######OpenITI# #META# URI: 1386CabdRahmanRafici.ZacimThairAhmadCurabi.Hindawi27518393 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 27518393 #META# Title: الزعيم الثائر أحمد عرابي #META# AuthorID: 35064136 #META# Author: عبد الرحمن الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة‏ # نشأة الثائر وأسباب الثورة‏ # الثورة في مرحلتها الأولى‏ # عرابي الزعيم القومي‏ # ثورة عرابي في مرحلتها الثانية‏ # مذبحة الإسكندرية‏ # ميثاق النزاهة‏ # ضرب الإسكندرية‏ # الحرب بين عرابي والإنجليز‏ # كارثة الاحتلال‏ # محاكمة العرابيين‏ # الزعيم في المنفى‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # مقدمة‏ # نشأة الثائر وأسباب الثورة‏ # الثورة في مرحلتها الأولى‏ # عرابي الزعيم القومي‏ # ثورة عرابي في مرحلتها الثانية‏ # مذبحة الإسكندرية‏ # ميثاق النزاهة‏ # ضرب الإسكندرية‏ # الحرب بين عرابي والإنجليز‏ # كارثة الاحتلال‏ # محاكمة العرابيين‏ # الزعيم في المنفى‏ # | الزعيم الثائر أحمد عرابي # | الزعيم الثائر أحمد عرابي # تأليف # عبد الرحمن الرافعي # | مقدمة الطبعة الثالثة # نحمد الله إذ ها هو كتاب أحمد عرابي الزعيم الثائر في طبعته الثالثة كما خرج في طبعتيه ~~السابقتين تماما - والطبعة الأولى صادرها الملك السابق فاروق قبل ثورة 23 يوليو، ولاقى ~~والدنا المغفور له الأستاذ عبد الرحمن الرافعي متاعب جسيمة عندما أخرج هذا الكتاب في حينه - ~~وها هي دار الشعب تعيد طبعه بمناسبة ذكرى وفاة عرابي، إذ لاقى ربه يوم 21 سبتمبر سنة 1911 ~~عليه وعلى شهداء الوطنية رحمة الله ورضوانه. # كريمات المؤلف # عبد الرحمن الرافعي # سبتمبر سنة 1968 # | مقدمة # إن سيرة أحمد عرابي - زعيم الثورة العرابية - قد اختلف فيها الرواة والمؤرخون، ~~والكتاب والمؤلفون، بين قادح ومادح، وأنصار وخصوم، وقد عرضت لها في كتاب «الثورة ~~العرابية والاحتلال الإنجليزي»، ولكنها متناثرة بين فصوله وأبحاثه، فرأيت أن أضع كتابا ~~خاصا عن هذه السيرة، وهو الذي أقدمه اليوم. # 1 # والمنهج الذي اتبعته في الترجمة لعرابي هو أن أذكر ما له وما عليه؛ لأن تاريخه ليس كله ~~محاسن، ولا كله مآخذ، بل تجتمع فيه المحاسن والأضداد، وخير التراجم ما يتناول شخصية ~~المترجم من نواحيها المختلفة والمتباينة أحيانا. # تولى عرابي زعامة الجيش وزعامة الأمة في فترة من أهم فترات التاريخ المصري الحديث، فهو ~~جدير بأن يوفى حقه من الدراسة والتدوين. # أحمد عرابي باشا وزير الحربية. # وعندي أن لسيرته منذ تولى الزعامة مرحلتين، فالأولى هي المرحلة الموفقة في تاريخ الثورة ~~العرابية، إذ ظفرت فيها الأمة بالنظام الدستوري وتقرير ms001 حقوقها السياسية، وكان لعرابي ~~الفضل الأول في هذا الظفر القومي، وتبدأ المرحلة الثانية من تنحية شريف باشا عن رياسة ~~الوزارة في فبراير سنة 1882، فأخذت الثورة تتعثر في خطاها، ولو أن عرابي أبقى على وزارة ~~شريف باشا لكان من المرجح أن تستمر الثورة على صراطها المستقيم، وتتغلب على ما اعترضها من ~~العقبات والعراقيل، ولكن الجد العاثر سار بها في طريق محفوف بالأشواك والعثرات. # لقد تحريت الحقائق في تدوين هذه السيرة، بحيث أرجو أن تكون في جملتها صورة حية صادقة ~~للزعيم أحمد عرابي. # يناير سنة 1952 # | نشأة الثائر وأسباب الثورة # (1) العصر الذي ظهر فيه عرابي # نحن الآن في منتصف القرن التاسع عشر، وقد تولى سعيد باشا أريكة مصر سنة 1854، وظل ~~يتولاها إلى سنة 1863، وامتاز عهده بنهضة وطنية ترجع إلى شخصيته ونفسيته، فلقد كان يميل ~~بجوارحه إلى خير المصريين ورفاهيتهم، ويعمل على تحريرهم من نير المظالم التي كانوا ~~يعانونها، ويشجعهم على تقلد المناصب العالية في الجيش والإدارة بعد أن كان معظمها ~~وقفا على الترك والشراكسة. # في هذا العصر بدأت شخصية أحمد عرابي في الظهور، إذ نال رتبة ملازم في الجيش سنة 1858، ~~ومن يومئذ أخذ يرتقي في الرتب العسكرية. # فمن هو ذلك الضابط الذي بلغ مرتبة القيادة وعقد له الجيش بل عقدت له الأمة لواء ~~الزعامة سنة 1881؟ ~~(1-1) نشأته الأولى # ولد أحمد عرابي في 31 مارس سنة 1841 في «قرية رزنة» وهي إحدى قرى مديرية ~~الشرقية على مقربة من الزقازيق، وكان أبوه شيخ البلد، وهو من عائلة بدوية استوطنت ~~تلك القرية في عهد جد عرابي. ولما شب وترعرع، علمه أبوه مبادئ القراءة ~~والكتابة، وعهد إلى رجل يدعى ميخائيل غطاس - كان صرافا في البلد - تدريبه على ~~الكتابة والأعمال الحسابية، ومكث يتمرن على يديه نحو خمس سنوات، ثم أرسله والده ~~إلى الجامع الأزهر سنة 1849 لطلب العلم، فمكث فيه أربع سنوات أتم في خلالها ~~استظهار القرآن الكريم، وتلقى شيئا من اللغة والفقه والتفسير. # وبعد أن عاد إلى بلده، دون أن يتم دراسته في الأزهر، التحق بالعسكرية ms002 في 6 ~~ديسمبر سنة 1854 جنديا بسيطا «نفرا» تنفيذا لما قرره سعيد باشا من تجنيد ~~أولاد العمد والمشايخ، ولإجادته القراءة والكتابة والحساب عين كاتبا بدرجة ~~«بلوك أمين» بالأورطة الرابعة من آلاي المشاة الأول. # وفي سنة 1858 رقي إلى مرتبة الضباط، وذلك حين اعتزم سعيد باشا ترقية المصريين في ~~الجيش، فنال في تلك السنة رتبة ملازم من تحت السلاح، وهو بعد في السابعة عشرة، ثم ~~رتبة يوزباشي سنة 1859، ثم رتبة صاغ سنة 1859، ثم رتبة بكباشي سنة 1860، ثم صار ~~قائم مقام في سبتمبر سنة 1860. وقد حظي برضا سعيد باشا ورافقه في زيارته للمدينة ~~المنورة ياورا له سنة 1860، وكان لهذه الزيارة أثر كبير في نفسه إذ آنس من سعيد ~~عطفا كبيرا على طبقة الفلاحين، ثم بدا لسعيد أن ينقص عدد الجيش، فألغى بعض ~~الفرق وفصل ضباطها من الخدمة، ومنهم أحمد عرابي، ثم أمر بإعادتهم قبيل وفاته، ~~وعاد عرابي إلى سابق رتبته. # من هذا البيان يتضح أن ليس في نشأة عرابي شيء يستوقف النظر، بل هي نشأة عادية ~~لرجل عادي، لم يتميز في ماضيه بالبطولة ولم يخض غمار المعارك والحروب، كان ضابطا ~~من تحت السلاح، ونال مرتبة الضباط؛ لأن سعيد باشا وضع قاعدة إمكان ترقية الضباط من ~~بين أفراد الجند رغبة منه في إكثار عددهم. ولا غبار على هذه النشأة في شيء، وليس ~~ثمة ما يمنع صاحبها من أن يقوم بدور هام في حياة البلاد السياسية ~~والقومية. ~~(1-2) متى وكيف بدأت دعوته الوطنية؟ # يبدو من التأمل في حياة عرابي أن دعوته الوطنية قد بدأت تخالجه في عهد سعيد باشا، ~~فقد سمعه يلقي خطبة في «قصر النيل» مقر وزارة الحربية وقتئذ، قال فيها مخاطبا ~~الحاضرين من العلماء والرؤساء الروحانيين، وأفراد الأسرة الحاكمة وكبار رجال ~~الحكومة الملكيين والعسكريين: # أيها الإخوان ... إني نظرت في أحوال هذا الشعب المصري من حيث التاريخ، ~~فوجدته مظلوما مستعبدا لغيره من أمم الأرض، فقد توالت عليه دول ظالمة له ~~كثيرا ... # وحيث إني أعتبر نفسي مصريا، فوجب علي أن أربي أبناء هذا الشعب، ms003 وأهذبه ~~تهذيبا حتى أجعله صالحا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة، ويستغني بنفسه ~~عن الأجانب، وقد وطدت نفسي على إبراز هذا الرأي من الفكر إلى العمل. # يقول عرابي تعليقا على هذه الخطبة: إنه لما انتهى سعيد باشا من إلقائها خرج ~~المدعوون من الأمراء والعظماء غاضبين حنقين مدهوشين مما سمعوا، وأما المصريون ~~فخرجوا ووجوههم تتهلل فرحا واستبشارا، ويقول إنه اعتبر هذه الخطبة أول حجر في ~~أساس مبدأ «مصر للمصريين». # ولا شك أن خطبة سعيد باشا لم تصادف في نفس عرابي موضع الإقناع والغبطة إلا ~~لأن روحه كانت وطنية، فهي تقبل ما يوافق ميولها واتجاهاتها. # على أن دعوته الوطنية لم تنضج إلا في عهد الخديو إسماعيل، ذلك أنه حين خلف ~~سعيد باشا في ولاية الحكم، فقد عرابي عطف ولي الأمر الجديد، إذ لم يكن إسماعيل يأخذ ~~بسنة سلفه في العطف على الضباط الوطنيين، فعادت الحظوة في الجيش إلى الضباط ~~الشراكسة، فكان ذلك من أسباب تذمر عرابي، واتجاه أفكاره إلى المطالبة بحقوق الضباط ~~الوطنيين. # ووقع له حادث في أوائل عهد إسماعيل كان له أثر كبير في اتجاه أفكاره وتكوين دعوته ~~الوطنية، فقد وقعت خصومة بينه وبين اللواء خسرو باشا الشركسي أدت إلى تقديمه إلى ~~مجلس عسكري، والحكم عليه بالسجن واحدا وعشرين يوما، فاستأنف عرابي هذا الحكم أمام ~~المجلس العسكري الأعلى، فقضى بإلغاء الحكم الابتدائي. وحدث خلاف بسبب هذا الحكم بين ~~وزير الحربية وقتئذ إسماعيل سليم باشا ورئيس المجلس الأعلى؛ لأن الوزير كان يرغب ~~في تأييد الحكم الابتدائي، فسعى لدى الخديو إسماعيل في فصل عرابي من الجيش، فتم ~~له ما أراد، فأورثته هذه الحادثة بغضا شديدا للشراكسة. # ورفع ظلامته من هذا القرار إلى الخديو إسماعيل، وظلت بين النظر والإهمال ثلاث ~~سنوات، وقد توسط له بعض الخيرين فالتحق بوظيفة في دائرة الحلمية، وفي أثناء ~~قيامه بهذه الوظيفة تزوج من كريمة مرضعة الأمير إلهامي باشا، وهي أخت حرم الخديو ~~توفيق من الرضاعة، وتوصل بذلك إلى استصدار أمر من الخديو إسماعيل بالعفو عنه ~~وإعادته إلى الجيش برتبته ms004 العسكرية، ولكنه حرم مرتبه مدة فصله. فتأصلت في نفسه روح ~~الكراهية لرؤساء الجيش من الشراكسة والترك الذين كانوا سببا في تأخير ترقية ~~الضباط المصريين، ومنهم عرابي ذاته، فقد ظل تسعة عشر عاما برتبة قائم مقام، وهي ~~الرتبة التي نالها في عهد سعيد، وشهد عرابي محاباة الرؤساء لصغار الضباط الذين هم ~~من أصل شركسي، ممن هم دونه مرتبة، حتى فاتوه في الرتب العسكرية لا لسبب سوى أنهم ~~من مماليك أو أبناء مماليك العائلة الخديوية. # من ذلك الحين أخذ عرابي يبث في نفوس الضباط الوطنيين فكرة الاتحاد والمطالبة ~~بحقوقهم ورفع الحيف عنهم، وكان للباقته وفصاحته في الكلام واستناده إلى بعض ~~الأحاديث الشريفة النبوية والحكم المأثورة، تأثير كبير في نفوس الضباط اجتذبهم ~~إليه ومال بهم إلى تلبية ندائه والاستماع لنصائحه والاقتناع بدعوته، ذكر محمود فهمي ~~باشا أحد زعماء الثورة العرابية في هذا الصدد، أن عرابي دخل سنة 1875 أحد ~~الآلايات المرابطة بناحية رشيد، فأخذ من ذلك الوقت في تأليف قلوب الضباط الوطنيين ~~«أولاد العرب» - على حد تعبيره - وجمع كلمتهم على ولائه وإظهار الأسف لحرمانهم من ~~الترقيات في حين أن الضباط الترك والشراكسة مغمورون بها. # فيمكن اعتبار سنة 1875 بدء دعوة عرابي الوطنية، وكان ذلك في عهد الخديو ~~إسماعيل. # ولما تولى توفيق باشا مسند الخديوية رقى عرابي إلى رتبة أميرالاي في يونيو ~~سنة 1879، وأصدر الخديو أمره بذلك وهو في الإسكندرية، فتوجه عرابي إلى سراي رأس ~~التين وقدم للخديو شكره مقرونا بعبارات الإخلاص والولاء، فشمله الخديو برعايته، ~~وجعله ضمن ياورانه، وعينه أميرالاي لآلاي المشاة الرابع الذي كان مركزه بالقاهرة، ~~ويعرف بآلاي العباسية، وظل يشغل هذا المنصب حتى شبوب الثورة سنة 1881. ~~(1-3) أسباب الثورة # توصف ثورة عرابي بأنها ثورة عسكرية، وهذا صحيح لا مراء فيه، إذا لاحظنا أن ~~زعيمها والقائمين بها هم من ضباط الجيش، وأنها قامت وتحركت وفازت وقتا ما بقوة ~~الجيش، ثم انتهت بهزيمته. # ولكن مما لا ريب فيه كذلك أنها ليست ثورة عسكرية فحسب، بل هي أيضا ثورة قومية ~~اشتركت فيها طبقات الأمة ms005 كافة، وإذا أردنا أن نستقصي أسبابها وجدناها على نوعين: ~~أسباب خاصة مباشرة، وهي المرتبطة بطبقة الضباط والجند وموقفهم من الحكومة وموقف ~~الحكومة منهم. وأسباب عامة، وهي التي تتصل بحالة الشعب والعوامل التي دفعته إلى ~~مناصرة الثورة وتأييدها. وإذ كانت الأسباب الخاصة أقوى أثرا في ظهورها وتطورها، ~~فلنبدأ بالكلام عنها ... # الأسباب المباشرة # ترجع هذه الأسباب إلى تذمر الضباط الوطنيين من سوء معاملة رؤسائهم، وخاصة ~~عثمان رفقي وزير الحربية في عهد وزارة رياض باشا التي شبت الثورة في ~~عهدها. # كان عثمان رفقي قائدا شركسيا متعصبا لجنسه، يتحيز للضباط الذين هم من أصل ~~شركسي أو تركي أو أرناءودي، ويعمل على جمع زمام السلطة في أيديهم، ويؤثرهم في ~~الترقيات والتعيينات على الوطنيين الذين كان ينظر إليهم بعين الزراية ~~والبغض. # وكان عثمان رفقي من ناحية الكفاية جاهلا، قليل الإدراك والذكاء، عديم ~~المواهب، قليل النظر في العواقب، يمثل طبقة الرؤساء العسكريين المنحدرين من ~~سلالة الترك والشراكسة الذين كانت لهم رياسة الجيش في عهد إسماعيل وأوائل عهد ~~توفيق. ولم يكن الضباط الوطنيون يجدون منهم في الجملة إنصافا ولا مساواة ولا ~~معاملة حسنة، ولو أن إسماعيل درج على سنة سعيد في تشجيعه المصريين وترقيتهم ~~في المناصب العسكرية، لسادت روح المساواة في الجيش، ولما هيأ أمثال عثمان رفقي ~~السبيل إلى الفتنة. # ولا مراء في أن إسماعيل كان يميز الضباط والرؤساء الشراكسة والترك على ~~الوطنيين في المعاملة، برغم ما بدا منهم من العجز والجهل وعدم الكفاية، مما ظهر ~~أثره جليا في الهزائم التي حاقت بالجيش سنة 1875-1876 في حرب الحبشة. وعلى ما ~~كان لهذه الهزائم من أسوأ الأثر، فإن إسماعيل لم يحاسب أولئك القواد والضباط ~~على ما وقع منهم من الإهمال والتقصير، وقيل إنه اعتزم محاكمة راتب باشا قائد ~~هذه الحملة، ولكنه ما لبث أن رجع عن ذلك ... فقربه إليه وجعله من خاصة ~~بطانته. # وهذا يدلك على شديد ميله إلى تلك الفئة ... فكانت لها الحظوة لديه، ثم لدى ~~الخديو توفيق. ولو ظلت روح المساواة التي بثها سعيد في الجيش سائدة ms006 في عهد ~~إسماعيل وتوفيق لما قامت الثورة العرابية؛ لأن عرابي وصحبه لم يثوروا إلا ~~حين طفح الكيل من محاباة أمثال عثمان رفقي للترك والشراكسة واضطهادهم للضباط ~~الوطنيين، فعرابي وصحبه كانوا على حق في المرحلة الأولى من الثورة؛ لأن الطبيعة ~~البشرية مفطورة على كراهية الظلم والاضطهاد. ومن صفات النفس الإنسانية الثورة ~~على المظالم. ولم تكن المظالم التي يشكو منها الضباط الوطنيون مقصورة على ~~حرمانهم حقوقهم في الترقي، بل كانوا كذلك هدفا لأشد ضروب العنت والإرهاق، إذ ~~كان يكفي أن تلصق بأحد منهم تهمة ما، ولو لم تكن صحيحة، ليكون جزاؤه أن تنزع ~~منه درجته أو يقصى عن منصبه، أو ينفى إلى أقصى السودان، وتصبح حياته عرضة ~~للخطر لأوهى الأسباب. # فالثورة العرابية كانت ثورة دفاع عن الحق، ودفاع عن الحياة، وليس من ينكر ~~ما كان عليه معظم الرؤساء الشراكسة والترك والأرناءود من الغلظة والغطرسة، ~~والزهو والخيلاء، والزراية بالوطنيين ... فإن هذه النزعات كانت فاشية فيهم، لا في ~~مصر وحدها، بل في سائر بلاد السلطنة العثمانية القديمة، إذ كان العرب يعانون ~~سوء معاملة الترك لهم واضطهادهم إياهم، وكانت هذه المعاملة من أسباب قيام الفتن ~~والثورات في السلطنة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. # ومادمنا في صدد الأسباب المباشرة للثورة، فلا جدال في أن ظهور أحمد عرابي كان ~~في مقدمة هاتيك الأسباب، فهو الذي بث في نفوس الضباط روح التضامن والاتحاد ~~للمطالبة بحقوقهم المهضومة، وتقدم الصفوف لعرض مطالبهم جهارا على ولاة ~~الأمور، وكانت هذه المطالب فاتحة الثورة، فهذه الجرأة كان لها أثر كبير في ظهور ~~الثورة، ولو لم يظهر عرابي، ولم تكن له تلك الشخصية التي اجتذبت إليه صفوف ~~الضباط وبثت فيهم روح التضامن والإقدام، لكان محتملا ألا تظهر الثورة ~~العرابية، أو لظهرت في زمن آخر وفي ظروف وملابسات أخرى غير التي ظهرت ~~فيها. # وهناك سبب من الأسباب المباشرة، يرجع إلى شخصية الخديو توفيق، فقد كان من أخص ~~صفاته التردد والضعف، فلم يعالج الثورة في مهدها بالحزم والشدة، أو بالعدل ~~ورفع المظالم التي شكا منها ms007 الضباط، بل كان موقفه منها موقف التردد والتناقض، ~~لا يستقر على رأي واحد ولا على خطة واحدة ... بل كان يقابل حركة الضباط تارة ~~باللين وآونة بالشدة، ثم يجنح إلى التراخي والضعف، ثم إلى الشدة بعد الضعف. ~~ولم يكن صريحا في سياسته ولا في تصرفاته، وكان له عدا ذلك من ظروفه العائلية ~~ما يشجع عوامل التحريض على الثورة، فإن إسماعيل كان لا يفتأ يسعى في العودة إلى ~~الحكم، ولا يرضيه أن يستقر ابنه على العرش. # ومن هنا جاء الظن بأن لإسماعيل ضلعا في مؤامرة الضباط الشراكسة التي أججت ~~نار الخلاف بين الخديو والعرابيين، كما سنذكره في موضعه. وكذلك كان له من ~~الأمير محمد عبد الحليم بن محمد علي منافس قوي في التطلع إلى مسند الخديوية، ~~وكان وجود عبد الحليم في الآستانة - مهبط الفتن والدسائس - واتصاله برجال ~~المابين، عاملا قويا لتهيئة الأفكار لتوقيع خلع توفيق كما خلع أبوه من قبل. ~~هذا إلى أن الأمير عبد الحليم كان بحسب نظام الوراثة القديم أحق بالعرش من ~~توفيق؛ لأنه أكبر أفراد الأسرة الحاكمة سنا. # ولم يتبدل هذا النظام إلا في عهد إسماعيل إذ جعل العرش في ذريته - فرمان ~~27 مايو سنة 1866 - فكان توفيق أول من أفاد من النظام الجديد، ولم يكن قبل صدور ~~هذا الفرمان يتطلع إلى العرش، ولا كان معترفا له بالزعامة من أمراء آل بيته، ~~وبخاصة الأميرات، إذ كن ينعين على والدته أنها قينة من جواري إسماعيل. فهذا ~~المركز القلق من شأنه أن يحرض على الثورة، أضف إلى ذلك أن أعضاء وزارة رياض ~~باشا كانوا مختلفي الرأي والنزعات في مواجهة الثورة، فكان هذا الموقف وما ينطوي ~~عليه من الاضطراب والتنافس من العوامل التي أعانت على ظهور الثورة ~~ونجاحها. # وثمة أسباب عامة يشترك فيها الشعب بجميع طبقاته، منها أسباب سياسية، وأخرى ~~اقتصادية، وثالثة اجتماعية. # الأسباب السياسية # فالأسباب السياسية ترجع إلى تذمر المصريين عامة من سوء نظام الحكم القائم ~~ورغبتهم في التخلص منه، فقد كان قوام هذا النظام استبداد الحكم واضطهادهم ~~الأهلين. # لم يكن ms008 ثمة عدل ولا قانون، ولا قضاء ينتصف للمظلوم ويعطي كل ذي حق حقه، ولا ~~حرية، ولا مساواة، ولا ضمانات قانونية تكفل للناس حقوقهم وحياتهم، وكان الضرب ~~بالكرباج شائعا يتخذه الحكام وسيلة لتحصيل الأموال أو أداة للقسوة والتعذيب ... ~~حقا أن رياض باشا أمر بإبطاله، ولكن أوامره في هذا الصدد لم تنفذ تنفيذا ~~تاما، وبقي الكرباج في كثير من النواحي أداة للحكم. وكانت السخرة مضروبة ~~على البلاد، ولم تكن مقصورة على المنافع والأعمال العامة، بل كانت تستخدم ~~لاستصلاح أطيان ذوي السلطة والجاه من الحكام والأمراء، وكان النفي إلى أقاصي ~~السودان عقوبة يعانيها الكثيرون لمجرد الشبهة أو النكاية. ذكرت جريدة ~~«المونيتور إجبسيان» - الجريدة الرسمية الفرنسية للحكومة - أنه لما ألف شريف ~~باشا وزارته بعد قيام الثورة العرابية، تقدمت له عرائض كثيرة من المحكوم ~~عليهم بالنفي إلى السودان يطلبون رفع الظلم عنهم، وبلغ عددهم 912 منفيا، وهو ~~عدد كبير يدلك على كثرة المظالم التي كان الناس يعانونها قبل الثورة، وقد ~~تبين من تحقيق هذه الشكايات أن كثيرين من المنفيين كان يتقرر نفيهم لمجرد ~~محضر موقع عليه من بعض الأفراد، باتهام أي شخص بأنه خطر أو لمجرد خطاب من أية ~~سلطة محلية بهذا الاتهام. ولم تكن المظالم مقصورة على طبقة دون أخرى، بل كانت ~~عامة، يعانيها العامة والخاصة، ولم يكن ينجو من شرها إلا من كانت تشملهم ~~رعاية أولي الأمر، على أن هذه الرعاية لم تكن مضمونة البقاء، بل كثيرا ما ~~تنقلب غدرا لغير ما سبب سوى أهواء الطغاة وتقلباتهم. # فالمصريون كانوا إذن يتطلعون إلى التخلص من نظام الحكم القائم، وقد أدركت ~~الطبقة الممتازة من الأمة أن إصلاح هذا النظام إنما يكون بقيام الدستور وإنشاء ~~مجلس نيابي يوطد مبادئ العدل والحرية، ويتحقق فيه معنى الرقابة على الحكام، ~~ويحول دون ارتكاب المظالم ... فيأمن الناس على حقوقهم وعلى حياتهم. ومن هنا ~~اتحدت الطبقة المثقفة من الأمة مع الضباط الوطنيين في الشعور والميول، وأجمع ~~الكل على المطالبة بالمجلس النيابي. فالثورة العرابية كانت من هذه الوجهة ~~ثورة على المظالم، وثورة ms009 على الحكم الاستبدادي. # وليس يخفى أن البلاد عرفت شيئا من النظام الدستوري من قبل، إذ أنشئ مجلس ~~شورى النواب سنة 1866 على عهد إسماعيل. ولكنه كان مجلسا لا سلطة له، فلم يكن ~~له أي أثر في رفع المظالم عن الأهلين، وقد بدأت روح الحياة والمعارضة تظهر بين ~~أعضائه في أواخر عهد إسماعيل، وتطلعت أفكار الخاصة من النواب والأعيان إلى ~~إصلاح نظامه وتوسيع اختصاصه، وحقق شريف باشا هذه الآمال بوضع دستور على أحدث ~~المبادئ العصرية سنة 1879، ولكن الأزمة التي انتهت بخلع الخديو إسماعيل حالت ~~دون إصداره والعمل به. # وبينما كانت الطبقة المثقفة ترتقب إعلان الدستور على يد الخديو توفيق، إذا ~~بهم يرون شريف باشا يستقيل لمعارضة الخديو إياه في تشكيل مجلس النواب، وإصراره ~~على الحكم المطلق. ورأوا الخديو يؤلف وزارة برياسته، مما ينم عن ميوله ~~الاستبدادية، ثم يكلف رياض باشا تأليف وزارة كان من مبادئها الأساسية حكم ~~البلاد حكما مطلقا وحرمانها أي نظام دستوري ... حتى مجلس شورى النواب القديم ~~على ما كان عليه من ضعف السلطة، فقط ظل معطلا زهاء سنتين، طوال عهد وزارة رياض ~~باشا. ولم ينس الناس ما كان لهذا المجلس من بعض المواقف الطيبة في أواخر عهد ~~إسماعيل، وأنه عطل في عهد توفيق، فكان لزاما أن يستأنفوا الجهاد للدستور، ~~وكان طبيعيا إذا دعاهم داع إلى الثورة أن يلبوا نداءه طائعين مستبشرين ... ~~ويتبين لك من هذه الناحية أن الثورة العرابية هي استمرار للحركة الوطنية ~~التي ظهرت في أواخر عهد إسماعيل وامتداد لها. # وكانت سياسة رياض باشا من أسباب ظهور الثورة، فقد استهدف لحركة مقاومة قوية ~~لما بدا منه من المعارضة في إنشاء مجلس النواب، وانحيازه للنفوذ الأوروبي، ~~ولما عرف عنه من الاستخفاف بميول الشعب وعدم اكتراثه لآراء الخاصة من ~~الكبراء والأعيان، وإصراره على قمع كل معارضة بالشدة واضطهاده للمعارضين. ومن ~~أمثلة هذا الاضطهاد تجريده الفريق شاهين باشا كنج وزير الحربية السابق من رتبته ~~وألقابه لاتصاله بالحزب الوطني، وتقديم السيد حسن موسى العقاد للمحاكمة ونفيه ~~إلى أقصى السودان لاعتراضه على ms010 إلغاء قانون المقابلة، ثم اضطهاده للصحف ~~المعارضة لوزارته. # استهدفت الصحف المعارضة للاضطهاد في عهد وزارة توفيق، ثم في عهد وزارة رياض، ~~واستخدمت الحكومة اللائحة القديمة المسماة لائحة أو «نظامنامه» المطبوعات ~~لإنذار الصحف أو تعطيلها. ففي عهد الوزارة التي رأسها توفيق باشا عطلت ~~الحكومة جريدة «مرآة الشرق» لمدة شهر، وأنذرت جريدة «التجارة»، ثم عطلت جريدة ~~«مرآة الشرق» لمدة خمسة أشهر «لأنها اعتادت الدخول فيما لا يعنيها، ونشرت ~~مطالعات سخيفة مخترعة من تلقاء نفسها خرجت فيها عن حدود وظائفها»، وفي عهد ~~وزارة رياض باشا أنذرت جريدتا «مصر» و«التجارة» لنشرهما مقالات عدتها الحكومة ~~غير معتدلة تخدش الأذهان، ثم عطلتا نهائيا لإصرارهما على خطة ~~المعارضين. # كانت جريدتا «مصر» و«التجارة» من أقوى صحف المعارضة، تجلت فيهما روح السيد ~~جمال الدين، ولا غرو فصاحبها ومنشئها هو أديب إسحق من خاصة تلاميذ الحكيم ~~الأفغاني، أنشئت الأولى سنة 1877 والثانية سنة 1878 في أواخر عهد إسماعيل، ~~وكانتا في عهد توفيق لا تفتأ كل منهما تنشر المقالات الحماسية وتنتقد سياسة ~~الحكومة وتندد بتفريطها في حقوق البلاد، فلم تطق وزارة رياض باشا صبرا على ~~مسلكهما، وأصدرت قرارها بتعطيلهما تعطيلا نهائيا. # وأنذرت جريدة «مصر الفتاة» لطعنها على الحكومة لمناسبة توسيع اختصاصات ~~الرقيبين الماليين، ثم عطلت تعطيلا نهائيا لنشرها مقالات وأخبارا عدتها ~~الحكومة مهيجة للخواطر والأفكار. ومنعت جرائد «النحلة» و«أبو نضارة» ثم «أبو ~~صفارة» و«القاهرة» و«الشرق» من دخول القطر المصري، وأنذرت جريدة «الإسكندرية» ~~ثم عطلتها شهرا، وعطلت جريدة «المحروسة» لمدة خمسة عشر يوما. ولم يقتصر ~~الاضطهاد على الصحف العربية، بل تناول الصحف الأوروبية، فعطلت جريدة ~~«الريفورم» تعطيلا نهائيا وأغلقت مطبعتها بحجة أنها تنتشر مقالات مثيرة ~~للأفكار، وأنذرت جريدة «الفارد السكندري». # فالصحف المعارضة، وما كانت تبثه في الأفكار من روح التبرم بنظام الحكم ~~والتطلع إلى الحرية والدستور، وما لقيته من اضطهاد، كل ذلك كان من الأسباب ~~الممهدة للثورة والمحرضة عليها. ~~••• # وقد اشتد ساعد الحركة بتأليف جمعية من الناقمين من سياسة رياض باشا، ~~عرفوا بالحزب الوطني «القديم»، وقد نشروا في 4 نوفمبر سنة 1879 ms011 أول بيان سياسي ~~لهم، وطبعوا منه عشرين ألف نسخة. وسعى رياض باشا في معرفة ناشريه لإقصائهم إلى ~~السودان، فلم يستطع إلى ذلك سبيلا. ويقول المسيو جون نينيه الذي عاصر حوادث ~~الثورة العرابية: «إن إخفاق رياض باشا في تعقب ناشري هذا البيان شجع خصومه ~~على متابعة العمل لإسقاطه، وإن منهم الخديو توفيق ذاته. ومن بينهم الباشوات ~~الأربعة: شريف باشا، وإسماعيل راغب باشا، وعمر لطفي باشا، وسلطان باشا، وإنهم ~~أوفدوا إلى باريس أديب إسحق لإنشاء جريدة القاهرة، وقد رحل فعلا إلى أوروبا ~~بعد إلغاء جريدتيه «مصر» و«التجارة». وأصدر بباريس جريدة معارضة لوزارة رياض، ~~وكانت من أشد الصحف لهجة ضدها، فكانت من أقوى العوامل في إثارة الأفكار على ~~رياض ووزارته. وتعقبها رياض لمنع تداولها في مصر، ولكن الباشوات الأربعة ~~كانوا يوزعونها في أنحاء البلاد. وتعددت الاجتماعات السرية في منزل سلطان ~~باشا لتنظيم الحزب الوطني، وقويت الروابط بين منظميه ... وكان في مقدمتهم سلطان ~~باشا، وأحمد عرابي بك، وصاحباه عبد العال حلمي وعلي فهمي، ومحمود سامي البارودي ~~باشا، وسليمان أباظة باشا - مدير الشرقية - وحسن الشريعي باشا - مدير المنيا - ~~ومحمود فهمي باشا. # ويقول المسيو «جون نينيه»: إن الغرض من ضم المديرين إلى الحزب هو نشر ~~الدعاية له في الأقاليم، وإن سلطان باشا بوجاهته وثرائه - إذ كان يمتلك نحو ~~ثلاثة عشر ألف فدان من أجود الأطيان - كان يطمع في رياسة الحزب رغم ضعف أخلاقه ~~ودخيلة نفسه، ولم يكن يتطلع إلى الوزارة؛ لأنه لم يكن كفؤا لها بل كان يرنو ~~إلى رياسة مجلس النواب. # ويقول عرابي في مذكراته عن تأسيس الحزب الوطني: إنه تألف من لفيف من ~~العظماء والكبراء والعلماء والنبهاء، ويرجع تأليفه إلى التذمر من تغلغل النفوذ ~~الأوروبي في الحكومة، فألف أولئك الكبراء هذا الحزب وجعلوا مركزه مدينة ~~«حلوان»، ونشروا عدة منشورات في الصحف الفرنسية نصحوا فيها للحكومة بمراعاة ~~مصالح البلاد، وأعلنوا عن وجود الحزب الوطني وبينوا واجباته وحقوقه، ثم ~~اعترضوا على «الدين الممتاز» واختصاصه بالضمان، وطلبوا المطالب الآتية: # أولا: # تعاد إلى الحكومة المصرية جميع الأملاك المسماة ms012 ~~بالخديوية. # ثانيا: # يلغى النص القاضي بتخصيص السكة الحديدية للقرض الممتاز - في ~~قانون التصفية - فإن لم يرض بذلك الدائنون من الإنجليز تعين ~~عليهم قبول ذلك الدخل كما هو من غير أن تؤخذ بقية الفائدة ~~المخصصة لهم من الدخل العام. # ثالثا: # أن تكون الديون الممتازة والسائرة والمنتظمة دينا واحدا ~~مضمونا بمال الأمة والبلاد بفائدة مقدارها 4 في ~~المائة. # رابعا: # أن تقام إدارة مراقبة وطنية خاصة مؤقتة، يكون فيها ثلاثة من ~~الأجانب تعينهم الدول وتقرهم الحكومة المصرية. # فرواية عرابي عن تأسيس الحزب الوطني لا تختلف في جوهرها عن رواية نينيه. ~~ويقول عرابي: إنه لما علمت الحكومة بوجود هذا الحزب شددت الرقابة على زعمائه ~~وهددتهم واضطهدتهم، وكان الفريق شاهين كنج باشا وزير الحربية السابق من زعماء ~~هذا الحزب، فاحتمى بالحماية الإيطالية وغادر مصر إلى إيطاليا، فصدر أمر الخديو ~~في 14 يونيو سنة 1880 بتجريده من رتبه وألقابه، ومحو اسمه من دفاتر ضباط الجيش. ~~وبني الأمر على أنه دخل في حماية دولة أجنبية دون أن يعطى له إذن بذلك، وأنه ~~سافر من مصر بدون جواز سفر مستعينا بجواز سفر حصل عليه من حكومة أجنبية دون أن ~~تعترف به الحكومة المصرية. # يتبين مما تقدم أن الحزب الوطني كان له أثر كبير في إظهار الثورة ~~العرابية. وكانت بالإسكندرية جمعية أخرى عرفت بجمعية «مصر الفتاة» رفعت ~~عريضة إلى الخديو بمطالب الحرية، وأنشأت جريدة «مصر الفتاة» للدعوة إلى الحرية، ~~وهي الجريدة التي عطلتها الحكومة كما تقدم. # وثمة عامل آخر، يتصل بالأسباب ~~السياسية، كان له أثره في التحريض على الثورة، ويعد من مقدماتها، وهو حدوث ~~سابقة للثورة العرابية ... ونعني بها ثورة الضباط على وزارة نوبار باشا أواخر ~~عهد إسماعيل في فبراير سنة 1879، فإن تلك الثورة هي صورة مصغرة للثورة ~~العرابية، إذ قامت على أكتاف الضباط، وكان الباعث شكواهم من تأخير مرتباتهم ~~وإحالة 2500 منهم إلى الاستيداع. فذهب نحو ستمائة ضابط منهم يتبعهم لفيف من ~~طلبة المدرسة الحربية ونحو ألفين من الجنود إلى وزارة المالية، بحجة رفع ~~ظلامتهم إلى نوبار باشا ms013 والسير ريفرس ويلسن وزير المالية وقتئذ، فهجموا على ~~نوبار باشا واعتدوا عليه بالضرب، وكذلك اعتدوا على السير ريفرس ويلسن، واقتحموا ~~أبواب الوزارة واحتلوا غرفها وقاعتها وحبسوا نوبار باشا ورياض باشا - وكان ~~وزيرا للداخلية - والسير ريفرس ويلسن في إحدى غرف الدور الأعلى، وكانت نتيجة ~~تلك الثورة سقوط وزارة نوبار، فهذا الفوز الذي أحرزه الضباط سنة 1879 قد أغرى ~~عرابي وصحبه بالثورة سنة 1881. # الأسباب الاقتصادية # لم تكن الحالة الاقتصادية خيرا من الحالة السياسية، بل كانت أدعى منها إلى ~~الثورة. فالديون التي اقترضها الخديو إسماعيل ألقت على البلاد عبئا جسيما من ~~الأثقال الفادحة، واضطرت الحكومة إلى تخصيص نصف موارد الميزانية لسداد فوائد ~~الديون. فكان ذلك سببا لتذمر الأهلين خاصتهم وعامتهم؛ لأن تخصيص هذا المبلغ ~~الضخم، الذي يجبى كل عام من عرق الفلاح وكده، معناه حرمان الأهلين ثمرة ~~جهودهم ومتاعبهم وإضاعتها لحساب الدائنين ... هذا فضلا عن فداحة الضرائب في ~~مجموعها، وعدم توزيعها توزيعا عادلا، واقتضائها بوسائل القهر والإرهاب. فانضم ~~الأهلون إلى الثورة وشايعوها آملين أن تخفف عنهم أعباء الضرائب، وكان استفحال ~~نفوذ الأجانب عامة، واستحواذهم على مرافق البلاد الاقتصادية، مما دعا إلى ~~تبرم الأهلين بنظام الحكم ... فإن الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها والمزايا ~~التي نالها التجار والمرابون منهم، قد أكسبتهم الأموال الطائلة، فأثروا على ~~حساب الخزانة المصرية وعلى حساب الأهلين. # وزاد في تذمر المثقفين والأعيان استسلام الحكومة في عهد وزارة رياض باشا ~~لمطالب الدائنين وحكوماتهم، فقد أقرت نظام الرقابة الثنائية كما أملاه ~~القنصلان الإنجليزي والفرنسي، وخولت الرقيبين الأوروبيين سلطة واسعة المدى في ~~شئون الحكومة المالية، واتسع النفوذ الأوروبي داخل الحكومة بواسطة الرقيبين ~~وخارج الحكومة؛ لاستجابتها لمطالب الماليين الأوروبيين والترخيص لهم باستثمار ~~موارد البلاد ومرافقها الاقتصادية، فأنشئت في عهد وزارة رياض باشا عدة مؤسسات ~~مالية واقتصادية، زادت في طغيان النفوذ الأوروبي في حياة مصر الاقتصادية، ~~كالبنك العقاري - وقد تأسس في 15 فبراير سنة 1880 - وشركة تكرير السكر، والشركة ~~العمومية لإجراء الأشغال بالديار المصرية، وشركة المقاولات وغيرها، وكلها شركات ~~أجنبية برءوس أموال أوروبية، وأعضاؤها من الأوروبيين، ms014 وعقود تأسيسها التي صدرت ~~بها الأوامر العالية لم تراع فيها مصالح الأهلين في شيء ... فهذا الإسراف في ~~رعاية المصالح ورءوس الأموال الأوروبية، وتمكينها من التغلغل في كيان البلاد ~~المالي والاقتصادي، كل ذلك كان له أثره في تبرم الناس بالوزارة، فضلا عن أنه ~~كان في ذاته عملا غير صالح ولا يتفق والروح القومية. ~~••• # وزاد الأعيان سخطا على الوزارة إلغاؤها «قانون المقابلة» فانضموا إلى صفوف ~~المعارضة؛ ذلك أن إبطال ما كان يقضي به هذا القانون من إعفائهم من نصف المربوط ~~على أطيانهم من الضرائب، فيه ضياع أموالهم التي أدوها للحكومة مقابل هذا ~~الإعفاء، وقد كان أكثر الأعيان اعتراضا على هذا الإلغاء السيد حسن موسى ~~العقاد، فقدم بذلك مظلمة إلى لجنة التصفية نشرها في جريدة «الريفورم» ووصف ~~فيها هذا العمل بأنه استبداد، وأبان أن قانون المقابلة، وما احتواه من المزايا ~~لدافعي الضرائب مقدما هو عقد لا يجوز نقضه من جانب الحكومة وحدها، وأن الأهالي ~~قد احتملوا شدائد كثيرة في أداء المقابلة، وباعوا في هذا السبيل مصوغاتهم ~~وأملاكهم واستدانوا الديون الفادحة، فكان لزاما على الحكومة أن ترد جميع ما ~~أداه المالكون إلى أصحابه، بحيث لا يسري مرسوم الإلغاء إلا بعد رد ما أخذته ~~الحكومة. فرأى رياض باشا أن في تقديم هذه المظلمة إلى لجنة التصفية ونشرها في ~~جريدة «الريفورم» معنى التشهير بالحكومة وإثارة الأفكار عليها، وبخاصة لأن ~~العقاد دعا الأهالي إلى توقيع عرائض بهذا المعنى، فأثر بالقبض عليه وقدمه ~~للمحاكمة، فحكم عليه مجلس مصر الابتدائي بالحبس سنتين، وشدد المجلس ~~الاستئنافي هذا الحكم، فزاده إلى خمس سنوات. ولم تكتف الحكومة بذلك، بل قضى ~~«مجلس الأحكام» بنفيه إلى فازوغلي بأقاصي السودان، ونفذ فيه الحكم وسيق إلى ~~فازوغلي ... ولم يفرج عنه إلا في عهد وزارة شريف باشا بعد إنشاء مجلس النواب، ~~يضاف إلى ذلك صدور قانون التصفية - يوليو سنة 1880 - فقد ظهر فيه من التحيز ~~للدائنين الأجانب والإجحاف بالأهلين ما زاد الناس كرها لوزارة رياض باشا، وزاد ~~الأعيان والملاك سخطا عليها لما فرضته عليهم من زيادة ضريبة ms015 العشر على ~~أطيانهم. # ومن مظاهر سياسة الحكومة الاقتصادية إنقاص عدد الجيش توفيرا للنفقات ... وهذا ~~النقص كان له سبب آخر يتصل بالحالة السياسية، وهو صدور الفرمان السلطاني ~~لتوفيق باشا مشتملا على إنقاص عدد الجيش العامل إلى 18 ألف جندي، ولكن السبب ~~الاقتصادي كان له أكبر الأثر في هذا النقص؛ لأن عدد الجيش نقص إلى اثني عشر ~~ألفا أي إلى أقل مما حدده الفرمان السلطاني، وقد استتبع هذا النقص إحالة ~~كثير من الضباط إلى الاستيداع ووقوعهم في الضيق المالي، ولم تعن الحكومة ~~بتدبير وظائف لهم تعوضهم عما نقص من رواتبهم، فانضموا بطبيعة الحال إلى ~~الناقمين. # وشارك الموظفون ضباط الجيش في شعورهم، إذ رأوا من مظاهر اتساع سلطة الرقيبين ~~الأوروبيين ما يثير في نفوسهم روح السخط والتبرم، وأهم هذه المظاهر ازدياد نفوذ ~~الموظفين الأوروبيين في دور الحكومة، وزيادة عددهم، وتمييزهم بالمرتبات الضخمة ~~... فاستاء لذلك الموظفون الوطنيون. # وخلاصة ما تقدم أن الثورة العرابية هي من الوجهة السياسية ثورة على ~~الاستبداد والمظالم، ومن الوجهة الاقتصادية ثورة على التدخل الأوروبي في شئون ~~مصر المالية، وعلى النظم الاقتصادية التي كانت تعانيها البلاد قبل ~~الثورة. # الأسباب الاجتماعية # إن حالة المجتمع المصري كانت تؤهله بلا مراء - عند أول دعوة - لتلبية نداء ~~الحرية والثورة ... وذلك بفضل انتشار التعليم من عهد محمد علي، فالمدارس التي ~~أسسها والبعثات العلمية التي أوفدها إلى الخارج، وقد خرجت طبقة مثقفة نالت ~~حظا موفورا من العلوم، وليس يخفى أن العلم من شأنه أن يهذب النفوس وينير ~~البصائر، وينهض بالعقول والأفكار، ويسمو بها إلى التماس الرقي والتقدم، ~~ويعرفها معاني الحرية والمساواة والحقوق الإنسانية، ويهيب بها إلى محاكاة ~~الأمم الحرة في الثورة على الاستبداد. فالنهضة العلمية كان لها فضل لا ينكر في ~~توجيه أنظار المثقفين إلى التبرم بالاستبداد والتطلع إلى الحرية ~~والدستور. # واقترنت النهضة العلمية بنهضة في الأدب، قوامها الشعراء والكتاب من أدباء ~~ذلك العصر، والأدب بما يطبع في نفس الأديب من التطلع إلى المثل العليا يمهد ~~للنهضات الوطنية ويغذيها، ويحدو الأمم إلى الاستمساك بالحرية والكرامة ~~الإنسانية، والنفور ms016 من الذل وإباء الضيم والمهانة ... # فالعلوم والآداب كان لها أثرها في تمهيد الأفكار لقبول الثورة وفي الدعاية ~~لها، وقد كان لقصائد الشعراء ومقالات الأدباء وما كان يلقيه الخطباء في المحافل ~~والمجتمعات أثر كبير في التحريض على الثورة. # وكانت الصحافة من العوامل القوية في ترقية الأفكار بما تكتب عن الشئون العامة ~~في مصر والخارج، وما تنشر من المقالات عن مختلف الأحوال السياسية والاجتماعية، ~~وما تحوي من التنويه بالأعمال النافعة وانتقاد الأعمال الضارة ... فكان لها فضل ~~كبير في تفتيح أذهان الناس، وتبصيرهم بالحقائق، وتهذيبهم وتثقيفهم، وكان لصحف ~~المعارضة أثرها في إحراج مركز الحكومة وتبرم الناس بها، وقد استهدفت هذه ~~الصحف للإنذار والتعطيل كما تقدم، فكان الاضطهاد يكسبها عطف الناس ويزيدهم ~~تعلقا بها، وتأييدا لآرائها وأفكارها الحرة. # ويتصل بالأسباب الاجتماعية تأثير السيد جمال الدين الأفغاني في المجتمع ~~المصري، فقد ظهرت على يده بيئة استضاءت بأنوار العرفان، وارتوت من ينابيع العلم ~~والحكمة، وتحررت عقولها من قيود الجمود والأوهام، وبفضله خطا فن الكتابة ~~والخطابة في مصر خطوات واسعة، ولم تقتصر حلقات دروسه ومجلسه على طلبة العلم، بل ~~كان يؤمها كثير من العلماء والموظفين والأعيان، وكان يحمل بين جنبيه روحا ~~كبيرة ونفسا قوية، تزينها صفات وأخلاق عالية، فأخذ يبث في النفوس روح العزة ~~والشهامة، ويحارب روح الذلة والاستكانة، وكان بنفسيته ودروسه وأحاديثه ومناهجه ~~في الحياة، مدرسة أخلاقية رفعت من مستوى النفوس، وكانت على مر الزمن من ~~العوامل الفعالة للتحول الذي بدا على الأمة، وانتقالها من حالة الخضوع ~~والاستكانة إلى التطلع للحرية والتبرم بنظام الحكم القديم ومساوئه، والسخط على ~~تدخل الدول في شئون البلاد. # ولئن نفي جمال الدين من مصر في أوائل حكم توفيق، فإن روحه ومبادئه وتعاليمه ~~تركت أثرها في المجتمع المصري وهيأته للثورة، ولا غرو فكثير من أقطابها هم من ~~تلاميذه أو مريديه أو المتأثرين بتعاليمه، ولو بقي في مصر حين نشوب الثورة لكان ~~جائزا أن يمدها بآرائه الحكيمة وتجاربه الرشيدة، فلا يغلب عليها الخطل والشطط، ~~ولكن شاءت الأقدار والدسائس الإنجليزية أن ينفى السيد من ms017 مصر، وهي أحوج ما ~~تكون إلى الانتفاع بحكمته وصدق نظره في الأمور. ~~(2) عرابي يتزعم الجيش # كان ضباط الجيش يتطلعون إلى رجل منهم يتولى زعامتهم وتوحيد كلمتهم للمطالبة ~~بحقوقهم المشروعة ... فوجدوا في عرابي ذلك الزعيم، ولقد كانت صفات الزعامة متوافرة فيه ~~بالنسبة للظروف التي عاصرها، فقد كان ذا شخصية قوية جذابة تؤثر فيمن حوله وتجتذبهم ~~إليه، وهذه أولى صفات الزعامة، كانت أقواله تقع من نفوس الضباط والسامعين موقع الإقناع، ~~وهذا مظهر لقوة شخصيته، ولولا أنه ذو شخصية كبيرة قوية لما استطاع أن يجمع الجيش ~~وضباطه على محبته، والانضواء تحت لوائه، والائتمار بأوامره. # ويمكن تحديد سنة 1881 لبدء زعامته العسكرية على معظم ضباط الجيش ... في هذه السنة كان ~~عثمان رفقي يتولى وزارة الحربية، وكان وحده من أسباب ظهور الثورة العرابية، وآخر ما ~~وقع منه - مما عجل بالثورة - أنه أصدر أمرا بنقل الأميرالاي عبد العال حلمي حشيش بك ~~- أحد زعماء الثورة فيما بعد - قائد آلاي طرة إلى ديوان الجهادية (وزارة الحربية) وجعله ~~معاونا بها، وفي هذا تنقيص من درجته ومركزه، وأمر بتعيين خورشيد نعمان بك بدله، وهو من ~~أصل شركسي، وأصدر أمرا آخر بفصل أحمد عبد الغفار بك قائمقام آلاي الفرسان، وعين بدله ~~ضابطا شركسيا. # علم عرابي بهذه الأوامر في 16 يناير سنة 1881 قبل نشرها، فثار لها، وقال لمن بلغه ~~نبأ هذه الأوامر: «إن هذه لقمة كبيرة لا يقوى عثمان رفقي على هضمها.» وذهب إلى داره ~~ساخطا محنقا، فألقى كثيرا من الضباط ينتظرونه ليتشاوروا معه فيما يجب عمله، إذ كانوا ~~قد بلغهم أيضا نبأ تلك الأوامر، فأخذوا يتداولون البحث في الموقف، فاتفقت كلمتهم على ~~اختيار عرابي رئيسا لهم، وعهدوا إليه في العمل للتخلص من هذه الحالة، وقرروا أنهم ~~يتضامنون معه في تنفيذ ما يأمر به، وأقسموا على السيف والمصحف أنهم يفدونه ويفدون الوطن ~~بأرواحهم، واتفقوا على كتابة عريضة إلى رياض باشا يطلبون فيها عزل وزير الحربية عثمان ~~رفقي باشا. # | الثورة في مرحلتها الأولى # (1) فاتحة الثورة العرابية # كتب عرابي العريضة وتلاها على الحاضرين، ms018 فوافقوا عليها ووقع عليها كما وقع معه ~~الأميرالاي علي فهمي بك والأميرالاي عبد العال حلمي بك، ووضع المجتمعون الخطط الكفيلة ~~بالمحافظة على النظام عند قيامهم بما اعتزموه، والمحافظة على حياتهم إذا أرادت الحكومة ~~أن تبطش بهم. # يعد هذا الاجتماع فاتحة الثورة العرابية؛ لأن تعاهد كبار الضباط على مقاومة تنفيذ ~~الأوامر العسكرية، والجهر بمناصبة وزير الحربية العداء والمطالبة بعزله، واختيارهم ~~عرابي رئيسا لهم في هذه الحركة، وحلفهم اليمين على التضامن وإياه، ومفاداته ومفاداة ~~الوطن بأرواحهم ... كل ذلك معناه التمرد والخروج على النظام وتحدي الحكومة والاستهانة ~~بهيبتها وقوتها، أو بعبارة أخرى هي الثورة على الحكومة. # وفي غداة ذلك اليوم - أي في 17 يناير سنة 1881 - ذهب الضباط الكبار الثلاثة: أحمد ~~عرابي بك، وعلي فهمي بك، وعبد العال حلمي بك إلى وزارة الداخلية، وقدموا العريضة إلى ~~خليل يكن باشا وكيل الوزارة، وطلبوا إليه تقديمها إلى رياض باشا ... فذهب إليه، ثم عاد ~~وأخبرهم بأن رياض باشا يطلب أن يقابلوه، فلما قابلوه وعدهم بالنظر في الأمر، ولم تبد ~~منه علامات السخط والغضب. # وبعد أسبوع من هذه المقابلة ذهبوا إلى داره، وقابلوه ثانية وسألوه عما تم في أمر ~~العريضة، فأجابهم متهددا متوعدا، وقال لهم: إن تقديم مثل هذه العريضة يؤدي إلى الهلاك ~~... # فلم يتراجع عرابي وصاحباه أمام هذا التهديد، وأصروا على طلباتهم، وأبان عرابي أن ما ~~يطلبونه هو حق وعدل. وانتهى الحديث بأن أخبرهم بأنه سينظر في الأمر، وانصرفوا على ~~ذلك. ~~(1-1) واقعة قصر النيل # اجتمع مجلس الوزراء يوم 31 سنة 1881 في سراي عابدين برياسة الخديو، وبحث في أمر ~~هذه العريضة ... فاستقر الرأي على وجوب محاكمة الضباط الثلاثة، والقبض عليهم لتقديمهم ~~إلى المجلس العسكري، وأخذ عثمان باشا رفقي على عهدته تنفيذ القرار، وأن يكون ~~مسئولا إذا حصل ما يخل بالأمن، ولم يعرف الضباط الثلاثة ما قرره مجلس الوزراء في ~~شأنهم، ولم يخطرهم عثمان باشا رفقي بأمر القبض عليهم ... بل نفذه بطريقة ملتوية لا ~~تدل على شعور الحكومة بهيبتها وسلطانها، وذلك أنه تحايل عليهم وأرسل إليهم ms019 في مساء ~~ذلك اليوم تذاكر، يدعوهم فيها إلى الحضور لديوان الوزارة بقصر النيل صباح اليوم ~~التالي بحجة المداولة معهم في ترتيب الاحتفال بزفاف الأميرة جميلة هانم شقيقة ~~الخديو ... # فأحس عرابي ورفيقاه المكيدة المدبرة لهم؛ لأنه لم تجر العادة بأن يستدعي وزير ~~الحربية ثلاثة من أمراء الآلايات للمذاكرة في مثل هذا الشأن ... فاستعدوا للدفاع عن ~~حياتهم، واتفقوا على أن يلبوا الدعوة وأن يذهبوا إلى قصر النيل، على أن يصحبهم بعض ~~ضباط الآلاي الأول - آلاي الحرس - وكان مقره بقشلاق عابدين - كعيون يرقبون الحالة ~~عن بعد، لكي يبادروا إلى إبلاغ إخوانهم بما يقع إذا أصاب الضباط الثلاثة ~~مكروه. ~~••• # وصل عرابي وصاحباه إلى قصر النيل، فألفوه غاصا بكبار الضباط الموالين للحكومة، ~~وكان المجلس العسكري منعقدا، فتلا على الضباط الثلاثة الأمر القاضي باعتقالهم ~~ومحاكمتهم، ثم نزعت منهم سيوفهم إيذانا بإنفاذ الأمر ... وكان ذلك حوالي الظهر، ~~وسيقوا إلى قاعة السجن بقصر النيل بين صفين من الضباط الشراكسة، وتقاذفت عليهم ~~ألفاظ الشماتة والسباب، ووقف عليهم الحرس وبأيديهم السيوف مسلولة، وعين عثمان ~~باشا رفقي ثلاثة ضباط بدلهم على آلاياتهم الثلاثة. # فلما علم عيون الآلاي الأول باعتقال الضباط الثلاثة، أسرعوا بالعودة إلى مركز ~~الآلاي بقشلاق عابدين، وأنهوا إلى ضباطه ما وقع ... فهاج الضباط جميعا واعتزموا ~~إنقاذ إخوانهم، ونهض البكباشي محمد عبيد - بطل واقعة التل الكبير - مناديا الجند ~~النداء العسكري بالاحتشاد والتأهب للمسير. فاعترضه قائم مقام الآلاي خورشيد بك ~~بسمي، وسأله عن سبب هذا النداء فلم يجبه بكلمة، وأمر بعض الجنود باعتقاله في إحدى ~~قاعات القشلاق، واصطف الجنود بأسلحتهم، وساروا بقيادة محمد عبيد إلى قصر النيل حيث ~~الضباط المعتقلون ... # وبينما كان الجند يستعدون للخروج من القشلاق، علم الخديو بهذه الحركة، وشاهدها ~~بنفسه من سلاملك السراي المقابل للقشلاق، فأمر الفريق راشد باشا حسني سر ياوره بأن ~~يتوجه إليهم لوقف الحركة، فلم تجد هذه الوساطة نفعا، فاستدعى الخديو الضباط فلم ~~يحضر أحد. # سار جنود الآلاي الأول من قشلاق عابدين إلى قصر النيل ... فلما بلغوه وضع البكباشي ~~محمد عبيد الحصار حوله، وأمر بقية ms020 الجند بالهجوم على الديوان، فهجم الجنود حاملين ~~بنادقهم، وفي أطرافها الرماح «السونكي» واقتحموا الديوان صائحين صاخبين، فوقع الرعب ~~في نفوس القواد والضباط الموجودين بالديوان، وفي مقدمتهم عثمان باشا رفقي وزير ~~الحربية، وبادروا إلى الفرار. أما عثمان رفقي فقد فر من إحدى النوافذ إلى «ورشة» ~~الترزية يطلب النجاة لنفسه. وأخذ الجند يبحثون عن الضباط المعتقلين، وتفرقوا لذلك ~~في جميع الغرف والجهات، وكسروا الأبواب والشبابيك وكل ما عاقهم عن السير، إلى أن ~~وصلوا إلى مقر الضباط الثلاثة، ففك البكباشي محمد عبيد سراحهم. # وخرج الضباط الثلاثة من قصر النيل ظافرين، وساروا يحيط بهم الجند إلى قشلاق ~~الآلاي الأول بميدان عابدين، وكان عرابي وصحبه على عهد مع ضباط الآلايات الثلاثة أن ~~يتضامنوا معهم، ويبادروا إلى نجدتهم إذا حل بهم مكروه. ~~••• # ولم يكد يعلم آلاي طرة، الذي كان على رأسه عبد العال حلمي، بما حل بعرابي ~~وصاحبيه حتى هب لنجدتهم ... فلما حضر الأميرالاي الجديد خورشيد بك نعمان ليتسلم ~~الآلاي بصحبة خورشيد باشا طاهر وأحمد بك حمدي ياور الخديو، بادر البكباشي خضر أفندي ~~خضر إلى اعتقالهم، ووضعهم تحت الحفظ في غرفة القائم مقام فرج بك الدكر واعتقله معهم ~~... ثم أمر بتوزيع الأسلحة والذخيرة على الجنود، وسار بهم إلى قصر النيل لإنقاذ ~~الضباط الثلاثة، وقد شعر ناظر محطة طرة بهذه الحركة فأرسل تلغرافا إلى الخديو ~~ينبئه بها، فأوفد الخديو أحد ياورانه لمقابلة خضر وإخباره بما تم من الإفراج عن ~~الضباط الثلاثة، وإقناعه بالرجوع من حيث أتى وإطلاق سراح الضباط الذين سجنهم بطرة ... ~~فلم يلق الياور إليه أذنا صاغية، واستمر الجند سائرين بقيادة خضر أفندي خضر، وسار ~~بهم إلى ميدان عابدين لكي يشاهدوا الضباط الزعماء بعد الإفراج عنهم، فلما وصلوا إلى ~~ميدان عابدين، استقبله الآلاي الأول بالتعظيم العسكري وعزف الموسيقى، وتقدم ضباط ~~آلاي طرة إلى عرابي وصاحبيه فهنئوهم بالسلامة وتعانقوا فرحين مستبشرين ... واحتشد ~~الناس في الميدان لمشاهدة هذا المنظر الذي لم يألفوه من قبل، وعندئذ وقف عرابي ~~خطيبا بأعلى صوته، وأثنى على إخلاص الضباط والجند لإنقاذه وإنقاذ صاحبيه ms021 من ~~السجن. ~~(1-2) أول انتصار لعرابي # كان احتشاد جنود الآلايين بأسلحتهم في ميدان عابدين كافيا لإيقاع الاضطراب في ~~نفس الخديو وحاشيته، وقد استدعى وزراءه وخاصة رجاله حين بلغه نبأ ما حدث في قصر ~~النيل، وتشاوروا فيما يصح عمله إزاء هذه الحركة ... فأشار محمود سامي باشا البارودي - ~~وكان وقتئذ وزيرا للأوقاف - بإجابة طلبات الجند، وقال: إني أراهم مطيعين بدليل ~~هتافهم باسم الخديو، ولم ير الخديو بدا من الإذعان، واتفق الرأي على أن يذهب ~~البارودي باشا يصحبه خيري باشا رئيس الديوان الخديوي؛ ليقابلا عرابي وصاحبيه ~~ويتعرفا ما يطلبون، فقابلاهم وعرفا منهم أنهم يطلبون عزل عثمان باشا رفقي، ~~ويلتمسون العفو عنهم؛ لأن عثمان باشا هو السبب فيما حدث، فعاد البارودي وخيري باشا ~~إلى الخديو وعرضا عليه حديثهما مع الضباط الثلاثة، فأمر باستدعائهم فحضروا والتمسوا ~~منه العفو فعفا عنهم. # واستقال عثمان باشا رفقي، وأصدر الخديو أمره بإسناد وزارة الحربية إلى البارودي ~~مع بقاء وزارة الأوقاف في عهدته ... فتم بهذا التعيين ثلاثة انتصارات نالها الحزب ~~العسكري في يوم واحد: أولها إطلاق سراح الضباط الثلاثة، وثانيها عزل عثمان باشا ~~رفقي الذي كان خصما لهم، ثم إسناد وزارة الحربية إلى نصير لهم، ومن هنا توطدت صلات ~~الثقة بين البارودي والضباط، إذ برهن على أنه كان مؤيدا لهم داخل مجلس الوزراء، ~~وظل عضدا لهم وموضع ثقتهم طوال عهد الثورة. ~~(1-3) عرابي والقناصل # وفيما كان عرابي على رأس هذه الحركة أرسل إلى قنصلي إنجلترا وفرنسا كتابا يسوغ ~~فيه عمله، ويبسط فيه شكواه من تصرف الحكومة، وكان البارون «دي رنج» قنصل فرنسا ~~العام يعطف على مطالب الضباط، وينكر على وزير الحربية تصرفاته، وقد عرف في الجملة ~~بالعواطف الطيبة نحو مصر ومناوأته المطامع الإنجليزية فيها. # وقد نقم الخديو ورياض باشا من البارون «دي رنج» عطفه على الضباط الوطنيين وتأييده ~~إياهم ... فأرسل الخديو باتفاقه مع رياض إلى المسيو جول جريفي رئيس جمهورية فرنسا ~~رسالة يشكو فيها مسلك القنصل العام. وكانت نتيجة هذا المسعى استدعاء البارون «دي ~~رنج» إلى فرنسا في 22 فبراير ms022 سنة 1881 ثم نقله من منصبه، فغادر مصر على كره من ~~الضباط الوطنيين في أول مارس سنة 1881، وكان نقله انتصارا لوزارة رياض باشا، وقد ~~اغتبط الساسة البريطانيون لهذا النقل؛ لأنهم كانوا يرون في البارون «دي رنج» عاملا ~~مناوئا لهم ومؤيدا للحركة الوطنية في مصر. # وعين بدله المسيو سنكفكس معتمدا وقنصلا عاما لفرنسا في مصر، فحضر إلى ~~القاهرة وقدم أوراق اعتماده إلى الخديو في 26 يوليو سنة 1881 بسراي رأس ~~التين. # أراد الخديو بعد انقضاء بضعة أيام على واقعة قصر النيل أن يجتذب إليه قلوب ضباط ~~الجيش، ويزيل تأثير الحادثة من نفوسهم ... فاستدعى إلى سراي عابدين يوم 12 فبراير سنة ~~1881 ضباط آلايات العاصمة من رتبة بكباشي فما فوقهم، وحضر الاجتماع وزير الحربية ~~«البارودي» وكبار رؤساء الجيش من رتبة فريق ولواء، فلما انتظم عقدهم، ألقى الخديو ~~فيهم خطبة ضمنها العفو عما حدث يوم أول فبراير، وأكد لهم أنه لم يبق في نفسه أثر ~~منها، وطلب إليهم احترام النظام وطاعة الحكومة. # فقابل الضباط هذه الخطبة بإظهار الولاء للخديو والامتثال للأوامر والقوانين ~~والنظم العسكرية، وانصرفوا داعين شاكرين. # وكان الظن أن مثل هذه الخطبة ترد النظام إلى الجيش، وتدعو الضباط إلى الاطمئنان ~~إلى نيات الحكومة نحوهم ... إذ لم يكن خافيا أنهم كانوا يتوجسون شرا من ناحيتها، ~~ويتوقعون أن تتربص بهم الدوائر للاقتصاص منهم إذا أمكنتها الفرصة، وبذلك تزداد ~~هوة التنافر اتساعا بينهم وبين الحكومة، فأراد الخديو بهذه الخطبة أن يدخل ~~الطمأنينة إلى نفوسهم ويدعوهم إلى الثقة بمقاصد الحكومة، ولكن الحوادث جاءت على ~~خلاف ما كان يظن ويتوقع. ~~(1-4) بعد واقعة قصر النيل # لم يطمئن عرابي وصحبه على مركزهم، وعلى حياتهم بعد واقعة قصر النيل ... فبالرغم من ~~عزل عثمان باشا رفقي، وتعيين وزير حربية يعطف عليهم ويؤيدهم، فإنهم كانوا يخشون على ~~حياتهم أن تمتد إليها يد الاغتيال انتقاما مما فعلوا، وأقاموا لهم حرسا من ~~المخلصين لأشخاصهم، وزادوا من عدد الخفراء لحراسة منازلهم ليلا، واختاروا ضباطا ~~من خاصة أوليائهم لنقل المراسلات السرية بينهم، وصاروا إذا انتقلوا ms023 من مراكز ~~آلاياتهم إلى بيوتهم اصطحب كل منهم حرسا من العساكر المسلحين للمحافظة على ~~حياتهم، يلازمونهم حتى يعودوا إلى مراكزهم، وأكثروا من الاجتماعات السرية يعقدونها ~~ليلا في منزل عرابي، ويدعون إليها من يثقون بإخلاصهم من الضباط للتشاور فيما ~~يفعلون، وتنفيذ ما يستقر عليه رأيهم. # وقد أسفرت هذه الاجتماعات عن تقديم عريضة من جميع الآلايات بالمطالب ~~الآتية: # أولا: # صرف نقود بدل التعيينات التي تؤخذ من مخازن الجهادية وتباع ~~للآلايات، وذلك حفظا لحقوق العساكر من التلاعب بها، والخيانة التي ~~كانت فاشية في المأمورين ورؤسائهم، وخصوصا في صنف المسلي «السمن»، ~~فإنه كان يصرف للآلايات من الشحم الذي يصنع في تريستا، ويأتي في ~~برامل باسم «مسلي»، وكان كريه الطعم والرائحة لا يصلح للطعام، ولكن لم ~~يكن أحد ليجسر على المجاهرة بالحقيقة، لما للتجار المتعهدين بتوريده ~~من المداخلة مع الرؤساء. # ثانيا: # عدم استقطاع مرتبات الضباط والعساكر في مدة الأجازات التي تعطى لهم ~~إذا لم تتجاوز ثلاثين يوما، وإذا تجاوزت هذه المدة يستقطع نصفها ~~فقط. # ثالثا: # يؤخذ من الضباط والعساكر نصف الأجرة في السكك الحديدية. # رابعا: # إبطال ورشة الترزية لما فيها من التلاعب والغبن الفاحش، وصرف أثمان ~~الملابس نقدا لتشترى من الخارج بمعرفة الآلايات. # خامسا: # عدم جواز الترقي للعسكرية ما لم يسن لذلك قانون خاص يجري العمل على ~~مقتضاه. # سادسا: # زيادة مرتبات جميع الضباط والعساكر بالنسبة لارتفاع أسعار الحاجات عن ~~قيمتها من منذ ثمانين سنة؛ أي حين إنشاء العسكرية وترتيب تلك المرتبات ~~الدنيئة. # سابعا: # سن قانون يشمل حالات الترقي والتقاعد والمكافآت والأجازات وتسوية ~~معاش الاستيداع. # ثامنا: # إرجاع أحمد بك عبد الغفار قائم مقام السواري، الذي فصله عثمان باشا ~~رفقي من الخدمة من غير محاكمة ولا سبب يوجب ذلك. # أجابت الحكومة معظم هذه الطلبات ... فعنيت وزارة الحربية بإصلاح مأكل الجيش، وصار ~~يطبخ لهم في معظم الوجبات اللحم وأنواع الخضر والأرز باللبن والحلوى، بدلا من ~~العدس والفول اللذين كانا طعامهم الدائم، وصار يعطى للجنود السودانيين شراب ~~«البوظة» المصنوعة من الشعير كمألوف عادتهم، وتصرف لأولادهم ونسائهم جرايات زيادة ~~عن ms024 جرايات الجند. # وعرض محمود سامي باشا البارودي على مجلس الوزراء وجوب سن القوانين اللازمة لإصلاح ~~حالة الجند، وزيادة رواتب الضباط والجنود. وتألفت لجنة للنظر فيما يجب إجراؤه من ~~التعديلات والإصلاحات في النظم والقوانين العسكرية، ورفع رياض باشا إلى الخديو في ~~20 أبريل سنة 1881 تقريرا بذلك أشار فيه إلى طلب ناظر الجهادية - وزير الحربية - ~~زيادة رواتب الضباط والجند. # وبناء على هذا التقرير صدر مرسومان بتاريخ 20 أبريل سنة 1881 / 21 جمادى الأولى ~~سنة 1298ه) يقضي الأول بزيادة رواتب الضباط والجنود. # ويقضي المرسوم الثاني بتأليف لجنة (قومسيون) برياسة وزير الحربية والبحرية للنظر ~~والبحث في القوانين والنظم العسكرية المعمول بها وقتئذ، وإدخال كل ما ترى لزومه من ~~التعديلات والإصلاحات فيها، وما ينبغي إجراؤه من الإصلاح في المدارس الحربية، ~~وإعداد مشروع قانون بشروط الدخول في سلك الضباط وتعيينهم وترقيتهم واستيداعهم ~~ورفتهم وتقاعدهم، وتسوية حالة الضباط المحالين إلى الاستيداع. # فأخذت اللجنة توالي الاجتماع لإعداد القوانين العسكرية الجديدة، وهي القوانين ~~التي صدرت في عهد وزارة شريف باشا كما سيجيء بيانه. ~~(1-5) الاحتفال بزيادة الرواتب # أقام محمود سامي باشا البارودي بعد صدور هذين المرسومين حفلة في ديوان الجهادية - ~~وزارة الحربية - بقصر النيل ابتهاجا بزيادة رواتب الضباط والجند وتأليف لجنة إصلاح ~~النظم العسكرية، وكأنما أراد أن يعلن عن أول ثمرة لتقلده وزارة الحربية ليكسب ثقة ~~الضباط والجند ويزداد بهم نفوذا وسلطانا. # استكملت هذه الحفلة مظاهر الرونق والفخامة، إذ أعد فيها البارودي مأدبة فاخرة دعا ~~إليها الوزراء وعلى رأسهم رياض باشا، ثم المراقبين الأوروبيين، وضباط الجيش ... ولما ~~تكامل جمعهم جلسوا إلى موائد الطعام فتناولوا المآكل الفاخرة. # ثم قام محمود سامي باشا البارودي وألقى خطبة، نوه فيها بفضل الحكومة، وأعرب عن ~~فضل الخديو فيما تقرر من الإصلاحات، ودعا الضباط إلى الخضوع لأوامر الحضرة ~~الخديوية، ولعله أراد بهذه الخطبة أن يزيل من الأذهان تأثير التمرد الذي وقع من ~~الجيش يوم أول فبراير سنة 1881، وهاك نص الخطبة: # هذه ليلة أنس دعتنا إلى الاجتماع فيها دواعي المحبة والائتلاف، تذكارا ~~لمآثر الحكومة الخديوية ms025 الجليلة، التي وجهت عزيمتها إلى إصلاح أحوال ~~الأهالي جميعا، وتعميم العدل فيهم وإيصال كل إلى ما يستحق، وقد رأينا في ~~هذا الزمن القليل من عهد ما استلم خديوينا المعظم زمام الحكومة تغييرا ~~مهما، إذ تبدل فيه العسر باليسر، والظلم بالعدل، والنقم بالنعم، ~~وتقدمت فيه البلاد إلى نجاحها تقدما سريعا، وما ذلك إلا من حسن ~~مقاصد هذا الجناب وطهارة سجاياه، خصوصا وأنه اصطفى لمساعدته على مقاصده ~~الجليلة رجلا غيورا عالي الهمة زكي النفس، وهو حضرة دولتلو رياض باشا، ~~فلم يأل جهدا في العمل، ولم يقصر في تذليل المصاعب باتحاده مع حضرات ~~رفقائه الكرام حتى وصلنا إلى هذه الغاية التي لا ينكر أحد حسنها. ولا ريب ~~في أن هذه نعم يجب علينا استبقاؤها وحفظها والاستزادة منها، ولن يكون ذلك ~~إلا إذا قرناها بالشكر عليها، فقد قالوا: الشكر سياج النعم، وحقيقة الشكر ~~أن يكون جميعنا مخلصا للحكومة في خدمته قائما بواجباته لها، معضدا لجميع ~~مقاصدها، خاضعا لأوامر الحضرة الخديوية ~~التي هي السبب في هذا الخير العظيم؛ وعلى ذلك لا بد أن ننادي جميعا: فليحي ~~الجناب الخديوي أطال الله بقاءه! # ثم قام بعده رياض باشا وارتجل خطابا وجهه إلى الضباط، جاء فيه: # ليلة سرور، تجلى فيها الصدق والإخلاص، واجتمعت فيها القلوب على قصد ~~أداء الشكر للجناب الخديوي، غير أن تذكار محامده ومآثره الجليلة، يجعل ~~الشكر موضعا يقع موقع الفرض الشرعي. # إن محسنات العدل ووجوه الإصلاح التي امتازت بها مدة حكم الجناب الخديوي ~~في هذه الأوطان أمر معلوم، يعد تعدادها من قبيل تحصيل حاصل ... وأنتم معاشر ~~الضباط تعلمون ذلك حق العلم، فلا حاجة إلى بسط الكلام فيه، ومن أراد توضيح ~~الحقيقة، فليقارن بين الحالة الحاضرة وما قبلها بسنتين يظهر له الفرق الجلي ~~والبون التام ما بين الحالتين، وأن ضباط العسكرية وهم من أشرف أعضاء ~~الحكومة ممن شملتهم هذه المحسنات وعمتهم فوائد الإصلاح. ومن أهم وجوهه التي ~~شهدناها في عصر الخديو الجليل تقرير الأمن على الأرواح والأموال، وحفظ ~~الحقوق الشرعية وأداؤها لأربابها، ويلزم لدوام ذلك ثبوت ms026 الطمأنينة ورسوخ ~~قاعدة الراحة العمومية، ومدار ذلك وأساسه انتظام حال العسكرية. # وقد رأيتم من أنفسكم أن حقوقكم وصلت إليكم، وأنتم روح الضبط والربط، ~~وأنتم قوة الحاكم وآلته المنفذة، فإذا بدأ الحاكم يحسن الالتفات ونظر ~~إليكم بعين الرأفة والرحمة، فعليكم كما أخذتكم ما لكم، أن تؤدوا ما عليكم، ~~وهو طاعة ولي الأمر الذي هو السبب الأعظم في جميع هذه الخيرات التي شملتنا، ~~بل هو الذي أنعش في هذا الوطن روح الحياة بعد أن أشرف على الموت والدمار، ~~فعليكم أن تكونوا دائما على قدم الاستعداد لتنفيذ أحكامه والمحافظة على ~~أوامره ونواميسه العادلة، وعلينا جميعا أن نبتهل إلى الله تعالى بدوام ~~بقائه وتأييد عزه، وأن ينادي لسان الصدق منا: فليعش الجناب الخديوي! ~~(2) خطبة عرابي بك # وبعد أن جلس رياض باشا قام أحمد عرابي بك (باشا) وأجاب بتحقيق ما قاله وزير الحربية ~~ورئيس الوزراء، وبين ما وصلت إليه الحكومة في ذلك العهد من التقدم، ناسبا جميع ذلك ~~إلى همة الجناب الخديوي واستقامة وزرائه وغيرتهم على المصالح ... ثم قال: إننا على ~~الدوام مطيعون لأوامره السامية، ونحن آلته المنفذة الحاضرة بين يديه يديرها كيف يشاء، ~~وفي أي وقت أراد، وإننا بلسان واحد نسأل الله تعالى أن يحفظه لنا ويطيل بقاءه ويعززه ~~برجال حكومته، ويمتع البلاد بأحكامه العادلة آمين، وكلنا بلسان واحد نسأل الله سبحانه ~~وتعالى أن يحفظ الحضرة الخديوية، ويوفق رجال حكومته الكرام لإصلاح البلاد وإسعاد ~~العباد. # عظمت مكانة عرابي في نفوس الضباط والجند بعد انتصاره في واقعة قصر النيل، وزاد من ~~التفافهم حوله أنه تقدم بطلباته سالفة الذكر إلى وزير الحربية الجديد «البارودي» ~~واستجاب البارودي إلى طلباته. # وبذل البارودي جهدا موفقا في إعادة التفاهم بين الحكومة والضباط، على أن هذا ~~التفاهم لم يدم طويلا ... ولم تلبث مظاهر الخلاف وبوادر الشقاق أن باعدت بين الفريقين، ~~وأخذ كل فريق يسيء الظن بالآخر، ويتوجس خيفة من مقاصده وتدابيره. ~~(3) استقالة البارودي # وقعت في شهر يوليو سنة 1881 حادثة بالإسكندرية أعادت القطيعة بين الضباط والحكومة ... ~~وذلك أن الخديو توفيق كان ms027 يقضي صيف سنة 1881 بالإسكندرية. وقد حدث يوم 25 يوليو أن عربة ~~لأحد تجار الثغر يقودها سائق أوروبي، كانت تسير في الشارع المؤدي إلى سراي رأس التين، ~~فصدمت جنديا من فرقة المدفعية - الطوبجية - وأصابته إصابة قاتلة، نقل على إثرها إلى ~~المستشفى وتوفي هناك، وكان الخديو وقتئذ بالسراي، فارتأى رفاق القتيل أن يحملوه إليها، ~~ويلتمسوا من الخديو الاهتمام بمعاقبة الجاني. # وكان هذا العمل بالغا في الخروج على النظام؛ لأن مثل هذه الحادثة لا ترفع إلى ~~الخديو، وليس من اللائق بمقامه أن يذهب الجنود إلى قصره حاملين القتيل يعرضونه عليه ~~ويطلبون منه معاقبة الجاني، إذ إن السراي الخديوية ليست مخفر بوليس تحمل إليه جثث ~~القتلى ... وقد دخل الجند السراي في جلبة وضجة، وصاحوا طالبين معاقبة الجاني ... فغضب ~~الخديو من الجند وأمر بطردهم، فانصرفوا. وبعد أيام صدر الأمر بتشكيل مجلس عسكري ~~لمحاكمتهم، فحوكموا وصدرت عليهم أحكام بالغة منتهى القسوة. فقد حكم على الجندي الذي ~~دعا رفاقه إلى حمل القتيل إلى السراي بالأشغال الشاقة المؤبدة، وحكم على رفاقه وهم ~~ثمانية بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات، وبأن يقضوا مدة العقوبة بليمان الخرطوم، ثم ~~يكونوا بعد ذلك من أفراد الجيش بالأقطار السودانية ... وأقر الخديو الحكم ونفذ في ~~المحكوم عليهم وسيقوا إلى السويس، ومنها إلى سواكن ثم إلى الخرطوم. # كان لهذا الحكم الشديد وقع أليم في النفوس، وكتب عبد العال بك حلمي تقريرا إلى وزير ~~الحربية «البارودي» يشكو فيه من قسوته، وذكر بعض الحوادث التي تجري في آلايه، والدسائس ~~التي لا تنقطع. # رفع البارودي هذا التقرير إلى الخديو، فاستاء من ذلك وعده تطاولا على مقامه، وغضب ~~على البارودي واعتزم إقصاءه عن وزارة الحربية، واستدعى الوزراء بالتلغراف من القاهرة ... ~~فوفدوا إلى الإسكندرية واجتمعوا بالخديو في سراي رأس التين، وتداولوا في حادثة الجندي ~~القتيل وما فعل رفاقه، وقرر الخديو أن بقاء البارودي في وزارة الحربية هو منشأ هذه ~~الفوضى، ولا سبيل إلى إعادة النظام إلا بعزله. فلم ير البارودي بدا من أن يقدم ~~استقالته، فقبلت في الحال، وعين الخديو ms028 صهره داود باشا يكن بدله، ثم أعقب ذلك صدور ~~أمر آخر بعزل أحمد باشا الدرملي محافظ العاصمة، لما كان معروفا عنه من مشايعته لحركة ~~عرابي، وتعيين عبد القادر باشا حلمي مكانه، وكان مكروها من العرابيين. # قابل عرابي وصحبه هذا التغيير بالانزعاج والتبرم ... وتوجسوا خيفة من عواقب إبعاد ~~البارودي الذي كانوا يطمئنون إليه، ويركنون إلى إخلاصه، وتوقعوا شرا مستطيرا من ~~تعيين صهر الخديو على رأس الوزارة التي تملك ناصية الجيش، على أنهم كتموا شعورهم وأخذوا ~~يتدبرون ما يجب عليهم عمله للمحافظة على حياتهم بعد هذا التغيير، وذهبوا إلى داود باشا ~~في ديوان الجهادية يهنئونه بمنصبه الجديد، وطلبوا إليه أن يجعل فاتحة أعماله إصدار ~~قوانين الإصلاحات العسكرية التي وضعت في عهد البارودي فوعدهم بذلك ... # ولكنه لم يلبث أن أصدر منشورا أبلغه جميع الآلايات، نهى فيه الضباط عن اجتماعهم في ~~المنازل أو في أحياء المدينة، ونبه على عدم ترك مراكز الآلايات ليلا أو نهارا، ~~وأنذرهم بأنه إذا وجد اثنان منهم أو أكثر مجتمعين معا في المدينة فسيجري ضبطهم بيد ~~رجال الضبطية واعتقالهم، وأن كل من يتكلم منهم مع آخر في الأمور السياسية يسجن ~~بالقلعة، وشدد على الضباط في اتباع هذه الأوامر وأخذ يراقب تنفيذها، فيذهب بنفسه ~~ليلا إلى مراكز الآلايات ليتحقق من تنفيذ أوامره، وبث عبد القادر باشا حلمي محافظ ~~العاصمة الجديد العيون والجواسيس على منازل رؤساء الحزب العسكري، وخاصة عرابي ~~وعبد العال وأحمد عبد الغفار، لمنع اجتماعاتهم، فارتاعوا من ذلك ولزموا ~~آلاياتهم. # كان الغرض من صدور هذه الأوامر تفريق اجتماعات الضباط، إذ كانت هذه الاجتماعات ~~الوسيلة العملية لتبادلهم الآراء والأفكار، وتعاهدهم على التضامن واتحاد الكلمة ~~واتفاقهم على الخطط التي يتبعونها لحفظ كيانهم وتحقيق مطالبهم ... فداود باشا يكن قد حقق ~~بهذه الأوامر المخاوف التي ساورت عرابي وصحبه من تعيينه وزيرا للحربية بدلا من ~~البارودي، واتفق الضباط على رفض تنفيذ هذه الأوامر. # | عرابي الزعيم القومي # (1) الزعامة القومية # لم يكن لواقعة قصر النيل أثرها في الجيش فحسب، بل كان لها أثر بالغ في الأمة ... إذ ms029 ~~جعلت لعرابي مكانة كبيرة في البلاد، وأخذت الألسنة تلهج باسمه وتمتدح شجاعته وإقدامه. ~~والواقع أن الحادثة في ذاتها وما تنطوي عليه من الجرأة على الحكومة، وإطلاق سراح ~~المسجونين، وعزل وزير الحربية عثمان رفقي الذي كان موضع سخط الضباط الوطنيين، وتعيين ~~وزير يعطف عليهم ويؤيدهم، ثم الإصلاحات التي قام بها البارودي وأخصها زيادة رواتب ~~الضباط والجند، كل هذه الأعمال جعلت من عرابي زعيما قوميا اتجهت إليه الأنظار لتحقيق ~~أماني الشعب، ولم يكن الجيش يصدر عن أفكار وعواطف تخالف أفكارها ونفسيتها، فهو أول شيء ~~طبقة من صميم الأمة، وضباطه وجنوده متصلون بها بروابط القرابة والدم، وكانوا يمثلون ~~الأمة من هذه الناحية، ومن كونهم جاءوا من مختلف نواحي المديريات. # وكانت المظالم التي شكا منها زعماء الجيش تشبه المظالم التي كانت البلاد تشكو منها، ~~ولم يكن الناس راضين عن الحكومة وسياستها، بل كانوا يتبرمون بمظالم الحكام، وينقمون من ~~الوزارة بسبب استسلامها للنفوذ الأجنبي وخضوعها لأوامر القناصل ومحاباتها الموظفين ~~الأجانب في مصالح الحكومة، وتمييزها إياهم بالرواتب الكبيرة والمزايا العديدة، فلا غرو ~~أن اغتبط الناس بتحقيق مطالب الجيش، وذاع في البلاد اسم عرابي كمنقذ للأمة من المظالم ~~ومحقق للآمال، وقد لقي عرابي عطفا وتأييدا من جميع الطبقات، وفي مقدمتها العلماء ~~والأعيان وعامة البلاد ومشايخ العربان، وأخذ هو يبث ~~أفكاره بينهم ليكونوا عدته وحزبه، ويتأهب للقيام بحركة جريئة توطد نفوذه وسلطانه، ~~ويطمئن بها على حياته وحياة صحبه الموالين له في الجيش ... وهي المطالبة بتأليف المجلس ~~النيابي مع إسقاط وزارة رياض باشا، أو بعبارة أخرى إحداث انقلاب في نظام الحكم، وإحلال ~~حكم الشورى محل الحكم الاستبدادي. # ولما اطمأن عرابي إلى أن الجيش في قبضة يده والأمة تناصره، شرع في إحداث الانقلاب ~~الذي كان يرجوه في نظام الحكم، أو بعبارة أخرى أخذ يتأهب لمتابعة الثورة التي بدأها يوم ~~أول فبراير سنة 1881. # وكانت الحكومة من ناحيتها تدفعه إلى الثورة دفعا، بما بدا منها من الحركات العدائية ~~التي قصدت منها تفريق شمل زعماء الجيش وضباطه تمهيدا للتنكيل بهم ... فهي أولا لم ms030 تصدر ~~القوانين العسكرية الجديدة التي وضعت في عهد البارودي، وكان هذا إخلالا بوعدها في ~~تحسين حالة الضباط والجنود، وبرهانا على سوء مقاصدها نحو الجيش، واشتدت هذه المقاصد ~~ظهورا من يوم عودة الخديو من مصيفه بالإسكندرية إلى العاصمة. # لم يكد الخديو يصل إلى العاصمة حتى أخذ ينفذ خطته، وقوامها تفريق وحدات الجيش، ونقل ~~الفرق الموالية للحزب العسكري من العاصمة لكي يستبدل بها فرقا أخرى موالية للخديو ... ~~فأصدر داود باشا يكن وزير الحربية أمرا بأن ينقل الآلاي الثالث من المشاة - آلاي ~~القلعة - إلى الإسكندرية بدلا من آلاي الإسكندرية - الآلاي الخامس - وأن يأتي هذا إلى ~~القاهرة مكانه، فلما علم ضباط الآلاي الثالث بهذا الأمر اضطربوا له وأوجسوا شرا من ~~عواقبه، وذهبت بهم الظنون والوساوس كل مذهب، وخشوا أن يكون غرض الحكومة الانتقام منهم ~~والتنكيل بهم، وسرت بينهم إشاعة أن في نية الحكومة إغراقهم في كوبري كفر الزيات حين ~~سفرهم بالقطار إلى الإسكندرية، وعادت إلى أذهانهم حادثة إغراق الأمير أحمد باشا رفعت بن ~~إبراهيم باشا في كفر الزيات في عهد سعيد باشا. # واتفقت كلمة ضباط الآلاي على رفض الإذعان لأمر وزير الحربية الجديد، والامتناع عن ~~مغادرة القلعة ... فلما جمع قائد الآلاي ضباطه وتلا عليهم أمر الوزير أعلنوا جميعا أنهم ~~يرفضون الإذعان له ... فكتب إلى وزير الحربية يخبره بذلك. واعتزم عرابي وصحبه تحريك الجيش ~~والسير به إلى سراي عابدين في شكل مظاهرة عسكرية؛ لإملاء إرادتهم على الخديو لكي يضعوا ~~حدا للحالة القلقة التي وصلت إليها البلاد، ولإحداث الانقلاب الذي أرادوه. ~~(1-1) واقعة عابدين # اتفقت كلمة زعماء الضباط على إقامة المظاهرة العسكرية أمام سراي عابدين يوم ~~9 سبتمبر سنة 1881، ووضعوا لها خطة محكمة، وهي حضور جميع آلايات الجيش المرابطة ~~بالقاهرة إلى ميدان عابدين في أصيل ذلك اليوم لتقديم طلبات الأمة إلى الخديو ... ~~وقوامها إسقاط الوزارة، وتأليف المجلس النيابي، وزيادة عدد الجيش، فخاطب عرابي جميع ~~آلايات المشاة والفرسان والمدفعية الموجودة وقتئذ بالعاصمة لموافاته بميدان عابدين ~~في الساعة الرابعة لعرض طلباتهم على الخديو، وأرسل إلى وزير الحربية يبلغه ms031 أن يخبر ~~الخديو بأن جميع الآلايات ستحضر إلى ساحة عابدين في الساعة المذكورة «لعرض طلبات ~~عادلة تتعلق بإصلاح البلاد وضمان مستقبلها». وأرسل أيضا إلى قناصل الدول يطمئنهم ~~أن لا خوف على رعاياهم من هذه المظاهرة؛ لأنها مقصورة على أحوال البلاد ~~الداخلية. # احتشد الجيش في الموعد المضروب في ميدان عابدين، وكان أول من حضر إلى الميدان ~~آلاي الفرسان «السواري » بقيادة أحمد بك عبد الغفار، ولعله بادر بالحضور؛ لأنه كان ~~من أول الناقمين من النظام القديم، إذ فصله وزير الحربية الأسبق «عثمان باشا رفقي» ~~لغير ما سبب، ثم جاء عرابي ممتطيا جواده شاهرا سيفه يقود آلاي العباسية، ويصحبه ~~آلاي المدفعية «الطوبجية» يقوده إسماعيل بك صبري ومعه المدافع بذخيرتها، وكانت ~~بطاريات المدافع تتخلل أورطة المشاة أثناء السير. ~~••• # ولما وصل عرابي تفقد علي بك فهمي فلم يجده، وأخبره بعض الضباط أنه وزع آلاي ~~الحرس داخل السراي، ومعه كمية وافرة من الذخيرة، وأنه على استعداد للدفاع عنها إذا ~~مست الحاجة، فبعث إليه من فوره بالملازم محمد أفندي علي ليستدعيه ... فحضر علي بك ~~فهمي، فسأله عرابي عن سبب جعله العسكر على أبواب السراي ومنافذها من الداخل، ولم ~~يكن هذا اتفاقهم من قبل، فطمأنه علي بك فهمي، وقال له: «إن السياسة خداع.» أي أنه ~~لم يفعل ذلك إلا لمخادعة الخديو وأنه باق على عهده، فطلب إليه عرابي أن يسحب آلايه ~~من السراي ويأخذ مكانه في الميدان، ففعل. وأمر بخروج الآلاي من السراي، فخرج منها ~~الجند جميعا واصطفوا إلى جانب إخوانهم في المكان المعين لهم من الدائرة، ثم تم ~~ترتيب آلاي المدفعية والفرسان والمشاة على شكل مربع ... وجاء بعد ذلك الآلاي الثاني ~~من قصر النيل يقوده بعض ضباطه؛ وذلك لامتناع قائده وكبار ضباطه عن الاشتراك في ~~الحركة، ثم جاء الآلاي الثالث قادما من القلعة بقيادة البكباشي فودة حسن، والآلاي ~~السوداني قادما من طرة بقيادة عبد العال بك حلمي، ثم أورطة المستحفظين يقودها ~~القائمقام إبراهيم بك فوزي. وبذلك اكتمل الجيش في ميدان عابدين، إذ لم يبق آلاي من ~~الآلايات ms032 المرابطة بالعاصمة إلا حضر إلى الميدان، وبلغ عدد الجنود المحتشدين في ~~الميدان نحو أربعة آلاف بأسلحتهم ومدافعهم، وغصت أطراف الميدان بالجموع الحاشدة من ~~الناس الذين جاءوا ليشهدوا هذا المنظر، وامتلأت نوافذ البيوت المجاورة للسراي ~~وسطوحها بالنظارة، وكان الموقف رهيبا؛ لأن مجيء الجيش متهددا متوعدا، واحتشاده ~~بأسلحته وذخائره ومدافعه أمام السراي الخديوية يحاصرها ويسد المسالك على من فيها، ~~كل ذلك خليق بأن يفزع الخديو ووزراءه، وخاصة بعد أن رأى أن حرسه الخاص قد تخلى ~~عنه في هذه الساعة العصيبة وانضم إلى الجيش الثائر. # وكان الخديو قد جاء إلى السراي ودخلها من الباب الشرقي وصعد إلى ديوانه، وشهد ~~تجمع الجنود في الميدان، وكان الوزراء قد توافدوا على السراي، وجاء أيضا بعض ~~قناصل الدول والسير أوكلن كولفن المراقب المالي الإنجليزي ... فشهدوا هذا المنظر الذي ~~لم يألفوا مثله في مصر من قبل. ~~(1-2) الخديو في الميدان # وقد ظن الخديو أنه إذا نزل إلى الميدان، فإن ما له من الهيبة التقليدية في نفوس ~~الرعية والجند يصد الجيش وضباطه عن التمرد، فنزل من السراي إلى حيث رؤساء الجند، ~~يصحبه المستر كوكسن قنصل إنجلترا في الإسكندرية - وكان نائبا عن القنصل العام ~~السير إدوار مالت لغيابه بالأجازة - والسير أوكلن كلفن المراقب المالي الإنجليزي، ~~وبعض عساكر الحرس الخاص، فلما توسط الميدان نادى عرابي، فجاءه راكبا جواده ~~شاهرا سيفه، وخلفه نحو ثلاثين ضابطا شاهرين السيوف. فلما دنا من الخديو صاح به ~~أحد رجال الحرس: أن ترجل واغمد سيفك! ... ففعل ثم أقبل عليه ... # وهنا يقول عرابي: إن المستر كوكسن أشار على الخديو بأن يطلق عليه مسدسه، ولكن ~~الخديو لم يعمل بإشارته وقال له: «أفلا تنظر إلى من حولنا من العسكر؟!» أي أنه خشي ~~مغبة العمل بنصيحة المستر كوكسن. والواقع أنها نصيحة لا تنم عن إخلاصه للخديو ولا ~~حسن قصد من المستر كوكسن ... فلو أن الخديو أمكنه أن يقتل عرابي في هذه اللحظة لما ~~أمن على حياته من الجند والضباط. # أما ما فعله الخديو في ذلك الحين، فإنه صاح بالضباط الذين جاءوا ms033 خلف عرابي: ~~«أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى بلوكاتكم!» ... فلم يفعلوا وظلوا وقوفا في أماكنهم ... ~~وكانوا كحرس خاص لعرابي، فلم يغادروه حتى انتهى الحوار بينهما. ~~(1-3) مطالب عرابي # ولما وقف عرابي أمام الخديو وحياه التحية العسكرية، خاطبه الخديو قائلا: «ما ~~هي أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟» # فأجابه عرابي: «جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش والأمة ... وكلها طلبات ~~عادلة!» # فقال الخديو: «وما هي هذه الطلبات؟» # فأجابه: «هي عزل رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب، وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد ~~المعين في الفرمانات السلطانية.» # فقال الخديو: «كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا خديو البلد وأعمل زي ما أنا ~~عاوز!» # فقال عرابي: «ونحن لسنا عبيدا ولا نورث بعد اليوم.» # فلما وصل الحوار إلى هذا الحد، أشار المستر كوكسن على الخديو بالرجوع إلى السراي ~~لافتا نظره إلى سوء المغبة إذا زادت المناقشة عن هذا الحد ... فرجع الخديو ومن كان ~~بمعيته إلى داخل السراي. # ثم عاد منها المستر كوكسن ومعه السير أوكلن ~~كولفن، وخاطب عرابي كرسول من قبل الخديو قائلا: «إن عزل الوزارة من اختصاص ~~الخديو، وطلب تشكيل مجلس النواب ليس من حقوق الجهادية، وزيادة الجيش لا لزوم لها ~~لأن مالية الحكومة لا تساعد على ذلك.» # فقال عرابي: «اعلم يا حضرة القنصل أن طلباتي المتعلقة بالأهالي لم أعمد إليها ~~إلا لأنهم أقاموني نائبا عنهم في تنفيذها بواسطة هؤلاء العساكر الذين هم عبارة ~~عن إخوانهم وأولادهم ... فهم القوة التي تنفذ بها كل ما يعود على الوطن بالخير ~~والمنفعة. وانظر إلى هؤلاء المحتشدين خلف العساكر، فهم الأهالي الذين أنابونا عنهم ~~في طلب حقوقهم. واعلم علم اليقين أننا لا نتنازل عن طلباتنا، ولا نبرح هذا المكان ~~ما لم تنفذ.» # فقال القنصل: «علمت من كلامك أنك ترغب في تنفيذ اقتراحاتك بالقوة، وهذا أمر ينشأ ~~عنه ضياع بلادكم وتلاشيها.» # قال عرابي: «كيف يكون ذلك؟ ... ومن ذا الذي يعارضنا في أحوال داخليتنا؟ فاعلم أننا ~~سنقاوم من يتصدى لمعارضتنا أشد المقاومة إلى أن نفنى عن آخرنا!» # قال القنصل: «وأين هي قوتكم التي ms034 ستدافع بها؟» # قال عرابي: «عند الاقتضاء يمكن أن نحشد مليونا من العساكر، يدافعون عن بلادهم ~~ويسمعون قولي ويلبون إشارتي.» # فقال القنصل: «وماذا تفعل إذا لم تجب إلى ما تطلب؟» # فقال عرابي: «أقول كلمة أخرى.» فقال القنصل: «وما هي؟» # فقال عرابي: «لا أقولها إلا عند اليأس والقنوط.» # قبول مطالب عرابي # وهنا انقطعت المخابرات بين الفريقين ... وتداول الخديو في الموقف مع من كانوا ~~بداخل السراي من وزراء وقناصل وغيرهم، ومرت ساعة وهم يتداولون، فرأوا أن لا ~~بد من الإذعان لمطالب الجند لأن الجيش بأكمله يؤيد هذه المطالب، ولم يكن لدى ~~الخديو أية قوة يعتمد عليها، فاستقر الرأي على إجابة هذه المطالب تدريجيا، ~~وأن يبدأ بسقوط الوزارة، فقدم رياض باشا استقالته إلى الخديو، وكان هذا أوج ~~الثورة. # أبلغ عرابي هذا القرار، وطلب إليه الخديو قبول إسناد رياسة الوزارة الجديدة ~~إلى علي حيدر باشا يكن، فلم يوافق على ذلك ... لما له من صلة القرابة بالخديو، ~~فعرض عليه تعيين محمد شريف باشا رئيسا، فقبل ... وكان شريف باشا وقتئذ ~~بالإسكندرية، فاستدعي بالتلغراف للحضور إلى العاصمة. # وبعد أن أجيبت مطالب عرابي توجه إلى الخديو في السراي وشكر له إرضاءه مطالب ~~الأمة، فأقسم الخديو أنه مرتاح لما فعل وأنه وافق على تلك الطلبات بنية صادقة، ~~فكرر عرابي الشكر والدعاء له، وأصدر أمره إلى الآلايات بالرجوع إلى مراكزها ~~ماعدا آلاي طرة فإنه قضى ليلته في ضيافة آلاي الحرس بقشلاق عابدين. # ونشرت «الوقائع المصرية» في عدد الأحد 11 سبتمبر سنة 1881 البيان الآتي: # في ~~ليلة السبت 16 شوال سنة 1298/ 10 سبتمبر سنة 1881 استعفت نظارة دولتلو رياض ~~باشا فقبل استعفاؤها، وكلف دولتلو شريف باشا بتشكيل نظارة جديدة. # وزارة الأمة # حضر شريف باشا إلى العاصمة في اليوم ~~التالي - 10 سبتمبر سنة 1881 - وذهب إليه عرابي في منزله، وهنأه برياسة الوزارة ~~وفاوضه في أشخاص الوزارة الذين يؤلف منهم وزارته. # وكان طبيعيا أن يتدخل عرابي في تأليف الوزارة، ويكون له رأي في أشخاصها؛ ~~لأنه هو الذي توصل بقوة الجيش إلى إسقاط وزارة رياض ms035 باشا، واختيار شريف باشا ~~ذاته للرياسة، ولم يكن شريف يجهل ذلك أو يتجاهله، ولكنه كان رجلا أنوفا، ~~مستقل الرأي، حفيظا على كرامته، لا يقبل أن يتلقى الأوامر من غيره، فضلا عن ~~أنه كان يشعر في خاصة نفسه بخطر تدخل الجيش في السياسة، وأنه إذا استمر هذا ~~التدخل وصار قاعدة متبعة في إدارة الشئون العامة، فإنه يؤدي إلى فساد الإدارة ~~الحكومية، ويفضي إلى إنشاء دكتاتورية عسكرية لا يؤمن معها عدل أو حرية أو ~~دستور؛ ولذلك اجتهد في وضع حد للتدخل العسكري في شئون الحكومة. # أما فيما يتعلق باختيار أعضاء وزارته، وتدخل عرابي في هذا الصدد، فإن هذا ~~التدخل جعله يتردد أياما في قبول رياسة الوزارة ... فقد رغب إليه عرابي أثناء ~~المقابلة الأولى في اختيار محمود سامي باشا البارودي للحربية، ومصطفى فهمي باشا ~~للخارجية «لما يعلمه من ميلهما إلى العدل والحرية» - كما قال عرابي - ولم يكن ~~هذا اعتقاد شريف باشا فيهما، وقد صارح عرابي أنه لا يقبل اشتراكهما معه في ~~الوزارة؛ لأنهما حين كانا عضوين في وزارته السابقة التي ألفها في أول عهد ~~الخديو توفيق تعاهدا وإياه، كما تعاهد سائر الوزراء على أنه إذا رفض الخديو ~~الموافقة على تشكيل مجلس النواب، استقالت وزارته على أن لا يشترك أحد من ~~أعضائها في الوزارة التي تخلفها ما لم يقبل الخديو تشكيل المجلس النيابي ... فنكث ~~البارودي ومصطفى فهمي عهدهما. ~~••• # ولكن عرابي كان حريصا على إسناد وزارة الحربية إلى البارودي لما ثبت من ~~ولائه للحركة وإخلاصه للجيش، ولم ينس أنه على يده حين تولى وزارة الحربية ~~أجيبت مطالب العرابيين الأولى، وهي زيادة رواتب الضباط والجند وتأليف لجنة ~~لإصلاح القوانين العسكرية ... وأن الخديوي قد أقصاه بعد ذلك من وزارة الحربية ~~لإخلاصه للحزب العسكري، أما مصطفى فهمي فكان عرابي يميل إلى تقليده وزارة ~~الخارجية لما كان يتظاهر به من الإخلاص ~~للحركة ... على أنه لم يبد منه أي عمل إيجابي يدل على هذا الإخلاص، وكل ما عرف ~~عنه أنه من يوم أن اشترك في مقتل إسماعيل باشا صديق على ms036 عهد الخديو إسماعيل ~~ملئ قلبه رعبا من هول هذا الحادث، ونفرت نفسه من استبداد الخديويين، ومن هنا ~~اطمأن له العرابيون. وأراد عرابي أن يقنع شريف بقبول مرشحيه، فقال له: «إن لكل ~~وقت حكما، وإني واثق بحبهما للحرية والعدل والمساواة، وفضلا عن ذلك فإن ~~العسكرية لا تطمئن لغير محمود سامي باشا.» # فعرض شريف باشا على عرابي أن يقبلوه هو وزيرا للحربية، ولعله أراد بذلك أن ~~يراقب بنفسه ابتعاد الجيش عن التدخل في سياسة الدولة، إذا هو تولى وزارة ~~الحربية. # قال مخاطبا عرابي: «أفلا ترضون أن أكون ناظر الجهادية؟ ... فإني قد ربيت معكم ~~في العسكرية.» والحق أن حجة شريف باشا كانت قوية؛ لأنه تلقى التعليم العالي ~~في المدارس الحربية، ونال قسطا وافرا من علومها وفنونها في أرقى مدارس فرنسا، ~~وهو بلا شك أكفأ في هذا الصدد من محمود سامي البارودي ومن القواد العرابيين، ~~ولكن عرابي أصر على اختيار البارودي للحربية، وقال لشريف باشا: «لقد اخترناك ~~رئيسا للوزارة، ولا بد من مراعاة ميول رجال العسكرية.» فأصر شريف باشا على عدم ~~قبول مرشحيه، وانتهت المقابلة الأولى على غير اتفاق. # ومضت أيام وشريف باشا متردد في قبول ~~الرياسة، ولم يكن يستطيع غيره أن يضطلع بأعبائها وينقذ الموقف، وظل في تردده ~~حتى عاهده العرابيون في بيان مكتوب أن لا يتدخل الجيش في السياسة، وأن يكون ~~خاضعا لأوامر الحكومة، فقبل تأليف الوزارة وألفها يوم 14 سبتمبر سنة 1881، ~~ورضي بإسناد الحربية إلى البارودي والخارجية إلى مصطفى فهمي. # وقدم كبراء البلاد وأعيانها إلى شريف باشا بيانا يقرب من بيان الضباط في ~~العبارة ويطابقه في المعنى، وغايته إعلان ثقتهم بصداقته وميلهم جميعا إليه ~~وانعقاد قلوبهم عليه، وأنهم يكفلون له أن لا يقع في المستقبل شيء من الحوادث ~~التي تنسب إلى رجال العسكرية، وواثقون من أمتهم ومن رجال العسكرية الذين هم ~~أبناؤهم وإخوانهم بزوال كل خطر، وانقطاع جميع الأسباب التي توجب الخوف ~~والاضطراب، ويسألون الله تعالى تأييد دولته وتوفيقه لإصلاح أحوال البلاد بعناية ~~الجناب الخديو المعظم. # قبل شريف باشا تأليفه الوزارة ms037 بعد أن حصل على هذه العهود والمواثيق، ~~فألفها في 14 سبتمبر سنة 1881. ~~••• # وتعد وزارة شريف باشا «وزارة الأمة» لأنها ألفت تحقيقا لرغبة كبراء ~~البلاد وأعيانها ... وقد ابتهجت الأمة ابتهاجا كبيرا بتأليفها، وعلقت عليها ~~تحقيق آمالها في إقامة النظام الدستوري المقرون بالعدل والاستقامة. وقد اضطلع ~~شريف باشا بالمهمة التي ألقتها الثورة على عاتقه، وأول ما رسم من الخطوط ~~الحكيمة إعادة النظام إلى الجيش ... فإن الثورة باعتبارها ثورة عسكرية قد أخرجت ~~الجيش عن مهمته الأصلية، وهي حفظ النظام والذود عن كيان البلاد، وجعلته أداة ~~سياسية للسيطرة والحكم، وهنا موضع الخطر، إذ بذلك يختل النظام العسكري ويفقد ~~الجيش روح النظام والقيام بالواجب، ويتسرب الانقسام إلى صفوفه، ثم تقع الحكومة ~~فريسة الفوضى ... فبذل شريف باشا جهده في الحيلولة بين الجيش والسياسة، ووافقه ~~عرابي على هذه الخطة في أوائل عهد وزارته، فقد ذهب إليه عقب تأليف الوزارة ~~بيومين على رأس وفد من الضباط لتهنئته بالوزارة وشكره على قبول الرياسة، وألقى ~~أمامه الكلمة الآتية: # إني بلسان قومي أعرض لدولتكم ~~أننا جميعا واثقون بصداقة دولتكم، وخلوص طويتكم لمحبة الوطن وأهله، ~~وجازمون بأن هذه الصفات التي تحلت بها ذاتكم الشريفة تكون وقاية ~~لبلادنا، وسببا في استتباب الراحة العمومية فيها، وإننا نعلم واجباتنا ~~والفروض التي تحتمها علينا وظائفنا العسكرية، وأعظمها حفظ البلاد ومن ~~فيها؛ ولذلك فإننا نقر بأننا القوة المنفذة لما يصدر من الأوامر ~~التي تكون إن شاء الله في خير، وقاضية بإصلاح شئون البلاد، إلا أن ~~لنا حقوقا معلومة يمنحها لنا القانون، ونرجو من الله أن يحسن إلينا ~~بنوالها بمساعدة دولتكم وتوفيق الله تعالى، ونسأله سبحانه أن يوفقنا ~~جميعا لما فيه الخير والصلاح آمين. # وأمن عليه الحاضرون من الضباط ... # فترى في هذا الخطاب أن عرابي تعهد من جديد باحترام النظام، إذ يقر بأن ~~الجيش هو القوة المنفذة لما يصدر إليه من أوامر. ~~(2) خطبة شريف باشا # وقد اغتنم شريف باشا هذه الفرصة لينبه الضباط إلى واجبهم في إبعاد الجيش عن ~~السياسة، فأجاب على كلمة الشكر بقوله: «في علمكم ما ms038 قال الأقدمون: آفة الرياسة ضعف ~~السياسة، ولا حكومة إلا بقوة، ولا قوة إلا بانقياد الجنود انقيادا تاما وامتثالهم ~~امتثالا مطلقا.» ~~«كل حكومة عليها فرائض وواجبات، من أهمها صيانة الوطن وحفظ الأمن العمومي فيه ... وهذا ~~وذاك لا يتأتيان إلا بطاعة رجالها العسكرية، فترددي أولا في قبول الرياسة ما كان إلا ~~تجافيا عن تأسيس حكومة غير قوية تخيب بها الآمال، ويزيد معها الإشكال، فأكون عرضة ~~للملامة بين إخواني في الوطن وبين الأجانب، وحيث أغاثتنا الألطاف الإلهية وحصل عندي ~~اليقين بانقيادكم، فقد زال الاضطراب من القلوب، ورتبت الهيئة الجديدة من رجال ذوي عفة ~~واستقامة، فأوصيكم بملاحظة الدقة في الضبط والربط؛ لأنهما من أخص شئون العسكرية وأساس ~~قواها، واعرفوا أنكم مقلدون أشرف وظيفة وطنية ... فقوموا بأداء واجباتها الشريفة، وعلى ~~القيام بأداء كل ما يزيدكم فخرا وسؤددا، وفقنا الله وإياكم.» # فهذه الخطبة على إيجازها، جمعت أسمى ما يقوله زعيم سياسي صائب الرأي بعيد النظر في ~~الظروف التي تألفت فيها وزارته. إذ لم يكن خافيا أن الدول الاستعمارية - وخاصة ~~إنجلترا - كانت تتطلع إلى الثورة العرابية لكي تتخذ منها ذريعة للتدخل في شئون ~~البلاد، ولم تخف هذه المطامع عن عرابي ذاته، فقد ذكر في مذكراته أنه كان يلاحظ هو ~~وصحبه عقب واقعة قصر النيل كثرة تردد السير إدوار مالت قنصل إنجلترا في مصر على الخديو ~~ليلا ونهارا ... فأوجسوا من ذلك خيفة على مصير البلاد، وخشوا من مطامع إنجلترا، ~~وتحدثوا بأنها تطمع في احتلال وادي النيل أسوة بما فعلته فرنسا في تونس إذ احتلتها ~~سنة 1881. # فشريف باشا سعى جهده في أن لا يتخذ دعاة الاستعمار من الثورة ذريعة للتدخل في شئون ~~البلاد؛ من أجل ذلك لم يفته النصح للعرابيين أن لا يقحموا الجيش في غمار السياسة، ~~فتضطرب الأحوال وتتفتح الثغرات للتدخل الأجنبي، ولم يكن يخفى أن زعماء الثورة من الضباط ~~قد داخلهم شيء كثير من الزهو والخيلاء، إذ كانوا قوام الحركة، وبفضلهم سقطت وزارة رياض ~~باشا البغيضة إلى الرأي العام، وتألفت وزارة شريف المرجوة من الأمة، فلو لم ms039 يكن شريف ~~عظيم النفس قوي الشخصية، لجعل خطبته تمليقا لضباط الجيش اكتسابا لثقتهم وتأييدهم، ~~ولكنه على العكس خاطبهم بلهجة الناصح الأمين، ودعاهم إلى التزام حدود واجباتهم، وهي ~~الطاعة والنظام والذود عن الوطن. ~~••• # ولم يكن مثل شريف ليقبل أن يكون أداة في يد الجيش وزعمائه؛ لأنه لم يقصد من تأليف ~~الوزارة مجدا ولا سلطة، وقد عرف عنه التعفف والنزاهة في كل أدوار حياته، وشهد له ~~ماضيه بأنه لا يحرص على المناصب، وأنه يزهد فيها إذا رآها تخالف مبدأه وكرامته، ولقد ~~كان من الوجهة الدستورية أسبق في الكفاح للدستور من العرابيين، فعلى يده تطور نظام ~~مجلس النواب، إذ تألفت وزارته الأولى في عهد الخديو إسماعيل على قاعدة تقرير مبدأ ~~المسئولية الوزارية أمام المجلس، وعلى يده وضع دستور سنة 1879 على أحدث المبادئ ~~العصرية، ولم يحل دون صدور المرسوم الخديو بإنفاذه إلا خلع إسماعيل، ومن أجل الدستور ~~استقال من وزارته الثانية في أوائل عهد الخديو توفيق، وبرنامجه سنة 1881 حين ألف ~~وزارته الجديدة كان استئنافا لجهاده في سبيل الدستور منذ سنة 1879؛ أي قبل أن تظهر ~~الحركة العرابية بسنتين، فلا غرو أن يشعر شريف بعزة النفس والاستقلال في الرأي إزاء ~~العرابيين. # وقد حققت وزارة شريف باشا كثيرا من الإصلاحات في المدة الوجيزة التي تولت فيها ~~الحكم، وكان مما أنفذته إصدار القوانين العسكرية التي كان هدفها تحسين حال الضباط ~~والجند، وإصلاح التعليم في المدارس الحربية. # وابتهج الضباط بصدور هذه القوانين، وزادتهم ثقة بوزارة شريف باشا ... وذهب وفد منهم إلى ~~داره وقدموا له شكرهم، وشكر زملائهم على عنايته واهتمام وزارته بإصدارها، وأعربوا له ~~عن حسن مقاصدهم وكامل ثقتهم به وبوزارته، وعاهدوه على ألا يخالفوا له أمرا وأن ~~ينقادوا لإرادة الحكومة، ولا يترددوا في الذهاب إلى أية جهة تأمرهم بالذهاب ~~إليها. ~~(3) عرابي في الشرقية # وقد رغب شريف باشا في نقل زعماء الحركة من القاهرة إلى الأقاليم لكي يخفف من ضغط ~~الحزب العسكري على الحكومة، ويحقق مبدأه الذي تولى الوزارة على أساسه وهو إبعاد الجيش ~~عن السياسة جهد ms040 المستطاع، وأقنع عرابي وصحبه بأن مصلحة البلاد تقضي بإبعاد الآلايات ~~التي يتولون قيادتها عن العاصمة حتى تهدأ الخواطر، ويقوى سلطان الحكومة حيال الدول. ~~وزاد في حجة شريف باشا إرسال الحكومة التركية وفدا إلى مصر برياسة علي نظامي باشا، ~~لتحقيق أسباب تمرد الجيش وخروجه على الخديو ... فقد ورد نبأ قيام هذا الوفد من الآستانة ~~في 3 أكتوبر سنة 1881. فاتخذ شريف باشا من هذا الحادث وسيلة لإقناع زعماء الضباط ~~بالابتعاد عن العاصمة، لكي يكون ذلك دليلا قائما على إذعانهم للحكومة وتنفيذهم ~~أوامرها وترك سلطة الحكم في يدها، ولكي يمتنع الاتصال بينهم وبين الوفد العثماني القادم ~~فلا ينفسح المجال أمامه للدس والتفرقة، فاقتنعوا بهذه الحجة، واستقر رأي وزارة الحربية ~~على نقل آلاي عبد العال حلمي إلى دمياط، وآلاي عرابي إلى رأس الوادي بالشرقية ... ويقول ~~عرابي إنهم قبلوا ذلك على شرط صدور الأمر الخديوي بانتخاب النواب لكي يطمئن على إنشاء ~~المجلس النيابي، وفعلا صدر الأمر المذكور في 4 أكتوبر سنة 1881. # وكان سفر الآلايين إلى مقرهما الجديد فرصة للمظاهرات الوطنية التي تجلت فيها حماسة ~~الأهلين وعواطفهم نحو الجيش. # كان آلاي عبد العال حلمي بك هو السابق بالسفر إلى مركزه الجديد، وكان يوم سفره يوما ~~مشهودا، فقد انتقل الآلاي إلى محطة العاصمة مارا وسط المدينة، وسبقه إليها معظم ضباط ~~العسكرية وضباط المستحفظين والبوليس للقيام بواجب التوديع، وامتلأت المحطة بالمودعين، ~~ولما وصل إليها الآلاي أخذ مصطفى بك العناني أحد أعيان القاهرة، ومن كبار تجارها ينشر ~~الورود والرياحين على رءوس العساكر، وسقى الناس شرابا سكريا في ذلك اليوم إكراما ~~للجيش المنقذ للبلاد من هاوية الاستبداد، وحضر محمود سامي باشا البارودي وزير الحربية ~~ليودع الآلاي المسافر يصحبه عرابي بك، وتبودلت الخطب الحماسية في المحطة قبل قيام ~~القطار. # وفي 6 أكتوبر سنة 1881 سافر آلاي عرابي من العاصمة بين مظاهر الحماسة والتكريم ... ~~فتحرك من مركزه بالعباسية في الساعة الثامنة صباحا قاصدا المحطة، وشق المدينة من باب ~~النصر تتقدمه موسيقاه تعزف بألحانها الحربية، فتثير الحماسة في النفوس إلى أن بلغ ~~المشهد ms041 الحسيني، فاصطف الآلاي أمام المسجد ... ثم دخل عرابي وزار مقام الحسين رضي الله ~~عنه يصحبه بعض الضباط، وأدار بيرق الآلاي على الضريح الشريف، ودعوا الدعوات الصالحة، ثم ~~خرجوا وسار الآلاي إلى المحطة، مارا بالموسكي ثم شارع البوستة، فشارع كلوت بك، وكانت ~~الشوارع تزخر بالمتفرجين، وازدحمت المحطة بالمودعين، إذ حضر إليها جميع ضباط الجيش ~~المصري ورؤسائه وكثير من الأعيان والتجار وعامة الناس، وتبودلت الخطب الوطنية في ~~المحطة. # ثم تحرك القطار في منتصف الساعة الحادية عشرة قاصدا مدينة الزقازيق، وصحب عرابي في ~~سفره السيد عبد الله نديم - خطيب الثورة - واستقبل وصحبه وجنده في المحطات بمظاهر ~~الفرح والسرور والتكريم، وكان السيد عبد الله نديم يخطب في الناس في كل محطة، واستمرت ~~مظاهر الاحتفالات حتى بلغ القطار محطة الزقازيق، فاستقبل القادمين جمهور الأعيان ~~والأهالي والتجار يتقدمهم أمين بك الشمسي كبير تجار البندر، وهتفوا لعرابي وللجيش هتاف ~~الدعاء، ونثروا على العساكر الورود والأزهار العطرية وسقوهم الشراب السكري، ونزل عرابي ~~من القطار وحيا جميع المستقبلين، وألقى فيهم خطبة حماسية بدأها بقوله: # سادتي وإخواني، أنا أخوكم في الوطنية، واسمي أحمد عرابي. ولدت في بلدة «هرية ~~رزنة» من بلاد الشرقية هذه، فمن عرفني منكم فقد عرفني، ومن لم يعرفني فقد ~~عرفته بنفسي، وها أنا واقف بين أيدي الأهل والخلان. # وأخذ يشيد بما قام به وزملاؤه الضباط. # ثم استأنف القطار السير قاصدا إلى رأس الوادي حيث كان مركز الآلاي ... وبعد أن استقر ~~به عرابي وجنده يومين دعاه أمين بك الشمسي، ودعا معه صحبه من الضباط إلى وليمة شائقة ~~فخمة تكريما لهم، فلبوا الدعوة وألقى عرابي في الوليمة خطبة بمعنى الخطبة السابقة، ~~وشكر أمين بك الشمسي وأثنى عليه الثناء المستطاب، ثم وقف السيد عبد الله نديم وألقى ~~خطبة حماسية، تعالى في أثنائها هتاف الاستحسان من الحاضرين. # وفي اليوم التالي دعي عرابي لوضع الحجر الأساسي للمدرسة الأميرية بالزقازيق ... فلبى ~~الدعوة وحضر الحفلة، ووضع الحجر الأساسي للمدرسة باسم الخديو، وألقى بهذه المناسبة خطبة ~~ذكر فوائد التعليم، وحث الحاضرين على العناية بتعليم أبنائهم؛ ms042 ليعدوهم لخدمة بلادهم في ~~المستقبل. ~~(3-1) تعيين عرابي وكيلا لوزارة الحربية # بقي عرابي في منصبه بالشرقية نحو ثلاثة أشهر يتنقل في الجهات، ويبث أفكاره بين ~~الأعيان والأهلين، وقد أوجست الحكومة خيفة من ابتعاده طويلا عن العاصمة، وتركه ~~يجمع حوله الأتباع والأنصار بعيدا عن رقابتها، فاقترح البارودي تعيينه وكيلا ~~لوزارة الحربية، فصدر الأمر العالي بذلك في 4 يناير سنة 1882، وعاد إلى العاصمة ~~واستقر بها، وتوطدت الثقة بينه وبين البارودي، وعظم نفوذه، وصارت داره كعبة لطلاب ~~الحاجات وذوي الشكايات يقصدون إليها من كل فج، حتى أصبحت تشبه مجموع دوائر الحكومة ~~لكثرة من كان يفد عليها من الزائرين والشاكين، وتردد عليه مراسلو الصحف ~~الأوروبية؛ ليأخذوا عنه الأحاديث والبيانات عن الحركة التي قام بها، فازدادت شهرته ~~في الأوساط الأوروبية. # إنشاء المحاكم الأهلية # إن أهم إصلاحات الوزارة الشريفية بعد الإصلاح الدستوري هو إنشاء المحاكم ~~الأهلية ووضع نظامها الجديد ... ففي 17 نوفمبر سنة 1881 صدر القانون المعروف ~~بلائحة ترتيب المحاكم الأهلية، وهي تتضمن معظم القواعد العامة للنظام القضائي ~~الحالي، وأهمها: ~~(1) # وجوب العمل بالقوانين بعد نشرها وإعلانها في الجريدة الرسمية ~~«ويكون إجراء العمل بمقتضاها في القطر المصري بعد مضي ثلاثين يوما ~~من تاريخ الإعلان، وأما في السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية، ~~فيكون العمل بها بعد مضي سبعين يوما.» ~~(2) # عدم سريان القوانين على الماضي، وصدور الأحكام باسم الحضرة ~~الخديوية، ووجوب استنادها إلى القوانين التي سيجري نشرها أو ~~القوانين واللوائح الجاري بموجبها متى كانت أحكامها غير مخالفة ~~لنصوص القوانين المذكورة. ~~(3) # رتبت اللائحة أنواع المحاكم الجديدة ... فقضت بإنشاء محكمة ~~ابتدائية في كل من مصر والإسكندرية، وفي كل مديرية من الوجه البحري ~~والقبلي، وفي السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية، وإنشاء محاكم ~~جزئية في دوائر اختصاص المحاكم الابتدائية، ومحكمتين استئنافيتين ~~إحداهما بمصر والأخرى بأسيوط، «أما فيما يختص باستئناف الأحكام ~~الصادرة من المحاكم الابتدائية بالسودان وباقي ملحقات الحكومة ~~المصرية، فيتقرر فيما بعد بأمر الحضرة الخديوية» ومحكمة نقض ~~بالقاهرة، وكان اسمها في اللائحة «محكمة التمييز»، وإنشاء النيابة ~~العمومية. ~~(4) # ونصت اللائحة على عدم جواز عزل ms043 قضاة المحاكم، إنما للحكومة حق ~~استبدال من ترى فيه عدم اللياقة والاستعداد منهم في أثناء السنوات ~~الثلاث الأولى من تاريخ تعيينه ... ونصت على عدم نقل القضاة من ~~محكمة إلى أخرى إلا برضاهم، وبمقتضى أمر يصدر من الحضرة الخديوية ~~بناء على طلب وزير الحقانية، وبعد أخذ رأي محكمة النقض. ~~(5) # تقررت في اللائحة قواعد اختصاص هذه المحاكم على النظام الجاري ~~العمل به اليوم. ~~(4) تركيا والثورة العرابية # لم يكن موقف تركيا حيال مصر أثناء الثورة العرابية موقفا سليما ولا نزيها، بل ~~كانت ترمي إلى انتهاز الفرص لانتقاص مزايا الاستقلال، الذي نالته مصر في عهد محمد علي ~~ثم في عهد إسماعيل، واسترداد هذه المزايا والتدخل في شئون مصر الداخلية، ومع أن تركيا ~~وقتئذ كانت من الضعف والارتباك بحيث لا تستطيع أن تجعل مصر ولاية عثمانية خاضعة ~~لحكمها، فقد كانت السياسة التركية قائمة على الدس وقصر النظر ... فهي لم تدع وسيلة إلا ~~انتهزتها لإحراج مركز مصر والوقيعة بها، وكان موقفها من يوم أن ظهرت الثورة العرابية ~~إلى أن وقع الاحتلال موقفا مشئوما، قوامه الختل وسوء النية والخداع، فضلا عن الجهل ~~وقصر النظر، وكان ذلك من أكبر العوامل المساعدة على وقوع الاحتلال. ~~(4-1) الوفد العثماني الأول # حدثت واقعة عابدين يوم 9 سبتمبر سنة 1881 وانتهت بسلام، وتألفت وزارة شريف باشا ~~المرجوة من الأمة، وهدأت الأحوال، وابتدأت الوزارة الجديدة تحقق برنامجها بين مظاهر ~~الثقة والاطمئنان. وبالرغم من ذلك، فإن الحكومة التركية رأت في هذه الحادثة فرصة ~~جديدة للتدخل في شئون مصر وانتحال حق الإشراف عليها، فقررت إرسال لجنة إلى مصر ~~للنظر في الحوادث الأخيرة، وقد عرفت هذه اللجنة بالوفد العثماني، وهو مؤلف من علي ~~نظامي باشا سر ياور السلطان عبد الحميد، وعلي بك فؤاد من أعضاء مجلس شورى الدولة ~~ونجل عالي باشا الصدر الأعظم المشهور، وفي معيتهما قدري بك وصفر أفندي وسيف الله ~~أفندي من ياوران السلطان. # تحرك هذا الوفد من الآستانة يوم 2 أكتوبر سنة 1881 قاصدا إلى مصر ... ولم يسبق ~~تأليفه مخابرة بين حكومة الآستانة ms044 والحكومة المصرية حتى يعرف مقصدها من إيفاده، بل ~~فوجئت البلاد بتلغراف من الآستانة ينبئ بقيام هذا الوفد، فقوبل النبأ بالدهشة لأن ~~حالة البلاد لم تكن تسيغ إيفاده، فضلا عما يحدثه مجيئه من هياج الخواطر وإثارة ~~الهواجس في وقت كانت البلاد محتاجة فيه إلى إقرار الطمأنينة في النفوس. # ولكن الحكومة العثمانية كانت في الواقع تتعمد إحداث حدث يثير الخواطر في مصر ... ~~فلعلها كانت تأمل أن تستفيد من الثورة، أو لعلها نظرت بعين الاستياء إلى قيام وزارة ~~حرة تقيم النظام الدستوري في مصر؛ لأن مثل هذا النظام لم يكن لترضى عنه حكومة ~~الآستانة التي جبلت على كراهية الحرية والدستور. هذا إلى أن على رأسها السلطان عبد ~~الحميد الذي بدأ عهده بتعطيل القانون الأساسي العثماني، وإلغاء مجلس المبعوثين ~~«النواب»، وتشتيت دعاة الحرية وأنصارها ... أضف إلى ذلك أن الخديو توفيق لم يكن ~~منظورا إليه في الآستانة بعين الرضا والعطف؛ لأن سلطان تركيا لم يكن ليغفر له ~~إغفاله الذهاب إلى عاصمة السلطنة، حين ولايته الحكم ليقدم له فروض الولاء. # حقا أن توفيق باشا اعتذر عن عدم ذهابه إلى الآستانة بارتباك أحوال مصر، وضرورة ~~وجوده في عاصمة ملكه، ولكن هذا العذر لم يكن ليقبله حكام الآستانة، إذ كان من أخص ~~صفاتهم الغطرسة والكبرياء وسوء الظن والانتقام؛ لذلك انتهزوا كل فرصة لإحراج مركز ~~الخديو وإثارة المشاكل والعقبات في وجهه، ففكرة إرسال وفد إلى مصر فكرة قوامها ~~الكيد وسوء القصد، وقد استاء لها شريف باشا وأبدى مخاوفه منها. # جاء هذا الوفد إلى الإسكندرية يوم الخميس 6 أكتوبر سنة 1881، ووصل أعضاؤه إلى ~~القاهرة في مساء ذلك اليوم، ونزلوا ضيوفا على الحكومة بقصر النزهة بشبرا. # وفي صبيحة الجمعة ذهبوا إلى سراي الإسماعيلية لمقابلة الخديو، فاستقبلهم بالترحاب ~~وتبادل وإياهم عبارات التحية والود، وأبلغوه تحيات السلطان وأعربوا له عن تمام رضاه ~~وسروره لما يبذله في تحسين أحوال البلاد، وأن الغرض من إرسال هذا الوفد هو إظهار ~~الثقة بالخديو وتأييد نفوذه وتثبيت مركزه ... فرد عليهم بعبارات الشكر المألوفة، ثم ~~انصرفوا عائدين إلى قصر ms045 النزهة، وهناك رد لهم الخديو الزيارة. # وذهب علي نظامي باشا إلى قصر النيل حيث كان ديوان الحربية ومركز الآلاي الثاني ... ~~فاستقبله محمود سامي باشا البارودي وزير الحربية، وهناك استدعى طلبة بك عصمت قائد ~~الآلاي، ومعه الضباط من رتبة قائمقام وبكباشي، وألقى فيهم خطابا باللغة التركية - ~~عربه لهم البارودي - حثهم فيه على طاعة الخديو وتنفيذ أوامره. # فأجابه طلبة بك عصمت بقوله: «إن العساكر المصرية جموعا وأفرادا على قدم الطاعة ~~والانقياد لولي أمرنا الخديو المعظم، يتلقون أوامره بالامتثال، ويقفون عند حد ~~نواهيه ... فإن كلا منا يعلم أن أول واجب على الجند هو طاعة ولي الأمر والإذعان ~~لما يأمر به، وما منا إلا محب للجناب الخديوي ميال بكليته إلى الامتثال ~~لإرشاداته.» # ولما انتهى من كلامه وقف علي نظامي باشا، وصافح طلبة بك ومن معه من الضباط، وأثنى ~~عليهم الثناء الجميل، ثم بقي مع محمود باشا سامي البارودي نحو نصف ساعة وانصرف ... ~~وزار بعد ذلك شيخ الجامع الأزهر ونقيب الأشراف وشيخ المالكية ... وكانوا في أحاديثهم ~~معه يثنون على الجيش، ويطرون أعماله ويذكرون فضله فيما نالته البلاد. # وقد استاءت فرنسا وإنجلترا من حضور الوفد العثماني على غير اتفاق معهما ... وعدتاه ~~تدخلا من تركيا في شئون مصر الداخلية، وطلبتا من الحكومة العثمانية تقصير مدة ~~إقامته ... وانتهزت إنجلترا هذه الفرصة لتعلن عن نفوذها في مصر حيال حضور الوفد، فطلب ~~السير إدوار مالت من حكومته إرسال بارجة حربية إلى مياه الإسكندرية، فأجابت طلبه، ~~واتفقت مع الحكومة الفرنسية على أن ترسل كل منهما بارجة على أن تعود البارجتان من ~~الإسكندرية حين مبارحة الوفد العثماني أرض مصر، وقد وصلت فعلا البارجة الفرنسية ~~«ألما» إلى مياه الإسكندرية، ثم جاءتها البارجة الإنجليزية «إنفنسبل». وغادرتا ~~الميناء يوم 20 أكتوبر غداة سفر الوفد العثماني، فكانت هذه المظاهرة البحرية أول ~~مظاهرة من هذا النوع أثناء الثورة العرابية، والمظاهرة الثانية وقعت في شهر مايو ~~سنة 1882 كما سيجيء بيانه. ويلاحظ أن البارجة «إنفنسبل» هي إحدى البوارج التي ~~اشتركت في ضرب الإسكندرية يوم 11 يوليو سنة 1882، فحضور ms046 الوفد العثماني كان باعثا ~~على مجيء هذه البوارج ... فلا جرم كان حضوره ضارا بمصر من جميع النواحي. # وظل رجال الوفد العثماني في مصر بضعة عشر يوما بين مقابلات وولائم، وأجمعت كلمة ~~من حادثوهم من ذوي المقامات على أن البلاد ليس فيها أي اضطراب، وأكد لهم الخديو أن ~~الجيش على طاعته، وبذلك انتهت مهمتهم، واتضح أن مجيئهم لم يكن له مسوغ ولا كانت له ~~نتيجة ما، وعادوا إلى الإسكندرية يوم 18 أكتوبر سنة 1881، وفي صباح اليوم التالي ~~انقلبوا راجعين إلى الآستانة. ~~(5) إنشاء مجلس النواب # في 4 أكتوبر سنة 1881 رفع شريف باشا إلى الخديو تقريرا بإجابة مطلب الأمة في صدد ~~إنشاء مجلس النواب، ضمنه مزايا النظام الدستوري وضرورة إقراره مصر، وطلب تمهيدا ~~لتأليف المجلس النيابي الجديد إجراء انتخابات عامة طبقا للائحة مجلس شورى النواب ~~القديم ... على أن تعرض الوزارة على المجلس المنتخب مشروع اللائحة الأساسية التي تكفل ~~نهوضه إلى مستوى المجالس النيابية الصحيحة، أو بعبارة أخرى دعا إلى انتخاب مجلس شورى ~~النواب على أن يكون «جمعية تأسيسية» تضع الدستور الجديد. # وفي نفس اليوم الذي رفع فيه شريف باشا تقريره إلى الخديو، صدر الأمر العالي بإجراء ~~الانتخابات العامة، وتحديد يوم 23 ديسمبر سنة 1881 لافتتاح مجلس النواب. # ولما كان نظام مجلس شورى النواب القديم يجعل انتخاب النواب موكولا إلى عمد البلاد ~~ومشايخها في المديريات وجماعة الأعيان في القاهرة والإسكندرية ودمياط، فقد جرت انتخابات ~~سنة 1881 على هذا الأساس. # ولا شك في أن جعل انتخاب النواب موكولا إلى عمد البلاد ومشايخها في المديريات؛ ~~يسهل على الحكومة السيطرة على الانتخابات وإملاء إرادتها فيمن يختارهم العمد ~~والمشايخ ... ولكن شريف باشا حرص حرصا شديدا على أن تجرى الانتخابات حرة بعيدة عن ~~تدخل الحكومة، وأصدر منشورا بذلك إلى جميع المديريات والمحافظات نبه فيه المديرين ~~والمحافظين إلى ترك الانتخابات حرة، وهو أول منشور انتخابي في تاريخ مصر الحديثة يقضي ~~باحترام حرية الانتخابات العامة. # وفي الحق أن الحكومة لم تتدخل في هذه الانتخابات، ولم تتعرض لحرية الناخبين في انتخاب ms047 ~~من يريدون ... فكان الانتخاب حرا بكل معاني الحرية، وكذلك كان حرا من تدخل ~~العرابيين، وإملاء إرادتهم على الناخبين وترشيح أشياعهم وأتباعهم، وقد كان في استطاعة ~~حزبهم باعتباره صاحب الفضل في إنشاء مجلس النواب أن يتدخل في الانتخابات، ويملي إرادته ~~على الناخبين، لكي يضمن تأليف غالبية النواب من أتباعه ومرشحيه. ولو فعل ذلك لقضى على ~~حرية الانتخاب قضاء مبرما ... ولكن حسنا فعل، إذ ترك الناخبين أحرارا في انتخاب من ~~يأنسون فيهم الاستقامة والإخلاص والكفاية، ولم يسلبهم حرية الاختيار التي هي قوام ~~الحياة الدستورية الصحيحة ... فجاءت الانتخابات صورة صادقة لإرادة الناخبين، وضرب ~~العرابيون بذلك مثلا رائعا في احترام حرية الانتخاب. ~~(5-1) افتتاح مجلس النواب # كان افتتاح مجلس النواب يوما مشهودا من أيام مصر التاريخية، استقبلته الأمة ~~مغتبطة مبتهجة بما نالته من تقرير حريتها السياسية بإنشاء مجلس يمثلها ويشرف على ~~شئونها وأقدارها، وقد كان هذا المجلس حقا رمزا لهذه الحرية ... ولولا دسائس ~~الإنجليز ومكايدهم لكان فاتحة عصر جديد لنهضة مصر وتقدمها. # أعدت قاعة اجتماع المجلس بديوان وزارة الأشغال - قاعة اجتماع مجلس الشيوخ الآن - ~~وحدد يوم الإثنين 26 ديسمبر سنة 1881 لافتتاحه. # 1 # فلم تكد تشرق شمس ذلك اليوم حتى ازدحم الديوان والشوارع المفضية إليه ~~بالجماهير، واصطفت أورطة من الآلاي الأول المشاة - آلاي الحرس - على جانبي الطريق ~~من باب الديوان إلى سلم القاعة بقيادة البكباشي محمد عبيد (الذي تقدم الكلام ~~عن الدور الذي قام به في واقعة قصر النيل) ومعها موسيقاها العسكرية تصدح بألحان ~~الفرح والسرور والابتهاج. # وحضر النواب وأخذوا مجالسهم ووجوههم تتهلل غبطة وسرورا ... وفي نحو الساعة العاشرة ~~صباحا تحرك الركب الخديوي من سراي الإسماعيلية، فأطلقت المدافع من القلعة إيذانا ~~بتحرك الموكب، وكان يصحب الخديو في عربته شريف باشا رئيس مجلس الوزراء، وأحمد خيري ~~باشا المهردار - حامل الختم - ورئيس الديوان الخديوي، وطلعت باشا كاتب الديوان ~~الخديوي. # فلما أقبل الركب صدحت الموسيقى بالسلام، وهتف الجنود بحياة الخديو منادين النداء ~~المعتاد: «أفندمز جوق باشا» - أي يعيش أفندينا - وكان في انتظاره على سلم المجلس ~~جميع الوزراء، ms048 ورئيس مجلس النواب وبعض أعضائه فتلقوه بالإجلال ... وقصد إلى الغرفة ~~المعدة لاستراحته فلبث بها هنيهة قصيرة، ثم أنهى إليه محمد سلطان باشا رئيس ~~المجلس، أن المجلس قد استعد وكمل اجتماع الأعضاء، فسار الخديو ودخل قاعة الاجتماع ~~في نحو الساعة الحادية عشرة وحيا الأعضاء ... فتلقوه بجميل الإعزاز ~~والإجلال. # وأخذ مجلسه يحف به كبار رجال الدولة، وافتتح المجلس بتلاوة خطبة العرش، وقد ~~تلاها بنفسه، وهذا نصها: # أبدي لحضرات النواب مسروريتي من اجتماعهم، لأجل أن ينوبوا عن الأهالي في ~~الأمور العائدة عليهم بالنفع، وفي علم الجميع أني من وقت ما استلمت زمام ~~الحكومة، عزمت بنية خالصة على فتح مجلس النواب ... ولكن تأخر افتتاحه للآن ~~بسبب المشكلات التي كانت محيطة بالحكومة. فأما الآن، فنحمد الله تعالى ~~على ما تيسر لنا من دفع المشكلات المالية بمساعدة الدول المتحابة، ومن ~~تخفيف أحمال الأهالي على قدر الإمكان، فلم يبق مانع من المبادرة إلى ما ~~أنا متشوق لحصوله، وهو مجلس النواب الذي أنا فاتحه في هذا اليوم باجتماعكم، ~~وأنتم تحيطون علما أن جل مقاصدي ومساعي حكومتي هو راحة الأهالي ~~ورفاهيتهم، وانتظام أمورهم بتعميم العدالة بينهم، وتأمين سكان القطر على ~~اختلاف أجناسهم، وهذا منهجي واضحا مستقيما، وعليه سيري منذ توليت أمركم، ~~محبا للتربية ونشر العلوم والمعارف. # فعلى المجلس أن يكون مساعدا للحكومة في هذه الأمور كلها، خالصا ~~مخلصا في خدمة الوطن، منحصرة أفكاره ومذكراته في المنافع العمومية، مع ~~مراعاة قرار لجنة التصفية وسائر تعهدات الحكومة مع الدول، سالكا المسلك ~~المعتدل والمنهج القويم الذي هو أهم شيء في هذا الوقت، الذي هو عصر الترقي ~~والتمدن ... فالواجب علينا الاعتدال والتأني وحسن التبصر، وأن نكون يدا ~~واحدة في إتمام الأعمال النافعة، متوسلين بعناية الله تعالى وإمداد رسوله ~~الكريم، ومتمسكين بقوة ارتباطنا بالحضرة الشاهانية والدولة العلية أدامها ~~الله، نسأل الله حسن النجاح إنه ولي التوفيق. # ولما انتهى الخديو من تلاوة خطبة العرش هتف الجميع له، وأطلقت المدافع من القلعة ~~مؤذنة بانتهاء الخطاب مبشرة باجتماع مجلس النواب ... ثم برح الخديو مكان الاجتماع، ~~وصدحت الموسيقى ms049 بنغمات التحية له، وعاد إلى سرايه في موكب حافل. # وتعد خطبة الخديو توفيق من الوثائق الهامة في تاريخ مصر الدستوري؛ لأنها أول ~~خطبة لولي الأمر في افتتاح أول مجلس نيابي كامل السلطة في تاريخ مصر الحديث، وهي في ~~مجموعها سديدة المعاني واضحة الأسلوب، متضمنة إعلان الخديو انضمامه إلى الأمة في ~~إقرار النظام الدستوري، وقد ألقاها بنفسه دون أن يستنيب عنه رئيس مجلس الوزراء كما ~~هو العرف البرلماني، فكان في إلقائه إياها تثبيتا وتوكيدا لما احتوت عليه من ~~الآراء والمعاني. # لم تكن جلسة الافتتاح علنية، وذلك طبقا للائحة مجلس شورى النواب القديمة ... ولكن ~~الحكومة تجاوزت عن تطبيق هذا النص ، فدخل كثير من النظارة مكان الاجتماع، ووقفوا حول ~~مقاعد الأعضاء حتى انتهت حفلة الافتتاح، ولم يدع أحد من قناصل الدول إلى حضور ~~الحفلة باعتبارها حفلة سرية طبقا للائحة القديمة، ولأن هذا الاجتماع من شئون ~~البلاد الداخلية، وقد أعد في القاعة 120 كرسيا لجلوس النواب، وكانوا في الواقع ~~أقل من ذلك ... ولكن الحكومة كانت معتزمة تعديل اللائحة الأساسية القديمة بزيادة عدد ~~النواب عن بعض المديريات، وانتخاب نواب عن السودان، فأعدت منذ افتتاح المجلس ~~المقاعد الكافية لهذا العدد ... وأعدت كذلك نحو 400 كرسي للنظارة؛ لاعتزامها جعل ~~جلسات المجلس علنية في اللائحة الجديدة. # وبعد انصراف الخديو دخل النواب مكان الأقلام «اللجان» وظلوا مستريحين ساعة من ~~الزمن، ثم عادوا إلى قاعة المجلس واستأنفوا اجتماعهم، فألقى فيهم محمد سلطان باشا ~~الخطبة الآتية: # أيها السادة النواب # نحمد الله الذي جعل أمرنا شورى، ونصلي ونسلم على نبيه المأمور ~~بالشورى والآمر بها. وبعد، فقد سمعتم ما تضمنته المقالة الخديوية الكريمة ~~من حسن القصد وسمو الإدارة، فما زادكم إلا يقينا بما عهدتم بالجناب ~~المعظم من صفاء النية وكرم العنصر وسلامة الطوية، والارتياح إلى المصلحة ~~الوطنية ... وقد اجتمعتم في هذا المكان الرفيع بعناية الجناب العالي ورجال ~~حكومته السنية للنظر في أمور أوطانكم، وأنتم خلاصة وجهاء القطر وبضعة ~~أعيانه ونبهائه، فواجباتكم من هذا القبيل تقضي عليكم بالحكمة والاعتدال ~~والثبات ... # ولا أزيدكم علما أن ms050 الوطن العزيز محتاج إلى الإصلاح والتنظيم، قابل ~~للتقدم والعمران جامع لأسباب المنافع الكلية، فما عليكم إلا السعي ~~والاجتهاد لنوال المراد، ولكنكم لا تجهلون أن علينا حقوقا واجبة الحفظ، ~~وذمما لازمة الرعاية، وأنا قد أمرنا شرعا بحفظ العهود ورعي الذمم، فمن ~~تلك العهود شدة الارتباط وصلة التابعية للدولة العلية، التي هي مركز قوتنا ~~ومرجع سطوتنا، وقد عرفنا منها العناية وعرفت منا الإخلاص، فلا بد من ~~ثباتنا على هذه الحال بالنظر إليها، ولا شك أن تقدمنا واستقامة أمورنا ~~وتأييد أمر الشورى فينا يسر هذه الدولة العلية، لما ينشأ لنا عنه من ~~القوة التي تكون جزءا من قوتها الكلية، ومن الذمم والمواثيق علاقتنا ~~المالية والتجارية مع الدول العظمى، فهذه الذمم واجبة الرعاية لما يترتب ~~على حفظها من استحكام صلات المودة بيننا وبين هاتيك الدول، التي ينبغي لنا ~~الاعتقاد برغبتها في انتظام أمورنا، وميلها إلى كل ما يعود علينا بالنفع ~~كما صرح بذلك عظماء رجالها على منابر المجالس النيابية وفي المنشورات ~~الرسمية. # فإذا حفظنا تلك العهود ورعينا هذه الذمم، وعرفنا حقوق الوطن علينا ولم ~~نذهل عن شيء من الواجبات، لزمنا الأخذ بأسباب الحكمة والثبات للنظر فيما ~~يجلب لنا النفع، ويدرأ عنا الضرر ويثبت للناس جدارتنا بما وصلنا إليه، ~~ويحقق بنا ظن أبناء الوطن الذين جعلونا موضع ثقتهم واعتمادهم. # فوجهوا إخواني همتكم في السعي بالحكمة والاعتدال والتبصر والثبات ... فمن ~~جد وجد، ومن سار على الدرب وصل. # ثم ألقى سليمان باشا أباظة نائب الشرقية الخطبة الآتية: # سعادة الرئيس، الحمد لله على سوابغ آلائه ونوابغ نعمائه. وبعد، فقد أبان ~~رئيس مجلسنا الهمام ما تضمنته المقالة الخديوية الكريمة من حسن القصد ~~وصفاء النية والميل إلى المصلحة الوطنية، وأوضح بعد ذلك حق الوطن علينا ~~وواجباتنا بالنظر إلى العهود الواجبة الحفظ والذمم اللازمة الرعاية، وهذا ~~موقف، الشكر له والثناء عليه، أقوم فيه أصيلا عن نفسي ونائبا عن سائر ~~إخواني النواب ... فيا سعادة الرئيس الهمام، لقد علمت وأنت أولنا أن ليس منا ~~من قبل النيابة على علم بعظم واجباتنا الوطنية والسياسية، ms051 إلا وفي ~~عزمه أداء حق الوطن وحفظ العهود المرعية وخدمة الأمة بما يجلب لها النفع ~~ويدرأ عنها الضر ... ويا إخواني، لقد علمتم أن الأنظار محدقة إلينا والأفكار ~~محومة علينا، وأن الوطن العزيز محتاج إلى الإصلاح كما قال سعادة الرئيس، ~~فلندخل الإصلاح من بابه، ونأخذ فيه بأسبابه، لا ننظر إلا إلى المصلحة ~~العمومية، ولا نهتم إلا بالمنفعة الوطنية، وقد حصل لنا اليقين بأن يد ~~الجناب المعظم منبسطة لمساعدتنا، وعناية رجال حكومته متوجهة إلى تأييد ~~مجلسنا، وأن الأمة تتوقع منا الاجتهاد في سبيل الحكمة والسداد ... # فما أجدرنا بتحقيق الآمال، وما أحقنا بالسعي فيما يصلح به الحال ويحسن ~~الآمال، وقد آن الشروع في العمل، فلنقبل عليه بنفوس راضية، وقلوب صافية، ~~وأفكار متوجهة إلى حقوق الوطن، ونيات معقودة على أداء الواجبات، والله ولي ~~توفيقنا عليه توكلنا وإليه ننيب. # كان افتتاح المجلس بمثابة عيد قومي عام ... تجلت فيه مظاهر الابتهاج والغبطة ~~والسرور العظيم، فوفد على العاصمة في ذلك اليوم كثير من الزائرين من مختلف ~~المديريات لمشاهدة حفلة الافتتاح، وأقيمت الولائم والحفلات في القاهرة والإسكندرية ~~ابتهاجا بافتتاح المجلس الجديد، واشترك فيها كثير من النواب والأعيان والموظفين ~~وطبقات الشعب كافة، وعبرت الصحف أصدق تعبير عن شعور الرأي العام نحو هذا الحادث ~~الهام في حياة مصر القومية. # وقد اجتمع المجلس يوم افتتاحه وانتخب من بين أعضائه لجنة عهد إليها تحضير الجواب ~~على خطاب العرش وتقديمه إلى الخديو، وهذه اللجنة مؤلفة من عشرة أعضاء من النواب ~~البارزين وهم: أحمد بك الشريف، عبد السلام بك المويلحي، محمد بك الشواربي، أمين بك ~~الشمسي، وهلال بك منير، محمود بك سليمان، أحمد بك علي، مراد أفندي السعودي، إسماعيل ~~أفندي سليمان، علي بك شعير. ~~••• # وقد أعدت اللجنة الجواب وأقره المجلس، وفي يوم الخميس 29 ديسمبر سنة 1881، ~~ذهب سلطان باشا رئيس المجلس ومعه عبد الله باشا فكري كبير الكتاب، وأعضاء اللجنة ~~العشرة إلى سراي الإسماعيلية بملابسهم الرسمية؛ لتقديم جواب المجلس على خطاب العرش، ~~فقابلهم الخديو بحضور الوزراء، وتلا محمود بك سليمان الجواب، وهذا نصه: # بعد ms052 حمد الله تعالى على توفيقه ورشاده، والصلاة والتسليم على من اصطفى من ~~عباده، نقوم لدى هذه السدة الخديوية الكريمة، نحن معاشر نواب الأمة ~~المصرية مقام النيابة عن جميعها، في تقديم واجب الشكر لهذا الجناب الخديوي ~~الفخيم على انعطاف عواطفه نحو مجلس الشورى النيابية، الذي افتتحه بنطقه ~~الشريف؛ إظهارا لمقصده الجليل من حيز القول إلى عالم الفعل، وإجابة لرغبة ~~الأمة ونظرا للمصلحة العامة ... بعد أن زالت العوائق دونه وامتنعت الموانع ~~بيننا وبينه، بجلائل هممه الخديوية التي ذللت لها صعاب المسائل، وخضعت ~~دونها رقاب المشاكل، حتى صفا الوقت واطمأنت الحال، «ودنى المنى وانقادت ~~الآمال»، ولقد شنف أسماعنا وأنعش أرواحنا ذلك النطق الكريم، وملك أفئدتنا ~~وملأها سرورا وطربا بما تضمن من الإفصاح عما عرفناه لولي النعمة، ~~وألفناه من نزاهة النية ونبالة القصد، حتى لقد نطقت السرائر بما بدا على ~~قسمات الوجوه من سمات السرور، فلم تدع للألسنة من حاجة للتعبير عن فرط محبة ~~عظيمة من أمة كريمة لمولى متفضل عليها متحبب إليها، محب لحريتها مشغوف ~~بخيرها ومنفعتها. # فلم يبق إلا أن نبذل غاية ما في السعة، ونأتي على قاصية الاستطاعة في ~~نفع هذه الأمة التي ندبتنا للنظر في منفعتها، واستنابتنا عن أنفسها لرؤية ~~مصالحها، سالكين في ذلك من مسالك الحزم والتبصر وحسن النظر ما تحسن بعناية ~~الله مغبته، وتحمد بيمن توفيقه عاقبته، ويعضد مقاصد حكومتنا السنية ~~المتجهة للسداد والرشاد وسلامة البلاد والعباد، ويؤيد ما لنا من روابط ~~التبعية للذات السنية السلطانية والدولة العلية العثمانية، التي منحتنا ~~عواطفها الكريمة من الامتيازات المرعية ما جلت به النعمة وعظمت المنة، ~~ويؤكد علائقنا الودادية مع الدول الأجنبية المحبة لمنفعتنا وفائدة بلادنا، ~~مبتهلين إلى الله جل ثناؤه وتقدست آلاؤه، في أن يحرس لنا هذا الجناب ~~الخديوي الفخيم، ويديم لأوطاننا به النفع العميم، أدام الله توفيقنا على ~~أحسن ما يرام، وبلغ به الوطن العزيز غاية المرام. # وتعد خطبة رئيس مجلس النواب، يوم افتتاح المجلس وتعقيب سليمان باشا أباظة عليها، ~~وجواب المجلس على خطبة العرش من الوثائق الهامة في تاريخ ms053 المجلس ... وهي صورة ناطقة ~~تمثل لنا جانبا من الحياة السياسية والآداب البرلمانية في ذلك العصر، ولغة هذه ~~الوثائق ومعانيها حسنة في مجموعها، وتدل على سهولة استساغة نواب سنة 1881 للأساليب ~~البرلمانية الحديثة. ~~(6) وضع الدستور # واشتغلت وزارة شريف بوضع الدستور، وكان يسمى في اصطلاح ذلك العصر «اللائحة الأساسية» ~~أو «القانون الأساسي». وقد وضع على أحدث المبادئ العصرية، إذ يتضمن القواعد الرئيسية ~~للنظم البرلمانية، كتقرير مبدأ المسئولية الوزارية أمام مجلس النواب، وتخويل المجلس حق ~~تقرير القوانين بحيث لا تصدر إلا بتصديق منه، وتقرير الميزانية والرقابة على أعمال ~~الحكومة وموظفيها، وإلزامها بعدم فرض أي ضريبة أو إصدار أي قانون أو لائحة إلا بعد ~~تصديق المجلس ، وقد أخذ بنظرية وحدة الهيئة النيابية، فجعلها ممثلة في مجلس النواب دون ~~مجلس الشيوخ. # ولما أتم شريف باشا وضع الدستور عرضه على مجلس النواب للمناقشة فيه وإقراره ... ففي ~~عصر يوم 2 يناير سنة 1882، جاء إلى مجلس النواب يصحبه سائر الوزراء، فعرض الدستور على ~~هيئة المجلس، وألقى في هذا المقام خطبة ضافية، ذكر فيها خلاصة ما احتواه من القواعد، ~~وألمع إلى أنه بوضع هذا الدستور إنما ينفذ الخطة التي رآها من ثلاث سنوات في عهد ~~الخديو إسماعيل. # وقد أحال المجلس مشروع الدستور على «اللجنة الدستورية»، وهي لجنة ألفها خصيصا ~~للنظر فيه، وكانت تسمى «لجنة اللائحة»، وقد بحثت اللجنة مواد الدستور، وأقرت معظمها مع ~~تعديلات يسيرة في بعضها لا تغير من جوهره شيئا، وكاد الأمر يتم بالاتفاق بين الحكومة ~~والمجلس على نصوص الدستور، لولا الأزمة السياسية التي أدى إليها تدخل فرنسا وإنجلترا ~~في وضع الدستور، وانتهت بسقوط وزارة شريف. ~~(6-1) أزمة يناير سنة 1882 # اعترض وضع الدستور أزمة سياسية خطيرة نسميها أزمة يناير سنة 1882 ... ترجع إلى سوء ~~نية إنجلترا وفرنسا حيال مصر، وائتمارهما بالنظام الدستوري، الذي كاد يستقر بإعلان ~~اللائحة الأساسية، ولم يكن بقي على إعلانها وصدور المرسوم بها سوى إجراءات شكلية من ~~تبادل الرأي بين مجلس النواب والحكومة على التعديلات الطفيفة التي أدخلتها لجنة ~~المجلس في مشروع اللائحة ms054 ... # ولكن إنجلترا وفرنسا أرادتا أن تحدثا حدثا يخلق الاضطراب في مصر، وقد يودي ~~بالدستور ... وذلك بتدخلهما في شئون مصر الداخلية وإيقاع الفرقة بين الخديو والأمة، ~~ولكي تتخذا من هذه الفرقة ذريعة للتدخل المسلح. # ففي اليوم الثامن من شهر يناير سنة 1882 توجه السير إدوار مالت معتمد إنجلترا، ~~والمسيو سنكفكس المعتمد الفرنسي مجتمعين إلى سراي عابدين، وقدما إلى الخديو مذكرة ~~مشتركة من الدولتين بتاريخ 7 يناير سنة 1882، قوامها أنهما حيال الحوادث الأخيرة قد ~~أجمعتا على تأييد سلطة الخديو. # وفحوى المذكرة أن الدولتين انتحلتا لنفسيهما حق القوامة والرقابة على مصر، ~~وإقرار الأمن والنظام فيها والتدخل في شئونها الداخلية ... وظاهر من عباراتها أن ~~فرنسا وإنجلترا كانتا تنظران بعين الاستياء إلى تأليف مجلس النواب، وقيام النظام ~~البرلماني في مصر ... ولم تكتما الإعراب عن هذا الاستياء صراحة في المذكرة، إذ جعلتا ~~من الحوادث الموجبة للتدخل «صدور الأمر الخديوي باجتماع مجلس النواب». # قوبلت هذه المذكرة في مصر بالسخط العام ... وهاجت لها الخواطر، وتوجه شريف باشا إلى ~~معتمدي فرنسا وإنجلترا، وأنهى إليهما اعتراضه على المذكرة. # وأعقب هذا التدخل تدخل آخر، إذ طلب قنصلا ~~الدولتين من شريف باشا بإيعاز من الرقيبين الأوروبيين ألا يخول مجلس النواب حق ~~تقرير الميزانية، وقدما إليه في 26 يناير سنة 1882 مذكرة بهذا المعنى أثناء ~~اشتغال «اللجنة الدستورية» بالنظر في اللائحة الأساسية ... # كان هذا التدخل تحديا بالغا لكرامة البلاد وحقوقها، وتدبيرا مبيتا بين ~~الدولتين للتدخل المسلح وخلق الذرائع للاحتلال ... إذ ما شأن إنجلترا وفرنسا بنظام ~~مجلس النواب المصري؟ وأي قانون يخولهما حق التدخل في وضع الدستور، والمطالبة بحرمان ~~المجلس حق تقرير الميزانية؟! # ولا شك أن هذا عدوان منكر لا سند له من الحق ولا من العهود المبرمة بين مصر ~~والدولتين، لا سيما أن مشروع اللائحة الأساسية كان ينص في صراحة لا إبهام فيها على ~~احترام اتفاقات مصر الخاصة بتسوية الديون، وفي هذا النص الكفاية لاطمئنان الدول ~~ورعاياها على حقوقهم ... أما التذرع بهذه الديون لحرمان مجلس النواب حق تقرير ~~الميزانية، وهو أهم خصائص البرلمان، ms055 فهو الظلم والاعتساف والتحكم الذي لا مسوغ له، ~~وهو الطمع الاستعماري الذي لا يحترم حقا ولا يرعى عهدا. # كان الموقف على جانب كبير من الخطر ... فهناك أولا حقوق الأمة وكرامتها، ولا تقبل ~~أمة تحترم نفسها أن تنزل على إرادة دولتين غاصبتين تريدان حرمان مجلس النواب حقا ~~من أقدس حقوقه، وهو تقرير الميزانية ... وهناك من جهة أخرى الخطر الماثل أمام رجل ~~الدولة، إذ يرى البلاد هدفا للتدخل المسلح من جانب الدولتين المتحفزتين ~~للاحتلال. ~~••• # وقد ارتأى شريف باشا درءا للأزمة، أن لا يبت مجلس النواب بقرار نهائي في المادة ~~المتعلقة بالميزانية، وأن يرجئها إلى حين حتى تنجلي الغمة، وبذلك يتفادى التدخل ~~المسلح الذي لم يكن في استطاعة مصر أن تصده لما كانت عليه وقتئذ من الضعف ~~والارتباك، والتأجيل في ذاته لم يكن مضيعا لحقوق الأمة في الدستور، بل كثيرا ما ~~يكون التأجيل من الوسائل السياسية التي يعمد إليها لاتقاء الأزمات ... على أن وضع ~~الدستور قد يستغرق وقتا يطول أو يقصر على حسب الظروف والملابسات. ولم يكن النص ~~الخاص بالميزانية في ذاته مستعجلا؛ لأن ميزانية سنة 1882 كان قد صدر المرسوم ~~باعتمادها في 22 ديسمبر سنة 1881؛ أي قبل انعقاد مجلس النواب ... فالبحث في أمر ~~الميزانية لا تبدو أهميته العملية إلا في ختام سنة 1882 حيث توضع ميزانية سنة ~~1883، فإرجاء البت في هذا النص لم يكن له من الخطر ما يدعو إلى التصادم بين المجلس ~~والوزارة. # وقد نصح المستر «بلنت» عرابي وصحبه بالاعتدال في موقفهم من هذه الأزمة، وبأن لا ~~يقطعوا برأي في نص الميزانية قبل أن تفاوض الوزارة حكومتي فرنسا وإنجلترا، وأيده ~~الشيخ محمد عبده في نصيحته، وروي عنه أنه قال في هذا الصدد: «لقد لبثنا عدة قرون ~~في انتظار حريتنا، فلا يشق علينا أن ننتظر الآن بضعة أشهر.» ولكن نصيحة الاثنين ~~عبثا. # وقد عرض شريف باشا على مجلس النواب فكرة التأجيل ... ولكن عرابي ورؤساء الضباط ~~والأعضاء البارزين من النواب لم يقبلوا هذا الحل، وارتئوا رأيا آخر يناقضه وهو ~~تقرير مادة الميزانية في ms056 الحال، ويلوح لنا أن ثمة عاملا آخر غير الاقتناع كان له ~~دخل في الأخذ بهذا الرأي، وهو انصراف العرابيين عن شريف، ورغبتهم في إقصائه عن ~~الحكم وإسناد رياسة الوزارة إلى رجل منهم، إذ لم يكن يخفى أن شريف باشا، وإن كان قد ~~ألف وزارته على قاعدة إجابة مطالب العرابيين لكنه كان يشعر حيالهم بشيء من ~~الاستقلال والكرامة. # وهذا ما جعل العرابيين يرغبون في التخلص منه، ويستبدلون به رجلا من خاصتهم ... وقد ~~ساعد على ظهور هذه الرغبة طموح محمود باشا سامي البارودي إلى رياسة الوزارة ... فقد ~~كان البارودي كثير الطموح إلى السلطة والجاه، ومن هنا تعقدت الأزمة، وامتنع الأخذ ~~برأي شريف باشا؛ لأن البارودي وهو وزير الحربية في وزارة شريف باشا، قد زين ~~لعرابي وصحبه أن يتشبثوا برأيهم ويرفضوا التأجيل، ويقرروا مادة الميزانية فورا، ~~وقد رتب على هذه الخطة وصوله إلى الرياسة؛ لأنه كان مفهوما أن رفض النواب رأي ~~شريف باشا يؤدي بداهة إلى استقالته، فيدعى هو إلى تأليف الوزارة الجديدة. ~~(7) استقالة شريف باشا # وكان ما رتبه البارودي ... فقد اتفقت كثرة النواب على رفض التأجيل، وعلى إقرار مادة ~~الميزانية كما هي، ورأى شريف باشا من حديثه مع أعضاء اللجنة الدستورية أنهم راغبون في ~~إسقاط وزارته، فلم ير بدا من تقديم استقالته في 2 فبراير سنة 1882. # وقد كان يجدر بالنواب أن يتريثوا في الأمر ... وأن لا ينقلبوا بهذا السرعة على من كان ~~موضع آمالهم حتى الأمس، ومما يستوقف النظر ويدعو إلى الأسف، أن يكون أول عمل هام لمجلس ~~النواب هو التخلص من الرجل الذي أنشأه وناضل من أجله، ووضع نظامه الأساسي ... ولكنها ~~الأهواء والمطامع كان لها الأثر البالغ في ركوب هذا المسلك. # ويعد سقوط وزارة شريف باشا إقصاء تاما لسلطة الخديو، وانتصارا حاسما للحزب ~~العسكري وعلى رأسه عرابي؛ لأن الخديو لم يكن راغبا في استقالة شريف باشا. # وقد ذاعت شهرة عرابي في أوروبا عقب سقوط هذه الوزارة، بعدما تبين أن له النفوذ ~~الفعال في مجلس النواب ... إذ استطاع بواسطته إسقاط الوزارة التي ms057 رغب في التخلص ~~منها. ~~(8) وزارة البارودي # نزل الخديو على إرادة الحزب العسكري - وفي الظاهر إرادة النواب - فأسند رياسة الوزارة ~~إلى محمود سامي البارودي ... فألفها وأدخل عرابي فيها وزيرا للحربية ... ويبدو من التأمل ~~في الكتاب الذي رفعه إلى الخديو بتأليف الوزارة أن لا خلاف في المبادئ العامة بين ~~الوزارة الجديدة والوزارة المستقبلة ... # والخلاف الحقيقي بينهما هو في إقرار المواد المتعلقة بالميزانية فورا ... وكان شريف ~~يرى تأجيلها إلى حين، وثمة فارق آخر في التشكيل، فإن وزارة البارودي مؤلفة من صميم ~~العرابيين ... وحسبك أن فيها عرابي باشا وزيرا للحربية، وقد كانت في ذلك الحين أهم ~~الوزارات شأنا وأعظمها نفوذا، وربما كان هذا من أهم الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ~~تغيير الوزارة؛ لأن عرابي كان يطمع في أن يتولى وزارة الجهادية بعد أن ارتقى في عهد ~~وزارة شريف باشا إلى منصب وكيلها، كما كان يطمع البارودي في رياسة الوزارة، وهكذا كان ~~التطلع إلى المناصب الوزارية - ولم يزل - من أسباب ما حل بمصر من الكوارث. # | ثورة عرابي في مرحلتها الثانية # (1) المرحلة الثانية من الثورة # ويقيننا أن الثورة العرابية قد بدأت تسلك سبيلا بعيدا عن الحكمة من يوم أن اتفق ~~عرابي وصحبه على إسقاط وزارة شريف باشا، وبدأت بذلك مرحلتها الثانية ... مرحلة الشطط ~~والخطل، فإن شريف باشا كان بلا نزاع أقدر من البارودي على حسن تدبير الأمور في تلك ~~الأوقات العصيبة، إذ له من ماضيه السياسي وثقافته واختباره ما يجعل له كفاية ممتازة في ~~الاضطلاع بالمهام السياسية. أما البارودي فقد كانت نشأته أدبية وحربية فحسب، وعلى أنه ~~من أعلام الأدب وكبار الشعراء، وله في ذلك المقام الذي لا يبارى ... لكن هذه المزايا ~~ليست هي المطلوبة لتصريف سياسة مصر، وخاصة في ذلك العصر المضطرب ... أضف إلى ذلك أن ~~النشأة الحربية إذا اجتمعت إلى الشعر والأدب، تثير في النفس روح الخيال والتطلع إلى ~~أقصى مراتب المجد والعلا، ومن هنا جاءت آمال البارودي بعيدة الأفق، لا تقف عند حد حتى ~~بلغت التطلع إلى العرش. # وقد عظم شأن عرابي بتقلده ms058 وزارة الحربية، فإنها الوزارة الوحيدة التي كانت تتطلع ~~إليها الأنظار في ذلك الحين ... وفيها كانت تتمثل سلطة الحكم وقوة الحركة الوطنية، فأصبح ~~عرابي الرئيس الفعلي للحكومة، وزاد من مكانته نيله بعد تقلده رتبة لواء «باشا»، لما ~~للألقاب والرتب من الأثر الذي لا ينكر في نفوس العامة والخاصة، وصار له الأمر والنهي، ~~لا في وزارة الحربية فحسب، بل في كل وزارات الحكومة، وأصبح دكتاتورا محضا، وأضحت داره ~~ملجأ لطلاب الحاجات وأصحاب الشكايات. ~~(2) دستور سنة 1882 # أقر مجلس النواب الدستور وصدر به المرسوم الخديوي في 8 فبراير سنة 1882، وقدمه ~~البارودي إلى المجلس موقعا عليه من الخديو، وألقى لهذه المناسبة خطبة بليغة جاء ~~فيها: # أيها السادة النواب ... أحسب نفسي سعيد الطالع بحضوري بينكم حاملا إلى حضراتكم ~~القانون الأساسي، الذي سيكون إن شاء الله قاعدة لجميع أعمالكم، ويسرني كل ~~السرور أنني لم أحمله إليكم إلا بعد يقيني أنه خير أساس يمكنكم أن ترفعوا ~~عليه من الأعمال ما يعزز شأن البلاد، وينمي ثروتها ويقوي أصول العدالة فيها ~~... # إلا أنني أعلم كما تعلمون أن مجرد وضع القانون على أصول الحرية وقواعد ~~العدالة لا يكفي في وصولنا إلى الغاية المقصودة من اجتماع حضراتكم، بل لا بد أن ~~ينضم إلى ذلك خلوص النية من كل واحد منكم في المحافظة على حدود هذا القانون ~~ودقة النظر في الوقوف عندها، بحيث تكون جميع الأعمال والأفكار منحصرة في ~~دوائرها، وقد قال عقلاء السياسيين إن الوصول إلى هذا النوع من الكمال، أعني حصر ~~جزئيات الأعمال وكلياتها في دائرة القانون، إنما ينال بعد العناء وطول التجارب ~~... لكني لا أعد هذا صعبا عليكم، فإن العناية الإلهية ساعدت سعد البلاد بوقوع ~~الانتخاب على حضراتكم، وأنتم على أكمل درجات العقل والفضيلة، ولا عناء في اتباع ~~القانون إلا على القاصرين، وفي أملي أنكم ستحققون ما يظنه أحباء البلاد فيكم ~~عندما تبتدئون في الأعمال المهمة التي تهيأتم الآن لمباشرتها، بأن تستعملوا ~~صادق النظر للوقوف على ما فيه خير بلادكم، وتوجهوا إلى ذلك ماضي الهمم حتى لا ~~يضيع الزمن ms059 الطويل في الحصول على فائدة قليلة، وهذا لا يكون إلا بتخليص ~~الأفكار وتمحيص الطوايا من شوائب النزعات الشخصية، بأن نجعل الأعمال وقفا على ~~المصالح العمومية التي نفعها في الحقيقة عائد عليكم وعلى أبنائكم. # إن التفات النظر إلى الخصوصيات يبعث في القلوب محاسدات ومنافرات تحمل على ~~الخلاف الدائم، نعوذ بالله، وإنكم تعلمون أن الذين رقوا إلى ذروة العز وأوج ~~الشرف لم ينالوا ذلك إلا بإخلاصهم في طلب النفع العام، فاعترف العالم بفضلهم ~~وأجلتهم القلوب فأعلتهم أعلى المنازل، فثبتوا في مكانتهم ما داموا بحلية ~~الإخلاص، وإني أهنئ نفسي بوقوفي بين عقلاء البلاد العارفين بحقوق بلادهم عليهم، ~~العالمين بأن شرفهم معقود بشرف أوطانهم، الموقنين بأنهم لن يكونوا نوابا ~~حقيقيين إلا إذا أقاموا على صدقهم براهين من العمل وحججا من الثبات في خطة ~~الاعتدال، حتى يقنع بها البعيد كما عرفها القريب. # وفي علم حضراتكم أيها السادة أنني عند استلامي رياسة النظار، رفعت إلى جناب ~~خديوينا المعظم تقريرا بينت فيه مبادئ الهيئة الحاضرة، وأظنكم قرأتموه ~~وتأملتم معانيه، وقد تكرم علي جناب الخديوي بقبوله. وإني مؤمل فيكم أن ~~تكونوا عضدا لنا وساعدا قويا على تتميم ما قصدنا، ليستقر أمر النظام وتتوفر ~~لدينا أسباب الثروة والرفاهية، ونحفظ الحقوق التي لنا، ونؤدي الواجبات التي ~~علينا، ونوفي بجميع عهودنا لمن عاهدناه، ونكون بذلك قد أرضينا سلطاننا الأعظم ~~الذي يسره نجاحنا وتقدمنا، وأرضينا جميع الدول المتمدنة التي تحب أن ترانا ~~حائزين لشرفنا، حافظين لحقوقنا قائمين بعهودنا، وآخر ما نتواصى به إلا نجعل ~~للتعصب المشربي دخلا في الأعمال الوطنية التي كلفتكم البلاد أن تقوموا ~~بأدائها، وأن تكون الوطنية الحقة هي الباعث القوي على كل فكر، والغاية القصوى ~~من كل قول وعمل، نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعا لما فيه رفعة أوطاننا ~~وتقدم بلادنا، وأن تتمتع البلاد ببقاء حضرة خديوينا المعظم أيده ~~الله. # ولما انتهى من خطبته قدم للمجلس نسخة الدستور مصدقا عليها من الخديو. # فنهض عبد السلام بك المويلحي، وألقى كلمة شكر للبارودي على إسراعه بالتصديق على ~~الدستور، ورد عليه البارودي ms060 باسمه واسم زملائه بأنهم لم يفعلوا إلا الواجب، ثم ألقى ~~سلطان باشا بلسان النواب كلمة شكر أخرى، وانتهت الجلسة إذ كانت الساعة السابعة. # وبعد انفضاض الجلسة توجه النواب إلى السراي الخديوية؛ ليؤدوا للخديو واجب الشكر ... ~~فلما مثلوا بين يديه تلقاهم بالبشر والإيناس، وتقدم سلطان باشا بالنيابة عنهم ~~وقال: «إن حضرات النواب وفدوا إلى هذه الساحة الفيحاء؛ ليقدموا للجناب المعظم شكرهم ~~وامتنانهم على ما أولاهم جنابه الكريم من النعم، وما منحته حضرته العلية لأهل القطر ~~من التفضل والإحسان.» ثم دعا للجناب الخديوي بدوام العز والإقبال وأمن جميع الحاضرين ~~... فوقع ذلك موقع القبول لدى الخديو وشكر النواب على صنعهم الجميل، ثم جلسوا ودارت ~~بينهم أحاديث ودية. # وأعرب لهم الخديو عن ميله الغريزي لمحبة الإصلاح، وحسن مساعيه لمنفعة رعيته ، وأنه لا ~~يقصد بهم إلا الخير، ولا يريد لهم غير خطة التقدم والعمران، ثم نصح لهم أن يسلكوا ~~جادة الخير، ويسيروا في سبيل المنافع العمومية بقلوب ثابتة ونيات صادقة، متخذين الحزم ~~مرشدا والسكون والتأني دليلا، ووعدهم بأنه مستعد لمساعدتهم في كل ما أرادوه من ~~الأعمال النافعة للبلاد ... فخرجوا من لدنه شاكرين، ثم قصدوا إلى ديوان الداخلية، ~~وكرروا الشكر لرئيس مجلس الوزراء فقابلهم بالترحاب، وكان عنده أثناء المقابلة وزراء ~~المالية والحقانية والخارجية والأشغال ... فقدم لهم النواب شكرهم وثناءهم وأنابوا عنهم ~~سلطان باشا في تقديم الشكر عنهم للوزراء، ثم انصرفوا فرحين مسرورين. # وأخذ مجلس النواب يضطلع بمهمته في كفاية وجهد يستحقان التقدير والثناء، ومع أنه لم ~~يجتمع إلا زمنا وجيزا لم يتجاوز ثلاثة أشهر، فقد قام بطائفة صالحة من الأعمال، فقد ~~قرر الدستور ... وهذا من أهم أعماله، ووضع النظام الداخلي للمجلس، وتباحث في مسائل هامة ~~تتصل بتقدم البلاد ورفاهيتها كعلاج غلاء الأسعار وتعميم التعليم الابتدائي، ومنع تضخم ~~المعاشات، ونظر في اقتراح قدمه نائب إسنا بإنشاء خزان أسوان وأقره المجلس، وهذا ~~يدلك على أن نواب سنة 1882 لم يفتهم التفكير في أعظم مشروعات الري التي تمت في العهد ~~الحديث. ~~(3) ظهور الفتن # كانت مدة انعقاد المجلس فترة تقدم ms061 ونشاط، تمتعت مصر خلالها بالهدوء والسكينة في ظل ~~النظام الدستوري، ولم تكد تنتهي الدورة النيابية حتى اكفهر جو الصفاء الذي ساد مصر من ~~قبل، وأخذت الأحداث تتوالى على البلاد ... فكأن انفضاض المجلس كان نذيرا بالانتكاس ~~والرجعية ... ولقد كان محتملا لو بقي المجلس منعقدا أن يعالج هذه الأحداث بالحكمة ~~والروية، ولكن شاءت الأقدار والملابسات أن يضطرب الجو بعد انتهاء الدورة البرلمانية، ~~فاحتملت وزارة البارودي وحدها تبعة معالجة الموقف، وواجهت مشكلات عدة داخلية وخارجية، ~~وتفاقم الخلاف بينها وبين الخديو حتى أدى إلى استقالتها. # وأول الأحداث الداخلية التي انتابت البلاد بعد انفضاض مجلس النواب، هو مؤامرة لضباط ~~الشراكسة ... وهي حادثة خطيرة كان لها تأثير كبير في تطور الثورة العرابية بل في مصير ~~البلاد قاطبة ... وخلاصتها أنه في شهر أبريل سنة 1882 علم عرابي من طلبة باشا عصمت، قائد ~~اللواء الأول أن بعض الضباط الشراكسة يأتمرون به، ويدبرون الأمر لقتله وقتل رؤساء ~~الضباط الوطنيين والوزراء، وأن بعض من صدر إليهم الأمر منهم بالسفر إلى السودان كانوا ~~قوام هذه المؤامرة، فعرض عرابي الأمر على الوزراء ثم على الخديو، فتقرر تحقيق هذه ~~المؤامرة في مجلس حربي، وتألف هذا المجلس برياسة الفريق راشد باشا حسني. # فأخذ المجلس في التحقيق، وسأل من عرفت أسماؤهم من المتآمرين ... فدلوا على ثمانية عشر ~~ضابطا مشتركين معهم في المؤامرة، فأمر المجلس بالقبض عليهم وأخذ في استجوابهم، فدل ~~هؤلاء أيضا على غيرهم، فقبض عليهم ... حتى بلغ عدد المعتقلين نحو أربعين ضابطا، وفي ~~مقدمتهم عثمان باشا رفقي وزير الحربية السابق وخصم عرابي اللدود، وقد سيق المقبوض عليهم ~~إلى سكنة قصر النيل وعوملوا بالغلظة والشدة. # واختلفت الآراء في حقيقة هذه المؤامرة، فقال بعض الرواة: إنها مؤامرة حقيقية، كان ~~القصد منها اغتيال رؤساء الحزب العسكري وفي مقدمتهم عرابي، وقال البعض الآخر: إنها ~~مؤامرة خيالية قوامها فزع عرابي وخوفه على حياته، فصدق الرواية التي خلقتها أوهام ~~المفسدين وأراد الانتقام من خصومه، وقد كان عرابي لا يفتأ تساوره الهواجس من ناحية ~~خصومه. # وفي 30 أبريل سنة 1882 أصدر ms062 المجلس حكمه في القضية، وهو يقضي على الأربعين ضابطا ~~المتهمين بالنفي المؤبد إلى أقاصي السودان، مع تجريدهم من الرتب العسكرية والامتيازات ~~والنياشين، وأن يكونوا متفرقين في الجهات التي ينفون إليها، ولا تكون هذه الجهات في ~~مركز الحكمدارية «الخرطوم» ولا المديريات ولا السواحل، وصدر هذا الحكم أيضا على اثنين ~~من غير العسكريين مع تجريدهما من الحقوق المدنية، وأحيلت محاكمة خمسة غيرهما إلى ~~المحاكم الأهلية. وحكم على راتب باشا الذي عد محركا للمؤامرة بالتجريد من الرتب ~~العسكرية والامتيازات والنياشين وحرمانه العودة إلى مصر، وإذا عاد يقضى عليه بالنفي على ~~النحو السابق. # رفع الحكم إلى الخديو للتصديق عليه ... فرآه بالغا منتهى القسوة، فامتنع عن إقراره، ~~ووقع من أجل ذلك خلاف كبير بينه وبين الوزارة، إذ أصر على تعديل الحكم، وتمسكت ~~الوزارة بإقراره، وانتهى الأمر بأن أصدر الخديو «إرادة سنية» في 9 مايو سنة 1882 بتعديل ~~الحكم إلى النفي من القطر المصري والترخيص للمحكوم عليه بالتوجه أنى شاءوا خارج القطر ~~مع عدم حرمانهم رتبهم ونياشينهم، وقد وقع الخديو هذه الإرادة بحضور السير إدوار مالت ~~والمسيو سنكفكس قنصلي بريطانيا وفرنسا. # على أن هذا التعديل لم يحسم الخلاف بين الخديو والوزراء، فقد ذهب البارودي إلى الخديو ~~عقب توقيعه أمر التعديل، ولامه في لهجة شديدة لنزوله على إرادة قناصل الدول، وإهماله ~~رأي الوزراء، وطلب إليه إضافة عقوبة التجريد من الرتب العسكرية إلى أمر التعديل ... ~~فاجتمع القناصل ثانية لدى الخديو عقب هذه المقابلة، وانتهى الاجتماع بإصرار الخديو على ~~«الإرادة السنية» التي أصدرها ... # فهاج ذلك سخط الوزراء، واجتمعوا يوم 10 مايو اجتماعا طويلا دام ثماني ساعات انتهوا ~~فيه إلى وجوب انعقاد مجلس النواب للنظر في هذا الخلاف - وكانت قد فضت دورته - وبدا على ~~اجتماعهم روح المعارضة الشديدة للخديو، فأنكروا عليه حق العفو ... وصرح الخديوي من ~~ناحيته أنه لا يطيق استمرار هذه الحال؛ لأنه يراد المساس بامتيازاته. ولما طال اجتماع ~~الوزراء قلق قناصل الدول وأوجسوا خيفة من تفاقم الخلاف، وجاءوا أثناء الاجتماع، وسألوا ~~عما إذا كان ثمة خطر يتهدد حياة ms063 الرعايا الأوروبيين، فأجيبوا بألا شيء يتهددهم البتة، ~~وأبلغهم وزير الخارجية «مصطفى باشا فهمي» أنه بإزاء استحالة الاتفاق مع الخديو ... ولأن ~~رئيس الوزارة لا يمكن أن يستقيل في هذا الظرف، فإن المجلس قرر دعوة مجلس النواب إلى ~~الانعقاد؛ لينظر في الخلاف القائم بين الخديو والوزراء. # وكان لهذا القرار خطورته؛ لأن عرض الخلاف بين الخديو والوزارة على مجلس النواب مع ~~إصرار الخديو على موقفه، معناه التهديد بخلعه ... وهذا ما كان عرابي وصحبه يذكرونه في ~~أحاديثهم. # ولما كانت الدعوة إلى اجتماع مجلس النواب يجب أن تصدر عن الخديو ... فقد أوفد الوزراء ~~حسين باشا الدره مللي وكيل الداخلية إلى الخديو لإبلاغه القرار، ولكن الخديو رفض عقد ~~المجلس، فدعت الوزارة النواب إلى الاجتماع بواسطة المديرين، وهذا لا يعد اجتماعا ~~قانونيا طبقا لأحكام الدستور «اللائحة الأساسية». # ولقد لبى أكثر النواب الدعوة، فجاءوا القاهرة ... وتعددت اجتماعاتهم الخاصة، وكان ~~الوزراء لا يفتئون يعقدون مجلسهم لتقرير خطتهم تجاه الخلاف المتفاقم بينهم وبين ~~الخديو. # وفي ظهر يوم 12 مايو سنة 1882 اجتمعوا في دار البارودي ومعهم بعض رؤساء الجيش ... ثم ~~جاءهم محمد سلطان باشا رئيس مجلس النواب، يصحبه عبد السلام بك المويلحي أحد النواب ~~البارزين، ثم جاءهم بعض النواب، وتحدثوا في أمر الخلاف وتعددت الاجتماعات من النواب ~~والوزراء، وكان فريق من النواب يميل إلى حسم الخلاف بالحسنى، إذ رأوا أن استمرار الشقاق ~~يهدد البلاد بأعظم الأخطار ... # ولم يوافق النواب عامة على عقد المجلس بصفة رسمية، لعدم مشروعية الاجتماع غير العادي ~~إلا بأمر من الخديو، كما تقضي بذلك المادة 9 من الدستور ... وتعددت مع ذلك اجتماعاتهم ~~غير الرسمية، ووقف النواب من أمر هذا الخلاف موقف الاستقلال والاعتدال، فلم يعتبروا ~~أنفسهم آلات صماء في يد الحزب الغالب، ولم يذعنوا لإرادة المسيطرين على هذا الحزب، بل ~~تدبروا الأمر بوحي من إرادتهم، فبرهنوا على استقلال يحمدون عليه، وكانوا لخلفائهم ~~مثلا صالحا في الاضطلاع بأعباء النيابة، وتقدير الأمانة التي في عهدتهم. # وقد سوي الخلاف مؤقتا بين الوزارة والخديو، ببقاء الوزارة في مركزها مع تعديل حكم ms064 ~~المجلس العسكري طبقا لما ارتآه الخديو. # وكان يجمل بعرابي وصحبه أن يقبلوا هذا التعديل من بادئ الأمر بغير حاجة إلى إيجاد ~~هذه الأزمة ... وكان الأنفع للبلاد ما داموا قد قبلوا التعديل في النهاية ألا يثيروا من ~~أجله حربا بينهم وبين الخديو، في وقت كانت الأخطار تكتنف مصر فيه وتتهدد استقلالها، ~~ولم يكن الخلاف الذي شجر بينهم وبين الخديو في هذه الحادثة مما يستوجب عقد مجلس النواب؛ ~~لأن عقد المجلس بصفة مستعجلة، وبغير الأوضاع القانونية، معناه إعلان الثورة على الخديو، ~~ولم يكن بقي من أوجه الخلاف بعد أن اتفقت وجهة نظر الفريقين على تعديل الحكم، سوى تجريد ~~الضباط المحكوم عليهم من الرتب العسكرية أو عدم تجريدهم ... والمجالس النيابية لا تعقد ~~بصفة غير عادية من أجل خلاف صغير كهذا. # ومما يؤخذ على الزعماء أنهم خلال تلك الأزمة قد جاهروا في اجتماعاتهم برغبتهم في خلع ~~الخديو، وتعيين الأمير حليم باشا مكانه، ولم يستمعوا إلى نصائح المعتدلين الذين ~~حذروهم عواقب هذا الطيش ... ولو كان على رأس الوزارة رجل أكثر حكمة وأبعد نظرا في ~~الأمور من البارودي، لما استفحل الخلاف بينها وبين الخديو إلى هذا الحد، وهذا ما دعانا ~~إلى الاعتقاد بأن سقوط وزارة شريف باشا لم يكن من مصلحة البلاد في شيء، وأنه بداية ~~المرحلة الثانية للثورة العرابية، مرحلة الخطل والشطط. ~~(4) حضور الأسطولين الإنجليزي والفرنسي # استفاضت الأنباء في غضون الخلاف بين الوزارة والخديو عن اعتزام إنجلترا وفرنسا إرسال ~~أسطوليهما إلى الإسكندرية، وقد تحققت هذه الأنباء ... فقررت الدولتان على أثر ما ~~بلغهما من اشتداد الخلاف بين الخديو والوزارة، ودعوة مجلس النواب إلى الاجتماع بدون ~~أمره، إرسال أسطوليهما إلى مصر، إذ عدتا هذه الحالة حالة ثورة تستدعي التدخل، وأفضى ~~اللورد «جرانفيل» وزير خارجية إنجلترا بهذه الفكرة يوم 12 مايو سنة 1882 إلى المسيو ~~«تيسو» سفير فرنسا في لندن، قائلا إن الحاجة ماسة إلى القيام بمظاهرة بحرية في مياه ~~الإسكندرية، وقد صادفت هذه الفكرة قبولا من الحكومة الفرنسية، وسوغت الدولتان هذا ~~العمل بأن الغرض منه حماية رعاياهما ms065 من الأخطار التي يستهدفون لها، ولم يكن ثمة خطر ~~ولا خوف من هذه الناحية، وإنما هي حجة مصطنعة ووسيلة باطلة تستر الغرض الحقيقي، وهو خلق ~~الذرائع للتدخل المسلح في شئون مصر. # وتلك كانت المظاهرة البحرية الثانية التي قامت بها الدولتان خلال الحوادث العرابية، ~~والأولى كانت في شهر أكتوبر سنة 1881 لمناسبة حضور الوفد العثماني الأول كما تقدم ~~بيانه، والثانية كانت أشد خطرا من الأولى، إذ إنها لم تكن مظاهرة فحسب، بل كانت مقدمة ~~لضرب الإسكندرية وللاحتلال البريطاني. # اتفقت الدولتان على أن ترسل كل منهما ست بوارج إلى المياه المصرية، وجاءت الأنباء ~~بأن الأسطولين على أهبة الحضور، فقوبل الخبر في مصر بالقلق والانزعاج. # كانت هذه الأنباء جديرة بتحذير العرابيين والخديو عواقب الخلاف بينهما؛ لأن مجيء ~~الأسطولين الإنجليزي والفرنسي كان نذيرا بالتدخل المسلح في شئون مصر ... ولكن لم يعتبر ~~الفريقان بهذا النذير واستمر كل منهما يكيد للآخر، وهكذا تغلبت الشهوات الشخصية ~~ونزوات الرءوس على مصالح الوطن العليا في أشد الساعات خطرا. # أعلن زوال الخلاف ظاهرا يوم الإثنين 15 مايو سنة 1882، في الوقت الذي كانت البوارج ~~الإنجليزية والفرنسية تتأهب لتمخر العباب قاصدة الإسكندرية. # بدأت البوارج تصل إلى مياه الإسكندرية يوم الجمعة 19 مايو سنة 1882، ففي أصيل ذلك ~~اليوم جاءت مدرعة إنجليزية، وفي صباح السبت 20 منه دخلتها سفينتان أخريان، وثلاث سفن ~~فرنسية، وكانت السفن الإنجليزية بقيادة الأميرال السير بوشان سيمور، والفرنسية بقيادة ~~الأميرال كونراد، ولما كان مجيئهما «بصفة ودية» فقد أطلقت المدافع تحية ~~لقدومهما! # وبعد ظهر يوم السبت نزل الأميرالان إلى البر مرتدين ملابسهما الرسمية، وزارا محافظ ~~الإسكندرية، فرد لهما الزيارة تبعا للتقاليد المعتادة ... # وفي 21 مايو جاءت الإسكندرية أيضا سفينتان حربيتان يونانيتان «تأمل!» وبارجة ~~إنجليزية أخرى قادمة من مالطة، وفي يوم الإثنين جاءت بارجة إنجليزية وتوجهت إلى ~~بورسعيد، وفي أوائل يونيو وصلت ثلاث بوارج إنجليزية أخرى إلى الإسكندرية، كما جاءت ~~بارجة فرنسية وجاءت أيضا بارجة أمريكية. ~~(4-1) مطالب إنجلترا وفرنسا # لم يكد يحضر الأسطولان الإنجليزي والفرنسي إلى مياه الإسكندرية، حتى أخذت ~~الدولتان ms066 تخاطبان مصر بلغة التهديد والبلاغات الرسمية ... فبدأتا بطلب استقالة وزارة ~~البارودي وخروج عرابي من القطر المصري، وأخذ المسيو سنكفكس قنصل فرنسا العام على ~~عاتقه أن يسعى أول الأمر إلى هذا الغرض «بطريقة ودية» فاتصل بزعماء العرابيين ~~بواسطة سلطان باشا؛ ليحملهم على قبول هذه المطالب من غير حاجة إلى بلاغ نهائي. فعرض ~~عليهم سلطان باشا هذه المطالب كأنها مقترحات من عنده، فرفضوا قبولها، ومن ذلك الحين ~~فقد سلطان باشا ثقة العرابيين، وبدأ انحيازه إلى صف الخديو. # ولو أن عرابي قبل هذه المقترحات وغادر البلاد لكان ذلك تضحية منه في سبيل ~~مفاداتها من التدخل الأجنبي المسلح، ولتركها على الأقل في ظروف أسعد حالا، وأهون ~~من رحيله عنها بعد هزيمة التل الكبير. # وفي يوم الخميس 25 مايو سنة 1882 جاءت تعليمات الحكومتين إلى قنصليهما ... ومضمونها ~~تقديم البلاغ النهائي الذي أعدتاه إلى الوزارة المصرية، وانتظار الجواب منها، وبعد ~~ظهر ذلك اليوم قدم القنصلان إلى البارودي بلاغ الدولتين في شكل مذكرة «نوتة» طلبا ~~فيها استقالة الوزارة، وإبعاد عرابي باشا عن القطر المصري مؤقتا مع حفظ رتبه ~~ومرتباته ونياشينه، وإقامة عبد العال حلمي باشا وعلي فهمي باشا الديب في الأرياف، ~~بجهات لا يخرجان منها مع حفظ رتبهما ومرتباتهما ونياشينهما. # رد الوزارة # اجتمع الوزراء يوم ورود المذكرة، وقرروا رفض مطالب الدولتين، ويقول ~~البارودي إنه نصح عرابي بقبولها فلم يقبل هو وإخوانه، وأيد هذه الرواية أحمد ~~بك رفعت سكرتير مجلس الوزراء ... إذ قال إن البارودي أفضى إليه بأنه مقتنع بقبول ~~هذه المطالب «ولكن الجهادية لم تقتنع»، فقال له أحمد بك رفعت: «اقنعهم»، فأجابه ~~البارودي: «لا يمكنني، فإننا متحالفون مع بعض». وهذا يعطيك فكرة عن الحالة ~~السياسية في ذلك الوقت العصيب، ويدلك على أن البارودي كان يأتمر بأوامر عرابي ~~في السياسة العامة، ولو خالفت رأيه ... وليس هذا ما يجب على رئيس الوزارة أن ~~يعمله في أزمة خطيرة يرتبط بها كيان البلاد. # أما الخديو فقد أعلن قبول مطالب الدولتين، فاستقالت وزارة البارودي في 26 ~~مايو سنة 1882 احتجاجا على مطالب ms067 الدولتين وعلى قبول الخديو إياها، فقبل ~~الخديو استقالتها، وهاجت الخواطر وخاصة بين الضباط؛ لأن قبول استقالة الوزارة ~~معناه إقصاء عرابي باشا عن وزارة الحربية. # وبالرغم من استقالة الوزارة، فإن عرابي بقي على اتصال دائم بضباط الجيش لكي ~~يضمن أن لا يقبل الجيش وزيرا للحربية سواه ... وهذا ظاهر من الخطاب الذي أرسله ~~بتاريخ 27 مايو سنة 1882 إلى أنصاره من الضباط، فقد أخبرهم فيه أنه مع استقالته ~~من وزارة الحربية، فإنه لم يستقل من رياسة الحزب الوطني، ويطلب إليهم أن ~~يأتمروا بأوامره وأن يحافظوا على الأمن. # ويقول عرابي في مذكراته: أنه أرسل هذه الرسالة تلغرافيا إلى جميع مراكز ~~العسكرية، بعد أن قابله قناصل الدول وطلبوا إليه تأمين رعاياهم. # لم يكن من الميسور في هذه الظروف تأليف وزارة جديدة، تخالف الوزارة المستقيلة ~~في خطتها وتنال ثقة النواب والضباط. # ففي صباح يوم السبت 27 مايو سنة 1882؛ أي غداة استقالة الوزارة، عقد الخديو ~~في سراي الإسماعيلية اجتماعا كبيرا برياسته، حضره النواب والعلماء والأعيان ~~وأصحاب المناصب والرتب ... وكان من الحاضرين شريف باشا، فكلفه الخديو تأليف وزارة ~~جديدة، فأبى وأصر على الإباء. # اجتماع خطير # وفي غروب ذلك اليوم - 27 مايو - اجتمع النواب في دار محمد سلطان باشا رئيس ~~مجلس النواب، ووفد عليهم كبار العلماء ... فعقدوا اجتماعا حافلا، ثم جاءهم ~~عرابي وهو في شدة الغضب، فأخذ يخطب فيهم متهددا متوعدا كل من يناصر ~~الخديو. # وجاء جمع من كبار الضباط، منهم عبد العال حلمي باشا وعلي فهمي باشا الديب ~~ومحمد عبيد بك، وبصحبتهم نفر غير قليل من صغار الضباط والجند، فدخلوا مكان ~~الاجتماع بشكل مظاهرة عسكرية، يطلبون خلع الخديو علنا ويتهددون من يظهر له ~~الولاء، وقد بلغ تهور العرابيين أشد ما يكون ... إذ ألقى عرابي خطبة ملأها طعنا ~~في الخديو وفي العائلة الخديوية، ونادى بخلعه، وختم خطبته بقوله: «من كان معنا ~~فليقم!» فحدثت ضجة كبيرة في المكان ووقف الضباط ... ولكن معظم النواب والملكيين ~~لم يقوموا، فتهددهم الأميرالاي محمد بك عبيد بالسيف، فظلوا جالسين، وتبين ~~من ذلك الموقف أن ms068 النواب لا يوافقون عرابي على خلع الخديو. # ولم يكتف عرابي بذلك، بل هدد بمحاصرة سراي الإسماعيلية التي كان الخديو ~~مقيما بها، وأمر بإحضار آلاي خليل بك كامل لهذا الغرض، وانتهى الاجتماع في هرج ~~ومرج دون أن يظفر بضم النواب إلى صفه، ولما رأى هو وطلبة ويعقوب سامي أن ~~النواب لا يوافقونهم على إعلان خلع الخديو، اكتفوا بالإلحاح في بقاء عرابي ~~وزيرا للحربية، فقبل سلطان باشا أن يقوم بهذه الوساطة لدى الخديو في ذلك ... ~~وقابل سلطان باشا الخديو في ذلك اليوم بسراي الإسماعيلية، وتحدث معه مليا ~~في شأن الخلاف وإيجاد طريقة لتسويته، ثم اجتمع بدار سلطان باشا جمع من النواب ~~والعلماء وضباط الجيش، وانتهوا إلى الاتفاق على مقابلة الخديو، ورجائه إبقاء ~~عرابي باشا وزيرا للحربية، لكي لا يضطرب حبل النظام، فذهب وفد من النواب مؤلف ~~من سلطان باشا وحسين باشا الشريعي، وسليمان باشا أباظة إلى سراي الإسماعيلية، ~~وقابلوا الخديو وعرضوا عليه رغبتهم في بقاء عرابي «ناظرا للجهادية»، وبعد ~~إصراره على رفض طلبهم عاد فقبل رجاهم، وأصدر أمرا إلى عرابي بإعادته إلى ~~وزارة الحربية هذا نصه: # ولو أنكم استعفيتم ضمن هيئة النظار التي استعفت، ولكن مراعاة لحفظ ~~الراحة والأمنية، استصوبنا بقاءكم على نظارة الجهادية والبحرية، ~~وأصدرنا أمرنا هذا لكم لتعلموه وتبادروا بإجراء ما فيه، انتظام أحوال ~~العسكرية بالطريقة الكاملة لحفظ الأمنية العمومية على الوجه المرغوب ~~كما هو مقتضى إرادتنا. # عاد إذن عرابي إلى تقلد وزارة الحربية، ورياسة الجيش والسيطرة على الحكومة، ~~وظلت النفوس قلقة تترقب ما تتمخض عنه الحوادث، وبقي عرابي وصحبه نافذي الكلمة ~~في شئون الحكومة كافة. # | مذبحة الإسكندرية # (1) موقف الدول # ظلت إنجلترا مشتركة مع فرنسا في موقفهما حيال مصر حتى حضور الأسطولين، وقد ظهر ~~اشتراكهما في العمل فيما وقع من الأحداث السابقة، كوضع الرقابة الثنائية، ثم المظاهرة ~~البحرية الأولى التي وقعت في أكتوبر سنة 1881، ثم تقديم مذكرة 7 يناير سنة 1882 التي ~~أدت إلى سقوط وزارة شريف، وتقديم المذكرة الأخيرة التي أدت إلى استقالة وزارة ~~البارودي ... على أن إنجلترا قد ms069 اعتزمت بعد أن قطعت هذه المرحلة التمهيدية أن تنفرد ~~بالعمل تحقيقا لأغراضهما الاستعمارية ... ولم يخف اللورد جرانفيل هذه النية عن الحكومة ~~الفرنسية، فقد أبلغ المسيو دي فريسينيه رئيس وزراء فرنسا بما يأتي: «إننا كنا سعداء ~~بالأمس إذ شاطرنا حكومتكم رأيها، حين كنا نأمل الوصول إلى نتيجة مرضية، ولكن مع الأسف ~~ليست هذه هي الحالة الآن.» # وصرح السير إدوار مالت قنصل إنجلترا العام في مصر يوم 27 مايو سنة 1882: «أنه لا ~~يعتبر نفسه مقيدا بالوسائل المنطوية على التساهل الواردة في مذكرة 25 مايو.» # وبدأت نية الانفراد بالعمل من الجانب الإنجليزي بمظهر فعلي، فيما بعث به أميرال ~~الأسطول البريطاني إلى حكومته يوم 29 مايو سنة 1882 ينبئها بأن المصريين ينشئون بطارية ~~تجاه إحدى بوارج الأسطول، ويطلب إرسال بوارج أخرى، فلبت الحكومة طلبه، ودل هذا العمل ~~على نية إنجلترا في احتلال مصر. # ورأى مسيو دي فريسينيه أنه يستطيع إنقاذ الموقف، بدعوة الدول إلى عقد مؤتمر للنظر في ~~المسألة المصرية، فعرض في 30 مايو سنة 1882 على الدول الأوروبية الكبرى عقد هذا المؤتمر ~~... فلم تتردد إنجلترا في قبول هذه الفكرة، وبادر اللورد جرانفيل وزير خارجيتها بإعلان ~~قبولها، إذ كان يعتقد أن السياسة لا يصعب عليها أن تبتدع الحوادث التي تسوغ تدخلها ~~المنفرد في مصر. ~~(2) الوفد العثماني الثاني # في أثناء أزمة استقالة وزارة البارودي، أرسل الخديو توفيق برقية إلى السلطان ينبئه ~~فيها عن هياج الضباط، فجاءه الرد من «الباب العالي» بأن السلطان باعث إليها بلجنة للنظر ~~في المشكلة ... ففي اليوم الثاني من شهر يونيو سنة 1882 عين مصطفى درويش باشا معتمدا ~~عثمانيا ساميا للحضور إلى مصر، وعهد إليه برياسة وفد أرسله السلطان إلى مصر لمعالجة ~~الحالة فيها، وكان هذا جوابها على رسالة الخديو، وعلى فكرة عقد مؤتمر دولي للنظر في ~~المسألة المصرية، فقد كان ظنها أن حضور «مندوب شاهاني» يغني عن عقد مثل هذا المؤتمر ~~ويكفي لإعادة السلام والوئام في مصر، وكذلك كانت سياستها قائمة على الجهل وقصر النظر، ~~فبينما كانت إنجلترا تعمل على التدخل ms070 الحربي، وترسل أسطولها تمهيدا وتأييدا لهذا ~~التدخل، فإن الحكومة التركية توهمت أن مجرد إيفادها مندوبا ساميا كدرويش باشا يعيد ~~الأمور إلى نصابها في مصر، ويحول دون تدخل إنجلترا، وتوهمت أن عدم اشتراكها في ~~المؤتمر يمنع الدول من أن تتدخل أو تبرم أمرا في المسألة المصرية. # كان هذا هو الوفد العثماني الثاني الذي جاء مصر في أثناء الحوادث العرابية، والوفد ~~الأول هو الذي حضر في شهر أكتوبر سنة 1881 برياسة علي نظامي باشا كما تقدم ~~بيانه. # ويهمنا أن نقرر أن كلا الوفدين لم يحضر بنية خالصة نحو مصر، بل حضر للمظاهرة ~~وللإعلان عن سلطة تركيا في القطر المصري، دون أن يعمل كلاهما أي عمل نافع في فض الخلاف ~~بين الخديو والجيش أو في إنقاذ مصر من مطامع إنجلترا. # جاء الوفد العثماني الثاني برياسة درويش باشا في الوقت الذي اكتمل فيه عدد البوارج ~~الإنجليزية والفرنسية في مياه الإسكندرية ... وقد كانت رؤية هذه البوارج كافية لإفهامه أن ~~الموقف جد عصيب، وأن حضوره بصفته مندوبا عن السلطان لا يمكن أن يؤثر في الموقف شيئا ~~بإزاء تلك المدافع الضخمة الفاغرة أفواهها، وتلك المعدات الحربية التي تنذر بالشر ~~والدمار، وأن هذا الموقف لا يحله حضور مندوب عثماني عدته المظاهر الفارغة التي يحاط ~~بها، ولا يهمه قبل كل شيء إلا الرشا والأموال التي يتطلع إليها. ~~••• # كل ما فعلته تركيا إذن تجاه حضور الأسطولين الإنجليزي والفرنسي أن أوفدت درويش باشا ~~المذكور، ثم أرسلت قبل وصوله إلى مصر تلغرافا في 5 يونيو بأن وزارة الخارجية ~~البريطانية أبلغت السفارة التركية في لندن، بأن الجنود المصرية تجري التجهيزات ~~والترميمات في حصون الإسكندرية على نية تهديد الأسطولين الإنجليزي والفرنسي، وأن الباب ~~العالي يطلب منعها إذا كانت جارية، ثم أردف ذلك بتلغراف آخر في اليوم التالي يستعجل ~~الرد. # وكان هذا البلاغ من وزارة الخارجية البريطانية بداية التحرش بالسلطات المصرية، إذ ~~بني ما زعمه الأميرال سيمور من أن السلطات المصرية تحصن القلاع المواجهة للأسطول، ~~فكان ذلك السبب المنتحل باعثا لتركيا على طلب الكف عن ms071 هذه التجهيزات، ورأى عرابي إزاء ~~هذا الإلحاح أن يأمر بالكف عنها، وأرسل إلى الخديو كتابا بذلك في 5 يونيو سنة 1882 ~~خلاصته أن هذه التجهيزات إنما هي ترميمات اعتيادية لا يمكن الاستغناء عنها في أي وقت، ~~وأنها لم تكن لقصد سيئ بل هي ضرورية لبقاء الاستحكامات الواجب حفظها، وتعهدها بدوام ~~الترميم والإصلاح. # ونوه في النهاية إلى أن استمرار وجود تلك الترميمات هو السبب الوحيد لتسكين روع ~~الأمة المصرية، وإزالة القلق والاضطراب المستولي على القلوب من وجود الأسطول الإنجليزي ~~في المياه المصرية، وإجرائه حركات ومناورات حربية داخل الميناء وخارجه وأخذه مقاسات ~~أعماق المياه، واقتراب السفن الإنجليزية من الشواطئ أمام الاستحكامات، وأن هذه ~~الإجراءات هي التي تعتبر تهديدات حقيقية، وهي التي هيجت أفكار الأمة المصرية وأحدثت ~~الاضطراب، ومع ذلك فإنه حرر بوقف الترميمات المذكورة «رجاء عودة الدونانمة ~~الإنجليزية»، وقد وقفت فعلا أعمال الترميم من ذلك الحين. # وإنك لترى في موقف تركيا حيال مصر إحراجا ظاهرا لها، فإن كل الدلائل تدل على نية ~~التحرش من جانب الإنجليز، ومع ذلك فإن الحكومة التركية لم تتحرك إلا لتطلب من السلطات ~~المصرية الكف عن إجراء الترميمات بالحصون، وكان هذا الطلب تأييدا ظاهرا للسياسة ~~الإنجليزية، ولم يكن إيفاد درويش باشا في هذا الموقف العصيب إلا عملا عقيما لم تفد ~~مصر منه شيئا. # وصل درويش باشا إلى الإسكندرية يوم 7 يونيو سنة 1882 على ظهر اليخت السلطاني «عز ~~الدين» يصحبه ابنه، ومعه الشيخ أحمد أسعد أحد المقربين إلى السلطان عبد الحميد، ووكيل ~~الفراشة بالمدينة المنورة وبعض الضباط والمأمورين ... وبلغ عدد الوفد وحاشيته 58 شخصا. ~~وقد كان كلا الفريقين يعمل على اجتذابه إلى ناحيته، وبدأ هذا التزاحم منذ وصل الوفد إلى ~~الإسكندرية، فقد أوفد الخديو علي ذو الفقار باشا السر تشريفاتي يصحبه حسن حلمي باشا من ~~أعضاء مجلس الأحكام، وطه لطفي باشا من الياوران لاستقباله على ظهر اليخت. # وأرسل عرابي من ناحيته يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية، ووقع الخلاف بين الرسولين ~~في أثناء المقابلة، ولكن درويش باشا استقبل ms072 كليهما بالبشاشة، ونزل وصحبه بسراي رأس ~~التين، وفي اليوم التالي ركبوا قطارا خاصا أقلهم إلى العاصمة، وقد عرجوا في الطريق ~~على مدينة طنطا حيث زاروا مقام السيد أحمد البدوي، يتبركون بزيارته ... ثم استأنفوا السفر ~~إلى أن بلغوا العاصمة، ونزلوا بسراي الجزيرة التي أعدت لإقامتهم حتى تنتهي مهمتهم، ~~وبعد أن أخذوا راحتهم ذهبوا إلى سراي الإسماعيلية، فقابلهم الخديو بالترحاب ورد الزيارة ~~للمندوب العثماني بسراي الجزيرة، على أن الخديو لم يكتم عن درويش باشا استياءه من حسن ~~مقابلته لمندوب عرابي، ومن لهجة الخطاب حين قابله بسراي الإسماعيلية ... فتظاهر درويش ~~باشا بأنه جاء لتثبيت سلطة الخديو. # وكانت خطة الوفد أن يتظاهر لكلا الفريقين المتخاصمين (الخديو والعرابيين) أنه معه ... ~~فمن مظاهر تأييده للعرابيين أنه طلب نحو مائتي نيشان لضباط الجيش مكافأة لهم على ولائهم ~~وإخلاصهم «للذات الشاهانية»، وطلب لعرابي باشا النيشان المجيدي من الطبقة الأولى، فكان ~~هذا علامة على رضاء الآستانة عنه وعن مسلكه، على أن درويش باشا قد انتهى إلى الانضمام ~~علانية للخديو ...! # وظهر تحول درويش باشا إلى جانب الخديو من نصحه لعرابي بالذهاب إلى الآستانة ليقابل ~~السلطان، وأكد له أنه سيلقى منه كل رعاية وإكرام، وقد فطن عرابي إلى عواقب هذه النصيحة، ~~وأنه قد لا يعود من الآستانة إذا هو ذهب إليها، فاعتذر للمشير العثماني بأن الأمة لا ~~تسمح له بمغادرة البلاد، والنصيحة وإن كانت في ذاتها ليست صادرة عن نية حسنة، ولكننا ~~نعتقد أن رحيل عرابي في تلك الآونة كان خيرا من بقائه في مصر، ومهما تكن عواقب رحيله ~~عنها، فإنها تهون إلى جانب ما حل بمصر وبعرابي ذاته من الكوارث بعد ذلك. # ولكي نقدر مبلغ ما كان لحضور درويش باشا من الأثر، ومبلغ عجزه عن معالجة الموقف، ~~يكفي أن نذكر أنه لم يكد يمضي على حضوره بضعة أيام حتى وقعت مذبحة الإسكندرية المشئومة، ~~وذلك في 11 يونيو سنة 1882، فكانت إعلانا رهيبا بإخفاق مهمة المندوب العثماني، وقد ~~حضر ضرب الإسكندرية يوم 11 يوليو، ثم انقلب إلى الآستانة في 19 يوليو سنة ms073 1882 دون أن ~~يعمل أي عمل لمنع وقوع هذه الكوارث. ~~(2-1) بعد استقالة البارودي # كانت الحالة في أشد الاضطراب بعد استقالة وزارة البارودي، فالوطنيون من جهة ~~توقعوا شرا مستطيرا من مجيء الأسطولين الإنجليزي والفرنسي، وأخذوا يترقبون ~~الحرب والقتال من ساعة إلى أخرى، والأجانب من جهة أخرى علموا أن البلاد قادمة على ~~حرب ... فكانوا يخشون على حياتهم أن تستهدف للخطر إذا قامت الحرب المنتظرة، فمصدر ~~الاضطراب هو في مجيء الأسطولين لا في استقالة وزارة البارودي ذاتها؛ لأن هذه ~~الاستقالة ما كانت لتحدث في البلاد حدثا لو وقعت في ظروف عادية. # فلو أنها استقالت دون أن يكون الأسطولان مرابطين في الإسكندرية لأمكن حل الأزمة ~~الوزارية بغير عناء كبير، إما بإعادة وزارة البارودي ذاتها، أو بتأليف وزارة أخرى ~~تضطلع بأعباء الحكم وتعمل على تهدئة الخواطر، ولكن وجود الأسطولين قد أوجد حالة غير ~~طبيعية، إذ كان مجيئهما مظهرا للتهديد والوعيد ... فبقيت مناصب الوزارة شاغرة منذ 27 ~~مايو سنة 1882، وتولى الخديو سلطة الحكم مؤقتا، ثم اضطر أن يعيد عرابي باشا إلى ~~وزارة الحربية؛ خوفا من انتفاض الجيش على الحكومة ، وبقيت الوزارات الأخرى ~~شاغرة. # وأخذ الأجانب يهاجرون من القاهرة والأقاليم إلى الإسكندرية، ليكونوا تحت رعاية ~~الأسطولين وعلى مقربة منهما، فغصت مدينة الإسكندرية بالأجانب من سكانها، ومن ~~القادمين إليها من الأقاليم، وكان احتشادهم فيها من الأسباب الباعثة على تفاقم ~~الهياج؛ لأن أحاديثهم كانت تدور حول اقتراب وقوع القتال، وما يستهدفون له من غضب ~~الأهلين إذا نشبت الحرب بل قبل نشوبها؛ لأن مجرد وجود الأسطولين في مياه ~~الإسكندرية، وتقديم بلاغ الدولتين إلى الحكومة المصرية وإصرارهما على إجابة ~~مطالبهما ... كل ذلك كان رمزا لاعتداء الدولتين الأوروبيتين على البلاد وإهاجة ~~الخواطر. ~~(3) مذبحة الإسكندرية # في هذا الجو من اضطراب الخواطر وقعت الحادثة المعروفة بمذبحة الإسكندرية ... ففي يوم ~~الأحد 11 يونيو سنة 1882، في نحو الساعة الثانية بعد الظهر، وقع شجار بين أحد المالطيين ~~من رعايا الإنجليز وأحد الأهلين يدعى «السيد العجان» ... كان المالطي هو البادئ فيه ~~بالعدوان، فقد كان الوطني صاحب حمار ms074 ركبه المالطي، وأخذ يطوف به من صبيحة النهار ~~متنقلا من قهوة إلى أخرى، وانتهى طوافه إلى حانة «خمارة» قريبة من قهوة القزاز بالقرب ~~من مخفر اللبان بآخر شارع «السبع بنات» ... فطالبه الوطني بأجرة ركوبه، فلم يدفع له سوى ~~قرش صاغ واحد، فجادله في قلة الأجر، فما كان من المالطي إلا أن أشهر سكينا طعنه بها ~~عدة طعنات دامية مات على إثرها. # وقع هذا الحادث في الزقاق الكائن خلف «قهوة القزاز»، فهرع رفاق القتيل إلى ذلك ~~المكان، يريدون أن يمسكوا بالقاتل، ولكنه فر إلى أحد المنازل المجاورة، وأخذ ~~المالطيون واليونانيون الساكنون بالقرب من مكان الحادث يطلقون النار على الأهلين من ~~الأبواب والنوافذ، فسقط كثير منهم بين قتيل وجريح ... فثارت نفوس الجماهير تطلب الانتقام ~~لمواطنيهم، وتحركت طبقة الدهماء للاعتداء على الأوروبيين عامة، فأخذوا يهجمون على كل من ~~يلقونه منهم في الطرقات أو في الدكاكين ويوسعونهم ضربا ... وكان سلاحهم في هذه المعركة ~~العصي والهراوات ليس غير. # وانبث الدهماء في المدينة يستنفرون الناس للقتال، ويقتلون من يلقونه من الإفرنج ضربا ~~بالعصي والهراوات، ونهبوا دكاكين شارع السبع بنات، وامتد الهياج من هذا الشارع إلى ~~الشارع الإبراهيمي وإلى شارع الهماميل، وشارع المحمودية وجهة الجمرك والمنشية وشارع ~~الضبطية «رأس التين» وغيرها من الشوارع التي يقطنها الأوروبيون أو يمرون منها، وقد قتل ~~كثير منهم أمام الضبطية، إذ كانوا قادمين من الترسانة عائدين من زيارتهم للبوارج ~~الإنجليزية والفرنسية، وكان الأوروبيون من ناحيتهم يطلقون الرصاص من النوافذ على ~~الأهلين، فقتل من الجانبين خلق كثير. ~~••• # وإذ كان البادئ بالعدوان أحد الرعايا «المالطيين» وقد شاهده بعض الحاضرين يلوذ ~~بالفرار إلى منزل يسكنه مواطنوه، فقد أرسل قسم اللبان إلى المستر كوكسن قنصل إنجلترا ~~لإيفاد أحد موظفي القنصلية لكي يخرج المعتدي من ذلك المنزل، فحضر المستر كوكسن بنفسه ~~أثناء اشتداد الهياج، فأصيب بضربة حجر وعصا جرح بسببها جرحا بليغا، وجرح أيضا في ~~ذلك اليوم قنصل اليونان وقنصل إيطاليا، فكانت إصابة القناصل من مظاهر خطورة ~~الحالة. # وكان عمر باشا لطفي محافظ المدينة حين بدأت الحادثة، ms075 يتولى رياسة قومسيون تحقيق ~~الجمرك بدار المحافظة، فأبلغه أحد موظفي الضبطية نبأ الشجار الذي وقع بين الوطني ~~والمالطي، وكان ذلك في نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، فأوفد حسين بك فهمي وكيل المحافظة ~~إلى مكان الواقعة لفض الخلاف، ثم جاء بعد ربع ساعة نبأ باستفحال الفتنة وتجسمها، وأن ~~السيد بك قنديل مأمور الضبطية مريض في منزله، فذهب بنفسه إلى جهة الواقعة بشارع السبع ~~بنات. # وهناك أدرك خطورة الفتنة ورأى ازدحام الشارع ~~بالمتجمهرين، فطلب من إسماعيل باشا كامل قومندان الجنود بالإسكندرية، إرسال المدد من ~~الجند لوقف الهياج ... فتباطأ الأميرالاي مصطفى بك عبد الرحيم قائد الآلاي الخامس، الذي ~~كان مرابطا برأس التين والقائمقام سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس، الذي كان بباب ~~شرقي في إرسالهما الجند، ولم يحضروا إلا في الساعة الخامسة مساء قبل المغرب بساعة، ~~وحين جاء الجند فرقوا المتجمهرين بغير صعوبة، وانتهت الفتنة في مغرب الشمس، فساد ~~المدينة سكون رهيب، إذ لزم الناس بيوتهم، وخلت الطرقات من المارة، وانقضى الليل والناس ~~في وجل وفزع. # وبلغ عدد القتلى في هذه الحادثة 49 منهم 38 من الأجانب والباقون من الأهلين . ~~(3-1) اجتماع القناصل بالإسكندرية # اجتمع القناصل مساء يوم الحادثة، وكان من بينهم الكابتن مولينو من ضباط المدرعة ~~الإنجليزية «إنفنسبل»، وقد عهد إليه الأميرال سيمور أن ينوب عن المستر كوكسن في ~~إدارة القنصلية عقب إصابته في الحادثة، وحضر الاجتماع محافظ المدينة، وتداولوا فيما ~~يجب اتخاذه لإعادة النظام وتهدئة الخواطر، فصرح كبار ضباط الجيش بالإسكندرية أنهم ~~مكلفون بحفظ الأمن ... على ألا يتدخل الأسطولان في الأمر، فطلب القناصل من قائدي ~~الأسطولين أن لا يتخذا تدابير ظاهرة، ولكن بعض الزوارق الإنجليزية شوهدت في منتصف ~~الليل، قادمة من إحدى بوارج الأسطول ترسو على شاطئ الميناء الشرقي. # وكان مجيئها تنفيذا لتعليمات الأميرال سيمور، الذي أصدر أمره بأن تخرج البارجة ~~«سوبرب» من الميناء الغربي وترسو خارج الميناء الشرقي، وأن ترسل بعض الزوارق إلى ~~البر لنقل النساء والأطفال إلى البارجة، فاعترض الضباط على هذه الوسيلة إذ رأوا في ~~حضور الزوارق الإنجليزية ms076 إلى البر ما يدعو إلى هياج الجمهور والجند، فوعد نائب ~~القنصل البريطاني بإبعاد الزوارق عن البر، وانفض الاجتماع الأول على ذلك. # وقع النبأ في العاصمة # كان عرابي بالقاهرة حين وقعت الحادثة، وقد علم بها تلغرافيا قبل الساعة ~~الخامسة مساء، فأسف لها أسفا عظيما ... ولما ذاعت أخبارها في العاصمة مساء 11 ~~يونيو، قوبلت بالاستياء والاستنكار في الدوائر الوطنية، ~~لما توقعه العارفون من عواقبها الوخيمة، ~~وكانت ضربة موجهة إلى العرابيين؛ لأن أقل ما تدل عليه أن زمام الأمن قد أفلت ~~من أيديهم، وأنها تتخذ حجة ضدهم على أنهم غير قادرين على ضبط الأمن وصيانة ~~الأرواح، وبخاصة بعد أن أعيد عرابي إلى وزارة الحربية وتعهد بكفالة الأمن ~~والنظام. # وكانت هذه المذبحة نذيرا للعرابيين بأن البلاد قادمة على خطر كبير، إذ لم ~~يكن خافيا أن السياسة الإنجليزية قد دبرت الوسائل لوقوعها تحقيقا لأغراضها ~~في مصر، ولكن العرابيين لم يقدروا العواقب حق قدرها، وقد اتخذ القناصل هذه ~~الحادثة ذريعة لمخاطبة ولاة الأمور في العاصمة بلهجة شديدة طالبين حماية ~~الأجانب وأموالهم في البلاد، وقررت الحكومة مساء 11 يونيو إيفاد لجنة إلى ~~الإسكندرية للنظر في أمر تلك الحادثة، والكشف عن أسبابها والتحقيق مع المتهمين ~~فيها. # وعقد الخديو اجتماعا في سراي عابدين صبيحة يوم الإثنين 12 يونيو، حضره محمد ~~شريف باشا، ودرويش باشا المندوب العثماني وقناصل فرنسا وإنجلترا والنمسا ~~وألمانيا وإيطاليا والروسيا، الذين جاءوا يطلبون تأمين رعاياهم على أرواحهم ~~وأموالهم ... فجرت المباحثة في هذا الاجتماع فيما يجب اتخاذه حيال حوادث ~~الإسكندرية، فاستقر الرأي على إعطاء وكلاء الدول السياسيين الضمانات الوثيقة ~~التي تكفل إعادة الأمن إلى نصابه، وصيانة أرواح الأجانب وأموالهم. # ومن أهم هذه الضمانات امتثال عرابي باشا لأوامر الخديو، فدعي عرابي إلى حضور ~~الاجتماع، وخوطب في الأمر فأجاب بالقبول، وزاد أن تعهد للمجتمعين بمنع ما من ~~شأنه إثارة الخواطر، كالاجتماعات العامة وانعقاد الجمعيات وإلقاء الخطب ونشر ~~المقالات المهيجة، وأبان أن في مقدوره بمساعدة جنوده تأييد الأمن وإقرار الراحة ~~والطمأنينة، وتعهد الخديو بإصدار الأوامر الكفيلة بتهدئة الخواطر، وقال درويش ms077 ~~باشا: إنه يأخذ على عاتقه تنفيذ الأوامر الخديوية بأن يشترك مع عرابي في ~~إنفاذها، ويشاركه المسئولية في هذا الصدد، فاكتفى وكلاء الدول ظاهرا بهذه ~~العهود، وانفض الاجتماع. # وإنفاذا لهذه العهود أصدر الخديو أمرا إلى عرابي باشا، بالتنبيه على قواد ~~الجيش وضباطه بالقاهرة والإسكندرية والأقاليم، بزيادة الدقة والسهر على الأمن ~~العام. # وأصدر الخديو أمرا بهذا المعنى إلى المحافظين والمديرين، ونشر عرابي في ذلك ~~اليوم إعلانا بدعوة الجمهور إلى الإخلاد إلى السكينة والطمأنينة، وأذاع أمرا ~~آخر وجهه إلى قواد الجيش وضباطه وغيرهم، يدعوهم إلى بذل أقصى جهودهم لإقرار ~~الأمن والراحة والنظام، وزادت الحكومة قوات الجيش في الإسكندرية لتكون كافية ~~لقمع كل فتنة تحصل بين الأجانب والأهلين، فأنفذت إليها الآلاي الثاني والآلاي ~~الرابع، وعهدت بقيادتهما إلى طلبة باشا عصمت الذي صار منذ ذلك الحين قومندانا ~~عاما لقوات الجيش في الثغر. ~~(4) نزوح الأجانب عن البلاد # وكانت الأنباء التي يتناقلها الأجانب مجمعة على أن الحرب لا محالة ناشبة في مصر ... ~~وكانوا يتوقعون من آن لآخر أن تطلق البوارج الإنجليزية والفرنسية قنابلها على ~~المدينة، وأن قوات الدولتين لا تلبث أن تهاجم البلاد، وفي هذه الحالة لا يأمنون على ~~أنفسهم إذا نشبت الحرب أن يستهدفوا لانتقام الأهلين ... ومن هنا جاءت فكرة نزوح الأجانب ~~عن البلاد، فأخذ القاطنون منهم بالإسكندرية يهاجرون منها بحرا، والأجانب في القاهرة ~~والأقاليم يفدون إلى الإسكندرية للإقلاع منها إلى الخارج، وبدأ رحيل الأوروبيين عن ~~البلاد في اليوم التالي لمذبحة الإسكندرية، وكثرت جموعهم النازحة في الأيام التالية. ~~ونزل المهاجرون منهم إلى السفن التي كانت راسية في الميناء ينتظرون أن تقلع ~~بهم. # وبلغ عدد الراحلين منهم يوم 12 يونيو سنة 1882 أكثر من عشرة آلاف مهاجر، نزلوا إلى ~~البحر متفرقين في البواخر والسفن الشراعية، ولم تعارض إدارة جوازات السفر ولا الجمارك ~~أحدا منهم في النزول إلى البحر، فكثرت جموع المهاجرين يحملون أموالهم وأمتعتهم، وامتلأ ~~الميناء بالسفن المقلة لهم، وظلت الهجرة مستمرة في الأيام التالية حتى بلغ عدد ~~الراحلين لغاية يوم 18 يونيو 32000 مهاجر، وبلغ عددهم ms078 ستين ألفا قبيل ضرب الإسكندرية، ~~فكان هذا السيل المتدفق نذيرا بما يتمخض عنه الجو من الأحداث الجسيمة. # ومما ساعد على تعاظم سيل الهجرة، أن قناصل الدول رغبوا إلى رعاياهم الرحيل عن البلاد، ~~وأفضوا إليهم بأنهم يتوقعون حوادث أشد هولا من مذبحة 11 يونيو، وأن الحرب وشيكة ~~الوقوع، فسارعوا إلى الهجرة، وأعدت كل دولة سفنا لنقل رعاياها، فهرع الفقراء والمعوزون ~~إلى النزول إليها، وأخذ الموسرون منهم أماكنهم في البواخر المعتادة، وتسلل الأوروبيون ~~من كل ناحية في القطر المصري قاصدين الميناء، حتى خيل لمن يرى جموعهم الراحلة أنه ~~لم يبق منهم في البلاد إلا نفر قليل. # وزاد الناس شعورا بخطر الموقف، انتقال الخديو فجأة من العاصمة إلى الإسكندرية، فقد ~~اعتزم السفر إليها عقب حادثة 11 يونيو سنة 1882، وحجته تهدئة الخواطر فيها، وسافر إليها ~~يوم الثلاثاء 13 يونيو، وودعه على المحطة عرابي باشا وزير الحربية، وقبل أن يتحرك ~~القطار عهد إلى عرابي مراقبة أحوال القاهرة، والسهر على الأمن العام فيها واتخاذ ~~الاحتياطات الكفيلة بمنع وقوع أي حادث، وصحبه في سفره درويش باشا المندوب ~~العثماني. ~~(4-1) من المسئول عن المذبحة؟ # لا شك أن حضور الأسطولين الإنجليزي والفرنسي هو السبب الأول لحوادث 11 يونيو سنة ~~1882، فقد هاج حضورهما الخواطر وأوغر صدور المصريين على الأوروبيين عامة، لما في ~~مجيئهما من معنى التحدي والعدوان، كما أنه أغرى الأوروبيين بالوطنيين؛ لشعورهم بأن ~~الأسطولين إنما جاءا لحمايتهم ولإذلال المصريين. # كتب الشيخ محمد عبده (الأستاذ الإمام) في هذا الصدد يقول: # إن الحكومة الإنجليزية على عادتها في اختلاق العلل وارتجال المساءات، ~~قلبت وجوه المسائل، واستدبرت طالع الحق، واستقبلت وجه مطمعها، واتخذت مجرد ~~التغيير في بعض نظامات الحكومة الخديوية سببا للمناوأة، واندفعت لتسيير ~~مراكبها إلى مياه الإسكندرية تهديدا لحكومة الخديو وعدوانا عليه، ثم نفخ ~~بعض رجالها في أنوف ضعفة العقول من الأجانب المقيمين بالثغر، حتى أوقدوا ~~فتنة هلك فيها المساكين قضاء لشهوة إنجليزية، وأقامت منها حكومة إنجلترا ~~حجة في العدوان على الأراضي الخديوية، ولو أن بصيرا نظر إلى أحوال القطر ~~المصري بعين ms079 صحيحة من مرض الغرض، لعلم أن بداءة الخلل في ذلك القطر من يوم ~~ورود المراكب الإنجليزية لثغر الإسكندرية، ولا نسبة بين ما كان من قبل ذلك؛ ~~من عموم الأمن ورواج الأعمال وانتظام المصالح وبين ما كان بعده. # فالمسئولية العامة تقع على كاهل السياسة البريطانية والفرنسية. أما المسئولية ~~الخاصة في وقوع المذبحة بالذات، فتستطيع أن تتبينها من أن أول من أشعل الفتنة ~~مالطي من رعايا بريطانيا، وأخ لخادم القنصل البريطاني، ولا يمكن أن يكون هذا من ~~قبيل المصادفات، والسياسة البريطانية هي التي استغلت الحادثة، وهولت فيها وجسمتها ~~لتتذرع بها إلى التدخل المسلح في شئون البلاد، وقد وصفها المسيو فريسينيه رئيس ~~وزارة فرنسا في ذلك الحين وصفا لا مبالغة فيه ولا تهويل، إذ قال بأنها من الحوادث ~~العارضة التي تقع أحيانا في الثغور التي يسكنها عدة أجناس، وشبهها بالفتنة التي ~~حصلت قبل عام في مرسيليا بين العمال الإيطاليين والفرنسيين. ~~(5) وزارة إسماعيل راغب باشا # بقيت البلاد بلا وزارة منذ استقالة البارودي؛ أي من 27 مايو ... فلما وقعت حوادث 11 يونيو، اتجهت الأنظار إلى وجوب تأليف وزارة تضطلع بأعباء الحكم، وتضع حدا للفوضى التي ~~استهدفت لها البلاد. # وكان الخديو قد بارح القاهرة ووصل إلى الإسكندرية عقب مذبحة 11 يونيو كما أسلفنا، ~~فسعى قنصلا ألمانيا والنمسا لديه باتفاقهما مع مندوب تركيا، للتقريب بين الخديو وعرابي ~~وترغيبه في تأليف وزارة جديدة، يبقى فيها عرابي وزيرا للحربية، فأخذ الخديو يستشير بعض ~~رجال الدولة في أمر تأليف الوزارة الجديدة، فاستدعى شريف باشا ثم مصطفى فهمي باشا ثم ~~عمر لطفي باشا وغيرهم، وكلف كلا منهم بتأليف الوزارة، فأبوا جميعا لما كان بينهم ~~وبين عرابي من الجفاء، وتدخل قنصلا ألمانيا والنمسا ومندوب تركيا من جديد، واتصلوا ~~بعرابي وتفاوضوا معه في هذا الشأن، واستقر رأيهم بعد استطلاع رأيه على النصح للخديو ~~باختيار إسماعيل راغب باشا لتشكيل الوزارة، وعلى ذلك ألف راغب باشا الوزارة وفيها ~~عرابي وزيرا للحربية كما كان. # ولو حسنت نيات إنجلترا لأمكن لوزارة راغب باشا أن تعيد الأمور إلى ms080 نصابها وتزيل ~~الآثار السيئة التي نجمت عن حوادث 11 يونيو، فإن هذه الحوادث قد وقع مثلها في بعض ثغور ~~البلاد الأوروبية، دون أن يترتب عليه سلب استقلالها وانتهاك حقوقها. ولكن إنجلترا ~~دبرت مذبحة الإسكندرية أبت إلا أن تستغلها دون نزاهة ولا هوادة حتى تصل إلى احتلال ~~مصر، وكان من تدابيرها ألا تمكن وزارة راغب باشا من تهدئة الخواطر وإقرار الأمن في ~~نصابه ... # وأغلب الظن أنها لم تكن تبغي تأليف الوزارة لكي تبدو البلاد في حالة غير عادية، ~~وتتخذ من ذلك ذريعة إلى التدخل في شئون البلاد ... فلما تألفت قابلتها السياسة ~~الإنجليزية بالجفاء وعدم الثقة، والغض من قدرتها على إعادة الأمن إلى نصابه، وأخذت ~~تخلق لها العقبات والعراقيل، وبارح السير إدوار ماليت قنصل بريطانيا العام الإسكندرية ~~يوم 27 يونيو، وأناب عنه المستر كارترايت الذي شهد ضرب الإسكندرية، وغادر المدينة أيضا ~~المستر كوكسن القنصل البريطاني. وأوعزت الحكومة البريطانية إلى السير أوكلن كولفن ~~الرقيب المالي الإنجليزي بالامتناع عن حضور جلسات مجلس الوزراء، وهذه علائم ونذر تنبئ ~~عما كانت تبيته السياسة الإنجليزية من إثارة الحرب والقتال. # | ميثاق النزاهة # (1) مؤتمر الآستانة # دعا المسيو دي فريسينيه رئيس الوزارة الفرنسية الدول الأوروبية الكبرى إلى عقد مؤتمر ~~للنظر في المسألة المصرية، فلبى هذه الدعوة كل من إنجلترا وألمانيا والروسيا وإيطاليا ~~والنمسا ... أما تركيا فإنها رفضت الفكرة بحجة أن إيفاد مندوبها درويش باشا إلى مصر كاف ~~لحل مشكلتها! وقد اعتزمت إيفاده إلى مصر في الوقت الذي علمت فيه باقتراح عقد المؤتمر؛ ~~أي أنها عارضت المؤتمر بإرسال مندوب سام إلى مصر، واتخذت من إرساله وسيلة لرفض عقد ~~المؤتمر، واحتجت أيضا بأن الأحوال في مصر لا تستدعي عقد مؤتمر بعد تأليف وزارة راغب ~~باشا، واضطلاعها بأعباء الحكم وإعادتها الأمن إلى نصابه، فلم يبق شيء يمكن أن يتفاوض ~~فيه المؤتمر. # وقد أبلغ وزير خارجية تركيا سفراء الدول الأوروبية بالآستانة هذا القرار، ولكن الدول ~~لم تعبأ به واعتزمت عقد المؤتمر، وبقيت تركيا على امتناعها ورفضت الاشتراك فيه حتى ضرب ~~الإسكندرية، فكان من المهازل ms081 السياسية أن يجتمع مؤتمر دولي في الآستانة للنظر في ~~المسألة المصرية دون أن تشترك فيه حكومة الآستانة ذاتها، ودون أن تشترك فيه مصر، وكان ~~واجبا على كلتيهما أن تشترك فيه. # وليس هذا المظهر وحده هو الذي يدل على اضطراب السياسة العثمانية في المسألة المصرية، ~~بل إن مسلكها كله كان مجموعة متناقضات واضطرابات ... فبينما كانت تتظاهر بتأييد سلطة ~~الخديو، إذا بالسلطان عبد الحميد يعلن عطفه على عرابي ويمنحه نيشانا رفيع الشأن، ثم ~~إذا جد الجد ونشبت الحرب بينه وبين الإنجليز طعنه في الصميم بإعلانه عصيانه، فكان هذا ~~الإعلان من أكبر أسباب هزيمته وخذلانه، فهذا التناقض والاضطراب، مضافا إليه قصر نظر ~~تركيا وسوء نيتها نحو مصر ورغبتها في إنقاص استقلالها، ثم ما جلبت عليه من الدس ~~والوقيعة، وتأثر وزرائها بالمال والرشا، جعل من السياسة التركية عامل فساد استخدمته ~~بريطانيا لتحقيق أطماعها في مصر. # اجتمع المؤتمر بدار السفارة الإيطالية في «ترابيا» بضواحي الآستانة على شاطئ البوسفور ~~يوم 23 يونيو سنة 1882، وكان أعضاؤه سفراء الدول العظمى الست: بريطانيا وفرنسا وألمانيا ~~والنمسا والروسيا وإيطاليا، والسفير البريطاني هو اللورد دفرين. ~~(1-1) ميثاق النزاهة # ثم اجتمع للمرة الثانية يوم 25 يونيو، وقبل البدء في مداولاته إبرام العهد ~~المشهور بميثاق ~~النزاهة Protocole de Désinteressement ~~. وقد وضعه المسيو دي فريسينيه في 16 يونيو وعرضه على ~~اللورد جرانفيل فقبله، وهذا نصه: # تتعهد الحكومات التي يوقع مندوبوها على هذا القرار، بأنها في كل اتفاق ~~يحصل بشأن تسوية المسألة المصرية لا تبحث عن احتلال أي جزء من أراضي مصر، ~~ولا الحصول على امتياز خاص بها، ولا على نيل امتياز تجاري لرعاياها لا ~~يخول لرعايا الحكومات الأخرى. # وقد وقع عليه أعضاء المؤتمر جميعا ... # هذا هو العهد الذي ارتبطت به الدول، وفي مقدمتها إنجلترا في مؤتمر الآستانة ... ~~ولكن إنجلترا حين أبرمته كانت تنوي نقضه، كما نقضت سائر عهودها في المسألة المصرية. ~~والدليل القاطع على ذلك أنها في الوقت الذي أبرمته - 25 يونيو سنة 1882 - كانت تعد ~~معدات الحرب والقتال وتجهز جيشها لاحتلال مصر، ولم ms082 يمض على هذا العهد ستة عشر ~~يوما حتى ضرب أسطولها مدينة الإسكندرية بمدافعه يوم 11 يوليو. # واجتمع المؤتمر في جلسته الثالثة يوم 27 يونيو، وأخذ أعضاؤه يتداولون في المسألة ~~المصرية، وأخذ اللورد دفرين يلقي بيانه عن الحالة في مصر، ذهب فيه إلى أن الفوضى ~~قد تمكنت من مصر من جراء ثورة الجيش وانتقاضه على الخديو، وأن هذه الفوضى قد أدت ~~إلى اختلال الإدارة وارتباك الأحوال، ووقوف حركة التجارة وفقدان الثقة وعجز الأهلين ~~عن سداد الضرائب، وعجز الحكومة عن الوفاء بتعهداتها المالية حيال الدائنين الأجانب، ~~ثم تعريض حياة الأوروبيين للخطر. # ويؤخذ من بيان اللورد دفرين أن إنجلترا كانت تقصد من الاشتراك في المؤتمر إعلان ~~أن الحالة في مصر تستدعي التدخل في شئونها، وأن هذا التدخل يجب أن يكون حربيا ~~لقمع الثورة وإعادة سلطة الخديو، وكانت ترمي إلى أن يكون هذا التدخل إنجليزيا ... ~~ولكنها تظاهرت على لسان اللورد دفرين بأنها تبغي أن يكون تركيا، وهي عالمة بأن ~~الحكومة التركية بلغت من الضعف والتردد بحيث لا تقدم على هذه المهمة، ولو أنها ~~تدخلت بجيشها لكان من المحتمل أن يكون ذلك إنقاذا للموقف وتفاديا من الاحتلال؛ ~~لأن الدول الأوروبية ما كانت لتقبل بقاء جيش عثماني في مصر إلى ما شاء الله، وفي ~~الحق أن الحالة لم تكن تستدعي إرسال جيش عثماني أو غير عثماني، فإن وزارة راغب باشا ~~كانت تستطيع إعادة الأمن والنظام إلى نصابه، لو لم تبادرها السياسة الإنجليزية ~~بالعقبات والعراقيل. # كانت إنجلترا واثقة من جمود السياسة التركية وضعفها، مطمئنة إلى انقسام الدول ~~الأوروبية في الرأي، وعدم اتخاذها قرارا معينا في المسألة المصرية ... فانتهزت هذه ~~الفرصة وأخذت قبل انعقاد المؤتمر وخلال انعقاده تعد معدات الحرب والقتال؛ لتنتهك ~~بأسطولها وجيشها حرمة العهود والمواثيق، وتحتل مصر تحت سمع المؤتمر وبصره. # وقد بدت منها نية الخداع جلية في مفاوضاتها بالمؤتمر، فقد اقترح السفير الإيطالي ~~على الأعضاء بجلسة 27 يونيو، أن تقرر الدول الامتناع عن التدخل المنفرد في مصر ما ~~دام المؤتمر منعقدا، ولو كانت إنجلترا حسنة ms083 النية لوافق مندوبها على هذا القرار، ~~ولكن الواقع كما أسلفنا أنها كانت تجهز معدات لاحتلال مصر، فأخذ اللورد دفرين يلح ~~في ضرورة وضع تحفظ لهذا القرار، حتى قرر المؤتمر إضافته وهو «فيما عدا الأحوال ~~القهرية»، فنم بذلك على ما كانت تضمره إنجلترا من مخادعة المؤتمر، وما كانت تبيته ~~من نية الشر والعدوان ونقض العهد والميثاق، وقد اطمأنت بعد وضع هذا التحفظ، وتركت ~~المؤتمر يجتمع ويقرر ما يشاء، إذ كانت هذه الكلمة كافية لتجعل قراراته عديمة ~~القيمة. ~~••• # ومن الغريب أن المركيز دي نواي سفير فرنسا قد أيد اللورد دفرين في اقتراحه ~~إضافة هذه الحاشية، فدل بذلك على مبلغ تخبط السياسة الفرنسية في ذلك الحين، وقد ~~اغتبط اللورد دفرين لهذه الإضافة، وأرسل في اليوم التالي إلى اللورد جرانفيل رسالة ~~يقول فيها: «إننا في الواقع منذ أن تم تعديل اقتراح السفير الإيطالي هذا التعديل ~~الهام لم نعد نعتبر للاقتراح قيمة كبيرة.» # قرر المؤتمر في جلسته الثالثة وجوب التدخل في مصر لإخماد الثورة، وأن يعهد إلى ~~تركيا بهذه المهمة، بأن ترسل إلى مصر قوة كافية من الجند لإعادة الأمن والنظام ~~إليها، وأخذ يتداول في الجلسات التالية في شروط هذا التدخل وحدوده، واستفادت ~~إنجلترا من هذا البطء لإتمام تدابيرها وإنفاذ خطتها في تدخلها المنفرد، ووضع ~~المؤتمر في جلسته السابعة - يوم 6 يوليو سنة 1882 - قواعد هذا التدخل، وهي: أن ~~يحترم الجيش الذي ترسله تركيا مركز مصر وامتيازاتها، التي نالتها بموجب الفرمانات ~~والمعاهدات، وأن يخمد الثورة العسكرية ويعيد إلى الخديو سلطته، ثم يشرع في إصلاح ~~النظم العسكرية في مصر، وأن تكون مدة إقامته في مصر ثلاثة أشهر، إلا إذا طلب ~~الخديو مدها إلى المدة التي تتفق عليها الحكومة المصرية مع تركيا والدول الأوروبية ~~العظمى، ويعين قواد هذا الجيش بالاتفاق مع الخديو، وتكون نفقاته على حساب مصر، ~~ويعين مقدارها بالاتفاق مع مصر وتركيا والدول الست العظمى الأوروبية. # وقد صدر هذا القرار على أن يعرض على الحكومة التركية والحكومات الأوروبية الست ~~التي لها ممثلون في المؤتمر، وأرسل نص ms084 القرار إلى هذه الدول فأقرته، ووافقت على ~~تقديمه إلى الحكومة التركية، فأرسل إليها ولكنها لم تقره، ووقفت موقف الإحجام ~~والتردد، شأن السياسة التركية في ذلك العهد. واعتمدت في رفضها التدخل على تقارير ~~درويش باشا الذي يقول فيها إنه ليس في مصر ما يوجب تدخلها، وقد وافقت إنجلترا ~~على دعوة تركيا إلى التدخل في هذا الوقت الذي كانت تعد فيه معدات القتال لتتدخل هي ~~بمفردها؛ ذلك لأنها كانت مطمئنة إلى بطء السياسة التركية وترددها، وأنها تستطيع خلق ~~«الحالة القهرية» التي نوه إليها اللورد دفرين، فتتذرع بها إلى التدخل الحربي من ~~جانبها ضاربة صفحا عن قرار المؤتمر، وقد أنفذت خطتها، إذ ضرب الأسطول الإنجليزي ~~مدينة الإسكندرية يوم 11 يوليو قبل أن تتقدم الدول إلى تركيا بقرار المؤتمر، وقبل ~~أن يتبين موقف تركيا حيال هذا القرار. # أما التدخل في ذاته فلم يكن ثمة موجب له؛ لأن الحالة في مصر كانت طبيعية بعد ~~تأليف وزارة راغب باشا ... ومن الوقائع الثابتة أن إنجلترا أخذت تجهز معدات القتال ~~قبل انعقاد المؤتمر، فقد أصدرت وزارة البحرية الإنجليزية في 15 يونيو تعليماتها إلى ~~بواخر النقل بالاستعداد للسفر إلى مصر، مقلة كتائب الجنود في ذلك الحين لإرسالها ~~إلى الديار المصرية. # وقد كانت آخر جلسة عقدها المؤتمر قبل ضرب الإسكندرية - وهي الجلسة السابعة - يوم ~~6 يوليو، فلما وقع الضرب ظهر أن المؤتمر لم يكن إلا مهزلة اتخذتها إنجلترا وسيلة ~~لشغل الناس عما تضمره من نياتها العدائية، واجتمع المؤتمر مع ذلك بعد الضرب يوم 15 ~~يوليو، وأخذ يستأنف النظر في تدخل تركيا الحربي. # عرابي والمؤتمر # استمر المؤتمر كما أسلفنا يعقد جلساته ~~على غير طائل، وإنجلترا تعد المعدات للقتال، وقد كان انعقاده مدعاة إلى اعتقاد ~~عرابي وصحبه أن المسألة المصرية ستحل بطريق المفاوضات بين الدول، وأن انعقاد ~~المؤتمر مانع من انفراد إنجلترا أو غيرها من الدول من التدخل الحربي في مصر، ~~وكان هذا إغراقا منهم في حسن الظن أو الجهل بما تنويه إنجلترا ... # وفي الحق أن العرابيين كان ينقصهم الحصافة في الرأي ms085 وبعد النظر السياسي، ~~وأغلب الظن أنهم كانوا لا يعرفون الموقف السياسي على حقيقته، وكانوا يعتمدون ~~على ما يتلقونه من بعض الأفراد الأوروبيين من الأوهام والأخبار الملفقة، ولم ~~يكن لديهم قلم أخبار في مصر ولا في الخارج يطلعهم على حقيقة الأحوال السياسية ~~وتطوراتها. # هذا فضلا عما اشتهروا به من الغرور والخيلاء، إذ كانوا يتوهمون أنهم قادرون ~~على دفع اعتداء الإنجليز أو أية دولة أخرى دون أي استعداد جدي للحرب، ولم ~~يكونوا يقدرون قوة أعدائهم ولا قوتهم هم أنفسهم، فبينما كان الإنجليز يستعدون ~~للحرب والقتال ويحشدون جنودهم في إنجلترا ومالطة والهند، ويستطلعون قوة ~~العرابيين ويقفون على حقيقة معداتهم، كان العرابيون لا يعرفون شيئا عن معدات ~~الإنجليز ... بل كانوا يتوهمون أنهم لا يجرءون على إعلان الحرب والقتال أو النزول ~~إلى البر، وكذلك كان شأن وزارة راغب باشا عامة، فإنها كانت لا تزيد كثيرا عن ~~مستوى العرابيين في العلم والمعرفة، وكان عرابي هو الآمر المتسلط عليها إذ كان ~~وزير الحربية والبحرية فيها. ~~••• # ومما ساعد العرابيين على التمادي في غرورهم، رؤيتهم الأسطول الإنجليزي راسيا ~~في مياه الإسكندرية دون أن تنشب الحرب أو يتحفز للضرب، فخيل الوهم لهم أن ~~مجيئه لم يكن إلا من قبيل التهديد والوعيد، وأنه لا يجرؤ على إنزال الجنود ~~إلى البر، واتخذوا من موقف السكوت الذي لزمه يوم مذبحة الإسكندرية دليلا على ~~أنه لا قبل له بالحرب والقتال ... # ولكن الواقع أن الإنجليز كانوا ينتظرون أن يهيئوا الجو في أوروبا لقبول ~~تدخلهم الحربي ... فدبروا مذبحة الإسكندرية حتى يظهروا الحالة في مصر بأنها ~~حالة فوضى واضطراب، ونهب وقتل لا يؤمن معها على حياة الأجانب، وأنها تستدعي ~~تدخل الدول لوضع حد لهذه الفوضى، ثم اشتركوا والدول في عقد مؤتمر الآستانة ~~للمفاوضة في إيجاد علاج لهذه الحالة الخطير ... وهيئوا الأفكار في أوروبا لضرورة ~~التدخل لقمع الثورة في مصر ... # فلم يكن انتظارهم هذه المدة - ولم تكن في ذاتها طويلة - إلا لإحكام خطتهم ~~وإتمام تجهيزاتهم الحربية، ثم لتمكين الجاليات الأوروبية من الهجرة قبل أن تضرب ~~إنجلترا ضربتها في ms086 مصر، لكي يكون عدوانها مقرونا بعطف الأوروبيين المهاجرين ... ~~وتكون في احتلالها كأنها نائبة عنهم وعن الدول الأوروبية جميعا، كل ذلك ~~والعرابيون غارقون في أحلامهم معتقدون أن الحرب بعيدة الوقوع؛ ولذلك لم يبد ~~منهم أي عمل يدل على الاستعداد لخوض غمار القتال. # وكانت أحاديث العرابيين دائرة حول ما يتسقطونه من أخبار المؤتمر، وما تلوكه ~~ألسنتهم من أن الأزمة ستحل قريبا بطريق السلم، وأنها ستنتهي بخلع الخديو ~~توفيق وتعيين الأمير حليم باشا مكانه ... وهذا كل ما كان يشغل بالهم ويستحوذ على ~~أفكارهم في ذلك الوقت العصيب، أما الاستعداد للحرب والتهيؤ للقتال، فلم يفكروا ~~فيه تفكيرا جديا إلا في اللحظة الأخيرة بعد أن ضاع الوقت وسبق السيف ~~العذل. # | ضرب الإسكندرية # (1) ضرب الإسكندرية # كانت إنجلترا تستعد للحرب قبل انعقاد مؤتمر الآستانة وخلال اجتماعه، وقبل أن يقر ~~قراره بدعوة تركيا إلى إرسال جيش لها إلى مصر ... وأخذت تدبر الأسباب والذرائع للتعجيل ~~بضرب الإسكندرية لكي تضع المؤتمر أمام الأمر الواقع. # فأوعزت إلى الأميرال سيمور قائد الأسطول البريطاني أن يخلق أية وسيلة للتحرش بمصر ~~لإثارة الحرب عليها؛ أي أنها أخذت تخلق «الحالة القهرية» التي أشار إليها اللورد دفرين ~~في مؤتمر الآستانة، واشترط إضافتها إلى قرار الامتناع عن التدخل المنفرد في مصر، فأخذ ~~الأميرال يتأهب للعدوان، وكان يستعين برأي الجالية البريطانية في خلق أسبابه، ووجد على ~~الأخص من السير أوكلن كولفن الرقيب المالي الإنجليزي عونا كبيرا له في ذلك ... إذ كان ~~من أشد غلاة الاستعمار ومن الداعين إلى احتلال مصر، وكان بعد رحيل السير إدوار مالت ~~الممثل الفعلي لبريطانيا في مصر، فلا غرو أن كان على اتصال دائم بالأسطول. # ولم يكن أسهل على القوة الغشوم من أن تخترع الوسيلة لإثارة القتال ... فقد أرسل ~~الأميرال سيمور في أول يوليو سنة 1882 إلى مجلس الأميرالية الإمبراطورية ينبئها أنه ~~اكتشف بعض ترميمات يقوم بها المصريون في حصون الإسكندرية، وأنهم يركبون بطاريات جديدة ~~تجاه بوارجه، وأن الاستعدادات الحربية قائمة في البلاد، وأن عرابي معتزم سد بوغاز ~~الإسكندرية لحصر البوارج الإنجليزية التي كانت ms087 راسية في الميناء. # وبديهي أن هذا الاكتشاف إنما كان وسيلة مختلقة لتسويغ الشر والاعتداء، فإن أية ~~ترميمات تجري في الحصون لا يمكن أن تكون وسيلة مشروعة لإثارة الحرب والقتال، إذ كل دولة ~~حرة في أن تقوي معدات الدفاع في بلادها، بل واجب عليها أن تفعل ذلك في كل وقت ... ~~وخاصة في مثل تلك الظروف العصيبة التي كانت تجتازها مصر، فإن مجرد حضور الأسطول ~~البريطاني فيه معنى التهديد بالتدخل المسلح، على أنه لم يكن ثمة ترميمات جديدة تخيف ~~الأسطول الإنجليزي وتشغل باله. # وقد أجابت الأميرالية الإنجليزية في 3 يوليو على برقية الأميرال سيمور بأن يمنع كل ~~محاولة لسد بوغاز الإسكندرية، ورخصت له بأن يطلب وقف الأعمال الجارية في الحصون، وفي ~~حالة الرفض فليدمرها بمدافعه. # وتدل الدلائل والبينات على أن الحكومة البريطانية كانت مبيتة نيتها على ضرب ~~الإسكندرية، واحتلال البلاد مهما كانت الأسباب والملابسات، وذلك قبل اختلاق حكايتهم ~~ترميم الحصون، وإنا ذاكرون هذه الشواهد فيما يلي: # أولا: # في 22 يونيو سنة 1882 عرض سفير إنجلترا في باريس على الحكومة ~~الفرنسية الاشتراك في اتخاذ وسائل عاجلة بقصد حماية قناة السويس، ~~فأجابه المسيو دي فريسينيه رئيس وزارة فرنسا أن لا خطر مطلقا يتهدد ~~القناة، وأن شركة القناة ذاتها لا تخشى من شيء سوى تلك الحماية التي ~~يراد فرضها عليها؛ لأن احتلال القناة قد يؤدي إلى قطع ترعة ~~الإسماعيلية واستهداف القناة البحرية ذاتها لأعمال عدائية، وختم ~~دي فريسينيه جوابه بأن احتلالها عمل لا مسوغ له. # ثانيا: # يقول المستر بلنت: إن وزارتي الحربية والبحرية في إنجلترا عقدتا النية ~~منذ أوائل سنة 1882 على مهاجمة مصر من ناحية قناة السويس، وشاهد بنفسه ~~الاستعدادات الحربية في إنجلترا في شهر يونيو سنة 1882، وكان يعتقد أن ~~الغرض منها تقوية مركز إنجلترا في مؤتمر الآستانة، ولكن تبين له فيما بعد ~~أن الغرض منها مهاجمة مصر. # ثالثا: # موقف إنجلترا في مؤتمر الآستانة وإصرار اللورد دفرين على وجوب التدخل ~~الحربي في شئون مصر لقمع الثورة، وإضافته كلمة «الحالة القهرية» إلى قرار ~~الامتناع عن ms088 التدخل المنفرد كما تقدم بيانه، كل ذلك يدل على ما كانت ~~تضمره من التدخل بمفردها. # رابعا: # منذ أن جاء الأسطول البريطاني في مايو تعاقد مع تجار الأطعمة على توريد ~~المئونة اللازمة للأسطول لمدة ثلاثة أشهر ... وليس هذا عمل أسطول جاء لوقت ~~محدود بقصد حماية أرواح الأجانب كما قال الإنجليز عند حضوره. # خامسا: # أرسل المسيو سنكفكس قنصل فرنسا العام إلى المسيو دي فريسينيه رئيس وزارة ~~فرنسا برقية من الإسكندرية في 28 يونيو سنة 1882 يقول فيها: «إن هجرة ~~الأوروبيين مستمرة، والشعور العام هنا أن التدخل الإنجليزي أصبح وشيك ~~الوقوع، ولم يبق في القنصلية الإنجليزية إلا كاتبان يسجلان أسماء ~~الإنجليز الذين يرغبون البقاء في مصر.» # سادسا: # أرسل المسيو دي فورج # De Forges # قنصل ~~فرنسا العام إلى المسيو دي فريسينيه برقية من الإسكندرية يوم 4 يوليو، يقول ~~فيها: «كل الدلائل تدل على أنه سيقع عمل حربي عاجل من الإنجليز؛ سواء ~~باشتراكنا أو بدونه.» # سابعا: # اعترف الأميرال سيمور في يوم 6 يوليو سنة 1882 بأن أعمال الترميم التي ~~زعم أنها كانت جارية بها لغاية يوم 5 يوليو، أوقفت ومع ذلك أصر على ~~الضرب. # ثامنا: # تدبير مذبحة الإسكندرية من الأدلة على تبييت إنجلترا النية على ~~الاحتلال. # تاسعا: # عهدت وزارة الحربية البريطانية إلى المستشرق الأستاذ بالمر Palmer # بالمجيء إلى مصر وارتياد صحراء سينا ~~لرشوة القبائل البدوية بين قناة السويس وغزة قبل نشوب الحرب، وقد حضر، ~~وقابله المسيو جون نينيه في الإسكندرية عرضا، فقال له الأستاذ بالمر: ~~«أنصحك بمغادرة القطر المصري؛ لأن الإسكندرية ستضرب بالقنابل عما قريب، ~~وستكون عرضة لأن يقتلك الأهلون.» # وقد قام الأستاذ بالمر بمهمته، ولكن قتله البدو هو وصحبه، وحوكم قتلتهم عقب الاحتلال ~~فحكم عليهم بالإعدام! # كل هذه الشواهد والنيات تدل على سبق إصرار إنجلترا على ضرب الإسكندرية، واحتلالها ~~مهما كانت الأحوال أو اختلفت الأسباب. ~~(1-1) التحفز للضرب # في 6 يوليو أرسل الأميرال سيمور إلى طلبة عصمت قومندان موقع الإسكندرية بلاغا ~~أول بالكف عن أعمال التحصين الجارية في الحصون، فأجابه طلبة في اليوم ذاته ms089 بأنه لم ~~يوضع أي مدفع جديد في الحصون ولم يجر فيها أي عمل جديد، وقد ذاع بلاغ الأميرال ~~سيمور في المدينة وتناقله الناس، فأيقن العارفون بحقائق الأمور أنه نذير الشر، وأن ~~الحرب واقعة لا محالة، وأوعز قنصلا إنجلترا وفرنسا إلى رعاياهما الباقين بالمدينة ~~بالمبادرة إلى الرحيل عنها، فتسابقوا إلى الهجرة والنزول إلى السفن التي بالميناء، ~~وبلغ عدد المهاجرين الأوروبيين منذ حوادث يونيو إلى ما قبل الضرب نحو 99 في المائة ~~من عددهم الأصلي، وهاجر كثير من سراة المدينة إلى داخل البلاد، على أن معظم الأهلين ~~بقوا بها. # لم يقتنع الأميرال سيمور بجواب طلبة باشا ... وهيهات أن يقتنع؛ لأنه إنما يبغي من ~~جوابه أن يختلق سببا مكذوبا ليتذرع به إلى الضرب. # وإمعانا في التحرش بعث الأميرال إلى طلبة باشا عصمت بلاغا آخر يمهد به إلى ~~الإنذار النهائي، هذه ترجمته: # البارجة إنفنسبل في 6 يوليو سنة 1882 # صاحب السعادة ... أتشرف بإخباركم أني علمت من طريق رسمي، أنه قد صار ~~البارحة تركيب مدفعين جديدين أو أكثر في خطوط الدفاع القائمة على البحر، ~~وأن بعض استعدادات حربية قد عملت في واجهة الإسكندرية الشمالية تحديا ~~للأسطول الذي تحت قيادتي، فيجب علي والحالة هذه أن أنبه عليكم بوقف هذه ~~الأعمال، فإن لم تقف وتجددت يكون واجبا علي تدمير المعدات الجاري العمل ~~فيها. # فرد عليه طلبة باشا عصمت بالجواب الآتي: # عزيزي الأميرال الإنجليزي ... # أتشرف بأن أنبئكم بوصول خطابكم المؤرخ 6 يوليو، الذي تخبرونني فيه ~~أنه اتصل بكم تركيب مدفعين، وأن أعمالا أخرى جارية على شاطئ البحر ... ~~فردا على ذلك، أود أن أؤكد لكم أن الأخبار المذكورة لا حقيقة لها، وأن ~~هذه الأخبار مثل خبر التهديد بسد مدخل البوغاز الذي اتصل بكم وتحققتم ~~كذبه. # هذا وإني لمعتمد على عواطفكم المتشبعة بروح الإنسانية، وأرجو قبول ~~احتراماتي. # ولم يكتف الأميرال سيمور بطلب منع التحصين، بل طلب أن تسلم له الحصون التي ~~يزعم أنها تهدد الأسطول! # وفي صبيحة 10 يوليو أرسل إلى طلبة باشا عصمت إنذارا نهائيا، يطلب فيه تسليم ~~البطاريات ms090 المنصوبة في الحصون القائمة بشبه جزيرة رأس التين، وعلى ساحل ميناء ~~الإسكندرية الجنوبي، وإلا ضرب الحصون في صبيحة الغد - 11 يوليو - ومعنى ذلك تسليم ~~الحصون ذاتها. # وهذا نص الإنذار النهائي: # أتشرف بإخبار سعادتكم أنه نظرا لأن الاستعدادات العدائية الموجهة ضد ~~الأسطول الذي أتولى قيادته آخذة في الازدياد طول يوم أمس في طوابي صالح ~~وقايتباي والسلسلة، فقد عقدت العزم على أن أنفذ غدا - 11 الجاري - عند ~~شروق الشمس العمل الذي أعربت لكم عنه في خطابي المؤرخ يوم 6 الجاري، إن لم ~~تسلموا إلي حالا قبل هذه الساعة البطاريات المنصوبة في شبه جزيرة رأس ~~التين، وعلى شاطئ ميناء الإسكندرية الجنوبي لتجريدها من السلاح. # وعقد الخديو بسراي رأس التين مجلسا عاما دعا إليه الوزراء وكبار رجال الدولة؛ ~~ليستشيرهم في الموقف وفيما يجب أن يكون عليه جواب الحكومة على الإنذار النهائي، ~~فاستقر رأي المجلس على رفض مطالب الأميرال ... # وفي المساء حرر الوزراء الرد على الإنذار النهائي طبقا لقرار المجلس، وهذا نصه: # لم تعمل مصر شيئا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل السلطة ~~المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوغ مطالب الأميرال إلا بعض إصلاحات ~~اضطرارية في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند ~~وصول الأساطيل، ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا بل من الواجب علينا أن ~~نتخذ عدتنا ضد كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول ~~الحكومة الإنجليزية أنها باقية بيننا، ومصر الحريصة على حقوقها الساهرة على ~~تلك الحقوق وعلى شرفها، لا تستطيع أن تسلم أي مدفع ولا أي طابية دون أن ~~تكره على ذلك بحكم السلاح ... فهي لذلك تحتج على بلاغكم الذي وجهتموه اليوم، ~~وتوقع مسئوليات جميع النتائج المباشرة وغير المباشرة التي تنجم، إما عن ~~هجوم الأساطيل أو عن إطلاق المدافع، على الأمة التي تقذف في وسط السلام ~~القنبلة الأولى على الإسكندرية المدينة الهادئة، مخالفة بذلك لأحكام حقوق ~~الإنسان ولقوانين الحرب. # يتضح من البيانات والمراسلات المتقدمة أن الإنجليز كانوا مصممين على احتلال ~~الإسكندرية، سواء ms091 ضربوها أو لم يضربوها، وسواء قبلت طلباتهم في الإنذار النهائي ~~أو لم تقبل، ولم تكن الوسائل السلمية كافية مجدية في منعهم عن تنفيذ ما عزموا عليه ~~... فالمجلس العام الذي اجتمع برياسة الخديو وقرر رفض الإنذار، كان على حق في ~~قراره. ولو أنه قرر التسليم بمطالب الأميرال سيمور، لما كان تسليمه ليحول بين ~~الإنجليز واحتلالهم المدينة، وكل ما كان يؤدي إليه التسليم أن يقع الاحتلال دون ~~مقاومة من جانب مصر، ولم يكن هذا موقفا مشرفا. فليس الخطأ في رفض مطالب ~~الأميرال، بل الخطأ في الانقسام الذي كان واقعا بين الخديو والعرابيين، وكان عليهم ~~أن يتلافوا ذلك الانقسام الذي أضعف الجبهة المصرية في ساعة الخطر، ولكن كلا ~~الفريقين لم يبذل سعيا جديا في تلافيه، وكلاهما مخطئ من هذه الناحية. # الحصون والأسطول # يجمل بنا قبل أن نتكلم عن وقائع الضرب أن نقابل بين القوتين المتحاربتين؛ ~~لأن من هذا البيان يتضح من كان مقدرا له الفوز والنصر. # كان بالإسكندرية في ذلك الحين عدة حصون تسمى «طوابي» جمع طابية، وهذا ~~الاسم متداول حتى اليوم بين سكان الثغر، ولا يزال بعض هذه الحصون «الطوابي» ~~قائما حتى اليوم، تبدو عليه آثار الخراب وبعضها لم يبق له وجود. # وهذه الحصون كانت تمتد على شاطئ البحر من ناحية العجمي غربا إلى أبو قير ~~شرقا ... فأولها من الغرب طابية «العجمي»، وهي قائمة في جزيرة العجمي التي ~~يسميها الإفرنج جزيرة المرابط - أو مارابوت كما يكتبونها - ولذلك يسمونها ~~قلعة المرابط، واسمها الصحيح قلعة أو طابية العجمي، وتسمى أيضا طابية ~~العجمي البحرية؛ تمييزا لها عن طابية العجمي القبلية التي سيرد الكلام ~~عنها. # وكانت طابية العجمي البحرية من أمنع حصون الإسكندرية، ويوجد تجاهها على ~~اليابسة طابية أخرى تسمى طابية العجمي القبلية، وتعرف أيضا بطابية ~~«العيانة»، وهذه التسمية معروفة بين أهل هذه الجهة، وواردة كذلك في خريطة مصلحة ~~المساحة ... ولم تكن لها أهمية حربية، بل لم تشترك في الضرب إذ لم يكن إنشاؤها، ~~ويلي هذه الطابية شرقا طابية «الدخيلة»، ثم قلعة «المكس» وكانت من أمنع ms092 ~~القلاع، ومهمتها الدفاع عن مدخل الميناء «البوغاز». # ويلي قلعة «المكس» على طول الشاطئ الجنوبي للميناء عدة حصون واستحكامات، وهي ~~البرج نمرة 15، فطابية «القمرية»، فطابية «أم قبيبة»، ثم برج مستدير فيه ~~مدفعان، ثم طابية «صالح». # وعند «باب العرب» طابية تسمى طابية باب العرب تعادل طابية المكس في تسليحها، ~~وتقفل لسان الأرض الواقع بين البحر وبحيرة مريوط، وهي واقعة إلى ما وراء المقطع ~~القديم الذي خرقه الإنجليز عام 1810 قبل خروجهم من مصر، ليدخلوا به مياه البحر ~~إلى بحيرة مريوط، فأغرقت يومئذ قرى كثيرة، وتحولت به صحراء واسعة يابسة إلى ~~مستنقع رديء. # وفي شبه جزيرة رأس التين عدة حصون تحمي الميناء من الجهة الشمالية، وهي طابية ~~«الفنار» التي تحيط بفنار الإسكندرية وتشرف على الميناء، فطابية «رأس التين» ~~الواقعة شمالي سراي رأس التين، فطابية الإسبتالية. # وتلي هذه الحصون شرقا طابية «الأطة» وهي كلمة تركية تنطق أضه، وتعني ~~الجزيرة، وتسمى في الإسكندرية طابية القضاء - الواقعة شرقي حمام الأنفوشي - ثم ~~طابية «الهلالية»، ثم طابية «قايتباي» التي يسميها الأوروبيون حصن «فاروس» ~~ومهمتها حماية المدينة من الجهة الشمالية الشرقية وحماية الميناء الشرقي، ~~يقابلها من الطرف الشرقي لهذا الميناء طابية «السلسلة». # ويلي طابية «السلسلة» شرقا قلاع أبو قير، وهذه لم تشترك في القتال لبعدها ~~عن ميدانه، وبداخل المدينة طابية «كوم الناضورة»، وطابية «كوم الدكة» وتعرف ~~أيضا بكوم الدماس. # وكان يحيط بالمدينة من جهة اليابسة سور قديم يسمى السور العربي، الذي كان ~~باقيا منه إلى عهد قريب بعض آثاره بجهة باب رشيد «باب شرقي»، وهو سور حصين به ~~أبراج للمدافع. # وهذه الحصون منشأة من عهد محمد علي، ماعدا كوم الناضورة وكوم الدكة، فإنهما ~~منشآن من عهد الحملة الفرنسية، وقلعة «قايتباي» المنشأة في القرن الخامس عشر، ~~وكانت الحصون سنة 1882 بحالتها التي كانت عليها في عهد محمد علي وإبراهيم ~~وعباس، وقد أجرى فيها إسماعيل بعض الترميم وجلب لبعضها المدافع الضخمة من طراز ~~أرمسترنج، وهي التي كانت تضاهي مدافع الأسطول البريطاني، وكان عددها 49 مدفعا، ~~أما المدافع الأخرى فلم يكن يعتمد ms093 عليها في الضرب لقدمها وضعفها وقرب مرماها، ~~ولم تكن لها أية قيمة حربية في سنة 1882، وهي معظم مدافع الحصون إذ كان عددها ~~229 مدفعا والأهوان وعددها أربعون. # وكانت حامية الحصون مؤلفة من آلاي طوبجية السواحل، ومجموع قوته الرسمية 1762 ~~مقاتلا بين جنود وضباط وصف ضباط بقيادة الأميرالاي إسماعيل بك صبري، ولكن ~~عددهم الحقيقي كان دون ذلك، ويقول عرابي في مذكراته: لم يزد عن سبعمائة يوم ~~الضرب، ويقول المسيو جون نينيه - الذي شهد ضرب الإسكندرية: إن نصف رماة القنابل ~~«الطوبجية» كانوا متغيبين في قراهم بحجة الاقتصاد والتوفير، وهذا يفسر نقصان ~~عددهم يوم الضرب. وقال: إن الأميرال سيمور كان موقنا قبل الضرب أنه لن يلقى في ~~ميدان القتال سوى هيكل محارب قديم، كان شاكي السلاح بالأمس ثم صار شبحا لا ~~حراك فيه، وقال في موضع آخر يصف إهمال حالة الحصون: «إن معظم المدافع القصيرة ~~المرمى لم تتحرك من موضعها منذ نحو ثمان وثلاثين سنة حين ركبها لأول مرة ~~جاليس بك # Galice Bey # مفتش الاستحكامات في ~~عهد محمد علي ... أما المائة مدفع وواحد من مدافع أرمسترنج من عيار تسع إلى عشر ~~بوصات، فكان منها 64 فقط مركبة في مواضعها، والسبعة والثلاثون الأخرى كانت ~~ملقاة خارج مواضعها، وأما ذخائرها فإنها لم تنقل من مخازنها ~~بالترسانة.» # يخلص مما تقدم بيانه أن الدفاع عن المدينة كان ضعيفا متخاذلا، وأن القوة ~~التي واجهت الضرب لم تتجاوز 700 مقاتل، أما حامية المدينة فلم تشترك في القتال، ~~وكانت مؤلفة من أربعة آلايات: اثنان منها كانا مرابطين أصلا في المدينة، وهما ~~الآلاي الخامس من المشاة بقيادة الأميرالاي مصطفى بك عبد الرحيم برأس التين، ~~والآلاي السادس بقيادة الأميرالاي سليمان بك سامي داود، ويتألف من هذين ~~الآلايين اللواء الثالث بقيادة خورشيد باشا طاهر، والجميع بقيادة الفريق ~~إسماعيل باشا كامل، وقد زيد عليهما آلايان بعد مذبحة الإسكندرية، وهما الآلاي ~~الثاني بقيادة خليل بك كامل، والرابع بقيادة عيد بك محمد، ويتألف من هذين ~~الآلاليين اللواء الثاني بقيادة طلبة باشا عصمت، الذي جعله عرابي قائدا ms094 لموقع ~~الإسكندرية وحاميتها. # ويقول عرابي: إن كل آلاي من المشاة كان مؤلفا من 3000 مقاتل، فيكون مجموع ~~الجند يوم ضرب الإسكندرية 12000 من البيادة «المشاة» و700 من الطوبجية. # أما الأسطول البريطاني فكان مؤلفا من ثماني مدرعات كبيرة، وخمس سفن مدفعية ~~وسفينة للطربيد وأخرى كشافة. # ومعظم مدافع هذا الأسطول من طراز أرمسترنج وعددها 77 مدفعا، والأسطول من هذه ~~الناحية كان أقوى سلاحا من الحصون، وكان يفوقها في سرعة تحركه وابتعاده عن ~~الهدف، على حين أن الحصون كانت مستقرة يسهل على الأسطول رميها بمدافعه فيصيبها. ~~وكانت خطته في الضرب أن تجتمع عدة بوارج فتصوب نيرانها نحو حصن واحد فتدمره أو ~~تسكته، ثم تتحول إلى الحصن الذي يليه ... وهكذا تستطيع أن تدمر الحصون حصنا بعد ~~حصن، بينما الحصون لا تستطيع أن ينجد بعضها بعضا، فهذه المقابلة وحدها تنبئ ~~مبدئيا بمصير الضرب، وتدل على أن كفة الأسطول البريطاني كانت أرجح بكثير من ~~كفة الحصون المصرية. # أصدر الأميرال سيمور يوم 10 يوليو سنة 1882 تعليماته إلى بوارجه، لكي تأخذ ~~مواقفها يوم الضرب على الترتيب الذي وضعه. # واتخذت البوارج موقفها على هذا النحو ليلة الضرب ... أما عن الاستعداد للضرب من ~~ناحية الحصون، فقد استدعى عرابي في تلك الليلة الأميرالاي إسماعيل بك صبري ~~قومندان حصون الإسكندرية، وكان عرابي وقتئذ «بالترسانة» يصحبه محمود باشا فهمي ~~وطلبة باشا عصمت ومحمد باشا كامل وكيل نظارة البحرية، وأصدر إليه تعليماته، ~~فانصرف إسماعيل بك صبري والتقى بضباط الحصون، ووزع كلا منهم في مركز ~~عمله. # وأصدر أيضا تعليماته بتوزيع جنود الحامية على خطوط الاستحكامات من برج ~~السلسلة شرقا إلى قلعة العجمي غربا. # وفي ليلة 11 يوليو كانت البوارج الإنجليزية على أهبة القتال، أما الأسطول ~~الفرنسي فقد انسحب إلى بورسعيد تنفيذا لتعليمات حكومته، ولم يترك سوى سفينتين ~~لم تعملا عملا ما ... وهكذا ترك الفرنسيون الإنجليز وحدهم ينفردون بالضرب ~~والقتال، ولو اشتركوا معهم لتغير وجه المسألة المصرية، ولما استطاع الاحتلال ~~الإنجليزي أن يثبت أقدامه في البلاد. # مأساة الضرب # في الساعة السابعة من صبيحة يوم الثلاثاء ms095 11 يوليو سنة 1882 أعطى الأميرال ~~سيمور إشارة الضرب ... فأطلقت البارجة «ألكسندرا» أول قنبلة على طابية ~~الإسبتالية، وتلتها البوارج الأخرى، فأخذت تطلق قنابلها المدمرة على حصون ~~المدينة وعلى المدينة ذاتها. أما القلاع فلم تجب على الضرب إلا بعد الطلقة ~~الثالثة، بعد خمس دقائق، وكان الضرب من جانب الأسطول الإنجليزي شديدا مروعا، ~~فكانت قنابله محكمة المرمى شديدة الفتك، أما القلاع فكانت ضعيفة متراخية وسقط ~~كثير منها في البحر دون أن تصل إلى البوارج الإنجليزية. # وكانت البوارج أثناء الضرب تتحرك في سيرها، يحجبها عن الأعين دخان كثيف فلا ~~يستطيع الرماة المصريون إحكام المرمى وإصابة الهدف منها، وكل بارجة بها شبكة من ~~الفولاذ، إذا أصابتها قنبلة من قنابل الحصون صدت قوتها بحيث تضعف إذا نفذت ~~إلى البارجة ذاتها، وقد ساعد على إحكام المرمى من جانب الأسطول أن الاستعداد ~~الحربي من ناحية الإنجليز أقوى وأعظم منه من جانب القلاع المصرية، إذ كانوا ~~مطلعين على دقائق الاستحكامات، ومبلغ ما بها من المدافع والميرة والذخيرة ~~ومخازن القنابل فيها، بخلاف العرابيين فإن معلوماتهم عن قوات الإنجليز كانت ~~مشوشة ضئيلة، وكانوا يظنون أن البوارج الإنجليزية لا تقوى على هدم القلاع ولا ~~تقف أمام مرمى قنابلها، وقد اتضح عكس ما يظنون، فإن البوارج قد دكت الحصون ~~وعطلت مدافعها، في حين أن الأسطول الإنجليزي لم يصب بضرر يذكر. # استمر الضرب من الساعة السابعة إلى الساعة الحادية عشرة على أقصى ما يكون من ~~الهول والشدة، وقنابل الأسطول تقذف الخراب وتحصد الأرواح ... ثم سكتت قليلا ~~واستؤنف الضرب بعد هنيهة حتى الساعة الثانية بعد الظهر، ثم وقف هنيهة أخرى، ثم ~~استؤنف بعد ذلك إلى منتصف الساعة السادسة مساء قبل الغروب بساعة. # وقد تهدمت حصون الفنار ورأس التين والإسبتالية في منتصف الساعة الواحدة بعد ~~الظهر، حيث اجتمعت عليها المدرعات ألكسندرا وسلطان وسوبرب، ولما أسكتتها صوبت ~~قنابلها إلى قلعة «الأطة» وعاونتها في ضربها المدرعتان إنفلكسيبل وتمرير، فقذفت ~~المدرعات الخمس نيرانها على تلك القلعة، فدمرتها بعد أن نسفت مستودع البارود ~~فيها، ثم تحولت إلى قلعة «قايتباي» ms096 وظلت تقذفها بقنابلها إلى الساعة ~~الخامسة مساء فخربتها. # وفي المنطقة الجنوبية من الساحل ضربت المدرعات إنفنسبل وبنلوب ومونارك ~~وإنفلكسيبل وتمرير حصون المكس وأم قبيبة والدخيلة، فأسكتتها في منتصف الساعة ~~الثانية عشرة، واتجهت السفينة كوندور إلى قلعة العجمي فضربتها بالقنابل حتى ~~أسكتتها. # وفي نحو الساعة الأولى بعد الظهر شاهد الأميرال سيمور أن هذه الحصون قد ~~أخلاها الجنود، فأرسل عشرين بحارا إلى البر دخلوا قلعة «المكس» وأتلفوا ~~مدافعها، ثم عادوا إلى سفنهم آمنين. # وفي منتصف الساعة الرابعة شوهدت مدافع طابية «القمرية» تتأهب للضرب ... وعاد ~~الجنود إلى قلعة «المكس»، فصوبت البارجتان «بنلوب» و«مونارك» مدافعهما إلى ~~الحصن المذكور، وأخذتا في ضربه حتى منتصف الساعة السادسة مساء، حيث أمر ~~الأميرال سيمور بالكف عن القتال، فوقف الضرب بعد أن استمر عشر ساعات ~~متوالية. # وقد دافعت الحاميات عن الحصون دفاع المستميت، وقام رجالها بواجبهم قدر ما ~~استطاعوا ... ولكن قوة الأسطول ومدافعه كانت لها الغلبة في هذا اليوم المشئوم، ~~فتهدم معظم الحصون، وأصابت قنابل الأسطول كثيرا من مساكن الأهلين فدمرتها ~~وأحرقتها، كما أحرقت جناح الحرم بسراي رأس التين. # وتفانى الأهلون في الدفاع عن المدينة، على رغم أن الحرب كانت حرب مدافع وحصون ~~وبوارج، فبذلوا كل ما في استطاعتهم من تضحية وإقدام. # وقتل من المصريين خلال هذه الفظائع نحو ألفين، ولم تزد خسائر الإنجليز على ~~خمسة من القتلى وتسعة عشر جريحا ... # وقد استيقن العرابيون يوم 12 يوليو أن الإنجليز لا بد محتلون الإسكندرية ~~بعد أن دكوا حصونها، فاستقر عزمهم على الانسحاب من المدينة؛ ليستعدوا ~~للمقاومة في الداخل، وكان الأحكم أن يقاوموا نزول الجنود الإنجليزية إلى البر ~~بأن يوزعوا جزءا من قواتهم للمرابطة على الشواطئ ، ومنع رسو القوارب المقلة ~~للجنود الإنجليزية ... فإنهم بذلك يعطلون نزولها مدة طويلة، وبخاصة لأن الأسطول ~~الإنجليزي لم يكن قد تلقى المدد من جنود البر، وكانت قوته مقصورة إلى ذلك ~~الحين على جنود البحارة، ولم يكن عددهم يزيد على 5700 مقاتل، وهؤلاء لم يكن في ~~استطاعتهم أن يتغلبوا على حامية الإسكندرية. # حريق الإسكندرية # وكان في مقدور ms097 الحامية أن تصدهم عن النزول إلى البر وتدافعهم لو حاولوا ~~النزول ... ولكن العرابيين لم يفعلوا شيئا من ذلك؛ لأنهم لم تكن لديهم قيادة ~~صالحة تدبر الخطط المحكمة للقتال، فآثروا الانسحاب من الإسكندرية، ورأوا أن ~~يتذرعوا بكل وسيلة لتعطيل احتلال الإنجليز للمدينة واستقرارهم فيها، فأمر ~~سليمان سامي داود قائد الآلاي السادس جنوده بإضرام النار في المدينة، لكي يحول ~~الحريق دون نزول الإنجليز بها واتخاذها قاعدة حربية لزحفهم، فشبت الحرائق ~~الهائلة يوم الأربعاء 12 يوليو سنة 1882. وبدأ إضرام النار في نحو الساعة ~~الثانية بعد الظهر، وأخذ يمتد حتى صارت الإسكندرية شعلة من النار مساء ذلك ~~اليوم، واستمرت النار تضطرم فيها إلى اليوم التالي. # كان هذا الحريق من الوجهة العسكرية عملا عقيما؛ لأنه لم يعطل نزول الجنود ~~الإنجليزية إلى البر فقد نزلوا في صبيحة اليوم التالي، واشترك في الحريق بعض ~~الأوروبيين، وبخاصة من الأروام والمالطيين الذين بقوا في المدينة بعد هجرة ~~معظمهم، وكانوا يقصدون من ذلك المطالبة بالتعويضات بعد انتهاء الحرب، كما ~~اشتركوا أيضا في النهب. # ويقول جون نينيه عميد الجالية السويسرية - وكان شاهد عيان لهذه الحوادث: إن ~~الحرائق الأولى شبت في الأحياء الأهلية من قنابل الأسطول الإنجليزي يوم ~~الضرب، وكان الحريق الذي أمر به سليمان سامي داود على غير رأي عرابي والوزراء، ~~فانفرد بإحداثه سليمان داود قائد الآلاي السادس، الذي كان مشهورا بالتهور ~~والحمق، وكان يعتبر نفسه عرابي آخر بالإسكندرية، وقد صمم على ألا ينسحب ~~الجيش من الإسكندرية إلا بعد أن يجعلها خرابا، وهذا يدلك على تشعب آراء ~~العرابيين وعدم وجود وحدة في قيادتهم؛ لأن عملا خطيرا كحريق الإسكندرية ما ~~كان يجب أن يحدث إلا إذا صدرت به الأوامر مجمعة من قيادة الجيش، ولكن الواقع ~~أن عرابي لم يكن له دخل فيه، ولما وقع لم يستطع أن يمنعه. # واستقر رأي عرابي وصحبه على الانسحاب ~~من الإسكندرية ثاني يوم الضرب، فأخذ الجيش يخليها يوم الأربعاء 12 يوليو. وفي ~~مساء ذلك اليوم غادرها عرابي ووصل إلى «حجر النواتية» على ترعة المحمودية بعد ~~الغروب وقضى ms098 الليلة هناك، وفي الصباح ركب رفاصا سار به في الترعة حتى وصل إلى ~~«عزبة خورشيد» ومنها إلى «كنج عثمان» بالقرب من كفر الدوار، وهناك أمر بإنشاء ~~الاستحكامات وهي التي اتخذها الجيش المصري معسكرا له، وعرفت بمعسكر كفر ~~الدوار. واتخذ عرابي عزبة «كنج عثمان» مقرا لقيادة الجيش ... وفي صباح يوم 13 ~~يوليو تحقق الأميرال سيمور من انسحاب العرابيين، وأنه لم يبق منهم أحد في ~~المدينة، فأنزل كتيبة من جنوده البحارة واحتلوا سراي رأس التين وشبه جزيرة رأس ~~التين. # أوروبا وضرب الإسكندرية # انسحبت فرنسا من الميدان، وأمرت أميرال أسطولها بمغادرة الإسكندرية قبل الضرب ~~... فبارحها مساء 10 يوليو سنة 1882. ومعنى ذلك أن الحكومة الفرنسية تركت إنجلترا ~~تفعل ما تشاء، وتعتدي ذلك الاعتداء الغشوم على المدينة، فتدك حصونها وتهدم ~~مبانيها وتحصد أرواح أهلها، دون أن تبدي حراكا ... قابلت فرنسا هذا الاعتداء ~~الوحشي بالجمود، ولو أرادت منعه لكان لها من مركزها الممتاز في المسألة المصرية ~~ما يحول دون وقوعه ... وكذلك فعلت دول أوروبا العظمى، فإنها ظلت جامدة لا تحرك ~~ساكنا أمام هذه المأساة ... ولو وقع مثل هذا الاعتداء على أمة أوروبية كاليونان ~~أو الجبل الأسود أو بلغاريا، لاهتزت الحكومات الأوروبية، وتوعدت وأنذرت المعتدي ~~بالضرب على يده ... # ولعلك تذكر موقفها حيال مصر ذاتها حين لبت نداء تركيا في محاربة الثوار ~~اليونانيين، وما فعلته أوروبا إذ ائتمرت بأسطولها فأحرقته غدرا وخيانة في ~~«نافارين» سنة 1827 ... ولا تنس ما فعلته مع مصر فقد حرمتها ثمرة انتصاراتها على ~~الترك في عهد محمد علي، وائتمرت بها وانقضت المزايا التي نالتها بحد السيف. ~~أما في سنة 1882 فقد تركتها لبطش الإنجليز دون أن تحرك ساكنا! # وليس من العسير علينا أن نفهم سبب هذا التباين في المعاملة ... فأوروبا لا تنظر ~~إلى مصر بالعين التي تنظر بها إلى الأمم الغربية، ولا تراها جديرة بالعطف الذي ~~حبت به اليونان وبلغاريا، ومما يدلك على مشاركة أوروبا لإنجلترا في مسئولية ~~حوادث سنة 1882 أنه لم يكد الجيش الإنجليزي ينتصر على العرابيين في واقعة التل ~~الكبير، حتى ms099 بادر المسيو تيسو سفير فرنسا بلندن إلى مقابلة اللورد جرانفيل وزير ~~خارجية إنجلترا، وهنأه باسم الحكومة الفرنسية على هذا الانتصار، وكان جواب ~~جرانفيل على تهنئته: «إن واقعة التل الكبير هي انتصار أوروبي، ولو انهزم الجيش ~~الإنجليزي لكان ذلك كارثة على كل الدول التي تحسب حسابا للتعصب ~~الإسلامي.» # وقد هنأ المسيو دكلرك رئيس وزارة فرنسا السفير البريطاني في باريس بهذه ~~الواقعة قائلا: «إن انتصار الإنجليز على العرب في مصر، ينتج ثمرة طيبة لفرنسا ~~في تونس والجزائر.» # وقوبل نبأ الضرب في «مؤتمر الآستانة» بالفتور والجمود، ولم يكن المؤتمر قد ~~انفض بعد ... ولو كانت الدول الأوروبية حريصة على الدفاع عن حقوق مصر بل عن ~~الحقوق عامة، لكان لضرب الإسكندرية صدى عاجل في المؤتمر يحفزه إلى وضع حد لهذا ~~الاعتداء، ولكنه على العكس قابله بالصمت والبرود، ولم يبد أي اعتراض على ~~إنجلترا في نقضها عهودها، وخاصة عهودها في ذلك المؤتمر بالذات ... لم يكن لهذا ~~الاعتداء أي أثر فعلي في نفوس المؤتمرين، وهم سفراء الدول الأوروبية الكبرى في ~~الآستانة، وكل ما فعله مندوب روسيا أن نفض يده من المؤتمر، وامتنع مؤقتا عن ~~حضور جلساته، وهو عمل سلبي لا يمنع الاعتداء ولا يحول دون استمراره. # وفي 15 يوليو سنة 1882 اجتمع المؤتمر لأول مرة عقب ضرب الإسكندرية، وتحرك إلى ~~دعوة تركيا لإرسال جيش عثماني إلى مصر تنفيذا لقراره الذي أصدره في جلسته ~~السابقة - 6 يوليو - ولم يكن قد أبلغه إليها من قبل، ورضي السلطان - أخيرا ~~أيضا - بالاشتراك في المؤتمر للمباحثة في إقرار الوسائل الكفيلة بإعادة الأمور ~~إلى نصابها ... بدأت إذن تركيا تشترك في المؤتمر بعد أن أصبح لا عمل له، وأرسلت ~~وزارة الخارجية العثمانية في 19 يوليو، تبلغه أنها تقبل الاشتراك فيه، وعينت ~~مندوبيها به، وهما سعيد باشا وزير الخارجية وعاصم باشا وزير الأوقاف، فحضرا ~~جلسة 24 يوليو - الجلسة العاشرة - وتولى سعيد باشا رياسة المؤتمر بصفته وزير ~~خارجية الدولة التي انعقد المؤتمر في عاصمتها، وصرح بأن الحكومة العثمانية ~~قبلت مبدأ إرسال جنود إلى مصر، وبجلسة 7 ms100 أغسطس أعلن أن حكومته قبلت شروط التدخل ~~التي قررها المؤتمر في 15 يوليو ... # وكانت هذه الأقوال مهزلة أخرى - إذ لم تكن تركيا قد أعدت جيشا ما ... وأبطأت ~~في إنفاذ عزمها حتى انتهت الحرب بهزيمة العرابيين، ودخول الإنجليز القاهرة قبل ~~أن يتحرك الجيش العثماني إلى مصر! ~~(2) قناة السويس # وكل ما عني به المؤتمر أنه بحث بجلسته التاسعة يوم 19 يوليو سنة 1882 في حماية قناة ~~السويس من أن تصيبها الحرب بسوء؛ وذلك بناء على ما تظاهرت به إنجلترا من الخوف على ~~القناة أن يسدها العرابيون بعد ضرب الإسكندرية، وكان هذا الخوف مع الأسف لا محل له؛ ~~لأن عرابي لم يفكر جديا في سد القناة إلا بعد احتلال الإنجليز الإسماعيلية؛ أي في ~~20 أغسطس. ولكن إنجلترا بادرت بمبادلة الدول تخوفها من هذه الناحية لكي تنتحل لنفسها ~~حق حماية القناة، إذا لم تتفق الدول على حمايتها دوليا ... # وقد عرض سفيرا إنجلترا وفرنسا في المؤتمر بجلسة 19 يوليو رأي حكومتيهما في أن يكل ~~المؤتمر إلى من يختار من الدول حماية القناة إذا أصابها اعتداء، ولم يلق هذا الاقتراح ~~قبولا من المؤتمر، فاتفقت إنجلترا وفرنسا على أن يصرح سفيراهما في المؤتمر بأنهما ~~مستعدتان عند الحاجة إلى حماية القناة، وقد صرح السفيران بذلك في جلسة المؤتمر ~~الحادية عشرة التي انعقدت يوم 26 يوليو، فلم يعترض المؤتمر ولم يبد احتجاجا. # وأبلغ الباب العالي أعضاء المؤتمر في 24 يوليو ثم في 27 منه أن جنوده على أهبة السفر ~~إلى مصر وأنه مستعد للتدخل فيها، ولكن بلاغه لم يقترن بأي عمل، وعرضت وزارة المسيو دي ~~فريسينيه على البرلمان الفرنسي فتح اعتماد، لإعداد القوات الكفيلة بجعل القناة في مأمن ~~من كل اعتداء وحماية السفن المارة فيها، ولكن البرلمان قرر في 29 يوليو رفض الاعتماد ~~المطلوب ... مما أدى إلى استقالة وزارة فريسينيه واضطرار الوزارة التي خلفتها - وزارة ~~دكلرك - إلى أن تنفض يدها من المسألة المصرية نزولا على قرار البرلمان ... فكان هذا ~~القرار من فرنسا إعلانا بنفض يدها بل بإفلاس سياستها في ms101 المسألة المصرية، والسبب الذي ~~حدا بالبرلمان الفرنسي إلى رفض الاعتماد هو الخوف من توزيع قوات فرنسا، في وقت كانت ~~تخشى فيه على كيانها في القارة الأوروبية من تحفز ألمانيا، فهو نفس السبب الذي حدا ~~بالوزارة الفرنسية إلى الإحجام عن مشاركة بريطانيا في تدخلها الحربي، حين عرضت عليها ~~ذلك في يوليو 1882 قبل ضرب الإسكندرية. # وفي الوقت الذي أصدر البرلمان الفرنسي هذا القرار، قرر البرلمان البريطاني في ~~27 يوليو الاعتماد المطلوب من الحكومة الإنجليزية للحملة على مصر، وذلك بأغلبية 277 ضد ~~21 صوتا؛ أي بأغلبية تشبه الإجماع، وبلغ الاعتماد الذي قرره 2300000 جنيه. # يتضح مما تقدم أن المؤتمر لم يكن يعنيه رد الاعتداء عن مصر؛ بل كل ما همه وشغل باله ~~أمر قناة السويس ... وقد انتهى من مباحثاته العقيمة إلى ترك الإنجليز يتصرفون كما تهوى ~~أطماعهم الاستعمارية. # اجتمع المؤتمر للمرة الأخيرة يوم 14 أغسطس سنة 1882، وكانت الجنود البريطانية قد زحفت ~~في داخل البلاد، وظهرت بوادر انتصارها على العرابيين ... فلم يجد المؤتمر عملا يشغله سوى ~~تأجيل انعقاده إلى أجل غير مسمى، ولم يجتمع بعدها إذ كانت قوات الإنجليز قد تغلبت ~~على العرابيين، وبذلك انطوت صفحة المؤتمر بدون أن يعمل عملا ما في صون حقوق مصر، ورد ~~عادية الإنجليز عنها، وأخفق إخفاقا جعله مضرب الأمثال في المهازل السياسية، الخالية من ~~روح النزاهة والصراحة والإخلاص. # | الحرب بين عرابي والإنجليز # (1) بين الخديو وعرابي # تربص الإنجليز في الإسكندرية حتى يعدوا العدة للزحف، ويتلقوا الأمداد التي جاءتهم ~~بعد ذلك من إنجلترا ... وأخذوا في الأيام الأولى ينظمون الاحتلال مستعينين بالخديو ~~ونفوذه الشرعي، وأذاع الأميرال سيمور يوم 17 يوليو منشورا بالمحافظة على الأمن، علق ~~في شوارع المدينة، وهو أول منشور أعلن الإنجليز فيه أنهم مكلفون من جانب الخديو ~~بالمحافظة على النظام. # واستكتب الأميرال سيمور راغب باشا رئيس مجلس الوزراء خطابا بتاريخ 17 يوليو سنة 1882 ~~يبلغ فيه الأميرال مخالفة عرابي لأوامر الخديو، فيما يقوم به من وسائل الدفاع، وعزم ~~الخديو على عزله من منصبه ... وهذا الخطاب يبدو غريبا من ms102 راغب باشا، الذي كان حتى ضرب ~~الإسكندرية يعضد العرابيين ويؤيدهم ويقاوم التدخل البريطاني، والخطاب يناقض أيضا قرار ~~مجلس الوزراء، الذي اشترك راغب باشا في وضعه بوصفه رئيسا للنظار، والذي رد فيه على ~~إنذار الأميرال سيمور قبيل ضرب الإسكندرية، وأرسل الخديو من سراي رأس التين يوم 17 ~~يوليو تلغرافا إلى عرابي بكفر الدوار يأمره فيه بالكف عن الاستعدادات الحربية، ~~ويحمله تبعة ضرب الإسكندرية، ويدافع فيه عن حسن مقاصد الإنجليز، ويأمره بالحضور إلى ~~سراي رأس التين ليتلقى منه تعليماته. # فأجاب عرابي على هذه الرسالة ببرقية شرح فيها وجهة نظره، وأبان الأسباب التي توجب ~~استمرار الدفاع، وهي طلبات الأميرال سيمور، وقرار مجلس الوزراء برياسة الخديو برفضها ~~ولو أدى ذلك إلى القتال، واعتذر عن الحضور إلى الإسكندرية لأن الإنجليز يحتلونها، وطلب ~~إلى الخديو أن يوفد إليه الوزراء أو رئيسهم في مركز الجيش بكفر الدوار، للمداولة في ~~الموقف، ولما تحقق عرابي انحياز الخديو إلى جانب الإنجليز، خشي أن يصدر من الأوامر ما ~~يشل حركة الاستعدادات الحربية، فأرسل عرابي إلى جميع المديريات والمحافظات تلغرافات ~~شديدة اللهجة، اتهم فيها الخديو بممالأة الإنجليز وحذر الجميع من اتباع أوامره التي ~~تخالف حالة الحرب. # وأرسل إلى يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية بالقاهرة كتابا بتاريخ 17 يوليو سنة ~~1882، دعا إلى وجوب عقد جمعية عمومية من الذوات والأعيان والعلماء، يعرض عليها الموقف ~~ويطلب منها إصدار قرار في شأن الخديو، وفيما يجب عمله لصالح الأمة «وصلاحية مثل هذا ~~الوالي عليها»، وختم كتابه بالمثابرة على التجهيزات الحربية، وأنه تحرر منه بذلك إلى ~~جميع حكام البلاد. # وأذاع منشورا أرسله إلى المديريات والدواوين كافة، بإعلان انضمام الخديو إلى جانب ~~الإنجليز وخلع طاعته. # كان يعقوب سامي باشا من الموالين لعرابي، كما كان في خاصة نفسه يرى بحق وجوب الدفاع ~~عن البلاد إزاء عدوان الإنجليز ... فلما جاء تلغراف عرابي اجتمع يوم وروده مع خاصته ~~المناصرين له في وزارة الحربية «قصر النيل»، واستقر رأيهم على عقد مجلس بديوان الداخلية ~~في مساء ذلك اليوم مؤلف من وكلاء الوزارات وبعض ms103 كبار الضباط والموظفين. # فاجتمع المجلس المذكور وقرر دعوة العلماء والأعيان والرؤساء الروحانيين والوجهاء، ~~وكبار موظفي الحكومة بديوان الداخلية ليلا في هيئة جمعية عمومية؛ لاتخاذ ما يلزم من ~~القرارات بالنيابة عن الأمة، وأخذ هذا المجلس يتولى سلطة الحكم ... وظل كذلك خلال ~~الحرب، وقد سمي في الوقائع المصرية «المجلس العرفي»، وسنجري على هذه التسمية الأخيرة ~~في سياق الحديث. # وفي مساء يوم الإثنين 17 يوليو سنة 1882 اجتمع المدعوون إلى حضور الجمعية العمومية ~~بوزارة الداخلية، وبلغ عددهم أربعمائة عضو، منهم الأمراء الموجودون بالعاصمة وشيخ ~~الإسلام، وقاضي قضاة مصر ومفتي الديار المصرية وكبار العلماء والرؤساء الروحانيون ~~والنواب، ووكلاء الدواوين والمديرون والقضاة والتجار والأعيان. # وعرضت عليهم الرسائل التي تبودلت بين الخديو وعرابي، وبين هذا الأخير ووكيل الحربية، ~~وتداولوا في الموقف ... فأجمعوا على وجوب مداومة الاستعدادات الحربية ما دامت بوارج ~~الإنجليز في السواحل وجنودهم في الإسكندرية، وعلى استدعاء الوزراء من الإسكندرية ~~للاستفهام منهم عن حقيقة الأمر، وأصدروا قرارا بهذا المعنى ... # وعلى إثر اطلاع الخديو على قرار الجمعية العمومية أصدر أمرا في 20 يوليو سنة 1882 ~~بعزل عرابي من وزارة الحربية، وعين عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية بدلا عنه، وبنى ~~أمر العزل على مخالفة عرابي لأوامره ومداومته على الاستعدادات الحربية، وقد صدر هذا ~~الأمر بناء على قرار من مجلس الوزراء، وكان بعضهم مخالفا لفكرة العزل، ولكن الخديو ~~أصر عليها، وأبلغه هذا الأمر في كتاب بعث به إليه. # وأذاع الخديو في الوقت نفسه منشورا علق في شوارع الإسكندرية، فصل فيه الأسباب ~~التي دعت إلى عزل عرابي من منصبه، وأخذ فيه على عرابي إخلاء الإسكندرية دون مقاومة، ثم ~~دافع عن نيات الإنجليز واحتلالهم الإسكندرية، وسوغه بأن الغرض منه المحافظة على ~~الأمن! # وكان عرابي مرابطا في معسكره بكفر الدوار حين أصدر الخديو أمره بعزله من منصبه، فلم ~~يكترث له واستمر يعد عدة الدفاع ليصد تقدم الإنجليز، وأرسل إلى يعقوب سامي باشا ~~يدعوه إلى عقد الجمعية العمومية ثانية للنظر في أمر العزل ... فقرر المجلس العرفي دعوة ~~الجمعية العمومية إلى الانعقاد، واجتمعت ms104 بوزارة الداخلية يوم السبت 23 يوليو سنة 1882، ~~وهذه هي المرة الثانية لاجتماعها، ولم تجتمع بعد ذلك، وكان الحاضرون في المرة الثانية ~~أكثر عددا من المرة الأولى، إذ حضرها نحو خمسمائة من الأعضاء، منهم ثلاثة من الأمراء، ~~وشيخ الأزهر وقاضي قضاة مصر ومفتيها ونقيب الأشراف، وبطريرك الأقباط الأرثوذكس وحاخام ~~اليهود، والنواب والقضاة والمفتشون ومديرو المديريات والأعيان، وكثير من العمد ومشايخ ~~البلاد، فلما اجتمعت الجمعية تليت عليها الأوامر الصادرة من الخديو، والمنشورات التي ~~أصدرها عرابي، وتولى هذه التلاوة الشيخ محمد عبده (الأستاذ الإمام) بناء على أمر حسين ~~باشا الدرمللي وكيل الداخلية، وألقى علي باشا الروبي خطبة تناول فيها الخديو بالطعن ~~والقدح، وتليت فتوى شرعية من الشيخ محمد عليش والشيخ حسن العدوي والشيخ محمد أبو العلا ~~الخلفاوي، بمروق الخديو من الدين لانحيازه إلى الجيش المحارب للبلاد، وتداول الأعضاء في ~~الموقف الحربي، وفيما يجب عمله، فاتفقت آراؤهم على عدم قبول عزل عرابي، وبعد أن صدر هذا ~~القرار، قال يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية: «حيث قرر هذا المجلس المحترم عدم ~~عزل عرابي باشا من نظارة الجهادية والبحرية، ورأى لزوم بقائه في الوظيفة ... فأرجو من ~~المجلس أن يرى رأيه في أوامر الخديو التي تصدر إلي من جنابه، وكذلك ما يصدر من حضرات ~~نظاره المقيمين معه، هل يلزمني قبولها وتنفيذها أم لا؟» فتداولت الجمعية العمومية في ~~هذه المسألة، وأصدرت قرارها بوقف أوامر الخديو ونظاره وعدم تنفيذها. ~~(1-1) الحرب بين العرابيين والإنجليز # عسكر عرابي بجيشه في كفر الدوار وأقام بها الاستحكامات المنيعة، وأخذت طلائع ~~العرابيين تناوش الإنجليز في ضواحي الإسكندرية ... ولم يكن الجيش الإنجليزي قد أمن ~~بعد على مركزه في الثغر، بل كان يتوقع أن يهاجمه العرابيون بعد أن يلموا شعثهم عقب ~~الهزيمة الأولى، فأخذ الإنجليز يحصنون استحكامات المدينة ووضعوا الحراس على ~~مداخلها. # وكانت طلائع المصريين ترابط في الرمل وتستعد لمناوشة الأعداء ... واستمر الإنجليز ~~يلزمون خطة الدفاع في الإسكندرية وينتظرون وصول الإمداد . وفي 17 يوليو جاءهم مدد من ~~2700 مقاتل، وجاء الإسكندرية الجنرال أليزون # Alison # فتولى قيادة ms105 الجيش البريطاني في المدينة حتى يحضر القائد ~~العام الجنرال ولسلي، وكان عدد الجيش البريطاني في الإسكندرية 3686 مقاتلا - عدا ~~جنود الأسطول - ثم جاءهم مدد آخر عدده 1108 من مالطة وجبل طارق ... فاحتل الإنجليز ~~الرمل في 23 يوليو، ثم أخذ المدد الأكبر يتحرك من ميناء ولوتش # Wolluich # بإنجلترا في أواخر يوليو قاصدا مصر، ~~وأصدرت الملكة فيكتوريا أمرا في 21 يوليو بتعيين الجنرال السير جارنت ~~ولسلي # Sir Garent ~~Wolsley # قائدا عاما لجيش الحملة على مصر، ولم يصل إلى الإسكندرية ~~إلا في منتصف أغسطس. # وكان المظنون لدى عرابي وصحبه أن لا يتخذ الإنجليز قناة السويس ميدانا للزحف أو ~~للحركات الحربية احتراما لحيدة القناة ... ولكن العارفين بالحقائق كانوا على يقين من ~~أنهم لا يرعون للقناة حرمة، كما لم يرعوا حرمة المعاهدات في ضربهم الإسكندرية، ~~فكانت خطتهم أن يهاجموا مصر من ناحية الإسماعيلية، متجهين من طريق الزقازيق إلى ~~القاهرة. # خطة العرابيين في القتال # عين عرابي محمود باشا فهمي رئيسا لأركان حرب الجيش المصري عقب ضرب ~~الإسكندرية، فوضع خطة سديدة للدفاع عن البلاد لو اتبعت بإحكام، لصدت تقدم ~~الإنجليز وأنقذت مصر من غارتهم ... وكان محمود فهمي من أكفأ المهندسين الحربيين، ~~وخلاصة خطته أنه عين خمسة مواقع رئيسة للدفاع: الأول في كفر الدوار، والثاني ~~في رشيد، والثالث بين رشيد وبحيرة البرلس، والرابع في دمياط، والخامس في ~~الصالحية والتل الكبير لصد الهجوم من ناحية قناة السويس، وقد أشار في بداية ~~الحرب بسد ترعة الإسماعيلية لمنع وصول المياه العذبة إلى بورسعيد والإسماعيلية ~~والسويس، وسد قناة السويس ذاتها لمنع الإنجليز من اتخاذها قاعدة عسكرية. # ولو سدت قناة السويس في بداية القتال لامتنع الاتصال بين القوات الإنجليزية ~~الآتية من البحر الأبيض المتوسط والقوات الآتية من الهند، واستحال عليها الوصول ~~إلى الإسماعيلية من طريق القناة، وفي هذه الحالة يضطر الجنرال ولسلي إلى ~~المغامرة بجيشه في الصحراء الشرقية حيث لا ماء ولا كلأ، أو يهاجم مصر عن طريق ~~الدلتا، فتعوق الترع والجسور زحفه وخاصة في أيام الفيضان (أغسطس-سبتمبر ). ولكن ~~عرابي لم يستمع لنصيحة ms106 محمود فهمي وخشي عواقبها، وظن أن الإنجليز يحترمون حياد ~~القناة فلا يتخذونها قاعدة للزحف، فكان هذا الخطأ أكبر عامل في إخفاق خطة ~~الدفاع التي وضعها محمود فهمي، واكتفى عرابي بإقامة معسكر في التل الكبير على ~~بعد نحو خمسين كيلومترا من الإسماعيلية، و110 كيلومترات من القاهرة حشد فيها ~~جانبا من الجيش، ولكنه وزع معظم قواته في كفر الدوار وعلى سواحل البحر الأبيض ~~المتوسط ... فكان الجنود السودانيون وهم من خيرة الجنود مرابطين في دمياط بقيادة ~~عبد العال حلمي، ورابط في رشيد فيلق كبير، واستقر معظم الجيش بقيادة طلبة عصمت ~~في كفر الدوار، ومع أن الإنجليز استعجلوا الحركات العدائية في قناة السويس ~~وكانت هذه الحركات نذيرا كافيا لعرابي بما اعتزموه من خرق حياد القناة، فإن ~~عرابي جبن عن العمل بنصيحة محمود فهمي في سدها. ~~••• # ولقد بكر الإنجليز في خرق حرمة قناة السويس واتخاذها ميدانا للحركات ~~العدائية ... وتدل الظروف والملابسات على أنهم كانوا مصرين على اختلاق الذرائع ~~لاحتلالها، كما اختلقوها لضرب الإسكندرية، فقد تعللوا بأن ثمة ترميمات تجرى ~~في طابية «الجميل» على مدخل بحيرة المنزلة غربي بورسعيد، وأصدرت الحكومة ~~البريطانية في 22 يوليو سنة 1882 تعليماتها إلى الأميرال سيمور باحتلال بورسعيد ~~والإسماعيلية، وفي 26 يوليو سنة 1882 اقتحمت السفينة الحربية الإنجليزية ~~«أوريون» بقيادة الكابتن «فتزوري» القناة عند بورسعيد، وألقت مراسيها يوم 27 ~~منه في بحيرة التمساح على بعد ثمانمائة متر من الإسماعيلية، ولم يكد يمضي على ~~دخولها القناة يومان حتى وصل الأميرال «هويت» إلى السويس، والأميرال «هوبكنس» ~~إلى بورسعيد، واستقر كل منهما في موقفه ينتظر التعليمات الخاصة باحتلال ~~القناة. ~~••• # وهذه الحركات الحربية المبكرة في ناحية القناة، كانت تنم عما اعتزمه ~~الإنجليز في بداية القتال من الزحف من طريق قناة السويس ... ولكن عرابي مع ذلك ظل ~~غافلا عن هذه النية! # واحتل الإنجليز مدينة السويس في 2 أغسطس، وظل عرابي برغم احتلالها يعتقد ~~حرمة قناة السويس، بحجة أن القناة إنما تبتدئ من «بور توفيق» ضاحية السويس - ~~والتي لا تبعد عنها إلا بثلاثة كيلومترات - وكان احتلال السويس ms107 نذيرا آخر ~~باتخاذ الإنجليز لها قاعدة للزحف على العاصمة، وقد تحرك المدد من الهند بعد ~~سبعة أيام من احتلالها. ~~(2) وقائع الميدان الغربي # نقصد بالميدان الغربي ما بين الإسكندرية وكفر الدوار ... تمييزا له عن الميدان الشرقي ~~من الإسماعيلية إلى التل الكبير. # لقد وجه عرابي كل عنايته إلى تحصين مواقعه في ~~الميدان الغربي، وأهمل الميدان الشرقي إهمالا تاما، مما كان السبب الأكبر في الهزيمة ~~... فأنشأ الاستحكامات المنيعة في مواقع الدفاع، مما يلي الرمل جنوبا إلى كفر الدوار بين ~~بحيرة أبو قير وملاحة مريوط، ووضع محمود فهمي تصميم هذه المواقع بمعاونة الأميرالاي ~~محمد بك شكري، وهو من أكفأ ضباط أركان حرب الجيش المصري ... فكانت مؤلفة من ثلاثة خطوط ~~للدفاع، يبعد كل واحد عما يليه بأربعة أو خمسة كيلومترات، وأمام كل خط خندق عمقه خمس ~~عشرة قدما، وأقيمت المعاقل على جميع المرتفعات والآكام، وركبت فيها المدافع وعددها ~~خمسون مدفعا. ~~(3) واقعة الرمل # تحرك الإنجليز يوم السبت 5 أغسطس سنة 1882 يريدون التقدم من جهة «الرمل» بأورطتين من ~~المشاة وأورطتين من الفرسان ... فلما صاروا على بعد ألف وخمسمائة متر من موقع المصريين، ~~التقى بهم البكباشي أحمد أفندي البيار والبكباشي مصطفى أفندي حسان، ومعهما أورطتان من ~~المشاة وأورطتان من الفرسان، وصدوهم عن التقدم ... ثم جاء خورشيد باشا طاهر قومندان خط ~~الدفاع في أبو قير ومعه ثلاثة بلوكات من الفرسان، فهجم المصريون على الإنجليز هجوما ~~شديدا واضطروهم إلى التقهقر، إذ ولوا الأدبار منهزمين بعد أن دام القتال ثلاث ساعات ~~ونصفا ... # ويقول الكولونيل «سبتان» عن هذه المعركة: إن الجنرال «أليزون» كان يقود الإنجليز فيها ~~وأن عددهم كان ألفي مقاتل، وأن الجنرال «أليزون» كان لا يفتأ يناوش العرابيين حول ~~الإسكندرية كل يوم، لكي يوهمهم أن الجيش البريطاني قد اتخذ الإسكندرية قاعدة للزحف، في ~~حين أن خطته الحقيقية هي الزحف من ناحية الإسماعيلية، وبذلك يشغلهم عن تحصين التل ~~الكبير ومواقع الدفاع في الشرق. ~~(4) واقعة عزبة خورشيد # وهاجم الإنجليز مقدمة الجيش المصري في كفر الدوار يوم 7 أغسطس، إذ تقدم جناحهم ~~الأيسر ms108 من الرمل على جسر ترعة المحمودية، وتقدم الجناح الأيمن بطريق السكة الحديد من ~~القباري ... وجاء القلب من طريق كوبري المحمودية، فلما التقوا بالمصريين صمد هؤلاء ~~لقتالهم ودافعوهم دفاعا مجيدا، إذ انبرى للميسرة البكباشي محروس أفندي يقود أورطته، ~~وأبلى في قتالهم بلاء حسنا وجرح أثناء المعركة، وصمد للقلب والميسرة البكباشي محمد ~~أفندي فودة ومعه أورطة أخرى من الجنود، واشتد القتال في هذه الناحية واستمرت المعركة ~~نحو أربع ساعات، انتهت بتقهقر الإنجليز منهزمين، وسار المصريون على أثرهم حتى حجبهم ~~الظلام عنهم ... وقتل من المصريين في هذه الواقعة تسعة من الجنود وصف الضباط وضابط واحد، ~~وجرح منهم اثنا عشر جنديا وضابطان ... أما خسائر الإنجليز، فكانت أكثر عددا من خسائر ~~المصريين. ~~(5) الاستعداد للمعارك الكبرى # وبعد وقوع معركتي 5 و7 أغسطس سنة 1882 المتقدم ذكرهما، استمر ورود الأمداد إلى ~~الإنجليز في الإسكندرية، آتية من مالطة وقبرص وجبل طارق وإنجلترا ... فاجتمع حوالي ~~9 أغسطس سنة 1882 في المدينة وضواحيها نحو أربعة عشر ألفا من المشاة، وثلاث فصائل من ~~الفرسان و940 جنديا من المدفعية، و540 من المهندسين، وكثير من القائمين على خدمة ~~الجسور والتلغراف والسكك الحديدية، وظل المدد يرد على الإسكندرية والسويس حتى بلغ عدد ~~الجيش البريطاني قبيل معركة التل الكبير 50600 مقاتل. # أما الجيش المصري النظامي فلم يكن يزيد على 19000 مقاتل موزعين بين مختلف المواقع، ~~منهم 8000 في كفر الدوار، و3500 بأبو قير، و2500 في رشيد، و5000 في دمياط، وقد انضم إلى ~~هذا الجيش عدد من المتطوعين والعربان، ولكن الوقت لم يكن يسمح بتدريبهم على الحركات ~~النظامية، فلم تكن منهم فائدة. ويقول جون نينيه الذي شهد هذه الحوادث: «إن وجود العربان ~~من مشاة وركبان في كفر الدوار لم تكن له فائدة ما للجيش، بل كان ضررهم أكثر من نفعهم ~~لعدم اعتيادهم حركات الجيوش النظامية.» وقال المستر بلنت: «إن الجيش المصري بأكمله لم ~~يكن يزيد على 13000 جندي نظامي، منهم 8000 في كفر الدوار، أما المجندون الجدد فلم ~~يكونوا بعد أكفاء للقتال.» # ويقول جون نينيه أيضا: ms109 «إن الصحف الإنجليزية كانت تبالغ في عدد الجيش المصري بكفر ~~الدوار، وتبلغه إلى 47000 مقاتل على حين أنه دون هذا العدد بكثير.» # فالإحصاء الصحيح هو ما ذكره جون نينيه. وفي الحق أن الوقت لم يكن يتسع لزيادة عدد ~~الجيش إلى أكثر من هذا العدد، فقد كان سنة 1881 لا يزيد على 11300 جندي (عدا الجنود ~~المرابطة في السودان) ثم زيد نظريا في سنة 1882 إلى 17700 لكن عدده الحقيقي كان أقل ~~من ذلك كثيرا. # ويقول عرابي في مذكراته: «إن الجيش المصري عند ابتداء القتال كان مؤلفا من ثمانية ~~آلايات من المشاة، وثلاثة آلايات من الفرسان، وآلايين من الطوبجية البرية، وثلاث آلايات ~~من طوبجية السواحل - المنوط بهم حماية الثغور - وفرقة من رجال الهندسة، وإن مجموع ذلك ~~في حالة استكمال الفرق والآلايات 36000.» وهو إحصاء نظري لا يمكن التعويل عليه؛ لأن ~~المعروف أن الفرق والآلايات لم تستكمل قط عددها، بل كان بعضها لا يبلغ نصف عدده ~~الرسمي. # والظاهر أن عرابي كان يميل بعد هزيمة التل الكبير، وفي خلال محاكمته إلى المبالغة في ~~عدد الجيش المصري؛ لكي يتخذ الدفاع عنه من ذلك دليلا على رغبته في حقن الدماء، مع وجود ~~العدد الوافر لديه من الجند لاستمرار القتال، وسجل عرابي في مذكراته أنه كان بالقاهرة ~~قبل ابتداء القتال مصنع للأسلحة، ومعمل للبارود، وآخر في بولاق لصب المدافع، ودار صناعة ~~عظيمة لعمل البنادق والمدافع أنشئت في طرة ... ولكنها لم تكمل قبل نشوب الحرب. # يتضح لك من هذا البيان أن عدد الجيش الإنجليزي كان يزيد على ضعف عدد الجيش المصري ... ~~وهذا وحده كان نذيرا بسوء العاقبة. وقد جعل الفريق راشد باشا حسني قائدا لخطوط ~~الدفاع في الشرق، وخورشيد باشا طاهر على رشيد وأبو قير، وعلي باشا الروبي على مريوط، ~~وعبد العال باشا حلمي على دمياط، ومحمود سامي باشا البارودي قائدا لمواقع الصالحية، ~~وطلبة باشا عصمت قائدا لفرقة كفر الدوار تحت إمرة عرابي. # واعتزم عرابي زيادة عدد الجيش، فرأى أن أقرب الوسائل إلى هذه الزيادة تجنيد الخفراء ~~في ms110 سائر المديريات، لمرانهم على الحركات العسكرية من قبل، فأصدر منشورا في 12 أغسطس ~~سنة 1882 بتجنيد 25 ألفا يؤخذون من الخفراء، ويحل محلهم غيرهم في المحافظة على الأمن ، ~~ووزع هذا العدد على المديريات كافة، وأرسل إلى المديرين يستحثهم على سرعة تجنيد هذا ~~العدد، وبين حاجة الدفاع إلى ذلك. # ولا شك في أنه لو كان لدى مصر الوقت الكافي لجندت هذا العدد وأكثر منه ... ولكن ~~الوقت لم يكن يتسع لتجنيد الخمسة والعشرين ألفا ولا غيرهم، ويقول نينيه: «إنه كان يمكن ~~لعرابي بعد ثمانية أشهر أو عشرة حشد خمسين ألف مقاتل أو ستين ألفا، فقد كان يشرف على ~~حركة التجنيد يعقوب سامي باشا وكيل وزارة الحربية، وكان كفؤا في الإدارة، ولكن الوقت ~~لم يتسع لهذا العمل.» # ولما شبت الحرب لم يكن في خزانة الحكومة مال؛ لأن السير كلفن المراقب المالي ~~الإنجليزي أخذ الأموال الموجودة في خزانة المالية، وأنزلها بالأسطول الإنجليزي قبل ~~إعلان الحرب بأيام، وكذلك الأموال الموجودة بصندوق الدين حملها أعضاء القومسيون إلى ~~السفن الحربية بالإسكندرية، فأرسل عرابي إلى المديرين يدعوهم إلى جمع الأموال والإعانات ~~من مديرياتهم للجيش، وحرر من المجلس العرفي للمديريات بتحصيل الأموال من الأهالي ~~بنسبة عشرة قروش عن كل فدان، على أن تحسب الأموال لمن يدفعونها من ضرائب الأطيان التي ~~تستحق عليهم في المستقبل. # وتطوع الكثيرون في الجيش جنودا مقاتلين يجودون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، ~~وبدأت حركة التطوع في القاهرة والأقاليم عقب ضرب الإسكندرية. # والحق أن الأهلين قد تطوعوا لإمداد الجيش بكل ما يستطيعون، من نفس ومال وغلال وعتاد ~~ومئونة وميرة وخيول وماشية، وجادوا بكل ما في مقدورهم معتقدين بحق أن هذا واجب تفرضه ~~عليهم الوطنية والدين. # قلنا إن الحكومة البريطانية عهدت بقيادة جيش الحملة على مصر إلى الجنرال السير ~~«جارنت ولسلي» أحد القواد الأرلنديين في الجيش البريطاني، فوصل إلى الإسكندرية يوم 15 ~~أغسطس سنة 1882. # لم يكن الجنرال ولسلي من القواد الذين اشتهروا بالكفاية العالية في القيادة، ولا ممن ~~امتازوا في معارك سابقة بالنبوغ في الفنون الحربية ms111 ... بل كان ما عرف عنه أنه اشترك من ~~قبل في حرب القرم، وفي بعض الحملات الاستعمارية الإنجليزية، وكان لم يزل برتبة قائم ~~مقام جنرال، حين تولى قيادة الحملة على مصر سنة 1882، فلما انتهت بهزيمة العرابيين في ~~التل الكبير واحتلال العاصمة، انهالت عليه ألقاب الشرف والتكريم، فنال لقب لورد ~~«فيكونت» ولسلي أوف كيرو «القاهرة» ورتبة جنرال وغير ذلك من دلائل التقدير، على أنه ~~تولى فيما بعد - سنة 1884 - قيادة الحملة على قوات المهدي في دنقلة، فانتهت بإخفاقها ~~ومقتل غردون باشا، وتولى سنة 1903 قيادة الجيش الإنجليزي في حرب البوير بالترنسفال، ~~فباء بالهزيمة والخسران ... وعدته حكومته مسئولا عن النكبة التي حلت بالجيش ~~الإنجليزي، فنحته عن قيادته، وعينت بدله الجنرال اللورد روبرتس. # من هذا البيان يتضح لك أن قيادة الجيش الإنجليزي، وذات الجيش الإنجليزي الذي هاجم مصر ~~سنة 1882 لم يكونا كافيين للظفر بها واحتلالها، لولا الانقسام الذي أضعف قوة الدفاع ~~عنها ... فانسل الإنجليز في أرض معبدة، ولم يلقوا المقاومة التي لقيها الجنرال «فريزر» ~~حين نزل الإسكندرية سنة 1807 على رأس جيش بريطاني، أراد احتلال مصر فباء بالخيبة ~~والخسران ... # ولم يكد يستقر بالجنرال ولسلي المقام في الإسكندرية، حتى أذاع الإعلان الآتي في ~~المدينة: # بأمر الحضرة الخديوية - إعلان للمصريين - يعلن الجنرال قائد الجيوش ~~الإنجليزية بأن مقاصد الدولة البريطانية في إرسالها تجريدة عسكرية إلى القطر ~~المصري ليست إلا لتأييد سلطة الحضرة الخديوية، وعساكرنا يحاربون فقط حاملي ~~السلاح ضد سموه ... فعموم الأهالي الذين في سلم وسكينة تصير معاملتهم بكل تودد ~~وإنسانية، ولا يحصل لهم أدنى ضرر بل يحترم دينهم وجوامعهم وعائلاتهم، والأشياء ~~التي تلزم الجيش يصير دفع ثمنها، وعليه ندعو الأهالي لتقديم ذلك، وإن الجنرال ~~قائد الجيش يسر جدا من زيارة مشايخ البلاد وخلافهم، الذين يودون المساعدة ~~لردع العصيان، الذي هو ضد الحضرة الخديوية الحاكم والوالي الشرعي على القطر ~~المصري المعين من لدن الذات الشاهانية. ~~(5-1) تجدد القتال # بدأت الحركات الحربية بين الإسكندرية وكفر الدوار عقب احتلال الإسكندرية كما ~~تقدم بيانه، ثم تجددت عقب حضور الجنرال ms112 ولسلي ... ففي يوم السبت 19 أغسطس سنة 1882 ~~تحركت قوة كبيرة من الإنجليز، جاء جانب منهم بالقطارات المسلحة من جهة القباري، ~~وجانب آخر من جهة الرمل ومحطة السيوف وحجر النواتية، فلما وصلت القطارات إلى مقدمة ~~الجيش المصري، أطلق اليوزباشي أحمد أفندي فضلي مدفعا، فكان ذلك إيذانا ببدء ~~القتال. # ودارت معركة شديدة بينهم وبين المصريين، فصدهم المصريون عن التقدم بعد أن كبدوهم ~~خسائر جمة، ودام القتال ثلاث ساعات حتى غروب الشمس، وكان يتولى قيادة الجيش في هذه ~~المعركة طلبة باشا عصمت قومندان فرقة كفر الدوار، ومعه رضا باشا ومصطفى بك عبد ~~الرحيم وعيد بك محمد وأحمد بك عبد الغفار، والقائمقام أحمد بك عفت والقائمقام ~~سليمان سامي داود وبدوي بك حكمدار المدفعية، وانتهت المعركة بارتداد الإنجليز إلى ~~الإسكندرية. # وفي أيام 20 و21 و22 أغسطس هاجم الإنجليز مواقع الجيش المصري في كفر الدوار، ~~فدافع عنها المصريون خير دفاع، وانجلت هذه المعارك عن ارتداد الجيش ~~الإنجليزي. # وتعتبر معارك الميدان الغربي في جملتها فوزا للعرابيين؛ لأن الإنجليز ارتدوا ~~عن خطوط الدفاع في كفر الدوار. ~~(6) في الميدان الشرقي # تقدم القول بأن عرابي أهمل الدفاع عن البلاد من ناحية الشرق، فلما جاء الجنرال ~~ولسلي الإسكندرية، كان أول عمل حربي له هو تدبير الزحف على العاصمة من ناحية قناة ~~السويس ... ولو أن عرابي بادر عندما نشبت الحرب إلى سد القناة، لعجز الجنرال ولسلي عن ~~الوصول بجيشه إلى الإسماعيلية واتخاذها قاعدة للزحف، ولكنه لم يفعل ... فكان إحجامه ~~وبالا على مصر، وقد لعب فرديناند دلسبس في هذه المسألة دور الخداع والتغرير، لكي ~~يفوت على العرابيين سد القناة. # فقد عقد عرابي مجلسا عسكريا في أواخر يوليو للنظر في أمر القناة، فأجمع رأي المجلس ~~على وجوب تعطيلها بحيث لا يستطيع الجيش الإنجليزي اجتيازها، والوصول إلى الشاطئ الغربي ~~منها وخاصة الإسماعيلية، فلما علم بذلك دلسبس أرسل إلى عرابي أن يمتنع عن قطع القناة ... ~~وأكد له كذبا في تلغرافه «أن الإنجليز يستحيل أن يدخلوا القناة ... يستحيل». فانخدع ~~عرابي بهذا التلغراف رغم تحذير إخوانه إياه، ms113 ونصحهم له بأن لا يصغي إلى نصيحة دلسبس، ~~إذ ليس في إمكانه أن يمنع دخول الإنجليز القناة أو يبر بوعده، ولا هو صادق في نصحه، ~~وإنما كان غرضه صيانة القناة من التعطيل، ولو ضحيت في سبيل ذلك مصالح مصر ~~وسلامتها. # وقد استمر على خداعه حتى وصلت البوارج الإنجليزية إلى بورسعيد لاحتلال القناة، فأرسل ~~إلى عرابي تلغرافا آخر يقول فيه: «لا تعمل عملا ما لسد قناتي ... فإني هنا ولا تخش ~~شيئا من هذه الناحية، إذ لا ينزل جندي إنجليزي واحد إلا بصحبة جندي فرنسي، وأنا ~~المسئول عن كل ذلك.» وهنالك فقط شرع عرابي في سد القناة، ومع ذلك كان أمره في هذا الصدد ~~منطويا على التردد والإبهام، فقد قال فيه: «وما فعله الإنجليز يبيح لنا سد الترعة ~~الحلوة عن السويس، وإذا تهدد القنال زيادة على ذلك بأعمال حربية داخلية، أبيح لنا ردمه ~~وسده لتعدي الإنجليز على حيادته، فباتحاد سعادتكم مع سعادة رئيس عموم أركان حرب يجري ما ~~فيه صالحنا.» # ولم يكد يصل هذا الأمر المبهم إلى راشد باشا حسني قومندان خط الشرق، حتى كان الإنجليز ~~قد اقتحموا القناة ... وكان الحزم والحكمة يقتضيان بأن يبادر عرابي إلى سد القناة، قبل أن ~~تبدأ حركات الإنجليز العدائية من ناحية الشرق؛ لأن الإنجليز الذين خرقوا حرمة المعاهدات ~~الدولية، ونقضوا عهودهم في مؤتمر الآستانة منذ ابتداء القتال بضربهم الإسكندرية، ثم ~~احتلالهم إياها لم يكن من المنتظر أن يحترموا حياد القناة في قتالهم، أما اعتماد عرابي ~~على وعد دلسبس في حماية القناة فأمر يدل على قصر النظر، وقد كان من عيوب عرابي في ساعة ~~الخطر التردد والإحجام، فكان خطؤه في مسألة القناة العامل الأكبر، إن لم يكن العامل ~~الوحيد لانتصار الإنجليز في معارك الميدان الشرقي واحتلالهم العاصمة. # ومن عجب أن يصر عرابي على رأيه الخاطئ، مع أنه كما يقول جون نينيه كان مقتنعا كل ~~الاقتناع قبل نشوب الحرب بضرورة منع المرور من القناة، وأنه قطع برأيه في هذا الصدد إذ ~~صرح للمستر كامرون مراسل جريدة الستاندارد، بحضور ms114 المسيو نينيه قبل ضرب الإسكندرية ~~بقوله: «إننا سنحترم القناة ما دام العدو يحترم استقلال بلادنا ... ولكن إذا نشبت الحرب، ~~فإننا عند أول طلقة مدفع سنهدم القناة مؤقتا، وسأفعل ذلك آسفا لأني عالم بأن القناة ~~طريق تجاري محايد.» # وقد كان هذا هو الوقت المناسب لسد القناة ... فليت شعري ما الذي جعله يعدل عن هذا الرأي ~~الصواب، ويمتنع عن سدها حتى احتلها الإنجليز؟ ~~(7) احتلال بورسعيد والإسماعيلية # كان أول عمل حربي للجنرال ولسلي عند وصوله إلى الإسكندرية، هو تدبير الزحف على ~~العاصمة من طريق قناة السويس ... ففي ظهر يوم 19 أغسطس أقلع الأسطول البريطاني من ~~الإسكندرية بقيادة الأميرال سيمور، وكان مؤلفا من ثماني مدرعات وثماني عشرة باخرة من ~~بواخر النقل، تقل معظم الجيش الإنجليزي بقيادة الجنرال ولسلي قاصدا بورسعيد، فبلغها ~~صباح 20 أغسطس، وأخذت السفن الحربية تقتحم القناة، ونزلت كتيبة من جنود الأسطول إلى ~~بورسعيد، واحتلوا المدينة دون مقاومة من الحامية، وكذلك احتل الإنجليز القنطرة ~~والإسماعيلية في هذا اليوم، ومنعت البوارج الإنجليزية مرور البواخر التجارية في القناة، ~~ومنع الأميرال هوايت من ناحية السويس دخول أية سفينة إلى القناة ابتداء من 19 أغسطس، ~~ووضع في مدخل القناة بارجة حربية تنفيذا لهذا المنع، وقد احتجت شركة القناة على خرق ~~حرمة القناة، فذهب احتجاجها سدى. وفي 20 أغسطس احتل الأميرال هوايت «شلوفة» شمال ~~السويس على القناة. # وكانت طلائع العرابيين وعددهم نحو ألفين ترابط في «نفيشة» غربي الإسماعيلية، وعلى ~~بعد نحو ثلاثة كيلومترات منها، فأطلقت البوارج البريطانية قنابلها عليهم، وكان هذا ~~الضرب نذيرا بزحف الإنجليز من هذه الناحية ... # ووصل الجنرال ولسلي إلى الإسماعيلية يوم 21 أغسطس لتدبير حركات القتال في الميدان ~~الشرقي، وكان يصحبه الأميرال سيمور والأميرال هوبكنس، ووصلت على إثره بقية البواخر ~~المقلة للجيش البريطاني، فنزلوا الإسماعيلية، كما وصل المدد من الهند إلى السويس، وبذلك ~~انكشفت الجبهة المصرية من ناحية القناة، في حين أنه لو سدت القناة في بداية القتال، ~~لما استطاع الجنرال ولسلي أن يصل بجنوده إلى الإسماعيلية ويتخذها قاعدة للزحف، ولقضى ~~عدة أشهر قبل ms115 أن يهاجم خطوط الدفاع في الدلتا. # وفي يوم 22 أغسطس وضع الإنجليز أيديهم على سكة الحديد بين الإسماعيلية والسويس، وعلى ~~ترعة المياه العذبة بين المدينتين. # ولما تم للإنجليز احتلال القناة، رخصوا لشركة القناة بإدارة أعمالها السابقة، وعادت ~~السفن التجارية تجتاز القناة، ويتبين من ذلك أن اعتراض الشركة على خرق الإنجليز حيدة ~~القناة، لم يكن سوى اعتراض شكلي كان الغرض منه منع العرابيين من سد القناة، حتى لا ~~يتعطل انتفاع الشركة منها. # وهكذا جعل الإنجليز من القناة قاعدة حربية سهلت لهم مهمة الزحف على مصر، ولولاها ~~لما استطاعوا أن يصلوا إلى الإسماعيلية بحرا، وأن يزحفوا منها على العاصمة من طريق ~~التل الكبير والزقازيق، فوصول البوارج الإنجليزية إلى الإسماعيلية واتخاذهم إياها قاعدة ~~زحفهم، ما كان ليحدث لو لم تكن قناة السويس موجودة، وكذلك كانت القناة شؤما على مصر في ~~جميع أدوارها الغابرة ... ~~(8) احتلال نفيشة # واحتل الإنجليز نفيشة بعد احتلالهم الإسماعيلية ... ولهذا الاحتلال أهميته؛ لأن نفيشة ~~هي أول محطة غربي الإسماعيلية، ومنها تتفرع ترعة الإسماعيلية إلى فرعين: أحدهما الذاهب ~~إلى بورسعيد، والثاني إلى السويس. # وقد سد العرابيون ترعة الإسماعيلية في نقطة «المجفر» غربي الإسماعيلية؛ ليمنعوا ورود ~~المياه العذبة إلى الجيش البريطاني، فهاجم الجنرال ولسلي «المجفر» يوم 24 أغسطس، ~~واحتلها بجنوده. # وتابع الإنجليز زحفهم فاستولوا على «المسخوطة» يوم 25 أغسطس بعد معركة عنيفة دارت ~~بينهم وبين العرابيين، وكان يقود الجيش المصري فيها الفريق راشد باشا حسني. # ووقع محمود باشا فهمي رئيس أركان حرب الجيش المصري أسيرا في يد الإنجليز، فكان أسره ~~أكبر ضربة أصابت الدفاع الوطني. # واستولى الإنجليز على «المحسمة» يوم 25 أغسطس، وهي محطة تبعد عن نفيشة غربا باثنين ~~وعشرين كيلومترا، وصارت المسافة بينهم وبين التل الكبير لا تتجاوز أربعة وعشرين ~~كيلومترا، وقد استولوا في «المحسمة» على سبعة مدافع كروب، وكمية كبيرة من البنادق وعلى ~~قطار من الذخيرة. # وكان الاستيلاء على «المحسمة» عملا حربيا على جانب كبير من الخطر؛ لأنه الخطوة ~~الأولى التي اتخذها الإنجليز للوصول إلى معسكر العرابيين في التل الكبير ... ثم ms116 احتل ~~الإنجليز القصاصين يوم 26 أغسطس دون مقاومة تذكر، فصاروا على مسافة خمسة عشر كيلومترا ~~من التل الكبير. ~~(9) عرابي في الميدان الشرقي # الميدان الشرقي في الحرب ~~العرابية. # كان لأسر محمود باشا فهمي واحتلال «المحسمة»، وانكشاف نية الإنجليز في الزحف على ~~العاصمة من ناحية الشرق وقع شديد في صفوف العرابيين ... فبادر عرابي إلى الانتقال إلى ~~معسكر التل الكبير، وسار بالقطار من كفر الدوار ومعه جماعة من الضباط وطائفة من الحرس، ~~وكان يصحبه عبد الله نديم خطيب الثورة العرابية، فلما وصل القطار إلى الزقازيق خف ~~للقائه جمع حاشد من العمد والأعيان وأرباب الطرق والموظفين، ونزل هنيهة بالمحطة، وجلس ~~بكشك هناك، فاحتشد الناس للهتاف له وصاروا ينادون: «الله ينصرك يا عرابي! يا مولانا يا ~~عزيز، أهلك عسكر الإنجليز. يا سيمور يا وش القملة، من قال لك تعمل دي العملة؟» وبعد أن ~~جلس هنيهة غادر الكشك وركب القطار، وصار ينادي ويقول: «أنا لها، أنا لها!» # وسار القطار إلى التل الكبير بين هتاف المجتمعين وصياحهم ... ولما وصل إلى التل الكبير، ~~أعد عرابي لنفسه بالمعسكر خيمة سعيد باشا والي مصر السابق، وكانت من أفخم الخيام، ~~وأقام بها يحوطه الحرس والخدم، وتشاور وأصحابه فيما يجب عمله. وجاء علي فهمي من القاهرة ~~يقود الآلاي الأول من المشاة مددا للجيش، ووضعوا خطة القتال التي استدعاها تبدل ~~الموقف. فاتفقوا على مهاجمة مواقع الإنجليز في القصاصين، وأرسلوا إلى طلبة باشا عصمت في ~~كفر الدوار، لكي يرسل لهم المدد من الرجال والعتاد، فجاءهم عيد بك محمد بآلايه، وأحمد ~~بك عبد الغفار وعبد الرحمن بك حسن بآلايات الفرسان، وجاءهم من دمياط خضر بك ومعه ~~أورطتان من العساكر السودانية، فاستعد الجيش المصري لاتخاذ خطة الهجوم، وكانت قوات ~~الإنجليز موزعة كالآتي: الجنرال جراهام في القصاصين، والجنرال دروري لو قائد الفرسان في ~~المحسمة، والجنرال ويليس في المسخوطة. ~~(10) واقعة القصاصين الأولى # هاجم المصريون مواقع الإنجليز في القصاصين يوم 28 أغسطس سنة 1882 بقيادة الفريق راشد ~~باشا حسني، وكان هجوما شديدا ... فاستولوا على المواقع الأمامية للإنجليز، ولكن الفرسان ms117 ~~البريطانيين بقيادة الجنرال «دروري لو» ما لبثوا أن كروا على المصريين، فأجلوهم عن هذه ~~المواقع، وخسر الإنجليز في هذه الموقعة 8 قتلى منهم ضابط، و61 جريحا منهم عشرة من ~~الضباط، وامتد فيها القتال إلى الليل. ~~(11) موقف تركيا # قدمنا أن موقف تركيا منذ شبت الثورة العرابية كان منطويا على سوء النية والخطل ~~في الرأي ، فقد أرادت أن تتخذ من هذه الثورة فرصة لاسترداد امتيازات الاستقلال الذي ~~نالته مصر ... فأخذت تغري الفريقين المتخاصمين أحدهما بالآخر، فتتظاهر تارة بتأييد ~~الخديو، وطورا بتأييد العرابيين، لتكسب من وراء هذا الإغراء نفوذا وسلطانا، ولكنها ~~في الواقع لم تكسب شيئا، وإنما استفادت إنجلترا من هذه السياسة الخرقاء. # وبينما كان الإنجليز يتقدمون في داخل البلاد، كانت المفاوضات مازالت مستمرة بين ~~اللورد دفرين سفير إنجلترا في الآستانة والباب العالي، للاتفاق على خطة إرسال الجيش ~~العثماني إلى مصر، وكانت إنجلترا تقصد من هذه المفاوضات إطالة الوقت وتعطيل إرسال جيش ~~من تركيا، حتى تقمع الثورة بجيشها فلا يبقى محل لمجيء ذلك الجيش، وقد تذرعت إلى إطالة ~~المفاوضات باشتراطها عدة شروط، وهي: ~~(1) # تحديد عدد الجيش العثماني المزمع إرساله إلى مصر، بحيث لا يتجاوز خمسة أو ~~ستة آلاف جندي. ~~(2) # منعه من دخول مصر بطريق البر أو النزول إلى الإسكندرية. ~~(3) # عرض خططه الحربية على القيادة الإنجليزية. ~~(4) # التعهد بسحب هذا الجيش حين جلاء الجيش الإنجليزي عن مصر. # وقد رفضت الحكومة التركية هذه الشروط، فكان ذلك سببا في تعطيل إرسال جيشها، ولو رضيت ~~بأي شروط تضعها إنجلترا، وبادرت بإرسال جيشها لكان ذلك خيرا وأخف ضررا من إحجامها عن ~~إنفاذه؛ لأن مجرد وجود جيش تركي أو أي جيش آخر بجوار الجيش الإنجليزي يحول دون استقرار ~~الأخير في البلاد، ويؤدي لا محالة إلى إجلاء الجيشين معا، كما حدث حين أرسلت كل من ~~إنجلترا وتركيا جيشا لإجلاء الفرنسيين عن مصر سنة 1801، فإن وجودهما معا أدى إلى ~~جلائهما عن البلاد في ذلك الحين. # وقد أعلنت إنجلترا على لسان اللورد دفرين أنها لا تقبل اشتراك الجيش العثماني ~~المتضمنة شروط هذا الاشتراك. ms118 # وفي غضون مهزلة المفاوضات التي جرت في هذا الصدد، طلب اللورد دفرين من سعيد باشا ~~الصدر الأعظم أن يعلن السلطان عصيان عرابي، وأن يقترن هذا الإعلان بالاتفاق على اشتراك ~~الجيشين في مصر، وأخيرا وقع الطرفان على هذا الاتفاق في 5 سبتمبر سنة 1882، وهو يقضي ~~بإرسال ثلاثة آلاف جندي عثماني إلى بورسعيد، وفي الوقت نفسه أعلن السلطان عصيان عرابي ~~في منشور طويل نشرته صحف الآستانة يوم 6 سبتمبر. # لم تكن إنجلترا تقصد بهذا الاتفاق احترامه وتنفيذه، فإنها عجلت بإخماد الثورة قبل أن ~~تتحرك تركيا إلى إرسال جيشها ... بل كان غرضها إذاعة إعلان السلطان عصيان عرابي أثناء ~~زحفها، لتتخذ منه وسيلة لإضعاف قوة الجيش المصري وإيقاع الفرقة والانحلال في صفوفه، ~~وصرف القلوب عن تأييد عرابي في القتال، ولو ترك السلطان وشأنه لما فكر في هذا ~~الإعلان؛ لأنه في خاصة نفسه لم يكن يعطف على الخديو توفيق، ولا كان يميل إلى تثبيت ~~سلطته، ولكن السياسة الإنجليزية ألحت وتهددت واستخدمت كل الوسائط، ومنها الرشوة لدى ~~رجال المابين حتى أصدر السلطان إعلانه المشئوم ... # ولما هزم عرابي في واقعة التل الكبير بادر اللورد «دفرين» إلى إبلاغ الباب العالي ~~أنه بهزيمة العرابيين لم يعد ثمة موجب لإرسال جيش عثماني؛ لأن الجيش الإنجليزي قد ~~انتهى من مهمة إخماد الثورة! # فإعلان عصيان عرابي والحرب قائمة، هو تدبير منطو على المكر والخبث، وضعته إنجلترا ~~لإضعاف قوة المقاومة في مصر، وتمكين جيشها من احتلال البلاد، وهي التي طلبت من السلطان ~~ذلك الإعلان كما تقدم بيانه. # وقد ابتهج به الخديو، وعهد إلى سلطان باشا توزيع نسخ من جريدة «الجوائب» التي نشرته، ~~والاتصال بضباط الجيش المصري لاطلاعهم عليه، ووزع عليهم منشورات بهذا المعنى، وتنقل ~~سلطان باشا في البلاد لدعوة العمد والأعيان إلى مساعدة الإنجليز، ولا جرم أحدثت ~~المنشورات تأثيرا كبيرا في حالة الضباط المعنوية. ~~(12) واقعة القصاصين الثانية # في صبيحة يوم السبت 9 سبتمبر سنة 1882 وقعت معركة كبيرة بين المصريين والإنجليز تعد ~~أكبر وقائع الحرب العرابية ... هجم فيها المصريون بقيادة الفريق راشد باشا ms119 حسني - ~~المعروف بأبي شنب فضة - على مواقع الإنجليز في القصاصين يريدون استردادها للمرة ~~الثانية، واحتدم القتال نحو ثلاث ساعات، ولكن المعركة انتهت بتراجع المصريين بعد أن ~~كادوا يوقعون بالجيش الإنجليزي. # وكان القائد العام لجيش المصريين هو الفريق راشد حسني، وتقرر أن يتحرك محمود سامي ~~البارودي من الصالحية ليلا، فيصل إلى خط القتال عند مطلع الفجر للإحداق بميمنة العدو، ~~وقد عمل بترتيب الهجوم رسم سلمت منه نسخة لكل أمير من القواد، وفي الثلث الأخير من ~~ليلة 9 سبتمبر قام الجيش على هذا الترتيب، فلما وصل قريبا من العدو أخذ كل مكانه على ~~خط النار، ولكن العدو كان عالما بما استقر عليه الرأي إذ أطلعهم عليه الأميرالاي علي ~~يوسف خنفس (الخائن). فبادر الجيش المصري بإطلاق المدافع واحتدم القتال بين الجيشين، أما ~~جيش الصالحية بقيادة البارودي فإنه تأخر عن الميعاد المحدد له، ولما قرب من مكان ~~الواقعة كان العدو متأهبا لقتاله، فأطلق عليه مدافعه قبل أن يصل إلى مكانه، فتشتت وولى ~~الأدبار، فمنهم من عاد إلى الصالحية، ومنهم من ذهب إلى معسكر رأس الوادي، وأما راشد ~~باشا حسني وعلي باشا فهمي ومن معهما من الجيش، فقد ثبتوا ثبات الأبطال حتى آخر النهار، ~~وجرح راشد باشا حسني برصاصة في قدمه ... وجرح علي باشا فهمي في ساقه، وخسر كل من ~~الجيشين خسارة كبرى من ضرب المدافع والبنادق، التي كانت مقذوفاتها كالمطر في الميدان، ~~وكانت هذه الواقعة أشد حرب نشبت بين العرابيين والإنجليز، إذ كانت قوة الجيشين عظيمة ~~وثباتهما نادر المثيل ... # ويقول جون نينيه عن هذه الوقعة: «إن إصابة القائدين الباسلين راشد باشا حسني وعلي ~~باشا فهمي، فيها كانت خسارة كبرى مني بها الجيش المصري لا تقل في فداحتها عن أسر ~~محمود باشا فهمي.» # ويذكر المستر بلنت نقلا عن رواية المصريين له عن المعركة أن الإنجليزي فوجئوا بهجوم ~~الجيش المصري، وكاد الدوق أوف كنوت يقع أسيرا، ولكن حدث نقص في تنفيذ خطة الهجوم، وذلك ~~أنه كان على محمود باشا سامي البارودي أن يتحرك من الصالحين في ms120 ألفي مقاتل ليلا ويهاجم ~~في الصباح ميمنة الإنجليز، ولكنه ضل الطريق فلم يصل في الميعاد ولم يشترك في المعركة، ~~وثمة نقص آخر ذكره المستر بلنت، وهو أن عرابي كان واجبا عليه أن يشترك في هذه المعركة، ~~ولو في مؤخرة الجيش إن لم يكن في المقدمة، ولكنه جمد في التل الكبير، ولم تظهر في ~~الميدان جميع قوة الجيش التي كان يجب استخدامها، وكان من عوامل الهزيمة خيانة الضابط ~~علي يوسف خنفس. # كانت هزيمة الجيش المصري في واقعة القصاصين الثانية ضربة شديدة، كشفت الموقف الحربي ~~ودلت على ضعف الجبهة المصرية أمام الهجوم الإنجليزي ... وقد ظهر الاضطراب على زعماء ~~العرابيين وبخاصة عرابي ومحمود سامي البارودي، وبدأ اليأس يتسرب إلى قلوبهم، وأدرك ~~عرابي بعد فوات الفرصة أنه لو سد قناة السويس عند ابتداء الحركات العدائية، لما بلغ ~~الإنجليز الإسماعيلية بهذه السرعة، وما تقدموا في داخل البلاد بهذه السهولة ... فأخذ ~~يعالج الموقف في كثير من التردد واليأس، وبدأ بعد وقعة القصاصين في إرسال الجرحى إلى ~~العاصمة، إذ أقلتهم القطر الخاصة إلى العباسية، ومنهم القائدان الباسلان؛ راشد باشا ~~حسني وعلي باشا فهمي، واستدعى علي باشا الروبي قومندان موقع مريوط ليتولى قيادة جيش رأس ~~الوادي، فحضر عصر يوم الثلاثاء 12 سبتمبر سنة 1882، وأخذ يتفقد مواقع الجيش في التل ~~الكبير، الذي أصبح بعد وقعة القصاصين هدف الإنجليز في هجومهم. ~~(13) معركة التل الكبير # تقع شرقي محطة التل الكبير على الضفة اليسرى لترعة الإسماعيلية هضبة تعلو السكة ~~الحديدية بثلاثين مترا، وتمتد بانحدار خفيف نحو الصالحية ونحو «القصاصين». وكانت خطوط ~~الدفاع المصرية في «التل الكبير» تبتدئ من السكة الحديدية، وتمتد بطول ستة كيلومترات ~~متجهة من الجنوب إلى الشمال، ويحمي معاقل الجند خنادق جافة عرضها من مترين إلى ثلاثة ~~وعمقها متر أو متران، ووراء الخطوط الأمامية خطوط أخرى تمتد إلى معسكر التل الكبير ~~الواقع على السكة الحديدية، ولم يكن عرابي قد أتم خطوط الدفاع قبل نشوب المعركة، ولم ~~تكن هي ذاتها محكمة الوضع؛ لأنها أقيمت على عجل، وليس بها العدد الكافي من ms121 الجند لصد ~~هجمات الأعداء. # وكان الجيش المصري في التل الكبير - كما قدره الجنرال ولسلي - مؤلفا من 24 طابورا ~~وثلاثة آلايات من الفرسان وستة آلاف من البدو، وكان عرابي يشرف على حركات القتال ... ~~ولكنه لم يتول القيادة الفعلية التي عهد بها إليه علي باشا الروبي، وبلغت مدافع هذا ~~الجيش من 60 إلى 70 مدفعا. ويقول المستر بلنت: «إن جيش عرابي بالتل الكبير لم يكن يزيد ~~على عشرة آلاف أو اثني عشر ألف جندي، والباقون كانوا من المجندين الأحداث، الذين لم ~~يسبق لهم إطلاق بندقية واحدة. أضف إلى ذلك أن خيرة الجنود لم يكونوا بالتل الكبير، بل ~~كانوا في كفر الدوار بقيادة طلبة باشا عصمت، أو في دمياط بقيادة عبد العال باشا حلمي، ~~وهؤلاء لم يشتركوا قط في المعركة.» # وكان من حسن التدبير أن يستدعي عرابي على الأقل الآلاي المرابط في دمياط؛ لأنه كان ~~يحتوي على خيرة الجند المدربين، ولكنه لم يفعل ... ولم يأت من هذا الآلاي سوى أورطتين مع ~~مسيس الحاجة إليه، وعهد عرابي بالقيادة في معركة التل الكبير إلى علي باشا الروبي، ولم ~~يكن على حظ ما من الكفاية الحربية ... أضف إلى ذلك أنه كان إلى ما قبل المعركة قائدا ~~لفرقة مريوط، واستدعاه عرابي إلى التل الكبير بعد إصابة راشد باشا حسني في القصاصين، ~~فحضر قبل الواقعة بيوم واحد، وهو وقت لا يكفي لتعرف مواقع القتال في تلك الناحية، ~~ووضع الخطط الصالحة للدفاع. # وزحف الجنرال ولسلي على التل الكبير في أحد عشر ألفا من المشاة و2000 من الفرسان ~~ومعه ستون مدفعا، وكان الهجوم من الناحية الشمالية للتل الكبير، إذ كانت أصلح للزحف من ~~الجهة الجنوبية المكونة من أراض زراعية تخترقها الترع والأقنية وتعوق سير الجنود، ~~واعتزم الزحف ليلا لكي يوفر على جنوده عناء المسير في شمس النهار المحرقة، وسط رمال ~~الصحراء وفي أرض مكشوفة، وقد رجح عنده الزحف في الظلام ما لاحظه حين كان يستطلع مواقع ~~المصريين في التل الكبير من أنهم لا يضعون الطلائع أمام الاستحكامات إلا من الساعة ms122 ~~الخامسة صباحا، وهذا نقص كبير في الدفاع، فأراح ولسلي جيشه يوم 21 سبتمبر ... # وفي مساء هذا اليوم تأهب للزحف، ولما جن الليل بدأ الجيش الإنجليزي يتحرك من القصاصين ~~في منتصف الساعة الثانية صباحا، وكان الظلام حالكا، وأصدر الجنرال ولسلي تعليماته بأن ~~تطفأ كل الأنوار أثناء السير، حتى لا يشعر العرابيون بزحفه، وكان يتقدم الجيش بعض ~~ضباط الأسطول، الذين لهم دراية بالاسترشاد بالنجوم لمعرفة خط السير في الصحراء، ولكن ~~هؤلاء لم يكن في استطاعتهم الاهتداء إلى مسالك الصحراء، بل كان المرشدون الحقيقيون بعض ~~عربان الهنادي، ممن اشترى الإنجليز ذممهم واتخذوهم عيونا لهم وجواسيس. # ومن العجيب أن يقطع الجيش الإنجليزي المسافة بين القصاصين والتل الكبير - وهي تبلغ ~~خمسة عشر كيلومترا - دون أن تصادفهم طلائع المصريين، ولو كان الدفاع محكما لما فات ~~عرابي أن يجعل لجيشه طلائع على مسافات بعيدة ينبئونه بحركات الجيش الإنجليزي، واستمر ~~الإنجليز في زحفهم حتى مطلع الفجر، وعندئذ صارت كتائبهم على مسافة 150 ياردة من التل ~~الكبير، وقد فوجئ المصريون بالهجوم إذ كانوا نائمين بعد أن سهروا في سماع ذكر أرباب ~~الطرق، فاستيقظوا على صوت البنادق، ولم يكد يضربون نفير الحذر حتى أمر الجنرال ولسلي ~~جنوده بالهجوم ... فابتدأ في الساعة الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعين صباحا، وكان على ~~شكل نصف دائرة أحاطت بمعسكر العرابيين، فاقتحمت الجنود الإنجليزية الاستحكامات ~~الأمامية، وأطلق رماتها القنابل والبنادق عليهم، وقتل منهم في هذه الهجمة نحو مائتين ~~قبل أن يصلوا إلى الخنادق. # ولكن الهجوم كان فجائيا شديدا، فاستولى الإنجليز على الاستحكامات الأمامية ... وبعد ~~هنيهة هجموا على خط الاستحكامات الثاني، واتجهت فرقة منهم تجوس خلال الاستحكامات ففتكت ~~بنادقهم بالمصريين فتكا ذريعا، وهجم فرسان الجيش البريطاني بقيادة الجنرال دروري لو ~~على ميسرة العرابيين متجهين صوب محطة التل الكبير، فأحدقوا بها. وأخذ المصريون على ~~غرة في الميمنة والميسرة، وصمد للدفاع آلايان من السودانيين بقيادة الأميرالاي محمد ~~عبيد، وظلوا يدافعون الإنجليز حتى استشهد معظمهم، وقتل قائدهم البطل محمد عبيد، ~~واستبسل أيضا في القتال آلاي من البيادة بقيادة أحمد بك فرج ms123 وآلاي عبد القادر عبد ~~الصمد، وكذلك أبلى اليوزباشي حسن أفندي رضوان (الفريق حسن باشا رضوان فيما بعد) بلاء ~~حسنا في الوقعة إذ كان قومندانا للطوبجي، فلما فوجئ المصريون بهجوم الجيش الإنجليزي ~~اختل نظامهم ... لكن اليوزباشي حسن رضوان صمد للمهاجمين، وأخذت مدافعه تصلي الإنجليز ~~نارا حامية وكبدتهم خسائر جسيمة، وجرح هو في تلك الوقعة. وقد أعجب الجنرال ولسلي ~~ببسالته وترك سيفه احتراما له، ولم يزد عدد الجنود الذين اشتركوا في المعركة على ثلاثة ~~آلاف، أما الباقون فقد تولاهم الذعر، فألقوا أسلحتهم ولاذوا بالفرار، ولم تدم المعركة ~~أكثر من عشرين دقيقة لم تزد خسائر الإنجليز فيها على 57 قتيلا منهم 9 ضباط و48 صف ضابط ~~وجنديا و402 جرحى منهم 27 من الضباط، أما خسائر المصريين فقد تراوحت بين 1500 قتيل أو ~~2000، وغنم الإنجليز مدافع المصريين، واستولوا على جميع مهمات الجيش وذخائره ومئونته ~~... # وكانت معركة التل الكبير سلسلة فضائح انتهت بهزيمة الجيش المصري، لم يحصل فيها قتال ~~بالمعنى الصحيح إلا من ثلاثة آلاف من الجند، وكانت فيما عدا ذلك أشبه بمهزلة أو ~~مأساة، فهي صفحة محزنة من تاريخ مصر الحربي والقومي، وقد خلت من البطولة التي كان يمكن ~~أن تغير من مصير المعركة أو تخفف من غضاضة الهزيمة، وتقوي روح المقاومة في ~~البلاد. # | كارثة الاحتلال # (1) الهزيمة # بلغ عرابي العاصمة ظهر يوم الهزيمة - الأربعاء 13 سبتمبر سنة 1882 - وكان أعضاء ~~المجلس العرفي مجتمعين منذ ساعات طويلة في «قصر النيل» ينتظرون أنباء المعركة، وبقي ~~يعقوب باشا سامي ملازما مكتب التلغراف، دون أن يكاشف أحدا بما يتلقاه من الأخبار، إلى ~~أن أنبأ الحاضرين أن ناظر الجهادية «عرابي» قادم على عجل إلى العاصمة، فأيقنوا أنها ~~الهزيمة لا محالة. # وبعد قليل جاء عرابي يصحبه علي الروبي، وكان وجهه مكفهرا وعلائم الاضطراب بادية ~~عليه ... فجلس على مقعده وظل صامتا لا يتكلم مدة عشرين دقيقة، ثم عقد مجلس حافل في قصر ~~النيل من أعضاء المجلس العرفي وبعض الأمراء والكبراء، وأخذ عرابي يشرح لهم أسباب ~~الهزيمة وكيف فوجئ بهجوم الإنجليز، ونسب ms124 إلى الجند عدم إطاعة أوامره في القتال، ثم ~~استشار الحاضرين فيما يجب عمله، وهل يجب الاستمرار في المقاومة أم أن الصواب في التسليم ~~... فاختلفت الآراء، وكثر اللغط، وتشعبت أفكار القوم، ثم قام الأمير إبراهيم أحمد ابن عم ~~الخديو، وحث على الاستمرار في المقاومة قائلا: «القاهرة غاصة بالجند ومخازن الحربية ~~ملأى بالسلاح والذخيرة والميرة، ووسائل الدفاع متوافرة، والواجب هو الدفاع ما دام فينا ~~بقية.» فاستحسن الحاضرون قوله ظاهرا، ولكن نفوسهم كانت قد دب إليها اليأس وجنحت إلى ~~التسليم. واستقر الرأي في هذا الاجتماع على إنشاء خط دفاعي في ضواحي العاصمة. # وإنفاذا لهذا الرأي ذهب عرابي إلى العباسية يصحبه محمد مرعشلي باشا باشمهندس ~~الاستحكامات، ومحمد رضا باشا قائد لواء الفرسان واللواء حسن باشا مظهر، لاختيار الموقع ~~الملائم لخط الدفاع، وطلب من محمد مرعشلي باشا وضع تصميم لإنشاء خط دفاعي أمام المطرية ~~شرقي عين شمس، ليمتد يمينا إلى الجبل ويمتد شمالا إلى ترعة الإسماعيلية، ثم ينعطف إلى ~~النيل عند فم رياح ترعة الإسماعيلية بالقرب من شبرا، ثم ذهبوا إلى مركز ~~الطوبجية. # قال عرابي في هذا الصدد: «وأردنا استعراض العساكر الموجودة هناك، فلم نجد إلا ألف رجل ~~من خفراء البلاد بغير ضباط، ونحو أربعين نفر سواري في مركز عساكر الخيالة مع أحمد بك ~~نير، فقال الأميرالاي المذكور أنه يقف في وجه العدو ويقاتله برجاله الأربعين حتى يموت ~~معهم، ولكن ما الفائدة وليس لدينا جيش يقوى على الدفاع، فلما شاهدنا ذلك علمنا أن ~~الأولى حقن الدماء وحفظ القاهرة من غوائل الحرب والدمار.» # ثم رجع عرابي ومن معه إلى المجلس العرفي بقصر النيل وأخبر الحاضرين بما شاهده ... ~~فاستقر رأي الحاضرين على التسليم، وكتابة عريضة إلى الخديو يلتمسون فيها العفو عنهم ~~ويقدمون له الخضوع ويعتذرون عن أفعالهم الماضية، فحرروا العريضة وأمضاها عرابي ومن ~~معه، وأرسلوها مع وفد مؤلف من محمد رءوف باشا حكمدار السودان السابق، وبطرس غالي باشا ~~وكيل الحقانية، وعلي باشا الروبي، ويعقوب سامي باشا ... ورءوف باشا هو الذي تولى فيما ~~بعد رياسة المحكمة العسكرية، التي ms125 حكمت على عرابي وصحبه بالإعدام. ~~(1-1) احتلال العاصمة # لم تكد تنتهي معركة التل الكبير بما انتهت إليه، حتى أمر الجنرال ولسلي فرقة ~~الفرسان بقيادة الجنرال «دروري لو» أن تبادر بالزحف على القاهرة لاحتلالها، وأمر ~~الجيش الهندي بقيادة الجنرال مكفرسن باحتلال الزقازيق، لمنع الجيش المصري من ~~استخدامها قاعدة لمواصلات السكك الحديدية، فسار الفرسان نحو مدينة بلبيس واحتلوها ~~ظهر يوم 13 سبتمبر، وحجز بها الجنرال دروري لو التلغرافات التي أعدها عرابي إلى ~~مديريات الوجه البحري بحشد الجنود لمقاومة زحف الجيش البريطاني، واحتل الجنرال ~~مكفرسن الزقازيق في ذلك اليوم دون مقاومة، واستولى فيها على خمسة قاطرات مشحونة ~~بالذخيرة والمؤن. # واستأنف الجنرال دروري لو الزحف قاصدا العاصمة يوم الخميس 14 سبتمبر سنة 1882، ~~فتحرك من بلبيس في منتصف الساعة الخامسة صباحا في قوة لا يمكن أن تكفي في الأوقات ~~العادية لاحتلال العاصمة، ولكن هزيمة التل الكبير قد قضت على روح المقاومة. # بلغ الجنود الإنجليز العباسية في نحو الساعة الرابعة مساء، وعسكروا في ثكنات ~~الفرسان بها ... وأرسل الجنرال دروري لو إلى محمد رضا باشا قائد الجند بالعباسية يطلب ~~إليه تجريد الجنود من أسلحتهم، وكان عرابي وصحبه مجتمعين في دار علي فهمي باشا الذي ~~لم يزل جريحا ملازما بيته بعد إصابته في معركة القصاصين، فتلقى في نحو الساعة ~~السادسة مساء تلغرافا من قائد العباسية بوصول طلائع الإنجليز، فأرسل عرابي يأمره ~~بالتسليم للقائد البريطاني. # ولما انفض الاجتماع خرج عرابي يصحبه طلبة باشا عصمت ومحمود سامي باشا البارودي ~~والمسيو جون نينيه ... فأشار عليهم المسيو نينيه بأن يسلموا أنفسهم كأسرى حرب ~~للقائد البريطاني، فعمل عرابي وطلبة بنصيحته، وتهيأ الاثنان للذهاب إلى العباسية ~~لكي يسلما نفسيهما للجنرال دروري لو. أما محمود سامي البارودي فلم يقبل هذه ~~النصيحة، وقال: «إني ذاهب إلى منزلي، فإذا أرادوني فإنهم يعرفون أين يجدونني.» وذهب ~~عرابي إلى منزله يصحبه طلبة باشا والمسيو نينيه، وأخذ يتأهب لتسليم نفسه، فلبس ~~رداءه العسكري وأخذ سيفه. وفي نحو الساعة التاسعة مساء ركب عربة يصحبه طلبة باشا، ~~وأمر سائقها بالتوجه إلى ثكنات ms126 الجيش بالعباسية، فلما بلغاها جيء بهما إلى الجنرال ~~دروري لو، فسلما سيفهما إليه، فأمر باعتقالهما في غرفة من غرف الثكنة، وسارت ~~كتيبة من الفرسان البريطانيين ليلا إلى القلعة من طريق الجبل، واحتلتها وسلمت ~~الحامية المصرية. # وتولى تسليم القلعة الأميرالاي علي يوسف خنفس؛ ذلك الخائن الذي فتح لهم الطريق في ~~وقعة التل الكبير. # واحتل الإنجليز أيضا قصر النيل وقشلاق عابدين، وسلم الجنود الذين كانوا بهما ~~أسلحتهم ... فكان ذلك إيذانا باحتلال العاصمة. # وقد خرج بعض الأهلين من سكان باب الشعرية والحسينية يحملون الهراوات بقصد محاربة ~~الإنجليز، ولكن محافظ العاصمة إبراهيم بك فوزي رأى في هذه الحركة عملا لا يجدي ولا ~~يؤدي إلا إلى سفك الدماء، فردهم وأخذ يرقب حركاتهم منعا لوقوع الاحتكاك بين ~~الإنجليز والأهلين. # واحتل الإنجليز بعد ذلك مواقع الدفاع الأخرى دون مقاومة، ففي كفر الدوار حين علم ~~ضباط الجيش في مواقع الدفاع الأخرى بسقوط التل الكبير واستسلام عرابي، استسلموا ~~مثله. وقد علم طلبة باشا عصمت في كفر الدوار بالهزيمة يوم وقوعها، فسافر على عجل ~~إلى العاصمة، فبلغها مساء 13 سبتمبر، والتقى بعرابي وسلم نفسه معه إلى القائد ~~دروري لو. # ولما علم الجند بسفره تركوا أسلحتهم لضباطهم وتشتتوا ذاهبين إلى بلادهم، وكذلك ~~فعل العربان، وحضر السير أفلن وود أحد قواد الجيش البريطاني - الذي عين فيما ~~بعد سردارا للجيش المصري - في 16 سبتمبر على رأس كتيبة من الجند، موقع الحصن ~~المنيع الذي أنشأه عرابي وكان أول خطوط الدفاع، ويعرف بعزبة «أصلان» فاحتله ... وكان ~~يصحبه إلى ذلك المكان ضباط من أركان حربه وآخرون من قبل الخديو، وأمر بنسف الحصن ... ~~فنسف وسلم الضباط المصريون أسلحتهم وأعلنوا طاعتهم للخديو، واستولى الإنجليز في ~~كفر الدوار على ما بها من المدافع والبنادق والذخائر. # وحين علم محمود سامي البارودي قائد موقع الصالحية بالهزيمة، تركها ومن معه من ~~الضباط وركبوا قطرات السكة الحديدية إلى المنصورة، ومنها إلى طنطا ثم إلى إيتاي ~~البارود، فكوم حمادة فبولاق الدكرور، وانحل نظام الجند، وتوجه كل منهم إلى بلده. ~~وارتأى البارودي وجوب استمرار الدفاع ms127 مع إخلاء القاهرة والانسحاب بالجيش إلى ~~الصعيد، ثم إلى السودان إذا أعجزهم الدفاع، وأرسل إلى عرابي تلغرافا من المنصورة ~~يطلب منه إغراق مديريتي القليوبية والشرقية لتعطيل زحف الجيش الإنجليزي، ثم ~~الاستيلاء على جميع المراكب في النيل وشحنها بالذخيرة وتوجيهها إلى الصعيد مع ~~الجيش، ولكن عرابي رفض العمل بهذا الرأي وأصر على التسليم، وسجن البارودي بالقاهرة ~~ضمن من سجن من العرابيين. # وتسلم الإنجليز حصون رشيد، وتوقفت حامية أبو قير عن التسليم، فأرسل إليها ~~الخديو يوسف شهدي باشا فسلمت، وسلمت كذلك حامية مريوط ثم حامية دمياط. ~~(2) تأليف وزارة شريف باشا «الرابعة» # تبين في غضون الحوادث السابقة، أن وزارة إسماعيل راغب لا قبل لها بمواجهة المشاكل ~~التي استهدفت لها البلاد، وأنها أضعف من أن تقوم بأعباء الحكم وسط هذه العواصف ~~المختلفة، فاستقالت لذلك، واستدعى الخديو رياض باشا من أوروبا فقدم إليها في أواسط شهر ~~أغسطس سنة 1882، وبعد قدومه عهد إلى شريف باشا تأليف الوزارة، فلبى دعوته وألف ~~الوزارة على النحو الآتي: شريف باشا للرياسة والخارجية، رياض باشا للداخلية، عمر باشا ~~لطفي للحربية والبحرية، علي حيدر باشا للمالية، علي باشا مبارك للأشغال، أحمد خيري باشا ~~للمعارف، حسين فخري باشا للحقانية، محمد زكي باشا للأوقاف. # والوزارة كما ترى مؤلفة من أعضاء تجمعهم فكرة تأييد سلطة الخديو ومخالفة العرابيين، ~~فشريف باشا قد انفصل عنهم من عهد استقالته من الرياسة في فبراير سنة 1882، ورياض باشا ~~معروف بكراهيته لهم، وكذلك عمر باشا لطفي، وعلي باشا مبارك كان وزيرا في وزارة رياض ~~باشا الأولى التي أسقطتها الثورة في سبتمبر سنة 1881، وبقية الوزراء من الموالين ~~للخديو. # | محاكمة العرابيين # (1) المحاكمة # اعتقل زعماء الثورة العرابية، واعتقل أيضا كثيرون من الضباط، وألقوا في السجون ~~رهن التحقيق والمحاكمة، وكثرت السعايات والوشايات، فأخذ المغرضون يشون بخصومهم بتهمة ~~أنهم كانوا من الخارجين على الخديو، حتى امتلأت السجون بالمتهمين، وبلغ عدد المقبوض ~~عليهم أكثر من 39000 نفس. # ووضعت الحكومة يدها على جميع زعماء الثورة، ماعدا السيد عبد الله نديم، فإنه اختفى عن ~~الأنظار ولم تستطع عيون الحكومة ms128 أن تعرف مقره، وقبض على كبار الضباط المعروف عنهم ~~التشيع لعرابي أو الذين اشتركوا في حوادث الثورة، وغصت السجون بكبار المعتقلين ... نذكر ~~منهم: عرابي باشا، ومحمود باشا سامي البارودي، ومحمود فهمي باشا، ويعقوب سامي باشا، ~~وعبد العال حلمي باشا، وعلي فهمي باشا، وطلبة باشا عصمت (السبعة الزعماء)، وحسن باشا ~~الشريعي وزير الأوقاف في وزارتي راغب والبارودي، وعبد الله باشا فكري وزير المعارف في ~~وزارة البارودي، إلخ ... # وقد حوكم عرابي وصحبه أمام محكمة عسكرية مصرية بتهمة عصيان الخديو، واهتم بأمره منذ ~~القبض عليه المستر ولفرد بلنت المستشرق الإنجليزي، الذي ناصره منذ ابتداء الحركة ~~والمشهور بمناصرته لمصر والمصريين، وسعى جهده في إنقاذ عرابي من الإعدام، ولم يكن هذا ~~المسعى من صالح عرابي في شيء؛ لأن حياته في الواقع لم تكن لها قيمة بعد الهزيمة، وقد ~~اختار له المستر بلنت باتفاقه مع السلطات الإنجليزية اثنين من المحامين الإنجليز، وهما ~~المستر برودلي والمستر نابيه، للدفاع عنه أمام المحكمة العسكرية. # واستقر رأي الإنجليز على أن يقدم عرابي وصحبه أمام المحكمة العسكرية بتهمة عصيان ~~الخديو، واستبعاد تهمة مذبحة الإسكندرية وتهمة إحراقها، وأن يعترفوا بجرمهم، وأن يستبدل ~~الخديو بحكم الإعدام النفي المؤبد، وأن يصدر بعد ذلك مرسوم بمصادرة أملاكهم مع عدم ~~المساس بأملاك زوجاتهم، وأن تقرر الحكومة لكل منهم معاشا يفي بحاجتهم مع حرمانهم ~~رتبهم وألقابهم، فارتضى العرابيون هذا المصير، وعلى ذلك جرت المحاكمة، وكانت بعد ~~الاتفاق المتقدم ذكره محاكمة صورية، عرفت نتائجها قبل انعقاد المحكمة، ولم تدم سوى يوم ~~واحد ... إذ انعقدت المحكمة العسكرية برياسة محمد رءوف باشا يوم 3 ديسمبر سنة 1882 بوزارة ~~الأشغال بقاعة مجلس الشيوخ السابق، الساعة التاسعة ونصف صباحا لمحاكمة عرابي أولا. ~~ولم يكن الجمهور يعلم بالموعد المحدد لانعقادها، فلم يحضر الجلسة سوى نحو أربعين من ~~النظارة، منهم عشرون من مراسلي الصحف، وكان مقررا أن يتولى الاتهام أمام المحكمة ~~العسكرية المسيو بوريللي رئيس قلم قضايا الحكومة، ولكنه تنحى عن الجلوس في مركز ~~المدعي العمومي، إذ رأى أن المحاكمة مهزلة متفق عليها من ms129 قبل، فجلس بدله قومندان ~~الحامية الإنجليزية في التحقيق، وأخذ مجلسه قريبا من المكان الذي أعد لعرابي، وبعد أن ~~أخذ أعضاء المحكمة مجالسهم مرتدين ملابسهم الرسمية، جيء بعرابي من السجن. # وكان قبل مجيئه قد وقع على وثيقتين ... الأولى يعترف فيها بارتكابه جريمة العصيان، ~~ويتعهد في الثانية بأن لا يبرح الجهة التي تعينها الحكومة الإنجليزية لمنفاه. # دخل عرابي قاعة الجلسة مرتديا بدلة عادية، وجلس في المقعد الذي خصص له، وجلس ~~محامياه إلى جواره ... فتلا عليه رءوف باشا رئيس المحكمة ورقة الاتهام مخاطبا إياه بما ~~يأتي: أحمد عرابي باشا ... أنت متهم أمام هذه المحكمة بناء على طلب لجنة التحقيق بجريمة ~~العصيان ضد الجناب الخديوي، مخالفا المادتين 96 من القانون العسكري العثماني و59 من ~~قانون الجنايات العثماني، فهل تقر بالتهمة أم لا؟ # فأجاب عرابي: «إن محاميي سيجيبان بالنيابة عني.» # فتلا المستر برودلي بالفرنسية ورقة أمضاها عرابي وفيها يعترف بجريمة العصيان، وتلا ~~كاتب الجلسة صيغتها العربية. # وعندئذ قرر رءوف باشا بأن المحكمة ستختلي للمداولة، وأن الجلسة أوقفت على أن تنعقد ~~في الساعة الثالثة بعد الظهر. # وانعقدت المحكمة في الموعد المذكور، وكان عدد الحاضرين في هذه المرة كبيرا ... فلما ~~فتحت الجلسة أمر رءوف باشا كاتب الجلسة بتلاوة الحكم، فتلاه ... وهو يقضي على عرابي ~~بالإعدام، وتلا عقب صدور الحكم الأمر الخديوي بإبدال الإعدام بالنفي المؤبد، واستغرقت ~~تلاوة الحكم وأمر الخديو بتعديله عشر دقائق، ثم انفضت الجلسة. # وحوكم زملاء عرابي الستة، وهم: محمود باشا سامي البارودي، ومحمود باشا فهمي، ويعقوب ~~سامي باشا، وعبد العال حلمي باشا، وعلي باشا فهمي الديب، وطلبة باشا عصمت، بالطريقة ~~التي حوكم هو بها؛ أي أنهم اعترفوا بجريمة العصيان، وقد رفض علي باشا الروبي أن يدافع ~~عن نفسه بواسطة المستر برودلي، ورفض الإقرار الذي كتبه عرابي فلم يحاكم معهم ... وصدر ~~الأمر بنفيه عشرين سنة في مصوع. # وفي 7 ديسمبر اجتمعت المحكمة لمحاكمة كل من: طلبة باشا عصمت، وعبد العال باشا حلمي، ~~ومحمود سامي باشا البارودي، وعلي فهمي باشا الديب، فحكمت عليهم بالإعدام، وتلا رئيس ms130 ~~المحكمة أمر الخديو بتعديله إلى النفي المؤبد أيضا. # وفي يوم 10 ديسمبر حوكم محمود باشا فهمي ويعقوب سامي باشا، فحكم عليهما أيضا ~~بالإعدام مع تعديل الحكم إلى النفي المؤبد. # وأصدر الخديو أمرا في 14 ديسمبر بمصادرة أملاك الزعماء السبعة المحكوم عليهم ~~وأموالهم، وحرمانهم حق امتلاك أي ملك في الديار المصرية بطريق الإرث أو الهبة أو ~~البيع، أو بأي طريقة ما مع ترتيب معاش سنوي لهم بالقدر الضروري لمعيشتهم، وقضى هذا ~~المرسوم ببيع أملاكهم، وما ينتج من هذا البيع من صافي الثمن يخصص لسداد التعويضات التي ~~ستعطى لمن أصيبوا في حوادث الثورة. # وفي 21 ديسمبر سنة 1882 صدر أمر خديوي آخر بتجريد السبعة الزعماء من جميع الرتب ~~والألقاب، وعلامات الشرف التي كانوا حائزين لها. ~~(1-1) تنفيذ الحكم في عرابي وزملائه # اختارت الحكومة الإنجليزية جزيرة «سيلان» بالهند منفى للزعماء السبعة ... فاجتمعوا ~~في سجن الدائرة السنية يوم 13 ديسمبر، ليتداولوا في تجهيز معدات الرحيل. و25 ديسمبر ~~نفذ في الزعماء حكم التجريد من رتبهم وألقابهم، بأن جمعوا في الساعة الثانية ~~بعد ظهر ذلك اليوم في ساحة «قصر النيل» وتلا عليهم علي غالب باشا وكيل وزارة ~~الحربية أوامر التجريد، وأعدت الحكومة لرحيل الزعماء الباخرة مريوتس «مريوط» وهي ~~باخرة إنجليزية حمولتها 1400 طن، استأجرتها خصيصا لنقل الزعماء وذويهم وحاشيتهم ~~إلى جزيرة سيلان، وأنزلتهم فيها بالدرجة الأولى، وعهدت إلى الكولونل موريس بك - وهو ~~ضابط إنجليزي كان في خدمة الحكومة - أن يرافقهم حتى يصلوا إلى منفاهم. # ففي مساء 27 ديسمبر سنة 1882 أعدت لهم قطارا خاصا في ثكنة قصر النيل، لنقلهم ~~إلى السويس، فركبوه هم ومن اختاروهم من الأهل والخدم، وودعهم المستر برودلي محاميهم ~~على رصيف القطار، وحضر سفرهم السير شارلس ويلسن مندوب السلطة الإنجليزية، وتحرك ~~بهم القطار في الساعة العاشرة مساء، ورافقهم إلى السويس المستر نابييه، وكان ~~يحرسهم رهط من الجنود المصريين وآخرون من الجنود الإنجليز، فبلغوا ميناء السويس ~~الساعة الثامنة من صبيحة يوم 28 ديسمبر، وهناك ركبوا الباخرة «مريوتس» وأقلعت بهم ~~في الساعة الواحدة بعد الظهر ms131 إلى ثغر كولومبو ميناء سيلان، فوصلوا إليه مساء 9 ~~يناير سنة 1883، ونزلوا إلى البر في صبيحة اليوم التالي. # | الزعيم في المنفى # (1) في جزيرة سيلان # أقام عرابي وزملاؤه الستة في جزيرة «سيلان»، ~~وكانت حياتهم في المنفى حياة ألم وحزن وبؤس وشقاء ... إذ انقطعت صلتهم بالناس، وطال ~~اغترابهم عن الوطن، وبعدت الشقة بينهم وبين أهلهم وذويهم، ولم يكترث لهم أحد، ولم ~~يعطف عليهم أحد، والناس مع الغالب. # وجادت قريحة البارودي بشعر مؤثر في الحنين إلى الوطن والحزن لفراقه، مما يعد آية في ~~البلاغة، ويدلنا على مبلغ ما عاناه المنفيون من الآلام، وهو وإن كان يصور آلام نفسه وما ~~يجيش به صدره، لكنه في شعره يصور لنا حالة الزعماء المنفيين من العرابيين ~~عامة. # قال يصف الرحيل عن أرض الوطن: # محا البين ما أبقت عيون المها مني # فشبت ولم أقض ~~اللبانة من سني # عناء ويأس واشتياق وغربة # ألا شد ما ألقاه في الدهر ~~من غبن # فإن أك فارقت الديار فلي بها # فؤاد أضلته عيون ~~المها عني # بعثت به يوم النوى إثر لحظة # فأوقعه المقدور في شرك ~~الحسن # إلى أن قال: # ولما وقفنا للوداع وأسبلت # مدامعنا فوق الترائب ~~كالمزن # أهبت بصبري أن يعود فبزني # وناديت حلمي أن يثوب فلم ~~يغن # وما هي إلا خطرة ثم أقلعت # بنا عن شطوط الحي أجنحة ~~السفن # أفكم مهجة من زفرة الشوق في لظى # وكم مقلة من غزرة ~~الدمع في دجن # وما كنت جربت النوى قبل هذه # فلما دهتني كدت أقضي من ~~الحزن # ولكنني راجعت حلمي وردني # إلى الحزم رأي لا يحوم ~~على أفن # ولولا بنيات وشيب عواطل # لما قرعت نفسي على فائت ~~سني # وتعاقبت السنون على عرابي وزملائه في منفاهم بتلك الجزيرة النائية ... فضاقت صدورهم ~~لطول الغربة، وعدم العمل إطلاقا، ورداءة المناخ، وافتقارهم لمن يعطف عليهم أو يسأل ~~عنهم، فساءت لذلك حالتهم المعنوية، ووقع الخصام بينهم ... وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ... ~~وبدأ الخصام أول ما وقع بين عرابي وطلبة وعبد العال. # وفي سنة 1890 انتقل محمود باشا سامي البارودي ms132 ~~بعائلته، بعد أن تزوج من كريمة يعقوب سامي باشا إلى مدينة «كندي» التي تبعد 74 ميلا عن ~~كولومبو، وترك عرابي وبقية زملائه بكولومبو متنافرين متخاصمين، وتبعه يعقوب سامي باشا ~~وقطن كندي ... وكذلك فعل طلبة باشا عصمت، وفي سنة 1892 انتقل إليها عرابي ثم علي باشا ~~فهمي. ~~(2) مصير عرابي وزملائه # توفي عبد العال باشا حلمي يوم 19 مارس سنة 1891 بكولومبو ودفن بها. وذهب محمود باشا ~~فهمي إلى كندي - عاصمة الجزيرة - لتبديل الهواء ... وهناك أدركته الوفاة ليلة 17 يوليو ~~سنة 1894 ودفن بها. # وفي فبراير سنة 1900 رخصت الحكومة المصرية لطلبة باشا عصمت بالعودة إلى مصر، إذ ساءت ~~صحته، وقررت جمعية من الأطباء أنه إذا لم يعد إلى بلاده فإنه لا يعيش أكثر من خمسة ~~أشهر، وصادق على هذا القرار حاكم الجزيرة ... فعاد إلى مصر، ولكنه لم يعش أكثر من المدة ~~التي توقعها الأطباء، وتوفي في ذلك العام، ودفن في قرافة الإمام الشافعي. # وفي شهر أكتوبر سنة 1900 توفي يعقوب باشا سامي، ودفن بجوار قبر محمود باشا فهمي ~~بكندي، وكان قد صدر العفو عنه ورخص له بالعودة إلى مصر، ولكن وافاه القدر قبل أن ~~يبلغه الحاكم أمر العودة. # وأصيب محمود باشا سامي البارودي بارتشاح في القرنيتين أفقده نور عينيه، وقررت جمعية ~~الأطباء لزوم عودته إلى مصر لمعالجته في المناخ الذي ولد فيه وألفه، وصادق على ذلك ~~حاكم الجزيرة، فأصدر الخديو عباس حلمي الثاني أمرا بعودته إلى مصر، فرجع في شهر سبتمبر ~~سنة 1900، وعفا عنه الخديو ومنحه حقوقه المدنية ورد إليه أملاكه الموقوفة، وحصل على ~~متجمد ريعها من ديوان الأوقاف، ولكن لم يعد إليه بصره، وتوفي في 12 ديسمبر سنة ~~1904. # وفي 11 يونيو سنة 1901 صدر عفو الخديو عباس أيضا عن عرابي وعلي فهمي ... فبارح علي ~~باشا فهمي الجزيرة في شهر أغسطس سنة 1901، وجاء القاهرة في أول سبتمبر، وجاءها عرابي في ~~أول أكتوبر سنة 1901، وكانت البلاد تغلي سخطا على الاحتلال وسياسته لما بدا من ~~الحكومة البريطانية من نقض عهودها في الجلاء، ووضع ms133 يدها على حكومة البلاد ~~ومرافقها. # وكانت عودة عرابي بوساطة الإنجليز، وإدلاؤه بعد رجوعه بتصريحات فيها تأييد للاحتلال ~~وسياسته، سببا في استقبال الأمة له بالفتور والسخط، وهذا الفرق بينه وبين البارودي من ~~هذه الناحية ... فقد لزم البارودي العزلة بعد عودته وامتنع عن الخوض في الأحاديث ~~السياسية، وكان ذلك منه عين الحكمة والصواب، أما عرابي فقد جلب على نفسه بأحاديثه سخط ~~الصحافة والرأي العام، وكانت وفاته رحمه الله يوم 21 سبتمبر سنة 1911. ~~(3) شخصية عرابي # في شخصية عرابي تجتمع المحاسن والأضداد ... ولقد كان لكل منهما أثره في الدور الذي ~~قام به في تاريخ مصر السياسي، ولا بد لكي تكون لدينا صورة صحيحة لهذه الشخصية الكبيرة ~~أن نعرف مزاياها ونقائصها، أو ما لها وما عليها ... # إذا حللنا شخصية عرابي نجد أنه كان بلا نزاع ذا شخصية قوية جذابة، تؤثر في الأفراد ~~والجماعات ... فله من هذه الناحية أخص صفات الزعماء، ولولا هذه الموهبة لما استطاع أن ~~يجتذب إليه محبة ضباط الجيش وجمهرة الأمة، وينال ثقتهم ويملي إرادته عليهم، وكانت له ~~أيضا موهبة الكلام والخطابة والصوت الجهوري، وهذه أيضا من مزايا الزعماء التي تحببهم ~~إلى نفوس الجماهير ... وقد كان لخطبه تأثير السحر في نفوس سامعيه، وكان بلا مراء يريد ~~الخير لبلاده، ويريد لها الحرية والاستقلال، وعلى هذا الأساس قامت دعوته. # على أنه إلى جانب ذلك لم يكن على حظ كبير من الكفاية السياسية وبعد النظر ... ومن هنا ~~جاء شططه في كثير من المواطن، وعدم تقديره للأمور وملابساتها. وعرابي معذور في ذلك لأنه ~~لم ينل حظا كبيرا من الثقافة والإلمام بشئون السياسة وأطوارها ... فهو لا يعدو أن يكون ~~ضابطا من تحت السلاح، لم يتخرج في المدارس الحربية ولا المدنية، ولم يعلم نفسه ~~بنفسه تعليما ناضجا، ولم يكن له من العبقرية ما يغنيه عن الدرس والاطلاع ~~والتحصيل. # وكان علمه محدودا ... فقد تلقى في الأزهر بعض قشور من العلوم الفقهية واللغوية، ولم ~~يظن مكثه به أكثر من أربع سنوات. ولم يزد محصوله العلمي عن بعض الآيات الشريفة ~~والأحاديث النبوية ms134 استظهرها وتفهم معناها، وبعض المطالعات الأدبية من آثار السلف ~~الصالح، وكتابات الصحف الوطنية في ذلك الحين ... وهذا المحصول لا يكفي لتكوين الرأس ~~المدبر للثورات، القدير على تذليل المعضلات، وحسن التصرف فيما يعرض على البلاد من ~~أحداث وأزمات. # حقا أن كثيرا من الزعماء لم يكونوا في محصولهم العلمي يزيدون على عرابي، ومع ذلك ~~نجحوا في زعامتهم ودعوتهم ... فالظروف السياسية لها دخل كبير في نجاح الزعيم أو إخفاقه ... ~~وسنعرض فيما يلي الأسباب لإخفاق عرابي والثورة العرابية ... # إن الفرق كبير بين عرابي وبين كافور مثلا في إيطاليا، أو وشنطون في أمريكا، أو ~~كوشيسكو في بولونيا، أو كوشوت في المجر ... ولو وفقت الثورة العرابية إلى زعيم مثل ~~كافور لسارت في سبيل الفوز، ولعرف كيف يدير دفة السفينة بمهارة وكفاية. # قد يكون لعرابي بعض الشبه بغاريبلدي في قلة المحصول العلمي والسياسي ... ولكن غاريبلدي ~~كان يترك لرجال السياسة تصريف المعضلات السياسية، أما عرابي فكان على جانب كبير من ~~الاعتداد بالنفس، إذ كان يعتقد في نفسه القدرة على تصريف الشئون السياسية كافة ... ولو ~~أنه استعان برجل من معاصريه قدير في شئون السياسة، كشريف، لكان ممكنا أن تسير الثورة ~~في سبيل النجاح إلى النهاية، ولكنه على العكس قد عمل على التخلص منه حتى أقصاه عن ~~الوزارة كما بينا في موضعه. ~~••• # ومما يؤسف له أن عرابي كان على جانب كبير من الغرور ... وقد كان ذلك من العوامل ~~الفعالة في اتجاهه السياسي، فمن ذلك أنه حين تحفزت إنجلترا لضرب الإسكندرية أبان له ~~بعض مواطنيه ضرر الحرب وسوء مستقبلها، فكان يقول: «أنا أقوى من دولة الإنجليز ودولة ~~فرنسا.» وقال: «إن الطوابي والعساكر المصرية لا تقاوم الإنجليز فقط، بل جميع الدول مدة ~~ثلاث سنين ... بحيث لا يمكن لأحد الدخول إلى مصر.» # وكان ظنه أن الإنجليز لا طاقة لهم على قتال البر، وأن قوتهم محصورة في البحر، وفي ~~ذلك كان يردد هو وأنصاره كلمتهم المأثورة: «الإنجليز كالسمك ... إذا خرج من البحر هلك.» ~~وهذا من الغرور الناشئ عن الجهل لا محالة. # وكان يصرح بأنه ms135 لن يخضع لأوروبا أو لتركيا، ويقول في هذا الصدد: «فليرسلوا لنا جيوشا ~~أوروبية أو هندية أو تركية ... فإني ما دمت وبي رمق، فإني سأدافع عن بلادي، وعندما نموت ~~جميعا يمكنهم أن يمتلكوا البلاد وهي خراب.» # ولم يكن هذا من الواقع في شيء ... # ثم إنه لم يكن أيضا على حظ كبير من الكفاية الحربية؛ لأنه لم يتلق تعليما عسكريا ~~نظاميا، ولم يتمرن على ضروب القتال، ولا خاص غمار الحروب في ماضيه قبل الثورة، ولا في ~~حروب الثورة نفسها، فإنه لم يتول خلالها أية قيادة فعلية ... بل كان يندب غيره من ~~القواد ليحمل عبأها في ميادين القتال ... # ففي ضرب الإسكندرية لم يباشر الدفاع عن الحصون كما رأيت مما أوضحنا، ولما انسحب إلى ~~كفر الدوار عهد بقيادة الجيش المرابط بها إلى طلبة باشا عصمت، ولما تحرجت الحال في ~~الشرق، وانتقل إلى رأس الوادي لم يتسلم زمام القيادة في معركة القصاصين، التي كانت أشد ~~معركة نشبت بين المصريين والإنجليز، بل عهد بها إلى الفريق راشد باشا حسني واللواء علي ~~باشا فهمي، وترك القيادة في معركة التل الكبير إلى علي باشا الروبي. # ومع أنه كان مثال الشجاعة والجرأة في الدور الأول من الثورة، فإن هذه الشجاعة لم ~~تلازمه مع الأسف في واقعة التل الكبير، ولا في التسليم والمحاكمة. # عرابي باشا بعد عودته من ~~المنفى. # فشخصية عرابي كانت تجمع بين المحاسن والأضداد، حقا أن الرأي في شخصيته قد تغير لو ~~كتب له الفوز والنجاح ... فلو أن الثورة قد انتصرت لتضاءلت عيوبه إلى جانب مزاياه ~~ومحاسنه، وهكذا شأن الحوادث والأحداث لها دخل كبير في تقدير الرجال والأشخاص: # والناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي، ولأم ~~المخطئ الهبل # 1 ~~(4) أسباب إخفاق الثورة # فلنتكلم الآن عن أسباب إخفاق الثورة العرابية، فلعلها تلقي بعض الضوء على شخصية ~~عرابي، والظروف التي اكتنفت الثورة والأسباب التي أدت إلى إخفاقها، ولعل هذه الأسباب ~~تخليه من مسئولية هذا الإخفاق. # إن لإخفاق الثورة العرابية عوامل عدة، بعضها داخلي، وبعضها خارجي ... وأول العوامل ~~الداخلية هو ms136 الانقسام الذي وقع في الصفوف بين العرابيين والخديو توفيق، فإن هذا ~~الانقسام جعل من البلد معسكرين متحاربين؛ معسكر الثورة ومعسكر الخديو، فوقع الاصطدام ~~بينهما وتفاقم أمره، وانتهز الإنجليز فرصة وجوده وما أدى إليه من ضعف وتخاذل، فحققوا ~~أغراضهم الاستعمارية بالتدخل في شئون البلاد ثم احتلالها، ولو عولجت أسباب الفرقة ~~والانقسام بالحكمة، وحسن السياسة لسارت الثورة على صراطها المستقيم ونجت البلاد من ~~الاحتلال. # صحيح أن الثورة في ذاتها بدأت بالتصادم مع الخديو، فما واقعة قصر النيل ثم واقعة ~~عابدين، إلا مظاهر لهذا التصادم وذلك الانقسام ... فكيف يمكن إذن تعليل إخفاق الثورة ~~بالانقسام، وهو هو منشأ الثورة؟ # نقول نعم ... إن الثورة ظهرت أول ما ظهرت بالتصادم مع الخديو، وهي وليدة هذا التصادم أو ~~هذا الانقسام، ولكن الحكمة كانت تقتضي بعد إجابة مطالب عرابي وصحبه في وقعة عابدين، ~~ونزول الخديو على إرادتهم أن يعالجوا الشئون العامة بالأناة والتريث، ويعملوا على رأب ~~الصدع وتوحيد الكلمة وإزالة الفرقة والخلاف بينهم وبين الخديو، ولكنهم على العكس لم ~~يأبهوا لهذه الناحية ... وداخلهم الشيء الكثير من الغرور وعدم النظر في العواقب، فأخذ ~~الخلاف يتسع ويتفاقم، حتى كان من أمره أن اعتزم العرابيون خلع الخديو وتحدثوا في ذلك ~~علنا، وهذا أقصى مظاهر التنازع والشقاق بين أبناء البلد الواحد. ~~••• # كان لهذا الانقسام من العواقب الوخيمة ما لا يغيب عن البال، فقد أدى إلى التخاذل في ~~ساعة الخطر، وتضعضع قوة المقاومة ... بل هو السبب المباشر للاحتلال البريطاني، إذ إن ~~الإنجليز تذرعوا إلى هذا الاحتلال بدعوى تأييد سلطة الخديو وحماية العرش، فجاسوا خلال ~~الديار وحاربوا العرابيين، وكان في وصف الإنجليز معسكر الخديو والحكومة، وكان يجدر ~~بعرابي وزملائه زعماء الثورة أن يتداركوا هذه الحالة، ويتلافوا أسباب الانقسام تفاديا ~~من التدخل الأجنبي. ولم يكن لهم عذر في أن يجهلوا المطامع الاستعمارية التي تكتنف مصر ... ~~فإن حوادث ذلك العصر، والعصر الذي سبقه كانت تكشف عن نيات إنجلترا في تطلعها إلى ~~احتلال وادي النيل، ولقد تجلت هذه النيات منذ حاربت نابليون في مصر سنة 1798، وحين ~~أسس ms137 محمد علي الدولة المصرية الحديثة، فجردت سنة 1807 تلك الحملة التي باءت بالخيبة ~~والخذلان، وما فتئت تعمل على تحقيق أغراضها الاستعمارية في عهد محمد علي وخلفائه، وكان ~~شراؤها أسهم مصر في قناة السويس سنة 1875 الخطوة الأولى نحو الاحتلال ... فهذه الحوادث ~~وغيرها، كان من شأنها أن تبصر العرابيين بالخطر الذي يتهدد البلاد، وتدعوهم إلى تلافي ~~أسباب الانقسام الذي لا شك في أنه يوهن قواها في ساعة الخطر، وكان لهم من احتلال فرنسا ~~وتونس سنة 1881 نذير بما تستهدف له مصر من مطامع الاستعمار الأوروبي عامة ... ولكنهم لم ~~يتبصروا في العواقب، فمهدوا السبيل إلى إخفاق الثورة ووقوع الاحتلال. ~~••• # فالانقسام هو أول العوامل في إخفاق الثورة ... # يليه تأثير الزعماء في تطور الحوادث ... فلقد كانت تنقصهم الخبرة السياسية، وهذا النقص ~~وحده يكفي لإخفاق أية ثورة في مختلف البلدان. # وقد حرمت الثورة أيضا الكفاية الحربية، مما بدا أثره في المعارك التي نشبت بين ~~الإنجليز والمصريين، ولو كان على رأس الثورة قائد كفء لتغير مصير الوقائع الحربية ~~فيها، ولكنها مع الأسف لم توفق إلى قواد أكفاء، وقد تجلى عدم الكفاية الحربية في ~~إحجام عرابي وصحبه عن سد قناة السويس عند ابتداء القتال، وهذا المثل وحده يدلك على جهل ~~تام بفنون الحرب؛ لأن سد القناة كان أول ما يجب عمله بلا تردد لكي يضمن الدفاع عن مصر ~~كما تقدم بيانه، ولو سدت القناة في الوقت المناسب لطال أجل الحرب، ووجدت مصر الوقت ~~الكافي لتنظيم وسائل الدفاع؛ لأن الأمة كانت مستعدة لبذل كل تضحية للدفاع عن كيانها ... ~~ولكن الخطأ يرجع إلى زعمائها السياسيين والحربيين. # وثمة عامل آخر له أثره الكبير في إخفاق الثورة، وهو قلة البطولة والتضحية ... فقد رأيت ~~كيف كان موقف عرابي في واقعة التل الكبير، وكيف ترك الميدان دون جهاد أو نضال، وكيف ~~سلم نفسه للإنجليز، وكيف كان موقفه أثناء المحاكمة وبعدها. # كان هذا التسليم والخضوع من أكبر العوامل في إخفاق الثورة وانحلالها؛ لأن الأمم تتأثر ~~حتما بنفسية زعمائها ومواقفهم ... فمواقف التضحية والبطولة تبعث في ms138 الأمة روح التضحية ~~والبطولة، ومواقف التسليم والخضوع تقضي على هذه الروح، حتى في النفوس التي كانت مشربة ~~بها أو مستعدة لها. ~~••• # فالزعامة تطبع الأمة بطابعها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ... ولذلك لا تعجب من ضعف ~~المقاومة التي لقيها الإنجليز حين احتلالهم مصر، فإن زعماء الثورة كانوا أول من استسلم ~~في ساعة الخطر، وقد ظهر ضعفهم النفسي في المحاكمة، إذ أخذ كل منهم يتنصل من تبعة ~~الثورة، وتبين من موقفهم أنه كان ينقصهم الإيمان والعقيدة ... وهما أساس النجاح لكل ~~دعوة وكل عمل ... ولو أنهم ضربوا للأمة المثل العليا في التضحية والشجاعة والإقدام، ~~لكانت الثورة العرابية في دورها الثاني صفحة مشرفة من تاريخ مصر القومي، كما كانت ~~في دورها الأول، ولكن أية مقاومة تنتظر بعد أن ترى الأمة زعماءها يتركون ميدان القتال، ~~ويلقون أسلحتهم خاضعين مستسلمين؟! # لا شك أن هذا الموقف وحده من أهم الأسباب في إخفاق الثورة العرابية ... ولو أن عرابي ~~وصحبه قاوموا وقاتلوا في التل الكبير، لكان لهذه الوقعة ولو انتهت بالهزيمة صبغة أخرى ~~غير الصبغة التي طبعت بها، ولو أنهم أدوا واجبهم لاستمرت المقاومة عهدا طويلا، ~~ولبعثوا في البلاد من أقصاها إلى أقصاها روح البذل والتضحية. # قد تقوم في بعض البلاد ثورات تنتهي بالهزيمة ... برغم ما يبذل فيها من جهود وتضحيات، ~~ذلك حين تتغلب عليها القوة وتقمعها، فأمثال هذه الهزيمة لا تعد إخفاقا، بل هي صفحة ~~مشرفة من كفاح الأمة في سبيل حريتها واستقلالها، وهي بما يتخللها ويزينها من ~~البطولة والشجاعة والتضحية، تبعث في الأمة دما جديدا، يجدد من حيويتها ويزيدها قوة ~~ومرانا على الكفاح والمقاومة، وتظل صفحة جهادها مثلا عاليا، تحتذيه الأجيال ~~المتعاقبة في افتداء الوطن بالنفس والمال ... # ومن العوامل الداخلية في إخفاق الثورة سياسة الخديو توفيق، فهو لم يكن مؤمنا بالشورى ~~ولا موقنا بحق الأمة في الدستور، وعلى ما كان عليه من الضعف والتردد، فإنه كان يميل ~~إلى الحكومة المطلقة، يستأثر فيها بالسلطة هو وحاشيته والمقربون إليه، ولم يكن يعترف ~~لغير هؤلاء بالنفوذ والسلطان، اللهم إلا ms139 لممثلي الدول الأجنبية، فإنه كان يحرص على ~~كسب ودهم وثقتهم ... # ومن هنا جاء خضوعه لرغبات معتمدي إنجلترا وفرنسا، ولو كان صادق الرغبة في احترام حقوق ~~الأمة، لما اتخذت منه الدولتان تكأة لمحاربة الثورة، فقد استغلتا ميوله الخاصة ~~وكراهيته للثورة، ففاجأتا البلاد بمذكرة 7 يناير سنة 1882 التي تقدم الكلام عنها، ~~ولما اشتد الخلاف بينه وبين وزارة البارودي في حادثة مؤامرة الضباط الشراكسة، بدأ ~~انحيازه إلى التدخل الإنجليزي الفرنسي بشكل واضح، ولما انسحبت فرنسا من الميدان استمر ~~انحيازه إلى جانب التدخل الإنجليزي. ~~••• # وكان للعوامل الخارجية أثر كبير في إخفاق الثورة العرابية، وأهمها المطامع ~~الاستعمارية الأوروبية، وبخاصة الإنجليزية، ففرنسا وإنجلترا كانتا تطمعان في توسيع ~~نفوذهما في مصر، ومن هنا جاء سخطهما على الثورة، وكراهيتهما قيام حكومة دستورية في ~~البلاد، ولقد رأيت كيف ائتمرتا بالحركة الوطنية ووضعتا العقبات والعراقيل في سبيلها، ~~وكيف بدأت نياتهما السيئة نحوها بمذكرة 7 يناير سنة 1882، تلك المذكرة التي تنطوي على ~~إثارة العداوة والبغضاء بين الخديو والأمة، وكيف أعقبتا تقديمها بالمعارضة في تخويل ~~مجلس النواب حق تقرير الميزانية، مما أدى إلى سقوط وزارة شريف باشا ... ثم انتهازهما فرصة ~~الانقسام الذي وقع بين الخديو والعرابيين، وإرسالهما أساطيلهما إلى مياه الإسكندرية، ثم ~~تدخلهما بالفعل وتقديمهما بلاغهما النهائي بإقالة وزارة البارودي، وإبعاد زعماء ~~الثورة، ورفض العرابيين هذه المطالب، وقبول الخديو إياها ... مما أدى إلى استقالة وزارة ~~البارودي، وانفجار بركان السخط على الخديو. # فالسياسة الاستعمارية الإنجليزية والفرنسية، كانت من أكبر العوامل في إثارة الانقسام ~~بين الأمة والخديو ... وأعقب هذا الانقسام انسحاب فرنسا من الميدان، وانفراد إنجلترا ~~بالتدخل لتحقيق مطامعها الاستعمارية في مصر، وقد رأيت كيف نفذت برنامجها الاستعماري ~~بضرب الإسكندرية وإنزال جنودها إلى البر ... فكان ذلك بدء الحملة التي قضت على الثورة ~~وعلى الاستقلال. # أضف إلى ذلك جمود أوروبا حيال الاعتداء البريطاني، وسوء نية تركيا نحو مصر منذ قيام ~~الثورة، وسعيها الأخرق في استرداد الاستقلال الذي نالته مصر، وما ظهر منها من التذبذب ~~والنفاق، والتظاهر تارة بمناصرة العرابيين وطورا بتأييد الخديو، وانضمامها أخيرا ms140 إلى ~~جانب الإنجليز بإعلانها عصيان عرابي والحرب قائمة ... فكان هذا الإعلان ضربة شديدة ~~للثورة، وعضدا كبيرا للحملة البريطانية. ~~••• # كل هذه العوامل التي اجتمعت على مصر، كان لها الأثر البالغ في إخفاق الثورة ... وكان ~~لضعف السياسة الفرنسية وترددها حيال المسألة المصرية، وترك الإنجليز يتدخلون وحدهم في ~~شئون البلاد؛ أثر كبير في تطور الحوادث، إذ انتهزت إنجلترا هذه الفرصة وانفردت باحتلال ~~مصر، وإخماد الثورة وتثبيت قدمها في البلاد. # وليس من السهل على أمة تثور للحرية أن تتغلب على كل هذه العوامل مجتمعة، ما لم تؤت ~~قوة الجبابرة أو عقول العباقرة ... وإنك لترى أن أكثر الأمم التي ثارت من أجل حريتها ~~واستقلالها كان لها، على العكس، من العوامل الخارجية ما ساعدها على تحقيق آمالها. ~~فالثورة الأمريكية لم تدرك ما نالته من النجاح، ولم تحقق استقلال الولايات المتحدة ~~إلا بعد أن عاونتها فرنسا بجيشها وأسطولها، وإيطاليا لم تحقق وحدتها وتتحرر من النير ~~النمسوي إلا بمعاونة فرنسا العسكرية، واليونان لم تتحرر من النير التركي إلا ~~بمعاونة روسيا وفرنسا وإنجلترا، وكذلك الأمم البلقانية عامة لم تنفصل عن تركيا وتحقق ~~استقلالها إلا بمساعدة أوروبا. # أما مصر فإنها لم تحرم المعاونة من الخارج فحسب ... بل تألبت عليها العوامل ~~الخارجية، وعاونت إنجلترا على تحقيق أطماعها الاستعمارية. # ويقيننا أن العوامل الخارجية كانت أقوى من العوامل الداخلية في إخفاق الثورة ~~العرابية. ms141