######OpenITI# #META# URI: 1387JamalDinShayyal.HarakatIslahiyya.Hindawi97183585 #META# Tags: history #META# ID: 97183585 #META# Title: محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث #META# AuthorID: 18290715 #META# Author: جمال الدين الشيال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول: الهند والجزيرة العربية‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # المركز الأول: الهند‏ # المركز الثاني: بلاد العرب‏ # المراجع‏ # الجزء الثاني: مصر والشام‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - ركود الحياة العلمية في مصر والشام‏ # 2 - بوادر النهضة الإصلاحية في مصر والشام‏ # 3 - السيد محمد مرتضى - الحسيني الزبيدي‏ # 4 - الشيخ عبد الغني النابلسي‏ # المراجع‏ # الجزء الأول: الهند والجزيرة العربية‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # المركز الأول: الهند‏ # المركز الثاني: بلاد العرب‏ # المراجع‏ # الجزء الثاني: مصر والشام‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - ركود الحياة العلمية في مصر والشام‏ # 2 - بوادر النهضة الإصلاحية في مصر والشام‏ # 3 - السيد محمد مرتضى - الحسيني الزبيدي‏ # 4 - الشيخ عبد الغني النابلسي‏ # المراجع‏ # | محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث # | محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث # تأليف # جمال الدين الشيال # الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي فيما بين القرنين السادس عشر ~~والتاسع عشر. # الجزء الأول # | الهند والجزيرة العربية # | مقدمة # عهد إلي معهد الدراسات العربية أن ألقي بعض المحاضرات عن مراكز الثقافة العربية ~~في الشرق الإسلامي الحديث في القرون الثلاثة؛ السادس عشر والسابع عشر والثامن ~~عشر. # وكل من اشتغل بتاريخ الشرق الإسلامي يعلم أن هذه القرون الثلاثة كانت قرونا مظلمة، ~~ويحسن إذا نحن قسمنا تاريخ العالم الإسلامي تقسيما زمنيا خاصا به، بعيدا عن ~~التقسيم الزمني للتاريخ الأوروبي أن نسمي هذه الحقبة بالعصور الوسطى المظلمة؛ فإن ما ~~سبقها إلى القرن الخامس عشر كان عصر ازدهار، وما لحقها حتى اليوم عصر نهضة ~~وإحياء. # وفي هذه القرون الوسطى انقطعت الصلة بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي، وكان الشرق ~~الإسلامي يسير إلى وراء، في حين كان الغرب الأوروبي يقفز إلى أمام، ومع هذا لم تخل بلدان ~~الشرق الإسلامي من نشاط ثقافي وحركات إصلاحية هي في الواقع إرهاصات لحركة النهضة ~~والإحياء التي عمت العالم الإسلامي كله في القرنين؛ التاسع عشر والعشرين. # ولم يكن العمل لإعداد هذه المحاضرات سهلا؛ فإن أحدا لم يعن بالتأريخ لهذه الحركات، ~~وما كتب عن رجالها قليل نادر متفرق، وقد قسمت الموضوع إلى أربعة مراكز؛ ms001 الهند، وبلاد ~~العرب، ومصر والشام، وإيران. # وفي هذا الجزء تحدثت عن مركزين؛ المركز الأول الهند، والمركز الثاني بلاد العرب، ~~وجعلت محور حديثي الشخصيات الإصلاحية أو الثقافية التي برزت في كل مركز في هذه الحقبة ~~من الزمن. # والشرق الإسلامي الذي أقصده هنا يمتد من مصر إلى الهند، وقد قصدت أن يمتد الموضوع ~~إلى الهند الإسلامية؛ لأننا درجنا على أن نعنى بالتأريخ لبلدان الشرق الأدنى ~~الإسلامية، ودرج شبابنا وطلابنا على العناية بهذا الجزء وحده من العالم الإسلامي، كأنه ~~لا يوجد إلى الشرق من العراق بلاد أو شعوب إسلامية؛ ولهذا أحسب أن ما كتبته هنا عن أحمد ~~سرهندي وشاه ولي الله دهلوي هو أول أو أوفى ما كتب عنهما في اللغة العربية، ومع هذا ~~فأنا لا أعتقد أنني وفيت الموضوع حقه، وما فعلت أكثر من أن مهدت الطريق ونبهت ~~الأذهان، وأرجو أن أوفق أو يوفق غيري في المستقبل لإيفاء هذين المصلحين حقهما ~~من البحث، والعناية بدراسة مؤلفاتهما وتحليلها وتعريف قراء العربية بها. # هذا، وقد ألحقت بهذه الفصول قوائم كاملة بمؤلفات كل شخصية من الشخصيات التي تحدثت ~~عنها، وقوائم أخرى بالمراجع التي تلقي ضوءا على الشخصية أو العصر الذي عاشت ~~فيه. # وإني لأرجو أخيرا أن أوفق للحديث في جزء ثان عن المركزين الأخيرين. والله ولي ~~التوفيق. # | تمهيد # | العالم الإسلامي في فجر العصر الحديث # شهد العالم الإسلامي في القرن السادس عشر تغيرات أساسية، ففي السنوات الأولى من هذا ~~القرن اصطدمت قوى الدولة التركية العثمانية بقوى دولة المماليك، وعقدت ألوية النصر ~~للدولة الأولى، وورثت ملك المماليك في الشام ومصر، وقضت على الخلافة العباسية الصورية ~~القائمة في مصر، وانتزع سلاطين العثمانيين منذ ذلك الحين لقب الخلافة، وأصبحوا بهذا ~~خلفاء للمسلمين بعد أن كانوا سلاطين على دولتهم التركية وحسب. # ثم امتد ملك الأتراك العثمانيين بعد هذا، وفي هذا القرن أيضا، حتى شمل بلاد العرب ~~واليمن في آسيا، والجزائر وتونس وطرابلس في أفريقيا، ولم يبق خارجا عن ملك العثمانيين ~~غير مراكش. # وفي أوائل هذا القرن أيضا قامت دولتان إسلاميتان ms002 جديدتان في القسم الشرقي من العالم ~~الإسلامي: # الأولى : الدولة الصفوية الشيعية في بلاد فارس، ومؤسسها هو الشاه إسماعيل الصفوي ~~(906ه / 1500م)، وقد ضم إلى ملكه العراق العربي وديار بكر، وشمل ملكه بلاد فارس وخراسان ~~جميعا، وامتدت دولته من الخليج الفارسي إلى بحر الخزر، وجعل عاصمته في تبريز. # وقد قام نزاع آخر بين هذه الدولة وبين دولة الأتراك العثمانيين، وانتصر السلطان سليم ~~الأول في موقعة شالدران # Chàldirân ~~(1514م)، ولكنه لم ~~يكن انتصارا حاسما، ولم يستطع العثمانيون القضاء على ملك الصفويين قضاء تاما كما ~~فعلوا بدولة المماليك، وكل ما نجحوا فيه هو ضم بلاد العراق والجزيرة في عهد مراد الرابع ~~في سنة 1638م، وظلت الدولة الصفوية قائمة إلى أواخر القرن التاسع عشر ~~(907-1311ه / 1502-1893م). # أما الدولة الثانية فهي دولة أباطرة المغول في الهند، ومؤسس هذه الدولة هو بابرشاه من ~~سلالة تيمورلنك، وقد خلفه من نسله عدد من الأباطرة العظام من أمثال همايون وأكبر ~~وجهانجير وشاه جهان وأورنجزيب، ثم خلف من بعدهم خلف من الملوك الضعاف، وظلت الدولة ~~قائمة إلى أن انتهت في منتصف القرن التاسع عشر. # فهذه دول ثلاث اقتسمت الحكم في العالم الإسلامي في القرون الثلاث؛ السادس عشر والسابع ~~عشر والثامن عشر، اثنتان منها سنيتان، وهما: الدولة التركية العثمانية، والدولة المغولية ~~في الهند، والثالثة شيعية وهي الدولة الصفوية، وهي جميعا لم تكن دولا عربية الجنس أو ~~اللسان، ولهذا أثره الواضح في اضمحلال الدراسات العربية، وانتعاش الدراسات التركية ~~والفارسية. # ولقد بدأ العالم الإسلامي في القرن السادس عشر قويا مرهوب الجانب؛ لأن الدول الثلاث ~~كانت دولا حربية، ولكنها لم تلبث في القرنين التاليين أن نالت منها عوامل الضعف ~~والانحلال. # والسمة الظاهرة الواضحة للعالم الإسلامي في هذه القرون الثلاثة هي انعزاله وانقطاع ~~الصلة بينه وبين العالم الأوروبي، في وقت كان العالم الأوروبي يخطو خطوات واسعات في نهضته ~~العلمية وفي مخترعاته الصناعية وفي اكتشافاته الجغرافية. # أما المسلمون فقد نسوا علومهم المدنية القديمة، وبدءوا يجترون الكتب القديمة، وقصر ~~اهتمامهم على العلوم الدينية واللغوية يبدءون فيها ويعيدون، ms003 وكان أقصى ما يستطيعه عالم ~~منهم أن يكتب شرحا لمتن قديم أو حاشية على هذا الشرح، أو أن ينظم أبياتا من الشعر ~~في مدح أحد الملوك أو السلاطين، أو يؤرخ بها وفاة واحد منهم. # وتدهور - تبعا لهذا - المجتمع الإسلامي، وانتقلت السيادة على العامة لنفر من ~~المتصوفة الذين أشاعوا كثيرا من البدع المستحدثة التي تتنافى مع روح الإسلام. # ومع هذا فقد كانت تظهر وسط هذه الغياهب المظلمة وبين الحين والآخر بعض النجوم المضيئة ~~تحاول أن تبدد هذا الظلام، وتبعث في المجتمع الإسلامي روحا تجديدية، تقوده إلى النهضة ~~الثقافية الاجتماعية، وقد ظهرت هذه الحركات الإصلاحية أو الثقافية التجديدية في مختلف ~~أجزاء العالم الإسلامي، وكان لها في المشرق الإسلامي مراكز أربعة: الهند، وبلاد العرب، ~~ومصر والشام، وإيران. # وسنحاول أن نلقي بعض الضوء على كل مركز من هذه المراكز، وأن نتتبع النشاط الثقافي ~~والحركات التجديدية التي ظهرت فيه. # | المركز الأول: الهند # أحمد سرهندي - شاه ولي الله دهلوي ~~(1) دخول الإسلام الهند وانتشاره بها # دخل الإسلام الهند عن طريقين: ~~(1) # طريق السند، وقد دخل هذه المنطقة مع جيش البطل الشاب الفاتح محمد بن ~~القاسم الثقفي في سنة 92ه، الذي استطاع أن يهزم ملك السند «داهر»، وأن ~~يحاصر مدينة «الملتان» إلى أن استولى عليها، وحطم ما في معابدها من ~~أوثان وأصنام، وقد امتدت فتوح محمد بن القاسم حتى شملت إقليم السند كله ~~وجنوب البنجاب. # وظلت هذه الإمارة تابعة للخلافة، وعن طريقها انتشر الإسلام رويدا ~~رويدا في المناطق الهندية المجاورة. ~~(2) # والطريق الثاني هو منطقة الحدود الشمالية الغربية، وعبرها انحدرت ~~جيوش محمد بن سبكتكين - أو محمود الغزنوي - (388-421ه) ففتحت إقليم ~~البنجاب، وتقدمت حتى استولت على دلهي ومعظم الأجزاء الشمالية من ~~الهند. # وتوالت على هذه المنطقة دول إسلامية كثيرة، إلى أن كان القرن السادس عشر، وانحدر ~~بابر عبر نفس الطريق بجيوشه المغولية، مكونا دولة الأباطرة العظام التي مدت سلطانها ~~حتى شمل معظم أجزاء الهند، والتي ظلت تحكم شبه القارة الهندية نحو ثلاثة ~~قرون. # ونتيجة لهذه الفتوح ولقيام هذه الدول الإسلامية المتتابعة؛ ms004 انتشر الدين الإسلامي ~~في جميع أنحاء الهند، ولكننا نلاحظ أن هناك عاملا آخر كان أكثر تأثيرا في انتشار ~~الإسلام في الهند، وذلك هو سبيل الدعوة الدينية السلمية التي تسير مع ركب الحياة ~~وتطورها؛ فعن طريق التجار واتصالاتهم، وعن طريق الفقهاء والوعاظ ودروسهم، وعن طريق ~~العلماء والمتصوفة ورحلاتهم ومدارسهم؛ انتشر الإسلام بين الهنود، فهؤلاء جميعا ~~كانوا في معظمهم من العرب، أو من المثقفين بالثقافة العربية، في حين أن الفتوح ~~الإسلامية - باستثناء الفتح الأول الذي قاده محمد بن القاسم - قامت بها جيوش وعناصر ~~غير عربية من الترك والفرس والمغول. # وهذه ناحية هامة نعتبرها مفتاح دراسة الإسلام في الهند؛ فإن هذه الجيوش التركية ~~والمغولية كانت في معظمها حديثة عهد باعتناق الإسلام، وقد نقلت معها معالم الثقافة ~~الفارسية ومظاهر الحياة التركية والمغولية؛ ولهذا انتشرت في المجتمع الإسلامي ~~بالهند اللغة الفارسية ثم اللغة الأوردية، ولم تنتشر اللغة العربية، وبالتالي لم ~~تزدهر الثقافة العربية في الهند ازدهارها في الأقاليم والدول الإسلامية الأخرى، ~~وساعد على هذا أن معظم العلماء والمشايخ الذين وفدوا على الهند كانوا من علماء ما ~~وراء النهر، وهؤلاء كانوا من أتباع مذهب أبي حنيفة، يعتمدون على كتب المتأخرين من ~~فقهاء هذا المذهب، كما كانوا شغوفين بعلوم اليونان القديمة، ولغتهم الثقافية ~~الأثيرة لديهم هي اللغة الفارسية؛ ولهذا اصطبغت الثقافة الإسلامية في الهند بهذه ~~الصبغات الثلاث، ولم تقم على أسس سليمة قوية من الثقافة العربية. # ولكن ليس معنى هذا أن الهنود لم يعرفوا اللغة أو المؤلفات العربية، بل لقد عرفوها ~~وانتشرت بينهم، وتعلمها الكثيرون منهم، بل وألفوا بها، ولكن الذي نعنيه أنها ~~كانت أقل انتشارا وتأثيرا في المجتمع الإسلامي الهندي إذا قورنت بالثقافتين ~~الفارسية والتركية المغولية. # وفي القرن السادس عشر، وفي عهد الإمبراطور المغولي جلال الدين محمد أكبر تعرض ~~المجتمع الإسلامي في الهند لهزة عنيفة؛ فقد كان هذا الحاكم عظيما حقا، مصلحا ~~حقا، ويعتبر عصره من أزهر العصور التي شهدتها الهند، ولكن حركته الإصلاحية لم ~~تقتصر على الجيش والنظم الحربية والإدارية والمالية، ونواحي الحياة العلمية والأدبية ms005 ~~والفنية، بل تعدت هذا كله إلى الدين؛ فقد اعتقد أكبر أنه لا يستطيع أن يحكم دولة ~~تعتبر بحق متحفا أنثرولوجيا (جنسيا) حكما ناجحا؛ كانت الهند تضم خليطا ~~عجيبا متباينا من الأجناس والأديان، والعادات والتقاليد والثقافات، فتطلع أكبر إلى ~~توحيد هذا المجتمع الهندي في كل شيء، حتى في الدين. ~~(2) أكبر والدين الإلهي ~~(2-1) أكبر، الحاكم السني المتدين # ولي أكبر العرش في سنة 1556م وهو في الرابعة عشرة من عمره، وظل يحكم الهند ~~خمسين عاما، وكان في العشرين سنة الأولى من حكمه مسلما سنيا كأحسن ما يكون ~~المسلم السني، يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد وفي أوقاتها، بل ~~لقد كان يقوم أحيانا مقام المؤذن فيدعو الناس للصلاة، وكان يحترم علماء الدين ~~والمتصوفة الزاهدين ويبجلهم، ويؤثر صحبتهم، فيقضي في حضرتهم الساعات الطوال، ~~ولا يتردد في إجابة مطالبهم مهما ضؤلت، وكان يحج في كل عام لزيارة ضريح الشيخ ~~سليم الششتي في مدينة أجمير # Ajmer # فيطوف به ~~عدة مرات، ثم يجلس في حضرته وقتا طويلا، وقد سمى ابنه سليما باسم هذا ~~الشيخ، وهو الذي سيعرف - فيما بعد - باسم جهانجير # jahangir ~~. # وكان أكبر لا يبدأ عملا أو قولا إلا بدأه بقوله: «يا هادي، يا معين»، وكان ~~لهاتين الكلمتين - فيما يقال - أثر السحر في نفسه، كما كانتا تثيران حماس ~~أتباعه الشديد، فكان جنود جيشه - مسلمين وهنودا - إذا سمعوه يدعو هذا الدعاء ~~يرددونه وراءه في صوت جهوري، ثم ينقضون على العدو دون خوف أو وجل. # وكان أكبر يعتقد في الفقراء والمتصوفة، ويزور زواياهم حافي القدمين في أغلب ~~الأحوال، وقد دفعته هذه الروح الدينية إلى الإقبال على دراسة القرآن والحديث، ~~وساعدته حافظة قوية على استيعاب كل ما يلقيه عليه أساتذته. # ولم يقنع أكبر بهذا، بل أصدر أوامره بتعيين القضاة والمفتين في كل جزء من ~~أجزاء مملكته؛ ليحكموا بين الناس بالعدل تبعا لأصول الشريعة الإسلامية، وكان ~~يستجيب لمشورة العلماء في اضطهاد المتزندقة والملحدين. # وقرب أكبر إليه عددا من العلماء، كانوا بمثابة الرواد يوجهونه ويثقفونه؛ من ~~أشهرهم: بيرم خان ms006 # Bairam Khan ~~، وعبد الله مخدوم الملك # Abdullah Makhdûm-ul-Mulk ~~، ~~والشيخ عبدون نبي # Abdun-Nabi ~~، ولكنه كان يؤثر ~~الشيخ عبدون بتقديره واحترامه وثقته، حتى إنه عينه صدرا للصدور، وكان يدعوه ~~إلى حضرته يوميا؛ حيث يجلس بين يديه ليتلقى دروسا في الحديث. ~~(2-2) عبادة خانة، والتمهيد لإعلان الدين الإلهي # هكذا بدأ أكبر، وهكذا ظل طوال العشرين سنة الأولى من حكمه مسلما سنيا ~~متدينا مخلصا لعقيدته؛ مما جمع قلوب السنة من مسلمي الهند على حبه وتأييده، ~~ولكنه انقلب فجأة إلى رجل حر التفكير، ونفض عن عقله وروحه هذا الإخلاص القديم، ~~وبدأ يفكر في إيجاد دين جديد! فبدأ في سنة 1575م بإنشاء دار خاصة في ~~فاتحبور سكري # Fatihpur Sikri # سماها: ~~«عبادة خانة # Ibadat khanah ~~»، ودعا الفقهاء ~~والعلماء من السنة والشيعة مساء كل خميس لحضور هذه الدار، ومناقشة المذاهب في ~~حضرته؛ بغية التقريب بين الآراء المختلفة، وتوحيد الإسلام في مذهب واحد، ولكن هذه ~~المناقشات لم تأت بالنتيجة المطلوبة، بل على العكس وسعت الشقة وزادت في ~~عوامل الخلاف، وراح كل فريق يتهم الفريق الآخر بالكفر والمروق. # وفي إحدى أمسيات الخميس في سنة 1578م اشتد النقاش بين العلماء حتى لقد وصم ~~بعضهم البعض الآخر بالكفر في حضرة السلطان، ولم يعد هناك أمل في تآلف العلماء - ~~وهو الهدف الذي كان يرمي إلى تحقيقه أكبر - وعند ذلك ألقي على الحاضرين ~~سؤال هام: # من يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينية الواجب اتباعها إذا ~~اشتد الخلاف بين الفقهاء؟ وتقدم واحد من الحضور وهو الشيخ مبارك وقال: إن ~~السلطان يكون صاحب هذا الحق. # وتنفيذا لهذا الاقتراح كتب محضر لإعلان أكبر «إمامي عادل # Imam-I # c # Ādil ~~»، أي إماما عادلا، ~~ووقع على هذا المحضر العلماء والفقهاء في رجب من سنة 987ه، ومن بينهم مخدوم ~~الملك وعبدون نبي، ووقع عليها بالموافقة كذلك الإمبراطور أكبر. # هذه الوثيقة وضعت السلطة كلها في يد أكبر، ورفعته إلى مرتبة أعلى من مرتبة ~~المجتهد، وهي مرتبة الإمام العادل، وأصبح بذلك الحاكم المطلق، على أن يكون عماد ~~حكمه الرجوع إلى القرآن ms007 والسنة والقياس، وأهم من هذا أن هذه الوثيقة جعلت لأكبر - ~~إلى جانب سلطاته الزمنية - السلطان الروحي على رعاياه، وبالتالي سلب العلماء ~~هذا السلطان، ولم يعد لهم الحق في أن يتدخلوا في شئون الحكم. ~~(2-3) إعلان الدين الإلهي # وبعد قليل خطا أكبر خطوة أخرى أشد جرأة، فبدأ يفكر في وسيلة تمكنه من توحيد ~~المجتمعين الإسلامي والهندي؛ ليقل الخلاف بين رعاياه، وليصبحوا أكثر تواؤما ~~وانسجاما، وهداه تفكيره إلى إنشاء دين جديد يجمع أصول الديانتين الإسلامية ~~والهندية ومحاسنهما، ولم يكن يسمح حتى ذلك الحين بدخول عبادة خانة إلا لعلماء ~~المسلمين، فبدأ أكبر بدعوة علماء الأديان الأخرى لهذه الدار، والمشاركة في ~~النقاش والجدل الديني، يدافع كل فريق عن دينه ويبدي محاسنه. # وبعد هذه التمهيدات دعا السلطان إلى اجتماع عام حضره كبار العلماء من كل دين ~~وقادة الجيش، وفيه تحدث السلطان عن الأضرار التي تعود على المجتمع من كثرة ~~الأديان وتعددها، وأعلن عن ضرورة إيجاد دين واحد يضم محاسن الأديان المختلفة ~~الموجودة في الهند ويعتنقه الجميع، وبهذا - كما قال - «يمكن تقديس الخالق، ويمكن ~~للسلام والرفاهية أن يسودا بين الناس، وأن يشمل الأمن الدولة.» # ولقد سمى أكبر هذا الدين الجديد «ديني ~~إلهي # Din-i-Ilahi ~~» أو الدين الإلهي، وتتلخص أصوله في: توحيد الله، وهو حجر ~~الزاوية في الإسلام، وتقوم طقوسه على أسس من الصوفية المستمدة من الديانتين ~~الهندوكية والزرادشتية. # وفرض على أتباع هذا الدين أن يؤمنوا بوحدانية الله، وبأن أكبر خليفته على ~~الأرض، وأن يقدموا لجلالته أربعة أشياء؛ الثروة والحياة والشرف والدين. # وفرض عليهم أيضا أن يمتنعوا عن أكل اللحوم بجميع أصنافها، وأن يسجدوا ~~للإمبراطور. # ومن طقوس هذا الدين الجديد تقديس الشمس والنار. # وحدد يوم الأحد ليكون يوم الاحتفال بدخول الناس في الدين الجديد، ~~يتسلمون من صاحب الجلالة «الاسم الأعظم» وشعار الدين الجديد وهو «الله ~~أكبر». # ووضع للدين الإلهي تحية جديدة تحل محل تحية الإسلام: «السلام عليكم» وردها: ~~«وعليكم السلام»، وجعلت التحية الجديدة: «الله أكبر» وردها: «جل ~~جلاله». # وبين الحين والحين كان الإمبراطور يصدر لأتباع دينه الجديد بعض ms008 التنظيمات ~~واللوائح الجديدة. ~~(2-4) الدين الإلهي بين مؤيديه ومعارضيه # فالدين الجديد - كما يتضح من هذه القواعد والأسس - يعكس أهداف الإمبراطور ~~التي كان يرمي من ورائها إلى توحيد الأجناس الهندية المختلفة تحت راية دين واحد ~~وعقيدة واحدة؛ فالروح التي دفعت أكبر إلى ابتداع هذا الدين هي روح الحاكم ~~المصلح الذي يريد أن يزيل الفوارق بين رعاياه، والذي يعتقد أنه كلما زادت عوامل ~~الألفة والوحدة بين الشعب، أدى هذا إلى قوة الدولة وأمنها ~~واستقرارها. # وإذا نحن نظرنا إلى هذا الدين الجديد نظرة فاحصة؛ وجدنا أنه اقتبس الروح من ~~الإسلام، بينما صاغ الجسم من الهندوكية والزرادشتية. # فالروح التي تتمثل في وحدانية الله مأخوذة عن الإسلام، والجسم الذي يتمثل ~~في الطقوس المختلفة مأخوذة عن الديانتين الأخريين، ولم ينس الدين الجديد أن ~~يرضي المسيحيين، فجعل يوم الأحد يوم التدشين للداخلين فيه أو للمؤمنين الجدد، ~~وبذلك خرج هذا الدين الإلهي الجديد وهو يمثل جميع الديانات الموجودة في ~~الهند، فهو دين عالمي هندي، فيه ما يرضي وفيه ما يجذب أتباع كل دين آخر. # وقد اختلف المؤرخون في تقديرهم لهذا الدين الجديد، فأعجب به الكثيرون من ~~الغربيين، ورأوا فيه بشير نهضة أو حركة إحياء هندية كبرى، وقالوا في مجال ~~الدفاع عن أكبر: إننا لكي نحسن فهمه وفهم دينه الجديد؛ يجب أن ننظر إليه على أنه ~~حاكم مصلح مجدد، منشئ لإمبراطورية قوية، لا على أنه نبي أو رسول جاء يبشر بدين ~~جديد، فالعقيدة التي دعا لها لم تكن هدفا في حد ذاتها، وإنما كانت وسيلة لهدف ~~أكبر، هو التوحيد بين طوائف الشعب؛ لتكوين هند قوية موحدة. # وأما معارضوه فهم كثرة: بعضهم من الغربيين، والغالبية العظمى من المسلمين، ~~وخاصة مسلمي الهند - معاصرين وغير معاصرين - وهؤلاء ينظرون إلى الدين الجديد ~~باعتبار أنه دين أولا، وهكذا سماه صاحبه، ويحكمون على أكبر باعتباره ملكا ~~مسلما دعا إلى دين جديد، معظم ما فيه لا يقره الإسلام، بل يعتبره مروقا ~~وإلحادا وكفرا. # يقول # Smith # أحد الغربيين الذين أرخوا لأكبر: ~~«كان الدين الإلهي دليلا على حماقة ms009 أكبر، لا على حكمته.» ويسمي هذا الدين في ~~مكان آخر من كتابه «بالاختراع ~~السخيف # a silly invention ~~». # أما رأي المجتمع الهندي الإسلامي في الدين الإلهي فيمثله خير تمثيل ما كتبه ~~المؤرخ المعاصر «بداؤني # Badàoni ~~»، لقد اعتبر ~~هذا الكاتب - وكان محقا في رأيه - الدين الإلهي كفرا وإلحادا، وأحصى ~~النواحي التي خرج فيها عن أصول الإسلام في النقط الآتية: ~~(1) # أباح السجود للإمبراطور، والإسلام يمنع السجود إلا لله سبحانه ~~وتعالى. ~~(2) # دعا إلى عبادة أو تقديس الشمس والنار، وفي هذا رجوع للوثنية ~~القديمة. ~~(3) # سمح بوضع الحلاليف في القصر الإمبراطوري، واعتبر النظر إليها كل ~~صباح عملا يستحق التقدير، والإسلام يحرم أكل لحم الخنزير، ~~وبالتالي يحض على كراهيته. ~~(4) # حرم أكل لحم البقر، والثوم، والبصل، وهذه أشياء أحلها الإسلام، ~~كما حرم تربية اللحى، وقد كانت اللحى الشعار المميز للمسلمين في ~~الهند في ذلك الحين؛ لأن الهندوكيين كانوا يحلقون لحاهم. ~~(5) # نفى عددا كبيرا من الملا # Mullahs ~~- أي العلماء - والمشايخ. ~~(6) # منع ختان الأطفال قبل سن الثانية عشرة، وزواج البنات قبل سن ~~البلوغ. ~~(7) # حارب دراسة اللغة العربية. ~~(8) # منع الأذان والصلوات الجامعة. ~~(9) # أمر بتغيير الأسماء الإسلامية من أمثال: محمد وأحمد ومصطفى؛ ~~لأنها تسبب الضيق للإمبراطور. ~~(10) # أوقف الحج إلى مكة وصيام شهر رمضان. ~~(11) # حرم دراسة القرآن والحديث. ~~(12) # أمر بأن تحول المساجد والجوامع إلى مخازن وأماكن ~~للحراسة. # ويختم بداؤني نقده بقوله: إن الإسلام بهذا قد هدمت أركانه، وانقض ~~بنيانه، ولم يمض غير خمس أو ست سنوات حتى انقلب كل شيء رأسا على عقب، ولم يبق ~~في نفس أكبر أثر ضئيل من دينه القديم القويم الإسلام، بل لقد أبدى مظاهر العداء ~~الشديد للدين الذي آمن به في شبابه، والذي آمن به أسلافه من قبل. # وهكذا يعتبر بداؤني، ويوافقه في هذا # Smith # سنة 1582م - وهي السنة التي أعلن فيها الدين الإلهي - حدا فاصلا في حياة ~~أكبر، ويريان أن أكبر لا يمكن اعتباره مسلما بعد هذه السنة. # ولم تكن التغيرات التي أحدثها أكبر مقصورة على الدين وحده، بل أحدث تغييرات ~~أخرى تؤذي شعور المسلم؛ لأنها ذات ms010 صلة وثيقة بالتشريع أو النظام الإسلامي؛ فقد ~~تزوج أكبر من بنات أمراء الهندوك؛ ليرتبط وإياهم برابطة ولاء النسب، غير أنه سمح ~~لأولئك الزوجات بالاحتفاظ بدياناتهن، وبالقيام بشعائر هذه الأديان داخل القصر ~~الإمبراطوري، كما أنه استبدل التقويم الهجري بتقويم جديد سماه التقويم الإلهي، ~~يبتدئ بسنة جلوسه على العرش، وجعل شعار أتباعه «الله أكبر»، وكان يعني به أن ~~أكبر هو الله! # هذه الحركة هزت المجتمع الإسلامي في الهند هزة عنيفة، غير أن كل من عارضها ~~أو قاومها من العلماء كان نصيبه النفي والاضطهاد والتشريد، ومع هذا فقد لقيت ~~الحركة تأييدا من بعض العلماء المسلمين الذين كانوا يبتغون الوسيلة والقربى ~~إلى السلطان، والحقيقة أنه لولا تأييد هذا النفر من العلماء لما استطاع أكبر أن ~~يقيم دعائم دينه الجديد، وفي هذا يقول أحمد سرهندي: ~~«ومما لا شك فيه أن كل ما وقع من المداهنة والتخاذل في الأحكام الشرعية في ~~هذا الزمان، وما ظهر من الفساد والوهن في نشر الدعوة الإلهية وإبقاء مآثرها في ~~هذا العصر، إنما يرجع سببه إلى علماء السوء الذين هم لصوص الدين، وشر من تحت ~~أديم السماء، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.» # ومع هذا فإن نفرا آخرين من العلماء المخلصين، الثابتين على إيمانهم، المتمسكين ~~بدينهم عارضوا الدين الإلهي معارضة عنيفة، كان على رأس هؤلاء هذا العالم الذي ~~اقتبسنا قوله الآن، السيد أحمد سرهندي، فقام هذا الرجل بحركة تجديدية مضادة، ~~تعتبر في الواقع رد فعل لحركة أكبر الإلحادية. ~~(3) أحمد سرهندي (971-1034ه / 1564-1625م) مجدد الألف الثانية # ويعرف أحمد سرهندي باسم «مجددي ألفي ثاني» أي مجدد الألف الثانية، وهو واحد من ~~كبار المسلمين والمتصوفة الذين برزوا في تاريخ الهند، وقد بذل جهودا كبيرة في سبيل ~~تجديد الإسلام، وتنقيته من الشوائب التي لصقت به، وخاصة بعد حركة الهرطقة والمروق ~~التي كان قد بدأها الإمبراطور أكبر (1556-1605م). ~~(3-1) حياته الأولى # ولد أحمد في مدينة سرهند (إحدى مدن ولاية بتيالا Pātiala # في شرقي البنجاب) في سنة 971ه / 1564م، ووالده الشيخ ~~عبد الأحد ينتهي ms011 نسبه إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وقد تلقى أحمد علومه ~~الأولى على والده، ثم أتم دراسته بعد ذلك في مدينة سيالكوت # Siyālkôt ~~. # واتجه أحمد بعد ذلك إلى العاصمة أجرا # Agra # حيث كان دائم التردد على مجالس الوزير الأول أبي الفضل وأخيه فيضي (وهما من ~~العلماء البارزين في ذلك الوقت)، ويرجح مؤرخوه أنه كتب في هذه الفترة رسالته ~~الصغيرة التي سماها «الرسالة التهليلية» في نقد المذهب الشيعي [وقد ترجم هذه ~~الرسالة فيما بعد إلى العربية شاه ولي الله دهلوي، # 1 # وأرفق بها مقدمة تحدث فيها عن التيارات الدينية في بلاط الملك ~~الأكبر، وعن نشاط الشيخ أحمد]. # وبعد سنوات قليلة عاد إلى مدينته سرهند، وفي سنة 1008ه دخل في الطريقة ~~النقشبندية، بعد أن أخذ العهد على أحد شيوخها وهو الخواجة # Kh # w # adja # باقي بالله (ت1012) الذي كان يقيم في مدينة دلهي في ~~ذلك الوقت. ~~(3-2) أحمد سرهندي وجهانجير # نشأ أحمد سرهندي في الربع الأخير من القرن العاشر للهجرة (16م) في نفس الوقت ~~الذي كان أكبر يدعو فيه لدينه الجديد، فأخذ يرقب الأحوال، وبدأ ينظم حركة واسعة ~~لمعارضة هذه الحركة الإلحادية، وبث أتباعه ومريديه في أنحاء البلاد، وكتب إلى ~~قواد الجيش وكبار الموظفين ممن يأنس فيهم الرشد والإسلام الصحيح، ينبههم إلى هذا ~~الخطر الداهم، ويحذرهم عاقبة هذه الفتنة العمياء، وما قد يكون لها من آثار ~~خطيرة على الإسلام والمسلمين في الهند. # ولم تظهر آثار دعوته إلا بعد موت أكبر، وفي عهد ابنه جهانجير (1014-1037ه)، ~~فقد سار هذا الابن على نهج أبيه، واضطهد علماء السنة ونكل بهم، وقرب إليه ~~علماء الشيعة، واتخذهم بطانة له. # وعندما اشتد حماس الشيخ أحمد في معارضة الدين الإلهي وما خلفه من آثار وفي ~~مناهضة المذهب الشيعي، وعندما نشط هو وأتباعه في دعوتهم التجديدية لمحاربة ~~البدع والعودة بالإسلام إلى أصوله الأولى، غضب عليه جهانجير - بإيعاز علماء ~~الشيعة ورجال القصر - واعتبر نشاطه خطرا على الدولة والعرش، وأمر بالقبض عليه، ~~وسجنه في حصن جواليور # Gwalior ~~، ولكنه سرعان ما ~~عفا عنه ms012 وأمر بإطلاق سراحه، وخلع عليه، ووصله بمبلغ من المال. # وقد اختلفت الروايات عند ذكر الأسباب التي دفعت الإمبراطور جهانجير إلى العفو ~~عن الشيخ أحمد؛ تقول إحدى هذه الروايات: إن الإمبراطور رأى فيما يرى النائم أن ~~الشيخ أحمد قد ظلم، وأن رجلا صالحا يقول له وهو عاض على يديه: ~~«ويحك! قد حبست رجلا لا ترى مثله في الصلاح والورع.» # وتقول رواية أخرى - وهي أقرب إلى الصحة: إنه لم يمض على دخول الشيخ أحمد ~~السجن إلا أيام قليلة حتى تغير الحال غير الحال، وأخذ الرجل ينفث من روحه بين ~~المسجونين والجناة من القتلة والسارقين، ويلقي عليهم مواعظه، فإذا بهم بين ~~يوم وليلة قد انقلبوا خلقا آخر، وبدءوا يأتمرون بأوامر الشيخ في ذلة وخشوع، ~~ويؤدون فروضهم الدينية في أوقاتها وفي حرص شديد؛ مما أثار عجب مدير السجن ~~وإعجابه، فكتب إلى الإمبراطور يقول له: إن هذا السجين - الشيخ أحمد - ليس كغيره ~~من نزلاء السجن، وإنما هو في الحقيقة ملك قلما يأتي الدهر بمثله، فإن وافق ~~السلطان أطلقنا سراحه، وأكرمناه بما يستحقه. # عند ذلك ندم جهانجير على ما صدر منه في حق الشيخ أحمد، وأمر في الحال بإحضاره ~~إلى قصره في أجرا، ولما علم بقربه من العاصمة أرسل ابنه وولي عهده الأمير «خرم» ~~- شاه جهان فيما بعد - لاستقباله والترحيب به، ولما دخل الشيخ أحمد على ~~الإمبراطور حياه وحيا حاشيته بتحية الإسلام، ولم يسجد له، فحفظها الإمبراطور في ~~نفسه، وتلقاه رغم هذا بالترحاب، وأبقاه معه في القصر لينتفع بنصائحه. ~~(3-3) نجاح حركة السيد أحمد التجديدية # وكان لبقاء الشيخ في القصر آثار طيبة؛ فقد استطاع أن يقنع الإمبراطور بإلغاء ~~كثير من البدع التي استحدثها أبوه أكبر، فأصدر بعد قليل أمرا ملكيا نص فيه ~~على ما يأتي: ~~(1) # تحريم السجود للملك. ~~(2) # إباحة ذبح البقر وأكل لحمه. ~~(3) # إعادة بناء المساجد المهدمة. ~~(4) # إبطال القوانين المعارضة للشريعة الإسلامية. ~~(5) # تعيين القضاة والمحتسبين في مختلف المدن الهندية. # وبذلك آتت حركة الشيخ أحمد التجديدية أكلها، وعاد للمجتمع الإسلامي في الهند ~~اطمئنانه، وانتهت حركة الاضطهاد لعلماء ms013 السنة، وبدأ المسلمون يحسون الحرية ~~التامة في القيام بشعائر دينهم. ~~(3-4) مؤلفات السيد أحمد المجددي # وقد كتب الشيخ أحمد جملة من الرسائل في موضوعات دينية مختلفة، منها: # المبدأ والمعاد (دلهي، 1311). # رسالة تهليلية، وقد طبعت ملحقة بمجموعة رسائله «مكتوبات» ~~وطبعت في لكناو. # معارف لدنية. # مكاشفات غيبية. # رسالة في إثبات النبوة. # آداب المريدين. # شرح رباعيات أستاذه خواجه باقي بالله. # وأشهر آثاره الفكرية جميعا مجموعة رسائله المعروفة باسم «مكتوبات» التي ~~أرسلها إلى تلاميذه ومريديه وبعض الشخصيات الأخرى المعاصرة، لشرح كثير من ~~الموضوعات الإسلامية التي كانت موضع جدل ومناقشة، ولا زالت هذه المكتوبات تحتل ~~حتى اليوم مكانها الجدير بها بين أهم ما خلفه الفكر الإسلامي في الهند من تراث قديم. # 2 ~~(3-5) السيد أحمد مجدد الألف الثانية # وقد أطلق مولانا عبد الحكيم السيالكوتي بحق على الشيخ أحمد سرهندي لقب «مجددي ~~ألفي ثاني» أي مجدد الألف الثانية، وذلك تحقيقا للحديث الشريف الذي ~~يقول: ~~«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» وقد عني ~~المسلمون في مختلف الأقطار الإسلامية بهذا الحديث، كلما تأخرت بلادهم، أو انتشرت ~~فيها البدع المستحدثة، فكانوا ينظرون إلى وراء، ويرون أنه لا صلاح لحاضرهم إلا ~~بالعودة إلى ما كان عليه النبي والصحابة في العصر الإسلامي الأول، وبالعودة إلى ~~أصول الإسلام ومنابعه الحقيقية من قرآن وسنة، وكانوا دائما يحصون أسماء من ظهر ~~من المجددين على رأس المئين الماضية، ويرتقبون ظهور المجدد الجديد. # وقد كتب السيوطي أرجوزة أحصى فيها المجددين إلى القرن التاسع الهجري، وسماها ~~«تحفة المهتدين بأخبار المجددين»، وجعل نفسه فيها المجدد للقرن التاسع، ~~قال: # وهذه تاسعة المئين قد # أتت، ولا يخلف ما الهادي وعد # وقد رجوت أنني المجدد # فيها، ففضل الله ليس يجحد # ونتيجة للجهود الطيبة التي بذلها الشيخ أحمد سرهندي لمحاربة البدع المستحدثة، ~~ولتجديد الإسلام وتخليصه من الشوائب التي علقت به؛ اعتبر نفسه واعتبره معاصروه ~~بحق مجدد الألف الثانية، أي مجدد المئة الحادية عشرة، وقد ذاع صيته وانتشرت ~~طريقته وآراؤه خارج حدود الهند في أفغانستان ms014 وفي أواسط آسيا. ~~(3-6) وفاته # وتوفي الشيخ أحمد المجددي في سنة 1034ه/1624م ودفن في مدينة سرهند، ولا ~~يزال الناس حتى اليوم يتوافدون على قبره؛ لزيارته والتماس البركة في ~~رحابه. # وقد ازدادت شهرته ذيوعا، وكثر تلاميذه وأتباع طريقته بعد وفاته، وهم الذين ~~يعرفون حتى اليوم باسم «المجددية»، ومما ساعد على انتشار تلاميذه وكثرة ~~عددهم الأحوال السيئة الناجمة بعد ذلك عن سيادة السيخ، وسيطرتهم على إقليم ~~البنجاب. ~~(3-7) الجديد في طريقة الشيخ أحمد # ومع أن الشيخ اتصل - منذ شبابه - بكثير من الطرق الصوفية المعروفة على عهده - ~~وخاصة الطريقة النقشبندية - فقد تحاشى الكثير من مغالاتهم، ولا سيما نزعاتهم ~~وأفكارهم القائلة بوحدة الوجود Pantheism ~~، ثم ~~حاول في طريقته أن يقرب بين فريقي الصوفية: القائلين بفكرة التوحيد # Monotheism ~~، والقائلين بفكرة وحدة الوجود، ~~وقال هو بالأخذ بفكرة وحدة الشهود، بدلا من فكرة وحدة الوجود؛ وذلك لأنه لاحظ ~~أن الكثيرين من المتصوفة في عصره قد تأثروا بفلسفة البراهمة، وأخذوا بكثير من ~~عقائدهم وأفكارهم، كوحدة الوجود والحلول والاتحاد وغيرها؛ ولذلك ركز الكثير من ~~جهوده لتفنيد هذه الآراء والرد عليها، وخاصة آراء محيي الدين بن عربي في وحدة ~~الوجود، ورسائل # 3 # الشيخ أحمد مليئة بالأدلة والمناقشات التي يهاجم فيها فكرة وحدة ~~الوجود، والتي يدعو فيها لفكرة وحدة الشهود، وبهذا نستطيع أن نقول: إن هذه ~~الفكرة تعتبر بحق الشيء الجديد الذي قدمه الشيخ المجدد لعالم الفكر الإسلامي ~~الديني. ~~(3-8) جهود الشيخ أحمد في إصلاح المجتمع الإسلامي في الهند # لم تقصر جهود الشيخ على هذا، بل لا بد أن نذكر له مساعيه الحميدة لإصلاح شأن ~~الحكومة ورجالها؛ فقد كان يعتقد أنهم القدوة، إذا صلحوا صلحت الرعية والبلاد ~~كلها، وإذا فسدوا فسد المجتمع الذي يقومون على شئونه، كذلك كان الشيخ المجدد ~~يعتقد أن الكثير من الفساد القائم يرجع أسبابه إلى العلماء الذين تهافتوا على ~~الدنيا وعلى إرضاء السلطان؛ ولهذا بذل الكثير من جهوده لمحاربة هذا الصنف من ~~العلماء، ومناهضة بدعهم والرد عليها. # ولقد كانت حركة أحمد سرهندي في الواقع عميقة الأثر في ms015 المجتمع الهندي ~~الإسلامي؛ فقد تأثر بها الكثيرون بعده، وكانت ممهدة لحركة تجديدية أخرى قام بها ~~مجدد ثان في القرن الثامن عشر، هو العالم الهندي الكبير شاه ولي الله ~~دهلوي. ~~(3-9) حركة عبد الحق دهلوي # وبين الحركتين ظهرت جهود أخرى سارت في نفس الطريق: # منها جهود الشيخ عبد الحق دهلوي (958-1052ه/1551-1642م)، وقد عاصر الشيخ ~~المجدد بعض الوقت، ولكنه توفي بعده بنحو ثمانية عشر عاما، وقد عني الشيخ عبد ~~الحق أكثر ما عني بإحياء السنة النبوية ودراسة علم الحديث، وألف في هذا العلم ~~كتبا كثيرة، وشرح «مشكاة المصابيح» للتبريزي بالعربية والفارسية معا، فهو ~~بهذا يعتبر أول عالم وقف جهوده في شمال الهند على نشر السنة النبوية وتدريس ~~كتبها وشرح متونها. # وقد درس الشيخ عبد الحق أولا في فاتح بور، وفي سنة 996ه ذهب لمكة؛ لأداء فريضة ~~الحج، وهناك درس على كبار العلماء (ذكرهم في كتابه زاد المتقين)، وبعد عودته ~~أقام يدرس في دلهي مدة تقرب من نصف القرن، وخلال هذه المدة حاز إعجاب ~~الإمبراطور جهانجير وابنه شاه جهان، وقبره موجود في حوضي شمسي في دلهي، ونقش ~~على حائط القبة موجز لحياته، ونص هذا النقش موجود كاملا في كتاب: «غلاب علي ~~أزاد، مآثر الكرام، أجرا، 1328، ص201». # وقد ترك عبد الحق 49 مؤلفا بالعربية والفارسية، هذه أهمها: # ديوان شعر. # لمحة التنقيح، وهو شرح بالعربية على مشكاة المصابيح للتبريزي، ~~وله أيضا شرح بالفارسية على نفس الكتاب، طبع في لكناو ~~1277ه. # أخبار الأخيار، وهو تراجم لأولياء الهند بصفة خاصة. # زبدة الآثار، وهو ترجمة لعبد القادر الجيلاني. # مفتاح الفتوح، وهو ترجمة فارسية مع التعليقات لكتاب الجيلاني ~~«فتوح الغيب». # ذكر الملوك، وهو تاريخ مختصر للهند منذ عهد الغوريين إلى عهد ~~أكبر. # جذب القلوب، وهو تاريخ للمدينة، مبني في معظمه على كتاب ~~السمهودي. # مدارج النبوة، وهو سيرة للرسول. # وأهم ما يؤثر عنه جهوده المشكورة للاهتمام بدراسة الحديث في الهند. ~~(3-10) جهود السلطان أورنجزيب الإصلاحية # ومن هذه الجهود جهود رسمية، بذلها الإمبراطور أبو الظفر محيي الدين عالم جير ~~أورنك زيب ms016 (1068-1118ه). # فقد كان هذا الإمبراطور - على عكس سابقيه من الأباطرة - متدينا شديد التمسك ~~بدينه، سنيا شديد التعلق بمذهبه والدفاع عنه، حتى لقد عرف بالملك الزاهد، ~~ولي الحكم في الأربعين من عمره، وطالت مدة حكمه حتى بلغت الخمسين عاما، وكانت ~~سياسته الدينية تعارض سياسة جده «أكبر» تمام المعارضة؛ ولهذا أصدر أوامره ~~بإلغاء كثير من القوانين والنظم والمراسيم التي سبق أن سنها «أكبر» والتي ~~كانت تدخل في نطاق البدع المستحدثة التي ينكرها الإسلام. وفيما يلي أمثلة ~~للإصلاحات الدينية التي أحدثها: # ألغى التقويم الإلهي الذي كان قد أصدره أكبر ، وأحله محل التقويم ~~الهجري. # منع الاحتفال بعيد رأس السنة الشمسية، وقد كان أكبر سن ~~الاحتفال به إرضاء للمجوس. # كان من عادة السلاطين التيموريين أن يتصدقوا على الفقراء بوزن ~~أجسامهم من الذهب والجواهر الغالية؛ ظنا منهم أن هذا الصنيع ~~يقيهم نوائب الدهر وموبقاته، وقد ألغى أورنجزيب هذه العادة. # كان من عادة الملوك من أسرته أن يظهروا للناس من شرف قصورهم كل ~~صباح؛ لتتمتع الرعية برؤية وجوههم، واعتبر أورنجزيب هذه العادة ~~تشبها بما كان يفعله الملوك الوثنيون مع رعاياهم، فألغاها. # كان أكبر قد أباح بيع الخمر علنا، ثم جاء ابنه جهانجير فمنعها، ~~ولكن أوامره لم تنفذ؛ لأنه كان مدمنا للشرب؛ ولهذا أباح للناس ~~شربها داخل بيوتهم، ثم خلفه ابنه شاه جهان، فتشدد في منع الخمر، ~~ولكنه استثنى النصارى، فلما ولي أورنجزيب منع الجميع من شربها ~~منعا باتا، وتشدد في تنفيذ هذا الأمر، وعين موظفين لمراقبة ~~من يقبل على شرب الخمر ولمعاقبتهم العقاب الصارم. # كذلك أصدر أورنجزيب أوامره بمنع المقامرة منعا باتا، وبأن ~~تخير الراقصات والبغايا بين الزواج أو مغادرة الدولة. # وقد توفي أورنجزيب في سنة 1118ه، ودفن في مدينة أورنج أباد - في ولاية ~~حيدر أباد الدكن - فكان خاتمة الأباطرة العظام في الهند، وتوالى الملوك بعده من ~~بنيه وبني بنيه، ولكنهم كانوا جميعا ضعاف الشخصية، فساءت أحوال البلاد، ونشطت ~~العناصر غير الإسلامية وكثرت الثورات، ووسط هذه الفوضى الشاملة ظهر مصلح جديد، ~~هو شاه ولي الله دهلوي. ~~(4) شاه ms017 ولي الله دهلوي (1114-1176ه/1703-1762م) # إحدى الشخصيات البارزة في تاريخ الهند الإسلامية، وهو علامة بحاثة، ومفكر ~~متعمق، وفقيه واسع الفكر والأفق، ومتصوف ورع، ومصلح متحمس؛ ولهذا فقد ترك في تاريخ ~~الهند الفكري أثرا لا يمحى. # وقد حبته الطبيعة بمؤهلات وهبات سخية في الفكر والعاطفة، فكان نافذ العقل ~~خفاق القلب، وقد أحسن استخدام هذه المؤهلات فيما يعود بالنفع الغزير على حركة ~~الإحياء الإسلامية في الهند. # ولد ولي الله في عصر ساده الانحلال والفوضى، ولكنه كان يتطلع دائما إلى ~~عالم يسوده السلام والتقدم. ~~(4-1) المدرسة الرحيمية # ولقد أصبح المعهد الذي أسسه وأسماه المدرسة الرحيمية «مدرسائي رحيمية # Madrasah-i-Rahimia ~~» نواة لحركة ثورية ~~تهدف إلى تجديد الفكر الديني في الإسلام، وقد توافد على هذه المدرسة الطلاب من ~~جميع أنحاء الهند قاصيها ودانيها، ولا شك أن حركة ولي الله تمثل فجر عصر جديد ~~في عالم الفقه والأدب الإسلامي. ~~(4-2) جهوده في تقريب القرآن والحديث لأفهام العامة في الهند # ولقد تعلق شاه ولي الله بدراسة القرآن والحديث، وكان أول عالم هندي ترجم ~~كتاب الله الكريم إلى اللغة الفارسية؛ لغة الشعب، حقيقة لقد سبقه في هذا ~~الميدان مولانا شهاب الدين دولت آبادي الذي عاش قبل ولي الله بسنوات طويلة، ~~وألف كتابه «بحر مواج»، ولكن «بحر مواج» يعتبر تفسيرا أكثر منه ترجمة، ولقد ~~كتبه مؤلفه للفقهاء لا للرجل العادي، أما هدف شاه ولي الله فكان مختلفا جد ~~الاختلاف، لقد أراد أن يجعل القرآن مفهوما للرجل العادي ذي الثقافة البسيطة، ~~وبهذا يعتبر كتابه «فتح الرحمن» أول ترجمة للقرآن يسهل فهمها ويمكن الوثوق بها ~~والاعتماد عليها. كذلك يعتبر كتاباه الآخران: «مقدمة في تفسير القرآن المجيد» ~~و«الفوز الكبير في أصول التفسير» دليلين لهما قيمتهما الكبرى لكل من حاول ~~بعده أن يقوم على هذه المهمة الخطيرة؛ مهمة ترجمة القرآن. # وبذل شاه ولي الله جهودا أخرى موفقة لتقريب أحاديث الرسول - عليه السلام - ~~لأفهام الشعب في الهند، وبذلك استحق أن يطلق عليه لقب «محدث». # ويعتبر كتابه «حجة الله البالغة» الذي هو بحق خير إنتاجه الفكري أفضل ms018 ما ~~أخرجته الدراسات الهندية الإسلامية؛ فإن نظرات المؤلف الثاقبة اللماحة إلى ~~قواعد الإسلام الأساسية، وعرضه الجلي الواضح للحقائق وأدلته القوية المقنعة، كل ~~ذلك يضفي على هذا الكتاب هالة من الخلود. ~~(4-3) عرض عام لجهود شاه ولي الله الإصلاحية في الدين # ونحن لا نستطيع أن نتحدث في تفصيل هنا عن شخصية شاه ولي الله وجهوده ~~الإصلاحية في الدين والمجتمع الإسلامي الهندي، ولكننا سنشير إلى أهم هذه الجهود ~~والآراء الإصلاحية: # كان التشيع قد صادف قبولا في بلاط أباطرة المغول منذ عهد همايون ~~(ت964ه)، ودخل في هذا المذهب عدد كبير من الأمراء وكبار الموظفين، ~~وعظم شأن هؤلاء في عهد جهانجير بوجه خاص، فاستولوا على المناصب ~~الحكومية الكبرى، وكان لهذا تأثيره الواضح في الشعب، فمال الكثيرون ~~إلى هذا المذهب، وقد بذل شاه ولي الله جهودا كبيرة للدفاع عن أهل ~~السنة، وألف كتابه «إزالة الخفاء عن تاريخ الخلفاء» وأثبت فيه ~~فضل الخلفاء الراشدين، وفصل فيه القول على أسس الحكومة الإسلامية ~~الأولى، وما بذلته من جهود لنشر الإسلام ومد مفتوح وتنظيم للدولة ~~الجديدة. # كان علماء الهنود في عهده يعتمدون كثيرا على علم الكلام، ~~ويعتقدون أنه قوام الدين وروحه، فسعى شاه ولي الله ليوضح لهم أهمية ~~علمي: الفقه والحديث، وضرورة العناية بهما وبدراستهما؛ لفهم حقيقة ~~الإسلام. # ولم يكن علماء الهند المسلمون يعنون بتفهم كتاب الله، ولعل هذا ~~راجع إلى جهل معظمهم باللغة العربية، أو عدم تعمقهم في دراستها، أما ~~شاه ولي الله فقد كان يؤمن إيمانا قويا أن الفهم الصحيح للإسلام ~~يستلزم تفهم كتاب الله؛ ولهذا عني عناية خاصة بوضع مؤلف جامع ~~في أصول التفسير، وأبان للمسلمين وجه الخطأ في منهجهم، وأوضح لهم ~~أن المنهج السليم يقتضي قراءة القرآن لدراسته وتدبر آياته ~~والاهتداء بهديه، لا للتبرك به دون فهم أو وعي لأسراره. # لم يكن شاه ولي الله رجل نظريات وحسب، بل كان يدعو الدعوة ثم ~~يردفها بالوسائل العملية لتحقيقها، وقد أدرك أن دعوته السالفة ~~لتفهم القرآن وتدبر آياته وحكمه من العسير تحقيقها؛ لأن العامة ~~من مسلمي الهند ms019 كانوا يجهلون اللغة العربية جهلا تاما؛ ولهذا ~~بادر بترجمة ألفاظ القرآن ومفرداته إلى اللغة الفارسية - وهي اللغة ~~الرسمية وقتذاك - ليتمكن العامة من فهم معاني هذه الألفاظ عند ~~تلاوة القرآن بأصله العربي، وقد سار على نهجه أبناؤه فيما بعد، ~~فترجم الشاه رفيع الدين (ت1233ه) والشاه عبد القادر (ت1230ه) ألفاظ ~~القرآن ومفرداته إلى الأوردية، ولا زالت هذه الترجمة المرجع للخاصة ~~والعامة في الهند، رغم ما ظهر بعدها من ترجمات أخرى كثيرة. # كان المذهب الحنفي هو المذهب المعتمد عند مسلمي الهند، وكانت كتب ~~هذا المذهب تؤخذ على علاتها، لا يجرؤ أحد على معارضتها أو مناقشتها، ~~ولكن شاه ولي الله درس المذاهب المختلفة، ولم يرضه هذا الجمود ~~وهذا التقليد الأعمى، فبدأ يدعو مواطنيه إلى الرجوع إلى الكتاب ~~والسنة وإلى ترك التقليد الجامد، وأن ينظروا إلى أقوال الفقهاء ~~بعين البحث والتحقيق، وشرح لهم مسألة الاجتهاد والتقليد، وأسباب ~~اختلاف المجتهدين، وكان في دعواه وفي دروسه وفي مؤلفاته يسعى ~~دائما للتوفيق بين مذاهب الأئمة، فإن تعذر عليه ذلك أخذ ما ~~يوافق الأحاديث الصحيحة، ورجحه على غيره، وقد طبق طريقته هذه ~~تطبيقا ناجحا في كتابه الرائع «حجة الله البالغة»، وفي كتيبه ~~الصغير «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف». # عني شاه ولي الله كذلك بعلوم السنة، فعمل على نشرها في الهند، ~~فكان بهذا متمما لما بدأه الشيخ عبد الحق دهلوي، وشاه ولي الله ~~أول من شرح كتاب الإمام مالك «الموطأ» بالعربية والفارسية، ~~وألف رسالة صغيرة باسم «الفضل المبين من حديث النبي الأمين»، وفي ~~أسرار الفقه والحديث وضع كتابه الذي أشرنا إليه «حجة الله ~~البالغة». ~~(4-4) شاه ولي الله المفكر والمصلح السياسي # ومع هذا فإن نواحي العظمة في شاه ولي الله ليست مقصورة على نبوغه في عالم ~~الأدب والعلوم الدينية، فإنه لم يكن عالما دينيا ذا شهرة وقداسة وحسب، بل ~~لقد كان مفكرا سياسيا نافذ البصيرة كذلك. # ولقد تأثرت نفسه الحساسة الصافية بالأحوال السياسية المضطربة التي كانت ~~تسود الهند في القرن الثامن عشر، وقد عثر أخيرا خليق أحمد نظامي على مجموعة ms020 ~~مخطوطة تضم رسائل شاه ولي الله السياسية، كتبها مولانا الشيخ محمد عاشق ~~الفولاتي # oh Phulat # أعز تلاميذ ولي الله ~~وأقربهم إليه، وقد كتب نظامي مقالا في مجلة # Islamic ~~Culture # حلل فيه بعض هذه الرسائل، وأشار إلى أهميتها ~~القصوى في دراسة الأحداث السياسية للهند في القرن الثامن عشر، ثم نشر هذه ~~الرسائل بعد ذلك في كتاب مستقل. ~~(4-5) الحالة في الهند في القرن 18 # كان القرن الثامن عشر في الهند تسوده الفوضى ويشيع فيه الترف؛ إذ لم يكد ~~أورنجزيب ينتقل إلى العالم الآخر (1707م) حتى ظهرت عوامل الانقسام والتفكك ~~واضحة، وعجز خلفاؤه البله الضعاف عن السيطرة على العناصر الجامحة في الوقت ~~المناسب، ونتيجة لهذا سادت الدولة عوامل الفوضى والاضطراب، وأصبح التاج المغولي ~~ألعوبة تتداولها أيدي الأطراف المتنافسة، وتتابع عدد من الملوك الصغار ~~كالدمى على مسرح السياسة في سرعة عجيبة، لا يكاد يظهر واحد منهم حتى يختفي ~~وشيكا، وأصبح تاج شاه جهان وأورنجزيب طيفا لمجد غابر. # ولقد أثار ضعف الحكومة المركزية أطماع الأمراء وحكام الأقاليم، وتبع ذلك سباق ~~جنوني في سبيل الحصول على السلطة السياسية؛ كذلك أفسدت مؤامرات النبلاء ودسائس ~~البلاط حياة الشعب. # ولقد أفادت الطوائف المنقسمة المختلفة الفائدة الكبرى من ضعف الحكومة ~~المركزية، وخاصة طوائف المراتا # Marathas ~~، ~~والسيخ # Sikhs ~~، والجات # Jats ~~، فبدأت تثور - بعد أن استعادت ثقتها بنفسها - على ~~إمبراطورية المغول المترنحة. # أما المراتا فقد حجبوا الحكومة الشرعية تماما في جوجرات # Gujrat # وملوا # Malwa # وبندلخاند # Bundelkhand ~~، واستعملوا السلاح ~~في البنغال # Bengal # وبهار # Bihar # ودواب # Daob ~~، بل لقد ~~طرقوا أبواب دلهي، حتى أثارت آثامهم وشرورهم الرعب في قلوب الشعب. # كذلك عاث السيخ في البنجاب سلبا ونهبا، وعبرت عصاباتهم نهر جمنة # Jumna ~~، وخربت المدن الهامة، وأشاعوا الذعر ~~والفزع في كل مكان حتى اضطر بعض الأفراد إلى تغيير أسمائهم؛ ليحموا أنفسهم من ~~فظائع السيخ. # أما ثورات الجات فقد خلقت للحكومة المركزية مشكلة شائكة؛ فقد كانوا - بحكم ~~قربهم الشديد من العاصمة - مصدر فزع دائم لسكان دلهي، وليس أحسن من وصف # Harcharam Das # لما فعله الجات؛ ms021 فقد ~~قال: ~~«كان سكان دلهي يتنقلون من بيت إلى بيت، ويتدافعون من حارة إلى حارة في يأس ~~قاتل وحيرة مميتة، كأنهم سفينة محطمة تتقاذفها الأمواج، كل فرد كان ينطلق ~~مذهولا بلا غاية، وكأنه قد أصيب بمس من الجنون.» # وكأن هذه الهزات الداخلية لم تكن كافية لتصيب كيان الحكومة المغولية بالشلل، ~~فإن نادر شاه ملك الأفغان لم يلبث أن أغار على الهند في سنة 1739م، وكانت غارته ~~هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد تلاشت نهائيا كرامة الإمبراطورية ~~المغولية، وسلبت الهند كل ثرواتها، وجمعت الحركات المعادية للمغول قواها، ~~وأشاعت مناظر المجاعات والتخريب غير المتوقعة عوامل الرعب واليأس في قلوب ~~الشعب. # كانت دلهي قلب الإمبراطورية؛ ولهذا كان لزام عليها أن تتحمل نتائج الصدمة التي ~~يحدثها كل اضطراب داخلي أو ضغط خارجي، وقد غمرت هذه المحن والبلايا سكان مدينة ~~دلهي، بحيث أصبحوا يحسون أن الحياة ذاتها عبء ثقيل لا يحتمل، بل إن بعض ~~المسلمين فكروا أمام هذه الظروف العصيبة أن يحرقوا أنفسهم ليتخلصوا من الحياة، ~~وبدأ اليأس والتشاؤم ينخر في أرواحهم كما ينخر السوس العظام! ~~••• # كانت هذه الأحداث جميعا تدور أمام ناظري شاه ولي الله، فتعصر قلبه عصرا ~~وتلفح روحه بالنيران، ولقد عبر عن أحزانه الكامنة في قلبه بهذا البيت الرائع من ~~الشعر: # كأن نجوما أومضت في الغياهب # عيون الأفاعي، أو رءوس العقارب # ولكنه لم يكن بالرجل الذي يسمح لليأس أن يغشي بصره أو بصيرته، فبينما كان كل ~~فرد غيره قد نال منه الرعب والاضطراب، استعان هو بذهنه الواضح وبشجاعته ~~النادرة، وراح يبحث عن أسباب هذه المتاعب جميعا، وقد استطاع كدارس ذكي نقاد ~~للتاريخ الإنساني أن يكتشف هذه الأسباب وأن يضع أصبعه على مواطن الداء. ~~(4-6) عقيدة شاه ولي الله أنه مجدد عصره # وكان شاه ولي الله يعتقد أن العناية الإلهية قد اختارته لإصلاح هذا النظام ~~السياسي والاجتماعي الفاسد؛ فقد كتب مرة في «فيوض الحرمين» يقول: ~~«رأيتني في المنام قائم الزمان، أعني بذلك أن الله إذا أراد شيئا من نظام ~~الخير جعلني كالجارحة ms022 لإتمام مراده.» # ولعل ولي الله كان يعتبر نفسه لهذا مجدد عصره؛ تحقيقا للحديث المعروف: «إن ~~الله يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.» # وهو يكرر هذه الفكرة أكثر من مرة وفي أكثر من مؤلف من مؤلفاته؛ فهو يقول في ~~موضع آخر من نفس المرجع «فيوض الحرمين»: «وأقرب الناس إلى المجددية: المحدثون ~~القدماء كالبخاري ومسلم وأشباههم، ولما تمت دورة الحكمة ألبسني الله تعالى خلعة ~~المجددية، فعلمت علم الجمع بين المختلفات، وعلمت أن الرأي في الشريعة تحريف وفي ~~القضاء مكرمة، وأشار إلي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إشارة روحانية أن مراد الحق ~~فيك أن يجمع شملا من شمل الأمة المرحومة بك.» # وفي كتابه «التفهيمات»، يقول بالفارسية ما ترجمته: # لقد ألهمت (أو كلفت) أن أنقل هذه الحقيقة إلى الناس: هذا الوقت ~~وقتك، وهذا الزمان زمانك، وإنه لمسكين ذلك الذي لا ينضوي تحت لوائك. # وفي موضع آخر من نفس المرجع يقول: # ومن نعم الله علي - ولا فخر - أن جعلني ناطق هذه الدورة وحكيمها، وقائد ~~هذه الطبقة وزعيمها. # بهذه العقيدة الراسخة في نفسه تقدم شاه ولي الله بشجاعة يعمل على إصلاح ~~المفاسد السياسية والاجتماعية التي سادت المجتمع الهندي في القرن الثامن ~~عشر. # ولا بد لنا لكي نفهم آراء ولي الله وجهوده الإصلاحية أن نلقي نظرة سريعة ~~على آرائه التي حلل بها الموقف في الهند في القرن الثامن عشر. ~~(4-7) تحليل شاه ولي الله للموقف في الهند في القرن 18 # درس شاه ولي الله الموقف في الهند في ذلك الوقت دراسة تحليلية، ونظر إليه ~~نظرة السياسي الواقعي، وبذلك استطاع أن يشخص كل الأدواء التي تصيب كيان الدولة ~~السياسي، وهو في كتابه «حجة الله البالغة» يشير في «باب سياسة المدينة» إلى ~~أسباب الفوضى والمحن، فيقول: ~~«وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان: # أحدهما: # تضييقهم على بيت المال بأن يعتادوا التكسب بالأخذ منه؛ على ~~أنهم من الغزاة، أو من العلماء الذين لهم حق فيه، أو من الذين ~~جرت عادة ms023 الملوك بصلتهم: كالزهاد والشعراء، أو بوجه من وجوه ~~التكدي، ويكون العمدة عندهم هو التكسب دون القيام بالمصلحة، ~~فيدخل قوم على قوم، فينغصون عليهم، ويصيرون كلا على ~~المدينة. # والثاني: # ضرب الضرائب الثقيلة على الزراع والتجار والمتحرفة، والتشديد ~~عليهم حتى يفضي إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وإلى تمنع ~~أولي بأس شديد وبغيهم، وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة، ~~وإقامة الحفظة بقدر الضرورة، فليتنبه أهل الزمان لهذه ~~النكتة.» ~~(4-8) مقترحات شاه ولي الله لعلاج هذه الحالة # هذه هي أسباب الخراب كما صورها ولي الله، وقد وصف السبل لعلاجها في مؤلف ~~آخر من مؤلفاته، وهو كتاب «التفهيمات الإلهية»، فهو في هذا الكتاب يقترح وسائل ~~محددة لإعادة السلام إلى الدولة، وللقضاء على عوامل الفساد، يقول ولي الله ~~مقدما النصيحة للملوك: ~~«فرضاء الملأ الأعلى أن تنصبوا في كل ناصبة وفي كل مسيرة ثلاثة أيام أو أربعة ~~أيام أميرا عادلا؛ يأخذ للمظلوم حقه من الظالم، ويقيم الحدود، ويجتهد أن لا ~~يحصل فيهم بغي ولا قتال، ولا ارتداد ولا كبيرة، ويفشو الإسلام، ويظهر شعائره، ~~ويأخذ بفرائضه كل أحد. # ويكون لأمير كل بلد شوكة يقدر بها على إصلاح بلده، ولا يكون له شوكة يتمتع ~~بسببها ويعصى على السلطان. # وينصب في كل إقليم كبير أميرا يقلده القتال فقط، يكون جمعه اثنا عشر ألفا ~~من المجاهدين، لا يخافون في الله لومة لائم، يقاتلون كل باغ وعاد. # فإذا كان ذلك، فرضاء الملأ الأعلى أن يفتش حينئذ عن النظامات المنزلية ~~والعقود ونحوهما؛ حتى لا يكون شيء إلا موافق الشرع، حتى يأمن الناس من كل وجه.» # 4 ~~(4-9) رسائل ولي الله كمرجع أصيل لدراسة الحالة في الهند في القرن 18، ومشروعاته ~~واقتراحاته وجهوده لإصلاحها # هذا ما ذكره ولي الله في كتبه وتصانيفه المختلفة بطريقة ضمنية لماحة غير ~~مباشرة، ولكن رسائله المكتشفة حديثا تعتبر وثائق خطيرة لها أهميتها القصوى ~~لدراسة أحوال الهند وأحداثها في القرن الثامن عشر، كما أنها تكشف عن الدور ~~الخطير الذي لعبه رجل الدين والفيلسوف المتصوف في توجيه الأحداث، وعن محاولاته ~~الجدية لتحديد أسباب الفساد، ms024 وعن مقترحاته لإصلاح الدولة وحكامها ~~وساستها. # المحاولة الأولى: مقترحات مقدمة إلى الملك والوزراء والأمراء # ففي خطاب من هذه الخطابات يوجه شاه ولي الله الحديث إلى الملك والوزراء ~~والأمراء، ويبين لهم الأسباب الحقيقية للفوضى، ثم يقدم لهم مقترحاته ~~لعلاجها؛ يقول بالفارسية ما ترجمته: # إن من المنتظر من فضل حضرتكم أنكم إذا عملتم بموجب هذه الكلمات لكانت ~~النتيجة تقوية أمور السلطنة وبقاء الدولة ورفعة منزلتها. # ثم يلخص خطته الإصلاحية في النقط الآتية: # أولا: # يجب أن تشدد الرقابة على حصون الجات # jats # وقلاعهم، ويجب أن يلقن ~~الأشرار درسا قاسيا حتى لا يعودوا إلى إحداث الشغب ~~والاضطرابات. # وقد خص شاه ولي الله حركات الجات بعناية كبرى تفوق ~~عنايته بحركات السيخ # Sikh # والمراتا # Maratha ~~؛ ~~لأن الجات كانوا قريبين جدا من العاصمة، وبهذا كان ~~لتمردهم ولنشاطهم تأثير مباشر على الأداة الحكومية ~~المركزية. # ثانيا: # يجب أن تمتد أراضي الخالصة حتى مدينة أكبر أباد من ~~ناحية، وحتى مدينة سرهند # Sarhind # من ناحية أخرى؛ لأن «موجب ضعف ~~أمور السلطنة» كما يقول ولي الله: «هو نقصان أراضي الخالصة ~~وقلة أموال الخزانة»؛ فقد تحقق لديه أنه لا يمكن أن يوجد ~~استقرار اقتصادي ما لم تتكاثر أراضي الخالصة، وبغير هذا ~~السبيل يصبح الإمبراطور دائما تحت رحمة حكام الأقاليم ~~والجاجير ~~دارية # Jagirdars ~~(أصحاب الإقطاعات). # ثالثا: # الجاجير # Jagirs ~~(الإقطاعات) يجب أن لا تعطى إلى صغار المنصبدارية # Mansabdars ~~؛ لأنهم لا ~~يستطيعون إدارتها والإشراف عليها، ويضطرون أن يعهدوا بها ~~إلى الملتزمين، وبهذا يتضاعف شقاء الفلاحين وتزيد متاعب ~~الدولة. # رابعا: # يجب أن يعامل الخونة والمارقون بمنتهى الحزم، وأولئك ~~الذين يعاونون الأعداء يجب أن يؤخذوا بالشدة، وأن ينزل بهم ~~العقاب الصارم الرادع، وأن يجردوا من إقطاعاتهم ~~ومناصبهم. # خامسا: # يجب أن يعاد تنظيم الجيوش، وأن تدرب تدريبا صالحا، ~~ولتحقيق هذا الهدف الأخير تتبع الوسائل ~~الآتية: ~~(أ) # يراعى في الضباط أن يكونوا شجعانا وعلى ولاء ~~تام للإمبراطور. ~~(ب) # من بدرت منه بادرة خيانة من الأجناد يجب أن ~~يفصل. ~~(ج) # يجب أن تدفع رواتب الأجناد بنظام؛ لأنهم ~~يضطرون عند تأخير رواتبهم ms025 إلى الاقتراض بالربا، وفي ~~هذا مفسدة لهم. # سادسا: # يجب أن يستغنى عن طريقة الالتزام في جمع إيرادات ~~أراضي الخالصة؛ لأن هذا النظام - كما يقول ولي الله - يؤدي ~~إلى خراب الأراضي، وإلى إرهاق الرعية والفلاحين. # سابعا: # يجب أن يختار القاضي والمحتسب من بين الرجال الذين ~~عرف عنهم النزاهة والاستقامة، ويجب أن يكونا فوق المظان ~~والشبهات. # ثامنا: # يجب أن لا يصرف الإمبراطور والنبلاء أوقاتهم في الملاهي ~~والمسرات، ويجب أن يتوبوا عن آثامهم الماضية، وأن يعفوا ~~عن حياة الترف في المستقبل. # ويختم شاه ولي الله هذا الخطاب بقوله: إن الإمبراطور لو اتبع هذه الأقوال ~~والنصائح «فإن نصيبه يكون بقاء السلطنة وتأييد الغيب ونصرة الله.» # المحاولة الثانية: الاستعانة بنظام الملك # ولكن مع هذا فإن العجز والضعف كانا قد بلغا من حكام المغول مداهما؛ ولهذا ~~لم تصادف دعوة شاه ولي الله إلا آذانا صماء؛ فقد كان هؤلاء الحكام أضعف من ~~أن يستطيعوا إيقاف عوامل الفوضى والفساد، أو القضاء عليها. # فقد شاه ولي الله الأمل في الإمبراطور المغولي، واعتقد أنه إذا كان ~~للسلام والهدوء أن يعودا إلى الدولة، وإذا كان من الممكن القضاء على عوامل ~~الفساد، وإذا كان من الممكن إنقاذ المجتمع الهندي من الانحلال الروحي ~~والانحطاط الخلقي، فإنه يجب عليه أن يبحث عن قوى أخرى فعالة تستطيع أن ~~تقوم بهذا الواجب. # وإلى هذا فإن أهداف شاه ولي الله الأساسية لم تكن ترمي إلى إنقاذ ~~الإمبراطورية المغولية والمحافظة عليها، بل إنه كان يهدف إلى إنقاذ التجانس ~~الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي اللذين كانا موجودين في الأيام الطيبة ~~السالفة، وتحقيقا لهذه الأهداف؛ أرسل شاه ولي الله بعض رسائل أخرى إلى نظام ~~الملك. # وفي واحدة منها يتقدم إليه بالرجاء أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد؛ ~~للقضاء على ارتفاع أسعار الغلة (القمح)، وعلى أسباب الخراب والفوضى التي ~~شاعت في أطراف العالم الهندي؛ فإنه إن فعل يكون قد قام بعمل جليل ~~هام. # وفي رسالة أخرى يحرض شاه ولي الله نظام الملك أن يستخدم نفوذه في وضع ~~حد لعناصر الفوضى والاضطراب، وهو ms026 في هذه الرسالة يضع كل ثقته في نظام ~~الملك، ويفضي إليه في صراحة تامة بما لا يستطيع أن يفضي به إلى غيره، فهو ~~يقول له: ~~«إن الأشياء التي ألقي بها إلى خاصتي بطريق غير مباشر أتحدث إليك ~~عنها الآن بصراحة؛ حتى لا يكون لك عذر فيما بعد.» # ولكن نظام الملك كان قد وجه نشاطه عن الشمال إلى الجنوب، وعزف كذلك عن ~~العناية بأمور العاصمة؛ حيث كانت المنافسات بين الأمراء قد ملأت الجو بالغش ~~والخديعة والاحتيال. # المحاولة الثالثة: الاستعانة بنجيب الدولة وقوى الروهلا # وللمرة الثانية لم ييئس شاه ولي الله، بل ولى وجهه شطر فرق ~~الروهلا # Rohillas ~~، وهي فرق في الجيش ~~وفيرة العدد، ولها هيبة كبيرة ترجع إلى تنظيماتها العسكرية وإلى خصائصها ~~الجنسية الحربية. # ولم تكن الشرور التي أفسدت الأداة الحكومية والعسكرية المغولية قد أصابت ~~الروهلا، ويضاف إلى هذا أنهم كانوا يتمتعون بمكانة حربية عظمى، كما أنهم ~~سايروا الثورة التي غيرت كثيرا من وسائل الحرب في الهند؛ يقول عنهم # Sarkar ~~: ~~«إن حماسهم المنظم للقتال، والعمل النشيط القائم على ذكاء الجنود الفردي ~~لم يكن له مثيل في الهند في ذلك الوقت.» # لهذا حاول شاه ولي الله أن يتصل بنجيب الدولة قائد الروهلا؛ عساه يستطيع ~~أن يقوم بما لم يستطع الإمبراطور المغولي ونظام الملك عمله. # وفي إحدى رسائله إليه يقول: # إني أعلم أن تجديد الملة والأمة يعتمد عليك. # وكانت خطته تتلخص في أن يستخدم الروهلا؛ ليكونوا كالدرع الواقية ضد ~~هجوم القوى المسببة للقلاقل. # كان نجيب الدولة قائدا ممتازا، وكان شاه ولي الله يعزه ويقدره؛ لما يتسم ~~به من صفات طيبة، فقد كان يمتاز ببصيرة مستشفة لحقائق السياسة، وبمهارة ~~دبلوماسية فائقة، وإرادة حازمة صارمة؛ ولهذا كان يؤثره عالمنا المتصوف ولي ~~الله بالتشجيع والتوجيه، ويضفي عليه الكثير من بركاته وإلهامه. # وهناك بين مجموعة الرسائل المشار إليها ثماني رسائل تلقي أضواء جديدة على ~~العلاقات بين شاه ولي الله وسردار - أو قائد - الروهلا (نجيب ~~الدولة). # يقول ولي الله في إحدى هذه الرسائل: # يوجد في الهند ثلاث فرق ms027 موصوفة بالشدة والصلابة، وإذا لم تستأصل ~~هذه الفرق الثلاث فلن يشعر الإمبراطور أو الأمراء أو الرعية ~~بالاطمئنان. # وهذه الرسائل تبين في وضوح أن شاه ولي الله لعب دورا هاما في رفع ~~الروح المعنوية بين الروهلا وفي نفس قائدهم نجيب الدولة؛ ففي رسالة أخرى ~~يطلب من نجيب الدولة أن لا يدع للصدمات الوقتية فرصة لإشاعة اليأس في نفسه، ~~وينصحه أن يثابر دائما على القيام بالواجبات التي ألقيت على كاهله ~~وإتمام ما بدأ به، ثم يسأله أن ينبئه دائما بتحركات جيوشه؛ ليتمكن من دعاء ~~الله، وأن يطلب له من فضل الكريم النصر والفتح القريب. # وحدث أن بعض طوائف الخونة من المسلمين تخلوا عن نجيب الدولة وانضموا إلى ~~الجات # Jats ~~؛ مما دفع نجيب الدولة إلى ~~التشاؤم، فكتب إليه شاه ولي الله يقول: # إذا كانت جماعة من بين المسلمين انضمت إلى الجات فيجب أن لا يستولي عليك ~~الوسواس، وإني أعتقد أنه ولو أن الظاهر أن العدو يفوق جيشك عددا، فإنه لن ~~يصيبك ضرر ما. # المحاولة الرابعة: شاه ولي الله وأحمد شاه أبدالي # بذل نجيب الدولة كل ما استطاع بذله لمقاومة قوى الفوضى والاضطراب، ولكن ~~الجو في البلاط لم يكن يوحي البتة بأي نوع من التجانس أو الثقة، والأمراء ~~كانوا جد حريصين على تضحية مصالح الدولة على مذبح أطماعهم الشخصية، وفي نفس ~~الوقت كان ضغط المراتا يزداد تباعا على الأجزاء الشمالية، واستطاعوا - بعد ~~تحالفهم مع الجات - أن يهزموا نجيب الدولة، وأن يستولوا على إقليم ~~البنجاب. # عند ذلك بدأ شاه ولي الله يدرس الموقف من جديد، وقرر أن يدعو أحمد شاه ~~أبدالي حاكم الأفغان ليأتي بجيوشه؛ لإنقاذ الهند المسلمة. # أرسل ولي الله خطابا مطولا في أربعة عشر صفحة إلى أحمد شاه أطلعه فيه ~~على تطورات الموقف السياسي في الهند، ورجاه أن يسرع لإنقاذ المسلمين من ~~خطر سيطرة الماراتا، وهذا الخطاب يعتبر بحق وثيقة من أهم الوثائق التاريخية ~~لدراسة الحالة في الهند في القرن الثامن عشر. # في القسم الأول من هذا الخطاب يقدم شاه ولي الله وصفا ms028 تفصيليا ~~للانقلاب السياسي الذي أصاب الأجزاء الشمالية، ثم يحلل العوامل التي ~~ساعدت على قيام القوى المعارضة، وهي قوى: الماراتا والسيخ والجات. # ومما يثير إعجاب دارس التاريخ في هذا الخطاب إدراك شاه ولي الله الفائق ~~للدوافع وردود الأفعال للقوى السياسية التي كانت تعمل في الهند في القرن ~~18. # كما أنه لا ينسى - عند مناقشته للأحداث السياسية الهامة - أن يشير إلى ~~أثر العوامل الجغرافية في كل مرحلة من مراحل التطور. # وفي نفس الخطاب يعطي شاه ولي الله تقديراته لمدى قوة جيوش المارتا ~~والجات. # وبعد كل هذه التفصيلات عن الجات والماراتا أطلع شاه ولي الله أحمد شاه ~~أبدالي على الأزمة الاقتصادية التي تعانيها الإمبراطورية المغولية؛ يقول: ~~«هناك مائة ألف روح في خدمة الإمبراطور، بعضهم يمنح المرتبات، والبعض الآخر ~~جاجاردارية (أي مقطعين)، ونتيجة الأحوال المضطربة لا يستطيع هؤلاء ~~الجاجاردارية السيطرة على إقطاعاتهم ~~( # jagirs ~~)؛ ولهذا فهم يعانون كثيرا من ~~المشاق. # أما أصحاب المرتبات فإنهم لا يتقاضونها؛ لأن الخزانة خاوية.» # وبعد أن عرض على أحمد شاه أبدالي أحوال الهند السياسية والاقتصادية ~~والأوضاع المؤلمة البائسة التي يعانيها المسلمون، يتقدم إليه بالرجاء ~~قائلا: «ولا جرم أنه أصبح من فروض العين على حضرتكم أن تسرعوا بقصد ~~هندستان؛ لتقضوا على تسلط الكفار هناك.» ~~(4-10) تحذير ولي الله لأحمد أبدالي أن لا يكرر ما فعله نادر شاه عند غزوه ~~الهند # وهناك شيء آخر لم ينس شاه ولي الله أن يشير إلى أهميته وهو يتحدث إلى هذا ~~القائد الأجنبي، لقد رأى بعينيه المصائب التي حلت بالشعب إبان غارة نادر ~~شاه على الهند، وإليه يرجع الفضل في إقناع الناس بعدم الإقدام على إحراق ~~أنفسهم، ولقد أدرك شاه ولي الله أيضا أن النتائج السياسية لغزوة نادر شاه لم ~~تأت بفائدة للمسلمين أو للإمبراطورية المغولية؛ ولهذا فقد حذر أحمد شاه ~~أبدالي أن يكرر ما فعل نادر شاه، فيقول في خطابه له: «وأستعيذ بالله أن ~~يتكرر ما حدث أثناء غزوة نادر شاه. # لقد شتت شمل المسلمين وحطمهم، وفي نفس الوقت ترك المراتا والجات سالمين ~~غانمين يفعلون ما ms029 يشاءون، وبعد هذا زادت دولة الكفار قوة، بينما تفرقت جيوش ~~الإسلام، وأصبحت سلطنة دلهي بمنزلة لعب الصبيان.» ~~(4-11) احتياطات ولي الله لحماية سكان دلهي # لقد تأثر شاه ولي الله بالآلام التي كان يعانيها سكان دلهي تأثرا بالغا، ~~فاتخذ جميع الاحتياطات لإنقاذ دلهي من أي فوضى قد تأتي نتيجة لازمة لأي نضال ~~مسلح، فكتب إلى نجيب الدولة يقول: # عندما تعبر أفواج الجيوش الشاهانية إلى دلهي يجب أن تبذل الاهتمام الكلي؛ ~~لتحمي أهل المدينة من أي ظلم يحيق بهم. # لقد خضعوا أكثر من مرة لنهب أموالهم وهتك ناموسهم، إن آهات المظلومين لا تضيع ~~هباء، فإذا كنت تريد أن ييسر لك النجاح في أداء هذا الواجب، فاحذر أن يصاب أحد ~~من المسلمين أو أهل الذمة في دلهي بأذى. ~~(4-12) إعداد الرأي العام للغزو المرتقب # ولكي يعد الرأي العام لهذا النضال الأعظم؛ أرسل شاه ولي الله الرسل لتلاميذه ~~ومريديه وأقربائه، ينبئهم بغزوة أحمد شاه أبدالي المتوقعة، فكتب - على سبيل ~~المثال - إلى الشيخ محمد عاشق الفولاتي # of Phulat # يقول له: «وصل إلى علم الفقير أن أبدالي سيأتي ~~ثانية لإزالة الكفار وإبادة دولتهم.» # ولقد وجدت دعوة شاه ولي الله أذنا صاغية، وسرعان ما استجاب لها أحمد شاه، ~~وخرج بجيوشه متجها إلى الهند، وانتصر في موقعة بانيبات Panipat ~~. # وجميع دارسي التاريخ يعلمون أن هذه الموقعة الحاسمة غيرت تاريخ الهند ~~سياسيا تغييرا أساسيا في القرن الثامن عشر، ولكن القلة هم الذين يعرفون أن ~~هذه المعركة التاريخية أتت نتيجة لإيعاز شاه ولي الله دهلوي. # لقد كان معلم المدرسة الرحيمية يحس إحساسا قويا بحاجات العصر السياسية، ~~فلقد كتب هو نفسه قبل معركة بانيبات بسنوات يقول: # فلو فرض أن يكون هذا الرجل في زمان، واقتضت الأسباب أن يكون إصلاح الناس ~~بإقامة الحروب، ونفث في قلبه إصلاحهم؛ لقام هذا الرجل بأمر الحرب أتم قيام، ~~وكان إماما في الحرب لا يقاس. ~~(4-13) الرأي في شاه ولي الله وحركته الإصلاحية # وبعد، فإن كل المؤرخين الذين ترجموا لشاه ولي الله ركزوا جهودهم للحديث عن ~~جهود ms030 الرجل في ميدان الإصلاح الفكري والديني، وتكلموا بإسهاب عن مؤلفاته، ~~وبخاصة «حجة الله البالغة»، ولكن أحدا منهم لم يفطن إلى الدور الهام الذي لعبه ~~الرجل في ميدان الإصلاح السياسي، ومحاولاته المتكررة لإنقاذ الهند من براثن ~~الفوضى التي كانت تريم عليها، تلك المحاولات التي انتهت باستعانته واستغاثته ~~بملك مسلم مجاور، هو أحمد شاه أبدالي، بعد أن جرب كل الوسائل الممكنة لإتمام ~~هذا الإصلاح على أيدي القوى الداخلية، فشاه ولي الله لم يكن - كمعظم مفكري ~~الإسلام السياسيين - يفرق بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، بل كان يرى ~~أنهما كالجناحين لطائر واحد، ولا يستطيع الطائر أن يقوى وأن يحلق في السماء ~~إلا إذا قوي الجناحان جميعا. # ولم تمت حركة شاه ولي الله الإصلاحية التجديدية بموته، بل كانت كبذرة طيبة ~~ألقيت في أرض طيبة؛ فقد رعى حركته الإصلاحية من بعده أولاده وأحفاده ~~وتلاميذه، وكانوا رواد الحركات الإصلاحية التجديدية في الهند الإسلامية في ~~القرن التاسع عشر، ولا بد لإيفاء الحديث عن جهودهم الإصلاحية من فصل آخر ~~مستقل. # | المركز الثاني: بلاد العرب # محمد بن عبد الوهاب (1115-1206ه/1703-1791م) # كانت بلاد العرب المركز الثاني من مراكز الحركات الثقافية أو الحركات الإصلاحية التي ~~ظهرت في الشرق الإسلامي في هذه الحقبة من الزمن. # وفي هذه البلاد قام محمد بن عبد الوهاب بحركته الإصلاحية، وفي الجزء الجنوبي من شبه ~~الجزيرة في اليمن دعا الإمام الشوكاني - في نفس الوقت تقريبا - دعوة إصلاحية ~~مشابهة. # والحركة الوهابية أولى الحركات الإصلاحية التي ظهرت في الدولة العثمانية، أو بمعنى ~~أصح: بين الشعوب العربية الخاضعة للدولة العثمانية، وستتلوها حركات إصلاحية أخرى، تنبثق ~~في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي، بعضها مشابه للحركة الوهابية، وبعضها متأثر بها آخذ ~~عنها، وتعدد هذه الحركات الإصلاحية وظهورها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي في وقت واحد ~~أو في أوقات متقاربة، وتشابهها جميعها أو معظمها في صدورها عن منبع واحد، وعملها لهدف ~~واحد؛ دليل كاف على يقظة وعي جديد في الأمة الإسلامية، وإحساس بمدى ما وصلت إليه هذه ~~الأمة من تأخر وفساد، والرغبة كل الرغبة ms031 في علاج هذا التأخر، وإصلاح هذا الفساد. # وظاهرة أخرى تميز هذه الحركة؛ هي ظهورها في إقليم نجد، في تلك المنطقة الصحراوية ~~المباركة؛ حيث انبثق نور الإسلام الأول، والبيئة الصحراوية كانت دائما أصلح البيئات ~~لظهور الدعوات الإصلاحية، وخاصة تلك التي تدعو إلى دين جديد، أو التي تقوم على أساس من ~~الدين، فهذه البيئة تكون عادة بعيدة عن مؤثرات المدنية، وعن حياة الحضر التي أفسدها ~~الانغماس في الترف، وسكان هذه البيئة يكونون عادة - لبساطتهم وبداوتهم - أكثر تقبلا ~~لمثل هذه الدعوات الإصلاحية التي تدعو إلى التقشف والبساطة والجهاد والمثل ~~العليا. # نشأ محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة إحدى قرى نجد، وبدأ بالقرآن فأتم حفظه في ~~العاشرة من عمره، ثم تتلمذ على والده الشيخ عبد الوهاب - وكان قاضيا للعيينة - فقرأ ~~عليه الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان منذ طفولته وصباه شغوفا بالعلم ~~والدراسة، لا يلهو كما يلهو الصبيان، بل يصرف وقته كله في قراءة كتب الفقه والتفسير، ~~والحديث والعقائد، ثم بدأ الرحلة بعد ذلك؛ ليستزيد من العلم، فذهب إلى مكة وأدى فريضة ~~الحج، ثم انتقل إلى المدينة، ثم طوف في البلاد الإسلامية المجاورة يأخذ على شيوخها ~~وعلمائها، فزار الأحساء وأقام في البصرة نحو أربع سنوات، وفي بغداد خمس سنوات، ثم انتقل ~~إلى كردستان وأمضى بها سنة، ثم رحل إلى بلاد فارس، فزار همذان وأصفهان حيث درس فلسفة ~~الإشراق والتصوف، ثم زار مدينة قم، وعاد أخيرا إلى حريملة حيث كان يقيم أبوه - بعد ~~تركه العيينة - وهناك استأنف الدراسة على أبيه، وهناك بدأ دعوته. # كان محمد بن عبد الوهاب حين وصل حريملة في نحو الخامسة أو السادسة والثلاثين من عمره، ~~وقد تم نضجه واتسعت ثقافته، واستوعب الكثير من تجاريبه ومشاهداته أثناء رحلته، وقد بدأ ~~دعوته بجدال أبيه وقومه، وكان موضع الجدال «الوحدانية»؛ رسالة الإسلام وفكرته الأساسية، ~~هذه الفكرة التي تدعو إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو، والتي تنكر عبادة كل شيء ~~سواه، والتي تحارب تعدد الآلهة وعبادة الأوثان والأصنام، ثم تأثر ms032 في دراسته بمذهب ابن ~~حنبل؛ فأبوه حنبلي، وكتب هذا المذهب هي أول ما قرأ منذ طفولته الأولى، ومذهب ابن حنبل ~~أكثر المذاهب تشددا في الرجوع إلى القرآن والسنة، وإنكار البدع المستحدثة، وقد كان ~~محمد بن عبد الوهاب يرى في نجد أشياء كثيرة لا تتفق وهذا المذهب، ثم هو قد رأى في رحلته ~~أشياء كثيرة أخرى بعدت بالمسلمين عن روح الإسلام الصحيحة، وعن الوحدانية السليمة التي ~~جاء بها الإسلام. # فمعنى قولنا: «لا إله إلا الله» أن الله وحده هو خالق هذا الكون ومنظمه وفق القوانين ~~التي وضعها، وهو وحده الواجب العبادة لا شريك له، ولكن المسلمين على عهد محمد بن عبد ~~الوهاب قد نسوا أو تناسوا هذه العقيدة الواضحة، وراحوا يقدسون الأولياء، ويحجون إلى ~~قبورهم، ويتمسحون بأضرحتهم، ويقدمون لهم النذور، ويستشفعون بهم لجلب منفعة أو لدفع ضر، ~~وانتشرت هذه الأضرحة والقبور في كل مكان وفي كل مدينة من مدن العالم الإسلامي ، ولم ~~يكتفوا بهذا، بل عادوا إلى الجاهلية الأولى فقدسوا الجماد والنبات. # وقد فصل ابن غنام - تلميذ ابن عبد الوهاب ومؤرخه - الحديث عن هذه المنكرات والبدع ~~في كتابه # 1 ~~«روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام»، وأحصى القبور والأضرحة ~~والأحجار والأشجار التي كان المسلمون يقبلون عليها ويعظمونها، وقدم لهذا الإحصاء ~~بقوله: إن المسلمين قد عدلوا إلى «عبادة الأولياء والصالحين، وخلعوا ربقة التوحيد ~~والدين، فجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والحوادث، والخطوب المعضلة والكوارث، ~~وأقبلوا عليهم في طلب الحاجات، وتفريج الشدائد والكربات، من الأحياء منهم والأموات، ~~وكثيرا ما يعتقد النفع والإضرار في الجمادات، كالأحجار والأشجار ... أحدثوا من الكفر ~~والفجور، والإشراك بعبادة أهل القبور، وصرف الدعاء لهم من النذور، # ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ~~.» # ثم يضرب ابن غنام الأمثال لما كان يحدث في مدن الإسلام المختلفة، ويبدأ بنجد فيقول: ~~إن أهلها كانوا يعكفون على «قبر زيد بن الخطاب، فيدعونه لتفريج الكرب بفصيح الخطاب، ~~ويسألونه كشف النوب من غير ارتياب.» وفي بليدة ms033 الفدا «ذكر النخل المعروف بالفحال، ~~يأتونه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الأفعال، وتأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج، ~~فتضمه بيديها بحضور ورجاء الانفراج، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجا قبل الحول ...» ~~«وشجرة الطرفية تشبث بها الشيطان واعتلق، فكان ينتابها للتبرك طوائف وفرق، ويعلقون فيها ~~- إذا ولدت المرأة ذكرا - الخرق، لعلهم عن الموت يسلمون.» ~~«وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن الله تعالى فلقه في الجبل لامرأة تسمى بنت ~~الأمير، أراد بعض الحكام أن يظلمها، فصاحت ودعت، فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير ... ~~فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويهدون، أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما ~~تعبدون؟!» # ثم يشير المؤلف بعد ذلك إلى ما كان يفعله المسلمون عند قبور ميمونة بنت الحارث ~~والسيدة خديجة وعبد الله بن عباس، وإلى ما يفعل عند قبر النبي عليه السلام «من ~~الأمور المحرمة العظام؛ من تعفير الخدود، والانحناء بالخضوع والسجود، واتخاذ ذلك القبر ~~عيدا ... إلخ .» # وأما ما يفعل في جدة مما عمت به البلوى، فقد بلغ من الضلال والفحش الغاية القصوى؛ ~~فعندهم - كما يقول ابن غنام - قبر طوله ستون ذراعا، عليه قبة، يزعمون أنه قبر أمنا حواء، ~~يجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على البال، «فلا يدخل يسلم على أمه ~~كل إنسان، إلا مسلما دراهم عاجلا من غير توان، أيبخل أحد من اللئام - فضلا عن الكرام ~~- ببذل بعض الحطام، ويدع الدخول على أمه والسلام؟!» # وعند أهل جدة أيضا معبد يسمى العلوي، غالوا في تعظيمه كل المغالاة «فلو دخل قبره ~~قاتل نفس أو غاصب أو سارق، لم يعترض بمكروه من مؤمن ولا فاسق.» ولم يجسر أحد أن يخرجه ~~من هناك، فمن استجار به أجير، ولم يعرج عليه حاكم ولا وزير.» # ثم ينتقل ابن غنام من بلاد العرب إلى أقطار العالم الإسلامي الأخرى، فيشير إلى ما ~~يوجد بها من قبور أو جماد أو نبات يعكف المسلمون على تعظيمها والتقرب إليها والاستغاثة ~~بها؛ فمن البلاد التي ذكرها: مصر، واليمن، وحضرموت، والشحر، وعدن، ms034 ومخا، والحديدة، وحلب، ودمشق، ~~والموصل، والعراق، وبلاد الأكراد، ومشهد، والقطيف، والبحرين ... إلخ. # كانت هذه الأفعال وأشباهها هي التي أثارت محمد بن عبد الوهاب ودفعته دفعا إلى القيام ~~بدعوته الإصلاحية، وكانت هذه الدعوة تتلخص في الرجوع إلى القرآن والسنة، إلى الإسلام في ~~حالته الأولى إلى التوحيد؛ ولذلك كان أتباعه يسمون بالموحدين، وإنما سماهم أعداء الحركة ~~بالوهابية؛ إضعافا لشأنهم. # ولتحقيق هذا كله كانت الدعوة تنادي بمحاربة البدع المضللة وزيارة القبور وتقديم ~~النذور والاستشفاع بالأولياء والإيمان بالخرافات وتقديس بعض الجمادات والنبات، كما كانت ~~تحارب المتصوفة وما أحدثوا من طقوس يرى الموحدون أنها تمثل مظاهر الشرك والوثنية، ~~كحلقات الذكر وما يصاحبها - في بعض الطرق - من رقص وطرب، وتقديس الأولياء من الأحياء ~~والأموات، والإيمان بما لهم من قدرة على الإتيان بالخوارق والمعجزات، والاستغاثة بهم ~~لجلب نفع أو دفع ضر، وهكذا. # ودعوة محمد بن عبد الوهاب - على هذا الوضع - لم تكن جديدة، بل سبقتها قبل ذلك بنحو ~~خمسة قرون حركة كبرى مشابهة، هي حركة تقي الدين ابن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي، ~~ثم حركة تلميذه ابن قيم الجوزية في القرن الرابع عشر، وابن تيمية وتلميذه حنبليا ~~المذهب، وقد أثارت حركتهما ضجة كبرى في مصر والشام، وقامت المناقشات العنيفة بين ~~الفقهاء ورجال الدين من أتباع ابن تيمية ومعارضيه، وكاد الأمر ينتهي إلى فتنة لولا أن ~~الحكومة كانت تتدخل بين الحين والآخر، فتحد من نشاط ابن تيمية قليلا، أو تودعه السجن ~~وقتا ما في مصر أو في الشام. # فالمنبع الذي صدرت عنه الحركتان؛ حركة ابن تيمية وحركة ابن عبد الوهاب واحد، هو مذهب ~~ابن حنبل، ولكن ابن عبد الوهاب تأثر كذلك بحركة ابن تيمية، وقرأ كتبه ورسائله ~~وفتاواه، وتفهمها وأخذ عنها وترسم خطاه وأخذ بآرائه، كما تأثر كذلك بكتب تلميذه ابن ~~قيم الجوزية وآرائه، ومما يثبت هذا كله أن بعض رسائل ابن تيمية الموجودة في المتحف ~~البريطاني مكتوبة بخط محمد بن عبد الوهاب، فهي مما كان ينسخه لنفسه، وهو في رسائله التي ~~كتبها لشرح دعوته أو لمناقشة ms035 معارضيه يعتمد كثيرا على آراء ابن تيمية وابن قيم الجوزية ~~ويستشهد بأقوالهما. # ومع هذا فنحن نلاحظ أن حركة ابن تيمية - رغم الضجة التي أحدثتها - لم تبلغ من النجاح ~~ما بلغته حركة ابن عبد الوهاب؛ وذلك لأسباب كثيرة: # منها أن بيئة الحضر التي ظهر فيها ابن تيمية بدعوته لم تكن البيئة ~~الصالحة لنجاح الدعوة وانتشارها، فسكان الحضر تشغلهم شئون الحياة ومباهجها ~~وعوامل الترف والرفاهية، والدعوة تنادي بالزهد والتقشف والبساطة، ولو أنها ~~ظهرت بين البدو في بيئة صحراوية للاقت نجاحا أكثر. # ومنها أن ابن تيمية - وهو يدعو للعودة إلى الإسلام في حالته الأولى - ~~اضطر إلى مهاجمة كل الفرق الدينية التي وجدت منذ ظهر الإسلام إلى عهده؛ ~~كالخوارج والمرجئة، والرافضة والقدرية، والمعتزلة والجهمية، والكرامية ~~والأشعرية، والنصيرية وغيرها، واضطر كذلك إلى الطعن في رجال الدين والمتصوفة ~~وفقهاء المذاهب المختلفة، ومعظم هؤلاء كانوا يلون الوظائف الكبرى في الدولة ~~كوظائف قضاء القضاة والحسبة ومشيخة الشيوخ والتدريس، وكانوا تبعا لهذا ~~ينالون الأموال الجمة التي تأتيهم من الجوامك والرواتب والأوقاف والنذور ... ~~إلخ، ونجاح دعوة ابن تيمية يسلبهم كل ما كان لهم من سلطان ومال؛ ولهذا ~~كانوا هم - لا الشعب - الذين حملوا عليه وحاربوا دعوته، إلى أن أضعفوا من ~~شأنها، أما بلاد العرب فلم يكن بها هذا العدد الوفير من العلماء والفقهاء ~~والمتصوفة وأتباع المذاهب المختلفة، ولم يكن للقلة الموجودة منهم في بلاد ~~العرب من المصالح قدر ما كان لعلماء مصر والشام على عهد ابن تيمية. حقيقة ~~قد عارض ابن عبد الوهاب بعض معاصريه من علماء نجد والأحساء، ولكن معارضتهم ~~لم تكن من القوة بحيث تؤثر في حركة ابن عبد الوهاب أو تضعف من ~~شأنها. # ومنها أن حركة ابن تيمية ظهرت والعالم الإسلامي لا يزال في عنفوان قوته، ~~بعد أن انتصر انتصاراته الحاسمة على الصليبيين والتتار في حطين وعين جالوت، ~~وبينما هو يبذل الجهود لمقاومة غزوات التتار المتجددة على الشام، في حين أن ~~دعوة ابن عبد الوهاب ظهرت والعالم الإسلامي قد شاخ ونالت منه عوامل الضعف ~~والانحلال، فربط المسلمون ms036 في أذهانهم بين عوامل التأخر الديني وعوامل الضعف ~~السياسي، ورأوا أن الأولى سبب للثانية، واعتقدوا أن القضاء على عوامل ~~التأخر الديني والعودة إلى أصول الإسلام قد يقضي على عوامل الضعف السياسي، ~~ويعيد للعالم الإسلامي ما كان له من عزة وقوة. # ومنها أن حركة ابن تيمية اقتصرت على الجدل الديني والمناقشات الفقهية، ~~ولم تستعن بسند حربي أو بقوة سياسية، أما ابن عبد الوهاب فكان أبعد نظرا ~~وأكثر نجاحا، ورأى أنه لكي يضمن لدعوته النجاح؛ لا بد له أن يضع لها ~~برنامجا سياسيا إلى جانب البرنامج الديني، وأن يستعين بقوة سياسية ~~حربية، وأدرك منذ اللحظة الأولى أنه لا أمل في الدولة العثمانية التي كانت ~~تحكم جميع أجزاء العالم الإسلامي الواقعة في الشرق الأوسط؛ لأنها كانت دولة ~~ضعيفة، وهي في ضعفها ترى في كل حركة إصلاحية خطرا عليها وعلى كيانها؛ فهي ~~لذلك تحارب كل مصلح، وتناهض كل ناصح. # وأدرك ابن عبد الوهاب كذلك أنه لا أمل في علماء الدين في الحواضر الإسلامية الكبرى؛ ~~كالقسطنطينية ودمشق والقاهرة، فهم قد تحولوا مع الزمن إلى عقول جامدة، لا تنشط إلى ~~تفكير جديد أو إلى محاولة للإصلاح، وهم قد أصبحوا موظفين رسميين يؤمنون بالطاعة العمياء ~~لولي الأمر ما دامت لهم مناصبهم الموقرة وأرزاقهم الموصولة؛ ولذلك لم يكونوا على ~~استعداد لأن يجازفوا بهذا كله في سبيل نظريات أو دعوات جديدة تتطلب الكثير من الجهد ~~والتضحية، وقد يكتب لها النجاح أو الفشل. # لهذا كله قدر محمد بن عبد الوهاب أنه - لكي يدرك شيئا من النجاح لدعوته - لا بد له ~~أن يتعاون مع قوة سياسية حربية؛ لأن النظريات والمثل العليا لا تستطيع أن تنتصر ~~بقوتها وصدقها وحسب، بل بما يؤيدها من قوى السياسة؛ ولهذا اتصل بأمير الدرعية محمد بن ~~سعود، وتعاهد الرجلان على الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى استقامة ~~الشعائر، ونشر الدعوة في جزيرة العرب باللسان عند من يقبلها، وبالسيف عند من لم ~~يقبلها. # ونجحت الدعوة شيئا فشيئا، ودخل الناس فيها أفواجا، ومن عارضها من أمراء أو شيوخ ms037 ~~العرب حورب وأخضع بالقوة، وكلما دخل الرجلان - الشيخ والأمير - بلدة أزالا البدع ~~ونشرا تعاليمهما، وبعد موتهما تعاقد أبناء الأمير وأبناء الشيخ على أن يعملوا متآزرين ~~لنصرة الدعوة، وظلوا يعملون إلى أن دخلوا مكة والمدينة. # وعند ذلك شعرت الدولة العثمانية بخطر الحركة وخطر نجاحها، إن نجاحها يؤدي إلى فصل ~~الحجاز، وخروجه من يدها، أو بمعنى آخر خروج الحرمين الشريفين، وهذا يفقدها الشيء الكثير؛ ~~يفقدها الزعامة التي تتمتع بها على العالم الإسلامي بحكم إشرافها على هذين الحرمين، في ~~وقت كانت قد بدأت تسعى فيه إلى القضاء على عوامل الضعف الداخلية وتقوية الصلات بينها ~~وبين أجزاء العالم الإسلامي؛ باعتبارها مركز الخلافة الإسلامية. # وكانت الدولة العثمانية مشغولة في ذلك الوقت بنضالها مع العالم الخارجي، ولم يكن ~~لديها القوة الحربية الكافية التي ترسلها لبلاد العرب، فاستعانت بمحمد علي، وأرسل محمد ~~علي جيوشه إلى الحجاز، وسافر إلى هناك بنفسه، وظلت هذه الجيوش تقاوم الوهابيين إلى أن ~~انتصرت عليهم، وفي نفس الوقت نشطت الدعوة العثمانية في جميع أنحاء العالم الإسلامي ضد ~~هذه الحركة، واتهمت الوهابيين بالكفر والخروج على طاعة الخليفة، وشارك علماء المسلمين ~~في هذه الدعوة التشهيرية، وشارك الإنجليز كذلك في التشهير بالدعوة الوهابية وتشويه ~~مبادئها؛ لأن أي اضطراب يصيب بلاد العرب يهدد طريق تجارتهم إلى الهند؛ ولأن بعض مسلمي ~~الهند قد اتصلوا بالحركة في مواسم الحج، وبدءوا عند عودتهم إلى وطنهم يدعون دعوات ~~إصلاحية مشابهة. # وهكذا اجتمعت قوى كثيرة على محاربة الدعوة الوهابية؛ ولهذا فشلت الحركة في أول الأمر ~~فشلا ظاهريا، فلم تلق الأفكار الوهابية قبولا في المجتمع الإسلامي خارج بلاد العرب، ~~حتى إن بعض المصلحين المعاصرين من أمثال شاه ولي الله الدهلوي كان يتهم بالوهابية ~~لتنفير الناس من اتباعه، ولعل هذا راجع إلى أن المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت كان يتعلق ~~بفكرة الوحدة أو الجامعة الإسلامية، ويرى أن هذه الوحدة هي السبيل للنهضة ولمقاومة ~~الخطر الأوروبي، وأن أي انفصال أو أية دعوة انفصالية تؤدي حتما إلى إضعاف الخلافة رمز ~~هذه الوحدة، وقد كانت الحركة الوهابية ms038 حركة انفصالية؛ لأن سعودا الثاني عندما فتح ~~المدينة ودخلها في سنة 1803م، أرسل إلى السلطان ينهاه عن إرسال المحمل السنوي إلى ~~الحجاز مصحوبا بالطبول والزمور، ثم أخذ يعد الحملات لمهاجمة العراق والشام. # وقد أثارت الحركة الوهابية معارضة نفر آخر من المسلمين، وخاصة رجال الدولة والعلماء؛ ~~لأنها اصطنعت أسلوب القوة والعنف لتنفيذ تعاليمها، فاعتبرت البلاد الإسلامية التي لا ~~تؤمن بمبادئها والتي تنتشر فيها البدع دار حرب وجهاد، وكان الوهابيون إذا دخلوا بلدا ~~استعملوا العنف لإجبار أهلها على اعتناق مبادئهم، فهم عند دخولهم مكة مثلا هدموا ~~كثيرا من القباب الأثرية؛ كقبة السيدة خديجة، وقبة مولد النبي عليه السلام، ولما ~~دخلوا المدينة نزعوا بعض الزينة والمعادن الثمينة والحلي التي كانت تزين قبر الرسول، مما ~~أثار شعور المسلمين وأسفهم، ولكن الوهابيين لم يريدوا أن يلتزموا أضعف الإيمان فيعملوا ~~على تغيير المنكر باللسان، بل أرادوا أن يستعملوا أقوى الإيمان، فاستعانوا بالأيدي ~~لتغيير هذا المنكر. # وقد أثارت الحركة الوهابية عند ظهورها جدلا كثيرا، فأيدها الكثيرون وعارضها ~~الكثيرون، ومن الغريب أن أشد الناس معارضة للشيخ محمد عبد الوهاب كان أخاه الشيخ ~~سليمان مؤلف كتاب «الصواعق الإلهية»، وهو ينكر على أخيه مرتبة الاجتهاد، ويعارض ~~تفسيراته بتفسيرات تقابلها، ويعتمد في مناقشته على نفس المراجع التي يعتمد عليها أخوه، ~~وهي كتب ابن تيمية وابن القيم، وأهم ما ينتقد فيه أخاه مسألة تكفير المسلمين المتعلقين ~~بالبدع والخرافات؛ فسليمان يلتمس لهؤلاء العذر من جهلهم، ويرى أن تعلقهم بالبدع خطأ ~~ناشئ عن الجهل، ومن الواجب تبصيرهم بأمور دينهم، أما محمد بن عبد الوهاب فيغالي ويعتبر ~~هذا التعلق إثما، ويكفر صاحبه، ويعتبر بلاد هؤلاء المسلمين دار حرب ويدعو لجهادهم، ~~وسليمان يقول مثلا في معرض مناقشته لآراء أخيه: ~~«إن هذه الأمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد، وفي زمان أئمة الإسلام، وأنكرها من ~~أنكرها منهم، ولا زالت حتى ملأت بلاد الإسلام كلها، وفعلت هذه الأفاعيل كلها، تكفرون ~~بها، ولم يرو عن أحد من أئمة المسلمين أنهم كفروا بذلك، ولا قالوا: هؤلاء مرتدون، ~~ولا أمروا بجهادهم، ms039 ولا سموا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم أنتم! بل كفرتم ~~من لم يكفر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها، أتظنون أن هذه الأمور من الوسائط التي ~~يكفر فاعلها إجماعا، وتمضي قرون الأئمة من ثمانمائة عام ولم يرو عن عالم من علماء ~~المسلمين أنه كفر؟! نبهنا الله وإياكم من الضلال.» # ومما أخذه المعارضون على الحركة الوهابية كذلك تزمتها الشديد واتهامها لكل من لا ~~يأخذ بمبادئها بالكفر والمروق، واقتصارها على الدعوة إلى إصلاح الروح والعقيدة ~~بالارتداد إلى الإسلام الأول، وإهمالها ناحية الإصلاح المادي، بل لقد غالى الوهابيون في ~~أول عهدهم، فاعتبروا المخترعات الأوروبية الجديدة - كالتلغراف والسيارات والتليفون - من البدع ~~المستحدثة التي لا يرضى عنها الدين. # ولقد عاصر الحركة الوهابية حركة إصلاحية أخرى في مصر؛ هي حركة محمد علي، ولكنها عنيت ~~بالناحية الحضارية المادية وبالنقل عن أوروبا؛ لأنها أدركت أن سر تفوق أوروبا يرجع إلى ~~نهضتها العلمية، ولو أن الحركتين اتفقتا وتعاونتا لنال العالم العربي الإسلامي خير ~~كثير؛ لأن العالم الإسلامي حين كان قويا مرهوب الجانب لم تقم قوته على الدين وحده أو ~~على الحضارة المادية وحدها، وإنما قامت عليهما جميعا. # ولكنه لم يكن من طبيعة الأشياء أن يدعو محمد بن عبد الوهاب هذه الدعوة المزدوجة؛ لأن ~~ثقافته كانت دينية بحتة، وتأثر فيها بأساتذة من المتشددين من أمثال ابن حنبل وابن تيمية ~~وابن قيم الجوزية الذين يلتزمون الأصول، ولا يحيدون عنها قيد شعرة، وهو في رحلاته زار ~~بلادا إسلامية لم تكن تعرف حتى ذلك الحين شيئا عن الحضارة الأوروبية الحديثة أو العلوم ~~الأوروبية. # ولكن فشل الدعوة الوهابية كان فشلا ظاهريا ومؤقتا؛ فإن السعوديين لم يلبثوا أن ~~حاولوا تكوين دولتهم من جديد، وقد نجحوا، ثم حاولوا بعد هذا النجاح أن يوائموا بين ~~المبادئ الوهابية وبين مقتضيات المدنية الحديثة، فعدلوا نظرتهم إلى البلاد الإسلامية ~~الأخرى، واعتبروا أهلها مسلمين، وفتحوا الأبواب لمظاهر المدنية الحديثة، فاستعملوا ~~التلغراف والتليفون والراديو والسيارة والطيارة، وأخذوا يعملون لنشر التعليم المدني إلى ~~جانب التعليم الديني. # أما الدعوة نفسها فقد كانت أعمق ms040 جذورا وأقوى آثارا خارج بلاد العرب؛ ففي مواسم الحج ~~اجتمع المسلمون من مختلف أجزاء العالم الإسلامي في مكة والمدينة، واستمعوا إلى دعوة ~~محمد بن عبد الوهاب ومبادئها، وآمن الكثيرون منهم بها، وتحمس لها البعض من القادة ~~المصلحين، فلما عادوا إلى بلادهم أخذوا يعملون على نشرها؛ لهذا لم يكن من الغريب أن كل ~~الحركات الإصلاحية التي ظهرت في العالم الإسلامي في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن ~~التاسع عشر كانت كلها دعوات دينية، كما كان معظمها متأثرا بالدعوة الوهابية، سائرا على ~~نهجها. ~~••• # ففي اليمن، وفي نفس الوقت ظهر الإمام الشوكاني (1172-1250ه/1758-1834م) ودعا دعوة ~~مشابهة لدعوة ابن عبد الوهاب، فنادى بمحاربة البدع والتقليد، ونادى بالاجتهاد. حقيقة أنه ~~لم يتصل بابن عبد الوهاب ولم يأخذ عنه، ولكن الدعوة واحدة؛ لأن المقدمات والأسباب التي ~~أثرت في الرجلين واحدة، ولأن المنبع الذي صدرا عنه كان واحدا؛ فإن الشوكاني تأثر ~~بمبادئ ابن تيمية؛ ولهذا ألف كتابه «نيل الأوطار» لشرح كتاب ابن تيمية «منتقى ~~الأخبار»، ثم ألف بعد ذلك رسالته «القول المفيد في حكم التقليد»، وقد أثارت دعوته ~~مناقشات كلامية وجدلا فقهيا عنيفا بينه وبين معاصريه من العلماء، وخاصة في صنعاء، ~~ولكنها لم تخرج عن هذا النطاق، ولم يصطنع الشوكاني العنف والقوة كما فعل محمد بن عبد ~~الوهاب. ~~••• # وفي أوائل القرن التاسع عشر حج الزعيم الهندي السيد أحمد بن عرفان، واعتنق المذهب ~~الوهابي، فلما عاد إلى بلاده بذل جهودا صادقة لنشره في إقليم البنجاب، وحارب البدع ~~والخرافات حربا عنيفة، وأنشأ دولة وهابية، وامتد سلطانه حتى هدد شمال الهند، وهاجم ~~الوعاظ ورجال الدين، وأعلن الجهاد على كل من لم يؤمن بمذهبه أو يعتنق دعوته، وأن ~~الهند دار حرب، وقد أثار بحركته المتاعب الكثيرة للحكومة الإنجليزية، ولكنها قاومته ~~وأتباعه إلى أن أخضعتهم. # والسيد أحمد بن عرفان البريلوي # Ahmad Brelwi ~~(1201-1246ه/1786-1831م) مصلح ديني مجاهد، أبوه محمد عرفان، وينتهي نسبه إلى الحسين بن ~~علي، ولد في 6 صفر سنة 1201ه/28 نوفمبر سنة 1786م في مدينة بريلي # Breli # حيث تلقى دروسه الأولى، ms041 ثم انتقل إلى لكناو # Lucknow ~~، وبعد أن أقام فيها شهورا قليلة انتقل إلى دلهي ~~حوالي سنة 1219ه/1804م، حيث تتلمذ على الشاه عبد العزيز أكبر أولاد شاه ولي الله، ودرس ~~كذلك على أخيه الأصغر شاه عبد القادر. # وحوالي سنة 1222ه/1807م عاد إلى بريلي حيث تأهل، وفي سنة 1225ه/1810م رحل إلى ~~راجبو تانا # Racjputana # حيث عمل جنديا لمدة سبع ~~سنوات في جيش نواب أمير خان # Nawab Amir Khan # حاكم ~~إقليم تونك # Tonk ~~. # وفي سنة 1232ه/1817م ترك خدمة النواب وعاد إلى دلهي، ثم أثارته حالة الضعف والتأخر ~~التي كان يعانيها مواطنوه من المسلمين، فبدأ رحلة إصلاحية تبشيرية لتعليم الناس ووعظهم، ~~وكانت آراؤه تشبه إلى حد كبير آراء محمد بن عبد الوهاب، فقد كان يدعو إلى العودة إلى ~~الإسلام في حالته البسيطة الأولى، وتنقيته مما علق به من بدع وخرافات، وتقديس مبالغ ~~فيه للأنبياء والأولياء، وسرعان ما ذاع صيته في كل مكان واعتنق مبادئه آلاف من ~~المسلمين. # ومن أشهر تلاميذه وأصحابه الذين شاركوه جهاده: مولاي محمد إسماعيل، ابن أخي الشاه عبد ~~العزيز، ومولاي عبد الحي، ختن (زوج بنت) الشاه عبد العزيز، ومولاي يوسف الفولاتي # of Phulhat # من نسل شاه أهل الله، الأخ الأكبر ~~لشاه ولي الله. # وفي سنة 1236ه/1821م خرج السيد أحمد لأداء فريضة الحج «وتخلف شهورا قليلة في كلكتا ~~وهو في طريقه إلى مكة، وبعد عودته إلى الهند سنة 1239ه/1824م بدأ يعد العدة للجهاد، ~~ويتضح جليا من رسائله أنه كان يهدف من وراء حركته الإصلاحية إلى وضع حد لحكم ~~الإنجليز والسيخ، وإلى استعادة الحكم الإسلامي في الهند، وكان أول أهدافه القضاء على ~~حكم السيخ في البنجاب. # وبعد أن حصل على عطف المسلمين في كابل وقندهار، ووعد بتأييدهم له، بدأ حملته في سنة ~~1241ه/1826م وتحت قيادته جيش من أتباعه المتحمسين، ومر في طريقه بإقليم راجبوتانا ~~والسند وبلوخستان وأفغانستان، إلى أن وصل مدينة بشاور، ثم هاجم جيش السيخ وهزمه عند ~~أكوراختاك # Akora Khattak ~~(في 20 نوفمبر سنة ~~1826م)، ولكنه هزم في موقعة سيدو # Saydo # بعد ms042 أن ~~تخلى عنه يار محمد خان دراني # Yar Med Khan Durrani # وإخوته، ومع أنه نجح في احتلال مدينة بشاور في سنة 1830م فقد فت في عضده خيانة ~~الدرانيين وبعض الخانات المحليين؛ ولهذا قرر أن يلجأ إلى منطقة كشمير، وفي طريقه ~~اشتبكت به جيوش السيخ في بالاكوت # Balakot # في سنة ~~1246ه/1831م حيث هزم جيشه، واستشهد السيد أحمد كما استشهد معه شاه محمد إسماعيل، ورغم ~~هذه الهزيمة فقد استمرت فلول جيشه في نضالهم في إقليم الحدود الشمالية الغربية؛ لتحقيق ~~الأهداف التي رسمها قائدهم في حياته. # وقد تابع تلاميذه حركته الإصلاحية في الهند، وأنتجوا أدبا دينيا ضخما، اصطنعوا ~~اللغة الأوردية؛ ليضمنوا إيصال تعاليمهم إلى الشعب، كما آثر أتباعه الاشتغال بالنشاط ~~التجاري، بدلا من الالتحاق بالوظائف تحت حكم الإنجليز. # وقد ترك السيد أحمد بعض الرسائل القصيرة والكتيبات التي تعالج الموضوعات الدينية. ~~كذلك ينسب إليه أنه كان الموحي للأفكار التي أثبتها تلميذاه: شاه محمد إسماعيل، ~~ومولاي عبد الحي في كتابهما الذي ألفاه باللغة الفارسية، وعنوانه «صراط مستقيم»، ولا تزال مجموعات كثيرة من رسائل السيد أحمد المكتوبة بالفارسية مخطوطة حتى الآن. ~~••• # كذلك تأثر السيد محمد بن علي السنوسي بالمذهب الوهابي، حين ذهب لأداء فريضة الحج، فلما ~~عاد إلى وطنه أخذ يعمل على نشرها، ثم أخذ بعد ذلك يؤسس طريقته الخاصة في بلاد المغرب ~~وفيها شيء كثير من الآراء الوهابية؛ من ضرورة الرجوع إلى الإسلام الأول في بساطته ~~الأولى، وتنقيته من البدع، وإن كانت تقوم على أساس آخر من التصوف، وهو ما كان ينكره ~~المذهب الوهابي. # فالسنوسية طريقة من طرق التصوف تقوم على الأخوة والزهد والعبادة، والتزام أصول ~~الإسلام، ولا يطلب من المريد حين يأخذ العهد إلا أن يقرأ الفاتحة؛ للحفاظ على هذا ~~العهد، ثم يمر المريدون بدرجات ثلاث؛ أولها درجة الخواص، وثانيتها درجة الإخوان، ~~وثالثتها درجة المنتسبين. # والسيد محمد بن علي السنوسي مالكي المذهب، ولكنه مجتهد، وقد يخالف المذهب في بعض ~~الموضوعات التي يصح عنده أنها أقرب إلى السنة، ولم يبدأ الشيخ اجتهاده إلا بعد أن ms043 اكتمل ~~نضجه، ودرس الفقه والتفسير والحديث في بلده، وفي مراكش ومصر والحجاز، واتصل بعلماء هذه ~~البلدان، وتعرف على الطرق الصوفية المنتشرة فيها، ثم بدأ الدعوة لطريقته بعد عودته ~~لوطنه، فلم ترض الحكومة العثمانية عنه ولا عن دعوته، فقد كانت تخشى دائما مثل هذه ~~الدعوات الإصلاحية، وما قد تؤدي إليه من حركات انفصالية، فاضطر الشيخ إلى الاعتكاف في ~~واحة جغبوب، وبنى هناك مسجدا ومدرسة للعلوم الدينية، واتخذ لنفسه أسلوبا جديدا لنشر ~~الدعوة، وذلك ببناء الزوايا لأتباعه في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وسرعان ما انتشرت ~~هذه الزوايا في برقة وطرابلس والسودان ومصر وبلاد العرب، وفي كتاب Pritchard # ثبت بأسماء مائة وست وأربعين مدينة وقرية ~~بها زوايا للسنوسية، ويقوم شيخ الزاوية عادة مقام المرشد لتابعيه ومريديه في أمور ~~دينهم ودنياهم. # ولكن الطريقة السنوسية تختلف عن غيرها من طرق التصوف في أنها تحارب الغلو في تقديس ~~الشيوخ والأولياء من الأحياء والأموات، أو في الأخذ بالطقوس الوثنية؛ من التمسح بالقبور ~~والأضرحة، وتقديم النذور، والإيمان بقدرة المشايخ على جلب النفع أو دفع الضرر، وغاية ما ~~تسمح به زيارة الأضرحة والمقامات للدعاء لصاحبها والترحم عليه، والتماس العظة والبركة في ~~رحابه، وهذا هو وجه الشبه بينها وبين الحركة الوهابية، ومدى ما قد يكون لهذه الحركة ~~الأخيرة من أثر فيها، فالدعوتان تتفقان في المناداة بالاجتهاد ومحاربة البدع، وتختلفان ~~في أن الحركة الوهابية تصطنع العنف في تنفيذ مبادئها، وأن الحركة السنوسية تصطنع طرق ~~المتصوفة من إنشاء الزوايا، واتخاذها أماكن للزهد والعبادة، وتثقيف المريدين وتعليمهم ~~أصول دينهم. # وقد عارضت السنوسية في أول الأمر السيادة العثمانية، وكان من برنامجها إعداد المريدين ~~للجهاد، وكان هذا الاتجاه ضروريا؛ لتمكينها من القيام بواجبها في نشر الدعوة، وتنظيم ~~البدو في الصحراء الليبية. # وقد أفاد هذا التنظيم والإعداد فائدة كبرى، فهم عندما ووجهوا بالغزو الأوروبي قاموا ~~بدور المدافعين عن دينهم ووطنهم، وقد بدءوا هذا الجهاد أولا عند التدخل الفرنسي في ~~أفريقيا الاستوائية، ثم تحالفوا بعد ذلك مع تركيا في نضالها مع الإيطاليين في ليبيا ومع ~~الإنجليز في ms044 مصر، ومع أن السنوسيين قد حطموا حربيا نتيجة لهذا النضال، وبدا للناس ~~جميعا أن الفاشست قد قضوا عليهم؛ فإن الأخوة السنوسية أظهرت حيويتها الكامنة عندما ~~بعثت بعثا جديدا مفاجئا، إبان العمل على طرد الإيطاليين من برقة. ~~••• # ونستطيع أن نلمس أثر الدعوة الوهابية في مصر في أفكار محمد عبده الإصلاحية؛ فقد كانت ~~هذه الأفكار ترمي إلى تحقيق هدفين، هما قوام الدعوة الوهابية؛ وهما: فتح باب الاجتهاد، ~~ومحاربة البدع وما يتصل بها من التعلق بالخرافات وإشراك القبور والأولياء مع الله ~~سبحانه وتعالى. ~~••• # ولمحمد بن عبد الوهاب إنتاج علمي وفير، شرح فيه دعوته وآراءه، بعضه رسائل وفتاوى، وقد ~~أثبتها جميعا تلميذه ابن غنام في كتابه، غير أن أهم مؤلفاته كتاب: «التوحيد ... حق ~~المولى على العبيد» وفيه يحصي الشيخ الذنوب التي تكفر صاحبها وتعتبر شركا بالله، ~~فمن الشرك في رأيه اتخاذ الرقى والتمائم للوقاية، والتبرك بالشجر والحجر، والاستعانة ~~بغير الله، والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، وأن الغلو في بناء قبور الصالحين ~~وتقديسها يصيرها أوثانا تعبد من دون الله، وأن الاستشفاء بالأنواء حرام، والتصوير ~~حرام، وحذر من المغالاة في تعظيم النبي - عليه السلام - مستشهدا بقول أنس: «إن ~~أناسا قالوا: يا رسول الله ، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: أيها الناس، ~~قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني ~~فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل.» # | المراجع # لم أشأ أن أثقل الهوامش بالإشارة إلى المراجع؛ ليفرغ القارئ إلى قراءة الموضوع ~~نفسه والتفكير فيه، وآثرت أن أقدم في ختام هذه الفصول قائمة وافية بالمراجع - ما أفدت ~~منها وما لم أفد - ليرجع إليها من يريد الاستزادة من المعرفة عن هذه الشخصيات، أو عن ~~العصر الذي عاشوا فيه، وأفردت مراجع كل فصل وحدها، وبدأتها بثبت شامل لمؤلفات العالم ~~المترجم له، ثم أردفت هذا الثبت بقائمة المراجع الشرقية (عربية وفارسية)، وختمتها ~~بقائمة المراجع الأوروبية. ~~(1) مراجع الفصل الأول: أحمد سرهندي ~~(أ) مؤلفات أحمد سرهندي ~~(1) # آداب المريدين. ~~(2) # رسالة تهليلية (طبعت ملحقة بمجموعة ms045 رسائله - المكتوبات - طبعة ~~لكناو، 1913م، وقد ترجم هذه الرسالة - فيما بعد - إلى العربية شاه ~~ولي الله دهلوي، وأضاف إليها مقدمة تحدث فيها عن التيارات ~~الدينية في بلاط أكبر، وعن نشاط الشيخ أحمد). ~~(3) # رسالة في إثبات النبوة. ~~(4) # شرح رباعيات أستاذه خواجه باقي بالله. ~~(5) # المبدأ والمعاد، دلهي، 1311ه. ~~(6) # معارف لدنية. ~~(7) # مكاشفات غيبية. ~~(8) # مكتوبات أحمد سرهندي (بالفارسية، نحو 550 رسالة)، طبعت أكثر ~~من مرة في الهند: لكناو 1913م، دلهي 1288ه و1290ه، أمر تسر ~~1331-1334ه. ~~(ب) مراجع شرقية: (بالعربية والفارسية والأوردية) ~~(1) # أبو الخير (أحمد المكي): هدية أحمدية (بالفارسية)، كونبور ~~1313ه. ~~(2) # إحسان (محمد): روضة القيموية (بالفارسية) لا يزال مخطوطا، وله ~~ترجمة أوردية طبعت في لاهور 1336ه. ~~(3) # أحمد (محمد رءوف): جواهر علوية (بالفارسية)، وله ترجمة أوردية، ~~طبعت في لاهور. ~~(4) # أزاد (غلام علي): سبحة المرجان، بومباي 1303ه. ~~(5) # أزاد (مولانا أبو الكلام): تذكرة، كلكتا، 1919م. ~~(6) # إكرام (س. م): روضي كوثر، كراجي. ~~(7) # باقر (محمد): كنز الهداية (بالفارسية) ألفه سنة 1075ه، لا يزال ~~مخطوطا، وله ترجمة أوردية قام بها عرفان أحمد أنصاري، طبعت في ~~لاهور. ~~(8) # بدايوني (عبد القادر): منتخب التواريخ، كلكتا 1868م. ~~(9) # بيل ~~(T. W. Beale) ~~: مفتاح ~~التواريخ، كونبور 1867م. ~~(10) # توزوكي ~~جهانجيري # Tuzuk-i-Djhangiri ~~، علجرة 1864م. ~~(11) # دهلوي (مولانا عبد الحق محدث): # أخبار الأخيار، دلهي 1332ه. # طبقاتي أكبري (وله ترجمة إنجليزية، كلكتا 1936م). ~~(12) # رضا (الشيخ رشيد): المقدمة التي كتبها لكتابه (تاريخ الأستاذ ~~الإمام الشيخ محمد عبده). ~~(13) # سروار (مفتي غلام): خزينة الأصفياء، جزءان، كونبور 1894م. ~~(14) # صبري (مصطفى): مواقف العقل والعلم، القاهرة، 1950م، ج3، ~~ص275-299. ~~(15) # صديق حسن خان: الحطة في ذكر الصحاح الستة. ~~(16) # الصعيدي (عبد المتعال): المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى ~~القرن الرابع عشر. ~~(17) # عباس (محمد إحسان): سوانح عمري خطرت مجددي ألفي ثاني ~~(بالفارسية)، رامبور 1926م. ~~(18) # عبد الأحد (محمد): حالات مقاماتي شيخ أحمد فاروقي سرهندي ~~(بالفارسية)، دلهي 1329ه. ~~(19) # على (رحمن): تذكر هيء علمائي هند (بالفارسية)، لكناو ~~1914م. ~~(20) # فضل الله (محمد): عمدة المقامات (بالفارسية)، ألفه سنة ~~1233ه. ~~(21) # كاشمي (محمد هاشم): زبدة المقامات، طبع حجر، كونبور (بدون ~~تاريخ). ~~(22) # محمد بن يحيى (المعروف بالمحسن التيمي ms046 البكري الترهتي): اليانع ~~الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني، طبع الهند، 1280ه. ~~(23) # منظور (م) (قام بنشر عدد خاص من مجلة الفرقان عن مجدد الألف الثانية ~~بريلي، 1938م # M. Manzūr, ed. al-Furkān, Mudjaddid Number, ~~Breilly, 1938 ~~). ~~(24) # ميان (محمد): علمائي هند كاشند أرماضي، دلهي 1942م. ~~(25) # النقشبندي (محمد أمين): مقاماتي أحمدية (بالفارسية)، ألفه سنة ~~1068ه، لا يزال مخطوطا، وله ترجمة أوردية طبعت في ~~لاهور. ~~(ج) مراجع أوروبية ~~(1) # Ahmad (Burhan): The Mudjaddid’s Conception of ~~Tawhid, Lahore 1940. ~~(2) # Ahmad (Zubaid): The Contribution of India to ~~Arabic Literature. ~~(3) # Amir Ali: Spirit of ~~Islam. ~~(4) # Arnold (J. W.): The Preaching of ~~Islam. ~~(5) # Badaoni (Abdul Qadir): Muntakhib-ut-Tawarikh ~~(an Enhlish Translation by Ranking & Rowe). Calkatta ~~1868. ~~(انظر قائمة المراجع الشرقية.) ~~(6) # Briggs (j): History of the Rise of Muhammadan Power in India. ~~(7) # Brockelmann (Carl) ~~: # Geschichte der Arabichen Litteratur. # Leiden, 1898-1939. ~~(8) # Havell: The History of Aryan Rule in India from ~~the Earliest Times to the Death of ~~Akbar. ~~(9) # c # Inayatullah (Sh): Ahmad Sirhindi (art. in: ~~Ency. Islam. new edition). ~~(10) # Jaffar (S. M.): Medieval India. ~~(11) # Moreland (W. H.): India to the Death of ~~Akbar. ~~(12) # Shafi # c ~~(Mohammad) ~~: # c # Abd al-Hakk B. Sayf al-Din al-Dihlawi ~~al-Bukhari. # ɔ # Abu l-Madjid. (art. in: Ency. Islam. New ~~edition). ~~(13) # Smith (Vincent. A.): Akbar, the Great ~~Moghul. ~~(2) مراجع الفصل الثاني: شاه ولي الله دهلوي ~~(أ) مؤلفات شاه ولي الله دهلوي ~~(1) # آثار المحدثين. ~~(2) # أجوبة عن ثلاث مسائل. ~~(3) # الإرشاد إلى مهمات علم الإسناد. ~~(4) # إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء. ~~(5) # أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم. ~~(6) # الاعتقاد الصحيح. ~~(7) # الانتباه في سلاسل أولياء الله. ~~(8) # إنسان العين في مشايخ الحرمين. ~~(9) # الإنصاف في بيان سبب الخلاف. ~~(10) # أنفاس العارفين. ~~(11) # تأويل الأحاديث في رموز قصص الأنبياء. ~~(12) # التفهيمات الإلهية. ~~(13) # تنوير العينين في رفع اليدين. ~~(14) # حجة الله البالغة. ~~(15) # الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين. ~~(16) # الرسالة العزيزية في المعاني (أو النفائس) الارتضائية. ~~(17) # رسالة في تحقيق وحدة الوجود. ~~(18) # رسالة في مسألة علم الواجب. ~~(19) # رسالة الدهلوي. ~~(20) # شرح تراجم أبواب صحيح البخاري. ~~(21) # عقد الجيد في ms047 أحكام الاجتهاد والتقليد. ~~(22) # فتح الخبير بما لا بد من حفظه في علم التفسير. ~~(23) # فتح الرحمن في ترجمة القرآن (إلى الفارسية). ~~(24) # الفضل المبين من حديث النبي الأمين. ~~(25) # الفوز الكبير في أصول التفسير. ~~(26) # فيوض الحرمين. ~~(27) # القول الجميل في أصول الطرق الأربعة (النقشبندية والجيلانية ~~والششتية والمجددية). ~~(28) # القول الجميل في علم السلوك. ~~(29) # كتاب الخير الكثير الملقب بخزائن الحكمة (في التصوف). ~~(30) # المسوى في فقه الحديث (باللغة العربية، رتب فيه أحاديث الموطأ ~~ترتيبا يسهل تناوله). ~~(31) # المصفى (بالفارسية، شرح فيه الموطأ شرحا وافيا، وجرد فيه ~~الأحاديث والآثار). ~~(32) # مقدمة سنية في الانتصار بالفرقة السنية. ~~(33) # النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر. ~~(ب) مراجع شرقية ~~(1) # سندي (مولانا عبيد الله): شاه ولي الله أوران كي سياسي تحريك، مقال بالفارسية في: # Sind-Sagar Acadamy, ~~Lahore ~~. ~~(2) # شاه ولي الله دهلوي: أنفاس العارفين، مطبعي مجتباي، دلهي، 1335ه (تحدث فيه بالتفصيل ~~عن أسرته وجدوده). ~~(3) # صديق حسن خان: الحطة في ذكر الصحاح الستة. ~~(4) # الكتاني (عبد الحي): فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات ~~جزءان، المطبعة الجديدة بفاس، 346-347ه. ~~(5) # محمد بن يحيى (المعروف بالمحسن التيمي البكري الترهتي): اليانع الجني في أسانيد الشيخ عبد الغني، طبع الهند ~~1280ه. ~~(6) # مولوي رحيم نجش: حياة ولي، أفضل المطابع، دلهي 1319ه. ~~(7) # نعماني (مولانا شبلي): تاريخي علمي كلام (بالفارسية، والمؤلف يرفع ولي والله إلى ~~مكانة أعلى من مكانة ابن رشد وابن تيمية والغزالي). ~~(8) ~~؟: الجزء اللطيف في ترجمة العبد الضعيف، مطبعي أحمد، دلهي. ~~(9) # عدد خاص من مجلة الفرقان، بريلي 1360ه، عن شاه ولي الله. ~~(ج) مراجع أوروبية ~~(1) # Ahmad (Zubaid): The Contribution of India to Arabic ~~Literature. ~~(2) # Akbarabadi (Sayyid ~~Ahmad): Maulana # c # Obaid-Ullah Sindhi and his Critics ~~(in: Sindh-Sagar Academy, Lahore, January ~~1946). ~~(3) # Allan (and others): The Combridge Shorter History of ~~India. ~~(4) # Brockelmann (Carl): Geschichte der Arabichen Litteratur, Leiden, ~~1898-1939. ~~(5) # Cunnighan: History of the Sikhs. ~~(6) # Edwardr (and Garratt): Mughal Rule in India. ~~(7) # Elliot (and Dowson): History of India as told by its Historians (8 volumes). ~~(8) # Gibb: Mohammadanism, London ~~1950. ~~(9) # Hearn: Seven Cities of Delhi. ~~(10) # Hidayat (Husain): Shah Wali ms048 Ullah (art. in: Journal of the ~~Asiatic Society of Bengal, 1912). ~~(11) # Husain (Agha Mahdi): Le Gouvernment du Sultanat de Delhi. (Etude ~~Critique d’Ibn Battuta et des Historiens du 14 # e # Siecle). ~~(12) # Husain (Sayyid Ghulam): Siyar-ul-Mutakhereen (in Persian), an English ~~Translation by: Col. Briggs. ~~(13) # Hunter (W. W.): The Indian Musalmans, London ~~1871. ~~(14) # Ishwari Prasad: History of Medieval ~~India. ~~(15) # Irvine (William): Later Lughals. ~~(16) # Jaffar (S. M.): Education in Muslim ~~India. ~~(17) # Some Cultural Aspects of Muslim Rule in ~~India. ~~(18) # Jarric (Du): Akbar and the Jesuits. ~~(19) # Jadunath Sarkar (Sir): The Fall of the Mughal ~~Empire. ~~(20) # History of Aurangzeb (5 ~~volumes). ~~(21) # Mughal Administration. ~~(22) # Keen: The Fall of the Mogul ~~Empire. ~~(23) # Kincaid (and Parasins): History of the Maratha People. ~~(24) # Lane-Poole (Stanley): Aurangzeb (Rulers of ~~India). ~~(25) # Medieval India Under the Muslim ~~Rule. ~~(26) # Law (N. N.): Promotion of Learning in India during ~~Mohammadan Rule. ~~(27) # Macauliffe (M. A.): The Sikh Religion, its Gurūs, Sacred writings ~~and Authors. ~~(28) # Malcolm: Sketch of the Sikhs. ~~(29) # Malleson (Colonel): Akbar. ~~(30) # Moreland (W. H.): From Akbar to Aurangzeb. ~~(31) Panikkar: India and the Indian Ocean (an Essay on the Influence of Sea Power on Indian History). ~~(32) # Sarwar (Muhammad): Life of Maulana # c # Obaid-Ullah ~~sindhi. ~~(33) # Siddiqi (M. ~~Mazheruddin): # c # Obaid-Ullah Sindhi (Islamic Literature, vol ~~VIII, No 7, July 1956. P. 379-389). ~~(ومولانا عبيد الله سندي من تلاميذ شاه ولي الله.) ~~(34) # Sindhi ( # c # Obaid-Ullah): Shah Walli-Ullah and his Political Movement ~~(Sindh-Sagar Academy, Lahore 1944). ~~(35) # Smith (Vincent A.): Oxford History of ~~India. ~~(36) # Smith (Wilfred ~~Cantwell): Modern Islam in India, London ~~1946. ~~(37) # Storey: Perslan Literature, Vol 1. ~~(38) # Titus (M.): Indian Islam, London 1930. ~~(39) # Ronade: Rise of Maratha Power. ~~(3) مراجع الفصل الثالث: محمد بن عبد الوهاب ~~(أ) مؤلفات محمد بن عبد الوهاب ~~(1) # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ~~(2) # أصول الإيمان. ~~(3) # تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. ~~(4) # تفسير الفاتحة. ~~(5) # رسالة (أو كتاب) التوحيد. ~~(6) # رسالة في التقليد وأنه جائز لا واجب. ~~(7) # رسالة كشف الشبهات. ~~(8) # مجموعة رسائله إلى أهل البلاد النجدية والأقطار ms049 الإسلامية ~~(أثبتها ابن غنام في الفصل الثالث من تاريخه الذي لم ينشر، انظر ~~قائمة المراجع العربية في الصفحة التالية). ~~(9) # معرفة العبد ربه ودينه ونبيه. ~~(10) # معنى الكلمة الطيبة. ~~(11) # مفيد المستفيد. ~~(12) # كتاب الكبائر. ~~(ب) المراجع العربية ~~(1) # أمين (أحمد): زعماء الإصلاح في العصر الحديث، القاهرة ~~1948م. ~~(2) # الجبرتي (عبد الرحمن): عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ~~المطبعة الأهلية، القاهرة، 1322ه. ~~(3) # الرافعي (عبد الرحمن): تاريخ الحركة القومية، عصر محمد علي، ~~القاهرة، 1929م. ~~(4) # الزركلي (خير الدين): الأعلام، القاهرة، 1928م. ~~(5) # أبو زهرة (محمد): ابن تيمية، القاهرة ، 1952م. ~~(6) # ابن حنبل، القاهرة، 1947م. ~~(7) # شرف الدين (عبد العظيم عبد السلام): ابن قيم الجوزية، عصره ~~ومنهجه، القاهرة، 1956م. ~~(8) # ابن غنام (حسين، الوهابي): روضية الأفكار والأفهام لمرتاد حال ~~الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام (مخطوط بدار الكتب المصرية، رقم ~~2263، تاريخ). ~~(9) # المرادي (محمد خليل): سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ~~القاهرة، 1291ه. ~~(10) # المراعني (عبد العزيز): ابن تيمية (مجموعة أعلام الإسلام)، ~~القاهرة، 1945م. ~~(11) # مؤنس (حسين): الشرق الإسلامي في العصر الحديث، الطبعة الثانية، ~~القاهرة، 1938م. ~~(ج) المراجع الأوروبية ~~(1) # Brydges (H. I.): A Brief History of the Wahauby. London ~~1834. ~~(2) # Burchardrt (Y. I.): Notes on the Bedwins and Wahaubys. London ~~1831. ~~(3) # Corancez: Histoire des Wahhabis depuis leur origine ~~jusqu’à la fin de 1809. Paris 1810. ~~(4) # Gibb (H. A. R.): Modern Trends in ~~Islam. ~~(5) # Mohammadanism. London ~~1950. ~~(6) # Guillaume (Alfred): Islam. Edinburgh 1954. ~~(7) Philby (H. St. I. B.): Arabia. London 1930. ~~(8) # Roussean (I. B.): Notes sur les Wahhabies. ~~(9) # Sodlier: The Diary of a Journey across Arabia during the year 1816. Bombay 1899. # الجزء الثاني # | مصر والشام # | مقدمة # بدأت أحاضر في هذا الموضوع في معهد الدراسات العربية في العام الماضي، فألقيت بعض ~~الأضواء على الحركات الإصلاحية التي ظهرت في الهند وفي شبه الجزيرة العربية فيما بين ~~القرنين: السادس عشر والثامن عشر. # وتفضل المعهد فدعاني هذا العام لأكمل الحديث في نفس الموضوع، فحاولت في هذه ~~المجموعة الصغيرة من المحاضرات أن ألقي أضواء أخرى على بعض الحركات الإصلاحية ~~والمراكز الثقافية في مصر والشام في نفس المدة. # وقد قسمت الحديث في هذه ms050 المحاضرات إلى فصول أربعة، شرحت في الفصل الأول ركود الحياة ~~العلمية في مصر والشام في فجر العصر الحديث، وتكلمت في الفصل الثاني عن بوادر النهضة ~~الإصلاحية في هذين الإقليمين في أواخر القرن الثامن عشر. # ثم اخترت شخصيتين من الشخصيات التي تمثل هذه النهضة الثقافية: إحداهما شخصية مصرية، وهي شخصية ~~السيد محمد مرتضى الزبيدي الحسيني، وأفردت لها الفصل الثالث، والثانية شخصية ~~شامية، وهي شخصية الشيخ عبد الغني النابلسي، وأفردت لها الفصل الرابع. # وإني لأكرر هنا ما قلته في مقدمة الجزء الأول من أنني لم أوف الموضوع حقه، وما فعلت ~~أكثر من أن مهدت الطريق ونبهت الأذهان. # وقد ألحقت بهذه الفصول قوائم بمؤلفات العالمين الجليلين: السيد محمد مرتضى الزبيدي، ~~والشيخ عبد الغني النابلسي، وقوائم أخرى بالمراجع التي تنير للقارئ الموضوع والعصر بصفة ~~عامة. # وإني أنتهز هذه الفرصة لأقدم شكري القلبي الجزيل لأستاذي الجليل، عميد المؤرخين ~~المصريين، ومدير معهد الدراسات العربية العالية، الأستاذ الكبير محمد شفيق غربال؛ فهو ~~الذي أتاح لي هذه الفرصة الطيبة؛ لمعالجة هذا الموضوع. # جمال الدين الشيال # الإسكندرية في 6 ذو القعدة سنة 1377ه/25 مايو سنة 1958م # | تمهيد # كانت مصر قد أصبحت في العصر المملوكي مركز النشاط العلمي والثقافي في العالم ~~الإسلامي؛ فهي محط رحال العلماء، وقبلة أنظار الطلاب، وخاصة بعد أن قضي نهائيا ~~على الدولة الإسلامية في الأندلس، وبعد أن قضى المغول على الخلافة العباسية في بغداد، ~~وقامت في العراق وما يليه شرقا دولة إيلخانات فارس ثم الدولة الصفوية، وهما دولتان غير ~~عربيتين. # وبلغت الحركة العلمية في مصر أوجها في القرن الخامس عشر الميلادي، ووصلت حركة التأليف ~~الذروة من حيث وفرة الإنتاج وتنوعه، ومن حيث عدد الكتاب والمؤلفين والمؤرخين، ولعل ~~السمة الظاهرة التي تميز المؤلفين في هذا القرن أنهم كانوا وافري الإنتاج، وأنهم ~~كانوا في معظمهم مؤلفي موسوعات، ويكفي أن نشير هنا إلى أسماء بعضهم؛ من أمثال ابن خلدون ~~والقلقشندي والمقريزي وابن حجر والعيني وابن تغري بردي وابن الصيرفي والسخاوي والسيوطي ~~وابن إياس ... إلخ. # وقد شهد الشرق الأوسط الإسلامي ms051 في بداية القرن السادس عشر تغيرا أساسيا؛ فقد نجح ~~الأتراك العثمانيون في القضاء على الدولة المملوكية في مصر والشام، وفي الانتصار على ~~الدولة الصفوية، ونتيجة لهذا الانتصار المزدوج؛ ضمت مصر والشام - كما ضم العراق ~~العربي - إلى أملاك الدولة العثمانية. # الفصل الأول # | ركود الحياة العلمية في مصر والشام # فيما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر # أصبحت القسطنطينية - بعد انتقال الخلافة الإسلامية إليها - مركز الثقل ومحور الارتكاز ~~في العالم الإسلامي، ولعل هذا يفسر لنا - بعض التفسير - ركود الحركة العلمية في مصر والشام ~~طيلة القرون الثلاثة التي خضعتا فيها للحكم العثماني؛ فقد أصبحت القسطنطينية هي مركز ~~النشاط العلمي في الدولة العثمانية؛ فهي مقر السلطان والخليفة، بل هي عاصمة الدولة ~~الإسلامية، والدولة كانت تركية اللسان، فمن البديهي إذن أن تنشط حركة التأليف بين علماء ~~الأتراك وباللغة التركية، وأن تضعف حركة التأليف باللغة العربية. # يضاف إلى هذا أن السلطان سليما الأول كان قد صحب معه حين خروجه من مصر عددا من كبار ~~العلماء، وكل ماهر في فن أو صنعة، كما حمل معه معظم ما كانت تذخر به مكتبات القاهرة من ~~نوادر الكتب والمؤلفات. # وتدهورت الأحوال في مصر والشام تدهورا شديدا في النواحي الثقافية والصحية ~~والاقتصادية؛ نتيجة للعزلة التي عاش فيها هذان القطران، ولانقطاع الصلة بينهما وبين ~~العالم الخارجي في العصر العثماني. # وتوزعت السلطة في مصر بين قوى ثلاث: الباشا العثماني، والديوان، والمماليك، ثم لم ~~تلبث السلطة أن تركزت إلى حد كبير في أيدي البكوات المماليك، وخاصة في القرن الثامن عشر ~~عندما ضعفت الدولة العثمانية، وشغلت بحروبها المستمرة مع الدولتين الأوروبيتين ~~المجاورتين: الروسيا والنمسا. # ولكن هؤلاء البكوات المماليك شغلوا بأطماعهم، وقامت بينهم المنافسات الحربية ~~المتتابعة، وكان الشعب هو دائما الضحية بما كان يصيبه من سلب ونهب، أو مصادرة لأمواله ~~أو اغتصاب لحقوقه ... # وكان الشعب إذا حزبه الأمر أو اشتد به الضيق يلجأ إلى العلماء، يشكو إليهم ما ~~يصيبه من ظلم، وكان العلماء يستمعون دائما إلى هذه الشكوى، ويسعون لدى الأمراء والحكام ~~لرفع هذا الحيف والظلم، وما ms052 يزالون بهم حتى يستجيبوا لنداء الواجب والقانون. # وبذلك أصبحت للعلماء زعامة تقليدية، تستمد مقوماتها من روح الإسلام ومن الشريعة ~~الإسلامية، فالمجتمع يقوم على أسس من الشريعة الإسلامية؛ فهي القانون الذي تلتزمه ~~الدولة في أحكامها، والعلماء هم أصحاب هذه الشريعة ودارسوها، منهم الفقهاء والقضاة ~~والمفتون والمدرسون. ~~(1) معاهد العلم # وكان الجامع الأزهر هو أكبر المعاهد العلمية في مصر، ولكنه مع هذا لم يكن المعهد ~~الوحيد للدراسات العليا ولتخريج العلماء، بل كان يوجد إلى جانبه عدد من المدارس ~~والمساجد تشاركه في القيام بهذه المهمة. # ومع هذا فقد كان الأزهر أهم هذه المعاهد جميعا وأشهرها، وقد يرجع هذا إلى أنه ~~كان أغناها؛ لوفرة الأوقاف المرصودة للصرف عليه وعلى طلابه وشيوخه، وإلى أنه كان ~~يمتاز بكثرة عدد مدرسيه؛ فقد كان به في العصر العثماني نحو ستين أو سبعين مدرسا، ~~يقومون بالتدريس للجم الغفير من الطلاب، وكان معظم هؤلاء الطلاب من القاهرة أو من ~~مدن مصر المختلفة، وإلى جانبهم توجد أعداد أخرى من الطلاب الوافدين من البلاد ~~الإسلامية الأخرى. # ونتيجة للشهرة والسمعة العلمية الطيبة التي كان يتمتع بها الأزهر أصبحت مساجد ~~القاهرة ومدارسها الأخرى تعتبر وكأنها فروع له، حقيقة كان لهذه المساجد والمدارس ~~أوقافها الخاصة، ولكن كانت القاعدة أن وظائف التدريس بها يتولاها شيوخ من ~~الأزهر. # وإلى جانب هذا كانت توجد في مصر نحو ثماني عشرة أو عشرين مدينة من المدن الكبرى ~~بها مدارس للتعليم العالي، وكان يختلف عددها في كل مدينة؛ من مدرسة واحدة إلى سبع ~~مدارس، وفي هذه المدارس أيضا كان المدرسون عادة شيوخا تلقوا تعليمهم في الأزهر، ~~وكانت هذه المدارس بدورها تمد الأزهر بمعظم طلابه، ويكفي أن نشير هنا - للدلالة على ~~أهمية هذه الظاهرة - إلى أن الشيوخ الذين تولوا مشيخة الأزهر في القرن الثامن عشر ~~لم يكن من بينهم واحد قاهري الأصل. # وكانت أكثر هذه المدارس نشاطا وأفضلها دراسة هي مدارس الإسكندرية ورشيد ودمياط ~~ودسوق والمحلة والمنصورة وطنطا في الوجه البحري، وطهطا في الوجه القبلي. # أما في الشام فقد كان التعليم أقل مركزية، ms053 فإلى جانب المركزين الرئيسيين: حلب ~~ودمشق كانت توجد مدارس إقليمية في مدن أخرى كثيرة، وخاصة في بيت المقدس ~~ونابلس. # وإلى جانب المساجد الجامعة في دمشق وحلب - التي كانت تعتبر المراكز الكبرى للدراسات ~~الدينية - كان يوجد في المدينتين عدد من المدارس والمساجد التعليمية، بعضها متصل ~~بالمسجد الجامع معتمد عليه، والبعض الآخر منفصل عنه، والمرادي يشير إلى وجود ما لا ~~يقل عن 45 مدرسة في دمشق - بما فيها المساجد - في القرن 18، ومن المرجح أن عددها ~~في حلب لم يكن أقل من هذا. # 1 # وكان طلاب العلم في مصر والشام لا يزالون في هذا العصر العثماني حريصين على ~~التقليد القديم الطيب، وهو الرحلة في طلب العلم والاستزادة من المعرفة، وفي التراجم ~~التي يزدحم بها كتابا: المرادي والجبرتي أمثلة كثيرة للعلماء الذين كانوا يرحلون ~~إلى مدن مصر المختلفة، وخاصة دمياط والإسكندرية وطنطا وطهطا وأسيوط، أو إلى دمشق ~~وبيت المقدس، أو إلى المدينتين المقدستين مكة والمدينة؛ للأخذ عمن في هذه المدن من ~~شيوخ، وكثيرون من الشوام كانوا يلتحقون بالأزهر؛ حيث يوجد رواق خاص لهم كان من أكثر ~~الأروقة نشاطا، كما كان بعضهم يرحل إلى إستانبول؛ حيث يشتغلون بالتدريس في ~~مدارسها. ~~(2) نظم التعليم: مزاياها وعيوبها # وكانت الدراسة في هذه المعاهد قد تأخرت كثيرا عما كانت عليه في العصور ~~السابقة؛ فهي لا تعنى إلا بالعلوم اللغوية؛ من نحو وصرف وبلاغة وعروض، وبالفقه ~~وعلوم الشريعة، والمنطق ومبادئ الحساب. # وقد كان لنظام التعليم في هذه المعاهد مزايا كثيرة؛ يقول لين بول مثلا عند كلامه ~~عن الأزهر: «إن نظام الجامعة الأزهرية نظام مثالي كامل؛ فإن أفقر شاب يتقدم إليها ~~يرحب به في الحال، ويستطيع أن يتعلم كل ما يعرفه الأساتذة، ويمكنه أن يحصل ~~أعلى تعليم يمكن أن يحصله مسلم، وبالطرق الإسلامية، وذلك دون أن يطالب بدفع قرش واحد.» # 2 # ومع هذا فقد كان للنظام عيوب كثيرة؛ منها أن وظائف التدريس كانت أحيانا تؤخذ ~~بالوراثة لا بالجدارة، فيعين الابن مدرسا مكان أبيه، ولو لم يكن كفئا لتولي هذه ~~الوظيفة. # ومنها أن ms054 بعض المدرسين كان يوكل إليه التدريس في أكثر من مدرسة، أو يتولى أكثر ~~من وظيفة، وبذلك لا يكون لديه الوقت أو الجهد الكافي للقيام بالتدريس على الوجه ~~الأكمل. # ومنها أيضا جمود الدراسات وتأخرها، بحيث أصبح المدرسون يرددون ما قاله ~~السابقون، ويدرسون المتون والكتب القديمة دون أن يؤلفوا أو يكتبوا جديدا، فانعدم ~~الابتكار، وأثر هذا بالتالي في الطلاب، فأصبحوا يعيدون ما يسمعون، ويعنون بالمسائل ~~الشكلية التافهة، ويعتمدون على الاستذكار والحفظ عن ظهر قلب، دون الفهم أو الوعي ~~السليم. # ونستطيع أن نتبين من تراجم شيوخ هذا العصر وعلمائه أن بعضهم كان غزير الإنتاج؛ ~~فكم من عالم أنتج العشرات من الكتب والرسائل، ولكننا لا نستطيع أن نجد من بينها ~~بحثا له قيمة أو كتابا يضيف إلى العلم جديدا، أو رسالة فيها شيء من الابتكار أو ~~أصالة الفكر، وإنما كان أقصى ما يفعله الواحد منهم أن يكتب شرحا لمتن، أو يضيف ~~حاشية على شرح، فنحن نستطيع أن نسمي هذا العصر بحق عصر الشروح والحواشي، ومن الممكن ~~أن نقدر الحالة العلمية في العالم العربي على ضوء ما أنتجه العلماء ورجال الفكر ~~في هذا العصر: # كان العالم العربي قد فقد استقلاله السياسي، وأصبح في عزلة تامة، وانقطعت الصلات ~~بينه وبين غرب أروبا، وكان الناس يعيشون في ظلام العصور الوسطى، وزادت الحالة سوءا ~~نتيجة لانتشار المتصوفة وانقلاب التصوف إلى نوع من الدروشة، فأصبح الناس يعتقدون في ~~الخرافات والغيبيات، والسحر والشعوذة، وغدا كل مجذوب وليا من أولياء الله ~~الصالحين، وكل أبله شيخا جليلا تلتمس بركاته ويرجى رضاؤه ودعواته، ونال ~~كثير من الشيوخ مكانة مرموقة لدى العامة والمتعلمين، بل ولدى الخاصة والحكام؛ ~~لتأليفهم رسائل في هذه الموضوعات، أو لاشتغالهم بقراءة الغيب، وعمل الأحجبة والتمائم ~~والتعاويذ. ~~(3) الدراسات الطبية # وأهم ما يعيب الحياة الثقافية في العالم العربي في هذا العصر العثماني أنها ~~تأخرت كثيرا عما كانت عليه في القرون السابقة، ولعل خير دليل على هذا ما وصلت ~~إليه حالة الطب مثلا من الناحيتين: النظرية والعملية. # ففي أوائل القرن السابع عشر كانت ms055 لا تزال هناك بقايا من العلوم الطبية التي عرفها ~~المسلمون في عصورهم المزدهرة، وإن كانت قد تأثرت هذه البقايا كثيرا بالسحر ~~والخرافات، ورغم هذا فقد ألفت في مصر وسوريا بعض الرسائل والكتب في ~~الطب. # وخير هذه الكتب هو «تذكرة داود» لصاحبها داود الأنطاكي، وهو طبيب ضرير، ولد في ~~أنطاكية، وفيها درس الطب وعلوم الأوائل واللغة اليونانية على رجل من العجم كان قد ~~وفد على بلدته، ثم رحل داود بعد ذلك إلى دمشق، واستقر في القاهرة سنين طويلة، وزار ~~مكة أخيرا، وبها توفي سنة 1008ه. # وكانت مهنة الطب تورث - كبقية المهن - في معظم الأحوال، ومع هذا لم يكن غريبا أن ~~تجد قاضيا أو عالما يعين رئيسا للأطباء. # والظاهرة الجديدة أن المجتمع في مصر بدأ يستعمل - إلى جانب الطب العربي المعتمد ~~على الطب اليوناني القديم - نوعا جديدا عرف بالطب النبوي، وهو أشتات من ~~المعلومات القائمة على دراسة الإشارات الطبية والصحية الواردة في الأحاديث ~~النبوية. # وقد أورد العالم الفرنسي «روييه # Rouyer ~~» معلومات ~~كثيرة عن حالة الطب في مصر # 3 # في أواخر القرن الثامن عشر في الفصل الذي كتبه في كتاب # Description de l’Egypte I, 1217-32 ~~، ~~وعنوانه: # Notice sur les Médicamens Usuels des ~~Egytiens ~~. # وتبعا لهذا؛ تأخر علم الصيدلة والأقرباذين، كما تدهورت أحوال المستشفيات وأصبح ~~البيمارستان يستعمل مستشفى للعلاج ومصحة للأمراض العقلية، وظهرت طبقة من الحلاقين ~~الصحيين تمارس العلاج والجراحة، ولم تكن الحالة في سوريا تختلف كثيرا عنها في ~~مصر. # ولكن في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر بدأ يظهر في القاهرة عدد من الأطباء ~~الأوروبيين وعدد من الصيدليات الأوروبية، ويذكر # Rouyer ~~(ص222-223) أنه كان يوجد في القاهرة ~~ثلاث صيدليات: واحدة يديرها يوناني، والأخريان يديرهما جماعة من البنادقة، وكان ~~معظم روادها من الأوروبيين والسوريين المسيحيين، ومع هذا كان يتردد عليها نفر من ~~المصريين - مسلمين وأقباطا، أما في دمشق فقد كان الدكتور شابوكو # Chaboceau # هو الطبيب الأوروبي الوحيد بها. # 4 # يضاف إلى هذا أن كتابين أوروبيين في الطب قد ترجما إلى التركية والعربية في ~~أواخر ms056 هذا القرن. # 5 ~~(4) الدراسات العلمية # وكانت العلوم الأخرى التي عرفها العرب باسم «العلوم الفلسفية» أو «علوم الأوائل» ~~- مثل الفلسفة والرياضيات والفلك - قد أصابها ما أصاب الطب من ركود وجمود، وفي ~~الأوصاف التي أوردها الرحالة الأوروبيون - من أمثال «سافاري» و«فولني» - في رحلاتهم صور ~~واضحة لهذا التأخر والجمود العلمي، قال فولني يصف الحالة الصناعية والعلمية في مصر ~~في القرن الثامن عشر: «الجهل عام في هذه البلاد مثل سائر الدولة التركية، وهو يشمل ~~كل الطبقات، ويتجلى في كل النواحي الأدبية والطبيعية وفي الفنون الجميلة، حتى ~~الصناعات اليدوية؛ فإنها في أبسط أحوالها، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح ~~الساعة، وإذا وجد فهو إفرنجي، أما الصياغة فأصحابها فيها أكثر مما في أزمير وحلب، ~~لكنهم جهلاء، وإنما يتقنون المنسوجات الحريرية، وإن كانت أقل إتقانا وأغلى ثمنا ~~من تلك التي تصنع في أوروبا، أما العلم فوجود الأزهر فيها جعلها قبلة الطلاب ~~في الشرق الإسلامي.» # وحتى هذا العلم، وحتى هذا الأزهر لم يكونا في القرن الثامن عشر في حالة طيبة ~~مبشرة، بل شملتهما - كما ذكرنا من قبل - موجة من الركود والجمود، وقد وصف مؤرخ مصر ~~في هذا القرن عبد الرحمن الجبرتي مدى ما وصلت إليه الحالة العلمية من تأخر وصفا ~~يغني عن غيره من أقوال الرحالة الأوروبيين. # ذكر الجبرتي أن أحمد باشا الوالي التركي على مصر (1162-1163ه/1749-1750م) كان «من ~~أرباب الفضائل، وله رغبة في العلوم الرياضية، ولما وصل إلى مصر واستقر بالقلعة، ~~وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت، وهم: الشيخ عبد الله الشبراوي - شيخ الجامع ~~الأزهر - والشيخ سالم النفراوي، والشيخ سليمان المنصوري، فتكلم معهم وناقشهم ~~وباحثهم، ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا، وقالوا: «لا نعرف هذه العلوم»، فتعجب ~~وسكت.» # ثم ذكر الجبرتي أن الشيخ الشبراوي طلع على عادته إلى القلعة في يوم جمعة، واستأذن، ~~ودخل عند الباشا يحادثه، فقال له الباشا: المسموع عندنا في الديار الرومية أن مصر ~~منبع الفضائل والعلوم، وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها، فلما جئتها وجدتها كما ~~قيل: تسمع بالمعيدي خير من ms057 أن تراه»، فقال له الشيخ: «هي يا مولانا - كما سمعتم - ~~معدن العلوم والمعارف»، فقال: «وأين هي وأنتم أعظم علمائها؟ وقد سألتكم عن مطلوبي ~~من العلوم، فلم أجد عندكم منها شيئا، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل، ونبذتم ~~المقاصد»، فقال له: «نحن لسنا أعظم علمائها، وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء ~~حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم ~~الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة إلى علم الفرائض والمواريث؛ كعلم الحساب والغبار» ~~فقال له: «وعلم الوقت كذلك من العلوم الشرعية، بل هو من شروط صحة العبادة؛ كالعلم ~~بدخول الوقت، واستقبال القبلة، وأوقات الصوم والأهلة، وغير ذلك» فقال: «نعم، معرفة ~~ذلك من فروض الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى ~~لوازم وشروط وآلات وصناعات، وأمور ذوقية؛ كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم ~~والتشكيل، والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ذلك؛ غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من ~~القرى والآفاق، فيندر فيهم القابلية لذلك»، فقال: «وأين البعض؟» فقال: «موجودون في ~~بيوتهم، يسعى إليهم» ثم أخبره عن الشيخ الوالد (يقصد والده الشيخ حسن الجبرتي، ~~العالم الرياضي الفلكي الكبير في ذلك الحين) وعرفه عنه وأطنب في ذكره.» # ثم ذكر الجبرتي بعد ذلك أن الباشا أرسل إلى الشيخ حسن الجبرتي، فاستدعاه لمقابلته، ~~وأنه «سر برؤياه واغتبط به كثيرا، وكان يتردد إليه يومين في الجمعة، وأدرك منه ~~مأموله ... ولازم المطالعة عليه مدة ولايته، وكان يقول: «لو لم أغنم من مصر إلا ~~اجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني.» # وأخيرا يختم الجبرتي قصة والده وعلماء مصر مع الباشا بجملة لطيفة فيها نقد ساخر ~~لاذع، فيقول: «وكان المرحوم الشيخ عبد الله الشبراوي كلما تلاقى مع المرحوم الوالد ~~يقول له: «سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا؛ فإنه لولا وجودك كنا جميعا عنده ~~حميرا ...» ~~(5) الدراسات الأدبية # ولم يكن الإنتاج الأدبي في هذا العصر يفضل كثيرا الإنتاج العلمي؛ فقد بلغ الأدب ~~أقصى مراحل التأخر أسلوبا ومنهجا وموضوعا، وقد يعلل البعض تأخر الأدب إلى ~~انصراف الناس إلى الدراسات الدينية والصوفية، ولكن ms058 هذا الانصراف لا ينهض وحده سببا ~~كافيا، بل هناك في الحقيقة أسباب أخرى حالت دون ظهور أدباء ممتازين أو إنتاج أدبي ~~رفيع مبتكر، ولعل أهم هذه الأسباب أن أدباء العرب في هذا العصر قد فقدوا رعاية ~~الحكام والرؤساء إلا في حالات قليلة نادرة منذ انضمت البلاد ~~العربية للدولة العثمانية، وهذا النوع من الأدب الرفيع لا يزدهر إلا إذا نال ~~صاحبه شيئا من التشجيع والرعاية. # وكان لانقطاع الصلة بين البلاد العربية والعالم الخارجي أثر واضح كذلك في تأخر ~~الأدب في هذا العصر؛ فقد فقدت الدراسات الأدبية الدوافع المثيرة والنقد المفيد، ولم ~~تتح لها فرصة الاتصال بين الأفكار أو المحاكاة أو المقارنة بينها وبين الآداب ~~الأخرى، فانكمش الأدباء العرب على أنفسهم، وعاشوا في عزلة تامة داخل ديارهم يجترون ~~الأدب الماضي الذي أنتجه أسلافهم، ثم يلفظونه أدبا جديدا فاقد الروح ممسوخ ~~الأسلوب، وحتى الأدبين الشرقيين المعاصرين: التركي والفارسي كان الاتصال بهما ~~ضعيفا، وكان أثر هذا الاتصال ضئيلا - فيما عدا مدينة حلب إلى حد ما. # وقد يكون لنوع الحياة التي كان يحياها أدباء هذا العصر أثر في ضعف إنتاجهم ~~الأدبي؛ فقد تدهورت الحالة الاقتصادية وقل الرخاء، وضاقت - نتيجة لذلك - الآفاق ~~التي يحلق فيها الأدباء، وقلت مظاهر الحضارة والصورة الفنية التي توحي إليهم، ~~فعنوا في إنتاجهم بالأسلوب دون المعنى، وبالصنعة دون المبنى، وعنوا عناية كبرى ~~بالمحسنات البديعية على اختلاف أنواعها؛ يستعينون بها على تنميق الأسلوب، واستنفدوا ~~جهدهم في نظم أنواع عجيبة من الشعر، بعضها مما تصح قراءته طردا وعكسا، وبعضها مما ~~تصح قراءته أفقا وعرضا، وأكثروا من الأشعار الملغزة أو المؤرخة لإقامة مبنى أو ~~لوفاة عظيم ... إلخ. ~~(6) الدراسات التاريخية # أما حركة التأليف التاريخي - التي بدأت في مصر الإسلامية بابن عبد الحكم، والتي ظلت ~~مستمرة متصلة مزدهرة إلى أواخر القرن الخامس عشر - فقد انقطعت انقطاعا يكاد يكون ~~تاما في العصر العثماني، ولا نكاد نجد مؤرخا مصريا له شأن أو قيمة بعد ابن ~~إياس، اللهم إلا إذا اعتبرنا صوفيا كالشعراني مؤرخا حين يكتب كتابه «الطبقات ~~الكبرى» في ms059 تراجم الصوفية! # حقيقة لقد ظهر في مصر في العصر العثماني عدد من المؤلفين الذين كتبوا في التاريخ، ~~ولكنهم في جملتهم لا يستطيعون أن يرقوا إلى مرتبة من سبقوهم من مؤرخي القرن ~~الخامس عشر أو القرون التي قبله، ويكفي لإيضاح هذه الحقيقة أن نأتي هنا بأمثلة ~~للمؤرخين المصريين القلائل الذين ظهروا في هذا العصر العثماني. # منهم محمد بن أبي السرور البكري الصديقي، وقد عاش في القرن الحادي عشر (17م)، ~~وتوفي سنة 1087ه، وله ثلاثة كتب تاريخية لا زالت مخطوطة، وهي: ~~(1) # الروضة المأنوسة في أخبار مصر المحروسة، وفيه يؤرخ لولاة مصر وقضاة ~~العسكر في العصر العثماني إلى سنة 1054ه. ~~(2) # عيون الأخبار ونزهة الأبصار، وهو تاريخ مختصر لمصر والدول التي ~~تعاقبت على حكمها، إلى آخر عصر المماليك الجراكسة. ~~(3) # المنح الرحمانية في الدولة العثمانية، وفيه يؤرخ لسلاطين آل عثمان، ~~وينتهي إلى سنة 1039ه. # ومن هؤلاء المؤرخين الإسحاقي المنوفي «محمد بن عبد المعطي» وهو من رجال القرن ~~الحادي عشر أيضا، ترجم له المحبي فقال: إنه كان قاضيا فاضلا عالما مؤرخا، كثير ~~النظم للشعر، صحيح الفكرة، وله تاريخ لطيف ورسائل كثيرة، قرأ ببلده على شيوخ ~~كثيرين، وكان يتردد إلى مصر، وأخذ بها عن أكابر علمائها، وتوفي سنة 1060ه ببلدة ~~منوف. # وكتابه التاريخي عنوانه «لطائف أخبار الأول، فمن تصرف في مصر من أرباب الدول» رتبه ~~على مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة، وأرخ فيه لمن ولي مصر من حكام منذ الفتح العربي ~~إلى أوائل القرن الحادي عشر، وانتهى من تأليفه سنة 1033ه، وقد طبع هذا الكتاب في ~~القاهرة طبعات مختلفة في السنوات 1276 و1296 و1300ه. # ومنهم أيضا مرعي الحنبلي، وهو من رجال القرن العاشر (16م) ومن مؤلفاته في ~~التاريخ «درر الفوائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة» ضمنه أخبار ~~الحاج والمنازل، وكيفية الرحيل والنزول والإقامة، وأرخ فيه لمن حج بالناس من ~~الخلفاء والصحابة، والأمراء والأعيان، من مختلف البقاع والأماكن، كما شرح مناسك الحج ~~على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ورتب الحوادث فيه على السنين الهجرية، ويوجد من ~~هذا ms060 الكتاب الجزء الأول فقط، وينتهي إلى آخر الباب الثالث «فيمن ولي إمرة الحاج إلى ~~سنة 966ه» وهو مخطوط بدار الكتب المصرية رقم 37م. # ونحب أن نشير هنا إلى أن المصريين كانوا هم السابقين في وضع كتب تترجم لرجال قرن ~~بأكمله؛ بدأ هذا النوع من كتب التراجم ابن حجر، حين ألف كتابه «الدرر الكامنة في ~~أعيان المائة الثامنة»، ثم أتى بعده تلميذه السخاوي فألف كتابه «الضوء اللامع في ~~تراجم أعيان القرن التاسع». # ثم انقطع هذا اللون من ألوان التأليف التاريخي من مصر في العصر العثماني، وانتقل ~~إلى أيدي السوريين، فألفوا كتبا ثلاثة ضخمة للترجمة للرجال الذين عاشوا في قرون ~~العصر العثماني الثلاثة: العاشر والحادي عشر والثاني عشر: # أرخ الغزي (نجم الدين محمد بن محمد) لرجال القرن العاشر في كتابه: «الكواكب ~~السائرة في تراجم أعيان المائة العاشرة». # وأرخ المحبي لرجال القرن الحادي عشر في كتابه «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي ~~عشر». # وأرخ المرادي لرجال القرن الثاني عشر في كتابه «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني ~~عشر». # وسيحاول مؤرخ مصري - هو أحمد تيمور - إتمام السلسلة فيما بعد بالترجمة لرجال ~~القرن الثالث عشر، ولكنه لم ينجز من مؤلفه هذا إلا قسما يسيرا هو الذي طبع ~~بعد وفاته بعنوان: «تراجم أعيان القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر» (القاهرة ~~1940م). # الفصل الثاني # | بوادر النهضة الإصلاحية في مصر والشام # في أواخر القرن الثامن عشر # نتيجة لهذا كله؛ جمد التفكير في العالم الإسلامي، وقل الابتكار في التأليف، وخمدت ~~الهمم وخفتت الأصوات التي تطالب بالإصلاح، إلا في حالات نادرة متفرقة، حين كان يتصدر ~~بعض العلماء للدفاع عن مصالح الشعب. # ولكن هذا الجمود بدأ يذوب شيئا فشيئا في القرن الثامن عشر، وبدأت تظهر في المجتمع ~~العربي في مصر والشام بوادر نهضة إصلاحية جديدة، وتبدو بوادر هذه النهضة واضحة في مظاهر ~~ثلاثة: ~~(1) # في المواقف الجريئة المشرفة التي بدأ يقفها العلماء من الأمراء والحكام ~~لردعهم ومنعهم من الظلم، وللدفاع عن مصالح الشعب وحقوقه. ~~(2) # وفي الحركات التي قام بها بعض الأفراد والجماعات؛ ms061 لمهاجمة الأولياء ~~والدراويش، ومحاربة البدع والخرافات التي أشاعوها في المجتمع، والمناداة ~~بهدم الأضرحة وعدم التمسح بها أو الاستغاثة بأصحابها أو الاعتقاد في ~~كراماتهم. ~~(3) # وفي ظهور عدد من العلماء والمفكرين يعتبرون بحق طلائع نهضة ثقافية ~~جديدة. # وسنشير لكل ظاهرة من هذه الظواهر بشيء من التفصيل؛ لبيان أهميتها: ~~(1) الظاهرة الأولى: زعامة العلماء # كانت مصر في العصر العثماني نهبا مقسما بين الباشا التركي وقواد حاميته وأمراء ~~المماليك، أما حقوق الشعب فكانت مضيعة، لا يعنى بها هؤلاء الحكام في قليل أو كثير، ~~ولم يكن يحد من سلطان هؤلاء الحكام غير سلطان العلماء؛ فهم رجال الدين، وهم حملة ~~القرآن، وهم أصحاب السلطان الروحي، ولم يكن رجال الحكم من جند وأمراء يخشون شيئا ~~قدر خشيتهم لهذا السلطان الروحي، والشعب لم تكن تربطه بهؤلاء الحكام صلة؛ فهم غرباء ~~عنه جنسا ولغة ومشاعر، أما العلماء فهم مصريون مثله، نشئوا كلهم في قلب الريف، ~~يحسون إحساس أهليهم وإخوانهم، وهم بعد قد تفقهوا في أمور الدين الإسلامي، وعرفوا ~~أنه دين يقوم على المساواة والعدل، وأنه يأبى الظلم والجور والعسف، وأنه يعتبر كل ~~راع مسئولا عن رعيته، ويطالب كل حاكم بأن يلتزم الحق والعدل والإنصاف في حكمه، ~~فهؤلاء العلماء كانوا في نظر الحاكمين والمحكومين رمزا للشرع، للقانون السماوي ~~الذي يحكم بمقتضاه حكام هذه البلاد الإسلامية. # لهذا عقد للعلماء في العصر العثماني نوع من الزعامة الاختيارية ارتضاه الحكام ~~والمحكومون جميعا، فكان الشعب إذا ضاق بحكامه لجأ إلى زعمائه، يشكو لهم ما به من ~~ضيق، وكان العلماء يسعون بهذه الشكوى إلى الحكام، ويقدمون لهم النصيحة، وقد يرفقون ~~بهم في النصيحة وقد يعنفون، وكان الحكام يستمعون دائما لهذا النصح، ويستجيبون ~~دائما لهذه الوساطة، والأمثلة على ذلك كثيرة، نكتفي هنا بإيراد بعضها: # حدث في سنة 1114ه/1702م «أن أهل الأسواق أصابهم غبن من وراء تزييف النقود، ~~فاجتمعوا ودخلوا الجامع الأزهر، وشكوا أمرهم إلى العلماء، وألزموهم بالركوب معهم ~~إلى الديوان»، واضطر الباشا أن يصدر أمره بعقد اجتماع عام، حضره الأمراء والقاضي ~~التركي والأغوات (قواد فرق الجيش) ونقيب ms062 الأشراف وكبار العلماء. # ولم ينفض الاجتماع إلا بعد أن اتخذ المجتمعون قرارات تزيل شكوى الناس وتحفظ ~~مصالحهم. # وفي سنة 1148ه/1735م أرسل السلطان إلى مصر بعض الأوامر المالية، وكان أحدها يقضي ~~بإبطال بعض المرتبات التي كانت تصرف في وجوه الخير، واجتمع أعضاء الديوان لسماع ~~هذه الأوامر، فلما قرئ المرسوم السلطاني عقب عليه القاضي العثماني بقوله: «أمر ~~السلطان لا يخالف، وتجب طاعته»، فانبرى له في الحال أحد الأعضاء المصريين من العلماء، ~~وهو الشيخ سليمان المنصوري، فقال: ~~«يا شيخ الإسلام، هذه المرتبات كانت من فعل نائب السلطان، وفعل النائب كفعل ~~السلطان، وهذا شيء جرت به العادة مدة الملوك المتقدمين، وتداوله الناس ورتبوه على ~~خيرات ومساجد وأسبلة، فلا يجوز إبطال ذلك، وإذا بطل بطلت الخيرات، وتعطلت الشعائر ~~المرصد لها ذلك، فلا يجوز لأحد يؤمن بالله ورسوله أن يبطله، وإن أمر ولي الأمر ~~بإبطاله لا يسلم له ويخالف أمره؛ لأن ذلك مخالفة للشرع، ولا يسلم للإمام في ~~فعل يخالف الشرع.» # وكان لمعارضة الشيخ أثر قوي، فلم ينفذ أمر السلطان، وعدلت الحكومة عن الأخذ ~~به. # كان هذا الشيخ وأمثاله من العلماء - الذين لا يخشون في الحق لومة لائم - شعارهم ~~دائما الإيمان بالمثل العليا في العدل والحق وأداء الواجب، كما نص عليها وأكدها ~~الإسلام. # ولهذا كان حكام العصر يخشون دائما بأسهم؛ لأن هذا البأس مستمد من قوة ~~الشرع، ومن قوة الشعب الذي يعبرون عن آرائه وحقوقه. # ولهذا أيضا كان معظم الحكام يوقرون هؤلاء العلماء، ويسعون إليهم يسألونهم الرأي ~~والمشورة والنصيحة، ومصداق هذا ما قاله الجبرتي في ترجمته للشيخ محمد بن سالم ~~الحفني؛ فقد وصفه بأنه «كان قطب رحى الديار المصرية، لا يتم أمر من أمور الدولة إلا ~~باطلاعه ومشورته.» # ومن هذا النوع من العلماء الشيخ علي الصعيدي، وكان معاصرا للأميرين الكبيرين ~~اللذين حاولا أول محاولة للاستقلال عن الدولة العثمانية، وهما: علي بك الكبير ~~ومحمد بك أبي الذهب، وقد كانا يجلان الشيخ ويبجلانه، فإذا دخل عليهما أفسحا له ~~وقبلا يده، ولم يردا له شفاعة، وكان كثير الشفاعة لديهما. ms063 # وكان الناس يلجئون إليه دائما بشكاواهم، فيرصدها في ثبت؛ حتى لا ينسى شيئا منها، ~~ثم يذهب بها إلى أبي الذهب، فيجيبه إلى كل ما يطلب، ولا يخالفه في شيء مما يرجوه ~~فيه، وإذا حدث وأبدى شيئا من الامتعاض أو التردد قال له الشيخ: «لا تضجر ولا تأسف ~~على شيء يفوتك بغير حق في الدنيا؛ فإن الدنيا فانية، وكلنا نموت، ويوم القيامة ~~يسألنا الله عن تأخرنا عن نصحك، وها نحن نصحناك وخرجنا من العهدة.» # أما إذا امتنع الأمير عن رفع مظلمة من المظالم فإن الشيخ كان يصرخ في وجهه ويقول ~~له: «اتق النار وعذاب جهنم»، ثم يمسك يده ويقول: «أنا خائف على هذه اليد من ~~النار.» # وفي أواخر القرن الثامن عشر في عهد الطاغيتين: مراد وإبراهيم، ثارت خصومة بين رجل ~~فقير من عامة الشعب وأمير من أمراء المماليك، ولجأ الرجل إلى القضاء، فحكم له، فثار ~~الأمير وأرعد وأبرق، وأبى أن يخضع لحكم القانون، وأدرك العلماء أنهم حماة الشرع، ~~فطالبوا باحترام كلمة القانون، وتزعمهم الشيخ الدردير، وأيدهم الشعب في غضبتهم، ~~وقامت مظاهرة خطيرة في شوارع القاهرة، وأغلق التجار حوانيتهم، وكاد الأمر ينتهي إلى ~~فوضى شاملة، لولا أن تداركه بعض العقلاء من الأمراء، فأرسلوا إلى الأمير المغتصب ~~يطلبون إليه النزول عند رأي القانون، فأذعن مضطرا، ولكن العلماء لم يأمنوا لهذا ~~الإذعان، وأصروا على أن يحصلوا على وثيقة تثبت هذا الحق، فكتب صلح رسمي أقر فيه ~~الأمراء بالتزام ما يقضي به القانون ويحتمه الشرع. # وبعد ذلك بقليل اعتدى والي القاهرة على رجل قصاب من أهل الحسينية، وعنف عليه، ~~واشتد في مطالبته بأموال للحكومة، وأراد أن يقبض عليه بغير أمر شرعي، فثار أهل ~~الحسينية ولجئوا إلى الشيخ العروسي، فحمل الشيخ الشكوى إلى الأمراء، وجادلهم في ~~شأنها، وطالبهم بالتزام حدود الشرع، واضطر الأمراء إلى الإذعان، وعزلوا الوالي، ~~وعينوا مكانه واليا جديدا، ونزل الوالي الجديد إلى الأزهر وقابل المشايخ ~~واسترضاهم. # وفي سنة 1209ه/1795م اشتد أحد الأمراء في مطالبة الأهالي في بلبيس بالأموال، ~~ونالهم من شره أذى كثير، ms064 فشكوا ما أصابهم إلى الشيخ الشرقاوي، والشيخ من الشرقية، ~~وقد ناله شيء من هذا العنت، فقد كانت له أرض في بلبيس، فسعى بهذه الشكوى إلى مراد ~~وإبراهيم، وأراد أن يمنع الظلم بالحسنى، ولكن الأميرين ركبا رأسيهما، ولم يصنعا ~~شيئا، فدعا الشيخ الناس إلى الثورة، فاستجابوا له، وسادت الفوضى في القاهرة، وكاد ~~الأمر ينتهي إلى ثورة دموية شاملة، وعند ذلك خضع الأمراء! يقول الجبرتي في وصف هذه ~~الأحداث وما انتهت إليه: ~~«فنزل الباشا إلى بيت إبراهيم بك، واجتمع الأمراء هناك، وأرسلوا إلى المشايخ، ~~فختم الشيخ السادات والسيد النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ البكري والشيخ الأمير ... ~~ودار الكلام وطال الحديث، وانحط الأمر على أنهم (أي الأمراء) تابوا ورجعوا، ~~والتزموا بما شرط العلماء عليهم، وانعقد الصلح على شروط؛ منها ... أن يكفوا ~~أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس ... وأن يسيروا في الناس سيرة حسنة ... وكان ~~القاضي حاضرا بالمجلس، فكتب حجة عليهم بذلك، وفرمن # 1 # عليها الباشا، وختم عليها إبراهيم بك، وأرسلها إلى مراد بك، فختم عليها ~~أيضا، وانجلت الفتنة ورجع المشايخ، وحول كل منهم وأمامه وخلفه جملة من العامة ~~وهم ينادون ...» ~~(2) الظاهرة الثانية: محاربة البدع والخرافات # أما الظاهرة الثانية فتمثلها الأصوات التي ارتفعت في مصر في القرن الثامن عشر ~~لإلغاء البدع التي أشاعها المتصوفة والمتدروشون، والحقيقة أن البلاد العربية - ~~وخاصة مصر - كانت قد انقلبت في العصر العثماني إلى خانقاه أو تكية كبرى، وانتشرت ~~فيها الطرق الصوفية من كل نوع ولون، والغريب أن مصر لم ينشأ من بنيها شيخ ذو طريقة، ~~وإنما هذه الطرق بعضها ظهر في الشرق، وبعضها ظهر في الغرب، ثم وفدت هذه وتلك إلى مصر، ~~ووجدت في ربوعها وبين أهليها صدرا رحبا، فنمت وترعرعت، وتفرعت إلى طرق فرعية ~~كثيرة، ونتيجة للجهل الفاشي وللفقر المدقع؛ تعلق المصريون من مختلف الطبقات - ~~وخاصة رجال الفلاحة وأصحاب الحرف - بهذه الطرق الصوفية؛ يلتمسون في رحاب الروح ~~وفي نعيم الآخرة الموعود عوضا عن الفقر المادي الذي يعيشون في كنفه، وعن الظلم ~~والعسف والقهر الذي ينزله بهم حكامهم، وقد ms065 تطور الحال حتى أصبح كل مجذوب ~~شيخا، وكل معتوه وليا من أولياء الله الصالحين! وفي تاريخ الجبرتي أمثلة كثيرة ~~لهؤلاء. # وقد قامت من قبل خصومة بين الفقهاء والمتصوفة، وظلت هذه الخصومة قائمة في العصر ~~العثماني. # فالفقهاء كانوا يرون أن طريق المعرفة هو الشرع ودراسة القرآن والسنة وعلوم الدين ~~المختلفة؛ من تفسير وحديث وفقه وأصول، أما المتصوفة فكانوا يرون أن طريق المعرفة هو ~~الذوق والزهد والعبادة، والفناء في حب الله سبحانه وتعالى، وقليل من الشيوخ من جمع ~~بين الفقه والتصوف؛ مثل ابن عطاء الله السكندري في القرن الثالث عشر، وعبد الوهاب ~~الشعراني في القرن السادس عشر (في هذا العصر العثماني). # والتصوف في حد ذاته لا خطر منه على المجتمع؛ فهو يدعو إلى رياضة النفس والروح، ~~وإلى التقشف والعبادة، والزهد والفناء في حب الله، وبعض الطرق الصوفية - كالطريقة ~~الشاذلية - لا تدعو إلى التكاسل والتواكل، وإنما تحض على العمل والسعي في طلب الرزق، ~~وإنما نشأت الخطورة منه في العصر العثماني عندما ساد وانتشر حتى ادعى الولاية - ~~كما أسلفنا - كل جاهل وكل مجنون، وعندما غالى المتصوفة في الدفاع عن أنفسهم ~~ومكانتهم وكراماتهم، وأخذوا يكتبون الرسائل في تحذير الناس من الشك في الشيوخ ~~وكراماتهم التي كانوا يدعونها أحياء وأمواتا، والتي كانت تفوق في بعض الأحيان ~~معجزات الأنبياء عليهم السلام، وكل هذا يتعارض ومبادئ الإسلام الصحيحة السمحة ~~اليسيرة، ويفسد عقائد الناس ... # لهذا لم يكن غريبا أن ترتفع الأصوات في الحين بعد الحين لمقاومة هذه البدع التي ~~انتشرت باسم الدين وباسم التصوف، وكان هذا النقد أو هذه المقاومة تتخذ أحيانا ~~شكلا عنيفا، وتتخذ أحيانا أخرى شكل الجدل النظري، وكان يقوم بها تارة الحكام ~~والأجناد، كما كان يقوم بها أحيانا أخرى رجال الفكر من العلماء والفقهاء، والوعاظ ~~والشعراء. ~~(2-1) أمثلة: الشيخ علي البكري وصاحبته # من المجاذيب الذين فشا اعتقاد الناس فيهم: رجل اسمه علي البكري، ترجم له ~~الجبرتي في وفيات سنة 1207ه/1792-1793م، فقال: إنه كان رجلا معتوها، يمشي في ~~الطرقات عاري الرأس مكشوف السوءتين في أغلب الأحوال، أو ms066 يسير حافي القدمين وقد ~~لبس قميصا وطاقية، ويخلط في كلامه ويهذي، فيتبعه الأطفال وعامة الناس وهم بين ~~منكر لأحواله ومصدق لولايته، ولكن أكثر الناس قد مالوا إليه، وصحت عندهم ~~ولايته «كما هي عادة أهل مصر في أمثاله» كما يقول الجبرتي. # وكان لعلي البكري أخ صاحب دهاء ومكر، فعمل على استغلال عقيدة الناس في أخيه ~~سعيا وراء الثروة، فمنعه من التجوال في الشوارع، وحجزه في منزله وألبسه ثيابا، ~~وأظهر للناس أنه أذن له بذلك، وأنه تولى القطبانية، وصدق الناس دعاواه ~~واشتد إيمانهم به، وأقبلوا على زيارته في منزله، والسماع إلى هذيانه وخلطه ~~وتأويل كلامه بما يوافق رغباتهم وما في نفوسهم، وانهالت عليه الخيرات والنذور، ~~وخصه بالبر نساء الأمراء والأكابر، حتى أثرى أخوه واغتنى، يقول الجبرتي: ~~«ونفقت سلعته وصادت شبكته، وسمن الشيخ من كثرة الأكل والدسومة والفراغ والراحة، ~~حتى صار مثل البو العظيم.» # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الشيخ في أوقات تجواله تبعته امرأة معتوهة ~~لا تقل عنه خبلا، ولزمته في تنقله وتجواله، وسرعان ما آمن الناس بها أيضا، ~~واعتقدوا في ولايتها، وأشاعوا أن الشيخ قد «لحظها وجذبها» فأصبحت مثله من ~~الأولياء الصالحين، ثم ارتقت درجة أخرى من درجات الجذب، فخرجت معه إلى الشارع ~~في زي الرجال، يتبعهما أنى سارا الجم الغفير من الفقراء والعامة والأطفال ~~الصغار، ومنهم - كما يقول الجبرتي - من اقتدى بهما «ونزع ثيابه وتحنجل في ~~مشيته»، فقيل: إن الشيخ قد جذبه أو مسه، فصار وليا! وكانت المرأة ترقى ~~أحيانا على درج عال، وتفحش في القول، فيزداد إيمان الناس بها، ويتزاحمون على ~~تقبيل يدها؛ تبركا بها! # وتفاقم الحال وكثر أتباع الرجل والمرأة حتى كانا إذا مرا بشارع كثر الضجيج ~~وعلت الأصوات، واجترأ أتباعه فنهبوا الدكاكين، واستولوا على ما فيها من متاع ~~وبضاعة، ومر هذا الموكب يوما ببيت جندي يدعى جعفر كاشف، فقبض على الشيخ ~~وأدخله إلى داره ومعه المرأة وسائر المجاذيب، ثم طرد الناس الملتفين حوله، وقدم ~~له ما يأكله، ثم أطلقه بعد ذلك إلى حال سبيله، ms067 أما المرأة والمجاذيب فقد أخذ ~~يضربهم حتى طير الولاية من رءوسهم، ثم أطلق سراح المجاذيب، وأرسل المرأة إلى ~~المارستان، وربطها عند المجانين. # ورغم هذا فقد ظل الناس يؤمنون بولاية الشيخ ورفيقته حتى بعد موتهما؛ فقد ~~توفي الشيخ في سنة 1207ه، فأقام أخوه على قبره مقصورة ومقاما، ورتب له ~~المقرئين والمداحين وأرباب الأشاير والمنشدين، يتغنون بكراماته وأوصافه في ~~قصائدهم، وكان هؤلاء المريدون - كما يقول الجبرتي: «يتواجدون ويتصايحون ~~ويمرغون وجوههم على شباكه وأعتابه، ويغرفون بأيديهم من الهواء المحيط به ~~ويضعونه في عبابهم وجيوبهم.» # أما المرأة فقد لبثت في المارستان وقتا ما، ثم أطلق سراحها، فخرجت إلى ~~الشوارع، وإذا بها «شيخة على انفرادها» يعتقد الناس في ولايتها، ويؤمن النساء - ~~بوجه خاص - في كراماتها، وبعد مماتها أقيمت لها الموالد، وقدمت لها الهدايا ~~والنذور. ~~(2-2) العنزة المباركة # كان ادعاء الولاية إذن طريقا سهلا ميسورا لاصطناع الغنى واجتلاب الثروات، ~~في وقت فشا فيه الفقر واشتد الضيق بالناس، وقد يكون هذا سببا من أهم أسباب ~~انتشار التصوف وكثرة المجاذيب والدراويش، ولكن الناس تغالوا في هذا الباب حتى ~~نسبوا الولاية والكرامات إلى الحيوانات، فعل هذا كبير خدام مشهد السيدة نفيسة؛ ~~فقد أتى هذا الرجل بعنزة، وادعى أن السيدة أوصت بها خيرا حتى أصبحت تأتي ~~بالكرامات، وشاع خبر العنزة، فآمن الناس بها وبما قاله الشيخ فيها، وصاروا يهدون ~~إليها الهدايا من الفستق واللوز والسكر وماء الورد، وعمل النساء لها قلائد ~~وأساور وحليا من الذهب، وتزاحم الناس ونساء الأمراء والكبراء على زيارتها ~~والتبرك بها. # وسمع الأمير عبد الرحمن كتخدا بخبرها، فأرسل يستدعي الشيخ وعنزته بدعوى أنه ~~يريد التبرك بها هو وحريمه، فركب الرجل - والعنزة في حجره - وسار في موكب حافل ~~تتقدمه الطبول والزمور، وتحيط به البيارق والجم الغفير من الناس، إلى أن وصل ~~إلى منزل الأمير، فاحتفى به، وأدخل العنزة إلى الحريم ليتبرك بها نساؤه، ثم أمر ~~بذبحها وأطعم صاحبها من لحمها، ولما أراد الانصراف طلب العنزة فعرفه أنها هي ~~التي أكل لحمها، ثم وبخه وأنبه على فعلته، وأمر أن ms068 يعاد إلى بيته في موكب ~~حافل، ولكن شتان بين الموكبين؛ فقد وضع جلد العنزة على عمامة الشيخ، والطبول ~~والزمور تزفه، والناس يسخرون منه إلى أن وصل إلى داره. ~~(2-3) محاولات سلبية للإصلاح # عنف رفيق # هذه أمثلة للمقاومة العنيفة، ولكنه عنف - كما نرى - كان رفيقا غاية ~~الرفق لم يزد على ضرب بعض المجاذيب، أو إلحاق امرأة بالمارستان، أو ذبح ~~العنزة صاحبة الولاية والكرامات، ويدخل في هذا الباب ما فعله نابليون؛ فقد ~~هال الرجل ما رآه من هوس هؤلاء المجاذيب، فاستفتى علماء مصر في شعبان سنة ~~1215ه في أمر الفقراء الذين يدورون في الأسواق، ويكشفون عوراتهم ويصرخون ~~ويدعون الولاية ويعتقدهم العوام، وهم مع هذا لا يصلون صلاة المسلمين ~~ولا يصومون، وسأل العلماء رأي الإسلام في جواز مسلكهم هذا أو تحريمه، فأجاب ~~الفقهاء بأن هذا كله حرام ومخالف لديننا وشرعنا وسنتنا، فشكرهم نابليون على ~~فتواهم، وأمر رجال الإدارة بتتبع هؤلاء الفقراء والقبض عليهم، فمن كان ~~منهم مجنونا ربط بالمارستان، ومن كان كامل الرشد نفي من البلد إن ~~أبى تغيير مسلكه. # فتاوى الفقهاء # وهذه الفتوى التي أصدرها العلماء تشرح - في وضوح - موقفهم من التصوف ~~والمتصوفة، وهي خير دليل على الخصومة التي كانت قائمة بين الفريقين، وقد ~~اتخذت هذه الخصومة - كما أسلفنا - أشكالا أخرى، لعل أبرزها وأوضحها تلك ~~الفتاوى أو الرسائل التي ألفها علماء هذا العصر لنقد المتصوفة وتجريحهم ~~والحط من شأنهم، ومن أمثلة هذه الفتاوى والرسائل الفتوى التي أصدرها الشيخ ~~علي الصعيدي في سنة 1197ه ردا على سؤال وجه إليه بصدد طريقة الذكر عند ~~طائفة المطاوعة التي كان يتخذ فقراؤها المغنين والأعلام والطبول، ويستعملون ~~السبح الكبيرة والملاحف والسراويل، يضعها الغلمان الذين يجلسون خلف الذاكرين ~~فوق رءوسهم أو يمسكون بها ظهورهم ... وغير ذلك من البدع. # ومن الرسائل تلك الرسالة التي كتبها الشيخ محمد صفي الدين الحنفي في سنة ~~1105ه وأسماها «الصاعقة المحرقة»، وهاجم فيها التصوف وأهله هجوما عنيفا، ~~وخاصة أولئك الفقراء الذين اتخذوا الرقص واللعب دينا وخلطوهما بالعبادة، ~~وراحوا في حلقات الذكر يدورون مركبين أيديهم ms069 إلى وراء، وقداء رءوسهم ~~بالتصعيد والتسفيل والتلوي على هيئة معروفة في لعبة «ركض الديك» عند ~~النصارى. # صوت المجتمع والشعر # ومن الأصوات التي ارتفعت للتنديد بهذا النفر من مدعي الولاية صوت الشعر، ~~وكثيرا ما كان الشعر ترجمانا لأحوال المجتمع ولأحداث السياسة، وقد عاش في ~~مصر في القرن الثامن عشر شاعر مجيد اسمه حسن البدري الحجازي، وكان هذا ~~الشاعر شديد الانفعال لما يحدث حوله، وفي المقطوعات الكثيرة التي نقلها عنه ~~الجبرتي في تاريخه صور جميلة للحياتين: السياسية والاجتماعية في مصر على ~~عهده، وهو في كثير من هذه المقطوعات يضج بالشكوى من أدعياء العلم الجهلة، ~~ومن أدعياء التصوف المجاذيب، قال تعقيبا على حادث الشيخ علي البكري سالف ~~الذكر: # ليتنا لم نعش إلى أن رأينا # كل ذي جنة لدى الناس قطبا # علما هم به يلوذون بل قد # تخذوه من دون ذي العرش ربا # إذ نسوا الله قائلين: فلان ~~- عن جميع الأنام - يفرج كربا # وإذا مات يجعلوه مزارا # وله يهرعون عجما وعربا # بعضهم قبل الضريح وبعض # عتب الباب قبلوه وتربا # هكذا المشركون تفعل مع أص # نامهم تبتغي بذلك قربا # وأولو العلم والقران عليهم # صب سوط العذاب والمقت صبا # إذ رموهم بالفسق والزور والجو # ر وظلم العباد سلبا ونهبا # كل ذا من عمى البصيرة والوي # ل لشخص أعمى له الله قلبا # والحجازي من سمي حسنا ين # ظر ما خالف الشريعة صعبا # فالحذار الحذار من فعل أهل ال # جهل لو عالما يدرس كتبا # جعل العلم فخ صيد لدنيا # ه فساوى في صنعة السوء كلبا # لا، بل الكلب منه خير؛ إذ الكل # ب عديم العقاب في يوم عقبى # وللبدري الحجازي قصيدة أخرى أشد عنفا هاجم فيها مدعي الولاية بوجه عام؛ ~~قال: # احذر أولي التسبيح والسبحة # والصوف والعكاز والشملة # والدلق والأبريق لا سيما # شيوخ إبليس أولي الشعرة # حوت أباليس بتعداد ما # حوت شعورا بل بلا عدة # والمكر فات الحصر كالبحر، بل # يعد فيه البحر كالقطرة # فصار إبليس لهم تابعا # يقول: يا للعون والنجدة # مما حويتم علموني؛ فما # لي عنكم ms070 في المكر من غنية # لكم قيادي وانقيادي وما # مثلكم في الناد والندوة # بملء أفواه ينادون: يا # أهل الوفا، يا صاحب النوبة # يا شافعي يا قطب يا رافعي # يا للرفاعي يا بني الرفعة # يا سيدي أحمد يا أوليا # ء الكون عينونا على الحملة # ذو كرة والمال يبغون، ما # لهم بغير المال من بغية # لكنهم في الفسق أرقى الورى # كما ترى من غير ما مرية # والقصيدة طويلة، نكتفي منها بهذا القدر. ~~(2-4) محاولة إيجابية للإصلاح # في هذه الأمثلة جميعا كان الاستنكار سلبيا، ومع هذا فقد أشار الجبرتي إلى ~~محاولة إيجابية واحدة لمحاربة البدع والقضاء عليها، كان صاحب هذه المحاولة ~~واعظا روميا (أي تركي الأصل)، وكان يعقد مجالس وعظه في جامع المؤيد. # وفي ليلة من ليالي رمضان سنة 1123ه/1711م بعد أن انتهى من وعظه بدأ ينتقد «ما ~~يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقاد الشموع والقناديل على قبور الأولياء ~~وتقبيل أعتابهم» وقال: إن «فعل ذلك كفر يجب على الناس تركه، وعلى ولاة الأمور ~~السعي في إبطال ذلك، «وذكر أيضا قول الشعراني في طبقاته: إن بعض الأولياء اطلع ~~على اللوح المحفوظ! أنه لا يجوز ذلك، ولا تطلع الأنبياء - فضلا عن الأولياء - ~~على اللوح المحفوظ، وأنه لا يجوز بناء القباب على ضرائح الأولياء والتكايا، ~~ويجب هدم ذلك، وذكر أيضا وقوف الفقراء بباب زويلة في ليالي رمضان.» # إن ما قاله هذا الواعظ وما دعا إليه كان جديدا، وكان جريئا، وخاصة في ذلك ~~العصر، لقد سبق محمد بن عبد الوهاب بثلاث وثلاثين سنة؛ فقد بدأ ابن عبد ~~الوهاب دعوته حوالي سنة 1744م، أما هذا الواعظ فقد نادى بنفس الآراء في سنة ~~1123ه/1711م. # وقد استجاب المستمعون في مسجد المؤيد لدعواه، وأراد الرجل أن يفعل ما فعله ~~ابن عبد الوهاب؛ أن يقوم المنكر بيده ولسانه جميعا، فخرج ووراءه أتباعه بعد ~~صلاة التراويح، ووقفوا جميعا بالنبابيت والأسلحة على باب زويلة، «فهرب الذين ~~يقفون به، فقطعوا الجوخ والأكر المعلقة، وهم يقولون: أين الأولياء؟!» # بدأت عروش الأولياء والشيوخ إذن تهتز، ولم يعد الأمر ms071 فتوى تصدر أو شعرا ~~ينظم، بل أصبح نبوتا يصدع الرأس، أو سلاحا يقتل، عند ذلك أسرع العامة ~~المفتونون بمشايخهم إلى علماء الأزهر يسألونهم الفتوى في أمر هذا الواعظ وما ~~يقول، ومن العجيب أن شيوخ الأزهر هم الذين حاربوا هذه الدعوى وقضوا عليها! ~~ولكنني لا أرى في هذا عجبا؛ فإن شيوخ الأزهر لم يكونوا جميعا من المعادين ~~للتصوف، بل كان بعضهم يجمع - كما قلنا - بين علمي: الشريعة والتصوف، وكان ~~الكثيرون منهم - وهذا أهم - خطباء أو أئمة أو وعاظا أو مدرسين في الزوايا ~~والجوامع، وكانت لهم من أوقافها مرتبات وجامكيات تدر عليهم الرزق الوفير، كما ~~كانت لهم أنصبة أخرى من الهدايا والنذور التي تقدم لأصحاب الأضرحة، وهم بعد ~~هذا كله موظفون في الدولة، تربطهم بها روابط الولاء، ومن العسير عليهم أن ~~يستجيبوا للثورة أو يسيروا في ركابها. # وأصدر شيخان من شيوخ الأزهر - هما: الشيخ أحمد النفراوي والشيخ أحمد الخليفي ~~- فتوى ينقضان فيها رأي هذا الواعظ، ويطلبان من الوالي زجره على ما قال. # وحمل الناس هذه الفتوى إلى الواعظ في مجلس وعظه، فقرأها، ولكنه غضب وثار، وقال: ~~إن كان العلماء أفتوا بغير ما قلت فليأتوا لمجادلتي في مجلس القاضي! ثم وجه ~~خطابه إلى أتباعه وقال: «فهل منكم من يساعدني على ذلك وينصر الحق؟» فكانت ~~إجابة أنصاره: «نحن معك، لا نفارقك.» # وترك الواعظ كرسي وعظه، وخرج من المسجد وحوله جماعة من أنصاره يزيدون على ~~الألف ، وتقدم بهم في شوارع القاهرة إلى أن وصل إلى بيت القاضي؛ وانزعج القاضي ~~واضطرب عندما رأى هذا الجمع المحتشد، وسألهم عما يريدون. فقالوا: «نريد أن تحضر ~~اللذين أصدرا هذه الفتوى؛ لنباحثهما أمامك» فقال القاضي لمن يخاطبه: ~~«اصرفوا هؤلاء الجموع ثم نحضرهما ونستمع إلى مجادلتكم معهم»، ولكن أحدا لم ~~ينصرف، بل التفوا جميعا حول القاضي وقالوا له: ~~«ماذا تقول أنت في هذه الفتوى؟» # وخشي القاضي بأس المتظاهرين، فأنكر الفتوى وقال: «هي باطلة»، غير أنهم لم ~~يقنعوا بهذا الإنكار الشفوي، وطلبوا منه أن يسجل إنكاره هذا كتابة، ولكن ~~القاضي لم يكن ms072 يعني ما يقول وإنما هو أراد أن يتخلص من هؤلاء الثائرين ~~المتظاهرين؛ لهذا لم يلبث أن انتحل عذرا آخر، فقال لهم: «إن الوقت قد ضاق ~~والشهود قد خرجوا، فلنترك ذلك إلى غد.» # عند ذلك اشتدت ثورة المتظاهرين، وكان الترجمان هو الذي ينقل الحديث بينهم ~~وبين القاضي (فقد كان القاضي تركيا لا يفهم العربية)، فانقضوا عليه وضربوه، ~~وانتهز القاضي الفرصة ففر هو وحريمه، ولم يترك الناس نائب القاضي حتى كتب لهم ~~حجة بصواب رأي الواعظ وخطأ رأي الشيخين: النفراوي والخليفي. # ولم تنته الفتنة عند هذا الحد؛ فقد ذهب الناس بعد ذلك بأيام إلى مسجد المؤيد؛ ~~ليحضروا درس وعظهم فلم يجدوه، وسرت شائعة أن القاضي منعه من الوعظ! يقول ~~الجبرتي: «فقام رجل منهم وقال: أيها الناس، من أراد أن ينصر الحق فليقم معي، ~~فتبعه الجمع الغفير، فمضى بهم إلى مجلس القاضي، فلما رآهم القاضي ومن في ~~المحكمة طارت عقولهم من الخوف، وفر من بها من الشهود ولم يبق إلا القاضي، ~~فدخلوا عليه، وقالوا له: أين شيخنا؟ # فقال: لا أدري. # فقالوا له: قم واركب معنا إلى الديوان، ونكلم الباشا في هذا الأمر، ونسأله أن ~~يحضر لنا أخصامنا الذين أفتوا بقتل شيخنا، ونتباحث معهم، فإن أثبتوا دعواهم نجوا ~~من أيدينا وإلا قتلناهم. # فركب القاضي معهم مكرها، وتبعوه من خلفه وأمامه إلى أن طلعوا إلى ~~الديوان، فسأله الباشا عن سبب حضوره في غير وقته، فقال: انظر إلى هؤلاء الذين ~~ملئوا الديوان والحوش، فهم الذين أتوا بي. # وعرفه عن قصتهم.» # وهال الباشا ما رآه من تجمع الناس وغضبهم، وخشي شرهم إن هو عارض رأيهم، ~~فأصدر أمره بأن يحضر الشيخان لمناقشة الواعظ، وخرج الناس فأحضروا شيخهم وأجلسوه ~~على كرسي وعظه بجامع المؤيد، واتفق معهم على أن يأتوه بالشيخين في اليوم التالي؛ ~~ليذهبوا جميعا إلى القاضي، ويناقشوا الأمر أمامه. # غير أن الباشا لم يكن جادا في أمره، وإنما هو أراد أن يتقي شرهم، فلما ~~خرجوا أرسل رسالة إلى إبراهيم بك وقيطاس بك «يعرفهم ما حصل وما فعله العامة ms073 ~~من سوء الأدب، وقصدهم تحريك الفتن، وتحقيرنا نحن والقاضي» وختم رسالته بتهديد ~~الأميرين بأنه سيغادر مصر هو والقاضي إن لم يعملا على وضع حد لهذه الفتنة، ~~قال: «وقد عزمت أنا والقاضي على السفر من البلد.» # وأدرك الأمراء المماليك خطورة الموقف، فأصدروا أمرهم بنفي الواعظ خارج مصر، ~~وتفرق أنصاره، فقد صدر الأمر أيضا إلى الأغا «أن يركب، ومن رآه منهم قبض ~~عليه، وأن يدخل جامع المؤيد، ويطرد من يسكنه من السقط.» # وهكذا شهدت مصر أول حركة إصلاحية في القرن الثامن عشر، ولكنها لم تدم إلا ~~أياما قليلة، ولم يكتب لها النجاح؛ فإن المجتمع المصري لم يكن مستعدا بعد ~~لتقبل هذه الدعوى، ومن المؤسف حقا أن الجبرتي لم يزدنا علما بها، فلم يذكر ~~لنا اسم هذا الواعظ أو شيئا من سيرته: أين نشأ؟ وأين تعلم؟ ومن شيوخه؟ وكيف ~~كان نوع ثقافته؟ وبمن تأثر في دعواه؟ هل كان كخلفه ابن عبد الوهاب متأثرا ~~بآراء ابن تيمية أو كانت حركته رد فعل طبيعيا لما كان يراه في القاهرة وغيرها من ~~مدن مصر من انتشار للبدع والشعوذة والخرافات؟ كل ذلك لا نعلم عنه شيئا! ~~(3) الظاهرة الثالثة: نهضة ثقافية تلقائية # أما الظاهرة الثالثة فكانت تمثلها نهضة ثقافية علمية، بدأت تباشيرها تظهر في مصر ~~في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت هذه النهضة تلقائية، بمعنى أنها نبتت نباتا ~~داخليا في مصر، ولم تكن متأثرة بأي مؤثر خارجي شرقي أو غربي، وكان يمثلها مجموعة ~~من رجال الفكر المصريين لم تعرف مصر شبيها لهم في القرون الثلاثة السابقة؛ ففي ~~ميدان الدراسات الرياضية والفلكية ظهر الشيخ حسن الجبرتي، وفي ميدان الشعر والنثر ~~ظهر رجال كالشيخ محمد الشبراوي والشيخ حسن العطار - وقد وليا مشيخة الأزهر - والشيخ ~~إسماعيل الخشاب، وفي التاريخ ظهر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وفي ميدان الدراسات ~~اللغوية والدينية ظهر السيد محمد مرتضى الزبيدي، وكان من الممكن أن تسير هذه النهضة ~~في طريقها وتتطور تطورا طبيعيا، وأغلب الظن أن هذا التطور كان سيأخذ شكلا ~~بعثيا إحيائيا، بمعنى أن هذه النهضة كانت ms074 ستعمل على بعث أمجاد الماضي العلمية، ~~ونشر التراث القديم. # غير أن النهضة التلقائية أصيبت بقطع أو انفصال وقتي عند مجيء الحملة الفرنسية ~~إلى مصر؛ فقد أتى مع الحملة عدد من العلماء الفرنسيين، وكان هؤلاء العلماء، بل كانت ~~الحملة كلها تحمل معها إلى مصر مظاهر نهضة علمية مختلفة عن مظاهر النهضة المصرية ~~اختلافا بينا في كل شيء. وزار نفر من العلماء المصريين المعهد الذي أنشأه العلماء ~~الفرنسيون في القاهرة، وزاروا المكتبة والمطبعة، وبهرهم ما رأوا، وبدءوا يفكرون ~~ويقارنون بين ما في أيديهم من علم وما في أيدي هؤلاء الفرنسيين من علم. # 2 # وجلت الحملة عن مصر وحدثت اضطرابات، واستقر الأمر لمحمد علي واليا على مصر، ~~وأدرك النظام الجديد أنه لا بد من النقل عن الغرب إذا كانت مصر تريد نهضة حقيقية ~~تساير بها العالم، وفتحت المدارس الجديدة، وأرسلت البعثات إلى أوروبا، ووقفت ~~حركة التأليف مؤقتا؛ لتبدأ حركة الترجمة، # 3 # ولتستمر طوال عصر محمد علي. # وخير من يمثل هذه النهضة الفكرية الثقافية الجديدة في مصر هو السيد محمد مرتضى ~~الزبيدي، وخير من يمثلها في الشام هو الشيخ عبد الغني النابلسي، وسنحاول فيما يلي ~~أن نرسم صورة لسيرة كل واحد منهما، ولجهوده العلمية. # الفصل الثالث # | السيد محمد مرتضى - الحسيني الزبيدي # 1145-1205ه/1732-1791م ~~(1) السيد محمد نموذج المواطن المسلم في عصره # رسم له تلميذه عبد الرحمن الجبرتي في مفتتح ترجمته له صورة جامعة مانعة، فقال: هو ~~«شيخنا علم الأعلام، والساحر اللاعب بالأفهام، الذي جاب في اللغة والحديث كل فج، ~~وخاض من العلم كل لج ... الرحالة النسابة، الفقيه المحدث، اللغوي النحوي الأصولي، ~~الناظم الناثر، الشيخ أبو الفيض، السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق، الشهير ~~بمرتضى، الحسيني الزبيدي.» # والحقيقة أن السيد مرتضى خير نموذج يمثل ثقافة العالم الإسلامي في عصره، تلك ~~الثقافة التي كان قوامها الدراسات اللغوية والدينية بجميع فروعها؛ فهو - كما نص ~~الجبرتي - لغوي ونحوي، وناظم وناثر، وهو فقيه ومحدث، وأصولي ونسابة، وهو بعد هذا ~~كله رحالة، يذرع البلاد الإسلامية طولا وعرضا في طلب ms075 العلم، وتلك كانت كذلك شيمة ~~معظم العلماء المسلمين في عصره، وفي الأعصر السابقة. # ولكنه امتاز عن علماء عصره بميزات كثيرة؛ فكان متوقد الذهن شديد الذكاء غزير ~~العلم متعدد الثقافة، دءوبا على العمل وافر الإنتاج، وقد حاول أن يخرج بدروسه ~~ومؤلفاته عن منطقة الجمود الفكري التي سادت العصر، وأن يجدد فيما يقول وفيما ~~يكتب، ولكنه كان في تجديده سلفيا، وما كان يستطيع أن يكون غير ذلك، فكان يحاول أن ~~يحيي طريقة السلف الصالح في دراسة الحديث، كما بدأ يختار لدروسه كتبا من الأصول ~~الهامة التي كتبت في العصور السابقة المزدهرة. وكان السيد مرتضى إلى هذا مدرسا ~~ناجحا كأحسن ما يكون المدرس الناجح، يجيد التعبير ويحسن العرض والشرح والمناقشة، ~~فكان - كما وصفه تلميذه الجبرتي بحق - «علم الأعلام، والساحر اللاعب ~~بالأفهام.» # والسيد مرتضى يعتبر مرة أخرى خير نموذج للمواطن المسلم؛ فقد كان العالم الإسلامي ~~إلى عصره - وقبل أن يفتته الاستعمار الأوروبي إلى دول متفرقة - يعتبر وطنا ~~واحدا، وكان أي مواطن - وخاصة إذا كان عالما - يستطيع أن ينتقل من بلد إلى بلد ~~دون حرج؛ فقد يولد العالم في إقليم، ويتلقى العلم في إقليم ثان، ويعيش في إقليم ~~ثالث، ثم يموت في إقليم رابع، فهو يلقى الترحاب في كل هذه الأقاليم؛ لأنها جميعا ~~تكون الوطن الإسلامي الأكبر. # هكذا كان السيد محمد؛ فهو - كما يصفه الكتاني في فهرس الفهارس: «واسطي عراقي ~~أصلا، هندي مولدا، زبيدي علما وشهرة، مصري إقامة ووفاة ، حنفي مذهبا، قادري ~~إرادة، نقشبندي سلوكا، أشعري عقيدة.» # فأسرة الزبيدي عراقية الأصل من مدينة واسط، ثم ارتحلت إلى الهند، والرحلة ~~المتبادلة بين الهند الإسلامية والبلاد العربية - وخاصة العراق والجزيرة العربية - لم ~~تكن شيئا غريبا في تلك العصور، ولا نعرف متى رحلت هذه الأسرة، ولكننا نعرف أنها ~~استقرت في «بلجرام» وهي قصبة على خمسة فراسخ من قنوج وراء نهر الجانج، وبها ولد ~~صاحبنا محمد في سنة 1145ه/1732م. # وكانت أسرته أسرة علم؛ فإن من جدوده من كان قطبا، ومنهم من كان وليا ~~صالحا، ومنهم من كان محدثا كبيرا، ms076 فقد قال الكتاني في التعريف به: ~~«... محمد بن أبي الغلام محمد، ابن القطب أبي عبد الله محمد، ابن الولي الصالح ~~الخطيب أبي الضياء محمد، ابن عبد الرزاق الحسيني، من قبيل أبي عبد الله محمد المحدث ~~الكبير ...» ~~(1-1) دراسته الأولى في الهند وتتلمذه لشاه ولي الله # وفي الهند تلقى السيد محمد دروسه الأولى، فتتلمذ على المحدث محمد فاخر ~~الألهابادي، وعلى العالم المصلح المجدد شاه ولي الله دهلوي، فسمع عليه الحديث ~~وأجازه. # لقد كانت في الهند حينذاك نهضة دينية تجديدية، يتزعمها شاه ولي الله، # 1 # فقد كان المذهب الحنفي هو المذهب المعتمد عند مسلمي الهند، وكانت ~~كتب هذا المذهب تؤخذ على علاتها، لا يجرؤ أحد على معارضتها أو مناقشتها، ولكن ~~شاه ولي الله درس المذاهب المختلفة، ولم يرضه هذا الجمود وهذا التقليد ~~الأعمى، فبدأ يدعو مواطنيه إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، وإلى ترك التقليد ~~الجامد، وأن ينظروا إلى أقوال الفقهاء بعين البحث والتحقيق، وشرح لهم مسألة ~~الاجتهاد والتقليد، وأسباب اختلاف المجتهدين، وكان في دعواه وفي دروسه وفي ~~مؤلفاته يسعى دائما للتوفيق بين مذاهب الأئمة، فإن تعذر عليه ذلك أخذ ما ~~يوافق الأحاديث الصحيحة، ورجحه على غيره، وقد طبق طريقته هذه تطبيقا ناجحا ~~في كتابه الرائع: «حجة الله البالغة»، وفي كتيبه الصغير: «الإنصاف في بيان ~~أسباب الاختلاف». # كان لتلمذة الزبيدي إذن في شبابه الأول على هذا المصلح الكبير أثر جد خطير في ~~تكوينه الفكري؛ فقد تأثر به وبطريقته وبمنهجه، وعني كما عني أستاذه بالحديث، ~~وتعمق في دراسته ودراسة كل العلوم المتصلة به؛ من أنساب ولغة، وفقه ~~وأصول. ~~(1-2) أساتذته في زبيد وبلاد العرب # وغادر السيد محمد الهند إلى اليمن في سن مبكرة، وأغلب الظن أنه قام برحلته ~~هذه وهو في الخامسة عشرة من عمره أو نحوها؛ فإن من ترجموا له ذكروا أنه اجتمع ~~بالشيخ عبد الله الميرغني أول مرة في مكة سنة 1163ه، أي وهو في الثامنة عشرة، ~~وفي اليمن استقر السيد محمد في مدينة زبيد، وكانت زبيد منذ فجر الإسلام مركزا ~~من ms077 أهم المراكز العلمية، نبغ فيها عدد من كبار العلماء، وإليها ينتسبون. # 2 # كانت زبيد المدرسة الثانية التي أكمل فيها السيد محمد دراساته؛ فقد أخذ عن ~~الكثيرين من علمائها، وخاصة أستاذه العالم اللغوي رضي الدين عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي الزبيدي، ومنذ هذه المرحلة بدأ ينضم إلى سلسلة العلماء المنتسبين ~~إلى زبيد، فلم ينسب إلى موطن أسرته العراق، ولم ينسب إلى موطنه الثاني ~~الذي ولد فيه؛ الهند، وإنما نسب إلى موطنه العلمي الذي أتم فيه دراسته، ~~وأصبح يعرف بعد ذلك بالسيد محمد مرتضى الزبيدي. # وكان السيد محمد أثناء مقامه في زبيد دائم التردد على الحجاز؛ بغية القيام ~~بفريضة الحج، وللأخذ عن علماء مكة والمدينة، وقد كان الحجاز يعج في ذلك الوقت ~~بالعلماء الوافدين إليه من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وكان الكثيرون منهم ~~يؤثرون المجاورة والاستقرار هناك، وعدم العودة إلى أوطانهم. # وقد تتلمذ الزبيدي على مشاهير هؤلاء العلماء، حتى إن الكتاني يذكر أن شيوخه في ~~هذين القطرين - اليمن والحجاز - يزيدون على ثلاثمائة، وقال هو عن نفسه في ~~ألفيته: # وقل أن ترى كتابا يعتمد # إلا ولي فيه اتصال بالسند # أو عالما إلا ولي إليه # وسائط توقفني عليه # وقد أشار الجبرتي إلى بعضهم وهم: الشيخ عبد الله السندي، والشيخ عمر بن أحمد ~~بن عقيل المكي، والشيخ عبد الله السقاف، والمسند محمد بن علاء الدين المزجاجي ... ~~إلخ. # وإذا كان الزبيدي قد تلقى العلم عن هذا العدد الكبير من العلماء فإنه لم ~~يتأثر في تكوينه العلمي إلا بعدد قليل منهم، وإلى هذه القلة يرجع الفضل في ~~توجيهه إلى الدراسات التي فرغ لها وشغف بها، وصرف بقية حياته وخلاصة جهوده ~~لإتقانها والتأليف فيها. # من هؤلاء العلماء العالم اللغوي أبو عبد الله محمد بن الطيب الفاسي، ذكره ~~الزبيدي في مقدمته لتاج العروس عند تعداد من سبقه من العلماء الذين شرحوا ~~القاموس، وقرظ شرحه وقال: إنه كان عمدته ومرجعه في هذا الفن، قال: ~~«ومن أجمع ما كتب عليه (أي القاموس) مما سمعت ورأيت: شرح شيخنا الإمام اللغوي ~~أبي ms078 عبد الله محمد بن الطيب بن محمد الفاسي، المتولد بفاس سنة 1110ه، ~~والمتوفى بالمدينة المنورة سنة 1170ه، وهو عمدتي في هذا الفن، والمقلد جيدي ~~العاطل بحلي تقريره المستحسن، وشرحه هذا عندي في مجلدين ضخمين ...» # ومنهم العالم اللغوي المحدث رضي الدين عبد الخالق بن أبي بكر المزجاجي ~~الزبيدي، ذكره السيد مرتضى في مقدمة التاج عند تعداد الأسانيد التي تصل بينه ~~وبين مؤلف القاموس، قال: «حدثنا شيخنا الإمام الفقيه اللغوي رضي الدين عبد ~~الخالق بن أبي بكر الزين بن النمري المزجاجي الزبيدي الحنفي، وذلك بمدينة زبيد - ~~حرسها الله تعالى - بحضور جمع الفقهاء بقراءتي عليه قدر الثلث، وسماعي له فيما ~~قرئ عليه في بعض منه ... إلخ» ثم ينقل الإسناد بعد ذلك من شيخ إلى شيخ إلى أن ~~يصل إلى مؤلف القاموس. # ومنهم العالم الصوفي الكبير السيد عبد الله الميرغني، وقد ترجم له الجبرتي، ~~فذكر أنه ولد بمكة وبها نشأ، وحضر دروس بعض علمائها، واجتمع بقطب زمانه السيد ~~يوسف المهدلي، فانتسب إليه ولازمه، وتفرغ بعد ذلك للعبادة، وكانت له كرامات ~~كثيرة، وقد اجتمع به السيد مرتضى عند زيارته الأولى لمكة سنة 1163ه، فأعجب به ~~ولازمه وأخذ عنه، وطلب منه الإجازة وإسناد كتب الحديث. # وقد حدث خلاف بين السيد عبد الله ميرغني وبين أهل مكة في سنة 1166ه فآثر أن ~~يترك مكة، وانتقل إلى الطائف بأهله وعياله، وألف في هذا الحادث كتابه: «السهم ~~الراحض في نحر الرافض». # وفي هذه السنة خرج الزبيدي من اليمن قاصدا الحجاز، ولكنه في هذه المرة لم يقم ~~بمكة، وإنما اتجه إلى الطائف لزيارة أستاذه السيد عبد الله، ولازمه هناك مدة ~~أخرى، ويقول الجبرتي: إنه قرأ عليه في هذه المرة كتبا في الفقه وكثيرا من ~~مؤلفاته، وأجازه. # وقد توفي السيد عبد الله # 3 # في سنة 1207ه/1792-1793م، وهو جد السيد محمد عثمان الميرغني مؤسس ~~الطريقة الميرغنية التي انتشرت بعد ذلك في مصر والسودان والحبشة خلال القرن ~~التاسع عشر. # وللسيد عبد الله مؤلفات كثيرة، ذكرها الجبرتي في ترجمته له، ومن بينها كتاب ~~شرحه ms079 الزبيدي فيما بعد، قال الجبرتي: «ومن مؤلفاته: فرائض واجبات الإسلام ~~لعامة المؤمنين، وشرحها شيخنا المذكور (أي الزبيدي) شرحا نفيسا.» # وكان السيد مرتضى أكثر تأثرا في هذه الفترة بشيخه وأستاذه الشيخ عبد الرحمن العيدروس. # 4 # والعيدروس من أكبر علماء القرن الثامن عشر، ويجمع بينه وبين الزبيدي أوجه شبه ~~كثيرة؛ فإن أسرته بعضها كان يسكن الهند وبعضها يقيم في اليمن، ومن جدوده من ~~كان خطيبا أو وليا صالحا، ولبعضهم مقامات ومزارات في الهند، وقد ولد عبد الرحمن في تريم ببلاد اليمن، وبها نشأ ودرس، ثم سافر إلى الهند في صحبة والده ~~في سنة 1153ه، فزار كثيرا من مدنها، وأقام هناك نحو عشر سنوات، ثم عاد إلى مكة ~~وزار الطائف، ورحل إلى مصر، فأحسن أهلها استقباله، وزار بعد ذلك دمشق، ونزل هناك ~~ضيفا على أسرة المرادي المشهورة. # وفي سنة 1191ه زار الأستانة، فلقي إقبالا وترحيبا، ورتبت له الدولة راتبا ~~يصرفه في مصر، ومر في طريق عودته بمدينة صيدا حيث تعرف على واليها أحمد ~~باشا الجزار، ثم عاد إلى مصر التي اتخذها دار مقام، وتعددت رحلاته إلى مدن ~~الصعيد والوجه البحري، وحج سبع عشرة مرة، وتوفي بالقاهرة. # وصفه المرادي بأنه «الأستاذ العارف الكامل العالم العامل، أحد الأولياء ~~الراسخين والأصفياء العارفين، العلامة الحبر النحرير، صاحب الكرامات والمكاشفات ~~مربي المريدين ومرشد السالكين، قطب العارفين أبو الفضل وجيه الدين.» # وللعيدروس مؤلفات كثيرة، معظمها في الشعر أو التصوف، وأهمها: منظومة سماها: ~~«العرف العاطر، في معرفة الخواطر، وغيرها من الجواهر» وله شرح عليها، و«فتح ~~الرحمن، بشرح صلاة أبي الفتيان»، ورسالتان في الطريقة النقشبندية، وديوان شعر ~~سماه «ترويح البال، وتهييج البلبال»، وديوان شعر آخر سماه «تنميق الأسفار»، وقد ~~روى فيه ما جرى له مع إخوان الأدب في أسفاره المختلفة. ~~(1-3) سفره إلى مصر # وقد لازم الزبيدي شيخه العيدروس أثناء زياراته لمكة ومقامه بها، وقرأ عليه ~~مختصر السعد وطرفا من الإحياء، وألبسه الخرقة، وأجازه بمروياته. # قال الزبيدي: «وهو الذي شوقني إلى دخول مصر بما وصفه لي من علمائها ~~وأمرائها وأدبائها، وما ms080 فيها من المشاهد الكرام، فاشتاقت نفسي لرؤياها، وحضرت ~~مع الركب، وكان الذي كان.» # وكان حضوره إلى مصر في التاسع من صفر سنة 1167ه، وسكن بخان الصاغة. # يقول الجبرتي: وكان «أول من عاشره وأخذ عنه السيد علي المقدسي الحنفي من ~~علماء مصر، وحضر دروس أشياخ الوقت؛ مثل الشيخ: أحمد الملوي، والجوهري، والحفني، ~~والبليدي، والصعيدي، والمدابغي، وغيرهم، وتلقى عنهم، وأجازوه وشهدوا بعلمه وفضله ~~وجودة حفظه.» # واتصل السيد محمد مرتضى بأعيان مصر وكبار رجالها وأمرائها، «واعتنى بشأنه ~~إسماعيل كتخدا عزبان ووالاه بره، حتى راج أمره، وترونق حاله، واشتهر ذكره عند ~~الخاص والعام، ولبس الملابس الفاخرة، وركب الخيول المسومة.» # وبدأ السيد محمد - مدفوعا بحبه للرحلة، ونهمه للاستزادة من العلم - يتنقل ~~في أنحاء مصر، فسافر إلى الصعيد ثلاث مرات، واجتمع بأكابر أعيانه وعلمائه، ~~وأكرمه شيخ العرب همام، وأولاد نصير، وأولاد وافي، وهادوه وبروه. وارتحل كذلك ~~إلى مدن الوجه البحري الكبرى، فزار دمياط، ورشيد، والمنصورة، وغيرها من المدن التي ~~كانت عامرة بالعلماء، حافلة بحلقات العلم، واجتمع بشيوخ هذه المدن وعلمائها ~~وأصحاب الطرق فيها، وتلقى عنهم وأخذوا عنه، وأجازوه وأجازهم، قال الجبرتي: ~~«وصنف عدة رحلات في انتقالاته في البلاد القبلية والبحرية، تحتوي على لطائف ~~ومحاورات ومدائح نظما ونثرا، لو جمعت كانت مجلدا ضخما.» # جاب الزبيدي في مصر جنوبا وشمالا، وتعرف على من بها من العلماء، وحضر ~~حلقات الدرس، وأخذ عن مشاهيرهم وأخذوا عنه، وتعرف عليه الأمراء والأعيان ~~وشيوخ العرب وبروه وأكرموه، ووجد بهذا كله ضالته في مصر، فردد قول الشاعر ~~القديم: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر ~~(1-4) زواجه # وقر رأيه على البقاء في مصر، ورأى أنه لكي يحيا حياة هادئة مستقرة؛ لا بد أن ~~يتأهل، فتزوج من سيدة مصرية فاضلة، اسمها زبيدة، واتخذ له بعد الزواج سكنا ~~جديدا في عطفة الغسال، مع احتفاظه بسكنه القديم بوكالة الصاغة، فهذا السكن ~~القديم قريب من الأزهر، حي المساجد والمدارس، والعلم والعلماء. # ولم يذكر هو ولم يذكر من ترجموا له شيئا عن الأسرة التي تزوج منها ms081 أو عن ~~تاريخ زواجه، ولكنني أرجح أن هذا الزواج تم حوالي سنة 1174ه، أي بعد وصوله إلى ~~مصر بنحو سبع سنوات؛ فإنه يذكر أنه أتم شرح القاموس في سنة 1188ه، وأنه قضى في ~~شرحه أربعة عشر عاما، وما كان الزبيدي يستطيع أن يتم عملا علميا شاقا ~~كهذا إلا إذا كان يحيا حياة منظمة هادئة مستقرة، أي بعد زواجه، وخاصة أنه كان ~~موفقا في زواجه؛ فقد رزق زوجة يحبها وتحبه، وتبذل قصارى جهدها للحدب عليه ~~وتوفير وسائل الراحة له، كما نص على ذلك هو في الشعر الكثير الذي رثاها ~~به. ~~(1-5) شرح القاموس # بدأ الزبيدي إذن عمله العلمي الضخم - وهو شرح القاموس - حوالي سنة 1174ه، وقد ~~دفعه إلى هذا العمل ما شاهده من رغبة العلماء في فهمه، وما أحسه من حاجتهم - ~~وخاصة علماء الحديث - إلى الاستعانة به في دروسهم ودراساتهم، يقول في مقدمته: ~~«فلما آنست من تناهي فاقة الأفاضل إلى استكشاف غوامضه والغوص على مشكلاته، ولا ~~سيما من انتدب منهم لتدريس علم غريب الحديث، وإقراء الكتب الكبار من قوانين ~~العربية في القديم والحديث، فناط به الرغبة كل طالب، وعشا ضوء ناره كل مقتبس، ~~ووجه إليه النجعة كل رائد ... قرعت ظنبوب اجتهادي، واستسعيت يعبوب اعتنائي في ~~وضع شرح عليه ممزوج العبارة، جامع لمواده بالتصريح في بعض وفي بعض بالإشارة ~~...» # ولم يكن العمل في شرح القاموس يسيرا؛ فقد كانت اللغة العربية قد غدت ~~غريبة - أو كالغريبة - في مجتمع يحكمه الأتراك، وفي وقت تدهورت فيه اللغة العربية، ~~وسادتها اللكنة، وكثر فيها استعمال العامي والحوشي والغريب. # ولذلك فهو يقول في مقدمته: «وقد جمعته في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته ~~كما صنع نوح - عليه السلام - الفلك وقومه منه يسخرون.» # تسامع الناس في مصر إذن أن الزبيدي يضع شرحا كبيرا للقاموس، فسخروا منه؛ ~~لأنه عمل ضخم يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ولكن الرجل كان ذا همة عالية، فرسم ~~خطة العمل، وبدأ يجمع مكتبة البحث وهي - كما قدر - مكتبة ضخمة كان لا بد أن ~~تضم معاجم ms082 اللغة السابقة كلها؛ كالصحاح للجوهري، واللسان للفيروزآبادي، ~~والجمهرة لابن دريد، والمخصص والمحكم لابن سيده، والتهذيب للأزهري، وفصيح ثعلب، ~~والأساس والفائق للزمخشري، وإصلاح المنطق لابن السكيت، والخصائص لابن جني، ~~والمجمل لابن فارس، والمعرب للجواليقي ... إلخ. # وجمع إلى جانب هذه المعاجم كتب التاريخ والحديث والإسناد، والأنساب والرجال ~~والتراجم، وكتب الجغرافية والرحلات ونظم الحكم، وكتب الطب والحيوان والنبات، ~~ودواوين الشعر، وقد أثبت الزبيدي أسماء هذه المراجع في مقدمة شرح القاموس، ومن ~~أهمها: معجم البلدان لأبي عبيد البكري، ومعجم الصحابة لتقي الدين بن فهد، ~~والذيل على إكمال الإكمال لأبي حامد الصابوني، وتاريخ دمشق لابن عساكر، وتاريخ ~~بغداد للخطيب البغدادي، وطبقات الشافعية للسبكي، والتكملة لوفيات النقلة ~~للمنذري، ولباب الأنساب للسيوطي، وشرح مقامات الحريري للشريشي، والوافي ~~بالوفيات للصفدي، وتاريخ الإسلام للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير، والطالع ~~السعيد للإدفوي، وقوانين الدواوين لابن مماتي، ومختصره لابن الجيعان، والخطط ~~للمقريزي، وجمهرة الأنساب لابن حزم، وكتاب النبات لأبي حنيفة الدينوري ... إلخ ... ~~إلخ، وهي قائمة طويلة، إن دلت على شيء فإنما تدل على ثقافة الزبيدي الواسعة ~~المتعددة الألوان، وعلى معرفته الوثيقة بالمكتبة العربية، وبالمراجع الأصيلة ~~الهامة. # ولم يكن جمع هذه المكتبة بالأمر اليسير؛ فقد كانت هذه المراجع ضاعت وتبعثرت ~~مذ قلت عناية القوم بها، يؤيدنا في رأينا هذا الجبرتي، معاصر الزبيدي ~~وتلميذه؛ فقد أشار في مقدمة تاريخه إلى أمهات الكتب التاريخية التي ألفت ~~قبل عصره، ثم قال: «وهذه صارت أسماء من غير مسميات؛ فإنا لم نر من ذلك كله ~~إلا بعض أجزاء مدشتة، بقيت في خزائن كتب الأوقاف بالمدارس مما تداولته أيدي ~~الصحافين، وباعها القومة والمباشرون ، ونقلت إلى بلاد المغرب والسودان، ثم ذهبت ~~بقايا البقايا في الفتن والحروب، وأخذ الفرنسيس ما وجدوه إلى بلادهم ... ~~إلخ.» # ومع هذا لم يأل الزبيدي جهدا في جمع هذه البقايا، فكان لا يبخل بمال في سبيل ~~شراء الكتب أو استنساخها # 5 # حتى استطاع أن يكون لنفسه مكتبة خاصة غنية كبيرة، ولكنه كان إذا ~~أعجزه الحصول على كتاب ما، سعى للاطلاع عليه في مكتبات المساجد والمدارس، وقد ms083 ~~أشار في مقدمة التاج إلى الكتب التي قرأها في هذه المكتبات، فقال: إنه اطلع على ~~نسخة من الصحاح للجوهري في خزانة الأمير أزبك، وظفر بنسخة من تهذيب التهذيب ~~لأبي الثناء محمود بن أبي بكر التنوخي - هي مسودة المصنف - في خزانة الأشرف ~~بالعنبرانيين، وعثر على كتابي: العباب والتكملة على الصحاح - وهما للرضي ~~الصاغاني - في خزانة الأمير صرغتمش، ووقف على نسخة من الجمهرة لابن دريد في ~~خزانة المؤيد، وظفر بالمعرب للجواليقي في خزانة الملك الأشرف قايتباي، وبأجزاء ~~من معجم البلدان لياقوت في الخزانة المحمودية ... وهكذا. # وكانت طريقته في شرح القاموس أن يأتي بالمتن، ثم يشرحه ويضيف إليه، معتمدا على ~~المعاجم اللغوية الأخرى، فينتقي منها ما لم يذكره صاحب القاموس ويضيفه إليه، ثم ~~يستعين مرة ثانية بدواوين الشعر، فيستشهد بالأبيات التي تتضمن اللفظ الذي يشرحه، ~~ثم يستعين مرة ثالثة بكتب التاريخ والتراجم، والجغرافيا والرحلات، فيضيف أسماء ~~الرجال وأسماء المواقع والبلدان المتصلة بكل مادة يشرحها. # ثم هو يضيف بعد هذا كله جديدا من عنده، يضعه تحت عنوان «المستدرك»، وهذا ~~الجديد هو في معظمه خلاصة تجاريبه، والمعرفة التي حصلها خلال رحلاته في الهند ~~وبلاد العرب ومصر، وقد يكون هذا المستدرك لفظا علميا يستعمله أهل مصر أو أهل ~~اليمن أو أهل الهند، وقد يكون موقعا أو قرية في قطر من هذه الأقطار، فلهذه ~~المستدركات أهمية كبرى؛ لأنها تتضمن معلومات جديدة انفرد بها الزبيدي، ولا ~~تجدها في مرجع أو في معجم لغوي آخر. # فهو يقول - مثلا - في المستدرك على مادة «كنت»: «ومما يستدرك عليه: ~~كجرات اسم ناحية متسعة بأرض الهند، وتعرف بنهروالته وبأحمد أباد»، وقال في ~~المستدرك على «عرث»: «العرطنيثا أصل شجرة يقال لها: بخور مريم، يغسل به الثياب، ~~وهو رومي ... وهو المعروف بالركفة في مصر»، وقال في المستدرك على حجب: «والمحجب ~~كمعظم: لقب جماعة، منهم شيخنا الصالح الصوفي، صفي الدين أحمد بن عبد الرحمن ~~المخاثي، اشتغل بالحديث وأجازنا»، وقال في المستدرك على «بانب»: ومما يستدرك ~~عليه: بانوب قرية من قرى مصر من إقليم الغربية، ذكرها ابن ms084 الجيعان في كتاب ~~القوانين، والذي في المعجم لياقوت أن بانوب اسم لثلاثة قرى بمصر؛ في الشرقية، ~~والغربية، والأشمونين» ... إلخ. # وأتم الرجل هذا العمل العلمي الضخم الذي تنوء به العصبة أولو القوة من ~~العلماء؛ فإن عملا كهذا تقوم به في عصرنا لجان ولجان، تقضي في إنجازه سنوات ~~وسنوات، ولكن الزبيدي قام به وحده، وأنجزه في أربعة عشر عاما، نص على هذا في ~~مقدمة التاج، قال: «وكان مدة إملائي في هذا الكتاب من الأعوام 14 سنة وأيام، مع ~~شواغل الدهر وتفاقم الكروب بلا انفصام، وكان آخر ذلك في نهار الخميس بين ~~الصلاتين، ثاني شهر رجب سنة 1188ه بمنزلي في عطفة الغسال بخط سويقة المظفر ~~بمصر.» # وأفعمت نفس الزبيدي بالفرح أن وفقه الله لإتمام هذا الشرح، وسماه «تاج ~~العروس من جواهر القاموس»، وأراد أن يشاركه غيره من العلماء هذه الفرحة، ~~فاستن سنة طيبة، وأولم وليمة حافلة في منزله، جمع فيها طلاب العلم وأشياخ ~~الوقت وأطلعهم عليه؛ يقول الجبرتي - وكان حاضرا هذا الحفل: «فاغتبطوا به ~~وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة، وكتبوا عليه تقاريظهم نثرا ~~ونظما.» # ثم ذكر أسماء العلماء الذين قرظوه، وهم صفوة العلماء في مصر في ذلك الوقت؛ ~~فمنهم «شيخ الكل في عصره الشيخ علي الصعيدي»، ومنهم أستاذه السيد عبد الرحمن ~~العيدروس، ومنهم الشيخ أحمد الدردير، والشيخ محمد الأمير، والشيخ حسن الجداوي، ~~والشيخ أحمد البيلي، والشيخ عطية الأجهوري، والشيخ عيسى البراوي، والشيخ محمد ~~الزيات، والشيخ محمد عبادة، والشيخ محمد العوفي، والشيخ حسن الهواري، والشيخ ~~أبو الأنوار السادات، والشيخ علي القناوي، والشيخ علي خرائط، والشيخ عبد القادر ~~بن خليل المدني، والشيخ محمد المكي، والسيد علي المقدسي، والشيخ عبد الرحمن ~~مفتي جرجا، والشيخ علي الشاوري، والشيخ محمد الخربتاوي، والشيخ عبد الرحمن ~~المقري، وكان آخرهم عالما من علماء العراق هو الشيخ محمد سعيد البغدادي ~~السويدي، وقد قرظه نظما ارتجالا، # 6 # وأورد تقريظه هذا الجبرتي في تاريخه. # ولما أتم محمد بك أبو الذهب بناء مسجده المعروف بالقرب من الأزهر ألحق به - ~~كالعادة - خزانة للكتب، ms085 وزودها بعدد كبير من أمهات الكتب، ولم يضن في سبيل ذلك ~~بالمال، وقد حدثه العلماء المقربون إليه عن «تاج العروس» وأطنبوا في مدحه، ~~وعرفوه - كما يقول الجبرتي - «أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها، وانفردت ~~بذلك دون غيرها، ورغبوه في ذلك فطلبه، وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة، ووضعه ~~فيها.» # وكان شيخ السادات الوفائية في ذلك الوقت هو السيد أبو الأنوار ابن وفا، وكان ~~من عادته أن يكني من يحضر مجلسه من العلماء الذين يمتازون بالجد في التحصيل ~~أو النبوغ، وقد كنى السيد المرتضى بأبي الفيض، وكان ذلك في يوم الثلاثاء سابع ~~عشر شعبان سنة 1182ه، وكانت كنية موفقة؛ فقد بدأ السيد مرتضي يفيض على الناس ~~فعلا من علمه، واتجه إلى إحياء الكتب ومناهج الدراسة القديمة، وخاصة في علم ~~الحديث؛ ميدان تخصصه الأول، وحرص - على حد قول الجبرتي - «على جمع الفنون التي ~~أغفلها المتأخرون؛ كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق ~~المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف في ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز ~~جمة.» ~~(1-6) سكنه الجديد في سويقة اللالا # وفي سنة 1189ه كان الزبيدي قد بلغ الرابعة والأربعين من عمره وأصبح رجلا بل ~~كهلا مكتمل الرجولة ناضج الفكر واسع المعرفة، وكان قد مضى عليه في مصر اثنتان ~~وعشرون سنة، فعرفه العلماء والكبراء، وذاع صيته في الأوساط العلمية، وخاصة بعد ~~أن احتفل بالفراغ من شرح القاموس منذ شهور قليلة، فرأى أن ينتقل من عطفة الغسال ~~إلى حي جديد يتناسب ومكانته الجديدة، فانتقل إلى منزل بسويقة اللالا بالقرب من ~~مسجد شمس الدين الحنفي في أوائل سنة 1189ه، وكان هذا الحي عامرا بالأكابر ~~والأعيان، فأحدقوا به، ورحبوا بمقامه بينهم، وأقبلوا على زيارته ومهاداته، وهو ~~يظهر لهم التعفف والغنى، ويعظهم ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى، ويجيزهم بقراءة ~~أوراد وأحزاب، وبهذا الأسلوب وغيره عرف السيد محمد مرتضى أن يستحوذ على ~~إعجاب جيرته من أهل الحي الجديد؛ فقد كان المجتمع القاهري - كما قلنا - تغمره ~~موجة من التصوف، ويكاد كل فرد فيه ينتمي إلى طريقة من الطرق الصوفية، وكان ~~الزبيدي ms086 يلفت النظر إليه كلما مر في الحي؛ فقد كان ربعة، نحيف البدن، ذهبي ~~اللون، متناسب الأعضاء، معتدل اللحية، قد وخطه الشيب في أكثرها، وكان مترفها ~~في ملابسه، ويختلف في هيئته وبزته عن العلماء المصريين، فيعتم - مثل أهل مكة - ~~عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير ~~طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر. # فانجذبت قلوب أهل الحي إليه، وتناقلوا خبره، وترددوا على داره يستمعون إلى ~~دروسه وأحاديثه، فأسرهم بكلامه، وملك عليهم ألبابهم؛ فقد كان كما يقول ~~الجبرتي: «وقورا محتشما، مستحضرا للنوادر والمناسبات، ذكيا لوذعيا، فطنا ~~ألمعيا، روض فضله نضير، وما له في سعة الحفظ نظير»، وكان إلى هذا يعرف ~~اللغتين: التركية والفارسية، وبعض لسان الكرج. ~~(1-7) طريقته في تدريس الحديث # وكانت معظم دروس الزبيدي في هذه الفترة في علوم الحديث، وكان منهجه في ~~التدريس جديدا كذلك، لفت إليه الأنظار، وجذب إليه الأعيان أولا، ثم شيوخ ~~الأزهر ثانيا؛ لأنه أحيا طريقة السلف الصالح في تدريس الحديث، فكان لا يكتفي ~~بإملاء الأحاديث، بل يذكر الأسانيد والرواة والمخرجين، وكان لا يلقي بهذه ~~المعلومات من كتاب في يده، بل يلقيها ارتجالا من حفظه، وعلى طرق مختلفة ~~وبأساليب متباينة، وكان يبدأ كل من يفد عليه للأخذ عنه بأن يملي عليه الحديث ~~المسلسل بالأولين - وهو حديث الرحمة - بروايته ومخرجيه، ثم يكتب له سندا بذلك ~~وإجازة وسماع الحاضرين. # كان هذا أسلوب المحدثين القدامى، وقد نسيه العلماء في العصر العثماني، فنفض ~~عنه الزبيدي الغبار، وأحياه من جديد، فبهر عقول أهل العلم في القاهرة، وسعى إليه ~~شيوخ الأزهر - وهم قادة العلم في وقتهم - يسألونه الإجازة، ولكن الزبيدي كان ~~يرى أن الدراسة الجدية يجب أن ترتفع عن المظاهر والشكليات، فقال لهم: «لا بد من ~~قراءة أوائل الكتب»، فقبلوا واتفق على أن يبدأ معهم درسا يقرأ لهم فيه صحيح ~~البخاري، واختار أن يلقي درسه هذا يومي: الإثنين والخميس من كل أسبوع في ~~جامع شيخون؛ «تباعدا عن الناس.» # يقول الجبرتي: «وتناقل في ms087 الناس سعي علماء الأزهر - مثل الشيخ أحمد السجاعي، ~~والشيخ مصطفى الطائي، والشيخ سليمان الأكراشي، وغيرهم - للأخذ عنه؛ فازداد شأنه ~~وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر ~~والأعيان.» # لم يعد الدرس إذن خاصا بعلماء الأزهر، بل أصبح درسا عاما، وأقبل الناس ~~على سماعه من كل حدب وصوب، ومن كل الطبقات، والتمس الحضور من الشيخ أن لا يكتفي ~~برواية الأحاديث وأسانيدها، بل يشرحها لهم، فأجابهم إلى طلبهم، وانتقل - كما ~~يقول الجبرتي - «من الرواية إلى الدراية» وصار درسا عظيما، فعند ذلك انقطع ~~عن حضوره أكثر الأزهرية، وقد استغنى عنهم هو أيضا، وصار يملي على الجماعة ~~- بعد قراءة شيء من الصحيح - حديثا من المسلسلات أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال ~~سنده ورواته من حفظه، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك، فيتعجبون من ذلك؛ لكونهم لم ~~يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين.» # أصبح الزبيدي بعد هذه الدروس حديث القوم في حي الصليبة والقلعة، بل في ~~الأوساط العلمية كلها في القاهرة، فطلب منه أهل حي الحنفي أن يخصهم بدرس آخر، ~~فأجاب سؤلهم وافتتح درسا جديدا في مسجد الحنفي، كان يقرأ فيه الشمائل بعد ~~العصر في بقية أيام الأسبوع، فارتفعت مكانته، وذاعت شهرته، وأقبل الناس من كل فج ~~لسماع هذه الدروس الجديدة. # وتسابق الصفوة والأعيان على دعوته إلى منازلهم؛ ليأخذوا عنه الحديث هم ~~وأولادهم وأفراد أسراتهم، وكانوا يحتفلون بزيارته احتفالا كبيرا، ويولمون ~~الولائم، وكان هو يضفي على هذه الدروس ما تستحقه من وقار وقداسة، ويتبع ~~أسلوب المحدثين القدامى في ذلك، فيصحب معه خواص الطلبة والمقرئ والمستملي وكاتب ~~الأسماء، ويجلس صاحب المنزل ومعه أصحابه وأحبابه وأولاده، ومن خلف الستائر تجلس ~~بناته ونساؤه، وقد تناثرت في المكان مجامر البخور والعود، والرائحة الزكية تضوع ~~فتملأ المجلس مدة القراءة، ثم يبدأ الشيخ فيقرأ للمجتمعين شيئا من الأجزاء ~~الحديثية؛ كثلاثيات البخاري أو الدارمي، أو بعض المسلسلات، ثم يختمون جميعا ~~الدرس بالصلاة على النبي - # صلى الله عليه وسلم ~~، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين ~~بما فيهم النساء والصبيان والبنات، ويثبت اليوم والتاريخ، ms088 ويكتب الشيخ في ختام ~~هذا السجل أو الإجازة: «صحيح ذلك»، ويوقع باسمه. # وقد ذكر الجبرتي - وكان تلميذا للزبيدي - أنه حضر كثيرا من هذه الدروس، ~~وذكر كذلك أن الشيخ زاد نشاطه، فكان يعقد دروسا أخرى في منزله القديم بخان ~~الصاغة - قريبا من الأزهر، وفي منزلي الجبرتي في الصنادقية وبولاق، وأنه كان ~~يخرج في بعض الأحيان مع نفر من تلاميذه المقربين إلى المتنزهات والأماكن ~~الخلوية، مثل غيط المعدية أو الأزبكية، حيث يعقد لهم دروسا في الهواء الطلق ~~يقرأ عليهم فيها بعض الأجزاء الحديثية. ~~(1-8) السيد محمد عالم من أعلام الفكر في مصر والعالم الإسلامي # وأقبلت الدنيا على الشيخ؛ فقد تجاوزت شهرته الأوساط العلمية إلى أوساط الأمراء ~~والحكام، فانجذب إليه بعض الأمراء الكبار؛ مثل مصطفى بك الإسكندراني، وأيوب بك ~~الدفتردار، وسعوا إليه في منزله؛ لحضور دروسه، وقدموا إليه الهدايا الجزيلة، ~~وعندما حضر الرئيس عبد الرزاق أفندي من الديار الرومية إلى مصر، وسمع بالزبيدي ~~ذهب لزيارته والتمس منه الإجازة، وطلب أن يقرأ عليه مقامات الحريري، فأجابه إلى ~~طلبه، وكان يحضر عنده بعد درس شيخون، فيقرأ معه المقامات ويشرح له معانيها ~~وألفاظها. # ولما حضر إلى مصر محمد باشا عزت الكبير في سنة 1191ه أكرمه ودعاه إلى القلعة، ~~وخلع عليه فروة سمور، ورتب له تعيينا من كلاره؛ من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، ~~كما رتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين، وغلالا من الأنبار، ثم أرسل إلى ~~الأستانة تقريرا يعرف فيه الدولة ورجالها بالشيخ ومكانته، فأتاه مرسوم بمرتب ~~جزيل بالضربخانة، وقدره مائة وخمسون نصفا فضة في كل يوم. # أصبح السيد محمد مرتضى بعد سنة علما من أعلام الفكر والعلم، لا في مصر ~~وحدها ، بل في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولا في أوساط العلماء وحسب، بل في ~~أوساط الحكام والأمراء والملوك في مختلف الدول الإسلامية، فطلبه السلطان عبد ~~الحميد للذهاب إلى عاصمة الخلافة في سنة 1194ه، فأجاب، ثم امتنع. # يقول الجبرتي: «وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام ~~والبصرة والعراق، وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد ms089 البعيدة، وكثرت ~~عليه الوفود من كل ناحية.» # وأصبح الشيخ يعيش في بحبوحة من العيش، فاشترى الجواري وأولم الولائم للضيوف ~~وأكرم الوافدين عليه، وأصبح بيته محجة يحج إليها كل الواردين والوافدين على ~~مصر من أنحاء العالم الإسلامي، ومصر بحكم مركزها المتوسط يكثر بها الوارد ~~والوافد من الشرق ومن الغرب؛ للزيارة أو للتجارة، أو في الطريق إلى الحج، وكان ~~هؤلاء جميعا يحملون للسيد الهدايا والصلات من الطرف الغريبة الموجودة في كل ~~إقليم، وكان السيد بدوره يرسل الطرف من هدايا كل إقليم إلى الإقليم الذي لا ~~توجد فيه، فيأتيه في مقابلها أضعافها؛ فقد أهدي إليه مرة أغنام من إقليم ~~فزان، وهي - كما وصفها الجبرتي - «عجيبة الخلقة عظيمة الجثة، يشبه رأسها رأس ~~العجل»، فأرسل منها إلى أولاد السلطان عبد الحميد، فأعجبوا بها ~~كثيرا. # وكان أهل كل إقليم يهادونه بأغرب وأجمل ما في إقليمهم، فكانت تأتيه من ~~السودان الطيور والببغاوات والجواري والعبيد، وكان يأتيه من الهند واليمن ماء ~~الكاري والمربيات، والعود والعنبر والعطر بالأرطال. ~~(1-9) اعتقاد المغاربة والمشارقة في ولايته # وكان أهل المغرب أكثر الناس حبا له وتعلقا به واعتقادا فيه؛ يقول ~~الجبرتي: «وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى، حتى إن أحدهم إذا ورد إلى مصر ~~حاجا ولم يزره ولم يصله بشيء، لا يكون حجه كاملا!» # وقد بلغ السيد محمد هذه المكانة في قلوب المغاربة؛ لذكائه ورقته في معاملتهم ~~وحسن ضيافته لهم، فكان إذا زاره واحد منهم سأله عن اسمه وأهله وبلده، ومكان سكنه ~~... إلخ، وحفظ هذا كله أو سجله عنده، فإذا ورد عليه بعد ذلك زائر آخر له صلة ~~بالزائر السابق، فيبادره بالسؤال عنه فيقول له: «فلان طيب؟ فيقول: نعم سيدي. ثم ~~يسأله عن أخيه فلان وولده فلان، وزوجته وابنته، ويشير له باسم حارته وداره، وما ~~جاورها، فيقوم ذلك المغربي ويقعد، ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة، ويعتقد أن ~~ذلك من باب الكشف الصراح»؛ ولذلك كان المغاربة يتزاحمون على بابه في موسم الحج ~~ازدحاما شديدا من الصباح إلى الغروب، وكل من دخل منهم قدم بين يدي ms090 نجواه ~~شيئا: إما موزونات فضة أو تمرا أو شمعا، على قدر فقره وغناه، وبعضهم يأتيه ~~بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها، ويلتمسون منه الأجوبة، فمن ~~ظفر منهم بقطعة ورق - ولو بمقدار الأنملة - فكأنما ظفر بحسن الخاتمة، وحفظها ~~معه كالتميمة، ويرى أنه قد قبل حجه، وإلا فقد باء بالخيبة والندامة، ~~وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده، ودامت حسرته إلى يوم ميعاده.» # ولم يكن اعتقاد المشارقة في السيد مرتضى أقل من اعتقاد المغاربة، وخاصة ~~الأمراء والحكام، وكان أقواهم عقيدة في ولايته أحمد باشا الجزار حاكم سوريا، ~~فكان يراسله ويهاديه، وإذا وفد عليه وافد من مصر سأله عن السيد محمد، فإن مدحه ~~وأثنى عليه، وأجاب أنه يعرفه ويجتمع به ويأخذ عنه، أحبه وأكرمه، وأجزل صلته، وإن ~~أجاب بأنه لا يعرفه ولا صلة له به، نفر عنه وقابله بالوجوم، ولم يحقق له مطلبا، ~~وقد عرفت هذه الخلة عن الجزار، فكانت المفتاح الذي يستعمله الناس للوصول ~~إلى قلبه، والحصول على عطفه. # ومع إقبال الحياة والناس على السيد مرتضى، ومع مكابة الملوك والعلماء له، ~~وشهرته التي ذاعت في جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ لم تفتر همته ولم يقل نشاطه، ~~بل ظل دءوبا على العمل والإنتاج، مداوما على إلقاء دروسه في مسجد الحنفي وفي ~~مسجد شيخون، وفي منزله ومنازل أصدقائه، وكانت كتبه التي ألفها ودروسه التي ~~ألقاها تدور في معظمها حول علم الحديث. وقد أحصى له الكتاني اثنين وثلاثين ~~كتابا كلها في علم الحديث، كما أحصى له عشرين كتابا أخرى فيما سماه «الصنعة ~~الحديثية»، أي العلوم المتصلة بالحديث. # ومن كتب المجموعة الأولى: كتاب عنوانه «الأمالي الشيخونية» ويقع في مجلدين، ~~وقال في التعقيب عليه: «وقد بلغت أربعمائة مجلس إلى تاريخ إجازته لأبي الأمداد ~~محمد بن إسماعيل الربعي اليمني، وذلك تمام سنة 1195ه.» ~~(1-10) وفاة زوجته وانعكافه # ويبدو أن السيد مرتضى انقطع عن إلقاء دروسه أو أماليه الشيخونية في علم ~~الحديث في أواخر هذه السنة، وهي سنة 1195ه؛ فقد أصيب بعد ذلك بقليل بالملمة ~~الكبرى التي هدت كيانه وأدمت ms091 قلبه، وصرفته عن الحياة، ودفعته إلى العزلة ~~والتفرغ للعبادة، وتأليفه كتابه الآخر الكبير «شرح إحياء علوم الدين للغزالي»، ~~هذه الحادثة هي فقد زوجته؛ فقد توفيت في سنة 1196ه، وحزن عليها الزبيدي ~~حزنا كثيرا، ودفنها عند مشهد السيدة رقية، وبنى على قبرها مقاما ومقصورة، ~~وزوده بالستائر والفرش والقناديل، ولازم قبرها أياما طويلة، وتجتمع عنده الناس ~~والقراء والمنشدون، ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكو والقهوة والشربات»، ثم ~~اشترى قطعة أرض مجاورة للقبر، وبنى عليها منزلا صغيرا، وأثثه وأسكن به أمها، ~~وكان يبيت به أحيانا وقد رثاها كثير من الشعراء، فكان يجيزهم بالمال الوفير، ~~ورثاها هو بشعر كثير جميل لم يطلع الناس عليه، وإنما عثر على بعضه تلميذه ~~وصديقه عبد الرحمن الجبرتي في أوراقه المدشتة، ونقل بعض هذا الشعر في تاريخه، ~~وهو شعر جميل في معظمه، يدل على وفاء نادر، وفيه يعبر الزبيدي عن حزنه وألمه ~~لفقد هذه الزوجة الحبيبة، ويصف جودها وحلمها وحياءها وطيب محتدها، ويذرف الدمع ~~سخينا لفقدها، ويبكي حبها وحدبها عليه، وطاعتها له، وعنايتها بتوفير الراحة ~~له. # وهذا لون من الشعر قل أن نجد له أشباها كثيرة من الشعر العربي، ومنه ~~الديوانان اللذان يضمان ما قاله عزيز أباظة وعبد الرحمن صدقي - من الشعراء ~~المحدثين - في زوجتيهما بعد وفاتهما. # ومما قاله الزبيدي في رثاء زوجته: # أصابت يد البين المشت شمائلي # وحاقت نظامي عاديات النوائب # وكنت إذا ما زرت زبدا سحيرة # أعود إلى رحلي بطين الحقائب # أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها # من الخفرات البيض غر الكواعب # فتاة الندى والجود والحلم والحيا # ولا يكشف الأخلاق غير التجارب # فديت لها، ما يستذم رداؤها # عميدة قوم من كرام أطايب # عليها سلام الله في كل حالة # ويصحبه الرضوان فوق المراتب # مدى الدهر ما ناحت حمامة أيكة # بشجو يثير الحزن من كل نادب # ويقول لمن يطالبه بالسلوان: # يقولون لا تبكي زبيدة واتئد # وسل هموم النفس بالذكر والصبر # وتأتي لي الأشجان من كل وجهة # بمختلف الأحزان بالهم والفكر # وهل لي تسل من فراق حبيبة # لها الجدث الأعلى بيشكر ms092 من مصر # أبى الدمع إلا أن يعاهد أعيني # بمحجرها، والقدر يجري إلى القدر # فإما تروني لا تزال مدامعي # لدى ذكرها تجري إلى آخر العمر # ويقول أيضا: # خليلي ما للأنس أضحى مقطعا # وما لفؤادي لا يزال مروعا # أمن غير الدهر المشت وحادث # ألم برحلي أم تذكرت مصرعا # وإلا فراق من أليفة مهجتي # زبيدة ذات الحسن والفضل أجمعا # مضت فمضت عني بها كل لذة # تقر بها عيناي فانقطعا معا # لقد شربت كأسا سنشرب كلنا # كما شربت لم يجد عن ذاك مدفعا # فمن مبلغ صحبي بمكة أنني # بكيت فلم أترك لعيني مدمعا # ثم يستعين بالصبر فيخونه، ويتمنى أن لو كان سبقها بالموت، ويعبر عن هذا كله ~~بقوله: # خليلي هل ذكرى الأحبة نافع # فقد خانني الصبر الجميل العواقب؟ # وهل لي عود في الحمى أم تراجع # لوصل بتلك الآنسات الكواعب؟ # لقد رحلت عني الحبيبة غدوة # وسارت إلى بيت بأعلى السباسب # أقول وما يدري أناس غدوا بها # إلى اللحد ماذا أرجوا في السباسب # تأخرت عنها في المسير، وليتني # تقدمت لا ألوي على حزن نادب # ثم يصفها وهي تنتقل إلى العالم الآخر في غلائلها الخضر، وقد طافت بها ~~الملائكة، ودقت لها السماء طبولها مرحبة بها، فيقول: # زبيدة شدت للرحيل مطيها # غداة الثلاثا في غلائلها الخضر # وطافت بها الأملاك من كل وجهة # ودق لها طبل السماء بلا نكر # تميس كما ماست عروس بدلها # وتخطر تيها في البرانس والأزر # سأبكي عليها ما حييت، وإن أمت # ستبكي عظامي والأضالع في القبر # ولست بها مستبقيا فيض عبرة # ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر # ثم هو يشير في مقطوعة أخرى إلى سجاياها الكريمة وحدبها عليه، فيقول: # يا لهف نفسي حسن أخلاق لها # جبلت عليه ووصلة الأرحام # وإطاعة للبعل ثم عناية # صرفت لإطعام، ولين كلام # تلك المكارم فابكها ما رنحت # ريح الصبا سحرا غصون بشام ~~... إلخ. ~~(1-11) شرح كتاب الإحيا # وكان السيد محمد مرتضي قد شرع في شرح كتاب إحياء علوم الدين للغزالي في سنة ~~1190ه، أي: بعد فراغه من شرح القاموس بنحو سنتين؛ ms093 فقد طلب إليه تلاميذه ومريدوه ~~أن يقرأ لهم هذا الكتاب، فآثر أن يتبع القراءة بالشرح؛ لضبط ألفاظه، وتفسير ~~معانيه، وقد نص هو على هذا في مقدمة الشرح؛ قال: ~~«وبعد، فهذه تقريرات شريفة، وتحريرات منيفة، أمليتها على كتاب الإحيا للإمام ~~حجة الإسلام أبي حامد الغزالي - رحمه الله تعالى - حين سئلت في إقرائه ... ~~على أني لم أر أحدا من العلماء قديما وحديثا - مع كثرة تداول هذا الكتاب ~~بين أيديهم، وتبركهم بقراءته في سائر الأقطار، خصوصا في قطر اليمن المأنوس ~~بالأخيار - اعتنى بضبط ألفاظه المشكلة، ولا فصل بنود عقوده المجملة، وقد شرح ~~الله صدري لشرحه بإلهام، وسعى يعبوب فكري لتحصيله باهتمام ... إلخ.» # وشابه منهجه في شرح الإحياء منهجه في شرح القاموس إلى حد كبير؛ فقد كتب له ~~مقدمة طويلة فيها دراسة قيمة للغزالي وكتابه، وقدم بين يدي هذا كله قائمة ~~كاملة بالمراجع التي أفاد منها عند إعداد هذا الشرح، وهي كثيرة العدد متنوعة ~~الفنون؛ فمنها المعاجم اللغوية الكثيرة، وفي مقدمتها شرحه للقاموس، ومنها عشرات ~~الكتب الأخرى في علوم اللغة والحديث والتفسير، والتاريخ والرجال والتراجم، وأصول ~~الدين والفقه وفروعه، والتصوف ... إلخ. # وأتى بعد هذا بترجمة طويلة مفصلة لحياة الغزالي، تحدث فيها عن مولده ~~ونشأته الأولى، وطلبه للعلم، وشيوخه الذين أخذ عنهم، ثم أشار إلى رسائله ~~ومكاتباته وفتاواه، وأتى بنماذج من شعره، وعرض الآراء التي تقول بأنه كان مجدد ~~المائة الخامسة، وأتى بثبت كامل لمؤلفاته، ورتبها ترتيبا أبجديا. # وانتقل من هذا كله إلى ذكر الطاعنين عليه في الإحياء وخاصة الطرطوشي والمازري ~~وابن قيم الجوزية، وأتى بموجز لطعونهم مع تحليلها ومناقشتها، والرد ~~عليها. # ثم ختم هذه المقدمة القيمة بالكلام عن تلاميذ الغزالي، وإحصاء من اختصروا ~~الإحياء، أو حاولوا شرحه قبله . # وقد انتهى الزبيدي من الجزء الأول في «يوم الجمعة بعد الصلاة، لخمس بقين من ~~محرم الحرام، افتتاح سنة 1193ه.» # وفي سنة 1196ه أصيب بفقد زوجه، فلزم داره «واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم ~~بهم قبل ذلك، إلا في النادر؛ لغرض من الأغراض، وترك الدروس والإقراء، واعتكف ms094 ~~بداخل الحريم، وأغلق الباب، ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين»؛ أرسل ~~إليه مرة أيوب بك الدفتردار مع نجله هدية بمناسبة حلول شهر رمضان، وكانت تشتمل ~~على خمسين أردبا من البر وأحمال من الأرز، والسمن والعسل والزيت وخمسمائة ~~ريال، وبقج كساوي من الأقمشة الهندية والجوخ، ولكنه ردها وأبى أن ~~يأخذها. # وكان مولاي محمد سلطان المغرب يهاديه كثيرا، فيقبل هداياه، ولكنه أرسل إليه ~~في سنة 1201ه - أي بعد عزلته - هدية لها قدر كبير، فردها وتورع عن ~~قبولها. # انطوى السيد محمد إذن على نفسه، وانقطع عن دروسه، وامتنع عن مقابلة تلاميذه ~~وأصحابه، وانعكف في منزله وقد استبد به الألم وغمره الحزن على فقد زوجته، ~~فهو دائم البكاء عليها، دائم الحنين إلى أوقات الصفاء التي عاشها معها. حقيقة ~~لقد تزوج بعدها غيرها، ولكن يبدو أنها لم تكن مثلها، فلم تستطع أن تنسيه ~~أحزانه، أو أن تخرجه من عزلته، فلم يجد عزاء إلا في كتاب الإحياء، فانصرف إليه ~~بكله، وأعطاه كل جهده ووقته، فلم يكن يوقف العمل فيه إلا عند سماعه الأذان ~~يدعو للصلاة، وكان لا يجد متنفسا للإعلان عما به من ألم وضيق إلا في الأشعار ~~التي ينظمها، أو في افتتاحيات وخواتيم الأجزاء المتتابعة لشرح الإحياء؛ فهو ~~يقول مثلا في ختام الجزء الرابع: ~~«وقد فرغ من تحريره وتهذيبه - مع تشتيت البال واختلال الأحوال - صبيحة يوم الجمعة ~~المبارك لأربع بقين من شهر ربيع الثاني من شهور سنة 1198ه بمنزله بسويقة لالا، ~~مؤلفه العبد المضطر، أبو الفيض، محمد مرتضى الحسيني، أصلح الله خلله، وتقبل عمله، ~~وبلغه أمله.» # وقال في مقدمة الجزء الخامس عند الابتداء لشرح «كتاب الأذكار ~~والدعوات»: # كتاب الأذكار والدعوات ... سلكت شعابه ورضت صعابه، فكم من مشكل قد أعربت ~~عنه، وبينت ما أبهم منه ... حتى وضح سبيله للواردين، وراق زلاله للشاربين، ~~هذا مع ما أنا فيه من اختلاف الأحوال، وتشتيت البال، وتواتر الأنكاد والأهوال، ~~وكدورات تفرق الأوصال، وأشغال تحجب الخواطر عن الأعمال، متوسلا بيمن جاه ~~مؤلفه إلى المولى اللطيف، أن يمن علينا بالعفو والعافية ms095 والنجدة من كل محيف، ~~عسى الكرب الذي أمسيت فيه، يكون وراءه فرج قريب؛ إنه على فرجه قدير، وبما أملته ~~جدير. # وقال في ختام هذا الجزء: # فرغ من تسويد هذا الكتاب المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى، أبو الفيض، ~~محمد مرتضى الحسيني، لطف الله به، وأخذه بيده في الشدائد والكروب، وأنجاه من كل ~~ضيق وجلا عنه الخطوب، عند أذان ظهر يوم السبت 15 جمادى الأولى من شهور سنة ~~1199ه، أرانا الله خيرها، وكفانا ضيرها. # وقد صرف الزبيدي في تأليف هذا الشرح الكبير أحد عشر عاما، فقد قال في ~~ختامه: ~~... وكانت مدة إملائه مع شواغل الدهر وإبلائه أحد عشر عاما إلا أياما، آخرها ~~الخامسة من نهار الأحد، خامس جمادى الثانية من شهور سنة 1201ه، وذلك بمنزلي في ~~سويقة لالا بمدينة مصر، حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام، والحمد لله في ~~البدء والختام. # وقد طبع هذا الشرح في المطبعة الميمنية بالقاهرة في سنة 1311ه، ويقع في عشر ~~مجلدات كبيرة، وعنوانه: «إتحاف السادة المتقين، بشرح أسرار إحياء علوم الدين»، ~~وطبع على هوامشه ثلاثة كتب أخرى: أولها كتاب الإحياء نفسه، وثانيها كتاب ~~الإملاء عن إشكالات الإحياء للغزالي أيضا، أجاب فيه على بعض الإشكالات التي ~~أثارها من تصدوا لنقد كتابه، وثالثها كتاب «تعريف الأحياء بفضائل الإحياء» ~~للشيخ عبد القادر بن عبد الله العيدروس. ~~(1-12) مؤلفاته الأخرى # وللزبيدي مؤلفات كثيرة أخرى غير هذين الشرحين على القاموس والإحياء، معظمها ~~في الحديث، أو في العلوم المتصلة به، أو في التصوف، وله في الفقه الحنفي كتاب ~~قيم أسماه «الجواهر المنيفة، في أصول أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة» قرظه ~~الجبرتي بقوله: «وهو كتاب نفيس حافل، رتبه ترتيب كتب الحديث - من تقديم ما ~~روي عنه في الاعتقاديات، ثم في العمليات - على ترتيب كتب الفقه.» # وله كتب ورسائل أخرى ألف بعضها باسم أصدقائه، وألف البعض الآخر لمعالجة ~~نواح من مشاكل المجتمع في عصره، فمن النوع الأول: # كتاب «حكمة الإشراق، إلى كتاب الآفاق» # 7 # في تاريخ الخط والخطاطين ألفه باسم نابغة الخط في ~~عصره ms096 الأمير حسن أفندي بن عبد الله الملقب بالرشدي، وجعله هدية إلى ~~خزانته. # وكتاب «شرح الصدر، في شرح أسماء أهل بدر» في عشرين كراسة. # وكتاب «التفتيش، في معنى لفظ درويش» وألفهما باسم صديقه علي ~~أفندي درويش. # وكتاب «عقيلة الأتراب، في سند الطريقة والأحزاب» صنفه باسم ~~الشيخ عبد الوهاب الشربيني. # 8 # ومن النوع الثاني: # كتاب «هدية الإخوان، في شجرة الدخان». ~~(1-13) مؤلفاته التاريخية # وللزبيدي تسعة مؤلفات في التاريخ، ما بين كتاب ورسالة، وفيما يلي بيانها: # المعجم الأكبر، وقد ترجم فيه لنحو ستمائة من شيوخه والآخذين ~~عنه. # المعجم الصغير. # معجم شيوخ العلامة عبد الرحمن الأجهوري شيخ القراء بمصر. # معجم شيوخ السجادة الوفائية. # رفع نقاب الخفا، عمن انتمى إلى وفا وأبي الوفا. # رشف سلاف الرحيق، في نسب حضرة الصديق. # رسالة في طبقات الحفاظ. # ترويح القلوب، بذكر ملوك بني أيوب. # جذوة الاقتباس، في نسب بني العباس. # 9 # وله عدا هذا كتاب تاريخي عاشر، أسماه «المعجم المختص» ذكر فيه شيوخه ومن أخذ ~~عنه أو ساجله أو جالسه من رفيق وصاحب وصالح، وقال في مقدمته: «وقد أذكر فيه ~~من أحبني في الله وأحببته، أو استفدت منه شيئا، أو أنشدني شيئا أو كاتبني أو ~~كاتبته، أو بلوت منه معروفا وكرما ... إلخ»، وقد عثر الجبرتي على مسودة هذا ~~المعجم في تركة الزبيدي بعد وفاته، وقال: إنه يقع في نحو عشرة كراريس، ورتبه ~~صاحبه على حروف المعجم، غير أنه لم يتمه، وترك في الحروف بياضات كثيرة، وغالب ما ~~فيها - على حد قوله - «آفاقيون من أهل المغرب والروم والشام والحجاز، بل ~~والسودان، والذين ليس لهم شهرة ولا كثير بضاعة من الأحياء والأموات، وأهمل من ~~يستحق أن يترجم من كبار العلماء والأعاظم ونحوهم ...» # 10 # ولهذا الكتاب قصة طريفة، تربط بينه وبين التاريخين الهامين اللذين ألفا في ~~مصر والشام في القرن الثامن عشر، وهما: «عجائب الآثار، في التراجم والأخبار» ~~للمؤرخ المصري الجبرتي، و«سلك الدرر، في أعيان القرن الثاني عشر» للمؤرخ الشامي ~~المرادي. # وقد روى هذه القصة الجبرتي في سياق ترجمته للمرادي، فقال: إنه ms097 «كان - رحمه ~~الله - مغرما بصيد الشوارد وقيد الأوابد، واستعلام الأخبار وجمع الآثار، ~~وتراجم العصريين على طريق المؤرخين، وراسل فضلاء البلدان البعيدة، ووصلهم ~~بالهدايا والرغائب العديدة، والتمس من كل جمع تراجم أهل بلاده، وأخبار وأعيان ~~أهل القرن الثاني عشر بحسب وسع همته واجتهاده»، ثم عقب على هذا بقوله: ~~«وكان هو السبب الأعظم الداعي لجمع هذا التاريخ - يقصد كتابه عجائب الآثار - ~~على هذا النسق»، ثم أوضح بعد هذا أن شيخه الزبيدي كان واحدا ممن راسلهم ~~المرادي يسألهم أن يمدوه بتراجم القطر أو البلد الذي يعيشون فيه، وقد سأل ~~الزبيدي أن يجمع له تراجم المصريين الذين عاشوا في القرن الثاني عشر، وكان ~~الزبيدي مشغولا بمؤلفاته الأخرى، وهو بعد ليس من أهل مصر؛ ولهذا رأى أن يلجأ ~~إلى تلميذه عبد الرحمن الجبرتي؛ ليعينه في هذا الأمر، فطلب إليه أن يجمع هذه ~~التراجم، دون أن يعرفه بالقصد من جمعها، واستجاب الجبرتي لاقتراح أستاذه، وجمع ~~ما تيسر جمعه، وحمله إليه يوما وعنده بعض الشاميين، وأطلعه عليه؛ يقول ~~الجبرتي: «فسر بذلك كثيرا، وطارحني وطارحته في نحو ذلك بمسمع من ~~المجالس.» # وأرسل الزبيدي بعض هذه التراجم إلى صديقه المرادي، وأفاد من البعض الآخر في ~~وضع معجمه، ثم توفي الزبيدي بعد قليل، وختم على تركته بما فيها من كتب ~~وأوراق مدة ما، ثم بيعت بالمزاد، واشترى الجبرتي منها ما يريد، ووجد هذه ~~التراجم وغيرها من مسودات الشيخ ورسائله وأوراقه ضمن ما اشترى، وأفاد منها ~~كثيرا عند تأليف كتابه عجائب الآثار. # وعلم المرادي بوفاة السيد محمد مرتضى، فأرسل إلى الجبرتي يروي له القصة كلها، ~~ويسأله أن يبحث عن بقية التراجم التي كان قد جمعها السيد له ويرسلها إليه، يقول ~~الجبرتي: «فعند ذلك أرسل إلي (أي المرادي) كتابا، وقرنه بهدية على يد السيد ~~محمد التاجر القباقيبي يستدعي تحصيل ما جمعه السيد من أوراقه، وضم ما جمعه ~~الفقير (أي الجبرتي) وما تيسر ضمه أيضا وإرساله ... فلما رأيت ذلك وعلمت سببه، ~~وتحققت رغبة الطالب لذلك جمعت ما كنت سودته وزدت فيه، وهي تراجم ms098 فقط دون ~~الأخبار والوقائع، وفي أثناء ذلك ورد علينا نعي المترجم «المرادي»؛ ففترت الهمة، ~~وطرحت تلك الأوراق في زوايا الإهمال مدة طويلة، حتى كادت تتناثر وتضيع، إلى أن ~~حصل عندي باعث من نفسي على جمعها، مع ضم الوقائع والحوادث والمتجددات على هذا ~~النسق ...» # وقد عثر الجبرتي في رسائل الزبيدي على الرسالة التي كان قد أرسلها إليه ~~المرادي يستحثه على موافاته بالتراجم التي جمعها، وأثبت الجبرتي نص هذه الرسالة ~~في كتابه «عجائب الآثار»، وتاريخها ربيع الثاني سنة 1200ه. # وفي سنة 1205ه انتشر الطاعون في مدينة القاهرة، وأصيب به الكثيرون ومات ~~بالإصابة أعداد لا تحصى، «ولم يبق للناس شغل إلا الموت وأسبابه، فلا تجد إلا ~~مريضا أو ميتا، أو عائدا أو معزيا، أو مشيعا أو راجعا من صلاة جنازة أو ~~دفن، أو مشغولا في تجهيز ميت، أو باكيا على نفسه موهوما، ولا تبطل صلاة ~~الجنائز من المساجد والمصليات، ولا يصلى إلا على أربعة أو خمسة أو ثلاثة، وندر ~~جدا من يشتكي ولا يموت.» # 11 # ووافى يوم الجمعة من شهر شعبان من هذه السنة، وتوضأ السيد محمد مرتضى، وخرج ~~يؤدي صلاة الجمعة في مسجد الكردي المواجه لداره بسويقة لالا، ولكنه لم يكد ~~ينتهي من الصلاة حتى كانت العدوى قد انتقلت إليه، فعاد إلى منزله ولزم الفراش، ~~واعتقل لسانه في تلك الليلة، ولم يطل به المرض غير يوم واحد، وأحست زوجته ~~وأقاربها بدنو أجل الشيخ، فتركوه يعاني آلام مرضه، وشغلوا بجمع التحف ~~والهدايا! ومات أبو الفيض محمد مرتضى يوم الأحد، ولكن الزوجة لم تعلن موته إلا ~~يوم الإثنين بعد أن انتهت من نقل ما خف حمله وغلا ثمنه! # ولم يترك الرجل ابنا ولا ابنة، ولم يرثه أحد من الشعراء، ولم يصل عليه ~~في الأزهر، ولم يمش وراء جنازته أحد من أصدقائه العلماء؛ فقد كان كل إنسان ~~مشغولا بنفسه أو بغيره! وهكذا اختفى الرجل الذي كان ملء السمع والبصر في مصر ~~وفي جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ اختفى في صمت وهدوء، لم يشعر باختفائه إنسان، ~~ولم ms099 يحتفل بموته إنسان، ولكنه خلف وراءه ثروة علمية ضخمة، وذكرى طيبة ~~عطرة. # وقد دفن السيد محمد مرتضى بقبر أعده لنفسه بجانب زوجته الأولى، بمشهد ~~السيدة رقية، رحمه الله، وأثابه بقدر ما قدم للعلم وللإسلام والعربية من خدمات، ~~وإنها لكثيرة. # الفصل الرابع # | الشيخ عبد الغني النابلسي # 1050-1143ه/1641-1731م # ولد عبد الغني بن إسماعيل النابلسي في دمشق، في الخامس من ذي الحجة سنة 1050ه، أي ~~في بداية النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري (17م) وعمر طويلا؛ فقد عاش ثلاثة ~~وتسعين عاما، وتوفي في سنة 1143ه، أي في أواخر النصف الثاني من القرن الثاني عشر ~~الهجري (18م)، وقد كان خلال هذا القرن زعيم الحياتين: الدينية والأدبية في الشام دون ~~منازع؛ فقد كان متعدد الثقافة غزير الإنتاج، ألف في موضوعات كثيرة متعددة. # وأسرته من نابلس أصلا، ولكنها انتقلت إلى دمشق، واستقرت بها قبل مولده بسنوات طويلة، ~~وبرز من أفرادها كثيرون، نبغوا في ميادين العلم والدين والأدب؛ فالمحبي ترجم لجده في ~~كتابه «خلاصة الأثر، 2 / 433» ووصفه بأنه «شيخ مشايخ الشام.» # وكانت الأسرة شافعية المذهب، غير أن أباه إسماعيل تحول إلى المذهب الحنفي، وكذلك ~~كان عبد الغني. # وقد شغف عبد الغني - منذ صباه - بالتصوف، وراقته حياة الزهد والعبادة، فاتصل بشيوخ ~~الطريقتين: القادرية والنقشبندية، ولم ينصرف في شبابه إلى ما كان ينصرف إليه أنداده من ~~حياة اللهو والمتعة، وإنما اتخذ لنفسه خلوة في منزله، ولزم هذه الخلوة سبع سنوات طوالا، ~~عكف في أثنائها - إلى جانب صلاته وتعبده - على دراسة مؤلفات ثلاثة من كبار المتصوفة ~~الذين مزجوا الفلسفة بالتصوف، وهم: محيى الدين بن عربي وابن سبعين وعفيف الدين ~~التلمساني. # وكان عبد الغني أديبا مرهف الحس وشاعرا مطبوعا؛ ولهذا كان الشعر في معظم الأحوال ~~وسيلته للتعبير عن نفسه، وعن أحاسيسه الدينية والصوفية، وقد بدأ في شبابه، فنظم قصيدة ~~طويلة في مدح الرسول أسماها «البديعيات» وهي أول إنتاجه الفكري. # وأعجب الناس بالبديعية إعجابا شديدا؛ فقد كانت قصيدة قوية معبرة رائعة؛ ولهذا ~~ساورهم الشك أن يكون عبد الغني هو ناظمها ومنشئها، ms100 ولكن عبد الغني استطاع أن يسكت ~~هذا الشك حين ألف شرحا لقصيدته. # وكان النابلسي محبا للرحلة، وله رحلات كثيرة زار فيها معظم أجزاء العالم الإسلامي، ~~فكانت رحلته الأولى إلى إستانبول عاصمة الدولة في سنة 1075ه/1664م وهو بعد في الخامسة ~~والعشرين من عمره. # وبعد خمس وعشرين سنة أخرى - أي في سنة 1100ه/1688م - زار البقاع ولبنان. # وفي سنة 1101ه/1689م زار بيت المقدس. # وفي سنة 1105ه/1693م زار مصر والحجاز. # وفي سنة 1112ه/1700م زار طرابلس الشام. # وفي كل هذه الرحلات، وفي كل هذه الأقطار والبلدان التي زارها كان دائم الصلة بالعلماء ~~والمتصوفة يأخذ عنهم ويأخذون عنه، وقد ألف النابلسي كتبا كثيرة في وصف هذه الرحلات، ~~غير أنه لم يعن في هذه الرحلات بوصف المدن والمشاهد والأماكن التي زارها من النواحي ~~التاريخية والجغرافية والأثرية والطبوغرافية، وإنما عني - شأنه في ذلك شأن غيره من ~~الرحالة في العصر العثماني - بوصف تجاريبه الصوفية الشخصية، واتصالاته بأعلام الفكر ~~والأدب والتصوف الذين قابلهم؛ فرحلاته لهذا تلقي أضواء كثيرة على الحياتين: الثقافية ~~والدينية في بلدان الشرق الإسلامي على عصره، وقد كانت هذه الرحلات أنموذجا احتذاه ~~الرحالة من العلماء والأدباء الذين أتوا بعده، وخاصة تلميذه الرحالة والعالم ~~الدمشقي مصطفى البكري، والرحالة والأديب المصري أسعد اللقيمي. # ويعتبر الشيخ عبد الغني بحق «شيخ مشايخ الشام» في عهده، وقد وصفه تلميذه المرادي في ~~ترجمته له بأنه «أعظم من ترجمته علما وولاية وزهدا وشهرة ودراية»، والمرادي صادق في ~~وصفه؛ فقد تتلمذ على النابلسي كل علماء عصره، فما منهم إلا من أخذ عنه أو حضر دروسه أو ~~قرأ عليه أو كان من مريديه. # وقضى الشيخ عبد الغني حياته كلها إماما متعبدا أو مدرسا أو مؤلفا؛ ولهذا كثرت ~~مؤلفاته، فبلغت نحو المائتين أو المائتين وخمسين مؤلفا، ونستطيع أن نصنف هذه ~~المؤلفات إلى مجموعات ثلاث: # كتب في التصوف. # دواوين شعرية. # كتب في الرحلات. # أما كتبه الصوفية فإنه لم يأت فيها بجديد، وإنما هي في معظمها تعليقات وشروح لكتب نفر ~~من كبار الصوفية السابقين؛ من أمثال ابن عربي، والجبيلي، وابن ms101 الفارض، وهو في هذه الشروح ~~لا يلخص أو يجمل آراء هؤلاء المتصوفة السابقين، ولكنه يفسرها ويشرح غامضها، ويأتي ~~في هذا التفسير والشرح بكثير من الجديد الذي يعتبر مرجعا هاما لدراسة آرائه الدينية ~~والفقهية بوجه عام. # ودراستنا لهذه المجموعة من كتب النابلسي تبين أنه قد تأثر في آرائه الصوفية بتيارين ~~من تيارات التفكير الصوفي، وهما: التيار المغربي الأندلسي الذي يمثله أبو مدين، وابن ~~مشيش، والششتري. والتيار الفارسي التركي الذي يمثله أوحد الدين نوري، ومحمود الإسكوداري، ~~ومحمد برجالي. # وإلى جانب هذه الشروح كتب النابلسي كذلك عن الطرق الصوفية التي كان ينتمي إليها، ~~وخاصة الطريقة المولوية. # والذي نلاحظه أنه في آرائه الصوفية كان أكثر تأثرا بابن عربي وبفكرة وحدة الوجود، ~~ويبدو هذا التأثر واضحا في الجزء الأول من ديوانه الكبير المسمى «ديوان الدواوين». # 1 # وهذا الديوان يشمل أصلا - إلى جانب هذا الجزء الأول في الشعر الصوفي - أجزاء ثلاثة ~~أخرى تضم أشعارا كثيرة في مدح الرسول ومدائح ومراسلات أخرى، وأشعارا في الغزل، غير أن ~~هذه الأجزاء الثلاثة لا تزال مخطوطة لم تطبع بعد. # وهذا الديوان يمثل المجموعة الثانية من مؤلفات النابلسي، وهي دواوين الشعر، ويبدو شغفه ~~بالشعر واضحا كذلك في الشرح الذي وضعه لشعر ابن هانئ الأندلسي ولشعر ابن ~~الفارض. # ولهذا اشتهر النابلسي في حياته وبعد مماته كشاعر، وتحدث عنه مؤرخو الأدب العربي عند ~~حديثهم عن الشعراء. # أما رحلاته فقد أشرنا إلى خصائصها فيما سبق، وأهمها: # رحلة طرابلس. # الذهب الإبريز، في الرحلة إلى بعلبك وبقاع العزيز. # الحقيقة والمجاز، في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز. # الحضرة الأنسية، في الرحلة القدسية. # وللنابلسي مؤلفات أخرى كثيرة، تقع في مجلدات عدة، في علوم مختلفة؛ كالتفسير والحديث ~~والفقه وعلم الكلام، بل لقد ألف النابلسي في علوم وفنون أخرى غير العلوم الدينية ~~والصوفية؛ فقد ألف كتابا في علم الفلاحة، وثانيا في تفسير الأحلام، وثالثا في ~~تحليل شرب الدخان، وغير ذلك مما يدل على أنه كان موسوعي الثقافة والإنتاج. # | المراجع # (1) مراجع الفصلين الأول والثاني ~~(أ) مراجع عربية ~~(1) # أمين (أحمد): زعماء ms102 الإصلاح في العصر الحديث، القاهرة، 1948م. ~~(2) # الجبرتي (عبد الرحمن): عجائب الآثار في التراجم والأخبار، 4 أجزاء، بولاق، 1297ه، ~~والقاهرة، 1322ه. ~~(3) # أبو حديد (محمد فريد): سيرة عمر مكرم، القاهرة، 1937م. ~~(4) # الرافعي (عبد الرحمن): # تاريخ الحركة القومية، الجزءان الأول والثاني، القاهرة، 1929م. # عصر محمد علي، القاهرة، 1930م. ~~(5) # زيدان (جورجي): تاريخ آداب اللغة العربية، 4 أجزاء، القاهرة، 1937م. ~~(6) # السبكي (تاج الدين عبد الوهاب): طبقات الشافعية، 6 أجزاء، القاهرة، 1324ه. ~~(7) # سركيس (يوسف إليان): معجم المطبوعات العربية، القاهرة، 1928م. ~~(8) # الشيال (جمال الدين): # تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية، القاهرة، 1951م. # تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي، القاهرة، ~~1952م. # رفاعة الطهطاوي (مجموعة أعلام الإسلام) القاهرة، 1946م. # الدكتور برون والشيخان محمد عياد الطنطاوي ومحمد عمر ~~التونسي (مقال بمجلة كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، العدد الثاني، ~~1944م). # الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث ~~الجزء الأول، 1957م (مطبوعات معهد الدراسات العربية ~~العالية). ~~(9) # شيخو (لويس): الآداب العربية في القرن التاسع عشر، جزءان، بيروت، 1908م، ~~1910م. ~~(10) # الصعيدي (عبد المتعال): المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر ~~الهجري، القاهرة (بدون تاريخ). ~~(11) # الطويل (توفيق): # تاريخ التصوف في مصر إبان العصر العثماني، القاهرة، 1946م. # الشعراني، (مجموعة أعلام الإسلام) القاهرة، 1945م. ~~(12) # عبد الكريم (أحمد عزت): # تاريخ التعليم في عصر محمد علي، القاهرة، 1938م. # تاريخ التعليم في عصور عباس وسعيد وإسماعيل، 4 أجزاء، القاهرة، ~~1945م. ~~(13) # كلوت بك (الدكتور): لمحة عامة إلى مصر، الترجمة العربية بقلم محمد مسعود، جزءان، ~~القاهرة (بدون تاريخ). ~~(14) # لين (إدوارد وليم): المصريون المحدثون، شمائلهم وعاداتهم، الترجمة العربية بقلم ~~عدلي طاهر نور، القاهرة، 1950م. ~~(15) # مبارك (علي): الخطط التوفيقية الجديدة، 20 جزءا، بولاق، 1306ه. ~~(16) # المحبي (محمد أمين بن فضل الله): خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، 4 أجزاء، القاهرة ~~1284ه. ~~(17) # المرادي (أبو الفضل محمد خليل بن علي الدمشقي النقشبندي): سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، القاهرة، 1291ه. ~~(18) # مؤنس (حسين): الشرق الإسلامي في العصر الحديث، الطبعة الثانية، القاهرة ~~1938م. ~~(ب) مراجع غير عربية ~~(1) # Carra de Vaux: ms103 Les Penseurs de l’Islam. 5 vols, Paris, ~~1926. ~~(2) # Clot (Bey): Apercu Generale sur l’Egypte. 2 vols, Paris ~~1840. ~~(3) # Combe (Etienne): L’Egypte Ottomane. de la Conquête par Sélim ~~(1517) à l’Arrivée de Bonaparte (1798). Précis de l’Histoire ~~d’Egypte. t. 3. 1 er partie. Le Caire, ~~1933. ~~(4) # Daniêls (C. E.): La version Orientale, arabe et turque de Deux Premiers Livers de Herman Baerhaave. in (janus, Leiden, ~~1912. p.p. 295-312). ~~(5) # Dunne (H): Introduction to the History of Education in ~~modern Egypt. London 1939. ~~(6) # Gibb (H. A. R.) & Bowen ~~(Harold): Islamic Society and the West, vol. 1, parts I ~~& II. London, 1951, 1957. ~~(7) # Ghorbal (Shafik): The Beginnings of the Egyption Cuestion and ~~the Rise of Mehemed Ali. London, ~~1928. ~~(8) # Hanotaux (G): Histoire de la Nation Egyptienne. t V. ~~l’Egypte Turque, Pashas et Mameluks du XVIe au XVIIIe ~~siecle, l’Expediton du Général Bonaprte. Par Henri Deherain. Paris, 1931. ~~(9) # Lane (E, W): An account of the Manners and Customs of ~~Modern Egyptions, London, 1836. ~~(10) # Lane-Poole (St): Social Life in Egypt. London (no ~~date). ~~(11) # Lewis (Bernard): The Arabs in History, London, ~~1950. ~~(12) # Rouyer: Notice sur les Médicamens Usuels des ~~Egyptiens. In (Description de l’Egypte. I, ~~1217-32). ~~(13) # Savary (C. de): Lettres sur l’Egypte. 3 vols. Paris, 1785-6 ~~(English trans: Letters on Egypt. 2 vols. London, ~~1787). ~~(14) # Trimingham: Islam in the Sudan. London, ~~1949. ~~(15) # Volney: Voyage en Egypte et en Syrie, 1783-5. 2 vols, ~~paris, an VII. ~~(2) مراجع الفصل الثالث: السيد محمد مرتضى الزبيدي ~~(أ) مؤلفاته ~~(1) الابتهاج بختم صحيح مسلم بن الحجاج. ~~(2) إتحاف الأصفياء بسلاسل الأولياء. ~~(3) إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، 10 أجزاء، القاهرة، ~~1311ه. ~~(4) إتحاف سيد الحي بسلاسل بني طي. ~~(5) اختصار مشيخة أبي عبد الله البياني. ~~(6) أربعون حديثا في الرحمة. ~~(7) أرجوزة في الفقه (نظمها باسم الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسني ~~المقدسي). ~~(8) الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة (وقد اختصره الأمير صديق حسن، ~~وطبع المختصر في الهند). ~~(9) إعلام الأعلام بمناسك حج بيت الله الحرام. ~~(10) الإشغاف بالحديث المسلسل بالأشراف. ~~(11) إكليل الجواهر الغالية في رواية ms104 الأحاديث العالية. ~~(12، 13) ألفية السند ومناقب أصحاب الحديث (وهي في ألف وخمسمائة بيت، وشرحها ~~في عشر كراريس). ~~(14) الأمالي الحنفية (في مجلد). ~~(15) الأمالي الشيخونية (في مجلدين، وذكر الكتاني أنها بلغت أربعمائة مجلس ~~إلى تاريخ إجازته لأبي الأمداد محمد بن إسماعيل الربعي اليمني، وذلك عام ~~1195ه). ~~(16) الانتصار لوالدي النبي المختار. ~~(17) إنجاز وعد السائل في شرح حديث أم زرع من الشمائل (في ثمانية ~~كراريس). ~~(18) إيضاح المدارك عن نسب العواتك (رسالة صغيرة). ~~(19) بذل المجهود في تخريج حديث: «شيبتني هود». ~~(20) بلغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب، القاهرة، 1326ه. ~~(21) تاج العروس من شرح جواهر القاموس، 10 أجزاء، القاهرة، 1306ه. ~~(22) التحبير في الحديث المسلسل بالتفكير. ~~(23) تخريج أحاديث الأربعين النووية. ~~(24) تحفة الودود في ختم سنن أبي داود. ~~(25) ترويح القلوب بذكر ملوك بني أيوب. ~~(26) التعليقة الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة. ~~(27) التغريد في الحديث المسلسل بيوم العيد. ~~(28) تفسير على سورة يونس. ~~(29) تكملة على شرح حزب البكري للفاكهي. ~~(30) تنبيه العارف البصير على أسرار الحزب الكبير (شرح حزب البر لأبي الحسن ~~الشاذلي)، القاهرة، 1323ه. ~~(31) جزء: طرق: اسمح يسمح لك. ~~(32) جزء في حديث: «نعم الإدام الخل». ~~(33) الجواهر المنيفة في أصول أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة (قال عنه الكتاني: ~~وهو كتاب حافل، رتبه ترتيب كتب الحديث؛ من تقديم ما روي عنه في الاعتقادات، ثم ~~العمليات؛ على ترتيب كتب الفقه). ~~(34) حديقة الصفا في والدي المصطفى، «وقرظ عليها الشيخ حسن المدابغي». ~~(35) حكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق، «نشره عبد السلام هارون ضمن مجموعة ~~نوادر المخطوطات، ج5، القاهرة، 1954م». ~~(36) حلاوة الفانيد في إرسال حلاوة الأسانيد. ~~(37) رسالة في تحقيق قول أبي الحسن الشاذلي: «وليس من الكرم ...» إلخ. ~~(38) رسالة في تحقيق لفظ الإجازة. ~~(39) رسالة في طبقات الحفاظ. ~~(40) رسالة في المناشي والصفين. ~~(41) رفع الكلل عن العلل، «أربعون حديثا انتقاها من الدارقطني». ~~(42) رفع الشكوى لعالم السر والنجوى. ~~(43) رشف سلاف الرحيق في نسب حضرة الصديق. ~~(44) رشفة المدام المختوم البكري من صفوة زلال صيغ القطب البكري. ~~(45) رفع نقاب الخفا عمن انتمى إلى وفا وأبي الوفا. ~~(46) الروض المؤتلف في تخريج حديث: يحمل هذا العلم من كل ms105 خلف. ~~(47) زهر الأكمام، المنشق عن جيوب الإلهام، بشرح صيغة سيدي عبد السلام. ~~(48) شرح الصدر في أسماء أهل بدر (في أربعين كراسا ألفها لعلي أفندي ~~درويش). ~~(49) شرح على خطبة الشيخ محمد البحيري البرهاني على تفسير سورة يونس. ~~(50) العروس المجلية في طرق حديث الأولية. ~~(51) عقد الجمان في أحاديث الجان. ~~(52) عقد الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة. جزءان، الإسكندرية ~~1292ه. ~~(53) عقد الجوهر الثمين في الحديث المسلسل بالمحمدين. ~~(54) العقد المكلل بالجوهر الثمين في طرق الإلباس والذكر والتلقين. ~~(55) العقد الثمين في حديث: اطلبوا العلم ولو بالصين. ~~(56) عقيلة الأتراب في سند الطريقة والأحزاب (صنفها للشيخ عبد الوهاب ~~الشربيني). ~~(57) الفجر البابلي في ترجمة البابلي. ~~(58) قلنسوة التاج في بعض أحاديث صاحب الإسراء والمعراج. ~~(59) قلنسوة التاج (رسالة بنفس العنوان ألفها باسم الشيخ محمد بدير ~~المقدسي، وذلك لما أكمل شرح القاموس المسمى بتاج العروس، فأرسل إليه كراريس من ~~أوله حين كان بمصر، وذلك في سنة 83؛ ليطلع عليها شيخه الشيخ عطية الأجهوري ويكتب ~~عليها تقريظا، ففعل ذلك، وكتب يستجيزه، فكتب إليه أسانيده العالية في كراسة، ~~وسماها قلنسوة التاج). ~~(60) القول الصحيح في مراتب التعديل والتجريح. ~~(61) القول المثبوت في تحقيق لفظ التابوت. ~~(62) كشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام. ~~(63) لقط اللآلي من الجوهر الغالي (وهي في أسانيد الأستاذ الحفني، وكتب له ~~إجازته عليها في سنة 67، وذلك سنة قدومه إلى مصر). ~~(64) المربى الكابلي فيمن روى عن الشمس البابلي. ~~(65) المرقات العلية في شرح الحديث المسلسل بالأولية. ~~(66) المعجم الأكبر، «قال الكتاني: إنه وقف على نسخة منه بالمدينة المنورة في ~~مكتبة شيخ الإسلام، واستنسخه لنفسه، وإنه يشتمل على نحو ستمائة ترجمة من مشايخه ~~والآخذين عنه.» ~~(67) المعجم الصغير. ~~(68) معجم شيوخ السجادة الوفائية. ~~(69) معجم شيوخ العلامة عبد الرحمن الأجهوري شيخ القراء بمصر. ~~(70) مقامة سماها إسعاف الأشراف. ~~(71) مناقب أصحاب الحديث، «منظومة في مائتين وخمسين بيتا». ~~(72) منح الفيوضات الوفية فيما في سورة الرحمن من أسرار الصفة ~~الإلهية. ~~(73) المواهب الحلبية فيما يتعلق بحديث الأولية. ~~(74) نشق الغوالي من تخريج العوالي (عوالي شيخه علي بن صالح الشاوري). ~~(75) نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر ms106 والقداح، ليدن 1303ه. ~~(76) النفحة القدسية بواسطة البضعة العيدروسية (جمع فيه أسانيد العيدروس، وهي ~~في نحو عشر كراريس). ~~(77) النوافح الملكية على الفوائح الكشكية. ~~(78) هدية الإخوان في شجيرة الدخان. ~~(79) الهدية المرتضية في المسلسل بالأولية. ~~(ب) مراجع عربية: عن الزبيدي ~~(1) # الجبرتي (عبد الرحمن): عجائب الآثار في التراجم والأخبار، 4 أجزاء، القاهرة، ~~1323ه. ~~(2) # الزركلي (خير الدين): الأعلام، 3 أجزاء، القاهرة، 1928م. ~~(3) # زيدان (جورجي): تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة، 1937م. ~~(4) # سركيس (يوسف إليان): معجم المطبوعات العربية، القاهرة، 1928م. ~~(5) # الشبلنجي (مؤمن بن حسن): نور الأبصار في مناقب آل البيت المختار، مطبعة عبد الحميد حنفي ~~بالقاهرة (بدون تاريخ). ~~(6) # شيبوب (خليل): عبد الرحمن الجبرتي، مجموعة اقرأ. ~~(7) # شيخو (لويس): الآداب العربية في القرن التاسع عشر، جزءان، بيروت، ~~1908-1910م. ~~(8) # العيدروس (عبد الرحمن): تنميق الأسفار، القاهرة، 1304ه. ~~(9) # الكتاني (عبد الحي): فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، ~~جزءان، المطبعة الجديدة بفاس، 1346-1347ه. ~~(10) # مبارك (علي): الخطط التوفيقية الجديدة، 20 جزءا، بولاق، 1306ه. ~~(11) # المرادي (أبو الفضل محمد خليل بن علي): سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، القاهرة، 1291ه. ~~(ج) مراجع غير عربية عن الزبيدي ~~(1) # Brockelmann (Carl): Geschichte der Arabichen ~~Litteratur. # Leiden, 1898-1939. ~~(2) # Gibb (H, A, R): Mohammedanism, London ~~1950. ~~(3) # Enc. Isl. Art, ~~al-Murtada. ~~(3) مراجع الفصل الرابع: الشيخ عبد الغني النابلسي ~~(أ) مؤلفاته ~~(1) # الأحكام الملخصة. ~~(2) # إزالة الخفا عن حلية المصطفى. ~~(3) # الأنس الوافر فيمن قال أنا مؤمن فهو كافر. ~~(4) # انطلاق القيود في شرح مرآة الوجود. ~~(5) # أنوار السلوك في أسرار الملوك. ~~(6) # أوراد سيدي عبد الغني النابلسي، دمشق (بدون تاريخ)، يقال: إنه ~~أول كتاب طبع في دمشق. ~~(7) # إيضاح الدلالات في جواز سماع الآلات، المطبعة الحنفية، دمشق، ~~1302ه (وطبع طبعة أخرى مع كتاب المقامات لأبي حيان ~~التوحيدي). ~~(8) # إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود (نشره الأب أ. عبده خليفة ~~اليسوعي في مجلة المشرق 1953م، العدد 3، ص304-317). ~~(9) # بديعيتان: إحداهما لم يلتزم فيها اسم النوع، والثانية التزم ~~فيها (شرحها القلعي مع البديعيات العشر). ~~(10) # بذل الإحسان في تحقيق معنى الإنسان. ~~(11) # برهان الثبوت في تربة هاروت وماروت. ~~(12) # بقية الله خير بعد الفناء في ms107 السير. ~~(13) # بواطن القرآن ومواطن العرفان (منظوم كله على قافية التاء ~~المثناة، وصل فيه إلى سورة براءة، فبلغ نحو الخمسة آلاف ~~بيت). ~~(14) # التحرير الحاوي بشرح تفسير البيضاوي (بدأ فيه من أول سورة البقرة ~~إلى قوله تعالى: # من كان عدوا ~~لله ~~، ثلاثة مجلدات، وشرع في الرابع). ~~(15) # تحريك سلسلة الوداد في مسألة خلق أفعال العباد. ~~(16) # تحريك الإقليد في فتح باب التوحيد. ~~(17) # تحقيق الانتصار في اتفاق الأشعري والماتريدي على ~~الاختيار. ~~(18) # تحقيق الذوق والرشف في معنى المخالفة بين أهل الكشف. ~~(19) # تعطير الأنام في تعبير المنام (فرغ من تأليفه سنة 1096ه)، طبع ~~بالقاهرة، 1275ه، وبهامشه: منتخب الكلام في تفسير الأحلام لابن ~~سيرين، والإشارات في علم العبادات لابن شاهين، وطبع في جزأين، ~~بولاق، 1294ه، والمطبعة الأزهرية، 1302ه، ومطبعة عبد الرازق، 1304ه، ~~ومصر، 1306ه، و1316ه. ~~(20) # تحفة ذوي العرفان في مولد سيد ولد عدنان، مطبعة الفيحاء، دمشق ~~1332ه. ~~(21) # تحفة المسألة بشرح التحفة المرسلة (والأصل المشروح للشيخ ~~محمد فضل الله الهندي). ~~(22) # توفيق الرتبة في تحقيق الخطبة. ~~(23) # الجواب التام عن حقيقة الكلام. ~~(24) # الجواب المعتمد على سؤالات أهل صفد. ~~(25) # جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص (بهامشه: شرح منلا عبد الرحمن ~~الجامي على فصوص الحكم لابن عربي، ج1، مطبعة الزمان، 1304ه، ج2، ~~المطبعة الشرفية، 1323ه). ~~(26) # الحامل في الملك، والمحمول في الفلك، في أخلاق النبوة والرسالة ~~والخلافة في الملك. ~~(27) # الحديقة الندية في شرح الطريقة المحمدية (وهو شرح على الطريقة ~~المحمدية للبيركلي، جزءان، مصر، 1862م). ~~(28) # الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية (وصف فيها رحلته من دمشق إلى ~~القدس سنة 1101ه، وفرغ من تصنيفها في 9 ذي الحجة من نفس السنة)، ~~مطبعة الإخلاص، 1902م. ~~(29) # الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام ومصر والحجاز. ~~(30) # حلية الذهب الإبريز في الرحلة إلى بعلبك وبقاع العزيز. ~~(31) # خلاصة التحقيق (مخطوط بمكتبة بلدية إسكندرية). ~~(32) # خمرة بابل وعناء البلابل (مخطوط بمكتبة بلدية إسكندرية). ~~(33) # خمرة الحان ورنة الألحان، شرح رسالة الشيخ أرسلان. ~~(34) # دفع الاختلاف من كلام القاضي والكشاف. ~~(35) # ديوان الحقائق ومجموع الرقائق في صريح المواجيد الإلهية ~~والتجليات الربانية والفتوحات الأقدسية (وهو الباب الأول من ديوان ms108 ~~الدواوين وريحان الرياحين في تجليات الحق المبين)، بولاق، 1270ه، ~~مطبعة شرف، 1306ه، مصر، 1330ه. ~~(36) # ديوان الدواوين وريحان الرياحين في تجليات الحق المبين (مخطوط ~~بمكتبة بلدية إسكندرية). ~~(37) # ديوان المراسلات (مخطوط بمكتبة بلدية إسكندرية). ~~(38) # ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأحاديث. ~~(39) # ذيل نفحة الريحانة للمحجي الدمشقي (في الرجال). ~~(40) # رائحة الجنة في شرح إضاءة الدجنة. ~~(41) # ربع الإفادات في ربع العبادات (قال الجبرتي: وهو مؤلف جليل في ~~مجلد ضخم في فقه الحنفية، نادر الوجود). ~~(42) # الرحلة الحجازية والرياض الأنسية في الحوادث والمسائل الفقهية، ~~مصر (بدون تاريخ). ~~(43) # رحلة طرابلس. ~~(44) # رد المفتري على الطعن في الششتري (مخطوط بمكتبة بلدية ~~إسكندرية). ~~(45) # رسالة في قوله عليه السلام: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه ~~عشرا». ~~(46) # رشحات الأقلام في شرح كفاية الغلام (انظر: كتاب كفاية ~~الغلام). ~~(47) # روض الأنام في بيان الإجازة في المنام. ~~(48) # زبد الفائدة في الجواب عن الأبيات الواردة. ~~(49) # زهر الحديقة في ترجمة رجال الطريقة. ~~(50) # السر المختبي في ضريح ابن العربي. ~~(51) # صرف العنان إلى قراءة حفص بن سليمان. ~~(52) # صفوة الأصفياء في بيان الفضيلة في الأنبياء. ~~(53) # الصلح بين الإخوان في حكم بإباحة الدخان (مخطوط بمكتبة بلدية ~~إسكندرية). ~~(54) # الطلعة البدرية في شرح القصيدة المضرية (مخطوط بمكتبة بلدية ~~إسكندرية). ~~(55) # طلوع الصباح على خطبة المصباح. ~~(56) # الظل الممدود في معنى وحدة الوجود. ~~(57) # العبير في التعبير (مخطوط بمكتبة بلدية إسكندرية). ~~(58) # علم الملاحة في علم الفلاحة، دمشق 1291ه. ~~(59) # العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولية، مطبعة المقتبس، دمشق، ~~1329ه. ~~(60) # الفتح الرباني والفيض الرحماني. ~~(61) # الفتح المدني في النفس اليمني. ~~(62) # الفتح المكي واللمح الملكي. ~~(63) # فتح المعين المبدي شرح منظومة سعدي أفندي. ~~(64) # الفتوحات المدنية في الحضرات المحمدية. ~~(65) # الفيض الرباني والفيض الرحماني. ~~(66) # قطرة السماء ونظرة العلماء. ~~(67) # قلائد المرجان في عقائد أهل الإيمان. ~~(68) # القول الأبين في شرح قصيدة أبي مدين. ~~(69) # القول العاصم في قراءة حفص عن عاصم. ~~(70) # كتاب الجواب عن الأسئلة المائة والإحدى والستين. ~~(71) # كشف السر الغامض في شرح ديوان ابن الفارض. ~~(72) # كشف النور عن أصحاب القبور. ~~(73) # كنز الحق المبين في أحاديث سيد المرسلين . ~~(74) # كفاية الغلام في حملة أركان الإسلام (على مذهب ms109 أبي حنيفة) مطبعة ~~شرف بالقاهرة، 1308ه، الإسكندرية، 1281ه، دمشق، 1283ه. ~~(75) # الكوكب الساري في حقيقة الجزء الاختياري. ~~(76) # كوكب الصبح في إزالة القبح. ~~(77) # كوكب المباني وموكب المعاني (مخطوطة بمكتبة بلدية ~~إسكندرية). ~~(78) # لمعان الأنوار في المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم ~~بالنار. ~~(79) # لمعان البرق النجدي شرح تجليات محمود أفندي. ~~(80) # لمعة النور المضية شرح الأبيات السبعة الزائدة من الخمرية ~~الفارضية. ~~(81) # المجالس الشامية في مواعظ أهل البلاد الرومية. ~~(82) # المعارف الغيبية في شرح العينية الجيلية. ~~(83) # مجموعات كثيرة لرسائله (في مختلف المكتبات). ~~(84) # مفتاح المعية في الطريقة النقشبندية. ~~(85) # المقام الأسمى في امتزاج الأسما. ~~(86) # المقصود في وحدة الوجود. ~~(87) # منظومة في أسماء الله الحسنى. ~~(88) # نخبة المسألة في شرح التحفة المرسلة. ~~(89) # النظر المشرفي في معنى قول الشيخ عمر بن الفارض: «عرفت أم لم ~~تعرف». ~~(90) # نفحات الأزهار على نسمات الأسحار (في مدح النبي)، بولاق، 1299ه، ~~دمشق، 1299ه. ~~(91) # النفحات المنتشرة في الجواب عن الأسئلة العشرة. ~~(92) # نهاية السول في حلية الرسول. ~~(93) # الوجود الحق والخطاب الصدق. ~~(ب) مراجع عربية: عن النابلسي ~~(1) # البستاني (فؤاد أفرام): ما قبيل النهضة، الشيخ عبد الغني النابلسي والشيخ أحمد الحر، ~~مجلة المشرق، 1951م، العدد الأول، ص71-80. ~~(2) # البكري (مصطفى): الفتح الثري في الشيخ عبد الغني (مخطوط). ~~(3) # الجبرتي (عبد الرحمن): عجائب الآثار في التراجم والأخبار، 4 أجزاء، القاهرة، ~~1323ه. ~~(4) # الخالدي (أحمد سامح): رحلة إلى ديار الشام، يافا، 1946م. ~~(5) # حيدر (الأمير): لبنان، نشر رستم، ج. أ. ~~(6) # شبلي (الأب أنطونيوس اللبناني): الفتح الرباني والفيض الرحماني، للشيخ عبد الغني النابلسي ~~(تعريف بالكتاب في مجلة المشرق، 1947م، العدد 4، ص586-611). ~~(7) # عبود (مارون): رواد النهضة الحديثة، بيروت، 1952م. ~~(8) # ابن عربي: فصوص الحكم؛ نشر الدكتور أبو العلا عفيفي، القاهرة، ~~1946م. ~~(9) # الكتاني (عبد الحي): فهرس الفهارس والأثبات، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، ~~جزءان، المطبعة الجديدة بفاس، 1346-1347ه. ~~(10) # المرادي (محمد خليل بن علي): سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، القاهرة، 1291ه. ~~(ج) مراجع غير عربية عن النابلسي ~~(1) # Gibb (H, A, R,): Mohammedanism, London 1950. ~~(2) # Gibb (H, A, R,) & Bowen ~~(Harold): Islamic Society and the west, vol l, paris I, ~~II, London, 1950-1957. ~~(3) # Khalidi (W, ms110 A, S,): Abd al-Ghani B, Ismil al-Nabulsi (art, Enc, ~~Isl, new Edition). ~~(4) # Massignon: La passion de ~~al-Hallaj. ~~(5) # Nicholson: Studies in Islamic Mysticism. Cambridge ~~1921. ms111