######OpenITI# #META# URI: 1387JamalDinShayyal.TarikhTarjamaFiMisr.Hindawi30316951 #META# Tags: history #META# ID: 30316951 #META# Title: تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية #META# AuthorID: 18290715 #META# Author: جمال الدين الشيال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # المقدمة‏ # 1 - اتصال العلماء المصريين بعلماء الحملة الفرنسية وأثر هذا الاتصال‏ # 2 - الترجمة الرسمية في عهد الحملة‏ # 3 - الترجمة العلمية في عهد الحملة‏ # مقدمة‏ # المقدمة‏ # 1 - اتصال العلماء المصريين بعلماء الحملة الفرنسية وأثر هذا الاتصال‏ # 2 - الترجمة الرسمية في عهد الحملة‏ # 3 - الترجمة العلمية في عهد الحملة‏ # | تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية # | تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية # تأليف # جمال الدين الشيال # | مقدمة # كانت رسالتي للماجستير التي تقدمت بها إلى جامعة فاروق الأول في أبريل سنة 1945 عنوانها ~~«تاريخ الترجمة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر»، وقد أجيزت الرسالة لهذه ~~الدرجة مع مرتبة الشرف الأولى. # وفي سنة 1946 نالت هذه الرسالة جائزة البحث الأدبي من مجمع فؤاد الأول للغة ~~العربية. # والرسالة تتكون من كتابين؛ أولهما: صغير وموضوعه «تاريخ الترجمة في عهد الحملة ~~الفرنسية» وهو هذا الذي نقدمه للقارئ اليوم، وثانيهما: كبير وفيه لب البحث وصميمه وموضوعه ~~«تاريخ الترجمة في عصر محمد علي» وهو قيد الطبع الآن ونرجو أن نقدمه للقارئ بعد شهور ~~قليلة. # ولست أحب أن أتحدث هنا عن البحث وموضوعه وأهميته، فمكان هذا الحديث مقدمة الكتاب الكبير ~~إن شاء الله؛ لأن هذا الكتيب ما هو إلا مدخل لذاك. # وإنما هناك فضل أسبغ علي لا أرى تأجيل الإشارة إليه، فإن من واجبي المبادرة إلى ~~الإشادة به وبأصحابه. أسبغ هذا الفضل أساتذة أجلاء وأصدقاء أوفياء، أخص بالذكر منهم ~~أستاذي الجليلين حضرة صاحب العزة الأستاذ عبد الحميد العبادي بك؛ فقد أعددت البحث تحت ~~إشرافه، وحضرة صاحب العزة الأستاذ محمد شفيق غربال بك؛ فقد استعنت بآرائه وإرشاداته في كل ~~خطوة من خطوات البحث، وكان لتوجيهاتهما القيمة الفضل الكبير في تنوير نواحي البحث ~~الغامضة. # وأقدم الشكر كل الشكر لصديقي الكريم البحاثة شارل بشاتلي سكرتير جمعية الآثار القبطية، ~~فقد تفضل وهداني إلى كثير من المراجع التي كتبت عن المترجمين السوريين، كما أفدت فائدة ~~كبيرة من بحثيه القيمين اللذين كتبهما عن «الأب أنطون رفاييل زاخور»، وعليهما كان ms01 ~~اعتمادي عند الكتابة عن هذا الأب العالم وعن جهوده في الترجمة أيام الحملة الفرنسية وفي عصر ~~محمد علي. # والله أسأل أن يوفقني للعمل الطيب المفيد. # جمال الدين الشيال # إسكندرية في 22 ديسمبر 1949 # | المقدمة # (1) تزاوج الحضارات، وسائل هذا التزاوج وخاصة الترجمة # الاتصال والتزاوج أساس التطور والرقي، أمثلة، طرائق التطعيم والتلقيح بين ~~الحضارات بعضها والبعض الآخر، الترجمة: عند العرب في العصر العباسي، في أوروبا ~~في العصور الوسطى وعصر النهضة. ~~*** # يقول علماء النبات: إن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره أنتج ثمرا أحلى من ~~النباتين: فالتفاح إذا طعم بالكمثرى جاء فاكهة جديدة أحلى مذاقا، وأعطر شذى، ~~وكان بالتالي في السوق أكثر طلبا وأعلى ثمنا، ففيه طعم الفاكهتين ورائحتهما. # ويقول علماء الوراثة والباحثون # 1 # في الذكاء: إن الأسرة أو القبيلة يتزوج أفرادها بعضهم البعض الآخر يكون ~~مصير أجيالها الضعف والغباء جيلا بعد جيل، وعلى العكس إذا دخل الأسرة دائما دم جديد ~~من أسرة أو أسر جديدة جاء النسل أكثر قوة وأذكى عقلا، وبالتالي أصلح للبقاء، وأقوى ~~على النضال في الحياة. # ويقول علماء التاريخ والاجتماع والحضارة: إن الشعب أو المجتمع أو الدولة أو الحضارة ~~التي تعيش وحدها وتنطوي على نفسها، ولا يصيبها تطعيم أو تلقيح من حضارة غيرها، يكون ~~مصيرها الضعف والانحلال، ولا نقول الزوال، فإنها تبقى موسومة في سجل التاريخ بأنها ~~حضارة ضعيفة. وهكذا نجد أن الحضارات القديمة كانت دائما على اتصال، فإذا ضعفت الحضارة ~~القديمة قامت الحضارة اللاحقة لها وفيها جماع ما في سابقتها من خير تتخذه كأساس لتبني ~~فوقه أبحاثا وكشوفا وعلوما وآدابا وفنونا جديدة؛ هي كلها ثمرات لمجهود بشري ~~جديد. # ولهذا لا نجد الحضارة - من قديم - وقفا على شعب واحد دون غيره، بل هي كالوديعة ~~يتناولها أبدا الشعب القوي فيزيد فيها وينميها، حتى إذا انتابته عوامل الضعف والكلال ~~أسلمها أمانة - أيضا - إلى الشعب الذي ولد جديدا وفيه عناصر القوة الجديدة، وهكذا ~~دواليك. فلا عجب إذن أن يجد طالب الفلسفة الحديثة - مثلا - نفسه في حاجة لأن يدرس ~~تاريخ الفلسفة والفلاسفة عند ms02 أمم الشرق القديم، ثم عند اليونانيين، ثم عند المسيحيين ~~والمسلمين في العصور الوسطى، إلى أن يصل إلى العصر الحديث؛ لأنه يجد للفلسفة قصة طويلة ~~واحدة لا يمكن أن يقرأ فصلها الأخير ويفهمه، إلا إذا بدأ بالفصل الأول فاستوعبه، ثم ~~أتبعه الفصول الأخرى فتفهمها، وهذا مثل بسيط ينطبق على كل علم أو فن أو أدب، بل وعلى كل ~~فرع من علم أو فن أو أدب. # وطرائق التطعيم والتلقيح بين الحضارات بعضها والبعض الآخر كثيرة ومختلفة، تختلف ~~باختلاف العصور، فقد كان الاتصال والتأثير عن طريق الحروب أحيانا، وعن طريق الهجرة ~~والرحلة أحيانا أخرى، وقد كانت وساطته التجارة آنا، والسفارة آنا أخرى، والزواج آنا ~~ثالثا ... إلخ، غير أن نقل العلوم من حضارة إلى حضارة، وترجمتها من لغة إلى لغة كانت هي ~~الوسيلة المشتركة دائما، والناجحة أبدا. # فهؤلاء هم العرب، كانت حضارتهم قبيل ظهور الإسلام - إذا استثنينا ما قام في اليمن من ~~حضارات قديمة - حضارة بدائية إذا قورنت بغيرها من الحضارات التي كانت تجاورها، ~~كالحضارة المصرية، أو الحضارة الفارسية. وانتشر الإسلام في سرعة جامحة عجيبة شده لها ~~العالم أجمع، وورث في سنوات قليلة أملاك الدولتين المجاورتين، وأخذ الدين الجديد ~~ينتشر بين الأهلين، وأصبحت له حكومات في هذه البلاد الجديدة، وتزاوج الشعب العربي مع ~~هذه الشعوب جميعا جنسا ولغة وحضارة. غير أن القرن الأول للدولة الإسلامية الجديدة ~~انقضى والجهود تبذل لتوطيد الدعائم وتثبيت الأسس، وبذلت جهود ضئيلة في عهد بني أمية ~~للنقل عن علوم الروم والفرس، ولم يبدأ العصر الذهبي للحضارة الإسلامية إلا في عنفوان ~~الدولة العباسية - في عصري الرشيد والمأمون - حيث أقبل العلماء - يدفعهم ويشجعهم هذان ~~العاهلان العظيمان - على الترجمة عن اللغات الأجنبية # 2 # فترجمت كتب كثيرة في الطب والفلك والرياضة والفلسفة والجغرافية ... إلخ ... ~~إلخ، ومنذ ذلك الحين تفتحت عقول المسلمين، وأقبلوا يقرءون ويفهمون، ثم أدبروا يفكرون ~~ويبحثون، فكان لهم بعد ذلك طب إسلامي، ورياضة إسلامية، وفلسفة إسلامية، وجغرافية ~~إسلامية ... إلخ، وكون هذا كله حجارة جديدة وطابقا جديدا في بناء الحضارة العلمية، ~~انبعث منه ms03 وسط دياجير العصور الوسطى المظلمة أشعة قوية نفاذة ملأت بلدان أوروبا ~~وممالكها نورا على نور، وكانت مبعث النهضة الأوروبية الحديثة وبعض مقوماتها، وكان ~~السلاح القوي لنقل هذه الحضارة الإسلامية إلى أوروبا وقتذاك هو الترجمة أيضا، فقد ~~ترجمت معظم مؤلفات المسلمين في هذه العلوم إلى بعض لغات أوروبا وخاصة اللغة اللاتينية ~~- لغة العلم والتعليم في أوروبا في تلك العصور - وأصبحت كتب العرب هي المراجع التي ~~تدرس في جامعات أوروبا، بل وكان العرب هم الذي يدرسون في بعض تلك الجامعات، وخاصة ~~جامعات إيطاليا. # 3 # انتقلت الحضارة الإسلامية إلى أوروبا عن طرق ثلاث: ~~(أ) # اتصال الأوروبيين بالمسلمين في الأندلس ومملكة الصقليتين. ~~(ب) # التجارة. ~~(ج) # الحروب الصليبية. # وانقلب الأوروبيون - بعد أن منوا بالفشل في الحروب الصليبية - إلى عقر دارهم، وقد ~~بهرتهم أنوار الحضارة الإسلامية، ومعهم مفاتيح تلك الحضارة، فتفرغوا لها يقتبسون ~~معالمها، وينقلون آثارها، ويدرسون تواليفها، وساعدتهم عوامل جغرافية وتاريخية أخرى على ~~أن يسيروا بالحضارة في دورها الجديد على طريقة جديدة تعتمد أكثر ما تعتمد على التفكير ~~الحر أولا، وعلى الملاحظة والتجربة ثانيا، وقد مهد لهم هذا كله السبيل إلى كشوف علمية ~~جديدة كانت هي الطلائع الممهدة لظهور حضارة القرنين التاسع عشر والعشرين. ~~(2) عرض عام لحالة مصر والشرق الأدنى قبيل الحملة الفرنسية # مصر تدفع عن الشرق خطر التتار، تأخر الحالة العلمية في مصر، ناحية واحدة اهتم ~~بها المصريون في تلك العصور وهي التأريخ لأنفسهم ولمصر، جهود التأليف الموسوعي ~~في القرن التاسع الهجري (15م)، الركود والخمود في العصر العثماني، أسباب هذا ~~الركود كما صورها الأستاذ شفيق غربال بك، وصف الرحالة الفرنسيين لحالة مصر ~~العلمية في القرن 18، وصف الجبرتي لها، انقطاع الصلات بين مصر والغرب، الدول ~~الأوروبية تبدأ التفكير في غزو الشرق وخاصة مصر. ~~*** # كان الأوروبيون يفعلون هذا بينما كان الشرق قد اتخذ لنفسه، أو اتخذ له القدر أسلوبا ~~آخر من الحياة يختلف كل الاختلاف عن هذا الأسلوب الذي اصطنعته أوروبا لنفسها أو اصطنعه ~~القدر لها. # بذل الشرق - وكانت مصر حينذاك مركزه وضيعته الغنية وحصنه القوي ms04 - جهودا عنيفة لرد ~~الصليبيين عن مصر، ولم يكد ينجح في مهمته حتى فاجأته غارات أشد قوة وتدميرا هي قوة ~~التتار يغيرون عليه في موجات متلاحقة متدافعة، فصمد لها، ودافعها حتى دفعها ودفع شرها، ~~وكان لمصر وحكامها من سلاطين المماليك كذلك الفضل كل الفضل في تدويخ هذه الجموع الهمجية ~~حتى أحست بالدوار فولت وجهها وجهة أخرى ترضاها، بعد أن قبست قبسا جديدا من الإسلام ~~هذبها وشذب من وحشيتها، فاستقرت في الهند وكونت هناك دولة # 4 # مغولية جنسا، إسلامية دينا، كان لها شأن عظيم في تاريخ تلك ~~البلاد. # تلاشت هذه الموجات الصليبية والتترية بعد أن بذلت مصر وبذل سلاطينها الجهد كل الجهد، ~~والمال كل المال، في القضاء على هذين الخطرين؛ لهذا لا نعجب إذا لاحظنا - بالمقارنة ~~- أن عصر المماليك الثاني - وخاصة في أواخره - يقل قوة وجاها عن عصر المماليك ~~الأول. # ولا عجب أيضا أن نجد الحركة العلمية في مصر تخمد وتضعف في هذه القرون، فلم يظهر فيها ~~مفكرون جدد، ولا مدارس تفكيرية جديدة، وانتهت العناية بالعلوم في الأزهر والمساجد ~~والمدارس التي ينشئها سلاطين المماليك إلى دراسات دينية أو لغوية أو تاريخية، وانتهى ~~جهد العلماء في مصر إلى نظم قصيدة لمدح سلطان إذا انتصر، أو تأريخ حياته إذا مات، أو ~~شرح، أو تفسير، أو تهميش، أو تعليق، أو اختصار لأمهات الكتب القديمة في الفقه والحديث ~~وغيرهما من العلوم الدينية واللغوية. # غير أن هناك شيئا واحدا لم ينسه المصريون عصرا من العصور، ذلك هو شعورهم بأنفسهم ~~وببلادهم مصر، ذلك الشعور كان له أثره الخطير في تاريخ مصر العلمي، فقد دفع المصريين ~~دائما إلى تأريخ أنفسهم، وملوكهم، وقضاتهم، وعلمائهم، ومدنهم، ومعابدهم، ونيلهم، ~~وأعيادهم ... إلخ ... إلخ، وكانت لنا من هذا الجهد المتصل سلسلة كتب الخطط وما يكملها من ~~كتب التاريخ، تبدأ بكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، وتنتهي بالخطط التوفيقية لعلي مبارك، ~~وتقويم النيل لأمين سامي، وتاريخ الحركة القومية لعبد الرحمن الرافعي. # ولم يكد القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) يوشك على الانتهاء حتى كان ~~الإعياء ms05 قد أخذ من مصر كل مأخذ؛ ولهذا نراها لا تستطيع أن تقف طويلا أمام قوى ~~العثمانيين المتفوقة، وينتهي بها الأمر إلى الخضوع والاستقرار حينا. # وكأننا بالمصريين وقد أحسوا الخطر الداهم في ذلك الحين، فتدافعوا في منافسة عجيبة - ~~طوال القرن التاسع الهجري - يسعون لجمع ما وصل إليهم من علم، وما كان بين أيديهم من كتب ~~في موسوعات كبيرة، # 5 # فتظهر في هذا القرن أسماء لامعة، ونرى المقريزي يكتب الخطط والسلوك وعشرات ~~غيرهما من الكتب، والقلقشندي يكتب صبح الأعشى، وابن خلدون يضع تاريخه في مصر، والسيوطي ~~يجمع مئات الكتب، ثم نجد السخاوي أخيرا يؤرخ لهؤلاء جميعا ولغيرهم ممن عاشوا في هذا ~~القرن في كتابه: «الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع»، مترسما خطى أستاذه ابن حجر في ~~كتابه: «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة». # فقدت مصر استقلالها بعد الفتح العثماني، وظلت القوى الثلاث الحاكمة (الباشا ~~والديوان والمماليك)، وهي قوام النظام الذي وضعه سليم الأول لحكم مصر، وللاحتفاظ بها ~~ولاية عثمانية أطول مدة ممكنة، ظلت هذه القوى تتناحر وتتنازع، وكل واحدة تبذل جهدها ~~لتحقيق غرضين اثنين: ~~(أ) # أن تقوى هي وتضعف القوتين الأخريين. ~~(ب) # وأن تبتز من الشعب ما تستطيع ابتزازه من مال لتغنى. # وأما الشعب، وأما البلد، وأما نواحي الإصلاح للرقي بالشعب وبالبلد، فقد أهملت ~~جميعا، حتى سطر التاريخ لهذا العهد صفحة سوداء، وغدت مصر توصف - في هذا العهد ~~العثماني - بالضعف في كل شيء: بالضعف في النواحي الحربية والاقتصادية، وبالضعف في ~~النواحي الصحية والعلمية، وخيم على البلاد نوع من الخمود والركود ظل ثلاثة قرون. # بحث الأستاذ شفيق غربال بك أسباب هذا الركود بحثا موفقا في المقدمة التي قدم بها ~~كتاب: «الشرق الإسلامي في العصر الحديث» لصديقنا الدكتور حسين مؤنس، فنفى قول القائلين ~~بأن هذا الركود يرجع إلى كون «الحكام العثمانيين من شعب يميل إلى المحافظة بسليقته، ~~فالعثمانيون لم يكونوا من شعب واحد، ولم تكن العثمانية إلا دلالة على الانتماء لطائفة ~~من الحاكمين، هذا إلى أن نظم العثمانيين الأولى، وما اختطه سلاطينهم الأول لشئون ms06 ~~الحرب والسياسة، كان على جانب عظيم من المرونة والمقدرة ...» # 6 # ثم وضع الأستاذ بعد ذلك إصبعه على موطن الداء، وسبب هذا الركود، فقال: «قد يرجع ~~الركود إلى أن القوة العثمانية حالت بلا شك دون اتصال أمم الدولة بالحضارات الأجنبية ~~عموما، وبالحضارة الأوروبية خصوصا.» # ولكنه شأن الباحث المنصف المدقق يعود فيلتمس للعثمانيين العذر في النقطتين ~~التاليتين فيقول: ~~(1) # ولكن الباحث المنصف لا يستطيع أن يسلم بأن الأوروبيين في القرن السادس ~~عشر وما تلاه من الأزمنة كانوا على استعداد لأن يقدموا للشرقيين المسيحيين ~~والمسلمين من رعايا السلطان ثمرات نهوضهم العلمي هدية خاصة. كما أن الباحث ~~لا يستطيع أن يجهل أن تقدم الحضارة الأوروبية كان في أغلب الأحايين اسما ~~مرادفا لما كانت تقوم به الأسرات المالكة في أوروبا من الحروب في سبيل ~~المجد، ويشد أزر الملوك - ولكن في سبيل المجد الأعلى - رجال الدين، ~~وفي سبيل الاستقلال رجال المال. أما والأمر كذلك، فلا سبيل إلى القول بأن ~~الشرق العثماني كان يستطيع الإفادة من النهضة الأوروبية دون أن ينزل عن ~~رجولته وحريته ... ~~(2) # والصحيح في مسألة الركود هو أن الدولة العثمانية تولت أمر أمم كانت على ~~نوع من الإعياء، لم يكن الحكم العثماني قادرا على أن يزيله عنها: ~~فالعثمانيون كانوا قوما يأخذون ولا يعطون، تشهد بذلك خططهم وفنهم وآدابهم، ~~فلم يكن منهم إلا أن نظموا ما وقع تحت سلطانهم في ملك عريض وعملوا على ألا ~~يتطرق إليه تغيير أو تعديل، شأنهم في هذا شأن الدول الكبرى المتعددة ~~الأجناس والأديان تتهددها دول أخرى معادية. # 7 # ومهما تكن الأسباب، فإنا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الركود الطويل دفع مصر وسكانها إلى ~~الانكماش داخل بلادهم كما تنكمش القوقعة داخل صدفتها، وطال انكماش مصر وسكانها فأصيبت ~~وأصيبوا بالضعف، شأن المريض يطول به الرقاد وتطول به الوحدة؛ ولهذا لا نعجب إذا قرأنا ~~وصف الرحالة الأوروبيين الذين وفدوا على مصر والشام وسائر بلدان الدولة العثمانية في ~~أواخر القرن الثامن عشر، أمثال سافاري وفولني وغيرهما. قال فولني يصف الحالة الصناعية ~~والعلمية في مصر ms07 وقتذاك: «الجهل عام في هذه البلاد مثل سائر تركيا، وهو يتناول كل ~~الطبقات، ويتجلى في كل العوامل الأدبية والطبيعية، وفي الفنون الجميلة، حتى الصناعات ~~اليدوية، فإنها في أبسط أحوالها، ويندر أن تجد في القاهرة من يصلح الساعة، وإذا وجد ~~فهو إفرنجي، أما الصياغة فأصحابها فيها أكثر مما في أزمير وحلب، لكنهم جهلاء، وإنما ~~يتقنون المنسوجات الحريرية، وإن كانت أقل إتقانا وأغلى ثمنا من صنع أوروبا، أما العلم ~~فوجود الأزهر فيها جعلها مرجع الطلاب في الشرق الإسلامي.» # وحتى هذا العلم، وحتى هذا الأزهر، لم يكونا في القرن الثاني عشر الهجري (القرن الثامن ~~عشر الميلادي) في حالة طيبة مبشرة، بل شملتهما موجة من الركود والجمود. وقد وصف مؤرخ ~~مصري معاصر هو الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، مدى ما وصلت إليه الحالة العلمية في مصر من ~~تأخر وجمود في ذلك القرن، فذكر أن أحمد باشا الوالي التركي على مصر ~~(1162-1163ه / 1749 -1750م) كان: «من أرباب الفضائل، وله رغبة في العلوم الرياضية، ~~ولما وصل إلى مصر، واستقر بالقلعة، وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت، وهم: الشيخ عبد ~~الله الشبراوي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ سالم النفراوي، والشيخ سليمان المنصوري، فتكلم ~~معهم، وناقشهم، وباحثهم، ثم تكلم معهم في الرياضيات فأحجموا، وقالوا: «لا نعرف هذه ~~العلوم.» فتعجب وسكت.» # ثم ذكر مؤرخنا أن الشيخ الشبراوي طلع على عادته إلى القلعة في يوم جمعة، «واستأذن، ~~ودخل عند الباشا يحادثه، فقال له الباشا: «المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع ~~الفضائل والعلوم، وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل: ~~«تسمع بالمعيدي خير من أن تراه».» فقال له الشيخ: «هي يا مولانا كما سمعتم معدن العلوم ~~والمعارف.» فقال: «وأين هي، وأنتم أعظم علمائها وقد سألتكم عن مطلوبي من العلوم فلم أجد ~~عندكم منها شيئا، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل، ونبذتم المقاصد؟» فقال له: ~~«نحن لسنا أعظم علمائها، وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة ~~والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا ms08 بقدر الحاجة الموصلة ~~إلى علم الفرائض والمواريث، كعلم الحساب والغبار (؟).» فقال له: «وعلم الوقت كذلك من ~~العلوم الشرعية، بل هو من شروط صحة العبادة، كالعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، ~~وأوقات الصوم والأهلة، وغير ذلك.» فقال: «نعم، معرفة ذلك من فروض الكفاية، إذا قام به ~~البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات، وأمور ذوقية ~~كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل، والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ~~ذلك غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق، فيندر فيهم القابلية لذلك.» فقال: ~~«وأين البعض؟» فقال: «موجودون في بيوتهم يسعى إليهم.» ثم أخبره عن الشيخ الوالد (يقصد ~~والده الشيخ حسن الجبرتي العالم الرياضي الفلكي الكبير في ذلك الحين)، وعرفه عنه، ~~وأطنب في ذكره ...» # ثم ذكر الجبرتي بعد ذلك أن الباشا أرسل إلى الشيخ حسن الجبرتي فاستدعاه لمقابلته، ~~وأنه «سر برؤياه واغتبط به كثيرا، وكان يتردد إليه يومين في الجمعة ... وأدرك منه ~~مأموله ... ولازم المطالعة عليه مدة ولايته، وكان يقول: «لو لم أغنم من مصر إلا اجتماعي ~~بهذا الأستاذ لكفاني».» # وأخيرا يختم الجبرتي قصة والده وعلماء مصر مع الباشا بجملة لطيفة فيها نقد ساخر ~~لاذع، فيقول: «وكان المرحوم الشيخ عبد الله الشبراوي كلما تلاقى مع المرحوم الوالد يقول ~~له: «سترك الله كما سترتنا عند هذا الباشا، فإنه لولا وجودك كنا جميعا عنده حميرا».» # 8 # لم تنقطع الصلات بين الشرق والغرب - حربا وسلما - منذ ظهر الإسلام. وكانت الحروب ~~الصليبية أبرز صور هذه الصلات، ولكن معاركها الحربية انتهت بإخراج صليبي أوروبا من ~~بلدان الشرق الإسلامي، فعادوا إلى قارتهم وهم يشيدون بشجاعة الشرق وقوته، ثم شغلت ~~أوروبا منذ ذلك الحين بنهضتها وحروبها القومية قرونا، وشغل الشرق بالمغول حينا ~~وبنفسه حينا آخر، كل ذلك والصلة تضعف شيئا فشيئا، ولكنها لم تنقطع؛ فقد ظلت السفن ~~تنقل التجارة بين الشرق والغرب طول عصر المماليك، فكانت تجلب معها إلى موانئ مصر والشام ~~التجار الغربيين، وكانت تقيم منهم جاليات في هذه الموانئ، وكان يقيم مع هذه الجاليات ~~قناصل يرعون ms09 مصالح دولهم التجارية، وكانت تعقد المعاهدات والاتفاقات التجارية بين حكام ~~مصر والشام من المماليك، وبين ملوك ودوقات هذه الدول الأوروبية، وكانت مصر أخيرا حريصة ~~الحرص كله - طول عهد المماليك - على أن تبقي على هذه العلاقة قوية وثيقة، فهي المنبع ~~الذي يدر عليها المال الوفير، ولكننا لا نستطيع أن نؤكد أن الصلة العلمية بين مصر ~~والغرب في ذلك العهد كانت مبتوتة مقطوعة، إذ لم يكن لدى مصر وقتذاك علم جديد تقدمه ~~وتزجيه، ولم يكن الوافدون عليها من تجار أوروبا ممن يعنون بنقل العلوم، ولم تكن أوروبا ~~قد خطت بعد - حتى الفتح العثماني لمصر سنة 1517 - في سبيل نهضتها الجديدة الخطوات ~~المثمرة. # وجاء الفتح العثماني كما قلنا فحجب مصر وبلدان الشرق عن الاتصال بالغرب، وعاصره أيضا ~~كشف الغربيين لطريق رأس الرجاء الصالح، فتحولت التجارة، وتحول الخير معها عن مصر، وهكذا ~~انقطع الخيط الأخير من الصلات التي كانت تربط بين مصر ودول أوروبا، فبدأت عهد رهبنة، أو ~~تصوف، أو دروشة غريب، ساعدها عليه كثرة ما بها من خوانق، وربط، وتكايا، وزوايا، وسيطر ~~على عقول الجماهير جماعات # 9 # من المشعوذين والمدعين الولاية، فشاعت الخرافات والترهات، وأصبح الإيمان ~~بالمعجزات يقوم عند الشعب، بل وعند العلماء، مقام الدين. # وهكذا تم لمصر - وهي زعيمة الشرق - كل عوامل الضعف، فقد ضعفت حربيا بتملك ~~العثمانيين لها، وضعفت اقتصاديا بتحول التجارة عنها، وضعفت علميا وروحيا بسيطرة ~~أفكار التصوف والدروشة على عقول أهليها. # وكانت أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر «لا تزال تحفظ للشرق الإسلامي الشيء الكثير ~~من الاحترام؛ لأنها لم تنس بعد بأسه الشديد في الحروب الصليبية وفتوحات الأتراك. ولكن ~~نفرا من السائحين بدأ يدخل الشرق، ويطوف به، ويتأمل أحواله، فيزداد عجبا، ثم يمضي إلى ~~قومه فيتحدث إليهم عما رأى من انحطاط المجموعة الإسلامية، وضعفها البالغ. فبدأ ~~الأوروبيون يشكون في قوة الشرق الإسلامي، وبدأت هيبته تسقط من أعينهم، وفكروا في ~~استعمال طريق البحر الأبيض من جديد.» # 10 # وفيما نقلناه عن «فولني» تصديق لهذا القول؛ ولهذا بدأت بعض دول أوروبا - وخاصة ms10 فرنسا ~~- تفكر تفكيرا جديا في غزو هذا الشرق الضعيف. وكانت نتيجة هذا التفكير الحملة ~~الفرنسية على مصر سنة 1798 يقودها القائد الشاب المغامر «نابليون بونابرت». # الفصل الأول # | اتصال العلماء المصريين بعلماء الحملة الفرنسية وأثر هذا الاتصال # التقابل بين جيش المماليك والفرنسيين، أعداء الفرنسيين في مصر، فشل الحملة ~~حربيا، جهود علماء الحملة، موقف الشعب منهم، موقف علماء مصر منهم، الشيخ ~~عبد الرحمن الجبرتي يصف المجمع العلمي، اختياره عضوا في ديوان «مينو»، الشيخ ~~إسماعيل الخشاب، علاقته ببعض مستشرقي الحملة، اختياره كاتبا ل «سلسلة التاريخ» في ~~ديوان «مينو»، أسطورة إصدار صحيفة عربية في عهد الحملة ودحضها، الشيخ حسن العطار، ~~عنايته بعلوم غير تلك التي كانت تدرس في الأزهر، اتصاله ببعض الفرنسيين، إفادته ~~منهم ولهم، أثر هذا الاتصال في المشايخ الثلاثة، مطبعة الحملة. ~~*** # كان الأمر في مصر قد انتهى بقوتين من ثلاث - وهما قوة الباشا وقوة ~~الديوان - إلى الضعف العام، والانحلال الشامل، كما انتهى بالقوة الثالثة - وهي قوة المماليك ~~- إلى نوع من الانتعاش والصحوة؛ لهذا نجد أن هذه القوة هي التي تتولى أمر الدفاع عن مصر ~~أمام خطر هذا الغزو الجديد، ولكن المماليك اصطدموا هذه المرة بغرب غير ذلك الذي عرفوه في ~~الحروب الصليبية، وسرعان ما رأوا أن لا أساس لما زعموا «من أنه إذا جاءت جميع الإفرنج لا ~~يقفون في مقابلتهم، وأنهم يدوسونهم بخيولهم.» # 1 # فكان هذا الجيش الجديد الآتي من الغرب الجديد يتبع نظما جديدة، ويستعمل أسلحة ~~جديدة، ويقوده شاب يمتلئ شجاعة وإقداما وأملا، فلم يكن من الممكن، أو من المحتمل، أن ~~تقف أمامه فلول المماليك - رغم شجاعتهم الشخصية - بنظامهم الفروسي القديم، وخططهم العتيقة - ~~خطط الكر والفر - وسلاحهم البالي من سيوف ورماح ونبال ... إلخ. # هزمت جيوش المماليك، وتفرقت جنودهم شيعا تلوذ بأذيال الفرار شرقا نحو الشام، وجنوبا ~~نحو أقاصي الصعيد وبلاد النوبة والسودان؛ ولهذا نستطيع أن نقرر أن الحملة نجحت من الناحية ~~الحربية، ولكنه كان نجاحا وقتيا لم يلبث أن انكشف عن صعوبات جديدة، يقوم بها عصبة من ~~الأعداء: إذ لم يكن ms11 من اليسير أن تتنازل فلول المماليك عن غنيمتهم بهذه السرعة، ولم يكن من ~~السهل أن يترك السلطان مصر - درة تاجه - للفرنسيين دون أن يناضل في سبيلها - ولو بجهد المقل ~~- ولم يكن من الجائز عقلا في شريعة إنجلترا أن تلقي لفرنسا الحبل على الغارب تستولي على ~~هذا الشريان الذي يصل بين قلبها وبين أطراف الإمبراطورية في الشرق، ولم يكن من المقبول ~~أخيرا لدى سكان مصر أن يضع هؤلاء الفرنج أيديهم على بلادهم، وهم هؤلاء الكفرة الذين يشربون ~~الخمر، ويراقصون النساء، ويرتكبون المنكر عيانا، وهم الذين يقيدون من حرياتهم يوما بعد ~~يوم فيمنعونهم الدفن في منازلهم، ويأمرونهم بكنس الشوارع ورشها وإنارتها ليلا، ويهدمون ~~أبواب حاراتهم، ويزيلون أسقف أسواقهم، ويسجلون مواليدهم وموتاهم، ويفرضون عليهم الضرائب ... إلخ. # 2 # وثارت هذه القوى جميعا ضد الفرنسيين، ولكل بغيتها وأمنيتها، وظلت الحملة الفرنسية ~~سنوات ثلاثا تناضل نضالا عنيفا حتى عجزت فخضعت ثم خرجت. # غير أن فريقا آخر من رجال الحملة نجح نجاحا مشكورا في مهمته التي ألقيت على عاتقه، ~~ذلك هو فريق العلماء المرافقين للحملة، فقد كان الجنود يحاربون ويناضلون في الصحراء، وفي ~~المدن، وفي القرى، وهؤلاء العلماء عاكفون على أبحاثهم وآلاتهم وكتبهم، يدرسون تربة مصر، ~~ونباتاتها، وحيوانها، وطيرها، ونيلها، ومعادنها، وطرقها، وأسواقها، وصناعاتها، ومجتمعاتها، ~~وآثارها ... إلخ، ثم يسجلون في دفاترهم نتائج أبحاثهم هذه كلها، لتكون الرصيد المختزن للمؤلف ~~العظيم الذي يضعونه عن مصر بعد خروج الحملة، وهو كتاب وصف مصر # Description de l’Egypte ~~. # وكان الناس في مصر يشاهدون هؤلاء الفرنسيين يتنقلون في القرى والمدن يقلبون أنظارهم في كل ~~شيء ويخضعون كل ما يرون ويشاهدون لبحثهم وآلاتهم، ويسألون ويقيدون، فلفت أنظارهم هذا ~~الفضول، ولكنهم لم يلبثوا أن انصرفوا عن هؤلاء الفضوليين وجذبتهم شئون حياتهم ~~الخاصة. # هذا كان موقف عامة مصر من علماء الحملة، أما موقف علماء مصر فكان مغايرا لهذا، فقد اتصلت ~~الأسباب بينهم وبين رجال الحملة بعد أن هدأت المعارك الأولى وأسفرت عن فرار المماليك الذين ~~كانوا سوط عذاب مشهرا على المصريين منذ أمد طويل، فهم ms12 من جانبهم رأوا أن حماتهم قد تخلوا ~~عنهم وفروا هاربين، ونابليون من جانبه كان يرى كما قال في مذكراته أنه لكي يسوس «هؤلاء ~~الناس - أي المصريين - لا بد من وسطاء يسعون بيننا وبينهم، وكان لا بد أن نقيم عليهم رؤساء ~~وإلا أقاموا رؤساءهم بأنفسهم، وقد فضلت العلماء وفقهاء الشريعة؛ لأنهم: أولا كانوا كذلك - ~~أي رؤساء بطبيعتهم - وثانيا لأنهم كانوا مفسري القرآن، ومعروف أن أكبر العقبات تنشأ عن ~~أفكار دينية، وثالثا لأن للعلماء خلقا لينا، ولأنهم - دون نزاع - أكثر أهل البلاد فضيلة، ~~لا يعرفون كيف يركبون حصانا، ولا قبل لهم بأي عمل حربي، وقد أفدت منهم كثيرا، واتخذت منهم ~~سبيلا للتفاهم مع الشعب، وألفت منهم الديوان.» # 3 # وتكون الديوان من أظهر مشايخ المصريين، يرأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي، وكان للديوان ~~شأنه الخاص - من الناحية السياسية - في حكم مصر تحت نفوذ الفرنسيين. # وكون علماء الحملة مجمعهم، وأقاموا عددهم وآلاتهم، وأعدوا مكتبتهم، وتوفروا على ~~أبحاثهم، وجذب هذا كله بعض المستنيرين من علماء مصر كمؤرخ مصر وقتذاك الشيخ عبد الرحمن ~~الجبرتي، بل إنهم «كانوا إذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى ~~أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم، وخصوصا إذا رأوا فيه ~~قابلية، أو معرفة، أو تطلعا للنظر في المعارف بذلوا له مودتهم، ومحبتهم، ويحضرون له أنواع ~~الكتب المطبوع بها أنواع التصاوير، وكرات البلاد، والأقاليم والحيوانات، والطيور والنباتات، ~~وتواريخ القدماء، وسير الأمم، وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم، وحوادث أممهم مما ~~يحير الأفكار.» # 4 # وطاف الجبرتي بحجرات المجمع وأروقته، ووقف عند كل مشهد جديد، ولدى كل كتاب طريف مشدوها ~~مفتوح الفم من الدهشة والعجب، ولم يسعه وهو المؤرخ الثقة، إلا أن يثبت وصف ما رأى في تاريخه ~~معلنا دهشته وإعجابه وعجزه - وهو كبير من علماء مصر وقتذاك - عن فهم هذه الآلات والعدد، ~~فهو قد نشأ بالأزهر وتلقى فيه العلم، والنمط الذي كان يتبعه طلاب العلم في مصر وقتذاك ساذج ~~بسيط، وإن كان متعبا في نفس الوقت، فالطالب يجلس ms13 في المسجد أو في داره، وينحني على كتاب ~~مخطوط كلما أراد أن يقرأ، فإذا دخل الجبرتي بعد ذلك مكتبة المعهد وشاهد نظام المطالعة ~~الجديد الدقيق أعجب به ووصفه بقوله: «وفيه جملة كبيرة من كتبهم، وعليها خزان ومباشرون ~~يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة فيراجعون فيها موادهم، فتجتمع الطلبة منهم كل ~~يوم قبل الظهر بساعتين ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة ~~موازية لتختاة عريضة مستطيلة، فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها فيحضرها له الخازن، ~~فيتصفحون ويراجعون ويكتبون، حتى أسافلهم من العساكر.» # 5 # ثم طاف الجبرتي بالقسم الخاص بعلماء الفلك من المجمع، وشاهد ما فيه من آلات عجيبة وصفها ~~بقوله: «وعند «توت» الفلكي وتلامذته في مكانهم المختص بهم الآلات الفلكية الغريبة المتقنة ~~الصنعة، وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب، الغالية الثمن، المصنوعة من الصفر ~~المموه، وهي تركب ببراريم مصنوعة محكمة، كل آلة منها عدة قطع تركب مع بعضها البعض ~~برباطات وبراريم لطيفة بحيث إذا ركبت صارت آلة كبيرة، فأخذت قدرا من الفراغ، وبها ~~نظارات وثقوب ينفذ النظر منها إلى المرئي، وإذا انحل تركيبها وضعت في ظرف صغير. وكذلك ~~نظارات للنظر في الكواكب وأرصادها، ومعرفة مقاديرها وأجرامها وارتفاعاتها، واتصالاتها ~~ومناظراتها، وأنواع الساعات التي تسير بثواني الدقائق الغريبة الشكل الغالية الثمن.» # 6 # وترك هذا القسم إلى قسم التصوير فشاهد هناك المصورين يصورون الأشخاص والأشياء جميعا، ~~ووصفه بقوله: «وأفردوا لجماعة منهم بيت إبراهيم كتخدا السناري، وهم المصورون لكل شيء، ومنهم ~~«أريجو» المصور، وهو يصور صور الآدميين تصويرا يظن من يراه أنه بارز في الفراغ مجسم يكاد ~~ينطق، حتى إنه صور صورة المشايخ، كل واحد على حدته في دائرة، وكذلك غيرهم من الأعيان. ~~وعلقوا ذلك في بعض مجالس صاري عسكر، وآخر في مكان آخر يصور الحيوانات والحشرات، وآخر يصور ~~الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها.» # 7 # ثم عرج بعد ذلك على قسم الكيمياء والطب فوصفه بقوله: ~~«وسكن الحكيم «رويا» ببيت ذي الفقار كتخدا ... ووضع آلاته ومساحقه وأهوانه في ناحية، وركب ~~له تنانير وكوانين لتقطير ms14 المياه والأدهان واستخراج الأملاح، وقدورا عظيمة وبرامات، ~~وجعل له مكانان أسفل وأعلى، وبهما رفوف عليها القدور المملوءة بالتراكيب والمعاجين ~~والزجاجات المتنوعة. وبها كذلك عدة من الأطباء والجراحية وأفردوا مكانا في بيت حسن كاشف ~~جركس لصناعة الحكمة والطب الكيماوي، وبنوا فيه تنانير منهدمة، وآلات تقاطير عجيبة الوضع، ~~وآلات تصاعيد الأرواح وتقاطير المياه، وخلاصات المفردات، وأملاح الأرمدة المستخرجة من ~~الأعشاب والنباتات، واستخراج المياه الجلاءة والحلالة. وحول المكان الداخل قوارير وأوان من ~~الزجاج البلوري المختلف الأشكال والهيئات على الرفوف والسدلات، وبداخلها أنواع ~~المستخرجات.» # وقد أجريت أمام الجبرتي في هذا القسم بعض التجارب الكيميائية البسيطة التي يقوم بإجرائها ~~تلميذ المدارس الثانوية عندنا اليوم ولكنها أدهشت عالمنا الكبير وحيرت فكره، فإنه يقدم لهذه ~~التجارب قبل وصفها بقوله: «ومن أغرب ما رأيته في هذا المكان ...» ثم يصف ما رأى فيما يلي: ~~«أخذ بعض المتقيدين زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياه المستخرجة، فصب منها شيئا ~~في كأس، ثم صب عليها شيئا من زجاجة أخرى، فعلا الماءان، وصعد منهما دخان ملون حتى انقطع ~~وجف ما في الكأس، وصار حجرا أصفر، فقلبه على البرجات حجرا يابسا أخذناه بأيدينا، ~~ونظرناه، ثم فعل كذلك بمياه أخرى فجمد حجرا أزرق، وبأخرى فجمد حجرا أحمر ياقوتيا. وأخذ ~~مرة شيئا قليلا جدا من غبار أبيض ووضعه على السندال، وضربه بالمطرقة بلطف، فخرج له صوت ~~هائل كصوت القرابانة انزعجنا منه، فضحكوا منا. وأخذ مرة زجاجة فارغة مستطيلة في مقدار الشبر ~~ضيقة الفم، فغمسها في ماء قراح موضوع في صندوق من الخشب مصفح الداخل بالرصاص، وأدخل معها ~~أخرى على غير هيئتها، وأنزلهما في الماء، وأصعدهما بحركة انحبس بها الهواء في أحدهما، وأتى ~~آخر بفتيلة مشتعلة، وأبرز ذلك فم الزجاجة من الماء، وقرب الآخر الشعلة إليها في الحال فخرج ~~ما فيها من الهواء المحبوس وفرقع بصوت هائل أيضا. وغير ذلك أمور كثيرة، وبراهين حكيمة ~~تتولد من اجتماع العناصر وملاقاة الطبائع، ومثل الفلكة المستديرة التي يديرون بها الزجاجة ~~فيتولد من حركتها شرر يطير بملاقاة أدنى شيء كثيف ms15 ويظهر له صوت وطقطقة، وإذا أمسك علاقتها ~~شخص ولو خيطا لطيفا متصلا بها، ولمس آخر الزجاجة الدائرة أو ما قرب منها بيده الأخرى، ~~ارتج بدنه وارتعد جسمه، وطقطقت عظام أكتافه وسواعده في الحال برجة سريعة، ومن لمس هذا ~~اللامس، أو شيئا من ثيابه، أو شيئا متصلا به، حصل له ذلك، ولو كانوا ألفا أو أكثر ...» # 8 # وقد تعمدت أن أنقل هذه النصوص الطويلة عن وصف الجبرتي لأقسام المجمع لأبين الفارق العظيم ~~الذي كان يفصل حينذاك بين عقلية الغرب وعلوم الغرب - يمثلها علماء الحملة - وبين عقلية مصر ~~والعلوم في مصر - يمثلها كبير من علمائها - ويبرز هذا الفارق اعتراف الجبرتي في تعليقه على ~~هذا الوصف كله، فإنه يقول: «ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة، «ينتج منها نتائج لا تسعها ~~عقول أمثالنا».» # وبمضي الوقت قويت الصلة بين الجبرتي ورجال الحملة الفرنسية في مصر، وكان الديوان قد عطل ~~إبان المفاوضات بين الفرنسيين والأتراك لعقد معاهدة العريش، فقد كان الفرنسيون معتزمين ~~الرحيل إذا نفذت المعاهدة، ولكن المعاهدة نقضت، ومع هذا ظل الديوان معطلا، ولم يفكر ~~كليبر في إعادته، فلما قتل وانتقلت القيادة إلى «مينو» أعاد الديوان في صورة غير صورته ~~أيام نابليون، وليس فيه كما يقول الجبرتي: «خصوصي وعمومي ... بل هو ديوان واحد.» # 9 # وكونه من «تسعة أنفار متعممين لا غير، وليس فيهم قبطي، ولا وجاقلي، ولا شامي ~~...» # 9 # واختير مؤرخنا الشيخ عبد الرحمن الجبرتي عضوا في هذا ~~الديوان وأشار إلى نفسه عند ذكر أسماء الأعضاء بقوله: «وكاتبه» # 9 # بعد ذكر اسم الشيخ الصاوي مما جعل البعض ينكر اختياره عضوا في الديوان ويظن أنه يقصد بلفظ ~~«كاتبه» كاتب الشيخ الصاوي، غير أنه مما يؤيد اختياره عضوا في الديوان أن جريدة ~~«الكورييه دليجيبت # Courier de l’Egypte ~~» التي كانت ~~تصدر في مصر وقت وجود الحملة بها نشرت في العدد 91 الصادر في 5 افريمير من السنة التاسعة ~~(ديسمبر سنة 1800) رسالة ودية أرسلها أعضاء الديوان وقتذاك إلى نابليون القنصل الأول في ~~فرنسا، وفي أسفل الرسالة توقيعات أعضاء الديوان ms16 جميعا ومن بينها توقيع الجبرتي # 10 ~~(انظر أيضا الشكل رقم # 1-1 ~~). # شكل 1-1: في سنة 1215 / 1800 وفي عهد الجنرال مينو، قام م. لوبير # M. Le Pér # المهندس وأحد أعضاء المجمع ~~بإصلاح مقياس النيل بالروضة، وقد أرسل الديوان بهذه المناسبة خطابين إلى ~~«مينو» و«لوبير» لشكرهما على العناية بالمقياس، وقد أثبتت صور الخطابين في ~~كتاب «وصف مصر» ج15 ص140 وما بعدها، ونص في هامش هذه الصفحة على أسماء ~~أعضاء الديوان في تلك السنة ومن بينهم عبد الرحمن الجبرتي، وهذه صورة ~~للهامش المذكور. # ولم يكن الجبرتي العالم المصري الوحيد الذي اتصل ~~بالفرنسيين وأعجب بعلمهم، بل اتصل بهم أيضا شاعر مصر وقتذاك السيد إسماعيل الخشاب، ~~فالجبرتي يروي له شعرا قاله في رجلين منهم، أحدهما اسمه «ريج» # 11 # والثاني واحد من رؤساء كتابهم من العارفين ببعض العلوم العربية. يقول الجبرتي: ~~«ولما وردت الفرنساوية لمصر اتفق أن علق (أي الخشاب) شابا من رؤساء كتابهم، كان جميل ~~الصورة لطيف الطبع عالما ببعض العلوم العربية، مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية، فصيح ~~اللسان العربي، يحفظ كثيرا من الشعر، فلتلك المجانسة مال كل منهما للآخر، ووقع بينهما ~~توادد وتصاف حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة الآخر، فكان - الخشاب - تارة يذهب لداره ~~وتارة يزوره هو ...» # 12 # كان أبو الخشاب نجارا ثم احترف تجارة الأخشاب، غير أن ابنه لم يشأ أن يمتهن مهنة أبيه، ~~وتثقف بثقافة العصر الدينية اللغوية، وتلقى العلم على مشايخ العصر، واتصل منهم بالشيخ ~~العروسي شيخ الجامع الأزهر (1193-1208 / 1179-1793)، وبالعلامة السيد محمد المرتضى الزبيدي ~~صاحب تاج العروس، وبالشيخ محمد الأمير # 13 # مفتي المالكية ... إلخ ... إلخ، ثم أقبل على قراءة الكتب الأدبية، وكتب الصرف ~~والتاريخ، «وأولع بذلك ... حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات، واستحضار المناسبات ~~والماجريات، وقال الشعر الرائق، والنثر الفائق ...» # 14 # ويبدو أن هذه الصداقة بينه وبين بعض المستشرقين من علماء الحملة مهدت له السبيل للاتصال ~~الرسمي بقادة الفرنسيين، فلما أعيد تأسيس الديوان في عهد «مينو» اختير الشيخ إسماعيل ليكون ~~أمينا لمحفوظات الديوان، أو على ms17 حد تعبير الجبرتي: «كاتب سلسلة التاريخ»، فكان هو «المتقيد ~~برقم كل ما يصدر في المجلس من أمر أو نهي، أو خطاب أو جواب، أو خطأ أو صواب.» وذلك لأن ~~«القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم، وأماكن أحكامهم، ثم ~~يجمعون المتفرق في ملخص يرفع في سجلهم بعد أن يطبعوا منه نسخا عديدة يوزعونها في جميع ~~الجيش حتى لمن كان منهم في غير مصر من قرى الأرياف، فنجد أخبار الأمس معلومة للجليل والحقير ~~منهم ...» # 15 # وقد أخطأ كل من جورجي زيدان والأب لويس شيخو فهم هذا النص، فأثبتا في كتابيهما عن ~~تاريخ الآداب العربية في القرن 19 أن هذه السجلات التي كان يكتبها الخشاب تعتبر أول صحيفة ~~عربية صدرت في الشرق، قال زيدان: «إن هذه النشرة التي كان يدونها الخشاب، وتطبع ثم توزع ~~على الجنود، تشبه أن تكون أول جريدة عربية رسمية لكنها عسكرية.» # 16 # ثم قال في نفس المرجع ص52: إن الفرنسيين أنشئوا في مصر «ديوانا للقضايا كان ~~يصدر صحيفة اسمها «التنبيه» ينشرون فيها ما يجري فيه، ويفرقونها على العمال، وكان يحررها ~~السيد إسماعيل الخشاب، فهي كالصحيفة العسكرية أو القضائية.» # وقال شيخو استنتاجا من نص الجبرتي: «فهذه كما ترى جريدة يومية وهي أول جريدة ظهرت في العربية.» # 17 # وواضح جدا من عبارة الجبرتي أن الخشاب لم يكن إلا كاتب الديوان أو مسجل ~~مضبطته، وإذ كانت هذه العناية بتدوين ما يقال في الديوان جديدة وغريبة على الجبرتي فقد ~~عللها بعناية القوم «بضبط الحوادث اليومية في جميع دواوينهم»؛ لأنهم كانوا «يجمعون المتفرق ~~في ملخص» ويوزعونه «في جميع الجيش»، ولا يعقل أن يوزع هذا الملخص في جميع الجيش - الفرنسي ~~طبعا - باللغة العربية. والصحيح أن هذا الملخص الذي كان يطبع وتوزع نسخ منه في جميع ~~الجيش حتى لمن كان في الأرياف هو الصحيفة الفرنسية # Le Courier de ~~l’Egypte # التي كانت تصدر # 18 # كل 5 أيام. # وقد يكون الباعث لهذين المؤرخين على هذا الاستنتاج ما ذكره الجبرتي بعد ذلك من أن ms18 ~~الخشاب اختار لنفسه بعض ما ورد في هذه المضابط، فإنه يقول: «فجمع من ذلك عدة كراريس ولا ~~أدري ما فعل بها.» والذي تذكره المراجع الفرنسية أن الجنرال «مينو» أصدر مرسوما في 26 ~~نوفمبر سنة 1800 بإنشاء جريدة عربية اسمها «التنبيه # L’Avertissement ~~» # 19 # واختار السيد إسماعيل الخشاب ليكون رئيسا لتحريرها، وذلك تحت إشراف أعضاء ~~الديوان من العلماء، ويكون من أغراضها البحث في أعمال الديوان وأعمال الحكومة الفرنسية ونشر ~~الأخبار الداخلية والخارجية وبعض المقالات في الفنون والعلوم والأخلاق ... إلخ، ويقول الدكتور ~~إبراهيم عبده: «على أن الآمال التي علقت على ظهور التنبيه لم تتحقق إذ إن الظروف السياسية ~~واضطراب الأمن كل ذلك حال دون ظهور الجريدة، وبقي مرسوم إنشائها معطلا حتى جلا الفرنسيون ~~عن مصر.» # 20 # وقد ظل الخشاب يلي وظيفته هذه في الديوان «ضحوة يومين في الجمعة» طول عهد «مينو» حتى ~~خرجت الحملة من مصر، وذلك مقابل أجر شهري قدره سبعة آلاف نصف فضة. # وكانت الصداقة تربط بين هذين العالمين - وأحدهما مؤرخ والثاني شاعر - وبين عالم ثالث ~~جليل هو الشيخ حسن العطار، يقول الجبرتي عن صديقيه: «فكانا كثيرا ما يبيتان بداري لما ~~بيني وبينهما من الصحبة الأكيدة والمودة العتيدة، فكانا يرتاحان عندي ويطرحان التكلفات ... ثم ~~يتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات ... وكانت ~~تجري بينهما منادمات أرق من زهر الرياض، وأفتك بالعقول من الحدق المراض، وهما حينئذ فريدا ~~وقتهما ووحيدا عصرهما ...» # 21 # وكانت أسرة العطار مغربية الأصل، كما كان أبوه عطارا، ولكن الشيخ حسن مال لدراسة العلم ~~منذ الصغر، فشجعه أبوه على ذلك وأعانه، فشب شغفا بالعلم والبحث في كل غريب، وكان شخصية ~~فذة، وامتاز على أقرانه بعقلية حرة ناضجة، فأحس بأن العلوم التي كانت تدرس في الأزهر ~~حينذاك علوم فجة لا طائل تحتها، فدرس بنفسه علوم الهيئة والطب والفلك والرياضة، ومرن على ~~استعمال الاسطرلاب وألف رسالة في كيفية العمل به وبالربعين المقنطر والمجيب، وكان يحسن عمل ~~المزاول الليلية والنهارية. # 22 # ويقول صديقه ومعاصره الشيخ محمد شهاب ms19 الشاعر إنه «كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء، ولقد ~~كان يزورنا ليلا في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسر قراءته في وضح ~~النهار، فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا ~~يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين، ويعيده إلي، وقد استوفى قراءته وكتب في طرره على كثير ~~من موضعه ...» # 23 # ويذكر تلميذه وصديقه رفاعة أنه كان معنيا بالبحث في العلوم غير الدينية، وخاصة العلوم ~~الجغرافية والتاريخية، وأنه وجد بخطه هوامش على كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء، وعلى طبقات ~~الأطباء، وغيره من الكتب التاريخية، وأنه «كان يطلع دائما على الكتب المعربة من تواريخ ~~وغيرها، وكان له ولوع شديد بسائر المعارف البشرية مع غاية الديانة والرصانة، وله بعض تآليف ~~في الطب وغيره ...» # 24 # وذكر المستشرق الإنجليزي المستر لين # Mr. Lane ~~: أن الشيخ ~~العطار كان واحدا من أكبر علماء مصر الممتازين وقت وجوده بها، ولكنه أشار إلى أنه لم يكن ~~متضلعا في العلوم الدينية تضلعه في الدراسات الأدبية. # 25 # وعندما وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر كان العطار في الثانية والثلاثين من عمره فسافر إلى ~~أسيوط، فلما استقرت الأحوال عاد إلى القاهرة، يقول علي مبارك باشا: «واتصل بناس من ~~الفرنساوية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم ويفيدهم اللغة العربية، ويقول: إن ~~بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها، ويتعجب بما وصلت ~~إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم، وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطريق الاستفادة.» # 26 # أيقظت الحملة الفرنسية إذن عقول بعض علماء مصر وخاصة عقول هؤلاء الأقطاب الثلاثة، ~~وبهرتهم علوم الفرنسيس وأثرت في فن كل منهم، فكانت كتابة الجبرتي «في تاريخه بعد الحملة ~~أدق وأكثر نقدا لسير الحوادث ورجالها مما كانت عليه قبل ~~الحملة ...» # 27 # كما أصبح شعر الخشاب أرق حاشية وأسلس أسلوبا، أما العطار فقد انحرف عن علماء ~~عصره وترك الدراسات الدينية واللغوية جانبا، وعني عناية كبيرة بالدارسات الأدبية، ~~وكون له في هذا الميدان مدرسة جديدة ms20 كان من تلاميذها الذين حذوا حذوه: الشيوخ إبراهيم ~~الدسوقي، ومحمد عياد الطنطاوي، ومحمد عمر التونسي، ورفاعة رافع الطهطاوي، وسيكون لهذه ~~النخبة الطيبة جهود محمودة في حياة الترجمة الحافلة في عصر محمد علي. # وقد عاش الشيخ العطار حتى ولي مشيخة الأزهر في عهد محمد علي، وشهد هذا التغير في الأحوال ~~والمعارف الذي تنبأ به، وخطب في الاحتفال الذي عقد بمناسبة عقد الامتحانات الأولى لمدرسة ~~الطب، وهو أخيرا صاحب الفضل على تلميذه رفاعة الطهطاوي زعيم النهضة العلمية الحديثة، وهو ~~الذي قدمه لمحمد علي ليكون إمام البعثة المصرية إلى فرنسا (سنة 1826م)، وهو الذي أشار عليه ~~أن يسجل مشاهداته في هذه البعثة التي أخرجها رفاعة فيما بعد في كتابه الممتع «تخليص الإبريز ~~إلى تلخيص باريز». ~~••• # بدأت إذن الثقافتان الفرنسية والعربية تتصلان إحداهما بالأخرى وتؤثران إحداهما في الأخرى، ~~ولو قدر للحملة أن تطول مدتها لكان من المحتم أن يعمل كل فريق على نقل ثقافة الفريق ~~الآخر إلى لغته، وخاصة أن علماء الحملة كان من بينهم عدد من المستشرقين، وكانت مكتبتهم تضم ~~كتبا عربية وفرنسية كثيرة أحضروها معهم، وكانت مكتبات المساجد والخاصة في مصر تضم بين ~~جدرانها آلاف الكتب المخطوطة التي كانت تنتظر في صبر نافد من يفتحها ليقرأها ويعدها للنشر ~~أو للترجمة، وكانت الحملة أخيرا قد أحضرت معها عدة هذا النشر وآلته وهي «المطبعة العربية» ~~أو «مطبعة جيش الشرق» أو «مطبعة الجيش البحري» كما كانت تسمى وهي في طريقها إلى ~~مصر. # وكانت هذه المطبعة معدة بالحروف العربية والفرنسية # 28 # واليونانية التي جمعها لها نابليون من باريس ثم استكمل لها الأحرف العربية ~~الناقصة من مطبعة «البروباجندا» # 29 # بروما، وقد بدأ القسم العربي من هذه المطبعة عمله وهو على ظهر البارجة ~~«أوريان # L’Orient ~~» في عرض البحر، فطبعت به نسخ من ~~الترجمة العربية للمنشور الذي أعده نابليون لإذاعته على المصريين، وعندما نزل جنود الحملة ~~الفرنسية إلى أرض مصر سميت مطبعتهم ب «المطبعة الشرقية» و«المطبعة الفرنسية»، وأمر نابليون ~~أن تنقل بأقسامها الثلاثة إلى منزل قنصل البندقية بالمدينة، وأن ms21 تركب أجزاؤها وتكون ~~معدة للعمل في ثمان وأربعين ساعة، وأن تطبع أربعة آلاف نسخة أخرى من المنشور، ولما استقر ~~الفرنسيون في القاهرة نقلت هذه المطبعة إليها، وسميت «المطبعة الأهلية» # 30 # و«مطبعة الجمهور الفرنساوي»، وكان مقرها الأول دار عثمان بك الأشقر بالأزبكية ~~على مقربة من بيت الألفي حيث كان يسكن نابليون، ولما قامت ثورة القاهرة الثانية نقلت ~~المطبعة إلى الجيزة، ومنها نقلت مرة أخرى إلى القلعة وهي مقرها النهائي، فقد أخذها ~~الفرنسيون معهم وهم يجلون عن مصر، وسترى أن محمدا عليا سيعنى بعد ذلك بإنشاء مطبعة عربية ~~أخرى في بولاق، وهي التي لا تزال موجودة حتى الآن، وتاريخها في الواقع شطر كبير من تاريخ ~~النهضة العلمية الحديثة. # الفصل الثاني # | الترجمة الرسمية في عهد الحملة # حاجة رجال الحملة إلى الترجمة الرسمية، استعانتهم بأسرى المسلمين في مالطة وخاصة ~~المغاربة، المترجمون في ديوان «مينو»، هيئات المترجمين الرسميين في عهد الحملة، ~~أسرى المسلمين في مالطة، المستشرقون من رجال الحملة: «فانتور»، «جوبير»، ~~«براسرفيش»، «لوماكا»، «حنا روكه»، «كليمان»، «بوديف»؛ المترجمون السوريون، هجرات ~~«الشوام» إلى مصر منذ بدء القرن 18، الحملة تصطحب مترجمين سوريين من إيطاليا: دون ~~إلياس فتح الله، يوسف مسابكي، أنطون مشحرة؛ مترجمون سوريون من مصر: يوسف فرحات، ~~ميخائيل كحيل، القس رفاييل، إلياس فخر، نصر الله، عبود وميخائيل الصباغ، نقولا ~~الترك؛ المترجمون المصريون، صلة الأقباط بالفرنسيين، الفرنسيون يعلمون بعض الشبان ~~الأقباط اللغة الفرنسية، أليوس بقطر، الرأي في الترجمة الرسمية في عهد ~~الحملة. ~~*** # ولكننا قد نتساءل بعد هذا: ألم يكن للحملة - على الرغم مما كان يكتنفها في الداخل والخارج ~~من اضطرابات وقلاقل - أثر في الترجمة عن العربية إلى الفرنسية أو عن الفرنسية إلى العربية ~~في هذه السنوات الثلاث التي قضتها في مصر؟ # والحقيقة أننا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال بأنه كان في مصر إبان وجود الحملة بها نوعان ~~من الترجمة: ترجمة رسمية، وترجمة علمية. # فالحملة من الناحية الرسمية كان لها أثر في هذا النقل، وكانت في أشد الحاجة إلى مترجمين ~~دائمين ينقلون عنها الأوامر، ويترجمون المنشورات، ويسجلون ms22 محاضر الدواوين، ويكونون الوسطاء ~~في نقل الحديث بين الحكام والمحكومين. وقد استعانت أول الأمر بأناس غرباء عن مصر أحضرتهم ~~معها أول قدومها، وهم جماعة من أسرى البحارة المسلمين الذين كانوا تحت أيدي فرسان القديس ~~يوحنا بجزيرة مالطة، وقد اشتركوا مع المستشرقين من علماء الحملة في ترجمة المنشور الذي أعده ~~نابليون بالفرنسية، والذي طبع على ظهر البارجة «الشرق # L’Orient ~~» - إحدى سفن الأسطول - في المطبعة العربية ليكون معدا للتوزيع ~~على المصريين وقت نزول الفرنسيين إلى بر مصر. يقول الجبرتي عن هؤلاء الأسرى: «كانت الفرنسيس ~~حين حلولهم بالإسكندرية كتبوا مرسوما، وطبعوه، وأرسلوا منه نسخا إلى البلاد التي يقدمون ~~عليها تطمينا لها، ووصل هذا المكتوب مع جملة من الأسارى الذين وجدوهم بمالطة، وحضروا ~~صحبتهم، وحضر منهم جملة إلى بولاق، وذلك قبل وصول الفرنسيس بيوم أو بيومين، ومعهم منه عدة ~~نسخ، ومنهم مغاربة، وفيهم جواسيس، وهم على شكلهم من كفار مالطة، ويعرفون باللغات ...» # 1 # فلما هزم المماليك، وفروا جنوبا وشرقا، ووجد المصريون أنفسهم بلا جيش يحميهم أو يدافع ~~عنهم، اجتمع شيوخهم وعلماؤهم في الجامع الأزهر، «وتشاوروا، فاتفق رأيهم على أن يرسلوا ~~مراسلة إلى الإفرنج ... وأرسلوها صحبة شخص مغربي يعرف لغتهم، وآخر صحبته، فغابا وعادا، فأخبرا ~~أنهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانه، ومضمونها الاستفهام عن قصدهم، ~~فقال على لسان الترجمان: «وأين عظماؤكم ومشايخكم؟»» # 2 # ولما استقر الفرنسيون في القاهرة أخذوا يتتبعون من بقي بها من عائلات المماليك، ويهاجمون ~~بيوتهم، ويستولون على أموالهم، وكانوا في تنقلاتهم يستصحبون معهم المترجمين ليقوموا بنقل ~~الحديث بينهم وبين زوجات الأمراء، وأولادهم، وخدمهم. يذكر الجبرتي في حوادث شهر ربيع الأول ~~سنة 1213ه أن جماعة من جنود الفرنسيين ذهبوا إلى «بيت رضوان الكاشف ... وصحبتهم ترجمان ومهندس.» # 3 # وبدأ نابليون يضع الأسس لحكومة جديدة يشترك فيها زعماء المصريين، ليستعين بهم في إدارة ~~شئون البلاد، وإقناع الأهلين، وقد نص في الأمر الصادر بتكوين الديوان أن يكون أعضاؤه تسعة ~~ينتخبون من بينهم واحدا للرياسة، وأن يختاروا سكرتيرا (كاتم سر) من غير الأعضاء، ويعينوا ms23 ~~اثنين من الكتبة والتراجمة يعرفان الفرنسية والعربية. # والجبرتي يتحدث عن بعض أعمال هذين المترجمين في شذرات متفرقة نستطيع أن نتبين منها أن ~~«الترجمان» كان الناقل لأوامر الفرنسيين، والقارئ لأوامرهم وفرماناتهم في الديوان، وأنه كان ~~يضمن كلامه العربي كلمات فرنسية مما يدل على أن هذين المترجمين كانا من علماء الحملة ~~الفرنسيين العارفين باللغة العربية. يقول الجبرتي عند كلامه عن الجلسة الأولى للديوان: ~~«فلما استقر بهم الجلوس شرع ملطي القبطي الذي عملوه قاضي في قراءة فرمان الشروط، # 4 # وفي المناقشة، فابتدر كبير المديرين في إخراج طومار آخر، وناوله الترجمان فنشره ~~وقرأه ...» # 5 # ثم يقول عند الكلام على انتخاب رئيس الديوان: «ثم قال الترجمان: نريد منكم يا ~~مشايخ أن تختاروا شخصا منكم يكون كبيرا ورئيسا عليكم ... فقال بعض الحاضرين: «الشيخ ~~الشرقاوي.» فقال: نو، نو، وإنما ذلك يكون بالقرعة ... إلخ.» # 6 # وأراد نابليون أن يصبغ المجتمع المصري بالصبغة الفرنسية. فانتهز فرصة اجتماعه بالمشايخ ~~الذين اختيروا أعضاء للديوان، وأحضر لكل منهم طيلسانا وشارة مثلثتي الألوان، وبدأ فألبس ~~الطيلسان للشيخ الشرقاوي، فثار، وألقى به إلى الأرض، «واستعفى، وتغير مزاجه، وامتقع لونه، ~~واحتد طبعه، فقال الترجمان: «يا مشايخ أنتم صرتم أحبابا لصاري عسكر، وهو يقصد تعظيمكم، ~~وتشريفكم بزيه وعلامته ...» وغضب نابليون لفعلة الشرقاوي غضبا شديدا، وتكلم بلسانه، وبلغ ~~عنه بعض المترجمين أنه قال عن الشيخ الشرقاوي إنه لا يصلح للرياسة ... إلخ.» # 7 # ولم يكن الشيخ السادات بين الحاضرين، ولكنه أتى بعد انصرافهم، «فلما استقر به الجلوس بش ~~له وضاحكه صاري عسكر، ولاطفه في القول الذي يعربه الترجمان، وأهدى له خاتم ألماس.» # 8 # ثم ألبسه الشارة المثلثة الألوان، فلم ير كزملائه أن لبسها كفرا، بل تركها ~~حتى خرج فنزعها. # وعندما أصدر الفرنسيون أوامرهم بتنظيم دفن الموتى، وشرع بعض رجالهم في هدم التراكيب ~~المبنية على المقابر في مقبرة الأزبكية، وتسويتها بالأرض، ثار القاهريون وخرجوا في مظاهرة ~~كبيرة إلى بيت نابليون، «ووقفوا تحت بيت صاري عسكر، فنزل لهم المترجمون واعتذروا بأن صاري ~~عسكر لا علم له بذلك ...» # 9 # وذكر الجبرتي ms24 عند كلامه على تنظيم الديوان في عهد نابليون، وتقسيمه إلى «خصوصي وديمومي» ~~أسماء أعضاء الديوان، ثم قال: «ومعهم وكلاء ومباشرون من الفرنسيس، ومترجمون ...» # 10 # هذا، ولم تخضع أطراف مصر للفرنسيين في الحال، فأرسل نابليون جنوده لإخضاع الصعيد، # 11 # وشمال الدلتا الشرقي، وتنظيم هذه البلاد، ثم كونت في عواصم المديريات ~~دواوين صغيرة على نمط الديوان الكبير في القاهرة، وكان يصحب هذه الكتائب من الجيش الفرنسي ~~ويعين رجال الإدارة منهم في حكم الأقاليم نفر من هؤلاء المترجمين، كذلك اصطحب الجيش ~~الفرنسي بعضا منهم معه في حملته على الشام. # وذكر الجبرتي أيضا أن المشايخ والأعيان ذهبوا لمقابلة نابليون والسلام عليه بعد عودته من ~~الإسكندرية عقب موقعة أبي قير البرية، «فلما استقر بهم المجلس قال لهم على لسان الترجمان: ~~إن صاري عسكر يقول لكم إنه لما سافر إلى الشام كانت حالتكم طيبة في غيابه، وأما في هذه ~~المرة فليس كذلك، لأنكم كنتم تظنون أن الفرنسيس لا يرجعون، بل يموتون ... وأن المهدي والصاوي ~~ما هم «بونو» أي ليسوا بطيبين.» # 12 # وعاد نابليون إلى فرنسا، وولى كليبر قيادة الحملة، فظل للترجمة الرسمية شأنها الأول، ~~وللمترجمين مركزهم الهام كوسطاء لنقل الحديث بين الحكام والمحكومين وترجمة الأوامر ~~والفرمانات والوثائق الرسمية، يقول الجبرتي عند كلامه على مشروع اتفاقية العريش: «ولما ورد ~~ذلك الطومار المتضمن لعقد الصلح والشروط عربوه وطبعوا منه نسخا كثيرة فرقوا منها على ~~الأعيان، وألصقوا منها بالأسواق والشوارع.» # 13 # ولما قتل القائد كليبر كونت محكمة فرنسية خاصة لمحاكمة المتهمين، وألف الفرنسيون ~~«في شأن ذلك أوراقا ذكروا فيها صورة الواقعة، وكيفيتها، وطبعوا منها نسخا كثيرة باللغات ~~الثلاث: الفرنساوية، والتركية، والعربية ...» وطبعوا «من كل لغة قدر خمسمائة نسخة لكي يرسلوا ~~ويتعلقوا في المحلات اللازمة ...» # 14 # شكل 2-1: صورة الصفحة الأولى من الكتاب المتضمن للترجمة العربية لمحاضر محاكمة ~~سليمان الحلبي، وهو من الكتب القليلة التي ترجمت في عهد الحملة وطبعت ~~بمطبعتها بالقاهرة. # وكان الديوان قد عطل في عهد «كليبر»، فلما ولي «مينو» قيادة الحملة أعاد تنظيمه على نسق ~~جديد كما ms25 ذكرنا، وعين له - إلى جانب الأعضاء من المشايخ - كاتبا عربيا اسمه «الشيخ علي»، ~~وكاتبا (يوميا) اسمه «قاسم أفندي»، ومترجما أول - أو ترجمان كبير - هو «القس روفائيل»، ~~ومترجما ثانيا - أو ترجمان صغير على حد تعبير الجبرتي - هو «إلياس فخر الشامي»، وجعل مقر ~~هذا الديوان بيت رشوان بك في حارة عابدين، وخصص جناح من هذا البيت لسكن «الوكيل ~~الكومسيير # Commissaire # فوريه»، «وأعدوا للمترجمين ~~والكتبة من الفرنساوية مكانا خاصا يجلسون به في غير وقت الديوان على الدوام لترجمة ~~الأوراق، والوقائع، وغيرها.» # 15 # ووصف الجبرتي هيئة انعقاد جلسات الديوان، فقال إنه: «إذا تكامل حضور المشايخ يخرج إليهم ~~الوكيل فوريه، وصحبته المترجمون، فيقومون له، فيجلس معهم، ويقف الترجمان الكبير رفائيل، ~~ويجتمع أرباب الدعاوى، فيقفون خلف الحاجز عند آخر الديوان ... وعنده الجاويش ... ويدخلهم ~~بالترتيب، الأسبق فالأسبق، فيحكي صاحب الدعوى قضيته، فيترجمها له الترجمان ... إلخ.» # 16 # وكان عمل المترجم الأول في هذا الديوان يشبه عمل سلفه في ديوان نابليون إذ كان ~~يقوم إلى جانب الترجمة بقراءة الأوامر والرسائل والفرمانات، فقد ذكر الجبرتي في حوادث شعبان ~~سنة 1215ه أن صاري عسكر أرسل «إلى مشايخ الديوان كتابا، وقرأه الترجمان الكبير رفائيل ...» # 17 # ولما حضرت الحملة الإنجليزية التركية في سنة 1216ه / 1801 لإخراج الفرنسيين كانت الرسائل ~~تأتي تباعا من الجنرال «مينو» في الإسكندرية إلى أعضاء الديوان في القاهرة، وبدأ الفرنسيون ~~يتقربون إلى المصريين حتى لا ينتهزوا الفرصة فيثوروا ضدهم، ويزيدوا في متاعبهم، ذكر الجبرتي ~~في حوادث المحرم سنة 1216ه أن القائمقام «بليار» استدعى إليه مشايخ الديوان و«قال لهم على ~~لسان الترجمان: نخبركم أن الخصم قد قرب منا، ونرجوكم أن تكونوا على عهدكم مع الفرنساوية ...» # 18 # وانتهت المعارك بين الجيشين بالصلح والاتفاق على أن يجلو الفرنسيون عن مصر، وتعود البلاد ~~إلى السلطان، وفي القاهرة أعلنت الشروط الخاصة بالشعب «في أوراق ألصقت بالطرق مكتوبة ~~بالعربي والفرنساوي وفيها شرطان من شروط الصلح التي تتعلق بالعامة.» # وفي نفس الشهر دعي الديوان للاجتماع، «وحضر المشايخ والوكيل، فقال الوكيل: هل بلغكم ~~بقية الشروط الثلاثة عشر؟ فقالوا: ms26 «لا»، فأبرز ورقة من كمه بالقلم الفرنساوي، فشرع يقرؤها، ~~والترجمان يفسرها ... إلخ.» # 19 # وبعد أيام عقد الديوان آخر جلساته، «فاجتمع المشايخ والتجار وبعض الوجاقلية، «واستوف» ~~الخازندار، والوكيل، والترجمان، فلما استقر بهم الجلوس أخرج الوكيل كتابا مختوما، وأخبر ~~أن ذلك الكتاب من صاري عسكر «مينو» بعث به إلى مشايخ الديوان، ثم ناوله لرئيس الديوان، ففضه ~~وناوله للترجمان فقرأه ... إلخ.» ثم أخرج الوكيل «ورقة بالفرنساوي وقرأها بنفسه حتى فرغ منها، ~~ثم قرأ ترجمتها بالعربي الترجمان رفاييل، ومضمونها حصول الصلح، وتمويهات وهلسيات ليس من ~~ذكرها فائدة، ولما انتهى من قراءتها أبرز أيضا «استوف» الخازندار ورقة، وقرأها بالفرنساوي، ~~ثم قرأ ترجمتها بالعربي الترجمان وهي في معنى الأولى ...» # 20 # وبعد، فهذه نبذ متفرقة مما ذكره الجبرتي عن الترجمة الرسمية يؤيد ما ذهبنا إليه من أن هذا ~~النوع من الترجمة كان له خطره وأهميته أثناء وجود الحملة الفرنسية في مصر، غير أن المراجع ~~المعاصرة لم تعن بذكر ثبت بهؤلاء المترجمين أو التعريف بهم، ومع هذا ففي الفقرات الآتية ~~محاولة لهذا الإحصاء، وهذا التعريف. ~~(1) هيئات المترجمين الرسميين في عهد الحملة # من الممكن أن نقسم جماعة المترجمين الرسميين في عهد الحملة إلى الهيئات الآتية: ~~(1) # الأسرى الذين كانوا في جزيرة مالطة # 21 # من مغاربة وعرب وأتراك، وقد أطلق سراحهم رجال الحملة الفرنسية ~~بعد استيلائهم على مالطة، وصحبوهم معم إلى مصر، وأطلقوهم في كل مكان يوزعون ~~منشور نابليون بين المصريين، وقد قام واحد منهم بحمل رسالة المشايخ إلى ~~نابليون وهو في الجيزة - كما ذكرنا - ولم تذكر الكتب المعاصرة اسم واحد من ~~هؤلاء. ~~(2) # العارفون باللغة العربية من رجال الحملة الفرنسية، وأهم هؤلاء: ~~(أ) # فانتور # Venture ~~: وهو أحد ~~أعضاء لجنة الترجمة بالمجمع المصري، وأكبر أعضاء هذا المجمع ~~سنا، قضى أربعين سنة من حياته في الشرق، فكان مترجما ~~بالسفارة الفرنسية في تركيا، ثم مترجما للغات الشرقية للحكومة ~~الفرنسية في باريس، ثم مدرسا للغة التركية في مدرسة اللغات ~~الشرقية في باريس، ثم صحب الحملة إلى مصر فكان كبير مترجميها، ~~أو «ترجمان صاري عسكر» كما ms27 يسميه الجبرتي، وكان نابليون يقدره، ~~ويثق به ثقة كبيرة، ويرجع إليه في كل ما يتعلق بالشرق ~~والشرقيين، ومن تلاميذه المعروفين: المسيو مارسيل، والمسيو ~~جوبير الآتي ذكرهما. # ولما سار نابليون بحملته إلى سوريا استصحب معه المسيو ~~«فانتور» ولكنه مرض هناك بالدسنطاريا ومات، فتألم نابليون ~~لموته، وأرسل بنعيه إلى الديوان في خطاب تاريخه المحرم سنة ~~1214ه (يونيو سنة 1799) قال فيه: «وفانتوره مات من تشويش، هذا ~~الرجل صعب علينا جدا، والسلام ...» وعقب الجبرتي على هذا الخبر ~~بقوله: «وفانتوره هذا ترجمان صاري عسكر، وكان لبيبا متبحرا، ~~ويعرف باللغات التركية والعربية والرومية والطلياني والفرنساوي.» # 22 ~~(ب) # جوبير Pierre Amébee Jaupert ~~(1779-1847): أحد المستشرقين من علماء ~~الحملة، وواحد من تلاميذ «دي ساسي». تخرج في مدرسة اللغات ~~الشرقية في باريس، وكان تلميذا لفانتور، فلما توفي الأستاذ ~~اختار نابليون تلميذه ليشغل مركزه، ويكون كبيرا لمترجمي ~~الحملة، وقد كتب أبحاثا كثيرة # 23 # نشرت في كتاب وصف مصر، وبعد جلاء الحملة عين ~~مدرسا للغة التركية في مدرسة اللغات الشرقية، ثم اختير مدرسا ~~للفارسية في «الكوليج دي فرانس»، وفي أخريات أيامه عين ~~ناظرا لمدرسة اللغات الشرقية. ~~(ج) # براسرفيش: أحد أعضاء لجنة الترجمة بالمجمع المصري، ويسميه ~~الجبرتي: «السيتوين الخواجة داميانوس براشويش كاتم السر ~~وترجمان صاري عسكر.» # 24 # ويبدو أنه خلف «جوبير» فتولى هذا المركز بعده في ~~عهد «الجنرال مينو»، وقد قام بالاشتراك مع زميله لوماكا # l’Homaca # بترجمة أقوال ~~المتهمين بقتل الجنرال «كليبر». ~~(د) # لوماكا # l’Homaca ~~: عضو آخر ~~من أعضاء لجنة الترجمة بالمجمع، وقد اشترك مع زميله «براسرفيش» ~~كما ذكرنا في النقل عن سليمان الحلبي وزملائه، وترجمة أقوالهم ~~أثناء التحقيق معهم، وكانت له جهود أخرى في ترجمة الوثائق الرسمية # 25 # كرسائل «مينو» التي أرسلها في أيام الحملة الأخيرة ~~من الإسكندرية إلى أعضاء الديوان بالقاهرة. # شكل 2-2: صورة صفحة 47 من الكتاب المتضمن الترجمة ~~العربية لمحاضر محاكمة سليمان الحلبي قاتل الجنرال ~~كليبر وبها اسم واحد من مترجمي الحملة وهو ~~«براشويش». وقد طبع هذا الكتاب بمطبعة الحملة ~~بمصر. # ويبدو أن هؤلاء الأقطاب الأربعة كانوا يكونون ms28 الهيئة العليا للترجمة ~~الرسمية، فقد كانوا جميعا أعضاء في لجنة الترجمة بالمجمع العلمي أو «مدرسة ~~العلماء في بر مصر»، # 26 # وشغل ثلاثة منها منصب كبير مترجمي الحملة أو «ترجمان صاري ~~عسكر»، واشترك الرابع في ترجمة كثير من الوثائق الرسمية الهامة. # ومع هذا فقد كان هناك نفر آخرون من جنود الحملة وقوادها على علم ~~بالعربية، فساهموا بقسط أقل في الترجمة الرسمية، من هؤلاء: # شكل 2-3: صورة الصفحة 12 و13 من الكتاب المتضمن الترجمة العربية ~~لمحاضر محاكمة سليمان الحلبي وبها ذكر لثلاثة من مترجمي ~~الحملة وهم: لوماكا، وحنا روكه، وبراشويش. ~~(أ) ~~«حنا روكه»: # 27 # وقد اشترك مع «براسرفيش» و«لوماكا» في ترجمة بعض ~~أقوال المتهمين بقتل «الجنرال كليبر». ~~(ب) ~~«كليمان»: ذكر الجبرتي أنه كان يقوم أحيانا بالترجمة في بعض ~~جلسات الديوان، قال في حوادث ذي الحجة 1215ه / أبريل 1800: ~~«حصلت الجمعية، وحضر الخازندار، والوكيل ... وبعض التجار ...، ~~و«كليمان» الترجمان ، فتكلم «استوف»، وترجم عنه الترجمان أن ~~صاري عسكر الكبير «مينو» يقرئكم السلام ... إلخ.» # 28 ~~(ج) # ومنهم مترجم ثالث اسمه «أبي ديف» هكذا ذكره الجبرتي، فقد وصف ~~الجلسة الأخيرة للديوان بعد أن تم الصلح بين الفرنسيين من ~~ناحية والإنجليز والأتراك من ناحية أخرى، ونقل نص الخطب التي ~~ألقيت في تلك الجلسة، وكان آخرها خطبة ألقاها «استوف» باللغة ~~الفرنسية، ثم قرأ المترجم ترجمتها باللغة العربية، قال الجبرتي ~~بعد ذكر هذا النص: «وهو من تعريب «أبي ديف» وإنشاء «استوف» ~~بالفرنساوي ...» # 29 ~~(3) # المترجمون السوريون: # كان السوريون أكثر شعوب الشرق الأدنى اتصالا واختلاطا بشعوب أوروبا ~~المطلة على البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى، ففي ربوع بلادهم كانت ~~ميادين الحروب الصليبية، وفي شواطئ سوريا قامت الإمارات اللاتينية، وعاش ~~أخلاط من هذه الشعوب اللاتينية، وانتهت الحروب الصليبية ولكنها خلفت في ~~الشام طائفة من المسيحيين تدين بالمذهب الكاثوليكي، وتعترف بالولاء لزعيم ~~الكاثوليك ورئيسهم «البابا» المقيم في روما؛ ولذلك ظلت رحلة البطارقة ~~والمطارنة والقساوسة السوريين دائمة إلى «روما» لزيارة مقر البابوية، ~~ولتلقي العلوم الدينية في مدارس «روما» الدينية، وكثر - تبعا لهذا - ~~العارفون باللغتين الفرنسية والإيطالية ms29 بين كاثوليك سوريا. # وفي القرنين السابع والثامن عشر اضطربت أمور الحكم العثماني، وزاد طغيان ~~الباشوات الأتراك في الشام، ونال الطوائف المسيحية شيء من الاضطهاد، «ولما ~~ساعد فخر الدين المعني أمير لبنان الشهير المرسلين الإفرنج الكاثوليكيين ~~على النزول في سوريا ولبنان وفلسطين، لجأ فريق من السوريين المسيحيين إلى ~~قناصل الإفرنج، وتمذهبوا بمذهبهم طمعا في حماية دولهم، والفوز بشيء من ~~المساعدة المادية، فثار عليهم رؤساء الأرثوذكس اليونانيون، وأخذوا يزرعون ~~البغضاء والتعصب الديني في قلوب إخوانهم السوريين الأرثوذكس، ويلجئون إلى ~~البطريرك القسطنطيني ليستصدروا الأوامر في اضطهاد الكاثوليك ... فانتهز ~~الحكام العثمانيون هذه الفرصة الثمينة ليضطهدوا المسيحيين من المذهبين ~~الكاثوليكي والأرثوذكسي ... فأخذوا ينزحون إلى القطر المصري في أوائل القرن ~~الثامن عشر. وزادت مهاجرتهم بعد اضطهاد سنة 1725 الشهير، وكان أغلبهم من ~~دمشق الشام، فلقبوا بالشوام، وعم هذا اللقب كل السوريين المهاجرين إلى مصر.» # 30 # ولجأ هؤلاء «الشوام» إلى القاهرة أولا، ودمياط ثانيا، والإسكندرية ~~ثالثا، وهي المدن المصرية الكبرى ذات الصدارة حينذاك في التجارة والصناعة، ~~واستغلوا في هذه المدن نشاطهم التجاري والصناعي الممتاز، فسرعان ما ~~أثروا، وكونوا ثروات وجاليات كبيرة لها شأن في تاريخ مصر الاقتصادي ~~وقتذاك، ووصلت أخبار هذا النجاح إلى إخوانهم في سوريا ولبنان فتوالت ~~الهجرات وتتابعت؛ ولهذا يرجع الأب قسطنطين الباشا هجرة مسيحيي الشام إلى ~~مصر إلى سببين: «قوة الجذب وقوة الدفع؛ إذ كانت أخبار نجاح من تقدم منهم ~~إلى هذا القطر تجذب سواهم، وكان الاضطهاد الديني الذي كان يجري في مدن ~~الشام يدفعهم بقوة إلى هذا القطر.» # 31 # وكانت موانئ إيطاليا التجارية، وخاصة البندقية وجنوة وليفورنو، تضم منذ ~~القرن الخامس عشر جاليات شرقية كبيرة، وإذ كانت موانئ مصر الشمالية على ~~اتصال تجاري دائم بموانئ إيطاليا فقد تجددت رحلة السوريين من مصر إلى موانئ ~~إيطاليا للتجارة أحيانا، وهربا من اضطهاد المماليك أحيانا أخرى. # 32 # وقد بلغ من ازدياد نفوذ هؤلاء المهاجرين المالي والاقتصادي أن طغوا على ~~طائفتي اليهود والأقباط اللتين كان لهما احتكار الوظائف المالية في مصر منذ ~~عهد طويل، ففي سنة 1182ه ms30 / 1768-1869م «قبض علي بك الكبير على المعلم إسحاق ~~اليهودي معلم الديوان ببولاق وضربه حتى مات.» # 33 # ثم أعطي التزام هذا الديوان للمعلم ميخائيل فرحات السوري، ~~وأصبح هذا الالتزام المالي الهام وقفا على مسيحيي السوريين منذ ذلك الحين، ~~فقد حل المعلم ميخائيل الجمل بعد قليل محل ميخائيل فرحات، ولكن علي بك ~~الكبير سرعان ما غضب على الجمل فعزله، وأعطى الديوان للمعلم يوسف البيطار ~~الحلبي، فاستغاث الجمل بصديقه المعلم إبراهيم الصباغ مستشار ظاهر العمر ~~أمير عكا، وحليف علي بك، فأجاب رجاءه، وسعى لدى علي بك حتى أعيد الديوان ~~للجمل والبيطار معا، وفي سنة 1188 / 1774م توفي، فأعطي التزام الديوان ~~للمعلم «أنطون فرعون قسيس» # 34 # زعيم مسيحيي الشام في مصر وقتذاك، وأثرى أثريائهم. # لهذا لا نعجب إذا عرفنا أن «نابليون» أرسل - وهو يعد العدة للحملة - إلى ~~العالم «مونج» و«الجنرال ديزيه» في «روما» يأمرهما أن يتعاقدا مع بعض ~~المترجمين من الشرقيين المقيمين في «إيطاليا»، وقد كان من بين المترجمين ~~الذين تعاقدوا معهم اثنان من السوريين المقيمين في إيطاليا - من طائفة ~~الروم الكاثوليك - هما: دون إلياس فتح الله ويوسف مسابكي. # 35 # وجاء في مذكرات القس أنطون مارون أن الفرنسيين - وهم في طريقهم إلى مصر - ~~«طلبوا بعض الشرقيين للترجمة حيث صمموا النية للحضور للإقليم المصري، فخرج ~~معهم جملة رهبان، وتقلدوا السلاح، ومن جملتهم «الراهب أنطون مشحرة» الذي ~~نزع «الأسكيمو» والثوب الرهباني، وتقلد السلاح ... وحضر مع الفرنساوية لمصر.» # 36 # ولما بدأ الفرنسيون ينظمون شئون الحكم في مصر كان من بين أعضاء الديوان ~~الذي أنشأه نابليون اثنان من السوريين، هما: يوسف فرحات وميخائيل كحيل. # 37 # وكان من الطبيعي أن يستعين الفرنسيون بمن في مصر من المسيحيين وخاصة ~~السوريين لمعرفتهم باللغة العربية وباللغتين الفرنسية والإيطالية، ولاتفاق ~~الطائفتين في اعتناق دين واحد ومذهب واحد، فكان «أنصارهم من نصارى البلد ~~الأقباط، والشوام، والأروام.» # 38 # ولما انتهى نابليون من وضع النظام الجديد لحكم مصر فكر في أن يتقرب إلى ~~والي عكا أحمد باشا الجزار، وأن يكتسب صداقته، فأرسل إليه هدية يحملها ~~فرنسي، ms31 «وكان بصحبته أنفار من النصارى الشوام في صفة تجار، ومعهم جانب أرز ~~ونزلوا من ثغر دمياط في سفينة من سفائن أحمد باشا، فلما وصلوا إلى عكا وعلم ~~بهم أحمد باشا أمر بذلك الفرنساوي فنقلوه إلى بعض النقاير، ولم يواجهه، ولم ~~يأخذ منه شيئا، وأمره بالرجوع من حيث أتى، وعوق عنده نصارى الشوام الذين ~~كانوا بصحبته.» # 39 # وبعد تحطيم الأسطول الفرنسي في موقعة أبي قير البحرية، واليأس من وصول أي ~~مدد جديد من فرنسا، أنشأ «نابليون» فرقة عسكرية من مسيحيي السوريين ~~والأروام، وقام بتنظيم هذه الفرقة وتدريبها الجنرال «كليبر». # 40 # ولما أعيد إنشاء الديوان في عهد الجنرال «مينو» عين له مترجمان ~~سوريان: القس رفائيل «ترجمان كبير»، وإلياس فخر # 41 ~~«ترجمان صغير». وقد لعب الأب أنطون رفائيل زاخور راهبة دورا ~~هاما في الترجمة الرسمية في عهد الحملة، غير أنه لعب دورا أهم في ~~الترجمة العلمية في عهدي الحملة ومحمد علي، مما سنتناول الكلام عنه ~~بالتفصيل في مواضعه. # وذكر الجبرتي مترجما سوريا آخر اسمه «نصر الله»، قال في حوادث ذي ~~القعدة 1215 / أبريل 1801: «توفي محمد أغا مستحفظان مطعونا (أي بمرض ~~الطاعون) ... ولم يقلدوا عوضه أحدا، بل أذنوا لعبد العال أن يركب عوضا عنه، ~~وذلك بمعونة نصر الله النصراني ترجمان قائمقام «بليار».» # 42 # وممن اتصل بالفرنسيين من المترجمين ~~السوريين أيضا: عبود وميخائيل الصباغ، وهما حفيدا إبراهيم الصباغ طبيب ~~ظاهر العمر، وقد ولد ميخائيل # 43 # في عكا، وتلقى العلم بها، ثم ارتحل إلى مصر طلبا للعلم أيضا، ~~واتصل بالفرنسيين عند قدومهم، وعاد معهم عند خروجهم حيث اتصل بالمستشرق ~~الكبير «دي ساسي # De Sacy ~~» في باريس، ~~وعين مصححا للكتب العربية في المطبعة العربية هناك ثم ناظرا ~~للمخطوطات الشرقية في المكتبة الأهلية. # ونقولا الترك # 44 # المؤرخ الثاني للحملة باللغة العربية بعد الجبرتي، كان والده ~~من القسطنطينية، وارتحل إلى دير القمر حيث ولد له نقولا الذي نبغ في الأدب ~~شعرا نثرا، واتصل بخدمة الأمير بشير الشهابي، وله فيه مدائح كثيرة، ثم ~~سافر إلى مصر، وقيل إن سيده أرسله ms32 إليها ليدرس عن كثب مدى ما ترمي إليه ~~أطماع الفرنسيين، وفي مصر اتصل بالفرنسيين وترجم لهم، وله كتاب بالعربية عن ~~تاريخ الحملة في مصر والشام اسمه: «ذكر تملك الفرنساوية الأقطار المصرية ~~والبلاد الشامية»، وقد قام بنشر النص العربي وترجمته الفرنسية في «باريس» ~~سنة 1839 المسيو «ديغرانج # M. Desgranges ~~». # وكان من المترجمين السوريين للحملة أيضا القس جبرائيل الطويل: # 45 # غادر مصر مع الحملة، وبقي في فرنسا سنوات إلى أن عين أستاذا ~~للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية في «باريس» خلفا للأب رفاييل زاخور ~~راهبة. # هؤلاء طائفة من المترجمين السوريين الذين شاركوا في الترجمة الرسمية في ~~عهد الحملة الفرنسية، نضيف إليهم اسما أخيرا هو يعقوب بن يوسف (عزيز) ~~الترجمان الحلبي الماروني، ذكره الأب بولس قرألي ضمن وفيات السوريين # 46 # في مصر سنة 1803. # ولا يمكن أن تكون هذه القائمة المختصرة ثبتا كاملا لأسماء المترجمين ~~السوريين، فقد اتصل بالفرنسيين منهم أثناء مقامهم في مصر عدد كبير، وعند ~~جلاء الفرنسيين عن مصر خرج معهم «جماعة كثيرة من القبط وبحار الإفرنج ~~والمترجمين، وبعض مسلمين ممن تتداخل معهم، وخاف على نفسه بالتخلف، وكثير من ~~نصارى الشوام والأروام ...» # 47 # ويذكر الأب قرألي أنه كان من بين هؤلاء المهاجرين «نحو خمسمائة ~~سوري من طائفة الملكيين الكاثوليكيين ومعهم كاهنهم الخوري جبرائيل طويل، ~~فاستوطنوا مارسيليا.» # 48 ~~(4) # المترجمون المصريون: # قد يلجأ الباحث المفكر بعد ذكر هذه الطوائف إلى البحث والتنقيب عله يجد ~~من بين المصريين من قام بالترجمة للفرنسيين، ولكنه يجد أن حالة المصريين ~~التعليمية في ختام القرن الثامن عشر لم تكن تؤهل واحدا منهم للقيام بهذه ~~المهمة، كان المصريون أغلبية من المسلمين، وأقلية من الأقباط، ولم تكن ~~مدارس الطائفتين ومعاهدهما العلمية تعنى بتدريس اللغة الفرنسية، أو أي لغة ~~أخرى غربية، كذلك باعد الخلاف الديني بين المسلمين من المصريين وبين ~~الفرنسيين، فلم يحاول أحد من عامة مسلمي مصر وطلابهم الاتصال بالفرنسيين في ~~هذه المدة اليسيرة اتصال تلمذة ليتعلم عنهم اللغة الفرنسية، كذلك لم يكن ~~علماء المسلمين الذين اتصلوا بالفرنسيين وأعجبوا بهم في ms33 السن التي تسمح ~~لهم ببدء تلقي لغة جديدة. # أما العنصر الثاني من عناصر الشعب المصري، وهم الأقباط، فقد اتصلوا ~~بالفرنسيين اتصالا وثيقا، وخاصة زعيمهم المعلم يعقوب الذي جعله ~~الفرنسيون «صاري عسكر القبط»، فجمع «شبان القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزي ~~مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رءوسهم مشابه لشكل ~~البرنيطة، وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية البشاعة على ما ~~يضاف إليها من قبح صورهم، وسواد أجسامهم، وزفارة أبدانهم، وصيرهم عسكره ~~وعزوته، وجمعهم من أقصى الصعيد، وهدم الأماكن المجاورة لحارة النصارى التي ~~هو ساكن فيها خلف الجامع الأحمر، وبنى له قلعة وسورها بسور عظيم وأبراج ~~وباب كبير يحيط به بدنات عظام، وكذلك بنى أبراجا في ظاهر الحارة جهة بركة ~~الأزبكية، وفي جميع السور المحيط والأبراج طيقانا للمدافع وبنادق الرصاص ~~على هيئة سور مصر الذي رمه الفرنساوية، ورتب على باب القلعة الخارج والداخل ~~عدة من العسكر الملازمين الوقوف ليلا ونهارا، وبأيديهم البنادق على طريقة الفرنساوية.» # 49 # وعند خروج الفرنسيين رحل معهم يعقوب وفي صحبته عدد كبير من جنود هذه ~~الفرقة القبطية، أما يعقوب فقد أدركته المنية وهو في السفينة في عرض البحر، ~~«أما أصحابه فقد عاد نفر منهم لوطنهم بعد قليل، وظل منهم في أوروبا آخرون ~~قامت بينهم القضايا والدعاوى، ووقع أكثرهم في الفقر والفاقة، فأجرت عليهم ~~الحكومة الفرنسية معاشا مدة طويلة، وانتهى أمرهم بالاندماج في الفرنسيين، ~~ولم يكن من أثر ثابت لأحد منهم إلا لأليوس بقطر صاحب القاموس الفرنسي ~~العربي ...» # 50 # ويبدو أن الفرنسيين اصطنعوا أول مجيئهم إلى مصر طائفة من شبان الأقباط ~~الذين تسمح لهم سنهم بتعلم اللغة الفرنسية، ولم ينبغ من هؤلاء إلا أليوس ~~بقطر، فقد كانت سنه عند مجيء الفرنسيين 15 سنة فاتصل بهم وتتلمذ عليهم، ~~وتعلم اللغة الفرنسية، واشتغل بالترجمة لرجال الحملة، ثم ارتحل معهم، وأقام ~~مع الجالية المرتحلة من مصر في «مارسيليا» حتى سنة 1812، ودأب في تلك المدة ~~على تعلم اللغة الفرنسية حتى أتقنها، وفي تلك السنة استدعي إلى باريس ~~حيث عهد ms34 إليه بترجمة بعض الوثائق العربية الخاصة بالحملة إلى اللغة ~~الفرنسية، وشارك العلماء الفرنسيين في تحقيق الأسماء العربية الواردة في ~~المصورات الجغرافية التي كانت تعد حينذاك لتنشر في كتاب «وصف مصر # Description de l’Egypte ~~»، وعمل في ذلك ~~الحين على وضع قاموس فرنسي عربي، وفي سنة 1821 - وهو في السابعة والثلاثين ~~من عمره - عين مدرسا للغة العربية العامية بمدرسة اللغات الشرقية في ~~«باريس»، ولكن المنية عاجلته في تلك السنة بعد أن انتهى من وضع قاموسه، ~~فأشرف على طبعه في «باريس» خلفه في تدريس اللغة العربية المستشرق الكبير ~~«كوسان دي ~~برسيفال # Caussin de Perceval ~~» في جزأين # 51 # سنة 1829. # وبعد، فهذه هي الطوائف التي قامت بالترجمة الرسمية في عهد الحملة، ولم ~~تكن إحداها على علم متين باللغة العربية؛ لهذا جاءت النصوص المترجمة ضعيفة ~~ركيكة الأسلوب، أقرب إلى اللغة العامية منها إلى اللغة العربية، وإن نظرة ~~واحدة إلى النصوص الفرنسية لوثائق الحملة، ومنشوراتها الواردة في مراسلات ~~نابليون وكتب الحملة، وإلى النصوص العربية لترجمة هذه الوثائق والفرمانات ~~مما حفظه الجبرتي ونقولا الترك في كتابيهما، لتؤيد هذا الرأي. بل لقد ~~أبدى الجبرتي نفسه رأيه في ضعف الترجمة في أكثر من موضع، فقد ذكر عند كلامه ~~عن إنشاء الديوان في عهد «نابليون» أن الفرنسيين وضعوا لهذا الديوان قواعد ~~وشروطا كتبوها «بتعبيرات سخيفة يفهم منها المراد بعد التأمل الكثير لعدم ~~معرفتهم بقوانين التراكيب العربية.» # 52 # ولما ذكر نص محاكمة سليمان الحلبي قاتل «كليبر» قال في ~~مقدمتها: «وقد كنت أعرضت عن ذكرها لطولها وركاكة تركيبها، لقصورهم في ~~اللغة، ثم رأيت كثيرا من الناس تتشوق نفسه إلى الاطلاع عليها ... إلخ.» # 53 # الفصل الثالث # | الترجمة العلمية في عهد الحملة # المجمع العلمي، لجانه، أعضاء لجنتي الترجمة والطباعة، أغراضه، جهوده، أهم من ~~اشتغل بالترجمة من أعضاء المجمع: «مارسل»، الأب روفاييل: ترجمة حياته قبل الحملة ~~وفي عهدها، جهوده في الترجمة في عهد «نابليون» وفي المجمع العلمي، اختياره مترجما ~~أول للديوان في عهد «مينو»، ترجمته لرسالة طبية عن مرض الجدري من تأليف «ديجينيت»، ~~الرسائل التي ترجمت ms35 في عهد الحملة وطبعت في مطبعتها. ~~*** # أما الترجمة العلمية فقد بدأ بها المستشرقون من علماء الحملة يساعدهم نفر من المترجمين ~~السوريين، وإن كانت القلاقل السياسية التي انتهت بإخراج الحملة من مصر لم تمكنهم من ~~الاستمرار في أداء هذا الواجب. # أسس نابليون المجمع العلمي المصري، أو «مدرسة العلما في بر مصر» # 1 ~~- كما يسميه مستشرقو الحملة - من علماء الحملة المختصين في دراسة نواحي العلم ~~المختلفة، فكان بينهم المتوفرون لدراسة الرياضة والهندسة، والفلك، والميكانيكا، وطبقات ~~الأرض، والمعادن، والطب، والجغرافيا، والآثار، والآداب، والفنون ... إلخ ... إلخ، ويهمنا أن ~~نذكر أنه كان من بينهم المختصون في: ~~(1) # الترجمة. ~~(2) # الطباعة العربية والفرنسية. # فكانت لجنة الترجمة تتكون من: # فانتور # Venture ~~، ماجالون # Magallon ~~، لوماكا # l’homaca ~~، أميدي جوبير # Amedee Jaubert ~~، دلابورت # DeLaporte ~~، ريج # Raige ~~، براسرفيش # Bracervich ~~، وبلتيت # Belletéte ~~. # 2 # كما كانت لجنة الطباعة تتكون: # مارسل # Marcel ~~(مدير المطبعة)، بونتيس Puntis ~~، جالان # Galand ~~، بودوان # Bouduin ~~، بسون # Besson ~~. # 3 # وكانت مكتبة المجمع عامرة بآلاف الكتب، ومن بينها «كثير من الكتب الإسلامية مترجم بلغتهم ~~... وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات، وتصاريفها، واشتقاقاتها، بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون ~~من أي لغة كانت إلى لغتهم في أقرب وقت ...» # 4 # وقد حددت أغراض المجمع في الأمر الصادر بتكوينه في 22 أغسطس سنة 1798: ~~(1) # تقدم العلوم والمعارف في مصر. ~~(2) # دراسة المسائل والأبحاث الطبيعية والصناعية، والتاريخية الخاصة بمصر، ونشر ~~هذه الأبحاث. ~~(3) # إبداء رأيه للحكومة في المسائل التي تستشيره فيها. # وجعل للمجمع أقسام أربعة: (1) للرياضيات. (2) وللطبيعيات. (3) وللاقتصاد السياسي. (4) ~~وللآداب والفنون. # وقرر أن يمنح المجمع «جائزتين كل سنتين: الأولى لأهم بحث خاص بتقدم الحضارة في مصر، ~~والثانية لأهم بحث خاص بتقدم الصناعة ... وتطبع الأبحاث التي أجيزت في مجموعة المجلس، وكذلك ~~الأبحاث التي لم تنل الجائزة متى رأت اللجنة أنها جديرة بالنشر ...» # 5 # وانتشر علماء الفرنسيين في كل طرف من أطراف مصر يبحثون وينقبون، وجمعوا بحوثا طريفة ~~جليلة ستكون المادة التي يكتب منها فيما بعد كتاب وصف مصر # Description de ~~l’Egypte # والكتب الكثيرة الأخرى التي ظهرت عن تاريخ الحملة من النواحي ~~العسكرية، ms36 والطبية والعلمية ... إلخ. # ويتضح من القائمة السابقة التي تضم أعضاء لجنتي الترجمة والطباعة أن كثيرين من هؤلاء ~~الأعضاء قد شاركوا في نوعي الترجمة الرسمية والعلمية، غير أنه يبدو أن عبء الترجمة العلمية ~~في جملته كان يحمله ويقوم به عضوان من أعضاء المجمع: أحدهما مستشرق فرنسي كبير هو «جان يوسف ~~مارسل»، والثاني سوري مسيحي هو «الأب أنطون رفاييل زاخور راهبة المخلصي» وهو العضو الشرقي ~~الوحيد بمجمع نابليون. # أما «جان يوسف مارسل» (1776-1854) فكان رأس المستشرقين من رجال الحملة، وأكثرهم نشاطا، ~~كان جده «جيوم مارسل» أحد قناصل فرنسا القدامى في الشرق، ولد في باريس في 24 نوفمبر سنة ~~1776، وفقد أباه وهو صغير فكفلته أمه وأشرفت على تربيته وتعليمه فألحقته بجامعة «باريس» حيث ~~عني بدراسة الرياضيات والعلوم، وفي السابعة عشرة من عمره التحق موظفا بمعمل البارود، ثم ~~اشتغل فترة ما بالإشراف على طبع مجلة مدارس المعلمين، ثم اشترك مع سوارد # Suard # ولاكرتل # Lacretelle # في تحرير # Journal des Nouvelles Publiques ~~، وفي حوادث الثورة ~~ألغيت هذه الصحيفة وفر محرروها خوفا من إلقاء القبض عليهم، ولكن مارسل عاد من مخبئه بعد ~~قليل وبدأ في سنة 1790 يتفرغ - شأنه شأن أسلافه - لدراسة اللغات الشرقية، وقد تتلمذ في ~~مدرسة اللغات الشرقية على الأساتذة المستشرقين: # Langlès # و # De Sacy # و # Venture ~~، ومن ~~المحتمل أنه رشح ليكون عضوا من أعضاء اللجنة العلمية للحملة بناء على توصية # 6 # أستاذه «فانتور». # وقد عين «مارسل» - لمعرفته باللغة العربية - مديرا لمطبعة الحملة العربية، وذلك في نفس ~~الوقت الذي اختار فيه «ديزيه» و«مونج» وهما في إيطاليا، دون إلياس فتح الله ليكون مديرا ~~لنفس المطبعة؛ فلهذا منعه نبل أخلاقه أن يجمع بين أن يكون مديرا للمطبعة وعضوا في لجنة ~~العلوم والآداب، بل اكتفى بعضوية اللجنة وتنازل عن مرتب إدارة المطبعة لمعاونيه. # وقد أشرف وهو في مصر على إخراج الصحيفتين الفرنسيتين # Le Courier ~~d’Egypte # و # La Décade Egyptienne ~~، ثم ~~عين بعد عودته إلى فرنسا مديرا للمطبعة الأهلية التي سميت بعد قليل بالمطبعة الإمبراطورية # l’Imprimerie impériale ~~، وله أبحاث ms37 جليلة ~~كثيرة - وخاصة عن مقياس الروضة - نشرت في كتاب وصف مصر. # 7 # أما العضو الشرقي فهو الأب «أنطون رفاييل» # 8 # زاخور راهبة، كانت أسرته من طائفة الروم الكاثوليك الملكانيين، وقد رحلت عن حلب ~~إلى مصر في أوائل القرن الثامن عشر، وفي القاهرة ولد رفاييل في 7 مارس سنة 1759، وفيها ~~أيضا نشأ نشأة دينية فتلقى العلوم الدينية ودرس اللغة العربية على آباء طائفته، وخاصة ~~على رئيس مذهبهم البازيلي في القاهرة الأب «أغابيوس مطر»، وعندما بلغ الخامسة عشرة من عمره ~~سافر إلى إيطاليا مع أستاذه هذا ليتم علومه الدينية # 9 # في روما، واستغرقت رحلته مائة يوم فوصل إلى مدينة البابوات في أواخر يناير سنة ~~1775، وهناك التحق بمدرسة «سانت أتاناز ~~الإكليركية # Séminaire de Saint-Athanase ~~» حيث بقي بها 5 سنوات أتم في خلالها دراساته الدينية، ثم مكث ~~سنتين أخريين في إحدى الجامعات لدراسة اللغات، وخاصة اللغة الإيطالية. # وفي سنة 1781، عندما أتم رفاييل الثانية والعشرين من عمره غادر روما وعاد إلى صيدا مركز ~~الطائفة البازيلية فالتحق بدير المخلص # Couvent de ~~Saint-Sauveur ~~، وهناك اشتغل بترجمة بعض الكتب الدينية # 10 # والوثائق المحفوظة في مكتبة هذا الدير، وظل يرتقي في المناصب الدينية، فعين ~~شماسا في سنة 1782، ثم قسيسا في سنة 1785، ثم ارتحل بعد ذلك إلى روما في سفارة دينية قام ~~في أثنائها بترجمة كثير من وثائق هذه السفارة عن العربية إلى الإيطالية وعن الإيطالية إلى ~~العربية. # وبانتهاء هذه السفارة عاد رفاييل إلى مصر واستقر بها حتى وصلت الحملة الفرنسية، فكانت ~~أعمالها ميدانا طيبا لإشباع طموحه وتحقيق آماله العريضة. # في 3 «فركتيدور» من السنة السادسة (20 أغسطس سنة 1798 / 8 ربيع الأول سنة 1213) صدرت ~~اللائحة بتكوين المجمع المصري، وكانت المادة 20 من هذه اللائحة تقول بأنه سيكون هناك مترجم ~~عربي يتقاضى مرتبا خاصا، ومن الممكن أن يكون عضوا بالمجمع: # Ily aura un ~~interprete arabe qui aura un traitement particulier et qui pourra être membre de ~~l’Institut ~~. # 11 # واختير «أنطون رفاييل زاخور راهبة» # 12 # ليكون هذا المترجم، وعين عضوا في ms38 لجنة الآداب والفنون الجميلة بالمجمع، ولم ~~تذكر المراجع الأسباب التي مهدت لرفاييل سبل الاتصال بنابليون ورجال الحملة، واختياره دون ~~غيره ليكون عضوا بالمجمع، وإن كان الأستاذ بشاتلي # 13 # يقدم فرضين قد يكون أحدهما أو كلاهما سببا لهذه الصلة: # أولهما: # أن نابليون كان قد أرسل إلى العالم «مونج» والجنرال «ديزيه» وهما في ~~إيطاليا يوصيهما بالاستيلاء على مطبعة «البروباجندا» وأن يتفقا مع عدد من ~~المترجمين الموجودين في إيطاليا، فكان من بين هؤلاء المترجمين سوريان من ~~طائفة الروم الكاثوليك هما: دون إلياس فتح الله ويوسف مسابكي، # 14 # ومن المحتمل أنهما كانا على معرفة وثيقة برفاييل مذ كان يتلقى ~~العلم في روما، فقاما عند وصولهما إلى مصر بلفت أنظار أولي الأمر من ~~الفرنسيين إليه. # وثانيهما: # أنه كان من بين أعضاء الديوان الذي أنشأه بونابرت عضوان من السوريين هما: ~~يوسف فرحات وميخائيل كحيل، # 15 # ومن المرجح أيضا أنهما كانا على اتصال بالأب رفاييل الذي كان ~~يقوم بشئون طائفتهما الدينية، فلعلهما مهدا له السبيل للاتصال برجال الحملة ~~الفرنسية. # ومهما كانت الأسباب فقد اختير رفاييل عضوا بالمجمع، وبدأ به جهوده العلمية، فقد ذكر في ~~صحيفة # La Decade Egyptienne # أن المواطن «بونابرت» دعا ~~المجمع لوضع تقويم للسنة الثامنة، على أن يكون هذا التقويم ثلاثيا يشتمل على التاريخ ~~الفرنسي والقبطي والعربي، وكلف الأعضاء: # Nouet, Monge, Bauchamps, & ~~Raphaél ~~. بوضع هذا التقويم، وقامت اللجنة بمهمتها، ووضع التقويم، ~~وطبع بالمطبعة العربية تحت عنوان: «تقويم الجمهورية الفرنسية حسب تبعا لتوقيت القاهرة، والسنة الثامنة للجمهورية ~~الفرنسية، وذلك بالقاهرة بالمطبعة الأهلية، السنة الثامنة للجمهورية # Annuaire de la Republique Française, calculé pour le meridien du Caire, l’an VIII de l’ère Française ~~». # 16 # ونستطيع أن نقرر دون أن نكون مخطئين أن دون رافييل كان الواضع الوحيد أو الرئيسي للجزء ~~الخاص بالعصرين الهجري والقبطي، # 17 # ولا شك أن رفاييل قد قام بنصيب كبير من أعمال المجمع عند إعداد كثير من الأبحاث ~~وترجمة كثير من الوثائق التي كان يجمعها علماء المجمع ليصنفوا منها كتاب وصف مصر، وليضعوا ~~على ضوئها ms39 النظم الجديدة السريعة لإدارة البلاد، وحكم الشعب الجديد، كذلك يبدو أن رجال ~~الحكومة الفرنسية قد عهدوا إلى رفاييل بترجمة كثير من المراسيم والفرمانات والقوانين ~~الصادرة منهم إلى الشعب المصري، ويقول الأستاذ بشاتلي: إن كثيرا من هذه الوثائق التي تكون ~~جزءا من # Fonds Marcel # المحفوظة في المجمع المصري الجديد لا ~~تحمل أي توقيع، ولكن أي مقارنة بسيطة بين بعض نصوص هذه الوثائق وبين ما ورد في مخطوطة ~~رفاييل التي في حوزته تدل يقينا على أن هذه الوثائق هي من وضع أو ترجمة رفاييل. # وأول هذه الوثائق الترجمة العربية لمرسوم خاص بجمرك السويس صدر في نوفمبر سنة 1798 (نيفوز ~~عام 7 # Nivöse an VII ~~، جماد ثاني ورجب سنة 1213)، وثانيهما ~~ترجمة أمر بتأجير بعض أملاك الجمهورية وتاريخها 30 ديسمبر سنة 1898 (10 نيفوز عام 7 / 22 ~~رجب سنة 1213ه). # 18 # وفي اليوم السابق لمسير بونابرت بحملته إلى سوريا (5 فبراير سنة 1799) (17 بلوفيوز سنة 8 Pluviose an VIII ~~/ 30 شعبان 1213) عزل نابليون ~~«جلوتييه # Gloutier ~~» عن وظائفه التي كان يتولاها من قبل ~~اللجنة الفرنسية في الديوان الجديد، وعهد بهذه الوظائف إلى «فورييه # Fourier ~~» السكرتير الدائم للمجمع. وكان فورييه يعرف رفاييل زميله في ~~المجمع معرفة وثيقة فاستمر في التعاون معه، ولكن لا في الميدان العلمي، بل في ميدان الشئون ~~الإدارية؛ وفي اللحظة التي وصلت فيها القوات الفرنسية إلى العريش وصل من «برتييه» إلى ~~«الجنرال دوجا» منشور باللغة الفرنسية موجه إلى أعضاء ديوان القاهرة، وقد قام رفاييل بترجمة ~~هذا المنشور إلى اللغة العربية. # 19 # وبعد سفر نابليون إلى فرنسا انتقلت قيادة الحملة إلى كليبر، وفي 25 نوفمبر سنة 1799 / 27 ~~جماد ثان 1214 أصدر القائد الجديد أمرا بتكوين لجنة لجمع ~~المعلومات عن مصر # Commission des ~~renseignements sur l’Egypte ~~. # 20 # وقد ذكر رفاييل في مخطوطته التي يملكها الأستاذ بشاتلي أن هذه اللجنة كانت تتكون منه ومن ~~سبعة أعضاء آخرين، وفي هذه المخطوطة أيضا صورة لخطاب # 21 # أرسله رفاييل للشيخ السادات يشكره فيه على حسن استقباله لتابعه، ويطلب ms40 منه - ~~كعضو في اللجنة - أن يزوده بالمعلومات الوافية عن أسرته. # وإبان قيام رفاييل بهذا العمل قتل كليبر في 14 يونيو سنة 1800 / 21 المحرم سنة 1315 ~~فانتقلت مقاليد الأمور إلى الجنرال «مينو»، وأصدر «مينو» أمره فأعيد تكوين الديوان في صورة ~~جديدة من تسعة من المشايخ المسلمين، يشترك معهم «فورييه» بلقب قوميسيير «كمثاري» أو «مدبر ~~سياسة الأحكام الشرعية» كما يسميه الجبرتي، وطفر رفاييل طفرة جديدة فعين «ترجمان كبير» ~~للديوان الجديد، وتمكنت الصداقة في هذا العهد بين رفاييل والقوميسيير «فورييه» فكانا يسكنان ~~معا في بيت رشوان بك بعابدين حيث كانت تعقد جلسات الديوان. # وفي «ضحوة يومين في الجمعة» # 22 # أي حوالي الساعة التاسعة صباحا كان يدخل «فورييه» إلى قاعة الاجتماع يتقدمه ~~رفاييل «ترجمان كبير» كاتب مضبطة الجلسة أو «كاتب سلسلة التواريخ» السيد إسماعيل الخشاب حيث ~~ينضمون إلى بقية الأعضاء، وقد أعدوا في بيت رشوان بك «للمترجمين والكتبة من الفرنساوية ~~مكانا خاصا يجلسون به في غير وقت الديوان على الدوام، لترجمة أوراق الوقائع وغيرها، ~~وجعلوا لها خزائن للسجلات ...» # 23 # وقد أشار الأستاذ بشتلي في بحثه القيم عن رفاييل إلى أنه عثر في محفوظات المجمع المصري ~~الجديد على وثيقتين هامتين من ترجمة «رفاييل» أثناء قيامه بوظيفة المترجم الأول للديوان، ~~أولى هاتين الوثيقتين ترجمة عربية بخط «دون رفاييل» للائحة قضائية أصدرها «الجنرال مينو» ~~لتنظيم المحاكم المصرية، وتاريخها أول أكتوبر سنة 1800 ~~( # 10 Vendémiaire an LX # فندميير السنة التاسعة / 10 جماد ~~أول سنة 1215)، وفي أسفلها هذه التوقيعات: # 24 # مدير سياسة الأحكام الشرعية # فورييه # كاتب سلسلة التواريخ # الشيخ إسماعيل الخشاب # ترجمان كبير الديوان # دون رفاييل # والوثيقة الثانية ترجمة أمر يومي صادر عن «الجنرال مينو» في 23 أغسطس سنة 1801 (5 ~~فركتيدو) / 12 ربيع الثاني سنة 1216 خاص بطريقة اختيار مشايخ البلاد وحقوقهم، وهي مكتوبة ~~أيضا بخط دون رفاييل # 25 # نفسه. # وظل رفاييل على نشاطه المعهود يقوم بترجمة الرسائل والمراسيم والفرمانات ويقرؤها بنفسه ~~على أعضاء الديوان، ففي جلسة 35 شعبان سنة 1215 أرسل صاري عسكر «مينو» إلى مشايخ ms41 الديوان ~~كتابا وقرأه الترجمان الكبير رفاييل، # 26 # وفي هذا الكتاب وجه «مينو» الشكر للمشايخ على تهنئتهم له بالمولود الجديد الذي ~~رزقه من زوجته المسلمة «زبيدة». # وفي المحرم سنة 1216 / مايو-يونيو سنة 1801 - وهي السنة التي حضر فيها الإنجليز والأتراك ~~لإخراج الفرنسيين - «حضر الوكيل والترجمان وطلبهم (أي مشايخ الديوان) للحضور إلى قائمقام، ~~فلما حصلوا عنده قال لهم على لسان الترجمان: نخبركم أن الخصم قد قرب منا، ونرجوكم أن تكونوا ~~على عهدكم مع الفرنساوية.» # 27 # وفي نفس الشهر «اجتمع المشايخ والوكيل بالديوان على العادة، وحضر «استوف» الخازندار، ~~وترجم عنه رفاييل بقوله: إنه يثني على كل من القاضي والشيخ إسماعيل الزرقاني باعتنائهما ~~فيما يتعلق بأمر المواريث وبيت المال ...» # 28 # وفي صفر من نفس السنة - 1216 - أبرمت شروط الصلح بين الفرنسيين وأعدائهم، فعقد ~~الديوان «وحضر المشايخ والوكيل، فقال الوكيل: هل بلغكم بقية الشروط؟ ... فقالوا: لا، فأبرز ~~ورقة من كمه بالقلم الفرنساوي فشرع يقرؤها، والترجمان يفسرها ...» # 29 # وفي أواخر هذا الشهر - 24 صفر سنة 1216 - عقدت الجلسة الأخيرة للديوان وألقيت فيها ~~الخطب، وكان من بينها خطبة للوكيل ألقاها بنفسه «حتى فرغ منها، ثم قرأ ترجمتها بالعربي ~~الترجمان رفاييل، ومضمونها حصول الصلح وتمويهات وهلسيات ليس في ذكرها فائدة ...» # 30 # وقد حاول رفاييل قرض الشعر إلى جانب عمله في الترجمة الرسمية والعلمية، فقد وصل إلى مصر ~~في 14 سبتمبر سنة 1800 خبر موت الجنرال «ديزيه» - توفي في 14 يونيو سنة 1800 - وكان المعلم ~~يعقوب قد اشترك مع «ديزيه» في إحدى معاركه في الصعيد ضد جماعة من المماليك، وأبلى في هذه ~~المعركة بلاء حسنا مما دفع «ديزيه» إلى تقليده سيفا تقديرا لشجاعته. # تألم يعقوب لهذا الخبر ألما شديدا، وأرسل إلى الجنرال «مينو» يعرض عليه رغبته في دفع ~~ثلث نفقة الأثر المزمع إقامته لتخليد ذكرى «ديزيه»، كذلك فكر يعقوب في إرسال تعزية شعرية ~~للحكومة الفرنسية، فتقدم بالرجاء إلى صديقه «رفاييل» أن ينظم له هذه القصيدة، فنظمها من ~~أربعين بيتا في ثلاثة أيام، وصورة هذه القصيدة موجودة في مخطوطة «رفاييل» ms42 التي يملكها ~~الأستاذ بشتلي الذي يرى أن المقارنة البسيطة بين الأصل العربي والترجمة الفرنسية للقصيدة لا ~~تدع أي شك في أنها من نظم # 31 # رفاييل، وإن كانت الترجمة الفرنسية تحمل اسم يعقوب. # كذلك لم تشغل الترجمة الرسمية في العهد الأخير رفاييل تماما عن الترجمة العلمية، فقد قام ~~في شعبان سنة 1214 / يناير سنة1800 بترجمة رسالة طبية صغيرة ألفها «ديجينيت» كبير أطباء ~~الحملة عن مرض الجدري وطرق علاجه، وقد طبعت هذه الرسالة مرتين في مطبعة الحملة، وكان ~~عنوان الطبعة الأولى: # هذا تنبيه فيما يخص داء الجدري المتسلط الآن، وذلك بشرح موجه إلى أرباب الديوان ~~بمصر القاهرة من قبل البلدي دجنخط رئيس الأطباء في الجيش الفرنساوي بجهة الشرق، ~~بمصر القاهرة بدار المطبعة الجمهور الفرنساوية (كذا)، في يوم 20 من شهر شعبان سنة ~~1214 هجرية. # 32 # وقد ذكر «ديجينيت» أنه أهدى 250 نسخة من رسالته إلى الديوان، و50 نسخة أخرى للست نفيسة ~~المرادية، وأيد هذه الرواية الجبرتي، فقال في حوادث شعبان سنة 1215: «وفيه أرسل رئيس ~~الأطباء الفرنساوي نسخا من رسالة ألفها في علاج الجدري لأرباب الديوان، لكل واحد منهم نسخة ~~على سبيل المحبة والهدية ليتناقلها الناس ويستعملوا ما أشار إليه فيها من العلاجات لهذا ~~الداء العضال، فقبلوا ذلك منه، وأرسلوا له جوابا شكرا له على ذلك ...» ولا شك أن الجبرتي ~~نال نسخة منها - فقد كان عضوا في الديوان - وأنه قرأها، فقد قال معقبا على هذا الحادث: ~~«وهي رسالة لا بأس بها في بابها.» # 33 # هذه هي الطوائف التي شاركت في الترجمة الرسمية والعلمية في مصر في عهد الحملة الفرنسية ~~(1798-1801)، وإنا لنرجح أنه إذا كان قد قدر للحملة أن يطول عمرها في مصر لنشطت هذه ~~الحركة وأثمرت وآتت أكلها، غير أنها انقطعت بعد خروج الحملة فترة ما، على أن تبدأ حياة ~~جديدة أكثر نشاطا وأوفر إنتاجا في عهد العاهل العظيم محمد علي، وسنرى أن الفرنسيين - ~~ومنهم بقية من علماء الحملة - هم الذين سيوجهون الحياة العلمية كلها - لا حركة الترجمة فقط ~~- في ذلك العهد. ms43 # ونرى أخيرا أن خير ما يتوج به الكلام عن الترجمة العلمية في عهد الحملة أن نرصد فيما ~~يلي ثبتا بالكتب - بل الكتيبات - القليلة التي ترجمت # 34 # وطبعت في مطبعة الحملة: ~~(1) # وصايا لقمان ~~الحكيم # Fable de Loqman, surnommé le Sage ~~. طبعت باللغة العربية ومعها ترجمتها الفرنسية في ~~مطبعة الحملة في كتاب صغير من 120 صفحة، كان ثمنه تسعين نصف فضة. ~~(2) # نشرة بها محضر محاكمة سليمان الحلبي باللغات الفرنسية والعربية والتركية، ~~وكان عنوانها باللغة العربية : «مجمع التحريرات المتعلقة إلى ما جرى بأعلام ~~ومحاكمة سليمان الحلبي قاتل صاري عسكر العام كليبر، بمصر القاهرة، بمطبعة ~~الجمهور الفرنساوي، في سنة 8 من إقامة الجمهور»، وعنوانها بالفرنسية: # Recueil des piéces relatives à la procédure et au ~~jugement de Soleyman al-Haleby, assassin du general en chef ~~Kléber ~~، وتقع هذه الكراسة في 150 صفحة. ~~(3) # أجرومية للغة العامية # Grammaire arabe Vulgaire à l’usage des Français et des Arabes (Incomplet) ~~، وهي من وضع «مارسل»، وقد بدأ في ~~تصنيفها في قلعة القاهرة، ثم أضاف إليها زيادات في الإسكندرية، غير أنها ظلت ~~غير كاملة، وطبعت في سنة 1801 باللغتين الفرنسية والعربية في 168 صفحة. ~~(4) ~~«رسالة في مرض الجدري»، تأليف «ديجينيت» كبير أطباء الحملة، وترجمة الأب ~~رفائيل زاخور، وقد ذكرنا فيما سبق عنوانها العربي والفرنسي الكامل، طبعت ~~باللغتين الفرنسية والعربية في 43 صفحة طبعتين: الأولى في شعبان سنة ~~1214 / يناير سنة 1800، والثانية في شعبان 1215 / ديسمبر سنة 1800. ms44