بطل هيلاس الذي وعدت الآلهة بفتح ~~طروادة على يديه. # وانعقدت سحابة مظلمة من مرارة الحزن، فحجبت الضوء عن عيني ليرتيس، ثم إنه أهوى إلى ~~الأرض، فقبض قبضات من التراب وراح يحثوها ms201 على رأسه، ويئن أنينا مؤلما. ولم يحتمل ~~أوديسيوس أن يرى أباه في هذه الحال، بل كاد صدره ينشق من حسرة عليه، فهرول وأخذه ملء ~~ذراعيه وجعل يضمه إلى صدره ويقبله ويقول: «أبتاه! أبتاه! هو أنا ذا! أنا أوديسيوس، ~~عدت إليك بعد عشرين عاما، فافرح وهدئ من روعك، ولتنته آلامك، وإليك أحسن البشريات؛ ~~لقد قتلت أعدائي العشاق جميعا، قتلتهم في بيتي، وانتقمت لك ولي ولبنلوب.» # بيد أن ليرتيس وقف ذاهلا عن نفسه، ثم نظر إلى ولده وقال: «إن كنت حقا ولدي أوديسيوس، ~~فهات برهانك الذي يقطع شكي.» # فقال أوديسيوس: «ألا تصدق! إذن فانظر إلى الندوب الخالدة التي أحدثها في ساقي ~~خنزير الفلاة إذ أنا حدث، يا أبي، ألا تذكر يوم كنا على جبل برناسوس، وكان جدي ~~أوتوليكوس معنا ثمة، وكان يتحفني بالهدايا واللهي؟ وهاك دليلا آخر يوم مشيت معك في هذه ~~الحديقة، ورجوتك أن تجعل بعض هذه الأشجار باسمي، فمشيت معك، ورحت أنت تسميها لي ~~بأسمائها، فجعلت لي ثلاث عشرة كمثراة، وعشر تفاحات، وثلاثين تينة، وخمسين صفا من ~~الكروم الناضرة التي كان يزرع القمح بين عرائشها والتي كانت تتدلى منها العناقيد من كل ~~لون.» # وانجاب الشك عن فؤاد ليرتيس، فأخذ ولده بين ذراعيه المرتجفتين، وراح يضمه ~~ويقبله، ويصعد في صدره الرحب القوي أنفاسه، حتى إذا وهنت قواه أرسله، وأخذ يحدثه ~~فيقول: «يا للآلهة! يا أرباب السموات الخالدة في شعاف الأولمب! هكذا قضيت آخر الأمر أن ~~ينصب جام غضبك وحمم نقمتك على هؤلاء الكفرة الفجرة، ولكن لشد ما أخشى أن يتألب ~~الجمهور علينا فيهرعوا إلى هنا، ويطلبوا ثأر ذويهم!» # فتبسم أوديسيوس وقال له يطمئنه: «لا عليك يا أبي! هلم الآن فلنذهب إلى بيتك الجميل، ~~فلقد أرسلت تليماك ثمة ومعه الراعي ويومايوس الوفي؛ ليعدوا لنا طعاما سريعا ~~خفيفا.» # فينوس وأدونيس. # وأعد الطعام، ومزجت الخمر، وذهبت الخادم العجوز فأعدت حماما لسيدها الشيخ، ثم ~~ضمخته وأضفت عليه ملابس نظيفة، وتنزلت مينرفا الكريمة فمشت بيديها الإلهيتين على جسم ~~ليرتس، فتدفق الشباب في عروقه، وعاد إليه رواؤه ms202 وحسن سمته، فلما خرج من الحمام تعجب ~~أوديسيوس وقال له: «تالله يا أبت إني لا أشك في أن بعض الآلهة قد رد إليك صباك، وخلع عليك ~~بردة الشباب من جديد.» # ولم يكن عجب ليرتيس بأقل من عجب ولده؛ «تعاليت يا جوف، وتقدست يا مينرفا، وسما ~~جدك يا أبوللو! لقد كسوتموني نضرة الشباب التي كانت لي يوم ملكت مدينة نريكوس بمعونة ~~السيفالينيين الشجعان، أواه لو قدر لي أن أقف إلى جنبك أمس يا بني؛ ليكون لي شرف ~~مجالدة الأوغاد الذين قتلت، إذن لحظيت بكوكبة منهم أضرج أديم الأرض بدمائها، فأشفي ~~منهم حردا في صدري، وغلا في حشاشتي.» # وأكلوا هنيئا وشربوا مريئا، ثم جلسوا على الأرائك متقابلين، وكانت الخادمة العجوز قد ~~انطلقت إلى المزارع، فدعت كبير الفلاحين دوليوس، فأقبل في رجاله الذين كدهم العمل ~~وأنهكتهم المثابرة، فلما رأوا ما ارتد إلى سيدهم من شبابه، وهذا الرجل الغريب الذي يجلس ~~بين العائلة المقدسة وقفوا مسبوهين مشدوهين لا يعرفون ماذا يقولون، وحدجهم أوديسيوس، ثم بدأ ~~يكلمهم في لطف وخبث ويقول: «اجلس أيها العجوز دوليوس، فكل أنت ورجالك؛ فليس ثمة ~~متسع لدهش أو عجب. اجلس قبل كل شيء، فاملأ بطنك وبطون رجالك، لقد انتظرناكم طويلا، ~~لكنكم استأنيتم!» ولكن سرعان ما عرف دوليوس مولاه حين سمع صوته فأقبل عليه، وتناول يديه، ~~وطفق يغمرهما بالقبل الباكية ويقول: «أوه يا مولاي! هكذا والله تستجيب السماء، لقد ~~طالما جأرنا، ولقد طالما دعونا، فلها الثناء إذ ردتك إلينا! واسلم وسر وابتهج، ولكن، ~~هل علمت الملكة بقدوم مولاي؟ ألا ننطلق من فورنا فنزف إليها البشرى؟» # وطمأنه أوديسيوس، فجلس الرجل مبتهجا مسرورا، وجلس أبناؤه معه وأخذوا في أكلهم وشرابهم، ~~وأخذ أوديسيوس يلاطفهم ويداعبهم. وهكذا عاد الحبور مرة أخرى إلى بيت ليرتيس. ~~••• # وقرع آذان الناس في المدينة ما كان من قدوم أوديسيوس، وما حاق بالأمراء المعاميد من ~~نكبة على يديه الجبارتين، فأهرعت جموعهم إلى قصره صاخبة ناعبة، ثم انطلقوا إلى حيث ~~كدست أجساد القتلى، فحرق كل قتيله، وأرسلت جثث الغرباء إلى ذويهم في ms203 أوطانهم في ~~سفن الصيادين من كل فج لتحرق ثمة، واجتمعوا بعد ليتشاوروا بينهم فيما ينبغي أن يكون، ~~فنهض يوبيتيس والأسى يزلزل حوانجه، وأنشأ يقول: «أيها الرفاق، لقد كان هذا الرجل الطاغية ~~حربا دائمة عليكم، فلم يصبكم منه إلا الشر، ولم تثمر لكم فعاله إلا الندامة؛ فلقد ساق ~~شبابكم وخيرة أبطالكم إلى طروادة المشئومة حيث قتلوا أجمعين، وها هو ذا ينقلب إليكم ~~اليوم، فيذبح ساداتكم وذوي الصولة فيكم ... فهلموا إذن، وروا رأيكم فيه قبل أن ينطلق إلى ~~بيلوس فيطلب العون عليكم، وتصبحوا على ما قصرتم نادمين، إنا إن لم نثأر لضحايانا فأي ~~عار يسمنا؟ وأي خزي يصمنا يا قوم؟ وأية حياة هذه التي تحيونها بعد ما حل بكم من ~~هوان ومذلة؟ لخير لكم أن تذبحوا أنفسكم فترحلوا إلى هيدز مع أرواح قتلاكم، ولن تكونوا ~~على ذلك من الآسفين.» ثم جلس وهو يتصدع من الحزن على صاحبه أتينوس الذي كان أول ضحايا ~~أوديسيوس، وقام ميدون المنشد التاعس فقال: «أيها المواطنون، أعيروني آذانكم، تالله إن ~~أوديسيوس لم يرم سهامه إذ رمى، ولكن بعض الآلهة كان يرسم له وينافح عنه، ولقد رأيته ~~بعيني هاتين في صورة منطور، ووالله ما هو منطور، ووالله لقد كان يمشي بين يديه ها هنا ~~وها هنا، فيراع العشاق وتفزع قلوبهم ويسقط بعضهم فوق بعض، فتأخذهم سهام أوديسيوس، ~~ويروي من دمائهم سيفه.» وما كاد يفرغ ميدون - وكان فيهم أمينا صادقا - حتى طارت ألوانهم ~~وامتقعت وجوههم، ونظر بعضهم إلى بعض وادارءوا طويلا، ثم وقف هاليتير بطلهم القديم ابن ~~مسطور، وكانت له دراية بكشف أستار الماضي والحاضر والمستقبل، فصعر خده وقال: «أيها ~~الإخوان، يا أبناء إيثاكا، اسمعوا وعوا، تالله لقد طالما مهدتم للفتنة، وإنها لثمرة ~~أنتم غارسو شجرتها، وأنتم اليوم جناتها! أتذكرون يوم رجوتكم فألحفت عليكم في الرجاء - ~~أنا وصاحبي ميدون هذا - أن نذهب فنمنع القصر من شبابكم، ونصون عرض أوديسيوس من أبنائكم، ~~ونصرفهم عن ولده وزوجه، ومتاع هذه الحياة الدنيا، فأبيتم أكبر الإباء، ورفضتم أقبح ~~الرفض، وجعلتموها فتنة كنت أستعيذ بالآلهة ms204 منها؟! فعلام تغلي مراجل صدوركم يا قوم؟ وفيم ~~ائتماركم بالرجل وقد ثأر لعرضه؟ ألا فاسمعوها كلمة مخلصة أسديها إليكم؛ الرأي ألا ~~تذهبوا، وألا تجعلوها فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، بل اقعدوا ها هنا آمنين، ولا ~~تكونوا كالذي سعى إلى حتفه بظلفه، وأبطأت عليه المنايا فسعى قدما إليها.» وما فرغ حتى زمجر ~~القوم وتصايحوا به، وضجوا من كل مكان، ثم إنهم سمعوا إلى شيطان يوبيتيس، ففزعوا إلى ~~أسلحتهم، وأسبغوا عليهم من دروعهم، وانطلقوا إلى المدينة، فنظموا فيها صفوفهم، وأقاموا ~~يوبيتيس قائدا منحوسا عليهم، وما جعلوه كذلك إلا ليلقى حتفه بيد ليرتيس والد أوديسيوس، ~~وتعجل روحه إلى النار. # ومضت مينرفا إلى سيد الأولمب، جوف العلي، فوقفت ببابه تقول: «أبتاه، أبن عن سريرتك، ~~واكشف عن مكتوم قلبك ومكنون نفسك؛ هل يحل على هذه الفئة الظالمة غضبك، أو أنك مانحها ~~محبتك، ومحصنها بحمايتك؟» فتبسم من قولها وأنشأ يجيب: «وفيم هذا التساؤل يا ابنتي؟ ألم ~~تقدري أنت أن يعود أوديسيوس إلى وطنه فيذبح بيديه أولئك العتاة الطغاة، ويريح وجه ~~الأرض من خباثاتهم؟ ليكن ما تشائين اصنعي ما بدا لك، ولكن نصحي أمحضك إياه يا مينرفا؛ ما ~~دام أوديسيوس قد ثأر لنفسه من أعدائه، فليكن السلام على الأرض، وليحل الأمان في ربوعها، ~~وليتقاسم الملأ على الود والصفاء، وليحكم أوديسيوس بين الناس بالعدل، وعلينا نحن أن ننزع ما ~~في صدورهم من غل فينسوا سخائمهم ويطرحوا ثاراتهم، ثم لتكن لهم من أنفسهم أمنة، ولتجر ~~البركات عليهم أجمعين، وليصبحوا بحولنا أصفياء متحابين.» # وزفت مينرفا من السموات العلى إلى إيثاكا. # وفرغ أصحاب أوديسيوس من أكلهم، فأمرهم أن يتحسسوا آثار القوم، فانطلق أحد أبناء ~~دوليوس إلى المدينة، فرأى من استعداد أهلها ما رأى، وجاء إلى مولاه على عجل، فقال له: ~~«مولاي، لقد تسلح الإيثاكيون وهم موشكون أن يقدموا إليك.» فنهض أوديسيوس فادرع، ~~وادرع أبوه وابنه وخادماه وأبناء دوليوس الستة، وادرع دوليوس كذلك، وادرع الفلاحون ~~الآخرون، وحمل كل سلاحه، وبرزوا إلى الطريق وفي مقدمتهم أوديسيوس. # وبدت مينرفا في صورة منطور ms205 وفي طيلسانه، فلما رآها ~~أوديسيوس فرح واستبشر، والتفت إلى تليماك فقال: «أي بني، عليك أنت أن تحمينا اليوم؛ فقد ~~عرفت ما خاض أبوك من معامع، وسنرى من يحارب خيرا من صاحبه اليوم.» فقال تليماك يجيبه: ~~«اطمئن يا أبي، فسترى كيف يحمي العسلوج فرعه، وكيف يشب الفرع على أصله. تالله لن أفضحك ~~فيما وكلت إلي، ولن يخيب رأي أهلي في.» وفرح الوالد بمقالة ابنه، وشكر الآلهة وأثنى ~~عليها. # خيول ديوميداس. # واقتربت مينرفا من ليرتيس، وهي لا تزال في صورة منطور، فقالت له: «أوه أيها الجد ~~الوقور! صل لمينرفا وابتهل، وتوسل إلى جوف، أن يمنحاك القوة والجلد، ثم اهجم ~~بحربتك على يوبيتيس فروها من دمه؛ فالسماء كلها معك.» ولمسته بيدها فتدفق شبابه في ~~قلبه، وكان جيش الأعداء قد اقترب منهم، فطار ليرتيس إليهم برمحه، وأقصد يوبيتيس بضربة في ~~صدره، فخرج سنان الرمح يلمع من ظهره، ورأى أوديسيوس ذلك فطار إلى الملأ بسلاحه ورماحه، ~~وانقض تليماك في أثره، وهجم الآخرون في أثر تليماك، ولم يطل القراع؛ فقد فزع الأعداء، ~~واختلط نظامهم، فولوا الأدبار، ولكن هيهات! لا نجاة اليوم؛ فلقد سد عليهم أوديسيوس ~~ورفاقه الطرق، وأخذوا عليهم المسالك، فهم في ضيق، وهم ذاهلون. # وهتفت ابنة جوف العذراء بأوديسيوس ورجاله تقول: «السلام عليكم أيها المحاربون، السلام ~~السلام! قبل أن تجري دماؤكم أنهارا.» # ثم بدت مينرفا في صورتها الإلهية المقدسة، فارتعدت فرائص القوم، وتخاذلوا فيما بينهم ~~حتى أصحاب أوديسيوس! لقد ارتجفت أعصابهم وعصف الذعر بسواعدهم، وكادت سيوفهم ورماحهم تنتثر ~~على الأرض. ولم يعبأ أوديسيوس، بل هجم كالنمر على القوم المنهزمين يود لو يصعقهم، وطفق ~~يبرق ويرعد، ويزأر بصوته المدوي العظيم؛ فغضب سيد الأولمب، وأرسل إحدى صواعقه نذرا من ~~لدنه إلى مينرفا، فعجلت إليه ذات العينين الزبرجديتين، وزجرته عن الناس وهي تقول: «لا يا ~~أوديسيوس، لا يا ابن ليرتيس النبيل، لا يجدر هذا بماضيك، ضع حدا لهذه المجزرة المروعة ~~أو تجلب عليك غضب جوف العلي.» # وخبت أوديسيوس وسرت مينرفا، وعقد منطور الصلح بين الفريقين، ودخل الناس في ms206 السلم ~~كافة! ms207