######OpenITI# #META# URI: 1386TahirTanahi.AtyafMinHayatMay.Hindawi52406949 #META# Tags: biographies #META# ID: 52406949 #META# Title: أطياف من حياة مي #META# AuthorID: 68492042 #META# Author: طاهر الطناحي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - مي الأديبة الإنسانة‏ # 2 - أدباء أحبوا مي‏ # 1 - مي الأديبة الإنسانة‏ # 2 - أدباء أحبوا مي‏ # | أطياف من حياة مي # | أطياف من حياة مي # تأليف # طاهر الطناحي # أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ما فيها ~~من روح الإخلاص والصدق والحمية، والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل؛ لأنه كذلك، لا ~~رغبة في الانتفاع به. # مي # القسم الأول # | مي الأديبة الإنسانة # (1) ذكريات عن مي # عرفت نابغة الأدب العربي «الآنسة مي» قبل وفاتها ببضع سنوات، وكنت وقتئذ كاتبا ~~ناشئا، وقد وصلني بها عملي في الصحافة والأدب، وكانت وقتئذ تحرر بحوثا في ~~«الهلال» و«المقتطف» و«الرسالة»، وكنت أعجب بنبوغها وسعة اطلاعها وما تفردت به ~~بين لداتها من جمال النفس، وجمال الخلق، وجمال الأسلوب. # وقد حرصت في ذلك الحين على زيارتها كثيرا؛ لأتزود من أدبها زادا وفيرا، وكانت ~~جلساتها عامرة بأسمى الأفكار وأحسن الآراء وأطرف الذكريات. # وكنت في هذه الجلسات أشهد من حلاوة الحديث، وصفاء النفس، ولطافة الحس، ورقة ~~العاطفة، ورهافة الوجدان ما يذكرني بأميرة الأندلس «ولادة بنت المستكفي بالله» في ~~القرن الخامس الهجري. فقد تغنت أسفار الأدب، وترنحت أعطاف الشعر الأندلسي بمجالسها ~~الأدبية. وكانت نادرة نساء عصرها، ووحيدة لداتها في الذكاء والأدب والألمعية، وكانت ~~ك«مي» تجالس العلماء والأدباء، وتناقشهم، وتباحثهم، وتعارضهم عن عقل ناضج وملكة ~~أبية ورفعة في المحتد وشرف في النفس، ولم تنزع يوما إلى ريبة، ولم تنزلق إلى ~~مأثمة، وعاشت حياتها لم تتزوج! # ولعل الآنسة «مي» كانت في عصرنا الحديث أقرب إليها في مزاياها الأدبية، وإن خالفتها ~~في ميولها العاطفية، بل لقد فاقت «مي» «ولادة» بما كان لها من سعة في الأفق الفكري، ~~ووفرة في الاطلاع، ومعرفة لعدد من اللغات الأجنبية. غير أن «ولادة» كانت صاحبة ~~مدرسة في الأدب النسائي، سارت فيه على نهجها طائفة من نساء الأندلس، كمهجة القرطبية، ~~وحمدونة بنت زياد، وغيرهما ممن نهجن نهجها في الأدب العاطفي والحب الروحي. # أما الآنسة «مي»، فقد كانت مدرسة وحدها، كانت أديبة نابغة، ومفكرة ثاقبة، وعربية ~~محافظة، جمعت ms001 بين أدب العاطفة، وأدب النفس، وحب المحافظة على التقاليد، وكانت تؤيد ~~حرية الفكر، وتعف عن الصغائر، لا تذكر إنسانا بسوء. وكان الزائر لمنزلها يرى في ~~صدره إطارا جميلا يحوي شعارها في الحياة مكتوبا بخط ذهبي، وهو هذه الأبيات الأربعة ~~للإمام الشافعي: # إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى # وعيشك موفور، ~~وعرضك صين # لسانك لا تذكر به عورة امرئ # فكلك عورات وللناس ~~ألسن # وعينك إن أبدت إليك معايبا # فصنها، وقل يا عين ~~للناس أعين # وعاشر بمعروف، وسامح من اعتدى # وفارق، ولكن بالتي هي ~~أحسن # وقد كانت تميل إلى قراءة الشعر وسماعه، وتتأثر به كل التأثر، وبخاصة الشعر ~~العاطفي، وشعر الموعظة والحكمة، وما يكشف عن حقيقة النفس الإنسانية وتجارب الحياة ~~والناس. ~~••• # وقد ولدت الآنسة «مي» في بلدة الناصرة عام 1895م، ووالدها إلياس زيادة من لبنان، ~~ووالدتها سيدة متعلمة من فلسطين. وكان إلياس قد سافر مع كسروان بلبنان إلى الناصرة ~~ليعلم في إحدى مدارسها، فتزوج هذه السيدة، فولدت له «مريم» وابنا توفي صغيرا. ~~أما «مريم» فقد أرسلت في نشأتها الأولى إلى مدرسة عنطورة، ثم التحقت بغيرها من ~~معاهد تعليم البنات في لبنان قبل أن تسافر إلى مصر مع والدها ووالدتها، وكانت تدعى ~~«ماري»، ثم أطلقت على نفسها «مي». وقد حدثتني عن نشأتها الأولى فقالت: ~~«في مشاهد لبنان الجميلة، حيث الجنان المزدانة بمشاهد الطبيعة الضاحكة، ~~والجبال المشرقة بجلالها على البحر المنبسط، عند قدم هاتيك الآكام الوادعة، ~~كنت أسرح الطرف بين عشية وضحاها وأنا طفلة صغيرة بمدرسة عنطورة، فكانت ~~توحي إلى نفسي معاني الجمال، فتفيض بها شعرا أسطره في أوقات الفراغ، ~~وأثناء الدروس التي كنت أشغل عنها بنظم الشعر وتدوينه، حتى اجتمع لي منه ~~مجموعة باللغة الفرنسية سميتها «أزهار الحلم» ونشرتها بإمضاء «إيزيس كوبيا» ~~عام 1911م، بعد أن نزلت مصر مع والدي، وكانت هذه المجموعة أول كتاب صدر لي في ~~عالم التأليف. # ولما رأى المحيطون بي أني أكتب باللغة الفرنسية دون العربية، نصحوني بدراسة ~~اللغة العربية، ومطالعة الكتب العربية الفصحى. وكان والدي - رحمه الله - قد ms002 ~~أصدر في هذا العهد جريدة «المحروسة»، فأخذت أقرأ بعناية كل ما يكتبه فيها كبار ~~الكتاب، حتى تكونت لي ملكة عربية شجعتني على ترجمة رواية فرنسية ~~بعنوان: «رجوع الموجة»، وكانت أول كتاب نشرته باللغة العربية. # وفي هذا الحين كنت أتابع دروسي باللغة الألمانية والإنجليزية والفرنسية، ~~فترجمة رواية «هجرة الفرنسيين إلى أمريكا» بعنوان «الحب في العذاب». # ثم أخذت أتابع الترجمة والكتابة، فترجمت عن اللغة الألمانية رواية «غرام ~~ألماني»، ونشرتها بعنوان «ابتسامات ودموع». # وفي عام 1913 زارنا المرحوم الأستاذ سليم سركيس، ودعاني لإلقاء خطاب جبران ~~خليل جبران في حفلة تكريم خليل مطران بمناسبة الإنعام عليه بالوسام المجيدي، ~~فقبلت هذه الدعوة. وكانت هذه أول مرة وقفت فيها فتاة عربية تتكلم باللغة ~~العربية في حفلة رسمية تحت رعاية حاكم البلاد. # وبعد أن تلوت الخطبة ذيلتها بكلمة من عندي لتحية المحتفل به، فلقيت من ~~الحاضرين تشجيعا عظيما. # وبعد ذلك ابتدأ يجتمع عندنا «صالون أدبي» كل يوم ثلاثاء مكث أعواما تحت ~~رئاسة المرحوم إسماعيل صبري باشا، فاقتبست منه تهذيبا عربيا بما كان يلقى ~~فيه أثناء الحديث باللغة العربية الفصحى. # وفي عام 1914 أرادوا أن يؤسسوا ناديا أدبيا مختلطا من الشرقيين ~~والغربيين بدعوة من البرنسس أولفادي لبيديف، فدعيت إلى الاشتراك فيه. وكان بعض ~~المجتمعين فيه من الوزراء السابقين، ووزراء الدول الأجنبية وقريناتهم، ~~والعلماء، والأدباء، وكبار القوم. وفي هذا الاجتماع قال لي «أحمد لطفي السيد» ~~أثناء حديثه معي: «لا بد لك يا آنسة من تلاوة القرآن الكريم، لكي تقتبسي من ~~فصاحة أسلوبه وبلاغته.» فقلت له: «ليس عندي نسخة من القرآن.» قال: «أنا أهدي ~~إليك نسخة منه.» وبعث لي به مع كتب أخرى، فابتدأت أفهم اتجاه الأسلوب ~~العربي، وما في القرآن من روعة جذابة ساعدتني على تنسيق كتابتي. # وفي خلال الحرب العالمية الأولى التحقت بالجامعة المصرية القديمة، فكنت أدرس ~~بها تاريخ الفلسفة العامة، وتاريخ الفلسفة العربية، وعلم الأخلاق على المستشرق ~~الإسباني «الكونت دي جلارزا»، وتاريخ الآداب العربية على «الشيخ محمد المهدي»، ~~وتاريخ الدول الإسلامية للشيخ محمد الخضري، إلى أن انتهت ms003 الحرب الكبرى، وقامت ~~الحركة الوطنية المصرية. # وهنا كانت يقظتي الأدبية الصحيحة، والخلق الجديد الذي أمدتني تلك الحركة ~~بروحه! # ولما توفيت باحثة البادية «ملك حفني ناصف» أبنتها بمقال في جريدة ~~«المحروسة» كان الناس يقرءونه والفقيدة العزيزة محمولة على الأعناق، فنقلها ~~الدكتور يعقوب صروف إلى «المقتطف»، وطلب مني أن أكتب ل«المقتطف» بحثا فيما ~~كانت تنادي به الفقيدة الراحلة، فكتبت عدة مقالات جمعتها في كتاب «باحثة ~~البادية». # وكان هذا الكتاب أول كتاب كتبته امرأة عربية باللغة العربية عن امرأة عربية، ~~وقد صدر عام 1920. # وعلى ذلك أستطيع أن أقول إن أهم ما أثر في مجرى حياتي ككاتبة ثلاثة ~~أشياء: # أولا: النظر إلى جمال الطبيعة. ثانيا: القرآن الكريم بفصاحته وبلاغته ~~الرائعة. ثالثا: الحركة الوطنية التي لولاها لما بلغت هذه السرعة في التطور ~~الفكري.» # هذا ما روته الآنسة «مي» عن نشأتها وحياتها الأدبية، وقد ذكرت خمسة كتب من أهم ~~مؤلفاتها ومترجماتها، وقد كانت تكتب الشعر الحر أو الشعر المنثور، على أن الكاتبة ~~الأديبة لم تزعم يوما أن هذا النثر الفني الجميل كان شعرا، ولم تدع هذه الدعوى ~~التي يدعيها بعض أدبائنا الشبان لأنها تعلم الفرق بين الشعر والنثر. # وقد كانت «مي» ذات عاطفة مرهفة، وكان الأسى يبدو واضحا في كتاباتها الأدبية، ولعل ~~ظروف حياتها التي بدأتها وحيدة، لا تهنأ بأخوة وأخوات يؤنسونها في هذه الحياة الدنيا ~~إلا أخا واحدا لم يعش إلا قليلا، ثم صمت بالموت؛ هي التي أثرت في نفسها هذا ~~التأثير، ثم مات والدها عام 1929، ولحقت به والدتها بعد بضع سنوات، وبقيت بلا أب ولا ~~أم ولا أخ. # وذات ليلة كنت أزورها، فرأيتها جالسة وحيدة، فجرى حديث بيني وبينها عن الحياة ~~وغايتها، وما فيها من سعادة وشقاء، فقالت: «هل تظن أن في الحياة سعادة أو أننا ~~بالحياة سعداء؟» ثم قالت: كأني بابن الفارض يعني «السعادة» بهذه الأبيات: # صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوى # ونور ولا نار، وروح ~~ولا جسم # ويطرب من لم يدرها عند ذكرها # كمشتاق نعم كلما ~~ذكرت نعم # على نفسه فليبك من ms004 ضاع عمره # وليس له فيه نصيب ولا ~~سهم # ثم سكتت ونظرت إلى السماء، واغرورقت عيناها بالدموع! ~~(2) عبقريتها ومأساتها # الحياة مد وجزر، وآمال وأحلام، وأفراح وأشجان، وابتسام ودموع. # هكذا هي الحياة، وتلك هي طبيعتها المعمرة المدمرة، المضحكة المبكية، السارة ~~المحزنة، الباسمة الخادعة، الواهبة السالبة، المسالمة المحاربة، الحلوة المرة، التي ~~تذيقنا نشوة خمرتها ثم لا تلبث أن تغصنا بمرارة كأسها وآلامها. # وكلنا يتعاطى هذه الكأس، ويذوق حلوها ومرها، ويتقلب فيها بين الهناء والشقاء، ~~والعطاء والحرمان! # كانت الآنسة «مي» منذ هبطت مصر طفلة تعيش في ظلال أبوين بارين لم ينجبا غيرها، ~~فأودع الله لهما في تلك الابنة الوحيدة من النجابة والنبوغ وشرف السمعة ما لم يودعه ~~في آلاف من البنين والبنات، فكانت قرة عيونهما، وعزاءهما الوحيد، وفخرهما في ~~الحياة. # عاش الأبوان سعيدين بتلك الابنة النابغة، مغتبطين بما أكسبت جنسها من جمال الأحدوثة، ~~وبما قامت به لقومها من خدمات أدبية مجيدة، وبما أضافته من صفحات ممتازة إلى تاريخ ~~الأدب العربي، وتاريخ المرأة العربية في الشرق الحديث. ثم شاءت الحياة القاسية ~~المؤلمة المحزنة أن تمد يد الآلام إلى سعادة هذين الأبوين وأن تنقص من هناءة هذه ~~الأسرة الكريمة، فمرض الوالد «الأستاذ إلياس زيادة» مرضا عضالا، واشتد عليه المرض، ~~وزاد من شدته ما كان يصادفه من بعض الشركاء الذين يقاسمونه قطعة أرض في لبنان. # وانقطع الوالد أشهرا في منزله يعاني آلام هذا المرض الوبيل، وقد كان يخفف من ~~آلامه ويعزيه في مصابه ما يراه من حنان زوجته ورعاية ابنته، وعظيم برها، وفائق ~~فضلها على النهضة الأدبية التي رفعت شأنها وأتاحت لها فخرا لامعا بين الآداب الأخرى، ~~ولقد كان هذا الفخر جديرا بأن يمد بغبطته وسروره في حياة الأب لولا أن للعمر نهاية ~~وللأجل غاية، فطوى القضاء آخر صفحة من صفحاته في سنة 1929. # كان لوفاة هذا الوالد البار تأثير عظيم في نفس الآنسة «مي»، فذاقت لأول مرة مرارة ~~الحزن البنوي العميق، وجرعت أول كأس لمأساتها الأخيرة منذ هذا المصاب الأليم، وابتدأت ~~قصتها المؤثرة بهذا الحادث الجسيم. # وأطمعت ms005 هذه الوفاة «البعض» فيها ، فعانت شقاء هذا الطمع، وصاروا يلاحقونها في كل حين ~~حتى ضاقت بهم، وضاقت بالدنيا وسئمت الحياة، وهي في ضيقها الشديد وسأمها الطويل تصبر ولا ~~تشكو، وتخفي ولا تعلن. # ومرضت والدتها واشتد عليها المرض، فتفاقم الخطب، وتضاعفت الآلام ثم شاء القدر ~~إلا أن ينزل بالكارثة الثانية، فتوفيت الأم الحنون، فتجدد حولها طمع الطامعين، ~~فكانت تصرفهم بما عرف عنها من بر وكرم ولطف. # وكان صيف سنة 1935، فجاء إليها بعضهم يطالبها بثلاثمائة جنيه؛ لأن أرضها مرهونة، ~~فطلبت أن تطلع على وثيقة الرهن، فأطلعوها وضيقوا عليها هذا الطلب حتى ضاقت بحالها ~~واشتدت آلامها، وهي في شكواها وضيقها لا تصرح لأحد بما يثير في نفسها هذه الآلام. ~~فأصيبت بمرض «الشعور بالاضطهاد»، وجسم بعضهم هذا المرض فكتب إلى أقاربها في لبنان ~~ينبئهم بأن الآنسة «مي» أصيبت بالجنون! ويوصي بإرسالها إلى مستشفى العصفورية، فجاء ~~أحد أقاربها فوجدها حزينة كئيبة ضيقة بالدنيا، فطلب منها هذا القريب أن تسافر معه إلى ~~لبنان لتغير الهواء فأبت، فألح عليها كثيرا فقبلت وسافرت معه إلى بيروت، ونزلت في ~~داره. وبعد أيام طلبت العودة إلى دارها بمصر، فأبى هذا القريب وأصر على بقائها ~~بلبنان، فأصرت هي على العودة وهددت بالإضراب عن الطعام، فلم يأبه لهذا التهديد ~~ولم يسمح لها بالسفر، فأضربت عن الطعام وبقيت أياما لا تأكل، فخاطب مستشفى العصفورية ~~في نقلها إليه، وهو مستشفى إنجليزي للأمراض العقلية، فبعث المستشفى سيارة وممرضة ~~وحملت إليه. # نزلت الآنسة «مي» مستشفى المجانين، فما أروع تلك الساعة التي سيقت فيها أديبة الشرق ~~إلى هذا المكان، وما أشد ألمها في النفس وأفظع جرحها في القلوب! # أهكذا الدنيا؟ وهل هذا هو بلاؤها؟ وهذه عجيبتها الرائعة؟ # الآنسة «مي» نابغة نساء الجيل وفخر الأدب الحديث، التي أهدت إلى العقول ثروة عقلية ~~كبرى، وإلى النفوس جيلا كاملا من جمال النفس وسمو الشعور، تنزل بين المجانين، وتسلب ~~من خير ما فاقت به الملايين؟ # ما أقبح الحياة، وما أسوأ الدنيا، وما أظلم الأقدار! # والتفتت الآنسة «مي» حولها في مستشفى العصفورية، ms006 وتأملت حالها في هذا السجن العجيب، ~~وقالت: أولم يجدوا لي سجنا أشرف من هذا السجن؟ ما أشد قسوة الإنسان على أخيه ~~الإنسان! # وكأنما «مي» التي ملأت مصر وسائر بلاد الشرق أدبا وفضلا، وشهرة وفخرا، وتزاحمت ~~النفوس على الإعجاب بها، وتغايرت الأسماع والقلوب على الإنصات إليها إذا خطبت أو ~~تحدثت، كأنما «مي» هذه لا يعرفها إنسان ولم تمر ببال زميل من الأدباء أو أخ من ~~الإخوان. وابتسمت «مي»، ويئست من الحياة ومن عدالة الإنسان، فأضربت عن الطعام، وصممت ~~على الإضراب حتى تموت، وعبثا حاول الأطباء أن يصرفوها عن الإضراب، فأصروا أن ~~يغذوها بالأنابيب من الفم والأنف، ومكثت على هذه الحال عشرة أشهر، ذاقت فيها أشد ~~الآلام وضعفت بنيتها ونقص وزنها. وطلبت الآنسة أن تكشف عليها لجنة من كبار الأطباء، ~~فاجتمعت وقررت أن لا شيء بها، وكتب الدكتور مارتان الطبيب الفرنسي تقريرا مطولا ~~ينفي إصابتها بأي مرض من الأمراض، لكن إدارة المستشفى رأت أن تستمر في المستشفى مدة ~~أخرى حتى تقوى بنيتها! # عجبت الآنسة من حظها العجيب، واتصل خبرها ببعض عائلات لبنان، وكان عيد الميلاد، فجاء ~~أحد اللبنانيين المقيمين بفلسطين ليعيد عند أقاربه ببيروت، ويدعى «الخواجة غانم» ~~وهو من كبار التجار، وفي الطريق مرت به السيارة بالعصفورية، فسأل السائق عما ~~يسمعه عن الآنسة «مي» فأخبره أن إحدى قريباته وهي ممرضة في المستشفى أخبرته أن صحتها ~~جيدة ولا شيء بها، وهي في هذا المستشفى كالمسجون البريء. # وصل «الخواجة غانم» إلى بيروت فاعتزم أن يحدث أقارب الآنسة في إخراجها، فاقبلهم ~~وذهبوا معه لزيارتها فوجدوها جيدة الذاكرة سليمة العقل، فخرج من عندها وقد أقسم ألا ~~يعود إلى فلسطين إلا بعد أن تخرج من هذا المستشفى. # بقي «الخواجة غانم» أربعين يوما يسعى حتى وفق في مسعاه، وخرجت الآنسة «مي» من ~~المستشفى، ولكن لا إلى بيتها حيث تنعم بالحرية، بل إلى مستشفى للجراحة ببيروت. # سافر «الخواجة غانم» وقد ظن أن الآنسة «مي» سوف تبرح هذا المستشفى بعد أيام ريثما ~~يستأجر لها بيت خاص، كما وعدوه بذلك، لكن ms007 لأمر ما لم ينفذ هذا الوعد، وبقيت في ~~مستشفى الجراحة عشرة أشهر أخرى. # احتجت الآنسة «مي»، وأضربت عن الطعام والكلام، أضربت عن الطعام لأنها لا تريد أن ~~تذوق طعام هذه الحياة المرة الملوثة بالآلام، وأضربت عن الكلام لأنها أسفت لعقوق ~~الإنسان. وذات يوم زارها بالمستشفى الأستاذ فلكس فارس، فكان أول شخص رأته من أصدقائها ~~بعد عامين لم تر فيهما صديقا، ولم تمسك فيهما قلما، ولم تقرأ كتابا، ثم زارها ~~الأستاذ أمين الريحاني، وكان قد جاء من أمريكا. # فعجب لحالها، وذاع وقتئذ بين جمهور الأدباء في لبنان أن «مي» مسجونة، فانبرت الأقلام ~~تدافع عن قضية «مي»، وتتساءل: لماذا تسجن هذا السجن العجيب؟ وذهبت طائفة من الأدباء ~~وأبلغوا النيابة، فانتقل النائب العمومي إلى المستشفى وقابلها، وبعد 48 ساعة من ~~مقابلتها جاء إليها مدير البوليس ومعه ستة من الضباط المسلحين، واثنان من المساعدين، ~~وأخرجها من المستشفى في موكب انتظم فيه عدد كبير من سيارات الأصدقاء والمعجبين. # ووصلت الآنسة «مي» إلى المنزل الذي أعد لها، وقدم لها الغذاء، فتناولته بيدها ~~لأول مرة، وأمسكت بالشوكة والسكين بعد عامين كاملين لم تتناول بيدها طعاما ولم تمسك ~~بها شوكة وسكينا. # وعادت إليها حريتها، واطمأنت في مسكنها برأس بيروت، وسافرت إلى الفريكة فقضت بها بضعة ~~أسابيع. وألقت في ذلك الحين خمس محاضرات، ورسمت بريشتها خمسين صورة. # ومرت هذه السنوات الثلاث الحافلة بآلامها وأشجانها، المملوءة بتجاربها الشاقة، ~~وكأنما الأقدار قد ادخرت هذه الأحداث لهذه النفس الأبية لتطلعها على جانب غريب من ~~جوانب الحياة، وتكشف لها عن عجائب الإنسان ما لا يعرفه عن نفسه الإنسان. # وكنت قد عرفتها سنة 1929، وأنا وقتئذ كاتب ناشئ، فأخذت أتردد على بيتها، وأفسحت لي ~~في مجلسها منذ ذلك الحين إلى وفاتها، وكنت جالسا يوما معها فقلت لها: أود أن أعرف ~~ما هي أمنيتك الكبرى في الحياة؟ # فقالت: وهل يمكن أن تحوي الحياة أمنية واحدة؟ إن الأماني تتغير مع الوقت، وكل أمنية ~~هي العظيمة، بل هي الواحدة العظمى عندما تقطن جوارحنا وتستولي على كياننا، وهل تصدق ms008 ~~أن الإنسان يبوح للناس بأعظم أمانيه؟ # قد يبوح ببعضها في هذه أو تلك، ولكن الأمنية الكبرى تظل سرا مكتوما بينه وبين ~~نفسه، ولو فقد كل شيء آخر لبقيت تلك الأمنية رأس ماله الخاص الملاصق لأخفى ما يخفى في ~~قدس أسراره، وإذا أبيت إلا أن أبوح بأمنية ما، فهي أن تظل الأماني متجددة في نفسي ~~ما زلت حية، وأن أموت يوم أصبح غير قادرة على التمني! ~~••• # وذات مساء من أمسية الآحاد جلست إليها، فجاء حديث شقاء الحياة وسعادتها، فقلت لها: ~~وما هي السعادة في رأي الآنسة؟ # فقالت، بعد فترة قصيرة داعبت فيها ريشتها التي كانت تكتب بها دائما وتؤثرها على ~~القلم: هي كما قال ابن الفارض: # صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوى # ونور ولا نار، ~~وروح ولا جسم # ويطرب من لم يدرها عند ذكرها # كمشتاق نعم كلما ~~ذكرت نعم # على نفسه فليبك من ضاع عمره # وليس له فيه نصيب ~~ولا سهم # ثم نظرت إلى السماء واغرورقت عيناها بالدموع، وأردت أن أنتقل بها إلى نوع آخر من ~~الحديث، حتى لا تشعر بما كانت تشعر به من سوء الحظ وشقاء النفس ولوعة القلب، فأشرت ~~بأصبعي إلى لوحة معلقة في مكتبها مكتوبة عليها أبيات بالحبر الذهبي بخط الفنان نجيب ~~هواويني، فقالت: «هذه الأبيات للإمام الشافعي، وهي شعاري في الحياة؛ ولذلك احتفظت بها ~~على هذه الصورة.» وقامت وقمت معها، ثم قرأتها بصوت رقيق مؤثر، وهي: # إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى # وحظك موفور، ~~وعرضك صين # لسانك لا تذكر به عورة امرئ # فكلك عورات وللناس ~~ألسن # وعينك إن أبدت إليك معايبا # فصنها، وقل يا عين ~~للناس أعين # وعاشر بمعروف، وسامح من اعتدى # وفارق، ولكن بالتي ~~هي أحسن # ثم جلست وقالت: إنني أطرب من الشعر الذي يرسم للناس طريق السعادة، ويرشدهم إلى ~~مكارم الأخلاق. ولعل الأدب سمي أدبا لأنه يهذب الروح ويؤدب النفس ويوجههما ~~إلى اعتناق الآداب الفاضلة؛ ولهذا دعي الأديب أديبا. وأنا أعتقد أن الأديب الذي يعمل ~~بأدبه كالعالم الذي يعمل بعلمه، والأديب الذي لا ms009 يعمل بأدبه كالعالم الذي لا يعمل ~~بعلمه، فهو موهوب ولكنه مسلوب. ~~••• # وكانت - رحمها الله - تتهم الجنس الخشن بإثارة المنازعات وقيام الحروب، وقالت لي ~~مرة في أحد مجالسها: «إنني أنظر بعين الأسى إلى الأزمة العالمية الحاضرة، وعندي فكرة ~~لإصلاح العالم لو تحققت لزالت الحروب.» ثم ابتسمت، وقالت: «هذه الفكرة هي أن تقوم ~~في كل دولة «حكومة من الجنس اللطيف» تتألف من أرقى السيدات علما وأدبا وخبرة ~~بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فإنكم معشر الرجال جربتم كل أنظمة الحكم ~~فلم تفلحوا، بل آثرتم المنازعات وأشقيتهم الشعوب بالحروب، على الرغم من أنكم أبدعتم في ~~كل علم وفن، وبرعتم في عقد المعاهدات، وتدوين الشروط التي تقيد حرية الأمم، ونبغتم ~~في إقامة الحصون وحشد الجيوش واختراع أسلحة القتال، ولكنكم فشلتم في الوصول إلى أحسن ~~طريق للتفاهم. نعم فشلتم يا معشر الرجال، وجربتم النظام بعد الآخر فلم تجلبوا للأمم ~~غير الشقاء، فهل تسمحون أن تجربوا الحكومات النسائية، فإنني أراها أقرب إلى تحقيق ~~السلام، وأحرص على حقن الدماء.» # وقبل مرضها الأخير بقليل كنت أزورها ذات ليلة، فلمحت في وجهها شيئا من التفكير ~~الحزين، وفي حديثها رنين الاكتئاب والجزع، ثم سألتني: «هل تعرف تفسير الأحلام؟» قلت: ~~«ولماذا؟ هل رأيت حلما؟» قالت: «إني رأيت حلما مؤلما، وقد نهضت من نومي حزينة ~~خائفة.» فقلت: «وما هو هذا الحلم؟» قالت: «رأيت ليلة أمس سيدة مقبلة علي ملتحفة ~~بالسواد، فلم أتبين من هي، حتى إذا اقتربت مني صرخت قائلة: «أمي!» فبكت. ثم أقبلت ~~نحوي تضمني إلى صدرها وتبكي، فبكيت لبكائها، وقلت: «ما لك يا أمي؟» فأجابت: «آه يا ~~عزيزتي مي!» فقلت: «هل سأموت يا أمي؟» فلم تجبني، واستيقظت من نومي فازعة من هذه ~~الرؤيا، فهي أول مرة أرى فيها والدتي بعد موتها، وقد شغلت بها حتى الآن بل تشاءمت، ~~واعتقدت إما أني سأموت قريبا، أو أن يصيبني مرض شديد.» # قصت «مي» هذه الرؤيا، وتقاطرت الدموع من عينيها، ثم استجابت لما عرف عنها من ~~شجاعة وتجمل، وقالت: «وهل عهدتني من الجبناء؟ إني لا أخاف ms010 الموت ولا أخشاه. إن وراء ~~الموت وجودا غير ملموس يدعى السعادة، وإني لأشعر باحتياج محرق إلى التعرف إليها ~~والتمتع بها.» # فقلت لها: «مثلك من أعطى روحا عاليا، وأدبا خالدا لن يموت. لكني أشفق من أن ~~تسيطر عليك الأوهام!» قالت: «إنني لا أخدع بالأوهام، غير أني لا آمن صروف الأيام، فهل ~~تسمح أن تبحث لي عن تأويل رؤياي؟» # فأخذت أطمئنها، ولكنها ألحت أن أستشير خبيرا بتفسير الأحلام، فوعدتها وذهبت أفكر ~~فيما عسى أن أعود به إليها في الأسبوع التالي، وكنت أزورها كل أسبوع مرة، ثم اخترعت ~~لها تأويلا طريفا، فلم يخف على ذكائها أنني أصانعها لأدخل على نفسها التفاؤل ~~والاطمئنان. # انقطعت عنها لسفر نحو ثلاثة أسابيع، ثم عدت، فعلمت أن «مي» مريضة في مستشفى ~~المعادي، وأنها قبل ذلك أغلقت الباب عليها عدة أيام حتى ظن السكان أنها أصيبت ~~بمكروه فكسروا الباب، فوجدوها في سريرها شاردة الفكر، غائبة الوعي، صامتة، فجيء لها ~~بطبيب، وأجريت لها الإسعافات، ثم نقلت إلى المستشفى. استفاقت «مي»، وطمأنها ~~الطبيب مؤكدا أن القلب سليم، ولكن كانت تنتابها في فترات غيبوبة، ثم تفيق ~~منها. # وفي منتصف ليل السبت في الثامن عشر من أكتوبر سنة 1941 بدأت «مي» تشعر بضيق الأنفاس، ~~وأخذت نبضات قلبها تسرع في الخفقان، فجعلت تصعد تنهدات أشبه بتنهدات الطفل وهو في ~~حلم جميل. # سألتها الراهبة الممرضة عما تشعر، فلم تقو «مي» على الكلام، فرفعت يدها إلى صدرها، ~~وأشارت ناحية القلب أن «هذا» أن «هنا» ... انقطع الأمل ولم يعد للأمصال من قوة، قد حم ~~القضاء ولم يعد للطبيب البشري من حيلة، وجاء دور الطبيب الروحاني، نادت الراهبة الكاهن ~~فدخل على «مي» فوجد نفسا مستسلمة إلى القضاء وحكم رب الحياة والموت، وفي الساعة ~~العاشرة وخمس دقائق من صباح نهار الأحد، التاسع عشر من هذا شهر خفق قلب «مي» الخفقة ~~الأخيرة لشمس الحياة. # كانت «مي» في غفوتها الأخيرة أشبه بأن تكون في حلم جميل، بسمة الأطفال على شفتيها ~~وإغماضة رقيقة في جفنيها، وعلى رأسها إكليل من الورود والأزهار، كأنها ms011 كانت في غفوة ~~التأمل والتفكير. # سبحانك يا رب السماء والأرض، جعلت في الحياة جمالا وجعلت للموت جمالا، وخيل ~~إلي أن «مي» في تلك الغفوة الراضية تردد شفتاها قولها: «ثم أوحي إلي بأن هناك ~~وجودا غير ملموس يدعى السعادة، وشعرت باحتياج محرق إلى التعرف إليها، والتمتع بتلك ~~السعادة الأبدية!» ~~(3) مي ملهمة الأدباء # كانت المرأة - وما تزال - وحي الأدباء والشعراء والفنانين، فإذا كانت جميلة جذابة، أو ~~مليحة فنانة، أو أديبة نابغة، أثارت ما كمن في النفوس والألباب من شعور ووجدان، ~~ودفعت بوحيها وإيحائها نهضة الفنون خطوات إلى الأمام؛ لأن مصدر الإبداع هو شعور الفنان ~~ووجدانه، ومبلغ تأثره بالحياة وما فيها من جمال حي تمثله المرأة في شخصها إن كانت ~~من ذوات الجمال المنظور، أو في نفسها، إن كانت من ذوات الجمال الروحي، والنفس العالية، ~~والعقل الناضج، والملكة النابغة. # وكذلك كانت فقيدة الأدب العربي الآنسة «مي»، فهي الأديبة النابغة ذات الجمال ~~الروحي، والنفس السامية، والذكاء اللامع، والفكر الممتاز، والاطلاع الوافر، والحديث ~~الساحر مع ملاحة تأسر القلوب، ونبوغ نسائي ينافس نبوغ بعض الرجال في الإنتاج الأدبي ~~والفكري الذي يفخر به تاريخ الأدب وتاريخ الفكر في العصر الحديث. # وقد دونت في بعض أعداد مجلة «الهلال» طائفة من الذكريات والأحداث الأدبية والرسائل ~~التي جرت بينها وبين أصدقائها الأدباء، فقد أتيح لي أن أتعرف إليها قبل وفاتها ~~بسنوات، وأفسحت لي - رحمها الله - في زيارتها مساء كل أحد من أيام الأسبوع، كنا ~~نقضيه معا في الحديث الأدبي، أو النقاش الاجتماعي، أو الذكريات اللطيفة، ولقد كنت أحرص ~~الحرص كله على لقاء هذه الأديبة النابغة في ذلك المساء؛ لأنهل من حديثها العذب، وأقتبس ~~من علمها الوفير، وأقضي في جوارها الروحي البديع وقتا سعيدا، لا زلت أعتبره أسعد ~~أوقات حياتي. # صورة وبيت # ولقد طالما كان الحديث بيننا يعطف على ذكرى أصدقائها القدماء من كبار الأدباء ~~الذين كانوا يترددون على صالونها الأدبي الذي كانت تعقده يوم الثلاثاء من كل ~~أسبوع فيما بين أوائل الحرب العالمية الأولى وأواخر سنة 1926، وكان يؤمه طائفة من ms012 ~~أقطاب الفكر والأدب في الشرق، كالأستاذ أحمد لطفي السيد، والشاعر إسماعيل صبري، ~~والدكتور شبلي شميل، وخليل مطران، وأنطون الجميل، وداود بركات، ومصطفى صادق ~~الرافعي، وولي الدين يكن، وأضرابهم، وذات مساء لحظت على مكتبها صورة رشقتها أمامها، ~~فسألتها قبل أن أتبينها: «لمن تكون هذه الصورة؟» فأمسكتها بيدها وأطلعتني عليها، ~~فإذا هي للشاعر المرحوم ولي الدين يكن أهداها إليها، وقد كتب تحتها بخطه هذا ~~البيت: # كل شيء يا «مي» عندك غال # غير أني وحدي لديك ~~رخيص # وقد حدثتني عنه أنه كان معجبا بها، مشغوفا بحبها، وكثيرا ما كان ينظم ~~شعرا فيها، سجل بعضه في ديوانه المطبوع ولم يسجل الآخر. وقد كانت على الرغم ~~من أنها لم تبادله حبا بحب فإنها كانت تعطف على نفسه الرقيقة وشعوره المرهف، ~~وكانت تفسح له في زيارتها حتى وهو مريض في أواخر حياته بمرض خطير! # فقلت لها: إن هذا البيت يدل على لوعة وأسى، وشعور صادق، وقلب واله، غير أن ~~روي «الصاد» روي نادر ثقيل. # فما كدت أنتهي من هذه العبارة حتى لمعت عيناها الذكيتان، وأمسكت ريشتها في رقة ~~وهي تهز رأسها وتعطف عنقها كعادتها في الحديث، وناولتني إياها في ابتسام ماكر ~~وتحد ظريف، وقالت: «إذا كنت تنتقد روي هذا البيت، فإني أطلب منك أن تشطره الآن ~~قبل أن تقوم من مكانك، ولن أسمح لك بالانصراف المباح، ولو جلست هنا إلى الصباح، حتى ~~تجعل الشطر شطرين، والبيت بيتين»! # فأردت التخلص والاعتذار حتى يذهب الليل ويأتي النهار، ولكنها أصرت، وكان في ~~إصرارها لطف وخفة وجمال، فأثارت وجداني، وحركت شعوري، فما وسعني إلا أن أتناول ~~منها القلم، وبعد دقائق ناولتها هذا التشطير: ~~«كل شيء يا مي عندك غال» # يتمناه في الحياة ~~الحريص # قد غلا في حماك كل أديب ~~«غير أني وحدي لديك ~~رخيص» # فلما قرأته انبسطت أساريرها، وطربت، وكانت تطرب للشعر وتحبه! # سؤال وجواب # وذات مساء أحد من تلك الآحاد، زرتها كعادتي، فبعد حديث طريف أخرجت من مكتبها ~~ورقة مطوية نشرتها أمامي، ثم قالت: «لقد أعددت لك الليلة امتحانا ms013 ~~ثانيا»! # فقلت لها: «أولم يكف امتحان الأسبوع الماضي؟» قالت: «هذا بيت لشاعر قديم يسأل ~~فيه سؤالا، فعليك أن تجيب عليه شعرا.» وهو: # ماذا تقول إذا أتتك مليحة # كحلاء في يدها كعين الديك # 1 # فقلت لها: «هذا سؤال عسير، يحتاج إلى تفكير.» ثم جئتها في الأسبوع التالي بهذا ~~الجواب: # أصبو لمبسمها وطيب عناقها # وأقول هل موتي جوى ~~يرضيك # وأجيبها لو ناولتني كأسها # لا خمر غير سلافة من ~~فيك # فضحكت في جمال وقالت: «لعلك من العشاق المتيمين.» قلت لها: «إنني متيم ~~بنبوغك.» قالت: «فاحتج على ذلك!» قلت: «أنت التي أثرت شعوري، وأفشيت سري.» ~~فابتسمت في لطف وأدب، وبعد انتهاء المجلس انصرفت، ثم كان صباح اليوم التالي، ~~فبعثت إليها بهذين البيتين: # أفشى لها الشعر ما في القلب من كمد # قالت ~~«فاحتج» قلت الله في كبدي # الله يا «مي» في نفس معذبة # تشكو إليك، ولا ~~تشكو إلى أحد # مي لم تنظم شعرا # كانت «مي» تطرب للشعر دائما وتحبه، وتحفظ القليل منها، ولكنها تقرأ منه الكثير، ~~وكان أسلوبها شعريا وإن لم يكن منظوما، وكانت تتمنى لو استطاعت أن تنظم ~~الأبيات أو القصيد، ولكن ملكة الكتابة عندها طغت على ملكة النظم، فلم تنظم ~~شعرا، بل لم تنظم بيتا كاملا. وقد حدثتني في معرض الحديث عن ذلك فقالت إنها لم ~~تنظم في حياتها إلا شطرا واحدا حين اقترح عليها والدها أن تخمس البيت الأول من ~~هذين البيتين: # أرى آثارهم فأذوب شوقا # وأسكب في معاهدهم ~~دموعي # وأسال من بفرقتهم بلاني # يمن علي يوما ~~بالرجوع # قالت «مي»: فلم أستطع إلا أن أقول هذا الشطر الأعرج: # عرفتهمو فأضحى القلب رقا ... # ولهذا أؤكد أنه ليس صحيحا ما روي أنها بعثت إلى إسماعيل صبري بيتين، فأجابها ~~عليهما بثلاثة أبيات، فردت عليه ببيتين، وأرجح أن يكون أحد أصدقائها هو الذي ~~نظم ما نسب إليها في إحدى جلسات الصالون، أو أن إسماعيل صبري هو الذي نظمه. فقد ~~جاء في ديوانه: ~~«وكتب - إسماعيل صبري - تحت بيتين قالتهما أديبة معروفة - مي - ~~وهما: # فديتك يا هاجري # فهل ms014 ترتضي ~~بالفدا # سهرت عليك الدجى # ونحت ولكن ~~سدا # فأجابها: # أهاجرتي أطفئي # لواعج لا ~~تنتهي # مضت في هواك السنون # وما نلت ما ~~أشتهي # إذا قيل مات الأديب # بفاتنة أنت ~~هي # فلما قرأت أبياته كتبت تحتها: # زمانك قبلي انتهى # ولا يرجع ~~المنتهى # فحسبي أن أزدهي # وحسبك أن ~~تشتهي» # هذا ما ورد في الديوان، وليس صحيحا ذلك الذي نسب إليها لقولها لي - وهي ~~الصادقة فيما تقول - إنها لم تقل طوال حياتها شعرا إلا شطرا واحدا في تلك ~~المناسبة، ولأن تربيتها المحافظة التي يعرفها الجميع، وأخلاقها التي يغلب فيها ~~الوقار والحياء، تأبى عليها أن ترسل شعرا في الحب لأحد من الناس مهما كان ~~صديقا عزيزا، وإن كانت لها رسائل غرامية منثورة بينها وبين المرحوم جبران خليل ~~جبران، ولكنها رسائل حب من نوع أدبي رفيع. # غرام صبري بالآنسة مي # على أن ما في ديوان إسماعيل صبري من الغزل ليس في الآنسة مي وحدها؛ لأن معظمه قيل ~~قبل سنة 1911 ولم يعرفها إسماعيل صبري، بل لم تظهر في الحياة العامة إلا منذ سنة ~~1913 حين خطبت لأول مرة في حفلة تكريم خليل مطران بمناسبة الإنعام عليه بالوسام ~~المجيدي، ثم صار يتردد هو وكبار الأدباء على صالونها بعد ذلك، وقال فيها شعرا ~~بعضه مشهور وبعضه لم يشتهر أو لم يعرف. ولعل أكثر ما قاله من النسيب قبل ذلك ~~كان في الأديبة اللبنانية ألكسندرة أفيرنيوه. # ولكنه لما عرف الآنسة مي، وكانت في ميعة الصبا وريق الشباب وهو في كهولته ومطلع ~~شيخوخته تشبب بها، وهو الشاعر الكبير المرهف الحس، المشبوب العاطفة، وأخذ يفيض من ~~معينه العذب، ويتدفق من بحره بالدر النفيس، وكان أول لقاء له حين بعث إلى والدها ~~الأستاذ إلياس زيادة صاحب جريدة المحروسة يطلب أن يزوره ليتعرف إلى فتاته التي ~~أعجبه إلقاؤها وخطبتها في حفلة تكريم مطران، وكانت وقتئذ قد بدأت تكتب في هذه ~~الجريدة «يوميات فتاة»، فأجابه الأستاذ بالترحيب، وحدد له موعد الزيارة، فنظم ~~إسماعيل صبري هذه الأبيات: # خبروني اليوم أني في غد # مالئ عيني منها ms015 ~~ويدي # كيف يبقى من قضى الليل على # جرف هار إلى ذا ~~الموعد # رب كن عوني وأخرني إلى # أن أرى شمس الضحى من ~~عودي # يا أساة الحي لو أجلتم # رأيكم في إلى يوم ~~غد # رب داء لا يرجى برؤه # قد شفته زورة من ~~مسعد # وزارها إسماعيل صبري، وكان من أكثر زوارها ترددا على صالونها هو وولي الدين ~~يكن إلى أن توفي سنة 1923، وتوفي ولي الدين سنة 1921. وقد نشر بعض ما قالاه ~~في الآنسة «مي» في ديوان كل من الشاعرين، ونسي أو فقد البعض الآخر! # صبري وولي الدين # ونذكر أنهما اجتمعا عندها ذات ليلة من لياليها الأدبية العامرة، فأطلعتهما على ~~صورة لها نقلها أحد المصورين حديثا، فارتجل إسماعيل صبري هذين البيتين: # أرسلي الشعر خلف ظهرك ليلا # وأعقديه من فوق ~~رأسك تاجا # أنت في الحالتين بدر نراه # صادعا آية الدجى ~~وهاجا # أما ولي الدين فقد نظر إلى الصورة فوجدها قد جلست متكئة بيدها على المقعد، ~~ومسندة عليها خدها كمن يفكر ويستمع لوحي فكره، ثم انتحى ناحية من المجلس، ~~ومكث برهة يكتب، ثم عاد إلى الحاضرين، فأنشد في وصف هذه الصورة: # أوحى إليها ربها وحيه # ألا تراها وهي ~~تسمع # رقت معانيها وألفاظها # كأنما ألفاظها ~~أدمع # يا «مي» ما في الكون من بهجة # إلا ومن عينيك لي ~~تسطع # ولا يتسع المقام لذكر كل ما قاله هذان الشاعران في هذه الأديبة الكبيرة التي ~~أثارت عواطف الأدباء، فجاءوا بثروة نفيسة من شعر النسيب لا تقل جودة وبلاغة ~~ورقة عما ورد عن شعراء العربية في هذا الباب في أزهى عصور الأدب العربي. وبحسبي ~~أن أذكر هذه الأبيات للمرحوم إسماعيل صبري التي سمعتها بصوت «مي» وإلقائها ~~الجميل: # يا ظبية من ظباء الأنس راتعة # بين القصور ~~تعالى الله باريك # هل النعيم سوى يوم أراك به # أو ساعة بت ~~أقضيها بناديك # وهل يعد علي العمر واهبه # إن لم ~~يجمله نظم الدر من فيك # إن قابلتك الصبا في مصر عاطرة # فأيقني أنها ~~عني تناجيك # وأنها حملت في طي بردتها # قلبا بعثت به ms016 ~~كيما يحييك # أحب الشعراء إلى مي # وقد اشتهر عن إسماعيل صبري أنه كان في بعض أسفاره، فاضطر إلى التخلف عن صالونها ~~الذي ينعقد بالأدباء كل يوم ثلاثاء، فبعث إليها بهذين البيتين يوم الاثنين، ~~وهما: # روحي على بعض دور الحي حائمة # كظامئ الطير ~~تواقا إلى الماء # إن لم أمتع ب «مي» ناظري غدا # أنكرت ~~صبحك يا يوم الثلاثاء # ولكن مما لم يشتهر ما قاله في ازدحام نوابغ الأدباء في صالونها، وتسابقهم إلى ~~الإعجاب بنبوغها وأدبها، ووصفهم لرقتها حتى قال فيها: # يا من أقام فؤادي إذ تملكه # ما بين نارين من ~~شوق ومن شجن # تفديك أعين قوم حولك ازدحمت # عطشى إلى نهلة من ~~وجهك الحسن # وتستعيذ إذا ألفتك مبتسما # عن لؤلؤ ~~بالنهى حرزا من الفتن # جردت كل مليح من ملاحته # لم تتق الله في ~~ظبي ولا غصن # فاستبق للبدر بين الشهب رتبته # تملكه في أوجه ~~عبدا بلا ثمن # ولقد كانت «مي» تطرب طربا شديدا كلما راجعت شعر إسماعيل صبري في وصفها، وأنشدته ~~في تلك الليالي التي كنت أزورها فيه، وتقول إن إسماعيل صبري يمتاز على شعراء ~~العصر بلطف ذوقه ورقة حسه وحلاوة جرسه. # وكانت - رحمها الله - تعتز فيما تعتز به من شعر صبري بهذين البيتين اللذين ~~بعثهما إليها تهنئة بعام جديد، فقال: # يا غرة العام جوزي الأفق صاعدة # إلى السماء ~~بآمال المحبينا # أنى سألت لك الأيام صافية # يا «مي» قولي معي ~~بالله آمينا ~~(4) لمحات باسمة # جلست إلى الآنسة «مي» قبل مرضها الأخير مرات عدة في سنوات معدودات، وكانت ~~جلساتها كعمر الورد قصيرة رقيقة، ولكنها طيبة عامرة. وكانت ذات ألوان شتى من الأدب ~~العربي، والأدب الغربي، وذات ذكريات قديمة وحديثة. وكنت أنهل في هذه الجلسات من حلاوة ~~الحديث، وصفاء النفس، ولطافة الحس، ما يذكرني بمجالس أختها الأديبة العربية «ولادة ~~بنت المستكفي بالله» في القرن الخامس الهجري. # لم تحب «مي» حبا جسديا، ولكنها أحبت حبا روحيا عاطفيا تجلى في ~~رسائلها للمرحوم جبران خليل جبران ورسائله إليها، وقد نشرتها مجلة «المكشوف» ببيروت منذ ~~سنوات. # وهي ms017 تمتاز عن أية أديبة سبقتها بالخطابة، فقد كانت خطيبة بليغة صداحة، وكانت ~~مؤثرة قوية التعبير على الرغم من احتفاظها بنبراتها الأنثوية. # حدثتني يوما عن أول مرة وقفت فيها على منصة الخطابة، وكان حديثها ممتزجا ~~بالفكاهة والطرافة، فقالت: «لعلك تدهش إذا قلت إنني ما كنت أقدر أن أكون خطيبة يوما ~~ما، فقد كنت أهاب الخطابة إبان نشأتي، وكانت فرائصي ترتعد كلما تمثلت نفسي واقفة على ~~منبر أمام الجماهير، وحدث أن أنعم الخديو السابق على الأستاذ خليل مطران بالوسام ~~المجيدي الثالث، فدعا سليم سركيس شعراء العالم العربي وأدباءه لتكريم هذا الشاعر ~~الكبير، فبعث المرحوم جبران خليل جبران من أمريكا يساهم في هذا التكريم بكلمة تلقى ~~بعنوان «الشاعر البعلبكي» صاغها في أسلوب قصصي. # وقبيل الحفلة زارني الأستاذ سليم سركيس، واقترح علي أن أقوم بإلقاء هذه الكلمة ~~ليكون للتكريم معنى جديد باشتراك المرأة فيه، ووقوف فتاة عربية لأول مرة في العصر ~~الحديث على منبر الخطابة. # هالني هذا التكليف، وترددت في قبوله، ولا أكتم أنني تهيبت هذا الموقف أمام أقطاب ~~الأدب والعلم والوجاهة، وصارحت والدي بذلك فشجعني وأوصاني الأستاذ سركيس بأن أبيض ~~وجهه!» # وابتسمت الآنسة «مي» ابتسامة لطيفة، ونظرت إلى أعلى ولمعت نظراتها كعادتها حينما كانت ~~تستعيد الذكريات، ثم قالت: «لا تظن أن المرحوم سركيس كان أسود الوجه، وكان في حاجة ~~لأن أبيضه، ولكني تصورت أنني إذا فشلت في مهمتي فسوف أسود وجهي ووجهه بظلمة ~~الخجل والفشل؛ ولهذا أخذتني العزة وقبلت هذه المهمة، وتناولت كلمة جبران فقرأتها ~~مرارا، ثم بدا لي أن أعلق عليها بكلمة مني لتكون لي شخصية في الحفلة. # واعتمدت على الله، وجاءت ساعة الخطابة، وجلست بين الخطباء أمام المنصة، وافتتح الحفلة ~~الأمير محمد علي بكلمة، ثم تلاه أحمد زكي باشا شيخ العروبة، ثم تلاه الخطباء ~~والشعراء، وفيهم حافظ إبراهيم وحفني ناصف. وأذكر من قصيدة ناصف بك هذا البيت ~~الطريف: # ما أنت في الآداب مط # ران، ولكن أنت ~~بطرق # وبطرق بالقاف يا أستاذ! وحان دوري، فشعرت بقشعريرة تنساب في عظامي، وبالخوف يدب إلى ms018 ~~نفسي، وكان بجانبي زكي باشا، فلمح الوهم على وجهي ، فأسر إلي بكلمات لطيفة مشجعة، ~~واقترب مني الأستاذ سركيس، وقال: «إياك أن تسودي وجهي.» فابتسمت وقلت: «بل سأبيض ~~وجهك إن شاء الله.» # وكان قبل دوري فاصل موسيقي، فأثرت في نفسي الموسيقى، وساعدتني أنغامها على السيطرة ~~على أعصابي. ثم ألقيت كلمة جبران بحماسة، وأتبعتها بكلمتي. ويظهر أن الإلقاء كان ~~ناجحا، فقام الأمير محمد علي رئيس الحفلة فصافحني وهنأني، فكان ذلك أكبر مشجع لي ~~فيما بعد على ارتقاء منصة الخطابة!» # وبينما كانت «مي» - رحمها الله - تحدثني هذا الحديث، كانت تقلب في يدها صورة ~~تحتفظ بها على مكتبها، وقد رأيت هذه الصورة في مكانها عندما دخلت منزلها بعد وفاتها ~~بأيام، وهي صورة الشاعر المصري المرحوم ولي الدين يكن، فقد كان من رواد مجالسها، وكان ~~من مريديها، بل كان كلفا بها، وقد أهداها هذه الصورة، وكتب عليها هذا البيت: # كل شيء يا «مي» عندك غال # غير أني وحدي لديك ~~رخيص # فلما أطلعتني على الصورة قلت لها: إن البيت رقيق لولا قافيته. وهنا حدثتني عن إعجاب ~~المرحوم ولي الدين بها، وكيف كان يبعث إليها بأشعار لطيفة، وكيف كان يزورها وهو مريض ~~على الرغم من مرضه العضال الذي ألم به في أخرياته، وكانت هي على خطر المرض لا تجد ~~غضاضة في مجالسته إشفاقا عليه وبرا بأدبه وصداقته، ومن كتبه الرقيقة العاطفية التي ~~بعث بها إليها هذا الكتاب: # سيدتي ملكة الإلهام ~~«ما أسكت هذا القلم عن مناجاتك إلا حرب الأيام. إنه منذ أيام كثيرة أسيرها ~~الذي لا يرجى فكاكه، غير أني كنت أناجي روحك كلما بدت لعيني أشياء من محاسن ~~هذا الوجود، كم وقفت أمام الأبيض المتوسط أرتجل العبرات، هذه أشعاري لا ~~أهديها إليك، إني لأشفق أن أحييك بغير الابتسامات. وكم دخلت الروض أساجل ~~قماريه، تلك أغان أرجعها لديك، إني لأخاف أن أغنيك بغير المسرات. والآن ~~عندي قبلة هي أجمل زهرة في ربيع الأمل، أضعها تحت قدميك، إن تقبليها تزيدي ~~كرما، وأن ترديها، فقصاراي الامتثال. وبعد، فإني في ms019 انتظار بشائر رضاك، ~~وطاعة لك وإخلاص.» # تحت قدميك # ولي الدين يكن # وكان ولي الدين مخلصا في إعجابه، بريئا في حبه، فقد كان يتعشق فيها النبوغ ~~والألمعية الأدبية، وهو ككل أديب يحب الجمال أينما كان، وكانت «مي» مثالا رائعا من ~~الجمال النفسي والأدبي النادر. # ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الأديب النابغ المرحوم مصطفى صادق الرافعي كان من عشاق ~~روحها الأدبي الرفيع، أطلعتني يوما على بعض رسائله إليها، فإذا في إحداها بتاريخ 7 ~~يوليه سنة 1923 ما يأتي: # يا نسمة في ضفاف النيل سارية # مسرى التحية ~~من ناء إلى ناء # يا ليت رياك مست قلب هاجرتي # فتشعريه ~~بمعنى رقة الماء # ليست تحب سوى ألا تحب فما # أعصى الدواء على ~~من حبه دائي ~~«هذا وإن النفس لتنازعني إليك، ولكن لم أتطفل على أحد من قبلك، ولن أتطفل ~~عليك مرتين. نقول الشمس والقمر والنجوم، فإذا أنت تريدين أن نراك من مرصد ~~فلكي ...!» # وكتب إليها في رسالة أخرى: ~~«وأي بليغ يراك ولا يعرف منك فنا جديدا في حس معانيه ومبانيه، ويعرفك ولا ~~يرى فيك أبدع البديع فيما يعانيه من افتتانه! لله الحمد أن جعلنا نتلقى الماء ~~ولم يجشمنا أن نصعد من أجله السماء.» # وبعث إليها يهنئها في عيد ميلادها ذات مرة بهذه الأبيات التي تنم عن عاطفة نحوها ~~مكبوتة، قال: # هنيئا لك الأعياد تأتي وتنقضي # ولا ينقضي ما يستجد ~~لك السعدا # يعز علينا أن تكوني بموسم # ولا نلتقي فيه سلاما ~~ولا ردا # فإن كان هذا الغصن أنبت شوكه # فما ذاك إلا أنه أنبت ~~الوردا ~~(5) غرام رفيع # أنطون الجميل هو الأديب الذائع الصيت، هاجر إلى مصر من لبنان سنة 1909، وكان قبل ~~هجرته يشتغل بالتدريس في مدارس بيروت، ثم أنشأ في مصر مجلة الزهور، وكانت مجلة أدبية ~~راقية، ثم هجر صناعة الأدب إلى وظائف الحكومة؛ فتولى منصبا رفيعا في وزارة ~~المالية إلى أن أحيل إلى المعاش، فتولى رئاسة تحرير الأهرام إلى أن توفي. # تعرف بالآنسة مي بعد هجرته إلى مصر، وكان صديقا لعائلتها، وكان وقتئذ في سن ms020 ~~الخامسة والعشرين، وكانت هي دون ذلك بقليل، وقد بدأت تحرر فصولا في جريدة والدها ~~«المحروسة» بعنوان «يوميات فتاة». وكان أنطون الجميل يتابع هذه الفصول، ويطرب لها، ~~ولكاتبتها الفتاة الناشئة الجميلة، وذات يوم صدرت لها «اليوميات» بمقال عنوانه «غرفة في ~~مكتبة»، وكانت وقتئذ تتردد على الجامعة المصرية القديمة للدراسة، فخطر لها أن تكتب ~~يوما عن غرفة مكتبتها؛ فوصفتها أبدع وصف، أعجب به أنطون الجميل، الذي كانت نفسه ~~تمتلئ بالإعجاب بهذه الفتاة، فأرسل إليها هذا الخطاب بتاريخ 15 أبريل سنة 1915، وهو ~~ينم عما كان ل «مي» في نفسه من حب عميق كما أن فيه فلسفة وأدبا: # يا مي! ~~«قرأت اليوم ما كتبته في «يوميات فتاة» عما جال في صدرك من العواطف أثناء ~~تلك الدقائق الوجيزة التي قضيتها بين صور مشاهير الكتاب في إحدى غرف ~~الجامعة المصرية، وتلوت على مهل كمن يتلو صلاة أو يترنم بأنشودة ما أوحي ~~إليك من الإلهام؛ منظر أمراء الفكر مصورين على الجدران من ديكارت، ~~وكورنيل، وراسين، وموليير، إلى فولتير وهوجو. # ما أجمل هؤلاء الرجال! بل أنصاف الآلهة، تذيع مفاخرهم بعد أجيال فتاة شاعرة، ~~وتمجد أرواحهم بلغة لم يعرفوا منها إلا الاسم، وليدة جبل الزيتون، وربيبة ~~جبل الأرز، تنشر مآثر عظماء أبناء السين بلغة سكان المضارب. # تلك يا مي، ما أجمل خلود الفكر! أليس هو أدعى إلى الغبطة من خلود ~~النفس؟! # أنت لست بالغريبة عن هذه الأرواح الخالدة، كما أنها ليست بالغريبة عنك، ~~فمحبو الجمال كمحبي الحقيقة، أولاد طين واحد، بل أبناء أسرة واحدة. # أنا لم تقع عيني على هذه الصور التي وصفتها، ولكني أشك في أن المصور ~~الذي رسم بألوانه هيكلها الفاني قد أجاد إجادتك حين صورت بألفاظك وعباراتك ~~روحها الخالدة، وفكرها الباقي. # أنا لا أكتب إليك مقرظا؛ فلقد طالما عرفك المعجبون بأدبك الزاهر، ~~وعلمك الوافر، كاتبة تستولد فؤادها الرقيق أسمى العواطف، فتلبسها مما تحكيه ~~مخيلتها الفنية حلة قشيبة، وتجملها بجواهر عقلها السليم، فلا بدع إذا وصفت ~~فأبدعت. # لا، أنا لا أكتب لأقرظ تلك التي تقرظها أعمالها وحياتها ms021 الفكرية، بل ~~لأدون خواطر جالت في الصدر لدى تلاوة تلك الصفحة من اليوميات، فحملت القلب ~~على التأمل والتفكير، دونت هذه الأفكار كما دونت تأملاتك اللطيفة في تلك ~~الغرفة. # صدقت، إن للغرف أرواحا لو تكلمت الجدران لكانت أفصح من هوجو وفولتير، ~~وصدق الشاعر العربي: # واستعجمت دار هند ما تكلمنا # والدار لو ~~كلمتنا ذات أخبار # أي نفس شاعرة لا تحس مثل ذلك؟ أليس القائل: # والدار تملكني - ويلي - وصاحبها # فلي مليكان: ~~رب الدار، والدار # أصدق وأدرى بثنيات النفس البشرية من المتنبي حيث يقول: # وما حب الديار شغفن قلبي # ولكن حب من ~~سكن الديارا # على أن المتنبي قد كمل فكره هذا يوم قال: # لك يا منازل في القلوب منازل # أقفرت أنت ~~وهن منك أواهل # ألم يدرك شعراء العرب هذه العاطفة أحسن من سواهم حينما كانوا يستهلون ~~قصائدهم بتحية الأطلال البالية، وندب الربوع الدارسة؟! # أنا لا أمر بمكان فيه شيء من بقايا الماضي القريب أو البعيد - إن كان في ~~الماضي قرب أو بعد - إلا وأستسلم إلى التأملات المحزنة. كم من النفوس تألمت ~~وبكت حيث نتألم ونبكي، ورجت وتعزت حيث نرجو ونتعزى، فتعرفت مثلنا الأمل ~~المحيي، والقنوط المميت! # أجل، لعل تلك الأرواح تطل علينا من عالمها الثاني، وتشاركنا في دموعنا ~~وابتساماتنا. لا شك أنها ترثي لحالنا، بل تضحك منا، تضحك من أفراحنا، ~~ونحن نعتقد أنه لم يعرف الفرح أحد قبلنا، وتضحك من أحزاننا ونحن نتوهم أنه لم ~~يشعر بالحزن قلب غير قلوبنا، وتضحك من حبنا ونحن نتصور أننا دون سوانا قد ~~اخترعنا الحب! # هذه السطور يا مي علقيها على حاشية بحرف ضئيل على متن يومياتك الجميلة، ~~ولعلك فاعلة، فينعكس عليها شيء من نور فكرك الثاقب يجعل لها بعض الرونق في ~~عينك المتأملة.» # أنطون الجميل # الخطاب الثاني # هذا ما كتبه أنطون الجميل إلى مي سنة 1915، وكان الإعجاب الأدبي هو الظاهر في ~~إرساله إليها هذا الخطاب الذي يمتلئ بالشعور الفياض الذي يدفعه وحيها ووحي ~~تقديرها وحبه لها. وقد دامت هذه الصداقة وهذا الحب عدة سنوات، بعث إليها بخطابات ms022 ~~كثيرة نذكر منها هذا الخطاب الذي وصلها بتاريخ 13 يونيو سنة 1926، والذي يكشف فيه ~~عن عاطفته نحوها وحبه لها بوضوح، قال: # صباح الأحد 13 يونيو سنة 1926 ~~«يلذ لي يا مي أن أخاطبك باسمك مجردا من الوصف واللقب؛ لأن كل وصف ~~قليل إذا ما قيس بصفاتك، وكل لقب ضئيل إذا ما اقترن باسمك، فاسم «مي» ~~وكفاك به من وصف ولقب، قد أصبح في هذا الجيل يرادف حسن البيان، وفصاحة ~~اللسان، ونبوغ العقل، وكبر القلب! # وبعد، فقد طلع علي كتابك مساء أمس في ليلة العيد مع هلال الشهر، ~~محوطا بهالة من نور، هو نور نفسك الفياض، لا عجب إذا تقبلت ما فيه من ~~عواطف سامية، وما معه من هدية ثمينة شاكرا ممتنا؛ فإن ما دون ذلك يستوجب ~~الشكر والامتنان، فكيف بذلك كله محلى بما شرفتني به من صداقة ~~غالية! # على أني ما أتيت إلى آخر كتابك الكريم حتى مازج شعوري هذا شيء من ~~الاحتجاج، الاحتجاج الشديد على ما نسبته إلي من النقمة على خطك، والضحك ~~من حروفك، ووالله ما رسم خطك إلا كل بديع طريف، ولا عبرت حروفك إلا عن ~~كل سام شريف. # تذكرين كرما منك وتلطفا ما عانيناه في سبيل عيد المقتطف - يا حبذا ~~عيد المقتطف يا مي - ويا ما أعذب ما كلفنا من عناء وتعب؛ فقد أتاح لي أن ~~أعرف فيك فوق الكثير مما كنت أعرف من رقة الطباع، وسداد الرأي والصبر ~~على المكروه، ما زادني إعجابا برجاحة عقلك وسمو قلبك، وهل للباحث ~~المنقب ألذ من اكتشاف مثل تلك السجايا؟ # لذلك ما ذكرت تلك الكشوف، وما حملتك في سبيلها من المشقة إلا شعرت ~~بدين جديد لك علي، سأقرأ كثيرا قاموسك الفلسفي، وسأنظر طويلا في ~~الإلهتين الجميلتين الموسومتين على الطابع، ولو غضب الأستاذ عطارد! # وريثما يتسنى لي الشرف بزيارتك قريبا أرجو أن تتكرمي بقبول أصدق ~~العواطف من المخلص.» # أنطون الجميل # الخطاب الثالث # وكان المرحوم أنطون الجميل قد زامل الآنسة مي في الدعوة إلى الاحتفال بالعيد ~~الخمسيني لمجلة المقتطف، وكانا من ms023 خطباء هذا الاحتفال الذي أشار إليه في الخطاب ~~السابق الذي يكشف عما يكن لها من حب دفين. ولكن هذا الخطاب الذي بعثه إليها ~~في أكتوبر سنة 1928، وهو واحد من عشرة خطابات يكشف عاطفة ظاهرة متبادلة بينها وبينه ~~وصلت إلى درجة الحب الشاغل، قال: # أيتها العزيزة ~~«ودعتك ليلة سفري، وكانت كلمة وداعك وعدا باللقاء عند عودتي، ولكنك ~~كنت عند عودتي غادرت الإسكندرية إلى مصر. ولما سافرت في آخر الأسبوع ~~الماضي إلى مصر، عرفت أنك مسافرة في اليوم التالي إلى الإسكندرية، وعند ~~رجوعي من الإسكندرية وجدت أنك لا تزالين في مصر، وهكذا شئت أن نلعب # Cache-Cache # بين الإسكندرية ~~ومصر. # ساءني جدا ما أصاب عينك اليمنى، سلمت عيناك اليمنى منهما واليسرى، ~~بل سلمت في كلياتك وجزئياتك. وقد تجدين في هذا الدعاء الخالص، وهذا ~~التمني الصادق، شيئا من الأنانية ما دمت تعتقدين أن الأنانية أساس ~~جميع أعمالنا وعواطفنا، فليكن ذلك، أليس ورم جفنك الذي أخرك عن الكتابة، ~~فحرمني التمتع بكتابك قبل اليوم.» # الخطاب الرابع # وسافر إلى الإسكندرية في ذلك الحين، وكان من عادته أن يودعها مرة أخرى من محطة ~~القاهرة بالتليفون قبل قيام القطار مكررا لها تحياته ووداعه، ولكنه في هذه ~~المرة حاول أن يتصل بها تليفونيا فلم يستطع؛ فبعث إليها بهذا الخطاب الذي ~~أمضاه بإمضاء «لوتر بيبي»، أي الطفل الآخر، وقد جاء فيه بعد التحية والأشواق: ~~«... غادرت القاهرة أمس، وقد حاولت كثيرا أن أخاطبك تليفونيا من ~~المحطة قبل السفر فلم أفلح؛ لأن جواب السيدة عاملة التليفون كان دائما ~~«مابيردش» قالت لي ذلك بالعربية والفرنسية والإيطالية، نحن نعرف الشيء ~~الكثير من معاكسات سيدات التليفون، ولكنها ما ضايقتني مرة مثل هذه المرة، ~~فسلمت أخيرا أمري إلى الله، ولا أعرف الآن موعد رجوعي إلى القاهرة؛ فإن ~~الأحوال لم تستقر، ولكني أتمنى أن يكون ذلك قريبا. # وأنت، كيف أنت؟ أرجو أن تكوني على ما أرجوه لك من الصحة والهناء! # بلغت إلى البحر ما زودتني له من سلام وتحيات، الساعة الآن متأخرة من ~~الليل، ولا يسعني إلا الانتقال ms024 بالفكر إلى تلك الشرفة الشاهقة (يعني شرفة ~~منزلها) ذات الفضل العميم علي في مثل هذه الساعة ، فأقف طويلا عن الكتابة ~~ضائعا في بحار الذكريات، بل إن الكلمات تعصاني، فأبحث عنها ولا ~~أجدها. # أستودعك الله يا بيبي على أمل لقائك بخير وعافية، وقد أصبحت أنا لوتر ~~بيبي.» ~~(6) مي وأمين الريحاني ~~«العيون، تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين. # تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأهداب كبحيرات تنطقن بالشواطئ وأشجار ~~الحور. # تلك التي تذكرك بصفاء السماء، والتي تريك مفاوز الصحراء، والتي تعرج بخيالك في ~~ملكوت أثيري كله بهاء، وتلك التي يتسع سوادها أمام من تحب وينكمش لدى من تكره، ~~وتلك التي تقرر بلحظة: أنت عبدي، والتي تقول: بي حاجة إلى الاستبداد فأين ضحيتي؟ ~~وتلك التي تبسم وتتوسل، وتلك التي تقول: ألا تعرفني؟! # العيون، جميع العيون، ألا تدهشك العيون؟!» ~~••• ~~«ما أسرع أن تتمزق أثواب الورد، وما أتعس القلوب الشديدة التأثر! # طائر صغير نسجت أشعة الشمس ذهب جناحيه، وانحنى الليل عليه، فترك من سواده قبلة ~~في عينيه، ثم سطت عليه يد البشر، فضيقت دائرة فضائه، وسجنته في قفص كان عشه في ~~حياته ونعشه في مماته. # طائر صغير أحببته شهورا طوالا، غرد لكآبتي فأطربها، ناجى وحشتي فآنسها، ~~غنى لقلبي فأرقصه، ونادم وحدتي فملأها ألحانا. # امتزج ذكره بحياتي، فحل عندي محل صديق لا تصلني به اللغة ولا يقربه مني التفاهم ~~الروحي، بل يعززه إلي حضوره الدائم، وصوته الرخيم ...» # تلك الفقرات الأولى من مقال «العيون» والثانية من «دمعة على المفرد الصامت»، وهما من ~~كتاب أصدرته الآنسة مي سنة 1923 باسم «أشعة وظلال»، وبعثته إلى فيلسوف لبنان ورحالة ~~الشرق المرحوم أمين الريحاني، وكان من أصدقائه المعجبين، وكانت صداقتها لها صداقة ~~عائلية، وحبه لها حبا أخويا ممتزجا بالتقدير الأدبي والإعجاب الفني، وكان كثير ~~الرحلات لا يستقر في بلد حتى يرحل إلى بلاد أخرى للدعاية للعروبة وللتأليف، فأهدته هذا ~~الكتاب مع كتابها «الصحائف» الذي صدر بعد ذلك بعام، فبعث إليها الرسالة الآتية، وهي لون ~~من ألوان الأدب بين الأصدقاء ms025 الأدباء: # أيتها العزيزة مي ~~«هذا آخر أسبوع من الصوم، وأنا في عزلتي صائم على الدوام، صائم عن المدنية ~~وما فيها مما لا تزال النفس تتوق إليه، كساعة في النادي مثلا مع الإخوان ~~الأدباء، أو كسهرة في التياترو أشهد رواية اجتماعية أو هزلية، أو جولة في دور ~~الصور والرسوم الحديثة، أو عشاء وكأس خمر مع رفيقة تفهم الحياة، ولكني كنت في ~~الأسبوع الذي مضى من أسعد الصائمين؛ لأنه قد زارني من زادني في المدنية زهدا، ~~بل أنساني لذاتها كلها، وزائري في وحدتي هو الجليس الذي لا يمل ولا ~~يتثاءب (يعني كتاب أشعة وظلال). وإذا ما أشعلنا المصباح لنكمل حديث بعد الظهر، ~~وجاء الكرى بعد ساعة يتسلل إلى جفني فلا أقاومه، ولا أنكر وجوده، ولا أخجل ~~إذا ارتخت الأنامل مني فيقع الزائر الكريم في حجري، وقد انحنى فوقه الرأس وطافت ~~حوله الأحلام. # جاءني هذا الزائر يشكو بلغة الطيور والأزهار أشياء كثيرة في الحياة، ويحدث ~~فيما يشكو حديثا أجمل من سحر الطيور تغرد في الأسحار، لذته في العقول لا ~~تزول، ولا تستحيل علقما في القلوب. كيف لا، وفي «العيون» سحر كل العيون، وفي ~~«دمعة على المفرد الصامت» تردد صدى التغريدة الخالدة، و«كن سعيدا» هي السعادة ~~بالذات، و«أين وطني؟» هو أجمل من كل الأوطان في هذه الأيام، و«السهرات ~~الراقصات» هي ألذ وألطف وأبهج من كل سهرة راقصة! # يا مي، ولا أزعجك بأكثر من ذلك رمزا ومجازا. قرأت السهرات الراقصات، ~~والعيون، ودمعة على المفرد الصامت، وأنت أيها الغريب، ثم قرأتها وعدت إلى ~~«الصحائف» فقرأت فيها «بييبر لوتي الراحل الباقي» و«شبلي شميل» و«إسماعيل ~~صبري»، فأدهشني فيك وأنت في خدرك وفي قدس أقداسك شرقية لا تزالين، أدهشتني ~~تلك الشخصية المزدوجة العجيبة التي لا تعرف يسراها ما تصنع يمناها؛ فهي لا ~~تسمح لعقلها في النقد بغير مقدار لحظة، ولا لقلبها في مفاوز الشوق ومروج الحب ~~بغير نظرة تذكرها بما في الحياة لفلاسفتها، وبما في الآداب لأمرائها من ظلال ~~ناعمة طيبة، وأدغال مزهرة منعشة. وأنت يا مي مدركة السر ms026 في الاثنين، ممتعة ~~بالجمالين، ونشكر الله أنك كاتبة، فلا تستأثرين بما تتمتعين ، وأشكر الله أنك ~~صديقتي فتذكرينني مع من تذكرين.» # أمين الريحاني # الفريكة، 14 أبريل سنة 1924 # كان أمين الريحاني كما قلنا رحالة وداعية للعرب والعروبة، وقد ولد في الفريكة ~~بلبنان عام 1876، ولما نشأ وترعرع غادر وطنه إلى الديار الأمريكية، ومارس بها التجارة ~~مع أبيه وعمه، ثم انضم إلى فرقة مسرحية، واشتغل بالتمثيل، ثم عاد فاستأنف التعليم ~~حتى حصل على شهادة الحقوق سنة 1898. وقد أولع بمؤلفات شكسبير وفولتير وروسو وداروين ~~وهيوم وغيرهم، فأكب على قراءتها حتى ساءت صحته، فرجع إلى لبنان وظل منذ ذلك التاريخ ~~يتردد بين أمريكا ووطنه الأول، ثم قام بعدة رحلات في بلاد العرب وفي أوروبا وشمال ~~أفريقيا، ووضع عدة مؤلفاتها منها كتاب «ملوك العرب» و«الريحانيات» و«تاريخ نجد الحديث» ~~و«زنبقة الغور» و«قلب العراق»، وله في الإنجليزية ترجمة «اللزوميات» لأبي العلاء ~~المعري. # وقد عقد الأدب بينه وبين الآنسة مي نسبا متصلا، فكان يراسلها في رحلاته، ويبعث ~~إليها بمؤلفاته وكتبه وآرائه، ويصف لها كثيرا مما خبره ومارسه من التجارب، وما صادفه ~~من مشاهد ومعالم. # عواطف وذكريات # وقد بعث إليها بالرسالة التالية بتاريخ 27 يوليو سنة 1939 على إثر عودته من ~~المغرب الأقصى، بدأها بوصف شوقه إليها وشعوره في غيبتها، وذكرياته معها في لبنان، ~~على إثر خروجها من مستشفى العصفورية سنة 1938، وكان قد استضافها عنده قبل عودتها ~~إلى مصر. قال: # صديقتي الغالية، حفظها الله ~~«كتبت إليك كلمة من الباخرة يوم وصلني كتابك الجميل بعواطفه ولطائفه، ~~وأرسلتها من بيروت. # والآن أكتب لك أن هذه الساعة من اليوم العاشر بعد وصولي إلى الفريكة هي ~~ألذ الساعات لدي؛ لأنها تدنيني منك، فأتصورك أمامي ساكتة مصغية، ~~وأنت في السكوت والإصغاء مثلك في الحديث فصيحة بليغة. وأتصورك وأنت ~~الشديدة الإحساس، اللطيفة الشعور، مكتئبة واجمة لما يتعاكس على جبينك مما ~~يختلج في قلبي، فما شعرت أيامي بفراغ في الفريكة، وفي قلب الناسك، شعوري ~~يوم عدت إليها، ووقفت في الرواق الشرقي لبيتي أنظر بعين الشوق والاكتئاب ~~إلى ms027 البيت الذي أصبح مشهورا. وفي كل شهرة ما فيها من دواعي الغم والألم، ~~فإن ذلك البيت لا يعرف غير صيف واحد في حياته كلها، هو الصيف الماضي الذي ~~أشرقت فيه شمس مي، ونورت فيه أزاهير مي، وعادت فيه إلى الأشجار ثمار أدب ~~مي. # هذه عبارة مثقلة بالاستعارات، وهي مع ذلك لا تفي بالمراد في التعبير، ~~فذلك البيت المشهور كئيب، وهذا الفؤاد المربى في جنان الحب، المغذى ~~بالإخلاص والصبر هو كذلك كئيب؛ فقد كنا في الصيف الماضي سعيدين بقربك، ~~على همومك التي كنا نشاركك بعضها (يشير إلى ما أصابها من مرض طيلة عامين ~~كاملين في المستشفى ونسيان أصدقائها لها في هذه المحنة)، فكنا نصمت ساعة ~~تسكتين، وفي القلب وجمات، وكنا نحاول ساعة تسترسلين في القنوط أن ~~نقرب منك شمس لبنان بنورها وحرارتها، وأنوار سماء لبنان بما فيها من فيض ~~السكينة والرجاء. وبعد ذلك كنا نجلس إلى منضدة اللعب فننسى لؤم الناس ~~ونفاقهم، وشعوذات الأطباء، وأحابيل المحامين، وترهات الكهنة ~~المحترمين. # وأين تلك الأمسية في هذا الصيف؟ وأين الصيف في هذه السنة؟ وأين ~~مي؟ # تردد صدى الصوت الذي طالما اعتصم بالإيمان، اليوم ربيع وغدا صيف وبعد ~~غد قر وصر، وبعد ذلك؟ الربيع لا يخلف وعده، ورسل الربيع لا ~~يكذبون، وأنت يا مي وأنا في رسله، دام ابتسامه، وطالت أيامه، فمتى تعودين ~~إلى لبنان؟ إنك لمن المؤمنات، وإنك لمن الصادقات، وإن أمسية ذلك الصيف، ~~ومن سعدوا فيها ليذكرونك على الدوام.» # رحلة المغرب الأقصى # ثم ينتقل إلى الحديث عن رحلة في المغرب الأقصى المشمول بالحماية الإسبانية، فيقول: ~~«ما أكثر ما أحب أن أحدثك عنه، وما أضيق الوقت في أيام يحسبها ~~الزائرون مخصصة بكل ساعاتها لهم، فهم يشرفون صباحا قبل أن تحمى الشمس، ~~ومساء قبل أن يبرد القمر، وفي أويقات الأكل والقيلولة، وبعدها وقبلها، ~~ولا يبتغون مني غير الابتسام، والقليل القليل من الكلام. # ولكنها أيام معدودات، ثم أقفل غدا أبوابي، وأعود إلى العمل - لله من ~~العمل - التعب الفكري، العقبات الفنية، التأليف. # وقد تغضبين إذ تعلمين أني ms028 سأتوقف عن كتابي عن لبنان لأباشر تأليف كتاب عن ~~المغرب الأقصى الكائن اليوم تحت الحماية الإسبانية. # نعم، لقد عرجت في عودتي من نيويورك على جبل طارق، ومنه قطعت المضيق إلى ~~أفريقية، إلى تطوان عاصمة المنطقة المغربية الشمالية. وقد كانت تطوان محط ~~رحالي، وكلها (أي رحالي) عصرية تشرب البنزين وتأكل النار كالدراويش، ~~لكنها عصرية في جريها وفتلها. ومن تطوان رحلت رحلات استكشافية جنوبا ~~وشرقا وغربا، ثم طرت إلى إشبيلية، ومنها سرت إلى مدريد، فبرغوس حيث ~~قابلت الزعيم فرنكو. وبعد شهرين من الرحلات الشاقة المهلكة اجتمع لدي ~~ملء حقيبة من المذكرات ومن الوثائق والمعلومات ما يكفي لبضعة مجلدات، على ~~أني سأكتفي بمجلد واحد، وسيضاهي في أسلوبه ومادته كتاب ملوك العرب إن شاء ~~الله.» # السياسة الإسبانية # الموضوع جديد، والبلاد في عروبتها مجهولة، والسياسة الإسبانية المغربية هي اليوم ~~دون كيخوته، وهم يقولون دواما: من أجل الحق ولرضى الله، فإذا صحت هذه السياسة ~~فقولي: هنيئا للعرب هناك، وإن لم تصح، فالعرب المغاربة وقد سلكوا الطريق لا يعودون ~~ولا يتوقفون. لقد شاهدت كثيرا وسمعت كثيرا، وكنت في كل ما سمعت وشاهدت ~~مدهوشا حينا، وحينا مدهوشا معجبا معا. # ومما يسرك أنت أن تعلمي، هو أن الفكر خالد، والمثل الأعلى لا يزول. وهاك المثال ~~يوم قال لي المندوب السامي الإسباني: إن استعمارنا لهذه المنطقة عاطفي لا نفعي. ~~قلت: وليس هذا من السياسة والعدل في شيء، إنما هو عمل دون كيخوتي. # فوثب إذ ذاك من كرسيه، وتناول تمثالا صغيرا من الرف وراء مكتبه، هو تمثال دون ~~كيخوته صنعه له فنان إشبيلي، وهو يمثل فارس المثل الأعلى في الشجاعة والأمانة، ~~ومحاربة الظلم والفساد، يمثله بعد معركة الخنازير التي اندحر فيها، وهو حامل الرمح ~~المكسور مطأطأ الرأس فوق حصانه المشارك له في اندحاره! # رفع المندوب السامي التمثال قائلا جوابا على كلمتي: «وأنا دون كيخوته.» فكشفت ~~كلمته عن سنين من الجهاد مطوية في قلبي، فأنطقتني، فقلت له: «وأنا مثلك دون كيخوته ~~أحمل رمحا مكسورا وروحا سليمة قوية لا تكسر.» فسرته الكلمة فاستعادها، ms029 ~~وأعدتها بالإنجليزية التي كنا نتحدث بها، فقال فخامته: «رمح مكسور، وروح لا ~~تنكسر، وها هي اليوم بعد ثلاثمائة سنة منتصرة في وفيك. سأصور هذا التمثال ~~وأهديك صورته.» # بل أهداني رسما كبيرا كتب في أسفله: «هو ذا رسمنا المشترك.» ومعه عدة رسوم بحجم ~~بطاقة البريد لأهديها إلى أصحابي، وها هي إحداها بين يديك يا مي لتتأمليها ~~ولتشاركينا أنا وصديقي الكولونيل خوان بيدرو المثل الأعلى لدون كيخوته، ليس فقط في ~~محاربة الظلم والفساد في العالم، بل في إقامة العدل وتعزيز الأخوة الإنسانية بين ~~الأمم. # ثم ختم أمين الريحاني هذه الرسالة بتحيته وتحية أهل بيته: «كل من في البيت - ~~كلنا يا مي - نحييك تحية شذاها زنابق الوادي، وحرارتها من شمس هذا الجبل، ونحييك ~~يا صديقتنا الغالية ونمتلئ شوقا إليك.» ~~(7) عالمان في حياة مي # وأول هذين العالمين الكبيرين: الدكتور شبلي شميل الطبيب الفيلسوف، والأديب الذي ~~تعشق العلوم الطبيعية، ودان بالعلم والطبيعة، ولم يدن بالأدب والأدباء على الرغم من ~~إنه أديب. وكان يأبى أن يقول: «إن من البيان لسحرا.» بل كان يهتف على الدوام: «إن من ~~العلم لسحرا.» وعنده أن الشعراء مشعوذون دجالون، وأن الله قد سخط القردة فجعل منها ~~شعراء وأدباء، أو على حد تعبيره «أدباتية». ومع هذا فقد كان يقول الشعر ويجيد فيه، ~~حدثتني الآنسة مي أنه هام بالإعجاب بها فترة من الزمان، وجعل ينظم الشعر في صفاتها ~~ومواهبها، ثم يمسك التليفون، ويقرأ لها ما نظم، قالت: «وكنت أستمع إليه وأطرب، ثم ~~أضحك وهو يلقيها في أذني كأنما هو واقف على منبر.» وقد روت لي هذه الأبيات في وصف مشهد ~~من مشاهد الطبيعة: # وإذا الشمس وما في ال # شمس من معنى ~~محجب # تتجلى فوق مرج # أخضر الوشي مذهب # مثل بحر زاخر وال # موج فيه يتقلب # تستقي الأزهار منه # ماء حسن ليس ~~ينضب # حبذا زهر الربى من # كل صاف ~~ومخضب # يتهادى في نسيم # كتهادي الطفل يلعب # والندى من فوقه حي # ران كالدمع ~~تصعب # قلق مما يعاني # قلق القلب ~~المعذب # وكان شبلي شميل من فلاسفة ms030 الطبيعة، وقد صور ناموس الجاذبية في الأجرام السماوية ~~كناموس الحب البشري، فقال : # شوق تكامل من أدنى الوجود إلى # أعلى فأعلى إلى أعلى ~~أعاليه # حتى تناهى وقلب المرء تلهبه # نار من الحب يذكيها ~~وتذكيه # وقد أسمع الآنسة مي ذات يوم قصيدة في مطلعها: # هو الحب إكسير الحياة بلا مرا # ولولاه ما كان الوجود ~~كما ترى # فضحكت - رحمها الله - وقالت: «صدقت، ولكن اعتراضي شديد على كلمة «بلا مرا» فإني ~~أخشى أن يفتح ميمها القراء!» وكانت نكتة لاذعة. # عالم أديب # أما العالم الثاني فهو المرحوم الدكتور يعقوب صروف أحد مؤسسي المقتطف ورئيس ~~تحريره، وأحد رجالات النهضة الثقافية في الشرق الحديث، كانت تعجب به إعجابها ~~بعالم وأستاذ جيل، وكان هو يعجب بنبوغها في عصر كانت الفتاة فيه بعيدة عن نوادي ~~العلم والأدب، وقلما كانت تحظى بمعاهد التعليم، ثم ازداد إعجابه بها على الأيام ~~كأديبة مثقفة نادرة المثال، وكان يحل آثارها القلمية بالمكان الأرفع، وكانت ~~هي تدعوه بأستاذي العزيز، وتارة تدعوه بذي التاج والصولجان، وأخرى بفرعون الجبار، ~~أو بأستاذي توت المستبد، وهي تعني توت عنخ آمون. # وكثيرا ما كانت تداعبه في رسائلها إليه إلى جانب تقديرها لعلمه وفضله، وقد ~~عاونته في المقتطف بكتاباتها النفيسة عن باحثة البادية، وعائشة التيمورية، وبعض ~~الموضوعات الأدبية والعلمية، وكان يصلها بعلمه وأدبه. # أهدى إليها في يناير سنة 1919 مجموعة المقتطف وفيها الكثير مما ألف وترجم، ~~فبعثت إليه برسالة بليغة ضمنتها ثناءها على هذه الهدية، وإعجابها بفضل المهدي، ~~وأشارت فيها إلى الكلية التي تخرج فيها يعقوب صروف، وإلى أستاذه الدكتور هوردبلس. قالت: # أستاذي العزيز ~~«بالأمس غمست قلمي الصغير في أشعة قوس السحاب، لأخط به تحية للدكتور ~~هوردبلس، من هو الدكتور هوردبلس؟ وماذا يهمني؟ إنه هذا الرجل الأمريكي، ~~وأنا الفتاة السورية. # هناك على شط الأزرق البعيد كلية تلثم الأمواج قدمها ليل نهار، إني ~~أعبد البحر لأني أرى فيه أتم صورة للأبدية على الأرض، وأعبد الكليات لأنها ~~... # ما أكثر الناس ولوعا بالأسماء الضخمة، ولكن فلنحجب قشرة الظواهر قليلا، ~~يصبح امتحان الجوهر ميسورا. ما ms031 الكليات إلا كتاتيب تعلم المبادئ ~~والمبدئيات، والمرء بادئ أبدا مهما كبر علمه، واتسعت معارفه. # إذا كانت المدارس الابتدائية تعلمنا القراءة، فإن الكليات والجامعات لا ~~تعلمنا إلا ذلك، تلك تعلمنا كيفية جعل الحروف كلمات وعبارات، وهذه تعودنا ~~تحويل الكلمات والجمل معاني وأفكارا، تلك تلقننا أبجدية اللغة، وهذه ~~تدفع إلينا أبجدية العلم، أي أبجدية الحياة والنور. # ولئن كثر الجالسون على مقاعد الجامعات، وكثرت العيون المحدقة بحروف ~~الضياء الخفي، فما أندر العقول المتنبهة لهمس الوحي، وأقل الأيدي التي ~~ما تسرب النور إلى ثنايا فكرها يوما إلا رفعت مصباح العرفان تهزه في ~~جو الحياة. # هذا ما أردت أن أحيي به الدكتور هوردبلس، وأحيي في شخصه الكلية التي ~~أنجبت لنا من أنجبت، الكلية التي تعلمت أنت فيها أبجدية النور. # والآن ألتفت إلى الزاوية اليمنى، فأرى الأثر النفيس الذي وضعته يدك ~~الكريمة في تاريخ نهضتنا أولا، ثم في مكتبي هذا الصغير، فحق لي ~~القول بأن مقتطفنا صار مقتطفي أنا. # فتحت اليوم أحد الأجزاء، فرأت عيني صورة رجل ترصع الأوسمة صدره، فقلت ~~في نفسي إن أوسمتك أنت فوق جميع الأوسمة جمالا. كل سنة من سني المقتطف ~~وسام خالد على صدرك لا ينال الصدأ من تبره، ولا تعرف الغش درره، بل إن ~~ما فيه من السناء أبدي التألق على كر الدهور. # كلما عكفت على مطالعته رأيتني طفلة صغيرة، وخلتك نبيا يقودني بيدي ~~في حديقة فكرية، أشجارها من غرس نشاطك، وأثمارها حركات قلمك، والأطيار ~~المغردة على أفنانها خيالات أفكارك. فما أبصر شجرة أو ثمرة أو زهرة ~~إلا سألتك، أهي من صنعك؟ فتضحك أنت من سذاجتي وتسير بي إلى ناحية جديدة ~~من الحديقة الفيحاء، حيث أجد جمالا جديدا، وتنسيقا بديعا، وإعجابي ~~وسروري يتجددان مع كل خطوة من خطواتي، أشكرك شكرا يعادل اغتباطي وفخري ~~بهذه الهدية الثمينة.» # عكفت الآنسة مي على قراءة مجلدات المقتطف التي أهداها إليها مقالات دبجها عن ~~بحيرة قارون بالفيوم بعنوان «فتاة اليوم» في رحلة قام بها، وقرأت وصفه لهذه البحيرة ~~بأنها «استدارت على حواشي المرج كسيف سل ms032 على نجاد أخضر، وقامت جبال النوبة ~~وراءها آكاما متساندة بين رمادي وبنفسجي حسبما يتعاقب عليه من ظلال ~~الغيوم.» # أعجبها هذا الوصف الشاعري، فبعثت إليه تذكره بأنه شاعر، وتروي له شعرا في هذه ~~البحيرة كان قد بعث به إليها في رسالة خاصة، وهو: # وقارون مرآة السماء وماؤها # بأسماكه عنوان حي ~~مولد # تحف بها الأجيال دكنا شوامخا # وأطلالها تنبي ~~وإن لم تزود # تقص أحاديث الملوك الأولى ابتنوا # صروحهمو ~~موقوفة للتعبد # وشعب رأى كهانه أن أمره # إليهم جميعا من مسود ~~وسيد # فزال وزالوا لا يرى منهم سوى # قبور بجوف الصخر في ~~ظل معبد # كأن حياة المرء رهن لدينه # يزاوله في الأمس ~~واليوم والغد # أمنية لمي # وتقول له في الرسالة بعد أن ذكرت هذه الأبيات: «وقد أدى بي ذلك إلى مطالعة كثير ~~مما كتبته عن المصريين القدماء وآثارهم وفنونهم، وكل فصل أجمل من ماضيه.» ثم ~~تنتقل إلى الإشارة إلى ما نال باحثة البادية من تقدير المقتطف وإنصاف الدكتور يعقوب ~~لها، وتمنت أن تموت في حياته لكي ينصفها هو؛ لأن المنصفين قليلون، قالت: «لا شك ~~عندي في أن كل كاتب يتمنى أن يكون له من يذكره على هذه الصورة بعد موته، وأتمنى ~~أن ينالني ما نال باحثة البادية من حسن الحظ؛ لأن المخلصين قليلون حتى بعد موت ~~الكاتب. والعداء له، والغيرة منه، وتعمد تصغير شخصيته والنيل من مقامه، يبرز إلى ~~الوجود بعد سكونه في قلب الثرى. وعندنا على ذلك براهين شتى، وكفى أن نذكر إدجار ألن ~~بو المسكين. # نعم، أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة المتواضعة ~~ما فيها من روح الإخلاص والصدق والحمية والتحمس لكل شيء حسن وصالح وجميل ~~لأنه كذلك، لا عن رغبة في الانتفاع به. # وقد قال قوم إن هذه صفة حسنة، وإذا كانت لي صفة فهي تنحصر في هذه، وأنا سعيدة بها ~~لأنها كل شخصيتي، بل أتمنى أن أموت في حياتك أنت لتقوم لي بذلك العمل المبارك، ~~فأكون خالدة بخلود قلمك الذهبي لا باستحقاقي!» # تقدير ودعابة # وكانت ms033 مي في سنة 1919 تكتب بحوثا عن باحثة البادية، بعد وفاتها بعام، وقد أقبل ~~الصيف بقيظه فعاقها عن مواصلة الكتابة، وبعثت إليه برسالة ضمنتها الكثير من ~~تقديرها له في أسلوب يمتزج بنشوة العاطفة والحنان والتقدير، قالت: «وأظن الأفضل أن ~~أؤجل نشر ما بقي عن الباحثة إلى ما بعد عودتي من سوريا؛ إذ أكون نلت الراحة ~~اللازمة فينجلي مني الخاطر، ولما أراني تعبة أفكر فيك وأقدر كم أنت تعب كذلك، ~~وكم يجب أن تسافر لتبديل الهواء ومشاهدة مناظر جديدة ووجوه جديدة. إن لهذا ~~الانتقال تأثيرا كبيرا في أي أحد من الناس، ولكنه للكاتب - خصوصا إذا كان ~~مفكرا مجدا من طبقتك - أكثر ضرورة منه لأي رجل غيره.» ثم تشير إلى رسالته ~~الأخيرة التي أطرى فيها مقالها عن فيكتور هوجو، فتقول: «يسرني جدا استحسانك ~~لكلامي عن فيكتور هوجو، ولكن ما هو ذلك الكلام إذا قابلنا بينه وبين ما تبديه أنت ~~في الموضوعات العلمية والاجتماعية والفلسفية والنقدية حتى في أبسط أحاديثك، بحيث ~~إني لو حملت قلما ودونت كلامك لجاء منه خطاب أو محاضرة عالية الديباجة، مترابطة ~~الأجزاء على أتم نهج عربي، هذا حديثك وأنت تعرفه، وقد لا تعرفه، ولكنك كذلك على كل ~~حال، وما أناقة رسائلك إلا من أناقته، وما جمال هذا وتلك إلا من جمال الفكر ~~الموحي، إنما المرء مفصح أبدا عما يساوره من الخواطر ويخالطه من ~~الأفكار. # قرأت في المجلد العاشر مقاليك البديعين عن ملتون والمعري، ثم عن ابن خلدون ~~وسبنسر، والمقابلة بين كل اثنين منهما، ما أملح المقابلة وأتمها! وما أبلغ تلك ~~الجمل القصيرة الموزونة ذات الألفاظ السهلة الفخمة! وألطف من كل ذلك أنك إذا نظمت ~~شوارد ملتون الشعرية أبياتا عربية عصماء، ولا أعرف شيئا أكثر صعوبة من ترجمة ~~الشعر شعرا. # وإني لأعجب كيف توصلت دفعة واحدة إلى إتقان الإنشاء في عصر لم يكن الإنشاء إلا ~~حواشي وألفاظا وزوائد لا تعني إلا قلة المعنى، كيف توصلت إلى الأسلوب الكتابي ~~الذي جمع بين أناقة اللغة ولباقة التعبير وعظمة الفكر وسعة المعرفة ~~والاطلاع؟!» ms034 # ثم تشير في هذه الرسالة إلى حفلة خيرية أقامتها السيدات في بيروت، وغنت فيها ~~كريمته مدام تويني، ولتجامله بابنته، ثم لتكون هذه الجملة تمهيدا لدعابة طريفة، ~~قالت: «رأيت وصف حفلة خيرية أقامتها السيدات في بيروت، وغنت فيها كريمتك مدام ~~تويني، وسرني أن جريدة البرق وصفت صوتها بقولها إن فيه تغريد الشحرور، وحفيف ~~الأوراق، وهدير المياه. وكل ذلك صحيح، أما أنا فإذا وصفت صوتها يوما قلت باختصار ~~إن نبوغك الفكري والكتابي تحول عندها إلى نبوغ موسيقي غنائي.» # ثم تحدثت بعد ذلك عن صاحب البرق، وأرادت أن تداعب، فقالت: «إن في صاحبه ~~عيبا واحدا، هو أن هذا الرجل المسكين يدعى «بشارة!» أرأيت في حياتك اسما أكثر ~~ركاكة من هذا؟ ولكن الرجل ليس ركيكا في غير اسمه على ما ظهر لي، وإني لأحشره مع ~~فصيلة دعيبس، وزعيتر، وشخاشيري، وقطة، ودبانة، وزغيب وشركائهم ليمتد. # ما أحرى هؤلاء التعساء بكتابة بيت المعري على بطاقة الزيارة تحت اسمهم المنكود ~~الحظ: # هذا جناه أبي علي ~~«وسأجني على غيري ~~بعدي» # كسرت البيت، وحقه أن يكسر ويحطم عند سماع أسماء لا شعرية، ولكني أسامح ~~صاحب البرق وأصفح له جناية اسمه إكراما لما كتبه في وصف السيدة ألسي.» # عتاب بليغ # واتهمها مرة المرحوم الدكتور صروف في رسالة بعث بها إليها بأنها تفكر بلغة ~~أوروبية قبلما تعبر عن رأيها بالعربية، فأجابته برسالة علمية أدبية بديعة فيها ~~الفكرة الصائبة، والمناجاة البليغة، والدعابة المستملحة، والإحساس المرهف، وقد ~~أشارت فيها إلى ما كان يعانيه الأدباء وقادة الفكر في عهد الملكية في فرنسا: # أستاذي العزيز ~~«لما جاءتني رسالتك يوم الإثنين الماضي كنت غارقة في مطالعة رسالة شائقة ~~بين فيلسوفين عظيمين، فولتير ودالمبير، مراسلة دائرة حول أعظم أثر أدبي ~~رأته القرون الحديثة: دائرة المعارف الفرنسية. # يومئذ كان صاحبنا فولتير منفيا في سويسرا، وكان دالمبير في باريس ~~يتعاون وديدرون والأنسيكلوبيديين الآخرين في إصدار دائرة المعارف جزءا ~~بعد جزء في ظل سليمان الشمال - كما كان فولتير يسمي فريدريك الكبير في ~~ظله المعنوي فقط - وهو الذي كان ينقد بعض ms035 فلاسفة فرنسا وعلمائها رواتب ~~شهرية تكفل لهم الغذاء والكساء والسكن، في حين أن الملكية الفرنسية التي ~~كانت يومذاك في أعلى أعالي مجدها لم تكن تفكر فيهم إلا لتطاردهم وتنفيهم ~~وتحرق مؤلفاتهم! وبعد أن وعدتهم هذه بالمساعدة الأدبية قامت مدفوعة من ~~الأكليروس تصادرهم وتكثر العقبات في سبيلهم، فرضت عليهم الرقابة، فقبلوها ~~مرغمين، وعينت من الرقباء أجهلهم، فصار هؤلاء يحذفون كل ما لا يفهمون، ~~ولم يكونوا يفهمون شيئا! # في هذه الحالة المدلهمة أخذ الرجلان الكبيران يتراسلان، وكان فولتير ~~يساعد دالمبير عن بعد في تأليف الإنسكلوبيديا، وكلاهما يشبه رفيقه بما ~~لديه من عظمة فكرية ورغبة في خدمة المصلحة العامة وكره للجهل والدعوى ~~والاستبداد، كذلك تشابهت منهما الرسائل في التظلم وبث الشكوى، وفي ~~معرفة الطبيعة البشرية والتساهل لغباوة الأغبياء. وما أقل كلمات المرارة ~~الخارجة من قلبيهما المصدوعين، وما أعذب كلمات المؤاساة من قلميهما ~~القادرين الملجمين، وما أبعد نقطة يدركها فكراهما في مدى المستقبل المنبسط ~~أمامهما! # دائرة المعارف موضوعهما الأول، يحومان حوله باهتمام كما يهتم الشريكان في ~~عمل يخلدهما أمام وجه الأجيال، إلا أنهما لا يقتصران عليه، بل ترفرف حول ~~هذه النقطة الجوهرية أسراب المواضيع الاجتماعية والفلسفية والعلمية ~~والدينية والسيكولوجية، حتى إذا عثرا على معنى ظريف أو نكتة أو ملحة وقفا ~~عندها يضحكان كأنهما طفلان لم تصادرهما حكومة، ولم يهددا بعقوبات إن لم ~~تكن عقوبات محكمة التفتيش بالاسم، فهي هي بالذات، ولا تقل عنها قسوة ~~وهولا. # كنت أقرأ معجبة ضاحكة مكتئبة متعزية معهما، ومسبحة الله كما يفعل ~~المؤمن إزاء مشهد طبيعي رائع، أسبحه لأنه أبدع هذه العقول الكبيرة ~~والنفوس السامية والأذهان المتوقدة، وأغبط كلا منهما على صديقه ~~العبقري مقابلة بين هذه العقول، وبين عقل إحدى جاراتنا الإسرائيليات التي ~~كانت في ذلك الصباح قد أقامت القيامة بين برابرة الدار وطهاتها وخدمها ~~أجمعين، لتصل إلى حل هذه المسألة الرياضية الهائلة: «ربع الخمسين ~~كام؟» # في تلك الدقيقة جاء كتابك ترافقه المقدمة الهمايونية، فأغمضت عيني ~~قائلة: «ما لي وللفيلسوفين أغبط الواحد منهما على الآخر، وأنا قد أسعدتني ~~الحياة بصديق ms036 مثلهما أحدثه وأراسله، وأتلقى تأثيره الفكري ~~العالي!» # ثم فضضت الرسالة التي أستأذنك بتسميتها روسية «ثورية» مرتين؛ روسية ~~من حيث إنها كالسلطة الروسية مخلوطة تواريخ وخطوطا وألوان حبر، وروسية من ~~حيث إن نار الثورة الحمراء تشتعل فيها اشتعالا من أول الكلمة إلى آخر ~~سطر. # تجاهر بأنك ناقم ساخط راغب في معاقبتي وتعنيفي، وما هي ذنوبي؟ ليس من ~~الضروري أن يكون لي ذنوب في عالم الوجود، ما دمت راغبا في إيقافي موقف ~~المتهم، فإنك تخلقها من العدم، حتى المقدمة العظيمة لا تخلو من وخزة هنا ~~ونغزة هناك ولطمة هنالك. # لقد قلت مثلا إني أفكر بلغة أوروبية قبلما أعبر عن رأيي بالعربية، ~~قلت ذلك، ولم تسمح ليه بالاحتجاج. وهل دفاعي يجدي نفعا إذا استشهدت ~~الإخلاص أني ساعة أكتب العربية أفكر بها، ولا أفكر بلغة أجنبية إلا عرضا ~~كما يفعل جميع الناس الذين إذا ما استحضروا شخصا أو شيئا استحضروا معه ~~اللغة التي كانت مستعملة ساعة رأوه أو سمعوه لأول مرة. # أعترف بأن معرفتي اللغات الأخرى قبل العربية جعلتني أشبه جماعتنا بتلك ~~المرأة التي لم تخرج في حياتها من قرية لا تزيد منازلها على السبعة عدا، ~~وكانت تقول فيها إنها أجمل مدينة في العالم، وإنها أم الدنيا. وتلك المعرفة ~~جعلتني أسائل نفسي كلما قرأت مقالا لبعض من يدعون أعاظم الكتاب ~~وفطاحل الشعراء قائلة: «وماذا وضع هؤلاء الأقطاب من ذاتيتهم فيما كتبوا، ~~بل أين تلك الذاتية التي لا أجد لها أثرا؟» # ثم ما لي أنا أشرح ميولي وأبرر سروري اللغوي! إذا كان هناك من يستحق ~~الملام، فأنت هو، أنت الذي تنصلت من الأسجاع والحواشي والزوائد يوم كانت ~~هذه روح العصر، لو أردت أن أقلد أحدا لقلدتك، لكني أكره التقليد ~~الذي يشوه المقلد ويمسخ المقلد، وأنا أحب أن أكون أنا في كتابتي. ~~«يا لطيف، ما هذه الكبرياء والدعوى!» هكذا ستقول أنت. «يا لطيف، ما هذا ~~الاستبداد!» وهكذا أجيبك أنا. # وهاك تهمة أخرى، تقول في رسالتك إني أنتظر أول إشارة لأعفيك من ~~المقدمة. كم أنت شرير ساعة ms037 تقول ما لا تعتقد، ولكني لا أريد أن أخاصمك، ~~وأغفر لك كل ما جاء في الرسالة إكراما للمقدمة. # أكتب إليك والشمس تنزل درجات الأفق، وقد سبحت غيوم المساء كما في بحيرات ~~من العسجد والعنبر والزبرجد والياقوت، في جميع أطراف الأفق تتوهج حرارة ~~الربيع وتبدو يقظة الطبيعة. وعلى البسيطة مثل هذه اليقظة وتلك الحرارة، ما ~~أجمل الشجيرات التي أنبتتها لنا كرما مصلحة التنظيم، تبسم بأزهارها ~~الكليلة على جانبي شارعنا ... هل ذهبت اليوم لشم النسيم؟ أم اكتفيت بالسير ~~في شارع عماد الدين؟ ربما كنت الآن سائرا في الخلاء تنظر إلى هذا الغروب ~~الساحر وتفكر في ... أما أنا فلم أخرج من البيت في هذه الأيام التي كثرت ~~فيها علي المعاكسات. # فأمي تشكو ذراعها، وأبي يشكو ألما في ضرسه، والتليفون «ملخبط زي ~~عقل العفريت» كما يقول البربري، وهذه من الدواهي الصماء حقيقة، وأنا ~~شكتني إبرة غليظة تحت ظفر إبهامي. ثم رأت حضرة مدموازيل توتو أن ~~تتحفني بصداقتها، وتعالجني بطبها الخاص، فعضت على الأصبع المريضة ~~ومزقتها بمخالبها، فقلت ضاحكة: «ما أشبه القطط بالفلاسفة ~~أحيانا!»» # تمثال لصروف # وقد تطور إعجاب مي بالدكتور صروف في خلال رسائلها إلى شيء من العاطفة ~~المرهفة، بل صارت تعجب به إعجاب فتاة بأبيها أو صديقها الكبير، وكانت جياشة ~~الشعور في كل ما تكتب إليه، ولكنها بما طبعت عليه من حياة الأنوثة، والتزمت به ~~من الوقار واحترام التقاليد، قد تحولت عاطفتها إلى ألوان من الشعر المنثور، وقد ~~كتبت إليه تهنئة بعيد ميلاده، فقالت: # يا ذا التاج والصولجان ~~«نهضت الساعة، وبي فكرة واحدة، وهي رسم مجموعة عواطفي طاقة تهنئة وتكريم ~~لمناسبة يوم ميلادك الجميل، أو أن أرسم تلك الطاقة غضة نضرة زاهية ~~جزلة، كما هي في الأصل الخفي. وأود أن أنفث في القلم قدرة سريعة ~~خلابة لأقول ولو في سطر واحد ما أشعر به، وما أريد أن أعبر عنه. ولكن ~~كيف أفعل وأدوات الرسم مبعثرة في هذا البيت الذي حق عليه اسم «بيت ~~الراحلين». إننا عائشون منذ أمس الأول في عجاجة غبار وتشويش ms038 تكتنفنا ~~رعايتها وتشملنا غايتها من كل صوب وحدب. # وضياع أدوات الرسم وتشتت آلات الكتابة خير؛ لأنك سترسل إلى نفسي نظرتك ~~التي لها من الرياضي الهدوء والتحليل، ومن المفكر الإدراك والنفوذ، ومن ~~الشاعر العطف والرواء، فترى تلك الطاقة في تربتها النفسية أزهارا تتهدل ~~على أغصان مهما عصفت فيها المعاكسات، وكافحتها أنواء الحياة، فإنها لا تزيد ~~إلا متانة ونضارة، ونظرك فيما وراء المنظور أصدق وأبلغ من تعبيري المنضد في ~~عالم المحسوس. # لو كنت اليوم في لبنان لقضيت فريضة الحج إلى حيث مشرق الشمس الفكرية ~~منك، وسيكون من مسراتي الكبرى في هذا الصيف أن أزور البقعة الصغيرة ~~الكبيرة، التي بلا ريب سيقيمون لك فيها تمثالا يوم يجتاز الشرق حد ~~التحمس الوقتي إلى تأدية الواجب نحو كبار رجاله، الذين هم الكبار حقيقة، ~~وليس أولئك الذي زعمهم في بلاهة كبارا. # كذلك اليوم يزيد وضوح فكرة عندي أنشئها، وهي أن أقيم أنا لك تمثالا من ~~نوعه ومن صنعي الخاص، وذلك بمقالات متتابعة في المقتطف أحلل فيها شخصيتك ~~وأستخرج عناصرها المختلفة، فترغم على نشرها عملا بحرية النشر، وأكيدك، ~~وأبهج نفسي ولا سيما أني أؤدي نحوك واجبا كم أهملناه لأننا جهلناك. ~~عسى توفقني الحياة إلى نحت ذلك التمثال فأقول في كتاب جامع ما ألخصه الآن ~~بقول القديس فرنسيس: «ليس أنبل في الحياة من العمل النبيل.» # فكيف إذا كانت الحياة كلها سلسلة أعمال نبل وكرامة، كيف بها إذا كانت ~~كلها إشارة متمرن في رفع قبس النور والعرفان وسط دياجير الجهل ~~والخمول! # تلك كانت حياتك، وإنها لتجمع في هذه الصباح أمام عيني كشيء لامع جميل، ~~بل كهذا الفجر الذهبي الذي يملأ الجو بتهاويل الصباح الأغر، فعش طويلا ~~طويلا لتظل متابعا ذلك العمل النبيل الذي ليس في الحياة أنبل منه، لتظل ~~مستمرا على إعلاء يدك بتلك الإشارة المعنوية، إشارة رفع قبس النور ~~والعرفان. # عش دواما وقرينتك الجليلة والذي تحبان في شباب القلب والفكر والجسم ~~والأمل، واقبل مني ما تشاء من عواطف المحبة والإعجاب والتهنئة والتمني ~~الصادق الحاد.» # الأستاذ فرعون # وقد رأيت ms039 كيف كانت تداعبه في رسائلها إلى جانب تقديرها لعلمه وأدبه وفضله، ولعله ~~الكاتب الوحيد الذي كانت تبيح له أن ينشر من كتاباتها ما يشاء ويحذف ما يشاء، وإن ~~كانت تشعر بشيء من المضاضة؛ فقد كان صروف يعاملها في ذلك معاملة الوالد، وكانت هي ~~تنظر إليه كما تنظر إلى أستاذ لها ذي تاج وصولجان أو الأستاذ فرعون المستبد على ~~حد تعبيرها في بعض رسائلها. # بعثت إليه برسالة مع إحدى محاضراتها التي اعتادت أن تنشرها في المقتطف، فقالت في ~~تواضع كبير: # يا ذا الصولجان ~~«لدي كلام كثير منه كلام إعجاب بالمقتطف عموما، وباب المسائل خصوصا، ~~ومنه كلام عتاب وتعنيف. نعم يا ذا الصولجان، أقول تعنيف وأعنيه بلا مداورة، ~~وهو تعنيف لاذع، ولكن ضيق الوقت يجعلني أقصر الكلام على ما يتعلق بالمحاضرة ~~الواصلة إليك. # فإذا رأت الذات الهمايونية أن تنشرها كلها دفعة واحدة كان ذلك، وإذا رأت ~~أن تشطرها كفؤاد نعوم بك شقير القائل في كتاب «طور سينا»: # شطرت فؤادي من وسطه # فشطر لذاك وشطر ~~لذا ~~(يعني شطر للقطر السوري وشطر للقطر المصري.) قلت إذا رأت الذات ~~الهمايونية أن تعامل المحاضرة كما عامل نعوم بك فؤاده، فإن إشارتها حكم ~~وإطاعتها غنم، وإذا رأت ألا تنشر ولا تشطر، فأرجو أن تعاد في القريب ~~العاجل أو أن أخبر عما قدر لها لأكون على بصيرة. # صباح سعيد وأسبوع سعيد يا أستاذي، ما أحلى أن أذكرك في هذه الساعة ~~العذبة على توقيع شدو الأطيار ونفحات النسيم. إني أذكرك وأدنو بالخيال ~~من الصولجان المحبوبة مداعبة ومتبركة معا.» # الإمضاء # سكرتير نونو # ذات شاهانية علية # على أن الدكتور يعقوب صروف وإن أباح لنفسه أو أباحت له مي في بعض الأحيان أن ~~يشطر من محاضراتها أو يؤجل نشر بعضها، فقد كان ذلك عن أسباب طباعية وظروف عملية ~~لا عن نقص في تقديره لها، أو عن افتئات عليها؛ فقد كان يقدرها كأسمى ما ينبغي أن ~~تقدر به عبقرية مثلها، وقد أشاد بمكانتها في عالم الكتابة والتفكير غير مرة، ~~ولعل مسك الختام أن ms040 نشير في هذا المقام إلى المقدمة التي كتبها عنها في كتابها ~~«باحثة البادية»، ووصفها بأنها: «جارت أكتب الكتاب الأوروبيين في هذا النوع من ~~البحث والنقد، ولا أتذكر أنني رأيت حتى الساعة من ضارعها فيه من كتاب العربية ~~ولا من فاقها من الأوروبيين!» # وقد وضعها في صف كارليل، وفيكتور هوجو، ولامرتين، من كتاب الغرب المجددين في ~~الأخيلة البديعة والأسلوب الرائع وطريقة التفكير. # القسم الثاني # | أدباء أحبوا مي # (1) دموع الحب ~~«أحببت في حياتي مرتين: أحببت «سارة»، وهذا ليس اسمها الحقيقي، وإنما هو اسمها ~~المستعار أطلقته عليها في قصتي المعروفة بهذا الاسم، وأحببت «ماري زيادة» الأديبة ~~المعروفة باسم «مي». # كانت الأولى مثالا للأنوثة الدافقة الناعمة الرقيقة، لا يشغل رأسها إلا الاهتمام ~~بجمالها وأنوثتها، ولكنها كانت - إلى ذلك - مثقفة. # وكانت الثانية - وهي مي - مثقفة قوية الحجة، تناقش وتهتم بتحرير المرأة وإعطائها ~~حقوقها السياسية، وكانت جليسة علم وفن وأدب، وزميلة في حياة الفكر؛ أي أن اهتمامها كان ~~موزعا بين الأدب والأنوثة. # كلتاهما جميلة، ولكن الجمال في «مي» كالحصن الذي يحيط به الخندق، أما الجمال في ~~«سارة» فكالبستان الذي يحيط به جدول من الماء النمير، هو جزء من البستان، لا حاجز دون ~~البستان، وهو للعبور أكثر مما يكون للصد والنفور!» # ذلك ما سمعته من العقاد في حديث معه، وقد نشر قصته عن «سارة» منذ سنوات، أما قصته عن ~~«مي» فكيف كانت، وكيف بدأت، وكيف تطورت من زمالة فكرية إلى صداقة أدبية، ثم إلى حب، ~~فغرام وهيام ودموع؟ # لقد عرف العقاد الآنسة «مي» قبل أن يعرف سارة بعدة سنوات، عرفها عن بعد من مقالاتها ~~في الصحف، وتأليفها للكتب، وعرفها عن كثب في صالونها الأدبي الذي كان يؤمه كبار ~~الأدباء والمفكرين مساء كل ثلاثاء، وكان هو أصغر رواد هذا الصالون سنا حين كان ~~يؤمه في سنتي 1915 و1916، وكانت سنه لا تزيد عن سبع وعشرين سنة، وكانت سنها لا ~~تجاوز الحادية والعشرين، ولكن كلاهما كان نجما ساطعا في شباب الأدباء وجيله المثقف ~~الحديث. # وحدث أن سافر إلى أسوان ms041 على أثر مرض انتابه، فبعثت إليه برسالة تسأل عن صحته، ~~وتبلغه فيها تحيات أدباء الصالون الأدبي ، وتمنياتهم الطيبة له بالصحة والعافية، فرد ~~عليا برسالة أنبأها بأن طبيبا ألمانيا كان يزور أسوان سائحا طمأنه على صحته، وقد ~~كشف عليه كشفا دقيقا. وبدأها بقوله: # آنستي الأديبة اللوذعية مي زيادة ~~«أكتب إليك الآن وأنا أقرأ «سبنسر» في «قصر ملا»، وهو طلل دارس منصوب للرياح، ~~أقضي فيه الوحدة بين صفحات كتاب، وقد جمع منظره بين وحشة القدم المتبدد، ~~ونضرة الصبا المتجدد. وقامت حوله روضة عالية تعرف باسمه، ويرتاح إليها ~~الطارق من سآمة ذلك الشبح المهجور في أكمته، وهي رابية أثرية ذات طباق يعلو ~~بعضها فوق بعض، في كل طبقة منها حياض الأزهار والنوار، ومنابت العشب ~~والبهار، تنتهي من بحبوحتها العليا إلى جانبها الغربي فتشرف من ثم على ~~النيل، ويستقبلني الجبل الغربي تليه الجزر والجنادل المعترضة في جوف النهر، ~~وهو ينساب بينها انسيابا، فروعا وشعابا، وأجلس بعد الغروب، فأنظر أمامي إلى ~~المقياس في هيكله القديم، وإلى النيل يجري وكأنه لا يجري، وإلى الجنادل قد ~~أطلعت رءوسها على متنه كأنها بعض حيوان، يتنسم هواء الليل، وإلى الجبال ~~ممتدة على طول الأفق كالديباجة السوداء حول تلك المناظر الساحرة.» # ويستمر في وصف «قصر ملا» إلى أن يقول: ~~«وقد كنت أتردد على هذه الأماكن الفينة بعد الفينة أقضي هزيعا من الليل، ~~فأجلس إلى صخر قديم ساوره النيل إعصارا ثم قنع بمسح أقدامه، وطغى عليه ~~أعواما فلم يظفر بغير المرور من أمامه، وأعوض العزلة بمساجلة بنات ~~الأحلام ومسامرة عرائس الشعر، ولله هن ما أجذلهن وأطربهن!» # وبعد أن يستوعب وصف هذا القصر يذكر لها كيف عرف الطبيب الألماني، وهو يقرأ كتابا ~~لهيني في معبد فيلا، ثم يصف لها جو أسوان في الشتاء، ويذكر أنه نظم قصيدة طويلة في ~~ذلك الوصف يقول فيها: # أسوان تزهو حين يذ # بل كل مخضر نضير # في كل مربأة بها # نور تألق فوق نور # بلد تجود له الطبي # عة بالصغير وبالكبير # لا تستجن شموسه # إلا على غير ms042 البصير # نسماته برء العلي # ل وماؤه عذب نمير # وبعد ذلك يذكر لها أنه في شوق إلى ندوتها، ويطلب منها إبلاغ تحياته إلى ~~الإخوان! ~~••• # وأقام العقاد في أسوان مدة بعيدا عن القاهرة، فبعثت الآنسة مي رسالة إليه بدأتها ~~بقول المعري: # عللاني فإن بيض الأماني # فنيت والظلام ليس بفاني # إن تناسيتما وداد أناس # فاجعلاني من بعض من تذكران # رب ليل كأنه الصبح في الحس # ن، وإن كان أسود الطيلسان # قد ركضنا فيه إلى اللهو لما # وقف النجم وقفة الحيران ~~«هكذا قال حكيم المعرة، وأنا أعلم مقدما أنه من أصحابك المقربين، ~~فرأيت أن أبدأ هذه الرسالة من القاهرة بأبياته عسى أن يكون فيها تذكرة، وعوض ~~عن الوحشة والبعد.» # ثم تحدثت عن ندوتها (صالونها) والحاضرين فيها، وأخبرته أن الأستاذ نجيب هواويني ~~لم يحضر الأسبوع الماضي، وكان الصحب مشوقين إلى فكاهاته ودعاباته الظريفة، وقالت إنها ~~ألقت محاضرة في النادي الشرقي عن «فضل مصر على الشرق»، وكانت تتوق إلى أن يسمعها ~~ليقول لها رأيه فيها، «وعلى كل حال، فإن بعدك في أسوان لا يحول دون اطلاعك على هذه ~~المحاضرة؛ لأنها ستنشر في الصحف، وأرجو أن أعرف رأيك فيها!» ~~••• # وكان جبران خليل جبران قد أصدر كتابه «المواكب» سنة 1919، فكتب العقاد مقالا في ~~جريدة الأهالي نقد فيه هذا الكتاب، وكشف فيه عن أخطاء لغوية، وانحراف في الفطرة ~~والطبيعة الشاعرة والخيال السليم. وحدث أن سافر إلى أسوان، فبعثت إليه «مي» رسالة تقول ~~فيها بعد الديباجة والتحيات: ~~«وقد لاحظت قسوتك على جبران خليل جبران، وإن كنت أوافقك على بعض ما قلت ~~وأعارضك في البعض الآخر، ولا تتسع هذه الرسالة لأن أقول لك ما أوافقك عليه ~~وما أعارضك فيه، وأترك ذلك لفرصة أخرى، وإلى لقاء قريب.» # مي # وقد أرسل إليها العقاد ردا على هذه الرسالة يقول: # آنستي العزيزة مي ~~«وصلني خطابك الرقيق وقرأته، وكم كنت أود أن أسمع أو أقرأ النقاط التي ~~وافقت عليها أو عارضتها في مقالي عن «المواكب» لجبران، وأنا أعرف أن له مكانة ~~في نفسك. وعلى كل، فعندما ms043 نلتقي سأناقشك فيها، أما عودتي من أسوان فلم أفكر ~~فيها الآن، وقد تقصر أو تطول، وسأكتب لك حينما أعزم على السفر إلى القاهرة. ~~أما الجو في أسوان فهو حار، ونحن في شهر مايو والسياح يسرعون في العودة ~~وهم من الحر في ضيق شديد.» # عباس # فأرسلت إليه خطابا مستعجلا على أثر هذه الرسالة تقول فيها: # الأستاذ الجليل العقاد ~~«وصلتني رسالتك، وقصدت أن أكتب هذه على وجه السرعة قبل رحيلك من أسوان ~~لكيلا تنسى ما وعدتني به وأنت معي بالقاهرة، وأعتقد أنه سيكون في ~~ذاكرتك. # لا تنس حين الوقوف على أطلال «معبد فيلا» إبلاغ تحياتي إلى النيل الخالد ~~بأسوان، في هذا المكان الساحر الذي كنت أتمنى أن أكون بجوارك أثناء تسريحك ~~الطرف في مياهه الذهبية الهادئة، وسأكون في انتظار عودتك، وأرجو أن أراك ~~يوم وصولك مساء.» # مي # سهام الحب # مضت مدة بلا رسائل بين الأستاذ العقاد والآنسة مي، وكانت هو قد شغل بالمعارك ~~السياسية بين الوفد برياسة سعد زغلول، وخصوم الوفد وعلى رأسهم عدلي يكن وعبد الخالق ~~ثروت وإسماعيل صدقي، وكان هو كاتب الوفد الأول. وحدث أن سافرت في صيف سنة 1925 إلى ~~إيطاليا، ثم غادرتها إلى ألمانيا للزيارة، فبينما هو جالس في مكتبه هبطت عليه ~~رسالة طويلة تصف فيها رحلتها إلى روما، وتحدثه عن أهم شيء في نظره، وهو ~~«المكتبات». وأخبرته عن كتاب للأديب الإيطالي «أمانولي» عثرت عليه، وقالت: «إن رأيت ~~أن أرسله لك أو يكون معي إلى حين عودتي.» وسألته عن أخبار القاهرة، وأسفت لحرمانها ~~من مناظر النيل الجميلة وقت الأصيل، ولكنها تتعزى عنها بمناظر الحدائق التي تطل ~~عليها من نافذة الفندق، وقالت له: «سأحضر لك مجموعة من صور روما العريقة في الفن ~~والجمال والمدنية.» ثم كتبت وصفا لينابيع روما في أربع صفحات منفصلة عن الرسالة ~~جعلت عنوانه «نشيد إلى ينابيع روما»، أودعت فيه عواطفها الشابة المشبوبة التي تنم ~~عن الحب المكبوت، وثورة القلب المحروم، وقد قالت في هذا النشيد الذي لم تنشره في ~~كتاب من كتبها: ~~«تفيضين من كل ms044 صوب - يا ينابيع المدينة الخالدة - وتهزجين من كل ناحية، ~~وتنادين بالنابه والخامل على السواء، ولك مساجلة مع المحروب والمحبور ... ~~وصوتك يأبى إلا المضي في اصطحاب محكم مع جوق الأجيال التي تمر وتنقضي، ~~ومع البيان الناطق في آثار التاريخ وأطلال الحدثان. # على مقربة من المعابد والبيع والمحاريب، وفي الساحات والميادين ~~والحدائق، عند أبواب المتاحف وتحت أروقة القصور، في جانب مدافن العامة ~~والدهماء كما لدى ضرائح الآلهة والقياصرة والأبطال ومضاجع البابوات ~~والقديسين والشهداء. # على ضفتي نهر التيبر الأشهب، كما في غياض الهضاب السبع المحدقة ~~بواديه، في جوار أنقاض الماضي وعلى مشهد من الأعمدة والرتائج والأفاريز ~~وأقواس النصر، التي يزعم شاعرها أنك ما زلت في كل مكان، منتصبة في انتظار ~~مواكب ظفر جديد، أنت يا نوافر رومة حاضرة في كل مكان متفجرة منبجسة في ~~كل زمان شادية في كل أين وآن! # للإشادة بصنيعك، وتمجيد حسنك، وتضخيم قدرتك، عمدت يد الفن إلى مقالع ~~الرخام الملون، ومناجم المرمر الشفاف، ودرست عبقريات العصور خصائص الجمال ~~والحب والحزن والحماسة والبطولة والطغيان وأحكام القدر ومظاهر الطبيعة، ~~واحتجاب الروح الشاملة، فصاغت لها جميعا نفيس الشخوص والدمى والكواسر ~~والضواري والأنصاب، وأقامتها عند فوهاتك وعلى حفافيك تمثل للأجيال اختلاج ~~الكائنات ونزعات الأرواح.» # ثم تقول في هذا النشيد: ~~«كم ذا طلب عطشي الارتواء من المثول لديك، يا عيون روما، وكم ذا سألت ~~خريرك أن ينسيني نفسي الجريحة! # كم ذا تمنيت أوضاع تماثيلك وملامحها، وأنا أحبها سعيدة بامتصاص روحها ~~من روحك، وارتباط نصيبها بنصيبك في خدمة الفن وتمجيد العبقرية. ~~... تأملتك في الصباح والأصيل، وعند انتصاف الليل، يا ينابيع روما، ~~وسمعتك قرب الصروح الشامخة، وبين الأخربة الدارسة تسوقين في نفس لا ~~ينقطع معاني الضحك والبكاء والعبث والتفجع، والتهليل والنحيب، والمجون ~~والحكمة، ففهمت منك أن نسيج الزمان كنسيج المياه متماسك متناثر، وأن ~~ركبه يمر ويبقى، وأن كل بداية تتلوها نهاية، وكل نهاية تعقبها بداية، وفهمت ~~أنك أنت من أصدق الصور للأزمنة المتدافعة في المسافة، أبدا في ابتداء ~~وانقضاء، أبدا في انقضاء وابتداء. # نسيت نفسي يا ms045 للرغد ويا للهناء، لكني أعود، فأذكرها ويشتد عطشي ~~الملتهب العميق، فأتلقى من مائك - يا ينابيع روما - وأشرب شربة لها في ~~فمي طعم الترياق والكوثر. # لحظة ليس غير، لقد رجعت إلى حالي، فما ارتويت بقطرة إلا كانت لهيبا في ~~الأوام الذي لا يرتوي، وما فزت بفهم جديد إلا كانت الخاطرة المستحدثة ~~وقودا لعذاب فكري، وطمعا إلى توسيع حدوده، وما نعمت بنفحة عطف إلا كانت ~~زكوة لعاطفة الحنان التي لا تشبع في، ولا تكتفي!» # بعثت الآنسة مي هذا النشيد العاطفي الرقيق ضمن رسالتها من روما إلى الأستاذ ~~العقاد، فحركت في نفسه الشوق إليها، وحفزته إلى التعبير الصريح عما يضمره نحوها ~~من شعور عميق وحب روحي صادق، فرد عليها بهذه الأبيات التي لم تنشر في الديوان: # آنستي العزيزة مي # القاهرة، 25 يوليو سنة ~~1925 # أبعث بهذه الأبيات من وحي رسالتك الأخيرة: # آل روما لكمو مني الولاء # وثناء عاطر بعد ثناء # وسلام كلما ضاء لنا # طالع الإصباح أو جن مساء # في حماكم كعبة ترمقها # مهج منا وآماق ظماء # كعبة لا كالتي يعمرها # بينكم رهط القسوس الحنفاء # كرمت روما وذكراها بها # وبنو روما ومن تحت السماء # نزلت ثم حجيجا داعيا # وهي أولى بحجيج ودعاء # أنت في روما، وفي مصر أنا # بعدت شقتنا لولا النجاء # بيننا جيرة نور ساطع # فوق رأسينا ونور في الخفاء # أرقب البدر إذا الليل سجا # فلنا فيه على البعد لقاء # وأرود الشعر في مثل الكرى # فإذا فيه من الطيف عزاء # حلم الصادي فمن يوقظه # وعلى «فيه» من الماء شفاء # عباس # وكان «العقاد» يمضي رسائله دائما إلى «مي» باسم «عباس» مجردا. وقد تلقت ~~هذه الأبيات بعد رحيلها من روما إلى برلين، فوجدت فيها نفس الشعور العميق الذي تشعر ~~به نحوه، فردت عليه من برلين برسالة صريحة عبرت فيها عما تشعر به من حب ~~وهيام. # كبرياء وحياء # كانت العلاقة بين الآنسة مي وعباس العقاد - في أولها - علاقة أدبية، أو قل كانت ~~تبدو صداقة أدبية، وزمالة في الفكر والأدب؛ فكلاهما أديبان، وكلاهما كاتبان ~~مفكران. وقد ms046 مكثت هذه العلاقة في ظاهرها مدة لم يصرح فيها أحدهما للآخر بما ~~يكمن في جوانحه، وما يضمره في أعماق قلبه من حب وهيام! # ولكن لماذا مكثا هذه المدة لم يصرح أحدهما بما يشعر به للآخر؟ # لماذا لم يصرح العقاد للآنسة مي بأنه يحبها من أول رسالة أرسلها إليها من ~~أسوان إلى القاهرة؟ ولماذا لم تصرح الآنسة مي للأستاذ العقاد بأنها تغرم به، ~~وأنه أول رجل أحبته في حياتها، من أول رسالة أرسلتها إليه من القاهرة إلى ~~أسوان؟ # لماذا لم يصرحا بالحب؟ ولماذا يصبر كل منهما هذا الصبر الطويل، ويكبت هذا ~~الشعور الحي القوي هذه المدة، حتى يجد منفذا صغيرا، فينفجر، ويجرف كل شيء أمامه، ~~ولكن في حدود الخلق الرفيع والأدب اللائق، وفي حرارة الروح لا في شهوة ~~الجسد! # لقد كانت «مي» فتاة جميلة النفس جميلة الروح، فاتنة برقتها وحديثها الشهي ~~وملكتها النابغة. وكان العقاد في شبابه فتى جميلا، قوي الشخصية، لامع الاسم واسع ~~الشهرة في الأدب وعالم الفكر، ولكن كلا منهما تربى تربية دينية، ونشأ منذ ~~طفولته وصباه على العادات والتقاليد الشرقية التي كانت في ذلك الحين تسيطر على ~~الشباب، وعلى الحياة الشخصية والاجتماعية، وتستنكر التصريح بما يشغل العاطفة من حب ~~وهيام، وخاصة الفتاة؛ فكلمة «الحب» وإن كانت صغيرة في لفظها ومبناها، ولكنها في ~~معناها كبيرة وخطيرة! # وكان في طبع العقاد كبرياء يشبه كبرياء «المتنبي» في الحب حين يطلب إلى حبيبته ~~الجميلة الفاتنة أن تزوده من حسن وجهها، وأن تصله هي، فيصلها هو كذلك ما ~~يقول: # زودينا من حسن وجهك ما دا # م فحسن الوجوه جال تحول # وصلينا نصلك في هذه الدن # يا، فإن المقام فيها قليل # وكان في طبع الآنسة مي حياء شديد، وفي خلقها احتشام كبير درجت عليه منذ صباها ~~كفتاة شرقية عربية تحافظ على التقاليد، وكانت ذات فطنة واحتفاظ بكرامتها على الرغم ~~من شبابها المتوقد، فهي تخشى أن تتورط في التصريح بالحب، فلا تجد من الجانب ~~الآخر مثل ما صرحت به من شعور، فترجع كاسفة جريحة الفؤاد ms047 كئيبة النفس. # رسالة من برلين # ولكن حين وصلتها قصيدة العقاد بعدما بارحت روما إلى برلين في يوليو سنة 1925، ~~وفيها يعبر عن شعوره نحوها، ويقول: # أنت في روما، وفي مصر أنا # بعدت شقتنا لولا النجاء # أرقب البدر إذا الليل سجا # فلنا فيه على البعد لقاء # وأرود الشعر في مثل الكرى # فإذا فيه من الطيف عزاء # لما قرأت هذه الأبيات وسواها مما تضمنته القصيدة صادفت هواها، ووافقت شعورها، ~~وشجعتها على أن تصارحه بأنها تشعر بنفس الشعور الذي يشعر به، فأرسلت إليه من برلين ~~بتاريخ 30 أغسطس سنة 1925 رسالة تقول فيها: # عزيزي الأستاذ ~~«أكتب إليك من بلد كنت دائما تعجب بشعبه، كما أعجب به أنا أيضا، ~~ولكن إعجابي بقصيدتك البليغة في معناها ومبناها فاق كل إعجاب، وقد اغتبطت ~~بها غبطة لا حد لها، واحتفظت بها في مكان أمين بين أوراقي الخاصة خوفا ~~عليها من الضياع! # إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة، وحسبي أن أقول ~~لك إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك ~~وأنت في بلدتك التاريخية أسوان. # بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد، منذ أول مرة رأيتك ~~فيها بدار جريدة «المحروسة». إن الحياء منعني، وقد ظننت أن اختلاطي ~~بالزملاء يثير حمية الغضب عندك، والآن عرفت شعورك، وعرفت لماذا لا تميل ~~إلى «جبران خليل جبران»!» # وكانت «مي» تقدر جبران، وقد كتبت عن كتابه «المواكب» مقالا أثنت عليه ثناء ~~جميلا، وكان العقاد له رأي خاص فيه، ولكنها بطبيعة المرأة ظنت بعد تصريحه بشعوره ~~نحوها أنه يغار منه حين تتحدث عنه! # ثم قالت في نهاية الرسالة: ~~«... لا تحسب أنني أتهمك بالغيرة من جبران، فإنه في نيويورك لم يرني، ولعله ~~لن يراني، كما أني لم أراه إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف، ولكن طبيعة ~~الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم ~~يتنافسون عليها! أليس كذلك؟! # معذرة، فقد أردت أن أحتفي بهذه الغيرة، لا ms048 لأضايقك، ولكن لأزداد شعورا ~~بأن لي مكانة في نفسك أهنئ بها نفسي وأمتع بها وجداني؛ فقد عشت في ~~أبيات قصيدتك الجميلة ، وفي كلماتها العذبة، وشعرت من معانيها الشائقة، وفي ~~موسيقاها الروحية ما جعلني أراك معي في ألمانيا على بعد الشقة وتنائي ~~الديار. # سأعود قريبا إلى مصر، وستضمنا زيارات وجلسات، أفضي فيها لك بما تدخره ~~نفسي، ويضمه وجداني، فعندي أشياء كثيرة سأقولها لك في خلوة من خلوات مصر ~~الجديدة، فإني أعرف أنك تفضل السير في الصحراء، وأنا أجد فيك الإنسان الذي ~~أراه أهلا للثقة به والاعتماد عليه.» # أتعرف الشوق والحنين؟ # وبعد أن ختمت هذه الرسالة، وضعت معها مقالة بعنوان: «أتعرف الشوق والحنين؟» وقالت ~~له في هامش رسالتها: «كتبت هذه المقالة من وحي قصيدتك، وسوف لا أنشرها الآن حتى ~~أعود إليها مرة أخرى، كما أفعل دائما، وكما يفعل الشعراء في قصائدهم، وأنا أعتبر ~~هذه المقالة قصيدة منثورة، أليس لي أن أدعي ذلك ما دمت لا أستطيع مثلك أن أدبج ~~الشعر المنظوم؟» وفي هذه المقالة تقول بعد سطور: ~~«أعرفت الشوق، وقد ثار وفار؟! # أعرفته وقد أطلق من وجدانك شخصا مجهولا منك، يطمح في وجع وتفطر إلى ~~البعيد السحيق. # أعرفته تنبهه المحسوسات، وتزكيه المدركات، وتؤججه الذكريات! # أعرفته يرعى في كيانك، فأنت روح تلوب، وصوب يلهج، ويد تلتمس، وجوانح ~~تضطرم، وجنان يتسعر، وضلوع تتفجر؟! # إن أنت عرفت مرة الشوق والحنين، وشعرت بالانكماش الأليم يملأ صدرك ~~غما وكربا، وإن أنت كنت مرة ضحية الكلابة التي تعض على القلب بنابها ~~القاسي، وفريسة المطارق التي تطرق فيها بلا رحمة فتدغدغه، وترضضه دون أن ~~تقوى على تحطيمه وملاشاته. # إذن، فاعلم أنك في تلك الساعة متمتع باستعداد الخالق القادر، تضطرم في ~~فؤادك الشرارة التي سرقها الإنسان القديم من نادي الأرباب الأقدمين. # لأن هذا العالم، إنما هو ابن الصبابة والجوى! # وما برأ الباري هذه الأكوان إلا عندما شاء عطفه أن يعرف الشوق ~~والحنين.» # كانت الآنسة مي تضع في رسائلها إلى الأستاذ العقاد بعض خطراتها مما يناسب عاطفة ~~الحب التي ربطت في ms049 ذلك الحين بين قلبيهما، أو ترسل إليه في رسالتها الشخصية مقالة ~~أو بحثا تريد أن يطلع عليه قبل غيره، وكثيرا ما تكون المقالات عاطفية، فإذا ~~كانت بحوثا مست عاطفة الإنسان من جانب من الجوانب. # وكان الأستاذ العقاد يضع كذلك ضمن رسائله بعض كلماته العاطفية نثرا أو نظما، ~~وكثيرا ما نظم فيها أبياتا أو قصائد نشر بعضها في الديوان دون التصريح باسمها، ~~بل كان يسميها هندا أو ليلى، أو غيرهما من الأسماء المستعارة، وكان اسم «هند» في ~~شعره هو الأكثر لأنه على وزن «مي». # حزن وكآبة # وانتهت رحلة ألمانيا، وعادت الآنسة مي إلى مصر، فعلمت أنه سافر إلى أسوان لوفاة ~~شقيق له يدعى «مصطفى». وكان هذا الشقيق شابا رياضيا نشيطا يعشق الرياضة ~~ويزاولها كثيرا، فكسرت ذراعه في إحدى المرات، وعلى الرغم من علاجه وشفائه، ~~فإنها كانت تعوقه عن مزاولة الرياضة، وخاصة السباحة التي كان يعشقها، فلما جاء وقت ~~الفيضان أبى إلا أن يسبح كعادته مع بعض الشبان، فخانته ذراعه ومات غرقا في ~~النيل؛ فأرسلت إليه «مي» تلغرافا عزته فيه عن مصابه، فرد عليها بخطاب شاكرا لها ~~هذا العزاء، وقد قال فيه: # عزيزتي مي ~~«سافرت كما تعلمين إلى أسوان بغير قصد مني، ووددت أن أكون بالقاهرة حين ~~عودتك من برلين، وقد آثرت أن أكتب إليك هذه الرسالة بدلا من ~~التلغراف.» # ثم جعل يغازلها بعبارات مسجوعة يصف فيها رقتها وأنوثتها الفياضة وروحها ~~العذبة. ثم قال: ~~«لولا أني أشعر بالتعب من تأثير مصابي بأخي مصطفى لقلت لك الكثير. وإذا ~~كان الإنسان في مصابه يتعزى حين يرى أحبابه وأصدقاءه يشاركونه شعوره ~~فإني أبعث مع هذا بتلك الأبيات التي رثيت فيها أخي، ونقشتها على قبره. ~~ولست أقصد أن تشاركيني في أحزاني، ولا أن تشعري مثلي بالكآبة، فأنا أود ~~- لو أستطيع - أن أجمع كل ما في الدنيا من غبطة وسرور لأقدمها إليك. ~~ولكن الأدب يحيا بالقراءة، ولا سيما إذا قرأته «مي». أما الأبيات، ~~فهي: # أيها القبر فيك غصن رطيب # قصفته المنون قبل أوانه # مثلما تعبث السموم بزهر ms050 # عاطر ناضر على أغصانه # بنت يا مصطفى، وما بنت عن قل # ب كسير يذوب في أشجانه # كان أحرى بك الديار من القب # ر، وثوب العروس من أكفانه # سوف ألقاك في الثرى عن قريب # كل حي موكل بزمانه» # قرأت «مي» هذه الأبيات، فبكت واكتأبت، وبعثت إليه برسالة تقول فيها: «لقد أبكيتني ~~كثيرا، وإني لأشعر بالكآبة تعذب نفسي، وتسيطر على حسي.» ثم ترجمت له فصلا ~~كتبته بالفرنسية في كتابها «زهرات الحلم» بعنوان: «كآبة» تقول فيه: ~~«حزينة اليوم روحي، وحزنها القائم مؤلمي، فعلام الاكتئاب؟ # أترى الأوراق المتناثرات عن غصونها تدري لأي غرض تقلبها الريح، وتتلاعب ~~بها في تطايرها؟ # إنها لتتناثر تلك الوريقات المسكينة، وتتهاوى أكواما، هي التي كان يمضها ~~أسر الالتصاق بشجرة أنالتها الحياة، هي التي نزعت إلى الانعتاق والتحرر، ~~ها هي في نهاية الأمر فائزة بحريتها. # كم تخال مغتبطة لهذه الوريقات المصفرة الذابلة، المتجمدة، المتغضنة ~~المنقبضة! كم هي مغتبطة بهذا الانفصال؟» # إلى أن تقول في النهاية: ~~«أيها الإله ... # لماذا وضعت في عيني الإنسان هذه العبرات؟ وقضيت بألا تجف، ولا ~~تنضب؟ # لماذا؟! # أي مسرة أنت ملاق في النكال والإيلام؟ إنك القادر، ونحن ضعاف. إنك ~~العظيم، ونحن بائسون. نحن أشرار، وأنت كل الصلاح. أما كان الغفران أجدر ~~بعظمتك؟ أوما كانت ملاشاتنا أوفق لرحيب قدرتك؟ # نفسي اليوم حزينة، وحزنها قائم، أفكر في الأوراق المتناثرة، وفي ~~الأحياء الذين يضحكون، وفي الموتى الذين مضوا كأنهم لم يكونوا.» # مي # وصلت هذه الرسالة إلى الأستاذ العقاد، وكان على أهبة السفر إلى القاهرة، فنظم ~~لها أبياتا بعنوان «تبكين». ولما حضر إلى منزله بمصر الجديدة بعث بها داخل خطاب ~~إليها بتاريخ 17 نوفمبر سنة 1925، وهي عشرة أبيات جاء فيها: # تبكين، وا لهف الفؤاد يذيبه # ذاك الحنين يذوب في خديك # أيراك باكية وأنت ضياؤه # ونعيم عيشي كله بيديك # وعزيزة تلك الدموع فليتها # يقنو قطيرتها نظيم سليك # لملأت ثم يدي بأكرم جوهر # من عطف قلبك فاض من عينيك # لو أستطيع جمعت كل ذخيرة # في الدهر من ضحك يروق لديك # إلى آخر هذه الأبيات ms051 التي نشرها في ديوانه - الجزء الرابع - دون أن يصرح باسمها ~~أو تاريخها كما فعل في كل ما نشره عنها في هذا الديوان . # فلما قرأت الأبيات، ولم يكن قد اتصل بها حين عودته من أسوان، أرسلت إليه رسالة ~~بمنزله بمصر الجديدة تعتب عليه، فرد عليها برسالة أيضا جاء فيها: # عزيزتي ~~«لا تظني إنني تأخرت لقصد مني في هذا التأخير، ولكن كان هناك عمل ~~شغلني في الجرنال، ثم لازمت الفراش نتيجة التعب والإرهاق، وكنت سأكلمك ~~بالتليفون، ولكن آثرت أن أكتب إليك بدلا من التليفون!» # ثم تحدث عند ندوتها «الصالون الأدبي»، واعتذر لها عن عدم حضوره «يوم ~~الثلاثاء» - وهو موعد الصالون كل أسبوع - لأنه يستثقل بعض الحاضرين، ثم ذكر لها ~~«مصطفى الرافعي.» وقال: ~~«ماذا يعجبك في هذا الرجل الثقيل الأصم! إنني أعرف أنك لا تعيرينه ~~انتباها، وتكرهين تحببه إليك، وتمقتين غزل الشيوخ بالشباب، والأولى أن ~~تعتذري عن حضوره، وإني أفضل أن يكون لقاؤنا في غير الثلاثاء. وفي انتظار ~~رسالتك.» # عباس # جاءت هذه الرسالة إلى «مي» وكانت في قلق لأنه كان في تلك الأيام مهموما بكثير ~~من الهموم السياسية والعائلية، وتخشى أن تصرفه تلك الهموم عنها بعدما صرحت ~~بشعورها نحوه، وكان هذا الشعور عن وجدان خالص وقلب متيم، فأرسلت إليه ردا على ~~رسالته تقول فيه: ~~«وصلتني رسالتك، ولا يسعني إلا أن أقدر شعورك، ولا تظن أني أنظر إلى ~~أحد من زوار الندوة نظرتي إليك، أو نظرة تجعلني في مكان الانتباه إليه. ~~وأنت لست في حاجة إلى كتابة كلمات أؤكد فيها شعوري نحوك، وما أكنه ~~لك من إعجاب وتقدير، وفي اللقاء متسع للتعبير. # أما عن اقتراحك الحضور في غير «الثلاثاء» فإني أترك لك اختيار اليوم ~~والوقت، على أن يكون الموعد مساء.» # مي # وبعد هذه الرسالة اتصل الأستاذ العقاد بالآنسة مي، واتفقا على أن يكون اللقاء ~~مساء يوم الأحد من كل أسبوع. ~~(2) مي وسارة # وكان أن تقابل العقاد ومي في «يوم الأحد»، وصار هذا اليوم هو موعد لقائهما من كل ~~أسبوع بدل يوم الثلاثاء، وهو موعد ms052 الندوة أو «الصالون الأدبي» الذي كان يجتمع فيه طائفة ~~من كبار الأدباء في الشرق، وكانت فيه النجمة الساطعة التي تحيط بها العيون وتتنافس في ~~التحدث معها والاستماع إلى حديثها الأفواه والآذان. # وفي يوم الأحد الأول جاء العقاد إلى منزلها، وجلسا معا في غرفة المكتب يتحادثان، ~~فكان الحديث حديث الحب، فقدم لها العقاد ثمانية أبيات جعلها بعنوان «مولد الحب»، ~~فتناولتها فإذا فيها: # ولد الحب لنا، عاش الوليد # وحماه الله من كيد الحسود # وبدا في مهده، بل عرشه # ضاحكا يأمر فينا ويسود ~~«مي» ما نرضعه؟ نرضعه # بأفاويق حياة لا تبيد # ولندلله وننشئه على # غبطة العزة والعيش السعيد # وليعش طفلا على طول المدى # هكذا يخلد أطفال الخلود # نتولاه بعطف دائم # وأناشيد حسان ووعود # وغذاء من يذقه يبتعد # أبدا عن كبرة العمر المديد # إنه من روحنا إن نحيه # يحينا في غده هذا الوليد # قرأت «مي» هذه الأبيات فسرت سرورا كبيرا، وأثنت على أدبه وشعره، وقالت تداعبه: ~~«إن من يقول هذا الشعر جدير بأن يغار منه «جبران»، لا أن يغار من «جبران».» # وهي تشير إلى نقده لكتاب «المواكب» لجبران خليل جبران، وحملته عليه، ومخالفته له ~~فيما ذهب إليه، وكانت تشعر أنه يغار من عطفها على أدب جبران، ويظن أنها تحبه! # وحدث أن كتب في ذلك الحين مقالين في «البلاغ»، أحدهما عن «حب المرأة»، والثاني عن ~~«الغيرة». وقال في الأول: ~~«ولسنا نظلم المرأة، ولا نحن نقصد إلى القدح في طبيعتها حين نقول إنها تحب ~~لتهب وتستسلم، وتغمض عينيها في نشوة الثقة والاعتماد الطيع الأمين، فليس ~~للمرأة في قرارة نفسها سعادة أكبر من سعادة الطاعة، ولا أمل أرفع من حب الرجل ~~الذي تطيعه، وتلقي بنفسها بكل ما فيها من ذخر حلاوتها بين يديه، وليقس عليها ~~الرجل، أو يرحمها، ويعذبها أو ينعم بالها، فإنها لسعيدة بالطاعة إذا وجدت من ~~يطاع.» # ثم قال: ~~«خلقت المرأة لتعطي، وخلق الرجل ليأخذ منها كل ما تعطيه، خلقت ~~المرأة للطاعة وخلق الرجل للسيادة، خلقت المرأة للأمان وخلق الرجل ~~للجهاد، خلقت المرأة لتحب وخلق ms053 الرجل ليحب نفسه في حبه إياها. هذه هي ~~حقيقة الحقائق، قد أسرف الشرق في الإيمان بها، وأسرف الغرب في إنكارها، وبين ~~هذين النقيضين وسط هو خط السلامة وباب النجاة!» # وقال عن غيرة المرأة في المقال الثاني أنها أشد من غيرة الرجل، وأنها أشقى منه ~~بغيرتها لأنها أحوج إلى الحب وأعظم استغراقا فيه، وأخوف من الفقد والهجران، إن الغيرة ~~ثمرة الحب والأثرة والخوف، وهذه العناصر الثلاثة تثمر في طبائع النساء ما ليست تثمره ~~في طبائع الرجال، فهؤلاء وهؤلاء يغارون، ولكن أحرى الفريقين بالزيادة من هو أحرى ~~بالإشفاق، وأخسر صفقة في الضياع! # قرأت هذين المقالين، فلم تنتظر حتى يأتي موعد «الأحد» بل بعثت إليه برسالة توافق ~~فيها على رأيه في غيرة المرأة، ولكنها تعترض على رأيه في حب المرأة وسيادة الرجل عليها، ~~ثم قالت: ~~«... وكنت أتمنى أن تكون رفيقا بحواء؛ فإن حواء تعتز بأنوثتها الضعيفة ~~القوية في وقت واحد، وهي إن قبلت الطاعة فلن تقبل السيادة، وهي إذا أحبت ~~الرجل واستغرقت في حبه فليس ذلك عن أثرة أو أنانية، وإنما عن تضحية تدفعها ~~إليها الطبيعة. وأنا إذا عرض علي - فرضا - أن أتخلى عن أنوثتي التي ~~أعتز بها لأكون رجلا سيدا، فإني أرفض رفضا باتا، بل أنا أول ~~الرافضات! # وإني أعتقد أنك ستغير رأيك في المرأة في يوم من الأيام.» # مي # فرد عليها برسالة جاء فيها بعد عبارات الأشواق: ~~«إنك على ما ظهر قد فسرت رأيي في المرأة على غير ما أعنيه، وأنا أمدح ~~احتفاظك بأنوثتك، وتعصبك لهذه الأنوثة الجميلة، وأؤيدها كل التأييد، ~~وأعارض كل المعارضة أن تصبحي رجلا، أعوذ بالله من ذلك! # وإني أرى أنك لو تخليت عن جنس حواء لضاعت الأنوثة من هذا الجنس كله، وفقد كل ~~لطف وحلاوة وجمال. # فأنت بالنسبة لبنات حواء نجمة ساطعة يضيء جنسكن بضيائك، ويزدان بلألائك، ~~ولو تخليت عنه لفقد كل ما فيه من بهاء وجاذبية ورقة وعطف!» # عباس # ولم يكن قد زارها في ذلك الأسبوع لشاغل منعه، فاعتذر لها، فبعثت هي برسالة موجزة ~~إليه، تقول ms054 بعد سطور من الشوق والحنين: ~~«كنت في انتظارك لأناقشك رأيك فيما ذهبت إليه في بنات حواء؛ لأنك على ما ~~يبدو ما تزال على رأيك فيهن، على الرغم من أن تجربتك مع إحداهن (تعني نفسها) ~~قد دلتك على أنها صديقة لك وأكثر من صديقة، ورفيقة لك وأكثر من ~~رفيقة. # ولا أدري لماذا هذه الحملة التي تابعك فيها بعض الكتاب بعنف على بنات ~~حواء، وقد أعددت لك يوم الأحد القادم «مائدة» من المناقشة الحامية، ولكن ليس ~~فيها ما يلذع، وأتمنى أن تكون أهدأ حالا.» # مي # إياك أن تهجوني # وذهب إليها في الموعد، وأخذت تناقشه في رأيه في المرأة وحب المرأة، فأصر على ~~رأيه، وأصرت هي على رأيها، ثم قالت له: «أنا إحدى بنات حواء، وأعتبر أي حملة ~~عليها هجوا لي، وهل ترضى أن تهجوني؟!» فأخذ يلاطفها حتى هدأت، ثم اقترحت عليه ~~في ذلك المساء أن يذهبا - كعادتهما من آن لآخر - لحضور حفلة الفانوس السحري في ~~«كنيسة حي الظاهر». وكانت هذه الكنيسة تعرض في مساء كل «يوم أحد» فيلما دينيا عن ~~حياة المسيح وتعاليمه، وحياة القديسين المسيحيين؛ لأنها كانت تتحرج من أن تخرج ~~معه إلى حفلة عامة أو إلى دار من دور السينما. # ولكن كنيسة الظاهر كانت فرصة للحبيبين ينتهزانها للخروج معا دون أية شبهة، وبعد ~~انتهاء الحفلة اصطحبها إلى منزلها بشارع المغربي، ثم قالت وهي تودعه في لطف ~~ودعابة: «إياك وحواء، إياك أن تهجوني!» # فابتسم ضاحكا من قولها، وأجابها: «نعم، سوف أهجوك!» # وعاد إلى منزله بمصر الجديدة، فلم ينم في تلك الليلة حتى نظم خمسة عشر بيتا، وفي ~~الصباح أرسلها إليها في رسالة بعنوان: «أهجوك» جاء من أبياتها: # أهجوك يا أكرم من أمدح # ومن بإطرائي لها أصدح # أهجوك والتسبيح أحرى بما # أجد فيه اليوم أو أمزح # قاسية أنت، ولكنني # أقبل الكف التي تجرح # وأعظم القسوة تلك التي # يلهو بها المجروح بل يفرح # إلى أن يقول: # هذا هجائي فيك فصلته # وليتها تجربة تفلح # أشواق لبنان # وفي صيف ذلك العام سافر إلى لبنان، فما ms055 كادت تمضي عليه بضعة أيام في ربوع هذا ~~القطر العربي الجميل حتى أرسل إليها من مصيفه فوق جباله الشامخة رسالة يعبر فيها ~~عن شعوره في غربته عنها ولو أنه ليس غريبا في وطنها، وشعوره في غربتها عنه ولو ~~أنها ليست غريبة في وطنه. ثم يقول: ~~«لقد أصبحنا بديلين، أنت في مصر وأنا في لبنان، ولكننا شريكان في وطن ~~كبير واحد هو الوطن العربي، وإذا كان كل منا نازح عن داره إلى دار ~~صاحبه، فإن حبنا قد ربط ما بين الدارين برباط وثيق.» # ثم قال هذه الأبيات: # يا بنت لبنان أقريك التحية من # هضاب لبنان بين البحر والشهب # لا يمنع القلب عنها حين يرسلها # بعد من البين أو بعد من الغضب # أمسيت ضيفك في أرض درجت بها # طفلا صغير الخطى مأمونة اللعب # وذقت أول نشوات الحياة بها # وكنت نشوة «أم» برة و«أب» # لقلما علم الراءوك يومئذ # من ذا يذوق الجنى من ذلك العنب # وإن لبنان يسقي كرمه لفتى # بجانب النيل صادي القلب مكتئب # أمسيت ضيفك في أرض لبست بها # وشي الصبا وبرود الحسن والطرب # أرى مثالك فيها حيثما طمحت # عيني، وأخلو بها في كل مرتقب # فأنت لبنان في زهر وفي ثمر # وأنت لبنان في ماء وفي عشب # إلى أن يقول: # فليت لبنان يغنيني إذا نظرت # عين، ولم تر تلك العين وا حربي # وليت لبنان يرويني إذا ظمئت # روحي، وتغرك ناء غير مقترب # وقد كان لهذه الأبيات تأثير كبير في نفس الآنسة مي، وهي من أبلغ ما قاله في وصف ~~شوقه وحنينه إليها، وهو بعيد عنها في لبنان. وقد زاد على هذه الأبيات في ديوانه حتى ~~أصبحت قصيدة تبلغ خمسة وعشرين بيتا وتعد من غرر قصائده في الحب! # أين وطني؟ # وقد حركت رحلة العقاد إلى لبنان في نفسها لاعجا غير لواعج الشوق والحب نحوه، ~~لاعجا كل ينتابها، وتسائل نفسها من أجله قائلة: «أين وطني؟» فإن أمها من فلسطين، ~~وأباها من لبنان، وهي تعيش في مصر، وقد اتخذتها لنفسها وطنا، فكتبت إليه رسالة ms056 ~~طويلة ضمنتها مقتطفات من مقالة نشرتها بعد عودته بعنوان «أين وطني؟» جاء فيها: ~~«عندما ذاعت أسماء الوطنيات، كتبت اسم وطني، ووضعت عليه شفتي أقبله، ~~وأحصيت آلامه مفاخرة كأن لي كذوي الأوطان وطنا. ثم جاء دور الشرح ~~والتفصيل، فألممت بالمشاكل التي لا تحل، وحنيت جبهتي، وأنشأت أفكر. وما لبث ~~أن انقلب التفكر في شعورا، فشعرت بانسحاق عميق يذلني لأني دون ~~سواي، تلك التي لا وطن لها! # ولدت في بلد، وأبي من بلد، وأمي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي ~~تنتقل من بلد إلى بلد، فلأي هذه البلدان أنتمي؟ وعن أي هذه البلدان أدافع؟ ~~يمضي الموتى تاركين للأحدث وراثات حسية ومعنوية ينعمون بها، وشرفا قوميا ~~يعززونه، وتقاليد يحافظون عليها. أما أنا، فلم يبق لي من آثار موتاي ~~سوى الأثقال المعلقة في يدي وعنقي! # فلماذا قدر علي أن أكون ابنة وطن تنقصه شروط الوطنية، فأمسي تلك ~~التي لا وطن لها؟! # ما سمعت وصف بلاد إلى سعى إليها اشتياقي. # ولا حدثت عن بسالة أمة وسؤددها إلا تمنيتها أمتي. # ولا تخيلت مسافات الأرض، وأبعاد الفلك والصحاري والبحار والكواكب ~~والعوالم الأخرى إلا اهتاجني الحنين إليها كأنها أوطان يردد هواؤها ترنيمة ~~طفولتي، وتنتظرني فيها قلوب الأحباب والخلان. # أما وقوى إعزازي توزع باستهتار وجنون، فلماذا تتجمع قوى اكتئابي عميقة ~~مرهفة، لأني أنا وحدي - وحدي في الدنيا - تلك التي لا وطن لها؟» # أنت هي الدنيا # وصلت هذه الرسالة إلى الأستاذ العقاد، وفيها هذا الوصف، فعرف أنها تعاني ضيقا ~~نفسيا شديدا، فرد عليها برسالة يقول فيها: ~~«عجبت حين قرأت كلماتك التي أرفقتها برسالتك وقد ذكرت أنك «وحدك في ~~الدنيا» مع أنك «أنت هي الدنيا» بما فيها من نور ونار، ونجوم وأزهار، ~~وجوهر ونضار، ونشوة ومتاع.» # ثم قال في أبيات بعنوان «أنت هي الدنيا»: # ماذا من الدنيا لعمري أريد؟ # أنت هي الدنيا، فهل من مزيد # فيك لنا نور ونار معا # وأنجم زهر وأفق بعيد # وفيك روض مسفر عاطر # وجوهر حر ودر نضيد # وكل ما في الكون من روعة # لها نظير ms057 فيك حي جديد # بل أنت دنيا غير هذي الدنى # وكل حب فيه «كون» وليد # كانت رسائل العقاد في أكثرها مملوءة بالشعر ، بل كان بعضها شعرا خالصا ليس فيه ~~من النثر إلا «آنستي العزيزة مي!» وقد نشر طائفة منه في الجزء الرابع من ديوانه ~~الذي أصدره سنة 1928. وأبدل فيه باسم «مي» اسم «هند» حين كان يضطر إلى ذكر الاسم في ~~سياق الأوزان! أما «سارة» التي كان يحبها في الوقت الذي كان يحب فيه «مي» ~~حبا روحيا، فيذكرها باسم مستعار أيضا هو «سعاد» أو «ليلى». وليس لنا أن نذكر ~~اسمها الحقيقي الآن؛ لأنها ما تزال حية ترزق في باريس، وهي مسيحية لبنانية كانت ~~تعيش في مصر، ثم سافرت إلى فرنسا منذ ثلاثين سنة وما تزال بها حتى الآن. وقد ~~أرسلت صورتها إلى الأستاذ العقاد منذ خمس سنوات، وهي صورة تمثلها في سن الستين، ~~ولكنها تحتفظ بذكريات الجمال والشباب وما تزال بها ملامح صورة لها صورها العقاد ~~جالسة عن يمينه في شباب الحب الذي جمعهما في شباب العمر وربيع الحياة، واحتفظ بها ~~مع الثانية في مكان خاص إلى وفاته! # مي وسارة # وقد كانت «مي» لا تعلم من شأن «سارة» شيئا، وكانت «سارة» لا تعلم من شأن «مي» ~~إلا أن «عباسا» يعرفها معرفة أدبية، ويقدرها لعلمها وأدبها، ولكنها كانت ~~تتبرم بزيارته لها حين تعلم أنه زارها، وكانت تجتهد أن تشغله عن زيارتها في اليوم ~~الموعود، فيؤجل موعد زيارة «مي» مكتفيا بحديث التليفون. إلا اليوم الذي تعلن فيه ~~«كنيسة الظاهر» عن أفلام الفانوس السحري، فلا اعتذار عن حفلتها، بل لا بد أن ~~يذهبا معا إليها؛ لأنها الحفلة التي تقوم مقام الذهاب إلى السينما معا، وتتيح ~~للحبيبين أن يقضيا وقتا سارا لا شبهة فيه ولا رقابة ولا رقباء، فتنعم فيه ~~روحاهم بأنس الحب، ومتعة القرب ونجوى السرائر والوجدان. # وهنا نسأل «العقاد» كيف جمع بين هذين الحبين: «حب مي» و«حب سارة»، ويجيب عن هذا ~~السؤال، فيقول: «إذا ميز الرجل المرأة بين جميع النساء، فذلك هو الحب! # وإذا ms058 أصبح النساء جميعا لا يغنين الرجل ما تغنيه امرأة واحدة فذلك هو الحب! # وقد يميز الرجل امرأتين في وقت واحد ، لكن لا بد من اختلاف بين الحبين في ~~النوع، أو في الدرجة، أو في الرجاء. فيكون أحد الحبين خالصا للروح والوجدان، ~~ويكون الحب الآخر مستغرقا شاملا للروحين والجسدين، أو يكون أحد الحبين مقبلا ~~صاعدا والحب الآخر آخذا في الإدبار والهبوط. أما أن يجتمع حبان قويان من ~~نوع واحد في وقت واحد، فذلك ازدواج غير معهود في الطباع؛ لأن العاطفة لا تقف ولا ~~تعرف الحدود، وإذا بلغت العاطفة مداها جبت ما سواها.» # ثم يعترف واصفا ما كان بينهما بصيغة المتكلم: «وقد كنت أحب «مي» حين التقيت ~~بسارة لأول مرة في «بيت مريانا» بمصر الجديدة، أحببتها الحب الذي جعلني أنتظر ~~الرسالة، أو حديث التليفون كما ينتظر العاشق موعد اللقاء، وكنا كثيرا ما نتراسل ~~ونتحادث، وكثيرا ما نتباعد ونلتزم الصمت الطويل إيثارا للتقية، واجتنابا للقيل ~~والقال. ولكننا في جميع ذلك كنا أشبه بالشجرتين منهما بالإنسان تتلاقيان وكلاهما ~~على جذوره وتتلامسان بأهداب الأغصان، أو بنفحات النسيم العابر من هذه ~~الأوراق. # وكنت أغازلها، فتومئ إلي بأصبعها كالمنذرة المتوعدة، فإذا نظرت إلى عينيها ~~لم أدر أتستزيدني أم تنهاني، ولكنني أدري أن الزيادة ترتفع بالنفحة إلى مقام ~~النشوز. # وكنا نتواعد إلى جلسة من جلسات الصور المتحركة في مكان لا غبار عليه «كنيسة ~~الظاهر»، فنتحدث بلسان بطل الرواية وبطلتها، ونسهب ما احتملت الكناية والإسهاب، ~~ثم نغير سياق الحديث في غير اقتضاب ولا ابتسار. # وكنا أشبه بالنجمين السيارين في المنظومة الواحدة، لا يزالان يحومان في نطاق ~~واحد، ويتجاذبان حول محور واحد، ولكنهما يحذران التقارب؛ لأنه اصطدام!» ~~••• # ذلك ما اعترف به العقاد في حب «مي» التي كان يسميها «هند» في شعره وكتابته، وهو ~~حب روحي نزيه تسوده البراءة والطهر. فلما عاد من لبنان، اتصلت به تليفونيا ~~لتهنئه بالعودة، وتدعوه للقاء كعادتهما قبل السفر. وصادف أن «سارة» كانت موجودة عند ~~العقاد، ولم يكن هو بجوار التليفون، فردت عليها «سارة» ردا أيقظ ms059 في نفسها الشك ~~والقلق، وشعرت بأن هناك فتاة أخرى تشاركها حبها وتنازعها هواها، ولم تكن تعتقد ~~الرهبانية في «العقاد»، ولا تزعم بينها وبين وجدانها أنه معزول عن النساء، ولكنها ~~لم تكن تحفل باتصاله بالنساء ما دام اسمهن نساء، لا يلوح بينهن شبح غرام بامرأة ~~واحدة غيرها! # وساوس الهجر # فلما شعرت بأن هناك امرأة أخرى يحبها غضبت، وامتنعت مدة عن محادثته بالتليفون، ~~فأرسل إليه رسالة منظومة بعنوان «وساوس الهجر» جاء فيها: # قلت للقلب، وهو جد عجول # يشتكي بعدها، ويبغي الشفاء # إن يكن عندها هواك فدعها # سوف ترجو كما رجوت اللقاء # أو يكن عندها قلاك فدعها # تضمر القرب أو تطيل الجفاء # لست يا قلب خاسرا أن تولت # ولك الغنم إن أجدت ولاء # قال لي القلب، وهو يعرض عني # من نفار، وما يطيق الدعاء # إن في قلبها، «ذماء غرام» # أتراني أسلو، فأردي «الذماء؟» # إيه يا ناصحي لك الله دعني # أترجى، وإن أضعت الرجاء # سوف أشقى برجعة الحب حتى # أبصر الحب ميتا لا مراء # موت الحب # فلما وصلتها هذه الأبيات لم ترد عليه بأية رسالة، أو كلمة في التليفون، بل ذهبت ~~إليه بعد مدة على حين غرة، ودخلت عليه مكتبه بجريدة البلاغ، وإني أدع «العقاد» ~~نفسه يروي بصيغة المتكلم هذا الحادث - حادث القطيعة - بينه وبين الأديبة النابغة، ~~قال: «زارتني على حين غرة في مكتب عملي، وهي الزيارة الأولى والأخيرة من قبيلها، ~~ولم يكن لها مسوغ من طول الغيبة، ولا امتناع الحديث في التليفون. فما شككت لحظة ~~في غرض الزيارة، ولا في باعثها، وتوقعت منها عتبا عنيفا في أسلوبها في التعبير ~~الصامت المبين، ولكني علمت سلفا أنها غير منصفة في عتبها؛ لأنني لم أختلس منها ~~شيئا هو من حقها علي، فرحبت بها وأبديت لها استغرابي لزيارتها، وابتهاجي ~~بسؤالها عني، وأنصت مترقبا، فقالت بعد فترة وصوتها يتهدج: لست زائرة، ولا ~~سائلة! # فقلت: إذن ... # ولم أتمها؛ لأنها نظرت إلي كمن يستحلفني ألا أتكلم، وانحدرت من عينيها ~~دمعتان! # فما تمالكت نفسي أن تناولت يدها، ورفعتها إلى فمي أقبلها ms060 وأعيد تقبيلها، ~~فمانعتني، ولم تكفف عن النظر إلي، ثم استجمعت عزمها ونهضت منصرفة وهي تتم ~~هامسة: دع يدي ودعني! ثم انصرفت بعد أن سكن جأشها وزال من صفحة وجهها أثر ~~الدموع!» # وقد قال العقاد: لو جاءت هذه الزيارة، وأنا في بداية العلاقة بسارة لما كان ~~بعيدا أن تقضي على تلك العلاقة، وأن ترد سارة اسما مغمورا في عامة ~~النساء! # مات حب «مي» إذن، وقضت سارة على هذا الحب الذي عاش فترة قصيرة من الزمان، ولو أنه ~~عاش طويلا لأهدى إلى الأدب العربي ثروة كبيرة من «أدب الحب»، ولقد شيع «العقاد» ~~هذا الحب الراحل بقصيدة طويلة بعنوان «موت الحب» جاء منها: # ولد الحب لنا، وا فرحتاه # وقضى في مهده وا أسفاه # مات لم يدرج، ولم يلعب ولم # يشهد الدنيا، ولم يعرف أباه # ليته عاش فأما إذ قضى # فليكن بردا على القلب جواه # أشكر الموت وأشكوه معا # غال حبي قبل ما تنمو قواه # غاله وهو صغير قبلما # تكبر البلوى به يوم نواه # فتولى رحمة الله على # أمل لاح ولم يبلغ مداه # آه لو تغني من اللوعة آه # ليتني أسمع في القبر صداه ~~(3) بين مي وجبران # الرسالة الأولى # أحبت «مي» جبران خليل جبران، وأحب جبران ميا، دون أن يرى أحدهما الآخر أو ~~يجتمعا معا مرة واحدة؛ فقد عاش في أمريكا طول حياته، ولم يخرج منها إلا حين وفاته ~~سنة 1931 حيث نقلت جثته إلى بشرى بلبنان، وعاشت هي طول حياتها في مصر لم تسافر قط ~~إلى أمريكا، وكان أول تعارف لهما عن طريق النقد والكتابة الأدبية، ثم تطور ذلك إلى ~~صداقة فحب عميق، فرغبة في الزواج لولا بعض الظروف العائلية. # كان أول تراسل بينهما حين أرسل إليها مؤلفه «الأجنحة المنكسرة» في أواخر ~~أبريل سنة 1913، وكان عمره وقتئذ 29 عاما، وكانت هي في نحو الخامسة والعشرين؛ فقد ~~قرأت هذا الكتاب ككاتبة أديبة، ورأت أن تبدي رأيها في فصوله، فأرسلت إليه خطابا ~~كان أول خطاباتها إليه، وقد انتقدت أول شيء تهتم به المرأة وهو الزواج، ms061 فقالت: ~~«إننا لا نتفق في موضوع الزواج يا جبران، أنا أحترم أفكارك، وأجل ~~مبادئك لأنني أعرفك صادقا في تعزيزها مخلصا في الدفاع عنها، وكلها ~~ترمي إلى مقاصد شريفة، وأشاركك أيضا في المبدأ الأساسي القائل بحرية ~~المرأة، فمثل الرجل يجب أن تكون المرأة مطلقة الحرية بانتخاب زوجها من بين ~~الشبان، متبعة في ذلك ميولها وإلهاماتها الشخصية، لا مكيفة ~~حياتها في القالب الذي اختاره لها الجيران والمعارف، حتى إذا ما انتخبت ~~شريكا لها تقيدت بواجبات تلك الشركة العمرانية تقيدا تاما. أنت ~~تسمي هذه سلاسل ثقيلة حبكتها الأجيال، وأنا أقول نعم سلاسل ثقيلة، ولكن ~~حبكتها الطبيعة التي جعلت المرأة «ما هي»، فإذا توصل الفكر إلى كسر قيود ~~الاصطلاحات والتقاليد، فلن يتوصل إلى كسر القيود الطبيعية لأن أحكام ~~الطبيعة فوق كل شيء. # لم لا تستطيع المرأة الاجتماع بحبيبها على غير علم من زوجها؟ لأن ~~باجتماعها هذا السري مهما كان طاهرا تخون زوجها، وتخون الاسم الذي قبلته ~~بملء إرادتها، وتخون الحياة الاجتماعية التي هي عضو عامل فيها. # عند الزواج تعد المرأة بالأمانة، والأمانة المعنوية تضاهي الأمانة ~~الجسدية أهمية وشأنا، عند الزواج تتكفل المرأة بإسعاد زوجها، وعندما ~~تجتمع سرا برجل آخر تعد مذنبة إزاء المجتمع والعائلة والواجب. ربما ~~اعترضت على هذا بقولك إن الواجب كلمة مبهمة يعسر تحديدها في أحوال كثيرة، ~~فليس لنا إلا أن نعلم «ما هي العائلة؟» لنجد الواجبات التي نفرضها على ~~أفرادها، ودور المرأة العائلي هو أصعب الأدوار وأوضعها وأمرها! # إني أشعر شعورا شديدا بالقيود المقيدة بها المرأة، تلك القيود ~~الحريرية الدقيقة كنسيج العنكبوت المتينة متانة أسلاك الذهب، ولكن إذا ~~جوزنا ل «سلمى كرامة» بطلة الرواية - ولكل واحدة تماثل سلمى عواطف ~~وسموا وذكاء - إذا جوزنا لها الاجتماع بصديق شريف النفس عزيزها، فهل ~~يصح لكل امرأة لم تجد في الزواج السعادة التي حلمت بها وهي فتاة أن تختار ~~لها صديقا غير زوجها، وأن تجتمع بذلك على غير معرفة من زوجها، حتى لو كان ~~القصد من اجتماعهما الصلاة عند فتى الأجيال المصلوب (تعني المسيح)؟» # مي ms062 # هذا هو أول التعارف الكتابي بين «مي» و«جبران». وقد رد عليها مؤيدا وجهة ~~نظرها، مقدرا صراحتها ولباقتها في نقدها، ثم أرسل إليها بعد ذلك كتابين: ~~«المواكب» و«المجنون»، فكتبت إليه رأيها فيهما. ثم تعددت الرسائل بينهما، وتطور ~~التعارف إلى إعجاب، ثم إلى صداقة، ثم إلى حب شديد بين أديبين شابين أودعا في ~~رسائلهما كل ما يشعران من لهفة وولع وغرام. ~~(4) قصة غرام # في سنة 1919 أصدر جبران خليل جبران كتابيه «المواكب» و«المجنون»، فكتبت مي عن ~~«المواكب» مقالا ترددت فيه بين النقد والتقريظ، وبين الهجوم والاستسلام، وكان حبها له ~~وقتئذ في الطريق لم يدق «الباب» بعد، أعني باب القلب. أو أنه دق هذا الباب، ولكنها ~~أمسكت بمصراعيه؛ لأنها كانت تشعر بذاتها، وتعتد بنفسها كأديبة ناقدة قبل أن يسيطر الحب ~~على القلب والقلم، فيحولها إلى أديبة معجبة محبة لأديب معجب محب، وإنسانة ~~فنانة مغرمة بإنسان مغرم فنان. # كتبت تنقد هذين الكتابين، فمدحت بحساب، ونقدت وآخذت أيضا بحساب، فقالت في مدحه: ~~«في المواكب كما في المجنون أكاد أتبين تأثير نيتشه، وإن كانت بسمة التهكم ~~الفني الدقيق التي نراها عند جبران أفندي لن تشبه أبدا ضحكة نيتشه ذات الجلبة ~~الضخمة المزعجة. # إن الشاعر العربي فني في كل شيء، ونظرة واحدة إلى كتاب «المواكب» تكفي لتعيين ~~ما عنده من ذوق بسيط أنيق، ولا تقيم المرارة لديه طويلا لأنه يعود إلى ذكر ~~الطبيعة وحبها، وينشد مطربا حزنه ولهفه بنغمة عذبة: # ليس حزن النفس إلا # ظل وهم لا يدوم # وغيوم النفس تب # دو من ثناياها النجوم # وقد يرتفع أحيانا إلى أعلى ذرى التأمل، فتحسب الإمام الغزالي متكلما إذ ~~يقول: # وغاية الروح طي الروح قد خفيت # فلا المظاهر تبديها ولا الصور # فما طوت شمأل أذيال عاقلة # إلا ومر بها الشرقي فتنتشر # فيجيبه في الغاب بما يدل على اعتقاده بوحدة الوجود: # لم أجد في الغاب فرقا # بين نفس وجسد # فالهوا ماء تهادى # والندى ماء ركد # والشذا زهر تمادى # والثرى زهر جمد # أعطني الناي وغن # فالغنا جسم وروح # وأنين الناي أبقى ms063 # من غبوق وصبوح # ولا يفتأ المرء يسائل نفسه ما هذا الناي الذي يبقى بعد فناء كل شيء وأنينه ~~«سر الخلود ». أهو أداة الفن، ريشة كانت أم قلما، أم وترا؟ أهو الجاذبية سر ~~تعارف الأكوان؟ أهو نظام الاستمرار الدائم مع ما يتخلله من تحول وانشعاب؟ أم هو ~~الحياة كل الحياة؟ # لست أعلم ما إذا كان ذلك واضحا في ضمير الشاعر، وهل هو يعني بالناي شيئا ~~معينا؟ ولكن إن غمض علينا هذا المعنى، فإن كل معنى في صوره الأخاذة جلي، ~~وإن كلا منها حكاية خاطرة، وقصيدة رمزية رسمت بريشة أستاذ ماهر جمع بين ~~الحدس الشرقي والإتقان الغربي.» # ثم تقول في النهاية ناقدة: ~~«ولكني أعتقد أن ذاتية الكاتب لم تدرك بعد استعدادها الأقصى، ولم تقف بعد على ~~ذروة اقتدارها، سواء في التصوير أو الكتابة. إن جبران أفندي خليل جبران ما زال ~~متسلقا كنف الجبل الذي قيدته الأقدار بالصعود إليه، وسيتابع الصعود ~~متمردا ما دام كلفا بهذا النعت وراء ستار الهجوم والتهكم بالرموز ~~والأمثال، ولكنه سيصل يوما إلى القمة، فنسمع منه عندئذ أجمل أنغامه، ونلمح ~~أسمى هيئة من نفسه الفنية السنية التي تسطع في أرجائها الأضواء.» # من النقد إلى الصداقة الأدبية # نقلت ذلك مما كتبته عن كتاب «المواكب» لجبران؛ ليتابع القارئ «قصة هذا الحب» ~~الذي بدأ أدبيا، ثم تحول فأصبح قلبيا عاطفيا، ولقد كان كفتاة رفيعة ~~الشعور متحرجة مشفقة في نقد جبران كفتى أديب فنان، تضمر له الإعجاب والحب ~~الدفين، ولقد أشفقت أن تنقد كتابه «المجنون» الذي صدر في نفس السنة التي صدر فيها ~~كتاب «المواكب»، فأرسلت برأيها إليه في خطاب لم تنشره في الصحف، فأجابها جبران ~~بخطاب خاص يقول فيه: ~~«المجنون ليس أنا بكليتي، واللذة التي أردت بيانها بلسان شخصية ~~ابتدعتها ليست كل ما لدي من الأفكار والمنازع، واللهجة التي وجدتها ~~مناسبة لميول ذلك المجنون ليست باللهجة التي أتخذها عندما أجلس لمحادثة ~~صديق أحبه وأحترمه! # وإذا كان لا بد من الوصول إلى حقيقتي بواسطة ما كتبته، فما عسى يمنعك ~~عن اتخاذ فتى الغاب ms064 ونغمة نايه منها إلى المجنون وصراخه، وسوف يتحقق لديك ~~أن المجنون لم يكن سوى حلقة من سلسلة طويلة مصنوعة من معادن! # لا أنكر أن المجنون كان حلقة خشنة مصنوعة من حديد، ولكن هذا لا يدل ~~على أن السلسلة كلها خشنة ومن الحديد! # لكل روح فصول يا مي، وشتاء الروح ليس كربيعها، ولا صيفها ~~كخريفها.» # ثم انتقل في هذا الخطاب إلى الحديث عن كتابه «دمعة وابتسامة» الذي صدر قبل سنة ~~1914. وكانت «مي» قد انتقدت في خطابها إليه لهجته المضطربة وضعف مقالاته، وسألته ~~عما حداه إلى نشره، فأجابها: ~~«أجل لنتحدث قليلا عن كتاب «دمعة وابتسامة»، فأنا لست بخائف، ظهر هذا ~~الكتاب قبل نشوب الحرب العالمية بمدة قصيرة، وقد بعثت إليك بنسخة منه يوم ~~صدوره، ولكن لم أسمع منك كلمة واحدة عن وصوله. أما مقالاته، فهي أول شيء ~~كتبته، نشرت متتابعة في جريدة المهاجر منذ 16 سنة، ولقد شاء نسيب عريضة ~~فجمعها وأضاف إليها مقالين كتبتهما في باريس - سامحه الله - ولقد كتبت ~~ونظمت قبل «دمعة وابتسامة» بين الطفولة والشباب ما يملأ المجلدات ~~الضخمة، ولكني لم أقترف جريمة نشرها، ولن أفعل.» # من صداقة إلى حب # بدأت إذن علاقة جبران ب «مي» وعلاقتها به بطابع من الأدب والنقد، والتراسل ~~الأدبي، ثم تطورت إلى صداقة، ثم تطورت الصداقة إلى حب، فغرام، فرغبة في الزواج. ~~وقد شجع جبران على هذا التطور ما كان يقرؤه في رسائل مي إليه سواء أكانت نقدا ~~لكتبه، أو سؤالا عنه في غربته، أو اهتماما بصحته وحالته، أو تعريفا له بأنها ~~تحرص على قراءة مؤلفاته. وقد جاء في خطاب بعثته إليه في 22 مايو سنة 1912: ~~«أما هناك في لبنان، فلا أحادث إلا الذي سرني حديثه، ولا أساتذة لي ~~إلا أحلامي وتأملاتي، ولا أقرب من الكتب إلا الكتاب الذي أحبه، وكل واحد ~~من مؤلفاتك صديق عزيز علي، بل أراني تلميذة أفكارك في مواضيع ~~كثيرة.» # وقد قابلت هي هذا التطور بارتياح، بل استجابت إلى أنه الحب، واتجهت إلى ~~محرابه، وكانت وقتئذ في عنفوان الشباب، وقد ms065 أخفت عليه في أول أمرها غرامها به، ~~وتظاهرت بالصداقة الفكرية، ثم طواها الحب كما يطوي في بحره وبين عواصفه قلوب ~~العاشقين فصرحت به، وصرح هو بحبه لها وغرامه بها، وجرت بينهما الرسائل الرقيقة ~~البليغة التي تعد نموذجا خالدا من أدب الحب، فكتبا رسائلهما بأسلوب اجتمع فيه ~~القلب والفكر والوجدان، وتسامت فيه النفس عن الجسد، وتغلبت فيه الروح على ~~الماديات، ولكنه حب إنساني، عاش بين إنسانة وإنسان، واستعبد أديبة وأديبا، ~~وأسعدهما بما فيه من لذة وجمال. # أنت وأنا غريبان # وقد بعث إليها جبران في أول نوفمبر سنة 1920 يصرح لها بأنه منذ عام يشعر بالميل ~~إليها ميلا قويا، وهو الحب نفسه، ولكنه كان يكتمه حتى اضطر إلى أن يصارح به ~~صديقة له في نيويورك، فقال: # عزيزتي مي ~~«النفس يا مي، لا ترى بالحياة إلا ما بها، لا تؤمن إلا باختباراتها ~~الشخصية، وإذا ما اختبرت أمرا صار جزءا منها. وأنا قد اختبرت أمرا في ~~العام الغابر، اختبرته مرارا عديدة، اختبرته بنفسي وعقلي وحواسي، ~~اختبرته وكان بقصدي أن أكتمه كشيء خصوصي، ولكني لم أكتمه، بل أظهرته لصديقة ~~لي تعودت محادثتها، أظهرته لها لأنني شعرت إذ ذاك بحاجة ماسة إلى إظهاره! ~~وهل تعلمين ماذا قالت صديقتي؟ قالت لي على الفور: «هذا نشيد غنائي.» # لو قيل لوالدة تحمل طفلها الوحيد على منكبيها: هذا تمثال من الخشب، وأنت ~~تحملينه بعياقة، فبماذا تجيب تلك الوالدة، وبماذا تشعر؟ # ومرت الشهور، وهذه الكلمة «نشيد غنائي» تطوف في نفسي، ولم تكتف صديقتي ~~بما قالته، بل ظلت واقفة لي بالمرصاد، فلم أقل كلمة إلا ذيلتها ~~بالتعنيف، ولم أحدق بشيء إلا وأخفته وراء الستار، ولم أمد يدا إلا وثقبتها ~~بمسمار، بعد ذلك قنطت! # ليس بين عناصر النفس عنصر أمر من القنوط، ليس في الحياة شيء أصعب من أن ~~يقول المرء لنفسه: قد غلبت! # والقنوط يا مي جزر لكل مد في القلب، والقنوط عاطفة خرساء؛ لذلك كنت ~~أجلس أمامك في الآونة الأخيرة، وأنظر طويلا إلى وجهك بدون أن أنبس ببنت ~~شفة؛ لذلك لم ms066 أكتب بدوري، كنت أقول في سري: لم يبق لي دور. # ولكن في قلب كل شتاء ربيع يختلج، ووراء نقاب كل ليل صبح يبتسم ، وها قد ~~تحول قنوطي إلى أمل! # وماذا عسى أن أقول عن رجل يوقفه الله بين امرأتين: امرأة تحول من أحلامه ~~يقظة، وامرأة تحول من يقظته أحلاما؟ # ماذا أقول عن قلب يضعه الله بين سراجين؟ # ماذا أقول عن هذا الرجل؟ # هل هو كئيب؟ هل هو سعيد؟ هل هو غريب عن هذا العالم؟ # لا أدري، ولكني أسألك: هل تريدين أن يبقى غريبا عنك؟ # هل هو غريب، وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسه؟ لا أدري ولكني ~~أسألك: أولا تريدين محادثته بهذه اللغة وأنت أعرف الناس بها؟! # هل هو كئيب؟ هل هو سعيد؟ هل في هذا العالم كثيرون يفهمون لغة ~~نفسك؟ # أنت، وأنا، يا مي من الذين حبتهم الحياة بالأصدقاء والمحبين والمريدين، ~~ولكن قولي لي: هل يوجد بين هؤلاء الغيورين المخلصين من نستطيع أن نقول له: ~~«ألا فاحمل صليبي يوما واحدا؟» هل منهم من يعلم أن وراء أغانينا أغنية لا ~~تسجنها الأصوات ولا ترتعش بها الأوتار؟ هل بينهم من يعلم بالفرح في كآبتنا ~~والكآبة في فرحنا؟ # قد تقولين لي: أنت فني، وأنت شاعر، ويجب عليك أن تكون مقتنعا بأنك ~~فني وشاعر، ولكن يا مي أنا لست بفني وشاعر، قد صرفت أيامي مصورا ~~كاتبا، ولكن أنا لست في أيامي وليالي! # أنا ضباب يا مي، أنا ضباب يغمر الأشياء، ولكنه لا يتحد وإياها، أنا ~~ضباب لم ينعقد قطرا، أنا ضباب وفي الضباب وحدتي، وفيه هو انفرادي ووحشتي، ~~وفيه جوعي وعطشي، ومصيبتي هل أن الضباب - وهو حقيقتي - يشوق إلى لقاء ضباب ~~آخر في الفضاء، ويشوق إلى استماع قائل يقول: لست وحدك، نحن اثنان، أنا ~~أعرف من أنت! # أخبريني يا مي، أفي ربوعكم من يقدر ويريد أن يقول لي: أنا ضباب آخر أيها ~~الضباب، فتعال نخيم على الجبال وفي الأودية، تعال نسير نسير بين ~~الأشجار وفوقها، تعال نغمر الصخور المتعالية، تعال ندخل ms067 معا إلى قلوب ~~المخلوقات وخلاياها، تعال نطوف في تلك الأماكن البعيدة المنيعة غير ~~المعروفة! # قولي يا مي، أيوجد في ربوعكم من يريد ويقدر أن يقول لي ولو كلمة واحدة من ~~هذه الكلمات؟» # قرأت مي رسالته، فاهتزت عواطفها، وردت عليه برسالة رحبت فيها بشوقه إليها ~~وعاطفته النبيلة نحوها، وطلبت منه أن يعفو عما فرط منها في نقدها لبعض كتبه، وقد ~~قست عليه قسوة شديدة. ثم أخذت تسأله أسئلة توحي باهتمامها به كما تهتم الفتاة ~~المحبة بفتاها الحبيب، سألته عن جوه المعنوي، وعن بيئته وصحته، وماذا يلبس من ~~ملابس، وكم سيجارة يدخن في اليوم، وعن حياته اليومية كيف يقضيها؟ # وسألته عن مكتبه، وهل هو بسقف يحجبه عن السماء أو بلا سقف، فيتصل مباشرة ~~بالسماء وبالعالم العلوي بنفسه وفكره، وتأملاته ونظراته بلا حاجز أو حجاب؟ # وقد أرسلت مع هذه الرسالة نسخة من كتابها الجديد «باحثة البادية» الذي صدر في ذلك ~~الحين، فكتب إليها هذه الرسالة: # عزيزتي مي ~~«ماذا أقول عن جوي المعنوي؟ لقد كانت حياتي منذ عام أو عامين لا تخلو ~~من الهدوء والسلام، أما اليوم فقد تبدل الهدوء بالضجيج، والسلام ~~بالنزاع. إن البشر يلتهمون أيامي وليالي، ويغمرون حياتي بمنازعهم ~~ومراميهم. لكم مرة هربت من هذه المدينة الهائلة إلى مكان قصي لأتخلص من ~~الناس، ومن أشباح نفسي أيضا، إن الشعب الأمريكي جبار، لا يكل ولا ~~يمل، ولا يتعب ولا ينام ولا يحلم، فإذا أبغض هذا الشعب رجلا قتله ~~بالإهمال، وإذا أحبه قتله بالحب والانعطاف. فمن شاء أن يحيا في نيويورك ~~عليه أن يكون سيفا قاطعا، ولكن في غمد من عسل، السيف لردع الراغبين في ~~قتل الوقت، والعسل لإرضاء الجائعين، وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى ~~الشرق. # إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني، ولولا هذا القفص - هذا القفص الذي حبكت ~~قضبانه بيدي - لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقا. ولكن أي رجل يستطيع أن ~~يترك بناء صرف عمره ينحت حجارة وصفها، حتى وإن كان ذلك البناء سجنا له؟ ~~فهو لا يقدر، أو لا يريد أن ms068 يتخلص منه في يوم واحد. # إن صحتي الآن أردأ نوعا مما كانت عليه في بدء الصيف؛ فالشهور الطويلة ~~التي صرفتها بين البحر والغاب قد وسعت المجال بين روحي وجسدي. أما هذا ~~الطائر الغريب (يعني قلبه) الذي كان يختلج أكثر من مائة مرة في الدقيقة، ~~فقد أبطأ قليلا، بل أخذ يعود إلى نظامه العادي، غير أنه لم يتمهل إلا ~~بعد أن هد أركاني وقطع أوصالي! # وأنت يا مي تريدين أن أبتسم وأعفو، لقد ابتسمت كثيرا منذ الصباح، وها ~~أنا ذا أبتسم من أعماقي، وأبتسم بكليتي، وأبتسم طويلا، وأبتسم كأنني لم ~~أخلق إلا للابتسام! # أما العفو، فلفظة هائلة أوقفتني متهيبا خجولا، إن الروح النبيلة التي ~~تتواضع إلى هذا الحد لهي أقرب إلى الملائكة منها إلى البشر، أنا المسيء ~~وحدي وقد أسأت إليك في سكوتي، وفي قنوطي؛ لذلك أستعطفك أن تغفري لي ما ~~فرط مني وتسامحيني!» # ثم يتحدث عن كتابها «باحثة البادية»، فيمتدحه دون أن ينقده، ويقول: ~~«وغدا بعدما يطرح الزمن ما يكتبه الكتاب وينظمه الشعراء في هوة ~~النسيان، يظل كتاب «باحثة البادية» موضوع إعجاب الباحثين ~~والمفكرين. # أنت يا مي صوت صارخ في البرية، وأنت صوت رباني، والأصوات الربانية تبقى ~~متموجة في الغلاف الأبدي حتى نهاية الزمن!» # ثم يجيبها على سؤالها عن ملابسه، وعن ألوانها وعاداته في لبسها، فيقول: ~~«من عاداتي - يا مي - أن أرتدي بذلتين في وقت واحد، بذلة من نسج ~~النساجين، وبذلة من لحم ودم وعظام. أما اليوم، فإني أرتدي ثوبا واحدا ~~طويلا وسيما عليه أثر الحبر والألوان، وهو بالإجمال لا يختلف عن ملابس ~~الدراويش إلا بنظافته! # أنا أكره ملابس رجال الغرب؛ فهي بلا وزن ولا قافية، وإذا ما عدت إلى ~~الشرق فلن ألبس إلا الملابس الشرقية القديمة.» # ويجيبها على سؤالها عن التدخين، فيقول: ~~«ما أعذب هذا السؤال! وما أصعب الجواب عليه، هذا نهار تدخين، فقد حرقت ~~منذ صباحه «مليون لفافة!» # والتدخين عندي لذة، لا عادة قاهرة؛ فقد يجيء الأسبوع الكامل ولا أدخن ~~فيه سيجارة واحدة. # أما مكتبي، فلم يزل بلا ms069 سقف ولا جدران، وأبحار الرمل وبحار الأثير، فهي ~~كما كانت بالأمس، عميقة كثيرة الأمواج، وبدون شواطئ، وأما شراع السفينة ~~التي أخوض بها هذه البحار فهو غير منشور، فهل تستطيعين نشر شراع ~~سفينتي؟ # ها قد بلغت قمة عالية، فظهرت أمامنا سهول وغابات وأودية، فلنجلس هنيهة ~~يا مي، ولنتحدث قليلا. نحن لا نستطيع البقاء هنا دائما، لأني أرى عن بعد ~~قمة أعلى، وعلينا أن نبلغها قبل الغروب. # قد قطعنا عقبة صعبة المسالك، وقطعناها بشيء من التلبك، وإني أعترف لك ~~بأني كنت لجوجا، وأعترف لك أني لم أكن حكيما في بعض الأحايين، ولكن أليس ~~في الحياة ما لا تبلغه أصابع الحكمة؟ أليس في الحياة ما تتحجر الحكمة ~~أمامه؟! # الانتظار حوافر الزمن يا مي، وأنا دائما في انتظار، أنا دائما أنتظر ما ~~لا أعرفه ويخيل لي في بعض الأحايين أني أصرف حياتي مترقبا حدوث ما ~~لم يحدث بعد، وما أشبهني بأولئك المقعدين الذين كانوا يجلسون بجانب البحر ~~مترقبين هبوط ملاك يحرك الماء! # أما الآن، وقد حرك الملاك البركة، فمن يلقيني في الماء؟ فإني أسير في ذلك ~~المكان المهيب المسحور، وفي عيني نور، وفي قدمي عزم. # لدي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر الشفاف وغيره من العناصر، ~~ولكن علي أن أبقى صامتا عنها، وسوف أبقى صامتا حتى يضمحل الضباب، ~~وتنفتح الأبواب الدهرية، ويقول لي ملاك الرب: تكلم؛ فقد ذهب زمن الصمت، ~~وسر فقد طال وقوفك في ظلال الحيرة، متى يا ترى تنفتح الأبواب الدهرية، هل ~~تعلمين؟ هل تعلمين متى تنفتح الأبواب الدهرية ويضمحل الضباب؟» # مي تعتذر عن الزواج # وقد عرض جبران وقتئذ في إحدى رسائله الزواج من مي، وهذا العرض - على ما يظهر - ~~كان مفاجئا لها؛ لأنها وإن غزا الحب قلبها وأصبحت تشعر شعورا عميقا بأن جبران هو ~~فتاها الوحيد وصديقها المختار، بل الحبيب المصطفى بين من عرفتهم من الأدباء ~~والشعراء والمفكرين، فقد كان يخالجها الشك والتردد وكانت لا تصدق أن يأتي ~~اليوم الذي تهجر فيه مصر إلى نيويورك؛ لأنها كانت تعيش ابنة وحيدة ms070 بين أبوين شيخين ~~في القاهرة يحبانها كل الحب، ويحرصان على وجودها بينهما كل الحرص، ولا يستطيعان ~~أن تفارقهما وتذهب بعيدة في بلاد تفصل بينها وبين مصر مسافات شاسعة؛ فكتبت إليه ~~بتاريخ 6 ديسمبر سنة 1921 تقول: # عزيزي جبران ~~«لما كنت أجلس للكتابة كنت أنسى من أنت وأين أنت، وكثيرا ما أنسى أن ~~هناك شخصا، أن هناك رجلا أخاطبه، فأكلمك غالبا كما أكلم نفسي، ~~وأحيانا كأنك «رفيقة في المدرسة». إنما كان يطفو على تلك الحالة المعنوية ~~عاطفة احترام خاص، لا توجد عادة بين فتاة وفتاة، أهي المسافة وعدم التعارف ~~الشخصي والبحار المنبسطة بيننا هي التي كانت تلبس حقيقة ذلك التراسل ثوب ~~الخيال؟ قد يكون، غير أن مكانتك في اعتباري وتقديري كانت مصدر هذه الثقة ~~التي ظهرت منذ نشأتها كأنها فطرية بديهية، لم تنتظر الوقت لتقوى، ولا ~~التجربة لتثبت. # فوصلت الرسالة وقرأتها، فأحجمت إزاء بعض الكلمات خوفا مما تجر إليه، ~~ومرت أسابيع ستة أو سبعة دون أن أكتب؛ لأني كنت أقول لنفسي: يجب أن أقف ~~هنا، ولكنا لم نقف، بل خطونا خطوة، بل قفزنا قفزة! # أنت قيدتني «مذنبة» في دفترك، وقمت تشكو لأني كنت كلما حدقت في شيء ~~أخفيه وراء القناع، وكلما مددت يدا أثقبها بمسمار، نعم فعلت ذلك، فعلت ~~متعمدة، تعمدت قطع تلك الأسلاك الخفية التي تعزلها يد الغيب، وتمدها بين ~~فكرة وفكرة، وروح وروح، وصرت أحرف المعاني، وأمسخ الأشياء، وأضحك عند ~~الكلمات التي تملأ العين دموعا! # وهل كان لدي من وسيلة أخرى لأحولك عن «هذا الموضوع»، وأذكرك أني ~~وحيدة أبوي؟ وقد لا يكون في العائلة الغربية إلا ولد واحد، فيقذفون ~~به من إنجلترا إلى الهند، أو فتاة واحدة فترحل من فرنسا إلى الصين بلا ~~جلبة ولا ضوضاء، ولكن أين نحن من هؤلاء ونحن شرقيون؟! # تعمدت ذلك خصوصا لأوفر على نفسي عذابا أنا في غنى عنه، ولأتحامى ~~كل كلمة تقربني من ذلك الموضوع الذي ملأ روحي شوكا وعلقما في السنوات ~~الماضية، ففهمت ما أريد، وإنما على غير معناه الحقيقي، وفهمت على ms071 وجه لم ~~أقصده. ثم سطت عليك الكبرياء - كبرياء الرجل - فنسيت أن السكوت لا يحسن ~~بيننا على هذه الصورة، نحن اللذين تكاتبنا كصديقين مفكرين، نسيت أن ~~الموضوع الآخر جاء عرضا، وما دام أنه لم يكن الأصل فقد كان له أن يتلاشى ~~دون أن يؤثر في علاقتنا الأدبية الفكرية، أم صدق القائلون إن صداقة ~~الرجل والمرأة رابع المستحيلات! # آلمني سكوتك من هذا القبيل، وأرهف انتباهي، فألفتني إلى نقط كلها غير ~~مسرة. منها أنك لم تشاركني ارتياحي إلى تلك الصداقة الفكرية؛ لأنك لو ~~كنت سعيدا بها مثلي لما كنت رميت إلى أبعد منها. # علمت أنني كنت وحدي حيث كنت أظننا اثنين، وقدرت أنك لم تكن تحسب تلك سوى ~~«مقدمة»، وأنا كنت أقدرها لذاتها، وصار معنى سكوتك عندي، إما ذاك ~~وإما لا شيء، وأنت أدرى بأثر هذا في نفسي.» # إني أعطيك قلبي # بعثت «مي» إلى جبران بهذه الرسالة، فلم يسرع إليها بالإجابة، وساعد على إبطائه ~~في الرد عليها أنه كان في ذلك الحين يشكو علة في قلبه، فشغلت لذلك شغلا كثيرا ~~وقلقت قلقا شديدا، وأرسلت إليه في الرابع من أغسطس سنة 1921 رسالة تفصح فيها ~~عما تكنه من حب وقلق في ثوب من الاحتشام الشرقي، فقالت: # عزيزي جبران ~~«أريد أن تساعدني وتحميني، وتبعد عني الأذى، ليس بالروح فقط بل بالجسد ~~أيضا، أنت الغريب الذي كنت لي بداهة وعلى الرغم منك أبا وأخا ورفيقا ~~وصديقا، وكنت لك أنا الغريبة بداهة وعلى الرغم مني أما وأختا ~~ورفيقة وصديقة. # ولا يكفيني انتظام القلب المعنوي منك، بل أريد انتظام القلب الآلي، وإني ~~أعطيك لذلك بطيبة خاطر انتظام قلبي الشديد المتين، إن لي مكانة أهل رءوس ~~الجبال، وقد أعطاني أبي كسروانية بما فيها من مقاومة بدنية فخذ كل ذلك ~~مني. وها أنا ذا عندما أتنفس أبطئ حركة التنشق لأضم إلى قوتي قوة البحر ~~وحيوية الطبيعة، ثم أتنفس موجهة مجموعة هذه القوى إليك لتشفى بها ~~وتتشدد! # حدثني عنك وعن صحتك، واذكر عدد ضربات قلبك، وقل لي رأي الطبيب، افعل ~~هذا، ms072 ودعني أقف على جميع التفاصيل كأني قريبة منك. # أخبرني كيف تصرف نهارك، أتوسل إليك أن تتناول الأدوية المقوية مهما ~~كان طعمها ورائحتها؛ فمن هذه المعنويات ما هو ضروري كل الضرورة، مفيد كل ~~الإفادة، وكل ما تفعله لوقاية نفسك أحسبه أنا لك يدا علي وأشكرك لأجله ~~بكل ما في قلبي من صداقة ومودة. # أرسل إلي سطرا أو سطرين من أخبارك، بلا إجهاد.» # أنا مدين للمرأة # وقد أمضت «مي» هذه الرسالة بإمضاء «مي الجبلاوية» لأنها أهدت إليه قلبها القوي ~~الجبلي، وعرضت هذه التضحية الكبرى في تلك الهدية العزيزة؛ لأنها أصبحت ترى فيه ~~أباها وأخاها وفتاها ورفيقها وحبيبها، وإذا أخلصت المرأة ضحت بروحها وقلبها ودمها ~~في سبيل من تحب، فبعث إليها جبران بهذه الرسالة الرقيقة يقول: # عزيزتي مي ~~«في عقيدتي أنه إذا كان لا بد من السيادة في هذا العالم، فالسيادة يجب ~~أن تكون للمرأة لا للرجل! # أنا مدين بكل ما هو «أنا» للمرأة منذ أن كنت طفلا حتى الساعة، والمرأة ~~تفتح النوافذ في مصيري، والأبواب في روحي. # ولولا المرأة الأم، والمرأة الشقيقة، والمرأة الصديقة، لبقيت هاجعا مع ~~هؤلاء النائمين الذين يشوشون سكينة العالم بغطيطهم.» # ثم يتحدث عن صحته ومرضه وطبيبه وأدويته، فيقول: ~~«إن الراحة - يا مي - تنفعني من جهة أخرى. أما الأطباء والأدوية، فمن ~~علتي بمقام الزيت من السراج. لا، لست بحاجة إلى الأطباء والأدوية، ~~ولست بحاجة إلى الراحة والسكون. # أنا بحاجة موجعة إلى من يأخذ مني ويخفف عني، أنا بحاجة إلى فصادة معنوية، ~~إلى يد تتناولني مما ازدحم في نفسي، إلى ريح شديدة تسقط أثماري ~~وأوراقي!» # أنا بركان صغير # ثم يقول لها عن نفسه، وقد طلبت منه أن يكتب إليها بلا إجهاد: ~~«أنا - يا مي - بركان صغير سدت فوهته، فلو تمكنت اليوم من كتابة شيء ~~كبير أو جميل لشفيت تماما. # لو كان بإمكاني أن أصرخ عاليا لعادت عافيتي، قد تقولين لماذا لا تكتب ~~فتشفى؟ لماذا لا تصرخ فتعافى؟ وأنا أجيبك: لا أدري، لا أدري، لا أستطيع ~~الصراخ. # هذه علتي؛ علة في ms073 النفس، ظهرت أعراضها في الجسد. وتسألين الآن: إذن ~~ماذا أنت فاعل؟ وماذا عسى أن تكون النتيجة؟ وإلى متى تبقى في هذه ~~الحالة؟! # أقول: إنني سأشفى، أقول إنني سأنشد أغنيتي؛ فأستريح، أقول إنني سأصرخ من ~~أعماق سكينتي صوتا عاليا. # بالله عليك لا تقولي لي: أنشدت كثيرا، وما أنشد قد كان حسنا، لا ~~تذكري أعمالي الماضية؛ لأن ذكرها يؤلمني؛ لأن تفاهتها تحول دمي إلى نار ~~محرقة؛ لأن الكليات المجردة مني إليها في صحتي، فإذا أنا أسندت رأسي ~~إلى هذه المساند، وأغمضت في هذا المحيط، وجدتني سابحا كالطير فوق أودية ~~وغابات هادئة متشحة بنقاب لطيف، ووجدتني قريبا ممن أحبهم، أناجيهم ~~وأحدثهم، ولكن بدون غضب، وأشعر شعورهم، وأفكر أفكارهم، يلومونني ولا ~~يسخطون علي، بل يلقون أصابعهم على جبهتي بين الآونة والأخرى، ~~ويباركونني! # حبذا لو كنت مريضا في مصر، حبذا لو كنت مريضا بدون نظام في ~~بلادي، قريبا من الذين أحبهم، أتعلمين يا «مي» أني في كل صباح ومساء أرى ~~ذاتي في منزل في ضواحي القاهرة، وأراك جالسة أمامي تقرئين آخر مقالة ~~كتبتها، أو آخر مقالة من مقالاتك لم تنشر بعد!» # شوقه لتأليف كتاب «النبي» # ثم يحدثها في هذه الرسالة عن شوقه إلى تلك «الكلمة» التي يريد أن يقولها ~~قبل أن ينصرف عن هذا العالم، وهي ما قالها بعد في كتابه «النبي» وضمنها الكثير من ~~فلسفته وخواطره في الحياة والحب والدين والناس، فيقول: ~~«أما تعلمين يا مي أني ما فكرت في الانصراف الذي يسميه الناس موتا إلا ~~وجدت في التفكير لذة غريبة، وشعرت بشوق هائل إلى الرحيل، ولكني أعود، ~~فأذكر أن «كلمة» لا بد من قولها، فأحار بين عجزي واضطراري، وتغلق أمامي ~~الأبواب! # لا، لم أقل كلمتي بعد، ولم يظهر من هذه الشعلة غير الدخان، وهذا ما يجعل ~~الوقوف عن العمل مرا كالعلقم! # أقول لك يا مي - ولا أقول لسواك - إني إذا ما انصرفت قبل تهجئة كلمتي ~~ولفظها فإني سأعود لأقول الكلمة التي تتمايل الآن كالضباب في سكينة روحي. # أتستغربين هذا الكلام؟ إن أغرب الأشياء ms074 أقربها إلى الحقائق الثابتة، وفي ~~الإرادة البشرية قوة اشتياق تحول السديم فينا إلى شموس!» # سر الوجود في الأطفال # وقد كان جبران يحب الأطفال، وقد اصطفى طفلة من أقاربه يغدق عليها الكثير من ~~عطفه وحنانه، وكانت الطفلة تحبه وتكثر من زيارتها له في مرضه، فأخذ يتحدث عنها في ~~هذه الرسالة أيضا، ويقول للآنسة «مي»: ~~«أنت بالطبع تريدين أن تسمعي شيئا من أخبار صغيرتي الحلوة، فإليك ~~بعضها: # نحن في هذه الأيام لا نستطيع الركض في حدائقنا وبساتيننا، أو نقفز فوق ~~السواقي، أو نخترع الألعاب الجديدة، وصغيرتي تعلم ما بي؛ ولذلك لا ~~تعنفني ولا ... بل تدخل غرفتي مبتسمة وتجلس إلى جانب سريري، ثم تضع يدها ~~الصغيرة الوردية في يدي، فأقص عليها الحكاية بعد الحكاية، وهي تنظر إلي ~~وفي عينيها الكبيرتين كل ما في عيون الملائكة من العطف الرباني والمعرفة ~~الدهرية. # أقول - يا سيدتي - حياة الرجل تظل كالصحراء الخالية، حتى يبعث الله ~~إليه طفلة مثل طفلتي، وأقول إن من ليس له ابنة عليه أن يتبنى ابنة؛ لأن ~~سر الوجود ومعناه يختبئان في قلوب الصغيرات! # إنني أدعو ابنتي «أميرة» لأن حركاتها وسكناتها ونغمة صوتها وابتسامتها ~~وألاعيبها واختراعاتها، بل كل شيء فيها يدل على الإمارة، وهي مستبدة، ~~ولها آراء خاصة، لا يستطيع أحد من الناس تغييرها أو تحويرها. # ولقد عرفت أن الرجل المستوحد المشغوف بالعمل، يستطيع أن يكون أبا ~~وأما وأخا ورفيقا وصديقا!» # جبران # 10 سنوات في المرض والحب والتأليف # ولقد استمر جبران مريضا بالقلب والحب العذري - حب مي - منذ سنة 1921 إلى أن ~~توفي في سنة 1931، وفي خلال هذه المدة ألف أهم كتبه، وفي رأس هذه الكتب: ~~«النبي» و«حديقة النبي» و«عيسى ابن الإنسان». # ولقد زاره صديقه الأديب الكبير ميخائيل نعيمة وهو يؤلف كتاب «النبي»، وقد رأى له ~~في نومه حلما مزعجا؛ رأى أنه واقف على حافة بئر مستديرة عميقة لا ماء فيها، وفي ~~باطنها شجرة يابسة ذات ساق ضئيل، وفروع قليلة لا أوراق فيها ولا ثمر، وتحت الشجرة ~~رأى رجلا مضطجعا على جانبه الأيمن، وقد ms075 توسد ذراعه، ثم رأى الرجل ينهض ~~متواكلا ويفرك عينيه ويتأمل الشجرة، ويتسلق بنظره جدران البئر الملساء كأنه يبحث ~~عن وسيلة للنجاة، ورأى في وجهه الهزيل الأصفر المقنع بالحزن والألم بقعا سوداء ~~وخضراء وصفراء، وتخيله في كل حركة من حركاته كأنه اليأس بعينه، أو كأنه بقية من ~~الحياة تسرولت بسراويل الموت، فناداه بأعلى صوته: «جبران»، ثم أفاق مذعورا من ~~هذا الحلم، وذهب بعده إلى منزل جبران وسأله في اهتمام عن صحته، فأجابه جبران: ~~تدهشني شدة اهتمامك بصحتي اليوم أكثر من كل يوم، فكأنك تشعر بالخلل الطارئ ~~عليها، والذي لم أكشفه بعد لأحد، كنت أظنني من حديد، لكن هذه الآلة العجيبة الصنع ~~والتركيب التي تدعوها الجسد تنتابها علل شأن كل آلة مركبة من أجزاء كثيرة؛ ~~فأنا أخذت أشعر في الأيام الأخيرة برعشة في قلبي ما شعرت بمثلها من قبل، وهذه ~~الرعشة تشتد في بعض الأحيان إلى حد تضيق فيه أنفاسي، فيصعب علي أن أصعد الدرج من ~~أسفل البناية حتى منزلي. # فسأله ميخائيل نعيمة: هل استشرت بشأنها طبيبا يا جبران؟ # فقال جبران: أنا أكره الطب، ولا أومن بالأطباء، فهم يرون الجسد أجزاء متعددة، ~~ويحاولون أن يداووا الجزء جاهلين أن علة الجزء هي علة الكل، وأن مصدرها قد لا ~~يكون في المحسوس، بل في غير المحسوس، وكيف تداوي ما ليس محسوسا بالعقاقير ~~والطلاسم الطبية المحسوسة. ومع ذلك قد أضطر إلى مخابرة طبيب، لعله يعرف جسدي وعلله ~~خيرا مني! # فقال له ميخائيل نعيمة: ليس خفقان قلبك إلا نتيجة جورك عليه يا جبران، أنصفه ~~ينصفك، أنت تنهشه نهشا بقلمك وريشتك، وأنت تنبش منه كل خباياه لتعرضها على الناس، ~~وتسرق كل دقة من دقاته لتجعلها نغمة في كلمة، أو خطا في صورة، وأنت تسهر الليل ~~وتقضي جانبا كبيرا من النهار، مطاردا قلبك حيثما ارتحل وأنى استقر، وأنت فوق ~~ذلك تجهد ما فيه من لحم ودم بكثرة ما تتناوله من القهوة والدخان، والمشروبات ~~الروحية، فخفف من كل هذا! # فأجابه جبران: يا ميشا (كما كان يدعو ميخائيل) ألم تر ms076 أني انقطعت عن القهوة ~~بتاتا؟ أما الدخان فسأحاول أن أقلل منه، لكنني لن أستغني عنه، وأما المشروبات ~~الروحية فإني أعتقد أنها تنفع قلبي ولا تضره، لكن الداء هو أعمق من كل ذلك يا ميشا، ~~وقد لمست بعضه فيما قلته، فماذا أعمل؟! # أأنقطع عن الكتابة والتصوير وهما كل حياتي؟ أأترك كتاب «النبي» وهو ما يزال ~~جنينا، وهو خير ما حبلت به روحي حتى اليوم؟ بل سأمضي به حتى النهاية، وإن انتهت ~~حياتي بنهايته، ولكن قل لي ما الذي جعلك تكثر السؤال عن صحتي اليوم، أرأيت شيئا ~~جديدا في وجهي؟ # فأخبره ميخائيل أنه رأى حلما مزعجا، ولم يخبره بتفاصيله، فدار بينهم حديث عن ~~الأحلام وأنواعها وتأويلها وما تدل عليه، وروى ميخائيل حلما رآه منذ سنتين، حينما ~~كان طالبا في روسيا، وفسر رموزه لجبران، وبين له كيف كان ذلك الحلم بمثابة ~~خريطة لحياته بمعانيها الواسعة لا بدقائقها الصغيرة، فقال جبران: أما أنا، فلا أزال ~~أذكر حلما حلمته من زمان، وكلما ذكرته ارتعشت؛ فقد رأيتني جالسا على صخرة في ~~وسط نهر واسع المخاضة، كثير الرغوة، شديد العربدة، ليس على ضفتيه أثر لإنس ولا ~~لجان، ومع أني لا أحسن السباحة فلم أكن في خوف من طغيان النهر، بل كنت أشكر الله ~~لأنني في مأمن من الحياة الصاخبة، وأعجب كيف توصلت إلى الصخرة، وأفكر في كيفية ~~العودة إلى اليابسة. # وإني لكذلك إذا بأفعى عظيمة هائلة تخرج من النهر وتتسلق الصخرة التي أنا عليها؛ ~~فترتعد فرائصي منها، وأحاول أن أرفسها، ثم أمسك بخناقها لأدفعها عني، ولكن بغير ~~جدوى، أما هي فتأخذ تلتف علي دورة بعد دورة، ويشتد ضغطها وثقلها على أضلاعي إلى ~~أن تنحبس أنفاسي، فأجمع كل قواي لأصرخ طالبا الإغاثة، وعندها أفيق من نومي، وقلبي ~~يقرع أضلاعي قرعا، وقطرات العرق البارد تبلل جبهتي! # فقال له ميخائيل: وما تفسيرك لهذا الحلم يا جبران؟ # فقال جبران: فسره كما شئت، أما أنا، فقد رأيت فيه رمزا لحياتي، مثلما رأيت ~~أنت في حلمك رمزا لحياتك! ~~«مي» هي أمنيته الكبرى # ولقد ms077 فسر ميخائيل هذا الحلم بأن النهر الصاخب الذي رآه جبران هو العالم الصاخب ~~بأمجاده وأهواله، وملذاته وأوجاعه، ورغائبه وأطماعه، والصخرة هي حقيقة الوجود ~~الثابتة في تيار الحياة العالمية، وقد أدركها جبران بخياله، واطمأن إليها بروحه، ~~أما الأفعى الخارجة من النهر فهي ميول جبران العالمية، وتعطشه إلى مجد العالم، ~~وعظمته وملذاته، وقد أفسدت عليه طمأنينته الروحية ونشوته الخيالية، وقضت على ~~أمنيته الكبرى، وهي التوفيق بين أعماله وأقواله، والتوحيد بين ذاته الظاهرة وذاته ~~الخفية. # وقد كان من هذه الأمنية الكبرى أن يرى «مي» رأي العين، ويحظى بحبها عن كثب، ~~ويعيشان معا في نيويورك أو مصر، ولكنه حرم منها كما حرمت منه؛ فقد كانت تحبه ~~حبا عميقا حتى دعته بحبيبها ومحبوبها، وصارحته بالحب، ولقد أرسلت إليه خطابا ~~في مارس سنة 1922 وهي على عزم السفر إلى أوروبا تتعطش فيه إلى رؤيته، وذيلت هذا ~~الخطاب بهذه السطور: # حاشية ~~: من المحتمل أن أغادر مصر إلى ~~أوروبا في أواخر الشهر الآتي، أو الشهر التابع، وإذا وقع ذلك كنت سعيدة ~~لأني أشعر بأن جميع ذرات كياني تتوق إلى الخروج من الشرق زمنا، ليت ~~نيويورك في أوروبا، ومع ذلك مباركة حيث هي لأجل من تضم، وعليها ألف سلام ~~وسلام. # وقد دامت العلاقة القلبية بينهما في أدب رفيع، ومتاع روحي جميل، تقويها الرسائل ~~العاطفية التي يدبجها كل منهما بأبلغ العبارات، وأجمل معاني المودة والصداقة ~~والحب، حتى صارت تلك العلاقة الروحية قصة شائعة بين أديبة نابغة وأديب نابغ، بين ~~فنانة مرهفة الحس وفنان سامي الشعور والوجدان. # ولقد بلغ الحب بالآنسة «مي» أن صارحته به، وكاشفته بأنه محبوبها الوحيد في ~~رسائلها المتوالية، فمن ذلك ما كتبته إليه في 15 يناير سنة 1924 بعد صفحات ضمنتها ~~الكثير من عواطفها. قالت: ~~«جبران، كتبت إليك كل هذه الصفحات ضاحكة لأتحامى قولي إنك محبوبي، ~~لأتحامى كلمة «الحب». إن الذين لا يتاجرون بمظاهر الحب، ودعواه في السهرات ~~والمراقص والاجتماعات ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميتية رهيبة قد يغبطون ~~الذين يوزعون عواطفهم في اللألاء السطحي؛ لأنهم لا ms078 يقاسون ضغط العواطف ~~التي لم تنفجر، ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لأنفسهم، ~~ويفضلون وحدتهم، ويفضلون السكوت، ويفضلون تضليل قلوبهم عن ~~ودائعها، والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة، يفضلون أي غربة وأي شقاء، ~~وهل من شقاء وغربة في غير وحدة القلب؟ # ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به؟! # ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. إني أنتظر من الحب كثيرا، ~~فأخاف ألا يأتيني بكل ما أنتظر! # أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير، ولكن القليل من الحب لا ~~يرضيني، الجفاف والقحط واللاشيء خير من النزر اليسير.» # ثم ترجع «مي» إلى نفسها كفتاة شرقية تعودت الحياء والانطواء والخوف من ~~التصريح بعواطفها، وخضعت لحكم العرف الشرقي بأن مثلها لا يسمح لها بأن تصرح ~~بالحب، أو تلفظ بكلمة تعبر فيها لمن تحب عما تكنه له من حب وهيام؛ لذلك أسرعت ~~فاعتبرت هذا التصريح بحبها لجبران جسارة، فقالت في هذه الرسالة: ~~«كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟! وكيف أفرط فيه؟ لا أدري، الحمد لله ~~أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضرا بالجسد لهربت ~~أنا خجلا بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمنا طويلا، فما أدعك تراني إلا ~~بعد أن تنسى، حتى الكتابة ألوم نفسي عليها أحيانا؛ لأني بها حرة كل هذه ~~الحرية! # أتذكر قول القدماء من الشرقيين إنه خير للبنت ألا تقرأ ولا تكتب! إن ~~القديس توما يظهر هنا، وليس ما أبدي هنا أثر الوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد ~~من الوراثة، ما هو؟ # قل لي أنت ما هو؟ وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو على هدى؛ فأنا أثق ~~بك، وأصدق بالبداهة كل ما تقوله! # وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة، فإن قلبي يسير إليك، وخير ما في نفسي ~~يظل حائما حواليك يحرسك ويحنو عليك! # غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة والأشكال والألوان حصحصت ~~نجمة لامعة، نجمة واحدة هي الزهرة إلهة الحب. # أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟! # ربما ms079 وجد فيها من هي مثلي لها واحد «جبران» حلو بعيد بعيد، هو ~~القريب القريب، تكتب إليه الآن، والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف ~~الشفق، وأن النور يتبع الظلام ، وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع ~~الليل مرات كثيرة، قبل أن ترى الذي تحبه، فتتسرب إليها كل وحشة الشفق، ~~وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانبا، لتحتمي من الوحشة في اسم واحد ~~«جبران».» # إني عطشى # وأصدر جبران كتاب «النبي»، وقد قدم فيه نفسه، وقدم فيه صورة الإنسان الكامل، ~~وصورة المعلم المجرب العميق، وضمنه أهم ما وصل إليه من تجارب، وما عرفه من ~~دروس الحياة، وما تأثر به من آلام، ولقد شغل جبران في ذلك الحين بهذا الكتاب ~~وبأقوال الكتاب والمفكرين الغربيين والشرقيين فيه عن مراسلة «مي» بضعة أشهر، ~~فأرسلت إليه رسالة في 20 نوفمبر سنة 1934 تقول فيها: ~~«إني عطشى لرؤية خط يده الجميل، وللمس قرطاسه، واستماع أخباره، وبودي ~~أن أسوق إليه كلمات الخصومة والملام، فلا أجد إلا كلمات الشكر والعطف ~~والاشتياق! # إن نور الشمس اليوم يتألق ويضحك كأبهى نور عرفته الخليقة، ترى ما هذا ~~الذي جعل مصطفى (بطل كتاب النبي) ينسى صديقته الأفريقية «مي» كل هذا ~~النسيان؟ # اكتب إلي، لا تحرمني حنانك.» # في عيد الميلاد # وفي 20 ديسمبر سنة 1924 كتبت إليه رسالة بمناسبة قرب عيد الميلاد، وهي رسالة ~~حارة تشتاق فيها إلى لقائه، وتود أن تراه ولو في الخيال، أو بالروح عن كثب ~~لتحيا معه تلك الحياة التي تهفو نفسها إليها، أو تلقاه بالحس والمدركات. ثم تعود ~~إلى ما كانت قبل هذا الموسم، في بيتها بالقاهرة بعد أن جلست إليه، وفرغ لها عن ~~شواغله وملاهيه، وتجرد لها وحدها عن كل شيء وعن كل أحد، فقالت في هذه الرسالة: ~~«سأذهب إليك مرارا عديدة خلال هذه المواسم، وأمكث في حماك طالبة ~~الاغتباط بحضورك! # أتعد - يا جبران - أن تتفرغ من شواغلك وملاهيك، ولو دقائق، لاستقبالي؟ ~~وأن تكرس لي وحدي لحظات تتجرد فيها من كل أحد وكل شيء؟ # سأذكرك خصوصا يوم ميلادك، وأرعاك رعاية ms080 أثيرية طول النهار؛ فأحيا معك ~~الحياة التي ترضيني في أنقى ما يفد علي من الخواطر، وأبهج ما يتناوله ~~حسي من المشاهد والمدركات، وأنبل ما يتنازعني من الميول، وفي أحر وأبسط ~~ما أتلوه من الصلوات، وفي الصباح سألقي عليك أولى التحيات، وأطلب منك أولى ~~ابتساماتك، أتعطيني؟!» # قصصت شعري # ثم أخبرته أنها قصت شعرها وقصرته على «الموضة»، ولكنها أسفت عليه بالرغم ~~من رأي المزين الروماني، فقالت: ~~«لقد قصصت شعري، وعندما ترى من صديقاتك بعد اليوم - يا جبران - من ~~هن في هذا الزي يمكنك أن تذكرني، وتقول لهن في سرك إنك تعرف من ~~تشبههن! # كنت إلى شهور راغبة في التخلص من هذه الذوائب التي يقولون إن لطولها ~~يدا في قصر عقل المرأة، وهو محض افتراء طبعا، ولكن عندما رأيت شعري ~~بحلكته وتموجه الجميل وعقاربه الجريئة مطروحا أمامي تداعبه يد المزين شعرت ~~بأسف على هذه الخسارة، غير أن المزين طيب خاطري بعبارات تكسرت فيها ~~الكلمات الألمانية والإيطالية، وهو روماني على ما يقول، فهل كان في وسعي ~~إلا أن أضحك؟! # وقد مضى يصف لي جمال الشعر القصير، ومنافعه ومميزاته، وخاصة أنه - على ما ~~زعم المزين الصالح - يليق لي كثيرا. # وسألته إلى كم امرأة قال كل هذه الكلمات؟ فأجاب: «إني فيلسوفة.» أرأيت ~~هذه الفيلسوفة التي تسعى إلى قص شعرها، ثم تحزن عليه، ثم تضحك لأن ~~المزين يعزيها عن فقده بكلمات مسرحية؟! # وأين تلك الفلسفة والفتاة المذكورة تحدث بهذا الحديث عن شعر قاتم هو ~~شعر البداوة والسمرة، تحدث فنانا شاعرا شغف بشعر الحضارة والشقرة، فهو ~~لا يروق له إلا الشعر الذهبي، ولا يترنم إلا بجمال الشعر الذهبي، ولا ~~يحتمل في الوجود إلا الرءوس التي تحمل الشعر الذهبي.» # يا صديقي الحلو الرقيق # وقد أجابها جبران على هذه الرسالة برسالة قصيرة ومعها «هدية» تتألف من: محفظة يد، ~~ومرآة، وقلم جميل، وصورة يد من ريشته، فأجابته بهذه الرسالة التي تدل على أن ~~غرامها به قد تمكن من فؤادها وأصبح شاغلا لكل جوانحها، وقد كتبتها في 17 فبراير ~~سنة 1925، فقالت: ~~«جبران، ms081 يا صديقي الحلو الرقيق الكريم، كن مباركا لأجل عطفك، كن ~~مباركا لأنك تذكر، كن مباركا لأنك ترغب في إدخال السرور على ~~نفسي. # محفظتي لي في نهاية الأمر، وهي الشيء النفيس الوسيم، وهي الشيء الآتي ~~منك، وقد انقشعت عنه لمسات الأيدي الغريبة، فلم تعلق به غير أثر أناملك، ~~ولم يسفر عنه غير مظهر عطفك. # ومضت جميع الوجوه من المرآة، إلا أنها استبقت لي نظرة بعيدة قريبة من ~~عينيك، فأتلقاها بنظري وأتملاها، فأقول لها شيئا يعرفه القرطاس كذلك. # أما اليد، فسأحيطها بإطار خفيف بسيط، لا يخفى من بياض لوحتها إلا اسمك ~~واسمي؛ لأني لا أريد أن يعرفها غيري، ولأني أريد أن يكونا سري المكنون ~~اللذيذ! # وستكون هذه اليد أبدا على منضدتي هذه لتحدثني عن الإخلاص بارتفاعها، ~~وتدفئ روحي بصورة لهيبها. # محفظتي لي في النهاية، وقلمي لي، والمرأة والصورة كلاهما لي، فإذا بها ~~جميعا الروح التي تحضنني وتحب!» # أرسلت «مي» هذه الرسالة في فبراير، ويظهر أنه شغل بمرضه وأعماله في نيويورك ~~فلم يسرع بالرد عليها، فقلقت قلقا شديدا، وبعثت إليه برسالة أخرى في 11 مارس سنة ~~1925 قالت فيها: # صديقي جبران ~~«لقد توزع في هذا المساء بريد أوروبا وأمريكا، وهو الثاني من نوعه في ~~هذا الأسبوع، وقد فشل أملي في أن تصلني فيه كلمة منك، نعم إني تلقيت ~~منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديس يوحنا الجميل، ولكن هل تكفي ~~الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل. # لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك، أو عندما تنيلك ~~الكتابة سرورا، ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع ~~البريد على الصناديق يفرغ حقيبته؟ # أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل، حتى طوابع ~~الولايات المتحدة، وعلى بعضها اسم نيويورك واضحا، ولا أذكر صديقي، ولا ~~أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه؟!» # وبعد سطور أفضت إليه فيها بمكنون نفسها وصريح عواطفها، قالت في نهاية الرسالة: ~~«ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي، فتخفف من كآبتك ms082 إن كنت كئيبا ~~وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة، ولتقوك إن كنت عاكفا على عمل، ~~ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا.» ~~(5) ما أحلى اللقاء # وفي 11 نوفمبر سنة 1926 أرسلت «مي» إلى جبران هذه الرسالة ، وكان غرامها به قد بلغ ~~ذروته، فقالت فيها بعد كلام غرامي طويل: ~~«ما أحلى اللقاء بعد الفراق يا جبران! ما أحلاه على القرطاس خلال الألفاظ ~~المتقطعة! إني ما زلت ألتقي بك في الضباب (تشير بذلك إلى رسالته السابقة التي ~~بعثها إليها، وقال فيها: «أنا ضباب يا مي، أنا ضباب يغمر الأشياء»). # الضباب، عالمنا الذي منه كل شيء، وإليه كل شيء يرجع، ولكننا من روح وجسد، ولا ~~بد أن تكون مسراتنا مزيجا من المحسوس وغير المحسوس؛ لذلك يروق لي أن ألتقي ~~بك في الضباب وخارجا عنه! # تعال - يا جبران - وزرنا في هذه المدينة (القاهرة)، فلماذا لا تأتي وأنت ~~فتى هذه البلاد التي تناديك؟ # تعال، فأشعة القمر تثير الرمل حول أبي الهول وتمرح في موج النيل. # تعال يا صديقي، تعال فالحياة قصيرة، وسهرة على النيل توازي عمرا حافلا ~~بالمجد والثروة والحب!» # بهذه المناجاة العاطفية الرقيقة ختمت الآنسة مي هذه الرسالة الغرامية، ولكنها لم تكن ~~خاتمة رسائلها؛ فقد استمرت الرسائل متبادلة بينهما إلى أن توفي جبران سنة 1931، ~~وكان كل منهما يتمنى أن يرى الآخر، وأن يتبادلا لواعج الحب باللسان، وأن يتحدثا عن ~~كثب بالقلب والوجدان، ولكن شاءت المقادير أن يتبادلا هذا الغرام القوي العميق على ~~الأوراق. ولعل في ذلك كسبا للأدب، فقد سجلنا في الفصول التي نشرناها عن قصة الغرام ~~بين «مي» وجبران ما يضيف إلى الأدب العربي ثروة نفيسة بما دبجاه من أسلوب أدبي جميل ~~في معاني الحب وفلسفة الحب، وما خطر لكل منهما من خواطر نفسية وروحية، وما تملكهما من ~~شعور عاطفي وصفاه بأفصح العبارات وأبلغ المعاني. # وإذا كانت الحياة الحب، والحب الحياة، فإن للحب في الأدب العربي وفي آداب الأمم ~~الأخرى مكانة كبيرة، حتى كاد يكون بإنتاجه الغزير في الشعر والنثر والقصة ms083 الأساس الذي ~~تقوم عليه هذه الآداب. ~~(6) مي ولطفي السيد # كان لطفي السيد مولعا بالشعر والأدب العربي منذ كان طالبا في مدرسة الحقوق، وقد ~~عني بالأدب بعد تخرجه من الحقوق وهو في النيابة، ثم وهو في المحاماة. وكثيرا ما ~~كان يروي في مجالسه ألوانا من أشعار الحب وجمال الطبيعة والإنسان، ولقد حدثني صديقه ~~المرحوم عبد العزيز فهمي باشا أنهما - وهما وكيلان لنيابة بني سويف - كانا في أوقات ~~الفراغ يتطارحان الأشعار، قال عبد العزيز باشا: فكان لطفي ينشد عن ظهر قلب كثيرا من ~~الأشعار القديمة، وعلى الأخص من شعر الغزل والحب، ومما هو باق في ذاكرتي من إنشاده قول ~~مهيار الديلمي: # بعد أحبابي كساني الأرقا # مات صبري فلهم طول البقا # كنت بالشعب وكانوا جيرتي # فافترقنا والهوى ما افترقا # لي حبيب كلما عانقته # نثر الورد علينا الورقا # ثم قال عبد العزيز باشا: «مثل هذه الأبيات وغيرها، كان يرويها لي صديقي لطفي أثناء ~~المطارحة ونحن شباب والحياة باسمة خضراء. ولا شك عندي أن صداقتي لهذا الأخ الأديب ~~الأريب الواسع الاطلاع مما شجعني على دراساتي العلمية والأدبية.» # ولقد انتزع الأدب والقلم لطفي السيد من منصب القضاء وصناعة المحاماة، وتولى تحرير ~~صحيفة «الجريدة» عدة سنوات، وكان في تحريره لتلك الصحيفة صاحب مبادئ ديمقراطية وصاحب ~~دعوة اشتراكية، وكان من أول الداعين إلى الحرية والاستقلال، ومناهضة الطغيان ~~والاستبداد، وقد أنشأ في الجريدة فصلا للدراسات العالية الحرة كان من تلامذته الدكتور ~~طه حسين، والدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور منصور فهمي، والآنسة مي، وغيرهم من أعلام ~~المدرسة الحديثة، ثم نمت هذه المدرسة واتسعت، فأصبحت فكرة لجامعة كبرى تحققت فيما ~~بعد، فصارت جامعة أهلية، ثم جامعة حكومية، ثم جامعات! ~~••• # كان يصطاف في لبنان وجلس يتعشى في فندق «يسو» ببيروت، فلاحظ بالقرب منه فتاة لطيفة ~~تجلس إلى مائدة مجاورة، وهي تتحدث بالفرنسية حديثا فصيحا مع قنصل فرنسا في مصر، وكانت ~~تدافع عن المرأة الشرقية دفاعا حارا قويا، فسأل لطفي السيد صديقه خليل سركيس: «من ~~تكون هذه الفتاة المتحمسة للمرأة الشرقية؟» فأجابه: «إنها ms084 ماري زيادة ابنة الصحفي ~~المعروف إلياس زيادة، صاحب جريدة «المحروسة».» وكانت هذه «المحروسة» تصدر في مصر في ذلك ~~الحين. وبعد أن انتهت «مي» من حديثها مع القنصل قدمها سركيس إليه. # كان ذلك سنة 1911، ولما رجع لطفي السيد من مصيفه، ورجعت الآنسة «مي» أهدت إليه كتابها ~~«ابتسامات ودموع»، وهو رواية حب ترجمتها إلى العربية عن اللغة الألمانية عنوانها «غرام ~~ألماني». وكانت قد أصدرت باللغة الفرنسية كتابين قبلها، وكانت الفرنسية تغلب عليها، ~~وتؤثر في أسلوبها العربي، وقد أخذت في ذلك الحين تنشر في جريدة والدها «المحروسة» ~~مقالات بعنوان «يوميات فتاة». # لاحظ لطفي السيد في هذه المقالات أن كاتبتها في حاجة إلى العناية باللغة العربية؛ ~~فنصح لها بقراءة الأدب العربي، وبعثه إعجابه بذكاء هذه الفتاة ونظراتها الصادقة وآرائها ~~الناضجة إلى الاهتمام بتهذيبها وتقويم أسلوبها، فكان يقرأ كل يوم مقالها في اليوميات، ~~ويصحح مآخذه بالقلم الأخضر، ويمضي هذا التصحيح بإمضاء «لطفي» ويرسله إليها. ~~••• # وذات يوم كان جالسا يتحدث معها، فقال لها: «لا بد لك يا آنسة من تلاوة القرآن ~~الكريم، لكي تستفيدي من بلاغة معانيه وفصاحة أسلوبه.» # فقالت له: «ليس عندي نسخة من القرآن». # فقال لها: «أنا أهدي إليك نسخة منه!» # وبعث إليها في اليوم التالي بنسخة من القرآن مع كتب أخرى في الأدب العربي، وقد قالت ~~لي الآنسة مي في ذلك، وأنا أزورها ذات ليلة: ~~«ابتدأت أفهم من لطفي السيد اتجاه الأسلوب العربي، وما في القرآن من روعة جذابة ~~ساعدتني على تنسيق كتابتي ورقي أسلوبي.» # كان الأستاذ أحمد لطفي السيد في ذلك الوقت في ربيع الحياة وعنفوان الشباب، وكانت ~~الآنسة مي في العشرين، أو على الأصح في الخامسة والعشرين، وكانت هذه الأديبة من ملاحة ~~الطلعة وخفة الروح وسحر الحديث ما يجذب إليها النفوس، ولا سيما نفس الأديب؛ فاستهوت ~~نفس أديبنا الكبير، وشغلت قلبه وفكره، وأصبحت فتاة أدبه وكعبة رسائله العاطفية. وكان في ~~أول أمره يعجب بذكائها ونبوغها، ثم تطور هذا الإعجاب إلى حب روحي عميق، وكانت «مي» ~~تحترمه لعلمه ومكانته وقلمه البليغ، ثم ms085 تطور هذا الاحترام إلى إعزاز وتقدير؛ فأخذت ~~تثق به كل الثقة وتنزل له من نفسها منزلة عزيزة، وتستشيره في الكثير من شئونها، ~~وتسر إليه بما تخفيه عن غيره من الأصدقاء والأقربين. ~~••• # وقد امتدت هذه الصداقة بينهما طول حياة الآنسة «مي»، ولكن السنوات العشر الأولى - ~~ما بين سنتي 1911 و1921 - هي التي بلغت فيها هذه الصداقة، أو هذا الحب الروحي العميق ~~أعلى درجاته؛ فقد كتب فيها لطفي السيد إلى فتاته النابغة عدة رسائل عاطفية تعتبر ~~نموذجا حيا بليغا من رسائل العظماء في الحب! # ولست أستطيع أن أدون هنا كل هذه الرسائل، وأكتفي بمقتبسات من أربع رسائل: # الخطاب الأول # ففي يوليو سنة 1913 سافر لطفي السيد إلى الإسكندرية للاصطياف، وكان قبل سفره ~~مثابرا على زيارتها كل أسبوع، وما كاد يمضي أسبوع واحد على فراقه لها في القاهرة ~~حتى اشتاق إلى رؤيتها؛ فبعث إليها بهذه الرسالة في 15 يوليو من ذلك العام يقول فيها: # سيدتي ~~«مضى أسبوع كامل من يوم كنت عندكم، أستأذن في السفر إلى الإسكندرية. وما ~~كان من عادتي أن أغيب عنك أكثر من أسبوع، إذا مضى كان يدفعني الشوق إلى ~~حديثك الحلو، وأفكارك المتينة الممتعة، إلى زيارتك، فلا غرو أن أستعيض ~~عن الزيارة غير المستطاعة بهذه الرسالة السهلة الكلفة، كتابي يلقي ~~إليك في صحة وسلامة وصبر على هذا الحر الذي ربما شبهه بعض أصحابنا ~~الشعراء بشوق المحبين، يقص عليك أنني أذكرك دائما كلما هبت نسمات ~~البحر، وقابلت بينها وبين لوافح القاهرة، وكلما تجلى علينا البدر يضيء ~~البر والبحر على السواء، ويملأ العيون قرة، والقلوب رضا. وكلما جلست على ~~شط البحر أتعشى وسط أصحابي، كما كانت حالي وقت أن رأيتك لأول مرة، وسمعنا ~~حديثك وأعجبت بك. أذكرك كلما خطر ببالي النظر في حال المرأة الشرقية ~~ومستقبلها وعلى من نستطيع أن نعتمد في المساعدة على انتقالها إلى الأفق ~~الذي نرجوه، وكلما قرأت من الشعر ومن النثر أفكارا تتناسب مع أفكارك أو ~~تختلف عنها. أذكرك كلما هاج البحر، وألفت عقلي إلى مظهر الغضب ms086 في وجه ~~الطبيعة الباسم، وآثار الغضب في نفوس بني آدم حتى في نفس فتاة أرحبهم صدرا ~~وأحسنهم خلقا وألطفهم مجاملة وأرعاهم معاملة وأرقهم قلبا. # هي أيضا، مع أنها ملكة بين المعجبين بها و«همو كثر» قد حسبتها يوما من ~~الأيام إحدى رعايا الغضب.» # وهنا نشير إلى أن الآنسة «مي» كانت مرهفة الحس سريعة الغضب أو الدلال كما ~~يعبر عنه الشعراء، ثم جاء بعد ذلك: ~~«هي تملك القلوب بنظرها ولسانها وقلمها، روابط لا انفصام لها، وسلاسل لا ~~قبل لأحد بفكاكها، ولكنها مع ذلك تدين إلى الغضب، وتجري عليها - كما تجري ~~علينا نحن الخلائق - أحكامه، وربما زادت علينا في أمر آثار الغضب عندنا لا ~~تقيم بعد الاعتذار. أما هي فإنها غضبى، يلذ لها غضبها في كل أطواره، كما ~~يطيب لنا احتماله في كل مظاهره؛ عبس في الوجه لا يقل في جماله عن الابتسامة ~~الفاتنة، وإعراض كالدلال في الإقبال، وتوقد في العينين كأنه في حلاوة من ~~النظر، فما أشبه نظرهما الشزر، يلحظهما الرحيم في اللعب بقلب الحكيم، ثم ~~قطع للرسائل وهجر جميل. # أذكرك في كل وقت، ولا أجرؤ أن أكتب إليك إلا في ميعاد الزيارة، لكيلا ~~أضطرك مكرهة بتقاليد الأدب أن تردي علي بالكتابة كلما كتبت إليك. ~~على إني أعرف كثيرا غيري لهم تراسل قد يضيق وقتك عن العطف ~~عليهم.» # وبعد أن يعتذر إليها لطفي السيد في هذه الرسالة عن التصريح لها بما في قلبه ونفسه يقول: ~~«فاعذري قلما حساسا، غيورا طماعا، يجري إلى ما يحب كالسيل ~~المتدفق، لا يبالي صادف سهلا أو اصطدم في وعر أو حبس في جسر. إنه لا ~~يعنيه إلا ما يحب من غير أن يفكر، ليس له عذر إلا في صدق، وكفى بالصدق ~~عاذرا، وكفى بالصدق شفيعا!» # الخطاب الثاني # وبعد أن قضى لطفي السيد في مصيف الإسكندرية نحو شهرين سافر إلى بلدته «برقين»، ~~فبعثت إليه الآنسة «مي» بخطاب يتضمن عواطفها النبيلة، وقد سطرت فيه جانبا من ~~أفكارها الأدبية والاجتماعية، فرد عليها بخطاب في أول سبتمبر سنة 1913 جاء فيه: ms087 ~~«لست في حاجة إلى العنوان لأني لا أريد أن يقرأ كتابي من عنوانه، ولست ~~في حاجة إلى ندائك من بعيد أو قريب؛ فأنت من نفسي أقرب من أن ~~تناديك. # جاءني كتابك، فشممته مليا، وقرأته هنيئا مريئا، وإني ممتنع نهائيا ~~عن أن أشرح لك العواطف التي تعاقبت على نفسي بتلاوة هذه الرسالة الفيحاء ~~حقيقة بكل معنى الكلمة. وكل ما يأذن لي تهيبك أن أبوح به هو أني من الصباح ~~إلى هذا المساء وأنا وحدي، فلم أستطع أن أمسك القلم لأجيب عليه بصراحتي ~~العادية، فما وجدت بدا من الركون إلى أسلم الطرق، وهو أن أحفظ لنفسي وصف ~~الاغتباط الذي نالني من هذا الكتاب.» # ثم قال: ~~«جاءني كتابك اليوم، وأنا في الجنينة - خولي على غلامين وفتاتين يعملون ~~في الجنينة تحت نظري؛ لأني أكسل من أن أعمل بيدي - جاءني ولا أكذبك أني ~~كنت في انتظاره، فقرأته، ثم قرأته، وذكرت تلك الليلة التي لها في حياتي ~~تاريخ ومركز خاص، وذكرت إذ أستمتع برؤيتك، وتهولني قدرتك على هذا الشباب ~~الغض!» # وبعد أن يتحدث في هذه الرسالة أن كتابها شغله عن الجنينة وعن العمال؛ إذ كانت هي ~~أكبر مشاغله، وكانت رسائلها إليه هي شغله الشاغل، يقول: ~~«ذلك هو شغلي طول النهار يا هانم، أخشى أن تكون عصاك أو نفثاتك قد لعبت ~~بعقلي أيضا، فأحكم على شوبنهاور ونيتشه حكمك القاسي عليهما، ولكني مع ذلك ~~أقول إن شوبنهاور أخطأ خطأ واحدا، وهو أنه لم يقدر أن سيكون من النساء ~~فتاتنا «مي»، ذلك هو الخطأ الأساسي الذي لو تدبر فيه لما تمشى في مذهبه ~~على هذا النحو.» # ثم ينتقل لطفي السيد إلى وصف ما تضمنه كتابها من أفكار وآراء، فيقول: ~~«اعترفي بأنك كنت في ساعة من ساعات تجلياتك، حين كتبت لي هذه الرسالة، ~~أن فيها أفكارا ومرامي ذات وزن كبير، وفيها مقاصد ومعان تكاد تطير من ~~خفتها، أو تذوب من رقتها!» # ثم تغلب عليه خوالج نفسه ودوافع عاطفته ووجدانه نحوها، فيقول في رسالته: ~~«أجناية علي أن أتحدث بهذه النغمة السابغة؟ ms088 ألا أن للأرواح أيضا غذاء ~~يتنزل عليها من مكان أسمى من مكانها العادي، وهزة تأخذها حين تتقابل ~~جاذبيتها، لعل ذلك هو سر السعادة الإنسانية التي يلتمسها الناس فلا يعرفون ~~طريقها، إن روحا تغترف قوتها من ذلك المعنى الرفيع لسعيدة لا محالة. قلب ~~يخفق، وعين تنديها دمعة الفرح الباردة، ونفس تتخلى ولو مؤقتا عن هذه ~~الرتبة الدنيئة - رتبة الزحف في حمأة المنافع المادية - إلى السبح في بحر ~~الخيال، واستطعام اللذة المعنوية، ذلك أجمل ما في معاني الحياة ~~الإنسانية. # أف لقيود الاصطلاح! إني كاسرها، وملق بها عني لأقول ماذا؟ لا شيء، ~~بل لأقول إنه لا ذنب علي إن صرحت بأني اليوم سعيد، وربما كنته بعد ~~اليوم، هذا ما لا أعرفه.» # ثم يقول في آخر هذه الرسالة: ~~«ولو علمت أني يسرني أن أظل أكتب لك، أكتب طول وقتي، لما نفدت مادة ~~أنت ينبوعها العذب. وأرجوك ألا ترثي لحال ملكي المسكين الذي يحمل ~~صلواتي، فإن لي ملكا آخر من ملائكة الرحمة تغبطه الملائكة أنا ~~أحبه.» # الخطاب الثالث # وعلى الرغم مما في رسائل لطفي السيد إلى الآنسة «مي» من عاطفة مشبوبة، فإنها ~~تتخللها المعاني الإنسانية والخواطر الفلسفية؛ ففي 29 أبريل سنة 1914 بعث إليها ~~خطابا عاطفيا من «برقين»، وكانت قد غضبت منه لأنه لم يدعها ولا غيرها من النساء ~~لحفلة تأبين المرحوم فتحي زغلول، ثم سافر إلى بلدته وكان مرشحا نفسه لانتخاب ~~الجمعية التشريعية، وأقيمت له حفلة استقبال، وقد جاء في هذا الخطاب: # صديقتي ~~«سيقال إني مشغول بحفلة الاستقبال، ويعلم الله بماذا أنا مشغول، أكتب ~~إليك تحت سلطان شعور أقرب ما يكون من مشاعر الحزن الصامت، حزن لا يعترف به ~~لأنه غير معروف المصدر، ولا محدد الجهات، ولكنه مع ذلك حزن! # الطيور تغرد حولي من كل ناحية، وما هي إلا حمامتان وعصافير شتى أدفعها عن ~~الدخول في «أودتي»، وهي لا تندفع ولا تخافني كأنها علمت بأني أنا شجي ~~بها، تنتقل الحمامتان من فوق ستارة إلى ستارة أخرى، كأنهما تقولان لي: نحن ~~أليفان سعيدان، وصديقان مجتمعان، ms089 فأين صديقك أنت؟! والواقع أن العصافير ~~الصغيرة ترى بيتنا أفسح من أن يكون لنا وحدنا، فتريد أن تبني أعشاشها في ~~الشبابيك، ونحن نطردها، وما أقلنا كرما، نحب الأثرة حتى مع هذه العصافير ~~البريئة الصغيرة، ونحن مع ذلك ندعي من زمان أننا نحب الاشتراكية ونحب ~~المساواة، ونتواصى ببر الضعفاء! # أنا لا أطرد العصافير إكراما لخاطر كنارك الصغير، ولا أهيج الحمام ~~إكراما لما اشتهر به من معنى الوفاء في الصداقة وحسن العشرة.» # وبعد أن يستطرد في هذا الخطاب إلى وحشية الإنسان في محاربة العصافير وطرد الطيور ~~وأكله لها، يقول: ~~«هنيئا مريئا أيها الطاعم على حساب نظام الوجود، وضد مصلحة الفن، كأنها ~~لا يسمع إلا نداء بطنه الجائع، أو كأن هؤلاء لهم بطون إظهار ألمه أشبه ~~بالمستهتر في شهواته ولذائذه! # وإلى أية مرحلة من مراحل التدليل أريد الوصول بهذه المقدسات؟ ستقولين: لا ~~شيء، إلا أني أعترف لك بأني أيضا لي من الاهتمام بأمر العواطف ما لجميع ~~الناس، وأني لا أجد بأسا من أن أكتب إلى صديقة تفهمني جد الفهم، وأنا غير ~~جذل القلب، ولقد ظفرت فعلا ببغيتي؛ فإني ما زلت أحدثك حتى شعرت ~~اللحظة بسعة الصدر بعد ضيقه، وانبساط في حال النفس بعد تقبضها، ورغبة في ~~إطالة هذا الحديث، وقد اطمأننت وأنت أمامي أخاطبك إلى أن في الإنسانية ~~نفوسا طيبة حسب الإنسان أن يدخل في دائرة أشعتها النيرة حتى تنقشع عن نفسه ~~ظلمات التطير، ويحتل مكانها نور التفاؤل والرجاء. # هنيئا للنفوس الطيبة التي قد يئس الغضب من التسرب إليها، وأصبحت حرما ~~آمنا لا تقر فيه إلا الطمأنينة والرضا بالواقع من أمر الناس، خصوصا متى ~~كان قد انقطع الرجاء من تغيير هذا الواقع!» # الخطاب الرابع # ولما قامت الثورة الوطنية سنة 1919 كان لطفي السيد من زعمائها وأحد أعضاء الوفد ~~المصري، وقد سافر مع هذا الوفد سنة 1920 إلى باريس ثم إلى لندن للمطالبة بحق مصر ~~في الحرية والاستقلال، فشاقه أن يراسل أحب الناس إليه وهو في غمرة الجهاد ومتاعب ~~السفر؛ فبعث إليها عدة خطابات، ms090 منها هذا الخطاب الذي كتبه في باريس يوم 15 أكتوبر ~~سنة 1920، وقد قال فيه: # صديقتي العزيزة ~~«أكتب إليك، وإني لأشعر - أني زيادة على تفريطي في الكتابة إليك إلى ~~الآن - ربما اخترت الفرصة الأبعد ملاءمة لمحادثتك؛ فإني أراني من حرج ~~الصدر بحيث أخشى أن ينم كتابي عن حالي التي ربما غلوت كعادة الشباب في ~~تصورها من خلال الحديث. # ولكن لم لا أكتب في هذا الوقت، والإنسان أحوج ما يكون لصديقة حين يعوزه ~~الاكتفاء بنفسه عن الأغيار، والاستقلال باحتمال آلامه الحسية والمعنوية؟ ~~أليس في ذلك الإثبات التام للحاجة إلى الصداقة، والنتيجة الطبيعية أن المرء ~~بطبعه «آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»؟ أظن الأمر كذلك، وعلى ~~هذا السند أعتمد في الإقبال عليك ومحادثتك لحظة من الزمان، أصرف بها عن ~~نفسي همها، وأقوم بأداء الدين الذي التزمت به لديك. وخير من هذا كله ~~أغتنم لذة استحضار شخصك المحبوب، وذكرى مجلسك الذي يملأ القلب اغتباطا، ~~ويسعد كل ملكات النفس.» # ثم ينتقل في هذا الخطاب إلى الحديث عن القضية المصرية، فيقول: ~~«... ليطمئن قلبك عن قضيتنا، يجب أن أسارع أمام هذه اللوحة السوداء إلى ~~إخبارك أنه لا شيء يعترض حسن سير القضية، وإننا مسافرون إلى لندره في ظرف ~~أسبوع، فمن هذه الجهة كوني مرتاحة البال.» # وقد كان لطفي السيد في ذلك الوقت متفائلا بنجاح القضية المصرية، وهو كعادته طول ~~حياته متفائل، ولقد صح تفاؤله في نجاح هذه القضية بعد عدة سنوات، وتحققت نبوءته ~~- في العهد الأخير - بالجلاء التام والحصول على الاستقلال التام؛ ولذلك أخذ يتحدث ~~إلى الآنسة «مي» في هذا الخطاب عن احتمال الألم، والظهور بمظهر المغتبط المتفائل، ~~فيقول: ~~«أليس رواء المغتبط أحسن في نظر الناس من رواء المحزون أو المستحق ~~للعطف؟! أليس من أدب الاجتماع ألا يكون المرء سببا في اتصال الألم، بل ~~إنقاله بالعدوى من نفسه إلى نفس غيره؟! # أف لهذا الإنسان، ولكنه لا يستحي، وأنا أيضا إنسان، ومع ذلك أستحي من ~~إبداء الشوق المبرح إلى لقائك. وأرجوك ألا يخدعك قولي، فتظنين ms091 أني ~~فوق الإنسان العادي، كلا، فلطالما أصليت صغار الطير نارا حامية من ~~بندقيتي، لا لآكل بل لألعب بالنفوس البريئة التي هي مثلي لها حق في ~~الحياة! # من الحمق أن أطيل القول في هذه المعاني إليك، إليك أنت التي قد لا ~~تلعبين بالنفوس الصغيرة، ولكنك تلعبين بالنفس الكبيرة . إني حرمت قتل ~~الطير من زمان غير قريب، فهل تحرمين على نفسك يا «مي» القاسية أن ~~تسيئي إلي بإعراض ترينه هينا وأراه عسير الحمل قتال الأثر؟! وبهذه ~~المناسبة أقول إن الآنسة «مي» حرمت على نفسها طول حياتها أكل الطيور رأفة ~~منها وشفقة، أما خطابها عن حفلة تأبين فتحي زغلول فقد نشر في الصحف، فلم ~~يجب عليه كتابة لطفي السيد لأنه كما يقول كانت على حق!» # الخطاب الخامس # كانت الحكومة المصرية قد أعلنت عن انتخاب أعضاء اللجنة التشريعية في خريف سنة ~~1913، وكان أحمد لطفي السيد في ذلك الحين رئيسا لتحرير صحيفة «الجريدة»، وقد رشح ~~نفسه لعضوية هذه الجمعية عن دائرة بلدته «برقين». وسافر إلى هذه الدائرة للدعاية ~~الانتخابية، ولكن ذلك لم يشغل قلبه عن ذكرى «مي» في جميع تنقلاته وأسفاره بين ~~الناخبين، فبعث إليها من «برقين» خطابا بتاريخ 16 نوفمبر سنة 1913 جاء فيه ما ~~يأتي: # سيدتي ~~«خرجت أمس من قرية اسمها «أم الدباب» على بعد ساعتين اثنتين، كنت أزور ~~أهلها زورة انتخابية. ولم أكن كغالب الأحيان في جمع من أصحابي، بل كنت ~~ثالث ثلاثة، خادمي وحصاني، خرجت منها مع بزوغ القمر، أسايره، هو يعلو على ~~الأفق، كلما ارتقى ميله قطعت أنا من الأرض ميلا، وإني على هذه الحال ساكت، ~~وحصاني الهزيل خفيف الحركة ينهب الأرض نهبا، بخطى خفيفة لا يكاد يسمع ~~وقع حوافره على الطريق، وظله نحيف مثله يسليني النظر إليه مرة، وقياس ميل ~~القمر مرة أخرى. # وليس فيما حولي من الأشياء في ذلك السكون الشامل، والنوم العميق ما يلفت ~~نظري بوجه خاص، وإني لكذلك إذا بي أنتبه من لهوي إلى ما أنا فيه من هم ~~ناصب وتعب مستمر أقدر شقاءنا في هذه ms092 الحياة، فما كادت ترجع نفسي من ~~تقديرها، وتفرغ من الموازنة بين اللذة والألم، وبين السعادة والشقاء قائمة ~~بأن ما نحن فيه ضلال، وإن كفة الشقاء راجحة على كفة السعادة ~~الموهومة! # ما كادت تقنع نفسي بهذه النتيجة السوداء، حتى جاءني منك طيف صديق جميل ~~الصورة جميل النفس في نظرته رجاء اليائس، ومن بيانه السحر الحلال، لا عذر ~~لدعوى الشقاء من رجل كسب صداقتك وهي شيء كثير، ولا محل للموازنة بين اللذة ~~والألم عند امرئ له أمل صادق في حضور مجلسك واستماع حديثك. # على هذا الخيال، أو على هذه الحقيقة، أرخيت لحصاني العنان يسير على ~~هواه، حتى أفكر أنا أيضا على هواي. وأرجو أن يطيل سراي حتى لا تنقطع مني ~~سلسلة الخيالات الجميلة! # ما أسعد حظ الشعراء، ما زال طيفك يسري معي، وكلانا تعمره أشعة القمر ~~الباهتة، ويطوقه السكون الشامل حتى وصلت البيت، وكان الطريق قد انطوى تحتي ~~فلم أحس طوله، والوقت قصر فلم أشعر بأجزائه، بل ندمت على أني أتبعت الطريق ~~المستقيم. وكان أولى أن أقطع المسافة خطا متكسرا يطول به وقت الائتناس ~~بك. # وها أنا ذا جئت أشكر لك حسن صنعك إنه لا يكفر بالنعمة إلا من لا يرجو ~~دوامها، ولشد ما أرجو أن أراك في كل الأوقات إلا يوم الثلاثاء - يوم ~~زيارتك - إذ يجب على كل إنسان أن يقول كل شيء إلا رأيه الحقيقي في الأشخاص ~~وفي الأشياء! # عملية تلك، وأية عملية؟! بل سخرة كما يقولون، وما أقسى السخرة على ~~النفوس، لا تظني أني أغار من الذين يمدحونك أمامي وأمامك، ولو كانوا كلهم ~~الدكتور شميل.» # وهنا نقف لنقول إنه يريد الدكتور شبلي شميل، وكان من أصدقاء «مي» الذين يترددون ~~على صالونها كل ثلاثاء، وكان مغرما بها وطالما نظم القصائد في حبها والإعجاب ~~بها، ثم يقول الأستاذ أحمد لطفي السيد في هذا الخطاب الرقيق: ~~«على النقيض من ذلك، أنا أحبهم؛ لأنهم معي على رأي واحد في أمرك، ولكني ~~لا أحب المجالس الرسمية، لا أحب منها إلا «الجمعية التشريعية»، ومن يعرف ms093 ~~أني سأحبها في المستقبل كما أحبها الآن. # أشكرك، وأرجوك ألا تظني أن طيفك الرقيق الحاشية الجريء القلب، الذي ~~ينزل علي ليسايرني وسط الخلاء المخيف في الليل، لا تظني أنه يغني غناء ~~قلمك، فتتباطئين في رد كتابي كما عودتني بعض الأحيان. فإن فعلت، فما أنا ~~ممن يسكت على هضم حقه ، وأنا أعرف كيف آخذ حقي وزيادة!» # ثم يقول في نهاية هذا الخطاب: ~~«أراني الآن كنت طيبا، فما أراد الله أن يظهر جفائي على الرغم من ~~أرادني، ليكن، ولكن مع ذلك أرجوك أن تعتقدي في أني أطلب رضاك، وأقدم إليك ~~تحياتي الخالصة.» # عتاب «مي» # وكانت الآنسة «مي» تتخذ من لطفي السيد صديقا كبيرا تأنس إليه، وتحترمه وتستشيره ~~في الكثير من شئونها، وتقدر آراءه السياسية والاجتماعية وتأييده لصديقه قاسم أمين ~~في حرية المرأة، وما يجب لها من حقوق. ولكن حدث سنة 1914 أن توفي أحمد فتحي ~~زغلول شقيق سعد زغلول، وكان قاضيا كبيرا وعالما ضليعا ومترجما نابغة، فأقام ~~له لطفي السيد مع رجالات مصر حفلة تأبين في يوم الأربعين خطب فيها خطبة بليغة. ولم ~~تدع لجنة الحفلة أية سيدة إليها؛ لأن حضور السيدات وسفورهن في ذلك الحين لم يتعوده ~~الكثيرون في مصر، فغضبت الآنسة «مي» وأرسلت إلى لطفي السيد عتابها في هذا الخطاب ~~الذي جاء فيه: ~~«في نفسي كلمات جائلات منذ ثلاثة أيام، إذا حاولت الإفصاح عنها باللسان ~~أو بالقلم تبعتها حتى علامة الاستفهام. # أرفعها إليك لأنك كتاب حي يرجع إليه الباحث في ساعة الحيرة والتردد، ~~ولقد جرأني على إبداء فكري أني وجدت في خطبتك الجميلة ذكرا لوالدة فقيد ~~مصر، وذكرت من أجلها جميع الأمهات القرويات الساذجات اللائي أعطين لمصر ~~أعاظمها. لم تضرب صفحا عن جهلهن وبساطتهن، ومع ذلك فقد اعترفت بأنهن ~~مهذبات فتحي زغلول وأمثاله، كأنك أردت أن تنبه السامع والقارئ أو ~~الخواطر العظيمة - كما قال فو فيناج - تأتي من القلب، وأن على هذا القياس ~~يكون ذكاء القلب أعظم ذكاء. # أما سؤالي، فها هو ذا: لماذا لم يكن للنساء نصيب في حضور ms094 حفلة ~~التأبين؟! # حفلة جليلة أقامتها مصر لتأبين فتاها، ومصر كسائر بلاد الله - على ما أظن ~~- تتألف من رجال ونساء. لم تكن الحفلة مقصورة على هيئة الحكومة، أو على ~~طائفة المحامين والعلماء، بل كانت عمومية جامعة بين المحمدي والعيسوي، ~~والشرقي والأجنبي على السواء، غير أنكم نبذتم منها جنسا واحدا، وهو الجنس ~~الذي منه رفيقة مهد فتحي باشا، ورفيقة نعشه، والدته وزوجته. # نبذتم ذلك الجنس الذي يعيش بعيدا في ظل النصر الشامل يوم يكرم الرجل ~~غالبا قاهرا، حتى إذا نهش اليأس نفسه وأدماها الألم، وخالطتها وحشة ~~الموت، عاد إلى جنب الجنس الذي لم يخلق إلا ليكون شقيا، الجنس ~~النسائي.» # وبعد أن تشير «مي» في هذا الخطاب إلى تقصير الرجال في التقريب بين أفهام ~~الجنسين، وإلى تقصيرهم في مساعدة المرأة في ذلك الحين على حضور مثل هذه الاجتماعات ~~الفكرية التي ترفع نفسها إلى أسمى درجات التأثر وتنبه عقلها إلى هيبة العلم وعظمة ~~الفضل، مع أنهم يسمحون لها بالذهاب إلى الأوبرا لحضور الروايات التمثيلية. بعد ذلك تقول: ~~«قد تقولون إن المرأة لا تفهم معاني التأبين كما يفهمها الرجل، فأجيب ~~أننا اهتممنا بالخطب والقصائد اهتماما عظيما، واستعملنا عند قراءتها ~~ملكتي النقد والاستحسان، وهذا ينم على استعداد فينا غير قليل. وإذا قلتم ~~إن فتحي باشا كان عالما مفكرا، وإن العلم والتفكير من خصائص الرجال، ~~أجبت إن العالم الحقيقي والمفكر المخلص هو ذاك الذي يكتب للرجال والنساء ~~بلا تفريق، ويود أن تكون كتاباته هدى ووحيا لجميع أفراد الأمة، بل ~~يود أن تكون لشعوب العالم أجمعين. # ولا شك أن فتحي زغلول هو ذلك الرجل، إذ ما رأيت أنا، ولا رأى أحد على ~~غلاف كتبه كلمة كهذه «محظور على النساء» أو «حقوق المطالعة محفوظة ~~للرجال!»» # وبعد أن تشير إلى بلاغة ما ألقي في هذا التأبين من خطب وقصائد، وإلى دموع سعد ~~زغلول حين سماعه هذا التأبين، تقول في نهاية الخطاب: ~~«لو حضر النساء هذا الاجتماع لأخذن عنه أمثولة طيبة، وحفظن منه في نفوسهن ~~أثرا جليلا، هذا سؤال يا سيدي ms095 الأستاذ ألحقته بالحواشي الطويلات، لعلك ~~تجده بعد مطالعته تقريرا لا سؤالا، وقد تحكم أن ما حسبته أنا إشارة ~~استفهام ليس إلا علامة أسف! # لك أن تحكم بما تشاء، وكلمتي هذه هي ما تريد أن تكون.» # الخطاب السادس # قرأ لطفي السيد هذا الخطاب الذي عاتبته «مي» فيه ذلك العتاب الشديد، فأجاب عنه في ~~صحيفة «الجريدة» باعتذار جاء فيه: ~~«الحق مع حضرة الكاتبة الفاضلة، ولست أعرف للجنة التي أنا أحد أعضائها ~~عذرا في نفي الإنسان عن ألواجهن العادية في الأوبرا في ذلك اليوم إلا ~~لعادة درجنا عليها. ولو سئلت رأيي في اللجنة عن دعوة السيدات إلى هذا ~~الاحتفال لترددت كثيرا، وربما كان جوابي الرفض، ولست قادرا على أن ~~أقدم لهذا الرفض أسبابا يقبلها العقل، ولكن الأمر هو هذا: إن احتفال ~~التأبين ضرب من مأتم عمومي، ومع ذلك فإن المآتم لا تقوم إلا بالرجال ~~والنساء، فلا أعرف شيئا جديا أقوله في هذا المعنى إلا أننا لم نكسر حتى ~~الآن قيود عادة لم تستحكم بعد. # فالتأبين في ذاته حديث في بلادنا، ومع ذلك يظهر لي أن الذي جعلنا لا ~~نخصص ألواج السيدات لهن في هذا الاحتفال هو الغضاضة التي نجدها من أن ندعو ~~النساء لحفلة، غضاضة مرجعها إلى العادة.» # ثم يختم هذا الاعتذار بقوله: ~~«تلك الحال نرجو أن يذهب بها المستقبل القريب، وحسبنا أن نغتبط بهذه ~~الروح الجديدة التي تدفع الجنس اللطيف عندنا للحرص على حقوقه، ونثبت للآنسة ~~«مي» في ذلك سعيا مشكورا.» # وبعد ذلك سكت لطفي السيد، وسكتت هي كذلك سكوتا كاد يفضي بهما إلى المقاطعة. ~~وبعد بضعة أشهر كان قد سافر إلى بني سويف، فهزه الشوق إلى الكتابة إليها، فكتب هذا ~~الخطاب الذي يقول فيه بتاريخ 9 يونيه سنة 1915: ~~«هو هذا، لا أكتب أبدا، أو أكتب كل يوم، أكتب لأخبرك إن ابنتي تلعب ~~بالبيانو على المعنى العام، أو بعبارة أخرى تخبط تخبيطا لتذاكر «الجام»، ~~وهي في ذلك تنسى أني أطالع في الحجرة المجاورة، لست غضبان منها بالذات، ~~ولكني غضبان من جميع البنات ms096 لأجلها ولأجلك ولأجلهن. ومع ذلك جئت أشكوها ~~إليك، لا لتغضبي منها، ولكن لأقيم بهذه الشكوى دليلا على مضايقة البنات ~~لنا حتى «مي»، فليذهبن وليطالبن بحق الانتخاب الذي أخفت الحرب (الحرب ~~العالمية الأولى) صوته، وليمرضن الجرحى في ساحات القتال، ليتخذن بذلك ~~يدا عندنا نعرفها لهن في السلم، وليثبتن بدليل جديد أنهن أيضا ضروريات ~~للعالم.» # وبعد أن يعاتبها عتابا خفيفا يشتد في بعض سطوره يقول: ~~«ما لي وهذه اللغة الجافة التي ليست من دأبي - دأب رقة العواطف، وحسن ~~المجاملة، وطيب العشرة. أظن أن هذه العصبية مسببة على أنه صعب علي ~~منك أن تسكتي عني، لا لذنب آخر غير مقابلة سكوتي بالسكوت أو بالجفاء، وهذا ~~خلق إن كان عادلا فهو على كل حال غير لطيف. # اكتبي لي، واكتبي كثيرا، وثقي بأنك كتابك لي أقرأه خير عندي من أكبر ~~لذائذي في الدنيا وهي الطعام. ستضحكين مني. الله يبسطك، ولكن هذا هو الواقع ~~من الأمر، ولست وحيدا في تقدير الطعام هذا التقدير العالي، في حين أن كل ~~الناس حتى أقلهم عقلا، وأكثرهم تواضعا في الادعاء ينفر جدا من أن ~~ينسب إليه أنه يحب الطعام، ولو كان في سره يقول: «بعد بطني الطوفان.» ~~والواقع أن الطعام هو كل شيء. ألا ترين أن بني إسرائيل من قبل لم يشاءوا أن ~~يعجزوا الله إلا بالمائدة، وأن الحواريين لم يجدوا ما تطمئن به نفوسهم إلى ~~تصديق عيسى إلا بالمائدة؛ فالمائدة هي صوت الموسيقى وهي خطوط الجمال، وهي ~~قوائم الشعر ولباب النثر، وهي كل شيء، ولو كان في العالمين والأميين شيء ~~من الصراحة لقالوا معي إنهم يعيشون ليشهدوا أواني الطعام على مائدة الغداء ~~أو العشاء. # كتابك عندي خير من هذا. لا أقول ذلك الكلام البارد الذي يردده جماعة ~~المتشدقين، كتابك غذاء لروحي، أمسك. ها هم أولاء يعترفون معي بأن ~~الطعام ألذ ما يكون؛ ولذلك جعلوا للنفس المجردة غذاء، خير ما يظنون من ~~حسن الفكر أو لطيف المشاعر، حسن هذا، اتفقنا، اكتبي طويلا سواء كتبت ~~أم لم أكتب، وعلي أنا أيضا ms097 هذا العهد، إن كان في القرن العشرين يجمل ~~بالناس أن يوفوا بالعهود، ودومي لصديقك.» # الخطاب السابع # وقد استمرت الصداقة بين «مي» ولطفي السيد حتى قامت ثورة 1919، وكان لطفي السيد ~~من زعمائها البارزين وأحد أعضاء الوفد المصري العاملين، وقد سافر هذا الوفد إلى ~~باريس سنة 1920، ثم إلى لندن للسعي لحرية مصر واستقلالها ، وقد شاقه وهو في متاعب ~~الجهاد الوطني أن يراسل أحب الناس إليه، ويفضي بما يخالج نفسه من آلام وأمال؛ ~~فأرسل إليها في 15 أكتوبر سنة 1920 هذا الخطاب، يقول فيه: # صديقتي العزيزة ~~«أكتب إليك، وإني لأشعر أني زيادة على تفريطي في أمر الكتابة إليك إلى ~~الآن ربما اخترت الفرصة الأبعد ملاءمة لمحادثتك؛ فإني أراني من حرج الصدر ~~بحيث أخشى أن ينم كتابي عن حالي التي ربما غلوت كعادة الشباب على ~~تصورها من خلال الحديث. # هوني عليك الخطب، ولا تتعبي نفسك في تفرس أمر هذا السلم الجديد، ~~فليس جديدا على الحي ما دام حيا أن يألم قليلا أو كثيرا حسب وقوع ~~تصاريف القدر على مقتضى ما يريد أو على نقيض ما يريد. وليس جديدا على من ~~يحاولون أن يقوموا إلى النهاية بأمر عام أن يعرض لأحدهم من الفروض أو ~~التصورات ما يريبه. # واقبلي معي أن صفاء القلب قد تكدره فارغة، وأفرغ من الفارغة يوما أو ~~بعض يوم. وها أنا ذا في هذه الحال هذه الساعة، ومع ذلك أكتب إليك، ومع ذلك ~~أعلم بأن المجموعة الشمسية لا تزال بخير، وأنا عالمنا لا خطر يحيق به، ~~وأنني شخص وفير الصحة على قدر ما أستطيع أن أكون وفيرها، وفي سعة من العيش ~~لست محتاجا في شيء إلى عون من الناس، فالألم بعد ذلك ألم المتفكه من ~~الألم، وربما كان من النفوس من خلق ليألم، ومن يوشك أن يخلقه لنفسه ألوانا ~~من الآلام، وربما كنت من هذا القبيل على ما أظهر في مجالسي من المبالغة في ~~سعة الصدر، ومما قد يظن بعضهم ألا أقيم وزنا للمشاعر ولا أهتم إلا ~~بمقولات العقل ونتائجه! غير صحيح، ms098 بل فاسد وظلم للحقيقة شنيع!» # وقد كان لطفي السيد في ذلك الوقت متفائلا لسير القضية المصرية إلى النجاح؛ ~~ولهذا أخذ يتحدث إلى الآنسة «مي» في هذا الخطاب عن احتمال الألم والظهور بمظهر ~~المغتبط المتفائل، فيقول: ~~«ألا ترين أن إظهار الجزع مصيبة، والجري فيه على منهج المسترسلين في ~~أحزانهم مجاراة لقلة العقل، ومفارقة لغير النافع، أولا ترين أن الإغضاء ~~عن مقابلة الشر بالشر في الأقوال وفي الأعمال ترفع يتفق مع مقام العقل ~~الرفيع الذي يضبط حركات الشهوات. أليس أن رواء المغتبط أحسن في نظر الناس ~~من رواء المحزون أو المستحق للعطف؟ أليس من أدب الاجتماع ألا يكون المرء ~~سببا في اتصال الألم، بل انتقاله بالعدوى من نفسه إلى نفس غيره؟ أليس ~~المبالغ في إظهار ألمه أشبه بالمستهتر في شهواته ولذائذه.» # ثم يختتم أحمد لطفي السيد خطابه بعد الحديث عن النجاح والفشل والناس وعن ~~السياسة بقوله للآنسة «مي» وهو في باريس: ~~«ولي من الثقة في صداقتك ومن الطمأنينة ما قد حدا بي إلى أن أخبرك أني ~~كنت قبل أن أستمتع بحديثي معك مألوما أو غضبان، أو ما شئت فقولي، أولا ~~يبعث هذا المعنى لنفسك ألا تتحرج في أن تذكر لي ما هي عليه؟ لست أطلب ~~ما لا تريدين أن أعرف، فهذا لك، ولكن لي أيضا وأنا صديق أن أعلم بالإجمال ~~إن شئت لا بالتفصيل: أسعيدة أنت؟ أحب وأحب كثيرا أن تكوني كذلك، ~~ولا أظن أن نفسك الجميلة إلا سعيدة في كل ظرف، اكتبي لي طويلا وكثيرا، ~~اكتبي على عنواني المسطور في صدر هذه الصحائف، وهم يرسلون كتبك المتتابعة ~~إلي في لندره، وقدمي تحياتي لحضرة الوالد، وحضرة الوالدة، ودومي ~~لصديقك.» # الخطاب الثامن # وكانت «مي» في تلك السنة - سنة 1920 - قد أصدرت لها مجلة المقتطف كتاب «باحثة ~~البادية» فأرسلته إليه وهو مع الوفد المصري في لندن، فبعث إليها هذا الخطاب بتاريخ ~~24 أكتوبر سنة 1920، يقول فيه: # صديقتي ~~«وردني كتابك، وإذ كنت في لندره أشغل ما أكون إلا عن ذكرى أويقات ~~محاضرتنا الأولى التي كان ms099 الاقتضاب هو المعنى السائد عليها، أثارتها في ~~نفسي عبارة إهداء كتابك، أو كتاب الباحثة، أو على الحقيقة، لا على المجاز ~~وثبات نفسك الكبيرة الحساسة التي تجلت، فغطت بجلالها آثار صديقتك، ~~بل آثار صديقي المرحوم (يقصد حفني ناصف والد الباحثة)، وظهرت أنت من حيث لا ~~تريدين، بل من حيث أردت ألا يظهر لك شخصية فيما تكتبين ، تحاولين المستحيل ~~إذ تحاولين أن يتضاءل النور الساطع أمام النور الضئيل. حسبي حتى لا أتهم ~~بتمليق الكتاب، ولو بالحق استدرارا لعطفهم، واتقاء لشرهم. # ولقد علمني أستاذي وأستاذك (يعني القرآن) أن الله لا يحب كل مختال ~~فخور، لا تبسمي يا «مي» من قولي، فأنا أحب الله، وأحب كثيرا أن يحبني، ~~بل لا أعرف كيف يستطيع الحساس ألا يحب الله، أو يصبر على ألا يكون ~~محبوبا من الله، حبا ليس له مظهر في الحياة الخارجية، وإن كان له في ~~النفس أعلى مكان وأعزه، لا تدل عليها المسابح والتسابيح. # أتفلسف يا أستاذي؟ ستقولين ذلك، ولا يا ابنتي، ولكن عهدي معك أن أرسل ~~قلمي على حريته يخط ما يرد في نفسي من الخواطر من غير احتراس ولا تكلف. ~~وكم أنا سعيد بأن أراك قريبا، وأول زيارة لك بالضرورة، أو بعبارة أصح ~~أول زيارة ترضيني!» # ثم ينتقل في هذا الخطاب الرقيق إلى تهنئتها بكتاب «باحثة البادية»، فيقول: ~~«نسيت أن أهنئك على كتابك بكلام كويس، صحيح طويل، ولكن إلى الملتقى، ~~وربما كان هو موضوع أول محاضراتنا الأولى، أيوم الثلاثاء هي؟ # لا، أنا لا أحب كثيرا يوم الثلاثاء، لا لأني كما تظنين بالباطل لا ~~أحب الشوام زواركم، ولكن أحب أن يكون الحديث دائرا على ما نريد، لا ~~على ما تريد أية سيدة من السيدات التي يجلسن على الكنبات، ويتركننا على ~~الكراسي؛ لهذا أحب أن أجلس على الكنبة مرتاحا، وأناقشك الحساب في كل ما ~~تقولين، أهكذا؟ نعم هو كذلك، واعملي ما شئت أن تعملي فإني في حماية ~~الوالدة، ولست معترفا بالحماية لأحد غيرها مطلقا، لأنني أظننا سننال ~~الاستقلال! # إليك أقدم احتراماتي الخالصة، وتحياتي ms100 القلبية.» # هذه طائفة من رسائل أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد في الحب الروحي الشريف الذي كان ~~يخالج نفسه نحو الأديبة النابغة «مي» في ربيع الشباب، ونحن نقرأ فيها عاطفة مشبوبة ~~وقلما متيما شجيا، وظرفا في الدعابة والعتاب، وحلاوة في الأسلوب. ms101