######OpenITI# #META# URI: 1387JamalDinShayyal.QissatIhtilal.Hindawi16963646 #META# Tags: history #META# ID: 16963646 #META# Title: قصة الاحتلال #META# AuthorID: 18290715 #META# Author: جمال الدين الشيال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه‏ # الاستعمار البريطاني ليس وليد القرن التاسع عشر‏ # أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه‏ # الاستعمار البريطاني ليس وليد القرن التاسع عشر‏ # | قصة الاحتلال # | قصة الاحتلال # تأليف # جمال الدين الشيال # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمده جل شأنه على عظيم نعمه وكريم آلائه، وبعد. # فتحتفل البلاد اليوم بمناسبة من أجل مناسباتها القومية، بل إنها أجلها جميعا، وهي ~~تمام جلاء المحتل واستكمال تحرير الوطن. # وإذا كان يحق للمصريين كافة أن يفرحوا بهذا العيد - عيد الجلاء - ويحتفلوا به، فإن ~~للإسكندرية مع الاحتلال شأنا يقتضيها أن تكون فرحتها مضاعفة، فهي أول بلد ابتلي ~~بالاحتلال واكتوى بناره، وقد تلقت الضربات الأولى لقوى العدوان الغاشمة فتحملتها مجاهدة ~~صابرة. # ولقد رأت جامعة الإسكندرية أن تسهم في هذا الاحتفال بما يتفق ورسالتها الثقافية ~~والتعليمية، فأعدت «قصة الاحتلال» لنشرها بين جمهور المواطنين عبرة وعظة، وتخليدا ~~لذكرى من قضى من الأبطال المجاهدين، وتحية وتقديرا لمن تحقق النصر على أيديهم من رجال ~~الثورة الأبطال وفي مقدمتهم السيد الرئيس «جمال عبد الناصر». # والله نسأل أن يجعل هذا النصر فاتحة لعهد تقدم ورخاء لوطننا الكريم، إنه نعم المولى ~~ونعم النصير. # مدير الجامعة # السيد مصطفى السيد # الإسكندرية في 9 من ذي القعدة سنة 1375 /18 من يونيو سنة 1956 # | أكاذيب الاستعمار يجب أن تخرج معه # لقد جاهدنا من أجل هذا اليوم جهادا مريرا. # وكنا إذا ادلهمت الخطوب، أو تكاثرت السحب، أو نال منا التعب، نظرنا إلى الأفق البعيد ~~نستشف من ورائه صورة هذا اليوم الحبيب، وناجينا الله سبحانه متسائلين: ~~«يا رب، أما لهذا الليل من آخر؟» # واليوم وقد انجابت سحب الماضي البغيض، وأخذنا الأهبة لاستقبال تباشير الفجر الجديد، فجر ~~الحرية الكاملة والاستقلال التام، يجب ألا ننسى، يجب ألا ننسى الماضي مهما كان كريها؛ ~~فالوطن، كما قال بطل الجلاء الرئيس جمال، ماض وحاضر ومستقبل. فنحن في حاضرنا نستقبل عيد ~~الحرية الأكبر ونتطلع إلى مستقبل مزدهر باسم، ومن واجبنا ألا ننسى الماضي، من واجبنا ألا ~~ننسى ما فعله بنا الاستعمار. # لقد ذقنا ms01 من هذا الاستعمار مرارة الصاب والعلقم، وأخشى ما أخشاه أن تسري النشوة الحلوة في ~~ألسنتنا فتنسينا طعم هذا الصاب والعلقم، فلا نكون حريصين على نعمة الحرية، ولا نبذل الجهد ~~في الاحتفاظ بها، ولا نستميت في الدفاع عنها. # ولعل أسوأ ما رمانا به الاستعمار هو سعيه الدائب أن يفقدنا الإيمان بالوطن وأن يزعزع ~~ثقتنا بأنفسنا، فقد حرص الاحتلال منذ اللحظة الأولى على أن يشيع في المصريين بعض الأكاذيب ~~التي اتخذ لها ثوبا علميا، من هذه الأكاذيب الشائعة التي ظل يرددها المستعمرون، والتي ~~رددها المصريون - للأسف - بعده ردحا طويلا من الزمن أن مصر منذ عهد الفراعنة لم تكن دولة ~~مستقلة، بل كانت دائما محتلة يتوالى على حكمها الولاة من كل شعب وجنس. # وهذه الأكذوبة لم تتردد في المؤلفات الأوروبية التي كتبت عن تاريخنا، وفي الكتب المدرسية ~~المصرية - إلى عهد قريب - عبثا، بل لقد كان الهدف من ترديدها أن تصبح حقيقة ثابتة وأن ~~تتغلغل في نفوس الشباب المصري حتى يستكين ويذل، وحتى يفقد الثقة في نفسه والإيمان بوطنه، ~~وعلى مصر وعلى هذا الشباب العفاء إن هو فقد هذه الثقة وهذا الإيمان. # والتاريخ السليم، والبحث العلمي الصحيح يثبت خطأ هذه الأكذوبة؛ فمصر حقيقة قد فقدت ~~استقلالها في بعض العصور، شأنها في ذلك شأن غيرها من الدول، ولكن هذه العصور لا تعتبر شيئا ~~مذكورا إذا هي قورنت بالعصور الأخرى الطويلة التي تمتعت فيها بالاستقلال. # فقدت مصر استقلالها منذ عهد الفراعنة إلى الآن ثلاث مرات: في العهد الروماني، وفي العهد ~~العربي الأول، وفي العهد العثماني (والاحتلال البريطاني ما هو إلا امتداد للاحتلال ~~العثماني)، وذلك عدا فترات قصيرة أخرى غزا مصر فيها الغزاة، ولكنهم ما لبثوا أن جلوا عنها ~~سريعا كما حدث في الغزو الفارسي. # وأسوأ العهود التي مرت بمصر في تاريخها الطويل العهدان الروماني والعثماني، فقد اضمحلت في ~~خلالها البلاد اضمحلالا تاما شمل نواحيها المختلفة، أما العهد العربي الأول فرغم أنه عهد ~~تبعية فقد أنقذ مصر من ظلم الرومان وعسفهم، وحمل إلى مصر العدالة والإصلاح والنور ms02 والتوحيد ~~عندما حمل إليها الإسلام. # فإذا استثنينا هذه العصور الثلاثة رأينا مصر مستقلة استقلالا يكاد يكون تاما في عهود ~~الطولونيين والإخشيديين والأيوبيين، لا يشوب هذا الاستقلال إلا خيوط واهية تتمثل في الخطبة ~~باسم الخليفة العباسي، وضرب السكة باسمه، وبعض المال الذي كان يرسل من فائض الميزانية إلى ~~عاصمة الخلافة. # وكانت مصر بعد هذا مستقلة استقلالا تاما لا تشوبه شائبة في عهدي الفاطميين ~~والمماليك. # نقول إن البحث العلمي الصحيح يثبت ما قلناه؛ لأننا يجب أن نزن الاستقلال بمقوماته في تلك ~~العصور، لا بالمقومات التي أحدثتها العصور الحديثة؛ ففي تلك العصور كان الحكام يلون الحكم ~~في مصر تبعا لنظم مصرية معترف بها، ولم يكونوا يولون ويعزلون بأوامر صادرة عن دولة ~~أجنبية أخرى، وكانت الجيوش جيوشا مصرية، تدافع إذا دافعت عن مصر، وتفتح إذا فتحت باسم مصر، ~~وكان الاستقلال الاقتصادي متوافرا، فالعملة مصرية لا ينقش عليها غير اسم حاكم مصر، وكانت ~~الاتصالات الخارجية والمعاهدات والسفارات تتبادل باسم مصر لا باسم غيرها من الدول. # ولم يكن يشوب هذا الاستقلال - فيما يدعي البعض - إلا أن بعض الحكام كانوا أصلا من أجناس ~~غير مصرية، وهذه الحقيقة الصغيرة هي التي اعتمد عليها الأوروبيون فضخموها، وعلى أساسها ~~حكموا حكمهم الخاطئ، أن مصر لم تتمتع يوما ما بالاستقلال. # ولكن هذه الحقيقة الصغيرة مع هذا لا تعيب استقلالنا ولا تخدشه؛ فأي أسرة من الأسر الحاكمة ~~في الدول الأوروبية في العصور الوسيطة والحديثة كانت تنتسب للشعب الذي تحكمه انتسابا ~~نقيا خالصا؟ إن نابليون الذي يعتز به الفرنسيون حتى اليوم لم يكن فرنسيا، بل هو من أهل ~~جزيرة كورسيكا، والأسرة الحاكمة الحالية في إنجلترا ترجع إلى أصل جرماني، وهتلر زعيم ~~ألمانيا السابق من أصل نمساوي، والأمثلة غير هذه كثيرة. # فإذا أضفنا إلى هذا أن مدلول الوطنية في العالم الإسلامي في العصور الوسطى كان يصطبغ ~~بالصبغة الدينية، عرفنا أن استقلال مصر في تلك العصور لم يكن في مفهومه المتعارف وقتذاك ~~ينقصه أي مقوم من مقومات الاستقلال، فالمسلم الصيني - على سبيل المثال - كان إذا ms03 حل في ~~الشام أو في مصر أو في المغرب لم يشعر أنه غريب، ولم يشعره أهالي تلك البلاد أنه غريب، بل ~~كان يعتبر نفسه في وطنه أينما حل. # فانتماء الخلفاء الفاطميين إلى الجنس العربي، أو على الأصح انتماء أولهم المعز لدين الله ~~إلى الجنس العربي، لا يعيب استقلال مصر في العصر الفاطمي المزدهر الحافل بكل علائم التقدم ~~والحضارة، وإذا كان المعز عربيا فإن من تبعه من أولاده وأحفاده كانوا مصريين لحما ودما، ~~ولدوا في مصر، ونشئوا في مصر، وقادوا الجيوش باسم مصر، وحكموا إمبراطورية مصرية مترامية ~~الأطراف؛ حتى لقد كان المؤرخون المسلمون يسمون الدولة الفاطمية دولة الخلفاء ~~المصرية. # وعندما خرج صلاح الدين إلى الجهاد الأكبر ضد الصليبيين الذي توج بانتصاره الحاسم في ~~وقعة حطين التي مهدت له الطريق لاستعادة بيت المقدس وتحرير فلسطين، فإنه كان يحارب بالجيوش ~~المصرية وباسم مصر التي هو سلطانها. # وعندما صمد الملك الكامل محمد أو الملك الصالح نجم الدين أيوب للغارات الصليبية التي هددت ~~مصر حتى انتصرا عليها ورداها خائبة، فإنهما كانا يدافعان عن أرض الوطن بجيوش ~~الوطن. # يضاف إلى هذا أن مصر امتازت في كل عصورها بخاصة مميزة، فهي قادرة دائما على هضم كل غريب ~~وصهره في بوتقتها وتمصيره تمصيرا تاما في وقت قصير. # ولكنه الاستعمار دائما في كل وقت وفي كل مكان، أمضى أسلحته تحطيم الروح المعنوية في ~~الشعوب المستعمرة، وفي شبابها بوجه خاص، عن طريق التربية والتعليم، بما يدسه في الكتب ~~والصحف من آراء تهدف دائما إلى فقدان الثقة بالنفس والإيمان بالله وبالوطن، وتحطيم المثل ~~العليا، ونشر كل ما يدعو إلى الرخاوة والدعة والكسل والذلة. # فالطالب الفرنسي والطالب الإنجليزي يعلمان في مدارسهما كل صغيرة وكبيرة عن تاريخ فرنسا ~~وإنجلترا وأبطالهما، والطالب المصري في المدارس المصرية كان إلى عهد قريب لا يعرف عن تاريخ ~~بلاده إلا القدر الضئيل، وبالصورة المشوهة، فمن من شباب مصر كان يعلم شيئا تفصيليا عن ~~بطولة المصريين في مواقع حطين ودمياط والمنصورة ورشيد للدفاع عن مصر والشرق الإسلامي ضد خطر ms04 ~~الصليبيين والإنجليز؟ # ومن من شباب مصر كان يعلم شيئا تفصيليا عن بطولة جيش مصر في وقعة عين جالوت للدفاع عن ~~مصر والشرق، بل والعالم الأوروبي كله، ضد خطر التتار المخرب المدمر؟ # لقد خرج التتار من أواسط آسيا بقضهم وقضيضهم في جموع حاشدة تضم عددهم وأسلحتهم ودوابهم، ~~ألوف الألوف لا يدينون بدين سماوي ولا يتحضرون بحضارة ما، بل لا يفهمون معنى الحضارة ولا ~~يقدرونها، وظلوا سنوات طوالا يتقدمون والنصر حليفهم، لا يمنعهم مانع، ولا تصدهم حصون أو ~~قلاع، ولا تقف أمامهم جيوش أو دول، وهم في نشوة النصر يخربون ويقتلون ويسلبون وينهبون، ~~فقضوا على دولة خوارزم بعد نضال عنيف، وقضوا على الخلافة العباسية في بغداد، ثم تقدموا ~~فاستولوا على الشام، ووصلوا أخيرا إلى حدود مصر عند غزة، فتملك الفزع سكان الشرق الأوسط من ~~هذا الشعب الذي لا يهزم أبدا. # وأرسل هولاكو رسله إلى سلطان مصر العظيم سيف الدين قطز ينذره بالويل والثبور إن هو لم ~~يسلم ولم يخضع، ولكن قطز مزق الرسائل، وقتل الرسل، وعلق رءوسهم على أبواب القاهرة، وخرج ~~بجيوش مصر، وبث الحماس في جنوده، وانتصر لأول مرة على جيوش التتار في وقعة عين جالوت ~~الحاسمة. # ولأول مرة يذوق التتار - منذ خرجوا من قلب آسيا - طعم الهزيمة، ثم توالت عليهم الهزائم ~~إلى أن طردوا من الشام جميعا، ولم ينتصر قطز إلا بقوة إيمانه، فإن الرواية تذكر أن الجيش ~~المصري أوشك على التخاذل في بدء المعركة، فتقدم قطز الصفوف، وألقى بخوذته على الأرض، وصاح ~~صيحته المشهورة: «وا إسلاماه! يا الله، انصر عبدك قطز على التتار.» # آمن هذا العبد بربه فنصره الله على أعدائه هذا النصر المبين. # لو أننا كنا نعلم شبابنا في المدارس هذه الحقائق التاريخية، لخلقناهم خلقا آخر يؤمن ~~بالله وبالوطن وبالمثل العليا، ويضحي في سبيل ذلك بكل ما يملك، حتى بالروح، ولكنها سياسة ~~الاستعمار وأتباعه كانت تغطي هذه الصفحات المشرقة من تاريخنا. # واجبنا إذن أن نكشف للشباب هذه الأكذوبة الكبرى التي خلقها الاستعمار يوم دخوله مصر، ومن ~~الواجب أن ms05 تخرج معه يوم خروجه ، وواجبنا أيضا أن نثبت لشبابنا إثباتا علميا صحيحا أن ~~مصر كانت في معظم عصورها مستقلة استقلالا تاما، وأن نبرز أمامهم أمجادنا الحربية ~~والحضارية. # | الاستعمار البريطاني ليس وليد القرن التاسع عشر # وواجبنا أخيرا أن نثبت لشبابنا حقيقة أخرى هامة غفل عنها الكثيرون، وهي أن الاستعمار ~~الأوروبي لبلادنا ولبلاد الشرق الأوسط لم يكن وليد القرن التاسع عشر، بل هو حلقة من سلسلة ~~محاولات قديمة، هدف بها الأوروبيون إلى استعمار مصر والشرق العربي. # بدأت هذه السلسلة بمحاولات الأوروبيين غزو هذه البلاد باسم الصليب، ولكن مصر تزعمت بلدان ~~هذا الشرق العربي، واستطاعت أن ترد حملات هؤلاء الأوروبيين مرة ومرات، وأعطتهم دروسا قاسية ~~لا يمكن أن ينسوها أبدا، لعل أخطرها أسر ملك فرنسا لويس التاسع في موقعة فارسكور، وسجنه ~~بمدينة المنصورة، ولا يجوز أن نستمع إلى قالة القائلين إن هذه كانت حربا دينية صرفة، فنحن ~~لو استثنينا الحملة الصليبية الأولى وما صاحبها من حماس ديني، نجد أن الحملات التالية كلها ~~كانت حملات استعمارية بحتة، الهدف الأول والأخير منها استعباد هذه البلاد، وإفناء أهليها، ~~والسيطرة على مواردها، وإن كان قواد هذه الحملات وجنودها قد لبسوا مسوح الدين، فإنما ~~ليخدعوا العالم وليحققوا مآربهم باسم الدين، وإلا فإن الدين المسيحي - دين المحبة والسلام - ~~لا يمكن أن يقر الوحشية التي اتصف بها الصليبيون في حروبهم. # قاومنا إذن هذه الحلقة الاستعمارية الأوروبية الأولى، ونجحنا في مقاومتها لأننا كنا ~~مؤمنين ولأننا كنا أقوياء، وكانت لنا مثل عليا نحارب من أجلها. # وتابع المماليك سياسة الأيوبيين، وظلوا يقاومون هؤلاء المستعمرين الأوروبيين إلى أن ~~أخرجوا آخر جندي أوروبي من عكا في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، ولجأت بقايا هؤلاء ~~الأوروبيين إلى جزيرتي قبرص ورودس، وأقامت فيهما دولا دأبت على مهاجمة السواحل المصرية، ~~فأرسلت مصر في عهد السلطان برسباي أسطولا مصريا ضخما إلى جزيرة قبرص في القرن الخامس ~~عشر فتح هذه الجزيرة، وعاد الجنود المصريون المنتصرون يشقون شوارع القاهرة، وفي ركابهم ملك ~~قبرص أسيرا. فمن من شباب مصر يعرف هذه الصفحة ms06 المشرقة من تاريخنا؟ ومن منهم يعرف أن قبرص ~~ظلت جزءا من ملك مصر إلى أن فتح الأتراك العثمانيون مصر فضموها إليهم. # وشغلت الدول الأوروبية بنفسها وقتا ما خضعت في إبانه مصر للحكم العثماني فأصابها الضعف ~~والانحلال، فلما بدأت دول أوروبا نهضتها الحديثة عادت ترنو بأنظارها نحو مصر وبلدان الشرق ~~العربي، تريد أن تحقق حلمها القديم. # وأتت حملة نابليون إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر، ولقيت من مقاومة الشعب المصري ~~الأمرين، فلم يتركها هذا الشعب المجيد تنعم بالراحة لحظة واحدة، فقاوم السكندريون بزعامة ~~السيد محمد كريم، وثار القاهريون ثورتهم الأولى والثانية، وقاد الشعب في مقاومته البطل ~~المصري السيد عمر مكرم، وثار سكان دمياط والمنزلة والدقهلية بقيادة البطل المصري حسن طوبار، ~~بل لقد قاوم المصريون الفرنسيين في كل مكان حتى أسوان، واضطر الفرنسيون أخيرا إلى الخروج ~~من مصر بعد ثلاث سنوات. # وكانت جنود الإنجليز قد نزلت بأرض مصر مع الجند العثمانيين في سنة 1801 بحجة الإشراف على ~~جلاء الفرنسيين وإعادة مصر إلى السلطان، ولكن إنجلترا بدأت تتلكأ بعد خروج الفرنسيين، تريد ~~انتهاز الفرصة وإبقاء جنودها في مصر، غير أن الفرصة لم تواتها، واضطر جنودها إلى ~~الخروج. # وبدأت إنجلترا تفكر منذ ذلك الحين تفكيرا جديا في العودة إلى مصر واحتلالها، وعادت ~~إنجلترا في سنة 1807، ونزلت حملة فريزر إلى الإسكندرية، وتقدمت نحو رشيد، وتفرق الأهلون في ~~المنازل حتى انتشر الجند الإنجليز في الشوارع والطرقات فأمطرهم الأهالي القذائف من كل نوع ~~ومن كل صوب، فقتلوا أحد قوادهم وعددا كبيرا منهم، وأسروا عددا آخر، وفر الباقون ~~منهزمين. # فللشعب هنا أيضا الفضل في مقاومة الإنجليز، وأرسل الأسرى ورءوس القتلى إلى القاهرة، ~~فارتفعت روح الشعب المعنوية، وبدأت حركة التطوع، وبدأ الشعب يقيم الاستحكامات في القاهرة ~~استعدادا للدفاع عنها، إذا قدر للإنجليز أن يتقدموا إليها، وتولى الإشراف على هذا كله ~~وإذكاء الروح المعنوية البطل المصري عمر مكرم، فقد حدث هذا كله ومحمد علي غائب في الصعيد ~~يطارد المماليك، ثم هزم الإنجليز مرة أخرى عند قرية الحماد، فبدءوا يفكرون ms07 في الانسحاب، ~~وجلوا عن مصر في أغسطس سنة 1807 بعد ستة أشهر، ولكن ليتحينوا الفرص المواتية ليعودوا إليها ~~مرة أخرى. # وقد واتتهم الفرصة بعد خمسة وسبعين عاما كان الشعب في خلالها قد بايع محمد علي واليا ~~عليه بشرط أن يقيم العدل بينهم، ولكن محمد علي لم تكد تستقر له الأمور حتى عمل على التخلص ~~من الزعامة المصرية ممثلة في شخص عمر مكرم، واستبد محمد علي بأمور الحكم كلها، وخلفه ولاة ~~من أسرته، كانوا أسوأ منه بكثير إذ لم تكن لهم على الأقل نزعته الإصلاحية، إلى أن كان عصر ~~إسماعيل وسياسته المضطربة، وبدأت دول أوروبا وخاصة فرنسا وإنجلترا تتدخل، ووجدت المراقبة ~~الثنائية، وانتهى الأمر بعزل إسماعيل ونفيه وتولية توفيق، وفي عهد توفيق نزلت جنود بريطانيا ~~أرض الوطن. # واليوم، وبعد أربعة وسبعين عاما يحمل الاستعمار عصاه علي كتفه ويغادرنا غير مأسوف عليه، ~~فما قصة هذا الاحتلال؟ # إنها قصة الخداع والخيانة، إنها قصة البغي والعدوان، إنها قصة المآثم جميعا التي ظللنا ~~نعاني منها ثلاثة أرباع القرن، فاستمعوا أيها المصريون إلى هذه القصة نرويها فيما يلي، ففي ~~إلمامكم بها عظة وذكرى، إن الذكرى تنفع المؤمنين. # مصر قبيل الاحتلال # تولى توفيق حكم مصر في 26 يونيو سنة 1879، وكان مركز مصر الدولي حينذاك أعجوبة ~~الأعاجيب، فلا هي دولة مستقلة ولا هي ولاية تابعة لغيرها؛ فهي من الناحية الدولية ~~الرسمية، وتبعا لمعاهدة لندن سنة 1840، تعتبر جزءا من أملاك الدولة العثمانية، وقد ~~اعترفت بهذه التبعية دول أوروبا الكبرى، إنجلترا وروسيا وبروسيا والنمسا والمجر، ~~والخديو وإن كان يتولى الحكم بطريق الإرث لأنه من سلالة محمد علي فإنه لم تكن له الحرية ~~التامة في التصرف في شئون مصر الداخلية والخارجية. # وليت الأمر وقف عند حد التبعية لتركيا، إذن لهان الخطب، ولسهل على مصر وهي تخطو ~~وقتذاك خطواتها الوئيدة نحو التقدم أن تنفض عن كاهلها عبء هذه التبعية في الوقت ~~المناسب، وخاصة أن تركيا كانت كما وصفها سياسيو أوروبا بحق كالرجل المريض، ترقص رقصة ~~الذبيح وتعاني من حشرجة الموت. # ولكن الخطب ms08 كان أجسم؛ فإن فرنسا التي حاولت محاولتيها الفاشلتين في عهدي لويس التاسع ~~ونابليون، وإنجلترا التي حاولت محاولتيها الفاشلتين في سنتي 1801 و1807 لم يغرب عن ~~خيالهما بعد هذا الحلم القديم، حلم السيطرة على وادي النيل، وقد مهد إسماعيل بسياسته ~~المالية الخرقاء الفرصة لهاتين الدولتين للتدخل العملي في شئون مصر رغم هذه التبعية ~~الدولية الشكلية لتركيا، وفرضت الدولتان على مصر شبه حماية مشتركة حين أوجدتا نظام ~~الرقابة الثنائية؛ ذلك النظام الذي جعل لإنجلترا وفرنسا حق الإشراف الفعلي على شئون مصر ~~المالية والإدارية، ثم تطور هذا النظام إلى تعيين وزيرين أوروبيين في الوزارة المصرية، ~~وبذلك فقدت مصر ذلك القدر الضئيل الذي كان لها من الاستقلال في إدارة أمورها ~~الداخلية. # ترى هل كان هذا وذاك هو كل ما بليت به مصر في أواخر القرن التاسع عشر من ~~أرزاء؟ # كلا، بل لقد تكاثرت عليها البلايا التي أفقدتها مقوماتها كدولة، والتي أفقدت المصريين ~~كل حقوقهم كمواطنين؛ فقد كان هناك نظام القضاء المختلط إحدى هدايا إسماعيل، وهو نظام ~~غريب لم تعرفه دولة من دول العالم في أي فترة من فترات التاريخ، نظام يحد من سلطان مصر ~~وسيادتها في التشريع والقضاء، ويخضع المصريين لمحاكم أجنبية في كل شيء، في قضائها ~~وتشريعها، ولغاتها، وهو إلى هذا وذاك سند قوي لنظام الامتيازات الأجنبية، كما أنه يفتح ~~الباب على مصراعيه أمام الدول الأوروبية للتدخل في شئون مصر المالية والإدارية ~~والتشريعية، وفي كلمة واحدة أصبحت لهذه المحاكم سلطة أقوى من سلطة الحكومة المصرية، بل ~~لقد أصبحت دولة داخل الدولة. # وكان يصاحب هذه الأحوال الداخلية المضطربة ويعاصرها انتشار فكرة التسيطرية الاستعمارية # Imperialism # في أوروبا، ومن علائمها ضغط ~~إنجلترا وفرنسا وتدخلهما العملي السافر الذي أدى إلى خلع إسماعيل وتولية توفيق، ثم هذا ~~التدخل المالي والسياسي، ثم إقدام فرنسا على غزو تونس وضمها لأملاكها في سنة ~~1881. # كل هذا أوجد في مصر والشرق الأدنى حالة نفسية جديدة، وانقلب إعجاب الشرقيين ~~بالأوروبيين إلى شعور قوي بالسخط والكره والحقد، وأخذت الأوروبيين روح العزة والسيطرة، ~~واعتقدوا أنهم عنصر ms09 ممتاز من حقهم ألا يخضعوا لقوانين هذه البلاد المتأخرة في نظرهم، ~~ومن حقهم أن يعدلوا في قوانين مصر كما شاءوا وإنما لصالحهم هم لا لصالح البلد وأهليه، ~~وتمادوا في عتوهم فنظروا إلى الحكام نظرة متعالية، وعاملوهم باحتقار، ووصفوهم بأوصاف ~~تبعد عن الذوق والأدب والمجاملة. # وهكذا انقلب الوضع، فبعد أن كانت الامتيازات الأجنبية تعتبر منحة من حكام مصر لحماية ~~التجار الأوروبيين ولتيسر لهم القيام بمهامهم التجارية، أصبحت في القرن التاسع عشر ~~سلاحا قويا في أيدى هؤلاء الأوروبيين يستخدمونه لإذلال المصريين والسيطرة على جميع ~~أموالهم، وليحموا أنفسهم - فيما يدعون - من أوضاع الشرق الفاسدة ومن ظلم حكامه وسوء ~~إدارة موظفيه، ووجد المصري نفسه بذلك غريبا في بلاده، وتعالى هؤلاء الأجانب ووقفوا ~~دائما حجر عثرة في سبيل كل إصلاح؛ فقد اعتقدوا أن كل إصلاح سينتهي حتما بالقضاء على ~~مصالحهم وعلى المركز الممتاز الذي يتمتعون به، وعلى المكاسب التي تجد طريقها إلى ~~جيوبهم، وإلى جيوبهم وحدهم. # وسط هذا الظلام الحالك كان المصريون يقلبون وجوههم في كل اتجاه يلتمسون قيادة حكيمة ~~تخرجهم من هذه المتاهة، وتفهم عنهم آلامهم، وتقدر آمالهم وتقودهم نحو الطريق السوي ~~للتخلص من ربقة هذا التدخل الأجنبي الذي كانت تضيق قبضته حول رقابهم يوما بعد يوم، ~~وللخلاص من هذا الارتباك المالي الذي أنتجته سياسة إسماعيل. # وكان المصريون بعد هذا يتطلعون إلى قيادة منهم تحقق آمالهم في الحرية والاستقلال؛ فقد ~~كانت الدولة العلية صاحبة السيادة الاسمية في شغل شاغل عن مصر ومشاكلها، ولم يكن ~~يعنيها إلا أن تستعيد سلطانها العتيق الفعلي على مصر، وكان توفيق صاحب العرش شخصية ~~ضعيفة مترددة، ومع هذا كان ديكتاتوري النزعة لا يؤمن إيمانا صادقا بالدستور أو الحياة ~~النيابية أو حقوق الشعب، وكان يعنيه أن يرضي دول أوروبا قبل إرضاء المصريين، وخاصة بعد ~~أن شاهد بعينيه كيف عزل أبوه نتيجة لتدخل أوروبا، وهو إلى هذا كله لم يكن يثق بمعظم ~~رجال الحكومة وخاصة أولئك الذين كانوا يعملون مع أبيه. # الثورة العرابية # أشاح الشعب المصري إذن بوجهه عن الدولة صاحبة السيادة ms10 وعن الحاكم صاحب العرش، وتطلع ~~إلى قيادة من بنيه، ولم يطل انتظاره، فقد ظهرت هذه القيادة في شخص مصري فلاح هو أحمد ~~عرابي أحد ضباط الجيش. # وقد بدأت الحركة العرابية حين بدأت داخل الجيش ولإصلاح الجيش، ولكنها لم تلبث أن ~~تطورت فأصبحت ثورة عامة عارمة واحتضنت كل آمال الشعب، وأخذت تعمل على تحقيقها. وتاريخ ~~الثورة العرابية تاريخ غريب أو هو يبدو كذلك لمن ينظر إلى التاريخ نظرة سطحية، أو لمن ~~لا يتعمق الأسباب، ويدرس المقدمات، ويربط بينها وبين النتائج. # ثورة تبدأ حركة ضعيفة في ركن من الأركان، داخل الجيش لإصلاح الجيش ولإنصاف الضباط ~~المصريين من اضطهاد السيطرة التركية الجركسية، ثم تتطور إلى أن تصبح ثورة عامة تنعقد ~~عليها آمال شعب بأسره وتصبح اللسان المعبر عن كل ما يشكو منه الشعب من تدخل الأجانب، ~~ومن اضطراب الأحوال المالية، ومن فقدان الحرية وضياع الكرامة، وتتبلور هذه الآلام ~~والآمال سريعا فتصبح أهدافا واضحة تعمل الثورة على تحقيقها، وفي مقدمتها إصلاح الجيش ~~واستعادة الحياة الدستورية. ثم، ثم تنتهي هذه الثورة بالفشل، بل وباحتلال دولة أجنبية ~~لأرض الوطن، وهذا أغرب الغرائب في تاريخ الثورات. # كيف بدأت إذن هذه الحركة؟ وما أسبابها؟ وكيف تطورت فأصبحت ثورة؟ ثم كيف أخفقت وانتهى ~~الأمر بمجيء إنجلترا إلى مصر؟ # التاريخ لا يعرف المفاجآت، بل إن المتعمق في دراسته ودراسة فلسفته يرى أن له قوانين ~~منطقية كقوانين الطبيعة؛ فالحركة العرابية لم تظهر فجأة، بل لقد كانت هناك مقدمات ~~وأسباب مهدت لظهورها، ولعل أهم هذه الأسباب وأبرزها ظهور حركة الجامعة الإسلامية ~~ونموها. # لبثت الدولة العثمانية تحكم دول الشرق الأوسط العثماني قرابة ثلاثة قرون، حرصت في ~~خلالها على أن تضع لهذه الدول نظما تربطها بالدولة وتديم سيطرتها على هذه الولايات ~~أطول مدة ممكنة، وأدت هذه النظم إلى تشاحن القوى لابتزاز الأموال، وتطاحنها للاستئثار ~~بالسلطان، فساءت الأحوال ثقافيا واقتصاديا وحربيا، وإبان هذا أغلقت الأبواب ~~والنوافذ في هذه الدول فانقطعت الصلة تماما بينها وبين أوروبا في وقت كانت أوروبا تنهض ~~فيه نهضة علمية صناعية حربية، ms11 فلما وافى القرن التاسع عشر وبدأ الأوروبيون يعملون ~~لتحقيق أحلامهم القديمة والسيطرة على الشرق الأوسط الإسلامي، وطرقوا الأبواب فلم يجدوا ~~مدافعا؛ لأن الدولة العثمانية نفسها كانت قد آل أمرها إلى الضعف والانحلال، وبدأ ~~الأوروبيون يزحفون نحو العالم الإسلامي زحفا وئيدا أكيدا، باسم المال والاقتصاد ~~حينا، وباسم المصالح الأوروبية حينا آخر، وباسم القوة الغاشمة حينا ثالثا، عند ذلك ~~ظهر شعور مضاد يعمل على تخليص العالم الإسلامي من سيطرة الغرب، هذا الشعور هو الذي ~~كون فكرة الجامعة الإسلامية؛ فقد كان زعماء هذه الحركة ينظرون إلى الماضي المجيد يوم ~~كان العالم الإسلامي قوة لها شأنها فيجدون أنه كان قوة يوم أن كان وحدة غير منفصمة ~~العرى، وكانوا ينظرون مرة أخرى فيجدون عالمهم الإسلامي ضعيفا متخاذلا مغلوبا على ~~أمره، وكانوا يجدونه متفرقا منفصم العرى، وقرنوا النظرة بالنظرة، واعتقدوا - وكانوا ~~محقين في اعتقادهم - أن الوحدة الجامعة كانت سبب القوة، وأن الفرقة المتخاذلة هي سبب ~~الضعف، فآمنوا أن حاضرهم لا يصلح إلا بما صلح به أولهم، وبهذا ولدت فكرة الجامعة ~~الإسلامية. # كان روح هذه الحركة وزعيمها الأول جمال الدين الأفغاني. # رجل كريم المحتد طيب المنبت، يمتاز بذكاء خارق، عاش في طرف قصي من أطراف العالم ~~الإسلامي هو أفغانستان وقت أن كان يتنازعها نفوذ الإنجليز والروس، وقضى حياته مرتحلا، ~~فزار الهند وبلاد العرب وإيران ومصر، وفي كل بلد إسلامي نزل به كان يرى أهله أذلة، وكان ~~يرى الأوروبيين هم الأعلون سلطانا ونفوذا، فحز في نفسه ما رأى، وهاله ما شاهد، فنادى ~~بفكرة الجامعة الإسلامية، وكان سلاحه الأكبر لتحقيق هذا الهدف إيجاد نظام حكم دستوري؛ ~~لأنه بعد تجارب متكررة يئس من حكام هذا الشرق الإسلامي ومن احتمال أن يعاونوا على إقالة ~~العالم الإسلامي من عثرته، بل لقد آمن أن هؤلاء الحكام بنزعاتهم الاستبدادية القوية ~~عامل آخر من عوامل التأخر، فهم والنفوذ الأوروبي آفتان يجب القضاء عليهما معا للنهضة ~~بالعالم الإسلامي، والسبيل إلى ذلك وحدة إسلامية ونظام برلماني دستوري. # وكان أنبغ تلاميذ الأفغاني هو الشيخ محمد عبده المصري، أخذ ms12 عنه مبادئه، وشاركه منفاه، ~~وعاونه في إصدار مجلة العروة الوثقى ، ثم كان قطبا من أقطاب الثورة العرابية عند ~~مولدها، ثم كانت له جهود مشكورة في إصلاح الأزهر. # هذا سبب عام أثر في مصر كما أثر في غيرها من أجزاء العالم الإسلامي، ومهد لظهور ~~الثورة العرابية كما مهد لظهور ثورات أخرى في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي. # يضاف إلى هذا عوامل أو أسباب أخرى خاصة بمصر، لعل أبرزها انتشار روح التذمر نتيجة ~~لازدياد نفوذ الأجانب ماليا وسياسيا، وإنشاء صندوق الدين، وتخصيص الجزء الأكبر من ~~موارد البلاد لصالح الدائنين، واستعلاء الأجانب، واعتمادهم على الامتيازات الأجنبية ~~والقضاء المختلط لعرقلة كل إصلاح قضائي أو مالي أو إداري داخل البلاد. # وصاحب هذا كله ظهور وعي قومي جديد نتيجة لانتشار التعليم النسبي وازدياد عدد ~~المتعلمين، وتقدم الصحافة، والتجارب البرلمانية الأولى التي أتاحت للمصريين فرصة مناقشة ~~أحوالهم في أواخر عصر إسماعيل، ولم يعمل الساسة والحكام من جانبهم على تغذية هذا الوعي ~~القائم الوليد وتنميته، بل على العكس عملوا علي كبته ومحاربته، فتوفيق كما أشرنا ~~ديكتاتوري النزعة، وكبير نظاره رياض على شاكلته يعمل على تقييد حرية الفكر ويضطهد كل ~~مناوئ لسياسته. # وأخيرا أتت القشة التي تقصم ظهر البعير - كما يقول المثل - وظهر الخلل في الجيش، ~~وذلك حين اضطربت الأحوال المالية في أواخر عهد إسماعيل، فأهمل الجيش كما أهمل غيره من ~~مرافق البلاد، وعجزت الحكومة عن دفع مرتبات الجند والضباط، فانتشرت روح التذمر في ~~صفوفهم، وفقدوا ثقتهم بالحكومة، وضاعت هيبة الحكام عندهم، وتطورت الأمور من سيئ إلى ~~أسوأ حين استبد الضباط الأتراك بالأمور وعملوا على اضطهاد الضباط المصريين وإبعادهم عن ~~الوظائف الكبرى في الجيش. # عند ذلك اشتد ضغط البخار إلى درجة أن الإناء لم يعد يحتمله إلا أن يجد منفذا ~~ومتنفسا في أحد جوانبه، وكان المنفذ والمتنفس في ركن الجيش، وعند ذلك ولدت الحركة ~~العرابية لتبدو في ظاهرها وأول أمرها أنها حركة جانبية مقصورة على الجيش وحده. # ولم تكن مطالب عرابي عسيرة التحقيق، أو أعجوبة من الأعاجيب، ولكنها كانت ms13 مطالب شرعية، ~~يهدف بها إلى تحقيق أماني الشعب، فكان يطلب زيادة عدد الجيش، وإتاحة الترقية للضباط ~~المصريين كما تتاح للجراكسة والأتراك، وإعادة الدستور، ولكن توفيقا كان استبدادي ~~النزعة، وكانت تسنده دول أوروبا بقناصلها المقيمين في مصر، لا يريدون لهذا الشعب تقدما ~~أو رقيا، بل يريدون إضعافه ليضربوا ضربتهم المبتغاة من زمن طويل، وتحرج الموقف بين ~~زعيم الشعب وبين الخديو، وكانت مقابلة عابدين، التي قال فيها توفيق قالته الأثيمة: أنا ~~خديو البلد وأعمل زي ما أنا عايز. # ولكن البطل عرابي رد عليه رده الوطني المشهور: نحن لسنا عبيدا ولن نورث بعد ~~اليوم. # ولعبت إنجلترا لعبتها الماكرة واصطنعت حادثة المالطي مع المكاري في الإسكندرية؛ لتثبت ~~أن الحكومة عاجزة عن حفظ الأمن، وعن حماية أرواح الأجانب المقيمين في مصر، ولتمهد بذلك ~~السبيل لضرب الإسكندرية، وتحقيق حلمها القديم باحتلال أرض الكنانة، وقد نجحت فعلا ~~أساليب إنجلترا الماكرة، وبدأ أسطولها يضرب حصون الإسكندرية في صباح ذلك اليوم الكريه، ~~يوم 11 يوليو سنة 1882، وتطورت الحوادث في سرعة عجيبة، وانتهى الأمر باحتلال إنجلترا ~~لمصر، فكيف بدأ ضرب الإسكندرية؟ وكيف تم الاحتلال؟ ثم كيف ظل شعب مصر يقاوم هذا ~~الاحتلال أربعة وسبعين عاما لم يهدأ خلالها لحظة واحدة، ولم ين عن النضال في سبيل ~~استعادة حريته، إلى أن نجح أخيرا في تحقيق هذه الأمنية الحبيبة؟ # إنها قصة شعب طيب الأعماق، قدم للإنسانية أقدم حضارة عرفها العالم. # إنها قصة شعب جلد مصابر يعشق الحرية ويضحي في سبيلها بكل مرتخص وغال. # بدأت هذه القصة عندما رنت إنجلترا ببصرها نحو مصر تريد أن تستأثر بها، وخاصة بعد أن ~~استولت فرنسا على تونس في سنة 1881. فنحن لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن مصير مصر قد قرر ~~في نفس الوقت الذي استولت فيه فرنسا على تونس؛ فقد بدأت إنجلترا ترسم سياسة واضحة ~~المعالم للتدخل وحدها في شئون مصر، وكانت الفرصة مواتية لأنها اعتقدت أن دول أوروبا لن ~~تعترض على تدخلها، ولن تثير الصعاب في سبيلها. # موقف الدول # إن ألمانيا ومعها النمسا والمجر لم ms14 يكن يعنيها أمر مصر في كثير أو قليل، بل لعلها ~~كانت ترحب بتدخل إنجلترا في شئون مصر، على أن تترك لها حرية التصرف في مشاكل أوروبا ~~الداخلية، أما إيطاليا فقد كان يؤلمها أن تنفرد إنجلترا بالتدخل في شئون مصر؛ فقد كانت ~~لها هي أيضا أطماعها في مصر، وكانت لا تزال تراودها أحلام الإمبراطورية الرومانية ~~القديمة، ولكن إيطاليا في ذلك الوقت لم يكن لها وزن من الناحية الحربية أو المالية في ~~الميدان الدولي؛ لهذا لم يحس أحد بألمها ولم يدخل أحد غضبتها في حسابه. # أما روسيا فقد شابهت ألمانيا والنمسا والمجر؛ أي أنها لم تكن تمانع في أن تعمل ~~إنجلترا للاستيلاء على مصر ما دامت تترك لها حرية التصرف في بلاد البلقان. # ولكن بقيت هناك فرنسا، ولفرنسا في مصر ذكريات يرجع أبعدها إلى أيام لويس التاسع، ~~ويرجع أقربها إلى حملة نابليون، ومنذ فشلت هذه الحملة وفرنسا تعتبر مصر ميدانا لنشاطها ~~الثقافي والاقتصادي، بدأت هذا النشاط في أيام محمد علي وكانت آخر مظاهره تحقيق مشروع ~~قناة السويس على يد مهندسها ديلسبس؛ لهذا كانت فرنسا ترقب محاولات إنجلترا في مصر ~~دائما بعين يقظة، وأقصى ما استطاعته أنها حرصت دائما ألا تترك إنجلترا تتدخل وحدها في ~~مشاكل مصر المختلفة، وقنعت بأن تشترك معها دائما في الإشراف على هذه المشاكل والعمل ~~على حلها بما يتفق ومصالح الدولتين معا، إنجلترا وفرنسا، ولكن إنجلترا بدأت منذ احتلال ~~فرنسا لتونس تعمل على أن تنفرد وحدها بالتدخل في شئون مصر؛ فقد أيقنت أن فرنسا لن تثير ~~بعد هذا اعتراضا جديا قويا ضد تدخلها في مصر، وهي لو حاولت الاعتراض فلن يكون ~~لاعتراضها وحدها أثر ذو أهمية. # ومع هذا فقد حرصت فرنسا على ألا تترك لإنجلترا الفرصة للتدخل وحدها في شئون مصر، ولم ~~تجد إنجلترا بدا من قبول هذا الوضع ولكنها استعانت بدبلوماتيتها وسياستها الماكرة إلى ~~أن استطاعت أن تتخلص من هذه المشاركة في الوقت المناسب، وعند ذلك ضربت ضربتها ~~الناجحة. # وتفصيل ذلك أن الدولتين أقضت مضاجعهما الثورة العرابية، ووجدتا ms15 في نجاحها قضاء على ~~مصالحهما ومصالح رعاياهما؛ لهذا أقدمتا على إرسال مذكرة مشتركة إلى مصر، وقدم هذه ~~المذكرة قنصلا الدولتين في 8 يناير سنة 1882 إلى الخديو، وفيها تتعهد الحكومتان بتقديم ~~عونهما إلى الخديو ومساعدته ضد الثائرين، والعمل على استقرار النظام القائم في ~~مصر. # فرح توفيق بهذه المذكرة؛ فقد وجد فيها ضمانا كافيا لتقوية مركزه، وبذلك زادت الشقة ~~بعدا بينه وبين الشعب، أما رجال الجيش فقد أثارتهم هذه المذكرة واعتبروها تدخلا ~~سافرا في شئون مصر، وبدءوا يفقدون ثقتهم في إنجلترا، ورفضت وزارة شريف المذكرة ~~وأبلغتها للباب العالي، وانطلق رجال الجيش في طريقهم وتوثقت الصلة بينهم وبين نواب ~~الشعب، وبدأت الثورة تتبلور لتتخذ شكلها العام المعبر عن آمال المصريين جميعا وعن ~~سخطهم على الدول الأوروبية. # وكانت تقارير القناصل الأوروبية، وخاصة تقارير «مالت» قنصل إنجلترا، تصور الحركة ~~العرابية ونموها صورة مشوهة قاتمة، وتدعو الدول، وخاصة إنجلترا، للتدخل السريع الفعلي ~~لحسم الموقف وإيقاف مطامع المصريين عند حدها، وثارت ثائرة فرنسا وإنجلترا بوجه خاص ~~عندما أعلنت وزارة محمود سامي البارودي دستور 7 فبراير سنة 1882، وعندما أحستا أن ~~الثائرين يفكرون جديا في خلع توفيق بعد أن فقدوا الثقة به، وعند ذلك اقترح «فريسنيه» ~~وزير فرنسا الأول أن ترسل الدولتان أسطولا مشتركا للمياه المصرية لإرهاب وزارة ~~البارودي كي تقف بأطماعها عند حد، ورحبت إنجلترا بالاقتراح؛ فهذه فرصتها المواتية التي ~~ظلت تحلم بها أجيالا طويلة. # وأبحر أسطول فرنسي وآخر إنجليزي إلى مياه الإسكندرية، وأوعزت الدولتان إلى قنصليهما ~~ألا يعترفا إلا بسلطة الخديو، وأن يطلبا منه إقالة الوزارة، وتردد توفيق كعادته، ولكن ~~الوزارة عند تحرج الموقف اضطرت إلى الاستقالة، وإن كان الجيش قد أصر على بقاء ~~عرابي. # وتحرج الموقف شيئا فشيئا، وزاد سخط المصريين، وزاد ضغط الدولتين للتدخل في شئون ~~مصر وحدهما، وأثار وجود الأسطولين في مياه الإسكندرية شعور المصريين، ووسط هذا كله ~~انتشرت الشائعات، وشاعت الأراجيف أن الأساطيل الفرنسية الإنجليزية ستعمل على ضرب ~~الإسكندرية، فعم الذعر الأهلين. # ولم تكن هذه الشائعات بعيدة عن الحقيقة؛ فقد كان الأسطول ms16 الإنجليزي بوجه خاص يمهد ~~جادا لضرب الإسكندرية، ولكنه كان يبذل الجهد ليتخلص من الشريك المنافس ولينفرد وحده ~~بضرب المدينة، ولا عبرة لما يقوله بعض المؤرخين الإنجليز بأن «سيمور» أمير الأسطول ~~البريطاني تصرف من تلقاء نفسه ليحقق لشخصه مجدا ذاتيا، فإنهم يقولون إن الأوامر كانت ~~قد صدرت إلى أسطول بحر المانش كي يبحر لينضم إلى أسطول سيمور، وكان الأميرال ~~دويل # Dowell # قائد أسطول المانش أرقى منصبا من ~~«سيمور»، فإذا انضم الأسطولان كانت القيادة لدويل، وبذلك ينسب شرف الانتصار إليه إذا ~~تم للأسطول البريطاني الانتصار عند ضرب قلاع الإسكندرية؛ لهذا أسرع «سيمور» بضرب ~~الإسكندرية. # ولكن تطور الحوادث يثبت إثباتا قاطعا أن الأسطول الإنجليزي خرج ولديه خطة واضحة ~~للعدوان، وعليه أن يستغل الأحداث والأسباب، فإن لم يجد مبررا فعليه أن يلتمس الأحداث ~~والأسباب وأن يختلقها اختلاقا، والمبررات التي التمسها «سيمور» لضرب الإسكندرية فيها ~~الدليل كل الدليل. # هذه المبررات تتلخص في أن المصريين بدءوا يعملون على تقوية حصون الإسكندرية وترميمها ~~وتقويتها، واعتبر «سيمور» أن هذه الاستعدادات تهديد لبوارجه وأسطوله الواقف في ميناء ~~الإسكندرية. # واعجب معي لهذا الذي قيل، واذكر معي قصة الحمل والذئب ليتضح لك وجه الباطل في هذا ~~الذي قيل، وإلا فكيف يعقل أن يقترب اللصوص من داري فإذا عملت على تقوية أبواب الدار ~~وإصلاح أقفالها وترميم نوافذها للدفاع عن الدار إذا فكر اللصوص في اقتحامها أو سرقة ما ~~بها قيل لي أنت المدان، ففي هذه الإصلاحات والاستعدادات اعتداء على هؤلاء اللصوص وتهديد ~~لكيانهم، فإذا لم توقفها اضطروا لاقتحام الدار دفاعا عن أنفسهم! # إنني لا أبتدع هذا القول ابتداعا ولا أرويه على سبيل الفكاهة، ولكنه الحقيقة كل ~~الحقيقة، هذا ما قاله الأميرال الشجاع «سيمور» للحكومة المصرية، ولم تبلغ فرنسا من ~~الذكاء ما بلغه «سيمور» في ذلك الوقت، فاجتمع مجلس وزراء فرنسا وقرر أنه لا يستطيع أن ~~يصدر أوامره إلى الأميرال «كونراد» قائد الأسطول الفرنسي بالاشتراك مع «سيمور» ليمنعا ~~بالقوة بناء الحصون أو نصب المدافع في قلاع الإسكندرية، وأخبر مسيو «فريسنيه» رئيس ~~وزراء فرنسا ms17 سفير إنجلترا في باريس أن الحكومة الفرنسية تعتبر هذا التصرف لو تم عملا ~~عدائيا هجوميا ضد مصر، والاشتراك في مثل هذه الحرب فيه إخلال بنص الدستور الذي يحظر ~~الدخول في حرب دون موافقة مجلسي النواب والشيوخ، وتبع هذا أن أرسل «فريسنيه» إلى ~~«كونراد» قائد الأسطول الفرنسي يأمره ألا ينضم إلى «سيمور» إذا وجه إنذارا نهائيا ~~للمصريين بشأن التحصينات، وإذا أصر «سيمور» على ضرب المدينة فإنه يجب على «كونراد» أن ~~يتراجع بسفنه وألا يشترك مع «سيمور» في هذا الضرب. # الإنجليز وضرب الإسكندرية أو قصة الذئب مع الحمل # بهذه التعليمات الصادرة في 5 يوليو سنة 1882 خلا الجو لسيمور فأسرع باتخاذ الإجراءات ~~لتحقيق خطته قبل أن تراجع فرنسا نفسها، وعلى الرغم من أن وكيل نظارة الحربية المصرية ~~ذهب يوم 6 يوليو لمقابلة «سيمور»، وقدم له تقريرا أكد له فيه أن الأعمال الإصلاحية ~~في القلاع قد أوقفت، وأن هذه الأعمال لم يكن يقصد بها تهديد الأسطول البريطاني أو ~~الإضرار به، فإن «سيمور» لم يقتنع ولم يرعو؛ فإن قصة التحصينات وتهديد الأسطول لم تكن ~~إلا خرافة أو تعلة يحاول بها أن يبرر هذا العدوان، تعلة لم تكن تقرها المبادئ الإنسانية ~~أو القوانين الدولية أو الحكمة المنطقية، وإنما كان يقرها شيء واحد هو شريعة الغابة، ~~الشريعة التي تبيح للقوي العدوان على الضعيف. # وفي هذه اللحظة تحرك قناصل الدول الأوروبية الموجودون في الإسكندرية، تحركوا لا ~~للدفاع عن مصر والمصريين، بل للدفاع عن حقوق رعاياهم وأرواح رعاياهم وأملاك رعاياهم، ~~فأرسلوا في 7 يوليو مذكرة مشتركة وقعوا عليها جميعا إلى الأميرال «سيمور» يسألونه هل ~~اقتنع برد الحكومة المصرية ورضي بتأكيداتها أم أنه ما زال عند رأيه في ضرب الإسكندرية، ~~فإنه لا يمكن أن يتم ضرب الإسكندرية - كما يقولون - «بدون أن يجر أخطارا جمة على ~~المسيحيين والأهالي معا، ولا بدون تدمير ما لا يحصى من أملاك الأوروبيين». # هكذا كان يبدو ميدان المنشية (قبل المعركة). # وهكذا أصبح ميدان المنشية (بعد المعركة). # هكذا وقف جنود مصر وأبطالها، في إحدى قلاع الإسكندرية، ms18 يدافعون عن ~~الوطن ضد العدو المغتصب. # وهكذا كانت تبدو طابية قايتباي بعد المعركة، وكل قطعة من سلاح تشهد ~~أن جنود مصر دافعوا عن حصنهم أمجد دفاع. # وثيقة الخيانة (إنه توفيق يستعرض جنود الاحتلال في قلب القاهرة، في ~~ميدان عابدين). # آثار التخريب (في ميدان مسجد الشيخ إبراهيم باشا). # وأسرع السيد سيمور بالرد على السادة القناصل في نفس اليوم، وتكاد كل كلمة من كلمات ~~خطابه تنطق بأن الأمر مبيت، وأنه لا مفر من ضرب الإسكندرية، فهو يرغب في تأكيدات ~~أوفى «لأن التأكيدات المكتوبة مهما تكن عباراتها قليلة القيمة بالنسبة للمصالح التي ~~اؤتمنت عليها». # ثم هو يطمئنهم على أملاك الأوروبيين وأرواحهم لأنه لن يضرب المدينة بل سيكتفي بضرب ~~القلاع، فإنه يقول في خطابه للسادة القناصل: # ويلزمني أن أبين لكم أني لا أنوي ولا قلت مطلقا إني أقصد أن أضرب مدينة ~~الإسكندرية، فإن أعمالي الحربية إذا أمست ضرورية فستوجه إلى الحصون، ولا أرى ~~سببا للخوف من وقوع تلف يصيب الأملاك الخصوصية التي أنتم من أجلها في ~~وجل. # فالسيد قائد الأسطول البريطاني والسادة قناصل الدول الأوروبية لا يعنيهم من أمر الضرب ~~إلا حماية أرواح الأوروبيين وأملاكهم، وهذا هو مدى فهمهم للقيم الإنسانية، فلا ناس إلا ~~الأوروبيون، أما أصحاب البلد وأما أملاك المصريين وأما مصر نفسها فإلى الجحيم في سبيل ~~تحقيق مآرب السيد الأوروبي وفي سبيل سيادته ورفاهيته. # ومع هذا فإن الأميرال «سيمور» لم يف بوعده، وسنرى بعد قليل أن الضرب لم يقف عند ~~القلاع، بل انصب على المدينة كلها؛ فخرب معظم أحيائها تخريبا بشعا ما زالت تشهد به ~~الصور التي أخذت للمدينة قبل الضرب وبعده. # وكان «سيمور» متلهفا على تحقيق بغيته، فعلى الرغم من تأكيدات المصريين له في 6 يوليو ~~بأن التحصينات قد أوقفت فقد استأنف في اليوم التالي وهو يوم 7 يوليو فصلا جديدا من ~~قصة الذئب والحمل، فأرسل إلى قائد الإسكندرية الحربي يخبره أنه قد علم بأن مدفعين ~~جديدين قد نصبا في اليوم السابق في خطوط الدفاع المشرفة على البحر، وأن بعض ~~الاستعدادات ms19 الحربية على وشك الانتهاء، والقصد منها - كما يقول في خطابه: # تهديد الأسطول الذي تحت قيادتي، فيجب علي والحالة هذه أن أعلنكم أنكم إن لم ~~تأمروا بالإقلاع عن هذه الأعمال أو تكونوا قد أمرتم بالإقلاع عنها يكون واجبي ~~ضرب الحصون الجاري فيها البناء. # وأسرع طلبة عصمت قائد القوات المصرية بالإسكندرية فرد عليه مؤكدا أن هذه الأخبار ~~عارية عن الصحة. # قال الذئب للحمل عندما أفحمه الحمل بردوده المنطقية التي تثبت براءته: «إذن فهو أبوك أو عمك الذي عكر علي الماء، ثم انقض عليه فافترسه.» # وعندما أفحم «سيمور» ظل يومي 8 و9 يوليو يتلمس سببا جديدا، فلما لم يجد شيئا أرسل ~~إلى قائد القوات المصرية في 9 يوليو هذه البرقية: # إيماء إلى برقيتي المؤرخة في يوم 4 يوليو 1882 أقول إنه ليس هناك أدنى ريب ~~فيما يتعلق بالتسليح، وأني سأخطر قناصل الدول الأجنبية غدا عند شروق الشمس ~~وأشرع في الضرب بعد 24 ساعة إن لم تسلم إلي الحصون القائمة على البوغاز والتي ~~تشرف على الميناء. # وانقض سيمور ببوارجه علي الإسكندرية. # الآن حصحص الحق، فالمصريون مهما أكدوا كاذبون، والسيد «سيمور» صادق ولا شك في صدقه، ~~وما دام يقول إن التحصينات مستمرة فيجب أن تكون التحصينات مستمرة، وعلى المصريين الآن ~~إما أن يسلموا قلاعهم أو حصونهم عن طيب خاطر، وإلا فإن الأميرال «سيمور» يكون مضطرا ~~لضربها للدفاع عن نفسه وعن أسطوله. # واقرءوا معي أيها المصريون هذه البرقية الثانية التي أرسلها مستر «كارترايت» من ظهر ~~البارجة «هلكن # Helicon ~~» - إحدى سفن الأسطول البريطاني ~~- في نفس اليوم وهو 9 يوليو إلى وزير خارجية إنجلترا: # سيدي اللورد # أتشرف بإخباركم أنه اتصل بالأميرال سير بوشامب سيمور أن مدفعين جديدين نصبا ~~صباح اليوم بحصن السلسلة القائم تجاه الميناء الجديدة ولا يستطيع الأميرال أن ~~يلازم الصمت حيال هذا العمل العدائي، فقرر أن يطلق النار عند شروق شمس يوم ~~الثلاثاء 11 الجاري. # يا للهول! لقد جرؤ المصريون على نصب مدفعين في أحد الحصون، إنهم بهذا يهددون الأسطول ~~البريطاني الهادئ المسالم! # إنها ملهاة عجيبة ms20 تحتاج شاعرهم العظيم شكسبير ليصيغ منها مسرحية خالدة، وليسجل فيها ~~وحشية المصريين الذين جرءوا على نصب مدفعين قديمين قد علاهما الصدأ ولا تكاد قذائفهما ~~تنطلق حتى تتساقط في مياه البحر على بعد أمتار قليلة، وليسجل فيها أيضا إنسانية ~~الأسطول الإنجليزي الذي أبى إلا أن يضحي ببعض جهوده وقذائفه لتأديب هؤلاء المصريين ~~المتوحشين ولمنع عدوانهم، وذلك بتخريب قلاعهم ومدنهم وسلب حريتهم واستقلالهم واستغلال ~~مواردهم وثرواتهم. # ومضى الأميرال الشجاع «سيمور» في كتابة بقية فصول القصة. # المصريون الوطنيون الثائرون لحريتهم وكرامتهم هم العدو كل العدو، وهم الهدف كل ~~الهدف. # أما الأجانب من كل لون وجنس فهم عنصر ممتاز يجب حمايته حتى لا يناله ضر أثناء الضرب ~~والعدوان. # وأما صاحب العرش، الخديو توفيق، فهو حليفهم الأكبر؛ فمن الواجب أيضا أن تشمله ~~رعايتهم وحمايتهم. # وهذه أعجوبة أخرى من أعاجيب هذه القصة، فإنك لن تجد في كتب التاريخ مهما قرأت أن ~~عدوا يهاجم بلدا فينضم صاحب العرش إلى العدو المهاجم ويحالفه ضد شعبه ورعيته، ولكن ~~هكذا شاء توفيق، وهكذا ضرب للخيانة مثلا فذا لن تجد له شبيها أو مثيلا. # وفي نفس اليوم، 9 يوليو، أرسل مستر «كارترايت» مذكرة إلى قناصل الدول، هذا نصها: # سيدي # أتشرف بإخباركم أنه من المرغوب فيه إعلان كافة الأشخاص التابعين لحكومتكم بأن ~~يكونوا في البواخر الراسية في الميناء في مدة 24 ساعة تمد من تاريخ هذا ~~الإعلان. # وهذه البرقية وحدها تثبت في وضوح أن أكذوبة المدفعين لم تكن إلا تعلة، وأن ضرب ~~الإسكندرية كان أمرا معدا، تتخذ لتنفيذه الخطوات في ترتيب منظم محكم. # وسعى الإنجليز في نفس الوقت إلى حليفهم الأكبر الخديو توفيق للاتفاق على خير السبل ~~لتأمين حياته، ويذكر أحمد شفيق (باشا) في مذكراته أن مستر كارترايت أشار على الخديو ~~توفيق أن ينزل هو وأسرته إلى إحدى البوارج الإنجليزية ليكون في مأمن مما عساه أن يصيب ~~سراي رأس التين لأنها عرضة لقذائف المدرعات، فأبى. # والرواية على هذا الوضع قد يفهم منها أن الرجل كان وطنيا خالصا، فقد أبى أن يقبل ~~حماية ms21 الإنجليز له، ولكن اسمع ما قاله مستر «كارترايت» في برقية أرسلها إلى «لورد ~~جرانفيل» في 7 يوليو، يخبره فيها بمقابلة تمت بين الخديو والسير «أوكلاند كلفن # Auckland Colvin ~~»، وينقل إليه فيها ملخص ما دار ~~بين الرجلين من حديث، قال فيها: # وأعرب سموه (الخديو) عن نيته في الانصراف هو ودرويش باشا إلى أحد القصور ~~القائمة على شاطئ المحمودية إذا كان الضرب من جانب الأسطول الإنجليزي، وأنه ~~بقدر الإسراع في إنجاز الضرب يقل الخطر الذي يحيق بشخص الخديو. # وكان سموه أثناء المقابلة رابط الجأش، يتكلم بصوت هادئ، واختتم الحديث بتوجيه ~~الرجاء إلى سير «أوكلاند» أن يبلغ قراره هذا إلى سعادتكم. # ولقد عقدت العزم على أن أخبر درويش باشا أنه في حالة حدوث ضرب تلقي حكومة ~~صاحبة الجلالة البريطانية عليه مسئولية سلامة الخديو الشخصية وأمنه. # ومضى الأميرال «سيمور» قدما في تنفيذ خطته، فأرسل مستر «كارترايت» قنصل بريطانيا في ~~الإسكندرية خطابا إلى درويش باشا - مبعوث السلطان - في يوم 10 يوليو ينبئه بانسحابه من ~~المدينة وبقطع العلاقات بين بريطانيا ومصر، وختم خطابه بالإشارة إلى الموضوع الهام الذي ~~يعني بريطانيا، وهو سلامة سمو الخديو، قال في ختام خطابه: # ثم أخبركم أنني مكلف بأن أعلن سعادتكم بالضرورة الماسة لكفالة سلامة سمو ~~الخديو في كل الظروف، وأن حكومة جلالة الملكة تأمل من سعادتكم أن تشملوا وقاية ~~سموه وأسرته بكل أنواع الاحتياطات التي تستدعيها الأحوال باستعمال نفوذك ~~المستمد من نيابتكم عن جلالة السلطان. # وكان درويش باشا أحكم من الخديو توفيق وأكثر منه وطنية. # درويش باشا التركي ونائب السلطان، انبرى في رده يدافع عن توفيق صاحب العرش ويبرهن على ~~أن سموه يعنى بسلامة الوطن عنايته بسلامة شخصه، فقد قال درويش باشا في ختام رده علي ~~مستر «كارترايت»: # أما التنبيه الذي وجهتموه إلي أن أكفل بكل ما لدي من الوسائل سلامة سمو ~~الخديو، فيجب علي أن ألفت أنظارك إلى أنه ليس من الصواب إيجاد تمييز بين شخصية ~~سمو الخديو توفيق باشا السامية وحكومته، وأنه لمن الطبيعي جدا أن سموه ما زال ms22 ~~يعنى بسلامة وهناء البلاد التي يحكمها أكثر ما يعنى بسلامة شخصه. # هذا دفاع كنا نحب أن نسمعه من توفيق، ولكننا نطلب المستحيل لو طالبنا توفيقا بمثله، ~~فسنرى الخيانة مجسمة في كل حركة من حركات توفيق بعد ذلك، سنراه يفر بروحه إلى سراي ~~بعيدة عن الميناء يقيم فيها آمنا ليشاهد الإسكندرية العظيمة وقنابل الأسطول تخرب ~~مبانيها وتقتل جنودها وأهليها، وسنراه ينتقل إلى سراي رأس التين ليرحب بالإنجليز عند ~~نزولهم، وسنراه يستعرض جيوش بريطانيا في ميدان عابدين، وسنراه يفعل كل ما من شأنه ~~التمكين للاحتلال البريطاني في أرض وادي النيل. فاذكروا هذا أيها المصريون ولا ~~تنسوه. # وفي10 يوليو أرسل الأميرال «سيمور» خطابا آخر إلى قائد الإسكندرية الحربي يشير فيه ~~إلى خرافة الاستعدادات الحربية، وينبئه فيه بأنه مصمم على تنفيذ وعيده وأنه سيبدأ ضرب ~~الإسكندرية عند شروق شمس يوم 11 يوليو. # وعند ذلك حاول المصريون محاولة أخرى لإيقاف هذا العدوان المتوقع، فذهب راغب باشا رئيس ~~النظار بنفسه لمقابلة الأميرال «سيمور» في البارجة «انفنسيبل» - مقر القيادة - وبعد ~~نقاش طويل تنازل السيد «سيمور» وعرض على الوفد الذي يفاوضه تعديلا جديدا ملخصه أن ~~يعمل المصريون على إنزال كل المدافع الموجودة في الحصون والقلاع المشرفة على البحر، وأن ~~يقوم بهذه العملية الجنود المصريون تحت إشراف ضباط من الإنجليز. # يا للمهانة! أي دولة في العالم وأي جيش محترم يستطيع أن يقبل هذا العرض؟ وحمل راغب ~~باشا هذا الاقتراح إلى المصريين ووعد أن يرسل الرد عليه في مساء نفس اليوم ~~10يوليو. # واجتمع مجلس كبير في رأس التين حضره توفيق ودرويش والنظار والقواد والأعيان، واختلفت ~~الآراء، وكان من بينها ما يريد قبول الإنذار، ولكن بعد مناقشات طويلة قرر المجتمعون أن ~~يرسلوا الرد التالي إلى «سيمور»، وهو رد مشرف، نرى أن نثبته هنا بحروفه؛ فهو وثيقة ~~شرف لآباء لنا، أبوا - رغم قوة العدو وتفوقه حربيا - قبول الضيم، أو التهاون في ~~الدفاع عن حقوقهم وحقوق الوطن عليهم. وفيما يلي نص الرد: # لم تعمل مصر شيئا يقضي بإرسال هذه الأساطيل المتجمعة، ولم تعمل ms23 السلطة ~~المدنية ولا السلطة العسكرية أي عمل يسوغ مطالب الأميرال إلا بعض إصلاحات ~~اضطرارية في أبنية قديمة، والطوابي الآن على الحالة التي كانت عليها عند وصول ~~الأساطيل، ونحن هنا في وطننا وبيتنا، فمن حقنا بل من الواجب علينا أن نتخذ ~~عدتنا ضد كل عدو مباغت يقدم على قطع أسباب الصلات السلمية التي تقول الحكومة ~~الإنكليزية إنها باقية بيننا. # ومصر الحريصة على حقوقها، الساهرة على تلك الحقوق وعلى شرفها لا تستطيع أن ~~تسلم أي مدفع ولا أية طابية دون أن تكره على ذلك بحكم السلاح. # فهي لذلك تحتج على بلاغكم الذي وجهتموه اليوم، وتوقع مسئوليات جميع النتائج ~~المباشرة وغير المباشرة التي تنجم إما عن هجوم الأساطيل أو عن إطلاق المدافع، ~~على الأمة التي تقذف في وسط السلام القنبلة الأولى على الإسكندرية، المدينة ~~الهادئة، مخالفة بذلك لأحكام حقوق الإنسان ولقوانين الحرب. # وأيضا تقرر من باب المسالمة قبول إنزال ثلاثة مدافع يختارها الأميرال، وإذا ~~أبى وأصر تلقى عليه مسئولية التعدي، وذلك بعدم المجاوبة إلا بعد إطلاق ~~القنبلة الخامسة. # وحمل هذا الرد ضابطان مصريان إلى البارجة الانفنسيبل فجر يوم 11 يوليو، ولكن الجواب ~~الطبيعي كان الرفض، وكان الإنجليز كراما فانتظروا حتى حمل الضابطان المصريان الرد ~~ووصلا به إلى البر، ثم أعطوا الإشارة بإطلاق النار. # هل حقيقة أن هذه الاستعدادات الحربية كانت تهدد الأسطول البريطاني؟ أحسبني لست في ~~حاجة إلى دحض هذه الفرية، ولكنني مع هذا أقتبس هنا ما قاله محام إنجليزي كان يعيش في ~~الإسكندرية في ذلك الوقت وشهد هذه الوقائع بنفسه، قال هذا المحامي مستر «رويل # Royle ~~» في صفحه 63 من كتابه «المواقع المصرية # The Egyptian Campaigns ~~» تعليقا على إنذار ~~«سيمور» النهائي: # إن الخطر الذي كانت تستهدف له بوارج الأميرال نتيجة للاستعدادات المصرية، لم ~~يكن إلا خطرا وهميا في ذلك الوقت، ولو فرضنا أنه كان خطرا حقيقيا لكان في ~~الإمكان تفاديه والبعد عنه إذا غير الأميرال موقف سفنه تغييرا طفيفا. # وفي الساعة السابعة من صباح يوم 11 يوليو سنة 1882 أمر القائد المغوار ms24 الأميرال ~~«سيمور» بضرب الإسكندرية، وأرسلت السفينة «ألكسندرا» أول قذيفة إلى حصن الأسبتالية ثم ~~تبعتها بقية البوارج والسفن، ولكن الطوابي المصرية لم تجاوب الضرب إلا بعد الطلقة ~~العاشرة، والبعض الآخر بدأ بعد الطلقة الخامسة عشرة. # معركة غير متكافئة # ثم بدأت المعركة ولم تكن - بشهادة كل من كتب عنها - معركة متكافئة؛ فقد كانت مدافع ~~الأسطول البريطاني أحدث وأقوى وأمتن، وكانت قذائفها أثقل وزنا وأبعد مرمى، أما قلاع ~~الإسكندرية فلم تكن في حالة طيبة، وكانت كلها ما عدا طابية قايتباي قلاعا مكشوفة، أي ~~أن الجنود كانوا يطلقون قذائفهم في العراء، لا تحميهم حوائط أو أسوار. # ورغم هذا فقد قاومت هذه الحصون في أول الأمر مقاومة عنيفة لم يكن أحد يتوقعها، مما ~~اضطر البوارج الإنجليزية إلى تغيير خطتها، فألقت مراسيها على بعد محدد، وأخذت تلقي ~~قذائفها من هذا البعد، واستطاعت أن تحدد أهدافها بعد أن كانت تتحرك أثناء الضرب، وبذلك ~~استطاعت في منتصف الساعة الواحدة بعد الظهر أن تسكت حصون رأس التين، والفنار، ~~والاسبتالية، بعد مقاومة باسلة وصفها القومندان «جودريتش» بقوله: # إن جنود المدفعية المصرية جاوبوا نيران الأسطول الإنجليزي الجهنمية مجاوبة ~~مدهشة غير متوقعة البتة، وأظهروا بسالة عجيبة رغم التفاوت الجسيم بينهم وبين ~~الإنجليز من ناحيتي عدد المدافع وعيارها. # واتجهت بوارج الأسطول بعد ذلك إلى حصن الأطة، وصوبت خمس مدرعات كبيرة مدافعها نحو هذا ~~الحصن. # وكان القائد المصري لهذا الحصن مثالا نادرا للبطولة، فقد لبث إلى جانب العلم يدير ~~المعركة في العراء بشجاعة عجيبة إلى أن أصابته قذيفة أطارته أشلاء متناثرة في الفضاء، ~~ومن المؤسف حقا أن اسم هذا البطل ضاع مع معالم المعركة، فلا يستطع مؤرخو الاحتلال - ~~على كثرتهم - العثور عليه، وليتنا في المستقبل نوفق لمعرفته لنعمل على تخليد ~~ذكراه. # شاهد القائد الإنجليزي «وولتر ~~جودسول # Walter Goodsall ~~» قومندان الباخرة # Chiltern # إحدى سفن شركة التلغراف الشرقية # Eastern Telegraph # مقاومة هذا الحصن ودفاع قائده، وأعجب بهما، قال: # لقد عجبت من هذه البطولة التي لا يمكنني أن أدرك حقيقتها، تلك البطولة التي ~~كان يتحلى بها الجنود ms25 الذين يطلقون مدافع حصن الأطة، كما أعجبت كل الإعجاب ~~بموقف قائد هذا الحصن قرب سارية علمه وهو قائم وحده والمنظار في يده يراقب ~~الآثار التي تركتها القذائف في الحصن. # لقد كان هذا القائد في الحقيقة رجلا شجاعا لا يعبأ بعدد المقذوفات التي ~~كانت تنهمر على حصنه ... ثم أخذت البارجة «انفلكسيبل» تصوب مدافعها الضخمة نحو ~~هذا الحصن إلى أن دكت أسسه ودمرته تدميرا، وفي منتصف الساعة الثانية بعد الظهر ~~صوبت قنبلة إلى مستودع البارود بالحصن وأصابته فانفجر، ولا بد أن كثيرا من ~~الجنود قد قتلوا، فإن عددا كبيرا منهم طار في الفضاء، وكذلك الضابط الباسل ~~الذي كان واقفا كالأسد في عرينه طار في الهواء هو وسارية علمه. # وبعد تحطيم هذا الحصن اتجهت البوارج الإنجليزية إلى بقية الحصون الأخرى، وقاومت ~~الحصون جميعا مقاومة عنيفة لا تقل بطولة عن مقاومة حصن الأطة، وأثبت الضباط والجنود ~~المصريون من المهارة في القتال ما أثار إعجاب الإنجليز أنفسهم، كان الماجور ~~«تلك # Tullock ~~» أحد رجال المخابرات على ظهر السفينة ~~انفنسيبل أثناء ضربها لحصن المكس، وقد قال في ص27 من كتابه # Recollections of Forty Years Service ~~: # لقد كان مما يثير عجبي حقيقة أن أرى هؤلاء الجنود - رغم عنف الضرب - واقفين ~~في أماكنهم حريصين على ملازمة مدافعهم، وكنت أرى في أكثر من مرة قذيفة من ~~قذائفنا تدخل في إحدى كوات مدافعهم، وكنت أقول لنفسي: هذا المدفع قد انتهى ~~وأصبح في حيز العدم، ولكنني كنت أعود فأقول: كلا ثم كلا؛ لأن هذا المدفع بالذات ~~كان لا يلبث أن يعود لإطلاق قذائفه في الوقت المناسب، وقد أتت قذائف أحد ~~المدافع المصابة مرة بسرعة فائقة جدا حتى إنني لم أتمالك نفسي، ووثبت إلى ~~حافة السفينة، ورفعت يدي صائحا: لقد أجدت العمل أيها الجندي المصري. # أما الأميرال «سيمور» نفسه فقد قال في ختام تقريره عن المعركة: # ولقد قاتل المصريون قتال الأبطال بأقدام ثابتة، وكانوا يجاوبون النيران ~~الشديدة التي تصبها على حصونهم مدافعنا الضخمة إلى أن قتل عدد كبير ~~منهم. # ولقد شهد المعركة المسيو ms26 «جون نينيه» عميد الجالية السويسرية في مصر سنة 1882 ووصفها ~~في كتابه «عرابي باشا»، قال: # يجب أن نعترف بأن هذه مجزرة همجية لا ضرورة لها، ولم يكن لها أي مسوغ، وليس ~~الباعث عليها سوى الشهوة الوحشية المتعطشة إلى القتل وسفك الدماء، ولقد كان ~~بودي أن أسائل أولئك الضباط الذين كانوا يباشرون الضرب ويقذفون قنابل ~~المتراليوزات، هل يستطيعون حينما يعودون إلى بلادهم ويجلسون حول موائد الشاي في ~~بيوتهم أن يتحدثوا إلى ذويهم عن آثار الفتك والتدمير التي خلفتها تلك المجازر ~~البشرية؟ إني أشك في ذلك، فليت شعري أي إهانة لحقت الأمة البريطانية حتى تثأر ~~لنفسها بهذه الفظائع ...؟! # ويستطرد مسيو نينيه فيصف بطولة المصريين في دفاعهم فيقول: # ومع ذلك فما كان أبدع هذا المنظر، منظر الرماة المصريين الذين كانوا قائمين ~~على مدافعهم وهي مكشوفة في العراء وكأنما هم في استعراض حربي لا يرهبون الموت ~~الذي يكتنفهم؛ إذ لم يكن لهم دروع واقية ولا متاريس، وكانت معظم الحصون بلا ~~ساتر، ومع ذلك فهؤلاء الشجعان من أبناء النيل كنا نلمحهم وسط الدخان الكثيف، ~~كأنهم الأبطال الذين سقطوا في حومة الوغى ثم بعثوا ليكافحوا العدو من جديد ~~ويستهدفوا لنيران مدافعه، وكان الأئمة يزورون الحصون ويشجعون المقاومة، وقام ~~الجميع بواجبهم من جند ورجال ونساء وصغار وكبار، ولم يكن ثمة أوسمة ولا مكافآت ~~تستحث أولئك الفلاحين على أداء واجبهم، بل إن عاطفة الوطنية والثورة على ~~الفظائع التي استهدفوا لها كانت تستثير الحماسة في صدورهم، وهم هم أولئك ~~الشجعان المجهولون الذين لم يفكر أحد في آلامهم. # وفي منتصف الساعة السادسة مساء عجزت حصون الإسكندرية عن الاستمرار في المقاومة فسكتت، ~~وأعطى الأميرال «سيمور» أوامره بالكف عن الضرب. # تخريب الإسكندرية # ولم يصب التخريب الحصون والقلاع وحدها، بل أصاب معظم أحياء المدينة، فأصبحت بعد ~~المعركة مجموعة من الخرائب المهدمة، وكم كان «سيمور» نبيلا حين أبدى في تقريره أسفه ~~لما أصاب المدينة، قال: # وأراني متأسفا لاضطراري أن أخبركم أن مدينة الإسكندرية أصيبت بأضرار بالغة ~~من الحريق والنهب. # ومن الذي سبب الحريق؟ # إنها ms27 قذائف الأسطول. # ومن الذي سبب النهب؟ # إنه الاحتلال البريطاني وجنوده. # إن الأميرال لم يف بوعده ويقصر الضرب على القلاع والحصون، بل لقد وجهت قذائف ~~الأسطول إلى كل ناحية من أنحاء المدينة، فحرقت البيوت وقتلت الأهلين الآمنين. وصف هذا ~~الاعتداء البعيد عن الإنسانية المسيو «نينيه» في كتابه سالف الذكر، قال: # وأقفلت الدكاكين والنوافذ والأبواب والبيوت في المدينة كلها، وخيل إلي أنني ~~في بلدة قضي عليها بالخراب النهائي، وكانت قنابل الأسطول الضخمة تنهال على ~~المدينة وتخترق أحياءها في كل جهة، وتدور فوق رءوسنا وهي تدوي دويها المفزع، ~~فكانت تدمر المنازل في ناحية وتشعل النيران في ناحية أخرى، وترسل الموت في كل ~~مكان، وقد مرت فوق رأسي خمس قذائف من «رسائل الإنسانية الغربية» على حد تعبير ~~أحد الضباط، علي سطح المنزل الذي كنت أقيم فيه تجاه حمامات (كارتوني) بالقرب من ~~محطة الرمل، فأصابت إحداها مدرسة فدمرتها، وأصابت ثلاث أخرى بعض المنازل من ~~قصور الأغنياء بالقرب من شارع باب شرقي فخربتها، والخامسة قتلت أحد عشر شخصا ~~وجوادين بأول شارع محرم بك، ولم يكن لهذه القذائف القتالة التي أصابت قلب ~~المدينة ما يقابلها من جانب المصريين، فإن عرابي قد ارتأى منعا للدمار ألا ~~تشترك قلعتا كوم الناضورة وكوم الدكة في الضرب لوجودهما وسط المدينة ... ~~إلخ. # ولم ينفرد الضباط والجنود المصريون ببطولة الدفاع في هذا اليوم، وإنما شاركهم في هذه ~~البطولة أهالي الإسكندرية، ولأهالي الإسكندرية في تاريخ الوطنية المصرية صفحات مجد ~~مشرقات، فقد تطوع السكندريون وقدموا ما استطاعوا من معونة وخدمات للجند المحاربين، شهد ~~بهذا الشيخ محمد عبده حين قال: # فكان الرجال والنساء تحت مطر الكلل ونيران المدافع ينقلون الذخائر ويقدمونها ~~إلى بقايا الطوبجية الذين كانوا يضربونها، وكانوا يغنون بلعن الأميرال «سيمور» ~~ومن أرسله. # وأكد هذا عرابي فقال في مذكراته: # وفي أثناء القتال تطوع كثير من الرجال والنساء في خدمة المجاهدين ومساعدتهم ~~في تقديم الذخائر الحربية وإعطائهم الماء وحمل الجرحى وتضميد جروحهم ونقلهم إلى ~~المستشفيات. # وقال محمود باشا فهمي في كتاب البحر الزاخر: # ورأيت في ذلك ms28 الوقت بعيني ما حصل من غيرة الأهالي بجهة رأس التين وأم كبيبة ~~وطوابي باب العرب، وهمتهم في مساعدة عساكر الطوبجية، من جلبهم المهمات والذخائر ~~وخراطيش البارود والمقذوفات، هم ونساؤهم وأولادهم وبناتهم، والبعض من الأهالي ~~صار يعمر المدافع ويضربها على الأسطول. # هذا ما كان يعمله الأهلون والصبية والنساء، فماذا فعل توفيق؟ وأين كان؟ # لقد كان توفيق يقيم أثناء الضرب في سراي مصطفى باشا بالرمل، ويقيم معه بعض الأجانب ~~وبعض الأمراء ونفر من الخائنين من أمثال سلطان باشا، فلما انتهى الضرب أرسل إلى «سيمور» ~~يستأذنه في الانتقال إلى سراي رأس التين فسمح له، ومنذ تلك اللحظة انضم توفيق إلى ~~الإنجليز انضماما سافرا. # ولن أطيل في ذكر تفاصيل الحوادث التالية، فقد قاوم العرابيون في البحيرة ثم في ~~الشرقية، ولكن النتيجة الحتمية كانت معروفة منذ وطئت أقدام الإنجليز أرض ~~الإسكندرية. # بدأ الاحتلال الإنجليزي إذن في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1882، وأعلن ~~الإنجليز منذ اللحظة الأولى، أنهم لن يبقوا في مصر طويلا، وأنهم إنما جاءوا لينصفوا ~~الخديو ويحموه من الثائرين، وأنهم بعد قليل سيرحلون، وتكررت تصريحاتهم ووعودهم في هذا ~~المعنى، ولكن المصريين لم يخدعوا بهذه الفرية أو بهذه الوعود، ولم يعترفوا بهذا ~~الاحتلال لحظة واحدة، بل ركزوا جهودهم لمقاومة البريطانيين والعمل على طردهم. # ولقد حاكم الإنجليز عرابي وصحبه ونفوهم خارج مصر، وسرحوا الجيش ليقلموا أظفار البلد، ~~وتعاون الحكام والإقطاعيون مع المحتلين على إسكات كل صوت، وإضعاف كل قوة، وإذلال كل ~~عزيز. # جهاد طويل في سبيل الحرية # ولكن هل يستكين هذا الشعب الأبي لهذا الظلم وهذا المستعمر الغاصب؟ كلا؛ فالشعب المصري ~~كما عرفناه دائما شعب دافق الحيوية، موفور الوطنية، قد يحني الرأس أمام العاصفة، ولكنه ~~لا يستكين ولا يلين، فلم تلبث الدعوة الوطنية أن انبثقت بعد سنوات قليلة، وعلى لسان شاب ~~يافع صغير السن، أعزل من كل سلاح مادي، ولكنه كان يناضل بروحه وقلبه ولسانه وقلمه، هذا ~~هو الزعيم الوطني الكبير مصطفى كامل، كان منذ أيام دراسته يرى ويتألم، ويفكر ويعمل ~~ويكتب، لقد أنشأ ms29 وهو بعد تلميذ مجلة «المدرسة» وجعل شعارها: «حبك مدرستك، حبك أهلك ~~ووطنك»، وكم كانت له من مواقف وهو في عهد التلمذة للدفاع عن الحق ورفع الظلم. # ثم حملته روحه القوية إلى فرنسا ليتم تعليمه بها، وحصل هناك في سنة على ما لم يحصله ~~غيره في سنوات، واتصل بالصحف والكتاب، وبدأ يكتب في الدفاع عن حق مصر وحريتها ~~واستقلالها، ويهاجم المحتلين الإنجليز، وظل حياته كلها مجاهدا يتنقل بين مصر وبلدان ~~أوروبا خطيبا وكاتبا، منددا بأعمال المحتلين ومناديا بالجلاء، وبحق مصر في ~~الاستقلال، ينشئ الصحف باللغة العربية وباللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويدبج المقالات، ~~ويعقد الاجتماعات، ويثير الشعور، ويبعث النفوس، يهدف بهذا كله إلى إعادة الروح إلى هذا ~~الشعب المجيد. # وكانت ضربته القوية هي التي وجهها إلى إنجلترا بعد حادثة دنشواي البربرية، فألب ~~الدول جميعا على إنجلترا إلى أن اضطرت اضطرارا إلى سحب عميدها الخطير صاحب الكلمة ~~الأولى في مصر وقتذاك وهو «لورد كرومر». # وقبيل وفاته أسس الحزب الوطني، وألقى خطبة الوداع، وكل كلمة فيها آية من آيات ~~الوطنية. # وتولى زعامة الحركة بعده بطل الفداء والتضحية محمد فريد، فسار على نهج الزعيم الأول، ~~وضحى في سبيل الحركة بكل ما يملك من مال، بل بصحته وحياته، فمات في أوروبا عليلا ~~غريبا عن الوطن الذي يحبه ويتفانى في خدمته. # وكانت ثورة سنة 1919 الثمرة الحقيقية لحركة مصطفى كامل، وأذقنا في خلالها المستعمرين ~~ألوان العذاب والمقاومة، وحمل لواء النضال سعد زغلول، وقاد المصريين خطوات في طريق ~~الحرية إلى أن انحرفت إنجلترا بمصر عن الطريق القويم ودخلت بها في متاهة المفاوضات، إلى ~~أن كانت معاهدة 1936 التي سميت يوما من الأيام بمعاهدة الشرف والاستقلال. # ثم تطورت الأحوال من سيئ إلى أسوأ حتى ران اليأس على نفوس الكثيرين، وحسب بعض ~~الغافلين أن لا أمل في يقظة أو إصلاح، ولكن الحيوية الدافقة والوطنية المستكنة في هذا ~~الشعب الخالد لم تلبث أن انفجرت في يوليو سنة 1952 في شكل ثورة تعود بالوطنية المصرية ~~إلى أصولها الحقيقية. # ثورة سنة 1952 # وقد فهمت ms30 ثورة 1952 التاريخ المصري الحديث فهما صحيحا، فقدرت أن المحتل لا بد له من ~~عمد يرتكز إليها لترسخ في البلاد أقدامه، هذه العمد تتمثل في الجالس على العرش يضحي ~~بكل شيء في سبيل متعته وفي سبيل الإبقاء على هذا العرش وسلطانه، وتتمثل في جماعة من ~~نهازي الفرص لا هم لهم إلا الغنى والاستزادة من الثروة بأي سبيل، حتى ولو تعارض هذا ~~السبيل مع مصلحة الشعب والبلد، بل ولو تعارض هذا السبيل مع المبادئ والمثل ~~والشرف. # فكانت خطة الثورة خطة حكيمة، تتلخص في التخلص من هذا الجالس على العرش، العابث بشرف ~~الوطن، والتخلص من هؤلاء الإقطاعيين النهازين، لتعود للشعب إنسانيته، وللوطن ~~كرامته. # أما الهدف الثاني للثورة فهو وضع سياسة إنتاجية إصلاحية عامة تعمل لرفع مستوى الشعب ~~اقتصاديا وثقافيا وصحيا. # وأما الهدف الأخير، هدفنا جميعا، وأمنية ~~الأجيال المتتابعة فهو إخراج المحتل من أرض القنال؛ لتتطهر أرض الوادي جميعا من هذا ~~الدنس الذي ظل عالقا بها هذه السنوات الطوال. وقد كانت الإسكندرية أول مدينة احتلها ~~جنود العدو، وشاء القدر العادل أن تكون أول مدينة تجلو عنها جنود العدو، ففي فبراير ~~1947 جلا الإنجليز عن ثكنات مصطفى باشا وعن قلعة كوم الدكة، وفي مارس من نفس السنة جلوا ~~عن ثكناتهم بالقاهرة. وها نحن أولاء نحتفل بتحقيق الهدف الأكبر وهو جلاء العدو عن آخر ~~معقل له في أرض القنال. # أيها المصريون الأمجاد # لقد كانت هذه أمنية أجدادكم وآبائكم، التي ظلوا يجاهدون في سبيل تحقيقها السنين ~~الطوال، والتي بذلوا في سبيلها الأرواح، وعلى الطريق المؤدي إليها كم من دموع سكبت! ~~وكم من دماء أريقت! وكنتم أنتم السعداء أن قدر لكم أن تحيوا في عصر هذه الثورة الطاهرة ~~الموفقة، وأن تشاركوا في حصاد أمجادها، وخير أمجادها استعادة الحرية المسلوبة. # العيد الأكبر # عيد الأعياد، عيد الحرية والجلاء # فاليوم عيدنا الأكبر. # اليوم عيد الأعياد. # اليوم العيد الحقيقي نحس له في نفوسنا فرحة ليس كمثلها فرحة. # وكم مرت بنا في الماضي أعياد كانت هي والمآتم سواء، فلم يكن يحس بها ms31 إنسان أو يفرح ~~لمقدمها إنسان؛ فبعضها كان عيدا للجالس على عرشه، وبعضها كان عيدا لاستقلال ~~مزعوم. # أما اليوم، 18 يونيو سنة 1956، فهو عيد الحرية الحقيقي، تجب له قلوبنا، وتهتز لمقدمه ~~أرواحنا، وتستبشر بحلوله وجوهنا. # فافرحوا أيها المصريون كما لم تفرحوا من قبل، وأعلنوا عن فرحتكم الكبرى، وغنوا أغاني ~~الحرية، ورددوا أهازيج الاستقلال، وأنشدوا أناشيد العزة والكرامة. # خريطة مدينة الإسكندرية (لبيان مواقع الحصون وموقف سفن الأسطول ~~البريطاني). # ثم ... # ثم لا تنسوا وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى أن تذكروا الشهداء من جنودكم وأبطالكم ~~وزعمائكم الذين رووا هذا الغرس الذي تجنون ثماره، بدموعهم وعرقهم ودمائهم. # أسكتوا أغانيكم اليوم لحظة. # وأوقفوا أفراحكم اليوم هنيهة. # واذكروا هؤلاء الأبطال الأمجاد الذين سبقوكم بالإيمان والكفاح والتضحية ~~والفداء. # ففي هذه الذكرى بعض الوفاء لمن يجب لهم الوفاء. # ثم ... # ثم لا تنسوا وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى أن تشكروا. # أن تشكروا رجال الثورة وفي مقدمتهم صانع الثورة وبطل الجلاء جمال عبد الناصر. # إنهم فتية آمنوا بربهم وبوطنهم في وقت اشتد فيه الظلم وساد فيه الظلام، فوضعوا رءوسهم ~~على أكفهم، وتقدموا لمحاربة قوى الشر جميعا، فأعزهم الله ونصرهم، وأعز مصر كلها ونصرها ~~بنصرهم. # إنه واجب الشكر لمن يستحقه. # وإنه واجب العرفان بالجميل. # وأنتم أيها المصريون من أعرف شعوب الأرض بالجميل. # فأسكتوا أفراحكم اليوم لحظة، وأوقفوا أغانيكم اليوم هنيهة، لتحيوا جمالا، لتحيوا ~~البطولة والمثل العليا، لتحيوا الأمل المشرق والمستقبل الباسم. # ثم ... # ثم لا تنسوا، وأنتم في غمرة فرحتكم الكبرى، أن تذكروا فضل الله عليكم. # فأسكتوا أفراحكم اليوم لحظات. # وأوقفوا أغانيكم هنيهات. # لتناجوا الله سبحانه مناجاة العبد الشاكر لأنعمه. # ولتصلوا له ركعات، تذكرون فيها فضله، وتشكرون فيها توفيقه، وتبتهلون إليه، سبحانه ~~وتعالى، أن يتم عليكم نعمه، وأن يكتب لمصرنا العزيزة المجد والسؤدد. # الله أكبر. # الله أكبر كبيرا. # والحمد لله كثيرا. # الحمد لله أن نصر عبده. # وأعز جنده. # وهزم الأعداء والأحزاب وحده. # الله أكبر، والعزة والسؤدد لمصر. # جمال الدين الشيال # أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية # 9 من ذي القعدة سنة 1375 /18 من يونيو ms32 سنة 1956 ms33