######OpenITI# #META# URI: 1387JamalDinShayyal.RifacaTahtawi.Hindawi94862794 #META# Tags: history #META# ID: 94862794 #META# Title: رفاعة الطهطاوي: زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي #META# AuthorID: 18290715 #META# Author: جمال الدين الشيال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # نشأته الأولى‏ # مقارنات وآمال‏ # دور التحصيل في باريس‏ # بعد العودة‏ # مدرسة الألسن‏ # قلم الترجمة‏ # جهود أخرى‏ # في السودان‏ # أمير الآلاي رفاعة بك‏ # رفاعة ناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل‏ # إصلاحات رفاعة في التعليم والمجتمع‏ # رفاعة ومونتسكيو‏ # تلاميذ رفاعة من خريجي الألسن‏ # رفاعة الرجل‏ # كلمة ختامية‏ # من مراجع البحث‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # نشأته الأولى‏ # مقارنات وآمال‏ # دور التحصيل في باريس‏ # بعد العودة‏ # مدرسة الألسن‏ # قلم الترجمة‏ # جهود أخرى‏ # في السودان‏ # أمير الآلاي رفاعة بك‏ # رفاعة ناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل‏ # إصلاحات رفاعة في التعليم والمجتمع‏ # رفاعة ومونتسكيو‏ # تلاميذ رفاعة من خريجي الألسن‏ # رفاعة الرجل‏ # كلمة ختامية‏ # من مراجع البحث‏ # | رفاعة الطهطاوي # | رفاعة الطهطاوي # | زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي # تأليف # جمال الدين الشيال # | الإهداء # إلى روح والدتي: # اعترافا ببعض ما ضحت وبذلت في سبيل تربيتي وتكويني. # | مقدمة # ثلاثة قرون طويلة خضعت مصر فيها للحكم العثماني، وفي هذه القرون كانت بلدان الشرق الأدنى ~~- ومن بينها مصر - تنعم بسبات عميق، وفي إبان هذا السبات تأخرت نواحي حياتها الحربية ~~والعلمية والصحية والاقتصادية. # وفي هذه القرون بالذات نهضت الدول الأوروبية نهضة قوية سريعة، انتقلت بها من ظلام العصور ~~الوسطى وجهلها إلى نور العصور الحديثة وعلمها. # وكان من الممكن أن تفيد مصر من هذه النهضة لو أنها حافظت على صلاتها القديمة بالعالم ~~الأوروبي، ولكن هذا الحكم العثماني قطع هذه الصلات، فلبثت مصر طول هذه القرون تعيش - كما ~~كان يعيش صوفيوها ومريدوهم في ذلك العصر - في زاوية، أو رباط، أو خانقاه من حدودها. # وفي السنة الأخيرة من القرن الثامن عشر وفدت على مصر الحملة الفرنسية تحمل إليها كل جديد ~~في الغرب، وكانت هزة عنيفة أيقظت الكنانة النائمة. ومنذ هذه السنة بدأت مصر تتصل ~~بالغرب. # وقد آمن محمد علي منذ ولي عرش مصر بأن سر عظمة الغرب وتقدمه هو هذا العلم الجديد؛ ~~ولهذا بذل الجهد كل الجهد لنقل هذا العلم إلى مصر والمصريين، فأنشأ المدارس، واستدعى ~~الأساتذة الأوروبيين، وأوفد البعوث إلى الخارج، وبدأ حركة الترجمة ms01 الواسعة لنقل العلوم ~~الأوروبية إلى اللغة العربية. # ورفاعة رافع الطهطاوي هو أنبغ المصريين الذين بعثوا إلى أوروبا، وقد كانت له بعد عودته ~~جهود محمودة في حياة مصر الثقافية؛ مما يجعله بحق زعيما لنهضتنا الفكرية في ذلك ~~العصر. # وحياة رفاعة توحي إلينا بأمور كثيرة يجب أن نأخذ بها ونحن نستكمل نهضتنا الثقافية: أولها ~~وأهمها أننا يجب ألا نأخذ شبابنا بإحدى الثقافتين - الشرقية والغربية - دون الأخرى، بل يجب ~~أن نأخذه بالثقافتين معا. وثانيهما: أننا يجب أن نضاعف العناية بالترجمة والنشر وألا نقصر ~~عنايتنا على التأليف وحده. # وهذا الكتاب - وإن كان أول كتاب يكتب عن رفاعة - لازالت بعض فصوله - في رأيي - تحتاج ~~إلى زيادة في البحث، واستيفاء في العرض، مما أرجو أن أوفق إليه في المستقبل إن شاء ~~الله. # وقد رجعت عند وضع هذا الكتاب إلى كل ما كتب عن رفاعة، وإلى معظم المصادر العربية ~~والأجنبية التي أرخت لنهضتنا الحديثة، فهو نتيجة لجهد علمي شاق طويل. غير أنني آثرت أن أعرض ~~هذا العرض المبسط، واكتفيت بذكر قائمة كاملة بالمراجع في نهايته ليرجع إليها من شاء ~~الاستزادة. # كما أنني أرى من واجبي أن أتقدم بالشكر الجزيل لصديقي الدكتور أحمد عزت عبد الكريم مدرس ~~التاريخ الحديث بجامعة فؤاد الأول، فقد أفدت الكثير من كتابه القيم عن تاريخ التعليم في ~~عصر محمد علي، كما أنه تفضل وسمح لي بالاطلاع على كتابه - الذي لم يطبع بعد - عن تاريخ ~~التعليم في عصور عباس وسعيد وإسماعيل. # جمال الدين الشيال # الإسكندرية # في شوال 1364ه/سبتمبر 1945م # | نشأته الأولى # ولد رفاعة في طهطا سنة 1216ه/1801م، وإليها ينسب، وفيها تلقى علومه الأولى، وفي ~~سنة 1232ه/1817م وفد على القاهرة، والتحق بالأزهر ومكث به نحو خمس سنوات ختم فيها دروسه؛ ~~فلما أتم الحادية والعشرين من عمره أصبح أهلا للتدريس، فدرس في الأزهر، وكان يتردد ~~أحيانا على مدينته طهطا فيلقي على أهليها بعض دروسه، وقد كان رفاعة منذ عهده الأول مدرسا ~~ممتازا، فأقبل عليه الطلاب وأفادوا منه، وكانت حلقات دروسه في السنتين التاليتين لتخرجه ~~حافلة دائما ms02 بالمستمعين من التلامذة والمشايخ. يقول تلميذه ومؤرخ حياته صالح مجدي: «وكان ~~رحمه الله حسن الإلقاء بحيث ينتفع بتدريسه كل من أخذ عنه، وقد اشتغل في الجامع الأزهر ~~بتدريس كتب شتى في الحديث، والمنطق، والبيان، والبديع، والعروض، وغير ذلك، وكان درسه ~~غاصا بالجم الغفير من الطلبة، وما منهم إلا من استفاد منه وبرع في جميع ما أخذه عنه؛ لما ~~علمت أنه كان حسن الأسلوب، سهل التعبير، مدققا محققا، قادرا على الإفصاح عن المعنى ~~الواحد بطرق مختلفة بحيث يفهم درسه الصغير والكبير بلا مشقة ولا تعب، ولا كد ولا ~~نصب.» # ولقد كان من حسن حظ رفاعة أنه تتلمذ في الأزهر على الشيخ حسن العطار، فقد كان هذا الشيخ ~~سابقا لعصره، طوف في الأرض، وسافر برا وبحرا، وزار الشام، ووصل في تطوافه إلى ~~الآستانة وأقام بها سنوات، وأفاد من هذه الرحلات واتسع أفق تفكيره، ولما نزلت الحملة ~~الفرنسية بأرض مصر اتصل ببعض علمائها ولقنهم اللغة العربية، كما أخذ عنهم بعض علومهم، ~~وأعجب بما وصل إليه الشعب الفرنسي من رقي وحضارة، وقارن في نفسه بين علوم الفرنسيين التي ~~رأى بعض مظاهرها في دار المجمع، واستمع لبعض أفكارها في حديثه إلى علماء المجمع، وبين علوم ~~المصريين التي درسها ويدرسها في الأزهر، فرأى الفرق كبيرا والبون شاسعا، وتنبأ لهذا ~~البلد بنهضة علمية سريعة ينهج فيها نهج فرنسا، قال: «لا بد أن تتغير حال بلادنا ويتجدد لها ~~من المعارف ما ليس فيها.» # وبدأ هو بنفسه فأقبل على كتب لم تكن تدرس وقتذاك في الأزهر؛ أقبل على كتب التاريخ ~~والجغرافيا، والطب والرياضة، والفلك والأدب، وقرأ الكثير من هذه الكتب وتفهمها. غير أنه ~~يبدو أن نظام التدريس في الأزهر لم يكن ليسمح له أن يدرس بعض هذه الكتب أو ما أفاد منها. ~~وإن سمحت النظم فإن المجموعة التي كانت تحيط به من شيوخ وطلاب ما كانت لتستسيغ هذه العلوم ~~أو تقبلها، بل لعلها كانت تتهم المشتغلين بها بشيء من الزيغ عن الجادة والبعد عن علوم السلف ~~وعما يجب أن ms03 يلزمه رجل الدين . # ولكن العطار كان ذا شخصية فذة وطريقة جديدة؛ لهذا لم يلبث أن اختص به نفر من تلاميذه ~~الممتازين، فقربهم إليه، وأقرأهم ما كان يقرأ، ورغبهم في هذه العلوم الجديدة فأقبلوا ~~عليها. فلما بدأ محمد علي نهضته واحتاج إلى بعض مشايخ الأزهر للتدريس في مدارسه الجديدة أو ~~لتصحيح الكتب المترجمة، كان تلاميذ العطار أمثال: التونسي، والدسوقي، والطنطاوي ... إلخ خير ~~من ندب، وخير من قام بالواجب الجديد في العهد الجديد. # وكان رفاعة أقرب تلاميذ العطار وأحبهم إليه. وقد فرح الأستاذ بنبوغ تلميذه في التدريس ~~بعد تخرجه فلبث يشمله برعايته وحسن توجيهه. فلما طلب إليه محمد علي أن يختار له إماما ~~لإحدى فرق الجيش الجديد، أسرع فرشح رفاعة لهذا المنصب. وعين الشيخ رفاعة في سنة ~~1240ه / 1824م واعظا وإماما في آلاي حسن بك المناسترلي، ثم انتقل إلى آلاي أحمد بك ~~المنكلي. # وفي سنة 1242ه/1826م أوفدت أول بعثة كبيرة إلى فرنسا. وهنا أيضا طلب محمد علي إلى ~~العطار أن ينتخب من علماء الأزهر إماما للبعثة «يرى فيه الأهلية واللياقة، فاختار الشيخ ~~رفاعة لتلك الوظيفة.» # | مقارنات وآمال # كانت نصيحة العطار لرفاعة أن يسجل مشاهداته في رحلته في كتاب خاص، وقد استجاب التلميذ ~~لنصيحة أستاذه، فبدأ منذ ركوبه السفينة في الإسكندرية يفتح عينيه وأذنيه ليرى كل شيء ويسمع ~~كل شيء. وكان كلما رأى جديدا أو سمع جديدا، انطوى على نفسه يفكر فيما رأى وفيما سمع، ثم ~~لا يلبث أن يستحضر في مخيلته الصورة المقابلة - لما رأى أو سمع - في وطنه، أو في ديار الإسلام ~~عامة، ثم يترك نفسه على سجيتها يلقي النظرة بعد النظرة على الصورتين: الصورة القديمة التي ~~عرفها في وطنه أو في ديار الإسلام، والصورة الجديدة التي رآها في الغرب أو في ديار ~~النصرانية، فإذا ملأ نظره من الصورتين انقلب يحلل ويقارن؛ لأنه كان يرى دائما أن الصورة ~~القديمة باهتة كريهة وأن الصورة الجديدة زاهية حية محبوبة. # وقد حملته هذه المقارنات إلى عالم من الآمال العريضة، فهو كلما رأى خيرا تمناه ms04 لبلده ~~ولمواطنيه. ورحلته إلى باريس معرض غني بهذه الصور وهذه المقارنات والآمال. # ترك رفاعة مصر والعلم فيها مقصور على رجال الدين من خريجي الأزهر - وهو واحد منهم - ~~ولكنه ألفى العلم في باريس ميادين واسعة، له فروع كثيرة، وللفروع فروع، وهكذا ... وقد تخصص كل ~~عالم في دراسة فرع من هذه الفروع فوهبه كل وقته وجهده فأنتج فيه وابتكر. ووجد أن علماء ~~الدين ليست لهم المكانة الأولى كما هي الحال في مصر أو في بلدان العالم الإسلامي، فرسم ~~لمواطنيه الصورة الجديدة للعلم والعلماء وكأنه يوحي إليهم في كل سطر من السطور بأن هذه هي ~~الطريقة المثلى والصورة الحقة للعلم والعلماء. وفي رأيي أن محاولتنا وصف هذه الصور التي ~~رسمها رفاعة قد تؤدي إلى تشويه معالمها. والخير كل الخير أن ننقل للقارئ بعض هذه الصور كما ~~رسمها رفاعة بقلمه. قال مقارنا بين العلم والعلماء في مصر وفي باريس: «وأما علماؤهم فإنهم ~~منزع آخر، لتعلمهم تعلما تاما عدة أمور، واعتنائهم زيادة على ذلك بفرع مخصوص، وكشفهم ~~كثيرا من الأشياء، وتجديدهم فوائد غير مسبوقين بها، فإن هذه عندهم هي أوصاف العالم، وليس ~~عندهم كل مدرس عالما، ولا كل مؤلف علامة، بل لا بد من كونه بتلك الأوصاف، ولا بد له من ~~درجات معلومة، فلا يطلق عليه ذلك الاسم إلا بعد استيفائها والارتقاء. ولا تتوهم أن علماء ~~الفرنسيس هم القسوس؛ لأن القسوس إنما هم علماء في الدين فقط، وقد يوجد من القسوس من هو ~~عالم أيضا. وأما ما يطلق عليه اسم العلماء فهو من له معرفة في العلوم العقلية، ومعرفة ~~العلماء في فروع الشريعة النصرانية هينة جدا، فإذا قيل في فرنسا: «هذا الإنسان عالم.» لا ~~يفهم منه أنه يعرف في دينه، بل إنه يعرف علما من العلوم الأخر. وسيظهر لك فضل هؤلاء ~~النصارى في العلوم عمن عداهم؛ وبذلك تعرف خلو بلادنا من كثير منها، وأن الجامع الأزهر ~~المعمور بمصر القاهرة، وجامع بني أمية بالشام، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفاس، ~~ومدارس بخارى، ونحو ذلك، كلها زاهرة ms05 بالعلوم النقلية، وبعض العقلية: كعلوم العربية ، ~~والمنطق، ونحوه من العلوم الآلية. والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم، فهي دائما في ~~الزيادة، فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئا جديدا، فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون ~~جديدة، أو صناعات جديدة، أو وسائط، أو تكميلات ...» # وقال يصف انتشار الثقافة العامة بين أفراد الشعب الفرنسي كبارا وصغارا: «ثم إن الفرنسيس ~~يميلون بالطبيعة إلى تحصيل المعارف، ويتشوفون إلى معرفة سائر الأشياء؛ فلذلك ترى أن سائرهم ~~له معرفة مستوعبة إجمالا لسائر الأشياء، فليس غريبا عنها، حتى إنك إذا خاطبته تكلم معك ~~بكلام العلماء ولو لم يكن منهم؛ فلذلك ترى عامة الفرنساوية يبحثون ويتنازعون في بعض مسائل ~~علمية عويصة. وكذلك أطفالهم فإنهم بارعون الغاية من صغرهم ... فإنك قد تخاطب الصغير الذي خرج ~~من سن الطفولية عن رأيه في كذا وكذا، فيجيبك، بدلا عن قوله «لا أعرف»: «أصل هذا الشيء ما ~~معناه الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ونحو ذلك، فأولادهم دائما متأهلون للتعلم والتحصيل، ~~ولهم تربية عظيمة، وهذا في الفرنسيس على الإطلاق »...» # وبعد هذه التقدمة انطلق رفاعة يصف دور الكتب ومعاهد العلم في باريس، فهو يلاحظ أن «لكل ~~إنسان من العلماء أو الطلبة أو الأغنياء خزانة كتب على قدر حاله، ويندر وجود إنسان بباريس ~~من غير أن يكون تحت ملكه شيء من الكتب؛ لما أن سائر الناس تعرف القراءة والكتابة ... إلخ ... ~~إلخ.» وهو يعرض بعد هذا وصفا مسهبا لمعاهد العلم المختلفة، وكلها غريب عن مصر في ذلك ~~الوقت، والمسميات غريبة عن اللغة العربية؛ لهذا بدأ رفاعة محاولاته لترجمة هذه المسميات، ~~فهو يعرب بعضها تارة، وهو يرسم البعض الآخر كما هو تارة أخرى. فالدور التي نحفظ فيها ~~النماذج والآثار، سميناها في القرن الماضي أسماء كثيرة، فكنا نطلق عليها دور العاديات أو ~~دور الآثار ثم انتهينا إلى تسميتها بالمتاحف. أما رفاعة فقد سماها: «خزائن المستغربات»، ~~وفسر اللفظ ليدل مواطنيه على معناه، فقال: «ويوجد بها ما تتشوق إليه نفوس الفضلاء، ~~ليستعينوا به على الغرض في الطبيعيات، كالمعادن، ms06 والأحجار، والحيوانات البرية والبحرية ~~المحفوظة الجثة ، وسائر المواليد من الأحجار والنباتات وسائر الأشياء التي فيها آثار القدماء ~~... إلخ.» # وانتقل من هذا إلى وصف «بستان النباتات السلطاني» وما به من أنواع النبات والحيوان ~~المختلفة، و«الرصد السلطاني» وما به من آلات لرصد الكواكب؛ و«الكنسروتوار ... ومعناه المخزن ~~أو المحفظ ... وفيه جميع الآلات ... خصوصا الآلات الهندسية كآلات الحيل وتحويل ~~الأثقال.» # وذكر رفاعة بعد ذلك أن في باريس المدارس الكثيرة لدراسة العلوم والفنون، ومنها «ما يسمى ~~أكدمة، ومنها ما يسمى مجمعا أو مجلسا، والأنسطيوت عندهم اسم عام يشتمل على جميع اجتماع ~~الأكدمات، أي المجالس الخمسة، وهي: أكدمية اللغة الفرنساوية، وأكدمية العلوم الأدبية ومعرفة ~~الأخبار والآثار، وأكدمية العلوم الطبيعية والهندسية، وأكدمية الصنائع الظريفة، وأكدمية ~~الفلسفة ...» وبعد أن وصف كل «أكدمية» من هذه «الأكدميات» وصفا مسهبا، ذكر أن في باريس ~~أيضا «مدارس سلطانية تسمى الكوليچ، وهي مدارس يتعلم فيها الإنسان العلوم المهمة التي ~~تكون وسائل في الأمور المقصودة منها، وهي خمسة كوليچات ... إلخ.» # كان طبيعيا أن تحظى الحياة العلمية في باريس بهذه اللفتات من رفاعة وهو خريج الأزهر ~~والمبعوث إلى باريس لإتمام علومه، ولكننا نلاحظ أنه لم يغمض عينيه عن مظاهر الحياة الأخرى، ~~بل لقد كانت له نظرات ولفتات إلى مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا. ~~والسمة الواضحة لهذه اللفتات جميعا هي الظاهرة التي سجلناها قبلا، أي المقارنة والأمل، ~~فهو إذا وصف نهر السين تذكر نهر النيل فقال: «... وشتان بين هذا وبين النيل والروضة ~~والمقياس، فإن نزهة الإنسان في الروضة والمقياس لا تضاهى؛ لأن الخليج يعبر مصر، والسين يعبر ~~باريس، إلا أن نهر السين بتمامه يشق باريز، وتجري به السفن العظيمة الوسق، وبه الأرصفة ~~الجيدة، والنظافة على حوافيه، ومع ذلك فنزهته غير سارة. وشتان أيضا بين ماء النيل والسين ~~من جهة الطعم وغيره؛ فإن ماء النيل لو كانت العادة جرت بترويقه قبل استعماله كما هي العادة ~~في ماء نهر السين لكان من أعظم الأدواء. وأقول أيضا إنه فرق بعيد بين طعم ماء نهر السين ~~وماء العيون ms07 والقطوع والسواقي ببلاد صعيد مصر ...» وينتقل بعد هذا إلى المقارنة بين الجو في ~~مصر وفي فرنسا، فيصف شدة البرد في باريس إلى أن يقول: «وأما مصر فإنها سليمة من مكاره برد ~~باريس، كما أنها خالية أيضا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحر، مثل الاستعانة على تطرية ~~الزمن. فإن أهل باريس مثلا سهل عندهم رش ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإنهم يصنعون ~~دنا عظيما ذا عجلات، ويمشون العجلة بالخيل؛ ولهذا الدن عدة بزابيز مصنوعة بالهندسة ~~تدفع الماء بقوة عظيمة وعزم سريع، فلا تزال ماشية والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في ~~نحو ربع ساعة لا يمكن رشها بجملة رجال في أبلغ من ساعة. ولهم غير ذلك من الحيل، فمصرنا أولى ~~بهذا لغلبة حرها ... ومن الأمور المستحسنة أيضا أنهم يصنعون مجاري تحت الأرض توصل ماء النهر ~~إلى حمامات أخرى وسط المدينة أو إلى صهاريج بهندسة مكملة، فانظر أين سهولة هذا مع صهاريج ~~مصر بحمل الجمال، فإن ذلك أهون مصرفا وأيسر في كل زمن ... وفي هذه المدينة (أي باريس) عدة ~~فسحات عظيمة تسمى المواضع يعني الميادين، كفسحة الرميلة بالقاهرة، في مجرد الاتساع لا في ~~الوساخة، وعددها خمسة وسبعون ميدانا ... إلخ.» # هذه صورة قد تبدو عادية للقارئ المصري الحديث، ولكنها كانت غريبة الغرابة كلها لرفاعة ~~وزملائه؛ فقد كانت الحياة في مصر في أوائل القرن الماضي تختلف عن مثيلتها في باريس اختلافا ~~بينا، وهذه الصور لا تعدو أن تكون نماذج لما أثار انتباه رفاعة. أما الرحلة فمليئة بعشرات ~~من الصور الأخرى، وكلها طريف يستحق القراءة والدراسة. # | دور التحصيل في باريس # في يوم الخميس السادس من شهر رمضان سنة 1241ه/14 أبريل 1826م أبحرت السفينة من الإسكندرية ~~تحمل رفاعة وزملاءه. وفي التاسع من شهر شوال وصلت بهم إلى «مارسيليا»، ومذ وطئت قدما ~~رفاعة أرض هذه المدينة بدأ يتعلم اللغة الفرنسية. يقول في رحلته: «وتعلمنا في نحو ثلاثين ~~يوما التهجي.» # وفي باريس قضى تلاميذ البعثة جميعا نحو سنة وهم يقيمون معا في بيت واحد، ويشتركون معا ms08 ~~في دراسة مواد واحدة. يقول رفاعة : «كنا نقرأ في الصباح كتاب تاريخ ساعتين، ثم بعد الظهر درس ~~رسم، ثم درس نحو فرنساوي، وفي كل جمعة ثلاثة دروس من علمي الحساب والهندسة.» # وكانت هذه الخطة ترمي إلى عزل تلاميذ البعثة حتى لا يفسدهم الاختلاط أو الحياة في باريس، ~~وحتى يستطيعوا التوفر على دراستهم ليحصلوا العلوم التي يريدون على أحسن وجه وفي أسرع وقت، ~~ولكن هذه العلوم التي أوفدوا لدراستها مودعة في بطون المؤلفات الفرنسية، ولا سبيل إليها ~~إلا إتقان هذه اللغة حديثا وقراءة وفهما. ولا سبيل إلى هذا الإتقان إلا أن يختلط هؤلاء ~~الشبان بأندادهم من الفرنسيين حتى تستقيم ألسنتهم. # أحس هذا النقص المشرفون على البعثة، كما أحس به أعضاء البعثة أنفسهم. يقول رفاعة: ~~«مكثنا جميعا في بيت واحد دون سنة نقرأ معا في اللغة الفرنسية وفي هذه الفنون المتقدمة، ~~ولكن لم يحصل لنا عظيم مزية إلا مجرد تعلم النحو الفرنساوي؛ لهذا صدرت الأوامر بتوزيع ~~هؤلاء المبعوثين، فتفرقوا «في مكاتب متعددة، كل اثنين أو ثلاثة أو واحد في مكتب مع أولاد ~~الفرنساوية، أو في بيت مخصوص، عند معلم مخصوص، بقدر معلوم من الدراهم في نظير الأكل والشرب ~~والسكنى والتعليم ...» وفي هذه المكاتب، أو «البانسيونات» كان التلاميذ المصريون يقضون ليلهم ~~ونهارهم في التحصيل، ولم يكن يسمح لهم بالخروج إلا في يوم الأحد أو بعد ظهر الخميس أو في ~~الأعياد الفرنسية. وكان يحدث أحيانا أن يخرج بعضهم بعد العشاء إن لم يكن يشغله درس أو ~~واجب.» # وكان رفاعة أكثرهم انهماكا في عمله وأشدهم إقبالا عليه، ولم تكن تسعفه أوقات فراغه في ~~النهار، فكان يقضي معظم ساعات الليل ساهرا بين كتبه ودروسه، يقرأ ويتفهم ويترجم، حتى ~~أصيبت عينه اليسرى بضعف، ونصحه الطبيب بالراحة ونهاه عن المطالعة في الليل، ولكنه «لم يمتثل ~~لخوف تعويق تقدمه.» # ولم يقنع رفاعة بالكتب التي تشترى له على حساب البعثة، فقد أحس لذة المعرفة، فأقبل ~~يشتري كتبا أخرى من ماله الخاص، ثم أحس أن دروس أساتذته لا تكفي لإشباع فهمه، ms09 فاستأجر ~~معلما خاصا ظل يدرس له أكثر من سنة وكان يدفع له أجره من مرتبه الخاص. # أرسل رفاعة إلى فرنسا ليكون إماما للبعثة، ولكن يبدو أن الأوامر صدرت في آخر لحظة أن ~~يسمح له بالدراسة، فإن أقبل ووفق فليوجه إلى إتقان الترجمة؛ وذلك لأن ثقافته الأزهرية ~~في اللغة العربية ترشحه لهذا العمل إذا ألم باللغة الفرنسية وأتقنها. وهذا عمل واسع عريض ~~لأنه غير محدود، فحكومة محمد علي كانت مقبلة على الترجمة في كل علم وفن: في الهندسة، والطب، ~~والفنون العسكرية، والتاريخ، والجغرافيا ... إلخ؛ فواجب رفاعة إذن أن يقرأ كتبا في كل هذه ~~العلوم وأن يمرن على الترجمة فيها جميعا، ويا له من واجب شاق! ولكن همة رفاعة كانت همة ~~عالية، فاستسهل الصعب، وأقبل ووفق. # وقد ذكر رفاعة في رحلته العلوم والفنون التي درسها، وعين الكتب التي قرأها والتي ~~ترجمها أو بدأ يترجمها وهو في باريس. ومنها نلحظ أن ثقافته كانت موسوعية، فقد قرأ كتبا ~~كثيرة في مختلف العلوم مع أساتذته، ثم قرأ كتبا كثيرة أخرى وحده. وبرهن بهذا على أنه كان ~~يتمتع بروح جامعية حقة. ولا عجب فقد ساعد على تزويده بهذه الروح أمور أربعة: المران الذي ~~اكتسبه وهو يطلب العلم في الأزهر، والنفحة التي أضفاها عليه أستاذه العطار، وحبه العجيب ~~للعلم وشغفه بالتحصيل، ثم نفسه العالية الطموح ورغبته في إشباع هذه النفس وإرضاء باعثه ~~وباعث النهضة الجديدة في مصر «ولي النعم» محمد علي. # وكان هناك عامل آخر، أو حافز آخر بعث رفاعة على الجد والاجتهاد لا يقل عن العوامل ~~السابقة إن لم يكن أقوى منها. ذلك أن رفاعة درس دراسة دينية في أكبر جامعة دينية، ثم ~~تخرج عالما دينيا، وكان تلميذا لشيخ الأزهر، كما كان قوي الإيمان متين العقيدة، وقد ~~راعه منذ اللحظة الأولى الفارق الكبير بين ما كانت تتمتع به ديار المسيحية من تقدم في ~~مختلف نواحي الحياة، وبين ما كانت تتمتع به مصر وديار الإسلام من تأخر وخمود وجمود في ~~مختلف نواحي الحياة وخاصة في الناحية العلمية. ms10 ورحلته مليئة بهذه المقارنات كما سبق أن ~~ذكرنا؛ لهذا نحس في جهوده التي ذكرها أنه ما كان يفرغ من قراءة كتاب في أي علم أو فن حتى ~~يقبل على ترجمته؛ يريد بذلك أن ينقل لديار الإسلام وبنيه هذا العلم الجديد؛ عله يبعثهم ~~إلى نهضة جديدة تنتهي بهم إلى أن يكونوا كأبناء المسيحية حضارة ورقيا، ولكن أنى له ~~الوقت لترجمة هذه الكتب جميعا؟ ومع هذا فقد بدأ وترجم كتبا أو رسالات صغيرة ثم ترجم ~~فصولا من الكتب الكبيرة. وكأني به قد ترك الباقي حتى يعود لمصر فيتم ما بدأ، وقد فعل، ~~ولكن جهده جهد إنساني محدود، ووقته وقت محدود، وهنا ترقب الفرص حتى سنحت له فعرض على محمد ~~علي مشروعه لإنشاء مدرسة الألسن، وقد أنشئت. واتسعت بعد إنشائها حركة الترجمة، واستطاع ~~رفاعة أن يحقق بعض آماله. ويؤيدنا في رأينا هذا أن معظم الكتب الأولى التي ترجمها خريجو ~~الألسن هي الكتب التي قرأها رفاعة في باريس والتي كان يتمنى أن يترجمها بنفسه. # والآن ليس أحسن من أن ننقل هنا تقرير رفاعة نفسه عن الكتب التي قرأها، وعن جهوده في ~~الدراسة والترجمة وهو في باريس، قال في رحلته: # في التاريخ: «ابتدأنا في بيت الأفندية حين كنا معا بكتاب سير فلاسفة اليونان فقرأناه ~~وتممناه، ثم ابتدأنا بعده في كتاب تاريخ عام مختصر يشتمل على سير قدماء المصريين والعراقيين ~~وأهل الشام واليونان وقدماء العجم والرومانيين والهنود، وفي آخره نبذة مختصرة في علم ~~«الميثولوجيا» يعني جاهلية اليونان وخرافاتهم، ثم قرأت عند مسيو «شواليه» كتابا يسمى ~~لطائف التاريخ، يتضمن قصصا وحكايات ونوادر، ثم بعده قرأت كتابا يسمى سير أخلاق الأمم ~~وعوائدهم وآدابهم، ثم تاريخ سبب عظم دولة قياصرة الروم وانقراضها، ثم كتاب رحلة «أنخرسيس» ~~الأصغر إلى بلاد اليونان، ثم قرأت كتاب «سيغور» في التاريخ العام، ثم سيرة نابليون، ثم ~~كتابا في علم التواريخ والأنساب، ثم كتابا يسمى «بانوراما» العالم، يعني مرآة الدنيا، ثم ~~رحلة صنفها بعض المسافرين في بلاد الدولة العثمانية، ثم رحلة في بلاد الجزائر.» # في ms11 الرياضيات: «وقرأت في الحساب كتاب «بزوت # Bezout ~~». # وفي الهندسة: الأربع المقالات الأول من كتاب «لوجندر # Legendre ~~». # في الجغرافيا: «وقرأت مع المسيو «شواليه» كتاب جغرافية يشتمل على الجغرافية التاريخية ~~والطبيعية والرياضية والسياسية، ثم قرأت رسالة أخرى في الجغرافية الطبيعية مقدمة لقاموس في ~~الجغرافية يعني معجم البلدان، ثم قرأت الكتاب الأول بعينه مع معلم آخر غير مسيو «شواليه». ~~وقرأت أيضا مع مسيو «شواليه» جملا عظيمة من جغرافية «ملطبرون» ورسالة ألفها لتعليم بنته ~~في هيئة الدنيا. وقرأت وحدي مؤلفات عديدة في هذا الفن.» # في علوم وفنون مختلفة كالمنطق والفلسفة والقوانين والاجتماع والأدب والمعادن والفنون ~~الحربية: «وقرأت كتابا في علم المنطق الفرنساوي مع مسيو «شواليه» ومسيو «المونري»، وعدة ~~مواضع من كتاب «ليبر تروايال» من جملتها المقولات، وكتابا آخر في المنطق يقال له: كتاب ~~«قندلياق # Condillac ~~» غير فيه منطق أرسطو. وقرأت مع ~~مسيو «شواليه» كتابا صغيرا في المعادن، وترجمته. وقرأت كثيرا من كتب الأدب، فمنها ~~مجموع «نويل»، ومنها عدة مواضع من ديوان «ولتير # Voltaire ~~» ~~و«رسين # Racine ~~» وديوان «روسو # Rousseau ~~»، خصوصا ~~«مراسلاته الفارسية # Lettres Persanes ~~» التي يعرف بها الفرق بين آداب الفرنج والعجم، وهي ~~أشبه بميزان بين الآداب المغربية والمشرقية. وقرأت أيضا وحدي مراسلات إنقليزية صنفها ~~«القونت شسترفيلد» لتربية ولده وتعليمه، وكثيرا من مقامات الفرنساوية. وبالجملة فقد اطلعت ~~في الآداب الفرنساوية على كثير من مؤلفاتها الشهيرة، وقرأت في «الحقوق الطبيعية # Droit ~~naturel ~~» مع معلمها كتاب «برلماكي # Burlamaqui ~~» وترجمته وفهمته فهما جيدا. وهذا الفن ~~عبارة عن التحسين والتقبيح العقليين يجعله الإفرنج أساسا لأحكامهم السياسية المسماة عندهم ~~شرعية. وقرأت أيضا مع مسيو «شواليه» جزأين من كتاب يسمى «روح الشرائع # l’Esprit des lois ~~» ~~ومؤلفه شهير بين الفرنساوية يقال له: «منتسكوا # Montesquieu ~~»، وهو أشبه بميزان بين المذاهب ~~الشرعية والسياسية، ومبني على التحسين والتقبيح العقليين، ويلقب عندهم بابن خلدون الإفرنجي، ~~كما أن ابن خلدون يقال له عندهم أيضا منتسكو الشرق أي منتسكو الإسلام. وقرأت أيضا في هذا ~~المعنى كتابا يسمى «عقد التآنس والاجتماع الإنساني # Le Contrat Social ~~»، مؤلفه يقال له: ~~«روسو»، ms12 وهو عظيم في معناه. وقرأت في الفلسفة تاريخ الفلاسفة المتقدم المشتمل على مذاهبهم ~~وعقائدهم وحكمهم ومواعظهم. وقرأت عدة محال نفيسة في معجم الفلسفة للخواجة «ولتير»، وعدة ~~محال في كتب فلسفة «قندلياق». وقرأت في فن الطبيعة رسالة صغيرة مع مسيو «شواليه» من غير ~~تعرض للعمليات. وقرأت في فن العسكرية من كتاب يسمى «عمليات كبار الضباط» مع مسيو «شواليه» ~~مائة صفحة، وترجمتها. وقرأت كثيرا في «كازيطات» العلوم اليومية والشهرية التي تذكر كل يوم ~~ما يصل خبره من الأخبار الداخلية والخارجية المسماة «البوليتيقة». وكنت متولعا بها غاية ~~التولع، وبها استعنت على فهم اللغة الفرنساوية. وربما كنت أترجم منها مسائل علمية وسياسية ~~خصوصا وقت حرابة الدولة العثمانية مع الدولة الموسقوبية.» # هذه هي العلوم التي درسها رفاعة، والكتب التي قرأها، وهي تدل - كما سبق أن ذكرنا - على ~~أنه ثقف ثقافة موسوعية. وقد كان لا بد له أن يتثقف هذه الثقافة ما دام قد بعث للتخصص في ~~الترجمة؛ حتى إذا طلب له بعد عودته أن يترجم في أي علم من العلوم لبى الطلب ونفذ الأمر. ~~وهذا ما حدث مثلا، فإنه عين بعد عودته مترجما بمدرسة الطب، ثم نقل مترجما بمكتب طرة ~~الحربي. ولما أنشئت الألسن كان يشرف على أعمال خريجيها الذين ترجموا كتبا في كل هذه ~~العلوم والفنون. # قضى رفاعة سنة في باريس، ثم عقد له ولزملائه امتحان في نهاية هذه السنة، فنجح رفاعة ~~بتفوق، وأرسل إليه مسيو «جومار» مدير البعثة جائزة التفوق، وهي كتاب «رحلة أنخرسيس في ~~بلاد اليونان» وهو «سبعة مجلدات جيدة التجليد مموهة بالذهب»، وأرسل إليه مع الجائزة ~~خطابا تاريخه أول أغسطس سنة 1827م كله تشجيع وتقدير لما بذل رفاعة من جهد ولما نال من ~~نجاح. جاء فيه: «قد استحقيت هدية اللغة الفرنساوية بالتقدم الذي حصلته فيها، وبالثمرة ~~التي نلتها في الامتحان العام الأخير. ولقد حق لي أن أهنئ نفسي بإرسالي لك هذه الهدية من ~~الأفندية النظار دليلا على التفاتك في التعليم. ولا شك أن ولي النعمة يسر متى أخبر ~~أن اجتهادك وثمرة ms13 تعليمك يكافآن المصاريف العظيمة التي يصرفها عليك في تربيتك وتعليمك. ~~وعليك مني السلام مصحوبا بالمودة ...» # وبعد عام آخر عقد امتحان ثان فوفق فيه كما وفق في سابقه، وكانت جائزته في هذه المرة ~~كتابين من تأليف المستشرق الفرنسي «دي ساسي»، وهما: «الأنيس المفيد للطالب المستفيد» و«جامع ~~الشذور من منظوم ومنثور». # وفي باريس اتصل الشيخ رفاعة بكبار المستشرقين الفرنسيين، وخاصة المسيو «سلفستر دي ساسي» ~~والمسيو «كوسان دي برسيڨال» ونشأت بينه وبين هذين العالمين صداقة متينة، وكان كل منهما ~~يقدر جهد الشيخ التلميذ وعلمه، وقد تبودلت بينه وبينهم كثير من الرسائل أثبت بعضها رفاعة ~~في رحلته، وقد أطلعهما قبيل سفره على مخطوطة رحلته فأعجبا بها وكتبا عنها تقريظا، وأرسل ~~كل منهما للمسيو جومار بصفته مدير البعثة خطابا كله ثناء وتقريظ لرفاعة وكتابه. قال دي ~~ساسي: «إن مسيو رفاعة أحسن صرف زمنه مدة إقامته في فرنسا، وإنه اكتسب فيها معارف عظيمة ~~وتمكن منها كل التمكن حتى تأهل لأن يكون نافعا في بلاده. وقد شهدت له بذلك عن طيب نفس، ~~وله عندي منزلة عظيمة ومحبة جسيمة ...» وقال دي برسيڨال: «إن هذا التأليف «الرحلة» يستحق ~~كثيرا من المدح، وإنه مصنوع على وجه يكون به نفع عظيم لأهالي بلد المؤلف؛ فإنه أهدى لهم ~~نبذات صحيحة من فنون فرنسا وعوائدها وأخلاق أهلها وسياسة دولتها. ولما رأى أن وطنه أدنى من ~~بلاد أوروبا في العلوم البشرية والفنون النافعة، أظهر التأسف على ذلك، وأراد أن يوقظ بكتابه ~~أهل الإسلام، ويدخل عندهم الرغبة في المعارف المفيدة، ويولد عندهم محبة تعلم التمدن ~~الإفرنجي والترقي في صنايع المعاش. وما تكلم عليه من المباني السلطانية والتعليمات وغيرها، ~~أراد أن يذكر به لأهالي بلده أنه ينبغي لهم تقليد ذلك. وما نظر فيه في بعض العبارات يدل في ~~الغالب على سلامة عقله وخلوه من التعسف والتحامل. وعبارة هذا الكتاب بسيطة، أي غير متكلف ~~فيها التنميق، ومع ذلك فهي لطيفة ... إلخ.» # وبعد خمس سنوات عقد لرفاعة الامتحان النهائي، فجمع المسيو «جومار» «مجلسا فيه عدة أناس ~~مشاهير، ومن ms14 جملتهم وزير التعليمات الموسقوبي رئيس الامتحان.» يقول رفاعة: «وكان القصد بهذا ~~المجلس معرفة قوة الفقير في صناعة الترجمة التي اشتغلت بها مدة مكثي في فرنسا ...» # وتقدم رفاعة إلى لجنة الامتحان بخلاصة مجهوداته في الترجمة طوال هذه السنوات الخمس، ~~وهي اثنتا عشرة رسالة ترجمها عن الفرنسية إلى العربية، وهذا بيانها: ~~(1) # نبذة في تاريخ إسكندر الأكبر مأخوذة من تاريخ القدماء. ~~(2) # كتاب أصول المعادن. ~~(3) # روزنامة (يقصد تقويم) سنة 1244ه، ألفه مسيو «جومار» لاستعمال مصر والشام، ~~متضمنا لشذرات علمية وتدبيرية. ~~(4) # كتاب دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعوائدهم. ~~(5) # مقدم جغرافية طبيعية مصححة على مسيو «دهنلبض». ~~(6) # قطعة من كتاب «ملطبرون» في الجغرافية. ~~(7) # ثلاث مقالات من كتاب «لجندر» في علم الهندسة. ~~(8) # نبذة في علم هيئة الدنيا. ~~(9) # قطعة من عمليات رؤساء ضباط العسكرية. ~~(10) # أصول الحقوق الطبيعية التي تعتبرها الإفرنج. ~~(11) # نبذة في الميثولوجيا يعني جاهلية اليونان وخرافاتهم. ~~(12) # نبذة في علم سياسات الصحة. # كذلك قدم رفاعة للجنة الامتحان كراسة أخرى فيها مخطوطة رحلته إلى باريس؛ وذلك لأن هذه ~~الرحلة ليست تأليفا كلها، بل فيها نبذ كثيرة مترجمة في مختلف العلوم، قصد بها رفاعة إلى ~~تقريب هذه العلوم إلى القارئ المصري، وشرح نهضة الفرنسيين العلمية ومدى إقبالهم على الدروس ~~والتحصيل. وفي هذه الرحلة أيضا ترجم رفاعة الدستور الفرنسي الذي وضعه «لويس الثامن عشر»، ~~وسماه: «شرطة». وفيها أيضا ترجم بعض الأشعار الفرنسية إلى شعر عربي، وبعض هذا الشعر ~~لشعراء مجهولين، وبعضه أبيات «من القصيدة المسماة نظم العقود في كسر العود، للخواجة يعقوب، ~~المصري منشأ الفرنساوي استيطانا ...» وقد ذكر رفاعة أنه ترجمها في سنة 1242ه/1826-1827م، ~~أي بعيد وصوله إلى باريس بقليل. وقد أحس أن الشعر يفقد كثيرا من روعته إذا ترجم من لغة ~~إلى أخرى، فقال في نهاية القصائد التي ترجمها: «وهذه القصيدة كغيرها من الأشعار المترجمة من ~~اللغة الفرنساوية عالية النفس في أصلها، ولكن بالترجمة تذهب بلاغتها فلا يظهر علو نفس ~~صاحبها. ومثل ذلك لطائف القصائد العربية، فإنه لا يمكن ترجمتها إلى غالب اللغات الإفرنجية ~~من غير أن يذهب حسنها، بل ربما ms15 صارت باردة ...» # ولم تقنع لجنة الامتحان بهذه الجهود المكتوبة، ورأت أن تختبره اختبارا شفهيا لتتأكد من ~~مقدرته على الترجمة الصحيحة، فأحضرت له بعض الكتب المطبوعة في بولاق فترجم بعض فقراتها ~~بسرعة، «ثم قرأ بالفرنساوي مواضع، منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير في «كازيطة» مصر ~~المطبوعة في بولاق» (يقصد الوقائع المصرية). # وبهذا تم اختباره في الترجمة عن العربية إلى الفرنسية، ثم أعطته اللجنة النص العربي ~~للرسالة التي ترجمها عن «عمليات رؤساء الضباط العسكرية»، وأمسك أحد أعضاء اللجنة النص ~~الفرنسي، وأعاد رفاعة ترجمة النص الذي بيده إلى الفرنسية. والممتحنون يقابلون بين ما يقول ~~وبين النص الأصلي الذي بأيديهم. ووفق في ترجمته، وقررت اللجنة أنه تخلص من هذا الامتحان ~~على وجه حسن «فأدى العبارات حقها من غير تغيير في معنى الأصل المترجم.» ولكنها أخذت عليه ~~أنه «ربما أحوجه اصطلاح اللغة العربية أن يضع مجازا بدل مجاز آخر من غير خلل في المعنى ~~المراد. مثلا في تشبيه أصل علم العسكرية بمعدن مشبع يستخرج منه كذا، غير العبارة بقوله: ~~علم العسكرية بحر عظيم تستخرج منه الدرر. وقد اعترض عليه في الامتحان بأنه في بعض الأحيان ~~قد لا يكون في ترجمته مطابقة تامة بين المترجم والمترجم عنه، وأنه ربما كرر، وربما ترجم ~~الجملة بجمل والكلمة بجملة، ولكن من غير أن يقع في الخلط، بل هو دائما محافظ على روح ~~المعنى الأصلي. وقد عرف الشيخ الآن أنه إذا أراد أن يترجم كتب علوم، فلا بد له أن يترك ~~التقطيع، وعليه أن يخترع عند الحاجة تغييرا مناسبا للمقصود ...» # وبنفس الطريقة اختبر في كتاب آخر مما ترجمه، وهو: «مقدمة القاموس العام المتعلقة ~~بالجغرافية الطبيعية»، ولاحظت اللجنة أن ترجمة هذا الكتاب ضعيفة، ولكنها التمست لرفاعة ~~العذر لأنه ترجمه بعيد وصوله إلى فرنسا ولم يكن قد وصل حينذاك إلى «درجته الآن في اللغة ~~الفرنساوية»؛ ولهذا كانت ترجمته لهذا الكتاب أضعف من ترجمته للكتاب السابق، «وكان عيبه أنه ~~لم يحافظ على تأدية عبارة الأصل بجميع أطرافها. وعلى كل حال فلم ms16 يغير في المعنى شيئا، بل ~~طريقته في الترجمة كانت مناسبة.» وتفرق الممتحنون أخيرا وهم مجمعون على إتقانه صناعة ~~الترجمة، وعلى «أنه يمكنه أن ينفع في دولته بأن يترجم الكتب المهمة المحتاج إليها في نشر ~~العلوم والمرغوب في تكثيرها في البلاد المتمدنة ...» # اجتاز رفاعة الامتحان بعد أن قضى في فرنسا خمس سنوات طوال أقبل فيها على الدرس والتحصيل ~~إقبال الطالب المجد المحب لعمله. وقد قرأ في هذه السنوات كتبا شتى في علوم متباينة وترجم ~~الكثير من هذه الكتب، ولكنه - متأثرا بميله الخاص وبدراسته الأدبية الأولى في الأزهر - شغف ~~أكثر ما شغف بعلمي التاريخ والجغرافيا، ورشح نفسه لترجمة هذين العلمين. فهو يقول في خاتمة ~~رحلته: «وإن شاء الله تعالى بأنفاس ولي النعم يصير التاريخ على اختلافه منقولا من ~~الفرنساوية إلى لغتنا ... فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئته ~~تعالى، وبهمة صاحب السعادة محب العلوم والفنون، حتى تعد دولته من الأزمنة التي تؤرخ بها ~~العلوم والمعارف المتجددة في مصر مثل تجددها في زمن خلفاء بغداد ...» # | بعد العودة # في رمضان سنة 1241ه غادر رفاعة الإسكندرية مرتحلا إلى فرنسا، وفي رمضان سنة 1246ه غادر ~~باريس عائدا إلى مصر. خمس سنوات كاملة تغير فيها الشيخ عقلا وعلما، وتفكيرا وآمالا، ~~لكنه لم يتغير، بل لم يتأثر دينا وأخلاقا. يقول علي مبارك: «ولم تؤثر إقامته بباريز أدنى ~~تأثير في عقائده، ولا في أخلاقه وعوائده ...» # وفي الإسكندرية تشرف بمقابلة إبراهيم باشا، فرحب به لأنه سمع عنه ثناء جما أثناء ~~زيارته لباريس، ولأنه كان يعرف أسرته في طهطا معرفة وثيقة. وفي ختام المقابلة وعده إبراهيم ~~باشا «بدوام الالتفات إليه»، وأنعم عليه بستة وثلاثين فدانا في الخانقاه، فكانت أول مكافأة ~~مادية نالها رفاعة على جده واجتهاده. وأول الغيث قطرة. ~~(1) في مدرسة الطب # وسافر إلى القاهرة، وحظي بمقابلة ولي النعم محمد علي باشا، وكان محمد علي قد عرفه ~~معرفة أكيدة من تقارير مسيو «جومار» الكثيرة عنه، وكلها مدح وتقريظ لجهوده وتقدير ~~لعمله. وفي هذه المقابلة لقي رفاعة من مولاه كل ms17 عطف وتشجيع «ورأى من ميله إليه ما حمله ~~على الثقة بنجاح البدء والنهاية». وصدر أمره العالي بتعيينه مترجما بمدرسة الطب، فكان ~~أول مصري يعين مترجما بهذه المدرسة؛ فقد كانت هيئة المترجمين جميعا حتى ذلك الوقت ~~من السوريين؛ لهذا لم يلبث رفاعة أن تفوق عليهم في عمله، فهو يتقن اللغة العربية ~~إتقانا لا يدانيه فيه أحد من هؤلاء المترجمين السوريين وهو يجيد الفرنسية مثلما ~~يجيدونها. وترجمته في النهاية صحيحة سليمة لا تحتاج - كترجمة السوريين - إلى مراجعة أو ~~تصحيح شيخ من شيوخ الأزهر المحررين بالمدرسة. # لبث رفاعة مترجما في مدرسة الطب نحو سنتين، ولكنه يبدو أنه كان في هذه المدرسة ~~مصححا ومحررا أكثر منه مترجما، إذ لم يعرف أنه ترجم في الطب غير الرسالة الصغيرة ~~التي ترجمها وهو في باريس وضمنها رحلته، ولكنه قام في هذه الفترة بمراجعة كتاب ~~«التوضيح لألفاظ التشريح» في الطب البيطري، الذي ترجمه يوسف فرعون وصححه الشيخ مصطفى ~~حسن كساب. فقد قرر مجلس الجهادية في 20 جمادى الأولى سنة 1248ه «بناء على ما ورد على ~~مجلس المشورة في مدرسة الطب البيطري الموافقة على طبع كتاب التشريح الذي ترجم بعد ~~مراجعة الترجمة بمعرفة الشيخ رفاعة أفندي وهرقل البيكباشي واتضاح صحتها ...» وقد ذكر ~~في خاتمة الكتاب أنه تم ترجمة في التاسع عشر من شعبان سنة 1247ه، وأنه تم طبعا في ~~بولاق في غرة صفر سنة 1249ه. ~~(2) في مدرسة الطوبجية # وفي سنة 1249ه نقل رفاعة من مدرسة الطب ليكون مترجما بمدرسة الطوبجية بطرة خلفا ~~للمستشرق الشاب «كنيك # Koenig ~~». وفي هذه المدرسة قام رفاعة بترجمة بعض الكتب الهندسية ~~والجغرافية اللازمة لمدرسة الطوبجية وغيرها من المدارس الحربية، فأتم أولا ترجمة كتاب ~~«مبادئ الهندسة» الذي طبع في سنة 1249ه. # أما علم الجغرافيا، وهو العلم الحبيب إلى رفاعة منذ كان يتلقى العلم في باريس، فقد ~~كان علما هاما وضروريا لتلاميذ المدارس الحربية، ولم يكن في متناول أيديهم حتى ذلك ~~الحين كتاب واحد في هذا العلم باللغة العربية أو التركية، فأشار «سكويرابيك # Don ~~Antonio de Seguera ms18 Bey ~~» ناظر المدرسة بأن يعيد طبع كتاب «الكنز المختار في كشف الأراضي ~~والبحار»، وهو كتاب جغرافي صغير سبق أن طبع في مالطة. غير أن رفاعة وجد أن عبارة ~~الكتاب «مالطية وحشية»، فأعاد تصحيحها وتحريرها حتى خرجت الطبعة الثانية «بالنسبة ~~للعبارة أظرف من طبعة مالطة وأجمل.» ومع هذا فإن رفاعة لم يقنع بأن يعتمد على مجهود ~~غيره، وقد كان في عزمه منذ عاد من البعثة أن ينقل كتب الجغرافية التي قرأها إلى ~~العربية، فبدأ بترجمة كتاب خاص أسماه: «التعريبات الشافية لمريد الجغرافية»، وهو - كما ~~يتضح من مقدمته - أصول دروسه في هذا العلم، تخيرها من كتب فرنسية مختلفة، لا من كتاب ~~واحد، وألقاها على تلاميذ مدرسة خاصة أنشئت فيما يبدو ملحقة بمدرسة طرة لتدريس علم ~~الجغرافيا ولتخريج مدرسين مختصين في هذا العلم يتولون تدريسه في المدارس الحربية ~~الأخرى. ~~(3) في مدرسة التاريخ والجغرافيا # لم تشر المراجع التي كتبت عن تاريخ التعليم في عصر محمد علي إلى هذه المدرسة، ولكن ~~بعض وثائق العصر أشارت إلى وجودها. وأيد هذا الوجود رفاعة نفسه في مقدمته للكتاب ~~السابق الذكر، فقد صدر أمر من محمد علي باشا إلى ناظر الجهادية في 14 جمادى الآخرة سنة ~~1251ه (قبيل إنشاء مدرسة الألسن) بتعيين «عبده» «مدرسا للجغرافيا بمكتب البيادة ~~بدمياط، وهو من ضمن الأربعة المتممين السابق إرسالهم لطرة للقيام بتدريس (يقصد تعلم) ~~الجغرافيا بمدرستها، وهم من الذين رباهم الشيخ رفاعة؛ وإرسال 10 شبان للشيخ لتربيتهم ~~...» # وهذه كما يتضح من نص الأمر السابق لم تكن مدرسة بالمعنى الصحيح، ولكنها لم تعد أن ~~تكون فصلا ملحقا بمدرسة المدفعية خصص لتعليم بعض الطلبة علم الجغرافية ليتخرجوا ~~مدرسين لهذا العلم في المدارس الحربية الأخرى. غير أن رفاعة يسمي هذا الفصل مدرسة، ~~ويذكر أنها أنشئت بموافقة «مشورة الجهادية» لتعليم الجغرافيا والتاريخ، فلا بأس إذن من ~~أن نحاول شرح الأسباب التي أدت إلى فتح هذا الفصل، أو المدرسة؛ فإنها في نظري النواة ~~التي نشأت عنها مدرسة الألسن بعد قليل. # لم يكن رفاعة على اتفاق مع «سكويرابك» ناظر ms19 مدرسة الطوبجية، فقد عرف هذا الرجل ~~باعتداده الزائد بنفسه، وبحدة طبعه، وبعدائه للفرنسيين، وبالتالي للمثقفين ثقافة ~~فرنسية، فهو إسباني الأصل، وكان قبل حضوره إلى مصر ضابطا برتبة «كولونل» في سلاح ~~المدفعية في الجيش الإسباني، وإليه كما يقول الدكتور عزت عبد الكريم «يرجع الفضل في ~~إنشاء المدفعية المصرية ومدرسة المدفعية بطرة.» غير أنه للأسباب السابق ذكرها كان يرفض ~~أن يستمع لأوامر مختار بك مدير المدارس، كما كان يكره سليمان باشا الفرنساوي مفتش ~~المدارس الحربية كرها شديدا ويطعن في معارفه العسكرية وخاصة في فن المدفعية. وقد أدت ~~هذه السياسة وهذا الخلق إلى عزله في سنة 1836م/1251ه، ففي تلك السنة صدرت أوامر محمد ~~علي بتكوين لجنة لتنظيم التعليم في مصر. ورأت اللجنة أن يكتب كل عضو فيها اقتراحاته، ثم ~~يجتمع الأعضاء فينظرون في هذه المقترحات مجتمعين، ولكن «سكويرابك» رفض وحده هذا الرأي، ~~قائلا إنه لا يخضع لرأي غيره، ولا يعمل إلا ما يراه هو صالحا، «فكان ذلك سبب عزله ~~لاعتباره أجنبيا عن مصلحة الجناب العالي، وليس من العقل ائتمان الأجنبي المتجنب على ~~المصالح، كما كان عزله سببا في طاعة بقية نظار المدارس، فانصرفوا ينفذون القرار ~~ويدونون مقترحاتهم ...» # 1 # لم يكن من المنتظر إذن أن تحسن العلاقات بين رفاعة وبين هذا الناظر المتعجرف. وكان ~~رفاعة قد شغف - منذ كان طالبا في باريس - بدراسة وترجمة علمي التاريخ والجغرافيا، ورسم ~~لنفسه أن يقوم بترجمة الكتب فيهما بعد عودته. فقد قال في رحلته: «وإن شاء الله تعالى ~~بأنفاس ولي النعم يصير التاريخ على اختلافه منقولا عن الفرنسية إلى لغتنا، وبالجملة ~~فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئته تعالى وبهمة صاحب ~~السعادة محب العلوم والفنون ...» فلعله رفع - وهو يدرس الجغرافية بمدرسة طرة - إلى محمد ~~علي باشا أو إلى مشورة الجهادية اقتراحه بأن ينشئ مدرسة لتدريس هذين العلمين وترجمتهما، ~~ولعل المشورة وافقت على إنشاء هذا الفصل كتجربة، فإذا تبين نجاحه أكملته وزادت في ~~اختصاصه. يقول رفاعة في مقدمة «التعريبات الشافية» موضحا لهذه الفكرة وداعيا لها ~~ومبينا الغرض ms20 من ترجمة هذا الكتاب وطريقة ترجمته: «لما سمحت مشورة الجهادية، ذات ~~الآراء السنية الذكية، أن أفتح لفنون الجغرافيا والتاريخ مدرسة، تكون على قراءة هذه ~~العلوم مؤسسة، لتشتهر ثمراتها الزاهرة، في إيالات أفندينا الفاخرة العامرة، فإن ذلك مما ~~تدعو الحاجة إليه، ويتأكد العمل به والوقوف عليه، لا سيما لأرباب الدولة والسياسة ~~المدنية، وأصحاب التدبير والإدارة الملكية، وأصول أهل المناصب وضباط الطوائف العسكرية، ~~وكامل ذوي الصنايع والحرف والمهمات التجارية. فكل من تأمل فيها وعرف، رقي فيها ~~إلى أعلى مراتب الفضل والشرف. على أن كثيرا منها ما تبنى عليه أحكام شرعية، وحكم ~~وآداب عرفية، وقوانين بين سائر ملوك البرية. فهو لمثل هذا الغرض، يعد عند أرباب ~~الصناعة من المفترض. أخذت عدة تلامذة لهذا المعنى الممدوح، وتوجهت بالقلب والقالب ~~لتعليمهم بصدر مشروح. وليس بيدي من كتب الجغرافيا شيء باللغة العربية يحتوي على ~~التفصيل والترتيب على نسق ما في الكتب الإفرنجية؛ فلهذا اعتمدت كتابا موجزا في هذا ~~الفن النفيس، موضوعا لمدارس مبادئ العلوم بمدينة باريس، وشرعت في ترجمته درسا بعد درس ~~لهذا القصد؛ حتى لا يضيع السعي ولا يخيب الجد. ولما رأيت أن مؤلفه أطنب في أوروبا لكونها ~~وطنه، وأوجز في غيرها حيث لم تكن داره ولا سكنه، فبهذا الوصف لا يكون لنا كافيا، ولا ~~لغليل المتطلعين إليه شافيا. وكنت اطلعت على غيره من كتب العلوم الجغرافية، ومارست ~~كثيرا منها وراعيتها حق رعايتها مدة إقامتي بمملكة الفرنساوية، أردت أن أتمم المرام، ~~بتلخيص ما يناسب المقام؛ حتى تحصل الموازاة والموازنة، والمعادلة والمقارنة.» إلى أن ~~قال: «... وإن شاء الله يترجم من اللغة العربية إلى اللغة التركية، حتى تكون ثمرته عامة ~~جلية ... إلخ.» # ولعل الأمر الصادر من محمد علي في 5 ذي الحجة سنة 1249ه «بطبع ألف نسخة من كتاب ~~الجغرافيا المترجم عن الفرنسية للعربية بمعرفة الشيخ رفاعة.» خاص بذلك الكتاب؛ فقد تم ~~طبعه في سنة 1250ه، وهو أول ما ترجم من الكتب الجغرافية. وقد أشير في نفس الأمر إلى طبع ~~«ألف نسخة من الأطلس بعد إتمام ترجمته ms21 بمعرفة المذكور.» وذلك «لما في هذين الكتابين من ~~المنفعة الكلية التي تعود على تلامذة المدارس.» غير أنني لم أعثر في فهارس الكتب ~~العربية المطبوعة على أثر لهذا الأطلس، فلعله لم يتم ترجمة، أو لعله ترجم ولم يطبع. # انتهى رفاعة من ترجمة هذا الكتاب في الشهر الأخير من سنة 1249ه، ثم أسلمه للمطبعة في ~~أوائل سنة 1250ه، فطبع. وكان قد قدم للمطبعة في هذه السنوات الثلاث التي مرت منذ ~~عودته من فرنسا (1246-1249ه) كتابين مما ترجم وهو في باريس، وهما: ~~(1) # كتاب المعادن النافعة، تأليف «فرارد»، وهو رسالة صغيرة في 47 صفحة من ~~القطع المتوسط. ذكر رفاعة في خاتمته أنه ترجمه «بمشورة جناب مسيو جومار ~~ناظر الأفندية بباريس، ومحب الديار المصرية وعزيزها ولي النعم.» وقد تم طبع ~~هذا الكتاب في بولاق في شوال سنة 1248ه. ~~(2) # قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، وهو رسالة صغيرة أيضا ~~تقع في 112 صفحة من القطع المتوسط. ذكر رفاعة كذلك أنه ترجمها إجابة لطلب ~~المسيو جومار. فقد قال في مقدمته ص3: «قد اشتهر بين الخاص والعام أن طائفة ~~الإفرنج قد امتازت الآن بين الطوائف بالتجارات، والمخالطة لسائر البلاد، بل ~~لقد اتخذت معرفة البلاد وأحوالها سببا، وانتخبت بذلك نخبا، فاتسعت ~~معارفها في الجغرافيا والميقات، ولا زالت في الزيادة في العلوم على سائر ~~الأوقات، فلا سبيل حينئذ في معرفة أحوال البلدان والخلائق إلا بنقلها عمن ~~حققها من الإفرنج. ولا شك أن من أعلم الإفرنج وأحكمهم طائفة الإفرنسيس؛ ~~فإنها الآن بلاد الفنون والصنائع من غير شك وتلبيس. ولما كان للفقير معرفة ~~هذه اللغة، وفيه ملكة مطالعة عظيم كتبها وتمييز الغث من السمين، طلب مني ~~الخواجة «جومار» مدير تعليم الأفندية المصريين المبعوثين من طرف حضرة ولي ~~النعمة إلى باريس، كرسي الفرنسيس، أن أترجم إلى العربية كتابا لطيفا يسمى ~~بما معناه: ديوان قلائد المفاخر ... إلخ، فأجبته لذلك، علما بأنه نصوح في ~~محبة أفندينا ولي النعم، ومحب لبلاد مصر كأنها وطنه. ولما كان هذا الكتاب ~~غير مقصور على مجرد نقل العوائد، بل ms22 هو مشتمل على استحسان واستقباح بعضها، ~~أشار علي مدير التعليم المذكور أن أحذف ما يذكره مؤلف الكتاب من الحط ~~والتشنيع على بعض العوائد الإسلامية أو مما لا ثمرة لذكره في هذا الكتاب ... ~~إلخ.» # وقد ذكر رفاعة في خاتمة الكتاب أنه أتم ترجمته في يوم الاثنين من العشر الأوائل من ~~جمادى الآخرة سنة 1254ه، أي وهو في باريس ، وأنه تم طبعا في بولاق في غرة شعبان سنة ~~1249ه. # ولم يذكر رفاعة في المقدمة أو الخاتمة اسم مؤلف الكتاب. وقد رجح المستشرق الفرنسي ~~«بيانكي # Bianchi ~~» - في مقاله عن الكتب التي طبعت ~~في مطبعة بولاق الذي نشره في مجلة الجمعية الآسيوية سنة 1843ه - أنه من تأليف # Depping ~~، فقد قال عند ذكر هذا الكتاب: # Ceci est, Je pense, l’ouvrage de Depping, intitulé: ~~“Moeurs et usage des nations” ~~. # وقد أكد رفاعة نفسه هذا الترجيح؛ فقد أورد في رحلته ترجمة رسالة وصلته - قبيل عودته ~~إلى مصر - من المستشرق الفرنسي مسيو «رينو # Reinaud ~~»، جاء فيها: «... قد حملني مسيو «دبنغ» ~~أن أسأل عن ترجمتك لكتاب العلوم الصغير المشتمل على أخلاق الأمم وعوائدهم وآدابهم؛ لأن ~~مسيو «دبنغ» مؤلف هذا الكتاب. فإذا كانت ترجمتك تنطبع في مصر، هل يتيسر لمؤلف الأصل أن ~~يقيد اسمه لتحصيل عدة نسخ من هذا الكتاب بالشراء؟» # وهكذا كان رفاعة بعد عودته، كما كان قبل عودته، دائم العمل، دائب النشاط. فقد استطاع ~~في السنوات الثلاث التي تلت عودته أن يراجع كتبا مترجمة في الطب والجغرافية. وقدم ~~للمطبعة كتابين مما ترجم في باريس: أحدهما في علم المعادن، والثاني في علم الاجتماع، ~~وترجم كتابين جديدين طبعا أيضا في بولاق: أولهما في الهندسة، وثانيهما في الجغرافية. ~~واستطاع بعد هذا كله أن يوفق لفتح مدرسة صغيرة تولى وحده فيها تدريس علمي التاريخ ~~والجغرافيا ...» ~~(4) التمهيد لإنشاء مدرسة الألسن # وفي أوائل سنة 1250ه ظهر في مصر مرض الطاعون، وانتشر في القاهرة وكثير من البلدان ~~الأخرى، فطلب رفاعة إجازة وسافر إلى بلده طهطا، ولبث هناك نحو ستة أشهر زار خلالها ~~الأهل والأقارب، ولكنه ms23 لم ينعم في خلالها بالراحة، بل حمل معه الجزء الأول من جغرافية ~~«ملطبرون # Malte Brun ~~»، وكان قد بدأ فترجم منه ~~صفحات وهو في باريس، فأكمل ترجمة الجزء الأول كله. يقول في المقدمة: «وكان ذلك في نحو ~~سبعة أشهر مع تراكم غيره من الأشغال علي من ترجمة هندسة أو طبع ما كان وقت تعريبه بين ~~يدي.» ويتضح من مقدمة هذا الجزء أن رفاعة عرض على محمد علي رغبته في ترجمة هذا ~~الكتاب، فطلب منه الباشا أن يترجم هذا الجزء في مدة لا تزيد على هذه الشهور السبعة؛ ~~ولهذا بذل رفاعة الجهد كل الجهد ليفي بوعده، وقد فعل، وذلك: «قصدا لكسب رضاء ولي ~~النعم الأكرم، الذي أمر بترجمته في نحو هذا الزمن وحتم ...» وقد عاونه في تبييض الكتاب ~~وتحريره أثناء الترجمة الشيخ محمد هدهد الطنتدائي «فقام بواجبات هذه الوظيفة وزيادة من ~~غير ارتياب، وربما تصرف بعد مشاورتي في بعض عبارات، وأشار علي بتغيير ما يظن أنه ~~يعسر فهمه على من لم يسبق له في هذا الفن علمه، فأجبته حيث قام عندي على صحة ذلك ~~أمارات ... إلخ» # تقدم رفاعة بهذا الجزء من الجغرافيا العمومية إلى محمد علي، فحاز الكتاب القبول، ~~وحاز رفاعة الرضاء؛ فقد كان محمد علي معنيا - منذ بدأت حرب الشام الأولى - بالكتب ~~والمصورات الجغرافية، يريد أن يعرف - وهو يبني ملكه الجديد - أين هو من الشرق القديم المنحل ~~وأين هو من الغرب الجديد الناهض. وفي الوثائق المعاصرة شواهد كثيرة على هذه العناية؛ ~~فقد كتب سامي بك إلى الديوان الخديوي في 12 جمادى الأولى سنة 1248ه يخبره «برغبة الجناب ~~العالي في الاطلاع على خرائط الشام والأناضول، وبوجوب استدعاء أرتين أفندي للتفتيش عن ~~هذه الخرائط في خزينة الأمتعة أو في خزينة القصر العيني أو في أي محل آخر ...» # وبعد عشرة أيام من هذا الخطاب (22 جمادى الأولى) صدر أمر من محمد علي إلى حبيب أفندي ~~أشار فيه إلى أنه سبق أن طلب منه «خرائط رسم عن بر الشام والأناضول»، وأنه «علم مما ورد ~~منه ms24 عدم وجود ذلك.» وأشار في هذا الأمر إلى أنه «متذكر وجود أطلس فلمنك، وآخر فرنساوي ~~به رسم جميع الكرة الأرضية؛ فيجري البحث عن هذين الكتابين بخزينة الأمتعة أو بمحل ~~وجودها وإرسالها لطرفه متى وجدت ...» # وفي 18 ذي القعدة سنة 1248ه كتب إبراهيم باشا إلى سامي بك يأمره «بوجوب ترجمة ~~الجغرافيتين البرية والبحرية بمعرفة إستيفان أفندي وأرتين أفندي، وبوجوب حفر الخرائط ~~اللازمة بمعرفة الشيخ أحمد العطار الذي عاد من باريز.» وفي 5 من ذي الحجة سنة 1249ه صدر ~~أمر من محمد علي إلى وكيل الجهادية بطبع ألف نسخة من كتاب التعريبات الجغرافية «وكذلك ~~ألف نسخة من الأطلس بعد إتمام ترجمته بمعرفة المذكور لما في هذين الكتابين من المنفعة ~~الكلية ...» # وفي غرة ذي القعدة سنة 1250ه أرسلت إلى باغوص بك إفادة سنية «تقتضي تقديم خريطة نهر ~~الفرات ونواحيه إلى المقر العالي.» ... إلخ ... إلخ. # كانت الفرصة سانحة إذن - ومحمد علي معني هذه العناية بالدراسات والرسوم الجغرافية - ~~أن يتقدم إليه رفاعة باقتراحه الجديد لتحقيق أمنيته القديمة. كان ذلك الاقتراح يتلخص ~~في أن يؤذن لرفاعة بافتتاح مدرسة للترجمة تعلم فيها الألسن الشرقية والغربية، وبعض ~~المواد المساعدة كالتاريخ والجغرافية والرياضة، ليقوم خريجوها بترجمة الكتب في العلوم ~~المختلفة. # ووافق محمد علي. وأنشئت المدرسة في أوائل سنة 1250ه. وفي الفصل التالي تفصيل الحديث ~~عنها وعن قلم الترجمة الذي أنشئ ملحقا لها في سنة 1258ه/1841م. # | مدرسة الألسن # (1) الخطوات التمهيدية ~~(1-1) مدرسة الإدارة الملكية # كان محمد علي في حاجة إلى عدد كبير من الموظفين المثقفين ثقافة جديدة لمساعدته في ~~إدارة ما أنشأت حكومته من «دواوين» ومصالح وأقلام؛ ولذلك بادر فحاول المحاولة ~~الأولى، فأنشأ في جمادى الأولى سنة 1250ه/1834م مدرسة الإدارة الملكية، واختير لها ~~ثلاثون تلميذا من تلاميذ الدرسخانة الملكية، وعين للتدريس بها أرتين شكري أفندي ~~وإسطفان رسمي أفندي عضوا البعثة إلى فرنسا اللذان تخصصا في دراسة الإدارة ~~الملكية. # وكان على هؤلاء التلاميذ أن يدرسوا في الدرسخانة الملكية من الصباح إلى الظهر، ثم ~~يتوفرون من الظهر إلى ما قبل غروب الشمس ms25 على دراسة المواد الإعدادية لدراسة الأمور ~~الملكية. وأهمها اللغة الفرنسية والمحاسبة ومبادئ الهندسة والجغرافية. # وكان على هذين المدرسين - إلى جانب قيامهما بالتدريس - أن يبذلا جهودا أخرى في ~~الترجمة في هذا الفن - فن الإدارة الملكية - فنصت لائحة المدرسة على: ~~(1) # أن يعهد إليهما في الصباح بترجمة ما يحال إليهما ترجمته. ~~(2) # أن يقوما بترجمة دروس في الإدارة المدنية وإعدادها. # كذلك نصت اللائحة على أن تدرس مادة الترجمة دراسة عملية لتلاميذ المدرسة، فإنه ~~«لما كان من أغراض المدرسة تخريج مترجمين وموظفين لفروع الإدارة المصرية، فقد أشارت ~~اللائحة بأن يقدم للتلاميذ بعد تقدمهم في اللغة الفرنسية كتب في التاريخ ~~سهلة، وتترجم لهم درسا درسا، حتى إذا تمت ترجمة الكتاب وإصلاحه قامت المطبعة على ~~طبعه. وإنه لأجل حصول ائتلاف التلامذة بالمصالح المصرية تقدم للمدرسة نسختان من ~~الوقائع المصرية، وتترجم لتلاميذها المواد المشتملة على عمارية الملك بجرنالات أوروبا.» # 1 # غير أن هذه المدرسة لم تعمر طويلا، فقد ألغيت بعد قليل، ونقل تلاميذها إلى ~~مدرسة الألسن في آخر سنة 1251ه/1836م. ~~(1-2) مدرسة التاريخ والجغرافيا # أنشئت في حدود سنة 1250ه، وألحقت بمدرسة المدفعية. وكان ناظرها ومدرسها الوحيد ~~هو رفاعة رافع الطهطاوي. وكان القصد من إنشائها تخريج مدرسين للجغرافيا في المدارس ~~الحربية المختلفة. وقد ألغيت هذه المدرسة عند إنشاء مدرسة الألسن. وقد فصلنا ~~الكلام عنها في الفصل السابق. # وبهذا كانت هاتان المدرستان الخطوتين التمهيديتين لإنشاء مدرسة الألسن. ~~(1-3) مدرسة الألسن # أنشئت في أوائل سنة 1251ه/1835م باسم مدرسة الترجمة، ثم غير اسمها فأصبح ~~مدرسة الألسن، وجعل مقرها السراي المعروفة ببيت الدفتردار بحي الأزبكية حيث فندق ~~شبرد الآن. # وقد أنشئت هذه المدرسة تحقيقا لاقتراح تقدم به رفاعة لمحمد علي باشا. يقول ~~علي مبارك: «ثم عرض (أي رفاعة) للجناب العالي أن في إمكانه أن يؤسس مدرسة ألسن يمكن ~~أن ينتفع بها الوطن ويستغني عن الدخيل، فأجابه إلى ذلك، ووجه به إلى مكاتب ~~الأقاليم لينتخب منها من التلامذة ما يتم به المشروع، فأسس المدرسة.» # وكان تلاميذ المدرسة في أول عهدها ثمانين تلميذا. اختار رفاعة ms26 معظمهم من مكاتب ~~الأقاليم، وضم إليهم تلاميذ مدرسة الإدارة الملكية بعد إلغائها، ولكن هذا العدد زاد ~~بعد ذلك حتى أصبح مائة وخمسين. وكانوا ينقسمون إلى قسمين ويرأس كل قسم أستاذه ~~ويساعده بعض التلاميذ المتقدمين. # وكانت مدة الدراسة بالمدرسة 5 سنوات قد تزداد إلى ست، كما أنه كان «لشورى ~~المدرسة الداخلي - أي مجلس إدارتها - الحق في تعديل منهاج الدراسة بها. وكان هذا ~~المنهاج ينص على أن تدرس بها اللغات العربية والتركية والفرنسية، والحساب، ~~والجغرافيا، ثم أضيفت بعد ذلك دراسة التاريخ، وأرسلت المدرسة إلى أوروبا لشراء كتب ~~فرنسية في الأدب والقصص والتاريخ.» # وفي سنة 1255ه/1839م اكتملت المدرسة، وأصبح بها 5 فرق ، وخرجت أول فريق من ~~تلامذتها. وكان تلاميذ الفرقة الأولى (أي الأخيرة) «يترجمون كتبا في التاريخ ~~والأدب، ويقوم على إصلاحها أستاذهم ومدير مدرستهم رفاعة رافع، ثم تقدم إلى ~~المطبعة فتطبع وتنشر كتبا يقرؤها المدرسون والتلاميذ ...» # غير أن العناية بتدريس اللغات في مدرسة الألسن لم تكن في درجة واحدة؛ فقد كانت ~~العناية كبيرة بتدريس اللغتين العربية والفرنسية؛ وذلك لأسباب واضحة، منها: أن كل ~~التلاميذ كانوا من المصريين الذين يعرفون العربية ولا يعرفون التركية. ومنها أن ~~ناظر المدرسة وأستاذها رفاعة كان يتقن هاتين اللغتين. # ومع هذا فقد درست اللغة الإنجليزية وقتا ما بمدرسة الألسن كما يقرر الدكتور ~~عزت عبد الكريم، وقام على تدريسها مدرس إنجليزي، وقرأ التلاميذ قصصا وكتبا في ~~قواعد اللغة الإنجليزية. وقد ذكر السيد صالح مجدي في كتابه «حلية الزمن» - عند ~~كلامه عن تلاميذ رفاعة - أن من بين من نبغ في اللغة الإنجليزية من خريجي الألسن ~~«محمد أفندي سليمان مدرس اللغة الإنجليزية بالمدارس الحربية، وأول من برع في ~~الترجمة من الإنجليزية.» أما اللغة التركية فكانت العناية بها ضعيفة للأسباب ~~السابقة، ولأنه «كان من الصعوبة بمكان أن تجد الحكومة مترجما يحذق اللغات العربية ~~والتركية والفرنسية جميعا.» # 2 # مدرسو المدرسة # ذكر في لائحة المدرسة أن هيئة التدريس بها تتكون من: ~~(1) # مديرها. ~~(2) # مراقبان للمدرسة. ~~(3) # أستاذان للغة العربية. ~~(4) # أستاذ للغة التركية. ~~(5) # ثلاثة أساتذة لتدريس اللغة الفرنسية ms27 والرياضة والتاريخ ~~والجغرافيا. أما مدير المدرسة فهو زعيم النهضة العلمية في عصر محمد ~~علي، العالم الكبير رفاعة رافع الطهطاوي، وقد كان من ~~واجباته: ~~(1) # أن يشرف على المدرسة من الناحيتين الفنية ~~والإدارية. ~~(2) # أن يدرس للتلاميذ الأدب والشرائع الإسلامية ~~والغربية. ~~(3) # أن يختار الكتب التي يرى ضرورة ترجمتها، ويوزعها على ~~المترجمين من تلاميذ المدرسة وخريجيها الملتحقين بقلم ~~الترجمة، ويشرف على توجيههم أثناء قيامهم بالترجمة، ~~ويقوم بمراجعة الكتب وتهذيبها بعد ترجمتها. يقول حسن ~~قاسم أحد خريجي الألسن في مقدمة كتاب «تاريخ ملوك ~~فرنسا»: «ولما تم هذا التعريب لحظه بنظر التصحيح ~~والتهذيب حضرة رفاعة بك ناظر مدرسة الألسن وقلم ~~الترجمة، فشيد مبنى ألفاظه وأحكامه.» ~~(4) # وكان رفاعة يرأس كل عام لجنة امتحان تلاميذ مكاتب ~~المبتديان بالأقاليم، فيسافر إليها في النيل، ويمتحن ~~تلاميذها، ويصطحب المتفوقين منهم ليلحقهم بالمدرسة ~~التجهيزية الملحقة بمدرسة الألسن. # وكان إخلاص رفاعة لمهنته يدفعه إلى عدم التقيد بأوقات محددة للدراسة، فكان ~~يستمر في الدرس ثلاث أو أربع ساعات ما دام يجد في نفسه رغبة وفي تلاميذه قبولا. ~~يقول علي مبارك باشا: «كان دأبه في مدرسة الألسن، وفيما اختاره للتلاميذ من ~~الكتب التي أراد ترجمتها منهم، وفي تأليفاته وتراجمه خصوصا، أنه لا يقف في ذلك ~~اليوم أو الليلة على وقت محدود، فكان ربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء أو ~~عند ثلث الليل الأخير، ومكث نحو ثلاث أو أربع ساعات على قدميه في درس اللغة أو ~~فنون الإدارة أو الشرائع الإسلامية والقوانين الأجنبية، وله في الأولى مجاميع ~~لم تطبع. وكذلك كان دأبه معهم في تدريس كتب فنون الأدب العالية، بحيث أمسى ~~جميعهم في الإنشاءات نظما ونثرا أطروفة مصرهم، وتحفة عصرهم. ومع ذلك كان هو ~~بشخصه لا يفتر عن الاشتغال بالترجمة والتأليف. وكانت مجامع الامتحانات لا تزهو ~~إلا به.» # وقد أرهقت هذه الأعمال الكثيرة رفاعة فعين له ديوان المدارس مدرسا ~~فرنسيا ليقوم بمساعدته في إدارة المدرسة والتفتيش على الدروس وأمانة ~~المكتبة. # أما مدرسو اللغة العربية فكانوا نخبة من مشايخ الأزهر الممتازين في معرفتهم ~~وحبهم للقراءة والبحث والتنقيب. ms28 ذكر منهم علي مبارك: ~~(1) # الشيخ الدمنهوري. ~~(2) # الشيخ علي الفرغلي الأنصاري (ابن خال رفاعة). ~~(3) # الشيخ حسنين حريز الغمراوي. ~~(4) # الشيخ محمد قطة العدوي. ~~(5) # الشيخ أحمد عبد الرحيم الطهطاوي. ~~(6) # الشيخ عبد المنعم الجرجاوي. ~~(7) # حسن أفندي (باشخوجة المدرسة). # أما مدرسو اللغة الفرنسية فهم: ~~(1) # مسيو «كوت»، وقد خلفه بعد وفاته «إسكندر دوده». ~~(2) # مسيو «بيتيير». ~~(3) # مسيو «ديزون» وهو الذي اختير لمساعدة رفاعة ولأمانة ~~المكتبة. # وقد حقق خريجو مدرسة الألسن الغرض من إنشاء المدرسة، فعين المتقدمون من ~~أول فريق تخرج في سنة 1839م مدرسين للغتين العربية والفرنسية في نفس المدرسة ~~وفي مدرسة المهندسخانة. # ولما أنشئ قلم الترجمة في أوائل سنة 1258ه/1841م ألحق به كل خريجي المدرسة. ~~غير أن الواحد منهم لم يكن يمنح الرتبة حتى يترجم كتابا «يحوز الرضا السامي». ~~وقد ألحق كثيرون منهم مدرسين بالمدارس الأخرى أو موظفين بالمصالح ~~المختلفة. # نمو المدرسة واتساعها # وظهر للباشا ما للمدرسة من فوائد جليلة، وأدرك ما بلغته من نجاح، فظل يعمل ~~على تنميتها: ~~(1) # ففي سنة 1841م ألحقت بها المدرسة التجهيزية التي كانت قبلا في ~~أبي زعبل. ~~(2) # وفي سنة 1260ه/1845م أنشئ بالمدرسة قسم لدراسة الإدارة الملكية ~~لتخريج الموظفين الإداريين للعمل «في المديريات والمصالح والضابط ~~خانة.» ~~(3) # وفي نحو سنة 1262ه أنشئ بها قسم ثان لدراسة الإدارة الزراعية ~~الخصوصية. ~~(4) # وفي أواخر سنة 1263ه أنشئ بها قسم لدراسة العلوم الفقهية. وكان ~~عدد تلاميذه كما يقرر الدكتور عبد الكريم «أربعين تلميذا، ويتلقون ~~دروسا في الفقه على المذهب الحنفي حتى إذا أتموا دراستهم عينوا ~~قضاة بالأقاليم «حيث إن أكثر القضاة ليسوا علماء».» # وقد أدى هذا النمو إلى ازدحام المدرسة بالطلاب حتى كان التلاميذ من فرق ~~مختلفة يجلسون في حجرة واحدة لتلقي علوم متباينة على أساتذة متباينين، فعمل ~~رفاعة على تنظيم بناء المدرسة حتى صار «لكل درس محل مخصوص بباب مخصوص.» # | قلم الترجمة # أنشئت هذه الفروع جميعا لتخريج الموظفين الإداريين والقضاة. غير أن طلبتها تعلموا ~~اللغات الأجنبية، وتلقوا علوما جديدة حديثة إلى جانب العلوم العربية القديمة، وشاركوا ~~إلى حد ما في حركة الترجمة. ولكن من الواجب أن ms29 نذكر هنا كلمة عن فرع المدرسة الذي يتصل ~~اتصالا وثيقا بموضوعنا، وهو قلم الترجمة: # أنشئ في أوائل سنة 1258ه/1841م تنفيذا لإشارة لجنة تنظيم التعليم (1841م)، فقد رأت ~~اللجنة أنه «لما كانت الكتب الجاري ترجمتها معدودة آثارا خيرية من مآثر سمو مولانا الخديو ~~الأعظم الذي تخلد اسمه الكريم إلى أبد الآبدين، فلا شك في أن الواجب يقضي بأن تكون ~~التراجم مضبوطة، مستوفية حقها من الصحة، سليمة من الخطأ. فلهذا، ولكون ترجمة كتب العلوم ~~والفنون ليست مقصورة على معرفة اللغة فحسب، بل متوقفة أيضا على الإلمام بالعلم أو الفن ~~المترجم كتابه، فقد أنشأت اللجنة غرفة الترجمة الخاصة بالمترجمين ...» # وقسمت هذه الغرفة إلى أربعة أقلام: ~~(1) # قلم ترجمة الكتب العلمية والرياضية، ورئيسه «البكباشي محمد بيومي أفندي» ~~يعاونه «ملازم» متخرج في مدرسة الألسن وخمسة من تلاميذ فرقتها الأولى. ~~(2) # قلم ترجمة كتب العلوم الطبية والطبيعية، ويشرف عليه «اليوزباشي مصطفى واطي ~~أفندي» أحد مدرسي مدرسة الطب البشري، وتحت رئاسته ملازم من مدرسة الألسن وثلاثة ~~من تلاميذها. ~~(3) # قلم ترجمة المواد الاجتماعية أو «الأدبيات» كالتاريخ والجغرافيا والمنطق ~~والأدب والقصص والقوانين والفلسفة ... إلخ، ورئيسه الملازم الأول خليفة محمود ~~أفندي أحد مدرسي مدرسة الألسن وخريجيها، وألحق به ملازم ثان وثلاثة من تلاميذ ~~المدرسة. ~~(4) # قلم الترجمة التركية، ويشرف عليه ميناس أفندي المترجم بديوان المدارس، وتحت ~~إمرته أربعة من تلاميذ المدرسة. # ثم ألحق بهذه الأقسام عدد من المبيضين لتبييض الكتب بعد ترجمتها وإرسالها إلى ديوان ~~المدارس للاطلاع عليها، فكان يشير بطبع النافع القيم منها. ~~(1) مصير هذه المؤسسة # عاشت مدرسة الألسن نحو الخمسة عشر عاما بدأت فيها تسيطر على شئون الثقافة العامة في ~~مصر، وأنتجت في إبانها الإنتاج العلمي الوفير. فلما ولي العرش عباس الأول - ولم يكن ~~على انسجام مع رجال جده وعمه، وخاصة رفاعة - أخذ يسعى سعيه للقضاء على هذه المدرسة، ~~فبدأ بإلغاء قسم الفقه بالمدرسة، ثم ثنى بتصفية تلاميذ المدرسة وفصل عدد كبير منهم. ~~يقول الدكتور عزت عبد الكريم: «وفي الشهر الأخير من عام 1265ه/أكتوبر 1849م صدر الأمر ~~بنقل مدرسة الألسن إلى ms30 مكان مدرسة المبتديان بالناصرية. وبذلك حرمت المدرسة من مكانها ~~... وضاق بها مكانها الجديد حتى اضطروا إلى نقل الكتبخانة الأفرنكية والأنتيكات إلى ~~المهندسخانة ببولاق. ولم تمض أيام على ذلك حتى ألغيت مدرسة الألسن في المحرم سنة 1266ه ~~(نوفمبر سنة 1849م) وضم تلامذتها إلى التجهيزية قبيل إلغائها.» وفي أواخر سنة 1266ه ~~سافر رفاعة إلى الخرطوم ليكون ناظرا ومدرسا لمدرسة الخرطوم الابتدائية؛ ولهذا حديث ~~مفصل نذكره بعد قليل. # أما قلم الترجمة فقد خضع لتجربة جديدة في الشهور القليلة التي ولي فيها إبراهيم ~~باشا، وصدر الأمر بتقسيمه تقسيما جديدا إلى قلمين: قلم للترجمة التركية ويشرف عليه ~~«كاني بك»، وقلم للترجمة العربية ويشرف عليه رفاعة بك. وجعلت الرئاسة العليا لكاني ~~بك، فقد نشرت الوقائع المصرية في العدد 127 الصادر في 26 ذي القعدة سنة 1264ه: «لما كانت ~~ترجمة الكتب المرغوبة التي تشتمل على القوانين والتراتيب والآداب وسائر العلوم والفنون ~~النافعة من اللغة الفرنساوية إلى التركية والعربية وطبعها ونشرها وسيلة عظمى لتكثير ~~المعلومات المقتضية، وقضية مسلمة عند أولي النهى، وكان حصول ذلك لا يتأتى إلا بوجود ~~المترجمين البارعين في ألسنة الإفرنجي والتركي والعربي، واجتماعهم في محل واحد، وقسمهم ~~إلى قلمي ترجمة، وضمهم إلى نظارة حضرة أمير اللواء كاني بك وكيل ديوان التفتيش الفريد ~~في فن الترجمة، المشهور بالسلاسة والبلاغة، حصل فتح القلمين كما ذكر. وقد تعين حضرة ~~رفاعة بك أمير الآلاي الذي كان ناظر مدرسة الألسن التابعة إلى ديوان المدارس ناظرا ~~على قلم الترجمة العربي في معية حضرة المومأ إليه ...» # ويقول الدكتور عزت عبد الكريم في كتابه الذي لم يطبع بعد عن تاريخ التعليم في عصر ~~عباس وسعيد: # 1 ~~«على أن إلغاء مدرسة الألسن في نوفمبر سنة 1849م لا شك قد أثر أثرا ~~بليغا في قلم الترجمة ورجاله، فقد حرمه الدعامة القوية التي كان يرتكن عليها في عمله ~~الفني وحرم المصدر الذي كان قائما على تغذيته بالمترجمين. كما حرم ناظره رفاعة بك ~~المكانة السامية التي كانت له في دوائر التعليم. وبعد أشهر رحل رفاعة إلى السودان ms31 ولم ~~يستطع القلم أن يقف بعد فقد مؤسسه ومديره فتشتت رجاله ...» # | جهود أخرى # (1) مراجعة الكتب المترجمة في الفنون المختلفة # ستة عشر عاما ظل فيها رفاعة ناظرا للألسن، ومدرسا بها، ومديرا لها، ومشرفا على ~~قلم الترجمة، ومصححا لجميع الكتب التي ترجمها تلاميذه. ومع هذا فقد كان يلجأ إليه - في ~~تلك الفترة - المترجمون من أعضاء البعثات في المدارس الخصوصية الأخرى لمراجعة ما يترجمون ~~من كتب، فقام - وهو يدير الألسن - بمراجعة وتصحيح كتب مختلفة في الطب والجغرافية ~~والرياضيات. # ففي سنة 1252ه/1837م ترجم محمد أفندي عبد الفتاح كتاب «تحفة القلم في أمراض القدم» ~~(طب بيطري)، «وقابله على أصله الفرنسي العمدة الفاضل، والحجة الكامل، من لا ينازعه في ~~الفصاحة منازع، حضرة رفاعة أفندي رافع.» # وفي سنة 1257ه ترجم نفس المترجم كتاب «نزهة المحافل في معرفة المفاصل»، وبعد أن قام ~~على تصحيحه الشيخ مصطفى حسن كساب «قابله على أصله الفرنساوي قدوة الأفاضل، وعمدة ~~الأماثل، اللوذعي البارع، رفاعة أفندي رافع.» # ولما عاد السيد أحمد الرشيدي من بعثته الطبية عهد إليه ديوان المدارس بترجمة كتاب ~~«الدراسة الأولية في الجغرافيا الطبيعية». ومع امتيازه في الترجمة، وحذقه للغة العربية، ~~رأى ألا يقدم الكتاب إلى المطبعة إلا بعد أن يراجعه مدرس الجغرافيا ومترجم كتبها ~~رفاعة أفندي. يقول الرشيدي في خاتمة كتابه: «... ولما كمل حسب الطاقة تصحيحا، وتم ~~تهذيبا وتنقيحا، رأيته يحتوي على أسماء بلاد كثيرة وأنهار ونحو ذلك، لست في ترجمتها ~~إلى العربية قوي البضاعة؛ لأني وإن كنت درست أصول الجغرافيا بالأوروبا إلا أنني لم ~~أتخذها صناعة، فجزمت أن لا مرد لها إلا العمدة الفاضل، والسيد الكامل، الحاذق اللبيب، ~~والنحرير النجيب، رفاعة أفندي معلم الجغرافيا الطبيعية، ومن له في هذا الفن التآليف ~~والتراجم البهية، فأعرضت (كذا) للديوان أن لا بد من مقابلته مع هذا الهمام، فأجبت لذلك ~~وبلغت من سؤلي المرام، وقابلته على أصله مع غاية الانتباه والإتقان ... إلخ.» # وقد طبع هذا الكتاب في شهر ربيع الأول سنة 1254ه. # وفي سنة 1257ه ترجم أحمد أفندي فايد المدرس بالمهندسخانة كتاب «الأقوال المرضية ms32 في ~~علم بنية الكرة الأرضية». وقام على تصحيحه الشيخ إبراهيم الدسوقي، ثم «قوبلت ترجمته ~~بأصله على حسب الاقتدار، على يد مصطفى بهجت أفندي، ورفاعة أفندي بأمر المختص من المعارف ~~بالنفائس، سعادة أدهم بك مدير ديوان عموم المدارس ...» ~~(2) تنظيم الوقائع المصرية # وفي هذه الفترة أيضا، في سنة 1257ه، عهد إلى رفاعة بتنظيم صحيفة الوقائع المصرية ~~والإشراف على تحريرها، فأحدث فيها تغييرات جمة وخطا بها وبتحريرها خطوات واسعات. ففي ~~تلك السنة اجتمعت لجنة مكونة من سعادة مدير المدارس، والبك الترجمان، وكاني بك، ومحمود ~~بك مدير الإيرادات، وغيرهم. وذلك للنظر - تنفيذا لرغبة الجناب العالي - «في وضع خطة ~~سديدة تضمن صدور الوقائع على الوجه الأكمل كما هو الحال في الممالك الأخرى.» ورأت ~~اللجنة بعد اجتماعها في 27 ذي القعدة سنة 1257ه/11 يناير 1842م «أن الغرض من طبع ~~الوقائع إنما هو لنشر الأخبار الحديثة على الناس حتى يستفيد منها كل إنسان. ولا يجب ~~الاكتفاء بنشر أخبار مصر فحسب. وقد أصبح من اللازم إضافة بند للحوادث الخارجية في ~~الجريدة؛ حتى يتقبلها الناس برغبة وشوق ... وحيث إن نشر مثل هذه الأخبار يتوقف على قراءة ~~الجرائد التي تنشر في الخارج، ويستوجب أن يكون الموظف المشرف على ترتيب الجريدة ~~وتنظيمها ملما باللغتين. وعلى ذلك فقد تقرر إحالة أعمال ترجمة المواد المناسبة من ~~الجرائد، وعلاوة بعض قطع أدبية من الكتب الأدبية، وانتخاب أخبار الملكية، وترتيب ~~الجريدة المصرية بصفة عامة على حضرة الشيخ رفاعي (كذا) أفندي ناظر مدرسة الألسن لوجود ~~مترجمين جاهزين في هذه المدرسة ... وحيث إن حضرة الشيخ رفاعي سيضع أصول الجريدة بحسب ~~اللغة العربية، فتحال أعمال إفراغ الترجمة في قالب حسن بدون الإخلال بالأصل العربي، ~~وتنظيم المواد حسب النظام التركي على حضرة حسين أفندي ناظر المطبعة العامرة ... وحيث إن ~~الحوادث الأجنبية معتاد تقديمها إلى الجناب العالي بعد ترجمتها إلى اللغة التركية، ~~فيكلف البك المترجم بانتخاب المناسب منها وإرسال صورها إلى ديوان المدارس. فبهذه ~~الطريقة يمكن نشر الجريدة أسبوعيا ...» # 1 # وهكذا عهد إلى رفاعة - تنفيذا لهذا القرار- «أعمال ترجمة المواد المناسبة ms33 من الجرائد ~~الأجنبية، وعلاوة بعض قطع أدبية، وانتخاب أخبار الملكية، وترتيب الجريدة المصرية بصفة ~~عامة.» وقد قام رفاعة بهذا العمل الجديد خير قيام، وطبع الوقائع في عهد تحريره بطابع ~~جديد مستعينا في هذا بخبرة طويلة وثقافة فرنسية وعربية واسعة. قدر هذا التأثير ~~الجديد وهذه الجهود الفذة الدكتور إبراهيم عبده في كتابه عن تاريخ الوقائع المصرية، ~~فقال: «وكان لمكانة رفاعة الطهطاوي أثر كبير في تقدير الصحيفة واعتبارها، واحترام لغة ~~البلاد فيها؛ فإن مكان اللغة قد تبدل، فأصبحت العربية في الناحية اليمنى تتصدر الجريدة ~~في صفحاتها الأربع، وأخذت التركية مكان اليسار ...» وقال أيضا: «وقد استطاع رفاعة أن ~~يفرض وجوده وشخصيته في تحرير الجريدة بالرغم من تعيين الحكومة لأرتين بك مشرفا على ~~أخبارها الداخلية فيما بعد بحيث تمكن من إهماله والانتصار عليه ... ومن أهم ما لاحظناه ~~منذ تعيين الطهطاوي أن ناظر الوقائع أصبح في المرتبة الثانية بالنسبة لمحررها. وقد بذل ~~رفاعة جهده في رعاية الصحيفة، وأضاف فيها، وحورها تحويرا يليق بفهمه ويتصل بإدراكه. ~~واستعان في ذلك بفئة من المحررين، أهمهم: أحمد فارس الشدياق، والسيد شهاب الدين تلميذ ~~العطار ومساعده # 2 # على أن المظهر الهام حقا الذي ظهرت به الوقائع في عهدها الجديد - عهد رئاسة رفاعة ~~لتحريرها - هو التغير الواضح في موضوعاتها التي انتقلت فجأة - كما يقول الدكتور ~~إبراهيم عبده - «من توافه الأخبار والحوادث والافتتاحيات الثقيلة المحشوة مديحا وثناء ~~للوالي، بمبرر وبغير مبرر، إلى موضوعات رئيسية لها خطرها، لا في الشرق وحده، بل في أوروبا ~~في ذلك الوقت ...» # قام رفاعة بهذه الجهود الشاقة خير قيام، وبذل لها كل وقته وتفكيره. وكان يدفعه إلى ~~الإخلاص في عمله والتفاني في أداء واجبه وازع قوي من ضميره الحي، وحب لوطنه وبنيه، ~~وتشجيع مستمر من «ولي النعم» محمد علي باشا وأولاده؛ ففي سنة 1260ه أنعم على رفاعة ~~برتبة القائمقام، وفي 14 ذي الحجة 1263ه أنعم عليه برتبة أمير آلاي لمناسبة انتهائه من ~~ترجمة مجلد آخر من جغرافية «ملطبرون». وبهذا الإنعام الأخير أصبح يدعى رفاعة بك، بعد ~~أن كان ms34 يدعى فيما مضى بالشيخ رفاعة، أو مسيو رفاعة (وذلك في باريس)، أو رفاعة ~~أفندي. # وقد أنعم عليه محمد علي بمائتين وخمسين فدانا، وأقطعه إبراهيم باشا حديقة نادرة ~~المثال في الخانقاه تبلغ ستة وثلاثين فدانا، وأنعم عليه سعيد باشا بمائتي فدان، ~~وإسماعيل باشا بمائتين وخمسين فدانا. # | في السودان # في 13 ذي الحجة سنة 1264ه/10 نوفمبر 1848م توفي إبراهيم باشا. وفي 27 من نفس الشهر تولى ~~عرش مصر عباس باشا الأول، وكان محمد علي لا يزال حيا يعاني من مرضه الأخير، فلم يجرؤ عباس ~~على تغيير ما يريد تغييره من الأوضاع القديمة. وفي 12 رمضان سنة 1265ه/2 أغسطس 1849م انتقل ~~محمد علي إلى الرفيق الأعلى، فاستقل عباس بالأمر. # ولم يكن عباس كجده وعمه، بل لعله كان على النقيض منهما؛ ولهذا يكاد يجمع مؤرخو عصره على ~~وصفه بالجمود والرجعية. فالأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك يرى أنه كان «قبل ولايته الحكم وبعد ~~أن تولاه خلوا من المزايا والصفات التي تجعل منه ملكا عظيما يضطلع بأعباء الحكم ويسلك ~~بالبلاد سبيل التقدم والنهضة ... وبالجملة فلم تكن له ميزة تلفت النظر سوى أنه حفيد رجل عظيم ~~أسس ملكا كبيرا، فصار إليه هذا الملك دون أن تئول إليه مواهب مؤسسه، فكان شأنه شأن ~~الوارث لتركة ضخمة جمعها مورثه بكفاءته وحسن تدبيره وتركها لمن هو خلو من المواهب والمزايا ~~...» # ويرى المؤرخ الإيطالي «ساماركو»: «أن أظهر ما تتسم به حكومة عباس عداؤه الوحشي للحضارة ~~الغربية، وكرهه العنيف لجميع الأعمال التي كونت مجد جده، والتي بذل هو كل الجهد في تحطيمها ~~شيئا فشيئا ...» # ويرى الدكتور عزت عبد الكريم أن عباسا «أظهر منذ تولى الحكم في مصر أنه لن يكون الحاكم ~~الذي يتابع سياسة جده ويحنو على مؤسساته ويؤيد نظمه.» وأن «سيرته في الإصلاح الداخلي كانت ~~فشلا متصلا. ولا يشفع له في ذلك أن حكمه كان قصيدا ...» والسبب الأساسي لهذا كله في نظره ~~يرجع إلى أن «سياسة عباس قامت على تسفيه الجهود التي بذلها محمد علي وإبراهيم في ميدان ~~الإصلاح الداخلي، والسياسة ms35 التي اعتقد أنهما كانا يتمسكان بها ويدعوان إليها في تقريبه ~~علاقات مصر بالدولة العثمانية والدول الأوروبية ...» # فإذا فهمنا سياسة عباس الأول على هذا الأساس، لم يكن من العسير إذن أن نفهم لم أقفلت ~~معظم المدارس الخصوصية في أول عهده. وكانت مدرسة الألسن أول مدرسة ألغيت؛ وذلك أن مؤسسها ~~وناظرها كانا من المقربين لمحمد علي وإبراهيم الحائزين لثقتهما؛ لهذا نشأ بين عباس ورفاعة ~~نوع من الكراهية وسوء التفاهم. # لم يوضح رفاعة نفسه ولم يوضح المؤرخون المعاصرون أسبابه الحقيقية، مما دعا المؤرخين ~~المحدثين إلى أن يذهبوا في تفسيره مذاهب شتى؛ فالأستاذ الرافعي بك يرى أن لكتاب رفاعة ~~«تخليص الإبريز» «سببا يتصل بنفيه؛ إذ لا يخفى أنه طبع للمرة الثانية سنة 1265ه، أي في ~~أوائل عهد عباس باشا. والكتاب ... يحوي آراء ومبادئ لا يرغب فيها الحاكم المستبد. وعباس باشا ~~الأول كان في طبعه مستبدا غشوما، فلا بد أن الوشاة قد لفتوا نظره إلى ما في كتاب رفاعة ~~بك مما لا يروق عباس، فرأى أن يبعده إلى الخرطوم ليكون السودان منفى له. ولا غرابة في ذلك، ~~فلو أن هذا الكتاب ظهر في تركيا على عهد السلطان عبد الحميد لكان من المحقق أن يكون سببا ~~في هلاك صاحبه، فمن الجائز أن يكون عباس باشا قد رأى نفي رفاعة وأمثال رفاعة إلى السودان ~~ليبعدهم ويبعد أفكارهم وثقافتهم عن مصر، واتخذ لنفيهم صورة ظاهرة وهي إنشاء مدرسة بالخرطوم ~~...» # أما الدكتور عزت عبد الكريم فيرى أن هناك احتمالين لإبعاد رفاعة إلى السودان، أولهما: ~~سعي علي مبارك «الذي عاد من أوروبا مليئا بالأطماع والذي كان يحقد على رفاعة ما أصاب من ~~مكانة. وقد قرب عباس إليه علي مبارك وأبعد رفاعة إلى السودان، فلما خلفه سعيد قرب ~~إليه رفاعة وأبعد علي مبارك إلى القرم. والثاني: ما يحتمل أن يكون رفاعة قد لقيه من ~~معارضة بعض المشايخ المتعصبين الذين ربما عدوه متطفلا على ميدانهم في دراسة الشريعة والفقه ~~...» # وهذه كلها تفسيرات احتمالية أو اجتهادية تفتقر إلى سند تاريخي مادي. وأصدق منها ms36 في نظري ~~ما ذكره رفاعة نفسه من أنه سافر إلى السودان «بسعي بعض الأمراء بضمير مستتر بوسيلة نظارة ~~مدرسة بالخرطوم.» وإن كان لم يذكر أسماء هؤلاء الأمراء أو ماهية الوشاية التي وشوا بها ~~ضده. # غير أنه عاد فأشار إليهم وإليها في إيضاح مستتر في قصيدة نظمها وهو في السودان مستغيثا ~~مما هو فيه بحسن باشا كتخدا مصر، قال فيها: # وما خلت العزيز يريد ذلي # ولا يصغي لأخصام لداد # لديه سعوا بألسنة حداد # فكيف صغى لألسنة حداد # مهازيل الفضائل خادعوني # وهل في حربهم يكبو جوادي # وزخرف قولهم إذ موهوه # على تزييفه نادى المنادي # فهل من صيرف المعنى بصير # صحيح الانتقاء والانتقاد # قياس مدارسي قالوا عقيم # بمصر فما النتيجة في بعادي؟ # إلخ ... # ويقول الأستاذ أحمد أمين بك: «وكان الشيخ ماكرا فقد وضع القصيدة على وزن وقافية: # لقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # ومهما تكن الأسباب الحقيقية، فإن عباسا قد أوعز في شهر رجب سنة 1266ه إلى المجلس المخصوص ~~برغبته. واقترح هذا المجلس أن تؤسس مدرسة بالأقاليم السودانية إنقاذا لأولاد أهلها ~~والمستوطنين بها من جحيم الجهل، وأن يقوم على تأسيسها ونظارتها رفاعة بك، وأن يشترك معه في ~~التدريس علم من أعلام النهضة العلمية التعليمية في عصر محمد علي؛ وهو محمد أفندي بيومي ~~أستاذ الرياضيات في المهندسخانة ورئيس أحد أقلام غرفة الترجمة. وإنه من الجميل حقا أن ~~نسجل لحكومة عباس أنها أول من فكرت في إنشاء مدرسة مصرية في ربوع السودان، لو أنه كان خالص ~~النية صادق الرغبة في خدمة السودان وأبنائه، ولكنه لم يكن كذلك، وإلا فإن إنشاء مدرسة ~~ابتدائية في الخرطوم لم يكن يستلزم أن يشرف عليها ويقوم بالتدريس فيها كبيرا رجال النهضة ~~العلمية في مصر: رفاعة وبيومي. ومع هذا فإن قرار المجلس المخصوص أخفى الأسباب الحقيقية ~~وأظهر لنا الغرض من إنشاء المدرسة في صورة أخاذة براقة؛ فقد ذكر في هذا القرار أنه: «لما ~~كانت الأقاليم السودانية من البلاد الجسيمة، ولما لم يكن قد أنشئت في تلك الديار ms37 المتسعة ~~مدرسة يربى فيها أولاد مشايخها، وغيرهم من أهلها، وأولاد الأتراك الذين ذهبوا إلى تلك ~~الديار وتوطنوا بها منذ أعوام خلت، وكذلك أحفادهم، ليتعلموا فيها الفنون والقراءة والكتابة ~~فيزدادوا ثقافة وفطنة، ولما كان المجلس المخصوص قد تشاور في جلسته التي عقدها أخيرا، فقرر ~~أمر إنشاء مدرسة بتلك البلاد بغية إنقاذ أولادها من ظلمات الجهل وتنويرهم بأنوار المعارف ~~بمقتضى مراحم الذات الخديوية والمكارم السنية التي شملت جميع الرعايا والبرايا، فقد قر ~~الرأي على أن تفتح هذه المدرسة في عاصمة الخرطوم، وأن يكون نظامها موافقا لأصول المدارس ~~المصرية وعلى نمط ترتيب مدرستي المبتديان والتجهيزية، وأن يقبل ويسجل فيها نحو مائتين ~~وخمسين غلاما من أولاد المشايخ، والأهلين القاطنين بدنقلة والخرطوم وسنار وتاكة وملحقاتها، ~~وكذلك من أولاد الأتراك الذين توطنوا بتلك الديار وأحفادهم. هذا ويولى عليها ناظر ملم بأصول ~~المدارس ليتمكن من ترتيبها كما ينبغي وتنظيمها على أحسن وجه، فاستحسن المجلس اختيار أمير ~~الآلاي رفاعة بك الذي بديوان المدارس ناظرا للمدرسة المذكورة وإرساله إلى تلك الديار، ~~وانتخاب المعلمين الذين تحتاج إليهم تلك المدرسة برأي البك المشار إليه ... إلخ».» # قضى رفاعة في السودان نحو ثلاث سنوات قاسى فيها الأمرين، لا كرها في السودان، فهو ~~القائل على لسان مصر والسودان: # نحن غصنان ضمنا عاطف الوج # د جميعا في الحب ضم النطاق # في جبين الزمان منك ومني # غرة كوكبية الإنفلاق # إنما آلمه في السودان شعوره بأنه منفي، وتألمه لما أصاب معظم زملائه من مرض ووفاة، ~~وخاصة بيومي أفندي صديقه في باريس ومصر، ووفيه في الجهاد العلمي، وصاحبه في السراء ~~والضراء؛ يؤيد هذا قوله في قصيدته السابق الإشارة إليها: # وحسبي فتكها بنصيف صحبي # كأن وظيفتي لبس الحداد # ومع ذلك فقد تذرع هناك بالصبر والإيمان، وقام بواجبه في مدرسة الخرطوم خير قيام، ~~وتخرج على يديه بعض أبناء مصر والسودان. وقد بث شكواه في قصائد كثيرة تعد من أجل ما ~~قال من شعر. ولم ينس أخيرا عمله الذي أحبه وأخلص له، وهو الترجمة، فشغل وقت فراغه بترجمة ~~قصة «تليماك» التي ms38 طبعها أحد تلاميذه فيما بعد في بيروت بعنوان «مواقع الأفلاك في وقائع ~~تليماك»، وقد أشار في مقدمتها إلى ما كان يحس وهو في منفاه من ألم ممض وكيف استعان على ~~تحمل هذا الألم باشتغاله بترجمة هذا الكتاب، قال: ~~«وإنما فقط لما توجهت بالقضاء والقدر إلى بلاد السودان، وليس فيما قضاه الله مفر، أقمت ~~برهة خامد الهمة، جامد القريحة في هذه الملمة، حتى كاد يتلفني سعير الإقليم الغائر بحره ~~وسمومه، ويبلعني فيل السودان الكاسر بخرطومه ... فما تسليت إلا بتعريب «تليماك»، وتقريب ~~الرجاء بدور الأفلاك ...» # | أمير الآلاي رفاعة بك # ناظر المدرسة الحربية بالقلعة # في 20 شوال سنة 1270ه/يوليو 1854م تولى سعيد باشا عرش مصر، فأسرع رفاعة ورفاقه بالعودة ~~إلى مصر. وسرعان ما تكررت الرواية القديمة؛ فكما أن عباسا عند توليه الحكم قد أبعد رفاعة ~~إلى السودان وقرب إليه علي مبارك وعينه ناظرا لمدرسة المهندسخانة وعهد إليه بالإشراف ~~على شئون التعليم، كذلك بدأ سعيد فأرسل علي مبارك ليكون قائدا من قواد الحملة المصرية إلى ~~القرم وقرب إليه رفاعة وحباه بعطفه. # بدأ رفاعة يرسم لنفسه الخطط ويعقد الآمال العريضة. ونظم في هذه الفترة القصائد الكثيرة ~~يمدح بها سعيدا ويشيد بصفاته وعهده. غير أن سعيدا لم يلبث أن أصدر أوامره في 10 ربيع ~~الأول سنة 1271ه بإلغاء ديوان المدارس وتصفية حساباته. # ومع هذا لم ييأس رفاعة، فقد كان إلى جانبه عظيم من عظماء العهد المحمدي العلوي: هو ~~إبراهيم أدهم بك ناظر ديوان المدارس (في عهد محمد علي). وكان هذا الرجل قد وضع في أواخر عهد ~~محمد علي مشروعا لنشر التعليم بين عامة أفراد الشعب المصري، وهو مشروع «مكاتب الملة»، فلما ~~تولى عباس الأول الحكم أبعد أدهما فيمن أبعد. وفي عهد سعيد بدأ أدهم يعيد النظر في مشروعه، ~~وأشرك معه رفاعة في إعادة تنظيمه وتنقيحه، ثم تقدم به إلى الوالي الجديد سعيد باشا، ~~واقترح كما يقول الدكتور عزت عبد الكريم «تعيين رفاعة بك ناظرا عاما على هذه المكاتب ~~على أن يلحق به مترجمون لإتمام ترجمة كتاب ms39 ملطبرون الذي تمت ترجمة أجزاء منه في عهد محمد ~~علي، وغيره من الكتب الصالحة ...» # 1 # ولكن يبدو أن سعيدا لم يكن يؤمن بفائدة هذا المشروع، كما أنه كان مشغولا في ذلك الحين ~~بأمور يراها أكثر أهمية من مشروع مكاتب الملة كقناة السويس، وإصلاح الجيش، وبناء القلعة ~~السعيدية ... إلخ. # ومرت الأيام والشهور ورفاعة ينتظر دون أن يعهد إليه بعمل ما، فبدأ يحس الضيق ماديا ~~ومعنويا. وأخيرا تقدم إلى الحكومة بالتماس يرجو فيه أن يعين هو وتلميذه القديم ~~خليفة أفندي محمود في أي مصلحة من المصالح وأن يعهد إليهما بترجمة الكتب النافعة. غير أن ~~سعيدا كان كثير التنقل - ومعه فرق من جيشه - في أنحاء مصر المختلفة، فلم يجد الوقت ~~الكافي للنظر في مثل هذا الاقتراح والبت فيه. # وكان سعيد شديد العناية بجيشه؛ ولهذا عهد في أوائل سنة 1272ه/1855م إلى سليمان باشا ~~الفرنساوي بإنشاء مدرسة حربية جديدة لإعداد ضباط يكونون أركان حرب للجيش. وأنشأ سليمان ~~المدرسة وألحق رفاعة وكيلا له، وبعد قليل التمس سليمان باشا إحالته على المعاش فعين ~~رفاعة ناظرا للمدرسة. # قد يبدو هذا التعيين غريبا، ولكن مبرراته أن رفاعة كان يحمل لقب أمير آلاي، فقد كان ~~الموظفون جميعا مدنيين وعسكريين يمنحون الألقاب العسكرية في عهد محمد علي. وبهذا أصبح ~~رفاعة - الشيخ سابقا والأمير آلاي حاليا - ناظرا للمدرسة الحربية بالقلعة. فماذا هو ~~فاعل وثقافته دينية مذ كان يطلب العلم في الأزهر، أو مدنية مذ كان يطلب العلم في باريس؟ # لقد أتقن رفاعة اللغتين العربية والفرنسية، وتخصص في فن الترجمة واشتغل بها، وكون ~~جيلا من المترجمين هم خريجو الألسن، وكان يرجو أن يوفق في عهد سعيد أن يعيد للألسن عهدها، ~~وأن يجمع تلاميذه حواليه فيستأنف نشاطه القديم ويترجم إلى العربية كنوز المعرفة الغربية. ~~وها هي الأقدار تنصبه ناظرا للمدرسة الحربية. # لم ييأس رفاعة، بل رحب بالمركز الجديد، فقد كانت له صلة قديمة بالمدارس الحربية منذ كان ~~مترجما بمدرسة الطوبجية بعيد عودته من باريس، وبدأ يستعين بمن معه من رجال الجيش، ولكنه ~~سعى حتى ms40 صبغ المدرسة الجديدة بصبغة مدنية واضحة، وأقحم الدراسات التي يتقنها ويميل إليها في ~~المنهاج إقحاما، فجعل دراسة اللغة العربية واجبة على الجميع، وترك للتلاميذ حرية اختيار ~~إحدى اللغتين الشرقيتين: الفارسية والتركية، وإحدى اللغات الأوربية: الإنجليزية والفرنسية ~~والألمانية. # ولقد كان رفاعة يقصد بهذه المحاولات أن يحيي عهد مدرسته القديمة الحبيبة إلى نفسه: ~~الألسن؛ فإنه لم يلبث بعد هذه الخطوات الأولى أن أنشأ بالمدرسة الجديدة فرقة خاصة للمحاسبة، ~~ثم ألحق بها بعد قليل قلما للترجمة اختار لرياسته تلميذه القديم الذي تخصص في ترجمة الكتب ~~الرياضية والحربية: السيد صالح مجدي بك. # قنع رفاعة بمركزه الجديد، واحتال كما رأينا حتى أضاف لمناهج الدراسة ما يرضي ميوله ~~ورغباته، ثم لم يلبث أن أقبل على العمل بنشاطه القديم الذي عرفناه، فعهد إليه بنظارة ~~مدرستي الهندسة الملكية والعمارة وتفتيش مصلحة الأبنية. ثم رأى أن النهضة العلمية لا يجب ~~أن تعتمد على الترجمة وحدها، بل يجب أن تعتمد أيضا على إحياء المؤلفات القديمة ونشرها، ~~فسعى حتى حصل على موافقة سعيد باشا. وصدرت الأوامر كما يقول علي مبارك «بطبع جملة كتب ~~عربية على طرف الحكومة وعم الانتفاع بها في الأزهر وغيره، منها: تفسير الفخر الرازي، ومعاهد ~~التنصيص، وخزانة الأدب، والمقامات الحريرية، وغير ذلك من الكتب التي كانت عديمة الوجود في ~~ذلك الوقت ...» # وبهذا يكون رفاعة أول واضع لعمادين من عمد النهضة الثقافية الحديثة، وهما الترجمة ~~والنشر. وسنرى فيما بعد أنه سيشارك أيضا في وضع العماد الثالث وهو التأليف ولكن في عهد ~~إسماعيل. # وفي أوائل سنة 1278ه/أغسطس 1861م ألغيت هذه المدرسة الحربية، أي بعد خمس سنوات من ~~إنشائها، وبعد أن بدأت تثمر وتؤتي أكلها، وكانت قد ظهرت كما يقول علي مبارك «نجابة ~~تلامذتها واستفادتهم استفادة جيدة في أقرب وقت.» وهكذا أمسى رفاعة بلا عمل مرة أخرى، وظل ~~كذلك نحو السنتين إلى أن ولي إسماعيل العرش في سنة 1863ه. # | رفاعة ناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل # في 7 مارس سنة 1861م فصل رفاعة من خدمة الحكومة بعد إلغاء المدرسة الحربية بالقلعة، ms41 وظل ~~كذلك إلى أن ولي العرش إسماعيل، فبدأت تتجه إليه الأنظار من جديد. # كان إسماعيل يرمي من يوم أن تولى الحكم إلى إصلاح القضاء في مصر ليفل من حدة الأجانب؛ ~~ولهذا بدأ يعد العدة لهذا الإصلاح بوضع المشروعات لترجمة القوانين الفرنسية، وإعداد ~~المصريين الذين يصلحون لتولي مناصب القضاء الجديد. ولترجمة القوانين أنشئ قلم الترجمة ~~الجديد. ولإعداد القضاة أنشئت مدرسة الألسن الجديدة. # أنشئ قلم الترجمة الجديد في أوائل عهد إسماعيل، وعين رفاعة بك ناظرا له، فاختار ~~معاونيه في العمل جماعة من تلاميذه القدماء خريجي مدرسة الألسن القديمة، هم: عبد الله بك ~~السيد، والسيد صالح مجدي أفندي، ومحمد قدري أفندي، ومحمد لاظ أفندي، وعبد الله أبو السعود ~~أفندي. واستقر هذا القلم في غرفة من غرف ديوان المدارس، وبدأ أعضاؤه يتوفرون على العمل ~~والإنتاج، وبدأوا بالقانون الفرنسي # Code ~~. وبعد أشهر قليلة ~~أتموا جهدهم الأول وهو «المقالة الأولى من القانون المدني» في خمسمائة وخمسة عشر بندا ~~فرفعوها إلى الخديو إسماعيل باشا. # وزع هذا القانون الفرنسي على المترجمين بقلم الترجمة، فترجم القانون المدني السابق الذكر ~~رفاعة بك بالاشتراك مع عبد الله السيد بك وأحمد حلمي أفندي وعبد السلام أفندي، ثم ظهرت ~~أجزاء القانون الأخرى تباعا بعد إتمام ترجمتها على الترتيب الآتي: # قانون المحاكمات والمخاصمات في المعاملات الأهلية المعتادة، وترجمه عبد الله أبو السعود أفندي وحسن فهمي أفندي. # قانون الحدود والجنايات، ترجمه العلامة محمد قدري باشا. # قانون (المشيخة البلدية)، ترجمه محمد لاظ أفندي (في 3 مجلدات)، وقد طبعت هذه ~~المجلدات جميعا في بولاق بين سنتي 1283ه و1285ه. # كان هذا هو العمل الأساسي لقلم الترجمة الجديد؛ ولهذا لا تجد له أثرا آخر غير هذا الأثر ~~القانوني؛ ولهذا أيضا نلاحظ أن هذا القلم قد خضع لتطورات كثيرة فكانت الأوامر تصدر تباعا ~~بنقل مترجميه إلى أعمال أخرى. وكان رفاعة يحس أثر هذه التصرفات الغريبة فيتألم ويشكو، ففي ~~سنة 1864م نقل المترجمان محمد لاظ وسيد مجدي والمبيضان محمد بهائي ومحمد أمين إلى قلم ~~الترجمة بالمعية. وبعد قليل ألحق بالقلم بدوي ms42 بك فتحي (نجل رفاعة بك) بعد أن تخرج في ~~المدرسة الحربية ورقي إلى رتبة اليوزباشي. # ثم لم يلبث أن نقل عضو من أهم أعضاء القلم وهو عبد الله السيد بك إلى عضوية مجلس ~~الأحكام، فازداد قلم الترجمة بذلك ضعفا على ضعف. # وفي هذا الحين اقترح «ميرشير بك» ناظر المدارس الحربية إنشاء قلم للترجمة ملحق بهذه ~~المدارس لترجمة الكتب العسكرية. غير أن ديوان المدارس لم يوافق على اقتراحه بل أشار بتقوية ~~قلم الترجمة الموجود وإمداده بالمترجمين، فعين محمد أفندي أنسي (نجل عبد الله أبي ~~السعود أفندي) مترجما به؛ وذلك ليتمكن القلم من ترجمة ما يرسل إليه من الكتب الحربية. # وهكذا كان العمل يزداد بالقلم، فقد كان المترجمون يعملون على ترجمة القوانين الفرنسية، ~~والدستور العثماني، والجريدة العسكرية، وحسابات البعثة المصرية بباريس. كما كان أحد مترجميه ~~- وهو محمد رشدي أفندي - يقوم بترجمة كتاب رفاعة بك في تاريخ مصر إلى اللغة التركية. # 1 # كان يقوم بهذا الجهد الشاق خمسة من المترجمين غير رفاعة بك، ثم طلب إليه أن يعمل على ~~إتمام الأجزاء التي لم تترجم من جغرافية ملطبرون. وكان من المنتظر أن يرحب رفاعة بهذا ~~الطلب، ولكنه ضاق به وضج بالشكوى، وأرسل يعتذر لأن القلم لم يبق به غير ثلاثة مترجمين هم ~~أبو السعود وصالح مجدي وحسن الجبيلي. # وهكذا كان القلم يزداد ضعفا يوما بعد يوم لقلة المترجمين؛ ولهذا كان كلما أحيل إلى ~~القلم عمل جديد بادر رفاعة بالاعتذار عن أدائه. فقد حدث أن أحيلت إليه بعض اللوائح ~~والإرشادات الصحية لترجمتها فردها رفاعة معتذرا بكثرة ما بها من المصطلحات الطبية ~~مقترحا إحالتها إلى مدرسة الطب. # ومن الواجب هنا أن نناقش الأسباب التي أدت إلى إضعاف هذا القلم رغم ما كان يعقده عليه ~~رفاعة من آمال. وأهم هذه الأسباب فيما نرى أن الغرض الأساسي الذي دفع الحكومة لإنشائه كان ~~هو ترجمة القوانين الفرنسية فلما تمت ترجمة هذه القوانين قلت عناية الحكومة ~~بالقلم. # أما السبب الثاني - ولعله أهم وأقوى من السبب الأول - فيتلخص في أن قلم ms43 الترجمة الجديد لم ~~تقم إلى جانبه المدرسة التي تمده بالمترجمين الصالحين كما كان الحال في عهد محمد علي. ~~حقيقة لقد أنشئت في عهد إسماعيل مدرسة للألسن ولكنها كانت تختلف اختلافا كبيرا عن ~~سابقتها في عهد محمد علي. # أنشئ قلم الترجمة في عهد إسماعيل في سنة 1863م، ولم تنشأ مدرسة الألسن إلا في سنة 1868م. ~~وقد سميت المدرسة الجديدة باسم مدرسة الإدارة والألسن، وكانت برامجها ترمي إلى العناية ~~بدراسة القوانين وإعداد القضاة ورجال القانون لا إعداد المترجمين؛ ولهذا لم تلبث أن تطورت ~~هذه المدرسة حتى أصبحت «مدرسة الحقوق»؛ ولهذا أيضا بدأت الحكومة تحس حاجتها إلى مدرسة خاصة ~~لإخراج المترجمين، فأنشأت هذه المدرسة باسم «مدرسة الألسن» ولكن في سنة 1878م، أي في أواخر ~~عهد إسماعيل وبعد وفاة رفاعة بنحو خمس سنوات. وهذه المدرسة هي التي ستتحول مع الزمان فتصبح ~~مدرسة للمعلمين. # | إصلاحات رفاعة في التعليم والمجتمع # يقول الأستاذ أحمد أمين بك في مقالاته عن رفاعة: «كان من العادات الظريفة التي اندثرت أن ~~يجتمع الجم الغفير من العلماء والأمراء والأغنياء والتجار في ليلة من ليالي رمضان في بيت ~~السادات في «بركة الفيل»، ويجلس الشريف الحسيب النسيب شيخ السادات مجلسه الفخم الوقور يمنح ~~الرتب والألقاب لمن شاء من الزوار، ولكن ليست رتبة «بك» ولا «باشا» ولا نحو ذلك، إنما هي ~~ألقاب وكنى يستمدها من الوحي الصوفي والإلهام اللدني؛ فهذا أبو الأنوار، وهذا أبو الوفاء، ~~وهذا أبو البركات، وهذا أبو الخير. ففي ليلة من هذه الليالي الرمضانية كان من الزوار شيخنا ~~الشيخ رفاعة، فتفرس فيه شيخ السادات، ونظر إليه بقلبه، ثم قال له: «اذهب فأنت أبو العزم»، ~~وكذلك كان، وكانت كنية موفقة، فأبرز صفات الشيخ رفاعة عزمه.» # أجل، فقد كانت أبرز صفات رفاعة عزمه، وعزمه القوي الذي لا يكل ولا يفل. وقد لاحظنا كيف ~~كان الرجل دائب العمل جم النشاط في كل أدوار حياته. وقد ظلت هذه الصفات تلازمه حتى آخر سني ~~حياته، فنلاحظ أنه لم يقنع بعمله في قلم الترجمة رغم كثرته، فامتد نشاطه ms44 إلى ميادين أخرى ~~كثيرة تتصل كلها بالتعليم وإصلاحه وبالتأليف والترجمة. # ففي هذا العهد عين رفاعة عضوا دائما «بقومسيون المدارس»، وهو المجلس الذي كان ينظر ~~في السياسة العليا للتعليم ويضع النظم والقوانين والبرامج للمدارس، وكان رفاعة العضو ~~الدائم الوحيد بهذا «القومسيون»، أما بقية الأعضاء فهم نظار المدارس العليا، وكانوا يتغيرون ~~بين الحين والحين، كما أنهم كانوا يستدعون كلما اقتضت الضرورة استدعاءهم. # وقد كان لرفاعة جهد مشكور في تنظيم تدريس اللغة العربية ومحاولات طيبة لإصلاح هذا ~~التدريس، فكان يمتحن الشيوخ والفقهاء كل عام ليتخير من بينهم الأكفاء الصالحين لوظائف ~~التدريس. # وكان يزور المدارس للتفتيش على هؤلاء المدرسين واختبار كفايتهم، ثم يترك لهم قبل مغادرة ~~المدرسة التقارير الصالحة وفيها بيان إرشادي لخير الوسائل الممكن اتباعها لتدريس اللغة ~~العربية مع مراعاة الظروف المختلفة كنوع المدرسة وسن التلاميذ ومدة الدرس ... إلخ. # ولاحظ رفاعة بعد هذه الجولات التفتيشية أن الكتب التي بين أيدي التلاميذ كتب غير ~~صالحة، فبدأ يضع بنفسه كتبا جديدة هي الخطوة الأولى بحق في سبيل النهضة بالكتب المدرسية ~~في تاريخنا التعليمي. وكان رفاعة يسترشد في عمله الجديد بما رأى وما درس من كتب فرنسية ~~أثناء تلقيه العلم في فرنسا. # بدأ رفاعة بكتب النحو فلاحظ أن الكتب الأزهرية القديمة التي يستعملها التلاميذ كتب ~~عقيمة لم تعد تصلح للعصر الحديث، فوضع كتابا جديدا أسماه «التحفة المكتبية في القواعد ~~والأحكام والأصول النحوية بطريقة مرضية»، حاول فيه تبسيط القواعد النحوية وجعله في شكل ~~جداول مختلفة ليسهل على الطلبة فهمها وحفظها. # ولاحظ رفاعة أيضا أنه لا يوجد بين أيدي التلاميذ كتب للمطالعة مع فائدتها التي لا ~~تنكر في تزويد الأولاد بالمعارف العامة، فوضع كتابه الطريف «مباهج الألباب المصرية في ~~مناهج الآداب العصرية» ليسد به هذا النقص، وحاول فيه لأول مرة أن يبث في نفوس النشء معنى ~~الوطن والوطنية، فهو يتحدث فيه حديثا مفصلا عن «المنافع العامة» وينقل في حديثه الشواهد ~~من الشرق والغرب، تسعفه في ذلك ثقافته الإسلامية الفرنسية، ويختم الكتاب بفصل عما يجب ~~«للوطن الشريف على أبنائه ms45 من الأمور المستحسنة.» # ويعتبر رفاعة بحق أول داعية لتعليم المرأة في مصر بل في الشرق كله؛ فقد ذكر يعقوب أرتين ~~باشا في كتابه عن التعليم العام في مصر أن لجنة تنظيم التعليم في سنة 1836م (أي في عهد محمد ~~علي باشا) اقترحت العمل لتعليم البنات في مصر، وقد كان رفاعة عضوا من أعضاء تلك اللجنة. ~~غير أن هذا الاقتراح لم ينفذ لأن المجتمع المصري لم يكن على استعداد وقتذاك لقبول هذه ~~الفكرة، واكتفي بإنشاء مدرسة المولدات والقابلات. # وفي عهد إسماعيل تجددت الفكرة، وكان رفاعة من أكبر الداعين لها، ففي سنة 1873م أنشئت أول ~~مدرسة لتعليم البنات في مصر، أنشأتها «جشم آفت هانم» إحدى زوجات الخديو إسماعيل. وقبل ~~إنشاء المدرسة بسنة واحدة أخرج رفاعة كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وفيه يدعو ~~للفكرة ويمهد لظهورها فيقول: «ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة ~~الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما يزيدهن أدبا ~~وعقلا، ويجعلهن بالمعارف أهلا، ويصلحهن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في ~~قلوبهم، ويعظم مقامهن، لزوال ما فيهن من سخافة العقل والطيش مما ينتج من معاشرة المرأة ~~الجاهلة لامرأة مثلها، وليمكن المرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما ~~يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها، فكل ما يطيقه النساء من العمل يباشرنه بأنفسهن، وهذا ~~من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، ~~وقلوبهن بالأهواء وافتعال الأقاويل، فالعمل يصون المرأة عما لا يليق ويقربها من الفضيلة. ~~وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا ~~عمل لها، تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون، ويلبسون ويفرشون، وفيما ~~عندهم وعندها، وهكذا. أما القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة وأنها مكروهة في حقهن ~~ارتكانا على بعض الآثار فينبغي ألا يكون ذلك على عمومه. ولا نظر إلى من قال إن من طبعهن ~~المكر والدهاء والمداهنة فتعليم ms46 القراءة والكتابة ربما حملهن على الوسائل غير المرضية ... ~~فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات المذمومة. وكم من نهي وردت به ~~الآثار كمقاربة السلاطين والتحذير من الغنى، وقد حمل كل ذلك على ما يعقبه شر وضرر محقق، ~~وتعليم البنات لا يتحقق ضرره. وكيف ذلك وقد كان من أزواجه # صلى الله عليه وسلم # من يكتب ويقرأ ~~كحفصة وعائشة ... إلخ.» # هذا ملخص الدعاية الجريئة التي دعاها رفاعة لتعليم البنت وذلك قبل قاسم أمين بنيف ~~وثلاثين عاما. # ومن هذه الجهود السابقة نلمح كيف خطا رفاعة الخطوة الثانية، فبدأ إلى جانب الترجمة يؤلف ~~ويصنف، بل إن جهوده في التأليف في عصر إسماعيل تفوق جهوده في الترجمة، ولم يقصر جهوده في ~~هذا الميدان على الكتب المدرسية والتعليمية فحسب، بل وضع مشروعا لإخراج مؤلف كبير في تاريخ ~~مصر من أقدم العصور إلى عهده، ولكنه لم يخرج منه إلا الجزء الأول وعنوانه: «أنوار توفيق ~~الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل»، وقد تناول فيه الكلام عن تاريخ مصر القديم وتاريخ ~~العرب قبل الإسلام. ويقول تلميذه ومؤرخ حياته صالح مجدي بك إنه أتم الجزء الثاني، ولكننا لم ~~نعثر عليه. # وفي هذا العهد أيضا أخرج رفاعة مؤلفا تاريخيا آخر عن سيرة الرسول عليه السلام، ~~وعنوانه: «نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز»، وكان قد نشره فصولا في مجلة روضة ~~المدارس. # وفي غمرة هذا النشاط فكر علي مبارك باشا في إصدار مجلة علمية تكتب فيها الأبحاث باللغة ~~العربية، ولم يلبث أن أخرج فكرته إلى حيز التنفيذ، وعهد برئاسة تحرير المجلة إلى رفاعة بك ~~يعاونه ابنه علي بك فهمي رفاعة مدرس الإنشاء بمدرسة الإدارة والألسن وقتذاك. # تلك هي روضة المدارس أول مجلة مصرية، وقد صدر العدد الأول منها في 15 المحرم سنة 1287ه/1870م أي قبل وفاة رفاعة بثلاث سنوات، وقد اشترك في تحرير أعدادها المختلفة نخبة طيبة من ~~أعلام المصريين في القرن الماضي، أشهرهم: علي مبارك باشا، وعبد الله فكري باشا، والشيخ حسين ~~المرصفي، ومحمد قدري باشا، ومحمود ms47 الفلكي باشا، وإسماعيل الفلكي باشا، والمسيو بروكش ناظر ~~مدرسة اللسان المصري القديم، وأحمد ندا بك العالم النباتي الكبير، وصالح مجدي بك، وعبد ~~الله أبو السعود أفندي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ عبد الهادي نجا الإبياري، والشيخ حمزة ~~فتح الله، والشيخ عثمان مدوخ. وكانت موضوعاتها متنوعة تتناول النواحي والدراسات الأدبية ~~والعلمية والفقهية والاجتماعية والتاريخية، كما كانت تنشر بها بعض المقطوعات الشعرية ~~وخاصة «للشاب النجيب إسماعيل أفندي صبري أحد تلامذة مدرسة الإدارة». # وظل رفاعة يتولى رئاسة تحرير الروضة إلى أن مات فتولاها من بعده ابنه علي بك ~~فهمي. # | رفاعة ومونتسكيو # أحصينا فيما سلف جهود رفاعة في التأليف والترجمة والنشر، ولاحظنا أن جهوده في الترجمة ~~تفوق جهوده في التأليف، فقد ترجم لمؤلفين مختلفين في الطب والمعادن والهندسة والاجتماع ~~والجغرافيا. غير أننا عثرنا على بعض الأقوال التي تشير إلى أن رفاعة قد ترجم لمونتسكيو ~~فأحببنا أن نناقشها لنرى وجه الحق فيها. # أشار رفاعة في بعض شعره الذي قاله في السودان إلى أنه ترجم عن «مونتسكيو»، فقال: # على عدد التواتر معرباتي # تفي بفنون سلم أو جهاد # وملطبرون يشهد وهو عدل # ومنتسكو يقر بلا تمادي # فهذه إشارة واضحة، أكدها بعد وفاته الشيخ محمود كشك الطهطاوي الذي أشرف على تصحيح الطبعة ~~الثانية من كتاب «مناهج الألباب»، فقد أشاد في آخره بجهد محمد بك رفاعة (حفيد رفاعة بك) ~~وسعيه لنشر هذا الكتاب، وأشار إلى أن همته لم تقف «عند إنجاز طبع هذا الأثر، بل عزم حضرته ~~على إحياء باقي الكتب التي ترجمها جده عن الفرنساوية إلى العربية كرواية «تليماك» الشهيرة، ~~وترجمة «ملطبرون»، وترجمة «مونتسكيو»، وغير ذلك ... إلخ.» # وأورد بعد ذلك صورة ما كتبه الشيخ عبد الكريم سليمان إلى حفيد رفاعة بتاريخ 16 جمادى ~~الأولى سنة 1330ه، قال فيه: «فاجعل كتابي هذا غير قاصر على تقريظ عملك الجديد المفيد، ومده ~~إلى إيجاد ذينك السفرين (ترجمة ملطبرون وترجمة مونتسكيو)، ولقد رويت عن عمك الأعز - رحمه ~~الله - أن والده الأكرم - أكرم الله مثواه - ترجمهما، وأن نسختهما موجودة، وأسمعني ما بقيت ~~حافظه إلى ms48 الآن مما يبرهن على أنه - طيب الله ثراه - ترجمهما، وهو: # وملطبرون يشهد وهو حبر # ومنتسكيو يقول ولا يماري.» # وعلق على هذا الخطاب بقوله: «ونحن نزف البشرى إلى الجمهور بوجود أصل هذين الكتابين في ~~خزانة كتب المؤلف، وتعويل حضرة حفيده الأكرم على طبعهما إجابة لطلب فضيلة الأستاذ، وحبا ~~في تعميم النفع لأبناء العصر ...» # وغاية ما نستطيع أن نقول إننا رجعنا إلى ثبت ما ترجم رفاعة من كتب في عهدي محمد علي ~~وإسماعيل، فلم نجد من بينها كتابا لمونتسكيو، وكل ما نعرفه أنه قرأ كتبه وهو في باريس ~~وتأثر بها كثيرا في بعض كتبه، وخاصة كتاب «مناهج الألباب المصرية» فهو متأثر فيه بكتاب ~~«مونتسكيو»: «روح الشرائع». كذلك لم يترجم تلاميذه في مدرسة الألسن من كتب «مونتسكيو» إلا ~~كتاب «برهان البيان وبيان البرهان في استكمال واختلال دولة الرومان»، فقد ترجمه حسن أفندي ~~الجبيلي، وكانت الترجمة تحت إشراف أستاذه رفاعة، فقد قال المترجم في مقدمته: «ولم أغفل عن ~~مراجعة الفاضل اللبيب، والكامل الأريب، الدقيق فهمه، الكثير علمه، سيدي رفاعة أفندي، في حل ~~بعض مشكلاته، وفك ما عسر علي فهمه من معضلاته ...» # ولم ينته من ترجمته إلا في الثاني عشر من ربيع الآخر سنة 1290ه بعد وفاة أستاذه رفاعة. ~~وتم طبع الكتاب بعد ثلاث سنوات في ذي القعدة سنة 1293ه. # لم يبق إذن إلا أن يكون رفاعة قد ترجم حقا بعض كتب «مونتسكيو»، وأجزاء أخرى من ~~جغرافية «ملطبرون» - غير التي طبعت - وأن مسودات هذه الكتب ما تزال مخطوطة في مكتبته. # | تلاميذ رفاعة من خريجي الألسن # كانت مدرسة الألسن منذ إنشائها ترمي إلى تحقيق غرضين اثنين: ~~(1) # إعداد مترجمين في مختلف الفنون والعلوم. ~~(2) # إعداد مدرسين للغة الفرنسية في المدارس التجهيزية والخصوصية. # وقد حققت المدرسة هذين الغرضين بهمة رفاعة التي لا تعرف الملل وجهده المتصل، وملأت مصر ~~والمدارس بالمترجمين والمدرسين. وقد ذكر صالح مجدي بك في كتابه «حلية الزمن» أسماء النابهين ~~الذين نبغوا من تلاميذ رفاعة في مدرسة الألسن، وعدة هؤلاء سبعة وستون. وذكر المستر ~~«دن # Dunne ~~» أن ms49 المدرسة خرجت في مدى عشر سنوات نحو ~~سبعين مترجما. ويبدو لي أن خريجي الألسن منذ سنة 1255ه (وهي السنة التي تخرجت فيها الدفعة ~~الأولى) إلى سنة 1265ه (وهي السنة التي توفي فيها محمد علي وألغيت فيها الألسن) كانوا ~~يبلغون نحو المائة؛ فقد ذكر أبو السعود أفندي - أحد خريجي المدرسة وتلاميذ رفاعة - أن ~~المدرسة «كان يخرج منها كل عام عشرة.» # وقد قدر خريج آخر من خريجي المدرسة - محمد قدري باشا - الكتب التي ترجمها خريجو الألسن ~~- ما طبع منها وما لم يطبع - بنحو ألفي كتاب. # ومهما كان عدد الخريجين أو عدد الكتب التي ترجمت، فقد أشاع رفاعة في هذا الرعيل قبسا ~~من روحه ونفحة من نشاطه، فكانوا أركان النهضة في عهد محمد علي، ثم كانوا القائمين على ~~إحيائها والإشراف عليها في عهد إسماعيل، وقد أجمل رفاعة القول في جهده وجهودهم في مقدمته ~~لقصة تليماك، قال: «لقد تقلدت بعناية الحكومة المصرية الفائقة على سائر الأمصار، في عصر ~~المدة المحمدية العلوية السامي على سائر الأعصار، بوظيفة تربية التلاميذ مدة مديدة، وسنين ~~عديدة، نظارة وتعليما، وتعديلا وتقويما، وترتيبا وتنظيما، وتخرج من نظارات تعليمي ~~من المتفننين رجال لهم في مضمار السبق وميدان المعارف وسيع مجال، وفي صناعة النثر والنظم ~~أبهر بديهة وأبهى روية وأزهى ارتجال، وحماة صفوف لا يبارون في نضال ولا سجال، وعربت ~~لتعليمهم من الفرنساوية المؤلفات الجمة، وصححت لهم مترجمات الكتب المهمة، من كل كتاب عظيم ~~المنافع، وتوفق حسن تمثيلها في مطبعة الحكومة وطبعها، ومالت طباع الجميع إلى مطبوع ذوقها ~~وطبعها، وسارت بها الركبان في سائر البلدان، وحدا بها الحادي في كل واد وقصدها القصاد ~~كأنها قصائد حسان، وكان زمني إلى ذلك مصروفا، وديدني بذلك معروفا، مجاراة لأمير الزمن ~~(يقصد محمد علي)، على تحسين حال الوطن، الذي حبه من شعب الإيمان ... إلخ.» # ووصف علي مبارك خريجي الألسن بأنهم كانوا «جميعهم في الإنشاءات، نظما ونثرا، أطروفة ~~مصرهم، وتحفة عصرهم ...» # وقد أخذ رفاعة تلاميذه في الألسن بما أخذ هو به نفسه وهو يتلقى العلم في باريس، ms50 أي أنه ~~أخذهم: # أولا: # بالجد والنشاط في التحصيل منذ اللحظة الأولى، فكان «لا يقف في اليوم والليلة على ~~وقت محدود ... وربما عقد الدرس للتلامذة بعد العشاء أو عند ثلث الليل الأخير، ومكث نحو ثلاث ~~أو أربع ساعات على قدميه في درس اللغة أو فنون الإدارة والشرائع الإسلامية والقوانين ~~الأجنبية ... إلخ.» وبهذا استطاع أن يعهد لبعض النابغين من تلاميذه بترجمة الكتب في السنوات ~~الأولى من إنشاء المدرسة. ومن عجب أن نرى بعض الكتب قد ترجمت وطبعت قبل أن تخرج المدرسة ~~دفعتها الأولى؛ ففي سنة 1252ه، أي بعد إنشاء المدرسة بسنة واحدة، ظهر كتاب تاريخ الفلاسفة ~~اليونانيين مترجما بقلم عبد الله أفندي حسين الذي يقول في مقدمته: «وكنت وقت ترجمته بمدرسة ~~الألسن بالأزبكية»، أي كان لا يزال تلميذا بها. # وبعد نحو 3 سنوات من إنشاء المدرسة (1254ه) أخرجت كتابين آخرين، وهما: «تنوير المشرق بعلم ~~المنطق» ترجمة خليفة أفندي محمود، و«بداية القدماء وهداية الحكماء» وقد اشترك في ترجمته ~~مصطفى الزرابي أفندي، ومحمد عبد الرازق أفندي، وأبو السعود أفندي، وهم جميعا من تلاميذ ~~المدرسة. # ثانيا: # وأخذ رفاعة تلاميذه أيضا بما أخذ به نفسه من قبل، من إقبال على الترجمة في ~~مختلف العلوم والفنون، فلم تعرف المدرسة ولم يعرف خريجوها التخصص في ترجمة علم بعينه، ~~وإنما كان يفرغ أحدهم من ترجمة كتاب في التاريخ فيعهد إليه بترجمة آخر في الطب ثم ثالث في ~~الكيمياء أو في الجغرافيا وهكذا. ولكننا نلاحظ أن ميول الخريجين الخاصة ووظائف الترجمة التي ~~تولوها بعد تخرجهم قد وجهت كلا منهم إلى نوع من التخصص في الترجمة أو التأليف في علم من ~~العلوم، فاتجه محمود خليفة وأبو السعود ومصطفى الزرابي ومحمد مصطفى البياع إلى ترجمة الكتب ~~التاريخية، واتجه صالح مجدي وأحمد عبيد الطهطاوي إلى ترجمة الكتب الهندسية والحربية، ومحمد ~~الشيمي والسيد عمارة وحسين علي الديك إلى ترجمة الكتب الرياضية، وعبد الله بك السيد ومحمد ~~قدري باشا إلى ترجمة الكتب القانونية والتأليف فيها ... وهكذا. # ورغبة في ترجمة أكبر عدد ممكن من الكتب وإنجاز ms51 الترجمة في أسرع وقت، كانت الكتب توزع ~~على المترجمين أجزاء إذا كان الكتاب يتكون من أجزاء كثيرة، أو فصولا إذا كان الكتاب جزءا ~~واحدا. وكان يحدد لكل مترجم وقت معين لإنجاز الترجمة حسب كبر الجزء أو الفصل أو صغره، ~~وكانت تتراوح هذه المدة بين أربعة عشر شهرا وخمسة أشهر. # وكان رفاعة يشرف بنفسه على مراجعة وتصحيح معظم الكتب، إن لم يكن كلها. يشهد بذلك ~~المترجمون من تلاميذه جميعا في مقدمات كتبهم؛ فهذا عبد الله حسين يقول في مقدمة تاريخ ~~الفلاسفة: «فاستعنت في مشكلات الكتاب وتحرير ترجمته بمدير تلك المدرسة البهية.» وهذا خليفة ~~محمود يقول في مقدمة «إتحاف الملوك الألبا بتقدم الجمعيات في بلاد أوروبا»: «وحيث إنها ~~باللغة الفرنساوية من مستصعبات التآليف، ومختصرات التصانيف، استعنت في تذليل صعابها، وكشف ~~نقابها، بمراجعة من لسان القلم في مدحه ووصفه قصير، ومن أتى في مدحه بأبدع مقال فإنما هو ~~آت بيسير من كثير، حضرة رفاعة أفندي مدير مدرسة الألسن، حيث التوقف والحاجة إلى ذلك، وهو ~~أيضا الذي صححها على أصلها وقابلها كل المقابلة. فبهذا كانت خير ترجمة، لا سيما من أمثالي؛ ~~حيث إنه لم يكن لي في مدرسة الألسن غير سنتين، في اشتغالي بهاتين اللغتين ... إلخ.» وقال في ~~مقدمة «إتحاف ملوك الزمان بتاريخ الإمبراطور شارلكان»: «بذلت الهمة في تعريبه وتنقيحه ~~وتهذيبه، وازداد تهذيبا بمقابلته مع رب البلاغة والتدقيق، من أوتي في هذا الفن مفاتيح ~~كنوز الحقيقة والتحقيق، حضرة رفاعة أفندي ناظر قلم الترجمة ... إلخ.» # ولم يكن من المستطاع أن يقوم رفاعة بمراجعة وتصحيح كل الكتب المترجمة - على كثرتها ~~واختلافها - بنفسه؛ ولهذا أخذ بعد حين يشرك معه في هذا العمل بعض مدرسي المدرسة ومصححيها، ~~وخاصة الشيخ محمد قطة العدوي. قال أحمد عبيد الطهطاوي في خاتمة كتاب «الروض الأزهر في ~~تاريخ بطرس الأكبر»: «يقول مترجمه: لقد صرفت في ترجمته - على صعوبته - الهمة، وسهرت في مطالعته ~~وفهمه الليالي المدلهمة، واستعنت - فيما حواه من المشكلات، وما اشتمل عليه من المعضلات - ~~بمراجعة صاحب الرفعة رفاعة بك ناظر قلم الترجمة، ms52 وتصحيح غالبه بمعرفة العلامة الشيخ محمد ~~قطة العدوي.» وقال حسن قاسم في كتاب «تاريخ ملوك فرنسا»: «وكان تصحيح هذا الكتاب الفائق ... ~~بمعرفة حضرة العلامة الأوحد، سعادة الميرالاي رفاعة بك الأمجد، وعلى يد المستنصر بربه ~~القوي، محمد قطة العدوي، مصحح قلم الترجمة ...» # وممن شارك مشاركة جدية في مراجعة وتصحيح الكتب التي ترجمت في مدرسة الألسن وقلم الترجمة: ~~الشيخ أحمد عبد الرحيم الطهطاوي كبير مصححي الألسن، فقد عين في المدرسة منذ إنشائها، ولم ~~يطبع من كتبها كتاب «إلا طالعه وتصفحه، وقابله وصححه، وهو يشتغل ليلا ونهارا ~~...» # أما اختيار الكتب التي تترجم فقد كان موكولا لرفاعة بك. وقد بدأ كما ذكرنا فاختار ~~لتلاميذه بعض الكتب التي قرأها ودرسها وهو في باريس ككتاب «تاريخ الفلاسفة اليونانيين»، ~~وكتاب «بداية القدماء وهداية الحكماء»، وكتاب «دي مارسيه» في المنطق الذي ترجم بعنوان: ~~«تنوير المشرق بعلم المنطق» ... إلخ ... إلخ. # غير أنه كان يحدث أحيانا أن يكتب ديوان المدارس إلى مدرسة الألسن مشيرا بترجمة كتب ~~معينة. وإذا قلنا ديوان المدارس فإنما نعني في الواقع مديره أدهم بك، فقد كان رجلا مثقفا ~~واسع الثقافة، وخاصة في اللغة الفرنسية والعلوم الرياضية والحربية؛ ولهذا نلاحظ أن معظم ~~الكتب التي أشار ديوان المدارس بترجمتها كانت إما كتبا رياضية وإما كتبا في الرحلات. قال ~~السيد أفندي عمارة في مقدمة كتاب «تهذيب العبارات في فن أخذ المساحات»: «فمذ حللت كغيري ~~بتلك المدرسة (الألسن) اجتنيت من ثمر اللغة العربية والفرنساوية أنفسه، بإرشاد ناسج حلة ~~بردها، وناظم جوهر عقدها ... العلامة السيد رفاعة أفندي بدوي رافع، فلما علم مني الرغبة ~~في التحصيل ... حباني من فضله إمداده، إلى أن بلغت المأمول وزيادة، وأمرني - عملا بما صدر من ~~ديوان المدارس المصرية - أن أترجم كتابا للمؤلف «لوكوه» يتضمن بيان المسافات وفن أخذ ~~المساحات ... إلخ.» وقال سعد نعام في مقدمة «سياحة في أمريكا»: «قد صدر الأمر بتعريبه، وتفسير ~~تراكيبه، من ديوان المدارس المصرية، التي هي بكسب العلوم حرية، بأنفاس مديرها حضرة البك ~~المفخم، سعادة ميراللوا إبراهيم أدهم ... إلخ.» # وقال إبراهيم مصطفى البياع ms53 (الصغير) في مقدمة «سياحة في الهند»: «هذه خدمة يسيرة، وتعريب ~~رحلة صغيرة، للمؤلف «أوبير ثرولد»، ألفها في سياحته إلى بلاد الهند، وجدت في كتبخانة ~~حضرة البك المفخم مدير المدارس ... سعادة أمير اللواء أدهم بك ... فصدر الأمر بترجمتها من ~~الديوان، إلى حضرة علامة الزمان، من رقي في مراقي الشرف أرفع محل وأعظمه، حضرة أمير ~~الآلاي رفاعة بك ناظر قلم الترجمة، فعينني - حفظه الله - لترجمتها ... إلخ.» # ويبدو لي أن رفاعة كان يراعي رغبات وحاجات الوالي والحكومة والمدارس في اختيار الكتب ~~التي تترجم، ولكنه كان يتخير الكتب التاريخية تبعا لخطة خاصة رسمها لنفسه؛ فإنه يتضح من ~~مراجعة هذه الكتب أنه كان يريد أن يترجم كتبا مختلفة تغطي تاريخ العالم منذ أقدم العصور ~~حتى أحدثها. وإن كان تاريخ فرنسا قد حظي منه بعناية خاصة، فقد ترجم فيه أكثر من كتاب، ولعل ~~هذا راجع لثقافة رفاعة الفرنسية وميله إلى هذه الدولة، أو للعلاقات التي كانت تربط بين مصر ~~وفرنسا منذ نزلت بأراضيها الحملة، أو لاستعانة محمد علي بالفرنسيين في إصلاحاته وإيثاره ~~فرنسا بإيفاد معظم البعثات إليها. # وقد عني رفاعة بعلم التاريخ هذه العناية، وعهد إلى تلاميذه بترجمة الكتب الكثيرة فيه ~~لأسباب كثيرة، أولها ميله الخاص، وثانيها وأهمها ما كان يحسه من شغف محمد علي باشا الشديد ~~بدراسة حوادث الأمم وتراجم عظماء الرجال. ورفاعة حريص الحرص كله في كل ما يعمل على أن يرضي ~~«ولي النعم». # بدأ رفاعة بتنفيذ هذه الخطة، فاختار كتابا في تاريخ الدول والشعوب القديمة: من مصريين، ~~وسريانيين، وبابليين، وأكراد، وفرس، ويونانيين ... إلخ، وعهد إلى تلاميذه في مدرسة الألسن ~~بترجمته، ولما كان هذا الكتاب في أصله الفرنسي «ناقصا تاريخ الخليقة والعرب، وكان في كتاب ~~عماد الدين أبي الفداء سلطان حماة ما يفي بالأرب.» فقد أضاف رفاعة إليه فصولا من هذا ~~الكتاب: «لكمال المطلوب وبلوغ المرغوب». # والمطلوب والمرغوب كما رجحنا هو تغطية تاريخ العالم بسلسلة من الكتب؛ ولهذا نراه لا ~~يتقيد بنصوص المؤلفين عند الترجمة، بل يبيح لنفسه إضافة أجزاء من كتب عربية قديمة ms54 ليكمل ~~بها ما في هذه الكتب من نقص وليحقق خطته التي رسمها لنفسه. # وقد كتب رفاعة مقدمة لهذا الكتاب - وهو أول كتاب تاريخي تترجمه مدرسة الألسن، فقد طبع ~~في سنة 1254ه - فلسف فيها دعوته لدراسة التاريخ، وأوضح الأغراض من دراسته، وأشار إلى شغف ~~محمد علي بهذا العلم، وهي مقدمة طيبة لا يشوبها - فيما نرى - إلا التزامه السجع في فقراتها، ~~ولكنه كان مضطرا إلى هذا اضطرارا، فقد كان متأثرا بتقاليد العصر الأدبية. قال في هذه ~~المقدمة: «من المعلوم أن الإنسان مدني بطبعه، مائل إلى التآنس والعمران بأصله وفرعه، مضطر ~~إلى السياسة والرياسة، وحسن الاجتماع والكياسة، وما يكون به استجلاب كماله، ومعرفة أسباب ~~حفظه أو تحوله وانتقاله، وما يكون عليه حال الملك في نفسه أو مع رعيته، وعمارة مدائن ~~مملكته؛ حيث احتاج إلى ذلك تنظيم المصالح، وضبط المهمات على وجه راجح ناجح، لما أنه يستنبط ~~من ذلك كمال فوائده، من كان تدريب التجارب نصب مصادره وموارده، ولا يشم ذلك إلا من للأخبار ~~اختبر، وللسير وللتواريخ سبر، حتى تضلع من وقائع المشارق والمغارب، وتجرع من محيطها ~~بأنواع الأذواق والمشارب، ورجع عن طروق الشبه إلى أهل الذكر، وهرع إلى طرق التاريخ بالهمة ~~والفكر، لما أنه يجود بذكر ما جرى عليه النسيان، ويجيد حوادث الحدثان، ويخرجها من حيز ~~الخفاء إلى حيز العيان. ولولا أن مصباح التاريخ به الاستصباح، لأصبح ما مضى هشيما تذروه ~~الرياح، فمنفعته عامة، للخاصة والعامة، وهو مشير كل أمير، وأمير كل مشير، وسمير كل وزير، ~~وظهير كل سمير، إذا سئل أجاب، وأبدى العجب العجاب، ترتاح به الأرواح الفاضلة، وتلتاح إليه ~~النفوس الكاملة، من الحكماء والأساطين، والملوك والسلاطين؛ فلذا كانت مطمح نظر الخديو ~~الأعظم، وملمح بصر الداوري الأفخم، نادرة الدهر، أنموذج الفخر، سيد مصر، وصاحب العصر، ~~مغناطيس التعجب، صاحب اليد البيضاء التي لا توارى، والحسنات الجمة التي لا تجارى، من به ~~اضمحل الظلم وتلاشى، أفندينا ولي الممالك محمد علي باشا، الذي سارت الركبان بذكره في كل ~~ناد ... وتلقب بأعظم الألقاب، لا سيما عند ms55 ملوك أوروبا، أوليس أنه يلقب عندهم معيد تمدن ~~الإسلام، ومبيد تمكن الأوهام ...» ~~«ولما كان تولعه بالتواريخ شديدا، وتطلعه لأخبار الملوك الماضين مزيدا، وله في ~~معرفة فحول رجال القرون الأولى، المادة الغزيرة واليد الطولى، والقريحة الوقادة، والبصيرة ~~النقادة، وكان تاريخ تلك العصور، بالكتب العربية في غاية القصور، لا سيما تاريخ اليونان، ~~المشتمل على فحول رجال تلك الأزمان ... وكان بمدرسة الألسن من يقوم بتعريب طرفه، ويخرج دره ~~من صدفه، أعطيته لعدة أفراد، لتعريب المراد، في أقرب ميعاد ... إلخ.» # وقد اشترك في ترجمة هذا الكتاب مصطفى الزرابي أفندي، ومحمد عبد الرازق أفندي، وعبد الله ~~أبو السعود أفندي. # وبعد الانتهاء من ترجمة هذا الكتاب في تاريخ العالم القديم، تخير رفاعة كتابا آخر في ~~تاريخ العصور الوسطى، وعهد لمصطفى الزرابي أفندي بترجمته، فخرج كتابا كبيرا في جزءين، يقع ~~الجزء الأول في 268 صفحة، والثاني في 359 صفحة، وقدم له رفاعة بما يؤكد خطته التي ~~زعمناها، قال: «... يقول الفقير إلى الله تعالى رفاعة رافع ناظر مدرسة الألسنة: هذه رسالة في ~~تاريخ القرون المتوسطة تكملة لتاريخ القدماء الذي طبعه ولي النعم، صاحب الجود والكرم ...» ~~وقد سمي هذا الكتاب: «قرة النفوس والعيون بسير ما توسط من القرون». # تناول هذان الكتابان تاريخ العالم في العصور القديمة والمتوسطة. وقد انقسم العالم في ~~العصور الحديثة إلى دول كثيرة مختلفة، ولكل دولة تاريخها، وقد عني رفاعة بتاريخ فرنسا ~~خاصة للأسباب المتقدم ذكرها، فعهد إلى أحد النابغين من تلاميذه - أبي السعود أفندي - بترجمة ~~كتاب «نظم اللآلئ في السلوك فيمن حكم فرنسا من الملوك»، فترجمه وطبع في بولاق سنة 1257ه. # وبعد سنوات قليلة من ترجمة هذا الكتاب أهدى المؤرخ الفرنسي «مونيقورس» كتابه في «تاريخ ~~ملوك فرنسا» إلى شريف باشا «مدير عموم المالية»، «وبالمذاكرة مع حضرة البك المفخم، مدير ~~عموم المدارس إبراهيم أدهم، استقر الرأي على طبعه، وأن يطبع على ذمة حضرة الباشا المشار ~~إليه، مكافأة لمؤلفه في نظير الإهداء ...» # وقد قام بترجمته حسن قاسم أفندي أحد خريجي الألسن، وطبع في بولاق في سنة 1264ه. ms56 # وقد عرف رفاعة أن محمد علي يعنى عناية خاصة بدراسة سير أمثاله من الملوك المصلحين ~~الذين نهضوا بأممهم نهضات يذكرها التاريخ؛ لهذا «اختار تاريخ ملك من ملوك الإفرنج، تعلو ~~همته بينهم على المريخ، وهو تاريخ بطرس الأكبر، الذي فضله بين ممالك أوروبا أشهر من أن ~~يذكر.» وعهد إلى نابغ آخر من تلاميذه ومواطنيه - وهو أحمد عبيد الطهطاوي أفندي - بترجمته. ~~والكتاب من تأليف الفيلسوف الفرنسي المعروف «فولتير». # ومن كتب التراجم التي عربها خريجو الألسن كذلك: كتاب «مطالع شموس السير في وقائع ~~كارلوس الثاني عشر»، ترجمه محمد مصطفى الزرابي أفندي، «وكانت ترجمته بأوامر مدير المدارس، ~~لا زال مختارا لإبراز الدرر والنفائس.» # ولما كان الكتاب يؤرخ لمملكة «أسوج» - السويد - حتى عهد كارلوس الثاني عشر، فقد رأى ~~المترجم أنه من المناسب أن يذيله «بتذييل لطيف يذكر فيه من حكمها بعده من الملوك إلى عهدنا ~~هذا - طبع الكتاب في 1257ه - على طريق الإيجاز، لتعلم أحوال تلك البلاد الشمالية، وتتم ~~بذلك فائدة الكتاب ...» وقد انتخب المترجم هذا التذييل من «كتاب المؤلف راغوان في أحوال ~~القرن الثامن عشر». # ذكرنا قبل هذا أن خريجي الألسن في نحو عشر سنوات يتراوحون بين السبعين والمائة، وأنهم ~~ترجموا ما يقرب من الألفي كتاب. ومن العسير أن نترجم هنا لجميع هؤلاء الخريجين أو أن نذكر ~~بالتفصيل جهودهم العلمية، فاكتفينا بعرض التيارات العامة التي كانت توجه تلاميذ رفاعة في ~~قلم الترجمة الملحق بالألسن. وتحدثنا حديثا موجزا عن بعض جهود هؤلاء التلاميذ تحت ضوء هذه ~~التيارات، وسنتخير هنا علمين من أعلام هؤلاء التلاميذ فنتحدث عن حياتهما وجهودهما. # هذان العلمان هما: عبد الله أبو السعود أفندي، والسيد صالح مجدي أفندي (بك فيما بعد)، ~~وقد دفعنا إلى اختيارهما أنهما كانا أكثر الخريجين اتصالا بأستاذهم رفاعة في عهد محمد علي ~~ثم في عهد إسماعيل، وأنهما كانا أكثر الخريجين إنتاجا وترجمة بل وتأليفا فيما بعد. # أما أبو السعود أفندي فقد ولد في دهشور سنة 1236ه، وكان والده قاضيا، ثم اختير ناظرا ~~لأحد المكاتب التي أنشأها محمد علي، وهو ms57 مكتب البدرشين، وذلك في سنة 1248ه، فألحق ابنه ~~تلميذا بهذا المكتب، ومنه اختاره رفاعة بك في سنة 1250ه ليكون تلميذا بمدرسة الألسن. ~~وفيها تفوق على أقرانه وخاصة في اللغة العربية، فاختير في سنة 1254ه مدرسا لهذه اللغة ~~خلفا لأستاذه الشيخ حسنين الغمراوي، ومنح رتبة الملازم الثاني. # وبعد قليل رقي إلى رتبة الملازم الأول، ونقل إلى مدرسة المهندسخانة فكان يدرس بها ~~اللغة الفرنسية، ويشترك في تصحيح الكتب الرياضية التي يترجمها مدرسوها. ولم يكتف في هذه ~~السنوات بالثقافة التي تلقاها في الألسن، بل كان يحضر دروس الفقه في الجامع الأزهر، ومن ~~أساتذته هناك: الشيخ خليل الرشيدي، والشيخ أحمد المرصفي، والشيخ المنصوري، والشيخ التميمي ~~المغربي. وفي سنة 1259ه، عندما أعيد تنظيم قلم الترجمة الملحق بالألسن تحت رئاسة رفاعة بك ~~ونظارة كاني بك، نقل إليه أبو السعود أفندي، ولم يترجم في تلك الفترة إلا كتاب «نظم اللآلئ ~~في السلوك فيمن حكم فرنسا ومن قابلهم على مصر من الملوك». والثلثان الأولان من الكتاب ~~مترجمان عن الفرنسية وموضوعهما تاريخ ملوك فرنسا من الدولة «الميروفنجية» إلى عهد الملك ~~«لوي فيليب». أما الثلث الأخير فمن وضعه وقد ضمنه تاريخ حكام مصر وولاتها منذ عهد الخليفة ~~أبي بكر الصديق إلى عهد السلطان عبد المجيد. وقد طبع هذا الكتاب في بولاق سنة ~~1257ه. # وفي عهد عباس الأول انزوى أبو السعود أفندي موظفا عاديا لا جهد له ولا نشاط. ولا عجب ~~فهو تلميذ رفاعة، فلما تولى سعيد باشا الحكم عاد أبو السعود إلى الحياة، وسافر مع الوالي ~~إلى السودان كاتبا لمعيته، وبعد عودته عين بقلم الترجمة بالخارجية. وفي أوائل عهد ~~إسماعيل عاد إلى قلم الترجمة الملحق بديوان المدارس ليعمل من جديد بالاشتراك مع زميله صالح ~~مجدي تحت رئاسة أستاذهما القديم رفاعة بك. # وفي هذا العهد بلغ نشاطه في الترجمة والتأليف أوجه، فترجم سبعة كتب، معظمها في التاريخ ~~- وهو العلم الذي تخصص فيه - وبعضها في الزراعة أو الكيمياء أو القانون أو ~~الجغرافيا. # وفي هذا العهد أيضا خطا أبو السعود خطوة جريئة، فأنشأ ms58 في مصر أول صحيفة وطنية شعبية، هي ~~جريدة «وادي النيل». وقد كان لهذه الصحيفة شأن كبير في التمهيد للحركة الوطنية في عهد ~~إسماعيل. # وقد ساهم أبو السعود في تحرير أول مجلة مصرية ظهرت في ذلك الوقت، وهي «روضة المدارس»، ثم ~~اختير في أخريات أيامه ناظرا لقلم الترجمة خلفا لأستاذه رفاعة، ثم كان مدرسا للتاريخ ~~بمدرسة دار العلوم، وعضوا بمجلس الاستئناف إلى أن توفي في الثامن من صفر سنة 1259ه. # أما السيد صالح مجدي فهو من أسرة عربية الأصل، ولد في قرية أبي رجوان من أعمال مديرية ~~الجيزة في سنة 1242ه أو سنة 1243ه، وتلقى علومه الأولى في مكتب حلوان الأميري، ومنه اختير - ~~كما اختير زميله أبو السعود - ليكون تلميذا بمدرسة الألسن، فألحق بها في سنة 1252ه. # وفي عهد تلمذته بهذه المدرسة ظهر نبوغه في اللغتين العربية والفرنسية، فلما أنشئ قلم ~~الترجمة في سنة 1258ه، وجعل من أقسامه قسم لترجمة الكتب الرياضية تحت رئاسة بيومي أفندي، ~~جعل السيد صالح مجدي وكيلا لهذا القسم، وفيه ترجم كتابين: أحدهما جداول المهندسين، ~~وثانيهما تطبيق الهندسة على الميكانيكا والفنون. # وفي سنة 1260ه نقل إلى مدرسة المهندسخانة، خلفا لزميله أبي السعود الذي نقل من ~~المهندسخانة إلى قلم الترجمة في سنة 1259ه. وفي هذه المدرسة عين مجدي «لتدريس اللغتين ~~الفرنساوية والعربية، وتعليم نجباء تلامذتها فن الترجمة، وتعريب فروع الرياضيات التي ~~تدرس بها على القواعد العربية.» ويقول علي مبارك في خططه: «إني قد كنت من رجال هذه ~~المدرسة، فعرفت المترجم فيها واتخذته لي صاحبا وصديقا، وكنت قد تعينت في سنة ستين التي ~~التحق هو فيها بتلك المدرسة للسفر مع عدة من أمثالي إلى مملكة الفرنسيس لتكميل العلوم ~~الرياضية وتحصيل الفنون العسكرية المتعلقة بالطوبجية والاستحكامات، فلما رجعت إلى مصر بعد ~~خمس سنين وجدته قد وصل إلى رتبة يوزباشي وأخبرني أنه أحرزها في سنة 1262ه، وأنه عرب في هذه ~~المدة عدة كتب في فروع الرياضيات، منها كتاب في الطبوغرافيا والچيودوزيه، وكتاب ميكانيكا ~~نظرية، وكتاب ميكانيكا عملية، وكتاب أدروليكا، وكتاب حساب ms59 آلات، وكتاب طبيعة، وكتاب هندسة ~~وصفية، وكتاب في حفر الآبار، ورسالة في الأرصاد الفلكية تأليف الشهير «أرجو». ولما أحيلت ~~على عهدتي نظارة المهندسخانة وما معها سنة ست وستين بعد انتقالي من رتبة صاغقول أغاسي إلى ~~رتبة أميرالاي كان لي المترجم رفيقا مع قيامه بوظائفه. وطالما استعنت بقلمه على تأليف ~~كتب متنوعة في فنون شتى. وقد ترجم في تلك المدة عدة كتب في الرياضة، منها كتاب في ~~الحساب، وكتاب في الجبر، وكتاب في تطبيق الجبر على الأعمال الهندسية، وكتاب في الظل ~~والمنظور، وكتاب في حساب المثلثات، وكتاب في الهندسة الوصفية، وكتاب في قطع الأحجار ~~والأخشاب، وهي كتب جار عليها العمل إلى الآن في المدارس. وله غير ذلك من الكتب التي تجل ~~عن الحصر ...» # وهكذا كان صالح مجدي أسعد حظا من صديقه أبي السعود؛ فقد مهدت له معرفته بعلي مبارك ~~السبيل إلى البقاء في مدرسة المهندسخانة في عهد عباس. وفي هذه المدرسة قضى نحو عشر سنوات ~~أنتج فيها هذا الإنتاج الضخم. # وفي عهد سعيد باشا عاد أستاذه رفاعة من السودان. غير أنه ظل مدة عاطلا، فنقل مجدي في ~~سنة 1272ه وكيلا لمأمورية أشغال الطوابي بالقلعة السعيدية، وعهد إليه بترجمة الكتب ~~العسكرية ثم مباشرة طبعها في مطبعة بولاق. ثم لم يلبث أن جذبه رفاعة إليه، فنقل ناظرا ~~لقلم الترجمة الملحق بالمدرسة الحربية بالقلعة التي كان يتولى نظارتها رفاعة. # وفي أوائل عهد إسماعيل أعيد إنشاء قلم الترجمة الملحق بديوان المدارس، وتولى الإشراف عليه ~~رئيسه القديم رفاعة بك، وكان من مترجميه أبو السعود وصالح مجدي، بل لقد أتى على هذا القلم ~~وقت لم يكن به من المترجمين غير صاحبينا وزميل ثالث لهما كان له شأن أي شأن في ترجمة الكتب ~~التاريخية في عصر محمد علي وهو حسن أفندي الجبيلي. # وقد شارك مجدي في تلك الفترة - كأستاذه رفاعة وزميله أبي السعود - في التحرير في روضة ~~المدارس، ثم في ترجمة «قانون نابليون # Code du Napoleon ~~»، ~~وفي ترجمة القوانين المختلفة الأخرى التي تم نقلها إلى اللغة العربية في ms60 عهد إسماعيل. وظل ~~يتقلب في الوظائف حتى عين في سنة 1293ه/1875م قاضيا بمحكمة مصر، ولبث يشغل هذا المنصب ~~حتى توفي في ذي الحجة سنة 1298ه. # وفي كل تلك العهود كان علي باشا مبارك يستعين به وبجهوده وعلمه في تأليف وتصنيف معظم ~~كتبه؛ فقد قال في الخطط: «وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين بعد الألف أحيلت على عهدتي - وأنا ~~إذ ذاك ناظر القناطر الخيرية - مأمورية تأليف كتاب الهجاء والتمرين، فطلبت المترجم من ديوان ~~المدارس بأمر عال، فحضر عندي، واشتغل معي بالكتاب المذكور حتى تم على أحسن حال ... وتكرر ~~طبعه حتى زادت نسخه على خمسة عشر ألفا ...» ثم قال: «ولما أحيلت على عهدتي نظارة عدة دواوين ~~ومصالح في آن واحد استعنت بقلمه على تحرير عدة لوائح وترتيبات نافعة لإدارة هذه المصالح ~~...» وقال أيضا: «وباشر معي بعض التاريخ الذي عملته للديار المصرية في عدة مجلدات، وبعض ~~رسائل جمعتها، وطبعت بمعرفته في جرنال روضة المدارس ...» # وقال محمد مجدي في ترجمة والده التي نشرها في مقدمة ديوانه أنهما - أي علي مبارك وصالح ~~مجدي - أتما من هذا الكتاب: «ما يتعلق بالفراعنة والأكاسرة والبطالسة والرومانيين. ووصلا ~~فيه في مدة الإسلام إلى سنة ستين ومائة بعد الألف من الهجرة، وبلغ ما جمع فيه من المجلدات ~~نحو أربعمائة كراسة. وهو الآن لدى سعادة علي مبارك باشا ، والغالب أنه مهيأ للطبع ...» وقد ظن ~~البعض أن المقصود بهذا الكتاب هو كتاب الخطط التوفيقية. غير أن الخطط تم طبعها في سنة ~~1304-1306ه/1886-1889م، وديوان صالح مجدي طبع في سنة 1911م، فكأن الكتاب الذي كان مهيأ ~~للطبع في سنة 1911م هو غير الخطط قطعا، وخاصة أن موضوعه هو تاريخ مصر في مختلف العصور لا ~~طوبغرافيتها. غير أني رجعت إلى قائمة المطبوعة التي ألفها كل من علي مبارك وصالح مجدي، ~~فلم أجد من بينها كتابا في تاريخ مصر، فلعله لم يطبع. # هذا هو صالح مجدي، وهذا موجز عن جهوده، فقد قضى العمر كله يترجم ويؤلف حتى زادت ترجماته ~~ومؤلفاته - كما يقول علي مبارك - «على خمسة وستين ms61 كتابا ورسالة». # أبو السعود وصالح مجدي علمان كما قلنا من أعلام خريجي الألسن، وهما خير نموذجين لهؤلاء ~~الخريجين. وعلى مثالهما بذل إخوانهما الجهد في الترجمة والتأليف. ومن صنفهما: محمد عثمان ~~جلال في ميدان الأدب، وقدري باشا في ميدان القانون. # وقد ربطت الحوادث بين هذين العلمين وبين أستاذهما رفاعة، فعملا معه في قلم الترجمة في ~~عصري محمد علي وإسماعيل، واشتركا معه في تحرير روضة المدارس وفي ترجمة قانون نابليون. غير ~~أنهما رغم هذا اختلفا الواحد عن الآخر في ميادين أخرى، فقد كان صالح مجدي أقرب إلى علي ~~مبارك في دراساته وثقافته الرياضية والعسكرية، ولهذا تعاون في إنتاجه العلمي مع علي مبارك ~~أكثر من تعاونه مع أستاذه رفاعة. ومع هذا فقد كان فضل رفاعة عليه كبيرا، فإن ثقافته ~~الفرنسية والعربية التي تلقاها في مدرسة الألسن هي التي رشحته للعمل في قلم الترجمة في ~~عهدي محمد علي وإسماعيل، وهي التي رشحته للعمل في مدرسة المهندسخانة في عهدي محمد علي ~~وعباس. وثقافته القانونية في الألسن أيضا هي التي رشحته للعمل في ترجمة القوانين ثم لتولي ~~وظيفة القضاء في عصر إسماعيل؛ لهذا كان مجدي أبر التلاميذ بأستاذه، فهو الوحيد من بين تلاميذ ~~رفاعة الذي أرخ له بعد وفاته، فكتب عنه كتابه القيم - رغم صغره - «حلية الزمن بذكر مناقب ~~خادم الوطن». # أما أبو السعود فكان أكثر تأثرا بأستاذه، فقد تخرج من الألسن شغفا كأستاذه بعلمي ~~التاريخ والجغرافيا؛ ولهذا كانت معظم مترجماته ومؤلفاته في هذين العلمين. وقد اعترف بفضل ~~رفاعة عليه وتأثره به في هذا الميدان في مقدمة كتاب عربه في الجغرافية في عصر إسماعيل، ~~ونشره بالتتابع في صحيفته وادي النيل، ثم طبعه على حدة تحت عنوان: «الدرس المختصر المفيد في ~~علم الجغرافيا الجديد». قال: «وكان قد سبقني في انتهاج هذا المنهاج ... في منتصف هذا القرن ~~الأخير (19) وأول عهد المرحوم محمد علي باشا الكبير، حضرة أستاذي رفاعة بك أفندي الشهير. ~~وهو وإن كان لم يزل له فضل السبق، وكان بالاحترام والتبجيل أحق، ولربما جئت بالغث وجاء ~~بالسمين، ms62 وتزييت بالرث وتزيى بالثمين، غير أنه لما كان هذا العلم عبارة عن استقصاء حقيقة ~~أحوال هذا العالم السريع الانتقال من حال إلى حال، واستمرار تنقل الملل والنحل، وغير ~~ذلك من التقلبات الموالية على ممر الأوقات واللحظات، احتاج هذا العلم لمن يقف له بالمرصاد، ~~ويبذل في خدمته على الدوام - كالحاصل في البلاد المتمدنة - كل الاجتهاد؛ فلذلك قفوت من أستاذي ~~الأثر، وحذوت حذوه في مشقة ذلك السفر ... وإذا كان أستاذي حفظه الله قد أتى من هذا الأكل ~~بالباكورة فقد أتيت بوفرة الثمر، أو كان قد بدر بالبدر فقد جئت بالشمس والقمر. وإذا كان قد ~~جاء بالتعريبات الشافية في علم الجغرافيا، فهذه الرسالة بحمد الله هي الخلاصة الكافية ~~...» # | رفاعة الرجل # آمن محمد علي منذ قدم إلى مصر أن سر تفوق الغرب على الشرق إنما هو علوم الغرب ونظمه ~~الجديدة؛ ولذلك اتجهت جهوده الإصلاحية كلها إلى نقل هذه العلوم وهذه النظم إلى مصر. ولقد ~~كان محمد علي حكيما الحكمة كلها في هذا، لأنه نقل الغرب إلى مصر ولم ينقل مصر إلى الغرب، ~~فاحتفظت مصر - وهي تنقل عن الغرب حضارته - بشرقيتها. # وكان رفاعة رافع الطهطاوي خير نموذج للرجل الذي أراد محمد علي أن يخرجه ويكونه ~~للمشاركة في حكم مصر وتعليم المصريين العلوم الجديدة، فهو قد قبس قبسين: قبسا من علم الشرق ~~وقبسا من علم الغرب. # وقد فهم رفاعة عن محمد علي سياسته فاتبعها مع تلاميذه في الألسن، وخرج تلاميذه - في جملتهم - ~~صورا منه يتقنون اللغة العربية وعلومها واللغات الأجنبية وعلومها؛ وبهذا استطاع محمد علي ~~واستطاع رفاعة أن يصبغا الثقافة المصرية في القرن التاسع عشر ويوجهاها حتى اليوم الوجهة ~~الصالحة الطيبة. # كان أصحاب رفاعة يسمونه «الشيخ رفاعة»، فلما سافر إلى باريس كان أصدقاؤه من الفرنسيين ~~والمستشرقين ينادونه ب «المسيو رفاعة». ولما عاد إلى مصر وعين في المدارس الجديدة سمته ~~الحكومة «رفاعة أفندي»، ولكنه رقي بعد ذلك إلى رتبة القائمقام فأصبح لقبه «رفاعة بك». وقد ~~رقي رفاعة - منذ عاد من باريس - في سلم الرتب العسكرية من الملازم ms63 الثاني إلى أمير ~~الآلاي. # كان رفاعة دائم العمل، دائب النشاط، واسع العلم، وافر الذكاء، كثير الإنتاج، ومع هذا لم ~~يمنح في حياته لقب «الباشوية» ولم يصل كغيره إلى مرتبة «النظارة»، وهذا أمر يبدو غريبا. ~~وإن كان الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك يعلله بما كان يمتاز به رفاعة من شمم وإباء وشهامة، ~~فهو يقول: «ولا يمكن تعليل كل ذلك من ناحية الكفاءة والجدارة؛ فإن كفاءة رفاعة بك كانت ~~منقطعة النظير، وجدارته معترف بها من الجميع، فبقاؤه في «نظارة قلم الترجمة» وعدم بلوغه ~~مرتبة الوزارة - وهي النهاية التي يتطلع إليها من ينتظمون في سلك المناصب الحكومية - لا بد ~~أن يكون ذلك راجعا إلى ما اتصف به رفاعة بك من الشمم والإباء؛ فإن هذه الصفات على كونها ~~من أسمى الفضائل ليست محببة إلى الرؤساء وولاة الأمر، ولا ترغبهم كثيرا في أصحابها، ولا ~~تميل بهم إلى إسناد المناصب الرفيعة إليهم.» # وصف صالح مجدي بك أستاذه رفاعة بأنه كان «قصير القامة، عظيما، واسع الجبين، متناسب ~~الأعضاء، أسمر اللون، ثابت السكون. وكان فيه دهاء وحزم، وجرأة وثبات وعزم، وإقدام ورياسة، ~~ووقوف تام على أحوال السياسة، وتفرس في الأمور. وكان حميد السيرة، حسن السريرة.» ثم قال: ~~«وكان فيه زيادة كرم وسماحة، وفريد بلاغة وفصاحة، كثير التواضع جم الأدب، محبا للخير. ~~وكان كلما ارتقى إلى أسنى المناصب ، وجلس على أسمى المراتب، ازداد تواضعه للرفيع والوضيع، ~~وتضاعف سعيه في قضاء حوائج الجميع، ولم يغتر بزينة الدنيا وزخرفها. وكان قليل النوم كثير ~~الانهماك في التأليف والتراجم حتى إنه ما كان يعتني بملابسه ...» # هذه صورة تقريبية لرفاعة هي أقرب الصور للحقيقة؛ فراسمها تلميذ رفاعة وأقرب الناس إليه ~~وأكثرهم تعاونا معه. وهي إلى هذا صورة صادقة للعالم الحق الذي عاش ومات للعلم وفي سبيل ~~العلم، والذي أكسبه العلم صفات العلماء الطيبة، وخاصة التواضع وحب الخير والبعد عن زخرف ~~الدنيا وزينتها. # وقد قاسى رفاعة كثيرا في حياته وخاصة في السنوات التي قضاها في السودان. ومع هذا فقد ~~احتمل الألم في قوة وصبر شأن ms64 العظماء من الرجال. # وهناك صفة هامة من صفات رفاعة تستحق الالتفات والتسجيل؛ فقد كان فيها الرائد الأول ~~للمصريين جميعا في العصر الحديث، تلك هي عاطفته الوطنية القوية. كان رفاعة يحب مصر حبا ~~قويا ملك عليه نفسه، وكان الدافع له إلى الإخلاص في عمله والتفاني في أداء واجبه. وقد ~~تغنى بهذا الحب كثيرا في شعره، بل نحن لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن معظم شعره قصائد ~~ومقطوعات وأناشيد وطنية لم يسبقه إليها أو إلى مثلها أحد من المصريين. # وفي كتبه المختلفة كان يعقد الفصول الطوال للتحدث عن الوطن والوطنية وتحليل هذا المعنى ~~وضرب الأمثلة بمن عاشوا وضحوا في سبيل أوطانهم. أثار هذه العاطفة في نفسه طبيعته الخيرة، ~~وقواها ثقافته الواسعة في باريس ودراسته للعلوم الفلسفية والاجتماعية والسياسة هناك، ~~وأذكاها أيضا أنه شاهد ثورة الشعب الفرنسي في سنة 1830م فقد رأى بعينه كيف يبذل الفرنسيون ~~أرواحهم في سبيل وطنهم وحريتهم. # وفي مصر لاحظ رفاعة الجهود الجبارة التي بذلها محمد علي الكبير في إحياء مصر والنهضة بها ~~حربيا وثقافيا واقتصاديا، وأعجبه من هذا البطل حبه للخير والإصلاح، فقال الشعر الكثير ~~في مدحه والإشادة بفضله. وشعر رفاعة لا يرفعه إلى مرتبة الشعراء الممتازين كشوقي ومدرسته، ~~ولكنه يفضل كثيرا شعر معاصريه، فقد ارتفع به عن الأغراض المتداولة في أيامه - كالمديح ~~والرثاء وتاريخ المنشآت والغزل الرخيص في المرأة أو الغلمان - إلى أغراضه السامية من التغني ~~بحب مصر والإشادة بذكرها وذكر جيشها المجيد ومواقعه الحاسمة وأبطاله الصناديد ... إلخ ... إلخ. ~~وشعر رفاعة مبعثر - حتى الآن - في كتبه المؤلفة والمترجمة، ويحتاج في رأيي إلى من يجمعه في ~~ديوان خاص ويعنى بدراسته وتقديمه إلى القراء. وسننقل هنا بعض أبيات من مقطوعات رفاعة ~~الوطنية كنماذج لشعره. قال في قصيدة عنوانها «وطنية»: # ومصر أبهى مولد # لنا وأزهى محتد # ومربع ومعهد # للروح أو للبدن ~~... ... ... ~~... ... ... # مصر لها أيادي # عليا على البلاد # وفخرها ينادي # ما المجد إلا ديدني # الكون من مصر اقتبس # نورا وما عنه احتبس # وما مختارها التبس # إلا على وغد دني ~~... ... ... ~~... ... ... # دار نعيم ms65 زاهية # ومعدن الرفاهية # آمرة وناهية # قدما لكل المدن ~~••• # تحنو على القريب # تحلو لدى الغريب # ترنو إلى الرقيب # شزرا بسهم الأعين ~~... ... ... ~~... ... ... # وجندهم # 1 # صنديد # وقلبه حديد # وخصمه طريد # بل مدرج في كفن ~~••• # كل فتى جليل # يعشق وادي النيل # كم فيه من نزيل # يقول مصر وطني # وقال يشيد بعظمة الجيش المصري: # ننظم جندنا نظما # عجيبا يعجز الفهما # بأسد ترعب الخصما # فمن يقوى يناضلنا # رجال ما لها عدد # كمال نظامها العدد # حلاها الدرع والزرد # سنان الرمح عاملنا ~~••• # وهل لخيولنا شبه # كرائم ما بها شبه # إليها الكل منتبه # وهل تخفى أصائلنا ~~••• # لنا في الجيش فرسان # لهم عند اللقا شان # وفي الهيجاء عنوان # تهيم به صواهلنا ~~••• # مدافعنا القضا فيها # وحكم الحتف في فيها # وأهونها وجافيها # تجود به معاملنا ~~••• # لنا الرؤساء أبطال # رجال أينما جالوا # بصولة عيلم صالوا # يفوق الحد صائلنا ~~••• # لنا في المدن تحصين # وتنظيم وتحسين # وتأييد وتمكين # منيعات معاقلنا # واستمع أخيرا إلى هذه الأنشودة التي يخاطب بها المصريين: # يأيها الجنود # والقادة الأسود # إن أمكم حسود # يعود هامي المدمع # فكم لكم حروب # بنصركم تئوب # لم تثنكم خطوب # ولا اقتحام معمع # وكم شهدتم من وغى # وكم هزمتم من بغى # فمن تعدى وطغى # على حماكم يصرع # إلخ ... إلخ. # | كلمة ختامية # وبعد، فهذا هو موجز عن رفاعة الرجل، بل البطل. قضى حياته في العمل، والعمل النافع، وظل ~~على نشاطه ودأبه على الإنتاج حتى أوفى على الخامسة والسبعين فنالت منه الشيخوخة ونال منه ~~المرض، فأصيب بالتهاب في المثانة ولبث يعالج منه مدة حتى حان الحين ووافى الأجل المحتوم، ~~فأسلم الروح إلى بارئها، وكان ذلك في أول ربيع الثاني سنة 1290ه/29 مايو سنة 1873م فاهتزت ~~مصر كلها لموته، ونشر ابنه علي بك فهمي رفاعة نعيه في العدد السابع من السنة الرابعة من ~~مجلة روضة المدارس، قال: «إنه ليحزنني أن أنقل من عدد الوقائع المصرية الأخير ما كتبه حضرة ~~محررها الأستاذ الشهير # 1 # إيذانا بوفاة والدي رفاعة بك رافع طاب ثراه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه. وحيث ~~كانت دموع الأسف على فقده ms66 شاغلة لي عن القيام بحقوقه الواجبة علي من بعده، فليس في وسعي ~~الآن إلا الدعاء له بالرحمة والرضوان.» # ولست أجد أخيرا وصفا لجنازته وما أصاب الناس من ألم لوفاته خيرا من قول أستاذنا الجليل ~~أحمد أمين بك في خاتمة مقالاته عن رفاعة، قال: ~~«... اهتزت مصر لموته (أي رفاعة)، واحتشد لتشييع جنازته الألوف المؤلفة من رجال المعارف ~~والأمراء والنبلاء وتلاميذ المدارس، وازدحمت الشوارع بالناس يردون بعض جميله: يذكره ~~الأزهريون على أنه ابنهم، والمتعلمون المدنيون على أنه أبوهم، والجالية الفرنسية على أنه ~~أخوهم، والمصريون كلهم على أنه مؤسس نهضتهم. وكلهم يتوجع لفقده ويشيد بذكره. وسار المشهد من ~~منزله بالمهمشا حتى إذا قارب المدينة كان ينتظره شيخ الأزهر وعلماؤه وطلبته، فاشتركوا في ~~تشييع الجنازة، ووضع النعش في القبلة الجديدة، ولا يكون ذلك إلا لعظيم، وأخذ الأفاضل في ~~رثائه بالقصائد والخطب، ثم حمل إلى «بستان العلماء» حيث طويت صحيفته، وبقيت آثاره خالدة ~~تعظم وتتزايد وتتوالد. رحمه الله فقد صنع لأمته كثيرا ...» # أجل، رحم الله رفاعة رحمة واسعة فقد صنع لأمته كثيرا ... # | من مراجع البحث # ذكرنا في صفحات الكتاب المختلفة أسماء المراجع الكثيرة التي أفدنا منها، ثم رأينا أن نذكر هنا بيانات كاملة عن أهم هذه المراجع: ~~(1) المراجع العربية ~~(1-1) مخطوطات ~~(1) # أبو السعود «عبد الله أفندي»: منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ محيي مصر، مخطوط، مكتبة البلدية بإسكندرية، رقم 4640ج. ~~(2) # برنار: ترجمة تاريخ الديار المصرية في عهد الدولة المحمدية العلوية، ترجمه إلى العربية أبو السعود أفندي، مخطوط بمكتبة البلدية بإسكندرية، رقم 3344ج. ~~(3) # الشيال «جمال الدين»: تاريخ الترجمة في عهد الحملة الفرنسية. ~~(4) # تاريخ الترجمة في عهد محمد علي. ~~(نسختان على الآلة الكاتبة، وسيطبعان قريبا). ~~(5) # عبد الكريم «الدكتور أحمد عزت»: تاريخ التعليم في عصر عباس وسعيد. ~~(6) # تاريخ التعليم في عصر إسماعيل وأوائل حكم توفيق. ~~(نسختان على الآلة الكاتبة، وهما الآن تحت الطبع). ~~(7) # مجدي «السيد صالح بك»: حلية الزمن بمناقب خادم الوطن «رفاعة الطهطاوي»، مخطوط بدار الكتب الملكية بالقاهرة، رقم 1026 تاريخ. ~~(1-2) وثائق مطبوعة ~~(1) # رستم «الدكتور أسد»: بيان ms67 بوثائق الشام وما يساعد على فهمها ويوضح مقاصد محمد ~~علي الكبير (عن المحفوظات الملكية المصرية بعابدين)، 4 مجلدات، بيروت ~~1940-1943م. ~~(2) # سامي «المرحوم أمين باشا»: تقويم النيل وعصر محمد علي، مطبعة دار الكتب، القاهرة 1928م. ~~(1-3) مراجع عامة مطبوعة ~~(1) # الجبرتي «الشيخ عبد الرحمن»: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، 4 أجزاء، المطبعة الأهلية، القاهرة 1322ه. ~~(2) # الرافعي «الأستاذ عبد الرحمن بك»: تاريخ الحركة القومية، الجزء الثالث، عصر محمد علي، القاهرة 1930م. ~~(3) # عصر إسماعيل، جزءان، القاهرة 1932م. ~~(4) # زيدان «جورجي»: تاريخ آداب اللغة العربية، ج4، الطبعة الثانية، القاهرة 1937م. ~~(5) # تراجم مشاهير الشرق في القرن 19، جزءان، القاهرة 1902-1903م. ~~(6) # سامي «أمين باشا»: التعليم في مصر، مطبعة المعارف، القاهرة 1917م. ~~(7) # شيخو «الأب لويس»: الآداب العربية في القرن التاسع عشر، جزءان، بيروت 1908-1910م. ~~(8) # الطهطاوي «الشيخ رفاعة رافع بك»: تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز، القاهرة 1323ه (1905م). ~~(9) # مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، القاهرة 1330ه (1912م). ~~(10) # المرشد الأمين للبنات والبنين، مطبعة المدارس الملكية، 1289ه. ~~(11) # طوسون «الأمير عمر باشا»: البعثات العلمية في عهد محمد علي ثم في عهدي عباس الأول وسعيد، الإسكندرية 1934م. ~~(12) # عبد الكريم «الدكتور أحمد عزت»: تاريخ التعليم في عصر محمد علي، القاهرة 1938م. ~~(13) # عبده «الدكتور إبراهيم»: تاريخ الوقائع المصرية، بولاق 1942م. ~~(14) # غربال «الأستاذ محمد شفيق بك»: محمد علي الكبير، القاهرة 1944م. ~~(15) # فنلون: مواقع الأفلاك في وقائع تليماك، ترجمه عن الفرنسية رفاعة رافع الطهطاوي، بيروت «بدون تاريخ». ~~(16) # قورتنبير: الدرس المختصر المفيد في علم الجغرافيا الجديد، ترجمه إلى ~~العربية أبو السعود أفندي، القاهرة 1286ه. ~~(17) # مبارك «علي باشا»: الخطط التوفيقية الجديدة، 20 جزءا ، بولاق 1304-1306ه. ~~(18) # مجدي «السيد صالح بك»: ديوان السيد صالح مجدي بك، بولاق 1311ه. ~~(1-4) مقالات في صحف ومجلات ~~(1) # أمين «الأستاذ أحمد بك»: الشيخ رفاعة الطهطاوي، الثقافة، الأعداد: 230-235. ~~(2) # حسين «الأستاذ محمد الصادق بك»: رفاعة بك، السياسة الأسبوعية، العدد 64، 28 مايو 1927م. ~~(3) # الشيال «جمال الدين»: الدكتور برون والشيخان محمد عياد الطنطاوي ومحمد عمر التونسي، مجلة كلية الآداب بجامعة فاروق الأول بإسكندرية، المجلد الثاني، 1944م. ~~(4) # عبد المجيد «الأستاذ عبد ms68 العزيز»: أول مدرسة مصرية في السودان، الثقافة، العددان 224 و225. ~~(5) # الوقائع المصرية، أعداد مختلفة منها. ~~(2) المراجع الأجنبية ~~(1) # Bowring: Report on Egypt and Candia, London, 1840. ~~(2) # Artin “Yacoub Pacha”: I’ Instruction Publique en Egypte, Paris, 1890. ~~(3) # Carra De Vaux “Baron”: Les Penseurs de I’ Islam, t. v. Paris, 1926. ~~(4) # Hamont: I’ Egypte Sous Med Ali, 2ts, Paris 1843. ~~(5) # Lane “ed. W.”: The Manners and Customs of Modern Egyptians, London, 1860. ~~(6) # Dunne “J. Heyworth”: Printing and Translations under Med ~~Ali of Egypt. (Journal of the Royal Asiatic Society July 1940). ms69