######OpenITI# #META# URI: 1386TahirTanahi.AmirQasrDhahab.Hindawi92529537 #META# Tags: novels #META# ID: 92529537 #META# Title: أمير قصر الذهب #META# AuthorID: 68492042 #META# Author: طاهر الطناحي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # 1 - الفنان النبيل‏ # 2 - الطموح‏ # 3 - الثورة‏ # 4 - في مدينة مرو‏ # 5 - إلى عروس المشرق‏ # 6 - مصير الفنان‏ # 7 - العرس‏ # كلمة المؤلف‏ # 1 - الفنان النبيل‏ # 2 - الطموح‏ # 3 - الثورة‏ # 4 - في مدينة مرو‏ # 5 - إلى عروس المشرق‏ # 6 - مصير الفنان‏ # 7 - العرس‏ # | أمير قصر الذهب # | أمير قصر الذهب # تأليف # طاهر الطناحي # | كلمة المؤلف # أ # هذه القصة من قصص الحضارة العربية، أو قصص الحياة الذهبية في عصر الترف والذهب، ~~والمتاع والطرب، ورخاء الفن والأدب ... وهي من صور السياسة والاجتماع، في زمن امتزجت ~~فيه السياسة بنواحي الحياة العامة في شتى صورها؛ فكان للأدباء والعلماء، والفلاسفة ~~والفقهاء، نصيب فيها وأي نصيب! # وقد ظهرت من هذه القصص الحلقة الأولى في كتاب «على ضفاف دجلة والفرات» حوى خمس ~~عشرة قصة، صدرت منذ عامين، ولقيت من خاصة القراء وعامتهم تقديرا أعجز ~~عن شكره، بل أخجل من ذكره. # أما هذه الحلقة فهي قصة واحدة تصور ألوانا من الحياة السياسية والفنية ~~والاجتماعية، وتحلل شخصية من أهم شخصيات التاريخ، وأميرا من أشهر أمراء ~~بني العباس. وقد سميتها «أمير قصر الذهب» وهو اسم براق؛ لأنه كان يسكن قصر جده ~~أبي جعفر المنصور المعروف بقصر الذهب، وهو أحد القصور الشهيرة التي بناها في بغداد. ثم ~~لأن عصره كان عصرا ذهبيا، فكان الذهب من ألمع مفاخره وأكثرها تداولا وزخرفا: ~~في وجوه الدنانير التي كانت تعد بمئات الألوف، وفي نفائس الحلي والمقتنيات، وفي ~~الأثاث والرياش، وبدائع القصور. # على أن الفن والثورة هما أبرز خصائص هذا الأمير الفنان؛ فقد كانت حياته مزيجا من ~~الفن والسياسة، والقديم والجديد، واللهو والجد، والزهد في أبهة الملك والطمع فيه. ~~وكانت له آمال وأحلام جسام، وجمع إلى فن الأدب فن الطرب، وكان شاعرا فقيها، ~~وزعيما مجددا في الغناء والموسيقى. ثم أراد - إلى ذلك - أن يكون أميرا للمؤمنين ~~وخليفة للمسلمين، وملكا للعرب والعجم! # عاش «إبراهيم بن المهدي» # 1 # في عصر أخيه هارون الرشيد، ثم محمد الأمين، ثم عبد الله المأمون، ثم أبي ~~إسحق المعتصم، وهو العصر الذي بلغ ms01 فيه الغناء والموسيقى العربية أعلى مكان من الإتقان ~~والإبداع، وظهر فيهما فطاحل المغنين والمطربين: كإسماعيل بن جامع، وإبراهيم ~~الموصلي، وإسحق الموصلي، وغيرهم. ولكنه كان - بما وهب من جمال الصوت والنبوغ ~~الفني - في المقدمة بينهم. وقد تزعم حركة لم يتزعمها أحد قبله، وهي حركة ~~التجديد، فابتدع لنفسه مذهبا، وابتكر ألوانا من الأنغام والألحان سجلها له تاريخ ~~هذا الفن على الرغم مما وقع بينه وبين إسحق الموصلي من معارك. # وكان الخليفة المأمون في أوج مجده وذروة سلطانه يوم ثار عليه إبراهيم وخلعه، ~~وبايع لنفسه بالخلافة في العراق، وجلس على أريكة الملك، وحشد الجيوش لمحاربة ~~ابن أخيه، ولم يخش بأسه وما كان عليه من تأييد الخراسانيين له وضخامة قوتهم حوله، ~~وما أصاب من عدة ومال ورجال؛ لأن طموحه كان يدفعه إلى تحقيق أحلامه في العرش، ~~وكانت تلك الأحلام تساوره منذ مات الرشيد. ولم يكن الغناء يعيبه؛ لأنه لم يتخذه ~~حرفة وتكسبا، بل تعاطاه تلذذا ومتاعا. # ب # وفن الغناء والموسيقى من الفنون الرفيعة، وهو محبوب في الإسلام. وقد كان بعض ~~الخلفاء والأمراء يمارسونه ويدرسونه ويقربون أهله، ويقيمون المسابقات بين ~~المغنين، ويجزلون لهم العطاء. وبلغ من إكرام الوليد بن اليزيد للفنان الشهير ~~«معبد» أنه لما مرض آواه في قصره وتعهده بحسن رعايته، حتى مات فشيع جنازته هو ~~وأخوه «الغمر» إلى مقره الأخير. # وروي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال لعائشة: «أهديت الفتاة إلى بعلها؟» قالت: «نعم.» ~~قال: «فبعثت معها من يغني؟» قالت: «لا.» فقال النبي: أوما علمت أن الأنصار ~~قوم يعجبهم الغناء؟ ألا بعثت معها من يقول: # أتيناكم أتيناكم # فحيونا نحييكم # ولولا الحبة السمرا # ء لم نحلل بواديكم # وحدث أن النبي # صلى الله عليه وسلم # مر بجارية تغني: # هل علي ويحكم # إن لهوت من حرج # فابتسم النبي وقال: «لا حرج إن شاء الله.» # وحسب النبي العربي حبا للصوت الجميل وتقديرا له أنه اختار بلال بن رباح مؤذنا ~~لمسجده، وكان يؤذن بصوت مؤثر، ويرتل الأذان بأنغام حلوة شجية. # ولما رجع النبي # صلى الله عليه وسلم ms02 # منتصرا من إحدى غزواته قالت له زوجه عائشة: لقد أقسمت ~~شيرين، مولاة حسان بن ثابت ، إن رجعت منصورا من غزوتك أن تغني وتضرب بالرق ~~في بيتنا، فماذا ترى؟ # فابتسم النبي وأذن لها في الغناء والعزف في بيته، وجلس مع بعض أهله وصحابته ~~ومنهم الصديق أبو بكر يستمعون لشيرين. # ذلك لأن الغناء هو لغة الحياة والوجدان ونشيد الوجود لكل موجود، فالطيور في ~~خمائلها، والوحوش في مجاهلها، والدواب في أكنانها، والبلابل على أفنانها، ~~تترجم عن حياتها، وتترنم بشعورها، كلما صفت نفسها وأحست بجمال الحياة، ونشوة ~~الوجود. ولا شيء يعدل الغناء والموسيقى في تنبيه العواطف وإثارة الهمم، وتهيئة ~~النفوس لقبول الكمالات، وتوجيهها توجيها حسنا صالحا. قال أفلاطون: # من حزن فليستمع إلى الأصوات الجميلة؛ فإن النفس إذا حزنت خمد نورها، ~~فإذا استمعت لما يطربها اشتعل منها ما خمد وتحرك فيها ما ~~جمد. # وقد كان بإسبارطة فتنة خطيرة شملت أنحاء المدينة، وانتظمت جميع سكانها، واستحال ~~على ولاة الأمور إخمادها، ففكر بعضهم في جمع الموسيقيين وتوزيعهم بين المتنازعين - ~~وفعلوا - فأشاعوا بينهم الأنغام والألحان، فصفت نفوسهم، وطابت قلوبهم، وهدأت ~~أعصابهم، وزالت عنهم أسباب الخصام. # وروى أبو بكر الدينوري حادثة شاهدها فقال: # كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منها ~~وأدخلني خباءه، فرأيت فيه عبدا أسود مقيدا بقيد، ورأيت قبالته ~~جمالا قد ماتت، وبقي منها جمل ناحل كأنه ينزع روحه، فقال لي الغلام: ~~«أنت ضيف مولاي اليوم ولك أن تشفع لي عنده، فإنه مكرم ضيفه ولا يرد ~~شفاعتك.» # فلما حضر الطعام قلت: «والله لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد.» # فقال: «إن هذا العبد أفقرني، وأهلك جميع مالي.» # قلت: «ماذا فعل؟» قال: «إن له صوتا جميلا، وإني أعيش من ظهور هذه الجمال، ~~فحملها أحمالا ثقالا، وأخذ يحدو لها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ~~ليلة واحدة من طيب نغمه، فلما حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل. ~~ولكن أنت ضيفي، فلكرامتك وهبته لك.» # فأحببت أن أسمع صوته، وأصبحنا، فأمره أن يحدو بي على جمل قوي ms03 ~~ليستقي الماء من بئر هناك. فلما رفع صوته هام الجمل على وجهه فوقعت على ~~الأرض ، وما أظن أني سمعت قط صوتا أحسن منه! # والغناء والموسيقى وسيلة من وسائل التربية وعلاج النفس والجسم من الأمراض، # 2 # ومقياس لتقدم الشعوب ورقي أفرادها. وأنت تستطيع أن تحكم على الحالة ~~الاجتماعية لكل أمة بنوع موسيقاها وما تتغنى به من أشعار وأقوال، فإن كانت من ~~ذوات الهمم العالية أو كانت من الأمم الذليلة المستضعفة بدا ذلك واضحا في ~~قوة غنائها وارتقائه أو في ضعفه وانحطاطه. # ولهذا نستطيع أن نحكم على حياة العباسيين في العصر الذي عاش فيه إبراهيم ~~بن المهدي بغنائه؛ فقد كان غناء يشيع فيه تمجيد البطولة وصفات الكرم والشمم ~~والإباء، ولكنه شاع فيه أيضا طابع العصر من الميل إلى اللهو والترف، والتحرر ~~من بعض النواهي، والإغراق في الملاذ. # ج # وقد كانت الحقبة التي وقعت فيها حوادث هذه القصة حقبة اضطراب وفتن سياسية، ~~غير أنها من الوجهة الاجتماعية حافظت على الطابع العام لذلك العصر الذي ساد فيه ~~الرخاء بالعراق، وكانت الأموال تنصب فيه على بغداد انصبابا؛ فكان البذخ ~~والتأنق في المأكل والملبس والمسكن لا يقتصران على الخلفاء والأمراء، بل ~~يتعديانهم إلى الكثيرين من السكان. وقد تنافسوا في ضروب من اللهو وألوان ~~المتاع، وتسابقوا في بناء القصور، وتجميل المنازل وتنسيق البساتين، واقتناء الأثاث ~~والرياش الثمين، والتحلي بالجواهر النفيسة، والاستكثار من الجواري الحسان ~~ولطيف الخدم والغلمان. # وأدى رخاء هذا العصر وغضارة العيش فيه إلى تفنن أهله في الملاذ، والإقبال على ~~شرب الخمور بين الأثرياء والأدباء، وكان النبيذ أكثرها شيوعا في العراق، وكان ~~الخلفاء يستحلونه على أنه غير مسكر، وصار شربه عادة مألوفة في مجالس الغناء ~~والموسيقى. # وأدخل العباسيون أسباب الأبهة والفخامة التي كانت للأكاسرة في قصورهم ومجالسهم ~~وسائر أحوالهم، فاتخذوا المقاعد المطعمة والطنافس المطرزة، والوسائد ~~الموشاة، والستور المحلاة بالنقوش البديعة، وزينوا السقوف والجدران ~~بالرسوم الذهبية والفضية الممثلة لما في البر والبحر والجو من حيوان وأشجار ~~وأطيار ومدن وأنهار، وربما حلوا ستائرهم بالآيات الكريمة والأحاديث النبوية ~~ومأثور ms04 الحكم والأشعار. # وقد أقام الخلفاء الحجاب، ونظموا المقابلات بالاستئذان لغير الأمراء. وكانت ~~التحية على الخليفة «السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته»، وقد يقبلون ~~الأرض أمامه، أو يقبلون يده على حسب الأقدار. # وكانت الأفضلية في الجلوس بين يدي الخليفة في ذلك العهد لبني هاشم: فيجلس ~~الخليفة على السرير أو السدة، ويجلس بنو هاشم على الكراسي عن يمينه، والوزراء على ~~الكراسي أو الوسائد عن يساره، ويليهم سائر الطبقات. # ولا ينصرف أحد من مجلس الخليفة إلا إذا نهض أو أذن له بالانصراف، ولا يبدأ أحد ~~بمحادثة الخليفة إلا إذا بدأه. وقد أباح الخليفة المأمون الكلام في مجالسه ~~للمناظرة في العلم والأدب. وكانت مجالسه لا تخلو من ذوي الظرف والخفة ~~والفكاهة. وكان الحديث يجري باللغة العربية الفصحى، كما أن الغناء كان بهذه اللغة، ~~ولم يقتصروا فيه على أشعار الحب والهيام، بل تناولوا كثيرا من الأغراض حتى ~~الرثاء. # وكان الخليفة إذا أراد أن يصرف جلساءه قال لهم: «إذا شئتم.» أو «على بركة الله.» ~~أو غير ذلك حسب الأحوال. ومن انصرف من حضرة الخليفة مشى القهقرى، ووجهه نحو ~~الخليفة حتى يتوارى. # وكان التطيب بأنواع الطيب من دلائل النبل عندهم. ومن أقوالهم: «ثلاثة يحكم ~~لهم بالنبل حتى يدرى من هم: رجل رأيته راكبا، ورجل سمعته يعرب كلامه، ~~ورجل شممت منه طيبا.» وكانوا لاقتباسهم من حضارة الفرس يقلدونهم في الملابس، ~~وبخاصة الملوك والأمراء ورجال الحكومة وأهل الثراء، فلبسوا الأقبية ~~والطيالسة والخفاف والجوارب، مع بقاء العامة على ألبسة العرب. ثم اختصت ~~كل طبقة بزي خاص: فالفقهاء والعلماء كانوا يلبسون عمامة سوداء ومبطنة ~~وطيلسانا أسود، والقضاة يلبسون القلانس الطوال والطيالسة الرقاق. وأما ~~غيرهم من الطبقات فاختلفت ملابسهم باختلاف أحوالهم. # وكانت بغداد في ذلك الزمان عروس الشرق والغرب، وعاصمة الحضارة العربية بما جمعت من ~~علم وأدب وثروة وطرب، وما حوت من فن وافتنان وأنس وجمال، فلا عجب أن يظهر ~~فيها من رجال الدين والدنيا من برزوا في العلوم، ونبغوا في الفنون، وكانوا أئمة ~~خالدين، وقادة مجددين، ونوابغ ثائرين، كالأمير الفنان ms05 والثائر الألمعي إبراهيم ~~بن المهدي. # طاهر الطناحي # الفصل الأول # | الفنان النبيل # أشرقت الشمس على ربوع بغداد في موكب حافل بالجلال والبهجة والجمال، وكان اليوم ~~باسما حلوا نديا، وكان في روائه وطيبه مونقا صفوا زكيا. كان من أيام ~~الربيع الضاحك الطروب، الرائع في بهاء طلعته، المختال بسحر فتنته، الشادي ~~بأنغام الحياة وألحان الوجود. # وجلس إبراهيم بن المهدي بين مباهج هذا اليوم الوسيم على سرير من الأبنوس في ~~شرفة قصر الذهب - قصر جده المنصور - وعليه قبة فوقها طارمة # 1 # ديباج أزهر، وهو يتأمل مجالس الطبيعة الحسناء، وينظر في نهر دجلة إلى ~~انسياب الماء في الغضيرة # 2 # الخضراء، وبين يديه وصائف حسان، كأنهن الياقوت والمرجان، وحوله غلمان ~~كالدنانير. # وكان القصر فخما فاتنا يتألق، قد أبدع فيه صانعه، فحلى جدرانه بصفائح الذهب ~~والفضة والجواهر النفيسة، والألوان الجذابة، والنقوش الدقيقة. وله قبة خضراء تسمو ~~متلألئة في السماء إلى ثمانين ذراعا، كأن الثريا عرست فيها، أو كأن البدر شد ~~في أعاليها. # وقد شاده المنصور في وسط بغداد بالقرب من دجلة بحيث يشرف على سائر أحياء ~~المدينة، وأقام في منتهى قبته فارسا يحمل رمحا يتجه نحو مهب الريح أينما ~~كانت. ثم بنى قصر الخلد، وجعله مقر الخلافة، وكان يسكنه هو وخلفاؤه من بعده. أما ~~قصر الذهب فقد نزله إبراهيم بن المهدي بعد أبيه وجده. وكان إلى جمال بنائه ~~وروعة زخارفه تحيط به الخمائل الغناء، والحدائق الفيحاء، وتعمره الجواري ~~الحسان، وأنغام البلابل والغزلان. # ويعيش فيه إبراهيم في هناءة الحياة الذهبية السعيدة التي عاشها خلفاء بني ~~العباس وأمراؤهم في أوج مجدهم وذروة عظمتهم وضخامة ثروتهم، وكأنما كانوا يحيون ~~في غرف الجنان. # وكان إبراهيم بن المهدي رفيع المنزلة، نبيه الذكر، شريف القدر، زانه الشباب ~~فزاده حسنا وإحسانا. وبسط الله له في جمال الجسم، وحلاوة الصوت، وعذوبة النفس، ~~ودقة الحس، والنبوغ في فني الأدب والطرب، وكان له طلعة سمراء جذابة تتهلل ~~بالملاحة والظرف والنبالة. ~~••• # مكث إبراهيم في شرفة القصر يتأمل ساعة من الزمان تأمل المفكر الفنان، ~~ويستمتع بالرياض المنبسطة في الحدائق ms06 الغناء وعلى ضفة النهر كأنما هي رياط # 3 # السندس أو مدنرات # 4 # الدمقس، والمياه تجري تحته كالفضة الذائبة، أو سبائك الذهب ~~السائلة، والطيور تغرد على الأفنان بأعذب الألحان. وقد خفت الرياح حتى كادت أن ~~تكون أرواحا تهبط لتتصاعد وتتصاعد لتهبط في طراوة ورشاقة، وفي طيب كأنها ~~تحمل أنفاس العاشقين. # وأخذت الأمير الفنان نشوة الطرب من هذا الجمال الباهر فاهتز النغم في ~~أطواء نفسه، ونهض فنادى جواريه وغلمانه ليقيموا له مجلسا من مجالس أنسه. ~~وأقبلت شارية، # 5 # وريق، وصدوف، ومعمعة، ومكنونة، ووراءهن الراقصات وحاملو آلات الموسيقى، ~~وانتظموا في صحن القصر، وجلس إبراهيم على سدته، وغنت شارية ثم ريق بعض أغانيه ~~وألحانه على عزف الآلات. وكانت مكنونة تقدم الكأس لسيدها آنا بعد آن حتى ثمل ~~بلذة الألحان، ونشوة بنت الحان، فقام من مجلسه وتناول العود من صدوف، وجلس معهن ~~يعزف ويغني. وكان أجمل أهل عصره صوتا، وأدقهم ذوقا، وأشدهم حبا للابتكار ~~والتجديد، لا يميل إلى المحاكاة والتقليد، ويعيب على «إسحق # 6 # الموصلي» تعصبه للقديم، مع علو مكانته ونبوغه في صناعته. # وعلا صوت إبراهيم، وانسابت تغاريده في أجواز الفضاء، فهزت كل من سمعها وملكت ~~عليه نفسه، فجلس الناس على شاطئ دجلة وفي البساتين القريبة يستمعون ويطربون، وسكرت ~~الجواري والغلمان بعذوبة ما ابتكر هذا الفنان النابغ من أصوات وأوزان، وسقط ~~الإبريق والكأس من يد مكنونة، وسالت الخمر وهي لا تدري لما نابها من نشوة الطرب ~~والأنغام. ~~••• # نهض إبراهيم بعد ما استوفى تغريدا وتطريبا. وفي المساء خرج إلى قصر أخته علية # 7 # بنت المهدي بالرصافة، وكان قصرا فخما جميلا بناه أبو جعفر المنصور ~~لوالدها حينما كان وليا للعهد. وكانت كأخيها فنانة أديبة بارعة، بل هي أميرة في ~~نسبها، أميرة في فنها وأدبها، مليحة الوجه واسعة الجبهة اتساعا كانت تتخذ ~~لأجله العصائب المزدانة بالذهب والفضة والجواهر النفيسة، ويقلدها نساء بغداد في ~~زينتها وزيها، ويأخذن عن ذوقها الجميل. # وأقبل إبراهيم على أخته فوجدها جالسة على أريكة من العاج فوق سدة مزدانة ~~بالوشي والديباج، وقد تزيت بزي أميرات ms07 بني العباس في ذلك الزمان الناعم ~~النضير، ووقفت خلفها جاريتها الحسناء «خلوب» في رشاقة وظرف، ممسكة بمذبة أنيقة ~~لتذب عنها كعادة بنات الأشراف وسيدات القصور. فحياها وحيته مرحبة ~~مهللة، وقبلت كتفه وقبل رأسها ثم جلس، فقال لها في تجمل ولطف: كيف أنت يا ~~أختي؟ جعلني الله فداءك. # فقالت في رقة وعطف: بحمد الله يا أخي وفضله ورعايته ... # قال لها: وكيف صحة جسمك، وحال نفسك؟ # فقالت: صحة سابغة، وعافية كاملة، ونفس مطمئنة، وعيشة راضية. # ونظر إبراهيم إلى «خلوب» وتشاغل بالنظر إليها، فلاحظت علية هذه النظرات، وتنبه ~~لهذه الملاحظة فاستحيا، وخفض رأسه ثم رفعه وقال: وكيف هناؤك في حياتك يا ~~أختي؟ ~~- هناء عظيم أشكر الله عليه، لا ينقصني فيه شيء ولا يشغلني عنه شاغل. ~~- وكيف أوقاتك ومجالس أنسك؟ ~~- إنها طيبة سارة لا حظ للشيطان فيها. ~~- وكيف أنت يا أختي؟ جعلي الله فداءك. # وجذبه النظر إلى «خلوب» فلاحظت أخته، فغض في استحياء ثم عاد يقول: وكيف هناؤك ~~في حياتك يا أختي ... وكيف أوقاتك ومجالس أنسك ... وكيف صحة جسمك وحال نفسك؟ # فنظرت إليه في عتاب وقالت: سبحان الله، أليس هذا قد مضى أمره وأجبنا ~~عنه؟! # فازداد خجل إبراهيم وهم لينصرف مستأذنا، فضحكت أخته وقالت: لا بأس عليك يا ~~أخي، اجلس، فوالله إني لمشوقة إلى أنسك، ولن أتركك حتى تسمع ما عندي وأسمع ما ~~عندك! # قال إبراهيم: هات يا علية. # فنادت جواريها وغلمانها، واستدعت أخاها يعقوب بن المهدي وكان يحسن النفخ ~~بالمزمار، وعقدت مجلسا بهيجا مؤنسا وغنت من شعرها: # تحبب فإن الحب داعية الحب # وكم من بعيد الدار مستوجب القرب # تبصر فإن حدثت أن أخا هوى # نجا سالما، فارج النجاة من الحب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا # فأين حلاوات الرسائل والكتب # وكان إبراهيم يهتز طربا كلما تغنت بمقطع من مقاطع هذه الأغنية، حتى إذا ~~انتهت ناولته العود فأمسك به وغنى من شعره: # أجن بليلى وهي غير سخية # وتبخل ليلى بالهوى وأجود # فطربت علية طربا شديدا، وناولته كأسا من النبيذ وقالت: وحياتي ~~لتغنين. ms08 # فعزف إبراهيم، وغنى من شعره: # جدد الحب بلايا # أمرها ليس يسيرا # كبر الحب وقد ما # كان إذ حل صغيرا # ذلل الحب رقابا # كان أدناها عسيرا # ليس لي من حب إلفي # غير حرماني السرورا # فطربت علية، وقامت فعانقته وقبلته في فمه، وقالت بارك الله لك يا أخي، وبارك ~~لنا فيك، ولا فض فوك، وبعد شانئوك. # ثم جعلت تتحدث معه وتروي له من الأدب والشعر ويروي لها كذلك، حتى امتد ~~الحديث إلى ذكر أخيهما هارون الرشيد وأيامه، فقال إبراهيم: حججت مرة مع الرشيد، ~~فبينا نحن في الطريق وقد انفردت وحدي وأنا على دابتي إذ حملتني عيناي، فسلكت ~~بي الدابة غير الطريق، فانتبهت وأنا على غير الجادة، فاشتد بي الحر فعطشت ~~عطشا شديدا، فارتفع لي خباء فقصدته، فإذا بقبة وبجانبها بئر ماء بقرب مزرعة، ~~وذلك بين مكة والمدينة، فاطلعت في القبة، فإذا أنا بأسود نائم، فأحس بي ففتح ~~عينيه ثم استوى جالسا، فإذا هو بشع الصورة، فقلت: يا أسود، اسقني من هذا الماء، ~~فقال محاكيا: يا أسود اسقني من هذا الماء! ثم قال: إن كنت عطشان فانزل واشرب. ~~وكان تحتي برذون خبيث نفور فخشيت أن أنزل عنه فينفر، فضربت رأس البرذون. ~~وما نفعني يا علية الغناء قط كما نفعني في ذلك اليوم. # فقالت علية: «وكيف كان ذلك؟» # قال إبراهيم: لما أجابني الأسود بهذا الجواب سرت ورفعت عقيرتي وغنيت، فلحق ~~بي، وقال: أيما أحب إليك: أن أسقيك ماء وحده، أو ماء وسويقا؟ # قلت: الماء والسويق. # فأخرج قعبا له، فصب السويق في القدح، فسقاني، وأقبل يضرب بيده على رأسه ~~وصدره ويقول: «وا حر قلباه يا مولاي، زدني وأنا أزيدك.» وشربت السويق والماء، ثم ~~قال: «يا مولاي إن بينك وبين الطريق أميالا، ولست آمن عليك العطش، لكني أملأ ~~قربتي هذه، وأحملها قدامك.» فقلت له: «افعل.» فملأ قربته وسار قدامي وهو ~~يحجل في مشيته غير خارج عن الإيقاع، فإذا أمسكت لأستريح أقبل علي فقال: «يا ~~مولاي عطشت.» فأغنيه، إلى أن أوقفني على الجادة من الطريق، ثم قال: ms09 «سر ~~رعاك الله ولا سلبك ما كساك من هذه النعم.» فلحقت بالقافلة، والرشيد قد ~~فقدني، وبث الخيل في البر لطلبي، فسر بي حين رآني، فأتيته فقصصت عليه ~~الأمر، فقال: «علي بالأسود.» فما كان إلا يسير حتى مثل بين يديه، فقال له: ويلك ~~ما حر قلبك؟ # فقال: «يا مولاي، ميمونة.» قال: «ومن ميمونة؟» قال: «حبشية يا مولاي.» فأمر من ~~يستفهمه، فإذا هي أمة لبعض أولاد الحسن بن علي، فاشتراها له، فأبى مواليها إلا أن ~~تكون هدية للرشيد، فوهبها له. # فقالت علية لإبراهيم: رحم الله أخي الرشيد، فقد كان نبيل النفس، عظيم المروءة. لقد ~~فعلها معي، فهذا «طل» الغلام وهبني إياه ليكون في خدمتي وركابي. # فقال إبراهيم: # فإن لم يصبها وابل فطل ~~! # 8 # فضحكت علية. ثم نهض وودعته أخته، وانصرف إلى قصره، وكان الليل قد انتصف، فأوى ~~إبراهيم إلى مخدعه في سلام. # في ليالي القمر # كانت الليلة التالية ليلة وضاءة صافية من ليالي القمر، وما أدراك ما هذه الليالي ~~الضاحكة القمراء في بغداد عروس المشرق في ذلك الحين؛ فقد كان الناس يخرجون فيها ~~للتزاور وشهود مجالس الأنس والطرب والشراب إلى وقت أخير من الليل، فيأخذون من ~~اللهو ومتاع الدنيا ما شاءت لهم الحياة الرغدة الباسمة التي زخرت بأنواع اللذائذ ~~والسرور على شواطئ الرافدين. # وكان إبراهيم بن المهدي قد اعتاد أن يخرج في هذه الليالي زائرا لبعض آله، أو ~~مؤانسا لأحد أصدقائه، أو مناظرا لخصومه في أغانيه وألحانه. وقد مضى حين من ~~الزمان لم تعكر الأحداث صفو بغداد وما يظلها من سعادة وهناءة عدا مقتل «الأمين» # 9 # فقد هز هذا الحادث جوانب المدينة، بل جوانب العراق، هزا أليما. ~~وكادت تحدث من أجله فتنة لولا ما كان عليه المأمون من قوة وعزم، وما له من سلطان ~~بين العرب والعجم، فعادت إلى بغداد حياتها الناعمة وحظها السعيد. # وخرج «إبراهيم» في المساء إلى بيت صديقه مخارق المغني في زي العامة من العرب، ~~وقد خلع ملابس الأمراء، فمر في طريقه بدار رشيقة متقنة البناء ينم ظرفها ~~وجمال ms10 مرآها على أنها لثري كبير من الأثرياء. وكان هذا الثري يدعى «أبا عبد ~~الله» وهو من كبار تجار العراق الذين امتدت تجارتهم إلى الهند وفارس واليمن ~~وبلاد الأحباش، وقد دعا نخبة من أصدقائه التجار بعد أوبة من أسفاره ليحيي ~~معهم ليلة ساهرة عامرة بالغناء والموسيقى والشراب ورقص الجواري الحسان، وكانت ~~أمثال هذه الليلة تفتن عشاق الطرب من الأمراء والأعيان وأهل الفنون يغشونها سواء ~~أكانوا من المدعوين أم من الهواة المتلذذين. فنظر «إبراهيم» إلى الدار فإذا ~~كف ومعصم لحسناء قد خرجا من إحدى نوافذها، ثم إذا وجه فاتن كأنما هو وجه القمر ~~يطل من هذه النافذة ثم يختفي كالبرق. فاستهواه ما رأى واستثار فؤاده، وهو الشاب ~~الأديب الفنان المملوء حياة وشبابا، وشعورا رقيقا مرهفا، فوقف واجما مفكرا ~~فيمن عسى أن تكون هذه الجارية الفاتنة، وفيما عسى أن يكون في هذه الدار من الأنس ~~والمتاع، ثم إذا بتاجرين من المدعوين قد أقبلا، وسلما عليه، فسلم عليهما، ~~ودخلا الدار، فدخل هو بينهما، وهما يظنانه من أصدقاء صاحب الدار؛ فلم يكن لهما عهد ~~برؤية إبراهيم بن المهدي ومعرفته عن كثب، وكذلك كان أبو عبد الله، فإنه لم يعرفه، ~~ورحب به عند قدومه عليه وظن أنه صديق صاحبيه أتى معهما تفضلا ورغبة منه في ~~المؤانسة والمجالسة، وسماع الغناء مع سائر الأهل والأصحاب. # وجلس إبراهيم معهم متنكرا، وانتهى الطعام وأقبلت جارية حسناء تدعى «خالدة» ~~كانت صاحبة الوجه الفاتن والكف والمعصم، جمعت بين القمر نورا والغصن لينا، وهي ~~كما قال بشار: # بنت عشر وثمان قسمت # بين غصن وكثيب وقمر # وكانت تتهادى في استحياء وتمشي في دلال وتثن كأنما تمشي على عواطفها فتذيب ~~القلوب وتسحر الألباب. ووراء هذه الجارية موكب ~~من الجواري الحسان وملاح الغلمان يحملون آلات العزف والطرب، ثم جلسوا جميعا على ~~تخت بالقرب من فسقية جميلة وفي وسطهم خالدة وغنت لبشار بن برد: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # نفسي يا عبد عني واعلمي # أنني يا عبد من لحم ودم # إن ms11 في بردي جسما ناحلا # لو توكأت عليه لانهدم # وإذا قلت لها جودي لنا # خرجت بالصمت عن لا ونعم # ختم الحب لها في عنقي # موضع الخاتم من أهل الذمم # فما كادت تنتهي حتى امتلك القوم الشجو والطرب، واستعادوها فأعادت الغناء. ثم قال ~~لها إبراهيم: أسمعينا يا خالدة من العباس بن الأحنف. فغنت: # خليلي ما للعاشقين قلوب # ولا للعيون الناظرات ذنوب # ويا معشر العشاق ما أوجع الهوى # إذا كان لا يلقى المحب حبيب # أموت لحيني والهوى لي مطاوع # كذاك منايا العاشقين ضروب # عدمت فؤادي كيف عذبه الهوى # أما لفؤادي من هواه نصيب # فاشتد طرب القوم، وقال إبراهيم: أحسنت والله يا جارية، ولكن بقي عليك شيء! ~~فعز عليها أن ينقدها وقامت نافرة وضربت بعودها الأرض، وصاحت: متى كنتم ~~تحضرون مجالسكم من لا يحسن السماع؟! # وخرجت، فقام إبراهيم في هدوء وثبات، وأخذ العود فأصلحه واندفع يغني ~~بتلحينه: # أسرى بخالدة الخيال ولا أرى # شيئا ألذ من الخيال الطارق # إن البلية من تمل حديثه # فانقع فؤادك من حديث الوامق # أهواك فوق هوى النفوس ولم يزل # مذ بنت قلبي كالجناح الخافق # شوقا إليك ولم تجاز مودتي # ليس المكذب بالحبيب الصادق # وما كاد ينتهي منها حتى خرجت الجارية، فأخذت بيده وجعلت تقبلها وهي تقول: ~~المعذرة يا سيدي، والله ما سمعت أحدا يغني هذا مثلك! # فقال إبراهيم: جعلت فداءك يا خالدة، وما سمعت والله معتذرة أجمل منك! وقام ~~مولاها أبو عبد الله ففعل مثلما فعلت وقال مثلما قالت ورجاه أن يغني صوتا آخر، ~~فغنى من شعر بشار: # أيها الساقيان صبا شرابي # واسقياني من ريق بيضاء رود # إن دائي الظما وإن دوائي # رشفة من رضاب ثغر برود # ولها مبسم كغر الأقاحي # وحديث كالوشي وشي البرود # نزلت في السواد من حبة القل # ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت نلقاك بعد ليال # والليالي يبلين كل جديد # عندها الصبر عن لقائي وعندي # زفرات يأكلن قلب الحديد # فتأوه جميع السامعين وهتفوا معجبين مكبرين وقالوا: هذا والله الغناء ... هذا ~~والله الغناء! # وجاء من طرب القوم ms12 ما كاد يذهلهم، وناشدوا إبراهيم أن يزيدهم، فغنى: # هذا محبك مطوي على كمده # صعب مدامعه تجري على جسده # له يد تسأل الرحمن راحته # مما به ويد أخرى على كبده # يا من رأى كلفا مستهترا أسفا # كانت منيته في عينه ويده # فطربوا طربا شديدا، وغنى إبراهيم أصواتا أخرى حتى منتصف الليل، ثم انفض ~~المجلس، ونهض الحاضرون للخروج وساروا مودعين من أبي عبد الله، ما عدا إبراهيم فقد ~~رجاه أن يبقى ملاوة # 10 # من الوقت، فمكث حتى انصرف القوم، فقال له أبو عبد الله: ذهب والله ما خلا من ~~أيامي باطلا إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت يرحمك الله؟ # فأبى إبراهيم أن يعرفه نفسه، فألح عليه كثيرا حتى أخبره، فبهت الرجل وقال: ~~«الله أكبر، سليل الهاشم، وحفيد العباس، وأمير الغناء عندي ...» # قال إبراهيم: لا تفضحني يا عم يرحمك الله ... فما كان ينبغي أن أغشى دارك في هذه ~~الحال! # فقال أبو عبد الله: لا بأس عليك يا سيدي فإن الدار دارك. # قال إبراهيم: أحمد إليك الله أبا عبد الله ... وأتمنى لك حياة طيبة! # ونهض ليخرج، فقال أبو عبد الله: لا والله حتى تقبل مني «خالدة» جارية لك، ~~فإنك أكرمتني بأنسك، وشرفتني بضيافتك. # فاغتبط إبراهيم بهذه الهدية الحسناء. # الفصل الثاني # | الطموح # كان إبراهيم بن المهدي من أنبغ رجال عصره في الغناء والموسيقى، وكان مجددا ~~مبتكرا، ممتازا بطرائق التجديد والابتكار، ينتقد القديم وأنصاره، ويندد ~~بزعمائه وفي رأسهم إسحق الموصلي. ومع أن أمه «شكلة» - بكسر الشين وسكون ~~الكاف - من أب أعجمي يدعى «شاه افرند.» فقد كان إبراهيم أديبا عربيا صميما، ~~خطيبا مصقعا، شاعرا راوية. ولم يكن في لهوه وترفه مستهترا متبذلا. وكان ~~يناظر إسحق في فن الغناء، ويأخذ عليه تعصبه للقديم، فإذا حاجه إسحق في بعض ~~مستحدثاته قال: أنا ملك أغني كما أشتهي! # وقد بقيت الخصومة بينه وبين إسحق في عهود الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم. وكان ~~إبراهيم زعيم المجددين، بينما كان إسحق زعيم المحافظين، وعرفت طريقة الأول ~~بالغناء الحديث، وطريقة الثاني بالغناء القديم. # وكان إسحق الموصلي ms13 زعيما في فنه وابن زعيم فيه، وهو إبراهيم الموصلي، وقد ~~اختصا بآل عباس. وكان إسحق يكنى «أبا محمد» ثم كناه الرشيد «أبا صفوان.» وأمه ~~أعجمية من أهل الري تدعى «شاهك». # 1 # وقد درس علوم اللغة والأدب على الكسائي والأصمعي وأبي عبيدة ~~وغيرهم. وكان فن الغناء - على علو مكانته فيه - أقل ميزاته. وقد وضع أربعمائة ~~لحن من أجود الألحان. # ومات هارون الرشيد وقام النزاع بين الأمين والمأمون على الخلافة، فلم يزج إسحق ~~بنفسه في هذا الخلاف، بل بقي في «بغداد» لخدمة الفن والأدب. # غير أن إبراهيم بن المهدي كانت تنازعه ثورة نفسية منذ مات أخوه الرشيد؛ فكان يرى ~~أنه أحق بالخلافة من الأمين والمأمون، وما دام أبو جعفر المنصور تولى الخلافة بعد ~~أخيه أبي العباس، وما دام الرشيد تولى الخلافة كذلك بعد أخيه الهادي، فلماذا لا ~~يتولاها هو بعد أخيه الرشيد؟ وبأي حق يعهد الرشيد لابنيه بالخلافة من بعده ~~وهما لا يمتازان عنه في شيء؟ بل كان يرى أنه يمتاز عنهما في كل شيء - كان يمتاز ~~عنهما في الأدب واللغة والفن وعلوم الدين، ويمتاز عن الأمين بالفقه والرواية ~~والفصاحة، ولم يكن مغرقا مثله في اللهو مسرفا في اللذائذ والشراب. فكان يتمنى ~~الخلافة ويشعر بثورة في نفسه من أجلها، ولكن التمني والكفاية ليستا طريق ~~الملك والسلطان، بل إن لهما سبلا أخرى. وقد صار لكل من الأمين والمأمون قواد ~~وجنود وأموال، أما هو فليست له هذه القوى، فليبتعد حينا من الزمان وليكبت طموحه ~~عن كل إنسان، وليخف ثورة نفسه حتى تسنح الفرصة ويحين الأوان. # ودخل عليه نديمه وصديقه محمد بن أمية، وكان كاتبا شاعرا ظريفا، فأخذ يسر ~~إليه ما في نفسه. وبينما هما يتساران إذ دخل عليهما أبو العتاهية، وقد عاد إلى ~~التنسك ولبس الصوف وترك قول الشعر إلا في الزهد، فرفعه إبراهيم وسر به، ~~وأقبل عليه بوجهه، فقال أبو العتاهية: أيها الأمير، بلغني خبر فتى في ناحيتك ومن ~~مواليك يعرف بابن أمية يقول الشعر، وأنشدت له شعرا فأعجبني، فما فعل؟ فضحك ~~إبراهيم ms14 وقال: «لعله أقرب الحاضرين مجلسا منك.» فالتفت أبو العتاهية إلى ابن ~~أمية وقال: «أنت هو؟» فقال: «نعم، جعلت فداءك. أما الشعر فإنما أنا شاب ~~أعبث بالبيت والبيتين والثلاثة كما يعبث الشبان.» فقال أبو العتاهية: «ذاك والله ~~زمان الشعر. وما قيل فيه فهو غرره وعيوبه.» ثم التفت إلى إبراهيم بن المهدي وقال: ~~إن رأى أمير المؤمنين - أكرمه الله - أن يأمره بإنشادي ما حضره من الشعر. ~~فقال إبراهيم: أنشده يا محمد ... # فأنشده: # رب وعد منك لا أنساه لي # أوجب الشكر وإن لم تفعل # أقطع الدهر بظن حسن # وأجلي غمرة ما تنجلي # كلما أملت يوما صالحا # عرض المكروه لي في أملي # وأرى الأيام لا تدني الذي # أرتجي منك وتدني أجلي # فطرب أبو العتاهية، وقال إبراهيم: «أحسنت يا بن أمية.» وجعل يردد هذه ~~الأبيات! ~~••• # وكان الأمين قد تولى الخلافة بعد أبيه، وكان للمأمون إمارة خراسان وما يليها من شرق ~~الدولة العباسية كعهد الرشيد، فقد قسم الدولة بينهما عند وفاته إلى قسمين: قسم يليه ~~الأمين وهو العراق والشام وما بعدهما إلى بلاد المغرب، وقسم يليه المأمون وهو خراسان ~~وسائر بلاد المشرق، على أن تكون الخلافة للأمين. ولم يلبث أن وقع الخلاف بينهما، ~~وطمع كل منهما في الآخر، وانتهى الأمر بقتل الأمين ببغداد، والمبايعة بالخلافة ~~للمأمون. # وكان المأمون وقتئذ في «مرو» فأحدث قتل الأمين أثرا سيئا في نفوس بني العباس ~~خاصة، ونفوس العرب عامة؛ فقد كان أول حادث من نوعه في الأسرة العباسية، واعتبره ~~العرب خذلانا لهم وانتصارا للفرس أخوال المأمون # 2 # وأنصاره. # وكان الفرس يتشيعون للعلويين، وإن كانوا يناصرون العباسيين، وقد تربى ~~«المأمون» فيهم ونشأ على احترام العلويين وحبهم خلافا لأسلافه. ولما تولى ~~الخلافة زاد في احترامهم وتقريبهم، واتخذ إمامهم «علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق ~~العلوي» زوجا لابنته «أم حبيب.» وكان يحبه ويقدمه لتقواه وورعه، وقد سماه ~~«الرضا من آل محمد.» ثم بايع له بولاية العهد من بعده دون ابنه العباس. وكان ~~لوزيره الشيعي الفضل بن سهل دور أصيل في هذه المبايعة، # 3 ms15 # وبلغت أنباؤها بني العباس بالعراق، وشيعتهم من العرب، فهالهم الأمر لأن ~~الخلافة بذلك ستنتقل إلى العلويين. # وكان إبراهيم بن المهدي وقتئذ كبير آل العباس ببغداد، فخرج من عزلته الفنية إلى ~~السياسة، واضطربت الحال في بغداد، وكان يتنازع العباسيين عاملان: عامل الولاء ~~للخليفة الجديد، وعامل الثورة عليه، خصوصا بعد ما وصلهم أن المأمون قد أبدل بالملابس ~~السوداء (شعار العباسيين) الملابس الخضراء (شعار العلويين)، وأحرق الأولى في ملأ من ~~الناس! # إذن كانت الفرصة سانحة لإبراهيم ليحقق آماله في الخلافة ويطلق ما في نفسه من ~~طموح إلى الملك والسلطان. وإذن فليدع الفن فترة من الزمان، أو إلى آخر الزمان ~~إذا صحت الأحلام! # في الحانة # لم تفقد بغداد في ظلام هذه الفتنة شيئا من نورها وجمال العيش فيها وطيب الحياة ~~بين أبنائها؛ فقد كانت هذه الأحداث تمر بها دون أن يعصف بها عاصف شديد؛ إذ كان ~~النضال مقصورا على رجال السياسة، وأطماعهم في النفوذ والجاه والسلطان. وكانت بغداد ~~عروس الشرق، وعاصمة الحضارة، وزعيمة البلدان، وكانت الأموال تنصب فيها انصبابا، ~~فكثرت فيها مجالس الأنس والأدب والطرب. # وجلس جماعة من الأدباء والمغنين في حانة لرجل رومي في طرف من أطراف ~~المدينة، وكانت تحيط بالحانة أغراس وبساتين، وفي جدرانها كوى كالجيوب فيها دنان ~~الخمر، وفوق الكوى رفوف عليها أباريق وأقداح من الزجاج والخشب، وفي صدر الحانة ~~بعض المعازف والأعواد والآلات. وأخذ هؤلاء الأدباء والمغنون يتسامرون ويحتسون ~~كئوس الخمر، يدور بها السقاة من الغلمان الحسان. # وكان بينهم الحسين بن الضحاك # 4 # وعمرو بن الوراق شاعرا الأمين، ودعبل بن علي الخزاعي، # 5 # وأبو دلف قاسم العجلي أحد الشعراء والفرسان وأمراء العرب في ذلك العصر، ~~وعقيد وعلوية وزلزل من المغنين؛ وابن نهيك من قواد الجند العباسي. وكان البعض ~~يلعب النرد والبعض يلعب الشطرنج، والبعض الآخر يشرب ويتحدث. فقال ابن الضحاك ~~لصديقه عمرو بن الوراق: هيه يا عمرو، رحم الله الأمين، وأيام الأمين، وسلام على ~~مجالس أنسه، ومطالع سعده. أين ليالي قصر الخلد والرصافة، وأين المباهج ~~والسرور في حدائق المنصور، والدهر ms16 ساج ساكن، والعيش ناعم باسم؟! فقال عمرو: أجل ~~يا بن الضحاك، وأين فتنة البساتين، والحور العين، وملاعب الفرسان، ومغاني القيان، ~~وبدائع الحراقات # 6 # والجواري المنشآت تخطر فوق دجلة والفرات في فخامتها النادرة وزينتها ~~الساحرة؟ أين سفينة «الأسد» تفتك بالعباب والزبد، وأين «العقاب» تسبق في سيرها ~~السحاب، وأين سفينة «الفيل» في حجمها الضخم وروائها الجميل، وأين «الدلفين» سيدة ~~البحار ومليكة السفين؟! # قال ابن الضحاك: وأين ما كان لنا من صحاب في مجالس الأنس والشراب؟ وأنعم بعهد ~~الأمين، عهد الهوى والشباب. # فقال عمرو: ما زلت - والله يا بن الضحاك - أتمثل جمال هذا العهد كلما ذكرت ~~أبا نواس وهو ينشد الأمين على إحدى تلك الحراقات، ونحن نأنس بالرياضة معه على ~~مياه دجلة في شباب الربيع، والأمين فرح طروب: # سخر الله للأمين المطايا # لم تسخر لصاحب المحراب # فإذا ما ركابه سرن برا # سار في الماء راكبا ليث غاب ~~«أسدا» باسطا ذراعيه يهوي # أهوب الشدق كالح الأنياب # لا يعانيه باللجام ولا السو # ط ولا غمز رجله بالركاب # عجب الناس إذ رأوك على صو # رة ليث تمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه # كيف لو أبصروك فوق العقاب # ذات زور # 7 # ومنسر وجناحي # ن تشق العباب بعد العباب # تسبق الطير في السماء إذا ما اس # تعجلوها بجيئة وذهاب # بارك الله للأمين وأبقا # ه وأبقى له رداء الشباب # قال الحسين بن الضحاك: أسفا فقد ذهب الأمين وشباب الأمين. # ابن الوراق: # ذهبت بهجة بغدا # د، وكانت ذات بهجة # فلها في كل يوم # رجة من بعد رجة # ابن الضحاك: # لا يرجع الماضي إلى ال # باقي طوال الأبد # هيهات لا تبصر مم # ن قد مضى من أحد # وما كادا يصلان إلى ذلك حتى ترك «دعبل بن علي» لعبة الشطرنج، وكان يلعبها مع زلزل، ~~وقال: ما هذه الذكريات لأمور عفى عليها الزمان ... هونا عليكما، خليفة أتى ~~وخليفة ذهب، وما يبالي الناس فالدنيا لمن غلب. # فقال زلزل: # رب ركب قد أناخوا عندنا # يشربون الخمر بالماء الزلال # عصف الدهر بهم فانقرضوا # وكذاك ms17 الدهر حالا بعد حال # فقال علوية: صدقت، وصدق والله عدي بن زيد، دعونا من الخلافة والخلفاء ~~وحدثونا من أخبار العشاق والأدباء. # قال دعبل: إني محدثكم عن حادث ظريف وقع لي مع صريع الغواني مسلم بن الوليد ~~قاتله الله ... # كنت مارا بباب الكرخ، # 8 # فاحتوى الفكر على قلبي، وأخذتني نشوة، فقلت شيئا من الشعر ما ~~وعيته من قبل، وهو: # دموع عيني لها انبساط # ونوم عيني به انقباض # فإذا أنا بجارية رائعة، لها وجه زاهر، ومطلع باهر، وهي تسمع هذا البيت، ~~فاعترضتني وقالت: # هذا قليل لمن دهته # بلحظها الأعين المراض # فأجبتها: # فهل لمولاي عطف قلب # فالود في ديننا قراض # 9 # ثم شعرت كأني أخاطب حورية هبطت من الجنة؛ فقد كانت تقطع الأنفاس بعذوبة ~~ألفاظها، وتختلس الأرواح ببراعة منطقها، وتذهب الألباب برخيم نغمها، مع ~~رشاقة قد واعتدال، فحار والله البصر فيها، وتلجلج اللسان، ثم ثاب لي عقلي وراجعتني ~~شجاعتي، فقلت: # أترى الزمان يسرنا بتلاقي # ويضم مشتاقا إلى مشتاق # فأجابت: # ما للزمان يقال فيه وإنما # أنت الزمان فسرنا بتلاقي # ثم سرت وتبعتني - وذلك في أيام إملاقي - فقلت ما لي إلا منزل مسلم بن الوليد، ~~فسرت بها إلى بابه، فخرج، فقلت له: «أكمل الخير معي، وجه صبيح يعدل الدنيا بما ~~فيها، وقد وقع بي ضيق وعسر.» فقال: «والله لا أملك غير هذا المنديل.» فقلت: «هو ~~البغية» وتناولته. فقال: «خذه فاشتر لنا بثمنه شيئا.» فتركت الجارية عنده، ~~وذهبت فبعته واشتريت لحما وخبزا ونبيذا، وصرت إليه فوجدتها تتساقط معه ~~حديثا كأنه الزهر الممطور، فقال: «ما صنعت؟» فأخبرته، قال: «كيف يصلح طعام وشراب ~~وجلوس مع وجه جميل بلا ريحان وطيب، اذهب فأحضر لنا شيئا من ذلك.» وأخرج نصف ~~دينار، فأخذته وذهبت، ثم عدت إليهما فوجدت باب الدار مفتوحا وليس لهما من أثر ~~...! # فضحك علوية وصاحباه وقالوا: والله إنك لأحمق البشر ...! # وقهقهوا قهقهة عالية ملأت الحانة وأغرقوا في الضحك! ~~••• # وهنا دخل أبو المهنأ مخارق المغني وهو يترنم بهذه الأبيات: # يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا # عودي بيوم سرور كالذي ms18 كانا # لا تفقدينا دعابات الحياة ولا # طيب البطالة إسرارا وإعلانا # سقيا لحسنك من حسن خصصت به # دون الدساكر من لذات دنيانا # حفت رياضك جنات مجاورة # في كل مخترق نهرا وبستانا # لا زلت آهلة الأوطان عامرة # بأكرم الناس أعراقا وأغصانا # فقال زلزل المغني: مرحبا أبا المهنأ. اجلس وزدنا من أنسك ولطفك. # ونادى زلزل الساقي فناول مخارقا كأسا فشربها وهو يقول: # يومنا يوم رذاذ # واصطباح والتذاذ # ليس للمرء من الدن # يا سواها من ملاذ # فسمعه أبو دلف قاسم العجلي، فنفر قائلا: كلا ... كلا ... فإن في الدنيا ألذ ~~منها. # لسل السيوف وشق الصفوف # ونقض التراب وضرب القلل # ولبس العجاجة # 10 # والخانقات # تريك المنايا برأس الجبل # ألذ وأشهى من المسمعات # وشرب المدامة في يوم طل ~~«فهذه والله لذتي، وإن استلذ أحد شيئا من المعاقرة ملت إلى المقاومة ~~والمبادرة، ولا أستلذ غيرهما.» # فضحك دعبل في تهكم وقال: ما صدقت والله يا قاسم ... وإذا كانت لذة الحرب ~~لذتك وخوض المنايا غرامك، فلماذا قلت: # بنفسي يا جنان وأنت مني # مكان الروح من جسد الجبان # ولو أني أقول مكان نفسي # خشيت عليك بادرة الزمان # فقال أبو دلف: ذلك كان في متقدم العمر وأيام الصبا، وهل أنا أحسن ممن ~~قال: # أذم لك الأيام في ذات بيننا # وما لليالي في الذي بيننا عذر # فقال عقيد المغني: لمن هذا البيت الجميل؟ # أجاب أبو دلف: سمعته من المأمون في مجلس ضمنا للشعر والغناء. # قال عقيد: كلام الملوك، ملك الكلام، ورائحة المسك تنم عليه ... # فاعترض الحسين بن الضحاك وقال: ألم تقولوا دعونا من الخلافة والخلفاء؟! # فقال دعبل: ويحك يا حسين ... الدنيا دول ... # فاخط مع الدهر إذا ما خطا # واجر مع الدهر كما يجري # ابن الضحاك: كلا ... كلا ... لا أم لي إن بقيت في بغداد بعد مقتل أمير المؤمنين ~~الأمين. هيا بنا يا عمرو. # عمرو بن الوراق: # ولست بتارك بغداد يوما # ترحل من ترحل أو أقاما # إذا ما العيش ساعدنا فلسنا # نبالي بعد من كان الإماما # وخرج الحسين بن الضحاك - وقد اعتزم أن يغادر ms19 بغداد - وترك أصحابه وهم يلهون ~~... # الفصل الثالث # | الثورة # كان إسحق الموصلي يعقد مجالس الغناء والأدب والمناظرة في قصره. وكان قصرا بديعا ~~يعيش فيه عيشة الأمراء والعظماء مما أفاء الله عليه وعلى أبيه إبراهيم الموصلي من ~~عطايا هارون الرشيد. وقد كان يقول: «لو بقي لنا الرشيد لبنينا جدران بيوتنا بالذهب ~~والفضة.» # وكان أكثر ما يكون الحديث عنده عن إبراهيم بن المهدي ومستحدثاته ومبتكراته في ~~الغناء والموسيقى، وكان ينكر عليه إسحق وينتقده انتقادا مرا. # وزاره أبو دلف قاسم العجلي، ومخارق، وعمرو بن الوراق، مع جمع من الأصدقاء ~~وجلسوا يشربون ويتحدثون. # وكانت بغداد في هذه الآونة قد زخرت بأنباء المأمون وإحراقه الملابس السوداء (شعار ~~العباسيين) واستبدال الملابس الخضراء بها (شعار العلويين)، وما كان من مبايعته ~~بولاية العهد من بعده لعلي بن موسى الرضا زعيمهم، مما أحدث ثورة في نفوس بني ~~العباس والعرب ببغداد والعراق. # وأخذت الفتنة تزحف من القصور إلى الدور، ومن صدور الخاصة إلى أفواه ~~العامة. # وجلس الأدباء والمغنون في قصر إسحق الموصلي يتذاكرون ويتشاورون، ويروي بعضهم ~~لبعض ما سمعه من أنباء المأمون وشيعة العلويين في «مرو» وخراسان. # فقال أبو دلف: وهل استشار المأمون الفقهاء فيما فعل واستحدث من هذا الأمر؟ # فقهقه عمرو بن الوراق وقال: أجل ... أجل ... إني محدثكم ما سمعته من صديق جاء ~~من «مرو» منذ أيام: فقد روى أنه لما اعتزم المأمون تولية علي بن موسى الرضا عهد ~~الخلافة، خلع الملابس السوداء، وجمع فقهاء المدينة عنده وأخذ يسألهم رأيهم، فكان ~~والله كلما قال قولا قال الفقهاء: «كلنا نقول بقول أمير المؤمنين، وكلنا نرى ~~رأي أمير المؤمنين.» حتى لو كان قد قال لهم إن الوحي نزل على أبي نواس لقالوا: ~~«كلنا نقول بقول أمير المؤمنين، وكلنا نرى رأي أمير المؤمنين!» # فضحك جميع الحاضرين وقهقهوا قهقهة عالية، وقال إسحق الموصلي: ... اتق الله يا ~~عمرو ... اتق الله ... ودع عنك هذا التشنيع! # قال عمرو: والله ما حدثتكم كذبا، ولا رويت لكم إلا ما سمعت من شاهد ~~صادق. # فقال أبو دلف: سمعت الناس في ms20 بغداد يتحدثون عن خلع المأمون، والنداء بغيره ~~خليفة للمسلمين، فمن يكون يا ترى يصلح للخلافة من بعده، ومن يا ترى يكون أمير ~~المؤمنين الجديد؟! # قال إسحق الموصلي: وهل بعد المأمون من رجل رشيد يصلح لخلافة المسلمين ؟ # فقال مخارق: إبراهيم بن المهدي، فهو أكبر أمراء بني العباس! # فصاح دعبل: # إن كان إبراهيم مضطلعا بها # فلتصلحن من بعده لمخارق # ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل # ولتصلحن من بعده للمارق # قال إسحق: صدقت يا دعبل صدقت، وويل للخلافة يتقلدها مغن. # مخارق ~~: # ما أصبت والله أبا محمد ... وأي بأس في أن يتولى إبراهيم الخلافة ... أليس هو ~~ابن الخليفة المهدي، وأخا الخليفة هارون الرشيد وعم الخليفة المأمون؟ ثم أليس هو ~~من تعرف علما وأدبا ونبلا وفضلا وملكا للغناء والموسيقى؟ # إسحاق ~~: # سبحان الله! تقول أي بأس أن يتولى مغن الخلافة؟ إني لا أرضى لنفسي أن ~~أوصف بالغناء، ووددت أن أضرب كلما أراد مريد مني أن أغني، أو كلما قال ~~قائل: «إسحق الموصلي المغني.» وتمنيت بدل هذا أن أقرع عشر مقارع لا ~~أطيق غيرها، ولو أطقت أكثر منها لفضلتها على هذا الوصف ... فكيف أرضى أن يكون ~~الخليفة مغنيا ...؟ # مخارق ~~(في دهشة) ~~: # كيف هذا يا إسحق، أتضع من شأن الغناء؟ والله ما بلغت ما بلغته إلا به، ولا ~~احترمك الناس إلا لأجله، ولا قدمك الخلفاء إلا بما صححت أجناسه وميزت ~~طرائقه وما كان لك فيه من ألحان شتى، فكيف تحط من قدره الآن وقدر ~~أهله؟! # إسحق ~~: # لقد أفسد إبراهيم بن المهدي الغناء، فكيف أنسب نفسي إليه بعد ... ولو أنه تولى ~~الخلافة لأفسدها. # مخارق ~~: # ويحك ثم ويحك أبا محمد ... كيف ذلك؟! والله لقد سمعت أباك إبراهيم الموصلي ~~يقول: «لو طلب إبراهيم بن المهدي بالغناء ما نطلب، لما أكلنا خبزا أبدا.» ثم ~~لقد شهدت أنت له بالفضل، فقلت: «ما ولد العباس بن عبد المطلب بعد عبد الله بن ~~العباس رجلا أفضل من إبراهيم بن المهدي.» ثم أنت تعيبه وتقول فيه ما تقول ~~الآن؟! # إسحق ~~: # لأنه تغير، فتغيرنا ... # مخارق ~~: # عجبا! إذا تغيرت ms21 النفوس تغيرت الآراء في الرءوس. لقد كنت تشهد بكفايته ~~وتعترف له في فنه بالدراية والرواية. # إسحق ~~: # دعني ... دعني أبا المهنأ، فوالله ليست له دراية ولا رواية ولا كفاية. ~~لقد عابنا في صناعتنا، وأحدث فيها وخرج علينا ، وثار على قواعدنا. وإني لأخشى ~~أن يحدث بين المسلمين حدثا في دينهم كما أحدث بيننا أحداثا في دنيانا ... وإني ~~أبغض صلفه وكبرياءه، وما طبع عليه من ثورة وفتون. # اسمعوا: كنت عند هارون الرشيد يوما في مجلس مؤنس، وكان عنده إبراهيم، فقال ~~لي الرشيد: غن يا إسحق ... # فغنيت: # أعاذل قد نهيت فما انتهيت # وقد طال العتاب فما ارعويت # فأقبل إبراهيم، وقال لي أمام الرشيد: «ما أصبت يا إسحق ولا أحسنت.» فقلت له: ~~ليس هذا مما تحسنه ولا تعرفه، وإن شئت فغنه، فإن لم أجد أنك تخطئ فيه ~~منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال! # ثم قلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي، وهي التي قربتنا ~~منك، واستخدمتنا لك، وأوطأتنا بساطك، فإذا نازعنا إياها منازع بلا علم لم ~~نجد بدا من الإيضاح! # فقال الرشيد: لا غرو ولا لوم عليك يا إسحق. ثم قام الرشيد من المجلس لبعض شأنه، ~~فقال لي إبراهيم: «ويلك يا إسحق تجترئ علي يا بن الفاعلة، وتقول ما ~~قلت!» # فقلت له: «وأنت الآن تشتمني، وأنا لا ~~أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة، وأخو الخليفة، ولولا ذلك لكنت قلت لك مثل ~~ما قلت. أترى أني لا أحسن أن أقول لك يا بن الفاعلة مثنى وثلاث ورباع ... ولكن ~~قولي هذا ينصرف إلى خالك الأعلم ... ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه». # وكان خاله كما تعلمون بيطارا يعالج نعال الدواب، ثم قلت له: «أنت تظن أن ~~الخلافة تصير إليك يوما ما، فلا تزال تهددني بذلك، وتعاديني كما تعادي سائر ~~أولياء أخيك الرشيد حسدا له ولولده، وتستخف بأوليائه تشفيا، وإني أرجو ~~الله ألا يخرج الخلافة من يد الرشيد وولده، فإن صارت إليك - والعياذ بالله - ~~فحرام علي العيش يومئذ، والموت أطيب من الحياة معك!» # قال إسحق: وهنا عاد الرشيد، فوثب ms22 إبراهيم بين يديه يقول: «يا أمير المؤمنين، ~~شتمني إسحق، وذكر خالي وأمي واستخف بي.» فتغير وجه الرشيد وقال لي: «ويلك ~~... ما تقول؟» فقلت: «سل من حضر.» فأقبل على خادمه مسرور وسأله عما حدث، فجعل ~~مسرور يخبره فكان وجهه يربد ثم يربد إلى أن انتهى إلى ذكر الخلافة، فسري ~~عن الرشيد، ورجع لونه، والتفت إلى إبراهيم وقال له: «لا ذنب له ... شتمته ~~فعرفك أنه لا يقدر على جوابك. ارجع إلى موضعك، وأمسك عن هذا، وإياك أن تعود ~~إليه!» # فقام إبراهيم منصرفا، ولما انقضى المجلس أمر الرشيد ألا أخرج فساء ظني، ~~وأهمتني نفسي، ثم أقبل علي وقال لي أمام بعض الخدم: «ويلك يا إسحق، أتراني ~~لم أفهم قولك ومرادك؟ قد والله شتمته ثلاث مرات ... ويلك لا تعد ... أخبرني، لو ~~ضربك إبراهيم أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل ... أم ترى لو أمر ~~غلمانه فقتلوك، أكنت أقتله بك؟» # فقلت للرشيد: «قد والله قتلتني يا أمير المؤمنين بهذا الكلام، ولئن بلغه ~~ليقتلني، وما أشك أنه سيبلغه!» # فصاح الرشيد بمسرور الخادم وقال: علي بإبراهيم الساعة. # فأحضره، وقال لي الرشيد: «قم يا إسحق ~~فانصرف.» فقلت لجماعة من الخدم وكلهم كان لي محبا: «أخبروني بما يجري.» ~~فأخبروني أنه لما جلس إبراهيم بين يدي الرشيد، وبخه وجهله، وقال له: ~~«أتستخف بخادمي وصنيعتي، ونديمي وابن نديمي في مجلسي ... هاه ... هاه ... أتجترئ ~~على هذا وأمثاله بحضرتي ... وأنت ما لك وللغناء حتى تتوهم أنك تبلغ مبلغ إسحق، ~~ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه ... ألا تعلم ويلك أن هذا سوء أدب وقلة ~~معرفة وعدم مبالاة! والله العظيم والله العظيم وحق رسول الله، وإلا أنا لست ~~للمهدي، لئن أصابه أحد بسوء، أو سقط عليه حجر من السماء، أو سقط من دابته ~~فمات، أو سقط عليه سقف أو جدار، أو مات فجأة، لأقتلنك. قم الآن فانصرف ~~...!» # فخرج إبراهيم يتعثر وهو يكاد يموت ...! ~~••• # سمعت الجماعة من إسحق هذه القصة، وكانت بغداد وقتئذ تضطرب بالفتنة، وكان بنو ~~العباس ينادون بإبراهيم بن المهدي خليفة ms23 للمسلمين، وأميرا للمؤمنين، ويبايعون ~~له، ويخلعون المأمون لأنه خرج على سنة آبائه وشعارهم وسياستهم في الملك والسلطان ~~بما أتاحه للعلويين من نفوذ. # ودخل «بديح» غلام إسحق ينبئه أن الناس نادوا لإبراهيم ولقبوه «إبراهيم المبارك» ~~و«أمير المؤمنين.» وما كاد ينتهي من كلامه حتى سمع إسحق وضيوفه النداء بخلافة إبراهيم ~~على مآذن بغداد وفي أسواقها، فقال علوية: ما رأيك أبا محمد، لقد استعذت بالله من أن ~~يصبح إبراهيم خليفة، وها هو ذا قد واتته الخلافة، فماذا أنت صانع؟ # إسحق: لا عيش لي في بغداد، والموت أهون علي من هذا ... # مخارق: والله لم أر أفصح لسانا، ولا أحسن بيانا، ولا أجود شعرا، ولا أسد ~~رأيا، ولا أبلغ في التصرف في الفقه وسائر الآداب الرفيعة من إبراهيم بن ~~المهدي. # إسحق: أنفاق وتملق يا مخارق، ولما تمض على مبايعته ساعة ...؟! # ثم نهض إسحق ونهض الحاضرون، فخرجوا واستبقى منهم علوية، فأفضى إليه أنه راحل عن ~~بغداد اليوم وأنه يوصي له بأمر أولاده وشئونه، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. ~~فسأله علوية: إلى أين أبا محمد؟ # قال إسحق: إلى خراسان، إلى مرو، إلى المأمون، فإنه مولاي وابن مولاي وهو بي ~~أولى. ~~••• # خرج إسحق متنكرا في زي أعرابي، وقد حلق لحيته، وكانت بغداد تهتز بالدعاء ~~لإبراهيم ومبايعته والهتاف له وتزدحم بمواكب الهاتفين وهم ينادون: ~~«إبراهيم ... إبراهيم أمير المؤمنين ... لا طاعة للمأمون ... لا طاعة للمأمون ...» # ثم ينشدون: # يا بني العباس أنتم شفا # ء وضياء للقلوب ونور # أنتمو أهل الخلافة فينا # ولكم منبرها والسرير # لا يزال الملك فيكم مدى الده # ر مقيما ما أقام ثبير # وأبو إسحق # 1 # خير إمام # ما له في العالمين نظير # واضح الغرة للخير فيه # حين يبدو شاهد وبشير # زانه الله بعز وجلال # وجمال ووقار وخير # وشايعت بغداد الخليفة الجديد، وأقام بنو العباس في قصر الخلد - قصر الخلافة - حفلا ~~فاخرا له رقصت فيه الجواري الحسان، وغنت فيه «خالدة» بشعر جرير: # إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا # من الخليفة ما نرجو من المطر # نال الخلافة إذ كانت ms24 له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # إبراهيم المبارك # بلغت أنباء هذه الفتنة المأمون في «مرو» فاشتد عليه وتمثل له خطرها إن لم ~~يسرع في إخمادها قبل أن تستفحل في دولته وتذهب بملكه، وأيقن أنه قد تجاوز ~~الحكمة في التدبير وغفل عن السداد في الرأي والتقدير، فما كان ينبغي له أن يقدم ~~على ما أقدم عليه فأغضب بني العباس وأثار العراق، ولم يكن من الكياسة أن يتسرع في ~~تنفيذ رأي رآه قبل أن ينضجه التفكير الطويل. # رأى أن يعهد بولاية العهد لعلي بن موسى الكاظم لأنه في زمنه خير أبناء هاشم ~~جميعا، ولم يجد أفضل منه يصلح للخلافة من بعده، ولعله كان ينظر في ذلك إلى مصلحة ~~المسلمين وحدها، ولعله كان متأثرا باحترامه للعلويين منذ تربى في شيعتهم، بل من ~~المؤكد أن مربيه الفضل بن سهل كان أكبر المؤثرين عليه في هذه الناحية، وأول ~~المحبذين لهذا العمل، إذ كان علويا يخفي تشيعه كما كان البرامكة ~~يفعلون. # ونظر المأمون في أولاد العباس وكان عددهم وقتئذ ثلاثة وثلاثين ألفا، فلم يجد ~~بينهم من يصلح للخلافة إذا قورنوا بعلي بن موسى الرضا علما وتقى ودينا. وقد ~~ولد علي سنة 153، وهو ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين ~~العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وكان هو أحد أئمة الشيعة الاثني ~~عشر. # ولى المأمون عليا العهد من بعده، ولم يكن يتوقع أن يثور عليه الناس في ~~العراق. بل لعله كان يتوقع، ولكنه لم يخش الثورة ولم يحفل بها وقد دان له ~~المشرق والمغرب وأصبح لا ينازعه في السلطان منازع! ~~••• # ثار العراق وقاد الثورة بنو العباس في بغداد، ونصبوا عمه إبراهيم بن المهدي ~~خليفة للمسلمين، فرأى المأمون أن يعالج الحال بأحد أمرين: الأول أن يرسل جيشا ~~لإخضاع إبراهيم وخلعه من الخلافة، والثاني أن يخلع عليا بن موسى من ولاية العهد ~~فيرضي بني العباس ويرضي العرب. # ولكن العلاج الثاني قد يثير الفرس في خراسان وهم أنصار هذه البيعة لعلي، ms25 ~~فلا بد من طريقة أخرى لا تثير الفريقين. ورأى المأمون أولا أن يخضع إبراهيم ~~بن المهدي، فجند جيشا كبيرا بقيادة الحسن بن سهل وأمره أن يذهب إلى بغداد ويأتي ~~بإبراهيم حيا أو ميتا ...! # وكان إبراهيم قد جمع الجموع، وألف جيشين: أحدهما بقيادة عيسى بن أبي خالد أحد ~~القواد السابقين للمأمون، والثاني بقيادة إبراهيم بن عائشة. وخرج الجيشان فقابلا ~~جيش الحسن بالقرب من بغداد، ودارت رحى القتال، فانهزم الحسن، وفر بمن معه إلى ~~«سمر.» فطارداه حتى خرج إلى خراسان. ~~••• # كتب النصر في أول الأمر لإبراهيم بن المهدي على المأمون، وكان نصرا مبينا ~~زاد من إقبال الناس عليه ومبايعتهم له. وجلس إبراهيم على أريكة الرشيد ودعي ~~«إبراهيم المبارك.» وسكن قصر الخلد ببغداد وتبوأ عرش آل العباس، وكان العرش من الذهب ~~الخالص المرصع بالجواهر النفيسة، ووراءه حارسان بيد كل منهما سيف مسلول، وقد ~~نصب العرش في صدر القاعة فوق سدة قائمة على أعمدة صغيرة من الأبنوس المنزل فيه ~~العاج، وسقفها من الديباج الأسود المزركش برسوم فنية جميلة من الذهب، وازدانت ~~حاشيتها من الأمام والجانبين بأهلة مدلاة فيها ورد ونجوم من الياقوت الأحمر ~~والأصفر على نظام بديع. وقد لبس إبراهيم حلة الخلافة التي كان يلبسها الرشيد، ~~وهي مؤلفة من ملابس سوداء وطيلسان أسود وقلنسوة قصيرة حولها عمامة سوداء من ~~الحرير الموشى، وبين ثنايا العمامة عقود صغيرة من الجواهر، وفي مقدمتها طرة ~~من أسلاك الذهب على هيئة عرف الطاووس. # ودخل عليه أخوه المنصور بن المهدي وابن أخيه صالح بن الرشيد، وابناه: هبة الله # 2 # وبقية الله، وبعض أمراء بني العباس، فجلسوا عن يمينه. ودخل عيسى بن أبي ~~خالد قائد العسكر وبعض رجال الدولة الآخرين، فجلسوا عن يساره. وسأل إبراهيم أخاه ~~المنصور: ما حال أعمامنا بالكوفة يا منصور، هل أجابوا إلى البيعة لنا وخلع ~~المأمون؟ # قال المنصور: نعم يا أمير المؤمنين، وقد وعدوا أن يحضروا غدا إلى بغداد. # فقال إبراهيم: حمدا لله على ما أنعم. # ثم التفت إلى عيسى بن أبي خالد، وقال: وكيف حال القوم ms26 يا عيسى؟ # عيسى: إن أهل بغداد والعراق يدينون لك بالطاعة، وقد كشف الله عدوك، فإن أنت ~~قويت هذا الأمر، حفظتض تراث آبائك، ولم تملكه العلويين وشيعتهم من ~~الفرس، واحتفظت بمجد العرب. # فقال إبراهيم: لن يضيع هذا الأمر من يدي إن شاء الله! # ودخل إبراهيم بن عائشة فسلم وجلس خاشعا مطرقا، فقال له إبراهيم بن المهدي: ~~أحسنت أبا علي، فتح الله عليك ونصر الحق على يدك. # فأجاب ابن عائشة: هذا من فضل الله وعون أمير المؤمنين. # فقال إبراهيم: وأين إسحق الموصلي؟ بعثت إليك أن أغلق في وجهه السبل فلا ~~تدعه يفر من العراق! # ابن عائشة: قاتله الله! لقد فر يا أمير المؤمنين ونحن مشغولون عنه بالحسن بن سهل، ~~وقد تزيا بزي أعرابي وما عرفته الشرطة. # فقال إبراهيم بن المهدي في غيظ: ويل لهذا المارق! يقول عني ويل للخلافة ~~يتقلدها إبراهيم كأنما لست أهلا لها، والله إني لأحق بالخلافة بعد أخي الرشيد ~~من الأمين والمأمون! # قاتله الله! إنه خصم لدود حقود. لقد استعاذ بالله أن أكون حيث أنا الآن، ولكن ~~الله خيب رجاءه. وكان يعيبني بالغناء وهو يعلم أني في العلم مناظر، وفي ~~الغناء متلذذ، وأني ملك وابن ملك! # فقال عيسى بن أبي خالد: والله يا أمير المؤمنين إن سيفي لظمآن إلى هذا المارق ~~ووددت لو رأيته فأقتله أينما كان! ~~••• # ودخل الحاجب فقطع كلام عيسى بقوله: رسول يا مولاي جاء من عبد الله المأمون. # فأذن له إبراهيم فدخل وركع وسلم، ثم قدم له كتابا من المأمون فتناوله ~~وفضه فإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أمير المؤمنين عبد الله المأمون، السلام على أبي إسحق إبراهيم بن المهدي ~~ورحمة الله. # أما بعد، فقد علمت أمر خروجك علينا، وادعاءك لنفسك الخلافة متجاوزا ~~في ذلك حد الله فيما أعطيته من العهود والمواثيق أمام أمير المؤمنين الرشيد ~~في البيعة لولده من بعده. وقد كنت عذرتك حين علمت بغضبك لمبايعتي لعلي ~~بن موسى الرضا بولاية العهد، وعذرت بني العباس في ذلك، وقد شاء الله ولا راد ~~لمشيئته ms27 أن يضع بيننا الخصومة في هذا الأمر، فاختار عليا - رضي الله عنه ~~- إلى جواره وانتقل إلى جنة الخلد ~~راضيا مرضيا. # فأنا أدعوك ومن معك إلى الطاعة، وعلي عهد الله أن أعطيك الأمان وسيكون لك ~~من عفوي وقربي ما أنت به أهل إن شاء الله. # قرأ إبراهيم هذا الخطاب، وعجب لموت علي بن موسى الرضا في هذا الأوان، وسأل ~~الرسول: أوهل مات حقا علي بن موسى؟ # قال الرسول: إنه مات بطوس فجأة! ~~- فجأة، وكيف كان ذلك؟ ~~- خرج المأمون يوما من مرو إلى مدينة طوس لزيارة قبر الرشيد، ودعا عليا ~~للزيارة معه، فلبى دعوته، وأقاما يومين في هذه المدينة، وبينما كانا يأكلان جاء ~~الغلام بطبق من العنب فأكل علي منه كثيرا فمات! ~~- وهل مات من العنب؟ ~~- بلى، قد مات ... # فقال أحد الحاضرين: والله يا أمير المؤمنين ما مات علي بن موسى إلا مسموما! # فقال صالح بن الرشيد: عجبا! كان المأمون يحب عليا ويحترمه ويجله. # فسكت إبراهيم بن المهدي ساعة، وكأنما كان يفكر في هذا الحادث وكيف أن السياسة ~~وأطماع الملك والسلطان لا قلب لها ولا نبل فيها، إلا لمن عصم الله، وهم قليل من ~~قليل. ثم التفت إلى رسول المأمون وقال: بلغ مولاك أني قرأت كتابه ولكل كتاب ~~جواب! ~~••• # انصرف الرسول والتفت إبراهيم إلى من حوله وقال: ماذا تقولون في كتاب ~~المأمون؟ ~~- إنه خداع، وما نظنه صادقا في قوله يا أمير المؤمنين. # إبراهيم: صدقتم. # ثم التفت إلى ابنه «هبة الله» وأملى عليه الكتاب الآتي إلى المأمون: # بسم الله الرحمن الرحيم # من أمير المؤمنين إبراهيم بن المهدي إلى عبد الله المأمون. # أما بعد، فقد جاءني كتابك، فعجبت من خطابك فيه، وما اجترأت علي به من ~~وصفي بالخروج والثورة عليك، وقد علمت أني لم أخلعك وحدي لكن الناس في ~~العراق خلعوك وخرجوا عليك لخروجك عن سنة آبائك وشعار آلك، وتفريطك في ~~أمرهم، تريد أن تنقله من ولد العباس إلى ولد علي. وقد أقمناه نحن ~~بالسيوف، وسقيناه بالدماء، وألزمناهم الحجة بالطاعة لنا منذ اختارنا ~~الله ms28 فيه دونهم وفتح الله بنا على المسلمين. # ثم تزعم أني نقضت العهود والمواثيق، فأيها كانت علي في أمرك؟ لقد ~~عهد أبوك بالخلافة للأمين دونك وولاك أمر خراسان تحت ولايته، فطمعت ~~فيه واغتصبت حقه ناقضا ما قطعته على نفسك أمام الله وأمام الرشيد ~~والناس، ولم تحفظ عهده ولم ترع قرابته ولم تخش الله فيه فسلطت عليه ~~صعاليك الجند يذبحونه كما تذبح الشاة في ظلام الليل وهو يصيح في جزع: ~~ويحكم ويحكم، أنا ابن عم رسول الله، أنا ابن هارون الرشيد، الله الله ~~في دمي. فلم يتقوا الله فيه أو تأخذهم رأفة به. ثم صلبوه على باب ~~الأنبار ومثلوا بجثته تمثيلا، وفصلوا رأسه وأتوا بها إليك محمولة ~~في ترس كما تحمل رءوس الكفار، فأينا كان أحفظ للعهود والمواثيق؟ ~~وأينا كان بارا بقرابته رءوفا بذوي رحمه وآله؟ # لقد والله أتيت أمرا نكرا، وأحدثت في بني العباس ما لم يسبقك إليه ~~غيرك، فقتلت أخاك ومثلت به، وخلعت شعار آلك وأردت أن تسلبهم حقهم في ~~الولاية على المسلمين، فأي حق علينا في الطاعة لك؟! ونحن أحق بها منك، ~~والسلام. # ثم طوى الكتاب وبعث به إلى المأمون ... # الفصل الرابع # | في مدينة مرو # ما زال المأمون بمرو عاصمة خراسان لم يبرحها، وكان الخراسانيون أشد أنصاره ~~قوة، وأعظمهم عدة، وأكثرهم عددا، فلما بلغته ثورة إبراهيم بن المهدي ~~ببغداد، وكل إلى وزيره الأكبر الفضل بن سهل في إطفائها، فبعث بجيش يقوده أخوه ~~الحسن بن سهل لمحاربة إبراهيم والقضاء على ثورته والقبض عليه وتشتيت شمله، ~~ولكن هذا الجيش لم يكتب له النجاح، وفر الحسن بمن معه إلى سمر، ثم إلى ~~خراسان. # وأراد المأمون أن يعالج إبراهيم بالسياسة، فبعث إليه بكتابه يؤمنه ويفسح له ~~عنده من عفوه ورعايته، فرد عليه إبراهيم بكتابه السابق. # قرأ المأمون الكتاب وهو يتميز غيظا ثم طواه وهو يقول: قاتل الله إبراهيم ... ~~لست من الرشيد ولا الرشيد مني إن لم أثرها عليه حربا شعواء تأكله وتأكل ~~أصحابه! # وجمع وزراءه وقواده وشاورهم في الأمر، فانتهوا إلى إرسال جيش ms29 آخر بقيادة ~~«حميد بن عبد الحميد» أحد كبار القواد، على أن يكون هذا الجيش أكثر عددا وأشد ~~جندا. فخرج الجيش يقوده حميد، وخرج معه المأمون بموكبه إلى الصحراء ~~فودعه. ~~••• # عاد المأمون وهو واثق من نجاح قائده وفوز جيشه هذه المرة، ودخل قاعة العرش ومعه ~~أخوه أبو إسحق المعتصم وبعض الأمراء والوزراء وجلس على أريكة الملك. وإنه لكذلك ~~إذا بحاجبه «فتح» يدخل ويقول: يا أمير المؤمنين، مولاكم ابن البواب # 1 # يستأذن. # فأذن له، فدخل محييا راكعا، فقال له المأمون: ماذا وراءك يابن ~~البواب؟ # فأخرج ابن البواب ورقة وقال: إن أذن أمير المؤمنين أنشدته هذا الشعر. # قال المأمون: هات ما عندك. # فشرع ابن البواب ينشد: # أجزني فإني قد ظمئت إلى الوعد # متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد # أعيذك من خلف الملوك وقد بدا # تقطع أنفاسي عليك من الوجد # أيبخل فرد الحسن عني بنائل # قليل وقد أفردته بهوى فرد # فقال المأمون: أحسنت ... أحسنت. # قال ابن البواب: # رأى الله عبد الله خير عباده # فملكه والله أعلم بالعبد # ألا إنما المأمون للناس عصمة # مميزة بين الضلالة والرشد # المأمون ~~: # أحسنت والله، وأجدت يا بن البواب. # ابن البواب ~~: # يا أمير المؤمنين، إنما أحسن وأجاد قائلها. # المأمون ~~: # أولست أنت القائل؟ # ابن البواب ~~: # نعم يا أمير المؤمنين لست هو، بل عبدك «الحسين بن الضحاك» # فاحمر وجه المأمون غضبا وقال: لا حيا الله من ذكرت ولا بياه، ولا أقر به ~~عينا ... أليس هو القائل حينما قتل أخي «الأمين»: # أعيني جودا وابكيا لي محمدا # ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا # فلا تمت الأشياء بعد محمد # ولا زال شمل الملك فيه مبددا # ولا فرح «المأمون» بالملك بعده # ولا زال في الدنيا طريدا مشردا # هذا بذاك، ولا شيء له عندنا ...! # ابن البواب ~~: # وأين فضل إحسان أمير المؤمنين وسعة حلمه؟ # المأمون ~~: # لا أحسن الله إليه، ولا وسعه حلم حليم! # ابن البواب ~~: # وأين عادة أمير المؤمنين في العفو والكرم؟ # فسكت المأمون برهة ثم قال: وأين من ذكرت، أببغداد هو أم بمرو؟ # ابن البواب ~~: # هو الساعة بباب أمير ms30 المؤمنين. # فنادى المأمون حاجبه وأمره أن يأتي بابن الضحاك، فدخل الحسين، فركع وقبل ~~الأرض، وقال: السلام على مولاي أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # المأمون ~~: # لا سلمك الله يا هذا، ولا رحمك ولا بارك لك. هيه يابن الضحاك، ~~تهجوني ثم تقصد اليوم بابي؟ # ابن الضحاك ~~: # ذاك لكرم علمته فيك، وحلم اشتهر عنك يا أمير المؤمنين. # المأمون ~~: # أخبرني ... ويلك ... هل رأيت يوم مقتل أخي الأمين أن هاشمية قتلت أو ~~هتكت، أو نبذت صارخة في الطريق؟ # ابن الضحاك ~~: # لا يا أمير المؤمنين ... # المأمون ~~: # إذن ففيم قولك: # هتكوا بحرمتك التي هتكت # حرم الرسول ودونها السجف # تركوا حريم أبيهمو نفلا # والمحصنات صوارخ هتف # هيهات بعدك أن يدوم لهم # عز وأن يبقى لهم شرف # ابن الضحاك ~~: # أستغفر الله، وأستغفر أمير المؤمنين، فما حدث ذلك. # المأمون ~~: # وهل رأيت نساء بني هاشم في بغداد يندبن كنساء العامة؟ # ابن الضحاك ~~: # لا يا أمير المؤمنين، وحاشا لهن أن يفعلن. # المأمون ~~: # إذن فما معنى قولك: # وسرب ظباء من ذؤابة هاشم # هتفن بدعوى خير حي وميت # أرد يدا مني إذا ما ذكرته # على كبد حرى وقلب مفتت # فلا بات ليل الشامتين بغبطة # ولا بلغت آمالهم ما تمنت # ابن الضحاك ~~: # أنشدك الله يا مولاي! # المأمون ~~: # وهل تركنا الدين ولم نصن حرمته فعاد عندنا مطروحا مهينا، وذهبت ~~بشاشة كل شيء في هذه الدنيا؟ # ابن الضحاك ~~: # لا - جعلت فداءك - فقد اعتز الدين والدنيا بك يا أمير ~~المؤمنين. # المأمون ~~: # إذن ففيم قولك في «الأمين»: # هو الجبل الذي هوت المعالي # لهدته وريع الصالحونا # ستندب بعدك الدنيا جوارا # ونندب بعدك الدين المصونا # فقد ذهبت بشاشة كل شيء # وعاد الدين مطروحا مهينا # ابن الضحاك ~~: # يا أمير المؤمنين ... لوعة غلبتني، وروعة فاجأتني، ونعمة حرمتها بعد ~~أن غمرتني، وإحسان شكرته فأنطقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت ~~فبحقك، وإن عفوت فبفضلك! # المأمون ~~: # يا بن الضحاك جعلت عقوبتك امتناعي عن استخدامك، وقد عفوت عنك وأمرت ~~بإدرار رزقك وإعطائك ما فات منها ... # ابن الضحاك ~~: # أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وحفظه للدين والدنيا! # وأذن له ms31 المأمون فانصرف، وما كاد يغيب حتى أقبل قاضي القضاة «يحيى بن أكثم» # 2 # واستأذن لإسحق الموصلي ودخلا معا، وكان إسحق قد وصل إلى «مرو» بعد ما ~~فر من وجه إبراهيم بن المهدي. فسلم كل منهما على أمير المؤمنين، وجلسا ، فقال ~~المأمون: خبرني يا يحيى، أكان علينا بأس فيما أخذناه من اللباس الأخضر دون ~~الأسود؟ # فقال يحيى: حاشا يا أمير المؤمنين، بل حسنا فعلت، فإن الأخضر خير من الأسود، ~~والخضرة رخاء وخصب، والسواد ظلام وجدب، أرأيت ~~كيف تخضر الأرض في الربيع ويهتز رباها. والملابس الخضراء ملابس بيت الحسين بن ~~علي، وهي ملابس أهل الجنة يلبسون من سندس خضر وإستبرق ...! # قال المأمون: وهل كان من بأس إذ بايعت لعلي بن موسى الرضا - رحمه الله - بولاية ~~العهد من بعدي، وهو أفضل بني هاشم في هذا الزمان؟ # فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين لقد كان أصح الناس بعدك دينا، وأكثرهم ~~ورعا. # فقال إسحق الموصلي: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أبا نواس - رحمه الله - ترك ~~معنى من المعاني إلا قال فيه شعرا. وقد ذكرته يوما بذلك وقلت له: «يا أبا نواس ~~قلت ما قلت في كل شيء، وهذا علي بن موسى لم تقل فيه شيئا.» فقال: «والله يا ~~إسحق ما تركت ذلك إلا إعظاما لمقامه، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله شعرا.» ثم ~~سكت قليلا وأنشد: # قيل لي أنت أحسن الناس طرا # في فنون من الكلام النبيه # لك من جيد القريض مديح # يثمر الدر في يدي مجتنيه # فلماذا تركت مدح ابن موسى # والخصال التي تجمعن فيه # قلت لا أستطيع مدح إمام # كان جبريل خادما لأبيه # قال المأمون: صدق والله الحسن بن هانئ. # ثم التفت إلى إسحق وقال: وأين كنت يا إسحق بعد فرارك من بغداد؟ # قال إسحق: خرجت يا أمير المؤمنين من بغداد متنكرا فلم يظفر بي إبراهيم، فضربت ~~في الصحراء حتى أتيت مدينة «الرقة» وقد حمي النهار، فوقفت أستريح في فناء بيت ~~رحب، فما لبثت أن مر بي خادم يقود حمارا فارها # 3 ms32 # عليه جارية حسناء، تحتها منديل مصري، وعليها من اللباس الفاخر ما ليس ~~وراءه غاية، فدخلت البيت الذي كنت واقفا بجواره. # 4 # ثم لم ألبث أن جاء شابان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما، فدخلت أنا ~~معهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب الدار ~~أني معهما. فجلسنا وأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب ~~فوضع بين أيدينا، وخرجت الجارية الحسناء، وفي يدها عود فغنت لذي ~~الرمة: # ألم تعلمي يا مي أني وبيننا # مهاو # 5 # لطرف العين فيهن مطرح # ذكرتك أن مرت بنا أم شادن # 6 # أمام المطايا تشرئب وتسنح # وشربنا يا أمير المؤمنين على هذا الغناء الجميل ساعة، واهتزت أعطافي، وسأل صاحب ~~الدار الشابين عني فأخبراه أنهما لا يعرفانني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ~~ظريف، فأجملوا عشرته. # وغنت الجارية بعد ذلك ثلاثة أدوار كلها من أدواري فأخطأت في الدور الثالث، ~~فاستعدته منها لأصححه فغضبت، فقال أحد الشابين: «ما رأيت طفيليا أصفق منك ~~وجها، لم ترض بالتطفيل حتى تريد تصحيح الغناء.» فأطرقت ولم أجبه، ثم قاموا ~~للصلاة وتأخرت قليلا فأخذت عود الجارية فشددته وضبطته ضبطا محكما وعدت إلى ~~موضعي فصليت، وعادوا فأخذت الجارية العود فمسته فعرفت أن أحدا مسه، فقالت: ~~«من مس عودي؟» قالوا: «ما مسه أحد.» قالت: «بلى والله لقد مسه حاذق متقدم في ~~الغناء.» قلت: «أنا أصلحته.» قالت: «فبالله خذه واضرب به.» فأخذته وضربت، فما ~~بقي أحد في المجلس إلا وثب على قدميه وهز عطفيه، ثم قالوا: «بالله يا سيدي من ~~أنت؟» قلت: «أنا إسحق الموصلي.» فأقبلوا علي يا أمير المؤمنين، وغنيت الأدوار ~~التي غنتها الجارية، فقال صاحب الدار: «هل لك أن تقيم عندي شهرا والجارية ~~والحمار لك مع ما عليهما من الحلي.» قلت: «نعم.» فأقمت عنده شهرا لا يدري أحد ~~أين أنا، وها أنا ذا جئت إليك يا أمير المؤمنين.» # فضحك المأمون وقال: قاتلك الله ... كنت أبحث عنك طويلا، حتى حسبت أن إبراهيم بن ~~المهدي قد احتجزك. # قال إسحق: الحمد لله الذي نجاني من المارق. ~~••• # ودخل «فتح» الحاجب فقال: كلثوم العتابي # 7 # يا أمير ms33 المؤمنين. # فأذن له المأمون، فدخل وحياه فقال: حيا الله أمير المؤمنين وبياه، وبارك ~~عهده. # قال المأمون: حياك الله وبياك يا عتابي، بلغتنا وفاتك فغمتنا، ثم انتهت ~~إلينا وفادتك فسرتنا. # كلثوم ~~: # أحمد الله على الموت والحياة ما دمت في رعاية أمير المؤمنين. # المأمون ~~: # وكيف حالك يا عتابي؟ ~~- حال رجل لا يطمع في الدنيا إلا في رضا أمير المؤمنين. # فاستظرفه المأمون وأراد أن يمزح معه، فقد كانت له أطوار غريبة، فقال له: وكيف ~~شأنك يا عتابي؟ # فأجاب: في خير إن شاء الله. # فسكت المأمون وتشاغل بشيء ثم عاد فقال: وكيف حالك يا عتابي؟ # فقال كلثوم: أتهزأ بي يا أمير المؤمنين ... إن الإيناس # 8 # قبل الإبساس. # قال إسحق الموصلي: وما هو الإبساس يا شيخ؟ # فقال كلثوم: ومن أنت أيها الوسواس؟ # قال إسحق: أنا من بعض الناس. # كلثوم ~~: # وما اسمك يا هذا؟ # إسحق ~~: # اسمي «كل بصل!» # كلثوم ~~: # هذا اسم منكر مستنكر. وما «كل بصل» في الأسماء؟ # إسحق ~~: # ما أقل إنصافك يا شيخ، وما اسمك أنت؟ # كلثوم ~~: # اسمي كما سمعت «كلثوم». # إسحق ~~: # وما «كل ثوم» بين الأسماء، والبصل خير من الثوم؟! # فضحك المأمون حتى استلقى، وضحك من بالمجلس، فقال ~~كلثوم: قاتلك الله ما أملحك ... ولكن ما رأيت كالبصل حرارة. # قال إسحق: وما رأيت كالثوم رائحة. # فقال كلثوم: غلبني والله يا أمير المؤمنين. # إسحق ~~: # ما دمت أقررت بأني غلبتك فمن أكون؟ # كلثوم ~~: # لعلك الشيخ الذي تناهت إلينا أخباره بالكوفة ويعرف بإسحق ~~الموصلي. # إسحق ~~: # هو من قلت ... وقد سرتني رؤيتك. # وما كاد ينتهي إسحق حتى استأذن «فتح» الحاجب لرئيس الشرطة دينار بن عبد الله، فأذن ~~له المأمون ودخل، وحيا الخليفة، فسأله عما جاء به، فقال دينار: جئت يا مولاي برجل ~~يدعي أنه النبي «إبراهيم الخليل» عليه السلام. فابتسم المأمون وقال متهكما: ~~أدخله نستمع لوحيه. # فذهب دينار وأتى بالرجل. # فقال له المأمون: هل أنت إبراهيم الخليل؟ # قال الرجل: نعم ... نعم ... يا عبد الله. # فغاظت المأمون جرأته، فقال يحيى بن أكثم: هل يأذن أمير المؤمنين أن ~~أناقشه؟ # قال المأمون: ms34 دونك وإياه ... # فقال يحيى: يا هذا، إن إبراهيم الخليل كانت له براهين. # قال الرجل: وما هي براهينه؟ # يحيى ~~: # أضرمت له النار وألقي فيها، فكانت عليه بردا وسلاما! فنحن نضرم لك ~~النار، ونطرحك فيها، فإن كانت عليك بردا وسلاما آمنا بك وصدقناك. # الرجل ~~: # هذا برهان عسير ، فاسألني برهانا آخر. # يحيى ~~: # وكان من براهين موسى أن ألقى العصا فإذا هي حية تسعى، وضرب بها البحر ~~فانفلق، فافعل بعصاك مثله. # الرجل ~~: # هذا برهان صعب، وما لنا وللعصا وللحية يا صاح ولسنا أمام فرعون، بل أمام ~~المأمون! # يحيى ~~: # وكانت براهين عيسى عليه السلام إبراء المرضى، وإحياء الموتى، فافعل مثل ما ~~فعل. # الرجل ~~: # جئت بالطامة الكبرى، ما لي وللمرضى والأطباء كثيرون، ثم ما لي وللموتى ~~وقد بعثت للأحياء ...؟! # فضحك المأمون والحاضرون وقال للرجل: لا بد لك من براهين وإلا ضربنا عنقك ~~...! # قال الرجل: ما معي شيء مما تطلبون، ولقد قلت لجبريل حين أرسلت بالرسالة: إنكم ~~ترسلونني إلى قوم فيهم أمير المؤمنين المأمون وفيهم قاضي القضاة يحيى بن أكثم، ~~فأعطوني برهانا أذهب به إليهم. فغضب جبريل وقال: «اذهب أولا وانظر ما يقول لك ~~القوم، ثم نعطيك ما يطلبون.» # فأغرق المأمون في الضحك، وقال: هذا نبي يصلح للمنادمة! # ثم أمر بإطلاقه وانفض المجلس، وخرج المأمون ليقضي وقتا في الرياضة وصيد الثعالب ~~والظباء ليخفف عن نفسه متاعب الملك، وهموم التفكير في ثورة العراق، وفي الثائر ~~إبراهيم بن المهدي ...! # ساحر ومسحور # عاد المأمون من الصيد بعد ما قضى فيه ثلاثة أيام، وقد أصاب من الثعالب والغزلان ~~عددا، وقنص فيما قنص نمرا مخططا ثائرا أتى به حيا، فسماه «إبراهيم ~~المبارك» تفاؤلا بأنه سيتغلب على إبراهيم ويقبض عليه ويطفئ ثورته ويأتي إليه ~~مقيدا ذليلا، كما قنص هذا النمر وقيده وأضعف قوته وأذل كبرياءه. وكان ~~المأمون لا ينفك مهتما بثورة إبراهيم وخروجه عليه، وزاد في همه ما علمه من ~~انضمام بني العباس إليه في الكوفة والأنبار وبغداد وسائر العراق والشام، وقد شايعوه ~~وبايعوه أميرا للمؤمنين. ولكنه منذ بعث «حميد بن عبد الحميد» ms35 بجيشه وما حوى من ~~عدة ضخمة وعدد غفير، وما زوده به هو وجنوده من الوصايا والوعود بالعطايا ~~الجزيلة، كان مطمئنا إلى أن قائده سيبلغ ما يريد، ويحقق له ما يتمنى. # وكان الفضل بن سهل وزيره الأكبر يزيده اطمئنانا وأملا بما يهون عليه من شأن ~~إبراهيم ، ويخفي عنه بعض ما يحدث في العراق من خطر هذه الثورة ونقمة الناس على ~~المأمون، شأن بطانة الملوك ووزرائهم يخفون عنهم حقيقة ما يجري بين الشعب. ولكن ~~المأمون كانت له عيون ينظر بها غير عيون الفضل بن سهل، وكان يتابع أنباء جيش «حميد» ~~على الدوام. وجلس المأمون في ديوانه وهو في «مرو» يعالج شئون خراسان، وكانت هناك ~~طائفة من الزنادقة اهتم بالقضاء عليهم وعلى دعوتهم بين الناس، وكانوا من ~~الزنادقة المانوية أتباع «ماني»: وهو ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في عهد ملك ~~الفرس سابور بن أزدشير بعد ظهور المسيحية. وقد ابتدع دينا بين المسيحية والمجوسية، ~~وكان ينفي نبوة موسى، ويعترف بنبوة المسيح. وقد زعم أن العالم مركب من أصلين ~~قديمين هما النور والظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا، وأن النور جوهره حسن ~~فاضل كريم صاف نقي طيب الريح جميل المنظر، وأن الظلمة جوهر قبيح ناقص لئيم ~~كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر. # وأن للنور خمسة أجناس: أربعة منها أبدان والخامس روحها، فالأبدان هي: النار والنور ~~والريح والماء، وروحها النسيم. وللظلمة خمسة أجناس كذلك: منها أربعة أبدان وهي الحريق ~~والظلام والسموم والضباب، وروحها الدخان وهي تدعى الهمامة وتتحرك في هذه ~~الأبدان. # وكان لماني اعتقاد في بعض الشرائع دون البعض الآخر، وله في ذلك مذهب ~~وأتباع طالما حاربهم المأمون. # واستأذن دينار رئيس العسكر في الدخول، فأذن له المأمون فدخل وسأله عن شأنه وما أتى ~~به، فأنبأه أنه قبض على عشرة من الزنادقة المانوية، فأمر بإحضارهم فسألهم: أنتم ~~الزنادقة؟ # فقال أحدهم: أنا لست زنديقا يا أمير المؤمنين. # قال المأمون: وما خبرك يا هذا، ولماذا جئت معهم؟ ~~- امرأتي طالق يا أمير المؤمنين إن كنت والله أعرف هؤلاء ms36 أو أعرف من أمرهم ~~شيئا، وإنما أنا رجل طفيلي. # المأمون ~~(ضاحكا) ~~: # طفيلي ... # الرجل ~~: # نعم طفيلي. رأيت هؤلاء قد اجتمعوا، فقلت ما اجتمع هؤلاء إلا لوليمة، ~~فدخلت في وسطهم ومضيت معهم، فأركبهم الموكلون بهم سفينة، فرأيت ~~فرشا ممهدا وخبزا وسلالا مملوءة، فقلت: «نزهة لطيفة يمضون بها إلى ~~بعض البساتين والقصور، وهذا يوم سار.» وبشرت نفسي، ولكن لم أر نزهة ولا ~~بستانا. وبينما نحن كذلك إذا جاء الشرطة، فقيدوهم وقيدوني معهم وأنا لا ~~أدري شيئا، فقلت لهم: «إيش أنتم؟» فقالوا: «بل إيش أنت؟ ومن أنت، أمن ~~إخواننا؟» قلت: «كلا، بل أنا طفيلي أحببت ألا تتركوني دون هذه النزهة ~~الجميلة، والوليمة المباركة.» فتبسم القوم ونظر بعضهم إلى بعض وضحكوا، ثم ~~قالوا: «لقد حصلت معنا في الإحصاء، وأوثقت في الحديد. أما نحن فزنادقة ~~مانوية أمر المأمون بالقبض علينا.» ووالله يا أمير المؤمنين ما أدري من هو ~~«ماني.» وهل هو رجل أو امرأة، وهل هو إنسان أو شيطان! # فقهقه المأمون قهقهة عالية وقال: يا دينار، فك قيود هذا الرجل. # فقال الطفيلي: أحمد الله إلى أمير المؤمنين ... أأنطلق؟ # المأمون ~~: # لا بل انتظر ها هنا ... # وأشار إلى ناحية المجلس. ثم التفت المأمون إلى الزنادقة، وقال: وأنتم ماذا تقولون ~~عن العالم؟ # أحدهم ~~: # نقول ما قاله «ماني.» إنه نشأ من النور والظلام. # المأمون ~~(لباقيهم) ~~: # وأنتم تقولون هذا القول؟ # الجميع ~~: # نعم ... نعم ...! # المأمون ~~(لدينار) ~~: # يا دينار، اذهب بهم إلى أحد أصلي العالم ... اذهب بهم إلى ظلام السجن ~~أعماهم الله. # وأراد بعضهم أن يتكلموا فعاجلهم المأمون قائلا: اخسئوا قاتلكم الله. # ودفعهم الجنود إلى السجن، ثم التفت إلى الطفيلي وقال: وأنت يا هذا تطفلت، ~~فغامرت، والله لأكاد أن أقذف بك معهم! # الطفيلي ~~: # عفوا يا أمير المؤمنين، وليسعني حلمك، فقد جاءوا بي إليك وهي مغامرة ~~كانت خيرا وبركة وبردا وسلاما، وهي عندي خير من ثلاث ولائم! # فضحك المأمون وقال: قاتلك الله، إن فيك لظرفا ... انصرف وعفوت عنك! ~~••• # انصرف الطفيلي ... وما كاد يغيب عن المجلس حتى سمعت ضجة في الخارج، فإذا بالوزير ~~الأكبر الفضل ms37 قادما محمولا كعادته على كرسي مجنح، وكان المأمون قد أجاز له ذلك ~~تكريما له، وسماه ذا الرياستين! # وأقبل الفضل في هذه الهيئة، حتى إذا كان على مرأى من المأمون نزل وترجل، وسلم ~~على أمير المؤمنين وجلس عن يساره، فقال المأمون: كيف حال العراق يا فضل ؟ ~~- إنها حال تسر أمير المؤمنين، وتكبت أعداءه ... إن العراقيين يلتفون حولك ~~ويخلصون لمولاي الحب والولاء. ~~- وما شأن إبراهيم بن المهدي فيهم؟ ~~- إنه مخذول منبوذ في طائفة قليلة من رعاع القوم. # فسكت المأمون مليا وقال: ولكن الوافدين من بغداد يقولون غير ذلك. # فقال الفضل في غير تريث: وهل دخلت على أمير المؤمنين يوما بكذب، أو حدثته بغير ~~ما أعلم، أو مالأت أحدا عليه؟ وإذا كان أمير المؤمنين قد شرفني بثقته ورفعني ~~إلى موضع أمانته وسره، فكيف يقول لي هذا القول؟! ~~- لا والله يا فضل ما علمت عنك سوءا. ولكن إذا كانت الحال على ما تصف، فكيف أنباء ~~جيش حميد بن عبد الحميد؟ ~~- إنه على ما يحب أمير المؤمنين، قد انتصر منذ الساعة الأولى. ~~- ولكني علمت أنه خسر الجولة الأولى بين جيشه وجيش إبراهيم! # وهنا دخل الحاجب يستأذن لهرثمة بن أعين أحد قواد العباسيين القدماء، وأكبرهم ~~في عهد المهدي والرشيد، وكان بينه وبين الفضل بن سهل ضغينة ولم يكن راضيا عن ~~سياسته. فأذن له ودخل، فقال: السلام على مولاي أمير المؤمنين ورحمة الله ~~وبركاته. # المأمون ~~: # وعلى هرثمة السلام والبركات. لماذا تجشمت كل هذا السفر يا أبا حاتم؟ # 9 # هرثمة ~~: # تجشمت ذلك، لأقضي حق الله في طاعة أمير المؤمنين وأنبهه إلى أمره ~~وأقوم بالنصح له. # المأمون ~~(وقد أدرك مراده) ~~: # يا أبا حاتم ليست بك حاجة إلى هذا، وأنت شيخ مريض تعب، فانصرف إلى منزلك ~~تسترح. # هرثمة ~~: # لا يا أمير المؤمنين، ما تجشمت طول السفر ووعثاء الطريق لأنصرف إلى ~~منزلي! # المأمون ~~: # بلى يا أبا الحاتم، أحب أن تنصرف لتستريح، ودع ذكر ما لا نحتاج إليه، ~~وما أنت عنه في غنى. # هرثمة ~~: # كلا يا أمير المؤمنين، حتى أقضي الحق في ms38 نصحك، فإني لا آمن أن يحدث ~~علي في هذه الساعة حادث، فألقى ربي مقصرا في حق إمامي. # ثم التفت هرثمة إلى الفضل بن سهل وقال مشيرا إليه في تهكم: الحمد لله يا أمير ~~المؤمنين الذي لم يمتني حتى رأيت هذا المجوسي يحمل إلى مجلسك في كرسي ~~مجنح، ويجلس بين يديك على كرسي كأمراء بني العباس! # فقال المأمون متجهما: دع ما لا يعنيك يا هرثمة لما يعنيك. ولا شأن لك بالفضل ~~بن سهل. # هرثمة ~~: # يا أمير المؤمنين، ما لمسرور وسلام خادمي أبيك الرشيد يحبسان بغير ~~ذنب، ويأخذ هذا المجوسي أمتعتهما فيمزقها ويحرقها. ألأنهما أعانا ~~أباك الرشيد في الفتك بجعفر البرمكي وآله، فيأتي هذا وينتقم من الأحياء ~~للأموات؟ # المأمون ~~(غاضبا) ~~: # يا هرثمة ما لك وذكر ما لا نحتاج إليه! # وهنا نهض الفضل في غضب وحقد وقال لهرثمة: وما أنت وهذا يا سفيه، يأمرك أمير ~~المؤمنين أن تمسك عن الكلام، ولا تتعرض لما لا يعنيك، فتأبى، وتقول ما تقول غير ~~مكترث بحقه، ولا سامع لقوله، ولا محترم لطاعته! أو تظن أنك تكرهه على أن ~~يسمع منك لغوا، ويصدق منك كذبا، ويأخذني بما سولت نفسك البغيضة حسدا منك ~~لأوليائه وتطاولا على خاصة رجاله؟ ويلك! وأين لك هذه المنزلة؟ تقول لأمير المؤمنين ~~إنك تنبهه إلى أمره، وتقوم له بالنصح، وكأنه نزل منك حيث ينزل الولي من ~~المولى، وقد ردك في ذلك ردا لطيفا، وأجابك جوابا لينا، فما ارعويت، ولا ~~استحييت، بل كنت تجيب بالقول الجريء والكلام البذيء. أكان حلم أمير المؤمنين ~~أعزه الله يسع منك أكثر ما وسع، وقد أتاه ما كان من سعيك لإبراهيم بن المهدي ~~وثنائك عليه، وخيانتك ليلة خلع الأمين، لولا أن طاهرا بن الحسين # 10 # فطن لما دبرت وكشف ما عليه تآمرت، فأوقعك الله وأوقع المخلوع، ~~فخرجت من نهر دجلة تزعم أنك كنت تريد أسره والذهاب به إلى الخليفة، وتسليمه ~~بردة الخلافة والخاتم والقضيب، فما صدقتك ولا سمعت لك وأبعدتك عن نعماء أمير ~~المؤمنين، فرحت تشيع الأباطيل، وظننت يا جاهل بسوء ms39 تدبيرك، أنك لو أتيت أمير ~~المؤمنين، فلغوت بما لغوت، واجترأت بما اجترأت، صدقك وأحلك محل الناصح ~~الأمين، ولكنك ما كدت تفتح شفتيك بما افتريت حتى استبان سوء قصدك، وعرف سبيل ~~غيك، فأوقفك عند حدك وردك إلى شأنك، فما انتبهت ولا ارعويت. «أرأيت لو أن ~~أمير المؤمنين بطش بك الساعة أكان لك منه معاذ؟ والله لأكاد أركلك برجلي ركلة ~~تذهب بك إلى نار جهنم. اذهب. اخسأ. لا رحمك الله.» # ثم نادى الفضل دينارا وجنده قائلا: خذوا برجل هذا الجاهل السفيه وجروه ~~على وجهه إلى السجن! # ففعل الجند ما أمر الفضل، وسكت المأمون ثم قال له: أحسنت يا فضل، والله لو لم ~~تقل له ما قلت لكنت قلته، ولو لم تفعل ما فعلت لأمرت الساعة أن يقتل. # ثم نهض المأمون، وأذن للفضل والحاضرين بالانصراف، لكنه استبقى كاتبه عمرو بن ~~مسعدة. ~~••• # انصرف القوم ثم التفت المأمون إلى عمرو وقال: أرأيت يا عمرو ما فعل الفضل بن سهل ~~بالشيخ هرثمة في مجلسي مع بلائه في هذه الدولة، وهو قائدي وقائد أبي وجدي، والله ~~إني لهممت أن أقتل الفضل بن سهل الساعة. # ابن مسعدة: والله يا أمير المؤمنين ما تكلم الشيخ هرثمة إلا حقا، ولقد ستر ~~الفضل عنك كثيرا وأغضب منك أهل العراق حتى قالوا عنه: «إنه ساحر وإنك مسحور ~~به!» # المأمون: عجبا، أهكذا يقولون؟! # ثم أطرق المأمون في تفكير عميق! # عمرو بن مسعدة # كان عمرو بن مسعدة - ويكنى أبا الفضل # 11 ~~- من أصل تركي، أبيض الوجه في احمرار. وجده «صول بن صول» كان رجلا ~~تركيا تولى إمارة جرجان، وتشبه بالفرس في عاداتهم وأخلاقهم. وكلمة «صول» كانت ~~لقبا لحاكم دهستان، كما يطلق لقب كسرى على الساسانيين من ملوك الفرس. # وقد تولى عمرو الكتابة للمأمون، فأحبه وآثره وقدمه على سائر كتابه، وولاه ~~ديوان الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزقة، ثم تولى حكم فارس وكرمان. وكان ~~المأمون يعجب ببلاغته، ويسند إليه الكتابة في مهام دولته. # ودخل أحمد بن يوسف الكاتب على المأمون يوما، فرأى بيده كتابا من عمرو، ms40 وهو ~~يتأمل فيه مدة، فوقف حتى انتهى منه والتفت إلى أحمد، فقال له: «إن في هذا الكتاب ~~كلاما نظير ما سمعت من الرشيد عن البلاغة من أنها التباعد عن الإطالة، والدلالة ~~بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى. وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على ذلك حتى ~~جاءني هذا الكتاب من عمرو فإذا فيه: «كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من ~~قواده ورؤساء أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون طاعة جند تأخرت ~~أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم، فأخلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه ~~أمورهم.» ~~«وإن استحساني هذا الكتاب بعثني على أن أمرت للجند بأعطيتهم لسبعة أشهر. لله ~~عمرو ما أبلغه، ألا ترى كيف أومأ إلى وجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من ~~الإكثار.» وكان عمرو ذا ثروة واسعة مما أقطعه إياه المأمون ومما نزل عنه من ~~خراج بعض الولايات كما كان خلفاء ذلك العهد الذهبي يفعلون لخاصتهم، حتى قيل إنه ~~مات عن ثمانية ملايين دينار بعد ما عاش عيشة البذخ والترف وبذل ما بذل من كثير ~~الأموال للعلماء والشعراء وغيرهم. ولا غرو فقد كان ملك العباسيين أكبر من قارة ~~أوروبا، وكانت الضرائب تجبى من كل مكان إلى بغداد! # وقد كان لعمرو فرس أدهم أغر لم يكن للمأمون مثله، فرآه واستحسنه فبادر عمرو ~~بإهدائه إليه مع كتاب فيه هذه الأبيات: # يا إماما لا يدا # نيه إذا عد إمام # فضل الناس كما يف # ضل نقصانا تمام # قد بعثنا بجواد # مثله ليس يرام # فرس يزهى به لل # حسن سرج ولجام # دونه الخيل كما دو # نك في الفضل الأنام # وجهه صبح ولكن # سائر الجسم ظلام # والذي يصلح للمو # لى على العبد حرام # كانت هذه منزلة عمرو عند المأمون، فليس غريبا أن يستبقيه، ويصرف من حضر في ~~المجلس، وفيهم الفضل بن سهل كبير وزرائه وعظيم دولته. وقد كان بين عمرو وفضل ما بين ~~الوزراء والنظراء ورجال السلطان من تنافس ودسائس وإيثار للنفس بالحظوة ~~والولاء. ~~••• # فلما أفضى المأمون بما في نفسه لعمرو حين رأى الشيخ ms41 هرثمة بن أعين يفعل به ~~الفضل بن سهل ما فعل بمجلسه، أجاب الخليفة بما أجاب به، وقال له: إن الفضل ستر عنك ~~كثيرا، وأغضب أهل العراق حتى قالوا: «إنه ساحر وإنك به مسحور!» # فقال المأمون لعمرو: ومن يعلم هذا غيرك من رجالي يا أبا الفضل؟ # فأجاب: يعلمه خلف المصري، وعلي بن سعيد، وعلي بن هشام. # فبعث المأمون من أتى بهؤلاء الثلاثة في اليوم التالي. # حضروا وسلموا وركعوا، وقبلوا الأرض ثم رفعوا رءوسهم، فقال لهم المأمون: ماذا ~~تقولون في الفضل بن سهل، هل هو يغشني؟ # فالتفت بعضهم إلى بعض، ولم يتكلموا، فأعاد المأمون سؤاله، فسكتوا، ثم قال خلف ~~المصري: لا نقول شيئا يا مولاي حتى تعطينا الأمان من الفضل! # المأمون ~~: # قولوا وأنتم آمنون. # خلف المصري ~~: # إنه والله يا أمير المؤمنين ما صدقك الفضل بن سهل حين حدثك عن بغداد ~~والعراق وإبراهيم بن المهدي، وإن بغداد اليوم تتأجج بفتنة شعواء، فإن لم ~~يتداركها أمير المؤمنين ذهبت بسلطانه. # علي بن هشام ~~: # نعم يا أمير المؤمنين، وإن أمر إبراهيم بن المهدي لفي صعود وإقبال، وقد ~~صار العراقيون في كل مكان يهتفون به وينادونه خليفة المسلمين، وأمير ~~المؤمنين. # علي بن سعيد ~~: # وقد غشك الفضل بن سهل في أمر هرثمة. والله يا أمير المؤمنين ما كذب هرثمة، ~~ولا خانك في أمر ولا ائتمر بك يوم حصار الأمين ببغداد، وما أراد له أن ~~يفر من وجهك وإنما كان كل همه أن يحفظ حياته، وأن يأتي به حيا؛ لأنه ~~يعلم أنك كنت تحب لأخيك الحياة، ولكن الفضل سلط عليه طاهر بن الحسين وهذا ~~سلط عليه صعاليك الجند فذبحوه كما تذبح الشاة، وكان ما كان من لوم الناس ~~وغضب بني العباس. # خلف المصري ~~: # والله يا أمير المؤمنين لقد نصحك الفضل فغشك، وأنبأك فكذبك، وما ~~تجشم الشيخ هرثمة ما تجشم من السفر والتعب وهو شيخ طاعن السن واهن ~~القوى إلا ليؤدي حق الله في طاعتك، وحق ولائه لأهل بيتك، ولكنه أخذ ~~من مجلسك على ما رأيت وألقي في السجن، وما ms42 خرج الفضل من عندك حتى بعث إليه ~~من قتله! # المأمون ~~: # أوقد قتله؟! # خلف المصري ~~: # نعم، قتل غلام الفضل الشيخ هرثمة في السجن منذ ساعة! # فدمدم المأمون بكلام ثم قال: أهكذا يفعل بأوليائي؟ والله ليلقين ~~جزاءه! # عمرو بن مسعدة ~~: # يا أمير المؤمنين، لقد رفعت الفضل بن سهل، وأحللته الغاية من حظوتك، ~~وجعلت له الرياستين: رياسة الحرب ورياسة التدبير، تفضلا منك ونعمة، فظن ~~من سوء رأيه أنه نظير نفسك، وأنه إن نزلت عن مكانك صار له عرشك ~~وسلطانك. وكان يقال: «إذا عرف الملك من الرجل أنه قد ساواه في الرأي ~~والمنزلة والهيبة والمال والتبع، فليصرعه، فإن لم يفعل كان هو ~~المصروع.» # ثم ما عرف يا أمير المؤمنين فضلك عليه، ولا شكر نعماءك، بل اتخذها ~~حربا لأوليائك، واستغلها لمآرب أعدائك، وقد رأيت ما فعله بهرثمة في ~~مجلسك اجتراء منه عليك، واستخفافا بحقك، ولو كان قد وضع نفسه موضعها ~~لما فعل ما فعل بحضرتك، ولما تولى ذلك عن أمير المؤمنين، وهو أعلم ~~بالأمور! # المأمون ~~: # يا عمرو، حقا لقد رفعته على الناس، وأحللته عندي محل بني العباس، ~~وأقطعته وأعطيته، وجعلت له مرتبة من يقول في كل شيء فيسمع منه ولا ~~يرد، ولا يتقدم غيره عليه في المراتب. # ولكن خل شأنه، فله يوم آخر. وانظر ماذا ترى في أمر الفتنة ~~بالعراق. # ابن مسعدة ~~: # أرى الرأي أن يأمر أمير المؤمنين فنخرج ويخرج معنا إلى بغداد، فإن ~~الناس قد فتنوا هناك بإبراهيم بن المهدي، ولو رآك البغداديون بينهم لهدأت ~~ثائرتهم وانطفأت فتنتهم واغتبطوا بمقدم أمير المؤمنين وهرعوا إليه ~~بالطاعة والولاء، فإنهم يحبونه ويعظمونه منذ كان صبيا معروفا بينهم ~~بالنجابة والفصاحة والتقوى. # يا أمير المؤمنين، إن النفاق من أخلاق الجماهير، وأنت في حكمة تدبيرك، ~~وبراعة سياستك، وفصاحة لسانك، وعظيم كياستك، أقدر على أن ترد الأمر إلى ~~نصابه، وقد ميزك الله بالعلم وفضلك بالسداد ووفقك إلى ما أنت به أهل ~~وما أنت به جدير، وأرادك حافظا لتراث الرشيد في ولده وأن تكون للدين ~~والدنيا خير إمام. # المأمون ~~: # أحسنت يا عمرو، ms43 نعم الرأي ما رأيت. ولنذهب إلى بغداد. هيا بنا إلى دار ~~السلام. # الفصل الخامس # | إلى عروس المشرق # برح المأمون «مرو» إلى بغداد # 1 # دار السلام، لإطفاء الفتنة، والقضاء على دعوة إبراهيم بن المهدي، وتوطيد ~~دعائم خلافته، وتثبيت وطائد ملكه، وتشييد أركانه، والتقرب من العرب وتقريبهم، والجمع ~~بالمودة بينهم وبين أنصاره الخراسانيين. # وقد مات علي بن موسى الرضا وانتهى أمر ولاية العهد التي ولاه إياها المأمون ~~فأغضبت بني العباس والعرب في العراق، ولكن هل يرضى العرب ذهاب الموت بهذه الولاية دون ~~شعار العلويين الأخضر الذي ما زال يتمسك به المأمون ويلبسه هو ورجاله؟ وهل يرضى ~~العرب في العراق أن يتعاونوا مع الفضل بن سهل وزيره، وهو من هو في تعصبه للفرس ~~والشيعة العلوية، ومحاربته سرا وجهرا لقادة العرب والقضاء على نفوذهم في ~~الدولة؟ # لا بد إذن من الرجوع إلى شعار العباسيين وسنتهم وأوضاعهم، وله في ذلك ~~مندوحة أي مندوحة ليطفئ هذه الفتنة الشعواء وليعيد الأمور إلى نصابها بعد ما ~~اضطرب حبلها ومثل خطرها. ~~••• # رجع المأمون إلى شعار آبائه فخلع الملابس الخضراء ولبس الملابس السوداء، ~~وقلده في ذلك وزراؤه وقواده ورجال دولته. ولم ير الفرس في ذلك غضاضة؛ لأنهم ~~يحبونه ويثقون بمحبته لهم، واحترامه لكبارهم، وهم أخواله وأنصاره. # أما الفضل بن سهل فقد رأى المأمون ألا يصحبه إلى العراق في موكبه وفي هذه ~~الفتنة التي يعتبره العراقيون عاملها الأول، ولولا أعماله ما وقع ما وقع، ولولاه ~~ما فكر المأمون فيما فكر فيه ولما أقدم على ما أقدم عليه من الخروج على سنة ~~آبائه والميل إلى ولاء العلويين. # خرج المأمون في موكبه الضخم إلى العراق وأشار على الفضل أن يذهب إلى مسقط رأسه ~~«سرخس» وأن يقيم فيها مدة حتى تهدأ الحال وتستتب الأمور فيبعث إليه بالحضور ~~إلى بغداد. واستصحب المأمون أخاه أبا إسحق المعتصم، وابنه العباس، وكاتبه عمرو ~~بن مسعدة، وقاضي القضاة يحيى بن أكثم، وأحمد بن أبي خالد الأحول، وإسحق الموصلي، ~~وغيرهم من خاصة رجاله وحاشيته وأعيان دولته. # وسافر الفضل بن سهل ms44 إلى «سرخس» وكان له فيها قصر كبير أقام به أياما، وبينما كان ~~جالسا في وقت الغروب يلعب الشطرنج مع بعض أهله إذ فاجأه أربعة رجال يحملون ~~السيوف، فهم إليهم بسيفه فدافعهم، ودافعوه حتى ضعف عن مقاومتهم فلجأ إلى ~~الحمام وأغلقه عليه، فاقتحموا بابه، وتعاوروه بالسيوف حتى قتلوه، وكان يصيح : ~~قتلني غلمان أمير المؤمنين. قتلني غلمان المأمون! # وكان هؤلاء الغلمان: غالب السعودي، وفرخ الديلمي، وقسطنطين العربي، وموفق ~~الصقلبي. # زواج سياسي # وصل موكب المأمون إلى «الرقة» في طريقه إلى بغداد فأقام بعض الوقت ليستريح، فجاءه ~~من سرخس فارس ينبئه بمقتل الفضل بن سهل بأيدي غلمانه الأربعة، فتظاهر بالحزن ~~والأسى، وقال عمرو بن مسعدة: أرى أن يقتل هؤلاء الغلمان، فإنهم إن بقوا سلوا على ~~أمير المؤمنين ألسنة الناس، ولا نأمن أن يسلوا عليه سيوف خراسان. # فقال المأمون: نعم الرأي ما رأيت. # وأمر بقتلهم فقتلوا. ثم بعث إلى الحسن بن سهل، وكان وقتئذ في «واسط» فحضر ~~وأقامه في الوزارة مقام أخيه حتى لا يغضب الخراسانيون. وكان الحسن بن سهل قبل أن ~~يلي الوزارة من أكبر قواد المأمون، وكان أديبا فصيحا، ذا رأي وحزم ورجاحة عقل، ~~غير متعصب تعصب أخيه للعلويين، وإن كان متشيعا لهم كغيره من الفرس. وقد قاد ~~الجيوش وحارب إبراهيم بن المهدي وأصيب أثناء ذلك بمرض السوداء «النورستانيا» فتغير ~~عقله حتى شد في الحديد وحبس في بيته زمنا وخلفه على العسكر أحد قواده ثم ~~شفي، فاستدعاه المأمون بعد مقتل أخيه وشمله برعايته وعطفه وأعلى مكانه في دولته، ووهب ~~له أموالا كثيرة، وأقطعه «فم الصلح!» # وأراد أن يزيد في إكرامه فخطب ابنته خديجة المسماة «بوران» # 2 # سنة 203ه، وكانت وقتئذ في الحادية عشرة من عمرها، فأجل البناء بها. ~~وهي من أجمل نساء عصرها وأكثرهن ذكاء وفصاحة وفتونا. # وكذلك أراد المأمون أن يرضي الفرس والعرب معا وأن يجمع حوله الفريقين. وما كاد ~~موكبه يبرح «الرقة» إلى بغداد حتى جاءته الأنباء بنصر قائده حميد بن عبد الحميد على ~~إبراهيم بن المهدي وفراره من بغداد. # في ms45 بغداد # اغتبط المأمون بهذه البشرى وتفاءل برحيله إلى بغداد ظافرا منصورا، وشد ~~رحاله مسرعا إلى عاصمة الدولة، وعروس المشرق، ودخلها في موكب فخم يحف به ~~القواد والفرسان، ويتقدمه الجنود بالأعلام والطبول، ومن ورائه طوائف الفرس والعرب ~~في مشهد رائع بديع. # ووصل الموكب إلى «قصر الخلد» - قصر الخلافة - وكان مشيدا على الشاطئ الغربي من ~~دجلة، وأقيمت فيه أريكة # 3 # فخمة جلس عليها المأمون بملابسه السوداء، وعليه بردة الخلافة وبيده ~~الخاتم والقضيب، وعلى رأسه عمامة سوداء في مقدمتها طرة من أسلاك الذهب كعرف ~~الطاووس. ووقف وراءه وحوله الحراس يحملون السيوف والنشاب، وجلس على يمينه أخوه ~~أبو إسحق المعتصم، وابنه أبو العباس، وعن يساره الحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة، ~~وأحمد بن أبي خالد، وغيرهم من الوزراء والقواد. # ودخل عليه أخوه صالح بن الرشيد فحياه وهنأه وقال: # حمدنا الله شكرا إذ حبانا # بنصرك يا أمير المؤمنينا # فأنت خليفة الرحمن حقا # جمعت سماحة وجمعت دينا # فقال المأمون: أحسنت يا صالح، لمن هذان البيتان؟ # صالح: للحسين بن الضحاك. # المأمون: لقد أحسن وأجاد، ولكن لا شيء له عندنا. أنبئني يا صالح كيف رأيت الناس في ~~بغداد؟ # صالح: رأيتهم يا أمير المؤمنين في كل مكان يتسابقون إلى موكبك، ويتقاتلون ~~على رؤيتك، ويتنافسون في تقبيل يدك، ويهتفون في حماسة باسمك ويقولون: ~~«المأمون أمير المؤمنين، لا طاعة لإبراهيم!» # فهز المأمون رأسه وقال: هذه نعمة جليلة أحمد الله عليها، ولكن لا يغرنك ما ترى ~~من نفاق الناس وتملقهم، فطالما نافقوا الغالب وانفضوا عن المغلوب. أولم يكونوا ~~بالأمس يهتفون لإبراهيم بن المهدي وينادونه بالخلافة ويسندون له كل فضل ~~ويلقبونه «المبارك»؟ ~~«ولكن هكذا الدنيا يا صالح، وهكذا الناس.» # صالح: صدقت يا أمير المؤمنين. ~~••• # واستأذن دينار بن عبد الله على المأمون فسأله المأمون: ما وراءك يا دينار، هل ~~قبضت على إبراهيم بن المهدي؟ # دينار: لن يفلت أبدا من جنود أمير المؤمنين، وقد بعثت وراءه من يقبض عليه في ~~العراق والشام. # المأمون: سوف لا يفلت إن شاء الله، وأرجو أن تأتوني به حيا ولا ms46 تقتلوه ولا ~~تمسوه بسوء! # دينار: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. # فقال العباس بن المأمون: يا أمير المؤمنين، إن إبراهيم خائن لك، وقد طمع فيك ~~وخلعك، والرأي عندي أن يقتل أينما وجد! # المأمون: هون عليك يا عباس. # العباس: لست تأمن يا أمير المؤمنين أن يعود إبراهيم لمثل ما فعل، فيسبب لك ~~المتاعب. # المأمون: صدقت يا بني، ولكن من أراد الملك فليوطد نفسه على المتاعب. # زبيدة # وبينما هم في المجلس إذ دخل الحاجب «فتح» يقول: أم جعفر زبيدة يا أمير ~~المؤمنين. # فقام المأمون إجلالا لزوجة الرشيد وحفيدة أبي جعفر المنصور، وصرف من حوله من ~~الوزراء والرجال وبقي أخواه المعتصم وصالح وابنه العباس. # ودخلت زبيدة وبصحبتها علية بنت المهدي عمة المأمون. وكانت منذ قتل ابنها ~~الأمين معتكفة في قصرها «دار القرار» على شاطئ دجلة، حتى إذا أقبل المأمون جاءت ~~لتحييه وتفضي إليه بما في نفسها. فلما دخلت قال المأمون: حياك الله يا أماه، ~~كيف حالك؟ # زبيدة ~~: # حيا الله أمير المؤمنين، وأبقاه للدين والدنيا. # المأمون ~~: # رحم الله أبي وأخي وأبقاك يا أماه، فوالله ما كنت أرجو أن يقتل الأمين، ~~فعلها طاهر بن الحسين قاتله الله ففجعنا فيه، وسل علينا سيوف الناس ~~وألسنتهم. وما أمرناه إلا أن يبعث به أسيرا، فبعث به عقيرا. # زبيدة ~~: # ما علمت عنك سوءا يا أمير المؤمنين، ولقد كنت أعرف حبك لأخيك وبرك ~~به. وقد فعلها «ابن الحسين» حقا وما كان يبالي بتضرعي وشفاعتي عنده، ~~وأعرض عني. # وأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا # وأنهب أموالي وأحرق آدري # المأمون ~~: # هذا قضاء الله نفذ ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وإني لك في البر ~~بالمحل الذي كان فيه الأمين. # زبيدة ~~: # وقلت لريب الدهر إن هلكت يد # فقد بقيت والحمد لله لي يد # إذا بقي المأمون لي، فالرشيد لي # ولي جعفر # 4 # لم يفقدا ومحمد # المأمون ~~: # أبقاك الله يا أماه، وإنك عندي بالمنزلة التي كانت عند أبي وجدي، ~~فسلي ما شئت. # زبيدة ~~: # يا أمير المؤمنين، نحن عرب، وللعرب رحم ونسب، فانظر إلى عرب العراق والشام ~~كما نظرت ms47 إلى عجم خراسان. # المأمون ~~: # والله يا أماه ما نزلت قيس عن ظهور الخيل إلا وأنا أرى أنه لم يبق في ~~بيت مالي درهم واحد. وأما اليمن فما أحببتها ولا أحبتني قط، وأما ~~قضاعة فإن سادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من الشيعة، وأما ربيعة ~~فساخطة على الله عز وجل منذ بعث نبيه من مضر . # زبيدة ~~: # يا أمير المؤمنين، قد عرفت بالحكمة والكياسة والعدل، وقد مات الرشيد وما ~~مات حتى كان العرب راضين عنه، فانظر إلى ما يرضي العرب كما نظرت إلى ~~العجم. # المأمون ~~: # أفعل إن شاء الله. # وتناولت زبيدة حلة الخلافة التي كان يلبسها الرشيد في حياته، وكانت تحملها ~~إحدى وصيفاتها، فقدمتها للمأمون هدية وتذكارا جميلا، فتناولها مسرورا وشكر ~~لها هذه الهدية النفيسة، واستأذنت وخرجت مع علية مودعتين منه أجمل وداع. وما ~~كادتا تبعدان حتى بعث المأمون في طلب عمرو بن مسعدة، فأقبل مسرعا، فأراه حلة ~~الرشيد، وحدثه عما جرى بينه وبين زبيدة، فقال عمرو: لقد نصحت أم جعفر والله يا ~~أمير المؤمنين، ومثلك فوق نصح الناصحين. # قال المأمون: وفقني الله. وكيف حال بغداد اليوم يا بن مسعدة؟ # عمرو: # أصبحت الأمة في غبطة # من أمر دنياها ومن دينها # إذ حفظت عهد إمام الهدى # خير بني حواء مأمونها # على شفا كانت فلما وفت # تخلصت من سوء تحيينها # ألا تراها كيف بعد الردى # وفقها الله لتزيينها # قال المأمون: أحسنت يا بن مسعدة، وبارك الله لك. # الفشل # فشل إبراهيم بن المهدي وفر من بغداد بعد هزيمته أمام جيش المأمون بقيادة حميد بن عبد الحميد، وقد ضيق عليه حميد منافذ السبل وبعث وراءه الجنود في كل مكان، وبث ~~دينار بن عبد الله العيون في الصحاري والبلدان. فلم يستطع أن يبرح العراق إلى ~~بلد آخر، فاختفى بالمدائن # 5 # في ألوان وطرق شتى من الاختفاء. وذات يوم ضاقت به الحال، وكان يوما ~~صائفا شديد القيظ، فسار متنكرا إلى زقاق لا منفذ فيه فصادف رجلا أسود ~~واقفا على باب دار له، فالتفت إليه وهو خائف يترقب وقال: أعندك ms48 موضع أقيم فيه ~~ساعة؟ # فنظر الأسود إليه نظرة فاحصة، وقال: نعم، وعلى الرحب والسعة. # وفتح الباب ووسع له، فدخل إبراهيم إلى بيت فيه حصير نظيف ووسادة وحشية جلد ~~نظيفتان، فجلس عليها ولكن الأسود لم يجلس. # فدعاه إبراهيم للجلوس فأبى، وقال: إني خارج لبعض شأني، ولينتظر سيدي ~~قليلا. # وتركه وخرج وأغلق الباب عليه، فأوجس إبراهيم في نفسه خيفة، وأيقن أنه يمكر به ~~وأنه ذاهب ليدل عليه العسكر ليفوز بجائزة المأمون، فقد جعل لمن دل عليه مائة ألف ~~درهم! وما كان باستطاعة إبراهيم أن يفر من هذه الدار؛ فقد أغلق الأسود الباب ~~إغلاقا محكما وأخذ معه مفتاحها، فزاد خوف إبراهيم. ومضت مدة يسيرة، ولكنها ~~كانت طويلة بما فيها من فزع وأوهام. # وأقبل الأسود يحمل طبقا فوقه كل ما يشتهي من خبز ولحم، وقد جلب معه ~~قدرا جديدة، وجرة وكيزانا نظيفة، وقال لإبراهيم: جعلني الله فداءك يا ~~سيدي. إنني رجل حجام، وأعلم أنك تتقزز مما أتولاه من الحجامة، فشأنك بما لم ~~أمسسه أو تقع عليه يدي لتصنع به طعامك. # فدهش إبراهيم لكرم هذا الرجل ومروءته، وقام فطهى طعامه، وكانت به حاجة إليه ~~شديدة، وتناول منه ما اشتهى حتى إذا فرغ تقدم الأسود فقال له: هل لك ياسيدي في ~~شيء من النبيذ؟ # قال إبراهيم: ما أكره ذلك، جزيت خيرا. # فأتى بآنية نظيفة، وكأس نظيفة، وقدم له نبيذا حسنا، ثم انتحى ناحية أخرى وأتى ~~بنبيذ آخر وقال: أتأذن لي يا سيدي - جعلني الله فداءك - أن أقعد ناحية منك فأشرب ~~مسرورا بك؟! # فعجب الرجل من رقته وأدبه، وأجاب: نعم، وهنيئا لك، وطبت نفسا. # فأخذا يشربان، حتى إذا تناول الأسود ثلاثا قام فأخرج من خزانته عودا، وقال ~~لإبراهيم: يا سيدي، ليس من قدري أن أسألك أن تغني، ولكن قد وجبت عليك حرمتي، ~~فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغنيه فعلت. # فبهت إبراهيم وقال له: وكيف توهمت أني أحسن الغناء؟ # فابتسم الأسود وقال: يا سبحان الله، أهذا مبلغ ظنك بي؟ أفلم أعرفك يا سيدي ~~إبراهيم، وأنت القمر لا ms49 يخفى على رائيه، والمسك لا يغيب شذاه عن عارفيه؟ # فأسقط في يد إبراهيم بن المهدي وقال: وهل تبغي أن تبيع مروءتك معي بعرض ~~الدنيا؟ ~~- أستغفر الله وأستغفرك يا سيدي إن كنت قد قصرت في حقك أو أردت بك سوءا، ~~ولكني ما توهمت يوما أن تشرفني في منزل وتسعدني بهذه الضيافة، فإذا ~~شئت زدتني من كرمك، وأسمعتني شيئا من جميل غنائك، فإني رجل أعشق الغناء، ~~وأعجب بك. # فتناول إبراهيم العود، وقال: حبا وكرامة. لك ما طلبت! # وما كاد يعزف إبراهيم على العود حتى قال الأسود: أتأذن لي يا سيدي أن تغني ما ~~أقترحه عليك؟ # فقال إبراهيم: هات ما شئت. # فاقترح ثلاثة أدوار من أصوات إبراهيم، فقال له: ومن أين عرفت هذه الأصوات؟ # قال الأسود: كنت أخدم إبراهيم الموصلي، فسمعته يثني عليك، ويذكرك بهذه ~~الأصوات ذكرا طيبا. # فابتسم إبراهيم مغتبطا وشرع يغني هذه الأدوار. حتى انتهى منها، فقال الأسود: ~~بحياتك عندي يا سيدي إلا غنيت شيئا من شعر مجنون ليلى. # فسكت إبراهيم برهة ثم بدا عليه الشجو والأسى فأنشد: # جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى # وفاضت له من مقلتي غروب # وما ذاك إلا حين أيقنت أنه # يكون بواد أنت منه قريب # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى # إليكم تلقى طيبكم فيطيب # فيا سكنى أكناف نخلة كلكم # إلى القلب من أجل الحبيب حبيب # أظل غريب الدار في أرض عامر # إلى كل مهجور هناك غريب # ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر # حبيبا ولم يطرق إليك حبيب # ومكث مع صاحبه في شرب وغناء إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم أراد أن يخرج من ~~عنده، وكان يحمل معه «خريطة» فيها دنانير، فقال للأسود: «خذها فاصرفها في بعض شأنك، ~~ولك عندنا مزيد إن شاء الله.» # فقال الأسود: ما أعجب هذا، والله يا سيدي لقد هممت أن أعرض عليك جملة ما عندي من ~~مال، وأسألك أن تقبلها تفضلا منك وكرما، ثم أجللتك عن ذلك! # فخجل إبراهيم وقال: قتلتني والله كرما وأدبا ومروءة. # وخرج من عنده مودعا وهو ms50 يتمنى له أحسن ما يتمنى من أمن وسلام. ~~••• # وكان إبراهيم يتنكر بألوان شتى من التنكر حتى لا يعرفه عيون المأمون ~~المنبثون في كل سبيل، فما كاد يبرح دار الأسود حتى اشتبه فيه جندي من الشرطة ~~فسار وراءه، وشعر إبراهيم بهذا الجندي، فسار حتى دخل الدار التي يختبئ بها ~~فدخلها، وأغلق بابها، وكانت لرجل نبطي من أنباط المدائن كان يعرفه إبراهيم منذ ~~عهد الرشيد، فلما لجأ إليه وسعه بمروءته وأخفى أمره عن الناس. # وقف الجندي يرقب الدار، ورأى إبراهيم أن الرجل يريد أن يوقع به ويدل عليه حيث ~~يقيم، فانتظر حتى انشق النهار فأراد أن يفر من الدار، ولكنه وجد الجندي ما يزال ~~يرقبه ويتربص له، ويفحص كل من خرج منها، فتزيا بزي النساء وخرج مع امرأتين من ~~دار النبطي. # سار إبراهيم بهذا الزي وسط هاتين المرأتين، فرآهن الجندي فسار وراءهن حتى ~~بعدن عن الدار ثم تقدم منهن وقال: من أنتن، ومن أين جئتن، وإلى أين ~~تذهبن؟ # فتكلمت إحدى المرأتين بكلام تعللت فيه بعلات، ثم تكلمت الأخرى بكلام ~~مثله، ثم سأل الجندي إبراهيم فبدا من صوته أنه صوت رجل، فسأله الجندي واشتد في ~~سؤاله، فأخرج إبراهيم خاتما ثمينا وأعطاه إياه. فزادت ريبة الجندي وقال: هذا خاتم ~~رجل له شأن! # فأخذه وأمر الثلاث أن يسرن معه إلى رئيس العسكر، فلما وصلن أمر كلا منهن ~~بالسفور، فسفرت المرأتان وأبى إبراهيم أن يسفر عن وجهه، فجذب حجابه رئيس العسكر ~~فبدت لحيته، وعرف أنه «إبراهيم بن المهدي!» # فقبض عليه وقيده بالأغلال وبعث إلى دينار بن عبد الله يخبره ذلك! ~~••• # أقبل دينار في غبطة مسرعا، فوجد إبراهيم مقبوضا عليه مقيدا بالأغلال، ~~فساقه إلى ديوان المأمون ودخل مستأذنا فأذن له، فركع وحيا أمير المؤمنين، ثم ~~قال: بشراك أمير المؤمنين، فقد قبضنا على «ابن شكلة» إبراهيم بن المهدي. # المأمون: حسنا، أين هو؟ # دينار: هو مقيد ببابك يا أمير المؤمنين. # المأمون: حمدا لله الذي أظفرني به. أدخله يا دينار. # فخرج دينار ليحضره، فقال المعتصم: أرى يا أمير المؤمنين أن ms51 يقتل جزاء خروجه ~~عليك وعصيانه أمرك. # وقال العباس: نعم يا أمير المؤمنين، # إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف أو ينفوا من الأرض ~~، وقد خرج إبراهيم على الله ورسوله ~~بالخروج عليك. # وهنا جاء دينار بإبراهيم بن المهدي يحجل في قيوده وحوله الجنود شاهرين ~~السيوف، فلما رآه المأمون قال له: هيه يا إبراهيم، هيه يا إبراهيم! # فقال إبراهيم: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # المأمون ~~: # لا سلم الله عليك يا هذا. # إبراهيم ~~: # حفظك الله يا أمير المؤمنين ورعاك برعايته وكلأك بعنايته. # المأمون ~~: # لا حفظك الله يا إبراهيم ولا رعاك ولا كلأك ولا أنزلك منزلا حسنا. ~~لقد والله وقعت وأوقعك شر عملك وسوء تدبيرك. # إبراهيم ~~: # يا أمير المؤمنين، أنشدك الله، فإن لي أطفالا صغارا، وفراخا ضعافا، ~~وأنا أولى عندك بالرحمة! # المأمون ~~: # لا رحمك الله يا إبراهيم، تذهب بين الناس فتعصي أمري وتخرج على طاعتي، ~~وتثيرها فتنة عمياء، وحربا شعواء، وتزعم أنك أحق بالخلافة من ولد ~~الرشيد. والله لأكاد أهم بقتلك! # إبراهيم ~~: # يا أمير المؤمنين، قد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد ~~له الغرور في الأمل لم يأمن عادية الدهر. وقد جعلك الله فوق كل ذنب كما ~~جعل كل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. # المأمون ~~: # هيهات يا إبراهيم. هذا كلام سبقك به فحل بني العاص ابن أمية وقارحهم ~~«سعيد بن العاص» وهو يخاطب معاوية في العفو عنه! # إبراهيم ~~: # مه يا بن أخي. وأنت أيضا إن عفوت فقد سبقك فحل بني حرب وقارحهم إلى ~~العفو «معاوية بن أبي سفيان» فلا تكن حالي عندك في ذلك أبعد من حال سعيد ~~عند معاوية. فإنك أشرف منه، وأنا أشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى ~~معاوية، وإن أعظم الهجنة # 6 # أن تسبق «أمية» هاشما # 7 # إلى مكرمة! # المأمون ~~: # صدقت يا عم، ولكن المعتصم والعباس أشارا علي بقتلك. # إبراهيم ~~: # أما حقيقة الرأي في السياسة وتدبير الملك ms52 فقد أشارا به عليك يا أمير ~~المؤمنين، وما غشاك إذ كان ما كان مني. ولكن الله عودك العفو، وجنبك ~~وضيع الانتقام. # المأمون ~~: # نعم، وعفوت عنك، ولكنك تذهب في ذمة وزيري أحمد بن أبي خالد ~~الأحول. # وأمر بفك أغلاله، ونادى المأمون أحمد، فقال له: خذه يا أحمد عندك، فهو صديقك، ~~وأنت أولى به. # قال أحمد: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه، وإن كنت لا أمتنع من ~~قول الحق فيه. # فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن قتلتني فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرما ~~مني، وإن عفوت عني عفوت عمن لم يعف ملك قبلك عن مثله. # فسكت المأمون ثم تمثل: # فلئن عفوت لأعفون جللا # ولئن سطوت لأوهنن عظمي # قومي همو قتلوا أميم أخي # فإذا رميت أصابني سهمي # خذه يا أحمد عندك مكرما. وقد عفوت عنه إلا أن يحدث حدثا، فراقبه وامنعه ~~أن يأتي شرا. # بشرى # خرج إبراهيم بن المهدي مع أحمد بن أبي خالد. وبعد هنيهة دخل «فتح» حاجب المأمون ~~يخبره أن رسولا من مصر يدعى «سالم بن بلمه» أرسله القائد عبد الله # 8 # بن طاهر يحمل بشرى دخوله مصر واستيلائه عليها. # فأذن له المأمون، فدخل فحيا الخليفة، فقال له: كيف حال ابن طاهر يا سالم؟ ~~- حال طيبة كما يحب أمير المؤمنين ويرضى، فقد دخل مصر واستولى عليها. ~~- وهل قبض على واليها عبد الله بن الحكم؟ ~~- نعم يا مولاي، وكان ابن طاهر قد حمل عليه حملة قاضية، فتفرقت جنوده، ~~ووهنته جهوده، وتشتت شمله، فلجأ إلى الفسطاط فأغلق بابها عليه وعلى من بقي من ~~رجاله، فحاصره قائدك عبد الله أياما فبعث إليه ابن الحكم بهدية! # فاحمر وجه المأمون وحملق في وجه سالم وقال في غير تريث: وهل قبل ~~الهدية؟ ~~- حاشا لعبد الله يا أمير المؤمنين وهو وليك وقائدك، فقد جاءه رسول ابن الحكم ~~بألف وصيف وألف وصيفة، ومع كل منهم ألف دينار، فأرسل إليه ابن طاهر يقول: «لو ~~كنت قبلت هديتك نهارا لقبلتها ليلا، بل أنتم بهديتكم تفرحون، ارجع إليهم، ~~فلنأتينهم بجنود ms53 لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون.» فلما بلغ ~~ذلك ابن الحكم بعث يطلب الأمان فأعطاه إياه، وخرج مستسلما! # المأمون وقد التفت إلى وزرائه: لله ابن طاهر وليا مخلصا، وقائدا مظفرا، ~~وأخا وفيا، والله لو كان مكانه عيسى # 9 # بن أبي خالد - قاتله الله - لنقض عهدي كما فعل بي عند إبراهيم بن المهدي: ~~فقد ذهب بخراجي وفيئي، وزينت له الدنيا، فأجلس إبراهيم خليفة، وحارب دونه، ودعاه ~~مع الداعين «إبراهيم المبارك، وأمير المؤمنين!» # ثم أعطى الرسول كتابا يهنئ فيه عبد الله بهذا الفتح ويوليه مصر والشام ~~والجزيرة، وكتب له في أسفله: # أخي أنت ومولاي # ومن أشكر نعماه # فما أحببت من شيء # فإني الدهر أهواه # وما تكره من شيء # فإني لست أرضاه # لك الله على ذاك # لك الله لك الله # وكان صالح بن الرشيد جالسا فقال: لقد والله صح رأيك في عبد الله، وفي وفائه لك ~~وإخلاصه لأمرك، فقد ذهب إليه رجل يدعو بالخلافة للقاسم # 10 # بن إبراهيم بن طباطبا العلوي، ويذكر مناقبه وعلمه، فقال له عبد الله: ~~أتنصفني أيها الرجل؟ # قال: نعم! # فقال: هل يجب شكر الله على العباد؟ # قال: نعم! # فقال: فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنة والتفضل؟ # قال: نعم! # فقال: فتجيء إلي وأنا في هذه الحالة التي ترى: لي خاتم في المشرق جائز، وفي ~~المغرب كذلك، وفيما بينهما أمري مطاع وقولي مقبول، ثم ما ألتفت يميني وشمالي ~~وورائي وقدامي إلا رأيت نعمة لرجل أنعمها علي، ومنة ختم بها رقبتي، ويدا ~~لائحة بيضاء ابتدأني بها تفضلا وكرما، فتدعوني إلى الكفر بهذه النعمة وهذا ~~الإحسان، وتقول اغدر بمن كان أولا لهذا وآخرا، واسع في إزالة خيط عنقه ~~وسفك دمه! تراك لو دعوتني إلى الجنة عيانا من حيث أعلم أكان الله يحب أن ~~أغدر به وأكفر إحسانه ومنته وأنكث بيعته؟ # فسكت الرجل يا أمير المؤمنين، فقال له عبد الله: أما أنه قد بلغني شأنك، وتالله ~~ما أخاف عليك إلا نفسك، فارحل عن هذا البلد، فإن السلطان الأعظم إن ms54 بلغه أمرك، ~~وما آمن من ذلك عليك، كنت الجاني على نفسك ونفس غيرك. # فقال المأمون: يا صالح، ذلك غرس يدي، وإلف أدبي، وترب نفسي. وما أشك يوما ~~فيما عهدته فيه من حب وولاء. # الفصل السادس # | مصير الفنان # أعد أحمد بن أبي خالد الأحول دارا أنيقة لإبراهيم بن المهدي ليقيم فيها كما ~~أمر المأمون، وليكون في رعايته وتحت رقابته. فأقام بها موفور الراحة والتكريم، ~~وأقامت معه جواريه: شارية، وريق، ومكنونة، وخالدة، وصدوف، ومعمعة، وبعض غلمانه. ~~وكان يزوره ابناه هبة الله وبقية الله وبعض أصدقائه، ويقضي وقته في الأدب ~~والغناء ثم في التفكير في مصيره بعد أن قضى عليه المأمون وأودعه عند أحمد بن أبي ~~خالد كالمسجون، وإن كانت له الحرية في الخروج إلى فناء الدار وحديقتها والاجتماع ~~بالناس. # وقد كان يرهقه هذا التفكير وكان الخوف من المأمون يقلقه ويتشاءم من نفسه، ويرى أن ~~اسم «إبراهيم» مشئوم، فما سمي به أحد إلا ناله من الشؤم نصيب: فإبراهيم الخليل لقي ~~من نمروز ما لقي وطرح في النار، وإبراهيم بن محمد # صلى الله عليه وسلم # مات طفلا صغيرا ولم ~~يعمر، وإبراهيم الإمام قتله مروان بن محمد خنقا في سجن حران، وإبراهيم بن ~~الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد الله بن الحسين العلوي قتله المنصور، وعمه إبراهيم ~~بن الحسين سقط عليه السجن فمات، ثم هو قد خلع من الخلافة وفشل في ثورته وهزم ~~أمام المأمون وقبض عليه وقيد بالأغلال واعتقل. فأي مصير مشئوم ينتظره إلا أن يكون ~~الموت مهما تعلل بالآمال. # وجلس يائسا مبتئسا، ثم دخلت عليه جاريته خالدة فرأته واجما حزينا، فسألته عما ~~به فلم يجبها، فخرجت مشفقة عليه فناداها أن تأتي له بالعود، فذهبت وعادت تحمله ~~فأخذه الشجو وجعل يغني: # ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني # هوى الدهر بي عنها وولى بها عني # فإن أبك نفسي أبك نفسا نفيسة # وإن أحتسبها أحتسبها على ضن # وأفلتني «عيسى» # 1 # وكانت خديعة # حللت بها ملكي وفلت بها سني # وزاره أحمد بن يوسف أحد كتاب المأمون وصديق إبراهيم، ms55 وكان أديبا راوية ~~محدثا، فجعل إبراهيم يحدثه ومن حضر عنده حديثا من الشعر والغناء، ويروي لهم ~~طرائف بعضها يضحك وبعضها يعظ، وأحمد بن يوسف ساكت حتى طال المجلس فقال أحد ~~الحاضرين لابن يوسف: ما لك لا تنبح يا كلب الروم، قد كنت نباحا فما لك ~~اليوم. # فتبسم إبراهيم بن المهدي وقال: لو كنت رأيتني أنا في حضرة جعفر بن يحيى ~~البرمكي لرحمتني كما رحمت أحمد مني! ~~••• # وبينما هم كذلك إذا بمخارق المغني يدخل وهو يترنم، فدعاه إبراهيم للغناء، فأبى ~~وأبى الحاضرون إلا أن يسمعوا أمير الغناء إبراهيم، فنادى جاريته فأحضرت آلات ~~الموسيقى، وجلس إبراهيم وحوله بعض جواريه يغني في قول أبي العتاهية: # قال لي أحمد ولم يدر ما بي # أتحب الغداة عتبة حقا # فتنفست ثم قلت نعم حب # جرى في العروق عرقا فعرقا # فطرب الحاضرون حتى خيل لهم أن الدار تهتز طربا، وأن الإيوان يسير بهم سيرا، ~~فلما فرغ تقدم منه مخارق وقبل يده وقال: جعلني الله فداءك يا سيدي، هذا هو ~~الغناء، فأين أنا منك؟ # فقال إبراهيم: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم الناس ~~معه أنهم لم يروا مثلي. # ونهض القوم، وانفض المجلس، ودخل إبراهيم إلى مخدعه. وكان أحمد بن أبي خالد قد ~~وكل به كبرى جواريه لتوفيه حقه في الخدمة والإعظام، وكانت تدعى «ميمونة»، ~~وهي من خيرة الجواري الحسان، فأقبلت تسأله في رشاقة ولطف هل من حاجة لسيدها، ~~كما تفعل كل يوم، فقد عنيت بخدمته وراحته واطمئنانه حتى جل مقدارها عنده ~~وأحبها. فقال لها: نعم لي حاجة أيتها المليحة الحسناء. # قالت في استحياء: وما هي يا سيدي؟ # قال: أن تناوليني هذه الكأس. # فذهبت في رفق وتقدمت تناوله، وما كادت تقترب منه حتى خطف يدها ~~فقبلها. # فاحمر وجهها خجلا وتأخرت وقبلت الأرض بين يديه احتراما، وخرجت مسرعة، ~~فقال إبراهيم: # يا غزالا لي إليه # شافع من مقلتيه # والذي أجللت خديه # فقبلت يديه # بأبي وجهك ما # أكثر حسادي عليه # وأنا ضيف وجزاء # الضيف إحسان إليه # وجعل ms56 يترنم بهذه الأبيات! ~~••• # مكث «إبراهيم» مدة في دار أحمد بن أبي خالد يقضي وقته على هذه الحال، وكان المأمون ~~يسأل أحمد عنه ويتتبع أنباءه، ويبعث إليه من يحادثه ويناظره حتى يقف على أغراضه ~~وسريرة نفسه. # وذات ليلة خرج المأمون ومعه إسحق الموصلي، فمر بالدار التي يقيم فيها فسمعا ~~فيها غناء، فوقفا تحت جناحها فإذا إبراهيم يغني في حنان وشجن: # يا مشرع الماء قد شدت موارده # أما إليك سبيل غير مسدود # لحائم حام حتى لا حياة به # مشرد عن طريق الماء مطرود # فقال المأمون لإسحاق: إن صوت إبراهيم ليهزني ~~ويطربني، وما أريد أن يحبس عني. # قال إسحق: يا أمير المؤمنين، إن إبراهيم يتمثل بما لم يقله، ويغني ما ليس ~~له. # المأمون ~~: # ولمن هذا القول؟ # إسحاق ~~: # لعبدك إسحاق يا مولاي. # المأمون ~~: # أحسنت القول وأحسن هو الغناء، والله يا إسحاق إنه لأعذب منك صوتا، ~~وأجمل منك صنعة. # إسحاق ~~(في غيظ يخفيه) ~~: # صدق أمير المؤمنين، وإن إبراهيم لأحسن الإنس والجن والطير صوتا، وحسبه ~~هذا! # وعاد المأمون إلى قصر الخلد، حتى إذا انبلج الصبح وارتفع النهار وجلس في ~~ديوانه، أقبل رسول من إبراهيم إلى المأمون يحمل قصيدة من نظمه يستعطف فيها ~~المأمون، فلما قرأها قال: إن من الكلام ما يفوق الدرر ويغلب السحر، وإن كلام ~~عمي منه. أطلقوا عمي وردوا إليه ماله وائتوني به مكرما. # فذهب أحمد بن أبي خالد غير متريث إلى إبراهيم وجاءه بالبشرى وطلب إليه أن يسير ~~معه إلى المأمون، فنهض ولبس وتطيب، ودخل عليه فسلم وقبل البساط، فأجابه المأمون ~~جوابا حسنا وقال: يا عم صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس، فلن ترى مني ~~أبدا إلا ما تحب. # فقال إبراهيم: # رددت مالي ولم تمنن علي به # وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به # فلا عدمناك من عاف ومنتقم # فبؤت منك، وقد كافأتها بيد # هي الحياتان من موت ومن عدم # قال المأمون: اجلس يا عم آمنا مطمئنا فلن ترى مني ما تكره إلا أن تحدث ~~حدثا أو تتغير ms57 عن طاعة، وأرجو ألا يكون ذلك منك إن شاء الله. ~~••• # عاد إبراهيم إلى حريته الأولى، وعاد إلى حياته الفنية، إلى حياة الأنس والطرب، ~~وقربه المأمون ووثق به. ودخل على المأمون ذات يوم مبتذلا في ثياب المغنين ~~وزيهم، فلما رآه المأمون ضحك وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبيه! # وكان مخارق المغني حاضرا المجلس فأذن له المأمون أن يغني بحضرة إبراهيم ~~فغنى أحد الأدوار، فقال إبراهيم: أسأت وأخطأت يا مخارق. # قال المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ، فأحسن أنت. # فقام إبراهيم وجلس للغناء وغنى الدور حتى فرغ منه، فقال المأمون: أحسنت والله ~~يا عم. # فقال إبراهيم لمخارق: أعده الآن يا مخارق. # فأعاده فأحسن، فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، كم بين الصوت الآن وبينه في أول ~~الأمر؟ # قال المأمون: ما أبعد ما بينهما! # فالتفت إبراهيم إلى مخارق وقال: إنما مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر إذا ~~تغافل عنه أهله سقط عليه الغبار فحال لونه، فإذا نفض عاد إلى جوهره. # فابتسم المأمون وقال لإبراهيم: حدثني يا عم. # قال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، قد رأيت في منامي بالأمس رؤيا عجبا. # فقال المأمون: وما هي؟ # قال: رأيت علي بن أبي طالب في النوم، فمشينا حتى جئنا قنطرة، فذهب يتقدمني، ~~فأمسكت به، وقلت له: «إنما أنت رجل تدعي هذا الحق بامرأة، ونحن أحق به منك.» ~~فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يوصف عنه. # فقال المأمون: وأي شيء قال لك؟ # قال: ما زادني يا أمير المؤمنين على أن قال «سلاما سلاما!» # فضحك المأمون وقال: قد والله أجابك أبلغ جواب. # فقال إبراهيم: وكيف ذلك؟ # قال المأمون: عرفك أنك جاهل لا يجاوب مثلك. فقد قال الله عز وجل: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~. فخجل ~~إبراهيم وسكت. وكذلك لم يفقد المأمون ميله للعلويين ورأيه فيهم على الرغم مما ~~وقع من أحداث كادت تذهب بملكه، وعلى الرغم مما شرعه من تدبير وسياسة جديدة منذ ~~بارح «مرو» ووصل إلى بغداد، فقد كانت سياسة أراد بها أن يرضي العرب، ولكنها ms58 في ~~الوقت نفسه لا تغضب الفرس. وكان الفرس يعرفون ميله للشيعة العلوية، وإن كان قد ~~قتل عميدهم الفضل بن سهل، فقد رفع أخاه الحسن بن سهل وأكرمه وخطب ابنته «بوران» ~~فأعلى نسبه وشرفه، وضاعف له من التكريم والتمجيد بين الناس، وهو تكريم للفرس ~~بين العرب. # الفصل السابع # | العرس # مضت على خطبة المأمون لبوران خديجة بنت الحسن بن سهل سبع سنوات ، وكانت سنة 210ه ~~فبلغت الثامنة عشرة من عمرها، واكتملت أنوثتها، وتجلت غضارتها تجلي ~~الأزهار في نضارتها، وتهادت في موكب من الفتنة والشباب، واختالت بها أيامه ~~الساحرة، وأعراسه الراقصة الباهرة. # وكان الحسن بن سهل قد بلغ عند المأمون من المكانة والكرامة وعلو الشأن وسعة ~~الجاه ما لم يبلغه أحد من وزرائه وخاصة رجاله وذوي سلطانه. # وكان الحسين بن الضحاك الشاعر ما زال منبوذا من المأمون طريدا من مجالسه، فلما ~~رأى الدنيا تقبل ضاحكة على الحسن بن سهل، جعل يتزلف إليه، فيزجي إليه المديح ~~بعد المديح في القصيد تلو القصيد، ويقول له فيما يقول: # أرى الآمال غير معرجات # على أحد سوى الحسن بن سهل # يباري يومه غده سماحا # كلا اليومين بان بكل فضل # أرى حسنا تقدم مستبدا # ببعد من رياسته وقبل # سليل مزارب برعوا حلوما # وراح صغيرهم بسداد كهل # ليهنك أن ما أرجأت رشد # وما أمضيت من قول وفعل # فقربه الحسن ودعاه ووصله، ووعده بإصلاح ما بينه وبين المأمون. وصار ~~ابن الضحاك أنيس مجالسه وأخا أدبه وفراغه ولذائذه. # وجالسه الحسن يوما فقال له: يا حسين ماذا عنيت بقولك: # يا خلي الذرع # 1 # من شجني # إنما أشكو لترحمني # فقال ابن الضحاك: قد بينته فقلت: # منعك الميسور يؤنسني # وقليل اليأس يقتلني # فقال الحسن: إنك لتضيع بالخلاعة ما أعطيته من البراعة! # فسكت ابن الضحاك ولم يتكلم، قال الحسن: ما لك يا حسين! # ابن الضحاك: لا شيء يا سيدي، وإنما أفكر في براعة أضاعتها الخلاعة، رحمها ~~الله. # فضحك الحسن. وكان اليوم من أيام الخريف وقد أقبل وسمي من المطر فرش رشا ~~خفيفا، وكان الحسن متفائلا فجلس ms59 في إيوان قصره، وحوله الوصيفات يقمن على ~~خدمته، ووقف وراءه غلام حسن نضير، فنظر ابن الضحاك إلى ذلك وأنشأ يقول: # ألست ترى ديمة تهطل # وهذا صباحك مستقبل # فقال الحسن بن سهل: بلى. # قال ابن الضحاك: # وتلك المدام وقد شاقنا # بطلعته الشادن الأكحل # فقال الحسن: صدقت! # ابن الضحاك: # وقد أشكل العيش في يومنا # فيا حبذا عيشنا المشكل # فقال الحسن: «العيش مشكل.» فما ترى ؟ # قال ابن الضحاك: مبادرة القصف، وتقريب الإلف. # قال الحسن: على أن تقيم معنا وتبيت عندنا! # فقال ابن الضحاك: لك الوفاء، وعليك مثله من الشرط. # قال: ما هو؟ # فقال ابن الضحاك: أن يسقيني هذا الغلام الواقف على رأسك. # فضحك الحسن وقال: ذلك لك. # ودعا بالطعام فأكلا وبالشراب فشربا أقداحا، فلما ثمل ابن الضحاك قال: # وا بأبي أبيض في صفرة # كأنه تبر من الفضة # صفاته فاتنة كلها # فبعضه يذكرني بعضه # يا ليته زودني قبلة # أو لا، فمن وجنته عضة # فقال الحسن: قد عمل فيك النبيذ يا ابن الضحاك! # ابن الضحاك: لا وحياتك. # الحسن: هذا شر من ذلك، قد وهبت لك الغلام خذه لا بارك الله لك فيه. # وأقام الحسين بن الضحاك على ولائه للحسن بن سهل، وقد حاول أن يصلح أمره عند ~~المأمون فلم يستطع لسوء رأيه فيه وانصراف هواه عنه. ~~••• # وكان المأمون قد أقام الحسن على مدينة «فم الصلح» # 2 # وما يليها من فارس الأهواز، فلما أراد البناء ببوران سنة 210ه بارح بغداد ~~إلى هذه المدينة. # وكان العباس بن المأمون قد تقدم أباه، فوصل ظهرا بركبه إلى «فم الصلح» ~~فتلقاه الحسن خارج عسكره في موضع على شاطئ دجلة قد بنى فيه جوسقا. فلما رآه ~~العباس ثنى رجله لينزل، فحلف الحسن ألا يفعل وقال: بحق أمير المؤمنين لا ~~تنزل. # واعتنقه وهو راكب، وأنزله وجلس في الجوسق ساعة هو ومن معه، وقدم له غلمان ~~الحسن شراب الفاكهة، ثم قدم له الحسن بن سهل دابته فركبها وركب خلفه حتى وصل ~~الركب إلى القصر. # وفي وقت الغروب خرج الحسن وحوله حاشيته وفرسانه وجنوده ms60 ليستقبلوا أمير المؤمنين. ~~وكان قد خرج من بغداد في موكب فخم تتقدمه الطبول والموسيقى، وحوله الفرسان ~~بسيوفهم المشروعة وملابسهم الحريرية المزركشة وخيلهم المحلى بالديباج، وأعلامهم ~~العباسية السوداء الموشاة، وخلفه الجنود يحملون الحراب. وقد اصطحب معه أخاه أبو ~~إسحاق المعتصم، وعمه إبراهيم بن المهدي، وأم جعفر زبيدة زوجة الرشيد، وعمته ~~علية بنت المهدي، وأخته حمدونة بنت الرشيد، وطائفة من الأميرات والأمراء والوزراء ~~وكبار رجال الدولة . وكان الحسن قد أقام مضارب فاخرة خارج العسكر بها أنوار تتلألأ ~~وزينات باهرة. ووصل الموكب فركع الحسن بن سهل ورجاله بين يدي الخليفة ثم تقدموا ~~فحملوه إلى أن أجلسوه في الجوسق، وتوافد كبراء المدينة وأعيانها يحيون أمير ~~المؤمنين ويؤكدون له الطاعة والولاء. # ثم سار الموكب إلى قصر فخم من قصور الحسن أعده لضيافة المأمون فنزله، فرأى فيه ما ~~شاء الله أن يرى من الأثاث والرياش والمتاع ما لا يباريه في فخامته وأبهته ما ~~كان في إيوان كسرى أنوشروان من عظمة وجمال، وألوان من زخارف النبات والحيوان. ~~••• # وقد حوى القصر مئات من الوجوه الحسان، والحور والولدان، وجلست إحداهن وتدعى ~~«جنان» مع زميلات لها في إحدى المقصورات وقد تحجبن عن الأنظار، فقالت: طوبى لبوران ~~هذا الحظ الميمون، ما أسعدها تتزوج أمير المؤمنين المأمون! # فقالت الثانية وتدعى «جوهرة»: وهل لسيدتي بوران كفء غير أمير المؤمنين يا جنان، ~~فهي أجمل فتيات خراسان. # ليس فيها ما يقال له # كملت لو أن ذا كملا # كل جزء من ملاحتها # كائن من حسنها مثلا # قالت الثالثة وتدعى «خلوب»: أصبت يا جوهرة، فالجمال يسبي القلوب. # فقالت الرابعة وهي «خالصة»: وهل في ذلك شك يا خلوب. # جنان ~~: # على رسلك يا خالصة، إن بوران جميلة ولكنها ناقصة. فهي غادة من غادات ~~الأعاجم، وليست من كرائم بني هاشم. # جوهرة ~~: # وهل يعيبها ذلك يا جنان، إن لم تكن لهاشم فهي لكسرى أنوشروان. # جنان ~~: # ما أجهلك يا جوهرة، إن في الجواري غفلة مستنكرة، فوالله ما هذا ~~الزواج إلا أمرا مدبرا وثمنا مقدرا. # جوهرة ~~: # كفى كفى. لماذا يا ترى؟ # جنان ~~: # لرأس ms61 الفضل بن سهل. # خالصة ~~: # صه، صه، إن غلمان أمير المؤمنين عن كثب! ~~••• # وهنا مر إبراهيم بن المهدي، وكان وافدا لمقابلة أمير المؤمنين في القصر استجابة ~~لدعوته، فأجفلت الجواري وهن يظننه أمير المؤمنين، فلمحته جنان وعرفته، فعادت ~~ونادت زميلاتها، فأقبلن عليه وهن يقلن: حياك الله يا أبا إسحاق، ماذا أتى بك ~~إلينا كأننا على ميعاد! # فقال إبراهيم: حياكن الله وبياكن أيتها الجواري الحسان، ماذا تفعلن ؟ # وأخذ يداعبهن وأخذن يداعبنه، فقال لجنان: كأني بأبي نواس يقول فيك ما قاله ~~يوم كنت جارية لآل الثقفي ورآك في عرس فقال: # شهدت جلوة العروس جنان # فاستمالت بحسنها النظارة # حسبوها العروس حين رأوها # ما دهانا بها سواك عمارة # 3 # فقالت جنان: رحم الله أبا نواس، كان لي محبا وكنت عليه قاسية. لقد بعث إلي ~~رسوله فقلت له: «لا برح الهجران ربعك ولا بلغت أملك ممن أحببت.» # فضحك إبراهيم وقال: ولقد استجاب الله دعاءك. # ثم التفت إلى خالصة، وكان معها ثلاثة نرجسات قد زينت بها صدرها، فداعبها بيده ~~وقال: # ثلاث عيون من النرجس # على قائم أخضر أملس # تذكرني طيب ريا الحبيب # فتمنعني لذة المجلس # وضحك إبراهيم وتضاحك الجواري، ثم بارحهن إلى داخل القصر، وبقين في مكانهن ~~صامتات، فقالت جوهرة: ما أجمل إبراهيم، له عينان خلابتان وقامة كغصن البان. ما ~~أحلاه يا جنان. # جنان: اسكتي يا ألعبان يا صنيعة الشيطان. # وبينما هن كذلك إذ سمعن أصوات الغلمان يقولون: أمير المؤمنين المأمون. # وكان المأمون يمر بالقصر، فأجفلن، ودخلن إلى الغرف مسرعات! # الزفاف # وكانت ليلة الزفاف ليلة عامرة باهرة «كأن كل سرور حاضر فيها.» فازدانت مدينة ~~فم الصلح زينة لم تر الدنيا مثلها، وزهت قصور الحسن بن سهل بأنواع المسرات ~~والزخارف والأنوار. وقام على خدمة هذا العرس ثلاثة آلاف وستمائة خادم وملاح. وبدا ~~القصر الذي نزله المأمون في لألائه وبهائه، كأنه الثريا في سمائها، والنجوم ~~نزلت من عليائها، وقد فرشت بالبسط الموشاة بالذهب والجواهر النفيسة، وأضيئت في ~~جوانب الدار شموع من العنبر والند والمسك المعجون، ووضعت في قاعة الزفاف شمعة ms62 من ~~العنبر وزنها 280 مثقالا (أي اثنتان وأربعون أقة). # وفرشت هذه القاعة ببساط ذهبي بديع ونثرت عليه الدرر، ودخل المأمون مع عروسه، ~~وحولهما بنو هاشم وبنو الحسن بن سهل والأعيان والقواد وكرائم الفتيات والنساء. ولما ~~رأى المأمون هذا البساط وما عليه من درر منثورة قال: رحم الله أبا نواس كأنه قد ~~رأى هذا حيث يقول: # كأن صغرى وكبرى من فقاقعها # حصباء در على أرض من الذهب # وقد نثر الحسن بن سهل في ذلك العرس من الأموال ~~ما لم ينثره ملك في جاهلية ولا إسلام، كما نثر على الحاضرات والحاضرين بنادق ~~مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات جياد وغير ذلك، فكانت البندقة ~~إذا وقعت في يد أحدهم فتحها فقرأ ما فيها فيجد على قدر حظه، فيمضي إلى ~~الوكيل الذي نصب لذلك فيقول له: «ضيعة يقال لها كذا.» أو «جارية يقال لها ~~فلانة.» أو «جواد يقال له كذا.» ثم نثر على سائر طبقات الناس آلاف الدراهم ~~والدنانير ونوافج المسك وبيض العنبر، عدا ما أنفقه المأمون على القواد والأجناد، ~~وسائر أهل المدينة. وقد بلغت نفقات هذا العرس خمسة ملايين درهم (أي نحو مائة ألف ~~جنيه مصري). ~~••• # وجلس المأمون مع عروسه على عرش منصوب في صدر القاعة صنع من الأبنوس والديباج ~~والحرير الموشى وحلي بالجواهر النفيسة. ثم أقبل إبراهيم بن المهدي ووراءه عدد ~~من العازفين والعازفات من الغلمان والجواري الحسان، وجلس على منصة في وسط القاعة ~~وأخذ يغني: # يا خير من ذملت يمانية به # بعد الرسول لآيس أو طامع # وأبر من عبد الإله على الهدى # نفسا وأحكمه بحق صارع # أحياك من ولاك أطول مدة # ورمى عدوك في الوتين بقاطع # إن الذي قسم الفضائل حازها # في صلب آدم للإمام السابع # 4 # فقال المأمون: أحسنت يا عم، وأحييت لي طربا، وزدتني هناء، بارك الله ~~لك. # ثم وقف الشاعر إبراهيم بن العباس الصولي وهنأ الحسن بن سهل بما حاز من شرف ~~لمصاهرة الخليفة المأمون فقال: # ليهنك أصهار أذلت بعزها # خدودا وجدعت الأنوف الرواغما # جمعت بها ms63 الشملين من آل هاشم # وحزت بها للأكرمين المكارما # بنوك غدوا آل النبي ووارثو ال # خلافة والحاوون كسرى وهاشما # فقال الحسن: أحسن الله جزاءك أبا إسحاق، فما ~~الكثير من فعلنا بجزاء لليسير من حقك! # ثم قام محمد بن حازم الباهلي فقال: # بارك الله للحسن # ولبوران في الختن # يا بن هارون قد ظفر # ت ولكن ببنت من # فقال المأمون: والله ما ندري خيرا أراد أم شرا. # ثم قامت الراقصات فرقصن على عزف الموسيقى وهن ينشدن من شعر بشار: # يا ليلتي تزداد بشرا # من حب من أحببت بكرا # حوراء إن نظرت إل # يك سقتك بالعينين خمرا # وكأن رجع حديثها # قطع الرياض كسين زهرا # وكأن تحت لسانها # هاروت ينفث فيه سحرا # وتخال ما جمعت عل # يه ثيابها ذهبا وعطرا # وبعد أن انتهت الراقصات عاد إبراهيم بن المهدي فغنى لمروان بن أبي حفصة هذه ~~الأبيات: # طرقتك زائرة فحي خيالها # بيضاء تخلط بالجمال دلالها # قادت فؤادك فاستقاد ومثلها # قاد القلوب إلى الصبا فأمالها # هل تطمسون من السماء نجومها # بأكفكم أو تسترون هلالها # أو تجحدون مقالة من ربكم # جبريل بلغها النبي فقالها # شهدت من الأنفال آخر آية # 5 # بتراثهم فأردتم إبطالها # فأجاد إبراهيم الغناء، وكان المأمون يحب ~~إنشادها وغناءها فقال له: أحسنت يا عم ما لم يحسنه سواك. # وبقي العرس عامرا بألوان الزينة والطرب ولذائذ الحياة التي لم تر الدنيا ~~مثلها، حتى انتهى، وترك وراءه ذكرا خالدا لأروع عرس في هذا العصر الذهبي ~~العجيب! # استمر إبراهيم مخلصا للخليفة المأمون مواليا له، وكان يحبه وينزله عنده ~~منزلا رفيعا، وكانت أيام إبراهيم في ذلك الحين أعراسا للفن والأنس ~~والإبداع. ~~••• # ومرض المأمون وتوفي سنة 218ه فحزن عليه إبراهيم حزنا شديدا، ولم يعمر ~~بعده طويلا إذ مرض بعد سبع سنين من وفاته بمدينة «سر من رأى» فلما تداعت حياته ~~وأشرفت على النهاية جعل يتندم ويذكر ما سلف من شرابه ولذاته وغنائه ولهوه، ~~فقيل له: تب يا إبراهيم وأحرق دفاتر الغناء! # فحرك رأسه وهو على فراشه وقال: يا مجانين، هبوا أني أحرقت ms64 دفاتر الغناء ~~كلها، ريق إيش أعمل بها، هل أقتلها وهي تحفظ لي كل شيء في دفاتر ~~الغناء؟! # وقد مات # 6 # إبراهيم، فحسب الناس أنه لم يمت لمكانته في نفوسهم، ولما أحدث في ~~أذهانهم وآذانهم من ثورة غنائية لا تفنى ولا يمحى صداها حتى كانوا يقولون: «إن ~~إبراهيم لم يمت، وإنما دعي إلى الجنة لأن بالجنة عرسا.» # لقد بدأ إبراهيم أميرا وفنانا، وانتهى أميرا وفنانا، وكان بين ذلك فنانا ~~ثائرا، ومحاربا ثائرا: ثار على الفن وللفن، وثار على الخلافة وللخلافة، وتزعم ~~ثورة التجديد في الغناء والموسيقى، وقاد ثورة العراق على المأمون، وارتدى بردة ~~الخلافة وتبوأ عرش الملك، وقدر له أن يجلس فترة من الزمان على أريكة هارون ~~الرشيد. ولكن هذا العرش لم يدم له طويلا؛ لأنه عرش صنعته السياسة، وصنعته ~~الأحداث، ولعبت به الأهواء. # أما عرش الفن، فهو أقوى مكانا، وأرسخ بنيانا، وأثبت على الأيام أساسا، تبوأه ~~إبراهيم، فلم تزعزعه سخائم الخصوم، ولم يعمل فيه حسد الحاسدين، بل بقي له وبقي هو ~~سيدا عليه طول الزمان. وكان كما قال يغني كما يشاء، ويبدع ما يشاء، فاعتزت به ~~دولة الموسيقى والغناء. وخلد ذكره بين الخالدين من أهل الفن والأدب، وأعلام الأنس ~~والطرب. وعاش حياته أميرا في فنه، أميرا في نسبه، أميرا في متاعه، أميرا في ~~ترفعه وعزة نفسه، حتى فارق هذه الحياة وأطفأ الموت نوره، وكأنما أطفأ أنوار ~~عرس من الأعراس. ms65