######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.AlamJuha.Hindawi49603746 #META# Tags: literature #META# ID: 49603746 #META# Title: آلام جحا #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # | آلام جحا # | آلام جحا # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | الفصل الأول # مضى علي أربعون عاما وأنا على هذه الأرض، وها أنا ذا أنظر إلى ورائي، إلى هذه السنوات ~~الطويلة، فأرى أقصاها كأنه الأمس القريب لم تمض عليه إلا ليلة، فما معنى الزمان وما معنى ~~السنوات التي نعدها؟ ما زلت أنا جحا الذي عرفته في سن العشرين والعشر، لم يتغير مني شيء ~~سوى أن صلب عودي وجمدت مفاصلي وزدت في الطول والعرض شيئا، وما زلت أغضب وأرضى وأحب ~~وأكره، وأندفع مع حماقة البشرية كما كنت أفعل صغيرا. إن الحكمة لم توهب للبشر وإن كانوا ~~يدعونها. # لقد كنت أحسب أن الأربعين إذا بلغتها توفي بي على سن الكمال؛ فإنها السن التي كان ~~الأنبياء يبعثون فيها. ولكني لم أجد في نفسي تبدلا وقد بلغتها؛ فما زلت كما كنت حائرا ~~خائبا أهيم في خيالي، ولا أعرف من أمور الحياة أمرا. # لقد تعودت أن أصارح نفسي ولا أخادعها، وأنظر إلى عيوبي فلا أسترها، ولست أدري كلما تأملت ~~أحوالي، أأبكي أم أضحك منها. لست أحسن في الحياة إلا أن أهيم فيها على وجهي قانعا بما تقع ~~عليه عيناي من مجالي هذا الكون العجيب الذي يهزني بجماله وجلاله. فإذا غمرتني الهزة ~~أنطقتني قائلا: «سبحان ربي!» وأبعد في ms001 التأمل حتى أغيب عن وعيي. والناس ينظرون إلي وهم ~~يسعون ويكدون ويتزاحمون على ما أسميه حطام الدنيا، فأراهم يمضون عني ويبسمون سخرا، فأوشك ~~أن أسخر منهم وأضحك من جهالتهم، ولكني أعود سريعا إلى نفسي فأردها عن السخرية؛ فإني لا أدري ~~أأنا خير منهم أم هم خير مني. # وأضيق أحيانا بما ألقاه في مصبحي وممساي، وأنكر ظلم الأحياء، وأمتلئ عليهم بالحنق ~~أحيانا، فإذا ما أذهلتني ضربات الحياة وعثراتها وقفت بين الناس أضحك حتى يتحلقوا حولي ~~ويضحكوا لضحكي. فإذا نطقت بما في قرارة قلبي حسبوا أنني أهرف وأخلط فيزدادون مني ضحكا. ~~أهذا قضاء الله الذي قدره لي؟ # لم يهب لي الله ما وهبه لهؤلاء الذين يضطربون في الحياة فيصارعونها، لم يهب لي مالا ~~أسند إليه ظهري، ولا حيلة أكيد بها وأعتمد عليها، ولا جمالا في خلقتي ولا بسطة في قوتي. ~~ولكنه وهب لي قلبا يحس عظمته وجلال خلقه، وكفاني هذا وحسبي! # ولست أملك من دنياي إلا هذه الدار التي خلفها لي أبي من تراث أجدادي، وقد كانت بها حديقة ~~أدركت خضرتها في صباي، ولكنها اليوم صحراء جرداء بلقع؛ فليس بها من آثار الخضرة إلا جذوع ~~كالحة ونخلات شعثاء، وقد تهدمت ساقيتها وكسرت قواديسها وانقطع ثمرها. ومع ذلك فإنني ~~أحبها ولا أرضى أن أبيع منها قيراطا، وحسبي من الحديقة سعتها. بل إنني لست أرضى أن ينقطع ~~دوران الساقية، فلا يزال الثور يدور بها ويعجبني أن أسمع نعيرها إذا صفا الليل وهدأ الكون ~~وسطع البدر؛ فإن صوتها يقع في أذني أشهى من الألحان، وحسبي من ساقيتي نعيرها. # وقد تهدم سور البيت فصار لا يحجب أهل الفضول ولا يمنع الدخيل، ولكن ما ضرني من ذلك ~~والأسوار لا تقام إلا إذا كان صاحبها يخشى على ذهب عنده أو جوهر؟! وأنا بحمد الله ليس عندي ~~منها ما ينغص علي عيشي. # خرجت يوم بلغت الأربعين إلى ظاهر ماهوش لعلني أستوحي في ذلك اليوم ما يحيل جدبي إلى خصب، ~~أو يدخل نورا إلى ظلام القلب. وكان الربيع يخلع على ms002 الريف رداءه، وحقول البرسيم الخضراء ~~تتموج تحت أذيال النسيم رطبة يانعة، والفول يملأ الهواء عطرا من نواره الجميل، ومروج القمح ~~كأنها لوحة فنان أبدع في مزج ألوانه فهي زبرجد في ذهب، وحوافي النهر ترقص بما عليها من ~~أعشاب وأزهار. فلو شئت أن أتغنى بما وقعت عيني عليه من الجمال لما أبقيت موضعا لغيره من ~~الحديث. وحسبي أن أقول إنه السحر الساحر، وسبحان مبدع الكائنات. فسرت صامتا وقلبي يثرثر ~~وروحي يحلق حتى بدا لي العالم كله كأنه ذرة على ساحل المحيط، وهانت عندي الحياة وما فيها من ~~هموم صغيرة. حقا ما أصغر هموم الحياة! # كنت أميل إلى العود الضئيل من العشب فأرفعه إلى عيني وأحاول أن أرى ما فيه من جلال ~~الإبداع، فيرتد عنه بصري حسيرا. وأرى الذبابة على العود أو البعوضة فوق الورقة أو النحلة ~~ترف على الزهر فأتأمل الإبداع بعد الإبداع، وأغمض عيني خوف أن يعشيها نور الجلال، فأصيح ~~بغير وعي: «يا ألله!» # ورأيت شجرة جميز على جانب الطريق، وكنت كثيرا ما أستريح فوقها إذا تعبت من طول جولتي؛ ~~وتلك عادة تعودتها منذ صغري؛ فقد طالما كنت أقضي الليل راقدا بين الغصون كأنني بعض الطيور ~~في أوكارها. # وجلست أقلب نظري في الأفق البعيد وفي ظل الشجرة القريب، فما وقع إلا على جليل من المعاني ~~تومض في ومضات كنار الجبل إذ آنسها موسى؛ فلا أكاد أسمو بنظري إلى قبس منها حتى يرتد طرفي ~~كليلا. # وفيما كنت في مجلس أهيم في مدارج السماء إذ جذبتني حركة على الأرض، فالتفت إلى الطريق ~~فإذا بي أرى موكبا يحيط بهودج، وهو متجه نحو ماهوش مقبلا من ناحية قصر نزهة السلطان، فكدت ~~أصرف النظر عنه وأعود إلى هيامي في فضائي، ولكن ما أعجب الإنسان إذ ينقلب من السماء إلى ~~الأرض يجذبه إليها عنصر الصلصال! كان الموكب باهرا لا تقع فيه العين إلا على وهج من الحرير ~~والجوهر أو بريق من الحديد والذهب. فخشعت في مكاني وجلست أرقبه حتى مر وصار الهودج حيالي، ~~فإذا بي أرى ms003 الستر مزاحا، وألمح من ورائه فتاة سبحان الخالق القهار! كان وجهها سافرا عن ~~فلقة من بدر، أبيض في حمرة كأنه وردة تتفتح في الربيع. وكانت تنظر إلى المروج الخضراء ~~باسمة، وترمي بلمحات من عينين لا أستطيع أن أصور ما فيهما من حلاوة. فخفق قلبي خفقة ~~أحسست منها كأنه غاص في صدري، وصحت صيحة مكتومة: «أهذه علية؟» وأغمضت خشية الفتنة، ولكن ~~عيني لم تطاوعاني - غفر الله لي - فعدت أنظر إلى تلك الخلقة البديعة وعاد قلبي إلى خفقانه، ~~وعادت إلي ذكرى عزيزة فهزهزت كياني. إنها علية الحبيبة حقا. والتفتت الفتاة فاضطربت ~~غدائر شعرها الأسود حول عنق في بياض الزنبق، ورأيت جبينها الواضح وأنفها الجميل وكانت تزيح ~~جانب الستر بأنامل منعمة فوقها معصم أنيق يتوهج بالجوهر. فدار رأسي حتى كدت أسقط من مجلسي، ~~وتعلق بصري بأعقاب الموكب حتى غاب عن عيني. فنزلت، ولا أدري إلى أين أسير، شاخصا إلى الهودج ~~كأنني أنجذب نحوه قسرا. وسرح خيالي إلى أيام شبابي إذ كنت أهيم بمن استأثرت بفؤادي؛ علية ~~التي بهرتني وفتنتني. أواه! إنني لا أذكرها إلا خفق قلبي وأضاء الكون حولي. كانت علية في ~~شبابي علالة النفس إذا صحوت، ومؤنسة الأحلام إذا أغفيت. كنت أقف الساعات أنتظر حتى تمر علي، ~~فإذا مرت سرت وراءها مباعدا حتى تغيب عن عيني، ثم أعود فأقف حيث كنت، فأبقى ساعات أخرى ~~حتى ترجع لكي أتزود منها بنظرة أخرى. لشد ما كنت سخيفا شقيا إذ ضعفت وجبنت وتركت منافسي ~~السمج يفوز بها. وا أسفاه علي وعليها! فإن ذلك المنافس أشقاني وأشقاها. ما كان أشد حمقي ~~وسوء حظي إذ ترددت ولم أجاهد لأنتزعها منه انتزاعا! نعم كنت فقيرا وكان غنيا، وكنت ~~قبيحا وكان جميلا، وكنت هين الجاه وكان وجيها. ولكني كنت أملك حبي وقلبي، وكان ذلك خيرا ~~لها من ماله وجماله وجاهه. ولم يمهلها الأجل فاهتصرها في رونق الشباب وسرت وراء نعشها، فكان ~~قلبي يدمى حتى شيعتها إلى قبرها. عفوك يا علية؛ فقد كنت مذنبا تعسا، أو لقد كان هذا ~~قضائي ms004 . ولقد خيل إلي بعد أن فقدتها أن قلبي قد أغلق وجمد واستقر على بلواه، وما ~~كنت أحسب أنه سوف يخفق مرة أخرى، ولكنه في ذلك اليوم خفق وتوهج فيه القبس الخابي. # لست أدري، أعادت علية إلى الحياة وكانت هناك في الهودج تمر أمامي؟ لقد رأيت في الهودج ~~عينيها وجبينها وغدائر شعرها ولفتة جيدها. أكنت أهذي إذ رأيتها ولم يكن ذلك إلا خيالا؟ أم ~~لقد مر الهودج حقا أمامي وبدت صورتها حيالي؟ # وسرت بين الحقول أهيم ولا أحس مواقع قدمي، ولا أرى شيئا مما يحيط بي حتى تنبهت إلى صوت ~~يناديني، فتلفت كأني أستيقظ من حلم فإذا بي أرى صديقي أبا النور أمامي. # لك الله يا صديقي! فليس لي في ماهوش كلها قلب أطمئن إلى رحمته غير قلبك. فلما نظرت إليه ~~بادرني قائلا: أين كنت منذ الصباح؟ # فقلت في ارتباك: على الأرض حينا، وفوق الشجرة حينا. # فقال في عطف: وإلى أين؟ # فتلفت حولي لأعرف أين كنت، ولكن اضطراب حواسي كان يذهلني، فقلت: إن شئت الحق، فإني لا ~~أدري. # فأخذني من ذراعي وخرج بي يسير نحو الطريق، وعند ذلك تبينت أنني كنت أسير في حقل حديث عهد ~~بالري، وأنا أغوص فيه وأخبط على غير هدى. # فلما صرنا على الطريق قال صاحبي: أتحب العودة إلى ماهوش؟ # وما كنت لأنصرف عن الصورة التي ملأت فؤادي، فسألت قائلا: أرأيت هذا الموكب الذي مر ~~بي؟ # فلم يزد على أن قال: نعم رأيته. # ثم سكت، كأن الأمر لا يستحق إلا تلك الكلمة القصيرة. فأعدت قائلا: أوقعت عينك ~~عليها؟ # فنظر أبو النور نحوي بعينيه الفاترتين وقال متعجبا: من تعني؟ # فانطلق لساني قائلا: علية. # فأحسست يده تشتد على ذراعي وقال في رحمة: هو موكب ابنة السلطان يا صديقي. # ثم حرك شفتيه يقرأ هامسا. # فلم أشعر إلا وقد اندفعت أصف محاسنها، وكنت أتعجب من الحرارة التي تتدفق في بياني. نعم ~~كانت نفسي تعجب من نفسي. # وزادت قبضة صاحبي على ذراعي شدة، وخيل إلي أنه يحاول أن يسندني، فتمالكت نفسي ~~وأمسكت ms005 لساني وسرت إلى جانبه صامتا وهو يقودني، وعدت إلى صورة الهودج أتمثلها وأتأمل ~~محاسنها، ثم صحت فجأة: أهي ابنة السلطان حقا؟ # فحرك أبو النور شفتيه، ولكني سمعته يهمس مستغفرا. # فأعدت سؤالي عليه، ولم أرد به إلا أن أعرف إذا كان صاحبي قد رأى الموكب حقا؛ فقد داخلني ~~الشك أن يكون ما رأيته من أشباح وهمي، ولكنه قال: هكذا قال حراسها. # فهدأت نفسي قليلا وعدت إلى صورة الفتاة أناجيها. وما ضرني أن تكون تلك علية التي أحببتها ~~في شبابي، أو أن تكون ابنة السلطان أو غيره من الخلق؛ فلم أكن أطمع في غير صورتها، وتلك قد ~~احتواها قلبي، وحسبي. # | الفصل الثاني # هكذا يسقط الإنسان من السماء إلى القرار السحيق فجأة. فقد بلغت داري ورأيت امرأتي ريمة ~~أمامي. وما رأيتها يوما إلا وقع في نفسي أن صاعقة تريد أن تنقض علي، أو أن الأرض تريد ~~أن تنهار من تحتي، أو أن الدنيا شعلة من النار، أو أن نورها قد انطفأ ولفها الظلام. أين هذه ~~الزوجة من علية التي فجعت فيها؟ المسكينة علية! أهي قد ماتت حقا؟ أم إنها هي التي ~~رأيتها في الهودج والموكب العظيم يحرسها؟ وماذا يعنيني إذا كانت هي هذه أو تلك؟ فإنما ~~تصاحبني صورة في قلبي لا تتغير ولا تتبدل. وسواء علي أكانت الصورة ذلك الجسد أو ذاك. أين ~~ريمة امرأتي من تلك الصورة؛ صورة علية أو صورة ابنة السلطان، أو هي صورة علية ابنة السلطان ~~في آن؟ إن ريمة امرأتي لا تدع فرصة إلا انتهزتها لتنكيد عيشي وتسويد أيامي؛ فلا أراها إلا ~~مخالفة معاندة، لا يعرف السلام سبيلا إلى قلبها. ما قلت لها يوما: «هذا شرق»، إلا كان جوابها: ~~«بل هو غرب.» وإذا قلت: «هذا أبيض.» قالت: «بل هذا أسود، أليس لك عينان؟» وقد أقول لها يوما ~~مخادعا: «هذا يوم سعيد إذ أصطبح على وجهك.» وأحسب أني بذلك أداهنها وأسل خبثها، فتأبى ~~إلا أن تجيب: «أما إنه ليوم أغبر منحوس.» وهي تخالفني في كل شيء وفي كل معنى ms006 ؛ فأنا رجل نحيف ~~الجسم، وهي مثل فرس البحر كأنها تأكل مع عميان، وأنا خفيض الصوت، وهي إذا نطقت كأن في حلقها ~~بوقا، وأنا أحب الصمت، وهي تتكلم بلسان ذي ثلاث شعب، وأنا أحب النور، وهي تهوى الظلام، فإذا ~~فتحت نافذة أغلقتها، وإذا أوقدت مصباحا أطفأته، وإذا سكت ثرثرت، وإذا تكلمت التوت عني فما ~~تنطق. # وهي فوق هذا كله تتعمد أن تكون الحياة على غير ما أرضى، وتتعمد أن تحب كل ما أكره، وتكره ~~كل ما أحب. # كنت عائدا إلى بيتي بعد صلاة العصر، فمررت بحانوت فاكهاني، ورأيت عنده برتقالا كأن لونه ~~من الذهب، وكأن رائحته عطر المسك، وكانت الواحدة منه مثل الرمانة الكبيرة. فحدثت نفسي أن ~~أشتري منه لأولادي، ومددت يدي إلى جيبي فلم أجد درهما. فسرت في طريقي أحدث نفسي بذلك ~~البرتقال، ولو كان معي دراهم لاشتريت منه بعشرة. ولما بلغت الدار كان همي عظيما؛ إذ دخلت إلى ~~عيالي بغير تلك الفاكهة الحلوة، وأردت أن أخفف من ثقل الهم على نفسي فقلت لامرأتي: لقد رأيت ~~اليوم برتقالا لم أر مثله في حياتي. # فأجابت في فتور: وأين نحن من البرتقال؟ # ثم تنهدت. # فقلت: وكنت أحب لو اشتريت منه بعشرة دراهم، لولا أنني لم أجدها في جيبي. # فصاحت في غضب: عشرة دراهم؟ أكنت تريد أن تبدد دراهم عشرة في شراء برتقال؟ # فقلت: أما إنه لبرتقال عجيب. # وشرعت أصف لها لونه وريحه وحجمه، ولكنها صاحت بي: لقد عرفت أنك أحمق الرجال. # فغضبت وقلت لها: وما ضرك لو تفكه الأطفال مرة؟ # فأخذت تصيح بي وتسبني حتى جاء أبو النور من بيته على صياحها، وأقبلت عليه أقص عليه ~~القصة، وكانت امرأتي تقاطعني وتسفه رأيي. فأراد الرجل الطيب أن يطفئ نيرانها، فقال لي ~~يلومني: الحق مع امرأتك؛ فإن عشرة دراهم لا تبذل في شراء البرتقال لأمثالنا. # ثم أراد إرضائي فقال: أما كان يكفيك أن تشتري بخمسة دراهم؟ # فأردت أن أهدئ المرأة فقلت: لا بأس يا صديقي، كانت الخمسة تكفي، ولن أرد لك قولا. # فخجلت ريمة ms007 من عنفها، وانتهزت الفرصة لترجع عن عنادها وقالت تخاطب صديقي: قل له يا أبا ~~النور، أما كانت الخمسة تكفي؟ # فقال لها أبو النور: صدقت، وقد اتفقنا جميعا. # وهكذا سكنت العاصفة، ولكنها سكنت لكي تهب مرة أخرى أشد عنفا؛ ففي ذلك اليوم جاء وقت ~~العشاء ورأيتها تقلي بيضا، وأنا أحب البيض المقلي إذا كان الزبد جديدا. فقلت في نفسي ~~لعلها تريد أن ترضيني وتستسمحني بعد ما كان منها، وكدت ألوم نفسي على غلظتي في مخالفتها. ~~فلما أعدت السفرة ودعت الأولاد للعشاء نظرت إلي في خبث، ثم مدت يدها إلى علبة فيها ~~بهار وفلفل، وأهوت على طبق البيض حتى طمسته، فصار لونه أغبر كريها. # وهي تعلم كراهتي للأفاويه، فلست أطيق حرقتها ولا أقوى على حرارتها؛ بل إني لا أحب ريحها ~~وأكره النظر إليها، وأعتقد أن الله لم يخلقها لخير أبدا، وأنه لا يبارك في زراعتها ولا في ~~تجارتها، وأن الأرض التي تنبتها لن تصيب إلا الذل، وأن القوافل التي تحملها لا يبارك الله ~~في دابتها. # فلما أردت أن أردها عن خبثها قلت لها: إن هذا البهار يحرق حلوق الأطفال. # وبدأت أزيحه بلقمة عن وجه البيض، فصاحت بي قائلة: قلت لك دعه، فلا طعم لهذا البيض إلا ~~بفضله. # فصحت قائلا: أما تشفقين على هؤلاء الصغار؟ # وأشرت إلى الأطفال وكانوا يأكلون ولا يبالون شيئا. # فضحكت ساخرة وقالت في قسوة بالغة: دع الأطفال، فما تشفق إلا على حلقك. # فلم أجد بدا من القيام وأنا أغلي غيظا. # هذه هي ريمة امرأتي التي سودت أيامي؛ فلم يكن لي من حيلة إلا أن أخرج إلى فناء البيت ~~لأبترد في هواء الليل من همي. وكان ضوء القمر يلف الأرض في غلالة رقيقة فيجلو أرجاءها في ~~رفق، لا يقسو عليها ولا يتدسس إلى خفاياها. هناك يستطيع الإنسان أن يهيم في عوالم الآفاق ~~والسموات في النور الخافت، فيرى في شعاعه الضئيل رقص الجان وعربدة العفاريت ومحاورة ~~الأشباح، وزيارة الأرواح؛ إذ تهبط كلها إلى الأرض تحت أضواء القمر، وتعبث وتنساب في الأفق ms008 ~~الغامض آمنة من النور الباهر الفاضح. وفي ذلك الليل الساجي رقدت مستلقيا على ظهري ناظرا ~~إلى الفضاء الذي لا نهاية له، فكأنني انمحيت فيه وفنيت، أو كأن الوجود كله قد انمحى وفني ~~في، فلم يبق من الوجود إلا ما بين جنبي، أو لم يبق مني إلا هذا الوجود الصافي. # ورأيت النجوم الصغيرة تومض بشعاعها الضئيل وكأنها ترسل حديثها الصامت من وراء الفضاء في ~~جوف العماء، تحدث بأسرار الكون الأزلي وتخبر عن سير القرون الخوالي حديثا قصيرا لا يزيد ~~على لفظ «كانوا». فإذا ما سألتها عما وراءها وما يحيط بها، وعن حقيقتها وهل بها أحياء مثلي ~~أم فيها ملائكة لا تعرف هموم الإنسان، وإذا سألتها عن الكرسي الأعظم الذي يسعها، لم أجد ~~منها جوابا إلا لمعة تلمعها كأنها تجيب قائلة: «اخسأ.» فلا يسعني إلا أن أقول: «أيها ~~العقل، قف مكانك ولا تقلق هذا الكون السرمدي بثرثرتك.» وطرقت أذني أصوات منبعثة من الساقية ~~الصغيرة التي في فناء داري، فتذكرت ذلك الفناء الذي كان في أيام أبي بستانا يانعا. لشد ~~ما تغير البستان على يدي، فأنا لا أصلح شيئا ولا أصلح لشيء. كانت هذه الساقية تدور كما ~~تدور الآن، وكانت ترفع الماء من قرار البئر فتروي به الشجر والزهر، ولكنها عقمت فهي الآن لا ~~تخرج ماء. أيها الثور الناعس المستسلم امض في دورانك فليس كله عبثا، أليس هذا الصوت الذي ~~يدوي في سكون الليل لحنا يحيي هذا الفضاء الرهيب؟ ماذا يعنيك إذا كانت الساقية ترفع ماء ~~يروي النبات أو لا ترفع من الماء شيئا؟ حسبك من الدوران هذا النعير الذي يتردد في سكون ~~الليل فيكسبه جلالا ويملؤه خشوعا، حسبك هذا الغناء الذي يشبه الترتيل والتسبيح، ولا تكن ~~أيها الثور أحمق مثل هذا الإنسان الذي لا يتحرك إلا لمطمع في الحياة، إنك لن تصيب من الحياة ~~إلا ملء مذودك من التبن أو الحشيش. كان كل شيء هادئ في ذلك الليل يبعث على السلام والسمو، ~~فأحسست وأنا مستلق على أرض الفناء الواسع أن بالحياة أنغاما ms009 متناسقة، ونسيت كل ما مر بي ~~من الهم. الحياة حلوة لمن استطاع أن يكشف ما فيها من حلاوة، ولو لم يكن فيها سوى أن تستلقي ~~على ظهرك في ضوء القمر كما فعلت وتتأمل صور الكون الذي حولك أو التي في حنايا صدرك لكان هذا ~~حسبك. هناك يستطيع الإنسان أن يجد السعادة في السلام الشامل. # وذهب خيالي إلى ابنة السلطان - أو هي علية ابنة السلطان. نعم هي علية؛ لأنني لم أعرف ~~اسمها، ولا بأس علي إذا مزجت اسم علية الحبيب بشخصها. وهناك استطعت أن أعيش حينا معها لا ~~تفرق بيني وبينها تلك الفوارق التي تحجبها عني إذا ما طلعت الشمس، هناك لم أشعر بقوة ~~السلطان ولا عظمته، هناك عند السماك التقيت بعلية ابنة علاء الدين بعيدين عن الأرض الضيقة ~~وجهلها وسخفها. # لقد سمع الناس عن حبي وضحكوا مني وسخروا، نعم سمعوا به وسمعوه مني، وهل علي من بأس إذا ~~جهرت بحبها وسمعت أصداء ترديدي لاسمها؟ إن كل ما عندي كريم نبيل صريح، فقلت وتحدثت ~~وسبحت، وسمع الناس قولي وسخروا مني. ولكن ماذا يعنيني منهم إذا هم سخروا وضحكوا، وقد أفضى ~~صديقي أبو النور إلي بما يقولون، وعنفني على مجاهرتي بحبها، وقال إني أعرض نفسي للهلاك ~~إذا أنا تماديت في ذكرها. # يعجب الناس مني، ويقولون إني صعلوك أتطاول على مقام لا ينبغي لي أن أتطاول إليه. حقا ~~إني فقير ولست أدعي الغنى، وضعيف الجاه ولست أدعي القوة، ولكني مع ذلك أدرك ما ~~يفوت عقول هؤلاء. إن الأسرار تتفتح لي وينابيع الآيات تتدفق في صدري، ولست أعبأ بشيء مما ~~يرغب الناس فيه، ولا أرهب مما يرهبون، فما الذي يمنعني أن أتطلع إلى ما أريد؟ وما الذي ~~يلومني الناس فيه من حب علية ابنة علاء الدين؟ أيلومني الناس على أنني أسبح الله في حبها؟ ~~لست أتطلع إلى شيء غير صورتها، ولن يستطيع أحد أن يحجب عني العوالم التي أكشفها من تأمل ~~حبها. # إنني أسمو بذلك الحب كما يسمو العابد في صلاته. وهل الحياة كلها ms010 جسد ومادة؟ إن روحي تهيم ~~وتستطيع أن تقضي الأيام والليالي في الأفق الأعلى، تتغذى من ذلك الشجن الطاهر الذي يشملها، ~~وتتصفى من ذلك الهيام الحار الذي يصهرها ... يا علية ابنة علاء الدين! # لن أكف عن التطلع إليك والتسبيح باسمك، والتماس الحياة العليا من محبتك، وإن لم تقع عيني ~~عليك مرة أخرى. # | الفصل الثالث # لو استطعت أن أقضي كل حياتي في أحلامي لكنت رجلا سعيدا، ولكن أنى لي ذلك وأنا إنسان ~~لا بد لي من أن أصحو ومن أن أرى وأسمع وأسير؟ أنى لي أن أعتزل في أحلامي وأنا مرتبط ~~بهذه الأرض وبأهلها ممن هم قريبون مني ومن هم بعيدون عني؟ ولو كنت وحيدا معتزلا لهان ~~علي الأمر، ولكني أعيش في الناس ومع الناس ولا سيما إذا كانت لي امرأة مثل ريمة. # لقد سمعت امرأتي بما يقوله الناس عني في حب علية، وكنت أحسب أنها إذا سمعت ذلك أصلحت من ~~شأنها وقومت من اعوجاجها. ولكنها ما كادت تسمع ما يقوله الناس حتى ركب الشيطان كتفيها ~~كأعنف ما ركبها منذ عرفتها، فلم تدع نوعا من أنواع الأذى إلا ألحقته بي، ولا صنفا من صنوف ~~الخبث إلا صبته على رأسي، وأرادت فوق كل هذا أن تذلني فأذاعت هي الأخرى أنها قد عزمت على ~~الزواج من السلطان نفسه. # لكم ضحكت عندما سمعت الناس ينقلون إلي قولها! ريمة تريد أن تتزوج من السلطان! لم يثر ~~قولها في إلا ضحكا. # فلما رأت أن قولها لم يثر غيظي عمدت إلى حيلة خبيثة للانتقام مني، فأثارت ضجة يتحدث بها ~~العاطلون في ماهوش يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر؛ فإنها أذاعت في الجيران أنها قد عزمت على ~~الانتحار. ولو كان أمرها قد أدى إلى غايته لكان ذلك قضاء الله وانتهى إلى نهايته. والزواج ~~من مثل ريمة ما هو إلا سباق على الموت بين الزوجين، فإذا كان ولا بد من الموت فليكن لها ~~إذا شاءت، ولكن ريمة لم تهتد إلى ما يجب عليها أن تفعل، وقنعت بأن صاحت وسبت واصطرعت ms011 ~~وتخبطت، ثم خرجت من الدار تجري، ولم أدر ما كان قصدها من وراء هذا كله، فتركتها وقعدت ~~في الدار هادئا، وأحسست أنني استطعت أن أتنفس حرا، وقد هدأ الجو بعد خروجها. # وانصرفت إلى صورة علية ابنة السلطان أناجيها، فلم أشعر بشيء حتى سمعت هيعة عالية وأصوات ~~ولولة تطرق أذاني. فشردت أفكاري وقمت فزعا، فإذا بالحارة قد غصت بمن فيها من رجال ونساء ~~وأطفال وشيوخ، وما كادوا يرونني حتى علت منهم صيحة عالية: «الحق يا جحا.» # فدهشت لهذه المفاجأة ولم أفهم المقصود من قولهم، وما الذي ألحقه؟ إنني رجل لم أستطع في ~~حياتي أن ألحق شيئا، فكيف لي أن ألحق شيئا لم يقدر كل هؤلاء على أن يلحقوه، ووقفت ~~ثابتا أقلب فيهم بصري. # فصاحوا بي مرة أخرى صيحة أعنف وأكثر حنقا، ففتحت عيني وفمي وأشرت بيدي مستفهما، فعلت ~~منهم صيحة ثالثة فقالوا: «الحق امرأتك!» فانطلق لساني قائلا: «وكيف ألحقها؟» # فاختلطت الأقوال ولم أعرف كيف أجيب. قال قائل: «الحقها عند النهر.» وقالت جماعة: «إنها ~~غرقت.» وصاح آخرون: «قد دقت علينا الأبواب.» وقال شاب خبيث: «أتتزوج عليها؟ أما تخجل؟» ~~فاندفع النساء يصرخن في وجهي: «يا سم! أغرق نفسك وراءها يا قاتل.» # فلم أملك نفسي وشعرت كأنني أجرمت، وعلاني خجل واضطراب، واندفعت بين الجمع فإذا بي أنساق ~~مع تيار جارف من الناس حتى بلغنا جانب النهر، وتفرق الجمع كل في جهة، فبعضهم يجري على ~~الشاطئ، وبعضهم يخلع نعليه فيخوض في الماء، وصاحت امرأة: «غوصوا في الماء، فإنها تحته بلا ~~شك.» وصاحت أخرى: «بل لقد حملها التيار معه، فانحدروا أسفل النهر.» # وصاحت ثالثة سليطة اللسان: «ما لك واقفا يا جحا كالحجر؟ انزل إلى الماء وابحث ~~عنها.» # ولكني كنت أعلم الناس بامرأتي ريمة؛ فإن الناس إذا أرادوا الغرق قذفوا بأنفسهم في الماء، ~~وأما هي فلم يكن عندي شك في أنها تفعل غير ذلك. والناس إذا غرقوا نزلوا إلى القاع ولكنها ~~لا يمكن أن تغوص، والتيار يحمل الغرقى معه إلى أسفل النهر، ولكنها إذا غرقت لم تنس ms012 العناد، ~~فلا شك في أنها تجعل التيار يحملها مكرها إلى أعلى النهر. هذا ما أعرفه في امرأتي؛ ولذلك ~~لم أبال شيئا مما قاله الناس، ونزعت نفسي من بينهم، وأخذت أعدو نحو أعلى النهر. فلحق بي ~~شبان منهم يريدون أن يردوني إلى ناحية أسفل المجرى ظنا منهم أنني أخطأت في اتجاهي، ~~وظن بعضهم أنني قصدت الهروب، فصحت فيهم وقد غضبت: دعوني أيها الحمقى، فأنا أعرف منكم ~~بامرأتي، إنها إذا أرادت الغرق فلن تتجه إلا نحو منبع النهر. # وكان الموقف لا يحتمل ضحكا ولا فكاهة، ولكني سمعت من الشبان ضحكا كأنني كنت أمازحهم، ~~فزاد غضبي، ونزعت نفسي من بينهم وجريت نحو أعلى النهر، وتركتهم في شغل من ضحكهم يعيدون ~~كلماتي ويتفكهون بها. # ولما وجدت نفسي وحيدا سرت على مهل وتنفست مرتاحا، وجعلت أقلب وجهي في شطآن النهر، ~~وكانت الأعشاب تغطيها غضة خضراء، والزهر يوشيها والطير يزقزق فوق أغصان الصفصاف والسرو. وكان ~~جمال المنظر يبعثني على إطالة السير، ولم يخجل قلبي من خطرات خطرت عليه من ذكر الحبيبة ابنة ~~علاء الدين. وفيما كنت سائرا أجيل بصري في هذا الحسن الباهر لاح لي سواد تحت شجرة على نحو ~~مائة ذراع مني. فظننت ذلك إنسانا وقصدت إليه لعلي أرى جثة ريمة امرأتي صاعدة في النهر، وما ~~كان أشد عجبي عندما بلغت الشجرة؛ إذ وجدت أن ذلك السواد هو امرأتي ريمة نفسها، وكانت جالسة ~~على الشاطئ تدلي رجليها في الماء وتحك قدما على أخرى، وفي يدها قطعة من قثاء تأكلها، فلم ~~أتمالك أن صحت بها حانقا: لقد صدق ظني! # فالتفتت إلي وكان وجهها يشع شماتة وخبثا وصاحت: أي ظن هذا الذي صدق؟ # فقلت غاضبا: كل الخلق يغرقون في الماء وأنت تغرقين فوق الشط، وكل الغرقى يحملهم التيار ~~إلى أسفل النهر، وأما أنت فإنك تصعدين إلى أعلاه. # فقامت واثبة واستعدت لهجمة من هجماتها، ولكني كنت ثائرا والشرر يتطاير من عيني، فصحت ~~بها: هلمي! # فلم تجرؤ على مهاجمتي، وسارت ورائي في انكسار حتى عدنا إلى القوم، وكانوا لا ms013 يزالون يبحثون ~~عنها في الماء متجهين إلى أسفل النهر خطوة خطوة، فلما رأونا مقبلين سارعوا إلينا، واختلطت ~~أسئلتهم حتى لم أسمع منها سؤالا، فقطعت عليهم سبيل الفضول، وقلت لهم في حزم: لقد كنت أعلم ~~منكم بامرأتي. # فسكتوا ونظروا في شيء من الغيظ إلى ريمة، كأنها قد خيبت أملهم في غرقها، وسرنا في ~~موكب متهامس حتى بلغنا ماهوش، وعدت بامرأتي إلى داري. # هذه هي امرأتي التي لا تخجل من أن تضع نفسها إلى جانب صورة ابنة السلطان؛ صورة الملك ~~الكريم الذي أسبح معه في أعلى الملكوت مترنما بالترتيل والتسبيح. هذه هي امرأتي التي لا ~~ترضى أن يمر بي يوم بغير أن تدخل علي حزنا جديدا. هذه هي امرأتي التي لو شئت أن ~~أثبت على القرطاس ما أعانيه من سوء عشرتها لضاقت بي الصحف، وتكسرت الأقلام وجف ~~المداد. # وليتها إذ تنغص علي عيشي بخلافها وسوء عشرتها تعرف شيئا من معنى الكرامة أو الصدق. ~~لقد عرفت من النساء من يشبهنها في حمقها وشراستها، ولكني عرفتهن يندفعن مع ما فطرهن الله ~~عليه من حدة الطبع والسلاطة، وعرفت اندفاعهن صريحا بسيطا لا التواء فيه، فلهن العذر فيما ~~لا حيلة لهن في خلافه. ولكن ريمة امرأة تستطيع أن تضحك وأن تمرح، وهي ذات حظوة عند لكيعات ~~أهل الحي، فإذا اجتمعت بهن أو اجتمعن بها شغلن الملائكة في إحصاء حماقاتهن، وأحفين أقلامهم ~~في كتابة أوزارهن، وهي إذ تريد أن تملأ قلبي غيظا تدبر لغيظها تدبيرا، وتمكر وتحتال ~~وتحكم مكائدها في براعة توحي إليها بها شياطينها. # وهي في كل مكرها تتعمد أن تذلني وأن تجعلني للناس سخرية، وتعين أشياعها من الشياطين ~~على أن يهزءوا بي من وراء ظهري. # هذه هي ريمة امرأتي التي حكم القضاء علي أن أقيم معها تحت سقف واحد، وأن تكون لي منها ~~ذرية تشاركنا ما نحن فيه من شقاء. # فكيف أستطيع الحياة على مثل هذا؟ لمن شرع الله الطلاق إذا لم يكن قد شرعه لمثلي ~~ومثلها؟ # أيها الناس، من كان منكم زوجا لمثل امرأتي ms014 ريمة فليطلق، لقد عزمت على الطلاق ولن أعيش مع ~~ريمة بعد هذا أبدا. # ولكن أواه من قلبي؛ إن لي ولدين من ريمة، وما ينبغي لي أن أشقيهما بشقائي. عفوك يا عجيب ~~ولدي، وعفوك يا جميلة ابنتي. # | الفصل الرابع # كلما تذكرت ولدي كاد قلبي يتقطع رحمة لهما ورقة، ولن أقطع بيني وبين ريمة من أجلهما. إنهما ~~بهجة عيشي لا بهجة لي غيرها سوى ذلك الخيال الذي يملأ قلبي من علية ابنة علاء الدين. فلأجعل ~~هؤلاء عزائي، ولأتحمل ما استطعت تنكيد امرأتي وسوء عشرتها. أي جميلة ابنتي! إنك قطعة من ~~كبدي، وحسبي أن أقول قطعة من كبدي. وأنت يا عجيب ولدي، إنك الحبيب الخبيث معا، وإن خبثك ~~ليحلو لي وإن كنت في بعض الأحايين أضيق به ذرعا. وولدي عجيب من تلاميذ هذا العصر الحديث ~~الذين يعتقدون أنهم ناشئة جيل جديد قد تقدم وأصاب غير ما أصابت أجيال آبائه من الذكاء ~~والعلم، وهو مثل أبناء جيله يسيء الظن بجيل الآباء بقدر إحسانه الظن بنفسه. ولا عجب في ذلك؛ ~~فإنه أمر تقضي به سنة الكون منذ خلق الله جيلا بعد جيل؛ فكل جيل يبدأ في تحصيل المعرفة، ~~فيظن أنه قد أوجد تلك المعارف أول مرة، وكل منها يذوق أول طعم تجارب الحياة فيكون كل شيء ~~عنده جديدا، فيحسب أنه قد كشف شيئا لا عهد لأحد به من قبله، فلم لا يكون ابني كذلك؟ لست ~~ألومه على ذلك الوهم؛ فهو أمر طبيعي سبقته إليه ألوف من الأجيال، وكلما رأيته منتفخا ~~بأوهامه تبسمت وتذكرت أحوالي إذ كنت في مثل سنه، وأرد له دين الرحمة الذي كان لأبي في عنقي. ~~هكذا نحن نسدد ديون الآباء للأبناء. # ولو كان عجيب ابني يقنع بسوء الظن بجيل أبيه لوافقته واستحسنت صنعه؛ فقد عاشرت هذا الجيل ~~وعرفته معرفة لم تتح لابني. وكلما مرت الأيام بي زدت يقينا أن هذا الجيل خلقة شاذة من ~~السخف والجهل. ولست أبرئ نفسي؛ فأنا كذلك خلقة شاذة من هذا الجيل، فأنا شاذ في جيل شاذ، ~~ولكن ms015 المصيبة الكبرى أن ابني يحسن الظن بنفسه وبأبناء جيله، مع أني لا أرى إلا زيادة متصلة ~~في التخليط والخبط. # وقد ولع ابني بما يسميه الأدب، واستهتر به استهتارا عظيما، حتى بلغ به الأمر أن صرف همه ~~إليه، ولم يبال ما يكون حاله في مستقبل أيامه. حقا إنني لم أصنع في حياتي ما أحمده، وقد ~~تركت نفسي أتخبط مع الأيام فلم أحسن عملا ولم أستطع شيئا، وشهدت على نفسي بأنني لا أصلح ~~في صنعة، ولكني مع ذلك لا أريد لولدي ما جربت أثره في حياتي. على أن ولدي قد فهم من الأدب ~~القشور وغاب عنه اللباب. رأيته يوما يشتري معجما، ثم رأيته يقبل عليه كلما وجد ~~فراغا، فيحفظ من ألفاظه كل ما شذ واستعجم، وتعود بعد ذلك أن يستعمل تلك الألفاظ في ~~كتابته وحديثه، وولع بعبارات يجمعها في قراءته من كل ما هب ودب من كتب هؤلاء المساكين ~~المخدوعين الذين يحسبون أن الأدب لا يزيد على طمس المعاني وإلقاء الألفاظ سحبا سوداء ~~عليها تجعلها غامضة مبهمة، فإذا قرأ القارئ مثل هذه الكتب لم يدرك منها معنى، فلا يسعه إلا ~~أن يتهم نفسه ويسيء الظن بفهمه، ويدفعه اليأس إلى أن يقول مع القائلين إن هؤلاء الكتاب من ~~نوابغ الأدب. ولقد طالما صدع عجيب رأسي بما يقذفه عليه من عبارات هؤلاء البائسين؛ فهو يتغنى ~~بالضوء الذي يداعب أعطاف السماء، وبالنشوة التي تتمشى في الظلال الناعمة، وبالسحر الذي يتموج ~~فوق مجالي النبضات اللانهائية. وقد كنت ليلة جالسا وحدي في حديقة داري أتمتع بضوء القمر ~~الزاهي، فسمعت ولدي يتغنى بأبيات مما يسمونه الشعر، وكان لا بد لي أن أسمع غناءه ~~وإنشاده؛ فقد كان الليل ساجيا ليس فيه ضجيج أحتمي فيه من السماع، وما أزال إلى اليوم أقشعر ~~كلما مرت أصداء تلك الأغنية بخاطري، كانت شيئا لا معنى فيه ولا وزن له، ووالله لو كان ذلك ~~شعرا لاستطاعت كل عنز في حقول ماهوش أن تكون شاعرة. # كان عجيب يتغنى بشيء مثل هذا: # الشجر والطير والسحاب # والنور ms016 والحب والضباب # فشعرت بدوار في رأسي وغصة في حلقي وصحت به: «اخرس.» # ولكن الخبيث أقبل نحوي في حماسة شديدة، وجعل يرجمني رجما متصلا بإنشاده حتى أوشكت أن ~~يغمى علي، ولم أستطع أن أصرفه عني إلا عندما قلت له: هذا مدهش، فاذهب إلى أمك لتدخل به ~~السرور على قلبها. # وقد عرف عجيب ابني بالنبوغ في الأدب بين لداته، وتمكن منه الوهم فاعتقد أن الله قد ~~وهب له من فضله ما لم يهبه لسواه. وجعل يسألني عن أسماء شياطين الشعراء ليختار له واحدا من ~~بينهم ظريف الاسم كريم السابقة. # وكثيرا ما أفضى إلي بأمله في أن يكون كبير الأدباء في جيله، فتأخذني الشفقة عليه ~~فأهز رأسي صامتا. فليمض كما شاء الله له، ولا حيلة لي في صرفه عن وهمه، والزمن وحده كفيل ~~بحل مشكلات الحياة. إن تيار الحياة يحمل الإنسان في سبيله كما يريد هو لا كما يريد الإنسان، ~~ولا عجب إذا كان ابني يصبح كبير الأدباء في عصره؛ فإني رأيت العصر يصير من فساد إلى فساد، ~~ولعل هذا الأدب الممسوخ يكون في عصره آية الإبداع في أنظار أهله، والعبرة بأبناء ذلك الزمان ~~لا بنا نحن. ومع ذلك فإني لم أتمالك نفسي يوما أن أخوض مع ولدي في مناقشة صاخبة عندما ~~سمعته يتحدث عن الأدب في حماسة حمقاء، فقلت له ناصحا: ماذا تريد من ذلك الذي تسميه الأدب؟ ~~حقا إن اسمه محبب إليكم معاشر الأبناء؛ لأنكم تسمعون منا أن الأدب محمود، ولكن الأدب ~~الذي تتحدث عنه شيء آخر. فقال لي متبرما: أتظنني لا أعرف معنى الأدب؟ لقد حفظت تعريفه ~~على شيخي، وأنا أعرف عن عظماء الأدباء أكثر مما تظن. فضحكت وقلت: عظماء؟ يا خبر! # فقال وقد نفخ صدره: بلا شك، إنهم عظماء وخالدون، وسأكون أحد الخالدين. # فقلت: إذن مت جوعا. # وما كان أشد عجبي إذ سمعته يقول: فليكن! وماذا علي لو مت جوعا إذا كنت من الخالدين ~~بعد موتي؟ إنها ضريبة العظمة، إنها ثمن الخلود. # فنظرت إليه وهززت رأسي أسفا؛ إذ إنني ms017 أبوه الذي جاء به إلى الحياة. # ولست أدري من ذا الذي يلقي مثل تلك الأوهام في عقول هؤلاء المساكين؟ أم لعلها تنبت في ~~الرءوس بغير أن يلقي أحد بذورها كما تنبت الحشائش على جانبي نهر ماهوش. # ولو كان أمر عجيب ولدي لا يزيد على هذا الهراء لهان الأمر عندي، ولكنه كاد يؤدي به يوما ~~إلى الهلاك - حماك الله يا ولدي. # كنت يوما جالسا في الحديقة عند الساقية، فمر بي عجيب وكان يقرأ في معجمه، فلما اقترب ~~مني نظر إلي باسما في خبث، وكان ظريفا فلم يعرج علي ولم ينشد لي شيئا من تأليفه ولا ~~من محفوظه. فلما بعد عني لم تبعد صورته عن ذهني، وجعلت أفكر في حاضره وفي مستقبله، وأسأل ~~الله له الهداية. ثم جاء صديقي أبو النور فجلس إلى جانبي وأخذنا نتحدث، فشاركني فيما كنت ~~فيه من التفكير في أمر ولدي، ولما رآني لا أرضى له صناعة الأدب سألني في سذاجة: وهل اخترت ~~له صناعة أخرى تكون أجدى عليه؟ # فاندفعت قائلا في حماسة: ماذا تقول يا رجل؟ لقد حسبتك أعلم بالحياة من ذلك! إن كل صناعة ~~أخرى وكل تجارة غير هذه المهنة أجدى على أي شاب يريد أن يحيا، فليكن طبيبا إذا شاء أو ~~حجاما أو منجما، فلن يزاحمه في صناعته إلا من كان له شيء من العلم بصناعته. فالناس ~~يفتحون أعينهم ويسألون عن الطبيب قبل أن يسلموا إليه أبدانهم للعلاج، ويسألون عن الحجام ~~قبل أن يأذنوا له بأن يسيل الدم من عروقهم، ويسألون عن المنجم قبل أن يعطوه أجره على ~~تضليلهم، أو فليكن فقيها فإنها تجارة رابحة ولن يزاحمه فيها إلا من كابد مشقة الحفظ وأعمى ~~عينيه من طول القراءة، أو فليكن خبازا فالناس لا يتدسسون بين الخبازين إذا لم يكونوا ~~قادرين على صناعة الرغيف. فليكن أي شيء من هذا أو غير هذا؛ لأنه عند ذلك يصير صاحب حرفة ~~محدودة معروفة، لها قيود وفيها أسرار تمنعها عن الدخيل وتحميها من الدعي، ولكن لا يبلغن به ~~السفه أن ms018 يدخل برجليه إلى تلك الرملة الخوانة التي يسمونها صناعة الأدب. # وقد نسيت في حماستي أنني أخاطب صديقي، وحسبت أنني أتحدث إلى نفسي لا يسمعني أحد غيري، ~~ولكني شعرت فجأة بهزة في ساعدي، فتنبهت فإذا أبو النور يقول لي: أقول لك أما تسمع؟ # فسكت وتلفت حولي، فطرقت أذني صرخة مكتومة كأنها خارجة من بطن الأرض، فقمت مع صاحبي نركض ~~باحثين عن مبعث الصوت في أنحاء الحديقة فلم نجد شيئا، واتهمنا أسماعنا وعدنا إلى ~~الساقية نلقف أنفاسنا، وهممت أن أسأل صديقي عن رأيه في الأشباح التي ترفع أصواتها في الليل، ~~هل يمكن أن تصرخ في وضح النهار؟ وإذا بالصراخ المكتوم ينبعث مرة أخرى كأنه يصعد من تحت ~~أقدامنا، فنظرت إلى صديقي مدهوشا وهمست: بسم الله الرحمن الرحيم. # ولكني رأيته يذهب إلى شفة البئر التي تحت الساقية وينظر من فوهتها، فسرت وراءه وأطللت ~~برأسي، فماذا رأيت؟ كان هناك رأس ولدي عجيب فوق سطح الماء، وهو يحاول أن يسند نفسه على ~~الجدار الأملس ويضطرب برجليه في الماء، وسمعته يصيح: الوهس! الوهس! الوحي الوحي، الجدار ~~المتملس يحاور كفي، وسراب الماء يداعب أنفاسي، والهلاك المشمخر يراود أجلي. # وكان يريد الاستمرار فخشيت عليه وصحت به: اخرس، ماذا الوهس وماذا الوحي؟ وما ذلك الذي ~~يداعب ويراود ويحاور؟ # فرفع رأسه نحوي وقال متحديا: لقد رأيت الوهس قبل سقوطي في البئر، ومعناه الجري السريع. ~~وأما الوحي فمعناه العجل. وأما الجدار المتملس الذي يداعب يدي فهي عبارة رائعة نقلتها ~~عن الأديب الكبير ... # وأراد المضي في قوله، فصحت به مرة ثانية: دع هذا وقل لي، أين الحبل؟ أين الحبل الذي كان ~~هنا على بكرة البئر؟ # فقال في انكسار: هو الذي انقطع بي وأهواني في ثبج ال... # فقاطعته قائلا: قلت لك اخرس. # ثم نظرت حولي فلم أجد شيئا أنقذه به، حتى وقعت عيني على عمامة صاحبي فنزعتها عن رأسه ~~ثم نزعت عمامتي وأخذت ما حولهما من اللفائف، وساعدني صاحبي على برمها حتى صارت كالحبل ~~شدة، ثم دليناها إلى الولد فأمسك بطرفها وتعاونا على ms019 رفعه حتى أخرجناه وهو مثل القط ~~الغارق. # وأخذ صديقي لفافته وهو صامت فعصرها ونشرها، وأما أنا فسرت عاري الرأس مع ولدي حتى ~~بلغنا البيت ودفعته إلى أمه قائلا: أصلحي أمره، واعتني به حتى لا يفجع الجيل الجديد في ~~كبير أدبائه. # فنظر إلي الخبيث وهو يرتعد من البرد وكاد يرد علي جوابا لولا أن اصطكاك أسنانه لم ~~يساعده على الكلام. # ورجعت إلى صديقي فوجدته لا يزال يهز أطراف لفافته ليجففها، فداخلني إشفاق عظيم عليه ~~وقلت في حرارة: أشكرك يا صديقي، فلولاك لهلك ولدي. # فقال أبو النور: لم ألاحظ شبهه بك إلا اليوم. # فلم أدر ماذا حدث بي عند ذلك، ولكني شعرت بالضحك يغلبني، وكان ضحكا متصلا معديا ~~بغير شك؛ فما مضت لحظة حتى كان أبو النور يضحك معي وهو يهز أطراف لفافته بيديه. # | الفصل الخامس # كنت أسير في طريق ماهوش - وما أعجب طرق ماهوش! ففيها النقيضان؛ الجمال والقبح، والغنى ~~والفقر، والنظافة والوسخ، والفن والفوضى. ورأيت فيما رأيت كلبا مسكينا نستطيع أن نعد ~~أضلاعه البارزة من تحت جلده، وكان كل شيء فيه يستدر الرحمة، وكان كلما اقترب منه إنسان ~~انحرف عنه مسرعا يتمايل من الضعف، وقد وضع ذيله بين فخذيه؛ فقد تعود النفور من أشباح ~~البشر. وكان في ركن الطريق كوم من الزبالة اعتاد الناس أن يرموا عنده فضلات منازلهم، فاتجه ~~الكلب نحوه يطلب منه رزقا. مسكين أيها الكلب؛ فإنك لا تجد في ماهوش ملجأ آخر غير ذلك ~~الكوم. فلما بلغ ركن الطريق رأيته فزع وتردد؛ فقد رأى عنده شبح إنسان، ولكنه لم يلبث أن هز ~~ذيله وتجرأ على الاقتراب منه؛ إذ لم يكن ذلك الشبح سوى فتاة مسكينة مثله. فتحول نظري إلى ~~الفتاة، وكان وجهها أسود مما علاه من القذر، ويداها كأنهما عودان من حطب، ووجهها النحيل ~~كأنه جمجمة في مقبرة. # ونظر الكلب إليها كأنه يحييها تحية الصباح قائلا: «يا زميلتي.» فلم تخيب المسكينة ~~رجاءه ورمت إليه بعظمة؛ نعم فلم تكن العظمة نافعة لها. # ووقف الكلب يأكل عظمته، على حين كانت ms020 الفتاة تقلب في الكوم باحثة عن قشرة فاكهة أو قطعة ~~خبز أو خرقة من ثوب بال. ولم أستطع أن أطيل النظر إليهما، فانصرفت وقلبي يدمى، ولكني لم ~~ألبث أن وجدت قلبي يحملني إليهما، حتى إذا ما بلغت الفتاة ألقيت إليها بدرهم كان معي، ولم ~~أجد عندي عظمة أخرى أرميها لصاحبها. أواه! أهكذا تنطوين على القسوة يا ماهوش؟ ولما انصرفت ~~عن الفتاة رآني رجل يجلس في حانوت فاكهاني قريب، فقال لي: ألا تعطيني درهما يا جحا؟ # وكنت حزينا فلم أجبه. فأعاد قائلا: أتؤثر النصرانية؟ إنها نصرانية تلك التي رميت إليها ~~الدرهم. # فلم أجبه إلا بنظرة أسف، ومضيت في طريقي أفكر في هذه النصرانية المسكينة. ولو ملكت أكثر ~~من ذلك الدرهم لعدت فرميته إليها. إن الله يطل على الكون بعين الرحمة، لا يفرق بين الناس ~~والحيوان؛ فلكل حي في هذا الوجود مكان في رحمته. وإذا نحن وقفنا بين يديه يوم الحساب لم يكن ~~لنا أمل إلا في رحمته؛ وما أجدرنا - نحن البشر - أن نرحم، لعلنا نكون أهلا للدخول في رحاب ~~الله. أي بلدتي الحبيبة ماهوش، ألا تحبين أن تكوني أهلا لرحاب الرحمن؟ # لقد عشت ما عشت في وطني أحب هواءه وشمسه وقمره، وأتمتع بماء نهره وخضرة حقوله وغناء طيره، ~~ولكني مع ذلك لم أستطع أن أعيش بين أهله. ويخيل إلي أحيانا أنني قد أتيت إلى هذا ~~العالم لكي أكون عبرة لغيري. لست أصلح لشيء غير أن أعيش في خيالي هائما في عالمي، لا أبصر ~~شيئا مما حولي، ولا أعرف لي سبيلا في هذه الأرض التي لا أرى فيها إلا صورا وأشباحا. ~~كاد يخيل إلي أن عالم الوهم هو الحقيقة، وأن هذا العالم الذي ألمسه وأراه وأسمعه وأشمه ~~وأذوقه ليس سوى خيال. # تصدمني الحياة كل يوم صدمة تذهلني، فأعود إلى عالمي الخيالي وأقنع بما فيه مكرها؛ لأنه هو ~~العالم الذي أستطيع أن أعيش فيه، فإذا ما حاولت أن أقترب من زحمة الناس تبين لي عجزي ~~ونقصي. # ولو كنت لا أحمل إلا همومي لهان ms021 الأمر عندي؛ لأنني ألقى قضاء الله راضيا. هكذا أنا، وهذا ~~قضائي، ولا أملك إلا أن أرضى بحظي. لا أستطيع أن أكابر في نصيبي؛ فأنا لا أستحق إلا هذا ~~النصيب عند العادل المهيمن على الكون. # لو كنت لا أعاني إلا ما يجره عليه طبعي لهان الأمر عندي، ولكني كلما تلفت إلى ما مضى وما ~~حضر من أيامي لم أجد إلا أحمالا حملتها لم يكن لي وزر فيها. كانت كلها أحمالا ألقيت على ~~كاهلي إلقاء؛ لأنني لم أقو على ردها عن عاتقي. # وقد شبهت نفسي بصديقي العزيز «البطل الصامت» الذي يسميه الناس «حماري»؛ فهو يقضي كل ~~حياته يحمل أحمالا ليس له في حملها مصلحة، ويقطع عمره في جهد قاطع متصل لا يصيب منه لنفسه ~~خيرا. # لقد تعود الناس أن يسب بعضهم بعضا بوصف الحمار؛ ولهذا فلست أرضى أن أشارك الناس في سوء ~~الأدب، فلا أسمي ذلك الحمار إلا «البطل الصامت»؛ فهذا ما يقتضيه العدل مني. والناس يعجبون ~~مني إذا سميته كذلك ويضحكون ويسخرون ويحسبون أنني أريد أن أسوق إليهم فكاهة. يا للغباء! ~~ولكن ما ضرني إذا هم ضحكوا وسخروا؟ فلعل هذا يدخل إلى قلوبهم شيئا من السعادة ~~البلهاء. # إن صديقي البطل الصامت أكرم عندي من كثير من هؤلاء الذين يحملونه أحمالهم ولا ~~يتورعون عن إلحاق الأذى به ضربا ووخزا وشتما؛ وهو مع ذلك يبذل جهده صامتا صابرا ~~قويا، حتى إذا ما تهدم وخارت قواه برك على الأرض، وتجلد على الضرب القاسي. وهؤلاء ~~الجيران لا يزالون كل يوم يقصدونني لكي يستعيروا مني صديقي ليحمل لهم أحمالهم، فأخجل أن ~~أردهم، فأذهب إليه أسأله عن رأيه، فإذا بهم يضحكون مني ويحسبون أنني أمازحهم، فإذا ما ~~رأيته صامتا لا يجيب أذنت لهم به نائبا عنه؛ فإني أعرفه صديقا كريما. ولست أظن أنني خير ~~منه حالا؛ فإن جيراني يأتون إلي في كل يوم يسألونني أنا أن أحمل لهم أحمالهم، فلا فرق ~~بيني وبين البطل الصامت، إلا أنني أحمل أشياء من صنف آخر غير ما يحمل. ولا أذكر ms022 يوما أن ~~جاءني واحد منهم ليؤدي ما عليه من دين، أو ليتطوع بإحسان أو مواساة. ووالله لو تطوعوا ~~بالإحسان إلي لما رضيت منهم إحسانا؛ فإن نفسي تأنف أن تكون يدي السفلى. # ولكني أصف الحال كما هي، وأفضي إلى هذه الكراسة بما في نفسي. # قد يكون لي على بعضهم دين فأحتاج إليه وأسعى في طلب الوفاء، حتى لا أكلف المدين مشقة ~~السير إلى داري، فإذا عثرت عليه يوما أزاغ بصره عني كأنه لم يرني. # كانت لي عند الشيخ عماد الدين أمانة من مالي أقرضته إياها في أيام محنته، فلما عادت إليه ~~الدنيا قلت في نفسي إن هذه فرصة لي وأنا أقاسي مر الحياة وضيقها. فلما ذهبت إليه عثرت عليه ~~في حلقة من الناس يلقي عليهم درسا. فما وقعت عينه علي حتى أخذ يهز لحيته في عنف ~~ويبربر كما يبربر الأسد. # ومضت ساعة حتى فرغ الشيخ من درسه، ولكن بقي حيث كان حتى أتت طائفة أخرى فتحلقت حوله. وكان ~~الشيخ ممن يعتقد الناس فيه، فكانوا يذهبون إليه طلبا للبركة وإن لم يأخذوا علما. # فلما طال بي الانتظار ضقت ذرعا وثارت نفسي، وكنت أسمع حديثه على مضض ولا أفهم منه ~~حرفا؛ فقد كان الرجل يلقي هراء. # ورأيت بقائي عنده سفها؛ فإن ساعة أقضيها في ضوء الشمس أجدى علي وأشرح لصدري. وثار غضبي ~~فصحت قائلا: يا سيدي الشيخ. # فنظر إلي مغضبا كأنه لا يعرفني. فزاد غضبي وثار الدم في رأسي، فقلت له: أما تعرفني؟ ~~أما رأيت من قبل وجهي ولحيتي؟ # فهز الشيخ ذقنه ولمعت عيناه لمعة مخيفة، ثم نظر إلي نظرة قصيرة وعاد إلى الحلقة ~~يريد أن يمضي في درسه. # فغاظني ذلك وصحت به: لا بأس على هؤلاء إذا غبت عنهم ساعة يا سيدي، ~~فتعال معي إلى الدار لترد إلي أمانتي، ولا ضير على تلاميذك أن يهز أحدهم لحيته في ~~مكانك حتى تعود إليهم. # ولست أدري كيف أغضب الحق هؤلاء، وقد كنت أحسبهم يشكرون صنيعي، فقاموا جميعا في وجهي ~~يشتمونني ويسفهون رأيي. # فلم أجد ms023 بدا من الخروج، ونظر الشيخ إلي شامتا، وانصرفت وتركته يهز لحيته هزا ~~عنيفا. # وما كدت أعود إلى منزلي حتى سمعت طارقا على الباب، فقلت في نفسي: «من يكون هذا؟» وما ~~فتحت المصراع حتى رأيت جاري جمال الدين يطل برأسه باسما؛ وقد كان آخر عهدي به يوم جاء يطلب ~~مني البطل الصامت ليحمل له بعض التبن، فأذنت له به، ثم اتفق أن مررت بداره عند غروب الشمس ~~فرأيت منظرا يذيب القلب حسرة؛ إذا كان من طبعه أن يذوب. رأيت البطل الصامت المسكين واقفا ~~عند باب البيت وعليه حمل من التبن يبلغ علوه قامتين، وقد تربعت فوقه امرأته، وكان رأسها ~~يبلغ نافذة الدور الأعلى من الدار. وكان الشيخ واقفا من وراء البطل الصامت يدفعه ويضربه ~~ليدخله في الباب قسرا، وكان يصيح به وهو يضربه: حا حا! يا حمار الكلب. حا حا! لعنك الله ~~ولعن صاحبك. # وكان البطل الصامت يحاول جهده أن يدخل من الباب، ولكن حمل التبن كان لا يريد أن يدخل، ~~وكانت المرأة في أعلاه تصيح من فوق قائلة: اثن رجليه حتى يبرك فيقدر على الدخول. # فلما وقع نظري على صاحبي المسكين في تلك الحال غضبت وجريت لنجدته. ولكن جاري لم يرض عني ~~إذ تدخلت في أمره، ثم غضب فأمر امرأته أن تنزل، وألقى الحمل عن البطل الصامت وهو يبرطم، ~~ثم دفعه إلي في غضب. # عادت إلي تلك الصورة عندما رأيت رأس جاري يطل باسما من وراء مصراع الباب. # ولم ينتظر حتى آذن له في الدخول، فحيا ودخل وسار أمامي متجها إلى المنظرة، فلم أجد ~~بدا من السير وراءه، ولم أملك نفسي أن نطقت بكلمات الترحيب والتأهيل. # ولما استقر به المجلس جعل يحدثني عن أحزانه وآلامه، وما نكبه الزمان به، حتى نسيت كل ~~أحزاني وآلامي وامتلأ قلبي له رقة ورحمة. ثم قص علي قصة بقرته وقد ولدت منذ ليلة، وكان ~~ابنها عجلا مشوها له صورة القرد وذيل الخنزير وحوافر البغل؛ فأحسست ألما ممضا من ~~الحزن لهذا العجل المسكين، حتى اسودت الدنيا ms024 في عيني. ثم تنبهت إلى أن الذي يحدثني ~~إنما هو جاري جمال الدين الذي رأيته يضرب صاحبي البطل الصامت ويشتمه ويسميه حمارا؛ ~~فداخلني الجحود وقلت لنفسي: «وما لي أنا إذا كانت عجول الناس شائهة الخلقة؟ إن هذا لا ينبغي ~~له أن يهمني.» # وقواني ذلك الخاطر، فقلت لجاري في جمود: ليس هذا من شأني، وإن كان لك أن تحزن عليه وتضيق ~~به. # فدهش الحاج جمال الدين وخجل، ولكني بقيت على جمودي وقلت له: أتريد مني شيئا يا ~~سيدي؟ فإنني في حاجة إلى الراحة. # فقال الحاج واتسعت بسمته: ألا تساعدني أيها الجار العزيز؟ # فقلت فاترا: إذا كان ذلك في طاقتي. # فقال ولا يزال باسما: لا شك في أنك تستطيع يا سيدي. # ثم طلب إلي أن أعيره «حماري». # هكذا قال، وسمى صاحبي البطل الصامت «حمارا» أمام عيني. # فقلت وقد علا الدم في رأسي: سآخذ رأي «البطل الصامت» أولا. # فقال ضاحكا: «البطل الصامت؟!» # فقلت: نعم، هو «البطل الصامت»، وأحب منك إذا عدت إلى ذكره مرة أخرى ألا تسبه فتدعوه ~~«حمارا». # فتبسم الرجل ولمعت عينه خبثا، ثم قال: سأفعل يا سيدي، وإذا شئت فقم إليه فخذ ~~رأيه. # فلم أبال خبثه، وقمت إلى المذود فمسحت رأس البطل الصامت وظهره، فرفع رأسه إلي وجعل ~~يتشممني، فملت عليه وسألته بصوت مسموع: أتحب أن تخدم هذا الجار الذي عرفته؟ # ولست أدري ماذا فهم البطل الصامت من قولي، ولكنه نظر إلى الحاج جمال الدين وأخذ ينهق ~~نهيقا عاليا. # فقلت لجاري: إنه لا يرضى. # فقال الجار وقد لمعت عيناه بخبث أشد: ألا تسأله عن السبب؟ # فملت على البطل الصامت فهمست له همسة، ثم رفعت رأسي. # فقال الحاج: بماذا أجابك؟ أراك تفهم لغته. # فلم أبال سخريته وقلت له: لقد قال لي إنه سمع في صباه حكمة من شيخ في قومه. # فضحك الرجل ضحكة مبتذلة، ولكني لم ألتفت إليه وقلت في غير تردد: خير لك أن تأخذ الحكمة ~~حيث تجدها. «حمار ما هو لك ظهره شديد.» # فنظر الرجل إلي نظرة تنفث سما، ثم ms025 قام سريعا وأدار ظهره وخرج من الدار بغير أن ~~يقرئني سلاما. # ألا ليتني أستطيع ألا أحمل سوى هموم نفسي. # ألا ليتني أقدر ألا أسعى إلا لخيري، ولا أنظر إلا في مصلحتي وتدبير أمري. # | الفصل السادس # لا أجد في ماهوش كلها من له قلب يحمل المودة الصافية سوى صديقي أبي النور. هو كالماء ~~الصافي البارد إذا اشتد الحر، وكالنسيم البليل يمسح الجبين المحموم في تواضع، وهو كالنور ~~يهدي ولا يصدم. هو روح وذكاء وخير ومواساة، وهو يعطي من نفسه ولا يبدي ما ينم عن أنه يعطي. ~~عيناه الغائرتان تملؤهما الرحمة، وصوته الخافت ينبض بالإخلاص، حتى لحيته الخفيفة تبعث الثقة ~~وتوحي بالصدق. # كنا جالسين نتحدث في حديقة الدار - حديقتي الجرداء - ومر بنا الوقت سريعا كما تمر ~~ساعات الأنس. ثم لاح رجل يخطو فوق السور داخلا. واتجه الرجل إلى باب الدار، وكنا ~~نجلس في ستر بعض جذوع الشجر على مقربة من الساقية. فقال أبو النور: قم إليه لعله رجل جاء ~~يدعوك إلى وليمة، أو لعله جاء إليك بهدية أو يرد إليك دينا. # فقلت له: أما إنك لم تعرف الناس يا صديقي. لو كان كذلك لما تخطى السور صامتا، ولصاح معلنا حتى يعرف أهل الحارة فيم أتى. # وقمت مسرعا إلى نخلة قريبة فاختفيت وراء جذعها، وقلت لصاحبي: قم أنت إليه وقل له إنني ~~لست هنا. # فقام أبو النور يسعى إليه، وكان ضعيف البصر، فما رآه حتى كاد يصطدم به، ثم قال له في ~~تردد: جحا يقول لك إنه ليس هنا. # فصاح الرجل به: أما تستحي أن تكذب؟ # فغضب أبو النور وقال: لست أكذب، فقد قال لي هذا. # فقال له الرجل: بل تكذب، فهو هنا. # ولم أطق أن أسمع هذه المحاورة السمجة، وأطللت برأسي من وراء الجذع، فصحت قائلا: وما ~~لجاجتك أيها الرجل في شأني؟ ألم تسمع ما قاله لك؟ # ولكن الرجل الجريء لم يعبأ بصياحي، فضحك وانطلق نحوي ومد يده إلي من وراء النخلة. فخجلت ~~ولم أجد بدا من أن أمد يدي للسلام عليه ms026 . وما كدت أرفع عيني إليه حتى شهقت شهقة كمن رأى ~~منظر عفريت فجأة، وصحت قائلا: أهو أنت؟ # فقال الرجل: نعم هو أنا، أنا صديقك القديم. # وكان حقا صديقي القديم الحاج جمال الدين. # فقلت له مرتبكا: لا مؤاخذة يا سيدي، ولكني أرجوك إذا أردت أن أعيرك البطل الصامت ~~... # فقاطعني في لهجة تنم عن خبث: لا تخش يا صديقي، فما بي من حاجة إلى البطل الصامت. # فانشرح صدري عندما سمعته يذكر البطل الصامت بغير أن يسميه حمارا، ودعوته للجلوس معنا. ~~فأخذ يثني علي ويترحم على أبي حتى لان قلبي له ونسيت كل ما كان منه. ثم بدأ يتكلم فيما ~~جاء له؛ وكان قلبي يغوص في صدري كلما مضى في حديثه حتى كاد يبلغ كعبي. # نعم، فقد جاء يطلب مني قرضا؛ ثلاثين درهما نقدا وعدا. فتحركت حركة مضطربة كأنني أبحث ~~عن مهرب ألجأ إليه، ولم أجد سوى صديقي أبي النور فقربت منه ولزقت به، والرجل مستمر في كلامه ~~يصف شدة حاجته وصدق نيته في الوفاء، ووعد ألا يبقى الدين عنده أكثر من أسبوع. ثم قال لي ~~إنه في خطر من تطليق زوجه أم ولده إذا هو لم يجد عندي الدراهم الثلاثين، فأكون أنا السبب في ~~خراب بيته وتعذيب أهله وتفريق أسرته. ولست أكتم أنني شعرت بالرحمة تدخل إلى قلبي عندما ~~تصورت الرجل وامرأته وأولاده، وما قد أجره عليه من الويل إذا عجزت عن إغاثته. وجعلت أقلب ~~الفكر وأتلفت حولي وأسأل عما عندي، وأنا صامت حائر والعرق يتصبب من وجهي ويتقاطر على جوانب ~~جسمي. وكان ما يزيد حيرتي أنني لم يكن عندي من النقود شيء مما يطلب مني، وما كنت أقوى ~~على الاعتذار له بقلة ذات يدي. أأطلع الرجل على حقيقة أمري؟ أأقول له إنني لست أملك من هذه ~~الدنيا ثلاثين درهما؟ أأنطق بهذا معتذرا فيحسبني كاذبا؟ # لقد عشت حياتي أطلب الستر، وأخشى فضول الناس، وكم كابدت في إخفاء فقري، وكم عانيت من ~~المشقة في التجمل والتعفف، ثم يجيء هذا الرجل يطلب ثلاثين درهما ms027 فيفضحني؟! هذه ساقيتي لا ~~تخرج ماء ولكني حرصت على أن تبقى دائرة حتى لا يقال إنني وقفتها عجزا. وهذه حديقتي لا ~~تثمر ولا أرضى أن أبيع منها قيراطا خوف أن يشمت الناس بي. كان يكفيني من ساقيتي نعيرها، ~~ويكفيني من حديقتي اتساعها طلبا للستر في أعين الناس. فهل كان يجمل بي أن أعتذر للرجل عن ~~ثلاثين درهما فأطلعه بذلك على رقة حالي وقلة ذات يدي؟ هذا محال. ثم كيف أتركه يطلق ~~امرأته من أجل مبلغ زهيد؟ فلا بد من الاحتيال في الأمر وإن كلفني شططا. وأخذت أعد ما ~~عندي من الأموال فلم أجد سوى الثور الذي يدور بساقيتي، فقلت في نفسي: «أبيعه يوم السوق ~~وأقرض جاري من ثمنه، فأبلغ عنده عذري، فإذا رد الدين لم أعدم ثورا آخر أشتريه.» # دارت كل هذه الأفكار في رأسي وأنا مطرق صامت، ووجه صديقي أبي النور يحمر حينا ويصفر ~~حينا، ووجهي يسخن ساعة ويبرد أخرى. ونظرت إلى عيني أبي النور فرأيت فيهما دمعتين حائرتين ~~كأنه أدرك كل ما يجول في نفسي، فمال إلي وقال هامسا: ما كلف الله نفسا إلا وسعها، ~~ولا يسع المقل إلا الاعتذار. # فشجعني قوله، فنظرت إلى ضيفي وقلت مرتبكا: ليس عندي الآن ما تطلب يا سيدي، فإذا كنت ~~تنتظر علي حتى أبيع هذا الثور يوم السوق ... # فقاطعني الحاج قائلا: ولكن فيم الانتظار إلى يوم السوق؟ إن الثور الذي يباع في السوق ~~يمكن أن يباع لحما في البيت؛ فأنت تقدر على بيع لحمه أقة أقة، ورطلا رطلا، ثم تربح من ~~بيعه ما كان يربحه التاجر. # فوقعت هذه الفكرة كأنها الصدمة على أم رأسي. # أثوري يباع لحما؟ أيذبح هذا الثور في بيتي وأرى الدم يجري من عنقه؟ أأراه على الأرض ~~يتخبط ويفحصها بحوافره؟ لقد بقي عندي تلك السنين كلها يدور بساقيتي ويشقى ليطربني بنعيرها ~~في ليالي القمر الساكنة، وأنا لا أقوى على أن أرى فرخة تذبح، وكنت دائما أتعمد أن ~~أنام يوم عيد الأضحى حتى تذبح شاة الضحية وتسلخ وتجهز للأكل. فكيف ms028 أقوى على أن أرى ~~هذا الهيكل الضخم يخر كما يخر الجبل وينحر أمام عيني؟! # لقد كان خادما مخلصا وصديقا قويا، ولو رأيت أحدا يريد أن يؤذيه لوقفت أدافع عنه ~~إذا لم يدافع هو عن نفسه بقرنيه. فقلت للرجل في حزم: لا، لا، هذا لا يكون. # فقال الحاج في إصرار: إذا كنت لا تحب أن يتدخل الجزار في الأمر فإني أقدر أن أذبح وأن ~~أسلخ، وليس عليك إلا أن تأخذ اللحم وتبيعه. أين هذا الثور؟ # قال هذا ثم ذهب مسرعا إلى مربط الثور في جوار الساقية، فنظرت إلى صديقي أستوحيه ماذا ~~أفعل، ولكن صديقي نظر إلي متعجبا وقال: أهكذا يكون الاقتراض؟ # فقمت حائرا لألحق بالرجل، ولكن رجلي ما كادتا تحملاني، وسار أبو النور إلى جانبي وقد ~~أوقعت المفاجأة الحيرة في قلبينا. فلما بلغنا مربط الثور رأينا عجبا. ولست أدري كيف استطاع ~~الرجل في مثل هذه اللحظات أن يتم كل هذا! كان الثور يتخبط على الأرض في دمه، فغطيت وجهي ~~بيدي وخرجت مسرعا ولم تسعفني الدموع، فوقفت جامدا وجاء أبو النور فوقف إلى جانبي. # ولما سكن الثور المسكين، صاح الحاج في وقاحة: ابحث لي عن سكين صغيرة لأسلخ بها. # فلم أتحرك ولم يتحرك أبو النور. وصاح الرجل مرة أخرى: هات السكين قبل أن يبرد الثور ويفسد ~~الجلد. # فسمعت القول وخفت أن يبرد الثور، وأسرعت إلى البيت فأتيت له بسكين فألقيتها إليه من وراء ~~الباب، ووقفت مع صاحبي مطرقا حزينا. # واقترب أبو النور مني فوضع يده على كتفي وقال مواسيا: لا فائدة من هذا الوجوم. سأذهب إلى ~~المدينة لأعلم الناس بلحم ثورك ليشتروا. # وبعد ساعة كان الحاج قد انتهى من سلخه وتقطيعه، وجاء أبو النور مع جماعة من أهل ماهوش، ~~وسمعته يحدثهم ويراجعونه، وفهمت من حديثهم أنهم يخشون أن يكون الثور قد نحر لأنه كان ~~مطعونا أو مسلولا. # وحلف لهم أبو النور أنه كان سليما، وأنه قد ذبح ليقترض الحاج جمال الدين من ثمن لحمه. ~~ولكن الناس لم يصدقوه، وقال أحدهم: ومن يدرينا ms029 أن ذلك الحاج قد قرأ اسم الله عليه؟ # وأضاف آخر: وكيف نعرف إذا كانت السكين حادة كما ينبغي؟ # وقال ثالث: إنها جرة ونصف جرة. هكذا ينبغي أن يكون الذبح الشرعي. أيعرف هذا الرجل كيف ~~يذبح؟ # وقال صوت من أقصى الجمع: ما علم ذلك الحاج بالذبح؟ ألا يكون قد خنقه؟ # فسمع الحاج ذلك القول وصاح غاضبا: ما أطول ألسنتكم أيها القوم! أجئتم لشراء لحم أم جئتم ~~لإقامة الحساب؟ انظروا إلى اللحم إن كانت لكم عيون. # فغضب القوم وصاح بعضهم: ما جئنا إلى هنا لنسمع هذا التقريع. # وصاح آخرون: إن النقود في جيوبنا. # ثم انصرفوا واحدا بعد واحد ولم ينفع في إرجاعهم توسل صديقي أبي النور. # ونظرت إليهم وهم يبعدون وقلبي يكاد ينفجر. فماذا أصنع بهذا اللحم كله؟ ومن لي بمن يحمله ~~وهو كالتل العظيم؟ وهل كنت لأتركه حيث هو لينتن ويتعفن؟ فما رأيت الناس يبلغون جانب السور ~~حتى صحت بهم: هلموا أيها الإخوان عودوا كراما. تعالوا فخذوا اللحم ولا أريد له ~~ثمنا. # فترددوا في السير قليلا ثم وقفوا ينظر بعضهم إلى بعض لحظة، ثم انقلب تيارهم عائدا، ~~وأسرعوا حتى بلغوا مصرع الثور وهم يركضون، وجعل كل منهم يحمل ما يستطيع حمله حتى تخطفوا ~~اللحم فلم يبق منه إلا فخذ واحدة كان الحاج واقفا إلى جوارها يمنعها. ونظر الحاج إلي في ~~غضب قائلا: أهكذا لا تبيع شيئا؟ أهكذا تضيع علي الدراهم ويذهب كل جهدي سدى؟ ثم ~~أخذ الفخذ فحملها على كتفه اليسرى، وجر جلد الثور بيمناه ووضع سكينا تحت إبطه والأخرى في ~~فمه، ثم مضى خارجا. # فسار أبو النور ونزع جلد الثور منه وقال في حنق: جحا أولى بجلد ثوره. # فنظر الحاج إليه في غيظ، ثم ترك الجلد وأخذ السكين من فمه ومضى يهز بها يمينه. # فصحت به متوسلا في غيظ: دع السكين فإنها لامرأتي. # فرماها إلى الأرض، ومضى بغير أن يلتفت نحوي، حتى خرج وهو يدمدم ويبرطم. # ونظر أبو النور ~~إلي وهو يرفع جلد الثور وقال بصوت مختنق: صديقي. # فنظرت إليه ms030 وقلت في حزن: أبا النور. # وسرت وهو إلى جانبي يجر الجلد حتى بلغنا مربط الثور، فوجدنا به فوضى تشبه آثار موقعة في ~~حرب ضروس؛ وجدنا رأس الثور المسكين والأكارع والفرث والمصران وكومة من الأوساخ جعلت الهواء ~~عفنا يكاد يخنق الأنفاس. فرمى صديقي الجلد إلى ناحية، وأخذ يرفع الحطام ويكنس الأقذار، ~~وأسرعت أساعده حتى مضت ساعة وكلت منا الأيدي، وتألمت فقرات الظهر من الانحناء، فرفعت ~~رأسي لأستريح، ورفع صديقي رأسه كذلك، وتقابلت نظراتنا، ووقفنا حينا ينظر كل منا في وجه ~~صاحبه صامتا. ثم انفجرت بيننا ضحكة في وقت واحد، في لحظة واحدة، كأنها ضحكة شخص واحد، ~~وامتدت الضحكة وطالت حتى كدنا نقع على الأرض من الإعياء، وجعل كل منا يضرب بيده على ~~ركبته. # لقد كانت فكاهة عظمى. # | الفصل السابع # ما أشد ضيقي بالحياة في ماهوش وطني؛ فإني لم أجد حولي فيه إلا جشعا وظلما. ولكني أرحم ~~هؤلاء الذين يظلمونني، فإنهم جديرون بالرثاء. وأي قيمة للحياة إذا هي خلت من الكرم والإيثار ~~والمحبة والصدق؟ إن الذين يفقدون هذه الخلال لا تبقى لهم في الحياة فضلة تستحق الحياة. ~~ولكني مع هذا قد كدت أضيق بالحياة في ماهوش. # وحاولت أن أعتزل الناس قانعا بالصورة التي أسمو معها إلى السماء في خيالي، فكنت كل يوم ~~أخرج إلى الحقول حتى أصل إلى شجرة الجميز، فأصعد فوقها وأختبئ بين فروعها حتى لا يراني ~~الناس وأنجو من فضولهم. فكنت أقضي هناك الأيام أو الليالي خاليا إلى نفسي، أطلع على ~~الناس بغير أن يروني، وأخلو هناك إلى طيف علية ابنة علاء الدين فأناجيه وأحدثه بالمعاني ~~التي لا أجد في الأحياء من يفهمها. ولكني بعد حين ضقت بمجلسي فوق الشجرة لأنه ملأ صدري ~~بعيوب غيري؛ إذ كنت أرى الناس يمرون تحتي وهم لا يفطنون إلى وجودي، فيظهرون ما يبالغون في ~~إخفائه عن العيون ولا يتحرجون من كشف خلجات الضمائر. وقد خرجت من كل ما رأيته وأنا فوق ~~الشجرة على حقيقة واحدة؛ هي أن الإنسان جدير بالرثاء، وليس في ذنوب الناس ms031 ما يستحق ~~العقاب. # لقد بدا لي وأنا فوق الشجرة أن الله خالق هذه الأكوان العظيمة لن يضيق بالعفو ولن يكبر ~~على رحمته ذنب. فلما لم يجدني اعتزالي فوق الشجرة حاولت الاعتزال في الفلوات، فكنت أخرج ~~إلى تلال ماهوش وأشرف منها على واديها، فأراه خطا أغبر ضئيلا تحت قدمي، ويخيل إلي ~~أن الأنفاس تضيق فيه من الضباب الذي يجثم عليه. فإذا وقفت حينا أنظر إلى ماهوش من فوق ~~التلال لاحت لي صغيرة تافهة، بكل ما فيها من نضال وضجيج. ولكني مع ذلك كنت أعود إليها ~~وأحس أنني لا أستطيع الاستغناء عنها، فإذا حاولت أن أجد لي موضعا فيها لم أعد إلا ~~بالخيبة، فأرتد إلى عزلتي وتأملي. ولو كنت في غنى عن الطعام والملبس، أو لو كان أهلي وولدي ~~في غنى عما يحتاج إليه أمثالهم، لما برح بي الضيق من حياتي في ماهوش وطني، ولكني بشر كسائر ~~الناس، وأهلي وولدي لا غنى لهم عن أن يصيبوا من الحياة نصيبا. فكيف أجد ذلك النصيب وقد ~~بحثت عنه في كل أركان ماهوش فلم أجد لي فيها مكانا. # ولقد أبى لي حيائي أن أشكو إلى الناس، فلست أحب أن أحمل أحدا ثقل همي. ولولا كلمة ~~أقولها لصديقي أبي النور لأنفس بها عن صدري لزاد الأمر على طاقتي. وقد أشار ذلك الصديق ~~علي أن أذهب إلى القاضي، وهو صديق كان لأبي، لعلي إذا شكوت إليه حالي ساعدني على أن أجد ~~عملا ألتمس منه القوت لنفسي وأهلي. فترددت طويلا ولكن الحاجة كانت تدفعني، وغرتني من ~~القاضي كلمات كان يقولها لي إذا لقيني. فذهبت إليه على استحياء وسألته مساعدتي، ولكنه نظر ~~إلي نظرة فيها دهش وعجب، ولم يجبني بحرف على مقالي، وتشاغل عني ببعض أمره حينا، ثم ~~التفت إلي وقال: «إن الأرزاق موفورة لمن أقبل على التماسها.» ثم أضاف سائلا: لم لا ~~تشتغل بالتجارة يا جحا؟ # ولو كان عندي مال لما انتظرت حتى يقترح علي السيد القاضي؛ فإني لا أملك من الدنيا ما ~~أعيش به يوما بعد يوم ms032 . ولو كان عندي رأس المال لما احتجت إلى أن أكون تاجرا. فسكت حينا ~~وأنا مطرق. فأعاد القاضي سؤاله كأنه يريد ألا أنصرف عنه حتى يفتح لي متجرا. # يا للنفاق والرياء! لقد كان في يده أن يجعلني محتسبا أو مأذونا، ولو كان جادا في ~~عنايته بأمري لما رد على سؤالي بسؤال، ولما حملني مئونة الاعتذار. فلما لم أجد عند القاضي ~~جوابا لم أجد حاجة إلى أن أجيب عن سؤاله. وانطلقت مني آهة ثم أعقبتها كلمة «يا ألله»، ~~ثم مضيت عنه. # فقام مسرعا يشتد في أثري، حتى أدركني ودس في يدي أربعين درهما وقال لي: أحب أن ~~تبدأ تجارتك، فاشتر لي بهذه عشرين وزة لطعام ضيوفي. # ولم أكن عند ذلك فارغ البال، فأناقشه أو أجادله، فوضعت الدراهم في جيبي ثم مضيت عنه ~~صامتا، وجعلت أعيد سؤاله على نفسي: لم لا تشتغل بالتجارة يا جحا؟ # ولقد كانت التجارة مهنة الكرام، وكان من أجدادي من اشتغلوا بالتجارة، وكان النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - تاجرا، وكان أبو بكر وعثمان تاجرين، فلم لا أكون مثلهم تاجرا؟ # ولكن التجارة تحتاج إلى المال، ولست أدري أيقيض الله لي كنزا أم يجعل لي في طريقي لقى من ~~ذهب أو جوهر؟ والتجارة فوق هذا تحتاج إلى ولوج الأسواق ومعاملة السوقة، فهل أستطيع أن أكون ~~تاجرا؟ # ولكني عدت إلى نفسي قائلا: ما لي أضعف عن الحياة، وإذا عدت منها بالخيبة التمست الأعذار ~~لنفسي؟ وعزمت على أن أخوض زحمة الناس، وأن أضرب في الحياة كما يضربون. # فما عدت إلى منزلي حتى كنت قد استقر عزمي. ونظرت حولي وجعلت أقلب وجوه الرأي وألتمس ~~الحيلة في تحصيل رأس المال، حتى عزمت على بيع داري ليكون ثمنه رأس مالي. # وهكذا بعت البيت القديم الذي خلفه لي الأجداد، والذي يحمل في كل ركن من أركانه ألوفا من ~~الذكريات. وكان بيع ذلك البيت صدمة كادت نفسي تتصدع منها. فوقفت عند كل جذع في الحديقة ~~الجرداء. ووقفت عند الساقية المتهدمة التي لا تخرج الماء، وذكرت ثوري المسكين الذي ودره ms033 ~~جاري جمال الدين - سامحه الله. وسرت حوله أذرف الدموع الغزار أسفا وحزنا، فوقفت عند كل ~~لبنة من لبنات السور المتهدم الذي لا يبلغ علوه ذراعا، وجعلت أناجي حيطانه وأندب لها ~~اضطراري لفراقها، ولم يفارقني الشعور بأنني أنا الذي جعل الدهر من محنته أن يبيع هذا ~~التراث العزيز. # ثم جمعت كل متاعي وانتقلت إلى دار أخرى في زقاق ضيق، ونزلت إلى ميدان العمل كما ينزل ~~الناس في التماس الأرزاق. # وكانت كلمات القاضي ترن في أذني كل صباح؛ إذ قال لي يوم لقيته: «إن الأرزاق موفورة لمن ~~أقبل على التماسها.» # وذهبت إلى السوق لأنظر في السلع وأختار من بينها ما يصلح لأن أتخذه متجرا. وبعد تفكير ~~وتردد اخترت أن أتجر في الطنافس؛ فهي نظيفة لا يأنف الحس منها، وهي جميلة يرتاح الذوق ~~إليها، ولا يتعفف عنها أصحاب المروءة، ولا يشتريها إلا العظماء. # ولما استقر رأيي على هذه النية ذهبت إلى متجر عظيم لأشتري منه، فرأيت به مجموعة من تلك ~~التحف الثمينة التي لا تصنع إلا في مدينة تبريز. فراعني جمالها وعللت نفسي بالكسب الهين ~~والثروة الطائلة. ووقفت أتأملها، وكانت عيني لم تقع على مثلها في البهاء. كانت نقوشها ~~كأنها خلست من زهر الربيع، وكانت ألوانها كأنها استمدت من أشعة الأصيل على أردان ~~السحاب. # فوقفت حيالها مأخوذا لا أقدر أن أرد عيني عنها، وأجلت ناظري في محاسنها فتأملت فيها ~~زهرة بعد زهرة، وقوسا بعد قوس، وضرب بي الخيال إلى بلاد إيران، وخيل إلي أنني أرى ~~أنامل الفتيات وهن يعقدن عقدها، وكلما أتممن منها ورقة من زهرة أو قضيبا من غصن امتلأت ~~قلوبهن إعجابا وزهوا، وفاضت نفوسهن تيها وعجبا. وتصورتهن يقفن دون الأنوال يتأملنها عن ~~بعد، ويملن رءوسهن يمنة ويسرة لكي يتملين بحسنها. تصورت هاتيك الفتيات وهن عاكفات على ~~الطنافس يعقدن فيها العقدة بعد الأخرى، يتهاتفن بالضحكات ويتشاورن بالهمسات ويتحدثن عن ~~أحلامهن بنفوس جائشات. ثم تصورت إحداهن وقد بدا لها من وراء النافذة شخص، فتركت العقدة ~~وأسرعت إلى النافذة تنظر من وراء «الشباك»، فتدس ms034 عينها في فرجاته الضيقة بين مخروطاتها ~~الدقيقة لكي تتزود من حبيبها بنظرة تظل لقلبها في الليل زادا حتى يطلع الصباح. فإذا ما مر ~~الشخص عادت الفتاة إلى الطنفسة تعقد فيها العقدة بعد الأخرى، بأنامل مضطربة، ولكن تلك ~~الأنامل كانت تصور الزهرة الساحرة التي كنت أراها أمام عيني، رائعة الألوان، حلوة المنظر، ~~منسجمة الأشكال. كنت أتصور هذا وأنا واقف أنظر إلى الطنافس، وقلت لنفسي ما هذه إلا خطرات ~~نفوس وأشجان قلوب، وما يغلو على مثلها ثمن وإن غلا. # وذهبت إلى التاجر لأساومه في شرائها فوجدته حريصا عليها، ولا عجب؛ فهي جديرة أن يحرص ~~عليها كل من يعرف لها قدرها. فزدته في ثمنها ولم أتردد في أن أبذل له ما يطمعه في بيعها. ~~وبعد لأي سمح التاجر فدفعها إلي، ووزنت له ثمنها ثلاثمائة دينار كاملة. وحملتها وسرت بها ~~وأنا أكاد أطير فرحا؛ فقد خيل إلي أنني فزت من الرجل بصفقة الخبير ذي القلب ~~البصير. # ولكن ماذا وجدت من الناس؟ ذهبت أعرض الطنافس على خيار القوم، فعرضتها على القاضي فلم يكن ~~في حاجة إليها، وعلى المحتسب فقال إنه اشترى بالأمس منها، وهكذا لم أجد في كل من عرضتها ~~عليهم رجلا يستطيع أن يدرك أسرار جمالها. ثم عرضتها على الناس في الأسواق فكانوا يقومون ~~إليها يقيسونها بالذراع، ويجسونها بالأيدي ويزنوها بالميزان، كأنما هي سلع مبتذلة، وليست من ~~حرارة الأرواح ونشوة الأماني. وكانوا مع ذلك إذا اشتروها لم يعرضوا إلا البخس من الأثمان. ~~وهكذا خرجت من تجارة الطنافس بخسارة نصف مالي. ولكني لم أجزع ولم أضعف، وعزمت على أن أختار ~~تجارة أخرى تكون في سلعة مما يحتاج الناس إليه ولا يمكنهم أن يستغنوا عنه؛ فإن العظماء ~~قليلون، وقد فسد الزمان وضاعت بين الناس قيم الفنون. وأما عامة الناس فلا يحصيهم العد، ~~والبيع والشراء فيهم لا يحده حد. # وبعد تفكير واجتهاد عزمت على أن أتجر في الأغنام؛ فليس فيها قطعة واحدة لا يحتاج الناس ~~إليها؛ فشعرها صوف وجلدها نعال، ولحمها طعام وفروتها حلية، وهي بعد ذلك ms035 كله جميلة المنظر ~~حلوة الطباع. ولقد كنت دائما أحبها وأطعم ما أقتنيه منها بيدي، وأداعبه كما أداعب ولدي. ~~ولقد أبدع الله خلقتها، فما ترى فيها من عيب، سبحان من جلت قدرته وعظمت حكمته وبدعت صنعته. ~~ولكن كل هذا لم يجعل تجارة الأغنام رابحة؛ فقد كنت أشتريها وأنا راض بثمنها. كنت أعطي ~~الدنانير المعدنية ثمنا لخلقة حية، كنت أعطي صاحب الشاة حجرا أصم وآخذ منه حياة بديعة ~~الخلق. ولكن الناس إذا أتوا لشرائها مني لم ينظروا إليها بعيني، فكانوا يدفعونها في غلظة ~~ويجسونها في شراهة. كان لعابهم يسيل وهم يقلبونها بأيديهم كأنهم سباع تتأمل الفريسة، ~~فإذا اشتروها لم يشتروها إلا بعد مماكسة ومراجعة ومساومة فيها لجاجة وجشع. # وهكذا لم أخرج من تجارة الأغنام إلا بخسارة نصف ما بقي من مالي. # هكذا استمر بي الحال وأنا أتنقل من تجارة إلى تجارة، ومن سلعة إلى سلعة، وكل منها يقتطع ~~نصف ما بقي عندي، حتى لم يبق لي إلا دراهم معدودة، فلم أجد شيئا أشتريه إلا بيض الدجاج. ~~وفي الحق أن البيض سلعة نظيفة جميلة الصورة بيضاء اللون لها هندسة عجيبة في شكلها، ورونق ~~رائع في جملتها. ليس في الأشياء ما يدخل الفرح على القلب مثل البيضة إذا وجدتها في ركن بيت ~~الدجاجة، كأنها عند ذلك كنز من الجوهر. ولكن البيض لم يكن خيرا من كل ما سبقه؛ فقد كنت ~~أشتري التسع منها بدرهم؛ بدرهم واحد. وكانت كل بيضة منها عندي أثمن من كل ما عندي من ~~الدراهم. ولكن الناس كانوا إذا أتوا للشراء لم يدركوا ما في البيض من جلال الخلقة وجمال ~~الصورة وإبداع الهندسة، بل ينظرون إليه في الضوء، وينقدونه نقد الصيرفي للدينار، كأنه شيء لا ~~تتجلى فيه قدرة الخالق المبدع الذي برأ الأكوان، فكان الأمر ينتهي بي دائما إلى أن أبيع ~~العشرة منه بالدرهم الواحد، حتى ابتلع السوق كل ما بقي من دراهمي. # وأنا اليوم أتلفت حولي فلا أجد إلا يدا فارغة، وبيتا خاويا، ولا أزال أنتظر الفرج ولا يزال عني ms036 متباعدا. # أي رب، هذا أنا ضربت في الأسواق ولم أعص مشورة القاضي، لم أقعد ولم أتخاذل، ولكني هذا عبدك ~~لا أملك مالا ولا أجد رزقا كأنما كنت في غيبة عند توزيع الأقسام. أستغفر الله من قولي، ~~أستغفرك يا من وسع عفوك الآثام. # لقد كاد الشك يداخلني، فلأعد إلى صورة الحبيبة التي أسمو معها إلى السماء لعلي أكفر هناك ~~عن خطئي في التسبيح العلوي والترتيل. # | الفصل الثامن # ماذا أصنع لكي أعيش في ماهوش؟ لقد زعم القاضي - حرسه الله - أن الأرزاق موفورة لمن أقبل على ~~التماسها، ولكني سعيت وسعيت وسعيت ولم أجد لي نصيبا. # ذهبت اليوم مرة أخرى إلى الشيخ عماد الدين الفقيه لأحاول أن أذكره بديني عليه، ولكني ~~علمت أنه عند القاضي. فقلت هذه الفرصة، وذهبت إليه في حضرة القاضي - أعزه الله - فوجدته ~~على عهده لا يزال يهز لحيته، والناس يقبلون يده التماسا للبركة. فدخلت وسلمت، وخطر ~~لي أن أذهب إليه وأقبل يده مع الناس، لعله يذكر ديني عليه. ولكني ما كدت أقف أمامه وأراه ~~يصرف وجهه عني حتى وجدت نفسي أقول له: ألا تعرفني يا سيدي الشيخ؟ # فنظر إلي وجعل يحرك شفتيه كأنه مشغول بالقراءة، ثم حرك لحيته حركة لم أفهم معناها، ~~ولكن القاضي ناداني وجعل يحدثني ويسألني عن أحوالي. وسألني كذلك عن الوزات التي طلب مني ~~أن أبتاعها له منذ شهر، فذكرت عند ذلك أنني مدين له بثمن تلك الوزات، وعلاني خجل شديد. ~~وهكذا ذهبت أطلب ديني فوجدت نفسي مدينا مطالبا. # وملت على القاضي فأسررت إليه أنني قد جئت أطلب دينا لي على صاحبه الفقيه، فهمس في أذني: ~~ما ينبغي لك أن تطالبه في داري. # فخرجت مرتبكا بعد أن سلمت، ولمحت الشيخ الفقيه يشيعني بلمعة شماتة من عينيه وهزة ~~سخرية من لحيته. # وسرت أفكر ماذا عساي أن أصنع في ماهوش لكي أجد فيها رزقي. لكأني بذلك الرزق كامن في قلب ~~صخرة من دونها بحر من دونه صحراء قاطعة. أو كأنه في كهف مغلق عليه باب من حديد ليس فيه ms037 إلا ~~ثقب إبرة أحاول أن أنظر إليه من خلالها. على حين أرى ماهوش سخية ليس بها بخل، غنية ليس ~~بها فقر، مسرفة ليس فيها اقتصاد. # هنا في ماهوش راقصة ليس عليها إلا أن تحرك خصرها فتنهال عليها الدنانير من كل صوب، ~~وهناك مغنية لو طلبت على أغانيها نصف ثروة ماهوش لسخا أهلها بالنصف الآخر طربا. ألا ~~أستطيع أن أجد لنفسي سلعة نافقة في ماهوش؟ لو كان خصري نحيلا لينا لاستطعت الرقص، ولو ~~كان غنائي مطربا لعرضت على قومي الغناء. ولكن ما حيلتي إذا كان خصري غليظا جامدا، وكان ~~صوتي لا يطرب أحدا. لقد دخلت الحمام يوما فخطر لي أن أجرب صوتي في أغنية لعلي أجيدها ~~فأنال منها خيرا، وأنا أعرف أن أهل ماهوش يحبون الغناء ويطربون له؛ فهم يتغنون في كل ~~وقت وكل مكان. هم إذا حزنوا غنوا وإذا فرحوا غنوا وإذا باعوا أو اشتروا غنوا، كل من ~~أراد أن يعرض سلعة جعل عرضها غناء، وكل من أراد نداء جعل نداءه غناء. وسمعت صوتي في الحمام ~~فوجدته مطربا، فدب الأمل في قلبي وقلت هذه سلعة نافقة. وخرجت إلى الطريق وأنا أغني، ~~فاجتمع علي الناس وجعلوا يضحكون مني، فدعوتهم أن يعودوا معي إلى الحمام لعل صوتي فيه ~~يطربهم، ولكنهم زادوا ضحكا ولم أصب منهم درهما. فما حيلتي إذا كان أهل ماهوش لا يرضيهم ~~شيء مني؟ # ولما بلغت الدار جلست مهموما حتى جاء صاحبي أبو النور، وما كاد يسلم علي حتى سألني: ~~أين كنت اليوم يا صديقي؟ # فقصصت عليه ما كان مني. يا له من صديق نبيل! لقد رأيته يمسح دمعة في عينه، ولا أدري أكان ~~ذلك إشفاقا علي أم كان كما قال لوجع في عينه. ولما فرغت من قصتي قال لي: إن عندي سربا ~~من الوز لا أجد حاجة إليه، فخذ منه عشرين وزة فاحملها إلى القاضي. # فقلت له: ولكنك تستطيع بيعها. # فقال في شيء من العتب: لست أبيع وزي في الأسواق يا صديقي، وهي تكلفني في إطعامها ما لا ~~طاقة ms038 لي به، فإذا أخذت منها ما تريد أحسنت إلي. # وهكذا صرت عنده متفضلا بأن آخذ من وزاته ما أرد به ديني إلى القاضي، ولم يرض أن ~~يتركني حتى أخذت عشرين وزة سمينة، وسار معي نسوقها إلى البيت القاضي. # وسرت في الطريق أفكر في تلك الحكم التي نطق بها القاضي؛ إذ قال لي إن الرزق مكفول لمن ~~التمسه. وأردت أن أداعبه مداعبة خفيفة تطلعه على شيء مما دار في قلبي. فلما بلغت داره أخذت ~~وزة سمينة وجعلتها وراء الباب، وسقت تسع عشرة وزة إلى فناء الدار. وكان القاضي هناك في ~~مجلسه بعد أن فرغ من صلاة العصر، فلما رآني مقبلا قام يستقبلني قائلا: ما أعظمه من وز ~~سمين، إنك لتحسن الشراء يا جحا، ولن أشتري الوز بعد هذا إلا من عندك. # ثم أقبل على الوز يعده واحدة بعد واحدة، فلما وجدها تسع عشرة قال ممتعضا: ولكنها ~~تنقص واحدة، وما كنت لأقبل إلا عشرين كاملة، هكذا كان شرائي وهكذا كان شرطي. لست أحب أن ~~تنقصني وزة وقد أخذت ثمنها. # فغاظني قوله غيظا شديدا؛ فإنه لم يعطني إلا أربعين درهما والوزة من هذه السمان لا تساوي ~~أقل من أربعة دراهم. ولكني كظمت غيظي وقلت له: أما تعرف العدد يا سيدي القاضي؟ # فعدها مرة ثانية ثم ثالثة وقال في حنق: قلت لك إنها تسع عشرة. # فقلت له في عناد: بل هي عشرون، تكفي عشرين من رجالك. # فقال لي: أما تعدها؟ # فقلت: إن الوز يتحرك ويدخل بعضه في بعض فكيف أعده؟ # فغضب من مراجعتي ودعا أعوانه فوقفوا حوله حلقة غاضبة، وكأن كلا منهم ينتظر أمره أن ~~يبطحني على الأرض ليجلدني جزاء مراجعتي. # فقال لي القاضي: عد عشرين من هؤلاء يا جحا. # فعددت عشرين وقفوا صفا واحدا ينتظرون أمر القاضي. # فصاح بهم السيد: ليذهب كل منكم ليأخذ في يده وزة. # فحملوا على الوز فأخذ كل منهم واحدة تحت إبطه إلا واحدا منهم وقف فارغ اليد ينظر نحوي ~~حانقا. # فقال القاضي وعلى وجهه بسمة الفوز: ألا ترى ms039 أنها تسع عشرة وزة؟ ألا ترى هذا الرجل الذي لم ~~يجد نصيبا؟ # فتذكرت ما قاله لي من قبل؛ إذ قال إن الأرزاق موفورة لكل من أقبل على التماسها، فضحكت ~~ضحكة عالية حتى رأيت وجه القاضي يحمر خجلا، وقال ممتعضا: ماذا يضحكك من قولي؟ # فقلت: إن الذنب ذنب هذا الذي لم يجد لنفسه نصيبا؛ فقد كانت الوزات أمامه إذا أقبل على ~~التماسها. # فضحك القاضي ضحكا شديدا، ولست أدري إذا كان قد فهم مقصدي، ولكنه دعاني إليه فوضع ذراعه ~~في ذراعي وذهب بي إلى مجلسه، وقضينا معا ساعة يسألني عن أحوالي، وأقص عليه ما كان مني منذ ~~سمعت نصيحته، فبعت داري واشتغلت تاجرا حتى أكلت ثمنه تجارتي، وكان يضحك من وصفي كأنني كنت ~~ألقي عليه فكاهة مع أن قلبي كان يدمى. # ولما سلمت عليه لأنصرف قال لي: لا بأس عليك يا جحا، فإنك على كل حال تحسن تجارة الوز، ~~فهات لي عشرين وزة أخرى، ثم أخرج لي أربعين درهما. # فنظرت إليه وهو يمد يده نحوي، ثم غلبني الضحك فضحكت وضحكت حتى كدت أقع متهالكا، ~~وتركته مادا يده نحوي وانصرفت عنه ضاحكا. # فلما بلغت باب داره أخذت الوزة التي تركتها هناك فحملتها إلى بيتي تحت إبطي، فأبنائي أولى ~~بها من ذلك القاضي. # | الفصل التاسع # مضت أيام لم أر فيها صديقي أبا النور، وضاق صدري من الوحشة إليه؛ فإنه لم يبق في الحياة ~~من سلوى إلا أن أجلس معه وأفضي إليه بأحزان قلبي. # وقد زادني في هذه الأيام حزنا ما لقيته من حمق ريمة وسوء عشرتها؛ فهي لا تجعل يوما ~~يمر بي بغير أن تزيدني وسواسا وهما، حتى تخيل إلي أن الفضاء أضيق في وجهي من حجرة في ~~بيتي. أف لحجرات بيتي! إن سقفها يكاد ينطبق على الأرض فلا أستطيع البقاء فيها وأخرج منها لا ~~ألوي على شيء، وألتمس الهواء الطلق في أطراف ماهوش، فتطاردني أشباح البؤس تصيح من ورائي ~~بصوت ريمة زوجتي. # فكنت كلما وجدت جنازة سرت وراء النعش لأشيعها إلى القبور، وأبقى ms040 حتى يدفن الميت ~~وتقرأ عند جدثه الصلوات، ويوجه إلى أهله العزاء، فأود لو طال بقائي عند القبر؛ فإني أجد ~~عنده ارتياحا. وقد سار ولدي عجيب معي يوما مع إحدى هذه الجنائز، فلما دفن الميت قام بعض ~~أصحابه يؤبنونه، فقال أحدهم في رثائه: «أنت هذا نحملك إلى مقرك الموحش، الذي لا ترى فيه ~~شمسا ولا قمرا، ولا يطالعك فيه نجم ولا يهب عليك نسيم. أنت هذا في مقرك المظلم لا تنفذ ~~إليك الأضواء ولا تؤنسك سجعات الأطيار.» # وجعل ذلك الرجل يفيض في وصف القبر ووحشته، وظلمته وضيقه، حتى انهالت العبرات من المعزين ~~وشهقوا جميعا بالبكاء. وعند ذلك شعرت بوخزة في جنبي، فإذا ولدي يلكزني بكوعه ويشير إلي أن ~~أدنو منه بأذني، وقال لي هامسا: أقرأت قصيدتي التي وصفت بها بيتنا الجديد؟ # وكان قد أطلعني على قصيدة يصف فيها ذلك البيت، فكأنه قد أملاها على ذلك الرجل الذي وقف ~~يؤبن الميت ويصف قبره ووحشته وظلمته. # فثارت نفسي عند ذلك، وتذكرت كل بؤسي وقمت بغير أن أستأذن أو أعزي، وهمت على وجهي بين ~~القبور وولدي يسير صامتا في أثري، حتى بلغت المدينة ولم ألتفت ورائي. # وكنت في سيري هائما في أحزاني، أشعر بالخزي مما جررته على أهلي وولدي من الشقاء. إن ~~ماهوش قد أنكرتني ولم تجعل لي في أرزاقها نصيبا ولا بين أهلها مكانا، واضطرتني إلى بيع ~~دار أجدادي، ولم تجعل لي في بيوتها إلا ذلك القبر الذي نقيم فيه أحياء. ولكن أينا المذنب؟ ~~أأنا أم ماهوش؟ أي وطني العزيز، أينا الذي يقع عليه ذنب حرماني وطردي وإقتار رزقي؟ أأنا ~~أم أنت؟ أتتركني ماهوش أهلك أنا وأهلي؟ أيقال عن ماهوش في مستقبل أيامها أن جحا وأهله ~~ماتوا بها جوعا ودفنوا بها أحياء؟ ولما قربت من داري رأيت عن بعد صديقي أبا النور يطرق ~~الباب وهو يحمل شيئا على ظهره وشيئا في يده، ثم فتح له الباب فدخل، وأسرعت حتى بلغت ~~الدار فوجدته قد وضع حمله، وكان كيلة من القمح وقطعة من اللحم، وأخرج ms041 من جيبه رمانتين وجلس ~~يمسح العرق عن جبينه. # فلما رأيت ذلك كبر على نفسي. أيحمل أبو النور كل هذا إلي وهو رجل رقيق الحال لا يكاد ~~يستطيع أن يعيش مستورا؟ وتجرأت فكلمته في هذا، وما كدت أخرج صوتي حتى خرجت علي ~~ريمة كأنها نمرة تنطلق من عرينها، وقالت بصوتها الجهوري: أكنت تريد أن نموت جوعا؟ ألا ~~فاعلم أيها الرجل أنه لولا هداياه في هذين الأسبوعين لهلكنا كلنا جوعا. # ولم أدرك إلا عند ذلك حقيقة قولها. لقد مضى علي أسبوعان حقا لم أجد في جيبي درهما، ولم ~~أعط امرأتي دانقا، فكيف كنا نأكل ومم كنا ننفق؟ # ولا أستطيع أن أبين مقدار ألمي عندما تبينت هذه الحقيقة الطاحنة. لقد انحدرت وهويت ~~وصرت حملا على صديقي. # وخرجت من الدار أسير كالأعمى والثورة تملأ جوانحي. لئن كانت ماهوش لا تفسح لي مكانا ~~فيها فإني لن أحمل صديقي وحده مئونتي. إن لي حقا على ماهوش؛ فأنا جحاها، أنا الذي إذا ~~ذكرت ماهوش قال عنها الناس إنها وطني. أنا الذي يبعث الملوك إلي لكي أسير إليهم فآبى. ~~أنا الذي يطلبونه لكي يسامرهم ويعلمهم - كما يقولون - الحكمة فيأبى إلا أن يعيش بين قومه ~~الذين ينكرونه. أنا الذي أتنفس في حماقات ماهوش بضحكي وأهدهد من سخافاتها بعفوي، وأستقبل ~~السماء في الصباح والمساء من أجلها بدعائي، فلآخذن من ماهوش حقي وإن أبت أن تبذل لي ~~حقي. # ولما صرت بين الحقول تلفت حولي، فلم أجد سوى بساتين فسيحة تمتد إلى مدى البصر عن يميني ~~وشمالي، فيها من كل فاكهة ومن كل بقلة. فعزمت على السرقة عمدا. فليقل الناس ما يقولون، فلست ~~أسميها سرقة؛ فأنا لا آخذ إلا رزقي. أنا جحا، وما ينبغي لها أن تنساني. وقفزت فوق السور ~~وجعلت أقطف وأقطع وأخلع في شيء من الحنق. ولست أنكر أنني مع كل حنقي لم أخل من خوف أن يراني ~~الناس فيقولوا إنني أسرق. ونزعت شملة كانت علي فجعلت فيها الفاكهة والبقل وجعلتها صرة ~~كبيرة. ولما عزمت على حملها شعرت بوخزة في ms042 قلبي، ألست سارقا؟ ألم أدخل البستان خفية أتلفت ~~لا يراني صاحبه؟ وفيما كنت أفكر مضطربا مرتبكا شعرت بيد على كتفي وسمعت صاحب البستان ~~يقول: ما هذا يا جحا؟ # ففزعت ولكني تماسكت وفكرت مليا وقلت في نفسي إنها عاصفة هوجاء، ألم تكن ثورة نفسي ~~كالعاصفة؟ # وأجبت الرجل بغير وعي: هي عاصفة هوجاء حملتني فوق السور قسرا. # فتضاحك الرجل خبثا كأنني كنت أمازحه، ثم قال: وأين تلك العاصفة؟ فالجو صاف والشمس ~~تبسم في وداعة! # فقلت في مرارة: إنك لا تعرفها، إنها عاصفة لا يحسها أمثالك. # فضحك الرجل وكأنه ظن بي تخليطا، ثم قال: آمنا يا سيدي جحا، هي العاصفة قد حملتك، ~~ولكن ما الذي قلع هذا وقطف ذاك؟ وجعل يشير إلى ما في صرتي. فقلت مبادرا: دفعتني ~~العاصفة فكلما تشبثت بشيء خرج في يدي. # فضحك الرجل مرة أخرى، ثم قال: آمنا بهذا أيضا، ولكن ما الذي وضع كل هذا في ~~شملتك؟ # فلم أجد للرجل جوابا، فقلت في صراحة: أما هذا فقد فاجأتني قبل أن أفكر فيه. # فانفجر الرجل بالضحك انفجارا عجيبا حتى كاد يقع على الأرض، ثم أقبل نحوي فحمل الشملة ~~بيديه وألقاها على كتفي قائلا: بارك الله لك فيها يا جحا، وحاذر أن تطيرها العاصفة عن ~~كاهلك. # ثم فتح لي باب البستان فخرجت منه مغتبطا حزينا. # ولما عدت إلى بيتي وجدت أبا النور ما زال جالسا في انتظاري، فحدثته بأمري، وقد لمحت ~~الدمع ينحدر فوق خديه وهو قائم لينصرف عني. # أي صديقي، ليس في طاقة إنسان أن يفعل ما فعلت. # إنك تواسيني بصمتك ودمعك خيرا مما واسيتني بقمحك ولحمك، ولا أملك إلا أن أشكرك من قلب ~~جريح. # | الفصل العاشر # لا تحمل الأنباء إلينا إلا كل منذر بكارثة. وهل عجب أن يرسل الله الكوارث على بلد مثل ~~ماهوش؟ # خرج تيمور بجيوشه فاجتاح أقصى ريفها وأدناه، وخرج علاء الدين من خوفه يهرب في البلاد ~~طريدا ذليلا. ويلاه، إن علاء الدين طريد بعد أن خرج من عاصمته وقصره، فأين أنت يا علية ~~ابنة علاء ms043 الدين؟ لقد أنساني هم الحياة أن أخلو إلى خيالك وأسمو معه إلى سموات العلا. فأين ~~أنت في مصاب ماهوش؟ أبكت عيناك حزنا؟ أعصر قلبك هما؟ وهل امتلأ صدرك فزعا؟ أنظرت إليك ~~العيون بغير ستر، وتشتت عنك الحراس والحجاب؟ ليتك لم تكوني سوى هذا الخيال الذي في فؤادي ~~فلا تصل إليك الأيدي، ولا تدنو منك حوادث الدهر. لقد جنى عليك أنك في ماهوش، فكان لك مصير ~~أهل ماهوش. # وكيف أقيم في هذا البلد الذي لا مكان لي فيه إذا كان خلوا منك؟ لقد كنت لا أرضى بماهوش ~~بديلا وأنت في ذرى قصرك، فما مقامي بأرض ماهوش وقد كنت فيها أتنسم النسيم من قبلك؟ لقد ~~أبيت الخروج من ماهوش على ظلمها حتى لا أبعد عن ديار يسطع نورك عليها، وتنبعث أنفاس طهرك ~~فوقها. لقد أبيت أن أجيب دعوة ملوك البلاد إذ دعوني إلى قصورهم، وأصممت أذني عن نداء ~~العلماء في أقاصي الأرض إذ نشدوني أن أعقد حلقات الدرس في مساجدهم. ولكن أأبقى بعد في ماهوش ~~وقد نزحت عنها وليس لي مكان فيها؟ # لقد دفعني غيظي بالأمس إلى عمل ما زلت ألوم عليه نفسي، فما كدت أدخل إلى داري بعد أن ~~فارقني أبو النور حتى عادت الثورة إلى قلبي. إن ماهوش تذلني وتقهرني وتتجاهل وجودي. إن ~~عيونها العشواء لا تعرف لي مكاني. وخطر لي أن أموت لو كان الموت في يدي. ثم تصورت نفسي ~~ميتا في نعش يحملني الناس إلى القبر ويهيلون علي التراب، فرحمت نفسي وبكيت بكاء ~~مرا. # ثم تصورت قومي بعد أن مت وأخليت مكاني بينهم في ماهوش. ألا يهزهم فقدي؟ ألا ~~يشعرون بالوحشة من فراقي؟ ألا يحسون الندم على إغفالي وإهمالي في حياتي؟ # واستقر عزمي آخر الأمر على أن أموت، فصلبت أطرافي وقلت: «أيها الموت أقبل.» # ولم يكن من الهين علي أن أظهر الموت وأنا حي أتنفس، ولكن الناس لا يقلبون الميت ~~ولا يجرءون على جس أعضائه وتسمع ضربات قلبه؛ فالموت رهيب، وللميت حرمة تجعل الناس يهابون ~~الاقتراب منه. فلما ms044 جاءت امرأتي إلى حجرتي ورأتني ممددا نادتني ولم يخل نداؤها من سبابي. ~~فلم أجب على صراخها ولم أحرك شعرة من جفني. فجاءت الحمقاء حتى اقتربت مني ووخزت صدري. فلما ~~لم أتحرك ووجدتني متصلبا صرخت وولولت وخرجت إلى الجيران تنعاني. ثم ما لبثت أن عادت ~~وقد رأيتها من بين جفني تلبس سوادا من قمة رأسها إلى أخمصها، وكانت تصيح قائلة: «يا سبعي! ~~يا سيدي وصاحبي!» # ولم يخل قلبي من الشماتة فيها لطول ما عذبتني قبل موتي، ولم أسمح لنفسي بأن أرق لها ~~وأعود إلى الحياة، فبقيت متمددا متصلبا في ستر ظلام حجرتي. # ثم كان ما كان وغسلت وجهزت ووضعت على الفراش حتى يأتوا بالنعش، وكنت أسمع ما ~~يدور حولي من الأحاديث، فعرفت كيف استقبلت ماهوش نبأ موتي. لم يبق في ماهوش رجل ولا امرأة ~~إلا أسف علي وحزن لفقدي. وتحركت أريحية الناس فجمعوا من المال وأنا ميت ما لو جمعوه لي من ~~قبل لكفوني مئونة الحياة، ولما بعت داري، ولعشت بينهم قرير العين لا أفكر في موت. وسمعت ~~البكاء والعزاء حتى امرأتي ريمة كادت تقع على الأرض من لطم خديها. وكنت كلما أتت طائفة ~~جديدة للعزاء كتمت أنفاسي حتى لا يغيب عني حرف مما يقولون. فخرجت من كل ما سمعت على أن أهل ~~ماهوش مجمعون على محبتي وإكرامي. وكانوا يتذاكرون فكاهاتي ويحفظون من أقوالي ما لا أذكر ~~أنه صدر عني، فكانت تلك الساعات التي قضيتها في انتظار النعش أسعد أيام حياتي. # ثم جاء صديقي أبو النور، وكان غائبا يعد لي جهازي ويختار موضع قبري، وجاء يحمل ~~أكفاني وحنوطي، ولم ينس أن يفرش لحدي بالرمل والحناء ليكون أرفق بجثماني. ولما دخل علي ~~جلس إلى جانبي، ولم أسمعه يتكلم أو يشهق ببكاء أو يتحدث برياء، ولكني كنت أعرف أنه حزن ~~لفراقي حزنا أعمق من الدمع والرثاء. وقد شعرت بيده تجسني على حين فجأة، كأنه لم يؤمن ~~بموتي. وكانت يده كلما اقتربت من وجهي أحسست رغبة شديدة في أن أقبلها. ولمت نفسي على ~~أنني ms045 خدعته كما خدعت الناس، وأدخلت على قلبه الحزن من أجلي، حتى كدت أهمس له بالحق لولا ~~أنني خفت من افتضاح أمري. # ثم حملت بعد أن تم تجهيزي ووضعت في النعش، وسار المشيعون من أمامي ومن خلفي، ~~بعضهم ينشد الشعر وبعضهم يتلو القرآن، وبعضهم يحدث جاره في شئون تجارته أو سيرة جيرانه. ~~وكان للمشهد ضجيج عظيم ينبئ بما فيه من عدد عديد. وما زلت محمولا في طرق ماهوش وأنا أعرف ~~كل موضع حملت فيه، مما كان يصل إلى سمعي من أصوات الأسف يبعثها النساء والصبيان من ~~بيوتهم. فهؤلاء جميعا أهل ماهوش الذين لم أجد وسيلة إلى العيش فيهم حتى اضطررت إلى أن أموت ~~موتا. وأخيرا بلغ المشهد إلى جانب النهر - نهر ماهوش - من ناحية الجسر الأعظم، فخفق قلبي ~~لذلك النهر الذي طالما خفق لمنظره وأنا حي. وكنت منذ يومين قد رأيته فاض وعلا حتى صارت ~~أمواجه ترتطم بالشاطئ ويسمع عجيجها عن بعد ميل. وكانت العادة أن يخوض الناس فيه حتى يبلغوا ~~الجانب الآخر حيث جبانة المدينة. ولكن النهر لم يسبق له أن علا وفاض كما فعل منذ ~~يومين. # وأحسست عند ذلك وأنا في نعشي ترددا واضطرابا في الذين يحملونني كأنهم خافوا أن يخوضوا ~~في الماء الثائر. وكان ذلك الجزء من النهر عميقا، ولو خاضوا فيه لغرقوا وغرقت معهم، ولا ~~أنكر أنني خشيت على نفسي أن يخطئ المشيعون خطأ لا يداوى. وكنت أعرف في النهر موضعا آخر ~~لم يبلغ الماء فيه إلا علوا ضئيلا؛ إذ هناك صخرة كالجسر تعترض مجراه. فتجلدت وتمطيت ~~وشددت نفسي من أربطة الكفن، وقمت برأسي حتى رفعت الغطاء الحريري الذي فوق النعش. ولما أشرفت ~~على المشيعين صحت فيهم قائلا: من هناك، من هناك، فالمخاضة عن يساركم. # وكانوا في شغل ينظرون إلى النهر ويتحاورون كيف يجتازونه، فما كادوا يسمعون صوتي حتى ~~ارتفعت منهم صيحة فزع وتفرقوا يلتمسون السبل كأنهم قطيع من شياه طلع عليهم ذئب كاسر. ورمى ~~الحمالون النعش في عنف حتى أحسست عظامي تقعقع، فإذا بالمكان يخلو فلم ms046 يبق فيه إلا صديقي أبو ~~النور وواحد من القراء كان لا يستطيع جريا. # فأخذ أبو النور يفك عني أكفاني بأنامل مضطربة من الفرح وهو يقول: لم يصدق قلبي أنك ~~مت حقا. # وبعد قليل سكنت صدمة الخوف عن الناس فعادوا نحوي ولهم ضجيج وعجيج، يقذفونني بوابل من ألفاظ ~~التقريع والتأنيب. ولا عجب في ذلك؛ فقد رأوا أنني لم أزل حيا، وعبارات المودة لا تساق ~~إلا إلى الأموات. # فقمت بينهم متسترا بأكفاني، وحاولت أن أعتذر إليهم مما سببت لهم من المتاعب، وبالغت ~~في ذلك حتى خيل إلي أنهم قد عفوا عني. ثم طلبت منهم أن يعطوني ما جمعوه من المال من ~~أجلي، وما أخذوه من الناس باسمي، حتى لا أضطر أن أموت مرة أخرى، فانهالوا علي بالشتائم ~~وسموني محتالا وضحكة وخائب الرجاء، ثم انصرفوا عني. # فعدت نحو داري أتوكأ على صديقي أبي النور وأجر أذيال أكفاني، وأنا أقطع نفسي أسفا ~~وغما، ولم أجن من وراء كل تدبيري شيئا. # وكان أبو النور أشد ألما مني؛ فكانت الدموع تتساقط على ثوبه كأنها سمط متصل، والأنفاس ~~تهز صدره هزا عنيفا بعد أن كان هادئا صامتا. وقضى معي تلك الليلة حتى طلع الفجر ولم ~~يفارقني لحظة، ذلك الصديق العزيز! # أما أنا فقد عزمت على أن أهاجر من ماهوش، فلن أبقى في بلد لا أجد لي مكانا فيه، حتى ~~إن الموت نفسه لم يفسح لي بينهم محلا. # | الفصل الحادي عشر # خرجت من وطني ماهوش أسير كالأعمى، والأفكار تحتوشني من كل جانب، والأنفاس تكاد تمزق ~~صدري. ونظرت حولي فرأيت ربوة ماهوش الخضراء تبسم للصباح؛ إذ تلقي عليها الشمس أول شعاعها ~~الذهبي. ورأيت سماءها والسحب تزخرف أطرافها بنسيج سحري من الفضة والذهب واللؤلؤ والياقوت. ~~هذه السماء هي التي ملأت قلبي تسبيحا وعلمتني من المعاني ما تعجز عنه كتب الفلاسفة ~~ومباحث العلماء. وألقيت نظري على نهر ماهوش إذ تنحدر إليه الجداول الصافية، تتدفق من عيون ~~رائقة باردة تنبع من قمة الربوة، ثم تسير في جداولها التي تلمع في مجاريها الحصباء ms047 كأنها ~~الدرر انفرطت من عقود الحسان. ورأيت بيوت ماهوش على سفح الربوة تتخللها البساتين بما فيها ~~من نبت بين قصير وطويل، وبين مورق ومجرد، قد تداخلت ألوانها وتشابكت فروعها وتعانقت ~~أغصانها، واهتزت للنسيم الوديع. # هذه ماهوش لذة العين وبهجة القلب وشفاء الصدر، أغادرها وأهاجر منها لأضرب في الآفاق. ~~فناديت من أعماق قلبي: «يا نفس تجلدي، ويا عين أغمضي، ويا فؤاد التمس النسيان.» ثم سرت في ~~الطريق أفكر فيما كان من شقائي في وطني الحبيب القاسي الذي لم أجد فيه لي مكانا. # وفيما كنت في طريقي مطرقا مفكرا أفقت على صدمة عنيفة دفعتني إلى جانب الطريق، ~~وكادت تقذف بي إلى النهر الصافي، الذي ما زال منذ الأبد القديم يجري غير مبال إقامة الناس ~~في ماهوش أو خروجهم منها. ولكني تماسكت وتعلقت بشجرة قريبة، وتلفت حولي لأرى ذلك الذي ~~كاد يحطمني بصدمته، وامتلأ قلبي غما وتشاءمت برحلتي. فهذا أول الطريق أصطدم فيه وأخبط ~~بمثل هذه الخبطة الشديدة. فرأيت فارسا من جنود تيمور هؤلاء أصحاب القلانس العالية، الذين ~~يحسنون الانتفاش في ملابسهم الزاهية. وكان ينظر نحوي كأنه ينتظر مني أن أشكره على صدمته. ~~فاعتراني إحساس لا أستطيع وصفه إلا بأنه مزيج من الخوف والغضب؛ فإنني رجل لا أحب الحروب ولا ~~من يخوضونها، ولا أطيق أن أرى دجاجة تذبح تحت ناظري. فكيف بي وقد رأيت أمامي رجلا من جنود ~~تيمور الذين يملئون الأرض دماء؟ كانت نظراتي إلى الفارس تنم عما كان في نفسي، ووقفت ~~أتأمله، وكان منظره في الحق عجيبا. كان مثل الببغاء في زينته الكاملة: من قلنسوة حمراء فوقها ~~ريشة زرقاء، من تحتها عباءة صفراء تغطي ملابس أخرى لا أعرفها بيضاء وخضراء، ولف على وسطه ~~منطقة سوداء، ودلى في جنبه سيفا مقوسا منقوشا بالذهب والفضة، مرصعا بالجواهر، ~~ومن تحته وتحت كل زينته جواد كريم لا يقل في ألوان زخرفه عن صاحبه. فقلت في نفسي: «سبحان ~~الله! ما هذا كله؟» وجعلت أصعد فيه بصري وأصوبه من أعلى ريشته إلى حافر جواده، وأحسست أن ~~خوفي ms048 وغضبي قد تبدلا وامتلأ قلبي ضحكا. فتبسم الفارس وأخذ يكلمني بلغة لم أفهم منها ~~إلا يسيرا، فهمت منه أنه يريد أن يعرف من أنا، فقلت له أريد أن أصرفه وأتجه في سبيلي: «أنا ~~فقيه.» ثم هممت بالسير، فهمز جواده يسايرني وقال وفي صوته رنة السرور: «فقيه؟» # فهززت رأسي أن نعم، ومضيت في سبيلي. ولكنه كرر سؤاله في اهتمام. فخشيت أن ينخدع الرجل عن ~~حقيقتي، وهو لا يعرف لغتي. فلعل لهذا اللفظ (فقيه) معنى آخر عنده، مثل تاجر أو صيرفي أو ~~جوهري، فيحسب خطأ أنني ممن يطمع فيهم رفاق الطريق، فيبادر بإيقاع الأذى بي، فبادرت قائلا: ~~«أديب.» واخترت هذه الكلمة لأنها معروفة للناس جميعا، ولا تحمل لبسا، ولا يختلط على أحد ~~معناها؛ فكل الناس يعرفون من هو الأديب. هو الرجل الذي لا يملك من حطام الحياة شيئا. ولكن ~~الفارس لم يعجبه هذا اللفظ، وكرر الكلمة الأولى سائلا: «فقيه؟» فملأت عيني منه وتنازعني ~~الخوف، ولكني رأيت أنه قد بدأ يعبس. فخفت إن ضحكت أن يغضب، واكتفيت بأن هززت رأسي له ~~بالإيجاب، وفوضت أمري إلى الله. فأسرع الرجل فنزل عن جواده وفتح لي ذراعيه، وأقبل علي ~~يضمني إلى صدره، ويقبلني بين عيني، ويرطن بكلام كثير. ففهمت منه إجمالا أنه قائد كتيبة ~~في جيش تيمور، وأنه طالما طمع في أن يكون عنده فقيه ليكون لكتيبته زينة إسلامية. فلما عرف ~~أنني فقيه سره ذلك، وعزم على أن يأخذني معه. ثم أمرني في رفق أن أسير وراءه، فقلت: ~~«سبحان الله! أهذه محنة جديدة؟» ووقفت حائرا مترددا. فنظر إلي وصاح بي مكررا أمره ~~أن أسير وراءه. فلم أجد بدا من السير، ومضيت في أثره مطرقا أفكر في أمري. ثم قلت ~~أعزي نفسي: «إن السير وراء هذا الفارس لن يغير شيئا من حالي؛ فقد خرجت من ماهوش لأسير ~~في الأرض، وسواء لدي شرق وغرب.» وانطلقت أمشي قريبا من ذيل جواده وأنا أكاد أغمض ~~عيني. # وما زلنا نسير حتى مالت الشمس عن كبد السماء، وأخذ التعب يدب في أوصالي ms049 ، فنظرت إلى ~~الفارس لعلي أرى عليه علامة تبشر بأنه يريح جواده، فلم أجد على مظهره ما ينم عن شيء من ~~ذلك؛ لأنه كان يهز رجليه ويغني مرحا. ومضى زمن طويل بعد ذلك حتى بلغنا قرية، فاجتزنا ~~بها. وفيما نحن خارجان منها طلع علينا فارس آخر عند منعرج الطريق، فلما رآنا أقبل نحونا ~~يسعى، وكان في زينته أشبه الناس بصاحبي، حتى خيل إلي أنه توءمه وقد ولدا معا فوق ~~جواديهما. فلما اقترب الفارس منا حيا صاحبه ووقف حياله يحدثه، ثم التفت نحوي وجعل ~~يفحصني ببصره حينا، ثم عاد إلى صاحبه يراطنه باهتمام. ولم أدر ما كان بينهما من الحديث ~~إلا أنني سمعت الفارس يصيح وهو ينظر نحوي: «فقيه؟» # فخفق قلبي خفقة شديدة، ونظرت إليه مندهشا، ثم أحسست أن الضحك يكاد يغلبني، فملكت ~~نفسي وقلت باسما: «نعم فقيه.» فنظر إلي صاحبه وجعل يحادثه، ثم سمعت الحديث يحمى ~~والألفاظ تسرع فيما بينهما، ثم رأيت الرجلين يجردان سيفيهما ويقف أحدهما حيال الآخر ~~وقفة الحرب والنزال. فدب الأمل إلى قلبي وقلت لعل هذا أول الفرج؛ فليس للفريسة من أمل ~~إلا إذا تطاحن عليها الوحوش. ووقفت أنظر إليهما متفرجا، وكانا مثل ديكين وقفا ليتناقرا. ~~ولكني لم ألبث إلا قليلا حتى رأيت المنظر يتحول فجأة تحولا كريها؛ فإن الفارسين لم ~~يقفا وجها لوجه إلى نهاية المعركة المرة، بل رأيت صاحبي الأول يتجه نحوي مجردا سيفه ~~ليقتلني؛ نعم ليقتلني أنا. ونظر قبل أن يتم عمله إلى قرينه وقال له ما معناه: «سأقتله حتى ~~لا يكون لي ولا لك.» ففهمت من هذا أن ما بينهما من الجدال كان في شأني، وعلمت أن صاحبي أراد ~~أن يحسم الخلاف الذي بينه وبين صاحبه بأن يبقر بطني. وكان لا بد لي من الدفاع عن نفسي بما ~~استطعت، فصحت قائلا: «حاسب، ماذا تريد؟» # فتوقف الرجل وجعل يبين لي قصده في لهجة الاعتذار. فقلت متكلفا الهدوء: «هذا رأي غير ~~صائب.» # فرد علي بكلام كثير يحاول به أن يفهمني أنه لا يريد إلا العدالة؛ فإنه ms050 لا يليق عدلا ~~أن أكون فقيه غريمه بغير حق؛ لأنه قد سبق إلى وضع يده علي. فلم أرد أن أجادله في ذلك، ~~والعدالة على أية حال أمر نسبي يختلف الناس في فهم معناها؛ فيراها القوي من زاوية، والضعيف ~~من زاوية أخرى، ولا سبيل إلى تلاقي نظرتيهما. ولم أجد وسيلة تنجيني من هذه العدالة إلا أن ~~أجرد لها لساني وحيلتي. فقلت وأنا أرتجف: هذا كلام حسن. ولكن ألا ترى أيها الشجاع أن ~~تحتفظ بي حيا؟ فإني أقدر على أن أنفعك، وتستطيع أن تجد في خيرا كثيرا. # فنظر إلي غير مصدق، فقلت له مسرعا: أنا رجل شاعر، أقدر على أن أرفع من شأنك حتى ~~يراك الناس سيد الخلق، وأقدر على مدحك بما لا تتصور أنه فيك، فيصدق الناس أنك أفضلهم ~~وأسمحهم وأعلمهم وأعقلهم وأحكمهم وأشجعهم. # ولست أدري أفهم قولي أم لم يفهمه، ولكني رأيته قد لان ورق لي، فأتبعت قولي: إنك رجل ~~باسل بغير شك، وتستطيع أن تقاتل خصمك حتى تقتله أو تعجزه. فإذا تم لك ذلك سرت وراءك شرقا ~~أو غربا كما تشاء. # ولكن هذا الرأي لم يعجبه، فأطرق مفكرا وهو يتأفف، ثم رفع رأسه بعد حين وقد تهلل وجهه ~~كأن فكرة موفقة سنحت له، وتقدم نحوي باسما ووضع يده على كتفي قائلا: «عفارم!» # ثم لوى عنان فرسه وأسرع إلى صاحبه، وسرت وراءه في لهفة، فسمعته يقول له: «أتذكر الكلب ~~الأسود الذي أودعته عندي؟» فقال له الفارس باهتمام: «نعم بلا شك، وأنا في حاجة إليه.» قال ~~له صاحبي مبتسما في خبث: «إذا أردته فانزل لي عن هذا الفقيه.» وأشار إلي. وصمت قليلا ~~ثم قال: «وإلا فإني قاتل كلبك عند عودتي.» وكانت هذه الكلمات كالصاعقة إذا انقضت على ~~الرجل. فنزل عن جواده مترنحا وجثا على ركبتيه، وجعل يتوسل إلى صاحبه بكل كلمة رقيقة أن ~~يبقي على كلبه، وأن يفعل بي ما شاء. ثم مسح دمعة ثارت في عينه، وسلم لصاحبه بغير قيد ~~ولا شرط. ولست أنكر أنني قد رققت للرجل في حزنه ms051 من أجل كلبه، وشيعته بنظري وهو منصرف ~~عنا وفي قلبي مودة له ورحمة. # ولم يطل بنا الوقوف بعد ذلك، فسار صاحبي المنتصر في طريقه، وأمرني أن أسير وراءه، وجعل ~~يهز رجليه ويغني. وسرت وراءه في شيء يشبه الذهول، أتحرك بلا وعي كالآلة ~~الصماء. # وكاد النهار ينصرم وأنا أجرر قدمي وراء الجواد، وتمشى التعب في مفاصلي وعروقي، واستولى ~~الضيق على نفسي، ولاح لي الفضاء مثل لجة البحر الهائج لا تقع العين فيه إلا على سر مجهول. ~~ثم أقبل الليل بعد أن كادت نفسي تزهق، فدعوت الله أن يبعث الفرج. ونظرت إلى الفارس في ~~حقد، وأخذت أتلو بعض آي من القرآن. وما كان أشد فرحي عندما رأيته يقف فجأة كأن شيئا أمسكه، ~~ونزل عن جواده وجعل يمشي وينظر حوله ليختار مكانا للمبيت. وكنا قد بلغنا جانب غابة ~~عظيمة لا تبلغ العين آخرها، قد اكتست أرضها بالعشب الأخضر، وتشابكت في أعلاها الغصون. فجلست ~~لألقف أنفاسي وأريح أعضائي. ولم يلبث الظلام أن أرخى سدوله، ثم طلع القمر وكان شعاعه يفيض ~~على الغابة جمالا باهرا. وهدأ حر النهار إلا ما بقي منه كامنا في الهواء إذا هب رخاء من ~~الغرب. وأخذ نور القمر يزداد حتى تخلل فرجات الأغصان، وكسا البساط العشبي الذي تحتها، ~~وتراقصت الظلال وتلاعبت كلما هبت نسمة من النسمات. فاسترعى ذلك الجمال بصري وجلست ساعة ~~أتأمله. وكانت المتعة التي أصبتها كافية لإزالة تعبي واضطرابي، وشعرت بنشوة تملأ صدري، ~~ورأيت صاحبي الفارس قد خلع قلنسوته ووضع جعبته وإداوته على الأرض، وأطلق فرسه يرعى، وجعل ~~يسير في أطراف الغابة يجمع الأحطاب. فاسترحت إلى منظره الإنساني وأنس قلبي إليه، وأخذت ~~أنفاسي تعود إلى هدوئها، ودب البشر إلى نفسي. # ولما شعرت بما داخل نفسي من الخفة قمت متجها إلى الفارس وقلت له مستعيرا لفظه: ~~«عفارم أيها الشجاع!» # ولم أقصد من قولي شيئا سوى أن أحدثه، وما كدت أفاتحه بهذه الكلمة حتى استجاب وأقبل على ~~حديثي منطلقا كأنني فككت بالكلمة عقدة لسانه. وسأعيد ما قاله لي بلغتي؛ فقد ms052 كانت لغته ~~رطانة لا تفهم إذا نقلتها عنه نصا. قال باسما: سأهيئ لنفسي طعاما وشرابا، نعم فإني ~~أهيئ طعامي بيدي دائما، ولا أحب أكلا إلا إذا طبخته وسويته، ومازجت بين ما يقلى منه وما ~~يسلق، وقدرت ملحه وذررت عليه الأفاويه بمقدار. # ثم استمر يضرب الأمثال مما صنع، ويذكر الصنوف وتواريخ صنعها، وهو في أثناء ذلك يذهب ~~ويجيء يجمع الأحطاب في ضوء القمر. فقلت له باسما: «هذا بديع، ولا شك في أنك رجل ماهر.» ~~فنظر إلي مسرورا وبدت نواجذه السوداء من فمه الأهتم، ثم مال على جعبته وأخذ ينكشها ~~قائلا: «ليس هنا إلا بقايا مجففة، ولو كان في الوقت فسحة لكان عشائي لحما طريا.» ثم ~~أشار بيده إلى الغابة وقال: «سأريك في الغد إذا بقينا هنا كيف أسدد الرمية، وكيف أثبت ~~الطير في كبد السماء.» # فقلت له باسما: «إن من كان مثلك لم تعص له الوحوش أمرا.» # فقال مرتاحا: «وإذا شئت فإني أريك كيف أطعن بالرمح، وكيف أحطم بالدبوس؛ فإني صاحب السبق ~~في هذه الفنون جميعا.» # فضحكت ضحكة لأخفي الرعشة التي سرت في جسمي، وقلت مبادرا: «لا، لا، ليس في هذه الحال ~~التي نحن فيها ما يدعو إلى رمح أو سيف.» # فمضى في حديثه، وجعل يصف لي مغامراته ومنازلاته، وكلما بدا على وجهي أثر من قوله زاد ~~حماسة، حتى كان أحيانا يمسك عن العمل لكي يشير بيديه. وفطنت إلى أنني أضيع عليه بعض وقته، ~~فانتهزت فرصة سكوته لحظة وهو مشغول بقدح زنده ليوري به نارا، فتسللت ذاهبا نحو الغابة، ~~ووقفت أتأمل أشجارها، ومالت نفسي إلى أن أجول فيها جولة ثم أعود بعد أن يكون صاحبي قد ~~هيأ طعامه. # وسرت في الغابة، وكان للهواء فيها عطر خفيف من رائحة الأوراق والأزهار، وكانت ألوان الشجر ~~مختلفة وأشكاله متباينة، فمنه ما كان غزير الورق، ومنه ما كان عاريا، ومنه ما كان ضخم ~~الجذع وما كان دقيقا يتسلق متوكئا على غيره. وجعلت أتنقل في الغابة من بقعة ضاحية ~~يغمرها نور القمر إلى أخرى ظليلة تتراقص ms053 فوقها الظلال، وكان الليل الساجي يفعل في نفسي فعل ~~السحر، فلم أشعر بمرور الزمن ولا بطول السير، ولم أتلفت إلى ورائي لأنظر أين صرت من صاحبي، ~~حتى رأيتني بعد حين أمام صخرة وعرة لم أنظرها إلا عندما صرت على خطوات قليلة منها، كأنها ~~خرجت فجأة من جوف الأرض لتعترض سبيلي. فاتجهت نحوها فوجدتها ربوة مهشمة مدببة الجوانب ~~كأن سطحها كله من أنياب وأظفار، وهي تنطوي على كهف يبعث الرهبة في النفس، تخرج من ثناياه ~~قناة فيها ماء صاف كأنه بلور مذاب، ينساب جاريا وهو يغني بخرير يلذ للأسماع، خافت ~~يشبه التهانف بالضحك في مزاح العذارى. وكان يهبط إلى حوض من الصخر مهشم مصقول يلمع النور ~~فوقه، فإذا هو يبدو أخضر مثل قطعة من الزبرجد من أثر ما عليه من الطحلب الدقيق. فوقفت لحظات ~~أتأمل المنظر البديع، وكانت عيني لم تقع من قبل على مثله، فشملتني نشوة، واهتزت نفسي ~~طربا، ونسيت ما كان من هجرتي ووحدتي، حتى لقد نسيت جوعي، ووجدتني أدندن بالغناء. وتواردت ~~علي الألحان المشجية، فجلست على جانب الصخرة وغبت في غمرة أشجاني، وجعلت أقلب عيني ~~وأتمتع بالمنظر، وملأت صدري من الهواء العطر، ووجدت كل حواسي نصيبا من اللذة من خرير الماء ~~منسابا في جداوله، إلى ريح الزهر المشتعل في خمائله، إلى لون الورد الناعس في ~~غلائله. # جلست هناك وقتا لا أدري أقصيرا كان أم طويلا، ثم شعرت فجأة بشيء من الرهبة يمسني ~~من السكون العميق الذي حولي، فما كدت أتنبه له حتى خيل إلي أنني في عالم صاخب مضطرب. ~~سمعت خفق الأوراق على الأعواد، ووسوسة النسيم بين الغصون، وخشخشة الحشر بين الحشائش، فاضطرب ~~خيالي ووقف شعر رأسي، ولم أطق البقاء مكاني، وهممت بالرجوع إلى موضع صاحبي، فنظرت حولي لأرى ~~الطرق التي جئت منها فلم أجد أمامي إلا غابة شجراء، وضوء القمر يسطع من فوقها ويتخللها. ~~فخيل إلي أن المكان قد امتلأ أرواحا من الجان تتلاعب وتتواثب من حولي، وأسرعت في سيري ~~وأنا أتلفت ورائي ولا أتبين لي طريقا ms054 . وفيما أنا كذلك لاح لي عن بعد شيء يتحرك، يشبه أن ~~يكون قطا أو فهدا أو ظبيا أو ذئبا أو غير ذلك مما يسير على أرض الغابات يلتمس قوتا. ~~فشعرت بوجهي يتقد، ورفعت يدي لألتمس جبيني فوجدته باردا تبلله قطرات من العرق. وحاولت أن ~~أشجع نفسي بأن أسمع صوتي، فحاولت أن أغني، ولكن الألحان شردت عن ذهني، وجعلت ألوم نفسي ~~على هذا الفزع الذي لا سبب له، وأجاهدها بكل ما استطعت أن أتذكره من الحكم. ولكن ذلك كله لم ~~يجدني شيئا. # ثم سمعت صوتا لا شك في أنه كان صوت حيوان مسكين يعاني الآلام المبرحة بين أنياب عدو ~~مفترس أو مخالبه أو أظافره. فوقفت حيث كنت وجعلت أستمع. وأمسكت أنفاسي فسمعت الصرخات تتوالى ~~في فزع، ثم سمعتها تضعف قليلا قليلا ثم انقطعت فجأة. لقد استسلم الحيوان المسكين بعد ~~أن ضعف واسترخى وخضع لما لا حيلة له فيه، وذهب إلى المصير المحتوم في جوف الوحش المفترس، ~~كما ذهب ألوف وألوف من أسلافه على مر الدهر الطويل. # ولم يكن من العجيب أن يسطو حيوان على آخر في الغابة؛ فإن هذا هو قانونها الأزلي. ولم يكن ~~من العجيب أن أجد مثلا جديدا من احتيال الكائنات على اقتناص الرزق؛ فإن قانون الغابة ~~كان دائما هكذا: من عز بز، ومن غلب افترس، ومن استطاع صيدا اصطاد، ومن قدر على ~~الروغان راغ. ولكني مع هذا اهتززت هزة عنيفة عند سماع ذلك الصوت. فلما عاد السكون العميق ~~إلى الغابة خيل إلي أن ذلك الصمت أكثر ضجة من أعنف الهيعات في معامع الحرب. وصرت كلما ~~خطوت خطوة تمثلت حولي نضالا متصلا فيه فتك وفيه فناء وفيه مطاردة وهروب. وكلما ~~مررت بكومة من الأوراق الجافة وسمعت بينها خشخشة تمثلت لي صورة معركة دامية بين قوي وضعيف ~~أو بين سريع وبطيء. ولج بي التصور حتى ضاقت نفسي بالسكون الشامل الذي لا ينطوي على سلام ~~بل يستر تحته حربا متصلة قاسية. # وتمنيت لو تمزق هذا الصمت عن زمجرة الأسود وضحكات الضباع ms055 وفحيح الأفاعي؛ فقد كان ذلك ~~أرفق بنفسي لأنه لا يخدعها بمظهر كاذب من سلام مموه خداع. وبدت لي الحياة الإنسانية عند ~~ذلك جنة نعيم إذا قيست بالحياة في هذه الغابة الساكنة؛ لأن الإنسان قد أقام قوانين تحمي ~~الضعفاء من الأقوياء، وتبيح للبطيء أن يسعى على بطئه، وللصغير أن يبقى على هوان أمره. ~~وأسرعت في سيري وأذهلني الاضطراب عن التفكير في مكاني أو في المآل الذي ينتهي إليه سيري، ~~وجعلت أخبط بين الشجر خبط عشواء، لا أبالي أين تحملني قدماي. ولم أتنبه إلا فجأة وقد لاحت ~~لي بين الأشجار عن بعد أنوار لهيب تسطع فوق الجذوع والأغصان. فعادت إلي صورة صاحبي الفارس، ~~فاتجهت إليه، وكان السير قد أجهدني واضطراب الفكر قد نال مني، فأحسست بتعب شديد يشيع في ~~أعضائي، وتمنيت لو اتخذت من بعض أكوام الورق الجاف فراشا. ولكني تحاملت على نفسي حتى ~~بلغت مكان الفارس، فوقفت لحظة أنظر إليه وهو منصرف إلى إعداد طعامه، ينحني على النار ليضع ~~فيها أعوادا تزيدها ضراما، ويميل عليها ينفخ فيها ورأسه الأصلع يلمع في ضوئها والشرر ~~يتطاير من حوله. فلما أحس بمقدمي رفع رأسه وهو يبسم سرورا، حتى بدت أسنانه السوداء من تحت ~~شاربيه. فارتميت إلى جانبه خائر القوى، وخرجت مني آهة نفست بها عن صدري. فقال لي بعد أن نفخ ~~في النار نفخة: «لقد سرت طويلا.» فقلت له في صوت ضعيف: «أما نضج طعامك؟» # فقال في مرح: نعم كاد ينتهي، حساء وأرز بقطعة من زند البقر. # فقلت له: هنيئا مريئا. # فقال وهو يبلع ريقه: وسنبوذج ولوزينج. # فقلت ضاحكا: إنها وليمة. # فضحك وقال وهو يشير إلى زق من جلد المعز: وكأس من النبيذ المعتق. # فقلت مبادرا: أما هذا فلا شأن لي به. # وما كدت أنطق بهذه الكلمة حتى خجلت خجلا شديدا؛ لأن لفظي خانني. كنت حقا شديد الجوع، ~~ولكن ما كان ينبغي لي أن أدعو نفسي إلى طعامه. وكأنه قد لحظ خجلي فقال لي مترفقا: ستذوق ~~طعامي وستحكم على مهارتي. # فسرى عني وقلت مبتسما ms056 : أشكرك، إنك رجل كريم. فنظر إلي مسرورا، وهز رأسه مرتاحا ~~إلى مديحي، وكشف غطاء القدر وجعل يقلب ما فيها بخنجره وهو يمص شفتيه، ولا أكتم أن رائحتها ~~كانت تنفذ إلى أعماق صدري طيبة شهية، وأخرج قطعة لحم فجسها بظفره ثم أعادها إلى القدر، ~~وتحرك في مجلسه وفرك يديه مسرورا وقال: «سيكون عشاء عظيما.» ثم قام يهيئ السفرة، ~~فقمت معه لأساعده، وما هو إلا قليل حتى كنا نتسابق في التقام الطعام. # ولم يقم الفارس عن طعامه حتى شرب أكثر زقه وتركه على الأرض مفشوشا، وكنت قد أمتعت نفسي ~~بالطيبات وأثنيت على طعمها ورائحتها، وكان القمر لا يزال في كبد السماء، فقمت لأصلي ما ~~فاتني من الأوقات. وجلسنا بعد ذلك نتسامر، حتى طالت ظلال الأشجار تحت القمر المنحدر، واشتد ~~برد الليل فتلففت في ثيابي، واضطجعت فوق كومة من الحشيش الجاف وتغطيت بشيء منه، وعمد ~~صاحبي إلى كومة أخرى ففعل كما فعلت. # | الفصل الثاني عشر # قمت في الصباح فتوضأت وصليت. وكانت الصلاة إلى جانب الغابة قرة عين؛ فهناك كنت أتمثل ~~قدرة الله في خلق هذا الكون البديع، وكنت أصلي بقلبي وعقلي ولساني. ثم أخذ الفارس يستعد ~~للسير بعد أن أصاب شيئا من الزاد وأشركني فيه ونحن على عجل، وأقبل على فرسه يمسحه ويخدمه ~~وأنا أنظر إليه متعجبا وأسائل نفسي عما جمعني به. فسرحت أفكاري فيما رأيته الليلة ~~السابقة من نضال بين الأحياء، حتى كدت أعتقد أن الحياة الإنسانية ليست إلا جزءا من حياة ~~الغابة. وكدت أنكر ما توهمته من فضل امتاز به الإنسان على سائر الحيوان؛ إذ أقام لنفسه ~~نظاما وسن من القوانين ما يحمي الضعيف من القوي، ويكفل الحياة للصغير والبطيء. كدت أنكر كل ~~هذا، بل لقد خطر لي أن الحيوان في الغابة أسلم وآمن فيما بينه وبين نفسه؛ لأن النضال إنما ~~يكون بين صنوف مختلفة منه؛ فالأسود لا يفترس بعضها بعضا، ولا يتخذ بعضها البعض خدما، ~~ولا تفرق بين أنفسها بحدود، ولا تجعل في جنسها أمما يحتقر بعضها بعضا أو تتقاتل ms057 وتتفانى ~~فيما بينها. وهي لا تتناكر ولا تتشاحن؛ لأن الله لم يصبها بذلك المصاب الوبيل؛ تحريك اللسان ~~بنطق اللغات. وليس فيها من يميز نفسه على سواه بعلامة مصطلح عليها، فلونها واحد وأنيابها ~~متشابهة، وذيولها سواء في طولها، ولم يمتحنها الله بمحنة الملابس التي يتخذها الإنسان ~~وسيلة للتفريق والتمييز بين بعض وبعض؛ فكل فرد في الغابة مساو لكل فرد آخر من جنسه. جعلت ~~أفكر في هذا حتى بلغ بي الأمر أن تمردت على الإنسانية، وجعلت أشتد في تعنيفها واتهمتها ~~بأنها تداري سيئاتها تحت ستار خداع استعانت به على إخفاء الحقائق عن نفسها. # لقد بدا لي عند ذلك أنني أسير وراء الفارس كما يسير فرسه من تحته، لا أملك أن أتحول عنه ~~كما لا يملك الفرس أن يتحول عنه، وأنه إنما يخدعني إذ يترفق بي أو يبسم في وجهي؛ فإن جوهر ~~الأمر كله أنه أخضع إرادتي لإرادته، وليس بعد هذا مرتبة أبلغ في القسر والعدوان. # وساقتني هذه الأفكار بدفعها حتى تصورت الإنسان أحمق الكائنات وأبشعها وأقساها، تمثلته ~~عند ذلك عبدا للألفاظ التي كان يحلو له منذ القدم أن يخدع نفسه بها. كان في العصور السالفة ~~ينحت قطعة من الحجر ويسميها بلفظ جميل، فإذا هي عنده إله مقدس يعبده ويتقرب إليه، ويقوم ~~عليه السدنة والكهنة يتجرون باسمه الجميل. ثم ها هو ذا اليوم يجعل من الجرائم فضائل ~~ويسميها أسماء جميلة؛ يسميها «الحرب» و«المجد» و«العظمة» وما هي إلا جرائم قتل ونهب ~~وتدمير. هذا «تيمور» وما أحراه أن يكون في أعين الناس أشد المجرمين خطرا، وما أجدر الناس ~~بأن يقيدوه في السلاسل ويجعلوه في مأمن لا يستطيع الهروب. ولكنه أفلح في أن يسمي جرائمه ~~أسماء جميلة، فاستطاع أن يفوز بالسلطان الأعظم في الأرض. # ومر الوقت سريعا وأنا أنظر إلى صاحبي وأناجي هذه الخواطر المضطربة، ثم رأيته قام وركب ~~وأشار إلي أن أسير وراءه، فقمت خاشعا ومضى في سبيله يهز رجليه ويغني على عادته. ولو ~~واتتني خفة النفس لغنيت مثله، ولكن أفكاري أبعدت عني الألحان جميعا، ms058 فسرت مطرقا حتى سمعته ~~بعد حين يناديني، فرفعت رأسي فرأيته يومئ إلي أن أقترب منه. ثم سألني هل أحب الركوب ~~وراءه؟ فدار رأسي ولم أدر بم أجيب. فظن الرجل أنني أتردد لأني لا أعرف الركوب، فتحرك وجعل ~~يبين لي الطريقة المثلى لمن أراد أن يعلو ظهر الخيل، وعلمني كيف أضع رجلي اليسرى في ~~الركاب، وكيف أتحامل عليه وأثب على ظهر الفرس، ثم مد يده لكي يساعدني حتى علوته من ~~ورائه. وخشيت أن يرانا أحد على هذه الحال فيسخر منا، فتلفت حولي فلم أجد أحدا، فسكنت ~~وراءه وأمسكت بردائه، ووجدت بعد قليل راحة في الركوب بعد السير الذي هد قواي في اليوم ~~السابق. # واتصل الحديث بيننا، وكنت أجد بعض المشقة في فهم أقواله؛ فقد كانت لكنته الأعجمية تخفي ~~ألفاظه، ويزيدها فسادا أنه كان أهتم لا يحسن النطق بالحروف. ولكني مع هذا كنت أفهم مجمل ~~قوله تخمينا، ولم تكن الحاجة تدعو إلى فهم كل كلامه؛ فكان إذا أراد مخاطبتي لفت رأسه نحوي ~~فأرى صفحة وجهه كأنها صورة رسمها طفل في ورقة يعبث فيها، وإذا أردت أنا مخاطبته أخرجت رأسي ~~من ورائه حتى يراني. ولست أدري كيف يرى صفحة وجهي، ولكنه كان بين حين وآخر يضحك إذا وقعت ~~عينه على عيني حتى يبدي أسنانه السوداء المنثورة في فمه. فكنت أرد عليه بضحكة مثلها تخرج من ~~ثنايا قلبي. وكان أكثر ما قاله لي لا يزيد على وصف مغامراته في الحروب مع تيمور، ويمكن ~~الإنسان في سهولة أن يلخص ذلك كله في بضع كلمات: إنه شارك في سفك دماء الكثيرين من بني ~~آدم. # وكنت أحيانا أضيق بحديثه، وأهم بأن أقذف نفسي من ورائه لولا أن الجواد كان يسير. فكنت ~~أحاول أن أصرف حديثه إلى معنى لا يثير في خيالي مناظر الدماء، واستطعت بعد لأي أن أستدرجه ~~إلى التحدث عن نفسه وعن أولاده، فوجدت ذلك الحديث أكثر إيناسا لأنه دلني على أن الرجل ~~كان آخر الأمر إنسانا يعرف معنى المحبة. # وأخيرا دخلنا ريف جانبولاد ، وكان منظره ms059 بهيجا. كان الهواء يهب على البساط الأخضر فيتموج ~~سطحه كما يتموج أمام هبات النسيم. وكان الزهر يتخلل الخضرة بين أحمر وأبيض وأصفر، ومن فوقه ~~ترفرف الفراشات متنقلة متقلبة تتواثب كأنها تلاعب الزهرات فوق أعوادها وتضحك منها إذ هي لا ~~تستطيع أن تثب وراءها. فملأني المنظر مرحا واهتزت نفسي بعواطف نقلتني إلى عالم من ~~الأحلام، فنسيت الفارس وحديثه، وانطويت على نفسي أتأمل ما طبع فيها من الصور البديعة، وتصورت ~~علية ابنة علاء الدين وقلت في نفسي: «أين أنت الآن يا ملاك السماء؟ وأين انتهى بك المطاف ~~الذي شردك إليه تيمور؟» فما صحوت من تأملي إلا على وكزة في صدري، فإذا بصاحبي يدفعني ~~بمفصل مرفقه دفعا مؤلما. فقلت له وأنا أكظم غيظي: «ماذا تريد مني؟» # فقال لي في حنق: «ألا تسمع؟ أقول لك انزل. انزل وأحضر اثنتين من هذه.» # فلم أفهم وقلت له مستفهما: «اثنتين من أي شيء؟» # فأدار وجهه نحوي وقال: «نعم. اثنتين من هذه ...» وأشار برأسه إلى ~~حقل مزروع بالكرنب. ما كان أعجب صاحبي هذا في تقلب نزواته! # وكان الحقل يانع الخضرة يغطيه كرنب كبير تفتحت أوراقه الخضراء عن قلب أبيض صاف، فقلت ~~مترددا: «بكم؟» # فوكزني مرة أخرى وقال: «انزل. هات اثنتين. ألا تفهم؟» # فلم أجد مهربا من وكزه إلا بأن أتحرك وأهم بالنزول، وكان لا يزال واضعا قدميه في ~~الركاب يهزهما والجواد سائر به قدما. فصحت به: «قف الفرس.» # فشد اللجام ورفع قدمه اليسرى من الركاب، ثم ساعدني على النزول. ولست أدري ماذا فعلت؛ ~~فقد وقعت عن ظهر الجواد وتشبثت بالفارس حتى كدت أوقعه معي، لولا أنه دفعني فوقعت على ~~الأرض وحدي، وقمت أنفض التراب عن ثيابي، ثم اعتدلت وفي وجهي شيء من التحدي، فصاح بي ~~غاضبا: «أسرع ثم الحق بي.» وهمز الجواد وسار في طريقه، فلم أجد بدا من الطاعة، ~~وتلفت حولي فلم أجد أحدا، فملت إلى طرف الحقل ونزعت منه كرنبة قريبة، وما كدت أفعل حتى ~~سمعت صوتا يصيح بي: «ماذا تفعل؟» # ثم خرج رجل من عريش ms060 في أقصى الحقل وجاء يجري نحوي. فنظرت نحو الفارس فوجدته بعد عني ولا ~~يزال يهز رجليه فوق الفرس، فوضعت الكرنبة على الأرض وأسرعت لألحق به. ولكن صاحب الحقل لم ~~يدعني، وجرى ورائي وهو يصيح ويهدد ويشتم، حتى أدركني وأخذ بتلابيبي. وسمع الفارس الصوت ~~فالتفت ووقف الفرس، ثم لوى عنانه وأقبل نحونا مسرعا. وكان الرجل يدفعني في صدري ~~ويكيل لي السباب كيلا، ثم رفع هراوة في يده وكاد يهوي بها على رأسي، لولا أن الفارس همز ~~جواده وأدركني. فلما رآه الرجل أرخى يده وأنزل هراوته وأطلقني من قبضته، وقال في خوف وهو ~~ينظر نحوه: «هل هذا معك؟» # ثم قال للفارس في خشوع: «هل هو معك يا جندي؟» فأقبل عليه صاحبي وأخذ يقتص منه بما ~~شتمني به، ورفع يده بالسوط. فصاح الرجل: «لم أعرف أنه معك.» ثم جرى نحو الحقل فرفع ~~الكرنبة التي قطعتها وقلع معها ثلاثا أخرى وجاء يحمل كل اثنتين في يد من يديه الغليظتين، ~~حتى قدمها إلي؛ أربع كرنبات عظيمة منفوشة. # فقلت له حانقا: «ومن سألك أيها الأحمق أن تأتي بكل هذه؟» فانفجر الرجل كأنه أراد أن ~~يفرغ كل غيظه في وقال صائحا: «خذ فاحمل. خذ أيها الكسول.» ثم جعل يدفع إلي واحدة ~~بعد أخرى، وهو كلما أعطاني إحداها شتم شتمة جديدة ودفعني في يدي إذ يناولني. فلما فرغ منها ~~انصرف عنا وهو يغمغم. وجعلت أحتال على طريقة أستطيع بها أن أحمل حملي، وقضيت في ذلك ~~حينا أضعه في أشكال وأوضاع وهو ينفرط ويتساقط، حتى استطعت أخيرا أن أجمع كل كرنبتين على ~~كتف وأمسك رأسيهما بيدي من أمام، ونظرت إلى الفارس منتصرا. فارتاح لما رأى وقال لي: ~~«عفارم!» ثم ابتسم وهمز جواده وسار وسرت خلفه ولم يبق ثمة أمل في ركوبي. # لم نلبث أن أوغلنا في ريف جانبولاد، وكثر الناس على الطريق وفي الحقول، وكانوا كلما مر ~~بي أحدهم نظر إلي نظرة طويلة يتأملني وأنا سائر وحملي يهتز فوق كتفي مع حركة جسمي، ثم ~~يرفع كم ثوبه إلى وجهه ms061 ليخفي تحته ضحكته. فكنت كلما مررت بواحد منهم نظرت إليه، حتى إذا ~~رأيته يرفع كمه بادرت كذلك بضحكة، فترتفع على أثر ذلك قهقهة صريحة مرحة كانت ترن في أذني ~~أحلى رنين. أيها الأشقياء من بني الإنسان، التمسوا الضحك كلما أحسستم بالرغبة في البكاء، ~~التمسوا الضحك كلما شعرتم بدبيب اليأس بين ضلوعكم؛ فإن اليأس لا يلبث أن يذوب تحت نوره ~~الساطع. # هذا أمر مجرب عرفته من طول ما قاسيت في الحياة. # واقتربنا بعد حين من قرية، وكانت الشمس قد علت في كبد السماء واشتد الحر، فتحرك الفارس ~~في سرجه ونزل إلى ظل شجرة في جانب ساقية على مقربة من القرية، واخترت لنفسي مكانا ~~معتزلا، وجلست أنظر إلى الحقوق وإلى الناس ممن يذهبون إلى القرية أو يخرجون منها. # ثم تنبهت على صوت صاحبي يناديني: «هو. ألا تسمع؟» وكان إلى ذلك الوقت لم يسألني عن ~~اسمي. فعذرته في جفاء ندائه لي، ونظرت إليه مستفهما. فأشار إلي بيده أن أذهب إليه، ثم ~~قال: «ألم تجع بعد؟» وكنت بغير شك جائعا، فهززت رأسي أن نعم، وحسبت أنه كان يخفي طعاما ~~في موضع لم أره، فقال لي: «إذن ماذا نفعل؟» ففاجأني سؤاله ولم أحر جوابا. أيسألني أنا ~~عما نفعل؟ وهل سرت وراءه من ماهوش لأدبر له طعامه؟ ونظرت إليه والعجب مرتسم على وجهي، ~~فأعاد قوله: «ألا تسمع؟ ماذا نفعل؟» فقلت له: «إذا لم نجد أكلا فلا يمكن الأكل.» فلم ~~يعجبه ردي وقبض وجهه وأطرق قليلا، ثم رفع رأسه باسما وغمز بعينه مشيرا نحو القرية. ~~فثارت في نفسي شكوك كثيرة، وهززت رأسي مستفهما. فضحك وقال: «اذهب إلى هناك، فالتمس لنا ~~طعاما.» وكأن حجرا قد أصاب رأسي عند ذلك، فتراجعت أترنح وصحت: «ماذا؟» فأعاد علي ~~قوله وإيماءته وبسمته، فزادت حيرتي. إن أهل القرية كثيرون يبلغون المئات أو الألوف، وقد ~~عجزت عن صاحب حقل الكرنب وحده، فما بالي بهؤلاء جميعا؟ واستقر رأيي على الإباء. ولم يكن ~~الجوع شاقا علي؛ فقد تعودت صوم رمضان، فلن أعجز عن صيام يوم واحد. ms062 ولكن الفارس صاح بي: ~~«ماذا يؤخرك عن السير؟» فتجرأت وقلت: «إنني لا أملك نقودا.» فنظر إلي نظرة فيها ~~ازدراء، ولكنه سكن لحظة يفكر، ثم لمعت عيناه وقال متحمسا: «عفارم! خذ هذه فبعها ~~واشتر بثمنها.» وأشار إلى الكرنب. فسمرت في موضعي ولم أتحرك؛ إذ كانت هذه أخت الأخرى، ولا ~~خيار بين البيض الفاسد. فلما رأى الرجل أنني لا أتحرك قام وهزني من كتفي هزة عنيفة وصاح ~~بي: «هو، لا تضيع الوقت.» فلم أجد بدا من الطاعة، وحملت الكرنب وسرت به نحو القرية. ~~فلما دخلتها وجدت جدرانا من الطين قد رصت رصا ليس فيها سوى فتحات صغيرة أذكرتني ~~بيوت الدجاج. ورأيت الدواب تخرج منها فحسبتها حظائر الماشية جعلت في طرف من ~~القرية. ولكني كلما سرت لم أر إلا جدرانا متشابهة، ورأيت الناس يدخلون ويخرجون منها ~~بثيابهم المتربة وعيونهم الرمصاء. مساكين هؤلاء، هل يكون بينهم من يشتري الكرنب؟ وسرت حتى ~~بلغت آخر القرية، فوجدت براحا من الأرض فيه أطفال يلعبون بكرة يتقاذفون بها. وكنت أحب ~~الأطفال منذ خلقني الله، ولا أرى منهم أحدا حتى أذكر ولدي عجيبا وجميلة. ما كان أشوقني ~~إليهما، وما كان أشد حنيني إلى رؤيتهما! لقد تركتهما منذ يومين طويلين كأنهما دهر من ~~الدهور، وكنت لا أدري كيف أمسيا ولا كيف أصبحا، ولا أعلم هل أصابا عشاء أم فاتهما العشاء ~~والإفطار. الله لهما من حبيبين، فهو أشفق عليهما مني وأبر بهما. وتقدمت نحو الأطفال ~~وأنا أمسح دمعتي، ووقفت أنظر إليهم وشفتاي تختلجان وقلبي يخفق. # كم كان في هؤلاء من أمثال ولدي؟ وهل كان فيهم من تركه أبوه وهاجر من القرية كما هاجرت؟ ~~مساكين هؤلاء الأبرياء، كانوا يلعبون في أسمالهم البالية، ويفركون أعينهم الرمصاء بأيديهم ~~الملوثة. وتأملت وجوههم الشاحبة. لقد كانت جميلة لو امتلأت لحما ودما. ونظرت إلى أقدامهم ~~السوداء، لم تكن سوداء وإنما هو الطين الكثيف الذي كان يغطيها بلونه الكالح القاتم. ~~مساكين هم، ما كان أظرفهم في تواثبهم وتضاحكهم وتعابثهم! وتحركت نفسي إليهم فلم أملك أن ~~اندفعت نحوهم لكي ms063 أشاطرهم ما هم فيه، وأعلمهم كيف يسددون الرمية؛ فقد كنت في صباي عميدا ~~للصبيان في لعبهم. وما كدت أقترب منهم حتى سددت إلي الكرة من يد أحدهم، فوقعت في صدري ~~وصدمتني صدمة كدت أصرخ من ألمها. لم تكن كرة، علم الله، بل قطعة من الطين اليابس القاسي. ~~فوقفت ووضعت الكرنب على الأرض لأمسح ما علق بثيابي من الوسخ، وما كاد الشياطين يبصرونني ~~أفعل هذا حتى علا ضحكهم وأقبلوا علي يصفقون ويستعدون لكي يتخذوني هدفا لقذائفهم. ~~فخشيت على نفسي وحملت الكرنب مسرعا ورجعت من حيث جئت وأنا أسمع تناديهم وتضاحكهم وتحريض ~~بعضهم بعضا على أن يسرعوا لتسديد قذيفة جديدة ليدركوا مني متعة أخيرة قبل منصرفي. وكان ~~قلبي مع ذلك لا يزال يخفق حنينا إليهم عندما بلغت أقصى الميدان وبعدت عن مدى ~~رمايتهم. # عدت بعد ذلك إلى نفسي وذكرت الكرنب والفارس، وجعلت أفكر في طريقة أحمل بها من يستطيع ~~الشراء من أهل القرية على شراء سلعتي، فتذكرت الباعة في وطني ماهوش وهم ينادون على سلعهم ~~بالأسجاع والنغمات المطربة، ويصفونها وصفا شعريا يحببها إلى الشارين. فجعلت أنادي على ~~الكرنب وأتغنى به وأستعير له كثيرا من صفات الزهر والعطور والحرير. ولست أدري ما الذي ~~حمل أهل القرية على أن يجتمعوا حولي ويضحكوا كلما سمعوا ندائي، كأنني كنت أناديهم ~~لأضاحكهم. ومضى وقت طويل وأنا أسير والناس يسيرون من ورائي نساء وصبية وشبانا، ولم ~~يتقدم أحدهم للشراء حتى يئست وعزمت على الرجوع خائبا. ولكني فكرت في ثورة صاحبي إذا عدت ~~إليه بغير طعام، فنظرت إلى الجمع الذي كان حولي وسكت عن الغناء، وقلت لهم بكلام ساذج: ~~«ألا يريد أحد في هذه القرية أن يشتري كرنبة مني؟» فضحكوا جميعا، واقتربت مني عجوز فقالت ~~ضاحكة: «فعل الله لك، هل تريد بيعا؟ لقد كنا نحسب أنك تغني إعجابا بخضرك.» فأجبتها ~~منكسرا: «أسأل الله لك الستر يا أماه، لم يكن بي إعجاب، بل لقد ضقت بها وثقلت على كاهلي، ~~وإنما غنيت ليشتري الناس مني على عادة قومي في ماهوش.» فضحكت ms064 وضحك سائر من حولي وتصايحوا ~~فيما بينهم: «غريب غريب.» وتواثبوا إلي من كل ناحية يقلبون ملابسي ويجسونها ويمسحون ~~أيديهم عليهم، وجعلوا يمطرونني بالأسئلة عن وطني، ومتى جئت وإلى أين أذهب. ولم أستطع أن أجيب ~~عن شيء من ذلك كله، بل شعرت بضيق شديد وصحت بهم في شيء من الضجر: «هذه كرنبات فاشتروها ~~مني بدريهمات أشتري بها طعاما.» وكأنهم سمعوا مني مزاحا، فصاحوا ضاحكين وقالت إحدى ~~البنات: «غن لنا مرة أخرى يا عم.» فغضبت ونظرت إليها في ألم وكدت أصيح صيحة أخرى ~~مؤنبا، ولكني سمعت من ورائي صوتا ينادي: «عفارم!» فعرفت الصوت ونظرت إلى ورائي في فزع ~~وأردت أن أشكو إلى الفارس ما لقيت، ولكني رأيت وجهه يتحرك بالغضب، ورأيت شاربه يهتز كشارب ~~القط إذا كشر، ولم أدر إلا وقد اقترب مني وأخذ الكرنب فألقاه على الأرض في عنف، فتحطم ~~وتطايرت أجزاؤه وتناثرت أوراقه الرطبة البيضاء، ثم صاح في وحشية: «ما هذا؟» # وما كاد الجمع يراه حتى انفض من حولي، فجرى النساء والصبية وهم يصرخون، وانصرف الرجال ~~يتلفتون إلى وراء. فقلت له وقد غضبت: «ماذا؟» فصاح بي صيحة لم أفهم معناها، ثم مضى إلى ~~أقرب منزل فطرقه وخرجت إليه امرأة فأمرها أن تحضر له طعاما، فأسرعت داخلة إلى الدار ولم ~~تبطئ حتى جاءت إليه بما عندها من خبز وجبن وبيض. وما كان أشد عجبي عندما رأيت المنازل ~~المجاورة كلها قد فتحت، وأقبل الناس منها يسعون زرافات ووحدانا، وكل منهم يحمل شيئا ~~في يديه أو في صفحة أو قرطاس، وأخذت أجمع ما يأتون به حتى لم أدر كيف أحمله. وسار الفارس في ~~كبرياء إلى خارج القرية عائدا إلى ظل الشجرة، وسرت وراءه أحمل ما استطعت حمله في يدي، ~~وسار الناس من ورائنا في موكب يحملون ما جاءوا به حتى بلغنا مجلسنا، فألقوا ما معهم وهم ~~يتأدبون ويظهرون المودة، ثم ساروا سراعا كأنهم يلتمسون النجاة. ووالله لو كنت وحدي ~~لقضيت النهار كله في سير، ولعدت آخر النهار بمعدة خاوية. # أكلنا هنيئا ، ثم جلسنا ms065 نتسامر، وقد عادت أخلاق صاحبي إلى الموادعة، ولم أتمالك أن ~~سألته: «أيعرفك أهل هذه القرية؟ إنهم قد أكرموك حقا.» فقال وهو يضحك: «إنهم لا يعرفون إلا ~~هذه الريشة.» ثم طأطأ رأسه وهز ريشته الزرقاء، وقال وهو يبتسم ابتسامة هادئة: «إذا أردت ~~أن تعيش فاعرف كيف تعيش. خذ ما تستطيع قسرا. اعرف كيف تأمر ثم تملأ جيبك. املأ جيبك ما ~~استطعت، ثم سر رافعا رأسك. خذ ضريبتك أنى وجدت إليها سبيلا.» # نعم هكذا الدنيا، وقد كانت هدايا المساكين منذ القدم ضريبة. # وبعد أن قضينا في الراحة ساعة قمنا إلى السير، وأبيت أن أركب عندما سألني الفارس أن ~~أفعل، بل شكرته وسرت على قدمي أتأمل ما قاله لي، وقلبت نظري في الريف وما فيه من جمال ~~الطبيعة، وتمنيت لو كان أهل القرية بعض حيوان الحقل. لقد كانت قطعان الماشية ترعى في ~~المرج الأخضر سمينة بيضاء ناصعة أو صفراء فاقعة، تسر النظر بما عليها من كسوة نظيفة حباها ~~بها الله جل وعلا. # ومر وقت طويل وأنا سائر أفكر فيما يقع عليه بصري، حتى سمعت صوت صاحبي يناديني، فنظرت ~~إليه فرأيته يشير بأصبعه إلى الأفق. وكان النهار قد انقضى إلا أقله، وأقبل الليل وأخذ النور ~~يتضاءل، ولاحت على الأفق مدينة كأنها صورة رسمها صانع ماهر فوق طومار كاغد. وبعد قليل لمعت ~~الأنوار تبص خافتة من بعيد منثورة على الأفق في غير نظام. وخفق قلبي عندما سمعت الفارس يصيح ~~وهو يشير إلى المدينة «جانبولاد». # | الفصل الثالث عشر # لم تدع لي الأيام الأولى من مقامي في جانبولاد فراغا للتفكير ولا للترفيه عن نفسي؛ فقد ~~كنت في شغل شاغل من أمر حياتي الجديدة، وما ينبغي لي فيها من وسائل العيش. فاتخذت لي ~~مسكنا في جوار صاحبي الفارس غرفة وفناء واسعا تسطع فيه الشمس من شروقها إلى غروبها. ~~وأعددت فيه القليل من الأثاث، ولم أنس أن أبعث مع بعض التجار خبرا يطمئن أهلي في ماهوش، ~~وأرسلت إليهم شيئا من الرزق الذي أصبته. # ولما استشعرت الاطمئنان إلى حياتي الجديدة، ms066 أخذت أدير عيني فيما حولي وأتحسس أحوال البلد ~~الذي حللت فيه. # وجانبولاد مدينة عظيمة تجتمع فيها خيرات ريف خصب، وكانت من قبل تراثا لعلاء الدين ~~سلطان ماهوش، ثم نزعها منه تيمور فيما نزعه من أرض السلاطين. # مسكين علاء الدين، إنني لا أذكره إلا ذكرت الدين والمكرمات جميعا. ولكن أبر السلاطين ليس ~~في هذه العصور أقواهم وأعظمهم؛ لأن تيمور لم يدع عظمة لغير سفاح الدماء. وعلية ابنة علاء ~~الدين، إن قلبي لم يخل يوما من صورتها، وما زالت تؤنس أحلامي في حلي وترحالي. # أيها القلب اتئد، فما من حيلة لك إلا أن تقنع بأطياف الأحلام، وما علية مما أنت فيه؟ ما ~~هي إلا صورة، فلتقنع بصورتها ولتجعلها نجية وحي العلا. # قضيت الأيام في هذه المدينة أتعلم كل يوم معنى جديدا. ومن غريب أمر الإنسان أن يرى في ~~البلد الأجنبي ما لا يراه في البلد الذي ولد وعاش فيه؛ فكل ما يحيط بالإنسان في بلده ~~مألوف معروف، مع أنه قد يكون للأجنبي عجبا من العجب. # ولست أقصد هنا أن أصف أهل جانبولاد لأبدي فيهم رأيا؛ فمن ذا الذي نصب بعض الناس ليحكموا ~~على البعض؟ لا، بل إني أحس في نفسي أشد الحاجة إلى عطف الآخرين علي وتغاضيهم عن عيوبي، ~~فلست بمن يتلمس العيوب أو يعد السقطات. علمتني الحياة أن آخذ الناس كما أراهم، فهكذا ~~خلقهم الله، وهكذا أراد لهم أن يعيشوا. إنهم من طين الأرض لا يستطيعون أن يكونوا من ملائكة ~~السماء، وما أحرانا إذا رأينا العيوب أن يزيد عطفنا على أصحابها ورثاؤنا لهم؛ لأننا من ~~البشر نحس ثقل الطين في طبعنا. وأكرم ما يستطيعه إنسان أن يملأ قلبه بالعطف على المخطئ ~~والآثم؛ لأن هؤلاء أحوج إخوانه في البشرية إلى عطفه. # ومع هذا كله فالحسن والقبح أمران يتوقفان على تقدير كل فرد، وقد يكون الشيء حسنا في ~~عين إنسان، فإذا به نهاية القبح في عين إنسان آخر. # ولقد كدت أعدل عن أن أقص حرفا واحدا في وصف جانبولاد، لولا أنني أردت أن ms067 أتحدث ببعض ~~ذكريات حياتي فيها، وأتأمل مناظر الماضي، كما يتأمل مناظر السهل من صعد في الجبل إلى قمته، ~~فإذا لم يجد في تأمله درسا يستفيده لم يخل من متعة الذكرى. # كان صاحبي الفارس أول من عاشرت من أهل المدينة، وقد وجدت على طول الزمن أنه في دخيلة نفسه ~~إنسان. عرفت فيه أمورا كثيرة دلتني على أنه من أرق الناس نفسا ومن ألينهم شكيمة، ~~واسمه «طوطاط»، ويعرف بين العامة باسم «وطواط»؛ فإن لأهل «جانبولاد» عادة في تسمية حكامهم ~~أسماء يخترعونها، أو يحرفونها عن أسمائهم، أو يفيضون عليها بعض أفاويه من فكاهتهم. وأهل ~~جانبولاد من أحلى الناس فكاهة، وهذا مما حببهم إلي؛ فالفكاهة أولى علامات الإنسانية. وهم ~~يجدون في فكاهتهم ترفيها كثيرا مما يعانون من مشقات الحياة. وخواص جانبولاد لا يخشون من ~~عامتها شيئا هو أشد عليهم من هذه الفكاهة الحلوة اللاذعة. # وكان صاحبي الفارس لا يملك في بيته أمرا ولا نهيا؛ لأن له في بيته امرأة تسيره وهو بذلك ~~سعيد، لا يرد لها أمرا، ولا يفكر معها في شيء، بل يترك لها قياده حتى يفرغ لما هو أجدر ~~بعنايته شأنا. فهو إن كان في طرق جانبولاد أسدا لم يزد في داره على أن يكون حملا ~~وديعا. # وكان في «طوطاط» إخلاص ومودة، حتى كدت أعده صديقا، بل لقد كان له علي فضل فيما بعد ~~لن أنساه له أبد الدهر. ولكنه رجل صاحب نزوات تثور به بين حين وحين، فإذا ثارت فلا يدري ~~المرء إلام تنتهي به. وقد اعترته نزوة من هذه مرة ونحن معا في داره، وكان قد شرب بعض ~~النبيذ وطرب ثم عربد، فعزم علي أن أشرب معه. وشكرته معتذرا فألح علي، ثم بالغ حتى ~~حلف بالطلاق لأشربن معه، وكان ذلك على مسمع من زوجه. فوقعت في حيرة لم أدر معها ما يجب ~~علي أن أفعل، فهل أعصي الله وأقارف إثم الخمر، أم أطيع الله وأفرق بينه وبين ~~امرأته؟ # ولم يكن التفريق بينهما هو الذي يزعجني؛ لأن أكبر ظني أنه كان ms068 خيرا له لو تزوج أخرى تكون ~~ألين منها جانبا وأرفق في التعتعة. وإنما الذي حرت فيه هو التماس طريق الخلاص من بيته إذا ~~أنا لم أنزل على حكمه وأبر له يمينه؛ فإن الزوجة ما كانت تتركني أخرج من دارها سليما. ~~فاضطررت بعد التأمل إلى أن آخذ الكأس من يده، وحسبت أن هذا يخرجني من الحرج، ولكنه أبى ~~وأصر على أن أنادمه سائر الليلة، ولم يجدني معه اعتذار بأمر من أمور الدين أو الصحة؛ فكنت ~~كلما أبديت له عذرا قطع علي السبيل بيمين جديدة. وجعل يعجب مني إذ أريد أن أعيش في ~~جانبولاد بغير أن أتمتع بمباهج الحياة، وحلف لي أغلظ الأيمان أنني أكون ضحكة بين الناس إذا ~~أنا لم أسايرهم في حياتهم. فأخذت الكأس ورفعتها إلى فمي ومصصت منها مصة أظن الله يغفرها لي؛ ~~فقد قصدت بها أن أبر له يمينه، ثم قمت مسرعا فذهبت إلى الخلاء وادعيت أن بردا ~~أصابني، حتى إذا ما صرت خارج القاعة قذفت بنصف ما في الكأس ثم عدت لأنادمه. وكلما رأيته ~~ينظر إلي رفعت الكأس نحو فمي وقمت مرة أخرى إلى الخلاء. # ولم يطل بي الخوف منه بعد قليل؛ فقد شغله عني طربه عندما دب الشراب في دمه، وكأني به ~~قد تمنى لو أمسكت عن مشاركته بعد ثلاث كئوس، حتى لا أنقص ما بقي له في الدن؛ ولهذا رأيته ~~لا يصر على إعطائي كأسا رابعة عندما أظهرت له قليلا من الامتناع. # وكان في تلك الليلة مدهشا. كانت أقل لفظة أفوه بها تبعثه على أن يتمرغ على الأرض من ~~شدة الضحك. وصرت عنده من تلك الليلة من أحب الناس وأكرمهم. فصار لا يطيق البعد عني، وكلما ~~رآني مقبلا استعد للضحك، فلا أكاد أنطق بحرف حتى ينفجر مقهقها كما يعطس الإنسان إذا ~~قربت من أنفه النشوق. # ولم يكفه هذا، بل أذاع عني بين أصحابه جميعا أنني نديم حلو الفكاهة شهي الأحاديث، وأضاف ~~إلى ذلك قوله إنني إذا شربت ثلاثا كنت أبرع الناس في المنادمة . سامحه الله، ms069 لقد كلفتني ~~قالته هذه مشقة كبيرة فيما بعد. # ومن أعجب العجب أن كل من سمع منه هذا لم ينتظر حتى يحكم لنفسه، بل اعتقد صدقه بادئ ذي ~~بدء، فصرت بعد ذلك لا أنطق بحرف في مكان حتى تتجاوب أصداء الضحك من كل أركانه. فلما رأيت ~~هذا تعمدت أن أنطق بالكلام الذي لا يحتمل الفكاهة، بل لقد تعمدت أن أنطق بالفاتر البائخ ~~من القول، ومع ذلك فما كنت أرى الضحك يزداد إلا علوا. هكذا الناس، قلما تجد فيهم من ينظر ~~بعينيه بل يسيرون على هدي آذانهم. # ومهما يكن من الأمر فقد رضت نفسي على تحمل نزوات صاحبي؛ لأن حسناته تغلب السيئات، وهذا ~~حسبه من الإحسان. وكنت أجد متعة في مصاحبته، فجلنا معا في طرق جانبولاد، وزرنا حدائقها ~~ومساجدها، وأسواقها المزدحمة وأحياءها الفقيرة وأحياءها العامرة بالقصور المنيفة، فوجدتها ~~مثل سائر بلاد الأرض، يسكنها الناس مجتمعين لكي يمكر كل جار بجاره. هذه حقيقة أبدية ليس ~~فيها جديد في جانبولاد. وكنت إذا سرت في صحبة «طوطاط» أسلم من العدوان؛ لأن الناس كانوا ~~إذا رأوه فسحوا له الطريق، حتى في أشد الأسواق زحمة، مع أني كنت إذا سرت وحدي لا أنجو من ~~الدفع والخبط، وكثيرا ما أصابتني ضربات من العصي إذا مررت بقوم يتعاركون. وقد كنت ذات مرة ~~أسير وحدي في طريق خالية، فسمعت قوما يتخاصمون ويتقاتلون، فاستغاث بي أحدهم، فذهبت لكي ~~أعين على السلام والوئام، وشغلت بسماع حجج الخصمين ووزنها، وتأمل مواضع الحق فيها، فلما ~~فرقت بين المتخاصمين بالحق، وسرت عنهم راضيا تلمست ردائي فلم أجده. فنظرت ورائي وحولي ~~فلم أجد منه شيئا، كأن الأرض قد ابتلعته. ورجعت إلى مكان المعركة فلم أجد أحدا هناك سوى ~~شيخ يدب على عصاه، فلما رآني أبحث سألني عن الخصام فيم كان. فقلت له إن القوم كانوا ~~يتخاصمون على ردائي فأخذوه، فنظر إلي الرجل في عطف ثم مد يده إلي وسألني «حسنة». ~~فأعطيته ما كان معي وهو قليل، فنظر إلى ما أعطيته فاحصا، ثم انصرف عني وهو يغمغم ms070 ~~شاتما. هذا يحدث لي إذا سرت وحدي، ولكني كنت إذا سرت في صحبة طوطاط رأيت على وجوه الناس ~~إجلالا وأدبا، وقد سألته في ذلك مرة فضحك وقال: «من أراد صلاح قوم أخافهم.» # وفي هذا حق كثير بغير شك؛ فقد خلق الله في الإنسان غرائز كثيرة، والخوف من أعجبها ~~أسرارا؛ فهو يتشكل في شتى المظاهر كما يتصور الجني في صور الإنسان والحيوان. فالخوف يتخذ ~~حينا شكل الحب، وقد يتخذ شكل الإجلال أو الولاء أو الأدب، وهو يحمل كل هذه الأسماء مع أنه ~~ليس في الحقيقة سوى الخوف. ولكن هذا الخوف لا يطغى على الطباع إلا إذا انعدم الحب الصحيح، ~~والخير كله لا يكون إلا في الحب، ولا تكون الكرامة ولا الصلاح ولا الإنسانية إلا في ~~المحبة. # وقد أطلعني صاحبي «طوطاط» على حقيقة فذة في جانبولاد لم أشهد مثلها في بلد من البلاد ~~التي رأيتها؛ ذلك أني رأيت بعض بيوتها تحمل فوقها أعلاما مختلفة الأعداد، فبعضها يحمل ~~عشرة، والبعض يحمل عشرين أو أكثر، والبعض لا يخفق فوقه إلا علم أو علمان. وكانت البيوت التي ~~لا تعلوها أعلام بيوتا ضئيلة حقيرة المنظر. فوقع في نفسي من ذلك شيء من العجب؛ فعهدي ~~بالأعلام أن تكون زينة يقيمها الناس إذا أرادوا احتفالا بمرور السلاطين في المدينة. وسألت ~~صاحبي عن سرها، فقال في دهشة: «ألم تر هذا من قبل؟» فقلت له: «لعلي رأيته، ولكني لم أتنبه ~~إليه.» # فكشف لي عن ذلك السر الخطير الذي تمتاز به جانبولاد، فقال: نحن هنا لا نتساهل في أمر من ~~الأمور، كل شيء هنا مقرر على نظام مرسوم، هكذا يحكم تيمور دائما. # فانتقل بي خاطري فجأة إلى الغابة التي رأيتها في طريقي، وتذكرت صرخة الفريسة ~~المسكينة. # وقلت لصاحبي في حماسة: لا شك في أن النظام أساس العمران. فقال وهو يرفع صدره ويميل برأسه ~~في كبرياء: هنا طائفتان تحكمان جانبولاد: الأولى نحن. # ثم أشار إلى نفسه إشارة زهو. # فقلت في هدوء: طبعا. # فقال: ولكل أمير منا علامة تميزه؛ فمنا صاحب الريشة، ومنا ms071 صاحب الريشتين، ~~ومنا صاحب الثلاث. # ثم توقف ليرى أثر كلامه على وجهي. # فقلت وأنا أنظر إلى ريشته: نعم صاحب الثلاث. # فقال مبادرا: ستكون لي بعد قليل ريشة أخرى. لا شك أن تيمور يزيدني ريشة إذا عاد من حربه ~~مع بايزيد. وسيعود بعد قليل. ألم تسمع منذ أيام أنه أسره ووضعه في قفص من حديد؟ # فخرجت مني صيحة: قفص من الحديد؟ # فقال باسما: نعم. وسيأتي به إلى هنا لنراه في قفصه، ثم يذهب به بعد ذلك إلى سمرقند لكي ~~يجعله في طليعة موكبه العظيم. # ثم نفخ صدره وعبس. # فقلت بغير وعي: بايزيد في الموكب؟ # فصاح بي غاضبا: نعم، إنها آية لمجد تيمور. # فلم أشأ أن أجادله في هذا الأمر، فقلت: نعم. # فقال وكأنه نسي ما كان يحدثني فيه: سينظر الناس إلى عاقبة من يقاوم تيمور. هو الأسد ~~الذي لا يقاوم، والنسر الذي لا يسامى. وليس لأعدائه إلا القهر والفناء. # فهززت رأسي وفي حلقي غصة ولم أملك جوابا، وضاق صدري بأنفاسي، وعادت إلي صورة ~~الغابة. # فقال صاحبي مستمرا: فإذا عاد تيمور إلى هنا رأينا عدوه في القفص، وشفينا النفوس من ~~كبريائه المحطمة. # فقلت له: إنك تكرهه. هل رأيته؟ # فرفع حاجبيه وقال: ولم أراه؟ # فأردت أن أبعد به عن هذا الحديث، فقلت له: وإذا عاد تيمور وضع لك هنا ريشة أخرى؟ # وأشرت إلى قلنسوته. فتذكر ما كان فيه من الحديث وقال: نعم. ريشة أخرى هنا. # فقلت مشجعا: وثالثة ورابعة. # فضحك حتى تراجع إلى الوراء وقال: «إنما هي ثلاث ريشات ليس بعدها إلا الأذناب.» فصحت ~~ضاحكا: الأذناب؟ # فقال ضاحكا كذلك: نعم ذنب واحد أو اثنان أو ثلاثة. هؤلاء هم أعلى الفرسان، ليس فوقهم سوى ~~تيمور. # فقلت بغير تفكير: إذن فالأذناب في القمة. # فقال موافقا: ثلاثة أذناب ليس بعدها إلا تيمور. # فقلت: وماذا يحمل تيمور العظيم؟ حدوة فرس؟ سيف؟ سن فيل؟ # فقال ضاحكا من جهلي: لا، بل هي عمامة كبيرة. # ثم نظر إلى عمامتي وقال: أكبر من هذه. # فشعرت بشيء من الكبرياء وضحكت قائلا: ثوب ms072 آخر يجعلها كعمامة تيمور. # فضحك صاحبي كعادته إذا سمع كلماتي، وضرب بيده على كتفي وكأنه نسي كل الحديث الذي كان ~~بيننا، فقال: سيكون موكبه عظيما بغير شك، وسيعطيني بعد ذلك ريشة أخرى. # فخشيت أن يعود إلى وصف سيده العظيم، فقلت له مذكرا: هؤلاء هم أصحاب الريش والأذناب، ~~هؤلاء هم الطائفة الأولى. # فقال وقد تذكر: نعم، وأما الطائفة الثانية فهم أصحاب القدور. # فصحت ضاحكا: قدور فوق الرءوس؟ مساكين! # فعاد إلى الضحك وقال: لا، لا، بل هي قدور ملأى بالذهب الأصفر الصافي. كلما جمع أحدهم قدرا ~~ختمها ووضع على داره علما جديدا يدل على أن قدوره الذهبية قد زادت واحدة. # فهززت رأسي وقلت كالحالم: قدور ملأى بالذهب! # وأطرقت أفكر في هذا النظام العجيب. فما أغلى هذه الأعلام التي لا يرفع أحدها إلا إذا ~~كان تحته قدر من الذهب. وذهبت بي الأفكار مذاهب شتى في تصور حال جانبولاد، حتى هزني ~~صاحبي وقال لي: «انظر إلى هذا المنزل.» وأشار إلى بيت على يساري، فوجهت نظري إليه فاترا ~~فرأيته قصرا عظيما تلمع جدرانه وتبتسم بساتينه، ورأيت فوقه خمسين علما تخفق في الهواء في ~~مرح وكبرياء. وقال «طوطاط»: «هذا بيت صاحب السيف. كلمة واحدة منه تكفي لأن تطيح الرأس عن ~~الجسد؛ فهو صاحب الأعلام الخمسين، قاضي جانبولاد.» # فاعترتني قشعريرة من سماع هذا القول، وجعلت أفكر في أمري وأمر الناس، وموضعي في هذا ~~البلد الذي تكفي فيه كلمة من صاحب الأعلام الخمسين لأن تطيح الرءوس عن الأجساد. ولكني ما ~~لبثت أن هدأت نفسي؛ فإني جئت إلى جانبولاد لاجئا، ولا ينبغي لي أن أتكلم ولا أن أناقش، ~~فإذا لم تعجبني هذه الحال فباب المدينة مفتوح أستطيع أن أخرج منه إلى حيث شئت. ولم يكن أولى ~~بي من أن أضع لساني بين فكي وأطبق عليه شفتي. وعند ذلك تبين لي ما يعتري الغريب من الذلة، ~~ولو كنت في ماهوش لما رضيت لنفسي إهدار الكرامة؛ فإني كنت هناك أتكلم وأنتقد وأسخر أحيانا، ~~ولم أسمح لأحد أن يكم فمي . ولاحت لي ms073 الحياة في ماهوش عند ذلك أحب حياة على الأرض، واشتد ~~حنيني إليها، وأطرقت حزينا أستعيد ذكراها. # ولاحظ صاحبي وجومي وإطراقي، فقال لي: أراك تعبت! # وكنت قد تعبت حقا، فقلت له: صدقت. # فأشار إلى مكان مزدحم في جانب السوق وقال: هلم نسترح قليلا. # فترددت قليلا؛ فما كان ينبغي لي أن أجلس على قارعة الطريق؛ فإن هذا مذهب للمروءة. # ولكن صاحبي مضى في وجهه حتى جلس، وأخذ يصفق بيديه فجلست معه ونظرت حولي أدير عيني في ~~الجلوس، فلم أر فيهم شيئا يستحق التأمل. كانوا جميعا جالسين بعضهم مسترخ في صمت وبعضهم ~~يتخاصم في صخب، فملت على «طوطاط» وقلت له: أليس في المدينة من يرى في هذا النظام رأيا؟ # فقال في دهشة: ماذا تعني؟ # فقلت: أعني أن جانبولاد مدينة عظيمة، وفيها خلق كثير لا أعلام لهم ولا ريش. فما حظ هؤلاء ~~منها؟ # فقال في بساطة: من تقصد؟ هؤلاء العامة؟ # فقلت منكسرا: نعم، من لا ريش لهم ولا أذناب مثلي. # فقال ضاحكا: هؤلاء قد عرفوا كيف يصمتون. # فطعنتني كلمته طعنة شديدة، وخيل إلي أن عذاب الجحيم نفسه أهون علي من الإقامة في ~~بلد ليس لي فيه إلا أن أصمت. وجاء عند ذلك خادم المكان يحمل القهوة. وكنت أحبها فأقبلت عليها ~~أرشفها، وشغل عني صاحبي بمساومة بعض الباعة الذين جاءوا يعرضون سلعهم يحملونها في أيديهم ~~أو فوق رءوسهم، وكانت مساوماته أشبه الأشياء بالنضال، حتى لم يخل بعضها من الدفع باليد ~~والسباب. وكان الباعة رجالا يستطيع أحدهم إذا شاء أن يدير ساقية بزنده، ولكنهم كانوا لا ~~يحملون من السلع إلا يسيرا لا يزيد ثمنه على دريهمات. ففهمت عند ذلك السر الخفي؛ فهمت كيف ~~يرضى العامة في جانبولاد بأن يقيموا فيها خاضعين، ويضعوا ألسنتهم داخل أفواههم؛ فليس بهم من ~~حاجة إلى الكلام لأنهم في شغل عن ذلك بهم اقتناص الرزق الضئيل. وجمع صاحبي كومة كبيرة ~~مما اشتراه من أصناف كثيرة مختلفة الألوان، ولم يبق له إلا أن يشتري ليمونا، فتنبهت على ~~صوته وهو يشاحن البائع ليأخذ منه ms074 ليمونة عاشرة، فلما سخا له البائع بها أعطاه دانقا ثم ~~التفت إلي وقال: أف لهؤلاء الباعة! ما أشد لجاجتهم! # ولما رآني مشغولا عنه هزني بيده وقال: أراك غارقا في تفكيرك. # ثم أخذ يجمع السلع ويضعها في منديل كبير، ولكن المنديل لم يتسع لها، فقلت له باسما: ~~هذا حمل كبير. # فقال وهو يغمز بعينه: عندي الليلة بعض أصحابي، وحبذا لو كنت معنا. # فتذكرت الليلة التي عربد فيها علي، وفهمت من غمزة عينه أنه يشير إلى الكئوس الثلاث التي ~~ظن أنني شربتها، ولم أجد جوابا أرد به، فاستمر قائلا: هم جميعا من أصحابي المقربين ~~ويسرهم وجودك بينهم. لقد سمعوا عنك وهم يحبون أن يتمتعوا بحديثك. وعلى فكرة، هم جميعا ~~من أصحاب الأعلام، وليس أولى بك من مصاحبتهم. # ومال علي هامسا: لا تبعد عن مجالسة أصحاب الأعلام إذا شئت أن تكون لك أعلام في ~~جانبولاد. # فأثارني قوله وقلت: «ما هذه الأعلام التي جعلت جانبولاد لها كل هذه القيمة؟ وما هذه ~~القدور المختومة التي في باطنها الذهب؟ إنها لا تزيد على قدور مملوءة بالرمل أو الطين ما ~~دامت مقفلة.» # فضحك طوطاط حتى كاد يستلقي على ظهره، ثم قال: سيتغير رأيك إذا أصبحت من أصحابها. # فقلت في عناد: وما الذي يشق علي في ملء عشرات من القدور بالحصى؟ إن قدرا من الخزف لا تزيد ~~على الأخرى إذا كانت مختومة. # فعاد إلى ضحكه وقال: لن تستطيع. # فقلت: وما الذي يمنعني؟ # فقال وهو لا يزال يجمع بضاعته: الذي يمنع من السرقة. # فقلت: ولكن السرقة جريمة. # وكان قد قام ونادى رجلا يسير أمامه، فأمره أن يحمل له بضاعته، فجمعها الرجل في حجر ~~ثوبه، ونظر صاحبي إلي في عجلة وقال: «ستكون وليمة مرحة، وأرجو أن تؤنسنا بصحبتك.» # وكأنه نسي كل الحديث الذي كان بيننا، فسار وسرت معه، وجعل يحدثني عن صنوف الطعام التي ~~يعدها لوليمته، حتى بلغنا المنزل فاستأذن وسار إلى داره وهو يغني، والحمال يزحف من ورائه ~~بحمله الثقيل. # | الفصل الرابع عشر # قضيت ليلتي في أحلام متعاقبة عشت ms075 فيها مع الأحبة في ماهوش. # أي وطني الحبيب الذي قسا علي! إنك لا تزال في قلبي مع كل قسوتك، وكلما مرت بي الأيام ~~عرفت ما كنت أجهل من فضلك. لقد هاجرت من وطني لأنني لم أجد فيه مكانا يرضيني، ولأنني لم ~~أجد فيه رزقا يغنيني. ولكنني علمت بعد أن وجدت الرزق في جانبولاد أن وطني كان يمنحني ما ~~هو أثمن من كل مال وأطيب من كل رزق. كان يمنحني الكرامة والحرية، وهما لا يقومان بمادة ~~هذه الحياة كلها، فوا حر قلباه! ورأيت في حلمي كل الأحبة: رأيت ولدي عجيبا وابنتي جميلة، ~~ورأيت صديقي أبا النور، ثم رأيت مع كل هؤلاء علية؛ علية ابنة علاء الدين التي ملأت قلبي ~~حبا ونورا، وحدثتها وبثثتها لوعة الفراق وناجيتها بأشجاني الثائرة، وعاتبتها عتابا ~~طويلا؛ عاتبتها في حلمي كأنها هي التي هجرتني وخلفتني وحيدا. فلما قمت في الصباح وجدت ~~قلبي ممتلئا بها. لقد كانت في ماهوش تعيش في قصرها وحوله الحراس والحجاب، لم أستطع يوما ~~أن أدنو من أسواره. ولكنها مع ذلك كانت دائما قريبة مني. قريبة لا يفرق بيني وبينها حجاب ~~لأنها كانت في قلبي. كانت صورة وكانت خيالا، وما حاجتي إلى غير صورتها وخيالها؟ إنني لم ~~أبال الجسم الذي يذوي ويمرض ويضعف ويزول؛ فقد كانت روحي التي تتعلق بها وتجد السعادة في ~~تأمل كمالها. # قمت في الصباح كعادتي فذهبت إلى المعسكر وصليت بالجنود، ثم خرجت أسير في الطرق وأنا ~~أفكر في مكاني من هذا الوطن الجديد. هذا البلد الذي لا كرامة فيه إلا لأصحاب الأعلام ~~والريش، والذي تحكمه القدور الملأى بالمعدن اللامع. ولم يكن بي من حقد على أحد؛ فلست أنفس ~~على الناس أن يفوزوا بالذهب كما يشاءون، والذهب عندي لا يزيد على سائر مادة هذا الطين. ولو ~~كنت يوما راقدا في ضوء الشمس أتأمل في خلق الكون وأنا أنظر إلى السماء الصافية وأهيم مع ~~أحلامي في الملكوت، ثم رأيت خمسين قدرا ملأى بالذهب تهوي في الظل على بضع خطوات مني لما ~~تحركت ms076 من مرقدي لأذهب إليها. وقد كنت منذ عقلت لا أطمع من هذه الدنيا في أكثر من الرزق الذي ~~يقيم الحياة؛ لأني أخذت نفسي بما علمت، والذهب في آخر الأمر لن يصاحب الناس إلى القبور. ~~سيخلف الناس الذهب كما يخلفون كل شيء وراءهم بعد الحياة، ولم يكن الذهب سبيل السعادة في دار ~~من الدارين. فليس بي من حقد أن يسعى إليه الناس ويستأثروا به، وحسبي من الدنيا ما أصيب من ~~رزقي الضئيل. ولكن الذهب شيء والكرامة شيء آخر، ولا علاقة بين هذه وذاك؛ فالكرامة حق وهبه ~~الله للناس منذ خلقهم ناسا. فإذا كانت جانبولاد تهب لي القوت لكي تسلبني هبة الله الثمينة ~~فلا مقام لي فيها. # ولكن ... أواه من شعور العاجز بعجزه! فكرت في أين أهاجر إذا تركت جانبولاد. هذا ما شغل قلبي ~~منذ تلك الليلة في إصباحي وإمسائي، وفي نومي وصحوي، حتى ضاق صدري وكاد يضطرب عقلي. وأخيرا ~~بدا لي رأي وجدت فيه من ضيقي مخرجا. عزمت على أن أعيش في عالم أسعى فيه إلى الخير، وأبذل ~~فيه كل ما أستطيع، وأهب فيه للناس من قلبي ومن عطفي، فلن أحس في مثل هذا العالم ذلا، ولن ~~أبالي من أمور الناس هما. فعزمت على أن أقف حياتي كلها على خدمة المساكين في جانبولاد. ~~وما أكثر مساكين جانبولاد، هؤلاء الحفاة الذين ليس لهم من أمر وطنهم شيء إلا أن يصيبوا ~~الكفاف من عيش زري على ما يقومون به من عمل قاطع! استقر رأيي على أن أكون خادما لهؤلاء، ~~أعلمهم وأرفه عنهم وأواسيهم، ورسمت لنفسي خطة قمت على تحقيقها بغير تردد أو ~~تسويف. # فكنت إذا فرغت من صلاتي وفرغ الجنود من تقبيل يدي عقدت لهم مجلسا قبل أن ينصرفوا، أحاول ~~فيه أن أفتح صدورهم للرحمة، وأن أبصرهم بحياة الإنسان. وكثيرا ما كنت أرى في أعينهم الدمع ~~كلما لمست جانبا رقيقا من قلوبهم، فكان هذا يملأ قلبي سرورا، وكنت أحمد الله الذي يفجر ~~من الصخر ينابيع الماء الزلال، والخير لا بد أن ينتصر يوما، ms077 والدمع الذي يثور في العين ~~مرة لا يضيع سدى. # فإذا ما انتهى درس الجنود نزلت إلى المدينة أقلب فيها نظري، وكنت في كل يوم أجد فرصة ~~جديدة أتخذ منها مطية إلى الخير. مساكين أهل جانبولاد، كنت أمد يدي إليهم فتغنيهم وإن ~~لم يكن فيها شيء من الذهب. كم من كلمة طيبة يجود بها القلب فتغذي الروح لا يقاس بها ~~عطاء من فضلات الغنى. وكنت كل يوم أذهب إلى المسجد الأعظم وأتخذ فيه مجلسا إلى جوار ~~عمود، فيجتمع حولي من المساكين من يتعطش إلى الكلمة الطيبة. وفي هؤلاء كنت أجد السلام ~~والكرامة. كنت أحس أنني أصب عليهم مما في قلبي وأضيفهم في حنايا صدري. وما كان أعظم ما ~~نلت من السعادة في أعقاب هذه الدروس! كنت أحس أن النور يجلو روحي، وأن الحق يحل في ~~كياني فيملؤه قدسية، فإذا بي لا أرى في الكون كله إلا تسبيحا وترتيلا. # هناك بين المساكين كنت أرى الزهر يانعا، وأشم العطر فياحا، وأسمع من أنغام السموات ما ~~لا يدركه السمع، وأفهم من وحي العلا ما لا يبلغه العقل. كان روحي يهيم ويكشف الغطاء عن ~~الأسرار، ويتلبس بحقائق الأزل، فلا اللفظ لفظ ولا الحس حس، بل الكون أنا وأنا الكون. هناك ~~بين المساكين سموت حتى أشرفت على العالم الصغير، وعلى من فيه من الدبى المغرور؛ تيمور ~~وجنده من أصحاب الريش وأصحاب الأذناب، وجانبولاد وعليتها من ذوي القدور والأعلام. وكنت أشير ~~بأصبعي إلى الأنوار التي كانت تتلألأ في كل مكان أمام بصيرتي، فيتطلع المساكين ويصدقون؛ ~~لأنهم كانوا يؤمنون. علمت المساكين أن في الحياة ما هو أثمن من الذهب، وأسمى من السلطان ومن ~~القوة، وأن فيها من اللذة ما هو فوق متعة الأجسام. علمتهم أنهم يستطيعون الاستغناء عن كل ~~قوة وعن كل متعة إذا هم آمنوا بما هو أسمى وأعلى، في حين أن الدبى المغرور من أمثال تيمور ~~يقضي حياته أسيرا في قيود من الطين العفن لا يستطيع أن ينتزع نفسه منها. # وكانت الأوقات التي قضيتها مع تلاميذي ms078 في هذه الحلقة أحب العبادات إلي. وجدت فيها قرة ~~العين، وفزت فيها بمجمع اللذات. فإذا ما انصرفت بعد ذلك إلى داري أقبلت على أوراقي وكتبي ~~أقرأ وأكتب، وجعلت ما كتبته وقفا على من يطلب العلم قربانا إلى الله سبحانه الذي علم ~~بالقلم. # ولكني لم ألبث أن صدمت صدمة بددت آمالي. # كنت يوما في مجلسي إلى جوار السارية أناجي خفي الأسرار، فإذا بي أحس شخصا يقف عند ~~رأسي، ويضع يده على كتفي، فالتفت نحوه لفتة قصيرة لعله أعمى ضل فعثر بي، أو فقيرا جاء ~~يقصدني، فإذا بي أرى فتى أسمر في حمرة، قد أمال قلنسوته إلى يمين، وأبدى من تحتها طرة ~~تلمع فوق الجبين، وقد أطال عارضيه، وزجج حاجبيه، ولف حول وسطه منطقة حمراء من الحرير، فوق ~~ثوب أصفر من ديباج، وهو قصير بدين، يدرج كالدحروجة، ويتمايل تياها وينظر متحديا. # فقلت له لأصرفه عني: «هداك الله إلى سبيلك.» # فقال وقد كشر عن نابه: «أما تعرفني؟» # فنظرت إليه فاحصا، وصعدت فيه بصري كرتين، فلم أتبين من يكون، ولم يكن لي عهد برؤية ~~مثله، فضاق عند ذلك صدره وصاح بي: «أنا صاحب الباب وحاجب الحجاب! قم إلى القاضي ولا تبطئ ~~عليه.» # فوقع قوله مني موقعا شديدا؛ فالقاضي سيد من أصحاب الخمسين، وقد عرفت نفسي عزوفا عن ~~مجالس العظماء، فاستعذت بالله من الغرور، وظننت أن سيده قد سمع بي، وعرف ما أقدمه للعلم في ~~سبيل الله، فأحب أن يظهر لي تجملا، أو يبعث في طلبي تقريبا وتلطفا. وكنت لا أحب أن ~~أفتح قلبي للغرور، فإنما الأعمال لله وحده، وما كنت لأبتغي بها عند الناس رياء. وعزمت على ~~أن أجعل بيني وبين السلطان سدا، وهممت أن أرد الحاجب ردا جميلا، وأبعث معه إلى ~~السيد العظيم دعوة خير أرجو أن تكتب له في صحيفته. # ولكن ما كان أشد عجبي عندما ناداني الفتى متجهما، وأمرني في جفاء أن أسرع إلى المجلس ~~فإن لي فيه شأنا. # ولم أفهم أي شأن يكون لي في مجالس القضاء، وليس لي في ms079 جانبولاد ما أنافس الناس فيه؛ فلم ~~تكن لي تجارة ولا زراعة، بل هي صلاتي ودرسي، وكتابي وورقي. وإن كان لي رزق فيها فمما قسمه ~~الله لي من عطاء لست فيه شريكا لشريك أو عميلا لعميل. فقلت للحاجب في هدوء: «هداك الله يا ~~ولدي، لقد أخطأت، فما أنا بمن يطلبه السيد العظيم.» ثم هممت أن أعود إلى درسي، ولكنه نظر ~~إلي مغضبا ثم صاح بي حانقا: «أيها الرجل، قم إلى القاضي فإنه ينتظرك لينفذ فيك ما ~~يجب عليه أن ينفذه من حكم العدل.» فنظرت إليه وإلى حلقة الدرس، ونظر التلاميذ إليه ثم ~~إلي، وطال النظر من بعض إلى بعض حتى نفد صبر الحاجب، وكان قويا فتيا يلمع رونق الشباب ~~في وجنتيه، فتقدم نحوي عامدا كأنه أراد أن يجرني من الدرس قسرا، فلم أجد بدا من ~~القيام طائعا؛ فهؤلاء أتباع السلطان لا يعرفون تجملا ولا ترفقا. ولما رأيت من ~~تلاميذي بوادر الغضب أشرت إليهم بالصبر والأناة، ونظرت إليهم معاتبا؛ فما ينبغي لمن كان ~~مثلي إلا أن يطيع ولي الأمر إذا دعاه. # وسرت إلى مجلس القاضي، وأنا أدير في ذهني كل حوادث الأيام والشهور، لعلي أذكر لنفسي ~~سببا مما يجر إلى ساحة القضاء، فلم أجد شيئا أعرفه، وحسبت الأمر كله خطأ لا يلبث أن ~~يزول. ولما دخلت إلى المجلس رأيت السيد في صدر المكان وله فم ضب وعينا أرنب، يخيم عليه ظل ~~الهيبة، وترنق في عينه الصرامة. ورأيت قلنسوته العالية من تحتها لحية تبلغ القبضتين، ورأيت ~~ثيابه من الدمقس، وتحته طنفسة من الإبريسم الحر، وقد رفع فوق رأسه الدرفس، ووقف الأتباع من ~~حوله خشوعا، يسلون السيوف ويبسطون أمامهم الأنطاع. فوقفت حينا أنظر في ارتياع، وأترقب ~~حركة فمه المدبب، الذي يضم بين شفتيه لسانا فيه مصير الناس من سعد وشقاء، وأتأمل عينيه ~~الخاويتين، ومنهما يطل القضاء. وتمثل لي ما كان في مجلسه ذاك على مر الأيام، من سجن وتعزير، ~~وغرامة وتشهير، وقلت في نفسي أعوذ بالله من عثرات المقادير، وتقدمت نحوه باسما وسلمت ~~عليه ms080 محتفيا خاضعا، ثم أردت أن أشكو إليه حاجبه كيف قطع درسي وروع تلاميذي، فإذا به ~~ينظر إلي في جمود، ويرفع يمينه في جفاء، ثم قال بصوته النحاسي: مكانك أيها ~~الرجل! # وكأن الأرض قد مادت بي عند ذلك، أو كأن السماء قد مارت وتداعت، وعقل لساني عن النطق، ~~ووقفت أنظر إليه وعيناي تطرفان وأذناي تطنان. ولا حاجة بي إلى ذكر ما قال لي كله؛ فقد كان ~~مجمله أنني جئت إليه متهما بأنني شربت الخمر وقارفت عظيم الإثم، ونادمت وفاكهت، وأعنت ~~على المنكرات، وأنا رجل أدخل المساجد وأؤم في الصلوات، وقد شهد علي بذلك من كنت أنادمه، ~~وسمعه منه الشهود العدول، ورواه عنهم الشهود العدول. ثم أراد - حرسه الله - أن يتحرى ~~العدالة وأن يبالغ في التدليل حتى لا يزل في حكمه، فقال إنه قد بعث في أثري العيون ~~وشهدوا أنهم رأوني أدخل إلى بيت صاحبي الفارس في الليل، وأخرج منه بعد حين في هيئة من لا شك ~~في امتلائه بالشراب؛ إذ كنت أسير مطرقا وأجرر رجلي خائرا، وأدخل إلى داري، لا ألتفت إلى ~~ورائي ولا أرفع ذيول ردائي. # فذكرت عند ذلك ما كان. جازى الله «طوطاط»، فكم من مصاب ينزل بالمرء من وراء عبث، وكم من ~~دواه جرها على الناس حديث إفك. منذ تلك الليلة التي نادمت فيها «طوطاط» لم يبق في جانبولاد ~~مجلس شراب لا يذكر فيه اسمي، ولم يبق جمع طرب لا يتحدث بفكاهتي وظرفي. فكنت أوصف بحسن ~~المنادمة وطيب المحادثة، والأدب عند الشراب والصبر على عربدة الصحاب، على حين كنت في المسجد ~~أحلق مع تلاميذي في السماء، وأتقرب إلى الله بفعل الخيرات وخدمة الطلاب، وأعكف على ~~التأليف والتصنيف والعبادة والتسبيح. # وتقدم القاضي إلي بأن أدفع التهمة عن نفسي إذا استطعت؛ فإن العدالة تناديه أن يكشف عن ~~جرمي، وأن يحمي الناس من ريائي، ولن يزال بي حتى أتوب بين يديه، بعد أن يوقع علي العقوبة ~~التي أستحقها، ثم يمنعني بعد ذلك من مخالطة الطلاب، وتلويث المساجد التي لا ينبغي أن ms081 ~~يدخلها إلا المطهرون. فلم أملك من القول إلا سبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. # ولم أستطع غير التسبيح والحوقلة ردا ولا دفعا، ووقفت مبهوتا كأن صخرة قد هوت على رأسي ~~فشدخته، ونظر القاضي إلي من تحت جفنيه كأنه أراد أن يخرق بنظراته صدري، لينظر ما أخفي ~~وراء جدرانه من دليل على جرمي. ومن العجيب أنني بعد حين أحسست في نفسي تبدلا، فزالت عني ~~الحيرة وامتلأ قلبي ضحكا، حتى كدت أقهقه في وجه السيد العظيم، وأنقض على عثنونه الطويل ~~فأهزه وأجبذه، ولكن نظرته كانت قاسية، فهرب مني الضحك في لحظة، ونظرت إلى الشرط والأتباع ~~وهم يتربصون بي أمره، وينتظرون علي إشارته، وبعد لأي نطقت فقلت: لقد فاجأني هذا الأمر يا ~~سيدي، فيسر لي من الوقت ما أقدر فيه على جمع نفسي والإدلاء بحجتي. # وكان - حرسه الله - يعرف أصول القضاء، فلم تأخذه في عدالته الكبرياء، ولم يسرع إلى العقوبة ~~قبل أن يبلغ العذر من الإعذار، وأنا بعد في يديه إن لم يكن اليوم فغدا. # وذهبت إلى الدار أحدث نفسي حائرا بائسا، لا أرى أمامي إلا هما وظلاما، وضاقت ~~جانبولاد في وجهي، حتى فكرت في الهرب منها متسللا، وهاجمتني المخاوف تعذبني، فلم أجد ~~منها خلاصا إلا بأن أقوم إلى وضوئي، لعلي إذا اتجهت إلى صاحب الكون وجدت عنده ~~السلام. # | الفصل الخامس عشر # أتى الليل هاجما علي بظلامه، فزادني هما على همي، وشملتني رهبة لا أستطيع أن أصفها، ~~فقمت إلى صلاة المغرب، وما كدت أقيمها حتى سمعت على الباب طرقا، فزاد اضطرابي خوف أن يكون ~~ذلك نذيرا بمصاب جديد؛ فقد خيل إلي أنه لم يبق لي في هذا العالم إلا سلسلة من ~~الكوارث تتعاقب حلقاتها علي مع الساعات. وفتحت الباب في حذر ثم نظرت. ~~«أهو أنت أيها الحبيب؟» خرجت مني هذه الصيحة وأحسست أن شعاعا من النور أضاء أمامي ~~عندما رأيت صاحبي وتلميذي كمال الدين. # جاء صديقي إلى داري من قبل فلم يجدني، وذهب إلى مجلس القاضي فدفع عنه دفعا قبيحا، ~~فعاد ms082 إلى داري بعد أن قضى حينا يهيم في طرق المدينة مهموما من أجلي. حمدا لله؛ فإن ~~المصائب تهون وإن جلت إذا وقف إلى جانب المرء صديق وفي. لقد اطمأننت عند ذلك على أني أجد ~~إلى جانبي رجلا يصدقني إذا تحدثت، ويواسيني إذا تعذبت، ويعينني بمؤانسته إذا تحيرت. ~~ولما دخلنا توضأ صاحبي وصلينا معا، ثم جلسنا نتحدث وأفضيت إليه بكل قصتي، وشكوت إليه ~~عثرتي. ولله هو من صديق، لم أجده يتزعزع أو يشك، بل كان مصدقا واثقا، وجعل يذكرني ~~بالله وما هو جدير به من نصرتي وجلاء غمتي، حتى أخجلني من نفسي. فما كان لي أن أبتئس أو ~~أخشى؛ لأن الله عالم بأمري وهو معي ولن يخذلني. # وأشار علي أن نذهب إلى القاضي لعلنا نحدثه في خلوة؛ فإنه إنسان وإن كان من أصحاب ~~الخمسين، ولا بد لحجة البريء أن تظهر وإن ساءت الظنون. فقمنا معا وكان وقت العشاء قد ~~اقترب، فقلنا ندرك الشيخ فنصلي معه جماعة، ونتحرم إليه في كنف الصلاة. فلما بلغنا القصر ~~وجدنا عنده حرسا كثيرا من شرط وحجاب وأعوان وغلمان، فلما رأونا نقصد الباب نظروا نحونا ~~شزرا، وأقبل بعضهم على بعض يتهامسون. فتجرأ صاحبي وتقدم فسأل عن الشيخ، وطلب أن يسمحوا ~~لنا أن نراه، وتعلل بالعلل، فقال: «إن السيد يهم الساعة بالصلاة، ونحن نحب ألا تفوتنا بركة ~~الائتمام به.» فضحك أحد الغلمان ثم نظر إلى رفاقه فتضاحكوا، وعاد فنظر إلينا واحدا بعد ~~الآخر من أعلى الرأس إلى أخمص القدم، ثم مد يده إلى جبتي ووضع يده في خروقها، وقال وهو ~~يضحك: «خذوا زينتكم عند كل مسجد.» فجذبت جبتي منه في شيء من الغضب وكدت أقذفه بكلمة حانقة ~~لولا أن تدخل كمال الدين متوسلا يقول: «إن الشيخ - حرسه الله - لا يضن على مثلنا أن نصلي ~~معه؛ فنحن فقيران نريد أن نتملى ببركته.» فقام أحد الحجاب إليه ودفعه في غلظة وقال له ~~معنفا: «اذهب إلى المسجد إن شئت الصلاة، وأما إذا أردت الاحتيال على الصدقة فإننا لا ~~نخدع عن مثلكما.» ms083 فملأني الغيظ وجرحت عزتي، وكدت أثور لولا أن جذبني كمال الدين وهمس في ~~أذني: «ليس لنا من حيلة إلا الذهاب.» # وسرنا معا مطرقين حتى بلغنا المنزل فصلينا، ثم جلسنا نقرأ الأوراد، وما هو إلا أن ~~انصرفت إلى الله بقلبي حتى حل فيه السلام ونسيت كل ما كان. # وكأن وحيا قد هبط علي فألقى في روعي أن أذهب وحدي إلى القاضي، وأحسست في نفسي يقينا ~~أنني إذا ذهبت إليه لم يستطع أحد أن يقف في سبيلي. فقمت واستأذنت صديقي، ورجوته أن يصبر حتى ~~أعود إليه، وسرت قدما برأس مرفوع وقلب يجيش ونفس تتحفز حتى بلغت قصر القاضي. وما كان ~~أشد عجبي إذ وجدت الباب خاليا ليس عليه حراس ولا غلمان، فدفعت المصراع فانفتح، وأدخلت رأسي من ~~فرجة الباب فلم أجد أحدا وراءه، فدخلت ورددت المصراع، وكان الظلام كثيفا، فسرت أتحسس مواضع ~~خطواتي حتى اجتزت مدخل الفناء، فوجدت بابا آخر فدفعته فانفتح وظهر من ورائه بستان من فاكهة ~~ونخل وريحان، وكانت الدار تشرف عليه محيطة به، وعلى نوافذها مشربيات بديعة تبدو أمام العين ~~مبهمة في الضوء الخافت المنبعث منها. وسرت في غير تردد وأنا أتعجب أن يكون القصر خاليا ~~صامتا. فأين حراسه؟ ولم أخفيت هكذا أنواره؟ إنها تبص بصيصا من وراء السجف تنم عن ~~قناديل مئات تزهر من داخل الأبهاء، وصعدت في السلم على حذر حتى انتهيت إلى مدخل البهو، فما ~~هذه الأصوات المختلطة؟ كانت أصوات الضحك والغناء تتجاوب ويحملها الهواء في أمواج متعاقبة، ~~فتخف حينا ثم تعلو حينا، كأنها آتية من عالم بعيد. وزاد بي العجب وقويت في نفسي رغبة ~~الاطلاع، وازدادت القوة التي في صدري دفعا ففتحت باب البهو، فإذا قاعة يضل فيها البصر، ~~طولها ثلاثون ذراعا وعرضها عشرون، فرشت بأبدع الأثاث وغطيت نوافذها بخالص الحرير، ~~وأحسست تحت قدمي طنفسة لينة تغوص بي كلما خطوت، ورأيت في صدر القاعة بابا يأتلق النور من ~~ورائه، وتفوح العطور من قبله. فكانت رائحة المسك تتضوع منه مختلطة بأبخرة العود، وكانت ~~الأصوات الناعمة يمازجها ms084 صوت أجش له رنين النحاس. وسمعت رجلا يضحك ضحكة ناعسة بين كركرة ~~صداحة، كأنها من سجع الطير. وعادت الموسيقى فكانت سحرا وفتنة، فلم أستطع إلا أن أقف ~~مكاني، وقد غلبني طربها؛ فقد كنت منذ صباي مولعا بالغناء. وكدت أنسى أنني دخلت القصر خلسة، ~~وأنه لا ينبغي لي أن أطيل الوقوف، ثم أفقت بعد حين وعادت إلي نفسي، فسرت إلى الأمام ~~خطوات وأنا أتعجب. فما للقاضي والغناء؟ وما هذه الأصوات الناعمة التي تسحر الهواء؟ وفكرت ~~في العودة خاشيا من عاقبة هذه الجرأة. ولكن شيئا في قلبي دفعني فلم أستطع خلافه. ثم ~~رأيت باب القاعة يفتح من أقصى أركانها، فخفت أن يراني أحد، فأسرعت إلى أقرب ستار فتكمشت ~~وراءه، وجعلت أطل برأسي من مخبئي. فرأيت غلمانا وجواري يحملون صحافا وكئوسا، ثم اقتربت ~~من موضعي فتاة مثل فلقة القمر، تخطر في أثواب من الحرير الأحمر والأصفر، فلم أتمالك أن نظرت ~~إليها نظرة، ثم أغضيت وقلت: سبحان من خلقها وسواها! وكتمت أنفاسي حتى بعدت عني، فاختلست ~~إليها نظرة أخرى فرأيتها تحمل ثيابا وتضعها على أريكة، ثم رأيتها تعود خفيفة رشيقة كأنها ~~مهاة في الصحراء، أو ريم شارد من كناسه. ولما بعدت عني أطللت برأسي وراءها حتى فتحت الباب ~~ودخلت منه، فنظرت من الفتحة فإذا في صدر الحجرة قلنسوة حمراء، ومن تحتها السيد القاضي - حرسه ~~الله - في هالة رائعة المنظر، من مؤنسات أوانس وندامى صباح. ورأيت أمامه طاسات من المدام ~~ونقولا وفاكهة وأزهارا، وقماقم من عطور، وأحقاقا من غالي، فكدت لا أصدق عيني، وثارت ~~الوساوس في نفسي، وتساءلت أفي يقظة أنا أم في منام. وجعلت أقرص كفي وأضرب بيدي على وجهي، ~~حتى تحققت أني في صحوة، وأنني أرى السيد القاضي بعينه وذقنه وفصه ونصه، فقلت: أهذا هو الذي ~~يحاكمني؟ ويقتص للعدالة مني؟ وامتلأت غما وهما؛ فقد علمت أن أقسى القضاة في إيقاع حد ~~الخمر من ذاق لذتها وأحس سورتها. وجررت نفسي والألم يعصر قلبي، فخرجت من وراء الستار لأعود ~~أدراجي تاركا إلى الله قضائي. ومررت ms085 في سيري بالثياب التي ألقتها الفتاة على الأريكة، ~~وكانت تبرق في الضوء المنبعث عليها من بعيد، ونظرت إلى ثيابي نظرة قصيرة فرأيت جبتي وقميصي ~~وقد حال لونهما وانكمشت أكمامهما وتفزرت جوانبهما، وتهتك أعلاهما وأسفلهما، فعذرت الحجاب في ~~منعي ودفعي، واستقر رأيي على أن أقترض ثياب الشيخ قرضا حتى أستطيع إذا لبستها في الصباح ~~أن أجد إلى بابه سبيلا. وليس علي من بأس إذ أنا اقترضتها عارية، ثم رددتها إلى السيد ~~من بعد سليمة طاهرة. وخطفت الثياب وسعيت بها جريا، ثم قفزت في رحاب القصر قفزا حتى بلغت ~~الفناء، وخرجت أعدو حتى بلغت داري وأنا أتلفت إلى ورائي. وكان صاحبي كمال الدين لا يزال في ~~حجرتي يغط في نومه، فلم أشأ أن أوقظه؛ فإن متعته في الصباح تكون أعظم إذا رآني أطلع عليه ~~في بريق تلك الثياب. # ولما ذهبت في الصباح إلى مجلس السيد الشيخ، وقفت عند الباب أريد الاستئذان، فقام ~~الحجاب يسارعون، وحنوا لي الهامات، وهزوا لي القلانس، وأطرقوا لا ينظرون إلى وجهي، ~~وفتحوا الباب على مصراعيه، ووقف بعضهم عن يمين والبعض عن شمال حتى دخلت. وكان السيد في صدر ~~المجلس، فوقع بصري عليه ووقعت عينه في عيني، ثم رأى ملابسه تلمع علي، وعرف أنني رأيت كل ~~شيء، ففغر فاه كأنه يهم بالصياح، ثم أخذ يجمع ثيابه ويلتمس رداءه، ثم تحرك قائما ~~يبرق بعينيه ويختلج في خفيه، وأقبل نحوي فاتحا ذراعيه، وانطلق في تحية طويلة مؤهلا ~~مسهلا مرحبا مستبشرا، حتى تلاقينا في وسط القاعة، فضمني إلى صدره ضمة مودة، ~~وترك كل من حوله وأقبل علي فأجلسني عن يمينه، وأخذ يحييني ويؤنسني حتى هدأ روعي وذهب عني ~~وجلي، وصاح في حجابه أن يسرعوا في خدمتي، وأمرهم أن يعدوا لي قهوة وماء ورد لأستروح وتذهب ~~عني بهرة السير. وما زال بي حتى شرح صدري وفك عقدة لساني، وبدأت أقص عليه قصتي في قول ~~مبين وحجة ظاهرة، وأظهرت له الحق كله فلم أخف عنه شيئا، ولم أحاول أن أعتذر ولا أن ~~أستتر، حتى ms086 أفضيت إليه بكل ذات نفسي، فتبسم - حرسه الله - وأخذني من تحت إبطي وانتحى بي جانبا ~~وجعل يسألني عن تفصيل أحوالي، فلان قلبي له وزالت حفيظتي عليه، وهممت أن أعتذر إليه من أخذ ~~ثيابه وأعده بإرجاعها إليه. ولكنه لم يمكني من المضي في حديثي، بل عانقني عناق الصديق، ~~ومد يده فدس في كفي كيسا ثقيلا فتحته فيما بعد فوجدت فيه مائة من الدنانير صافية وافية. ~~ولما استأذنته آخر الأمر في الانصراف سألني هل جئت إليه راكبا، وهل حملني جواد أم سعت بي ~~إليه أتان، فنظرت إليه في خجل وقلت: لقد كنت دائما أسير على قدمي منذ بعت صديقي. # فضحك حتى كاد يهتز عن وقاره وقال: أكنت تركب الصديق؟ # فقلت له باسما: هذا صديق كان لي في وطني ماهوش، وكان الناس يسمونه حماري، وكنت أسميه ~~البطل الصامت حتى لا أشارك الناس في شتمه. # وخفق قلبي عند ذلك خفقة شديدة؛ إذ تذكرت الصديق المسكين الذي اضطرتني الحاجة في وطني إلى ~~بيعه ومفارقته، وأطرقت حزينا. # فقال لي السيد: لا عليك أيها الشيخ المبارك؛ فما كان مثلك ليسير في جانبولاد ~~راجلا. # ثم أسرع إلى ظاهر المجلس ونادى حاجبه، وأمره أن يعد لي بغلته الشهباء، ثم نظر ~~إلي في عطف وقال: هي بغلة فارهة، مباركة الخطوات، ميمونة الروحات والغدوات، بارك الله لك ~~فيها، ولا تنس أن تختلف إلينا عليها، وأن تذكرنا في صلاتك. # فسرى عني كل ما كان من همي، وأحسست للسيد - حرسه الله - شكرا يملأ قلبي، وسرت عنه راكبا ~~بغلته، لابسا ثيابه وعمامته. وكنت على طول الطريق أدعو الله له ليجزي عني فضله، ويغفر له ~~ذنبه. # وكان أهل جانبولاد ينظرون إلي وأنا سائر، فإذا قربت منهم تواثبوا لتحيتي، وأشار البعيد ~~منهم إلي بالبنان. وقضيت سائر اليوم في داري عاكفا على الصلاة أشكر الله، وأسبح له ~~تسبيحا. # | الفصل السادس عشر # اتسعت بعد ذلك حلقة دروسي، وضاق بها المسجد حتى كادت تمتنع على الناس الصلاة، فدعاني ~~هذا إلى أن أتخذ دارا خاصة جعلتها مدرسة أعلم فيها الناس ms087 كبارا وصغارا. # وكنت قرأت فيما قرأت عن أرسطو أن غاية التعليم أن يعرف المرء كيف يستخدم وقته إذا خلا من ~~العمل. ولست أدري لعمري ما الذي حمل هذا المعلم الأول على أن يدعي مثل هذا الزعم؟ إن ~~الناس إذا خلوا من العمل لم تعوزهم الحيلة في استخدام وقتهم الفارغ؛ فالطبائع توجههم وتحتال ~~لهم وتميل بهم وتشرد. أما أنا فقد رأيت أن السعادة والخير لا يكونان إلا في العمل؛ العمل ~~الدائم وإن تغير وتنوع. ولا خير فيمن يخلو من عمل إلا إذا دخل في سواه. وقد جعلت هذا ~~المعنى شعاري، وأذعته في دروسي وأحاديثي. # جعلت أعلم تلاميذي أن أقل مراتب الإنسان أن يبذل وقته فيما يعود عليه بالمسرة وحده، ~~وإن كانت مسرة مباحة بريئة. فالذي يقضي وقته في نزهة إنما يبلغ أدنى مراتب الإنسان، ~~والذي يسلي نفسه إنما يبلغ هذه المرتبة عينها، إلا إذا كان في نزهته وفي ترفيهه إنما ~~يتحفز إلى خير أو يساعد عليه من بعد. وعلمتهم أن الذين لا يعملون بل يجدون أوقاتهم ~~فارغة فيحتالون على قتلها هم الطفيليون على مائدة الحياة. هؤلاء يطردهم الله من رحمته وإن ~~كانوا لا يقارفون شرا؛ لأنهم لا يعرفون السلام ولا يعينون على الخير. # وقد بدا لي بعد حين من مقامي في جانبولاد أن التعليم وحده لا يجدي إذا لم تصحبه الأعمال؛ ~~فإن أسمى اللذة في الخير لا يجدها من يتأمله بعقله، بل من يباشره بعمله. فأقبلت على ذلك ~~القصد مع تلاميذي، وتحاملت فيه على نفسي مع ضعف حولي وقلة ذات يدي، ولو كنت من أصحاب ~~الأعلام لما احتجت إلى معونة من غيري، ولكن ما حيلتي ولم يكن لي في جانبولاد قدور؟ ففكرت أن ~~أتكفف الناس أطلب منهم المعونة على مقصدي. ولكن الله يعلم ما قاسيت في سبيل ذلك من عنت؛ فقد ~~عجزت مرة بعد مرة، ولم تفدني ملابس القاضي شيئا في جمع المال. وقد يجود الناس بالتحية وحلو ~~القول، ولكن حلو القول لا يعين على ما كنت أسعى فيه . فأطلت التأمل ms088 في هذا الأمر وتحدثت فيه ~~كثيرا مع تلاميذي. فقال لي كمال الدين يوما: «إنه من التعسف أن تكلف الناس ما تأباه ~~الطباع. فهل تطمع في جانبولاد أن يحرم الناس أنفسهم بعض مسراتهم في سبيل إطعام الجائع ~~الذي لا يجد لقمة، أو كسوة العاري الذي يرتعد من شدة البرد، أو مداواة المريض الذي يقع في ~~الطريق من الإعياء؟ ما كان ينبغي أن نطلب من النار أن تطفأ بالرجاء، أو أن نطلب من الماء ~~في القاع أن يعلو صعدا إلى القمم.» فكانت تلك كلمة صريحة صارمة ألقت اليأس في قلوبنا. ~~ولكنه أردف قائلا: «من شاء الخير فليتدسس إلى الشهوات.» # فنظر تلاميذي بعضهم إلى بعض وتصايحوا: «نتدسس إلى الشهوات؟ هذا مستحيل. وما جدوى الخير ~~إذا كانت الشهوات سبيله؟» فقال كمال الدين مترفقا: «أقصد أن نتدسس إلى المسرات!» ~~فقال التلاميذ: «نعم، أما هذه فلا بأس بها.» وأخذنا ندبر الخطة المحكمة. # بالاختصار جعلنا نعقد في المدرسة كل أسبوعين مجلسا للهو ندعو إليه علية جانبولاد وأوساط ~~أهلها، وكنا نحشد فيه المغنين وصناع اللهو والمضحكين، وجعلنا لذلك أجرا، فكنا نأخذ ~~من البعض ذهبا ومن البعض الفضة، كل على قدر وجاهته. وكنا نميز أصحاب الذهب بمقاعد في ~~الصدر، فكان هذا كافيا لأن يبذل الجميع ذهبا حتى صارت القاعة كلها مقاعد صدر. # وكان نجاحنا منقطع النظير؛ فإن علية جانبولاد أسرعت إلى التلبية، ولم يرد أحد منهم ~~دعوتنا، وانهال علينا المال انهيالا، فأمكننا أن نطعم الفقراء ونكسو المساكين ونعين المرضى ~~على الدواء، ولكنني مع هذا النجاح كنت أحس في قرارة نفسي أنني أخطأت سبيلي، وأنني أحيي ألف ~~سيئة في سبيل حسنة واحدة. وما قيمة الخير إذا لم يفعله صاحبه متجها إليه؟ # وكنت أحس أن الله لن يرضى عن عملي ولن يقبل خيري. ولم ألبث أن وجدت عقوبة الله أمامي، فما ~~كان الله ليبارك في خير جاء عن سبيل الشهوات. # | الفصل السابع عشر # عاد تيمور إلى جانبولاد بعد أن قهر الملوك وقتل الجيوش، وأتى معه بعدوه بايزيد العثماني ~~في قفص من ms089 الحديد؛ ليراه الناس ويعتبروا ويمجدوا في الأرض اسم تيمور. # ولم تطاوعني نفسي على الخروج مع الناس لرؤيته؛ فما حاجتي إلى رؤية منظر شهدت مثله في ~~الغابة من قبل! وزاد من زهدي في رؤيته ما سمعت عن منظره؛ فقد قيل إنه أشل اليد والرجل، ~~تعترض وجهه ضربة سيف تركت فيه جرحا غائرا يجعل نظرته كنظرة الفهد. فآثرت الذهاب إلى دار ~~صديقي كمال الدين لأقضي عنده اليوم؛ لأن مدرستي كانت خاوية؛ إذ خرج أكثر تلاميذي كما خرج ~~الناس لرؤية موكب المنتصر. ولست ألوم أحدا منهم على ذلك فإنه من طبع الإنسان. كان الإنسان ~~منذ القدم يعبد الأقوياء القساة. # ولم يكن كمال الدين وحده في الدار، بل كانت معه أخته الصالحة الكريمة «نجوى»؛ نجوى ~~الطاهرة البتول التي كانت لأخيها كل ما في الحياة. # كانت شابة في البضع والعشرين، وإن كنت كلما حدثتها رأيت من عقلها كمال الخمسين، وكنت ~~كلما نظرت إليها تذكرت علية ابنة علاء الدين. # كانت لها عيناها الواسعتان وجبينها الوضاح وصفحة وجهها الوضاء، حتى لقد كان يخيل ~~إلي أحيانا أنها هي التي رأيتها في الهودج المزركش في موكب السلطان في ماهوش. # قضينا اليوم معا وكان يوما من الربيع. والربيع ما زال منذ الصبا يهزني ويطربني، ~~ويعتريني فيه خشوع وتشملني فيه رقة، كأن زهره يتفتح في قلبي، وكأن طيره يتغنى في حنايا ~~صدري. كان الربيع دائما يجمعني بالخليقة، ويمزجني بالوجود ويوحي إلي أسمى المعاني. ولكن ~~الربيع في ذلك اليوم كان أكثر سحرا ونشوة. # سرت في الحديقة الصغيرة أنقل طرفي من عود إلى عود، ومن زهرة إلى زهرة، على حين جلس صديقي ~~في ركن منها يصلي ويقرأ الأوراد. وذهبت «نجوى» إلى شئون البيت كعادتها إذ تمهن لأخيها. وقد ~~وجدت في تأمل المخلوقات عبادة أسمى من كل عبادة؛ إذ كانت كل ورقة تملأ صدري سلاما وشكرا، ~~وكل حشرة أفحص بنظري أعضاءها وحركتها تملأ عقلي علما وخضوعا. وقضيت في جولتي حول الحديقة ~~الصغيرة ساعات كنت فيها أحلق في الآفاق وأهيم في الوجود من الأزل القديم ms090 إلى الأبد المقيم ~~إلى ما شاء الله، وكان أقل ما يقع عليه بصري يفتح لي عالما لا يقل عن الفضاء الفسيح في ~~روعته وجلال أسراره. # رأيت عنكبوتا ضئيل الجسم لم أكد أتبينه في ضوء الصباح، ورأيت بيته الواهي وقد انعقدت ~~عليه قطرات من الندى تلمع عليها أشعة الشمس بألوان لا حصر لها ولا يستطيع اللسان وصفها، ~~ورأيت المخلوق الصغير يتحرك ويلقي من فمه خيطا لا تبصره العين إلا إذا لمع عليه شعاع من ~~الضوء، فمددت إليه أصبعي فعلق به، وإذا بالعنكبوت يتعلق بخيطه في طرف أنملتي ويهتز في ~~الهواء مترجحا، ثم رأيته يتسلق الخيط حتى كاد يلمس أصبعي، فهززت يدي فإذا به يسرع فيمد ~~من فمه غزلا رقيقا تطاول حتى صار على أكثر من ذراع مني، فملأني هذا الخلق البديع عجبا. ~~هو آلة دقيقة الصنع عجيبة التركيب، لا تكاد العين ترى لها جرما، ومع ذلك فله أرجل وأطراف، ~~وفيه حواس لا أدري عددها، وله أهداب وأجهزة وفم ومعدة وآلة لإفراز هذا اللعاب الدقيق الذي ~~لا يخونه إذا امتد ولا ينقطع به إذا تسلقه. كل هذا قد اجتمع متناسقا في نقطة ضئيلة لا تكاد ~~العين تبصرها، فسبحانك يا ألله! # وانتهى صديقي من أوراده وجلس ينتظرني. وكانت «نجوى» قد جهزت طعاما للإفطار - أتم الله ~~عليها نعمته وأسبغ عليها فضله - فدعتني إلى الطعام. وما كان أطيبه! ثم قضينا سائر اليوم في ~~درس وتأمل وحديث طيب وصلاة، وكان مجلسنا يفيض بنور الله، لم أحس فيه أنني معلم ألقي الدروس، ~~بل كنت أتعلم من صاحبي أكثر مما كنت أعلمهما. كانت «نجوى» إذا تحدثت فتحت في قلبي ~~ينابيع من الفيض فأغرق في تأملي حينا ثم أطفو وقد امتلأ قلبي يقينا. ولست أدري ما ذاك ~~الذي كانت تحدثه في بنظراتها الوديعة. كانت تستمع لما أقول وتنظر إلي بعينيها ~~الواسعتين الحالمتين، ثم تنطق بكلمة أو بكلمات فإذا بي أسمع معنى لم يجل من قبل بخاطري. ~~وقد تنظر إلي صامتة فإذا بي أرى عالما خفيا من الأسرار ينفتح أمام ms091 عيني. # كانت نفسها الصالحة تتصل بالملأ الأعلى، فإذا هي نطقت أنفذت بصري الكليل إلى طرف منه، ~~فألمح لمحة سريعة تكفي لأن تفيض علي من النور القدسي فيضا غامرا. # ولما ذهبت إلى بيتي مع وسط الليل كنت أحس أنني لا أسير فوق الأرض، بل تحملني أجنحة ~~الملائك على متن الهواء، حتى كأن السحب قد صارت تحت مسراي، وكأن تيمور وشيعته وبطشه وخوفه ~~كانت كلها تحت مواطئ قدمي. # ذهبت إلى منزلي وجلست على كرسي كبير لم يكن في غرفتي سواه إلى جوار النافذة المطلة على ~~الفناء، وأشعلت المصباح ولم يكن به سوى القليل من الزيت، فجعل يتراقص ويطقطق ولا يكاد نوره ~~يبلغ زوايا المكان. فبدت الأركان بعيدة كأنها تنتهي إلى الأفق في طرف السماء. وأغمضت عيني ~~وأنا جالس على الكرسي لا أريد نوما، ولكني وجدت في الغمض راحة أنست إليها. فأخذتني سنة ~~من النوم فتحت عيني بعدها على صوت سمعته يناديني. فتلفت حولي ثم نظرت إلى النافذة ورائي ~~فرأيت شخصا واقفا قد وضع مرفقيه على حافة النافذة واتكأ بذقنه على كفيه، فوسعت عيني ~~لأتبينه في الضوء الخافت فإذا به صاحبي «طوطاط» وبادرني قائلا: «أين كنت بالأمس؟» # فقلت له منكرا: «وما سؤالك عن هذا؟» # فنظر إلي معاتبا وقال: «لم تذهب إلى لقاء تيمور. وقد سأل عنك.» # فصحت في فزع: «تيمور يسأل عني؟» # فقال جادا: «وما تعجبك من هذا؟» # فقلت: «إنه لم يرني.» # فقال ضاحكا: «ولكنه يعرفك. ألا تفهم؟ إن تيمور لا يخفى عليه علم بأحد.» # فأزعجني قوله وداخلني منه هم زادني قلقا، فأطرقت صامتا أفكر فيما عساه ذكرني به. فقرب ~~«طوطاط» مني وهمس في أذني: «احذر!» # فقلت له مبادرا: «مم أحذر، وما بي ما أحذر منه؟» # فقال جادا: «ألجم لسانك هذا. كفاك ما صنع بك.» # فنظرت إليه في دهشة وقلت: «لساني أنا؟» # فقال لي في رفق: «نعم، فما هذه الدروس التي تلقيها؟ وما هذه الكرامة الإنسانية التي تتحدث ~~عنها؟ ثم ما هذه الأغاني التي توسع لها صدر مدرستك؟ وماذا عليك إذا شئت الغناء ms092 أن تجعله ~~في بيت رجل مثلي ليكون طربك في ستر وتجمل؟» # ثم غمزني في ذراعي هامسا: «لا تذهب إلى المدرسة منذ اليوم؛ فقد أمر تيمور ~~بإغلاقها.» # قال هذا ومضى عني مسرعا. # كانت كلمته هذه مثل الصاعقة تنقض علي، واسودت الدنيا في عيني ولم أدر ماذا أصنع. ~~وشعرت عند ذلك أول مرة أنني واقف وجها لوجه أمام تيمور، وتمثلت لي كل قوته وكل سطوته ~~وأحسست الخوف يملكني. لقد كنت من قبل أتأمل جبروته بالفكر وأسمع عن بطشه بالأذن، وأمقت كل ~~هذا وأنا بعيد عنه، ولكني عند ذلك رأيت نفسي وضعفي أمام سلطانه الهائل، فخيم اليأس علي ~~وشل حركتي. # فقمت منتفضا عن مقعدي، وقد شعرت بأنه لم يبق لي في جانبولاد مقام؛ فإني لا أستطيع ~~البقاء فيها إلا إذا رضيت بأن أذهب إلى تيمور وأتمسح عند أقدامه. # وقمت إلى الصلاة، واتجهت إلى الله أن يسدد خطاي وأن ينقذني من الوساوس، فلما فرغت ~~منها عدت إلى نفسي أحاسبها حسابا عسيرا. فهي التي زينت لي اتخاذ دار العلم مسرحا ~~للهو، وهي التي جعلتني أفرط وأسف في سبيل الذهب. وامتلأ قلبي سخطا على ذلك المعدن ~~الخسيس الذي أضلني؛ فإن الله لم يجعل سبيلا إلا على من ظلم وأخطأ. وأقبلت على صلاتي ~~أستغفر فيها ربي من ذلك الإثم الذي وقعت فيه. وجعلت أناقش نفسي وأحاجها في الهجرة، ~~وترجحت بي الميول بين المشقة وبين الكرامة، ولم أستطع أن أهتدي إلى رأي بينهما؛ إذ كان ~~أحلى الخطتين مرا. وفيما كنت في حيرتي برقت لي بارقة من الأمل، فألقي في روعي عزم ~~رأيت فيه فرصة الخلاص مما كنت فيه. بدا لي أن الهجرة نوع من الهروب، وأنني لا ينبغي لي أن ~~أهرب حتى أبلي في سبيل الحق بلاء ألتمس فيه العذر لنفسي، فإذا اضطررت بعد ذلك إلى الهجرة ~~لم أجد على نفسي سخطا أو لوما. فعزمت على أن أقيم في جانبولاد وأن أجاهد في سبيل الحق ما ~~استطعت، وأن أقابل الجبروت بالتحدي، وأرفع رأسي كريما لا أحنيه لقوة ظالمة، ms093 فإذا أصابني من ~~ذلك ما يصيب الشهداء كنت قد بلغت عذري. وامتلأ قلبي يقينا بأنني لن أخشى قوة الطغاة. ~~فوالله إن الحق ليصرعهم لو نطق به من ملأه الإيمان. # وعزمت بعد ذلك على أن أصحح مكاني في جانبولاد، وأن أضع نفسي حيث كان يليق بها أن تكون. ~~فإني لم أكن أقل من أصحاب الريش والأعلام. بل إنني كنت لا أرضى بأن أكون مساويا لهم. فإذا ~~كان سادة جانبولاد قد تواضعوا على أن يجعلوا الأمر كله لأنفسهم، فلن أسمح بأن أكون دونهم في ~~شيء. عزمت على أن أدخل نفسي قسرا إلى المكان الذي يليق بي. وما كان لمثلي إلا أن يكون في ~~المحل الكريم. وما كدت أستقر على هذا الرأي حتى أخذت في الاستعداد له، واجتهدت فيه اجتهادا ~~كبيرا. # | الفصل الثامن عشر # كانت الأعلام في جانبولاد لا ترفع طبعا إلا إذا ملأ الناس قدورا من الذهب بعددها، ~~ولكن ما لي وللذهب؟ قد رسم السادة خطتهم على أن يجعلوا الذهب وقفا عليهم، فكانت النتيجة أن ~~الذكاء والعلم والأدب والخير والفضل لم يصبها منه شيء؛ إذ لم تجعل لها قيم في خطتهم ~~المرسومة. وما كنت لأقيد نفسي بقواعدهم منذ عزمت على أن أطيع الحق وحده، ولا أنظر إلا ~~إلى جوهر الأشياء، فلو أنصف الناس لجعلوا المكان الأول في القيم كلها للذكاء والفضل ~~وأمثالهما مما ضاع قدره في جانبولاد. # ومهما يكن من الأمر فقد استقر رأيي على أن أستغني عن الذهب وأتخذ لنفسي معيارا ~~رمزيا أجازي به الأفعال بما تستحقه. والذهب بعد التفكير لا يزيد على أنه معدن مثل كل ~~معادن الأرض؛ فهو كالحجر لا يزيد على أنه من عناصر الطين، وهو لا يستحق كل هذه العناية التي ~~يحيطونه بها؛ إذ هو لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس، وشربة واحدة من الماء في الصحراء تكون ~~أغلى من كل ذهب الأرض. وإذا كان المقصود إنما هو وضعه في القدور وختمها بعد ذلك، فلن يضير ~~القدور شيء إذا ملئت بشيء آخر كالحصا أو الحجارة ، ولن تكون ms094 قدر من الخزف خيرا من أخرى ~~لأن واحدة مختومة على ذهب والأخرى مختومة على حجارة. # فعمدت إلى قرطاس كتبت عليه أنواعا من العمل، وكتبت أمام كل منها ما يستحقه من وزن الذهب ~~لو أنصف الناس، ثم عمدت إلى قرطاس آخر كتبت عليه أنواعا من النقص أو الظلم أو أعمال ~~السوء، وجعلت ما يقابلها من العقوبة مقدرا بوزن الذهب. وعزمت على أن أحاسب نفسي على ~~أعمالها جميعا، فأقدر ما قدمت من خير وأجعل لكل عمل من ذلك وزنا ألقيه في قدر - أقصد ~~وزنا من الحصى بدلا من الذهب. فإذا ما امتلأت قدر ختمتها ورفعت على داري علما، وكلما ~~ملأت أخرى وختمتها رفعت علما آخر. ولم أنس محاسبة نفسي على ما تجترم من الذنوب، فعزمت على ~~أن أنقص من القدور ما يعادل قيمة عقوبتها على آثامها، حتى لا يبقى فيها إلا وزن ما هو باق ~~لي من الحسنات الخالصة. وكنت في ذلك متحرجا متأثما؛ فإن الله قد وعدنا - معاشر البشر - ~~لما علم من ضعف الطبيعة الإنسانية أن نجزى على الحسنة بعشرة أمثالها، وألا نجزى على ~~السيئة إلا بمثلها، فبالغت في الحيطة، وجعلت الحسنة والسيئة سواء في الأجر والعقوبة. # ولأضرب مثلا مما وضعت من القيم لأبين أنني لم أغال في التقدير؛ فقد جعلت لإطعام الفقير ~~وزن حبة من الرمل، ولعيادة المريض وزن حصاة صغيرة؛ فإن هذه من الواجبات التي لا ينبغي لأحد ~~أن يطلب عليها الأجر. وجعلت لكتابة رسالة في الأخلاق وزن حصاة كبيرة، ولكتابة رسالة في ~~التاريخ وزن درهم؛ لأنه سجل الأمم، وهو يعلم الناس أن الحياة تفنى ولا يبقى على الدهر إلا ~~الخير، وأن الظلم مرتعه وخيم، وأن العسف لا يقيم الدول إلا إلى حين. وجعلت لكتابة القصة وزن ~~أقة؛ لأن القصة لا يقدر عليها إلا من وهب الله له من فضله. ولم يكن في تقديري مبالغة؛ فإن ~~الخلفاء العظماء كانوا فيما مضى يجيزون الشعراء بمئات الألوف من الدراهم على أبيات في المدح ~~الكاذب، أو في وصف الخمر واللهو ، فإذا أنا ms095 جعلت للقصة وزن أقة واحدة من الذهب لم أكن ~~مغاليا. وجعلت لتعليم الناس قدرا كاملة. نعم! قدرا كاملة؛ فالتعليم يطهر النفوس ~~ويبني أساس المستقبل ويفهم الناس معنى الإنسانية. فإذا خرج المعلم رجلا كاملا أضاف به ~~إلى الأمة ثروة لا تقدر بمال. وما كنت لأبخس التعليم حقه وأنا أعرف قيمته، ولن يضيرني أن ~~تيمور وعلية جانبولاد لا يعرفون له قدره؛ فإن الحقائق لا يستطيع إدراكها إلا من يسمو بذكائه ~~إلى المعاني العليا. # ولما انتهيت من ذلك أخذت في إعداد القدور والحصى، واستطعت أن أملأ لنفسي قدرين كبيرتين، ~~ثم عمدت إلى ثوب فقددت منه ما يكفي لصنع علمين، فما أتى العصر حتى كان علمان أصفران ~~بديعان يخفقان في الهواء فوق داري. # ثم أسرعت إلى دار صديقي كمال الدين لأقضي معه ساعات في الدرس والعبادة؛ إذ قضيت اليوم ~~كله لاهيا عن عبادتي، وأحسست شوقا إلى مجلس العلم، وحمدت الله إذ بقي لي في جانبولاد ~~صديق أتذوق معه لذة الدرس. فلما طرقت الباب فتحت لي «نجوى» الكريمة الصالحة، فهشت إلي ~~وبشت، ونظرت إليها وكأن نورا يشع منها إلى قلبي. وخفق قلبي فأسرعت داخلا وأغضيت حتى ~~لا أطيل النظر إليها. ولست أدري لم كانت صورتها تنطبع في خيالي وتعاودني في خلواتي ~~وتلازمني في سيري، حتى كادت تنافس الصورة التي طويت عليها جوانحي، وجعلتها رمز الكمال ~~والأمل؛ صورة علية ابنة علاء الدين. # وبعد قليل جاء أخوها، فجلسنا ثلاثتنا نتدارس ونتعاطى أطيب الحديث، وصلينا وقرأنا الأوراد ~~حتى مضى صدر من الليل، وأخبرتهما بما كان من أمري، فاختلفت فيه الآراء، وراجعني كمال الدين ~~في رأيي مراجعة شديدة، ولكنني ما كنت لأرجع عن أمر تبين لي فيه وجه الحق، ولم يراجعني كمال ~~الدين إلا لأنه خشي علي من عواقبه. ولكن ما هذه العواقب التي يخشاها؟ إن الحق واضح ولا ~~يليق بنا أن نتردد فيه. # ثم قمت عائدا إلى داري والسرور يملأ قلبي، والأمل يضيء لي سبيلي، ولم أنس أن أذكر نظرة ~~«نجوى» عندما ودعتها. لقد خفق قلبي خفقة شديدة ms096 عندما نظرت إلى عينيها الواسعتين، ولست ~~أستطيع أن أعبر عن أثر نظراتها في نفسي؛ فإن الألفاظ تتضاءل عن وصفه؛ تلك الألفاظ التي لم ~~يتخذها الناس إلا مطية لما اعتادوه من معانيهم. حقا أني لم ألبث أن غضضت من بصري وسرت ~~عنها مسرعا، ولكني جعلت ألوم نفسي، فما كان ينبغي لي أن أستبيح تلك المتعة من النظر إلى ~~جمالها البارع وملء عيني منه. ومضيت في سبيلي وصورتها ماثلة في قلبي حتى غلبت على صورة علية ~~ابنة علاء الدين. ما لي وعلية! إنها ليست إلا خيالا، وهذه «نجوى» الطاهرة التي كنت أسمع ~~حديثها وأستوحي العلا من نظرتها. «نجوى» التي كنت أراها حقيقة أمامي. وما يدريني إذا أنا ~~رأيت علية وحدثتها كيف أجد حقيقتها؟ ألا أراها ترفع حاجبيها استعلاء وتزور عني ولا تهش ~~لي كما تهش نجوى الكريمة إذا لقيتها؟ # بلغت منزلي أخيرا ولم أنس أن أحاسب نفسي على نظرتي التي نظرتها، فأخذت حفنة من الحصى من ~~إحدى القدرين وقذفت بها إلى جانب، ثم قمت إلى أحد العلمين فحططته عن داري ريثما ييسر ~~الله من الحسنات ما يعوض ذلك النقص. وأطلت في ليلتي من القيام بالصلاة لعل الله يتجاوز عن ~~خطيئتي، وعزمت على أن أمسك قلبي من بعد فلا أنظر إلى «نجوى» إلا كما نظر موسى إلى النور ~~المقدس. # | الفصل التاسع عشر # كانت الليالي بطيئة كأنها تزحف زحف الدبى، وكانت النجوم تلمع من وراء القضبان الحديدية ~~الغليظة كأنها قد سمرت في مواضعها من السماء. وكنت أقفقف من البرد في سجني المظلم، ~~ولولا الصلاة وقرة عيني فيها لتمزق صدري من غيظه وتطايرت عنه أضلاعي. قذف بي في السجن ~~كما ترمى الهرة في البئر أو كما يخبط الحجر فيتدحرج إلى الهاوية. وقد حاولت أن أعرف ما ~~الذي دعا إلى سجني وأنا رجل قد كفيت الناس كل أمري فلم أستطع أن أهتدي إلى شيء؛ لأن ~~السجان الفظ كان يأبى أن يكلمني، وكنت لا أرى سواه إلا بعض رفاق كانوا مثلي لا يعرفون ~~لهم جريمة . # وبقيت كذلك ms097 إلى أن أحسست يوما على جدار حجري حسا، فنظرت حولي ورفعت رأسي فإذا وجه يطل ~~علي من بين القضبان، فبرقت فيه لأعرفه فلم يسعفني الضوء الضئيل، ثم رأيته يفتح فمه ~~الأهتم ويهمس يناديني، فصعدت بصري فيه حتى بلغت رأسه الأصلع وصحت فرحا: «طوطاط!» فهز ~~رأسه وهو صامت، وكان يحاول في مشقة أن يلف ذراعه اليمنى حول القضبان ليتعلق بها، ثم رمى ~~إلي حزمة بيده اليسرى وقال هامسا: «كيف حالك؟ تشجع!» # فصحت به: «قل لي لم جيء بي إلى هنا.» # فقال متأثرا: «ألم أقل لك؟ إنك لا تسمع النصح. كيف تجرأت على تزوير القدور؟» # وعند ذلك ثقل جسمه على ذراعه فاختل تماسكه ووثب إلى الأرض بعد أن قال لي: ~~«تصبر.» # فعدت إلى وحدتي حزينا أفكر فيما مضى بي من أيامي في جانبولاد، وأقبلت على نفسي ألومها ~~على الخروج من الوطن، ولاحت لي ماهوش عند ذلك جنة نعيم. حقا لقد خرجت منها حانقا لأنني ~~لم أجد بها مكانا، ولكني كنت أتكلم فيها، وكنت أضحك وكنت أسخر، وما كنت أرى فيها أحدا ~~خيرا مني. بل لقد ذهبت يوما لأسطو عامدا على أموال الناس لآخذ حقي من أرزاق ماهوش غصبا، ~~وعدت أحمل ما أخذته عن رضا. أيها الوطن العزيز، كنت أجد فيك الحب فجحدت نعمتك، وها أنا ذا أذوق ~~عقوبة الجحود. لقد كاد قاضي جانبولاد يحدني في جرم لم أرتكبه، ولولا أنني لبست ملابسه ~~لأصابني العذاب والعار. ثم أغلق تيمور مدرستي مدعيا بأنني أذيع فيها الفساد وأتخذها ~~مسرحا للهو، وهذا هو يلقي بي في السجن لأنني زورت القدور. أي قدور هذه التي زورتها! إن ~~الطغاة لا تعوزهم الحجج إذا شاءوا التماسها. ويا ليتهم إذ أرادوا البطش اتجهوا إليه كما ~~يتجه الضبع إلى فريسته مكشرا صريحا لا يعرف مواربة ولا رياء. ليتهم يفعلون ذلك فيبلغوا ~~العذر؛ لأن هذا هو قانون الغابة، ولا بأس فيه على القوي إذا سطا بالضعيف. ولكنهم يأبون إلا ~~أن يتستروا وراء ما يقيمونه من القواعد ويسمون ذلك عدلا. # ذكرت ما كان ms098 من حوادث الأيام الماضية، وأيقنت أن القدور كانت سبب بليتي، فإنني ما كدت أضع ~~العلم فوق بيتي حتى رأيت الناس يجتمعون حوله منذ الصباح وينظرون إليه متهامسين، فحسبت أنهم ~~يعجبون بلونه ورشاقة خفقاته. ثم أتى الليل فجاء إلي رجل من هؤلاء أصحاب الريش، فأخذ ~~يسألني عن علمي وعن قدري، وزعم أنه لا بد له من الاطلاع عليها حتى يختمها بنفسه. هكذا ~~زعم، وقال لي إن أعلام جانبولاد لا ترفع إلا إذا ختم القدور بيده، وتحقق من أنها مملوءة. ~~فذهبت معه إلى القدر ففض ختامها ودس يده فيها، فصحت به حانقا: «ماذا تفعل؟» ولكنه كان قد ~~سبق صيحتي وأخرج يده من القدر مملوءة بالحصى. فنظر إلي ضاحكا وقال لي: «ما هذا؟» فلم ~~أجد بدا من أن أشرح له الأمر كله، وهو يهز رأسه حتى فرغت من قولي بعد أن أوضحت له كل ~~ما قد يبهم عليه. فذهب عني صامتا بعد أن نظر نحوي نظرة عجيبة. فلم أعبأ بنظرته لما علمته ~~من غرابة أطوار أصحاب الريش، وعدت إلى غرفتي لأهيئ عشائي، وما كدت أفعل حتى جاءني جماعة من ~~الشرط يأمرونني أن أسير معهم، ولم تجدني فيهم مساءلة ولا مدافعة، فقادوني إلى هذا السجن ~~بغير أن يتكلموا كلمة واحدة. # ومرت بي الأيام بسجني في بطء، لا يقطع ظلامها إلا شعاع ضئيل من النجوم الوامضة الباردة، ~~التي لا تفتأ تحدث حديث الأجيال الفانية. ولم يكن أحد يقطع علي وحشة الوحدة إلا صورة ~~«نجوى» التي كانت تلازمني، ثم صاحبي «طوطاط»؛ إذ يتسلق الجدار من خارج، ويتعلق بالقضبان ~~حينا ويهمس لي بكلمات قصيرة، وكان في كل مرة يرمي إلي ربطة فيها ما يتفق له من طعام أو ~~ملبس، وكان أحيانا يطرفني ببعض الفاكهة أو الحلوى، فكانت إلمامته القصيرة تبعث في قلبي ~~أنسا يقيم فيه أياما؛ جزاه الله من صاحب كريم. # وكانت آخر مرة جاء فيها طوطاط لزيارتي في ليلة من رمضان، وكنت أستعد للصلاة قبل الإفطار، ~~فقذف إلي ربطته قائلا: هي سنبوذجة لسحورك، صنعتها بيدي. # فخفق ms099 قلبي عندما تذكرت طعامه الذي صنعه بيده على جانب الغابة، فما كان أشهاه من طعام، كان ~~القمر يضيء الفضاء، وكان هواء الربيع طلقا لا يشبه في شيء هواء سجني. وهممت بأن أشكره على ~~بره وكرمه، ولكنه قاطعني هامسا: «تشجع، إن تيمور قد ذكرك.» # فصحت به: «ذكرني؟ وهل كان ذكره إياي إلا شؤما؟» # فهمس قائلا: «هذا شيء آخر، كنت عند ذلك طليقا حرا.» # فصحت: «ألا يكون شؤمه إلا على الأحرار؟» # فهمس في رعب: «صه! ألجم ذلك اللسان. اسمع، نسيت أن أخبرك أن لك رسالة مع السنبوذجة. خطاب. ~~أسمعت؟» # ثم قهقه وقال: «لقد صرت لك عامل بريد.» # فاضطرب جسمه في ضحكه وثقل على ذراعه فخلصها من بين القضبان ووثب إلى الأرض. # فأسرعت إلى الربطة ففككتها وتلمست الرسالة من طياتها، ولكني تذكرت الظلام، فألقيت بها ~~حانقا، وقضيت الليلة مفكرا مهموما لم أذق طعاما، وكانت همومي لا تفارقني إلا إذا قمت ~~للصلاة. كانت الأفكار تشرد بي دائما إلى جانب الغابة، فأذكر ما رأيت فيها وما سمعت، ~~وتمثلت لي قوانين الإنسان في مجتمعاته أشد قسوة من القانون الطليق الذي يسري في الغابة. ~~وبدا لي في ظلمة سجني أن قانون الأسود والفهود أقرب إلى الرحمة من تلك القيود التي يضعها ~~تيمور؛ فالأسد لا يقتل لأنه يحب القتل بل لأنه يريد أن يشبع جوعه. وليس في قانون الغابة مثل ~~هذه السجون المظلمة التي يزيد عذابها على عذاب ساعة تعانيها الفريسة قبل أن تنزلق إلى بطن ~~الوحش المفترس. # هكذا قضيت الليلة في تفكيري الحانق حتى طلع الصباح، وكنت أترقب دخول الشعاع الضئيل من ~~النور لكي أستطيع أن أقرأ الرسالة. فما كدت أتبين الحروف حتى أقبلت عليها أقرؤها مع ما أصاب ~~عيني من الألم في قراءتها على النور الضئيل. ولكني لا أذكر سرورا كان أعظم عندي في يوم من ~~أيام حياتي مما أحسسته بعد أن مضيت في قراءتها. لقد تحرك المساكين الذين كنت أعلمهم ~~وأواسيهم؛ تحركوا من أجلي وعزموا على النزوح من جانبولاد. هكذا أخبرني صديقي كمال الدين ~~في ms100 رسالته - جزاه الله خيرا. ولم ينس أن يبعث إلي في خطابه تحية من أخته الصالحة. كتبت ~~نجوى إلي تحيتها تشد من عزيمتي وتدعو لي بالفرج القريب. إنني لم أزل منذ حللت في ذلك ~~السجن أراها أمام عيني، ولكن أفكاري السوداء كانت تجعل لصورتها إطارا من الأحزان والآلام. ~~أما صورتها التي ملأت قلبي عندما قرأت تحيتها فقد كان إطارها من السلام والسعادة. # دب الأمل إلى قلبي وصار يرفه عني أثر ضيق السجن وظلامه. وما أكرم مساكين جانبولاد! ليس ~~لبلد أمل في الحياة إذا فقد مساكينه؛ فهم الأيدي وهم الأرجل وهم القلوب والأحشاء. لا قوام ~~لأمة بدونهم، ولن يستقيم أمر أمة إلا إذا ساوت بين رأسها وبين سائر أعضائها فيما يجب لكل ~~منها من الرعاية والحرمة والكرامة. # ولكن الطغيان أعمى، ولا سبيل إلى فتح عينيه إلا بأن يظهره المساكين على أنه لا حياة له من ~~غيرهم. يستطيع المساكين أن يعيشوا في الأرض الفسيحة؛ فإن عندهم الأيدي والأرجل تعمل وتسعى، ~~وهم يجدون وطنا حيث يحلون لأنهم في كل وطن يخدمون، ولن يضرهم أن تزول الحروب بين الأمم ~~وأن تكون بلاد الله كلها للإنسان. # لم أشك في أن تيمور قد فزع واضطرب من هؤلاء المساكين الذين أرادوا الخروج من جانبولاد. ~~أيها الأشقياء، لو اطلعتم على ما في قلوب الطغاة وهم يدوسونكم بأقدامهم لسركم ما ~~تطلعون عليه. إنهم يخشونكم وأنتم صرعى، ويعرفون ضعفكم وقوتكم. # ولقد صدق ظني فيما ذهب إليه، فما أتى عصر ذلك اليوم حتى سمعت السجان يعالج فتح باب جحري، ~~ثم سمعت صراخ المصراعين وهما ينفرجان، ثم رأيت ذنب السيد الذي انحنى وهو داخل من الباب ~~المطأطئ. كان الذنب يضطرب فوق قلنسوة حريرية صفراء عندما فتح الباب. ولما دخل الذنب دخل ~~وراءه السيد، وكان مثل الببغاء كسائر أصحابه، حتى كدت أقهقه من رؤيته، ولكني أمسكت نفسي ~~ونظرت إليه صامتا. # فنظر إلي مبتسما وقال بعد أن حيا: «أنت رجل طيب؛ هكذا يقول الناس عنك. وليس السجن ~~بالمقام اللائق بك.» ثم نظر حوله مشمئزا. # فقلت ms101 له: «لا شك فيما تقوله أيها السيد، إنني أحب السير في ضوء الشمس والتنفس من الهواء ~~الطلق، وأحب أن أذهب حيث شئت، وأتكلم مع من أحببت، وأقول ما يدور في نفسي إذا أردت. أحب كل ~~ذلك وأحس تلك الجدران التي أقيم بينها تكاد تنطبق علي وتزهق أنفاسي بركود هوائها ~~وظلمتها.» # فهز رأسه موافقا وقال: «وإذن فأنت ترى مصلحتك في التخلص منها.» # فصحت: «مصلحتي! إنما هو حقي.» # فقال الرجل متراجعا: «حقك! ليس من حقك أن تسير الأمور حسب أهوائك.» # فقلت في حنق: «بل أقول إنه حقي، وليس لأحد أن يسلبني إياه.» فاحمر وجهه ونظر إلي ~~نظرة بشعة وقال: «أهذا ما تعلمته في سجنك؟» # فقلت مبتسما: «نعم، تعلمت من السجن أشياء كثيرة.» # فقال ساخرا: «تعلمت مثلا أن توجه ألفاظا جافية إلى من جاء يحسن إليك.» # فأخذ الغضب مني مأخذه وصحت به: «تحسن إلي! إنني لا أقبل منك إحسانا. إن من حقي أن ~~أكون حرا، ولو كنت مجرما لما كان هذا السجن عقابا جديرا بإنسانيتي. اقطع يد السارق ~~واتركه حرا، واقتل القاتل ودع روحه حرة. إن الحرية أثمن من اليد ومن الجسد كله.» # فنظر إلي صامتا والدهشة تعقل لسانه، ثم حاول أن يهدئ نفسه وقال: «دعنا من هذا القول ~~الحانق، كن هادئا وافهم فيم أتيت إليك.» # فقلت له هادئا: «ها أنا ذا تراني هادئا. ولكني أنطق بالحق. قد علمني السجن ألا أمانع ~~نفسي من قول كلمة أراها حقا. كنت أحيانا أتردد في قولها من خوف هذا السجن، فلما دخلته ~~وتحملت ضيقه، وجدت أن كل ما فيه من عذاب وألم أقل قسوة من الشقاء الذي يسببه الامتناع عن قول ~~الحق.» # فقال الرجل متكلفا العطف: «لسنا نخشى الحق، قل ما شئت من الحق الصحيح.» # فضحكت مقهقها، وكانت تلك فلتة لمت نفسي عليها، ولكني لم أقدر على الامتناع منها، ثم ~~قلت: «هناك إذن حق صحيح وآخر غير صحيح؟ إنما أعرف الحق واحدا، فإذا لم يكنه كان ~~باطلا.» # فتحرك الرجل في قلق، ولكنه تكلف الهدوء وقال باسما: ms102 «قله إذن، قل الحق.» # فقلت مسرعا: «لقد قلت ما ثار في نفسي، وهذا حسبي الآن.» # فقال في عطف متكلف: «أنت مخطئ في تقديرك كله. لست من هؤلاء الأغرار الذين يليق بهم أن ~~يخطئوا وأن يعاقبوا؛ فأنت رجل عالم، لست من السوقة الرعاع.» # فقلت مندفعا: «السوقة الرعاع؟ من هؤلاء؟ لا أعرف سوقة ولا رعاعا إلا هؤلاء الذين يملئون ~~الأرض فسادا. وأما رجل الحقل الذي يلوث يديه بالطين ويسير عاري القدمين ممزق الثياب، ~~ويذهب آخر اليوم إلى أهله بحزمة من الفجل ورغيفين؛ أما هذا فرجل وهب نفسه للعمل ووهب ماله إلى ~~الآخرين. فإذا كان من السوقة الرعاع فما أحب إلي أن أكون منهم.» # فقال السيد متأففا: «أوه! أقصد أنك رجل عاقل لا ترضى بالفوضى.» # فقلت: «لست أرضى الفوضى لبلد من بلاد الله.» # فقال مرتاحا: «إذن قد اتفقنا. وأنا آت إليك موفدا من مولاي تيمور العظيم، إنه يمد يده ~~إليك.» # فصحت في دهشة: «أنا؟ يمد يده إلي أنا؟ أنا هنا أسير، ويد الأسير مغلولة.» # فقال معاتبا: «أنت تتجنى، هذا كرم لا ترفضه.» # فقلت وأنا أغص بريقي: «كرم؟ ما الذي حمله على القذف بي إلى هنا؟ أليس هذا بغيا؟ وهل ~~إزالة البغي تكرم؟» # فصاح في حنق: «أنت تصدني وتمعن في جرح كرامتي، وتستهين باسم مولاي.» # فقلت له هادئا: «لست أفهم.» # فتحرك ضجرا وقال: «إذن أنت ترفض السلام.» # فقلت: «الذي يريد السلام لا يستشير فيه.» # فصاح وقد نفد صبره: «هذا تعنت، هذا عناد.» # فقلت وقلبي يدمى: «أنا هنا في سجني كأنني لست شيئا. لقد سلبتم حقي في الحياة حرا ~~وأنتم أصحاب الحول والقوة، ردوا علي حريتي فهذا حقي.» # فقال وقد ثار: «لقد علمت أنك لا تجيب إلى السلام، فلتتحمل العقبى.» فلم أتمالك أن قهقهت ~~مرة أخرى وقلت: «تهددني؟ وماذا يأخذ الريح من البلاط؟» # فجعل الرجل يشتم ويهدر بألفاظ لم أفهم معناها، وكان منظره مسليا، فوقفت أنظر إليه حتى ~~سكن، ثم قلت له: «إذا كانت الحقيقة تغضبك، فما ذلك من ذنبي.» # فأخذ يرعد ويبرق وقبض يده ms103 فرفعها نحوي صائحا: «اخرس!» # فنظرت إليه هادئا ولا أزال أضحك وقلت: «أهكذا تخشى لساني؟» # فدفعني دفعة غيظ كدت أقع منها، ولكني لم أشأ أن يخرج بغير أن أسمعه آخر كلماتي، ~~فقلت: «ستقف معي أنت وسيدك وجها لوجه أمام الأبد. ستقفان وجها لوجه أمامي والعار يقطر من ~~وجهيكما، وتتردد أصداء هذا الحديث جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة. وستشهد الأجيال قوتي ~~وضعفكم، وثباتي وهروبكم، وحقي وظلمكم. وليس فوق الظلم ما يمكن أن يسب به صاحب ~~السلطان.» # فصاح الرجل صياحا عاليا لم أفهم منه لفظا، وخرج يخبط الأرض في عنف، ثم تضاءلت أصداء ~~خطواته في السراديب بعد حين، وعاد السكون العميق. ثم أتى السجان إلى حجرتي فأعاد المصراعين ~~إلى إغلاقهما، وكان الليل قد أخذ يرخي سدوله، واختفى الشعاع الضئيل من الضوء وأقبل علي ~~الظلام الكثيف يلف ما حولي، ولكن قلبي كان يشتعل ويضيء. وقمت أصلي لله شكرا؛ فقد نصرني في ~~سجني على تيمور وجبروته. # | الفصل العشرون # لم أنم من الليل شيئا بعد أن انصرف عني الرجل صاحب الذنب، ولكني كنت مطمئن القلب ~~مبتهجا. فلما مضى الليل وأطلت علي بوادر أشعة النهار الضئيلة من وراء قضبان سجني سمعت ~~صرير المفتاح في باب حجرتي، ثم رأيت الباب يفتح ودخل منه السجان حاملا في يده صرة. فتبسم في ~~وجهي أول بسمة منذ رأيته، ثم ألقى إلي الصرة وقال: «هذه خلعة مولاي.» فنظرت إليه ~~ولم أفهم ما يقصد من قوله، فأعاد كلماته وهو يزيد في ابتسامته اتساعا وقال متلطفا: ~~«خلعة مولاي تيمور العظيم، لكي تلبسها ثم تمضي إليه مع الأمير صاحب الذنب الذي ينتظرك عند ~~الباب.» فدار بي رأسي وحسبت أنني في رؤيا، وتحركت في موضعي ولمست بلاط الحجرة بيدي فوجدته ~~باردا قاسيا كعهدي به، ثم قمت ومشيت وتكلمت لأتأكد من أنني لست نائما، ثم خررت لله ~~ساجدا. ولم أنظر إلى الصرة وتركتها ملقاة على الأرض، وخرجت أتلمس الطريق والسجان يرشدني ~~كلما أخطأته حتى بلغت الباب، فرأيت صاحب الذنب الذي كان عندي بالأمس واقفا مقطب الوجه، ms104 فلم ~~أنظر إليه وخرجت إلى الطريق بعد أن مكثت في سجني شهرين وعشرة أيام وساعتين. وهبت علي ~~نسائم الصباح الباردة؛ تلك النسائم الرطبة التي تحمل عطر الفضاء الفسيح ولا تلوثها جدران ~~السجون. ووقفت حينا أملأ صدري منها وأنظر إلى السماء الصافية اللامعة، وأنوار الصباح ~~الرفيقة الباسمة، وامتلأت عيناي بالدمع. ثم سرت وقلبي يهتف بالشكر لله الذي له الأمر ~~كله، والذي يلطف في الخطب الجسيم، وينعم بما لا يحصى من الآلاء. # وسمعت الأمير صاحب الذنب بعد حين يناديني من ورائي: «إلى أين؟» فلم ألتفت إليه لأنني كنت ~~منصرفا إلى تسبيح قلبي، فأسرع حتى صار إلى جانبي وأمسك بذراعي وقال معبسا: «أما تعرف أن ~~تيمور ينتظر؟» فرفعت بصري إليه، وكان رجلا طوالا، وقلت له مترفقا: «أما تعفيني؟» فقال ~~وهو يقلل من عبوسه: «وهل هو أمري حتى أعفيك؟ إنه أمر مولاي.» فتنبهت إلى نفسي وزالت ~~دهشتي، فتمثلت لي حقيقة الحال، وعلمت أنني مطلوب إلى مجلس تيمور. وماذا كان تيمور يبغي ~~مني؟ فتلطفت في القول وخاطبت الرجل خطابا لينا، فقلت له: «إذا تكرمت علي بساعة أذهب ~~فيها إلى داري لأصلي، سألت الله لك العافية.» وما قلت ذلك حتى سمعت صوتا يصرخ من ورائي ~~يناديني باسمي، فالتفت فإذا السجان يشتد مسرعا نحوي وهو يحمل صرة في يده. فوقفت حتى ~~صار إلى جانبي ومد يده بالصرة قائلا وهو يلهث: «أتريد أن تذهب إلى البادشاه بهذه ~~الملابس؟» فنظرت إلى ملابسي التي كانت من قبل ملابس السيد القاضي، فرأيتها في الحق زرية لا ~~تليق إلا أن تلبس في السجون. فأخذت الصرة من السجان وشكرته على ما تكلف من المشقة، ثم ~~نظرت إلى الأمير الذي إلى جانبي فوجدته ينظر إلي باسما، فاستبشرت وتبسمت إليه مستعطفا فقال: ~~«لا بأس عليك أن تذهب إلى دارك ساعة، ثم أحضر إليك لأسير بك إلى مولاي، فإنه يريد أن يراك ~~في ساعة الغداء.» وكان هذا القول مدهشا في الحقيقة، ولكني لم أقف لأندهش، بل أسرعت قاصدا ~~إلى دار صديقي كمال الدين، فما كان أشوقني ms105 إليه، وما كان أشوقني إلى طلعة أخته الصالحة ~~المباركة «نجوى»، ما كان أشد شوقي إليها. فلما بلغت الدار طرقت الباب ووقفت أنتظر ~~متلهفا، فأبطأ علي الجواب حينا، ثم سمعت صوتا يسأل: «من هذا؟» وكان صوتا حبيبا، ~~فقلت بصوت متهدج: «أنا جحا.» # فسمعت صيحة مكتومة، ثم فتح الباب وظهرت «نجوى» من ورائه تنظر باسمة بعينيها الواسعتين ~~وقالت في حماسة يغالبها الحياء: «مرحبا بك!» ولمحت تحت جفنيها ماء يترقرق. # ثم احمر وجهها، فأصبح مثل لون الوردة في الصباح إذا بللها الندى، فأسرعت أنفاسي ودق ~~قلبي ومددت يدي أصافحها، وغالبت نفسي التي كانت تدفعني إلى ضمها إلى صدري. ويعلم الله أن ~~ذلك لم يكن من شوق هذه الأرض، بل كان رحمة ورقة في صفاء نور السماء. وقلت كلاما وقالت ~~كلاما لا أذكر منهما شيئا؛ إذ كنت أنطق بما لا أعي، وأعي ما لا أنطق به. ولما هدأت سألتها ~~عن أخيها، فقالت إنه خرج في الصباح الباكر، ودعتني إلى الدخول. ولكني اعتذرت وشكرتها ~~واستأذنتها في الذهاب وأنا أنازع نفسي نزاعا شديدا، فألحت علي في الدخول لأستريح، ~~وألحت معها خلجات قلبي، ولكني حركت نفسي قسرا ومضيت في سبيلي، ولم ألتفت إلى ورائي خوف ~~أن تحملني رجلاي جريا إلى الباب الذي لم يغلق بعد ذهابي. # سرت في طرق جانبولاد، وكان بصري كلما وقع على شيء من بيوتها أو عطفة من عطفاتها رأيته ~~باهر الحسن، كأنني لم أنظر إليه قط، وخيل إلي أنني أسير في مسارب جنان خلع عليها ضوء ~~الصباح ألوانا فاتنة. وما زلت أهيم حتى بلغت قريبا من داري، فقلت أذهب إليه لألبس خلعة ~~تيمور، وجررت نفسي جرا لأنني كرهت جدران البيوت من أجل جدران سجني. ولكني لمحت عند باب ~~بيتي شيئا يشبه أن يكون جمعا. فترددت وداخلني الوهم من أن يكون تيمور قد بدا له رأي فبعث ~~بعض جنده من ورائي ليعودوا بي إلى حيث كنت، وخطر لي أن أطلق ساقي للريح وأنجو من المدينة، ~~ولكني آثرت أن أتحقق، فتقدمت في حذر أتدارى في ms106 ظل البيوت. فلما قربت من الجمع لم ألمح ~~فيه خيلا ولا ريشا، بل لاحت لي عمائم بيضاء وقفاطين فضفاضة، فاطمأننت وذهبت نحو الجمع ~~ثابتا حتى بلغت أوله، وملت أسأل أقرب الواقفين عن سر الزحام. فنظر إلي وما كاد يتبين ~~وجهي حتى صاح صيحة فرح: «خواجه نصر الدين! جحا!» وإذا بالسيل الجارف يردد الصيحة، ويتدافع ~~نحوي في ضجيج وعجيج حتى أحاط بي، وجعل كل من استطاع منهم أن يصل إلى يدي يقبلها، وكل من ~~يصل إلى ثيابي يمسح عليها كفه، ومال بعضهم نحو قدمي يلمسونها حتى كدت أتزعزع وأسقط لولا أن ~~الزحام لم يترك لي فسحة من فراغ أتزعزع به أو أسقط فيه. وبعد لأي انشق الزحام عن رجل يجاهد ~~في الوصول إلي حتى صار عندي وأخذني بين ذراعيه، وجعل يقبل كتفي وعنقي، وصحت عندما ~~رأيت وجهه: «صديقي!» فقال لي كمال الدين: «لم ندركك في السجن، ولم نجدك في المسجد فجئنا إلى ~~هنا.» فقلت له: «لقد عرجت على بيتك ...» وقبل أن أتم كلامي علت صيحة من الجمع الزاخر: «إلى ~~المسجد!» ثم وجدت نفسي أتحرك كما يتحرك العود على التيار القوي. ولما بلغنا المسجد صلينا ~~ركعتين، ثم جلست عند العمود الذي كنت من قبل أجلس عنده. وما كان أشوقني إلى أن أعاود لذة ~~أحاديثي! وفتح الله علي بما شاء، ولا أدري كيف تحدثت؛ فقد كان الجنان يملي واللسان يهدر ~~والقلب يجيش مليئا. وما زلت في درسي لا أحس للوقت مرا حتى أذن للصلاة، فقمنا ~~للجماعة والمسجد يضيق بمن فيه. ثم أردت الانصراف، فأخذت صرة تيمور تحت إبطي وقمت أسير ~~في مشقة بين الجموع حتى بلغت الباب وهممت بالخروج فإذا بي أرى الأمير صاحب الذنب يقبل ~~علي مترفقا باسما ويسألني أن أذهب إلى مولاه. # فقلت له: «أنا متعب وبي حاجة إلى الإغفاء.» # فقال باسما: «إن مولاي ينتظرك على الغداء.» # فكدت أنصرف عنه بغير جواب لولا أن غمزني كمال الدين في ذراعي، ففهمت قصده وسرت إلى جانب ~~الأمير، وسار كمال الدين عن يساري، وأبى ms107 الناس إلا أن يشيعوني حتى أبلغ القصر، فساروا في ~~موكبهم الصاخب يجهرون بذكر الله حتى بلغنا الساحة الفسيحة. # وأشار إلي الرسول أن أدخل. فنظرت إلى كمال الدين ثم نظرت إلى الأمير وقلت له: «أما ~~يدخل معي صديقي؟» # فقال الأمير وهو يحني ذنبه: «كما تشاء.» وتقدم راشدا. # فنظرت إلى الأمير وإلى الصرة التي في يدي وقلت: «ولكني لم ألبس خلعة البادشاه.» # فقال وهو ضجر: «لا بأس عليك، فادخل في ثيابك.» # فلم أجد بدا من الطاعة، وأعطيته الصرة قائلا: «احفظ لي هذه معك.» فمد يده كارها ~~وأخذ الصرة وقال لي في شيء من العنف: «هلم إذن.» فأخذت بيد كمال الدين ثم نظرت إلى ~~الجمع فسلمت عليهم ودعوت لهم بالخير، وانطلقت في سبيلي إلى ما بين عمد القصر. وكانت دعوات ~~الناس تشق الفضاء وتلاحقني حتى دخلت، وشعرت برهبة عندما رأيت مطالع الأبهاء، وفكرت فيما ~~أنا صانع في حضرة العظماء، فما تعودت أن أجالسهم، وما كنت لأعرف كيف أحدثهم أو أؤاكلهم، ~~ولم أجد من يرشدني غير صديقي كمال الدين. فهمست في أذنه: «كن إلى جانبي، فإذا رأيت مني خطأ ~~فاجذب جبتي.» فهز رأسه منعما، وسرنا حتى دخلنا البهو. وكان فيه خوان فسيح لا يدرك البصر ~~مداه، ولا تحصر العين ما علاه: ألوان من زهر، وصحاف من فضة وذهب، وأكواب من البلور، وفوط من ~~الكتان الناصع، وطنافس من الصوف الوثير، وزينة أخرى لم أر مثلها ولا أعرف أسماءها، وكراسي ~~كأنها رصعت بلؤلؤ عليها رجال كالتماثيل، يلمع فوقهم الحرير ويفوح من لحاهم العبير، وقد ~~توسط تيمور الصدر في عمامة ذات زخرفة وجوهر، وثياب وهاجة وحلي متلألئة براقة، وكان ~~ينظر نحوي بعينه وجرحه، من تحت جبهة ناتئة، وحاجبين مائلين صعدا. وكانت لحيته سوداء ~~خفيفة، وفمه أشدق يكاد اللعاب يسيل من جانبه، فوقفت أنظر إليه حينا وأعجب من قدرة الله ~~الذي جعل هذا سيدا للناس. وجذبني كمال الدين من جبتي، فالتفت إليه فوجدته يومئ إلي أن ~~أسير لأجلس حيث كان تيمور يشير. فذهبت إلى الكرسي الذي أشار إليه ms108 في جواره وجذبت كرسيا ~~آخر وأشرت إلى كمال الدين أن يجلس عليه. ولم أدر ما الذي حمل صاحبي على أن يجذب جبتي عند ~~ذلك، ولكنه جلس عندما أشار إليه تيمور، وقد كنت أتمثل تيمور كبعض النمور أو الفهود، له ~~أنياب ومخالب وزئير وزمجرة، ولكني لم أجده في الحق إلا رجلا أو نصف رجل، فلم ألبث أن حللت ~~عقدة وجهي، وفككت حبسة لساني، ووجدت نفسي أكلمه كما أكلم الناس، بل لقد جعل يؤنسني بقوله، ~~ووجدته يضحك أحيانا، ويدرك من المعاني ألوانا. ولست أنكر أنني لم ألبث أن نسيت حنقي عليه ~~وسوء ظني به، وأقبلت عليه طيب النفس منشرحا. وتلطف بي، فكان يمد يده إلي بقطع ~~مختارة من طرف الطعام، وكنت في الحق جائعا، فوجدت في الأكل لذة لم أعهدها ولم أعرفها. وكان ~~حياله طبق فيه فاكهة تأخذ العين بجمال منظرها، ولست أعرف لعلها كانت من بعض ما حمل إليه ~~من أطراف الصين أو من غوطة دمشق، فمد يده إلي بواحدة كانت لها رائحة لا يشبهها ريح ~~المسك والعنبر، ولا يدانيها لون الورد الأنضر. فرفعتها لأمتع نفسي من شميمها، ثم قضمت ~~منها قضمة كأنها الشهد في مذاقها، وكدت أقضم منها أخرى لولا أن جذبني كمال الدين من جبتي، ~~فأمسكت على مضض، ونظرت نحوه بمؤخر عيني، فهمس لي قائلا: «هدية الملوك لا تؤكل ...» # فعجبت من قوله؛ لأن الله إنما خلق هذه الفواكه اللذيذة لنأكلها ونشكره على جزيل نعمه، ~~ولكني لم أجد حيلة في نصيحة صاحبي؛ فهو أعلم بما كان ينبغي لي أن أفعل في مجالس الملوك. ~~فوضعت الفاكهة في حجري وانصرفت إلى بقية طعامي، وشعرت بارتباك كاد يفسد علي غدائي. ولكن ~~تيمور مد يده إلى ورك ديك سمين فقدمها إلي وهو باسم، فأخذتها من يده وشكرته في أدب ~~مقلدا حركة من حولي في تحاياهم، ثم أمسكت الورك بيميني في سكون، ولم أستطع أن أمد ~~يدي إلى شيء آخر. فجذبني كمال الدين من جبتي فالتفت إليه مستفهما، ولكني قبل أن أسمع ~~همسته سمعت تيمور ms109 يسألني: «لم لا تأكل ما أعطيتك؟» فالتفت إليه في أدب وقلت معتذرا: ~~«أيها البادشاه، ما كانت هدايا الملوك لتؤكل، وهذا صديقي يجذبني من جبتي.» # فضحك تيمور حتى بدت نواجذه، ومال على ظهره حتى اهتزت لحيته، وأغمضت عينه. وسمعت كمال ~~الدين يهمس: «هذه ورك تؤكل.» فرفعت بها يدي فأكلتها وأنا في حيرة شديدة لا أعرف ماذا يطلع ~~به صاحبي علي مع كل لقمة. ولكن تيمور تبسط في محادثتي، واشترك من حول المائدة في التلطف ~~بي، حتى سري عني، وتركت النظر إلى مشورة صديقي، وأقبلت على المائدة آكل كما يريد الله للناس ~~أن يأكلوا حتى امتلأت، وأمتعت نفسي بكل الطيبات. وقضيت عند تيمور بعد الغداء ساعات في شجون ~~الحديث، كأنني لم أكن في صباح ذلك اليوم ملقى في سجنه. # أيتها الأقدار العجيبة! # وكان الشعراء عند الباب ينتظرون الدخول، فلما صلينا العصر أذن لهم تيمور بالدخول وجلس ~~في البهو الأعظم، وجلس الأمراء والأعيان من حوله في وقار وقد وضعوا أيديهم على الصدور، ~~وأمالوا رءوسهم على النحور، حتى مست لحاهم أحزمتهم الحريرية أو الذهبية. وأقبل الشعراء ~~واحدا بعد واحد، وجعلوا يتغنون بالسيد الأعظم ويصفون جمال هيئته وشدة هيبته، وسيفه ~~ورمحه، وقوة ساعده ورقة قلبه، وكان منظرهم في الحق مسليا؛ إذ كانوا يتمايلون ويهتزون، ~~وينظر كل منهم بمؤخر عينيه إلى الناس ليرى أثر قوله على الوجوه. مساكين هؤلاء! جعلت كلما ~~سمعت من أحدهم معنى أتأمله لأرى صدقه، فإذا سمعت وصف جمال تيمور نظرت إلى وجهه، وإذا سمعت ~~وصف قوته صوبت بصري في جسمه وصعدته، وإذا سمعت وصف سيفه ورمحه التفت إليه لأرى هل معه من ~~ذلك آلة، فلم أجد من كل ذلك إلا كذبا حتى فرغ الشعر، وهز تيمور رأسه مرتاحا، وأذن ~~للشعراء أن ينصرفوا، ثم أشار إلى رجل قائم عند رأسه، فانصرف وراءهم، ولا أدري بم أمره، ~~أبعقابهم على الكذب أم بثوابهم على الرياء. ولأمثال تيمور حرص على مثل هذه الأقوال المنمقة ~~والصور المخترعة؛ فهي تستقر في العقول لا يزعزعها من بعد شيء، ومثل ms110 هذه الأقوال قد ~~زيفت على الناس معنى العظمة، وأفسدت معنى الكرم والعدالة، وجعلت من العقلاء الأبرار ~~عبيدا في الأغلال. وليست هذه أول مرة رأيت فيها أثر الألفاظ في الناس؛ فقديما كان الإنسان ~~أسيرها. # ومهما يكن من الأمر فقد جلست أتأمل ما كان، وأوازن بين المحاسن وأضدادها، ثم تنبهت ~~بعد حين إلى جذبة في جبتي، فالتفت فإذا كمال الدين يغمزني بعينه مشيرا نحو تيمور، ~~فالتفت إليه فوجدته يبسم ويقول: «لقد أبعدتك عنا تأملاتك أيها الشيخ الجليل.» # ولمحت في مظهره ورنين صوته شيئا كثيرا من العطف حتى رققت له، ولمت نفسي على سابق ظلمي ~~إياه، وعراني ارتباك فلم أستطع جوابا. # فقال لي متلطفا: «كنا نتحدث في أمر نحب أن نسمع فيه رأيك.» # فقلت وقد سري عني: «فيم كان الحديث؟» # فقال: «كنا نتمنى لو استطاع الإنسان أن يعرف حقيقة قدره في أعين الناس.» # فقلت مبادرا: «هذا شيء يسير، لقد عرفت قدري في أعين الناس دائما.» # فقال باسما: «ولكني جربت ذلك فلم أجده كما وجدته.» # فقلت له: «لعل الناس يخشونك، أمنهم خوفك تعرف ما تشاء أن تعرفه.» # فضحك وقال في لهجة التحدي: «أتقدر أن تخبرني كم أساوي من المال؟» # فقلت ناظرا إلى من حولي في ارتباك: «أظن أن هؤلاء السادة أقدر مني على جواب مثل هذا ~~السؤال.» # فقال ضاحكا: «لم أجد عندهم ما يشفيني، قل ولا تخش شيئا.» # فنظرت إليه مترددا، ثم تجرأت وجعلت أفحصه ببصري وقلت: لا أظنك تساوي أقل من ألف ~~دينار. # فضحك حتى استلقى على ظهره وضحك من معه وراءه، ثم قال: إنك لم تبلغ في جوابك شيئا. إن ~~ملابسي وحدها تساوي ذلك المقدار من الدنانير. # فقلت وقد امتلأت سرورا من صدق حدسي: «لقد صدق ظني إذن. فما كنت أنظر في تقدير ثمنك ~~إلا إلى هذه الملابس.» # فعاد إلى الضحك حتى كاد نفسه ينقطع، وضحك أصحابه مثله حتى لم يبق في المجلس أحد لا يضحك ~~غيري أنا وكمال الدين، ونحن ننظر إليهم ونتعجب مما يضحكهم. # وبعد حين هدأ تيمور وظهر عليه ms111 النشاط وانشرح صدره، ثم نظر إلي جادا وقال: «أيها ~~الشيخ المبارك، إننا نحب أن نسمع وعظك.» فوقعت كلمته علي وقعا ثقيلا، وزادت حيرتي ~~عندما نظرت حولي، ورأيت من كان هناك من حرس وأتباع ومن لحى شهباء وعمائم مكورة بيضاء. ~~فماذا كان لي أن أقول بين هؤلاء؟ وما خرجت من سجني لكي أعظ تيمور، ولعل تلك العظة تعيدني ~~إلى ما كنت فيه من ظلام جحري. وترددت طويلا وأطرقت حائرا وكدت أنطق معتذرا، ولكني لم ~~أجد لنفسي عذرا، وسمعت تيمور يقول لي: «لقد سمعت عن ورعك وعلمك فأحببت أن أراك وأن أسمعك، ~~فلا تحرمنا من بركة مواعظك.» فشعرت كأن روحا جديدا يسري في أعماق قلبي، ونسيت إشفاقي ~~وخوفي، وقمت كأنني أنشط من عقال. فأحسست جذبة في طرف جبتي، ولكني لم أبال صاحبي، وانطلقت ~~أتكلم، فقلت ناظرا إلى تيمور: «لا تصدق حرفا واحدا مما يقوله هؤلاء الذين يمدحونك؛ ~~فإنهم إنما يبيعون لك سلعة يعرفون أنك تحبها.» # وما نطقت بهذه الكلمات حتى رأيت الجمع ينتفض كأن نارا لذعتهم، ورأيت لحاهم تخفق، ونظروا ~~إلي ثم نظروا إلى تيمور ليروا ما هو صانع بي. ولكني لم أنظر إلى أحد وقلت مستمرا: ~~«وإذا أردت أن تسمع عظة فلا شيء يعظك خير من الحقيقة، فتأمل وفكر والتمسها. لقد خلقك الله ~~كما خلق من قبلك، وكما هو خالق من بعدك، وجعل لك أياما على هذه الأرض لن تعيش أكثر منها. ~~ولقد كنت قبل أن تخلق نسيا منسيا، وستمضي بعد حين وتذهب عن هذه الأرض لا تأخذ منها ~~شيئا، فلا تجعل هذه الأيام القصيرة تغطي على الحقيقة الخالدة، ولا تجعل هؤلاء الذين ~~يمدحونك يسخرون من حكمتك. قد خلقك الله كما خلق هؤلاء الناس جميعا، وجعل لكم الحياة ~~ميدانا وامتحانا لكي تؤدوا الواجب الذي ألقاه جل وعلا على الإنسانية ~~عندما خلقها منذ قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ~~. وما عبادته إلا السعي إلى الكمال الذي قدره للخلق، وجعله قصد ~~حياتهم. كان من قبلك ملوك بلغوا من السلطان ما بلغت، ثم ms112 أضلتهم الحياة فمضوا عنها وصاروا ~~نسيا منسيا، فهم اليوم صور وأسماء مجردة معطلة من كل مجد وهيبة، لا فرق فيها بين ~~فرعون وبين العبد الذي كان يسجد عند قدميه، فالملوك الذين لم يخلفوا إلا آثار العسف ~~والطغيان لم يكونوا أهلا للإنسانية، بل كانت حياتهم على الأرض لعنة لأنهم جحدوا الله الذي ~~وهب لهم الحياة. كان المجد عند الطغاة أن يذلوا الأعزاء، وأن يسفكوا الدماء، وأن يجعلوا ~~أهل الأرض عبيدا ليتملقوا كبرياءهم وغرورهم. فلما مرت أيامهم ذهبوا بعد أن دمغهم ~~اليقين، فعلموا ولات حين علم أن كل ما اضطربوا فيه لم يكن سوى غرور من الغرور، وليس فيه شيء ~~سوى الغرور، وبقيت الأرض بعدهم باسمة كأنها تسخر من جهالتهم العمياء.» ~~«لقد مررت يوما بغابة، ورأيت فيها تنازع الحيوان والحشر، وهناك استطعت أن أدرك الرسالة ~~السامية التي أعدها الله للإنسان، أن يعيش على قانون الرحمة والحب لا على القانون الطليق ~~الذي يحكم الغابة. ولكني كلما تأملت بدا لي أن من بني الإنسان من يريدون أن يطفئوا نور ~~الله، وأن يمسخوا الرسالة السامية ويعودوا إلى قانون الغابة طمعا فيما يصيبونه من وراء ذلك ~~من مجد حيواني وحشي. وهؤلاء ليسوا سوى نكسة من نكسات الحياة، وفلتة من فلتات أقدام ~~الإنسانية في صعودها نحو العلا. الأرض لا تضيق بالناس جميعا إذا أرادوا أن يعيشوا فيها لما ~~أراد الله لهم، بل هي تتسع للجميع وتفتح ذراعيها للجميع، وتدعو الجميع إلى الحياة السعيدة. ~~فهنيئا لمن استطاع أن يكون من رسل الرحمة، ومن أكبر الإنسانية وأعظمها، فلم يسفك دماءها، ~~ولم يدنس كرامتها، وسعى في تحقيق الخير، وأعان على تحقيق السعادة للجميع.» # ولما انتهيت إلى آخر قولي تنفست عميقا وشعرت بأن حملا أزيح عن كاهلي، ونظرت حولي ~~حتى وقعت عيني على تيمور. # وما كان أشد عجبي إذ رأيته يبكي. نعم كان يبكي وهو مطرق والدموع تنحدر على لحيته. وكان ~~الجمع كله مطرقا يشارك في البكاء، إلا صديقي كمال الدين فقد كان ينظر إلي مأخوذا وصدره ~~يعلو ويهبط في اضطراب. ms113 فلما رآني قد أمسكت قام نحوي ولم يعبأ بأحد، حتى صار أمامي وضمني ~~إلى صدره، قائلا في صوت متهدج: «لقد عرفت أنك لن تخشى في الحق أحدا، وأحمد الله إذ لم ~~تطعني عندما جذبتك من جبتك.» # ولما عزمت على الخروج بعد ذلك صافحني تيمور متأثرا، وأمر لي بخلعة أخرى، فذهبت إلى ~~داري عند الغروب بخلعتين كريمتين من البادشاه كأنني لم أكن عند شروق الشمس ملقى في سجنه، ~~فسبحانك يا ألله! # | الفصل الحادي والعشرون # سمعت في اليوم السابع بعد خروجي من السجن حركة في جانبولاد، وكنت ذاهبا إلى المسجد الذي ~~جعلني تيمور إماما له، وكانت ضجة عظيمة حسبت أنها هيعة حرب أو حدث من الأحداث. كان الناس ~~يتواثبون ويتسابقون في هياج ويقولون: «خرج تيمور.» # خرج تيمور بكل جيشه وكل أمرائه عائدا إلى سمرقند، فلم يبق من جيشه أحد في جانبولاد، وخرج ~~معه كثير من أصحاب الأعلام وحملوا قدورهم معهم؛ لأنهم لا يقدرون على مفارقتها أو الحياة من ~~غيرها؛ فهي عندهم أعز من الولد وأحب من الوطن. وخرجت مسرعا لأنظر إلى الموكب الضخم، ولم ~~أستطع مغالبة نفسي في رغبتها. فرأيت تيمور وهو خارج، وسلمت عليه، ولا أنكر أنني أحسست في ~~قلبي عطفا عليه. مسكين هو ما كان أفقره إلى السلام! ورأيت السيد القاضي صاحب السيف يسير ~~وراءه في مؤخرة الجيش على بغلة حمراء، وكانت قدوره الخمسون محملة على قافلة من الإبل ~~تسير في آثاره. وكنت قريبا منه على جانب الطريق، فوقعت عيني عليه وتبسمت له وأحسست له ~~رقة. مسكين هو كذلك؛ فقد كان الحزن باديا عليه، ولما رآني أدار وجهه ولم يرد على ابتسامتي. ~~ثم مضى الموكب حتى خرج من المدينة. وهكذا خلت جانبولاد من تيمور بين عشية وضحاها. # وبعد يوم واحد عاد السلطان علاء الدين إلى ملكه ونزل في قصره، ورجع الأمر إلى مستقره، ~~وكان لعودته يوم مشهود أخذت فيه المدينة زينتها، ففرشت له الأرض بالطنافس، ورفعت له ~~الأعلام فوق البيوت؛ أعلام تنم عما في القلوب من بشر وليست مما ينم ms114 عما في القدور من ~~ذهب. وقد اختار السلطان علاء الدين أن يقيم في جانبولاد، ولعله أراد بذلك أن يزيل أثر تيمور ~~منها. فرفع رايته على قلعتها، وأظهر مجده في مقرها وساحتها. فقد طالما شقيت قلعتها ببنود ~~تيمور، وطالما ضاقت ساحتها بجنده المغرور. وازدحم الناس على جانبي الشارع الأعظم، وخرجت ~~فيمن خرج وكأنني عدت في طربي إلى عهد الصبا. ولما مر موكب السلطان في خيله ورجله أقبل ركب ~~الحرم في هوادجه وستوره، ومن عجيب الاتفاق أن مر بي هودج باهر في ستور من الحرير ~~والجواهر، فلما صار تلقائي خفقت ستوره خفقة، فماذا رأيت؟ إنها علية بعينها وجبينها وشعرها ~~ونحرها ومعصمها وأناملها. ولكن أي فرق بين ما رأيت منها بعيني عند ذلك وما كنت أراه منها في ~~خيالي من قبل في صباحي ومسائي؟ أأنا الذي تبدلت وتغيرت، أم هي التي خلقت خلقا ~~جديدا؟ رأيت في نظرة خاطفة عينا غير العين التي سحرتني، وجبينا غير الجبين الذي أوحى ~~إلي بالمعاني. # أين هي من «نجوى» الصالحة الباسمة ذات العينين الناطقتين الوديعتين؟ أين هي من «نجوى» ~~التي لا أبرح أراها في لمعة الشمس وفي ضوء القمر وفي فم الزهرة وفي قطرات الندى؟ # أهي علية التي تغيرت أم هو قلبي الذي يحس وعيني التي ترى؟ لقد كنت ما حييت أحب أن ~~أكشف عن قرارتي، وأتعرف ما خفي من عيوبي. ولست أبرئ نفسي ولا أزكيها؛ فأنا كما خلقني الله ~~ضعيف لا أدعي قوة، سقيم لا أدعي سلامة، ولكني أصف ما كان مني - غفر الله لي، وتجاوز عن ~~ضعفي وسقمي. # ولما عدت إلى بيتي بعد انصراف الموكب عادني وجد غلب علي لم أستطع إدراك علته، ولم أقو ~~على صرفه أو الاحتيال في مغالبته. فإذا بي أحس عزوفا عن الناس، فكنت لا أكاد أطيق مع أحد ~~حديثا. وبقيت في الدار لا أخرج إلا إلى صلاتي ثم أعود إليها، فلا أجد ما يفرج همي إلا ~~البكاء. وكان كمال الدين يزورني كل يوم ساعة، فأكاد أضيق به وأتحرج أن يرى وجومي ms115 وبكائي. ~~فإذا دعاني إلى زيارته تعللت له بالعلل حتى ينصرف عني. ولكنه جاءني يوما وجعل يحملني على ~~الخروج، وكلما تخلصت بعلة حاورني فيها وجادلني حتى قال لي كلمة هزتني وزعزعت عزمي. قال ~~إن أهل جانبولاد يتحدثون عني بما يكاد يبعث فيهم فتنة، يقولون إنني أنا أخرجت تيمور من ~~الأرض بكرامتي، وإنني أنا هزمته بمقالتي. وقالوا إن السلطان ما اختار الإقامة في جانبولاد ~~إلا ليكون قريبا مني فتحصل له بركة صلواتي ودعواتي. # فما سمعت قوله حتى دهشت وحزنت، وسألت الله أن يغفر لي ولا يؤاخذني بما قالوا. هكذا الناس ~~لا يرضيهم إلا الإغراق والغلو، ولو علموا الحق لعرفوا أن الله لم يخلق من البشر شياطين مردة ~~ولا ملائكة بررة. إن الله خلقنا بشرا نقارف الخير والشر، ويمتزج فينا الضعف والقوة. وما ~~أجدرنا أن نفيض بالحب والعفو، وأن نعرف أننا أبدا فقراء إلى الحب والعفو. # وحملني قول صديقي أن أخرج من عزلتي، وأستغفر الله أن أكون قد أثرت في الناس هذه الفتنة ~~بكلمتي أو إشارتي. وخرجت منذ ذلك اليوم إلى المسجد، فعاودت فيه دروسي لعلي أدخل إلى قلوب ~~الناس شعاعا من الحق يردهم عن هذا البهتان، بل لقد تعمدت أن أظهر فيهم ببعض ما أكره، ~~وأعلن بعض ما أنكر لعلهم يدركون أنني بشر أزل وأخطئ، فإذا اجتهدت فأنا إنسان ضعيف وإذا ~~علمتهم فأنا مثلهم بشر سخيف. ولكنهم كانوا يرون آثامي تجليا وحماقاتي رموزا حتى عجزت ~~عن صرفهم عن اعتقادهم وهممت بالهجرة خوفا من تضليلهم. ولكن كمال الدين كان كالصخرة ثابتا، ~~فنصحني أن أواصل دروسي؛ فإن العلم وحده يهدي النفوس ويهذبها. # وكنت في داري ذات مساء فسمعت طارقا يدق الباب، وكنت لم أر صديقي كمال الدين في ذلك ~~اليوم، فوقع في نفسي أن يكون هو الطارق، فأسرعت لأفتح له، ولكني دهشت عندما رأيت رجلا لا ~~أعرفه، وكان رجلا حسن الوجه واللحية، عليه هيئة العلماء، وله سمت الصالحين. فرحبت به ~~ورجوته أن يدخل، فاعتذر قائلا: «لعلي قطعت عليك تسبيحك أيها الشيخ الصالح ، فأرجو منك ms116 ~~عفوا.» فأعدت عليه الترحيب ودعوته للدخول، فأبى قائلا: «مولاي السلطان قد بعثني في ~~طلبك.» # ولا حاجة بي إلى إطالة الحديث في وصف ما دار بيني وبينه؛ فقد كان لا بد لي من رؤية ~~السلطان. وكان علاء الدين عندي كريما جليل القدر؛ فهو سلطان وطني، وعرفته الملك الصالح ~~والسلطان البر والعالم الورع. فلم أتردد طويلا في الذهاب إليه مع كل ما كان في نفسي من ~~العزوف عن غرور الحياة. # ولما بلغت القصر ودخلت في رحابه، وانتهيت إلى مجلس السلطان، رأيته في حلقة من العلماء ~~والحكماء، فانشرح صدري لمنظره؛ إذ لا شيء أجمل من الملوك إذا أحاطت بهم مثل تلك الهالة ~~النبيلة. قيل إن حكيم اليونان سئل عن الحكم يوما، فقال إنه لا ينبغي أن يحكم الناس سوى ~~الفلاسفة. ولو تأمل العاقل هذا القول لوجد أنه الحق عينه. ولو أنصف الناس لأجمعوا على ~~تجربته؛ فإن الدول كانت منذ القدم لا تدين إلا لأولي القوة، حتى كاد الناس يعتقدون أن ~~الحكم وقف على أصحاب السيف لا يجمل بأحد غيرهم أن يقبض على صولجانه. بل لقد قالوا في بعض ~~الأمثال إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ولكنهم لم يجربوا مرة إقامة دولة على حكم ~~الفلاسفة، وأغلب ظني أنهم لو جربوا مثل ذلك الحكم لاستساغوه وأقبلوا عليه، ولم يرضوا به ~~بديلا؛ فإن الفلاسفة يعرفون ضعف البشرية، وهذا يكفل لحكمهم الرحمة، ويعرفون كرامة الإنسانية ~~وهذا يكفل لهم التطلع والتسامي، ويعرفون معنى الفناء وهذا يكفل لهم الاعتدال. # وكانت ليلة مباركة تلك الليلة التي قضيتها في مجلس علاء الدين، لم أنصرف عنه بخلعة، ولم ~~أذق عنده طعاما، ولكني عدت من عنده بقلب عامر بالمعاني. ما أجمل الملوك إذا أحاط بهم ~~الحكماء! # | الفصل الثاني والعشرون # لم تفارقني وساوسي منذ ليال، وكنت أحس كأنني أضطرب في بحر لجي موج من فوقه موج من فوقه ~~سحاب. كانت صورة علية في تلك الليالي لا تبرح ماثلة أمام عيني ناظرة إلي بجبينها العالي وأنفها ~~الأشم وعينها المتكبرة كأنها تسألني : «من أنت؟» ms117 لقد كانت تلك الصورة من قبل تبدو لي عاطفة ~~رحيمة تأخذ بيدي إذا ما اشتدت بي الحيرة، وتصعد بي إلى حيث الصفاء والسلام، فما الذي بدل ~~نظرتها؟ ولكن ما بالي أتحدث عن صورة علية ابنة علاء الدين كأنها شخص له جسد وفكر وروح ~~يحدثني، ويتغير في نظرته نحوي؟ أليس هذا من الخبل والتخليط؟ أكانت في عقلي لوثة هي التي ~~خيلت إلي ذلك الوهم الذي تسلط علي كل هذه المدة الطويلة منذ وقعت عيني عليها في ~~ماهوش؟ # كنت سابحا في هذا الخضم المائج عندما طرق بابي رسول السلطان ودعاني إلى حضرة مولاه، وكان ~~السلطان على عادته نبيلا كريما، فما زال يكرمني في الحديث ويقبل علي بالترحيب ويبالغ ~~في التلطف بي - عفا الله عنه - فيسألني الدعاء ويلتمس مني البركة حتى كاد الغرور يدخل إلى ~~قلبي. وأي إنسان لا يتدسس إلى قلبه الغرور؟ لقد أوشكت أن أصدق السلطان وأومن بما يقوله ~~أهل جانبولاد فأظن في نفسي القرب من الله، أعوذ بالله من الغرور، فأنا أعرف الخلق بما ينطوي ~~عليه صدري من نوازع ضعف الإنسان ودوافع طباع الحيوان. فلما خلوت إلى نفسي بعد ذلك المجلس ~~تركت العنان للبكاء لعلي أنال عفو الله عما داخلني من الغرور. وقد فاجأني السلطان في ذلك ~~المجلس بأمر ما كان يخطر لي ببال؛ فقد عرض علي أن أكون له وزيرا أدير له ملكه وأشير ~~عليه بما ينبغي أن يكون عليه حكمه. وما كدت أسمع ذلك الحديث حتى كاد يغلبني الضحك على ~~الحياء؛ فإنه عندما طلب مني الدعاء دعوت الله له ولا حرج علي إذا اتجهت إلى الله بالدعاء؛ ~~فإن الله يقبل الدعوة من خلقه ولا يقيم حجابا بينه وبين عباده. # ولكنه عندما سألني أن أدير له الملك دار بي رأسي، فأوشكت أن أنفلت من وعيي، ولولا أنه ~~السلطان العظيم في مجلسه الرهيب لانفجرت ضاحكا ساخرا. أيكون جحا وزيرا؟ قد أحسن السخرية ~~من الحياة كلما رأيت فيها حماقة أو سخافة، ولكني إذا ضحكت من السخف لم يخف عني أنني شريك ms118 ~~لهؤلاء الذين أثاروا الضحك في نفسي. أأكون أنا وزير السلطان وأزعم أنني أستطيع أن أبلغ قرار ~~الحكمة والعدالة؟ وهل أحمل على عاتقي أوزار العمال وأثقال المظالم التي ترتكب باسمي؟ أكون ~~أنا وزير السلطان لأحمل الناس على أن يعيشوا معي في عالمي؟ # كيف أستطيع أن أدبر أمور الخلق وأنا أنظر إلى الحياة بهاتين العينين اللتين وهبهما ~~الله لي. إن الحق عندي باطل عند أكثرهم، والعدل عندي جور في مذهبهم، ولست أقدر على أن أخلق ~~نفسي خلقا جديدا وأقلب كل معايير القيم عندي حتى أصلح لأن أحكم بين الناس على عرفهم الذي ~~يرتضونه. فهل يستطيع السلطان أن يبدل طبعي؟ أم يستطيع أن يأتي لي بناس آخرين يصلحون ~~لحكمي؟ إن الناس لا يعرفون إلا العنف، ولا يفهمون من الحاكم إلا القوة والقسر، وهم لا يخرجون ~~عن أن يكونوا في إحدى حالتين؛ إما أن يكونوا فرائس تتخذ طعاما، أو مفترسين يتخذون ~~من غيرهم طعاما. ولقد حاولت أن أعلمهم، ولكن التعليم لا يجدي إلا بعد أن يؤتي الثمار ~~ويحرك القلوب، ويفتح العقول، ويهذب النفوس، وهيهات أن يكون ذلك إلا بعد حين طويل. لقد حاول ~~موسى أن يعلم قومه احتمال أعباء الحرية فأذاقوه مرارة الحنق والألم حتى فني جيل منهم ~~بعد جيل. ولا سبيل إلى استقامة الحكم حتى يستعد الناس لتحمل أمانة السلام والكرامة والعدل ~~في غير عنف ولا قهر. ولو كان أهل جانبولاد كلهم مثل تلميذي كمال الدين أو تلميذتي «نجوى» ~~لهان الأمر، ولكن أنى لي أن أجد في الناس مثل هذين؟ ما لقلبي يخفق عندما يخطر عليه ذكر ~~«نجوى»؟ ما لي كلما صرفت نفسي عن التفكير فيها لا يلبث أن يعود مكرها إليها. # أأنا أحبها؟ هل هذا الذي أحسه هو ما يسميه الناس حبا؟ إنني أطرب كلما مرت صورتها ~~في خاطري، فكأن الحياة كلها تبسم، وكأن الأفلاك من فوق تغني. أأخادع نفسي وأوهمها بأن هذا ~~غير ما يسميه الناس حبا؟ وفيم هذا الخداع إذا كان هو الحب حقا؟ لقد سمعت عن المحبين ~~وقرأت عن ms119 أخبارهم ما يجعلني أسيء الظن بنفسي. وإن قلبي يرف إذا رأيتها، وأصعد في سماء ~~الملائكة إذا سمعت صوتها، وأجد في حديثها سلاما مثلما يتحدث فيما بينهم أصحاب اليمين. فهل هكذا ~~كان المحبون قبلي؟ وإني لأقنع منها بالنظرة لا أطيلها، وبالكلمة القصيرة لا تعيدها، ويسري ~~في البشر إذا أحييتها. فهل كان هكذا المحبون قبلي؟ ولكني لست أحس ذلك الشوق المحرق ~~ولا ذلك القلق المؤلم الذي يصف الشعراء أثره في سقم أبدانهم. أيكون ما أحسه مع كل ذلك ~~حبا؟ # لقد شردت بي الأفكار عما كنت فيه؛ فإن السلطان أرادني على أن أكون وزيرا، فكدت أضحك لولا ~~أن تماسكت قسرا، وأطرقت صامتا حتى أعاد علي قوله، فاشتدت حيرتي ولم أجد من الأمر ~~مخرجا إلا أن استأذنته أن أتريث في جوابي. وعدت إلى داري في أشد الحيرة أقلب صور ~~الناس في ذهني، وأتصور ما يكون حالي إذا قبلت أن أكون وزيرا. # أأقيم الحجاب على بابي، أم آذن للناس ولا أقيم حجابا؟ وهل أغير لهم صورتي التي ~~ألفوها فأعبس وأشمخ وأنقبض، أم أفيض عليهم بما في قلبي وأفتح لهم أبواب صدري وأضحك وأخلط ~~أحيانا في حديثي؟ # ولم تطل بي الحيرة؛ فإني عزمت على أن أرسل إلى السلطان معتذرا. # ولكني ما كدت أخرج من حيرتي حتى طلعت علي حيرة أشد ظلاما؛ فقد طرق الباب رسول آخر ~~جاء يشتد في أثري. فلما استقر به المجلس همس في أذني: أبشر بالعلا والمجد يا جحا. # فعجبت ماذا يكون هذا المجد الذي جاء يحمله إلي، وحسبت أنه قد جاءني يطلب عملا منذ سمع ~~أن السلطان يريد أن يتخذني وزيرا. فهذا ما تعودته من الناس، لا يكادون يسمعون أن سوط ~~الحكم صار إلى يد رجل حتى يسارعوا إليه ليستمدوا منه أسواطا. نعم، فما هي إلا أسواط ~~يستمدونها ليلهبوا بها الخلق، أو كما يقولون ليحكموا الناس بها. # ونظرت إلى الرجل لحظة، وكدت أصيح ضاحكا في وجهه لولا أنه كان في بيتي، ولم يمهلني ~~الرجل، فأعاد هامسا: «إن السلطان يريد أن يقربك.» # فقلت ms120 له: بارك الله في مولاي، إنه يبالغ في تقريبي. # فقال باسما في خبث: سوف تكون صهر السلطان يا جحا. # ففتحت عيني من الدهشة وحسبت الرجل يعبث بي أو يسخر مني. # فلما رأى دهشتي قال جادا: لقد أرسلني مولاي إليك لأعرض عليك الزواج من ابنته. # فصحت ولم أتمالك نفسي: علية! # فقال الرجل عاتبا: علية! من علية؟ فالسلطان لم يسمها علية، هي وردخان سليلة ~~السلاطين. # ولم أتذكر إلا في تلك اللحظة أنني لم أعرف اسم ابنة علاء الدين، لقد كنت أدعوها علية ~~وأناجيها وأصاحبها في خيالي على أنها علية، وأرتل التسبيح على صورتها التي سميتها علية. ~~ولكني لم أسمع حقا من قبل ماذا كان اسمها. لم أعرف إلا عند ذلك أن علية تلك لم تكن إلا ~~صورة أخرى عرفتها في شبابي وخلطتها بالصورة الأخرى حتى صارتا عندي خيالا واحدا. أف لنفسي ~~وويح لقلبي! لقد عشت ما عشت في عالم خصصت به نفسي، ولم أفرق فيه بين الأشباح والأشياء، ولا ~~عيب على الناس إذا هم رموني بالتخليط. # وسمعت الرجل يعيد قائلا: أما سمعت بشراي يا جحا؟ # وكان ينظر إلي متعجبا، ولا لوم عليه إذا تعجب مني؛ فقد كنت جديرا بالعجب لصمتي ~~ووجومي واصفرار وجهي وزيغ بصري. لقد كان الرجل ينتظر أن أثب راقصا أخلع عمامتي فرحا ~~وأغني مرحا، ولكني لم أفعل بل بقيت في دهشتي صامتا. # وبعد لأي استطعت أن أجمع نفسي فقلت مضطربا: هذا شرف لم أكن به جديرا. # فربت الرجل على كتفي وقال باسما: ليس عليك من بأس في دهشتك؛ فإن السعادة قد تذهل الناس ~~كما تذهلهم النكبات. # وكأنه قد فهم من حالي وقولي أنني قد قبلت، فقام وحياني منحنيا، ثم قبل الأرض عند ~~الباب وتركني قائما. # ولم أذق طعم النوم في تلك الليلة بعد انصراف الرجل، فإني ما كدت أفيق من صدمة الوزارة حتى ~~صدمت بخطبة ابنة السلطان. # عجبا لنفسي! أما كنت أتحدث في ماهوش عن علية؟ فما الذي غير نفسي منذ رأيت وردخان؟ أهو ~~القدر يسخر مني ؟ أم هذا ms121 كله خيال أهذي فيه كما يهذي المحموم في بحرانه؟ # ولمست وجهي بيدي فوجدته يتقد، وعضضت بناني فآلمني حتى كدت أصيح جزعا. ولكن ذلك كله لم ~~يزل عني الشك، وبقيت أحسب أنني كنت حالما. ألا يراجع الإنسان نفسه وهو يحلم فيخيل إليه ~~أنه يعض بنانه أو يحرك لسانه أو يلمس وجهه حتى إذا طلع الصباح وجد أن ذلك كان كله حلما؟ ~~أين الحد الذي يفرق بين الأحلام والحقائق؟ # وقلت أخرج إلى الناس أسألهم لعل ذلك يهديني، فخرجت أسير نحو بيت صديقي كمال الدين، فلما ~~طرقت الباب سمعت الصوت الذي يهزني. ولما حييت «نجوى» سألت نفسي مرة أخرى: أأنا في يقظة أم ~~لا أزال أهيم مع أشباحي؟ وسمعتها ترحب بي، فكدت أثب إليها وآخذها بين ذراعي لأرى إذا كنت ~~أرى أمامي جسدا أم كل ما أراه صورا وأوهاما. # ولكني تماسكت وقلت إن ذلك لا يجديني شيئا، فلا سبيل إلى برهان قاطع يذهب عني شكوكي، وما ~~الذي يدلنا - معاشر الأحياء - على أن حياتنا هذه كلها ليست سوى صور تمر علينا في حلم مستمر ~~في أوهامنا. # ولاحظت «نجوى» العزيزة اضطرابي، فنادت أخاها، فأقبل كمال الدين علينا فحيا باسما ومد ~~يده إلي فسألته مبادرا: أتستطيع يا صديقي أن تخلو معي ساعة؟ # فانصرفت «نجوى»، وقد علت وجهها حمرة زادتها حسنا، فلما صرنا وحيدين قلت له هامسا: ~~أأنا أراك حقا؟ أنحن في يقظة يا صديقي؟ أسمعني صوتك لعله يهديني. ولكن ما جدوى ذلك، فلعل ~~الذي يجيبني ما هو إلا خيال، وما أزال هائما في أحلامي. # فظهر على كمال الدين شيء من الارتياع وأجاب متماسكا: لا بأس عليك يا سيدي. # فقصصت عليه قصة السلطان منذ عرض علي الوزارة إلى أن أرسل إلي يعرض علي زواج ~~ابنته، وقلت آخر الأمر: ولست أجد سبيلا إلى أن أومن أنني لست حالما. فترفق كمال الدين ~~بي وجعل ينصرف بي في شجون الأحاديث، فداخلني ارتياح أعاد إلي اطمئناني وبدا لي أنني قد ~~أكون في يقظة حقا. # وخطرت لي عند ذلك فكرة كأنها كانت ms122 من إلهام الحق، فقلت مسرعا حتى لا أجد فرصة للتردد: ~~أتزوجني «نجوى»؟ # فنظر كمال الدين إلي في دهشة، ثم رفع يده فربت على كتفي وقال: لا بأس عليك يا سيدي؟ ~~ألا تحب أن تشرب القهوة معي؟ # فقلت له جادا: إذا كنت تعرف أنني لست في منام، فأجب عن سؤالي: «أتزوجني «نجوى»؟» # فأطرق كمال الدين مليا ثم قال: لو كان الأمر لي لقضيت فيه راضيا. # فقلت مبادرا: وهل كنت لأرضى برأيك أنت؟ ألا تسأل «نجوى»؟ # فقام كمال الدين ولا يزال في دهشة من المفاجأة، وتركني أدير في نفسي كل ما مر بي. # وعادت إلي صور شتى تساورني حتى أعادت الشكوك إلى نفسي. أأنا في يقظة حقا؟ لم تكن ~~علية إلا خيالا يخادعني به قلبي، ولكن «نجوى»! ألم تكن تحدثني وتناقشني وأراها قطعة من ~~الحياة أمام عيني؟ كانت «نجوى» أمامي فتاة ساذجة ليس حولها بريق ولا زخرف، أحدثها فتدرك، ~~وأحس فتستجيب. # أتكون هي الأخرى من صناعة خيالي؟ # وأقبل كمال الدين راجعا يبدو عليه شيء من القلق. # فقلت له مبادرا: لا بأس عليك إذا هي لم ترض بي، إنها عندي ... # ولكنه قاطعني قائلا: معاذ الله يا سيدي أن يخيب ظنك وظني، ولكني أسأل نفسي ألا تكون ~~... # فأدركت أنه يشفق علي أن أكون قد أخطأت في اختياري. لك الله يا صديقي! # فقلت له: «اجلس إلى جانبي، فإني محدثك حديثا.» # ثم قلت له، وكان صوتي متهدجا: كنت في شبابي أرى قمم الجبال من بعيد تغطيها الثلوج ~~الشهباء، وأرى أشعة الشمس تصبغها عند الغروب وعند الشروق فتلونها ألوانا ساحرة تخلب ~~النظر والفؤاد. وكم تمثلتها وتصورت ما فيها من بهاء، وكنت أحس في نفسي دافعا لا يقاوم ~~يدفعني إلى توقل الصخور والصعود إلى تلك القمم الساحرة. # وهكذا قضيت زمنا أهيم في خيالي وأنا ناظر نحوها وقلبي متعلق بالتسامي إليها. ولم أستطع ~~أن أقاوم نفسي فخرجت أسعى لأبلغها، وكنت أتصور ما تخبئه لي تلك القمم اللامعة من كنوز ~~وصور باهرة ومسارح ساحرة. فسافرت سفرا مضنيا تمزقت فيه أعضائي ms123 وخارت فيه قواي من نضال ~~الصخور ومحاورة ثنايا الشعاب، وكدت أهلك جوعا وبردا، فلم يمسكني إلا الأمل الذي كان يملأ ~~قلبي. وكنت كلما ضجرت وكاد الضعف يغلبني استندت إلى الأماني التي تجيش في صدري فتدفعني ~~وتزيل آلامي. كنت دائما أنظر إلى القمة وأمني النفس بما لا يزال أمامي، وأخيرا بلغت القمة ~~وسقطت من الإعياء وخانتني أنفاسي، ثم كادت الخيبة تقتلني، ماذا رأيت هناك؟ تلفت حولي ~~فلم أر إلا صخورا مثل الصخور، وكهوفا مثل ما مررت به في صعودي. وكانت القمة جرداء صماء ~~كالحة باردة، فسألت نفسي: أين البهاء والرونق؟ وأين الألوان الزاهية والأضواء ~~الباهرة؟ # لقد كادت الخيبة تقتلني، وعدت أدراجي أجر قدمي وأجادل غروري حتى عدت إلى السهل ونظرت ~~إلى القمة وأنا أتهالك على المروج الخضراء، فرأيت القمة لا تزال تلمع وتصبغها الألوان ~~الساحرة كما كانت من قبل تصبغها، فصحت في حنق: أيتها القمم الساخرة! # ولقد كان هذا هو شعوري عندما فارقني رسول السلطان وجلست إلى نفسي أراجعها. # ثم قلت في لهفة: أرضيت «نجوى» بزواجي؟ # فقال كمال الدين مطرقا: لقد لمحت السعادة عليها. # فقلت: أتكون وكيلها؟ # فقال كمال الدين: قد زوجتكها. # ومد إلي يده، فخطفتها وقلبي يرفرف كالطائر في قفصه، وقمت مسرعا لم أتكلم بكلمة حتى ~~بلغت داري لا أتلفت إلى يمين ولا إلى شمال، وقضيت سائر الليلة أصلي وأناجي ربي. # ولما أصبح الصباح ذهبت إلى القصر ودخلت بين عمده، فانفرج لي صف الحراس، ودخلت إلى البهو ~~حتى بلغت مجلس السلطان. # وهناك لقيني علاء الدين وقرب إليه مكاني وغمرني ببشاشته وحياني. ولما استقر بي المجلس ~~واستأنست وهدأ جأشي وذهب عني حيائي أفضيت إليه بما استقر عليه رأيي، واعتمدت على الله فلم ~~أخف عنه كلمة تجيش في صدري. # وقد سمع قولي هادئا عاطفا، حتى إذا فرغت من حديثي سألني الدعاء، وقدمني لأكون إماما ~~في الصلاة. # وها أنا ذا اليوم في جانبولاد وسائر قصتي معروف لا يخفى على أحد؛ فقد صرت إمام السلطان أذهب ~~كل يوم إلى مسجده الذي بناه ليكون لي ms124 مدرسة أعلم فيها الناس مما علمني ربي، فلعلهم ~~يوما يبلغون ما يحب لهم علاء الدين من خير في الأولى والآخرة، وقد وهب لي السلطان بيتا ~~أعيش فيه مع «نجوى» بعد أن أعفاني من زواج الأميرة، حفظها الله وأمتعها وبارك لها ~~وفيها. # وإنني اليوم أقضي أيامي بين كتابي وصلاتي، وأذوق السلام في أهلي وولدي. لكم تغيرت بفضل ~~قلبك الطاهر يا «نجوى». # ولست اليوم أحمل لريمة إلا الرحمة والرثاء، مسكينة هي، أسأل الله أن يلطف بها، فما أولى ~~القلوب الثائرة بالرثاء، وهي تقيم في جناح من الدار وحدها حتى لا أبعدها عن ولدها. # وقد أتيت بولدي عجيب إلى حضرة السلطان كما شاء، فأرضاه حسن خطه وأعجبه إنشاء رسائله ~~فجعله خازنا لكتبه. بارك الله للسلطان في ملكه ورعيته. # وأما جميلة ابنتي فقد زوجها السلطان لوزيره الذي اخترته له ليحمل الأعباء عني، صديقي ~~وتلميذي كمال الدين، وفقه الله إلى رضاه. وأما صديقي أبو النور فقد كان أحب شيء عندي أن ~~يشاركني في سلامي وأمني، ولكنه لم يرض أن يفارق ماهوش، فهو لا يحب أن يدفن عظامه إلا في ~~ثراها. # ما أسعد ذلك الصديق الطيب بقلبه الكبير، إنه يعطي ولا يحب أن يأخذ، ويعاشر الناس كما ~~يجدهم راضيا، ولم أره يوما يضيق بالحياة. # وقد أردت أن أكتب للناس قصتي، فعكفت في شهر رمضان أتسلى بها بين قيامي وسحوري، لعل كلمة ~~منها تسري عن الناس هما أو تدخل إلى قلبهم سرورا، أو لعل خطرة تخطر على قلبهم عند ~~قراءتها تحمل إليهم حكمة أو عبرة. # وقد وقفتها على أهل جانبولاد، وجعلت منها نسخا في مسجدها، لعل الله يجعل لي منها ثوابا ~~إذا ترحم الناس على كاتبها جيلا بعد جيل. ms125