######OpenITI# #META# URI: 1386KaramBustani.AsatirSharqiyya.Hindawi27908393 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 27908393 #META# Title: أساطير شرقية #META# AuthorID: 24172085 #META# Author: كرم البستاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأسطورة في الحياة والتاريخ‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # المصادر‏ # الأسطورة في الحياة والتاريخ‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # المصادر‏ # | أساطير شرقية # | أساطير شرقية # تأليف # كرم البستاني # | الأسطورة في الحياة والتاريخ # الأسطورة وما أدراك ما الأسطورة؟ إن هي إلا لهو القلوب وسمر الأرواح. وقد رافقت ~~الأساطير الإنسان منذ نشأته، وما زالت ترافقه، ولن تنفك إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها. # والنفس البشرية تحتاج إليها احتياج الجسم إلى الغذاء؛ لأن حياة البشر مرتكزة عليها. ~~والأساطير مهما كان شأنها قائمة - ولا شك - على أساس من الحقيقة إلهي أو بشري، غير أن ~~الخيال الإنساني تلاعب في هذا الأساس فحوله إلى ما تخيله له من صور، وألبسه من الأوهام ~~برودا جعلته بعيدا عن المعقول، وإن يكن قريبا من النفوس محببا إلى القلوب. # وليست الأسطورة قديمها وحديثها بمختصة بشعب من الشعوب، وإنما هي مشاع لكل الأمم، على ~~اختلاف مللهم ونحلهم، تتنقل بينهم حاملة على أجنحتها غبار القرون وتهاويل الأزمنة ~~المتعاقبة. # وهي عند الباحثين نوعان: بشرية ومؤلهة. فالبشرية حكاية محدد مكانها معينة أشخاصها، ~~تشتمل على تقاليد الشعب الذي استنبطها وتداولها واعتقاداته، والمؤلهة ترتبط بما وراء ~~الطبيعة ارتباطا تفسره العلاقات المتبادلة بين المؤلهين والبشر، ولكن الدور الأسمى ~~لأولئك الآلهة؛ فإليهم مرجع كل شيء وبيدهم مدار كل أمر. # وقد كان لزاما على الإنسان القديم أن يخترع الأساطير؛ فإن ما حوله من مدهشات الكون ~~وأعاجيبه التي لم يستطع إدراكها إدراكا علميا حمله على أن يتوهم له تفسيرا ويتخيل ~~أصولا ووقائع يرتاح إليها، وتزيل حيرة نفسه. # وأقدم الأساطير التي وضعها الإنسان هي - ولا نكير - أساطير تكوين العالم والطوفان. شاهد ~~الإنسان هذا الكون العظيم ووحدته المتماسكة ونظامه البديع، فأدرك بفطرته أن لا بد لابتداع ~~مثل هذه البدائع من علة أولى عاقلة ذات قوة أسمى من قوى العناصر والكائنات، فعبد عن حق ~~هذه العلة، وسماها بأسماء حسنى تدل على أزليتها وأبديتها ووحدانيتها وعظمتها، ووضع ~~أساطير تخيل فيها كيف برأت السماوات والأرضين، وما فيها من مخلوقات على اختلاف صورها ~~وأشكالها وأحوالها، فأتت أساطيره متفقة ms01 في مبدئها وإن اختلفت في تفاصيلها وما فيها من ~~أسماء وصفات، فإذا نظرنا إلى ما قاله بيروز الكلداني عن اعتقاد الآشوريين والبابليين في ~~التكوين، وما قاله سنكنيتن المؤرخ الفينيقي عن اعتقاد الفينيقيين، وأوفيد الشاعر اللاتيني ~~عن اعتقاد اليونان والرومان فيه، وما ورد في التواريخ عن معتقد الفرس والبراهمة وغيرهم من ~~الشعوب القديمة، رأينا أن كل هذه المعتقدات، على مختلف تعابيرها، تتفق وما أورده موسى في ~~التوراة عن صورة البدء: خلاء وخواء وظلام وروح أزلي يرف على وجه المياه. # وهكذا أساطير الطوفان عند الآشوريين واليونان والرومان، فهي تشابه، في تفصيلها وتصويرها ~~للسفينة وتفجر عيون الغمر العظيم وتفتح كوى السماء، ما ذكره موسى في التوراة، غير أن ~~نوح التوراة يتحول عند الآشوريين إلى كزيزوتروس، وعند اليونان والرومان إلى دوكاليون، ~~وتابوت نوح يرسو على جبال أراراط في أرمينيا، وترسو فلك كزيزوتروس من أرمينيا على جبال ~~الغوردين، وتتعلق سفينة دوكاليون بجبل البرناس في بلاد الإغريق. # هذه هي أساطير الشعوب القديمة، وإن هي إلا رموز تنطق بمجد الله الخالق المبدع عز وجل ~~وتخبر بأعمال يديه. وقد كان للأساطير احترام عظيم ومنزلة سميا عند فلاسفة تلك الشعوب ~~ومشاهير شعرائهم، يحدثون بها في نثرهم وشعرهم، ويتوسعون في إيراد تفاصيلها، ويتزيد كل ~~منهم في تلوين صورها، وهي لا تزال اليوم متعة النفوس لما فيها من الغرائب وجمال الخيال. ~~وليس أمتع للنفوس من الغرائب والتخيلات؛ لأن الحقيقة، على جمالها وعظمتها، جافة جامدة، ~~ترضي العقول، ولكنها لا تلامس الأرواح كما تلامسها الخرافات بأجنحتها المخملية، ولا سيما أن ~~عصرنا هذا عصر مادة تغذي الجيوب، ولكنها لا تشبع الأرواح، تلك الأرواح التي يلذها، من ~~حين إلى حين، أن تسيح في العوالم الخيالية لتنزه عنها وتفرج همومها. وهذا ما حدا بعض ~~الأدباء الغربيين، قبل الحرب الأخيرة، أن يصرفوا همتهم إلى تأليف روايات خرافية، ويعودوا ~~إلى عالم الأوهام، فرأينا في الفرنسية غير واحدة من هذه الروايات ك «خيط آريان» ~~وسواها. # وكنت منذ أخذت أعنى بالميثولوجية الفينيقية والعربية أتشوف إلى جمع بعض أساطير في ~~كتاب ms02 يجد فيه قارئه ملهاة له عن هموم الحياة، ومتعة يستمتع بها في ساعات وقوفه عن عمله، حتى ~~قيضت لي مطالعة كتب بعض المؤرخين والشعراء، من يونان ورومان وعرب وفرنسيين وإنكليز، أن أعثر ~~على أساطير كثيرة، اخترت منها ما كان الشرق ملعبها، وكتبتها في شكل حكايات تسلي من ~~يطالعها وتفيده في وقت معا، وقد جعلتها في القسم الأول من الكتاب، أما القسم الثاني فقد ~~ضمنته شروحا تبين صلة كل أسطورة بالتاريخ، ومعجما يشرح أسماء الآلهة واختصاصهم، وأسماء ~~الأبطال والأمكنة التي كانت ملاعب لهم، واعتمدت في أكثر الأحيان أسماء الآلهة الرومانية ~~لخفة وقعها على الآذان. # ولا أكتم القارئ الكريم ما عانيت من جهد وما صرفت من وقت لجمع شتات هذه الأساطير من كتب ~~عديدة، واختيار أروع صورة لها من شتى الصور المنثورة في تلك الكتب، حتى تمكنت من نظم ~~عقودها، متسلسلة، في حكايات متساوقة صورها، متلاحمة أجزاؤها، وآمل أن أكون قد وفقت إلى ~~الغاية التي استهدفتها. # كرم البستاني # | القسم الأول # (1) أدونيس وعشتروت # كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان في جزيرة قبرس شاب يدعى بغماليون يعيش ~~عزبا لا يقرب النساء ولا يقربنه، وكان بارعا في فن المثالة، فصنع ذات يوم، من ~~العاج، تمثال فتاة في جمال لا تستطيع الطبيعة أن تمنح امرأة بشرية مثله. ولم يكد ينتهي ~~من عمله وينظر إليه، حتى شعر بعشق شديد في قلبه لهذه الفتاة العاجية صنع يديه، وكأنه ~~ذهل فطفق يتلمس مجاسها ليرى أليست بشرا سويا من لحم ودم؟ ويقبلها ويتخيلها ترجع ~~إليه القبل، وكأنه يحس هسهسة رجع تلك القبل، ويكلمها ويضمها إلى صدره، ويدغدغها ~~حينا ويحمل إليها الهدايا حينا: من لعب وأزهار مختلفة الألوان، وزنابق عابقة ~~الطيوب. ويلبسها ملابس فاخرة ويحلي يديها بالأساور، وأصابعها بالخواتم، وأذنيها ~~بالحلق، وكان كل شيء يليق بها، جميلة هي في عريها وكسوتها، ومسكين هو في عشقه ~~وذهوله. # وحل عيد فينوس الكبير الذي تعيد له قبرس من أدناها إلى أقصاها، فاحتشدت الجموع في ~~معبد الإلهة الفتانة، وشرعوا بإقامة الطقوس الدينية، فألبسوا قرون ms03 العجول ذهبا ~~وقربوها لها، وأحرقوا البخور في كل ناحية، وقدموا لها التقادم، وطلبوا إليها أن ~~تمنحهم ما هم في حاجة إليه، وفينوس كريمة على عبادها لا تبخل عليهم، ولا ترد ~~طلباتهم خصوصا في عيدها هذا الكبير. # وكان بغماليون بين المحتشدين فقدم للإلهة تقدماته ووقف أمام هيكلها وخاطبها قائلا ~~بلهجة الحيي: «أيتها الإلهة المحبوبة، إذا كان حقا أنك تستطيعين أن تمنحي جميع ما ~~يطلب منك، فأتوسل إليك أن تمنحيني زوجة، تكون شبيهة بذات التمثال العاجي»، ولم يجرؤ ~~أن يطلب منها العذراء العاجية نفسها. وكانت فينوس حاضرة عيدها قاعدة في أعلى الهيكل ~~محلاة بالذهب، فأصغت إلى ما طلبه منها بغماليون، وأدركت أنه إنما يريد العذراء ~~العاجية زوجا لا غيرها. وهل تخفى على إلهة الحب حيل المحبين؟! فأظهرت له إرادتها ~~الحسنة نحوه بأن جعلت النار الموقدة تشتعل من نفسها ثلاث مرات، وترسل لهبها نحو السماء، ~~فعاد بغماليون مطمئنا إلى منزله، وكان قد وضع العذراء العاجية في الفراش، فانحنى ~~فوقها يقبل فمها، فإذا به يحس حرارة ونفسا، فمد يده إلى صدرها وغمزه بأصبعه فشعر ~~بأنه يغمز لحما طريا، فدهش وبهت، ثم أخذ يجس هنا ويجس هنالك، حتى أثبت أنها ~~جسم بشري حي تجري الدماء في عروقه، فركع على ركبتيه ورفع للإلهة الحنون على العشاق آي ~~الشكر والثناء، وعاد إلى عذرائه يرشف ثناياها، فأحست بالقبلة فاحمرت حياء ورفعت نظرها ~~نحو النور فرأت السماء ووجه عاشقها في وقت معا. # وكانت فينوس قد التحقت ببغماليون؛ لأنها لم تكن تأتي أمرا إلا أتمته، فظهرت له ~~ولعذرائه في جلالها وبهائها وعقدت لهما الزواج في عرس خفي لم يحضره إلا كوبيدون ابنها ~~إله الحب والأزهار والزنابق، ولم يكد القمر يجمع قرنيه تسع مرات حول قرصه حتى ولدت هذه ~~المرأة الشابة بنتا سمتها فابوس، حملت الجزيرة التي ولدت فيها اسمها من بعدها. # وتزوجت فابوس ملك بانشاي «آشور» من بلاد المشرق، فولدت له سينيراس، فتولى الملك بعده ~~ناعم العيش إلى أن كبرت بنته مرة، وليته لم يلدها، فقد كانت مسخا وشؤما عليه ms04 وعلى ~~نفسها، ولكنها أحسنت إلى البشر بأن ولدت لهم إلها. # ما نهدت مرة وصارت تشعر بما تشعر به النساء حتى عشقت والدها عشق جنون، اهتزت له ~~فينوس غضبا، وأنبت ابنها كوبيدون، فتبرأ من السهام التي أصابت قلب هذه الفتاة، وكانت ~~مرة جميلة كل الجمال حتى إن شبان المشرق كلهم كانوا يتمنون أن يشاطروها مضجعها فرفضتهم، ~~وفيهم السري الجميل، والمثري النبيل، وكانت تدرك أن حبها لوالدها حب غير طبيعي ولا ~~شرعي، فجعلت تقاوم عاطفتها الملحة، وتسأل الآلهة باكية أن تصرف عنها هذه الكأس المرة، ~~وتساعدها على التخلص من هذا الحب القاتل، ولكن الآلهة أصمت آذانها عن ندائها وحولت عنها ~~عيونها. # وكان ألذ شيء في قلبها، وأعذبه في فمها، أن تقبل والدها وتضمه إلى صدرها، وشد ما ~~تمنت لو تكون في بلاد الفرس، حيث يباح للآباء الزواج ببناتهم، إذا لما كانت تلاقي ~~هذه العذابات، ولما كانت تأتي أمرا إدا. # وأخيرا حينما رأت أن حبها مجرم، وأنه ليس في مكنتها أن تبوح به وهل بوسعها أن ~~تزاحم أمها الحنون؟! وهل يرضى أبوها عن عاطفتها المجنونة؟! لما رأت كل هذا عزمت على ~~الانتحار، فتناولت زنارها الحريري وربطته على عنقها، وشدته شدة ازرق لها وجهها ~~وجحظت عيناها. واتفق أن فيروز مربيتها العجوز كانت واقفة على بابها، فسمعت حشرجة أنفاس ~~فدفعت الباب ودخلت، فرأت مرة على وشك أن تلفظ روحها، فقطعت الزنار وحلته عن ~~عنقها، وقعدت بها تسندها إلى صدرها وتسألها ما بها، فلا تجيبها بسوى البكاء ~~والزفرات. # ولكن العجائز لا يعجزن عن انتزاع أسرار الفتيات، فأخذت تقسم على مرة أن تطلعها على ~~ما بها، وهي تدبر أمرها مهما صعب وتعقد، فترددت مرة حياء، ثم دست وجهها في صدر ~~مربيتها وفاهت بسرها الرهيب، فارتعدت المربية لأول وهلة، ولكنها تمالكت مدركة أن لا ~~مندوحة لها عن إنقاذ ربيبتها، فطيبت نفسها ووعدتها بأن توصلها إلى من يحبه قلبها. # ومرت ليال على مرة كانت إذا نامت فيها حلمت بأبيها، وإذا سهرت أخذت تؤنب نفسها، ~~وتقول: كيف يصح لي أن ms05 أزاحم أمي وأحمل من أبي فألد ابنا أكون له أما وأختا ويكون له ~~أبي أبا وجدا؟ # وجاء موسم سيريس إلهة الزروع، وكانت أمهات الأسر النبيلة يحتفلن به احتفالا رائعا، ~~فيلبسن ثيابا بيضاء كالثلج، ويقدمن للإلهة عقودا من السنابل، باكورة الغلال، ~~وينقطعن تسعة أيام عن ملذات فينوس وعن مقاربة أزواجهن، فانطلقت الملكة كولشيريس، أم ~~مرة، إلى الموسم لتقوم، مع نساء المدينة، بتلك الأسرار المقدسة. وفيما كانت غائبة عن ~~فراشها جاءت العجوز الملك سينيراس، وقعدت إليه تحدثه، ثم أخبرته أن فتاة شغفت به ~~شغفا شديدا ولم تسمها له، وإنما امتدحت لديه جمالها وصباها، فسألها الملك عن سنها، ~~فأجابته: هي في سن بنتك مرة. فسال لعاب الملك، وأنى له وهو في الشيخوخة أن يقع على ~~فتاة جميلة في سن مرة؟ فأمرها بأن تقودها إليه الليلة، فافتر ثغر العجوز الأدرد ~~بشرا، وبادرت إلى مرة تبشرها قائلة: النصر لنا. ولكن مرة، على ارتياحها، لم تستسلم ~~بملء نفسها إلى الفرح، فقد لبثت متخوفة. # ولما سكت الليل جاءتها العجوز، وأخذت بيدها اليسرى تقودها إلى فراش أبيها، وتركت لها ~~اليمنى تتلمس بها الجدران لتهتدي في حندس ذاك الليل الطامس، وقد تعثرت مرة ثلاث ~~مرات، فكأن الآلهة جعلت لها من كل عثرة هاتفا ينبهها إلى العدول عن الذهاب وإلى العودة ~~إلى غرفتها فلم ترعو، ونعقت بومة ثلاث نعقات منكرة، فانتبهت مرة إلى صراخها المحزن ~~المشئوم، ولكنها لم ترجع، لبثت سائرة حتى أوصلتها العجوز إلى غرفة أبيها، وسلمت إليه ~~يدها في الظلمة الحالكة قائلة له: خذها فهي لك. فجمعت بخبثها ودهائها جسميهما ~~الملعونين، وربما كان من حق التفاوت في السن أن تدعوه مرة بأبيها في حال المضاجعة، وأن ~~يدعوها بابنته، حتى لا ينقص شيء مما يخالف الشرائع ويدنسها. # وعلقت مرة من أبيها، وتلقت في أحشائها زرعا نجسا، وحملت في بطنها ثمرة الخيانة، ~~وتجددت خيانتها في الليلة الثانية، ولبثت تتجدد كل ليلة حتى آخر يوم من أيام الموسم، ~~وكان الملك سينيراس قد تبرم من تواري هذه الفتاة عن عينيه، وأراد أن ms06 يعرف صورتها، ~~فجاء بمشعل أدناه منها، ولما عرفها وتمثلت له الجريمة بهولها، عقل الحزن والغضب ~~لسانه، وأسرع إلى سيف معلق بالجدار فتناوله واستله من غمده، والموت يلمع على شفرته، ~~والتفت إلى حيث كانت مرة ليرديها به، فلم ير لها أثرا، فقد كانت انسلت من الغرفة ~~وسترها الظلام فنجت، وسارت تاركة العربية الخصبة بالنخيل، وأرض بانشاي، تضرب في ~~السهول والأوعار، ولا تعرف الراحة ليل نهار، فمرت عليها تسعة أشهر وهي تمشي حتى وصلت ~~إلى أرض سبأ، فوقفت وقد أوهنها التعب وأحست أن حملها قد ثقل عليها، فهي لا تستطيع ~~سيرا، وانطرحت أرضا تئن تعبا ولا تعلم ماذا تسأل الآلهة، وقعت على الأرض ترهب ~~الموت وتكره الحياة، لا تريد أن تموت ولا ترغب في أن تحيا. # رأت أنها استحقت نصيبها في هذه الدنيا، وليس لها أن ترفض العقاب القاسي الذي ~~استأهلته جريمتها، فطلبت من الآلهة ألا تبقى حية لئلا تلوث الأحياء، وألا تموت ~~لئلا تدنس الأموات، وإنما ليبعد منها الموت والحياة، وليجعل منها كائن آخر لا ~~ميتا ولا حيا. # وكان في السماء بعض آلهة منصتين إلى اعترافات مذنبي الأرض، فسمعت إلهة منهم طلبة ~~مرة فحنت عليها، وأجابتها إلى ما سألت وحولتها إلى شجرة حملت اسمها «شجرة المر»، ~~وتركت دموعها تسيل من الشجرة عطرا طيبا يجمعه عابرو الطريق. # وكان الجنين لا يزال في بطن مرة وقد اكتملت أيامه، فجاءها المخاض وأخذتها الآلام ولم ~~تكن تستطيع الكلام لتدعو «لوسين» الإلهة التي تساعد الحبالى في وضعهن، لكن «لوسين» لم ~~تكن تخفى عليها خافية، فأدركت أمرها وانحدرت من أعلى السماء إلى مساعدتها، وإذا بالشجرة ~~تتلوى تلويا عنيفا، ثم تنشق ويخرج الطفل من أحشائها، فاستقبلته حوريات الماء ~~وأضجعنه على مهد من العشب. وكان الطفل جميلا يستهوي قلب كل من رآه، حتى الحسد نفسه ~~فإنه أعجب بجماله. هكذا ولد أدونيس الإله الفينيقي، وحوريات الماء هن اللواتي اخترن له ~~هذا الاسم اللطيف. # وشعرت فينوس إلهة الجمال والحب بأنه ولد في الأرض طفل عجيب بجماله، فأبت إلا أن ~~تكون لها ms07 يد في تربيته، فانحدرت إلى الأرض في مركبتها التي تجرها حمائم بيضاء، وأخذت ~~أدونيس الطفل من حوريات الماء ووضعته في صندوق، وأقفلت عليه وسلمته إلى فرسيفين، ملكة ~~الجحيم، آخذة عليها عهدا بألا تفتحه وأن تعيده إليها ساعة تطلبه منها، ثم مضت طائرة ~~على مركبتها إلى جبال الآلهة، ولكن فرسيفين لم تراع عهدها؛ فقد رابها الصندوق واشتهت ~~أن ترى ما فيه ففتحته، ورأت ذلك الطفل يشع فيه كالكوكب فسحرت بجماله واحتفظت به ~~لنفسها، ولم تستطع فينوس أن تنتزعه منها، فتحاكمتا إلى جوبيتر الإله الأعظم، فقضى بأن ~~يكون الطفل أربعة أشهر لفرسيفين وأربعة أشهر لفينوس وأربعة أشهر حرا بنفسه. # مرت السنون فشب أدونيس الذي كان أخا أمه وابنها مقفلا عليه في قلب شجرة، ~~وترعرع وصار فتى بسمات الحياة ملء إهابه وآيات الجمال حشو ثيابه، وكان قد خرج من حكم ~~وصاية فرسيفين وفينوس عليه، وصار رشيدا حر التصرف بأمر نفسه. # وكانت عشتروت (فينوس) تتقصى أخباره من حوريات الغابات؛ لأنها كانت تعلم أنه يحب ~~الصيد ومطاردة الوحوش. وذات يوم عن لها أن تنزل إلى مغارة أفقا في لبنان، فتبترد ~~بمائها الصافي الزلال، فمر أدونيس من هناك اتفاقا وقد تفتقت أزهار جماله فافتتنت ~~عشتروت به ولم يأبه لها، فكأنه أراد أن ينتقم منها لما سببته لأمه من الآلام بذلك ~~الغرام الذي ألهمتها إياه. ويظهر أن كوبيدون، الإله الصغير مثير الحب بسهامه، قد لامس ~~بأحد أسهمه، عن غير قصد، فؤاد أمه فجرحه، وأحست آلام الجرح فغضبت على كوبيدون، وطردته ~~من أمامها، ولكن سم السهم كان قد فتك فتكته، فشغفت عشتروت بأدونيس أشد الشغف، وتركت ~~من أجله شواطئ «قيثيرا» جزيرتها الساحرة في الأرخبيل، وعشرة بافوس، مدينتها القبرسية ~~التي يحيط بها بحر عميق، وأهملت كل الجزر التي تحبها حتى السماء، وفضلت أدونيس عليها ~~جميعا، فتعلقت بأذياله، والتحقت به في لبنان ترافقه أينما ذهب، فترقد معه في ظلال ~~الخمائل، ويتيهان معا خلال الغابات والجبال والصخور المكسوة بالطحلب والعليق. ~~ولكنه على استئناسه بها لم يبادلها الحب ولم يشف غليلها بقبلة ms08 كانت تحترق جوى ~~لاجتنائها من ثغره الربيعي. # وكان أدونيس صيادا ماهرا مولعا بصيد سباع الوحوش، فكانت عشتروت تثير له الكلاب ~~فتتبع هذه الصيد وتسد عليه مذاهبه، فيأسره أدونيس دون ما خطر، وعشتروت سائرة إزاءه ~~مشمرة ثوبها فعل ديانا إلهة الصيد، فتفر من أمامها الأرانب والغزلان والأراوي ~~والنعام. # غير أنها كانت تخشى على أدونيس السباع الضواري، فتعظه قائلة: كن شجاعا تجاه كل ما ~~يفر من أمامك، ولكن حذار الجرأة على الأجراء فإنها خطرة عليك، إن جمالك وشبابك ~~اللذين فتنا عشتروت لا يحسنان أن يفتنا الأسود، فإياك يا حبيبي الشاب أن تخاطر ~~بسعادتي التي هي أنت وحدك، لا تصارع الوحوش المفترسة التي سلحتها الطبيعة بسلاح ~~قوي، فالأسود والخنازير والحيوانات المتأبدة إياك أن تدنو منها. # فبهت أدونيس لوصيتها، وسألها: ما هو سبب خوفك علي من هذه الحيوانات؟ فاضجعت ~~وإياه تحت حورة مسدولة الأغصان قرب ينبوع أفقا، وقالت له: أصغ إلي أحدثك حديثا ~~عجبا: كان على أركاديا ملك يقال له: ياسيوس من سلالة ليكاوون أول ملوك اليونان، ولم ~~يكن لهذا الملك ولد يخلفه في الملك بعد موته، فطلب من الآلهة أن يرزقوه ولدا ذكرا ~~يرثه، فحبلت زوجته ولكن الآلهة رزقته بنتا ولم ترزقه غلاما، فاغتاظ وأمر زوجته أن ~~تلقيها على الجبل البرتيناني، فلم يسعها مخالفته، فحملتها أمها إلى هذا الجبل وتركتها ~~إلى ما قدر لها الآلهة من نصيب، واتفق أن مرت بها دبة، فحنت عليها وحملتها إلى ~~وجارها تقوتها بحليبها إلى أن شبت وبلغت مبلغ النساء، وتعلمت رماية النبال، فكانت ~~تصطاد الحيوانات، وقد أكسبها كلفها بالصيد سرعة العدو، وكانت ذات جمال وحفاظ شديد على ~~بكارتها، وفي أحد الأيام بينما كانت تطارد الوحوش هاجمها حيوانان مخيفان يقال لهما ~~السانتور، فلم ترهب ولكنها أوترت قوسها ورمتهما عنه بسهمين أصابا مقاتلهما فخرا ~~لليدين وللفم صريعي سهامها. # واتصل خبرها بأبيها الملك فهفا قلبه؛ وهل هي إلا ولده وقطعة من كبده؟! فجاء بها إلى ~~قصره، فكانت عنده بمنزلة روحه. # هذه الفتاة هي أتلانت العذراء التي لا يعرف رائيها أيفتنه ms09 منها سحر جمالها أم تأسر ~~فؤاده خفة رجلها، وكان أبوها يرغب في تزويجها لتلد له وارثا لمملكته، ولكنها كانت تكره ~~الزواج وتفضل أن تبقى بكرا. وألح عليها ذات يوم فانطلقت إلى هيكلي تستشيرني وتطلب ~~مني أن أجيبها بلسان هاتفي، وأقول لها: هل يمكنها أن تتزوج؟ فأجبتها: كلا! ولكنك لن ~~تفري من الزواج، وسوف تتركين ثوبك هذا البشري، وتلبسين ثوبا آخر دون أن تتركي ~~الحياة. فخافت أتلانت من هذا الجواب، واعتزلت المدينة وخرجت تعيش في عتمة الغابات ~~منصرفة إلى الصيد، غير أن الشبان الذين كانوا قد رأوا جمالها وفتنوا بها وطلبوا يدها ~~فرفضتهم التحقوا بها إلى الغابات. واشتهر جمالها في بلاد الإغريق فقصدها الشبان، أبناء ~~الملوك والأمراء، يخطبون ودها ويسألونها رضاها عنهم، فلما رأتهم تكاثروا عليها وضايقوها ~~بولوعهم بها أرادت أن تتخلص منهم، فشرطت عليهم أن تتسابق جريا على الأقدام وكل من ~~يرومها زوجة له، فإذا سبقها تزوجته، وإن سبقته رمته عن قوسها بسهم يقتله، فرضوا بشرطها ~~فذهبوا ضحايا حبها. # وذات يوم حضر السباق ولد يدعى هيبومين، وكان في أول الأمر يضحك من الشبان الذين ~~يستسلمون للقتل من أجل امرأة، ولكنه لما رأى وجه أتلانت وجسمها، وقد كشف الهواء ثوبها ~~عنه، رفع يديه شأن المتوسل، وخاطب المستعدين للسباق قائلا لهم: «عفوكم أنتم أيها الذين ~~كنت ألومكم، فإني لم أكن قد عرفت قيمة المكافأة التي تتهالكون في سبيل نيلها.» # وشعر منذ ذلك الحين بحب شديد لأتلانت حتى إنه كان يرجو ألا يسبقها أحد، ولكن من ~~يستطيع مسابقة النسيم؟! وعزم على أن يجازف بحظه لعله يسبقها، فيحظى بها أو تسبقه فيموت ~~بها. وفيما كان يفكر في هذا كانت عذراء الغابات طائرة في عدوها، وبينما كانت تطوي ~~المسافات كالسهم المارق كان هيبومين ينظر إليها فيشاهد جمالها، ويرى شعرها متطايرا على ~~كتفيها، وأطراف سيور حذائها المطرزة تتلاعب على ساقيها فتزين ركبتيها، وبياض بدنها ~~العذراوي الملون بالوردي يتلألأ في لون بقايا الشفق. وبينما هو مأخوذ بهذه المشاهد، إذا ~~بها عائدة وعلى رأسها إكليل الظفر، والمغلوبون يرانونها ms10 المراناة الأخيرة. # فدنا منها هيبومين وسألها أن تأذن له بمسابقتها، وقال لها: ماذا تجديك هذه ~~الانتصارات التافهة على خصوم ضعفاء؟! تعالي وسابقيني فإن غلبتني غلبت حفيد نبتون إله ~~البحار وابن سبط ملك المياه، وإذا غلبتك فلن تكون غلبة مثلي لك عارا عليك. # وكانت تنظر إليه وهو يتكلم فراقها حسنه وجرأته على صغر سنه، وشعرت بحب له، ولكنها لا ~~تستطيع الزواج به، وخشيت أن تسبقه، إذا سابقته، ولا تريد قتله، فتلطفت إليه تحاول ~~إقناعه بالعدول فلم يقنع، فأجابته إلى طلبه مرغمة، لا سيما أنها شعرت بحبه لها، وبعزمه ~~على المغامرة بنفسه بغية الوصول إليها، ولامت عينيها اللتين وقفتا عليه، فشاهدتاه ~~وشاهدتا آيات الطفولة العذراء على وجهه. # وكان الحاضرون قد ملوا الانتظار فصاحوا طالبين السباق وتأهبت أتلانت للعداء. # قالت عشتروت: فطلب مني هيبومين أن أعينه، فمس فؤادي طلبه، فانحدرت إليه من عليين ~~وأخفيت نفسي عن الحاضرين وترآيت له وحده، وسلمت إليه ثلاث تفاحات، جنيتها من حقل ~~تامازوس في قبرس، وعلمته ما يفعل بها، ونفخ بالأبواق فعدت أتلانت وعدا هيبومين، فكانت ~~تسبقه ثم تقف فتنظر إليه وتنتظره، ثم تعدو فتتقدمه أشواطا، ولما قطعا مسافة رمى إليها ~~بتفاحة فتراجعت لتأخذها فسبقها، ولكنها التحقت به وتجاوزته، فرمى بالتفاحة الثانية ~~ففعلت فعلها الأول، وكان الحاضرون يحمسون هيبومين ويصيحون: اسبقها اسبقها. فرمى ~~بالتفاحة الثالثة، وكانا قد قربا من الهدف، فترددت عن الرجوع إليها، فدفعتها سرا ~~نحوها، فكرت تريد التقاطها، فسبقها واستولى على الهدف وتزوجها، ولكنهما في فرحتهما ~~نسيا أن يكرماني ويشكراني على حسن صنيعي ودنسا هيكلي فغضبت عليهما وحولتهما إلى أسد ~~ولبؤة، هذان هما اللذان أخافهما عليك؛ لأنهما يضمران لي غدرا وانتقاما. # أوصت عشتروت أدونيس وصيتها واعتلت مركبتها التي تجرها الحمائم، وطارت في الهواء ~~منطلقة إلى قبرس في أمر يعجلها، وكان أدونيس شجاعا غير هياب، فلم يراقب وصاة ~~عشتروت، وكانت كلابه قد اتبعت آثار خنزير بري في مشارف لبنان فأثارته من مجثمه فانطلق ~~يسعى إلى الخروج من الغابة، فأرسل إليه أدونيس سهما فجرحه، فهاج وانقض على أدونيس ms11 ~~فذعر منه، وجعل يبحث عن ملجأ يتقيه فيه، غير أن الخنزير الجريح الهائج أدركه وطعنه ~~بقرنيه قرب ثندوته فشكه وألقاه على التراب يسيل دمه. ولم تكن بعد عشتروت قد وصلت إلى ~~قبرس، فحانت منها التفاتة فرأت أدونيس مضرجا بدمه، فقفزت إلى الأرض تبكيه وتندبه، ~~وتلوم القدر الذي جعلها تبتعد عنه فيفتك به ذاك الوحش المفترس، ثم خاطبته قائلة: كلا يا ~~أدونيس الحبيب! لن تخضع لشريعة النسيان، فسيبقى منك دائما ذكرى لألمي، ويمثل مشهد موتك ~~في كل سنة، ويذكر بنواحي عليك، وسيتحول دمك إلى زهرة جميلة، قالت هذا وأخذت كأسا من ~~كوثر الآلهة وصبتها على دم أدونيس، فغلى الدم عندما لامسه شراب الآلهة المعطر، ولم تمض ~~ساعة حتى تولدت منه زهرة حمراء تشبه زهرة الرمان، تخفي بزرها تحت قشرة طريئة، ولكن ~~لا يمكن التمتع بمنظرها طويلا؛ لأنها خفيفة ودقيقة الساق تنقطع بسهولة وتسقط في مجرى ~~الرياح. # هذه الزهرة التي تحول إليها دم أدونيس هي زهرة الشقيق، أما جسده الجميل فقد غطته ~~عشتروت بورق الخس والخبازى ودفنته بيديها في أفقا، في ذاك الإطار البديع الذي يؤلفه ~~أجمل مجرى ماء وأروع منظر طبيعي يلفه الاخضرار النضر من أية ناحية رنوت إليه. # وكانت عشتروت في تولهها وتفجعها على أدونيس قد أضاعت شيئا من رشدها، فطفقت تمشي ~~على الورود البيضاء، فتغرز أشواكها بقدميها الطريتين وهي لا تنتبه، حتى سال دم قدميها ~~على الأشواك فنهلته، وتسرب منها إلى الأزهار البيضاء، فاصطبغت بلونه وتحولت إلى ورود ~~حمراء، ومنذ ذلك اليوم صارت الوردة الحمراء رمز الحزن على أدونيس الجميل. ~~(2) قدموس وأوروبا # حدثتنا الهواتف في إحدى ليالي السمر، قالت: كان في الزمان القديم في فينيقية ملك ذو ~~عزة وسلطان يقال له آجينور ابن بوصيدون إله البحار ومزعزع الأرضين، وكانت زوجته صور ~~حورية من حوريات الماء تصيدها على الشاطئ الفينيقي، وأذن له والده بأن يتزوجها، فبنى ~~على الشاطئ مدينة سماها باسمها وجعلها عاصمة ملكه، فولدت له صور أولادا كثيرين فيهم ~~قدموس، فتى قوي الأجلاد شجاع الفؤاد كأنه قد من جلاميد ms12 لبنان، وأوروبا فتاة كصباح ~~لبنان بهاء، ونصوع ثلجه ونضارة أوراده لونا، وزبد ينابيعه بضاضة، ولطف نسيمه حديثا، ~~وحباها ملكرت إله صور، فوق ذلك، فطنة وكياسة، وظرفا جعل أباها يولع بها ولا يطيق ~~بعدها عنه، وكم رد من طالب ليدها خائبا حسيرا حينما بلغت عمر البدر وتزاحم الشبان ~~على عتبة باب قصرها. # وكانت أوروبا قد تعودت منذ طفولتها أن تذهب بعد ظهر كل يوم إلى شاطئ البحر مع ~~لداتها من عذارى صور، فيلعبن هنالك زيافات على حصى الشاطئ، ويبتردن بماء البحر، حتى ~~إذا أمسى المساء عدن إلى منازلهن، وعادت أوروبا إلى قصر أبيها تزهو جمالا ~~وشبابا. # وذات يوم بينما كانت وأترابها، كعادتهن على شاطئ البحر، كان جوبيتر (زفس) جالسا على ~~عرشه الإلهي يرمي الأرض بعينيه من أعالي سمائه، باحثا عن إنسية ينسى معها ملله لفراش ~~جونون (هيرا) زوجته، وجوبيتر مشهور بولعه بالإنسيات الحسناوات، ولكنه كان يخشى غيرة ~~جونون وانتقامها من اللواتي يحلين في عينيه، وكثيرا ما فاجأته مع بنات الأرض؛ لأنها ~~كانت تراقبه دائما؛ لعلمها بنزورة أمانته لها، فكان يتستر بالغمام فلا تفطن له إلا ~~بعد أن يكون قد قضى لبانته من صيده، وكم من جناية جنى على بنات الأرض وتركهن عرضة ~~لانتقام ربة الأولمب، وقصته والحسناء اليونانية إيو شهيرة في الأولمب وعلى الأرض. ~~اختطف هذه الفتاة فباغتته جونون ملتفا وإياها بالغيوم، فلما أحس وقع قدميها حول ~~إيو إلى عجلة، فلم تجز حيلته على جونون، فأخذت العجلة وحبستها، غيرة منها، على رأس ~~جبل، وعهدت بمراقبتها إلى أرغوس ذي المائة عين، فعبرت تلك المسكينة أياما ملؤها شكوى ~~وعذاب إلى أن حن قلب جوبيتر وشاء إنقاذها. ومن تراه يقوم بهذا الأمر إلا مركور رسول ~~الآلهة؟! فبعثه جوبيتر إلى الأرض فنوم بنغمات شبابته عيون أرغوس عينا عينا ثم ~~قتله، وأنقذ إيو فعادت إلى جسمها الإنساني، وسكتت جونون على مضض، ولكنها كافأت أرغوس ~~بأن حولته إلى طاوس، وجعلت عيونه دوائر على ذنبه ملونة بألوان قوس السحاب. # وهناك مئات من بنات الإنس لها بهن رب أرباب ms13 الأولمب، ثم تركهن إما خشية من جونون ~~أو لافتتانه بأخريات من جنسهن. # أما في ذلك النهار فكان قد مر عليه زمن طويل لم يعبث فيه بإنسية، زمان أظهر فيه ~~لجونون أنه تاب إلا عن حبها، فصدقته أو تظاهرت بتصديقه، وهل يمكن خداع المرأة في شئون ~~الحب؟! ومهما كانت الحال فقد غفلت عنه فشعر بنعمة الحرية، وجعل يرصد الأرض حتى وقعت ~~عيناه على جبل قريب من صور، انتثر فوقه قطيع من الثيران لملك تلك المدينة، فتذكر أن ~~لهذا الملك ابنة آية في الجمال، وأنه كان يلمحها بعد ظهر كل يوم على رمال الشاطئ فلا ~~يأبه لها، فأدار عينيه إلى هنالك فإذا به يراها تشع في الشمس كفلذة من الماس، فارتقص ~~فؤاده تشهيا، وقال في نفسه: ما دامت جونون غافلة عني فلأنحدر إلى أرض صور، وأختطف ~~هذه اللؤلؤة السنية، وأذهب بها إلى حيث لا تراني عين. # قال هذا ولكنه تردد هنيهة عن النزول إلى الأرض ليبتدع حيلة يتمكن بها من الدنو من ~~أوروبا، فأنارت له مخيلته سبيل الحيلة، وهل يعجز رب أرباب الأولمب عن ابتداع حيلة؟! ~~فدعا إليه ولده مركور وقال له: يا بني، أيها الأمين على تنفيذ أوامري، اهبط الأرض في ~~السرعة المعهودة بك تر على شمالنا بلادا يرفع أهلها عيونهم إلى سمائنا تعبدا لأمك، ~~بلادا يسميها سكانها صور، هناك على الجبل المجاور لها قطيع من الثيران يرعى العشب ~~الأخضر فسقه إلى شاطئ البحر. # لم يقل جوبيتر كلمته حتى انتعل مركور نعليه الذهبيتين المجنحتين اللتين تمسكانه في ~~الهواء، وتطيرانه فوق الأرض وفوق البحار بسرعة الريح، وحمل بيمينه مخصرته الذهبية ~~التي يقود بها الطيوف الشاحبة من ظلمات الجحيم إلى أضواء السماء، أو يقودهم إلى تلك ~~الظلمات المحزنة. بهذه المخصرة يفتح العيون التي أطبقها الموت، ويتسلط على الرياح ~~ويجتاز العواصف. هكذا انحدر مركور من أعلى عليين كالشهاب اللامع، وإذا بالثيران تتزاحم ~~نحو الشاطئ حيث تلعب بنت الملك والبنات الصوريات، فلما أبصر جوبيتر هذا تزيا بزي ~~ثور أبيض، وسقط على سحابة بيضاء إلى الشاطئ ms14 الصوري، واختلط بالثيران السود يخور خوارهم، ~~ويرعى مرعاهم ويتخطر معهم على رمال الشاطئ، وكان لونه يلمع لمعان الثلج تحت أشعة الشمس، ~~وعنقه متين العضلات، وغببه يتدلى حتى كتفيه، وجعل قرنيه الناصعي البياض صغيرين ~~لئلا تخاف أوروبا منهما. # وأبصرته أوروبا فأدهشها أن ترى بين ثيران أبيها السود ثورا في هذا البياض وهذا ~~الجمال لا يبدو عليه ميل للنطاح، ولكنها على لطفه وجماله وسكينته لم تجسر أن تلمسه، ~~فأوحى جوبيتر إليها أن تدنو منه وتداعبه، فدنت وقدمت لفمه أزهارا بيضاء لا دنس فيها، ~~فذفذف سرورا ولمعت عيناه غبطة ولحس يدها: قبلة خفية بث بها لواعج فؤاده، ثم جعل ~~يزحمها بكتفه زحما لطيفا، ويقفز على العشب الأخضر قفزات الغنج والدلال، أو ينبطح ~~متقلبا على الرمال الحمراء، فتضحك أوروبا ملء فيها، فتشجع وعرض عليها صدره لتدغدغه ~~بيدها الناعمة، ثم أدنى منها قرنيه لتعلق بهما أزهارا، ولما رآها أنست به وسكن قلبها ~~إليه حول ظهره نحوها يدعوها دعوة صامتة إلى الركوب عليه، وكانت أوروبا صبية لعوبا، ~~فقفزت على ظهره فطفق يمشي بها متمهلا ويترك اليابسة خطوة خطوة، وهي تلتفت إلى رفيقاتها ~~مزهوة ضاحكة، حتى غمرت المياه قوائمه فسبح مبتعدا إلى صدر البحر، فسرت في بدن أوروبا ~~رعشة الذعر، وتلفتت نحو الشاطئ فإذا هو بعيد منها، وكانت الريح تعبث بثوبها الأرجواني ~~الهفهاف، فخشيت أن تسقط في اللجة، فأمسكت بيمناها أحد قرنيه، واستندت بيسراها إلى ~~ردفه، وحاولت أن تديره نحو الشاطئ ليعود بها ولكن هيهات ما أرادت، ولما غاب الشاطئ عن ~~ناظريها دب الرعب في قلبها وصاحت تستغيث جوبيتر، وإذا بالثور يخلع عنه ثوبه الثوري، ~~ويبدو في ثوب من النور وهو يقول: ها أنا ذا من تدعين! فلبيك. لا تخافي وإنما تيهي ~~جمالا ودلالا. أليس من العزة والسؤدد أن تسترقي رب الأولمب وتجعليه مطية لك؟ ثم ~~حملها إلى برية ديكته، في الشاطئ الجنوبي من جزيرة إكريت، وتزوجها تحت شجرة دلب خلدت ~~عليها أوراقها منذ ذلك اليوم، فهي لا تيبس ولا تسقط أبدا. # هذا ما كان من أمر ms15 أوروبا. وأما ما كان من أمر والدها آجينور وأخيها قدموس، فأصغ ~~إلى ما حدثت به الهواتف: وقفت عذارى صور مأخوذات دهشة ورعبا حينما رأين الثور الأبيض ~~يحمل أوروبا ويسير بها في البحر، ولبثن متوقعات أن يعود بها، حتى هبط الظلام وهبت ~~أنسام الليل الباردة، فعدن إلى بيوتهن يكتمن حزنهن خشية من الملك الذي كن يعرفن تعلقه ~~بابنته. # دمس الليل وأوروبا لم ترجع إلى قصر أبيها، فتبلبل القصر وريعت نساؤه ورفعن الصوت ~~معولات، فسمع الملك صيحتهن فأقبل مبغوتا يتقصى الخبر، ولما علم بغيبة ابنته صعق، وما ~~ثاب إلى نفسه حتى بادر بإرسال العبيد والإماء يجوسون بمشاعلهم شاطئ البحر وأنحاء ~~المدينة لعلهم يرون لها أثرا أو يعرفون خبرا، وكان قدموس يعرف أتراب أخته، وكثيرا ما ~~كان يغازلهن ويلاطفهن، فأسرع لائع القلب إليهن يستطلعهن أمرها، فأخبرنه بما كان من ~~الثور الأبيض. ولم تكن حيل جوبيتر في تخطف الإنسيات بخافية على أحد، فأدرك قدموس سر ~~فقدان أخته وعاد إلى أبيه بالخبر اليقين، ولا تسل عن احتدام غضب آجينور على جوبيتر ولا ~~عن الشتائم التي أرسلها إليه، وقد ذهبت سدى استغاثته لجونون حامية صور، فأوروبا لم ~~ترجع ولا هو يعرف أين مقرها، ولما أيأسته الحال نادى على ابنه قدموس وخاطبه قائلا: يا ~~بني! إني آمرك أن تطوف في الأرض كلها لتجد أختك أوروبا وتأتي بها إلي. وإلا ~~فنفيا، تنفى من البلاد التي هي تحت سيطرتي، وعش بعيدا حيث يشاء لك العيش إله ~~الحظ. # قال هذا ودخل إلى مقصورته مشتملا بحزنه العميق، وقعد يرثي بنته ويبكي. بكى هذا ~~الملك الجبار الذي لم تكن، من قبل، تعرف الدموع عيناه، ولبث الصوريون يحتفلون في كل سنة ~~بذكرى اختفاء أوروبا في ذاك المساء المشئوم، وألهوها ودعوها الربة القمرية. # أذعن قدموس لأمر أبيه واختار من رفقائه، شبان صور، نفرا عرف شجاعتهم وإقدامهم، وأخذ ~~معه عبيده وأبحر على سفينة قوية البنيان، فطاف في البحر المتوسط الشرقي كله: من إكريت ~~إلى رودس فثاروس فتراقية، فلم ير لأخته أثرا. ومن تراه يستطيع كشف ms16 ما شاء جوبيتر ~~إخفاءه؟! # ولبث قدموس يسير ليل نهار إلى أن وصل إلى يوثيا في اليونان فأم معبد أبولون في ~~دلف، وقرب له ذبيحة وسأله أن يدله على الأرض التي يمكنه السكنى فيها، فأجابه أبولون ~~بلسان بيثي هاتفته: أن انقطع عن البحث عن أختك وسر في الحقول المنفردة تر عجلة لم ~~يعرف عنقها النير ولا تعبت قوائمها بجر المحراث، فاتخذها دليلا لك واتبعها حيث تسير، ~~وحيثما تقف قف، وابن سور مدينة تدعوها بيوثى. # عاد قدموس من المعبد، ولجأ في تلك الليلة إلى مغارة كاستالي، ولما برق الفجر انحدر ~~ورفاقه من المغارة وساروا سيرا لينا، وإذا بعجلة تطلع عليهم لا أثر في عنقها ~~لعبودية النير، فاتبعها ومن معه ماشين على خطاها، وهو يصلي في قلبه لأبولون الذي رأف ~~به وهداه. وبعد أن اجتازوا حقولا ومروجا وقفت العجلة، ورفعت نحو السماء جبهة يزينها ~~قرنان طويلان وعجت عجيجا هز الهواء هزا، ثم التفتت إلى قدموس، وانبطحت على العشب ~~الطري كأنها تقول له: هنا ابن سورك، ثم توارت ذائبة في الفضاء، فشكر قدموس إلهه وقبل ~~تلك الأرض الغريبة وحيا الجبال والبراري التي تحيط بها، وعزم على تقديم ضحية تكريما ~~لآلهة تلك الأرض واستنداء لعطفهم وعونهم، ولكن لا بد من الوضوء قبل التضحية، ولم يكن ~~هناك ماء، فأرسل بعض رفاقه وعبيده ليبحثوا عن ينبوع يستقون منه، وكان في جوار ذاك ~~المكان غابة عذراء لم تضرب فأس على شجرة من أشجارها، وفي وسطها مغارة تظللها صفصافة ~~مهدلة الأغصان مصففة الأوراق، وفوق المغارة حجارة مرصوفة في شكل قبة، وأمامها عين ~~ماء ثرثارة، وكان في أعماق تلك الخلوة ثعبان كبير أزرق اللون هو ابن المريخ (مارس) ~~رأسه ساطع كالكوكب، واللهب ينبعث من عينيه وجسمه يذخر بالسم، ويندلع من فمه ثلاثة ~~ألسنة كثلاثة أسهم من نار بين ثلاثة صفوف من أنياب محددة كالأسنة. ولم يكد الشبان ~~الصوريون يدخلون وعبيدهم هذه الغابة المشئومة ويضعون أجاجينهم في ماء العين ليملئوها ~~حتى أبرز الثعبان الأزرق رأسه من مغارته وصفر صفيرا راعبا، فسقطت ms17 الأجاجين من أيديهم ~~وجمد الدم في عروقهم وعرتهم قشعريرة باردة، وإذا بالثعبان يلوي ذنبه حلقا ويزحف ~~متمعجا، ثم تقوس ذنبه قوسا عظيمة زنرت الغابة كلها، فتراجع الفينيقيون ليمكنهم ~~رميه بسهامهم والفرار من وجهه، ولكنه انقض عليهم، فسمرهم الذعر في أمكنتهم، وأعمل ~~فيهم أنيابه فمزق أبدان بعضهم تمزيقا، وطوق آخرين بذنبه فقطعهم، وسم غيرهم ~~بنفسه فلم يبق منهم حيا. # جنحت الشمس إلى المغيب وقدموس ينتظر رفاقه، وأدهشه أن يكونوا قد تأخروا فمشى يبحث ~~عنهم وكان لابسا جلد أسد ومسلحا بحربة لماعة السنان ومزراق خفيف، ومتكميا بقلبه ~~الشجاع الذي كان يفضل كل الأسلحة، فدخل الغابة وتوغل فيها حتى وصل إلى قرب عين ~~الماء، فرأى جثث رفاقه منثورة قطعا على الحضيض، والثعبان الهائل يسترهم بعظيم هيكله، ~~ويلحس بلسانه الدماء الفائرة من لحومهم الممزقة، فطار صوابه وصاح قائلا: لبيكم يا ذوي ~~القلوب المخلصة! فإما أن أنتقم لكم أو التحق بكم إلى عالم الظلمات. ثم تناول بيديه ~~القويتين صخرة كبيرة، ورجم بها الثعبان رجمة لو وقعت على قلعة لزعزعتها، فلم تؤثر فيه؛ ~~لأنه كان ممنعا بحراشيف كأنها دروع من زرد مكين، لكن هذه الحراشيف لم تكن لتصد ~~الأسنة عن المرور إلى لحمه الطري، فسدد قدموس إليه مرزاقه، وأطلقه فانطلق يصفر في ~~الهواء صفيرا صادعا، وسقط من الثعبان في عموده الفقري وتغلغل منه إلى أحشائه، فأحس ~~عندها الألم ولوى عنقه إلى ظهره، فرأى المزراق غارزا فيه، والدم يفور من مغرزه، فجعل ~~يعجمه حنقا وألما ويزعزعه ليخرجه حتى تمكن من نزع قناته، ولبث السنان عالقا في ~~عظامه، ففح [فحيحا] # 1 # دوت منه الغابة، وطفا على شدقيه رغوة من السم الأسود، وانسل يدور حينا ~~في شكل لولبي وحينا ينتصب كالعمود، فترتج الأرض من وقع حراشيفه عليها، ثم قفز قفزات ~~واسعة مرتميا كالشؤبوب المنصب يقتلع من الأشجار ما يصده، فلم يذعر قدموس، ولكنه ~~وقف في سبيل انقضاضته كالسد المنيع ومكن حربته من حنكه، فهاج هيجان البركان وعض سنان ~~الحربة وهو ينكفئ فغرز السنان في حلقه ولم ينفذ؛ لأن تقهقره ms18 حماه نفاذه من قفاه، وكان ~~قدموس يلتحق به ملحا حتى رأى رأسه يصطدم بسنديانة ضخمة، فضغط بحربته حلقه، فاخترقته ~~والسنديانة معا، والتوت السنديانة تحت ثقل جثته وتنهدت تحت ضربات ذنبه المتوالية ~~عليها، تلك الضربات التي كان يلفظ بها آخر أنفاسه. # وقف قدموس ينظر إلى ابن المريخ محتضرا، وإذا به يسمع هاتفا يهتف به قائلا: ~~«لماذا تملي نظرك، يا ابن آجينور، الثعبان الذي قتلته؟ توقع أن تتحول يوما إلى ثعبان ~~...»، فرعب قدموس وقف شعره ولبث مشدوها لا يدري ما يفعل، فانحدرت إليه مينرفا من ~~أعالي مناطق الهواء، وأمرته بأن ينبش تراب الأرض، ويقتلع أسنان الثعبان ويدفنها في ~~الأرض، فتكون بذورا لشعب جديد، فأطاع قدموس أمرها وشق الأرض أثلاما، ونثر الأسنان ~~فيها، ولم تمر ساعة حتى رأى بطن الأرض يتقلقل، ثم برزت منه أسنة حراب كثيرة، فرءوس رجال ~~فأكتاف فأذرع وصدور، فبطون وأفخاذ وسوق، رجال دارعون، مسلحون بالقسي والحراب. فانتضى ~~قدموس حربته وهم بمنازلتهم فقالوا له: لا تخف منا ولا تدخل في حرب أهلية نثيرها ~~بيننا، ثم تراموا بالسهام وتطاعنوا بالحراب فتساقطوا أشلاء، إلا خمسة بينهم بطل عنيد ~~يسمى إيشيون، وفيما هو يطاعن الباقين من رفاقه مثل أمامه تريتون أحد آلهة البحر، وأمره ~~أن يكف عن حرب إخوانه ويصالحهم، ففعل إيشيون ما أمره به الإله، وانطلق والأربعة الأخر ~~مع قدموس فساعدوه في بناء مدينة بيوثى التي أوعز إليه أبولون أن يبنيها، وسكنوا معه ~~فيها ونجلوا أولادا وحفدة فكانوا آباء القبائل الخمس التي تألف منها السبرطيون. # ملك قدموس على بيوثى وعطف عليه المريخ وزوجته فينوس، ورضيا بأن يصهر إليهما فزوجاه ~~ابنتهما هرمونيا، وأهدى إليه الإله فولكان رداء وعقدا ألبسهما هرمونيا، وكان العقد ~~طلسما مشئوما على كل من لمسه ما عدا لابسته، فسبب هلاك كثيرين فاستاءت منه هرمونيا ~~وأهدته إلى معبد أبولون. # وولدت هرمونيا لقدموس سميلا «الثائرة» وإينو وإريسته، ثلاث بنات امتزج فيهن الجمال ~~اللبناني بالجمال اليوناني. # وبينما كان قدموس جالسا ذات يوم وزوجته هرمونيا مغبوطين بنسلهما سمعا هاتفا يقول: ~~لا تغتبط يا قدموس ms19 بما ولد لك من بنات، وبما سوف يولد لك من حفدة وأسباط وحفيدات، ~~ولا تحسب أن سعادتك تدوم، وإنما انتظر ما كتب لك من آلام. # مرت أيام وسنون على قدموس تكاثرت فيها ذريته، ولكن سعادته كانت دائما مهددة بما ~~أوعده به الهاتف من آلام، وكان أول ألم نزل به ما أصاب سبطه أكتيون ابن بنته أريسته؛ ~~وذاك أن أكتيون ذهب في بعض الأيام يتصيد في جبل قرب بيوثى، فأعياه الحر والتعب فدخل ~~غار غاني مستظلا، وكان هذا الغار مقدس ديانا. غابة خضراء في وسطها ينبوع غزير الماء ~~تبترد فيه بنت جوبيتر وحورياتها العذارى حينما تعود وإياهن من الصيد. وكانت ديانا ~~وعذاراها حين دخول أكتيون الغار عاريات في الماء، فشاهدهن في عريتهن فولولت العذارى ~~حياء وذعرا ولولة ملأت الغابة، وغضبت ديانا لأنه رآها عارية وهي عذراء غيور على ~~عذرتها ضنينة بها نذرت المحافظة عليها إلى الأبد، فتناولت ملء كفها ماء ورشقته به، ~~فتحول إلى وعل ونبت له قرنان في أم رأسه، وقالت له: اذهب الآن وخبر، إن استطعت ~~الكلام، أنك شاهدتني وعذاراي عاريات. ففر من وجهها يعدو حتى وصل إلى عين ماء، فنظر ~~فيها فرأى أنه وعل ذو قرنين فبكى. # وكان لسانه قد عقل فتاه على وجهه حتى وصل إلى حيث ينتظره خدمه وكلابه، فلما ~~أبصرهم دنا منهم يريد أن يكلمهم ويعرفهم نفسه، فلم يستطع إلى الكلام سبيلا، وشاهدته ~~كلابه، فالتحقت به تطارده ولم يكن في طوقه أن يناديها بأسمائها، طاردته كلابه حتى ~~أدركته ومزقته بأنيابها وأظفارها، فاشتفى قلب ديانا العذراء. # أما الألم الثاني الذي حل بقدموس، فقد كان مما سببه جوبيتر لابنتيه سميلا وإينو، ~~وذاك أن هذا الإله، تبع البنات الإنسيات، رأى سميلا فأحبها، ويظهر أنه كان يفتتن ~~بجمال كل فتاة من سلالة آجينور، وما عتم أن اختطفها وتزوجها، فغارت منها جونون، وشاءت ~~أن تتخلص منها، لا سيما أنها كانت تبغض كل سلالة آجينور من أجل أوروبا، فانحدرت إلى ~~الأرض في زي بريسا العجوز، مربية سميلا، ودخلت عليها وعلمتها أن ms20 تسأل جوبيتر، يوم ~~يأتي إلى زيارتها، أن يحيطها بهالة المجد والعظمة التي يحيط بها زوجه جونون ساعة يكون ~~وإياها في فراش الزوجية. وجاء جوبيتر إلى زيارة سميلا، فسألته أن يمنحها من المجد ~~والعظمة ما يمنح جونون، وكان جوبيتر يضن بكل ما هو من حق الألوهية لا يتساهل به أقل ~~تساهل خشية أن يبتذل بين أبناء الأرض المعدين للفناء، فتنعدم ميزات الآلهة، وهكذا لم ~~تكد سميلا تفوه بما سألته إياه حتى احتدم غيظا واستل من أحشائها ولده الذي كانت حبلى ~~به ورماها بصاعقة أحرقتها، ثم شق فخذه ووضع ابنه فيها وخاط عليه إلى أن تمت أشهره، ~~فأخرجه وسلمه إلى خالته إينو فأرضعته، ولكن الحوريتين ياريا (سارة) ونمريتس (صادقة) ~~أخذتاه منها وحملتاه إلى جزيرة ناكسوس، فربتاه في مغاورهما تغذيانه باللبن، وسمتاه ~~باخوس، ولما ترعرع خرج من المغاور، وطاف في الشرق يصحبه مؤدبه سيلين والإله بان وسرب من ~~الحوريات، فافتتح الهند كلها، وعاد إلى جزيرته فاستوى على عرش ألوهية الخمر والنبات ~~الحقلي والغابي والمروج والرياض. # أما إينو فقد تزوجت البطل اليوناني أتاماس ملك أوكومين، فولدت منه غلامين ليركوس ~~وميليسرت، وكان له من زوجه الأولى نيفيله غلامان فريكسوس وهله اتخذتهما جونون أداة ~~لتوقع الشر بين إينو وزوجها انتقاما من إينو؛ لأنها أرضعت باخوس، فأوقعت في قلب إينو ~~كرها شديدا لولدي زوجها. واتفق أن حصلت مجاعة في أوكومين، فأرسل أتاماس يستفتي بيثي، ~~كاهنة دلف وهاتفة أبولون، فيما يصنعه تداركا للمجاعة، فأمالت إينو قلوب الرسل إليها ~~وجعلتهم يقولون: إن بيثي تأمر بتضحية فريكسوس. فكشفت جونون لأتاماس مكيدة إينو وشردت ~~عقله موهمة إياه أن ليركوس ابنه من إينو وعل فقتله، وحملت إينو على أن تلقي ابنها ~~ميليسرت في مرجل ماء غال فمات، ثم دفعتها فارتمت في البحر فماتت غرقا وطفت جثتها على ~~وجه الماء، فحملها دلفين إلى خليج قورنثه، وتحولت هنالك إلى إلهة بحرية اسمها ليكوثيا ~~تساعد بعطفها ولطفها البحارة المهددين بالغرق والعواصف. # نزلت هذه الآلام المرة على بيت قدموس لقتله ابن المريخ وتمليته نظره منه وهو ms21 ~~يحتضر . وتوالت عليه وعلى زوجه هرمونيا أحزان ملا معها الحياة. وكان جوبيتر قد ~~رق لهما فجعلهما إلهين في ثوبهما الإنساني، ولكنهما لم يعلما بذلك، فهجرا بيوثى ~~يائسين وتوجها إلى إيليرية، وتذكر هناك قدموس أنه معد إلى التحول إلى ثعبان ولا ~~منجاة له مما هدده به الهاتف، فطلب وزوجه هرمونيا إلى جوبيتر أن ينفذ بهما ما ~~قدر لهما فاستجابهما، وحول قدموس إلى ثعبان وهرمونيا إلى حية ووضعهما في فردوس ~~الجحيم. وكانا أحيانا يخرجان معا فيجولان في غابات إيليرية متنزهين، ولكنهما لم ~~يكونا يؤذيان أحدا. ~~(3) مينوس وأريان # ولدت أوروبا لجوبيتر فيمن ولدتهم مينوس الشاب الجميل، فتولى بإرادة أبيه عرش إكريت، ~~وتزوج صبية جميلة تدعى بازيفابي ولدت له أريان فمنحها جدها جوبيتر صفة إلهية، وأعطاها ~~خيطا سحريا تقود به الضالين. # وفي أحد الأيام ترك مينوس زوجه بازيفابي في قصره في إكريت، وسافر بجيشه إلى محاربة ~~مدينة ميغار حليفة أثينا لخلاف وقع بينه وبين مليكها الشيخ نيزوس، فحاصر ميغار بضع سنين ~~لم يتمكن خلالها من فتحها؛ لأنها كانت محمية بطلسم هو شعرة أرجوانية مندسة بين شعرات ~~مليكها نيزوس، فلا يقوى أحد على فتحها وإزالة ملك ملكها إلا إذا تسنى له الحصول على تلك ~~الشعرة. # وكان للمدينة سور قوي يحيط بها قيل إن أبولون، إله النور والفنون الجميلة والكهانة، ~~وضع في أحد الأيام قيثارته عليه فالتقطت حجارته نغماتها، وكان للملك نيزوس بنت تدعى ~~سيلا، تأتي كل يوم إلى السور وترشق حجارته بحصى صغيرة، فترن مرددة نغمات قيثارة ~~أبولون. واتفق أن جاءته في أحد الأيام والمعارك واقفة بين مدينتها وجيش مينوس، فأشرفت ~~من أحد الأبراج على السهول المنبسطة حول المدينة، فرأت فارسا ممتطيا فرسا أبيض، ~~ومدرعا بدرع تبرق في أشعة الشمس، وفي يده مزراق يسطع سنانه كالكوكب الدري، فرنت إليه ~~تتثبته، وإذا به ينزع الخوذة عن رأسه ويكشف وجهه فيبين في ثوبه القرمزي فتنة النواظر، ~~ثم همز فرسه فمر به من تحت السور كالبرق الخاطف، فعرفت أنه مينوس، وودت لو تلقي ~~بنفسها من على البرج فتسقط ms22 بين يديه، ولعنت الحرب لأنها جعلته عدو أبيها، ثم ما لبثت أن ~~باركت الحرب، فلولاها ما رأت هذا الشاب الجميل ولا عرفته، وشد ما تمنت لو تنفتح أمامه ~~الأسوار، فيدخل المدينة وتنتهي الحرب فتهبه نفسها وتصبح أمة له. # ثم خاطبت نفسها قائلة: لماذا أدع دماء أبناء مدينتي تهرق في حرب لا نهاية لها؟ ~~وعلام أترك مدينتي تشقى في حصار لا فرج منه إلا بسقوطها في يد من أحبه قلبي؟ أليس ~~الأجمل بي أن أحقن دماء بني قومي وأبعد الشقاء عنهم؟ لأذهب إلى مينوس وأسلمه نفسي ~~وأسأله أن يكف نفسه عن الحرب ويرفع الحصار، ولكن أنى لي الوصول إليه والأبواب مقفلة ~~والعسس لا يأتلي طوافا؟ # وقطبت حاجبيها تفكر فيما تصنع، وإن هي إلا هنيهة حتى أشرقت أسارير وجهها، واستدارت ~~على نفسها، وعادت إلى قصر أبيها، ولما أرخى الليل ذوائبه ونامت العيون مشت مشية الحية ~~منسلة إلى غرفة والدها، فرأت شعرته الأرجوانية تسطع نورا بين شعراته البيضاء ~~فاستلتها، وخرجت تجر ذيل خيانتها وراءها إلى أن وصلت إلى السور، فانفتحت لها أبوابه، ~~فاجتازتها ومشت إلى مخيم الأعداء حاملة جريمتها بيدها، ولما انتهت إلى خيمة مينوس ~~دخلت عليه، فبهت لرؤيته صبية من بنات أعدائه تأتي إليه وحدها تحت غياهب الظلام، وسألها: ~~من أنت؟ قالت: أنا سيلا بنت الملك نيزوس، جئتك لأسلم إليك آلهة بيتي ولا أطلب ~~مكافأة إلا أن أكون لك أمة. خذ هذه الشعرة الأرجوانية عربونا لحبي لك، واعلم أني، في ~~تسليمي إياها إليك، إنما أسلم إليك رأس والدي، ثم بسطت يدها بالشعرة، فتراجع مينوس ~~مذعورا من خيانتها ووقاحتها، وأجابها بغضب: لتطردك الآلهة من عالمنا، أنت يا عار ~~زماننا، وليحرموك البر والبحر، أما أنا فلا أطيق أن تتدنس إكريت، مهد جوبيتر ومدينتي، ~~بملمس قدمي مسخ مثلك، قال هذا وانتزع الشعرة من يدها، ومضى إلى المدينة فانفتحت وخضع ~~له مليكها وسكانها ففرض عليهم فروضا عادلة، وقفل راجعا إلى قومه، فأمرهم بأن يحلوا ~~أربطة سفنهم وينشروا أشرعتها ليعودوا إلى بلادهم. # ورأت سيلا السفن تبتعد، فثار ms23 غضبها على مينوس لتركه إياها، وقد سدت خيانتها في ~~وجهها سبل العودة إلى المدينة، فلطمت صدرها وصاحت به: يا قاسي القلب ويا صلب الكبد لن ~~تفلت مني، ثم قفزت إلى الماء وسبحت حتى وصلت إلى سفينته فتعلقت بها. # وكان جوبيتر قد رأف بأبيها الشيخ لما لحق به من هوان فحوله إلى نسر بحري أصهب ~~الجناحين، وفيما هو يحوم فوق البحر شاهدها متعلقة بسفينة مينوس فانحط عليها مغيظا ~~يريد تمزيقها بمنقاره المعقوف، فارتجفت فرقا لرؤيته واسترخت يداها، فسقطت فسندها ~~نسيم لطيف أرسلته إليها جونون رحمة لها، ومنعها أن تمس الأمواج، وإذا بها ينبت لها ريش ~~وجناحان فتحولت إلى عصفور يسمى قوس السحاب (إيريس) تذكرها ألوانه الجميلة شعرة أبيها ~~الأرجوانية. # عاد مينوس إلى مملكته، وكان نبتون إله البحر قد غضب عليه لإبحاره إلى ميغار دون أن ~~يقرب له قربانا، فأراد أن ينتقم منه، ولكنه خاف جوبيتر؛ لأن رب أرباب الأولمب لا يأذن ~~بأن يؤذى ابنه، فصوب نبتون انتقامه إلى بازيفابي، وعزم على أن يلبسها، في غياب ~~زوجها، ثوب الخيانة والعار، فبعث إلى إكريت ثورا أبيض جميلا، فاندس بين ثيران مينوس ~~يرعى معها في أودية جبل أيدا الظليلة المغطاة بالغابات الخضراء، والموشاة بالخمائل ~~النضرة، وكانت بازيفابي تذهب كل يوم تتنزه في هذه الأودية فتمتع القلب والعين بهوائها ~~النقي المنعش، وبمناظرها الخلابة. وإنها ذات يوم لكذلك في لذتها الروحية والبدنية، إذا ~~بها ترى ثورا أبيض كالثلج، وفي جبهته لطخة سوداء صغيرة زادته جمالا، فدهشت لرؤيته بين ~~ثيران زوجها ولا عهد لها بمثله، ونهضت جالسة تنظر إليه فألهمها نبتون حبه فولعت به ~~واتبعت خطاه. # وكأن العجلات كانت شاعرة بجمال هذا الثور، فسرى حبه في قلوبها، وأخذت تتزاحم على ~~الدنو منه لعله يتيسر لها مداعبته، فغارت بازيفابي من العجلات، وليس كالغيرة ما ~~يؤرث لواعج الحب، غارت بازيفابي من العجلات فكانت تنظر إلى كل عجلة فتية جميلة ~~بعين الحقد والبغضاء، وجعلت تتيه وراء حبيبها الثور في الغابات فتعري الأشجار من ~~أوراقها الطرية والمروج من حشائشها الرخصة لتطعم ms24 ثورها الحبيب، تتبعه حيث يسير، ولا ~~يمنعها شيء عن اتباعه. ألهاها الثور عن كل حب غير حبه فنسيت زوجها مينوس، طفقت تتزين ~~بأثمن جواهرها وحلاها وأجمل ثيابها، وتعرض نفسها في زينتها على الثور توهما منها أنه ~~يشعر بقيمة محاسنها وتبرجها. تلتحق به إلى مشارف الجبال حاملة مرآتها بيدها تترآى بها ~~لتلمس وجهها، وترتب ما تشعث من شعرها. تنظر إلى وجهها في مرآتها ولا تشعر أنها إنسانة ~~لا عجلة، وأن الثور لا يميل إلا إلى بنات جنسه، وكم ودت لو أن الطبيعة تنبت لها قرنين ~~لتكون زوجة للثور. # ولم يكن حبها لمينوس ليردها عن هذا الحب الشاذ، فكانت تتقاذفها الغابات مشمرة وراء ~~الثور كأنها إحدى بنات باخوس تسير مملوءا قلبها بحب هذا الإله. وكم مرة ألقت نظرة ~~الغضبى على عجلة دنت من الثور، صائحة: ماذا يرى فيها مما يعجبه؟ انظروا إليها كيف تقفز ~~إلى جانبه على العشب الأخضر، أتظن أنها، في عملها هذا، تتحبب إليه؟ وتوصلت بها غيرتها ~~من العجلات أن أمرت بإخراجها من القطعان، وبذبحها قربانا للآلهة، وكانت حينما تذبح ~~العجلة تجس بغبطة أحشائها وتخاطبها بشماتة: اذهبي الآن وزاحميني على حب حبيبي. # وكم اشتهت أن تتحول إلى عجلة بيضاء كما تحولت إيو من قبلها، أو أن يخطفها هذا ~~الثور على ظهره كما خطف ذاك الثور الأبيض أوروبا أم زوجها، ولكن عبثا ما اشتهت، ~~وأخيرا لم تر بدا من الخدعة، فتزيت بزي عجلة ودنت من حبيبها الثور تداعبه فألهمه ~~نبتون مراودتها فحملت منه ثمرة دنسة لم تكد ترى ضوء الشمس حتى فضحت خيانة أمها وعارها. ~~حملت منه وولدت مينوتور مسخا برأس ثور وجسم إنسان نما نموا عجلا. # وصل مينوس إلى إكريت، معقودة عليه أكاليل الغار، فضحى لجوبيتر بمائة ثور، وزين ~~قصره بأسلاب أعدائه، وشد ما كان غمه حينما شاهد مينوتور، ورأى رأسه ينم بخيانة ~~بازيفابي، فجعل كل همه في إبعاده عن قصره وسجنه، حيث لا يمكنه أن يعرض لعيون الناس قبح ~~فعلة أمه. # وكان في إكريت مهندس بارع في فن البناء ms25 يقال له ذيذال. فأوعز إليه مينوس أن يبني ~~دهاليز متشابكة يتيه فيها من يدخلها فلا يهتدي إلى الخروج منها، فبنى ذيذال متائه إكريت ~~المشهورة وسجن فيها مينوتور، وكان هذا من أكلة لحوم البشر، فأكره مينوس أهل أثينا أن ~~يرسلوا إليه في كل سنة سبعة شبان وسبع شابات طعاما لمينوتور. # وكان لإيجه ملك أثينا ولد يدعى تيزه، بطل من الأبطال مضى صباه في ترويض سباع ~~الوحوش واستئصال شأفة قطاع الطرق، فلم يطق أن تحمل مدينته هذا الذل فطلب من أبيه أن ~~يكون بين السبعة المعدين للذهاب إلى إكريت، فأجابه أبوه إلى ما أراد، وسافر من أثينا ~~على سفن سود الأشرعة ووعد أباه أنه إذا عاد متغلبا على مينوتور يبدل من الأشرعة السود ~~أشرعة بيضا. ولما بلغت بهم السفن إكريت انطلق تيزه مع رفقائه ليدخل المتائه، وكان ~~متكميا بسلاحه مدرعا بأقوى أدراعه، فرأته أريان بنت مينوس فأخذت بملاحته ~~وشجاعته، وخشيت عليه إن هو دخل المتائه، أن يتيه فيها فلا يجد إلى الخروج منها سبيلا، ~~فزنرت خصره بخيطها السحري فدخل المتائه ونازل مينوتور فغلبه وقتله وعاد إلى النور ~~مهتديا بخيط أريان، وكانت هذه بانتظاره فاختطفها وسار بها، ولكنه حينما مر بشاطئ ~~ناكسوس، جزيرة الإله باخوس، حملها وهي نائمة ووضعها على رمال الشاطئ وأبحر إلى أثينا ~~تاركا إياها وحدها. وكان قد سها عن أن يبدل بالأشرعة السود أشرعة بيضاء، فرأى أبوه ~~إيجه السفن تطلع من صدر البحر بأشرعتها السود، فأيقن أن ولده قتل فألقى نفسه في البحر ~~يأسا وحزنا، فمات غرقا وسمي ذلك البحر باسمه بحر إيجه، وتملك تيزه مكان أبيه، ~~وتزوج ملكة الأمازونة. # أما أريان فلبثت نائمة على رمال شاطئ ناكسوس، ولما استفاقت من نومها ورأت نفسها وحيدة ~~على ذلك الشاطئ المقفر أخذتها الرعدة وسالت دموعها على خديها، ونادت على الأمواج ~~تسألها عن تيزه الصلب الفؤاد ولكن الأمواج لم تحر جوابا، تصيح وتبكي في وقت معا فتذهب ~~الريح بصراخها وبكائها مبددة إياهما في الأجواء، تقول وتخبط ثدييها: لك جوبيتر أيها ~~الخائن! كيف تتركني ms26 هنا وحدي وما تراه يحل بي؟ # وكانت رجلاها عاريتين، ولم يكن عليها إلا غلالة شفافة، وكان هواء البحر يداعب شعرها ~~الأشقر، فيتفرق متموجا على كتفيها. بردت ولم تستطع أن تمشي بقدميها الطريتين على الرمل ~~والحصى لتبحث عن مكان يقيها برد الهواء، وجاعت؛ لأن تيزه القاسي لم يترك لها طعاما، ~~فلم تجد قربها إلا ما كانت تأكل منه طيور البحر فأكلت منه. وفيما هي في هذه الحالة إذا ~~بها تسمع ضجيج صنوج وطبول تضرب ضربا شديدا، فصعقت خوفا وسقطت إلى الأرض تتمتم كلمات ~~متقطعة لا تفهم، وهرب الدم من وجهها فاصفرت، وشخصت عيناها إلى حيث تطلع الضجة فرأت ~~حوريات الإله باخوس ورفيقاته الخفيفات الناعمات نافشات شعورهن سائرات في مقدمة موكب إله ~~الكرمة، ورأت الشيخ سيلين مدبر الإله راكبا على حماره، متعلقا بناصيته لا يكاد ~~يستمسك من سكره. ورأت الإله في قلب الموكب على مركبة مجللة بأوراق الكرمة وعساليجها ~~تقودها النمورة تساس بأرسان من ذهب. وكانت أريان بعد فقدها تيزه قد فقدت لونها وصوتها ~~وقوتها، فحاولت ثلاث مرات أن تهرب فكان الخوف في كل مرة يقيد رجليها، فاضطربت كالقذاة ~~في مهب الرياح، ووقفت ضائعة الرشد لا تدري ما تصنع، فدنا الإله بمركبته منها ووقف قربها ~~فعرف بها نسيبته أريان، أليست أريان بنت مينوس ابن أوروبا، وهذه أخت قدموس، وقدموس جد ~~باخوس لأمه سميلا؟ فأريان إذا ابنة عمة أمه؛ ولذلك حنا عليها وقال لها: أبعدي الخوف ~~عنك يا بنت مينوس! ستكونين زوجة باخوس أحن زوج وأخلصه، وإني مكافئك بتقديمي السماء لك ~~مهرا، ستكونين نجمة جديدة، ويكون إكليلك الساطع دليلا للبحارة التائهين. قال هذا وقفز ~~من مركبته، فخشعت الأرض تحت قدميه، وضم أريان إلى صدره وحملها فلم تتمنع منه ولم تتمنع ~~عنه، وهل بإمكان بشرية أن تمتنع عن إله؟ أليس في طاقة الإله أن يفعل ما يشاؤه؟ حملها ~~بينما كانت حوريات موكبه ينشدن أناشيد العرس، ورفيقاتهن يصحن: إيها إيها! هو ذا الإله ~~وعروسه الشابة يتممان عقد الزواج، وكانت الأنوار اللازوردية والأضواء الشفقية تلفهما ~~بغلالة ms27 شفافة فاتنة للعيون والألباب، ثم خلع الإله عن رأسه تاجه المرصع بالحجارة ~~الكريمة وألبسها إياه، ثم حولها إلى نجمة زاهرة وأرسلها إلى السماء، وتحولت حجارة ~~التاج الكريمة إلى نجوم صغيرة تدور متلألئة حول أريان في شكل تاج من النور البهي ~~يستهديه البحارة الضالون في البحار سبيلهم فيهديهم إليه. ~~(4) ديدون الصورية # كانت صور في عهد الفينيقيين عروس البحر الأبيض المتوسط وسيدة التجارة والبحار، وقد ~~وصفها حزقيال النبي في نبوءاته فبين ما كانت عليه من العظمة والجمال وسعة الغنى ~~والقوة البحرية وامتداد المتجر، وسماها تاجرة الشعوب في جزائر كثيرة. وكان في ذاك ~~الزمان على هذه المدينة ملك يقال له بيلوس وهو حفيد إيتوبعل ملك صور وكاهن عشتروت ~~الأكبر، وابن أخي إيزابل الشهيرة زوجة آخاب ملك السامرة وناشرة الديانة الفينيقية في ~~إسرائيل. وكان بيلوس ملكا قويا غزا قبرس والجزائر اليونانية غزوات مظفرة عاد منها ~~بالأسرى والغنائم. # ولم يكن له إلا ولدان: بغماليون وعليشار. وكانت هذه تهوى خالها سيشاربعل أكبر كهنة ~~ملكرت وأول رجل في المدينة بعد أبيها الملك، وكان هو يهواها لما فيها من جمال وذكاء ~~وجرأة، فطلبها من أبيها زوجة له فزوجه إياها وزفها إليه عذراء وربطها به بعهد الزواج، ~~فولدت له ولدين ذكرين كانا بهجة نفسه. # ولم يلبث الملك بيلوس أن توفي فولى الشعب مكانه ولده بغماليون على صغر سنه آملا ~~منه أن يكون كأبيه شجاعا عادلا محبا لشعبه ومصالحه، لكن بغماليون لم يحقق أمل الشعب ~~منه، فقد كان ظالما شريرا رديء النفس مهملا لشئون المملكة، وكان يحسد صهره سيشاربعل ~~على ثروته العظيمة، ويود لو انتزعها منه. يحسده على ثروته، ويغار منه؛ لنفوذه في ~~الصوريين ونفاذ كلمته فيهم، وهذه الخلائق السيئة التي اشتمل بغماليون عليها، جعلت كبار ~~رجال الدولة ينقمون عليه ويكرهونه، ويرغبون في تولية أخته بدلا منه، فتألبوا حزبا ~~عليه بزعامة الكاهن الأكبر، وجعلوا يتربصون به ليقضوا منه لبانتهم. # وشعر بغماليون بهذا الشر الذي يهدده، فخاف على رأسه وتاجه، وانبرى بما فيه من خبث ~~ولؤم يدس على صهره ومن لف ms28 لفه بين طبقة الشعب الجاهلة، يفعل ذلك في الخفاء خشية ~~من أخته التي كانت تتمتع بمنزلة أسمى من منزلته في قلوب الصوريين، حتى تمكن من الفتك ~~بأكثر رجال الحزب، ثم فاجأ صهره في الهيكل، فطعنه بخنجر مزق أحشاءه، وأخفى جثته في ~~بعض سراديب المعبد، وذهب إلى أخته يقول لها إنه أرسل زوجها في أمر خطير، وعللها ~~بعودته في وقت قريب. # تخلص بغماليون من مزاحمة صهره، فبقي عليه أن يقبض على كنوزه التي ~~كانت تثير طمعه القاتل، ولكن سيشاربعل كان يخبئها في مكان خفي، حتى إنه لم يطلع عليه ~~عليشار زوجته مع حبه لها وثقته بها. # مرت أيام وليال وعليشار تعلل نفسها بعودة زوجها، وهي لفراقه على مثل الجمر ~~اللاهب، وكانت جثة سيشاربعل لا تزال مطروحة في سرداب الهيكل غير مواراة في قبر ولا ~~مقامة عليها الطقوس الدينية التي تقام لكل ميت لتستطيع روحه دخول فردوس الآلهة. فلبثت ~~روحه تائهة في ظلمات الجحيم لا ترى مكانا تستريح فيه. # وذات ليلة بينما كانت عليشار راقدة، بعد هواجس كثيرة ساورتها، رأت طيف زوجها يطلع ~~عليها من بين ضباب كثيف مظلم، وعلى وجهه شحوب راعب، فأراها درجات المذبح المخضبة ~~بدمائه، وأراها أحشاءه التي مزقها خنجر بغماليون، وكل الفظائع التي ارتكبت في سر ~~قصر أخيها، ثم أمرها أن تهرب من صور الجميلة وتترك أرضها إلى الأبد، وأن تبني مدينة على ~~الشاطئ الأفريقي حيث تشير عليها جونون ربة الأولمب بأن تبنيها، وأذن لها بأن تقف حياة ~~ولديها على إتمام هذه الوصية، ثم كشف لها بطن الأرض وأراها المكان الذي دفن فيه كنوزه ~~من ذهب وفضة وياقوت أحمر وزمرد أخضر ودرر ولآلئ، وأطلعها على المخبأ الذي خبأ فيه ~~كنوز معبد ملكرت، وأمرها بأن تحمل كل هذه الكنوز معها لتكون عونا لها على أداء الرسالة ~~التي عهد بها إليها، ثم توارى عنها. # استفاقت عليشار من نومها مذعورة مما رأت وعزمت على أن تنفذ وصية زوجها الرجل ~~الوحيد الذي أحبته ولا تزال تحبه، فتهيأت للفرار، وبعثت إلى أصحاب زوجها ms29 فأتوها في ~~خفية، فأخبرتهم بما رأت وما سمعت وما عزمت عليه، فوافقوها على الفرار، والتف حولهم كل ~~الغاضبين على أعمال بغماليون الناقمين على سلوكه الرديء، فانتدبت منهم من سرق جثة زوجها ~~من السرداب ودفنتها خارج مدينة صور لتتمكن روحه من الراحة في جنان الآلهة وهنائها، ~~واستخرجت كنوز زوجها وكنوز المعبد من حيث كانت مدفونة، وأرسلت من يجوس الميناء لترى هل ~~من سفن مهيأة للسفر؟ فرأوا مراكب موشكة أن تنشر أشرعتها فأمسكوها، وحملت إليها عليشار ~~نفسها وولديها وكنوزها ورجالها، واستغاثت جونون لتعينها وتسهل سفرها وتدلها على ~~المكان الذي تبني فيه مدينتها، ونذرت لها هيكلا في أول أرض تطؤها قدماها، ثم نادت على ~~أصحابها واستقسمتهم بالآلهة أن يخلصوا لها وللقضية التي انتدبها إليها زوجها، فأقسموا ~~لها يمين الإخلاص، وجعلوها ملكة عليهم يصدرون ويردون عن كل ما تأمرهم به. # سارت سفن عليشار تمخر البحر الأبيض والأمواج تتقاذفها والعواصف تشردها حينا وتجمعها ~~حينا، يعلو بها التيار الثائر حتى يخيل لمن فيها أنهم لصقوا بالسحاب، وينحدر بها ~~حتى يظنوا أن اللجة ابتلعتهم، بحر تضربه رياح الشتاء الهوجاء، وتهيج أمواجه الزوابع ~~المجنونة، وسفن تتقلب في ظلمات غيوم دامسة تكتنفها من كل جانب، ولولا مهارة نوتية صور ~~في تسيير السفن ومقدرتهم في خوض البحار مهما ثار تيارها وعربدت أمواجها، لكان ~~الفينيقيون الهاربون قد هلكوا في الهالكين، وما زال هذا دأبهم حتى ألقت بهم يد الأقدار ~~على الشاطئ الأفريقي، فتنفسوا الصعداء وسري عنهم، وشكروا الآلهة على نجاتهم، ثم ~~انحدروا من سفنهم إلى غابة قرب الشاطئ خضراء ظليلة، فلجأت إليها عليشار بولديها ~~وكنوزها فسماها أصحابها منذ ذلك اليوم ديدون أي اللاجئة. # وكان أول ما صنعته ديدون أن قدمت قرابين لآلهة تلك الأرض تقربا إليها، ثم اضجعت ~~منهوكة القوى، فزارتها جونون في الحلم وقالت لها: انهضي تجدي رأس جواد فتي، فتبنين ~~مدينتك حيث تجدينه. وهذا الرأس هو رمز إلى الأمة التي سوف تنشئينها، ودليل على أن أمتك ~~ستكون ظافرة في حروبها، وسوف تسود أمما كثيرة، فانتبهت ديدون ونهضت من مرقدها، ms30 ولم تسر ~~إلا قليلا حتى رأت العلامة التي وصفتها لها الإلهة جونون، فقبلت التراب شكرا لها، ثم ~~أهابت بأصحابها إلى بناء هيكل تمجد فيه هذه الإلهة المحسنة فلبوها، فبنت ديدون ~~هيكلا كبيرا زانته بأنواع الذهب والجوهر والفضة، وجعلت في أساسه رأس الجواد الفتي، ~~العلامة التي أعطتها إياها جونون، وأقامت له مصعدا ذا درجات في أعلاها رتاج مزدان ~~بالشبه، مصراعاه مصنوعان من جسور من الخشب مربوط بعضها إلى بعض بربط من الشبه، ~~يدوران صافرين على رزات من المعدن نفسه. # وبعد أن انتهت من بناء معبد جونون أخذت تفكر بتحقيق حلم زوجها وبناء مدينة تكون ~~مجمعا قوميا للفينيقيين الهاربين وأنسالهم، ولكنها خافت الاجتراء على أراضي الدولة ~~البربرية المسيطرة في تلك البقاع، ولم تشأ أن تنزل في العاصمة الفينيقية القديمة أوتيكا ~~حذرا من أن تخالف وصية زوجها في بناء مدينة جديدة. # وكان ملك القبائل البربرية المقيمة هنالك يقال له يرباس، وهو ينزل في عاصمته جيتول، ~~التي لا تبعد كثيرا عن الغابة التي لجأ إليها الفينيقيون، فأرسلت إليه ديدون رسلا ~~يسألونه أن يأذن لها ببناء مدينة في أرضه، وأن يطلب ما يريده من مال وجواهر ثمنا للأرض ~~التي يعطيها إياها، فرد يرباس رسلها خائبين، ورفض أن يبيعهم أو أن يهبهم شبرا من ~~أرضه؛ لأن ديانته تقضي بأن تكون الأرض التي يتكون ترابها من رفات الآباء والأجداد ومن ~~بقاياهم ملكا للإله ملكرت، إله الغابات، فلا يجوز بيعها، ولا تصح هبة شيء منها. # لكن رفض الملك يرباس بيع ديدون أرضا لم يثنها عن عزمها ولم يوئسها، فأقامت مذبحا ~~لبعل، إله الشمس، ولما كان هذا الإله جشعا يحب الضحايا البشرية لم تشأ ديدون أن تضحي ~~له بأحد أصحابها، فضحت بأحد ولديها؛ لأن زوجها كان قد أوصاها بأن تقف حياتهما على ~~تحقيق ما تمناه، وهو في قيد الحياة، فأبلغها هاتف بعل أن الإله يأمرها بأن تذهب بنفسها ~~إلى يرباس وتفتنه بجمالها ومحاسنها، فيبيعها أرضا تبني فيها حصنا على التلال القريبة ~~من البحر حيث وجدت إشارة جونون، فيكون هذا ms31 الحصن نواة لمدينة جديدة تزاحم أوتيكا، ~~وتنتزع منها السيادة التجارية والحربية. # ولما سمعت ديدون ما قاله هاتف الإله بعل عقدت نيتها على تلبية أمر الإله والذهاب إلى ~~يرباس وإيقاعه في حبائل هواها، وكانت ديدون مثال الجمال النسائي اللبناني القديم: بيضاء ~~مشربة سمرة ذهبية، عيناها كحلاوان فاترتان، وثغرها نقي كحب الغمام، وشعرها كستنائي ~~مسترسل على كتفيها طويل حتى لتكاد أطرافه تلامس كعبيها، ممشوقة القوام، مجدولة الجسم، ~~صافية البشرة، ناعمة الملمس، فتزينت بأبهى زينتها، ونثرت عليها أبدع جواهرها، وتحلت ~~بأجمل حلاها، وتعطرت بأطيب عطورها، ثم انطلقت إلى يرباس فتنة من أروع الفتن. # لم تدخل ديدون على يرباس حتى أخذته سورة سحرها، فجن بها وتاه عقله، وأراد أن يجيب ~~سؤلها ويهبها الأرض التي تختارها فاعترضه خصمه «ندب» زعيم القبائل ونبهه إلى أحكام ~~ديانتهم، واستعان عليه بملكون كبير سحرة البربر حتى تم الرأي على أن يستوحوا ملكرت، ~~ويعملوا بما يوحي به إليهم، فإن له وحده حق التصرف بأرضه، فمشوا إلى الغابات يحملون ~~البخور والخمر والأزهار والسنابل في موكب حافل يملأ عجيجه الآفاق، حتى وصلوا فقدموا ~~التقادم، وقربوا القرابين بعد أن نضحوا الأرض بالخمر وأحرقوا البخور، وهم يتضرعون إلى ~~ملكرت، ويسألونه أن يوحي إليهم: أيبيعون ديدون أرضا أم يمتنعون؟ وإذا بالساحر ملكون ~~يكلمهم بلسان الإله قائلا: إن ملكرت يقول لهم ألا يبيعوا شيئا من أرضه. فعادت ديدون ~~إلى أصحابها وهي أقوى عزيمة مما كانت عليه ساعة ذهابها إلى يرباس، وجعلت تفكر فيما ~~تعمل، فهتف بها هاتف أن الجئي إلى الإلاهة تانيت إلهة القمر فهي توحي إليك بما تعملين، ~~فأقامت ديدون مذبحا للإلهة تانيت، ونضحت عليه الخمر، وأحرقت البخور، وقربت القرابين ~~عجلات أبكارا، فأوحت إليها تانيت أن ترشو الساحر ملكون بالمال، وتتحبب إلى يرباس، ~~وتعده بالزواج وتطلب منه أن يبيعها من الأرض مقاس جلد ثور، ثم علمتها الإلهة كيف تقيس ~~به الأرض التي تبغي شراءها، فأسرعت ديدون إلى ملكون حاملة إليه أموالا كثيرة وجواهر ~~ثمينة، فملكته بها وجعلته طوع يدها، ثم ذهبت إلى يرباس تتثنى دلالا ms32 وترفل ~~سحرا. ~~(5) سميراميس البابلية # يتدفق من أعالي جبال أرمينية نهران كبيران: دجلة والفرات. وبعد أن يسير كل منهما، على ~~مسافة، في وجهة غير وجهة الآخر، يتدانيان ويجريان متوازيين نحو الجنوب، ثم تختلط ~~مياههما في مجرى واحد يسمى شط العرب، ويصبان منه في خليج فارس، والوادي الذي ينبسط بين ~~هذين النهرين، بعد تركهما منطقة الجبال، يسمى ما بين النهرين، نشأت فيه مملكتان ~~عظيمتان: آشور وكلدة، ازدهرتا زمنا، أقدمهما بل أقدم مدنية في آسيا هي مدنية ~~كلدة. # وكان الآشوريون ينزلون من هذا الوادي في شماله على ضفة دجلة الشرقية وعاصمتهم نينوى، ~~وينزل الكلدانيون قدماء البابليين في جنوبه وعاصمتهم بابل قائمة على ضفتي الفرات يشطرها ~~هذا النهر شطرين، ولم يكن بد من خضوع إحدى هاتين المملكتين للأخرى، فكانتا تتداولان ~~السيادة، فتسيطر حينا نينوى على بابل وحينا بابل على نينوى. # وكان نهر الفرات يهدد المنطقة الجنوبية من الوادي بفيضانه المتوالي في كل سنة، فأنشأ ~~أهلها قنوات وخنادق يحولون إليها ما يفيض من الماء عن مجرى النهر تحاميا للطوفان ~~وريا لأراضيهم. # واتفق في إحدى السنين أن نزلت أمطار غزيرة في زمن ذوبان الثلوج على ~~جبال أرمينية، ففاض الفرات وتدفقت مياهه فخرجت الأسماك منه إلى الأرض اليابسة، وكان ~~بينها سمكتان كبيرتان رأتا بيضة كبيرة على وجه الغمر فسبحتا إليها ودفعتاها أمامهما إلى ~~الضفة، وإذا بحمامة بيضاء تهبط من السماء وتحتضن البيضة إلى أن تراجع ماء الفرات إلى ~~مجراه، فنقفت البيضة وخرجت منها الإلهة ديركيتو بوجه امرأة وجسم سمكة، إلهة السريان ~~التي اشتهرت بعدلها وفضلها وحكمتها، حتى أن جوبيتر أعجب بها فوعدها بأن يمنحها كل ما ~~تطلبه منه، فسألته أن يخلد السمكتين اللتين أنقذتاها من الطوفان فجعلهما في برج الحوت ~~نجمتين وضاءتين، وهذا ما جعل السريان عباد ديركيتو يحترمون الحمام ولا يأكلون ~~السمك. # وحبلت ديركيتو، والإلهات يحبلن ساعة يشأن بزواج وغير زواج، ولما تمت أشهرها وضعت ~~إنسية ينبعث النور من بدنها لجمالها الباهر، فبهتت ديركيتو أمامها، وذعرت لأنها ولدت ~~ولدا ليس في شكلها، وخافت أن تعيرها بنات ms33 جنسها ويتهمنها بما هي منه براء. فحملتها ~~في ليلة مظلمة إلى البادية وتركتها هنالك على الأرض في قفر بلقع تسوطه الرياح من جهاته ~~الأربع يقرس فيه البرد ليلا ويستحر الحر نهارا، فلبثت تلك الطفلة المسكينة عارية ~~مهملة بين أيدي العناصر الطبيعية. # ولكن بيلوس إله نينوى الأعظم كان يعلم، من قبل، موعد مجيء هذه الطفلة إلى العالم ~~الأرضي، ويعرف ما سوف يكون لها من شأن. وربما كانت بنته تزوج أمها ولم يعلم بذلك أحد، ~~وعلمه بها جعله يرسل الإله ينبو رسوله رقيبا على ديركيتو حتى إذا ولدت طفلتها وألقتها ~~في البادية أرسل إليها ينبو سربا من الحمائم هداهن ببكائها إلى مكانها، فطفق بعضهن ~~يرف عليها بأجنحته ليرد عنها الحر نهارا ويدفئها ليلا، وكانت الحمائم الأخريات ~~ينطلقن إلى حيث ينزل رعيان البدو، فيحملن إليها بمناقيرهن نقطا من الحليب يزققنها بها ~~ليغذينها، وحينما بلغت السن التي تحتاج فيها إلى غذاء أقوى أخذت الحمائم يردن الأمكنة ~~التي يضع فيها الرعيان ما يصنعونه من الجبن، فيأخذن منه مقدار ما يسع منقار كل منهن، ~~وكان الرعيان إذا عادوا مساء يرون جبنهم منقورا فدهشوا، وتركوا منهم في الغد من يرقبه ~~في غيابهم، فرأى الرقيب الحمائم وما يفعلنه فأخبر رفاقه، فتتبعوا الحمائم حتى وصلوا إلى ~~حيث الصبية، فرأوها رائعة الجمال، فحملوها معهم إلى خيامهم، وقر رأيهم على بيعها في ~~نينوى. # وكان للآشوريين موسم يقيمونه في كل سنة لتزويج بناتهم، موسم يتقاطر فيه الشبان ~~والشابات من كل نواحي المملكة، ومن جميع طبقات الشعب إلى العاصمة الآشورية، فتعرض هناك ~~الشابات في ساحة واسعة، ويجتمع الشبان لينتقي كل منهم زوجة، أو ينتقي صبية يحملها إلى ~~داره فيربيها إلى أن تبلغ سن الزواج فيتزوجها. # وكان الشبان الأغنياء يتقدمون أولا، ويتزايدون في أثمان الحسان، فتكون الحسناء ~~عرسا لمن ترسو عليه الزيادة الأخيرة، ولا تدفع أثمان الجميلات إليهن ولا إلى أهلهن، ~~وإنما تعطى بائنات للشابات القبيحات فيحملنها إلى متوسطي الحال والفقراء، فهؤلاء لم يكن ~~يهمهم الجمال، وإنما كان يهمهم ما تحمله الزوجة من المال، ms34 ولا تسلم بنت إلى شاب إلا على ~~ضمان تزوجه بها. # حمل الرعاة الصبية الحسناء إلى نينوى، وكانوا قد سموها سميراميس أي حمامة لرؤيتهم ~~الحمائم يغذينها. ووافق وصولهم إلى المدينة يوم موسم الزواج وقد غصت ساحة عرض الحسان ~~بالشيوخ والكهول والشبان، كل يطلب حسناء جميلة تملأ بيته حبا وحياة، فشاء الرعاة أن ~~يخترقوا الجماهير ليدخلوا سميراميس إلى الساحة فلم يستطيعوا. وفيما كانوا يحاولون ذلك ~~شاهدهم «سيما» ناظر مرابط خيول الملك، وشاهد الصبية الصبيحة الوجه المتلألئة الجمال. ~~وكان سيما عقيما لا أولاد له فهفا قلبه إلى سميراميس، وشاء أن يتبناها، فدعا إليه ~~الرعاة وساومهم على ثمنها، وحملها إلى منزله وسلمها إلى زوجته، فكانت هذه تحبها وتعتني ~~بها كأنها بنت أحشائها حتى ترعرعت وتفتقت أزهار محاسنها، وبرزت معاني جمالها. # وفي أحد الأيام جاء منيوتس كبير قواد الملك نينوس، ملك نينوى، إلى مرابط الخيول ~~ليتفقد خيول الملك، فشاهد سميراميس قاعدة قربها، فوقف ينظر إليها معجبا ببهائها والنور ~~المنبعث من وجهها، فرنت إليه سميراميس بمقلتين فاترتي النظر يترقرق السحر فيهما، ~~فاستطير عقله ولم يتمالك أن دعا إليه سيما وسأله عنها، فأخبره سيما خبرها، فطلبها ~~القائد زوجة له وأغلى مهرها. ثم حملها إلى قصره وسلمها إلى المزينات والمواشط ~~ليتواصين بها، وأخرج لها من خزائنه من حلي وجواهر ما لا يوجد مثله إلا في كنوز الملوك. ~~فأخذتها النساء إلى الحمام وغسلن بدنها بالماء المعطر ومشطن شعرها الأسود الطويل، ~~وسدلنه على كتفيها خصلا معقدة بالجواهر، ثم ألبسنها الأرجوان الفينيقي الموشى ~~بالذهب والمحلى بالجوهر، وأخرجنها للقائد عروس الجمال والفتون والأناقة. # وكان منيوتس قد أمر بتهيئة أداة العرس فتزوجها، وجعل لها المقام الأسمى بين نسائه ~~وحظياته، وكان يلازمها ملازمة ظلها لها ولا يطيق البعاد عنها، فكانت تزيد فتونه بها ~~بدلها الخفر وتسبيه بذكائها وعذوبة منطقها. # ذهب القائد ذات يوم مع الملك إلى حرب رجع منها الملك مظفرا، فخرج أهل المدينة ~~للقائه، وبرزت النساء يعزفن بالمعازف ويزغردن فرحا، وحملت سميراميس نفسها على محفة ~~يرفعها أربعة من العبيد السود وتسايرها فيها وصيفتان ms35 صبيحتا الوجه ناعمتا البشر، هذه ~~راكعة وراءها تروح لها لترد عنها لذعات الشمس، وتلك ساجدة أمامها تلبي ~~رغباتها. # وكان الملك على مركبته الذهبية تجرها جياد الخيل، يخفق فوق رأسه العلم الآشوري، ~~ويسير إلى جانبه على فرس القائد منيوتس، وتحيط بهما كوكبة من القواد، فحانت من الملك ~~التفاتة فوقعت عينه على سميراميس في محفتها، وكانت في اتكاءتها على المساند الحريرية، ~~والتفاتتها، وزينتها، وتألق طلعتها، أغرى ما تكون امرأة وأسلبها للعقول، فعلقت عينا ~~الملك عليها، وأحست به فرنت إليه في دلال وفتور، فأصابت مقلتاها مكان الشغاف من ~~قلبه، فالتفت إلى القائد منيوتس وسأله: من تكون هذه المرأة؟ فشعر منيوتس بدنو ~~الكارثة، وأدرك أن سميراميس حلت في عيني الملك، فصمت على ألم متظاهرا بأنه لم يسمع، ~~فكرر الملك السؤال فلم ير القائد مناصا من الجواب؛ لأن الملك متى أراد شيئا لا يمكن ~~أحدا مخالفته، والويل لمن يخالفه، فأجاب: هذه زوجتي يا مولاي. # دخل الملك قصره وتفرق الجند والناس، فأرسل إلى منيوتس يقول له: إن سميراميس حلت في ~~عيني الملك فهو يريد أن يراها في قصره بين محظياته، فصعق القائد ولبث حائرا لا يدري ~~ما يفعل، ورأت سميراميس حاله فأشارت عليه أن يلبي رغبة الملك وهي تسعى في البلاط بما ~~أوتيت من فطنة ودهاء لعلها تقنع الملك بإرجاعها إليه، فنزل القائد عند إشارتها حزينا ~~يائسا، ولما أبصرها خارجة من القصر في محفتها تشع كالكوكب اسودت الدنيا في عينيه ~~وضاع عقله، فاستل سيفه واتكأ بصدره على رأسه فخرج من ظهره، وسقط يتشحط ~~بدمائه. # وما تراه يهم سميراميس إذا قيل لها إن زوجها انتحر يأسا؟ فهي لم تكن تحبه ولا تحب ~~أحدا سواه، وإنما كانت امرأة شهوانية نهمة للملذات والسيطرة، فسارت إلى بلاط الملك، ~~ونزلت في مقصورة فخمة أعدت لها، وجعلها الملك أولى حظاياه. ولم يطل الزمان حتى صارت ~~بحذقها، وبضروب إغرائها، نافذة الأمر عنده، حتى إنه لولوعه بها كان يحملها معه في ~~حروبه، وقد مكنته مرة بحسن إرشادها وشجاعتها من الاستيلاء على مدينة كان يحاصرها، ms36 فعظمت ~~في عينيه وتزوجها فكانت أعز نسائه على قلبه. وولدت سميراميس للملك ولدا سماه ~~نينياس، نشأ نشأة حربية شأن أبناء الآشوريين كلهم. # وكانت الثورات في البلدان التي تحت السيطرة الآشورية متوالية؛ لأن الشعب الآشوري كان ~~شعبا خشنا يعبد القوة ويحتقر الضعف ويقسو على المغلوب، وكان نيره أثقل نير وأضيقه؛ ~~لأن حكومته كانت عسكرية لا تحسن إدارة البلدان التي تخضعها بغير التنكيل والإرهاب. ~~فكانت سميراميس ترافق زوجها الملك لقمع الثورات والفتن، ولم تكن لتتنازل عن أناقتها، ~~وكيف يمكنها الذهاب إلى الحرب في ثيابها الفضفاضة؟ فابتدعت ثوبا أنيقا يمكنها معه أن ~~تقضي سائر حاجات الحياة، وأن تركب الخيول وتحارب دون أقل ارتباك، فانتشر زي هذا الثوب ~~بين نساء سائر الشعوب التي خضعت لسلطان سميراميس. # وصحبت سميراميس مرة الملك نينوس إلى بلاد الطورانيين الثائرين عليه، وبعد أن ظفرا ~~بهم وفتحا مدينتهم انتقم نينوس منهم انتقاما وحشيا، فسلخ جلود كثيرين منهم وهم ~~أحياء، وعلق جلودهم على جدران بناها أمام أبواب المدينة، ثم قطع رءوسهم ونظمها في حبل ~~على شكل عقد، وحكم على من أبقاه حيا من الرجال أن يأكلوا لحوم أبنائهم وبناتهم، ومن ~~أبى قطع أنفه وأذنيه وشفتيه، ثم انتزع آلهة المدينة وكنوزها وعاد إلى عاصمته. # رأت سميراميس هذه الفظائع فلم تقبلها نفسها وكرهت زوجها، وسميراميس لم تكن آشورية ~~الأصل لتكون فيها الروح الآشورية الفظة، وإنما هي بنت إلهة فاضلة عادلة حكيمة، وقد ~~ربتها الحمائم الوديعة، وكانت منذ زمن تصبو إلى السيطرة وحدها؛ لأن نفسها كانت تأبى ~~أن تكون الثانية في المملكة، وأن تظل مغلولة اليدين أمرها مردود إلى أمر زوجها، فعزمت ~~على أن تتخلص منه ليخلو لها الجو فتفعل ما تشاء. # وكان نينوس لشغفه بها ورؤيته ما هي عليه من شجاعة وذكاء قد أشركها في إدارة بعض شئون ~~المملكة، وذات مساء بينما كان جالسا في مقصورتها يتحبب إليها وتملكه بدلالها وشتى ~~حيلها، شعرت بأنها قد استعبدته، فطلبت منه أن يسلمها سلطته كلها دقيقة واحدة، فأجاب ~~طلبتها وعهد إليها بالسلطة المطلقة، فما كان منها ms37 إلا أن أمرت بالقبض عليه وقتلته ~~وملكت مكانه، ولما علم الشعب بما فعلته هاج وتألب، جماهير تزاحفت إلى القصر تريد الفتك ~~بها والثأر بالملك، وجاء سميراميس النبأ وهي تستحم فلم تذعر ولم ترتعد، وإنما خرجت من ~~حمامها نصف عارية، وشعرها منفوش، وغدائرها تنوس على كتفيها، وأطلت من شرفة القصر، فلما ~~رأوها شدهوا فصمت ضجيجهم وسجدوا لجمالها سجدة رجل واحد، ثم تفرقوا وهي عندهم في مقام ~~إلهة. # وانصرفت سميراميس بعد أن توطد ملكها على عبادة الشعب لها إلى الشئون العمرانية، فبنت ~~على ضفتي الفرات مدينة بابل أجمل مدينة في الشرق، بل في العالم كله وأشهرها، وسورتها ~~بسور عريض تسير مركبتان معا على سطح جداره، وشيدت صرحا لها زينته بأجمل ما وصل ~~إليه الفن الشرقي من النقوش والتخريم والترصيع، وأنشأت الحدائق المعلقة التي عدت بين ~~عجائب الدنيا السبع، وهي كناية عن جنائن جعلتها على أبراج مرتفعة ارتفاعا شاهقا، ~~ورفعت إليها ماء الفرات بأنابيب تدفعه فيها مدافع آية في الصنعة والإحكام، وجعلت ~~مدينتها مركز تجارة آسيا تلتقي فيها الطرق التي تنبعث إلى بلاد العرب ومصر والهند ~~وأرمينية وآسيا الوسطى، وأنشأت مناسج اشتهرت بنسيجها البابلي في ألوانه الزاهية، على ~~تطريز صور، ورسوم أزهار ونجوم وحيوانات خرافية، وبنت للإله بيلوس هيكلا ضخما فيه ~~ثلاثة تماثيل من ذهب، وأقامت في فنائه برجا عاليا يناطح السحاب، ومدت جسرا على ~~الفرات يصل شطري المدينة أحدهما بالآخر، وانتزعت من مياهه ترعا وجداول جرت منها ~~المياه إلى الأبنية والجنائن والبساتين، وشقت بحيرة تتسرب إليها مياه النهر الطاغية، ~~فلا تتدافع إلى المدينة، وتوقع فيها الخراب. # بعد أن أتمت سميراميس أعمالها ومنشآتها العمرانية تحولت إلى الفتوح، فدوخت البلدان ~~التي جاهرتها بالعصيان، وزحفت في جيش ضخم فأخضعت آسيا وميديا وفارس وأرمينية وفينيقية ~~ومصر وليبية، ثم سارت إلى الهند لمحاربة ملكها منيلة وفتح ورشاقة الجسم ولطف الشمائل، ~~محاسن لم تخلعها الآلهة قبلها إلا على سميراميس، ولم تخلعها على بنت سواها بعدها، وكان ~~مما لا معدى عنه أن يلتقي الولدان كل يوم في الفناء المنبسط ms38 أمام داريهما، فيتعارفا ~~ويتوادا ويلعبا بالألاعيب الصبيانية البريئة، ولم يكن أهلهما ليروا أمرا غريبا في ~~اجتماعهما ولعبهما معا فقديما ما كان الصبيان والصبيات يجتمعون ويلعبون، ولا يخشى ~~أهلهم محذورا بينهم. # مرت الشهور والسنون، فشب بيرام ونهدت تسبا، وتحول ذاك الود ~~الصبياني من نفسه إلى حب فتوي تؤرث لواعجه عاطفة الفتوة المحتدمة، ويبلوره خيال ~~الشباب اللازوردي الذي لا يقيده عقل، ولا يصقله منطق، وكان هذا الحب يتمكن من يوم إلى ~~يوم حتى ملك على الفتيين قواهما وحواسهما، فكان الواحد منهما لا يقوى على فراق صاحبه ~~هنيهة، وإذا جنهما الليل انصرفا على عناق طويل وقبلة حنون، وانطلق كل إلى سريره ~~وطيف حبيبه يرف عليه بأجنحة الأماني الوردية. # وبقيا على هذه الحال زمنا غير يسير، لا يشعر بهما أحد ولا يدري بهما أهلهما، غير أن ~~النميمة إلهة خبيثة، همها تهديم الآمال وزرع بذور الآلام، مسخ مخيف يبتدئ صغيرا ~~هزيلا يرتجف خوفا على حياته، ولكنه لا يكاد ينطلق حتى ينمو ويقوى، يسير خفيف الرجل ~~سريع الجناح باثا عيونه وألسنته وآذانه الكثيرة في كل مكان، فيتنصت على الأبواب، ~~ويختبئ في الكوى والمنعطفات، لا تنام عيونه ولا تصمت أفواهه، لا في ضياء النهار، ولا في ~~ظلام الليل، حتى تقع عينه على مشهد أو تسمع أذنه خبرا فيسير به مكبرا له ناشرا إياه ~~في كل مكان، هذه الإلهة الخبيثة كانت سبب مأساة بيرام وتسبا، فقد تمثلت في فتاة تدعى ~~أورانيا تصاقب دارها الفناء الذي يجتمع فيه العاشقان معتقدين أن لا رقيب عليهما فيه، ~~فيتبادلان نجاوى الهوى ويبتردان بحر القبل، وكانت أورانيا تشاهدهما كل يوم فأكلت ~~قلبها الغيرة، وكيف يكون لتسبا حبيب جميل كبيرام وهي لا تعلوها في ذروة الجمال؟ فطفقت ~~كلما جلست إلى صديقة لها من بنات الحي تخبرها بعشق بيرام وتسبا، وتعظم لها الأمر، فتنقل ~~تلك الخبر إلى غيرها مكبرا، وهذه إلى أخرى حتى وصل إلى والدي تسبا وبيرام فجن ~~جنونهما؛ لأن ولديهما دنسا الأخلاق البابلية، وداسا تقاليد الشعب البابلي التي لا ~~تأذن لشاب أن يجتمع ms39 بفتاة إلا بعد أخذها من سوق الزواج، فأسرع الوالدان إلى حيث قيل ~~لهما إن العاشقين يجتمعان، فأدركاهما يتعانقان عناق فراق على أمل من لقاء. أدركاهما ~~يتبادلان قبلة الحب البريء، فتأثما وخافا الفضيحة والعار، خافا أن يلعنهما البابليون ~~وتغضب عليهم الآلهة، فالتقاليد عندهم شرائع إلهية، والموت جزاء من يستهين الشرائع ~~الإلهية، فأمسك تسبا والدها من شعرها وجرها إلى داره وهو يلعنها، ودفع بيرام والده ~~أمامه وهو يشتمه، وحرما على العاشقين أن يجتمعا أو أن يكلم أحدهما الآخر، منعاهما ~~اللقاء والتشاكي، ولكنهما لم يستطيعا أن يمنعاهما التناجي والكلام بالإشارات من بعد. ~~أرادا أن يخمدا نار ذاك الحب فزاداها اشتعالا، فكان العاشقان كلما ضيق عليهما ~~وأرغما على قمع حبهما وكتم لوعتهما اضطرمت لواعجهما وتأجج لهيب غرامهما. # وكان في الجدار الذي يفصل غرفتي بيرام وتسبا، شق قديم، منذ بني الجدار، لم ينتبه ~~إليه أحد، ولا يعرفه أحد، فلم تشأ إلهة الحب، وهي إلهة ترأف بعبادها وتسهل لهم سبل ~~الوصال، لم تشأ هذه الإلهة الحنون أن يظل العاشقان معذبين ليس لهما إلا التخيل ~~والنجوى، فهدتهما إلى هذا الشق، فكانا يجلسان إليه، كل في غرفته، ويتشاكيان آلام ~~قلبيهما ويغمغمان آيات هواهما، يقعد إلى الجدار كل من جهته، ويتلقى، ملء روحه، أنفاس ~~حبيبه الطيبة على قلبه، ويخاطب الجدار قائلا له: ما أقسى فؤادك يا جدار! وما أصلب ~~كبدك! أيلذك أن تلبث حاجزا بيننا؟ وما يضرك لو تركت جسمينا يجتمعان؟ فإن تكن ترى ~~اجتماعنا كثيرا علينا فاسمح ولا تبخل، بأن نتبادل القبل، ولكن مهما تكن قسوتك علينا، ~~ومهما سددت أذنيك عن شكوانا، فإننا لا ننكر جميلك علينا، فلولاك لم يستطع كلام أحدنا ~~أن يصل إلى أذني صاحبه. # وهكذا كانا يظلان على شكوى وتهامس حتى يدجو الليل ويحين وقت الرقاد، فيودع الحبيب ~~حبيبه بأعذب الألفاظ وأرقها ويقبلان شق الجدار وينصرفان، ولا يكاد الفجر ينبثق ~~ويطرد ضياؤه نجوم الليل، وترتشف أشعة الشمس قطر الندى عن ثغور الأزهار، حتى يعودا إلى ~~موعدهما. # غير أن هذه الشكاوى المهموسة، والزفرات المصعدة خفية في ms40 أذن الجدار الصماء، لم تكن ~~لتشفي ما بالعاشقين من آلام، ولا لتخفف من لاعج غرامهما، فاتفقا ذات يوم، وقد أخذ اليأس ~~منهما كل مأخذ، على أن يغافلا أهلهما ليلا، ويخدعا حراس السور، ويجتازا أبواب المدينة ~~ويفرا إلى ظاهرهما، وتواعدا على اللقاء عند قبر نينوس الملك، لئلا يتيها فيضيع كل منهما ~~حبيبه. # وكان يظلل قبر نينوس زوج سميراميس شجرة توت كبيرة، ثمرها أبيض كفلذ الثلج، تنهض ~~على حافة عين باردة الماء، فاتعدا على اللقاء تحتها يستظلان بظلالها عن عيون ~~الليل. # اتفقا على هذه الخطة الجريئة، وافترقا عن قبلة اللقاء لا عن قبلة الوداع، وأي لقاء ~~مفجع سيكون لقاؤهما؟! ولما سكت الليل وغفلت العيون نهضت تسبا من سريرها وقنعت رأسها ~~ووجهها بمنديل حريري من نسج بابل، ومشت في خفة تتلمس الجدران لتستهدي، تطأ الأرض بحذر ~~خشية أن تقرع قدماها شيئا ينبه صوته والديها، فيشعرا بهمس خطواتها، حتى خرجت من ~~الدار، فتنفست طمأنينة، سارت إزاء السور إلى أن بلغت الأبواب، وكانت إلهة الحب قد ~~بعثت إيريس رسولة الإلهات، فهبطت بين الحراس وشغلتهم بغنجها ودلالها، فنسوا الأبواب ~~مفتوحة فانسلت منها تسبا انسلال النور من خصاص النوافذ، ومضت تتعثر بين غدائر الظلام ~~المنسدلة، يجب قلبها كلما أحست نأمة، أو آنست حسا فتتردد، فيغوثها الحب، ~~ويمسها بصولجانه السحري، فيلهمها الشجاعة فتمضي في سيرها، ولم تصل إلى قبر نينوس حتى ~~أطل عليها القمر من صدر البرية، فلجأت إلى ظل التوتة المخيمة عليه، وملأت كفيها ~~من زلال العين، فغسلت وجهها وشربت ثم اتكأت على صفائح القبر تنتظر بيرام. # وبينما كانت العذراء البابلية في انتظار حبيبها إذا بها تسمع زئيرا دوت منه ~~البادية ورددت صداه الآفاق، فرعبت وأخذتها الرعدة، وقفزت تسير على غير هدى، فانتحت ~~غابة قريبة واستترت مذعورة بين أدغالها، وكانت في نفرتها قد أسقطت منديلها الحريري عن ~~كتفيها، فلم تجرؤ على العودة لأخذه فتركته حيث سقط. # وكان هذا الزئير صوت لبؤة افترست ثورا، فأخذها العطش فجاءت إلى العين التي تعودت ~~الشرب منها، فولغت في مائها حتى ارتوت، ms41 ثم ولت قافلة إلى الغابات، فعثرت في مرتها ~~بالمنديل فخيل إليها أنه عدو عنيد فهرت غضبا، ومزقته بأنيابها وبراثنها ولطخت قطعه ~~بدم الثور الذي كان يلوثها. # لم تتوار اللبؤة في الغابات حتى وصل بيرام موافيا عذراءه إلى الموعد، وكانت تسبا ~~ما برحت مختبئة في الأدغال ترتجف خوفا من أن ترتد اللبؤة وتكشف مكانها، فرأى بيرام ~~في ضوء القمر آثار وحش مرتسمة على التراب المندى، فارتعش واصفر وجهه وخفق قلبه خشية ~~على تسبا من أن تكون الوحوش قد فاجأتها وفتكت بها، ولم يسر إلا خطوات حتى شاهد المنديل ~~الممزق المخضب بالدم، وكان يعرف أنه منديل تسبا، وهل يخفى على المحب شيء من ثياب حبيبه؟ ~~فصك جبهته، وضرب صدره وصاح صيحة اللائع: يا ليل تبا لك يا ليل وتعسا! شهدت مصرع ~~تسبا، وستشهد مصرع محبها التاعس، إن تسبا كانت أحق مني بطول الحياة، ولكن ربة القدر ~~ربة عمياء تضرب ضربتها على غير هدى، ولا ترى من صرعت، قتلت تسبا في ريق صباها، وإبان ~~تفتق أزرار بهاها ... لا يا تسبا لم تقتلك ربة القدر، وإنما أنا الذي قتلتك ... ألست ~~الذي حملك حبه الملح النهم على أن تغادري أمن بيتك إلى حيث تتساور المفازع ~~والأهوال؟ ولماذا لم آت قبلك؟ إذا لكنت دونك فريسة ذاك الوحش الظلوم، أيتها الأسود ~~الضارية لماذا لا تنقضين علي؟ تعالي ومزقي جسمي مزقا مزقا، عاقبيني على ~~جريمتي بتقطيعك أحشائي بأنيابك المسنونة، أيتها الوحوش الخادرة في هذه الغابات الغبياء ~~هلمي إلي وافترسيني، فقد حق علي الموت نهشا وتمزيقا، غير أني لن أنتظر مجيئك ~~إلي لتذيقيني كأس المنون جرعات مرة، فالجبان وحده يدعو الموت وينتظر مأتاه، وأنا ~~لست جبانا. # ثم تناول منديل تسبا، وحمله إلى ظل الشجرة يقبله باكيا حتى بلله بدموعه، هناك ~~انتضى خنجره من قرابه العاجي، وخاطب المنديل قائلا: تقبل يا منديل الحبيب دمي الذي ~~تسفكه يدي حسرة على صاحبتك. وطعن صدره بالخنجر، ثم انتزعه من الجرح ورمى به جانبا، ~~فنفر دمه سخينا واندفق على أصول التوتة فنهلته، فتلونت أثمارها ms42 البيضاء بلون قرمزي، ~~واستلقى بيرام قرب جذعها يضم المنديل إلى صدره الدامي ويعالج سكرات الموت. # وكانت تسبا قد أمنت عودة اللبؤة، فخرجت من مخبأها، وأسرعت الخطى خائفة أن يكون بيرام ~~قد أتى ولم يرها، فهو ينتظرها وهي لا تريد أن تتأخر عليه، فجعلت تبحث عنه بقلبها ~~وعينيها، تشتاق أن تراه لتخبره بالخطر الذي واثبها، فانتهت إلى العين فعرفت المكان، ~~ولكنها أنكرت لون أثمار التوتة، تركتها بيضاء فإذا بها تجدها حمراء كالدم، فبهتت وسألت ~~نفسها: أتراها إياها؟ وفيما هي متريبة تدير عينيها فعل الحائر، أبصرت على جذع التوتة ~~هيكلا مرتميا، فدنت منه متخوفة، فوقعت عيناها، ويا لهول ما وقعت عليه! وقعت على جثة ~~بيرام لا تزال نابضة بين الدماء، فطار لبها وكمد لونها وارتجفت كالورقة في مهب ~~العاصفة، عرفت جسم من تحبه ومن داست التقاليد من أجل حبه، وخاطرت بروحها في سبيل هواه، ~~فخفقت بكفيها الناعمتين ذراعيها البريئتين خفقات مرنة، وقطعت شعرها بأناملها ~~الطرية، وارتمت على جسم بيرام الدامي تحتضنه وتقبل جرحه وتمزج دموعها بدمائه، تقبل ذاك ~~الوجه البارد كالجليد وتصيح به: يا بيرام! يا حشاشة كبدي! أي قدر قاس انتزعك مني؟ أجبني ~~يا بيرام! لماذا لا تكلمني؟ أنا تسبا قربك فاسمع صوت قلبي، ارفع رأسك قليلا وافتح ~~مقلتيك وانظر إلى آلامي ولوعتي. فاستفاق بيرام على نداء تسبا اللائعة، تلك الاستفاقة ~~التي يسمونها استفاقة المنية، ورنا إليها رنوة ملأى بمعاني الحب والحنان واليأس، ثم ~~أطبق عينيه إطباقة لا انفتاح لهما بعدها، فصرخت تسبا صرخة الثكلى أفقدها المصاب عقلها، ~~وأخذت تقلب جسم بيرام في حركة المجنون، وتحنطه بالقبل والدموع، وإذا بها ترى منديلها ~~الممزق المخضب بالدم، وقراب الخنجر الفارغ، فأدركت سر موت حبيبها، وهدأت تخاطبه بحزن ~~واستسلام قائلة: إن يدك يا بيرام هي التي قتلتك حزنا علي، لتوهمك أن اللبؤة قد ~~افترستني! ولكن يدك غير مجرمة في قتلك، وإنما أن المجرمة الوحيدة؛ لأن حبي هو الذي سفك ~~دمك، فإن يكن هذا الحب قوى يدك فطعنت صدرك بخنجرك، فأنا لي أيضا يد قوية ms43 وفي قلبي حب ~~يقويني لأمزق بخنجرك أحشائي، وأتبعك إلى ما وراء هذه الحياة. إن الموت وحده كان في ~~قدرته أن ينتزعك مني فأدركك الموت، وسأتحداه وألتحق بك إلى حيث لا تفرقنا يد مفرق، ~~فيا أبت المنكود الحظ، ويا أيها الوالد التاعس، والد حبيبي، إني أرفع إليكما رجاء ~~عاشقين جمعهما الحب الأمين في مصير واحد، فارحماهما واجعلاهما يستريحا في قبر واحد، ~~وأنت أيتها التوتة التي شهدت مصرع حبيبي وستشهد مصرعي، فلن تظلل بعد هنيهة إلا جثتين ~~يلفهما الموت معا بملاءته السوداء، احفظي أثر استشهادنا في الحب، واحملي حتى الأبد ~~أثمارا سوداء حدادا علينا، أثمارا سوداء تشهد بأن العاشقين المشئومي الطالع: بيرام ~~وتسبا، قد سقياك دماءهما التي سفكتها يداهما. # قالت هذا وتناولت الخنجر من على الأرض ودم بيرام لا يزال عليه فاترا، وغرزته بين ~~ثدييها، فسقطت فوق بيرام جثة هامدة. # حمل الإله النسيم رجاء تسبا إلى آذان الآلهة وآذان ~~والدها ووالد بيرام، فرأف بها الآلهة وجمعوا روحها وروح بيرام، روحي شهيدي الحب جمعوهما ~~معا في فردوسهم، حيث الربيع الأبدي المرصع بالورود والزنابق الطيبة الشميم، هناك في ~~نهار دائم ونور نقي ولذة لا تنقضي يستظلان أشجارا حملها البخور وثمارها تفاح ذهبي، ~~وينهلان من سلسبيل الآلهة تحيط بهما غبطة خالدة وفرح لا يزول، وأحرق والداهما جسميهما ~~ووضعا رمادهما في إناء واحد دفناه في قبر مزروعة حوله أزاهير زكية العرف جميلة ~~المرأى، ولبست التوتة ثوب حداد أبدي فهي منذ ذلك اليوم لا تثمر إلا أثمارا ~~سوداء. ~~(6) سليمان وبلقيس # حدثتنا توابع الجن قالت: كان في العهد القديم على بني إسرائيل ملك يقال له داود، عالي ~~المكان في الأرض وعند الرب إلهه، مبسوط السلطان، وكان له ولد يقال له سليمان جمع إلى ~~الذكاء والفطنة والحكمة حسن الشمائل وجمال الصورة، فكان يفضله على سائر إخوته مع أنه ~~كان أصغرهم سنا. وذات يوم شعر داود بأن شمس حياته آذنت بالمغيب، فاستدعى إليه سليمان ~~وقال له: يا بني، إن أيامي على الأرض صارت قليلة، وإني لأحس بأن موتي قريب، وقد ms44 ~~استدعيتك لأستخلفك من بعدي على مملكة إسرائيل؛ لأني وجدتك أهلا لذلك، فقبل سليمان ~~يدي أبيه ورأسه وبكى حزنا لدنو أجل والده، ثم انصرف وكتم أمره، وتزوج امرأة واستتر ~~عن الناس، وأقبل على العبادة والعلم، ورأت امرأته قعوده عن الكدح في سبيل العيش، فقالت ~~له في أحد الأيام: بأبي أنت وأمي ما أكمل خصالك وأطيب رائحتك. ولا أعلم لك خصلة أكرهها ~~إلا أنك في مئونة أبي، فلو دخلت السوق فتعرضت لرزق الله لرجوت ألا يخيبك الله. ~~فقال سليمان: إني ما عملت عملا منذ كنت ولا أحسنه، ثم دخل السوق صبيحة يوم فلم يقدر ~~على شيء، فرجع وأخبرها فقالت: غدا يكون إن شاء الله. فلما كان اليوم الثاني مضى سليمان ~~حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا هو بصياد يلقي شبكته، فقال له سليمان: هل لك أن أعينك ~~وتعطيني شيئا؟ قال: نعم. فأعانه، فلما فرغ أعطاه سمكتين، فأخذهما وحمد الله تعالى، ~~وشق بطن إحداهما، فإذا هو بخاتم في بطنها فأخرجه ولبسه في أصبعه، فعكفت عليه الطير ~~والريح، وخضعت له الجن والشياطين والعفاريت، ووقع عليه بهاء الملك وسناه. # ولم يلبث داود الملك أن مات، فقام سليمان مقامه في مملكة إسرائيل، وساس الرعية ~~بالعدل، ورأى سليمان في نفسه حاجة إلى ما يوقع هيبته في نفوس مرتكبي الإثم، فأمر الجن ~~بأن يتخذوا له كرسيا ليجلس عليه للقضاء، وأن يصنعوه بديعا مهيبا بحيث لو رآه مبطل ~~أو شاهد زور ارتعد من هيبته، وكان بين الجن رجل صناع يقال له صخر. اشتهر ببراعته ~~ودقة صنعته، فصنع لسليمان كرسيا من أنياب الفيل، وزينه باليواقيت واللؤلؤ ~~والزبرجد، وحفه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وعلى ~~رأس نخلتين منها طاوسان من ذهب، وعلى الأخريين نسران من ذهب، وجعل بين جنبي الكرسي في ~~أسفله أسدين من ذهب، وعلى رأس كل واحد منهما عمودا من الزبرجد الأخضر، وعقد على ~~النخلات دوالي من الذهب الأحمر، فإذا أراد سليمان أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، ~~وإذا وضع رجله على الدرجة السفلى يستدير ms45 الكرسي بما فيه دوران الرحى، وينشر النسران ~~والطاوسان أجنحتها، ويبسط الأسدان ذراعيهما، ويضربان الأرض بذنبيهما، وكذا يفعلان في ~~كل درجة يصعدها، فإذا استوى في أعلى الكرسي أخذ النسران تاجه فوضعاه على رأسه، وإذا قعد ~~أظله النسران بأجنحتهما ثم يستدير الكرسي بما فيه النسران والأسدان، وينضح الطاوسان على ~~رأسه المسك والعنبر، فيتناول سليمان حمامة من الذهب فيها التوراة، فيقرأها على الناس، ~~ويقضي فيهم بحسب ما ترسمه. # ولم يكن الإنس وحدهم يحتكمون إلى سليمان، وإنما كان يحتكم إليه الجان فيقضي بينهم، ~~ويحتكم إليه الطير والوحوش والبهائم، وقد آتاه الله فهم منطقها، فيقضي بينها بالحق، ~~وكان يفسر كل صوت سمعه من أصوات الطير: فالقمري يقول في تغريده: سبحان ربي الأعلى ~~الوهاب. ويقول النسر: يا ابن آدم، عش ما شئت آخرك الموت. وروي أنه سمع فاختة تصيح، ~~فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وأنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال: يقول: إذا ~~أنا أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. # ونال سليمان من المجد والسلطان ما لم ينله ملك من ملوك زمانه، وعظم جنده حتى كان ~~معسكره مائة فرسخ في مائة فرسخ: خمسة وعشرون فرسخا للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة ~~وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحوش، وكان حرسه اثني عشر ألف فارس، ومركباته الحربية ~~ألفا وأربعمائة مركبة. ولم يكن يخرج إلى حج أو غزو إلا حمل معه زوجاته وسراريه، وسار ~~في جنده وحشمه وخدمه وكتابه ومطابخه ومخابزه وتنانير الحديد والقدور العظام، ورأى ما ~~في نقلة هذه الأثقال والأحمال من صعوبة، فأمر الجن فصنعوا له بساطا ذهبا في إبريسم ~~فرسخا في فرسخ، ووضعوا في وسطه سريرا يجلس فيه وحوله كراسي من ذهب وفضة، فيقعد ~~الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة وحولهم الناس والجن والشياطين، ~~وتظلله الطير بأجنحتها لئلا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر ~~بالغداة ومسيرة شهر بالعشي. # غير أن هذا البساط لم يكن ليسع معسكره ودوابه وآلة حربه حينما كان يذهب إلى الغزو، ~~فكان يأمر بأن تضرب خشب فينصب ms46 على الخشب سريره، ويحمل عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ~~حتى إذا حمل ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخل تحت تلك الخشب فحملها، فإذا استقلت أمر ~~سليمان الرخاء، فمرت به شهرا في غدوته وشهرا في روحته، فيطبخ الطباخون ويخبز الخبازون ~~ويطعم الأهل والحشم والخدم والجنود والدواب، هذا والريح تهوي به هويا إلى حيث ~~أراد. # وكان سليمان تقيا ملأ قلبه حب الله وخوفه، فبنى هكيلا للرب في أورشليم، بناء ~~فخما جميلا زانه بالعاج والجواهر الكريمة والذهب والفضة والبلور، وأخشاب لبنان من أرز ~~وسرو وصندل، وبنى كذلك لسكناه منزلا من أرز لبنان سماه غابة الأرز، وبيتا من قوارير ~~مرتفعا على الخشب لزوجاته وسراريه، ولما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى ~~أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجن والشياطين والطيور والوحوش ما يبلغ ~~معسكره فرسخا في فرسخ، فحملتهم الريح على بساطه، فوافى الحرم وحج وأقام فيه ما شاء ~~الله، وكان ينحر في كل يوم مقامة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف ~~شاة. # وبعد أن قضى حجه سافر نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الظهيرة، فرأى أرضا حسناء تزهو ~~خضرتها فأعجبته نزاهتها، فأحب النزول فيها ليصلي ويتغدى، فهبطها ببساطه، ودخل وقت ~~الصلاة، وكان سليمان قد نزل على غير ماء، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم ~~يعلموا، وكان الهدهد - وهو رائد سليمان وقافيه - لأنه يحسن طلب الماء، قد قال في نفسه، ~~حين نزل سليمان في تلك الأرض الحسناء: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فأرتفع إلى السماء ~~وأنظر إلى طول الأرض وعرضها. فارتفع فنظر يمينا وشمالا، فرأى بستانا نضرا في أرض ~~اليمن، فمال إلى الخضرة فوقع فيه، فإذا بهدهد هنالك فهبط عنده، وكان اسم هدهد سليمان ~~يعفور واسم هدهد اليمن عنفير، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ ~~قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والإنس ~~والشياطين والطير والوحوش والرياح. صاحب الخاتم المرصود ورب بساط الريح، فمن أين ms47 أنت ؟ ~~قال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة تدعى بلقيس. فإن كان لصاحبك ملك ~~عظيم فليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد تحت كل ~~قائد مائة ألف مقاتل، وقومها مائة ألف قيل، مع كل قيل مائة ألف مقاتل. فهل أنت ~~منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال يعفور: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا ~~احتاج إلى الماء. قال عنفير: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق يعفور ~~ونظر إلى بلقيس وملكها وتعرف أمرها، وما رجع إلى سليمان إلا وقت العصر. # وكان سليمان قد تفقد الهدهد؛ لأنه احتاج إلى الماء لأجل الوضوء والهدهد رائده، ولأن ~~الهدهد قد أخل بالنوبة؛ فإن سليمان كان إذا نزل منزلا يجله وجنده الطير من الشمس، ~~فأصابته الشمس من موضع الهدهد إذ وقعت نفحة منها على رأسه، فنظر فرأى موضع الهدهد ~~خاليا فدعا النسر، عريف الطير، فسأله فقال النسر: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما ~~أرسلته مكانا. فغضب سليمان عند ذلك، وقال: لأعذبنه عذابا شديدا، ثم دعا العقاب، سيد ~~الطير، فقال: علي بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء، ~~ونظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي الآكل، ثم التفت يمينا وشمالا، فإذا هو بالهدهد مقبل ~~من نحو اليمن، فانقض نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده ~~فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء. فولى عنه العقاب ~~وقال له: ويلك، ثكلتك أمك! إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو ~~سليمان، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا له: ويلك أين غبت في ~~يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي الله. وأخبروه بما قال سليمان. فقال الهدهد: وما استثنى ~~رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بسلطان مبين. قال يعفور: نجوت إذا. ثم انطلق ~~العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب: قد ms48 أتيتك به يا ~~نبي الله. فلما قرب الهدهد طأطأ رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا ~~لسليمان، فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه فمده إليه، وقال: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا ~~شديدا. قال الهدهد: يا نبي الله، اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل. فلما سمع سليمان ~~ذلك ارتعد فرقا وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي أبطأك عني؟ فألهم الله الهدهد أن ~~يقول له: قد أحطت علما بما لم تحط به. قال سليمان: وماذا؟ قال: عجت على سبأ في اليمن، ~~فوجدت ملكة عظيمة في مجدها وسلطانها وجمالها. قال سليمان: ومن هي؟ قال الهدهد: هي بلقيس ~~بنت شرحبيل بن مالك بن الريان. كان أبوها ملكا عظيم الشأن منبسط السلطان، وكان ~~يملك أرض اليمن كلها، ويقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج فيهم، ~~فخطب إلى الجن فزوجوه امرأة منهم يقال لها ريحانة بنت السكن. قال سليمان: وكيف وصل إلى ~~الجن؟ قال الهدهد: أخبرني هدهد اليمن سبب وصول الملك شرحبيل إلى الجن قال: إن ~~شرحبيل خرج مرة إلى الصيد فوجد حيتين سوداء وبيضاء تقتتلان. وقد ظهرت السوداء على ~~البيضاء. فقتل السوداء وحمل البيضاء وصب عليها ماء حتى أفاقت فأطلقها وعاد إلى داره ~~وجلس منفردا، وإذا بجانبه شاب جميل فذعر شرحبيل، فقال الشاب: لا تخف أنا الحية ~~البيضاء التي أنجيتها. والأسود الذي قتلته هو عبد لنا تمرد علينا وإني مكافئك. قال ~~الملك: وبم تريد أن تكافئني؟ قال الجني: أدلك على الدفائن والكنوز. قال الملك: لا حاجة ~~لي في المال. قال الجني: أعلمك علم الطب. قال الملك: إن الطب قبيح بالملوك. قال الجني: ~~أما وقد أبيت هذين فإن لي بنتا جميلة يقال لها ريحانة. لم يكن في بني آدم مثلها في ~~الجمال، فإن جئت أزوجكها لكن بشرط أن لا تسألها عما تفعل، فإنك إن سألتها عما فعلت ثلاث ~~مرات غابت عنك ولم ترها. فقبل الملك بالشرط وجاءه الجني، واسمه السكن، ببنته ريحانة، ~~فتزوجها ورجع بها إلى منزله، فحملت منه ببنت، ms49 ولما ولدتها ظهرت نار فقذفتها فيها، فقال ~~الملك: لم فعلت هذا؟ قالت: أما شرطت لا تسألني عما أفعل؟ فهذه واحدة من الثلاث ~~فاحفظها، ثم ولدت له ابنا، فجاء كلب فوضعته في فيه، فذهب به الكلب فصاح الملك وقال: ~~لم فعلت؟ قالت: ألم نشترط أن لا تسألني عما أفعل؟ فهاتان ثنتان. وكان في ذلك الزمان ~~ملك اسمه ذو عوان بينه وبين شرحبيل عداوة، فاحتال ذو عوان واصطلح مع شرحبيل، وصنع ~~له طعاما ودعاه إليه، فحضره ومعه امرأته ريحانة، فلما وضع الطعام بين يدي الملك ألقت ~~ريحانة فيه الروث، فرفع الملك يده عن الطعام، وقال: لم فعلت؟ فقالت: أما شرطت لا ~~تسألني عما أفعل؟ فهذه الثالثة. وسأخبرك بتأويل ما فعلت. أما النار والكلب اللذان ~~رأيتهما فهما ظئران سلمت إليهما الولدين لئلا يكون لي تعب في تربيتهما، فإذا كبرا ~~يردانهما عليك، وأما الروث الذي ألقيته في الطعام ففعلته لئلا تأكل من ذلك الطعام ~~المسموم فتهلك؛ لأنهم سموه لك، وها أنا ذا أرد عليك بنتك فإن ابنك قد مات عند حاضنته، ~~هذا تأويل ما فعلت. قالت هذا وغابت عن عينيه، وإذا بجويرية قد خرجت من الأرض وهي ~~بلقيس، وانقض شرحبيل بمن كان معه من رجال على عدوه ذي عوان فظفر به، وعاد وبنته ~~إلى مأرب عاصمة ملكه. # وما ترعرعت بلقيس، وصارت امرأة ذات جمال ورأي وتدبير، حتى مات أبوها دون وصية، ~~فطمعت بالملك ولم يكن له ولد غيرها، وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وأبى ~~آخرون، وملكوا عليهم رجلا يقال إنه ابن أخ لأبيها. وكان هذا الملك فاحشا خبيثا ~~فاسقا أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، ولم يكن ~~يبلغه عن بنت جميلة إلا أحضرها وهتكها، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ~~بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، وكان قد طلب منها الحضور إليه، فأرسلت تقول له: بل احضر أنت ~~إلي. فلما جاءها عرضت نفسها عليه، فأجابها: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس ~~منك. فقالت: ms50 لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم. فجمعهم ~~وخطبها فقالوا: لا نرى تفعل. فقال: بلى إنها قد رغبت في. فذكروا ذلك لها فقالت: نعم. ~~فزوجوها به، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثيرة من حشمها وخدمها، وعند المساء اختلت به ~~وسقته الخمر حتى سكر فحزت رأسه، وانصرفت إلى منزلها من الليل، ولما أصبحت أمرت بأن ~~يعلق رأسه على باب دارها، ثم أرسلت إلى وزرائه وأحضرتهم وقرعتهم، وقالت لهم: أما كان ~~فيكم من يأنف لكريمته أو لكرائم عشيرته؟ ثم أرتهم إياه قتيلا، وقالت: اختاروا رجلا ~~تملكونه عليكم. فأدركوا أن زواجها بالملك لم يكن إلا غدرا وخديعة، وأجابوها قائلين: ~~لا نرضى غيرك. وملكوها عليهم، فجلست على سرير الملك مكان أبيها فأطاعها الملوك، وكانت ~~تجلس من كل أسبوع يوما للحكومة، وتحجب عن الناس بأن تلقي ستورا رقيقة دونهم بحيث ~~تراهم ولا يرونها، والناس وقوف في حضرتها مطرقون رءوسهم من هيبتها، وإذا كان لأحد عندها ~~حاجة يسجد لها أولا، ثم يعرض حاجته في حضرتها فتحكم بها، وإذا فرغت من الحكومة وانصاف ~~المظلوم من الظالم تدخل بيتها السابع وتغلق الأبواب وتحرسها ألوف الحراس. # وبلقيس وقومها مجوس يعبدون الشمس، وقد بلغ من عزتها أن جعلت لنفسها عرشا عظيما ~~فخما ثمانين ذراعا في ثمانين طولا وعرضا، كله من ذهب وفضة مرصع بأنواع الجواهر ~~والدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر ودر وزمرد، ~~وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. # ولما فرغ الهدهد من كلامه قال سليمان: سننظر أصدقت فيما أخبرت أم كنت من الكاذبين. ~~ثم كتب كتابا صورته: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ. بسم الله الرحمن ~~الرحيم، والسلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. ~~وطبعه بالمسك وختمه بخاتمه وقال للهدهد: اذهب بكتابي هذا فألقه إلى بلقيس وقومها، ثم ~~تول وتنح عنهم إلى مكان قريب بحيث تراهم ولا يرونك، ليكون ما يقولون بمسمع منك ~~ومرأى. فأخذ الهدهد الكتاب بمنقاره وطار ms51 به . # وكانت بلقيس في عاصمتها مأرب، وهي من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها الهدهد في قصرها ~~وقد أغلقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، ~~فأتاها الهدهد وهي مستلقية على قفاها راقدة، فدخل عليها من كوة، وألقى الكتاب على ~~نحرها بحيث لم تشعر به وتوارى في الكوة، فانتبهت بلقيس فزعة ورأت الكتاب وكانت قارئة، ~~فلما رأت الختم ارتعدت؛ لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ~~ملكا منها، فجمعت الملأ من قومها فجاءوا فأخذوا مجالسهم، وقالت لهم خاضعة خائفة: أيها ~~الملأ، إني ألقي إلي كتاب كريم حسن مضمونه وما فيه. يا أيها الملأ أفتوني وأشيروا ~~علي. قالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد، والأمر إليك، فانظري ماذا تأمرين. قالت: ~~إني مرسلة إليه بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون بقبولها أو ردها. فإن كان ملكا قبلها ~~وانصرف عنا، وإن كان نبيا ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه. فبعثت خمسمائة ~~غلام عليهم ثياب الجواري وزيهن وحليهن، وخمسمائة جارية عليهن زي الغلمان. أرسلتهم على ~~خيول مسومة سروجها من الذهب، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ~~ذهب، وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر. وأرسلت ألف لبنة؛ خمسمائة لبنة ~~من ذهب وخمسمائة من فضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وبعثت بالمسك والعنبر والعود، ~~وبحقة فيها درة ثمينة عذراء غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، يحملها رسل من ~~قومها أصحاب رأي وعقل أمرت عليهم رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو. وكتبت ~~كتابا فيه نسخة الهدايا، وقالت فيه: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، ~~وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، واسلك في الخرزة خيطا ~~من غير علاج إنس ولا جان. وأمرت الغلمان وقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث ~~وتخنيث يشبه كلام النساء. وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم ~~قالت للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا ms52 يهولنك منظره، وإن رأيته بشاشا ~~لطيفا فهو نبي. # وكان الهدهد يسمع ما دار من الحديث، ولما وعاه كله انطلق مسرعا ليخبر سليمان، فسبقه ~~جبريل وأخبر سليمان بالحال، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ~~ميدان بين يديه طوله تسعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، ~~وأمر الشياطين فأتوا بأحسن الدواب في البر والبحر، فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره ~~على لبنات الذهب والفضة، وألقوا علوفتها فيها، وأمر بأولاد الجن فأتوا خلقا كثيرا، ~~وأقاموا عن اليمين وعن اليسار. ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره ووضع له أربعة آلاف ~~كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والوحوش والسباع ~~والطير صفوفا فراسخ، فلما دنا الرسل ووصلوا إلى معسكره والميدان، ورأوا عظمة شأنه ~~وملكه والدواب التي لم تر عيونهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة، تقاصرت إليهم ~~أنفسهم، وكان سليمان لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة، أمرهم أن يتركوا على ~~طريق الرسل موضعا على قدر اللبنات التي معهم، فلما رأت الرسل موضع اللبنات خاليا وكل ~~الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا، فطرحوا كل ما كان معهم في ذلك المكان، ولما نظروا إلى ~~الشياطين رأوا منظرا عجبا ففزعوا، فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم. وكانوا ~~يمرون على كردوس من الجن وكردوس من الإنس وآخر من الطير وغيرها من السباع والوحوش حتى ~~وصلوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم نظرا حسنا بوجه طلق، ثم قال لهم: ما وراءكم؟ فأخبره ~~المنذر رئيس القوم وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقة؟ فأتي بها ~~فحركها، فجاء جبريل، لا يراه أحد، فهمس في أذنه وأخبره بما فيها، فقال سليمان: إن ~~فيها لدرة ثمينة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجة الثقب. فقال الرسول: صدقت، فاثقب ~~الدرة وأدخل الخيط في الخرزة. فقال سليمان: من لي بثقبها؟ وسأل الإنس والجن فلم يكن ~~عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: أرسل إلى الأرضة. فجاءت الأرضة فأخذت شعرة ~~في فيها، ودخلت في الدرة ثم خرجت من ms53 الجانب الآخر. فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: ~~تصير رزقي في الشجر. قال: لك ذلك. ثم قال: من لهذه الخرزة يسلكها في الخيط؟ فقالت ~~دودة بيضاء: أنا لها. فأخذت الدودة البيضاء الخيط بفيها، ودخلت الثقب حتى خرجت من ~~الجانب الآخر. فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه. قال: لك ذلك. ثم ~~دعا بالماء وعرضه على الغلمان والجواري ليغسلوا أيديهم. فكانت الجارية تأخذ الماء في ~~يدها وتجعله في الأخرى، ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه، فميز ~~بذلك سليمان بين الوصفاء والوصائف، ثم رد الهدية وقال للمنذر: ارجع إليهم، فلنأتينهم ~~بجنود لا قبل لهم بها ولا طاقة، ولنخرجنهم من سبأ أذلة بذهاب عزهم وهم صاغرون أسرى ~~مهانون. # قالت التوابع: ولما رجع الرسل إلى بلقيس بالهدايا التي ردها سليمان وقصوا عليها ~~القصة، قالت: هو نبي، وما لنا به طاقة. وبعثت إلى سليمان إني قادمة إليك بملوك قومي؛ ~~لأنظر ما الذي تدعو إليه. ثم جعلت عرشها في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من ~~سبعة قصور لها، وأغلقت دونه الأبواب، ووكلت به حرسا يحفظونه، وشخصت إلى سليمان بجيشها ~~اللهام حتى وصلت على مسيرة فرسخ منه، فخرج سليمان ذات يوم على سرير ملكه، فرأى رهجا ~~قريبا منهم، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس نزلت منا بهذا المكان. # وكان الجن قد علموا أن بلقيس آتية سليمان، وأنه ربما تزوجها فتفشي له أخبار الجن؛ ~~لأنها جنية تربت عندهم، وخافوا أن يولد له منها ولد فتجتمع له فطنة الإنس والجن، ~~فيخرجوا من ملك سليمان إلى ملك أشد منه لا ينفك عن تسخيرهم من بعد أبيه، فعزموا على ~~أن يحولوا بين بلقيس وسليمان، فجاءوا سليمان وأساءوا القول فيها أمامه وقبحوها له، ~~وقالوا: إن في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار. فأراد سليمان أن ~~يختبر عقلها، كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف، وأن يتعرف ساقيها ورجلها، ويريها بعض ~~العجائب الدالة على عظيم قدرته وصدقه في دعوى النبوة، فأقبل على ms54 جنده فقال: يا أيها ~~الملأ، أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ فقال صخر الجني، وكان بمنزلة جبل ~~يضع قدمه عند منتهى طرفه: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك للحكومة - وكان سليمان يجلس ~~إلى نصف النهار - وإني على حمله لقوي أمين لا أختزل منه شيئا ولا أبدل به آخر. قال ~~سليمان: أريد أسرع من هذا. فتقدم آصف بن برخيا وزيره على الجن، فقال له سليمان: ائتني ~~بعرشها. فقال برخيا: آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، مد عينيك حتى ينتهي طرفك ثم ~~أعده. فمد سليمان عينيه نحو اليمين ثم ردهما فإذا عرش بلقيس بين يديه، ذاك أن آصف بن ~~برخيا كان مؤمنا، فدعا الله فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون ~~بطنها خدا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان. # ولما رأى سليمان العرش بين يديه قال: نكروه لها، غيروا هيئته وشكله واجعلوا ~~مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله، وضعوا الجوهر الأخضر مكان الأحمر والجوهر الأحمر مكان ~~الأخضر ننظر هل تهتدي إلى معرفة عرشها وقد خلفته في مأرب وراءها مغلقة عليه الأبواب ~~موكلة به الحراس؟ أو تهتدي إلى الجواب الصواب إذا سئلت عنه أو لا، ثم أمر فبنوا له ~~صرحا صحنه من زجاج أبيض مملس تحته زجاج أخضر عليه تماثيل حيتان البحر وأسماكه ~~وضفادعه، حتى أن كل من نظر إليه ظنه لجة، ونصب سريره في صدره. # وجاءت بلقيس فترجلت، ومشت إلى الصرح فقادها آصف ابن برخيا إلى حيث وضع عرشها ~~وسألها: أهذا عرشك؟ فنظرت إليه فعلمت أنه عرشها ولكنها أرادت أن تشبه عليهم كما ~~شبهوا عليها، فقالت: كأنه هو. وقد أجابت أحسن جواب، ولم تقل: هو. لاحتمال أن يكون ~~مثله، وذلك لاكتمال عقلها. قال آصف: فادخلي الصرح. فلما دخلته رأت صحنه فحسبته لجة ~~فكشفت عن ساقيها لتخوضها، وقالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل علي ~~أهون. فلما رآها سليمان رأى أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها شعراء الساقين، فصرف بصره ~~عنها ثم قال لها: إن ms55 ما تظنين ماء صرح ممرد مستو من قوارير. وأراد سليمان أن ~~يتزوجها، فكره شعر ساقيها، فعملت له الشياطين النورة والحمام، فكانت النورة ~~والحمام منذ ذلك اليوم. فطلت بلقيس ساقيها فسقط شعرهما، ثم تزوجها سليمان وأقرها ~~على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها في أرض اليمن ثلاثة حصون لم ير مثلها ارتفاعا وهي: ~~بينون وسلحين وغمدان. وولدت بلقيس لسليمان غلاما سماه داود مات في حياة أبيه، ثم ماتت ~~بلقيس قبل سليمان، في الشام، فدفنها في تدمر وأخفى قبرها عن الناس. ولما قضى الله على ~~سليمان الموت مات وهو قائم على عصاه، ومكث حولا ميتا والجن يعملون تلك الأعمال الشاقة ~~التي كلفهم إياها، يعملونها على عادتهم لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصاه فخر ~~على الأرض، فتبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين. # ولما كشف الجن موته، بعد أن دلتهم عليه دابة الأرض، أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى ~~إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن، إن سليمان قد مات فارفعوا أيديكم. ~~فرفعوا أيديهم وتفرقوا. # | القسم الثاني # (1) أدونيس وعشتروت # المقدمة # لم يكن أدونيس وعشتروت إلهين فينيقيين حسب، وإنما كانت عبادتهما مزدهرة في كل ~~الأصقاع التي أثر فيها الفكر الفينيقي والمدنية الفينيقية، ويعتقد المستشرق ج. ~~فرايزر في كتابه «أدونيس» أن عبادة هذا الإله نشأت عند الشمريين، ثم انتقلت إلى ~~بابل فإلى فينيقية في القرن السابع قبل المسيح. # واسم أدونيس الأصلي «تموز»، ومعناه في اللغة الشمرية: «الابن الحقيقي للماء ~~العميق»، أما لفظة «أدونيس أو أدون» فسامية معناها «سيدي» كانوا يلقبون بها ~~«تموز» احتراما له، فجعلها اليونانيون علما لهذا الإله، وتناسوا اسمه ~~الأصلي. # ويزعم القبرسيون القدماء أن أدونيس هو ابن ملكهم سينيراس، وهذا الملك هو الذي ~~وضع شريعة الزناء المقدس في معبد أدونيس وفينوس، في جزيرة بافوس، الواقعة من قبرس ~~في جنوبها الشرقي، وقد تولى أدونيس الملك بعد أبيه، وليس اسمه إلا لقبا حمله كل ~~أبناء الملوك الفينيقيين في جزيرة قبرس. # وأدونيس هو أحد الآلهة الذين رمزوا ms56 إلى القوات المنتجة في الطبيعة، وقد اعتبروه ~~روح الحقل، ويوائم موته وبعثه تبدل الفصول أو تواري الحياة النباتية في الشتاء ~~وظهورها في الربيع، ومغزى خرافته هو الكفاح بين قوات الحياة وقوات الموت، بين ~~العالم الأرضي وعالم تحت الأرض، حتى إنهم زعموا أن سيطرة الحب تقف في أثناء غياب ~~أدونيس في الجحيم، فينقطع البشر والحيوانات عن إنتاج الجنس، وتهدد الحياة كلها ~~بالفناء. # أما عشتروت فإلهة أشركها عبادها في كل الأعمال الجنسية في المملكة ~~الحيوانية، فهي المولدة لكل شيء والممثلة لقوة توليد الطبيعة، وليست عشتروت إلا ~~عشتار البابلية وأفروديت اليونانية وفينوس الرومانية والزهرة العربية، فأسطورة ~~أدونيس إذا شمرية بابلية فينيقية قبرسية يونانية رومانية، وقد استلهمها الشعراء ~~منذ الزمان القديم وتغنوا بها وتفننوا في تلوين صورها ما شاء لهم خيالهم. # المعجم # الشمريون: # شعب كان في فجر التاريخ ينزل في السهول المنبسطة بين دجلة والفرات قرب ~~الخليج الفارسي، وقد أصيبت بلادهم قبل المسيح بثلاثة آلاف سنة بطوفان عرف في ~~التاريخ بالطوفان الشمري، فاجتاحها وهدم مدنها التي كانت في ملء ازدهارها، ولكنها ~~لم تلبث أن عادت إليها الحياة، وانبعثت مدنها وفيها «نيبور» المدينة المقدسة، ثم ~~أخذت تطغى عليها رمال البحر، فكافحت طغيانها فلم تستطع ردها، حتى تلاشت نفسا في ~~نفس، وبادت مدنيتها ونشأت على أنقاضها المدنية البابلية. # فينوس: # هي بنت جوبيتر والحورية ديونه بنت أورانوس (السماء) وريا (الأرض)، وكانوا ~~يزعمون كذلك أنها تولدت من زبد البحر، فخرجت منه في صدفة لؤلؤية عارية ترفع بيديها ~~شعرها الطويل المبلل، ومعنى اسمها الغرام أو الوصال والعرب يسمونها الزهرة، ~~ويسميها الفينيفيون عشتروت، وقد سميناها - في الأسطورة - فينوس حينما كان مدار ~~عملها خارج لبنان، ثم سميناها عشتروت منذ اجتمعت بأدونيس في أفقا حتى آخر الأسطورة، ~~وعشتروت أو فينوس هي إلهة الحب والتهتك وربة الجمال. # كوبيدون: # هو إيروس اليوناني، إله الحب، وكانوا يمثلونه ولدا أشقر جميلا مجنحا ~~مسلحا بقوس، وحاملا على كتفه جعبة ملأى بالسهام، وعيناه معصوبتان يرمي القلوب ~~بسهامه، فتقع حيث اتفق لها الوقوع. # المر: # مادة صمغية عطرية كان عباد ms57 أدونيس يحرقونها في معابده؛ لأنها دموع ~~الشجرة التي تحولت إليها أمه. # فرسفين: # ملكة الجحيم. ومعنى اسمها مميتة، جلابة الموت. أبوها زفس «جوبيتر» ~~وأمها ذيتيمير «سيريس» أي الأرض الوالدة إلهة الزروع والخصب والحصاد. # ديانا: # أو فيبه. كانت إلهة تمثل القمر. إلهة برية تطوف في الغابات والجبال ~~الموحشة تصحبها عصبة من الحوريات. # قبرس: # لفظة يونانية معناها حناء. ~~(2) أسطورة أدونيس والشعراء # نثبت على الصفحات التالية ما أوحته هذه الأسطورة إلى الشعراء في بعض الآداب ~~العالمية. # في الأدب البابلي # نواح القيثارات على تموز # لما توارى ناحت هاتفة: يا ولدي! # لما توارى تنهدت زافرة: يا سيدي! # لما توارى ارنت معولة: يا سروري ودليلي! # لما توارى أنت حسرة. # أرسلت أنتها في «إيانا» بين الجبال والأودية. # عويل أسرة لا رب لها، هكذا عويلها. # نواح مدينة لا سيد لها، هكذا نواحها. # تنوح على العشب لا جذور له. # تنوح على القمح لا سنابل له. # بقي بيتها لا فرح فيه. # هي امرأة منهوكة وولد ملول ذوى قبل أوانه. # تبكي النهر الكبير حيث لا تنمو صفصافة. # تبكي حقلا لا ينبت قمح ولا عشب فيه. # تبكي غديرا هجرته الأسماك. # تبكي بقاعا عارية من القصب. # تبكي الغابات غاب الأثل عنها. # تبكي السهل لا ينهض السرو فيه. # تبكي البستان الظليل لا قفير فيه ولا كرمة. # تبكي المروج المعراة من الأزهار. # تبكي قصرا غادرته الحياة الطويلة. # في الأدب الإنكليزي # لقاء فينوس وأدونيس لشكسبير # ما كادت الشمس تستقبل بوجهها القرمزي آخر وداع من الفجر الباكي حتى مضى أدونيس ~~بخديه الورديين إلى الغاب، كان يحب الصيد ويهزأ بالحب، ومشت عشتروت الكئيبة إليه، ~~ودنت منه بجرأة العاشق قائلة: أنت يا من أنت أجمل مني بثلاث مرات، يا زهرة المرج ~~الطرية التي لا شبيه لطيبها، أنت الذي يكسف حسنه حسن حوريات الماء. يا ألطف الخلق! ~~إنك أشد بياضا من الحمام وأكثر احمرارا من الورد، والطبيعة التي صورتك تناقض نفسها في ~~قولها: إن العالم ينتهي بانتهاء حياتك. # تنازل أيتها الآية العجيبة وترجل عن جوادك واربط في سرجه عنانه المحبوك من ms58 فوق ~~رأسه المتعجرف، وإذا أصغيت إلي وأوليتني هذه المنة علمتك ألف نجوى لذيذة عذبة. تعال ~~واجلس حيث لا أفعى دنست الأرض، وحين تقعد أغمرك بالقبل، لماذا أنت مطبق شفتيك لا ~~تشبعهما من القبل، تجوعهما مع أنهما خصبتان بالنضارة؟ # قالت هذا وأمسكت كفه الممتلئة حياة وهي ترتجف غراما، ثم جمعت قواها وهي في ملء ~~اضطرابها لتحدره عن فرسه، أمسكت لجام الفرس بيد، وبالأخرى ذاك الصبي الطري وقد احمرت ~~وجنتاه حياء وأظهر بحركة من شفتيه نفوره، كانت عشتروت الممتلئة شهوة محمرة كالجمرة ~~لاشتعالها بحرارة الحب، وكان هو باردا محمر الوجه من الخجل، ربطت فرسه وحاولت ربطه ~~بقوتها البدنية لا باستسلامه إليها. # من قصيدته «أدونيس» # في الأدب الفرنسي # بكاء فينوس على أدونيس للافونتين # إن حبي لم يستطع أن يحببك بالحياة، تتركني أيها القاسي، فعلى الأقل أظهر أنك تحس ~~وداعي المحزن، انظر بأي ألم أصيبت حبيبتك، ويلاه! بكيت كثيرا ولكنه لا يسمع نواحي، إن ~~ليلا أبديا يكرهه على تركي، فلا دموعي ولا تنهداتي تستطيع إمساكه، وليتني أقدر أن ~~أتبعه إلى تلك الأماكن المظلمة. # أيها المقدور إذا كنت قد شئت أن تراه يفنى سريعا، أترى من الواجب إكراهي على أن لا ~~أموت أبدا؟ # يا فينوس التاعسة، ماذا تفيدك هذه الدموع؟ تبجحي الآن بسلطان مفاتنك! إنها لم ~~تستطع أن تعصم حبك من الموت. # الوداع إذا يا ذا النفس الجميلة! # احمل إلى ما بين الأموات هذه القبلة المشتعلة. # إنني لن أراك أبدا، فالوداع يا أدونيس العزيز. # من قصيدته «أدونيس وعشتروت» # في الأدب اللبناني # من خطاب على لسان أدونيس لهكتور خلاط # ما دام جسدي سيتحول يوما إلى تراب، أود ساعة أنحدر إلى الجحيم، أن أجتاز بخطوة ~~المتكبر عتبة القبر الباردة، حتى لا يبدو للفانين ميت أجمل مني. وحينما تستعاد ذكرى ~~صورتي المتنائية، بشرية كانت أو فوق البشرية، وهمية أو حقيقية، فعذارى صيدون وغرانيق ~~صور يحلمون بأن يسيروا في موكبي الذهبي، وهم موقنون من أنهم في اتباعهم أثري يصلون، دون ~~عائق، إلى الشواطئ المعتمة التي تحوم عليها الأطياف الشاحبة، ms59 والشعراء الخلص، الذين ~~لا يؤمنون بسوى الحلم، يجهدون أن يتغنوا في شعرهم، برزيئتي على قيثارتهم المجنحة، ~~باذلين قواهم في إذاعة اسمي على كل ريح. # وهكذا حين أنام نومة الأبد كاسف اللون مشوها متجلي الصورة تمجدني أناشيد ~~البحارة، وتبكي علي شبابات الرعيان، وأتخذ موضوعا يتبارى فيه الشعراء ~~والنائحات، وتغمرني الطيوب والأشعار المتعالية حتى النجوم المنطفئة، أكون، لضيق جسدي عن ~~استيعاب روحي، قد خلعت ثوبي البشري وأنا مكلل بالنضار وفي يدي سعفة نخل وجثماني مكفن ~~بالأرجوان تحت أرزة نفسها أبدية الاخضرار، خلعت ثوبي البشري هاربا من هذا العالم ~~الباطل لأصير إلهيا. # من قصيدته «أدونيس» # وصف أدونيس # للدكتور حبيب ثابت # يا إله الجمال والحب والسحر # حلالا ويا حبيب العذارى # جاءك الكون ساجدا وتمنى # لو يصير الجمال ربا فصارا # مسح الليل خصلتيه بعينيك # مرارا حتى أغار النهارا # والنجوم الزهراء في جبهة الش # رق تمنت لو أصبحت لك دارا # وتمنى الشقيق في كل واد # لو تملى من وجنتيك احمرارا # وتمنى الحمام في كل طوق # لو تهادى عن جانبيك وطارا # وتمنى الغصن المصفق لو سا # ر صباحا إلى حماك، فسارا # أنت يا جمرة القلوب على الشوق # ويا قبلة الهوى كيف دارا # جعلوا الشعر في جمالك غمزا # والقوافي المؤنثات ستارا # من قصيدته «عشتروت» ~~(3) قدموس وأوروبا # المقدمة # أسطورة قدموس فينيقية يونانية يمثل فيها زفس، رب أرباب الأولمب وإله المطر والريح ~~والصاعقة، وزوجته هيرا الإلهة الحامية للزواج، دورا عظيما، ثم تبناها الرومان ~~فجعلوا جوبيتر وزوجه جونون يحلان فيها محل زفس وهيرا، وقد ذكر هذه الأسطورة ~~كثيرون من المؤرخين منهم هيرودوت وسيك وبوسانيا ونقولا الدمشقي، ونظمها كثيرون من ~~الشعراء شعرا، وأشار إليها هوميروس، وقصها الشاعر اللاتيني أوفيد بين الأساطير ~~التي نظمها في كتابه «التحول». وقدموس فيها بطل لبناني أبوه آجينور ملك صور، ~~وأوروبا أخته، وهو عند علماء الميثولوجيا رمز تأثير حضارة الفينيقيين وثقافتهم في ~~حضارة الإغريق وثقافتهم الفطريتين، ثم في حضارة أوروبا وثقافتها، وإليه يعزى نشر ~~العمران في تلك الأصقاع، وإذاعة فنون بناء المدن وكدن الثيران إلى المحاريث، ~~والفلاحة، واستثمار ms60 المعادن والمناجم، واختراع الأبجدية ونقلها إلى اليونان، وينسب ~~إليه كذلك كل ما يتعلق بما اقتبسته الحضارة الإغريقية من الحضارة الفينيقية. # المعجم # قدموس: # لفظة يونانية معناها: القاهر المظفر، وأوروبا لفظة سامية أصلها ~~عروبا ومعناها الغرب، ويقول هيرودوت: إن أوروبا الفينيقية هي التي أعطت القارة ~~الأوروبية اسمها؛ لأن هذه القارة لم يكن لها اسم في ذلك الزمان البعيد. # زفس: # هو جوبيتر الرومان ومعنى اسمه: المحيي أو الهواء الأعلى، ويسميه العرب ~~المشتري. # هيرا: # هي جونون الرومان ومعنى اسمها: الاتحاد الزوجي ورئيسة المجتمع. وهي أخت زفس ~~وزوجته. # أوفيد: # واسمه نازون من أسرة ستيفاليه، ولد في سولمون عاصمة مملكة أستوريا في ~~إيطاليا، سنة 43ق.م. وكان مولده في عهد المثلث الروماني: أوكتافيوس، وأنطوان، ~~وأوريبيدس، عهد الدسائس والخيانات والجرائم والحروب. ودرس على الخطيب الروماني ~~ميسالا، ونبغ في الشعر حتى قال عنه سينيكا: إنه الشاعر العبقري الفتان. كان شاعر ~~الشبيبة السعيدة، شاعر الأمل والحب الطروب والجمال والتهتك والمرح والأناقة، وكان ~~العاشق الحقيقي في الجاهلية اللاتينية، يحب الحياة ضحاكة ويسعد بحياته معتقدا أن ~~الشباب أبدي، وكان في أول أمره يتمتع بعطف الإمبراطور أوغسطوس، غير أن هذا ~~الإمبراطور لم يلبث أن نفاه، في السنة التاسعة للمسيح، لأمر لا يزال سرا، فترك ~~روما وزوجته وابنته بيريلا وسافر باكيا شاكيا إلى بلاد السيت، شمالي البحر ~~الأسود، بلاد الجيت والسرمات البرابرة، ومات هنالك سنة 16 للمسيح. # وبينما كانت الإمبراطورة كاترين الروسية العظيمة تسيح في مملكتها الواسعة عثرت ~~بين خرائب مدينة «القتل» التي سميت بهذا الاسم؛ لأن الخرافات تقول: إن الساحرة ميدي ~~مزقت هنالك جسد أخيها، عثرت الإمبراطورة على قبر مهمل، فوقفت قربه حالمة، وأرادت أن ~~تعرف من يرقد فيه بين العواسج، فقيل لها: إنه شاعر روماني منسي اسمه. وكانت كاترين ~~تعرف تاريخ إمبراطوريتها، وهي تلميذة فولتير وصديقته، فعرفت أنه قبر أوفيد فترقرقت ~~دمعة في عينيها، دمعة مجيدة بليغة في عيني امرأة لم تكن تبكي إلا نادرا، وهكذا بعد ~~ثمانية عشر قرنا غسلت الإمبراطورة المطلقة السلطة بدمعتها خطيئة أوغسطوس ~~الإمبراطور المطلق السلطة. # فينيقية: # بلاد ms61 البلح. # بوصيدون : # هو نبتون الرومان، أخو زفس وآذيس (بلوتون الرومان)، ومعنى اسمه غير ~~المنظور، وكلهم أبناء قرونوس أي المتمم (زحل العرب وساتورن الرومان) إله الزمان، ~~اقتسموا الكون فكان لزفس السماء والأرض، ولآذيس الجحيم فهو إله الظلمات والسافلين، ~~ولبوصيدون البحر ذو الزبد الأبيض، ويرمز بوصيدون الفينيقي إلى ازدهار ملاحة ~~الفينيقيين الحربية والتجارية. # مركور: # هو هرمس اليونان وعطارد العرب، أبوه جوبيتر وأمه الحورية مايا، كان رسول ~~الآلهة إلى الأرض وإله البلاغة والتجارة واللصوصية وحامي الطرق، وكان معهودا إليه ~~بأن يقود نفوس الموتى إلى الجحيم، وقد مثلوه لابسا قبعة ذات جناحين وفي رجليه ~~حذاء لكل فرد منه جناحان. # الأولمب: # جبل بين مقدونيا وتساليا كانوا يزعمون أنه مقام الآلهة، أما عرش زفس رب ~~الآلهة فلم يكن فيه، وإنما كان على قمة جبل أيدا (المشرق) في جوار طروادة. # أكريت: # معنى اسمها المعتدلة. # أبولون: # إله النور والفنون الجميلة والكهانة عند اليونان والرومان، أبوه جوبيتر ~~وأمه لاطونة (الليل) وهو وأخته ديانا إلهة الصيد توأمان، كان له معبد في دلف على ~~سفح جبل البرناس مبني مقدسه فوق شق من الأرض ينبعث منه بخار يحدث لمتنشقه ~~سكرا موقوتا، فكانوا يقعدون فوقه نساء لا تقل سن الواحدة منهن عن الخمسين ~~ويسمونهن بيثي، وكانت هؤلاء النسوة هواتف أبولون يعلن إرادته ويتعاقبن في القعود ~~فوق الشق في المقدس السري بعد أن يتطهرن بأن يشربن من ماء ينبوع كاسوتيس ويعلكن ~~أوراق غار، وكانت الواحدة منهن تجلس فوق الشق على كرسي ذي ثلاث قوائم، ويقعد قربها ~~كاهنان، فإذا أخذتها النشوة وجعلت تهذي، التقط الكاهنان هذيانها وفسراه شعرا بأمور ~~معقولة، على أنهم كانوا إذا أشكل عليهم شيء أجابوا عنه بجواب مبهم، وكثيرا ما كان ~~أصحاب المآرب من كبار الناس يتفقون والكهنة على مبلغ من المال ليأخذوا منهم ما ~~يريدونه من جواب على أسئلتهم، واسم أبولون معناه الهدام ويلقبونه بفيبوس أي ~~المنير. # المريخ: # هو آريس اليونان ومارس الرومان، أبوه جوبيتر وأمه جونون، وهو إله الحرب ~~والقتل والتدمير ومعنى اسمه اليوناني «الحرب». # الثعبان: # مأخوذ وصفه مع بعض ms62 تصرف عن أوفيد. # آثينا: # وتلقب بفالاس، هي مينرفا الرومان تولدت من دماغ جوبيتر، كانت إلهة الحرب ~~والحكمة والفنون والعدل والصحة العقلية والبدنية، إلهة عذراء حامية الأسرة ~~والمدن. # علمت اليونانيين زراعة الزيتون، وكانت بارعة بالنسج، وخصص بها من الطيور ~~البومة، كانوا يمثلونها فتاة جميلة على رأسها خوذة وفي يديها حربة وترس، وعلى صدرها ~~درع من جلد المعزاية أمالته التي غذت جوبيتر بلبنها. # تريتون: # هو ابن بوصيدون (نبتون) إله البحر، وأمفيتريت بنت الأوقيانوس الإله الذي ~~لا إله فوقه إلا زفس، ومعنى اسمه السريع الجري. # هيفست: # معناه براق، هو فولكان الرومان، إله النار ومثير البراكين والصواعق ~~وحداد الآلهة. # أكتيون: # ربيب خيرون (الأدنى) القنطور (مثير الثيران) الشهير، والقنطور رجل حتى ~~أسفل بطنه بمؤخرة فرس ذكر وأربع قوائم، وخيرون هو ابن قرونوس وأخو زفس وأمه فيليريا ~~بنت الأوقيانوس، أحبها قرونوس إله الزمان ففاجأته وإياها زوجه ريا (الأرض) والدة ~~زفس وهيرا، ففرت فيليريا إلى الجبال، وولدت خيرون، فسكن هذا في مغارة في سفح جبل ~~بليون، وكان يتميز من سائر القناطرة بطبيعته المحسنة وحبه للعدالة وعنايته بالجرحى ~~والمرضى، ويعتبر أنه أحد مخترعي الطباعة. # ديانا: # أرطميس اليونان وتلقب فيبه، إلهة الصيد، إلهة عذراء شديدة المحافظة على ~~عذرتها وهي ابنة جوبيتر ولاطونه وأخت أبولون. # بان: # معناه الريح، هو ابن مركور ورب الرعاة والقطعان يمثلونه برأس رجل له قرنان ~~وأسفل جسمه يشبه جسم التيس، ويضعون في يده عصا. # نيفيله: # إلهة ثنوية. # فريكسوس وهله: # كانت تبغضهما أينو زوجة أبيهما أتاماس، فأرسلت لهما أمهما نيفيله ~~خروفا ذا جزة ذهبية فحملهما وطار بهما في الهواء، فزلت هله عن ظهره، وسقطت في ~~البحر، فحمل اسمها «هلسبونت» (الدردنيل)، أما فريكسوس فنزل في بلاط أتيس ملك ~~كولخيد وذبح الخروف قربانا لجوبيتر، وأهدى جزته الذهبية للملك أتيس. ~~(4) مينوس وأريان # المعجم # مينوتور: # معناه نصف ثور. # إيريس: # رسولة جونون، ومعنى اسمها عاقدة، وهي من الإلهات الثنويات، كانت تحمل ~~رسائل جونون إلى الأرض، فتنحدر في شكل قوس ملون بأجمل الألوان. # باخوس: # هو ذيون اليونان إله الخمر والكرمة والطرب واللهو، كان ms63 عباده يمثلونه ~~وعلى رأسه قرنان؛ لأنه كان في رحلاته يلبس جلد تيس؛ ولذلك كانوا يقربون له التيوس ~~في الأعياد الباخوسية، وقد أعطي اسم التيس الأناشيد التي كانت تنشد إكراما لهذا ~~الإله، فقيل لها «تراجيدي»، ومعنى هذه اللفظة «أنشودة التيس»، ثم إن الشاعر ~~اليوناني تسبس أدخل على هذه الأناشيد الحوادث المحزنة فكان ذلك أصل التراجيدي التي ~~نسميها بالعربية المأساة، كما كان تمثيل الأسرار المقدسة عند مسيحيي إسبانيا ~~الأقدمين أصل المسرح الأوروبي. ~~(5) ديدون الصورية # المقدمة # يعتبر بعض المؤرخين ديدون الصورية بانية قرطاجنة شخصا أسطوريا ولدته مخيلة ~~الشعب الفينيقي، ويراها آخرون شخصا حقيقيا غامر مغامرة جريئة أدت إلى تأسيس ~~تلك المستعمرة الفينيقية في الشمال الأفريقي، المستعمرة التي ملأ شعبها التاريخ ~~العالمي بأعماله الحربية وبطولته وسيطرته التجارية زمنا طويلا. # وأسطورة ديدون فينيقية مغربية تبتدئ في صور وتنتهي في قرطاجنة، واسم ديدون ~~الأصلي عليشار وليس «ديدون» ومعناه «الهاربة أو اللاجئة» إلا لقبا لها لقبت به ~~بعد فرارها من صور على أثر فتك أخيها بغماليون بزوجها سيشاربعل. # وفي قتل بغماليون لسيشاربعل قولان: أحدهما أن سيشاربعل كان ذا ثروة عظيمة فطمع ~~فيها بغماليون وقتله ليستأثر بها. والقول الثاني أن بغماليون كان مهملا شئون ~~المستعمرات الفينيقية في أفريقية، ولم يكن يهتم بتدارك الاستعمار اليوناني في تلك ~~الأصقاع، الذي كان يزاحم صور، سيدة التجارة والبحار في ذاك العهد، في مستعمراتها ~~الأفريقية ويهدد تجارتها في جنوب أوروبا، ونفوذها الأدبي والفني، فرأى سيشاربعل، ~~وهو أكبر كهنة ملكرت وأول شخص في المدينة بعد الملك، أن في عمل بغماليون هذا خيانة ~~لمصالح صور وتفريطا فيها، فألف حزبا من الغاضبين على سياسة بغماليون، ودعاهم إلى ~~تأسيس مركز قومي في الشمال الأفريقي من المغرب ليكون قاعدة تحمي السواحل، فعرف ~~بغماليون بذلك وتوقع شرا، فدس من رجاله من اغتال بعض رجال الحزب المعارض، ثم ~~اغتال صهره زعيم المعارضة، فتزعمت زوجته عليشار الحزب وفرت بأصحابها وأموال زوجها ~~وأموال مبعد ملكرت، ونزلت في بروجيتانه، قرب تونس، في مكان يعرف اليوم بدوار الشط، ~~وبنت حصن برسا على تلال جون ms64 البحر، وعلى مقربة من أوتيكا لتزاحمها وتنتزع منها ~~السيادة، فكان ذلك الحصن نواة لقرطاجنة، ولكن عليشار لم تتمتع بثمرة عملها ~~العظيم؛ لأن يارباس، ملك جيتول وزعيم القبائل البربرية، أراد الزواج بها فأبت وقتلت ~~نفسها تخلصا منه. # وقد زعم فرجيل الشاعر اللاتيني أن ديدون انتحرت حزنا لفراق حبيبها إنياس ~~الأمير الطروادي، وذاك أن إنياس بن أنخيز وفينوس، إلهة الجمال والحب، فر بعد سقوط ~~طروادة بيد الإغريق، مع جماعة من الطرواديين فتقاذفت سفنهم العواصف حتى قذفت بهم ~~إلى شواطئ قرطاجنة، فذهب إنياس إلى بلاط ديدون يستأذنها البقاء في أرضها إلى أن ~~تجتمع سفنه التي بعثرتها العواصف فيرحل عنها، فأخذت ديدون بجماله وبطولته وأحبته، ~~وعطفت جونون ربة الأولمب على حبها، فأخرجتهما معا إلى الصيد، ثم فجأتهما بعاصفة ~~شديدة فلجآ إلى مغارة، وهناك باركت جونون زواجهما. # لكن فينوس أم إنياس لم ترض عن هذا الزواج؛ لأنها كانت تخشى أن يبقى ابنها في ~~قرطاجنة، وهي تعده لإنشاء الشعب اللاتيني العظيم، فشكت أمرها إلى والدها جوبيتر، ~~فأرسل ابنه مركور فحول فكر إنياس عن حب ديدون، وبين له عظم الرسالة التي سوف ~~تتم على يديه، فأبحر إنياس، على دموع ديدون وتوسلاتها، قاصدا إلى إيطاليا، فنزل ~~بديدون حزن شديد أدى بها إلى الانتحار. وفي زعم فرجيل هذا كذب على التاريخ ~~بثلاثمائة سنة ونيف، فإن الدكتور شوش ديدلبرغ بعد درسه زمان كسوف الشمس الذي وصفه ~~هوميروس في إنياذته، ومقابلته إياه بأزمنة الكسوفات التي تعاقبت بعده، تمكن من ~~تحديد بداية حرب طروادة في سنة 1197ق.م. ونهايتها بسقوط المدينة في يد الإغريق في ~~سنة 1187، في حين أن بناء قرطاجنة كان بين سنة 860 و883، ولا يمكن أن يكون إنياس قد ~~عاش هذا العمر الطويل، إلا إذا كانت أمه فينوس قد منحته الخلود، وهذا لا أثر له ~~في الميثولوجية اليونانية. # المعجم # صور: # لفظة فينيقية معناها الصخرة، ويزعمون أن صور بنيت سنة 1252ق.م. ويقول ~~المؤرخ اللاتيني جوستين: إن الصيدونيين الذين كانوا يحاربون في طروادة بنوها بعد ~~رجوعهم إلى بلادهم. # قرطاجنة: # بنيت سنة 883ق.م. ms65 على الشاطئ الغربي من تونس الحالية على أنقاض مدينة ~~صيدونية قديمة كان اسمها غامبه، في صدر جون عرف قديما بجون قرطاجنة، ويعرف اليوم ~~بجون تونس، ويقول بعض المستشرقين: إن اسمها الفينيقي «قريتا حادت»، ومعناه «القرية ~~الحديثة»، ويرجح الأب يوحنا شديد الكاهن الماروني العالم باللغات الشرقية أن اسمها ~~الفينيقي «قريتا جنتا» ومعناه «قرية الجنات»؛ سميت به لكثرة ما هناك من جنان ~~وبساتين، بدليل أن تونس تلقب من أجل ذلك ب «الخضراء»، وقد سماها اليونان ~~«كارشيدون»، وسماها الرومان «قرطاجنة» وهذا الاسم تبناه العرب. # الملك الفينيقي: # كان الفينيقيون يسمون ملك المدينة أو حاكمها «شقطيم». # إيزابل الصورية: # تزوجها آخاب ملك إسرائيل، فولدت له عثلية التي وضع ~~الروائي الفرنسي راسين من أجلها مأساة «أتالي»، بنت عثلية لبعل الفينيقي هيكلا في ~~السامرة عاصمة ملك زوجها، ونشرت فيها عبادة عشتروت. ~~(6) سميراميس البابلية # المقدمة # تختلف الروايات بشأن سميراميس ملكة بابل، فالمؤرخون القدماء أمثال هيرودوت ~~وستيزياس وديودور وجوستين يتكلمون عليها كملكة تاريخية، ويجعلونها في منزلة سامية ~~تضارع منزلة سيزوستريس في التقاليد المصرية، ويعزون إليها أروع المباني والمنشآت ~~البابلية وأفخمها، وقد زوجوها الملك نينوس مؤسس نينوى، ونسبوا إليهما معا فتوحا ~~عظيمة. # ويقول هيرودوت: إن سميراميس كانت قبل نيتوكريس ملكة بابل الشهيرة بخمسة أجيال، ~~تملكت نحو سنة 755ق.م. ويظهر من هذا القول أن هيرودوت يعتبر الجيل ثلاثين سنة؛ لأن ~~نيتوكريس هي أم نبو كدنصر تملك على بابل من سنة 604 إلى سنة 561، فتكون سميراميس ~~قد تقدمت نيتوكريس بزهاء مائة وخمسين سنة. # ويزعم بعض المؤرخين أنها كانت قبل المسيح بألفي سنة، وأنها ملكت اثنتين وأربعين ~~سنة، وماتت في عام 1964، ولكن الأكثرين يوافقون هيرودوت على أنها كانت في القرن ~~الثامن ... # وليس نينوس الذي زوجوها إياه إلا تشخيصا لمدينة نينوى، أي أنهم توهموا من نينوى ~~شخصا سموه نينوس، ومسحة سميراميس الميثولوجية أظهر في أقوال المؤرخين من مسحة ~~نينوس، فقد جعلوا أمها «ديركيتو» الإلهة السمكة، وجعلوا الحمائم تغذيها، ولكننا إذا ~~نظرنا إلى ما قاله هيرودوت وستيزياس عنها نرى أنها في قول الأول أقرب إلى التاريخ ms66 ~~وفي قول الثاني أقرب إلى الأسطورة. # ويرجح المؤرخون المتأخرون أن أسطورتها حيكت على أصل تاريخي، فقد كشف السر ~~رولنسون، البحاثة الإنكليزي في الآثار الآشورية، تمثالين كتب عليهما بالقلم ~~المسماري ما ترجمته: # إن هذين التمثالين تقدمة من حاكم آشوري للمعبود ينبو ليرعى ~~الملك إيفالوش وزوجته سموراميت، ويطيل أيام ملكه، ويلقي السلام في بيته وبلاده ~~وينصر جيوشه. # والملك إيفالوش هو ابن الملك جاماسب، وخلفه على عرش آشور ملك من ~~سنة 800 إلى سنة 781ق.م. ولما كان ذكر الملكة مع الملك في كتابة على تمثالين ~~يراهما الناس مما ينافي العادات الشرقية المرعية في تلك العصور، فقد استنتج من ~~التنويه باسم سموراميت أن هذه الملكة كانت ذات شأن خطير وأن زوجها الملك لا بد من ~~أن يكون قد أشركها في إدارة شئون المملكة. # وورود اسمها دون أية امرأة غيرها في تاريخ الآشوريين حمل مؤرخي اليونان ~~ومخرفيهم على إطراء جمالها والإشادة بصفاتها ومآتيها، وعلى تحريف اسمها فسموها ~~سميراميس، ولا يعارض هذا قول هيرودوت إنها أميرة بابلية، فقد تكون سموراميت أميرة ~~بابلية الأصل تزوجها الملك إيفالوش ليؤيد سلطته بواسطتها على الولايات الجنوبية، ~~فأشركها في ملكه فشيدت في بابل تلك المباني العظيمة. # غير أن المنقبين عن الآثار الآشورية يرون أن سميراميس إلهة أسطورية شرقية، هي ~~عند البابليين كفينوس عند الرومان، ويقال: إن اسمها الآشوري «شاميرام» ومعناه ~~«حمامة» سميت به لتوهمهم أن الحمائم احتضنتها وغذتها، وقيل: بل اسمها هو اسم إلهة ~~آشورية قديمة كانوا يعتبرونها وسيطا أسمى بين مبدأي الخير والشر، ويرونها رمز الحب ~~والسعادة وفرح الرجال والظفر في الحرب، ويرى آخرون أن اسمها مأخوذ من اللفظة ~~السنسكريتية «سميراما» ومعناها «المحب»، وأسطورتها رمز إلى عهد القوة الآشورية ~~وتوسعها العظيم، وإلى مدنية السلالة الملكية الآشورية. # المعجم # دجلة والفرات: # طول دجلة 1850 كيلومترا وطول الفرات 2350، وينبع دجلة في جبل ~~نيفاتيس قرب مناجم سيوان في جبال أرمينية غير بعيد عن المكان الذي ينبع فيه الفرات، ~~ويلتقي النهران قرب قرية القرنة، فيؤلفان شط العرب الذي يزيد طوله على 160 ~~كيلومترا خطا مستقيما، ms67 واسم دجلة في الآشورية أيديجلات واسم الفرات ~~بوراتو . # بابل: # لفظة بابلية معناها «باب الإله»، ولها معنى آخر هو التبلبل، ولعل للاسم ~~علاقة بأسطورة تبلبل الألسنة. # بيلوس: # هو أنليل الشمريين وبعل الفينيقيين أصله شمري ثم صار إلها ساميا، ومعنى ~~اسمه السيد، وهو إله العالم البشري ومقرر مصيره. ~~(7) بيرام وتسبا # المقدمة # هذه أسطورة شرقية بابلية نشأت حوادثها في منزلين متلاصقين في جوار السور العظيم ~~الذي سورت به سميراميس مدينة بابل، وانتهت في ظاهر المدينة تحت شجرة من التوت ~~الأبيض قرب عين ماء تجاور قبر نينوس الملك، انتهت بمصرع عاشقين انتحر كل منهما أسى ~~على صاحبه، وسقى دمهما عروق شجرة التوت الأبيض، فتحولت إلى توتة حمراء أو ما ~~نسميه بالتوت الشامي، ولبست أثمارها البيضاء ثوب السواد حدادا على العاشقين، ولا تزال تحد عليهما إلى ما شاء إلهة الحب والأساطير. # وأول من ذكر هذه الأسطورة أوفيد ~~الشاعر اللاتيني في كتابه «التحول»، ولا بد من أن يكون قد استقاها من ينبوع ~~بابلي، بيد أن ما بقي من الكتابات البابلية لا يشير إليها. # وقد وضع الروائي الفرنسي تيوفيل ده دفيو في هذه الأسطورة مأساة دعاها بيرام ~~وتسبا، ونقلت إلى العربية ومثلت مرارا، وعلى بحثي في المكاتب لعلي أقع على نسخة ~~منها، وسؤالي غير واحد من قدماء الأدباء لأعرف من هو معربها، لم أصل إلى ما ~~أردته. # وللشيخ عبد الله البستاني قصيدة سماها الفرصاد أي التوت الشامي سرد فيها حوادث ~~هذه المأساة الفاجعة. ~~(8) سليمان وبلقيس # المقدمة # ولد سليمان لداود ملك إسرائيل من بتشابع امرأة أوريا التي أخذها داود امرأة له ~~بعد أن فتك بزوجها، واسم سليمان عبري ومعناه «ذو سلام» وأصله في العبرية «شليم» ~~والألف والنون للنسبة، وكانت مملكة والده تمتد من نهر الفرات إلى تخوم مصر ومن ~~البحر المتوسط إلى خليج العقبة، وقد ازدهرت هذه المملكة وزادت اتساعا في أيام ~~سليمان، وامتدت تجارتها حتى بلغت أوفير في نواحي الهند، وعقد سليمان معاهدة تجارية ~~مع حيرام ملك صور، واستمد مساعدته لبناء هيكل أورشليم، فأمده من لبنان بالصناع ms68 ~~وبخشب الأرز والسرو والصندل. # وبنى سليمان مدنا كثيرة للخزن، وبنى تدمر في البادية، بين الشام والفرات، محطة ~~لقوافله، وحماية لها من غارات العرب الرحل، ولكي يأخذ مكوسا على أصناف التجارة ~~التي كانت تجتاز مملكته. # أما بلقيس فيقول مؤرخو العرب: إنها بلقمة بنت شرحبيل بن مالك بن الريان، ويتصل ~~نسبها بيعرب بن قحطان. وضربوا بها المثل في المجد والعزة والجمال. # وأسطورة سليمان وبلقيس التي نحن في صددها عربية صميم، وهي وإن اتفقت في أصولها ~~وما جاء في الكتب المنزلة وأقوال المؤرخين، تتباين وإياها في أمور كثيرة، ولا عجب ~~فللخيال في الأساطير المقام الأول، ولولاه لما كان فيها متعة ولذة. # والكتب المنزلة نفسها تتباين في صفات سليمان، ولكنها تتفق على أن الله آتاه ~~الحكمة والمجد والغنى، فتقول التوراة: إن سليمان طلب من الله أن يهبه قلبا فهما ~~ليحكم بين شعبه ويميز بين الخير والشر، وتجلى له الرب في الحلم، وقال له: «ها أنا ~~ذا قد أعطيتك قلبا حكيما فهما، حتى إنه لم يكن قبلك مثلك ولا يقوم بعدك نظيرك، ~~وأيضا ما لم تسله قد أعطيتك إياه الغنى والمجد حتى لا يكون رجل مثلك في ملوك كل ~~أيامك.» # ويقول الإنجيل: «ملكة التيمن (اليمن) أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة ~~سليمان.» # وفي سورة سبأ في القرآن: (وسخرنا) # لسليمان الريح ~~غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ~~ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~. # وفي سورة النمل: # وورث سليمان داوود وقال يا ~~أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل ~~شيء إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم ~~يوزعون ~~. # واسم ملكة سبأ في الأسطورة وأقوال المؤرخين هو بلقيس، أما الكتب المنزلة فلا ~~تعطيها اسما، ففي الفصل العاشر من سفر الملوك الثالث في التوراة: «وسمعت ملكة سبأ ~~بخبر سليمان واسم الرب، فقدمت لتختبره بأحاجي» والإنجيل يدعوها ملكة التيمن، ~~والقرآن يذكر أنها ملكة سبأ: # وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين * إني ms69 وجدت امرأة تملكهم وأوتيت ~~من كل شيء ولها عرش عظيم # وكلها تتفق على الإشارة إلى ~~مجد ملكة سبأ وعزتها. # والأسطورة والمؤرخون يزوجون سليمان ببلقيس، أما الكتب المنزلة فلا تذكر شيئا من ~~ذلك، فالتوراة تكتفي بقولها: «وأعطى سليمان ملكة سبأ كل بغيتها التي سألتها فوق ما ~~أعطاها من العطايا على حسب كرم الملك سليمان، وانصرفت وذهبت إلى أرضها وعبيدها»، ~~وليس في الحواشي المعلقة على سفر الملوك الثالث ما يفسر المراد من إعطائه إياها كل ~~بغيتها، وربما أريد بذلك أنه أعطاها ما ابتغته من تفسير الأحاجي التي حملتها ~~معها، وبعيد أن تكون قد ابتغت منه أن يتزوجها، والفصل الحادي عشر من سفر الملوك ~~الثالث يعد زوجات سليمان سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية، ولا يذكر بلقيس ولا ذكرتها ~~الفصول الأخرى، فلو كان سليمان قد تزوجها لذكرت التوراة ذلك كما ذكرت زواجه ببنت ~~فرعون، ولم تكن بنت فرعون بأعز من بلقيس. والأسطورة تسخر الجن لسليمان فيبنون ~~له تدمر، قال النابغة الذبياني في داليته «يا دار مية»: # إلا سليمان إذ قال الإله له # قم في البرية فاحددها عن الفند # وخيس الجن أني قد أذنت لهم # يبنون تدمر بالصفاح والعمد # أما التوراة فتقول: «وبنى سليمان ... وتدمر في البرية.» ~~ولا تذكر أن الجن بنوها له، وليس في القرآن ما يشير إلى ذلك. وسليمان في التوراة ~~إسرائيلي وهو في القرآن والأسطورة مسلم دعا ملكة سبأ إلى الإسلام، فأجابت دعوته، ~~وهو يموت في الأسطورة مخلصا قلبه للرب، ولكنه في التوراة: «أزاغت نساؤه قلبه ~~وملن بقلبه في شيخوخته إلى اتباع آلهة غريبة، فلم يكن قلبه مخلصا للرب إلهه ~~وتبع عشتاروت إلهة الصيدونيين»، وجائز أن يكون قد تاب قبل موته ورجع إلى ربه. ومهما ~~يكن من أمر فالكتب المنزلة والأسطورة تتفق على أن سليمان كان رجلا حكيما وملكا ~~عظيما في ملوك أيامه. # المعجم # فرعون: # الذي تزوج سليمان بنته هو في رأي المستشرق ماسبرو ملك الدلتا ~~«سبيناكيز». # سليمان: # تولى الملك على إسرائيل سنة 1016ق.م. # أورشليم: # معناها مدينة السلام. # القيل: # كان هذا اللقب في ms70 اليمن لقب الملك دون الملك الأعظم. # بلقيس: # اختلف المؤرخون في زمن موتها، فقال بعضهم: إنها ماتت قبل سليمان. وقال ~~آخرون: إنها ماتت بعده بسبع سنوات وسبعة أشهر، ولا نعلم لماذا خص المؤرخون ~~والأسطورة بلقيس بعدد «سبعة»؟ فأبياتها سبعة وأبوابها سبعة وقصورها سبعة وعاشت بعد ~~سليمان سبع سنوات وسبعة أشهر. ويقولون: إنها دفنت تحت حائط في مدينة تدمر، ولم يعلم ~~أحد بموضع قبرها إلى أيام الوليد بن عبد الملك. خبر أبو موسى بن نصر قال: بعثت ~~في خلافته (الوليد بن عبد الملك) إلى مدينة تدمر ومعي العباس ابنه، فجاء مطر عظيم، ~~فانهار بعض حائط المدينة، فانكشفت الأرض عن تابوت طوله ستون ذراعا متخذ من حجر ~~أصفر كأنه الزعفران مكتوب عليه: هذا مدفن تابوت بلقيس الصالحة زوجة سليمان بن داود ~~دفنت ليلا تحت حائط بمدينة تدمر، ولم يطلع على دفنها إنس ولا جان إلا من دفنها. ~~فرفعنا عنها غطاء التابوت وإذا هي غضة كأنها دفنت في ليلتها، فكتبنا بذلك إلى ~~الوليد، فأمر بتركه في مكانه وأن يبنى عليه بالصخر والمرمر. ويستدل من كلام أبي ~~موسى أن الكتابة كانت بالعربية (؟). # | المصادر # (1) العربية # مروج الذهب للمسعودي. # تاريخ الخميس للقاضي الديار بكري. # دائرة المعارف العربية للبستاني. ~~(2) الغربية # الإلياذة لهوميروس: # تعريب سليمان البستاني. # Virgile ~~: # L’Enéide. # Ovide ~~: # Les métamorphoses. # Ovide ~~: # Les amours. # Euripide ~~: # Tragédies. # J. Frazer ~~: # Adonis. # Louis Menard ~~: # Histoire des Anciens Peuples d’Orient. Pierre Lavedan ~~: # Dictionnaire de la Mythologie et des ~~Antiquités Grecques et Romaines. # Larousse du 20ème siècle ~~. # وما ورد في تضاعيف الكتب العربية والفرنسية من أقوال مؤرخي الشعوب القديمة أمثال: ~~بيروز الكلداني، وسنكنيتن البيروتي، وفيلون الجبيلي، وستيزياس وديودور اليونانيين، ~~وجوستين اللاتيني، والمستشرق رولنسون الإنكليزي. ms71