######OpenITI# #META# URI: 1386CabdRahmanRafici.Mudhakkirat.Hindawi51827368 #META# Tags: history :: biographies #META# ID: 51827368 #META# Title: مذكراتي ١٨٨٩–١٩٥١ #META# AuthorID: 35064136 #META# Author: عبد الرحمن الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هذه المذكرات‏ # النشأة الأولى‏ # الحياة العملية‏ # الحياة المثالية‏ # ذكرياتي عن ثورة 1919‏ # زوجتي‏ # بين السياسة والاقتصاد‏ # الحياة النيابية‏ # في المعارضة البرلمانية‏ # صدمة سنة 1926‏ # كيف أرخت الحركة القومية؟‏ # الأمير عمر طوسون‏ # سكرتيريتي للحزب الوطني‏ # الجبهة الوطنية‏ # استجوابي عن المعتقلين السياسيين‏ # استجوابي عن الأهداف القومية‏ # منع تملك الأجانب الأراضي الزراعية والعقارات‏ # عندما دخلت الوزارة‏ # إخراجي من مجلس الشيوخ‏ # مذهبي السياسي‏ # اعترافاتي1‏ # نصائحي للشباب‏ # هذه المذكرات‏ # النشأة الأولى‏ # الحياة العملية‏ # الحياة المثالية‏ # ذكرياتي عن ثورة 1919‏ # زوجتي‏ # بين السياسة والاقتصاد‏ # الحياة النيابية‏ # في المعارضة البرلمانية‏ # صدمة سنة 1926‏ # كيف أرخت الحركة القومية؟‏ # الأمير عمر طوسون‏ # سكرتيريتي للحزب الوطني‏ # الجبهة الوطنية‏ # استجوابي عن المعتقلين السياسيين‏ # استجوابي عن الأهداف القومية‏ # منع تملك الأجانب الأراضي الزراعية والعقارات‏ # عندما دخلت الوزارة‏ # إخراجي من مجلس الشيوخ‏ # مذهبي السياسي‏ # اعترافاتي1‏ # نصائحي للشباب‏ # | مذكراتي 1889-1951 # | مذكراتي 1889-1951 # تأليف # عبد الرحمن الرافعي # | هذه المذكرات # كنت معتزما أن أخصص فصلا من كتاب «في أعقاب الثورة المصرية» ~~لتدوين خواطري ومذكراتي، أتحدث فيها بشيء من التفصيل عن نفسي، ومراحل ~~حياتي؛ ثم وجدت أن هذا الفصل قد يطول، وليس من حقي وأنا أؤرخ الحركة ~~القومية في مختلف عهودها الحديثة أن أقحم فيها حديثا طويلا عن ~~نفسي. هذا حق لا ريب فيه، ولكن أليس لي - بعد أن ترجمت لمئات من ~~الشخصيات في تلك الحقبة من الزمن التي أرختها والتي تزيد على مائة ~~وخمسين عاما من تاريخ مصر الحديث - أن أترجم لنفسي؟ لقد عمل ~~المتقدمون مثل ذلك؛ ففي «الخطط التوفيقية» فصل كتبه المرحوم علي باشا ~~مبارك عن تاريخ نفسه، ولم يوجه إليه لوم أو عتاب في هذا الصدد. حقا ~~إن من أشق الأمور على الإنسان أن يترجم لنفسه؛ فقد يحمل هذا على محل ~~المباهاة والأنانية. ولكني ما قصدت إلى شيء من ذلك قط، وإنما أقصد إلى ~~أن مثل هذه المذكرات فيها من الحقائق والخواطر ما لا تتسع له كتب ~~التاريخ. وهي مع ذلك قد تفيد لمن يريد أن يتفهم العصر الذي عشت فيه ~~وشاهدت حوادثه وحقائقه. ثم إني أرى أن ms001 نشرها قد يكون مساهمة مني في ~~تكوين المواطن الصالح. ربما أكون مصيبا في هذا الظن أو مخطئا ولكن ~~هذا هو الغرض الذي أنشده. # لهذا القصد، وبهذه الروح، أنشر هذه المذكرات، وقد دونت فصولها، ~~بعضها في حينها وبعضها بعد وقوع حوادثها، وهي في مجموعها تشتمل على ~~مشاهداتي وخواطري حتى نهاية العام الماضي (1951). # أما المستقبل فلا يعلمه إلا علام الغيوب، وخواطري ومشاهداتي عنه ~~مرهونة بمشيئة الله. # عبد الرحمن الرافعي # أول فبراير سنة 1952 # | النشأة الأولى # ولدت يوم 8 فبراير سنة 1889 بالقاهرة بمنزل جدي لأمي المرحوم الشيخ ~~محمود رضوان، بعطفة أبو داود رقم 2 بشارع درب الحصر (قسم ~~الخليفة). ~~(1) والدتي # هي السيدة حميدة، كريمة الشيخ محمود رضوان، من صميم أهل القاهرة، ~~كان كاتبا بدائرة الحلمية، # 1 # وقد خدم رحمه الله هذه الدائرة وكان موضع ثقة القائمين ~~عليها لصدقه وأمانته. وعندما أنشأت الأميرة مهوش قادن وقفها ~~أدخلته ضمن مستحقيه، هو وذريته من بعده. ولما توفي خلفه في ~~وظيفته نجله حسن أفندي المعايرجي (خالي) الذي صار رئيسا لكتبة ~~هذه الدائرة، وكان أيضا رجلا مشهورا بالتقوى والصدق والأمانة، ~~وسمي المعايرجي؛ لأن جده الشيخ رضوان أحمد كان يشغل وظيفة ~~معايرجي دار الضرب بالقلعة. # فوالدتي مصرية صميمة، وقد توفيت في 21 يوليو سنة 1893 غير ~~متجاوزة الخامسة والثلاثين من العمر، إثر التهاب رحمي بريتوني ~~أصابها عقب الولادة، وكنت لا أزال طفلا؛ إذ كانت سني لا تزيد على ~~أربع سنوات وبضعة أشهر. # إخوتي ~~الأشقاء. # وبالرغم من صغر سني إذ ذاك فإني أذكر صورتها جيدا، وأذكر حنانها ~~علي وعلى إخوتي الأشقاء أمين وأحمد وإبراهيم. وكانت سيدة كاملة ~~الصفات والأخلاق، عرفت بين أفراد العائلة بطيبة القلب، وصفاء ~~النفس، والخصال الحميدة. وقد عشت بعدها يتيما من الأم، ولم أجد ~~بعدها من يحبوني بحنو الأمومة. ولا أدري ماذا كان تأثير حرماني ~~من هذا الحنو في نشأتي ونفسيتي وحياتي. على أن الذي أستطيع أن ~~أدركه من هذا الأثر أني ظللت على حبي لها وتمجيدي لذكراها طوال ~~السنين، وتملكني مع الزمن شعور بأني مدين ms002 لها بما حباني الله من ~~مواهب (بحسب ظني). وزاد هذا الشعور رسوخا في نفسي ما لاحظت من ~~اجتماع هذه المزايا في إخوتي لأمي؛ فمنهم شقيقي أحمد، ثم شقيقي ~~أمين الذي كان يكبرني بسنتين، ثم شقيقي الأصغر إبراهيم. # كان أخي أحمد قد انتظم في الأزهر، وعرف بالذكاء والميل إلى ~~الشعر والأدب، ومات في شرخ الشباب سنة 1903. # أما أخي أمين فلست في حاجة إلى التنويه بمنزلته في الجهاد ~~ومكانته في الصحافة، وقد توفاه الله في 29 ديسمبر سنة 1927 في سن ~~مبكرة؛ إذ لم يتجاوز الحادية والأربعين من العمر. # وكان إبراهيم من نوابغ مدرسة المهندسخانة وأول خريجيها عام 1913. ~~وقد حدثني زملاؤه في التلمذة والتخرج أنه كان مشهودا له بينهم ~~بالنبوغ والتفوق، وقد عين معيدا في المدرسة عام تخرجه منها. ~~وعندي منه خطابات تدل على ميله إلى الأدب منذ صباه؛ ومنها كتاب ~~أرسله إلي في 9 أبريل سنة 1910 وهو بعد طالب بالمهندسخانة ~~لمناسبة اشتغالي بالمحاماة قال فيه: # أخي العزيز، سلام يتبعه تسليم، مزاجه من تسنيم. مضت مدة ~~ليست بالقصيرة كنت أستطلع فيها أخبارك من السيد أمين، فكنت ~~أبتهج كلما علمت أنك سائر في طريق النجاح غير هياب ولا ~~وجل، مع العلم بأن كثيرا ممن سلكوا سبيلكم هذا ما ~~عتموا أن طرقوا بابه حتى ولوا على أعقابهم مدبرين، ~~فأساءوا إلى أنفسهم وأساءوا إلى غيرهم؛ لأن كل من وصله ~~خبرهم اتخذهم حجة دامغة وتقاعد بل تقاعس هو عن العمل، ~~فيصبح الكل وهم عضو أبتر، عضو أشل في كيان هذه ~~الأمة. ولكنك أيها الأخ قد ألقيت علي وعلى كثير من ~~إخواني درسا من دروس المكافحة في هذه الحياة. فلتسر في ~~حياتك الجديدة، ولتواصل المسير في تلك المعمعة، ولتستمر ~~في تتميم ذلك البناء الذي وضعت أول حجر في أساسه من مدة ~~وجيزة، ولتكن على يقين من أنك ستحيي ميت رجاء كثير ~~من الطلبة الذين استولى عليهم القنوط وظنوا أن أبواب الفوز ~~والنجاح موصدة في وجوههم مغلقة دونهم، ولكنك بإذن الله ~~سبحانه وتعالى ستكون حجة على هؤلاء ms003 المتقاعدين فيحذون ~~حذوك، فيكون لك بذلك كمال الشرف وشرف الكمال. فعليك مني ~~السلام يوم دخلت في ذلك الدور الجديد من الحياة، وسلام ~~عليك يوم تخرج منه وقد كللت أعمالك بالفوز والمنفعة ~~لبلادنا المفتقرة إلى كثير ممن لا يبالون بما يصادفهم من ~~العثرات، بل يمرون عليها وهم شم الأنوف كأن لم تكن تلك ~~الحوائل شيئا مذكورا. والسلام. # من المخلص # أخيك إبراهيم # ويبدو لي أن مستقبلا زاهرا كان ينتظر أخي إبراهيم لولا أن ~~عاجلته منيته وهو في ريعان الشباب؛ فقد عين رحمه الله مهندسا ~~للري بمديرية الفيوم ومحل إقامته في «طامية»، وأصيب هناك بحمى ~~التيفوئيد التي قضت على شبابه في يوليو 1915. ~~(2) والدي # هو الشيخ عبد اللطيف الرافعي. ويرجع أصله البعيد إلى الحجاز؛ إذ ~~هو من سلالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ولذلك سمي الفاروقي. ~~وهو من علماء الأزهر. تولى مناصب القضاء الشرعي منذ سنة 1877. وكان ~~حين ولادتي قاضيا لمحكمة البحيرة الشرعية. ونقل قاضيا للشرقية ~~في يونيو سنة 1889، ثم قاضيا للغربية في سبتمبر سنة 1891، فقاضيا ~~للشرقية سنة 1895، فعضوا بمحكمة مصر الشرعية سنة 1897، فمفتيا ~~لثغر الإسكندرية سنة 1898، وبقي يتولى هذا المنصب إلى أن أحيل إلى ~~المعاش في ديسمبر سنة 1909، واستقر بالإسكندرية منذ تعيينه مفتيا ~~لها ومكث بها بعد إحالته على المعاش، ولما مرض مرضه الأخير انتقل ~~إلى القاهرة حيث توفي بها في 24 يناير سنة 1918. # كان رحمه الله عالما تقيا، تلقيت عنه نشأتي الدينية؛ فكان ~~يعودني وإخوتي على الصلوات الخمس نؤديها في أوقاتها، ويرتل ~~القرآن بحضورنا، ويأمرنا بالصلاة في المسجد أحيانا. وأذكر أنه كان ~~يوقظني قبل الفجر لأؤدي معه الصلاة في مسجد سيدي ياقوت العرش ~~بالإسكندرية وكان قريبا من منزلنا بالأنفوشي، وأعود معه إلى ~~المنزل بعد أداء الصلاة. وتعودت الصوم على يده في سن مبكرة، وكنت ~~أراه أمرا عاديا ومألوفا. وكان رحمه الله يعظنا ويأمرنا ~~بالمعروف وينهانا عن المنكر ويحبب إلينا التمسك بشعائر الدين ~~وتعاليمه. وكنت من ناحيتي مرهف الحس من الوجهة الدينية الروحية، ~~أفهم من هذه الشعائر والتعاليم أنها اتجاه من النفس ms004 إلى الله، ~~واستشعار بالخشوع له والعمل على اكتساب رضاه، واطمئنان إلى عدله ~~وقدرته، وركون في أوقات الشدة إلى لطفه ورحمته. وهذه الأحاسيس كان ~~لها دخل كبير في تكويني الروحي، وفي حياتي الوطنية؛ لأنني كنت ولا ~~أزال أرى في الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه القوة الروحية التي ~~تعود النفس الصمود للشدائد والعقبات. ~~(3) في التعليم الأولي والابتدائي # كان أول مكتب تلقيت فيه القراءة والكتابة كتاب الشيخ هلال # 2 # بشارع درب الحصر، ومكثت به عدة أشهر، ثم انتقلت منه ~~إلى المدارس النظامية. # وصرت أتنقل مع والدي في البلاد التي ولي فيها مناصب القضاء؛ ~~فدخلت مدرسة الزقازيق الابتدائية الأميرية سنة 1895، ثم مدرسة ~~القربية الابتدائية بالقاهرة، ولما انتقل والدي إلى الإسكندرية سنة ~~1898 انتقلت إلى مدرسة «رأس التين» الابتدائية. # قضيت بالإسكندرية معظم سني الدراسة، وتلقيت فيها تعليمي ~~الابتدائي والثانوي بمدرسة «رأس التين»، وكانت من أهم مدارس ~~القطر، وكان ناظرها طيلة هذه المدة المرحوم إسماعيل بك حسنين ~~«باشا». # ونلت فيها الشهادة الابتدائية في يوليو سنة 1901، # 3 # وكنت لصغر سني لا أفقه كثيرا معنى الشهادات. وأذكر أن ~~أحد أقراني بالمدرسة حين علم بالنبأ - وكنت أجهله - سارع إلى ~~الحضور لمنزل والدي بالأنفوشي # 4 # ليبشرني بالنجاح، فألفاني في حديقة المنزل الصغيرة ~~يجرني أخي أمين في قفص من الجريد جعلنا منه شبه عربة صغيرة ~~نتناوب ركوبها وجرها بحبل، فناداني في لهفة، فتركت القفص أسأله عن ~~الخبر، فهنأني بالنجاح وأطلعني على نسخة اللواء التي فيها اسمي ضمن ~~الناجحين في الشهادة الابتدائية، فضحكت مغتبطا ثم عدت إلى قفص ~~الجريد لنتم أنا وأخي أمين عملية الجر واللعب، وكان هو أيضا من ~~الناجحين في هذا العام. ~~(4) في التعليم الثانوي # لم أكن - إلى أن نلت الشهادة الابتدائية - أعي من أمور الدنيا ~~شيئا ذا بال، وكان جل اهتمامي أن أواظب على دروسي وأستذكرها ~~وأحفظ ما يطلب من التلميذ حفظه. # دخلت القسم الثانوي (قسم فرنسي) بمدرسة رأس التين، ومكثت به ثلاث ~~سنوات وهي مدة الدراسة الثانوية في ذلك العهد. وكنت في معظم سني ~~الدراسة الثانوية لا أعي ms005 أيضا شيئا من الشئون العامة ولا أعرف ~~غير منزل والدي ومدرستي. # وكنت أتردد قليلا على مكتبة بلدية الإسكندرية؛ إذ كان أساتذتنا ~~يذكرونها لنا كمكان يصح أن نقضي فيه أوقات الفراغ والتسلية ~~... # إلى أن كانت سنة 1904، فبدأت أذهب إلى قهوة بلدية أنيقة بشارع ~~رأس التين تجاه سراي محسن باشا، وكنا نذهب إليها يوم الجمعة من كل ~~أسبوع، وكان صاحبها «الحاج أحمد» يقدم لنا شراب الليمون ~~(الليموناده) ويتقنه كل الإتقان حتى صار علما على قهوته، ~~ويطلعنا على بعض الصحف اليومية التي كانت تصدر في هذا العهد، ~~ومنها «اللواء» لصاحبه ومؤسسه الزعيم «مصطفى كامل»، ولكن لم ~~أتبين بعد منهجه ولا منهج الصحف الأخرى. ولم تكن في ذهني أية ~~صورة عن «مصطفى كامل»؛ إذ لم أكن رأيته بعد أو سمعته، وكنت وقتئذ ~~في الخامسة عشرة من عمري، على أنني أدركت من قراءة الصحف وقتئذ ~~شيئا من الوعي الذي أخذ يتفتح ويتسع مداه في مدرسة الحقوق. وكنت ~~أسمع أثناء دراستي الثانوية من أستاذ لنا في الرياضة وهو المرحوم ~~عثمان بك لبيب، أحاديث يلقيها علينا بين حين وآخر عن حالة البلاد ~~السياسية، وكان رحمه الله من خريجي مدرسة المعلمين العليا القديمة ~~(النورمال) وصار فيما بعد مدرسا بمدرسة المعلمين العليا الحديثة، ~~وكان وطنيا صميما، لا يفتأ يطعن في سياسة الإنجليز ويذكر لنا ~~كيف احتلوا مصر غدرا وحيلة، وكيف يعملون على إرساخ أقدامهم في ~~البلاد ويحاربون الروح الوطنية، وكان يقول لنا خلال أحاديثه: ~~«افهموا يا اولاد كويس»، فكنت أستشعر معاني هذه الأحاديث وآنس لها ~~وأعجب بها، وأحببت من أجلها هذا الأستاذ. وكنت ألاحظ أنه حين يبدأ ~~بالحديث في السياسة يقفل بنفسه باب الفصل لكيلا يسمع حديثه ناظر ~~المدرسة عند مروره بين الفصول، فكان إقفال الباب إشارة إلى بدء ~~دروسه الوطنية، وقد أفدت منها كثيرا. # وأذكر من أساتذتي في القسم الثانوي بمدرسة رأس التين الشيخ أحمد ~~إبراهيم «بك» العالم الفقيه المشهور، والشيخ عرفة علي غراب، ~~والشيخ محمد عابدين، والشيخ عبد الحكيم محمد، ومن أساتذتي الأجانب ~~المسيو هاي والمسيو توندور ms006 وكلاهما فرنسي. ~~(5) البكالوريا # وقد نلت الشهادة الثانوية (البكالوريا) من مدرسة رأس التين في ~~مايو سنة 1904، وكان ترتيبي الثالث # 5 # في الناجحين البالغ عددهم 136. ~~(6) أراد والدي أن يدخلني الأزهر # وأراد والدي أن يدخلني الأزهر، ولكني اعتذرت بصغر سني وبأني ~~تعودت على المدارس النظامية ولم آلف نظام الدراسة في الأزهر؛ وإذ ~~كنت أخجل من مراجعة والدي فقد وسطت لديه بعض الأقارب لإقناعه ~~بالعدول عن فكرته، فأفهموه أن لا محل لتغيير منهجي في الدراسة، وما ~~دام قد اختار هو لي المدارس النظامية فمن الخير أن أستمر فيها، ~~وذكروا له ميلي إلى الدخول في مدرسة الحقوق ورغبوا إليه أن ~~يلحقني بها. فقال لهم إنه يريد أن يجعلني عالما من علماء الأزهر ~~كأبيه وعمومته، فأجابوه أن الزمن قد تطور وما دام هو لا يميل إلى ~~الأزهر فلتختر له المدرسة التي يميل إليها. فقال: أتريدون أن يخرج ~~منها قاضيا أهليا يحكم بغير الشرع؟! فأجابوه: هذه مسألة لا يحين ~~وقت البحث فيها إلا بعد تخرجه من مدرسة الحقوق. وهل من المحتم أن ~~يكون قاضيا؟! فلم يقتنع بهذا الجواب، وأراد أن يخلص من هذا ~~الإحراج، فأعرب عن رغبته في أن يلحقني بإحدى الوظائف بالبكالوريا ~~- وكانت لها قيمة كبيرة في ذلك العصر - فقالوا له: إنه لا يميل ~~الآن إلى التوظف، وهو صغير السن ولا يصح أن يرهق بالوظيفة. فقال ~~لهم: إني أختار له وظيفة «معاون إدارة» وهي وظيفة سهلة لا تحتاج ~~إلى عناء. فعرضوا علي الأمر، فاعتذرت، وقلت لهم ولوالدي: إني ~~صغير السن ولا أحتمل أعباء الوظيفة، وإن الدراسة لا تتعبني، ~~فدعوني أدخل المدرسة التي تميل إليها نفسي. وإزاء هذا الإلحاح ~~قبل والدي ما طلبت، وأدخلني مدرسة الحقوق. ~~(7) في مدرسة الحقوق # دخلت كلية الحقوق - وكان اسمها «مدرسة الحقوق الخديوية» - في ~~أكتوبر سنة 1904، ومقرها وقتئذ بميدان عابدين في المكان الذي به ~~الآن ثكنات الحرس الملكي، وكان ناظرها المسيو جرانمولان، ووكيلها ~~عمر بك لطفي. واقتضى دخولي المدرسة انتقالي وإقامتي بالقاهرة في ~~شهور الدراسة. ~~(8) متى تتلمذت لمصطفى كامل؟ (سنة 1904) # بدأ وعيي السياسي ms007 يتقدم في مدرسة الحقوق، وأخذت في قراءة الصحف ~~قراءة فهم وإدراك. وكان الطلبة يجتمعون في أوقات الفراغ ويتحدثون ~~عن السياسة وما وصلت إليه حالة البلاد تحت الاحتلال البريطاني. ~~واخترنا لقضاء أوقات الفراغ والسمر قهوة راقية بشارع عابدين على ~~ملتقاه بشارع الصنافيري (علي باشا ذو الفقار الآن) تدعى «قهوة ~~الحقوق» لصاحبها الخواجة أندريا، وقد أعجبنا اسم القهوة، واخترناها ~~لذلك منتدى لنا نقرأ فيه الصحف على اختلاف ميولها ومذاهبها، ~~وأهمها «اللواء» و«المؤيد» و«الأهرام». # انتقلت إذن من قهوة «الحاج أحمد» بالإسكندرية، إلى قهوة «الخواجة ~~أندريا» بالقاهرة، وكان لهاتين القهوتين أثر كبير في اتجاهي الوطني ~~والسياسي. وبدأت أقرأ اللواء قراءة فهم وإدراك، فتعجبني روحه ~~ومقالاته، وقد تتلمذت لمصطفى كامل (صاحب اللواء) منذ أواخر تلك ~~السنة قبل أن أراه، وصار لي «اللواء» بمثابة المدرسة التي تلقيت ~~عنها مبادئ الوطنية، كما أنه كان مدرسة الوطنية للجيل كله. # أما أول مرة قابلت فيها «مصطفى كامل» ففي فبراير سنة 1906، أثناء ~~إضراب طلبة الحقوق، فقد تاقت نفسي إلى رؤيته، وكان «اللواء» يناصر ~~الطلبة في مطالبهم الحقة، فذهبت مع لفيف من زملائي إلى دار اللواء ~~بشارع الدواوين - نوبار باشا الآن - تجاه وزارة العدل - وكان اسمها ~~وزارة الحقانية. وقابلت الزعيم لأول مرة، وسمعت حديثه، وشعرت ~~بتأثيره الروحي ينفذ إلى أعماق قلبي، وصار لي بمثابة أبي الروحي في ~~المبادئ، وأكثرت من التردد على دار اللواء لكي أقابله وأراه وأسمع ~~صوته، فكان يفيض علينا من الأحاديث التي غرست في نفسي مبادئ ~~الوطنية، ولعله رحمه الله قد توسم في أن أكون من تلاميذه ~~الحافظين لعهده، فعرض علي سنة 1907 أن يوفدني في بعثة صحفية إلى ~~باريس للتخصص في الصحافة بعد حصولي على إجازة الحقوق، فقبلت هذه ~~الثقة شاكرا، ولكن المنية عاجلته في فبراير سنة 1908 قبل ~~تخرجي من المدرسة. ~~(9) نادي المدارس العليا # كانت مدرسة الحقوق أول بيئة للشباب ظهرت فيها روح اليقظة الوطنية ~~ولبت دعوة الزعيم مصطفى كامل؛ إذ كانت الغالبية العظمى من طلبة ~~الحقوق قد استجابت إلى ندائه. # وإذ كان الشعور الوطني الصادق ms008 يستتبع النشاط الاجتماعي والعلمي؛ ~~فقد ظهرت بيننا روح التكتل وتنظيم الكفاح، وكان تأسيس نادي المدارس ~~العليا أول مظهر لهذه الروح، ولقد عبرت عن هذا التطور بقولي في ~~كتاب «مصطفى كامل»: تفتحت في قلوب الشباب زهرة الوطنية التي ~~أنبتتها دعوة مصطفى كامل وأخذت تجيش بالشعور الوطني وتتحرك نحو ~~أغراضه وأهدافه، وبدأت علائم اليقظة والحياة تظهر فيهم بشكل عملي ~~سنة 1905، وكان أول مظهر لهذه الحياة الجديدة أن فكر طائفة منهم ~~في إنشاء ناد للمدارس العليا يجمع بين طلبة هذه المدارس ~~وخريجيها. # فكر طلبة الحقوق في إنشاء هذا النادي سنة 1905 وشاركهم في ~~الفكرة طلبة المدارس العليا الأخرى، واجتمعت أول جمعية عمومية له - ~~الجمعية التأسيسية - يوم الجمعة 8 ديسمبر سنة 1905 بإحدى قاعات ~~مدرسة الطب لانتخاب مجلس الإدارة. وبلغ عدد الحاضرين من الطلبة ~~مائتي طالب من مختلف المدارس العليا، وحضره كذلك لفيف من ~~المتخرجين، وكان اشتراكهم في ناد للطلبة دليلا واضحا على ~~تقديرهم للشباب المثقف وما نالوه من ثقة أسلافهم من الخريجين؛ ~~فإنهم لم يجدوا غضاضة في أن يجتمعوا وإياهم في ناد واحد. وفي الحق ~~إنهم كانوا رجالا في شبابهم وأخلاقهم وأساليبهم، فنالوا بذلك ~~تقدير مواطنيهم ممن كانوا يكبرونهم سنا، بل كان بعضهم أساتذة ~~لهم. # اشتركت في الجمعية العمومية التأسيسية لنادي المدارس العليا؛ إذ ~~كنت طالبا في مدرسة الحقوق ومن المشتركين في تأسيسه، وأسفرت عملية ~~الانتخاب عن اختيار المرحوم عمر بك لطفي - وكان وكيلا لمدرسة ~~الحقوق - رئيسا للنادي، وكان من خاصة أصدقاء مصطفى كامل وأنصاره ~~هو وشقيقه المرحوم أحمد بك لطفي. # كملت معدات تأسيس النادي، واتخذ دارا له بالمنزل رقم 4 بشارع ~~قصر النيل بالقرب من سافواي أوتيل القديمة، وافتتح يوم الخميس 5 ~~أبريل سنة 1906. وقد حضرت حفلة الافتتاح مع إخواني المشتركين فيه ~~من طلبة الحقوق. وكان هذا الاحتفال يوما مشهودا، وأخذنا نجتمع ~~بالنادي؛ وبذلك انتقلنا من «قهوة الخواجة أندريا» إلى نادي المدارس ~~العليا. وبدا لنا الفرق كبيرا بين القهوة والنادي؛ فلقد كان بناء ~~فخما تحيط به حديقة غناء، وبه غرف واسعة مؤثثة ms009 تأثيثا فاخرا، ~~الأمر الذي لم نعهده من قبل، لا في قهوة الخواجة أندريا، ولا في ~~قهوة الحاج أحمد بالإسكندرية. # وكان اجتماعنا بالخريجين مما زاد في نضجنا العلمي والثقافي، ~~وتعددت المحاضرات والاجتماعات في النادي، فكان لنا شبه معهد علمي ~~عال أكملنا فيه دراستنا وزدنا من ثقافتنا، وقد أفدت منه كثيرا، ~~وكانت به مكتبة غنية بالكتب والصحف والمجلات ساعدتني على توسيع ~~مداركي وترقية أفكاري، ولم تفتني محاضرة ألقيت فيه، وظللت عضوا ~~به إلى أن أقفل بأمر السلطة العسكرية البريطانية سنة 1914 في ~~أوائل الحرب العالمية الأولى، وكان مقره حين أقفل بميدان حليم ~~باشا بعمارة الخاصة الخديوية على ملتقى شارع بولاق «فؤاد» بشارع ~~كامل «إبراهيم باشا». ~~(10) إضراب سنة 1906 # كان لهذا الإضراب تأثير كبير في نفسي، يعدل تأثير نادي المدارس ~~العليا؛ إذ كان بداية اتصالي الروحي الوثيق بالزعيم مصطفى ~~كامل. # في يناير سنة 1906 وضعت وزارة المعارف نظاما لمدرسة الحقوق كان ~~الغرض منه استفزاز شعور الطلبة والتضييق عليهم ومعاملتهم بنظام ~~المدارس الابتدائية، وقد يكون لتظاهرهم بالشعور الوطني دخل في وضع ~~هذا النظام إذلالا لهم وكبحا لجماحهم، فما إن علمنا به حتى قررنا ~~الإضراب احتجاجا عليه. وأضربنا فعلا عن الدراسة في فبراير، وكانت ~~طلباتنا العدول عن النظام الذي وضعته الوزارة والرجوع إلى النظام ~~القديم. # لم يكن إضرابنا خروجا على النظام، ولا رغبة في التعطل عن ~~الدراسة، أو التسكع في الشوارع، أو سعيا لمطالب مادية شخصية، بل ~~كان مظهرا من مظاهر المقاومة الوطنية لسياسة الاحتلال في ~~التعليم. # كان هذا الإضراب هو الأول من نوعه في مصر؛ لأنه شمل مدرسة عالية ~~بأسرها، وكان موجها ضد سياسة التعليم التي وضعها الاحتلال، وقد ~~تدخل اللورد كرومر (المعتمد البريطاني) في شأنه وأمر وزارة ~~المعارف بأن تأخذ الطلبة بالشدة، فأعلنت تعطيل الدروس في المدرسة ~~من يوم 26 فبراير سنة 1906 حتى يوم السبت 3 مارس، وأنذرتنا بأن من ~~يتأخر عن الحضور في ذلك اليوم يفصل من سلك التلاميذ. وكان للإضراب ~~لجنة تقوم على تنظيمه، فاجتمعت على عجل للنظر في هذا ms010 الإنذار. ~~وتدخل المستشار القضائي البريطاني السير مالكولم ماكلريث في ~~الأمر، وكان يعطف على الطلبة (بعكس المستر دنلوب) فوعدهم بالنظر في ~~طلباتهم على شرط أن يعودوا إلى الدراسة، فاتفق الطلبة رأيا على ~~الرجوع إلى المدرسة يوم السبت 3 مارس سنة 1906، وكان لهذه العودة ~~أثرها في نفوسنا، وكان فيها معنى الرضوخ والإذعان، فزادتنا سخطا ~~على الاحتلال وسياسته. وأراد اللورد كرومر تثبيت مركز المستر دنلوب ~~- وكان إلى ذلك الحين سكرتيرا عاما لوزارة المعارف، وعليه تقع ~~مسئولية الإخلال بنظام التعليم الذي أدى إلى الإضراب - فرقي ~~مستشارا للوزارة في مارس سنة 1906 مكافأة له على أخذه الطلبة ~~بالشدة. # وكتبت مقالة عن هذا الإضراب، ذهبت بها إلى مصطفى كامل يوم رجوعنا ~~إلى الدراسة، وكانت لهجتها شديدة ضد الاحتلال، فقرأها الزعيم وأثنى ~~علي، ولكن فهمت من حديثه أنه لا يرى نشرها، حرصا على مستقبلي، ~~وكانت هذه المقالة (التي لم تنشر) بدء مراسلتي للصحف. ~~(11) حادثة دنشواي سنة 1906 # وقعت حادثة دنشواي في 13 يونيو سنة 1906، فزادتني سخطا على ~~الاحتلال وتعلقا بالحركة الوطنية. # كنت عام وقوعها طالبا بالسنة الثانية بمدرسة الحقوق، وكنت أطالع ~~أنباءها في «اللواء»، فأدهش لمخالفة منهج التحقيق والمحاكمة فيها ~~لما كنا نتلقاه من أصول المحاكمات الجنائية التي تقضي بها ~~القوانين، وتساءلت: ما فائدة ما نتلقاه من الدروس والقواعد ~~القانونية إذا كانت لا تنطبق على الناس كافة. ولما تلوت وصف تنفيذ ~~الحكم في «اللواء» بقلم الأستاذ أحمد حلمي أحد محرريه، اقشعر بدني ~~من هول ما قرأت، وأدركت مبلغ هوان المصري في نظر الاحتلال، وتحققت ~~ألا كرامة لأمة ولا لأي فرد من أبنائها بغير الاستقلال، وحفزتني ~~هذه الحادثة إلى أن أخصص حياتي للجهاد في سبيل الاستقلال. ~~(12) وفاة مصطفى كامل سنة 1908 # كنت في السنة النهائية لمدرسة الحقوق لما فجعنا بوفاة مصطفى ~~كامل يوم الاثنين 10 فبراير سنة 1908، ويا لها من لحظة رهيبة حين ~~فوجئنا بنعيه ونحن في المدرسة، فقابلناه بالذهول والوجوم، وفاضت ~~دموعنا حزنا وأسى على الزعيم الذي كان لنا إماما وطنيا وأبا ~~روحيا. وفي غمرة الذهول الذي ms011 أصابنا من هول الكارثة تباحثنا فيما ~~يجب علينا عمله إظهارا لشعورنا، فقررنا بالإجماع اعتبار يوم تشييع ~~جنازة الزعيم يوم حداد عام تعطل فيه المدارس جميعها ويشترك طلبتها ~~في تشييع الجنازة، واتصلنا بالمدارس العليا والثانوية، فرأينا من ~~طلبتها نفس هذا الشعور ونفس هذا الإجماع، واتخذوا نفس القرار الذي ~~اتخذناه، واشتركنا في الجنازة، وكنت ممن حملوا النعش ضمن طلبة ~~الحقوق الذين ندبوا لذلك من قبل جميع طلبة المدارس العليا. وكان ~~لهذا اليوم في نفسي أثر لم تمحه الأيام والأعوام؛ فلقد طبع في ~~قلبي مبادئ الزعيم فصارت عقيدتي الوطنية. وإلى هذه الصلة الروحية ~~أشرت في كتابي عن «مصطفى كامل» سنة 1939؛ إذ قلت في إهدائي الكتاب ~~إليه: «إلى من كانت حياته للأمة بعثا وطنيا، من كان لي أبا ~~روحيا، وسأبقى له تلميذا وفيا، من علمني أن الحياة بغير ~~المثل العليا عرض زائل وعبث ضائع، إلى مصطفى كامل أهدي كتاب ~~«مصطفى كامل» هدية الوفاء إلى روحه العظيمة.» ~~(13) صلتي بمحمد فريد # إني إذ أعد نفسي تلميذا لمصطفى كامل، فإني كذلك تلميذ لمحمد ~~فريد، بل إن صلتي بفريد كانت أطول مدى من صلتي بمصطفى؛ فإني لم ~~أدرك مصطفى كامل إلا في أوقات محدودة حين كنت أستمع لبعض خطبه أو ~~أقابله في «اللواء» منذ سنة 1906 مرات معدودة، أما فريد فقد اتصلت ~~به عن كثب وعملت معه تحت لوائه سنين عديدة. # كنت سنة 1908 لم أتخرج بعد من مدرسة الحقوق حين تولى فريد بك ~~زعامة الحركة الوطنية، وكنت أتردد عليه كثيرا في «اللواء»، وتلقيت ~~عنه مبادئ الوطنية كما تلقيتها من قبل عن مصطفى، فصادفت من نفسي ~~موضع العقيدة والإيمان، واتخذته بعد مصطفى أستاذا وإماما لي في ~~الوطنية، وبدأت أكتب في اللواء على عهده وأنا طالب بمدرسة ~~الحقوق. ~~(14) أول مقالة لي في الصحف سنة 1908 # وأذكر أن أول مقالة لي نشرت بالعدد الصادر في 9 مارس سنة 1908 ~~تحت عنوان «تبدد الشعور الوطني وتجمعه» بإمضاء «حقوقي»، كتبتها ~~بعد وفاة المرحوم مصطفى كامل بشهر، ووصفت فيها خواطري وآمالي في ~~الجهاد، ms012 وكأنما رسمت لنفسي في هذه المقالة خطتي في الحياة؛ لذلك ~~أود أن أنشر فقرات منها لأنها صورة من شعوري وتفكيري في مستهل ~~حياتي السياسية، قلت: ~~«للحوادث العظيمة على حياة الأمم تأثير كبير بما تحرك في القلوب ~~من الشعور وتستفز فيها من العواطف؛ فلربما كانت حادثة مبدأ حياة ~~أمة أو سببا في خلاصها من استبداد ظالم. وإذا عدت الحوادث ~~الكبيرة التي لها يد في تكوين الشعور الوطني عندنا، لجعلنا في ~~مقدمتها وفاة فقيدنا العظيم مصطفى كامل. فلقد كانت وفاته كشعلة من ~~نار مست الشعور الوطني وأصابت منه موضع الإحساس والتأثر، فانفجر ~~وظهر بمظهر لم يكن أحد منا يتنبأ به ولا يزال في نمو ~~وازدياد. # هذا الشعور الشريف هو رأس مال الاستقلال، إذا تعهده الرجال ~~العاملون منا زادوه قوة وشدة وحفظوه من دواعي الفتور والخمود، ~~وساروا به في خطة منتظمة محددة، وانحصر في تيار يجري رأسا إلى ~~غايتنا وهي التخلص من سلطة الاحتلال. # إن الشعور بالحاجة إذا لم يدفع المرء إلى العمل لنيل تلك الحاجة ~~فلا فائدة منه البتة، فليس مجرد الشعور إلا معنى في النفس لا وجود ~~له ما لم يظهر أثره في الخارج، الشعور قوة ولكن بشرط أن ينبعث في ~~طريق واحد فيأمن شر التبدد والتلاشي.» # إلى أن قلت: «مات مصطفى كامل فهاج موته شعور الاستقلال في ~~النفوس، وكان أول من أحس بوقع المصاب النابغون منا في العلم ~~والفكر، فبكوه مع الباكين ورثوه مع الراثين، ولكن ما رأينا ~~أحدا منهم دفعه الشعور إلى أن ينزل في ميدان الحياة الوطنية فيعمل ~~مع العاملين في تعهد الشعور الوطني وإبلاغه الغاية التي ذكرناها. ~~كل منا يعلم حاجتنا إلى رءوس مفكرة عاملة تنير لنا سبيل تلك ~~النهضة، ولكنا نرى نابغينا في معزل عنها مع أنهم هم أبناء ~~بجدتها، والشعور الصحيح هو الذي يدفع صاحبه إلى البدء في ~~محاربة رأس مال الاحتلال أفرادا وجماعات، حتى يقوى الشعور العام ~~في كافة الطبقات وترسخ عاطفة الحرية في القلوب، فلا يكون أمامنا ~~سوى أمرين: الاستقلال أو الموت. حينذاك ms013 يقال: هذه أمة محال ~~استعبادها حيث تؤثر الموت على الرضوخ، فخير لمن يريد منها نفعا ~~أن يعاملها معاملة صديق مهاب. # ليس من الصعب علينا أن نصل بالشعور الوطني إلى هذه الدرجة ما ~~دمنا نعمل على خطة منظمة؛ فالأساس الذي يبني عليه الاحتلال صرحه ~~نحن مقيموه بأنفسنا؛ ألسنا راضين بأن نعيش في كنفه؟ هل يعقل أن ~~إرادة الملايين من النفوس إذا قويت وتوجهت بصدق نحو غرض واحد، هل ~~يعقل أن تصدها وتكبح جماحها إرادة أفراد معدودين؟! رأس مال ~~الاحتلال في قلوبنا؛ إن شئنا استبقيناه، وإن شئنا نزعناه من بين ~~جوانحنا، فلا يعود له مقام بين ظهرانينا؛ فصرح الاحتلال قائم على ~~عمادين: حسن الظن به من جهة، والوهم من جهة أخرى. فبحسن الظن ~~ترضى الملايين من البشر بتحكم الأجنبي فيهم فيثبتون سلطانه، ~~وبالوهم يعطون له قوة لم يكن يحلم بها فيخافون من شيء هم ~~خالقوه. # على هذين الأساسين أمكن لبضعة آلاف أن يسودوا على مئات الملايين ~~في بقاع متباعدة؛ فلا عجب أن كانت سياسة الاستعمار الآن هي تخدير ~~أعصاب الأمم باستجلاب حبهم من جهة وبإلقاء الهيبة والرعب من سطوتهم ~~من جهة أخرى. فإذا نحن عملنا على هدم هذا الأساس من قلوبنا كنا ~~مقيمين بعملنا بناء الاستقلال، وقد دلنا التاريخ على أن الأمة ~~التي يشتد ألمها من الاستبداد وتتخلص من آثار الوهم من سلطانه تصبح ~~على أبواب الحرية، ولم تستطع قوة ما الثبات إزاء سلطان عاطفة ~~الاستقلال. # هذا هو الطريق الذي سلكه غيرنا فأفلحوا؛ إذا شعروا بحاجة قاموا ~~ودفعهم الشعور إلى التكاتف سرا وعلانية على العمل لنيل ما ~~يريدون، فوضعوا غايتهم أمامهم، ورسموا لها الخطة العملية، وأعدوا ~~لها معداتها، فعملوا على النظام الذي وضعوه، وكانوا بذلك من ~~الناجحين.» # | الحياة العملية # (1) في المحاماة # نلت شهادة الليسانس في يونيو سنة 1908. # 1 # وقيدت اسمي بجدول المحاماة في 19 يوليو من تلك السنة، ~~وكنت لم أبلغ العشرين بعد، واشتغلت محاميا بأسيوط شهرا واحدا ~~«تحت التمرين» بمكتب الأستاذ محمد بك علي علوبة «باشا». وكان وقت ~~التحاقي بمكتبه على ms014 أهبة القيام بالإجازة، فتركني لوكيل المكتب ~~أتلقى عنه الإرشادات والتعليمات التي تلزم «المحامي المبتدئ»، فلم ~~أرتح كثيرا لإرشاداته ولا لطريقته في تفهيمي القضايا، وبدا لي في ~~أول عهدي بالمحاماة أنها لا تعجبني وأني لا آنس لها كثيرا. فضلا ~~عن أني تساءلت في خاصة نفسي: وما مصيري في المحاماة إلى جانب ~~نظراتي في الحياة وآمالي في الجهاد؟ فقضيت هذا الشهر قلقا أتطلع ~~إلى الأفق لعلي أهتدي إلى طريق آخر يتفق وخواطري وآمالي. # عبد الرحمن الرافعي سنة 1908 عام تخرجي من مدرسة ~~الحقوق. ~~(2) في الصحافة # فما إن دعاني فريد بك إلى أن أشتغل بالصحافة محررا باللواء ~~حتى قبلت دعوته، وبدأت حياتي الصحفية في أكتوبر سنة 1908 على عهده، ~~ومن يومئذ ازدادت صلتي به؛ إذ كان يشرف على سياسة «اللواء» ~~وتحريره ويكتب فيه كثيرا ويتردد عليه يوميا، وكنت أسمع منه ~~ثناء على ما أكتب. وأذكر أني كنت أترجم إلى اللغة العربية مقالات ~~المرحوم إسماعيل شيمي بك أحد أعلام الحركة الوطنية، وكان يكتبها ~~بالفرنسية؛ إذ كان يتقنها دون اللغة العربية، وكانت آية في ~~البلاغة، فجهدت نفسي في أن أبرزها إلى اللغة العربية في مستوى ~~لا يقل عن بلاغتها الأصلية، ولعلي وفقت إلى بعض ما كنت أرجو، ~~وكان فريد بك يراجع ترجمتي لمعظم هذه المقالات ويبدي لي إعجابه ~~بها، فشجعني ذلك على الكتابة والترجمة. # وكنت أميل إلى كتابة المقالات المتسلسلة في موضوع واحد، ومن هنا ~~نشأ ميلي إلى التأليف؛ إذ وجدت أن المقالة الواحدة في الصحف لا ~~تتسع للموضوع الذي كنت أفكر فيه. # وأذكر أن أولى سلسلة مقالاتي كانت في موضوع الدستور، وعنوانها ~~«آمالنا في الدستور»، بلغت عدتها سبع مقالات نشرت باللواء في ~~أكتوبر ونوفمبر سنة 1908، وتوليت الرد على تقرير السير إلدون جورست ~~المعتمد البريطاني عن سنة 1908، فكتبت في ذلك تسع عشرة مقالة نشرت ~~في شهر مايو سنة 1909 تضمنت عرضا تحليليا للحركة الوطنية وموقف ~~الاحتلال والحكومة حيالها. # وكتبت عدة مقالات عن حياتنا الاقتصادية وما يتهددها من خطر، وعن ~~الاحتلالين السياسي والاقتصادي، والانقلابات الاقتصادية (اللواء ms015 11 ~~و14 و21 يناير و28 فبراير و7 مارس سنة 1909). ~~(3) مدارس الشعب # وجه الحزب الوطني الشباب إلى المساهمة في بناء النهضة القومية ~~في مختلف نواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن أعماله في ~~الناحية الاجتماعية إنشاؤه مدارس الشعب الليلية في أواخر سنة 1908، ~~وكان الغرض منها تعليم الفقراء والعمال مجانا، وقد تطوعت مع لفيف ~~من الشباب للتدريس في هذه المدارس، ووضع الحزب برنامجا لها يتناول ~~المواد الآتية: القراءة والكتابة، دروس الدين، قانون الصحة ~~والاحتياطات الصحية، العناية بتربية الأطفال، القوانين الخاصة ~~بالمعاملات اليومية، الشئون الاجتماعية، دروس الأشياء، الحساب، ~~تاريخ مصر والتاريخ الإسلامي، جغرافية مصر، أخلاق وآداب. # وبلغ عدد المدارس التي أنشأها الحزب في القاهرة سنة 1909 أربع ~~مدارس في أقسام الخليفة وبولاق وشبرا والعباسية. تحوي كل منها ~~نحو مائة وعشرين تلميذا من مختلف الحرف، وقد ألقيت بعض الدروس ~~في مدرسة الخليفة، وسمعت محمد بك فريد يلقي فيها درسا، وسمعت ~~أيضا أحمد بك لطفي يلقي درسا في مدرسة بولاق. # وأنشأ نادي المدارس العليا عدة مدارس أخرى على غرار هذه ~~المدارس. # كان لمدارس الشعب فضل كبير علي، فهي التي ألهمتني الفكرة ~~الأولى لتأليف كتابي «حقوق الشعب»؛ فإن هذا الكتاب هو سلسلة دروس ~~ومحاضرات لتفهيم الشعب حقوقه وواجباته، وكانت دروسي في مدرسة الشعب ~~بالخليفة نموذجا مصغرا للأسلوب الذي انتهجته في هذا ~~الكتاب. ~~(4) عودتي إلى المحاماة # حدث تحول في حياتي العملية في أواخر سنة 1909، ذلك أن زميلي ~~وصديقي المرحوم الأستاذ أحمد وجدي الذي كنت أعزه وأنزله من ~~نفسي منزلة الأخ الشقيق، رغب إلي أن أترك الصحافة، وكان هو ~~أيضا يعمل فيها رئيسا لتحرير جريدة الدستور التي كان شقيقه ~~الأستاذ محمد فريد وجدي بك يتولى إصدارها، وقال لي إننا يمكننا أن ~~نشتغل بالمحاماة مستقلين، وأن نكتب في الصحف ما نشاء من الآراء ~~والمقالات، وإن ذلك أولى من الانقطاع للصحافة مما قد يفقدنا ميزة ~~الاستقلال في حياتنا العملية. وقد ترددت في قبول هذه الفكرة؛ إذ ~~كنت منصرفا عنها، وما زال يقنعني بها حتى قبلت نصيحته بعد أن ~~أمعنت النظر فيها ورأيتها ms016 في جملتها أصوب من انقطاعي للصحافة، ~~وأدركت مع الزمن أنه أسدى لي أعظم نصيحة، وساءلت صديقي حين تبادلنا ~~الرأي في تحقيق فكرته: كيف نشتغل بالمحاماة مستقلين وأنا لم أتمرن ~~عليها إلا شهرا واحدا وهو أيضا لم يقض مدة كافية في المران ~~عليها؟ وانتهينا إلى أن الحياة يجب أن تنطوي على شيء كثير من ~~المجازفة ، فعولت وإياه على الانقطاع عن مهنة الصحافة، وعملنا ~~معا في المحاماة بمدينة الزقازيق منذ يناير سنة 1910، وفتحنا في ~~تلك السنة مكتبا آخر لنا بالمنصورة كنت أتولى مباشرة قضاياه، ثم ~~انتقلت بمفردي إلى المنصورة واستقر بي المقام فيها منذ أكتوبر سنة ~~1913 حين أنشئت بها المحكمة الابتدائية، وظللت بها نحو عشرين سنة، ~~إلى أن انتقلت نهائيا إلى القاهرة في ديسمبر سنة 1932. # وقد ارتحت كثيرا إلى التحول من الصحافة إلى المحاماة لأنني ~~رأيتني قد بدأت حياتي في المحاماة هذه المرة (سنة 1910) بداية ~~حسنة، ولم أجد فيها الصعوبة التي كنت أتخيلها، بل شعرت كأني متمرن ~~عليها، فألفتها وأحببتها، وأدركت أنها هي المهنة التي يجب أن ~~أختارها لأؤدي واجبي الوطني إلى جانب واجباتي الشخصية، وأخذت أكتب ~~المقالات من آن لآخر وأبعث بها إلى جريدة «العلم» لسان حال الحزب ~~الوطني، وظهرت أول مقالة لي وأنا محام في عدد 13 مارس سنة 1910 ~~تحت عنوان: «قوة الرأي العام والحكومة». وكتبت في عدد 30 مارس من ~~تلك السنة مقالة مطولة عنوانها: «الشدائد خير مرب للأمم»، هنأني ~~عليها فريد بك؛ إذ جاءت مطابقة للظرف الذي نشرت فيه مطابقة عجيبة؛ ~~فقد أرسلتها إلى جريدة العلم في الوقت الذي صدر فيه قرار وزارة ~~الداخلية بإيقافها شهرين، ولم أكن أعلم بصدور هذا القرار، فنشرها ~~الحزب في أول عدد من جريدة «الاعتدال» التي اتخذها لسان حاله مدة ~~إيقاف العلم، فهونت على القراء أمر الإيقاف؛ إذ دعوت فيها إلى ~~مقابلة الاضطهاد بالصبر والثبات، وكأنها كتبت ردا على قرار ~~وزارة الداخلية، فكان لها ضجة استحسان كبيرة، وصارت حديث الناس في ~~مجالسهم، وبخاصة حين علموا أني كتبتها دون أن أعلم بقرار ms017 إيقاف ~~«العلم»، واستبشروا خيرا بما أكتب، وطلب مني فريد بك المزيد من ~~الكتابة، فكان ذلك التشجيع حافزا لي على توكيد صلتي بالصحافة، ~~وزاد في توطيدها أن أخي «أمين» كان محررا مقيما بصحيفة الحزب ~~الوطني ثم رئيسا لتحريرها. # وفي سبتمبر سنة 1910 انقطعت مؤقتا عن مكتبي، وتوليت رئاسة ~~تحرير العلم في غيبة شقيقي أمين الذي سافر إلى أوروبا لحضور جلسات ~~المؤتمر الوطني الذي انعقد ببروكسل في ذلك العام وموافاة العلم ~~برسائل المؤتمر، وكان الشيخ عبد العزيز جاويش رئيس التحرير يقضي ~~مدة السجن المحكوم بها عليه من محكمة جنايات مصر في قضية «وطنيتي»، ~~وكانت إدارة العلم بشارع محمد علي بالمنزل رقم 116. ~~(5) في مؤتمر بروكسل سنة 1910 # ساهمت في مؤتمر بروكسل سنة 1910، وكان موضوع خطبتي فيه «مركز ~~الصحافة في مصر والأدوار التي تعاقبت عليها في عهد الاحتلال» # 2 # بالفرنسية، وقد ألقاها عني فؤاد بك حسيب بجلسة 24 ~~سبتمبر ولم أحضر المؤتمر بنفسي؛ إذ كنت مشغولا بالإشراف على تحرير ~~العلم وقت انعقاده. وقد نوهت مدام جولييت آدم إلى هذه الخطبة في ~~كتابها «إنجلترا في مصر» الذي ظهر سنة 1922 في فصل «الصحافة»، ~~وأثنت على الخطبة وصاحبها، ونقلت منها صحائف بأكملها محبذة مؤيدة ~~لمحتوياتها. # ولما رجع المرحوم أمين من بروكسل عدت إلى عملي في ~~المحاماة. ~~(6) في المؤتمرات الوطنية # كان الحزب الوطني يعقد مؤتمرات سنوية تجتمع فيها الجمعية ~~العمومية للحزب ويستعرض فيها فريد بك تطور الحركة الوطنية في العام ~~المنصرم، وكانت هذه الاجتماعات تسمى المؤتمرات الوطنية، وأهمها ~~مؤتمر سنة 1908 و1910 و1911. # وكنت أحضر هذه المؤتمرات كعضو في الحزب الوطني، وقد انتخبت ~~عضوا في اللجنة الإدارية للحزب في مؤتمر سنة 1911 الذي انعقد بدار ~~العلم بشارع الصنافيري (علي باشا ذو الفقار الآن)، وانتخب فيه ~~فريد بك رئيسا مدى الحياة. ~~(7) مع فريد في أوروبا # في سبتمبر سنة 1911 صحبت فريد بك في رحلته إلى أوروبا لحضور ~~مؤتمر السلام الذي كان مزمعا اجتماعه بروما في أواخر ذلك الشهر. ~~وكان لمصاحبتي إياه في هذه الرحلة أثر كبير في نفسي ms018 وزادت صلتي ~~الروحية به؛ إذ رأيت من عطفه وحنانه الأبوي، ودماثة أخلاقه، ورقة ~~شمائله، ما حببه إلى نفسي. وصحبنا في هذه الرحلة الأستاذ أحمد ~~وفيق. وقد أفدنا كثيرا منها لأن فريدا كان يعرف أوروبا من قبل ~~معرفة تامة، فكان يرشدنا إلى ما يجب أن نتعلمه ونعرفه ونشاهده في ~~البلاد التي زرناها. وصحبنا في جزء من الرحلة الدكتور منصور رفعت، ~~وأخذت لنا صورة بباريس تذكارا لسياحتنا مع الفقيد. # الخطاب الذي أرسله فريد بك إلي في 5 ديسمبر سنة ~~1912. # وفي هذه الرحلة زرنا إيطاليا وفرنسا وألمانيا والنمسا، وعرجنا ~~بالآستانة، وعدنا منها إلى مصر. وكتبت خلال سفري عدة مقالات عن ~~مشاهداتي وخواطري في السفر، منها مقالة بعنوان «الأمم سيف وأخلاق» ~~أرسلتها من تورينو بإيطاليا ونشرت في عدد 6 أكتوبر سنة 1911 من ~~العلم، ومقالة عن «الإسلام في إفريقية، مسألة طرابلس الغرب ~~والمسألة المراكشية» أرسلتها من باريس ونشرت في عدد 16 أكتوبر، ~~ومقالة عن «الوطنية والإنسانية وكيف يفهمونهما في أوروبا» نشرت في ~~عدد 20 أكتوبر، ومقالة عنوانها «يومان في مجلس المبعوثان» أرسلتها ~~من الآستانة ونشرت في عدد أول نوفمبر سنة 1911. # | الحياة المثالية # وهل هي ممكنة؟ # كنت وأنا طالب بمدرسة الحقوق أعد نفسي للجهاد والمساهمة في سبيل ~~تحرير البلاد والنهوض بها. رسخ في نفسي هذا الاتجاه حتى صار (فيما أظن) ~~عقيدة كان ولم يزل لها أثرها في حياتي السياسية والاجتماعية؛ فمن ~~الوجهة السياسية اعتنقت المبدأ الذي يتفق مع هذا الاتجاه وهو مبدأ ~~الجلاء، وانضويت تحت لواء الزعيمين اللذين رأيت فيهما المثل العليا ~~للوطنية الحقة، وفهمت الوطنية على أنها إخلاص للوطن، وسعي متواصل ~~لتحقيق أهدافه واستمساك بحقوقه، وتغليب لمصالحه العليا على مصالح ~~الإنسان الشخصية. ومن الوجهة الاجتماعية جعلتني هذه العقيدة أرى أن ~~الوطنية تتطلب من الوطن أن يحيى حياة مثالية؛ لأن الحياة المثالية هي ~~الأساس الوطيد للحياة الوطنية. فتاقت نفسي عندما تخرجت من مدرسة الحقوق ~~وانتظمت في سلك الحياة العملية أن أنشد المثالية في حياتي الشخصية ~~والعائلية والاجتماعية، وأن أنشدها في الحياة السياسية أيضا. ولم أكن ms019 ~~أخفي على نفسي أن الحياة المثالية ليست من اليسر ولا من السهولة بحيث ~~تغري شابا مثلي في مقتبل العمر أن يسلك سبيلها، ولكن هكذا شاءت ~~الأقدار أن أنشدها لنفسي، ولست أدري مبلغ ما حققت منها، وإلى أي مدى ~~كنت مثاليا أو غير مثالي، وهل الحياة المثالية ممكنة أم لا، نافعة أم ~~ضارة، وهل هي - بوجه خاص - ممكنة في الحياة السياسية أم لا، وهل أخطأت ~~أم أصبت في نشداني لها؟ # كل هذه أمور لست أستطيع بعد طول السنين أن أجيب عنها، وما فائدة ~~البحث فيها الآن؟ # لكن الذي يمكنني الإفضاء به أني اجتهدت أن آخذ من الحياة المثالية ~~أقصى ما أستطيع، ويمكنني أن أقول إن نصيب الإنسان منها يتبع مبدئيا ~~الوسط والبيئة التي يعيش فيها؛ فالمجتمع الذي يؤمن بها يساعد بداهة على ~~أن يحياها المواطن الصالح، والمجتمع الذي لا يؤمن بها يخذلها ويباعد ~~بين الإنسان وما ينشده منها. على أن الإرادة الشخصية لها دخل في توجيه ~~المواطن إليها، وهي على أي حال تحتاج إلى ذخيرة من الصبر، ومن الصوفية ~~الوطنية، تجعل المرء غير مكترث لما يلقاه من العقبات والمتاعب. # أوليست الوطنية نضالا في سبيل المثل العليا؟ وهذا النضال يقتضي ~~توطين النفس على احتمال الأذى في سبيل محبة الوطن؟ هكذا قالوا! فهل هي ~~مجرد أقوال وخيالات وأحلام أم أقوال تؤيدها الأعمال؟ وكيف يمكننا أن ~~نبث روح الوطنية في نفوس الجيل إذا لم نكن مثاليين في ~~وطنيتنا؟ # على أي حال قد سعيت في أن أجعل لهذه الخيالات نصيبا من الحقائق، ~~ولست أدري هل حققت شيئا منها أم كنت واهما في تفكيري ومسعاي؟ # ومما رغبني في الحياة المثالية اعتقادي أنها من أقوم السبل إلى ~~النهوض بالأمة وتحريرها من قيود النقص والضعف التي تتعثر فيها من ~~الوجهة الوطنية والأخلاقية والاجتماعية، وهذا التحرير الوطني هو السبيل ~~إلى التحرير السياسي. وليس من الميسور أن تحرر الأمة من عيوبها ومواطن ~~الضعف فيها بالقول والكتابة، بل يجب أن تكون القدوة الصالحة هي أولى ~~السبل في هذا الجهاد، فعلى الإنسان ms020 أن يكون مواطنا صالحا ومواطنا ~~مثاليا قدر ما يستطيع؛ فإنه بذلك يقيم لبنة في صرح النهضة القومية. ~~ولقد كنت قبل أن أتخرج من مدرسة الحقوق أنتقد الصفوة المتعلمة من ~~الأمة في تقاعدها عن أداء واجباتها الوطنية، وأعربت عن هذا الشعور في ~~مقالتي الأولى باللواء؛ ومن ثم أخذت نفسي بأن أنشد الجانب المستطاع ~~من الحياة المثالية؛ إذ كيف أعد المآخذ على غيري دون أن آخذ نفسي بما ~~يجب أن يفعلوه؟! # حقا إن طريق الحياة المثالية ليس معبدا ولا مفروشا بالأزهار ~~والرياحين، بل هو طريق قد يكون شائكا كثير المتاعب والعقبات، وربما جر ~~على صاحبه بعض العنت والخذلان وجعله عرضة لكثير من صنوف العداوة وضروب ~~التجهم والتنكر. ولكن على الإنسان أن يكون له هدف في الحياة، فإذا كان ~~هذا الهدف شريفا، فليتذرع بالشجاعة والإيمان والقناعة والإقدام؛ فإنه ~~بالغ بفضل الله غايته أو نصفها أو ربعها أو القليل منها، ولكنه سائر ~~على أي حال في الطريق القويم، والأمم لا تنهض إلا بهذا النوع من ~~الحياة. إنها لا تنهض بالحياة النفعية الفردية، وإنما تنهض بالحياة ~~الوطنية. إن الحياة النفعية تفيد صاحبها، ولكنها إذا اصطبغت بالأنانية ~~وعمت المواطنين، كانت الأمة مجموعة من الأفراد المتخاذلين لا يعتمد ~~عليهم في النهوض بالوطن والبذل في سبيله ودفع الأذى عنه. # كان لي صديق في الدراسة ارتبطت وإياه برباط الود والإخلاص، تخرجنا ~~معا من مدرسة الحقوق، ومع طيبة أخلاقه واستقامته وحسن سريرته؛ فإنه ~~يرى خدمة البلاد بغير الطريقة التي كنت أنشدها. كان قليل الثقة في ~~المجتمع وفي المواطنين، ونظريته أن على الإنسان أن يكون قويما في ذاته ~~ومسلكه فحسب، أما أن ينشد الحياة المثالية فإنه بذلك يعرض نفسه للأذى ~~بغير نتيجة، وكانت تدور بيننا من حين لآخر مناقشات ومحاورات في مختلف ~~الرأيين، وكان يحذرني دائما مغبة الحياة التي كنت أنشدها، وكنت ~~أخالفه في الرأي، وأقول له إن أمتنا لم تلق من بنيها الخدمات الصادقة ~~الصحيحة، ولو هي وجدت منهم هذه الخدمات لكانت حالها خيرا مما هي عليه، ~~فإذا لم يجد ms021 من الطبقة المتعلمة المثقفة مثل هذه الخدمات فممن ~~تنتظرها؟! أما هو فكان يقول لي: وهل يضحي الإنسان بنفسه في وسط لا ~~يقدر التضحية بل يخذل صاحبها؟ وأين الوسط الذي يقدر الإخلاص ~~والمثل العليا؟ # وكثيرا ما كان يقول لي: إنك تعيش في جو من الأوهام، وستصدمك الحقائق ~~العملية في الحياة، وسترى أن المجتمع لا يقدر المثاليين بل يقدر ~~النفعيين والوصوليين بأكثر مما تتوهم أنه يقدر المثاليين وينصر أولئك ~~بمقدار ما يخذل هؤلاء! وكنا نفترق مختلفين في الرأي والحجة دون أن يؤثر ~~هذا الخلاف في صداقتنا، ولكل وجهة. # لست أدري على وجه التحقيق من كان منا على حق ومن كان منا مخطئا - ~~على الأقل في حق نفسه. كل هذا لم يصرفني عن التمسك برأيي، وقد يكون ~~تمسكي بهذا الرأي أمرا غير إرادي، ولكن هكذا اتجهت نفسي هذه الوجهة ~~ولقد كان لها أثرها في مختلف مراحل حياتي. # اخترت المحاماة وآثرتها على الوظيفة متأثرا بالنظرية ~~المثالية. # اخترت المحاماة، ثم الصحافة، ثم عدت إلى المحاماة وبقيت فيها على ~~تعاقب السنين؛ إذ رأيت أنها أقرب إلى أن أجد فيها الحياة المثالية لمن ~~يريد أن يحياها، رأيت فيها المجال فسيحا لأساهم بنصيبي في الكفاح ~~الوطني، وكنت أرى في الوظائف مجالا ضيقا لهذا الكفاح. ومن هنا آثرت ~~المحاماة على الوظائف، ورأيت في المحاماة أيضا الحرية التي كنت ~~أنشدها، فلا يحد من عملي فيها رئيس أو رقيب. وكنت أتخير من القضايا ما ~~أراه سليما، فأجد من حرية الاختيار ما لا أجده لو كنت موظفا؛ فإن على ~~الموظف مهما كان مستقل الرأي حي الضمير أن يعمل بما يؤمر به من الرؤساء ~~ولو خالف ضميره في بعض المواطن، والنظام الحكومي بل الاجتماعي يقتضي ~~ذلك. حقا إن المناصب القضائية التي كانت تؤهلني لها إجازة الحقوق هي ~~أبعد مناصب الدولة عن التأثر بأوامر الرؤساء وأكثرها استقلالا، ولكني ~~مع ذلك رأيتني في المحاماة أكثر حرية واستقلالا وأقرب إلى ميدان ~~الكفاح الوطني مما لو اخترت الوظيفة. ~~(1) أول مؤلفاتي: حقوق الشعب (سنة 1912) # اتجهت نفسي منذ سنة ms022 1910 إلى الجمع بين المحاماة والتأليف، فقضيت ~~أوقات فراغي من المحاماة سنة 1911 وأنا بالزقازيق في تأليف أول ~~كتاب لي وهو «حقوق الشعب»، وقد تم طبعه وظهوره في مارس سنة 1912. # 1 # وعنوانه يدل على موضوعه ومعناه. ضمنته شرحا للمبادئ ~~الدستورية، ووضعته لتأييدها وتدريسها وتعميمها، عبرت فيه عن ~~الحكام بأنهم «وكلاء الأمة»، وأهبت بالأمة أن تناضل عن كيانها بكل ~~ما أوتيت من حول وقوة، وجعلت شعار الكتاب: «تبتدئ القوة حيث ينتهي ~~الضعف.» وقلت في مقدمته تعريفا بالغرض من تأليفه: «القوة والعلم، ~~هذان العاملان هما الدعامتان اللتان تضمنان للأمم حياتها وحقوقها. ~~جئت في هذا الكتاب أخاطب فئتين من الأمة كانوا دائما جنود الحرية ~~في كل بلاد، وهما: رجال الغد، وجمهور الشعب. جئت أخاطب إخواني ~~الشبان رجال الغد الذين أعد نفسي واحدا منهم وأعتقد أن عليهم ~~واجبا كبيرا هم مدينون به نحو الله ونحو الأمة وهو واجب العمل ~~لتحرير بلادنا؛ فكل شاب منا، سواء كان لا يزال في مهد التعليم ~~يتلقى العلوم ويتغذى بلبان المعارف في المدارس، أو دخل في معترك ~~الحياة، كثيرا ما يتساءل: «كيف أقوم بالواجب؟» ويطلق لنفسه عنان ~~البحث للجواب على هذا السؤال؛ لأنه سؤال لا يكفي للجواب عنه تفكير ~~لحظة واحدة أو يوم واحد، بل يحتاج إلى إطالة في البحث والتفكير، ~~هذا السؤال الذي يجدر بكل إنسان أن يجعله وجهته في الحياة والذي ~~يجب ألا نعد الرجل رجلا إلا إذا عرف كيف يجيب عنه قولا ~~وفكرا وعملا، هذا السؤال قد جعلت غرضي من وضع الكتاب أن أجيب ~~عنه.» إلى أن قلت: «أردت في هذا الكتاب من جهة أن أطرح بين يدي ~~إخواني نموذجا مختصرا للعمل على أداء واجبهم نحو الأمة، ثم ~~تخيرت من جهة أخرى في وضعه طريقة أغلب المؤلفين الغربيين الذين ~~وضعوا الكتب والمؤلفات لتعميم حقوق الشعب ونشر النظريات ~~الدستورية. وقصدت من ذلك أن يكون هذا الكتاب كمجموعة دروس لمبادئ ~~الحقوق العمومية وبسط العلاقات بين الشعوب والحكومات حتى لا يحرم ~~عامة القارئين من عرفان تلك المبادئ الضرورية لكل ms023 مجتمع يريد أن ~~يكون حرا.» # وجعلت الكتاب في قالب محاورات واجتماعات بين فريق من الشباب ~~وجمهرة من القرويين يدور فيها الحديث حول هذه المواضيع. # وقد أعجب فريد بك بهذا الكتاب وهنأني بتأليفه وقال لي: «في ~~البلاد صحافة وطنية، وينقصها التأليف الوطني، وقد سلكت هذا السبيل ~~فاستمر فيه وفقك الله.» وقد عملت بنصيحته جهد المستطاع. ~~(2) صلتي بفريد بك «في منفاه» # هاجر محمد فريد من مصر في تلك السنة (1912)، فاستمرت صلتي به في ~~منفاه، وكنت أراسله وأعرب له في رسائلي عن إخلاصي له وثباتي على ~~عهده، وزرته في منفاه بالآستانة في أغسطس سنة 1912، وشعرت بغبطة ~~كبيرة؛ إذ رأيته في صحة موفورة ونفسية مطمئنة. وقد سافر يوم 20 ~~أغسطس قاصدا باريس فجنيف وودعته على المحطة مع من ودعوه من ~~المصريين، وكانت هذه آخر مرة رأيته فيها، ثم بادلته المراسلة في ~~منفاه، وجاءتني منه عدة رسائل تفيض عطفا علي وتقديرا لي، فزادت ~~صلتي به توثيقا وتوكيدا، منها رسالة بعث بها إلي في بطاقة بريد ~~«كرت بوستال» من جنيف بتاريخ 5 ديسمبر سنة 1912 قال فيها: # حضرة ولدنا الفاضل # سلاما وتحية. وبعد، فأخبر الأخ أني في غاية الصحة ~~رغما عن البرد الشديد الذي نزل اليوم إلى ما تحت الصفر، ~~وعن الثلج الشديد الذي كسا الأرض أول أمس حلة بيضاء نقية ~~وغطى جميع الجبال المحيطة بنا، ثم أرجو تبليغ سلامي لحضرة ~~الشقيق الأمين وباقي الإخوان، وفقكم الله وإيانا لخير ~~العمل وعمل الخير. # محمد فريد # وأرسل إلي بتاريخ 21 ديسمبر سنة 1912 الكتاب الآتي من جنيف: # جنيف في 21 ديسمبر سنة 1912 # أخي الصادق رفع الله ~~مقامه # استلمت بيد السرور جوابك رقم 14 الجاري، وأثلج صدري ما ~~به من العبارات الدالة على الصدق والإخلاص للوطن الأسيف. ~~لدي الآن مسألة مهمة جدا أحب أن تهتم بها أنت ~~والإخوان، وهي أننا كنا معتادين على مساعدة جريدة «إجيبت» ~~التي تصدر بلوندرة بمائتي جنيه سنويا دفعناها تماما في ~~سنة 1911 ودفعنا جزءا منها في أوائل سنة 1912 وهو 40 جنيه ~~فقط، ms024 فقام مستر بلنت وإخوانه بمصروفها إلى آخر عدد ظهر ~~منها (ووصلني صباح اليوم) بمساعدة بعض الطلبة بإنجلترا، ~~واليوم كتب لي المستر بلنت بعدم إمكان اللجنة القيام ~~بنشرها ما لم ندفع لها إعانة سنوية قدرها مائتا جنيه. وفي ~~نظري أن بقاء هذه المجلة في عالم الوجود ضروري لنا الآن؛ ~~خصوصا وقد أصبحنا بلا لسان يعبر عن أفكارنا في مصر إلا ~~«الشعب» وطبعا هو قصير العمر ما دامت الوزارة الحالية ~~موجودة. # فأرجوك التكلم في هذه المسألة مع الإخوان لجمع هذا ~~المبلغ ولو على قسطين يدفع الأول في شهر يناير والثاني في ~~أبريل مثلا؛ لأنه لا يصعب على الأمة التي تجود بمئات ~~الآلاف من الجنيهات ألا تبخل بمائتي جنيه فقط لمثل هذا ~~العمل المفيد. إني أشتغل الآن في وضع رسالة صغيرة ~~بالفرنساوية أشرح فيها الأسباب التي أوصلت الدولة ~~العلية لهذه النقطة الخطرة وهذا المركز الحرج، وربما ~~ظهرت هذه الرسالة في بحر يناير. # وفي الختام أهديك أنت وجميع الإخوان مزيد سلامي ووافر ~~تحيتي. دمت لأخيك أو والدك المخلص. # لم أر في الجرائد ذكرا لعيد رأس السنة الهجرية، هل لم ~~يحتفل به نادي المدارس العليا كالمعتاد؟ # إذا أمكنك أن ترسل لي كتاب مصطفى الرافعي «حديث القمر» ~~أكون لك من الشاكرين. عنواني الحالي: # 7 bis ~~Boulevard du Pont d’Arve, ~~Genève ~~. # محمد فريد # وقد شهدت في سنة 1913 وما بعدها انفضاض بعض أنصار الفقيد ~~البارزين من حوله، وكأن وجوده في المنفى قد أنساهم عهده، وزاد في ~~انصرافهم عنه غضب الخديو عليه، إلى غضب الاحتلال. وكنت أفضي إليه ~~في بعض رسائلي بألمي من تقاعس الكثيرين عن القيام بواجبهم الوطني، ~~فأرسل إلي من الآستانة في مارس سنة 1913 خطابا يحثني فيه على ~~عدم اليأس وعدم التأثر للذين تخلفوا وتركوا الصفوف، ويرغب ~~إلي وإلى الإخوان العمل في نشر الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي ~~لكي تستمر الحركة الوطنية في نموها ونشاطها، قال: # الآستانة في 25 مارس سنة ~~1913 # حضرة الأستاذ الفاضل والوطني ~~المخلص # عزيزي، وصلني جوابك المؤرخ 9 الجاري المرسل إلى جنيف، ms025 ~~وعلمت منه عدم وصول أعداد رسالتي إليك، وهذا غير مستغرب؛ ~~فقد اتصل بي أن الطرد المرسل إليكم حجز وصودر بجمرك ~~الإسكندرية مع طردين آخرين مرسل أحدهما إلى ديمر الكتبي ~~والآخر إلى السخاوي، ولم يفلت إلا الطرد المرسل إلى الأخ ~~عبد الملك، ولا أدري إذا كانت أعداد المجلة وصلتك؛ إذ ربما ~~تحجز هي أيضا. # هذا وقد ساءني ما جاء بجوابكم المذكور من العبارات التي ~~تشف عن اليأس من مستقبل الأمة بسبب ما ظهر من بعض ~~أبنائها من الخور والضعف، تلك الحالة التي أدت إلى تلبية ~~العموم لدعوة عميد أعداء البلاد، وما كنت لأنتظر هذا ~~«الشبه اليأس» منك لما أعهده فيك من قوة الإرادة وشدة ~~الوطنية. فإذا كان الخوف من رجال السلطة حدا بالكثيرين ~~إلى عدم إظهار إحساسهم الوطني، فما يمنعهم من صرف همتهم ~~إلى المشروعات الاقتصادية، كالنقابات وشركات التعاون ~~المنزلي والمالي، وقد برهن ما أسس منها عن نجاح عظيم ~~وعلى استعداد الأمة للإقبال على مثل هذه المشروعات. هذا ~~ميدان واسع للجميع، فادخلوا فيه بهمة ونشاط، فاستقلال ~~مصر الاقتصادي مقدمة لاستقلالها السياسي. # على أني لم أزل أرى من الضروري تقوية لجنة الحزب ~~الإدارية وتتميم أعضائها بانتخاب المخلصين وضمهم إليها ~~وإتيان بعض الأعمال التي تبرهن على وجودها. # أرجوكم الاجتهاد في إدخال أعضاء عاملين في جمعية ترقي ~~الإسلام وأن تكون أنت في مقدمة المشتركين (والاشتراك عشرون ~~فرنكا في السنة)؛ فإن هذه الجمعية سيكون لها مستقبل عظيم ~~وأثر فعال في جميع جهات الإسلام لو وجدت أقل ~~مساعدة. # وفي الختام أهديكم أنت والإخوان مزيد السلام. # محمد فريد ~~(3) كتابي عن التعاون (1914) # وقد عملت بنصيحته وضاعفت جهودي في خدمة الحركة التعاونية والحركة ~~الاقتصادية، وصرفت سنة 1913 في وضع كتابي عن «التعاون» والمساهمة ~~في تأليف بعض النقابات الزراعية ودراسة بعض الشئون الاقتصادية. ~~فكتبت في «الشعب» سلسلة مقالات عن ميزان مصر الاقتصادي (أعداد 23 ~~سبتمبر وأول و2 و5 و10 و14 أكتوبر سنة 1913)، وعن الكماليات في مصر ~~وخسارتها منها (عدد 24 أكتوبر سنة 1913)، وعوائق الصناعة الوطنية ~~(عدد 18 نوفمبر سنة 1913). # ولما ms026 علم الفقيد باشتغالي بوضع كتابي عن التعاون، أرسل إلي في ~~22 أبريل سنة 1913 الخطاب الآتي: # الآستانة البلد في 22 أبريل سنة ~~1913 # حضرة عزيزي الفاضل عبد الرحمن أفندي ~~الرافعي # وصلني عزيز خطابك الرقيم 4 الجاري، وقد سرني اشتغالكم ~~بهذا المؤلف الاقتصادي، كما سرني خبر انصراف همة أحمد ~~بك لطفي لهذه الغاية المفيدة؛ خصوصا وقد علمت من مطالعة ~~الجرائد أن كتشنر سيشتغل بها استجلابا للأمة نحوه ونحو ~~الاحتلال، فيجب عليكم أن تسبقوه لهذا العمل؛ حتى لا تغش ~~الأمة ولا تنصرف إليه. على أني لم أسمع من مدة بتشكيل ~~نقابات جديدة أو شركات تعاون أو شيء آخر من هذا القبيل، مع ~~أنكم لو قام كل فرد منكم بتأسيس جمعية اقتصادية في دائرته ~~لبلغ عددها في وقت قليل العشرات بل المئات؛ ولذلك أرى أن ~~اشتغالك بالتأليف لا يجب أن يمنعك من الاشتغال عمليا في ~~تأسيس النقابات مع إخوانك، وما هذا بعزيز عليكم لو أردتم، ~~ولعلني أسمع قريبا بأخبار ما تؤسسونه من الشركات ~~والجمعيات الجديدة. # سرني كذلك ما قررته اللجنة من عقد مؤتمر وطني بجنيف، ~~وقد رأيت أن يكون في 22 سبتمبر أي تاريخ انعقاد المؤتمر ~~الأول. وإني أقترح عليك أن تكتب تقريرا عن حالة النقابات ~~بمصر وتاريخها وبعض إحصائيات عنها وعن أعمالها، لنظهر ~~للعالم شيئا من أعمالنا العملية ونبرهن على أن حزبنا حزب ~~تعمير لا حزب تخريب كما يتهمونه به. # إني بانتظار نتيجة أعمالك لصالح جمعية ترقي ~~الإسلام. # ماذا تقصد عمله في الإجازة المقبلة؟ هل تحضر لأوروبا أو ~~تنتظر انعقاد المؤتمر؟ إني أكون سعيدا جدا لو رأيتك بين ~~خطباء المؤتمر. وفقك الله لخدمة البلاد آمين. # سلامي لك ولجميع الإخوان، وبالأخص للأخ أمين حفظه الله ~~لك ولنا. # المخلص: محمد فريد # وجاءني منه في يونيو سنة 1913 الخطاب الآتي: # جنيف في 6 يونيو سنة 1913 # ولدي المحترم الفاضل عبد الرحمن أفندي ~~الرافعي # السلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فقد وصلني جوابكم المؤرخ ~~10 الماضي من مدة. ولم يمنعني عن الرد عليه إلا الكسل من ~~جهة، ms027 واشتغالي بمجلة ترقي الإسلام من جهة أخرى، فقد ~~أصدرت العدد الثاني منها عقب عودتي من الآستانة. وأرسلت لك ~~نسخة منها، لعلها وصلت ولم تصادرها حكومتنا الأبوية ~~الرحيمة. # من 7 مايو لم يصلني إلا جريدة أخرى مصرية، ولا أدري لذلك ~~من سبب، مع أني كتبت للإدارة قبل سفري من الآستانة بعنواني ~~الجديد، وها قد كتبت من عشرة أيام للإدارة مجددا. فأرجوك ~~التحرير لأخيك أمين بالتنبيه على من يلزم بإرسال النسخ ~~المتأخرة جميعها ابتداء من 8 مايو وعدم قطع الشعب أو أي ~~جريدة تقوم مقامه. # 2 # أرجوك أن ترسل لي نسخة من تقرير كتشنر ~~بالعربية وأخرى بالفرنسية إن كان طبع بها؛ لأن وجوده بين ~~يدي ضروري للكتابة والمناقشة. # كيف حال نادي المدارس؟ وهل سكتت عنه الحكومة؟ وما هي ~~الحالة العمومية بالإجمال؟ أرجوك أن تكتبها مطولا، وأن ~~يكون الجواب «مسوكرا». # بلغ سلامي لجميع الإخوان وبالأخص للأخ وفيق، وأخبره ~~بأني في اشتياق زائد لجواباته وأخباره. هل أؤمل أن أراكم ~~في هذه السنة بأوروبا، ومن من الإخوان عزم على السفر في ~~هذا الصيف إلى ربوع سويسرة؟ # محمد فريد # وفي يونيو سنة 1914 أهديته كتابي عن التعاون، فجاءني منه الخطاب ~~الآتي: # جنيف في 23 يوليو سنة 1914 # حضرة ولدنا الفاضل عبد الرحمن بك الرافعي حفظه ~~الله # السلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فقد وصلني كتابكم في ~~تاريخ النقابات ومستقبلها في مصر، وقرأته من أوله لآخره، ~~فألفيته أحسن كتاب أخرج للأمة المصرية في هذه العام. ~~فشكرا على هذه الخدمة الوطنية التي لا تقدر. وفقكم الله ~~للاستمرار في هذا الطريق المفيد، وأفاد البلاد بآرائكم. ~~والأمل الآن أن كل النقابات التي تؤسس تنشأ حرة بحيث ~~يسقط قانون الحكومة من نفسه أو تضطر هي لتعديله. # مؤتمر الشبيبة ينعقد بعد باكر، والمنظور أن سيكون شاملا ~~لمندوبين عن جميع الجمعيات؛ فقد حضر للآن مندوبو لندرة ~~وبرلين وباريس وبلجيكا والآستانة، وسنجمع أعماله ونرسلها ~~للشعب؛ عله يوفق وتساعده الظروف السياسية على نشرها كلها ~~أو بعضها. # أؤمل أن أكون بالآستانة حوالي 20 أغسطس لأحضر عيد الفطر ms028 ~~بها، فلعلي أراك بها بخير وصحة وعافية. والسلام عليكم ~~ورحمة الله. # محمد فريد # وقد نشبت الحرب العالمية الأولى في أغسطس سنة 1914، وانقطعت ~~المواصلات بين مصر وأوروبا، فلم يتح لي أن أرى فريدا على شدة ~~رغبتي في أن أسعد برؤيته، وانقضت أعوام الحرب، ثم أعلنت الهدنة في ~~نوفمبر سنة 1918 وقامت الثورة في مصر. # وترقبت أن تعود الفرصة فتتاح لي لكي أسافر إلى حيث ألتقي بإمامي ~~في الوطنية، ولكن الموت عاجله في نوفمبر سنة 1919 وحال بيني وبين ~~أن أراه، وغاب عني شخصه ولكن لم تغب عني قط ذكراه، ولن تغيب ما ~~دمت حيا. ~~(4) اعتقالي 1915-1916 # شبت الحرب العالمية الأولى في يوليو-أغسطس سنة 1914، وأعلنت ~~السلطة العسكرية البريطانية الأحكام العرفية في مصر ابتداء من 2 ~~نوفمبر من تلك السنة على أثر دخول تركيا الحرب ضد الحلفاء. # وفي ديسمبر سنة 1914 وقع الانقلاب المشئوم الذي أعلنت فيه ~~الحماية البريطانية الباطلة على مصر، وخلع الخديو عباس حلمي ~~الثاني، وعين الأمير حسين كامل سلطانا. # وقد احتجبت جريدة «الشعب» - وكان يتولى رئاسة تحريرها المرحوم ~~أمين الرافعي - عن الظهور احتجاجا على إعلان الحماية. وتولت ~~السلطة العسكرية حكم البلاد في خلال الحرب، فكان أول عمل لها ~~اضطهاد الحزب الوطني ومطاردة رجاله، فضبطت أوراقه ودفاتره وسجلاته، ~~وشتتت شمل أعضائه أو الذين اشتبهت في أنهم من أعضائه أو أنصاره، ~~واعتقلت الكثيرين منهم ووزعتهم على سجن الاستئناف بالقاهرة، وسجن ~~الحدرة بالإسكندرية، والمعتقلات التي أنشأتها لهم خصيصا في درب ~~الجماميز وطره والجيزة وسيدي بشر، ونفت بعضهم إلى مالطة وأوروبا، ~~وكنت ممن أصابهم الاعتقال. وأذكر من أسماء المعتقلين وقتئذ: أحمد ~~بك لطفي، علي فهمي كامل بك، عبد الله بك طلعت، عبد اللطيف بك ~~الصوفاني وقد وضع تحت المراقبة في دمنهور، عبد اللطيف بك ~~المكباتي، الأساتذة: عبد المقصود متولي، محمد زكي علي، أحمد وفيق، ~~أمين الرافعي، عبد الرحمن الرافعي، مصطفى الشوربجي، إسماعيل حافظ ~~صهر محمد بك فريد، محمد فؤاد حمدي، إبراهيم رياض، الدكتور عبد ~~الحليم متولي، الدكتور عبد الفتاح يوسف، الدكتور شفيق منصور، أحمد ms029 ~~أفندي رمضان زيان، اليوزباشي حافظ محمود قبودان، اليوزباشي أحمد ~~حمودة، محمد أفندي الشافعي، مصطفى أفندي حمدي، يعقوب أفندي صبري، ~~اليوزباشي أحمد نبيه قبودان، إسماعيل أفندي حسين، الشيخ إبراهيم ~~مروني، إلخ إلخ. # تذكرة المعتقل عبد الرحمن الرافعي ~~سنة 1915: # وفيها تاريخ الاعتقال: ~~18 / 8 / 1915، والاسم، وعبارة: «يفرج عنه ويرسل ~~للمحافظة، 30 أغسطس سنة 1915» لا تدل على الإفراج بل ~~الانتقال إلى معتقل درب الجماميز. # وممن نفوا إلى أوروبا: الدكتور نصر فريد بك، وإلى مالطة: ~~الدكتور عبد الغفار متولي، الأستاذ الدكتور محمد عوض محمد، الأستاذ ~~محمود إبراهيم الدسوقي، الأستاذ محمد عوض جبريل، حامد بك العلايلي، ~~سلامة أفندي الخولي، الأستاذ علي فهمي خليل، الأمير أفندي العطار، ~~وغيرهم وغيرهم. وقد لبثوا في المعتقلات أو في المنفى مددا طويلة، ~~ومنهم من لبث في السجن أو المنفى إلى ما بعد الهدنة سنة 1918، أما ~~من أفرج عنهم فقد قيدت حريتهم ووضعوا تحت المراقبة. ~~(5) إلى السجن # كان اعتقالي بالمنصورة يوم 17 أغسطس سنة 1915، وفي نفس هذا اليوم ~~اعتقل لفيف من خاصة أهل المنصورة ممن عرفوا بميولهم الوطنية، ~~ورحلونا معتقلين إلى القاهرة حيث أودعونا سجن الاستئناف بباب ~~الخلق، وهناك التقيت بأخي أمين وبفوج آخر من الوطنيين اعتقلوهم ~~بمصر يوم اعتقالنا. وكان نظام الاعتقال بسجن الاستئناف أن تخصص كل ~~غرفة من الغرف الانفرادية لاثنين من المعتقلين، وقد نسقوا اختيار ~~كل اثنين بحسب مراكز المعتقلين وشخصياتهم، وإذ كنت قد اعتقلت ~~بالمنصورة فقد وضعوني أنا والمرحوم عبد اللطيف بك المكباتي عضو ~~الجمعية التشريعية (وعضو الوفد المصري فيما بعد) في غرفة واحدة ~~وهي الغرفة رقم 15 من العنبر رقم 5. وكنا صديقين حميمين، ومنزله ~~بالمنصورة تجاه منزلي بها وقتئذ، وكنا قبل الاعتقال نتبادل ~~الزيارات والأحاديث، وله ميول نحو مبادئ الحزب الوطني، وكنت أقدر ~~فيه وطنيته وشجاعته الأدبية، واحتفاظه بكرامته، واعتزازه بشخصيته ~~وكفاءته الممتازة. فلما علم كلانا أنه زميل لصاحبه في «الزنزانة»، ~~اطمأنت نفسنا إلى هذه الزمالة، وخففت عن كلينا غضاضة السجن. وقد ~~استقبلنا موظفو السجن وعماله بالاحترام والتقدير؛ لأنهم عرفونا ~~وعرفوا سبب اعتقالنا، وعرفوا على الأخص ms030 أننا لسنا من طراز ضيوفهم ~~الآخرين نزلاء سجن الاستئناف، فأكرموا وفادتنا وبذلوا لنا كل ما ~~أمكنهم بذله من التسهيلات، ولكن في حدود اللوائح؛ لأن عليهم رقباء ~~من رؤسائهم في المحافظة. ~~(6) في الزنزانة # ولما التقينا أنا والمكباتي بك أول مرة في «الزنزانة» وأقفلوا ~~علينا بابها و«تمموا» علينا طبقا للتعليمات، نظر كل منا إلى ~~صاحبه نظرة دهشة واستغراب، وأخذنا نتأمل في تصاريف الأقدار، ثم ما ~~لبثنا أن مزجنا الدهشة بشيء من الفكاهة والسخرية من سياسة الحكومة ~~التي تعتقل الناس جزافا وفي غير حدود العدل والقانون دون أن توجه ~~إلينا أي تهمة. وقد رأيت من المكباتي جلدا وصبرا أعجبت بهما، ~~وزادا من تقديري له؛ إذ كنت أظن أنه قد يتسخط على مسلكه الوطني ~~الذي أدى به إلى الاعتقال، ولكني على العكس رأيته فخورا به، ~~معتزا بشخصيته، عالي الرأس كعادته، وأخذنا نقطع الوقت بالأحاديث ~~نتناولها في شتى المواضيع فكانت خير سلوى لنا في هذه الأوقات ~~العصيبة. # وفي 30 أغسطس جاءنا الفرج، لا بإطلاق سراحنا، بل بنقلنا إلى ~~معتقل أعدوه لنا بدرب الجماميز في مبنى مخازن وزارة المعارف؛ ذلك ~~أن اعتقالنا في سجن أعد لاستقبال المحكوم عليهم أو المنتظر أن ~~يحكم عليهم في الجرائم قد قوبل من مختلف الطبقات بالسخط ~~والاستنكار، وأبديت رغبة في معاملتنا كمعتقلين سياسيين لهم على كل ~~حال حق الرعاية والمعاملة الإنسانية، فأعدوا لنا المعتقل الجديد ~~بدرب الجماميز. وقد شعرنا فيه بشيء من الراحة النسبية إذا قورن ~~بسجن الاستئناف، وسمح لنا فيه على الأقل أن نجتمع معا في أي وقت ~~نشاء، وأن نختار من الغرف الصغيرة والمتوسطة والكبيرة ما نشاء، وأن ~~يختار كل منا زملاءه، فاخترت مع أخي أمين غرفة واحدة كان بابها ~~مفتوحا في كل وقت، ولا رقابة علينا في خروجنا منها. وكتبت لأهلي ~~خطابا أبشرهم فيه بأننا انتقلنا من سجن الاستئناف إلى المكان ~~الجديد وأن دواعي الراحة متوفرة فيه. # على أنه قد كتب علي أن أنتقل وقتا ما إلى سجن انفرادي آخر ~~يشبه من بعض الوجوه سجن الاستئناف، وهو سجن ms031 «الحدرة» العمومي ~~بالإسكندرية؛ إذ نقلوني إليه وأبقوني فيه مدة أسبوعين مع لفيف من ~~معتقلي المنصورة للتحقيق معنا في بلاغ كاذب عن تهمة باطلة تبين ~~من التحقيق كذبها وتلفيقها. وقد صحبني أيضا المكباتي بك في سجن ~~الحدرة وأفرج عنه هناك، ثم عدنا إلى معتقل درب الجماميز، فرحب ~~بنا الإخوان والزملاء وهنئوني على بطلان التهمة التي وجهت ~~إلينا. ~~(7) في رحاب ليمان طره # وفي شهر سبتمبر سنة 1915 نقلونا إلى معتقل آخر أعدوه لنا في ~~بلدة طره بجوار ليمان طره المشهور. ويبدو لي أن سبب نقلنا إلى هذا ~~المعتقل الجديد أن السلطة العسكرية رأته أبعد عن أنظار الناس وعن ~~الزيارات العائلية من معتقل درب الجماميز، فضلا عما يوحي به ~~اعتقالنا في طره - حيث الليمان المشهور - من الرهبة والفزع لمن ~~كانوا مطلقي السراح من الوطنيين. وربما كان من أسباب هذا النقل ~~أيضا أن معتقل درب الجماميز ضاق بمن فيه، إذ زاد علينا بعض طلبة ~~الحقوق الذين اتهموا بتحريض زملائهم على الإضراب يوم زيارة ~~السلطان حسين كامل لمدرستهم. # ثم نقلونا في فبراير سنة 1916 إلى معتقل آخر أعدوه لنا بالجيزة ~~في مبنى سجن قديم مهجور كان يعرف بالسجن الأسود، وقد تحول بعد ~~ذلك إلى عدة مبان حكومية بأول شارع الهرم بالقرب من كوبري ~~عباس. # ومكثنا به إلى أن أفرج عنا يوم 17 يونيو سنة 1916؛ أي إننا ~~مكثنا معتقلين عشرة أشهر، وكان الإفراج عني مع أخي أمين بك وعبد ~~الله بك طلعت في يوم واحد. # وقد ذهبوا بنا نحن الثلاثة إلى الإسكندرية حيث أعدوا لنا عدة ~~زيارات اقترنت بإطلاق سراحنا. فقابلنا حسين رشدي باشا رئيس الوزارة ~~في منزله بالرمل بمحطة كارلتون (الآن محطة رشدي باشا)، فأحسن ~~استقبالنا وتحدث إلينا عن ضرورات الحرب وعن مساعيه لدى السلطة ~~العسكرية البريطانية لإطلاق سراحنا حتى كللت أخيرا بالنجاح، ~~فشكرناه على حسن مسعاه. وطلب إلينا أن نذهب لمقابلة السير رونلد ~~جراهام مستشار وزارة الداخلية وقال عنه إنه هو أيضا سعى في ~~الإفراج عنا، فذهبنا إليه بدار الوزارة ببولكلي وقابلناه وأبدى ~~نحونا ms032 شعورا طيبا. ~~(8) في حضرة السلطان # ثم ذهبنا إلى سراي رأس التين حيث قابلنا المغفور له السلطان ~~حسين، وقد استقبلنا بعطف وحفاوة، وأخذ يدافع عن سياسته منذ إعلان ~~الحرب العالمية وقبوله عرش السلطنة، وقال إنه قصد خدمة مصر والأسرة ~~العلوية، والتفت في ختام الحديث إلى أخي أمين وقال له: «طلع ~~الغازيتة يا أمين بك.» ووعده بالمساعدة المالية لإصدار الغازيتة ~~(صحيفة الشعب وكانت محتجبة احتجاجا على إعلان الحماية)، فشكره ~~أمين، وانتهت المقابلة بالتحيات المقرونة بالدعوات، على أن أمينا ~~رحمه الله لم يفكر في إعادة صحيفة الشعب طيلة مدة الحرب. # | ذكرياتي عن ثورة 1919 # كنت سنة 1919 لا أزال في الثلاثين من عمري أزاول مهنتي (المحاماة) في ~~«المنصورة»، وكانت تغلب علي نزعة الشباب وأتوق إلى أن تسلك الأمة ~~سبيل العنف في جهادها. أما الآن فإني أميل إلى مبدأ عدم العنف وأراه ~~أقوم السبل وأقربها إلى النجاح والتقدم، وبعبارة أخرى لست من دعاة ~~الثورة # révolution # وأوثر عليها ~~التطور في النهضة # évolution ~~، ومع ذلك ~~لم تتغير وجهة نظري في الجهاد؛ فإني أشعر والحمد لله بأن الشعلة التي ~~تضطرم في نفسي لا تزال كما كانت لم تهبط لها حرارة ولم يضعف لها أوار؛ ~~فالمقاومة الوطنية هي سبيلي في الحياة، وهي هي السبيل التي أدعو إليها ~~وأنشد للوطن المزيد منها والثبات عليها، وهي سبيل كل أمة تريد المحافظة ~~على كيانها في خضم هذا المعترك العالمي؛ إذ لا بد لها من ذخيرة من ~~المناعة تدافع بها الحادثات، على أن المقاومة أو المناعة شيء والعنف ~~شيء آخر، وقد يكون عدم العنف أدعى أحيانا لدوام المقاومة واستمرارها ~~وأجدى عليها من عنف يعقبه فتور ثم تراجع وخمود. # تتبعت منذ نوفمبر سنة 1918 حركة تأليف الوفد المصري، وسعيت جهدي مع ~~الساعين في التوفيق بين الوفد والحزب الوطني، على أن يمثل الحزب في ~~هيئة الوفد، وجرت مفاوضات بينهما في هذا الصدد. وذهبت يوما لمقابلة ~~المغفور له سعد باشا للتحدث إليه في هذا الشأن، يصحبني الأستاذ عبد ~~المقصود متولي، والأستاذ عبد الفتاح رجائي، والمرحوم ms033 محمد بك رمضان ~~القاضي السابق، بغية الاتفاق على هذا الأساس، وقبل الحزب مبدأ ~~تمثيله في هيئة الوفد، ولكن وقع الخلاف بينه وبين الوفد على أشخاص ~~الأعضاء الذين يمثلونه، وانتهى الأمر إلى عدم الاتفاق على أشخاصهم، ~~واختار الوفد من تلقاء نفسه مصطفى النحاس بك «باشا» وحافظ عفيفي بك ~~«باشا» باعتبار أنهما يمثلان مبادئ الحزب الوطني. # وكنت منذ اشتداد الحركة أقضي معظم الأيام بالعاصمة، وشهدت وقائع ~~الثورة الأولى وامتدادها إلى الأقاليم، فرأيت بعثا جديدا للأمة، رأيت ~~روح الإخلاص والتضحية تعم طبقاتها بعد أن كانت من قبل محصورة في دائرة ~~ضيقة. # حدث الإضراب في المدارس يوم 9 مارس سنة 1919 على أثر اعتقال الزعيم ~~سعد زغلول وصحبه، وخرج الطلبة من معاهدهم متظاهرين محتجين منادين ~~بالحرية والاستقلال، فانتعشت لذلك نفوسنا إذ رأينا في هذا الشباب طليعة ~~جيش الإخلاص الذي يغضب لمصر ويثور من أجلها. # حقا لم يكن هذا أول إضراب من نوعه؛ فلقد شهدت من قبل إضراب طلبة ~~الحقوق في فبراير 1906 كما تقدم بيانه، ولكنه اقتصر على طلبة الحقوق ~~ولم يشاركهم فيه طلبة المدارس الأخرى الذين اكتفوا بإظهار العطف عليهم، ~~وانتهى برجوع طلبة الحقوق إلى مدارسهم في مارس من تلك السنة. # وشهدت بعد ذلك وقف الدراسة في جميع المدارس يوم تشييع رفات الزعيم ~~«مصطفى كامل»، وخروج الطلبة جميعا من معاهدهم في ذلك اليوم المشهود ~~(11 فبراير سنة 1908) إظهارا لشعورهم، فكان أول إضراب عام حدث في ~~مدارس العاصمة جميعها، وكان جزءا من المظاهرة الهائلة التي تجلت في ~~موكب الجنازة، واشتركت فيها طبقات الشعب كافة توديعا وتقديرا لزعيم ~~الوطنية الأول. # وقد رأيت في إضراب 9 مارس سنة 1919 صورة مصغرة من إضراب 11 فبراير ~~سنة 1908، فكأن شباب سنة 1919 قد تلقى وحي الوطنية من مشهد ذلك اليوم ~~العظيم. # عادت بي الذكرى إلى مظاهرات اشتركت فيها وأخرى شهدتها منذ سنة 1908، ~~كمظاهرة طلبة الحقوق سنة 1908 لمناسبة عرض جيش الاحتلال في ميدان ~~عابدين، وموكب الذكرى الأولى لوفاة مصطفى كامل (11 فبراير سنة 1909)، ~~ومظاهرات الاحتجاج على تقييد حرية ms034 الصحافة وإعادة قانون المطبوعات ~~(مارس-أبريل سنة 1909)، ومظاهرات المعارضة في مشروع مد امتياز قناة ~~السويس (يناير-أبريل سنة 1910)، ومظاهرات الاحتجاج على الكولونل تيودور ~~روزفلت الرئيس الأسبق للولايات المتحدة لمناسبة خطبته في مناصرة ~~الاحتلال (مارس سنة 1910)، ومظاهرات الشباب تكريما للمرحوم فريد بك ~~(ديسمبر سنة 1910)، ومظاهرات المطالبة بالدستور سنة 1910 وسنة 1911، ~~ومواكب الذكريات السنوية لوفاة مصطفى كامل، وغير ذلك من المظاهرات ~~الوطنية، وأخذت أقارن بينها وبين مظاهرات سنة 1919، فرأيت أن غرس ~~الوطنية قد نما واشتد على تعاقب السنين؛ إذ إن مظاهرات سنة 1919 وإن ~~كانت استمرارا لمظاهرات السنين السابقة إلا أنها في مجموعها أضخم منها ~~وأكثر جموعا وجنودا، ولم تقتصر على العاصمة بل عمت مدن الوادي ~~وقراه، وبدا لي فيها أن روح التضحية والفداء قد تغلغلت في نفوس الشعب ~~أكثر مما كانت من قبل، وكان هذا دليلا على تطور الروح الوطنية واتساع ~~مداها. وكان الذين يسيئون الظن في وطنية هذه الأمة يعتقدون أن الإرهاب ~~كفيل بإخماد الحركة في مهدها، وأخذوا في صحفهم المناصرة للاحتلال ~~يزجون إلى الشباب نصائح معكوسة بحثهم على الخضوع والاستسلام تحت ~~ستار الإشفاق على مستقبلهم، ولكن هذه الظنون قد تلاشت أمام استمرار ~~الإضراب واتساع المظاهرات واستمرارها في الأيام التالية، بالرغم من أن ~~السلطة العسكرية قد تصدت لها بإطلاق الرصاص على المتظاهرين منذ يوم 10 ~~مارس، فلم يرهب الناس القتل وأخذوا يألفون رؤية الدم المسفوك في ~~الشوارع، وتقبل الشعب، شبابه وسائر طبقاته، التضحية بلا خوف ولا ~~تراجع، فكان لهذه التضحية وهذا الإجماع الرائع أثرهما في رفع صوت مصر ~~عاليا مدويا في أرجاء العالم، بعد أن كان خافتا طيلة سني الحرب، ~~وأخذت الصحف التي كانت تمالئ الاحتلال وتزدري بالأمة طوال السنين ~~تغير أسلوبها وتتملق الشعب وتكتب عنه وعن مطالبه الوطنية بلهجة جديدة ~~ملؤها التقدير والإعجاب. # رأيت الجماهير يشتركون في المظاهرات ولا يبالون ما يستهدفون له من ~~الأخطار، كانوا يواجهون رصاص البنادق والمدافع الرشاشة (المتراليوزات) ~~بشجاعة لا تقل عن شجاعة الجند في ميادين القتال، وسقط كثيرون منهم قتلى ~~أثناء المظاهرات. # كان إذا سقط رافع ms035 العلم في موكب المظاهرة مضرجا بدمائه، تقدم ~~غيره ورفع العلم بدله مناديا بحياة الوطن، فيردد إخوانه نداءه. # كان الجرحى منهم لا ينفكون ينادون بحياة مصر والدم ينزف منهم، ~~وكثيرا ما شاهد المارة مركبات الإسعاف تحمل جريحا في مظاهرة يسيل دمه ~~ومع ذلك يرفع ستار المركبة وهي تسير إلى مركز الإسعاف ويطل على الناس ~~وينادي: «نموت ويحيا الوطن!» # تبدلت حالة الشعب النفسية بتأثير الثورة، وحاكى في الضحية أرقى الأمم ~~وطنية وإخلاصا. # ويتصل بهذا السياق أن رجال البوليس قبضوا في إحدى المظاهرات على ~~جماعة من الطلبة المتظاهرين وساقوهم إلى القسم واعتقلوهم به، فلم يكد ~~إخوانهم يرون هذا المشهد حتى تقدموا جميعا إلى القسم وطلبوا أن يقبض ~~عليهم كلهم لأنهم قد اشتركوا مع إخوانهم المعتقلين فيما يسميه البوليس ~~جريمة، وأنهم شركاء معهم فيها ولا يريدون أن يختص زملاؤهم بشرف التضحية ~~والألم في سبيل الوطن، فكان لهذا التضامن البديع وهذه التضحية أثر بالغ ~~في نفوس الشعب. # كانت هذه المشاهد وغيرها دليلا ناهضا على أن الحركة الوطنية قد ~~خطت خطوات واسعة إلى الأمام، وقوي فيها عنصر الإخلاص الذي هو أساس ~~الوطنية الحقة؛ فإن هؤلاء الذين استهدفوا للأذى والقتل لم يكونوا ~~ينتظرون جزاء ولا مكافأة على جهادهم، بل كانوا يشعرون وهم يجودون ~~بحياتهم أنهم يؤدون واجبا نحو بلادهم فحسب، وتلك لعمري أقصى درجات ~~الإخلاص والبطولة. # ومن المشاهد التي أثرت في نفسي مناظر جنازات الشهداء؛ فقد كانت ~~هائلة حقا. كانت الجموع تسير فيها دون أن تعرف شخصية الشهيد أو ~~الشهداء الذين تشيع جنازاتهم، بل دون أن يعرف المشيعون بعضهم بعضا. ~~كان يكفي أن يذاع أن جنازة أحد الشهداء ستشيع في ساعة ما من مكان ما ~~حتى يجتمع الألوف من الناس من مختلف الأوساط والطبقات يسيرون فيها ~~يعلوهم الحزن العميق. لم نكن نسمع فيها عويلا أو نحيبا، بل كنا نرى ~~جلالا وخشوعا، وحزنا رهيبا يتخلله الهتاف بين آونة وأخرى بحياة ~~ذكرى الشهداء والتضحية وضحايا الحرية. فكانت هذه الجنازات مظاهر رائعة ~~لتقدير الشعب معاني التضحية والبطولة، كانت بعثا جديدا ms036 لحياة ~~جديدة. # كان الظن عندما وقعت الحوادث الأولى في ثورة سنة 1919 أنها مقصورة ~~على العاصمة، ولكن لم تلبث أن غمرتنا الأنباء من مختلف الأقاليم بأن ~~مظاهرات قامت فيها على غرار مظاهرات القاهرة وزاد عليها قطع السكك ~~الحديدية، وشهدنا بأعيننا انقطاع المواصلات بين العاصمة والأقاليم كما ~~انقطعت بين أحياء القاهرة نفسها، فأدركنا أننا أمام ثورة عامة شملت ~~البلاد من أدناها إلى أقصاها، وفي الحق إنني مع ما أشعر به من ميل دائم ~~إلى التفاؤل، لم أكن أتوقع أن تقوم في البلاد ثورة في مثل هذه الظروف، ~~وبمثل هذا الاتساع، وبتلك السرعة والقوة والروعة التي تجلت في سنة ~~1919. ولم أكن أنا وحدي في هذا الشعور، بل إن فريدا رحمه الله حين ~~بلغته وهو في منفاه أنباء الثورة عدها من الحوادث المفاجئة، وقال ~~عنها في مذكراته: «من الأمور التي كانت غير منتظرة ما حصل بمصر في ~~شهري مارس وأبريل من هذه السنة (1919) وهو قيام ثورة عامة اشتركت فيها ~~الأمة بجميع طبقاتها.» وقال عنها أيضا: «إن هذه الحركة لم تكن في ~~الحسبان، وإن ما أظهره المصريون من التضامن والاتفاق ما كان أحدهم ~~ليحلم به.» # تتابعت حوادث الثورة، وارتسمت في ذهني صورة واضحة عنها، وأدركت مع ~~الأيام عظم مداها. # شعرت أمام هذه المشاهد بغبطة كبيرة تتملكني؛ إذ أدركت أن روح الحياة ~~قد سرت في الأمة وأنها أخذت تنفض عنها أكفان الخضوع والاستسلام. ورأيت ~~في اتساع الحركة واتحاد الصفوف تحت لوائها تحقيقا للوحدة التي طالما ~~كنا ننشدها ونتمناها، كما رأيت في تعدد مظاهر التضحية نجاحا لدعوة ~~الإخلاص في الجهاد، تلك الدعوة التي هي أساس كل نهضة قومية وسبيل ~~النجاح لكل أمة تريد لنفسها الحياة والعزة. ~~(1) رحلة نيلية في إبان الثورة (مارس سنة 1919) # في 18 مارس سنة 1919 وقعت مظاهرة بالمنصورة قتل فيها تسعة عشر ~~من المتظاهرين، وكنت وقتئذ في القاهرة، وعلمت وأنا بها أن قائد ~~القوة العسكرية البريطانية في تلك المنطقة أنذر سكان المدينة بأنه ~~إذا حدثت مظاهرة أخرى فإنه سيلقي مسئوليتها على عاتق أربعة ms037 منهم ~~عينهم بأسمائهم وهم: محمود بك نصير، والدكتور محمود سامي، ~~والأستاذ عبد الوهاب البرعي، وأنا، وأنه سيأمر بضربنا بالرصاص في ~~حالة قيام أية مظاهرة. # وكانت المواصلات منقطعة، وكنت معتزما العودة إلى المنصورة ~~لأتعهد الروح المعنوية فيها، فقابلني صديق لي قدم منها، وأفضى ~~إلي بأمر هذا الإنذار، ورغب إلي أن أبقى في العاصمة؛ لكيلا ~~أستهدف لتنفيذ ما توعدونا به. فرأيت في نفسي شعورا قويا، لم ~~أعرف مصدره أو سببه، يدفعني إلى العودة إلى المنصورة بالرغم من ~~تحذير إخواني والأقربين. فأخذت أبحث عن سبيل للعودة، وكانت السكك ~~الحديدية مقطوعة، وما أصلح منها كان السفر عليه ممتنعا إلا ~~بترخيص من القيادة البريطانية بالعاصمة، وكانت ترفض كل طلبات السفر ~~التي يتقدم بها المصريون غير الموظفين، وكذلك شأن السفر بالسيارات، ~~فضلا عن حدوث فجوات في الطرق الزراعية تمنع مواصلة السير فيها. ~~ولم يبق سوى السفن الشراعية (المراكب) تنقل الناس بطريق النيل ~~وفروعه إلى الجهات التي يقصدونها، وقد شاعت هذه الطريقة في تلك ~~الأيام، وارتفعت لذلك أجور السفن ارتفاعا كبيرا. فطفقت أبحث عن ~~رفقاء لي يقصدون المنصورة أو البلاد التي في طريقها، فاجتمعت إلى ~~نخبة من الأصدقاء والمعارف كانوا أيضا يبحثون عن سفينة يقصدون بها ~~بلادهم في مديرية الدقهلية، واهتدينا إلى صاحب سفينة شراعية كان ~~قادما من المنصورة ويسره العودة إليها فيربح ذهابا وإيابا، ~~وطلب منا سبعة جنيهات أجرة الرحلة، فقبلناها عن طيب خاطر؛ لأنها ~~كانت أجرة زهيدة بالنسبة لما كان يطلبه أصحاب المراكب في ذلك ~~الوقت، وكانت في ذاتها يسيرة إذ وزعناها على المقتدرين منا. # وتواعدنا على أن نلتقي بمرسى روض الفرج يوم 26 مارس سنة 1919 في ~~الساعة الأولى بعد الظهر؛ فالتقينا في الميعاد المحدد، وركبنا ~~السفينة بعد أن اشترينا ما يلزمنا من المئونة لمدة ثلاثة أيام؛ إذ ~~قدر ربان المركب (الريس) أنها المدة التي تكفي لقطع المسافة ~~بحرا بين القاهرة والمنصورة. وكنا سبعة عشر راكبا عدا الريس ~~وزميله، أذكر منهم: محمود بك عبد النبي، والوجيه بكير الجندي، ~~وكريمته الآنسة لطفية الجندي (الآن زوجة ms038 الأستاذ حسين مطاوع)، ~~وكريمة أخيه الآنسة سنية محمود الجندي (الآن زوجة الأستاذ رياض ~~الجندي)، وعبد اللطيف بك غنام، والشيخ محمد الخشاب قاضي محكمة أجا ~~الشرعية، والدكتور صديق أبو النجا (وكان طالبا بالطب)، وأخاه ~~محمود أفندي أبو النجا، وبعض الطلبة الذين لا تحضرني الآن ~~أسماؤهم. # أقلعت بنا السفينة في نحو الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم إلى ~~القناطر الخيرية، وفي أثناء الطريق قابلتنا باخرة حربية من بواخر ~~الدوريات البريطانية التي كانت تجوب النيل لتعاون القوات المسلحة ~~على قمع الثورة، فخشينا أن تمنعنا عن متابعة السير، ولكنها لم ~~تتعرض لنا بسوء، وتابعنا السير، فوصلنا إلى القناطر الخيرية قبيل ~~غروب الشمس، واجتزنا هاويس الرياح التوفيقي في نحو ساعة. وتابعنا ~~السفر ليلا إلى بنها، وكان الجو باردا؛ فقد كنا في فصل الشتاء، ~~والليل غير مقمر، والسماء مقنعة بالسحب، فأخذت السفينة تسير ~~الهوينا في بطء وعلى حذر؛ لأن مياه الرياح التوفيقي كانت منخفضة ~~وشواطئه مرتفعة مما يزيد في ظلمة الليل. فلما قاربنا الوصول إلى ~~بنها في نحو منتصف الليل، أشار علينا النوتي أن لا بد من رسو ~~السفينة على بعد كيلومتر من كوبري بنها وألا تجتاز هذه المنطقة ~~وإلا استهدفت لإطلاق النار عليها من الدوريات البريطانية، فبتنا ~~الليلة في السفينة وهي راسية على الشاطئ، وشعرت ببرودة الجو؛ إذ ~~كان مبيتنا في العراء تقريبا، ولم نستعد بغطاء كاف، ولم يكن ~~مما يتفق والحالة النفسية للثورة أن نعنى بغطاء أو فراش، وقضينا ~~مع ذلك ليلة هادئة لم نشعر فيها بأي تعب أو عناء. واستيقظنا يوم 27 ~~مارس أكثر ما نكون نشاطا وابتهاجا، وتناولنا طعام الفطور، وكان ~~طعاما بسيطا، فأكلنا منشرحين. واستأنفت السفينة سيرها على طول ~~الرياح التوفيقي، وشاهدنا على الجانبين معالم الثورة ومظاهرها، وما ~~أحدثته من تغيير في نفسية الشعب، فكنا نرى الأهلين في كل ناحية، ~~نساء ورجالا، شيبا وشبانا، يحيوننا على الجانبين دون أن ~~يعرفوا أشخاصنا، وينادون بهتافات لم نعهدها من قبل في الطرق ~~الزراعية وعلى شواطئ الترع، فكنا نسمع نداء: لتحي مصر، ليحي ~~الاستقلال، لتحي ms039 الثورة. واسترعى سمعي بوجه خاص نداء كنت أسمعه ~~بين حين إلى آخر: «ليحي العدل». وقد تساءلت أولا عما يقصد القوم ~~من هذا النداء، وهل ظنونا قضاة جئنا لنحكم بينهم بالعدل؟ ثم أدركت ~~شعورهم الحقيقي وأنهم لا يطلبون العدل لأنفسهم، بل يطلبونه لمصر؛ ~~فإن مصر لم تكن تطالب إلا بالعدل والمساواة بينها وبين الأمم الحرة ~~المستقلة، وليس من العدل في شيء أن تهدر حريتها وتسلب حقوقها، ~~فأكبرت هذا الشعور تفيض به نفوس القرويين ويدل على فطرتهم ~~السليمة. # هذه الروح التي شاهدناها على طول الطريق، هي غرس الثورة ~~ونتيجتها، وهي من ناحية أخرى عتادها وعدتها، وهي علامة الحياة في ~~شعب نهض نهضة قوية يطالب بحقوقه المهضومة. # كانت نفوسنا تفيض بشرا وفرحا؛ إذ شاهدنا هذا التبدل في نفسية ~~الشعب، وشعرت بأن آمالا قديمة كانت تجول في نفسي قد بدأت تتحقق ~~وأنه لا يجوز لنا أن نيأس من هذه الأمة، بل هي من أكثر الأمم ~~استعدادا للرقي، إنما ينقصها أن توجه دائما توجيها صادقا نحو ~~المثل العليا، وهي مستعدة لتلبية كل دعوة صالحة صادقة، والعيب ~~الذي نشكو منه أحيانا لا يرجع إلى جمهرة الشعب، بل هو عيب الخاصة ~~أحيانا والعامة أيضا في انصرافهم في كثير من المواطن عن المثل ~~العليا إلى الأغراض الشخصية، وهذا العيب يزول بالقدوة الصالحة، ~~يبدأ بها الخاصة أولا ثم يقلدهم فيها العامة؛ فالخاصة هم أول ~~المسئولين عن حالة الأمة، وعلى الخاصة أن ترفع من مستواها الأخلاقي ~~وأن تصلح نفسها، ثم تعمل على إصلاح أخلاق الشعب وتهذيبه وترقيته؛ ~~فإنهم المطالبون بهذا الإصلاح. # تابعت السفينة سيرها وسط هذه المشاهد الرائعة حتى وصلت إلى ~~«طنامل» في نحو الساعة السادسة مساء، فغادرنا بكير الجندي ~~والآنستان كريمته وكريمة أخيه، ثم وصلنا ليلا إلى منشأة عبد النبي ~~حيث نزل محمود بك عبد النبي وقضينا الليلة بمنزله، وفي صباح اليوم ~~الثالث من الرحلة (28 مارس) أقلعت بنا السفينة، حتى إذا وصلنا إلى ~~«نوسا الغيط» نزل بها الدكتور صديق أبو النجا وأخوه، وتابعت سيرها ~~حتى وصلنا إلى المنصورة ms040 عصر ذلك اليوم. # كانت هذه أطول رحلة لي من القاهرة إلى المنصورة؛ إذ إن المسافة ~~تقطع عادة بين المدينتين سواء بالقطار أو بالسيارة في نحو ثلاث ~~ساعات، بل دون ذلك، وقد قطعناها هذه المرة في ثلاثة أيام. وتذكرت ~~ما كان يتحدث به أسلافنا من أنهم قبل إنشاء السكك الحديدية كانوا ~~يقطعون المسافات بين مختلف العواصم في عدة أيام، إما بطريق المراكب ~~في النيل وفروعه أو على ظهور الإبل والدواب، فازددت شعورا بما ~~كانوا يعانون من المشاق في قطع المسافات بهذه الوسائل وبما أحدثه ~~العمران والاكتشافات العصرية من التيسير على الناس في سفرهم ~~وإقامتهم وريفهم وحضرهم. # وصلت إلى المنصورة عصر يوم 28 مارس سنة 1919 بالبحر الصغير، وما ~~إن علم أهل المدينة بحضوري في تلك الملابسات العصيبة حتى دهشوا، ~~وكان ظنهم أن أبقى بالقاهرة ولا تثريب علي في ذلك، وعدوها لي ~~عملا قالوا عنه إنه شجاعة، وقلت لهم إنه عمل عادي. ولاحظت أنهم ~~وأهل البلدان المجاورة من مركز المنصورة لم ينسوا لي هذا الموقف، ~~وكان له أثر في نجاحي بعد هذه الحوادث بنيف وأربع سنوات في ~~انتخابات سنة 1923-24؛ إذ على الرغم من ترشيح نفسي للبرلمان عن ~~مركز المنصورة معارضا لمرشح الوفد فقد فزت عليه ونلت النيابة عن ~~المركز في البرلمان الأول، في حين ليست لي به عصبية عائلية أو ~~حزبية. وقد دلني هذا الفوز على أن الشعب بالرغم من تأثره من ~~مختلف الدعايات يقدر (أحيانا) أعمال الناس. حقا إنه قد يضل ~~حينا وقد يضل كثيرا، ولكن يجدر بمن يتصدى لخدمته - وخدمته واجب ~~محتم على كل فرد - ألا ينقم من الشعب خطأه في التقدير، ولا ~~يثور عليه لمجرد أن يتنكر له في بعض المواقف أو يتخطاه في تقديره ~~مرة أو مرات. فإذا كانت الجماهير تتنكر أحيانا لمن يخدمها، فإن ~~هذا العيب لا يقتصر عليها؛ وما أكثر ما يقع فيه المثقفون ~~والممتازون، بله أقرب الناس إلى الإنسان وأعرفهم بفضله ~~وأكثرهم علما بإخلاصه وخدماته. وقد تعذر الجماهير لجهلها أو ~~عجزها عن إدراك الحقائق، ms041 ولكن ما عذر الخاصة والمثقفين والأصدقاء ~~والأقربين في تنكبهم سبيل الحق وهم له عارفون؟ # فعلينا أن نعالج الشعب في رفق وهوادة؛ فإن الشعب معذور، وهو سهل ~~الرجوع إلى الحق، ولا ينقصه في ذلك إلا النصح والزمن الكافي، وصدق ~~الإرشاد، واستمساك مرشديه بالمثل العليا واتباعهم الآية الكريمة: # فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر ~~. فعلى ~~من يتطوعون لإرشاده وقيادته أن يكونوا له دعاة للهدى وأن يظلوا له ~~ناصحين مرشدين، لا طغاة مستبدين، ولا حكاما متجبرين. # وقفت على تفاصيل الحوادث الدامية التي وقعت بالمنصورة في يوم 18 ~~مارس وما يليه، وعرفت أسماء الشهداء الذين قتلوا في تلك الأيام ~~العصيبة، وأدركت أن أهلهم، على الرغم من الحزن الذي تملكهم لفقد ~~أعز الناس لديهم، فإنهم قابلوا مصابهم بالصبر والجلد وبروح من ~~الاعتزاز بأنهم ساهموا بأشخاص شهدائهم في التضحية في سبيل الوطن، ~~فأكبرت فيهم هذه الروح العالية التي كانت مظهرا من مظاهر التبدل ~~في الروح العامة للشعب. # | زوجتي # هي «عائشة» بنت خالي محمد المعايرجي. تزوجت بها سنة 1920 في إبان ~~الثورة، وكنت في الحادية والثلاثين من عمري، وكان لزواجي بها قصة ~~... # فقد كنت مترددا بين الزواج والعزوبة، هل أتزوج أم لا أتزوج؟ وأخيرا ~~رجحت عندي فكرة الزواج لأنه الحالة الطبيعية العادية للإنسان في ~~المجتمع. ولم أر ما يدعوني إلى أن أشذ عن هذه الحالة الطبيعية. ثم ~~جاءت المرحلة الثانية، وهي التفكير في أي البيئات أختار منها ~~زوجتي. # وكان لي صديق صدوق يخلص لي النصح، ويسدي إلي نصائحه بين آن ~~وآخر. فقال لي يوما دون أن يعلم بتفكيري في الزواج: «لي رأي أود أن ~~أبديه لك.» قلت: «وما هو؟» قال: «إنك في حاجة إلى نقطة ارتكاز في حياتك ~~السياسية.» قلت: «وما هي؟» فقال على الفور: «زوجة غنية!» فصدمتني هذه ~~النصيحة ولم تقبلها نفسي. وشعر صديقي أن تعبيره لم يكن رقيقا ولا ~~موفقا، وأراد أن يعبر عن رأيه بصيغة أخرى مخففة ومفسرة. فأبيت ~~أن أستمع إلى نصيحته ومضيت في سبيلي. # وكان حبي لأمي - وقد توفيت وأنا صغير ms042 السن وعشت بعدها يتيما من الأم ~~(ومعذرة للغويين عن هذا التعبير) - قد مال بي مبدئيا إلى أقرب ~~البيئات إليها. # فلما شبت ثورة سنة 1919 كنت في زياراتي لعائلات خئولتي ألاحظ على ~~«عائشة» تطورا عجيبا في نفسيتها وتفكيرها وإحساساتها. كانت ثائرة، ~~واشتركت في مظاهرة السيدات والآنسات (16 مارس سنة 1919)، وكانت تتدفق ~~في أحاديث عن الحالة السياسية وعن تطور الأمة، وأعجبني منها ذكاؤها ~~وجاذبيتها وإخلاصها وروحها الوطنية، فعقدت النية على الزواج بها. ولم ~~أفاتحها في الأمر؛ لأن ذلك لم يكن مألوفا في هذا العصر، وخاصة في ~~البيئات المحافظة، ولأني كنت واثقا من رضاها بأن تكون زوجتي، إلى أن ~~تم عقد زواجي بها في 12 مارس سنة 1920. # ولما علم صديقي الصدوق بزواجي هنأني بحرارة، ثم سألني في تلطف ~~وفي غير فضول: «هل بنت خالك غنية؟» فقلت له: «إن لها إيرادا يسيرا في ~~وقف أستحق أنا أيضا فيه بنصيب يماثل نصيبها؛ أي إنها ليست غنية ولا ~~ذات ثراء.» فكرر لي التهنئة ثم سكت ولم يتكلم. وقطعت سكوته بقولي: ~~«وأنا أيضا لست غنيا ولا ذا ثراء، وهذا في نظري أدعى للانسجام ~~بيننا . ثم إن الغنى مسألة نسبية لا عددية كما يتوهم كثير من الناس؛ ~~فالأغنياء ماذا يصنعون بما يزيد عن مطالبهم المعقولة والمحتملة؟ لا ~~شيء، وما دام الإنسان في غير حاجة إلى الناس فهو لا يقل غنى عن أغنى ~~الأغنياء.» # وقد اقتنع صديقي بهذه الآراء ووافقني عليها قائلا: «إن ما تقوله هو ~~الحق، ولكننا كثيرا ما ننساق وراء أوهام أو أكاذيب اجتماعية يصطلح ~~عليها الناس. ومهما اختلفت الآراء في هذا الصدد؛ فالأمر الجوهري في ~~الحياة الزوجية ليس في الغنى أو قلة الغنى، بل هو التوفيق بين الزوجين، ~~فأرجو لك التوفيق في حياتك الزوجية، وأود لك يا صديقي أطيب ~~التمنيات.» # وأستطيع أن أقول عن زوجتي في صدق وتوكيد: إني وجدت فيها، والحمد لله، ~~شريكة حياتي التي عاونتني على توفير الحياة المنزلية السعيدة، وتيسير ~~الهدوء العائلي الذي ساعدني على العمل والإنتاج. # وأخص صفاتها الإخلاص، والعناية بصحتي وراحتي. ms043 وأنا من ناحيتي ~~أبادلها حبا بحب، وإخلاصا بإخلاص. # ويتجلى إخلاصها أكثر ما يتجلى عندما أمرض أو أحزن، فإذا أصابني مرض ~~تتمنى حقا لو أنها مرضت بدلا عني، وتعتني بي في مرضي أكثر من ~~عنايتها بنفسها ومن عنايتي أنا بها إذا هي مرضت، وعندما ألاحظ ذلك تقول ~~لي: «إن حياتك أنفع للبلاد من حياتي» - هكذا تقول - فأكبر منها هذا ~~الشعور. # وهي تتشدد معي في اتباع تعليمات الطبيب وأحيانا تلزمني إلزاما ~~باتباعها. # وعندما مرضت بالتيفوئيد سنة 1923 ولزمت الفراش نحو شهرين واشتد بي ~~الخطر، كان الأطباء الذين يعالجونني يقرءون على ملامح وجهها درجة ~~حرارتي قبل أن يقيسوها بميزانهم، ويقولون إن وجهها هو الترمومتر الصادق ~~لحالتي الصحية. # ولما توفيت والدتها سنة 1934 - وكنت في رحلة بأوروبا - عدت في أعقاب ~~الوفاة، فأبت أن تقابلني بملابس الحداد، وقابلتني بملابس بيضاء، ~~وتظاهرت باطراح الحزن وكتمته بين جوانحها، على الرغم من أني حزنت ~~لوفاة أمها الحنون، وعاتبتها على كتمان حزنها. # وهي تطالع كتبي بإمعان، وتقرأ كل ما أقول وأكتب، وتبدي لي أحيانا ~~ملاحظات سديدة، وتستمع إلى كل أحاديثي بالراديو وتعجب بها، ومرة أو ~~مرتين قالت لي : «حديثك هذه المرة ضعيف.» فقلت مبتسما: «كيف ذلك والناس ~~قالوا لي غير هذا؟» فقالت: «لعلهم يجاملونك، ولكن الحديث ضعيف.» وذكرت ~~الأسباب، فاغتبطت كثيرا لملاحظاتها، وحمدت الله على أنها تراقبني إلى ~~هذا الحد. # وهي تشاركني في اتجاهاتي الوطنية وتشجعني عليها، ولم أرها مرة ~~تتبرم بالسبيل التي سلكتها في الحياة، ولا رغبتني يوما في أن ألحق ~~بركب «الحياة العملية» كما يصفونها. # إنها زوجة مثالية وكفى، وإني لمدين لها إلى حد كبير بتوافري على ~~العمل والإنتاج، وبالراحة والسعادة في حياتي العائلية. # | بين السياسة والاقتصاد # كنت ولا أزال أعتقد أن السياسة والاقتصاد بينهما ارتباط متين وصلات ~~ووشائج وثيقة، وأن الجانب الاقتصادي للحركة الوطنية لا يقل أهمية عن ~~الجانب السياسي منها، وأن البعث الوطني كما يحفز النفوس إلى تحرير ~~البلاد سياسيا فإنه يهيب بها في الوقت نفسه إلى تحريرها ماليا ~~وتحقيق استقلالها الاقتصادي. وقد لاحظت أن ms044 زعامة «الوفد» للثورة قد ~~أهملت الجانب الاقتصادي، وهنا تبدو ناحية من نواحي النقص في تلك ~~الزعامة إذا قورنت بالزعامة الوطنية قبل الثورة؛ فإن زعامة قبل الثورة ~~- زعامة الحزب الوطني - تفضل زعامة الوفد في توجيه الأمة إلى البعث ~~الاقتصادي؛ مما بدا أثره في تأسيس البنوك التعاونية منذ سنة 1909، ~~ومنشآت التعاون عامة، والمؤسسات النقابية والعمالية، كما أن «غاندي» ~~وأنصاره في الهند قد جعلوا أيضا لدعوتهم جانبا اقتصاديا واسع المدى ~~كان له الأثر الفعال في زيادة الثروة الأهلية وفي قوة الحركة الوطنية ~~عامة في الهند، أما زعامة الوفد فلم توجه الأمة إلى البعث ~~الاقتصادي. # على أن منطق الثورة السليم قد اتجه من تلقاء نفسه إلى بعث النهضة ~~الاقتصادية، وقد ساهمت في هذا البعث قدر ما استطعت. ~~(1) جمعية تعميم النقابات الزراعية (سنة 1919) # ففي يوليو سنة 1919 أسست مع لفيف من أصدقائي بالمنصورة جمعية ~~لتعميم النقابات الزراعية (جمعيات التعاون الزراعية) بمديرية ~~الدقهلية، ووضعنا لها قانونا طبعناه ووزعناه، وجعلنا من أهم ~~أغراضها نشر الجمعيات التعاونية في أنحاء المديرية ومساعدتها في ~~تحقيق أغراضها، ووجدت أن الفرصة سانحة لإحياء الحركة التعاونية ~~التي ركدت في خلال الحرب العالمية الأولى ، وأذعت نداء للانضمام ~~إلى هذه الجمعية وقعه معي كل من: الدكتور محمد حسين هيكل ~~«باشا»، إبراهيم الطاهري بك، حسين بك هلال، الأستاذ عبد الوهاب ~~البرعي، الدكتور إبراهيم الوكيل، محمود بك نصير، عبد الفتاح بك ~~نور، الأستاذ محمود موسى. # ووضعنا نموذجا لقانون جمعية تعاونية زراعية تنشأ الجمعيات على ~~أساسه، ووزعناه في أرجاء المديرية، وكان له صداه في تأسيس بعض ~~الجمعيات التعاونية بها. ~~(2) جمعيات التعاون الخيرية (سنة 1920) # وفي أوائل سنة 1920 فكرت في الاستعانة بالتعاون على مكافحة ~~الغلاء، واتجهنا بالتعاون إلى ناحية اقتصادية وخيرية معا، بإنشاء ~~جمعيات أسميناها جمعيات التموين الخيرية، وكتبت في صحيفة «الأخبار» ~~التي أصدرها أخي أمين بك الرافعي منذ فبراير سنة 1920 عدة مقالات ~~بعنوان: «تطبيق مبادئ التعاون لمكافحة الغلاء وجمعيات التموين الخيرية»، # 1 # وألقيت كلمة في اجتماع عقد بدار الأوبرا في الدعوة ~~إلى إنشاء هذه الجمعيات يوم 5 ms045 مارس سنة 1920، وكان صاحب الدعوة إلى ~~إنشاء هذا الاجتماع وخطيبه صديقي المرحوم الأستاذ محمد أمين يوسف ~~بك. # وهذه الجمعيات هي تنويع وتفريع للجمعيات التعاونية، وقد أدخلنا ~~فيها هذا التنويع للجمع بين قواعد التعاون وقواعد البر بالفقراء ~~ومساعدتهم على مكافحة الغلاء؛ لأن أساس التعاون أن تكون فائدته ~~الجوهرية والأساسية لأعضاء الجمعيات التعاونية. ولكن الحالة التي ~~واجهناها سنة 1920 اضطرتنا أن نعفي جمهور المستهلكين من الفقراء ~~ومتوسطي الحال من عضوية جمعيات التعاون، وعلى هذا الأساس أنشأنا ~~جمعية التموين الخيرية بالمنصورة، والغرض منها مشترى المواد ~~الغذائية والحاجات الضرورية وبيعها لأعضاء الجمعية ولطبقة صغار ~~المستخدمين والعمال والفقراء بدون ربح، بقصد تخفيف وطأة الغلاء ~~عنهم ومساعدتهم على الحصول على حاجاتهم بأرخص الأسعار الممكنة، ~~وجعلنا رأس مال الجمعية مقسما إلى حصص قيمة الحصة الواحدة خمسون ~~جنيها توزع على الموسرين من أهل المدينة. وجعلنا مهمة مجلس ~~إدارة الشركة شراء الأصناف بالجملة وقت نزول أسعارها، وعليه أن ~~يسعى لدى الخيرين من أصحاب المزارع والمتاجر من أعضاء الجمعية أو ~~من غيرهم في مديرية الدقهلية أو غيرها للحصول على تعهدات منهم ~~بتوريد بعض الأصناف الضرورية للتموين بأسعار تقل عن الأسعار التي ~~يبيعون بها في الأسواق ؛ مساعدة منهم لصغار المستهلكين التي أنشئت ~~الجمعية لدفع الضر عنهم، وعلى مجلس الإدارة أيضا أن يجتهد في ~~الحصول من جهات الحكومة على توريد بعض الأصناف للجمعية بأسعار ~~مخفضة، وأعددنا كشوفا بأسماء صغار المستهلكين في أقسام المدينة، ~~وعهدنا إلى لجان من أعضاء الجمعية حصر أسمائهم في كل قسم، وتقدير ~~حاجات كل منهم وعائلته، واتفقنا على أن تباع الأصناف لصغار ~~المستهلكين بالثمن الأصلي، ولمجلس الإدارة أن يأخذ في بعض الأصناف ~~ربحا لا يزيد عن الخمسة في المائة، وأن تباع هذه الأصناف للجمهور ~~من غير المقيدة أسماؤهم في كشوفها بالثمن المناسب لأسعار السوق، ~~وكل ما تربحه الجمعية من هذا الباب تخفض بمقداره أسعار البيع ~~لصغار المستهلكين. وجعلنا مجلس الإدارة ضامنا لحملة الحصص قيمة ~~حصصهم. # أسست جمعية التعاون للتموين الخيري بالمنصورة في فبراير سنة ~~1920، وأسست جمعيات أخرى على هذا ms046 الغرار في بعض المدن، وقد أقبل ~~بعض الموسرين على الاكتتاب في حصصها، وكان الاكتتاب بمثابة قرض ~~يرد إلى صاحبه بعد انتهاء مهمة الجمعية. وقد دفع هؤلاء الموسرين ~~إلى الاكتتاب في حصصها حبهم للخير من جهة، ولأنهم هم أيضا كانوا ~~من المستفيدين بالشراء من الجمعية بالأسعار المخفضة، هذا إلى ما في ~~عملهم من الحدب على الفقراء والمحتاجين. # وقد أدت هذه الجمعيات خدمات جليلة لصغار المستهلكين، وانخفضت ~~بفضلها أسعار الحاجات والأصناف الضرورية، فكانت من خير الوسائل ~~لمكافحة الغلاء. ~~(3) لجنة لتوزيع أسهم بنك مصر # وفي أواخر سنة 1921 أسست في المنصورة أيضا لجنة لتوزيع أسهم ~~بنك مصر في الدقهلية، جعلت اسمها «لجنة الدقهلية للاكتتاب في أسهم ~~بنك مصر» كانت بمثابة دعاية للاكتتاب في أسهم البنك. وكان المرحوم ~~طلعت حرب بك «باشا» يرسل إلي خطابات بإيصالات سداد مبالغ ~~الاكتتاب، وأغلب هذه الخطابات في سنة 1921 وسنة 1922، كان ذلك سنة ~~1921 حيث كان البنك في حاجة إلى مثل هذه الدعاية، أما الآن فهو ~~والحمد لله في غير حاجة إليها ولا إلى مثلها بعد أن أصبح النواة ~~المالية لنهضة مصر الاقتصادية. # وكتبت عدة مقالات في «الأخبار» تحت عنوان: «بنك مصر وبنوك بولونيا» # 2 # جعلتها بمثابة دعوة للإقبال على أسهم البنك. ~~(4) ظهور كتابي في الجمعيات الوطنية (سنة 1922) # إن حوادث سنة 1919 وسنة 1920، والتواء السياسة الإنجليزية تجاه ~~مصر، وتصريحات أقطابها ومناوراتهم ودسائسهم، ودراستي السابقة ~~للمسألة المصرية، كل أولئك قد أقنعني بأنه لا يزال أمام مصر نضال ~~طويل لتحقيق أهدافها، وأن ما كان يظنه البعض من أن حل القضية ~~المصرية على أساس سليم أمر قريب المنال إنما هو وهم من الأوهام، ~~وأن معنويات الأمة في حاجة إلى أن يلم المشتغلون بالحركة الوطنية ~~أو من يودون الاشتغال بها بجهاد الأمم في سبيل حريتها ~~واستقلالها. فاتجهت في سنة 1921 إلى عرض صفحات من هذا الجهاد على ~~أنظار المواطنين، وإبراز ما تحتويه من مثابرة وثبات وصدق وإخلاص، ~~ليترسموا الخطوات الصحيحة للجهاد الصحيح. نشرت هذه المقالات ~~تباعا في صحيفة «الأخبار»، ثم جمعتها في ms047 كتاب واحد عنوانه: ~~«الجمعيات الوطنية، صحيفة من تاريخ النهضات القومية» دعوت الأمة ~~فيه إلى التمسك بأهداب المقاومة الوطنية وتدعيمها بالإخلاص وإنكار ~~الذات، قلت في هذا الصدد في مقدمة الكتاب: ~~«إن الأمم تختلف في وسائل جهادها وطرائقه باختلاف أحوالها ~~وظروفها وميراثها القومي. على أن هناك حقيقة ثابتة لا تتبدل ولا ~~تتغير، وهي أن قوام الجهاد الصحيح المثمر في كل أمة هو تنظيم ~~المقاومة الوطنية المرتكزة على إرادة الشعب وقوته القائمة على مبدأ ~~الإخلاص وإنكار الذات. # هذا هو الأساس الثابت الذي تبنى عليه النهضات القومية، هذه هي ~~الدعامة التي ترتكز عليها حياة الأمم العاملة لاستقلالها، هذه هي ~~السبيل التي تكفل للأمم تحقيق آمالها ولو بعد حين. # وما من أمة تتنكب هذه السبيل وتستسلم للأماني والأحلام أو تسير ~~وراء الأهواء وتتراخى في خطة المقاومة الوطنية إلا وتصاب حركتها ~~بالشلل فتصبح حركة عرجاء تتعثر في سيرها ولا تلبث أن ترجع بها إلى ~~الوراء، وفي هذا الرجوع هدم لصرح الوطنية وتقويض لبناء الجهاد ~~الوطني الذي أسس على مجهودات الأمة ومتاعبها وأحزانها وآلامها ~~وضحاياها. # إن سياسة المقاومة الوطنية هي سياج الأمم المهضومة الحقوق ~~وسبيلها لاستقلالها؛ فهي مناط الفضائل ومصدر الأخلاق، وقوام ~~الشجاعة والنبل، هي روح الاتحاد الوطني ، هي كلمة الأمة التي تجمعها ~~وتحث أبناءها على العمل، هي الوقاية الكبرى من انحلال العزائم ~~وفتور الهمم وفساد النفوس وتفرق الكلمة، هي المدرسة الكبرى التي ~~يكتسب فيها أبناء البلاد فضائل الإخلاص والصدق والمثابرة وإنكار ~~الذات وتذليل العقبات، هي مصدر القوى المعنوية للشعب، هي عماد نهضة ~~الأمم وقوام تربيتها السياسية، فبفضلها تكونت الأمم وغالبت اليأس ~~وقاومت عوامل الفناء وحققت آمالها ووصلت إلى أسمى درجات الرقي ~~السياسي والأخلاقي والاجتماعي. # إن العالم لا يستقر على وتيرة واحدة، وأحواله دائمة التبدل ~~والتحول، فلا يجوز أن نيأس من طول الجهاد أو ننثني أمام العقبات؛ ~~فإن الإنسانية سائرة حتما نحو الكمال، والأمم لا تذعن لحكم القوة، ~~والأرض لا يستقر فيها سلام ولا وئام حتى تشرق في أرجائها شمس ~~الحرية وتعيش الأمم في ظل الاستقلال. # حاول ms048 أنصار الفتح والاستعمار أن يطوقوا الأمم بسلاسل الأسر ~~والاستعباد بعد أن تم لهم النصر في ميادين الحرب العامة «الأولى»، ~~وظنوا أن العالم في قبضة يدهم والأمم سلع تباع وتشترى في سوق ~~الأطماع والأهواء. ولكن إذا كان للسيف والمدفع في الدنيا أحكام، ~~فلعزم الأمم وحزمها وجدها وإخلاص بنيها أحكام وآثار؛ فالقوة ~~الغشوم لا سلطان لها على الأرواح والمبادئ والعقول والأفكار، وليس ~~في مقدورها أن تقف نهضة أمة تسير إلى الأمام نحو المطمح ~~الأسمى. # برهنت الحوادث التي تعاقبت بعد انتهاء الحرب العامة على أن ~~العالم قد دخل دورا جديدا من أدواره التاريخية، وهو دور حرية ~~الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. ومهما يبذل دعاة الفتح والاستعمار ~~من الجهود في مقاومة هذا الحق المقدس؛ فإن الشعوب تأبى أن تعيش ~~مستعبدة تسوقها إرادة المستعمرين؛ لأن من أعظم نتائج الحرب العامة ~~ارتقاء القوى المعنوية في الأمم وإدراكها أن تلك القوى الكامنة ~~فيها إذا اتحدت وعملت فلا سبيل للقوة أن تتغلب عليها. # لقد رفعت الغشاوة القديمة عن أبصار الشعوب، وقرأت مبادئ الحرية ~~ومعاني الحياة الصحيحة على ضوء النار التي اشتعلت في ميادين القتال ~~أربع سنوات طوال؛ فإن التاريخ قد خطها بأحرف لا تمحى من دماء ~~الملايين من بني الإنسان، فسمع الناس في سائر أرجاء الدنيا نداء ~~الحلفاء في كل آونة أن تلك الدماء والضحايا تبذل دفاعا عن حرية ~~الشعوب؛ فالناس في مختلف الأرجاء قد سمعوا هذا النداء ووعوه، ~~وهيهات أن ينسوه، وما من قوة في العالم تستطيع أن تغير سير ~~التاريخ أو تصد أمواج الحرية التي تتدفق في مشارق الأرض ~~ومغاربها. # إن المؤتمرات والمعاهدات لم تعد تملك البت في مصير الأمم، ~~وقد أيدت حوادث التاريخ تلك الحقيقة الأزلية: «الحكومات تمر وتزول ~~والأمم تبقى وتدوم.» # فقديما انعقد مؤتمر فيينا سنة 1815 بعد أن خرجت الدول الأوروبية ~~فائزة من حروب نابليون، وظن الملوك والسياسيون أنهم قادرون على ~~التصرف في أقدار الأمم بعد أن تخلصوا من خصمهم القوي العنيد، ~~فوضعوا في فيينا أساس «المحالفة المقدسة» التي تعاهد الملوك فيها ~~على ms049 أن يحكموا الشعوب حكما لا رأي فيه للأمم ولا قيمة فيه للحقوق ~~الوطنية. ولكن الحوادث خيبت آمالهم؛ فإن الشعوب أخذت تعمل على ~~استرداد حقوقها المشروعة في الحرية والحياة، وأخذت أركان معاهدة ~~فيينا تتداعى تحت تأثير مبادئ الحرية التي انتشرت بين الشعوب ~~الغربية في أثناء حروب نابليون. ولم تكد تمضي أعوام معدودات حتى ~~انفرط عقد المحالفة المقدسة وتغلبت إرادة الشعوب على قوة السياسيين ~~المتآمرين على حرية العالم، وتحطمت القواعد والأركان التي شيدتها ~~الأهواء السياسة والمطامع الاستبدادية في مؤتمر فيينا. # فالتاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام، مع فرق عظيم في مبلغ ارتقاء ~~الشعوب وانتشار مبادئ الحرية التي عمت الدنيا بأسرها شرقا ~~وغربا، ولا غرو فليس في التاريخ حرب أمكنها أن تهز أعصاب ~~الإنسانية كلها وتنبه الأمم التي كانت غارقة في بحار الخمول ~~والجمود مثل الحرب الأخيرة. فلا عجب أن يسير العالم الآن إلى ~~الأمام بخطوات سريعة لم يخطها من قبل، وإن آثار ذلك لماثلة ~~للعيان في تطور الحركات الوطنية والنهضات القومية بين الأمم ~~المهضومة الحقوق؛ فالأمم التي تصرفت مؤتمرات الحلفاء في مصيرها لا ~~يمكن أن تستسلم لأحكام الهوى ولا أن تذعن لقرارات تلك المؤتمرات؛ ~~لأن الشعوب أقوى وكلمتها هي العليا، والإنسانية الجديدة، وليدة ~~الأجيال المتعاقبة، وليدة الأحزان والآلام، وثمرة التجارب والمصائب ~~والمتاعب، تأبى أن تعيش الآن في ظلام العبودية، فحسبها ما تحملته ~~الأمم من المصائب لتنفر من كل نظام يحول بينها وبين حريتها ~~واستقلالها، وليس في استطاعة العابثين بأقدار الشعوب مهما أوتوا من ~~بطش وقوة أن يحرموا الأمم من رحمة الله ونعمة الحرية. # فالدور الذي دخلته الإنسانية بعد الحرب العامة هو دور حرية ~~الشعوب والأمم، هو دور الأمل والعمل، فيجب أن نعمل ونور الأمل يضيء ~~لنا السبيل، يجب أن نعمل لجهاد طويل تشترك فيه طبقات الأمة وتنظمه ~~إرادتها العامة. # يجب أن نمضي في سبيلنا دون أن نرجع إلى الوراء أو نقف في منتصف ~~الطريق أو نتعب من طول الجهاد.» # 22 يناير سنة 1922 # | الحياة النيابية # (1) في البرلمان الأول (سنة 1924) # صدر الدستور في ms050 19 أبريل سنة 1923، وقانون الانتخاب الأول في 30 ~~من هذا الشهر، واستعدت الأمة للانتخابات العامة عقب صدور الدستور ~~مباشرة. وإذ كان الانتخاب وقتئذ على درجتين فقد حدد لانتخاب ~~المندوبين الثلاثينيين يوم 27 سبتمبر سنة 1923، ولانتخاب النواب ~~يوم 12 يناير 1924، ولإعادة الانتخاب يوم 17 منه عند عدم حصول ~~المرشح في اليوم الأول على الأغلبية المطلقة؛ أي النصف زائدا ~~واحدا من أصوات المندوبين الحاضرين. # واهتمت الأمة بالانتخابات بدرجتيها اهتماما عظيما دل على ~~ارتقاء النضج السياسي في البلاد، وتتبع الناس بلهفة إجراءات ~~التمهيد للانتخابات، وتألفت اللجان الشعبية في مختلف المدن والقرى، ~~وكان معظمها من لجان «الوفد». # وكانت الدلائل تدل على أن الوفد سينال الأغلبية الساحقة في ~~الانتخابات «وقتئذ»؛ فشخصية سعد زغلول وزعامته للأمة والمنزلة ~~التي نالها في نفوس المصريين كانت وحدها كفيلة بهذا الفوز، ولا غرو ~~فقد تركزت فيه الثورة لأنه كان زعيمها، وكان نفيه مرتين مما زاد ~~الشعب تعلقا به والتفافا حوله وتلبية لندائه في الترشيح ~~للانتخابات، وبخاصة لأن عودته الثانية من المنفى كانت قبيل ~~الانتخابات بمدة وجيزة، فكان ترشيح الوفد «وقتئذ» يضمن في الغالب ~~فوز كل من يتقدم للانتخابات. # ظهر فوز الوفد أول ما ظهر في الانتخابات الثلاثينية؛ فإن معظم ~~المندوبين الثلاثينيين كانوا من أنصاره، وممن تعاهدوا على انتخاب ~~مرشحيه للبرلمان، فكان ذلك إيذانا بفوز الوفد في انتخابات النواب ~~والشيوخ. # ولم يكن يزاحم الوفد في الانتخابات سوى عدد قليل من مرشحي الحزب ~~الوطني والأحرار الدستوريين وبعض المستقلين؛ إذ لم تكن قد كثرت ~~الأحزاب بعد في البلد كما حدث بعد ذلك، وكان مرشحو الحزب الوطني ~~يعتمدون على مبادئهم وماضيهم في الجهاد، أما مرشحو الأحرار ~~الدستوريين والمستقلون فكانوا يعتمدون في مناطقهم على عصبياتهم ~~العائلية ونفوذهم الشخصي. # لمست تيار الوفد الجارف في هذه الانتخابات؛ فقد رشحت نفسي في ~~دائرة مركز المنصورة معتمدا على الله ومستندا إلى مبادئي وشخصيتي ~~وماضي في الحركة الوطنية، وكان الوفد قد رشح ضدي علي بك عبد ~~الرازق من أعيان المنصورة. # وقد تألفت لجنة وطنية لتأييد ترشيحي أخذت تجوب الدائرة وتوزع ms051 ~~المنشورات على المندوبين والناخبين للدعوة إلى انتخابي. ويطيب لي، ~~وقد مضى أكثر من ربع قرن على تلك الحوادث، أن أدون أسماء من ~~أذكرهم من أعضاء هذه اللجنة، اعترافا بما لهم علي من فضل في نجاحي ~~في هذه المعركة الهائلة، وهم: الحاج محمد عبد البر، سيد أفندي علي، ~~الأستاذ عبد المجيد البيومي، صالح أفندي الطنطاوي، الأستاذ محمود ~~السيد عقل «بك المستشار بمحكمة الاستئناف الآن»، الأستاذ حسين فهمي ~~الصباغ، الأستاذ محمد عبد الرحمن، الأستاذ عبد الحميد الطوبجي، ~~الحسيني أفندي العسقلاني، الأستاذ علي عبد الله، الشيخ إبراهيم ~~جمعة، مصطفى أفندي أبو الوفا، الشيخ أحمد السعيد الجمل، إسماعيل ~~أفندي هواش، صالح أفندي رمزي، حامد أفندي عبد المجيد، شكري أفندي ~~صادق ... إلخ، وفي الحق إنهم عانوا متاعب كثيرة في الطواف بالدائرة ~~والمرور على كل مندوب أو ذي مكانة في بلده وإقناعهم بانتخابي، وكنت ~~أمر أنا أيضا معهم، مجتمعين أو منفردين، وألقى أحيانا ترحيبا ~~وأحيانا إعراضا، ولم يحصل لي أذى بفضل الله؛ فإن مخالفي في ~~الرأي كانوا في الجملة يحترمونني شخصيا. وقد وزعت على جميع ~~مندوبي الدائرة وذوي الرأي والمكانة فيها مؤلفاتي التي ظهرت إلى ~~ذلك الحين، وهي: «حقوق الشعب»، و«نقابات التعاون الزراعية»، ~~و«الجمعيات الوطنية»، فكان لها أثر كبير في تزكيتي وتقدير ~~المندوبين والناخبين لي. # وكان لطلبة الدقهلية لجنة تسمى «لجنة الطلبة العامة ~~بالدقهلية» ساهمت في المعركة الانتخابية، وكان أعضاؤها يزكون مرشحي ~~الوفد في دوائر المديرية، ولكنهم استثنوا دائرة مركز المنصورة، فمع ~~أنهم كانوا في الغالب وفديين، آثروني على مرشح الوفد وعملوا ذلك ~~بوازع من ضميرهم ووجدانهم. وكان لانضمامهم إلى جانبي أثر محمود ~~في نجاحي، وحفظت لهم هذا الجميل على مدى السنين، وقد صاروا الآن من ~~رجالات القضاء أو المحاماة أو الطب، أذكر منهم: الأستاذ أحمد كمال ~~«بك المستشار بمحكمة الاستئناف»، الأستاذ حسين حسني المحامي، ~~الأستاذ علي السعدني «القاضي الآن»، الأستاذ عبد الحميد خلاف ~~«القاضي»، الأستاذ محمود البحيري «رئيس النيابة»، الدكتور زكي ~~منتصر، الأستاذ بدوي حمودة «بك المستشار بمجلس الدولة الآن»، ~~الأستاذ محمد عاشور سكرتير عام ms052 شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، ~~الأستاذ عبد الخالق الطنطاوي المفتش بالأوقاف، الأستاذ عباس رمزي ~~وكيل النيابة ... إلخ. # وبدأت المعركة الانتخابية تقريبا منذ أبريل سنة 1923، أي من يوم ~~صدور الدستور وقانون الانتخابات، واستمرت إلى 12 يناير سنة 1924، ~~أي يوم الانتخابات، فكانت معركة طويلة المدى، حامية الوطيس، عانيت ~~فيها متاعب جسيمة؛ إذ كان مطلوبا مني أن أمر على المندوبين في ~~بلادهم وإقناعهم شخصيا باستحقاقي لثقتهم. وقد أصبت أثناء الحملة ~~بمرض التيفوئيد في يونيو سنة 1923، ولزمت الفراش نحو شهرين، اشتد ~~بي خطر المرض في خلالهما، حتى أذن الله لي بالشفاء. كتب أخي ~~المرحوم أمين بك في جريدة «الأخبار» بالعدد الصادر يوم 27 يوليو ~~سنة 1923 النبذة الآتية تحت عنوان «شفاه الله»: «لزم الأستاذ عبد الرحمن ~~بك الرافعي المحامي بالمنصورة الفراش منذ أيام لمرض ~~انتابه، ويسرنا أن نعلن بأن الأطباء قرروا زوال الخطر عنه وأن ~~صحته آخذة في التحسن، فنحمد الله على لطفه في قضائه وقدره ونسأله ~~الشفاء التام.» # وقامت اللجنة أثناء مرضي بالطواف بدلا عني في الدائرة. # وفي الحق أن ضمير الشعب لم يتأثر إلى الحد الأقصى من الانقسام ~~الذي حدث سنة 1921، فعلى الرغم من أني لم أعتمد في حملتي ~~الانتخابية على عصبية عائلية أو نفوذ شخصي أو قوة حزبية؛ فإن ما ~~عرفه الناس عني من ماض وصفوه بالوطنية قد أوجد شيئا من التوازن ~~بيني وبين منافسي مرشح الوفد. # نجحت بصوت واحد # فزت على منافسي بصوت واحد؛ إذ نلت 171 صوتا ونال هو 170 ~~صوتا، وكان عدد المندوبين الذين أعطوا أصواتهم 341 ~~مندوبا. # كان هذا الصوت الواحد حديث الناس في مجالسهم، وقال الذين ~~شهدوا إعطاء الأصوات أن أحد المندوبين، وكان متقدما في السن، ~~دخل ليعطي صوته، فسأله رئيس اللجنة «المرحوم بيومي بك مكرم ~~القاضي بمحكمة مصر الابتدائية وقتئذ» عمن ينتخبه، فأجاب على ~~الفور: عبد الرحمن الرافعي، ثم سكت هنيهة، وتلعثم قائلا: بل ~~أريد علي عبد الرازق، فرفض رئيس اللجنة عدوله عن رأيه واعتمد ~~صوته لي. وأخبرني الذين شهدوا هذا الحادث أنهم سألوا الرجل ms053 بعد ~~ذلك عما دعاه إلى العدول، فاعترف لهم بأنه كان يريد إعطاء صوته ~~لعلي بك عبد الرازق، ولكن اسمي جرى على لسانه عفوا دون تفكير ~~منه، ولما فطن إلى خطئه (كذا تعبيره) أراد أن يتدارك الخطأ ~~فصارح رئيس اللجنة بأنه إنما يقصد انتخاب علي عبد الرازق لا ~~عبد الرحمن الرافعي، فرفض منه هذا العدول، وقال إن هذا تلاعب ~~لا يجوز وأنه استنفد حقه في الانتخاب بإعطائه صوته أول ~~مرة. # وتحدث الناس كثيرا عن نجاحي بصوت واحد، وقال لي بعض ~~الصوفية إنه صوت الله، فحمدت لهم هذا التعبير، وقلت لهم إنني ~~فعلا كنت وما زلت «ولا أزال» معتمدا على الله. # وقد طعن في انتخابي أمام مجلس النواب، واكتنف الطعن بحوث ~~فقهية طويلة في نصاب الأغلبية، ومدلولها، وفي قيمة هذا الصوت ~~الذي رجح كفتي في الميزان وكان سببا لنجاحي. وكان محور ~~الطعن أن الأغلبية هي نصف الأصوات زائدا واحدا، وبما أن عدد ~~الأصوات التي أعطيت 341 فيكون نصفها # زائدا واحدا، وتكون الأغلبية # لا 171، وأنني على هذا الحساب ينقصني نصف ~~صوت! ولكن لجنة الطعون رأت أن طريقة الحساب بهذا الشكل غير ~~معقولة، وأن الأغلبية في هذه الحالة تكون بجبر الكسر، وأقر ~~المجلس وجهة نظر اللجنة وقرر رفض الطعن. # نال الوفد تسعين في المائة من مقاعد النواب، وفشل في ~~الانتخاب أشهر خصوم سعد أو الذين لا يؤيدون سياسته، وسقط رئيس ~~الوزارة يحيى إبراهيم باشا في دائرته الانتخابية «منيا القمح» ~~وفاز عليه مرشح الوفد، وكان سقوطه شهادة ناطقة له بنزاهته ~~ومحافظته على حرية الانتخابات وتجنيبها تدخل الحكومة وضغطها ~~على حرية الناخبين في جميع المناطق، مما يذكر له بالخير ~~حقا؛ إذ كانت هذه الانتخابات نموذجا للانتخابات ~~الحرة. # | في المعارضة البرلمانية # إن المثالية هي التي جعلتني أختار المعارضة في البرلمان الأول سنة ~~1924؛ فقد شعرت أن من واجبي كنائب أن أتخذ من الحياة النيابية أداة ~~للكفاح الوطني، وأن تكون استمرارا لكفاحي الماضي، وهذا يقتضي مني أن ~~أكون على شيء من الاستقلال عن الوزارة القائمة - وزارة سعد - فأؤيدها ~~فيما ms054 تحسن وأنتقدها فيما تخطئ فيه، وأعبر عن مبادئ وأفكار قد لا ~~تدين بها الأغلبية، وهذا ما يسمى «المعارضة». فاتجاهي إلى المعارضة كان ~~إذن اتجاها سليما قويما فيما أظن، ولكنها مع ذلك جلبت علي متاعب ~~وعداوات كثيرة ظهر أثرها على تعاقب السنين، بالرغم من اعتراف الجميع أن ~~المعارضة ضرورية للحياة الدستورية. إن هذا كلام يقولونه بأفواههم، ~~ولكنهم في خاصة نفوسهم لا يطيقون المعارضة ويتربصون بها الدوائر، ~~وينتهزون الفرص للتخلص من المعارضين وإسقاطهم، وهذا ما حصل لي سنة 1926 ~~و1936 و1951. # ساهمت مع لفيف من إخواني وزملائي في وضع التقاليد الصالحة للمعارضة ~~البرلمانية القويمة. # تألفت المعارضة في بداية الحياة البرلمانية سنة 1924 من نواب الحزب ~~الوطني، وكنا في مجلس النواب لا نزيد على أربعة وهم: عبد اللطيف ~~الصوفاني بك، وأنا، والدكتور عبد الحميد سعيد، والأستاذ عبد العزيز ~~الصوفاني. حملنا معا لواء المعارضة، وكانت غايتنا أن نجعل من الحياة ~~النيابية أداة جهاد في الذود عن حقوق البلاد، ومجال توجيه للحكومة ~~للأخذ بوسائل الإصلاح في شتى نواحيه وإقامة حكم صالح نزيه. وقد حرصت مع ~~إخواني على أن نسير على مبادئ الحزب الوطني داخل مجلس النواب، فكنا لا ~~نفتأ نتمسك بالجلاء ووحدة وادي النيل، وننشد أن يشاركنا الجميع في ذلك، ~~كما كنا نعالج المسائل الداخلية بروح الرغبة الصادقة في الإصلاح. ولم ~~نكن ننظر إلى وزارة سعد كخصم نحاربه، بل كنا نقدر فيها صفة الوكالة ~~عن الشعب، تلك الوكالة التي نالتها في ميدان الانتخاب، فكان موقفنا ~~منها موقف التوجيه الخالص لخير البلاد، كنا نعضدها فيما كان يتفق ~~ومبادئنا وننقدها في رفق ولين فيما كنا نختلف وإياها فيه، ولم يدر ~~بخلدنا أن نخلق لها العقبات أو نشارك في المساعي لإسقاطها. ولكن الوفد ~~لم يقابل هذه الروح بالتقدير والاعتدال، بل حنق من موقفنا؛ إذ كانت ~~سياسته (ولم تزل) اضطهاد المعارضة والمعارضين، وخلق ديكتاتورية ~~برلمانية يتمثل فيها الحكم المطلق بشكل يتفق مع ظواهر الدستور دون ~~حقيقته ومعناه. # وأذكر أن أول موقف لي في المعارضة كان لمناسبة المناقشة في خطاب ms055 ~~العرش (جلسة 29 مارس سنة 1924) الذي ألقاه سعد زغلول يوم افتتاح ~~البرلمان (15 مارس من تلك السنة). وكانت جلسة هامة، حضرها سعد وبقية ~~الوزراء، ورأس الجلسة أحمد مظلوم باشا، وكان يقدرني تقديرا خاصا ~~وينظر إلي بود واحترام ويعطيني حقي في الكلام بارتياح وسهولة مما كان ~~ييسر لي مهمة الكلام في المجلس. كان دوري في الكلام في تلك الجلسة ~~يأتي بعد عبد اللطيف الصوفاني بك، وقد قوطع في بعض العبارات غير مرة، ~~ولكن المجلس تركه يستكمل كل ما أراد الإفضاء به، وفي أثناء خطابه همس ~~في أذني هارون سليم أبو سحلى «باشا» نائب فرشوط، وكان صديقا لي ويجلس ~~خلفي، ناصحا لي أن أتنازل عن كلمتي لأنه يرى جو المجلس غير موائم ~~للمعارضة، فلم ألق بالي إلى نصيحته وتكلمت معارضا في دوري، فألفيت من ~~المجلس إصغاء تاما وحسن استقبال على خلاف ما كان يظن هارون بك، ~~ورأيت مثل ذلك في كل مرة طلبت فيها الكلام. # وكنا من ناحيتنا نحن المعارضين نجتنب العبارات العنيفة أو الكلمات ~~النابية في النقاش، وبذلك وضعنا في مستهل الحياة البرلمانية تقاليد أظن ~~أنها صارت أسسا صالحة للمعارضة النزيهة. وقد انضم إلينا في المعارضة ~~النواب الدستوريون وبعض المستقلين وبعض النواب الوفديين الذين مالوا ~~إلى اتجاهاتنا، فبلغت عدتنا عشرين نائبا، طوى الردى معظمهم وبقي منهم ~~ثلاثة أو أربعة، وجميعهم هم : عبد اللطيف الصوفاني، عبد الحميد سعيد، ~~عبد الرحمن الرافعي، عبد الحليم العلايلي، عبد العزيز الصوفاني، محمد ~~شوقي الخطيب، السيد عبد العزيز خضر، الدكتور محمود عبد الرازق، عبد ~~الجليل أبو سمرة، علي علي بسيوني، سلطان السعدي، هارون سليم أبو سحلى، ~~علي الطحاوي المغازي، أحمد المليحي، محمد الشريعي، خليل أبو رحاب، عبد ~~الله أبو حسين، محمود وهبة القاضي، محمد توفيق إسماعيل. # ومع أن مجلس النواب سنة 1924 كان في الجملة واسع الصدر بإزاء ~~المعارضة؛ فالوزارة نفسها - وزارة الوفد - لم تكن على هذا الغرار؛ فقد ~~كانت تنظر إلى المعارضين بعين الحقد، وبدا ذلك مما أضمره الوفد لنا من ~~المحاربة في الانتخابات اللاحقة. # وقد ms056 قيل عني إنني بمواقفي في المعارضة كنت أريد إحراج سعد، ~~ولعمري إن هذا كان أبعد ما يكون عن خاطري؛ فإني ما قصدت إحراج سعد ~~أو وزارته، بل كنت أرى في الحياة البرلمانية ميدانا لاستمرار الكفاح ~~ضد الاحتلال، فكنت لا أفتأ أحمل على سياسة العدوان البريطاني في مختلف ~~المناسبات، وهي الخطة التي اتبعتها الأغلبية الوفدية في مجلس النواب ~~حينما اشتد هذا العدوان في يونيو ونوفمبر سنة 1924 لمناسبة حوادث ~~السودان. # لم أكن أقصد إحراج سعد، ولكن سعدا كان لا يطيق المعارضة ويحنق ~~عليها؛ لأنه لم يكن يريد من النواب إلا مؤيدين له. وقد زاد حنقه علي ~~حين بدرت منه كلمة بجلسة 24 مايو سنة 1924 عدت عليه خطأ سياسيا ~~كبيرا؛ ذلك أني وجهت سؤالا إلى وزير الأشغال «المرحوم مرقس حنا باشا» ~~طلبت فيه العمل على وقف المشروعات التي كان الإنجليز يقيمونها في ~~الجزيرة (بالسودان)، ولقد أجاب مرقس باشا على سؤالي في هذه الجلسة ~~إجابة غير مطمئنة، وحصل نقاش بيني وبينه، وكان غرضي التنبيه إلى وجوب ~~درء خطر يتهدد مصر من استمرار هذه المشروعات. ومع أن السؤال كما تحدده ~~الأوضاع البرلمانية يجب أن يظل مقصورا بين السائل والمسئول؛ فإن سعدا ~~تدخل في النقاش وقال موجها الكلام إلي: «هل عندكم تجريدة؟» وأراد ~~بهذه الكلمة أن يظهر استحالة وقف هذه المشروعات. # وكانت سقطة كبيرة اتخذها خصومه مادة للطعن عليه، أما أنا فلم يزد ~~تعليقي عليها على قولي: «كنا ننتظر أن نستمد الأمل من كلمات دولة ~~الرئيس لا أن نسمع كلمات تبعث اليأس في النفوس.» ولكن الوفديين ~~حملوني مسئولية تلك الكلمة وكانوا يقولون إنني أحرجت سعدا وجعلته ~~يقولها! وهذا من أغرب ما يسمع في معرض التجني؛ فسؤالي لم يكن موجها ~~إليه، وهو الذي أقحم نفسه في موضوع موجه إلى أحد الوزراء، وكان ~~تدخله مفاجأة لي، فإذا كان قد أخطأ في تدخله وفي قولته هذه، فكيف ~~أتحمل هذا الخطأ؟! ~~(1) حوادث السودان سنة 1924 وصداها في البرلمان # وقعت أزمة سياسية في يونيو سنة 1924 على أثر منع ms057 حكومة السودان ~~سفر وفد يمثل خيرة رجاله المؤيدين لارتباطه بمصر والمقاومين ~~للحركة الانفصالية التي دبرها الإنجليز هناك؛ فقد منعت سفر هذا ~~الوفد إلى مصر، ولم تكتف بذلك بل اعتقلت بعض أعضائه، وفي الوقت ~~نفسه أخذت تستكتب صنائعها عرائض بالولاء للحكم البريطاني. # كان لهذه الأزمة صداها في مجلس النواب بجلسة 23 يونيو سنة 1924، ~~وكانت من أهم جلسات البرلمان، تكلمت فيها، وتكلم فيها أيضا عبد ~~اللطيف الصوفاني بك، ومما قلت في كلمتي: ~~«إن البرلمان كما قال دولة الرئيس هو ضمير الأمة، وهو قلبها ~~الخفاق، وفي هذه الأيام تدور حوادث خطيرة في السودان؛ إذ تقوم هناك ~~حركتان متناقضتان: حركة طبيعية صادرة من أحشاء الشعب السوداني، ~~وحركة مصطنعة تقوم بها السلطة الإنجليزية. # أما الحركة الطبيعية فهي التي عرفناها من التلغراف الوارد على ~~المجلس من جماعة من رجالات السودان وذوي الرأي فيه ينادون بأنهم ~~ألفوا وفدا بقصد الحضور لمصر لإظهار ولائهم لمصر ولمليك البلاد ~~فمنعتهم القوة من اجتياز بلادهم ومنعتهم عن أداء هذه المهمة ~~الوطنية. # أما الحركة المصطنعة فتدبرها السلطة الإنجليزية؛ فقد أوعزت ~~إلى صنائعها وبعض موظفي السودان بعقد اجتماع صوري يتظاهرون فيه ~~بالولاء للحكم الإنجليزي، فهذه حركة لا يمكن السكوت عليها لأن ~~الحوادث التي تقع في السودان الآن إنما يقصد بها الاعتداء على ~~حقوق مصر والسودان وعلى حقوق السيادة المصرية، وإذا قلت السيادة ~~المصرية فلا أرمي إلى الاستعمار والتحكم، وإنما أقصد بالسيادة حقوق ~~الولاية العامة التي يشترك فيها المصريون والسودانيون على ~~السواء. # فإزاء هذه الحركة يجب أن نحتج ونعلن للعالم أجمع رأينا صراحة ~~بأن الحركة التي يدبرها الإنكليز مصطنعة وأن الحركة الطبيعية هي ~~التي ظهرت في التلغراف الوارد علينا. # سادتي: يجب أن نعلن العالم أننا أول من يهمه عمران السودان ~~وتقدمه، وإن التاريخ شاهد على أننا كنا على الدوام عونا للعمران ~~في السودان، وما تدعيه السياسة الإنجليزية من أن بقاء سيادتها هو ~~لمصلحة العمران في تلك البلاد قول مكذوب؛ لأن المصريين هم الذين ~~مدوا السكك الحديدية وشيدوا القصور والبنايات وفتحوا المدارس وشقوا ~~الترع وأقاموا ms058 السدود والجسور على النيل وثبتوا كل دعائم العمران ~~في السودان وضحوا في سبيل ذلك بحياتهم وأموالهم.» إلى أن قلت: ~~«فأضم صوتي إلى الصوفاني بك وأطلب من حضراتكم أن تحتجوا على هذا ~~العمل كما احتجت الأمة المصرية في أبريل سنة 1922 عندما أقام ~~الإنكليز حركة مصطنعة شبيهة بهذه الحركة كان من جرائها محاكمة ~~الضابط السوداني علي عبد اللطيف؛ لأنه لما رأى أن الإنجليز ساعون ~~للقيام بهذه الحركة تظاهر مع جماعة من إخوانه وأعلنوا عن عواطفهم ~~وأظهروا تمسكهم بمصر وبالولاء لعرش مصر، وأظهروا علنا أن كل هذه ~~الحركات التي يقوم بها الإنجليز حركات مصطنعة. ومما يشجعنا على طلب ~~الاحتجاج وعلى رجاء الحكومة بأن تقوم بواجب الاحتجاج وأن تضع حدا ~~لهذه المسائل، أن معالي مرقس حنا باشا (وزير الأشغال وقتئذ) وقت ~~أن كان نقيبا للمحامين تطوع للدفاع عن علي أفندي عبد اللطيف وعزم ~~على السفر للخرطوم ولم يمنعه إلا أنه فوجئ بتلغراف ينبئه بصدور ~~الحكم على الضابط السوداني. وأظن أن هذا الاحتجاج نشترك فيه ~~جميعا؛ إذ لا يوجد أي خلاف بيننا، ونحن نصرح علنا بأننا نؤيد ~~الوزارة كل التأييد في الدفاع عن حقوق مصر والسودان ونؤيدها في ذلك ~~بكل إخلاص.» # وقد عقب سعد على أقوال خطباء هذه الجلسة بكلمة قال ~~فيها: ~~«تحركت مسألة السودان اليوم ولم تكن الحكومة مستعدة لأن تقول ~~رأيها فيها، ولكني مع ذلك يمكنني أن أصرح لحضراتكم بأن الحكومة ~~تشارككم كل المشاركة في شعوركم بالنسبة للسودان، بل تنظر بعين ~~المقت لكل عمل من شأنه أن يفصل السودان عن مصر. # والإجراءات التي تتم الآن في السودان كما قال حضرة العضو المحترم ~~عبد الرحمن الرافعي بك على نوعين؛ الأول: وثائق تكتب واجتماعات ~~تعقد لإظهار الولاء للحكومة الإنجليزية والرغبة عن الحكومة ~~المصرية، والثاني: منع الذين يريدون أن يقدموا ولاءهم للحكومة ~~بالحضور إلى مصر. فأما القسم الأول وهو عقد الاجتماعات أو اختلاس ~~الثقة لأجل إعلان الامتنان من الحكومة الإنجليزية؛ فإنا نصرح هنا ~~وفي كل مكان بأنه باطل ولا يعتبر حجة علينا. # إذا قدمت هذه ms059 الأوراق أمام أي محكمة أو أي هيئة وحصل التمسك ~~بها، فلسان مصر يقول إنها أوراق باطلة لأنها لم تؤخذ بالحرية ~~المطلقة وأنه يجب قبل التمسك بها أن يكون السودان خاليا من كل ~~حكومة أجنبية. # أنا في تصريحي هذا منضم إليكم فيما أعلنتم من أن هذه الوثائق ~~وهذه الأوراق وهذه الاجتماعات لا قيمة لها مطلقا، وهذا كاف ~~(أصوات: بدون شك). # وأما فيما يتعلق بالقسم الثاني ألا وهو منع السودانيين المخلصين، ~~وكلهم فيما أظن مخلصون لنا، راضون عن حكمنا، راغبون في بقائنا ~~بالسودان كإخوان لهم، معتقدون أن بلادهم جزء لا يتجزأ من مصر، أقول ~~إن هذه الإجراءات مستنكرة، ونعلن لجهات الاختصاص بصفتنا حكومة ~~وبصفتنا مجلس نواب استنكارنا لما يكون صحيحا منها واحتجاجنا ~~عليها، وإني لمغتبط بأن لكم في هذه الوزارة ثقة تامة وأن تتخذ ما ~~في وسعها لحفظ حقوق مصر في السودان.» # وانتهت المناقشة بتقديم اقتراحين، أحدهما مني، وهذا نصه: ~~«على أثر التلغراف الذي ورد إلى مجلس النواب من الوفد السوداني ~~الذي عزم على الحضور إلى مصر للإعراب عن ولاء السودانيين لمصر ~~وتمسكهم بالارتباط بها، وعلى أثر الأنباء الواردة من السودان عن ~~المناورات المصطنعة التي يقصد منها الاعتداء على حقوق مصر ~~والسودان، يعلن المجلس عطفه على السودانيين جميعا لتمسكهم ~~بارتباطهم الوثيق بمصر ويعلن استنكاره للمناورات المصطنعة التي ~~يقوم بها دعاة الاستعمار في السودان، ويعلن تمسك الأمة المصرية ~~بمبدئها الخالد وهو أن السودان جزء لا يتجزأ من مصر.» # والثاني من حسين بك هلال، وهذا نصه: ~~«بعد سماع التصريحات الحكيمة التي أبداها حضرة صاحب الدولة رئيس ~~الوزراء بخصوص الإجراءات غير الشرعية القائمة الآن في السودان ~~للسعي في فصل السودان عن مصر، يكرر المجلس ثقته التامة بالوزارة ~~ويطلب الانتقال لجدول الأعمال.» # فوافق المجلس بالإجماع على الاقتراحين معا. # وأصدر مجلس الشيوخ احتجاجا بهذا المعنى بجلسة 25 يونيو سنة ~~1924. ~~(2) تصريح الحكومة البريطانية عن السودان في مجلس اللوردات # وعلى أثر تصريحات سعد باشا في مجلس النواب بجلسة 23 يونيو قامت ~~مناقشة بمجلس اللوردات عن السودان يوم 25 يونيو، ms060 وصرح اللورد ~~بارمور نائب الحكومة في هذا المجلس قائلا: «إن الحكومة البريطانية ~~لا تترك السودان بحال، وهي تقدر التعهدات الواجب تحملها والتي ~~لا يمكن تركها من غير أن تصاب سمعة إنجلترا بخسارة عظمى، وأستطيع ~~أن أقول من غير تردد إن نظام السودان لن يسمح بتغييره ولا أن ~~ينفذ ذلك التغيير من غير موافقة البرلمان.» # فظهر من هذا التصريح أن وزارة العمال لا تختلف عن غيرها في ~~سياستها الاستعمارية في السودان. وقد رد سعد على هذا التصريح في ~~مجلس النواب (بجلسة 28 يونيو سنة 1924) ضمن خطبة قال فيها: ~~«إني بالنيابة عن الشعب المصري جميعه وفي حضرتكم الموقرة أصرح ~~بأن الأمة المصرية لا تتنازل عن السودان ما حييت وما عاشت (استحسان ~~وتصفيق طويل)؛ فهي تسعى للتمسك بحقها ضد كل غاصب، ضد كل معتد. ~~تتمسك بهذا الحق في كل فرصة وفي كل زمن. تسعى بكل طريق مشروع سلكه ~~كل مهضوم الحق لأجل أن تحفظ هذا الحق وتصل إلى التمتع به، وإن كنا ~~في حياتنا لا نصل إلى أن نتمتع بحقنا فإننا نوصي أبناءنا وذريتنا ~~أن يتمسكوا به ولا يفرطوا فيه قيد شعرة، وهكذا يوصون هم أبناءهم ~~وأبناء أبنائهم، ولا بد أن يأتي يوم يفوز فيه حقنا على باطل غيرنا. ~~إن حقوق الأمم لا تضيع ولا تتأثر بمجرد أن يقول الغاصب إني أريد أن ~~أتمتع بها دون أصحابها، كلا، ليست هذه طبيعة الوجود، بل كل حق يبقى ~~حيا ولا يموت ما دام وراءه مطالب، ونحن ما دمنا مطالبين بهذا ~~الحق، وما دمنا نوصي أبناءنا بالتمسك به، وما دام أبناؤنا يقتفون ~~خطواتنا فلا بد أن نتمتع به نحن أو هم إن شاء الله تعالى ~~(تصفيق).» # إلى أن قال: «أما فيما يتعلق بالمفاوضات؛ فقد جاء في هذه ~~التصريحات: إنها ستكون على أساس تصريح 28 فبراير سنة 1922.» وقد ~~صرحت غير مرة بأنني أستنكر هذا التصريح، استنكرته خارج الحكومة، ~~استنكرته في البيان الوزاري، استنكرته في كل مناسبة، ولا أزال ~~أستنكره إلى الآن، وأقول إنهم وإن قالوا إننا نتفاوض ms061 على قاعدة ~~تصريح 28 فبراير سنة 1922، فوزارتنا لا تقبل بحال من الأحوال أن ~~تتفاوض على أساس هذا التصريح. ولقد سبق أن قلت لكم إني إذا لم أجد ~~طريقة للمفاوضة على غير هذا الأساس فإني لا أدخل في المفاوضات ~~أصلا، وأنا عند قولي، وقلت لكم أيضا إني إذا لم أصل إلى هذا فإني ~~أتخلى عن الحكم، وأنا مستعد لهذا التخلي (أصوات: أبدا، حاشا) هذا ~~ما عزمت عليه والرأي لكم (تصفيق متواصل).» # وقد عقبت على خطبة سعد بخطبة قلت فيها: ~~«أرى واجبا علي أن أبدأ كلمتي بتوجيه جزيل الشكر والثناء إلى ~~دولة الرئيس الجليل على تصريحاته التي فاه بها اليوم؛ لأنه عبر ~~بهذه التصريحات عن شعور الأمة، عبر تعبيرا صحيحا عن تمسكها ~~كل التمسك بحقوقها كاملة. سادتي: نحن في صراع مع السياسة ~~الإنجليزية، ولسنا منخدعين في تلك السياسة ولا معتقدين البتة أن ~~هذا الصراع ينتهي في ساعة أو في يوم، وهذا الصراع سيطول وقد يطول ~~طويلا، ولكننا ما دمنا متمسكين بالحق فإن هذا الصراع لا بد أن ~~ينتهي بفوز الحق وخذلان الباطل (تصفيق). وما التصريحات السياسية ~~التي تلقى في مجالس النواب إلا سهام يتراشق بها المتخاصمون كما ~~يترامى المتقاتلون بالقنابل في ساحة القتال؛ فهذه التصريحات التي ~~فاه بها الساسة الإنجليز أخيرا في مجلس اللوردات إنما هي سهام ~~يقصد منها أن تثبط من عزائمنا، ولا غرض لرجال السياسة ~~الإنجليزية سوى ذلك، ولقد لجئوا إلى هذه الطريقة في كل مناسبة قويت ~~فيها الحركة الوطنية؛ فإنكم تذكرون أنه عندما قامت حركتنا في سنة ~~1919 سمعنا في مجلس العموم ومجلس اللوردات تصريحات خطيرة أشد من ~~التصريحات الأخيرة، ومع ذلك لم تكن تلك التصريحات القديمة لتفل ~~من عزمنا بل تخطيناها وسرنا إلى الأمام بعزيمة صادقة ولم نكترث ~~لها ولم نعبأ بها.» إلى أن قلت: «والآن أقول لكم إنه إذا كان ~~الإنجليز يعتقدون أننا ضعفاء أمامهم فإن لنا قوة معنوية لا تنكر، ~~وإننا إذا كنا ضعفاء ماديا فنحن أقوياء معنويا، ولقد برهن ~~التاريخ على أن القوة المعنوية للشعوب ms062 تستطيع أن تهدم كل قوة مادية ~~تعترضها. ولنذكر جميعا أن المصري هو مادة العمران في السودان، فلا ~~يمكن بقاء العمران هناك إذا انقبضت الأيدي المصرية عن العمل؛ فقد ~~قال لي خبير في شئون السودان عاد منه أخيرا: إن الإنجليز لا ~~يستطيعون أن يقيموا مشروعات الري في السودان إذا لم يستخدموا ~~العمال المصريين والأيدي المصرية، وقد جربوا مرارا أن يستخدموا ~~عمالا صوماليين أو هنودا أو يمانيين أو جنودا فلم يستطيعوا أن ~~يقيموا هذه المشروعات ولا أن يستمروا في العمل، والتجئوا أخيرا ~~إلى عمال مصر وجنود مصر. ففي يدنا قوة معنوية؛ في يدنا أن نعمل ~~عملا سلبيا وهو ألا نساعدهم على أن يعملوا ضد مصلحتنا وضد مصلحة ~~السودانيين في تلك البلاد، وفي هذه الحالة لا أظن الإنجليز ~~يتجاهلون قوة مصر المعنوية. أنا لا أقول إننا نلجأ إلى طرق العنف ~~والثورة، ولكن في يدنا قوة سلبية أمضى سلاحا من طرق العنف، وقد ~~تكون هذه القوة هي السر في تلك الحقيقة التاريخية التي أجمع ~~عليها المؤرخون وهي: «إن وادي النيل مقبرة الفاتحين من قديم ~~الزمان» (تصفيق)، وإن هذه القوة هي مصداق الحديث الشريف: «مصر ~~كنانة الله في أرضه فمن أرادها بسوء قصمه الله» (تصفيق).» ~~(3) تلاحق الحوادث # على أثر إخفاق محادثات سعد-مكدونالد (سبتمبر-أكتوبر سنة 1924)، ~~ثم استقالة سعد في 15 نوفمبر سنة 1924، فاسترداد استقالته، ثم مقتل ~~السردار السير لي ستاك باشا في 19 نوفمبر؛ فالإنذارات البريطانية، ~~فاستقالة سعد نهائيا، اجتمع مجلسا النواب والشيوخ في مساء 24 ~~نوفمبر سنة 1924 في جو مضطرب مكفهر، وأعلن سعد في كلا المجلسين ~~استقالة الوزارة واستعداده لتأييد كل وزارة تشتغل لمصلحة البلاد. ~~وقرر مجلس النواب في تلك الجلسة الاحتجاج على تصرفات الحكومة ~~البريطانية، وعهد بوضع صيغة الاحتجاج إلى لجنة ألفها المجلس من ~~أربعة أعضاء وهم: الوكيلان حمد باشا الباسل وأحمد محمد خشبة بك ~~«باشا»، والأستاذ مكرم عبيد «باشا»، وأنا، فوضعنا صيغة الاحتجاج، ~~وأقره المجلس بالإجماع، وهذا نصه: ~~«إزاء الاعتداءات الأخيرة التي وقعت من الحكومة البريطانية ضد ~~حقوق الأمة المصرية وسيادتها ودستورها ms063 يعلن مجلس النواب: «أولا»: ~~تمسكه بالاستقلال التام لمصر والسودان اللذين يكونان وطنا ~~واحدا لا يقبل التجزئة. «ثانيا»: أنه بالرغم من استنكار الأمة ~~ومليكها وحكومتها وبرلمانها للجرم الفظيع الذي ارتكب ضد المأسوف ~~عليه السير لي ستاك باشا سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، ~~وبالرغم مما قدمته الحكومة من الترضية وما اتخذته من الوسائل ~~الفعالة لتعقب الجناة وتقديمهم إلى العدالة؛ فإنه لمما يؤسف له ~~كل الأسف أن الحكومة البريطانية رأت أن تستغل هذا الحادث المحزن ~~لقضاء مطامعها الاستعمارية والاعتماد على قوتها المادية للانتقام ~~من أمة بريئة تعتمد على قوة حقها وعدالة قضيتها، فلم تقتصر على ~~مطالبها البالغة حد الإرهاق فيما يتعلق بالجريمة نفسها بل تعدت ~~هذه الدائرة وذهبت إلى المطالبة بسحب الجيوش المصرية من السودان، ~~وإلزام الوحدات السودانية من الجيش المصري بحلف يمين الولاء لحاكم ~~السودان، والتصريح بزيادة مساحة الأطيان التي تستغلها الشركات ~~الاستعمارية البريطانية في السودان من 300 ألف فدان إلى ما لا ~~نهاية له، وعدول الحكومة المصرية عن كل معارضة لرغبات الحكومة ~~البريطانية فيما تدعيه من حماية المصالح الأجنبية في مصر، إلى ~~آخر ما جاء في التبليغات الإنجليزية، ثم نفذت فعلا ما توعدت ~~به وزادت عليه احتلال جمارك الإسكندرية معلنة أنه أول التدابير ~~التي تنوي اتخاذها. ولما كانت هذه التصرفات منافية لحقوق البلاد ~~لما فيها من الاعتداء على استقلالها والتدخل في شئونها والعبث ~~بدستورها وتهديد حياة البلاد الزراعية والاقتصادية فضلا عن أن هذه ~~الاعتداءات ليس لها أي علاقة بالجريمة ولا نظير لها في ~~التاريخ. # فلذلك يعلن مجلس النواب المصري على ملأ العالم شديد احتجاجه على ~~هذه التصرفات الجائرة الباطلة، ويشهد الأمم المتمدينة على تلك ~~المطامع الاستعمارية التي لا تتفق مع روح هذا العصر وحقوق الأمم ~~المقدسة، ويبلغ احتجاجاته برلمانات العالم، ويرفع الأمر إلى مجلس ~~عصبة الأمم طالبا إليه التدخل في الأمر لرفع الحيف عن أمة بريئة ~~تتمسك بحقوقها المقدسة في الحياة والحرية ولا تبغي عن استقلالها ~~بديلا.» # وأقر المجلس هذا النص بالإجماع. # وقرر مجلس الشيوخ احتجاجا بهذا المعنى. ~~(4) انتخابات سنة ms064 1925 # تألفت وزارة زيور باشا يوم 24 نوفمبر سنة 1924، وفي 24 ديسمبر ~~استصدرت مرسوما بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات جديدة، وهكذا عدت ~~إلى مأساة الانتخابات ولم يمض عام على متاعبي في المعركة الأولى. ~~وكنت أتوقع محاربة الوفد لي في الانتخابات الجديدة بسبب مواقفي في ~~المعارضة، فبذلت في هذه المعركة مجهودا مضنيا لا يقل كثيرا عن ~~مجهودي في الانتخابات الأولى وإن كان أقصر منها مدى. وكان مما لجأت ~~إليه هذه المرة أن طبعت كتابا عن «أعمالي في مجلس النواب» أوردت ~~فيه مجموعة أعمالي نقلا عن المضابط الرسمية وأقوال الصحف، ووزعته ~~مجانا في جميع بلاد الدائرة ليكون شفيعا لي في إعادة انتخابي، ~~وألمعت في مقدمته إلى ما سألقاه من المحاربة في الانتخاب. ويطيب لي ~~أن أنشر هنا هذه المقدمة لأنها تمثل صورة من أفكاري وتأثراتي ~~ومتاعبي في الحياة السياسية، قلت: # هذه مجموعة أعمالي في مجلس النواب، أنشرها لمناسبة تقدمي ~~للانتخاب للمرة الثانية في الدائرة التي شرفتني بالنيابة ~~عنها في المرة الأولى: دائرة مركز المنصورة. # إن من حق كل دائرة انتخابية أن تطلب من نائبها أن يقدم ~~لها حسابا عن أعماله، فها أنا ذا أؤدي واجب الأمانة ~~وأقدم حسابا عن أعمالي في دار النيابة. # أتقدم للانتخاب بمشيئة الله تعالى هذه المرة لكي أواصل ~~أعمالي في مجلس النواب وأتم المشروعات التي قدمتها ~~ودافعت عنها وحالت الظروف بكل أسف دون إنفاذها في دور ~~الانتخاب الأول. أتقدم للانتخاب لنفس الغرض الذي تقدمت من ~~أجله في المرة الأولى ، وهو أن أضع مجهوداتي وقواي ~~ومعلوماتي تحت تصرف الغاية التي تقصر دونها كل غاية وهي ~~الاستقلال التام لمصر والسودان، مجددا العهد أن أخدم ~~الوطن بكل إخلاص ونزاهة واستقامة بعيدا عن كل مصلحة شخصية ~~أو غاية حزبية. # من أراد أن يحكم لي أو علي فليقرأ هذه المجموعة، ~~وليمعن النظر في كل سطر من سطورها المنقولة عن المحاضر ~~الرسمية لجلسات مجلس النواب، وليقرأ ما كتبته الصحف ~~الوفدية تعليقا على أقوالي، ثم ليحكم بعد ذلك ضميره ~~وليكن حكم الضمير نافذا لا مرد ms065 له. إني ما تقدمت ~~للانتخابات لمصلحة شخصية، ولو كنت أوثر مصلحتي الشخصية ~~لابتعدت عن الحياة النيابية لأني ما جررت منها مغنما، ~~فضلا عن أنها عادت علي بأضرار يعرفها الكثيرون، ولكني ~~احتملت هذه الأضرار وإني مستعد لأن أحتمل مثلها وأضعافها ~~بالصبر والرضا والارتياح لأن في أعناقنا جميعا أمانة ~~الوطن، وليس من صدق الوطنية أن يتردد الإنسان في احتمال ~~هذه الأمانة. أتقدم للانتخابات وأنا عالم بأن قوما قد ~~اعتزموا أن يحاربوني ويلقوا في طريقي ما شاءوا من ~~العقبات، فإلى هؤلاء السادة الأماجد أقول لهم: إني لست ~~حريصا على الانتخابات بمقدار حرصي على الدفاع عن المصلحة ~~الوطنية وعن الحقيقة والتاريخ. # فها أنا ذا أنشر على الملأ صحيفة أعمالي في مجلس النواب، ~~فهي حجتي أمام ناخبي الذين شرفوني بثقتهم، وهي حجتي ~~أمام الناس، أمام خصومي وأصدقائي على السواء، وهي حجتي ~~أمام التاريخ. أنا لا أذكر في هذه المقدمة أعمالي في ~~المجلس، وحسبي أن يقرأها المنصفون مدونة في هذه المجموعة، ~~ولا أزكي نفسي، ولكن أقول فقط كلمة صغيرة للذين عزموا على ~~أن يحاربوني في الانتخابات: أيها السادة، ألم تشتركوا في ~~آخر جلسة من جلسات البرلمان في القرار الإجماعي الذي أصدره ~~المجلس باختياري مع الأستاذ مكرم عبيد بك لوضع احتجاج ~~المجلس على اعتداءات السياسة الإنجليزية بعد حادثة السردار ~~وكان القرار مبنيا على «اختيار اثنين موثوق بهما ثقة ~~تامة بالإجماع.» فإذا كنت أنا الضعيف موضع هذه الثقة في ~~أشد الأوقات حرجا، فكيف أكون الآن، ولم يمض شهر على هذه ~~الشهادة الإجماعية، موضع الطعن والتشهير؟! ألم تكن هذه ~~الشهادة نتيجة أعمالي في المجلس؟ إني أترك لضمائركم تقدير ~~هذا الموقف وإني واثق بأنكم ستجيبون غدا أو بعد غد صوت ~~الحق والضمير. # إني واثق من حكم الضمائر إذا حكمت، وإني مطمئن لأني أديت ~~واجبي، وسيحكم التاريخ، وسيحكم الله وهو خير ~~الحاكمين. # إن أريد إلا الإصلاح ~~ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه ~~أنيب ~~. # عبد الرحمن الرافعي # المنصورة في 5 يناير سنة ~~1925 # شهداء الانتخابات. # وقد رشح الوفد ضدي ms066 هذه المرة الأستاذ السعيد محمد سبع «بك» (وكيل ~~مدير مصلحة الأملاك الآن 1951) وفزت عليه بأصوات قليلة، ولم يكد ~~المجلس الجديد يجتمع يوم 23 مارس سنة 1925 حتى حل في اليوم نفسه ~~فضاعت مجهوداتي في الانتخاب سدى. # وقد عطلت الحياة النيابية بعد هذا الحل نحو ثمانية أشهر، إلى أن ~~عادت على أثر اجتماع البرلمان من تلقاء نفسه في السبت الثالث من ~~شهر نوفمبر سنة 1925، وأعقب هذا الاجتماع ائتلاف الأحزاب ثم انعقاد ~~المؤتمر الوطني ثم انتخابات سنة 1926. # | صدمة سنة 1926 # (1) شهداء الانتخابات # أصبت في حياتي بصدمات كثيرة لا أريد أن أشغل القارئ بها. على أن ~~أشد صدمة أصابتني وقعت لي سنة 1926. # كانت هذه السنة في مجموعها فوزا للأمة، وقد تحدثت عن تفاصيل هذا ~~الفوز في الفصل الحادي عشر من كتابي «في أعقاب الثورة» (ج1) تحت ~~عنوان «اجتماع البرلمان من تلقاء نفسه وعودة الحياة ~~الدستورية». # أما بالنسبة لي شخصيا، فكانت هذه السنة صدمة بل محنة كادت تودي ~~بي لولا أن أعانني الله عليها بالصبر والثبات. # كانت عودة الحياة الدستورية نتيجة لدعوة المرحوم أمين بك الرافعي ~~إلى اجتماع البرلمان المنحل من تلقاء نفسه في السبت الثالث من شهر ~~نوفمبر سنة 1925، وقد ساهمت في نجاح هذه الدعوة بصفتي عضوا في ~~مجلس النواب المنحل وشقيقا لصاحب الدعوة، واجتمع البرلمان فعلا ~~في فندق الكونتننتال يوم السبت 21 نوفمبر سنة 1925 برياسة سعد، ~~وكان هذا الاجتماع أول خطوة نحو استئناف الحياة الدستورية وعودة ~~الوحدة إلى الصفوف وائتلاف الأحزاب القائمة وقتئذ وهي الوفد ~~والحزب الوطني وحزب الأحرار الدستوريين ، وتم الاتفاق بين الأحزاب ~~الثلاثة على الدخول في المعركة الانتخابية التي أسفر عنها انعقاد ~~المؤتمر الوطني متفاهمة غير متحاربة، متعاونة غير متنازعة. وكان ~~ظني ألا أجد العناء الذي وجدته في انتخابات سنة 1924، أو ~~انتخابات سنة 1925؛ فإنها في الحق قد أضنتني وأرهقتني، وكان من حقي ~~أن أستريح في معركة سنة 1926؛ فإن الائتلاف قد أراح معظم الأعضاء ~~البارزين من الأحزاب حتى فاز أكثرهم بالتزكية. وقبل أن يتم اجتماع ~~البرلمان من تلقاء نفسه قابلت ms067 سعدا في منزله مع حافظ رمضان بك ~~«باشا» والدكتور عبد الحميد سعيد، وعرضنا عليه أن يؤيد الفكرة ~~ويصدر تعليماته إلى نواب الوفد وشيوخه بحضور الاجتماع، فتلقى ~~الفكرة بالارتياح والتحبيذ وأحسن مقابلتنا وتبسط في الحديث ~~والتفكه معنا، وانصرفنا مغتبطين مبتهجين، ولكن بعد اجتماع البرلمان ~~وتصافي الأحزاب وتبادل الاجتماعات بينها، جاء دور توزيع المقاعد، ~~ففوجئت بأن الوفد يعارض في ترك دائرة «مركز المنصورة» لي وأصر على ~~أن تكون من دوائر الوفد أي على انتزاعها مني. ~~(2) الوفد يصر على إقصائي # فحدثت أزمة بين الوفد والحزب الوطني بسبب هذا الموقف نحوي، ورأى ~~الحزب أن في قبول هذا الوضع إذلالا له وخذلانا لعضو بارز من ~~أعضائه انتخب مرتين عن هذه الدائرة وأدى واجبه ورفع صوت مبادئ ~~الحزب في البرلمان. وفاتحني إخواني في أن ننقض الائتلاف ما دامت ~~النيات قد بدت غير سليمة إلى هذا الحد، فلم أوافقهم على اقتراحهم، ~~وأبيت أن تكون مسألتي سببا لنقض الائتلاف ولما يجف المداد ~~الذي كتبت به وثيقته في اجتماع الكونتننتال، ورأيت من الأحرار ~~الدستوريين مسايرة للوفد في إقصائي عن البرلمان، ونصحوا أقطاب ~~الحزب الوطني بالتساهل في مسألتي؛ ولم يكونوا في حاجة إلى هذه ~~النصيحة لأنني أنا نفسي قد نصحتهم بذلك من قبل. على أنه قد آلمني ~~من الأحرار الدستوريين تهوينهم لشأني إلى هذا الحد، وقد كنت أحمل ~~عنهم عبء المعارضة في مجلس النواب الأول، وكانوا يتخذون من مواقفي ~~مادة لحملاتهم على الوفد، ثم بعد أن وفقنا بينهم وبين الوفد خذلوني ~~إرضاء للوفد! # وقد سويت الأزمة تسوية شكلية بأن جعلت دائرة مركز المنصورة من ~~الدوائر التي خصصت للوفد، # 1 # مع «استثناء» ثلاث دوائر منها؛ فقد اتفق على أنه ~~«يجوز للحزب الوطني منافسة الوفد فيها.» ومن هذه الدوائر الثلاث ~~دائرة مركز المنصورة، وكلمة «يجوز» وعبارة «استثناء» توحيان إلى ~~الذهن أن كلا من هذه الدوائر الثلاث هي أصلا من الدوائر التي ~~خصصت للوفد ولكن «يجوز» للحزب الوطني منافسة الوفد فيها. وقد رأيت ~~أن هذه الصيغة تضعف مركزي في الانتخاب؛ لأن أقل ما ms068 أواجه به أن ~~هذه الدائرة قد خصصت للوفد باتفاق الأحزاب وقد أجيز للحزب الوطني ~~منافسته فيها، فهي بذلك من حق الوفد ومن حق مرشح الوفد ولكن من باب ~~المجاملة أجيز لمرشح الحزب الوطني مزاحمة مرشح الوفد فيها. # وفهمت من ملابسات هذه الأزمة أن الوفد رغم الائتلاف لم ينس لي ~~مواقفي في المعارضة في البرلمان، فأصر على إقصائي عن دار النيابة، ~~وتم له ما أراد. وقد درست موقفي في الدائرة مع لفيف من أنصاري ~~فيها، وبحثنا فيما يكون لهذا القرار من أثر في احتمال نجاحي أو ~~سقوطي في الانتخاب، فرجح معظمهم سقوطي، وبخاصة لأن انتخابات هذه ~~السنة (1926) كانت أول انتخابات تجرى على درجة واحدة، أي على نظام ~~الانتخاب المباشر، ومن الصعب إقناع نحو عشرة آلاف ناخب بأني أكفأ ~~وأفضل من مرشح الوفد؛ إذ كان لترشيح الوفد في ذاته أثر كبير في ~~نفوس الجماهير في ذلك الحين، هذا إلى أن قرار الأحزاب المؤتلفة جعل ~~هذه الدائرة من حق مرشح الوفد بصفة أصلية. وقد ظللت زهاء شهر ~~تقريبا حائرا مترددا بين خوض المعركة أو الانسحاب منها، إلى أن ~~جاء موعد إقفال باب الترشيح للانتخاب وكنت على ترددي إلى آخر ~~لحظة. # وأخيرا رجحت عندي كفة الانسحاب عاملا بالمثل المشهور «بيدي لا ~~بيد عمرو»، وكان هذا القرار من أشق الأمور على نفسي لأن معناه ~~إقصائي عن دار النيابة وعن الحياة البرلمانية، وكم كان ألمي شديدا ~~حين تصورت أن هذا الإقصاء هو المكافأة التي جوزيت بها على حسن ~~قيامي بواجبي في البرلمان، بل المكافأة على إخلاصي وخدماتي للبلاد ~~طيلة السنوات التي قضيتها في الجهاد الخالص لله والوطن! وفهمت أن ~~المعارضة مكروهة في بلادنا، وأن تظاهر السياسيين والحكام بأنهم ~~يعتبرونها ضرورية لاستقامة الحياة الدستورية هو كلام في كلام، ~~وأنهم يبغون من البرلمان أن يكون أداة تحبيذ وتأييد لجميع تصرفاتهم ~~سواء أكانت على حق أو على باطل، ومن يعارضهم ولو كان على الحق ~~فالويل له مما يصنعون! # تألمت من هذا الوضع، وزاد في ألمي أني لم أجد من ms069 يواسيني في هذه ~~المحنة ولا من يعطف علي إلا قلة من الناس حفظت لهم جميل مواساتهم ~~لي في تلك الأوقات العصيبة، ورأيت - وهذا ما لم أكن أتوقعه - شماتة ~~من بعض الناس، وخاصة من الطبقة الممتازة، وعلى الأخص ممن لم أسئ ~~إلى أحد منهم قط، ولست أدري على وجه التحقيق ما هو سبب هذه الشماتة ~~وما سرها! ولقد عددتها عيبا من عيوب المجتمع، ومن أهم العوائق في ~~سبيل تقدم الأمة ونهوضها. ومن الحق أن أقول إني رأيت من الطبقات ~~غير المتعلمة وغير الممتازة عكس هذا الشعور، رأيت منهم شعور ~~التقدير لي والعطف علي، كنت أسمع هذا في أحاديثهم وأقرؤه في ~~نظراتهم. فعجبت كيف يغلب الوفاء وتتجلى الفضائل في الطبقة غير ~~المتعلمة دون الطبقة المثقفة المهذبة، ومن يومئذ ازددت إيمانا ~~بالطبقات الجاهلة من الشعب؛ إذ رأيت فيها من الخير ما يعوز ~~الطبقات الممتازة وشبه الممتازة. # ورأيت بعض أصدقائي الوفديين لا يقرون ما فعله الوفد معي، وكانوا ~~يظهرون لي شعورهم؛ إذ يذكرون أني وقفت إلى جانبهم في أوقات الشدة ~~أناضل عنهم وأختصم الأقوياء من أجلهم، ثم إذا عادت لهم الدولة ~~جازوني على حسن صنيعي معهم جزاء سنمار، ولكن هكذا الحياة ~~السياسية في بلادنا، وربما في غير بلادنا أيضا، فيها الخير والشر، ~~والفضيلة والرذيلة، والحقد والحسد، والغدر والجحود، والدس ~~والالتواء، والكذب والخداع، وما إلى ذلك ... # وقد أعرب لي صديق من الوفديين عن شعوره نحوي، وأخذ يذكرني بما ~~كان ينصحني به منذ سطع نجمي (كذا تعبيره) في البرلمان؛ إذ أشار ~~علي بانتهاز أي فرصة لأنسحب من المعارضة وأنضم إلى صفوف الوفد ~~قائلا لي إن مستقبلا باهرا ينتظرني إذا أنا أقدمت على هذه ~~الخطوة. وعندما كنت أجيبه بأنني في المعارضة لا أهاجم وزارة الوفد ~~ولا أعمل على إحراجها بل إني أسلك في معارضتي سبيل الاعتدال ~~والهوادة كما ترى مني، كان يقول لي إن المعارضة في ذاتها مكروهة في ~~البلاد التي لم تألف بعد الحرية والنظم الديمقراطية. وكانت تنتهي ~~أحاديثنا دائما على غير اتفاق. وعندما ذكرني بهذه ms070 الأحاديث في ~~سنة 1926 لم أزد في جوابي له عن الشكر؛ إذ رأيتني أوثر السكوت ~~والصمت في تلك المحنة، وما فائدة الكلام؟ ومع من كنت أتكلم؟ وهكذا ~~انسحبت من الحياة البرلمانية، أو بعبارة أوضح أقصيت عنها مرغما ~~سنة 1926، وظللت مبعدا عنها ثلاث عشرة سنة إلى أن عدت إليها عضوا ~~منتخبا لمجلس الشيوخ سنة 1939، ثم أقصيت عنها مرة أخرى سنة ~~1951. # أثرت تلك المحنة في صحتي، ولم يكن هذا ضعفا مني ولا يأسا، ~~ولكنه رد فعل للتأثرات النفسية التي لا قبل للإنسان على دفعها؛ ~~فالمرء يستطيع أن يصبر ويستطيع أن يتجلد ولكن هذا لا يمنعه من أن ~~يتألم، وما أحق المجاهد بالألم إذا هو رأى من مواطنيه تنكرا له ~~حيث ينتظر منهم التقدير، وحربا عليه حيث ينتظر التعضيد والتشجيع! ~~وظللت أشهرا عدة أعالج هذه الحالة النفسية وألتمس مخرجا من هذا ~~الضيق، وخاصة عندما تذكرت مصير إخوان لي في الجهاد برح بهم ~~الألم في مثل هذه الظروف فأودى بحياتهم؛ فإني على يقين من أن سقوط ~~عبد اللطيف بك المكباتي في انتخابات سنة 1924، وعبد اللطيف بك ~~الصوفاني في انتخابات سنة 1925، وأحمد بك لطفي في انتخابات سنة ~~1926، كان من الأسباب التي عجلت بوفاتهم في السنوات التي سقطوا ~~فيها. حقا إن لكل أجل كتابا، ولكن الأسباب مرتبطة بمسبباتها، ~~والنتائج مرهونة بمقدماتها. # وقد أوجد الله لي مخرجا من هذه المحنة، فألهمني أن أشغل نفسي ~~بعمل استغرق معظم تفكيري وجهودي، وصرفني وقتا طويلا عن الحياة ~~البرلمانية، وهو تأريخ الحركة القومية. # | كيف أرخت الحركة القومية؟ # أحببت التاريخ منذ صباي، وكنت ولا أزال أراه مدرسة لتقويم أخلاق ~~الشعب والنهوض بتربيته السياسية والقومية، وزاد تعلقي به أني رأيت ~~فيه على ضوء التجارب وسيلة ناجعة لتثقيف العقول ورفع مستوى الوطنية ~~والوعي القومي في النفوس؛ فلقد تكشفت لي مع الزمن نقائص كثيرة في ~~مجتمعنا وفي أخلاقنا وثقافتنا. لمحت على تعاقب الحوادث ضعفا في ~~مستوانا الوطني، ونقصا في وعينا القومي، فكرت في الوسائل لعلاج هذا ~~الضعف وتدارك هذا النقص، فوجدت أن التاريخ وسيلة تلجأ ms071 إليها أرقى الأمم ~~لتربية الأخلاق وتثقيف العقول وغرس روح الوطنية في النفوس. ومن هنا جاء ~~تعلقي بالتاريخ، أردت أن أجعل منه مدرسة للنهوض بالمجتمع، وجدت أن عقول ~~الشباب والشيوخ لا تتلقى الدعوة الصالحة بحسن القول ولا تتعرف الحقائق ~~إلا إذا تقدم الوعي القومي وعرف المواطنون أحوال بلادهم على حقيقتها ~~وكيف تطورت في مختلف مراحلها، فعلى ضوء التاريخ يكونون أكثر صلاحية ~~لقبول الأفكار السليمة وفهم الحقائق في الشئون العامة. وإذا كان القصص ~~وسيلة من وسائل نشر المبادئ الصالحة والأفكار السامية والعواطف ~~النبيلة، فأجدر بالتاريخ وهو قصة واقعية أن يكون وسيلة للنهوض بالعقول ~~والأفكار، ونضج القرائح، والسمو بأخلاق الجيل، وتوجيه المواطنين إلى ~~المثل العليا في الحياة القومية. # عنيت من التاريخ أكثر ما عنيت بتاريخنا القومي، وأقصد به تاريخ مصر ~~كوطن، وتاريخها كأمة لها أهداف عليا تنشدها، فهو يتناول تاريخها ~~السياسي، وتاريخها الحربي، وتاريخها الاقتصادي، وتاريخها الاجتماعي ~~والثقافي. وأيقنت أن من واجبنا أن نعلم الشعب بمختلف طبقاته تاريخ ~~بلاده في هذه النواحي، وأن نبدأ بتعليم أنفسنا؛ أي بتعليم الطبقة ~~المثقفة والممتازة تاريخنا القومي، لأني أرى مع الأسف أن هذه الطبقة ~~حتى التي بيدها مصاير البلاد لا يعرف كثير من أفرادها من هذا التاريخ ~~إلا قشورا سطحية لا تصل إلى اللباب، وهذا النقص هو من أسباب تبلبل ~~الأفكار وارتجال الآراء وتأخر الوعي القومي عندنا. فعلينا أن نعلم ~~الشعب تاريخ بلاده، وبذلك يقدرها حق قدرها ويزداد تعلقا بها ويفهمها ~~حق الفهم في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ولعمري ليس الحاضر في ~~الغالب إلا استمرارا للماضي ونتيجة مرتبطة بمقدماتها ، وكذلك شان ~~المستقبل فهو وثيق الصلة بالحاضر والماضي. حقا قد يكون الحاضر خروجا ~~على الماضي وإصلاحا له وأحيانا يكون انقلابا عليه، ولكن لا بد من ~~فهم هذا الماضي لكي نتعرف نقائصه فنخرج عليها ونفتتح عهدا جديدا من ~~النهضة والإصلاح، وهذا وذاك لا يكون إلا إذا عرفنا تاريخ بلادنا ومبلغ ~~صلته بحاضرها ومستقبلها. ولا غرو فالشعب كائن حي، يتطور وينمو ~~ويتسلسل في حياة أجياله، والأجيال في حياة الأمم كمراحل العمر ms072 في حياة ~~الإنسان، مع هذا الفارق بينهما، وهو أن الإنسان مصيره إلى زوال، أما ~~الأمم الجديرة بهذا الاسم فباقية خالدة لا تزول، تتجدد على الدوام في ~~حياة أجيالها المتعاقبة. # فعلينا نحن الذين أوتينا شيئا من العلم والمعرفة أن نعلم الشعب ~~تاريخه لننشئ فيه وعيا قوميا، ونغرس فيه روح الوطنية؛ لأن الشعب ~~كلما ازداد معرفة بتاريخ بلاده ازداد حبا لها، وإذا أحبها أخلص لها، ~~وإذا أخلص المواطنون لبلادهم بذلوا كل ما في مقدورهم لإسعادها ورفعة ~~شأنها، وهذا هو معنى الوطنية، ومن هنا قالوا إن التاريخ مدرسة ~~للوطنية. # كل هذه الخواطر والمعاني كانت تتردد في نفسي وتحفزني إلى أن أؤرخ ~~لهذا الشعب في عصره الحديث، ولم يكن لدي بادئ الأمر برنامج واسع شامل ~~لهذا التاريخ، بل أردت أن أتخير بعض مراحله فأؤرخها دون أن أتقيد ~~بسلسلة متماسكة الحلقات تضم هذه المراحل. # فكرت منذ عدة سنين سبقت سنة 1926 في أن أضع تاريخا للزعيم مصطفى ~~كامل، باعتبار أنه باعث الحركة الوطنية الحديثة، ولكني رأيت أن تاريخ ~~مصطفى كامل يستتبع الكلام في مبدأ ظهور الحركة القومية والتطورات التي ~~تعاقبت عليها، فأخذت أدرس الأدوار التي تقدمت عصر مصطفى كامل لأقف عند ~~حد يصح اعتباره مبدأ الحركة القومية. رجعت إلى الثورة العرابية، فإذا ~~بها ترجع أسبابها ومقدماتها إلى الحركة الفكرية والسياسية التي ظهرت في ~~عهد إسماعيل، وهذه الحركة الأخيرة لم تظهر فجأة ولم تكن الأولى في ~~تاريخ مصر القومي الحديث، بل هي تطور جديد للروح القومية التي بدأت ~~تظهر في البلاد منذ أواخر القرن الثامن عشر، فإلى هذا العهد يجب أن ~~نرجع بمبدأ الحركة القومية في تاريخ مصر الحديث، وانتهيت إلى أن أول ~~دور من أدوارها هو عصر المقاومة الأهلية التي اعترضت الحملة الفرنسية ~~في مصر. ومن ثم تطورت الفكرة عندي من تأريخ مصطفى كامل إلى تأريخ أدوار ~~الحركة القومية في تاريخ مصر الحديث، فترامت شقة البحث، وتشعبت ~~مسالك الدرس، واستشعرت ضخامة العمل إذا أردت أن أتمه على الوجه الذي ~~أبتغيه، فأرجأته سنة بعد أخرى. # وفي ms073 سنة 1914 بدأت أدون مذكرات عن حوادث مصر المعاصرة تكون مادة لي ~~عندما أؤرخ الحركة القومية، وقد ضبطت هذه المذكرات قبيل اعتقالي في ~~أغسطس سنة 1915، ثم أعيدت إلي بعد الإفراج عني سنة 1916، وشغلتني ~~الحوادث بعد ذلك عن تنفيذ فكرتي، على أني لم أدع التهيؤ لها واستكمال ~~عناصرها ومراجعها وأصولها. # وفي سنة 1922 أخرجت كتاب «الجمعيات الوطنية» كمقدمة لدراسة الحركة ~~القومية، ومرت الأيام والسنون والمشروع لا يزال في حيز التحضير ~~والتفكير، أتهيب تنفيذه خشية عدم إمكاني إخراج حلقاته كلها حلقة بعد ~~أخرى، وأخذت أؤجل وأسوف، إلى أن أبعدت عن الحياة البرلمانية سنة 1926 ~~وانقطعت صلتي بها وأصبحت «عاطلا» من العمل الذي أعددت نفسي له منذ ~~صباي. # فماذا تراني أفعل؟ أأسترسل للهموم وخيبة الأمل؟ أم أغير مسلكي في ~~الحياة وأفهمها على حقيقتها كما يقولون؟ أم أنصرف عن خدمة الشعب ما دام ~~قد خذلني وصارحني بأنه لا يريدني معبرا عن آماله مدافعا عن حقوقه ~~وأهدافه؟ # كل هذه التخيلات لم تقبلها نفسي؛ إذ ما ذنب الشعب؟ أليس هو مسوقا ~~بقادته وزعمائه وكبرائه وذوي النفوذ فيه، متأثرا ببعض الحوادث التي ~~تنتابه دون أن تكون له إرادة في وقوعها؟ وكثير منها قد تضل في غمراتها ~~العقول والأفهام؟ # كان لا بد لي من عمل يشغلني ويستأثر بذهني فلا يدع لي مجالا ~~للتفكير في سواه، وبذلك تتضاءل في نفسي صور الحوادث التي همتني وآلمتني ~~ولا يبقى في ذهني مجال للبحث في تغيير مسلكي في الحياة ونظراتي إليها. ~~فاعتزمت أن أنقطع إلى جانب عملي في المحاماة لتنفيذ الفكرة التي كانت ~~تعاودني من سنة إلى أخرى، وهي تأريخ الحركة القومية لمصر الحديثة، وقد ~~اقتضى مني هذا العمل أن أتفرغ له تفرغا شاملا لأن تأريخ هذه الحركة - ~~منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى اليوم - أمر يكتنفه كثير من الصعوبات ~~وخاصة لمن يريد أن يتفهم الحوادث ويتحرى الحقائق فيما يكتب ~~ويدون. # وإذ رجعت بالدور الأول من أدوار الحركة القومية إلى المقاومة الأهلية ~~التي اعترضت الحملة الفرنسية في مصر، فقد اقتضاني هذا الوضع ms074 أن أتعمق ~~في دراسة حالة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل هذه الحملة ~~وفي أثنائها، وأن أجعل الكتاب شاملا لتاريخ مصر القومي الحديث منذ ~~أواخر القرن الثامن عشر إلى اليوم، مبحوثا ومعروضا على ضوء الحركة ~~القومية؛ لأن عقيدتي أن التاريخ الحقيقي للأمم هو تاريخ نهضاتها ~~القومية فهي أساس وجودها ومبعث تطورها. وازددت اعتقادا مع الأيام ~~والأعوام بالتلازم التام بين تاريخ الأمة وتاريخ نهضتها، ومن هذا ~~التلازم يتألف التاريخ القومي، والنهضة القومية هي معالم لهذا التاريخ ~~وينبوعه الفياض، وما التاريخ القومي إلا كالمرآة تنطبع عليها صور ~~النهضة وأطوارها، وحوادثها وأبطالها، وتقدمها وتراجعها، وأفراحها ~~وأحزانها، وآمالها وآلامها. # وقد تشعبت أمامي المراجع التي تبلغ مئات الكتب والمؤلفات والتقارير ~~والمذكرات وما إلى ذلك في كل مرحلة، بل في كل موضع من مواضع البحث، ~~وكان لا بد لي أن أدرسها كلها، وهذا يقتضي فوق الجهد والعناء صبرا ~~وجلدا، على أني أحمد الله على أن وفقني إلى كليهما. ~~(1) ظهور الجزء الأول (1929) # ظهر الجزء الأول من هذا التاريخ في أول يناير سنة 1929؛ أي إنني ~~سلخت نحو ثلاث سنوات في إخراجه منذ شرعت في تنفيذ الفكرة، وعدة ~~سنوات سابقة منذ خالجتني كأمل أبتغي تحقيقه. # بدأت في طبع هذا الجزء يوم 10 يونيو سنة 1928 في مطبعة النهضة ~~لصاحبها المرحوم محمود أفندي حمادة بشارع عبد العزيز، وكان رجلا ~~أمينا مستقيما، وكنت أعرفه منذ كان رئيسا لمطبعة جريدة ~~«الأخبار» في عهد أخي المرحوم أمين بك، وأنجز طبعه وتغليفه ~~(تجليده) في أواخر ديسمبر سنة 1928. # يشتمل هذا الجزء على دراسة نظام الحكم في عهد المماليك، والحالة ~~الاجتماعية والاقتصادية في البلاد قبل مجيء الحملة الفرنسية، ثم ~~أسباب هذه الحملة ومقدماتها ووقائعها وأحداثها الأولى، ووقائع ~~المقاومة الأهلية التي اعترضتها في مختلف أنحاء البلاد من ~~الإسكندرية إلى أسوان، ونظم الحكم التي أسسها نابليون وأثرها في ~~تطور الحوادث، وتاريخ مصر القومي في هذا العهد. ~~(2) الجزء الثاني # وفي أواخر ديسمبر سنة 1929 أخرجت الجزء الثاني، مشتملا على ~~تاريخ مصر القومي من إعادة الديوان في عهد نابليون إلى جلاء ms075 ~~الفرنسيين عن البلاد، ومن جلاء الفرنسيين إلى ارتقاء محمد علي ~~الكبير أريكة مصر يوم 13 مايو سن 1805، وجعلت ولايته الحكم ثمرة من ~~ثمرات الحركة القومية، وأوضحت على ضوء الوقائع أن العامل القومي ~~الذي بدأ يظهر على مسرح الحوادث السياسية خلال الحملة الفرنسية ظل ~~محتفظا بقوته بعد جلاء الفرنسيين، فلم يستطع الترك ولا المماليك ~~ولا الإنجليز أن يهزموه أو يقهروه أو يبعدوه عن الميدان، وكان من ~~نتائجه بعد انتهاء الحملة الفرنسية ثورة الشعب على حكم المماليك، ~~ثم على الوالي التركي، ثم المناداة بمحمد علي واليا مختارا على ~~مصر؛ فمصر هي التي خلقت محمد علي، وفي ذلك قلت عن يوم 13 مايو سنة ~~1805: «هذا هو اليوم المشهود الذي تولى فيه محمد علي باشا حكم مصر ~~بإرادة الشعب، وهو من الأيام التاريخية المعدودة في تاريخ الحركة ~~القومية؛ ففيه تم انقلاب عظيم في نظام الحكم، فيه وضعت مصر لنفسها ~~أساس حريتها واستقلالها، فيه أعلنت عن حقها في تقرير مصيرها، فيه ~~تجلت سلطة الأمة ممثلة في أشخاص زعمائها وذوي الرأي فيها، تجلت ~~سلطة الأمة في خلع الوالي الذي لم ترتض حكمه وإسناد ولاية الأمر ~~إلى من انتخبه زعماء الشعب ووكلاؤه. وتلك أول مرة في تاريخ مصر ~~الحديث يعزل الوالي ويختار بدله بقوة الشعب وإرادته؛ فقد كان ~~الولاة يعزلون بقوة الجند وإرادة رؤسائهم من المماليك، لكن هذه ~~المرة كان الانقلاب شعبيا فوقع بإرادة الشعب وبقوة الشعب، ثم ~~انتخاب محمد علي للولاية على الرغم من صدور الفرمان السلطاني ~~بإسناد ولاية «جدة» إليه. وكان معروفا أن الحكومة التركية تؤيد ~~خورشد باشا وتناصره في موقفه، فخلع خورشد وانتخاب محمد علي واليا ~~على مصر فيه معنى الاستقلال عن الحكومة التركية ومقاومة تدخلها ~~في حكم مصر. ويمتاز هذا الانقلاب بأنه لم يكن مقصورا على مجرد ~~انتخاب وكلاء الشعب لولي الأمر، بل كان مقرونا باشتراطهم أن يرجع ~~إليهم في شئون الدولة، فوضعوا بذلك قاعدة الحكم الدستوري في ~~البلاد. وثمة ميزة أخرى أكسبت ذلك الانقلاب بهاء وجلالا، ذلك أنه ~~تم في دار المحكمة، ms076 في ساحة القضاء، فاتخذ معنى الاحتكام إلى ~~العدالة والتمسك بالحق، وهي فكرة جليلة امتازت بها الثورة المصرية، ~~ولا نظن ثورة أخرى غربية أو شرقية تسامت إلى هذا المعنى البديع. ~~فالثورة إذا كان قوامها المطالبة بالحق والاحتكام إلى العدل، كان ~~أساسها الحق ومن ورائه قوة الشعب تسنده وتؤيده، وما أحوج الثورات ~~والحركات القومية إلى أن تحافظ في كل أدوارها على معاني الحق ~~والعدل والنزاهة؛ فإنها بذلك تسلم من الانحدار في مهاوي الرذيلة ~~والفساد والفوضى والطغيان.» ~~(3) عصر محمد علي # أصدرت هذا الكتاب في ديسمبر سنة 1930، وهو الحلقة الثالثة من هذه ~~المجموعة، وقد اقتضى مني جهدا أكبر من الجهد الذي بذلته في إخراج ~~الجزأين الأول والثاني من تاريخ الحركة القومية، لأهمية العصر الذي ~~تولى فيه محمد علي الكبير حكم مصر، وطول مدته، وعظم وقائعه ~~ومنشآته، ونتائجه وآثاره الضخمة في حياة مصر السياسية والقومية. ~~وكانت المراجع فيه أوسع مدى وأكثر عددا من مراجع الحملة ~~الفرنسية، يضاف إليها الدوريات والوثائق التي لا بد من الرجوع ~~إليها. وقد جعلت عصر محمد علي دورا من أدوار الحركة القومية؛ إذ ~~إن الحركة القومية كما عنيتها وجعلتها أساس البحث والتدوين هي ~~«الجهود التي بذلتها الأمة في سبيل تحرير مصر من النير الأجنبي وفك ~~قيود الاستبداد عنها وتقرير حقوق الشعب السياسية، هي التضحيات التي ~~قدمتها والآلام التي احتملتها في سبيل تكوين مصر الحرة المستقلة.» ~~وقلت تعقيبا على هذه الحقيقة في مقدمة الكتاب: «على هذا الاعتبار ~~يجب أن نعد عصر محمد علي صحيفة مجيدة من صحائف الحركة القومية، ~~ففيه نشأت الدولة المصرية الحديثة، وفيه تحقق الاستقلال القومي ~~وشيدت الدعائم الكفيلة بالقيام به، فيه تأسس الجيش المصري ~~والأسطول المصري والثقافة المصرية، وفيه وضعت أسس النهضة العلمية ~~والاقتصادية في البلاد؛ فهو عصر استقلال وحضارة وعمران.» # وقد أبرزت فضل الشعب وفضل محمد علي معا في تحقيق استقلال مصر ~~ونهوضها في مختلف النواحي، وعنيت بتمجيد روح البذل والتضحية في ~~الجيل الذي عاش في عصره، وقلت في هذا الصدد: «إن استقلال مصر كان ~~ثمرة الحروب التي ms077 خاضت غمارها في عصر محمد علي، تلك الحروب التي ~~بذلت فيها الأمة أرواح عشرات الآلاف من زهرة أبنائها، من أولئك ~~الأبطال المجهولين الذين جاهدوا واستشهدوا في ميادين القتال وسقوا ~~أديم الأرض بدمائهم في ربوع مصر والسودان، وفي صحاري جزيرة العرب، ~~وجبال كريت والمورة، وبطاح سورية والأناضول، وفي قاع اليم بمياه ~~اليونان، أو على سواحل مصر والشام. فلا جرم أن كان الجيل الذي عاش ~~في عصر محمد علي هو أكثر الأجيال عملا وتضحية في سبيل تكوين مصر ~~المستقلة؛ فعلى أكتافه وبجهوده وضحاياه قام صرح الاستقلال عالي ~~الذرى، وهو الذي نهض بالأعمال الأولى لحضارة مصر وعمرانها، فشق ~~الترع، وأقام القناطر والجسور، وشاد المدارس والمعاهد، وبنى ~~العمائر والدواوين والقصور، وأنشأ الموانئ ودور الصناعة ~~(الترسانات)، واستحدث المعامل، وشيد القلاع والاستحكامات، وبذل في ~~سبيل تلك المنشآت راحته وحياته. ويكفيه فضلا في ميدان التضحية أنه ~~أنشأها وبناها عاملا على السخرة دون أن ينال على جهوده أجرا ولا ~~جزاء ولا شكورا، وأن عشرات الآلاف من بنيه قد ماتوا تحت أعباء ~~المجهودات المضنية التي احتملوها في سبيل إتمام تلك الأعمال ~~المجيدة. فإذا قارنت بين جهود ذلك الجيل وتضحياته وما بذلته ~~الأجيال المتعاقبة من بعده إلى اليوم، حكمت من غير تردد أنه أكثر ~~الأجيال بذلا ومساهمة في أعباء الجهاد القومي وأكثرها تضحية ~~بالنفس والروح والمال في سبيل استقلال مصر وعمرانها، فهو جدير بأن ~~تنحني الأجيال المصرية احتراما لذكراه، وتقديرا لفضله؛ لأنه عمل ~~لها جميعا، وبذل راحته ودمه وحياته، واحتمل ما احتمل من جهد ~~وحرمان ليعبد لها الطريق كي تجني ثمار جهوده وتضحياته وآلامه. ~~والحقيقة البارزة التي تخلص لك من إنعام النظر في تاريخه أن ~~عبقرية محمد علي يرجع إليها الفضل الكبير في تنظيم ذلك الجهاد ~~واستثماره وتوجيهه إلى خير مصر وعظمتها، كما أن مواهب الأمة ~~المصرية وحسن استعدادها للتقدم وماضيها في الحياة القومية، كل ~~أولئك كان مادة الاستجابة لدعوة محمد علي، ومن جميعها تكون الفلك ~~النوراني لتلك النهضة التي سطعت شمسها في عصره. فلو أنه تولى الحكم ~~في بلد ms078 آخر من بلدان السلطنة العثمانية وقتئذ لدفنت فيه عبقريته، ~~ولما استطاع أن يشيد ذلك الملك الضخم، ولا أن ينهض بتلك المشروعات ~~والأعمال الجليلة، ولكانت نهايته لا تختلف كثيرا عن خاتمة ~~الباشوات الذين شقوا عصا الطاعة على السلطنة العثمانية في أواخر ~~القرن الثامن عشر وخلال التاسع عشر. ولكن تأييد الشعب له ومناصرته ~~إياه عند اشتداد الأزمات، كان لها الفضل الأكبر في ثبات ملكه ~~وتغلبه على الدسائس والعقبات التي اعترضته في طريقه. وحسبك ~~تبيانا لهذه الحقيقة أن تلقي نظرة على مباحث هذا الجزء (الكتاب) ~~وأن ترجع إلى الفصول التي أفردناها للكلام عن الجيش والأسطول ~~وأعمال العمران، تجد أن على سواعد المصريين قد قام ذلك الملك ~~العريض وتمت تلك المنشآت العظيمة، وأن محمد علي لم يستطع إنشاء ~~الجيش النظامي من العناصر غير المصرية التي كانت تتألف منها القوة ~~الحربية في أوائل حكمه لما فطرت عليه من التمرد والفوضى، ولم ~~يوفق إلى تأسيس ذلك الجيش الذي تفخر به مصر في تاريخها الحديث إلا ~~بعد أن ألفه من صميم المصريين.» ~~(4) عصر إسماعيل # في ديسمبر سنة 1932 أخرجت كتاب «عصر إسماعيل» ويشتمل على تاريخ ~~مصر القومي في عهد خلفاء محمد علي، وهو في جزأين، يحتوي الأول على ~~عهد عباس وسعيد وأوائل عهد إسماعيل، ويتضمن الثاني ختام الكلام عن ~~عهد إسماعيل، وقد أسميت الكتاب «عصر إسماعيل» تغليبا للجزء الأهم ~~في هذه الفترة من تاريخ مصر الحديث. # بدأت بهذا الكتاب أدخل في العصر الذي يشعر فيه من كان في موقفي ~~بشيء من الحرج في الكتابة عنه؛ فقد وضعته وأخرجته في الوقت الذي ~~كان المغفور له الملك فؤاد نجل إسماعيل في أوج مجده وسلطانه، وكنت ~~أعلم مبلغ اهتمامه بتمجيد تاريخ والده والتعظيم من شأنه. وبتوجيهه ~~ومساعداته السخية صدرت عدة مؤلفات ترمي كلها إلى إبراز الجوانب ~~الحسنة من شخصية الخديو إسماعيل، وأنا أعرف هذه الجوانب الحسنة، ~~وقد ذكرتها بإسهاب في كتابي عنه، ولكني أيضا أعرف أن لإسماعيل ~~جوانب سيئة كان لها أثرها الضار في حياة مصر السياسية والاقتصادية، ~~ولا بد ms079 من تدوينها. وبعد أن فكرت في ذلك مليا وجدتني مدفوعا من ~~تلقاء نفسي إلى أن واجبي كمؤرخ للحركة القومية يقتضي مني أن أدون ~~الحقائق كلها عن الخديو إسماعيل وأذكر ما له وما عليه، وهذا في ~~الواقع هو منهجي في التراجم والشخصيات، وأنا بطبعي ميال إلى ~~الاعتدال، ولا أحب التشنيع في ذكر السيئات، ولكن لا يصح أن أغفلها ~~أو أتجاوز عنها، لأني أنشد الحق والإنصاف فيما أقول وأكتب، وأود ~~ألا أظلم أحدا، ولا أرضى لنفسي أيضا أن أحابي أحدا بغير الحق. ~~وقد وضعت لنفسي هذه القاعدة في سلسلة هذه المجموعة، واتبعتها قدر ~~ما استطعت في كل حلقة من حلقاتها، وعلى هذا الأساس وضعت كتاب عصر ~~إسماعيل. ~~(5) الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي # أخرجت كتاب «الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي» في فبراير سنة ~~1937، وقد أخذ مني جهدا كبيرا في تأليفه؛ إذ لم يكن قد صدر من ~~قبل كتاب مجتمع عن هذه الثورة، والحديث عنها مبعثر في شتى المراجع ~~والمجاميع والمذكرات، والآراء عنها متباينة متضاربة، وأشرت إلى هذا ~~التضارب في مقدمة الكتاب. وقد قضيت نحو أربع سنوات في تأليفه، ~~واقتضاني التحري عن حقائقه أن أرجع إلى المذكرات المخطوطة لعرابي ~~باشا وكانت محفوظة في دار الكتب، وإلى كل ما كتبه أو قاله زملاؤه ~~ومعاصروه ممن اشتركوا في الثورة أو ساهموا فيها أو أدركوا عصرها، ~~كمحمود باشا فهمي في كتابه «البحر الزاخر»، ومذكرات الشيخ محمد ~~عبده، وما كتبه المستر بلنت، ورجعت أيضا إلى مضابط مجلس النواب في ~~الوقائع الرسمية وفي أصولها المحفوظة في مكتبة البرلمان، وإلى جميع ~~الصحف والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الحين، ومحاضر التحقيق، ~~ومحاضر محاكمة العرابيين وفيها كثير من أقوالهم التي تلقي ضوءا ~~على حوادث ذلك العصر، هذا عدا المراجع الفرنسية والإنجليزية من ~~مؤلفات وصحف ومجلات مصورة وغير مصورة، مما كان يصدر في عهد الثورة. ~~وجملة القول أني عانيت من الجهد في إخراج هذا الكتاب أكثر مما ~~عانيت في الجزأين الأول والثاني من تاريخ الحركة القومية وعصر محمد ~~علي؛ إذ كان الموضوع في كل ms080 منها متشعبا، والطريق فيها غير سهل ~~ولا معبد. ~~(6) مصر والسودان # في يونيو سنة 1942 في إبان الحرب العالمية الأخيرة نشرت كتاب ~~«مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال»، أرخت فيه العشر السنوات ~~الأولى للاحتلال، وهي الفترة التي رسخت فيها أقدام الإنجليز في ~~البلاد وخيم اليأس على نفوس الأمة بعد هزيمة الثورة العرابية، ~~وقد أسميتها فترة الانحلال الوطني الذي أعقب الاحتلال، وكان لا بد ~~أن أؤرخ هذه الفترة قبل فترة البعث التي جاءت على يد مصطفى ~~كامل. # وهذا الكتاب وإن كان يسبق من جهة التحديد الزمني كتاب «مصطفى ~~كامل» وكتاب «محمد فريد» لكني أخرجته بعد هذين الكتابين؛ إذ رأيتني ~~قد أبطأت في إخراجهما لاشتغالي بالحلقات الأولى من تاريخ الحركة ~~القومية، فآثرت أن أؤجل إصدار كتاب مصر والسودان حتى أنتهي من ~~إخراجهما. ~~(7) مصطفى كامل # ظهر هذا الكتاب في يناير سنة 1939، وهو إلى جانب تاريخ الزعيم ~~يشتمل على تاريخ مصر القومي من سنة 1892 إلى سنة 1908. وقد حرصت ~~على أن يكون حلقة من سلسلة التاريخ القومي فلم أكتبه كما يكتب ~~التلميذ عن أستاذه فحسب، بل سلكت في وضعه المنهج العلمي في كتابة ~~التاريخ، وهو المنهج الذي اتبعته في حلقات هذه المجموعة، وخصصت فيه ~~عدة فصول عن حوادث مصر السياسية في تلك الحقبة من الزمن، بحيث يرجع ~~إليه كل من يريد أن يقف على تاريخها بصرف النظر عن ميوله السياسية. ~~وأحسبني قد أصبت في اتباع هذا المنهج في كتبي؛ فإني لم أجعل منها ~~دعاية سياسية أو حزبية، بل قصدت أن تكون مرجعا لمن يريد أن يعرف ~~تاريخ مصر المعاصر. على أن الروح الوطنية، لا الروح الحزبية، تتمشى ~~في فصول الكتاب وفي غيره من الحلقات، وهذه الروح قد استلهمتها من ~~دراسة التاريخ، وأعتقد أن هذا هو واجب المؤرخ في كل أمة؛ فالتاريخ ~~ليس مجرد سرد للوقائع وتدوين لحوادث السنين سنة فسنة، ولو هو اقتصر ~~على ذلك لكان علما جامدا لا أثر له في توسيع الأفق الذهني ~~وارتقاء المدارك واستنارة البصائر، بل التاريخ هو إبراز وتصوير ~~لتطور ms081 ذلك الكائن الحي ألا وهو الشعب واطراد نموه وتقدمه على ~~تعاقب السنين والأجيال؛ فالشعب الذي يريد الحياة يجب أن يعرف ماضيه ~~معرفة تامة لكي يفهم حاضره على ضوء هذا الماضي، ويستنير بعظاته ~~ودروسه، ويعرف أمجاده فيحافظ عليها ويرعاها، ويعرف أيضا أخطاءه ~~وعيوبه وعثراته فيتجنبها ويتلافاها. وقد اغتبطت كثيرا لإظهار كتاب ~~«مصطفى كامل»؛ إذ أتيح لي أن أطالع الجيل بتاريخ حقبة هامة من ~~البعث القومي الذي ظهر كرد فعل للاحتلال الأجنبي. # الزعيم مصطفى كامل: # من ~~كان لي أبا روحيا، وسأبقى له تلميذا وفيا. ~~(8) محمد فريد # وفي يوليو سنة 1941 ظهر كتابي عن «محمد فريد»، ويشتمل على تاريخ ~~الزعيم الشهيد، ثم تاريخ مصر القومي من سنة 1908 إلى سنة 1919، وقد ~~أبرزت النواحي الوطنية والاقتصادية والاجتماعية في حياة الزعيم ~~وتضحياته في سبيل بلاده، مع تاريخ الحوادث والأحداث التي تعاقبت ~~على مصر في عهده. فجاء الكتاب نموذجا للمجاهدين المخلصين الذين ~~تنهض بهم البلاد حقا، وسجلا شاملا لتاريخ مصر في تلك ~~السنين. # إن فريدا لم يعرف فضله حق المعرفة في تاريخ الجهاد القومي، فهو ~~كما قلت في عنوان الكتاب «رمز الإخلاص والتضحية»، ولكن فضله قد ~~غمر في زحمة التقلبات التي طرأت على الحركة القومية، ولعلي ~~بإخراج هذا الكتاب قد أبرزت بعض هذا الفضل حتى لا تضيع الصورة ~~الرائعة الخالدة لجهاد فريد وإخلاصه وتضحياته. # الزعيم محمد ~~فريد: # يتوسط ثلاثة من تلاميذه سنة ~~1911، وهم من اليمين إلى اليسار: عبد الرحمن ~~الرافعي، الدكتور منصور رفعت، الأستاذ أحمد ~~وفيق. ~~(9) ثورة سنة 1919 # وفي أبريل سنة 1946 ظهر كتاب «ثورة سنة 1919» في جزأين، وهو من ~~أهم حلقات هذه المجموعة، وقد قضيت نحو خمس سنوات في تأليفه ~~وإخراجه ، وبذلت في ذلك جهدا كبيرا. وكان ظني أنني، وقد عاصرت ~~الثورة وساهمت فيها، لا أجد من العناء ما بذلته عن العهود التي لم ~~أدركها، ولكني على العكس وجدت نفس الصعوبات التي واجهتها في ~~الحلقات الأخرى. # لقد درست الثورة أولا من ناحية أسبابها ومقدماتها، فرجعت بها ~~إلى عدة سنين سبقت نشوبها، وأرجعتها إلى أسباب ms082 وعوامل عدة، سياسية ~~واقتصادية واجتماعية، بعضها قريب وبعضها بعيد، فاقتضاني ذلك أن ~~أدرس من جديد حالة البلاد من هذه النواحي، ودونت نتائج دراستي في ~~الفصلين الأول والثاني من الجزء الأول من تاريخ الثورة. # وبحثت أيضا في توقيت الثورة متى ابتدأت ومتى انتهت، أما بدايتها ~~فمعروفة؛ فقد شبت في مارس سنة 1919 على أثر اعتقال الزعيم سعد ~~زغلول وصحبه، ولكن متى وفي أي سنة كانت نهايتها؟ هنا بحثت طويلا ~~لكي أضع حدا بين تاريخ الثورة وتاريخ في أعقاب الثورة، فانتهى بي ~~البحث إلى أنها بدأت في مارس سنة 1919 واستمرت حوادثها إلى شهر ~~أغسطس، وتجددت في أكتوبر ونوفمبر من تلك السنة. أما وقائعها ~~السياسية فلم تنقطع واستمرت متتابعة إلى شهر أبريل سنة 1921؛ أي ~~إنها مكثت مشبوبة الأوار نيفا وسنتين، هذا في وجهة نظري هو عمر ~~الثورة، ثم أعقبها انقسام داخلي يختلف وإياها في الحوادث والروح ~~والاتجاهات. وقد ضننت بتاريخ الثورة المجيد أن أدمج فيه هذا ~~الانقسام؛ إذ رأيت من الإنصاف لها أن لا يشمله تاريخها، وجعلته ~~فصلا من كتاب «في أعقاب الثورة المصرية». # درست وقائع الثورة وحوادثها من مارس سنة 1919 إلى أبريل سنة ~~1921، وبالرغم من أن صورها عالقة في ذهني؛ فإن بعض هذه الحوادث ~~استلزم البحث والتمحيص لمعرفة تاريخ وقوعه على وجه التحقيق. وكانت ~~المراجع قليلة نادرة لأن الصحف التي كانت تظهر في أيام الثورة كانت ~~لا تنشر إلا ما تأذن الرقابة بنشره، وكانت الرقابة تحذف أهم حوادث ~~الثورة، والمذكرات التي كنت أدونها في حينها كانت مقتضبة؛ إذ كان ~~الظن أن تكون عرضة في كل وقت لضبطها ومصادرتها فعلام الجهد في ~~التدوين والإسهاب. # وكان مما عنيت به واقتضى مني عناء كبيرا تسجيل تضحيات الشعب ~~وجهاده، وقد استنفدت الناحية الشعبية معظم صحائف الكتاب، وهي ~~الناحية التي هداني البحث منذ اللحظة الأولى إلى أنها عماد الحركة ~~القومية، وهذا ما حدا بي إلى البحث والتنقيب عن أشخاص شهداء الثورة ~~لكي أسجل أسماءهم، وهم في الغالب شهداء مجهولون، معظمهم من بيئات ~~مجهولة، ومن غير ms083 البيئات التي تنازعت فيما بعد مجد الثورة وثمرتها. ~~ومن ثم قضيت زمنا طويلا في البحث عنهم، ولم يكن من الميسور أن ~~أتعرف أسماءهم وتواريخ استشهادهم لأن الصحف لم تكن تنشر أسماءهم، ~~فرجعت إلى ذويهم وأقاربهم وإلى دفاتر الوفيات في مختلف الجهات، ومن ~~حسن الحظ أن نسخا منها كانت محفوظة في دار المحفوظات بالقلعة ~~فرجعت إليها، ومع ذلك فقد وجدت صعوبة كبيرة في إحصائهم؛ إذ لا ~~يذكر في دفاتر الوفيات أن فلانا استشهد في الثورة، ولكن ملابسات ~~الوفاة مضافا إليها معلوماتي الخاصة كانت تعينني على معرفة أسماء ~~أولئك الشهداء. # وثمت صعوبة أخرى، وهي معرفة أسماء المحكوم عليهم في محاكمات ~~الثورة. لقد رأيت ضرورة التحدث عن هذه المحاكمات، وكانت تجرى أمام ~~المحاكم العسكرية البريطانية، ولم تكن الصحف تنشر عنها إلا النزر ~~اليسير، وكنت أعرف معظمها، ولكن لم أكن أعرف أسماء المتهمين ~~والمحكوم عليهم فيها، فأخذت أتقصى أسماءهم من بعض زملائهم أو ذوي ~~قرباهم، وراسلت الكثيرين منهم، فأمدني البعض بما لديهم من ~~المعلومات واعتذر البعض الآخر لقدم عهدها ونسيان أسماء المتهمين ~~فيها، وما أكثر ما تنسى الحوادث وتنسى الأشخاص في بلادنا! وأردت ~~أن ألجأ إلى دفاتر مصلحة السجون؛ فإنها ولا شك تحوي أسماء المحكوم ~~عليهم في كل عام، ونوع الأحكام، والمدة التي قضاها كل محكوم عليه ~~في السجن، وأسماء من نفذت فيهم أحكام الإعدام، وبعد أن رخصت لي ~~المصلحة بالاطلاع على هذه الدفاتر - لأنها موجودة فعلا في ~~محفوظاتها - عادت وتمحلت الأعذار في رفض إطلاعي عليها، وكان مما ~~اعتذرت به أن هذه مسألة قانونية يجب استفتاء أقسام القضايا بما ~~يتبع في شأنها. ولم تصدر أقسام القضايا وقتئذ فتوى بالترخيص لي ~~بالاطلاع على هذه الدفاتر بعد أن علمت غرضي من الاطلاع بحجة أني لا ~~أعد من أصحاب الشأن أو ذوي المصلحة في الاطلاع عليها، فكأن وضع ~~تاريخ قومي للبلاد مهمة غير مرغوب فيها، وقد فهمت أن نكول ~~المصلحة عن اطلاعي على هذه الدفاتر يرجع إلى أنها أرادت مجاملة ~~الإنجليز في عدم تيسير مهمتي في التعرف ms084 على أسماء من حكمت عليهم ~~المحاكم العسكرية البريطانية بأحكام معظمها لا يقره عدل ولا ~~إنصاف. وقد عانيت جهدا كبيرا في تقصي هذه الأحكام، وعاونني في ~~ذلك بعض كرام المحامين الذين ترافعوا فيها، وأطلعوني على معلوماتهم ~~عنها وأسماء المحكوم عليهم في معظمها، ودونت المحاكمات والأحكام ~~وأسماء المحكوم عليهم في كافة القضايا العسكرية الهامة. ~~(10) في أعقاب الثورة المصرية # ثم جاء دور «في أعقاب الثورة المصرية»، وقد أخرجت الجزء الأول من ~~هذا الكتاب في يوليو سنة 1947، والثاني في نوفمبر سنة 1949، ~~والثالث في أكتوبر سنة 1951. والأول يشتمل على تاريخ مصر القومي من ~~أبريل سنة 1921؛ أي من نهاية الثورة إلى أغسطس سنة 1927 تاريخ وفاة ~~الزعيم سعد زغلول، ويشتمل الثاني على تسلسل الحوادث من وفاة سعد ~~إلى وفاة الملك فؤاد في أبريل سنة 1936، والثالث من ارتقاء جلالة ~~الملك فاروق عرش مصر إلى سنة 1951. # لم أجد من العناء في استقراء حوادث هذه الحقبة من الزمن ما ~~عانيته في الحلقات السابقة؛ لأن صورها ووقائعها ماثلة أمام عيني، ~~عالقة بذهني، ولم أكن في حاجة إلى مراجع فيها؛ فإن أهم مرجع هو ما ~~وعته ذاكرتي عنها، وكانت وثائقها حاضرة بين يدي؛ إذ كنت أجمعها في ~~حينها. ولكن العناء الذي صادفته في هذا الكتاب كان عناء معنويا؛ ~~فإن الكتابة فيه تمس أشخاصا تربطني ببعضهم صلات الود والصداقة ~~وأكن لهم في نفسي شعور التقدير والرعاية، فكيف يمكنني أن أكتب ~~عنهم غير ما يودون؟ لقد عبرت عن هذا الحرج في مقدمة الجزء الأول ~~ثم الجزء الثاني من هذا الكتاب، وتساءلت: هل علي أن أضحي بهذه ~~الاعتبارات عندما أكتب عن أشياء تمس أولئك الأشخاص؟ وقلت إن هذا ~~ولا ريب هو واجب المؤرخ، ولكن في الدنيا شيء اسمه المجاملة ومراعاة ~~الظروف. لقد تدبرت في هذا الحرج كثيرا، وانتهى بي البحث والتفكير ~~إلى أنه لا يجوز لمن يتصدى لكتابة التاريخ أن يدخل عنصر المجاملة ~~فيما يكتب، وكل ما يملك إذا أراد أن يجامل أن يدع «الفترة المحرجة» ~~ويرجئ تأريخها إلى حين، ثم تساءلت: إلى أي ms085 أجل يرجئها؟ ولماذا ~~يرجئها؟ وإذا كان في مقدوره أن يؤرخها كما أرخ المراحل التي ~~سبقتها، ففيم إذن يتنحى عن تأريخها؟ لقد فكرت في هذا الأمر ~~مليا، ولم أكتم عن نفسي دقة الموقف وما يلابسه من حرج، وانتهيت ~~إلى أنه ليس من حقي أن أقف بالكتابة في تاريخنا القومي عند حد قديم ~~أو حديث، وما دمت قد حملت نفسي مهمة وضع هذا التاريخ فعلي أن ~~أؤدي الرسالة كاملة قدر ما وسعني الجهد، ووصفت المؤرخ بأنه يشبه ~~في طبيعة رسالته أن يكون قاضيا يفصل في القضايا التاريخية التي ~~يعرض لها وعليه أن يقتبس من القاضي روح العدل الذي يستلهمه في ~~قضائه، فكما أن واجب القاضي ألا يجامل في الحق أحدا ولو كان ~~أقرب الناس إليه، ولا يتحامل على أحد، ولو كان أبغضهم إلى نفسه، ~~فعلى من يتصدى لكتابة التاريخ أن يتحرى الحق والإنصاف ويتجنب ~~المجاملة والمحاباة في ما هو بسبيله، هذا ما اتجه إليه قصدي ~~وانعقدت عليه نيتي، و«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما ~~نوى.» ~~(11) كيف قوبلت كتبي؟ # إني أعترف بأن كتبي لم تقابل في السنين الأولى مقابلة حسنة، ~~ولولا ما وهبني الله من الصبر والاحتمال لوقفت عند الجزء الأول أو ~~الثاني، أو على الأكثر عند كتاب «عصر محمد علي» الذي كان في طبعته ~~الأولى الجزء الثالث من تاريخ الحركة القومية. # فبالرغم من الجهود المضنية التي بذلتها في تأريخ الحركة القومية، ~~وما شهد به أهل الذكر من أن هذه الكتب جمعت بين المنهج العلمي ~~البحت والروح الوطنية، وبالرغم من حرصي الشديد على استقراء الحقائق ~~التاريخية الثابتة مهما كلفني ذلك من عناء حتى صارت هذه المجموعة - ~~والحمد لله - مرجعا معتمدا، بالرغم من كل ذلك فإن هذه الكتب لم ~~تلق الإقبال، ولا أقول الرواج، الذي كنت أنتظره. # إن إقبال المثقفين في بلادنا على القراءة ضعيف جدا، هذه حقيقة ~~يلزمنا أن نعترف بها، وهو أقل من إقبال المثقفين في البلاد الأخرى ~~التي في مستواها الثقافي، بل إني أستطيع القول بأن سكان الجنوب من ~~هذا ms086 الوادي - وأقصد إخواننا السودانيين - أكثر منا إقبالا على ~~القراءة والمطالعة إذا تعلموا وأخذوا بنصيب ولو قليل من الثقافة. ~~وقد حدثني غير واحد من الأصدقاء وغير الأصدقاء أن إقبال المثقفين ~~وأنصاف المثقفين في السودان على قراءة كتبي أكثر منه في مصر، ~~واهتمامهم باستيعاب محتوياتها أكثر من استيعاب إخوانهم في مصر، وهم ~~- جزاهم الله خيرا - يتحدثون عن كتبي بأكثر مما يتحدث عنها سكان ~~الشمال، وألمح من أحاديثهم أنهم قرءوها واستوعبوا ما تحتويه، بخلاف ~~ما رأيت من المثقفين المصريين. # وأذكر على سبيل المثال أني سمعت من بعض مثقفينا أسئلة تثير ~~الدهشة حقا، سألني بعضهم: هل أرخت شيئا بعد عصر محمد علي؟ مع ~~أني كنت قد وصلت إلى ثورة سنة 1919، وسألني البعض الآخر: سمعت أنك ~~قد وضعت كتابا في تاريخ مصر، فهل هو جزء واحد أم جزآن؟ مع أني كنت ~~قد أخرجت اثني عشر جزءا منه، وفهمت من سؤاله أنه لم يقرأ جزءا ~~واحدا منها، وكثيرا ما يسألونني من قبيل المجاملة: هل تباع ~~كتبك؟ وأين؟ وما ثمنها؟ وهذا بالطبع سؤال من لم يقرأ شيئا منها ~~أو من يريد أن يقرأها مجانا ... # وسألني بعضهم: هل أرخت عصر إسماعيل؟ وما اسم الكتاب الذي ~~أرخته فيه وأين أجده؟ فأجبته على سؤاله، وبعد عام سألني نفس ~~السؤال فأجبته بنفس الجواب، ثم دفعني حب الاستطلاع أن أسأله بدوري ~~عن سبب اهتمامه بهذا الكتاب بالذات حتى يسألني عنه مرة في كل عام، ~~فأجابني أنه يبحث عن تاريخ والده - أو جده لست أدري - في هذا ~~الكتاب، فدهشت لهذا الجواب؛ إذ كنت أتوقع منه أنه يريد أن يطلع ~~على تاريخ مصر في عصر إسماعيل لا أن يكون قصارى اهتمامه أن يعرف ~~تاريخ والده، وجملة القول أني وجدت عدم اكتراث بالقراءة وتوسيع ~~الأفق الذهني بين أغلبية المثقفين عندنا. # لست أدري ما هو السبب في ذلك كله، ولكن هذه مشاهدات وحقائق لا بد ~~لي من الإفضاء بها لأنها حالة نفسية يحسن بنا أن نجد لها ~~علاجا. # وقد كنت أسائل نفسي أمام الكساد الذي قوبلت ms087 به الحلقات الأولى من ~~المجموعة واستمراره سنوات طويلة، كنت أتساءل: ألا تساوي هذه الكتب ~~بعض القصص والروايات التي يقبل عليها الجمهور في بلادنا؟ أوليس ~~التاريخ رواية واقعية مشوقة لمن يريد أن يعرف قصة بلاده ووطنه؟ ألا ~~يستوجب حب هذا الوطن أن يعرف المواطنون قصته ومراحل حياته البعيدة ~~والقريبة؟ إن من يحب إنسانا، سواء كان هذا الحب عائليا أو ~~غراميا، يود أن يتعرف أخباره وأحواله وماضيه وحاضره، فهلا ~~يستحق الوطن مثل هذا الشعور؟ # أدع هذا جانبا، وأتحدث عما قوبلت به كتبي في السنوات الأولى من ~~إخراجها. # ظهر الجزء الأول من تاريخ الحركة القومية في يناير سنة 1929، ~~فاستقبلته الصحف استقبالا طيبا، وكتب عنه بعضها مقالات قيمة، ~~واكتفى بعضها بكتابات عابرة بمثابة «تسديد للخانات». وكان طبعه قد ~~كلفني مبلغا لا يستهان به، أنفقته من إيرادي من المحاماة. وكانت ~~طريقتي في توزيع كتبي الأولى أن أختزن عندي ما أطبع من كل كتاب، ~~وتطلب مني المكاتب الكميات التي تريدها لتبيعها للجمهور وتدفع لي ~~ثمن هذه الكميات مقدما بعد خصم 25٪ من ثمنها، وبعض المكاتب كان لا ~~يدفع الثمن مقدما بل يؤجله حتى يتم توزيع الكتب. وقد لاحظت أن ~~طلبات المكاتب قليلة، والكميات التي تطلبها ضئيلة، والوارد منها من ~~الثمن هزيل، وكان يدفع على مرات متقطعة بحيث لا يحس الإنسان ~~بقيمتها - على تفاهتها. # وقد قالوا لي إن وزارة المعارف تقتني لمكتباتها في المدارس نسخا ~~من كل كتاب مفيد لتثقيف الطلبة وأن علي أن أعرض عليها ما يظهر من ~~كتبي، فعرضت عليها فعلا كل ما كان يصدر منها، فكانت بعض الفحص عن ~~كل كتاب تطلب النزر اليسير منه، وكان العدد الذي طلبته من الأجزاء ~~الأولى لم يتجاوز 240 نسخة من كل كتاب زادتها في الأجزاء اللاحقة ~~إلى 375 نسخة، وكانت تدفع ثمنها مخصوما منه كذا في المائة مما يتم ~~الاتفاق عليه بينها وبين المؤلف؛ وهذه كلها مظاهر لتثبيط ~~العزائم. # ومثل هذا التثبيط لا يمكن أن يشجع على التأليف، بل فيه ما فيه من ~~خذلان للنهضة العلمية، ولكني كما ms088 أسلفت كنت أؤدي رسالة حملت نفسي ~~إياها. فعلى الرغم من الكساد الذي صادفه الجزء الأول ثم الذي تلاه، ~~تابعت إخراج الحلقات التالية، وكان لي من إيرادي من المحاماة ما ~~عاونني على سد العجز في النفقات، ومعنى ذلك أنه لولا هذا المورد ~~لانصرفت عن متابعة إخراج هذه المجموعة مع ضرورتها الثقافية ~~والتاريخية والوطنية. # استقبلت الصحافة كل ما أخرجته من الكتب استقبالا حسنا، وإني ~~معترف بفضلها علي في هذه الناحية، وقد نوهت إلى هذا الفضل في ~~مقدمة الجزء الثاني. ومن الحق أن ألاحظ أن الصحف فيما مضى كانت ~~أكثر عناية منها الآن بالمؤلفات عامة؛ فكثيرا ما كانت تنشر الفصول ~~الضافية عن كتبي، وفي أغلب الأحيان كانت تنقل مقدماتها، والمقدمة ~~كما تعلم هي خير إعلان عن الكتاب، أما الآن فالصحف تقتصر على كلمة ~~عابرة تنشرها من قبيل «جبر الخاطر» للمؤلف الذي قد يقضي السنين في ~~وضع كتابه، وما بهذه الطريقة يشجع التأليف وتشجع الحركة ~~الفكرية والعلمية في البلاد. # وبالرغم من أني تابعت إصدار الأجزاء الأولى من هذه المجموعة، ~~بحيث لم يكن ينقضي عام حتى يصدر جزء منها، ومع أن كل جزء كان يجر ~~القطار الواقف خلفه من الأجزاء السابقة، ومع حسن استقبال الصحف ~~لكل جزء منها؛ فإن الركود كان حليفها. لقد قيل لي إني لم أعلن عنها ~~الإعلان الكافي، وأظن أني لو أنفقت ما أنفقت في سبيل الإعلان فإن ~~النتيجة ما كانت تتغير كثيرا. وأعتقد أن أهم سبب لهذا الركود هو ~~ضعف الميل إلى القراءة المجدية بين الطبقة المثقفة في بلادنا، ~~وقلة اكتراثها بتعرف تاريخ بلادها، فربما يعرف بعضهم عن تاريخ ~~الأمم الأخرى أكثر مما يعرفون عن تاريخ أمتهم ... # انقضت السنوات والأجزاء الأولى بطيئة الحركة وإيرادها لا يغطي ~~مصاريفها، على أني لم ألق بالي كثيرا إلى هذه الناحية لأني ~~عددتها «تضحية» يجب أن أتحملها. ألسنا نخرج صحفا قد لا تلقى ~~الرواج والانتشار ومع ذلك نثابر على إخراجها مع ما يكتنفها من ~~الخسائر حتى نعجز عن إصدارها؟ وأنا والحمد لله لم أعجز عن متابعة ms089 ~~إصدار هذه المجموعة، فمضيت في سبيل إخراجها حلقة بعد أخرى. # ولما أخذت في تأليف كتابي عن «عصر إسماعيل» نصحني ذلك الصديق ~~المخلص أن أسلك فيه سبيلا جديدا قد يكون أدعى لرواج كتبي، وقال ~~لي يوما: ها أنت قد أخرجت ثلاثة مجلدات في تاريخ مصر الحديث، ~~فأرخت عهد الحملة الفرنسية، وما بعد الحملة، وعصر محمد علي، ~~والآن يجيء دور خلفاء محمد علي، وستصل طبعا إلى عصر إسماعيل، فبأي ~~روح ستكتب عن الخديو إسماعيل بالذات؟ فقلت له: إني سأكتب عنه بنفس ~~الروح التي استلهمتها في كتبي السابقة واللاحقة، وسأذكر ما له وما ~~عليه. وكان يعلم آرائي عنه. فقال لي: لا تكن غبيا، ويلزمك أن ~~تراعي الظروف، ولاحظ أنك ستخرج كتابك عن إسماعيل في وقت يجلس على ~~عرش مصر ابن إسماعيل (المغفور له الملك فؤاد)، أفلا تفهم ذلك؟ إنك ~~تعلم أن الملك يهتم كثيرا بإحياء تاريخ والده، ويوحي بإخراج كتب ~~عنه في تمجيده، وينفق في سبيل ذلك أموالا كثيرة؛ لأن جمع الوثائق ~~ونقلها من مصادرها الأصلية وإخراج الكتب، كل ذلك يحتاج إلى نفقات ~~طائلة، ولقد أخبرتني (وحقا قد أخبرته بذلك) أنه أبدى نحوك شعورا ~~طيبا وثناء على مواقفك في مجلس النواب الأول، ولا شك أن وثائق ~~السراي الملكية من أهم المراجع عن عصر إسماعيل بالذات؛ لأن جلالة ~~الملك عني بجمع هذه الوثائق وأمر بتنسيقها وترتيبها، فأرى أن تتصل ~~بصديقك محمد زكي الإبراشي باشا (ناظر الخاصة الملكية، وكان بيني ~~وبينه ود قديم متصل) لكي تراجع وثائق السراي الخاصة بعصر إسماعيل، ~~ولكي يمدوك بالمعلومات التي تطلبها عن حكمه، ولا شك أنك ستجد من ~~كل ذلك مادة غزيرة لكتابك الذي أراك تضعه الآن (1931) عن هذا ~~العصر. # ومع أن النصيحة صادرة عن صديق أثق في إخلاصه؛ فإني لم أعمل بها؛ ~~لأني وجدت أنني إذا أحكمت الصلة بيني وبين هذه الجهات العليا، ~~وأكثرت من التردد على مكتبة القصر الملكي، فقد لا يكون من الذوق ~~بعد ذلك أن أكتب عن أخطاء إسماعيل - وكان المراد تغطيتها - وقلت ~~لصديقي إني مع ms090 تقديري لنصحه فإن دراستي الخاصة والمراجع التي ~~طالعتها عن عصر إسماعيل كافية لأؤرخه تأريخا واضحا صحيحا، أما ~~الوثائق الجديدة فمع أهميتها لا يمكن أن تغير من الخطوط الرئيسية ~~للتاريخ، إنها ولا شك قد تفيد في معرفة بعض التفاصيل والملابسات، ~~ولكن الحوادث في ذاتها والحقائق الجوهرية التي هي عماد التاريخ ~~تبرز من خلال المراجع العديدة التي درستها عن هذا العصر. # وقد وجد صديقي ألا فائدة ترجى من إقناعي بنصيحته، فتركني أمضي ~~في سبيلي. ~~(12) الوزارة وكتاب عصر إسماعيل # ولما ظهر الكتاب تبين لي عدم الرضا عنه من امتناع وزارة ~~المعارف عام 1933 عن أن تقتني منه النزر اليسير الذي كانت تشتريه ~~لمكتباتها من الأجزاء السابقة، وأرسلت لي خطابا بتاريخ 18 أبريل ~~سنة 1933 تنبئني فيه بأن بالكتاب مآخذ تحول دون إيداعه مكتبات ~~مدارس الوزارة، وأرسلت طي خطابها صورة من تقرير ما أسمته «لجنة ~~فحص الكتب التاريخية لمكتبات المدارس» وفيه تعداد لهذه المآخذ ~~المزعومة، وقوامها أني تحاملت على الخديو إسماعيل، وهاك نص الخطاب والتقرير: # خطاب الوزارة ~~«إشارة إلى خطاب عزتكم المؤرخ 29 ديسمبر سنة 1932 الذي ~~قدمتم معه للوزارة كتابكم «عصر إسماعيل» في جزأين للنظر ~~في تقريره أسوة بالأجزاء السابق تقريرها من كتابكم «تاريخ ~~الحركة القومية»، نفيد عزتكم أن الوزارة قد فحصت عن كتاب ~~«عصر إسماعيل» فوجدت به من المآخذ ما يحول دون إيداعه ~~مكتبات مدارس الوزارة.» # وأرفقت الوزارة بخطابها صورة التقرير الذي قدمته إليها «لجنة ~~فحص الكتب التاريخية لمكتبات المدارس» عن الكتاب، وهذا نصه: # التقرير ~~«عملا بخطاب الوزارة رقم 952 بتاريخ 21 يناير سنة 1933 ~~اطلعنا على هذا الكتاب بجزأيه، وقد وجدنا به كثيرا من ~~المعلومات والأبحاث النافعة في فترة حكم الخديو إسماعيل، ~~ولكنا نأخذ على المؤلف أنه شوه الأغراض التي من أجلها ~~عقد إسماعيل قروضه بأجمعها تشويها شاملا، ونظر إلى جميع ~~أعماله في هذا الصدد بمنظار أسود، والأدلة على ذلك كثيرة ~~نورد منها ما يأتي: ~~(1) # أنه أقر مؤلف «تاريخ مصر المالي» على أن ~~«إسماعيل سار سيرة بذخ وإسراف»، راجع ص31 جزء ms091 ~~ثان. ~~(2) # ذكر أن القروض التي اقترضها الخديو إسماعيل ~~حتى سنة 1866 «ضاعت فيما لا ينفع البلاد؛ لأن ~~تغيير نظام توارث العرش مسألة شخصية لإسماعيل، ~~وكذلك شراء أملاك أخيه وعمه، فكأن إسماعيل ~~اقترض هذه الديون لكي تتسع أملاكه وتحقيقا ~~لأطماع شخصية وإرضاء لحزازات عائلية لا شأن ~~للبلاد فيها»، راجع ص35 جزء ثان. ~~(3) # ذكر المؤلف في عرض الكلام عن إسماعيل المفتش ~~أنه «قلد مولاه في عيشة البذخ والإسراف ~~والاستكثار من القصور والأملاك والجواري ~~والحظايا.» ص37 جزء ثان. ~~(4) # في الكلام عن بعض حفلات الخديو إسماعيل ذكر ~~المؤلف ما يأتي: «فكان الخديو في هذا الموقف ~~شبيها ببعض الذوات والأعيان في الاستدانة ~~للإنفاق على إقامة الحفلات والولائم والظهور ~~بمظهر الفخفخة والبذخ.» ص39 جزء ثان. ~~(5) # قال المؤلف: «إن إسراف إسماعيل هو الباعث ~~الأكبر على مأساة القروض ... إن الجانب السيئ من ~~شخصية إسماعيل هو إسرافه وإنفاقه الأموال من ~~غير حساب أو نظر في العواقب، وهو بلا مراء ~~مضرب الأمثال في هذا الصدد؛ فقد كان متلافا ~~للمال، وظهر هذا العيب في حياته العامة وحياته ~~الخاصة، ظهر في بناء قصوره وتأثيثها وتجميلها، ~~كما ظهر في حياته الخاصة، في حفلاته وأفراحه، ~~ومراقصه ورحلاته وسياحاته، وأهوائه وملذاته.» ~~راجع ص53 جزء ثان. # لهذه الأسباب لا نوافق على إيداع هذا ~~الكتاب بمكتبات مدارس الوزارة.» # وقد انتقد معظم الصحف مسلك الوزارة حيال الكتاب، وكان أكثرها ~~اعتدالا في النقد صحيفة «البلاغ» فقد كتبت بعددها الصادر في 24 ~~مايو سنة 1933 ما يأتي: ~~«والذي نقوله نحن هو أن وزارة المعارف تدل بذلك على رغبتها في أن ~~تتحكم في بحوث المؤرخين بحيث إذا لم يكتبوا التاريخ على هواها ~~أقصتهم من حظيرتها. وكتاب «عصر إسماعيل» لم يشتمل فقط على هذه ~~المآخذ التي أخذها على إسماعيل، بل هو يشتمل على مآثر له يكفي أن ~~يكون منها ما كتبه في فتحه السودان وفي اهتمامه بإرسال البعثات ~~العلمية إليه؛ ليشهد كل منصف أن الأستاذ عبد الرحمن الرافعي كتب ~~كتابه وهو منساق فيه بما يهديه البحث إلى أنه الحقيقة. والغريب في ~~عمل ms092 وزارة المعارف هذا أنها تعلم أن في مكتبات مدارسها كتبا تحتوي ~~على أحكام قاسية على عهد إسماعيل - منها كتاب «مصر الحديثة» للورد ~~كرومر - ومع ذلك لم تفكر في إقصائها من مكتباتها.» # وبعد انقضاء ثلاث سنوات على هذا التقرير أعادت الوزارة النظر في ~~كتابي، وألفت لجنة أخرى لفحصه فنقضت تقرير اللجنة السابقة، وطلبت ~~الوزارة مني أن أوافيها بالنزر اليسير منه على غرار الأجزاء ~~السابقة. ~~(13) بدء الإقبال على كتبي (سنة 1943) # في أوائل سنة 1943 طلبت مني مكتبة «النهضة المصرية» بيانا بعدد ~~ما كنت اختزنته من كتبي وقتئذ، فلما أطلعتها على هذا البيان أعربت ~~لي عن رغبتها في شراء هذا المخزون كله دفعة واحدة، وأن تدفع لي ~~الثمن فورا مخصوما منه نسبة أكثر من النسبة التي كنت أحاسب عليها ~~المكاتب، فرأيت العرض مغريا حقا لأن حصيلة الثمن بلغت 1428 ~~جنيها صارت بعد خصم أربعين في المائة «883 جنيها»، فقبلت الصفقة ~~مغتبطا، وأدركت في هذا اليوم أن كتبي قد لاقت شيئا من الإقبال ~~الذي كنت أنتظره منذ أكثر من خمس عشرة سنة. # كان ذلك في خلال الحرب العالمية الثانية، وقد عزوت هذا الإقبال ~~المفاجئ إلى المكانة التي نالتها كتبي التي أصدرتها إلى ذلك الحين ~~عند ذوي العلم والخبرة؛ فقد كانوا يتحدثون عنها حديثا طيبا، وكان ~~كل كتاب يصدر منها يبعث الحياة في الكتب السابقة، أضف إلى ذلك ثناء ~~أساتذة التاريخ على هذه المجموعة في خلال دروسهم للطلبة فأوجد هذا ~~الثناء دعاية طيبة لها. وهناك عامل هام له أثره في هذا الصدد، وهو ~~تقدم الوعي القومي والثقافي في الجمهور، وكان نشوب الحرب ~~العالمية الثانية قد زاد في تفتح الأذهان لمركز مصر وأهميتها ~~ومصيرها في هذه الحرب الطاحنة، وبعث الروح الوطنية في النفوس، تلك ~~الروح الملهمة لكل تقدم سياسي أو علمي أو أخلاقي، فازداد اهتمام ~~الناس بمعرفة تاريخ بلادهم. # وأخذت من ذلك الحين أعيد طبع كتبي، فظهرت الطبعة الثانية من ~~الجزء الأول من تاريخ الحركة القومية سنة 1944، والطبعة الثالثة ~~سنة 1948، وظهرت الطبعة الثانية من الجزء الثاني ms093 سنة 1948 أيضا، ~~والطبعة الثالثة من «عصر محمد علي» سنة 1947، والطبعة الثالثة سنة ~~1951، وأعدت طبع كتاب «عصر إسماعيل» و«الثورة العرابية» سنة 1949، ~~و«مصر والسودان» سنة 1948، و«مصطفى كامل» سنة 1945، ثم سنة 1950 ~~«الطبعة الثالثة»، وكتاب «محمد فريد» سنة 1948. # على أنه يلزمني أن أعترف بأن التزامي الجانب القومي في كتبي قد ~~أضر بها فيما يتعلق برواجها، وبخاصة كتاب «ثورة سنة 1919» و«في ~~أعقاب الثورة»؛ فإن الهيئات الحكومية، ومنها وزارة المعارف، وزارة ~~الثقافة والتعليم، قد أعرضت عن تشجيع هذه الكتب. وليس يخفى أن ~~إقبال الهيئات الحكومية، وبخاصة وزارة الثقافة والتعليم، له دخل ~~كبير في رواج الكتب، بحيث أستطيع القول إن كتبي قد لقيت الإقبال ~~ولكن لم تنل حظها من الرواج. # حقا إن الجانب القومي كان يجب أن يفتح أمامها آفاقا من ~~الرواج، ولكن ماذا تراني أقول؟ إن الشعب الذي وضعت من أجله هذه ~~الكتب قد ضن عليها بالرواج، وإن لم يضن عليها بالثناء والإعجاب، ~~وإني شاكر له على كل حال. إن الناس يتحدثون عن كتبي، ويمتدحون ~~الروح الوطنية التي أملت علي هذه المجموعة، ويكتفون في الغالب ~~بهذا التعضيد الأدبي، وما بمثل هذه المعاونة تروج الكتب وتنتشر ~~الأفكار وتعم الثقافة. # ولكن علينا أن نبذر الغرس الصالح في حقل النهضة القومية دون أن ~~نتأثر من بطء النتائج، ويجب أن نظل عاملين على رفع معنويات هذا ~~الشعب، وأن نجعل هذا الهدف منهجنا في كفاحنا وتفكيرنا وأقوالنا ~~وأفعالنا، وإذا لم يصادف نداؤنا لدى الشعب الصدى الذي نرجوه، ولم ~~يينع بعد الزرع الذي نتعهده، فلنصبر ولا نجزع، ولنثابر ولا ~~نتراجع، ولا نسأم من تعداد الأيام والسنين، فما قيمة الأيام ~~والسنين في أعمار الأمم والشعوب؟! # | الأمير عمر طوسون # من أبرز أمراء الأسرة العلوية وأنبههم شأنا وأعرقهم وطنية، المغفور ~~له الأمير عمر طوسون. كان رحمه الله كبير النفس عظيم الخلق، عالما ~~واسع الاطلاع محبا للعلم والأدب، مؤرخا محققا، حجة في تاريخ مصر ~~الحديث والقديم، وكان إلى جانب علمه وفضله شديد الوطنية، وتبدو وطنيته ~~من خصومته المستمرة للاحتلال وسياسته، لا يبالي الجهر بها ms094 في كل ~~مناسبة، وقد سجلها في مؤلفاته وبحوثه وأحاديثه ومقالاته. وكان الاحتلال ~~وعماله وصنائعه يعرفون عنه هذه الميول، وهو من ناحيته يصارحهم بها ولا ~~يكتم عنهم شيئا منها، وقد استهدف من أجل ذلك لغضبهم غير مرة، وخاصة ~~أثناء الحرب العالمية الأولى؛ إذ كان بأوروبا صيف سنة 1914، فلما أراد ~~العودة إلى مصر بعد إعلان الحرب عارضت السلطة العسكرية البريطانية في ~~عودته، وظل وقتا طويلا تحت الملاحظة في مرسيليا إلى أن توسط له ~~السلطان حسين كامل لدى السلطات البريطانية فأذنت له بالعودة إلى ~~مصر. # اتصلت به منذ عودته أثناء الحرب العالمية الأولى، وكنت ألقى منه ~~تقديرا كبيرا، وحينما كان يزور تفتيشه في «دميرة» القريب من المنصورة ~~كنت أنتهز هذه الفرصة فأذهب صحبة لفيف من إخواني لزيارته في قصره ~~الريفي هناك، فكان يسر كثيرا لهذه الزيارات ويفيض في أحاديثه الوطنية ~~التي زادتني تقديرا له. وكانت زياراتي له في دميرة مما ضاعف صلتي به، ~~وأعرب لي عن رغبته في أن أزوره بالإسكندرية كلما ذهبت إليها، وقد بررت ~~بوعدي فكنت كلما ذهبت إليها أقابله في دائرته وألقى منه احتراما وحسن ~~مقابلة يزيدانني تعلقا به. وقد لاحظ مرة أني ذهبت إلى الإسكندرية دون ~~أن أقابله، فأرسل لي من يعرب لي عن ملاحظته في ذلك، فشكرت له هذه ~~الملاحظة واعتبرتها تقديرا وتكريما لي، واعتذرت بأن الوقت الذي قضيته ~~بالإسكندرية في هذا اليوم لم يسمح لي بهذه المقابلة، ومن يومئذ حرصت ~~على أن أزوره كلما ذهبت إليها. # وكنت أحظى بإهدائه إياي كتبه القيمة كلها، وأقابل كل هدية بما ~~تستحقه من الشكر والتكريم. # وكان رحمه الله دقيقا في تقدير المؤلفات التي كانت تهدى إليه، ولما ~~بدأت في إخراج «تاريخ الحركة القومية» أهديته كل كتاب يصدر منها، وكان ~~يرسل لي خطابات شكر، ولاحظت أن عبارات الخطابات بدأت وجيزة ثم أخذت ~~تتطور وتطول مما يدل على ازدياد تقديره لي مع الزمن. # أهديته الجزء الأول من تاريخ الحركة القومية، فجاءني منه جواب وجيز ~~مؤرخ في 22 يناير سنة 1929 قال فيه: # حضرة ms095 صاحب العزة عبد الرحمن الرافعي بك # نشكر حضرتكم على حضوركم شخصيا لإهدائنا الجزء الأول من ~~كتابكم «تاريخ الحركة القومية». وقد قبلناه بمزيد الامتنان ~~وسنقرؤه بإمعان النظر ونضعه في مكتبتنا تذكارا لكم، وتقبلوا ~~مزيد سلامنا. # عمر طوسون # ثم أهديته الجزء الثاني، فأرسل لي خطابا بحثت عنه كثيرا في ~~محفوظاتي فلم أعثر عليه لكي أنشره هنا، ويظهر لي أنه لم يكن خطابا ذا ~~بال؛ لأنه لو كان كذلك لنشرته في الصحف كما نشرت خطابات الأمير عن ~~الكتب التالية. # وأخذ تقديره يزداد كلما ظهر جزء من المجموعة، فإذا قارنت بين خطابه ~~لي عن الجزء الأول، وخطابه عن «عصر محمد علي» رأيت التدرج واضحا في ~~هذا الصدد، قال في خطابه الأخير: # حضرة الأستاذ الكبير عبد الرحمن الرافعي بك # بعد أن أهديتم إلينا الجزء الأول والثاني من كتابكم البارع ~~«تاريخ الحركة القومية» أصبحنا شغوفين ننتظر بفروغ صبر تتمة ~~هذا المبحث الجليل، ونرقب بلهف بزوغ ثالث هذين الكوكبين، فإذا ~~بيدكم البيضاء تخرجه لنا من غير سوء آية أخرى. # وإن الباعث الشريف الذي حدا بكم إلى تجشم هذه المشقة ~~البعيدة الغاية التي صوبتم إليها سهمكم هو إدراك الغرض الذي ~~وضعتموه نصب أعينكم، ولعلكم لا تجدون ثوابا على هذا العمل ~~الصالح أكبر من هذا الذي تجدونه في نفسكم من الارتياح لإتمام ~~هذا الصنيع الخالد الذي خدمتم به تاريخ الحركة القومية لبلد ~~شغفتم به حبا وعرفتم بصدق الإخلاص له والتفاني في ~~خدمته. # وإذا لم يكن للذين أسعدهم الحظ باقتناء مؤلفكم الثمين ~~والانكباب على قراءته والاستفادة منه من وسيلة إلى جزائكم عليه ~~إلا الشكر، فأنا أول الشاكرين. والسلام عليكم ورحمة ~~الله. # عمر طوسون # 11 / 1 / 1931 # وأهديته كتاب «عصر إسماعيل»، فجاءني منه الجواب الآتي: # حضرة صاحب العزة الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك # تفضلتم فأهديتم إلينا الجزأين الأول والثاني من كتاب «عصر ~~إسماعيل» وهو الحلقة الثالثة من المؤلف الكبير الذي تعالجونه ~~(سلسلة تاريخ الحركة القومية). # ولقد تصفحنا كثيرا من مباحث هذين السفرين الجديدين ~~واستوعبنا بعض فصولهما وأبوابهما استيعابا جعلنا نلم بهما ms096 ~~إلماما ونحيط بهما إجمالا فألفيناهما كثلاثة الأجزاء السابقة ~~التي تفضلتم فأهديتموها إلينا من قبل مفرغين في نفس القالب ~~البديع الذي أفرغتموها فيه متصلة حلقاتهما بتلك السلسلة ~~الذهبية التي تصوغونها صياغة تأخذ بالأبصار. # وقد احتوى هذان السفران على خلاصة ما حدث في عصر إسماعيل ~~بعبارة سهلة جزلة مع العزو إلى المصادر والمراجع وذكر الوثائق ~~والأسانيد فجاء بهذا الصنيع مرآة صافية صادقة جلوتموها ~~للناظرين فتجلت فيها صورة هذا العصر الحافل بالحوادث على ~~حقيقتها. ومن يعرف ما كان يغشى حقائق التاريخ في هذه الحقبة من ~~الأطلية والبهرج تارة، والتشويه والمسخ تارة أخرى، يعرف قيمة ~~صنيعكم ولا يسعه إلا أن يقدر عملكم حق قدره ويثني عليكم ~~الثناء المستطاب، فامضوا قدما في عملكم حتى تتموه على هذا ~~النسق الجميل. # والسلام عليكم ورحمة الله. # عمر طوسون # 5 /2 / 1933 # ويبدو أن تقديره لكتاب «الثورة العرابية» بلغ حدا كبيرا؛ إذ عده ~~«أهم الموضوعات في سلسلة تاريخ الحركة القومية»، وبعث لي بصدده بخطابين ~~متعاقبين: # الخطاب الأول # حضرة الأستاذ الكبير عبد الرحمن بك الرافعي # كان سرورنا عظيما بكتابكم الجديد «الثورة العرابية ~~والاحتلال الإنجليزي» الذي تفضلتم بإهدائه إلينا، وإننا نعد ~~موضوع هذا الكتاب أهم موضوعات سلسلة تاريخ الحركة القومية؛ ~~ولذلك كان سرورنا بظهوره معادلا لاهتمامنا بموضوعه الخطير، ~~وسيحدونا هذا الاهتمام بالطبع إلى قراءته بشغف عظيم. # ولا شك عندنا أنكم قد تجشمتم في تأليفه ما تجشمتم من التعب ~~والنصب خدمة خالصة منكم للتاريخ والوطن، فجزاكم الله خيرا ~~ووفقكم إلى إتمام سلسلة تاريخ الحركة القومية على ما تبتغون من ~~تحقيق واستقصاء وبحث مستفيض. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # عمر طوسون # 7 / 4 / 1937 # الخطاب الثاني # حضرة صاحب العزة الأستاذ الكبير عبد الرحمن الرافعي ~~بك # تفضلتم فأهديتم إلينا الجزء الأخير من كتابكم القيم ~~«الحركة القومية»، وقد كتبنا إليكم شاكرين لكم هذه الهدية ~~النفيسة ووعدناكم في كتابنا إليكم أننا سنقرأ هذا الجزء بشغف ~~عظيم ، والآن بعد أن قرأناه وأنعمنا فيه النظر فاحصين مدققين لا ~~يسعنا إلا توجيه الثناء المستطاب إلى هذه الهمة الكبيرة التي ms097 ~~أخرجت هذا الكتاب، فكان من خير الكتب التي أخرجت للناس في ~~موضوعه. فإن الثورة العرابية رغم ما كتب فيها منذ حدوثها إلى ~~الآن لم تزل جوانب منها غامضة ومحتاجة أشد الاحتياج إلى ~~الجلاء، فجئتم وسددتم هذا النقص، وقد رأينا من حسناتكم في هذا ~~الكتاب أنكم أوردتم فيه كثيرا مما يذكره المعاصرون الذين ~~شهدوا هذه الثورة ولم يدونوا مشاهداتهم، وهذا فضل آخر لكم ~~نذكره مغتبطين مبتهجين. والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. # عمر طوسون # 15 / 5 / 1937 # وجاءني منه الخطاب الآتي عن كتاب «مصر والسودان»: # حضرة صاحب العزة الأستاذ الكبير عبد الرحمن الرافعي ~~بك # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، فقد شرفتمونا ~~بزيارتكم وتسلمنا من يدكم الكريمة هديتكم النفيسة القيمة ~~«مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال من سنة 1882 إلى سنة ~~1892»، وهي تقع في جزء لطيف متصل كل الاتصال بتاريخ مصر القومي ~~الذي ألفتموه وأخرجتموه في أجزاء عدة وتفضلتم فأهديتموها ~~إلينا وشفعتموها بعد بإهداء هذا الجزء الذي يبحث تاريخ هذه ~~الحقبة القصيرة الهامة من تاريخ مصر في أوائل عهد الاحتلال مدة ~~حكم المغفور له الخديو محمد توفيق باشا. # ولا شك عندنا - قياسا على الأجزاء السابقة من هذا الكتاب - ~~أنه سيكون محيطا بجزئيات الحوادث التي وقعت في هذه الفترة ~~ملما بها كل الإلمام مشفوعا بما يؤيدها من الأسانيد ~~والوثائق، على غرار ما دونتموه في أسفار الحركة القومية من ~~التحقيق والتمحيص والبحث في الأسباب والنتائج، شأنكم فيما ~~تخرجونه من قلمكم الفياض البارع. # فنشكركم على هذه الهدية أجزل الشكر ونثني على همتكم أطيب ~~الثناء، والأمل أن يفسح الله في عمركم المبارك، وأن يتسع لكم ~~الوقت لإتمام سلسلة هذه الحركة القومية حتى هذا العهد الأخير، ~~فتكونوا بذلك قد أديتم إلى الوطن العزيز ما ينتظره منكم ويأمله ~~فيكم من صادق الجهود وخالد الأعمال، واقبلوا مزيد سلامنا مع ~~أطيب تمنياتنا. # عمر طوسون # 28 يونيو سنة 1942 # وأهديته كتاب «مصطفى كامل»، فجاءني منه الخطاب الآتي : # حضرة صاحب العزة الأستاذ القدير عبد الرحمن الرافعي ~~بك # تفضلتم فوصلتم هداياكم العلمية إلينا ms098 بهدية جديدة قيمة ألا ~~وهي «مصطفى كامل»، ذلك السفر الذي يضم بين دفتيه تاريخ هذا ~~الزعيم الوطني الذي دوى صوته في الوادي حقبة طويلة فأيقظ مصر ~~من سبات طويل كانت تغط فيه غطيطا ولا يدري إلا الله متى ~~تهب من رقدتها الطويلة لولا أن قيض الله لها هذا الزعيم ~~الفتي الجريء. # وبعد؛ فإننا نشكركم على هذه الهدية الجليلة ونثني أطيب ~~الثناء على هذا الجهد المتواصل الذي خدمتم به التاريخ والبلاد ~~خدمة يقدرها لكم حق قدرها العارفون بما ينال كل من نصب ~~نفسه للتأليف من عنت ونصب، فجزاكم الله عن مصر خيرا ونفع ~~بمؤلفاتكم هذه الأمة. والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته. # عمر طوسون # 24 / 1 / 1939 # ثم أهديته كتاب «محمد فريد»، فجاءني منه الخطاب الآتي: # حضرة صاحب العزة الأستاذ الكبير والمؤرخ المحقق عبد الرحمن ~~الرافعي بك # السلام عليكم ورحمة الله. وبعد، فقد أهديتم إلينا بشخصكم ~~الكريم كتابكم الجديد الذي أخرجتموه آية للناس عن الزعيم ~~الثاني المغفور له «محمد بك فريد»، فجاء بعد أن أخرجتم كتاب ~~الزعيم الأول «مصطفى كامل باشا» متمما للعقد الفريد، وكان ~~حريا بفريد بك، فهو المثل الأعلى في الثبات على المبدأ ~~والتضحية بالنفس والمال، وخير من أخلص لمصر وجاهد في سبيلها حق ~~الجهاد حتى النفس الأخير، رحمه الله وأكرم منزله في ~~عليين. # ولما لم يتسع لنا الوقت لقراءة هذا الكتاب الضخم فقد ~~تصفحنا بعض صفحاته، ونحن أعرف بفريد وأعمال فريد وتضحية ~~فريد، ولكنا لم نكن نتوقع أن تخرجوا كتابه هذا الإخراج البديع ~~وأن تضمنوه هذا البيان الفذ الرائع وأن يكون تاريخه وهو ملء ~~القلوب والأسماع ملء هذا السفر الكبير الذي جمعتم فيه أطراف ~~حياته من كل نواحيها، وأفرغتموه في هذه السلسلة لتصلوا به ~~سلسلتكم الذهبية في تاريخ الحركة القومية، فما برح الناس ~~منتظرين من قلمكم البارع أن تكملوا هذا العمل النافع وأن ~~يوفقكم الله لخير هذا الوطن ونفع أبنائه؛ إذ ليس شيء أجدى على ~~مصر من تاريخ حياة بنيها وما قدموه من عمل صالح كريم تحسن ~~الأسوة به ms099 والقدوة فيه، وآخر شائن ذميم يعافونه وينفرون منه، ~~ليعرفوا أن الحياة ذكرى وأن أعمالهم محصية عليهم. # من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام ~~للعبيد ~~. # فنشكركم أجزل الشكر ونثني عليكم ثناء مستطابا أنتم خير ~~أهل له. # واقبلوا مزيد سلامنا واحترامنا. # عمر طوسون # 21 / 8 / 1941 # ولم يتح لي أن أهدي الأمير الجليل كتابي عن «ثورة سنة 1919» و«في ~~أعقاب الثورة»؛ فلقد وافته المنية يوم 26 يناير سنة 1944، وحزنت عليه ~~حزنا شديدا، وكانت فجيعة البلاد بوفاته جسيمة وخسارتها فيه لا تعوض، ~~أسكنه الله فسيح جناته وأثابه بما أحسن إلى البلاد وأخلص لها إخلاص ~~المجاهدين الصادقين. # | سكرتيريتي للحزب الوطني # 1932-1946 # بعد أن عين محمد زكي علي بك «باشا» مستشارا بمحكمة الاستئناف في ~~أواخر سنة 1932، انتقلت إلى القاهرة وحللت محله في مكتبه الذي أخلاه ~~منذ تولى القضاء. وقد شغر مركز سكرتير الحزب الوطني الذي كان يشغله زكي ~~بك، فانتخبتني اللجنة الإدارية بجلستها المنعقدة يوم الاثنين 26 ديسمبر ~~سنة 1932 سكرتيرا للحزب ولم أكن قد عدت بعد إلى الحياة البرلمانية، ~~إذ لم أنتخب عضوا بمجلس الشيوخ إلا في أكتوبر سنة 1939. # توليت حمل أعباء السكرتيرية بقدر ما وسعني الجهد، فتجدد النشاط في ~~الحزب وبرزت توجيهاته في الشئون العامة، بحيث كنا نتتبع ما يقع من ~~التطورات فنبادر إلى الجهر برأي الحزب فيها وبالسياسة التي تقتضيها ~~مصلحة البلاد. # وكان أول بيان نشرته الصحف بتوقيعي بصفتي سكرتيرا للحزب الوطني في 5 ~~يناير سنة 1933 متضمنا قرارا من اللجنة الإدارية بتوضيح خطة الحزب ~~حيال الموقف السياسي وقتئذ، ولا سيما ما كان خاصا بالمساعي التي ~~كانت تبذلها الوزارة القائمة (وزارة إسماعيل صدقي باشا) لعقد معاهدة مع ~~الحكومة البريطانية، وتضمن قرار اللجنة ما يأتي: # أولا: # المثابرة على العمل لإحباط المفاوضات أو المحادثات ~~التي ترمي إلى عقد معاهدة مع الحكومة البريطانية قبل ~~الجلاء عن مصر داخل حدودها الطبيعية والتاريخية «أي ~~حدود الوادي» ودعوة الأمة إلى الاستمساك بالاستقلال ~~التام لمصر والسودان. # ثانيا: # دعوة حضرات نواب الحزب الوطني في البرلمان إلى تقديم ~~مشروعات ms100 قوانين بإلغاء جميع القوانين الاستثنائية ~~المقيدة للحرية التي وضعتها الوزارة القائمة أو أية ~~وزارة سابقة. # ثالثا: # إعادة النظر في تكوين اللجان الفرعية في القطر ~~المصري التي يتسنى لها بث الدعوة لتحقيق مبادئ الحزب ~~الخاصة بتقرير مصير مصر. # رابعا: # لفت نظر حضرات أعضاء الحزب الوطني إلى وجوب المحافظة ~~على تقاليد الحزب في خطبهم وتصريحاتهم ورسائلهم ~~باعتباره حزب معارضة للحكم القائم ما دام لا يقوم على ~~تحقيق مبادئ الحزب الوطني بل يعمل على نقيضها. # وابتكرت فكرة زيارة قبر مصطفى كامل وقبر محمد فريد جماعة في أيام ~~الأعياد، بعد أن انقطعت سنين طويلة، فكنا نذهب إلى الضريحين ونلقي ~~الكلمات الوطنية المناسبة. # وأذكر أن أول مرة ذهبنا فيها جماعة إلى قبري الزعيمين كانت في يناير ~~سنة 1933، وقد ألقيت الكلمة الآتية أمام قبر مصطفى كامل: ~~«أي مصطفى! # أبناؤك الذين تلقوا عنك مبادئ الوطنية الأولى وحافظوا على عهدك ~~السنين الطوال يجيئون اليوم وفي كل فرصة يؤدون واجب الوفاء لك، ~~ويحيون روحك الكبيرة تحية الأبناء لأبيهم والتلاميذ لأستاذهم ~~وإمامهم. لقد فارقتنا منذ خمس وعشرين سنة، وذكراك تتجدد في نفوسنا كل ~~يوم، منك تعلمنا الوطنية، وفيك عرفنا الإخلاص والثبات والتضحية ~~والجهاد المنزه عن الأهواء. # ضحيت يا مصطفى في سبيل مصر بأعز ما تملك، ضحيت بصحتك وشبابك، فكم كان ~~الأطباء ينصحون لك أن تبقي على صحتك ولا تحملها ما لا طاقة لها به من ~~الجهاد المضني، ولكنك آثرت مصر على صحتك وراحتك، فذوت زهرة حياتك في ~~الرابعة والثلاثين من عمرك. علمتنا يا مصطفى كيف يجب أن نجعل مجد الوطن ~~وعظمته فوق مجد الأفراد وأطماعهم في الحياة. # اليوم نناجيك بأننا على عهدك باقون، وبمبادئك وتعاليمك مستمسكون، ~~إننا خصوم الاحتلال وسياسته، خصوم أعوانه وأنصاره، مستمسكون بمبدأ ~~الجلاء لا نبغي عنه بديلا؛ فالجلاء هو الرمز الصحيح للاستقلال ~~التام. # نحييك يا مصطفى ونحيي صحبك وأنصارك الذين شاركوك في الجهاد ~~واتبعوا مبادئك وترسموا خطاك، نحيي فريدا وعليا وأمينا وعبد ~~العزيز وفؤادا ولطفي ووجدي، وغيرهم وغيرهم، ممن يرقدون حولك أو على ~~مقربة منك. نحيي أمك ms101 الحنون التي تسكن إلى جانبها، إن لها على الأمة ~~فضل تربيتك التربية الأولى وتنشئتك النشأة الصالحة التي انبعثت منها ~~شعلة الوطنية. نحيي الأقربين من آل بيتك الذين لحقوا بك في دار البقاء، ~~نحيي المجاهدين من كل حزب وفي كل عهد، ونرسل تحياتنا إلى أرواح سائر ~~الشهداء الذين جادوا بأرواحهم في سبيل مصر، أولئك الذين غيبوا تحت ~~أطباق الثرى هنا وهناك، واجب علينا أن نذكرهم على الدوام وأن نعرف ~~فضلهم ونقدس ذكراهم، فإلى أرواحهم جميعا الفاتحة!» # ثم توجهنا إلى قبر المرحوم محمد بك فريد بالسيدة نفيسة، وهناك ~~اجتمعنا حول الضريح، وألقيت الكلمة الآتية: ~~«هنا رمز الإخلاص، هنا التضحية في سبيل الوطن، هنا مثوى فريد، هنا ~~الأخلاق والمبادئ، هنا الجهاد المحفوف بالحرمان والمتاعب، هنا مغالبة ~~الدهر والصبر على المكاره، هنا رمز الآلام يحتملها القلب العامر ~~بالإيمان، هنا النبل وكرم المحتد، يمتزجان بالوطنية والتضحية، هنا ~~احتمال النفي والحاجة والتشريد بعد العز والثروة والنعيم، هنا الوطنية ~~الحقة مجسمة فيك يا فريد! # سلام عليك من قلوب تذكر فضلك عليها وعلى الوطن، بالأمس ودعنا ~~شريكتك في الحياة، ودعنا زوجتك النبيلة التي قاسمتك السراء ~~والضراء، الآن تلتقي بك في دار الخلد بعد أن باعد الدهر بينكما ~~السنين الطوال، في حياتك وبعد مماتك، فلتؤنسك في وحشتك، بعد أن حرمت ~~لقاءها في منفاك وغربتك، اليوم تلتقيان بعد طول النوى، فعليكما وعلى ~~الشهداء السلام!» # وفي كلمتي أمام قبر محمد فريد إشارة إلى وفاة زوجته البارة الوفية، ~~وقد توفيت إلى رحمة الله يوم 20 يناير سنة 1933، وشيعنا جنازتها يوم 21 ~~منه، وشاركنا في تشييعها أقطاب الوفد لمصاهرة الدكتور حيدر الشيشيني ~~للمرحوم فريد بك. # وأخذت بوصفي سكرتيرا للحزب الوطني أكتب سنويا المقالات عن ذكرى ~~مصطفى كامل وذكرى محمد فريد، وذكريات الحوادث التاريخية الهامة كضرب ~~الإسكندرية، واحتلال العاصمة، واتفاقية السودان ... إلخ. # وأنشأنا ناديا فخما للحزب بشارع قصر العيني في ملتقاه بشارع دار ~~النيابة. # | الجبهة الوطنية # 1935-1936 # جاهدت في ائتلاف سنة 1935، كما جاهدت من قبل في ائتلاف سنة 1925، ~~وقد خرجت من كلا المسعيين بصفقة ms102 المغبون ... # كانت البلاد سنة 1935 في حاجة ماسة إلى توحيد الصفوف؛ فالدستور معطل، ~~والإنجليز يتدخلون في شئون البلاد ويحولون دون تحقيق أهدافها، ~~والوزارة (وزارة محمد توفيق نسيم باشا) تقر التدخل البريطاني في أهم ~~الشئون العامة، والأحزاب السياسية متنابذة متخاذلة. # ألغي دستور صدقي باشا في نوفمبر سنة 1934، ولكن لم يعد دستور سنة ~~1923، وبقيت البلاد من غير دستور زهاء عام، وصرحت الحكومة البريطانية ~~على لسان المستر هور وزير خارجيتها في 9 نوفمبر سنة 1935 بأنها عندما ~~استشيرت من الحكومة المصرية نصحت بألا يعاد دستور سنة 1923 ولا دستور ~~سنة 1930. # كان لهذا التصريح أثر أليم في النفوس، وقامت المظاهرات الدامية ~~احتجاجا عليه، واتجهت الأفكار إلى ضرورة توحيد الصفوف لمواجهة التدخل ~~البريطاني. # كان الحزب الوطني من أول الساعين في توحيد الصفوف وتأليف «الجبهة ~~الوطنية». # وقد فكرت مع حافظ رمضان بك «باشا» رئيس الحزب في أن نخطو خطوة ~~إيجابية لائتلاف الأحزاب، بأن نقابل زعماءها شخصيا وندعوهم إلى أن ~~يجتمعوا معا. # فذهبنا نحن الاثنين معا لمقابلة مصطفى النحاس باشا بداره بمصر ~~الجديدة لنناشده أن يقبل الائتلاف كما قبله سعد سنة 1925. # الجبهة الوطنية سنة ~~1935: # من اليمين إلى اليسار: حافظ ~~عفيفي باشا، علي الشمسي باشا، حمد الباسل باشا، مكرم ~~عبيد باشا، إسماعيل صدقي باشا، مصطفى النحاس باشا، ~~حلمي عيسى باشا، عبد الرحمن الرافعي بك، أحمد ماهر ~~باشا. ~~(1) النحاس يرفض الائتلاف # ذهبنا إليه وقابلناه في داره في الساعة السادسة من مساء الخميس ~~21 نوفمبر سنة 1935، وعرضنا عليه فكرة توحيد الجهود وضم الصفوف ~~وائتلاف الأحزاب لدرء الأخطار التي تهدد البلاد. فأجابنا جوابا لا ~~يبعث على الاطمئنان؛ إذ قال إنه من أحرص الناس على الوحدة الوطنية ~~ولكن لا بطريق الائتلاف بين الأحزاب؛ فإن الوفد قد جرب هذا ~~الائتلاف مرتين فنقض، ولا يريد أن يعود إلى هذه التجربة، بل يقبل ~~أن يحصل تعاون بين الأحزاب بأن يعلن كل حزب مبدأه صريحا وهو ~~التمسك بدستور سنة 1923 ثم رد اعتداء الإنجليز عن الدستور وعن ~~الاستقلال. فقلت له إن اجتماع الزعماء قد يسهل إعلان ms103 الأحزاب ~~جميعا ميثاقا يتفق عليه. فأجاب بألا لزوم للاجتماع ويكفي أن ~~يعلن كل حزب هذا المبدأ ليفهم الإنجليز أن لا خلاف بيننا. وتكلم ~~طويلا عن نقض الأحرار الدستوريين للائتلاف الذي عقد سنة 1925 ثم ~~سنة 1931، وقال إننا لا نريد أن نعود إلى سياسة الائتلاف، وكان ~~كلامه قاطعا. وعرض عليه حافظ رمضان باشا إرسال وفد إلى عصبة الأمم ~~لعرض القضية المصرية على العصبة والتشهير بالسياسة الإنجليزية، ~~وقال إن هذه وسيلة عملية للضغط على الإنجليز وحملهم على كف ~~عدوانهم. فأجاب بأنه لا يعارض في أن ترسل كل هيئة وفدا عنها، أما ~~إرسال وفد يمثل الأحزاب فلا يوافق عليه، وأضاف أنه لا يثق من ~~نتيجة عرض القضية المصرية على عصبة الأمم لأن إنجلترا لها السيطرة ~~فيها فلا يضمن أن تحكم لصالحنا، وانتهت المقابلة في نحو السابعة ~~والنصف وكانت نتيجتها بالنسبة للائتلاف سلبية. # 1 # وسألني حافظ باشا بعد المقابلة عن رأيي فيما يحسن أن ~~نعمله بعد ما بدا لنا في مقابلتنا للنحاس باشا من تعذر الائتلاف. ~~فقلت له: يلزمنا ألا نيأس من النجاح. وعرضت عليه أن ننشر نداء ~~للأمة بتوقيعه بصفته رئيسا للحزب الوطني وتوقيعي بصفتي سكرتير ~~الحزب نناشد فيه الهيئات والطوائف في أن تساهم معنا في السعي ~~لائتلاف الأحزاب؛ فلعل هذه الحركة تكون بمثابة ضغط على الزعماء ~~ليقبلوا الائتلاف، فاستحسن حافظ باشا الفكرة ووضعت صيغة النداء ~~فوافق عليها. ونشر في الصحف (الأهرام 28 نوفمبر سنة 1935)، وهذا ~~نصه: # نداء إلى الأمة ~~«سعينا ولا نزال نسعى إلى توحيد الكلمة وضم الصفوف وائتلاف ~~الأحزاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وغايتنا أن تتحد الجبهة ~~القومية وتتغلب الأمة على العدوان المستمر على حقوق مصر. ولئن ~~اعترضتنا في الطريق عقبات فإن ذلك لا يثنينا عن متابعة السعي ~~فيما نحن بسبيله؛ فإن المهمة التي نسعى لها مهمة دقيقة تحتاج ~~إلى مواصلة الجهود في غير ملل ولا هوادة. # ويقيننا أن كل ما يبذل لها من سعي وما تحتاج إليه من وقت ~~ليس عبثا ضائعا؛ فإن اتحاد الجبهة هو الأداة الأولى للكفاح ms104 ~~الوطني وبخاصة في الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد الآن ، ~~وليس السبيل إلى نجاح هذه المهمة التراشق بالسهام واستثارة ~~الضغائن والأحقاد بل نحن أحوج ما نكون إلى ضبط النفس لكي ~~نستخلص الوحدة القومية من بين الأشواك والعقبات التي تكتنفها؛ ~~من أجل ذلك جئنا نناشد الأحزاب أن تتجاوز عما يستثير غضبها من ~~قوارص الكلم وأن تقابل ذلك بالحلم وسعة الصدر، لا سيما وأن ~~الفوارق بين الأحزاب لا يقام لها وزن بجانب الغاية التي نسعى ~~إليها. ونهيب بالأمة أن تعاوننا في تحقيق هذه المهمة، وأن ~~تشترك عمليا في نجاحها بأن تتضافر طوائفها وجماعاتها ~~ونقاباتها وأفرادها على اختلاف مراكزهم ومشاربهم للإعراب عن ~~إرادتهم في توحيد جبهة الجهاد. # ولا ريب عندنا أنه إذا أجمعت الأمة كلمتها وأظهرت إرادتها ~~واضحة جلية في ضرورة توحيد الصفوف؛ فإن الأحزاب على الرغم من ~~مظاهر الخلاف بينها تقدر روعة هذه الإرادة وتنزل على رغبة ~~الأمة التي تنطق باسمها وتستمد منها سلطانها. # هذا هو واجب كل وطني صادق، وتلك سبيلنا دعونا وندعو ~~إليها. # فليؤد كل منا واجبه، وليوجه جهوده إلى تلك الغاية، والله ~~ولي التوفيق.» # حافظ رمضان # عبد الرحمن الرافعي ~~(2) النحاس يعود فيقبل الائتلاف # استمرت مساعي الطوائف والشخصيات البارزة لتوحيد الصفوف، إلى أن ~~كان يوم 9 ديسمبر فكلمني بالتليفون الأستاذ مكرم عبيد «باشا» ~~سكرتير الوفد المصري وصاحب الكلمة النافذة فيه وقتئذ، كما كلم ~~حافظ رمضان باشا، وقال لي: أبشركم بأن فكرة ائتلاف الأحزاب قد ~~لقيت أخيرا النجاح، وأنتما مدعوان باكر لحضور اجتماع زعماء ~~الأحزاب بدار دولة مصطفى النحاس باشا بمصر الجديدة لتأليف الجبهة ~~الوطنية الممثلة للأحزاب، فاغتبطت لهذه البشرى، وأملت من وراء ~~هذا الاجتماع خيرا كبيرا. # تألفت الجبهة الوطنية في ديسمبر سنة 1935 من الوفد المصري، ~~والحزب الوطني، وحزب الأحرار الدستوريين، وحزب الشعب، وحزب ~~الاتحاد، أي جميع الأحزاب القائمة في ذلك الحين، ومن المستقلين. ~~وقد قوبل تأليفها بابتهاج عظيم من الأمة. # وأخذت توالي اجتماعاتها في شهر ديسمبر ويناير بدار النحاس باشا ~~بمصر الجديدة، وكان ممثلو الأحزاب في هذه الاجتماعات هم: مصطفى ms105 ~~النحاس، أحمد ماهر، مكرم عبيد عن الوفد المصري، حافظ رمضان وأنا عن ~~الحزب الوطني، محمد محمود عن حزب الأحرار الدستوريين، إسماعيل صدقي ~~عن حزب الشعب، حلمي عيسى عن حزب الاتحاد، ثم حمد الباسل، علي ~~الشمسي، حافظ عفيفي، عبد الفتاح يحيى عن المستقلين. # ويلاحظ أن الحزب الوطني ميز عن الأحزاب الأخرى «عدا الوفد» فقد ~~كان له ممثلان في الجبهة، في حين أن لكل حزب آخر ممثلا واحدا، ~~وكان هذا التمييز تقديرا لحسن بلائه في سبيل الائتلاف وجهاده ~~الماضي الطويل. # تألفت الجبهة الوطنية على أساس إعادة دستور سنة 1923، ثم على ~~أساس آخر انفصل فيه الحزب الوطني عن الأحزاب الأخرى مع بقائه في ~~الجبهة ركنا من أركان الائتلاف؛ وهو العمل على عقد معاهدة بين مصر ~~وإنجلترا طبقا لنصوص المشروع الذي انتهت إليه مفاوضات ~~النحاس-هندرسن في ربيع سنة 1930. # واختيرت لجنة تحرير لوضع صيغة الكتاب الذي اتفقت الجبهة على رفعه ~~إلى الملك فؤاد بإعادة دستور سنة 1923. وقد اجتمعت هذه اللجنة يوم ~~الأربعاء 11 ديسمبر سنة 1935 بنادي المحامين (بشارع فؤاد وقتئذ). ~~وكانت مؤلفة كما يأتي: مكرم عبيد عن الوفد، وأنا عن الحزب ~~الوطني، ومحمد حسين هيكل عن حزب الأحرار الدستوريين، وأحمد كامل عن ~~حزب الشعب، وحلمي عيسى عن حزب الاتحاد. # ولما فرغت اللجنة من تحرير الكتاب عقدت اجتماعا آخر لوضع صيغة ~~الكتاب المزمع رفعه إلى السير مايلز لامبسون (لورد كيلرن) المندوب ~~السامي البريطاني للمفاوضة في عقد المعاهدة، وقد انفصلت عنها في ~~هذا الاجتماع ولم أشترك فيه تنفيذا لما اتفقنا عليه في الحزب ~~الوطني من عدم الاشتراك في خطاب الجبهة الخاص بالمفاوضة. # وفي يوم 12 ديسمبر وقع رؤساء الأحزاب والمستقلون على كتاب ~~الجبهة إلى الملك ورفع إليه وتسلمه علي ماهر باشا رئيس الديوان ~~الملكي وقتئذ، وفي ذات اليوم صدر المرسوم الملكي بعودة دستور سنة ~~1923، وجرت الانتخابات العامة لمجلسي النواب والشيوخ في مايو سنة ~~1936. ~~(3) إقصائي عن الحياة البرلمانية مرة أخرى # أشرت في مقدمة هذه النبذة إلى أني خرجت من مسعاي في ائتلاف سنة ~~1935 كما خرجت من ms106 ائتلاف سنة 1925، بصفقة المغبون، وهاك تفصيل ما ~~حدث لي سنة 1935: # لما جاء توزيع المقاعد البرلمانية، وكانت كثيرة لأنها شملت مجلس ~~النواب ومجلس الشيوخ كله من منتخبين ومعينين، كنت العضو الوحيد ~~في الجبهة الوطنية الذي لم ينل مقعدا لا في مجلس النواب ولا في ~~مجلس الشيوخ! ولم يتركوا لي دائرة أو مقعدا في كليهما، في حين أن ~~الوفد جامل الأحزاب الأخرى المؤيدة للمفاوضة والمعاهدة في ~~التعيينات لمجلس الشيوخ فخص كل حزب منها بأربعة مقاعد من مقاعد ~~الشيوخ المعينين (وكانت كلها شاغرة)، أما الحزب الوطني فإنه لم ~~يتفضل عليه إلا بمقعد واحد ناله طبعا رئيس الحزب، وبذلك أقصيت من ~~الميدان حين جاء توزيع المقاعد، تماما مثل ما حدث لي سنة 1926، ~~والتاريخ يعيد نفسه! # وكان غرض الوفد من السخاء على الأحزاب الأخرى (على خلاف عادته) ~~بهذه الأربعة المقاعد لكل منها، أن يضمن موافقتها له على إبرام ~~المعاهدة التي كانت المفاوضات جارية بشأنها وعدم معارضتها في ~~البرلمان؛ لأن الحكومة البريطانية كانت تشترط لعقد المعاهدة أن ~~تتفق عليها الأحزاب كلها (ماعدا الحزب الوطني طبعا)، ولعل هذا هو ~~ما جعل الوفد يقصيني عن البرلمان سنة 1936 كما أقصاني عنه سنة ~~1926. # هذا، ولمناسبة خروجي بصفقة المغبون من مسعاي في ائتلاف سنة 1925 ~~وائتلاف سنة 1935، يحق لي أن أقول إني مغبون في قومي، هذا على ~~الأقل شعوري سنة 1936. # حرمت طيلة حياتي من معاونة الغير لي؛ لم أجد معاونة لي في ~~أعمالي ومشروعاتي ومنهجي في الحياة، لا من المجتمع، ولا من ~~الحكومات، ولا من الهيئات، ولا من الأفراد (إلا قليلا منهم). كل ~~كفاحي أو معظمه كان يسير بلا سند إلا من معونة الله، لم أنل من ~~المجتمع ولا من الحكومات أي علامة تقدير لأعمالي، لا أقول هذا ~~طعنا في المجتمع، بل تقريرا للواقع، وتحدثا بنعمة الله، نعمة ~~الصبر. ويلزمني أن أعترف بأنني، إلى جانب حرماني من التقدير، واجهت ~~عقبات وتنكرا وجحودا من هنا ومن هناك. وعلام كل هذا؟ لا أدري. ~~إذا كنت على حق يتنكر له الناس، أم على ms107 باطل يتولى الناس تقويمه. ~~على كل حال إن اعتقادي أنني على حق وأنني كنت مغبونا في قومي. قد ~~أكون مخطئا في اعتقادي، ولكنهم يقولون: لكل مجتهد نصيب، إن أخطأ ~~فله أجر وإذا أصاب فله أجران. # أستطيع أن أقول إني دائن للناس لا مدين لهم، أنا لا أحاسب ~~المجتمع على ذلك، بل إني لمغتبط أن ينتهي بي المطاف أن أكون دائنا ~~لا مدينا. أليس من قواعد المثالية أن يضحي الإنسان للمجتمع؟ فها ~~أنا ذا أؤدي ضريبة التضحية على أوسع نطاق، فلماذا أغضب ولماذا ~~أحنق؟! وفي الواقع إن الأمم لا تنهض إلا بمن يضحون من أجلها، ~~ولكن لا ريب أيضا أن الأمة التي تبخس المواطنين والمجاهدين ~~أقدارهم تخذل في نفوس الناس روح الإخلاص في خدمتها؛ لأن الناس ~~ليسوا في الغالب ملائكة يحتملون هذه المعاملة، ولعل هذا الخذلان من ~~أهم أسباب تأخر الأمم الشرقية. ~~(4) معارضتي لمعاهدة سنة 1936 # أحاط الوفد معاهدة 26 أغسطس سنة 1936 بدعاية واسعة النطاق، صاخبة ~~الأساليب، فأكثر من رسائل التأييد والتحبيذ لها، وأقام الحفلات ~~والمظاهرات ابتهاجا بها وعدها فتحا مبينا، وقال عنها النحاس ~~قولته المشهورة التي اتخذت حجة على مصر في مجلس الأمن سنة 1947 ~~وهي أنها «وثيقة الشرف والاستقلال»، واستقبل عند عودته من لندن ~~استقبال الغزاة الفاتحين! فكان هذا الاستقبال وسيلة من وسائل ~~التضليل والدعاية للمعاهدة التي أقرت الاحتلال الأجنبي في البلاد ~~وأقرت فصل السودان عمليا عن مصر. # كانت مهمة المعارضة بالنسبة لهذه المعاهدة مهمة شاقة شائكة؛ إذ ~~كيف يسمع للمعارضين صوت في هذا الجو الصاخب المملوء بدعايات ~~المغالطة والتمويه وبمظاهر الطبل والزمر؟ # على أنني بعد أن قرأت نصوص المعاهدة ودرستها وفهمتها على وجهها ~~الصحيح، وجدت أنه لا يجوز السكوت على تضليل الأمة إلى هذا الحد، ~~وأن علينا أن نجهر برأينا في حقيقة المعاهدة سواء أسمع أم لم ~~يسمع، ولئن لم يسمع في حينه فلا بد أن يأتي يوم تظهر فيه حقيقته ~~ووجاهته. # فبادرت بوضع بحث مفصل في مساوئ المعاهدة وإظهارها على حقيقتها، ~~وجعلت عنوان البحث «استقلال أم ms108 حماية» وعرضته على المرحوم أنطون بك ~~الجميل «باشا» رئيس تحرير الأهرام لينشره في الأهرام، وكتبت له ~~جوابا خاصا بأن من حقنا على الأهرام أن تنشر رأينا كمعارضين إلى ~~جانب رأي المروجين والمحبذين. فلم يتردد رحمه الله في الاستجابة ~~إلى طلبي، ونشر رسالتي كاملة في عدد 26 سبتمبر سنة 1936، وقد ~~استغرقت أكثر من صحيفتين كاملتين من الأهرام، فكانت أول صوت ~~للمعارضة ارتفع بالطعن في المعاهدة بعد توقيعها. وقد بدأتها بقولي: ~~«الآن وقد نشرت نصوص المعاهدة وانقضت فترة كافية لمن أرادوا ~~الابتهاج بها، يجب على الأمة أن تبحثها وتفهمها على حقيقتها؛ لأنها ~~لا ترتبط بحقوق الأفراد وحدهم، بل تتعلق بحقوق الوطن في حاضره ~~ومستقبله، ولا تقتصر نتائجها على الجيل الحاضر فحسب بل تتعدى إلى ~~الأجيال المقبلة. وإذا كانت عقود التصرفات بين الأفراد كالبيع ~~والإيجار والرهن وما إلى ذلك لا يبرمها أصحاب الشأن فيها إلا بعد ~~بحثها وتمحيصها وإنعام النظر في شروطها ومحتوياتها، فأجدر بالعقود ~~التي يرتبط بها مصير أمة أن تكون موضع الدرس والعناية من طبقات ~~الأمة كافة حتى يتبين أي مصير هي قادمة عليه إذا هي قبلت ~~المعاهدة.» # وقد كان لنشر رسالتي في الأهرام صدى بعيد في الرأي العام، ~~وانبرى مروجو المعاهدة ومؤيدوها للرد عليها في الأهرام وغير ~~الأهرام، ولكن لا أظن أنهم استطاعوا أن يزيلوا تأثير ما احتوت عليه ~~من الحجج والأدلة المنطقية القوية، وقد لاقت الرسالة اهتماما ~~كبيرا حتى اضطررت إلى طبعها على حدة بعد نشرها بالأهرام، وأعدت ~~طبعها مرتين؛ أي إني طبعتها ثلاث مرات عدا نشرها في الأهرام، وكنت ~~أوزعها مجانا لمن يطلبها، وقد وقعتها بصفتي سكرتيرا للحزب ~~الوطني، فكانت معبرة عن رأي الحزب في رفض المعاهدة، وأعلن رئيس ~~الحزب وأعضاؤه البارزون بحوثهم وآراءهم وكلها متفقة على رفض ~~المعاهدة. ~~(5) عودتي إلى الحياة البرلمانية (1939-1951) # إن القدر وحده هو الذي أعادني إلى الحياة البرلمانية سنة 1939 ~~بعد أن أقصتني عنها الحزبية الوفدية نيفا وثلاث عشرة سنة. # في سبتمبر من تلك السنة توفي المرحوم محمد محمد الشناوي بك ~~عضو مجلس ms109 الشيوخ عن دائرة كفر بدواي بمديرية الدقهلية، # 2 # وهي تضم بلادا من مركز المنصورة ومركز فارسكور وتمتد ~~إلى شطوط دمياط، وأهل هذه البلاد يعرفونني حق المعرفة ويذكرون ~~مواقفي في مجلس النواب الأول والذي يليه، وكثيرون منهم كانوا ~~يتوقون إلى أن أعود إلى الحياة البرلمانية سواء في مجلس النواب أو ~~في مجلس الشيوخ. وكان الوفد قد قرر عدم الترشيح للمراكز التي تخلو ~~وقتئذ في البرلمان بحجة تدخل الحكومة في انتخابات سنة 1938، ~~وهذا القرار لم يكن له مدى زمني معلوم. على أنني قد أعربت لإخوة ~~الشناوي بك عن رغبتي في ترشيح نفسي لهذه الدائرة وسألتهم هل أحد ~~منهم يرغب في الترشيح لها، فأجابوني بالسلب، فاستخرت الله واعتزمت ~~ترشيح نفسي لهذه الدائرة، وقدمت أوراق ترشيحي بمديرية الدقهلية ~~يوم 14 أكتوبر سنة 1939. ولكن سرعان ما ظهر لي منافس من حزب ~~الأحرار الدستوريين الذين كانوا أصحاب الغالبية في انتخابات سنة ~~1938، وأعرب عن رغبته في ترشيح نفسه، وأيده حزبه في ذلك. ومن ~~حسن الحظ أن حزبه كان قد ترك الحكم قبيل ذلك؛ إذ استقال محمد ~~محمود باشا أو طلب إليه أن يستقيل في سبتمبر سنة 1939، وتولى ~~الوزارة علي ماهر باشا ولم يشترك فيها حزب الأحرار الدستوريين، على ~~أنهم بوصف كونهم أصحاب الغالبية في مجلس النواب كان لهم صوت مسموع ~~في الحكومة، وقد أرادوا أن يرشحوا واحدا منهم لهذه الدائرة التي ~~خلت ليزيدوا من عدد ممثليهم في مجلس الشيوخ. # ولكن أعيان المنطقة وقفوا بجانبي موقفا مشرفا كان له أثره في ~~نجاحي بالتزكية، ذلك أنهم صارحوا عبد الجليل أبو سمرة باشا بأنهم ~~مع صداقتهم له ولعائلة أبو سعدة «عائلة المرشح الدستوري» وعائلة ~~أبو سمرة فإنهم لا يمكن أن يؤثروا مرشح الأحرار الدستوريين علي ~~ولا بد أنهم سيكونون في صفي إذا حصلت المزاحمة بيننا. فاستجاب عبد ~~الجليل باشا إلى ندائهم، وارتضى أن يقنع قريبه بتنازله عن التقدم ~~للترشيح، ولم يرض هذا الموقف زعماء الحزب في مصر ولاموا عبد ~~الجليل باشا على تسببه في خسارة الدائرة وتضييعها على حزبهم. ~~فاعتذر ms110 بأن أقرباءه وأصدقاءه في المنطقة أصروا على خذلان مرشحهم ~~إذا هو تقدم ضدي. فسكتوا على مضض؛ ومن ثم لم يتقدم ضدي أي ~~مرشح آخر وانتهت العشرة الأيام المحددة للترشيح بسلام. وبذلك صرت ~~عضوا في مجلس الشيوخ منذ الساعة الخامسة من مساء يوم الأحد 22 ~~أكتوبر سنة 1939. # ومن الحق في هذا المقام أن أنوه بفضل علي ماهر باشا في نجاحي؛ ~~فإنه رحب بترشيحي ترحيبا حارا، وكان وقتئذ رئيسا للوزارة، ~~فكان لترحيبه صداه في رجال الإدارة، كما كان له أثره في تسهيل ~~انسحاب مزاحمي الدستوري؛ إذ قطع الأمل من مساعدة الإدارة ~~له. # عدت إذن إلى الحياة البرلمانية وانتظمت في صفوف المعارضين، وكان ~~الوفد يومئذ في المعارضة يشغل مقاعدها في مجلس الشيوخ، وكان له ~~عدد وافر فيها، بخلاف مجلس النواب، وقد تضامنت معهم (عن عقيدة) في ~~المعارضة. وفي خطبتي الأولى التي ألقيتها في المجلس بجلسة 11 ~~ديسمبر سنة 1939 لمناسبة الرد على خطاب العرش نوهت إلى أنهم فيما ~~مضى (سنة 1924) كانوا لا ينظرون بعين الارتياح إلى مواقفنا ~~كمعارضين، وها قد دارت الأيام فجمعتنا صفوف المعارضة، وكانت خطبتي ~~تحمل في طياتها معنى عتابهم على محاربتهم لي في الماضي، قلت في هذا ~~الصدد ما يأتي: «زملائي الأعزاء! أرجو أن تسمحوا لي وأنا أقف بينكم ~~لأول مرة أن أرجع قليلا إلى ذكريات الماضي. لقد كنت عضوا في مجلس ~~النواب الأول سنة 1924، ووقفت مثل هذا الموقف مبديا آرائي ~~وملاحظاتي على خطاب العرش، وقد ألقاه وقتئذ المغفور له سعد زغلول ~~باشا، وكانت الحياة البرلمانية في مستهل عهدها، وتقاليدها جديدة ~~علينا، ففكرت مليا مع طائفة عزيزة من النواب في أي خطة نسلكها في ~~البرلمان. فاتفقنا على أن تكون خطتنا هي الدفاع عن المبادئ التي ~~نؤمن بها والتي صارت جزءا من حياتنا السياسية، وأن نؤيد الوزارة ~~في كل ما يتفق وهذه المبادئ وفي كل ما تعمل لصالح البلاد، وأن ~~ننقدها بالرفق واللين فيما نعتقد أنها أخطأت فيه. وقد اصطلح الناس ~~على تسمية هذه الخطة بالمعارضة، فرضينا بهذه التسمية؛ إذ جعلناها ms111 ~~خالصة لوجه الله والوطن، ودار الجدل الطويل وقتئذ على المعارضة في ~~ذاتها: هل هي لازمة أم غير لازمة، نافعة أم ضارة؟ ثم جاءت انتخابات ~~سنة 1925 لمجلس النواب الثاني ، فانتخبت فيه ولكن لم يطل عهده كما ~~تعلمون، ثم انقطعت صلتي بالحياة البرلمانية من الناحية الرسمية مع ~~استمرارها من الناحية الروحية والفكرية، إلى أن انتخبت في أكتوبر ~~الماضي عضوا بمجلسكم الموقر. فلما زرت معاهد البرلمان لأرى مدى ~~التغييرات التي طرأت عليها في خلال هذه السنين رأيت الأوضاع هي هي، ~~غير أني لاحظت أن قاعة فخمة قد أعدت للمعارضة في مجلس النواب، ~~وقاعة فخمة أخرى قد أعدت للمعارضة في مجلس الشيوخ، وهذا هو الشيء ~~الجديد. وهكذا بعد أن كانت فكرة المعارضة موضع القيل والقال، ~~والجدل والحوار، صارت نظاما مستقرا معترفا به من الجميع، وقد ~~زادني هذا التطور اعتقادا بأننا كنا على حق سنة 1924 وسنة 1925، ~~وأن المعارضة ما دامت تنشد الحق والمصلحة الوطنية هي ركن من أركان ~~الحياة النيابية، وهي خير معوان للحكومة فيما تضطلع به من الأعباء ~~الجسام.» # ثم حملت على معاهدة سنة 1936 وذكرت إهدارها للجلاء وإقرارها ~~الوضع الباطل في السودان، وقلت فيما قلت: «أنا لست فيما أقول ~~نظريا، بل إني أستلهم آرائي من المشاهدات الدولية التي نراها كل ~~يوم؛ فالذي نشاهده أن معاهدات التحالف أو الصداقة أو مواثيق الضمان ~~بين إنجلترا وغيرنا من الدول التي تربطها بها المصالح المشتركة ~~قائمة على أساس عدم وجود قوات حربية بريطانية مستديمة في تلك ~~البلاد، فتطبيق هذه القاعدة يقتضي أن يكون الجلاء هو أساس التحالف ~~والتعاون بيننا وبين بريطانيا. لقد تعاهدت بريطانيا مع تركيا كما ~~تعهدت لليونان ورومانيا وغيرها بمساعدتها في رد أي اعتداء عليها، ~~ومع ذلك لم يكن في أي عهد لها مع هذه الدول وجود قوات حربية ~~بريطانية مستديمة في أراضيها، وغير خاف أن اليونان ليست أكثر منا ~~قوة ولا أعز نفرا ولا هي أقل استهدافا لخطر الغزو الخارجي، ومع ~~ذلك لم يقل أحد أن درء هذا الخطر يكون بوجود قوات ms112 مستديمة ~~لبريطانيا فيها، ولا يمكننا ونحن من المؤمنين بمبدأ الجلاء أن نقر ~~الوضع الحالي للتحالف، وكذلك لا نقر الوضع الحالي للسودان كما هو ~~وارد في المعاهدة. إن الأساس الصحيح للتعاون بين الدول التي تحترم ~~استقلالها هو ما صرح به المستر تشمبرلين في مجلس العموم ~~البريطاني يوم 12 أبريل الماضي (1939) إذ قال إن كل عمل يهدد ~~استقلال اليونان ورومانيا وترى اليونان أو رومانيا أن مصلحتها ~~الحيوية تقضي عليها بمقاومته بقواها الوطنية هو عمل يلزم الحكومة ~~البريطانية بأن تقدم في الحال المساعدة للحكومة اليونانية أو ~~الحكومة الرومانية، هذا الأساس هو الذي نريده ونبغيه.» # ثم تكلمت من الناحية الداخلية على «وجوب تقوية الجيش وربط النهضة ~~الحربية بالنهضة الاقتصادية، وأن من أولى مظاهر هذا الارتباط أن ~~يستوفي الجيش جميع حاجاته من ملبس ومأكل وأسلحة ومدافع ومهمات ~~وذخائر من موارد البلاد، وبذلك يتم للجيش الطابع القومي طابع ~~الاستقلال والكرامة، وتنشأ في البلاد صناعات حربية وغير حربية تتسع ~~بها آفاق النهضة الاقتصادية وتجد الأيدي العاملة والرءوس المدبرة ~~مجالا جديدا للعمل والإنتاج، وبهذه الوسيلة تكون ملايين الجنيهات ~~التي يقتضيها الدفاع الوطني بمثابة رءوس أموال تستثمر في البلاد ~~وتزيد من رخائها وثروتها، ولا تكون نفقات الدفاع وتكاليفه عبئا ~~على الميزانية وعلى البلاد كما يتوهم البعض، بل تكون سببا ~~لتقدمها الصناعي والعمراني، أو بعبارة أخرى يجب أن يتم الانسجام ~~بين الدفاع الوطني والاقتصاد القومي. وإني لأرجو أن تعنى الوزارة ~~بهذه الناحية كل العناية، وإذا كانت مصر في عهد محمد علي قد كفلت ~~بمواردها ومصانعها حاجات الجيش بأكملها فأولى بها وقد خطت في ~~ميادين العلم والتقدم هذه الخطوات الواسعة أن تكفل حاجات جيشها ~~الحديث بنفس هذه الطريقة.» # ثم تحدثت عن التعاون حديثا طويلا ودعوت الوزارة إلى العناية ~~به. # وإذ كان كلامي عن معاهدة سنة 1936 طعنا في مشروعيتها وصحتها؛ ~~فقد انبرى لي أحد الشيوخ الوفديين في الجلسة مدافعا عنها وقال: ~~«إنه لا يصح أن نتجاهل الحقائق، ويكفي (في نظره) أن يعترف الأجنبي ~~في المعاهدة بأن احتلاله انتهى وأنه بعد عشرين ms113 سنة نقوي فيها جيشنا ~~ونستطيع بعدها أن نحافظ على قناة السويس التي هي مهمة لنا ومهمة له ~~(كذا) يكفي أن يخرج حينئذ من البلاد بلا رجعة. وإذا قال هذا ~~الأجنبي ساعتئذ (أي سنة 1956) لا، أمكننا أن نحتكم في هذا الأمر ~~إلى عصبة الأمم. وكلام حضرة الزميل المحترم (مشيرا إلي) رجوع ~~إلى الماضي واعتراض على معاهدة نظرتها الأحزاب كلها في جبهة ~~متحدة؛ ومن أجل هذا سميت وثيقة الشرف والاستقلال، ولم يكن في ~~الإمكان الحصول على أفضل مما حصلنا، ومع هذا فيمكن أن نحصل على خير ~~من هذا بفضل جهود المصريين وما يعملونه في تأييد الحليفة وفي العمل ~~المجدي المشترك معها وهو الانتصار للديمقراطية.» # وكان كلام حضرة الزميل الوفدي انتصارا لإنجلترا وإبرازا للتمسك ~~بالمعاهدة دون أي مقتض. ~~(6) معاهدة سنة 1936 ومناداتي ببطلانها في البرلمان # كان حديثي عن معاهدة سنة 1936 في مجلس الشيوخ أول حملة برلمانية ~~على مشروعية المعاهدة بعد إبرامها، حقا إنها كانت موضع الطعن ~~والحملات عليها من المعارضين أثناء عرضها على البرلمان، ولكن بعد ~~أن قرر البرلمان قبولها هدأت الحملة عليها مؤقتا بوصف أنها صارت ~~قانونا من قوانين الدولة. # وقد تابعت الحملة على المعاهدة في مختلف المناسبات. # ففي جلسة 12 يونيو سنة 1940 في عهد وزارة علي باشا ماهر تناقش ~~المجلس في موقف مصر بعد دخول إيطاليا الحرب، واستمع في جلسة سرية ~~إلى بيان رئيس الوزراء ومناقشات الأعضاء، وأصدر بجلسة علنية القرار ~~الآتي: ~~«بعد سماع البيان الذي ألقاه حضرة صاحب المقام الرفيع رئيس مجلس ~~الوزراء، يقرر المجلس تأييده لهذا البيان كما يؤيد استمرار الحكومة ~~في تقديم أكبر معونة ممكنة للحليفة في دفاعها عن الحق والحرية في ~~حدود معاهدة الصداقة والتحالف.» # فاعترضت على الشطر الأخير من القرار، وأثبت اعتراضي عليه ~~بالجلسة، وأعلنت عدم موافقتي عليه. # ولما استقالت وزارة علي باشا ماهر في يونيو سنة 1940 على أثر ~~التدخل البريطاني وتألفت وزارة حسن صبري باشا نوقش بيانها الوزاري ~~بجلسة 4 يوليو سنة 1940، ووقفت منها موقف المعارضة، وبنيت معارضتي ~~على أنها جاءت في ms114 أعقاب تدخل أجنبي اضطر الوزارة السابقة «وزارة ~~علي ماهر» إلى الاستقالة وأنها أعلنت في بيانها أن علاقة مصر ~~ببريطانيا سيكون أساسها تنفيذ معاهدة سنة 1936 بروحها ونصها، وقلت ~~في هذه الجلسة: «إن تأييد الوزارات أو عدم تأييدها يرجع إلى أمرين : ~~أولهما الملابسات والظروف التي تألفت فيها الوزارة، وثانيهما ~~مناهجها ومبادئها.» # وبعد أن شرحت كيف أن استقالة الوزارة السابقة كانت نتيجة تدخل ~~أجنبي، عرجت على الأمر الثاني وقلت: «ومن ناحية أخرى فأنا لا ~~أؤيد الوزارة لأنها تقوم على أساس يخالف مبدئي بصفتي عضوا في ~~الحزب الوطني، ولا شك أن حضراتكم تعلمون رأينا في معاهدة التحالف ~~التي أبرمت سنة 1936، وتعلمون وجهة نظرنا في العلاقات التي يجب أن ~~تكون بين مصر وبريطانيا العظمى؛ فالعلاقة التي يجب أن تكون بين ~~البلدين يجب أن يكون أساسها الجلاء الذي طالما دعونا وما زلنا ندعو ~~إليه وننادي به طوال السنين؛ ولذلك لا يمكن ونحن دعاة هذا المبدأ ~~القويم أن نؤيد وزارة تقوم على غير هذا الأساس.» # وهنا أراد رئيس الجلسة (سليمان باشا السيد سليمان وكيل المجلس) ~~ألا أسترسل في هذا الحديث قائلا: «أرجو حضرة الشيخ المحترم ألا ~~يخرج عن الموضوع وأن يقصر كلامه على بيان الوزارة.» # فقلت: «إني أتكلم في بيان الوزارة الذي جاء فيه أن علاقتنا ~~وبريطانيا العظمى سيكون أساسها تنفيذ معاهدة التحالف والصداقة ~~بروحها ونصها، وهذا الأساس لا نقره بحال.» # وعندئذ تدخل حسن صبري باشا رئيس الوزارة قائلا: «لقد أقسم ~~حضرة الشيخ المحترم على احترام قوانين البلاد، ومعاهدة الصداقة صدر ~~بها قانون يجب احترامه.» # فأجبته: «أنا لا أزال متمسكا برأيي. ولقد كنت دائما ممن عارضوا ~~معاهدة الصداقة والتحالف، والأحزاب والجماعات تطالب الآن (1940) ~~بالجلاء وهو الرأي الذي طالما نادى به الحزب الوطني من قديم وحققت ~~الأيام صحته. فلا يليق بنا في الوقت الذي اتفقت فيه الأحزاب ~~والجماعات على صحة هذا المبدأ وقامت تطالب بالجلاء، أن نتخلى عنه، ~~ولا يتفق مع مبادئ الحزب الوطني أن نؤيد وزارة تقوم على غير هذا ~~الأساس.» # ثم عاد رئيس الوزارة يجابهني ms115 باليمين التي أقسمتها قائلا: وماذا ~~يقول حضرة الشيخ المحترم في اليمين التي أقسمها على احترام قوانين ~~البلاد؟ # وهنا تدخل المرحوم الأستاذ يوسف الجندي (وكان بيني وبينه ود ~~متبادل) ورد على اعتراض رئيس الوزارة قائلا: «إن القسم على ~~احترام قوانين البلاد لا يمنع أي عضو من انتقاد قانون ما أو طلب ~~تعديله.» وقلت معقبا: «نعم، ولي أن أعترض على أي قانون وأطلب ~~تعديله أو إلغاءه.» ثم قلت مخاطبا الأعضاء: «إخواني الأعزاء! إن ~~المبادئ التي يدين بها الحزب الوطني والتي أثبتت الأيام صحتها هي ~~ذلك التراث الوطني المقدس الذي تلقيناه عن أسلافنا العظام، فلا ~~يجوز لنا أن نتنازل عنها أو نتراخى في التمسك بها.» وانتهت ~~المناقشة عند هذا الحد. # ولما تناقش المجلس بجلسة 31 ديسمبر سنة 1940 في خطاب العرش على ~~عهد وزارة حسين سري باشا لم أقر مشروع لجنة الرد على الخطاب، وقد ~~حصلت المناقشة في جلسة سرية وأبديت وجهة نظري في بطلان المعاهدة، ~~وعندما عرض مشروع اللجنة لأخذ الرأي عنه بالجلسة العلنية لم أوافق ~~عليه، وقلت ما نصه: «للأسباب التي أبديتها في الجلسة السرية لا ~~أوافق على مشروع الرد المقدم من اللجنة.» # وخلاصة هذه الأسباب (وهي مدونة تفصيلا في محضر الجلسة السرية) ~~أن خطاب العرش ومشروع الرد عليه كما وضعته اللجنة يحتويان على ~~إقرار الأساس (أساس المعاهدة) الذي يتنافى مع الاستقلال؛ ومن ثم ~~لا أوافق على الخطاب ولا مشروع الرد عليه، وقلت في تأييد وجهة ~~نظري: ~~«لقد اعترضنا كثيرا على أساس التحالف بين مصر وبريطانيا كما ورد ~~في معاهدة سنة 1936 فكانوا يقولون عنا أننا متطرفون أو متطيرون، ~~وها هي الحوادث تنطق بأننا كنا معتدلين فيما قلناه وتوقعناه، ولا ~~أدري ما هي مصلحة البلاد في كتمان الحقائق عنها أو تصوير الأمور ~~على غير حقيقتها. إن الوضع الصحيح للتحالف أو التعاون هو ما نراه ~~بين بريطانيا واليونان؛ نريد أن يعاملونا كما عاملوا اليونان ~~قديما وحديثا؛ لقد ساعدوها على استرداد استقلالها منذ نيف ومائة ~~عام وتركوها طول هذه المدة مستقلة استقلالا صحيحا، ms116 تركوها تعتمد ~~على نفسها وتؤلف جيشها وأسطولها، تركوها تقوى وتنمو وتنهض، ~~وساعدوها على توسيع أملاكها، وكانوا كلما تعرض استقلالها للخطر ~~هبوا لنجدتها وحاربوا من أجلها. ومع ذلك لم يكن من شروط التحالف ~~أو التعاون بينهما قديما أو حديثا أن يكون لإنجلترا في أي جزء من ~~أراضي اليونان قوات حربية مستديمة في حالتي الحرب والسلم كما هو ~~الحال عندنا، ولا أن تقتسم وإياها السيادة وتستأثر بالحكم في أي ~~جزء من بلادها كما هو الحال في السودان؛ فهذا النوع من التحالف أو ~~التعاون، هذا النوع السليم الصحيح، هو الذي أنتج دولة قوية هبت ~~للدفاع عن الذمار ضد الغزو الإيطالي لأنها تعتقد حقا أنها ~~تدافع عن الاستقلال لا عن الاحتلال. # أنا لا أتصور استقلالا بغير الجلاء، ولا أتصور احتلالا مهما ~~كان شكله بغير تبعية، ولا أتصور تحالفا بين دولتين مستقلتين يقوم ~~على غير أساس الجلاء، إلا إذا تنازلت إحداهما عن الجلاء أو عن جوهر ~~الاستقلال، هذه هي الحقائق، هذه هي المسميات، أما الأسماء فما ~~أكثرها # إن هي إلا أسماء ~~سميتموها ~~.» # وعندما نظر المجلس بجلسة 17 فبراير سنة 1941 (في عهد وزارة حسين ~~سري باشا أيضا) استجواب حافظ رمضان باشا في الاعتراض على تصريح ~~المستر تشرشل الذي ألقاه في ديسمبر سنة 1939 وأخذ فيه على إيطاليا ~~أنها هاجمت مصر وهي «تحت الحماية البريطانية»، قلت في هذا ~~الاستجواب: ~~«يهمني أن أبين لحضراتكم وجهة نظر الحزب الوطني في هذا ~~الموضوع، ولا أريد أن أكرر ما قلت في الجلسة السرية التي عقدت في ~~الشهر الماضي، بل أقرر أني اعترضت بكل قواي على تصريح المستر ~~تشرشل، والذي أريد أن أقرره الآن أن اعتراضي على هذا التصريح ~~ينطوي أيضا على اعتراضي على المعاهدة. واسمحوا لي أن أبين أن ~~وجهة نظر الحزب الوطني لا تقر المعاهدة لأنها تتنافى مع الجلاء ~~وهو من المبادئ الأساسية للحزب الوطني، كما تتنافى مع ارتباط ~~السودان بمصر ارتباطا لا يقبل التجزئة؛ لهذا نحن نعترض على ~~التصريح وعلى التفسير الذي لابسه، وقد رفضنا المعاهدة وتنفيذها، ~~وقد ms117 كان موقف الحزب الوطني موقف المعارضة من كل الوزارات التي قامت ~~على تنفيذ المعاهدة.» # وبجلسة 3 يونيو سنة 1942 التي نوقش فيها خطاب العرش على عهد ~~وزارة النحاس حدثت مناقشة طويلة بيني وبين رئيس المجلس (علي زكي ~~العرابي باشا) ووزير العدل (صبري أبو علم باشا) في شأن المعاهدة ~~ومشروعيتها. # فقد قلت ردا على خطاب العرش: ~~«إن خطاب العرش قد أغفل، وبعبارة أصح: أهدر، نقطتين جوهريتين ~~فيما يتعلق بالسياسة العامة للدولة؛ الأولى خاصة بالجلاء، والثانية ~~خاصة بالسودان. وإني ألاحظ دائما على خطب العرش ظاهرة تستوقف ~~النظر، هي أن كل خطاب عرش لا يخلو من التنويه بأن الوضع الحالي ~~للبلاد والذي يجب أن تقوم عليه كل حكومة هو معاهدة التحالف ~~والصداقة المبرمة سنة 1936، مع أن لنا مندوحة في أن نتجاوز عن هذه ~~النقطة لأنها ليست نقطة جوهرية في خطاب العرش ولا ضرورة لذكرها. ~~وأول ما أعترض عليه أن خطاب العرش ذكر هذا الوضع وأنا موقن أنه ~~ينقض ركنا جوهريا من أركان الاستقلال والسيادة العامة، وهو ~~الركن الخاص بالجلاء، لا أقول هذا لمجرد الكلام في النظريات بل ~~أذكره على أنه حقائق ثابتة يجب أن توضع موضع الاعتبار. لأننا إذا ~~قارنا بين هذا الوضع الذي في مصر ووضع التحالف القائم بين ~~بريطانيا العظمى وحلفائها مثل أمريكا وتركيا واليونان وغيرهم؛ ~~فإننا لا نجد في أي معاهدة من هذه المعاهدات نصا يبيح لها ~~استدامة بقاء قواتها الحربية في بلاد حليفتها في أيام السلم وأيام ~~الحرب كما هو الحال في مصر.» # وهنا قاطعني رئيس المجلس (علي زكي العرابي باشا) قائلا: «هل ~~يعترض حضرة الزميل المحترم على المعاهدة؟» # فأجبت قائلا: «لي هذا الحق، وأريد أن أنتقد السياسة العامة ~~للحكومة، وإذا قيل لي بأن هذا يتعارض مع كونها أقرت بقانون فإني ~~لا أوافقكم على اعتبارها قانونا، ومع ذلك فإن كل القوانين عرضة ~~للمناقشة فيها في البرلمان تمهيدا لتعديلها أو إلغائها.» # فاعترض علي أيضا صبري أبو علم باشا قائلا: إننا الآن في صدد ~~مناقشة خطاب العرش لا في صدد الكلام ms118 عن المعاهدة. # فقلت: «إن موضوع كلامي في خطاب العرش ينصب على الجلاء ~~والسودان، وأرجو أن تتركوني أتكلم لأني تكلمت في عهود سابقة عن هذا ~~الموضوع ولم يعترض علي أحد، فلا يصح أن يضيق صدركم الآن بما لم ~~يضق به صدر تلك العهود.» # واستمرت المناقشة من الجانبين سجالا إلى أن قلت: «إن الركن ~~الثاني هو مسألة السودان، وهذه مسألة ليست بالهينة؛ لأن السودان هو ~~نصف المملكة المصرية، ورضاؤنا عن الوضع الحالي للسودان يعتبر منا ~~إقرارا لسيطرة دولة أخرى على هذا النصف من المملكة وهو كما قلت ~~مكمل لها.» # فقال رئيس المجلس مرة ثانية: «هل حضرة الزميل المحترم يعترض على ~~المعاهدة ويرغب في تعديلها؟» # فقلت: «أظن أن حضراتكم تعلمون رأيي في المعاهدة؛ فأنا لم أقبلها ~~ولم أقرها، فلا تحاجوني بالمعاهدة.» # وقال صبري أبو علم: «إذا كان حضرة الزميل المحترم يريد أن يتكلم ~~عن المعاهدة فالطريق الذي يجب أن يسلكه هو أن يقدم اقتراحا بما ~~يريده، لأننا لو أبحنا المناقشة في المعاهدة في كل مناسبة لما ~~انتهينا من ذلك.» # فانبرى بهي الدين بركات باشا يدفع عني هذه المقاطعات وقال: إن ~~«لكل نائب ولكل شيخ الحق كل الحق عند مناقشة خطاب العرش أن يدلي ~~بما يعن له من الآراء وأن يناقش كل مسألة يريد أن يعرض لها، وأنا ~~وإن كنت لا أوافق حضرة الزميل المحترم على بعض آرائه لكني أرى أن ~~من حقه المطلق أن يعارض أية سياسة سواء أكانت متعلقة بالمعاهدة أم ~~غير متعلقة بها.» إلى أن قال: «أقول إنه لا حرج عليه في ذلك ~~مطلقا، ويجب أن نصغي إليه ولا نقاطعه لأن لكل أقلية حقوقا يجب أن ~~تحترم. إن النظام البرلماني لم يوجد إلا لكي يفسح المجال ~~للأقليات ليكون لها صوت محترم يسمع؛ لأن هذا هو أبرز فارق بين ~~الحكم الدكتاتوري والحكم الديمقراطي. أما القول بتقديس معاهدة أو ~~تقديس رأي سياسي معين أيا كان فهذا ليس من النظم البرلمانية أو ~~الديمقراطية في شيء ويجب أن يستبعد من الأذهان.» # وهنا عاد رئيس المجلس ms119 إلى الاعتراض قائلا: «إن المسألة ليست ~~مسألة الكلام عن الأقلية أو الأغلبية، ولكن نحن في صدد مناقشة رأي ~~في ذاته، وقد طلبت من حضرة الزميل المحترم أن يحدد رأيه: هل يريد ~~الاعتراض على المعاهدة أو على تنفيذها، أو هل له رغبة في تعديلها؟ ~~طلبت منه أن يحدد أقواله بالدقة حتى يتيسر لنا متابعة ~~آرائه.» # فقلت: «أنا أعترض على المعاهدة.» # وهنا قال صبري أبو علم: «اعترضت ولا أزال أعترض على أن تدور ~~المناقشة على أساس تجاهل معاهدة عقدناها وأقرها البرلمان لأنها ~~تتضمن سياسة ارتبط بها شرف مصر (تأمل!) أما أن تتخذ من خطاب ~~العرش وسيلة للطعن على معاهدة أقررناها ومتوجة بإمضاء جلالة ~~الملك فهذا الوضع لا يمكن أن تقره الحكومة، أما الاقتراح ~~بالتعديل أو الإلغاء فبابه مفتوح.» # وانتهيت من كلامي إلى أني لا أقر خطاب العرش ولا مشروع الرد ~~عليه. # وكان موقف حكومة الوفد في هذه المناقشة موقف تأييد ودفاع وتدعيم ~~للمعاهدة التي أهدرت الجلاء ووحدة وادي النيل. # وبجلسة 8 ديسمبر سنة 1942 لمناسبة الرد على خطاب العرش أيضا في ~~عهد الوزارة الوفدية، قلت في الرد على هذا الخطاب: «أنتقل الآن إلى ~~القسم الخارجي من خطاب العرش، إن نقطة الارتكاز فيه هي معاهدة سنة ~~1936، وحضراتكم تعلمون وجهة نظرنا فيها، وهي أننا لم نقبلها ولم ~~نقرها لأنها تتعارض مع الجلاء الذي هو أساس مبادئنا، وتتعارض مع ~~ارتباط السودان بمصر، فتعارضها مع هذين المبدأين الأساسيين جعلنا ~~نقف منها هذا الموقف، والجلاء في نظرنا مرادف للاستقلال، وأرجو ألا ~~يتطرق إلى بعض الأذهان أنني إذ أتكلم في هذه النقطة أنشد الخيال؛ ~~لا يا حضرات الزملاء! أنا أتكلم عن عقيدة وعن حقيقة ثابتة، وأضيف ~~إلى ذلك أنكم أدرى بأن التطورات الدولية التي ستعقب هذه الحرب ~~ستكون فيما أعتقد محققة لهذه المبادئ، كمبدأ الجلاء ووحدة وادي ~~النيل السياسية والتاريخية والجغرافية. ولا أخفي على حضراتكم أن ~~من ضمن أسباب الحروب التي تشكو منها الإنسانية نزعة الاستعمار، ~~نزعة تغلب القوي على الضعيف، وهذه النزعة بدأ يظهر لها خصوم ~~أقوياء ms120 في صفوف الديمقراطية، وهم يعتقدون بحق أن سلام العالم ~~وراحته وطمأنينته لا تتحقق إلا بالعدول عن هذه النزعة؛ لأن ما كان ~~يصلح في القرنين السابع عشر والثامن عشر لم يعد يصلح مطلقا لهذا ~~العصر، بل إن هذه النزعة كانت سببا في تقلقل السلام في العالم؛ ~~فما علينا إلا أن نتمسك بمبدأ الجلاء ووحدة وادي النيل، وسيأتي ~~اليوم الذي يتحقق فيه هذا المبدأ.» # وقلت يوم 29 ديسمبر سنة 1943 في جلسة الرد على خطاب العرش أيضا: ~~«لقد استوقف نظري في خطاب العرش ما جاء في ختامه من أن مصر أو ~~الشعب المصري يحرص كل الحرص على أن يتمتع باستقلاله تاما كاملا ~~لا تشوبه أية شائبة. وقد تساءلت عندما سمعت هذه الفقرة وتلوتها مرة ~~أخرى في خطاب العرش: كيف يمكن أن يتحقق الاستقلال تاما لا تشوبه ~~أية شائبة بدون الجلاء؟ إن الاستقلال الصحيح لا يتحقق ولا يكون ~~تاما كاملا لا تشوبه أية شائبة إلا إذا تحقق الجلاء. # يا حضرات الزملاء الأعزاء! لقد دافعت غير مرة عن قضية الجلاء من ~~فوق هذا المنبر، وأراني أشعر كل يوم أنا وزملائي أننا إنما ندافع ~~عن قضية عادلة حقة، قضية هي لب الاستقلال وجوهره، ولا يمكن مطلقا ~~أن بلدا من البلدان يتمتع باستقلاله تاما كاملا لا تشوبه أية ~~شائبة إلا إذا تحقق الجلاء فعلا. ولا تظنوا أيها السادة أن مثل ~~هذه الدعوة والمجاهرة بها تسيء إلى الصداقة بين مصر وبريطانيا؛ فإن ~~الصداقة الحقيقية هي التي تبنى على الاحترام المتبادل للحقوق بين ~~الأمم، وهذا هو الأساس الصحيح للصداقة بين الأمم، هذا هو الأساس ~~الذي يجب أن يبنى عليه نظام العالم الجديد. # وفي الواقع، أيها السادة، إذا لم يكن قد حان وقت الجلاء منذ زمن ~~وإذا لم يحن وقت الجلاء عندما يتقرر مصير الشعوب فمتى ~~يحين؟ # إذا رجعنا إلى كتاب المستر جلادستون الذي أرسله إلى المرحوم ~~مصطفى كامل باشا سنة 1896 فإننا نراه يقول فيه إن زمن الجلاء قد ~~حان منذ سنين، فإذا كان هذا التصريح قد صدر ms121 سنة 1896 من المستر ~~جلادستون وهو رئيس الوزارة البريطانية الذي وقع في عهده الاحتلال ~~سنة 1882، وشيخ الأحرار في إنجلترا، فقوله هذا له وزنه وله قيمته. ~~أما نحن أيها السادة فنعتبر أن زمن الجلاء قد حان منذ سنة 1882، أي ~~من السنة التي وقع فيها الاحتلال؛ لأنه وقع بغير مبرر وبغير ~~سبب.» # إلى أن قلت: «هناك عنصر آخر يؤيد هذه القضية، وهو أن تطور ~~الأفكار العالمية واتجاه الشعوب إلى المثل العليا في خلال هذه ~~الحرب يعتبر وجود قوات حربية أجنبية بصفة مستمرة في أي بلد من ~~البلاد لا يتفق مع استقلال هذا البلد وكرامته القومية، فهذا ~~الاتجاه الجديد يؤيد قضية الجلاء ويجعلها قضية ناجحة. # ومهما قيل، أيها الزملاء الأعزاء، بالنسبة لمصر من أن وجود ~~القوات البريطانية الحربية إنما يقصد به الدفاع عن حرية الملاحة ~~في قنال السويس، فلا أظن مطلقا أن الأوضاع الصحيحة والمنطق السليم ~~يتفقان مع هذا التعليل، كما أعتقد أنه لم يعد يتفق مع التطور ~~العالمي الذي أشرت إليه، والذي لا يسمح مطلقا بأن تكون العلاقة مع ~~الشعوب مبنية على وجود قوات حربية أجنبية في البلد المستقل؛ خصوصا ~~أن بريطانيا العظمى قد ارتضت في معاهدة الآستانة سنة 1888، وفي ~~معاهدة لوزان سنة 1923، الوضع السليم لضمان حرية الملاحة في قنال ~~السويس بما لا يتفق مع وجود قوات أجنبية لضمان هذه الحرية؛ ذلك لأن ~~معاهدة سنة 1888 وهي معاهدة الآستانة التي اشتركت في التوقيع عليها ~~بريطانيا العظمى قررت أن قنال السويس يجب أن يكون على الحياد، ~~وقررت أن الدفاع عن حرية الملاحة في قنال السويس يجب أن يوكل أمره ~~إلى مصر وإلى القوات المصرية، وكان لها - كما نص في المعاهدة - أن ~~تستعين عند اللزوم إذا لم تكن قواتها كافية للدفاع عن حرية الملاحة ~~في قنال السويس، كان لها أن تستعين بقوات تركية. فلما جاءت معاهدة ~~لوزان التي أبرمت في يوليو سنة 1923 بين تركيا وبين بريطانيا ~~العظمى وحلفائها، أقرت الأحكام الواردة في معاهدة سنة 1888 مع ~~تنازل تركيا عن كل حق لها في ms122 مصر والسودان، نص على هذا صراحة في ~~معاهدة لوزان، ومعنى ذلك انفراد مصر بالدفاع عن حرية الملاحة في ~~القنال. إذن فالوضع الصحيح الذي ارتضته بريطانيا هو أن قنال السويس ~~يجب أن يكون على الحياد، وحياد قنال السويس يقتضي حياد الأرض التي ~~يمر بها، وأن حياد قنال السويس يجب أن يكون في كفالة مصر وحدها؛ ~~لأنه بتنازل تركيا عن كل حق لها بمصر والسودان أصبحت مصر منفردة ~~بمعاهدة دولية بضمان حرية الملاحة في القنال. وهذا هو الوضع السليم ~~الذي يجب أن نطالب به، فإذا ما بقيت جنود أجنبية بحجة الدفاع عن ~~حرية الملاحة في قنال السويس فلا يكون الغرض الحقيقي منها هو هذا، ~~وإنما يكون لها غرض آخر لا يتفق مع أبسط قواعد الاستقلال ولا مع ~~كرامة البلاد. # أيها الزملاء الأعزاء! ذكرت ما ربحته قضية الجلاء في خلال الحرب، ~~ويلزمني أن أنوه أيضا بأن مذكرة المعارضة الأخيرة # 3 # التي تقدمت إلى بعض المراجع السياسية تؤيد أيضا قضية ~~الجلاء؛ لأن أول المطالب التي طلبتها المعارضة في هذه العريضة هو ~~جلاء الجنود البريطانية عن الأراضي المصرية.» # وهنا اعترضني أحد الشيوخ الوفديين قائلا: وهل يمكن المطالبة ~~بالجلاء الآن؟ # فأجبته بكل بساطة: «إننا نطالب به منذ سنة 1882!» # ثم قلت: «والآن أرجو أن تسمحوا لي بأن أقول بهذه المناسبة إن هذا ~~المطلب تقاربت الأحزاب على المناداة به، أما نحن - المعارضين ~~القدماء - فنعتبر الجلاء مبدأ لا مطلبا فحسب، ونعتبره عقيدة لا ~~وسيلة للمعارضة فحسب، هو وسيلة للمعارضة ولكنه إلى جانب ذلك عقيدة، ~~وهو مبدأ؛ ولذلك فإننا لا نقبل المعاهدة بدونه.» # وهنا اعترضني محمد صبري أبو علم باشا (وزير العدل) قائلا: «هذا ~~إذا كانت المعاهدة لا تزال معروضة.» # فقلت: «سواء أكانت معروضة أم غير معروضة فإنا لا نقبل المعاهدة ~~بدونه.» # وبجلسة 23 ديسمبر سنة 1946 أعلنت أن معاهدة سنة 1936 باطلة وكذلك ~~اتفاق سنة 1899. # وقلت بجلسة 13 يناير سنة 1947 لمناسبة تصرفات الحاكم العام ~~للسودان (الجنرال هدلستون): «قد يقال إن اتفاقية السودان سنة 1899 ~~قد صححت بمعاهدة سنة ms123 1936، وأنا أقول إنها لم تصحح أبدا وما ~~زال البطلان لاحقا بها، كما أنه لا يزال لاحقا بمعاهدة سنة 1936 ~~لأن هذه المعاهدة تتعارض مع الأوضاع الدولية القديمة والحديثة التي ~~لا تسوغ مطلقا الضغط على شعب من الشعوب لأنه أعزل من السلاح ~~وإكراهه على توقيع اتفاقية أو معاهدة ضده. وهذه الأوضاع التي أشرت ~~إليها ما زالت قائمة، ومن مقتضاها أنه لا يجوز لدولة أن تنتهز وجود ~~جيوشها في أرض دولة أخرى وتنتزع منها معاهدة أو اتفاقية. أتريدون ~~يا حضرات الزملاء دليلا على الإكراه الواقع على مصر عندما أبرمت ~~معاهدة سنة 1936؟ أولا كان الاحتلال قائما في هذه الفترة، وما ~~زال قائما مع الأسف، ولا شك أن الاحتلال يفسد الرضا والتعاقد، ~~وقد أبرز هذا الإكراه بطريقة لبقة المغفور له عبد الخالق ثروت باشا ~~حينما كان يتفاوض مع السير تشمبرلن وزير خارجية إنجلترا سنة 1927 ~~وكان الحديث سجالا بينهما في أنه يجب أن تقبل مصر مشروع المعاهدة، ~~فماذا قال تشمبرلن للمغفور له ثروت باشا؟ لقد ورد هذا في الكتاب ~~الأخضر الذي نشره ثروت باشا في أعقاب سنة 1927، قال السير أوستن ~~تشمبرلن للمرحوم ثروت باشا ما يأتي: إن لب المسألة في الوقت الحاضر ~~هو ما إذا كان الشعب المصري والحكومة المصرية على استعداد للاعتراف ~~بالظروف الخاصة التي وجدت فيها كل من مصر وإنجلترا تلقاء الأخرى ~~وما إذا كنا نرغب في التعاون الودي مع الحكومة البريطانية لضمان ~~الدفاع عن مصالحنا المشتركة؛ فإن كان الجواب سلبا ظلت العلاقات ~~بين مصر وإنجلترا تحت رحمة أدنى حادث يطرأ وتعرضت تلك العلاقات إلى ~~أزمات قد تضطر بريطانيا العظمى إلى تسويتها بالقوة. # وهذا معناه أنه إذا لم تقبل مصر المعاهدة المعروضة عليها فستكون ~~علاقة إنجلترا معها عرضة لأزمات تضطر إنجلترا إلى أن تتدخل ~~لتسويتها بالقوة، أليس في هذا معنى الإكراه والغصب الذي تواجهنا به ~~إنجلترا لكي تضطر حكومة مصر إلى قبول المعاهدة المفروضة؟ أقول هذا ~~حجة لمن قبل المعاهدة في سنة 1936 للتحلل منها، وقد كنت وما زلت ~~معارضا لها. من ms124 الذي يلومنا أو يحتج علينا بهذه المعاهدة ~~ومقدماتها ترجع إلى سنة 1882 وكل الدلائل تدل على أنها أخذت من ~~الحكومة المصرية بطريق الضغط والإكراه؛ فهي إذن باطلة ولا نلزم ~~بها أصلا.» # وقلت بجلسة 12 فبراير سنة 1947: «لقد قال الإنجليز إن كل اتفاق ~~يعقد في ظل الاحتلال باطل، ولقد كان الاحتلال موجودا، والاحتلال ~~هو رمز الإكراه، وقبول مصر هذه المعاهدة في ظل الاحتلال يعتبر ~~إكراها وهو لا يلزم مصر بشيء .» # زملائي في المناداة ببطلان المعاهدة # كنا نحن ممثلي الحزب الوطني في البرلمان لا نفتأ ننادي في ~~مختلف العهود والدورات ببطلان معاهدة سنة 1936؛ إذ هي وليد ~~الغصب والإكراه، نادى بذلك في مجلس الشيوخ حافظ رمضان باشا ~~وأنا، كما نادى به في مجلس النواب محمد محمود جلال بك وفكري ~~أباظة باشا وعبد العزيز الصوفاني بك. كان هذا النداء الذي تكرر ~~منا عاما بعد عام دعوة خالصة للانتقاض على المعاهدة والتحلل ~~منها، والحمد لله أن جعل الأمة مع الزمن تتقبل هذه الدعوة ~~بقبول حسن وتتخذ من هذا البطلان شعارا لها في جهادها لتحقيق ~~أهدافها. ~~(7) التعاون والحركة التعاونية # اعتنقت التعاون منذ سنة 1908، وساهمت في الحركة التعاونية بإرشاد ~~المرحوم عمر بك لطفي مؤسس التعاون في مصر وتوجيه المرحوم محمد بك ~~فريد الذي وجه الحركة الوطنية إلى الإنشاء والإصلاح الاقتصادي ~~والاجتماعي إلى جانب الجهاد السياسي، ومن يومئذ لم تنقطع جهودي في ~~خدمة النهضة التعاونية. # بدأ التعاون شعبيا سنة 1909. # وفي سنة 1923 أصدرت الحكومة قانونا للتعاون وأنشئ في تلك السنة ~~قسم التعاون بوزارة الزراعة (مصلحة التعاون الآن وتتبع وزارة ~~الشئون الاجتماعية)، ولكن هذا القانون جعل النظام التعاوني ~~حكوميا بحتا، وهو ما لا يتفق والروح التعاونية؛ إذ هي في أصلها ~~روح شعبية، ويجب أن تبقى كذلك، هذا إلى أن هذا القانون كان مقصورا ~~على التعاون الزراعي. # التعاون في مجلس النواب سنة 1924 # انتهزت فرصة دخولي مجلس النواب سنة 1924 فأديت تحت قبته ما ~~استطعت من خدمات للتعاون. # لجنة التعاون والشئون الاجتماعية # فاقترحت بجلسة 25 مارس سنة 1924 تأليف لجنة ms125 جديدة تضاف ~~إلى اللجان التي انتخبها مجلس النواب، تسمى «لجنة التعاون ~~والشئون الاجتماعية»، وقد أجل المجلس النظر في هذا ~~الاقتراح إلى جلسة 30 مارس وفيها شرحته وقلت ضمن ما قلت: ~~«إن اللجنة المالية لا يمكنها أن تنظر في شئون شركات ~~التعاون لأنها على أنواع مختلفة؛ فمنها شركات التعاون ~~الزراعي وشركات التعاون المنزلي وشركات التعاون المالي ~~والصناعي. والتعاون في الحقيقة هو ركن كبير من أركان ~~الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كافة البلدان، وقد دخل ~~بلادنا منذ أكثر من اثني عشر عاما، ولكن حركته بطيئة ~~جدا لأنه لا يوجد تشريع خاص بالتعاون ولا يوجد نظام يضمن ~~مساعدة الحكومة له. فإذا ألفت لجنة خاصة للتعاون يكون ~~الغرض منها أن تبحث في الاقتراحات والمشروعات الخاصة ~~بالتعاون على أنواعه: الزراعي والمنزلي والمالي؛ فإن ذلك ~~يكون داعيا لزيادة الفائدة المرجوة من هذا النظام. إن ~~بلادنا محتاجة كل الحاجة إلى إنشاء التعاون، وقد اهتم كثير ~~من المجالس النيابية في أوروبا بنظام التعاون وأنشأت ~~لجانا خاصة به، وأذكر أن مجلس نواب فرنسا أنشأ سنة 1915 ~~لجنتين، لجنة ~~«التبصر الاجتماعي» Prévoyance sociale # وتختص بكل المسائل ~~الاجتماعية، والثانية واسمها «لجنة العمل» وتختص بالصناع ~~والعمال، وأعتقد أنه يمكن أن يكتفى بلجنة واحدة تبحث في كل ~~ذلك، وإنشاء هذه اللجنة يدل على زيادة عناية الأمة بأعمال ~~التعاون؛ ولذلك أعرض اقتراحي هذا وأطلب أخذ الرأي ~~عليه.» # وبعد مناقشة وجيزة وافقت أغلبية المجلس عليه، وتم تأليف ~~اللجنة بجلسة 7 أبريل سنة 1924. # أخذت لجنة التعاون تؤدي مهمتها في جد ومثابرة، فعقدت ~~إحدى عشرة جلسة في بحث القانون القديم للتعاون (رقم 27 ~~لسنة 1923) الذي أحيل على البرلمان ضمن القوانين التي صدرت ~~قبل انعقاده، وقد قررت اللجنة التعديلات التي رأتها كفيلة ~~بإصلاح هذا القانون وسد ما فيه من النقص، وأتمت وضع مشروع ~~قانون متضمنا هذه التعديلات، وقررت أيضا وجوب تخصيص مبلغ ~~ربع مليون جنيه من ميزانية سنة 1924 لإقراضها بدون فائدة ~~لشركات التعاون الزراعية المؤلفة وفقا لأحكام القانون ~~الجديد. وانتخبتني مقررا لهذا القانون، فأرسلت في 20 مايو ~~سنة ms126 1924 خطابا باسم اللجنة إلى رئيس مجلس النواب (أحمد ~~مظلوم باشا) أرفقت به مشروع القانون، ورجوت منه في الخطاب ~~«أن يعرض المشروع على المجلس في جلسة قريبة حتى يتم في هذا ~~الدور الحالي (دور سنة 1924) تقرير مشروع قانون التعاون ~~الزراعي الذي تنتظره البلاد منذ سنوات عديدة والذي يؤمل أن ~~ينهض بالحالة الاقتصادية وتنال البلاد الفوائد المرجوة ~~منه.» # وذكرت في الخطاب أن اللجنة قررت تخصيص سلفة ربع مليون ~~جنيه من ميزانية سنة 1924 لإقراضها لشركات التعاون ~~الزراعية «ولما كانت الميزانية ستعرض قريبا على المجلس ~~لبحثها وتقريرها فاللجنة تأمل أن تعرضوا معاليكم على هيئة ~~المجلس تقرير هذه السلفة لتخصيصها لشركات التعاون الزراعية ~~التي ألفت أو التي تؤلف طبقا لأحكام هذا القانون، هذا ~~ما قررته اللجنة أرفعه لمعاليكم لعرضه مع مشروع القانون ~~على هيئة المجلس لنظرهما بصفة مستعجلة قبل نظر الميزانية ~~ليقرر ما يراه.» # كتبت «الأهرام» بعددها الصادر في 25 مايو سنة 1924 تحت ~~عنوان: «شركات التعاون الزراعية في مجلس النواب» مقالة ~~لخصت فيها مشروع القانون وقالت: «وينتظر أن يعرض على ~~مجلس النواب في اجتماعه اليوم 25 مايو سنة 1924 ليقرر رأيه ~~فيه.» # ولكن المجلس قبل اقتراح حسين بك هلال أحد النواب ~~الوفديين تأجيل النظر في المشروع حتى تفرغ اللجنة المالية ~~من درس الميزانية، وقد عارضت في هذا التأجيل ولكن ذهبت ~~معارضتي سدى، وأدركت من هذا التأجيل أنه قد يؤدي إلى ~~تعطيل نظر المشروع وتعطيل تقرير السلفة التعاونية إلى دور ~~مقبل. فاقترحت بجلسة 31 مايو سنة 1924 ألا يفض الدور ~~الحالي (دور سنة 1924) قبل النظر في المشروع، فقبل المجلس ~~اقتراحي في تلك الجلسة وأصدر القرار الآتي: «يقرر المجلس ~~نهاية الدور الحالي من انعقاده بمجرد الانتهاء من نظر ~~الميزانية وقانون شركات التعاون الزراعية وما يقرر له ~~المجلس صفة الاستعجال من القوانين الأخرى.» # ولكن المجلس عدل عن هذا القرار بجلسة أول يونيو وقرر ~~«أن يترك أمر فض المجلس لما تقتضيه ظروف العمل وحكمة ~~جلالة الملك.» # وبجلسة 11 يونيو سنة 1924 اقترحت أن يقرر المجلس فتح ms127 ~~اعتماد من المال الاحتياطي بربع مليون جنيه لتسليف شركات ~~التعاون الزراعية في خلال السنة المالية الحالية ~~1924-1925، فعارض وزير المالية (محمد توفيق نسيم باشا) في ~~هذا الاقتراح، وقرر المجلس إرجاء النظر فيه إلى وقت نظر ~~قانون شركات التعاون. # ولما عرض القانون على المجلس بجلسة 8 يونيو سنة 1924 ~~طلب رئيس الوزارة (سعد زغلول باشا) تأجيل النظر فيه إلى ~~دور الانعقاد المقبل بحجة أن الحكومة غير مستعدة للمناقشة ~~فيه في تلك الجلسة لغياب وزير الزراعة (فتح الله بركات ~~باشا) ولأن وكيل الوزارة عزل، فعارضت في التأجيل وقلت: ~~«إن هذا القانون من اختصاص قسم التعاون، ولهذا القسم مدير ~~ومفتش، فيستطيع أحدهما أن يمدنا بما نحتاجه من ~~المعلومات، ومن مصلحة البلاد القصوى تقرير هذا القانون في ~~هذا الدور.» فعقب سعد باشا على معارضتي بقوله: «كنا نود ~~أن ينظر هذا القانون في الدور الحالي ولكن لا يوجد في قسم ~~التعاون الموظف الكبير الذي يعنيه الدستور لأجل أن يمثل ~~الوزارة أمام المجلس؛ لأن الدستور يقضي بألا يمثل ~~الوزارات أمام المجلس إلا كبار الموظفين.» فوافق المجلس ~~على تأجيل النظر في القانون إلى الدور المقبل ... # ومعلوم أن مجلس النواب قد حل في أوائل الدور المقبل ~~(ديسمبر سنة 1924) فلم ينظر القانون ولا تقررت السلفة، ثم ~~حل المجلس الجديد ثانية في مارس سنة 1925 وعطلت الحياة ~~النيابية. # وفي سنة 1927 أقر البرلمان قانون التعاون رقم 22 لتلك ~~السنة، وقد أخذ بمعظم التعديلات التي عرضناها على مجلس ~~النواب سنة 1924، وهو قانون صالح في مجموعه؛ إذ جعل ~~التعاون شعبيا وحكوميا معا؛ ومن ثم أخذت الجهود ~~تتضافر لإقامة صرح التعاون في الريف والحضر. # وبجلسة 21 يونيو سنة 1924، لمناسبة نظر الميزانية اقترحت ~~إرسال بعثة إلى الخارج لدرس نظام التعاون بإيطاليا وبلجيكا ~~وهولاندا وإيرلندا، فوافق نائب وزير الزراعة على هذا ~~الاقتراح وتم تنفيذه. # لجنة سنة 1939 # في سبتمبر سنة 1939 على عهد وزارة علي باشا ماهر ألفت ~~وزارة الشئون الاجتماعية لجنة من بعض المعنيين بالحركة ~~التعاونية وهم: الدكتور إبراهيم رشاد بك «باشا» مدير مصلحة ms128 ~~التعاون، وأنا، ومحمد ذو الفقار بك، والدكتور أحمد حسين بك ~~«باشا» وكيل مصلحة التعاون وقتئذ، والدكتور يحيى أحمد ~~الدرديري، لبحث كافة الوسائل التي تؤدي إلى النهوض بالحركة ~~التعاونية. # فبحثنا مليا على ضوء التجارب الماضية في خير الوسائل ~~العملية لتحقيق هذا الغرض، ورأينا أنه يجب علاج هذه الحالة من ~~نواح ثلاث: (1) تمويل الجمعيات التعاونية. (2) الإشراف عليها. ~~(3) تعديل قانون التعاون. # والحلول التي عرضناها من جهة التمويل هي إما إنشاء بنك ~~تعاوني مستقل أو تحويل بنك التسليف الزراعي إلى بنك ~~تعاوني. # أما الإشراف على الجمعيات فقد رأينا أنه أساس ضروري لنهضتها ~~وانتظام أعمالها وإرشاد أعضائها إلى حسن إدارتها، وهذا ~~الإشراف تتولاه مصلحة التعاون، ولكن ليس لديها الموظفون ~~الكافون للقيام بهذه المهمة؛ فإن عدد الجمعيات التعاونية كان ~~يبلغ سنة 1939 نحو 800 جمعية، ورأينا أنه يلزمنا أن نصل بها ~~إلى أربعة آلاف جمعية، # 4 # ولم يكن يتسنى لمصلحة التعاون بنطاقها وقتئذ أن ~~تقوم بمهمة الإرشاد والإشراف بالنسبة لهذا العدد الكبير. ~~وأوضحنا في التقرير أنه من الضروري إنشاء تفتيش للتعاون في كل ~~مديرية قوامه مفتش ومراجع لحسابات الجمعيات أو مراجعان بحسب ~~اتساع المديرية، ومنظم لكل ثلاثين جمعية. ونظرا لصعوبة زيادة ~~عدد الموظفين اقترحنا نقل العدد الكافي من حملة دبلوم التجارة ~~العليا بمختلف الوزارات إلى مصلحة التعاون ليقوموا بمهمة ~~مراجعي حسابات الجمعيات، وأن ينقل إليها بالتدريج العدد ~~الكافي من مهندسي الزراعة ومعاونيها من حملة دبلوم الزراعة ~~العليا من موظفي التفاتيش الزراعية للعمل كمنظمين للجمعيات، ~~على أن يتولى هؤلاء المنظمون مهمة الإرشاد الزراعي ونشر ~~التعاليم الحديثة لوزارة الزراعة والإشراف على عملية مقاومة ~~دودة القطن في مناطق الجمعيات. # قدمنا تقرير اللجنة بهذه المقترحات إلى الوزارة في أكتوبر ~~سنة 1939، وقد نوهت إلى هذا التقرير ومقترحاته في كلمتي بمجلس ~~الشيوخ بجلسة 11 ديسمبر سنة 1939 وأهبت بالحكومة أن تعمل ~~بمحتوياته، وأظن أن هذا التقرير صار مع الزمن موضع التنفيذ ~~تدريجا، مما كان له أثره في اطراد النهضة التعاونية. # وبجلسة 20 مايو سنة 1941 بمجلس الشيوخ لمناسبة المناقشة في ~~ميزانية الدولة ms129 تحدثت عن نصيب التعاون في الميزانية المعروضة ~~على المجلس والميزانية السابقة، وأخذت على وزارة الشئون ~~الاجتماعية عدم عنايتها بالتعاون خلال عامين تقريبا منذ ~~إنشائها، وقلت إن كل ما عملته أنها ألفت في سبتمبر سنة 1939 ~~تلك اللجنة التي كنت عضوا فيها وطلبت تنفيذ مقترحاتها. # وقد قابل المجلس هذه الملاحظات بتصفيق الاستحسان واغتبط لها ~~التعاونيون، وإني أستسمح القارئ أن أورد هنا ما قاله الدكتور ~~إبراهيم رشاد بك مدير مصلحة التعاون وقتئذ في «مجلة التعاون» ~~التي كانت تصدرها المصلحة - عدد يوليو سنة 1941 - تحت عنوان: ~~«الحركة التعاونية في مجلس الشيوخ»، قال: ~~«إذا ذكرنا عمر لطفي بك بأنه «رائد التعاون» في مصر الذي كان ~~أول من دعا إليه وأسس جمعياته، والسلطان حسين كامل بأنه «أبو ~~التشريع التعاوني» في مصر؛ إذ قدم باسم الجمعية الزراعية في ~~سنة 1913 أول مشروع قانون للتعاون، وفتح الله بركات باشا بأنه ~~«الوزير التعاوني» الذي بعث الحركة التعاونية من مرقدها ~~وأمدها بالقوة والنشاط، إذا ذكرنا هؤلاء الأعلام التعاونيين ~~في تاريخ حركتنا المباركة، فإننا لا ننسى صديقنا الفاضل ~~الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك وهو أول من وضع التعاون في مصر ~~وضعا عمليا وأطلع الأمة على دقائق هذا المذهب الاقتصادي ~~الاجتماعي الحديث. على أنه وهو تلميذ عمر لطفي لم يقف جهده في ~~خدمة التعاون عند تأليف أول كتاب عربي فيه، # 5 # بل ساير الحركة التعاونية في مصر منذ سنة 1908 حتى ~~اليوم، وشاركها نعيمها وبأساءها، ولا يزال يرفع صوته عاليا في ~~الدفاع عن حقوقها ومصالحها، وأقرب ما كان ذلك في جلسة مجلس ~~الشيوخ مساء يوم 20 مايو سنة 1941؛ إذ تكلم في التعاون كلام ~~خبير به عليم بحالته، مطلع على مزاياه وفوائده، واقف على ~~العقبات التي تعترض سبيل تقدمه وانتشاره في هذه ~~البلاد. # هكذا ظل هذا الوطني الكبير والمحامي الشهير والشيخ المحترم، ~~زهاء ثلاثة وثلاثين عاما وهو ملازم للحركة التعاونية المصرية، ~~متصل بها أوثق اتصال، مجاهد في سبيلها جهاد الأبطال، أفلا يدل ~~ذلك على إيمان ثابت بالتعاون ونفعه لمصر بل ضرورته لها؟ ms130 لقد ~~ظهرت في خلال تلك الحقبة من الزمن نظريات اجتماعية شتى في ~~نواحي العالم، وجربت مشروعات ووسائل لا عداد لها لإصلاح أحوال ~~الطبقات، واطلع الأستاذ الرافعي على ذلك كله وهو العالم ~~المؤرخ ولكنه مع هذا لا يزال على إيمانه بفضل التعاون على كل ~~نظام إصلاحي آخر. # وإذا كان في هذا الثبات شهادة للتعاون؛ فإن فيه أيضا شهادة ~~لذلك الرجل الثابت على مبدئه التعاوني ودلالة على متانة خلقه ~~وشدة وفائه، وقد يتعدد الأصدقاء ويتفاوتون مودة وإخلاصا، ~~ولكن أفضلهم وأبقاهم هو الصديق القديم، فهنيئا للتعاون هذا ~~الصديق.» ثم أوردت المجلة نص كلمتي بالمجلس، وعلقت عليها ~~بقولها: «هذا ما قاله الأستاذ الكبير الرافعي بك في التعاون ~~وضرورة العناية به، وإنا لنرجو أن يكون لكلامه صدى تردده ~~الأرجاء حتى تحظى الحركة التعاونية بالرعاية الواجبة لها والتي ~~لا يمكنها من دونها أن تنهض وتؤتي ثمارها اليانعة، وقليل بعد ~~ذلك أن نوجه عبارات الشكر إلى صديقنا بل صديق التعاون الوفي، ~~ولكنه شكر تاريخ الحركة التعاونية في هذه البلاد الذي سوف ~~يسجل له بأحرف من نور.» # ولمناسبة الرد على خطاب العرش سنة 1942 عرجت في كلمتي التي ~~ألقيتها بجلسة 9 ديسمبر من تلك السنة على التعاون وقلت: «أظن ~~أن حضراتكم سمعتم مني غير مرة كلاما عن مسألة التعاون ربما ~~إلى درجة الإملال، لقد تكلمت عن التعاون وتأييد النهضة ~~التعاونية، وكلامي المتكرر في هذا الموضوع لم يكن بدون مقتض؛ ~~فالظروف أثبتت أن التعاون من أهم الأسلحة لمكافحة الغلاء ~~وسهولة التوزيع؛ ولذلك رأينا، والحمد لله، نهضة طيبة في إنشاء ~~الجمعيات التعاونية، ونهضة من الوزارة بمعاضدة هذه الجمعيات. ~~ولكن الذي أرجوه بإلحاح من الحكومة أن تعنى عناية خاصة ~~بالرقابة على هذه الجمعيات على أحسن وجه؛ فإن إهمال الرقابة ~~يؤدي إلى تدهور الجمعيات بمرور الزمن، والرقابة تكون بزيادة ~~عدد الموظفين المراجعين لحساباتها والمفتشين على أعمالها، يجب ~~أن تقوى «مصلحة التعاون» التي تقوم بهذه الرقابة، ويجب على ~~وزارة التموين أن تمد الجمعيات التعاونية بطلباتها في كل شيء ~~لأن إمداد هذه الجمعيات بكل ms131 طلباتها من جميع المواد يساعدها ~~على نمو أعمالها ويزيد الجمهور إقبالا عليها، لأني أخشى إذا ~~ما تراجعنا في إمدادها وتراخينا في إجابة طلباتها أن يحدث رد ~~فعل سيئ الأثر ويؤدي إلى تعثر الحركة التعاونية لا سمح ~~الله.» # أول مؤتمر للتعاون (5 يونيو سنة 1943) # في سنة 1943 أعدت مصلحة التعاون مؤتمرا عاما للتعاون، ~~واختارت لإقامته مدينة المنصورة باعتبارها عاصمة الدقهلية التي ~~تعد من أولى المديريات في الإقبال على الحركة التعاونية، وقد ~~ساهمت في هذا المؤتمر لأنه من الوسائل العملية الفعالة في ~~النهوض بالتعاون والدعاية له وترغيب الناس فيه. # رأس المؤتمر فؤاد سراج الدين وزير الشئون الاجتماعية وقتئذ ~~ودعاني إلى حضور المؤتمر فلبيت الدعوة لأنها قامت على أساس ~~النهوض بنظام ساهمت فيه منذ الساعة الأولى، وحضر المؤتمر أيضا ~~وزير آخر من وزراء الوفد وهو المرحوم الدكتور عبد الواحد ~~الوكيل بك وزير الصحة. # أقيم المؤتمر في سينما «ركس» بالمنصورة بالسكة الجديدة، وكان ~~المكان غاصا بالمدعوين من كبار الأعيان والموظفين والمثقفين ~~من مختلف الطوائف. وكان من خطبائه مدير الدقهلية وقتئذ محمود ~~حسيب بك، وقد أشار في خطبته إلى من خدموا التعاون في مصر، ~~وذكرني منهم، فما إن سمع الجمهور اسمي حتى ضج المكان بالتصفيق ~~الحاد المتكرر حتى اضطررت أن أقف وأشكرهم مبتسما، فزاد ~~التصفيق حدة وتكرارا، فاغتبطت في خاصة نفسي لهذه الظاهرة ~~المفاجئة، وعلمت أن منزلتي في النفوس أكبر مما ظننت، وأنه لا ~~يجوز للمجاهد أن ييأس من أن هذه الأمة تقدر يوما عمله ~~وجهاده. # قانون التعاون سنة 1944 # وقد أدت بحوث مختلف اللجان إلى وضع قانون جديد للتعاون وهو ~~القانون رقم 58 لسنة 1944، وكنت مقررا لهذا القانون عند نظره ~~في مجلس الشيوخ، وقد دعا إلى وضعه ما ظهر من التجربة من وجوب ~~إدخال تعديلات جوهرية على قانون سنة 1927 تمشيا مع التطور ~~الحديث وتيسيرا للجمعيات التعاونية وتنظيما لأعمالها ~~وتعضيدا لها في القيام بمهمتها، وأدمجت هذه التعديلات في ~~نصوص هذا القانون بحيث صار قانون سنة 1944 هو القانون الشامل ~~لأحكام التعاون. ~~(8) اعتذاري عن الاستشارة ms132 (نوفمبر سنة 1932) # في سنة 1932 عندما عين مصطفى الشوربجي بك ومحمد زكي علي بك ~~«باشا» مستشارين بمحكمة الاستئناف، أفضى إلي المرحوم فؤاد بك ~~حمدي بأن علي ماهر باشا وزير العدل وقتئذ يسره أن يعينني ~~مستشارا، وقال لي: إذا كنت تقبل هذا المنصب فإني مبلغ جوابك إلى ~~ماهر باشا، فأعربت له عن رغبتي في بقائي محاميا ورجوته أن يبلغ ~~ماهر باشا شكري وتقديري لثقته في. وكان فؤاد بك يميل في خاصة ~~نفسه إلى أن أبقى كما كنت لأنه لم يكن يريد لي أن أتخلى عن مهمتي ~~في الكفاح الوطني، ولكنه أبلغني هذه الرغبة إبراء لذمته ولكي ~~يستشف من جوابي إذا كنت قد تعبت أو سئمت من الكفاح فأستريح في ظل ~~هذا المنصب القضائي، فقلت له إني على الرغم مما لقيته وألاقيه لم ~~أتعب بعد ولم أسأم بعد. فقال لي: ولكن ألم تشهد خذلان الأمة لنا ~~في كفاحنا على طول الخط؟ قلت: نعم، إني عالم بهذا الخذلان، وقد ~~عانيت منه أكثر من سواي، وأنا لا ألوم من يقبل أي منصب في هذه ~~الظروف، ولكني شخصيا أود الاستمرار في الكفاح. وطلب مني زكي بك ~~بحضور فؤاد بك حمدي إذا كنت أشعر يوما ما بحاجتي إلى الراحة من ~~عناء هذا الكفاح أن أبلغهما رغبتي في هذا الصدد لكي يهيئا لي ~~السبيل لتعييني مستشارا دون أن يكلفاني أي إجراء يقتضيه هذا ~~التعيين، فشكرتهما ووعدتهما بذلك وحفظت لهما هذا الجميل، على أني ~~رغبت في خاصة نفسي ألا تلجئني الظروف إلى طلب الراحة من هذا ~~العناء. وكان مما قوى في نفسي فكرة الاعتذار عن عدم قبولي هذا ~~المنصب القضائي الممتاز أنني كنت بسبيل تأليف الحلقات الباقية من ~~«تاريخ الحركة القومية» ولم يكن صدر منها حتى ذلك الحين سوى ~~الأجزاء الثلاثة الأولى، وكنت ولم أزل أرى أن القاضي يجب أن يكون ~~بعيدا عن السياسة عملا وتأليفا؛ فكيف أتولى منصب القضاء وأخرج ~~من آن لآخر مؤلفا في التاريخ القومي لا بد أن يتناول حالة مصر ~~السياسية من شتى نواحيها؟! ms133 لقد شعرت بالتعارض بين العملين؛ حقا ~~إن للقاضي أن يجمع بين القضاء والتأليف، ولكن في المسائل ~~القانونية، وإذا أراد أن يتجاوزها فليكن ذلك في المسائل العلمية أو ~~الاجتماعية، أما السياسة فلا أرى أن يخوض القاضي غمارها بأي شكل ~~إيجابي لأن القضاء يجب أن يكون بمنأى عن السياسة وعواطفها ~~وخلافاتها، ولا يمكن لمن يكتب في السياسة ألا تكون له ميول ~~سياسية واضحة يحسن بالقاضي أن يكون بعيدا عنها؛ فاشتغالي بتأريخ ~~الحركة القومية كان من أهم الأسباب التي صرفتني عن قبول مناصب ~~القضاء. ومن جهة أخرى فقد كنت في ذلك العام أقوم بطبع كتابي «عصر ~~إسماعيل»، وقد ظهر فعلا في أواخر ديسمبر سنة 1932، وكنت أتوقع ~~أثناء طبعه ألا ينال رضاء المغفور له الملك فؤاد، فرأيت حرجا في ~~أن يصدر المرسوم الملكي بتعييني مستشارا وبعد شهر أو شهرين أخرج ~~كتابا فيه هذه المآخذ على والد الملك الذي يصدر هذا التعيين، لم ~~أرتض لنفسي هذا الموقف؛ إذ لم أجد فيه شيئا من اللياقة. ~~(9) اعتذاري عن الوزارة (نوفمبر سنة 1940) # ألف حسين سري باشا وزارته الأولى في 15 نوفمبر سنة 1940 عقب ~~وفاة المرحوم حسن صبري باشا رئيس الوزارة السابقة، وقد ألفها من ~~المستقلين والأحرار الدستوريين ووزير اتحادي، وعرض علي أثناء ~~تأليفها أن أشترك فيها كوطني، فاعتذرت وعرضت الأمر على اللجنة ~~الإدارية للحزب الوطني فأقرتني على اعتذاري. # استدعاني حسين سري باشا أثناء اشتغاله بتأليف الوزارة إلى دار ~~رئاسة مجلس الوزراء، وكان معه المرحوم الدكتور علي إبراهيم باشا ~~(وزير الصحة في هذه الوزارة) فعرض علي أمر اشتراكي في هذه ~~الوزارة، فشكرته شكرا عميقا على تقديره لي، وقلت له إني لا ~~أستطيع أن أبدي رأيي النهائي إلا بعد الرجوع إلى اللجنة الإدارية ~~للحزب. قال: ولكن الأمر مستعجل وستؤلف الوزارة الليلة. فقلت له: إن ~~في الإمكان استدعاء أعضاء اللجنة على عجل لتجتمع اليوم وتقرر ما ~~تراه. قال: إذن أرجو بعد صدور قرارها أن تبلغني بفحواه تليفونيا ~~اليوم قبل الساعة السادسة مساء. وأعطاني رقم تليفونه الخاص لأتصل ~~به مباشرة في ms134 دار الرئاسة، قال: وأرجو حين تعرض المسألة على ~~اللجنة أن تعرضها بروح الاعتدال والموافقة. فوعدته وكررت له شكري. ~~ثم اتصلت بإخواني واجتمعنا واتفقنا رأيا على الاعتذار. ومع تقديري ~~لحسن ظن حسين سري باشا بشخصي فإني وإخواني رأينا أنه لم يكن ~~بد والحرب قائمة من أن يكون برنامج الوزارة هو تنفيذ معاهدة سنة ~~1936 بروح الود والإخلاص، وقد رأينا في هذا البرنامج ما يتعارض مع ~~سياسة الحزب الوطني؛ وعلى ذلك لم يكن بد من الاعتذار. وقد حافظت ~~على موعدي مع سري باشا في إبلاغه ما استقر عليه رأي اللجنة، وإذ ~~كان الوقت قد أزف فقد اضطررت إلى أن أتصل به من مكتب أنطون بك ~~الجميل «باشا» رئيس تحرير الأهرام، وكنت على موعد معه، وطلبت الرقم ~~الخاص الذي أعطاه لي سري باشا فرد علي شخصيا، وقال لي: ~~خير ! فقلت له: أنا آسف يا دولة الرئيس أن أعتذر؛ فقد اجتمعت ~~باللجنة واللجنة قررت الاعتذار، وإني على كل حال شاكر لدولتك حسن ~~ثقتكم بي، وأرجو لدولتك كمال التوفيق. فقال لي: إني كنت أود أن ~~تكون معنا لنتعاون على خدمة البلاد. فكررت له اعتذاري وشكري، ~~وانتهت المكالمة على ذلك. وكان أنطون بك الجميل على مكتبه يتتبع ~~عباراتها، فلما انتهت قال لي: لقد علمت قبل حضورك أنك دعيت ~~للاشتراك في الوزارة، وكنت أود أن أهنئك بها، ولكني الآن أهنئك ~~باعتذارك عن عدم قبولها. ثم سكت قليلا وقال: رأيتك تعتذر ببساطة ~~عن اشتراكك في الوزارة كما يعتذر الإنسان عن حضور حفلة شاي! وبعد ~~أن سكت هنيهة قال مبتسما: وهل تظن يا عبد الرحمن بك أن الأمة ~~تقدر مثل هذه المواقف؟ فأجبته على الفور: إني أشك في ذلك، ولكن ~~هكذا أنا مرتاح ومطمئن. ثم عاد وقال: أظن أنه سينعم قريبا على ~~الوزراء الجدد برتبة الباشوية (وقد حصل) أفلم تكن الفرصة سانحة ~~لتنال هذه الرتبة التي تستحقها ونناديك يا عبد الرحمن باشا؟ قال ~~ذلك متفكها، فقلت له: ما دمت قد اعتذرت عن الوزارة فإني أعتقد أن ~~الوزارة أهم من ms135 الباشوية ... ~~(10) إسقاطي من وكالة نقابة المحامين (ديسمبر سنة 1940) # في ديسمبر سنة 1939 على عهد وزارة علي ماهر باشا، صدر مرسوم ~~بتعيين أعضاء مجلس نقابة المحامين، ومنهم الرئيس والوكيل، وكان ~~صدور هذا المرسوم باتفاق جمهرة المحامين على اختلاف أحزابهم، وحسم ~~خلافا كان قائما بين المحامين بعضهم وبعض، وفي هذا المرسوم ~~عين المرحوم الأستاذ محمود بسيوني نقيبا، وعينت أنا وكيلا ~~للنقابة، والأستاذ محمد توفيق خليل بك أمينا للصندوق، والأستاذ ~~عبد الحميد عبد الحق «باشا» سكرتيرا، وكامل صدقي بك «باشا» ~~وغبريال سعد بك وإدوار قصيري بك ومحمد عبد الملك حمزة بك والأساتذة ~~محمد صبري أبو علم «باشا» وراغب إسكندر وعلي أيوب ويوسف الجندي ~~ومحمود سليمان غنام ومحمود صبري وعبد الحميد لطفي أعضاء. # ولوحظ في هذا المرسوم أن تكون الأحزاب كلها ممثلة في مجلس ~~نقابة المحامين، وكنت بصفتي وكيلا للنقابة أمثل المحامين ~~الوطنيين، وصادف هذا التعيين ارتياح المحامين لأنه كان نموذجا ~~للائتلاف بين الأحزاب وتوحيد الكلمة في محيط المحاماة، وكان يمكن ~~أن يكون مثلا لتوحيد الصفوف وائتلاف الأحزاب في المسائل القومية ~~عامة. # وقد عمل هذا المجلس سنة كاملة في روح من الود والتضامن وصفاء ~~النفوس بين أعضائه ولم تفرق بينهم الحزبية في أي أمر من ~~الأمور. # فلما جاء موعد الانتخابات السنوية للنقابة اجتمعت الجمعية ~~العمومية يوم الجمعة 27 ديسمبر سنة 1940 بدار النقابة بشارع ~~الملكة، وجلس أعضاء المجلس على منضدة في صدر المكان، وجلست أنا إلى ~~يمين الأستاذ محمود بسيوني. وكان الاتفاق كما أبلغني أقطاب الوفد ~~في مجلس النقابة أن يعيدوا انتخاب الأستاذ محمود بسيوني نقيبا ~~ويعيدوا انتخابي وكيلا للنقابة كما كان الوضع السابق، وذهبت ~~مطمئنا إلى مكان الاجتماع، وجلست مطمئنا أيضا طيلة المدة التي ~~اجتمعت فيها الجمعية العمومية، وكان المحامون الوفديون يهنئونني ~~مقدما بإعادة انتخابي وكيلا فازددت اطمئنانا إلى وعودهم. فلما ~~تم انتخاب النقيب وفاز الأستاذ محمود بسيوني جاء دور انتخاب ~~الوكيل، وكنت أيضا إلى اللحظة التي أعطيت أوراق الانتخابات مطوية ~~إلى سكرتير النقابة مطمئنا إلى إعادة انتخابي للوكالة، ولكن في ~~أثناء فرز ms136 الأوراق لاحظت أن أصواتا كثيرة أعطيت للأستاذ محمد ~~صبري أبو علم، وكان عضوا بالمجلس، وأخذت أصواته في الازدياد حتى ~~زادت على الأصوات التي أعطيت لي، وعلمت بعد ظهور النتيجة أن ~~الوفديين نقضوا عهدهم معي واتفقوا سرا في آخر لحظة على أن يجعلوا ~~النقابة وفدية لحما ودما، فرشحوا فيما بينهم الأستاذ صبري أبو ~~علم للوكالة، وكانت كلمة السر تتنقل بينهم من جماعة إلى جماعة بحيث ~~لم يشعر بها أحد سواهم، ولم أشعر أنا طبعا بالمؤامرة إلا بعد ~~نفاذها؛ وعلى ذلك سقطت في الانتخاب لوكالة النقابة! # كان لهذا الحادث وما انطوى عليه من نقض العهد والحزبية الجامحة ~~ضجة استياء في الأوساط المثقفة، واستاء لها على الأخص الأستاذ ~~يوسف الجندي الذي كانت تجمعني وإياه صفوف المعارضة في مجلس الشيوخ، ~~واستنكر فعلة المحامين الوفديين معي - وكان بعيدا عن المؤامرة - ~~فأبدى لي أسفه الشديد على هذه الفعلة ورجا مني ألا يكون لها أثر ~~في نفسي يغير من موقفي في المجلس بصفتي معارضا، فقلت له إن ~~معارضتي ليس أساسها ارتباطي بالوفديين - وكانوا وقتئذ في المعارضة ~~- بل أساسها إيماني بالمعارضة، فليطمئن من هذه الناحية. # وهكذا تعددت دلائل نقض العهد معي من الوفديين، فلم أستغرب ما ~~فعلوه هذه المرة، ولكن الأمر الذي حز في نفسي أن يساير المحامون ~~وهم الصفوة المختارة من الطبقة المتعلمة هذه السياسة الملتوية ~~ويعاملوني هذه المعاملة الخالية من روح الاستقامة والتقدير ~~والإنصاف، فهل تطغى الحزبية على هذه المعاني السامية إلى هذا ~~الحد؟! ~~(11) الخلاف في الحزب الوطني # كان اشتراك حافظ رمضان باشا في وزارة حسن صبري باشا سببا لخلاف ~~كبير بين أعضاء الحزب الوطني، وقد بدأ هذا الخلاف في دائرة ضيقة ~~باشتراكه في وزارة محمد محمود باشا سنة 1937؛ إذ كان اشتراكه بغير ~~قرار من اللجنة الإدارية للحزب، فلما فوتح في ذلك اعتذر بأن الوقت ~~لم يكن يتسع لعقد اللجنة قبل تأليف الوزارة فإنها ألفت على عجل، ~~وسكتت اللجنة حتى استقالت وزارة محمد محمود وألف وزارته الثالثة ~~دون أن يشترك فيها حافظ رمضان باشا. فلما وقعت ms137 أزمة يونيو سنة 1940 ~~واستقالت وزارة علي ماهر باشا اجتمعت اللجنة الإدارية للحزب يوم 24 ~~يونيو وبحثت في الموقف وهل يشترك الحزب في الوزارة الجديدة إذا ~~دعي لذلك أم لا يشترك، فقررت اللجنة عدم الاشتراك فيها. ثم ~~ألفت وزارة حسن صبري باشا وفيها حافظ رمضان باشا، فوقع الانقسام ~~في اللجنة الإدارية بين معارض لموقف حافظ باشا لمخالفته قرار ~~اللجنة ومؤيد له في موقفه، وبقي هذا الخلاف قائما وشعبتا ~~اللجنة على خلاف بينهما إلى أن تم الصلح بين الفريقين وعادت الوحدة ~~إلى اللجنة في نوفمبر سنة 1946. ~~(12) الصلح بين فريقي الحزب الوطني (نوفمبر سنة 1946) # ما فتئت المساعي تبذل من وسطاء الخير في إزالة أسباب الخلاف ~~والانقسام في الحزب الوطني، وكنت من ناحيتي أرحب بكل مسعى لهذا ~~الغرض، بل كنت أسعى بنفسي لذلك، لأني لم أكن مرتاحا مطلقا لوجود ~~لجنتين إداريتين للحزب كل منهما تعارض الأخرى. وإذ كان الاشتراك في ~~الحكم هو سبب الانقسام فإني كنت أسعى لصيغة للاتفاق تكون مقبولة من ~~الطرفين، وقد اتفق الرأي على ألا يشترك الحزب في وزارة إذا كان ~~برنامجها يتعارض مع مبادئه، وأن يكون هذا هو أساس الاتفاق؛ لأن ~~الأصل في تأليف الوزارات وقيامها وتغييرها أن تقوم على تحقيق مبادئ ~~وغايات معينة تؤمن بها الجماعات والأشخاص الذين يشتركون فيها. وقد ~~تجدد هذا السعي في سنة 1943، ولكنه أخفق، ثم استمر إلى سنة 1946. ~~وكان من أبرز وسطاء الخير في هذا الصدد محمد زكي علي باشا وفكري ~~أباظة باشا؛ فإنهما - والحق يقال - كان لهما فضل كبير في إزالة ~~أسباب الانقسام، وقد تم الصلح في نوفمبر سنة 1946 واتفقنا على صيغة ~~عامة أبلغناها إلى الصحف وهي: ~~«في الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد وحيال الأحداث التي ~~تهددها في كيانها ووحدتها واستقلالها، رأى رجال الحزب الوطني أن ~~يزيلوا ما بينهم من خلاف لكي يعيدوا الوحدة إلى صفوفهم ولتكون ~~دعوتهم إلى وحدة صفوف الأمة أقوى وأدعى إلى الاستجابة؛ ولذلك ~~اجتمعوا وتم الاتفاق بينهم وعادوا إخوانا متضامنين في العمل ~~والجهاد.» # ونشرت «الأهرام» هذه الصيغة بعدد ms138 7 / 11 / 1946 مع تعديل عبارة: ~~«في العمل والجهاد» وجعلها: «في خدمة البلاد»، وكانت الرقابة على ~~الصحف لا تزال قائمة، ولعلها أشارت بهذا التعديل الذي لا يغير من ~~جوهر البيان شيئا. # ولم ندخل في البيان شيئا عن الاشتراك في الحكم، على أنه في ~~صدد أحاديث الصلح كان الاتفاق على ألا يدخل الحزب الوطني الحكم ~~منفردا أو مشتركا إلا إذا كان برنامج الوزارة لا يتعارض مع ~~مبادئه، وأن الأمر في هذا الصدد يكون موكولا للجنة الإدارية، ~~واتفقنا على أن تكون اللجنة الإدارية مؤلفة من فريقي اللجنة ومن ~~انضموا إلى كل منهما أثناء الخلاف. # وقد حدث مع الأسف صدع جديد في الحزب سنة 1950 أرجو أن يتلافاه ~~وسطاء الخير ويعيدوا إلى الحزب وحدته. ~~(13) إذاعاتي بالراديو (1940-1951) # كانت أول إذاعة لي بالراديو في الساعة الثامنة من مساء يوم السبت ~~10 فبراير سنة 1940، وكان حديثي عن ذكرى مصطفى كامل لمناسبة مرور ~~اثنين وثلاثين عاما على وفاته. وقد فكرت في أن أجعل كلمتي عن ذكرى ~~الزعيم عن طريق الراديو بدلا من الصحف أو الخطب في المحافل، ورأيت ~~في ذلك تنويعا في أساليب الحديث عن الذكرى، وقد رأيت في هذه ~~الوسيلة تعميما للحديث؛ فإن الذين يحبون أن يستمعوا إلى الراديو ~~أكثر ممن يحبون القراءة في الصحف أو المجلات، وهم من باب أولى ~~أكثر عددا ممن يسمعون الخطيب في اجتماع مهما كان كبيرا (إلا إذا ~~أذيع بالراديو). # ومما أذكره عن أول إذاعة لي أني قبل موعدها بشهر تقريبا كتبت ~~إلى وزارة الشئون الاجتماعية (التي كانت تتبعها الإذاعة) خطابا ~~بإبداء رغبتي في إلقاء حديث عن «مصطفى كامل» لمناسبة ذكرى وفاته، ~~فرحبت الوزارة بطلبي، واتفقت مع دار الإذاعة (وكانت لا تزال شركة ~~بريطانية) على تحديد الموعد الذي طلبته لإذاعة حديثي، وقبل الموعد ~~بأسبوع جاءني خطاب من مراقب عام الإذاعة يدعوني فيه إلى الحضور إلى ~~دار الإذاعة في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الجمعة 9 فبراير ~~«للتمرن على الميكروفون»، فاستغربت من هذا الخطاب، وابتسمت وأنا ~~أقرؤه وقلت: يا عجبا! ms139 هل يكون الكلام في الميكروفون أصعب من ~~المرافعات أمام المحاكم أو الخطب في المحافل؟ وعلى كل حال فقد ~~لبيت الطلب، وذهبت إلى دار الإذاعة في الموعد المحدد «للتمرين»، ~~وقابلت سعيد بك لطفي «باشا» وهو صديقي وزميل لي، وقلت له مبتسما: ~~ها أنا ذا قد حضرت لأداء الامتحان، فضحك وقال: لا تعجب لذلك؛ فإن ~~الكلام في الراديو غير الكلام في المحافل أو المحاكم؛ إننا نريد أن ~~يكون حديثك ناجحا، خصوصا وهذا أول حديث لك في الراديو، فلا بد أن ~~تعرف طريقة الكلام في الراديو ودرجة علو الصوت أثناء إلقاء الحديث، ~~والمسافة التي يحسن أن تكون بينك وبين الميكروفون، وما إلى ذلك من ~~الملاحظات الفنية، فقلت: حسن، وأنا مرتاح لأداء الامتحان. فدخلت ~~مع الموظف المختص إلى غرفة الميكروفون، وهي غرفة ضيقة مقفلة ~~الأبواب والنوافذ، وأشار علي بأن يكون صوتي هادئا لا عاليا ولا ~~متهدجا، وأبدى لي بعض الملاحظات الفنية، وكان الحديث مكتوبا ~~ووافقت عليه الإذاعة من قبل، فجلست أمام الميكروفون في الموضع ~~الذي عينه لي المذيع، وأخذت في إلقاء الحديث، وأخذ هو يسمعه وحده ~~من سماعة وضعها على أذنيه، فبدا لي وهو يسمعه أنه مرتاح لطريقة ~~إلقائي، وبعد أن ألقيت ربعه أو ثلثه قال لي: كفى يا بك، إنك تلقي ~~حديثك بأبدع ما يمكن، فقلت: الحمد لله، لقد نجحت في الامتحان ~~... # وفي اليوم المحدد لإلقائه ألقيته على الطريقة التي أديتها يوم ~~الامتحان، واستمع له الناس في مختلف المدن والمقاهي والمنازل، ~~وسمعت إعجابا به من كل ناحية، وقال لي بعض أصدقائي الفنيين إنك في ~~الميكروفون أخطب منك في المحافل، وقال لي بهذه المناسبة إنه قد ~~يكون الإنسان من أعظم الخطباء ولكن صوته في الراديو لا يكون ~~مرغوبا فيه، والعكس بالعكس، وإن صوتك وطريقة إلقائك منسجمان ~~تماما مع الراديو. وقد لاحظت أن الإذاعة بالراديو أعم من ~~الكتابة في الصحف ومن الخطابة في المحافل (إلا إذا أذيعت الخطابة ~~بالراديو)؛ وهذا ما دعاني إلى أن أتابع أحاديثي في الراديو، فأخذت ~~منذ ذلك العام أذيع كل سنة ms140 حديثين: الأول في 10 فبراير عن ذكرى ~~وفاة مصطفى كامل، والثاني في 15 نوفمبر عن ذكرى محمد فريد، عدا ما ~~تطلبه الإذاعة من أحاديث في مواضيع أخرى. # ومن أهم الأحاديث التي طلبتها مني وأذعتها عدة أحاديث عن السودان ~~سنة 1947، وقد أذعت حديثي الأول في هذا الموضوع يوم 8 مارس سنة ~~1947 عن «وحدة وادي النيل: تكييفها وما هو الغرض منها»، والثاني ~~يوم 15 منه عن «الدعوة الانفصالية في السودان فكرة استعمارية»، ~~والثالث يوم 22 منه عن «الاستفتاء وتقرير مصير السودان»، والرابع ~~يوم 29 منه عن «خدعة الحكم الذاتي في السودان»، والخامس يوم 5 ~~أبريل عن «النظام الحاضر في السودان»، وقد نشرت هذه الأحاديث في ~~مجلة الإذاعة المصرية عقب إذاعتها. ~~(14) مباراة مصطفى كامل الأدبية (1941) # في سنة 1940 فكرنا في عمل تقترن فيه الدعوة الوطنية بالنهضة ~~الثقافية لاعتقادنا أن الوعي القومي يساعد على الإيمان بهذه ~~الدعوة، وهي فكرة سار عليها الحزب الوطني منذ تكوينه، وكان من ~~آثارها نشره الصحف والمؤلفات والمجلات وإنشاؤه مدارس الشعب وما إلى ~~ذلك. # مباراة مصطفى كامل الأدبية ~~سنة 1941: # من اليمين إلى اليسار: عبد ~~الرحمن عزام باشا، الدكتور يحيى أحمد الدرديري، عبد ~~الرحمن فهمي بك، عبد القوي أحمد باشا، علي ماهر باشا، ~~عبد الرحمن الرافعي بك، صالح حرب باشا، وفي مواجهتهم: ~~أنطون الجميل باشا، الأستاذ حسين محمود سعيد، مصطفى ~~الشوربجي بك، محمود توفيق حفناوي باشا، فكري أباظة ~~باشا. # فلما أزيح الستار عن تمثال مصطفى كامل في مايو سنة 1940، اجتمعت ~~مع إخواني أعضاء اللجنة الإدارية للحزب وقررنا فيما قررنا الدعوة ~~إلى مسابقة تسمى «مباراة مصطفى كامل الأدبية»، يشترك فيها شباب ~~الجيل، وموضوعها كتابة بحث عن «جهود مصطفى كامل في نواحي النشاط ~~الإنشائي القومي وبخاصة في التعليم والاقتصاد والاجتماع وعلاقة ذلك ~~بدعوته الوطنية»، وتبرع صديقي وزميلي محمد محمود جلال بك بمبلغ ~~خمسين جنيها تعطى مكافأة لمن يحوزون قصب السبق في هذه المباراة. ~~وكانت شروط المباراة: (1) أن يكون المشترك فيها شابا مصريا لا ~~تزيد سنه عن ثلاثين سنة. (2) ألا تزيد الكتابة في ms141 موضوع المباراة ~~عن عشر صحائف من القطع الكبير. (3) أن تقدم المواضيع إلى لجنة ~~المباراة التي ألفت من: أنطون الجميل بك «باشا»، عبد الرحمن ~~الرافعي بك، فكري أباظة بك «باشا»، الأستاذ محمود العمري، في مدة ~~ثلاثة أشهر من تاريخ الإعلان عن المباراة. # وقد لبى الدعوة كثير من الشباب بلغت عدتهم عشرين متباريا، ~~وقدم كل منهم بحثه، وكانت بحوثا قيمة دلت حقا على ~~تقدم كبير في أفكار الشباب. وقد قرأت اللجنة كل هذه البحوث ~~وراجعتها ووازنت بينها، ووجدت أن أربعة منها جديرة بالجائزة، ~~فوزعناها بينهم بالتساوي، وأقمنا لهذه المناسبة حفلة شاي فخمة في ~~صالة علي الدلة يوم 9 فبراير سنة 1941 لمناسبة الذكرى الثالثة ~~والثلاثين لوفاة الزعيم، وفاز في المباراة كل من: الأستاذ نجيب ~~تاوفيلس الموظف بمصلحة السكك الحديدية، وعلي منصور الطالب بكلية ~~الحقوق، والأستاذ لبيب السعيد الموظف بتفتيش مراقبة القطن ~~بالدقهلية، والأديب محمد الخالد توفيق ببني مزار. # وألقيت في هذه الحفلة كلمة نوهت فيها بفكرة المباراة وختمتها ~~بقولي: «سادتي الأعزاء! إننا نحن الذين نؤمن برسالة مصطفى كامل ~~نشعر بالغبطة والسرور إذ نرى الشباب يشترك معنا في حمل هذه ~~الرسالة، وما رسالة مصطفى كامل إلا رسالة البعث والحياة، رسالة ~~الحق والحرية، رسالة الوطنية المنزهة عن الهوى، الخالصة لوجه ~~الله والوطن، رسالة الاستقلال والجلاء، رسالة وحدة وادي النيل من ~~منبعه إلى مصبه؛ فهي رسالة مجيدة جديرة بأن يشترك الشعب بجميع ~~طبقاته في حملها، هي المثل الأعلى في حياة الأمة في حاضرها ~~ومستقبلها، والأمم لا تنهض ولا تسير قدما إلى الأمام إلا إذا ~~كانت لها مثل عليا تنشدها وتعمل على تحقيقها. ويسرنا ويثلج ~~صدورنا أن نرى الشباب يقدر هذه الرسالة ويدركها بفهمه وبحثه، ~~ويؤمن بها بقلبه وفؤاده، ويخدمها بقلمه ولسانه، ولا غرو؛ فالحقائق ~~الكبرى والمبادئ الإنسانية السامية مكتوب لها البقاء والخلود، ~~والله نصير العاملين.» ~~(15) ضريح مصطفى وفريد # أقيم ضريح مصطفى كامل القديم في المدفن الذي شيده الزعيم لوالدته ~~بشارع المغافر بمدافن الإمام الشافعي، وقد شيعها إلى مرقدها ~~الأخير سنة 1907، ودفن إلى جوارها سنة 1908، ومن ms142 يومئذ لم تعمل ~~يد في إصلاح هذا المدفن أو تجديده حتى أخذ التصدع يظهر في سقفه ~~وجدرانه سنة 1939، وصار يخشى على الضريح الطاهر أن يستهدف ~~للأمطار والأعراض الجوية في شتاء ذلك العام. ففكرت مع لفيف من ~~إخواني في تدارك هذا التصدع، وألفنا في أواخر سنة 1939 لجنة ~~لإصلاح الضريح، وتم لها جمع مبلغ يسير اكتتب به تلاميذ الفقيد ~~وأنصاره والمعجبون به، فرممنا ضريحه ترميما جزئيا، ولم يعد ~~مع ذلك في حالة تليق بمكانة الزعيم، فاقترحت في مجلس الشيوخ بجلسة ~~10 مايو سنة 1944 لمناسبة نظر ميزانية وزارة الأشغال اعتماد مبلغ ~~خمسين ألف جنيه لتشييد مدفن جديد يضم رفات الزعيم، ووعدت الحكومة ~~في هذه الجلسة بتنفيذ هذا الاقتراح، ووضعت تصميم المدفن الجديد، ~~وأقيم في ميدان صلاح الدين بجوار القلعة، وتم تشييده في أواخر سنة ~~1949. # أما ضريح محمد فريد القديم فهو في مدفن العائلة بجوار مقام ~~السيدة نفيسة رضي الله عنها، وقد أقيم القبر على عجل، وبقي طوال ~~السنين عرضة للعراء والأمطار في حالة لا تتفق ومنزلة الزعيم ~~الشهيد الذي ضحى في سبيل مصر بماله وصحته ونفسه وحياته. وقد ~~اقترحت عندما كنت وزيرا في وزارة حسين سري باشا الائتلافية أن ~~ينقل إلى جوار مصطفى كامل، فقرر مجلس الوزراء في 18 سبتمبر سنة ~~1949 نقل رفات المرحوم محمد فريد إلى جوار مصطفى كامل بالمدفن ~~الجديد، وهكذا يتاح للزعيمين العظيمين والصديقين الوفيين أن ~~يلتقيا بعد طول النوى ويضمهما قبر واحد بعد أن فرق الزمن بينهما ~~نيفا وأربعين سنة، وأصبح الضريح الجديد «ضريح مصطفى ~~وفريد». # | استجوابي عن المعتقلين السياسيين # 1941-1942 # في إبان الحرب العالمية الأخيرة اعتقلت الحكومة بعض الشبان استنادا ~~إلى نظام الأحكام العرفية. # فتقدمت في 24 نوفمبر سنة 1941 بسؤال عن الأسباب التي سوغت ~~اعتقالهم، وهل كان بأمر النيابة العمومية أم ماذا؟ وهل هناك تهم ~~معينة موجهة إلى أولئك المعتقلين، وهل حصل تحقيق في هذه التهم أم ~~لا؟ وكان غرضي من السؤال وصيغته اعتبار الاعتقال باطلا ما لم يكن ~~بأمر من النيابة. # أجابت الحكومة ms143 على هذا السؤال بجلسة 9 ديسمبر سنة 1941 «في عهد وزارة ~~حسين سري باشا». وقد ذكرت في بياني بالجلسة أسماء بعض هؤلاء ~~المعتقلين، وهم: المرحوم الأستاذ حسن البنا المرشد العام لجمعية ~~الإخوان المسلمين، والأستاذ أحمد السكري وكيلها، والأستاذ عبد الحكيم ~~عابدين سكرتيرها، ومن المحامين الأساتذة أحمد حسين وإبراهيم الزيادي ~~وإبراهيم طلعت، ومن الصحفيين الأستاذ محمد صبيح، ومن المهندسين الأستاذ ~~فتحي أبو الوفا. # كان جواب الحكومة على السؤال أنها أفرجت عن الأساتذة حسن البنا وأحمد ~~السكري وعبد الحكيم عابدين «لزوال الأسباب التي بني عليها أمر ~~اعتقالهم»، فطلبت من الوزارة إعادة البحث في التهم المنسوبة إلى ~~المعتقلين الآخرين، فوعدت بذلك. # ثم تقدم استجواب من المرحوم الأستاذ يوسف الجندي عن المعتقلين ~~السياسيين، وبعد وفاته تمسكت بهذا الاستجواب، وبدأ المجلس بنظره بجلسة ~~20 يناير سنة 1942 في أواخر عهد وزارة سري باشا، وأخذت في شرحه. ثم ~~استقالت الوزارة وخلفتها الوزارة الوفدية برئاسة مصطفى النحاس باشا في ~~فبراير سنة 1942، واستمر اعتقال المعتقلين، وزاد عليهم معتقلون ~~آخرون. # وفي 7 أبريل سنة 1942 جددت الاستجواب بتوجيهه إلى رئيس الوزارة ~~الوفدية ونظر بجلسة 20 مايو سنة 1942. # وقد استغرق شرحي للاستجواب خمس صحائف كاملة من مضابط المجلس ~~المطبوعة، وأخذت على حكومة الوفد إبقاءها المعتقلين السياسيين، وزدت ~~عليهم من اعتقلتهم هي، وفي مقدمتهم علي ماهر باشا، وقلت إن الاعتقال ~~السياسي في عهد حكومة الوفد قد حصلت له مضاعفات شديدة تدعو ~~للأسف. # وكان المجلس قبل أن أشرح هذا الاستجواب قد نظر بجلسة سابقة استجواب ~~الأستاذ مصطفى الشوربجي بك عن اعتقال علي باشا ماهر، وقرر المجلس بعد ~~مناقشته «الانتقال إلى جدول الأعمال»، ولاحظ لي بعض الأعضاء من أنصار ~~الحكومة قبل انعقاد الجلسة أن هذا القرار له حجته في استجوابي. فناشدت ~~أعضاء المجلس أن ينظروا في استجوابي غير متأثرين بقرارهم السابق، وقلت ~~في هذا الصدد ما يأتي: ~~«إني أرجو من حضراتكم ألا تعتبروا القرار الذي صدر فيما يتعلق ~~بالحصانة له أثره في استجوابي؛ لأن القرار الذي صدر من المجلس في شأن ~~رفعة علي ms144 ماهر باشا إنما هو قرار بالانتقال إلى جدول الأعمال، فليس ~~قرارا موضوعيا ولا مسببا، وإنما هو قرار سلبي بالانتقال من المسألة ~~الفلانية إلى المسألة الفلانية، وهذا لا يمكن أن يؤثر في رأي حضراتكم ~~فيما لو عرضت عليكم مسألة تشبه هذه المسألة عن قرب أو عن ~~بعد. # ومع ذلك، يا حضرات الزملاء، فإن المبادئ السامية التي قررت حقوق ~~الإنسان، ومنها الحرية الشخصية، ووضعت بذلك الحجر الأساسي للحضارة ~~البشرية وللمجتمع الإنساني، لم تتقرر دفعة واحدة في المجالس التشريعية ~~في مختلف العصور والبلدان، بل احتاجت إلى أخذ ورد طويلين، وشد ~~وجذب، ومد وجزر، حتى استقرت آخر الأمر على أساس مكين، وإن مضابط ~~هذه المجالس التشريعية لتفيض بشتى القرارات والبحوث، بعضها غامض مبهم، ~~وبعضها صريح فصيح. وكانت هذه المبادئ في حاجة إلى هذا التطور حتى وضعت ~~في نصابها، فلا يضيرنا أبدا أن تعرض هذه المسائل مرة بعد مرة لأن ~~هذه المبادئ التي استنفدت قرائح العلماء والفلاسفة والمشرعين، ~~والسياسيين والمجاهدين، استنفدت قرائحهم وجهودهم على توالي السنين، ~~جديرة بأن يعاد فيها النظر المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة، حتى ~~تبرز في حقيقتها الرائعة، وفي حلتها الساطعة، مقررة حقوق ~~الإنسان. # فهذه المبادئ، يا حضرات الزملاء، جديرة بأن تعيدوا النظر فيها حينا ~~بعد حين، وآنا بعد آن، وفي كل ظرف، وفي كل مناسبة، ولا يحول دون ذلك ~~قرار سابق أو لاحق، هذه المبادئ جديرة بأن تحبوها بتأييدكم ~~وعنايتكم، حتى يمكن أن تبرز جلية واضحة وأن توضع في نصابها ~~الصحيح، وحتى يتقرر فيها حقا أن حرية الفرد مكفولة بحكم الدستور وحكم ~~المبادئ السامية. # هذه المبادئ جديرة بأن تحبوها بتأييدكم وعنايتكم، وأنتم جديرون ~~بذلك؛ ومن أجدر منكم بذلك يا شيوخ الأمة، يا حماة الحق، وحماة ~~الدستور، وحماة الحرية؟! # فلا يؤثر إذن في موضوع الاستجواب القرار الذي صدر منكم، وهو قرار ~~محترم، ولكنه ليس قرارا صادرا في الموضع، ولا في الموضوع الذي صدر ~~فيه، ولا يؤثر في الموضوع المعروض الليلة عليكم، ومع ذلك فإن ميزة هذه ~~القاعة الكبرى أنها تنشد الحقيقة ms145 في كل مسألة تعرض عليها وتنشد ~~المثل العليا، فإذا ما عرضت عليها مسألة وجب أن ينظر فيها كأنها ~~مسألة جديدة جديرة بأن ينظر فيها بعين العدل والإنصاف والدستور. ~~فاسمحوا لي إذن، يا حضرات الزملاء، أن أعرض على حضراتكم وجهة نظري في ~~أن الأحكام العرفية لا تؤثر مطلقا في حقوق الأفراد التي قررها ~~الدستور، وأن السلطة العسكرية لا تملك القبض على الأشخاص إلا في الحدود ~~الواردة في قانون تحقيق الجنايات.» # ثم شرحت للمجلس وجهة نظري في مدى سلطة الحكومة في الاعتقال، ~~وخلاصتها أن الدستور؛ إذ أجاز تعطيل حكم من أحكامه في أثناء قيام ~~الأحكام العرفية قد اشترط أن يكون ذلك على الوجه المبين في القانون ~~وهو قانون الأحكام العرفية الذي صدر في 26 يونيو سنة 1923؛ أي في أعقاب ~~الدستور. وهذا القانون حدد الأحكام العرفية التي يصح فيها تعطيل حكم من ~~أحكام الدستور، وهي التي تعلن كلما تعرض الأمن أو النظام العام في ~~مصر أو في أي جهة منها للخطر سواء كان ذلك بسبب إغارة قوات العدو ~~المسلحة أو بسبب وقوع اضطرابات داخلية. أما الأحكام العرفية التي ~~أعلنت في سبتمبر سنة 1939 فقد كان إعلانها بناء على طلب الحكومة ~~البريطانية تنفيذا لمعاهدة سنة 1936 كما هو ثابت من الوثائق الرسمية. ~~فليست هذه هي الحالة التي عناها الشارع في قانون الأحكام العرفية؛ ومن ~~ثم تظل حصانة الأفراد في ظلها قائمة ولا يجوز المساس بها إلا في ~~حدود قانون تحقيق الجنايات. # وهنا قال صبري أبو علم باشا (وزير العدل وقتئذ) إن المعاهدة قد ~~أبرمت بقانون، فأجبت بأن لي رأيا آخر وهو أن المعاهدة شيء والقانون ~~شيء آخر، والمعاهدة ليست قانونا. وتابعت شرح وجهة نظري في أن الأحكام ~~العرفية التي أعلنت في سبتمبر سنة 1939 بناء على طلب الحليفة ليست من ~~النوع الذي يجوز فيه إهدار حصانة الأفراد؛ لأن هناك نوعين من الأحكام ~~العرفية: نوع يقصده الدستور في المادة «155» وهو الموضح في قانون سنة ~~1923، ونوع آخر تولد عن التزام في معاهدة سنة 1936، فما كان الدستور ms146 ~~وهو يوضع في سنة 1923 يتنبأ بأحكام عرفية ستعلن طبقا لمعاهدة أبرمت ~~في سنة 1936؛ أي بعد ثلاث عشرة سنة من صدور الدستور. # وقد رد صبري أبو علم على وجهة نظري ردا ارتكن فيه على المعاهدة، ~~واشترك بعض الأعضاء في المناقشة، ثم قدمت اقتراحا هذا نصه: «أقترح أن ~~يقرر المجلس أن يطلب من الوزارة الإفراج عن المعتقلين السياسيين ~~الذين لم يثبت التحقيق اتهامهم بأي تهمة قانونية وأن يحيل إلى ~~المحاكمة من أثبت التحقيق إدانتهم قانونا.» # فرد صبري أبو علم على هذا الاقتراح بأنه غير دستوري، بحجة أنه ~~تكليف من المجلس للسلطة التنفيذية باتخاذ إجراء معين، وأن هذا ~~يحل أحد المجلسين محل الحكومة في مباشرة سلطتها التنفيذية وهذا ~~إخلال بمبدأ فصل السلطات. # فأجبت بأن المجلس سار على قاعدة مطردة منذ سنة 1924 إلى الآن وهي أن ~~يقبل الاقتراحات برغبات. # واقترح بعض الشيوخ الوفديين إقفال باب المناقشة والانتقال إلى جدول ~~الأعمال. وتقدم اقتراح ثالث من الشيخ حسن عبد القادر بإحالة ~~الاستجواب إلى لجنة الشئون الدستورية لإبداء رأيها فيه وبحثه من الوجهة ~~الدستورية وتقديم تقريرها للمجلس في ظرف أسبوعين، وقد أجل أخذ الرأي ~~في الاقتراحات الثلاثة إلى جلسة تالية. وبهذه الجلسة (9 يونيو سنة ~~1942) وافقت الأغلبية على «الانتقال إلى جدول الأعمال ...» ~~(1) استجوابي عن الخبير الاقتصادي البريطاني (يونيو-يوليو سنة ~~1943) # عينت وزارة الوفد في مايو سنة 1943 المستر جيمس باكستر ~~الاقتصادي البريطاني خبيرا ماليا للحكومة المصرية في المسائل ~~المالية والاقتصادية بعقد لمدة ثلاث سنوات، وكان أمين عثمان باشا ~~وزيرا للمالية في ذلك العهد. # فتقدمت في 5 يونيو سنة 1943 إلى رئيس الوزارة باستجواب عن مسوغات ~~هذا التعيين وأسبابه وظروفه وملابساته، ومبلغ الحاجة إليه، وعن ~~راتبه ومدى سلطته الرسمية وغير الرسمية وأثره في سياسة مصر ~~الاقتصادية والمالية الحالية والمستقبلة. # نظر هذا الاستجواب بجلسة 15 يوليو سنة 1943، وكانت آخر جلسة ~~للدورة البرلمانية. فلما شرعت في شرح استجوابي طلب مني بعض الأعضاء ~~الوفديين أن أنتظر حتى أسمع رد رئيس الوزارة (النحاس باشا) ثم ~~أتكلم بعده، فقلت لهم إن الوضع ms147 السليم أن أتكلم أولا ثم يرد رئيس ~~الوزارة، وتمسكت بحقي في الكلام أولا مستندا إلى اللائحة ~~الداخلية، فأجاب المجلس طلبي على مضض، وأخذت في شرح الاستجواب، ~~وموجز أقوالي أن تعيين هذا الموظف المالي الكبير البريطاني قوبل ~~بالدهشة وأن ما يوحي به هذا التعيين أن ليس لدينا خبير أو خبراء ~~ممتازون فنيون في المسائل الاقتصادية والمالية، مع أننا خطونا في ~~الثلاثين سنة الماضية خطوات واسعة في هذا الميدان وتكونت في ~~البلاد فئة ممتازة من الخبراء الاقتصاديين والماليين، أفلا يوجد ~~رجل واحد في هذه الفئة يمكن للحكومة أن تسترشد بخبرته الاقتصادية ~~والمالية في المشاكل التي نشأت عن الحرب والتي ستنشأ بعد انتهائها؟ ~~واستطردت إلى أن المسائل المالية والاقتصادية ليست مسائل فنية ~~فحسب، وإنما هي أولا وقبل كل شيء مسائل قومية قبل أن تكون فنية، ~~وأن الفن فيها يجب أن يكون في خدمة الأغراض القومية، وهي مرتبطة ~~بما يسمى الاستقلال الاقتصادي للبلاد، وكلها ترجع إلى هذا الأساس ~~لأنه لا يصح مطلقا أن تعتبر مصر سوقا دولية. وبعد أن شرحت هذه ~~الفكرة انتقلت إلى فكرة أخرى وهي أن هذا التعين بالذات هو نوع من ~~أنواع الغزو ~~السلمي # pénétration ~~pacifique # قد تكون له نتائج أخطر من الغزو المسلح؛ ~~لأن الغزو السلمي يسير في شيء من الهوادة والاطمئنان وعدم المعارضة ~~وربما يؤدي إلى تدخل دولة أجنبية في شئون الدولة. # وقد أثارت هذه الملاحظة اعتراضات بعض الشيوخ الوفديين، وصاح ~~أحدهم (محمد المغازي عبد ربه باشا ...) قائلا في حدة: «لقد استنار ~~المجلس وكفى!» # فقلت: «يجب أن تتركوني أتمم كلمتي وتستمعوا لها.» وطلب الرئيس ~~(علي زكي العرابي باشا) من الأعضاء أن يدعوني أتمم كلمتي. # فتابعت الكلام وضربت مثلا بالبعثة العسكرية البريطانية والنص في ~~المعاهدة على أن الغرض منها أن تستعين الحكومة المصرية بخبراء ~~حربيين أجانب. # فقال الرئيس: «إن الخبير الاقتصادي لم يأت ذكره في المعاهدة ~~المصرية البريطانية.» # وقال النحاس باشا: «هل نحن نتناقش الآن في المعاهدة المصرية ~~البريطانية أم في تعيين الخبير الاقتصادي؟ إننا نعرف رأيك في ~~المعاهدة ولا ms148 داعي لأن تدخل شيئا في شيء.» # فأجبت بأن البعثة العسكرية نص عليها في المعاهدة، أما الخبير ~~الاقتصادي وهو أشد خطورة منها فلم ينص عليه في المعاهدة، وبالتالي ~~نحن غير ملزمين بأن يكون هذا الخبير إنجليزيا. # وألمعت في حديثي إلى ما كان من تعيين مستشار مالي بريطاني سنة ~~1883 ثم أخذ نفوذه يستفحل حتى صارت له السيطرة الفعلية في الحكومة، ~~وختمت كلمتي بأنه لا توجد مسوغات لتعيين خبير اقتصادي أجنبي ~~للحكومة المصرية، فضلا عن أن هذا التعيين يتعارض مع الاقتصاد ~~القومي. # ورد النحاس باشا على استجوابي ردا طويلا، خلاصته أن المشاكل ~~الاقتصادية والمالية التي واجهتها مصر خلال الحرب وستواجهها بعد ~~انتهائها استدعت تعيين هذا الخبير، ثم قال ما يأتي عن اختياره من ~~الماليين الإنجليز: «وكان من الطبيعي أن يختار الخبير من رجال ~~دولة بيننا وبينها صلات مودة وصداقة وتحالف، وأن يكون معروفا لمصر ~~وعارفا بظروفها المالية، ولم يكن ممكنا اختيار خبير أوروبي من ~~أية دولة أخرى ولا أمريكي لصعوبات مادية ظاهرة، ولأن النظام ~~الإنجليزي المالي أقرب إلى الأنظمة المصرية.» # وبعد أن انتهى النحاس باشا من رده قرر المجلس الانتقال إلى ~~جدول الأعمال ... ~~(2) الأرصدة الإسترلينية (بمجلس الشيوخ أبريل سنة 1944) # أخذت الأرصدة الإسترلينية تتزايد خلال الحرب العالمية بسبب إهمال ~~الحكومة ومجاملتها لبريطانيا، واشتد التضخم في عهد وزارة الوفد، ~~وقد نبهت إلى هذا الخطر في مجلس الشيوخ بجلسة 18 أبريل سنة 1944 ~~لمناسبة المناقشة في السياسة المالية العامة للدولة، وكان ذلك ~~أيضا في عهد وزارة الوفد وكان أمين عثمان باشا وزيرا للمالية، ~~وألقيت كلمة في منشأ الأرصدة وتكييفها وطالبت بوضع حد لها. # 1 # وأيد بهي الدين بركات باشا وجهة نظري، وزادها وضوحا وتفصيلا ~~في كلمته التي ألقاها في هذا الموضوع بجلسة 20 أبريل سنة 1944 وقال ~~ضمن ما قال: «إن اللجنة المالية أرادت أن تقول أن ليس عندنا تضخم ~~واكتفت بأن تثبت نتائج التضخم - وهي كلها موجودة عندنا - ولكنها ~~لم ترد أن تقول بأن في مصر تضخما. فما هي الحقيقة إذن؟ وبماذا ~~نكيف هذه ms149 الحالة وما سببها؟ السبب ما قالته اللجنة وهو وجود ~~الجيوش الأجنبية المتحالفة في مصر، كيف هذا؟ إن الجيوش تصرف وتدفع ~~لنا مقابل ما تصرفه؛ إذن هي تدفع نقدا في مقابل البضائع. والمطبعة ~~المصرية تشتغل؛ إذن كيف يمكن أن يكون في مصر تضخم؟! منذ يومين عالج ~~زميلي حضرة الشيخ المحترم عبد الرحمن الرافعي بك موضوع النقد في ~~مصر وعالج هذه الحالة معالجة دقيقة بعد دراسة مسببة وعرض الحالة ~~على حقيقتها فلا حاجة بي إلى أن أرجع إلى تكرار شيء مما قاله عن ~~المبادئ الاقتصادية ولا عن تاريخ العملة في مصر لأني أوافقه على كل ~~ما قاله.» ثم أفاض بهي الدين باشا في ضرر الأرصدة الإسترلينية ~~واقترح عدة حلول لاستخلاصها. # وبجلسة 25 أبريل سنة 1945 رد أمين عثمان باشا وزير المالية على ~~أقوالي وأقوال بهي الدين بركات باشا، فلم يزد عن عبارات عامة دعا ~~فيها إلى الثقة في تعهدات «حليفتنا الكبرى»، قال: «وأود بهذه ~~المناسبة أن أشير إلى ما أبداه بعض حضراتكم من التشكك في إمكان ~~استردادنا بعد الحرب لما نداين به بريطانيا. ولعلي لست بحاجة ~~إلى أن أذكر أنه لا محل مطلقا لهذا التشكك بل لمجرد التفكير فيه، ~~بعد أن علقنا مصيرنا بمصير الديموقراطيات ووقفنا إلى جانبها في ~~دفاعها عن الحرية والعدالة والمدنية. وبالنظر إلى ما هو معروف عن ~~حليفتنا الكبرى من سلامة ماليتها وشدة محافظتها على تعهداتها ودقة ~~وفائها بديونها مما يجعل ضمان هذه الديون في مرقى عن كل شك ...» ~~كذا. # ولعمري ليس بمثل هذه الأقوال ولا بمثل هذه الروح تصان حقوق ~~البلاد السياسية والمالية، وقد برهنت الحوادث على أن ديون مصر على ~~بريطانيا من الأرصدة الإسترلينية بقيت طوال الحرب وبعد انتهائها ~~قائمة لم توف منها إلا النزر اليسير. # | استجوابي عن الأهداف القومية # يونيو-أغسطس سنة 1945 # انتهت الحرب العالمية في أوروبا في مايو سنة 1945 حين استسلمت ~~ألمانيا للحلفاء، وكانت وزارة المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا الأولى ~~تتولى الحكم، وكنت أرى واجبا عليها أن تبادر إلى المطالبة رسميا ~~بأهداف مصر ms150 القومية، ولكنها تباطأت في هذه المسألة الهامة، فقدمت ~~استجوابا في هذا الصدد إلى رئيس الوزارة. # كان هذا الاستجواب من أهم الاستجوابات التي نظرت في البرلمان، وقد ~~اهتمت به الصحف واهتم به الرأي العام اهتماما كبيرا يتناسب مع خطورة ~~موضوعه، ولأنه أول استجواب قدم في البرلمان عن هذه الأهداف بعد ~~انتهاء الحرب العالمية مباشرة. # قدمت طلب الاستجواب إلى رئيس مجلس الشيوخ يوم 9 يونيو سنة 1945، ~~وهذا نصه: # حضرة صاحب السعادة رئيس مجلس الشيوخ # تحية وسلاما. وبعد، فإني أرغب في استجواب حضرة صاحب الدولة ~~رئيس مجلس الوزراء عن الأسباب التي دعت الوزارة إلى عدم ~~المبادرة بالمطالبة بأهداف مصر الأساسية وفي مقدمتها الجلاء ~~وتحقيق وحدة وادي النيل، ومتى يحين الوقت لتطالب بهذه الأهداف، ~~وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. # عبد الرحمن الرافعي # 9 يونيو سنة 1945 # كتبت هذا الخطاب بعد تفكير طويل، لأني أردت أن أحدد فيه الأهداف ~~القومية في أعقاب الحرب العالمية، تحديدا يكون موضع اتفاق الجميع ~~شعبا وحكومة ويكون شعارا للجهاد في هذه المرحلة الهامة من تاريخ مصر ~~القومي، هل نطالب بالجلاء فقط ويكون مفهوما منه أنه الجلاء عن مصر ~~والسودان معا؟ ولكن أين الوحدة بينهما في هذا الطلب؟ هل نطالب بالجلاء ~~والسودان؟ لقد ترددت في أن نطالب بالسودان؛ لأن النداء بهذا الطلب قد ~~يجرح شعور إخواننا المجاهدين من أبناء الجنوب؛ لأنهم يأبون فيما أعتقد ~~أن نعبر عن السودان كقطعة من مصر، ويريدون تعبيرا آخر يتفق مع ~~تقدم الوعي القومي في جنوب الوادي ويوائم روح الاعتزاز بالكرامة في ~~نفوس المجاهدين السودانيين. وإذا قلنا الجلاء عن مصر والسودان، ففي هذا ~~التعبير ما قد يوحي بأن مصر قطر والسودان قطر آخر، وهذا ما لا نرضاه ~~كدعاة للوحدة. ثم إن الجلاء عن مصر وعن السودان قد لا يتعارض مع الدعوة ~~الانفصالية التي خلقها الاستعمار في السودان؛ فالجلاء عن كليهما لا ~~يمنع الانفصال التام بينهما، ولا بد من تعبير آخر يكون وجيزا ويشمل ~~الجلاء عن مصر والسودان مع ربط شطري الوادي برباط من الوحدة لا انفصام ~~لها، ms151 تلك الوحدة التي هي ضرورة طبيعية وتاريخية وجغرافية لكلا الجزأين. ~~فرأيت أن أوجز تعبير للأهداف القومية هو «الجلاء ووحدة وادي النيل»، ~~وقد لا يعرف إلا القليلون أن هذا التعبير قد ورد لأول مرة على لساني ~~بجلسة 8 ديسمبر سنة 1942 (ص99) وفي هذا الاستجواب، وصار شعار الجهاد في ~~أعقاب الحرب العالمية الأخيرة. # أخذ هذا الاستجواب يؤجل من جلسة إلى أخرى إلى أن نظر بجلستي 6 و7 ~~أغسطس سنة 1945 وفي كل مرة يزداد اهتمام الرأي العام به. # قالت الأهرام بعدد 22 يونيو سنة 1945: «وأما مصر فسيفتح ملف قضيتها ~~وشيكا؛ فقد طلب الشيخ المحترم عبد الرحمن الرافعي بك استجواب الحكومة ~~عن «عدم المبادرة بالمطالبة بأهداف مصر الأساسية وفي مقدمتها الجلاء ~~ووحدة وادي النيل.» وقد نمى إلينا أن دولة رئيس الوزارة ينتظر عودة ~~مندوبي مصر من مؤتمر سان فرانسيسكو ليقف على ما لديهم من بيانات ~~ومعلومات عن قرارات المؤتمرين النهائية وعن الاتجاهات الدولية فيجمع ~~اللجنة السياسية التي جمعها قبل السفر إلى المؤتمر ولعله بعد ذلك يدلي ~~بتصريح في البرلمان خلال مناقشة الاستجواب الذي تقدمت الإشارة إليه أو ~~قبل ذلك.» # وقالت أيضا بالعدد الصادر في 2 أغسطس سنة 1945: «عقد مجلس الوزراء ~~ظهر أمس برياسة حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا، وظل ~~منعقدا إلى منتصف الساعة الثالثة. وقد عرض على المجلس في هذا ~~الاجتماع البيان الذي سيلقيه دولة النقراشي باشا في مجلس الشيوخ يوم ~~الاثنين المقبل لمناسبة الاستجواب المقدم من الشيخ المحترم ~~عبد الرحمن الرافعي بك في موضوع مطالب مصر القومية وموقف الحكومة ~~منها.» # وقالت بالعدد الصادر في 6 أغسطس سنة 1945: «يجتمع مجلس الوزراء ظهر ~~اليوم برياسة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا للنظر في البيان ~~الذي يلقيه دولته مساء اليوم في مجلس الشيوخ ردا على الاستجواب ~~المقدم من الشيخ المحترم عبد الرحمن الرافعي بك في موضوع مطالب مصر ~~القومية.» # شرحت استجوابي بجلسة 6 أغسطس شرحا وافيا استغرق خمس صفحات من ~~المضابط، وخلاصة حديثي في تلك الجلسة أنه كان يجب على الحكومة أن ms152 تبادر ~~إلى المطالبة بأهداف مصر القومية منذ الساعة الأولى، منذ أن وضعت الحرب ~~الأوروبية أوزارها، بل منذ عقد مؤتمر القرم في فبراير سنة 1945، وكانت ~~كل دولة تطالب علنا بأهدافها وحقوقها، وحذرت من قبول الاحتلال ~~الأجنبي تحت أي وضع سواء كان انفراديا أو ثنائيا أو دوليا، ~~وختمت حديثي بقولي: «لا يجوز لنا أن نقبل أن تكون مصر سوقا دولية أو ~~محطة استعمارية؛ لأن مصر ليست سوقا، بل هي وطن، وهي وطن لأمة من أعرق ~~الأمم في الحضارة والمدنية.» # وقد رد المرحوم النقراشي باشا على استجوابي ردا وافق فيه على ~~الجلاء ووحدة وادي النيل، قال رحمه الله في هذا الصدد: «إذا كان ما قصد ~~إليه حضرة المستجوب هو السؤال عما إذا كانت الحكومة تعتزم السعي إلى ~~تحقيق تلك الأهداف، فليس الجواب إلا أن هذا واجب وطني لا يسع الحكومة ~~أن تتخلى عنه أو أن تتردد في أدائه أو أن تفوت فرصة القيام ~~به.» # إلى أن قال: «ثم إن مصر أقامت الدليل تلو الدليل على حفظها العهد وقد ~~ناصرت حليفتها وأبلت في ذلك خير بلاء، وأبدت صادق العزيمة في مقاومة ~~المعتدين وبذلت من المعونة لقضية الديموقراطية ما اعترفت الأمم المتحدة ~~بجليل قدره وببالغ أثره في انتصار الحلفاء، وليس فوق ذلك كله سبب أكثر ~~تبريرا وأقوى سندا لإنهاء القيود التي أحاطت استقلال البلاد ولتحقيق ~~مطلبها من جلاء الجنود الأجنبية عنها. أما وحدة وادي النيل بمصره ~~وسودانه فإن المبادئ التي أطلعها على العالم هذا العهد الجديد جديرة ~~بتحقيقها لا سيما وأن هذه الوحدة تتفق مع صميم رغبات أبناء الوادي ~~جميعا، ولا تتوقع الحكومة أي صعوبة في مفاوضة بريطانيا العظمى لأنها ~~تلمس ما تكنه بريطانيا نحو مصر من حسن النوايا وخالص الصداقة، ولا ~~شك في أنها تشاطر مصر الشعور بملاءمة الظروف وتدرك حق الإدراك أن هذه ~~الحكومة تترجم عن مطالب الأمة جمعاء لا مطالب فريق دون آخر.» # واكتفى المجلس بالمناقشات التي دارت في الاستجواب ولم يصدر في شأنه ~~قرارا معينا. ~~(1) قرارات الحكومة في هذا الصدد (سبتمبر ms153 سنة 1945) # في 22 سبتمبر سنة 1945 اجتمعت الهيئة السياسية الاستشارية التي ~~ألفتها الحكومة وأصدرت القرار الآتي: «ترى الهيئة السياسية ~~بإجماع الآراء أن حقوق مصر الوطنية كما أجمع عليها رأي الأمة ~~وأعلنتها الحكومة هي جلاء القوات البريطانية وتحقيق مشيئة أهل وادي ~~النيل في وحدة مصر والسودان، كما ترى الهيئة أن الوقت الحاضر هو ~~أنسب الأوقات للعمل على تحقيق أهداف البلاد القومية واتخاذ الوسائل ~~لمفاوضة الحليفة للاتفاق على هذه الأسس، وترى الهيئة السياسية أن ~~قيام التحالف على هذه الأسس يزيد ما بين البلدين من علاقات الصداقة ~~والتعاون توثقا ومتانة.» # ووافق مجلس الوزراء في اليوم التالي على هذا القرار. # تعليقي على هذا القرار # إن قرار مجلس الوزراء جاء إعلانا صريحا بأن حقوق البلاد ~~الوطنية كما أجمع عليها رأي الأمة وأعلنتها الحكومة هي جلاء ~~القوات البريطانية وتحقيق وحدة وادي النيل، وكان هذا القرار ~~مكسبا للقضية الوطنية. # ولكن فيه ناحية نقص في الوسيلة، ذلك أنه جعل الوسيلة إلى ~~تحقيق الأهداف القومية مفاوضة بريطانيا للاتفاق على هذه الأسس ~~وجعلها أساسا للتحالف بينهما. # وقد قدم المرحوم صبري أبو علم باشا في أكتوبر سنة 1945 ~~استجوابا آخر عن الأهداف القومية نظر بجلسة 16 أكتوبر سنة ~~1945، ولاحظت في هذه الجلسة على قرار الهيئة السياسية هذا ~~النقص في الوسيلة وقلت في هذا الصدد ضمن ما قلت: «أعود فأقول ~~هل طالبت الحكومة المصرية الحكومة الإنجليزية بالجلاء عن وادي ~~النيل؟ كلا لم يحصل، وكل ما تقدمت به الحكومة هو مذكرة رفعت ~~إلى مؤتمر الدول الخمس فيما يتعلق بتصفية المستعمرات ~~الإيطالية؛ لذلك أستسمح حضراتكم أن أبين لكم ملاحظاتي على ~~هذه المذكرة، وأول ما ألاحظه أن الحكومة المصرية قد اهتمت ~~بالفرع دون الأصل، والأصل هو الجلاء عن وادي النيل، وأنا ~~أستسمح حضرات أعضاء الهيئة السياسية أن ألاحظ على قرارها أنها ~~توصي باتخاذ الوسائل لمفاوضة «الحليفة» للاتفاق على هذا ~~الأساس، وأنا لا أريد أن أعرض بالهيئة السياسة وإنما أوثر ~~طريقة المطالبة على طريقة المفاوضة.» # وبعد انتهاء المناقشة في هذا الاستجواب عرض على المجلس ~~اقتراحات ثلاثة: ms154 # أحدها: # مشروع قرار مقدم من محمد علي علوبة باشا ~~هذا نصه: «يؤيد المجلس المطالب الوطنية التي ~~أعلنتها الحكومة، ويطلب إليها المبادرة بالعمل ~~على تحقيقها.» # والثاني: # مقدم مني ونصه: «أقترح أن تبادر الحكومة ~~إلى مطالبة إنجلترا رسميا بالجلاء الكامل ~~العاجل عن وادي النيل.» # والثالث: # مقدم من محمد صبري أبو علم باشا وبعض ~~زملائه الوفديين ونصه: «يعلن المجلس أنه بعد ~~انتهاء الحرب وتغير الظروف وبعد إبرام مصر ~~لميثاق سان فرانسيسكو، أصبح من المتعين إعادة ~~النظر فورا في معاهدة التحالف والصداقة مع ~~بريطانيا وما توجبه من التزامات على مصر، حتى ~~تصبح المعاهدة متفقة مع الأحوال الدولية ~~الجديدة ومع ما يوجبه ميثاق سان ~~فرانسيسكو.» # وقد أخذت الآراء في هذه الجلسة فوافقت أغلبية المجلس على ~~اقتراح علوبة باشا. ~~(2) تكييف القضية الوطنية أمام الهيئات الدولية: مطالبة لا ~~احتكام # كنت ولا أزال أرى في المفاوضات قبل الجلاء صرفا للبلاد عن هدفها ~~الأكبر وهو الجلاء. # فلما أعلنت وزارة المرحوم النقراشي باشا في أواخر يناير سنة 1947 ~~عرض قضية البلاد على مجلس الأمن اعتبرت ذلك مكسبا للقضية؛ على أني ~~مع ذلك لم أكن أثق بأن مجلس الأمن سينصفنا، فنظرت إلى عرض القضية ~~عليه كوسيلة من وسائل الكفاح، وحذرت من ضرر الاحتكام إلى الهيئات ~~الدولية. # عرض هذا الموضوع على مجلس الشيوخ بجلسة 12 فبراير سنة 1947، ~~فأدليت بوجهة نظري وقلت في مستهل كلمتي: «لا شك أن إعلان الحكومة ~~قطع المفاوضات وعزمها على رفع القضية المصرية إلى مجلس الأمن هو ~~قرار يقابل في ذاته بالغبطة؛ لأن إعلان الحكومة أن المفاوضات قد ~~أصبحت غير مجدية - وقد كانت غير مجدية من قديم - يعد كسبا ~~للقضية المصرية لأنها مع الأسف الشديد قد خسرت كثيرا بالالتجاء ~~إلى طريق المفاوضات.» # ثم تكلمت عن طريقة تكييف القضية أمام مجلس الأمن، وقلت: «إن ~~القضية الوطنية تنحصر في أمر واحد، هو جلاء الإنجليز عن مصر ~~والسودان، هذا هو التكييف الصحيح الذي يجب أن تعرض به قضيتنا على ~~أية هيئة دولية. وهذا التكييف يستتبع اعتبار الاحتلال منذ 1882 ~~عملا غير مشروع، ms155 وأن كل ما أبرم أو عقد في ظل الاحتلال نتيجة ~~لوجوده هو عمل باطل ابتداء من سنة 1882 واستمر إلى اليوم، وهذا ~~يستتبع أن اتفاقية سنة 1899 الخاصة بالسودان هي اتفاقية باطلة، وأن ~~معاهدة سنة 1936 هي كذلك باطلة.» # لا احتكام في الجلاء # ثم عرجت بمسألة الاحتكام وحذرت منه، وقلت في هذا الصدد: ~~«لا يصح لنا صيانة لقضيتنا أن نعرضها كمحتكمين، ولا يصح لنا ~~أن نلجأ إلى طريقة الاحتكام؛ لأن جوهر ما نطالب به هو ~~الاستقلال في ذاته؛ لأن الجلاء هو الاستقلال، ولا يصح أن يكون ~~الاستقلال موضع تحكيم، ولا توجد أمة تقبل أن يكون استقلالها ~~موضع تحكيم. إنما يكون التحكيم في مسائل فرعية أو خلافات محلية ~~بينها وبين بلد آخر، فتعرض الأمر على الهيئات الدولية محتكمة ~~إليها لتفصل بينها وبين الدولة الأخرى التي يكون بينها وبينها ~~خلاف. لقد قال الكثيرون بالاحتكام إلى محكمة العدل الدولية، ~~ومعنى الاحتكام إليها أن نقبل قرارها، وفي هذا من الضرر ما ~~فيه؛ ولذلك قلت إنه لا يصح الاحتكام، بل يجب أن يكون موقفنا ~~أمام الهيئات الدولية موقف مطالبة لا موقف احتكام، يجب أن ~~نطالب بالجلاء لأن هذا الجلاء هو حق طبيعي لنا، ولأن هناك ~~سببا من شأنه أن يضم إلينا مجموعة الأمم وهو أن الجلاء أمر ~~لازم للسلام العام.» # وقلت في جلسة 13 يناير سنة 1948: «إن الوقت المناسب لعرض ~~قضية مصر على مجلس الأمن كان فبراير ومارس سنة 1946 حيث عرضت ~~على هذا المجلس قضايا سوريا ولبنان وإيران، ولعلكم تذكرون ~~حضراتكم أنه في هذا الوقت قد عرضت هذه القضايا على مجلس الأمن ~~وكسبت هذه الدول قضاياها؛ إذ تقرر فيها وجوب جلاء القوات ~~الأجنبية عنها. فاسمحوا لي أن أقول إننا تأخرنا في عرض قضيتنا ~~على مجلس الأمن عاما ونصف عام، لقد تعطل عرض القضية لأن ~~الحكومة لجأت إلى طريق المفاوضة.» # | منع تملك الأجانب الأراضي الزراعية والعقارات # في 8 ديسمبر سنة 1948 قدمت إلى مجلس الشيوخ مشروع قانون بمنع ~~تملك الأجانب للأراضي الزراعية والعقارات المبنية أو ms156 المعدة للبناء ~~في المملكة المصرية. وكان غرضي من هذا المشروع صيانة الأملاك المصرية ~~من أن تنتقل إلى الأجانب وحفظها للمصريين، وأرفقت بالمشروع مذكرة ~~إيضاحية توضح الغرض منه وترسم خطوطه الرئيسية قلت فيها: ~~«تحرص الأمم على حفظ كيان أملاكها الثابتة وجعل ملكيتها ~~مقصورة على المواطنين؛ لأنها بوصف كونها ثابتة لا منقولة ~~تعتبر ملتصقة بأرض الوطن بل هي جزء منه؛ ومن ثم تمنع ~~الحكومات تملك الأجناب لها حفظا لكيان الوطن ذاته. ولقد ~~سارت مصر على هذه القاعدة إلى منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ كانت ~~قوانينها المقتبسة من قوانين تركيا وقتئذ لا تجيز التصرف ~~للأجانب في الأراضي والعقارات، وكانت هذه حجة الخديو إسماعيل ~~في معارضة شروط الامتياز التي نالتها شركة قناة السويس في عهد ~~سعيد باشا وحصلت بمقتضاها على ملكية رقعة واسعة من الأراضي ~~المصرية، ولكن مصر تحللت من هذه القيود وجعلت حق الملكية ~~العقارية عاما للمواطنين والأجانب على السواء، فانتقلت على ~~تعاقب السنين ملكية جزء كبير من الأراضي إلى الأجانب أفرادا ~~وشركات. فبحسب إحصاء سنة 1946 يتبين أن مجموع الأراضي الزراعية ~~في المملكة المصرية تبلغ 5903143 فدانا منها 357192 فدانا ~~يملكها الأجانب عدا ما لهم من حقوق عقارية على جزء كبير من ~~الأراضي المملوكة للمواطنين. ومما يستوقف النظر في هذا الإحصاء ~~أن الملكية الزراعية التي يزيد نصابها على ألفي فدان يبلغ عدد ~~ملاكها 35 مالكا «عدا الوقف» منهم ثمانية عشر من المصريين ~~ومجموع ما يملكونه 54882 فدانا، وسبعة عشر من الأجانب ومجموع ~~ما يملكونه 114607 فدانا؛ أي إن كبار ملاك الأجانب يملكون ~~أكثر من ضعف ما يملكه كبار الملاك المصريين؛ ولهذا الوضع من ~~الدلالة ما لا يخفى. # وفضلا عن أن في انتقال ذلك الجزء الكبير من الأملاك الثابتة ~~إلى أيدي الأجانب خطرا على الكيان القومي، فليس معروفا إلى ~~أي مدى يستفحل هذا الخطر في المستقبل إذا ترك انتقال الملكية ~~العقارية إلى الأجانب مطلقا من كل قيد. # فالتطورات الاقتصادية والمالية، والوسائل الاستغلالية، قد ~~تتنوع وتغري الملاك المصريين بمختلف الأساليب بالتصرف في ~~أملاكهم للأجانب ms157 إذا لمحوا بريقا من الكسب الوقتي، ولو كان ~~بريقا خداعا لا يلبث أن يكون سرابا. فعلى الدولة أن تحتاط ~~لكيان الملكية العقارية وتضع من القوانين ما يمنع تسربها إلى ~~أيدي الأجانب أفرادا أو شركات. وليست هذه القوانين بدعا في ~~التشريع؛ فإن معظم الدول حتى العظمى التي لا يخشى على كيانها ~~الاقتصادي تسير على هذا الوضع، إما بمقتضى قوانينها أو بموجب ~~الأمر الواقع بحيث لا ترخص للأجانب بامتلاك أملاك ثابتة في ~~بلادها، ويكفي لمن يريد أن يتثبت من هذه الحقيقة أن يجرب ~~طلب شراء أرض زراعية أو عقارات مبنية في أي بلد من هذه البلدان ~~فإنه يصطدم حتما بقوانين تحظر تملك الأجنبي لشيء منها أو ~~يرفض طلبه بحكم الأمر الواقع المعمول به في هذه ~~البلاد. # فهذه الحماية للملكية العقارية في الدول المتحضرة هي التي ~~يستوحي منها المشروع المعروض على هيئة المجلس أحكامه ~~ونصوصه. # وليس في هذا المشروع مساس بالحقوق المكتسبة للأجانب؛ فإنه لا ~~يسري على ما يملكونه قبل أن يصير قانونا بل يبقى ملكا لهم، ~~ولا يسري كذلك على ما يئول إليهم بعد صدوره بطريق الإرث، وبذلك ~~تصان الحقوق المكتسبة للأجانب من كل وجه. # هذا إلى أنه قد قصر الحظر بالنسبة لأراضي البناء والعقارات ~~المبنية على المخصصة منها للسكن، فأباح بذلك تملك الأجانب ~~لهذا النوع من الأملاك الثابتة إذا كان الغرض منها إقامة ~~المصانع أو المتاجر. وقد روعي في هذا التمييز ألا يضيق ~~التشريع مجال النشاط الاقتصادي الصناعي والتجاري والمالي في ~~البلاد إذا ساهمت فيه رءوس أموال أجنبية؛ ففي هذه الحالة لا ~~يسري الحظر الوارد في المشروع لأن الأصل فيه أن يقتصر على ~~الأملاك الثابتة دون المنقولة. ولما كانت المنشآت الصناعية ~~والتجارية لا تعد من الأملاك الثابتة فلا تدخل ملحقاتها ~~العقارية في مدلول الأملاك المقصودة بالحماية التشريعية؛ لأن ~~هدف المشروع إنما هو حماية الملكية الملتصقة أصلا وحكما بأرض ~~الوطن والتي تعد جزءا لا يجوز أن ينفصل عنه. # ولقد سبق للمشرع المصري أن أخذ بهذه الحماية ولكن في دائرة ~~ضيقة؛ إذ حظر ms158 في المرسوم بقانون رقم 111 لسنة 1945 على كل شخص ~~طبيعي أو معنوي أجنبي الجنسية أن يمتلك بأي طريق كان غير الإرث ~~عقارا كائنا بأحد المناطق التي تقوم على إدارتها مصلحة ~~الحدود، ويسري الحظر في هذا المرسوم على كل وقف على أجنبي ~~وتقرير حقوق عينية له. # فإذا كانت هذه الحماية قد رآها المشرع واجبة في حدود الوطن ~~وأطرافه، فأولى بها أن تعم أرجاء البلاد جميعها.» # 8 ديسمبر سنة 1948 ~~(1) خطوات المشروع # مشى المشروع وئيدا في مجلس الشيوخ، ومع أنه لقي من الرأي العام ~~تأييدا كبيرا ولم يلق من محيط الأعضاء معارضة ما، لكن يبدو أن ~~تيارات خفية كانت تعمل على عرقلته. # عرض لأول مرة على المجلس بجلسة 13 ديسمبر سنة 1948، فقرر قبل ~~نظره موضوعا إحالته إلى لجنة الشئون الدستورية لبحثه من الوجهة ~~الدستورية ومن جهة انطباقه أو عدم انطباقه على معاهدة ~~مونترو. # وقد بحثته اللجنة من هذه الناحية وانتهت إلى أن المشروع مقبول ~~دستوريا ولا يخالف أحكام معاهدة مونترو، ووافقت الحكومة على ذلك ~~بلسان مندوبها الذي حضر جلسات اللجنة وقدمت تقريرا مستفيضا في ~~هذا الصدد. # عرض هذا التقرير على المجلس بجلسة 24 يناير سنة 1949، فوافق ~~عليه بالإجماع، وقرر إحالة المشروع إلى لجنة الموضوع وهي لجنة ~~العدل، وقد بحثته هذه اللجنة بحثا مستفيضا ووافقت عليه بعد إدخال ~~تعديلات عليه أهمها قصر حظر عدم تملك الأجانب على الأراضي ~~الزراعية دون العقارات المبنية أو المعدة للبناء. وحضر جلسات ~~اللجنة مصطفى مرعي بك وزير الدولة في عهد وزارة إبراهيم عبد الهادي ~~باشا، وأعلن باسم الحكومة موافقته على المشروع بعد التعديلات سالفة ~~الذكر ودافع عنه دفاعا حارا شكرته عليه، وقال إن مجلس الوزراء ~~بحث المشروع وانتهى إلى قبوله والموافقة عليه. وقد بذل مصطفى مرعي ~~بك جهودا موفقة لدى سفارات بريطانيا وفرنسا واليونان لإقناعها بأن ~~المشروع لا ينطوي على روح عدائية للأجانب بل يهدف إلى صيانة الثروة ~~الزراعية وأنه مشروع اجتماعي له نظائره في التشريعات الأوروبية ~~والأمريكية، وقد اقتنعت السفارات بدفاعه. # قدمت لجنة العدل تقريرها عن ms159 المشروع بعد التعديلات التي اتفقت ~~عليها مع الحكومة، وعرض التقرير على المجلس بجلسة 10 مايو سنة ~~1949، فوافق على المشروع من حيث المبدأ، ولكن عند تلاوة المواد ~~ثارت اعتراضات على بعض أحكامه ترتب عليها أن قرر المجلس إحالته ~~إلى لجنتي المالية والعدل مجتمعتين لبحثه من الوجهة الاقتصادية ~~والمالية. # وقد تعطل المشروع أمام اللجنتين طويلا إلى أن نظرتاه ~~مجتمعتين في 24 مايو سنة 1950 وأقرتاه من جديد بعد تعديلات ~~يسيرة، وعرض تقرير اللجنتين على المجلس ونظره بجلسة 12 يونيو سنة ~~1950، وفيها أثيرت مناقشات جديدة أخرى وأبديت اقتراحات عديدة، ~~فرأى المجلس إعادة المشروع إلى لجنة العدل لبحث الاقتراحات التي ~~قدمت في تلك الجلسة، وانفضت الدورة البرلمانية بعد ذلك فلم يتسع ~~الوقت لانعقاد اللجنة. ولما حلت الدورة الجديدة اجتمعت اللجنة ~~يوم 12 ديسمبر سنة 1950 ودرست الاقتراحات والمناقشات التي أثيرت ~~حول نصوصه فقبلت بعضها ورفضت البعض الآخر وقدمت تقريرا جديدا ~~بالنصوص التي انتهت إليها، وهي لا تختلف عن جوهر المشروع إلا في ~~قصر الحظر على الأراضي الزراعية دون العقارات والمباني، وعممت ~~الحظر بالنسبة للأراضي الزراعية فأضافت إليها الأراضي القابلة ~~للزراعة والأراضي الصحراوية باعتبار أن مآل هذه الأراضي أن تكون ~~أراضي زراعية من طريق استصلاحها، وأدخلت تعديلات يسيرة في المواد ~~الأخرى، وعرض تقرير اللجنة على المجلس مرفقا به نصوص المواد كما ~~عدلتها اللجنة فأقرها بجلسة 18 ديسمبر سنة 1950. # وبعد إقرار المشروع في مجلس الشيوخ أحيل إلى مجلس النواب فأقره ~~أيضا وصدر به القانون رقم 37 لسنة 1951 في 10 مارس من تلك السنة، ~~ونشر في «الوقائع المصرية» عدد 17 مارس سنة 1951، وقد حمدت الله ~~على صيرورته قانونا نافذا من قوانين الدولة مع رجائي تعديله في ~~المستقبل بجعل الحظر شاملا المباني المعدة للسكن وأراضي ~~البناء. ~~(2) عندما تتشابه الأسماء # يشترك معي في اسم «عبد الرحمن الرافعي» بعض الأفراد الممتازين من ~~أقاربي، فمنهم عبد الرحمن أمين الرافعي بك وكيل محكمة استئناف مصر ~~الآن (1951)، والدكتور عبد الرحمن الرافعي مراقب الصحة المدرسية ~~بوزارة المعارف. # عندما تتشابه ~~الأسماء. # وقد سبب هذا ms160 التشابه في أسمائنا سلسلة من الحوادث الطريفة؛ ~~فكثيرا ما يحدث اللبس بيننا في المكالمات التليفونية وفي الخطابات ~~الخاصة والعامة؛ ففي التليفون يسألني الكثيرون على اعتبار أني عبد ~~الرحمن بك الرافعي وكيل محكمة الاستئناف «والأفوكاتو العمومي ورئيس ~~النيابة من قبل»، أو على اعتبار أني الدكتور عبد الرحمن الرافعي، ~~فأجيبهم بلطف أن «النمرة غلط» وأني لست المقصود بالكلام وأرشدهم ~~عن مقصدهم، والخطابات قد ترد لنا خطأ فيعيدها كل منا إلى ~~المقصود بالخطاب. وقد حدث في سنة لا أذكرها أن قرأ صاحب قضية هامة ~~في الصحف نبأ تعيين «عبد الرحمن الرافعي بك» رئيسا لنيابة مصر، ~~فانزعج لهذا الخبر، وكنت وكيله في هذه القضية، وكانت في آخر ~~مراحلها، وظن أنه سيتعذر علي أن أترافع فيها في اليوم الموعود ~~بعد تعييني رئيسا للنيابة، وراح يبدي دهشته ويقول: كيف يقبل ~~الرافعي أن يكون رئيسا للنيابة وهو الذي اعتذر عن منصب الوزارة؟! ~~وهرول إلى مكتبي يسأل عن الخبر ليطمئن على قضيته، فرآني على مكتبي، ~~واطمأن بعد أن فهم أن رئيس النيابة هو ابن عمي. # وكثيرا ما ألبي نداء التليفون، فإذا بالمتكلم يستنجد بي ~~لإسعاف مريض أو لإنقاذ سيدة مشرفة على الوضع، فأفهمه أني لست ~~الدكتور بل المحامي، وأرشده إلى رقم تليفون الدكتور عبد الرحمن ~~الرافعي. # وأذكر ذات مرة أن الدكتور احتفل بزواج كريمته ونشر نبأ الزواج في ~~الصحف، وإذا بي أتلقى رسائل وبرقيات التهاني، وعلى الرغم من أن ~~اسمه ذكر مسبوقا بكلمة «دكتور» إلا أن الذين هنئوني لم يترددوا ~~في الأمر؛ إذ ظنوا أني أنا المقصود وأني لا بد أن أكون دكتورا في ~~القانون! وكان في مقدمة الرسائل خطاب من المغفور له الأمير عمر ~~طوسون، وقد رأيت أنه ليس من اللائق أن أكتفي بإحالة خطابه إلى ~~الدكتور الرافعي، فكتبت لسموه خطابا رقيقا شكرته فيه بالنيابة ~~عن قريبي الدكتور، وأرسل إليه الدكتور من ناحيته خطاب شكر آخر على ~~تهنئته. # | عندما دخلت الوزارة # سنة 1949 # كنت أصطاف في الإسكندرية سنة 1949 حينما استقالت وزارة إبراهيم عبد ~~الهادي باشا يوم ms161 25 يوليو، وقد عهد جلالة الملك إلى حسين سري باشا ~~تأليف الوزارة الجديدة، وهي وزارة ائتلافية تمثل الوفد والسعديين ~~والأحرار الدستوريين والحزب الوطني والمستقلين. ودعاني سري باشا إلى ~~الاشتراك في هذه الوزارة، وإذ كان لا يعرف المنزل الذي أصطاف فيه (رقم ~~143 بشارع الأميرة فوزية بسيدي بشر) فقد عهد إلى أحد ضباط حرس الوزارة ~~أن يستقل سيارة حكومية ليبلغني رغبته في مقابلته بدار الوزارة ~~ببولكلي، فجاء الضابط إلى المنزل حوالي الظهر يوم 26 يوليو وسأل عني، ~~فقيل له إني أتريض على الكورنيش وإني أعود بعد ساعة. فقال إن الأمر ~~مستعجل فأرجو أن تعرفوني في أي جهة من الكورنيش يتريض «وليحضر معي ~~خادم ليعرفني به.» فاصطحبه أحد الخدم في السيارة وذهب معه إلى ~~الكورنيش، وما هي إلا بضع دقائق حتى رأياني عائدا إلى المنزل، فوقفت ~~السيارة ونزل الضابط والخادم. وحياني الضابط وأبلغني رغبة سري باشا ~~في أن أقابله الآن، وبعد أن عدت إلى المنزل ذهبت معه إلى دار الوزارة، ~~ووجدت هناك جمعا من الصحفيين فقابلوني متهللين وقالوا لي: مبروك! ~~فقلت: على إيه؟ فقالوا: مبروك الوزارة! وكنا في آخر أيام رمضان (وقفة ~~العيد)، فقلت لهم: غدا العيد فمبروك العيد! ثم دلفت إلى مكتب رئيس ~~الوزارة وقابلت سري باشا، وبعد تبادل التحية قال لي: هل تكون ثقيلا ~~هذه المرة أيضا؟ فقلت: أنا لست ثقيلا ولم أكن ثقيلا في المرة ~~الماضية، إشارة إلى اعتذاري عن دخولي وزارته الأولى سنة 1940. ~~واستوضحته برنامج الوزارة فأفهمني أنها وزارة قومية تعمل على توحيد ~~الصفوف وائتلاف الأحزاب وإجراء انتخابات حرة، ألا توافق على ذلك؟ قلت: ~~بل أغتبط به وأؤيده، ولكن ما هو موقف الوزارة تجاه معاهدة سنة 1936؟ ~~فقال: إني أعتبرها غير قائمة لأن البلاد أعلنت ذلك، وإن وزارتي مع أنها ~~وزارة انتقال فإنها متمسكة بالجلاء ووحدة وادي النيل. فقلت: على بركة ~~الله أقبل، وسألته في تلطف: وكم يكون للحزب الوطني من مقاعد في ~~الوزارة؟ قال: مقعدان، وهذا تمييز مني للحزب الوطني فقد كان له في ~~الوزارة السابقة وزيران في ms162 حين كان للأحرار الدستوريين ستة وزراء، ~~وكذلك للسعديين، والآن سيكون له وزيران في حين أن لكل من الوفد ~~والأحرار الدستوريين والسعديين أربعة وزراء؛ أي إن نسبة الحزب قد ~~ارتفعت في وزارتي. فشكرته على حديثه وعلى ثقته بشخصي ورجوت له التوفيق ~~في مهمته، واستغرقت المقابلة نحو عشرين دقيقة، وانصرفت. فتلقاني ~~الصحفيون بالأسئلة والاستيضاحات وعبارات «مبروك»، فتخلصت من زحمة ~~الأسئلة بقولي: إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مشاورة. فقالوا: نريد أن ~~نقول مبروك يا معالي الوزير، فأعدت عليهم قولي: مبروك على العيد لأن ~~غدا يوم العيد. فقالوا: بل نقصد الوزارة. # عدت إلى منزلي وأخبرت زوجتي بما حدث. فقالت: وهل قبلت الوزارة؟ قلت: ~~نعم. قالت: ولكنك رفضتها فيما مضى. قلت: إن الظروف تغيرت؛ لأن برنامج ~~الوزارة الجديدة لا يتعارض مع مبادئنا، ومع ذلك فإن الأمر لا يزال في ~~دور المشاورة، فماذا ترين؟ قالت: إني أرى ما تراه فلتقبل على بركة ~~الله. فارتاحت نفسي لهذا الجواب، ولم أخبر أحدا بالأمر. ومن حسن الحظ ~~لم يكن بالمنزل الذي أصطاف فيه تليفون فتخلصت بذلك من الأسئلة ~~والأجوبة، إلى أن كانت الساعة العاشرة مساء وإذا بطرق شديد على ~~الباب، ففتحنا ووجدنا ضابطا آخر غير الذي جاء ظهرا يصحبه أحد ~~أقربائي، وكان الضابط قد ظل يبحث عن منزلي ليلا أكثر من ساعة وهو لا ~~يهتدي إليه، إلى أن دله الناس على رافعي آخر هو الأستاذ جلال ~~الرافعي، فطلب إليه في لهفة أن يصحبه إلى منزلي، فجاء معه وهنأني ~~الاثنان بالوزارة، ورجاني الضابط أن أسرع في ارتداء ملابسي لحلف ~~اليمين أمام جلالة الملك، فقلت له: ولكن ليس عندي هنا ردنجوت. فأجابني: ~~لا لزوم لها، والتعليمات أن يحضر أصحاب المعالي الوزراء بأي ملابس ~~رسمية أو غير رسمية لأداء اليمين الليلة، فذهبت مع الضابط في سيارة ~~الحكومة إلى دار الوزارة متأخرين ووجدنا أن الوزراء قد سبقونا إلى ~~سراي رأس التين فلحقنا بهم وهناك أقسمنا اليمين بين يدي جلالة ~~الملك. # توليت وزارة التموين، وبدأت في فترة العيد أصرف بعض شئون الوزارة ms163 ~~المستعجلة. # وقد قوبل دخولي الوزارة بارتياح عام، على أن صديقي محمد محمود جلال ~~بك والأستاذ محمود العمري لم يوافقاني على الاشتراك في الوزارة، وأرسل ~~لي جلال بك خطابا رقيقا من جنيف يطلب مني فيه الاستقالة من الوزارة، ~~وطلب مني ذلك أيضا الأستاذ محمود العمري، ونظريتهما أن الاشتراك في ~~الوزارة أيا كان برنامجها يتعارض مع سياسة الحزب الوطني، ولم يقنعاني ~~برأيهما ولا أقنعتهما برأيي. أما نظريتي فهي أن الأمر مرجعه إلى برنامج ~~الوزارة وسياستها، ورأيت في نظريتهما تشددا لم أقره، وأنا بطبعي ~~أميل إلى الاعتدال وأراه أقرب إلى نشر الدعوة الوطنية واجتذاب الأنصار ~~إليها، ومع اختلافي وإياهما في الرأي فقد حفظت لهما خالص الود ~~والتقدير. ويطيب لي في هذه المناسبة أن أنوه بفضل الأستاذ محمود ~~العمري؛ فهو من الوطنيين الملهمين المغمورين في زحمة البلبلة والهرجلة ~~التي يعيش فيها المجتمع، وقد اعتدت أن أشاوره في المسائل الهامة التي ~~تحدثت فيها بمجلس الشيوخ وأفيد من أفكاره وآرائه ونظراته فيها، كبطلان ~~المعاهدة، والتضخم النقدي، والأرصدة الإسترلينية، والمعاهدات ومواثيق ~~الضمان، والميزانية، والمسائل الاجتماعية، وما إلى ذلك. ~~(1) مشاهداتي في الوزارة # تعلمت من الوزارة أشياء وحقائق كثيرة كنت في حاجة إلى تعرفها، ~~حقا إني كنت أشعر ببعضها من قبل، ولكن الوزارة زادتني معرفة بها ~~وعرفتني بغيرها. # لاحظت بعد دخولي الوزارة أن احترام الناس حتى أقاربي قد زاد على ~~ما كان عليه أضعافا مضاعفة. ولم ترضني هذه الظاهرة؛ فإنها دلتني ~~على قلة تقدير الناس للجهاد البعيد عن مظاهر الحكم بالنسبة إلى ~~تقديرهم للجاه والمناصب، وقلة التقدير للخدمات التي تؤدى للبلاد ~~ما لم يكن صاحبها ذا مركز حكومي كبير، ومعنى هذه الظاهرة أيضا أني ~~لم أكن محترما الاحترام الكافي قبل دخولي الوزارة، وهذا ما لم ~~أرضه لنفسي ولا للناس. # ويدخل في هذا السياق أني لم أهنأ في حياتي على عمل بقدر ما ~~هنئت على دخولي الوزارة، مع أن دخول الوزارة في ذاته ليس عملا بل ~~هو ابتداء لعمل. فإذا كانت التهنئة مقصودا منها الشكر على عمل ~~نافع فلينتظر المهنئون ms164 حتى يعمل الوزير عملا نافعا للبلاد ~~فيهنئونه عليه. ولكن الحال هنا على عكس ذلك؛ إن التهنئة هي على ~~الوزارة في ذاتها؛ أي على تقلد المنصب، أو بعبارة أخرى على كرسي ~~الوزارة. وإني لواثق أنه إذا عمل الوزير عملا يستحق التهنئة ~~فقلما يهنأ عليه التهنئة الكافية، وأغلب الظن أن يمر ولا ~~يلتفت إليه أحد. # تلقيت بعد أن دخلت الوزارة نحو ستمائة تهنئة برقية وبريدية، عدا ~~التهاني الشخصية وهي تعد بالمئات؛ أي إني تلقيت نيفا وألف ~~تهنئة. وقد كنت أتساءل في خاصة نفسي: ليت شعري ألم يسبق لي عمل في ~~حياتي الوطنية يستحق مثل هذه التهاني أو نصفها أو ربعها أو واحدا ~~في المائة منها؟ إني مع شكري العميق لمن هنئوني وتقديري لشعورهم ~~النبيل كان لي أن أسأل نفسي هذا السؤال فلا أجد جوابا ~~عليه. ~~(2) عملي في الوزارة # توليت بدخولي الوزارة أول منصب حكومي في حياتي. وكان بعض الناس ~~يظنون أني لعدم خبرتي بالروتين الحكومي سأرتبك أو أعجز عن الاضطلاع ~~بأعباء وزارة هي في ذاتها من أعقد الوزارات ومن أكثرها مسئوليات ~~(وزارة التموين). ولكني والحمد لله وجدت في الأسبوع الأول من ~~توليتي شئونها أني أفهمها وأديرها إدارة خبرة ودراية، وأن ~~الاستقامة في إدارة شئون أي وزارة مع الكفاءة حتى المتوسطة هي ~~الكفيلة بإصلاح الأداة الحكومية وجعلها أقرب إلى تحقيق مرافق ~~البلاد ومصالح الجمهور. # أيقنت في الأشهر التي قضيتها بالوزارة أن استقامة الوزراء هي ~~أساس الإصلاح؛ فالوزير المستقيم يشيع روح الاستقامة في نفوس ~~موظفيه كبارا وصغارا، ومن السهل على الوزير المستقيم حتى إذا لم ~~يكن فنيا أن يستعين بآراء الفنيين في الوزارة. وإني أعتقد أن ~~المستوى الفني لموظفي الوزارات عندنا هو مستوى حسن وممتاز ويمكن ~~الاعتماد عليهم في النهوض بمرافق البلاد. ولكن على الوزير أن يكون، ~~إلى جانب استقامته، غيورا على العمل رقيبا على الموظفين، يكافئ ~~المحسن الأمين ويجازي المسيء والمقصر منهم، وأن يكون دءوبا على ~~الدرس والبحث وعلى جانب من الذكاء ويكفي أن يكون متوسط الفهم، ~~وبذلك كله يفهم شئون وزارته ويديرها ms165 بنجاح وتوفيق. # بعد أن توليت الوزارة بعدة أيام ولمناسبة ذهابي إلى دار ~~الوزارة بالقاهرة جمعت رؤساء المراقبات والإدارات وبعض كبار موظفي ~~الوزارة وألقيت فيهم كلمة كانت وحي اللحظة. قلت لهم فيما قلت: ~~«لقد دخلت الوزارة لأول مرة وأنا لا أملك إلا سمعتي وماضي ~~الطويل، وقد جعلت سمعتي وتاريخي وديعة في أيديكم، فأنتظر منكم أن ~~تحافظوا على هذه الوديعة.» فكان لهذه الكلمة العابرة أثر عميق في ~~نفوسهم ولاحظت هذا الأثر باديا على وجوههم. # ومن الحق أن أقول إني، في الفترة التي توليت فيها هذه الوزارة، ~~وجدت كبار موظفيها ومتوسطيهم وصغارهم قد عاونوني بصدق وإخلاص، ~~وحافظوا فعلا على الوديعة التي ائتمنتهم عليها. وكانوا يرون مني ~~أني في عملي لا أريد إلا الحق ورعاية مصالح الجمهور، ولا أريد ~~لنفسي مغنما، لا في الحاضر ولا في المستقبل. وكنت ألمح من طريقة ~~عرضهم لشئون الوزارة وطريقة إبداء آرائهم في المسائل التي تستدعيها ~~هذه الشئون أنهم يتوخون تلبية رغبتي في الوصول إلى الحق. وكانوا ~~يرون من مناقشتي لهم أني أدرس مذكراتهم وآراءهم بروح الفحص ~~والتدقيق، وأني رغم ميلي إلى الطيبة لا أتساهل في كل ما له علاقة ~~بالصالح العام. فكان هذا حافزا لهم إلى توخي هذا الصالح. ومن ~~الحق أن أقول أيضا إن أحدا منهم لم يحاول أن يدخل الغفلة ~~علي. # لم أدخل الحزبية ولا الميول الشخصية في أعمالي ولا في معاملتي ~~للموظفين، بل كنت أنظر إليهم جميعا بعين العدل والمساواة؛ فمن كان ~~له حق يناله، ومن لم يكن له حق لا أعطيه ما ليس له حق فيه. قد أكون ~~أخطأت في التقدير، كالقاضي الذي يجوز عليه الخطأ في بعض أحكامه. ~~ولكن ما دام الحق هو رائد الإنسان فإن هذا يكفي لاستقامة الأمور ~~التي يضطلع بها. وبهذه الروح كنت أنظر إلى ذوي المصالح وطلاب ~~الحاجات، كنت أنظر في طلباتهم كما لو كنت قاضيا يقضي في دعاوى ~~الناس ويعطي كل ذي حق حقه. وكثيرا ما كان يحضر لي أشخاص لهم ~~طلبات في الوزارة ويصطحبون صديقا أو قريبا ms166 لي أو يحضرون توصيات ~~منهم، فكنت لا أعير هذه التوصيات التفاتا ولا أعطي شخصا إلا ما ~~أعتقد أنه حقه. # لم أعين أحدا من أقاربي أو أصهاري في الوزارة ولم أعط أحدا ~~منهم درجة استثنائية. # لم أغير أو أبدل في موظفي مكتب الوزير بل أبقيتهم كما كانوا ~~في عهد الوزير السابق ولم أزد عليهم أحدا. وخوطبت في إجراء ما ~~أشاء من التغيير والتبديل أو الزيادة والنقص، فكنت أقول: ليبق كل ~~موظف في مكانه، إني أعتبر نفسي أبا ورئيسا لجميع الموظفين، وهم ~~في نظري سواء، فلا داعي للتغيير والتبديل. # وأحسبني لم أغير من طباعي بعد أن توليت الوزارة، لم أتعاظم على ~~الناس، وبقيت محتفظا بديمقراطيتي وشعبيتي. حقا أن منصب الوزير ~~محاط عندنا بمظاهر كثيرة من التفخيم والتعظيم. ولكن هذه المظاهر لم ~~تؤثر في نفسي ولم ألق إليها بالي، بل كنت أعرض عنها أحيانا. ~~دعك من التحيات والتعظيمات التي يلقاها الوزير في ذهابه إلى ~~الوزارة أو خروجه منها، فهذه مسائل مألوفة ولا بد من قبولها. ولكني ~~لم أستطع أن أهضم الطريقة التي يقابل بها الوزير في محطة العاصمة ~~أو الإسكندرية عند انتقاله من إحداهما إلى الأخرى؛ فقد كان يحيط بي ~~ضابط أو ضابطان وثلة من الجنود يتقدمهم جندي ممتاز (لعله شاويش) ~~يفسح الطريق لي على رصيف المحطة. لم أقبل هذا الوضع بالذات وطلبت ~~من الضابط أن يأمر الجندي بالتنحي عن السير أمامي، فنفذ ما طلبت، ~~وكان الطلب وإجابته يتكرران كل مرة. ولم أكن أحجز ديوانا خاصا ~~لسفري بل كنت أكتفي بمقعد في عربة تكييف الهواء. وعندما كنت ~~بالإسكندرية لم أغير عادتي من التريض سيرا على قدمي في طريق ~~الكورنيش بعد غروب الشمس إلا في الأيام التي كنت أضطر إلى العودة ~~للوزارة مساء. وكان الجندي المرافق لي من حرس الوزارة يطلب مني ~~بإلحاح أن يرافقني في نزهتي ولو بعيدا عني؛ لأن التعليمات تقضي ~~عليه بذلك، فكنت آمره بألا يرافقني لا من قرب ولا من بعد. وفي ~~بعض الأحيان - ترويحا للنفس وتحررا من مظاهر الفخفخة ms167 الوزارية - ~~كنت أركب ترام الرمل في بعض تنقلاتي وأصرف سيارة الوزارة، وكان ~~يلمحني بعض معارفي وأصدقائي راكبا الترام فيدهشون لهذا المنظر: ~~منظر وزير يركب الترام! وشاهدني مرة في هذه الحالة أحد مراسلي ~~«الكتلة» فاعتقد أن في الجو أزمة وزارية وأن الوزارة وشيكة ~~السقوط وأبرق إلى صحيفته بذلك لأنه لم يتصور أن وزيرا يركب ~~الترام، إلا إذا كان على أهبة الاستقالة. # وكان جيراني في المصيف يلاحظون أني أعود إلى منزلي بعد رياضتي ~~سيرا على قدمي، ويلاحظون على وجه العموم أني لم أتغير عما كنت ~~عليه قبل دخولي الوزارة، بالرغم من مظاهر العناية والرعاية ~~الحكومية التي أحاطت منزلي، كالكشك وحرس الوزارة وما إلى ذلك. وقد ~~أقامت بلدية الإسكندرية عمودا من النور أضاء الرحبة التي أمام ~~المنزل وكانت من قبل مظلمة، وأصلح عمالها الرحبة نفسها وسووا ~~أرضها وأزالوا منها أكوام الطوب والحجارة التي كانت منتثرة فيها، ~~فحمد الجيران هذه الصدفة التي جعلت جارهم وزيرا، وبدا منهم نحوي ~~شعور من الانعطاف والتقدير إذ رأوني لم أفارق تواضعي. # كنت أهتم بشكاوى الجمهور وأتولى فحصها وتحقيقها بواسطة ~~الموظفين المختصين، ولا أكتفي بإحالتها على المراقبات المختصة بل ~~أؤشر عليها بنفسي بوجوب تحقيقها وعرض نتيجة التحقيق علي لأبدي ~~فيها القرار الأخير. وكانت إشاراتي المكتوبة كلها بخطي تشعر ~~الموظفين المختصين بأني رقيب عليهم، وكنت أسأل فعلا بين حين وآخر ~~عن نتيجة تأشيراتي على هذه الشكاوى. وساعدني على ذلك أني كنت ~~أدون في مذكرة خاصة (أجندة) أهم الشكاوى وأنتظر الوقت المناسب ~~فأسأل عما تم فيها، وإذا تأخر تحقيقها كنت آمر بكتابة استعجال ~~عنها، فأدرك الموظفون أن عين الوزير ساهرة ترقبهم، وهذا وحده يساعد ~~على استقامة الأمور. # وكنت آخذ معي يوميا عند انصرافي من الوزارة محفظة تحوي ~~المذكرات والتقارير المهمة التي يطلب فيها قرار من الوزير وأدرسها ~~بمنزلي ليلا أو في الصباح الباكر وأكون فيها الرأي الصحيح ~~وأستدعي في الوزارة الموظفين المختصين وأناقشهم في تفصيلات هذه ~~المذكرات فيعرفون أني درستها دراسة دقيقة، ثم أصدر القرار الذي ~~أعتقد أنه يطابق العدل والصالح ms168 العام بحضورهم دون إرجاء أو تسويف ~~أو وضع للملفات في الأرشيف، وكنت أميل إلى سرعة البت في الأمور ~~التي يستدعيها عمل الوزارة، فأتولى دراستها بنفسي بعد أخذ رأي ~~اللجان أو الموظفين المختصين، وكثيرا ما كنت أستعجل دراستها لكيلا ~~يتأخر البت فيها. # إن وزارة التموين موضع احتكاك وتضارب في المصالح والاتجاهات بين ~~المنتجين والمستهلكين، وخاصة بين الجمهور وطبقة التجار والشركات ~~والرأسماليين، فكنت أيضا أفصل في خلافاتهم بروح العدل ~~والإنصاف. # وكانت نزعتي - وستبقى دائما - شعبية لا رأسمالية، فكنت أميل إلى ~~إنصاف الطبقات الشعبية وأقف في صفهم ضد بعض الرأسماليين، ومن هنا ~~صادفتني متاعب وعقبات تغلبت على كثير منها ولم يعمل برأيي في ~~بعضها. # وقد نسبت إلي بعض الصحف - بإيعاز من بعض كبار الرأسماليين - ~~أني تنقصني الكفاءة الفنية في شئون التموين، وأن بعض الوزراء شكا ~~إلى رئيس الوزارة هذا النقص. وقد ابتسمت حينما قرأت هذه النبذة؛ ~~فأي كفاءة يقصدها هؤلاء السادة؟ إني في المحاماة أستطيع أن أناقش ~~آراء الفنيين في الطب والهندسة والصناعة والملاحة والشئون المالية ~~وما إليها، وأن أوازن بين تقاريرهم وآرائهم التي يدلون بها أمام ~~المحاكم، وأن أتعرف وجه الحق والصواب فيما يقررون، فهل أعجز عن ~~فهم الآراء الفنية في شئون التموين وهي أسهل بكثير من الأمور ~~المعقدة التي تعرض في ساحات القضاء؟! # وقد اشتد الخلاف على الأخص بيني وبين شركة السكر؛ إذ كنت أراها ~~تعمل على إنقاص مقررات السكر للعائلات والأفراد والمصانع وتتباطأ ~~في شحن هذه المقررات في الوقت المناسب مما أدى إلى ارتفاع سعر ~~السكر في السوق السوداء، وجاءتني شكاوى كثيرة في هذا المعنى من ~~مختلف البلاد، فأصدرت التعليمات للشركة بأن تفي بالتزاماتها، ولكني ~~رأيت منها تلكؤا متعمدا في تنفيذها، فأصدرت قرارا وزاريا ~~(رقم 144 لسنة 1949) بتاريخ 29 سبتمبر سنة 1949 ألزمتها فيه بشحن ~~مقررات السكر الشهرية إلى جميع مناطق الاستهلاك طبقا لما تحدده ~~وزارة التموين وأن يتم شحن هذه المقررات في ميعاد لا يتجاوز الخامس ~~والعشرين من الشهر السابق للشهر المخصصة له، وحظرت عليها التصرف ~~في أي نوع ms169 من السكر الخام أو المكرر بغير ترخيص من الوزارة. ~~وألزمتها بإرسال بيان إلى الوزارة بالمركز الإحصائي للسكر الذي في ~~مخازنها، وأن ترسل في الأسبوع الأول من كل شهر بيانا برصيد السكر ~~المكرر الموجود في اليوم الأول من الشهر السابق بمصنع التكرير ~~بالحوامدية وبمخازن الشركة كل على حدة، وفرضت في القرار عقوبات ~~على عضو مجلس الإدارة المنتدب ومديري الشركة في حالة مخالفتهم ~~لأحكام هذا القرار. # وقد نشر القرار في الجريدة الرسمية في عدد غير اعتيادي صدر في ~~اليوم نفسه، فصار قانونا نافذا، ولاحظت أن توزيع السكر قد انتظم ~~بعد صدور هذا القرار وارتاح الجمهور من هذه الناحية. على أن عضو ~~مجلس الإدارة المنتدب قد ثار وشكاني إلى رئيس الوزارة، وكان يظن أن ~~صداقته لسري باشا تجعله فوق القانون، وفي الحق أن سري باشا قد ~~وقف من هذا الخلاف موقفا قويما وتركني أتصرف في حدود سلطتي، ولم ~~يتدخل في اختصاصي ولا وجه إلي أي اعتراض فيما اتخذت من ~~إجراءات. وقد أكبرت منه هذا المسلك الذي يدل على روح محمودة من ~~الاستقامة والنزاهة. # وفي ظني أني تغلبت على أزمة السكر بوقوفي هذا الموقف تجاه شركة ~~السكر ثم بمبادرتي باستيراد كميات كبيرة من السكر من الخارج لكفاية ~~الاستهلاك المحلي. وقد وافقتني لجنة التموين العليا على ما عرضته ~~عليها من استيراد خمسين ألف طن من السكر ورد بعضها أثناء وجودي ~~بالوزارة وورد البعض بعد خروجي منها. # وقامت في عهدي مشكلة أخرى وهي أسعار الأقمشة التي تنتجها شركات ~~الغزل والنسيج المصرية؛ فقد كانت تشكو من مزاحمة الوارد من الأقمشة ~~الأجنبية وتطلب زيادة الرسوم الجمركية على هذه الواردات حماية ~~للإنتاج المحلي . وقد وافقت ضمن من وافقوا من الوزراء على هذه ~~الحماية بزيادة التعريفة الجمركية على الأقمشة الواردة من الخارج، ~~ولكني اشترطت أن تتعهد الشركات بألا تزيد في المستقبل من أسعار ~~الأقمشة الشعبية التي تنتجها. وقد تعهدت بذلك، وأشير إلى هذا ~~التعهد في المذكرة التي أقرها مجلس الوزراء في 4 سبتمبر سنة ~~1949. على أن مندوبي هذه الشركات قد ms170 قابلوني في أواخر أكتوبر ~~وطلبوا مني الموافقة على زيادة هذه الأسعار زيادة تتناسب مع ~~ارتفاع أسعار القطن، فرفضت ذلك وذكرتهم بتعهدهم السابق، وبقيت ~~الأسعار كما هي. وأظن أن هذه الشركات وغيرها قد اغتبطت لخروجي من ~~الوزارة في 3 نوفمبر سنة 1949 حيث استقالت الوزارة الائتلافية؛ فقد ~~قرأت بعد أسبوعين في صحيفة «المقطم» بالعدد الصادر يوم 19 نوفمبر ~~خبرا تحت عنوان: «ارتفاع أسعار الأقمشة الشعبية بدون مبرر» جاء ~~فيه أن شركات الغزل والنسيج رفعت أسعار منتجاتها في الأسبوع ~~الماضي. وبعد أن ذكرت الصحيفة مقدار الزيادة في كل صنف من هذه ~~المنتجات، أضافت إلى ذلك قولها: وقد علمنا بعد كتابة ما تقدم أن ~~هذه المصانع قد أعلنت صباح أمس (18 نوفمبر سنة 1949) أسعارا جديدة ~~تزيد على الأسعار التي أشرنا إليها بمقدار 5٪. # وتساءلت الصحيفة: «هل عند الحكومة أو المسئولين فيها علم بذلك، ~~وهل وافقت أو وافقوا على هذه الأسعار الجديدة التي سيتحملها ~~المستهلك فوق ما يتحمل من أعباء جسام؟ وهل هذا يتفق وتصريحات ~~المسئولين كل صباح ومساء عن مكافحة الغلاء وخفض الأسعار؟» # وفي يقيني أني لم أكن متجنيا على الشركات الصناعية عامة في ~~منعها من زيادة أسعار منتجاتها؛ لأن هذه الزيادة لم يكن منشؤها ~~الموازنة بين التكاليف والأسعار كما تدعي بل الرغبة الملحة في ~~زيادة أرباحها. وقد أشرت إلى هذه الحقيقة في مناقشة سياسة حكومة ~~الوفد نحو الغلاء بمجلس الشيوخ؛ إذ قلت بجلسة 8 مايو سنة 1950 إن ~~شركات الغزل والنسيج لم تحترم تعهدها في سبتمبر سنة 1949 وإنها ~~رفعت أسعار منتجاتها من الأقمشة أكثر من 30 «ثلاثين» في المائة عما ~~كانت عليه في ذلك التاريخ. وقارنت بين أرباح هذه الشركات من واقع ~~تقاريرها عن سنة 1949 وبين أرباح شركات الغزل والنسيج في إنجلترا، ~~فوجدت أن متوسط أرباح هذه الشركات في تلك السنة بلغت 15٪ من رأس ~~مالها في حين أن أرباح شركات الغزل والنسيج في مصر في نفس هذه ~~السنة بلغت 37٪. وقلت إن من واجب الحكومة أن تحد من هذه الأرباح ~~لتكون في ms171 مستوى أرباح الشركات في بريطانيا، وأن القانون رقم 95 ~~لسنة 1949 الخاص بشئون التموين يخول الوزارة هذا الحق، ولكن وزير ~~التجارة والصناعة غنام باشا عارضني في هذا الرأي. ~~(3) روح الائتلاف # لم أجد في الوزارة الائتلافية ما كنت أنشده وأنتظره من إشاعة ~~روح الائتلاف بين أعضائها، بل رأيت تنافرا شديدا بين مختلف الكتل ~~الممثلة فيها. وقد أسفت لهذه الحالة وعددتها من نقائص حياتنا ~~السياسية. وطالما أفضيت لبعض زملائي في الوزارة أن يكبحوا جماح ~~الحزبية العنيفة وأن يبذلوا جهودهم في تدعيم الائتلاف لأنه تجربة ~~تشهدها البلاد بعد سنوات طويلة من التناحر والشقاق. وقلت لهم إن ~~الأمة قد اغتبطت بهذا الائتلاف اغتباطا كبيرا وأملت من ورائه ~~خيرا كثيرا وأنها ترقب في لهفة نجاح هذه التجربة، فإذا فشلت فإن ~~الأمة ستكون معذورة إذا تزعزعت ثقتها في الأحزاب وفي كفاءتها ~~وقدرتها بل وإخلاصها. وبالرغم من أني كنت أسمع تحبيذا لآرائي من ~~زملائي فإن تيارات الشقاق كانت تفعل فعلها في هدم الائتلاف، وساعد ~~على ذلك لهجة بعض الصحف؛ إذ كانت تعمل على خلق الأسباب والذرائع ~~لفضه. وكان الخلاف على أشده في تقسيم الدوائر الانتخابية وتوزيعها. ~~ويبدو لي مما كنت أشاهده أن الوزراء السعديين لم يعملوا على نقض ~~الائتلاف بل كانوا يسيرون في فلكه، وكذلك الوطنيون، وكذلك أيضا ~~شأن الوفديين في بداية عهد الوزارة. ورأيت الثورة على الائتلاف ~~تبدأ من معسكر الأحرار الدستوريين، والعجيب في هذا الصدد أن أغلبية ~~وزرائهم كانوا ميالين إلى بقاء الائتلاف ولكن الأقلية الصاخبة قد ~~تغلبت على الأغلبية الهادئة. # وكان يمكن لرئيس الوزارة أن يتغلب مع ذلك على تيارات الشقاق ~~ويعيد إلى الائتلاف كيانه؛ لأن عقبات جوهرية قد تخطتها الوزارة ~~واجتازتها بسلام، ولم يكن بقي سوى عدد قليل من الدوائر الانتخابية ~~اشتد عليها الخلاف بين الوزراء الوفديين والأحرار الدستوريين. وقد ~~وافقت اللجنة الوزارية الموكول إليها تقسيم الدوائر على تحكيم رئيس ~~الوزراء في أمر هذه الدوائر، ولكن لسبب لا أعرفه تنحى رئيس ~~الوزارة عن قبول هذا التحكيم، ولو أنه قبله لانتهى الخلاف على ~~الدوائر ms172 المعدودة التي كانت مثار الخلاف. ويبدو لي أن عاملا ~~جديدا ظهر في محيط الوزارة وعجل بسقوطها قبل أن تتم مهمتها، ~~وهو أن الوزراء الوفديين أخذوا يتنكرون للائتلاف ويعملون على إسقاط ~~الوزارة لتحل محلها وزارة محايدة، وتلك كانت أمنيتهم بل أنشودتهم ~~القديمة. # ولعمري ليست التشكيلات الوزارية هي جوهر الموضوع، وإنما أدعو ~~الله من كل قلبي أن تصفو نفوس المواطنين وتخف حدة ما بينهم من خلاف ~~وشقاق؛ لأن أمام البلاد من الأعباء ما يستدعي أن نواجهها بجبهة ~~متحدة، وأن وحدة الكلمة هي من أقوى الأسلحة في تحقيق أهدافنا ~~القومية. # | إخراجي من مجلس الشيوخ # أبريل سنة 1951 # في سنة 1950 وسنة 1951 وقفت من حكومة الوفد في مجلس الشيوخ موقفي من ~~كل وزارة، وهو تأييدها فيما تحسن ومعارضتها فيما تسيء، وهذه هي الخطة ~~التي رسمتها لنفسي في الحياة البرلمانية. ولكن هذا الموقف لم يرض ~~وزارة الوفد لأن الوفد لا يريد إلا الخضوع والإذعان. وقد نبهني إلى ذلك ~~بعض أصدقائي، ولفتوا نظري إلى أن مدة عضويتي بالمجلس تنتهي في مايو سنة ~~1951 وسأدخل الانتخاب في التجديد النصفي للمجلس؛ فمن الحكمة أن أكف عما ~~أسميه «المعارضة النزيهة»؛ لأن هذه المعارضة ستجلب لي المتاعب التي ~~لقيتها منذ سنة 1924 وربما أقصتني عن الحياة البرلمانية. ومع أن ~~النصيحة كانت من الوجهة العملية معقولة، لكني لا أدري لماذا لم أقتنع ~~بها، وكل ما تملكني أن النيابة في نظري رسالة لا حرفة، يجب أن يؤديها ~~عضو البرلمان بكل إخلاص ونزاهة؛ ألم نقسم اليمين المرة تلو المرة ~~علنا في البرلمان أن نؤدي أعمالنا بالذمة والصدق؟ # وإذ كانت مساوئ وزارة الوفد في سنة 1950 و1951 قد فاقت كل مساوئ له ~~في أي عهد مضى، فلم يكن في استطاعتي أن أسكت عن معارضة سياسة الوفد في الحكم، # 1 # ومع ذلك فإن معارضتي كانت غاية في الاعتدال وضبط النفس، ~~لكن هذا المسلك قد أثار علي غضب الوفد وزعامة الوفد، تماما كما حدث ~~لي سنة 1925 و1926 و1936، فلما حل موعد التجديد النصفي رشح ms173 الوفد ضدي ~~في دائرة الشيوخ محمد عبد الرحيم سماحة، وكان عضوا بمجلس ~~النواب. # وقد فهمت من ملابسات هذا الترشيح أن المقصود منه إقصائي عن المجلس؛ ~~لأنه إذا كان الغرض منه هو الاستفادة من مواهب منافسي؛ فإن في مجلس ~~النواب متسعا لها، ومع هذه الملابسات فقد خضت معركة الانتخاب، وكان ~~ذلك في أبريل سنة 1951. ولو تركت حكومة الوفد الانتخاب حرا لما كان ~~هناك شك - فيما أعتقد - في نجاحي؛ لأن الوعي القومي قد تنبه بحيث ~~يمكن للناخبين لو تركوا أحرارا أن يختاروا الأصلح لعضوية المجلس. ~~وكان الواجب على الوفد وقد ظفر بالأغلبية في مجلسي البرلمان أن يحترم ~~حرية الانتخاب في الدوائر التي خلت في عهده. ولكن الحكم المطلق - وهو ~~شعار الوفد - يولد في النفوس نزعة التمادي في الاستبداد والطغيان ~~ومحاربة الحرية أينما وجدت. وبرغم أن الأحزاب المعارضة، توقعا لهذه ~~النتيجة، قد أضربت عن دخول انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ سنة ~~1951، ولم يبق إلا ثلاث عشرة دائرة جرت فيها الانتخابات - ومنها ~~دائرتي - فإن وزارة الوفد قد أتت فيها من صنوف الضغط وضروب الإرهاب ~~والتزييف ما لم يحدث مثله في عهد أي وزارة أخرى. وتولى فؤاد سراج ~~الدين وزير الداخلية وقتئذ الإشراف على هذه العملية الإجرامية، ففاز ~~مرشحو الحكومة في جميع هذه الدوائر ولم ينجح أحد من المعارضين أو ~~المستقلين فيها. وتبين من المقارنة بين الماضي والحاضر أن إسماعيل ~~صدقي كان أرحم من فؤاد سراج الدين في التدخل في الانتخابات وأخف ~~وطأة؛ فقد أجرى صدقي باشا انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ سنة ~~1946، فترك حوالي نصف الدوائر حرة لم تتدخل فيها الحكومة بأي وجه، ~~وتدخل تدخلا هينا في نصف الدوائر الأخرى. أما فؤاد سراج الدين فقد ~~أبى إلا أن يعصف بحرية الانتخابات في كل الدوائر، وسخر قوات الشر ~~والإجرام لإنجاح مرشحي الحكومة فيها جميعا. # ولم أتأثر كثيرا هذه المرة مما فعله الوفد معي في الانتخاب، ويظهر ~~لي أن هذا يرجع إلى اعتيادي محاربة الوفد لي سنة 1924 و1925 و1926 ~~و1936، وإلى أني لم أخسر المعركة ms174 بمقدار ما خسرها الوفد معنويا ~~ووطنيا. ولم أشأ أن أكتب شيئا عن أساليب وزارة الوفد معي في ~~الانتخاب، ولكني رأيت جريدة «البلاغ» وهي من صحف الوفد تأخذ من سكوتي ~~دليلا على ما زعمته من حرية الانتخابات، فلم أر بدا من أن أذكر بعض ~~الحقائق الوجيزة وبعثت بها إلى صحيفة البلاغ فنشرتها في العدد الصادر ~~بتاريخ 9 مايو سنة 1951. ويطيب لي أن أنشر هذا المقال فإن فيه صورة ~~مصغرة لما جرى في عهد الوزارة التي أسمت نفسها وزارة الشعب. قلت: # حضرة الأستاذ المحترم رئيس تحرير «البلاغ» الأغر # أقحمتم اسمي مرتين فيما كتبتموه عن انتخابات الشيوخ الأخيرة، ~~وذلك في عددي 5 و6 مايو، وفي العدد الأخير بالذات جعلتم عنوان ~~المقال: «نحن نقدم الشواهد على حرية الانتخابات»، وذكرتم عني ~~أني قدمت شكوى حققت بمعرفة مفتش الداخلية وأني قلت في محضر ~~التحقيق أني مطمئن إلى حياد رجال الإدارة. # ولولا أن إقحام اسمي في هذا السياق قد يفهم منه أني موافق ~~على أن هذه الانتخابات جرت في حياد وحرية لآثرت السكوت عن ~~الخوض في شأنها؛ لأني أستنكف أن أقف موقف الشاكي من أي ضيم ~~وقع بي. أما وفي مقالكم تعريض بي فلا يسعني إلا أن أعقب عليه ~~بأن ما جرى في دائرة فارسكور هو التدخل الإداري السافر المبني ~~على الضغط والإرهاب وكل صنوف التزييف. # لقد شكوت إلى معالي وزير الداخلية قبل موعد الانتخاب بنحو ~~شهر تدخل مأمور المركز وجمعه العمد والتنبيه عليهم بمساعدة ~~مرشح الحكومة وتهديدهم بما حدث لزملاء لهم من العمد من الفصل ~~والإيقاف عقب انتخابات يناير سنة 1950. فأكد لي معالي الوزير ~~بأن الانتخابات هذه المرة ستجرى في حياد وحرية تامين، وكلم ~~مأمور مركز فارسكور بالتليفون بحضوري منبها عليه بالتزام ~~الحياد. ولم ينكر المأمور الواقعة التي شكوت منها، وانتدب ~~الوزير مفتش الداخلية بالدقهلية لتحقيق هذه الشكوى. وكان ~~المراد من التحقيق أن أذكر أسماء من أبلغوني ذلك التهديد، ~~ولكني وجدت من الحكمة ألا أذكر أسماءهم حتى لا يتعرضوا هم ~~أيضا للأذى والتنكيل واكتفيت بما تضمنته ms175 برقيتي التي ~~أرسلتها إلى الوزير، وقلت في محضر التحقيق بأني لا أتردد عن ~~الشكوى كلما حدث تدخل من الإدارة. # ولا أذيع سرا إذا قلت لكم إني شكوت لسعادة مدير الدقهلية ~~«فؤاد عثمان» مشافهة وبالتليفون في كل يوم تدخل الإدارة ~~عشرات المرات، وكان يعدني كل مرة بأنه سيوقف هذا التدخل دون ~~أن أجد نتيجة لهذه الوعود. وأما إعطاؤه إجازة لمأمور مركز ~~المنصورة «قريب مرشح الحكومة» عقب شكواي من تدخله؛ فقد ~~تبين لي أن المقصود من هذه الإجازة هو إفساح المجال لحضرته ~~ليمر باستمرار ليلا ونهارا مع قريبه في معظم بلاد الدائرة ~~والتنبيه على العمد والمشايخ بأن الحكومة يهمها نجاح مرشحها. ~~ومما فعله هذا المأمور أنه في اليوم السابق للانتخاب حصل من ~~المديرية على أسماء المندوبين الذين اخترتهم عني في جميع لجان ~~الانتخاب، رغم سرية هذه البيانات، وتسنى له ولرجال الإدارة ~~بهذه الوسيلة معرفة أسمائهم جميعا وتهديدهم شخصيا وتشريدهم ~~لكيلا يحضروا عملية الانتخاب. وقد وصلوا فعلا إلى هذا الغرض؛ ~~ومن الأمثلة على ذلك أنه في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف ~~ليلة الانتخاب دق جرس التليفون في منزل صهري بالمنصورة، وإذا ~~بالمتكلم أحد مندوبي في لجنة كفر العرب من بلاد مركز فارسكور ~~يحدثني من دمياط ويخبرني في لهجة من الهلع والفزع أن عمدة كفر ~~العرب وخفراءها نبهوا عليه وعلى الوكيل الذي اخترته في هذه ~~اللجنة بأن الإدارة تأمرهما بمغادرة البلدة وتهددهما بالحبس ~~إذا لم يغادراها واضطرهما العمدة والخفراء تحت تأثير هذا ~~التهديد إلى مغادرة البلدة ليلا إلى دمياط. وتبين لي في ~~الصباح أن معظم مندوبي في اللجان منعوا بهذه الطريقة من ~~حضور عملية الانتخاب، وخلت معظم اللجان من وجود ممثلين لي؛ ~~مما سهل مأمورية رجال الإدارة في تسويد تذاكر ~~الانتخاب. # ومن أمثلة التدخل أن الإدارة في ليلة الانتخاب حققت مع بعض ~~العمد بدعوى مساعدتي في الدعاية الانتخابية في الوقت الذي ~~أوحت إلى معظم العمد بإقامة حفلات في بلادهم لتأييد مرشح ~~الحكومة. # وأن مندوب مرشح الحكومة أمر ضابط البوليس في صبيحة يوم ~~الانتخاب بالقبض ms176 على محام من أنصاري فنفذ الضابط الأمر، ~~واستمر المحامي محبوسا من الساعة التاسعة صباحا حتى الرابعة ~~والنصف مساء؛ أي طيلة يوم الانتخاب تقريبا؛ مما ترتب عليه ~~تشتيت أنصاري من الناخبين وإلقاء الفزع في نفوسهم. # وفي يوم الانتخاب لم تكن تمر عشر دقائق إلا وتبلغني أنباء ~~التهديد الواقع على الناخبين في جميع اللجان واحتشاد جنود ~~البوليس والخفراء والضباط والعمد وتهديدهم الناخبين لانتخاب ~~مرشح الحكومة. وكنت أبلغ المدير هذه الشكاوى تليفونيا، وكان ~~الجواب في كل مرة أنه سيتخذ الإجراءات الكفيلة بمنع التدخل، ~~وأخيرا رأيت من العبث أن أبلغه الشكاوى لكثرتها ولعلمي أن لا ~~جدوى ولا فائدة منها. # وإنني أذكر سعادة المدير في هذا السياق بما قاله لي ~~شخصيا قبل الانتخاب بأسبوعين من أنه قد أبلغ وزارة الداخلية ~~بما عرفه من تحرياته في بلاد الدائرة، وهو أنه إذا استمرت ~~الحالة طبيعية والإدارة على الحياد فإن أمل مرشح الوفد في ~~النجاح مفقود. # فإذا كان هذا هو رأي المدير في نتيجة الانتخاب قبل موعده ~~بأسبوعين، فبماذا يمكن أن نفسر النتيجة التي ظهرت سوى أنها ~~الأثر المباشر للتدخل الإداري السافر؟ # وقد فاتني أن أذكر في هذا المقال تعاون رجال خفر السواحل مع رجال ~~الإدارة في إسقاطي؛ فإن بعض بلاد الدائرة كعزبة البرج وغيط النصارى تقع ~~في مناطق خفر السواحل فتبارى رجالها الرسميون من ضباط وجنود مع رجال ~~الإدارة في الضغط على الناخبين، ونالوا بغيتهم وثناء رؤسائهم! # | مذهبي السياسي # ليس الجلاء ووحدة وادي النيل هو وحده مذهبي السياسي، بل أراه لا يكفي ~~إلا إذا كان له سند من مذهب جوهري آخر، هو الأساس لكل المذاهب الصالحة، ~~وهو الاستقامة السياسية؛ فهي في نظري الأصل والمذاهب الصالحة متفرعة ~~عنها. # إن من طبيعة المجتمعات الحرة المتقدمة أن تتعدد فيها المذاهب ~~والبرامج السياسية، فلا يمكن لمجتمع حر أن يتألف منه حزب واحد إلا إذا ~~سادته روح الدكتاتورية التي لا تحتمل حرية الرأي في السياسة ~~والاجتماع. # ولست أرى في اختلاف المذاهب السياسية غضاضة على المشتغلين بشئون ~~البلاد العامة، ولا أرى ضررا من ms177 تعدد الأحزاب وتعدد المذاهب في ~~السياسة. ولكن هناك مبدأ يجب أن يكون أساس قيام الأحزاب وتعدد مناهجها ~~وبرامجها ودعامة كفاحنا السياسي، وهو الاستقامة السياسية؛ فالاستقامة ~~السياسية هي خير مذاهب السياسة، وهي الوسيلة الفعلية لإفادة البلاد من ~~المشتغلين بالسياسة أحزابا وجماعات وأفرادا. # الاستقامة السياسية هي التزام المشتغل بالسياسة جادة الصدق والنزاهة ~~والخلق القويم في حياته العامة وفي حياته الخاصة أيضا، لا أقول هذا ~~مبالغة مني في هذا المذهب السياسي، بل لأني أرى الاستقامة السياسية ~~غالبا ما تكون نتيجة للاستقامة الاجتماعية والشخصية. # كثيرون من الناس يظنون أن الحياة السياسية لا تتفق والاستقامة، ويرون ~~أن الذي ينشد الاستقامة يحسن به أن يبتعد عن السياسة؛ لأن السياسة في ~~نظرهم كذب وخداع ونفاق ورياء وتسابق على اقتناص المنافع الشخصية، وهذا ~~وهم سرى إلينا من التواء السياسة عندنا؛ فعلينا أن نحارب هذا الوهم ~~لأنه ولا شك من أسباب تأخر الحياة السياسية وتأخر المجتمع تبعا ~~لذلك. # الاستقامة هي أساس السياسة الناجحة، وأقصد بالسياسة هنا السياسة ~~الداخلية؛ أي علاقات الناس بعضهم ببعض في الشئون العامة. # أما السياسة الخارجية فالاستقامة فيها موضع نظر وخلاف. قد تكون ~~الاستقامة السياسية غير مرغوب فيها في السياسة الخارجية؛ أي في علاقات ~~الدول بعضها ببعض؛ فالكذب، والخداع، والغصب، والعدوان، ونقض العهود ~~والمواثيق، لا تزال مع الأسف من وسائل النجاح في السياسة الخارجية. ومع ~~ذلك فإن محبي السلام والإنسانية في العالم يدعون إلى الاستقامة في ~~السياسة الدولية؛ أي في علاقات الدول والأمم بعضها ببعض، ويدعون إلى ~~المساواة بينها، واحترام حقوق كل دولة في الحرية والاستقلال، ويستنكرون ~~سياسة الغش والغصب والإكراه ويرون فيها مصدر الكوارث التي تصيب ~~الإنسانية. حقا إن هذه الدعوة لم تستجب إلى الآن ولا يزال أمام ~~الإنسانية زمن طويل حتى تستجاب وتعم الدول جميعا. # وعلى أي حال فإذا كانت الاستقامة مشكوكا في صلاحيتها في السياسة ~~الخارجية، فهذا القول ليس صحيحا قطعا في الحياة السياسية الداخلية، ~~بل يجب لكي تنهض البلاد وتتخلص من نقائصها أن يتذرع الساسة والقوامون ~~على شئونها العامة بالاستقامة والنزاهة؛ فالحياة ms178 السياسية، والحياة ~~الحزبية، والحياة البرلمانية، والحياة الصحفية، يجب أن تسودها روح ~~الاستقامة لكي تكون حياة ناجحة منتجة خيرا للمجتمع. # ولا يظنن أحد أن البلاد تفيد من حياة عامة تتنكب سبيل الاستقامة؛ قد ~~يتقدم المرء في المجتمع بغير الاستقامة، ولكن هذا التقدم يكون على حساب ~~مصالح الوطن العليا، وليس هذا هو السبيل لتقدم المجتمع. # فعلينا أن نتذرع بالاستقامة في حياتنا السياسية، وأن نقيم بناءها ~~على هذا الأساس؛ فإنه الكفيل بتحقيق أهداف البلاد في السياسة والاقتصاد ~~والاجتماع. يجب أن يكون قوام الأحزاب والجماعات إيمان أعضائها بمبادئ ~~معينة يقتنعون بها ويعتقدون صلاحيتها للنهوض بالبلاد، ويسيرون عليها ~~ويخدمونها، وينفذونها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. أما قيام الحياة ~~السياسية على أساس العبارات الجوفاء والكلمات البراقة المطاطة، ~~والروابط الشخصية، والسعي وراء المصالح الذاتية؛ فإن هذا يؤدي لا محالة ~~إلى تراجع الحياة العامة ويعرقل تقدم الأمة وإصلاح شئونها. # وعلى من يشتغل بالسياسة سواء تحت لواء الأحزاب أو مستقلا - على أن ~~يكون هذا الاستقلال استقلالا حقيقيا - أن تكون له مبادئ عامة ~~يعتنقها ويعمل على تحقيقها ويصدر عنها في أعماله وتصرفاته، لا أن يكون ~~هدفه الوحيد أن ينال لنفسه مركزا ممتازا في المجتمع فحسب. # إن من أسباب تأخر الحياة السياسية اتخاذ المشتغلين بها انضمامهم إلى ~~الأحزاب وسيلة لإدراك المراكز الممتازة فحسب؛ فإن هذا الهدف يصرفهم عن ~~السعي للنهوض بالبلاد عامة. ولعل هذا يفسر لنا تلك الظاهرة التي تبدو ~~أحيانا عندنا، وهي سرعة تنقل بعض المشتغلين بالسياسة من حزب إلى ~~آخر؛ فكثرة هذا التنقل لا تدل على إيمان عميق بالمبادئ السياسية، ولا ~~على تقدير للاستقامة، بل تدل على الرغبة في الوجاهة؛ أي أن يكون المرء ~~وجيها في المجتمع، وليس هذا هو الهدف القويم للحياة السياسية ~~المستقيمة. # إذا عمت روح الاستقامة والنزاهة محيطنا السياسي أفادت كثيرا في ~~تقدم البلاد وارتقاء الروح العامة للمواطنين، وعلى الأحزاب أن تحرص ~~على سلامة هذه الروح فإنها عدة الأمة وعتادها في نهوضها مواجهتها ~~للحوادث والأحداث، وعلى الأحزاب أيضا أن تكون لها مذاهب وبرامج ~~معينة واضحة المعالم ms179 تعمل على تنفيذها سواء كانت في الحكم أو في ~~المعارضة، عليها أن تحترم برامجها وتحترم وعودها للناخبين لكي تكتمل ~~ثقة الأمة بأحزابها وجماعاتها والقائمين على شئونها؛ فالثقة المتبادلة ~~بين الأحزاب والأمة، وبين الحكام والمحكومين، هي من العوامل الفعالة في ~~تقوية جبهة البلاد ومقاومة عوامل الضعف والفساد. # إن الاستقامة والنزاهة هي المذهب السياسي الأول لمن يريدون أن يخدموا ~~البلاد عن طريق الاشتغال بالسياسة، وهي السبيل إلى إصلاح ما فسد من ~~شئون الحكم وإلى جعل الأداة الحكومية أداة إنتاج وتقدم ومناعة وذود ~~عن حقوق البلاد وكيانها. الاستقامة هي أساس كل صلاح وفلاح، وقد جمع ~~فيها رسول الله أطراف الإسلام كافة؛ إذ سأله سفيان بن عبد الله الثقفي ~~أن يقول له في الإسلام قولا لا يسأل عنه أحدا غيره، فأجابه رسول الله ~~صلوات الله عليه بهذا الجواب الجامع المانع الحكيم: «قل آمنت بالله ثم ~~استقم.» # | اعترافاتي1 # إن «الاعترافات» بمعناها اللغوي ومعناها القانوني تنصرف إلى المآخذ ~~والنقائص، فاعتراف الإنسان لغة هو إقراره بالشيء على نفسه، والاعتراف ~~قانونا هو الإقرار بالدين أو بالتهمة، وفي القرآن الكريم: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~؛ فالذي ~~يكتب عن اعترافاته إنما يتكلم عن نقائصه وعيوبه، وعليه أن يحصي على ~~نفسه السيئات، دون الحسنات، وبغير ذلك لا يكون موضوع حديثه ~~«اعترافات». # بهذا المعنى أكتب عن «اعترافاتي»، وليس الحديث عنها عسيرا؛ فما أكثر ~~ما في حياة المرء من نقائص وعيوب وأخطاء ومآخذ! وحسب الإنسان أن ~~تربى حسناته على سيئاته، وأن ترجح في الميزان مزاياه على ~~نقائصه. # إني أعترف بأن بي نقائص كثيرة، سعيت جهدي ولا أزال أسعى في أن أتحرر ~~منها وأخفف من وطأتها. ~~(1) الحياء ضعف # وأول ما أعترف به على نفسي أني شديد الحياء، لازمني هذا النقص ~~منذ صباي ولم يفارقني في أدوار حياتي. # إني أعتقد أن الحياء ضعف في الإنسان، ومهما قيل في مدحه فإني ~~أراه على العكس مجلبة للضرر، ووسيلة إلى الزلل، وقد شعرت بأنه ~~أضرني فعلا وضيع علي حقوقا ومصالح ومزايا كثيرة، وسعيت ~~جادا في أن أتحرر منه، ولكن ذهب ms180 مسعاي سدى. # لست أدري مصدر هذا الضعف ولا كيف تمكن مني، ولعله من العناصر ~~الأصلية في تكويني، ومع شعوري بأني لست ضعيف الإرادة فقد ضعفت ~~إرادتي عن علاج هذا النقص. # أنا لا أحب الحياء ولا أريده، ولكن ما حيلتي وقد ركب هذا النقص ~~في طبعي؟ وكل ما سعيت إليه ألا يتحول الحياء عندي جبنا، ولعلي ~~قد نجحت في هذا المجال؛ فإني والحمد لله لست جبانا، بل عندي قسط ~~لا بأس به من الشجاعة، ولا أريد أن أقول كيف نجحت في هذا المسعى ~~وإلى أي مدى نجحت؛ لأني إذا استطردت إلى هذا الحديث خرجت من دائرة ~~«الاعترافات» ... ~~(2) الحياء والحب # وما دمت في صدد «اعترافاتي» فإني أقر على نفسي بأني تورطت ~~مرة في الحب عن طريق الحياء، كان ذلك في باكورة الشباب، وأنا ~~بطبعي مرهف الحس، وهذا باب ينفذ منه الحب في يسر وسهولة، ولقد ~~أحببت حبا عاطفيا روحانيا، ولكني أدركت مع الأيام أن الحب ~~أمر متعب لا لزوم له ولا فائدة منه، فتخلصت منه، وكان للحياء دخل ~~في نهايته، كما كان له أثره في بدايته. وتعلمت من هذه التجربة أن ~~من الخير للإنسان أن ينشد الحب العائلي؛ أي الحب بين الزوجين، ~~الحب الهادئ المعتدل المتصل؛ فإنه من أركان السعادة في هذه ~~الحياة. ~~(3) المرونة والعناد # إني لا أملك المرونة الكافية التي يقتضيها الانسجام في المجتمع، ~~أنا مهذب ومؤدب في أحاديثي مع الناس وفي معاملتي لهم كبارا ~~وصغارا، والناس - فيما أظن - يشهدون لي بذلك. ولكني أعترف بأني ~~لست مرنا كما ينبغي، والمرونة في نظري واجبة، وعندي جانب منها، ~~ولكني أعتقد أنه ضئيل، وقد سعيت في أن أستزيد منه فلم أبلغ ما ~~أريد، ولعل السبب في ذلك أن بي عيبا آخر لا يتفق مع المرونة، وهو ~~العناد، ولا أعرف من أين جاءني هذا العيب. # أرى الناس أحيانا يكونون في الشرق وأنا أكون في الغرب، أليس هذا ~~عنادا؟ وعبثا حاولت أن أعالجه فلم أستطع، وتساءلت لكي أقنع نفسي ~~بالإقلاع عنه: كيف يتفق الحياء مع العناد؟ ms181 فلم أجد جوابا مقنعا، ~~إلا أن كليهما عيب، ولكن لا سبيل إلى التخلص منهما. # على أن العناد لم يبلغ بي مبلغ التنطع والسخف، بل إني لأعذر نفسي ~~أحيانا في عنادي لأني إنما أعاند فيما أعتقد اعتقادا راسخا بعد ~~دراسة عميقة بأني على حق فيه؛ فكيف أكذب نفسي وأصدق الناس؟! ثم ~~إني كثيرا ما أراهم يسيرون في بعض الشئون وراء أكاذيب ضخمة ~~اصطلحوا عليها دون بحث أو دراسة، فكيف أوافقهم على ذلك؟ وأراهم ~~يرجعون أحيانا عن آرائهم واتجاهاتهم؛ فما رأوه بالأمس أبيض يرونه ~~غدا أو بعد غد أسود، وما رأوه حراما يرونه اليوم حلالا، فهل ~~أدور معهم كل يوم أينما داروا؟ إن هذا ما لا أحتمله ولا أطيقه، ~~فليكن مسلكي عنادا، وليكن العناد عيبا، ولكنه عيب له «ظروفه ~~المخففة» كتعبير رجال القانون. ~~(4) الحفلات والمآدب # الحفلات والمآدب من الوسائل العملية ليكون الإنسان «اجتماعيا»، ~~ويتعرف إلى أكبر عدد من الناس، وتعلو بذلك منزلته الاجتماعية ~~والسياسية. ولكني أعترف بأني لا أميل كثيرا إلى حضور الحفلات ~~والمآدب، وأعتذر عن أكثرها، ولا أحضر إلا القليل منها، وهذا عيب ~~كبير. # إني بطبعي أميل إلى الاجتماعات، أما الحفلات والمآدب فيصدني عنها ~~أن الرسميات لها المقام الأول فيها؛ فأصحاب الرفعة والدولة ~~يقدمون على أصحاب المعالي، وأصحاب المعالي يقدمون على أصحاب ~~السعادة، والوزراء يقدمون على غير الوزراء، والباشوات يقدمون ~~على البكوات، والبكوات على الأفندية، وهلم جرا، وأصحاب الدعوات ~~يلاحظون هذا الترتيب بكل دقة ولهم عيون ورقباء يقومون على تنفيذه. ~~والصحافة أيضا تسير على هذا الغرار في وصف الحفلات وأسماء من ~~يحضرونها. وأنا شخصيا لا أقر هذه الأوضاع ولا أهضم توزيع مظاهر ~~الاحترام والحفاوة بهذا الميزان؛ ومن هنا أميل إلى الاعتذار عن ~~معظم هذه الحفلات والولائم، وهذا ولا شك نقص كبير سأعالجه مع الزمن ~~... ~~(5) حسن ظني بالناس # إني حسن الظن بالناس أكثر مما يجب، ويلزمني أن أتعلم المثل ~~القائل: «إن سوء الظن من أقوى الفطن»، لقد قرأته كثيرا ولكني لم ~~أعمل به ولم أتبعه. # أحسنت ظني بأناس كثيرين وخاب ظني فيهم. ms182 ومن الغريب حقا أني لا ~~أفيد من التجارب، فكان يجب علي أن أسيء الظن بالناس بعد ما رأيت ~~المرة بعد المرة من خيبة ظني في كثير منهم، ولكني مع ذلك أعود ~~فأحسن ظني بهم؛ أي أعود إلى ما كنت فيه ... فمتى - ليت شعري - ~~أتعلم؟ ~~(6) وبالحوادث ... # ومن عيوبي أني حسن الظن بالحوادث، وأني متفائل أكثر مما ينبغي، ~~وكثيرا ما تأتي النتائج على غير ما كنت أتوقع، ومع ذلك لا أتعلم ~~ولا أغير من نظري إلى الناس والحوادث. # أنا لا أتهم نفسي بالغباوة؛ فإني لست غبيا ولا بليد الذهن، فلا ~~أظلم نفسي وأدعي الغباوة، ولكن لماذا إذن لا أتعظ ولا أتعلم ~~إساءة الظن بالناس والحوادث؟! لعل لي عذرا في هذا العيب؛ فإني لو ~~رضت نفسي على أن أعرف العالم على حقيقته وأسأت ظني بالناس، لما ~~ترك لي اليأس مجالا للعمل، ولسد علي منافذ الأمل، أو لعل ~~الأيام والحوادث سواسية فيما تأتي به من خير أو شر، فلنقبلها على ~~علاتها، ولننظر إليها كما يقول فيها أبو تمام: # على أنها الأيام قد صرن كلها # عجائب حتى ليس فيها عجائب # وليكن الإنسان متغابيا أو متجاهلا، لكي يستطيع أن يبقى مكافحا ~~ومناضلا؛ فالحياة مرادفة للكفاح والنضال. ~~(7) الحقيقة والخيال # وأظهر عيوبي أني لست رجلا عمليا ولا واقعيا، وأني أقرب أن ~~أكون نظريا أو خياليا، وأني لا أريد أن أفهم الحياة على ~~حقيقتها. # أنا أعلم حق العلم أن الحقائق شيء والخيالات شيء آخر، وأشعر أنني ~~أعيش غالبا في جو من الخيال، ومع اعترافي بهذا؛ فإني أوثر ~~الخيال على الحقيقة أحيانا. قد يكون هذا مكابرة، أو غفلة، أو ما ~~إلى ذلك، لكني أود أن أبقى متعلقا بالخيال؛ فقد يكون الخيال خيرا ~~من الحقيقة، وقد يصبح حقيقة بعد حين، وقد تفيد الأمم من الخيال ~~أكثر مما تفيد من الأمر الواقع! # | نصائحي للشباب # وما عليهم من واجبات # إن آمالنا معقودة بقيام شباب الجيل بواجباتهم نحو أنفسهم ونحو ~~بلادهم؛ فالشباب عدة الوطن وذخيرته، ومن حقنا أن ننتظر منهم أن يؤدوا ~~واجباتهم على ms183 أكمل وجه. ولست أريد شططا فيما أذكره من واجبات الشباب، ~~ولا أبتغي إرهاقا لهم، بل إني أستملي في هذه الكلمة روح الاعتدال ~~والرفق بالشباب. # إن أول واجبات الشباب - فتيان وفتيات - هو واجب كل شاب نحو نفسه، ~~وإني لأبدأ بهذا الواجب عن عقيدة واقتناع، ولا يدهشن أحد؛ إذ أقدم ~~هذا الواجب على واجب الشباب نحو وطنه؛ فإن خير النصح ما كان مطابقا ~~لحقائق الأمور، والوطنية حقيقة واقعية لا خيال كما يدعون. # أنا لا أتملق الشباب إذا قلت إن أول واجب عليهم نحو المجتمع هو تكوين ~~أنفسهم ليكونوا مواطنين صالحين في المجتمع، فكلما كان الشاب ذا مركز ~~محترم وذا مكانة مستقلة، ولا يعيش عالة على غيره، استطاع أن يخدم بلاده ~~بأكثر مما لو كان يعتمد على غير نفسه في الحياة. # فنصيحتي إلى الشباب أن يكونوا لأنفسهم مراكز محترمة في المجتمع، ~~وأن يعتبروا واجبهم نحو أنفسهم هو الحجر الأساسي لما تطلبه البلاد ~~منهم، وأنهم بتكوينهم هذه المراكز يمهدون لأنفسهم سبيل العمل المنتج ~~والجهاد المثمر في سبيل إحياء البلاد ورقيها وعظمتها. # وواجب الشباب نحو أنفسهم يتضمن واجبهم نحو أسرهم وذويهم، ذلك لأنهم ~~ينتظرون منهم أن يكونوا عونا لهم في هذه الحياة؛ فالآباء عندما يبذلون ~~جهودهم لتربية أبنائهم يحق لهم أن ينتظروا منهم أن يكونوا عونا لهم في ~~مستقبل حياتهم، وأن هذا العون لمما يشرف الشاب ويرفع شأنه بين ~~الناس. # ثم تأتي في المرحلة الثانية واجبات الشباب نحو وطنه، ولا أقول إن هذه ~~الواجبات تأتي في الصف الثاني من الأهمية، بل على العكس فإن واجب ~~الشباب نحو وطنهم أعظم وأوسع مدى من واجبهم نحو أنفسهم. ذلك لأن ~~البلاد ما هي إلا عائلة كبيرة تتألف من مجموع عائلات المواطنين، فعندما ~~يؤدي الإنسان واجبه نحو نفسه عليه أن يؤدي واجباته نحو عائلته الكبرى ~~وهي الوطن. # وواجبات الشباب نحو وطنهم تتفرع إلى ثلاثة أقسام: واجبات سياسية، ~~وواجبات اقتصادية، وأخرى اجتماعية. ~~(1) الواجبات السياسية # والواجب السياسي هو أن يساهم الشاب بجهوده وبعلمه وبكفاءته ~~وبإخلاصه في النهوض بالبلاد من الناحية السياسية، ms184 وأول ما يجب على ~~الشباب هو أن تكون له عقيدة سياسية، أو بعبارة أوضح عقيدة وطنية؛ ~~لأن الذي يعمل بغير عقيدة قلما تفيد البلاد منه فائدة ما. # قد يقال إن هذا الكلام نظري، وإن البيئة والوسط والظروف وحالة ~~البلاد تدعو إلى عدم تقيد الإنسان بعقيدة سياسية، ولكني على ~~العكس أقول إنه يجب على الشباب ألا يعيش على هامش الحوادث ~~والأحزاب، بل يجب أن يكون له رأي وتكون له عقيدة يدافع عنها ويصدر ~~عنها في أعماله واتجاهاته. # على الشباب إذن أن يختار لنفسه الهيئة السياسية التي تتفق مع ~~عقيدته ولا يتحول عن هذه العقيدة. # إني أدعو الشباب أن يحيوا بالعقيدة الوطنية لأنها أساس التقدم ~~والكفاح، كما أنها الملاذ الأخير للإنسان إذا ما صادفته في حياته ~~عقبات أو صدمات أو نكران للجميل، والرجل الذي يخلو من العقيدة لا ~~يلبث أن يتخاذل ويتراجع وينتهي في آخر الأمر إلى اطراح ~~الجهاد. # إني أدعوهم إلى تنمية روح العقيدة الوطنية في نفوسهم وألا ~~يتعجلوا تقدير الناس لجهودهم، فأنا أعلم الناس بأن المواطن الذي ~~يعلق عمله على تقدير الناس لجهوده لا يلبث أن يصاب من المجتمع ~~بخيبة أمل قد تؤدي به إلى أن ينقلب على عقبيه، كما أن الوطنية ~~الحقة أساسها أن يؤدي الإنسان واجبه دون أن ينتظر من الناس جزاء ~~ولا شكورا. # إن الشباب وإن كان يجب عليهم أن يتمسكوا بعقيدتهم فليس من الخير ~~أن يسخطوا على الناس إذا كانوا لا يشاركونهم في عقائدهم، ولا أن ~~يحاسبوهم حسابا عسيرا إذا خالفوهم فيما يعتقدون. إن لهم أن ~~يتشددوا في عقائدهم، ولكن عليهم أن يكونوا أشداء على أنفسهم، رحماء ~~على الناس، فلعل ذلك أدعى لخدمة عقائدهم واجتذاب القلوب إليها، ~~وأقرب إلى اعتناق الناس مع الزمن لمبادئهم. # إننا في خلال أربعين عاما عندما كنا ننادي بالجلاء والملحقات لم ~~يكن نداؤنا يقابل في الجملة إلا بالتهكم والسخرية، لا من الأشخاص ~~العاديين فحسب، بل من الأشخاص ذوي المراكز الكبيرة والأسماء ~~الضخمة، ولقد كنت أرى دائما ألا نناصب من يخالفوننا في عقائدنا ms185 ~~العداء، بل كنت أدعو إلى التسامح معهم لعلهم يرجعون آخر الأمر إلى ~~مبادئنا، وأظنني كنت محقا في أن هذه الخطة أقرب إلى تعميم هذه ~~المبادئ، وأنها كسبت مع الزمن الأنصار والمؤيدين من طبقات الشعب ~~كافة، حتى أولئك الذين كانوا يجرحون مبادئنا ويعتبرونها خيالا في ~~خيال. # وأود أن أضيف نصيحة أخرى، وهي أن يعمل الشباب دائما على تأليف ~~القلوب لا على تفريقها؛ لأن تأليف القلوب وتوحيد الصفوف من أمضى ~~الأسلحة التي نعتمد عليها في كفاحنا. # فليكن الشباب رسل وئام ومحبة وسلام، لا دعاة فرقة وكراهية ~~وانقسام. # إن الشباب هم طليعة جيش الوطن، فعليهم أن يكونوا قدوته في ~~التماسك والتكتل، وبدون ذلك لا يستطيع الشباب أن يؤدوا ~~رسالتهم. # إن الإنسان مهما ضحى في سبيل الوحدة؛ فإن تضحيته لها قيمتها، وهي ~~جديرة بأن يشكر صاحبها عليها. ~~(2) الواجبات الاقتصادية # من الناس من يظن أن الحياة الوطنية هي السياسة، وهذا خطأ أربأ ~~بالشباب أن ينحدروا إليه؛ لأن الحياة القومية يجب أن تشمل الجانب ~~الاقتصادي والاجتماعي. فلا يمكن لأمة أن تحقق أهدافها إذا لم تهتم ~~بالناحية الاقتصادية فيها؛ فالنهضة الاقتصادية هي من الأسلحة التي ~~تتميز بها الأمم القوية عن الأمم الضعيفة، والأمة الغنية أقوى في ~~ميدان الكفاح السياسي من الأمة الفقيرة. # لقد لاحظنا كيف كان لعامل المال الأثر الفعال في نتائج الحرب ~~العالمية الأولى والثانية؛ فقد كتب النصر للأمم التي تفوقت على ~~أعدائها في ميدان المال؛ ولذلك قالوا إن النصر يكون لأقوى الأمم ~~وأكثرها مالا. # ولعل من الخير أن نلاحظ أن الحركة الوطنية قد اقترنت بالنهضة ~~الاقتصادية؛ فقد كان مصطفى كامل يعمل في الناحية السياسية، بينما ~~كان طلعت حرب وعمر لطفي يعملان في الناحية الاقتصادية، فكلتا ~~النهضتين إذن ضرورية للأخرى بل مكملة لها؛ ومن ثم كان من الواجب ~~علينا أن نتعاون على تشجيع كل ما هو مصري من الإنتاج؛ فالأمم ~~الأوروبية تؤثر إنتاجها الوطني على أي إنتاج آخر. # إني لا أقصد أن أدعو الشباب إلى التعصب، وإنما أقصد دعوتهم إلى ~~تشجيع الإنتاج المصري؛ لأن هذا من ms186 العوامل الكفيلة بالنهوض ~~الاقتصادي للبلاد. # كما أنني أدعوهم إلى المساهمة في المنظمات الاقتصادية التي تنهض ~~بالثروة القومية، وأدعوهم على الأخص إلى تشجيع المنظمات ~~التعاونية بحيث لا تخلو جمعية تعاونية من مساهمتهم فيها. ولا يصح ~~أن يحتج أحدهم بعدم وجود جمعية تعاونية ينضم إليها في بلده أو في ~~بيئته، بل يجب عليه في هذه الحالة أن يتعاون مع إخوانه على إنشاء ~~جمعيات تعاونية لا جمعية واحدة؛ ولذلك فإني أوجه اللوم إلى ~~الشباب المثقف الذي يعيش في القرى أو المدن ولا يعمل على إنشاء ~~الجمعيات التعاونية فيها. ~~(3) الواجبات الاجتماعية # لا شك أن المجتمع الراقي السليم أقوى على مواجهة الأزمات ~~السياسية العالمية من المجتمع المتأخر وأقدر منه على احتمال أعباء ~~الدفاع الوطني. ومما تجدر ملاحظته أن الجمعيات الرياضية في أوروبا ~~تساعد على تكوين المواطنين الصالحين والجنود المكافحين؛ فعلى ~~الشباب إذن أن يساهموا في نهضة البلاد الرياضية والصحية والتعاونية ~~والاجتماعية والخيرية. إن الجمعيات الرياضية الواسعة المدى في ~~أوروبا قد وضعت نصب عينيها تطبيق المثل القائل: «العقل السليم في ~~الجسم السليم»؛ ومن ثم كونت جيلا قويا رياضيا، هذا بينما ~~نحن في مصر نجد أن 80٪ من شباب الجامعة لا يصلحون للجندية لضعف ~~بنيتهم واعتلال صحتهم. # وعلى الشباب أن ينتظموا جماعات للعمل على الرقي الاجتماعي، وأن ~~يؤسسوا هذه المنظمات إن لم تكن موجودة. عليهم أن يكونوا دائما ~~دعاة للخير، عاملين على تخفيف آلام الإنسانية، مساهمين في الخدمات ~~الاجتماعية، ساعين في التخفيف عن الفقراء والمرضى والمعوزين وأن ~~يساهموا في نشر الثقافة بين مواطنيهم. فإذا اتجهوا إلى هذه الناحية ~~نمت في نفوسهم الروح الاجتماعية التي تجعل من الإنسان مواطنا ~~صالحا يحس بآلام مواطنيه فيعمل على التخفيف منها، ويشعر بشعورهم ~~فيعمل على إسعادهم، وفي هذا معنى التسامي في الوطنية. # وأرجو أن يكون الشباب رسل تطور، وألا يتخذوا العنف وسيلة لهم ~~في الكفاح. # وأود من الشباب ما داموا لا يزالون في معاهد التعليم على اختلاف ~~درجاتها ألا يساهموا في السياسة الحزبية؛ إذ ليس من مصلحتهم ولا ~~من مصلحة البلاد أن يساهموا ms187 في هذه السياسة. وعليهم إذا كانت لهم ~~ميول نحو هذا الحزب أو ذاك أن يرجئوا الجهر بهذه الميول وتحقيقها ~~حتى يتخرجوا من معاهد العلم؛ لأن هذه المعاهد يجب أن تصان عن أن ~~تكون مسرحا لخلافات الأحزاب وتطاحنها. # إن السياسة الوطنية هي وحدها السياسة التي لا يلام عليها الشباب ~~من الطلبة. ومن السهل على الشباب المثقف أن يفرقوا بين السياسة ~~الوطنية والسياسة الحزبية، وإن وحي الوطنية في نفوسهم لكفيل بأن ~~يلهمهم الفوارق بين السياستين. فعلى الطلبة أن يتعهدوا في نفوسهم ~~روح الوطنية، لا روح الحزبية، وأن ينموا هذه الروح ويحافظوا ~~عليها، حتى إذا تخرجوا من معاهدهم أمكنهم أن يستلهموا روح ~~الوطنية في حياتهم الشخصية وحياتهم العامة. لأننا إذا أمعنا ~~النظر في نقائص المجتمع في بلادنا وتعمقنا في دراسة علل هذه ~~النقائص وأسبابها نجد أن أول سبب لها هو ضعف الروح الوطنية في ~~نفوسنا. فإن هذا الضعف يميل بالمرء إلى أن يحيا حياة شخصية، لا ~~حياة قومية، وهذه الحالة النفسية لا تجعل منه مواطنا صالحا يؤدي ~~لبلاده ما يجب عليه من التزامات وواجبات، وأول هذه الالتزامات أن ~~يؤثر مصالحها العامة على أطماعه الشخصية. والروح الوطنية هي ~~كالأخلاق، لا تكتسب بعد تخرج الشباب من معاهدهم، بل يجب أن تنشأ ~~وتتكون في البيت، وفي المدرسة الابتدائية؛ فالثانوية، ثم في ~~الجامعة، وإذا لم تتكون في هذه المراحل فمتى - ليت شعري - ~~تتكون؟ # وصفوة القول أن على طلبة العلم أن يتعهدوا في نفوسهم روح الوطنية ~~وينموها ويقدسوها ويحرصوا عليها، ولكن ليس لهم أن يشتغلوا ~~بالسياسة العملية إلا بعد تخرجهم من معاهدهم، وعليهم أن يحترموا ~~النظام والقانون وأن يتخلقوا بالأخلاق القويمة. ~~(4) الأخلاق # الأخلاق! الأخلاق! هي أساس الوطنية وركنها الركين، هي سياجها ~~وحصنها الحصين، هي قوامها وغذاؤها الدائم. وإن أمة بلا أخلاق لا ~~تستطيع أن تحمل أعباء الوطنية أو تسير خطوة إلى الأمام. # فلنتعهد الأخلاق، وليبدأ كل منا بنفسه، كبارا وصغارا، شيبا ~~وشبانا. فإن الأخلاق والفضائل الوطنية لا تنمو ولا تقوى إلا إذا ~~كان أساس الدعوة إليها القدوة الصالحة. ms188 فليتعهد كل منا أخلاقه، ~~ويقوم المعوج منها، ويحصن السليم منها؛ فإنه بذلك يؤدي أعظم ~~خدمة للمجتمع، ويضع لبنة في صرح الاستقلال والإصلاح والنهضة ~~القومية. ms189