######OpenITI# #META# URI: 1387JamalDinShayyal.MujmalTarikhDumyat.Hindawi59285936 #META# Tags: history #META# ID: 59285936 #META# Title: مُجمَل تاريخ دمياط : سياسيًّا واقتصاديًّا #META# AuthorID: 18290715 #META# Author: جمال الدين الشيال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # تاريخ المدينة السياسي‏ # دمياط في العصور القديمة‏ # دمياط في العصر العربي‏ # دمياط في العصر العثماني‏ # دمياط في عهد الحملة الفرنسية‏ # دمياط في عصر الأسرة المحمدية العلوية‏ # كلمة أخيرة‏ # تاريخ المدينة الاقتصادي‏ # التاريخ التجاري‏ # التاريخ الصناعي‏ # كلمة المؤلف‏ # تاريخ المدينة السياسي‏ # دمياط في العصور القديمة‏ # دمياط في العصر العربي‏ # دمياط في العصر العثماني‏ # دمياط في عهد الحملة الفرنسية‏ # دمياط في عصر الأسرة المحمدية العلوية‏ # كلمة أخيرة‏ # تاريخ المدينة الاقتصادي‏ # التاريخ التجاري‏ # التاريخ الصناعي‏ # | مجمل تاريخ دمياط # | مجمل تاريخ دمياط # | سياسيا واقتصاديا # تأليف # جمال الدين الشيال # | كلمة المؤلف # دمياط وطني الأول، فيها ولدت، وبين ربوعها قضيت طفولتي الأولى؛ فلها في نفسي أجمل ~~الذكريات. # ناحية من شاطئ دمياط. # وقد عنيت منذ نيف وعشر سنوات بكتابة تاريخ لها، فقرأت عنها الكثير، وجمعت أثناء ~~قراءاتي مادة وفيرة، كنت أدخرها إلى أن يصفو الوقت، وأفرغ من مشاغلي، فأتوفر على كتابة ~~هذا التاريخ. وكنت أطمع، بل أطمح أن أوفق لإخراج هذا التاريخ كاملا مفصلا، ولكن ~~غرفة دمياط التجارية انتهزت فرصة قيام المعرض الزراعي الصناعي هذا العام وأرادت أن تقدم ~~للناس مجملا يعرف الناس بهذه المدينة في عصورها المختلفة. وأحسنت الغرفة بي الظن؛ ~~فكلفتني بكتابة هذا المجمل في وقت كانت تغمرني فيه شواغل العمل والحياة، ولكنني استجبت ~~لرغبتها الكريمة، وها أنا ذا أقدم هذا المجمل. وغاية ما أرجو أن أوفق في القريب إن ~~شاء الله لتقديم تاريخ للمدينة كبير، أفصل فيه ما أجمل، وأوضح فيه ما غمض، وأستوفي ~~فيه ما نقص؛ فإن لدمياط في نظري نواحي أخرى لا زالت تحتاج للتأريخ، وأهمها: التاريخ العلمي ~~للمدينة. # | تاريخ المدينة السياسي # | دمياط في العصور القديمة # دمياط مدينة عريقة في القدم، ذكرت في التوراة باسم «كفتور»، وعرفت في العصر ~~اليوناني باسم تامياتس # Tamiatis ~~، وفي العصر القبطي ~~باسم تاميات # Tamiat # أو تامياتي # Tamiati ~~- ويقال إن معنى هذا اللفظ في اللغة المصرية القديمة: الأرض ~~الشمالية أو الأرض التي تنبت الكتان - ومع هذا فنحن لا نكاد نجد لها ذكرا في المراجع ~~القديمة، وإنما ms01 تبدأ معرفتنا بها بعد الفتح الإسلامي لمصر. # ولعل السر في غموض تاريخها القديم أن فرع دمياط كان أقل فروع النيل السبعة القديمة ~~أهمية، وكان الفرع البلوزي الذي يصب في البحر عند مدينة بلوزيم - أو الفرما - أهم ~~الفروع التي تمر بشرقي الدلتا، وأنه كان يجاور دمياط على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ~~مدينتان قديمتان، لهما ما لها من سمات ومميزات، وهما: مدينة تنيس، ومدينة الفرما أو ~~بلوزيم Pelusium ~~، فكل منهما كانت تشرف على ~~البحر الأبيض المتوسط؛ الفرما عند نهاية الفرع البلوزي، وتنيس عند نهاية نهر صغير كان ~~يخرج من فرع دمياط، ويسمى الفرع التنيسي. # وكان موقع هاتين المدينتين ممتازا من الناحيتين الحربية والتجارية، بل لعلهما ~~كانتا تفوقان دمياط القديمة في هاتين الناحيتين؛ فتنيس كانت جزيرة في الطرف الشرقي من ~~البحيرة التي كانت تحمل اسمها (بحيرة تنيس أو المنزلة الحالية)، كما كانت هي والفرما ~~تقعان في نهاية خط مستقيم تقريبا يمتد عبره طريق قوافل صحراوي يصل بينهما وبين ~~ميناء البحر الأحمر الهام القلزم (أو السويس الحالية)، فكانت تجارات الشرق التي تصل ~~إلى القلزم تحمل منه عبر هذا الطريق إلى الفرما، حيث تحملها سفن البحر الأبيض المتوسط ~~إلى سواحل الشام وآسيا الصغرى واليونان، وهاتان المدينتان - إلى هذا كله - أقرب إلى هذه ~~السواحل من دمياط. # | دمياط في العصر العربي # (1) الفتح العربي # فإذا كان الفتح العربي (سنة 20ه/640م) فإنا نجد هذه المدن الثلاث تقاوم مقاومة ~~عنيفة، فلا تخضع إلا بعد جهاد مرير، ومعرفتنا بأخبار دمياط التفصيلية تبدأ بحوادث ~~هذا الفتح؛ فقد وجه الجيش العربي - بعد استيلائه على حصن بابليون - فرقا منه ~~بقيادة البطل العربي المقداد بن الأسود لإخضاع مدن الشاطئ الشرقي. وتقول الرواية ~~العربية إن المدينة وقت الفتح كان يحيط بها سور قوي، وإن جندها بقي يقاوم مدة ~~طويلة داخل هذا السور، فلما طال الحصار جمع «الهاموك» - حاكم المدينة - أصحابه ~~وشاورهم في الأمر، فنصحه سوادهم بالتسليم، ولكنه خالفهم وظل يقاوم، وكان له ابن ~~يسمى شطا، فخرج إلى المسلمين في الليل، ودلهم على عورات البلد، فلم يشعر ms02 الهاموك ~~إلا والمسلمون يكبرون على سور المدينة ويدخلونها، ثم سار الجيش العربي إلى تنيس، ~~فلقي من حصانة موقعها - كجزيرة تحيط بها المياه - ومن حاميتها نضالا أشد وأعنف. ~~وتعود الرواية العربية فتذكر أنه عندما اشتد النضال للاستيلاء على تنيس تقدم ~~شطا لمساعدة العرب - ومعه ألفان من الجند - فأعلن إسلامه، واشترك في قتال أهل تنيس ~~فأبلى بلاء حسنا إلى أن استشهد في ليلة الجمعة النصف من شعبان سنة 21ه (19 يوليو ~~642) فقبر حيث هو الآن خارج دمياط. # وهذه الرواية العربية لا تقف طويلا أمام النقد التاريخي؛ فإن مدينة شطا - التي ~~يقال إنها سميت باسم هذا القائد المدفون بها - كانت موجودة ومعروفة بهذا الاسم قبل ~~الفتح، كما أن حاكم دمياط في ذلك الوقت معروف أيضا، وقد ذكر المؤرخ حنا النقيوسي ~~أنه كان يسمى «حنا» لا «شطا» ولا «الهاموك»، غير أننا مع هذا لا نستطيع أن نتجاهل ~~بعض الحقائق الثابتة المتصلة بهذا الحادث؛ فالمؤرخون العرب يذكرون أن هذا البطل ~~قد استشهد يوم الجمعة النصف من شعبان سنة 21ه، وهذا التاريخ يقابل التاسع عشر من ~~يوليو سنة 642م، وهو العام الذي تم فيه فتح هذه المنطقة، كما أن التقاويم تثبت أن ~~هذا اليوم كان يوم جمعة حقا، فإذا قرنا هاتين الحقيقتين بحقيقة ثالثة، وهي ~~وجود قبر خاص في قرية شطا لا يزال قائما، ولا يزال أهالي دمياط يحتفلون بذكرى ~~صاحبه في النصف من شعبان من كل سنة حتى اليوم، استطعنا أن نصل إلى حل معقول، وهو ~~أن قائدا رومانيا انضم إلى العرب فعلا أثناء حربهم لدمياط وتنيس، وأنه استشهد ~~في هذا التاريخ ودفن في هذا المكان، أما اسمه الحقيقي فلسنا نعرفه، ولكن هذا الاسم ~~لم يكن شطا على كل حال، وإذا كان كذلك فإنه لم يكن قطعا حاكما لدمياط أو ابنا ~~لحاكمها. ~~(2) دمياط في عصر الإمارة # وخلصت مصر للعرب بعد إتمام فتحها، وعين على دمياط وتنيس ولاة من المسلمين ~~يحكمونهما، غير أن معظم أهليهما ظلوا على دينهم المسيحي سنين طويلة بعد ذلك، ~~ولم تنس الدولة ms03 البيزنطية أنها قد فقدت - بخروجها من مصر - خير أملاكها ؛ فظلت ~~قرونا طويلة تغير على شواطئ مصر الشمالية بأساطيلها؛ عساها تستطيع استردادها، ~~وكانت أولى هذه المحاولات في عهد الوالي العربي الثاني على مصر «عبد الله بن سعد بن ~~أبي السرح» ولكن أساطيل الروم هزمت في موقعة ذات الصواري، ولم تثنهم هذه الهزيمة ~~عن عزمهم، فظلوا يغيرون على سواحل مصر، وإنما اتجهت غاراتهم بعد ذلك عن ~~الإسكندرية إلى موانئ مصر الشرقية: الفرما وتنيس ودمياط؛ مما دفع الخلافة الإسلامية ~~وولاة مصر من العرب إلى العناية كل العناية بتحصين هذه الموانئ وتزويدها بالحاميات ~~تقيم وترابط فيها دائما للدفاع عنها برا وبحرا. # وقد قام جند دمياط وحاميتها في القرون الإسلامية الأولى بواجبهم خير قيام، ~~فردوا عن المدينة غزوات الروم المتتابعة، كما كانوا يسهمون في إخضاع الثورات ~~الداخلية التي كان يقوم بها سكان الحوف الشرقي (أي الأراضي الواقعة شرقي الدلتا)، ~~وكانت غالبيتهم من الأقباط. # تعددت غارات الروم على دمياط في القرون الثلاثة الهجرية الأولى، وقد أشار ~~المؤرخون إلى بعضها، وهي التي حدثت في السنوات: 90ه/709م و121ه/738م و238ه/853م و245ه/859م و247ه/861م و357ه/968م، وكانت أخطر هذه الغارات وأهمها ~~الغارة التي وفدت على دمياط في سنة 238ه/853م في عهد ولاية عنبسة بن إسحاق على ~~مصر. # ففي تلك السنة وفد الروم إلى دمياط يحملهم أسطول كبير يزيد على ثلاثمائة ~~سفينة، واستطاعوا أن ينزلوا إلى المدينة ويستولوا عليها، فقتلوا عددا كبيرا من ~~سكانها وسبوا النساء، وساعدهم على هذا كله خلو المدينة وقتذاك من حاميتها ~~وجندها، فقد انتهز والي مصر «عنبسة بن إسحاق» فرصة عيد الأضحى من تلك السنة، وأراد ~~أن يحتفل بطهور ولديه حتى يجمع بين العيد والفرح، واحتفل لهذا احتفالا كبيرا، ~~فدعا إليه حاميات دمياط وتنيس والإسكندرية ليشتركوا في هذا الحفل، ويبدو أنه كان ~~للروم عيون وجواسيس في هذه الثغور، فأبلغوهم خبر استدعاء حامياتها، فانتهزوا هذه ~~الفرصة السانحة، وانقضوا على دمياط صباح يوم عرفة، فقتلوا ونهبوا وأسروا. ولكن ~~الكتب التاريخية تروي أن عنبسة كان قد غضب على قائد من قواد دمياط ms04 يدعى أبو ~~جعفر بن الأكشف؛ فسجنه في بعض أبرجة المدينة، فلما اشتد الخطب بنزول الروم، مضى ~~إلى أبي جعفر في سجنه بعض أعوانه، فكسروا قيده وأخرجوه، والتفوا حوله، وانضم ~~إليهم نفر من أهل المدينة وتقدموا جميعا لمحاربة الروم حتى هزموهم وأخرجوهم من ~~المدينة، فنزحوا عنها إلى تنيس فلم يقدروا عليها، وعادوا إلى بلادهم. # وبلغ الخبر إلى عنبسة في عاصمته - الفسطاط - فنفر في الحال بجند مصر، ولكنه وصل ~~إلى دمياط متأخرا بعد مغادرة الروم لها، فأخذ يعنى بتحصين المدينة. # وأخبار الفتح العربي لمصر تروي أن دمياط كان يحيط بها سور، فلعله أنشئ في عهد ~~الرومان. وأخبار هذه الغارة تروي أيضا أن أبا جعفر بن الأكشف سجن في بعض أبرجة ~~المدينة، فالمدينة إذن كان لها سور قديم، وكان بها بعض الأبرجة والحصون، ولكن نجاح ~~هذه الغارة يبين أن هذه التحصينات جميعا كانت قد تهدمت وتشعث بنيانها؛ لهذا ~~لم يكن من الغريب أن يأخذ الذعر من الخليفة العباسي المتوكل مأخذه عندما تصله أخبار ~~هذه الغارة الخطرة؛ فيرسل في الحال إلى واليه على مصر يأمره ببناء أسوار قوية تحيط ~~بثغور مصر الشرقية: دمياط وتنيس والفرما. وأسرع عنبسة بتنفيذ أوامر الخليفة؛ فبدأ ~~في بناء سور دمياط وحصونها يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر رمضان سنة 239ه (5 ~~فبراير 854م)، وفي نفس السنة بنيت أسوار تنيس والفرما وحصونهما. # وكان لهذه الغارة أثر خطير آخر؛ فقد أدرك الخليفة أيضا أن هذه الأسوار والحصون ~~لا تكفي للدفاع عن ثغور تطل على البحر، وإنما الدفاع الحق عنها يكون بإنشاء ~~الأساطيل؛ لأن الروم لا يفدون إليها إلا في البحر وفي أساطيل قوية، فأمر واليه أن ~~يعنى بشئون الأساطيل. يقول المؤرخ المصري الكبير تقي الدين المقريزي تعقيبا على ~~أخبار هذه الغارة: «وأنشأ من حينئذ الأسطول بمصر.» ويقول في مكان آخر: «فوقع ~~الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول، وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة ~~البر، وانتدب الأمراء له الرماة، فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية.» ~~فالفضل في إنشاء أساطيل مصرية ms05 - سيكون لها شأن أي شأن في الدفاع عن سواحل مصر بعد ~~ذلك، وفي حروب مصر الإسلامية - إنما يرجع إلى هذه الغارة. # ونحن نلاحظ أن العناية بتحصين دمياط برا وبحرا في عهد المتوكل قد آتت ثمارها، ~~فلم تفد على دمياط غارة بعد ذلك قوية خطيرة كتلك التي وفدت في عهد عنبسة، وإنما ~~كانت الغارات اللاحقة جميعا غارات قرصنة هدفها الأول والأخير النهب والسلب، ~~والأسر والقتل، أما دمياط فبقيت سليمة ترد عادية المعتدين بفضل جندها وأهليها ~~وحصونها وأساطيلها. ~~(3) دمياط في العصر الفاطمي # وقد ازدهرت دمياط في العصر الفاطمي، وبدأت تتفوق على رصيفتيها تنيس والفرما، ~~وتأخذ مكان الصدارة بين موانئ مصر الشرقية، وساعدها على هذا أن الفرع البلوزي أخذ ~~منذ ذلك الحين يضيق وتطمره الرمال ويفقد أهميته شيئا فشيئا، بينما أخذ فرع دمياط ~~يتسع وينطلق إلى البحر وتزيد أهميته ويكثر استعماله. # ولعل أكبر الدوافع التي دفعت الفاطميين للعناية بثغر دمياط أنه كان مركزا هاما ~~لصناعة النسيج، وتحيط به وتتبعه مدن وقرى كثيرة كلها مراكز لصناعة النسيج أيضا؛ ~~فقد كانت مصر تنقسم إداريا وقتذاك إلى كور (وواحدتها كورة)، وهي ما يقابل ~~المديرية أو المحافظة في مصطلحنا الحديث. وكان الجزء الشمالي الشرقي من مصر يكون ~~كورة كبيرة واحدة تسمى «كورة تنيس ودمياط»، وللكورة - كما يتبين من اسمها - مركزان ~~هامان، هما: تنيس ودمياط، لا تفضل إحداهما الأخرى، وإنما كانتا تتناوبان في احتلال ~~الصدارة بين مدن هذه الكورة، إلى أن ضعف شأن تنيس وتلاشت في العصر الأيوبي؛ فأصبحت ~~دمياط هي المدينة الأولى بين مدن هذه الكورة. # وكان يتبع دمياط مدن وقرى كثيرة لها ذكر ومقام ملحوظ في أقوال المؤرخين؛ ~~لأنها كانت جميعا مراكز هامة - كما ذكرنا - لصناعة النسيج، وأهم هذه المدن: شطا ~~وتنيس وتونة وبورة ودبيق. # وكان يلي دمياط وتنيس دائما واليان من قبل والي مصر العام، ثم من قبل الخلفاء ~~الفاطميين بعد ذلك، كما كان يشرف على القضاء في مصر كلها قاض أكبر، وهو الذي ~~لقب في أول العصر الفاطمي بقاضي القضاة، وكان هذا القاضي الأكبر ms06 - أو قاضي ~~القضاة - يعين من قبله قضاة ينوبون عنه في الحكم بالمدن الكبيرة كدمياط وتنيس، ~~وكان هذا القاضي يتخذ مقره في تنيس أحيانا وينيب عنه بدوره من يتولى عنه الحكم في ~~دمياط، وقد يحدث العكس، أو قد يتولى الحكم بنفسه في المدينتين متنقلا ~~بينهما. # ويستفاد من كلام الكندي وهو يؤرخ لبعض قضاة دمياط أن قاضي هذه المدينة في ~~العصر الفاطمي كان يمكث بها تسعة أشهر للنظر في القضايا والأحكام، ثم يعود إلى ~~الفسطاط فيقيم بها «ثلاثة أشهر: رجب وشعبان ورمضان ... بحسب العادة.» # وكان في كل من دمياط وتنيس في العصر الفاطمي محتسب خاص - يعين من قبل ~~محتسب القاهرة - للإشراف على شئون المدينتين الاجتماعية والاقتصادية. # والدولة الفاطمية نشأت أول ما نشأت في تونس، وكانت تسمى وقتذاك إفريقية، وهي ~~إقليم يطل على البحر الأبيض المتوسط؛ ولهذا عني الفاطميون - وهم لا يزالون في ~~إفريقية - عناية فائقة بالأسطول، فأنشئوا السفن الكثيرة وزودوها بالرجال ~~والعتاد، وقد أسهمت أساطيلهم مساهمة فعالة في غاراتهم المتتالية على مصر حتى تم ~~لهم فتحها في سنة 358ه. # فلما انتقلوا إلى مصر لم تقل عنايتهم بالأساطيل، بل زادت، ويقال إن المعز - أول ~~خلفائهم بمصر - أنشأ في عهده أسطولا يتكون من ستمائة سفينة. # وكانت هذه السفن الحربية تبنى فيما كان يسمى في العصور الإسلامية: «دار الصناعة» ~~أي دار صناعة السفن، وكان في الفسطاط قبل العصر الفاطمي دار صناعة فأبقى عليها ~~الفاطميون، وأنشئوا إلى جانبها دار صناعة جديدة في «المقس» - ميناء القاهرة - وكان ~~هناك لا شك دار صناعة في دمياط منذ بدئ بإنشاء الأسطول في عهد عنبسة، كما كانت ~~هناك دار صناعة أخرى في الإسكندرية. # وقد عني الفاطميون عناية زائدة بهذه الدور، وخاصة دار صناعة دمياط؛ فقد دخلت ~~بلاد الشام في ملكهم، ودمياط أقرب موانئ مصر لهذه البلاد، كما أنها معرضة لغارات ~~الصليبيين عليها، كما كانت معرضة لغارات البيزنطيين من قبل. # وكان الفاطميون يعنون بالأساطيل وتجهيزها والإشراف على الثغور عناية سنوية ~~دائمة لا تقف ولا تنقطع، وكان موعد هذه العناية في شهر برمهات ms07 من كل سنة عندما يصحو ~~الجو، يقول المقريزي: «وفي برمهات تجري المراكب السفرية في البحر الملح إلى ديار ~~مصر من المغرب والروم، ويهتم فيه بتجنيد الأجناد إلى الثغور كالإسكندرية ودمياط ~~وتنيس ورشيد، وفيه كانت تجهز الأساطيل ومراكب الشواني لحفظ الثغور.» وينص في مكان ~~آخر على أن سفن الأسطول كانت تصنع في دور الصناعة جميعا في مصر والإسكندرية ~~ودمياط، يقول: «وكان من أهم أمورهم (يقصد الفاطميين) احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ~~ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات ~~والمسطحات إلى بلاد الساحل حين كانت بأيديهم، مثل صور وعكا وعسقلان.» # وكان أسطول دمياط يقوم على حمايتها من عدوان المغير، كما حدث في عهد الخليفة ~~الفاطمي الفائز، ففي جمادى الآخرة من سنة 550ه (أغسطس 1155م) وصل إلى دمياط أسطول ~~صاحب صقلية في نحو ستين مركبا «فعاثوا وقتلوا ونزلوا بتنيس ورشيد والإسكندرية ~~فأكثروا فيها الفساد.» فتصدى لهم أسطول دمياط حتى ردهم. # وحدث أيضا في خلافة العاضد - آخر خلفائهم - ووزارة شاور الثانية، أن نزل أسطول ~~الصليبيين في عشرين شونة (أي سفينة حربية كبيرة) على تنيس فقتل وأسر وسبى، فتولى ~~أسطول دمياط محاربة هذه السفن وردها. # هاتان هما الغارتان اللتان نزلتا على دمياط وما يجاورها طيلة العصر الفاطمي، ~~إحداهما وفدت من صقلية، والثانية أرسلها الصليبيون في الشام، مما يبين في وضوح أن ~~غارات البيزنطيين على شواطئ مصر قد انقطعت في العصر الفاطمي؛ ولعل السبب في هذا أن ~~الدولة البيزنطية كانت قد أصابها الضعف والكلال، وأن العلاقات بين الفاطميين ~~والبيزنطيين كانت في معظمها علاقات طيبة. # ولكننا نلاحظ أيضا أن خطرا مسيحيا جديدا أخذ يظهر في الأفق، ويهدد دمياط ~~وسواحل مصر، كان يمثل هذا الخطر أساطيل النورمانديين في صقلية، وأساطيل الصليبيين ~~في سواحل الشام بعد استيلائهم عليها في أعقاب الحملة الصليبية الأولى في أواخر ~~القرن الخامس الهجري (11م). # غير أن واجب الأسطول المصري في العصر الفاطمي لم يكن مقصورا على الدفاع عن ~~الشواطئ فحسب، وإنما كان واجبه الأصلي الخروج إلى مياه البحر الأبيض المتوسط للغزو، ~~وكانت الأساطيل ms08 تخرج للغزو من ثغر دمياط - لا من الإسكندرية - فإذا عادت بغنائمها ~~نزلت عليه أولا. # وكان الخلفاء الفاطميون يحتفلون بالأساطيل عند خروجها للغزو احتفالا كبيرا ~~رائعا، فقد كان لهم منظرة بالمقس (ميناء القاهرة) يجلس فيها الخليفة لوداع الأسطول ~~قبل خروجه للغزو، ولاستقباله إذا عاد، وكانت العادة إذا تم إعداد الأساطيل أن يجلس ~~الخليفة في هذه المنظرة وبين يديه الوزير، ويأتي القواد بالسفن من دار الصناعة ~~بالفسطاط حتى يصلوا بها إلى المقس، فيقومون بعرض حربي بحري جميل، فتتحرك السفن في ~~النيل بين يدي الخليفة «وهي مزينة بأسلحتها ولبوسها، وفيها المنجنيقات، تلعب ~~فتنحدر، وتقلع بالمجاذيف، كما يفعل في لقاء العدو بالبحر الملح، ويحضر بين يدي ~~الخليفة المقدم والرئيس، فيوصيهما، ويدعو للجماعة بالنصرة والسلامة ... إلخ.» هكذا ~~وصف المقريزي في خططه حفلة العرض البحري قبل خروج الأساطيل المصرية للغزو في العصر ~~الفاطمي، ثم استطرد فنص في وضوح تام على أن هذه الأساطيل كانت تخرج للغزو من ثغر ~~دمياط، قال: «وتنحدر إلى دمياط، وتخرج إلى البحر الملح، فيكون لها ببلاد العدو صيت ~~وهيبة، فإذا وقع لهم مركب لا يسألون عما فيه سوى الصغار والرجال والنساء والسلاح، ~~وما عدا ذلك فللأسطول.» أي أن رجال الأسطول كانوا يقدمون للدولة أسراهم من الأطفال ~~والرجال والنساء، وغنيمتهم من السلاح، أما غنائمهم من الأموال والمتاع فكانت تترك ~~لهم جزاء وفاقا على بلائهم في الغزو. # وقد وصلتنا أخبار قليلة عن بعض هذه الغزوات البحرية وانتصاراتها في العصر ~~الفاطمي، وكيف كانت تستقبل عند عودتها، وماذا كان يفعل بأسراها. # ذكر المقريزي أنه قدم على الأسطول مرة أمير يقال له: حرب بن فور، فكسب بطسة (أي ~~سفينة حربية كبيرة) حصل فيها خمسمائة رجل. # واتفق مرة أن قدم على الأسطول قائد آخر يدعى سيف الملك الحمل، فخرج للغزو، وأسر ~~بطسة عظيمة فيها ألف وخمسمائة شخص، بعد أن قتل منهم نحوا من مائة وعشرين رجلا، ~~وعاد بالسفينة والأسرى إلى دمياط، ثم صعد بها إلى القاهرة، فخرج الخليفة إلى منظرة ~~المقس، واحتفل بعودته احتفالا رائعا، وأطلق الأسرى بين ms09 يديه، «واستدعيت الجمال ~~لركوبهم، وشق بهم القاهرة ومصر، وهم كل اثنين على جمل ظهرا لظهر.» ~~(4) دمياط في العصر الأيوبي # وفي منتصف القرن السادس الهجري (12م) قضي على الدولة الفاطمية الشيعية وخلفتها ~~في حكم مصر دولة جديدة سنية المذهب هي دولة بني أيوب. وفي عهد بني أيوب لعبت ~~دمياط دورا خطيرا في تاريخ مصر السياسي والحربي، فقد كثرت غارات الصليبيين ~~العنيفة على هذا الثغر، ولكن دمياط صمدت لهذه الغارات، ودافعتها ودفعتها في شجاعة ~~وبطولة. ~~(4-1) في عصر صلاح الدين # بدأت هذه الغارات في سنة 565 وصلاح الدين لا يزال بعد وزيرا للعاضد، ففي ~~الثالث من صفر من تلك السنة وصلت إلى دمياط أساطيل الصليبين في نحو ألف مركب ~~تحمل مائتي ألف فارس وراجل، واستطاعوا أن ينزلوا بالبر، وظلوا يحاصرون المدينة ~~ثلاثة وخمسين يوما؛ فأسرع صلاح الدين وأرسل إليها الجيوش بقيادة ابن أخيه تقي ~~الدين عمر بن شاهنشاه وخاله شهاب الدين الحارمي، وأسرع الخليفة العاضد فقدم ~~لصلاح الدين كل مساعدة ممكنة، ثم خرج صلاح الدين بنفسه ليشرف على القتال في ~~دمياط، ووصلت أخبار هذه الحملة إلى نور الدين في الشام؛ فأرسل إليه الأمداد، ~~وخرج نور الدين بنفسه لمناوشة أملاك الصليبيين في الشام، فاضطروا أمام هذا وذاك ~~أن يغادروا المدينة في الحادي والعشرين من ربيع الأول بعد هذا الحصار الطويل ~~دون أن يصيبوا منها شيئا، وبعد أن «غرق لهم نحو ثلاثمائة مركب، وقلت رجالهم ~~بفناء وقع فيهم، وأحرقوا ما ثقل عليهم حمله من المنجنيقات وغيرها.» # واجه صلاح الدين هذه الشدة العظمى في دمياط وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى ~~نحو ملك مصر؛ لهذا نجده يعنى بهذا الثغر وبتحصينه - في قابل أيامه - عناية ~~خاصة، ففي الثاني والعشرين من شعبان سنة 572 (فبراير 1177م) - وقد استقل صلاح ~~الدين بمصر - خرج من القاهرة فقصد إلى دمياط لزيارتها، وكان في صحبته ولداه: ~~الأفضل علي، والعزيز عثمان، وكاتبه العماد الأصفهاني، فمكث بالمدينة يومين ثم ~~رحل منها إلى الإسكندرية، وقد حدد العماد الأصفهاني الغرض من هذه الزيارة ~~بقوله: «ورأى ms10 (أي صلاح الدين) في الحضور بالثغر المذكور ومشاهدته الاحتياط.» ~~كما ذكر أن سفن الأسطول بدمياط كانت قد خرجت للغزو وعادت بسبي كثير، قال: ~~«وكان له سبي كثير جلبه الأسطول.» # وفي سنة 577 (1181-1182) كان قد مضى على صلاح الدين منذ استقل بمصر عشر ~~سنوات، وأراد أن يرحل إلى الشام ليوفر جهوده كلها لتحقيق هدفه الأسمى وهو ~~محاربة الصليبيين وطردهم من البلاد الإسلامية، ولكنه أراد - قبل أن يغادر مصر - ~~أن يستوثق من مناعتها وقوة حصونها وثغورها، ففي هذه السنة بدأ بناء قلعة الجبل ~~بالقاهرة، وفيها (في ربيع الأول) أغار الفرنج على تنيس واغتصبوا مركبا ~~للتجار؛ فاشتد خوف أهلها، وأرسل السلطان رجاله لعمارة قلعة تنيس وتجديد ~~الآلات بها، فقدروا «لعمارة سورها القديم على أساساته الباقية مبلغ ثلاثة آلاف ~~دينار.» وفيها أيضا انتشر الخبر بأن (الابرنس أرناط) صاحب الكرك على عزم ~~الخروج إلى أيلة ومنها إلى تيماء رغبة في الاستيلاء على المدينة المنورة «فورد ~~الخبر من نائب قلعة أيلة بشدة الخوف من الفرنج.» # واتخذ صلاح الدين لهذا الخطر عدته، فاستدعى خمسين مركبا من مراكب دمياط ~~لتشارك في حماية ساحل مصر (الفسطاط)، وأمر ببناء برج في السويس فيه الفرسان ~~لحفظ طريق الصعيد، وأمر بعمارة قلعة تنيس وأسوارها - كما سبق أن ذكرنا - وكتب ~~إلى دمياط بترتيب المقاتلة على البرجين، ورم شعث سور المدينة، وسدت ثلمه، ~~وأتقنت السلسلة التي بين البرجين، يقول المقريزي: «فبلغت النفقة على ذلك ألف ~~ألف دينار.» # وفي شعبان من نفس السنة شرع في إصلاح سور دمياط وبناء ما تهدم منه، وكان ~~ذرع هذا السور كما نص المقريزي: «أربعة آلاف وستمائة وثلاثون ذراعا» كما شرع ~~في بناء برج جديد بالمدينة. # ولم يقنع صلاح الدين بهذه الأوامر يصدرها، وإنما رحل بنفسه في شهر شوال إلى ~~مدينة الإسكندرية فأشرف على حصونها وأسوارها، وتركها في أول ذي القعدة، فسار ~~إلى دمياط وأشرف بنفسه أيضا على ما تم من إصلاح أسوارها وتحصين قلاعها ~~وأبراجها وسلسلتها ثم عاد إلى القاهرة. # وظلت العناية بدمياط وتنيس دائبة مستمرة حتى آخر ms11 سنة من حياة صلاح الدين، ~~ففي سنة 588 - أي قبل وفاته بسنة واحدة - صدر الأمر بإخلاء تنيس ونقل أهلها إلى ~~دمياط، فخلت تنيس إلا من المقاتلة، كما صدر الأمر بحفر خندق حول دمياط وعمل ~~جسر عند سلسلة البرج بها. # هذه هي دمياط حتى آخر عهد صلاح الدين، قد عني بتحصينها العناية الفائقة ~~فحفر حولها خندق يحميها، ورممت أسوارها ترميما شاملا، وبني بها برج جديد، ~~وجددت سلسلتها، وبني عندها جسر لحمايتها، وشدت إليها السفن لتقاتل عنها ~~المغيرين، وشحنت هذه الحصون جميعا بالمقاتلة، وزيد عددهم، وزادت النفقة ~~عليهم. # ولم تنقطع العناية بدمياط في عهد خلفاء صلاح الدين، بل استمرت وزادت، ~~فالمؤرخون يروون أن العزيز بن صلاح الدين، عزم في ذي الحجة من سنة 592 (أكتوبر ~~1195) «على نقض الأهرام ونقل حجارتها إلى سور دمياط، فقيل له: إن المئونة تعظم ~~في هدمها والفائدة تقل من حجرها، فانتقل رأيه من الهرمين إلى الهرم الصغير وهو ~~مبني بالحجارة الصوان، فشرع في هدمه.» ولكن هؤلاء المؤرخين لم يذكروا بعد هذا ~~هل نقلت حجارة هذا الهرم الصغير فعلا لتحصين سور دمياط أو أنها استخدمت في ~~أغراض أخرى. # وفي عهد العادل أبي بكر - أخي صلاح الدين - أرسل في سنة 599 - وهو بالشام - ~~جندا من رجالها لحفظ دمياط من الفرنج. ~~(4-2) في عهد الملك الكامل محمد # وفي أواخر عهد الملك العادل أبي بكر أصاب الحروب الصليبية انقلاب جديد ~~خطير؛ فقد لاحظ الصليبيون أن مصر هي حصن الإسلام القوي وضيعته الغنية، وأنها ~~مصدر الأمداد القوية الوفيرة من الرجال والميرة والسلاح، وبفضل هذا كله استطاع ~~صلاح الدين أن ينتصر عليهم انتصاراته الحاسمة، ويستعيد منهم بيت المقدس والكرك ~~والشوبك وغيرها من عشرات المدن والقرى؛ لهذا كله قر رأيهم على أن يبدءوا ~~بمصر، فإذا استولوا عليها فقد سهل عليهم كل شيء، واستطاعوا في يسر أن يستعيدوا ~~بيت المقدس، بل ويملكوا الشام كله. # بدءوا هذا الاتجاه في سنة 615 / 1218م والملك العادل يناضلهم في الشام، وفي ~~مصر ابنه الملك الكامل محمد ينوب عنه في الحكم. ms12 # واتخذ الصليبيون لهذا الأمر عدته، ووصلتهم الأمداد الوفيرة من ممالك ~~أوروبا المختلفة، فلما تكامل عددهم أبحروا - بقيادة جان دي بريين ملك بيت ~~المقدس - من عكا إلى دمياط في أسطول ضخم كثير العدد يحمل نحو السبعين ألف ~~فارس وأربعمائة ألف رجل، ووصلوا إلى شواطئ دمياط، ونزلوا ببرها الغربي يوم ~~الثلاثاء رابع ربيع الأول من سنة 615 (يونيو 1218م)، وكان هذا البر الغربي يسمى ~~جزيرة دمياط وهي تسمية مجازية لأن مياه البحر تحيط به شمالا، ومياه النيل ~~تحيط به شرقا، كما كان يسمى أيضا جيزة دمياط، والجيزة في اللغة الناحية، ~~أو لعله سمي كذلك لأنه يجاز إليه من دمياط. # وعسكر الصليبيون في جموعهم الحاشدة بهذا البر الغربي تجاه دمياط وحصنوا ~~معسكرهم، فحفروا حوله خندقا وأحاطوه بسور وستائر. # وكانت دمياط - كما سبق أن أسلفنا - مدينة حصينة غاية الحصانة تحيط بها ~~الأسوار والقلاع والأبراج القوية الضخمة، ويحيط بهذه الأسوار الخندق الذي أنشئ ~~في أواخر عهد صلاح الدين، وكان عند مدخل فرع دمياط برج ضخم مشحون بالمقاتلة ~~والسلاسل الحديد المتينة تمتد منه إلى برج مقابل على شاطئ دمياط لمنع سفن ~~العدو من العبور في النيل والوصول إلى المدينة، وكان هذا البرج هو مفتاح دمياط، ~~لا يمكن للصليبيين الوصول إليها إلا إذا استولوا عليه؛ ولهذا توفرت جهودهم ~~كلها في أول الأمر للاستيلاء على هذا البرج المنيع، واستعانوا لتحقيق هذا الهدف ~~ببناء أبراج خشبية عالية أقاموها على سفنهم وتقدموا بها إلى البرج لمحاربة جنده ~~وحاميته، ولكن هؤلاء الجند استطاعوا أن يردوهم أكثر من مرة. # الفرنج ينزلون بدمياط في عهد الملك ~~الكامل. # ووصلت أخبار نزول الصليبيين إلى بر دمياط الغربي إلى الملك الكامل؛ فخرج ~~بجيشه متجها إلى الشمال، وأرسل الأساطيل إلى دمياط، وأمر الولاة بجمع العربان، ~~ونزل الكامل بمنزلة العادلية قرب دمياط، وعسكر بها، هذا والملك العادل يرسل ~~إليه المدد تلو المدد من الشام ليستعين بها جميعا في محنته. # وظل البرج يقاوم ويمانع أربعة أشهر طوالا، وأخيرا بنى الفرنج برجا عاليا ~~ضخما وأقاموه على بسطة كبيرة، وتقدموا به ms13 تحت وابل من سهام المصريين إلى أن ~~أسندوا برجهم إلى البرج المدافع، وقاتلوا به قتالا عنيفا إلى أن استولوا على ~~برج دمياط. # وكان استيلاؤهم على هذا البرج حادثا خطيرا أليما؛ فقد سهل لهم الاستيلاء ~~على المدينة بعد ذلك . ويكفي للدلالة على خطورة هذا الحادث أن نذكر أن الملك ~~العادل عندما سمع بخبره وهو مقيم بمرج الصفر بالشام تأوه تأوها شديدا، ~~ودق بيده على صدره أسفا وحزنا، ومرض من ساعته، ثم لم يلبث أن مات من حسرته ~~بعد أيام. # وخلص ملك مصر للملك الكامل محمد، فاشتد ثقل العبء الملقى على كتفيه؛ لأن ~~الصليبيين أقدموا بعد استيلائهم على البرج فحطموا سلاسله لتجوز مراكبهم في ~~نهر النيل، فاضطر الكامل لإقامة جسر عظيم جنوبي البرج لمنعهم، ولكنهم قاتلوا ~~عليه قتالا شديدا إلى أن قطعوه. ويقال إن الكامل صرف على البرج والجسر في ذلك ~~الوقت ما ينيف على سبعين ألف دينار، ثم لم ييئس، وإنما أمر أن تغرق عدة من ~~السفن في عرض النيل تمنع سفن الصليبيين من العبور جنوبا، واحتال الفرنج على ~~هذا الإجراء الأخير حيلة ماكرة؛ فقد كان هناك على البرج الغربي خليج قديم ~~يعرف بالخليج الأزرق، كان يجري فيه النيل فيصب في البحر ولكن الرمال طمرته، ~~فأعادوا حفره، وأصعدوا فيه سفنهم حتى وصلت إلى مدينة بورة التي تقابل منزلة ~~العادلية حيث يعسكر الكامل بجيوشه، وبدأت المناوشات بين الجيشين. # كل هذا ودمياط لا زالت آمنة سالمة وسورها يحميها وأبوابها مفتحة، والميرة ~~والأمداد تصل إليها دون انقطاع، والنيل لا يزال يفصل بينها وبين العدو، ~~والعربان تقض مضاجع الصليبيين فتتخطفهم من معسكراتهم في الليل، حتى «امتنعوا ~~من الرقاد خوفا من غاراتهم»، وقامت رياح عاصفة فقطعت مراسي مرمة الفرنج (وهي ~~سفينة ضخمة جدا مشحونة بالميرة والسلاح) ويقول عنها المقريزي: «وكانت من ~~عجائب الدنيا، فمرت إلى بر المسلمين فأخذوها، فإذا هي مصفحة بالحديد لا ~~تعمل فيها النار، ومساحتها خمسمائة ذراع، فكسروها فإذا فيها مسامير زنة ~~الواحد منها خمسة وعشرون رطلا.» # ولو سارت الأمور سيرها الطبيعي لما وصل ms14 الصليبيون إلى دمياط، ولكن البلاء نبت ~~في معسكر المسلمين نفسه، فقد انتهز أحد أمرائهم الكبار ويدعى عماد الدين أحمد ~~بن المشطوب فرصة موت الملك العادل، واستمال إليه عددا من قواد الجيش، وحاول أن ~~يخلع الكامل ويولي مكانه أخاه الملك الفائز. وعلم الكامل بالمؤامرة فخشي على ~~نفسه، فترك معسكره بالعادلية في الليل وانسحب جنوبا إلى أشموم طناح، وأصبح ~~الجند بغير سلطان؛ فتفرقت كلمتهم «وتركوا أثقالهم وخيامهم وأموالهم وأسلحتهم ~~ولحقوا بالسلطان.» ورحب الفرنج بالفرصة المواتية، ونزلوا إلى البر الشرقي يوم ~~الثلاثاء سادس عشر ذي القعدة دون أن يلقوا أية مقاومة، واستولوا على جميع ما ~~كان في معسكر المسلمين «وكان شيئا لا يحيط به الوصف.» وعسكروا في البر الشرقي، ~~وحصنوا معسكرهم كالمعتاد فحفروا حوله خندقا وبنوا سورا، وبدءوا يحاصرون ~~دمياط، ولكن أهلها صمدوا للقتال وقاوموا مقاومة مجيدة عنيفة، وخضعوا إبان هذا ~~الحصار لشدائد مريرة، فقلت الأقوات عندهم، وكان بالمدينة - غير أهلها - ~~عشرون ألف مقاتل، فلما طال بهم الحصار أنهكتهم الأمراض وغلت الأسعار حتى بيع ~~رطل السكر بمائة وأربعين دينارا، والدجاجة بثلاثين، وراوية الماء بأربعين ~~درهما، واحتال السلطان للاتصال بأهل دمياط لتشجيعهم وتقوية روحهم المعنوية؛ ~~فانتدب لذلك رجلا من جنوده يدعى شمائل، فكان يسبح في الماء بعيدا عن أعين ~~الفرنج حتى يصل إلى أهل دمياط فيعدهم بوصول النجدات. # وطال الحصار بالمدينة ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، حتى اشتد بهم الضيق ~~وعدمت لديهم الأقوات، وامتلأت الطرقات والمساكن بالموتى، وتسور الفرنج ~~المدينة أخيرا ودخلوها في يوم الثلاثاء لخمس بقين من شعبان سنة 616 (نوفمبر ~~1219م)، فوضعوا السيف في الناس وأسرفوا في قتلهم، وجعلوا جامع المدينة كنيسة، ~~وانبثوا في القرى المحيطة، وأخذوا يحصنون المدينة وأسوارها، ليتخذوها قاعدة ~~يتقدمون منها نحو الجنوب. # وعسكر الملك الكامل قبالة طلخا عند مخرج بحر أشموم طناح (البحر الصغير الآن)، ~~وشرع الجند يبنون الدور والفنادق والحمامات والأسواق في هذه المنزلة (وقد سميت ~~بعد ذلك المنصورة تيمنا بانتصار الكامل)، وكان قد أرسل الرسل إلى ملوك ~~الأيوبيين في الشام من إخوته وأقاربه يسألهم النجدة ms15 والمعونة، فوصله في ذلك ~~الوقت أخوه الملك المعظم عيسى بجيش كبير، فقوى به قلبه، وخاصة أنه سعى بعد ~~وصوله فأنجاه من ورطته بإبعاد أخيه الفائز وابن المشطوب إلى الشام، فهدأت ~~الفتنة، ووصلت نجدة أخرى من حماة بقيادة المظفر الثاني ابن أخت الملك الكامل ~~في جيش كثيف؛ ففرح بوصولها، ثم وصلت نجدة كبرى بقيادة الملك الأشرف موسى أخي ~~الكامل، وبلغت بذلك عدة فرسان المسلمين نحو أربعين ألف فارس، فقويت قلوب ~~المسلمين، وبدءوا يستعدون للمعركة الحاسمة. # وتقدم الصليبيون - بعد تحصين دمياط - وبعد أن وصلتهم أمداد وفيرة العدد نحو ~~الجنوب في حدهم وحديدهم، ونزلوا قبالة جيش المسلمين شمال بحر أشموم طناح، ولا ~~يفصل بين المعسكرين غير هذا البحر. # واشتد القتال بين الفريقين، وأبلى المسلمون بلاء حسنا، فاستولوا على نحو ~~تسع سفن كبيرة من سفن الفرنج التي تحمل إليهم الميرة من دمياط، وأسروا منهم ~~ألفين ومائتين، ثم احتال الكامل فأرسل سفنا من أسطوله بقيادة الأمير بدر الدين ~~بن حسون في بحر المحلة، وهو فرع كان يخرج من النيل قرب بنها الحالية، ويتصل به ~~ثانية شمالي المنصورة؛ فحالت هذه السفن بين مراكب الفرنج الآتية من الشمال ~~بالميرة وبين الوصول إلى معسكرهم عند المنصورة، ثم عبر جماعة من المسلمين في ~~بحر المحلة هذا إلى الأرض التي يعسكر عليها الفرنج «وحفروا مكانا عظيما في ~~النيل، وكان في قوة الزيادة؛ فركب الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بين ~~الفرنج ومدينة دمياط، وانحصروا فلم يبق لهم سوى طريق ضيقة، فأمر السلطان في ~~الحال بنصب الجسور عند أشموم طناح؛ فعبرت العساكر عليها، وملكت الطريق التي ~~يسلكها الفرنج إلى دمياط إذا أرادوا الوصول إليها، فاضطربوا وضاقت عليهم ~~الأرض.» # وفت ذلك كله في عضد الفرنج، واضطربت أحوالهم وبدءوا يفاوضون الكامل، ~~ويعرضون أن يتركوا دمياط مقابل أن تعاد إليهم القدس وعسقلان وطبرية وجبلة ~~واللاذقية والكرك والشوبك وغيرها من المدن الكثيرة التي كان قد استعادها منهم ~~البطل صلاح الدين، وقبل الكامل أول الأمر أن يسلم لهم هذه المدن جميعا عدا ~~الكرك والشوبك لمكانتهما الحربية، ms16 ولكنهم أصروا على طلباتهم، فلما أحيط بهم ~~من الشمال، وأصبحوا محاصرين بالمسلمين من كل الجهات، أدركوا أنهم هزموا فهدموا ~~خيامهم ومجانيقهم وألقوا فيها النار، وهموا بالزحف على المسلمين ومقاتلتهم ~~للعودة إلى دمياط «فحال بينهم وبين ذلك كثرة الوحل والمياه الراكبة على الأرض، ~~وخشوا من الإقامة لقلة أقواتهم، فذلوا وسألوا الأمان على أن يتركوا دمياط ~~للمسلمين» دون قيد أو شرط. # وبدأ الكامل يستشير أهله وأصحابه، فأشار عليه البعض أن يواصل القتال حتى ~~يتم له النصر النهائي، وأشار البعض الآخر أن يعطي الفرنج الأمان إجابة ~~لطلبهم، وتغلب الرأي الأخير خوفا من أن يصل إلى الفرنج مدد جديد فيستأنفون ~~القتال، واتفق الفريقان على أن يقدم كل منهما رهائن للآخر حتى يتم تسليم ~~دمياط، فأرسل الفرنج عشرين ملكا من ملوكهم رهائن عند الملك الكامل، وأرسل ~~الكامل ابنه الصالح نجم الدين أيوب وعددا من قواده، وجلس الكامل مجلسا ~~عظيما لاستقبال هؤلاء الملوك الرهائن، وحوله إخوته وأهل بيته «وصار في أبهة ~~وناموس مهاب.» وخرج قسوس الفرنج ورهبانهم إلى دمياط، فسلموها للمسلمين تاسع ~~عشر رجب سنة 618، فلما تم تسليمها بعث الفرنج الصالح نجم الدين ومن معه من ~~الأمراء، كما أطلق الكامل رهائنه من الملوك، واتفق الفريقان بعد هذا على هدنة ~~مداها ثمانية أعوام، وعلى أن يطلق كل منهما من عنده من الأسرى. ودخل الملك ~~الكامل دمياط وفي ركابه إخوته وقواده وعساكره، «وكان يوم دخوله إليها من الأيام ~~المذكورة.» وأرسلت البشائر بأخذ دمياط إلى كل البلاد الإسلامية. # وهكذا نزح الصليبيون عن دمياط بعد أن قضوا فيها وعلى شاطئيها الغربي والشرقي ~~ثلاث سنين، وأربعة أشهر، وتسعة عشر يوما. # وتبارى شعراء العصر - كالعادة - في تمجيد هذا النصر والإشادة به، وكان أجمل ~~ما قيل في هذه المناسبة قصيدة الشاعر الكبير شرف الدين بن عنين التي قال ~~فيها: # سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنا # إذا ~~جهلت آياتنا والقنا اللدنا # غداة التقينا دون دمياط جحفلا # من ~~الروم لا يحصى يقينا ولا ظنا # وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا # إلينا سراعا ~~بالجهاد وأرقلنا # فما برحت سمر ms17 الرماح تنوشهم # بأطرافها ~~حتى استجاروا بنا منا # بدا الموت من زرق الأسنة أحمرا # فألقوا ~~بأيديهم إلينا، فأحسنا # وما برح الإحسان منا سجية # نورثها من صيد ~~آبائنا الابنا # وقد عرفت أسيافنا ورقابهم # مواقعها منا، ~~فإن عاودوا عدنا # منحناهم منا حياة جديدة # فعاشوا بأعناق ~~مقلدة منا # ولو ملكونا لاستباحوا دماءنا # ولوغا، ولكنا ~~ملكنا فأسجحنا ~~(4-3) في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب # باءت حملة «جان دى بريين» بالفشل، ولكن الصليبيين لم ينسوا مشروعهم الجديد ~~الذي كان يهدف إلى الاستيلاء على مصر ليسهل عليهم تحقيق أملهم، وهو امتلاك بيت ~~المقدس وأراضي الشام جميعا. # لهذا لم يكد يمضي على الحملة السابقة ثلاثون عاما حتى أعدوا العدة للانقضاض ~~على دمياط مرة ثالثة، ولم تأت الحملة هذه المرة من سواحل الشام، وإنما أتت من ~~فرنسا، ففي 25 أغسطس سنة 1248م/4 جمادي الأولى سنة 646 أبحر من مياه فرنسا ~~أسطول ضخم يزيد على 1800 سفينة تحمل ثمانين ألف مقاتل ومعهم عدتهم وسلاحهم ~~ومئونتهم وخيولهم، وكان قائد هذه الحملة الملك القديس لويس التاسع ملك ~~فرنسا. # ومرت هذه الحملة - في طريقها إلى مصر - بجزيرة قبرص، فقضت بها بعض الوقت وقد ~~أخطأت في هذا؛ لأنها لو اتخذت طريقها إلى مصر دون تلكؤ لفاجأت الجيش المصري قبل ~~أن يستعد ويتخذ للحرب أهبته. # ثم أقلعت الحملة من قبرص، ودمياط قبلتها، ولكن رياحا عاصفة اعترضتها في ~~طريقها، فاضطرت عددا كبيرا من سفنها - نحو 700 سفينة - إلى الانفصال والجنوح ~~إلى شواطئ الشام. # وكانت علاقات الود والإخاء تربط بين ملوك الأيوبيين - منذ عهد الملك الكامل ~~- وبين ملوك صقلية النورمانديين، ويقال إن ملك صقلية في ذلك الوقت - الملك ~~فردريك الثاني - أرسل أحد رجاله متخفيا في زي تاجر إلى الملك الصالح نجم الدين ~~أيوب - وكان مقيما في الشام حينذاك - ليبلغه نبأ هذه الحملة كي يستعد ~~لمقابلتها. # وكان الملك الصالح مريضا مرضا خطيرا يعوقه عن ركوب فرسه، غير أنه انزعج ~~لهذا الخبر، ولم يبال بآلام مرضه، وأمر أن يحمل في محفة، وعاد مسرعا ~~إلى مصر، ونزل عند قرية ms18 أشموم طناح في المحرم سنة 647 (أبريل 1249م) وأصدر ~~أوامره في الحال بالاستعداد. # حملة لويس التاسع تغادر فرنسا إلى ~~دمياط. # فشحنت دمياط بالأسلحة والأقوات والجنود، وبعث إلى نائبه في القاهرة - الأمير ~~حسام الدين بن أبي علي - يأمره بإعداد سفن الأسطول، ففعل وأرسلها إلى دمياط ~~شيئا بعد شيء، ثم أرسل الملك الصالح الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ على رأس ~~جيش كبير ليعسكر في البر الغربي لدمياط ليكون في مقابلة الفرنج إذا ~~قدموا. # هذه الحوادث الأولى وحوادث الحملة جميعا تدل على أن المصريين أفادوا كل ~~الفائدة من الحملة الماضية، كما تدل على أن الصليبيين لم يفيدوا شيئا من ~~أخطائهم في الحملة السابقة، فقد أدرك المصريون أن حملة جان دي بريين قد نزلت ~~أول ما نزلت على الشاطئ الغربي لدمياط؛ ولذلك أمر الملك الصالح جيشه بأن يعسكر ~~على هذا البر ليمنع نزول الصليبيين عليه، وقد كان السبب الأكبر في فشل الحملة ~~الأولى أنها نزلت على دمياط وأرادت الوصول إلى القاهرة بالمسير بمحاذاة فرع ~~دمياط فاعترضتها المجاري المائية الكثيرة المتفرعة عن هذا الفرع، وكان يمكنهم ~~أن يتفادوا هذا الخطأ في محاولتهم الثانية فينزلوا على الإسكندرية ولكنهم لم ~~يفعلوا. # وفي الساعة الثانية من نهار الجمعة لتسع بقين من صفر سنة 647 (يونيو 1249) ~~وصلت سفن الفرنسيين إلى الشاطئ المصري وأرست بإزاء المسلمين، فراعهم كثرة ~~الجيوش المصرية على الشاطئ، كما خطف بأبصارهم بريق أسلحة المسلمين، وعلا صهيل ~~خيولهم وزادت جلبة جندهم، فأفزع الفرنسيين وهم لا يزالون في سفنهم. يصف ~~«جوانفيل» - مؤرخ الحملة وأحد قوادها - الرهبة التي ملكت على الفرنسيين أنفسهم ~~عند رؤية الجيش المصري فيقول: «وصل الملك أمام دمياط، ووجدنا هنا كل جيوش ~~السلطان تقف علي الشاطئ: كتائب جميلة تسر الناظرين، ذلك أن أسلحة السلطان قد ~~صنعت من ذهب، فكانت الشمس تشرق على هذه الأسلحة فتزيدها بريقا ولمعانا، ~~وكانت الجلبة التي يأتون بصنوجهم وأبواقهم الشرقية تدخل الرعب في أفئدة ~~السامعين.» # وفي اليوم التالي استطاع الفرنسيون أن ينزلوا الجند إلى البر - بعيدا عن ~~معسكر المصريين - وبدأت المناوشات ms19 بين الجيشين. # جنود لويس التاسع يدخلون دمياط ويحيلون ~~جامعها كنيسة. # وهكذا بدأت المعركة: الجيش المصري كبير العدد وافر العدة - كما وصفه ~~الفرنسيون أنفسهم - ودمياط على الشاطئ الشرقي مدينة مسورة حصينة قوية قد ~~شحنت بالجند والأقوات والأسلحة؛ لأن السلطان لم ينس أن هزيمتها السابقة إنما ~~كان سببها انعدام الأقوات بعد طول الحصار، فلو أن الأمور سارت سيرا طبيعيا ~~لاستطاع المصريون أن يهزموا هذه الحملة - رغم قوتها وكثرة جندها - ويردوها عن ~~مصر في يسر وسهولة، ولكن الحوادث تطورت تطورا آخر. # فكما أن مؤامرة ابن المشطوب كادت تنزل الهزيمة بالجيش المصري وتوقع ~~الفرقة والاضطراب بين جنوده في عهد الكامل، كذلك جد في حوادث هذه الحملة حادث ~~خطير كاد ينتهي بها إلى نفس النتيجة. # كان السلطان الملك الصالح نجم الدين مريضا - كما ذكرنا - ومقيما في أشموم ~~طناح، وقد اشتد به المرض حتى أصبح على شفا حفرة من الموت، فلما وصلت السفن ~~الفرنسية إلى شاطئ دمياط أطلق الأمير فخر الدين الحمام الزاجل يحمل النبأ إلى ~~السلطان، وتعددت رسائله دون أن يتلقى ردا، فأدرك أن السلطان قد مات، فانتظر ~~حتى وافى الليل وانسحب بجيشه كله من الشاطئ الغربي إلى دمياط، ثم تركها وسار ~~جنوبا متجها إلى معسكر السلطان عند أشموم طناح، وأعمته العجلة فلم يحطم الجسر ~~الذي كان يصل بين الشاطئين الشرقي والغربي فتركه كما هو. # ونظر أهالي دمياط فوجدوا الجيش الذي أتى لحمايتهم قد غادر المدينة، فخافوا ~~على أرواحهم وخرجوا في الليل تاركين مدينتهم وأموالهم وديارهم «ولحقوا بالعسكر ~~في أشموم طناح وهم حفاة عرايا جياع حيارى بمن معهم من النساء والأولاد، وفروا ~~هاربين إلى القاهرة، فأخذ منهم قطاع الطرق ما عليهم من الثياب وتركوهم ~~عرايا.» # ومع أن السلطان كان في أشد حالات المرض فقد غضب على فخر الدين ومن كان معه من ~~القواد غضبا شديدا، وأنبه على فعلته، وأمر بشنق خمسين أميرا من أمراء ~~الكنانية الذين كانوا يتولون الدفاع عن المدينة، وكاد يأمر بقتل فخر الدين ~~نفسه، غير أن الوقت كان حرجا فكتم غيظه إلى ms20 أن تنكشف الغمة، وأصبح الفرنسيون ~~فوجدوا معسكر المصريين خلاء فظنوها مكيدة، فأرسلوا كشافتهم يستطلعون، ولشد ~~ما كانت دهشتهم عندما وجدوا الجسر قائما والمدينة خالية تماما من الجنود ~~والأهلين، فعبر الجيش الفرنسي إليها واستولى عليها دون عناء، وفرح بها الفرح ~~كله فقد كانت مشحونة كما ذكرنا بالعتاد والمئونة. # كان الملك لويس يستطيع أن يتقدم في هذه اللحظة نحو الجنوب قبل أن يفيق ~~المصريون من الارتباك الذي حل بهم، ولو أنه اتبع هذه الخطة لكتب له النصر، ~~غير أنه تلكأ في دمياط مدة تقرب من الستة شهور ينتظر وصول بقية سفنه التي ~~جنحت بها الريح نحو شواطئ سوريا، هذه المدة كانت كافية تماما لأن يتم فيها ~~المصريون استعدادهم ويستعيدوا نشاطهم ويجمعوا صفوفهم. # ولما وصلت السفن الشاردة دعا الملك لويس التاسع قواده للتشاور ولاختيار ~~الطريق الذي يسلكونه، أيتجهون نحو الإسكندرية أم يسيرون قدما إلى القاهرة؟ ~~وأشار الكونت بيتر ~~البريطاني # Count Peter of Brittany # ومعظم قواد الجيش بالمسير إلى الإسكندرية ~~والاستيلاء عليها أولا، وكانت حجتهم معقولة وصحيحة من الناحية الحربية، ~~وتتلخص في أن الإسكندرية كميناء تفضل دمياط في كثير؛ فهي أصلح لإيواء سفنهم، ~~وإليها يستطيع أسطولهم أن يصل بالميرة من بلادهم في وقت قصير وجهد قليل، غير ~~أن الكونت أرتوا # Artois ~~- أخو الملك لويس - ~~عارض هذا الرأي ونصح الملك بالاتجاه مباشرة نحو القاهرة للاستيلاء عليها، وحجته ~~في ذلك أن القاهرة هي عاصمة الديار المصرية كلها، فالاستيلاء عليها يستتبع ~~حتما الاستيلاء على مصر كلها، وأضاف إلى هذا قوله: «إذا أنت أردت قتل الأفعى ~~فاضربها على رأسها.» واحتدم النقاش، وانتهى بإعراض الملك عن رأي قواده، وأخذه ~~برأي أخيه، وتقرر بذلك مسير الجيش الفرنسي جنوبا نحو القاهرة، فكان هذا القرار ~~حلقة جديدة في سلسلة الأخطاء التي انتهت بفشل الحملة. # أما المعسكر المصري فقد اضطرب اضطرابا شديدا لانسحاب حامية دمياط وفرار ~~أهلها، ووقوعها في يد العدو، وكان السلطان الملك الصالح معسكرا بأشموم طناح ~~والمرض يشتد به يوما بعد يوم، ولكنه مع هذا لم يفقد شجاعته، بل قرر أن ms21 يتراجع ~~مع جيشه جنوبا إلى مدينة المنصورة لأنها تمتاز بموقع حصين، فالنيل يحميها ~~غربا، وبحر أشموم طناح يفصل بينها وبين قوى الفرنسيين في الشمال، وبدأ الجند ~~المصريون في تحصين المنصورة فأصلحوا السور الذى كان يحيط بها وستروه بالستائر ~~«وقدمت الشواني المصرية بالعدد الكاملة والرجالة، وجاءت الغزاة والرجال من ~~عوام الناس الذين يريدون الجهاد من كل النواحي، ووصلت عربان كثيرة جدا، ~~وأخذوا في الغارة على الفرنج ومناوشتهم.» وأخذ هؤلاء المجاهدون والعربان ~~يهاجمون معسكرات الفرنسيين حتى أقضوا مضاجعهم، فلم يكن يمر يوم دون أن يعودوا ~~بعدد من الأسرى. # وفي ليلة الاثنين النصف من شعبان سنة 647 (22 نوفمبر 1249) مات السلطان الملك ~~الصالح فكانت الطامة الكبرى؛ لأن الجند لو علموا بموته لتفرق شملهم وضعفت روحهم ~~المعنوية، ولكن القدر هيأ لمصر في تلك الساعة العصيبة امرأة حازمة مدبرة هي ~~شجرة الدر زوجة الملك الصالح، فقد أخفت عن الجميع خبر موت السلطان وأمرت بحمل ~~جثته سرا في حراقة إلى قلعة الروضة، وعهدت للأمير فخر الدين بقيادة الجيش، ~~وكان الأطباء يدخلون كالعادة إلى حجرة السلطان كل يوم وكأنهم يعودونه، كما كانت ~~الأوراق الرسمية تدخل إلى نفس الغرفة وتخرج ممهورة بإمضاء السلطان وعلامته بخط ~~يشبه خطه كل الشبه. # وأرسلت الرسل إلى الملك المعظم تورانشاه بن الصالح - وكان مقيما في حصن كيفا ~~- لاستدعائه إلى مصر. وبهذه الإجراءات السريعة الحكيمة أنقذت مصر من أزمتها، ~~وسارت الأمور سيرا طبيعيا. # ووصلت أخبار موت السلطان - رغم كتمانها - إلى الفرنسيين في دمياط، فانتهزوا ~~الفرصة وبدءوا زحفهم نحو الجنوب حتى وصلوا إلى المنصورة، فعسكروا شمال بحر ~~أشموم، وأصبح هذا البحر حاجزا بين معسكرهم ومعسكر المسلمين، وبدأ كل من ~~الفريقين يستعد للمعركة الحاسمة. # أما الفرنج فقد بدءوا يحصنون معسكرهم فحفروا حوله - كعادتهم - خندقا وأقاموا ~~سورا وستروه بالستائر، ونصبوا المجانيق، وأتت شوانيهم فوقفت بإزائهم في النيل، ~~وأما المصريون فكانوا مطمئنين إلى مدينتهم وحصانة موقعهم، فأخذوا يناوشون ~~الفرنج ويتحيلون في اختطافهم وأسرهم، وكانوا يفتنون في مناوشاتهم ويأتون ~~فيها بكل طريف. وقد روى بعض المؤرخين أن جنديا مصريا ms22 قور بطيخة وحملها على ~~رأسه وغطس في الماء حتى حاذى الفرنج، فظنه بعضهم بطيخة ونزل لأخذها، فشطره ~~المصري بسيفه وحمله إلى معسكر المسلمين. # ورأى ملك الفرنسيين أنه لا يستطيع الغلبة على المصريين إلا إذا التحم معهم في ~~معركة، ولا سبيل إلى هذا وبحر أشموم يفصل بينه وبينهم؛ ففكر في بناء جسر على ~~هذا البحر ليعبر عليه جنوده إلى البر الآخر، وصدرت الأوامر بإقامة هذا الجسر، ~~ولكن الفرنسيين لم يكادوا يتمون بضعة أمتار من الجسر حتى تساقط عليهم وابل من ~~قذائف المسلمين ردهم على أعقابهم، فرأى الملك أن يبني برجين زودهما بالقذائف ~~والقاذفين لحماية العمال الذين يعملون في البحر، وعاد الفرنج إلى عملهم يبغون ~~إتمام الجسر للعبور عليه، ولكن المسلمين استطاعوا بمهارتهم الحربية وخطتهم ~~الموفقة أن يفسدوا على أعدائهم عملهم، فكان الفرنج كلما أتموا من جسرهم مترا ~~هدم المسلمون أمتارا أمامه في شاطئهم المقابل، فاتسع المجرى من جديد. يقول ~~جوانفيل - مؤرخ الحملة وأحد فرسانها: «فكانوا يفسدون علينا في يوم واحد ما كنا ~~ننجزه في أسابيع ثلاثة.» # وإلى هذا كله استعد المصريون بمجانيقهم ومقاليعهم، فكانوا يمطرون الفرنسيين ~~وأبراجهم بقذائف من النار اليونانية التي أنزلت الرعب في أفئدتهم ونالت من ~~شجاعتهم كل منال، وليس أورع من وصف جوانفيل لهذا الذعر الذي استولى على ~~الفرنسيين أمام هذا السلاح الخطر حين يقول: وقال ولتر دي كوريل # Walter de Cureil ~~: «أيها السادة، نحن في ~~خطر داهم لأن العدو لو صوب النار نحو أبراجنا وبقينا نحن في أماكننا لأتانا ~~الموت من كل مكان، ولو أننا غادرنا مراكزنا التي استولينا عليها للحقنا العار، ~~فلا منقذ لنا من هذا الخطر الداهم إلا الله ... فنصيحتي إليكم أن نخر سجدا - ~~كلما صوبوا هذه النار حولنا - لنبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من هذا ~~الخطر.» ولم يكن الملك لويس نفسه أقل جزعا من رجاله، يقول جوانفيل واصفا ~~الرعب الذي استحوذ على الملك: «وكانت النار ترسل في انطلاقها الأضواء الباهرة ~~التي تملأ رحاب المعسكر فيبدو وكأننا في وضح النهار، ولقد صوب العدو ms23 النار ~~نحونا هذه الليلة ثلاث مرات، كما أطلقوها من قسيهم أربع مرات، وكان الملك ~~القديس كلما سمع أن النار الإغريقية قد صوبت نحونا انتصب واقفا على سريره ورفع ~~يديه إلى السماء وابتدأ الصلاة وعيونه مخضلة بالدموع وهو يقول: أيها الإله ~~الطيب احفظ لي شعبي.» # يتضح من هذه الحوادث والأقوال أن الغلبة كانت للمصريين في أول المعركة ولو ~~سارت الأمور سيرا طبيعيا لتم النصر النهائي، ولكن خائنا من البدو دل ~~الفرنسيين في ذلك الحين على مخاضة في بحر أشموم - يستطيع الفرسان عبورها على ~~خيولهم - نظير مبلغ من المال. # وفرح الفرنسيون بهذا الكشف، ووضع الملك لويس خطة جديدة للمعركة: وتتلخص ~~هذه الخطة في أن يعبر الكونت أرتوا بفرقة الفرسان من هذه المخاضة، فإذا وصل إلى ~~الشاطئ الذي يعسكر فيه المسلمون اشتبك معهم في قتال مؤقت ليشغلهم عن مهاجمة ~~الفرنسيين الذين يقيمون الجسر إلى أن يتموه، فإذا تم بناء الجسر عبر عليه ~~لويس ببقية جيشه، وانضم إلى فرسان الكونت أرتوا، وانقضوا جميعا على جيش ~~المسلمين. # كانت الخطة كما ترى محكمة وخطرة، ولو أنها نفذت كما وضعت لقضى ~~الفرنسيون على الجيش المصري قضاء مبرما، ولكن تهور الكونت أرتوا كان السبب ~~في فشلها. # عبر أرتوا بفرسانه هذه المخاضة في الرابع أو الخامس من ذي القعدة سنة 647 (فبراير سنة 1250) وانقض على معسكر المسلمين فجأة فشتت شملهم لأنهم لم ~~يكونوا مستعدين للقتال؛ إذ لم يخطر على بالهم أن يهاجموا من هذه الناحية، ~~وكان قائد الجيش الأمير فخر الدين في الحمام عندما علم بهجوم الفرنج على ~~معسكره، فخرج مشدوها، وركب فرسه دون أن يتخذ للدفاع عدته، فدهمه فرسان ~~الفرنج، فتفرق عنه جنده، وتكاثرت عليه الرماح والسيوف حتى خر صريعا، وانقلبت ~~بهذا هزيمة الفرنسيين إلى نصر باهر، وفرح أرتوا بهذا النصر السريع، وملكه حماس ~~الشباب فلم يقف عند نهاية الجسر لحماية العاملين فيه - كما أمره أخوه - وإنما ~~اندفع بفرسانه إلى المنصورة ودخلها، وتقدم حتى وصل إلى قصر السلطان بها، وكاد ~~النصر النهائي يتم للفرنسيين لولا أن صمدت لهم ms24 فرقة المماليك البحرية بقيادة ~~ركن الدين بيبرس، وحملت على الفرنسيين حملة عنيفة حتى ردتهم عن القصر، فلما ~~فروا راجعين تعقبتهم بالسيوف والدبابيس، وأقام الأهالي المتاريس في الطرقات، ~~واشتبك الفريقان في قتال عنيف في شوارع المدينة وأزقتها، واتخذ السكان ~~حصونا من منازلهم يلقون من نوافذها بالقذائف والحجارة على الفرنسيين. # وانتهت المعركة أخيرا بالقضاء على فرقة الفرسان قضاء مبرما، وكان في مقدمة ~~الضحايا الكونت أرتوا قائدها. # وكان الفرنسيون - أثناء هذه المعركة - يجدون ويبذلون كل الجهد لإتمام الجسر ~~حتى يتمكنوا من العبور عليه والانضمام إلى فرسانهم، ولكنهم لم يكادوا يشرفون ~~على إتمامه حتى وصلتهم أخبار الهزيمة التي نزلت بجنودهم؛ فنال هذا الخبر من ~~شجاعتهم وفقدوا قوتهم المعنوية، فكانوا يلقون بأنفسهم إلى النيل يبغون العودة ~~إلى معسكرهم. وبهذه الهزيمة عاد الفريقان إلى ما كانا عليه، كل منهما على ~~شاطئ، والبحر الصغير يفصل بينهما. # وبعد أيام قليلة وصل الملك المعظم تورانشاه إلى مصر، واستقر في قصر السلطنة ~~بالمنصورة يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة سنة 647 (فبراير 1250)، وفرح ~~المصريون بسلطانهم الجديد وبدءوا يستعيدون ثقتهم بأنفسهم. # ولجأ تورانشاه إلى الحيلة التي سبق أن لجأ إليها المصريون في عهد جده الملك ~~الكامل عندما نزلت بنفس المكان جيوش جان دى بريين، فأمر بأن تصنع سفن ~~بالمنصورة، وحملت هذه السفن مفصلة على الجمال إلى بحر المحلة حيث أعيد ~~تركيبها، وملئت بالمحاربين وسارت شمالا، فلما وفدت سفن الفرنج تحمل الميرة من ~~دمياط خرجت عليها هذه السفن، «فأخذت مراكب الفرنج أخذا وبيلا - وكانت اثنتين ~~وخمسين مركبا - وقتل منها وأسر نحو ألف إفرنجي، وغنم سائر ما فيها من ~~الأزواد والأقوات، وحملت الأسرى إلى المعسكر، فانقطع المدد من دمياط عن ~~الفرنج، ووقع الغلاء عندهم وصاروا محصورين لا يطيقون المقام ولا يقدرون على ~~الذهاب.» # واشتدت الضائقة بالفرنسيين لانقطاع الميرة من دمياط؛ فأرسل الملك لويس إلى ~~السلطان يطلب الصلح ويعرض عليه أن يتنازل عن دمياط مقابل بيت المقدس، ولكن ~~السلطان رفض هذا الطلب، فلم يجد لويس بدا من الاستمرار في المقاومة حتى ~~يستطيع إنقاذ ما ms25 يمكن إنقاذه، فأشعل النار في أسلحته وعتاده، ورحل بجيشه - ليلة ~~الأربعاء لثلاث مضين من المحرم سنة 648 (أبريل 1250) - متجها إلى دمياط، ولم ~~يكد يصل إلى فارسكور حتى كانت جيوش المصريين قد لحقت به وانقضت علي جيشه ~~انقضاض الصاعقة فقضت على معظمه، حتى قيل إن من قتل من فرسان الفرنسيين كان أكثر ~~من عشرة آلاف، كما أسر من الخيالة والرجالة والصناع ما يناهز مائة ألف، وارتقى ~~الملك لويس وأمراء جيشه تلا هناك وسألوا الأمان فأمنوا، وأسر لويس وقواده ~~وحمل إلى المنصورة حيث سجن بدار ابن لقمان التي لا تزال بقاياها قائمة حتى ~~اليوم، ووكل بحراسته الطواشي صبيح. # الملك لويس في الأسر بعد ~~هزيمته. # ولم يكن المعظم تورانشاه كأبيه ثباتا واتزانا وحكمة، بل كان شابا أهوج، ~~فلم يقدر لزوج أبيه شجر الدر تدبيرها، ولا للماليك البحرية جهدهم، بل أخذ ~~يهدد شجر الدر ويطالبها بمال أبيه، كما أبعد مماليك أبيه، وقرب إليه حاشيته ~~التي وصلت معه من كيفا، وصار إذا سكر جمع الشمع وضرب رءوسها بسيفه حتى تنقطع، ~~ويقول: «هكذا أفعل بالبحرية.» فتآمر عليه هؤلاء المماليك البحرية واقتحموا عليه ~~البرج الخشبي الذي كان يقيم به في فارسكور، فأدرك الشر في عيونهم، وصعد إلى ~~أعلى البرج، فرموه بالنشاب، وأطلقوا النار في البرج، فألقى بنفسه من أعلاه وجرى ~~نحو النيل فلحقوا به وقتلوه. وكان ذلك في التاسع والعشرين من المحرم سنة 648 (مايو 1250). # وهكذا كاد المصريون يفقدون بهذه الفعلة النصر الباهر الذي أحرزوه ولم يمض ~~عليه غير خمسة وعشرين يوما، ولكن المماليك سرعان ما تداركوا الموقف فأجمعوا ~~على إقامة شجر الدر ملكة على مصر، فكان حدثا فذا في تاريخ العالم الإسلامي ~~كله، كما عينوا الأمير عز الدين أيبك قائدا أعلى للجيش. # وبدأت المفاوضات بين الملك لويس وبين المصريين، وتولاها عنهم الأمير حسام ~~الدين بن أبي علي - نائب السلطنة في عهد الملك الصالح - وتم الاتفاق أخيرا على ~~إطلاق سراح الملك وجميع الأسرى على أن يخلوا دمياط وأن يدفعوا مبلغ أربعمائة ~~ألف دينار فدية للملك، يدفعون نصفها ms26 قبل أن يطلق سراحه والنصف الآخر بعد ~~وصولهم إلى عكا. وجمعت الملكة - وكانت مقيمة في دمياط - نصف المبلغ المطلوب، ~~فأطلق المصريون سراح الملك، ودخل المسلمون ثانية إلى دمياط، ورفعوا عليها العلم ~~المصري يوم الجمعة الثالث من صفر، بعد أن ظلت في أيدي الفرنج أحد عشر شهرا ~~وتسعة أيام. وهكذا أقلعت فلول الحملة إلى عكا بعد أن ودعها شاعر مصر جمال الدين ~~بن مطروح بقصيدته المشهورة التي يقول فيها: # قل للفرنسيس إذا جئته # مقال نصح عن قئول ~~فصيح # آجرك الله على ما جرى # من قتل عباد يسوع ~~المسيح # أتيت مصرا تبتغي ملكها # تحسب أن الزمر يا ~~طبل ريح # فساقك الحين إلى أدهم # ضاق به عن ناظريك ~~الفسيح # وكل أصحابك أودعتهم # بحسن تدبيرك بطن الضريح # سبعون ألفا لا يرى منهم # إلا قتيل أو ~~أسير جريح # وفقك الله لأمثالها # لعل عيسى منكم ~~يستريح # إن كان باباكم بذا راضيا # فرب غش قد ~~أتى من نصيح # وقل لهم إن أضمروا عودة # لأخذ ثار أو لفعل ~~قبيح # دار ابن لقمان على حالها # والقيد باق ~~والطواشي صبيح ~~(5) دمياط في العصر المملوكي ~~(5-1) تخريب مدينة دمياط # وتتابعت الحوادث وعرش مصر مثار نزاع عنيف بين الأيوبيين والمماليك، فخشي ~~المماليك أن ينتهز الفرنج فرصة هذا النزاع فينقضوا على دمياط ثانية، فاتفقوا ~~على تخريبها، وأرسلوا إليها فرقة من الحجارين والفعلة، «فوقع الهدم في ~~أسوارها يوم الاثنين الثامن عشر من شعبان سنة 648 حتى خربت كلها ومحيت ~~آثارها ولم يبق منها سوى الجامع.» وهكذا كانت حملة لويس شؤما على دمياط؛ ففي ~~أوائلها غادرها أهلوها جميعا، وفي أعقابها - وبعد نحو ستة أشهر من خروج ~~الفرنسيين - هدمت المدينة جميعها بأسوارها وقلاعها ومنازلها وقصورها، ولم يبق ~~منها - كما يذكر المؤرخون - سوى جامعها وهو الجامع المهدم القديم الذي يعرف ~~حتى الآن في دمياط باسم جامع أبي المعاطي القديم أو جامع الفتح. ~~(5-2) قيام دمياط الجديدة # ويقول المقريزي إن بعض فقراء الناس سكنوا بعد ذلك في أخصاص على النيل قبلي ~~المدينة الجديدة، وسموا هذا المكان «المنشية»، ولعل ms27 هذا هو الحي المعروف حتى ~~اليوم في دمياط بهذا الاسم. # ولم تلبث هذه المنشية حتى كبرت ونمت وأصبحت - كما يقول المقريزي - بلدة ~~كبيرة ذات أسواق وحمامات وجوامع ومدارس ومساجد، ودورها تشرف على النيل ~~الأعظم، ومن ورائها البساتين، وهى أحسن بلاد الله منظرا، تلك هي دمياط ~~الجديدة، فما قصتها في العصور التالية؟ ~~(5-3) دمياط في عهدي المعز أيبك والمظفر قطز # ويبدو أن هذا النمو كان سريعا، فموقع دمياط موقع ممتاز من الناحيتين ~~الجغرافية والاستراتيجية؛ فهو يتطلب بالضرورة أن تقوم فيه مدينة، ومدينة كبيرة، ~~يؤيد رأينا هذا الأخبار المتناثرة عن اهتمام سلاطين المماليك الأول بدمياط ~~الجديدة في السنوات التالية مباشرة لهدم المدينة القديمة. # هذه الأخبار تروي أن الملك المعز أيبك - وهو الذي ولي عرش مصر بعد شجر الدر ~~- قد أقطع دمياط في سنة 652 - أي بعد هدم المدينة القديمة بأربع سنوات فقط - ~~إلى الأمير علاء الدين أيد غدى العزيزي، ثم تنص علي أن ارتفاعها - أي ~~إيراداتها - كان يومئذ ثلاثين ألف دينار. # وتروي هذه الأخبار أيضا أن السلطان قطز الذي ولي بعد المعز أيبك قد أرسل في ~~سنة 657 / 1259 المنصور بن أيبك وأخاه وأمه إلى دمياط، واعتقلهم في برج عمره ~~هناك، وسماه برج السلسلة. وقد يفهم من هذا الخبر لأول وهلة أن قطز بنى في ~~دمياط برجا جديدا، ولكن تسمية هذا البرج ببرج السلسلة تجعلنا نجزم بأنه هو ~~نفسه برج السلسلة القديم، وأن المماليك الذين هدموا دمياط قد أبقوا هذا البرج، ~~وأن الذي فعله قطز إنما هو تعمير البرج، أي ترميمه وإصلاحه. ~~(5-4) في عهد الظاهر بيبرس # وقتل قطز بعد انتصاره على التتار في وقعة عين جالوت، وولي عرش مصر الظاهر ~~ركن الدين بيبرس البندقدراي. ويعتبر بيبرس المؤسس الحقيقي لدولة المماليك في ~~مصر؛ فقد طالت مدة حكمه، وقد بذل الجهود القوية للتمكين لهذه الدولة، ومن ~~وسائله لهذا: العناية الفائقة بتحصين مصر وثغورها، وقد نالت دمياط نصيبها ~~الموفور من هذه العناية. # أدرك بيبرس أن دمياط الجديدة لا تحميها أسوار أو حصون، كما أدرك ms28 أن برج ~~السلسلة مع قوته ومناعته قد يقع في أيدي العدو؛ ولهذا لجأ إلى طريقة فعالة ~~لحماية مدخل النيل عند دمياط، ففي السنة الثانية من حكمه، وهي سنة 659 / 1261 ~~«أمر بردم فم بحر دمياط، فخرج جماعة الحجارين وألقوا فيه القرابيص حتى يضيق ~~وتمتنع السفن الكبار من دخوله.» # ثم لاحظ بيبرس أن العناية بالأساطيل قد فترت بعد خروج الفرنسيين من مصر، ~~وثغور مصر - وخاصة دمياط والإسكندرية - لا يمكن أن يحميها إلا الأساطيل؛ ~~«فأنشأ عدة شوان بثغري دمياط والإسكندرية، ونزل بنفسه إلى دار الصناعة، ~~ورتب ما يجب ترتيبه، وتكامل عنده ببر مصر ما ينيف على أربعين قطعة وعدة كثيرة ~~من الحراريق والطرائد ونحوها.» # وفي شوال سنة 661 خرج بيبرس وزار الإسكندرية وأشرف على أسوارها وحصونها، وفي ~~السنة التالية 662 / 1264 خرج إلى دمياط فزارها، وأمر بالعناية بأبراجها ~~وأسطولها، وأقام بها - كما أقام بغيرها من الثغور - حامية كبيرة العدد للدفاع ~~عنها. # واستعادت دمياط مكانتها شيئا فشيئا، وعاد إليها أسطولها، وكان مقدم أسطول ~~دمياط - أي قائده أو رئيسه - واحدا من كبار رؤساء الأسطول المصري العام، ومن ~~دمياط بدأت تخرج الغارات البحرية - كما كان العهد في العصرين الفاطمي والأيوبي ~~- ففي عهد بيبرس، وفي سنة 699 / 1270 خرج الأسطول المصري من دمياط يريد غزو ~~جزيرة قبرص، ولكنه لم يوفق، وأسر كثير من جنده وقواده - ومن بينهم مقدم ~~أسطول دمياط - وبقوا في الأسر إلى أن تحيل بيبرس في استنقاذهم في سنة 673. ~~وعني بيبرس بشئون دمياط المدنية عنايته بشئونها الحربية؛ فأمر بعمارة الجسر ~~(الطريق الزراعي) الذي يصل بينها وبين القاهرة. ~~(5-5) دمياط في أواخر القرن السابع الهجري: الشيخ فاتح الأسمر # وظلت دمياط الجديدة تنمو شيئا فشيئا، وقصدها العلماء والصوفية من كل حدب ~~وخرج علماؤها إلى الأقطار، فممن وفد عليها في أواخر القرن السابع الهجري (13م) ~~الشيخ فاتح بن عثمان الأسمر التكروري، قدم إليها من مراكش حوالي سنة 678ه - أي ~~بعد إنشاء المدينة الجديدة بنحو خمس وعشرين سنة - فأقام بها مدة، ثم نزح عنها ~~إلى تونة فلبث بها ms29 سبع سنين، ثم عاد إلى دمياط فأقام في جامعها القديم الذى بقي ~~بعد هدم المدينة القديمة، وجعل مقره في وكر بأسفل منارته. وكان هذا الجامع - ~~منذ هدمت دمياط - مهدما مهملا لا يفتح إلا في يوم الجمعة، فاعتنى به ~~الشيخ فاتح، ورمم جدرانه، ونظفه بنفسه حتى طرد الوطواط الذي كان يقيم ~~بسقوفه، وساق الماء إلى صهاريجه، وبلط صحنه، وسبك سطحه بالجبس، ورتب فيه ~~إماما يصلي بالناس الصلوات الخمس، وأقام هو في بيت الخطابة مواظبا على قراءة ~~الأوراد وتلاوة القرآن، وكان يقول: «لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع ~~لأقمت به، ولو علمت في الأرض بلدا يكون فيه الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه ~~وأقمت به.» وكان هذا الشيخ على خلق عظيم، فكان يحب الفقر ويتواضع مع الفقراء، ~~ويتعاظم على العظماء والأغنياء، وإذا اجتمع عنده الناس قدم الفقير على الغني، ~~وإذا مضى الفقير من عنده سار معه وشيعه عدة خطوات وهو حاف، ووقف ينظره حتى ~~يتوارى عنه، وكان يكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في ~~قضاء حوائج الخاص والعام من غير أن يمل ولا يتبرم بكثرة ذلك. تزوج في آخر ~~حياته بامرأتين، وكان يقرأ في المصحف ويطالع الكتب، وإنما لم يره أحد يخط بيده ~~شيئا. توفي ليلة الثامن من شهر ربيع الآخر سنة 695 (فبراير 1296) وخلف ولدين ~~ليس لهما قوت ليلة، وعليه دين قدره ألفا درهم، ودفن في قبره بجوار الجامع ~~القديم. # ومنذ ذلك الحين عرف ذلك الجامع بجامع الفتح، وهو تحريف للفظ فاتح - اسم ~~الشيخ - ثم ظن الناس تخريجا من هذا الاسم المحرف أن هذا الجامع بني زمن الفتح ~~الإسلامي، وهو ظن خاطئ يعوزه الدليل التاريخي المادي، وينفيه ما ذكره ~~المقريزي من أنه لما زار دمياط في أوائل القرن التاسع الهجري شاهد بنفسه نقشا ~~بالقلم الكوفي على باب هذا الجامع يثبت أنه عمر بعد سنة خمسمائة من الهجرة، أي ~~أنه يرجع إلى العصر الفاطمي، وهو قول تؤيده الدراسات الأثرية للنقوش والكتابات ~~والزخارف الخشبية التي كانت تزين جدران هذا الجامع ms30 حتى وقت قريب، والتي نقلت ~~إلى دار الآثار العربية بالقاهرة، فهذه النقوش والكتابات جميعا من الطراز ~~الفاطمي. # وهذا الجامع يعرف الآن أيضا باسم جامع أبي المعاطي القديم، كما يعرف ضريح ~~الشيخ فاتح باسم جامع أبي المعاطي الجديد نسبة للشيخ فاتح، فقد عرف الرجل - ~~لكثرة عطائه - بهذه الكنية (أبو المعاطي)، ولقد غلبت هذه الكنية على الشيخ ~~واسمه، فأهل دمياط الآن لا يعرفون من هو فاتح، وإنما يعرفون تماما من هو ~~«سيدي أبو المعاطي». ~~(5-6) دمياط في القرن الثامن الهجري: وصف ابن بطوطة لها # وبعد نحو خمس وسبعين سنة من هدم دمياط القديمة كانت دمياط الجديدة قد نمت ~~واكتمل نموها، وامتدت رحابها، وكثرت مبانيها، ودبت الحياة في أرجائها، فقد ~~زارها الرحالة المشهور ابن بطوطة في سنة 725 / 1325 ووصفها وصفا رائعا، فقال ~~إنها: «مدينة فسيحة الأقطار، متنوعة الثمار، عجيبة الترتيب، آخذة من كل حسن ~~بنصيب.» ووصف منازلها بقوله: «ومدينة دمياط على شاطئ النيل، وأهل الدور ~~الموالية له يستقون منه الماء بالدلاء، وكثير من دورها بها دركات ينزل فيها ~~إلى النيل.» # وقد عرفت دمياط - لأهميتها - في ذلك العهد نظام جوازات السفر؛ فقد ذكر ~~ابن بطوطة أنه «إذا دخلها أحد لم يكن له سبيل إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي، ~~فمن كان من الناس معتبرا طبع له في قطعة كاغد يستظهر به لحراس بابها، وغيرهم ~~يطبع على ذراعه فيستظهر به.» # وهذا النص هام من ناحية أخرى؛ فهو ينص على أن المدينة كان لها باب عليه ~~حراس، ولا يمكن أن يكون للمدينة باب إلا إذا كان لها سور، فهل بني حول المدينة ~~الجديدة سور؟ ومن الذي بناه ومتى بناه؟ هذه أسئلة لا نجد لها جوابا عند مؤرخي ~~العصر المملوكي. # وقد زار ابن بطوطة معالم المدينة المشهورة في ذلك الحين، ووصفها في رحلته، ~~فمما زاره البرزخ، قال: «وبخارجها جزيرة بين البحرين والنيل، تسمى البرزخ ~~(وهي رأس البر الحالية)، بها مسجد وزاوية، لقيت بها شيخها المعروف بابن قفل، ~~وحضرت عنده ليلة جمعة ومعه جماعة من الفقراء الفضلاء ms31 المتعبدين الأخيار، ~~قطعوا ليلتهم صلاة وقراءة وذكرا.» # وهذا الوصف يعطينا أيضا صورة واضحة للحياة العلمية الدينية التي كانت ~~مزدهرة في المدينة في ذلك الحين، والتي لا تزال دمياط تحتفظ بها وتشتهر حتى ~~اليوم. # وزار ابن بطوطة - فيما زار أثناء مقامه بالمدينة - زاوية الشيخ جمال الدين ~~الساوي، وقال إنه: «قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية (أو القلندرية) وهم الذين ~~يحلقون لحاهم وحواجبهم.» # والشيخ جمال الدين الساوي هو غير جمال الدين شيحة المدفون بدمياط أيضا - كما ~~يظن البعض، فابن شيحة - كما أرجح - مجاهد من الذين جاهدوا ضد حملة لويس ، وقد ~~امتد به العمر إلى عصر الظاهر بيبرس. # وزار ابن بطوطة ضريح شطا، قال: وبخارج دمياط المزار المعروف بشطا، وهو ظاهر ~~البركة، يقصده أهل الديار المصرية، وله أيام في السنة معلومة لذلك. # وكانت البساتين تحيط بدمياط، وخاصة في قرية المنية التي لا تزال تعرف بهذا ~~الاسم حتى الآن، وقد زارها ابن بطوطة ووصفها بقوله: «وبخارجها أيضا بين ~~بساتينها موضع يعرف بالمنية، فيه شيخ من الفضلاء يعرف بابن النعمان، قصدت ~~زاويته وبت عنده.» # وذكر ابن بطوطة أيضا أن والي دمياط - وقت مقامه بها - كان يسمى المحسني، كما ~~ذكر أنه كان من ذوي الإحسان والفضل، وأنه بنى بدمياط مدرسة على شاطئ النيل، وقد ~~أقام ابن بطوطة بهذه المدرسة طيلة الأيام التي قضاها بدمياط، وقد غادر ابن ~~بطوطة دمياط إلى فارسكور دون أن يعلم الوالي برحيله، فأرسل وراءه فارسا من ~~رجاله قدم له هبة مالية يستعين بها على سفره. # هذا مجمل وصف ابن بطوطة لدمياط وضواحيها في الربع الأول من القرن الثامن ~~الهجري (14م)، وهو وصف قيم نادر لأنه يبين في وضوح كيف نمت المدينة وازدهرت ~~واتسعت أطرافها، وكثرت مبانيها ودورها، ولأنه ينص على أن بيوتها كانت تطل ~~في معظمها على النيل، وعلى كثرة ما بها من مدارس وزوايا، وعلى ازدهار الحياة ~~العلمية والدينية بها، كما أنه يشير إلى كثير من معالم المدينة، وبعضها باق ~~حتى اليوم، وبعضها اختفى مع الأيام، فهو نص هام للمؤرخ والطبوغرافي الذي يريد ms32 ~~أن يرسم صورة واضحة لدمياط في القرن الثامن الهجري. # هذه هي دمياط في أوائل القرن الثامن الهجري قد استعادت مكانتها، وأصبحت ~~مزدهرة عامرة بالدور والقصور والمساجد والمدارس والمتاجر، ولم تقف عند هذا ~~الحد، بل اتخذت طريقها نحو التقدم حتى غدت في النصف الثاني من هذا القرن ~~ميناء مصر الأول؛ فقد تفوقت على الإسكندرية، وورثتها في مكانتها. وتفصيل ذلك ~~أن روح الحروب الصليبية - بعد طرد الصليبيين نهائيا من عكا آخر مدنهم في ~~الشام في عهد الأشرف خليل بن قلاوون - قد ضعفت شيئا ما، ولكنها لم تخمد ~~تماما ، وقد حاول الأوروبيون تجديد هذه الحروب في القرن الثامن، ففي سنة 767 ~~أغار علي الإسكندرية أسطول ضخم من قبرص، واستطاع القبارصة أن ينزلوا إلى البر ~~ويستولوا على المدينة، وقد لبثوا بها أياما قضوها في تخريب المدينة تخريبا ~~تاما، ثم عادوا محملين بالأسلاب والغنائم والأسرى. # هذه الحملة هزت كيان الإسكندرية هزا عنيفا، وأسرت العدد الكبير من ~~سكانها، وشتتت عددا أكبر؛ فضعف شأن المدينة منذ ذلك الحين ضعفا شاملا، ولم ~~تعد لها مكانتها الأولى، وإنما أصبحت دمياط هي الميناء المصري الأول، وقد ~~دفعها هذا العامل الجديد إلى النمو والازدهار دفعا قويا. ~~(5-7) في القرن التاسع الهجري: دمياط ميناء مصر الأول # ولم يكد يبدأ القرن التاسع الهجري (15م) حتى غدت دمياط المدينة المصرية ~~الثانية بعد العاصمة، وعادت ثانية المقر الذي تخرج منه أساطيل المصريين ~~للغزو في البحر الأبيض المتوسط، ففي سنة 825 (1422-1423) - في عهد الأشرف ~~برسباي - خرجت أساطيل مصر من دمياط للإغارة على جزيرة قبرص، والدافع الأكبر ~~لإرسال هذه الحملات هو الانتقام من القبارصة لما فعلوه بالإسكندرية في عهد ~~الأشرف شعبان، ولكن السبب المباشر يتصل أيضا بدمياط. يروي صالح بن يحيى أن ~~«موجب ابتداء الحال مع صاحب قبرص أن شخصا من تجار دمياط يسمى أحمد بن الهميم ~~كان له مركب كبير قد أوسقه من طرابلس الشام صابونا وبضائع بمال كثير، فلما ~~وصل إلى فم دمياط صادفه مركب من حرامية الفرنج من طائفة البسقاوية، فأخذ مركب ~~ابن ms33 الهميم وتوجه به إلى قبرص.» # وقد أرسل برسباي ثلاث حملات لفتح قبرص: الأولى في سنة 827 / 1424 والثانية ~~سنة 828 / 1425، والثالثة في سنة 829 / 1426، وقد خرجت الحملتان الأولى ~~والثانية من دمياط، أما الثالثة فقد خرجت من الإسكندرية، وقد نجحت الحملة ~~الثالثة في الاستيلاء على جزيرة قبرص وضمها لملك مصر، وعادت أساطيلها إلى ~~دمياط في شوال سنة 830 (أغسطس 1826) ثم انحدرت منها إلى بولاق محملة ~~بالأسلاب والغنائم والأسرى، وفي مقدمتهم ملك قبرص نفسه (الملك جانوس) وقائد ~~قواد الجزيرة. واحتفلت القاهرة باستقبال رجال الأسطول المنتصرين، وخرج أهلوها ~~جميعا للاحتفال بمواكب النصر التي شقت الشوارع وفي مقدمتها الملك الأسير ~~وقائده يمتطيان بغلين وأمامهما تاج قبرص وأعلامها، ويتبعهما ألوف ~~الأسرى. # وإبان قيام الحملة الثانية بالإغارة على قبرص أمر برسباي بتشييد برج عظيم في ~~مدينة الطينة القريبة من دمياط، وشحنه بالمقاتلين لمراقبة سفن الأعداء إذا ~~حاولت تهديد السواحل المصرية. ~~(5-8) زيارة المقريزي لدمياط ووصفه لها في القرن التاسع الهجري # وقد زار دمياط في النصف الأول من القرن التاسع الهجري المؤرخ المصري الكبير ~~تقي الدين المقريزي، وأرخ لها، ووصف الكثير من معالمها في كتابه الخطط، وقال ~~إنها «أحسن بلاد الله منظرا.» ثم قال أيضا: «وقد أخبرني الأمير الوزير المشير ~~الأستادار ينبغا السالمي - رحمه الله - أنه لم ير في البلاد التي سلكها من ~~سمرقند إلى مصر أحسن من دمياط هذه، فظننت أنه يغلو في مدحها، إلى أن شاهدتها ~~فإذا هي أحسن بلد وأنزهه.» ثم أثبت في كتابه السالف الذكر قصيدة قالها في ~~مدحها، نقتطف هنا معظم أبياتها لما حوته من وصف نادر لدمياط ومعالمها الهامة ~~في ذلك العصر، قال: # سقى عهد دمياط وحياه من عهد # فقد زادني ~~ذكراه وجدا على وجد # ولا زالت الأنواء تسقي سحابها # ديارا حكت ~~من حسنها جنة الخلد # فيا حسن هاتيك الديار وطيبها # فكم قد حوت ~~حسنا يجل عن العد! # فلله أنهار تحف بروضها لكا # لمرهف المصقول ~~أو صفحة الخد # وبشنينها الريان يحكي متيما # تبدل ~~من وصل الأحبة بالصد # ولا سيما تلك النواعير ms34 إنها # تجدد حزن ~~الواله المدنف الفرد # أطارحها شجوي، وصارت كأنما # تطارح شكواها ~~بمثل الذي أبدي # وفي البرك الغراء يا حسن نوفر # حلا، وغدا ~~بالزهو يسطو على الورد # سماء من البلور فيها كواكب # عجيبة صبغ ~~اللون محكمة النضد # وفي شاطئ النيل المقدس نزهة # تعيد شباب ~~الشيب في عيشه الرغد # وفي مرج البحرين جم عجائب # تلوح وتبدو من ~~قريب ومن بعد # كأن التقاء النيل بالبحر إذ غدا # مليكان ~~سارا في الجحافل من جند # وقد نزلا للحرب واحتدم اللقا # ولا طعن إلا ~~بالمثقفة الملد # فظلا كما باتا، وما برحا كما # هما من جليل ~~الخطب في أعظم الجهد # فكم قد مضى لي من أفانين لذة # بشاطئها العذب ~~الشهي لذي الورد # وكم قد نعمنا في البساتين برهة # بعيش هنيء ~~في أمان وفي سعد # وفي البرزخ المأنوس كم لي خلوة # وعند شطا عن ~~أيمن العلم الفرد # هناك ترى عين البصيرة ما ترى # من الفضل ~~والأفضال والخير والمجد # فيا رب هيئ لي بفضلك عودة # ومن بها في غير ~~بلوى ولا جهد # فالمقريزي يشير في هذه القصيدة إلى معالم المدينة وضواحيها الهامة التي ~~زارها، وهي البساتين ومرج البحرين والبرزخ وشطا، كما أنه نعم أثناء مقامه بها ~~بجوها الصحو ورياحها «التي تطرد الهم والأسى.» وسمائها التي كالبلور، ~~وشاطئها الذي «يعيد شباب الشيب في عيشه الرغد» وأعجب ببشنينها الريان، ~~وهز عواطفه أصوات النواعير «التي تجدد حزن الواله المدنف الفرد» ثم ~~أحس أخيرا أن نفسه لم تشبع من هذا الجمال؛ فتمنى على الله - في خاتمة قصيدته ~~- أن يهيئ له عودة إليها، وإنما «في غير بلوى ولا جهد». ~~(5-9) دمياط منفى السلاطين والأمراء # وقد اتخذت دمياط في القرن التاسع صفة أخرى غير ما عرفنا؛ فقد أصبحت منفى ~~للأمراء المغضوب عليهم، وسلاطين المماليك وأبناء السلاطين المخلوعين عن عروشهم، ~~يبعدون إليها ليسجنوا في أبراجها، أو ليعيشوا فيها أحرارا أو مراقبين؛ ~~ففي منتصف القرن التاسع نفي إلى دمياط خليل بن الملك الناصر فرج بن برقوق، ~~فقضى بها المدة الأخيرة من حياته إلى أن وافته منيته ms35 بها في سنة 858، فدفن ~~بالقرب من قبر الشيخ فاتح الأسمر لمدة ثمانية أيام إلى أن سمح السلطان بنقل ~~جثته، فنقلت إلى القاهرة، ودفنت بتربة جده الظاهر برقوق. # وفي سنة 873 (1468-1469) استطاع السلطان الملك الأشرف قايتباي أن يرتقي عرش ~~مصر بعد عزل السلطان الملك الظاهر تمربغا، وأبعد السلطان المعزول إلى دمياط ~~معززا مكرما، سافر إليها في حراقة بطريق النيل، فلما وصل إليها «سكن في ~~أحسن دورها، وكان يركب إلى صلاة الجمعة.» وفي نهاية هذا العام فر تمربغا من ~~دمياط إلى الطينة ثم إلى غزة، فأرسل قايتباي الجند خلفه، فلحقوا به في غزة، ~~وقبضوا عليه، وعادوا به إلى الإسكندرية، فسمح له السلطان بالمقام فيها بعد أن ~~اعتذر عن فعلته. ~~(5-10) الملك المنصور عثمان بن جقمق يقيم في دمياط بعد عزله # وكان قد نفي إلى دمياط أيضا - قبل تمربغا - الملك المنصور عثمان بن الظاهر ~~جقمق، فقد ولي السلطنة بعد وفاة أبيه جقمق، غير أنه لم يلبث بها إلا أياما، ثم ~~وثب به الأتابك إينال وخلفه على العرش، ولقب بالملك الأشرف، ونفي المنصور ~~عثمان إلى الإسكندرية أولا، ثم نقل إلى دمياط فقضى بها سنوات طويلة، ولم ~~يحاول الفرار كصاحبه الظاهر تمربغا، وإنما اتصل بالعلماء وقضى بقية حياته يشتغل ~~بالعلم، وحرص «على الانعزال والمطالعة والتلاوة والصيام، وصرف أوقاته في ~~الطاعات، وتحريه في نقل العلم، وإعراضه عن التشاغل بأنواع الفروسية ~~ومتعلقاتها مع تقدمه فيها.» # وقد عرف له سلاطين المماليك قدره، فبالغوا في إكرامه، وتركوا له الحرية ~~الكاملة للانتقال في الثغر ومنه؛ فقد سمح له قايتباي بزيارة القاهرة في صفر سنة ~~874 (أغسطس 1469)، وكانت قدمته هذه ليسأل السلطان أن يسمح له بالحج، فأذن له، ~~وخرج عثمان فحج «في أبهة تامة» ثم عاد فأقام بدمياط كما كان. # وفي ذي الحجة سنة 880 احتفل المنصور عثمان في دمياط بختان أولاده احتفالا ~~عظيما، فبعث إليه قايتباي بألفي دينار «بسبب احتياج المهم، وتوجه إليه ابن ~~رحاب المغني، ومشى في الزفة، وكان له مهم حافل.» # وقد اتخذ المنصور عثمان له حاشية ms36 من العلماء والأدباء، فكانت داره بدمياط ~~حافلة دائما بمجالس العلم، وممن اتصل به هناك الأديب المؤرخ محمد بن أبي بكر ~~بن عمر القادري الجوهري الدمياطي. ولد هذا الأديب بدنجية قرب دمياط في سنة 820، ~~وتلقى العلم بها وببعض مدن الصعيد، وحج في سنة 834، ثم استقر في دمياط، ~~وناب في القضاء بها وقال الشعر، «وأتى بالقصائد الجيدة، وخمس البردة، ومدح ~~كثيرا من الرؤساء ... وتكسب في سوق الجوهريين وقتا.» ~~(5-11) المقامة الدمياطية في وصف الثغر ومحاسنه للقادري الجوهري الدمياطي # وقد مدح القادري المنصور عثمان بقصيدة جميلة سماها: «الروض الممطور في مدح ~~الملك المنصور» وقدم لها بمقامة في وصف دمياط سماها: «المقامة الدمياطية في ~~وصف الثغر ومحاسنه السنية » والقصيدة والمقامة يضمهما مجلد واحد ولا تزالان ~~مخطوطتين، ولهما - إلى جانب قيمتهما الأدبية - أهمية خاصة، فهما يرسمان ~~صورة شائقة لدمياط في أواخر القرن التاسع الهجري، وهذه الصورة في جملتها لا ~~تختلف كثيرا عن الصورة التي رسمها المقريزي لدمياط في أوائل القرن ~~نفسه. # يصف القادري دمياط فيبالغ في مدحها، فيقول: «إنها الجنة الصغرى، والمدينة ~~الخضرا، وريحانة أرواح الشهداء، وخزانة أرباح السعداء، رباطها عنوان ~~المقربين، وصراطها ميدان طلاب المجاهدين، وثياب غربتها من لباس المنة، وتراب ~~تربتها من غراس الجنة.» ثم يعدد بعد ذلك ما بها من قبور الأولياء الصالحين، ~~كشطا، وفاتح الأسمر، وابن قفل، وحسن الطويل، وجمال الدين (؟) وعبد الله الشهيد ~~(؟) فيقول: «وتقر عينك من مشاهد شهداء التابعين بنواحيها، على أعلى شاطئ ~~البحيرة التي هي من محاسن ضواحيها، مشهد شهيد المعركة يوم فتوحها ولي الله شطا، ~~الذي أمن بسره ثغرها من عدو العدو المخذول، ومن سطاه إذا سطا، ويستمطر ~~بها الفتح عند مشهدك (أبي) العطا ولي الله فاتح الأسمر، الذي يغني سره في ~~المهمات المدلهمات إذا اشتد الخطب عن كل أبيض وأسمر، ومن بنى قفل بعد فتح، ~~حامي البرزخ سهمها المسدد سديد، ومشهد بدر حسنها عند مسجد الشهداء ولي الله ~~حسن الطويل الشهيد، ومشهد جمالها ولي الله جمال الدين، الذي برحاب جنته ثوى، ~~ومشهد عبد الله الشهيد، الذي ms37 استغنى في الجهاد عن دروع الحديد بدرع النوى، فما ~~توسل أحد بهؤلاء الأولياء أو زاره، إلا حقق الله قصده فيما يرجو من الخيرات ~~وخفف أوزاره.» ثم يستطرد بعد هذا فيصف بساتينها وما كانت تغص به من «طلح ~~منضود، وظل ممدود، وماء من دوالبها مسكوب، بأحشاء كل جدول وكوب، ويشفي الغليل ~~من العليل، ويكرم به البخيل، وبها البهرمان من منظوم عقود بسرها الأحمر، ~~واللجين والعسجد من منثورها الأبيض والأصفر.» ولا يكاد ينتهي من هذا الوصف ~~المنثور حتى ينظمه شعرا، يصف فيه ما تنبته المدينة من ثمار وأزهار، كالموز ~~والنخيل والورد والقصب ... إلخ. ثم يعود إلى وصفه المنثور فيرتفع بدمياط إلى ~~الذروة؛ لأنه يعتقد أنها «مدينة أشبه شيء في وصفها بإرم ذات العماد، مدينة شداد ~~بن عاد، التي لم يخلق مثلها في البلاد.» ثم يعود مرة أخرى فينظم هذا الوصف ~~شعرا، يقول فيه: # يا حسنها بلدا في أفق بهجتها # كأنها الشمس ~~حسنا ذات أبراج # كأنها القوس في شكل له وتر # وبحره الزاخر ~~الرامي بأمواج # وينتقل بعد هذا إلى هدفه الثاني، وهو مدح الملك المنصور عثمان، المقيم ~~بدمياط، فيمدحه بقصيدة تائية طويلة، ديباجتها إشادة بالثغر ومحاسنه، ~~ومطلعها: # من ثغر دمياط حيتنا الثنيات # بملثم، فلها ~~منا التحيات # والبدر قابل برجيها دجى، فهما # والبدر في ~~الليل أقمار سنيات # والبحر عن بره بالما روى خبرا # مسلسلا: ~~نسمات عنبريات # وختم القادري رسالته الصغيرة بتعليق لطيف شرح فيه أبيات هذه القصيدة بيتا ~~بيتا؛ ليبين ما فيها من «البديع والمعاني التي تخفى على كثير من شعراء هذا ~~الزمان.» ~~(5-12) دمياط في عهد قايتباي # وقد كان مقام المدينة الجديد - كميناء مصر الأول - دافعا لسلاطين مصر على ~~العناية الدائمة بدمياط، وفي مقدمتهم السلطان الأشرف قايتباي؛ فقد كان هذا ~~السلطان من أبرز وأعظم سلاطين المماليك، وله في المدن المصرية المختلفة المنشآت ~~الكثيرة من مساجد ومدارس وحصون وقلاع، وقد عني هذا السلطان بدمياط عناية خاصة ~~فزارها مرتين للإشراف على شئونها الحربية والعمرانية؛ زارها في صفر سنة 877، ~~ثم زارها ثانية في جمادى الآخرة سنة ms38 880 (أكتوبر 1475)، وكان سفره إليها وعودته ~~منها بطريق النيل، فقد خرج في مائة مركب وفي حاشية كبيرة من أمراء جيشه ورجال ~~دولته «فلما طلع إلى الثغر لاقاه النائب، ومد له مدة حافلة، فأقام بها ~~أياما وهو في أرغد عيش، وتنزه في غيطان البلد، وتوجه إلى مكان يصاد به ~~السمك البوري، ونزل في مركب صغير، وعاين كيف يصاد البوري.» # وقد أمر قايتباي بإنشاء برجه العظيم في الإسكندرية في سنة 882، وتم بناؤه في ~~سنة 884، وفي نفس السنة أراد أن يتم تحصين شواطئ مصر الشمالية جميعا، ويبدو ~~أن السلسلة الضخمة التي كانت تمتد من برج دمياط إلى شاطئها قد بطل استعمالها، ~~ونزعت من مكانها - وإن كنا لا نعرف في أي عصر نزعت - فأرسل قايتباي في هذه ~~السنة أميرا من أمرائه لتجديد هذه السلسلة. يقول ابن إياس في حوادث هذه السنة: ~~«وفيها في المحرم توجه الأمير يشبك الدوادار إلى ثغر دمياط، وكان السلطان قد ~~جعله متحدثا عليها، فلما توجه إلى هناك أنشأ على فم البحر الملح عند برج ~~الملك الظاهر بيبرس البندقداري سلسلة من الحديد زنتها نحوا من مائتين وخمسين ~~قنطارا من الحديد، وكانت هذه السلسلة قديما هناك ثم بطل أمرها؛ فجددها ~~الأمير يشبك الدوادار في هذه السنة، وحصل بها النفع لطرد مراكب الفرنج ~~الكبار.» # وفي عهد قايتباي بنيت في دمياط أيضا المدرسة المتبولية - التي لا تزال ~~موجودة حتى الآن، بناها قايتباي لولي الله الشيخ إبراهيم المتبولي، فقد كان من ~~المعتقدين فيه. ~~(5-13) دمياط تصبح نيابة في أواخر العصر المملوكي # هذه هي دمياط في أوج عظمتها حتى أواخر القرن التاسع الهجري (15م)، وقد ارتفعت ~~- لمكانتها الجديدة - من ولاية إلى نيابة، فقد كانت في العصرين الأيوبي ~~والمملوكي الأول ولاية من ولايات الوجه البحري، فقد كان في الوجه البحري وقتذاك ~~أربع ولايات، في: منوف، وأشموم، ودمياط، وقطيا، وكانت كل ولاية يليها وال أمير ~~عشرة، أي من صغار أمراء الدولة، وكانت الأقسام الإدارية في الدولة المملوكية إذ ~~ذاك إما ولايات أو نيابات، والنيابة أعلى مرتبة، ويتولاها نائب ms39 عن السلطان يكون ~~عادة من الأمراء المقدمين أو أمراء المئات، وهم أكبر الأمراء قدرا. ولم يكن ~~بمصر نيابات غير نيابة الإسكندرية، فقد كانت كدمياط ولاية ثم جعلت نيابة في ~~عهد الأشرف شعبان - أي بعد غزوة القبارصة. # ويبدو أن دمياط جعلت نيابة أيضا حوالي ذلك الوقت؛ فإن تواريخ مصر تبدأ في ~~القرن التاسع فتسمي حاكم دمياط نائبا - لا واليا، وتشير إلى نيابة دمياط لا ~~إلى ولاية دمياط، وفي تاريخ ابن إياس مثلا ذكر لكثير من النواب الذين حكموا ~~دمياط في القرن التاسع وفي السنوات الأولى من القرن العاشر الهجري. ~~(5-14) دمياط في عهد قانصوه الغوري # وكان قايتباي آخر سلاطين المماليك العظام، وكان عهده آخر عهود الازدهار، ~~وبدأت مصر بعده في التأخر والاضمحلال، وأصاب دمياط وموانئ مصر عامة ما أصاب ~~مصر، فإذا كان عهد الغوري خيم على هذه الموانئ الخراب، ووقفت حركة الصادر ~~والوارد بها لعبث الفرنج بشواطئها، يقر هذه الحقيقة ابن إياس في تاريخه، ~~فيقول في حوادث سنة 920: «وكان في تلك الأيام ديوان المفرد وديوان الدولة ~~وديوان الخاص في غاية الانشحات والتعطيل، فإن بندر الإسكندرية خراب، ولم تدخل ~~إليه القطائع في السنة الحالية، وبندر جدة خراب بسبب تعبث الفرنج على التجار ~~في بحر الهند، فلم تدخل المراكب بالبضائع إلى بندر جدة نحوا من ست سنين وكذلك ~~جهة دمياط.» وقال أيضا في حوادث سنة 922: «وكان حسين نائب جدة يأخذ العشر من ~~تجار الهند المثل عشرة أمثال، فامتنعت التجار من دخول بندر جدة، وآل أمره إلى ~~الخراب، وعز وجود الشاشات من مصر والأزر والأنطاع وأخرب البندر، وكذلك بندر ~~الإسكندرية وبندر دمياط، فامتنعت تجار الفرنج من الدخول إلى تلك البنادر من ~~كثرة الظلم، وعز وجود الأصناف التي كانت تجلب من بلاد الفرنج.» # | دمياط في العصر العثماني # وظهر في الأفق حينذاك خطر جديد أخذ يهدد الدولة المملوكية في مصر، ذلك هو خطر ~~الدولة الإسلامية الفتية الناشئة، دولة الأتراك العثمانيين، وفي نفس هذه السنة التي وصف ~~فيها ابن إياس تأخر الأحوال الاقتصادية في موانئ الدولة - ومن ms40 بينها دمياط - في هذه ~~السنة - وهي سنة 922 / 1517 - انقض الأتراك العثمانيون على مصر وافتتحوها وضموها إلى ~~ملكهم بعد أن قضوا نهائيا على دولة المماليك. # وفي العصر العثماني ازدهرت دمياط بعض الشيء لكونها أقرب الموانئ المصرية إلى آسيا ~~الصغرى، ولكنها لم تستعد مكانتها الأولى، وقد عانت دمياط - كما عانت مصر كلها في ذلك ~~العصر - من اضطراب الأحوال وكثرة الفتن، وقد ظلت دمياط منفى للأمراء الثائرين كما ~~كانت في العصر السابق، وفي كتب التاريخ شواهد كثيرة تؤيد ما ذكرنا، نكتفي بذكر واحد ~~منها: # ففي سنة 1218م اشتد النزاع بين عثمان بيك البرديسي وبين حاكم مصر التركي خسرو باشا، ~~وقتل كثير من أتباع الفريقين. يقول الجبرتي: «وهجم المصريون (يقصد المماليك أعوان ~~البرديسي) على دمياط ودخلوها ... ونهبوها، وأسروا نساءها، وافتضوا الأبكار، وصاروا ~~يبيعونهن كالأرقاء، ونهبوا الحانات والبيوت والوكائل والمراكب.» # | دمياط في عهد الحملة الفرنسية # وظلت الحال على هذا إلى أن أتت الحملة الفرنسية إلى مصر، وقد أثبت علماؤها في ~~أبحاثهم أن دمياط كانت ثاني مدينة في القطر المصري بعد القاهرة، فقد قاموا بإحصاء ~~السكان في مدن القطر الهامة، وتبين لهم أن عدد السكان بالقاهرة 263000 نسمة وأن عدد ~~سكان دمياط 30000؛ وكانت رشيد هي الثالثة وعدد سكانها 13000، أما الإسكندرية فكان عدد ~~سكانها 8000 نسمة فقط؛ ولهذا عني الفرنسيون بدمياط عناية خاصة؛ فأرسلوا إليها بعد ~~الاستيلاء على القاهرة فرقة من الجيش الفرنسي في أوائل أغسطس سنة 1798، وعين الجنرال # Vial # حاكما على مدينتي المنصورة ودمياط. # غير أن سكان هاتين المديريتين لم يخضعوا للفرنسيين، بل قاوموهم مقاومة عنيفة، وقاموا ~~بثورات خطيرة أقضت مضاجع الفرنسيين وأتعبتهم، وكانت دمياط وقرى بحيرة المنزلة مقر ~~تلك الثورات، وكان بطلها ومحركها حسن طوبار زعيم إقليم المنزلة. # وقد حاول فيال حاكم دمياط أن يستميله إليه بكل الوسائل ولكنه لم يفلح، وفي الوقت ~~الذى كان حسن طوبار يقود فيه ثورات المنزلة ويحشد أساطيله بالبحيرة لمهاجمة الفرنسيين ~~قامت الثورة في دمياط نفسها في أوائل سبتمبر سنة 1798، واشترك فيها أسطول حسن طوبار ~~الذى تحرك في بحيرة ms41 المنزلة حتى وصل إلى غيط النصارى شرقي دمياط، وتقدم الأهلون ~~ورجال الأسطول - وكانوا جميعا مسلحين بالبنادق والرماح - نحو دمياط، وقتلوا الحراس ~~الفرنسيين؛ فتقدم فيال بقواته لمقاتلتهم، ففر بعضهم وركبوا السفن عائدين، واتجه ~~فريق آخر إلى قرية الشعراء المجاورة لدمياط، واتخذوها معسكرا لهم، وفي نفس الوقت ثار ~~أهالي عزبة البرج بحاميتهم الفرنسية وقتلوا رجالها، واستطاع فيال أن يقتحم قرية ~~الشعراء، ودخلها بجنده فنهبوها وأضرموا فيها النار، ولما سمع أهالي عزبة البرج أن ~~الفرنسيين نجحوا في إخماد ثورة دمياط تركوا قريتهم ورحلوا بأسراتهم في السفن إلى سواحل ~~سوريا. # خريطة دمياط كما رسمها علماء الحملة الفرنسية في ~~أواخر القرن الثامن عشر. # وتقدم الفرنسيون بعد هذا إلى المدن والقرى القريبة من دمياط كميت الخولي والضاهرية ~~والزرقة، فأخمدوا ثوراتها ونهبوها نهبا تاما. وقد كتب الجنرال لوجييه في يومياته يصف ~~المساوئ التي ارتكبها الجنرال فيال عند انتقامه من ميت الخولي والقرى المجاورة، قال: ~~«في اليوم الذي عاد فيه الجنود إلى دمياط بعد هذا النهب، كانت مدينة دمياط أشبه بسوق أو ~~مولد، باع فيه الجنود الفرنسيون إلى الأروام ما نالته أيديهم من النهب والسلب، فكانوا ~~يعرضون المواشي والطيور والثيران والبقر والخيول والحمير والغنم والدجاج والأوز ... ~~وكثيرا من قطع الذهب والفضة التي كانت حليا للنساء.» # وأرسل نابليون الجنرال دوجا للإشراف على منطقة بحيرة المنزلة، كما أرسل إلى دمياط بعض ~~السفن المسلحة مددا للقوة المعسكرة هناك، على أن مركز الفرنسيين ظل مزعزعا في هذه ~~المنطقة، يؤيد هذا قول الجنرال لوجييه في يومياته: # لم تتحسن الحالة كثيرا عما كانت عليه حينما جاء الجنرال دوجا لأول مرة إلى ~~دمياط، والسلطة الفرنسية ما زالت منكورة في معظم جهات الدلتا التابعة لهذه ~~المديرية، وفي دمياط نفسها التي تعتبر من أعظم بلاد القطر المصري، لا يأمن ~~الجندي الفرنسي على حياته إذا هو ذهب إلى حي الوطنيين، والحامية الفرنسية مقصاة ~~في حي الأروام. # علم نابليون من تقرير قواده أن منطقة دمياط لن تخضع للفرنسيين إلا إذا قضى علي نفوذ ~~حسن طوبار المعسكر في المنزلة، والمسيطر ms42 على بحيرتها بأساطيله ورجاله؛ فأرسل قائدا ~~آخر من قواده يسمى أندريوسي # Andreossi # ليشرف على إخضاع ~~هذه المنطقة، واتصل هذا القائد بقواد الحاميات الفرنسية المقيمة بدمياط وحولها، ووضع ~~الخطة للاستيلاء على المنزلة معقل حسن طوبار. وقد استطاع الفرنسيون الدخول إلى المدينة ~~حقا في أوائل أكتوبر، ولكن بعد أن خرج منها كل أهليها، ولم يتركوا بها إلا الشيوخ ~~والنساء، وقد فر حسن طوبار إلى غزة، وبقي بها إلى أن عاد به نابليون إلى مصر بعد فشل ~~حملته على سوريا، وأقام في بلدته ملتزما السكينة والهدوء؛ فقد احتفظ الفرنسيون بابنه ~~رهينة عندهم في القاهرة، ليتأكدوا من ولائه وهدوئه. وقد مات طوبار في سنة 1800، فنشرت ~~جريدة الحملة الرسمية «كورييه دلجبت» خبر وفاته. # وقد عني الفرنسيون بعد إخضاع هذه الثورات بتحصين منطقة دمياط فأنشئوا قلعة بعزبة ~~البرج، وقلعتين على مدخل البوغاز شرقا وغربا، وقد أقاموا هذه القلاع جميعا على أنقاض ~~الأبراج والقلاع القديمة التي يبدو أنها كانت قد تهدمت وتشعث بنيانها في العصر ~~العثماني. # | دمياط في عصر الأسرة المحمدية العلوية # (1) في عصر محمد علي الكبير # وفي السنين الأولى من عصر محمد علي الكبير حافظت دمياط على مكانتها؛ فقد كانت ~~ثاني مدينة في القطر بعد العاصمة «القاهرة» كما كانت ميناء مصر الأول، عنها تصدر، ~~وإليها ترد معظم التجارة الخارجية، وكان يقوم بها كثير من الخانات والوكائل. # وقد عني بها محمد علي في أوائل عهده عناية خاصة، ذكر الجبرتي في حوادث سنة 1231 / 1816 أن أحد أبناء البلاد، واسمه حسين شلبي عجوة، اخترع آلة لضرب الأرز وتبييضه، ~~وقدم نموذجا لها إلى محمد علي، فأعجب بها وأنعم على مخترعها، وأمره بتركيب مثل ~~هذه الآلة بدمياط وأخرى برشيد، ويقول الجبرتي: «إن الباشا لما رأى هذه النكتة من ~~حسين شلبي هذا، قال: إن في أولاد مصر نجابة وقابلية للمعارف.» وأمر في الحال بإنشاء ~~مدرسة للهندسة في القلعة لتعليم المصريين العلوم الهندسية، وهي أول مدرسة للهندسة ~~أنشئت في عصر محمد علي، ثم تلتها مدارس أخر. # وفي عهد محمد علي أيضا أنشئت ms43 مدرسة للمشاة في دمياط، وكانت مهمتها إعداد الضباط ~~لسلاح المشاة، وكانت تضم 400 طالب، كما أنشئ بها مصنع للغزل يشبه المصانع الآلية ~~الكثيرة التي أنشئت في مدن القطر المختلفة وقتذاك، وفي عهده (1233-1818) جعلت دمياط ~~محافظة. # غير أن محمد علي اتجه في إصلاحاته كلها إلى النقل عن أوروبا، سواء أكان ذلك في ~~التعليم أو الصناعة أو الجيش والبحرية ... إلخ، ولما كانت الإسكندرية أقرب الموانئ ~~المصرية إلى أوروبا فقد حباها بعطفه، وبنى فيها القصور لإقامته، واتخذها مقرا ~~لدار صناعة السفن، وحفر ترعة المحمودية. ومنذ تم حفر هذه الترعة استعادت الإسكندرية ~~مكانتها القديمة - كميناء مصر الأول - وساعد على هذا أن البخار استخدم في ذلك ~~الوقت لتسيير السفن، وحلت السفن البخارية الكبيرة الحجم محل السفن الشراعية، ~~وميناء دمياط ميناء رملي كثير الرواسب لا تستطيع السفن الكبيرة الدخول إليه والرسو ~~بشاطئه. ~~(2) في عهد عباس باشا الأول # بدأت دمياط إذن تفقد مكانتها كميناء مصر الأول، وغدت الميناء الثاني بعد ~~الإسكندرية، ولكنها لم تفقد أهميتها الحربية كثغر من ثغور مصر المطلة على البحر ~~الأبيض المتوسط؛ ولهذا عني بها عباس باشا الأول العناية كلها، فأنشأ بها طريقا ~~عسكريا يمتد من المدينة إلى البوغاز، وأنشأ عباس الأول بدمياط أيضا قشلاقا ~~كبيرا على شاطئ النيل، ومجموعة من مخازن البارود والمهمات العسكرية، كما أنشأ بها ~~مبنى للحجر الصحي ومحلا للجمرك جنوبي هذه القلعة على شاطئ النيل. ~~(3) في عصر إسماعيل باشا # وكان عصر إسماعيل العظيم عصر إصلاح مدني، وقد نالت دمياط حظها من هذا الإصلاح، ~~فوصلت السكة الحديدية والتلغراف إلى بر المدينة الغربي (السنانية) وبالقرب من محطة ~~السكة الحديد أنشئت في عصر إسماعيل ثكنات جديدة للجند، وإلى جانبها أقيم مستشفى ~~عسكري يسع خمسمائة سرير، وأوصلت أسلاك البرق إلى قلاع البوغاز جميعا، وخاصة ~~قلعة عزبة البرج، وأجريت إصلاحات كثيرة بهذه القلعة، وعمر جامعها القديم والمنزل ~~القائم وسط مبانيها، وأنشئت إلى جانب الأبراج القديمة قلاع حصينة جديدة، وزودت ~~هذه القلاع جميعا بالمدافع العظيمة ذات العيار الكبير والمرمى البعيد، وقد وضع ~~تصميمات هذه القلاع ms44 أمير اللواء محمد باشا المرعشلي باشمهندس عموم الاستحكامات ~~وقتئذ. # وفي عهد إسماعيل أيضا أنشئ عدد من الفنارات على طول الشاطئ الشمالي لمصر، ومن ~~بينها فنار دمياط، ويمتاز على غيره من هذه الفنارات بأن نوره يظهر ويختفي، ويدور ~~دورة كاملة مدتها دقيقة واحدة. # وفي أواخر سنة 1259 / 1843 - في عصر إسماعيل - أنشئ مجلس بلدي دمياط. ~~(4) في عهد توفيق باشا # وفي أبريل سنة 1880 زار الخديو توفيق باشا دمياط، وبعد هذه الزيارة بقليل قامت ~~الثورة العرابية، وفي إبانها سافر آلاي عبد العال حلمي - أحد أبطال الثورة - إلى ~~دمياط في أكتوبر سنة 1881 للإشراف على حمايتها وتحصينها، وقد استقر هذا الآلاى في ~~ثكنات المدينة. # ولما دخل الإنجليز الإسكندرية وانتصروا في وقعة التل الكبير، ضعفت الهمم، وبدا أن ~~المقاومة لم تعد مجدية، ولكن البطل عبد العال حلمي قائد دمياط أبى التسليم في ~~أول الأمر، وحاول أن يقنع الجند والأهلين أن عرابي لا يزال يقاوم، ودعاهم للقتال، ~~ولكن أخبار تسليم طابية الجميل وصلت إلى دمياط؛ فضعفت العزائم، وأرسل الجنرال «وود» ~~فرقة من جيشه إلى دمياط، وأرسل قائدها - وهو في السنانية - إلى عبد العال حلمي يطلب ~~إليه التسليم، فرفض أيضا، فعبر الإنجليز النيل إلى دمياط ودخلوا الثكنات وقبضوا ~~على عبد العال، وأرسلوه إلى القاهرة حيث حوكم مع زعماء الثورة، وحكم عليه بالنفي، ~~فنفي إلى «كولمبو» ميناء سيلان، وبها توفي ودفن في 19 مارس سنة 1891. أما آلاي ~~دمياط فقد سرح الإنجليز جنوده، وأمروهم بالعودة إلى بلادهم، ثم خربوا ثكنات ~~السنانية ودمياط وهدموها جميعا بعد أن جردوها من سلاحها تجريدا تاما وأتلفوا ~~مدافعها. # | كلمة أخيرة # بين الجديد والقديم # هذه هي دمياط حتى أواخر القرن التاسع عشر، أما دمياط القرن العشرين، دمياط المعاصرة، ~~دمياط فؤاد الكبير وفاروق العظيم، فهي ماثلة بين أعيننا، وهي لا تزال تخطو نحو الازدهار ~~والمجد خطوات وئيدة، ولكنها وثيقة ناجحة. # ونحن إن كنا نأمل - مع أهل دمياط - في شيء، فذلك أن يعنى أولو الأمر بتنفيذ ~~المشروعات الإصلاحية التي تعيد للمدينة سابق مجدها، وخاصة مشروع الميناء، ms45 ومشروع طريق ~~دمياط بورسعيد، ومشروع المجاري ... إلخ. ودمياط في رأينا أيضا مدينة صالحة جدا لإنشاء ~~جامعة بها، إن الإسراع بتنفيذ هذه المشروعات يطفر بدمياط طفرة سريعة إلى ~~الأمام. # أما دمياط القديمة فلها علينا أيضا حقوق، ومن حقها علينا أن تعنى الجامعات بعمل ~~حفائر علمية بها وبتنيس؛ لتحديد موقع المدينتين ومعالمهما القديمة، وأن تعنى مصلحة ~~الآثار العربية بالمحافظة على ما بقي بالمدينة من وكائل وخانات ومساجد؛ فهي جميعا ~~صورة جميلة لدمياط القديمة، ومن الأسف أن الدمياطيين أهملوا هذه الناحية إهمالا ~~تاما في السنوات الأخيرة؛ فتركوا وزارة الأوقاف تبيع الوكائل القديمة وتهدمها دون أن ~~تستدعي مصلحة الآثار لإبداء رأيها ودراسة هذه المنشآت والمحافظة عليها، أو تصويرها ~~ودراستها قبل هدمها. كما تركوا مهندسي البلدية يهدمون منارات المساجد القديمة ومبانيها ~~دون تقدير لأهميتها الأثرية والفنية والتاريخية. # | تاريخ المدينة الاقتصادي # | التاريخ التجاري # كان يقع على ساحل مصر الشرقي ثغور ثلاثة: دمياط وتنيس والفرما، وكانت دمياط في ~~العصور القديمة أقل هذه المدن أهمية، غير أنها جميعا لعبت دورا خطيرا في تاريخ مصر ~~التجاري في العصور القديمة والوسطى؛ وذلك لأن تجارة الشرق الأقصى الوافدة عبر البحر ~~الأحمر كانت تصل إما إلى عيذاب، ومنها تحمل بطريق القوافل إلى أسوان، ثم تنحدر في ~~السفن شمالا إلى العاصمة عند قمة الدلتا، ثم إلى دمياط أو الإسكندرية، وإما أن تصل إلى ~~القلزم (السويس الحالية) حيث تحمل بطريق القوافل إلى الفرما أو إلى العاصمة، ثم ~~تشحن بطريق النيل إلى دمياط أو الإسكندرية. # وكانت التجارة الواصلة إلى الفرما أو دمياط تصدر إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط ~~الشرقية، وخاصة سوريا وآسيا الصغرى واليونان، وإليهما كانت ترد بضائع هذه الأقطار، ~~وقلما كانت ترد إلى هاتين المدينتين أو تصدر عنهما سفن غرب أوروبا، فقد كانت ~~الإسكندرية هي مركز الاتصال التجاري بين مصر وغرب أوروبا؛ فهي أقرب إليه من دمياط، أما ~~تنيس فكانت تصدر عنها إلى الشرق منتجاتها الصناعية وخاصة المنسوجات. # وقد حافظت هذه المدن على مكانتها التجارية في العصور القديمة، فلما كان الفتح العربي ~~بدأت دمياط ms46 تحتل مكان الصدارة بين هذه المدن الثلاث، وخاصة أن الفرع البلوزي القديم ~~الذي كان ينتهي عند الفرما أخذ في الاضمحلال شيئا فشيئا، ثم طمرته الرمال نهائيا في ~~الوقت الذي اتسع فيه فرع دمياط وأصبح طريق الملاحة بين العاصمة والبحر. # وقد صمدت دمياط لغارات البيزنطيين والصليبيين عليها، أما الفرما وتنيس فقد نالت منهما ~~هذه الغارات، فساعدت على إضعافهما، وقد نزل الفرنج أخيرا بالفرما سنة 545 فنهبوها ~~وأحرقوها، ثم خربها تخريبا تاما الوزير شاور في منتصف القرن السادس الهجري، وكذلك ~~تنيس تداول علي تخريبها البيزنطيون ثم الفرنج، إلى أن كانت سنة 624 فأمر الملك الكامل ~~محمد الأيوبي بتخريبها وهدم حصونها؛ فرحل أهلوها إلى دمياط. وهكذا زالت من الوجود هاتان ~~المدينتان؛ الأولى في القرن السادس الهجري والثانية في القرن السابع. # وورثتهما دمياط فغدت الميناء المصري الوحيد في الركن الشمالي الشرقي من البحر الأبيض ~~المتوسط؛ فنشطت تجارتها وازدهرت، ثم لم تلبث الحروب الصليبية التي توالت عليها أن أثرت ~~فيها، وهدمت دمياط القديمة بعد آخر حملة من هذه الحملات على مصر، ثم أنشئت جنوبيها ~~مدينة جديدة ظلت تنمو شيئا فشيئا؛ وذلك لأن موقعها الجغرافي يستلزم قيام مدينة في ~~هذه البقعة رغم قسوة الحروب وأحداثها. # ولما خرب القبارصة الإسكندرية في القرن الثامن الهجري فقدت أهميتها التجارية وأفادت ~~دمياط من هذا الحادث ونتائجه؛ فغدت منذ ذلك الحين ميناء مصر الأول، ونشطت تجارتها مع ~~الغرب والشرق معا، وزادت أهميتها أيضا بعد الفتح العثماني لمصر لكونها أقرب إلى مركز ~~الدولة الحاكمة من الإسكندرية، فأنشئت بها الوكائل والفنادق والخانات التي كانت آثارها ~~لا تزال قائمة بها حتى عهد قريب جدا. # وظلت دمياط تحتفظ بمكانتها التجارية حتى سنوات الفتح الفرنسي لمصر في أواخر القرن ~~الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، فقد قام علماء الحملة الفرنسية - كما سبق أن ذكرنا ~~- بإحصاء السكان في مدن مصر الكبيرة، وأثبت هذا الإحصاء أن دمياط كانت ثاني مدينة بعد ~~العاصمة «القاهرة» وتليها رشيد ثم الإسكندرية. # واتجه محمد علي باشا في إصلاحاته وصلاته التجارية إلى بلدان غرب ms47 أوروبا، ودفعته هذه ~~السياسة إلى العناية بمدينة الإسكندرية، فأخذت تستعيد مكانتها القديمة - وخاصة بعد ~~إنشاء ترعة المحمودية سنة 1820 - وبدأت دمياط تضمحل تجاريا شيئا فشيئا، ثم زاد في ~~اضمحلالها التجاري مع مرور السنين عوامل كثيرة أخرى، أهمها أن البخار الذي اكتشف مع ~~موذلد القرن التاسع عشر استعمل في تسيير السفن، ثم أخذت السفن البخارية يكبر حجمها ~~وغاطسها؛ وبذلك اتجهت اتجاها طبيعيا إلى ميناء الإسكندرية، وصدفت نهائيا عن ميناء ~~دمياط لأنه ميناء رملي لا يصلح لاستقبال السفن الكبيرة، ومدخله ضحل غير عميق بتأثير ~~الرواسب السنوية التي يأتي بها النيل، وبتأثير الصخور التي ألقاها الظاهر بيبرس عند هذا ~~المدخل في القرن السابع الهجري (13م). # ثم أنشئت قناة السويس وأنشئ معها ميناء جديد على ساحل البحر الأبيض المتوسط هو ميناء ~~بورسعيد، فسلب هذا الميناء الجديد ما بقي لدمياط من مجد تجاري، وخاصة بعدما وصلت السكة ~~الحديد بين بورسعيد وداخل القطر. وفي سنوات الحرب الكبرى الأولى أنشئت سكة حديد ~~فلسطين، فتعاونت مع العوامل السابقة على القضاء نهائيا على مركز دمياط كميناء تجاري ~~يتعامل مع بلدان البحر الأبيض الشرقية. # تضافرت هذه العوامل جميعا على القضاء على تجارة دمياط الخارجية، ولكن نشاط أهلها ~~الطبيعي الموروث اتجه إلى النهضة بتجارة المدينة الداخلية وصناعاتها حتى أصبحت من مدن ~~مصر الأولى في هاتين الناحيتين. # وقد بدأت الحكومة المصرية منذ سنوات تشعر بمبلغ الخسارة التي أصابت دمياط كميناء ~~تجاري له أهميته، فأخذت تفكر في خير الوسائل لإحيائه، وبدأ هذا التفكير في عهد الملك ~~المصلح فؤاد الكبير، فاستدعى عددا من الخبراء الأجانب في سنة 1926 لدراسة الميناء ~~واقتراح خير الحلول لتعميق البوغاز، وزارت لجنة الخبراء ميناء دمياط كما زارت كثيرا من ~~الموانئ الأوروبية الشبيهة بدمياط والواقعة عند مصبات الأنهار، وقدمت تقريرها النهائي ~~حوالي سنة 1930، وفيها تقترح: # العمل عل تعميق البوغاز وبناء رصيفين طويلين داخل البحر لتمر من بينهما ~~السفن إلى البوغاز. # أو إنشاء ترعة جديدة تخترق البر غربي جنوبي طابية الشيخ يوسف وتصب في ~~البحر الأبيض المتوسط غربي رأس البر الحالية، ms48 لتكون بمثابة مصب جديد ~~ومدخل صالح للسفن الكبيرة. # وحوالي نفس الوقت قدم المهندس المصري الكبير أحمد راغب بك مشروعا آخر لحفر ترعة ~~ملاحية عبر بحيرة المنزلة، يقوم على ضفتيها طريقان يصلان بين دمياط وبورسعيد، والمشروع ~~عظيم جدا ويحقق الأهداف المطلوبة من إحياء ميناء دمياط وربطها بالعالم الخارجي وبداخل ~~القطر، وقد فصل راغب بك الحديث عن مشروعه ومزاياه في كتاب ضخم مزود بالخرط ~~والإحصاءات والصور الإيضاحية أصدرته جمعية المهندسين الملكية. # ومع هذا كله فإن الحكومة لم تأخذ باقتراحي الخبراء ولا باقتراح راغب بك، وأنشأت ~~طريقا بريا يصل بين بورسعيد ودمياط، ويمر في معظمه بالجزر المتناثرة في بحيرة ~~المنزلة، وقد أثبتت الحوادث والسنون عيوب هذا الطريق، وأنه لم يحقق الأغراض التي ~~أنشئ من أجلها، فعسى أن تعني الحكومة من جديد بإعادة التفكير في مشروع راغب بك والعمل ~~على تنفيذه؛ فهو في نظرنا خير المشروعات التي قدمت حتى اليوم لإحياء ميناء دمياط ~~وإعادتها إلى سابق مجدها التجاري الخارجي. # | التاريخ الصناعي # وقد اشتهرت دمياط في كل العصور بأنها كانت مدينة صناعية هامة، وامتازت خاصة بصناعة ~~النسيج. والنصوص التي وصلتنا عن ازدهار هذه الصناعة في دمياط وما جاورها ترجع في معظمها ~~إلى العصر العربي، غير أننا نستطيع أن نقول واثقين: إن دمياط ومنطقتها اشتهرت بصناعة ~~النسيج منذ عهد الفراعنة، وإن هذه الصناعة كانت قائمة بها في العصرين اليوناني ~~والروماني، وما ازدهارها في العصر العربي إلا استمرار وتقدم لما كانت عليه في العصور ~~السابقة، ودليلنا في هذا أن منطقة دمياط من أصلح المناطق لقيام صناعة النسيج؛ فهذه ~~الصناعة تحتاج إلى جو معتدل وافر الرطوبة، وهي غالبا تقوم في المدن المجاورة للمجاري ~~المائية، لحاجة هذه الصناعة للماء، ولأن هذه المجاري المائية تكون عادة وسيلة سهلة ~~ورخيصة لنقل منتجات مصانع النسيج إلى مختلف الأسواق. وهذه الشروط جميعا كانت تتوافر في ~~دمياط والمنطقة المحيطة بها منذ أقدم العصور. # ويؤكد رأينا أيضا أن معظم المؤرخين العرب يشيرون إلى أن القائمين بهذه الصناعة في ~~دمياط والمدن المحيطة بها في العصر العربي ms49 الأول كانوا في معظمهم من الأقباط سكان ~~البلاد الأصليين، فهم كانوا أصحاب هذه الصناعة المهرة فيها، ثم ظلوا القائمين عليها بعد ~~الفتح العربي بقرون. # وقد ساعد على قيام صناعة المنسوجات في منطقة دمياط قرب المادة الخام ووفرتها - وهي ~~الكتان - فقد كانت منسوجات هذه المنطقة كلها من الكتان، إلا أن يدخل في نسجها خيوط من ~~الحرير أو الذهب أو الصوف. والكتان كان يزرع بوفرة - في تلك العصور - في أراضي شرق ~~الدلتا أو الفيوم. # ونمت هذه الصناعة وازدهرت ازدهارا عظيما في العصر العربي في مدينة دمياط والمدن ~~المحيطة بها في بحيرة المنزلة وحولها، وخاصة: شطا وتنيس ودبيق وتونة وبورة ودميرة، ~~وكانت كل مدينة من هذه المدن تختص بإنتاج نوع بعينه من المنسوجات، فدمياط تنتج ~~المنسوجات البيضاء وحدها، وتنيس تنتج المنسوجات الملونة بألوانها المختلفة، ودبيق ~~امتازت بالمنسوجات الصفيقة المتينة ... وهكذا. # ولهذا نسب كل نوع من هذه الأقمشة إلى المدينة التي تنتجه وشهر بها؛ فنسمع في كتب ~~المؤرخين عن: القماش الدبيقي والدمياطي، والثياب الشطوية ... إلخ، وإن لم يمنع هذا من أن ~~بعض هذه المدن كانت تصنع الثياب المشهورة بصنعها البعض الآخر. # هذه الحقائق كلها يرددها المؤرخون والرحالة من العرب وغير العرب منذ القرن الثاني ~~للهجرة، فابن حوقل - وهو من جغرافيي القرن الرابع - يقول: «تنيس ودمياط ... وبهما يتخذ ~~رفيع الدبيقي والشرب والمصبغات من الحلل السنية التي ليس في جميع الأرض ما يدانيها في ~~الحسن والقيمة ... وضياعها شطا ودبق ودميرة وتونة وما قاربها من تلك الجزائر، يعمل بها ~~الرفيع من هذه الأجناس.» ثم نص على أن نسج تنيس ودمياط كان يفوق نسيج هذه المدن ~~والقرى جميعا، فقال: «وليس ذلك بمقارب للتنيسي والدمياطي.» # صناعة النسيج، صناعة قديمة قدم المدينة ~~نفسها. # ووصف المقدسي - وهو من جغرافيي نفس القرن - تنيس وصفا جميلا يدل على عظم مكانتها في ~~ذلك العصر، قال: «تنيس ... مدينة وأي مدينة، هي بغداد الصغرى، وجبل الذهب، ومتجر الشرق ~~والغرب، أسواق ظريفة، وأسماك رخيصة، وبلد مقصود، ونعم ظاهرة، وساحل نزيه، وجامع ~~نفيس، وقصور شاهقة، ومدينة مفيدة رفقة، ms50 إلا أنها في جزيرة ضيقة، والبحر عليها كحلقة ~~ملولة قذرة، والماء في صهاريج مغلقة، أكثر أهلها قبط ... وبها يعمل الثياب والأردية ~~الملونة.» وترك المقدسي تنيس إلى دمياط، فرآها تفضل أختها في كثير، فقال مقارنا: ~~«دمياط ... تسير في هذه البحيرة (بحيرة تنيس) يوما وليلة إلى مدينة أخرى، هي أطيب وأرحب، ~~وأوسع وأفسح وأحزب، وأكثر فواكه، وأحسن بناء، وأوسع ماء، وأحذق صناعا، وأرفع بزا، ~~وأنظف عملا، وأجود حمامات وأوثق جدارات، وأقل أذايات من تنيس، عليها حصن من ~~الحجارة، كثيرة الأبواب.» # ولسنا نعرف بالتحديد عدد مصانع النسيج في دمياط في القرون العربية الأولى، ولكن ~~المسعودي ذكر أن تنيس كان بها نحو خمسة آلاف منسج، فإذا تذكرنا قول المقدسي إن دمياط ~~كانت أوسع من تنيس وأفسح، وأحذق صناعا وأرفع بزا، استطعنا أن نقول إن دمياط كان بها ~~في نفس الوقت نحو ستة آلاف منسج على أقل تقدير. # وكانت هذه المصانع تنتج الأقمشة الشعبية، كما كانت تنتج الطرز الملوكية مما ~~يلبسه الولاة وأسراتهم، ومما يخلعه هؤلاء الولاة على الأمراء ورجال الدولة، أو مما ~~يهدى إلى الخليفة والسفراء والملوك. # واختصت دمياط والمدن المحيطة بها منذ أوائل العصر العربي بنسيج كسوة الكعبة، ومع أن ~~مصر كانت ولاية تابعة للخلافة العباسية، فإن الخلفاء العباسيين كانوا يأمرون بصناعة ~~الكسوة التي يرسلونها إلى الكعبة في مصانع دمياط ومدنها. ولم تكن مدينة من هذه المدن ~~تستأثر وحدها بصناعة الكسوة، بل كانت جميعا تتبادل هذا الشرف؛ فهي مرة تنسج في شطا، ~~ومرة أخرى في تنيس أو تونة أو دمياط ... إلخ. # وكانت دمياط - كما ذكرنا - تنسج المنسوجات البيضاء وحدها، كما كانت تنيس تصنع ~~المنسوجات الملونة، وكان ينسج في دمياط وتنيس نوع من الثياب الدقيقة الرقيقة يسمى ~~البدنة، يباع الثوب منه - إذا نسج من الكتان وحده - بمائة دينار، وإذا نسج من الكتان ~~والذهب بمائتي دينار، ويقول ابن زولاق: «ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ~~ثلاثمائة دينار.» # ويبدو أن دبيق كانت تمتاز علي رصيفتيها دمياط وتنيس في أول العصر العربي بجودة نسيجها ~~ومتانته؛ ولهذا ms51 أطلق العراقيون في ذلك العصر على إحدى قرى بغداد «دبقية»، وكانوا يبيعون ~~منسوجاتها على أنها دبيقية لتروج في السوق رواج منسوجات دبيق المصرية المشهورة بالجودة ~~والمتانة. # روينا أن المسعودي ذكر أن تنيس كان بها خمسة آلاف منسج، وقدرنا نحن أن مناسج دمياط ~~كانت تزيد على هذا العدد، فإذا أضفنا إلى هذه وتلك مناسج المدن المجاورة المحيطة بدمياط ~~كتنيس ودبيق وبورة وتونة ودميرة؛ استطعنا أن نعرف أن إنتاج هذه المنطقة من المنسوجات في ~~ذلك العصر كان إنتاجا ضخما يغطي حاجة السكان ويفيض منه قدر كبير يصدر إلى ~~الخارج. ولسنا نقول هذا استنتاجا وإنما يؤيدنا فيه أقوال المؤرخين، وكانت أكبر كمية من ~~هذه المنسوجات تصدر إلى العراق مقر الخلافة العباسية، وبلغت منسوجات دمياط شهرة ~~عظيمة في بلاد فارس حتى إن أكبر مدينة فارسية لصناعة النسيج - وهي كازرون - كانت تسمى ~~«دمياط الأعاجم» وكانت منسوجات دمياط وما حولها تصدر أيضا إلى جدة، وقد تحمل منها ~~إلى الشرق الأقصى، فالمقدسي يروي أن الضريبة التي كانت تؤخذ بثغر جدة «على سفط ثياب ~~الشطوي ثلاثة دنانير، ومن سفط الدبيقي ديناران.» # وكانت مصانع النسيج في المدن المصرية في العصر العربي تسمى: «دار الطراز»، وكان في كل ~~مدينة من هذه المدن نوعان من هذه الدور؛ دار طراز الخاصة، ودار طراز العامة، والراجح أن ~~النوع الأول - وهو دار طراز الخاصة - كان ينتج المنسوجات التي تصنع منها كسوة ~~الكعبة أو ملابس الخلفاء والوزراء والولاة ونسائهم أو الخلع التي يخلعها هؤلاء جميعا ~~على القواد والعلماء وكبار رجال الدولة، أما النوع الثاني - وهو دار طراز العامة - ~~فكان ينتج المنسوجات التي تباع للشعب أو تصدر للخارج. # وكانت هذه الدور جميعا ملكا للحكومة تشرف عليها، وتعين موظفيها، وتؤجر ~~عمالها، كما كان يقوم إلى جانب هذه الدور مناسج أهلية يعمل فيها الأهلون لحسابهم - ~~النساء يقمن بالغزل والرجال يقومون بالنسيج، ولكن الحكومة كانت تشرف أيضا على هذه ~~المصانع الأهلية، فكانت تمد النساجين بالمواد الخام، فلا يستعملون منها إلا ما كان عليه ~~خاتم السلطان، أما مصنوعاتهم فما كانوا ms52 يستطيعون بيعها إلا عن طريق موظف الحكومة ~~المعين لذلك. أما الأقمشة المعدة للتصدير فكانت تخضع لنظام حكومي دقيق، كل ذلك ~~للمحافظة على القيمة الصناعية للمنتجات وعلى المستوى الرفيع الذي اكتسبته وامتازت به ~~منسوجات هذه المنطقة. # وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان أن هذه المصانع الأهلية في دمياط كانت تقوم قبلي ~~المدينة على الخليج الذي كان يمر عبر المدينة ويصب في بحيرة تنيس، كما ذكر أن هذه ~~المصانع كانت تسمى «بالمعامل». قال: «ومن ظريف أمر دمياط أنه في قبليها على الخليج ~~مستعمل فيه غرف تعرف بالمعامل يستأجرها الحاكة لعمل الثياب الشرب، فلا تكاد تنجب إلا ~~بها، فإن عمل بها ثوب وبقي منه شبر، ونقل إلى غير هذه المعامل، علم بذلك السمسار ~~المبتاع للثوب فينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب عليه.» # وعندما استقل الفاطميون بمصر عنوا عناية خاصة بصناعة النسيج وبدور الطراز ، فقد ~~امتازت الحياة في عصرهم بالبذخ والترف، وسن خلفاؤهم تقاليد خاصة للاحتفال بالمواسم ~~والأعياد، وكانوا يسبغون في هذه المناسبات الهدايا والخلع من منسوجات دمياط وتنيس ودبيق ~~على وزرائهم وكبار رجال دولتهم. # وظل الحال على هذا في العصر الأيوبي وإن كانت الحروب الصليبية التي توالت على دمياط ~~قد أثرت في نشاط هذه الصناعة. وفي نهاية هذه الدولة هدمت دمياط؛ فهدمت بتهديمها مصانع ~~النسيج بطبيعة الحال. # ولكن الموقع الجغرافي كما ذكرنا يساعد على قيام هذه الصناعة في هذه البقعة؛ ولهذا لم ~~تلبث أن قامت صناعة النسيج ثانية في دمياط الجديدة، ولكنها لم تستطع أن تستعيد سابق ~~مجدها، أما تنيس فقد هدمت بمصانعها ومبانيها في عهد الملك الكامل محمد الأيوبي. # وظلت دمياط تشتهر أيضا بصناعة النسيج طول العصرين المملوكي والعثماني، وهذا يفسر ~~لم أنشأ محمد علي بها مصنعا آليا جديدا لصناعة الغزل. ومصانع النسيج الأهلية ~~المتناثرة في دمياط حتى اليوم هي الأثر الباقي لمجد هذه الصناعة والمنحدر مع المدينة من ~~أقدم العصور، ولكن يبدو أن دمياط في هذه العصور المتأخرة اتجهت إلى نسج الحرير، وخاصة ~~بعد انتشاره من الصين في أنحاء العالم، وبعد ms53 أن كثر إنتاجه بالشام ذات الصلات التجارية ~~الدائمة مع دمياط. وقد انتهى الأمر كما نرى اليوم إلى قيام مصانع بنك مصر الجديدة ~~التابعة لشركة مصر لنسج الحرير. # وقد كانت تقوم في دمياط في العصور القديمة صناعات أخرى غير النسيج أهمها عصر السمسم ~~وصناعة الأكياب، وصيد الأسماك والطيور، هذا عدا الصناعات المنزلية المختلفة كالنجارة ~~والحدادة والصناعات الجلدية ... إلخ. # صيد السمك بشواطئ دمياط. # وقد اتجه سكان دمياط أخيرا - بعد القضاء على تجارة المدينة الخارجية - إلى العناية ~~بهذه الصناعات حتى عمموها وأتقنوها وبزوا فيها الصناع الأوروبيين، فغدت دمياط أهم ~~مدن القطر جميعا في إنتاج الأثاث والأحذية والجبن، وكان لوفرة إنتاجها في هذه الصناعات ~~جميعا أثر كبير في إنقاص كميات الوارد منها إلى المملكة المصرية، بل إن مصر تصدر الآن ~~كميات كبيرة مما تنتجه دمياط من هذه السلع إلى الخارج. # وإن ننسى لا ننسى أخيرا صناعة ضرب الأرز، فهي صناعة قديمة بدمياط، وقد ساعد على ~~وجودها صلاحية الأراضي المجاورة للمدينة لإنتاج هذا النبات، وقد كان الأرز دائما من ~~أهم صادرات دمياط إلى الخارج. ~~••• # وبعد فهذه صورة سريعة لتاريخ دمياط من أقدم العصور حتى الآن - سياسيا واقتصاديا، ~~أرجو أن أكون قد وفقت في تقديمها وإيضاحها، كما أرجو أن يوفقني الله سبحانه وتعالى ~~إلى استكمال ألوانها وإبرازها للناس أتم وأوفى وأوضح مما هي عليه هنا في فرصة قريبة ~~إن شاء الله. ms54