######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.AnaShacb.Hindawi16419535 #META# Tags: novels #META# ID: 16419535 #META# Title: أنا الشعب #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الواحد والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الواحد والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الواحد والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الواحد والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # | أنا الشعب # | أنا الشعب # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | الفصل الأول # حياتنا سلسلة من حوادث صغيرة ليس لواحدة منها في ذاتها ما يسترعي انتباهنا في اللحظة ~~التي تمر بها، ولكنا إذا بعدنا في الطريق، وأصبح من المحال أن نعود أدراجنا تبين لنا أن ~~بعضها هو الذي يقرر مصائرنا، ولو كنا نفطن إلى هذه الحوادث الصغيرة الخطيرة في ~~اللحظة الحاسمة لحرصنا على توخي الحكمة وتجنب الأخطاء، ولكنا بشر نكتب بأخطائنا ~~سلسلة القصة البشرية، والحوادث التي تمر بنا تخلف فينا آثارا لا تمحى، بعضها حائل ~~يسنح لنا في ذكريات عابرة، وبعضها عميق يشبه ندوب الجراح بعد التئامها، وهذه الخطوط ~~العميقة هي التي توجه تفكيرنا وتقود مشاعرنا وتحرك إرادتنا. هذا ما بدا لي على الأقل ~~وأنا في غرفتي الصغيرة من سجن الاستئناف أجول بخيالي في عالم الذكرى لأسجل ما ms001 أظنه ~~جديرا بالذكر من حوادث حياتي. # لم تكن طفولتي متميزة بشيء يستحق أن أقف عنده طويلا حتى وقع الحادث الأول الذي زلزل ~~وجودي وغير اتجاه حياتي وهو وفاة والدي. # كنت عند ذلك في نحو السابعة عشرة من عمري، وكنت أستعد لامتحان شهادة الثقافة العامة، ~~ووقعت الصدمة علي فجأة، فشعرت كأني أهوي في فراغ لا قرار له. كان أبي والدا وصديقا ~~يملأ كل حياتي، وما كان يخطر لي أنه إنسان زائل قد ينتزع من الوجود في لحظة، فلما عدت من ~~المدرسة ذات يوم ووجدته مسجى في سريره والجميع يبكون من حوله، وقفت أنظر إليه بغير أن ~~أرى وجهه المغطى، وأخذت أتأمل الوجوه الحزينة التي حوله وأنا ذاهل، فما راعني إلا أن ~~الجميع ازدادوا صراخا وعويلا عندما رأوني، فاندفعت نحوه لأرفع عنه الغطاء وأناديه ~~لأوقظه، فبادر من هناك إلي ودفعوني وأخرجوني من الغرفة قسرا. لم تكن في عيني دموع، بل ~~كان قلبي يفيض غيظا؛ لأنهم حالوا بيني وبين أبي، ولم يحاول أحد منهم أن يتمسك به، بل ~~سلموا بأنه قد مات وانتهى بغير مجادلة. ثم رأيته بعد حين يحمل في نعشه ويتجهون به إلى ~~المقبرة كالأموات جميعا، وسرت مع السائرين حتى وقفنا إلى جانب حفرة، ورأيت جثمانه يدلى ~~فيها وكل من هناك جامد في مكانه يبكي بغير أن يحاول أن يتمسك به، فاندفعت كالمجنون وأردت ~~أن أتعلق به، ولكن الناس اجتمعوا حولي وأمسكوا بي قسرا، وجعلوا يواسونني بكلام لم أفهم ~~معناه، فانفجرت باكيا كما لم أبك يوما في حياتي، ولما عدنا آخر الأمر إلى البيت وحدنا ~~شعرت بحزن لا يشبه الحزن، وبلوعة لا تشبه لوعة الصبي في فقد أبيه، بل هي أقرب إلى حسرة ~~المقهور العاجز أمام قوة جبارة تتقاذف به في قسوة، وكانت صورة أبي تتمثل لي لا تفارقني ~~في ساعات اليقظة ولا في مناظر الأحلام، واعتراني شعور يشبه الحقد والعداوة لكل ما يذكرني ~~بفقده؛ ولهذا لم أذهب مرة لزيارة قبره، بل لقد كنت أتحاشى الاقتراب منه أو السير في الطريق ms002 ~~المؤدية إليه. # وامتلأ قلبي بوحشة شديدة، فخيل إلي أن الحياة خالية خاوية ليس فيها ظل من فوقي ولا ~~قرار من تحتي، وحببت إلي العزلة ونفرت من كل مجلس حتى لقد لزمت غرفتي في البيت كلما ~~عدت من المدرسة، وكانت أمي تأتي أحيانا لتؤنسني فتجلس إلى جنبي وترقبني في عطف حزين، ~~فلا يزيدني ذلك إلا وحشة وأحس أن الحياة رهيبة. # وشيئا بعد شيء بدأت أضيق بالجو الرهيب الذي خيم علي، فصرت أخرج وحدي إلى الحقول ~~القريبة من البيت أجول فيها بغير قصد سوى السير في الهواء الطلق، ويدور ذهني حول نفسه في ~~أثناء سيري في أفكار غامضة يشوبها حزن غامض، حتى إن الحقول نفسها كانت تبدو في عيني في ~~إطار كئيب مع أنها كانت تتبرج في حلة الربيع، وكنت أحيانا أجلس في مكان منعزل، فأكتب ~~شيئا يشبه الشعر أنفس به عن أفكاري الحزينة الغامضة، فإذا قرأت ما كتبت بادرت ~~بتمزيقه؛ إذ كان يزيدني كآبة لأنه يدور حول معنى واحد؛ معنى زوال الحياة التي تحملنا ~~برغمنا وتقذف بنا حيث تشاء، وكانت أسئلة واحدة تتخلل كل ما أكتب: لم جئت إلى هذه الحياة؟ ~~ولم أبقى فيها؟ وأين نذهب إذا خرجنا منها؟ وما هو قصدها؟ وماذا يستحق فيها أن أجعله ~~غايتي؟ ومما زادني شعورا بالرهبة أني بدأت أرى أمي تعاني في حياتنا ضيقا تحاول أن ~~تخفيه، ولكنه كان يظهر واضحا في كل ما حولنا. صارت لا تعطيني النقود التي تعودت أن ~~أنفقها في «الشبرقة» مع رفاقي بالمدرسة، حتى صرت لا أقدر على مجاراتهم، ولا تشتري لي ولا ~~لأختي الصغيرة ما تعودنا انتظاره من الهدايا الصغيرة، ولما جاء العيد لم تشتر لنا ~~الملابس الجديدة، وشعرت بالذلة عندما رأيت كل زملائي ينظرون إلى بدلتي التي يعرفونها، ~~وأذكر أني ذهبت إلى أمي يوما فسألتها: ماذا تقولين يا أمي في أن أشتغل بعمل أتكسب ~~منه؟ # فقالت في دهشة: أي عمل يا سيد؟ # فقلت: أي عمل أقدر عليه، كما يعمل أولاد حارتنا. # فقالت: تحب أن تكون مثل حمادة الأصفر ms003 مثلا؟ # وكان حمادة الأصفر ولدا من صبيان الحارة يعمل مع أبيه البقال في دكانه. # فقلت: ولم لا؟ أما يكسب حمادة شيئا؟ # ففزعت أمي لذلك السؤال ولامتني لوما شديدا في سخرية مرة وقالت: أهذا هو أملي فيك؟ لم ~~لا تنظر إلى أبناء أعمامك وأخوالك؟ فهل فيهم من يشبه حمادة؟ # ولم أفهم قولها فقلت لها: وماذا أعمل إذن؟ # فقالت: تأخذ الشهادة العليا وتكون رجلا محترما. # وكنت عند ذلك في السنة الرابعة الثانوية، ففكرت في نفسي كم سنة يجب علي أن أبقى في ~~المدارس حتى آخذ تلك الشهادة العليا، وبدت لي مرحلة طويلة شاقة لا طاقة لي بها، وانصرفت ~~عنها ضائقا حائرا، وبدأت تستولي علي حالة من الفتور جعلتني أنصرف عن التفكير في ~~المستقبل وعن كل رغبة في الاتجاه إلى غاية، وزادني ضيقا على ضيق أنني باعدت أصدقائي، وبدأت ~~أحس أنهم جميعا ينظرون إلي من بعيد بنظرات فاحصة، ويتهامسون علي بهمسات خافتة، ~~وصرت أرقبهم كذلك من بعيد وأنا معتزل عنهم وأترجم أقوالهم وإشاراتهم على أنها سخرية، ~~وأنني أنا المقصود بها، وبدأت أتعمد مخالفة آرائهم إذا دارت مناقشة في أثناء الدرس، لا ~~أقصد سوى أن أظهر مخالفتي لهم واستعلائي عليهم، وبعد بضعة أشهر من هذه العزلة الصارمة لم ~~أطق وحدتي فاتجهت إلى خلق صداقات جديدة مع زملاء آخرين كنت من قبل لا أرضى أن أصاحبهم، ~~فكنت أتعمد اختيار من هم مثلي أو أقل مني في مظهرهم، وبدأت أتزعم حركة التمرد في ~~الفصل حتى أصبحت موضع الشكوى والعقوبة، وما زلت أتمادى في ذلك حتى أصبحت قبل آخر العام ~~زعيم حركات الاضطراب في المدرسة، وكان يلذ لي أن أتحين كل فرصة لأظهر مقدرتي على إحداث ~~الفوضى، ولست أدري مع هذا كله كيف نجحت في امتحان الثقافة العامة آخر العام، وزادت دهشتي ~~عندما عرفت أني لم أكن من المتخلفين في النجاح، بل كدت أكون بين السابقين في ~~المدرسة. # ولكن ذلك النجاح لم يعد إلى صدري الانشراح، بل سألت نفسي وما فائدة هذا؟ وإلى متى أستمر ~~في هذه ms004 الدراسة الطويلة؟ # وجاءت أيام العطلة فزادت حالي سوءا؛ لأني اتخذت بعض رفاق من أبناء الحارة وهم من صبيان ~~العمال أو أبناء صغار التجار، وكانوا خليطا عجيبا من طباع مختلفة لا يجمع بينهم شيء سوى ~~اللعب والمزاح الخشن والمشاجرات العنيفة. # وقد وجدت في صحبة هؤلاء الزملاء فرصا كثيرة للمصادمات كي أظهر امتيازي، وكانت ~~جولاتي معهم تنتهي في كثير من الأحيان بمعركة أصيب فيها غيري أحيانا بجراح أو كدمات، كما ~~كنت أعود منها إلى منزلي أحيانا بثياب ممزقة، وخدوش كثيرة، وكنت في أول الأمر أتسلل إلى ~~غرفتي عند عودتي إلى البيت حتى لا أتعرض للوم أمي، ولكني بعد أن تعرضت للومها مرة بعد مرة ~~صرت لا أرهب شيئا ولا أبالي لوما، وما أزال إلى الآن أشعر بالخجل كلما تذكرت كيف كنت أقف ~~أمام أمي عند ذلك وأجادلها وأراجعها وأتحداها بغير تجمل. # وكان من بين صبيان الحارة اثنان استمرت صلتي بهما مدة طويلة فيما بعد؛ ولهذا أرى أنهما ~~جديران بأن أذكرهما، وأولهما «حمادة الأصفر» الذي ذكرته لي أمي على سبيل اللوم عندما أفضيت ~~إليها برغبتي في العمل. # كان حمادة فتى ضئيل الجسم أصفر اللون يعرفه صبيان الحارة جميعا بالمكر والخبث، ولكنهم ~~مع هذا يعجبون بمهارته في اختراع الألاعيب وتدبير المكائد، وكان يمتاز بجرأة عظيمة في ~~الكلام، وله أسلوب فكه ساخر لاذع، ولكنه لضعف جسمه لا يحب المصادمة، وكانت له مقدرة ~~على التفنن في الصفير العالي بأن يضع إصبعيه في فمه وينفخ فيخرج أصواتا يتحكم فيها ~~كما يشاء، فيقلد صوت القاطرة البخارية أو العصافير، أو يقطع الصفير في مقاطع تجعله يشبه ~~النطق إذا أراد أن يدعونا من منازلنا بأسمائنا، وكان هو زعيم الصبيان في الحارة قبل أن أدخل ~~في زمرتهم، فلما اتصلت بهم شعرت أنه غير مرتاح إلى وجودي معهم منذ أول يوم؛ لأنه وجدني غير ~~مستعد لقبول زعامته. # ولم تمض سوى بضعة أسابيع على وجودي مع الزمرة حتى وجدت الجميع يقاطعونني ويباعدونني، ~~فاعتزلتهم ولمت نفسي لوما شديدا على انحداري إلى مصاحبتهم، واقتصرت على ms005 الخروج وحدي إلى ~~الحقول القريبة لأتنزه وأكتب بعض خواطري، ولكن الزمرة لم تدعني وحدي في سلام، بل أخذ ~~أفرادها يتعرضون لي في ذهابي وإيابي، ويقذفون بعض ألفاظ التعريض نحوي من بعيد، فكنت ~~أتجاهل أمرهم لأظهر مقدار هوانهم عندي. # وكان من بينهم ولد من أبناء التجار اسمه «حمادة البارودي» وهو قزم قصير ذو رأسين، ولكن ~~لسانه كان طويلا فصيحا، وله مقدرة كبيرة على السخرية اللاذعة، فكان كلما رآني قذفني ~~بألفاظه الساخرة، المضحكة، وما يزال كذلك حتى أغيب عن بصره وأنا أسمع ضحكاته وضحكات أصحابه ~~فأتقد غيظا، ولما رأت الزمرة أني لا أعيرهم التفاتا زادوا جرأة علي، وأخذوا يسيرون ~~ورائي ليطيلوا مدة اضطهادهم إياي، وكانوا يرسلون أمامهم حمادة البارودي ليكون طليعة، ~~ويسيرون من خلفه صفا يصفقون ويضحكون، وحمادة الأصفر يصفر لهم صفيرا مختلف النغمات ~~والنبرات، ولما زاد غيظي من ذلك عزمت على أن أواجههم في موقعة حاسمة، فما كادت الزمرة تسير ~~من خلفي كعادتها ذات يوم، وما كاد حمادة البارودي يسير في طليعتها ويصيح بأول كلمة ساخرة، ~~حتى عدت أدراجي حانقا وخاطبت القزم قائلا: أتقصدني بما تقول؟ # فارتد حمادة البارودي إلى الوراء صامتا ونظر إلى ورائه، ولكني لم أدع له فرصة ~~لكلمة أخرى، وأمسكت ذراعه فهززتها في عنف قائلا: أتريد أن تكون عدوي؟ # فلما رأى أن أصحابه لا يسرعون لنجدته أجاب قائلا: أنا مصالحك! # ثم انحاز إلى جنب ووقف ينظر ماذا أفعل، واندفعت مسرعا نحو الجماعة المنتظرة. # وقصدت عامدا إلى زعيمهم حمادة الأصفر فلم أخاطبه بكلمة، بل لكمته في صدغه لكمة شديدة ~~جعلته يترنح ويضع يده على وجهه صارخا، فعاجلته بلكمة أخرى سقط منها على الأرض يصرخ ~~ويبكي ويشتمني، فجذبته من يده حتى أوقفته أمامي كأنه طفل مذنب، وأخذت أشتمه وأهدده، وفي ~~لحظة قصيرة انقلب أفراد الزمرة من عداوة متحمسة إلى صداقة متحمسة، وأخذوا يصفقون لي، ~~وجاء حمادة البارودي يشارك في الملهاة الجديدة، فأخذ يصيح بطريقته الساخرة المضحكة: ما لك ~~يا حمادة يا أصفر! حرام عليك يا سيد. تاب والله العظيم! جدع ms006 يا سيد. هيه يا حمادة! # وكان الجميع يضحكون ويصفقون، وكان خذلان حمادة الأصفر حاسما، فعزل نفسه عن زعامته من ~~ذلك اليوم وتركني زعيما للزمرة وحدي، ولم يظهر بعد ذلك بيننا عدة أسابيع، ثم عاد إلينا ~~خاضعا مسالما. # وأما الصبي الثاني فهو «مصطفى عجوة»، وكان هو المهرج المضحك بعد اعتزال حمادة الأصفر. كان ~~ولدا ضخم الجسم، له وجه غليظ أحمر قاتم، وفيه آثار من الجدري تبدو من بعيد كأنها زرقاء، ~~وتعلو وجهه دائما لمعة كأنه مدهون بزيت، وكان له صوت مجوف غليظ، وينطق بألفاظه في بطء ~~فيثير الضحكات عند كل كلمة، وكان يجمع بين السذاجة التي تقرب من البلاهة وبين الميل إلى ~~الدس والنميمة، وله مقدرة عظيمة على اختراع الأكاذيب التي يسعى بها بين رفاقه، فإذا عرف ~~زملاؤه حقيقة أكاذيبه لم يخجل ولم ينكر، بل ينطق ببعض ألفاظه البلهاء ثم يضحك ضحكة ~~طويلة، ويتحمل ما يوجه إليه من الشتائم، وكان يغيظني كثيرا ببلادته وخبثه، ولكني لم أجد ~~عليه سبيلا لأنه لم يحاول مرة من المرات أن يتحدى أو يقاوم عندما كنت أقتص منه على ~~أكاذيبه. # وهو يتيم الأبوين، يقيم مع جدته العجوز ويعولها بما يكتسب من عمله في محلج السيد أحمد ~~جلال تاجر الأقطان، الذي كان من قبل من سكان الحارة، وهو دائما يباهي بأن السيد أحمد يعرف ~~جدته عندما كان يقيم في حارتنا، كما يباهي بأنه يأخذ ستة جنيهات مرتبا شهريا. # وقد حدث في يوم من الأيام أن ذهبنا إلى مولد سيدي «عطية أبو الريش»، وأخذنا نلعب الكرة في ~~ساحة قريبة من مكان المولد، واجتمع من حولنا عدد كبير من النظارة، وقد أحسنت في اللعب في ~~ذلك اليوم، وكنت اللاعب الأوسط في الهجوم، فأخذ النظارة يهتفون باسمي حتى داخلني زهو كبير، ~~وجاءت فترة الراحة بين دوري اللعب فذهبت لأشرب كوبا من الخروب، ومررت في طريقي بحلقة كانت ~~تحيط بمصطفى عجوة وتضحك منه، وسمعت صوته الأجوف ينطق باسمي في عبارة تهكم انفجرت على ~~أثرها ضحكة عالية، فشعرت بحنق شديد عقب الزهو ms007 الذي امتلأت به في أثناء اللعب، واندفعت نحو ~~مصطفى عجوة بغير تفكير فأهويت على وجهه السمين بكل قوتي بصفعة رنت عاليا، ثم أتبعت ذلك ~~ببضع شتائم شديدة. # ولم يحاول مصطفى أن يرد على الاعتداء بمثله، مع أنه كان في مثل طولي، وأضخم مني ~~جسما، بل رفع ذراعه إلى رأسه ليحمي وجهه، وأخذ يصيح قائلا: «شاهدين يا جماعة؟» # وتعالت الأصوات مختلطة، وتقدم أفراد كثيرون ليحجزوني عنه وشهدوا علي بالاعتداء، ~~وألزموني أن أسقيهم جميعا كئوسا من شراب الخروب ففعلت. # هكذا انحدرت مع هذه الزمرة إلى حياة مضطربة مدة الصيف كله، وعزفت نفسي عن مواصلة الدراسة ~~عندما بدأ العام الدراسي الجديد، وعزمت على الانقطاع لأبحث عن عمل أتكسب منه، وأعلنت لأمي ~~في صراحة أنني لن أطيق الاستمرار في المدرسة، ولم أعبأ بالحزن الشديد الذي أصابها. # ولما رأت أمي أنني ركبت رأسي صرفت وجهها عني، ولزمت الصمت حتى صارت لا تخاطبني في ~~شيء. # ولكن ذلك لم يزدني إلا عنادا، وعزمت فيما بيني وبين نفسي على أن أظهر لها أنني لست ~~طفلا، وأنني أستطيع أن أثبت وجودي وأشق طريقي في الحياة، ولكني عندما بدأت أفكر في البحث ~~عن عمل لم أجد أمامي بابا أستطيع أن أطرقه، لأني كنت قليل الخبرة لا أكاد أعرف عن الوظائف ~~شيئا، وكان أول ما خطر لي أن أشتغل بالتحرير في الصحف؛ وذلك لأني كنت في المدرسة عضوا في ~~لجنة المجلة، وكان التلاميذ والمدرسون يسمونني «الكاتب الصغير»، ويطلبون مني أن أقرأ ~~عليهم القطع التي أكتبها ويظهرون الإعجاب بها، وخيل إلي أنني إذا أرسلت مقالا من ~~إنشائي إلى إحدى الصحف لم ألبث أن أتلقى الرد محتويا على بضعة جنيهات أذهب بها إلى أمي ~~لأقول لها: «انظري كيف أكسب!» وقضيت بضع ليال في الكتابة حتى أتممت بضع مقالات وكتبتها بخط ~~حسن في ورق جيد، وبعثت بها إلى الصحف المعروفة، ولم أنس أن أبعث بإحداها إلى جريدة ~~«النبراس» في دمنهور. # ولا حاجة بي إلى أن أقول: إن انتظاري قد طال عبثا ولم أجن من ms008 وراء مقالاتي إلا خسارة ~~أثمان الصحف التي كنت أشتريها كل يوم أو كل أسبوع لأرى هل نشرت شيئا من كتابتي. هذا فوق ~~ما خسرته في ثمن الورق والظروف وأثمان طوابع البريد وزجاجة من الحبر الممتاز. # وكدت يوما أطير فرحا عندما قرأت مقالة باسمي في جريدة «النبراس»، ولكني لم أتلق ~~الخطاب المنتظر الذي يحتوي على الجنيهات. # ولما يئست من التكسب بالتحرير في الصحف فكرت في الاشتغال بالأعمال الكتابية في الوظائف ~~الحكومية، فبعثت إلى مصالح كثيرة أعرض عليها استعدادي للعمل، وكلفني هذا أيضا ما يزيد ~~على خمسين قرشا في أثمان الورق وطوابع التمغة وطوابع البريد، وانتظرت أسبوعا بعد أسبوع ~~متلهفا على الردود، ولكن لم يصل إلي رد منها. # وبدأت أحس بالضيق من البطالة فوق إحساسي بالخجل والخيبة؛ لأني لم أثبت وجودي، ومر الخريف ~~والشتاء وبدأ الهم يثقل على صدري، فكنت أخرج إلى الريف المجاور للمدينة لأفرج عن نفسي ~~بالنزهة بين الحقول في مطالع الربيع، وكان جمال منظر حقول القمح وهي تختلف من الخضرة إلى ~~الصفرة يأخذ بمجامع قلبي، فأجلس بينها وأكتب ما يخطر لي من الأفكار، أو أؤلف ما يجيش في ~~صدري من الأشعار، وكان أكثر ذلك تعبيرا عما كان يجثم على قلبي من الضيق والحيرة. # ورأيت في يوم من الأيام إعلانا عن وظيفة بمجلس المديرية فكدت أطير فرحا، وخيل ~~إلي أن الأقدار قد ساقت إلي تلك الوظيفة عمدا واختارتها في دمنهور من أجلي، وكتبت ~~طلبا تأنقت في إنشائه وجودت خطه، وذهبت لأقدمه إلى رئيس المكتب بنفسي حتى لا أضيع ~~يوما في إرساله بالبريد، ولما ذهبت إلى ديوان المجلس أخذت أسأل عن رئيس المكتب، فدلني أحد ~~الحجاب على حجرته وهو يبتسم، فاستبشرت بالخير ودخلت إلى الغرفة، وكان فيها ثلاثة يجلس ~~أحدهم في الصدر خالعا طربوشه ويأكل من طبق أمامه فيه بقية من الفول المدمس، فعرفت أنه ~~الرئيس وتقدمت نحوه مترفقا وقلت: حضرتكم الرئيس؟ # فنظر إلى نظرة فاترة وهو يمضع ثم قال: ماذا تريد؟ # فمددت يدي إليه بالورقة، ولكن يده كانت ملوثة بالزيت ms009 ، فتردد لحظة ثم مد إصبعي يده ~~اليسرى وأخذها مني فنظر فيها لحظة ثم قال: هذا خطك؟ # فقلت مسرورا: نعم. # فوضع الورقة إلى جانب وأخذ لقمة كبيرة اشتملت على بقية ما في الطبق ثم فرك يديه وسألني من ~~بين أضراسه: شهادة الثقافة؟ # فأجبت في شيء من الزهو: نعم. # فقال: وأين هي؟ وما أدراني أن هذا صحيح؟ # فقلت: أحضر لك إقرارا من المدرسة بأني ناجح في الثقافة وأتعهد بإحضار الشهادة عند ~~استلامها. # فتبسم قائلا: حسن جدا، أين القهوة يا قرني؟ # ووجه الكلمة الأخيرة إلى الحاجب الذي كان واقفا ورائي وهو الذي دلني على الغرفة. ثم ~~اتجه إلي قائلا: طيب! تفضل الآن. # وكنت أود أن أسأله عن رأيه، وهل هناك أمل في قبول طلبي، ومتى أعود إليه مرة أخرى، وما ~~هي الوظيفة، وما أجرها؟ ولكنه نظر إلي نظرة فاحصة كأنه يقول لي: «انصرف من هنا.» # فانصرفت صامتا حتى لا أغضبه وخرجت من الباب فوقفت لحظة مترددا، وجاء الحاجب قرني فوضع ~~يده على ذراعي قائلا في همسة: اسمع يا أفندي! # واستمر بعد أن نظرت إليه: تعال هنا غدا وأنا أساعدك. أنا ضامن لك الوظيفة إذا سمعت ~~نصيحتي. # وكان رجلا سمينا تلوح عليه الطيبة فقلت له: أشكرك جدا. # فقال: لا شكر على واجب. أنت شاب طيب ويظهر أنك نبيه. المنافع متبادلة يا ابني، أنفعك ~~وتنفعني. أأنت من دمنهور؟ # فقلت: نعم. # فقال: وأنا مستعد لأي خدمة، في الحقيقة لا أريد أن أطلب شيئا لنفسي، ولا غرض لي إلا ~~تمهيد السبيل لك. أتفهمني؟ أنا أقدر أن أجعله يقبل. أنا وحدي. # ورفع يده ففرق أصابعه الخمسة تحت عيني في السر وهمس قائلا: خمسة فقط، والباقي بعد ~~القبض. # فهززت رأسي مستفهما. # فقال: خمسة جنيهات! # فسقط قلبي في صدري. خمسة جنيهات والباقي بعد القبض؟ وأين لي خمسة جنيهات؟ أأذهب إلى أمي ~~لأطلب إليها ذلك المبلغ؟ # فقلت له: ماذا تقصد؟ # فنظر إلي كأنه يشتمني وارتسمت على وجهه ابتسامة خاوية، ثم رفع رأسه فجأة متطلعا إلى ~~أقصى الممر المجاور للغرفة، وصاح ينادي ms010 عامل القهوة: أين فنجان القهوة المضبوطة يا ~~زفت! # وصاح العامل: حالا يا عم قرني! # ووقفت ثابتا كالأبله لا أدري ماذا أصنع. # فالتفت الحاجب نحوي قائلا: أنت حر! # وتركني ليأخذ القهوة من الصبي الذي جاء مسرعا بها، فسرت أجر قدمي في الطريق كالمذهول، ~~حتى وصلت إلى جانب الترعة، وكان مس الهواء يلطف حرارة وجهي المتقد، وما زلت أسير حتى عدت ~~إلى بيتي متعبا بعد دورة طويلة حول المدينة. # وبعد نهار قلق وليلة مضطربة قمت في الصباح الباكر ذاهبا إلى ديوان مجلس المديرية عازما ~~على مقابلة السيد رئيس الكتبة، لعله يكون أرفق من الأمس، ولكني ما كدت أقترب من الباب حتى ~~استوقفني عم قرني قائلا: ممنوع يا أفندي! # ونظر إلي نظرة جامدة كأنه لم يرني من قبل. # فوقفت لحظة أنظر إليه، وكدت أقول له كلمة أسترضيه بها، وحدثت نفسي أن أعده بما يرضيه ~~إذا قبضت المرتب، ولكنه لم يعطني فرصة للكلام بل أعاد كلمته قائلا: قلت لك ممنوع يا ~~أفندي! # واقترب مني كأنه يريد أن يدفعني عن الباب. # فشعرت بصدري يزدحم بالغيظ، وتمنيت لو دفعني لأجد سببا يجعلني أفرغ فيه حنقي بلكمة في ~~صدغه، ولكنه أدار لي ظهره وأمسك بأكرة الباب. # فلم أجد لي سبيلا إلا أن أبلع غيظي وأنصرف وفي قلبي بركان يفور. # وزاد ضيقي بالحياة وبدأت أسأل نفسي عن قيمتها وتفاهتها، وزادني ضيقا أنني بدأت أندم على ~~انقطاعي عن الدراسة وإغضاب أمي، وبلغ بي الحنق على نفسي وغيري أن انقطعت عن الناس كافة، ~~وصرت أقضي أكثر أوقاتي هائما في الحقول مثل طفل ضال، لا أجد شيئا أفرج به عن نفسي إلا ~~أن أكتب قطعا حانقة باكية من النثر أو الشعر ثم أمزقها بعد أن أقرأها. # وكنت أحيانا أرى في الطريق بعض زملائي القدامى في المدرسة فتصيبني غصة، وألفت بصري ~~عنهم حتى لا أحييهم أو أكلمهم، شاعرا نحوهم بشيء يشبه البغض أو الحقد، فإذا عدت إلى بيتي ~~تسللت إلى غرفتي لأقضي أكثر الليل ساهدا مع خواطري السوداء. # هكذا مرت بي الأيام ms011 بطيئة كئيبة حتى جاء الصيف وامتحن رفاقي في البكالوريا، فانهارت ~~مكابرتي وصرت أبكي في غرفتي كلما خلوت فيها. # وجاءني حمادة الأصفر ذات ليلة من الليالي الحارة، وكنت لم أره منذ أشهر طويلة، فتعجبت ~~من زيارته، ولكني شعرت بشيء يشبه الابتهاج بها لأنها أدخلت علي شيئا من التغيير، وكان ~~وجهه أصفر كعادته، وظهرت النقط السود التي فوقه كأنها نمل صغير يتحرك، وابتسم لي عن ~~أسنانه الصفر «المشرشرة» كأنه لم يكن بيننا ما يعكر الصفاء من قبل. # وقال لي مبادرا: ما رأيك يا سي سيد؟ # وكان واقفا على أرض الحارة وكنت فوق عتبة الباب، فظهر لي كأنه طفل ضئيل الجسم، وأحسست ~~نحوه لونا من العطف ممزوجا بالاحتقار وقلت له: ماذا تريد يا حمادة؟ # فقال: ما رأيك في فرقة تمثيل؟ # فصحت: ماذا؟ # فقال مبتسما: فرقة تمثيل، فرقة أصدقاء الفن. ألا تذكر؟ # وكانت فرقة من الممثلين قد زارت دمنهور في مولد «أبو الريش»، وذهبت إليها مع زمرة ~~أصحابي، ولا أنسى تلك الليلة التي بكيت فيها بكاء مرا عندما شاهدت رواية «عواطف ~~البنين»، وكان مصطفى عجوة جالسا بجانبي، فأخذ يضحك مني ويدفعني بيده قائلا: «إنه تمثيل ~~يا عبيط!» ووقف حمادة ينتظر جوابي وأنا أنظر إليه في عجب ولا أدري ماذا يقصد. # فعاد قائلا: أنت تعرف أني اشتركت مع هذه الفرقة، وكان الجمهور يصفق لي كلما ظهرت. لماذا ~~لا نكسب كما كانت تلك الفرقة تكسب؟ ولماذا لا نكون نحن «أصدقاء الفن»؟ ثلاثين جنيها نربحها ~~في الليلة الواحدة. لا تفكر في شيء لأني ضامن لك أنت عشرين جنيها. ستكون أنت رئيس الفرقة ~~يا سيد أفندي وسأكون أنا أمين الصندوق فقط. سأذهب إلى هؤلاء الأغنياء لأبيع لهم التذاكر ~~بنفسي، وإذا رفض أحدهم أن يشتري عرفت كيف أخلص منه، لا تفكر أنت في شيء. الفرقة كاملة. ~~لا تنتظر إلا أن تقبل أنت الرياسة، فما رأيك؟ # وكدت أضحك من الفكرة ولكني قلت له: يعني أنك تريد أن أمثل معكم؟ # فأجاب في جد: أنت رجل أديب يا سيد أفندي، كل الناس ms012 يقولون هذا. رأيت اسمك بعيني في ~~النبراس، والأعيان كلهم يحسبون حسابك إذا عرفوا أنك معنا. كلمة واحدة في جريدة النبراس ~~تقلب البلد على رأس أكبر عظيم هنا. عشرين جنيها يا سيد أفندي تقبضها مقدما. ما ~~رأيك؟ # ومع كل ما كان في نفسي من السخرية ومن سوء الظن بهذا الصاحب القديم، وجدت نفسي أفكر في ~~الجنيهات العشرين، وتصورت نفسي وأنا أحمل هذا المبلغ الضخم إلى أمي قائلا لها: «انظري ~~كيف أستطيع أن أكتسب بعملي!» # وسألته: أأنت جاد فيما تقول؟ # فقال مؤكدا: جاد؟ وهل جئت لأمزح؟ لا تفكر في شيء واترك لي تدبير الأمر كله. الرواية ~~حاضرة، والملابس كاملة، والمناظر مجهزة. رواية عظيمة، وملابس بالقصب، والضحك لا ~~ينقطع. # وشادر البطيخ يتسع لألف شخص. ألف في عشرين قرشا على الأقل، كم يا سيد أفندي؟ # فقلت ساخرا: مائتان. # فقال جادا: بالضبط، والمقاعد الأمامية بثلاثين قرشا، وكل المقاعد بالثمن. لا هدايا ولا ~~مجانا ولا مجاملة. الجد جد. الاجتماع غدا في الساعة العاشرة صباحا في وابور الطحين ~~بجوار ضريح سيدي «أبو طاقية» ما رأيك؟ أنصار الفن أو المسرح الوطني؟ # ففكرت قليلا ثم قلت: المسرح الوطني. # فصفق قائلا: أديب عظيم والله! المسرح الوطني يا أستاذ سيد. انتهينا! # ولم أجبه بكلمة لأن ذهني كان مشغولا بأسئلة كثيرة عن حقيقة الجنيهات العشرين فهل يدفعها ~~لي مقدما كما يقول؟ ولكني خجلت من سؤاله حتى لا أظهر لهفتي، وجعلت أفكر في إمكان بيع ~~التذاكر كلها. # ولما رأى حمادة أني صامت قال لي: قلت لك لا تفكر. رواية مدهشة. كلام نهائي؟ في الساعة ~~العاشرة صباحا؟ # وتركني بعد أن هز يدي في صفاء ومودة، وعدت إلى غرفتي مستبشرا أعيد ما سمعت من حمادة ~~حتى غلبني النوم وأنا أناجي أملي. # واجتمعنا في اليوم التالي في «وابور الطحين»، وكانت الفرقة هي الزمرة القديمة مع زيادة ~~بعض أشخاص آخرين للقيام بالأدوار الثانوية، وقرأنا القصة فوجدناها مدهشة حقا. رجل من ~~كبار الأغنياء يتزاحم الشبان على خطبة ابنته ويرفض أن يزوجها لأحد منهم، ثم يأتي إليه ~~سمسمار يوهمه ms013 بأنه رسول من قبل أحد الأعيان في مدينة مجاورة لخطبة ابنته، وكان متآمرا ~~مع وكيل الدائرة على تزويج الفتاة من رجل مفلس من أسرة معروفة طمعا في الحصول على ثروة ~~والدها. # ثم تنكشف المؤامرة بعد كتابة العقد، فيغضب والد الفتاة ويريد التخلص من العقد، وبعد ~~مراجعات كثيرة ومصادمات ومضاربات مضحكة يرضى الزوج المفلس بأن يفسخ العقد بعد أن يأخذ ~~تعويضا ماليا كبيرا. # وتم الاتفاق بيننا على توزيع الأدوار، فكنت أنا سعادة البك، وحمادة الأصفر الشيخ منصور ~~السمسار، ومصطفى عجوة وكيل الدائرة، وحمادة البارودي ابنة البك، وهكذا، ولم نختلف إلا على ~~شيء واحد؛ وهو الطريقة التي يضرب بها وكيل الدائرة وجه سعادة البك ردا على الصفعة التي ~~يوجهها إليه البك في أثناء المشادة التي تحتدم بينهما، ولما لم أرض أن يضربني مصطفى ~~عجوة بحال من الأحوال، تم الاتفاق بيننا بعد أخذ ورد طويلين على أن يقنع مصطفى وكيل ~~الدائرة بالتهجم على البك من بعيد. # وبعد بضعة أيام جاء حمادة الأصفر ليسألني هل حفظت دوري؟ وكنت أتقنت حفظه، وتمرنت ~~عليه حتى رضيت عن نفسي، ودفع لي حمادة جنيهين مقدما عندما رفضت أن أشتغل إلا إذا نفذ ~~الشرط المتفق عليه، ووعدني بأن يدفع الباقي في ليلة الحفلة. # وجاءت الساعة الموعودة وبدأ الاحتفال في شادر البطيخ، ورأيت النظارة يملئون المقاعد عندما ~~نظرت إليهم من ثقب الستارة، ولم أرد أن أعكر صفاء الحفلة بالإصرار على أخذ باقي العشرين ~~جنيها؛ لأني شعرت بالاطمئنان إلى أن الربح سيكون كافيا الجميع. # وسارت الرواية سيرا حسنا، وكان إعجاب النظارة ظاهرا من تصفيقهم وصفيرهم وخبطهم بالأرجل ~~على الأرض، وكان حمادة يذهب ويجيء من وراء المسرح وهو بادي السرور، وكلما جاء دوره ذهب ~~ليؤديه أداء طبيعيا كسمسار خبيث حقا. # ثم جاء منظر مصطفى عجوة وكيل الدائرة بعد أن كشفت خيانته فجعلت أشتمه وأهدده وصفعته ~~على وجهه صفعة شديدة كما يحتمه الموقف في الرواية بحسب الاتفاق، فما كان منه إلا أن أدى ~~دوره الأصلي كما هو مكتوب في الرواية، ورفع يده الضخمة ms014 على غير انتظار مني وضربني على وجهي ~~ضربة شديدة ترنحت من ثقلها، فما كان مني إلا أن هجمت عليه ولكمته على وجهه لكمات ~~متعاقبة وأنا أشتمه وألعنه حتى وقع على الأرض، وبركت فوقه أكيل له اللكمات في غيظ والناس ~~يضجون بالضحك والتصفيق والصفير، وأرخي الستار، واضطرب الشادر، وجاء حمادة يجري نحوي ويلطم ~~وجهه قائلا: «ضعنا!» # ولم أهتم بقوله ولا بأقوال الزملاء الآخرين، وانصرفت ذاهبا إلى بيتي فأغلقت علي بابي ~~وأخذت أبكي بكاء مرا، وكان شعوري بالخزي يخيل إلي أن أذهب إلى أمي لأوقظها من النوم ~~وأقبل رأسها وأعتذر إليها وأسألها الصفح عني. ألم يكن كل ما أصابني نتيجة ~~لغضبها؟ # ولما طلع علي الصباح سارعت إليها وقبلت رأسها، وأخذت أعترف لها بسوء مسلكي وبكل ما حدث ~~لي، وسألتها مخلصا أن تصفح عني وتدعو لي بالهداية، وشعرت عندما مسحت على رأسي بيدها ~~وأخذت ترقيني أني ألوذ بالملجأ الوحيد الذي أستطيع أن ألجأ إليه دائما وأجد الأمن في ~~ظلاله. # | الفصل الثاني # كانت أمي تحاول أن تخفي تأثرها وأنا أحدثها عن محاولاتي في البحث عن العمل وما ~~لقيته فيها من الخيبة، ولكن عينيها الرطبتين كانتا تدلان على مقدار رثائها. # وقلت لها في تردد: ولا بد لي من أن أعيد الكرة مرة أخرى؛ فالمدرسة أصبحت ~~مستحيلة. # فقالت: لا أحب أن أعارضك يا سيد، ففكر في مستقبلك كما تحب. # فقلت: يمكنني أن أتقدم للامتحان من منزلي، المهم أن الوظائف تحتاج إلى الواسطة. كل شيء ~~في هذه الأيام يحتاج إلى الواسطة. # فقالت: أتذهب لعمك؟ # ولم أكن أنتظر منها أن تفكر في هذا؛ لأني أعرف أن عمي كان على خلاف شديد مع أبي قبل ~~وفاته، حتى إنه لم يحضر إلينا عند موته. # وقلت لأمي: لا أذهب إليه أبدا، وماذا لو تخلى عني؟ أظنك تعرفين السيد أحمد ~~جلال. # قلت ذلك لأني تذكرت أن السيد أحمد جلال جارنا القديم كان كلما رآني يبدؤني بالسلام، ~~وكان من أول من زارنا للتعزية، وكرر علي أن أزوره إذا احتجت إلى مساعدة. # فقالت أمي ms015 مرتاحة: جارنا القديم والله يا سيد، لا مانع أبدا. هو صاحب كلمة مسموعة والست ~~نور الله يحميها، والله كان من الواجب أن أزورها من زمن. # واتفقنا على أن نقوم من ساعتنا إلى بيت السيد أحمد جلال، وكان قد انتقل من حارتنا منذ عشر ~~سنوات إلى بيته الجديد في حي «أبو الريش». # وكان السيد أحمد جلال في مبدأ أمره تاجرا صغيرا، ثم اتسعت تجارته وأنشأ محلجا عظيما، ~~وأصبح في مدة الحرب الأخيرة أكبر تاجر قطن في المدينة، وكان صديقا لأبي، وكثيرا ما كان ~~أبي يبعثني إليه بخطاب لآخذ منه سلفة على القطن في مدة الصيف كما هي عادة الزراع. # وعندما كان يقيم في حارتنا كانت أمي تزاور امرأته السيدة نور، وكنت كثيرا ما أذهب معها، ~~وكانت ابنته منى طفلة صغيرة ظريفة تشبه الدمية ذات الشعر الأصفر، فإذا ذهبت إلى هناك أسرعت ~~تجري نحوي، وطلبت مني أن أركبها فوق كتفي كأني حصان، ثم تدلي رجليها من أمام صدري وتهزها ~~فأجري بها مقلدا وثبات الخيل وأصهل كما يصهل الحصان فتضحك مكركرة، وتطلب أن أعيد الجري ~~والصهيل مرة أخرى، وأذكر أني ذهبت مع أمي للزيارة مرة في يوم من أيام الشتاء وكانت أختي ~~منيرة معنا، وكانت طفلة في مثل سن منى في حوالي الثالثة أو الرابعة، وركبت منى فوق كتفي ~~كعادتها وطلبت مني أن أجري، وكانت الحارة زلقة على أثر مطرة ثقيلة فانزلقت بها ووقعنا ~~معا في بركة من الطين، فبكت منى وأخذت منيرة تبكي هي الأخرى وهي واقفة على الرصيف، ~~وتحملت وحدي في ذلك اليوم لوما شديدا من أمي؛ لأني تسببت وفي وقوع منى. # ومع أني أنا الذي اقترحت على أمي أن تذهب إلى السيد أحمد جلال، فإني شعرت بضيق شديد عندما ~~نزلنا متجهين إلى منزله؛ لأني استصعبت أن أطلع ذلك الجار القديم على أني تلميذ خائب قطعت ~~دراستي، ولم أجد عملا حتى لجأت إلى مساعدته ليجد لي وظيفة أتكسب منها. # ولكني تغلبت على نفسي وجاهدت شعور المرارة الذي غمرني، ولم أنطق بكلمة ms016 حتى وصلنا إلى ~~البيت، وكان بناء فخما تحيط به حديقة يانعة واسعة، ودخلت أمي إلى الدار وذهبت أنا إلى ~~جناح الضيوف، وكان من حسن حظي أن السيد كان هناك، فاستقبلني مرحبا، وأذهبت سماحته ما ~~كان في نفسي من الانكسار، وطلب لي شرابا من المنجة، وأخذ يحدثني حديث جار قديم لا تكلف ~~فيه، ولأول مرة بدأت أعرف الرجل؛ لأني كنت لا أراه قبل ذلك إلا من بعيد كما يرى الطفل ~~رجلا، وشعرت بشيء كثير من الرضى عندما بدأ يحدثني كرجل. # وكان حديثه سهلا شائقا يجري هنا وهناك في مواضيع شتى، فحدثني عن أبي وعن عمي الذي ~~كان من قبل حكمدارا في دمنهور، كما حدثني عن نفسه عندما كان صغيرا فقيرا، وتعجبت من أنه ~~لم يشعر بشيء من الأنفة عندما قال أنه بدأ حياته عاملا عند الحاح علي مطاوع تاجر الغلال، ~~وأنه اقتصد من أجره بضعة جنيهات بدأ بها تجارة صغيرة، فاشترى بعض قناطير من القطن كان ~~يجمعها من الفلاحين رطلين أو بضعة أرطال في كل صفقة، ثم حمل ما اشتراه على عربة نقل فكان ~~يسير إلى جانبها حينا ويركب عليها حينا آخر حتى وصل إلى الإسكندرية، وباع ما اشتراه بربح ~~كبير شجعه على الاستمرار في التجارة، ونظر إلي بعد ذلك قائلا: إذا شئت يا سيد أفندي أن ~~تنجح في الحياة فلا تتعلق بالمظاهر. وارتحت عندما سمعته يناديني: «يا سيد ~~أفندي». # وشجعني ذلك على أن أفاتحه بأني أريد أن أجد وظيفة في الحكومة. فأجابني قائلا: لماذا تريد ~~أن تتوظف في الحكومة؟ إنها لا تعلم إلا الكسل والغرور. # فقلت له: أريد عملا أتكسب منه؛ لأني فقير. # ولم أشعر بالخجل أن أقول له إني فقير بعد أن سمعته يقول إنه كان في صغره فقيرا هو ~~الآخر. # فتبسم قائلا: هذا حسن، وأنا في حاجة إلى شاب مثلك للعمل هنا، ولكن على شرط، ليس هنا ~~مكاتب ولا سعاة ولا أجراس ولا أوامر. هنا عمل إذا كنت حقا تريد العمل. العمل من الصباح ~~إلى المساء، والأعمال كلها ms017 سواء. ليس هنا عمل مهم وآخر تافه. كل شيء مهم كالآخر، كتابة ~~النيشان على البالات مثل أمانة الخزانة، كلها تحتاج إلى الأمانة والدقة والجد. # وكانت طريقته في الكلام بسيطة، ولكنها حاسمة فقلت له: يسرني أن أعمل معك. # فتبسم ابتسامة لم أفهم معناها ولكنها تشبه قولي: سنرى. # وقال: سأنتظرك إذا شئت في الصباح. الساعة الثامنة تماما يبدأ العمل، وأنا هنا منذ الساعة ~~السابعة والنصف. # فشكرته مخلصا وكان قلبي يخفق سرورا. هكذا وجدت العمل في لحظة ولم تعد بي حاجة إلى ~~الوساطة للبحث عن وظيفة في الحكومة. # ولما استأذنت لأدعو أمي لننصرف دعاني السيد أحمد لأجول معه جولة في أنحاء الحديقة، ~~وكانت منى تلعب هناك، فلما رأتني عرفتني من أول نظرة، ولكنها لم تجر نحوي ولم تطلب أن ~~تركب فوق كتفي. كانت عند ذلك فتاة في نحو الحادية عشرة أو الثانية عشرة، واتجهت نحوي ~~فسرت إليها لأحييها، وكان وجهها ما يزال وجه الطفلة التي تشبه الدمية، شعرها الأصفر ~~وعيناها الزرقاوان وابتسامتها الوديعة والغمازتان اللتان في وجنتيها، وأخذها والدها تحت ~~إبطه وجعل يداعبها ويسألها: هل تعرفني؟ فهزت رأسها باسمة ولم تنطق بكلمة. # فطلب منها أن تصعد إلى الدار لتدعو والدتي، فأسرعت تجري وشعرها الذهبي يهتز على ~~كتفيها. # وجاءت بعد قليل تسير هادئة إلى جنب أمي ممسكة بيدها، فقبلتها أمي من جبينها، وسلمت ~~على السيد. # فقلت لها: سأحضر إلى هنا في الصباح يا أمي، تفضل السيد فوجد لي عملا. # فقال السيد أحمد: لم أتفضل بشيء لأني محتاج إلى عملك. # فشكرته أمي وأكثرت له الدعاء وهي خارجة، وكان قلبي ما يزال يخفق عندما سرنا في الطريق، ~~وأخذت أحدث أمي عما قاله السيد لي، وكان ذلك أول يوم سعيد مر بنا منذ وفاة أبي. # وفي اليوم التالي بكرت إلى المحلج في الساعة السابعة والنصف، فوجدت السيد أحمد قائما ~~في فناء المحلج كأنه ينتظرني، فلما سلمت عليه أخذني من يدي حتى دخلنا إلى المكتب، ولم يضع ~~وقتا في تحية أو مجاملة، بل أشار إلى علبة صغيرة فيها ms018 لون أحمر ومعها «فرشة» صغيرة؛ لأكتب ~~بها الأرقام على بالات القطن. # ونحن إذا تأملنا الأمور بعقولنا وقبلناها لا نعرف دائما حقيقة مشاعرنا، فمنذ أخذت العلبة ~~وسرت إلى مخزن القطن لأبدأ عملي، بدأت أسأل نفسي أسئلة خانقة، ولا أظن أحدا يستطيع أن يعرف ~~ما يبعثه مثل هذا العمل من الشعور بالصغر إلا إذا جربه بنفسه، أخذت أكتب الأرقام وأتحرك بين ~~البالات الضخمة شاعرا بأني شخص تافه، ومضى اليوم الأول طويلا وعدت إلى بيتي حانقا على ~~نفسي ساخطا على قضائي، وأخذت ألوم نفسي أشد اللوم على أني قطعت دراستي وأضعت مستقبلي، ~~ولكني عدت بعد حين أراجع حنقي وسخطي عندما تذكرت ما حدث لي في مدة السنة الماضية التي ~~قضيتها عاطلا عن العمل، وبعد أن أمضيت بضعة أيام في المحلج بدأت أستقر أو بقول آخر بدأت ~~أرضى عن عملي، وعندما جاء أول الشهر أعطاني السيد مرتبي عن الأيام العشرة التي عملت فيها ~~عنده في الشهر الماضي وكانت أربعة جنيهات، فعرفت أن المرتب الشهري الذي قدره لي يصل إلى ~~اثني عشر جنيها، وهو مبلغ لم أكن أحلم به، وكان أول ما فعلت أن اقتطعت من الجنيهات ~~الأربعة جنيها لأشتري به كتبا أقرؤها؛ لأني شعرت بحنين شديد إلى القراءة. # وكان لقراءتي أثر عظيم في تخفيف شدة الشعور بالتفاهة، وهو الشعور الذي كان ما يزال ~~يعاودني؛ وذلك لأني كنت عندما أقرأ أحس كأني انتقلت إلى عالم آخر غير البالات والأرقام؛ ~~ولهذا كنت أضع الكتاب الذي أقرؤه قريبا مني لأعود إليه كلما وجدت فراغا من العمل حتى أخرج ~~به حينا عن عالم البالات، وقد استمر دأبي على هذه العادة الجديدة فصرت أقتطع في كل شهر ~~جنيها أو جنيهين لأشتري كتبا جديدة كأنها جزء من عدة عملي. # وبدأت أتعرف على من هناك من العمال والموظفين، وأنست إلى أكثرهم ما عدا مصطفى عجوة؛ ~~فقد كنت أحس في قرارة نفسي شعورا عميقا بالكراهة له وسوء الظن به، مع أنه كان يقذف نفسه ~~علي ويتودد إلي بطريقته السمجة التي تدعو إلى ms019 زيادة النفور. # وكان السيد أحمد يتلطف بي ويترفق في معاملتي ولا يخاطبني إلا باسم سيد أفندي، وكثيرا ~~ما دعاني إلى الجلوس معه في مكتبه، وهذا شرف لا يناله في المحلج أحد غيري. كان مصطفى عجوة ~~يدخل إليه في المكتب فيقف إلى جانب حتى يتلقى أمره ثم يخرج، وأما الموظفون الآخرون فكانوا ~~لا يجرءون على الدخول إلى مكتبه. # ولكنه كان أيضا يكلفني في بعض الأحيان أعمالا تشبه الخدمة الخاصة، فيبعثني إلى البيت ~~لأحمل إليه فاكهة أو لأوصل إليه رسالة أو نقودا، فكانت نفسي في أول الأمر تثور على ذلك، ~~وكدت مرة أرفض طلبه لولا أن ملكت شعوري حتى لا أغضبه، ولكني كنت أجد ترضية كافية تنسيني ~~غضبي إذا صادفت منى في الحديقة، حتى صرت فيما بعد أشعر بالارتياح كلما كلفني القيام بخدمة ~~أذهب فيها إلى البيت، وكنت أجدها في كثير من الأحيان تلعب مع بعض صاحباتها إذ يقفزن فوق ~~الحبل أو يلعبن «الأولى» أو لعبة الانتباه، فإذا رأتني أسرعت إلي وأصرت على أن ألعب معها ~~دورا، وكان هذا يؤخرني أحيانا، ويعرضني للوم السيد أحمد فلا أجرؤ على أن أقول له ~~السبب في تأخري، وقد تعرضت مرة لموقف محرج من جراء إصرار «منى» على مشاركتها اللعب؛ إذ ~~ذهبت يوما كالعادة إلى البيت أحمل فاكهة، وتمسكت بي «منى» لألعب معها لعبة «الانتباه»؛ ~~وذلك بأن أحجل على رجل واحدة وهي تجري أمامي في حدود مربع مرسوم على الأرض، وأخذت أحجل ~~بحماسة وهي تجري وتزوغ مني حتى أكاد أقع واستمر الدور أكثر من عشر دقائق حتى استطعت أن ~~ألمس كتفها، ولما التفت إلى ورائي وأنا ألهث من التعب وجدت السيد أحمد جلال واقفا من بعيد ~~ينظر إلينا، فارتكبت ارتباكا شديدا وشعرت بأن وجهي يتقد وذهبت نحوه أجرر قدمي، ولا ~~أدري ماذا أقول له، ولكن منى صاحت بي غاضبة تدعوني إلى إتمام الدور الثاني لتنتقم مني، ~~فلما رأت والدها أسرعت إليه تطلب منه في حماسة أن يتركني حتى ألعب الدور الثاني فتبسم ~~السيد وأخذها من يدها ms020 متجها نحو ميدان اللعب وقال لي: «أكمل دورك يا سيد أفندي، وهذا جنيه ~~يا منى للفائز منكما.» فصفقت منى مسرورة وبدأنا اللعب، ولكني لم أتحمس، فصاحت منى ~~غاضبة وساعدها أبوها قائلا: «يجب أن تبذل جهدك حتى يكون الانتصار حقيقيا.» فاندفعت في ~~اللعب بكل قوتي حتى تعبت منى ووضعت قدمها الثانية على الأرض بغير أن تمسني، وسلمني السيد ~~الرهان، وكان سرور منى بفوزي أضعاف سرورها بانتصارها علي في المرات السابقة، وقد عرفت ~~فيما بعد أن مصطفى عجوة هو الذي سعى عند السيد أحمد جلال، وجعله يتبعني إلى المنزل ليرى أن ~~سبب غيابي هو انشغالي باللعب مع منى، فإني عندما عدت مع السيد إلى المحلج سمعته يستدعي ~~مصطفى عجوة ويشتمه بصوت مرتفع ويلعنه ويأمره بألا يرى وجهه مرة أخرى. # وجاء مصطفى عجوة بعد تلك المقابلة العاصفة وجعل يتودد إلي ويحلف لي أنه يحمل لي ~~إخلاصا لا حد له. # على هذا استقر عملي بالمحلج، وزال عني كثير من الشعور بنفسي وبضآلة وظيفتي، وكان العمال ~~والموظفون الآخرون يأنسون إلي كما صرت آنس إليهم، لا يشذ منهم سوى مصطفى عجوة؛ إذ ~~كان يذكرني دائما بأنه ما زال الصبي الخبيث الذي كان يملؤني غيظا عندما كنا معا في زمرة ~~حارة «أبي طاقية». # وكان من عادة السيد أحمد جلال أن يحتفل في كل عام في شهر رمضان بإطعام العمال والفقراء ~~وتوزيع الملابس عليهم في ليلة العيد، فلما مرت السنة الأولى من عملي بالمحلج عهد إلي ~~السيد أحمد أن أقوم على تدبير ما يجب تدبيره لذلك الشهر من طعام وكسى، بعد أن كان يكل ذلك ~~إلى مصطفى عجوة. # فوضعت لذلك خطة توفرت على إحكامها، وأظن أن السيد ارتاح إلى عملي فصار يعهد إلي بذلك ~~في كل عام كلما أقبل رمضان، وكنت أجد في قيامي به ارتياحا شديدا لما فيه من البر، كما كنت ~~أغتبط بما فيه من دلالة على ثقة السيد بي واعتماده علي، ولم أفطن إلى أن عملي هذا يثير ~~علي غيظ مصطفى عجوة إلا بعد عدة ms021 سنوات عندما وقعت حادثة صغيرة في شهر من شهور رمضان ~~المتعاقبة، كان لها على صغرها أثر كبير في تغيير اتجاه حياتي. # أقبل شهر رمضان في أحد الأعوام المتتالية وأعددت العدة لما يجب له من كل شيء، مهتديا ~~بتجاربي السابقة، وتحريت أن أطرف العمال والفقراء بين حين وآخر بأنواع من طرف الطعام ~~لأدخل على قلوبهم السرور، وكنت أقضي بعد الظهر من كل يوم في تدبير شئون المطبخ ثم أمكث حتى ~~الغروب في خدمة الطاعمين حتى يفرغوا من الإفطار، وأذهب بعد ذلك إلى بيتي لأفطر، وقد أتاحت ~~لي ساعات وجودي معهم فرصا كثيرة للاستماع إلى ما يقولون ولا سيما بعد أن صاحبتهم سنة بعد ~~سنة وأنسوا إلى مودتي. # وبدأت أحاديثهم الصريحة عند ذلك تطلعني على جانب عجيب من الطبيعة الإنسانية لم أفطن لها ~~من قبل، وبدأت أتعلم حقا أن الناس كما يقولون: «صناديق مقفلة» تخفي في كثير من الأحيان ~~ما فيها من الحقائق. # كنت يوما أجلس في حلقة من العمال حول إحدى الموائد بقصد مؤانستهم فسمعت أحدهم يتحدث ~~ساخرا بالسيد أحمد جلال. # فقلت له في رفق: إنه لا يستحق منك هذا يا صديقي. # فأجابني في دفعة: أتقصد أنه يطعمنا؟ # فقلت: لا أقصد ذلك، بل أقول لك إنه صديق يعمل دائما على إظهار مودته لنا، وما هذه ~~الموائد إلا لفتة كريمة لا تستحق إلا الشكر. # فقال مستمرا في سخريته: أي شكر يا عم؟ هو يقطع من لحمنا ليطعمنا، فدعنا نأكل لحمه ~~ونقطع فروه. # وانطلقت عند ذلك ضحكة عالية من الحلقة كلها، وكان لها وقع بشع في نفسي، فقمت من بينهم ~~وقلبي ثائر وصدري منقبض حتى وصلت إلى بيتي، فأفطرت بشيء يسير وأنا كاسف البال، وفي الليالي ~~التالية عزمت على أن أسبر غور الحلقات الأخرى، فكنت أستمع إلى فكاهاتهم ومناقشاتهم، وتبينت ~~أن السيد أحمد جلال لا يطعم إلا بطونا جائعة. كانت قلوب الجميع لا تحمل له مودة ولا تجزيه ~~في قرارتها إلا بالسخرية أو الحقد. # وذهبت ذات ليلة كعادتي إلى بيت السيد أحمد جلال ms022 لأقضي السهرة بعد أن فرغت من تعهد ~~إفطار الفقراء، وكان السيد جالسا في حلقة ضيوفه المعتادة، وسمعت أول ما سمعت من حديث ~~الجالسين قول الشيخ القرش: ما رأيكم في أن نسمي السيد أحمد جلال «حاتم دمنهور»؟ فتعالت ~~الأصوات بالموافقة وأخذ السيد أحمد يقول في تواضع: أستغفر الله! # وكنت أعرف الشيخ القرش منذ نشأتي، وهو تاجر عجيب الطباع بدأ حياته فلاحا فقيرا، ثم صار ~~طالب علم بالأزهر، ولكنه قضى عشر سنوات في دراسة لم تفده شيئا سوى عمامة كبيرة، فاشتغل ~~بالتجارة، واتخذ لنفسه دكانا صغيرا في السوق يجمع فيه أنواعا من البضائع لا صلة بينها، ~~من الطعام والبقول والملابس والأواني، كما جعل عند مدخله صندوقا لبيع السجائر وآخر ~~للمرطبات المثلجة، وكان يضع أمام دكانه بعض الكراسي ويجمع عليها بعض أصحابه، فإذا جاء وقت ~~الصلاة قام ليصلي بهم جماعة فوق الرصيف، وكان من أقواله المأثورة: «القرش الأبيض ينفع في ~~اليوم الأسود.» كما كان يقول دائما إذا سئل عن أصله: «أصلك قرشك.» لهذا سماه الناس بالشيخ ~~القرش، وكان معروفا بينهم بالحماقة والشراهة والرياء. # ولا شك أن وجهي كان ينم عن الغيظ عندما سمعته يستمر قائلا للسيد أحمد: لسنا وحدنا نقول ~~هذا، لهؤلاء المئات من الفقراء يقولونه وهم يأكلون طعامك. # وكنت منذ أيام أفكر في أن أتحدث إلى السيد أحمد في إبطال هذه المآدب التي يقيمها ولا ~~يجزى عليها بالشكر، وأقترح عليه أن يزيد في أجور عماله بمقدار ما ينفقه عليها من الأموال، ~~فلما سمعت قول الشيخ القرش نظرت إليه حانقا. # وأحس الرجل بمعنى نظرتي، فاتجه إلي قائلا: ما رأيك يا سيد أفندي؟ # فشعرت بأن لساني يلتصق في سقف حلقي، وأن الدم يصعد إلى وجهي. أأكذب وأوافقه؟ # ولما رأى الشيخ ترددي صاح في حماقته: هل يجرؤ أحد أن يكابر إلا أن يكون أعمى؟ # وانتهز مصطفى عجوة الفرصة فقال: العمي كثيرون يا مولانا. # فصاح الشيخ يخاطبني في غضب: أتنكر فضل السيد أحمد جلال؟ # فاندفعت قائلا في غيظ: من الذي ينكر؟ وما معنى هذا الغضب يا ms023 مولانا؟ # فاستمر قائلا: أهذا هو إخلاصك؟ # فشعرت بما يشبه الوخزة في صدري وقلت غاضبا: ما لك أنت وإخلاصي؟ أظن السيد يعرف المخلصين ~~وغير المخلصين، ولكنك تريد أن تخدعه بهذا الملق يا سيدي الشيخ. كنت أتمنى لو لم أكن هنا ~~ولو لم أسمع كلامك هذا، أو على الأقل كنت أتمنى ألا توجه إلي هذا القول الذي لا معنى ~~له. # واتجهت إلى السيد أحمد قائلا: ومع هذا فإنها مناسبة حسنة يا سيدي لأن أقول لك كلمة. ~~أنت تعرف أني أجلك كوالدي، ولكنك لا تعرف حقيقة ما في نفوس هؤلاء الذين تطعمهم بالمئات ~~في فناء محلجك، والفرق بين الذين يجلسون هنا والذين يجلسون هناك هو أن هؤلاء يتكلمون ~~أمامك والآخرون يتكلمون من خلف ظهرك، وأما أنا فإني أسمع ما يقول الجميع. # وكان مصطفى عجوة جالسا في ركن بعيد فسمعت صوته الأجوف يقول: ماذا تريد أن تقول يا سيد ~~أفندي؟ # فغاظني صوته أكثر مما غاظني سؤاله، واندفعت قائلا: لست أوجه إليك كلامي. # وقال الشيخ القرش: يريد أن يقول إن كل الناس كذابون. # فقلت مستمرا: لم أقل هذا يا سيدي الشيخ، ولكني قلت إن هناك من يقولون غير ما تقوله أنت ~~وأصحابك؛ لأنهم ينطقون بما في نفوسهم بغير رياء. # فصاح مصطفى عجوة: فلسفة! # وقام الشيخ هائجا وقال: بل وقاحة! # فلم أعبأ بما سمعت منهما وقلت مستمرا: هذا الإحسان الذي تقدمه يا سيدي طعاما للناس ~~يجعلهم يأكلون وهم يشعرون بسطوتك. هم يعرفون أنك تتفضل عليهم لكي يشكروك، ولكنهم لا ~~يحسون في نفوسهم شكرا صادقا، بل أقول لك بالصراحة إنهم يقولون من وراء ظهرك ما لا يقول ~~هؤلاء أمام وجهك. # فعاد الشيخ إلى ثورته، وجعل يهز ذراعه مهددا، وصاح متفجرا: هل جئت هنا لتشتمنا وتسفه ~~أحلامنا وتتهمنا بالرياء؟ # فانفجرت كذلك قائلا: لست أجيب على هذه الألفاظ الرخيصة؛ لأنها لا ترهبني. أبطل يا سيدي ~~هذه المآدب والولائم، وإذا أردت الإحسان الصحيح، فاجعل ثمن هذا كله زيادة في أجر عمالك. ~~دعهم يذهبون إلى بيوتهم ليأكلوا مع أولادهم ونسائهم وهم ms024 يشعرون أنهم مدينون لعملهم وحده. ~~سيحرصون على عملك عند ذلك ويشكرونه لك كما يشكر الرجل الحر صاحبه. # الذين يركعون تحت قدميك ليشكروك على عطائك لا يحملون لك غير الرهبة. حرر قلوبهم من ~~أسر الإحسان المذل، ولا تستعبدها. # وكان وجه السيد أحمد يدل على شدة ضيقه وارتباكه، وبدأت أشعر بأني أسأت إليه إساءة كبرى، ~~وغمرني الخجل لأني عرضته لمناقشة عامة لا شك في أنها مست صميم كبريائه. # ووجدت أن بقائي هناك لا يزيد موقفي إلا حرجا فقلت معتذرا: أنا آسف يا سيدي على هذا ~~الحديث كله، وكنت أتمنى لو لم أتدخل فيه. # والتفت مسرعا لأخرج وفي داخلي مرجل يغلي وعلى جسمي فيض من العرق. # ولما خلوت في غرفتي تلك الليلة أخذت أفكر فيما أفعل في الصباح التالي. أأذهب إلى عملي أم ~~أنقطع عنه؟ وكان أول رأيي أن أنقطع لأن السيد أحمد لا بد أن يكون غاضبا علي بعد ما حدث ~~مني، وحزنت حزنا شديدا لتورطي في شأن كنت في غنى عن التورط فيه. # ولكني عدت إلى نفسي بعد قليل، وقلت: إني لم أقترف في حق السيد أحمد جريمة ألوم نفسي ~~عليها؛ فقد كنت أحمل له إخلاصا وولاء لا شائبة فيهما، وأعرف أنه صاحب الفضل علي وأنه ~~يكرمني، ولا ينبغي لي أن أحزن من أجل نصيحة صريحة قلتها له أبتغي بها مصلحته. لم أكن ~~متهما أمام ضميري؛ ولهذا عزمت على أن أخوض المعركة حتى نهايتها، واستقر رأيي على أن ~~أبقى في خدمته، وأواصل عملي حتى يبدأ هو بالتخلي عني إذا شاء. # وصاحبني في تلك الليلة إحساس قوي بالاعتزاز بأني إنسان أستطيع أن أجهر برأيي ولا أتردد ~~في الثقة بنزاهة ضميري، وكلما مرت بذهني ذكرى هذه الليلة عرفت أنها كانت من اللحظات ~~السريعة التي تمر بنا، فلا نفطن إليها في وقتها، ولكنا نعرف فيما بعد أنها كانت لحظة ~~خطيرة فيها مفرق من مفارق الطرق في الحياة. بدأت أشعر منذ تلك الليلة بأن لي وجودا، وإن ~~كنت لا أزيد على موظف بمحلج يكتب الأرقام ms025 على بالات القطن. # | الفصل الثالث # عندما ذهبت في اليوم التالي إلى المحلج وجدت السيد أحمد جلال على عادته مهذبا سمحا كأن ~~لم يحدث شيء في الليلة السابقة، فحمدت الله على الرأي الذي اهتديت إليه، وزادت ثقتي في ~~الرجل وزاد شعوري بالولاء له، واستمر السيد في تكليفي القيام بتدبير الطعام للعمال في ~~الأيام الباقية من رمضان، ولم يكن لي أن أراجعه في ذلك، فما كان ينبغي له أن يقطع عادته في ~~أثناء الشهر بعد أن بدأها. # وبقيت في عملي بعد ذلك شهرا بعد شهر لا أكاد أفطن إلى مرور الزمن إلا في أول كل شهر إذا ~~قبضت مرتبي، وقد زاد السيد أحمد ذلك المرتب بعد بدء الموسم الجديد فجعله خمسة عشر جنيها، ~~وجعلني وزانا فاختفى شعوري بالصغر والتفاهة شيئا بعد شيء. # وكان العمل في أيام الخريف والشتاء لا يدع لي فرصة كبيرة في القراءة؛ لأني كنت أعمل طول ~~النهار إلى المساء بغير راحة إلا ساعة قصيرة عند الظهر، وصار السيد أحمد لا يكلفني الذهاب ~~إلى البيت لقضاء الخدمات الصغيرة، فلم أذهب إلى هناك إلا مرة واحدة في مطالع الربيع لأحمل ~~هدية جاءت إليه من أحد أصدقائه في الإسكندرية، وهي علبة بديعة الصنع من قطيفة الحرير يدل ~~مظهرها على أنها تحتوي على حلية ثمينة، وذهبت إلى البيت وكنت لم أقابل مني منذ شهور وكان ~~يوما من أيام مارس والهواء الدافئ يعلن أن الحياة بدأت تدب في الكون. كانت أعواد ~~الأشجار وأوراقها الرطبة والأزهار المتبرجة بألوانها الزاهية وروائحها العطرة تقول: «هذا ~~هو الربيع»، وكانت الطيور المرحة كذلك تتواثب وتزقزق وتغني قائلة: إن الحياة تجدد ~~شبابها، ورأيت منى في الحديقة تتمشى في ساعة العصر بين ظلال الشجر وحدها. لم تكن تلعب كما ~~اعتادت ولم تسرع إلي صائحة مرحبة كما كانت تفعل من قبل. كانت في ذلك اليوم مثل زهرة ~~الفول الأنيقة الناضرة إذا بللها الندى في الصباح، ~~وكان عليها ثوب من الحرير الأبيض ووجهها البارع الحسن يزينه كأنه جوهرة. كان لون وجهها ~~الوردي ولون ms026 عينيها اللازوردي وشعرها المتموج الذهبي، كان كل ذلك يبدو أروع من كل مناظر ~~الربيع الجديد، ولما رأتني أحنت رأسها بابتسامة صغيرة فذهبت إليها لأحييها، ومدت إلي ~~يدها في هدوء، ولأول مرة نظرت إلى وجهها متأملا. رأيتها مثل وردة كانت في المساء ناعسة في ~~كمها، ثم تفتحت في الصباح عن تمامها وزينتها أسرار الطبيعة المتفننة في الإبداع، وجدتها ~~أمامي فجأة وهي فتاة لا طفلة، وكانت نظرتها صريحة كالعادة، ولكن عينيها كانتا في لون البحر ~~الصافي العميق، فوقفت أمامها مبهوتا أتأمل صورتها كأني لم أرها من قبل، ولما مددت إليها ~~يدي بالهدية التي أحملها، لم أبتسم ولم أنطق بكلمة، بل إني لم أجب على سؤالها: «ما هذا؟» ~~وارتبكت وخشيت أن تسمع دقات قلبي، وما كادت تأخذ العلبة وتفتحها حتى هممت بالانصراف، ~~ونظرت منى إلى الحلية ونطقت بصيحة إعجاب خافتة، ثم نظرت إلي لتشكرني، وشعرت بأن وجهي ~~يتقد حمرة، ولم أجد وسيلة للخلاص من ارتباكي إلا بأن أنطق بتحية قصيرة ثم انصرفت ووليتها ~~ظهري، وما كدت أصل إلى الباب حتى هبت علي عاصفة شديدة من الحنق على نفسي، ولم أعد أرى ~~شيئا أمامي، وسرت في الطريق كأنني هباءة تضل في فراغ حتى عدت إلى المحلج وأغرقت نفسي بين ~~أكياس القطن في شيء يشبه الحنق، وأخذت أكتب الأرقام تارة وأزن الأقطان تارة أخرى لا أدع ~~لنفسي فراغا حتى أظلمت الدنيا. # ولما ذهبت إلى بيتي في تلك الليلة شهدت معركة من أعنف المعارك التي اضطربت فيها خواطري، ~~كيف وقفت أمام منى هكذا كالصنم الأبكم لا أنطق ولا أتحرك؟ أليست هي منى الصغيرة التي كنت ~~ألعب معها لأدخل السرور إلى قلبها، ولكن ما لقلبي كان يخفق كالمجنون وأنا أنظر إليها؟ وكانت ~~صورتها تتمثل لي وعطرها ينفذ إلى أعماق صدري، وعيناها تشعان بالنور في خيالي، وأصداء ~~صوتها الهادئ تتردد في سمعي مثل أنغام الموسيقى، وخطر لي سؤال عجيب في ثنايا خواطري: «ليت ~~شعري كيف أبدو في عينيها؟» ثم حنقت على نفسي وعدت إليها ألومها على ذلك السؤال ms027 الأحمق، ~~وحاولت أن أصرف ذهني إلى شيء يشغله عن تلك الخواطر العقيمة فأخذت أقرأ، ولكني لم أفهم سطرا ~~مما قرأت. ثم أخذت أكتب أشعارا ولكني كنت أسرع إلى تمزيقها ساخطا على حماقتي. # وطلع علي الصباح بعد إغفاءة قصيرة في آخر الليل، وكنت أكثر هدوءا، ولكن إحساسا جديدا ~~أو قلقا جديدا دب إلى نفسي، وهو الرغبة في أن أترك الخدمة بالمحلج، وقضيت سائر اليوم ~~غائبا في أحلام اليقظة، أفكر فيما يمكن أن أشتغل به من الأعمال إذا تركت عملي بالمحلج، ~~وتساءلت مرارا: «لماذا لا أستقل بتجارة أكون فيها صاحب عمل لا موظفا صغيرا في ~~محلج؟» # لماذا لا أكون مثل السيد أحمد جلال الذي بدأ حياته فقيرا مثلي، ثم استطاع بكده أن يبني ~~لنفسه تجارة عظيمة؟ # وقد استولت علي هذه الفكرة الجديدة، فصارت أمنية دائمة منذ ذلك اليوم، تخبو أحيانا ~~وتبدو أحيانا، ولكنها دائما هناك في أعماقي. # وكنت أترقب بعد ذلك أن يبعثني السيد أحمد إلى بيته لتأدية خدمة لعل عيني تقع مرة أخرى ~~على منى، ولكنه لم يطلب إلي خدمة لمدة أشهر طويلة حتى شق الأمر علي مع كل ما حاولته ~~من صرف فكري عن تلك الأمنية وتسخيفي لها. كنت دائما أذكر منى وهي تسير تحت ظلال الشجر في ~~ساعة العصر وشعرها الذهبي يشبه أشعة الشمس المضيئة. # ومرت أيام الموسم من ذلك العام، فاتسع وقت فراغي، واشتدت علي وطأة الفكر، فكنت أقرأ ~~كثيرا وأكتب كثيرا وأخرج إلى الحقول لألهو عن التفكير في منى، ولكني كنت دائما أخرج من ~~الميدان منهزما، وكثيرا ما كان قلقي يحملني على الحماقة، فأتعمد المرور من أمام بيت ~~السيد أحمد في ذهابي إلى خارج المدينة لعلي ألمح منى من بعيد، فكنت إذا لمحتها يوما عدت ~~إلى بيتي كأنني أطير على الهواء وأتصبر بالسعادة التي فزت بها عدة أيام، وأما إذا لم أفز ~~بتلك اللمحة ذهبت إلى الحقول كئيبا لأنفس عن قلبي بجولة طويلة. # وحدث يوما أنني خرجت إلى شمال المدينة، فمررت بمنزل أنيق له سور من أشجار ms028 شائكة تتسلق ~~عليها أعواد مزدهرة ذات أزهار بديعة الأشكال والألوان، وهزني ذلك المنظر حتى وجدت نفسي ~~أسبح في خيالي، فلم أتنبه إلا على صوت بوق يصيح من ورائي، فالتفت فإذا هي عربة كبيرة ~~تكاد تدوسني، فأسرعت إلى جانب الطريق في شيء من الغيظ، ولكني ما كدت أبصر من في داخل ~~العربة حتى وثب قلبي دهشة وسعادة. كانت منى هناك تبتسم ولوحت لي بيدها، ثم انطلقت بها ~~العربة وأنا ثابت في مكاني. كانت هناك مثل الأزهار التي بدت لي منذ لحظة فوق السور العالي ~~الشائك، تبتسم ولا أستطيع أن أصل إليها، وتعلقت عيني بالعربة حتى اختفت عني ثم سرت على ~~الطريق وقلبي يدق عنيفا وأنفاسي تضطرب، وعادت العربة بعد حين وأنا ما أزال في طريقي، فلما ~~اقتربت منى هدأت سرعتها، فاتجهت إلى منى، وكانت لحظة من أسعد لحظات حياتي؛ إذ رأيتها ~~تلوح بيدها نحوي وتبتسم في مرح، وقد بقيت هذه الصورة عالقة بخيالي لا أنساها، وهي ما ~~تزال محفوظة عندي في القطعة الشعرية التي ألفتها تلك الليلة بعنوان: «زهرة السور ~~العالي». # ومر علي ذلك الصيف في غمرة لا أكاد أتنبه فيها إلى شيء غير صورة منى، حتى بدأ الموسم ~~الجديد، وبدأت أعود إلى أكياس القطن المكدسة في المحلج، وعاد إلي قلقي وضيقي من العمل ~~الرخيص الذي حبست نفسي فيه، وهل أهون من وزان في محلج؟ كانت هذه الفكرة تعذبني في ~~الصباح والمساء وتزداد بي قسوة كلما اقترنت بها صورة منى. # وفي يوم من الأيام طلب مني السيد أحمد أن أحمل إلى البيت مبلغا من الجنيهات «الفكة»، ~~وكان الوقت ظهرا والجو مطيرا، فكنت واثقا أن منى لا تكون في مثل هذه الساعة في الحديقة، ~~ومع هذا فإني كنت سعيدا بأن أذهب إلى البيت ولو لم أرها، ودققت الجرس عند باب المنزل ~~الداخلي، لأدعو الخادم، وانفتح الباب، وظهرت أمامي منى نفسها، وكان وجهها يضيء بابتسامة ~~هادئة، وعيناها تشعان بالنور الصافي الذي أعرفه، وصاحت صيحة خافتة: سيد! # ولم يسعفني النطق لأن دقات قلبي عوقت ms029 لساني، فمددت كلتا يدي نحوها قائلا: مفاجأة ~~سعيدة. # ثم أرتج علي فلم أجد كلمة أخرى، فأخرجت ظرف النقود من جيبي وقدمته إليها. # فقالت ضاحكة وهي تأخذ الظرف: هي حقا مفاجأة سعيدة، هذا إسعاف أشكرك عليه لأني مفلسة، ~~واليوم عيد ميلادي، وعندي وليمة لبعض صاحباتي ... وكنت أسأل نفسي من ذا يشتري لي فاكهة ~~ممتازة، فهل تحسن الاختيار يا سيد؟ # فقلت سعيدا: ليس أخبر مني بأصناف الفواكه يا منى، وكانت دقات قلبي قد هدأت قليلا، ~~واستطعت أن أستمر قائلا: وأرجو أن تقبليها هدية مني لعيد ميلادك. # فقالت في بساطة: أشكرك. لسنا عددا كبيرا. أقة واحدة من التفاح وأخرى من الكمثرى، وبعض ~~وحدات من البرتقال. دعني أذهب لأدرك الكعكعة قبل أن تشيط. # وأحنت رأسها باسمة ثم انصرفت مسرعة، ولو كانت السماء مفتوحة عند ذلك لانطلقت إليها لأن ~~الأرض كانت لا تسعني، وسرت في الطريق والهواء البارد يرحب بي ونور السماء الخافت يبتسم ~~لي والرذاذ المتساقط يرف على وجهي رفيقا والكون كله يغني، وكان المطر يتزايد وأنا سائر ~~حتى صار يهطل عندما وصلت إلى السوق، وملت على دكان فاكهي فاخترت أحسن ما عنده وبعثت به ~~الصبي إلى بيت السيد أحمد بعد أن نفحته بقطعة من ذوات القرشين، وطلبت منه أن يعود إلي ~~في القهوة المجاورة بعد أن يوصل الفاكهة إلى البيت، وكانت تلك القهوة مكانا مختارا لكثير ~~من زملائي في المحالج، ورأيت جمعا منهم يضحكون بأصوات عالية حول اثنين منهم يلعبان النرد، ~~وكان جو القهوة خانقا ولكنه كان دافئا فخلعت سترتي ونصبتها على كرسي لتجف من أثر المطر، ~~ثم جلست وحدي على منضدة بعيدا عن الزحام، وطلبت فنجانا من الشاي لأستدفئ، وبعد قليل عاد ~~صبي الفاكهي وأعطاني ورقة صغيرة فيها كتابة باللغة الفرنسية: «ألف شكر.» وتحتها الاسم ~~العزيز «منى»، وقرأت الورقة مرارا ثم دسستها في جيبي وأعطيت الصبي قطعة أخرى من ذوات ~~القرشين، ففرح بها وابتسم بسمة عريضة ورفع يده إلى طرطوره مسلما وجرى خارجا، فأخرجت ~~الورقة من جيبي وجعلت أنظر فيها، وكان خطها ms030 أنيقا نظيفا واضحا صريحا أو هكذا تصورته ~~وأنا أرى فيه صورة منى كأنها زنبقة، وأخذت أشرب من الشاي الساخن وأنا أردد بصري في ~~الورقة مستغرقا في تأملها حتى تنبهت على حركة في الناحية الأخرى من المنضدة، فالتفت في ~~غير اهتمام لأرى أمامي وجه مصطفى عجوة باسما بسمته الكالحة، فانقبض صدري وأسرعت إلى دس ~~الورقة في جيبي وعدت أشرب من الشاي في صمت، وكنت لم أجتمع به منذ ليلة رمضان العاصفة، فخطر ~~لي عندما وقعت عيني عليه أن أسرع في شرب الشاي ثم أنصرف إلى منزلي لأتغدى ثم أعود إلى ~~المحلج. # ولكنه شرع يحدثني فقال: أأنت غاضب مني؟ # فلم أجبه، وأخذت أرشف بقية الشاي، ولكنه لم يخجل وعاد يحدثني مخلطا بأقوال شتى تافهة ~~لا تعنيني، ومن العجيب أنني بدأت أستمع إلى أقواله بشيء يشبه الرضى أو الارتياح إلى ~~استطراده من موضوع إلى آخر، وأعجب من ذلك أنني بدأت أرد عليه وأبادله الحديث بعد دقائق، ~~وكان منظر وجهه الغليظ الأزرق بما فيه من حفر صغيرة يشبه في عيني قطعة عجيبة من صنع ~~الطبيعة، وخيل إلي أنه من قبح تفاصيله يستهوي البصر في مجموعه، وما زال يستدرجني في ~~الحديث حتى سألني: أتعرف محمود بن محمد باشا خلف؟ # وكان سؤالا غريبا لا موضع له ولكن غرابته جعلتني أتطلع لما بعده. # فأجبته قائلا: «كان تلميذا معي في المدرسة.» وكان محمود هذا صبيا سخيفا مغرورا ~~غبيا، تعود أن يرشو جيرانه ليملوا عليه الإجابة، وكان كلما قابلنا فتح لنا كفيه ~~قائلا: «انظروا إلى هذا الوسخ الذي في يدي، إنه صدأ الذهب الذي في خزانة أبي.» فكنا كلما ~~لقيناه بدأناه قائلين: «أرنا كفيك يا محمود.» فيفتحهما ويعيد كلمته المعروفة، وكنا نضحك ~~منه كثيرا وهو مغتبط بضحكنا، وكان ثرثارا كثير الادعاء يفاخرنا دائما بأنه يأخذ كل يوم ~~دروسا خاصة في منزله، وكنت أتمثل صورته باسما عندما قال مصطفى: حظوظ يا سيد أفندي. ~~الدنيا حظوظ. # وخبط بيده على المنضدة كأنه حانق. # فقلت له: ماذا تقصد؟ # فقال في همس: ألم تسمع ms031 بما حدث؟ # فثار تلهفي على السماع وقلت في اهتمام: ماذا حدث؟ # فقال وهو يصرف وجهه عني: النهاية يا سيد أفندي، لا فائدة. # فزاد قلقي وقلت في ضيق: ماذا حدث؟ # فقال محدقا في وجهي: منى! # وكانت مفاجأة غير منتظرة، وكان الخبيث يرقب كل حركة من حركاتي وانفلتت مني شبه صرخة ~~وارتسم على وجهه ما يشبه التشفي واستمر قائلا: ما لنا نحن يا سيدي؟ أما قلت لك إنها ~~حظوظ؟ # وحاولت التراجع فتمالكت نفسي بعد أن أحسست بما فرط مني، ولكن الخبيث استمر يتحدث كأنه ~~يتعمد إثارتي، فقال: محمود الذي خرج من المدرسة قبل الابتدائية! محمود الذي يعرف الجميع ~~أنه لا يساوي مليما، محمود الذي لا يعرف من الدنيا شيئا سوى اللعب والنزهة! يا سلام يا ~~ناس! مصائب يا سيد أفندي، والدنيا حظوظ. نولد للهم والغم والتعب ومحمود للعز والسيادة ~~والنعمة ويتزوج منى بنت السيد أحمد جلال! # فصحت في غيظ: من قال هذا؟ # فاستمر يقول: يا سيدي قلت لك حظوظ فلنكن نحن في حالنا، نحن نكسب لهم وهم يركبون ~~ظهورنا. # أنت تعجبني والله يا سيد أفندي لأنك تعرف كيف تكلم هؤلاء بالصراحة، أعجبتني عندما ~~تكلمت مع السيد أحمد جلال في رمضان. معلوم كلهم أنذال وعصابة منافقين، ولكن ما لنا نحن؟ ~~النهاية هذه فرصة لأقدم لك اعتذاري لأني كنت أحب أن أقدم لك هذا الاعتذار من قبل العيد، ~~تقول جبان، تقول منافق كما تشاء، ورزقي على الله، ولكني والله مخلص لك، ولولا أني سمعت ~~الخبر بأذني ... سمعته بأذني عندما كان الباشا في المنزل. كانت البنت الفلاحة تحمل القهوة ~~وسمعت هذا الكلام، ونقلته إلي حرفيا، أراك مهموما يا سيد أفندي. # فقلت منزعجا: ماذا تقصد؟ ولماذا أكون مهموما؟ # فقال ضاحكا في خبث: علي أنا يا سيد أفندي؟ معذور والله إذا كنت تحزن. # فقلت في دفعة: وماذا يهمني؟ # فقال: أنت تسيء الظن بي دائما، أنا أتمنى لك خدمة وأنت لا تثق في أبدا، ولو كان ~~غيرك ما كنت أهتم أبدا ولكنك لا تصدق. السيد أحمد جلال يقدرك ms032 يا سيد أفندي ولو كان غيرك ~~قال كلمة واحدة من كلامك في ليلة رمضان ... كان طار في ساعتها، هو يحبك بالتأكيد ويثق فيك ~~وهو على حق، وهي أيضا بغير شك يا سيد أفندي. # وشعرت كأن حجرا صدمني وعجبت كيف ساقني هذا الخبيث إلى هذا المدى في الحديث، وتمنيت لو ~~أنني انكمشت حتى أختفي من وجهه السمج أو أن أقوم مسرعا وأتركه ورائي ولكني مع ذلك بقيت ~~جالسا مهتما بسماع كل ما عنده، كأن شيئا يمسكني برغمي، ولست أدري ما الذي سل مني ~~الإرادة وعقد لساني فلم أتحرك ولم أتكلم بل نظرت إلى وجهه الغليظ جامدا كأني في كابوس ~~ثقيل، وأعاد كلمته قائلا: قلت لك الدنيا حظوظ. دعنا نحن في بؤسنا. # ووجدت نفسي أندفع قائلا: اسمع أيها الوغد، أعرف أنك لا تريد إلا أن تملأ قلبي غيظا بهذا ~~الحديث، وأحب أن أملأ قلبك الأسود غلا وحقدا، اعلم أني لا أهتم بشيء مما تقول ولا أعبأ ~~بمحمود ولا بغير محمود، وأشعر بأني لا أقل عن أحد ولا يهمني ما تقول إن الدنيا حظوظ. قل ~~عن نفسك ما تشاء ولكن لا تحشرني معك. هل تظن أني أقل من أحد؟ # ما معنى حظوظ وغير حظوظ؟ لو كنت أريد ... وترددت فلم أنطق بما كنت أريد. # فقال مصطفى: الحق علي يا سيد أفندي. هذا جزاء المودة والإخلاص الحق علي يا سيدي والناصح ~~دائما مكروه. # فقلت: ما الذي جعلك تتكلم عن محمود خلف؟ ولماذا تقول لي إن الدنيا حظوظ وإننا بؤساء، كن ~~بائسا أنت إذا شئت ولكني لا أرى أني أقل من أحد، وهل يبعد أن أصير غنيا أنا الآخر؟ لماذا ~~لا أكون غنيا مثل السيد أحمد نفسه. # فضحك ضحكة عالية وقال في وقاحة: قريبا يا سيد أفندي، لا مانع أبدا، تشجع وأسرع قبل فوات ~~الوقت. # ولولا أني خشيت من لفت أنظار من في القهوة ومن تناقل الأحاديث الكاذبة وإثارة قصة طويلة ~~في المدينة، لقمت إلى ذلك الوغد وأفرغت فيه غيظي بطريقة لا ينساها، ولكني بلعت شتائمي ms033 ~~وكتمت حنقي وقمت من مجلسي مسرعا فلبست سترتي وخرجت بغير أن أنظر إليه، وكان المطر ما يزال ~~يقطر فسرت في الطريق لا أحس بردا ولا أبالي المطر ولا الوحل وفي عقلي سؤال واحد متشعب ~~وهو: «أحقا خطبها محمود خلف؟ وهل يرضى أبوها؟ هل ترضى هي؟ أهي جارية تباع من أجل ثروة ~~الباشا؟» # ولما صرت في غرفتي أخرجت من جيبي قصاصة الورق التي بعثتها منى، وأخذت أقرؤها وأعيد ~~قراءتها وأنا حزين بائس، ثم قبلتها ووضعتها مترفقا في ظرف وجعلتها في مصحف صغير أضعه في ~~درج مكتبي. # وجاءت أمي تدعوني للغداء فكذبت عليها قائلا إني أكلت، وقمت إلى سريري فاستلقيت متعبا ~~مضطربا في حالة بين النوم واليقظة تشبه الذهول أو الدوار، وأخذت الرؤى تتوالى علي ~~كأنها حقائق، فرأيت كأني أعوم في بحر صاف أشق ماءه في رفق وهدوء، ثم كان البحر يتحول فجأة ~~إلى هواء أسبح فيه مثل الطير ويملؤني شعور بالاستعلاء وأنا أشرف على الأودية والجبال في ~~اطمئنان ثم تهب عاصفة فأجد نفسي أجاهد في موج عال له رءوس بيض تشبه أكوام القطن وتعلو في ~~أنفي رائحة عطنة تشبه الروائح التي أعرفها في حارات دمنهور بعد نزول المطر، فأكاد أختنق ~~وأقوم من غفوتي لاهثا، ولكني لا ألبث أن أرى كأني في براح واسع في آخره حديقة مزدهرة ~~أريد أن أذهب إليها فإذا لصوص يخرجون علي ويهاجمونني ويتقدم مني أحدهم بوجه غليظ يريد أن ~~يطعنني بخنجره، ويحاول أن يأخذ مني الورقة التي بعثتها منى، فأهجم عليه وأنزع منه الخنجر ~~وأرفعه لأضربه فيصيح صيحة عالية بصوت مصطفى عجوة فأقوم منزعجا، ثم أعود مرة أخرى فتبدو لي ~~منى من بعيد فأسرع نحوها لأعتذر إليها ولا أدري لماذا أعتذر، فأقف أمامها صامتا أمد ~~إليها يدي، ولكنها تختفي فأشرد وراءها في اتجاهات شتى حتى أرى بابا مغلقا فارتد عنه ~~حانقا، ولكني أجد الأرض زلقة فأحاول أن أقفز منها إلى سطح رخامي أسفل مني بنحو مترين ~~فأرى كلابا غريبة الشكل مخيفة تنظر نحوي مهددة فأستيقظ وقلبي يخفق ms034 خفقانا شديدا، وكان ~~المساء قد بدأ يهبط بظلامه فوثبت من سريري لأوقد المصباح وسمعت صوت أمي تناديني: أصحوت يا ~~سيد؟ # وفتحت الباب قائلة: قم لتذوق الكعكة التي أرسلتها منى. يا رب يا ابني أعيش حتى أرى لك ~~عروسا مثلها، قم معي فقد جهزت الشاي حتى لا يبرد. # فقمت آخذا بذراعها وكنت سعيدا لأقوم من غفوتي على هذه البشرى، هدية منى؟ # وقلت لأمي: أنت أجمل الأمهات جميعا. # وانحنيت لها باسما، وأشرت إليها إشارة متأنقة لتجلس في صدر المائدة، فجلست تضحك ضحكتها ~~الطيبة وجسمها يرتج وأخذت تدعو لي. # وقلت: أين منيرة؟ # فقالت: نسيت أن أقول لك. ذهبت مع منى. # فقلت في دهشة: منى؟ # فقالت أمي وهي تضحك: والله يا ابني أصبحت مثل أمي المرحومة: أقول أول الكلمة وأنسى آخرها. ~~أما قلت لك إن منى جاءت إلى هنا؟ ولما رأتني انحنت على يدي وطلبت أن تذهب منيرة معها، قلت ~~لها: «هي أختك يا حبيبتي.» وذهبت معهما لأوصلهما إلى العربة عند أول الحارة. # وكانت سعادتي بهذه الزيارة التي لم أنتظرها تعادل أسفي على أني لم أكن متيقظا لأستقبل ~~منى. # ومددت يدي بالطبق لتقطع لي أمي نصيبا من الكعكة، وذهب عني أثر تلك الأحلام المزعجة التي ~~أفزعتني، وكانت الكعكة من ألذ ما ذقته في حياتي، كما كان الشاي عطرا منعشا، وجاءت منيرة ~~قبل أن نقوم عن المائدة فأخذت تقص علينا حديث الحفلة التي دعيت إليها، وكانت هي الأخرى ~~سعيدة بأن جددت عهدها بصديقة طفولتها. # وذهبت في اليوم التالي إلى عملي في المحلج بقلب خفيف، وكان ضغط العمل شديدا، ولكني لم ~~أشعر منه بتعب ولا ضيق، ولم أعبأ بمصطفى عجوة الذي كان في ذلك اليوم على غير عادته يتظاهر ~~بالسلطان ويسير هنا وهناك بين بالات القطن صائحا بالعمال شاتما مؤنبا كأنه يريد أن ~~يقول: «أنا هنا.» # ولما أوشك عمل الصباح أن ينتهي جاء مصطفى إلي ووجهه يلمع أكثر من عادته وقال لي بصوته ~~المجوف: ألا تحب أن تشرب معي كوبا من الشاي؟ # وكان أول خاطر هم ms035 بنفسي أن أقول له: «امش من هنا.» ولكني لم أجبه ومضيت في عملي صامتا، ~~فعاد قائلا: «عندي كلام هام أريد أن أقوله لك.» فثار الفضول في نفسي برغم اشمئزازي منه ~~وقلت له: ليس عندي غير ربع ساعة. # فقال ضاحكا: بركة. يكفيني الشرف يا سيد أفندي. # وانتظر حتى فرغت مما في يدي وسار معي واضعا يده تحت ذراعي كأحسن ما يكون الأصدقاء، ولما ~~دخلنا إلى قهوتنا المعتادة صاح بالخادم: اتنين شاي! # وجلست إلى الجانب الآخر من المنضدة متحفزا له بكل أعصابي كأني أعتزم منازلته. # وبدأ قائلا: عندي لك نصيحة يا سيد أفندي. # فصحت متعجبا: هل جئت معك لأسمع نصائحك؟ # فقال باسما: لا تغضب قبل أن تسمع. هي نصيحة إذا أردت وإلا فهي بشرى. خبر سار تعمدت أن ~~أقوله لك لأبرهن لك على صدق مودتي، وإن كنت أعرف أنك لا تصدقني. النهاية اعمل الجميل ~~وارمه في البحر. على فكرة. لماذا لم تقل لي السلام عليكم وأنت منصرف بالأمس. # وضيقت عيني وأنا أنظر إلى وجهه فاحصا ولم أنطق بحرف واستمر هو يقول: النهاية يا سيدي على ~~رأي الشاعر: «تظهر لك الأيام ما كنت جاهلا.» # وضحكت برغمي قائلا: وتحفظ الشعر أيضا؟ قل لي أولا ما هي نصيحتك يا مصطفى. # فقال: عندما تركتك بالليل كان قلبي يتألم من أجلك، وإن كنت تركتني بغير سلام. ما علينا، ~~وفكرت طول الليل في شأنك والطريقة التي يمكن بها أن أخدمك وأزيل ما عندك من سوء الظن ~~بصديقك. الشاهد أني عندما جئت اليوم في الصباح كان كل ذهني يفكر في مسألة سيد ~~أفندي. # فقلت ساخرا: مسألتي؟ وما هي؟ # وجاء الخادم عند ذلك يحمل كوبين من الشاي، فاتجه إليه مصطفى وطلب منه قطعتين أخريين ~~من السكر وكوبا من الماء، ثم أخذ يقلب الشاي بالمعلقة في بطء وذاق منه رشفة قبل أن ~~يتكلم. # قال: أنت تعرف أني الساعد الأيمن للسيد أحمد جلال. # وانتظر ليسمع رأيي فلم أجد ضرورة لتكذيبه. # فاستمر قائلا: أنا هنا في المحلج من عشر سنوات قبل أن تدخله ms036 أنت، ولولا ملاحظتي ~~ومراقبتي وخوف العمال مني كان الناس أكلوه وشربوه. # ورشف رشفة طويلة من كوب الشاي كأنه يقول: «شربوه هكذا.» # ثم قال: والسيد أحمد يثق بي ثقة تامة؛ لأنه يعرف أنه يضيع لو ترك أعماله لغيري. هو ~~يعلم أني أخدمه مجانا. نعم مجانا. ستة جنيهات في الشهر لا تساوي ثمن عشرين رطل قطن ~~يأخذها أحد العمال في جيبه. الشاهد! انتهزت فرصة جلوسه وحده في المكتب، وأخذت أجس لك ~~نبضه. # ففزعت وقلت في دفعة: لماذا؟ # فرشف رشفة أخرى من الشاي ثم قال: هل يغضبك أن أجس لك نبضه من أجل منى؟ # فوثبت قائما من الغيظ وقلت: هذا لؤم. # فقال غاضبا: عدنا إلى الشتم؟ الحق علي يا سي سيد ولا داعي للكلام. # وهم بالقيام. # فقلت له في دفعه: من أذن لك أن تتكلم عني؟ # فقال: لم أتكلم عنك يا سيدي. اجلس من فضلك واسمع أولا، وأي عيب في أن أتكلم ~~عنك؟ # ووجدت أن الأمر أخطر من أن أغضب هكذا وأنصرف بغير أن أعرف قرار هذا الخبيث ومدى ما دبره ~~لي من الكيد. # فجلست عازما أن أملك نفسي حتى أعرف كل ما عنده. # وبدأ يتكلم: ألم تقل لي يا سيد أفندي إنك لا تقل عن محمود خلف؟ ألست ترى أنك لست أقل ~~من أحد وأنك أولى بها؟ لماذا لا تكون في يوم من الأيام مثل محمود خلف وأحسن منه؟ # وهل من العجب أن تحب منى وتريد أن تتزوجها؟ الحق علي يا سيد أفندي وسأتعلم أن أكون في ~~حالي ولا أهتم بأحد. # وكاد قلبي ينفجر من الغيظ ولكني لم أتكلم، وأخذت كوب الشاي لأشغل نفسي به حتى لا أظهر ~~اضطرابي. # ومضى هو يقول: قلت للسيد إنك شاب طيب ومن أسرة طيبة، والسيد أحمد نفسه يقول إنه يعرف ~~والدك وعمك، الذي كان حكمدار المديرية. هل كنت أنا أعرف هذا؟ فقلت إنها فرصة لأودي لك خدمة ~~وأظن أني نجحت. قلت له إن الفقر والغنى من الله، وأنك ستكون غنيا في يوم من الأيام ولم ~~لا ms037 ؟ ألم يكن هو الآخر فقيرا، ولما وجدت أنه لم يغضب قلت له أيضا إنك تحمل شهادة الثقافة ~~ولمحت له أن الزواج يجب أن يكون على أساس المحبة. # فوثب قلبي إلى حلقي وقمت واقفا وقلت له: اسمع يا دون، لا تحسب أنك طعنتني أو قدرت لي ~~على أذى، وأحب أن أقول لك كلمة أخرى لعلها تنفعك إذا نقلتها للسيد أحمد جلال. # وبدلا من أن يغضب مد يده إلى القطعة الباقية من السكر ووضعها في فمه وشرب عليها بعض ~~الماء، وجعل يمصها وهو يقول: «عجيبة يا سيد أفندي» ولولا خشيتي من أن أحدث فضيحة لهشمت أنفه ~~الغليظ بقبضة يدي، وقلت له: أعلم أن إيقاعك عند السيد أحمد لا يهمني، ولن أدافع عن نفسي، ~~وسأنتظر صامتا حتى أرى النتيجة. أنت تريد أن توقع بيني وبين الرجل لأمر في نفسك. هذا ~~خبث قديم لا أجهله، ولكن قد ينفعك أن تعرف أني لست عبدا مثلك، ولو صدق هذا الدس الذي ~~تدسه لي لكنت سعيدا أن أترك محلجه، ولن أبقى في محلج السيد أحمد جلال يوما واحدا إذا ~~صدق كلامك، أهذه أقوال تنفعك؟ # ونظرت إليه نظرة نارية وانصرفت من القهوة وقلبي يغلي، واتجهت إلى منزلي فلم أعد إلى ~~المحلج حتى أنتظر النتائج بغير أن أحرك ساكنا، وقلت لنفسي إن أكبر ما أخشاه أن يطردني ~~السيد أحمد، ولمحت في قلبي لونا من السرور عندما فكرت في هذا لأتخلص من عملي في المحلج ~~بغير أن أكون أنا البادئ بالقطيعة، فلماذا لا أبدأ بالتجارة وقد تجمع لي أكثر مما كان عند ~~السيد أحمد عندما بدأ بالتجارة؟ وقضيت ذلك اليوم والليلة التي بعده أحاول أن أشغل نفسي بشيء ~~عن التفكير في نفسي، فأخذت أقرأ حينا وأكتب حينا آخر ولكن فكري كان دائما يعود إلى ~~التجارة. لماذا لا أبدأ من الغد بأن أشق طريقي في الأسواق؟ عند ذلك فقط أستطيع أن أتقدم ~~إلى السيد أحمد جلال وأقول له ما أشاء، ولكن ألم يخطبها محمود خلف؟ هل خطبها حقا؟ وهل ~~يمكن أن ms038 تحدث خطبتها هكذا بغير أن يعرف عنها أحد شيئا سوى مصطفى عجوة؟ وجعلت أستعرض ~~المشروعات التي يمكن أن أبدأ التجارة فيها. جنيهات قليلة هي التي في يدي، وماذا تكفي؟ هل ~~أذهب إلى الأسواق لأشتري بعض القطن بالرطل والرطلين والعشرة ثم أبيعها؟ كان هذا ممكنا منذ ~~خمسين سنة وكان كافيا ليصبح السيد أحمد جلال غنيا، ولكن لماذا لا أحاول؟ ومن ~~يدري؟ # وخرجت من منزلي هائما في المدينة وما حولها متلفتا حولي إلى المتاجر وإلى وجوه المارة. ~~لماذا لا أضرب في الحياة مثل هؤلاء؟ هل كل هؤلاء يعملون في المحالج؟ ونمت في آخر الليلة ~~نوما عميقا بعد أن تعبت من السير، وسررت عندما قمت في الصباح هادئا نشيطا. # وذهبت إلى المحلج بغير تردد متوقعا أن يكون مصطفى قد وجد الفرصة الكافية لإتمام ~~مكيدته: وكان كل همي أن أستطلع ما يخبئه لي اليوم من المفاجآت. # ولكن السيد أحمد استقبلني كالعادة سمحا مهذبا وقال: لا بأس عليك يا سيد أفندي؟ لم ~~تحضر بالأمس بعد الظهر. # فقلت له: أشكرك يا سيدي. كنت متوعكا قليلا. # وبدأت أحسب أن كل ما قاله مصطفى عجوة كان ادعاء وكذبا لا يريد به إلا أن يملأ قلبي ~~غيظا، وأقبلت على عملي منشرحا، وكان الزحام حولي على أشده لأني لم أحضر بالأمس بعد ~~الظهر، ولم أجد وقتا للذهاب في ساعة الظهر للغذاء، فبعثت أشتري رغيفا وقطعة جبن وأكلت ~~وأنا أعمل، ولم يتركني مصطفى، بل جاء إلي قبل الغروب، ووقف قليلا إلى جنبي ولاحظت أنه ~~كان يقرأ الأرقام التي أكتبها وينظر إلى الميزان، وكانت هذه أول مرة أراه يقترب مني هكذا ~~ليراقب عملي، ولكني لم أعبأ به ولم أوجه إليه كلمة تجاهلا مني له. # ولم أره بعد ذلك حتى ساعة الانصراف فجاء إلي وقال في مرح: سأسقيك شايا على ~~حسابي. # فقلت في دفعة: امش من هنا. # فأجاب هادئا: إذن نتكلم في الطريق. # فقلت: قلت لك امش. # فقال معاتبا: أنت غريب الأطوار. # فقلت: لا داعي للكلام. # فأجاب جادا: إذن فليكن حديثا رسميا. عندي ms039 لك كلام يتعلق بالمصلحة. # فوثب جوابي: وما لك أنت؟ # فقال في زهو: بأمر السيد أحمد. # فتركته بغير جواب ولبست معطفي وطربوشي، وسرت بغير أن أنظر إليه ولكنه سار إلى جنبي حتى ~~خرجت ثم وضع ذراعه تحت ذراعي وقال في هدوء: اسمع يا سيد أفندي. هي كلمة واحدة وأنت ~~حر. # فقلت في فتور: ما هي؟ # فقال: هل هذه طريقة الوزن يا سيد أفندي؟ لم أعرف أنك تفعل هذا وكدت ألطم وجهي اليوم، فهل ~~كنت دائما تفعل هكذا؟ # فقلت: وما دخلك أنت؟ هل رأيتني أسرق؟ # فقال في وقاحة: ما دخلي؟ لو سرقت كان أهون. ما معنى هذا؟ ما دخلي؟ ما دخلك أنت؟ أنا ~~أكلمك باسم المحلج وباسم عيشي وعيشك وباسم المصلحة. المحلج الذي يطعمني ويطعمك. # فصحت غاضبا: قلت لك ابعد عني. # فأجاب وهو ينزع يده من تحت إبطي، ما هذا الكلام الفارغ؟ إذا كان لا يعجبك أحد فما معنى ~~بقائك معنا؟ # فصحت: اخرس. # فقال غاضبا لأول مرة: اخرس أنت. لو كان كل الوزانين مثلك ما بقي محلج السيد أحمد ~~جلال. # فقلت حانقا: لأني أسرق؟ # فقبض على ذراعي وهزها قائلا: أنت أبله. أنت لا تفهم. أنت تشخط وتنتر كأنك السيد والناس ~~جميعا الخدم. من أين يدفع السيد أحمد مرتبك ومرتبي ومصاريف المحلج والولائم والإحسان؟ ~~هل يأتي بأموال من الترعة الخطابية؟ من أين يدفع أثمان القطن الغالية وأنت تعرف أن ثمن ~~محلجنا أعلى الأسعار في دمنهور؟ # فقلت في نغمة ساخرة: ماذا تقصد؟ # فقال: ماذا تقصد أنت؟ ما معنى هذه الطريقة في الوزن؟ قنطارين وعشرين رطلا. عظيم! ثلاثة ~~قناطير وأربعة أرطال ونصف! ملك! # فقلت متحديا: وماذا كنت تريد؟ # فأجاب: إذا كنت لا تعرف فاسأل. اسأل أهل العلم يا أخي. # فصحت في غيظ: أمسك لسانك: سألت عقلي وضميري وسألت قلبي وواجبي. # فقال في سخرية: وماذا قال هؤلاء؟ قالوا لك: اخرب بيت السيد أحمد جلال؟ # فقلت منفجرا: اسمع أيها الرجل، إذا كان عندك كلمة فقلها لغيري ولا تصدع رأسي بهذا ~~الهراء. ماذا تريد؟ هل تريد أن أسرق ms040 ، وبدلا من كتابة قنطارين وعشرين رطلا أكتب قنطارين، ~~أهذا ما تريد؟ # فقال في وقاحة: هل تخيفني بهذا؟ # فقلت: قل باختصار، هل هذا رأيك أنت أم هو رأي السيد أحمد؟ هل هذه رسالة؟ # فأمسك ذراعي قائلا: من قال إنها رسالة؟ أنا أكلمك كصديق، أنا أنصحك لله في لله. أنا ~~أعرف السيد أحمد جلال ولو عرف أن هذه طريقتك لم تبق في المحلج يوما واحدا. أنا أعرف أنه ~~لا يشبه الناس. لا يمكن أن يقول لك كلمة. هو بئر عميقة وداهية كبيرة. يلتفت هنا أو هنا ~~لليمين والشمال وتحت قدميه ويخطو أول خطوة في بطء كأنه يجس الأرض ثم يندفع كالسهم. لا ~~تغتر بأنه لا يقول لك كلمة. لا مؤاخذة إذا كنت أعرض نفسي مع علمي لسوء ظنك، والحق علي ~~لأني لا أتعلم. # فصحت: كذاب. أنت تريد أن تجد بابا جديدا للدس، ومع ذلك فاعلم أيضا أن كل هذه ~~المحاولات لا تهمني. اعلم أني سأستمر على طريقتي التي أملاها على ضميري. # فقال وهو يهز رأسه آسفا: لقد نصحتك والسلام يا سيد أفندي، وكان وجهه المبهوت في نظري ~~مضحكا ولا أدري لماذا، فضحكت برغم غيظي مقهقها، ولم أنتظر أن أسمع الكلمة التي رأيته ~~يفتح فمه بها وقلت له في سخرية: سلام عليكم! # وسرت عنه مسرعا، وكان قلبي يفيض سرورا؛ لأني استطعت أن أدخل على قلبه شيئا من الغيظ ~~آخر الأمر. # ولما ذهبت في اليوم التالي إلى المحلج كنت مطمئنا، ولكني كنت أشعر بشيء يشبه الشعور ~~بالإهانة، وكنت متحفزا لأسمع كلمة ولو يسيرة من السيد أحمد جلال تشير إلى طريقتي في الوزن ~~حتى أقول له ما في نفسي صريحا، ولكن السيد أحمد جلال لم يكن في ذلك اليوم أقل تلطفا مما ~~كان في أي يوم آخر، وكانت الجموع التي حولي تتزاحم علي وتصيح بي تستعجلني، وتحريت في ~~ذلك اليوم تحريا شديدا في أن يكون وزني صحيحا، ولم أفق من غمرة عملي إلا في الساعة ~~الواحدة بعد الظهر، فأسرعت خارجا لآكل لقمة، وخطر لي أن ms041 أغسل يدي ووجهي أولا كالعادة، ~~وكانت دورة المياه على مقربة من الباب المؤدي إلى بناء آلات الحلاجة، وفيما كنت أجفف وجهي ~~سمعت لغطا بعيدا يشبه صوت العراك في داخل عنبر الآلات، فذهبت لأرى ما هناك فإذا جمع كبير ~~من العمال يضطرب ويموج في داخل العنبر حول مصطفى عجوة، فأسرعت لأعرف السبب ودخلت بين ~~العمال كما يدخل الطفل الغرير في المآزق التي لا يعرف خطرها، واقتربت من مصطفى عجوة لأسأله ~~ما الخبر، وما كاد يراني حتى ثار ثورة شديدة، وجعل يسب العمال ويصرخ فيهم مهددا، ودفع ~~أحدهم بيده في صدره فاتقدت حماسة زملائه، وصاحوا هائجين، ورفع أحدهم يده فلطم بها وجه ~~مصطفى، وأخذ الآخرون يشتمونه ويلعنونه. # وزاد مصطفى هياجا وتهديدا وقال: إنه سيبلغ الأمر إلى السيد أحمد جلال ليخرب ~~بيوتهم. # فما كاد العمال يسمعون ذلك حتى اندفعوا يشتمونه ويشتمون السيد أحمد جلال ثم أخذوا يلكمونه ~~بقبضات أيديهم ويركلونه بأقدامهم حتى كاد يهلك بينهم، وهو مع ذلك لا ينقطع عن السب ~~والتهديد، وتصايحوا يحرض بعضهم بعضا على تدمير المحلج، فصحت بأعلى صوتي قائلا: ~~«اسمع أنت وهو!» والتفت الجميع نحوي ومضت لحظة هدوء قصيرة انتهزتها لكي أخاطبهم قائلا: ما ~~هذا أيها الإخوان؟ # وكان فيهم وجوه كثيرة أعرفها فأخذت أخاطبهم بأسمائهم في نغمة عتاب ألين فيها حينا وأعنف ~~حينا، وأقبلوا علي يشكون لي ما أصابهم من مصطفى عجوة. # وصاح مصطفى: أتفتح أذنك لهؤلاء وأنت تسمع شتائمهم. # واندفع غاضبا يشق الزحام خارجا وهو يهددني معهم فشيعه العمال بضحكة عالية ساخرة من ~~ألفاظ السباب المقذع، فقلت لهم: أيليق بكم أيها الإخوان أن تسبوا رجلا غائبا لم يسئ ~~إلى أحد منكم؟ ألا تعرفون عطف السيد أحمد عليكم حتى تجازوه بمثل هذه الشتائم؟ # فصاح أحدهم وهو أكبرهم: هو يسلط علينا شيطانه هذا يعذبنا كل يوم، ويذلنا و... # وصاح آخر: وذنبنا أننا فقراء يعني؟ وهذا المصطفى العجوة يعاقبنا لأن المطر يؤخرنا في ~~الصباح؟ # وصاح ثالث: ولو قطع القرشين وذهب في داهية لكان أهون من لسانه المر. لسان يقطر ~~السم ms042 . # وقال رابع: كل يوم شتيمة وإهانة؛ «السيد أحمد يطعمنا والسيد أحمد يكسونا، كأنه يقول لنا ~~بالسم الهاري.» # وصاح كبيرهم الأول: أحب أن أفهم الداهية التي يهددنا بها سي مصطفى عجوة كل يوم. هل ~~الدنيا فوضى؟ نروح في داهية لأنه يشكونا للسيد أحمد؟ لأ يا سيدي. نكسر دماغ سي مصطفى ونروح ~~في داهية بحق. # وصاح آخر: والدولاب يقطع أجسامنا مجانا، وأولادنا تموت ولا يعجب سي مصطفى أن نحزن، ~~وإذا مرضنا رمونا في الطريق. # وصاح شاب إلى جنبي: وهذا الصبي ما ذنبه؟ هذا المسكين يقطع منه مصطفى خمسة قروش لأنه ~~تأخر ربع ساعة؟ # وكان الصبي الذي أشار إليه لا يزيد عن طفل في سن العاشرة ووجهه النحيل الأصفر يزداد ~~اصفرارا من الدموع المنحدرة على خده. # فناديته: تعال يا أخي. # ووضعت ذراعي حول عنقه، وكان منظره محزنا حقا عندما بدأ يسعل وزادت دموعه ~~انحدارا. # ومسحت على رأسه قائلا: ماذا جرى لك؟ ما اسمك؟ # فقال بصوت خافت: عمر. # فقلت في عطف: عيب يا سيد عمر. لا تبك كالطفل. # فقال وهو يجفف دمعه: قطع عم مصطفى مني خمسة قروش. # فقلت له مضاحكا: فداك يا أخي. # وكادت الدموع تفر من عيني من أجله. كان جسمه يختلج وهو يسعل كأنه عود في عاصفة. # وصاح عامل من الخلف: لو كان الولد يخوفه لقطع منه قرشين فقط. أمه مريضة وأبوه ميت. حظه ~~أسود منيل. يا ابني الحق بالوالد أحسن من العذاب. # وساد صمت رهيب على الجميع، ومسحت مرة أخرى على رأس الصبي وقلت له: تعال معي يا عمر. يلا ~~يا جماعة، سأذهب إلى السيد أحمد وأعتذر بالنيابة عنكم. يلا للغداء وارجعوا لأعمالكم ~~وانسوا هذه الغضبة. # تعال معي يا سيد عمر. # وأخذت الصبي في يدي وسرت وأنا أسمع همهمة خافتة من ورائي، وتدفق العمال من العنبر خارجين ~~يدعو بعضهم بعضا في مرح كأن شيئا لم يحدث. # وفي أثناء السير عرفت من الصبي أن أمه مريضة تسعل وتبصق الدم وهو يشتري بأجره الطعام ~~والدواء، ولن يقدر على شراء ذلك بعد خصم ms043 القروش الخمسة. # وكانت الساعة قد بلغت الثانية فأعطيت الصبي ما كان في جيبي إلا قرشين أبقيتهما لأشتري ~~رغيفا وقطعة من الجبن، وكنت سعيدا عندما نظر إلي الصبي باسما ومسح دموعه. المسكين، ~~إنني ما أزال أتذكر نظرته. # | الفصل الرابع # في الساعة الثالثة عدت إلى المحلج وبدأت عملي ونسيت فيه كل ما حدث في ساعة الظهر، ولكني ~~تنبهت على صوت حاجب مكتب السيد أحمد يدعوني إليه. # وكانت المسافة بيني وبين المكتب تزيد على مائة متر، فأخذت أجمع شوارد أفكاري حتى أحدثه ~~عما وقع بين العمال وبين مصطفى عجوة ليعمل على إزالة ما يدعو إلى إثارة نفوسهم عليه وعلى ~~عمله. # ورأيت مصطفى عجوة واقفا إلى جانب المكتب ويداه مضمومتان إلى صدره من أمام ولونه قاتم ~~يكاد يكون أسود، وبادرني السيد قائلا: سلم عهدتك يا سيد أفندي. # فوقفت أمامه لحظة وأنا دهش كأني لم أسمع قوله. لم أتوقع هذه النهاية في تلك الساعة ~~بالذات، ولو طردني السيد أحمد في اليوم السابق أو الذي قبله أو في صباح ذلك اليوم نفسه ~~لما وجدت في ذلك شيئا يدعو إلى الدهشة أو السخط، وأما في تلك الساعة فإني كنت أنتظر منه ~~كلمة شكر على ما صنعت له. كان العمال على وشك تدمير المحلج بغير شك لولا وجودي، ولم يكن ~~فيما فعلت شيء يستحق غير الشكر. أيطردني بعد أن أخمدت ثورة كان يشعلها هذا المصطفى عجوة ~~الواقف إلى جانبه ينفخ الهواء من أنفه الضخم؟ أيطردني لأني أزلت ما في نفوس عماله من الحنق ~~عليه وقلت لهم إني سأعتذر إليه بالنيابة عنهم؟ ولو كنت عندما ذهبت إلى السيد أحمد أتوقع أن ~~يفاجئني بهذه الكلمة بغير مقدمات لأعددت نفسي لذلك وراجعته لأبين له أنه مخطئ، أو أن ~~الذي بلغه كذب، ولكنها كانت مفاجأة أحدثت في نفسي صدمة مست صميم كبريائي؛ ولهذا أبيت أن ~~أراجعه بكلمة مع أني كنت أقول في سري: «أهذا جزائي؟» # وأدرت ظهري له صامتا وخرجت من المكتب لأسلم عهدتي، وما هي عهدتي؟ بضع دفاتر وأوراق ~~وأقلام ودواة ms044 وعلبة نيشان وفرشة بقيت عندي منذ كنت أرقم البالات. هذه كانت عهدتي، وكان ~~شعوري وأنا خارج من المكتب لا يزيد على شعور رجل تسأله: «كم الساعة الآن؟» لم يكن في نفسي ~~ذرة من الأسف في تلك اللحظة. # وخرجت من المحلج حاملا معطفي القديم وأنا عالي الرأس يخيل إلي أني أنا الذي أطرد ~~المحلج ومن فيه. # وسرت في الطريق متجها حيث تقودني قدماي؛ شارع «أبو الريش»، والسوق، وعرجت إلى اليمين ~~هابطا نحو خارج المدينة، ولما وصلت إلى جانب الترعة بدأت أفكر أني لم أترك المحلج فقط، ~~بل قطعت صلتي أيضا بالسيد أحمد جلال والد منى، وسرت أجرر قدمي بقلب مظلم كسير. عند ذلك ~~فقط بدأت أشعر بأني خسرت خسارة فادحة. # وعرجت إلى اليمين بغير أن أعرف أن هذا الجانب أفضل من الآخر، وكان الجو باردا ولكن ~~السماء كانت صافية والشمس تميل إلى الغرب في موكب رائع من الألوان البديعة، وشعرت بوجهي ~~المتقد يلذ مس الهواء وصدري الضائق يرحب بالهواء الطلق، وكانت الحقول تمتد تحت بصري ~~خضراء رطبة ترتاح العين إلى الانسراح فيها، وكانت الدواب محملة بأحمال مختلفة، ومن ~~ورائها قطعان الماشية تعود إلى بيوتها قبل الظلام، فجعلت أنظر إليها متأملا أشكالها ~~وأحجامها وأقايس بين ألوانها وملامحها، وذهني يدور كأنه منفصل عني. هذا شاب بقر قوي ~~يظهر عليه العنف وينظر نحوي بمؤخر عينه ويطأطئ رأسه مهددا، ووجه يشبه ملامح مصطفى عجوة ~~عندما كان واقفا إلى جنب المكتب، وهذا حمار أعجف يحمل حملا ثقيلا من البرسيم ويزحف تحته ~~مطرقا، ويلوي رأسه لعله يقدر أن يصل بفمه إلى قضمة من أعواد البرسيم الذي فوق ظهره، ولكنه ~~لا يصل إليها. ما أشبهه بالصبي المسكين عمر غير أنه لا يبكي، وهكذا سرت هائم الفكر حتى وجدت ~~نفسي مرة أخرى عند «كوبري أبو الريش» فعرجت إلى اليمين وسألت نفسي: «إلى أين؟» ولما اقتربت ~~من الفضاء الذي يبدأ منه الطريق إلى محلج السيد أحمد جلال كان الظلام قد هبط على الأرض ~~وتبينت في قرارة نفسي أمنية غامضة، وهي ms045 أن أصادف السيد أحمد جلال خارجا من المحلج، ~~واقتربت من ركن مستور عند مدخل الطريق ووقفت أفكر، كأني أريد أن أتذكر شيئا نسيته، ومر ~~وقت طويل وأنا هناك ذاهل عن كل شيء ولا أدري ماذا أريد، وظهر شخص مقبلا من بعيد في الطريق ~~المظلم فخطر لي أنه «هو». لم يعد الأمر خافيا علي ~~فإني كنت هناك أنتظر السيد أحمد جلال، وما كان سيري على الترعة وكل دوراني ولفي إلا بقصد ~~خفي أن أعود إلى المحلج لعلي ألقى الرجل، ولكن ذلك الشخص لم يكن «هو» فتداريت في ظل ~~الجدار حتى لا يراني، وبقيت واقفا هناك مستندا إلى الجدار وأنا فاتر الذهن لا أدري إلى ~~متى أبقى واقفا هناك، وكدت أثب في مكاني عندما رأيت السيد أحمد يخرج من باب المحلج في ~~الموعد الذي تعود أن يذهب فيه إلى بيته، ولما اقترب مني أسرعت إليه كما يسرع الصديق إلى ~~صديقه يحاول أن يزيل عنه جفوة طرأت على علاقتهما، ولم يظهر على وجهه عندما رآني شيء يدل ~~على الغضب أو الرضى أو الدهشة كأنه كان ينتظر أن يجدني هناك، وسلم علي في بساطة قائلا: ~~«تعال معي يا سيد أفندي.» فخفق قلبي سرورا واستبشرت بكلمته، وسرت وراءه بخطوة قصيرة، ~~ولكنه دعاني لأسير إلى جنبه، وتمنيت بكل قلبي أن أقدر على إزالة ما عنده من الغضب علي ~~ولم أشعر بشيء من الذلة أو الامتعاض؛ لأني كنت عالما أني بريء وأنه لم يعرف حقيقة ما ~~عندي. # ولما وصلنا إلى البيت دخلنا إلى غرفة المكتب، وأخرج السيد أحمد سيجارة فأشعلها ثم جلس ~~وأشار إلى كرسي قريب منه لأجلس عليه. ثم صفق وأمر الخادم أن يأتي لنا بفنجانين من ~~القهوة. # ثم التفت إلي قائلا: هيه يا سيد أفندي. # فقلت في تردد: لست أدري السبب في طردي يا سيدي، ولم أجرؤ أن أراجعك عندما كنت غاضبا، ~~والحق أن دهشتي أيضا جعلتني لا أفكر في مراجعة، ولكن من حسن حظي أني أمر من هنا في ~~اللحظة التي تخرج فيها من ms046 المحلج. # واحمر وجهي عندما قلت هذه الكذبة، ولكنه كان ناظرا إلى الأمام مستندا بظهره على ~~الكرسي الطويل فلم ينظر إلى وجهي. # وقال في بطء: المسألة بسيطة يا سيد أفندي. # فقلت في سري: بسيطة! # وخفق قلبي عنيفا. إنه هادئ كأنه جدار مصمت! وقلت له متمالكا نفسي: هي طبعا بسيطة، ولا ~~ينبغي أن تؤثر في مودتي لك، ولكني لا أعرف السبب في طردي. لا أعرف سببا يدعو إلى غضب ~~في هذا اليوم بالذات لأني كنت لا أنتظر فيه إلا الشكر. أظنك لم تعرف أني وقفت حائلا بين ~~العمال وبين تدمير المحلج. # فرفع جانبيه وهو يلتفت إلي قائلا: تدمير المحلج؟ # فقلت في حماسة: نعم تدمير المحلج، ولست أعجب لأنك لم تعرف الحقيقة؛ لأن مصطفى عجوة يتعمد ~~دائما أن ينقل إليك أخبارا مشوهة عني. # ونظرت إلى وجهه لعلي ألمح عليه شيئا يدلني على حقيقة شعوره ولكنه كان هادئا كالصورة ~~المعلقة أمامي على الجدار. # وأخذت أصف له ما حدث بين مصطفى عجوة والعمال في ساعة الظهر، وما حدث مني حرفا حرفا ~~وختمت حديثي بعبارة حماسية فقلت: إني كنت مدفوعا إلى تدخلي بشعوري القوي نحوه وبأني أؤدي ~~واجبي نحو رجل أحبه وأحترمه، وشعرت بالدم يثور في وجهي مرة أخرى عندما وجدت أنه ما يزال ~~هادئا. # وجاء الخادم يحمل فنجانين من القهوة فأخذ يرشف من فنجانه وقال لي: تفضل! # ولكني شكرته ومضيت في كلامي: لهذا لم أتوقع منك أن تطردني، وكانت دهشتي عندما سمعتك ~~تقول لي سلم عهدتك أشد من أن أحاول الدفاع عن نفسي، والحق أني أيضا أخذت على خاطري، ولست ~~أريد بكلامي هذا شيئا أكثر من أن أعرف السبب في غضبك؛ لأن الذي يهمني هو العلاقة التي ~~بيننا. # فنظر نحوي باسما لأول مرة، ولكن ابتسامته كانت تحمل معنى كأنه يقول: «وما هذه العلاقة ~~التي بيننا؟» # واعتدل في جلسته فصار أكثر هدوءا كأنه قط يرقد على فراش وثير. # وقال بصوت خافت: لم أكن أعرف من قبل أنني مهدد بكارثة. هذا شيء جديد يا سيد أفندي، ومع ms047 ~~ذلك فلماذا لم تدع العمال وشأنهم؟ لم تكن لك علاقة بأعمالهم يا سيد أفندي. دعهم يا أخي ~~يثوروا إذا شاءوا ويدمروا المحلج، وأنا أعرف كيف أعاملهم. كنت دائما أعرف كيف أعاملهم قبل ~~أن تشرف المحلج. # وأحسست بالعرق ينضح من جسمي كأن إناء من الماء البارد صب فوق رأسي. # واستمر قائلا: لا تغضب من قولي يا سيد أفندي فأنت مثل ولدي وكنت أرجو أن تشق طريقك في ~~الحياة معي. لا أنكر أنك أمين وذكي، وأنا أقدرك وأحبك وأعرف أنك من بيت طيب. كنت أود ~~لو بقيت معي حتى تقدر أن تشتغل بعمل ينفعك هنا أو غير هنا، وكنت أحب أن تفتح عينيك للحقائق ~~وتتعرف أمور الدنيا؛ لأن التجارب هي التي تعلمنا. كنت أتمنى أن تبقى معي وتتعلم كما ~~يتعلم هؤلاء جميعا حتى تصير مثل مصطفى عجوة. # وكانت هذه الكلمة الأخيرة فوق طاقتي فقلت مندفعا: اسمح لي أن أقول إني لا أرضى بأن ~~أقارن بمصطفى عجوة. # فرفع حاجبيه وتبسم قائلا: لست أبالي ما يقع بين بعض الموظفين وبعض من هذه المنافسات، ~~ولا أحب أن أفتح أذني لها. هذا شيء طبيعي ولا أعيره التفاتا كثيرا، والذي أقصده أني كنت ~~أود لو بقيت معي حتى تطمئن على مستقبلك. هذا كل شيء. # وسكت لحظة ثم اتسعت بسمته وهو يقول: ولكنك يا سيد أفندي تريد أن تقفز دفعة واحدة، في ~~وثبة واحدة. # وطقطق بإصبعيه محركا يده إلى فوق. # وأعقب ذلك بضحكة عالية لأول مرة. # وخطر لي أنه يلمح إلى الأقوال التي سمعها من مصطفى عجوة عن تطلعي إلى منى، فثارت ~~كبريائي وقلت مندفعا: أتقصد يا سيدي أني غير جدير بأن أتطلع إلى أعلى؟ # فقال متراجعا: أبدأ! لا أقصد أكثر مما يفهم من كلامي. لست أقصد أكثر من أنك تندفع يا ~~سيد أفندي. أنت جدير بأن تتطلع كما تشاء، ولا حق لأحد في منعك من شيء. ليس هذا موضوع ~~الحديث يا سيد أفندي، وأنا أرجو دائما أن أسمع عنك ما يسرني. # وأحسست أكثر من قبل بأني أصطدم ms048 في جدار مصمت، وبدأت أثور في داخلي لأنه لم يترك لي فرصة ~~للأمل في مصافاته. # وقلت في شيء من العنف: أشكرك على كل حال يا سيدي، وأنا مسرور من أني أديت نحوك واجبي ~~كاملا، ويزيدني سرورا أن أشعر بأنك لم تنصفني، لست أنسى أن أشكرك على كل ما سمعته منك ~~وعلى كل ما لقيته من عطفك ومساعدتك. لست أنسى أنك مددت إلي يدك عندما كنت صغيرا لا أجد ~~أحدا يمد يده إلي، ولكن أحب أيضا أن تعرف أني لست أقل من أحد. هذا ما أشعر به في ~~قرارة نفسي، وإذا كنت أتطلع إلى فوق، فليس هذا أكثر مما ينبغي لي. # وقمت لأنصرف ونظرت إلى وجهه في ثبات، فوقعت عيني في عينه ولمحت أن نظرته لم تثبت ~~أمامي، ولأول مرة منذ عرفته رأيت عليه شيئا يشبه الحيرة أو الارتباك، ولكنه لم ينطق ~~بكلمة، فرفعت يدي مسلما عليه من بعيد قائلا: لعلنا يا سيدي نلتقي في أوقات أخرى أكثر ~~مودة، إلى اللقاء يا سيدي. # وخرجت بغير أن أنتظر، وتعمدت أن أرفع رأسي، وكنت في تلك اللحظة مملوءا بالثقة ~~والاطمئنان، ولما وصلت إلى قريب من باب الحريم لم أملك أن أنظر نحوه نظرة متلهفة كأني ~~أودعه، وثارت فوق عيني غشاوة من الدمع وقلت في نفسي: «أحقا هذه آخر مرة أقترب فيها من ~~هنا؟» # وعدت إلى بيتي فأخبرت أمي بما حدث، فلم أسمع منها إلا دعوة طيبة، وكانت في تلك الليلة ~~أكثر مرحا واستبشارا مما أنتظر، وأخذنا نتحدث فيما أعمل بعد ذلك، فلما قلت لها أني ~~أعتزم التجارة أظهرت لي رضاء متحمسا، وكررت دعاءها إلى الله أن يوفقني، وكانت ليلتي ~~هادئة على غير انتظار، بل إني رضيت عن الظرف الذي اضطرني إلى قطع صلتي بالعمل في المحلج، ~~ورأيت أنه جعلني أقدم بغير أسف على الخطوة التي فكرت فيها مرارا بغير أن أجرؤ على أن ~~أخطوها، سأذهب في اليوم التالي إلى السوق لأجرب حظي، ولكن شيئا واحدا كان يعكر شعوري ~~بالرضا، وذلك أني قطعت ما ms049 بيني وبين والد منى. لم أعترف فيما بيني وبين نفسي أن هذا آخر ~~العهد بيننا، وكان تحت كل مشاعري أمل غامض أن أستطيع في يوم من الأيام أن أعود إلى السيد ~~أحمد جلال قائلا له: «أنا سيد زهير.» # وكان اليوم التالي سوق قرية الدلنجات، فعزمت على أن أقوم مبكرا لآخذ فطار الصباح، ولو ~~على سبيل التجربة؛ لأرى شئون الأسواق، وأجس المخاضة قبل أن أنزل في الماء، وفي الصباح ~~الباكر أخذت معي كل ما كان معي من النقود التي ادخرتها طوال السنوات الماضية لأبدأ حياتي ~~كما بدأ السيد أحمد جلال حياته، وكان الظلام ما يزال حالكا تحت السماء القاتمة. # ولا يمكن أن أصف شعوري عندما شممت رائحة الهواء الرطب، وسرت في الطريق الصامتة عالما ~~بأن الناس ما يزالون نياما في فراشهم، وكان المطر قد سقط في الليل غزيرا، وتجمعت منه بركة ~~واسعة تملأ الطريق إلى المحطة، فخضت فيها؛ لأني لم أجد جانبا جافا من الطريق أسير فيه، ~~وكان حذائي قديما له رقبة خففت البلل عن قدمي بعض الشيء، ولما قربت من ضريح سيدي «أبو ~~طاقية» قرأت الفاتحة كما كنت أفعل منذ طفولتي عندما كنت تلميذا في المكتب المسمى ~~باسمه. # ولم أقدر أن أصل إلى المحطة إلا بعد ربع ساعة مع أن المسافة لم تكن أكثر من ثلاثمائة متر، ~~وكانت عربة الدرجة الثالثة مزدحمة ليس فيها موضع لقدم، فاضطررت إلى الجلوس على طرد في ~~الممر بين المقاعد، وكان طرد قماش لأحد التجار الذاهبين إلى سوق الدلنجات. # وكنت لا أعرف من المسافرين إلا عددا قليلا أميزهم بوجوههم، ولكني دهشت عندما جاء ~~حمادة الأصفر قبل قيام القطار بدقيقتين، فجاء يتخطى الطرود في الممر حتى جلس على طرد قريب ~~مني وحياني قائلا: صباح الخير يا سيد أفندي. # ولم يخل جوابي من التعبير عما هجم علي من الضيق عند اقترابه مني، وكان في يده رغيف ~~مقدد من أرغفة دمنهور المنفوخة وقد أكل أعلاه وبقي أسفله في يده مثل الطبق وبه قطعة جبن ~~قديم أغبر اللون. # وقال ms050 لي وهو يمضغ: إلى أين العزم؟ # فالتفت إليه في شيء من الرثاء والتقزز معا وقلت في احتقار: الدلنجات. # وبدا لي أن المسكين قد زاد تحولا واصفرارا، وكانت حول عينيه دائرتان خضراوان ووجهه ~~المنقط بالنمش الأسود يشبه خرقة قذرة. # وقال في صوت خافت: إلى السوق؟ # وهممت أن أصده بكلمة جافية ولكن منظره جعلني أمتلئ شفقة، وقلت له: نعم، وأنت؟ # فقال: أسترزق. ربك كريم يا سيد أفندي. # وكان ركاب العربة في هذه الأثناء يختلسون النظرات نحوي، ويتكلمون بأصوات خافتة، ثم استرعى ~~سمعي ضحك عال ينبعث منهم عندما قال أحدهم: قوموا بنا لنبيع التذاكر ونعود يا عم ~~علي. # فرد عم علي قائلا: ربك يستر يا شيخ عفيفي، ويجعل الدور اليوم على المعيز. # وعلت ضحكة أخرى أطول من الأولى، واستمر الركاب ينظرون نحوي ويتهامسون، وسألني حمادة ~~قائلا: ماذا تريد أن تشتري؟ # فقلت له في شيء من المباهاة: قطن طبعا. # وسمعني أحد الركاب، وكان إلى جانبي فصاح قائلا: أبشروا يا جماعة ... فرجت! الأفندي تاجر ~~قطن! # فصاح الشيخ عفيفي: أبشر يا عم علي. # فقال الشيخ علي: قلت لكم من الأول. الأفندي أكبر من البيض والفراخ. # وعاد الضحك وصار عاما، وشاركت فيه؛ لأني بدأت أفهم سبب التهامس والمزاح، وأخذ الجميع ~~يتحدثون عما حدث في يوم الثلاثاء الماضي عندما جاء أفندي من الإسكندرية واشترى كل ما كان ~~في السوق من الدجاج والبيض بأثمان عالية؛ لأنه من الموردين للجيوش؛ ولهذا لم يقدر عم علي ~~والشيخ عفيفي على شراء شيء منها وهما من تجار الدجاج، فلما رآني الركاب حسبوا أني أفندي آخر ~~جئت لأزاحم في شراء الدجاج والبيض كما فعل الآخر، وكانوا يتبادلون الفكاهات عني وأنا ~~غافل عنهم، وكانت هذه الغلطة موضوعا جديدا للفكاهة استمر الركاب يتناقلونه مدة طويلة، ~~فسهل علينا قطع الطريق. # وسألني جاري عن اسمي، فلما قلته له عرف أبي وأخذ يترحم عليه، وبدأ الآخرون يتوددون ~~إلي عندما أخذ جاري يعرفهم بأبي ويذكرهم به. # وأخذنا نتحدث معا عن الأسواق وأسرارها، فتلقيت في هذه الجلسة أول دروسي في تجارة ms051 ~~الأسواق، وخرجت بفوائد لا تتاح إلا لمن يتبادلون أنفاسهم مع الناس، ويعرفون من الحكم ما ~~لا تعلمه لهم القراءة أو التأمل، وعزمت فيما بيني وبين نفسي أن أحفظ ما أسمع من هؤلاء ~~الذين لا يتلقون ما يقولون عن أحد. إن كل كلمة يقولونها تصدر عن حكمة متواضعة لا تدعي ~~الحكمة، وهي التي يتعلمونها من وخزات الحوادث وغمرات المآزق. # وبلغنا الدلنجات آخر الأمر، ونزلنا نتدفق من العربة إلى الفضاء الواسع متجهين إلى السوق، ~~وكل منا يحمل في يده ما أعده للبيع أو للشراء، وكنت لا أحمل في يدي إلا ميزانا في كيس ~~من أكياس الخيش، وكان منظر هذا الجمع الكبير وهو يتجه في صف طويل أشبه بمنظر الجيش ~~الزاحف. # وكان حمادة يجتهد أن يبقى قريبا مني، مع أني تعمدت ألا ألتفت إليه عندما نزلت، وكان ~~يحمل على كتفه كيسا لا أعرف ما فيه، وينظر نحوي في شيء من التردد كأنه يريد أن يجد ~~سبيلا إلى أن يكلمني، ولما لم يجدني التفت إلي تجرأ وقال لي: ألست في حاجة إلى من ~~يساعدك يا سيد أفندي؟ # وكان في صوته انكسار زادني إشفاقا عليه وقلت له: في أي شيء يا حمادة؟ # فشجعه جوابي واقترب مني قائلا: في أي شيء، أحمل لك ما تشتري أو أساعدك في الشراء، وأنا ~~خبير بالأسواق. # ثم همس قائلا: ومن أجل المساعدة أيضا، فوالله إني لم آكل منذ الأمس إلا هذه اللقمة ~~التي رأيتها في يدي. # فقلت له عاطفا: وهل تجيء إلى السوق في مثل هذا الصباح بغير وجهة؟ # فقال: وماذا أعمل؟ أقصد باب الله يا سيد أفندي. هو العمل الذي أقدر عليه ما دام الناس لا ~~يريدون أن أعمل معهم. كل من أعمل عنده يطردني. لماذا؟ لا أدري. نحس. شؤم، بختي ~~زفت. # فقلت باسما: وتريد أن تجرب حظك مرة أخرى معي؟ # فقال: خليها على الله! والله يا سيد أفندي هو البخت. لكن يمكن. يمكن بختك يغلب يا أخي. ~~جرب يا سيد أفندي، والله كلهم كسبوا وربحوا معي ولكني منحوس ms052 ، فازوا بالمكاسب وطردوني، ومد ~~يده إلي ليأخذ مني الكيس الذي حملت فيه الميزان فقبضت ذراعي وقلت له: هذا ميزاني وأنا ~~أولى بحمله. أين موضع السوق؟ # فقال: ألا تعرفه؟ تعال من هنا. # وكنا قد بعدنا عن المحطة مسافة تقرب من مائتي متر. # فسألني: كم معك؟ ولا مؤاخذة في السؤال يا سيد أفندي. # فقلت في شيء من الخجل: عشرون جنيها. # فجذب يدي واتجه بي إلى جهة الطريق الزراعية إلى يميني وقال: وهل تريد أن نذهب للسوق. ~~تعال إلى هنا. # وسار بي على الطريق حتى بعدنا عن القرية بنحو خمسمائة متر، ووقف لحظة يتلفت حوله ثم اتجه ~~إلى شجرة على جانب الطريق، وقال: ها هنا موضعنا. # فقلت في دهشة: ماذا تريد؟ # فقال: هنا موضعنا. نجمع من الفلاحين بالرطل والرطلين والعشرة. هنا تجارة الأمانة. انصب ~~ميزانك هنا. بعشرين جنيه وتريد الذهاب إلى السوق؟ هل عندك كيس؟ انتظر. # وحل الكيس الذي معه فأخرج منه كيسا كبيرا من أكياس القطن الفارغة وفرشه على الأرض، وأخذ ~~مني الميزان فنصب قوائمها وعلقها. # وكانت الساعة تبلغ السابعة من الصباح عند ذلك، وقد تحول الجو على صحو صاف، ولمعت الشمس ~~فوق الأفق، وكان الفلاحون يتسارعون على الطريق، بعضهم يسير على قدميه وبعضهم يركب، وكل ~~منهم يحمل بضاعته. # وقال حمادة: أجلس أنت هنا كالأمير ودعني. # ثم ذهب إلى وسط الطريق وأخذ يصفر صفيرا عاليا بمهارته التي عرفتها منه، فلم أستطع أن ~~أقاوم الضحك، واستمر بعد ذلك يصفق ويصيح قائلا: هنا تجارة الأمانة! هنا تجارة الأجواد! هنا ~~تجارة سيد أفندي زهير! # وكان الفلاحون ينظرون إليه في دهشة، ثم يقفون حوله فيشير لهم نحوي، وقمت إلى ميزاني ~~فسويته، واتخذت هيئة التاجر المجرب، فكل من أتى إلي بما معه من الأرطال وقفت أنظر ~~فيها وأقلبها ثم أزنها وأكتب الوزن على ورقة وأكتب أمامها اسم صاحبها، ثم يجيء حمادة فيفحص ~~مرة أخرى ويساوم في الثمن حتى يرضى البائع فأصرف له النقود. # ولم تمض إلا ساعة قصيرة حتى فرغت نقودي ولم يبق معي إلا ما يكفي ms053 للعودة بما اشتريناه إلى ~~دمنهور، وأخذ حمادة يعد الكيسين الذين معه ليعبئ فيهما القطن واستأجرنا عربة لتحمله إلى ~~المحطة، واستطعنا أن نعود ببضاعتنا إلى دمنهور في قطار الظهر، وهكذا مر اليوم الأول من ~~تجربة حظي في التجارة مع حمادة الأصفر، وكان ربحنا فيه عظيما لا يقل عن خمسة جنيهات فوق ~~كل ما صرفناه في سفرنا وأجرة النقل وثمن الأكياس، وكان حمادة سعيدا في آخر النهار عندما ~~أعطيته خمسين قرشا، ولم يتركني حتى تعاهدنا على أن نذهب معا في كل مرة إلى أسواق القرى ~~المجاورة. # وكان سرور أمي من هذه المغامرة الأولى عظيما، وقالت توصيني بحمادة: تمسك بهذا المسكين، ~~فمن يدري يا ولدي، لعل هذا رزقه! # | الفصل الخامس # مر ما بقي من موسم القطن في ذلك العام وأنا دائب على الذهاب إلى الأسواق المحيطة ~~بدمنهور في صحبة حمادة، نشتري دائما على طريقته، ثم نجمع ما نشتري ونحمله على عربة نسير ~~إلى جنبها حتى نصل إلى أقرب محطة للقطار فنرسله منها إلى دمنهور، وكان حمادة يتفنن في ~~وسائل الإعلان واجتذاب الأنظار، وكان هو بشخصه علما يسترعي الأبصار والأسماع بقامته ~~القصيرة وصفيره العالي وتصفيقه وفكاهته، وصرنا بعد قليل من أشهر من يرتاد الأسواق، ~~وأصبح اسم سيد زهير وتجارة الأمانة والأجواد مما يجري على ألسنة أهل القرى، وإن كان متجرنا ~~في كل مرة لا يزيد على ظل شجرة على جانب الطريق، واستطعت أن أقتصد من أرباح هذه التجارة ~~أكثر من مائتي جنيه فوق الجنيهات العشرين التي كانت معي من قبل، بعد كل ما أنفقته على البيت ~~حتى حل الموسم الجديد، ولا شك في أن الفضل الأكبر في نجاحي هذا يرجع إلى حمادة، ولا أدري ~~ماذا كنت أصنع لو لم أصادفه في أول يوم على غير موعد. # وما أجدر هذه الإنسانية الضعيفة أن تتواضع وتعرف موضعها من المقادير، وما أكثر الأدلة ~~التي تدلنا على أن النجاح والإخفاق يتوقفان على عوامل عدة أقلها إرادتنا، وكان حمادة مادة ~~عزيزة للتأمل في ذاته، فكنت أراه وأستمع إليه كأنه ms054 كتاب حي من الكتب الصفراء القديمة التي ~~تحتوي على كنوز من المعارف؛ فهو يعرف الناس ويتعمق حقائقهم بفطرته الساذجة التي لا تخدعها ~~مظاهرهم ولا يضللها ما تعارفوا عليه من المعايير التي خلقوها لأنفسهم، وقد حيرني منه ~~أنه لم يستطع أن يشق له طريقا في التجارة ويستقل بنفسه فيها مع أنه كان بغير شك صاحب ~~الفضل في كل نجاح أصبته في تجاربي، وقد سألته يوما في ذلك فلم يقل سوى أنه مولود في ~~ساعة نحس. # فقلت ممازحا: جرب معي حظك وابدأ بمشاركتي. # فقال ساخرا: قلت لك دعني ولا تخاطر بنفسك. # فقلت: أنا قابل يا حمادة: فلا تخف. # فأجاب: لا تحاول إغرائي، جربت حظي مرة بعد مرة وكانت النتيجة واحدة. ألست تؤمن ~~بالأقدار والحظوظ يا سيد أفندي؟ ذهبت مرة إلى منجم هندي ليكشف لي عن حظي فلم يقل لي إلا ~~كلمة واحدة معناها أنت منحوس مؤبد. شاركت مرة عطارا فاحترق المخزن كله، وشاركت جزارا ~~فقطع إصبعه، في أول يوم، وشاركت في قهوة فمات صاحبها بالسكتة القلبية بعد أسبوع، وإذا أردت ~~أن تعرف رأي الناس عني فاذهب إلى شارع السوق وقف بين المارة واسأل ما رأيكم في شركة حمادة ~~الأصفر، فإنهم جميعا يجيبون بصوت واحد أنها شركة مشئومة. # فلم أملك نفسي من الضحك وقلت له: سأخاطر معك برغم كل هذا، وسيكون ربحنا مناصفة. # فقال: ليس معي نقود. # فقلت: أسلفك إذا أردت ولك أن ترد لي دينك من الربح. # فقال: وإذا خسرنا. # فأجبته: ننتظر حتى نربح ونعوض الخسارة. # فهز رأسه قائلا: لا يا عم لا شأن لي بالمشاركة. لا شأن لي بالربح ولا بالخسارة، ولم أطلب ~~منك أن تدخلني في شركة. # ثم فرك إصبعيه يشير إلى طلب النقود. # وكانت هذه عادته منذ انتهى الموسم؛ إذ كان يعود إلى بين حين وآخر يطلب المساعدة، فكنت ~~أعطيه في كل مرة جنيها أو نصف جنيه مع أنه أخذ نصيبه من الربح ستين جنيها في أربعة ~~أشهر. # وقد سألت نفسي مرارا ما الفرق بين حمادة وبين السيد أحمد ms055 جلال فكنت أعجب من المقارنة ~~بينهما. لقد عرفتهما وخبرت أحوالهما وتبينت مقدار ما عند كل منهما من الذكاء والمقدرة، ~~ولو سئلت عن رأيي في أيهما أصفى جوهرا لما ترددت في أن أقول إنه حمادة. هو الأذكى وهو ~~الأعمق وهو الأكثر تفننا، ولكن الذي جعل أحدهما في طرف والآخر في الطرف الثاني هو عنصر ~~آخر أهم من الذكاء والعمق والتفنن، وهو عنصر خفي مثل أرواح العطور وأسرار الحياة الغامضة، ~~لا يتيسر للإنسان أن يصفه لأنه لا يقدر على تحديده، ولكن شيئا واحدا كان يظهر لي واضحا ~~وهو أن حمادة كان ينطوي في داخله على أنواع من المخاوف لم أستطع كشفها، ولما فرغت من مشاغل ~~الأسواق عدت إلى عزلتي ولا أخفي أنني شعرت بكثير من الارتياح؛ لأني تخلصت من صحبة حمادة مع ~~كل ما كنت أحسه نحوه من الرحمة، وكان فراغي من مشاغل الأسواق يجعلني أفرغ إلى أحاديث ~~كثيرة مع نفسي، وكانت كلها تدور حول صورة واحدة: منى. # وبدت لي الشهور التي مضت علي منذ خرجت من خدمة السيد أحمد جلال كأنها دهر طويل من ~~السنين. كيف نقيس الزمان نحن معاشر البشر؟ إننا نقيسه بالساعات والأيام والسنين مع أن هذه ~~كلها أخيلة لا تدل على حقيقة خارج نفوسنا. # ولا أستطيع أن أصف الحرقة التي كانت تشمل قلبي كلما تصورت أني فقدت كل أمل في رؤية ~~منى، ومع ذلك فقد كنت أجادل نفسي وأتهمها بالحماقة والسخف، فأين أنا وأين منى؟ كنت أكره ~~أن أقول في نفسي: «من أنا؟» ولكني كنت مع ذلك أقول ذلك وأجد له مذاقا كالحنظل، وكنت أكثر ~~من الخروج إلى أطراف المدينة وأستصحب ما أريد قراءته من الكتب طامعا أن ألهو بذلك عن ~~التفكير في منى، ولكني كنت دائما أشرد إليها ولا أطيق الاستمرار في القراءة؛ لأن صورتها ~~كانت تتمثل لي في كل سطر وراء كل خاطرة، وكنت يوما جالسا في قهوة تعودت أن أعرج عليها ~~عند أطراف المدينة ومعي كومة من الصحف والمجلات، وأخذت أقرأ لألهو عن أحاديثي نفسي ms056 بتلك ~~الأخبار التي اعتادت الصحف أن تضع لها العناوين الضخمة ذات اللون الأحمر، وأي شيء أحق بأن ~~يتسلى به الإنسان من السخرية؟ إن السخرية هي ملجأ الأشقياء إذا أرادوا أن يحولوا بين ~~أنفسهم وبين الموت كمدا. كانت الأخبار كلها تنطق بأننا منهزمون في كل مكان، سواء في ~~السياسة الداخلية أو الخارجية، ومع هذا كان السادة على أحسن ما يكون الناس رضاء عن أنفسهم، ~~ورضاء عن الحياة. ها هو ذا وزير يقيم حفلة ساهرة تشغل أخبارها الصفحة الأولى من الجريدة ~~العظمى؛ لأنه بلغ الخامسة والستين من عمره المبارك، وها هو ذا احتفال آخر بزواج ابنه الثري ~~الكبير المعروف، وفيه تدفقت الشمبانيا في القصر الشاهق حتى أغرقته بالمرح، هكذا تقول ~~الجريدة بغير خجل، وهذا خبر ثالث أكثر جدا وصرامة لأنه احتفال حزب كبير في عاصمة مديرية ~~كبرى تعالت فيه الأصوات بالحماسة الوطنية، ولكنها كانت وا أسفاه لا تزيد على الحماسة في ~~المناداة بسقوط الحزب المنافس ومن فيه من الزعماء. هكذا كان الحزب الأصفر يتحمس في ~~المناداة بسقوط منافسه الحزب الأخضر في القسطنطينية عندما كان محمد الفاتح العثماني على ~~أبوابها، وفي صدر الصفحة الوسطى كتبت بشرى بعنوان ضخم تقول إن ميادين المدينة ستضاء بعد ~~يومين بالأنوار الساطعة احتفالا بعيد الدستور، وستعطل المصالح الحكومية وتفتح سجلات ~~التشريفات في القصر ليذهب المهنئون من العظماء ويكتبوا بها أسماءهم تأدية لواجب الولاء ~~للملك الذي لم يدع برلمانا واحدا يسقط وزارة ... وتعجبت ماذا يفعل الناس بهذه الأنوار ~~كلها إذا أرادوا أن يبتهجوا بالعيد حقا، إنني أرثي للفراش كلما رأيته يقذف نفسه على ~~الأنوار التي تحرقه، وأخذت أقرأ كل ما أمامي من الأخبار حتى الوفيات إلى أن رأيت إعلانا ~~عن آخر موعد للتقدم لامتحان البكالوريا، وهو يوم الأحد المقبل، فذكرني هذا الإعلان بحياتي ~~الماضية وأخذت أعد السنوات التي مرت علي بعد ترك المدرسة. سبع سنوات كاملة لم أشعر بمرورها ~~كأنها قطعت من حياتي، ولو كنت واصلت الدراسة لكانت هذه السنوات كفيلة بأن تجعل مني ~~شخصا آخر في نظر نفسي ms057 وفي نظر غيري، ولكن ماذا أصبحت بعد هذه المدة؟ كنت واقفا في مكان ~~كأني أقفز إلى أعلى ثم أسقط حيث كنت واقفا، ولو كنت مثل زملائي الذين واصلوا الدراسة حتى ~~حصلوا على الشهادات العليا لكنت أذهب إلى السيد أحمد جلال لأقول له: «أنا سيد زهير!» # وقمت من القهوة ضائقا بنفسي فعدت إلى منزلي وأغلقت على الباب، وجعلت أقرأ قصة إنجليزية ~~بدأت في قراءتها منذ ليلة، ولكني لم أفهم منها شيئا، وكان ذهني يشرد برغمي عائدا إلى ~~فكرة البكالوريا، وجئت بالجريدة فأخذت أقرأ إعلان الامتحان مرة أخرى، ووقفت عند آخر موعد ~~لتقديم الطلبات. هو يوم الأحد ولم يبق عليه إلا الجمعة والسبت، ولا ينبغي أن أعد الجمعة ~~لأنها عطلة، وقمت إلى مكتبي فأخرجت بعض الكتب الدراسية وأخذت أنتقل بينها قارئا من هنا ومن ~~هناك حتى ثقلت عيناي ودارت رأسي وتثاءبت، ولكني عندما أردت النوم لم أستطعه ومضيت في ~~تفكيري: «ماذا أفعل إذا أردت التقدم للبكالوريا؟» بل إني سبحت في الأفكار وأخذت أحسب ما ~~أحتاج إليه من المصروفات في الجامعة لو دخلت الامتحان ثم نجحت في البكالوريا، وتسلل النوم ~~آخر الأمر إلى جفني حتى استيقظت في الصباح وأنا عازم على أن أتقدم لذلك الامتحان. # وتذكرت أن لي صديقا قديما من زملائي أصبح مدرسا في المدرسة الثانوية بعد تخرجه من ~~كلية الآداب، وكنت أراه من بعيد في الطريق في بعض الأحيان، ولكني كنت أطيع دفعتي الغريبة ~~فأعرج إلى أقرب عطفه حتى أتحاشى مقابلته، وكان أول ما خطر لي أن أذهب إليه لأطلب مساعدته ~~على التقدم للامتحان، وشعرت بالخجل من نفسي؛ إذ لم أفكر في زيارته إلا عندما اضطرتني الحاجة ~~إليه، ولكني عزمت آخر الأمر على أن أجمع عزيمتي وأطرد التردد وأذهب إليه. # وعبد الحميد عباد - ذلك الزميل القديم - شاب جمعتني به صلة وثيقة في أيام التلمذة، وهو ~~من أبناء دمنهور، وكان والدانا صديقين ويدخل كل منا بيت صاحبه كأنه أحد أفراد أسرته، ولم ~~أشعر لمقاطعة أحد من زملائي القدامى بما شعرت به من ms058 الأسف لمقاطعته، وكثيرا ما حدثت نفسي ~~أن أذهب إليه لأعاود مودته معتذرا عن مجافاتي له، ولكن الكبرياء حالت بيني وبين ما حدثت به ~~نفسي، وكان من الممتازين في قوة التفكير وكثرة القراءة، وإن كان من أكثر التلاميذ انزواء. ~~كان لا يشارك في الألعاب ولم يكن له نصيب من الظهور في محافل أواخر الأعوام، وكنا لهذا ~~نعرفه باسم الفيلسوف لا تكريما له ولا تقديرا لذكائه، بل تفكها يقرب من أن يكون سخرية، ~~وكان يتخذ لنفسه آراء يتمسك بها ولا يقبل فيها جدالا، وكثيرا ما انتهت مناقشتنا معه إلى ~~المشادة أو المنافرة، وكان في أثناء الدروس لا يقبل من المدرسين قولا حتى يناقشه ويحلله، ~~ولا يبالي ما يؤدي إليه ذلك من ضيقهم به في بعض الأحيان، وكان نقول فيما بيننا إنه من ~~أتباع الحزب الوطني وإن كنا لا نعرف حقيقة مبادئ الحزب الوطني، وكان هادئ الطبع في أكثر ~~أحواله، فإذا تحمس في مناقشة سياسية تدفق وتهور وغضب واعتزل أصحابه يومين أو ثلاثة ~~أيام في كل مرة قبل أن يستعيد سماحته ووداعته، وعزمت على زيارته في الصباح وكان اليوم جمعة، ~~ورأيت أن أختصر الطريق إلى بيته بأن أعبر شريط السكة الحديدية من جنوب المحطة وراء مخازن ~~البضاعة، وكانت تلك الطريق تربة متعرجة تمر بين المقابر ولكنها توفر في السير دورة ~~طويلة تشبه نصف دائرة، ولما وجدت نفسي بين المقابر تذكرت أن أزور مقبرة أبي، وكنت منذ وفاته ~~أتحاشى الاقتراب منها مدفوعا بشعور الطفولة بغير تفكير، ولما وقفت إلى جوار القبر غمرني ~~حنين شديد وانهمر الدمع من عيني بحرقة بالغة وهجمت على موجة من الأسف والندم على أني لم ~~أذهب كل تلك السنوات لأزور ذلك الوالد العزيز وأترحم عليه وأذرف عنده دموعي، وهو الذي كان ~~يملأ حياتي بهجة وأملا، وتذكرت وأنا واقف هناك ذلك اليوم البعيد الذي سرت فيه ذاهلا مع ~~الموكب الحزين لأودع جثمانه، وعاد إلي الشعور باللهفة التي أحسستها وأنا أراه محمولا ~~إلى الحفرة ليدفن فيها. كنت عند ذلك أتمنى لو بقيت ms059 معه ونازعت من حولي لأتمسك به؛ إذ خيل ~~إلي أن الحياة بغيره تكون موحشة خاوية مخيفة، وأخذت أقرأ الفاتحة مرة بعد مرة وأنا في ~~غمرة من الحزن وقرأت ما تذكرته من الآيات الأخرى، ووجدت في ذلك راحة لا أقدر على وصفها، ~~وخيل إلي في تلك اللحظة أن قرحة في داخلي تندمل وأنني أحس روحه تخاطبني قائلة: «إن ~~الحياة تناديك يا ولدي!» ولأول مرة منذ فقدته تبين لي أنني ما أزال متصلا به بعد الموت، ~~وأنه يهتم بي ويباركني، كان كياني كله ينبض بشعور مبهم بأن الحياة وديعة فينا، وأنها متصلة ~~بالأجداد من قبلنا ومتصلة بالحفدة من بعدنا وأنها واجب مستمر علينا أن نؤديه إذا أردنا أن ~~نشارك في تحمل أمانتها، ومضيت بعد حين عن القبر وقلبي يعاهدني على أن أؤدي واجب حياتي، ~~فلما سرت في طريقي إلى بيت عبد الحميد عباد كنت أحس بأن شيئا كبيرا تغير في ~~نفسي. # واستقبلني عبد الحميد كما عرفته في سماحته ووداعته وجلسنا ساعة نتذاكر أيام المدرسة وما ~~كان فيها من أحداث صغيرة، وكان يذكرني بأشياء غابت عن ذاكرتي، كأني طويتها في أغوار ~~عميقة تخفيها عني، واستمعت إليه كأني أرى صورا من عالم بعيد، صورا شاحبة ذهبت ملامحها ~~وانمحت ألوانها من ذهني، ولكن أصداءها ما تزال باقية، فذكر الأيام الثائرة التي كانت تهز ~~أعماق نفوسنا في سنة 1935 واجتماعاتنا السرية التي كنا نخفيها عن الأنظار، وتلك المؤامرات ~~الصغيرة التي أحطناها بالكتمان والخطب النارية التي تبادلناها، والمناقشات العنيفة التي ~~تبارزنا بها، والخطاب الذي حاولنا كتابته بدمائنا في رعونة الصبا لنبعث به إلى الملك ~~لنطالبه بحرياتنا، وخيل إلي أن هذه السنوات التي فارقت فيها صاحبي قد نزعتني من عالم ~~إلى عالم ومن حياة إلى حياة، وحددت لي الأفق الذي أجول فيه وجعلتني أنحصر في طي نفسي وأنساق ~~مع ظروفي كما تدفعني، واعتراني ارتباك شديد عندما دارت هذه الأفكار في رأسي ولم أدر كيف ~~أفتح الحديث الذي جئت من أجله، ونظر صاحبي نحوي في عطف وقال وهو يستند ms060 إلى ظهر الأريكة التي ~~كنا جالسين عليها: لقد مرت بنا السنوات يا سيد وكأنها لحظات، فكيف أحوالك وكيف تنظر إلى ~~الحياة؟ # فارتحت إلى قوله؛ لأنه خلصني من ارتباكي وقلت: هي سنوات كثيرة حقا، وهذه آثارها تظهر ~~على شعرك. # وكان الشيب يغبر فوديه ووسط ناصيته. # فقال باسما: ولكنك ما تزال محتفظا بشعرك الأسود. # فقلت مبادرا: هذا لأن السنوات مرت بي كأنها قطار سريع وأنا واقف إلى جانب أنظر إليها ~~من بعيد. # فقال هادئا: يذكرني قولك هذا بالصور التي كنت ترسمها في موضوعات إنشائك. لم لا تكثر ~~من الكتابة فقد قرأت لك شعرا في الثقافة ومقالات في النبراس. # فأجبته في فتور: لست أدري. عشت هذه السنين لا أفكر في شيء سوى أن أطفو على سطح التيار ~~وأتجه معه حيث يريد أن يحملني. لم أفكر في شيء ولم أرغب في شيء وأكاد أكون ذاهلا عن نفسي. ~~قضيت هذه السنوات السبع وأنا غير شاعر بأن لي شيئا أعيش من أجله، والآن فقط وأنا آت ~~إليك بدأت أشعر بأني كنت أحيا ذاهلا. كنت آتيا إليك من الطريق الذي يمر بالمقابر فعرجت ~~على قبر أبي لأزوره. أتصدق أني لم أذهب لزيارته مرة كل هذه السنوات؟ كنت مثل قشة تطفو ~~على الماء ويدفعها التيار هنا أو هناك وهي لا تريد لنفسها شيئا، ولكني عندما وقفت عند قبر ~~أبي خيل إلي أن روحه تستقبلني وتحدثني، وتقول لي: «إن الحياة تناديك يا ولدي.» ~~ولأول مرة بدأت أفكر وأنا في طريقي إليك وأسأل نفسي ما ذلك الذي تناديني الحياة من ~~أجله؟ # وكان صاحبي يستمع إلي في اهتمام وعطف وقال: سل نفسك يا صديقي عن الغاية التي تريدها أنت ~~من الحياة هذه هي الحياة التي تناديك. # وشعرت بالرهبة تغمرني وأنا أحاول أن أجد له جوابا، ولكنه استمر قائلا: أظنك مغاليا ~~يا سيد عندما تقول إن الزمن قد مر بك كالقطار وأنت واقف إلى جانب، وما الزمن؟ إنه ~~خرافة. # فقلت مسرورا: هذا ما كنت أقوله لنفسي. # إنه من صنع عقولنا نحن أليس ms061 كذلك ؟ # فقال موافقا: لا شك في هذا، ولكنه مع هذا يمثل حقيقة يا صديقي. هو يمثل الحركة التي فينا ~~والحركة التي حولنا. الحركة هي الحقيقة الوحيدة التي تعنينا، ولا عبرة بما نسميه الزمن إلا ~~بمقدار ما يكون فيه من الحركة. السكون والجمود لا يكون إلا للأموات. بل إن الأموات نفسها ~~تتحرك والجمادات تتحرك لأنها تتغير وتتحول من حالة إلى أخرى. لم تكن أنت ساكنا ~~ولا جامدا في هذا السنوات ولا يمكن أن تكون جامدا؛ لأنك كنت تنمو وتجرب، سواء فطنت إلى ~~ذلك أو لم تفطن. قد نشعر بالقلق لأننا لم نحقق لأنفسنا غاية كنا نحب أن نتحقق، ~~ولكن هذا معناه أننا نحس في أعماقنا بوجود غاية مبهمة، وما شعورنا بالقلق إلا من أجل ~~هذه الغاية المبهمة، وهذا الحديث الذي خيل إليك أنك سمعته وأنت واقف إلى جوار قبر أبيك ~~ما هو إلا حديث هذه الغاية المبهمة التي تحسها ولم تقدر بعد على تحديدها. # فقلت في تردد: أقول لك يا صديقي في صراحة أني خائب حائر لم أستطع ولا أظنني أستطيع أن ~~أعرف أين أتجه. # فقال وهو ينحني إلى الأمام ويتكئ بذراعيه على ركبتيه في اهتمام: ألا يمكن أن يكون ~~هذا من صنعك أنت؟ دعني أحدثك في صراحة، يخيل إلي أنك آسف؛ لأنك لم تستمر في الدراسة؛ ~~ولهذا تقول إن السنوات مرت بك كالقطار السريع من بعيد، ولكنا لا يمكن أن نكون نسخا ~~مكررة من صورة واحدة. لكل منا صورة ممكنة يستطيع أن يحققها قد تكون مخالفة للصور ~~الأخرى، وهذا لا يمنع من أن تكون مساوية لها أو خيرا منها. أنت تاجر وأنا معلم وغيرنا ~~طبيب أو عامل أو فلاح، وكل منا يستطيع أن يكون مثل الآخرين أو خيرا منهم إذا حقق صورته ~~كاملة. # وتنبهت إلى قوله كما يتنبه الحالم إلى صوت يوقظه، كان التأثر باديا عليه وصوته ~~يتهدج وعيناه تلمعان، فذكرني بأيام التلمذة عندما كان يتدفق في حماسته للفكرة التي ~~يقتنع بها، وبدأت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وأنا أعبث بأصابعي ms062 كما كنت أفعل دائما إذا كنت ~~مرتبكا أو سابحا في أفكار حائرة. # ولم أجرؤ بالطبع على أن أحدثه عن الامتحان الذي جئت إليه من أجله. # فاستأذنت بعد قليل وقمت لأنصرف. # فقال لي باسما: متى أراك يا سيد؟ أشكرك على هذه الزيارة وأرجو ألا تكون الأخيرة. # فقلت ضاحكا: ستراني أكثر مما تحب يا عبد الحميد. # فضغط على يدي قائلا: مرحبا بك دائما، وحاول إذا استطعت أن تكثر من زياراتك حتى أضيق ~~بها. # | الفصل السادس # انصرفت من عند عبد الحميد وذهني متقد بأفكار شتى، وكأن رأسي يدور وقلبي يشبه ~~عصفورا في أسر طفل غرير يقذف به في عنف ويجذبه في قسوة. # كنت أسأل نفسي مئات الأسئلة التي لا أجد لها جوابا شافيا، وأخذت أسخر من الفكرة التي ~~دفعتني إليها حيرتي، فهل أعود أدراجي لأكون مرة أخرى تلميذا وأتقدم للامتحان في ~~البكالوريا؟ أهناك برهان أقوى من هذا على أني وقفت حقا عن النمو كل هذه السنين كأني فلاح ~~مسكين في حقله والقطار السريع يمر به من بعيد؟ # وأخذت أعيد على نفسي ما قلته وما قاله عبد الحميد. ليس الزمن سوى خرافة من صنع عقولنا نحن ~~والحركة هي الحقيقة الوحيدة. كل شيء يتحرك حتى الحجارة، وأما أنا فإني لم أتغير وإن كان ~~عبد الحميد يقول لي إني لا بد تغيرت. # ووصلت إلى منزلي وأنا أقلب هذه الأحاديث في نفسي، ودخلت إلى غرفتي واستلقيت على الكرسي ~~الأسيوطي القديم الذي اشتريته منذ شهر من أحد تجار الأثاث المستعمل، وجعلت أدير بصري في ~~الغرفة، وأحسست أنها تضيق بي وأن جدرانها تقترب من كل جهة لتنطبق علي وتحطمني، ~~وقمت لأسير فيها حتى أتحقق من أن الجدران ثابتة في مكانها وكانت الغرفة لا تزيد على ~~ثلاثة أمتار في أربعة، فما أكاد أخطو بها خطوتين حتى أرتد إلى الناحية الأخرى كأني وحش ~~في حظيرة، فعدت إلى الكرسي واستندت برأسي إلى ظهره وجعلت أسبح في أفكار هائمة. كل شيء ~~يتحرك حتى الجمادات وأما أنا فإني ما أزال كما كنت منذ سبع ms063 سنوات ، ولا أدري ماذا تغير ~~مني. ماذا يدل على هذا النمو الذي كان عبد الحميد يتحدث عنه؟ # ولماذا أخجل من فكرة التقدم لامتحان البكالوريا؟ اليوم الجمعة وغدا السبت وآخر موعد ~~للقيد في الامتحان يوم الأحد، فإما الآن وإما لا، وقمت خارجا من غرفتي عازما على أن أعود ~~إلى صاحبي لأفاتحه فيما قصدته من أجله منذ قليل، ولما بلغت ضريح أبو طاقية وقفت لأقرأ ~~الفاتحة وانشرح صدري وأسرعت في سيري حتى وصلت إلى بيت صديقي، ولما لقيته تبسمت ~~قائلا: أما قلت لك إنك ستراني أكثر مما تحب؟ # فجذبني من يدي قائلا: الحديث بيننا لم ينته بعد. # فقلت مبادرا: لم أعد إليك لأتمم هذا الحديث، ولا أريد أن أضيع وقتك، أو بقول آخر: لا ~~أريد أن أضيع وقتي، فالحقيقة أني كنت آتيا إليك أول مرة لأقول لك شيئا سخيفا ثم خجلت ~~أن أقوله. أليس من المضحك أن أفكر في التقدم إلى البكالوريا بعد هذه المدة الطويلة؟ # وسكت لأرى أمارات الدهشة على وجه صاحبي، ولكن وجهه كان أصفى من صفحة غدير رائق. # وقال باسما: أظنها فكرة حسنة. # وكنا قد بلغنا غرفة الانتظار، وجلس إلى جنبي قائلا: أعتقد أنك لن تجد صعوبة في ~~النجاح. # فوثب قلبي إلى حلقي من السرور وقلت: أتظن هذا؟ # فقال: أعرف أنك كنت دائما تحب القراءة، ولا شك في أنك كنت تقرأ وتكتب. # وشعرت من نظرته ومن نبرات صوته أنه لا يجامل ولا يقصد أن يشجعني، فقلت: سأقدم على ~~المغامرة وآخذ نصيبي. إذن فأنت ترى أنها فكرة لا تبلغ من السخافة ما كنت أظن. # فقال مبادرا: هي إن شئت مغامرة ولكنها ليست مقامرة على كل حال. هناك ألوف من الشبان ~~يجعلون من الامتحان نوعا من المقامرة؛ لأنهم مفلسون يريدون أن يحصلوا على ثروة بغير ~~مقابل، ولكنك لا تقامر يا صديقي لأنك تطلب شيئا تعرف قيمته وتريد أن تحصل عليه بثمنه. ~~لم تكن واقفا كما زعمت إلى جانب الطريق والقطار السريع يمر بك. لا أحب أن أجاملك بمثل ~~هذه الأقوال ولست ms064 أقصد أن أجاملك ولكني أظن أنك أحسنت. # فملأني قوله ثقة وقمت مستأذنا وقلت: سأمر عليك في الصباح. # فقال: سأكون هناك منذ الساعة الثامنة، وإن كنت لا أبدأ عملي قبل العاشرة، وأحب أن ~~أذكرك بأني معلم. # فتبسمت قائلا: وأحب أن أقول لك أيضا إني أصبحت تلميذا من جديد، وأرجو أن أكون ~~تلميذا مجتهدا. # ومددت يدي إليه، وضغطت على يده بغير أن أشكره بلساني، وبدأت من ليلتي أعد العدة ~~للمذاكرة، ولا أذكر أني كنت في وقت من أوقات تلمذتي في مثل هذه الحماسة للتعلم. حقا إننا ~~لا نعرف للتعليم قيمة إلا إذا شعرنا حقا بأن لنا غاية نريد أن نحققها من ورائه. # وكانت الأشهر الثلاثة الباقية على الامتحان أكثر أوقات حياتي ازدحاما بالعمل والكد. كنت ~~مثل شخص غرقت به السفينة في ليلة مظلمة من ليالي الشتاء العاصفة، فهو لا يلتفت إلى رهبة ~~الظلام ولا إلى برد الماء ولا إلى شدة العاصفة، بل يحصر كل همه في الأنوار البعيدة ~~التي تخفق على الشاطئ، ويجاهد بكل قطرة في حياته ليصل إلى البر سالما. لم أكد أختطف في ~~كل ليلة إلا ساعات من النوم، ولم أكد أذوق من الطعام إلا ما يمسك الرمق. كنت أتحرك وأعمل ~~في شيء من الذهول عن كل شيء سوى ما أدرسه، ولا أكاد أحس بشيء مما حولي ولا بأحد ممن حولي، ~~ولما جاء الامتحان آخر الأمر ذهبت إلى مقر اللجنة، ودخلت إلى الخيمة المعدة لجلوس التلاميذ ~~وجلست على المقعد الذي عليه رقم جلوسي وأنا في حال تشبه حالة الحالم. لم ألتفت إلى وجه من ~~الوجوه التي حولي، ولا إلى صوت من الأصوات التي كانت ترن في أذني، بل كنت لا أكاد أفطن إلى ~~أوراق الأسئلة التي كانت توضع أمامي، كأن عينا أخرى هي التي كانت تبصر لي، وكأن إرادة أخرى ~~هي التي كانت تحركني، وكأن ذهنا آخر هو الذي كان يفكر لي، ولست أبالغ إذا قلت إني في هذه ~~الساعة التي أكتب فيها هذه الأسطر لا أكاد أذكر شيئا مما ms065 رأيت ولا مما سمعت في تلك ~~الأيام التي لم يبق منها في ذاكرتي سوى صور حائلة تقرب من صور الأحلام البعيدة. # وكان صاحبي عبد الحميد يسألني في كل يوم عن إجابتي فأحاول أن أعيدها عليه فلا يتهيأ لي ~~تذكر شيء منها، حتى خيل إليه أني أتعمد إخفاءها خوفا من إطلاعه على أخطائي، ولما مضت ~~أيام الامتحان اعترتني حالة شديدة من الهم والغم والسخط على نفسي، وندمت على الحماقة التي ~~دفعتني إليها فكرة سخيفة، ومر علي شهر كامل في هذا القلق ضائقا بنفسي وبمن حولي فكنت ~~أخرج إلى الفضاء لأنفس عن كربي فلا أعود إلى بيتي إلا بعد أن يجهدني التعب حتى أسرع إلى ~~النوم. # وكنت في يوم من تلك الأيام عائدا من رحلة طويلة في الريف حول المدينة، وعرجت على قهوة ~~لأستريح قليلا قبل الذهاب إلى بيتي، فأقبل صبي من باعة الصحف يصيح: «نمر التلامذة!» ~~فاشتريت منه صحيفة وأنا متلهف، وأخذت أجيل بصري في الأرقام ولكن عيني سبحت في الأعمدة ~~المرصوصة، ولم أتذكر رقم جلوسي، ورأيت أرقام المتقدمين من المنازل في دمنهور فلم أجد إلا ~~رقما واحدا وهو 2855. أكان هذا رقمي؟ أكان في رقمي عدد مكرر؟ # وكان قلبي يخفق كالمجنون الثائر مع أني طالما ~~وطنته على أني راسب، وأخذت أسأل نفسي أين ذهب رقم جلوسي. ألا يكون في جيبي؟ ووضعت يدي في ~~جيوبي واحدا بعد واحد، ولكني لم أجد الورقة في جيب منها، وأخرجت محفظتي لعل الورقة تكون ~~فيها. ها هي ذي! إنها هي بعينها وفيها العدد المكرر، وخفق قلبي أكثر جنونا وخيل إلي ~~أن أقوم فأقول لمن في القهوة جميعا إني نجحت، وخيل إلي أن الناس جميعا ينظرون نحوي ~~ويعرفون أني أريد أن أصيح بهم معلنا إليهم نجاحي، وقمت واقفا ولولا خوفي من الأنظار ~~لجريت بأسرع ما أستطيع من السرعة حتى أصل إلى أمي وأختي لأخبرهما بالنبأ السعيد، ثم إلى ~~بيت صاحبي عبد الحميد عباد لأحمل إليه بشرى نجاحي، وسرت مسرعا والجرائد الثلاث ترف في ~~يدي، لم أجد وقتا ms066 لأطويها في رزمة منتظمة، ولو أطلقت لنفسي العنان لأخذت أضحك وأضحك كما ~~يفعل الغريق بعد أن يصل إلى البر سالما، ولكني إن كنت لم أضحك فإن قلبي كان يفعل نيابة ~~عني كأنه أصيب بنوبة هستيرية، ومررت على منزل صاحبي في طريقي، وأظن أني قطعت المسافة بين ~~القهوة وبين بيته في أقل من خمس دقائق مع أنه كان في العادة يبعد بما لا يقل عن عشر، ~~وطرقت الباب فنزلت إلي الخادمة تقول لي إنه لم يكن هناك، فقلت لها: «قولي له إذا عاد أني ~~نجحت.» ثم أسرعت منصرفا ولم أقل لها من أنا. # واتجهت إلى منزلي لأحمل النبأ إلى أمي وأختي، ~~وتذكرت عند ذلك فقط أن أختي منيرة هي الأخرى تنتظر النتيجة، فوقفت في مكاني ورفعت الجريدة ~~أمام بصري تحت مصباح الشارع لأبحث عن رقم أختي، وكان شعوري بالخجل من نفسي عظيما؛ لأني لم ~~أهتم بتذكر رقم جلوسها، وزاغ بصري مرة أخرى في الأرقام - لجنة دمنهور، مدرسة البنات - ~~ولكنها كانت أرقاما كثيرة، فطويت الصحيفة وسرت فاترا حتى وصلت إلى بيتي ولم أدر ماذا ~~أفعل، ولمحت منيرة الجريدة في يدي ورأيت الأرقام، فوثبت إلي وخطفتها وأخذت تفحص الأعمدة ~~المرصوصة وأنا أنتظر في لهفة، ثم رأيتها تلقي الجريدة من يدها وتذهب صامتة ووجهها ينم عن ~~حزنها، فانقلب ما كنت أحسه من الفرح المفرط إلى وجوم مفرط، ورثاء ومواساة، وذهبت وراءها ~~إلى الغرفة لأسري عنها، وجاءت أمي بعد قليل فشاركتني في محاولتي حتى عادت منيرة إلى ~~هدوئنا وضاعت علي الفرصة في مفاجأة مسرحية كنت أطمع فيها لو كنت أعلنت نجاحي لأمي وأختي ~~بغير أن تكون عندهما فكرة عن تقدمي للامتحان. # ولما مرت هذه الهزة التي اعترضتني أخذت أفكر في المستقبل ووجدته كما كان ولم يفدني ~~النجاح شيئا في إزالة الغيوم التي كانت تلفه من كل جانب، فهل أستطيع أن ألتحق بالجامعة؟ ~~وكيف أحصل على رزقي ورزق أهلي؟ وما فائدة النجاح إذا لم ألتحق بالجامعة؟ فهل أقنع بهذه ~~الشهادة على أنها حلية تزين صدري عند ms067 ذهابي إلى الأسواق مع حمادة لنشتري القطن من ~~الفلاحين المساكين؟ ومهما يكن من الأمر فإني قضيت ما بقي من شهور الصيف في القراءة ~~والكتابة، وأقبل شهر أكتوبر فذكرني بالأسواق وحمادة الأصفر، وما تكلفنا به ظروف الحياة ~~من تحمل ما نكره في سبيل العيش. لم أشعر بأن التجارة طريقي في الحياة، ولولا حاجتي إلى ~~الرزق لما رضيت أن أعود إلى الأسواق أبدا، وهل كنت أنا الذي أشتغل بالتجارة حقا؟ لم يكن ~~لي منها سوى أن أذهب مع حمادة وأحمل النقود في جيبي لأدفع أثمان الأقطان منها. كنت في مبدأ ~~لأمر أحسب أنها مغامرة مثيرة فوجدت أنها بالنسبة إلي لا تزيد على سخرة من أجل ~~القوت. # وفي صباح يوم من الأيام نزلت من منزلي لا أدري أين أذهب، فاتجهت نحو شاطئ الترعة لأملأ ~~صدري من هواء الخريف. # وسمعت في الطريق صوتا يناديني من ورائي وكان صوتا أعرفه، وتبسمت بالرغم من ضيقي عندما ~~رأيت أمامي محمد الشرنوبي زميلي القديم الذي كنا نسميه «الفلاح» فيما بيننا. # وقال لي بابتسامته العريضة: أين أنت يا شيخ؟ # فقلت: وأين أنت يا أيها الفلاح. # فقال: في الغيط طبعا، كما أنك في السوق. # فقلت باسما: ومن قال لك؟ # فقال: وهل يجهل أحد «تجارة الأمانة»؟ تعال بالله معي ونجني من هؤلاء التجار الذين ~~يريدون سرقتي. # وقلت مبادرا: تحت أمرك يا حاج شرنوبي. # وقلت في نفسي: «هذا شيء آخر. لا بأس أن أذهب مع صاحبي هذا لأشتري ما عنده، فهذا خير من ~~الجلوس على جوانب الطرق، ولكن ما أدراني لعل القطن الذي عنده رديء، وهو يبحث عن تاجر ساذج ~~ليبيعه له.» # وأخذني صاحبي من ذراعي متجها بي نحو المحطة، وأخذت أحدث نفسي صامتا. إنها حماقة لا مثيل ~~لها، وماذا أعرف عن تجارة الأقطان، وما أدراني كم قنطارا عنده؟ # وقلت له في هدوء: أرجوك أن تأذن لي أن أذهب إلى بيتي أولا. الساعة الآن العاشرة وأظن ~~القطار لا يأتي إلا في الساعة الثانية عشرة. ألست دائما في إيتاي البارود؟ # فقال: لم تنس ms068 بعد يا سيد أفندي؟ سأنتظرك هنا، وكنا أمام قهوة مظهر، فواعدته أن أعود إليه ~~قبل مضي ساعة، وأسرعت منطلقا إلى شارع «أبو الريش» لعلي أعثر على حمادة الأصفر، وكنت ~~لم أصادفه في هذه الأشهر الأخيرة، وبعد دورة طويلة عثرت عليه في خمارة بزقاق مظلم دلني ~~عليها صبي القهوة التي تعودنا أن نجلس فيها، وجررته معي في شيء من القسر، وذهبت به إلى ~~البيت لآخذ ما هناك من النقود، ثم ذهبنا إلى القهوة لنلقى محمد الشرنوبي. # وكنت في أثناء السفر إلى إيتاي البارود أحدث نفسي في حيرة عما أنا مقدم عليه، وامتلأت ~~رهبة، ولما وصلنا إلى عزبة الشرنوبي اجتمع علينا الفلاحون وشاركوا زميلي القديم في خدمتنا ~~والترحيب بنا حتى نسيت قلقي وداخلني شعور بارتياح ممزوج بالزهو، وذهبنا إلى مخزن القطن ~~وكان فيه خمسون قنطارا كاملة. # وهمس لي حمادة: قطن عال ولكنه وسخ قليلا. خمسون قنطارا يا سيد أفندي! # فقلت هامسا: كم يساوي؟ # فقال: لا أقل من اثني عشر جنيها. لقطة! # ففكرت في نفسي. ماذا أصنع؟ وهل يصدق ظن حمادة الأصفر؟ ألا يكون مغاليا في الثمن؟ ألا ~~ينزل سعره في مدة يوم أو يومين قبل أن نحمله لبيعه في دمنهور؟ # ولكني ملكت نفسي ولم أظهر ترددا. # ولما أتى الليل أعد لنا صاحبي فراشا في حجرة عليا فوق المخزن، وذبح لنا جديا سمينا ~~وقضينا في الدوار مدة طويلة في سمر قبل أن نذهب إلى غرفة النوم، ولكنا لم نذق للنوم طعما ~~واضطررنا أنا وحمادة إلى قضاء ما بقي من الليلة في الحديث؛ لأن لسعات البعوض والبراغيث لم ~~تدع لنا فرصة للرقاد، وكان مما زادنا اضطرارا إلى الأحاديث أن المطر بدأ يهطل بعد نصف ~~الليل، فكان لا بد لنا أن نجلس في الركن الذي لا يتسرب الماء إليه، ونستند بظهرينا إلى ~~الجدار، وكان حديث حمادة مسليا برغم التعب ومضايقة اللسعات، وكان كل الحديث عن أهل ~~المدينة، ولست أدري كيف عرف حمادة كل هذه الأسرار التي أخذ يحكيها مع أني لا أعرف منها ~~شيئا وأنا ms069 أعيش معه في المدينة نفسها، وكان ينتقل من حديث إلى آخر ذاكرا من عيوب عظماء ~~المدينة ما لا يكاد يصدق، وقد أخذت ذلك كله على أنه قصص من نسيج الخيال أو من رغبة التشنيع، ~~وهي طبيعة تلجأ إليها النفوس المحطمة، وهل كنت لأصدق أن السيد أحمد جلال يقترن سرا ~~بامرأة ساقطة، أو أن محمد باشا خلف يعيش من ثروة امرأته التي تضربه بحذائها؟ # ومهما يكن من الأمر فقد مرت الليلة وبادرنا منذ الصباح الباكر لنستعد للعمل، ولم أتردد ~~في الشراء كما نصحني حمادة ودفعت لصاحبي كل ما كان معي وهو المائتا جنيه، وقلت له في بساطة ~~إني أدفع له ما بقي من الثمن إذا استلمت البضاعة في دمنهور. # ولما خرجنا من المزرعة متجهين إلى المحطة همس حمادة في أذني: مائة جنيهه يا عم! # فقلت: ماذا تقصد؟ # فأجاب: هذا القطن لا يساوي أقل من اثني عشر جنيها، وقد رضي هذا المغفل بأن يبيعه ~~بعشرة. مائة جنيه يا عم، يدك! # وسحب يدي فقبض عليها قائلا: مبروك، والله زمان يا بو زهير! # ولم أحب أن أتورط في الآمال السابقة لأوانها، فلم أقل شيئا وأخذ حمادة يحدثني عن آخر ~~أخبار السياسة التي كنت لا أعبأ بها كثيرا، فالانتخابات على وشك الابتداء والسيد أحمد جلال ~~يستعد لمواجهة خصمه محمد باشا خلف، وستكون معركة طاحنة؛ لأن رئيس الوزارة المنتظر قريب ~~محمد باشا، وجمعية شباب دمنهور تستعد للاجتماع مرة أخرى لأول مرة منذ الانتخابات ~~الماضية، وستكون أسعار المظاهرات وأثمان الأصوات أعلى من الأسعار السابقة. # ولما وصلنا إلى دمنهور لم أدر إلى أين أذهب بهذه الصفة الكبيرة. كنت أبيع ما أشتري من ~~الأقطان في كل مرة، وهي لا تزيد على عشرة قناطير أو خمسة عشر قنطارا، ولكن خمسين قنطارا ~~تحتاج إلى العناية، فجنيه واحد أخسره في القنطار يؤدي إلى ضياع ربع ما جمعته في خبطة ~~واحدة، وكان الأفضل في نظري أن أسرع إلى التخلص من هذا الحمل الثقيل قبل أن أقع في ورطة؛ ~~فالأسعار لا تثبت على حال، ms070 واليوم أقرب إلى الاطمئنان من الغد، واتجه ذهني أول شيء إلى ~~السيد أحمد جلال فقصدت إليه من توي بغير أن أتردد. # ودخلت عليه في مكتبه وكان لقاؤه سمحا كما عودني دائما كأن لم يحدث بيننا شيء يعكر ~~الصفاء، وقال لي وهو يشير إلي بالجلوس: أين أنت يا سيد أفندي؟ ما هذه الغيبة؟ # فأجبت في هدوء أصحاب الأعمال: تحت الأنظار يا سيدي! # فقال مبتسما: كنت أظن أنك لا تتركنا هكذا. # فأجبت في زهو: أشكرك، ولكنها المشاغل. # وبدأنا نتحدث قليلا ونتساءل عن الأحوال كما جرت العادة، وتعمدت أن أسأله عن صحة الأسرة ~~والآنسة الكريمة، وقلت له مجاملا في آخر حديثي: أنا مدين لك بكل ما وصلت إليه. # ونظرت إلى وجهه فاحصا لأرى أثر كلمتي. # ولا شك أن كلمتي استرعت سمعه، فإنه رفع حاجبيه لمدة لحظة قصيرة، ثم أسرع إلى تملك نفسه ~~وعاد وجهه هادئا باسما. # فمضيت أقول متعمدا: جعلتك مثالا لي وعزمت على أن أبدأ حياة جديدة كما بدأت أنت، ~~كان عندي عشرون جنيها وعزمت على الإتجار بها، وقد جئت إليك اليوم بخمسين قنطارا من القطن ~~الجيد. # وقدمت إليه العينة التي كانت معي. # فأخذها السيد وجعل يقلبها بأصابعه ويفحص تيلتها، وكانت ملامح وجهه تدل على الاهتمام ~~الشديد. # وقال في نغمة تشجيع: حسن جدا، قطن طيب، ولكن فيه بعض الوسخ، بكم اشتريته؟ # فتبسمت في سري ولم أجب بل سألته: كم يساوي؟ # فضحك عند ذلك بغير تحفظ قائلا: لقد أصبحت تاجرا ماهرا. حسن جدا يا سيد أفندي. هكذا ~~يكون التاجر الحكيم الذي لا يكشف لأحد عن أوراقه؛ ولهذا سأعاملك معاملة الند للند، تاجر مع ~~تاجر بغير تعطف ولا مجاملة. # فقلت في لهجة الند: لا أطلب غير هذا. # ولمعت عيناه لمعة لم أعرف معناها عندما قال: هذا القطن يساوي خمسة عشر جنيها ~~للقنطار. # وفي لمح البصر حسبت مقدار ربحي، مائتين وخمسين جنيها، وهزتني موجة من السرور. # وتبسم السيد أحمد بسمة في لون من الدهاء قائلا: هذه أسعار اليوم إلى هذه الساعة كما ~~أعرف، ومن يدري؟ ms071 لست أعرف إذا كان هذا السعر يزيد أو ينقص بعد ساعة واحدة، ولك الخيار طبعا ~~في أن تبيع الآن أو في الغد. # فقلت متكلفا الهدوء: لا مانع من البيع الآن. # فقال في بساطة: اشتريت يا سيد أفندي، والقطن كله من نفس العينة. هذا مؤكد طبعا! # فقلت: هذا مؤكد. # وواعدته أن أحضر إليه غدا في الصباح بالبضاعة، وكنت متفقا مع الشرنوبي على أن يصل ~~القطن إلى دمنهور قبل طلوع الشمس، وخرجت من المكتب بعد أن صافحت السيد أحمد جلال رافعا ~~رأسي، واتجهت إلى القهوة التي واعدت حمادة أن ألقاه فيها، وأنا أكاد أطير من الفرح، ولكني ~~لم أجد حمادة هناك، فشربت فنجانا من القهوة، وجعلت أحدث نفسي مستعيدا كلمات السيد أحمد ~~جلال وحركاته وملامح وجهه، ماذا قصد بقوله معاملة الند للند؟ وماذا كان يظن من قبل؟ ولماذا ~~قبل أن يشتري القطن في هذه الليلة إذا كان يخشى أن يهبط السعر بعد ساعة؟ وتذكرت قول مصطفى ~~عجوة عنه إنه مثل بئر عميقة لا يعرف أحد قرارها، وبدأت أشعر بشيء من القلق، وانتظرت ساعة ~~طويلة ولكن حمادة لم يحضر، وكنت متعبا بعد جهد اليوم وبعد سهر الليلة الماضية فقمت ذاهبا ~~إلى بيتي ولم ألبث أن نمت نوما عميقا. # وبكرت في الصباح خارجا إلى ميدان المحطة كما واعدت الشرنوبي، وكانت السيارات هناك محملة، ~~وذهبنا إلى المحلج ولكن السيد لم يكن هناك بعد، فجلسنا ننتظر في المكتب، وكان به بعض مجلات ~~وصحف أخذنا نتصفحها بغير اهتمام، وكانت عناوينها الكبيرة كالعادة تغني عن قراءة ما تحتها، ~~ثم وجدت قصة في جريدة «بريد الأحرار» وعجبت كيف يجرؤ أصحاب الصحف على نشر مثل هذا السخف، ~~وكيف يرضى الناس أن يقرءوه. كانت قصة فتى مدله بغانية متزوجة تعبث به كما تعبث بزوجها. ~~مرحى! ورميت بالجريدة حانقا، ولكني عدت فأخذتها وأخذت أعيد قراءتها متأملا أسلوبها، كان ~~حقا أسلوبا بارعا خفيفا سهلا يحمل على القراءة بما فيه من إغراء، ولو تأتى هذا ~~الأسلوب البارع لرأس ملأى وقلب كبير ونظرة عميقة في ms072 شئون الحياة لكان أدب هذا الشباب الناشئ ~~جديرا بكل إعجاب. إنه أسلوب تخلص من التكلف والغموض والحذلقة التي كانت تجعل من الأدب ~~لغزا يحتاج إلى الحل قبل أن يفهم، ولكن أدباء الشباب لا يريدون أن يرتفعوا بالحياة؛ لأنها ~~تغرقهم وتجرفهم معها، والأديب لا ينبغي له أن يغرق في الحياة ولا أن ينجرف معها، هو يعيش ~~فيها ولكنه يسبح فيها ويعرف اتجاهه، هكذا كنت أفكر عندما دخل السيد أحمد جلال وقطع علي ~~التفكير بتحيته السمحة. # وعندما سلم علي الشرنوبي تبسم قائلا: هذا صاحب القطن؟ # وخيل إلي أن بسمته تحمل معنى رقيقا من السخرية، ولم أفطن إلا في تلك اللحظة إلى ~~الخطأ الذي ارتكبته عندما جئت بالشرنوبي معي. أليس معنى هذا أنه لم يقبض مني ثمن قطنه ~~بعد؟ أليس معنى هذا أنني لم أكن بعد تاجرا يشتري الخمسين قنطارا ويدفع ثمنها مقدما؟ ~~واعتراني شيء من الارتباك والخجل ولكني جاهدت أن أكون طبيعيا. # وأتم السيد أحمد جلال ضربته بأن فتح الخزانة وأخرج منها ست ورقات من ذوات المائة جنيه ~~ودسها في يدي هامسا: تحت الحساب يا سيد أفندي. # وأحسست الحرارة في أذني ووجهي، واستأذنت خارجا مع صاحبي وقلت للسيد أحمد: إني عائد بعد ~~ساعة. # وعدت إلى المحلج بعد أن شيعت صاحبي إلى المحطة، فوجدت السيد أحمد مشغولا مع عملائه، فلم ~~يلتفت إلي إلا بنظرة باسمة قصيرة، وجلست في ركن من الحجرة حتى يفرغ، وانصرفت بذهني أتأمل ~~طريقته في المعاملة والحديث، كأني أقرأ درسا جديدا، وعدت أسأل نفسي أي فرق بين هذا الرجل ~~وبين حمادة؟ ما الفرق بين الذهب والنحاس وكلاهما معدن؟ وجاء دوري بعد حين فمد السيد يده ~~نحوي بوثيقة بين إصبعيه السبابة والوسطى قائلا: كم الباقي؟ # وقرأت الورقة وكان وزن القطن مكتوبا عليه: ثمانية وأربعون قنطارا ونصف. # فصحت صيحة مكتومة: هي خمسون قنطارا. # فقال هادئا: هذا هو الوزن الرسمي. # ولولا أني دفعت إلى الشرنوبي بقية ثمن قطنه لما ترددت في استرجاع القطن؛ لأني كنت ~~واثقا أن وزنه لا يقل عن خمسين قنطارا ms073 وافية . # وقال السيد أحمد وهو يفتح الخزانة: يبقى لك مائة وسبعة وعشرون جنيها ونصف. أليس ~~كذلك؟ # فلم أجبه ولكن ذلك لم يمنعه من عد النقود ووضعها أمامي. # وأخذت النقود صامتا وحييته تحية هادئة، وانصرفت وأنا أقول لنفسي: «كيف يحدث هذا؟» وذهبت ~~عائدا إلى القهوة لعلي ألقى حمادة حتى أعطيه نصيبه من الربح، وكنت من قبل عازما على أن ~~أعطيه عشرة في المائة من الربح، فلم أرض أن أقللها عن خمسة وعشرين جنيها. # وكان فكري مشغولا طول الوقت بنقص وزن القطن، لا من أجل الجنيهات التي فقدتها، بل من أجل ~~المعنى الذي وراء ذلك النقص. كنت واثقا من أن وزن القطن خمسون قنطارا، وقد وزنته بنفسي ~~وهذه صناعتي. ألا يكون مصطفى عجوة هو الذي وزنها؟ أيمكن أن يكون السيد أحمد عالما بأن ~~موازينه ظالمة؟ وتذكرت الحديث القديم الذي كان بيني وبين مصطفى وكان حنقي شديدا، ولكني مع ~~هذا أرضيت نفسي عما أصبت من الربح، فإني لم أحلم في يوم من الأيام أن أربح مائتي جنيه في ~~ليلة واحدة. # واستقبلني حمادة في القهوة فاتحا ذراعيه ليضمني إلى صدره قائلا: مبروك يا سيد ~~أفندي! # وكان صوته مسموعا في آخر القهوة. # ولم يكن من العجيب أن يهنئني على الربح العظيم، فإن خمسة جنيهات في القنطار الواحد في ~~ليلة واحدة رقم قياسي في التجارة، وقلت له: مبروك عليك أيضا! # ومددت يدي إلى جيبي لأخرج النقود، وعزمت في لحظتي على أن أعطيه كل الكسور فوق ~~المائتين. # فصاح بي: هل بعت؟ # فقلت له: ودفعت باقي الثمن. # فصاح: بكم؟ # فقلت مباهيا: بخمسة عشر جنيها. # فصاح مذعورا: بكم؟ من قال لك هذا السعر؟ من هذا اللص الذي اشترى منك؟ قل لي من هو حتى ~~أخزق عينيه. # فقلت في دهشة: ولم؟ # فقال: لص! حرامي! ابن كلب! # وأخرج من جيبه جريدة الصباح، وفتحها في لهفة، وأشار بيده إلى عنوان كبير قائلا: انظر، ~~هذا هو السعر، تعال نذهب إليه وأنا أعرف كيف أقول له يا لص! # فنظرت إلى الصحيفة فهالني ما رأيت، ms074 قرأت عنوانا ضخما: «ارتفاع مفاجئ في أسعار القطن» ~~ومن تحته عنوان آخر: «عشرون جنيها للقنطار»، وتسمرت في مكاني أنظر إلى الصحيفة مبهوتا، ~~وتذكرت أن هذه الصحيفة نفسها كانت في يدي في الصباح وأنا في مكتب السيد، ولكني لم أقرأ صفحة ~~التجارة. # وقلت لنفسي: لا شك أنه يعلم هذا. # وأعدت نظري على الصحيفة فوجدت أن هذه الأسعار كانت آخر الأسعار بالأمس. # وشعرت بشيء كالدوار فجلست صامتا وتذكرت ابتسامة السيد أحمد ولمعان عينيه، وقوله أنه ~~سيعاملني معاملة الند للند. إذن كانت مبارزة بين تاجر وتاجر، أحدهما قديم خبير بألاعيب ~~التجارة يريد أن يصرع تاجرا صغيرا ليبرهن له على مقدار ضعفه. # وكان حمادة في أثناء ذلك لا ينقطع عن السب والتهديد، وقام بعد قليل فجذبني من ذراعي ~~قائلا: قم بنا نذهب إلى ذلك اللص. من هو؟ # فقلت بصوت ضعيف: السيد أحمد جلال. # وقدمت له ورقة الوزن فصاح بغير تحفظ: نهاره أسود، قم معي لترى كيف أخزق عينيه، ما لك لا ~~تتحرك؟ أتخاف أن يأكلك؟ أحقا بعته بخمسة عشر جنيها؟ وأقل من خمسين قنطارا؟ # فقلت وأنا أشعر بجفاف حلقي: لا فائدة! # فقال في مرارة وعنف: حمار، حمار والله العظيم! أتريد أن تسكت. # فقلت: وما الحيلة يا حمادة؟ انتهى الأمر وقبضت الثمن وتصرفت فيه. # فقال في نغمة يائسة: هل تريد أن تكون تاجرا؟ لم أجد في التجار أخيب منك إلا أنا. النهاية ~~يا عم. تعيش وتأخذ غيرها. هي وقعة تعلمك المشي يا ولدي. النهاية! هي بيعة بثمنها، هات يا ~~عم. # وفرك إصبعيه كعادته يطلب النقود. # فأعطيته سبعة وعشرين جنيها ونصفا، وكان ينظر إلى الأوراق التي أقدمها إليه واحدة واحدة، ~~ولمعت عيناه في جشع، وقال وهو يدس النقود في جيبه: النهاية يا عم! هيصة! # ووضع يده في فمه ولوى لسانه وصفر صفرة عالية استرعت أسماع الجالسين في القهوة، فالتفتوا ~~إلينا وانفجروا بضحكة عالية، وخرج حمادة وهو يضحك قائلا: عشت يا بو زهير. # فقمت ذاهبا إلى بيتي وكأن في رأسي رحى تدور، وكانت أمي وأختي في انتظاري ms075 للغداء ، وكانت ~~صفقة القطن حديث المائدة بما أحاط بها من ربح محقق وربح ضائع، ولكن سرور أمي كان عظيما، ~~وقالت كعادتها: «كفاية وبركة يا بني!» # | الفصل السابع # لم يقع بصري بعد ذلك اليوم على حمادة الأصفر كأنه اختفى من المدينة، ولم أعثر عليه مع ~~محاولاتي الكثيرة في البحث عنه في القهاوي والأزقة المظلمة، ولم أجرؤ على أن أذهب وحدي إلى ~~الأسواق، فإني كنت أشعر أني لن أستطيع شيئا إلا إذا كان حمادة معي؛ فهو الذي يختار المكان ~~الذي نذهب إليه، وهو الذي يفرز الأقطان ويقدر أثمانها في خبرة ومهارة لم تخطئ في مرة من ~~المرات، ولكني مع هذا لم أكن قلقا؛ لأن صفقة الشرنوبي كانت تعادل عشر صفقات متفرقة مما ~~اعتدت أن أعقدها في أسواق القرى. # وكانت القراءة تشغل جانبا كبيرا من أوقاتي، وكتبت بضع مقالات لجريدة النبراس؛ لأن ~~صاحبها زارني وطلب مني المساعدة على خدمة المدينة في أيام الانتخابات، ولكني مع هذا كنت ~~أحيانا أحس ضيقا يقرب بي من الثورة على نفسي وعلى القيود الكثيرة التي تقيدني، والسدود ~~المنيعة التي تعترض سبيلي، فماذا صنعت بهذه الشهادة التي أشقيت نفسي بالتفكير فيها؟ وماذا ~~أستطيع أن أفعل في مساعدة أختي بعد أن نجحت في الدور الثاني؟ لا أستطيع أن أساعدها على ~~الاستمرار في الدراسة، ولا تلوح لي بارقة أمل في أن أخرج من الدائرة المقدورة التي أحاطت ~~بها الأقدار حياتي. # وأما التجارة فهبني استطعت أن أجمع في كل موسم بضع مئات من الجنيهات، فماذا تجدي علي ~~هذه المئات؟ هل أجرؤ بها أن أذهب إلى السيد أحمد جلال قائلا: إني جئت إليك خاطبا؟ # وجاء إلي حمادة في منزلي بعد انقطاع شهر كامل، وكان وجهه أشد صفرة مما كان، وعيناه ~~ذابلتين، وصارت الزرقة التي حولهما إلى ما يقرب من السواد، ولم يبتسم عندما لقيني ولمحت ~~على وجهه ما ينم عن الحزن والحنق. # وقلت له: أين كنت؟ # فأجاب في صوت خافت: في داهية! # فقلت في اهتمام: ما الخبر؟ # فقال حانقا: الخبر أني حمار لا ms076 يساوي ثمن طعامه، الخبر أني وغد، أتذكر عندما قلت لي هذه ~~الكلمة ونحن صغار؟ ما أزال أذكرها إلى اليوم وأعيدها على نفسي كلما تبين لي أنني وغد حقا، ~~اصفعني إذا شئت أو ابصق في وجهي أو اطردني من هنا، فإني أستحق كل هذا، اطردني يا ~~أخي! # فضحكت قائلا: نؤجل هذا. # فقال حزينا: لست أمزح ولا أتفكه، بل إن قلبي يدمي ونفسي تتحرق، أنا حمار حقا؛ لأني ~~ظننت أنها امرأة، وظننت أني إنسان يمكن أن تحبه امرأة. # وكانت هذه أول مرة أسمعه يتحدث عن النساء. # وقلت له: ما كنت أعرف أن للمرأة شأنا معك. # فقال متحسرا: بلوى! أعترف لك بأني أغبى الخلق؛ لأني أعرف صورة وجهي وشكل جسمي ومع ذلك ~~أكاوح. كل امرأة رأيتها كانت تسخر مني ومع هذا أعود إلى غيرها، ولكن هذه اللعينة التي ~~رأيتها في السوق كانت شيطانة، جعلتني أنسى كل شيء وأعتقد أنها تحبني، أتتصور هذا؟ النهاية. ~~لم أكن في هذه المرة إلا كما كنت دائما قليل العقل قليل النظر أو بالاختصار كنت ~~حمارا. # فقلت في ضجر: ليس هذا جديدا عندي. ما لي وكل هذا؟ # فقال: النهاية، ذهبت إلى «أبو المطامير» لأشتري صفقة قطن بالنقود التي أخذتها منك، أردت ~~أن أقلدك وأجرب حظي، ولم أعلم أني مشئوم مؤبد، ألم أقل لك لا تحاول إغرائي؟ النهاية، ~~ساقني حظي الأسود إلى أعرابية تبيع عشرة أرطال من القطن، فقلت: أستفتح بها. يا للداهية ~~السوداء يا سيد أفندي، كان وجهها مثل القمر وعيناها مثل عيني الغزال وضحكتها تطير العقل، ~~أتعرف ماذا حدث؟ قل لي رأيك بالصراحة ولا تخجل من أن تقول لي: يا حمار! أكبر حمار خلقه ~~الله. # فضحكت برغمي وقلت له: لست الوحيد. # فصاح قائلا: أبدا. لا يمكن. أتصدق أن أذهب لأشتري القطن، فتجعلني الشيطانة أغير فكري ~~وأشاركها في تجارة الدجاج؟ وذهبت معها إلى القرية لنشتري الدجاج معا، ورضيت أن أقيم في عشة ~~حقيرة وأنام على الأرض؛ لأكون قريبا من شريكتي، وعادت إلي في اليوم التالي تلبس شالا من ~~الحرير ms077 وقالت : إن النقود ضاعت منها، وأخذت تبكي، والمصيبة أني صدقتها وأخذت أسري عنها، ~~واستمرت بعد ذلك تعود إلي كل يوم بقصة جديدة وبغير دجاج حتى فرغ ما في جيبي، ولما عرفت أني ~~أفلست انقطعت عني فذهبت أبحث عنها، أتعرف أين وجدتها؟ كانت اللعينة واقفة عند دكان بقال ~~القرية تضاحكه بغير خجل، ولما سألتها: ماذا تفعل هناك قالت في وقاحة: «وأنت مالك؟» وجعلت ~~تسخر مني. قل إني مجنون، قل إني وغد، قل إني أي شيء واجعلني أستريح. # ثم حرك إصبعيه يطلب النقود. # ولا أستطيع أن أصف الاشمئزاز الذي غمرني عند ذلك، فلو رأيت أمامي حشرة قذرة لكان أهون ~~علي من رؤية هذا الإنسان المحطم. # وأسرعت بإعطائه جنيها لأصرفه عني، ووقفت أنظر في أعقابه بشعور من يرى خنزيرا يخرج من ~~بركة طين. # وداخلني سخط شديد لا عليه وحده، بل على نفسي أيضا، فكيف عميت عن هذا الرجل ورضيت بأن ~~أتخذه رفيقا في سبيل الربح من التجارة؟ وكيف سمحت لنفسي أن أقرن نفسي به وأنا كبير عاقل، ~~وهو الذي نفرت من صحبته وأنا صبي جاهل. # ونزلت إلى المدينة سالكا طريقي المعتاد حتى بلغت جانب الترعة، وكان الجو دافئا يتنفس ~~بروائح الخريف. # وكانت الساعة عند ذلك الثالثة بعد الظهر، فعزمت على أن أجول بين الحقول بقية النهار، ~~وكان معي كتاب جديد من الكتب التي ظهرت بعد الحرب، وعنوانه بالإنجليزية معناه: «المدينة ~~الفاضلة»، وهو يتحدث عن المآسي التي أصابت المدنية الأوربية من فساد الأحكام واضطراب النظم، ~~وفساد القائمين على تلك الأحكام والنظم، الحال واحدة في كل مكان مع فارق واحد، وهو أن ~~الناس هناك يكتبون عن عيوبهم ليلتمسوا الدواء لها. # وكانت أشعة الشمس الخافتة ترنو كالمريضة إلى العالم الذي تتمسك بالبقاء فيه، وأوراق ~~الشجر تلمع من أثر قطرات خفيفة تتساقط من غمامة عابرة. # وبقيت هناك إلى ساعة الغروب، ثم عدت إلى المدينة، وكانت رائحة الهواء رطبة تفوح بعبق عطن ~~لا أستطيع وصفه، ولكنه يثقل على الصدر، ولما وصلت إلى شارع المديرية سمعت ضجة بعيدة في ms078 ~~ميدان المحطة، فاتجهت إلى هناك مسرعا، وكان الميدان يموج بجموع كبيرة من شبان وأطفال ~~يلوحون بأيديهم ويتواثبون في اضطراب، وعلا صوت هتاف من وسط الميدان، فذهبت إلى قريب ~~من سور المحطة لأعرف ما هناك، وضحكت ضحكة مرة عندما تبينت أنها مظاهرة سياسية، وكان ~~الهتاف يتعاقب بين حياة السيد أحمد جلال وبين سقوط محمد باشا خلف. # ورأيت عن بعد شابا محمولا على الأكتاف يهز يديه في عنف، ويصيح بأعلى صوته متأنقا في ~~ندائه يوقعه توقيعا منظما كأنه منشد محترف: يحيا السيد أحمد جلال، يحيا حاتم دمنهور! ~~يحيا المخلص الأمين، وكان يفصل بين كل حياة وأخرى بهتاف آخر من السقوط للمنافس البائس، ~~وكدت أنصرف من الملال لولا أن سمعت صفيرا عاليا يشبه صفير حمادة الأصفر، أيكون هو ذلك ~~الشاب المحمول على الأعناق؟ ولم يخب ظني عندما شققت الصفوف واقتربت منه، فإنه كان عند ~~ذلك ملتفتا في اتجاهي، وأخذ يلقي على الجمع المحتشد حوله حداء والجمع يردد وراءه اسم ~~السيد أحمد جلال: المحسن الكريم، السيد جلال، الوطني الكبير، السيد أحمد جلال وهكذا حتى أتم ~~نحو عشرين حداء، والجموع تردد اسم السيد من ورائه. # وضحكت برغمي مع شدة حنقي؛ فإن حمادة كان حقا بارعا في تمثيل دوره، ولما فرغ من حدائه ~~رفع يده إلى فمه فصفر صفيرا عاليا انطلقت بعده ضحكة من الجمع الكبير، ولم أستطع أن أمنع ~~نفسي من المشاركة فيها، ثم نزل من فوق الأكتاف، وأخذ المتظاهرون ينصرفون في اتجاهات شتى، ~~وبقيت أنا في مكاني مستغرقا في دهشتي، واقترب مني حمادة بعد أن هدأ الزحام وناداني ~~قائلا: ماذا تصنع هنا يا سيد أفندي؟ # فقلت ضاحكا: أتفرج عليك. # فمد يده نحوي مسلما وقال: وماذا تظن يا عم؟ أنموت من الجوع أم ننتحر؟ هات نقودا ~~أصفر لك وأصفق وأهتف، أتظن أني أبله؟ خمسة جنيهات كاملة من أجل شغلة ساعة. # فقلت: فقط؟ # فقال: تجربة أولى، ولا شك أن التجربة الثانية أغلى، هل سررت من طريقتي؟ # فقلت ضاحكا: جدا، مهرج من الطبقة الأولى دائما. # فضحك حتى ms079 بدت أسنانه الصفراء وقال: أنا والله معجب بك يا سيد أفندي، أتعرف ماذا يعجبني ~~فيك؟ أعرفك من الصغر وكنت دائما هكذا، لا يعجبك أحد ولا يهمك أحد. أفلاطون! # واقترب مني يريد أن يضع ذراعه حول عنقي للدلالة على إعجابه، فشممت رائحة الخمر تفوح منه، ~~رائحة خمر رخيصة جعلتني أبعده عني كارها. # فقال: ألم أقل لك؟ النهاية يا عم. لماذا لم تذهب إلى السيد أحمد جلال؟ # فقلت: وماذا أصنع عنده؟ # فقال: أتنكر منى؟ ألم يبعت إليك مصطفى عجوة؟ والمائة جنيه يا عم سيد؟ # فقلت في حنق: أي مائة؟ # فقال: هل تظن أني طامع فيك وأريد مقاسمتك؟ # فقلت غاضبا: هذا كذب. أتقول إن السيد أحمد أرسل إلى مائة جنيه؟ ولماذا؟ # فقال: ولماذا تغضب يا أخي؟ كل منا له أجرته: أنا خمسة وأنت مائة، هذا أقل ما يلزم، ~~النهاية يا عم أنا تحت الأمر، وإذا احتجت إلى شيء فأنا في خدمتك، سكرتير، محصل، وكيل، كما ~~تشاء، أي خدمة. # فقلت في دفعة: ما هذه الألغاز يا حمادة؟ # فقال: اسمع يا عم: جيبي عامر وريقي ناشف وجوفي خال. ها. ها. ها. # وانصرف عني فجأة بغير أن أعرف معنى أقواله، ولكني لم أقف طويلا عند هرائه ~~المخمور. # وكنت لم أطعم شيئا منذ الصباح، فعرجت على مطعم يبيع الفول المدمس وأكلت بشاهية عظيمة، ثم ~~شربت فنجانا من الشاي في قهوة مجاورة له، وجلست أستعرض مناظر يومي منذ جاءني حمادة ~~الأصفر في منزلي، وعاد إلي شعور الضيق الذي كان يملأ صدري، وعاودني سؤالي القديم ~~بتردد في إلحاح: ماذا أقصد في هذه الحياة؟ وبدت لي حياة فارغة لا يملؤها شيء، بل تطفو وهي ~~جوفاء مع دفعات التيار الذي يتقاذف بها، لم أفلح عاملا ولا تاجرا كما لم أفلح طالبا، ~~واتجهت كالحائر قبل المشرق والمغرب واصطدمت في كل مرة في آخر سيرى بنهاية الطريق، فعرفت أني ~~أسير في عطفة مسدودة. # وقمت من القهوة أسير في الطريق لا أقصد إلى وجهة، فدخلت شارع المديرية ثم شارع السوق، ~~ووصلت آخر الأمر إلى ms080 شارع «أبو الريش»، وكانت الطريق المؤدية إلى محلج السيد أحمد جلال ~~تتلألأ بأنوار المصابيح القوية، وباب المحلج يبدو من بعيد مثل قصر مزخرف بباقات من الأضواء ~~الملونة، فعرجت إلى يساري ودخلت إلى السرادق الكبير الذي كان في رحبة المحلج، وكان السيد ~~أحمد جلال جالسا في الصدر، فلما وقع بصره علي ناداني في مودة: تفضل يا سيد ~~أفندي! # وقام لاستقبالي، فاتجهت الأنظار نحوي، وقام من هناك وقوفا مع السيد أحمد، فسلمت بتحية ~~عامة بعد أن صافحت السيد، واستأنف الجالسون الحديث، فقال السيد أحمد: نحن نتحدث عن هؤلاء ~~الذين يستعينون بالحكومة علينا يا سيد أفندي، مع أنهم يقولون إن الانتخابات حرة. # فصاح مصطفى عجوة: دعهم يفعلون ما يشاءون فنحن الأقوياء، الشعب يغرق أصواتهم. # ونظر إلي وكان وجهه أزرق محتقنا من التحمس، فوضعت يدي على وجهي لأداري ابتسامتي، ~~والتفت السيد نحوي قائلا: وما رأيك يا سيد أفندي؟ # فقلت: في أي شيء؟ # فقال: كنا نتكلم في إنشاء جريدة. # فبادر مصطفى قائلا: فكرة عظيمة. # ولم يكن في الفكرة ما يمنعني من أن أقول إنها عظيمة، ولكني عندما سمعت صوت مصطفى عجوة ~~شعرت برغبة شديدة في المخالفة، ولم أجب عن السؤال لأن أصواتا أخرى تسابقت إلى ~~الإجابة. # فقال الشيخ القرش: فكرة مدهشة بغير شك. # وقال الوزان الذي حل محلي واسمه الشيخ مسلم: مشروع وطني. # وقام مصطفى عجوة صائحا: يحيا السيد أحمد جلال. # فصفق الحاضرون وصاحوا يرددون الهتاف، والتفت السيد أحمد نحوي قائلا: هل توافق على ~~الفكرة؟ # فقلت في هدوء: المهم هو تحديد الغرض منها. # فقال مظهرا الارتياح: عظيم. # والتفت إلى من حوله قائلا: حسن جدا، الآن اتفقنا، أتوافقنا على اقتراح الشيخ ~~القرش؟ # ونظر إلي قائلا: ما رأيك في أن يكون اسم الجريدة «الواعظ»؟ # فقلت: يمكننا أن نجد الاسم المناسب في كل وقت. # فصاح الشيخ القرش: الاسم أولا، الاسم هو نعم العنوان. # وصاح مصطفى عجوة معززا: نعم العنوان. # فقال أحد الجلوس: الواعظ يا مولانا يصلح لجريدة دينية، المنار أحسن. # فقام الشيخ القرش واقفا وقال في غضب: الواعظ ms081 يدل على المعنى واضحا، فيه كل ~~المعاني. # فصاح شيخ آخر: نسميها المشكاة. # وضحك الحاضرون عندما قال السيد أحمد في سخرية: المشكاة؟ # وقال الشيخ: قال الله تعالى: # مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح ~~. # وتعالى صوت قائلا: لماذا لا نقول: المصباح؟ هذا أسهل. # وقالت أصوات أخرى: نعم المصباح المصباح. # فصاح الشيخ القرش في غضب: أي مصباح؟ هذه كلمة مبتذلة، إذا كان ولا بد فليكن ~~«النبراس». # وصاح مصطفى عجوة: النبراس اسم جريدة هنا، ولا يجوز أن نأخذ نحن هذا الاسم. # فقال القرش: نسميها النبراس الجديد يا أخي. # فانفجرت ضحكة عالية من الجميع كان لها أثر في تخفيف حرارة المعركة، وقلت للسيد أحمد جلال: ~~أظن أنه من الحكمة تأجيل اختيار الاسم الآن. # فقال السيد: هذا رأي حسن. # ثم قام قائلا: تعال معي يا سيد أفندي. عن إذنكم، اسمحوا لي أن أذهب مع سيد أفندي لنعد ~~المشروع، وخرج من السرادق، وسرت وراءه شاعرا بأهميتي، ولما دخلنا إلى المكتب أشار السيد ~~إلى مقعد قريب منه، فجلست وجلس هو على المكتب وبدأ قائلا: أنا ممنون جدا يا سيد أفندي من ~~هذه الزيارة، وأشكرك بنوع خاص على إجابة دعوتي. # فقلت في دهشتي: لم تصلني منك دعوة. # فرفع حاجبيه قائلا: ألم يذهب مصطفى إليك؟ # فقلت: لا. # فقال مستمرا: على كل حال هذا أملي فيك يا سيد أفندي. أنت مثل ولدي والظروف هي التي ~~تجعلنا نعرف الصديق، لا شك أنك تعرف أن هذه الأوقات عصيبة، وخصوصا لأن منافسي محمد باشا ~~قريب رئيس الوزارة. # ومع أنهم يقولون: إن الانتخابات حرة فإن المصلحة الوطنية تجعلنا نجاهد في سبيل تحقيق ~~رغبة الشعب، وأنت تعرف يا سيد أفندي أني دائما أحب لك الخير. # فشكرته على قوله وانتظرت حتى يقول ما يريد، فاستمر قائلا: نريد أن ننشئ جريدة وطنية كما ~~سمعتنا نتحدث، لتنطق بصوت الشعب، الجريدة مجهزة بكل ما يلزم، المطبعة تحت يدي وهي مطبعة ~~العجمي رئيس شباب دمنهور، والورق موجود. # فهززت رأسي منتظرا. # واستمر السيد يقول: وستكون كمية الورق كبيرة وبالتسعيرة، وأما الأجر الشهري فلن ms082 يكون محل ~~خلاف، وعلى فكرة، يمكنك أن تأخذ الورق الباقي من المقرر لتتصرف فيه، هذه فرصة عظيمة يا ~~سيد أفندي، وطن الورق في السوق يساوي أربعمائة جنيه كما تعرف. # وكنت أنصت إليه وأسأل نفسي: «ماذا يقصد؟» # وختم السيد حديثه قائلا: هذه فرصة عظيمة يا سيد أفندي والقطار السريع لا ينتظر إلا ~~قليلا، ثم لا يقف لأحد بعد ذلك. # وقلت في نفسي: القطار السريع مرة أخرى؟ # ولمحت السيد يخرج من جيبه ظرفا سمينا، ويضعه أمامي قائلا: هذا مبلغ صغير يا سيد أفندي، ~~مقدمة ليس إلا. # ولست أدري ماذا حدث لي عندما سمعت قوله، فإني رفعت رأسي قائلا وقلبي يتحفز: ألا نضع ~~برنامج الجريدة أولا؟ # فأجاب مسرعا: هذا شيء واضح لا يحتاج إلى إضاعة وقت، أليس كذلك؟ ونحن في حاجة إلى كل ~~وقتنا، المهم أن نكسب المعركة. # فقلت متمالكا شعوري: في سبيل أي شيء؟ ماذا نقصد من وراء المعركة؟ هذا ما أسأل ~~عنه. # فقال في دهشة: هي المعركة الانتخابية. # فقلت: ولكني أسأل عن الجريدة. أليست للنطق بلسان الشعب؟ # فقال بسرعة: طبعا. # فقلت في عناد: إذن فماذا نقول على لسان الشعب؟ إننا نريد أن يلتف الناس حولك عن إخلاص ~~ويشعروا بأنك تنطق بلسانهم حقا، ومن المصلحة أن نرسم ما تقوله للشعب حتى يعرف المبادئ ~~التي ينتخبك من أجلها؟ # فقال في فتور: مثل ماذا؟ # فقلت: الشعب طبعا يريد أن يعيش ويشبع ويلبس ويسكن، ويريد أن يتعلم ويتداوى ويحس أن ~~الحكومة تخدمه ولا تسلبه، يريد من البرلمان أن يجتمع للنظر في مصلحته لا في مصلحة ~~أعضائه، ويريد أن يكون أعضاء البرلمان خداما له لا سادة يستغلون ثقته، هذا ما أظن أنه ~~صوت الشعب، وهذا ما يصح أن تبايع عليه الشعب. # وكان السيد ينظر إلي بوجه ينطق بالضجر، ولأول مرة لاحظت عليه أنه ينظر إلى وجهي نظرة ~~ثابتة غاضبة. # ثم قال في استياء: قل لي يا سيد أفندي بالصراحة، هل صحيح أنك تريد الانضمام إلى محمد ~~باشا خلف؟ هذا ما قيل لي ولكني أستبعده. # وبدأت أفهم ms083 الموقف على حقيقته؛ فقد سمع أني سأعمل داعية لمحمد باشا منافسه، فأراد أن ~~يشتريني أولا، وضحكت من الفكرة؛ لأنها كانت مفاجأة. # فقال غاضبا: ماذا يضحكك يا سيد أفندي؟ # فقلت له: أنا آسف. لم أقصد شيئا سوى أنه لم يخطر ببالي أن أقوم بالدعاية لأحد، ولست ~~ممن يصلحون لمثل هذه الخدمة. # فقال في شيء من الحدة: قل لي رأيك بالصراحة، وأنت حر طبعا. # فقلت: ليس قولي غامضا يا سيدي، لست أصلح للدعاية إلا للمبدأ الذي أؤمن به. # فقال في فتور: أتتهم مبدئي؟ # فقلت ثابتا: لم أعرفه بعد يا سيدي. # فقال في أنفة: هذه مناقشة لا فائدة منها، والوقت ضيق لا يحتمل مثل هذا، قل لي في بساطة ~~أنك تقبل أو ترفض. # فصعد الدم إلى رأسي وقلت: ماذا أقبل وماذا أرفض يا سيدي؟ إنك لم تعرض علي فكرة، كل ما ~~عرضته هو هذا الظرف الذي أمامي والورق الذي يمكن أن أبيعه في السوق السوداء. # فقام قائلا: أنت تتعدى طورك يا سيد أفندي. أنت تكلم السيد أحمد جلال. # فقمت كذلك قائلا: وأنت أيضا تكلم سيد زهير. # فصاح منفلتا من زمامه: هذه وقاحة! # وفي لحظة انفلت الزمام من يدي أيضا وقلت: بل الوقاحة أن تشتمني. # فاستشاط غضبا وقال: اخرس، أنت محتاج إلى أن أؤدبك حتى تعرف كيف تكلمني. # وتنبهت عند ذلك إلى أي حد انفلت الزمام منا جميعا، وإلى العاصفة التي هبت على غير ~~انتظار. # أهكذا يصل الأمر بيني وبين السيد أحمد جلال؟ هذا الرجل الذي لم أره مرة في حياتي يغضب؟ ~~أهي حمى الانتخاب أم هناك سبب آخر جعله يظهر في هذه الصورة التي لم أعرفها فيه طوال هذه ~~السنوات؟ # وأردت أن أتدارك الأمر فسكت مطرقا، ولم أجب على كلمته الأخيرة، ولكنه تمادى قائلا: ~~سأعرف كيف أسحق غرورك هذا، سأحطمك. # فوجدت نفسي أضحك ضحكة عالية. # وزاد غضبه فقال: سأعرف كيف أحطمك وستندم قريبا. # فقلت في سخرية: وكيف تحطمني؟ هل أنت إله أيها السيد؟ ثم لماذا تريد أن تحطمني؟ ألأني لا ~~أسخر نفسي لك؟ ms084 ألأني أرفض أن تشتري ضميري؟ إذن فاسمع أيها السيد، افعل ما تقدر عليه فلست ~~أعبأ بتهديدك، افعل ما تقدر عليه فلست أرهب سطوتك، أنت لا تملك من أمري شيئا؛ لأني غير ~~محتاج إليك في شيء، أنت لا تزيد في نظري على صندوق مملوء بالذهب في قاع المحيط. # وتركته مبادرا قبل أن يجيبني، وكان ينظر نحوي هائجا ينتفض من الغيظ. # ولما صرت في فناء المحلج واستلقيت الهواء البارد أحسست أن جسمي كله يشتعل حرارة، وخرجت ~~متباعدا عن المكان الذي فيه السرادق حتى لا يراني أحد، وكان قلبي يغلي غيظا، ولكنه كان ~~في الوقت عينه حزينا آسفا على هذه العاصفة التي ثارت فجأة. # كانت الساعة العاشرة من المساء عندما خرجت من محلج ~~السيد أحمد جلال، وسرت في الطريق المؤدية إلى جسر الترعة وأنا موزع بين الرضا والأسف ~~والقلق: أما الرضا فلأني كنت أحس وجودي منذ وقفت أمام السيد الكبير وجبهته برأيي ورددت ~~عليه إهانته وتحديت سلطانه عندما هددني بأن يسحقني ويحطمني، وأما الأسف والقلق فلأني كنت ~~أفضل لو لم أصطدم بالسيد أحمد مثل هذا الاصطدام الذي لم يدع سبيلا بيننا إلى الأمل في ~~حفظ مظاهر المودة والمسالمة، فإني عندما خرجت من خدمته من قبل لم أقطع ما بيني وبينه قطعا ~~يحول دون الرجوع إلى مصافاته؛ ولهذا لم أتردد في أن أذهب إليه لأبيع له قطن الشرنوبي، ولم ~~يتردد هو في أن يبعث إلي لأكون معه في أيام الانتخابات، ولكن تلك المصادمة الأخيرة جعلت ~~موقف كل منا نحو الآخر لا يقل عن موقف العداوة الصريحة، وما كنت أحرص على شيء مثل حرصي ~~على حفظ مظاهر المودة بينه وبيني على الأقل، وقد تحرج الموقف بيننا فجأة، ولم يكن ليخطر ~~ببالي أن ذهابي إليه في تلك الليلة يؤدي إلى مثل تلك المغاضبة. # سرت في الظلام أراجع نفسي وأجادلها، والدوافع المتعارضة تتقاذف بي حتى اقتربت من عطفة من ~~العطفات الصغيرة التي تنتهي إلى الجسر، فلمحت عندها جمعا كبيرا من رجال ونساء وأطفال ~~تعلوا أصواتهم في سكون ms085 الليل ، ولا يظهر منهم في الظلام إلا أشباح تتحرك في الأشعة الخافتة ~~من مصباح ضئيل عند رأس العطفة، ولم أجد بقربي عطفة أخرى أستطيع أن أنفذ منها إلى المدينة ~~حتى أتفادى المسير بين ذلك الجمع، فلم أجد حيلة سوى أن أتقدم وأشق طريقي، وكان الناس ~~يتزاحمون ويتواثبون ويصفقون في زياط، ويثيرون الغبار القذر بأقدامهم حتى ضاقت أنفاسي من ~~روائحه، فأسرعت في السير كاتما نفسي حتى اجتزت بهم وبدأت أملأ صدري من الهواء الخالص ~~عندما بعدت عنهم، ولكني سمعت من خلفي صيحات مذعورة تنادي: «الإسعاف»، وأصوات أخرى تصيح: ~~«لقد مات!» فتوقفت عن سيري ثم اندفعت بغير تفكير عائدا إلى موضع الزحام لأسأل من هناك عما ~~حدث، وكان أول ما خطر لي أن هناك غريقا يحتاج إلى إسعاف، وتدسست بين الجمع حتى وصلت إلى ~~قلب الحلقة، فإذا أنا أمام شخص حمادة الأصفر ملقى فوق كومة من التراب لا يعي شيئا، ومن ~~حوله بركة قذرة من المواد العفنة التي طردها من جوفه، وشعرت بوخزة مؤلمة في رأسي كأن ~~مسمارا دق في أعلى صدغي، وملت عليه في قلق لأستمع إلى دقات قلبه، وأنا متقزز من ~~الرائحة الكريهة المنبعثة منه ومن الكومة التي حوله، وكان جسمه رخوا تغطيه رطوبة لزجة، ~~وقلبه يدق ضعيفا، فلم أدر ماذا أفعل، فما كنت أقدر على أن أتركه هناك وأمضي في سبيلي، وما ~~كنت كذلك أقدر على البقاء في ذلك المكان القذر لأشارك المتزاحمين حوله في الصباح عبثا أين ~~الإسعاف، فأخرجت منديلين من جيوبي، وأخذت أمسح وجهه ورقبته ويديه مما علق بهما من القذر ~~وألقيت بهما إلى جانب، وصحت في الجمع قائلا: هيا بنا أيها الرفاق نحمله إلى جهة نجد فيها ~~الإسعاف. # ولكن الواقفين نظروا نحوي في تردد، ونظر بعضهم إلى بعض، فقلت لهم: أليس هنا صيدلية ~~قريبة؟ # فقال أحدهم: في السوق. # فقلت متوسلا: أرجو أن تساعدوني على نقله إلى مكان قريب نطلب منه الإسعاف. # فاستجاب ثلاثة من الشبان إلى ندائي، ومالوا في صمت إلى الجثة الهامدة ورفعوها معي، ~~واتجهنا ms086 إلى ناحية «أبو الريش» وهي الأقرب إلى العمران، ولما سرنا نحو مائتي متر بلغنا ~~الباب الخلفي لمحلج السيد أحمد جلال، فصاح الشبان في نفس واحد: هنا! # وعرجوا إلى الباب ليلقوا فيه حملهم قبل أن أجد وقتا لمناقشتهم، وهناك ظهر وجه حمادة في ~~ضوء المصابيح الكهربائية القوية أبيض مثل وجه الموتى، وهب البواب ومعه ثلاثة من العمال ~~يمنعوننا من الدخول، ولم يجدني نفعا أن قلت لهم إنه «حمادة الأصفر»، وتلفت حولي لأرى ~~موضعا نضع عليه الجسد الذي نحمله، فوجدت دكة البواب فطرحناه عليها، وصاح البواب بنا ~~غاضبا، ولكني لم ألتفت إلى أقواله، وأخذت أمسح العرق الذي كان يتصبب مني، وأخذ الشبان ~~الثلاثة يتشاورون بالنظرات فيما يفعلون، وصاح أحد العمال بنا: «امشوا من هنا.» # فصحت به: «أما تراه يا رجل؟ نريد أن نطلب الإسعاف.» # فقال مهددا: خذه من هنا وانصرف. # فصحت به في غيظ: لقد كان في المغرب يهتف للسيد أحمد. # فصاح مرة أخرى في لهجة أعنف: قلت لكم امشوا من هنا، واقترب البواب والعاملان الآخران ~~ليجعلاها معركة، ولكن حمادة تقلب في تلك اللحظة واختلج جسمه خلجات شديدة، وأخذ يطرد بعض ما ~~تبقى في جوفه من الفضلات العفنة، فبعد البواب والعمال صائحين شاتمين، ولم نجد بدا من حمله ~~والذهاب به عندما جاء البواب وأصحابه يعيدان الكرة علينا، فصحت بهم: قولوا للسيد إن هذه ~~البركة العفنة هي بضاعته ردت إليه، هي الجنيهات الخمسة التي أخذها حمادة ثمنا للهتاف في ~~المظاهرة. # وحملنا حمادة وسرنا به في الظلام على الشاطئ الموحش، وأخذ الشبان يبرطمون غضبا، واقتربنا ~~من مخزن قطع سيارات قديمة، فأسرع الشبان إليه، وألقوا بالجثة عند بابه وعادوا أدراجهم ~~مسرعين. # وجاء صاحب المخزن ينظر إلي في استنكار، فقلت له مستعطفا: بعض الماء من فضلك. # وملت على حمادة أدلك يديه، واستمعت إلى دقات قلبه مرة أخرى، وسمعت صاحب المخزن يدمدم ~~قائلا: ما هذه الداهية؟ # فقلت له: هذا بائس مسكين وجدته مغمى عليه في الطريق. # ويظهر أن الرجل أحس شيئا من الرحمة، فأتى بكوز من الماء ms087 فرششت منه على وجه الصريع وكانت ~~دهشتي عظيمة عندما رأيته يتحرك، فناديته مسرورا ولكنه أخذ يطرد من جوفه فضلات أخرى، ~~فبعدت عنه كما بعد عنه صاحب المخزن مشمئزا وهو يلعن قائلا: من يمسح هذا؟ # فأخرجت له ورقة من ذوات نصف الريال وقلت له: أنا آسف لإزعاجك، وأرجو أن تدعو من يساعدك ~~على تنظيفه. # فأخذ الرجل النقود صامتا، ونظرت إلى وجهه فوجدته ينطق غضبا وغيظا. # فناديت في حنق: حمادة! # فتحرك وأراد القيام ولكنه لم يقدر، فأسرعت إليه لأساعده، وكان جسمه لا يكاد يتماسك، ثم ~~استطاع آخر الأمر أن يقوم مستندا على كتفي وقال بصوت ضعيف: سيد أفندي؟ # فقلت: أتقوى على السير؟ # فهز رأسه ولم يجب وسار يجر رجليه وأنا أكاد أحمله، ووجدت صعوبة كبرى في أخذ أنفاسي؛ لأن ~~رائحته الكريهة كانت تنفذ إلى خياشيمي. # وكان من حسن الحظ أن مرت بي عربة نقل مما يحمل القطن، فصحت أنادي السائق أن يقف ~~ليساعدنا، ولم يخيب الرجل رجائي، فوقف وجاء يساعدني، وسألت حمادة: أين يقيم؟ فأجاب في ~~صوت ضعيف ساخر: لا أعرف. # فقلت لصاحب العربة: على طول. # وعزمت على أن أذهب بذلك العبء المخزي إلى أقرب قهوة، وأتركه بها ما دام قد أفاق، ووصلنا ~~بعد قليل إلى قهوة صغيرة، فأجلسته بها، وبعدت عنه قليلا؛ لأملأ صدري من الهواء، وفي نفسي ~~مشاعر شتى من الرثاء والاشمئزاز والعطف والنفور، وجاء خادم القهوة فطلبت له فنجانا من ~~الشاي وقطعة من الليمون، ووقفت حتى رأيته يشرب، وكان وجهه ما يزال مثل وجه الميت وعيناه ~~غائرتين وشدقاه منطبقين وجلد وجهه مكرشا وعليه خطوط زرقاء عميقة، وتبسم لي شاكرا فبرزت ~~أسنانه كأنها في جمجمة رمة بالية. # وقال بصوته الحاد: لا شك أني سببت لك تعبا شديدا، أنا منحوس كما قلت لك يا سيد أفندي، ~~ولكني لم أقل لك أتعب نفسك. ما كان يضرني شيء لو بقيت في الطريق حتى أفيق، هكذا أفعل كلما ~~سقطت، وهذا ما أستحق، لا تؤاخذني فإني لا أحب أن يرحمني أحد، أكنت تسألني: أين ~~أسكن؟ ms088 # ثم ضحك ضحكة عصبية واستمر يقول: أين تقيم الكلاب الضالة؟ أين تقيم الحشرات؟ أقيم مثلها ~~حيث أجد جحرا يظلني، في هذه المواخير التي أجد فيها مأوى، أراك تدير وجهك عني، لست أخشى ~~أن تحتقرني ولا أطلب منك ألا تحتقرني، افعل ما شئت فلست أقدر أن أحتقرك أنا الآخر. تفضل ~~أنت يا سيد أفندي. هل دفعت ثمن الشاي؟ هات لي قرشين أولا. # وفرك إصبعيه كالعادة. # فقلت متعجبا: كان معك خمسة جنيهات غير الجنيه الذي أخذته مني. # فضحك مرة أخرى قائلا: كانت في جيبي ... وأخذتها المرأة طبعا، هي حقيرة مثلي، ونحن نتعامل ~~في صراحة، هي تسرقني وأنا أسرقها، هي تقول لي: يا وغد، وأنا أقول لها: يا ساقطة، ولكنها ~~مع هذا تؤويني ولا يجرؤ أحد آخر على إيوائي، كانت المرأة الأخرى حقيرة مثلها، ولكنها وجدت ~~من يخطفها مني، فأقفلت بابها في وجهي، ها ها ها ها. # أتعرف من هي؟ زينب التركية، زينب الشقراء، أتعرف من هو ...؟ صاحبها، الرجل العظيم الذي كنت ~~أصفق له وأصفر وأهتف، كان ذلك منذ سنوات طويلة، رآها مرة عندما بعثتها إليه تطلب بعض ~~النقود؛ لأني كنت مريضا، وهي بغير شك جميلة يا سيد أفندي، فأسعفني ببعض النقود ولكنه ~~خطفها مني، أتفهم؟ وبعد أسبوع واحد طردتني من بيتها ها ها ها. النهاية يا عم سيد، عمر ~~الشقي بقي، لم أمت عند ذلك وقلت لها: في داهية، وذهبت إلى زينب الأخرى، زينب الفلاحة التي ~~أعيش عندها، وهي تعاملني وأعاملها كما يعامل الكلاب بعضها بعضا، أليس معك نقود يا بو ~~زهير؟ # فأخرجت من جيبي ورقة بخمسين قرشا وقذفتها أمامه، ودفعت إلى خادم القهوة ثمن الشاي، ~~وكانت الساعة قد بلغت منتصف الليل. # فقلت لحمادة: أظنك تقدر على السير وحدك. ألا تحاول أن تكون رجلا؟ # فضحك قائلا: ومن قال لك إني أريد أن أكون رجلا؟ اذهب إذا شئت ودعني، أنا حشرة، أنا كلب ~~ضال، دعني أسرع، دعني أجري، طريق عفنة مظلمة كلها خوف وقذارة، خوف بالليل والنهار وخوف من ~~أمامي ومن خلفي، قلبي ms089 وعيني وسمعي كلها مخاوف، الأمس مخيف والغد مخيف والحاضر فزع، وأنا ~~أجري وأجري أطلب النجاة، ولكني أتعثر وأقع وأتخبط والطريق مظلم والأوحال تجعلني أنزلق، ومن ~~ورائي أشباح كثيرة تطاردني، فأسرع لكي أتخلص، أتخلص من هذه الحياة ومن الأشباح التي ~~تطاردني فيها، ولكني لا أرى أمامي طريقا للهرب، أتعرف الخوف يا سيد أفندي؟ هو الذي يجعلني ~~أهرب، ولكني عندما أحاول الهرب لا أجد مكانا أهرب إليه، فأهرب من نفسي، أريد النسيان ~~لأهرب، أريد المرأة لأهرب، أريد الخمر لأهرب، اذهب عني أنت ودعني. # وامتلأ قلبي غما مما سمعت، وكان منظره وهو يتكلم يشبه منظر المجنون الثائر، فانصرفت من ~~أمامه حزينا أسائل نفسي: هل يستطيع أحد أن ينقذ ذلك المسكين؟ وعدت إلى المدينة وأقوال ~~حمادة البائس اليائس تتردد في ذهني، وكانت الطرق خالية موحشة والدكاكين مغلقة، ولكن الجو ~~كان رطبا لطيفا، ولما وصلت إلى كوبري السكة الحديدية اتجهت في الطريق المؤدي إلى شبرا، ~~وهو طريق مظلم زاده السكون رهبة لولا رجل مخمور آخر يسير متطوحا ويغني: «الفجر أهو لاح ~~قوموا يا تجار النوم!» هو الآخر يحاول الهرب والنسيان ولكنه يغني، وتركته ورائي لأنه كان ~~يتقدم خطوة ويتأخر خطوة، كم بين الناس من هؤلاء المساكين الذي يحطمهم الخوف! أيستطيع أحد أن ~~يمد إليهم يد المساعدة؟ # وبلغت منزلي وكانت أمي وأختي تنتظران في قلق من غيابي، وحاولت أن أظهر لهما هادئا، بل ~~حاولت أن أكون مرحا، ولكني استأذنت لأذهب إلى غرفتي، وما كدت أدخلها حتى وجدت نفسي أبكي ~~بكاء مرا. # وكان ذهني يضطرم بشعور مختلط من الحزن والغم والرثاء والعجز والضآلة، كانت صورة حمادة ~~تمر في خيالي في أوضاع شتى بين تاجر الأسواق المرح وبين قائد المظاهرة المهرج وبين ~~السكير البائس المحطم. # وأخذت قلمي وجعلت أكتب ولا أدري ماذا أريد أن أكتب، ولكن الأشباح التي كان حمادة يتحدث ~~عنها صارت تطاردني وأنا أكتب، وكان قلمي يسرع كأنه يريد أن يجد هو الآخر سبيلا إلى ~~الهروب. # ولما تعبت من الكتابة وضعت يدي على رأسه فوجدته يتقد ms090 حرارة ، ولكني لم أتوقف عن ~~الكتابة، وكلما فرغت من ورقة ألقيت بها على الأرض فتطير وتقع حيث تشاء، ولم أشعر بمضي ~~الوقت وكنت لا أكاد أعي ما أكتب، وكلت يدي من الكتابة، ولكني لم أتوقف حتى فرغت من القصة، ~~ولست أدري أكان فراغي منها هو الذي جعلني أحس الإعياء أم أن الإعياء هو الذي جعلني أفرغ ~~منها، وقمت أترنح حتى استلقيت على سريري بملابسي، وكان رأسي يدور ويهتز كأن في داخله ~~عاصفة، وكانت عضلات جسمي تنبض كما ترف العين، وأحسست في ظهر وعيي طرقا على الباب، ولم ~~أعرف من الطارق، وكان آخر ما أذكر أني رأيت وأنا مغمض عيني كأن شريطا أغبر اللون يمر ~~أمام بصري في سرعة. # | الفصل الثامن # فتحت عيني على أثر لمسة فوق جبيني، ورأيت أمي جالسة إلى جانبي وهي تضع منديلا مبللا على ~~رأسي، وشممت رائحة «كولونيا»، وكانت أختي منيرة واقفة على بعد خطوة منها جاعلة ذراعيها ~~على صدرها، وتنظر نحوي في لهفة وعلى وجهها ابتسامة حزينة، ولمحت شخصا آخر يقف في الناحية ~~الأخرى من المنضدة التي في وسط الغرفة، وسمعته يقول: «صباح الخير يا سيد.» وكان صوت عبد ~~الحميد عباد، فهمست بصوت خافت: «ماذا جرى؟» # وقالت أمي في ابتسامة ضئيلة: كيف أنت يا سيد؟ وكانت الدموع تملأ عينيها. # وأردت أن أتحرك لأجلس، ولكن وسطي ومفاصلي وعيناي آلمتني، فعدلت عن الحركة وبدأت أسعل ~~سعالا شديدا، فذهبت منيرة إلى المنضدة وملأت ملعقة من زجاجة هناك وجاءت إلي لأشربها، ~~وقالت وهي تتظاهر بالمرح: «أخرج هذا البرد الذي ملأ جسمك.» # فاستسلمت لها وشربت الدواء، فمدت منيرة يدها إلي بمقياس الحرارة، ففتحت فمي هادئا ~~كأني طفل مطيع، وعدت أسأل سؤال عندما أخرجت منيرة مقياس الحرارة من فمي فقلت: ماذا ~~جرى؟ # فقال عبد الحميد: «المسألة بسيطة. كنت غائبا عن الوعي منذ يومين، ثم بدأت تفيق الآن، ~~وكانت حرارتك أربعين درجة فصارت الآن سبعة وثلاثين.» # ولم يدهشني هذا الخبر كأني كنت أعرفه من قبل، وبدأت أتذكر أني كنت أكتب قصة، فحركت ~~رأسي ms091 لأنظر إلى أرض الغرفة قائلا: ألم تكن هنا أوراق؟ # فقال عبد الحميد في مرح: عظيمة يا أستاذ سيد، ولماذا لا تكتب على كل ورقة رقمها؟ وجدت ~~صعوبة كبيرة في ترتيب الأوراق قبل أن أقرأها. # فقلت في اهتمام: وأين هي؟ # فقالت أمي: لا تجهد نفسك يا ابني. # وقالت منيرة: سأحضرها لك إذا شربت المرقة التي أعددتها لك. # وخرجت مسرعة فلم تسمع جوابي عندما قلت: لا أريد شيئا. # وقال عبد الحميد: لم أعرف أنك أستاذ في القصة. # فقلت في سرور: هل قرأتها؟ # فقال: رائعة. # فأردت أن أتكلم ولكن السعال منعني وكان شديدا يكاد يمزق صدري. # ودخلت منيرة تحمل صينية صغيرة وضعتها على المنضدة، وقربتها من السرير قائلة: كن ولدا ~~طيبا. # وجلست جنبي على السرير أخذت رأسي فوق ذراعها، وجعلت تسقيني ملعقة بعد أخرى، وكان عبد ~~الحميد يتحدث عن القصة في حماسة، ثم قال: إنها تفيض حياة يا أستاذ سيد وأشخاصها يشعون ~~حرارة. أهنئك. أهنئك بكل قلبي ولو جمعت ما كتبت من هذا النوع لكان كتابا بديعا. # فأزحت الملعقة التي كانت في يد منيرة وقلت: إنها أول قصة. # فصاح: مستحيل، أهذه أول قصة؟ # وأخرج الأوراق من جيبه وجعل ينظر فيها. # ولم أرض أن أشرب شيئا بعد ذلك من المرقة، فحملت منيرة الصينية وخرجت بها فقلت لعبد ~~الحميد: أظنك تجاملني. # فقال في هدوء: لو أردت المجاملة لما أرسلتها إلى بريد الأحرار. # فصحت: بريد الأحرار؟ # وعاودني السعال الشديد فصاحت أمي: يا ابني، لا تجهد نفسك! ومع كل ألمي من السعال كان قلبي ~~يهتز فرحا وزهوا. # وقلت في صوت خافت: أتظن الجريدة تنشرها؟ # فقال عبد الحميد مبتسما: أظنه ينشرها من أجل عنوانها على الأقل. # وأخذت أتذكر العنوان فلم أذكره وقلت: لست أذكر عنوانها. # فتبسم عبد الحميد قائلا: وضعته أنا «الفيلسوف المحطم» أليس هذا عنوانا يستحق ~~النشر؟ # وعلى فكرة، كان الأستاذ علي مختار صاحب بريد الأحرار من أقرب أصدقائي في الدراسة. # لا مؤاخذة إذا تركتك الآن يا أستاذ سيد؟ وسأحضر في المساء بعد إلقاء دروسي. # واستأذن منصرفا ms092 فضغطت على يده شاكرا، ولكن يدي كانت ضعيفة، فقلت له: أشكرك بكل ~~قلبي. # ولم أحسب أن ذلك المرض يطول بي خمسة عشر يوما كاملة، ثم لا يفارقني إلا هزيلا ضعيفا، ~~فوق ذلك السعال الشديد الذي استمر يضايقني مدة شهرين، ولكن الضعف والهزال والسعال لم تعكر ~~على السعادة التي غمرتني عندما عرفت من عبد الحميد أن بريد الأحرار ستنشر قصتي، وبدأت أخرج ~~إلى المدينة بعد شهر من بدء مرضي، وكانت حركة الانتخابات تجتاحها وتلهبها، كانت جموع ~~المظاهرات تتدفق وتتصادم كل يوم، وكانت اللافتات معلقة في كل مكان، فوق الأعمدة وعلى جدران ~~المنازل وعلى أبواب الدكاكين، وكانت الأبواق المكبرة للصوت تصيح في كل ركن، وذهبت عند أول ~~خروجي إلى مطبعة العجمي لأعرف ماذا تم في جريدة السيد أحمد جلال، وكان العجمي زميلا ~~قديما في المدرسة، فوجدت عنده جمعا كبيرا من الموظفين والتلاميذ ووكلاء المحامين ووزاني ~~المحالج يستمعون إلى خطبة يلقيها «مهني أفندي» وكيل الأستاذ زكريا إبراهيم المحامي، ~~وسمعته يتكلم عن ثورة الشباب على «عملاء الإنجليز». # ولما رآني العجمي رحب بي، وقدمني إلى الحاضرين على أني كاتب دمنهور العبقري، وأخذ يتحدث ~~عن قصتي «الفيلسوف المحطم» التي نشرتها «بريد الأحرار» في ذلك الصباح بالذات، فاستقبلني ~~الجمع بالتصفيق، وطلبوا أن يستمعوا إلى كلمة مني، فاضطررت أن أقف خطيبا لأول مرة في ~~حياتي بعد أن فرغ الأستاذ مهني من خطابته، وكانت خطبتي تدور حول الشعب المحطم الذي ينتظر ~~من يأخذ بيده، ولا يجد من القائمين على حكمه إلا الطغيان والأنانية والمبالغة في تحطيمه، ~~وأحسست وأنا أخطب أن المعاني تتدفق على لساني وكنت أجد صدى حماستي في السامعين الذين قاطعوا ~~كلمتي بالتصفيق العالي. # ولما سألت العجمي عن الجريدة بعد انصراف الجمع قال لي: لن نعمل لحساب أحد من هؤلاء يا ~~أستاذ سيد، وقد عزمت على ترشيح نفسي. # فكان ذلك نبأ سعيدا عندي ووعدته بأن أجاهد معه بكل ما أستطيع، حتى تضرب دمنهور مثلا في ~~انتخاب المخلصين وإن كانوا من صفوف الشعب. # ومنذ ذلك اليوم أقبلت على معركة ms093 الانتخاب فجعلتها معركتي، وبدأت من ذلك اليوم بوضع خطة ~~مع «أنصار الشباب» لنكتسح المرشحين من «المنافقين». # وأخذنا نعد اللافتات وكتبنا عليها بخط أيدينا عبارات تسترعي الأنظار مثل: «الأعيان ~~أعوان الطغيان» و«متى يسقط البرلمان حكومة؟» و«برلمان الأعيان بناء من القش» وأمثال هذه ~~من عبارات الدعاية الشديدة. # وكتبت بيدي لافتة وضعتها في وسط الطريق أمام مطبعة العجمي وعليها عبارة «أيها الشعب ... ~~أنا الشعب»، ونسيت في وسط هذه الحماسة ذكر قصتي وما كنت أعلقه على نشرها من الاهتمام وكنت ~~أقضي يومي كله وجزءا كبيرا من الليل في اجتماعات وخطابة وتدبير الخطط واجتذاب الأنصار، ~~واجتمع لنا عدد كبير من شبان المدينة، ولكن صاحبي عبد الحميد أصر على الابتعاد عن هذه ~~«المهزلة» وقال عندما فاتحته في الانضمام إلينا: لقد شاهدت هذه الملهاة التافهة مرارا حتى ~~مللتها. # ولكن رفضه الانضمام إلينا لم يزدني إلا إصرارا على عزيمتي، وبدأت أحس أن إيمانا ~~جديدا بدأ يقوى ويتجدد في نفسي، هؤلاء المساكين الذين تطحنهم الحياة لا يجدون لسانا ~~ينطق بآلامهم، فعلينا أن ننطق نحن من أجلهم، هذه الألوف المؤلفة من الجياع العراة الجهلة ~~لا يجدون من يعطف عليهم، وعلينا نحن أن نعمل من أجلهم، وكانت الخطب التي ألقيها تزيد يوما ~~بعد يوم والأنصار الذين يحيطون بنا يتضاعفون ساعة بعد ساعة، واعتقدنا جميعا أن العجمي قد ~~اجتاح منافسيه في الانتخابات بغير جدال. # وتواعدنا قبل موعد الانتخاب بأربعة أيام على عقد اجتماع كبير في مسجد التوبة بعد العشاء؛ ~~لأننا كنا لا نقدر على إقامة سرادق كبير يتسع للجموع التي اعتادت أن تتوافد على ~~محافلنا. # ولما بدأ الاجتماع تعاقب الخطباء واحدا بعد واحد يتحدثون عن الشباب المخلص والأحزاب ~~المزيفة التي ضلت الطريق، والحرية التي تتطلب الدماء، والجهاد الوطني من أجل الجلاء، وجاء ~~دوري فأعلن منظم الحفلة اسمي ووصفني بالأديب الكبير والخطيب القدير، وأضاف إلى ذلك عددا ~~آخر من الصفات جعلني أخجل، وإن كنت في الوقت عينه امتلأت زهوا وثقة بنفسي. # وقمت لأتكلم فبدأت بطيئا هادئ الصوت، ورتلت بعض عبارات موزونة كنت نمقتها ms094 وحفظتها، وأضفت ~~إليها ألفاظا رنانة وسجعات مختارة فطرب السامعون لها، وتعالى تصفيقهم إعجابا واطمأنت ~~نفسي إلى ذلك وبدأت أتدفق، فمن شاء أن يكون خطيبا ناجحا، فعليه أن يتحقق أولا من ~~الاستيلاء على عواطف سامعيه فيكون بذلك كأنه يعوم على اتجاه تيار الماء. # وكان لذلك الاجتماع دوي كبير في المدينة في اليوم التالي، وتحدث به الناس مرددين ما ~~قيل، وتجادلوا فيه بمجالسهم، فمنهم من أنكره ووصفه بالدعوة إلى الثورة، ومنهم من رضي عنه ~~ووصفه بالإصلاح، ولكن الجميع آمنوا بأن الأمر قد انتهى إلى فوز مرشح الشباب محمود ~~العجمي. # ولم يبق على يوم الانتخاب إلا يومان، فاستقر رأينا على أن نضرب الضربة الأخيرة في الليلة ~~المقبلة، وتواعدنا على الذهاب بعد العشاء إلى المسجد وأذعنا في أنحاء المدينة أنه الاجتماع ~~الأخير، ولم ندخر وسعا في نشر الدعاية بكل ما استطعنا من الوسائل، حتى لقد استأجرنا ثلاث ~~سيارات تجوب الأحياء، وفي كل منها مذياع لإعلان موعد الاجتماع ومكانه. # وبكرت قبل الموعد بنصف ساعة ذاهبا إلى المسجد، وكنت قد أعددت في نفسي حديثا ناريا ~~تخيرت له مقدمة مسجوعة تأنقت في عباراتها، وكنت وأنا سائر في الطريق إلى المسجد أرددها ~~وأستمع إلى جرس ترتيلها لأقدر موقعها من نفوس السامعين إذا بدأتهم بها، ولما وصلت إلى منعرج ~~الطريق إلى الشارع الضيق الذي فيه المسجد، وجدت بعض جنود الشرطة يسدون منفذ الطريق وهم ~~يلبسون الخوذ الحديدية، ويمسكون في أيديهم العصي الغليظة، وهب الضابط رئيسهم عن كرسيه ~~فسألني عن وجهتي، فلما أجبته قال لي في جفاء: «إن المسجد مغلق.» فأدهشتني المفاجأة ~~وأخذت أجادله فأمسك بكتفي في غلظة ودفعني قائلا: «تفضل!» # وهممت أن أدفعه كما دفعني، ولكني تذكرت أن ذلك قد يؤدي إلى عقد لا ينبغي أن أتورط فيها ~~في ذلك الوقت، وانصرفت عنه في مظهر التحدي الصامت، ولما بعدت عنه وقفت مترددا أفكر في ذلك ~~الطارئ الذي لم نتوقعه، ولم أدر كيف نستطيع أن نتدارك الأمر، وتلفت حولي لعلي أرى أحدا ~~من أصحابي وأنا قلق حانق، فرأيت بعد بضع ms095 دقائق أربعة منهم يجرون أقدامهم في خذلان ~~ويقبلون من ناحية طريق المسجد، فأسرعت إليهم ليفرغ كل منا حنقه إلى الآخرين، وكاد شعورنا ~~بالخيبة يصرفنا إلى أن نيئس وننفض أيدينا من الأمر كله، ثم اتفقنا على أن نذهب إلى العجمي ~~لنرى رأيه، ولعلنا نجد عنده بعض أصحابنا الآخرين فنتداول الرأي فيما نصنع بعد هذه الصدمة، ~~وكانت أفواه الطرق إلى بيته مغلقة بجماعات من رجال الشرطة، فاضطررنا إلى أن نتفرق أفرادا ~~ونتسلل من الحواري الضيقة إلى البيت، وكان العجمي هناك يغلي حانقا لأنه سبقنا إلى المسجد ~~وحدث له مثل ما حدث لنا، واجتمع إلينا بعد قليل عدد كبير من أصحابنا وأغلقنا علينا الأبواب ~~وأطفأنا الأنوار إلا شمعة ضئيلة في الغرفة التي كنا بها في آخر البيت. # وبعد ساعة من جدال عنيف أجمعنا الرأي على أن نقيم لنا سرداقا كما يقيم الآخرون سرادقات ~~لهم، فإن الإدارة لن تجد سبيلا علينا ما دامت تبيح ذلك لغيرنا، وتبرعت في حماستي بخمسة ~~جنيهات، واندفع بعض الأصحاب يتبرعون حتى اجتمع لنا ما يكفي لإقامة السرادق واستئجار الأثاث ~~والمصابيح، ولم أعد إلى منزلي في تلك الليلة إلا في ساعة الفجر بعد أن اتفقنا مع الفراش على ~~إقامة سرادقنا في فضاء واسع في جنوب المدينة. # وكان اليوم التالي آخر أيام الدعاية، ولا بد لنا من أن نضرب فيه ضربتنا الأخيرة، فتفرقنا ~~في أنحاء المدينة نعلن على الناس نبأ الاجتماع في السرادق الكبير الذي يحمل اسم «شباب ~~دمنهور». # وقضيت ساعتين بعد الظهر في إعداد خطبتي، ثم ألقيتها مرتين لأسمع صوتي وأقدر ما يكون ~~وقعها في الأسماع، فلما حانت الساعة الموعودة كنت مستعدا مطمئنا، وخفق قلبي سرورا ~~عندما ذهبت إلى السرادق فوجدته مزدحما بألوف من أهل المدينة، واستقبلني جمعهم بالتصفيق ~~والهتاف كأني أصبحت زعيما. # وقدمني الأصحاب لأتكلم أولا، وصعدت متمهلا وأخذت أخطب هادئا واثقا من عطف الأسماع، ~~فما هي إلا دقائق قليلة حتى كنت أشعر بأني أسبح مع التيار، وعلا صوتي شيئا فشيئا واتقدت ~~حماستي حتى لم أجد داعيا إلى قراءة ms096 خطبتي، فوضعت الأوراق وتدفقت في الحديث، وتحركت وكانت ~~المعاني والصور تتمثل لي وتستولي على انتباهي حتى كدت لا أبصر شيئا مما تقع عليه عيني، فلم ~~أتنبه إلى شيء إلا عندما لمحت فجأة أن هناك حركة في الصفوف المتزاحمة في السرادق، وسمعت ~~أصواتا تتعالى عند المدخل، فتوقفت قليلا لأرى ما تلك الحركة الطارئة، فإذا الصفوف ~~المتراصة تتحرك ثم تسري الحركة فيما يليها وما هي إلا دقيقة قصيرة حتى صار السرادق كله إلى ~~فوضى شاملة، وبدأ البعض يتماسك بالبعض عند المدخل، وتعالت الكراسي وهبطت واهتزت المصابيح ~~وانطفأ أكثرها، وتدافع الناس خارجين إلى الطريق من كل جانب، فلم أفهم من كل ما حدث إلا أن ~~الاجتماع قد فشل وحلت محله معركة. # وأسرعت إلى مدخل السرادق متحفزا للعراك، والغضب يكاد ينفجر بصدري، فلما بلغت مكان ~~المعركة رأيت بعض أصحابي مشتبكين في صراع عنيف، فاندفعت معهم أضرب بيدي وقدمي، وأصابتني ~~لكمات كثيرة لم أعبأ بما نالني منها، ولم أقف لأفكر في جدوى ذلك العراك بعد أن ضاع علينا كل ~~تدبيرنا، وفيما أنا منصرف بكل جوارحي إلى المعركة رأيت جمعا كبيرا يهبط علينا من أقصى ~~الطريق وفي أيديهم هراوات يلوحون بها في الهواء ويصيحون: «يلا من هنا.» فتركت أنا ~~وأصحابي من كان في أيدينا من الخصوم، ووقفت مبهوتا لا أكاد أصدق عيني عندما رأيت في طليعة ~~العصابة شخص حمادة الأصفر يحمل في يده هراوة أطول من قامته، ويشير بها نحوي قائلا: «يلا من ~~هنا!» فأغماني الغيظ عن كل حكمة واندفعت نحوه آخذا بتلابيبه قائلا: «أنت تقول لي هذا؟» ~~وأحاط بي أصحابه ووجوههم تنطق بالشر، فتخلص حمادة من يدي وارتد إلى الوراء، قائلا في ~~وقاحة: «لا تمد يدك إلي، يلا من هنا، قلت لك.» فقلت في حقد: «أيها النذل، أيها ~~العبد!» # فضحك ضحكة عالية حتى بدت أسنانه ونظر إلى أصحابه الذين اندفعوا نحوي وصاح بهم: «دعوه يا ~~جماعة، ارفع يدك أنت وهو! ثم اتجه إلي قائلا: ما لك أنت؟ أنا نذل وعبد وكلب ابن كلب. ما ~~لك ms097 أنت؟ يلا من هنا!» # ثم وضع إصبعيه في فمه، وصفر صفيرا عاليا وقال: «اسمعوا يا جماعة! يحيا السيد أحمد ~~جلال!» فصاح الجمع بعده يرددون هتافه وصفر لهم مرة أخرى وصفق وضحك صائحا: «هيسه!» مع المد ~~الطويل، فضحكوا جميعا وصاحوا مثله، ثم صفر مرة ثالثة مثل القطار ورفع هراوته إلى كتفه وجرى ~~أمام أصحابه وهم من ورائه يصيحون وتركوني واقفا في مكاني الذي لم يبق به غيري، وكان حنقي ~~لا يزيد عليه إلا خجلي وشعوري بالخيبة، وتلفت حولي كالمذهول فلمحت حمادة الأصفر يعانق ~~مصطفى عجوة في آخر الطريق، وا أسفاه! وطفرت الدموع من عيني وشعرت بقلبي كأن يدا قاسية ~~تعصره، أهذا حمادة الأصفر الذي أراه حقا؟ وعدت إلى منزلي يائسا أحدث نفسي أنها مأساة ~~مضحكة مبكية، هكذا يحشد السادة عبيدهم المحطمين دائما ليضربوا لهم أعداءهم، حتى يتمكنوا ~~بعد ذلك أن يعودوا إليهم ليجلدوا ظهورهم بالسياط! # | الفصل التاسع # تيقظت من نومي في الصباح على صوت أمي وأنا دهش من أثر السهر والتعب، ورأيتها تمد إلى ~~يدها بورقة، فسألتها ما هي فقالت: «جاء بها رجل وقال: إنها مستعجلة.» # وكانت الورقة بخط رديء بالقلم الرصاص وفيها: «سيد زهير شياخة أبو طاقية صناعته وزان، ~~ينبه على المذكور بالحضور في الساعة التاسعة صباحا لأمر هام إلى مركز البوليس.» # فقلت في نفسي: مركز البوليس؟ ماذا أفعل هناك؟ وبدأت أتذكر ما حدث في الليلة السابقة، ~~وكانت الساعة عند ذلك الثامنة، فالوقت متسع لأفطر وأشرب فنجانا من الشاي، وأرتب في ذهني ~~الحوادث التي وقعت، وقمت مسرعا لأستحم وأتوضأ، وكانت الساعة التاسعة تماما عندما بلغت ~~مركز البوليس، ولم أكن خبيرا بأسرار مكاتب المركز، فعرجت على أول حجرة قابلتني، وسألت ~~الجندي الذي كان فيها، فلم يرد علي لانشغاله بتلميع حذائه، وذهبت إلى الغرفة التي تليها، ~~ولكن المكتب كان خاليا، فما زلت أخرج من غرفة إلى أخرى لسبب أو لآخر حتى بلغت آخر الردهة، ~~وكانت طويلة مظلمة فيها حائط على اليمين وأبواب على اليسار، ووجدت في النهاية غرفة مزدحمة ~~بأخلاط من الناس ms098 عليهم مظهر البؤس والشراسة، فعرجت على اليمين في ردهة أخرى، فوجدت في صدرها ~~حجرة صغيرة فيها مكتب يجلس عليه جندي ضخم له أربعة أشرطة حمراء على ذراعه، وشارب مفتول في ~~وجهه، وهممت أن أسأله عن سبب دعوتي ولكني لم أجرؤ؛ لأنه بدأ في تلك اللحظة يصيح بأعلى صوته ~~يخاطب شابا أمامه قائلا: من أنت؟ من أنت حتى تجيبني بهذه اللهجة؟ # وكان الشاب الذي أمامه طويل القامة يلبس جلبابا من الصوف على زي أهل دمنهور، وعلى رأسه ~~طربوش وفي قدميه حذاء، فاستنتجت أنه لم يكن من عامة الشعب، ولكني لم أر وجهه؛ لأنه كان ~~متجها إلى المكتب، وسمعته يجيب في شيء من الأنفة: أنا علي الحفار؟ # فصاح به الجندي: الحفار؟ تشرفنا يا حضرة، يعني حضرتك حفار قبور؟ أو هي صناعة ~~الوالد؟ # فقال الشاب في حنق: إذا كنت لا تعرفني فلا داعي لهذا الكلام، سألتني عن اسمي وهذا هو ~~اسمي، وأنا تاجر من أهل البلد. # فقال الجندي: تشرفنا يا أفندم. أقوم لك وأضرب السلام؟ أهكذا تخاطبني وتصيح في وجهي يا ~~قليل الأدب؟ أهكذا تكلم ...؟ # فقاطعه الشاب غاضبا: لا تخرج عن حدودك. # فقام الجندي هائجا من مقعده، وخرج من وراء المكتب صائحا: حدودي؟ ما هي حدودي يا ولد؟ ~~أنت قليل الأدب. قليل الأدب ألف مرة وتستحق التأديب. # وأقبل هاجما عليه فضربه على وجهه ضربة شديدة اهتز لها الشاب وثار رافعا يده للإجابة ~~عليها، فأسرعت من ورائه بغير تفكير، وأمسكت بذراعه، فالتفت إلي غاضبا ونزع يده ~~مني. # فقلت له أهدئه: تمهل يا أخي حتى لا يتعلل هذا الرجل بأنك اعتديت عليه، كنت واقفا هنا ~~ورأيت كل شيء وسأشهد بما حدث. # واتجهت إلى الجندي قائلا: بأي حق تعتدي على هذا الشاب؟ # وهدأ الشاب نفسه على مضض، ووقف ينظر نحو الجندي في حنق، فضحك الجندي واتجه إلي ~~قائلا: وحضرتك محام؟ # ونظر إلي يفحصني من أعلى طربوشي إلى كعب حذائي، فقلت له في غيظ: ليس لك حق في ضرب أحد، ~~ليس الناس عبيدا لك. # وكان ما يزال ms099 واقفا فوضع يده في خصره ومد رأسه نحوي مثل ديك محارب، وقال: ومن أنت أولا؟ ~~من أنت يا حضرة؟ # فأجبته متحديا، اسمع أنت يا حضرة، أنا الذي أسألك من أنت حتى تضرب الناس وتشتمهم؟ ~~القانون لا يسمح بهذا، ويجب أن تعرف الطرق القانونية التي تتبعها. # فتقدم نحوي ثائرا وقال: يظهر أنك تريد أن تعرف القانون. القانون هو هذا. # ودفعني في صدري بعنف ليخرجني قائلا: اخرج من هنا. ليس هذا المكتب قهوة لتدخله ~~هكذا. # ولست أدري ماذا جعلني أفقد اتزاني عند ذلك، وأقدم على العمل الذي منعت منه الشاب، فإني ~~اندفعت بغير تفكير، ورفعت يدي بقوة، ودفعت الجندي بقبضة يدي دفعة شديدة؟ صدره ارتد منها ~~إلى الوراء، وهو يتطوح، وسخن رأسي فوقفت مستعدا لأعيد عليه الكرة إذا عاد لمهاجمتي، ~~ولكنه لم يتقدم نحوي بل ذهب إلى مكتبته، وخبط بيده على الجرس صائحا: ما هذه المصيبة التي ~~تصبحنا؟ ما هذا الشيطان الشرس الذي طلع علينا؟ يا قرني! يا علي يا مبارك! يا محمد يا بو ~~زبطة! # ودخل جندي وراء آخر، فضربوا السلام ونظروا إلى الجندي، ثم التفتوا إلي وإلى الشاب ~~الآخر في دهشة. # فصاح بهم صاحب الأشرطة الحمراء: خذوا هذا اللعين، خذوا هذا المجرم ابن المجرم. # فصحت: اخرس. # واندفع هائجا: سأعرف كيف أؤدبك. تضربني أنا؟ نهارك أسود، وتقول لي: اخرس؟ إلى السجن ~~حالا! أما تسمع يا قرني؟ إلى السجن حالا! مالك واقفا هكذا يا علي يا مبارك؟ يا بو زبطة ~~يا حمار! # فأحاط الجنود بي ليقبضوا علي، فارتددت إلى الوراء صائحا في ثورة: لا تقتربوا ~~مني! # وتحفزت لأدافع عن نفسي، فتقدموا نحوي واحدا وراء الآخر، ودفعتهم عني واحدا بعد واحد، ~~فغضبوا وهجموا علي هجمة واحدة يضربونني ويجرونني وصاحب الأشرطة الحمراء يصيح بهم: إلى ~~السجن إلى السجن، حالا! المجرم! الكلب! ابن ال... # فما كدت أسمعه يهم بذكر أبي حتى انطلقت من فمي شتائم لا أدري كيف تدفقت من فمي، وكانت ~~قبضة الجنود على ذراعي الاثنتين وعلى رقبتي مثل كماشات الحديد، فحملوني غصبا وقذفوا ms100 بي ~~في عنف إلى غرفة، وأغلقوا بابها ورائي، وكاد يغمى علي من الألم والغيظ، فلم أتنبه إلى ما ~~حولي إلا بعد لحظات، فقمت وأعضائي كلها تنبض ألما وجعلت أتحسس جوانب الغرفة المظلمة، فعلمت ~~أني في جحر ضيق لا يزيد على مترين في مترين، وأرضه من البلاط وهواؤه عفن الرائحة. # وكادت روحي تزهق من الضيق والحنق والشعور بالإهانة والظلم، واندفعت مثل المجنون أصيح ~~بأعلى صوتي، وأخبط على الباب بجمع يدي غير مبال ما يصيبني من الألم، وجعلت أنطق بشتائم ~~مقذعة وألفاظ عجيبة لو سمعتها من غيري لضحكت سخرية منها، كنت أصيح قائلا: «افتحوا لي أيها ~~المجرمون ... أنا الشعب ... افتحوا لي أيها اللصوص، وستجدون جزاءكم ... أنا الشعب ... أنا الشعب ...» ~~ولكن صيحاتي وشتائمي كانت ترتد إلى أذني ساخرة ضاغطة قاسية، وكلت يداي من الخبط وخارت ~~قواي وبح صوتي، فتكومت على الأرض مستندا إلى ظهر الباب، وخيل إلي أني انتقلت إلى ~~عالم فظيع ممقوت ليس من عالم الإنسان، وأخذت أسأل نفسي: «أهكذا يعامل اللصوص والمجرمون؟» ~~فلو كنت مجرما بادئا أو لصا صغيرا ثم عوملت هذه المعاملة لخرجت من هذه الغرفة وأنا ~~مصمم على أن أكون قاطع طريق وسفاك دماء. # ومرت اللحظات بطيئة، وخيل إلي أنني سأبقى هناك طول حياتي بغير أن يهتم أحد بأمري، أو ~~يقدر أحد على إطلاقي، كأنني حشرة أو فأر أو كلب، وعدت أسأل نفسي: أأنا الشعب الذي كنت أتحدث ~~عنه في خطبتي في المسجد وفي السرادق؟ هل أنا الشعب الذي يخطب السادة وده في دعاياتهم ~~الانتخابية، ومن أجله ينشئون مقالات التمجيد في الجرائد اليومية؟ # وتصاعد برد البلاط إلى عظامي فأحسست قشعريرة في جوفي وألما في رأسي، وغثيانا في نفسي، ~~فقمت منتفضا، وتضاعف حنقي حتى كدت أخرج عن وعيي، وأخذت أخبط الباب مرة أخرى بيدي الاثنتين ~~وأصيح بأعلى صوتي وأشتم وألعن وأهدد، وعزمت على أن أواصل الخبط حتى تتحطم يداي ثم أخبط بعد ~~ذلك بقدمي حتى تتكسرا، وبرأسي حتى يتفتت، ولست أدري كيف استطعت أن أستمر على الخبط والصياح ~~هذه المدة ms101 التي مرت كأنها ساعات طويلة، ثم سمعت بعد حين صوت المفتاح يدور في القفل، ~~وانفرج الباب وتدفق شعاع من النور في الظلام، وتنفست حانقا وأنا ألهث من الثورة، ولا شك أن ~~منظري كان مخيفا؛ لأن الجندي الذي فتح الباب تنحى عن طريقي في فزع، وكانت يداي تلتهبان ~~من الألم، ولكني لم أعبأ بهما وخرجت مسرعا فاتجهت إلى غرفة الجندي ذي الأشرطة الحمراء ~~عازما على أن أقتص منه غير مبال ما قد يكون بعدها. # وصحت بأعلى صوتي عندما اقتربت من غرفته قائلا: «أين أنت أيها النذل الطاغية، أيها ~~العنكبوت الحقير!» ولكني لم أجده وراء المكتب، فقلت مستمرا في صياحي: «أين صاحب الشوارب ~~المصبوغة؟ أين العنكبوت الذي كان هنا؟» فضحك الضابط الشاب الذي كان جالسا وراء المكتب، ~~وقال: «تفضل هنا.» وأشار إلى كرسي بجانبه، وكان وجهه يتألق بشرا كأنه يرى منظرا مسليا، ~~ولكن منظره هدأ كثيرا من فورة نفسي، وكان فتى لا يزيد على الخمس والعشرين كأنه تلميذ حسن ~~الهيئة، وأسنانه بيضاء تلمع من وراء ابتسامته، ووجهه الأسمر الوديع الذي خلا من الشوارب ~~يخالف في كل شيء شكل صاحب الأشرطة الحمراء. # وأعاد الضابط قوله: «تفضل هنا.» مشيرا إلى الكرسي الذي أمامه، فجلست صامتا أفرك يدي ~~وأنا أنهج من الجهد، وكان رأسي ساخنا وحلقي ملتهبا، فقدم الضابط إلى فنجان القهوة الذي ~~كان أمامه فلم أتردد في أخذه شاكرا، وكان ألذ شيء عندي في تلك الساعة، وكان الضابط في تلك ~~المدة مطرقا فوق المكتب ينقر عليه بقلم ذهبي في يده، وخاتمه الماسي يلمع بأشعة براقة مع ~~حركة يده، ودق جرس التليفون فاستند إلى ظهر كرسيه، وابتسم وأخذ في الحديث متبسطا مسترسلا ~~كأنه لا يريد شيئا سوى ذلك الحديث، فكان يشير بيده إشارات رشيقة معبرة كأنه يريد أن يؤثر ~~في سامعه على الطرف الآخر من السلك، وكان أسلوبه في الضحك أنيقا له نغمة ظريفة سلت من ~~نفسي كثيرا من حنقي، ولم أستطع أن ألتفت إلى موضوع حديثه؛ لأني شغلت عن ذلك بما كان يدور ~~في ms102 رأسي من الأحاديث الحانقة. # ولما فرغ من الحديث اعتدل في مجلسه، ونظر إلي قائلا: هيه؟ # فلم أدر بأي شيء أجيبه ولا كيف أعبر له عن سخطي واحتجاجي، وما ذنبه هو إذا كان صاحب ~~الشوارب الطويلة قد أساء إلي وظلمني؟ وقلت له هادئا: لست أدري يا سيدي ماذا أقول لك، ~~ولكني أهنت هنا وأوذيت واعتدي على حريتي ولن أتنازل عن حقي. # فنقر على المكتب قائلا: هذا شيء آخر. على كل حال الحاج أمين مخطئ، ولكنه رجل طيب، وكان ~~يجب عليه أن يبدأ بكتابة المحضر بغير دخول في مناقشات لا فائدة منها، ولا ضرورة لها، على كل ~~حال لا حاجة إلى تكبير هذه المسائل الصغيرة. # فصحت: أية مسائل صغيرة؟ # فقال: هذا موضوع آخر نعود إليه فيما بعد، هل أنت سيد أفندي زهير. # فدهشت وكدت أعود إلى غضبي، ولكني قلت في استنكار: نعم أنا سيد زهير. # فقال: هناك بعض أسئلة صغيرة وإن كانت خطيرة، نعم هي أسئلة صغيرة يجب أن تستوفي الإجابة ~~عليها أولا ... # ولكن التليفون قطع حديثه مرة أخرى، فاستند على كرسيه، وأخذ يتحدث متبسطا كما فعل في ~~المرة السابقة، وبدأت أحدث نفسي في أثناء ذلك عما أصابني من الدفع والجر وعن الجحر ~~الأسود المظلم، وقلت في نفسي غاضبا هل يريد هذا الشاب أن يترك كل هذا بمثل هذه السهولة ~~ويسمي كل ما وقع لي «مسائل صغيرة»؟ # ولما فرغ من حديثه قلت له في غضب مكتوم: أحب أن أعرف معنى كل هذا، لم دعيت إلى هنا؟ ~~وماذا تريد أن تفعل لتقتص لي من هذا الجندي الفظ؟ أنا فرد من الشعب، أنا الشعب إذا شئت، ~~فهل تهدر كرامتي هكذا، وألقى في السجن مثل كل عقور ثم يقال لي: «هذه مسائل ~~صغيرة؟» # فقال الضابط مبتسما: حصل خير يا سيد أفندي. قل لي أولا هل خطبت في مسجد التوبة؟ # فقلت في دهشة: وما علاقة هذا بموضوعنا؟ # فقال في هدوء: هذا هو موضوعنا، هنا شكوى لا يمكنني أن أسكت عنها، كنت أتمنى أن تمر هذه ~~الانتخابات ms103 بسلام، ولكن ماذا أصنع في هذه الشكوى؟ # فصحت: أية شكوى؟ كنت أحسب أني دعيت لكي تسمعوا الشكوى التي عندي، كنا بالأمس ضحايا ~~اعتداء فظيع من أنصار المرشح المنافس لنا، حسبت أن في هذا البلد حكومة تمنع الاعتداء وتحفظ ~~على الشعب حريته، هذا ما حسبت أني مدعو من أجله. # فقال الضابط محركا يده في رشاقة: هذا موضوع آخر يا سيد أفندي. # ومد يده إلى دفتر وجعل يقلب صفحاته. # فقلت محاولا أن أكتم غيظي: وهل يمكن أن ننظر في هذا الموضوع الآخر؟ # فقال في هدوء: لا بد أن كل الأمور تأخذ مجراها، هذه الشكوى أولا وهي تقول أنك اعتديت على ~~الذات الملكية. # فصحت من المفاجأة: خبر أسود! # واستمر قائلا: وأهنت الحكومة، وحرضت على قلب نظام الحكم، وفرقت بين الطبقات. # فقلت متكلفا الهدوء: متى فعلت كل هذا؟ # وأخذ قلبي يدق عنيفا، ونسيت الموضوع الآخر. # وقال الضابط: هذه أقوالك مكتوبة، وإذا شئت فاقرأها. # ومد يده إلي بالورقة وأخذت أقرؤها وأنا لا أصدق عيني. كانت بعض أقوالي هناك حقا، ~~ولكنها كانت مقتطفات مقطوعة من هنا وهناك، ووضعت كأنها عبارات متصلة، فهي أشبه شيء ~~بمواد الديناميت المتفجرة إذا أخذ كل منها على حدة كان مأمون الجانب، وأما إذا ركب ~~بعضها مع بعض كانت مادة مدمرة، وبلعت ريقي مرارا وأنا أقرأ والضابط ينظر إلي صامتا وهو ~~ينقر على المكتب بقلمه الذهبي، فلما فرغت من القراءة نظرت إليه مبهوتا، فقال باسما: ~~هيه؟ # فقلت في ثبات: هذا تشويه مقصود. هذا من نوع قراءة: # فويل ~~للمصلين # بغير تكملة الآية. # فضحك مسرورا من التشبيه، وقال: ولكنها من أقوالك أليس كذلك؟ # فقلت: نعم من ألفاظي ولكنها ليست أقوالي. # فسألني: أتعرف كاتب هذا البلاغ؟ # فقرأت الاسم وقلت: لا. لم أسمع بهذا الاسم في حياتي. # فنظر إلي في دهشة وقال: ألم تكن وزانا في محلج السيد أحمد جلال؟ # فقلت في أنفة: هذا كان من زمن. # فسألني: وكيف لا تعرف مصطفى البلقيني؟ # فتوقفت حينا أفكر ثم هززت رأسي بإصرار وقلت: لا أعرفه قطعا. # فنادى الضابط ms104 الجندي الواقف عند بابه قائلا: هات مصطفى البلقيني. # وبعد لحظة عاد الجندي ودخل بعده مصطفى، وصحت في حنق: مصطفى عجوة؟ # فقال الضابط ضاحكا: أنتما صديقان على ما يظهر. # فقلت مندفعا: لا يمكن أن أكون صديقا لهذا، هذا أكذب كاذب وأنذل نذل وأجبن جبان. # فقال مصطفى في استياء: اسمع يا حضرة الضابط، اكتب هذا في المحضر. # فصحت ثائرا: أي محضر؟ أنتم مجموعة من الحشرات القذرة! من الكلاب الضالة، لا تترددون في ~~سفالة، من أجل لقمة تافهة يلقى بها سيدكم عند قدمه تبيعون ضمائركم، ولم تتدارى يا مصطفى ~~يا عجوة في الذات الملكية والحكومة والطبقات وكل هذه الكلمات التي لا تفهم معناها؟ أما كفاك ~~أنك جئت بهؤلاء المجرمين بنبابيتهم لتهدموا السرادق علينا؟ هذه طريقة قطاع الطرق التي تليق ~~بك إذا أردت أن تخدم سيدك وتستحق مكافأته. # ونظر مصطفى عجوة إلى الضابط بابتسامة بلهاء قائلا: أتسمع يا سيدي؟ # فتجاهلت قوله والتفت إلى الضابط قائلا: ليس في الأقوال التي قلتها في خطبتي سوى الطعن ~~في الأنانية والفساد والظلم والطغيان، ليس في أقوالي سوى الاحتجاج على الرشوة وانحطاط ~~الأخلاق العامة وتعريض سمعة البلاد للسخرية بين أمم العالم، ليس في أقوالي غير التحريض على ~~مقاطعة اللصوص وأصدقاء الشيطان والقوادين ومصاصي الدماء وأصدقاء الساقطات وسماسرة السوء، ~~ليس في خطبتي شيء عن ذات ملكية ولا غير ملكية ولا حكومة ولا طبقات، لم أقل سوى أوصاف عامة ~~يريد الشعب أن يتخلص من أصحابها ومن عارها ومفاسدها، فإذا كان هذا يؤخذ على أني أقصد الذات ~~الملكية والحكومة، فالذي يقول هذا هو الذي يجب أن يسأل عن تأويله هذه الأقوال العامة ~~وتفسيرها بأن المقصود هو الذات الملكية والحكومة، هذا هو الجدير بأن يؤاخذ ويحاكم إذا كان ~~الأمر يدعو إلى المؤاخذة والمحاكمة؛ لأنه هو الذي يوجه الإهانة، إنها تجارة رخيصة يستغلها ~~مثل هذا النذل كما يستغل كل سلعة رخيصة. # ونسيت نفسي وأنا مندفع في أقوالي فلم أتنبه إلى أن التليفون دق مرة أخرى، وبدأ الضابط ~~يتحدث بطريقته الخاصة، وسكت حتى فرغ من ms105 الحديث وخيل إلي أنه يتكلم مع شخص كبير؛ لأنه ~~كان يجيب قائلا: حاضر يا فندم! حالا يا فندم! # وعجبت عندما وضع السماعة، ونظر إلى مصطفى قائلا: اذهب أنت الآن وسندعوك إذا احتجنا ~~إليك. # ودهشت لهذا الانقلاب الفجائي، وكدت أقول له: «أريد إذن أن أعرف ماذا تنوي أن تفعل مع ~~صاحب الأشرطة الحمراء، ومع الذين أفسدوا علينا حفلتنا الانتخابية.» ولكني كنت متعبا كارها ~~للبقاء في ذلك المكان الذي تعذبت فيه منذ الصباح، وكان أحب شيء عندي أن أعود إلى بيتي ~~لأستريح من أثر ما عانيت من الآلام والهزات النفسية مع ما كنت فيه من الضعف من آثار ~~المرض. # وقال لي الضابط: «تفضل الآن أيضا إذا شئت، وسأدعوك إذا قضت الضرورة.» # فقمت فاترا وقام الضابط ليحييني باسما، وشكرته بكلمتين مبهمتين، وسرت خارجا أسأل ~~نفسي عن معنى كل هذا، الجحر المظلم والذات الملكية والطبقات ومصطفى عجوة، ثم هذا الانقلاب ~~السريع من التحقيق إلى التحية الباسمة، ولكني كنت في حالة إعياء، وكنت تلوح أمام عيني في ~~كل خطوة أخطوها مناظر أسرة أريد أن أستلقي عليها. # وفتحت باب البيت ودخلت إلى غرفتي آخر الأمر متسللا؛ حتى لا يراني أحد، واستلقيت على ~~السرير بملابسي. # | الفصل العاشر # كنت أحسب أن النوم يسعفني لشدة تعبي، ولكني أحسست بأن كل عصب في جسمي مشدود إلى مداه، وأن ~~كل عرق في بدني يرف، وأن هموم الحياة كلها تتجمع في أعماق صدري، فوضعت يدي تحت رأسي ~~ونظرت إلى سقف الغرفة، وأخذت أعد عروق الخشب مرة بعد مرة لعلي أغفل وأغمض عيني، وهي حيلة ~~كنت ألجا إليها لأصطاد النوم إذا شرد عني، ولكني أعدت العد حتى مللت، ورأسي ما يزال ~~مشدودا كأنه يريد أن ينفجر، وجعلت أدقق في العروق القديمة السمراء، وكانت كثيرة العقد، ~~وجلت بنظري في الألواح الغبراء اللون التي تحتها، وقد زالت عنها قطع واسعة من دهانها الجيري ~~القديم، وكانت بعض أنسجة العنكبوت تلتصق في حناياها وزواياها، والعناكب السوداء في داخلها ~~تتربص بفرائسها وتداعب خيوطها بأرجلها الطويلة راضية عن نفسها، ms106 ورأيت منها عنكبوتا ضخمة ~~تتحفز لذبابة حمقاء تقترب من بيتها، فقلت في نفسي: «هذا هو!» ولو كانت في تلك العنكبوت شارة ~~حمراء لما شككت في أن الله قد مسخ إليها الجندي الفظ صاحب الأشرطة الحمراء، ورأيت برصا ~~كبيرا له لون أحمر قاتم، وكان واقفا في ركن السقف، فتعجبت كيف لا يهوي إلى الأرض وهو يمشي ~~مقلوبا برجليه إلى أعلى، وكان غليظ الجسم كبير الرأس، وكان وجهه منقطا بآثار تشبه آثار ~~الجدري كأنه وجه مصطفى عجوة، هذه الحشرات القذرة التي تتربص بفرائسها وتلتصق بأقدامها إلى ~~السقف وتدلي رءوسها إلى أسفل! # وكان هناك ثقب في جانب اللوح يصلح أن يختفي فيه البرص ويتدارى عن عيني، ولكنه لم يفعل، ~~حتى الأبراص لا تحب الجحور المظلمة، وأما أنا فإني أسجن في تلك الغرفة الخانقة ويغلق ~~علي الباب، وما تزال قبضة يدي تؤلمني من أثر الخبط وما تزال أنفاسي تضطرب من أثر ~~الغيظ. # ونظرت إلى الساعة التي في يدي، فوجدتها الثانية بعد الظهر، وأرهفت سمعي إلى حركة البيت ~~فلم أسمع حسا، وكان عجيبا أن يكون الهدوء عميقا في يوم الجمعة وأمي وأختي بالمنزل، ~~وشعرت بشيء من الخيبة؛ لأني بقيت في الغرفة وحدي، ولم يسأل أحد عني. # وعدت أنظر إلى السقف، وغاظني منظر البرص والعنكبوت فأغلقت عيني حتى أتجنب النظر ~~إليهما. # ولم أدر كم كانت الساعة عندما بدأت أغفو؛ لأني لم أتنبه من نومي إلا بعد المساء، وكانت ~~أمي جالسة في سكون إلى جانب سريري تنظر نحوي، والدموع تسيل من عينيها الحمراوين، فلما فتحت ~~عيني قامت إلي وأهوت على جبيني تقبلني وهي تبكي بكاء مرا. # وقالت في بكائها: لم تعرض نفسك للأذى يا ولدي؟ # وجلست على الكرسي تمسح عينيها، وقالت: لم نعرف ما حدث إلا من هذه الورقة التي تركتها على ~~المنضدة، لم تقل لي كلمة وأنت خارج وتركتنا هكذا لا نعرف أين أنت ... ولما قرأت منيرة ~~الورقة اصفر وجهها كأنه ليمونة، فعرفت أن في الورقة شيئا مزعجا ... إنها داهية كبيرة يا ~~ابني، وحماك الله من ms107 مركز البوليس ومن كل ما يؤذيك، وأما عبد الحميد فالله يبارك فيه ... هذه ~~دعوة خالصة من قلبي ... الله يحميه لأمه المسكينة ... لم أر أمه منذ سنين، ولما رأيتها وجدت ~~كأني لم أنظر إليها منذ مائة سنة ... وطلبت منها أن ترجو عبد الحميد أفندي ليذهب معي إلى أحد ~~المحامين وإلى مركز البوليس لنعرف السبب في دعوتك إلى هناك ... وفي دقيقة واحدة كان عبد ~~الحميد أمامي، وأراد أن يخرج وحده ليعمل كل شيء وهو لا يعلم أن قلبي يشتعل ... هكذا الشباب ~~دائما لا يعرفون قلوب الأمهات، ولكني قمت معه لأراك ولو من بعيد ... مركز البوليس؟ إنها ~~داهية كبيرة، وركبنا عربة ولم أعرف ماذا قال عبد الحميد أفندي للسائق، حتى نزلنا أمام بيت ~~السيد أحمد جلال ... # فوثبت من سريري وقلت في صيحة مبحوحة: السيد أحمد جلال؟ # فقالت أمي: الله يستره السيد أحمد ويحميه يا ابني، والله لولا هو لما أمكننا أن نعمل ~~شيئا ... ومن كان يقدر أن يكلم الحكام كما كلمهم؟ ... ومن كان يقدر أن يجعل المدير ~~يأمر الضابط ... # فقاطعتها في ضيق: كانت الحجرة المظلمة أهون علي من هذا. # فصاحت وهي تخبط صدرها: الحجرة المظلمة؟ يا للمصيبة! قلبي أحس بهذا عندما عرفت أنك في مركز ~~البوليس، حيث يذهب اللصوص وقطاع الطريق والفلاحون المجرمون ... الله يبارك فيك يا سيد أحمد ~~يا جلال. # فعدت مستلقيا على ظهري، ووضعت يدي تحت رأسي، وعزمت على أن أستغرق في التفكير في ~~العنكبوت؛ لأصرف نفسي عن سماع أقوال أمي، ووضعت أمي يدها على رأسي وأخذت ترقيني، ودخلت ~~منيرة عند ذلك فقالت في مرح: الحمد لله على السلامة، كفارة يا سيد بك! # فلم أرد عليها، وفرغت أمي من القراءة فالتفتت إلى منيرة قائلة: لا تنسي أن تزوري مني ~~يا حبيبتي، حماها الله وحمى الشباب جميعا، كانت تحيي أختك كأنها أختها وجلست طول الوقت ~~جنبي ومالت على يدي وهي تسلم علي عند انصرافي. # يا رب يا ابني أعيش حتى أرى لك عروسا مثلها، كانت أمها من الفرحة مثل شابة بنت عشرين ms108 ~~سنة، العقبى لك يا ابني، كان الباشا هناك ليقدم الشبكة. # وأحسست برأسي يدور لانتقال أمي في حديثها من موضوع إلى آخر، ولكني ما كدت أسمع ذكرها ~~لمنى حتى تحولت كل أعصابي المشدودة إلى آذان، عروس مثلها؟ والعقبى لك يا ابني؟ والباشا يقدم ~~الشبكة؟ فهل كان مصطفى عجوة صادقا؟ # وقلت في صوت خافت: شبكة من؟ # فقالت أمي: شبكة منى، وعريسها محمود خلف، الله يحمي الشباب يا ابني. # فطنت أذناي وحاولت أن أصرف النظر إلى السقف، ولكني لم أر أمامي شيئا، ودوت في رأسي رحى ~~تقول كلمة واحدة: «شبكة منى!» # ولولا وجود أمي وأختي إلى جانبي لأدرت وجهي إلى المخدة وبكيت حتى أخفف الضغط الذي ملأ ~~قلبي. # وقلت لأمي متكلفا الهدوء: أحب أن أستريح قليلا. # ووليتها ظهري كأني أريد أن أنام. # ولما أغلق الباب من وراء أمي وأختي وجدت نفسي أنفجر باكيا كأني طفل بائس، ومرت علي ~~ساعة مظلمة قبل أن أسمع صوت أمي من خارج الباب تناديني: أنت صاح يا سيد؟ # فقلت في فتور: من؟ # فقالت: عبد الحميد أفندي هنا. # فقلت: سأحضر حالا. # وقمت مسرعا لأغسل وجهي أولا، وتعمدت أن أبدل قميصي، وأمشط شعري حتى أبدو نشيطا وذهبت ~~إلى غرفة الجلوس، فأخذني عبد الحميد بين ذراعيه وكان قلبي يفيض بشكره، ولكني لم أقل له سوى ~~كلمة عتاب: أهكذا تحملني جميل السيد أحمد جلال؟ # فقال في جد: لم يكن أمامي إلا أن ألجأ إليه هو، أدركت من أول الأمر أنه هو الذي حرك ~~عليك البوليس، وأنه هو الذي يقدر على صرف البوليس عنك. # وشعرت بكلمته تلذعني، ولكني لم أجب بل أخذت أقول في نفسي ساخرا: «أنا الشعب!» # وأخرج عبد الحميد من جيبه بعض أوراق، ثم مد إلي يده بظرف أنيق قرأت عليه اسم «بريد ~~الأحرار»، فأخذته منه في فتور قائلا: ما هذا؟ # فقال: هذا خطاب جاء إلي الآن من صديقي علي مختار، فاقرأه وقل لي رأيك. # وأخذت أقرأ الخطاب وعيناي تقفزان فوق الأسطر حتى بلغت آخره ووجدته يستحق أن يقرأ في ~~عناية، ms109 فأعدت قراءته مرة أخرى ولا شك أن وجهي كان ينطق بما في نفسي من الاهتمام، محرر في ~~بريد الأحرار؟ وعشرون جنيها في الشهر دفعة واحدة سوى أجر القصص التي أكتبها؟ خمسة جنيهات ~~للقصة الواحدة؟ # وأعدت الخطاب إلى صاحبي وأنا صامت وذهني مشتعل، وماذا بقي لي في دمنهور؟ أأبقى هناك ~~لأحضر حفلة خطبة منى؟ يا للسخرية! ولكني تذكرت المعركة التي دخلت من أجلها الحجرة ~~السوداء، وقلت لصاحبي في دفعه: لن أستسلم هكذا. # فقال: لست أفهم. # فقلت: سأبقى هنا حتى تنتهي المعركة. # فقال: حتى بعد هذا الجميل الذي قدمه السيد أحمد جلال؟ # فقلت في عناد: بل من أجل هذا الجميل. # فقال في تهكم: ولكن المعركة كادت تنتهي أو قد انتهت. # فقلت متحديا: إنها لم تبدأ بعد، سيعرف السيد أحمد جلال أني لا أرهبه، سيعرف أنه لا يقدر ~~على تحطيمي، لقد قال لي مرة إنه يستطيع أن يسحقني وأن يحطمني، وأظنه يحسب الآن أنه جعلني ~~أعرف مقدرته على ذلك، لن أترك دمنهور حتى يعرف أنه لا يستطيع أن يحطمني. # فقال عبد الحميد في هدوء: إذا شئت أن تحارب وحدك فافعل. اجعلها معركة من جانب واحد مثل ~~دون كيشوت إذا شئت. # فقلت في غيظ: لن أترك المعركة. # فقال: حتى بعد أن تنازل العجمي؟ # فصحت: مستحيل! # فقال: هذه هي الحقيقة، لقد تنازل العجمي عن ترشيحه. # فقلت في مرارة: نذل آخر، لا شك أنه لم يكن في تمام عقله. # فقال ضاحكا: بل كان في تمام عقله؛ لأنه عرف مصلحته. # فقلت: إنها سخرية. عبث دنيء وإهانة للشعب الذي كنا نتحمس له، هل كنا نخدع الناس ونهزأ ~~بهم عندما كنا نتحدث إليهم، لست أدري ماذا حمل ذلك الأحمق على هذا التنازل. # فقال في سخرية: كان تعويضه عظيما. # وامتلأت غيظا لقول صاحبي كأنه هو الذي تنازل عن الترشيح. # وصحت به: أي تعويض؟ # فأجاب باسما: التعويض عن رسوم الانتخاب وعن الأضرار التي أصابته في هدم السرادق وعن ~~أتعاب أنصاره الذين كانوا يقومون بالدعاية لترشيحه. # فقلت حانقا: النذل! أتعاب أنصاره ؟ هل ms110 نحن هؤلاء الأنصار؟ أكان العجمي يستأجرنا للدعاية؟ ~~ألم يدفع له أهل المدينة تأمين الانتخاب؟ ألم نجمع نحن فيما بيننا أجرة السرادق؟ هل قال ~~حقا إنه كان يدفع أجرا للأنصار الذين كانوا يساعدونه بالدعاية؟ # فقال كأنه يريد غيظي: طبعا، وهذا ما يقوله الناس جميعا. هل يظن أحد أن هناك حمقى ~~يساعدون مرشحا لوجه الله تعالى؟ # وكنت أزيد غليانا كلما رأيته يضحك ساخرا، ولكني كدت أنفجر غيظا عندما استمر قائلا: ~~واعلم أيضا يا سيدي العزيز أن محمد باشا خلف تنازل هو الآخر للسيد أحمد جلال، أما تزال ~~تريد أن تخوض المعركة؟ # فوثبت على قدمي كأني أتحفز لمصارعة، وتمنيت لو كانت الحجرة واسعة فأنطلق فيها صارخا ~~كالمجنون ألعن وأشتم وأهتف بسقوط الأنذال جميعا، أهكذا تجري الأمور؟ ولم تنازل محمد باشا ~~خلف؟ أكانت منى ثمنا لتنازل الباشا الأجوف؟ # وقلت لصاحبي في حقد وحنق: سأسافر غدا إلى القاهرة في أول قطار. # ثم عدت إلى مقعدي خائرا كأن هذه الوقفة القصيرة كانت مجهودا شاقا، وأخذت أحدث نفسي ~~بصوت عال: إنها مخزاة أن نعيش في مجتمع كهذا، الرجال عبيد يساقون بالسياط أو يشترون ~~بالمال، والنساء أيضا يعرضون في أسواق الرقيق كما كانت الجواري تشترى، الذهب هو ~~المعبود، ومن أجل الذهب يبيع الجميع كل ما عندهم حتى الحرية والكرامة، وحتى الحب، هي معركة ~~أكبر خطرا لا تتسع لها دمنهور. # وكان عبد الحميد ينصت إلي وهو مطرق مستند إلى ذراعيه فوق المنضدة، وقال ولم يرفع رأسه: ~~هذا صحيح يا صديقي، اذهب أنت وجاهد بقلمك وأعاهدك على أن أذهب أنا كذلك وأستمر على جهادي ~~في مدرستي، لا أمل لنا في شيء إلا أن نعلم ونعلم ونعلم حتى تذهب هذه الأجيال ~~الملوثة، ثم يخرج جيل جديد، أنا أعلم في المدرسة وأنت تعلم بقلمك في الصحافة حتى ~~ينشأ جيل جديد يستطيع أن يفهم الحرية والأمانة والصدق. # فصحت مندفعا: هذا عين الخطأ يا سيدي، لست أقصد شيئا مما تقول يا سيدي، هذا خطأ يقع فيه ~~كل الذين يفكرون بعقولهم وحدها. ماذا يعنيني من ms111 قلمي ومن مدرستك؟ إذا كان لا بد لنا أن ~~ننتظر حتى ينشأ جيل يستطيع فهم الحرية والأمانة والصدق فلننتظر طويلا. لا أفهم هذا ~~أبدا. # فقال: وماذا تفهم إذن؟ # فقلت في غل: لا أفهم سوى ما يفهمه كل حي، أفهم أن أذهب لأجاهد، وأجمع الناس من أهل هذا ~~الجيل نفسه ليجاهدوا، هؤلاء الذين أعيش بينهم وأراهم وأعاملهم هم الذين يقع عليهم واجب ~~الجهاد من أجل حريتهم وكرامتهم وحقوقهم المسلوبة، لا شيء غير أن يقوم العبيد بالثورة من أجل ~~حريتهم. # فقال في ثبات: هذا تكليف الطبيعة فوق طاقتها، العبيد لا يعرفون الحرية ولا يتحمسون لها ~~ولا يجاهدون من أجلها، الأدب والعلم مثل قطرات الماء تنزل على الصخور قطرة قطرة فتذيبها ~~وتحللها. # هذا محقق وإن كان يحتاج إلى زمن. # فصحت ساخرا: الزمن! الخرافة! ألست أنت الذي قلت إن الزمن لا معنى له إلا في عقولنا؟ ما ~~هذه التشبيهات المضللة؛ الماء والصخرة والقطرات التي تنزل نقطة نقطة؟ هذه كلها مغالطات ~~نلجأ إليها عندما لا نريد أن نعرض أنفسنا للمجهودات الشاقة أو الأخطار الشديدة. # فقال في تحد: كأنك تريد الثورة. # فقلت في غيظ: أتريد أن ترهبني بهذا السؤال؟ نعم أريد الثورة ولا شيء غير الثورة. # فهز رأسه قائلا: أنا أخالفك هنا. الثورة الشعبية تدمر ولا تفكر، ولو فرضنا أن ~~الثورة نجحت فإنها لن تجد الشعب الذي يحسن الاستفادة منها. قد نرضى عن الثورة التي تدمر إذا ~~جنينا من ورائها خيرا، ولكن الثورة التي لا يستفاد منها لا تكون إلا شرا محضا. # فقلت في عناد: وماذا يمنع من أن نستفيد من الثورة؟ لقد قرأت كثيرا عن ثورات التاريخ، ~~وتعلمت من ذلك حقيقة واحدة خالدة، نحن جميعا من البشر وفينا ~~جميعا عناصر الخير والشر، وفينا عناصر القوة والضعف، في ~~نفوسنا الأنانية والتضحية، وفينا الشجاعة والجبن، وفينا العدل والطغيان، نحن ننطوي في ~~الوقت عينه على السماحة واللؤم وعلى السمو والإسفاف، من الممكن أن تتغلب علينا عناصر الشر ~~التي فينا، كما أنه من الممكن أن تتغلب علينا عناصر الخير، ms112 العبرة بالقوة التي تثير هذه ~~العناصر أو تلك. # فقال في هدوء: عظيم يا سيدي، ولكن هل نسيت أنك تجعل كل الأمور متوقفة على شرط غير ~~موجود؟ أين هذا المحرك الذي يبعث عناصر الخير؟ هذا المحرك لا وجود له إلا في داخلنا، ~~وعلينا أن نخلقه في الناس بالأدب والتربية. # فقلت في عناد: المسألة مثل الحلقة المفرغة، لن نستطيع أن نصلح داخلنا ما دامت السيادة في ~~أيدي الأنذال والأشرار والسفلة. # ولا نستطيع أن نصلح أمورنا إلا إذا أصلحنا داخلنا، حلقة مفرغة لا نعرف أين طرفاها. # ليس أمامنا إلا أن نثور على هؤلاء السادة المفسدين لنخلع عنا نيرهم ونحل في محلهم ~~من يثير في الناس عناصر الخير، نحن الشعب، نحن العبيد المحطمون، علينا أن نثور إذا شئنا ~~أن ننجي أنفسنا من العار ونحمي ظهورنا من ضرب السياط، الثورة ولا شيء غير الثورة! # فقال صاحبي في نغمة حزينة: قد أوافقك إذا أمكن أن تكون الثورة عاقلة لا تهدم بل تبني وتضع ~~الأمور في أيدي الحكماء لا الحمقى، ولكن هيهات! # فقلت في تبرم: هادئ مثل الملائكة! # فرفع رأسه وكان وجهه محتقنا كما كان يحتقن في صباه إذا كبت شعوره، ثم قال: كنت دائما ~~تتهمني بالهدوء وتقصد بذلك الفتور؛ لأني لا أرضيك بالتحمس الثائر، لا يا سيدي فأنت لا ~~تعرف ما في داخل قلبي، لست أخشى الثورة ولكني أخشى الفوضى. # وضاق صدري من هذا الجدل، فقلت وأنا قائم: هذا أسلوبك في التفكير دائما: أنت تريد أن ~~تنتظر مع الزمن مع أنك تؤمن بأن الزمن خرافة، وأن الحركة هي الحقيقة، وأنا أريد أن أستعجل ~~الأمر بإحداث الحركة القوية التي تختصر الزمن. # فقام ومد يده مصافحا وقال مبتسما: هذا حسن يا صديقي، دعني أمد لك يدي لأقول لك: إننا ~~مختلفان حقا في الأسلوب وإن كانت غايتنا واحدة، لعل في طبعك أن تكون مجاهدا في ~~الطليعة، فدعني أنا لأكون مجاهدا في المؤخرة. # فقلت وقد شعرت بالأسف على عنفي: أحب أن تعرف يا صديقي مبلغ شعوري بأني مدين لك . # وشددت ms113 على يده في إخلاص، ثم قلت: سأحاول أن أعود إليك بين حين وآخر؛ لأتزود من أحاديثك، ~~فإنك بمناقشاتك تفتح لي آفاقا جديدة ما كنت أراها. # وقمت لأشيعه إلى الباب وأنا شاعر بأني أشيع أستاذي. # | الفصل الحادي عشر # قمت مبكرا في اليوم التالي لأسافر في أول قطار إلى القاهرة، وجلست للإفطار مع أمي وأختي، ~~وأحسست عند ذلك بأني مقدم على خطوة خطيرة، سأفارق كل من لي في الحياة، وسأترك دمنهور التي ~~عرفتها حارة حارة وبيتا بيتا ودكانا دكانا، وخيل إلي أنها أعز البلاد وإن كنت ~~قاسيت فيها ما قاسيت، ولم أجد قبولا لأكثر من فنجان من الشاي باللبن، وقبلت يد أمي في ~~شغف، وحملت حقيبتي وعرضت علي منيرة أن تسايرني في ذهابها إلى المدرسة حتى نبلغ المحطة، ~~ونزلنا ودعوات أمي تشيعنا من فوق السلم، ولم أنس أن أقرأ الفاتحة لسيدي «أبو طاقية» عندما ~~مررت قريبا منه، وأخذت أحدث أختي عن خطتي التي عقدت النية عليها: وهي أن أفارق دمنهور ~~العزيزة إلى الأبد، وشعرت بغصة في حلقي وأنا أقول لها هذا، وكدت أحدثها عن منى، ولكني لم ~~أجرؤ، فاكتفيت بأن قلت لها: هل أعددت ثوبك الجديد؟ # ولكني ارتبكت عندما تذكرت أنها لم تدع لحفلة الخطبة إلا منذ ليلة، فأسرعت قائلا: ~~عندك أسبوع كامل لتذهبي إلى خياطة ماهرة، ستكونين بغير شك أجمل فتاة هناك. # فقالت باسمة: ما عدا منى طبعا، إنها أظرف فتاة عرفتها وكأني لم أفارقها منذ كنا ~~أطفالا. # وكان بودي أن أسألها: هل كانت سعيدة؟ وهل قالت لها شيئا عن خطيبها؟ وهل سألتها عني؟ ~~ولكني لم أجرؤ، وتركتها تسألني عن نيتي في الإقامة بالقاهرة، وهل أعتزم الإقامة وحدي أم ~~ننتقل جميعا لنكون معا، وأخذت أجيبها إجابات مبهمة؛ لأني كنت في الحقيقة لا أدري بم ~~أجيب. # وبلغنا المحطة فصافحتها بهزة من يدي وأخرى من قلبي، وسرت مسرعا والحقيبة الخفيفة تهتز في ~~يدي، وخيل إلي أن منظر الميدان وما حوله من الأبنية أجمل المناظر، وأن نسيم الصباح ~~الرطب أروح الأنسام، وعرجت على شباك ms114 التذاكر، فاشتريت تذكرة من الدرجة الثالثة ودفعت جنيها ~~من الجنيهات العشرة التي أخذتها من أمي قبل خروجي، ثم سرت لأهبط إلى المحطة فسمعت صوتا من ~~خلفي يصيح قائلا: «يا أفندي.» فالتفت إلى ورائي، وكان أحد الحمالين يناديني قائلا: ~~«نسيت بقية الجنيه.» فعدت إلى شباك التذاكر واسترددت ما بقي لي، ثم اشتريت نسخة من «بريد ~~الأحرار» من بائع الصحف وكان منظرها في عيني بديعا، وأخذت أتأمل عناوينها الكبرى باللون ~~الأحمر واللون الأسود والصور الأنيقة التي تزين صفحاتها، وداخلني شعور بالاعتزاز بأنها ~~جريدتي. # وجاء القطار وكان الزحام شديدا، فاستطعت بعد جهد أن أدخل العربة وأضع حقيبتي على طرف ~~الرف، ووقفت على مقربة من الباب، وارتكنت على ظهر المقعد الذي ورائي، وأخذت أقلب صفحات ~~الجريدة على مهلي. # ولكن الحقول الخضر كانت تنتزع نظري من الصحيفة، فلم أستطع أن أقرأ شيئا، كانت جوانب ~~الطريق بساطا أخضر من القمح والبرسيم تزدهر بما فيها من النوار والبقر والغنم والأطفال في ~~ملابسهم الملونة، ورأيت طفلا عاريا كما ولدته أمه يتمرغ في طين بركة، فلوحت له بيدي ~~ورد علي التحية بأن قذفني بحفنة من الطين، وبصق في وجهي من بعيد، مسكين هو الآخر؛ لأنه ~~لم يعرف للتحية ردا سوى هذا، وفيما كنت سابحا في أفكاري شعرت بيد تسحب الجريدة من تحت ~~إبطي، فالتفت إلى الوراء لأرى رجلا ضخما في المقعد الذي ورائي يبتسم لي قائلا: «تسمح؟» ~~ولم ينتظر حتى أسمح وأخذ الجريدة قبل أن أقول له: «تفضل.» # ولما وقف القطار في المحطة التالية خلا المقعد الذي إلى جنب الرجل، فدعاني للجلوس وبدأ ~~يحدثني، فقال: إلى أين؟ # فقلت مختصرا: إلى مصر. ~~- أنت موظف؟ # وتمنيت لو سكت ولكنه استمر قائلا: أنت أبونيه؟ ~~- لا. ~~- لا مؤاخذة، أظنني كنت مخطئا، هو يشبهك تماما. ~~- من هو؟ ~~- علي أفندي مبارك الأبونيه. اسم الكريم؟ ~~- سيد زهير. ~~- تشرفنا، كنت في يوم من سنتين - ولا مؤاخذة - كنت أركب هذا القطار نفسه، فركب علي أفندي ~~الأبونيه من دمنهور، وكنت لا أعرفه، وتعارفنا كما نتعارف نحن الآن، ونصب علي ms115 في ~~جنيهين. # ولم أجد جوابا فبقيت صامتا. # واستمر يقول: من ذلك اليوم صرت أتوقع أن أراه كلما مررت بمحطة دمنهور، ومن العجيب أن ~~الجميع يشبهونه؛ ولهذا سألتك هل أنت أبونيه. # فانفجرت ضاحكا وقلت: أشكرك، على كل حال لست أنا. # فضحك هو الآخر قائلا: لا مؤاخذة، يخلق من الشبه أربعين ... # ومد رجليه واستند إلى الكرسي قائلا: فرصة سعيدة على كل حال، أنا الحاج عبده صاحب محل ~~الصابون العطري. # فقلت: مصنع؟ # فأجاب ضاحكا: كل الناس يقولون هذا إذا سمعوا الاسم، ولكنه صالون حلاقة وأرجو أن ~~تشرفنا، شارع المحطة بكفر الزيات، مع السلامة! # وكان القطار قد هدأ سرعته للوقوف في المحطة، فقام الرجل يستعد للنزول، وسألني أن أساعده ~~على حمل ربطاته الكثيرة، فناولته إياها من النافذة وانشغل عني بمقاولة حمال المحطة حتى ~~تحرك القطار. # وجلست إلى جانب النافذة في المكان الذي خلا من الرجل، وأخذت أنظر فيما حولي، ثم استرعى ~~سمعي خصام رجلين من الركاب، وما لبث أن اشترك سائر الركاب في المناقشة، وأصغيت إلى حديثهم ~~الحانق مرغما، وأنا أعجب من حرصهم على النزاع مع أنهم في رحلة، ولكني رجعت إلى نفسي فقلت: ~~إن الخصام أمر طبيعي لا حيلة للناس فيه وإن كانوا في رحلة قصيرة، وهل حياتنا نحن إلا رحلة ~~قصيرة مهما طالت؟ # واستمرت المناقشة تخبو حينا وتستعر حينا حتى اقتربنا من القاهرة، فكانت تسلية مفيدة ~~سهلت على الركاب قطع الوقت بغير أن يملوا، ألسنا نفعل ذلك عندما نقضي حياتنا في ~~خصومات متصلة؟ # ووصلت إلى القاهرة أخيرا وركبت الترام إلى «بريد الأحرار»، ولما صرت أمام المبنى الكبير ~~وقفت في حيرة لا أدري ماذا أصنع بحقيبتي، ولو كانت حقيبة محترمة لما همني أمرها، ولكنها ~~كانت قديمة من الورق المقوى ولا أعرف كيف أسمي لونها؛ لأني نسيت ماذا كان لونها عندما ~~كانت جديدة، وكان لها قفل واحد سليم يعلوه الصدأ، وأما الآخر فكان يأبى إلا أن يمد لسانه ~~إلى فوق كأنه يسخر مني، ورأيت على مقربة من الدار دكان بقال فذهبت إليها لعل صاحبها ms116 ~~يرضى بإيداع الحقيبة عنده حتى أعود من مقابلة الأستاذ علي مختار، وكان صاحب الدكان رجلا ~~كهلا له لحية وخطها الشيب وتبدو على ملامحه الطيبة، ولكنه بعد أن رد على السلام في بشاشة ~~لم يرض أن أودع الحقيبة عنده خشية من أولاد الحرام الذين اعتادوا أن يضعوا في حقائبهم ~~أشياء خبيثة يدسونها على الناس ليوقعوهم في التهم. # ففتحتها له وأنا في خجل شديد منها، وأخذت أنفض له كل قطعة فيها ليرى براءتها حتى قبل ~~آخر الأمر أن يودعها عنده. # | الفصل الثاني عشر # كانت المقابلة الأولى بيني وبين الأستاذ علي مختار مرضية لكبريائي؛ فقد استقبلني في ~~مكتبه الأنيق مرحبا باسما وناداني قائلا: مرحبا يا أستاذ سيد. # وهو شاب صغير الجسم له نظرة تدعو إلى الإيناس وصوت مليء يبعث الثقة، ونظر في وجهي أو ~~بقول آخر نظر في عيني ولم يفحص بنظراته ملابسي ولا حذائي، بل لم يلتفت إلى لحيتي التي طال ~~شعرها، وهو في مثل سني، ويسترعي النظر بعنايته بملابسه وشعره ورباط رقبته، وفي يده خاتم ~~يلمع في ضوء الكهرباء، وفي صدره دبوس ذهبي له فص لا يقل عنه لمعانا، ولم يقم لاستقبالي ~~بل مد يده نحوي وهو جالس وأشار إلى كرسي بجواره ودق الجرس ثم طلب فنجانين من القهوة. # ولم يضع وقتا في كلام كثير، ولكني شعرت من أول لحظة بارتياح واطمئنان؛ ولهذا لم أتحفظ ~~في كلامي كما كنت عازما من قبل. سألني: متى وصلت إلى القاهرة؟ # فقلت: ظهر اليوم. # فقال: آسف إذا فاتتني فرصة الغداء معك. # فقلت ضاحكا: فاتتني أنا. # فقال باسما: وأين نزلت؟ # فقلت: لا تزال حقيبتي عند الشيخ مصطفى حسنين، وهو بقال قريب من هنا. # فضحك ملء صدره قائلا: بداية حسنة. # وتذكرت كلمة مثلها قالها لي السيد أحمد جلال في موقف يختلف كل الاختلاف عن موقفنا هذا، ~~ومع انصرافي التام إلى حديث الأستاذ علي مختار لم أملك نفسي من العودة حينا إلى صورة منى، ~~أما من سبيل لأعلمها بأني أصبحت في القاهرة ومحررا في بريد الأحرار؟ # وجاء الفراش ms117 يحمل القهوة فأتاح لي فرصة لتأمل صورة منى، لقد بدت لي في آخر مرة رأيتها ~~فيها مثل الزهرة البديعة تظهر في بستان رائع من وراء السور الشائك، فرسمتها في قصيدتي ~~وناجيتها كما أناجي الزهرة الجميلة التي لا أستطيع أن أمد إليها يدي، وها هي ذي الأيام ~~تظهر لي أن ذلك الخاطر كان أصدق من نبوءة. # ولما رفعت بصري إلى الأستاذ علي مختار وجدته ينظر إلي فاحصا، فاعتراني شيء من ~~الارتباك ولكني سارعت إلى التغلب عليه، وأخذ يسألني عن صاحبي عبد الحميد ففتح لي بابا ~~واسعا من الحديث، وانطلقت أحدثه عن الاختلاف الذي بين نظرتي إلى الأمور وبين نظرته، بين ~~الثورة السريعة وبين التطور الذي ينتظر مرور القرون قبل أن يهيئ الشعب للحرية. # وكان يستمع إلي في صمت كأنه يريد أن يسبر أغواري. # ولما فرغت من حديثي وجدته ما يزال ينظر إلي باسما وقال: أشكرك على الإسراع إلى إجابة ~~رجائي، وأعتذر إليك من قلة المرتب الذي عرضته عليك. # فقلت مسرعا: هذا فوق الكفاية. # فتبسم قائلا: أنت رجل طيب فترضى هكذا سريعا، ولكن الجريدة تشق طريقها برغم كل شيء، ~~وسنكبر معا. # فقلت متحمسا: أنا سعيد بأن أعمل معك يا سيدي. # فقال مبادرا: أحب أن أبين لك طريقتي في العمل حتى لا يداخلك شيء من سوء الظن عندما تعرف ~~أنك ستبدأ عملك بقراءة البروفات، هذه هي طريقتي. # فقلت في سري: «هكذا أبدأ دائما: كتابة الأرقام على البالات هناك وقراءة البروفات ~~هنا.» # وأخرجت من جيبي مجموعة من الأوراق فيها قصة جديدة، ومددت بها يدي نحوه. # فأخذها قائلا: قصة أخرى؟ أهنئك يا أستاذ سيد ببراعة أسلوبك، ولا تظن أني أقلل من شأنك ~~عندما أطلب منك أن تراجع البروفات، هذه طريقتي عندما يدخل إلى الأسرة عضو جديد، أحب أن ~~يتعرف هذا العضو الجديد إلى كل الأعضاء الآخرين وأحسن وسيلة لمعرفتهم هي قراءة أفكارهم في ~~دقة واهتمام، ستعرف أفراد هذه الأسرة من ناحيتها الهامة وهي أقلامها. # فقلت مسرورا: هذه نظرة صائبة وأنا سعيد بأن أعمل معك . # ووقفت ms118 لأنصرف فمد إلي يده مصافحا، ولكنه وقف لي في هذه المرة قائلا: إلى اللقاء غدا في ~~الصباح. # وخرجت من عنده وأنا أسأل نفسي أي صنف من الناس هو، ومع كل ما ظهر لي من بشاشته وأدبه ~~خرجت من عنده وأنا أحس أنه أعمق غورا مما يبدو. # وذهبت إلى دكان الشيخ مصطفى فوجدته جالسا على الدكة عند مدخل الدكان وفي يده رغيف محشو ~~بجبن يقضم منه، فلاقاني كما لو كنا أصدقاء منذ سنوات وقال لي: مرحبا. # وفسح لي مكانا إلى جنبه وأخذ يسألني عما جئت من أجله، ولما علم أني كنت مع الأستاذ علي ~~مختار قال في حماسه: علي بيه؟ # فقلت: أتعرفه؟ # فأجاب ضاحكا! أراه كل يوم ولكني لا أعرفه. # وكنت لم أطعم شيئا منذ الصباح فقلت: أتسمح لي بشيء من الطعام؟ # فمسح فمه بيده قائلا: رغيف وجبنة وحلاوة وسردين وكل ما تريد. # وقام ليجهز لي الطعام ثم وضعه على الدكة فوق ورقة قديمة من أوراق الصحف قائلا: تفضل بألف ~~هنا. # وأخذت آكل بشاهية عظيمة وهو يبادلني الحديث، وأخذ يسألني عن قصدي حتى عرف أني جئت لأعمل ~~محررا في الجريدة. # ولما عرف أني من دمنهور قال لي: تشرفنا، أحسن تجار أهل دمنهور. # فقلت مباهيا: وأنا كذلك كنت تاجرا. # ففرك يديه بعد أن فرغ من طعامه وقال: الحمد لله، رضا، اسمع يا أفندي، الأرزاق بالله فلا ~~تحزن ولا تيئس، التجارة مثل المرأة اللعوب تضحك مرة وتغضب عشرين، هل خسرت ~~كثيرا؟ # فقلت: لم أخسر بل ربحت. # فقال في دهشة: ومع ذلك تترك التجارة؟ وماذا تريد من هذه الجريدة؟ تكتب فيها؟ ما هذه ~~الخيبة! اسمع يا سيدنا الأفندي، إذا كنت لم تخسر في التجارة فارجع إليها حتى تخسر، اسمع ~~نصيحتي ولا تشتغل في الجرائد، كلام فارغ، كل جريدة تشتم الأخرى وكل كاتب يقول للآخرين: ~~«أيها اللصوص» «أيها الخونة» يعني إن الجميع لصوص وخونة، فماذا تريد؟ ارجع إلى التجارة ~~وافعل مثلي، والله لو أعطاني علي بيه خمسين جنيها في الشهر لم أقبل أن أترك ~~التجارة. ms119 # فضحكت قائلا: لست أصلح للتجارة. # فقال: قلت لك إنها كالمرأة اللعوب، تضايقك؟ لا تتضايق. تحزنك؟ لا تحزن، صالحها، ضاحكها ~~راجعها بكل وسيلة، وإذا لم ترض عنك عاملها بالقوة، اضربها، العنها، جرها من شعرها، ولكن لا ~~تيئس، الحمد لله، رضا! # وأخذ يقبل يده ظهرا لبطن. # فقلت له: يظهر أني لم أخلق لها. # فقال وهو يهز رأسه: مسكين! الله يساعدك. # ولما فرغت من طعامي مسحت يدي وفمي في منديلي، ودفعت له الثمن وقمت قائلا: تسمح لي ~~بإبقاء الحقيبة عندك؟ # فقال: مرحبا! محلك يا سيدي، تفضل في أي وقت لغاية الساعة العاشرة، أين تقيم؟ # فقلت: لا أدري. # فقال: اسمع يا أفندي. اسم الكريم؟ # فقلت: سيد زهير. # فقال: عاشت الأسامي، اسمع يا سيد أفندي، أنت رجل طيب ويظهر أنك ابن ناس طيبين، وعندنا ~~غرفة في سطح البيت وكان فيها رجل طيب مثلك، فيها سرير وكرسي أسيوطي وكنبة وشباك بحري وقدمها ~~أخضر، لم يبق صاحبنا هناك إلا سنة ثم انتقل بترقية، عقبى لك، سافر إلى الإسكندرية درجة ~~ثامنة. # فضحكت قائلا: يا سلام! لا بد أنه كان متعلقا بآخر عربة في القطار. # فضحك هو الآخر قائلا: أقصد أنه نقل إلى الإسكندرية، وأنه موظف درجة ثامنة فنية، موظف فني ~~مهم، قدمها أخضر مائة في المائة. # فقلت: وأين المنزل؟ # فأشار إلى ورائه إشارة مبهمة قائلا: قريب من هنا، في الخدمة يا سيد أفندي. # وخرجت من الدكان أسير إلى غير قصد لأقطع الوقت حتى يأتي المساء، وجعلت أنظر حولي حتى لا ~~أضل الطريق عند عودتي، وكانت المناظر متشابهة والأبنية كلها عالية كأنها توائم، لا يمكن ~~تمييز أحدها عن الآخر، فعرجت على أقرب قهوة حتى لا أبعد في المسير، وكانت الساعة قد بلغت ~~الثالثة والنصف. # وكان اسم القهوة «نادي الأدباء»، فسررت إذ وجدته فألا حسنا، وجلست في ركن على جانب ~~الطريق، وطلبت فنجانا من الشاي، وأخذت أفكر فيما أفعل، وكان منظر الطريق مسليا كأنه ~~فلم سنمائي لا تنقطع فيه الحركة، فخطر لي أن أقيد ملاحظاتي حتى لا تشرد مني تشبها ms120 ~~ببعض من قرات عنهم من الأدباء، وفتحت عيني لكل ما يمر بي، وأخرجت كراسة صغيرة كانت في ~~جيبي، وأخذت أنظر وأكتب، يا لها من لحظات سخف ما أزال أضحك منها كلما تذكرتها، وما أزال إلى ~~اليوم محتفظا بهذه الكراسة الصغيرة كتذكار لهذه الجلسة. # وأضاءت الأنوار إيذانا باقتراب المساء، فقمت وكانت ~~الساعة السادسة، فلما وصلت إلى دكان الشيخ مصطفى وجدته ما يزال جالسا على الدكة عند مدخل ~~الدكان، وإلى جواره عدد من الناس يأكلون وهم وقوف ويتحدثون أحاديث شتى تتخللها السخرية، ~~ويمضغون كلماتهم مع اللقم التي يقضمونها من الأرغفة التي في أيديهم، هي السياسة ~~دائما. # فجلست على الدكة إلى جانب الشيخ، وشاركت في الحديث، وكان يدور حول ما يتناقله الناس من ~~فضائح، كأن المدينة قد خلت إلا من أعوان الشيطان. # وكان الشيخ مصطفى محور تلك الأحاديث، يضيف إلى كل قول كلمة من رأيه تثير ضحكة ~~عالية. # ولما صارت الساعة الثامنة صرت لا أحتمل البقاء طويلا، فقلت للشيخ: متى تعود إلى ~~المنزل؟ # فنظر إلى ساعته وقال: يا سلام! أتحب أن نذهب الآن؟ # فقلت: أحب أن أستريح إذا أمكن ذلك، فنظر إلى أصحابه قائلا: عن إذنكم يا جماعة، تعالوا ~~نتم سهرتنا في المنزل ونوصل صاحبنا هذا. # وأغلق دكانه وسرنا في حلقة صاخبة نتبادل الفكاهات عن كل ما يقع عليه بصرنا وأدهشني ~~الشيخ؛ لأنه كان أكثرهم مرحا وطربا، حتى خيل إلي أنه شخص آخر غير الذي رأيته في ساعة ~~الظهر. # ولم يكن المنزل بعيدا فدخلنا من بابه الخشبي القديم ~~إلى ردهة مظلمة سرنا فيها على ضوء أعواد الكبريت، حتى بلغنا فناء مربعا فيه مصباح بترول ~~صغير على حامل خشبي مثبت في الجدار، وفتح الشيخ الغرف التي في صدر الفناء حاملا إليها ~~المصباح، ودعا أصحابه للدخول فيها حيث جلسوا على حصير حوله بعض «الشلت» الصغيرة، ثم عاد ~~وأوقد عودا من الكبريت ليضيء لي الطريق إلى أعلى السطح حيث كانت غرفتي. # وكان القمر ساطعا فأغنانا عن إشعال الكبريت في السطح، وفتح الشيخ باب الحجرة، وأوقد ~~مصباحا ms121 على رف خشبي فيها، فاستطعت أن أرى منزلي الجديد. # وكان هناك سرير قديم ولكنه نظيف، وكرسي أسيوطي و«كليم» صغير ومنضدة وكنبة، ولم أجد فرقا ~~كبيرا بينها وبين الغرفة التي اعتدت النوم فيها بمنزلي، فأظهرت الارتياح وشكرت الشيخ، ~~فاستأذن مسرورا عندما عرف أن الغرفة أعجبتني. # | الفصل الثالث عشر # ألفت الحياة في القاهرة، وبدأت أعتاد ضجتها وسرعة حركتها وضخامة هيكلها، وبدأت أتذوق ما ~~فيها من معالم القرن العشرين وأطلال العالم القديم. # فكنت في ذهابي إلى بيتي أمر بشارع فؤاد، وأنقل بصري ~~فيه متأملا ما هناك من تبرج وبراعة وسذاجة وصراحة فيها شبه من بلاهة الطفولة المدللة ~~المغرورة، ثم أمضي في سبيلي حتى إذا اقتربت من مسجد أبي العلاء وجدت نفسي في مدينة أخرى من ~~بقايا عالم قديم كان يمتاز بالغموض والكبرياء والوعي الغريزي، ولكنه عالم اندثر ولم يبق ~~منه إلا روح متمرد جبار يتحصن في بقايا الأطلال المتداعية حتى لا تقهره المدنية ~~الجديدة. # فإذا اقتربت من بيتي، أو بقول آخر: إذا اقتربت من بيت الشيخ مصطفى حسنين خيل إلي ~~أيضا أنني انتقلت من مدينة إلى أخرى أو من عالم إلى عالم آخر، ولست أدري ما الذي جعلني ~~أرتاح إلى الإقامة في هذا الحي على ما فيه من قذارة وظلام وفوضى، فإني مع شعوري بكل ما فيه ~~من عيوب كنت أجد في جوه شيئا مؤنسا ساحرا لا أدري ما هو. # وكانت عطفة الشيخ مصطفى لا تكاد تبلغ في سعتها أربعة أمتار، وكانت دائما مبللة بما يلقى ~~إليها من الماء القذر من أعلى البيوت أو من أسفل الأبواب، وأما جدران البيوت فكانت عارية ~~تبرز منها أسنان من الطوب الأحمر المتآكل، وتتخللها نوافذ لا تزيد على ثقوب تسترها قطع من ~~الصفيح أو القماش أو جانب قفص من الجريد، ومع هذه فإنها أصبحت مألوفة عندي، وألفت غرفتي ~~حتى صرت لا أجد فيها شيئا من الضيق عندما كنت أضطر للاستحمام في «محل الأدب» من صفيحة ~~ماء، ولا عندما كان الهواء البارد يهب علي في ساعة الصباح من ms122 النافذة المكسورة. # وكنت في كل يوم أقضي ساعة بعد عودتي إلى المنزل لأعد عشائي مما أحمله معي من البيض ~~والجبن والزيتون، ثم أجلس ساعة قصيرة أشرب بعض أكواب صغيرة من الشاي الذي كنت أتحرى في ~~اختياره وأتأنق في إعداده، وأبدأ بعد ذلك في عمل الليل وهو القراءة والكتابة. # واشتريت مصباحا جديدا قوي الضوء حتى لا أتعب بصري بضوء المصباح الصغير الذي أعده الشيخ ~~مصطفى لساكن غرفته، فكان ذلك يساعدني على الاستمرار في القراءة والكتابة إلى ما بعد نصف ~~الليل أحيانا، ولكن النوم العميق الذي كنت أغرق فيه بعد هذا كان يجعلني أهب في الصباح ~~نشيطا صافي الذهن مستبشرا. # هكذا قضيت الشهرين الأولين من إقامتي بالمنزل حتى رأيت يوما فطومة ابنة الشيخ مصطفى ~~تأتي إلي في الصباح الباكر، وفوق رأسها صينية كبيرة عليها طعام من الفول المدمس والطعمية ~~والبيض المقلي وفنجان من الشاي الثقيل القاتم اللون. # وشكرتها مخلصا على هذه الخدمة؛ لأني كنت بدأت أضيق ~~بخدمة نفسي، فصارت الفتاة تحمل إلي إفطاري كل صباح فتضعه على عتبة الباب حتى إذا قمت من ~~النوم وجدته ينتظرني، ولما مضت بضعة أسابيع أخرى بدأت فطومة تترقب الميعاد الذي أستيقظ ~~فيه، فإذا أحست بأنني أتممت لبسي صعدت إلي تحمل الصينية، فتضعها على المنضدة، ثم تجلس عند ~~عتبة الباب حتى أفرغ من الأكل فتحملها، وكان من الضروري أن أتفق على ثمن هذا الطعام، ~~ورضيت فطومة بعد تمنع كثير أن أدفع كل شهر جنيها واحدا، ولكني كنت أدفع لها مائة ~~وخمسين قرشا؛ لأن هذا أقل ما كنت أفطر به في المدينة فوق ما في طعام البيت من كرامة وراحة ~~ونظافة، ولما مضت أشهر الربيع أصبحت في المنزل كأني أحد أفراد الأسرة، وصرت لا أغض طرفي ~~كلما مررت بشقة الشيخ مصطفى، كما صارت فطومة تصعد إلى غرفتي في أوقات مختلفة من اليوم ~~وتقضي معي أحيانا ساعة طويلة تثرثر وتغني. # وكانت فتاة في نحو الخامسة عشرة من العمر، ولكنها تبدو في أحاديثها ومعاملاتها أكبر ~~سنا من هذا ، كانت وهي ms123 تنتظر فراغي من الإفطار تجلس عند الباب تقص علي أحاديث شتى من ~~الشرق والغرب عن أمها وأبيها وجيرانها رجالا ونساء، وتعيد علي الأخبار التي تتلقفها من ~~الطريق ومن حوانيت السوق، وكنت أعجب أشد العجب من إلمامها لما لا تلم به صغيرة مثلها، كما ~~كنت أعجب من دقة نظراتها التي تنم عن أنها على مقدار عظيم من الذكاء الفطري. # وكانت لا تخجل أن تحدثني عن نفسها أحاديث تخجل الفتاة الصغيرة من مثلها، فقد عرفت منها ~~أن شهاب أفندي الموظف الذي كان يسكن في الغرفة من قبلي كان يريد أن يتزوجها، وقصت علي ~~بعض أخباره ونوادر مغازلاته، فكنت أشعر بالحرج من سماعها، وأنكمش في نفسي خجلا، ولكنها ~~كانت تضحك مكركرة في مرح جريء عندما تلمح خجلي. # وأما عملي فإني اندمجت به بعد قليل ووجدت فيه عالما واسعا ممتعا بعد أن كنت في مبدأ ~~الأمر شاعرا بالغضاضة من أني لا أزيد على قارئ بروفات، وقد تعرفت زملائي من قراءة بروفات ~~مقالاتهم أكثر مما كنت أعرفهم من وجوههم، حتى صار لكل منهم في ذهني صورة مجردة تميزه عن ~~الآخرين تمييزا واضحا. # وبدأ الأستاذ علي مختار يطلب مني الكتابة بعد أن ~~قضيت في الدار الشهور الثلاثة الأولى، ولم ألبث إلا قليلا حتى طلب مني أن أستقل بباب ~~خاص، فاخترت له عنوان: «أنا الشعب» مستعيرا تلك الصرخة التي كنت أصرخها وأنا في سجن مركز ~~دمنهور، وكان الأستاذ يبدي إعجابه بأسلوبي «الحريف»، فشجعني ذلك على أن أطلق العنان لما ~~كان يجيش في صدري من المشاعر الثائرة التي تجد وقودا كل يوم من أحوال الناس والسياسة، فصار ~~لما أكتب صدى قوي على ما ظهر لي من الرسائل التي أخذت تنهال علي مع البريد كل ~~صباح. # كانت الثورة تتأجج في النفوس من تحت الرماد، ولا يمنعها من الانفجار إلا الخوف من ~~العسف. # وتطوع الأستاذ علي مختار بعد قليل بزيادة مرتبي إلى ثلاثين جنيها في الشهر، كما زاد ~~أجري على القصة إلى عشرة جنيهات، فأصبح ما يصل إلي في كل ms124 شهر نحو خمسين جنيها، وهو دخل ~~لم يخطر لي ببال في يوم من الأيام. # وهكذا صرت قادرا على أن أبعث إلى أمي ما يزيد على كفايتها. # والتحقت بقسم الصحافة بالجامعة الأمريكية، ووجدت في هذه الدراسة تسلية فوق ما فيها من ~~فائدة؛ لأنها شغلت جزءا من الوقت الذي كنت أضيق به كلما خلوت من العمل. # هكذا قضيت في القاهرة شهرا بعد شهر بغير أن أذهب إلى دمنهور، مع أني عندما سافرت إلى ~~القاهرة في أول الأمر كان يخيل إلي أنني لن أنقطع أسبوعا واحدا عن زيارة مسقط رأسي ~~العزيز، ومنى! أنسيتها؟ ما أعجب أسرار النفس الإنسانية وما أشدها غموضا، لم أنس ذكر منى ~~في هذه المدة يوما واحدا، ولكني كنت أتعمد أن أصرف نفسي عن التفكير فيها، كنت أحس ~~شيئا يشبه الحنق كلما خطرت لي صورتها العزيزة، ولكنه كان مع هذا أبعد شيء عن الحنق عليها، ~~هو شعور أقرب إلى الحنق على نفسي وعلى كل شيء آخر غيرها، وماذا يجديني الاسترسال في التعلق ~~بها وهي لا تزيد على أمل بعيد يشبه النجم في السماء أو الأفق وراء الجزيرة أو السراب في ~~الصحراء، كنت أصرف نفسي عنها عامدا كما يتعمد المسافر أن يصرف نفسه عن الحبيب الذي ~~يفارقه خوفا من الانهيار في موقف الوداع، ولكن العجيب في أمري شيء آخر قد لا يخطر على بال ~~أحد، وذلك أن فطومة الساذجة المسكينة الصغيرة بدأت تؤنسني كلما جاءت إلي تحمل صينية ~~الإفطار. # وبعد مرور عدة أشهر بدأت تتجرأ في بعض الأحيان، وتدخل الغرفة لتجلس على طرف الكنبة ~~بدلا من الجلوس على العتبة، وكنت أحيانا أضيق بها إذا تكلمت عن أشياء لا أعرف عنها ~~شيئا، أو لا تهمني، أو تثقل على سمعي فأقول لها في عنف: «مالي وكل هذا؟» ولكنها كانت لا ~~تغضب بل تضحك قائلة: «وما له؟» # وتبين لي بعد حين أن لها براعة في الغناء ~~والفكاهة، فكنت لا أردها عن زياراتي، وأدعها تمضي على سجيتها كطفلة مرحة خفيفة الروح، ~~وأجد في انطلاقها ما ms125 يرفه عني إذا كنت متعبا، وكانت أحيانا تثير رحمتي عندما تذكر أنها ~~تشتهي شيئا، ولا تستطيع أن تشتريه فأعطيها ما تشتريه به، وأجد جزاء وافيا في تعبيرها عن ~~سرورها بطريقتها الساذجة، إذ كانت تهب كالعاصفة وتطوق عنقي بذراعيها وتغني أغنية بلدية ~~فيها مداعبة جريئة، فأنزع ذراعيها عن عنقي في ترفق وأعنفها تعنيفا يسيرا لا يزيدها إلا ~~معابثة ومرحا. # ولكن المسكينة بدأت بعد حين تتكشف عن نواح أخرى لم أتوقعها من قبل، فقد حدث يوما أن ~~جاءت إلي ومعها قطعة من مادة سمراء رفعتها أمام عيني بين أصابعها قائلة: احزر ما ~~هذه. # فسألتها: ما هذا؟ # وهممت بأن آخذها منها لأفحصها، فابتعدت عني ضاحكة، وقالت هامسة: نصف ريال. # فأعدت سؤالي: ما هذا؟ # فضحكت قائلة: فرفوشة! # فسألتها متعجبا عن معنى «فرفوشة» فضحكت ضحكة عالية فيها شيء من التبذل، وقالت: كان شهاب ~~أفندي يطلب مني كل يوم قطعة ويعطيني ريالا، ولكنها لك بنصف ريال، كنت أموت من الضحك ~~عندما أسمعه يتكلم بعد أن يضعها في سيجارة ويشربها، ألا تعرفها يا سيد أفندي؟ جرب! ضعها ~~في سيجارة وأشعلها تجد نفسك سعيدا. # وضحكت مرة أخرى قائلة: تعيش بها في الجنة يا سيد أفندي! # تعودت فيما بيني وبين نفسي أن أسمي هؤلاء السادة المزيفين باسم المساكين، ولكن هذا لم ~~يعصمني من محاولاتهم في إفسادي، نعم فقد حاول بعضهم أن يساومني على ضميري كما تعود أن ~~يفسد غيري. # دعاني يوما محسن باشا أحد كبار الزعماء، وكانت ليلة ~~الاحتفال بذكرى وطنية، ولما جلست مع الزعيم قربني وأظهر لي ما لا مزيد عليه من الإكرام ~~والإجلال، وبدأ يتملقني على مسمع من الحلقة المحيطة به، ووكد لي مودته وتقديره لحسن ~~أسلوبي وطلاوة عبارتي وسداد آرائي، وبدأ يعرج على ما كنت أكتبه في مقالاتي تحت عنوان: «أنا ~~الشعب» حتى قال لي بعد تمهيد طويل: أنا واثق من حسن قصدك، ولكن الناس قد يفهمون أنك ~~تقصدني. # وكنت حقا أقصده بكثير مما أكتب في هذه المقالات فقلت له في بساطة: لست أكذب عليك فإني ms126 ~~أقصد كل من يصدق عليه قولي. # فقال متمالكا نفسه: تعجبني فيك الصراحة دائما، وإنه لمما يسعدني أننا متفقان في ~~الرأي. # فقلت في شيء من السخرية: هذا يسعدني أكثر. # فقال: إننا جميعا طلاب حرية. # فقلت في دفعة: المهم هو تحديد معنى الحرية. # فقال: المعنى واضح لا يحتاج إلى تحديد، الحرية هي الحرية، هي المبدأ الذي نجاهد من ~~أجله. # فاندفعت قائلا في حنق: لست أفهم يا سيدي هذا اللفظ إلا إذا كان يترجم في حقائق، أين ~~تكون الحرية بغير العدالة التي تكفل للجميع حقوقهم وترعى حرماتهم وتسوي بينهم في ~~الواجبات؟ أين تكون الحرية إذا انعدمت الأخلاق العامة وفسدت النزاهة وعمت عبادة المال؟ ~~أين تكون الحرية إذا كان السادة يسرقون ويضاربون ويضربون أمام أعين الجماهير أسوأ ~~الأمثلة للأخلاق؟ ما هي الحرية إذا انعدمت المقاييس الأخلاقية وانفرط عقد الناس، وصاروا ~~فوضى لا يؤمن كل منهم إلا بنفسه ومصلحته؟ # فاحتقن وجهه ولكنه كظم غيظه وقال عاتبا: أما كان أولى بك لو جئت إلي، فأطلعك على ~~الحقائق. # فقلت في ارتياح: هذا يسعدني، ولك يا سيدي أن تكذب ما تراه كاذبا من أقوالي. # فكبر قولي على الجالسين في الحلقة، وبدءوا يتدخلون في الحديث، وأدهشني أن الزعيم انفجر ~~في أحدهم بدلا من أن ينفجر في أنا وصرخ فيه قائلا: اخرس أنت! # وأدهشني أكثر من ذلك أن ذلك السيد التابع خرس فعلا، وانزوى في ركنه صامتا مع أنه كان ~~ينتفش إذا ظهر أمام الناس كالديك الرومي. # واتجه الزعيم إلي قائلا: إني فضلت أن أدعوك إلى هنا لأكلمك حتى تعلم أني لا ~~أريد بك إلا كل خير، بل إني فكرت في أن أسند إليك وظيفة. # فابتسمت في سري وقلت له: أشكرك يا سيدي لأني لا أطلب وظيفة. # فزاد وجهه احمرارا، وبدأ يرفع صوته في المناقشة، وكان كلما سمع أحد أتباعه يتكلم يصيح ~~به في جفاء قائلا: «اسكت أنت!» # وكانت لفتاته ونغمة صوته تدل على أنه كان ينفس من غيظه بالانفجار في هؤلاء الأتباع ~~الذين يعرف أنهم حوله مثل الكلاب الأليفة. ms127 # واستمرت بيننا مناقشة طويلة، وكانت حرارة الزعيم تزداد شيئا فشيئا، ولم يطل انتظاري ~~للانفجار المتوقع، فإنه أخذ بعد قليل يخبط بيديه على المكتب الذي أمامه، ويصيح بأعلى ~~صوته: من لا يكون معي أحطمه! من لا يكون معي أكسره! # وخيل إلي أنني حيال مجنون هائج، فضحكت في رثاء، وكانت ضحكتي هذه المرة ظاهرة، وتذكرت ~~موقفي القديم مع السيد أحمد جلال عندما قال لي هو الآخر إنه يحطمني، وقلت في نفسي: إن هؤلاء ~~جميعا لا يعتمدون إلا على مقدرتهم في التدمير والتحطيم، فلننظر! # وقلت له هادئا: وماذا يدعوك إلى تحطيمي؟ # فزاد حنقا من هدوئي، واستمر يخبط بيديه الاثنتين على المكتب كأنه ثور مسعور، وانتفخت ~~أوداجه حتى كأنه يريد أن ينفلق. # وتذكرت موقفي القديم من السيد أحمد جلال، وما قلته له عندما هددني فاندفعت صارخا في ~~وجهه: اعلم أنك لا تقدر أن تحطمني ولا أن تكسرني، ومن أنت حتى تحطمني؟ لست إلها ولست ~~صاعقة، وما أنت إلا بشر مثلي، لا تصدق أنك تستطيع أن تحطم أحدا إلا إذا كان هو يحطم ~~نفسه، إنك أنت تحطم نفسك بمثل هذا الغرور الذي يجعلك تظن أنك إله، ليكن سلطانك ما يكون ~~فإنك لن تجد سبيلا علي؛ لأني لا أطمع في شيء عندك. # وقمت لأنصرف، فتمسك بي أتباعه وأجلسوني قسرا، وتعجبت من الزعيم الكبير عندما رأيته يهدأ ~~على أثر دفعتي، بل إنه أخذ يخاطبني خطابا لينا، ويقول لي في هدوء: «إنك أسأت فهمي ولم ~~أقصدك بكلمتي، وما أنت إلا مثل ولدي.» # ولم أبق في المجلس بعد ذلك إلا ريثما يهدأ الجو بعد المنظر العاصف، ثم قمت خارجا فقام ~~ورائي عدد من الأتباع، وجعلوا يلومونني على أني رفعت صوتي في حضرة الزعيم الذي لا يجرؤ ~~وزير على أن يرفع صوته أمامه. # فقلت لهم في هدوء: أحمد الله على أن لي صوتا أرفعه. # ثم مضيت من ساعتي إلى «بريد الأحرار» لأكتب مقالا آخر عن «الزعماء المزيفين». # | الفصل الرابع عشر # عندما دخلت في اليوم التالي على الأستاذ علي مختار، بادرني ms128 قائلا: عظيم يا أستاذ ~~سيد! # وكان منهمكا في قراءة المقال الذي كتبته في الليلة السابقة، فلما أتم القراءة نظر إلي ~~حينا في صمت ثم قال: عندي مهمة لا يقوم بها على أتم وجه إلا أنت. # ومد إلي يده بتذكرة دعوة. # واستمر يقول: هذه دعوة إلى حفلة كبرى بمنزل الوجيه حسام الدين بمصر الجديدة ... حفلة ~~استقبال أمير كبير وولي عهد دولة شرقية صديقة، ستكون في الساعة التاسعة من مساء اليوم، ~~والآن الساعة العاشرة صباحا، لا تعتذر بشيء فلك أن تشتري من الملابس ما تشاء، وسيكون ~~المصورون تحت أمرك، ستكون هذه الحفلة موضوع أحاديث المجالس والأندية والمنازل طوال ~~الأسبوع المقبل، وستسهر الإدارة حتى ترسل إليها المقال الذي ستكتبه في وصفها، لك صفحة ~~بيضاء تكتب فيها ما تشاء بغير مراجعة، وستكون عربتي الخاصة تحت تصرفك. # لست أقول لك: «ما رأيك» ولكني أقول: «ها هي ذي يدي، إلى اللقاء.» # ليس عندي شيء أقوله لك إلا أن تكتب كما تكتب دائما، وهذه مائة جنيه تصرفها كما ~~تشاء. # وتبسم عاطفا وهو يضع أمامي ورقتين من ذوات الخمسين جنيها، فوجدت نفسي مثل رجل يرى ~~نفسه واقفا أمام طيارة على غير انتظار، وشخص آخر يدفعه قائلا له: «هلم إلى ~~نيويورك.» # أأقول له لا أريد أن أذهب؟ هذه هي الكلمة التي كدت أنطق بها لولا أنني سمعته يقول لي ~~باسما: «لا تضيع الوقت في الوقوف هكذا يا أستاذ سيد. سنطبع عشرين ألف نسخة فوق ما نطبعه ~~كل يوم.» # وخرجت من عند الأستاذ وأنا أسأل نفسي كيف يفكر هذا الرجل، وأي نوع من المقالات يريد ~~مني؟ أهي دعاية للسيد الوجيه؟ أم هي دعاية للأمير ولي عهد الدولة الصديقة؟ أم هي خطة لا ~~أعرفها للبدء في معركة؟ لقد علمتني الأشهر التي عملت فيها مع الأستاذ علي مختار أنه رجل ~~عميق الأغوار. # وسألت نفسي إلى أين أذهب؟ ولكني ركبت عربة الأستاذ، وقلت للسائق أول اسم خطر لي: محل ~~مانويل. # ثم قلت في نفسي: ماذا أصنع بهذه الجنيهات كلها؟ بدلة عظيمة وحذاء جديد ms129 طبعا من النوع ~~اللامع وماذا أيضا؟ رباط رقبة ومنديل وقميصان مثلا، ثم ماذا؟ أظن أن البائع سيفتح لي ~~أبواب الشراء على وسعها، فلا حاجة بي إلى التفكير في طريقة الإنفاق منذ الآن، وتحقق ظني فلم ~~أجد صعوبة في صرف الجنيهات عندما دخلت إلى محل «مانويل»، كما لم أجد صعوبة في اختيار ~~الملابس والألوان، أخذت النقود تطير مني كالعصافير، قميص بخمسة جنيهات ورباط رقبة بثلاثة، ~~ولم يكن من المناسب أن يكون لي قميص واحد، أو رباط رقبة واحد، والبدلة بثلاثين جنيها ~~والحذاء بخمسة، وتذكرت أني في حاجة إلى ملابس تحتانية؛ لأن مثل هذه البدلة لا يليق بها ~~أن تعتلي ملابسي القديمة، وبعض مناديل حريرية وجوارب وعلبة سجائر وقفاز وبعض زجاجات ~~عطور. # ومجمل القول أني صرفت أكثر الجنيهات التي أخذتها من الأستاذ، ولم يبق في جيبي إلا بعض ~~جنيهات «فكة»، ولبست البدلة لأجربها فوجدتها بديعة كأنها مفصلة على قدي، ونظرت إلى ~~صورتي في المرآة ولست أبالغ إذا قلت أني كنت وجيها حقا، بل إني كنت أوجه من محمود خلف، ~~وتمثلت نفسي واقفا أمام منى أقول لها: «أما تعجبك هذه البدلة السوداء؟» # وحمل عامل المتجر ما اشتريت إلى السيارة، فنفحته بربع ريال ثم ركبت حتى وصلت إلى مدخل ~~حارة الشيخ مصطفى، ولم تهمني نظرة السائق عندما أمرته بالوقوف هناك أمام حارة ضيقة ~~قذرة، وطلبت منه في تعال أن يعود إلي قبل منتصف الساعة التاسعة من المساء. # ولم أجد صعوبة في حمل الربط التي اشتريتها؛ لأنها لم تكن ضخمة، وعرجت على بقال قريب من ~~المنزل، فاشتريت منه رغيفا وبعض الجبن وعلبة من الفاكهة المحفوظة، وسرت إلى المنزل وأنا ~~أتأمل في تفاهة الجنيهات المائة التي أحمل ما اشتريته بها في يدي اليمنى وتحت ~~إبطي. # وقضيت بعد ظهر اليوم في الاستعداد للحفلة، فحلقت ذقني واستحممت وأكلت واسترحت إلى قريب ~~من ساعة الغروب، ثم بدأت ألبس ملابسي من تحتانية وفوقانية، وشعرت بوقع خطوات فطومة خارج ~~الباب، ولست أدري ما الذي جعلها تأتي إلي في تلك الساعة وأنا ms130 في ملابسي الأنيقة، فقد ~~خجلت من الظهور بها أمامها. # ولما رأتني الفتاة وقفت أمامي تحملق في وجهي مندهشة، ثم شهقت وضربت صدرها بيدها، ~~واندفعت نحوي تطوق عنقي بذراعيها قائلة: مبروك! # ولم أعرف كيف أرد هذه التحية العنيفة، وتمنيت لو كنت تذكرتها لأشتري لها هدية تفرح ~~بها، وخطر لي بعد لحظة أن أهديها أحد المناديل الحريرية التي اشتريتها، فأخرجته من ربطته ~~وقلت لها كاذبا: هذا المنديل هدية اشتريتها لك يا فطومة. # فمسحت يديها في ثيابها، وأخذت المنديل وهي تصيح في فرح قائلة: الله! # وجعلت تنظر إلى المنديل بعد أن نشرته أمام عينيها، وأخذت تصيح في فرحة عظيمة: «الله ~~يخليك يا سيد أفندي.» ونفضته وثنته ونظرت إلى ألوانه معجبة، ثم جعلته حول كتفيها، وأمسكت ~~طرفيه بيدها فوق صدرها، وتمايلت في تأنق إلى اليمين والشمال وهي تضحك قائلة: ألست أعجبك ~~هكذا؟ # وأخذت تسير متمايلة في الغرفة في زهو، ثم رفعت المنديل وشمت رائحته، وقالت في دهشة: ~~الله! # رائحة الست هدى! ألا تعرفها؟ # ولم أعرف من هي الست هدى؛ لأن فطومة كانت تغمرني في أحاديثها بأسماء لا حصر لها، ووددت لو ~~انصرفت عني حتى أستعد للخروج، ولكني لم أجرؤ أن أطلب منها أن تخرج. # واقتربت مني وجعلت تفحص ثيابي قائلة: أين تذهب الليلة؟ # فقلت بغير اهتمام: إلى حفلة. # فقالت في دفعه: فيها ستات؟ # فأشرت برأسي: نعم. # وقلت لأصرفها: أريد أن أتم استعدادي للنزول يا فطومة. # فقالت في شيء من الحنق: طبعا! حفلة ستات، وتريد أن أذهب من عندك. # ووضعت المنديل على أنفها وشمته قائلة: هي هي الرائحة. هي الأخرى تذهب إلى الحفلات، ولكنها ~~لا تريد أن تأخذني، أتدري لماذا؟ # ونظرت إلي في خبث، ثم ضحكت ضحكة طويلة وهمست: «تقول لي إني ما زلت صغيرة الآن.» # وتقدمت مني مرة أخرى وجعلت تبدي إعجابها بلون رباط رقبتي بعبارات ساذجة، وقالت: حتى ~~السنما لا أذهب إليها؛ لأن أبي لا يرضى. # أتدري لماذا؟ # وهمست مرة أخرى: لأني صغيرة وهو لا يريد أن أرى الروايات التي تعلم الحب. # وضحكت ms131 ضحكة طويلة أخرى. # وتعلقت بذراعي فجأة وهي تقول: خدني معك يا سيد أفندي. سأضع المنديل هكذا حول كتفي، ~~وسألبس الفستان الجديد، بجنيه المتر الواحد، اشتراه لي شهاب أفندي، وأراد أن أذهب معه إلى ~~السينما من وراء أبي، ولكني لم أذهب، سأذهب معك ولن يعلم أبي؛ لأنه في كل ليلة يدخل إلى ~~«المندرة» مع أصحابه ويغلقها، ويمكنني أن أخرج وأعود قبل أن يفتح الباب. # وعادت تضحك ضحكا طويلا. # واندفعت علي فجأة، فطوقت عنقي بذراعيها، ورفعت وجهها نحوي. # وكانت مفاجأة لم أتوقعها فذهلت ورفعت يدي إلى يديها لأبعدهما برفق، ولكنها تمسكت بعنقي ~~ونظرت إلي نظرة التجاء قوية التعبير، فمسحت على رأسها برفق، وملت على وجهها المرفوع ~~فقبلت جبينها قائلا: لا أستطيع أن آخذك هذه المرة يا فطومة، وأعدك أن أذهب بك إلى السينما ~~في ليلة أخرى بعد استئذان والدك. # فحلت يديها في حنق، وصرفت وجهها عني نافرة وهي تقول: طيب خلاص! # ثم انفلتت مسرعة من الغرفة. # ونظرت خلفها وهي خارجة ولمحت صورتها وهي مطبوعة أمام ضوء القمر الذي يغمر السطح، ولأول ~~مرة عرفت أن التي كانت أمامي امرأة لا طفلة، كان قوامها وهي تتحرك مسرعة في غضبها يشبه ~~قوام أنثى من الوحش تنساب في غابة، جسم لدن مليء حسن التقسيم، وملامح يفيض فيها الشباب ~~القوي، ودفعة وحشية تمتاز برشاقة تشبه رشاقة النمور في حركتها، ولا أدري كيف أصف شعوري ~~وأنا واقف في مكاني أنظر في أعقابها؛ فقد كان مزيجا من العطف والنفور والإعجاب والتقزز ~~مع شعور آخر من إدراك ما فيها من محاسن ومن لوم النفس على أني لم أتخذ معها موقفا ~~حاسما، وارتميت على الكرسي الطويل حائرا حزينا مضطربا بين هذه المشاعر المتضاربة لا ~~أدري ماذا ينبغي لي أن أفعل بعد هذا، فهل أصدمها صراحة وأقول لها أننا لا ينبغي أن نستمر ~~في هذه المهزلة، وأننا من عالمين مختلفين لا يستطيعان أن يمتزجا؟ ولكن أتفهم فطومة قصدي ~~إذا قلت لها مثل هذا القول؟ وهل يمكن أن نفهم أن تعلقها برقبتي هكذا ms132 مهزلة؟ وكيف يمكنني ~~أن أعرف ما يدور في أعماق نفسها وهي تتعلق برقبتي؟ # ولست أخفي أنني كنت في قرارة نفسي أخشى أن أصدمها، فإنها كانت بغير شك تدخل كثيرا من ~~الأنس إلى وحدتي، فكيف تكون الحياة في هذه الغرفة الحقيرة بغير فطومة التي تحمل إلي ~~إفطاري وتثرثر لي وتغني وتجمع ملابسي إذا اتسخت، وتعود بها إلي نظيفة مكوية، وتنظم لي ~~حجرتي في عناية وذوق حتى أصبحت لا أحس بأني غريب عن بيتي. ثم هي فوق ذلك تبعث إلى وحدتي ~~شيئا آخر أخفى من كل هذا على إدراك العقل، فإنها كانت تؤنسني بشخصها، ألم أكن حقا ~~أشجعها على التعلق بي، وإن كانت لا أفطن إلى أني أشجعها؟ ألم أكن أبتسم لها كلما جاءت إلى ~~غرفتي وأحييها وأعطيها شيئا من النقود بين حين وآخر؟ # وانتقل بي هذا التفكير المضطرب إلى محاسبة نفسي وتشديد اللوم عليها، وانتهى ذلك إلى ~~عزمي المؤكد على الانتقال من البيت حتى لا أدع لها ولا لنفسي فرصة أخرى لمثل هذا الموقف ~~المحفوف بالمخاطر لها ولي أيضا، ونظرت إلى ساعتي فوجدت أن موعدي مع سائق السيارة قد فات، ~~فقمت مسرعا وقفزت على السلالم القريبة من مدخل شقة فطومة حتى لا تراني، ولما بلغت الشارع ~~كان المصورون وسائق العربة قلقين في انتظاري عند مدخل الحارة الضيقة وهم لا يعرفون ~~أين منزلي، وفي لحظات كنا في الطريق إلى مصر الجديدة، وما زلت في أثناء السير أحس في ~~أعماقي حزنا غامضا وأجادل نفسي في موقفي من فطومة؛ ولهذا لم أشعر بطول الطريق حتى وقفت ~~العربة ووجدت نفسي أمام قصر السيد الوجيه حسام الدين، فنزلت وأقبل خدم القصر نحوي وانحنوا ~~لتحيتي، ورددت على التحية متنازلا كما يفعل العظماء، واتجهت داخلا ولكني ما كدت أرى ~~المنظر الذي أمامي حتى تسمرت في مكاني وسألت نفسي: أين أنا؟ هل أنا في مصر الجديدة أم في ~~مصر القرون الوسطى؟ ومن أي سوق اشتريت هذه الجواري الحسان الواقفات في صفين على مدخل ~~القصر المنيف. # نعم كان أمامي صفان ms133 من فتيات يلبسن ثيابا حريرية من طراز ألف ليلة وليلة تبدي محاسنهن ~~وتصف أجسامهن وتظهر لين قدودهن، ولست أستطيع أن أصف ما اعتراني عند ذلك من الشعور، لم ~~يكن شعوري كما ينتظر سرورا بالمنظر الرائع ولا افتتانا ~~بالحسن البارع، بل شعرت بغصة في حلقي وثورة في قلبي، ~~وكدت أصيح بالذين رأيتهم أمامي قائلا: ما هذا؟ ما هذا التجني على الإنسانية؟ ما هذا ~~الامتهان للآدميين؟ هل عادت لنا عهود الرق التي كانت المرأة تشترى فيها لتكون متعة للعين ~~أو لعبة للهو؟ ولولا أني كنت موفدا من «بريد الأحرار» لأؤدي وظيفتي الصحفية لوقفت حيث كنت، ~~وألقيت محاضرة في كرامة الإنسان، ولكني تمالكت نفسي ودخلت بين صفي الفتيات كما يدخل ~~المقاتل إلى ميدان حرب وقلبه مفعم بالقتال، ولم تطاوعني نفسي أن أنظر إلى يميني أو يساري، ~~فاتجهت بعيني إلى الأرض، وكانت الأرض مفروشة بممشى من السجاجيد الفاخرة التي تزري بألوان ~~الأزهار في أحواض الحديقة المحيطة من الجانبين، وكانت الأنوار الملونة على جانبي الممشى ~~تخلع على الزهر بهاء فوق بهاء الربيع والأنوار الساطعة في القصر تنادي من بعيد بالعظمة ~~والأبهة، وسمعت من خلفي نداء هامسا فالتفت فإذا هو مصور يستلفت نظري إلى صفي ~~الفتيات، ويطلب أمري أن يأخذ لهما صورة، فقلت له في اختصار: «خذ أنت وأصحابك ما تشاءون ~~فأنتم أخبر مني بما ينبغي.» # وتركتهم خلفي وسرت متجها إلى القصر، فصعدت على السلم الرخامي الواسع حتى إذا ما بلغت ~~البهو كنت في جهد شديد أريد أن أستريح كأنني كنت في رحلة شاقة طويلة، فما كدت أدخل حتى ~~عمدت إلى ركن من الأركان البعيدة وتهالكت على مقعد ووضعت ساقا على أخرى، واستندت إلى ~~الظهر وأخذت أرقب من هناك من يدخلون من الباب ورأسي مشتعل بما يشبه الحمى. # وكان المرح يشيع في الجو الدافئ، والحسان الكثيرات يقلبن أبصارهن في الحضور من وراء ~~أكتاف الرجال الجالسين حولهن، ويوزعن البسمات الفاتنة هنا وهناك. # ورأيت حسناء تجلس وحدها في ركن قريب مني، وتشعل سيجارة، وتضع ساقا على الأخرى كما ms134 فعلت ~~أنا، ولست أدري ماذا جعلني أبتسم من تلك الحركة التافهة، فحسبت الحسناء أنني أبتسم لها ~~فردت بابتسامة عاطفة، وجاء صاحب الدار الشاب عند ذلك، فحياها وتحدث معها بكلمتين في رقة، ~~ثم أقبل علي يحييني، ولما عرف أني مندوب «بريد الأحرار» رحب بي ترحيبا كريما، ودعاني ~~إلى استقبال الأمير، فقمت معه وبدأت أتعرف إلى بعض الوجوه المزدحمة قريبا من مدخل ~~البهو، وكان هناك صحفي عرفته ذات يوم في دار النقابة، وهو شاب يمتاز بشخصية عجيبة استرعت ~~نظري منذ أول جلسة، ولما رآني أسرع نحوي وصافحني ووقف إلى جنبي، والظاهر أنه استأنس بي ~~عندما رآني كما استأنست به؛ لأننا كنا غريبان هناك، وأخذ الأستاذ عطية يحدثني أحاديث لاذعة ~~عن الواقفين حولنا في همسات عالية شعرت منها بحرج شديد، وأشار في أثناء حديثه إلى الحسناء ~~السمراء التي بادلتها الابتسام عن غير قصد، وأخذ يحدثني عنها قائلا: أتعرف من هذه ~~الفاتنة؟ # فقلت: لم أرها إلا في هذه الساعة، ولكنا تبادلنا الابتسام. # فضحك ضحكة عالية ثم قال بهمسته العالية: حاذر يا صديقي فإنها جبارة، هي الست هدى ~~العبقرية. # وكدت أصيح عندما سمعت اسمها، وتذكرت اسم السيدة التي تحدثت عنها فطومة، واستمر ~~الأستاذ عطية يقول: هي تجمع في شخصها عالما كاملا: صحفية وتاجرة وسياسية وموردة للجيوش ~~وواسطة خير في كل شيء، وغير ذلك ما يخطر وما لا يخطر على بالك، ثم هي بعد ذلك صاحبة صالون ~~مدهش للكبار من المصريين والأجانب ولكل من له موهبة من الشباب من الجنسين. # وضحك ضحكة عالية أخرى. # فقلت في فضول: وأين تسكن؟ # فنظر إلي في خبث وقال: هكذا سريعا؟ هي تسكن في كل القاهرة، لها بيوت في كل الأحياء من ~~السيدة إلى بولاق ومن جاردن سيتي إلى مصر الجديدة. # وحدثت حركة في المستقبلين عندما جاء الأمير وتسابق من هناك إلى التقدم بين يديه فوقفت ~~في مكاني، وجعلت أقرأ الحركات من بعيد، وكان الأمير شابا أسمر الوجه وسيما تبدو عليه ~~علائم الفتوة، وكانت تحياته تجمع بين التعطف والتحفظ ، واتجه في ms135 حلقة مستقبليه إلى ~~مكان الصدر، وابتدأت بعد قليل مراسم الحفلة. # وأخذت أجمع في وعيي كل ما تقع عليه عيني، الحسان يتهافتن على الأمير كأنهن الفراشات ~~يتدافعن نحو الأنوار، وسارع بعضهن إلى خدمة الضيوف في المقصف وهن شبه عاريات، فما هذه ~~الملابس التي لا تستر إلا ما دون الأكتاف، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها نساء ~~في هذا الزي بعيني، إنها ملابس تكشف عن مفاتن الجسم، وإن كانت تدعي أنها تسترها، وقدمت ~~كئوس الشمبانيا فكانت تتلألأ في أيديهن وتباهي خواتيم الماس التي في أصابعهن. # وأقبل الأستاذ عطية على المقصف متعطشا إلى الشرب وإلى التمتع بالمنظر البديع، فبقيت ~~وحدي أحاول أن أتناول ما أعرفه من الأصناف وهو قليل إلى جانب ما لا أعرف، وبعد أن لعب ~~الشراب في الرءوس بدأ دور الموسيقى، وذهب الراقصون اثنين اثنين إلى المرتع الصقيل الذي ~~يتوسط البهو الفسيح، فذهبت إلى ركني الأول الذي كنت فيه، وجلست واضعا ساقا على أخرى، ~~وجاءت السيدة السمراء ذات العينين الواسعتين اللامعتين تتأبط رجلا أنيقا ... أهو السيد ~~أحمد جلال حقا أم تخدعني عيني؟ وماذا يصنع هنا؟ وتذكرت في تلك اللحظة أنه أصبح نائب ~~دمنهور، وأنه لا ينبغي له أن يغيب عن تلك الحفلة التي تحتوي كل العظماء ... وجلس معها في ركن ~~قريب يتفرجان على الراقصين، ويميل إلى صاحبته بين حين وآخر هامسا ثم تنطلق منهما ضحكة ~~مرحة. # وهم بنفسي أن أمر أمامه حتى يراني، ووددت لو أمكنني أن أسلم عليه، وأرى كيف يستقبلني ~~ولكني لم أفعل، وبقيت في مكاني أقرأ الوجوه والحركات، وتدافع الراقصون في رشاقة وهم ~~يتناظرون بلحاظ وانية، وكانت ملابس النساء تلمع تحت الأنوار كأنها قوس قزح، والوجوه الحسان ~~السابحة فوق المرتع تبرق بالأدهان والألوان من فوق أكتاف الفرسان الذين يخاصروهن، ~~ويجلن عيونهن النجل في الآخرين والأخريات يفحصن أيهن وأيهم أبهى رونقا، وكانت الظهور ~~البضة العارية تتمم محاسن النحور الغضة السافرة، وأطراف الملابس الزاهية تتطلع نحو الصدور ~~المرمرية كأنها تعجب من بعيد بمحاسنها، وتذكرت فطومة وضحكت في سري ms136 وأنا أقول لنفسي: «ماذا ~~كانت تصنع لو كانت هنا؟» # وكان المصورون في شغل جاد يلتقطون المناظر وأنا ساكن في مكاني، فرأيت الأستاذ عطية يتجه ~~إلى السيدة السمراء الجالسة مع السيد أحمد جلال ويطلب منها في ظرف أن تقوم لمراقصته، ~~فقامت تراقصه بعد أن نظرت إلى السيد كأنها تستأذنه بابتسامة أنيقة. # وكانت الساعة عند ذلك الحادية عشرة، وجاء المصورون ليقولوا إنهم قد فرغوا من التصوير، ~~فشعرت بارتياح إلى أني أستطيع أن أخرج من الحفلة، وقمت معهم خارجا بغير أن أحاول أن ~~أستأذن السيد الوجيه صاحب الدار. # وتعمدت في خروجي أن أقترب من السيد أحمد جلال وأمر من أمامه، والتفت نحوه كأنني التفت ~~عفوا ثم أظهرت دهشتي من رؤيته هناك كأنني رأيته فجأة، ومددت يدي إليه لأحييه ولا أستطيع ~~أن أصف دهشته عندما رآني أمامه، فإنه قام مرتبكا وحياني مرحبا تحية صديق عزيز قديم، ~~ودعاني إلى الجلوس معه، ولكني اعتذرت وحييته منصرفا برأس مرفوع، وداخلني زهو عظيم ~~وسرور فيه كثير من الخبث عندما رأيت أمارات الدهشة والارتباك التي بدت على وجهه عند ~~انصرافي. # ولما وصلت إلى العربة ارتميت على مقعدي كأني خارج من صراع عنيف، وبقي رأسي يدور بما فيه ~~من الصور حتى وصلت إلى «بريد الأحرار»، ودخلت إلى مكتبي وأخذت أكتب وصف الاحتفال. # ولست أدري بأي أسلوب كتبت ولا ماذا كتبت، ولم يكن الأستاذ علي مختار هناك، ولكنه ترك ~~أمرا بإعداد وصف الحفلة للنشر في الصفحة الأولى، وبقيت في مكتبي حتى قرأت البروفة، وخرجت ~~ذاهبا إلى منزلي، وكان الإعياء النفسي والذهني قد بلغ مني مبلغا عظيما، فما كدت أخلع ~~ملابسي، وأرقد على سريري حتى غبت في النوم فلم أشعر بشيء حتى ضحى اليوم التالي. # | الفصل الخامس عشر # نزلت متأخرا في الصباح التالي من أثر السهر في الليلة السابقة، فلما وصلت إلى دكان الشيخ ~~مصطفى كانت الساعة تقترب من الظهر، وحياني الشيخ قائلا: ألف مرحبا. # وكانت الألسنة منذ حين تلوك قصة الوزير الذي يستقبل قاصديه بعدد من المرحبات وهو ~~يقصد الجنيهات التي ms137 يطلبها منهم لقاء قضاء حاجاتهم. # فقلت ضاحكا: لا أستطيع والله يا شيخ مصطفى. # فقال لي مقهقها: لا تخف يا سيد أفندي فأنا أعرف أنك لا تحتمل عشر مرحبات، وعلى ~~فكرة أرجو أن تدفع لي المرحبا التي عندك؛ فقد كسروا صندوقين من «الكوكاكولا». # ولاحظت عند ذلك أن أمام الدكان عددا من الزجاجات المحطمة. # فقلت: ما هذا؟ # فقال: الحمد لله يا سيد أفندي خلصت منهم بجلدي، يا حفيظ يا رب، تقول: ألفين تقول: عشرة ~~آلاف، ولا بد من تكسير «بريد الأحرار». # فصحت في فزع: من هم؟ # فقال الشيخ: غيلان! مجانين! أعوذ بالله يا أستاذ سيد. أخذوا كل الأرغفة وشربوا الكوكاكولا ~~وكسروا زجاجها ولكن الحمد لله، كم شباك من بريد الأحرار وهتفوا بسقوط الخائن علي مختار ~~وانصرفوا. # ولكن ما لي أنا؟ # وأسرعت ذاهبا إلى الجريدة لأرى ما أصابها، ولم يكن بها سوى آثار تحطيم قليل، فذهبت إلى ~~مكتب الأستاذ علي مختار لأعرف منه ما حدث، وكان ظاهر الوجوم يدخن سيجارته صامتا. # وبدأني قائلا: أتعرف ماذا حدث؟! # وكنت أتوقع أن يحدثني عن المظاهرة فقلت في دفعة: هذا إعلان إفلاس من الحكومة، هي لعبة ~~قديمة أصبحت مرذولة. # فأشار بيده إشارة استخفاف قائلا: تقصد المظاهرة؟ هذا عبث لا يهمني، بعض صيحات وبعض ~~ألواح من الزجاج وبعض مضايقات صغيرة، ولكنهم صادروا العدد، ألف جنيه خسارة على الأقل، مائة ~~ألف نسخة كل نسخة بقرش. # وتبسم في مرارة وهو مستمر في حديثه: ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأنا آسف يا سيد ~~أفندي؛ لأنك تأبى إلا أن تكتب بإمضائك، كان يمكنني أن أتحمل المسئولية وحدي وأحميك أنت لو ~~كنت تكتب بغير إمضاء أو باسم مستعار كما نصحتك، فأنت مطلوب معي للنيابة في الساعة الثانية ~~بعد الظهر. # ونظر إلى ساعته قائلا: أوه، قم بنا فإن الموعد قد جاء. # وقام عن مكتبه لنذهب إلى دار نيابة الصحافة، وأنا شاعر في قرارة نفسي أنني المسئول عن كل ~~هذه المتاعب، ومما زاد ضيقي أنني كنت عازما على السفر إلى دمنهور في المساء ms138 بعد انقطاعي عن ~~أهلي كل هذه الأشهر، ووقفت بنا العربة آخر الأمر أمام دار نيابة الصحافة ونزل الأستاذ علي ~~مختار، ونزلت وراءه حتى دخلنا إلى مكتب السكرتير وكان مزدحما بالجالسين، فذهب الأستاذ علي ~~إلى الجالس على المكتب وهمس له بكلمات. # فهز الشاب رأسه وتلفت حوله في فتور، ثم قام ودخل إلى مكتب محقق النيابة فبقى فيه حينا، ~~ثم عاد إلى الأستاذ فدعاه للدخول. # وبقيت وحدي أتلفت حولي إلى وجوه الجالسين وكانوا أخلاطا لا أعرف منهم وجها، وتطلعت ~~نحوي عيون كثيرة تفحصني، وكنت في ملابسي القديمة فخشيت أن تحتقرني الأنظار، فرفعت رأسي ~~وسرت في هدوء واستعلاء نحو النافذة القريبة، فاتكأت عليها وأشعلت لفافة من صندوق السجائر ~~الفاخر الذي اشتريته بالأمس، وجعلت أنفخ دخانها وأنا أدير بصري في الغرفة ثابتا. # ولم يطل بقائي هناك ثم رن الجرس وقام السكرتير مسرعا إلى غرفة المحقق وهو المدعي العام ~~نظرا لخطورة التهمة. # ثم خرج بعد قليل ونادى باسمي، فألقيت عقب السيجارة على الأرض ودستها بقدمي في شيء من ~~التحدي، وسرت نحو الغرفة رافعا رأسي، حتى دفع السكرتير الباب بيده، ونقر عليه بأصبعه ~~مستأذنا فدخلت بغير أن ألتفت إليه، ووجدت نفسي في غرفة صغيرة ليس فيها سوى كرسي كبير من ~~الجلد يجلس عليه الأستاذ علي مختار، وكرسي آخر يجلس عليه كاتب النيابة. # فالتفت حولي لفتة توحي بأني أبحث عن كرسي لأجلس عليه فقال المحقق هادئا: لا مؤاخذة فإن ~~المقاعد قليلة، ولن نحتاج إلى وقت طويل. # وأخذ يقلب في ملف الأوراق التي أمامه على المكتب، وكاد الغضب يدفعني إلى أن أحتج لولا أن ~~الأستاذ علي مختار نظر إلي باسما، وأشار إلى جانب كرسيه الجلدي لأجلس عليه، فوجدتها فرصة ~~لإظهار ما في نفسي من التحدي، وجلست على طرف ذراع الكرسي ووضعت ساقا على أخرى. # ولم يخف عني ما داخل المدعي العام من الامتعاض، فشعرت بارتياح جعلني أنتظر ~~هادئا. # وسألني قائلا بعد المقدمات المعروفة: ماذا تقصد بقولك: «هذا العهد التعس؟» # فقلت في فتور: لست أفهم أولا ما هي تهمتي، ms139 ما هو الموضوع الذي جئت من أجله؟ وأي مقال ~~هذا الذي تشير إليه؟ وهل تقصد مقالا أم تقصد كلمة قلتها في الطريق؟ # فقال في شيء من الامتعاض: طبعا هنا نيابة الصحافة، وهذا مقالك الذي كتبته بالأمس. # فقلت في دفعة: هذا كلام بسيط واضح ليس فيه غموض، أقصد هذا العهد التعس الذي نعيش فيه ~~اليوم، هذا العهد الذي أهدرت فيه القيم الإنسانية وكل الأقداس القومية وكل أصول الحكم ~~المستقيمة، حتى بلغ الأمر إلى ما نراه كل يوم ونسمعه كل يوم، وحتى أصبح الناس لا ~~يستطيعون أن ... # وكدت أمضي في شبه محاضرة عن فساد الأحوال، ولكن المدعي العام قاطعني قائلا: هذا غير ما ~~أقصد، فإني أسألك عما تقصد بكلمة العهد، فإن العادة أن تستعمل كلمة العهد إذا قصد ~~الملك. # وكانت صدمة شديدة ذكرتني بالتحقيق الذي بدأ فيه الضابط في دمنهور، ولم أملك نفسي من ~~الضحك قائلا: أهي اللعبة المعروفة؟ # فصاح غاضبا: أرجو أن تزن ألفاظك يا أستاذ. # فقلت مندفعا: أظن أني أعرف كيف أزنها؛ لأني أقصد ما قلته تماما: هي لعبة قديمة؛ لأن ~~هذه ليست المرة الأولى التي أسمع فيها مثل هذه القصة، إننا نكتب للقائمين بالحكم ولسنا ~~نقصد من وراء هذا أن نخاطب الملك، الملك لا يحكم كما هو نص الدستور، فماذا يدعوكم إلى ~~تأويل قولي على أني أقصد الملك؟ فهل كلمة العهد لا تقال حقا إلا إذا قصد منها ~~الملك؟ # لو كنا في بلد تقول في صراحة: إن الملك يحكمها حكما مطلقا. لكان هذا القول الذي ~~تقوله يا سيدي المحقق معقولا، ولكنا في بلد يزعم أن له حكومة دستورية مسئولة تعود عليها ~~كل تبعات الحكم إذا كان فاسدا، الملك يحكم بواسطة وزرائه، ولا يعفي الوزير من المسئولية ~~أن يوجه إليه الملك أمرا كتابيا يخالف القانون. أليس هذا هو الدستور؟ سلني إذا شئت عن ~~البراهين التي تدل على أن هذا العهد تعس حقا تجد عندي من الأدلة ما يكفي للبرهان على ~~أنه تعس قذر نجس. إن الأولى بالمحاكمة هم هؤلاء الجالسون ms140 في مقاعد الحكم، فلا تحاورني ~~بالتعريج على ناحية العرش فإنها لعبة قديمة كما قلت. # فضحك المحقق ساخرا وقال: يظهر أنك قديم العهد بالتحقيق في معنى كلمة «العهد». # متى كان ذلك التحقيق؟ # فوثبت على قدمي قائلا: هل دعيت إلى هنا لأسمع سخرية؟ ما تهمتي حتى أعرف في أي موضوع ~~تسألني؟ أم هو تحقيق غير محدد يشمل كل تحقيق سابق لا علاقة له بالوقت الحاضر؟ أحب أن ~~تثبت في هذا المحضر أني محتج على سؤالي في موضوع سابق لا تعرف عنه شيئا إلا من كلمة ~~عارضة قلتها. # فقال في جمود: لك أن تقول كل ما تحب، وهذا الكاتب يثبت كل ما تجيب به، فقل لي الآن ماذا ~~كان موضوع تهمتك الأولى. # فقلت في تحد: لم توجه إلي تهمة. # فقال: ألم تقل إنها لعبة قديمة، وإن مثل هذه التهمة وجهت إليك من قبل. # فقلت: أقول لك: إنه لم توجه إلي تهمة، كانت لعبة أراد بعض خصومي أن يلعبوها فلم ~~ينجحوا، أرادوا أن يهوشوا علي بألعوبة العيب في الذات الملكية، ولكن البوليس نفسه لم ~~يجد من مصلحته التورط في اللعبة، فصرف الموضوع بغير أن يعلق عليه أهميته، حتى إنه لم ~~يكتب لي محضرا. هذا كل شيء. # فاستمر في جموده وقال: من هو الطاغية الذي يفسد الأخلاق ويهدم تقاليد البلاد؟ # فشعرت بالخطر ولم أتذكر أني كتبت شيئا من هذا فقلت في دهشة: أرجوك أن تقرأ لي الفقرة ~~التي تشير إليها. # فأخذ يقرأ في هدوء: «وكان أول ما طالعني منظر هذه الفتيات في ثيابهن الحريرية الملونة ~~...» # فصحت قائلا: هذا مثال لم يظهر لأنه عدد الجريدة صودر. # فقال: ولكنك كتبت هذا أليس كذلك؟ # واستمر في قراءته: «ألا ما أبدعها من ألوان زاهية مفصلة على قدودهن الرائعة الممتلئة ~~بالحياة، ولكني لم أتأمل تلك القدود كما لم أتمتع بحسن الوجوه؛ لأني شغلت عن ذلك ~~بسؤال خطير، فهل انتقلت القاهرة فجأة من القرن العشرين إلى القرون الخالية التي كان فيها ~~الرجل يستطيع أن يشتري غادة هيفاء من السوق المجاورة؟ هل ms141 اشتريت هذه الفتيات كما يشترى ~~البطيخ الحلو أو كما تشترى باقة الأزهار البديعة؟ إنها لنكسة شديدة أن نعود إلى العصور ~~المظلمة في هذا العهد التعس الذي هوى به الطغيان إلى حضيض الفساد، ودنس فيه أسمى ما كسبته ~~الكرامة الإنسانية.» ووقف المدعي العام عن القراءة، فنظر إلي كأنه يقول: إنه صرعني تحت ~~قدميه. # فقلت في هدوء: أهذا كل ما هناك؟ # فأجاب متحديا: ألا يكفيك هذا؟ # فقلت: وأين ذكر الطاغية، لم أذكر سوى الطغيان. # فأجاب قائلا: هذا لا يهم فالجريمة تقع بغير حاجة إلى ذكر الشخص صراحة، العيب في الذات ~~الملكية هو ذلك الشيء «الذي يمكن أن يمس من قريب أو بعيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ~~تصريحا أو تلميحا تلك الذات الملكية.» # فقهقهت قائلا: هذا تعريف بديع يليق أن يكون شركا لكل صيد كبير أو صغير سواء تكلم أو ~~أشار أو تنفس أو سعل، لا يا سيدي، هذا كلام غير جدير بعقولنا، واسمح لي أن أمتنع عن ~~الإجابة فإني أراها مهزلة. # وتجهم وجه المحقق حتى حسبته ينفجر غاضبا، ولكن في تلك اللحظة دخل علينا سكرتير ~~المكتب وهمس في أذنه. # فقام في شيء من التأفف إلى غرفة مجاورة، وأغلق بابها حينا، وبقيت مع الأستاذ علي مختار ~~وحدنا، فقلت له في دفعة: أنا آسف يا أستاذ علي؛ لأني سببت لك هذه المتاعب، لم أعرف من قبل ~~أن مقالي هو السر في مصادرة عدد اليوم. # فقال الأستاذ علي: هي خطة مدبرة لا علاقة لها بمقالك ولا بمقالي، إذا لم يصادر العدد ~~بسببك فإنه يصادر بأي سبب آخر، ألا تذكر أن هذه هي المصادرة الرابعة في بحر ثلاثة أشهر، ~~ومع ذلك فقد كان القضاء يفرج عن العدد في كل مرة. # ودخل المحقق فقال: مبروك: أفرج عن العدد وأمامنا وقت طويل للاستمرار في التحقيق. # ولا أستطيع أن أصف الشعور بالخلاص الذي غمرني في تلك اللحظة، حتى أستطيع السفر إلى ~~دمنهور. # وكان سرور الأستاذ علي مختار أشد من سروري وأوضح، فما كدنا نصافح المحقق، ونخرج من ~~الغرفة ms142 حتى أمسك بذراعي وضمها إليه ونحن سائران قائلا: لن تبقى في السوق نسخة واحدة من ~~عدد اليوم بعد هذه المصادرة المؤقتة. # فقلت: وأظنك تسمح لي بالسفر إلى دمنهور لقضاء يومين مكافأة لي على هذا. # فقال ضاحكا: هذا غير ممكن. علينا أن نستفيد من كل الظروف التي تتهيأ لنا، غدا صباحا ~~سيظهر مقال من أعنف مقالاتك في مهاجمة الجبناء الذين يتدارون وراء العرش ليستردوا فساد ~~حكمهم. # واضطررت أن أستأذنه قبل أن تغلق أبواب مكاتب البريد لإرسال حوالة بريدية إلى صديقي ~~عبد الحميد عياد؛ لكي يوصلها إلى أمي كما أفعل دائما في أول كل شهر. # | الفصل السادس عشر # مضى علي أسبوع وأنا لا أكاد أفيق لنفسي من غمرة العمل، وكنت لا أكاد أجد فراغا إلا في ~~ساعة الظهر لأخطف لقمة صغيرة حيث أكون. # وذهبت في ساعة الظهر في أحد الأيام إلى دكان الشيخ مصطفى حسنين لأشتري غدائي، فسمعته ~~يبادرني قائلا: البقية في حياتك يا سيد أفندي. # فقلت في لهفة: ماذا حدث؟ # فقال: ألست من دمنهور؟ السيد أحمد جلال: تعيش أنت! وكنت لم أقرأ صحف الصباح من كثرة ~~مشاغلي، فأخذت «الأهرام» التي مد الشيخ بها يده، وأخذت أقرأ: «جاءنا من مراسلنا في ~~دمنهور أن المدينة روعت على غير انتظار في ساعة متأخرة من الليلة الماضية بوفاة محسنها ~~الكبير وزعيمها الوطني العظيم السيد أحمد جلال!» # وتخاذلت قوتي فجلست على الدكة وأنا ذاهل أعيد قراءة الخبر مرة بعد مرة، كأني لا أصدق ~~عيني، أما كان في تمام صحته وقوته في ليلة الاحتفال بدار السيد الوجيه جمال الدين منذ ~~أسبوع؟ # وكنت كلما قرأت الخبر مرة قلت في تأثر: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # ولو كنت فقدت أعز الناس عندي لما شعرت بهزة أشد من الهزة التي شعرت بها عند ذلك، وامتزج ~~في قلبي الأسف والرثاء والحزن والدهشة في وقت واحد، وغلبتني عيني فجعلتني لا أبصر من وراء ~~غلاف الدمع، وسبحت في تأمل الحياة في خشوع العاجز الذي يظهر له عجزه ms143 على حين فجأة وهو ~~ساه عن الحقيقة الخالدة في ضجة الحياة الزائلة، إنها دنيا صغيرة فيها أشباح تأتي صورها ~~وتذهب فوق سحابة، ولكننا - معشر الفانين - نحسبها حقائق ثابتة. # وناداني الشيخ قائلا: أتعرفه؟ # فقلت في صوت خافت: كان له فضل عظيم علي، ولكن الظروف قطعت بيننا ولم تطل به الأيام ~~حتى أستطيع أن أوفي له ديني. # مات وما زال دينه باقيا في عنقي. # وهز الرجل رأسه متأثرا وقال: البقية في حياتك يا سيد أفندي، دنيا زائلة، دنيا فانية، هل ~~ترك أولادا؟ # فقلت: فتاة وحيدة. # وخفق قلبي خفقانا شديدا وأنا أتصور حزن منى الشديد في وحدتها. # فقال: أكان مريضا؟ # فقلت: رأيته في أتم صحة منذ أسبوع. # فهز رأسه مرة أخرى قائلا: آجال يا سيد أفندي. # ولم أسمع ما قاله بعد ذلك؛ لأني انصرفت إلى أفكاري الحزينة وإلى منى. # وقمت مسرعا بغير أن ألتفت ورائي، وذهبت إلى دار الجريدة، فكتبت ورقة وسلمتها للبواب ~~ليوصلها للأستاذ علي مختار إذا عاد في المساء، وذهبت من ساعتي إلى المحطة لأسافر في أول ~~قطار أجده على الرصيف، وكان من حسن حظي أن وجدت قطارا يقوم بعد ربع ساعة، وكنت طوال الطريق ~~غارقا في حديث داخلي مستمر، أين دمنهور وما للقطار يسير بطيئا؟ هكذا الدنيا تمضي سريعة ~~بنا ونحن نستبطئ الأيام والليالي والشهور، والقطار يسير دائما إلى الأمام لا يرجع إلى ~~الوراء خطوة، ويقطع الطريق شبرا شبرا حتى يجمع الأميال بعد الأميال لكي يصل أخيرا إلى ~~دمنهور إلى الغاية الأخيرة كما تفعل بنا الحياة، هكذا بلغ السيد أحمد نهاية الطريق. ~~الانتخابات والسرادقات والمظاهرات ومصطفى عجوة وحمادة الأصفر وكل ذلك ينتهي في لحظة، ووقف ~~القطار في طنطا، وبدأ الناس ينزلون ويصعد غيرهم إلى العربة، كل هؤلاء يجتمعون ويتحادثون ~~ويتجادلون ثم يهبطون من القطار لكي يستقبل القطار طائفة أخرى غيرهم حتى ينزل الجميع آخر ~~الأمر إذا جاءت النهاية، وتذكرت يوم سافرت إلى القاهرة أول مرة ورأيت راكبين يتعاركان، ~~هل هناك أحمق من راكب في قطار يعارك جيرانه؟ إنه لن يلبث ms144 أن يتركهم أو يتركوه! # وكانت عودتي إلى منزلي مفاجأة، وبكت منيرة عندما رأتني، وأما أمي فقد ضمتني إلى صدرها، ~~وقالت في حزن: طبعا عرفت المصيبة الكبرى، مسكينة منى! # ووثب قلبي عندما سمعت اسمها، وقلت: هل ذهبت للعزاء؟ # فقالت: طبعا يا بني، من كان يحسب أنه يموت هكذا؟ وماذا أخذ المسكين معه؟ إنها قسمة يا ~~ابني، ومنى المسكينة! تكاد تقتل نفسها من البكاء، لو أنصفت الدنيا لكانت منى من نصيبك يا ~~بني. # يا ليتها لم تكن غنية، منى الجميلة الوديعة! مسكينة. # وكدت أصيح: «ما الخبر؟» ولكني داريت لهفتي قائلا: وهل هي أول فتاة مات أبوها؟ # فخفضت أمي صوتها قائلة: كفانا الله الشر يا ابني وكفانا شماتة الأعداء، لا أحب أن أعيد ~~ما قيل؛ لأنه فظيع، وربنا يستر أعراض الناس. # فوثب قلبي إلى حلقي، وأردت أن أسأل أمي عن قصدها، فلم أقدر على النطق، واستمرت أمي تقول: ~~الموت محتوم علينا جميعا، ولكن الفضيحة يا ولدي، إنها مصيبة، تصور يا ولدي أن امرأة لا ~~قيمة لها تقتل الرجل، نعم امرأة حقيرة قتلته؛ لأنها ملأت المدينة بالفضيحة، والأدهى من ~~ذلك أن يقوم رجل لا قيمة له أيضا، ويقلب المدينة من فوقها إلى تحتها بالتشنيع على السيد ~~أحمد المسكين. أتعرف حمادة الأصفر؟ # فقلت في حنق: لست أفهم ماذا تقصدين يا أمي بكل هذا؛ لأني لم أسمع بشيء عن السيد أحمد ~~جلال سوى أنه مات، ما هذه الفضيحة؟ ومن هي المرأة التي قتلته؟ وما دخل حمادة الأصفر في ~~هذا؟ # فقالت أمي: من يصدق أن السيد أحمد جلال يتزوج بامرأة حقيرة؟ ومن يصدق أنها ولدت منه ~~ولدا مع أنه كان مستعدا للتصدق بنصف ماله إذا ولدت له زوجته ولدا، ذهبت المرأة في كل ~~أنحاء المدينة تعيد هذا القول لتفضحه، وقام حمادة الأصفر معها يساعدها، ورفع لها قضية في ~~المحاكم، مسكين السيد أحمد جلال، بعد ثلاثة أيام من هذه الفضيحة رقد السيد أحمد مريضا ~~ومات في ليلة واحدة، أيصدق أحد هذا؟ # فقلت في هدوء: ولم لا ؟ # فقالت في ms145 لوم: أنت أيضا تقول هذا؟ # فقلت: لست أقول هذا وليس الأمر متوقفا على قولي، المهم هو هل هذه المرأة زوجته؟ هل ~~عندها وثيقة زواج؟ هذا هو المهم. # فصاحت أمي: ما هذا الكلام يا ابني؟ لا يمكن! لا يمكن أبدا. أتقول كما يقول الناس يا ~~سيد؟ عيب يا ولدي، هل كان السيد أحمد مختل العقل حتى يتزوج امرأة مثلها، إنها مصيبة! ~~وتقول مع هذا أن المهم هو الوثيقة؟ # وسبحت في تأمل هذه الأقوال صامتا وأمي تتحدث في صوت غاضب حزين بأقوال لم ألق انتباها ~~إليها. # كنت أسأل نفسي: من تكون هذه المرأة؟ وما هو ذلك الولد؟ وهل هو حمادة الأصفر يظهر مرة ~~أخرى بإحدى ألاعيبه الخبيثة؟ أتكون هي المرأة التي حدثني عنها من قبل في هذيانه: زينب ~~الشقراء أو السمراء؟ وما السر في أنها لم تبدأ فضيحتها إلا في هذه الأيام مع أن علاقته ~~بها إن كانت صحيحة تبدأ منذ سنوات؟ وكانت صورة منى دائما أمامي حزينة تبكي وتشعر ~~بالذلة. # وتنبهت بعد حين إلى صوت أمي وهي تدعوني إلى العشاء، فقمت فاترا مستسلما وذهبت لأغسل ~~رأسي من تراب السفر، وأكلت شيئا خفيفا حتى لا أظهر مبلغ اضطرابي واهتمامي، ثم قمت ~~لأذهب إلى دار السيد أحمد المسكين؛ لأؤدي واجبي في العزاء. # وكان في فناء المحلج سرادق كبير في المكان الذي كان فيه السرادق الضخم في آخر ليلة ذهبت ~~فيها إلى المحلج في أيام الانتخاب، فدخلت بنفس جياشة أسير على مهلي حتى جلست في أقرب ~~مكان من السرادق، وأقبل مصطفى عجوة مسرعا نحوي وحياني شاكرا كأنه صاحب «المعزى»، وجلس إلى ~~جانبي يهمس لي بعبارات المجاملة المعتادة، وأجبته بالعبارات المألوفة في الرد ~~عليها. # ومال علي قائلا: أتحب أن تصعد إلى الدار للعزاء؟ # فشعرت له بما يشبه الشكر وقلت: إذا كان ذلك ممكنا. # فقام آخذا بيدي حتى بلغنا الطبقة العليا وتقدمني إلى رأس السلم وصفق للخادمة وهمس لها ~~بكلمات قليلة، وبعد لحظة جاءت السيدة نور في ملابس الحداد، وكنت لم أرها منذ أشهر طويلة، ~~فما ms146 وقعت عينها علي حتى أجهشت بالبكاء، فاختنق صوتي برغمي ولم أستطع أن أنطق، واستغرقت ~~السيدة في البكاء حتى اتكأت على حاجز السلم، ووضعت منديلها على عينيها مفحومة ... فاقتربت ~~منها قائلا: تجلدي يا سيدتي. # فقالت: أشكرك يا سيد أفندي، وأرجو أن أراك قبل عودتك إلى القاهرة، نحن هنا وحدنا وأنت مثل ~~ولدي. # فقلت متأثرا: هو مصابنا جميعا وأنا تحت أمرك في كل وقت. # ولما مدت يدها إلي انحنيت عليها لأقبلها، ولكنها سحبتها قائلة: الله يبارك فيك يا ~~ابني. # وعدت إلى أسفل الدار وقد ملأني شعور المواساة والعطف، كما أرضيت كبريائي بأنني قد أصبحت ~~موضع الأمل عند السيدة أم منى، ولما عدت إلى السرادق ذهبت أسير بين صفوف المعزيين لأحييهم ~~شاكرا لهم سعيهم، وأخذت مجلسي على مقربة من الباب لأتلقى العزاء عند خروج المعزيين كأني ~~أحد أفراد الأسرة، ومال علي مصطفى هامسا: لا شك أنك سمعت بكل شيء؛ لأن هذه البلدة مثل ~~القدر تغلي وتفور بما فيها، وأهلها مثل السمك يأكل بعضه بعضا، سمعت حكاية المرأة طبعا ~~والله يرحم الرجل الطيب، الشاهد يا سيد أفندي لو كان أطاعني من أول الأمر لأعطى حمادة ~~الأصفر كل ما أراد، كان لا يريد أكثر من مائة جنيه، ولو أعطاه السيد ذلك المبلغ لما حدث ~~شيء، ولكنه طرده وشتمه فخرج الخبيث يهدد، وأنا أعرف من هو حمادة الأصفر، تصور أن الرجل ~~الطيب يسيء الظن بي عندما نصحته بأن يدفع لحمادة مائة جنيه، واتهمني بأني أريد مشاركته؟ ~~الله يسامحه ويرحمه، هذه الدنيا مثل أحجار الطاحون تطحن من فوق ومن تحت، النهاية يا سيد ~~أفندي! في ليلة واحدة راح الرجل الطيب وترك وراءه الدنيا تخبط تقلب، فماذا يأخذ محمد باشا ~~إذا كانت الست زينب تخرج بأكثر التركة لابنها المحروس؟ يا سلام! فضيحة للسماء وخراب بيوت ~~وربك يستر يا سيد أفندي. # وكانت الساعة عند ذلك قد بلغت العاشرة والنصف، وفرغ المقرئ من القراءة، وقمنا لأخذ العزاء ~~من الخارجين، وانصرفت بعد قليل معتذرا إلى مصطفى عجوة بأني ذاهب إلى موعد ms147 هام حتى لا يسير ~~معي، واتجهت نحو شاطئ الترعة لأعيد على نفسي في هدوء الليل ما سمعت من مصطفى. # وكان البدر ساطعا في السماء الصافية والجو دافئا والشاطئ ساكنا، فسرت على مهلي أفكر ~~في هذه المعركة العنيفة التي تدور في طي الخفاء حول جثة رجل لم يمت إلا بالأمس، هذه ~~المرأة تستطيع أن تصبح من أكبر أغنياء المدينة، وهذا الولد الذي لا يدري أحد من أين جاءت ~~به يستطيع أن يصبح من أعظم السادة في البلاد، هذه الحقوق القانونية التي توزع بها ~~المقادير الخطوط وهي مغمضة العينين! من هؤلاء الذين يملكون الألوف من الأفدنة وألوف ~~الألوف من الجنيهات الذهبية؟ أبناء الإماء الذين يكبرون ليصيروا سادة وينسى الناس أنهم ~~أبناء الإماء، وأبناء اللصوص وقطاع الطرق وأبناء تجار الحشيش وتجار الأعراض، وأبناء ~~النساء اللاتي يبعن أجسادهن وأبناء وسطاء الخيانة والدنس ومصاصي الدماء، كل هؤلاء يبسطون ~~سلطانهم على الحياة عندما يرثون الضياع ويملكون الخزائن، ها هم يريدون أن يزيدوا امرأة ~~ساقطة وولدا دعيا! # والتهب قلبي بهذا التفكير حتى بدا لي أن منى أكبر من أن تكون صاحبة آلاف الأفدنة وآلاف ~~آلاف من الجنيهات، لماذا لا تتجرد من هذه الأموال العفنة وتتركها للمرأة وولدها وتعود ~~وهي إنسانة سليمة؟ لماذا لا تخلع هذه الأدهنة اللزجة التي تجعل الذباب يتساقط عليها: محمد ~~خلف وابنه محمود الأبله؟ لماذا لا تعود إلي أنا ونهرب معا من هذا المستنقع ~~العفن. # وضاق صدري وأحسست أن الهواء راكد خانق، وأن رائحته العطنة تكتم أنفاسي، وعرجت إلى أول ~~طريق يتجه إلى داخل المدينة؛ لأذهب إلى بيتي وفكرت في التبكير صباحا؛ لأعود إلى القاهرة ~~تاركا هذه المعركة السخيفة لأصحابها، وكانت الطريق حارة منحدرة قذرة فيها بعض القهاوي ~~والحانات الحقيرة، مصابيح بترول خافتة الضوء على الجانبين معلقة فوق المداخل، وجماعات قليلة ~~مهلهلة الثياب تشرب أكوابا من الشاي الأسود، ولم أدر ما الذي جعلني أنظر إلى الحانة ~~المظلمة التي عرجت إلى الطريق العام من جانبها وكان في وسطها مصباح بترول زجاجي وفي صدرها ~~منضدة طويلة ms148 عليها بعض زجاجات وأوان مبعثرة، وكان المصباح يلقي ضوءه الخافت على صاحب ~~الحانة اليوناني وهو واضع يديه في جيبه أمام منضدة صغيرة يجلس عليها حمادة الأصفر. # يا له من فأر قذر يختار الجحر الملائم له، ووجدت نفسي أندفع داخلا كأني كنت أبحث ~~عنه، وكانت الكأس التي أمامه ما تزال نصف مملوءة من خمر قاتمة اللون، وحملق حمادة في وجهي ~~لحظة ثم وثب قائما وهو يترنح، ثم فتح ذراعيه وتقدم نحوي يريد أن يأخذني بينهما، وصاح ~~صيحات مختلة لم أفهم ما يريد بها سوى أنها ترحيب مختلط بالأسف والاعتذار. # ورددته في شيء من التقزز؛ لأني لم أطق رائحته، فتراجع عني وكانت نظرته بلهاء منكسرة ~~بعينين زائغتين وشفتين متدليتين ظهرت من تحتهما أسنانه الصفر «المشرشرة». # وصاح بصاحب الحانة بلسان معوج: ماذا عندك يا منولي؟ ما لك واقفا هكذا كاللوح؟ ألا تعرف ~~من هذا؟ أشرف رجل في دمنهور وأحسن كاتب في الدنيا. # واتجه نحوي قائلا: تفضل يا سيد بك، تفضل وإن كنت لا أستحق أن تجلس معي، أنا وغد، أنا ~~حشرة، أنا دون يا سيد بك، لك الحق في أن تغضب علي وأن تقول إني نذل ووغد وحشرة، قل لي ما ~~تريد في وجهي فأنا أستحق. # هات الكرسي يا خواجة، نظفه؛ لأنه قذر مثلك ومثلي، ها ها ها، يا منولي يا خواجة الأنذال، ~~يا خواجة الرعاع. # وجاء منولي بكرسي ومسحه بفوطته ونظر إلي مستفهما. # فجلست وقلت له: لا أريد شيئا. # فصاح حمادة: أقسم بالله أن تشرب شيئا، لا بد أن تشرب، بشرفي، ها ها ها، أليس عندك غير ~~هذا الروم الزفت يا منولي؟ # ورفع الكأس فأفرغ ما فيها، وخبط بها على المنضدة. # وذهب الخواجة فانتهزت الفرصة قائلا: اسمع يا حمادة، أحب أن تسير معي قليلا. # فقام يتطوح معي واتجهت به إلى شاطئ الترعة الخالي وقلت له في الطريق: أحب أن تقول لي ~~الحق عن هذه القصة. # ما هي حكاية السيد أحمد جلال؟ # فوقف ممسكا بذراعي وقال: النذل، الكلب مصطفى عجوة، أحلف لك أني ms149 لطمت على وجهي كالنساء ~~عندما ذهبت إلى محلج السيد أحمد جلال بعد أن هدمنا السرادق الذي كنت فيه؛ لأن هذا ~~المصطفى أعطاني خمسة جنيهات، أقف بالعصا في وجهك وأقول لك: «يلا من هنا» بخمسة جنيهات؟ أنا ~~الوغد! أنا النذل! كنت لا أنتظر أقل من مائة جنيه، وحلفت بشرفي أن أنتقم منه لأجل خاطرك، ~~وذهبت إلى زينب لأشكو لها ولكنها طردتني، ماذا أعمل؟ الصبر طيب يا سيد بك، وصبرت عدة أشهر ~~وأنا ألطم وجهي وألوم نفسي وألعنها. بخمسة جنيهات أقف في وجهك بالنبوت وأقول لك: «يلا من ~~هنا»؟! # وفي يوم من الأيام جاءت زينب إلي وقالت: إنها غاضبة على السيد أحمد جلال. نعم ذهب إلى ~~مصر وعضو مجلس نواب وهناك الدنيا الواسعة والحسن والجمال والعظمة، والست هدى المشهورة، ~~وأصبحت زينب لا تستحق أن ينظر إليها. # واتفقنا على الانتقام، أنا أنتقم لك وهي تنتقم لنفسها، وأخذت منها ورقة الزواج، ~~وأعطتني نصف جنيه، وقلت لنفسي: سآخذ منه مائة جنيه، وذهبت بنفسي للسيد أحمد جلال وهددته ~~بالفضيحة. نعم كانت الورقة في يدي قسيمة زواج صحيحة. زواجه من زينب. # وقلت له: إن الورقة معي، ولكنه طردني كالكلب، وذهبت إلى القهوة ودمي فائر وكان مصطفى ~~هناك، فوضعت الورقة أمام عينه ليقرأها، وأراد اللعين أن يخطفها مني يحسبني سكران، ولكن ~~قلت له: «بعينك» وفي ليلتها أحضرنا المأذون يا عم وخطفتها منه، نعم خطفت زينب منه بعد أن ~~رفستني برجلها من أجله وهي الآن في يدي أنا، زوجتي! نهايته مات في ليلة واحدة ولا طبيب ولا ~~زيطة ولا هيصة، ولكن مصطفى عجوة لم يمت؛ لأنه كالبغل كل يوم يزيد بالقنطار. # ثم سكت عن هذيانه، واستند إلى الحائط. # فصحت في سري أنطق: أيها النذل. # وأردت أن أشجعه على الحديث فقلت: مبروك يا حمادة! وهي ما تزال معك؟ زينب؟ # فقال: من ليلتها، في نفس ليلتها، وهي التي دفعت الجنيه للمأذون وكل يوم ريال يا سيد بك، ~~وزينب تقول لي: في داهية! والله لأفضحه، والولد! ابنه طبعا!» انتهى يا سيد بك ms150 ومهنى أفندي ~~يقول: انتهى وصرنا من الأعيان! طلبت منه مائة جنيه فطردني، أما اليوم ولا عشرين ألف جنيه ~~ولا خمسين ألف ولا مائة ألف! وأخذ يصفق بيديه ويغني صائحا: ولا خمسين ألف يا عيني! ولا ~~مائة ألف يا ليل! ودار رأسي من اضطراب هذيانه ومن رائحة أنفاسه، وذهبت عنه مسرعا حتى وصلت ~~إلى منزلي وأنا لا أكاد أقدر على التفكير في شيء، وغسلت وجهي واستنشقت بماء كثير لأذهب ~~رائحة الخمر الرخيصة من خياشيمي واستلقيت لأستريح، ولكني لم أستطع النوم؛ لأن شريطا طويلا ~~من مناظر مختلفة كان يسرع أمام بصري. # | الفصل السابع عشر # كان أول ما خطر لي في الصباح أن أسافر إلى القاهرة وأبعد عن دمنهور وفي دخيلة وعيي أسئلة ~~محيرة كثيرة، ولكني بقيت مترددا حتى صارت الساعة العاشرة، وتبدل عزمي إلى ضرورة البقاء ~~حتى أرى خاتمة القصة المحزنة التي يمثلها حمادة الأصفر وشريكته زينب، ونزلت من البيت على ~~نية الذهاب إلى صديقي عبد الحميد عياد، وعرجت في طريقي على قبر والدي لأقرأ عنده الفاتحة، ~~ثم مضيت في سبيلي حتى بلغت مفترق الطريق بين شارع «أبو الريش» والحارة التي تتجه إلى بيت ~~عبد الحميد، ومن العجيب أنني اتجهت بغير تردد إلى بيت المرحوم أحمد جلال كأنني كنت أقصد ~~الذهاب إليه منذ البداية. # ولما دخلت إلى الدار وجدت جوه يبعث الكآبة والحزن، وقادتني الخادمة إلى غرفة الانتظار، ~~وكان أثاثها فخما وأضواء النوافذ تنعكس على قطع البلور في ثريات السقف والأركان، ولكن ~~الغرفة كانت مع هذا تبدو مظلمة، كانت التحف الثمينة منكسة على حواملها، والستائر والأبسطة ~~مقلوبة على وجوهها، والصورة الكبيرة المعلقة في الصدر مجللة بالسواد تظهر رب البيت ~~الراحل كأنه هو الحزين، وجلست أتأمل ما حولي وسبحت في تأمل معنى هذه الحياة وسخف أطماعها ~~ومنافساتها ومصادماتها، فلم أستيقظ من سبحي إلا على شخص منى يشرق كأنه شعاع نور في بكرة ~~الصباح، كانت هي بعينيها اللتين تشبهان زرقة البحر الصافي وقامتها الممشوقة يزيدها لبس ~~السواد رشاقة، وقمت لأحييها، فنظرت إلي شاكرة وفي ms151 عينيها دمعة، فتجلدت حتى لا أبكي ~~وغمرني حزن عميق كأني أنا أيضا مفجوع بوالدها، ولكني مع هذا الحزن العميق شعرت كأني سعيد؛ ~~لأني رأيت منى على غير انتظار، ولم أجد كلمة أقولها سوى المجاملة المعتادة: البقية في حياتك ~~يا منى. # فقالت بصوت ضعيف: أشكرك يا سيد. # واندفع الدم إلى وجهي أو هكذا خيل إلي عندما سمعتها تناديني باسمي، وقلت لها: علينا أن ~~نتحمل الصدمة يا منى مهما كانت شديدة، وليس لنا من حيلة إلا أن نتحملها. # فأجابت في هدوء: أعرف أنه ليس لنا من حيلة إلا أن نتحمل الصدمة وقد حاولت جهدي أن ~~أتحملها، ولكن فقد أبي على هذه الصورة كان أكبر من صدمة. # ثم ترددت ورفعت منديلها إلى عينيها. # وأدركت إدراكا عاما ماذا تقصد بقولها إن فقد أبيها على هذه الصورة كان أكبر من ~~صدمة؛ فإن ما سمعته من أمي ومن مصطفى عجوة وحمادة الأصفر كان كافيا لجعل موته في تلك ~~الظروف نكبة شديدة. # وصمتت لحظة ثم استمرت تقول: ليس من الهين علي أن أسمع أقوال القريب والبعيد وهم ~~يتحدثون عن أبي الذي كان يملأ حياتي، والذي كنت لا أرى الدنيا إلا في حدود شخصه، ويؤلمني ~~أن تبدأ معركة كلها مطامع وأكاذيب وسخافة ولم يمض على موته إلا يوم واحد، كل الأحاديث تدور ~~حول ما خلفه أبي من المال، وأما هو فلست أجد أحدا يحس بفقده غيري. # ورفعت منديلها مرة أخرى إلى عينيها. # وقلت لها مجتهدا في إخفاء تأثري: تجلدي يا منى؛ فالحياة تمتحننا بأحزانها، لقد فقدت ~~أبي عندما كنت في مثل سنك وأعرف كيف يكون فقد الأعزاء قاسيا، ولكن فقد الأعزاء وما فيه ~~من الأحزان من سنن الحياة القديمة، وعلينا أن نأخذ من الحياة نصيبنا، لا مفر لنا من ~~مواجهة الحياة على حقيقتها، وأن نستمد من أحزاننا كل ما نستطيع أن تهب لنا. # فقالت منى في توجع: وماذا تستطيع أن تهب الأحزان لنا؟ الفراغ الذي خلا من الوالد العزيز ~~والحقائق البشعة التي تتكشف لنا في الأطماع والأحقاد، وهذه ms152 الأحاديث الخبيثة التي لا أظنك ~~سمعتها بعد، وهذه المعركة الحقيرة التي يريدون أن يثيروها في المحاكم حول التركة العزيزة ~~عليهم ولا يبالون فيها أن يمزقوا سمعة أبي ويلوثوها في سبيل المعركة، لست تعرف يا سيد أي ~~نكبة هذه التي ألمت بنا. # فتجرأت ووضعت يدي فوق يدها وقلبي يسيل رحمة وقلت في صوت خافت: سمعت كل ما قيل يا ~~منى. # ونظرت نحوي بعينيها العميقتين وكانت نظرة كلها ثقة والتجاء، ورفعت يدي عن يدها وقلبي ~~ممتلئ بشعور شديد من المواساة، وبإيمان عميق بأن وقوفي إلى جانبها في ذلك الوقت هو همي ~~الأول والأخير في الحياة. # وقلت لها مستمرا: لا تحزني هكذا من أجل أقوال لا يقصد من ورائها إلا تحقيق أطماع ~~هزيلة. # فقالت في حرارة: إذا كان الأمر لا يزيد على أطماع فليأخذوا ما يشاءون وليتركوا أبي ~~المسكين راقدا في سلام، ليأخذوا كل ما تركه أبي من الأموال ويدعوا لي اسمه كما كان شريفا ~~نبيلا، خير لي أن أكون أفقر الناس وأنا ابنة السيد أحمد جلال الكريم النبيل من أن أكون ~~أغنى الناس واسم أبي ملطخ بالأوساخ. # واندفعت تبكي بكاء شديدا. # ووجدت نفسي أبكي أيضا. # وقلت لها بعد أن خفت حدة البكاء: علينا أن نفكر في الأمر تفكيرا هادئا، واسمحي لي أن ~~أشاركك في التفكير إذا لم يكن ذلك تدخلا فيما لا يعنيني. # فقالت في دفعة: وكيف لا يعنيك يا سيد؟ # فزادت جرأتي وقلت في شيء يشبه التحدي: هل لي أن أتدخل في هذا الأمر؟ أليس هناك من لا ~~يرضى عن تدخلي؟ # فأجابت في شيء من الدهشة: ماذا تعني؟ # فقلت في ثبات: ليس لي طبعا أن أفرض نفسي، ألا تظنين أن ذلك قد يغضب محمود بك ~~مثلا؟ # وشعرت كأن طعنة أصابت صدري عندما نطقت باسم «محمود بك». # ونظرت إلى وجهها لأرى أثر قولي فوجدتها مطرقة في وجوم وهي تعبث بأصابعها، ثم أجابت بعد ~~حين قائلة: طبعا لك أن تتدخل وليس لأحد أن يغضب من ذلك. # ولو كان لي أجنحة عند ذلك لحلقت ms153 في الجو الواسع؛ لأن الحجرة كانت لا تتسع لي. # وقمت أستأذن قائلا: أشكرك يا منى. # ولما مدت يدها إلي خطفتها ملهوفا ولم أدر ما صنعت حتى كنت قد رفعتها إلى شفتي، ثم ~~أسرعت منصرفا حتى لا أرى تعبير وجهها خوفا من أن ألمح عليه شيئا من الإنكار. # ولما صرت في الطريق تدافعت علي أمواج من الأفكار المضطربة تتوارد من جهات شتى، واتجهت ~~حيث تحملني قدماي، فإذا أنا بعد قليل عند الحانة القذرة التي اعتاد حمادة الأصفر أن يجلس ~~فيها، وكان جالسا هناك يشرب من كأس فيها الخمر الحمراء الداكنة. # ودخلت هاجما عليه كأني أخشى أن يفلت مني، ولما اقتربت منه قام يترنح، وفتح ذراعيه بحركة ~~غير إرادية كأنه يريد أن يعانقني. # فأزحت يديه في شيء من الحدة وقلت له: أريد أن أكلمك كلمة يا حمادة. # فقال: ألست تحب أن تشرب شيئا؟ # فجذبته من ذراعه في شيء من القسر وقلت له: الوقت ضيق وأريد أن أحدثك حديثا هاما فيه ~~مصلحتك. # فقام وهو لا يكاد يستقيم من السكر، وسرت به خارجا من الحانة متجها به إلى شاطئ ~~الترعة. # وكأنه أحس بالخطر، فقاومني وجاذبني قائلا: «لم تجرني هكذا.» # ولم أجبه حتى بلغت جانب الترعة، وكان خاليا من المارة والنسيم باردا والجو صامتا، ~~وهززت ذراعه في عنف قائلا: اسمع يا حمادة، أنت تعرف ما كان بيني وبين السيد أحمد جلال ~~عندما كنت أنت تخدمه وتجمع الجموع بالعصي لتقولوا لي: «يلا من هنا.» لا تحاول أن تحتج ~~ولا أن تعتذر، فإني لا أقصد أن ألومك على ما فعلت، بل أريد أن أذكرك بأن السيد أحمد جلال قد ~~انتهى وأنه لم يبق إلا امرأته وابنته منى، أنت تعرف أنهما امرأتان وحيدتان وسأقف بجانبهما، ~~ولن أتردد في شيء إذا اضطررت إلى الدفاع عنهما، قل ما تشاء، واذهب في طول المدينة وعرضها ~~فشنع علي كما تريد، ولكن اعلم أني سأستخدم كل الأسلحة في الدفاع والهجوم حتى ~~أخلصهما من مؤامرتك القذرة. # فصاح في تحد: ما هذا الكلام يا سي ms154 سيد؟ أي مؤامرة؟ # فقلت له وأنا أكتم غضبي: نحن الآن هنا وحدنا، فلك أن تقول لي ما تشاء، ولي أن أقول لك ما ~~أشاء، نحن هنا وجها لوجه تتكلم بصراحة وحوش الغابة: ثعلب أمام ذئب أو ذئب أمام ضبع يريدان ~~الفصل في معركة حتى الموت. # اسمع يا حمادة، أنا أقصد كل كلمة أقولها لك، ولن أتردد في أن أحطم رأسك بيدي مهما كانت ~~النتيجة. # فضحك ضحكة وقحة، وقال مقهقها: كاتب عظيم والنبي، أهذه قصة تريد أن تمثلها معي؟ # ثم عاد فضحك مقهقها. # فكدت أخبطه بقبضة يدي في أسنانه الصفراء، ولكني شعرت كأنه ألقى علي «جردلا» من الماء ~~البارد، فتماسكت وعاودت الكرة: لست أهزل ولست أمثل، بل أقصد كل كلمة أقولها لن أدعهما ~~لألاعيبك التي أعرفها. # ما هذه القضية التي تريد أن ترفعها؟ وما هذه المرأة التي تزعم أنها زوجة السيد أحمد ~~جلال؟ وما ذلك الطفل الذي أخرجته من جرابك؟ # فقال: وما دخلك أنت؟ # وكدت مرة أخرى أصفعه، ولكني قلت: مثل دخلك أنت؟ # فأجاب في سخرية: ألا يكفي تدخل محمد باشا؟ هو يتدخل في مصلحة نفسه، هو يريد أن يأخذ ~~لقمة دسمة تستحق التعب، ولكن ما دخلك أنت؟ # إلى أين تجرني يا سي سيد؟ دعني أذهب فلا محل لهذا الكلام، ما لك تجرني هكذا كالكبش ~~العاصي؟ أتريد أن تذبحني؟ ها ها ها، اسمع يا سيد أفندي، أنت رجل شريف فدعنا نحن نتعارك كما ~~نشاء، نحن الحشرات الحقيرة: أنا ومحمد باشا وزينب وأمثالنا. # ووجدت صعوبة في أن أمنع نفسي من أن ألكمه، ومددت يدي إلى كتفه وقبضت عليها في عنف، ~~وهززتها قائلا: دع عنك هذه السخرية إذا أردت أن تعرف مصلحتك. # فقال وهو يتوقف ناظرا إلى وجهي: يعني؟ # فقلت في دفعة: يعني أنك تخرج صدري وتثير غيظي وتدفعني إلى أن أمحقك. يعني أنك لا تفهم ~~موقفك الحقيقي ولا مصلحتك. # فقال في حنق لأول مرة: تهددني؟ # فقلت مستمرا في دفعتي: أتظن أني جئت بك من الخمارة إلى هنا لأتنزه معك؟ # فقال في سخرية: ms155 قل لنفسك. # وظهر لي جسمه الضئيل كأنه طفل عنيد، وعجبت لشدة ثباته إذ رأيت أمامي شخصية صعبة المراس، ~~وكان وجهه النحيل يشبه وجه ابن آوي إذا كشر عن أنيابه. # وفكرت في أن أسلك طريقا آخر غير التهديد، فقلت: لست أريد يا حمادة أن أضرب قبل أن ~~أبذل كل جهدي في تسوية هذا الأمر بسلام؛ لأني أشفق عليك. # فأجاب في غضب: ومن طلب منك الشفقة؟ أنا أكره ~~الرحمة ولا أحب أن تشفق علي، لا تظن أني أرضى بأن أكون موضعا للشفقة، لست أخجل من شيء ~~ولا يهمني أن يقول الناس جميعا أني نذل ووغد ومجرم، ما لك أنت؟ أنا آخذ وألعن، وآكل ~~وألعن، وأعيش مع زينب الساقطة، ويحلو لي أن ألعنها وتلعنني، أنا أصرف من كسبها وأعرف أنها ~~ساقطة وأقوم بأية خدمة قذرة في نظير جنيهات قليلة لأصرفها عند منولي، ما لك أنت؟ اذهب عني ~~ودعني. # وانفلت مني في عنف وأسرع منصرفا وهو يقول بصوت خافت: ما لك أنت؟ أنا قط ضال، أنا كلب ~~عقور، أنا فأر قذر، أي شيء ولكني لا أرضى أن أكون موضعا للشفقة، لا أرضى أن أكون كبشا ولا ~~حمارا، أخطف وأخبط! وأرقع، وأشرب الزفت أو أبلع السم! هذا كل شيء، من قال إني أطلب ~~الرحمة؟ # وأسرعت وراءه لأدركه حتى قبضت على ذراعه بشدة، وصحت به في ضجر: أتعني أنك عزمت على ~~الاستمرار في المؤامرة؟ أنت تعرف أنها مؤامرة ملفقة، وأنا أعرف أنها كذلك. # فقال صائحا في وجهي: طيب، وماذا تريد؟ # فقلت وأنا أهدئ نفسي: أريد أن أذكرك بأنك قلت لي بلسانك أنك مزور، هذا العقد الذي ~~تهدد به لا يساوي مليما. # فصاح: من قال هذا؟ # فقلت في ثبات: أنت. ألا تذكر أنك قلت لي إنك تزوجت من المرأة؟ أنسيت أنك تزوجتها وأنها ~~دفعت الجنيه للمأذون؟ فمن هذا الولد الذي ولدته المرأة؟ # فصاح في غيظ: كلام فارغ. # فقلت في هدوء: سنعرف أنه كلام ملآن. سأبين ذلك للنيابة لا لك أنت. # فوقف ينظر إلي في حنق وقال: تفضل. ms156 اذهب إلى النيابة. # فقلت: سأفعل بغير شك في صباح الغد إذا جاءت الساعة التاسعة صباحا، أمامك مدة طويلة تفكر ~~فيها، ولكن اعلم أني أقول لك كلمتي الأخيرة، لن أرجع إلى الوراء أبدا، الآن فرصتك الوحيدة، ~~ولن أقول لك كلمة أخرى سوى أني أعرض عليك الآن عرضا سخيا لا عن تردد في عزمي، بل لأني ~~ما أزال أشفق عليك برغمي وبرغمك، مائة جنيه في نظير الورقة التي معك. # وكان ينظر إلي في أثناء هذا في دهشة وحشية، ثم قال بصوت حانق: لم أتزوج من أحد، وهذه ~~الورقة التي معي لا أتركها بمائة ألف جنيه. # وتركني وانصرف مسرعا داخلا إلى حارة ضيقة، وسرت في طريقي على الترعة حتى وصلت إلى ~~«كوبري فلاقة»، وأنا حائر مرتبك الذهن لا أدري ماذا أفعل. # وعدت إلى بيتي ودخلت إلى غرفتي، وارتميت على سريري بملابسي، والحيرة تملك علي كل مشاعري ~~ومسالك أفكاري. # وكذبت على أمي، فقلت لها: إني تغديت في المدينة. لكي تتركني وحدي مع الأمواج المتدافعة ~~في رأسي. # | الفصل الثامن عشر # كانت الساعة السادسة والنصف مساء عندما جاءت أمي لتدعوني إلى مقابلة طارق عند الباب، ~~فقمت في ضيق ونزلت لأفتح له، وكانت دهشتي عظيمة عندما وجدت أنه حمادة الأصفر بوجهه النحيل ~~وأسنانه الصفر وقامته الضئيلة، فوثب قلبي وقلت له مبادرا: هيه يا حمادة! # فقال في جمود: لا تحسب أني جئت لأرجوك في شيء، أو أني خفت من تهديدك، ليس عندي عقود زواج ~~ولا عقود طلاق، وكل أقوالك لا تخيفني، اسمع يا سيد أفندي، إذا كنت تحسب أن النيابة تخيفني ~~فأنت مخطئ، وماذا تفعل النيابة بي؟ السجن؟ طيب يا عم، نذهب إلى السجن، أهذا كل ما تقصد؟ ~~ألم أقل لك إني حشرة وكلب عقور ووغد؟ ولكن أموال السيد أحمد جلال حرام علي أنا وحلال بلال ~~لك ولمحمود بن محمد خلف ووالده سعادة الباشا، أهذا ما تريد يا حضرة الأديب الكبير؟ طيب يا ~~عم، خذ أنت نصيبك ونأخذ نحن نصيبنا. الفلوس لكم والنيابة لنا، أليست هذه هي القسمة ms157 العادلة ~~التي تعودناها من الحياة؟ بس يا سيدي، هذا ما جئت لأقوله، وحول وجهه عني لينصرف، وثارت ~~في نفسي مشاعر مختلفة فقد حزنت من أجله وأشفقت على بؤسه، ومع هذا هممت أن أركله بقدمي ~~وأمرغه في تراب الحارة، وجمعت كل إرادتي وقلت له: لست في حاجة إلى أن أقول لك أكثر مما ~~قلت أنت عن نفسك، فهل جئت لي حقا لتقول هاتين الكلمتين؟ # فوقف وقال في مرارة: أتظن أني لا أفهم السر في هذه الحماسة الشديدة؟ ألست أنت الذي كنت ~~أكبر خصم للسيد أحمد جلال؟ سبحان الله! سبحان الله يا أستاذ يا عظيم! هكذا تنقلب من حرب ~~طاحنة إلى صداقة طاحنة لوجه الله تعالى؟ أتريد أن تقول لي إنك متطوع لخدمة محمود خلف لوجه ~~الله؟ # ومن العجيب أني بعد أن كنت شديد الرغبة في أن أركل هذا الرجل بقدمي فأحطم عظامه، بدأت ~~أجد اهتماما شديدا بكلماته اللاذعة، ولأول مرة تبينت أني متناقض مع نفسي كما تبينت أن ~~موقفي معرض للتهمة التي جهر بها ذلك الوغد، وكان أكبر ما يؤلمني أن يذهب ظن أحد أني ~~أسخر نفسي لخدمة محمود خلف، ودعوته للدخول معي إلى البيت لأسمع منه كل ما عنده بعيدين عن ~~الأنظار والأسماع، ولكنه مانع حتى جررته جرا من ذراعه، وصعدت به إلى غرفتي. # ولما صرنا وحدنا قلت له: اسمع يا حمادة. لست أبالي أن تكون أسفل مخلوق في العالم، ولكني ~~أحب أن أقول لك كلمة، ماذا يهمك أنت إذا كنت أعمل لحساب محمود خلف أو غير محمود خلف؟ ماذا ~~يهمك أنت إذا كنت سأستولي على سمسرتي في هذه الصفقة وألقي بك في السجن؟ ماذا يغير هذا ~~من موقفك أنت؟ هل عزمت حقيقة على أن تستمر في مؤامرتك؟ وهل حقا لا تبالي أن تذهب إلى ~~السجن من أجل مكيدة فاشلة؟ وأقسم لك برحمة أبي أني لن أتركك إذا لم تتنازل عن عنادك، فما ~~رأيك الأخير؟ # فتلوى في مقعده، وبقي مدة صامتا وهو ينظر إلي كأنه ثعبان يتحفز للهجوم ، وكان على ms158 ~~وجهه شبح ابتسامة مسمومة. # ثم قال في مرارة: يعني انتهينا؟ # فقلت في لهفة: كن عاقلا يا حمادة. # فقال: يعني نذهب إلى السجن أو نخرج من المولد بلا حمص؟ يعني يا سي سيد ليس أمامي إلا أن ~~أختار بين السجن والموت جوعا؟ طبعا ستطردني المرأة إذا لم أذهب إلى السجن، وطبعا مصطفى ~~عجوة يخرج لي لسانه قائلا: «رح في داهية يا حمار.» نعم أنا حمار وخمسين ألف حمار؛ لأني لم ~~أرض بمائة جنيه، وقلت له: ولا خمسين ألف. لم أعرف في ذلك الوقت أن سيد أفندي زهير سيعود ~~إلينا من القاهرة ليقول لي: يا وغد اذهب إلى السجن. # وقام واقفا يريد الانصراف، ولأول مرة رأيت عليه أثر الاضطراب والانخذال. # فجذبته من ذراعه لأقعده، فارتمى على الكرسي كأنه يتهدم وقال في ضعف: دعني أذهب يا سيد ~~أفندي لأفكر في اختيار السجن أو الموت جوعا. # ونظرت إليه لحظة في صمت وخيل إلي أني أرى أمامي أنقاض إنسان محطم، وشعرت من أجله ~~بحزن صادق، وقلت له في رقة: أنا مستعد يا حمادة أن أمد يدي إليك، وإن كنت واثقا أني ~~أمدها إلى الثعبان الجريح الذي لا يتردد أن يفرغ فيها سمه إذا استطاع أن يصل بأنيابه ~~إليها. # وكان ينظر نحوي نظرة خاوية تدل على أنه كان غائبا بفكره عني، وكان تعبير وجهه ينم عن ~~ألم داخلي من معركة عنيفة، وشعرت بأنني حيال جدار منيع يحول بيني وبين الوصول إلى قرارة نفس ~~ذلك الرجل الهزيل الجالس أمامي، وإن كنت أقدر على أن أصرع جسمه النحيل بضربة واحدة من يدي، ~~كان واضحا أن ذلك الرجل ينطوي على فطرة وحشية عنيفة عنيدة تستعصي على إرادتي وتتملص من كل ~~محاولاتي في تأنيسها. # ولبثنا مدة غير قصيرة ونحن صامتان، وكل منا يتحدث مع نفسه، وتحرك هو آخر الأمر واقفا، ~~وقال: تريد أن تضحك علي يا أستاذ؟ # فزممت شفتي بحركة غير إرادية، وقمت صامتا، وسرت أمامه مطرقا حتى خرجنا إلى الحارة، ~~وهممت أن أدخل وأغلق الباب ورائي، ولكنه وقف مترددا ms159 ثم قال: يعني لا تريد أن أخرج ~~بشيء؟ # فقلت منفجرا: ابعد عني أيها الأحمق، ولا ترني وجهك هنا. # فقال في خشوع: أشكرك يا سيد أفندي. ليس هذا الكلام جديدا علي، كل الناس يقولون لي مثل ~~هذا. # فقلت في جفاء: وماذا تريد؟ # فقال في وقاحة: قطعة من الغنيمة. # ولم أجد فائدة في مناقشته، وقلت له في اختصار: وفي نظير ذلك؟ # فوضع يده في عبه وأخرج منه أوراقا وهو يتراجع إلى الوراء كأنه يخشى أن أخطفها، فخفق ~~قلبي شديدا، وقلت له في صوت أجش: وما أدراني ما هذه الأوراق؟ ما أدراني أنها تافهة لا ~~تساوي قرشا واحدا. # فقال مترددا: لو كان لي شرف لحلفت لك به أن هذه هي الورقة التي تريدها. # وهز ورقة قذرة في يمينه. # فقلت متكلفا الهدوء: إذن نعود إلى غرفتي لأرى الورقة وأعطيك ما تريد. # فقال في عنف وحشي ووقاحة: لع يا سيدي! سأنتظر هنا المائة جنيه أولا. # وأدركت ما يقصد من ذلك، ولم أعجب من أن مثله يخشى أن يدخل معي خوفا من أن أحبسه في ~~غرفتي وأغتصب منه الورقة، وقلت له هادئا: إذن فانتظر حتى أعود إليك. # ودخلت مسرعا فوثبت على السلم غير مصدق أنه ينتظرني حتى أعود، وكانت أمي مشغولة في ~~حياكة ثوب لأختي، فاستعجلتها لتعطيني مائة جنيه من المدخر عندها، فقامت وهي تنظر إلي ~~مستغربة ولكنها لم تسألني عن شيء، وذهبت إلى درج «الدولاب» الذي تحفظ فيه النقود، فأتت لي ~~برزمة النقود كلها وقدمتها إلي وهي صامتة، فأخذت منها ورقتين من ذوات الخمسين جنيها، ~~ورددت إليها الباقي، وأسرعت نازلا في لهفة، وشعرت بارتياح عظيم عندما وجدت حمادة ما يزال ~~واقفا عند الباب، فمد يده إلي وأخذ الورقتين من يدي قبل أن يسلم ورقته ثم انصرف بغير ~~أن يلتفت إلي. # ونظرت إلى الورقة التي في يدي لأرى ما هي، وتنفست نفسا عميقا عندما وجدتها ممضاة ~~بالإمضاء التي أعرفها للسيد أحمد جلال، كانت ورقة زواج عرفي، ولم أستطع أن أقرأ من الأسماء ~~التي عليها سوى اسم ms160 السيد المرحوم واسم مصطفى عجوة؛ لأن اسم الشاهد الآخر كان غير واضح ~~المعالم كأن صاحبه أراد أن يستخفي. # وداخلني سرور لا أستطيع أن أصفه حتى لقد سألت نفسي: أأنا في حلم صوره لي التمني، أم ~~أنا في يقظة حقيقية أقبض فيها بيدي على وثيقة يبلغ ثمنها مئات الألوف من الجنيهات، ومن ~~فوقها سعادة منى وسمعة السيد أحمد جلال؟ وقفت ثابتا في مكاني قريبا من باب البيت لا أدري ~~ماذا أفعل، وخلا ذهني من كل فكرة كأنه توقف عن الحركة، وأخرجت ساعتي فوجدت أنها صارت ~~الثامنة من المساء، ولكن ذلك لم يحمل إلى فكري معنى، وأغلقت الباب ورائي، وصعدت إلى ~~غرفتي، وأخذت أقرأ الورقة حرفا حرفا لأستوثق من أنها هي الورقة المطلوبة، وجاءت أمي عندما ~~سمعت حسي، فقالت في هدوء: من كان معك يا سيد؟ # فقلت: حمادة الأصفر. # فقالت في صيحة مكتومة: وهذه الجنيهات له؟ # فقلت باسما: تفضلي يا أمي واجلسي هنا. # وأخذت أحكي لها كل ما مر بي منذ الصباح، فكأن تعليقها على ذلك أن قالت: الله يبارك فيك ~~يا ابني! # ثم قامت ووضعت يدها على رأسي، وجعلت تقرأ والدمع يترقرق في عينيها. # ثم قالت: رحم الله الجميع يا ولدي؛ فقد كان السيد أحمد جلال رجلا كريما، حماك الله من ~~الفضائح يا ولدي! # ولما خرجت أمي من الغرفة بدأت أسأل نفسي: ماذا ينبغي لي أن أفعل؟ وكان أول خاطر سنح لي أن ~~أسرع إلى منى؛ لأخبرها أن المشكلة قد زالت، ثم أسلم إليها الورقة وأتمتع بالسعادة عندما ~~أراها تبتسم لي شاكرة، ولكني لم ألبث أن سخرت من هذه الفكرة، وبدا لي أنها لا تزيد على ~~محاولة تمثيلية سخيفة، ثم ماذا يكون لو أن منى سألتني كيف حصلت على الورقة؟ أأحكي لها كل ما ~~صنعت، وأني دفعت الجنيهات المائة ثمنا لها؟ وهل يليق أن أذهب إلى هناك بعد الساعة الثامنة ~~مساء؟ وخطر لي أن أبادر بالسفر إلى القاهرة في قطار الصباح الباكر بغير أن أخبر منى بشيء ~~مما حدث ، وتأملت مقدار ms161 السعادة الكبرى التي أفوز بها إذا علمت منى من تلقاء نفسها فيما بعد ~~بأنني أديت لها هذه الخدمة الجليلة في صمت بغير أن أنتظر منها جزاء، ولكني سخرت من هذه ~~الفكرة أيضا، وبدا لي أنها أقرب إلى أن تكون إمعانا في الرياء. # وضاق صدري من هذه المجادلات الداخلية الجوفاء، فأعدت قراءة الورقة ثم مزقتها قطعا صغيرة ~~في بطء وذهني سادر، وألقيت بالقطع في سلة المهملات، وقمت لأنزل حتى لا أبقى في الحجرة ~~المغلقة وحدي، واتجهت إلى بيت صاحبي عبد الحميد، وجلسنا في المنظرة المألوفة، وكانت نظرة ~~صاحبي تحمل معنى الدهشة وابتسامته تدل على التساؤل. # وقال في نغمة عتاب: أنت هنا منذ أيام؟ # فقلت: منذ يومين اثنين ولكنهما كانا ممتلئين. # وأخذت أقص عليه ما حدث منذ عدت إلى دمنهور. # فقال مبتسما: حسن جدا يا دون كيشوت. # فقلت: أرجوك ألا ترهبني بسخريتك، فهل كنت لأترك منى وحيدة لرحمة قطيع من الذئاب. # فتبتسم قائلا: آه. هذا شيء آخر. أظنني بدأت أفهم، أنت تحبها؟ # فقلت في جد: لا أكذبك، فأنت غير مخطئ. # فقال وما يزال باسما: وما هي الخطوة التالية؟ # فقلت: لا شيء، سأسافر غدا صباحا. # فقال في دهشة: هكذا يفعل دون كيشوت! # فقلت: وما حيلتي؟ ماذا تفعل لو كنت في موقفي. # فقال وهو يقف: لست أدري تماما، ولكني كنت لا أسافر غدا إلى القاهرة، لم لا نذهب غدا ~~إليها لتسألها بغير مقدمات: هل ترضى بك زوجا؟ أنت أصلح لها بغير شك من ذلك الشاب الأبله، ~~ماذا تنتظر؟ # فلم أجبه بشيء؛ لأني لم أجد شيئا أقوله، وأخذت أعيد السؤال نفسه، ولكني كنت مثل مذهول لا ~~يعي ما يسمع. # ثم قمت ساهما وليس في ذهني فكرة، وأخذ صاحبي بذراعي حتى نزل معي إلى الباب بغير أن يقول ~~أحدنا للآخر كلمة، وكنت ما أزال أفكر في السؤال الذي وجهه إلي ولم أهتد إلى جواب له، ~~وكان هو كذلك يفكر ولكني لم أعرف فيم كان يفكر، ولما صافحته آخر الأمر طلبت منه أن يبلغ ~~تحياتي للسيدة الكبيرة، ms162 وكانت دهشتي عظيمة عندما قال لي: إنها مريضة وإن الطبيب لا يسمح ~~لأحد بزيارتها، وشعرت بخجل شديد وأنا أعتذر إليه من أني أخذت من وقته هذه الساعة لأحدثه عن ~~نفسي وهو في مثل هذا الظرف القاسي، فلم يزد على أن أجابني قائلا: «حديثك عن نفسك أحب ~~إلي، وماذا كنت تفيدني لو حدثتك أنا عن نفسي؟» هذا الصديق العجيب يسيطر على قلبه مثل ~~هذه السيطرة كأنه عقل مجرد لا تتطوح به العواطف والميول، ولا يعصف به ضعف الإنسانية، ~~ولولا أن له قلبا كبيرا يعرف كيف يواسي وكيف يشارك في الاهتمام بغيره، لقلت: إنه خلقة ~~شاذة، ومهما يكن من أمري فقد انصرفت من عنده وأنا موزع القلب بين الإعجاب به والدهشة منه ~~والحيرة بين التسليم بآرائه ورفضها. # | الفصل التاسع عشر # عدت من دمنهور إلى دوامة العمل مرة أخرى، ولا أذكر أني كنت في يوم من أيام حياتي أشد ~~قلقا وشعورا بالوحشة مما كنت في تلك الأيام، كنت أحس أن الحياة أصبحت فراغا خاويا ~~ليس من فوقه سماء تظلني ولا من تحته وطاء يحملني، بل كنت ضيقا بنفسي حانقا عليها بغير أن ~~يكون في حياتي المعتادة ما أشكو منه، كنت موفقا في عملي وكان الأستاذ علي مختار يزداد ~~تقديرا لي يوما بعد يوم، وكنت دائما أوسع دائرة علاقاتي بزملائي من الصحفيين وبغيرهم ~~من رجال السياسة والحكم، وأغتبط بما أجده عندهم من التقدير والتكريم، وكنت في حياتي الخاصة ~~أشبه بأن أكون سعيدا خاليا مما يثير الهموم، ولكني مع هذا كنت أحس كأن قلبي في قبضة ~~مارد جبار يعصره بغير رحمة، واستولى على قلبي خيال واحد لا يكاد يفارقني في ساعة من الليل ~~أو النهار، فيتمثل لي إذا جلست لأكتب مقالاتي في دار الجريدة، وإذا سرت في طريقي أو جلست ~~في حجرتي المنعزلة في المساء أو أغمضت عيني لأنام، بل إنه كان لا يفارقني إذا كنت غارقا في ~~زحمة الناس وضجة الحياة الصاخبة التي لا يعرفها إلا من عرف مهنة الصحافة؛ كان ذلك خيال ~~منى. ms163 # وفي الصباح عندما أذهب إلى بريد الأحرار كان أول سؤال أسأله: «هل جاء إلي خطاب؟» فإذا ~~وجدت خطابا نظرت إلى خط العنوان في لهفة، فإذا كان من عند أختي ذهبت إلى ناحية وتفرغت ~~لقراءته لعلي أجد فيه كلمة تشير إلى منى، ولكني كنت في أكثر الأحوال أطوي الخطاب خائبا؛ ~~لأن أختي كانت تكتب لي عن كل شيء تافه، ولا تكتب لي عن منى كلمة، ولا أذكر أني تأخرت مدة ~~يومين اثنين في الرد على أختي، كان قصدي من ذلك أن أجعلها تكثر من الكتابة إلي لعلها ~~تقول لي الشيء الذي أنتظره، وإن كنت لم أحدد بالذات هذا الشيء الذي أنتظره، كان في ذهني ~~سؤال واحد كبير غير محدد، وهو أني تركت دمنهور بغير أن ألقاها أو أبعث إليها بكلمة، بعد ~~أن مزقت الوثيقة الخطيرة التي كانت في يد حمادة الأصفر، فلا أعرف إن كانت الأمور قد تطورت ~~أو استقرت على صورة من الصور، فهل كنت حقا كما وصفني صاحبي عبد الحميد أحمق مثل دون ~~كيشوت؟ هل مهدت حقا لمحمود خلف أن يصير زوجا لمنى؟ وما الذي منعني من أن أذهب إليها ~~قبل سفري لأقول لها: إني مزقت الوثيقة التي كانت تخشاها ثم أجهر لها بكل ما نفسي وأعترف ~~لها ولمن يحيط بها وبي بأني أحبها ولا أعيش إلا من أجلها؟ ما الذي حملني على التسلل هكذا ~~من دمنهور بغير أن أنصف نفسي، وتركت الأمور بعد ذلك تجري في مجراها؟ أكنت أخشى أن تسخر مني ~~عندما أفضي إليها بالحب الذي أحمله لها؟ أم كنت أخشى أن يسخر الناس مني ويتهموا الدوافع ~~التي تدفعني؟ وماذا علي لو كنت جهرت لها وللناس وتركتهم يسخرون بي كما يشاءون؟ على أن ~~الدنيا التي كانت حولي لم تعبأ بضيقي ولا بقلقي، وكان كل شيء يسير في مجراه مثل الآلة ~~الضخمة التي لا تقف إذا اعترضها بائس مسكين، فحطمته في سبيلها، كانت جريدة «بريد الأحرار» ~~تظهر كل يوم في الصباح على عادتها، وكانت المجامع والمصالح والأحزاب تضطرب ms164 فيما حولي ~~وتغمرني في ضجتها بما أنطوي عليه من القلق والحيرة كما تغمر الدوامة الشديدة حشرة ~~غريقة. # فإذا عدت إلى بيتي في المساء وجدت المصباح الضئيل يستقبلني في الدهليز المظلم، ثم أدخل ~~إلى الفناء الرطب وألمح الغرفة التي يجتمع فيها الشيخ مصطفى ورفاقه بعد العودة من الدكان ~~ليتموا السهرة وهم سعداء بالنسيان، ثم أصعد إلى غرفتي لأخلو مع كتبي وقلمي وهواجسي. # ومما زادني شعورا بالضيق أنني أصبحت مضطرا لخدمة نفسي بعد أن غضبت فطومة مني عقب ~~تلك الليلة التي ذهبت فيها إلى حفلة استقبال الأمير الشرقي في قصر الوجيه حسام الدين، فإنها ~~امتنعت من بعدها عن ترتيب غرفتي وإعداد إفطاري وغسل مناديلي وملابسي، وكنت لهذا مضطرا إلى ~~أن أعمل بيدي كل ما أحتاج إليه أو أبحث عمن يقوم لي بعمله، وكان ذلك يحيرني ويزيد من ضيقي، ~~وفكرت في الانتقال إلى مسكن جديد، ولكن الحالة النفسية التي استولت علي جعلتني لا أقدر ~~على تركيز أفكاري في أمر من الأمور أو جمع إرادتي لتنفيذه، وهكذا مضت الأشهر بي حتى اشتد ~~فصل الصيف بحره وبحوادثه الكثيرة التي بعثت إلى الجو السياسي حرارة أشد من حر الصيف، وزاد ~~نصيبي من العمل فصار الأستاذ علي مختار يكلفني بأعمال مختلفة كلما جدت فضيحة من الفضائح ~~المتعددة التي كانت تتوالى أسبوعا بعد أسبوع؛ فضيحة القطن وفضيحة تجارة المخدرات وفضيحة ~~الراقصة التي رفعت رأس رئيس وزراء مصر عاليا في محافل أوروبا عندما عرضت رقصاتها المبتذلة ~~في مواخيرها، وجزيرة كابري التي صارت بقعة مقدسة منذ حل بها الملك الخليع ليظهر للعالم ~~أنه آمون المعبود الجديد الذي يركع له شعب من العبيد، فكنت في كل يوم أفرغ ضيقي وحنقي في ~~مقال تحت عنوان: «أنا الشعب»، الذي أصبح يوميا بعد أن كان أسبوعيا، ومن أجل هذا كنت لا ~~أكاد أفرغ من تحقيق في نيابة الصحافة حتى أبدأ في تحقيق آخر، حتى سماني زملائي ألمع نجوم ~~القضايا السياسية. # وعدت في ليلة مبكرا إلى بيتي منقبض الصدر بعد صباح طويل قضيته في نيابة ms165 الصحافة، وعمل ~~متصل في الجريدة بعد الظهر إلى غياب الشمس، وكانت ليلة شديدة الحر اجتمع لي فيها كثير مما ~~يزيد ضيقي وهمي، من تعب الجسم وتوتر الأعصاب وخيبة الرجاء؛ لأني كنت أرسلت إلى أختي خطابا ~~منذ أسبوع سألتها فيه بغير إبهام أن تخبرني عن أحوال منى، فجاءني الرد قبل خروجي من دار ~~الجريدة ففتحته في لهفة وقرأت فيه كثيرا من الأحاديث المفصلة عن كل شيء سوى منى، لم تكتب ~~لي منيرة عنها إلا جملتين صغيرتين في آخر الخطاب تقول فيهما أن منى بخير، وتسأل عن ~~صحتي! # وكانت الليلة مقمرة فأردت أن أفرج عن نفسي بجلسة هادئة تحت السماء الصافية، وأخرجت ~~الكرسي الطويل إلى السطح، واسترخيت في جلستي عليه مستندا برأسي إلى ظهره، وسبحت في سنة من ~~القيظة الحالمة، هي بخير وتسأل عن صحتي! هكذا يقول الناس إذا تلاقوا في الطريق عفوا: «كيف ~~صحتك؟» ثم ينصرف كل منهم في طريقه، هكذا أنا أسأل عنها وهي تسأل عن صحتي ويمضي كل منا في ~~طريقه، أنا هنا في هذا البيت أناجي همومي وأحاول أن أفرج عن نفسي بالجلوس تحت السماء فوق ~~سطح منزل الحاج مصطفى، ومن ورائي هذه الغرفة المسكينة، وأما هي فتسأل عن صحتي وتمضي في ~~سبيلها، لتستعد ليوم الزفاف وتجهز الثياب والأثاث لاستقبال محمود خلف، ودارت في داخلي ~~مناقشة عنيفة كأني كنت أنطوي على شخصين منفصلين يتنازعان في حدة وحرارة، وكل منهما ~~يثير من ناحيته الآلام في قلبي، كأن أحدهما يخجلني من نفسي؛ لأني أتطلع إلى أمور لا ينبغي ~~لمثلي أن يتطلع إليها ويتهمني في صراحة أنني أشبه المملوك في الأزمان القديمة عندما ~~كان يتطلع إلى ابنة سيده، وكان الثاني يغضب ويرفض ويتهمني بالتقصير في حق نفسي وحق ~~منى؛ لأني لم أتقدم نحو أمنيتي جريئا صريحا، ولم أواجه موقفي كما ينبغي للرجل الحر الذي ~~يحترم نفسه أن يفعل، وكانت نتيجة هذه المحاورة الخانقة أنني لم أشعر بأنس إلى ضوء القمر، ~~وخيل إلي أن الفضاء أشد ظلمة من جدران الجحر الأسود الذي ms166 عرفته في مركز دمنهور، وكما ~~يفيق الحالم من نومه رأيت فطومة تصعد من السلم وتتسلل في ضوء القمر إلى الناحية الأخرى ~~من السطح، ثم تقف هناك مطلة على الحارة الضيقة، ووجدت نفسي أنكمش في مكاني كأني أريد أن ~~أختفي، وخطر لي أن أقوم من مجلسي فأدخل إلى الغرفة وأغلق بابها ورائي، ولكني بقيت ثابتا ~~في مكاني كأني هامد لا أقوى على الحركة، وبقيت فطومة في مكانها دقيقة أو دقيقتين ثم ارتدت ~~متجهة نحوي، وكانت تسير متباطئة وتتلفت حولها كأنها لا تراني، ولما اقتربت مني زاد انكماشي، ~~ولكني لم أجد بدا من أن أعترف بوجودها، فتكلفت الثبات وقلت لها هادئا: مساء الخير يا ~~فطومة. # فأجابتني في نغمة عابسة متحفزة: مساء الخير يا عيني. # ووقفت أمامي وكان وجهها مصفرا تحت ضوء القمر، ولكنها كانت صفرة تشبه لمعة الثوب ~~الحريري الأنيق، أهذه فاطمة؟ كانت عيناها تأتلقان بنور خاطف من بين رموشها الطويلة ~~المكحلة، وكانت ملامح وجهها تنطق بعاطفة ثائرة، كانت تلك أول مرة رأيتها فيها في مثل تلك ~~الصورة. # كانت في زينة ثقيلة من الحلي في يديها وفي أصابعها، وكان قرصان واسعان يتدليان من أذنيها ~~إلى قرب كتفيها ... # لست أدري هل كانت هذه الحلي ذهبية أم مذهبة، ولكنها كانت على كل حال توحي بأن أمامي ~~امرأة ثائرة تتحدى، وخيل إلي أنها كانت أطول قامة وأرشق قواما من أثر كعبها العالي ~~وثوبها الأنيق. # ووقفت أمامي واضعة يديها على جانبي خصرها الدقيق، فظهرت تقاسيم جسمها بديعة التناسق، ~~وأما وجهها فكان يشبه زهرة ماردة في غابة استوائية، ولما ردت على تحيتي كان على وجهها ~~شيء يشبه ابتسامة ضئيلة، ولكنها كانت أقرب إلى أن تكون دعوة لبدء معركة، فكأن مظهرها في ~~جملته يشبه غجرية حسناء تمسك في يدها خنجرا، وتقف لتحاسب غريمها الذي أثار غضبها. # وقلت لها في صوت خافت: ألا تجلسين قليلا؟ أأجيء لك بكرسي؟ # وهممت بأن أقوم لأحضر لها كرسيا ولكن ردها كان حاسما، فإنها هزت رأسها في سخرية ~~وقالت: لأ مرسي. # وفتحت عيني من ms167 الدهشة؛ لأني لم أسمعها تنطق بمثل تلك النغمة من قبل، وبدأت أزيد انكماشا ~~وارتباكا، وخطر لي أن أقف حتى لا أحادثها وأنا جالس ولكني ترددت ولم أفعل. # وقلت لها في تكلف سخيف: ليلة جميلة والحر بدأ يهدأ. # فقال وهي تهز رأسها مرة أخرى: ويحلو فيها الجلوس في القمر على انفراد، فلأذهب لأتركك ~~وحدك. # فقلت في بساطة: بالعكس يا فطومة، يسرني أن أراك بعد هذه الغيبة الطويلة. # وكنت في الحق مخلصا في كلمتي. # وأحسست كأن إناء من الماء البارد صب على رأسي عندما ضحكت ضحكة طويلة، وأمالت رأسها ~~إلى الوراء قائلة: آه، مرسي! # وبقيت في مكاني ناظرا إليها مأخوذا مسمرا، وامتلأت عيني من حسنها الوحشي المخيف، ~~نعم كان حسنها بارعا مخيفا أو هكذا شعرت؛ لأنه زادني رهبة منها، وهممت أن أجمع إرادتي ~~وأحل انكماشي وأقول لها كلمة مداعبة أو أطري على محاسنها بعبارة منطلقة تعيد مكان كل منا ~~إلى سابق موضعه من الآخر، ولكني ذهلت عن كل لفظ يحمل معنى المداعبة أو الإطراء والمجاملة ~~فلم أنطق إلا بقولي: ما هذا يا فطومة؟ أكاد لا أصدق عيني. # ولم أفطن إلى أني كنت غير موفق في كلمتي إلا عندما سمعتها، تجيب قائلة: يعني؟ # فقلت مرتبكا: الحقيقة أني كنت لا أنتظر ... أقصد أني مسرور من هذه المفاجأة. # فضحكت مرة أخرى حتى كادت تترنح، وقالت في سخرية: كذاب! # فوقعت كلمتها مثل صدمة عنيفة على رأس مذهول، فلم أكد أتنبه إلى دلالتها، أهكذا تخاطبني ~~فطومة؟ وما يحملها على كل هذا؟ # وحاولت أن أهرب من المعركة، فقلدتها تقليدا أبله، وقلت: يعني؟ # فضيقت عينيها وهزت رأسها وهي تقول: يعني أنك كنت تريد أن تقول شيئا آخر، ولكنك ~~خفت. # فقلت محاولا أن أجعل صوتي مداعبا: أهي معركة مقصودة؟ # فكانت كلمتي مثل عود الكبريت إذا أشعل لغما وانفجرت فطومة قائلة: معركة؟ إيه معركة؟ ~~مقصودة؟ تحسب أني جئت إلى هنا بالقصد؟ العفو يا سيدي! لو عرفت أنك هنا ما وضعت قدمي على ~~السطح، أنا أرمي نفسي؟ أنا أبحث عنك وأجيء إليك ms168 بالقصد. لست بلهاء ولا رخيصة ولا تحت فضلة، ~~تحسب أني جئت أرجوك التنازل؟ ومن قال لك أني أهتم بسؤالك؟ لم يخطر ببالك أن تقف عند الباب ~~لتسأل عن المريضة المسكينة. يا عيني! ألم تسمع أني مريضة؟ حتى الآن عندما تمر بباب الشقة ~~لا تلتفت ولا تعتني كأني لا أستحق أن تقول لي كيف حالك يا فطومة يا بنت آدم، تظن أن الدنيا ~~كلها خلت ولا أجد فيها من يسأل عني؟ # وأخيرا جئت إلى هنا ووقفت أمامك وكسرت على نفسي بصلة، فلا أسمع منك إلا هذه الكلمة؟ تقول ~~لي معركة مقصودة؟ حتى الكلمة عندما تكون على طرف لسانك وأعرف أنها في ضميرك، نعم أعرف أنها ~~في ضميرك، ومع ذلك لا ترضى أن تنطق بها وتحسبني بلهاء، كذاب وألف مرة كذاب، وأنت تعرف أنك ~~كذاب ومتكبر ومغرور، وتقابلني كأني خادمة، يا جامد يا بارد يا ثقيل! # وكنت أستمع إلى دوي العاصفة وأنا خاشع لا أتحرك ولا أنطق، ومن العجيب أني لم أشعر ~~بالإهانة، بل لعلي كنت أقرب إلى الاغتباط، وأردت إلى أن أهدئها فقمت عن الكرسي باسما ~~وقلت في بساطة: أشكرك يا فطومة، أإلى هذا الحد تكرهينني؟ إلى هذا الحد بلغ غضبك علي؟ ~~الحق علي يا فطومة وأنا آسف وأقر لك بأني مخطئ. # ولكن هذا الاعتذار لم يهدئ غضبها، بل زادت قسوة في تعبير وجهها، واستمرت تقذفني بهجمات ~~أشد وأعنف حتى ختمت قولها بدفعة هستيرية من البكاء، وكانت تقول في بكائها: الذنب ذنبي أنا، ~~فطومة التي تأتي إليك كل يوم بصينية الإفطار وتغني لك ونجلس على الأرض عند رجليك، فطومة ~~التي تقطع أصابعها في مسح غرفتك وغسل ملابسك وترقيع جواربك، فطومة التي تتمنى رضاك وتعرض ~~عليك الذهاب للسنما، لا تستحق أن تلتفت إليها، والآن فقط تعتذر بأنك مخطئ وتقول: «الحق ~~علي يا فطومة!» وانتهى الأمر كأني طفلة، كلمة لا تكلفك أي تعب تمن بها علي كأني سائلة ~~أطلب منك الإحسان، لا يا سي سيد، وفر الإحسان لغيري ووفر الاهتمام لفتاة أخرى تليق ms169 ~~بمقامك. # وانصرفت مسرعة قبل أن أتمكن من التمسك بها والاعتذار إليها حتى ترضى، وتركتني واقفا ~~مثل شخص تعرضت له جنية وتركته مخبولا، وتسلقت على أشعة القمر. # وعدت إلى مجلسي كاسف البال حائرا، وجثم على صدري ضيق أشد أضعافا مما كان فيه، وغمرني ~~شعور بالخزي كأني ارتكبت جرما، وكانت ألفاظ فطومة ترن في سمعي كأنها ضربات سوط وتأبى إلا ~~أن تعود إلى كلما حاولت أن أبعدها، وكان رنين ضحكتها الساخرة يجعل قلبي يغوص في صدري، ~~وقولتها: «كذاب!» التي خرجت من حلقها كانت كالقذيفة، لست أدري كيف تمكنت هذه الفتاة أن ~~تعرف ما كان يدور في نفسي عندما هممت أن أقول لها: «إنك ساحرة في هذه الزينة وهذا الحلق ~~الكبير!» مع أني لم أستطع أن أجد الألفاظ التي أنطق بها، هل كانت تفتش في أعماق صدري حتى ~~عرفت أني تعمدت الكذب والهروب من حسنها الرائع المخيف؟ # وأخذت ألوم نفسي على الرهبة التي شلت حركتي عندما وقع نظري عليها، فهل كان ينبغي لي أن ~~أنكمش هكذا عندما رأيتها؟ ماذا جعلني أنظر إليها مأخوذا كما ينظر الصوفي المتعبد إلى كأس ~~من الشراب المثلج وهو صائم في يوم صائف؟ الصوفي يتحمل العطش والحر ويرفض الكأس الحلوة ~~المثلجة من أجل الجنة التي يعيش من أجلها، وأما أنا فلم تكن لي جنة أعيش من أجلها! # لم أكن أكثر من بائس يستعبد نفسه من أجل العبودية، ويشقي نفسه من أجل الشقاء ولا يرجو ~~من وراء ذلك كله جزاء. # وسنح لي من خلال حيرتي وحنقي خاطر كأنه صوت يهمس في أذني مترددا خيفة أن يسمعه أحد ~~غيري، خطر لي أن أنزل من ساعتي إلى شقة فطومة فأقف عند بابها أرجوها وأستسمحها حتى ترضى ~~عني، ونظرت إلى الساعة فوجدتها العاشرة إلا ربعا وكانت أنوار القاهرة تتصاعد من بعيد ~~صاخبة حارة. # نعم فما يزال الوقت مناسبا والناس لا ينامون في الصيف في مثل هذه الساعة، ولكني لم ~~أتحرك من مكاني كأن ذلك الخاطر لم يكن سوى فكرة مجردة لا يقصد من ms170 ورائها عمل، وأخذت ~~أسأل نفسي لماذا لم أنفذ عزمي على الانتقال من هذا المسكن مع أني وكدت ذلك العزم في ~~ضميري مرة بعد مرة، ولماذا تحملت الحياة في غرفتي هذه المسكينة مع كل ما عانيته من ~~المشقة في خدمة نفسي بعد انقطاع فطومة عني؟ ولست أحب أن أخفي أنني أخذت أتبين في تلك ~~الساعة حقيقة لم أستطع أن أكابر فيها؛ لأنها ظهرت لي واضحة بعد أن كانت خافية عني في ~~المسارب العميقة من نفسي، وهكذا نحن جميعا لا نعرف من أنفسنا إلا ما نريد أن نعرف، حتى ~~تتبين لنا فجأة بعض الحقائق التي كنا نجهلها إذا أثارتها هزة قوية من أعماقنا، والقليل ~~منا من يستطيع أن يتخلى عن المكابرة ويقر بالحقيقة التي كان يجهلها، ولكني لم يكن لي بد ~~من أن أعترف بأني كنت متعلقا بهذه الفتاة الجاهلة الحمقاء الوحشية السخيفة، كنت أتعلق بها ~~بجانب واحد من طبعي، ولكن الجانب الآخر كان يعرف أنها لم تخلق لي ولم أخلق لها. # كنت أتداري وراء فكرة العطف عليها أو الرثاء لها أو الإحسان إليها، وكانت كل هذه المظاهر ~~تخفي عني ما تحتها، وهو أني كنت متعلقا بها تعلق الطبيعة التي لا تبالي العقل في ~~تصرفها. # عند ذلك فقط عرفت كيف أفرق بين الحب والميل الغريزي، بين الطبع الذي يختار والطبع الذي ~~ينجذب، بين أفق الحياة العليا التي تجمع الكل إلى الكل أبد الدهر وبين أفق الحياة الدنيا ~~التي تدفع البعض إلى البعض ما بقيت الدفعة، بين السلام الذي يسري بين روحين عند التقاء ~~نصفين شقيقين وبين الاضطراب والقلق الذي يفضي إليه تدوال التجاذب والتنافر بين طرفين غير ~~متوافقين، عند ذلك فقط عرفت كيف أفرق بين فطومة ومنى، كنت أنجذب إلى فطومة ومع ذلك كنت ~~أخشاها وأنفر منها، كنت متعلقا بها ولكني كنت في الوقت عينه أنكمش عنها وأرهب صلتي بها، ~~كانت فطومة أنثى ولكنها لم تكن حبيبة، وما أشد خطأ من يخلطون بين التعلق وبين المحبة ~~الكاملة! # وقمت من مجلسي فدخلت إلى ms171 غرفتي وبدأت أخلع ملابسي لأستعد للنوم الذي طاوع جفني بعد أن ~~كان نافرا عنهما، وكان من عادتي أن أخرج ما في جيوبي من الأوراق لأضعها في طربوشي قبل أن ~~أنام، فلما أخرجتها رأيت بينها الصحيفة الزرقاء التي جاءتني في الصباح من أختي، فجلست ~~أقرؤها مرة أخرى وأنا أهدأ مما كنت في المساء، وكان عجبي شديدا عندما وصلت إلى آخر ~~الخطاب، وقرأت الحاشية التي كتبتها منيرة؛ فقد ظهر لي أن للحاشية بقية على ظهر الصفحة، ~~والعبارة الكاملة هي: «وأما منى فإنها بخير وتسلم عليك وتسأل عن صحتك وبهذه المناسبة ~~أقول لك إن أمي كلفتني أن أكتب إليك هذا الخطاب مستعجلا لأرجوك أن تحضر إلى دمنهور ولو ~~يوما واحدا لتقول لك شيئا هاما!» # وكنت قد رميت بالظرف في سلة الأوراق المهملة بمكتبي، ولم ألاحظ أنه كان مستعجلا لما كنت ~~فيه من التعب، فما كدت أقرأ هذه الكلمة حتى هاجت مخاوفي وتحفزت كل مشاعري وقلت في نفسي: ~~شيئا هاما! لا شك أنه يتصل بمنى، وماذا يكون يا ترى؟ وبغير أن أقف للتفكير لحظة نظرت في ~~الساعة وكانت قد بلغت الحادية عشرة إلا ربعا. # فالقطار الصعيدي ما يزال ينتظر على الرصيف، وأستطيع أن أدركه إذا بادرت بالسير من لحظتي، ~~وفي دقيقة واحدة كنت خارج الباب وجريت إلى الشارع لأبحث عن سيارة أجرة، فكنت في المحطة قبل ~~سفر القطار بخمس دقائق. # | الفصل العشرون # كانت عودتي إلى منزلنا في الصباح مفاجأة سارة عندما فتحت أمي الباب ورأتني أمامها، وصاحت ~~قائلة: سيد؟ صباح الخير يا حبيبي، صباح النور! # وكانت منيرة واقفة وراءها تقول في مرح: طبعا يا ستي هل الهلال. # وصافحتني بعد أن تركتني أمي وهزت يدي قائلة: ها هو ذا لم ينقص شيئا يا أمي، أتدري يا سيد ~~أنها حلمت بالأمس أنها رأت الهلال يظهر لها مثل خيط رفيع فاعتقدت أنك مريض؟ الحمد لله على ~~السلامة! # وأخذت أمي تدعو لي ونحن صاعدون في السلم، واستمرت منيرة تتحدث من ورائنا قائلة: أتعرف يا ~~سيد من كان عندنا ms172 أمس؟ ألا تذكر عمتنا «بهانة»؟ لم أكن أعرف أنها ظريفة هكذا، وعمي ~~محمود وأولادهم عمر وسيد وحليمة. # وقالت أمي: اسم الله عليه سيد، عاشت الأسامي، الخالق الناطق هو سيد بعينه. # فقالت منيرة: أظنه أجمل قليلا. # وضحكنا جميعا ودخلنا إلى غرفة الجلوس وكنت شديد التلهف إلى سماع أخبار منى، ولكن منيرة ~~استمرت في وصف عمتها وأولادها وزوجها السمين الذي أصبح غنيا يذهب إلى الإسكندرية في ~~الصيف. # وقلت لأوجه الحديث إلى منى: وصلني الخطاب بالأمس ولكني لم أقرأه إلا في الساعة الحادية ~~عشرة إلا ربعا؛ ولهذا أخذت القطار «الصعيدي» لأكون هنا في الصباح. # فصاحت أمي: الصعيدي! الحق علي يا ابني، طبعا انشغل بالك علينا. # فعادت منيرة تقول: الحمد لله على السلامة يا أستاذ، أظنها فرصة طيبة للذهاب إلى ~~الإسكندرية بضعة أيام. «فيلا كولونا» محطة فلمنج أول شارع على اليمين، هذا هو العنوان الذي ~~تركته عمتي حتى نجيب دعوتها، احفظ العنوان من فضلك. # وكانت تريد أن تمضي في حديثها ولكني قلت مختصرا: ماذا حدث لمنى؟ # فقالت أمي: منى؟ هي بخير يا ابني! ما لها منى؟ # فقلت: ألم تكتب لي منيرة أن أحضر لأمر هام يتصل بها. # فقالت منيرة: لم أقل إنه يتصل بمنى يا حضرة، لا بأس على الذاكرة! # فبلعت ريقي قائلا: ماذا حدث إذن؟ # وتذكرت حقا أن منيرة لم تقل إن الأمر يتصل بمنى. # وقالت أمي: كنت من أسبوع هناك، مسكينة الست نور، من يوم رحمة المرحوم وهي دائما بخير، ~~وجاءت منى إلى جنبي: الله يحميها وأفرح لك بعروس مثلها! والنهاية سمعت الست نور تشتكي من ~~دفع عشرة آلاف جنيه لحمادة الأصفر. # وغلى الدم في رأسي وصحت أنا الآخر: عشرة آلاف جنيه! # فأجابت أمي: سألت الست نور هذا السؤال فقالت: إن محمد باشا دفعها، طبعا من مال المرحوم؛ ~~لأنه الباشا هو الذي يتولى إدارة المحلج والأطيان، نسايب طبعا. # وقمت واقفا في غضب: لص طبعا! ألم تقولي لها إنه لص، ألم تقولي لها إنه نصاب أفاق دنيء ~~متعصب. # فقالت أمي: أقول لها يا ms173 بني؟ أقول لها إن الباشا لص؟ عيب يا ابني؟ حزنت والله يا ابني من ~~أجل الخسارة بغير الفائدة، وقلت في سري يا ليتك يا ابني ما تعرضت للخبيث المحتال ~~حمادة. # حمادة يأخذ من الست عشرة آلاف جنيه؟ ما ذنبك يا بني تخسر مائة جنيه؟ قلت أرسل إليك كلمة ~~حتى تعرف، لكن الشرح في الخطاب يطول وأنا أحب أنك تعرف كل شيء، وتتصرف مع حمادة الأصفر ~~لتسترد منه المائة جنيه، كان يهون علي يا بني دفع أي مبلغ، والله يا بني كنت في الليل ~~والنهار أدعو لك؛ لأنك حفظت جميل السيد أحمد جلال. ولكن حرام! أنت أولى بمالك ومالك حلال ~~بعرق الجبين. # وكنت منصرفا إلى حديث حانق في ضميري واستمرت أمي تتكلم وأنا أستمع إلى أقوالها كأنها ~~منبعثة من غرفة بعيدة، وكنت أفكر في الباعث الذي جعل محمد باشا يدفع عشرة آلاف جنيه لحمادة ~~الأصفر إن كان قد دفعها حقا، لقد مزقت الورقة التي كان حمادة يساوم بها، مزقتها بيدي ~~ورأيت عليها إمضاء السيد أحمد جلال التي أعرفها، لم يكن ذلك حلما وأمي تعرف أني أخذت منها ~~الجنيهات المائة لأدفعها إلى حمادة. # وسألت أمي في دهشة حانقة: ألا تذكرين الليلة التي أخذت فيها المائة جنيه منك؟ ألم أقل ~~لك إني دفعتها إلى حمادة؟ أكاد أشك في عقلي. # فأجابت أمي: الله يحميك يا بني ويحمي عقلك طبعا أتذكر فداك مائة جنيه وألف جنيه، ولكنك ~~معذور يا بني. # فقلت مندفعا: لم يخطر في بالي أن هذا الخبيث يدور من الناحية الأخرى مثل الثعلب في ~~حظيرة الدجاج ... حمادة يحلم بألف جنيه؟ حمادة يأخذ عشرة آلاف جنيه؟ لا بد أن في الأمر مؤامرة ~~أخرى. # وكنت متعبا إلى حد الإعياء من السفر في الليل والقطار الصعيدي البطيء، ولكني فكرت في ~~القيام من ساعتي للبحث عن حمادة الأصفر لأناقشه الحساب، وهممت بالقيام ناظرا في ساعتي ~~وكانت ما تزال السابعة صباحا. # فقالت أمي في دهشة: إلى أين يا سيد؟ اقعد قليلا يا ابني ولا تضايق نفسك ، يا منيرة ms174 جهزي ~~الشاي يا بنتي ولقمة صغيرة، مسكين يا ابني الحق علي لأني أزعجتك ... مسكينة يا بنتي، الله ~~يرحم السيد أحمد جلال كان أمله ومنى عينه أن يرى عرس منى ولكنها آجال، النهاية يا ابني ~~الحمد لله الموضوع انتهى، ولما أردت القيام قامت منى توصلني وقالت لي بلغي سيد أفندي أن ~~الموضوع انتهى، والله يا ابني خرجت الكلمة من لساني وقلت لها: «الله يخيبه حمادة الأصفر؛ ~~لأنه أخذ الثمن مرتين.» لا تغضب يا بني والله ما ملكت نفسي، واندهشت منى وقالت: «مرتين؟» ~~ولما قلت لها الحكاية كلها ظهر عليها التأثر، وقالت: «لا بد لي من سؤال سيد عن الحقيقة.» ~~وحلفتني أن أبعث إليها في أول مرة تأتي فيها إلى دمنهور، ولكني خفت أن الموضوع يبرد وقلت ~~لمنيرة: يا بنتي سيد غاب عنا من شهور، اكتبي له يحضر في مسألة ضرورية، من جهة نطمئن عليك ~~ومن جهة ثانية ... # وقلت مقاطعا أمي: إذن هي مؤامرة ثانية لعصابة أخرى من الأنذال بقصد السطو على منى، هذا ~~الباشا يريد أن يلعب بها على ما يظهر ولا بد لي أن أقابله وجها لوجه كما قابلت حمادة ~~الأصفر في المرة الأولى. # فقالت أمي في فزع: ماذا نقول يا سيد؟ تقابله وجها لوجه؟ يا ليتني لم أبعث إليك ولم أقل ~~لك شيئا، ما لنا والباشا؟ لا تقابل الباشا وابعد عنه وكفاك الله شره يا بني، انتظر حتى ~~تهدأ يا سيد ثم اذهب إلى حمادة الأصفر. # وجاءت منيرة بعد قليل فوضعت صينية الشاي على المنضدة وقربتها مني وأخذت تملأ الفناجين، ~~وجاهدت نفسي حتى استطعت أن أنتظر، وعادت منيرة إلى حديث العمة وأولادها، ولكني كنت منصرفا ~~إلى التفكير في المسلك الذي ينبغي لي أن أسلكه، كنت حائرا لا أدري من أين أبدأ، ولما فرغت ~~من الإفطار كانت الساعة الثامنة من الصباح. # فقلت لأمي: أظن الأحسن أن تأتي منيرة معي إلى «البقالة الرشيدة» لتحدث منى بالتليفون ~~وتخبرها بوجودي هنا. # فقالت منيرة: ما شاء الله! استفتاح عظيم أن أذهب إلى المحل في ms175 الساعة الثامنة وأطلب منه ~~كلمة تليفونية، ألا ترى أنك أيضا في حاجة إلى غسل وجهك ومسح التراب عن ملابسك، كما أني لا ~~أستطيع الخروج هكذا؟ # وتذكرت عند ذلك فقط أني في حاجة إلى شيء من الاستعداد للخروج في المدينة، وأن الناس لا ~~يستقبلون أحدا في بيوتهم في مثل هذه الساعة. # ولما صارت الساعة التاسعة كنت أكثر هدوءا واستراحة بعد أن اغتسلت وغيرت ملابسي ~~التحتانية ونظفت ملابسي من الغبار، ولكني عندما عزمت على النزول كانت منيرة ما تزال تستعد ~~وتمشط شعرها، ولما استعجلتها صاحت من داخل الغرفة: تفضل أنت فإني غير محتاجة إلى ~~خفير. # فنزلت وحدي متجها إلى المحطة لأبعث تلغرافا إلى بريد الأحرار معتذرا عن غيابي، ثم ~~واصلت سيري إلى بيت صاحبي عبد الحميد بعد أن استقر رأيي على الابتداء بزيارته. # واستقبلني عبد الحميد كأنه على موعد سابق مني، فصافحني في حرارة ولكنه لم يظهر دهشة، ~~ولمحت على وجهه نحولا أشد مما لمحته في المرة السابقة، وكانت حلقة زرقاء تحيط بعينيه، ~~وخيل إلي أن ظهره بدأ يتقوس، ولكن الابتسامة التي أضاءت وجهه أزالت عني شعور الوجوم الذي ~~هجم علي عندما وقعت عيني عليه، ودخلنا إلى الغرفة القديمة، وبدأنا نتحدث في السياسة، ~~السياسة دائما! وقلت لأغير الحديث: كيف أنت؟ # فقال: كما تراني، وكيف حالك أنت؟ # فقلت: كما كنت منذ سميتني دون كيشوت. # فابتسم صامتا وانتظر أن أستمر في الحديث فقلت: لم تكن مخطئا عندما سميتني بهذا الاسم، ~~وأرجو أن تكون صديقا عاطفا كما كان سانكو بانزا. # فقال: إذا شئت أن يكون الشبه واضحا كل الوضوح، فأرجو أن أعرف هل تمكنت من الفوز بقلب ~~الأميرة الجميلة. # فقلت: لك أن تقول ما شئت ولكن ... # فقاطعني قائلا: أليس من العجيب أنك لا تجرؤ أن تقول لها إنك تحبها؟ هل تحبها ~~حقا؟ # فقلت: ماذا يدعوك لهذا السؤال؟ # فقال: الناس كثيرا ما يغرمون بالخيال ويفرون من الحقيقة، كثير من الشعراء الذين ملئوا ~~الدنيا بكاء وغناء كانوا لا يحبون النساء أنفسهن بقدر ما كانوا يحبون صورهن ~~الخيالية، ms176 فإذا أتيحت لهم الفرصة للفوز بمن يحبون سكت غناؤهم فجأة، وكثيرا منهم أصيبوا ~~بالخيبة. # فقلت في حنق: وماذا تقصد بهذا؟ # فقال في هدوء: أقصد يا سيدي شيئا بسيطا وطبيعيا، لم يفت الوقت بعد، لا تدر حول ~~نفسك هكذا من بعيد وتترك خصمك ينتزع منك كنزك، وتساعده على أن يأخذه منك، إذا كنت حقا ~~تريد «منى» فاذهب من ساعتك هذه إلى بيتها وافتح لها صدرك، وإذا أردت أن تمثل دور دون ~~كيشوت إلى نهايته فإنك تستطيع أن تركع تحت قدميها وتقبل طرف حلتها الحريرية وتقول لها: ~~«ها أنا ذا أضع قلبي تحت قدميك.» # ورنت كلماته الساخرة في أذني قاسية؛ لأنها مثلت لي الحقيقة. ألم أمهد لخصمي أن ينفرد ~~في الميدان وفررت إلى القاهرة بغير أن أوجه كلمة إلى منى؟ # وأخذت أسأل نفسي عن السبب الذي يمنعني من أن أفتح صدري لها كما يقول صاحبي. أأخشى أن تسخر ~~مني؟ أهذا ممكن؟ ولكن إذا كان هذا ما أخشى فلماذا لا أواجه الحقيقة وانتهى؟ # وجلست صامتا أنظر إلى أمامي، وانصرف صاحبي إلى داخل المنزل وتركني وحدي، ولو كنت في تلك ~~اللحظة أعرف ما أريد حقا لقمت مسرعا إلى بيت منى؛ لأقول لها ما كان يضطرم عند ذلك في ~~صدري، من يستطيع أن يملأ قلبي سوى منى؟ من يمكن أن أعيش من أجله غيرها؟ رأيت مئات من ~~الفتيات والسيدات وكنت بفضل مهنتي أختلط بطبقات الشعب على اختلافها، رأيت الحسان ~~والأنيقات والغواني والمغامرات والمطلقات والخفرات من كل سن ولون، فلم أجد فيهن من ~~تسترعي مني التفاتة، وفطومة التي كانت معي منذ ليلة! ألم تتجل لي الحقيقة واضحة عندما ~~رأيتها ساحرة الحسن ولكنها مخيفة؟ ألم أعرف أنها لم تخلق لي ولم أخلق لها؛ لأنها لا ~~تزيد على أنثى، ألم أقل لنفسي إن الحياة كلها لا تحتوي على فتاة غير منى؟ فماذا يجعلني ~~أتردد؟ # ودخل صديقي في تلك اللحظة حاملا معه بعض الفاكهة، واعتذر بأن الخادم في إجازة، ~~يالللأنانية، لم أسأله عن صحة أمه التي عرفت في المرة ms177 الماضية أنها مريضة. # وقلت له: كيف حال عمتي؟ # فأطرق قليلا وقال: في رحمة الله يا صديقي. # وأطرق حزينا. # فتمتمت قائلا: إنا لله وإنا إليه راجعون. # وشعرت بوخزة شديدة من الأسف كما عتبت في ضميري على أمي؛ لأنها لم تخبرني. # وبقيت جالسا في صمت وتردد كأن ذهني متوقف، هذا الصديق الذي أضيق أحيانا بسخريته والذي ~~يدهشني بقوة إرادته التي تصل إلى حد الجمود! هذا الصديق العجيب الذي يبدو لي أحيانا كالحجر ~~الصلد مع أني أعرفه إنسانا كامل المروءة كبير القلب واسع العقل، كيف تجتمع كل هذه الأضداد ~~في شخصية واحدة؟ وهذا الحزن الذي يفوح من نظرته ومن إطراقته ومن أنفاسه التي يحاول كتمانها! ~~المسكين ينطوي على نيران تضطرم في أعماقه ولكنه لا ينفس عنها، والتفت إليه وتبادلنا ~~ابتسامة ضئيلة حزينة وأحسست نحوه عطفا شديدا لم أستطع أن أعبر عنه بالألفاظ. # وقلت له: متى؟ أجاب: منذ شهر. # فأشفقت أن أنطق له بكلمة مواساة؛ لأني لم أجد كلمة تعبر عن حقيقة مواساتي، ومددت يدي إليه ~~في صمت، فضغطت على يده وخرجت من البيت لا أدري إلى أين أتجه، هل صديقي هذا إنسان من ~~البشرية الضعيفة؟ أهذا نقص فيه أم هو امتياز؟ # وسرت في الطريق حائرا كئيبا، وكانت الحوانيت على الجانبين مزدحمة والشارع يموج بالناس، ~~بعضهم يسرع نحوي ليحييني، وبعضهم يصيح بي بالتحية من بعيد وأنا أتكلف البشاشة والإجابة، ~~وانحدرت في أول طريق على يساري نحو الترعة، وكانت هناك الحانة القذرة التي تعود حمادة أن ~~يجلس فيها، ولكنه لم يكن هناك والخواجة مانولي ما يزال واقفا وراء منضدته العريضة ينظر إلى ~~الخارج نظرة جوفاء، وخطر لي أن أدخل إلى الحانة لأسأل عن حمادة الأصفر ولكني لم أفعل، ولما ~~بلغت جسر الترعة عرجت إلى اليسار حتى وصلت إلى كوبري قلاقة، ثم انحدرت إلى الشارع المؤدي ~~إلى المدينة تاركا قدمي تحملاني حيث تريدان، وعدت إلى منزلي كاسفا حزينا كأني لم آت إلى ~~دمنهور إلا لكي أقطع الطريق هكذا ذاهبا آيبا وأنا حائر حزين. # ولما وصلت إلى ms178 منزلي كنت ما أزال أحدث نفسي أحاديث متناقضة، ولقيتني أمي عندما أحست ~~بمقدمي، فبادرتني قائلة: «هل قابلت الباشا؟» فهززت رأسي واتجهت إلى غرفتي، ولكني سمعت صوت ~~منيرة وهي تناديني من المطبخ: أنت مدعو إلى الشاي عندي في الساعة الخامسة تماما، وسيكون ~~ضيف الشرف الآنسة منى. # ولم أدر كيف استطعت أن أمنع نفسي من صيحة الدهشة التي كادت تخرج من صدري، ثم أخذت أسأل ~~نفسي أين تكون هذه الدعوة؟ وفي أي موضع نستقبل منى؟ # ودخلت إلى غرفتي وذهني يدور مسرعا، ماذا أفعل إذا أتت منى؟ هل أنزل إلى الباب لأستقبلها؟ ~~وأين تجلس في هذا المنزل المسكين؟ إنها جرأة عجيبة أن تقدم منيرة على هذه الدعوة وغرفة ~~الانتظار لا تزيد على ثلاثة أمتار في أربعة، ولا تطل إلا على منور بنافذة صغيرة. # ونظرت إلى الساعة فوجدتها ما تزال الحادية بعد الظهر، كأن عقاربها لا تتحرك، وقمت لأبحث ~~عن شيء أقرأ فيه ووجدت على مكتبي قصة إنجليزية رخيصة، فجعلت أقرأ فيها لعلي أقطع بها ~~الوقت، ولكن ذلك لم ينفعني بشيء؛ لأن ذهني كان يدور مسرعا، ولما ضقت بالقراءة رميت بالقصة ~~على المكتب وقمت لأستريح، ومع كل ما كان في ذهني من الخواطر والهواجس غلبتني الحاجة إلى ~~النوم، فلم أستيقظ إلا عندما نادتني أمي للغداء وكانت الساعة الثانية والنصف، وتكلفت أن ~~أكون عاديا في مظهري وحديثي على المائدة، بل إني تكلفت شيئا من الخفة والمرح وقلت بعض ~~كلمات مجاملة بالإعجاب بالطعام. # وسألت منيرة: ما هذا الشاي الذي تتكلمين عنه؟ # فقالت: عندي يا أفندم، فهل تتنازل؟ # وتبسمت هذه المرة صادقا. # وأخذ قلبي يدق في ضعف، وسألت نفسي هل أتماسك إذا قابلتها؟ أم أرتبك ويلتصق لساني بحلقي ~~كما فعلت من قبل مرارا. # وأخذت منيرة تصف لنا الأصناف التي أعدتها للشاي، ودخلت أمي معها في مناقشة عميقة لم ~~أفهم منها شيئا؛ لأنها كانت على مقادير الزبد والسكر والدقيق والبيض التي صنعت منها ~~كعكاتها وأطباقها، ومنيرة تزعم دائما أنها في هذه الميادين لا تبارى. # ولما فرغنا من الطعام ms179 عدت إلى غرفتي وكانت الساعة الثالثة والربع، فما تزال ساعتان إلا ~~ربعا بيننا وبين زيارة منى. # | الفصل الواحد والعشرون # كانت الدقائق تمر بطيئة وأنا في غرفتي كأن عقاربها مسمرة، وكلما سمعت صوتا أو خبطة ~~خيل إلي أنه باب سيارة منى، فأذهب إلى النافذة مسرعا حانق القلب فلا أرى شيئا، وأعود ~~بالخيبة مرة بعد أخرى بغير أن يمنعني الإخفاق من العودة إلى التجربة، ولما ضاق صدري من ذلك ~~خرجت من الغرفة لعلي أقطع الوقت بالحديث أو الحركة، فرأيت أمي تصلي العصر وهي في العادة ~~تبطئ في الصلاة حتى يخيل إلي أحيانا أنها لا تريد أن تفرغ منها، فذهبت أبحث عن منيرة ~~ولكني لم أجدها، فصعدت إلى السطح لعل الهواء الطلق والنور واتساع الفضاء تدخل الهدوء إلى ~~نفسي، وكانت السماء صافية والحقول خضراء واسعة تترامى من وراء البيت إلى مدى البصر، واسترعى ~~نظري وجود مجموعة من قصاري الزهر موزعة فوق السور ومنثورة في الأركان، وفي الركن الأقصى ~~المطل على الحقول بعض مقاعد صغيرة من فوقها أغطية حريرية ومن تحتها قطعة نظيفة من الكليم، ~~وطبلية مستديرة في الوسط عليها غطاء أبيض كأنها مائدة، فصار الركن كأنه مجلس أنيق في حديقة ~~معلقة، وتبسمت مرتاحا لأن منيرة استطاعت بذوقها ولباقتها أن تحل مشكلة غرفة ~~الاستقبال التي كنت أحمل هم الجلوس فيها، وأخذت أسير في السطح حينا وأنظر إلى ما حول البيت ~~حينا، وكان الانتظار في الجو المفتوح أرفق بي، وحلت الساعة الخامسة آخر الأمر وجعلت ~~أرهف سمعي انتظارا، ولكني لم أسمع حسا إلى أن صارت الساعة الخامسة والنصف ثم السادسة حتى ~~بدأت أشك في حقيقة الزيارة الموعودة. # ثم سمعت ضحكة منيرة وهي صاعدة على السلم تتحدث في مرح، فقمت مسرعا ووثب قلبي ليستقبل ~~منى، ولكني ما كدت أصل إلى أول السلم حتى وقفت مترددا وبدأ الارتباك يستولى علي، ~~فتباعدت سائرا إلى الناحية الأخرى من السطح وانتظرت هناك، وظهرت منى صاعدة فأسرعت إليها ~~محاولا أن أظهر هادئا، ورأيت على وجهها بسمة صغيرة تشبه ابتسام الدهشة، فمددت ms180 إليها يدي ~~الاثنتين قائلا: «أهلا وسهلا ومرحبا.» ونظرت في عينيها لحظة قصيرة كأني أنظر إلى بحر ~~عميق صاف. # وقالت منيرة: أنت هنا؟ وبغير إذني؟ # ولكني كنت منصرفا إلى منى أقول لها: أي فرصة سعيدة! # وكان صوتي متهدجا ولكن الاضطراب الذي كان يغمرني وأنا وحدي لم يبق له أثر؛ فإن السفينة ~~الضالة في المحيط وجدت آخر الأمر مرفأها. # وأشارت منيرة إلى الركن قائلة: تفضلوا. # لا مؤاخذة يا منى في استقبالك هنا، ولكنه أعظم كازينو في دمنهور، كازينو أبو طاقية من ~~فضلك! # ونظرت منى إلى المقاعد وإلى قصاري الزهر ثم إلى الحقول الخضراء وقالت في ارتياح: هي ~~الحقول التي كنت أعرفها وما أزال أذكر عندما كنا نخرج إليها في مثل هذه الساعة، كم سنة مضت ~~من ذلك الوقت يا منيرة؟ # فقالت منيرة ضاحكة: لا تكشفي عن أسرار سننا يا منى، قولي: منذ خمس سنوات. # فابتسمت منى قائلة: لم يحن بعد وقت إخفاء سننا، ربما أبدأ في ذلك بعد عام. # فقالت منيرة: يعني أنني على حق في البدء منذ الآن. # وضحكنا جميعا وجلست منى على مقعد وهي تقول: هل مضت كل هذه السنوات سريعا، ولم يتغير شيء ~~سوى أنني كنت أرى الحارة أوسع مما هي الآن، كانت في نظري مثل عالم فسيح وكان الرصيف الذي ~~أمام منزلنا كأنه ميدان. # وتذكرت تلك الأيام التي كانت فيها منى طفلة تركب فوق كتفي كلما رأتنى وتدلي ساقيها من ~~أمام، فأجري بها كأني حصان وهي تهز رجليها وتضحك مكركرة وتأبى أن أقف. # السنوات تمر سريعة حقا وسوف تمر سريعة دائما، ومن يدري؟ هل نقف يوما بعد عدة سنوات ~~إذا جمعتنا المصادفة مرة أخرى فتقول منى: إن السنين تمر سريعا؟ وهذه اللحظة التي نحن فيها ~~ستكون هي الأخرى صورة تنظر إليها من بعيد لتقول: إننا اجتمعنا يوما هناك فوق السطح، وسأحدث ~~نفسي قائلا: إنني وقفت أنظر إلى منى كما أنظر إلى روضة مزدهرة في فصل الربيع، وأحدث نفسي ~~عنها بغير أن أقول لها كلمة، وسمعت منى تقول: كيف ms181 ترى دمنهور بعد عودتك إليها من ~~القاهرة؟ # فقلت كالحالم: أراها أعز البلاد وأجملها. # وقالت منيرة ضاحكة: طبعا لأننا هنا، أشكرك يا سيد بيه بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن ~~منى، وعن أمي أيضا، مرحبا يا ماما! # والتفتنا جميعا لنرى أمي وهي مقبلة علينا بوجهها الأبيض السمين، هي أيضا ذات عيون ~~زرقاء وكأني لم أر لون عينيها إلا في تلك اللحظة، كانت أمي تبتسم بكل جوارحها عندما أخذت ~~منى بين ذراعيها قائلة: ألف نهار أبيض يا حبيبتي، شرفت يا منى! ويوم سعيد بحضورك إلينا، ~~زيارة عزيزة يا حبيبتي! # وجلست على المقعد الذي أشارت إليه منيرة بحركة تمثيلية واستمرت أمي تقول: والله يا بنتي، ~~بودي أن أزوركم كل يوم ولكن المشاغل تمنعني. # تعالي هنا إلى جنبي، ربنا يحميك ويفرح قلب ماما وقلبنا بك، إن شاء الله تكون صحتها ~~متحسنة. # وجلست منى إلى جنبها قائلة: الحمد لله يا خالتي، وكانت تود أن تأتي معي. # وهمت منيرة قائمة وهي تقول: ما دمتم تعارفتم هكذا فاسمحوا لي أن أجهز لكم الشاي بصفتي ~~مديرة الكازينو، كازينو أبو طاقية يا ماما! # وتلفتت أمي حولها قائلة: جميل والنبي يا بنتي، ومنور بوجودكم، تعال هنا يا سيد يا بني، ~~والنبي يا بنتي ما رضي ينتظر للصبح وسافر على هنا في القطار الصعيدي، لما وصل إليه ~~الجواب. # وجلست إلى الناحية الأخرى من أمي وبدأ وجهي يتقد. # واستمرت أمي تقول: الحق يا بنتي لما سمعت الحكاية قلت لمنيرة: «ابعثي لسيد قولي له يحضر ~~حالا» عشرة آلاف جنيه يأخذها حمادة الأصفر؟ وبعد ما أخذ سيد الورقة منه؟ # وسكتت لحظة من تأثرها فتنفست مرتاحا. # وقالت منى في هدوء: المهم يا خالتي أن المسألة انتهت بخير والحمد لله، وأنا آسفة لهذا ~~التعب والسفر في القطار الصعيدي. # وابتسمت ناظرة نحوي. # فقالت أمي: وحمادة الأصفر الخبيث؟ حرام والله يا بنتي. # فقلت في دفعة: ليس المهم أن يأخذ حمادة الأصفر أو لا يأخذ، المهم أنني لا أعرف كيف تمكن ~~من المطالبة، بأي وجه ذهب ليطالب؟ عندما سافرت من ms182 هنا في المرة الماضية كانت المشكلة ~~كلها قد انتهت. # فقالت منى: علمت ذلك من خالتي، وتأسفت لأني لم أعرف في وقتها حتى أشكرك يا سيد، وهذا ~~هو السبب في أني طلبت من خالتي أن تعرفني بحضورك. # فقلت في شيء من الخجل: لم أفعل شيئا يستحق الشكر يا منى؛ ولهذا تعمدت أن أسافر بغير أن ~~أذهب إليك، لم أعرف أن هذه غلطة إلا عندما حضرت إلى هنا. بالأمس فقط عرفت غلطتي وآسف ~~جدا؛ لأني تسببت في هذه الخسارة ... # وقاطعتني أمي: والله يا بنتي دعوت له ليلتها ودعوت لك أيضا، ولم يخطر في بالي أن حمادة ~~خبيث لهذه الدرجة. # فقالت منى بصوت خافت: على كل حال انتهت المشكلة والحمد لله، وأود أن أقول: إن الفضل في ~~حلها بكل تأكيد يرجع إليك يا سيد. من يدري ماذا كان يحدث لو لم تنتزع أنت الورقة من يد هذا ~~الرجل؟ عندما سمعت أنه أخذ عشرة آلاف جنيه لم أصدق أذني، لن أنسى يا سيد أنك وقفت هكذا ~~إلى جنبي في الوقت الذي كانت المعركة دائرة حول سمعة أبي. # فقلت متأثرا: أنا سعيد جدا يا منى بأن أقف إلى جنبك دائما، ولكني لا أفهم كيف توصل ~~هذا الرجل إلى العودة إليكم بعد سفري، ماذا كان في يده حتى يأخذ هذا الثمن الفادح؟ # فقالت منى: ربما كانت أنا المسئولة عن كل هذا؟ عندما علمنا بسفرك حسبنا أن الموقف لم ~~يتغير، ومع أني كنت أشعر بأنك لا يمكن أن تسافر هكذا فجأة بغير أن تكون قد تدخلت في الموضوع ~~كما قلت، فإني لم أعرف الحقيقة، وجاء محمد باشا يعرض علينا تسوية الموضوع مع حمادة، فلم ~~أفكر في شيء سوى أن أخرس الألسنة النجسة وأن أوقف المعركة التي كانت تدور حول سمعة ~~والدي. # فقلت في دفعة: ولكن لماذا يدفع الباشا عشرة آلاف جنيه؟ نظير أي شيء؟ # فقالت: لم نفكر في شيء سوى أن تنتهي المشكلة. # واستمرت دفعتي: والباشا، كيف يدفع مبلغا مثل هذا بغير أن يعرف لماذا ؟ أهو أبله؟ ms183 # اسمحي لي يا منى أن أقول: إني لا أفهم، لا مؤاخذة، لو لم يكن ذلك الشخص هو الباشا لقلت: ~~إنه لص. # ووقفت قليلا ثم نطقت بصوت بكاء يحتبس: لا مؤاخذة يا منى؛ لأني أتكلم هكذا مع علمي ~~بالرابطة التي تربطك به. # فضحكت قائلة: رابطة؟ هذا موضوع آخر، ولكن ماذا كنت أعمل؟ أكنت تنتظر مني أن أسأله هذه ~~الأسئلة التي تذكرها؟ # ولم أفهم قولها فسرت أخطو بطيئا نحو سور السطح وجعلت أجيل بصري في الحقول مفكرا في ~~معنى قولها: «هذا موضوع آخر.» ولماذا ضحكت وهي تقول: «رابطة»؟ # والتفت نحوها قائلا: إني آسف حقا يا منى. دائما أحاول أن أمسح غلطتي في غيري ولا أعرف ~~غلطتي إلا متأخرا. # وجاءت منيرة تحمل الصينية الثقيلة لتضعها على المائدة المنخفضة. # وقالت: دائما لا تعرف غلطتك إلا متأخرا: ولهذا تقف هكذا كأنك لا تراني ولا تتقدم ~~لمساعدتي. # فبادرت بحمل الصينية عنها وقامت منى أيضا معنا وجعل كل منا يعمل من جهته على تحويل ~~الأكوام المكدسة فوق الصينية إلى شيء يشبه مائدة منتظمة: الفناجين وأطباق الحلوى والفطائر ~~والشطائر التي كانت متراكمة بعضها فوق بعض. # وأخذت منيرة ومنى تتعاونان في الخدمة، وقدمت منى إلي فنجاني، فتمنيت لو وقف الزمن إلى ~~الأبد وأنا أنظر إلى عينيها الباسمتين. # وقلت لها بصوت هامس بالفرنسية، بالكلمة التي حفظتها عنها: ألف شكر. # وتذكرت الورقة التي ما زلت أحتفظ بها في قرآني الصغير. # واستأذنت أمي لتنزل استعدادا للإفطار؛ لأنها كانت صائمة في يوم نصف شعبان، وذهبت منيرة ~~معها لتعد لها إفطارها وحملت نصيبها من الوليمة في طبق كبير. # فجاءت منى بفنجانها ووقفت قريبا مني متجهة إلى الحقول، وأحسست قلبي يخفق في عنف وكدت ~~أهمس لها قائلا: «أتعلمين أني أحبك كما لا يستطيع أحد أن يحب؟» # ولكني سمعت نفسي أناديها بصوت متهدج: منى! # وبعد أن نطقت باسمها ارتبكت ولم أعرف ماذا أقول لها بعد هذا. # وشعرت أنها انكمشت قليلا وهي تنظر نحوي. # وكان وجهي يتقد في ارتباكي ولكن نظراتها الصريحة الصافية كانت تتنفس بالسلام والثقة، ms184 ~~وكان وجهها الخالي من كل زينة مصطنعة يشبه طلعة الفجر في بواكير الصيف، فامتزج ما في ~~قلبي من الحب العميق الغامر بشعور آخر من الاحترام والرحمة القوية الغامرة، وصار أبعد شيء ~~مني أن أقول لها كلمة تسبب لها حرجا، ولم يبق عندي أثر من الارتباك عندما قلت لها: ~~عندي سؤال سخيف فأرجو عفوك، ولك أن تمتنعي عن الإجابة. # فقالت في بساطة: وماذا يمنعني؟ # فقلت في همسة: هل لي أن أسألك عن نفسك؟ أأنت سعيدة؟ أقصد هل أنت سعيدة بهذه ~~الخطبة؟ # فقالت بغير تردد: لم أفكر في هذا. # فقلت في دفعة: في مستقبلك؟ في شركة حياتك؟ أهذا غير جدير بالتفكير؟ # فقالت: ثق أني لم أفكر في هذا، كنت في حياة أبي أرى الدنيا كلها من خلال شخصه، وكان ~~وجودي كله منطويا في وجوده، ولما فقدته فجأة ذهلت عن كل شيء حتى عن نفسي، وهذه العاصفة ~~التي تعرفها، متى كنت أجد فراغا للتفكير في أي شيء؟ # فقلت في عناد: عندك فكرة عامة على الأقل، أرجو ألا يكون سؤالي تطفلا. # فقالت في حرارة: بل إني أشكرك على اهتمامك، وكنت دائما واثقة في صداقتك. # وشعرت بأن النسيم يحمل إلى صدري إكسير السعادة وقلت في مرح: هذه الحارة تشهد بصداقتي ~~القديمة، أليس كذلك؟ # أتذكرين يا منى طفولتك هنا؟ أما تذكرين سوى أن هذه الحارة كانت فسيحة. # فتبسمت قائلة: أذكر أشياء كثيرة. بائعة الفول التي كنت أقلد نداءها، والشحاذ الأسود ~~الذي كنت أفزع منه، وجحش عم إسماعيل الذي كان يأكل الخس من يدي، والرجل الذي كان يصور لنا ~~تماثيل العرائس والخيل من الحلاوة العنبر. # وأضفت قائلا: وسيد زهير الذي كان يحسن الصهيل. # فضحكت ضحكة خجلى وقالت: وينزلق في يوم المطر حتى نقع معا في بركة الطين. # فشاركتها الضحك قائلا: لأنك رفضت أن أجري على مهلي، وهززت رجليك بعنف فوق صدري ~~لأجري. # وجاءت منيرة في تلك اللحظة فقالت: أريد أن أشارك في الفكاهة. # فقلت: ما تزال مني تذكر يوم وقعنا في بركة الطين وأنا أجري بها كالحصان. ms185 # فقالت: ووقفت أنا على الرصيف أبكي معكما، ما لكما تقفان هكذا بفنجانين فارغين؟ إذن لماذا ~~تعبت في صنع هذه الفطائر؟ # فسرنا إلى الركن وأخذت منيرة توزع علينا أصنافها، ولا أدري أكانت في الحقيقة ممتازة أم ~~كانت سعادتي تجعلني ألذ كل شيء حولي، كان ضوء القمر بديعا ورفيف النسيم منعشا وكل ما ~~تذوق شهيا، وكان الحديث فوق هذا كله فكها ممتعا بفضل حضور منى وإشارات أختي وخفة ~~روحها. # وكانت الساعة التاسعة عندما استأذنت منى للعودة إلى منزلها، وأصرت في هذه المرة بعد ~~تساهلها في عدة محاولات سابقة. # ونزلت لأسير معها حتى تركب، وكانت عربتها واقفة عند رأس الحارة على مقربة من ضريح أبي ~~طاقية، وكان الطريق لحسن حظنا جافا على غير عادة. # ومددت ذراعي لها لتستند عليها، وأخذت كفها في يدي وضغطت ساعدها إلى صدري عند ~~قلبي. # وقلت لها: أكون أسعد الناس يا منى إذا وعدت أن أكون دائما صديقك القديم. # فقالت في بساطة: وهل أنت في حاجة إلى وعد جديد؟ لا فضل لي إذا قررت هذه الحقيقة. # فقلت بصوت متهدج: وما يترتب عليه؟ # فقالت متهانفة بضحكة صغيرة: أن تزورنا مثلا كلما كنت هنا؟ لا تنس أنت. # فقلت في حرارة: هذا واجبي أنا، أو حقي أنا، وأما واجبك أنت أو حقك فهو أن تفترضي دائما ~~أني واقف إلى جنبك. # تعرفين عنواني طبعا إذا جد ما يدعو إلى وجودي هنا، وأما أنا فعنوانك هناك أبعث إليه ~~رسالات في الصباح والمساء وفي كل ساعة من ساعات الأيام. # وأشرت إلى السماء الصافية في ضوء البدر الكامل، وكنا قد وصلنا إلى الشارع فتركت منى ذراعي ~~وركبت عربتها وعدت إلى بيتي كأني أسبح فوق الهواء، لم تقل لي شيئا صريحا عن خطبة محمود ~~خلف، ولكنها كانت عندها أمرا غير جدير بأن تفكر فيه، ألا يكفيني هذا؟ ألا يكفيني أنها تركت ~~يدها في يدي كل هذه المسافة بين البيت والشارع؟ ألا يكفيني أنها دعتني إلى زيارة كلما عدت ~~إلى دمنهور؟ ها هو ذا غرض نبيل أعيش من ms186 أجله إذا أردت أن يكون لحياتي مقصد نبيل؛ لأنه هو ~~الذي يجعلني أقدم على كل عمل نبيل، سأعيش لها. # | الفصل الثاني والعشرون # عدت في الصباح التالي إلى القاهرة، وذهبت قصدا إلى دار الجريدة، وقبل أن أفرغ من كتابة ~~المقالة النارية التي كنت أكتبها سمعت طرقا على الباب، وكانت دهشتي عظيمة عندما رأيت ~~أمامي حمادة الأصفر. ~~«ماذا جاء بك إلى هنا؟» # هذا ما صحت به في عنف يشبه التهديد. # ودخل حمادة الأصفر مبتسما وعيناه تلمعان لمعانا شديدا، ولكنه كان شخصا آخر غير الذي ~~عرفته، كان يلبس ثوبا صوفيا نظيفا فاخرا مما يسميه أهل دمنهور بال «بنش»، ويبدو من ~~فتحة صدره «قفطان» من الحرير، وتتدلى من كتفه «كوفية» ذات شراريب طويلة، وعلى رأسه طربوش ~~نظيف، وفي يده منشة من الشعر الأسود ذات مقبض من العاج. # ولم أشك في أن هذا المظهر الأنيق ثمرة للسرقة التي أعرفها، ولم يجبني على صيحتي إلا ~~بتلك الابتسامة الجامدة، وذهب إلى أقرب كرسي فجلس عليه هادئا كأنه يقول لي: «لست أعبأ ~~بك.» فكدت أنفجر من الغيظ، ودفعت الكرسي الذي أنا عليه إلى الوراء، وقمت واقفا وقلت في ~~حنق: من أذن لك أن تدخل عندي؟ # فقال بصوت هادئ: هذا لقاء الضيف يا سيد أفندي؟ يا أخي لست شحاذا حتى تطردني هكذا، أهذا ~~جزائي لأني حضرت إلى القاهرة في الدرجة الأولى لأبحث عنك، وكل يوم جنيه أجرة تاكسي أدور في ~~كل مكان، ثم أذهب إلى غرفتك فأبقى في انتظارك إلى نصف الليل، ثم أنام على الكنبة بدون غطاء؟ ~~الحمد لله لأني لا أريد منك الإحسان يا سي سيد، الدنيا يا أخي ساقية والقواديس العالية ~~تفرغ والتحتانية تملأ، قل للساعي يحضر لي قهوة. # وصفق ليطلب القهوة. # فقلت له متمالكا نفسي: ألست تخجل من مقابلتي؟ # فقال في جرأة وقحة: كل هذا من أجل المائة جنيه؟ هذه هي يا سيدي. # وأخرج ظرفا فوضعه أمامي على المكتب، فتهيجت وقلت: أرجو أن تذهب من هنا، أنت لا ~~تستحق أن أجادلك. # فقال غاضبا : والله لولا ms187 أني أحترمك ... يا سلام يا سيد أفندي! # ودخل الساعي فوضع الفنجان أمامه وخرج، وأتاح لي فرصة قصيرة للتفكير في هذا الوغد، وأحسن ~~الطرق في صرفه عني بغير أن أفسد على نفسي هدوءها منذ الصباح. # وقلت له: اسمع يا حمادة، لا أرى داعيا لهذا الحديث، ولست أملك وقتي فأرجو أن ينتهي هذا ~~الموقف بسلام، أنت تعرف ماذا كان شعوري نحوك من قبل وماذا يكون شعوري الآن بعد أن حدث منك ~~ما حدث. أنت رجل؟ أنت إنسان؟ ... لا داعي لكثرة الكلام؛ لأني لا أرى فيه فائدة، ليس بيننا ما ~~يدعو للعتاب ولا للمناقشة، وليس يخفى علي أنك ما شاء الله أصبحت في نعمة عظيمة، فتفضل ~~في طريقك أنت من هنا وأنا من هناك ولا أظن أحدنا في حاجة إلى لقاء الآخر فيما بعد. # ولكن حمادة لم يزد على أن وسع ابتسامته ونظر نحوي ثابتا وفي نظرته ما يقرب من العطف ~~والتوسل. # فقلت له: أحب أن أعرف كيف تجرؤ على مقابلتي مع علمك بأنك نصاب محتال مجرم؟ ليس لي إلا ~~طلب واحد وهو ألا تضيع وقتي. لا داعي لكل هذا اللف والدوران لتغطي الموضوع. # فعبس لأول مرة وقال في تحد: أغطي الموضوع؟ # فقلت في دفعة: ألم أنتزع منك ورقة الزواج؟ وأدفع لك ثمنها؟ # فهز رأسه باسما وقال: طيب! # فقلت في غيظ: كيف إذن تعود لتطلب الثمن من الفتاة المسكينة منى؟ لو عرفت أن مكرك يبلغ ~~إلى هذا الحد لكنت بقيت في دمنهور لأوقفك عند حدك. # فضحك ساخرا وقال: الحمد لله يا سي سيد! لا يوجد في الدنيا رجل آخر يمكنه أن يوقفني عند ~~حدي. # فقلت: هذا الأبله الأحمق يدفع لك عشرة آلاف جنيه من مال الفتاة المسكينة؟ وسرقة ونصب ~~واحتيال! # فصاح: حيلك! عشرة آلاف جنيه؟ أي لص وأي نصاب قال هذا؟ # فقلت في حنق: هل تنكر؟ هل تجرؤ؟ هذه الملابس وهذه المظاهر والدرجة الأولى في السكة ~~الحديدية وتاكسي وكل يوم كم جنيه، كل هذا وتقول إنك لم تسرقه؟ # فضحك ضحكة طويلة سمعتها كأني ms188 أسمع ضحكة شيطان، وكدت أقوم إليه فأقذف به من الباب، ولكنه ~~نظر إلي ثابتا وقال: الله يسامحك يا سيد أفندي. # اسمع يا سي سيد حكاية ظريفة والله، بعد مقابلتنا في الليلة إياها جاء لي مصطفى عجوة ~~يدعوني لمقابلة محمد باشا خلف، فذهبت. # والسلام عليكم ... عليكم السلام، اتفضل يا سي حمادة وهات قهوة يا ولد! وكيف الأحوال؟ والظرف ~~والأدب، وقال لي الباشا: «اسمع يا حمادة، أنت رجل نبيه وعظيم وأحب أن تشتغل عندي.» # وبدأت أستمع إليه في شغف وبدأت أشم رائحة مكيدة. # وبعد لحظة صمت واستمر حمادة قائلا: أقول لك الحق. لعب الفار في عبي وقلت له: «خدامك يا ~~باشا.» ولكني قلت لنفسي: «خد بالك يا حمادة!» # وعرض علي مرتب عشرين جنيها في الشهر مرة واحدة، قلت في نفسي: «عجيبة!» وحسست أنه يريد ~~مني مساعدته في الانتخاب، لكني أردت معرفة قرار الحكاية وأظهرت الامتناع، وبدلا من ~~إصراره على العشرين زادها إلى ثلاثين مرة واحدة، قلت: بس، لا بد أن الحكاية فيها ~~لعبة. # وملت على مصطفى عجوة وسألته عنك، ولكنه هز لي رأسه، النهاية قلت: لا بد أن الباشا لا ~~يعرف حكاية العقد وأنك أخذته مني، قلت في عقلي: «بعدك يا سيدنا الباشا!» وقلت له: «أرجوك ~~مهلة إلى ساعة الظهر.» وخرجت أجري إلى بيتك وقابلت عم عبد الهادي الزيات على باب الحارة، ~~وسألته عنك، قال لي إنك سافرت في الصباح وسلمت عليه من بعيد وقال لك مع السلامة يا بو ~~زهير، وعنها ورجعت أجري للباشا ودخلت عليه كأني مجنون، وقلت له: «اسمع يا باشا! أنت تعرف ~~أني أنا حمادة الأصفر لا أخاف ولا أخجل ولا أحد يخدعني، من قال لك إني حمار أو مغفل حتى ~~تضحك علي في كل شهر بثلاثين جنيها؟ الورقة عندي والمحاكم موجودة وأعرف شغلي!» وأدرت له ~~ظهري لأنصرف، فقام الباشا وأخذ يلاطفني وأمر الجميع بالانصراف ورد باب الغرفة علينا وبدأ ~~يفاوضني، النهاية من هنا لهنا اتفقنا على ألف جنيه يقدمها إلي بصفة أمانة أكتب بها ورقة ~~أعترف بأنها ms189 أمانة لشراء أقطان، ووعد بأن يشتري الأقطان مني بالسعر الحاضر، والمكسب لي ~~لغاية شهر ديسمبر، وأنت تعرف الحظ إذا ابتسم يا بو زهير، في الصبح بسبعين ريال وفي ~~المساء بثمانين ريال وبكره بتسعين ريال، النهاية في مدة ~~شهرين يا عم سيد الألف وصلت إلى عشرة وأرجعت له الألف، ومزعنا المستند ورجعت إلى السوق من ~~جديد حمادة أفندي وسي حمادة وحمادة بك، ولو كنت تتنازل وتزور مكتبي يا سيد بيه يكون أكبر ~~شرف، عشرة آلاف جنيه؟ أنا أسرقها من محمد خلف؟ محمد خلف بن عم خلف المنجد، كل ثروته من ~~سرقة الأيتام والأرامل والأمراء المعتوهين، الاختصاصي في نظارة الأوقاف وإيجارات الأملاك ~~أنا أسرقه؟ لو كنت أعرف السرقة يا سيد أفندي، كنت أشبع وأكتسي على الأقل، ولا أخدم اللئام، ~~ولا أنافق، ولا أشرب الزفت ولا أرتمي على أكوام الطين، لو كنت أعرف السرقة والنصب ما كنت ~~أجري بسرعة للموت وأتمنى يومه، قل لي: دون، قل لي: حقير، قل لي: حشرة. أصدق، لكن: لص؟ لأ. ~~لع! أبدا حمادة القذر الجائع العاري هو جسم حمادة؛ العظم واللحم والدم. ينافق ليأكل، ~~ويشحذ ليأكل. # ويتذلل ليجد السقف في الليل، ويرضى بالإهانة من أجل القلب الجائع، ولكن من تحت الحمادة ~~الجسم يوجد حمادة الصحيح - حمادة الحقيقي - لا يرضى أن يسرق أبدا. # ولو كنت طاوعت دفعتي في هذه اللحظة لقمت إليه وأخذته بين ذراعي، وقبلته بين عينيه ~~المتقدتين كعيني الذئب، ولكني نظرت إليه كما أنظر إلى جدول الماء الصافي الذي يخرج من ~~عملية تحليل مواد المجاري في مزرعة الجبل الأصفر، ماء رائق يتلألأ في نور الشمس، ولكن النفس ~~تعافه؛ لأنها تعرف أصله. # وقلت لحمادة مخلصا: أنا آسف يا حمادة؛ لأني ظلمتك، مع السلامة. # وقام حمادة لينصرف، ولكنه وقف حينا في تردد ثم ضحك قائلا: بالله عليك صارحني بكلمة، ~~لا أحب أن أزاحمك يا أستاذ سيد، وأريد أن تقول بالصراحة، ما شعورك من جهة فطومة؟ # وفاجأني سؤاله فقلت في حدة: أما تنسى هذا الهراء؟ متى عرفتها؟ # فقال في حماسة: ms190 لما طرفت الباب نزلت لي فطومة، الله يا سيد أفندي، والله عمري ما رأيت ~~عينين تشبه عينيها، وسألتها عن اسمها، وكان صوتها مثل الكروان بالله يا أستاذ سيد ~~صارحني. # فقلت في اختصار: قلت لك: لا داعي لهذا السخف، إذا كانت أعجبتك فتلفع بها وتفضل. # فهز يدي مرة أخرى قائلا: طيب يا سيد أفندي، تلفيعة حرير والله العظيم، ما رأيك في أن ~~تقدمني للشيخ مصطفى حسنين؟ # ومع أني كنت أعرف أن حمادة إذا رأى امرأة حسناء صار كالذبابة إذا اندفعت إلى طبق من ~~العسل، فإني دهشت؛ لأنه تدله بفطومة في مثل هذه السرعة، ولكني شعرت بارتياح داخلي لست ~~أدري سببه. # وقلت له: يسرني أن أفعل إذا مررت علي بعد أن أفرغ من عملي، إلى اللقاء الآن ~~يا حمادة. # وعندما خرج من عندي وضعت يدي على رأسي وغرقت في أفكاري: أهذا هو الباشا الذي يريد أن ~~يتكلم باسم الأمة ويحاسب الوزراء! أهذا هو الذي يريد أن ينتزع منى ليتجر بأموالها كما يتجر ~~النخاس بالرقيق؟ وقمت ثائرا أتمشى في غرفتي وأسأل نفسي كيف أضرب ضربتي، ما لي أكتب في ~~الفراغ وهذا الوغد يستحق أن يشنق؟ # ودخل علي الساعي في هذه اللحظة يطلب مني المقال الذي لم أفرغ منه بعد، فاستمهلته ~~قليلا وعدت إلى مكتبي وبدأت أقرؤه مرة أخرى، كنت في أول الأمر أحسبه مقالا شديدا يعجب ~~الأستاذ علي مختار ويهنئني عليه، ولكنه بدا لي فاترا سخيفا لا يحمل معنى، ولم أفكر مرتين ~~قبل أن أجمع أوراقه وأمزقها قطعا صغيرة ثم أرمي بها في سلة المهملات، وبدأت أكتب مقالا ~~جديدا عنوانه: «هكذا يكون الباشا»، وفي نصف ساعة كنت قد أتممته ووقعته بإمضائي وأخذت ~~أقرؤه مرة أخرى، لم أذكر اسم الباشا، ولكن أوصافه كانت بغير شك تشير إليه، ولولا علمي بأن ~~الأستاذ علي مختار لا يحب أن يهاجم الأشخاص مهاجمة شخصية لكنت حددته بالاسم، ولكني ميزته ~~حتى لا يخطئ أحد في معرفته. # | الفصل الثالث والعشرون # لم أعجب عندما دعيت في اليوم التالي إلى نيابة الصحافة؛ ms191 لأني صرت منذ حين أحد نجوم ~~الجرائم الصحفية، وكان موضوع التحقيق كالعادة مزيجا من تهم متعددة جاء في صدرها بالطبع ~~ذكر العهد وماذا أقصد به، ودراسة فقهية طويلة لما جرى به العرف من إطلاق لفظ العهد على ~~الملوك وحدهم، ودافعت عن نفسي قائلا كالعادة أيضا إننا في بلد دستوري لا يتحمل فيه الملك ~~مسئولية الحكم؛ فالعهد لا يمكن أن يكون إلا للحكومة القائمة، فانتقل الحوار إلى تهمة الطعن ~~في الحكومة والتحريض على كراهية النظام، وانتقلت بدفاعي أيضا إلى ذكر البراهين التي تدل ~~على فساد الحكم حتى رأى المحقق الاكتفاء بأول برهانين، ورفض أن يثبت البراهين الأخرى ~~التي هممت بأن أذكرها، ثم وجه إلي الطعنة الأخيرة التي حسبها القاضية؛ وذلك عندما سألني ~~من تقصد بالباشا الأبله، الباشا اللص الذي جمع ثروته من سرقة الأيتام والأرامل والأمراء ~~المعتوهين، والذي تخصص في نظارة الأوقاف وإيجار الأملاك وسرقة اليتامى؟ # وشعرت بكثير من الحيرة في البحث عن طريقة أتحاشى بها إقحام شخص خلف باشا؛ إذ لا علاقة له ~~بالحكم، فأخذت أبين أنني لا أقصد إلا المعنى العام الذي يشعر به الجميع، وهو أن السادة ~~أصبحوا من الحثالة، فوجد المحقق فرصته وأخذ بتلابيبي. # واستمر التحقيق طول اليوم إلى أن دار رأسي من التعب وعرض المحقق علي كل ما كتبته من ~~قبل في الأعداد السابقة، وما زال يضيق علي الخناق حتى قذفني آخر الأمر بالتعريف الجامع ~~المانع للعيب في الذات الملكية. # فقرأ: «العيب في الذات الملكية هو ذلك الشيء الذي يمس من قريب أو بعيد بطريقة مباشرة أو ~~غير مباشرة تصريحا أو تلميحا تلك الذات.» # فضحكت قائلا: تعريف جميل يصلح لأن يكون شركا رائعا! # وكان جوابه على ذلك أن قال: تستطيع أن تستريح الآن حتى نستأنف التحقيق فيما بعد. # فقلت محتجا: ما معنى هذا؟ # فقال: الأمر بسيط يا سيدي، ستبقى تحت التحفظ حتى يتم التحقيق. # فصحت في حنق: أين نحن يا سيدي المحقق؟ رجل يستدعى في الصباح لكي يقال له في هذه ~~الساعة أن ينتظر محجوزا حتى ms192 يتم التحقيق؟ # فنظر إلي باسما كأن الأمر لا يستحق منه إلا ابتسامة، ثم قال: لك طبعا أن تطلب ما ~~تشاء من البيت، وإذا شئت فلك أن تتصل تليفونيا بمنزلك أو بإدارة الجريدة. # ونظرت إليه في حقد وكانت ابتسامته ما تزال تثير غيظي، وتمثلت لي صورة غرفتي التي يمكن ~~أن أتصل بها تليفونيا لأستحضر منها ما أشاء، ثم تذكرت الأستاذ علي مختار وجعلت أسأل ~~نفسي: «ألا يعرف أني هنا؟ أهكذا يتركني لشأني كأنني لا أستحق أن يقف إلى جانبي؟» # وقلت للمحقق في حنق: لست في حاجة إلى شيء. # فرفع كتفيه قائلا: هذا شأنك، ولم أقل له شيئا سوى نظرة غاضبة وهو يهمس إلى الشرطي الذي ~~دخل إلى الغرفة في تلك اللحظة، فحيا الشرطي صادعا بالأمر وأخذ منه الورقة التي مد بها يده ~~إليه، وأخذني من ذراعي خارجا بي من باب الغرفة إلى حيث لا أدري. # وسرت معه وقلبي يغلي غليانا شديدا من الشعور بأني أمام قوة جبارة لا تتمثل في شخص ~~بعينه حتى أتمكن من الدفاع عن حريتي أمامها. # كان الشرطي يقبض على ذراعي في شيء من الترفق، ولكني كنت أحس أنني لا أقدر على ~~الانفلات منه أو مقاومته، ولأول مرة شعرت أن هناك شيئا هائلا مجردا عن الأشخاص ~~والهيئات اسمه الدولة، هي التي تجرني من ذراعي إلى حيث تشاء ولا أستطيع أنا أو غيري من ~~الأفراد أن يقاوم قوتها، ولم يكن في وسعي أن أحنق على ذلك الشرطي، الذي يجرني من ذراعي؛ ~~لأنه كان يؤدي واجبه بغير أن يكون بيني وبينه ما يدعو إلى الخصومة أو الكراهة، ومن يدري لعل ~~هذا الشرطي كان يعطف علي في قرارة نفسه؟ لقد كان فيما ظهر لي رجلا طيبا، وكانت نظرته ~~نحوي مهذبة وديعة تنطق قائلة: «أنا آسف ولكن ما حيلتي؟» # بل إنه أظهر عطفه علي عندما مال نحوي هامسا: «أتحب أن تشتري شيئا؟» # فأجبته قائلا: «أشكرك». # وكانت عربة مغلقة تنتظر عند الباب الخلفي للمبنى، فركبتها وأغلق الشرطي الباب، وسارت ~~العربة في طريقها وأنا ms193 منطو على نفسي، حتى وقفت آخر الأمر ونزل منها الشرطي ليأخذني من ~~ذراعي، وعرفت عند ذلك أني داخل إلى قسم عابدين، حسنا! # ودخلنا إلى غرفة الضابط فحياه الشرطي ومد إليه يده بالورقة التي معه، فقرأها الضابط ~~وأشار بيده نحو غرفة بغير أن يقول كلمة سوى أنه نظر نحوي نظرة فاحصة من أعلى رأسي إلى آخر ~~ما يستطيع أن يرى مني وأنا واقف وراء مكتبه، ولم أجد ضرورة لإجابته بنظرة غاضبة؛ لأني ~~شعرت بما يشبه الاستعلاء عن الاهتمام بالأفراد، ما لي وهؤلاء جميعا؟ إنهم يأتمرون بأمر ~~آلة ضخمة لا يملكون لي معها ولا لأنفسهم شيئا. # وأدخلت إلى غرفة فيها مكتب صغير واحد ليس فيها شيء غيره من الأثاث، وتركني الشرطي فيها ~~وأغلق بابها ولا أدري أذهب إلى سبيله أم بقي واقفا خارجها، ونظرت إلى ساعتي وكنت لم أفطن ~~إلى النظر إليها من قبل فوجدتها الساعة الرابعة بعد الظهر، يا سلام! لم أفطر في الصباح ولم ~~أطعم شيئا طول النهار، ومع هذا لم أجد فراغا للاهتمام بطلب الغداء، وهجم علي الشعور ~~بالجوع وشعرت بأني ضعيف لا أكاد أقوى على الوقوف، فجلست على ظهر المكتب وكانت النافذة التي ~~ورائي تطل على خلف مبنى القسم، وأستطيع أن أرى منها المتاجر من بعيد، فغيرت موضعي حتى ~~أقدر على النظر إلى الخارج لأشعر بشيء من الائتناس، وسألت نفسي ألا يمكن أن أشتري شيئا ~~آكله؟ ونزلت مسرعا عن المكتب فحاولت فتح الباب، ولكني وجدته مغلقا بالمفتاح، فخبطت عليه ~~بيدي فلم يلبث أن فتح ورأيت على بابه شرطيا من جنود القسم، وهز رأسه إلي مستفهما فقلت ~~له في هدوء: ألا يمكن أن أشتري طعاما؟ # فقال بغير اهتمام: اسأل حضرة الضابط. # فقلت في شيء من الغضب: وأين هو؟ # فأغلق الباب قائلا: سأسأله. # وكدت أثب لأمنعه من إغلاق الباب بالمفتاح ولكنه سبقني فأغلقه، وعدت إلى المكتب فوثبت ~~جالسا فوق ظهره وجلست أنظر إلى المارة من بعيد وهم يتحركون في اتجاهات شتى، شاب يركب ~~دراجة في وسط الطريق ويمر بخفة بين ms194 السيارات وهو يتلفت يمينا ويسارا كأنه بهلوان في سرك، ~~ما أمهره في الركوب وما أشد مخاطرته! كأني به يستهين بحياته أو يتمتع بشعور المخاطرة، ولم ~~لا يخاطر الناس بحياتهم في كل شيء؟ إن المخاطرة تبعث إلى النفوس نشوة النجاة دائما، ~~فتكون الحياة كلها حية مثيرة إلى أن يحين القضاء المحتوم. الرقابة تحيل الحياة إلى سجن مثل ~~هذه الغرفة التي أنا فيها، ولكن إذا كان هؤلاء الفتيان الذين يحاورون السيارات في الطرق من ~~فوق دراجاتهم لا يريدون بعملهم هذا إلا أن يشعروا بأنهم يقومون بمغامرة، فلماذا أغضب أنا ~~من أني أواجه مغامرتي؟ # ومضى علي وقت طويل وأنا أتأمل وجوه المارة في الطريق، وأقرأ على كل منهم المعنى الذي ~~تدل عليه مظاهرهم؛ فمنهم من يسير مسترخيا كأنه يحلم، ومنهم من يسرع كأنه يريد أن يدرك ~~قطارا على وشك السير، ومنهم من كان لا يريد أكثر من التلفت إلى وجوه الآخرين. # وكان مما استرعى نظري أيضا طفلان؛ صبي وفتاة لا يزيد عمرهما على العاشرة، وكانا ~~يقطعان الطريق ذهابا وإيابا، ويعبرانه من جانب إلى جانب كأنهما قطان ضالان، وكان كل ~~منهما يحمل في يده علبة من الصفيح معلقة في ساعده بخيط، فيما يكاد يرى «عقب» سيجارة ~~يسقط على الأرض حتى يهبط إليه كأنه صقر، وجعلت أتأمل وجهيهما وأتصور ما يكون شكلهما إذا ~~زال في الوسخ عن وجهيهما ولبسا ثيابا غير الخرق الممزقة التي ترف فوق جسديهما ~~النحيلين، ولم أشك في أنهما يكونان ظريفين رشيقين لو أكلا ولبسا كما يفعل الآدميون، ولكن ~~أحقا يتغيران إذا غسل عنهما الوسخ؟ هل يمكن أن يتحولا إلى طفلين ظريفين؟ وكيف ~~يمكن أن تزال الأوساخ التي تسربت إلى أعماقهما؟ # وانقبض صدري عندما تمثلت الألوف الكثيرة التي وقع عليها بصري في كل مكان من هؤلاء ~~الأطفال، وسألت نفسي كيف نستطيع أن نتمتع بالطعام والشراب، وكيف نطمئن في بيوتنا ومع ~~أفراد أسراتنا وهناك ألوف من هؤلاء المساكين يسيرون هكذا كالقطط الضالة؟ وقطع علي تفكيري ~~فتح باب الغرفة، ورأيت الشرطي الذي جاء بي ms195 إلى القسم وسمعته يسألني: أما تريد ~~شيئا؟ # فشكرته من أعماق قلبي، وقلت له: «هل تتكرم بأن تشتري لي رغيفا من الخبز وأي شيء يؤكل ~~معه؟» ومددت يدي إليه بنصف ريال، ثم نظرت إلى ساعتي وكانت ما تزال الخامسة، كل هذا الوقت ~~ساعة واحدة منذ دخلت في الغرفة؟ إن الذين يقيسون الوقت بالساعة لم يدخلوا إلى مثل هذه ~~الغرفة ليسجنوا بها، أليس الزمن خرافة من تأليف العقل البشري كما قال صاحبي عبد الحميد ~~عباد؟ # وذهب فكري إلى دمنهور ومرت بذهني صور كثيرة، يا ترى كيف حال أمي وأختي؟ والحمد لله على ~~أنهما لا تعلمان أني هنا، ومنى؟ هل تبلغها تحياتي التي أبعثها إليها كل صباح وكل مساء مع ~~إشراق الشمس وطلوع النجم؟ لا بد لي من أن أسافر إليها غدا أو بعد غد إذا فرغت من هذا ~~التحقيق السخيف، ولن أنسى غدا إذا قابلت الأستاذ علي مختار أن أعتب عليه عتبا شديدا؛ ~~لأنه لم يعبأ بالحضور ليقف إلى جانبي أو قريبا مني، بل إنه لم يعبأ أن يرسل سكرتيره ليسأل ~~عني. # وفتح الباب مرة أخرى ودخل شرطي جديد لم أره من قبل، فقال لي بصوت جامد: تعال يا ~~أفندي. # ولم أجد ضرورة لسؤاله عن قصده فسرت وراءه قائلا في نفسي: «هذا شيء طبيعي لأني لا يمكن أن ~~أقضي الليلة كلها هنا.» # وسار بي حتى وقف عند باب غرفة أخرى على بعد نحو خمس خطوات، وفتحها قائلا: تفضل ~~هنا! # وظننت طبعا أنها غرفة أعدت لنومي، فدخلتها مرتاحا ولم أفطن إلى أن الرجل سيغلق الباب ~~ورائي بهذه السرعة، وما كاد الباب يغلق حتى رأيت أني في غرفة مظلمة ضيقة لا تزيد سعتها على ~~مترين في ثلاثة، وسقفها لا يعلو أكثر من ثلاثة أمتار، وكانت حجرة قذرة الجدران والأرض، ~~عارية ليس فيها شيء سوى كرسي نصف محطم وبرش قذر ونافذة صغيرة لا أستطيع أن أصل إليها ~~إلا إذا مددت طرف يدي. ~~«وماذا أفعل هنا؟» هكذا قلت في سري وقلبي يتمزق من الغيظ ، وحاولت أن ms196 أجلس على الكرسي ~~لأفكر فيما ينبغي أن أصنع، ولكنه كاد ينهار بي فقمت غاضبا، وقلت في نفسي: «هل أعود ~~إلى الحماقة التي ارتكبتها في دمنهور عندما سجنت في الجحر المظلم فأقوم إلى الباب لأدقه ~~بيدي ورجلي ورأسي كأنني مجنون؟» كانت الغرفة الأخرى على الأقل تؤنسني بنافذتها المطلة على ~~الطريق، وأستطيع أن أجلس على المكتب الذي فيها، وشعرت بلسعة في أسفل ساقي فملت لأتحسس ~~موضعها، فلمست يدي شيئا حسبته برغوثا فرفعته إلى كفي في حذر خوف أن يهرب مني، فإذا هي ~~قملة طويلة تعجب كيف تصل إلى مثل هذا الحجم، ورميت بها بعيدا في اشمئزاز، وأخذت أخبط ~~الباب في عنف، ولكني شعرت بلسعة أخرى فكدت أفقد صوابي، وخيل إلي أن البرش الذي هناك ~~عش عامر بالقمل، وشعرت كأن بدني كله يلسعني، وكأن في كل قيراط منه دبيب قملة، وفزع ~~الشرطي على ما يظهر من الدق العنيف ففتح الباب واستقبلني قائلا: ما لك يا أفندي؟ # وكان كل همي أن أنفذ من الباب، فاندفعت خارجا وقلت بعد أن صرت في الممر: أهذه غرفة تعذيب ~~من صنف جديد؟ # وعند ذلك تبينت أن الشرطي كان صاحبي، وقد جاء يحمل في يديه أوراقا ملفوفة. # فقلت له وأنا أكثر هدوءا: أهذه غرفة نوم يا أخي؟ ادخل إليها دقيقة واحدة لتعرف أنها عش ~~قمل. # فقال في سذاجة: الحاضر يا سيدي، وأين تنام إذن؟ # فلم أملك نفسي من الضحك مع شدة غيظي وقلت له: شكرا لك على كرمك وأرجوك ألا تفكر في أمر ~~نومي، سأقضي الليل واقفا في الغرفة الأخرى، ويمكنني أن أنام فوق المكتب إذا شئت، خل ~~هذه الغرفة لضيف آخر يحتاج إليها. # والظاهر أن الفكاهة أعجبته فضحك قائلا: أمرك يا سيدي. # وأخذني من ذراعي إلى الغرفة التي كنت فيها قائلا: رغيف إفرنجي وجبن رومي وخيار أخضر، ~~الكل ستة قروش. # ومد يده بالقروش الباقية من نصف الريال، فأشرت إليه أنها له، فتبسم راضيا ووضع الطعام ~~على المكتب ثم قال: تصبح على خير. # وأغلق الباب وراءه، وتركني أحاول أن ms197 أفكر في خطة لقضاء الليلة. # فجررت المكتب قريبا من النافذة، وجلست عليه وبدأت آكل، وكنت مع كل ضيقي أحس جوعا ~~شديدا، وكانت شهوتي للطعام عظيمة حتى أكلت الرغيف وأخذت أقشر الخيار لأستغني به عن ~~الماء والفاكهة. # وكان من حسن حظي أن الغرفة تحتوي على مصباح كهربائي صغير، فكان نوره مساعدا للضوء ~~المنبعث من الطريق في إزالة كثير من الوحشة التي كانت تخيم على صدري، وأخرجت من جيبي ~~قصة إنجليزية مما تعودت أن أحمله معي دائما لأقطع به الوقت في الساعات التي كنت ~~أضطر لقضائها في غرف الانتظار في جولاتي لتلقف الأخبار، وكانت في تلك الليلة لقية ~~نفيسة، وشغلتني القراءة فيها عن التفكير في متاعبي، وهي قصة لأحد الكتاب الشبان يصور ~~فتاة مثل الفتاة التي رأيتها تجمع أعقاب السجاير من الطريق، وكان من سوء حظها أنها كبرت ~~وصارت حسناء، فاستطاعت أن تصبح خليلة ثم راقصة، ثم اجتذبت قلب أحد الشباب المنعمين، وكان ~~من سوء حظها أنها أحبته، فألفت لها الأقدار مأساة، وألقت بنفسها إلى النيل من ~~العوامة التي كانت تعيش فيها، هل تستطيع هذه الطفلة المسكينة أيضا أن تسترعي نظر ~~الأقدار؟ # وأخذت عيني تثقل للنوم فخلعت سترتي وجعلتها تحت رأسي ونمت فوق المكتب جامعا ركبتي ~~إلى قرب صدري. # | الفصل الرابع والعشرون # صحوت متعبا إلى حد الإعياء في الصباح، وكانت الساعة السادسة، فجلست على المكتب ~~حائرا، وكان رأسي مصدعا ثقيلا ومفاصلي وأضلاعي تنبض بالألم، وقمت أترنح إلى الباب ~~فدققته دقتين حتى انفتح، وكان الذي صبحني بوجهه شرطي عابس أصفر الوجه كأنه هو الآخر ~~قضى ليلة مثل ليلتي. # وسألته: أأستطيع أن أغسل وجهي؟ # فأشار بيده إلي بغير أن يتكلم، واتجه بي إلى دورة الماء ووقف عند الباب ينتظرني، ~~وكانت النوافذ هناك محصنة بقضبان حديدية متينة هي الأخرى. # وشعرت بشيء من الانتعاش بعد أن غسلت وجهي بالماء البارد، وتمنيت لو أمكنني أن أتوضأ ~~لأصلي فريضة الصبح التي تعودتها منذ صغري، ولكن كيف أخلع ملابسي وحذائي وأين أضعها؟ وهل ~~أتوضأ ثم أسير حافيا إلى الغرفة ms198 على الأرض التي كنت لا أقدر على تمييز لونها من الطين ~~الذي فوقها؟ فاكتفيت بأن جففت وجهي في منديلي، وعدت في حراسة الشرطي إلى مقعدي فوق ~~المكتب، وكانت المتاجر ما تزال مغلقة والطريق خاليا، وكل شيء هادئا تحت أنفاس الصباح ~~الرطبة، فلم أجد شيئا يشغلني عن الهواجس العنيفة التي انفردت بي؛ ولهذا مرت علي ساعة ~~كانت من أطول ما مر بي في حياتي، ثم بدأت الحركة تدب شيئا فشيئا في الطريق، وكان من ~~أول من ظهر لي هذا الطفلان البائسان اللذان رأيتهما بالأمس، وكانا يسرعان من رصيف إلى آخر ~~كعصفورين جائعين يلتقطان رزقهما في الصباح مع فارق واحد، وهو أن العصافير تخرج عند مطلع ~~الشمس من أوكارها التي تأوي إليها في ساعة الغروب، وأما هذان فليت شعري أين قضيا ~~ليلتهما؟ هل هما أخ وأخته؟ أم هما شقيان آخى بينهما الشقاء وألف بين قلبيهما؟ أيكونان ~~في الحياة الواسعة وحدهما بغير ثالث؟ وماذا يفعلان بهذه البضاعة التي يجمعانها بين الصباح ~~والليل؟ وهل هي تكفي لإطعام هذين المسكينين؟ # ورأيتهما يقفان من بعيد عند باب دكان فول مدمس ويتوشوشان، لست أدري أكانا يتآمران على ~~سرقة رغيف أم كانا يتناجيان برائحة الفول الذكية؟ وسأسأت لهما وناديت بأعلى صوتي قائلا: ~~اسمع يا ولد! يا بنت! # فتلفتا حولهما في فزع، ولكنهما لم يعرفا أين أنا حتى أشرت لهما بيدي من بين القضبان، ~~فأقبلت الفتاة نحوي مترددة وبقي الولد بعيدا ينظر إليها مترقبا، فلما صارت على ~~الرصيف المقابل للنافذة قذفت إليها بقرشين وقعا تحت قدميها وقلت لها: اجري افطري وقولي ~~لصاحب دكان الفول يبعت لي طبق فول بزيت ورغيف وسلطة، هنا في القسم، هنا! # فتبسمت مرتاحة وهزت رأسها وأسرعت إلى الصبي فأخذته معها ودخلت معه إلى الدكان، ~~وبعد قليل جاء صاحب الدكان ليسألني عما أريد فقلت له: أنا هنا محبوس في القسم وأريد أن ~~أفطر؛ طبق فول بزيت وسلطة ورغيف. # فقال: والعساكر؟ # فقلت: سلم الأكل لأحدهم واتركه معه. # وقذفت إليه بقطعة فضية ذات خمسة قروش، فاقتنع وذهب. # وبعد ms199 قليل فتح الباب ودخل الشرطي العابس يأمرني بالذهاب إلى المحكمة. # فقلت له: لم أفطر بعد. # فقال في جفاء: هل هنا مطعم؟ # فقلت: لا. هنا قسم بوليس، هل حضرة الضابط هنا؟ # فقال: حضرتك صاحبه؟ # فقلت: نعم، أشكرك جدا، وكان الشكر موجها إلى صاحبي الشرطي الآخر الذي جاء في تلك ~~اللحظة يحمل طبق الفول والخبز والسلطة. # وقال في بشاشة: صباح الخير يا سيدنا الأفندي، كنت في العربة عندما جاء الرجل بالأكل ~~فعرفت أنه لك، ما لك يا حضرة الباشجاويش؟ حرام يا رجل! النهار طويل ولقمة الصبح تسند ~~قلبه. # وكان في قوله الأخير متجها إلى الشرطي الآخر الذي حاول أن يمنعه من إدخال الطعام إلى ~~الغرفة. # وانصرف الشرطي العابس غاضبا، ودخل صاحبي الآخر فوضع الطعام على المكتب قائلا: ~~تفضل! # فقلت له: بسم الله يا أخي. # فقال: بالهنا والشفا. # ومد إلي يده بقرشين قائلا: بقية ربع الريال. # فتبسمت قائلا: هل أفطرت؟ # وأشرت إليه أن يأخذ القرشين. # فقال مرتاحا: الحمد لله. أشياء رضا. # وذهب خارجا وأتى إلي بكوب من الصاج مملوء بالماء، وكنت قد بدأت آكل وأنا واقف، ~~وتبادلنا ابتسامة صغيرة قبل أن يخرج قائلا: على مهلك يا أفندي! # وكانت الساعة الثامنة والنصف عندما وصلنا إلى دار النيابة، ولكن المكتب كان خاليا، فجلست ~~في حجرة الكاتب ووقف الشرطي عند الباب يحرسني. # وكانت الحركة والطعام قد أعادا إلي نشاطي، وذهب ما كنت أحسه من التعب والوحشة، وبعد ~~قليل دخل صبي المقصف ليرى هل بالغرفة أحد فطلبت منه كوبا من الشاي ورجوته أن يشتري لي ~~علبة من السجاير لأتسلى بالتدخين. # ومهما يكن من الأمر فإني شربت ثلاثة أكواب متفرقة من الشاي بين كل منها والآخر نحو ~~ساعة وأحرقت نصف علبة السجاير، ولم يحضر أحد إلى المكتب، حتى صارت الساعة الحادية عشرة، ثم ~~جاء الكاتب آخر الأمر وقال لي في خفة: آسف لأن البيه مشغول في قضية أخرى، ولا يحضر إلى ~~هنا اليوم. # فقلت متثاقلا: ومعنى هذا؟ # فقال: لا شيء، التحقيق مستمر، غدا أو بعد غد ، لا بد ms200 أن ينتهي على كل حال. # ثم مد يده إلى الشرطي بورقة وخرج مسرعا يتلفت في الغرفة ويهز يده بظرف كبير يحمله، ~~ونزلت إلى العربة المعهودة فركبتها مع الشرطي، ولم أعرف إلى أين حتى وقفت العربة، وقال ~~الشرطي في صوت نحاسي: تفضل يا أفندي. # فقلت: إلى أين؟ # فقال: الاستئناف! # يا خبر! سجن الاستئناف؟ دخلت إلى ذلك السجن من قبل مرة عندما ذهبت مندوبا عن الجريدة ~~لأشهد إعدام أحد كبار المجرمين. كان منظرا لا أنساه أبدا عندما رأيت المسكين قبل أن تعصب ~~عيناه ليصعد فوق المشنقة، فقد كان ينظر في فزع شديد إلى الحبل المعلق الذي سيحتوي على عنقه، ~~وجعل يقول لمن حوله بصوت مرتعد: «اطلبوا لي الرحمة يا ناس!» # فلم أطق أن أستمر في موقفي؛ إذ كان من المؤلم لي أن أرى الرجل ينهار هكذا، لو نظرت إلى ~~ذئب جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة لما أعجبني منه أن يمأمئ مثل الشاة مستغيثا متخاذلا؛ ~~فالأجدر به أن يموت ذئبا وحشا مستعدا للهجوم إلى آخر لحظة من حياته، كنت لا أتألم هكذا ~~لو بقي ذلك الرجل جبارا سفاكا متحديا فظيعا حتى النهاية، ولكنه صار مثل أرنب في يد ~~الجزار يرتعد ويطلب الدعاء بالرحمة. # ومن ذلك اليوم اعتقدت أن سجن الاستئناف هو الذي حول هذا الجبار إلى رجل منهار، ومن أجل ~~هذا كرهته. # فهل أنا ذاهب إليه كما يذهب إليه القتلة؟ # أأذهب إليه لأني أكتب مقالات أترجم فيها عما أحسه ويحسه الناس من غضب على الفساد ~~والطغيان والحكم الذي يذلنا ويسقطنا ويدنس أرواحنا؟ # ودخلنا سجن الاستئناف، ومنذ دخلته أصبحت مثل شيء تتلقفه الأيدي ولا إرادة له، سلمني ~~الشرطي إلى المأمور، وسلمني المأمور إلى سجان، وسار بي السجان إلى الغرفة التي خصصت لي ~~ورقمها 298، ومنذ اللحظة التي دخلت فيها إلى الغرفة صرت رقما مجردا سابحا في الفراغ، ~~فرقم 298 يصعد إلى غرفته، ورقم 298 يدعى إلى النزول، ورقم 298 يتناول طعامه، وكانت الغرفة ~~التي دخلت فيها أحسن مما كنت أنتظر؛ إذ كان فيها على الأقل سرير ms201 يمكن أن أتمدد عليه، وكانت ~~بها نافذة عالية ذات قضبان متينة، ولم يضايقني إلا سواد لون السقف والأرض. # ولم يكن بي حاجة إلى التفكير في الذهاب إلى دورة المياه؛ لأن «الجردل» كان هناك في ركن ~~الغرفة أستطيع أن أقوم إليه لأقضي به حاجتي بغير عناء، مرحى! لا شك في أن هذا السجن تأديب ~~وتهذيب وإصلاح كما يقولون، ولا عجب إذا كان القاتل الجبار قد تحول فيه إلى جبان ~~رعديد! # وجلست على السرير في شبه ذهول لا أكاد أتحقق من أني أصبحت سجينا، ولا أدري كم بقيت ~~جالسا هكذا حتى دخل علي سجان ليضع لي غطاء نظيفا على السرير، ومع كل ما داخلني من ~~الارتياح لذلك لم أظهر له اهتماما. # ثم جاء الرجل إلي ببعض الطعام، ولكنني لم أشعر بجوع، فرفضت أن آكل شيئا، وبقيت في ~~حالتي الذاهلة حتى جاءني السجان مرة أخرى يدعوني إلى طابور النزهة مع سائر أرقام عالمي، ~~فقمت خارجا لأن ساعة أقضيها في الهواء الطلق خير من الجلوس في الغرفة المغلقة. # ونزلت إلى فناء السجن وهو لا يزيد على قطعة صغيرة من الأرض تحيط بها الجدران العالية من ~~كل جانب، وسرنا في طابور النزهة رقما وراء رقم، وجعلنا ندور حول الفناء مرة بعد أخرى، ~~ولاحظت أن المساجين مثل سائر الناس لا يستطيعون التخلي عن الكبرياء مع أنهم يعرفون أنهم ~~لا يزيدون على أرقام مجردة، فقد وجدت أن كثيرا منهم يتأنق في ملابسه ليظهر في ~~الطابور كما ينبغي لمثله؛ وذلك بالطبع إذا كانوا ممن يسمح لهم بلبس الملابس الخاصة ~~مثلي، وقبل أن ينتهي طابور النزهة دعاني مأمور السجن لمقابلته، فذهبت إليه وكنت ما أزال ~~ذاهلا، وكانت دهشتي عظيمة عندما وجدته يستقبلني في بشاشة وعطف، ويجلسني على كرسي إلى ~~جانب مكتبه، ثم أشار إلى حقيبة كبيرة في ركن الغرفة قائلا: «هذه حقيبتك.» وأعطاني سيجارة ~~فأخذتها شاكرا، وداخلني شيء كثير من الأنس والارتياح وسألته: من جاء بهذه الحقيبة؟ # فقال: لا أدري. رجل جاء وأراد أن يراك ولكن لا مؤاخذة فالأوامر ms202 مشددة ؟ # ثم أخذ يحدثني عن نزلاء سجنه حديثا فكها يقطعه بالفكاهات المرحة، فأذهب عني ما كان ~~بصدري من الضيق. # كان كل رقم من هؤلاء النزلاء يمتاز عنده بشيء يجعله جديرا بالتحدث، فالرقم 110 تاجر في ~~خان الخليلي وهو متهم بتجارة المخدرات، وبلغت أرباحه في العام الماضي وحده مائة ألف جنيه، ~~ولم يضبط لسوء حظه إلا في آخر مرة عندما اختلف مع رجل من أهل الصعيد على شراء صفقة ~~كبيرة، كان الرجل يريد أن يشتريها بخصم 10٪ من ثمن القطاعي، ولكن التاجر أبى فأبلغ ~~المشتري رجال البوليس عنه، وانقلب إلى مساعد لرجال الأمن حتى تمكنوا من ضبطه، وكان ~~نازلا بالسجن تحت التحفظ حتى يتم التحقيق، ولكنه يكلف المأمور مشقة عظيمة في مراقبته ~~حتى لا يعقد صفقات جديدة داخل جدران السجن، وقد لاحظت في طابور النزهة أن ذلك الرقم رجل ~~ضخم يسير شامخ الأنف ويلبس جلبابا من الحرير الأبيض، ويمسك في يده منشة بيضاء ~~أنيقة. # وأما الرقم 213 فإنه من صنف آخر، وقد لاحظت أنه يلبس بيجامة فاخرة من الحرير الملون، ~~ويدلي من جيبها الأعلى على يسار صدره منديلا أحمر، وقال عنه مأمور السجن: إن الطعام ~~الفاخر يأتي إليه كل يوم من المرأة التي يعيش في ظلها، وهي كل يوم تحمل إليه الطعام بنفسها ~~وتبكي؛ لأنها لا تتمكن من رؤيته، وتهمته أنه طعن منافسا بالسكين من أجل المرأة. # وأما الرقم 190 فإنه رجل شاذ لا يكاد يقضي مدة السجن في جريمة خلقية حتى يعود إلى ~~ارتكاب جريمة أخرى. # وكان المأمور خبيرا بكل أحوال رعيته يتحدث عن كل رقم منها كما يتحدث صاحب المزرعة ~~الهاوي عن السلالات الممتازة من الحيوانات التي في حظائره. # ولما فرغ من حديثه أخبرني بأنه قد اختار لي غرفة ممتازة في الدور الأعلى فيها مصباح ~~كهربائي وفراش نظيف، وعلى مقربة منها دورة مياه، وقال: إنني أستطيع أن آمر بشراء ما أريد ~~من طعام، وأمر بحمل الحقيبة وصعد معي حتى أوصلني إلى غرفتي وهمس قبل أن ينصرف: يمكنك أن ~~تقرأ الصحف ms203 عندي في الصباح. # فشكرته من أعماق قلبي وصافحته في حرارة، ولما دخلت غرفتي فتحت الحقيبة، وأخذت أخرج ما ~~فيها وأرتبه في مواضعه، فالركن الذي يلي سريري للكتب، وما كان أكرم هذا الصديق الذي أرسل ~~إلي، وهو بغير شك الأستاذ علي مختار، ومن ذا يمكن أن يفكر في غيره؟ ولم أضع شيئا في ~~الركن الذي أمامي؛ إذ كان لا يصلح لشيء لقرب الباب منه، وأما الركن الثالث فقد كان يصلح لأن ~~أعلق فيه شماعتين إحداهما على المسمار الأسفل والأخرى على المسمار الأعلى، ويمكنني أن أضع ~~عليهما ما في الحقيبة من الأقمصة، وأما أدوات الحلاقة والملابس التحتانية والمناديل وما إلى ~~ذلك، فلا يضرها أن تبقى في الحقيبة لآخذ منها ما أحتاج إليه في حينه، والمحل الصالح ~~للحقيبة هو الركن المنعزل تحت قدمي السرير، وبالغ مأمور السجن في إكرامي فبعث إلي ببعض ~~الأطعمة الخفيفة للعشاء مع فنجان لذيذ من الشاي، فعزمت على أن أكرر له شكري إذا نزلت في ~~الغد إلى طابور النزهة، وهكذا وطنت نفسي سريعا على الإقامة في سجن الاستئناف، وبذلت ~~كل جهدي في صرف فكرة إتمام التحقيق والقلق من الانتظار، وسلمت أمري إلى الله ~~تعالى. # | الفصل الخامس والعشرون # مضت أربعة أيام بغير أن أسمع شيئا عن التحقيق الذي وضعت تحت التحفظ من أجله، وكان مما ~~زادني ضيقا أني كنت أسمع في كل يوم بالإفراج عن بعض الأرقام الأخرى، ومن بينها التاجر في ~~المخدرات والشاب الذي يعيش في ظل المرأة والمجرم العائد صاحب الجرائم الخلقية، كل هؤلاء ~~يفرج عنهم بكفالة مالية، وأما أنا فأبقى في السجن حتى يتم التحقيق، ومتى؟ # وذهبت في اليوم الرابع لأحضر جلسة المعارضة، وتطلعت إلى الساعة التي أقف فيها أمام ~~القاضي، ولم أجد في المحكمة من ينتظرني غير فراش مكتبي الذي اندفع نحوي مسلما ضاغطا على ~~يدي وقال: تشجع يا أستاذ! # وقدم إلي سيجارة. # ولم يطل بي الانتظار؛ فإن القاضي أخذ يستمع إلى أقوالي في هدوء واعتدال، حتى تيقنت أن ~~الحكم سيكون بالإفراج. # وكانت دهشتي عظيمة عندما ms204 أعلن القاضي أن الحكم بعد أسبوع. # ولما خرجت من الغرفة لم أكد أصدق عيني عندما رأيت أمامي وجه أمي الباكية، ولمحت إلى ~~يمينها ويسارها عبد الحميد عباد ومنيرة وحمادة الأصفر، وسبح رأسي في الفضاء حتى كدت أسقط، ~~لولا أن تماسكت وسلمت نفسي للأم المسكينة التي لم أفهم مما قالت شيئا، وجاءت منيرة وعبد ~~الحميد يحاولان أن يهدئاها، ووجدت أن الموقف أشد من طاقتي، فحاولت أن أقول بعض كلمات أخفف ~~بها لوعتها، ولكني لم أجد شيئا أقوله. # وكان الشرطي المكلف بحراستي أكثر إنسانية من أن يجذبني من ذراعي، فاكتفى بأن قال: «لا ~~داعي لكل هذا، والعاقبة خير إن شاء الله.» فعاد إلي شيء من قوة الإرادة، ونزعت نفسي ~~من يدي أمي في شيء من العنف وتكلفت قلة الاهتمام، وشددت ابتسامة على وجهي قائلا: ~~لماذا تزعجون أنفسكم بالحضور إلى هنا؟ هذه شروط المهنة يا عبد الحميد، وأنت يا منيرة ألا ~~تريدين أن تكوني صحفية؟ هناك صحفيات كثيرات أقل منك براعة في تمثيل أدوار البكاء، تعالي يا ~~آنستي معي لتري أني أفطر عسل نحل وأتغدى كبابا. # وأنت يا حمادة! # فتقدم حمادة إلي ومد يده مسلما، وكان وجهه يدل على التأثر، فقلت له: أظنك أنت ~~المسئول عن هذا؟ من أخبر هؤلاء غيرك؟ # فقال: يعني يا أستاذ سيد أذهب لأسأل عنك وأعلم أنك في السجن ولا أبعث إليهم؟ يعني كنا ~~كلنا نأكل ونشرب وننام في بيوتنا وأنت تأكل مع المساجين؟ كان لا بد أن أقول لهم ولا بد أن ~~نهتم بك يا أستاذ، والمسألة بسيطة؛ تلغراف: «منتظركم اليوم بالمحطة لأمر هام يخص الأستاذ ~~سيد.» والست الكبيرة دعت لي وهي مرتاحة مع منيرة هانم في بيت الحاج مصطفى، وأنا وفطومة ~~وكلنا في الخدمة، ووالله ما يحمل لك الأكل غيري، يا سلام يا أستاذ! بعض خيرك والله! وكل ~~يوم أطلب مقابلتك والمأمور يرفض، إن شاء الله ربنا يفرجها. # ووضع الشرطي يده على كتفي منبها، فنزعت نفسي لأسير معه وأخذت يد حمادة فضغطت عليها، وأبت ~~أمي إلا أن ms205 تضمني إلى صدرها قبل أن أذهب، وكانت عينا منيرة غارقتين في الدمع وهي تسلم ~~علي صامتة، وأما عبد الحميد فهمس إلي قائلا: أنا مقيم هنا فلا تفكر في شيء، وعندي ~~كلام كثير أقوله لك قريبا. # وانصرفت مع الشرطي نحو العربة المنتظرة، وقاومت الدافع القوي الذي كان يدفعني للنظر ~~إلى الوراء، ولما أغلق الشرطي الباب من ورائنا قذفت برأسي على كفي معتمدا بذراعي على ~~ركبتي، وتمنيت لو أسعفني البكاء حتى أخفف من شدة الضغط الذي كاد يمزق كياني. # وقضيت الليلة الأولى بعد عودتي إلى السجن في أشد من الجحيم، فلم أذق طعم النوم فضلا عما ~~كنت أعانيه من الآلام والهواجس، كما أني لم أذق طعاما في الغداء أو العشاء، بل وزعت ما ~~جاءني على بعض المساجين الآخرين، ورجوت المأمور أن يرفض قبول أي طعام من الخارج من ~~أجلي. # ولم تنقطع آلامي وهواجسي في اليوم التالي، وزادني غيظا أن الطعام استمر يأتي إلي ~~برغم إلحاحي في رفضه، فكنت أوزعه على زملائي من الأرقام الأخرى، وأعدت الكرة مرة ثالثة ~~على المأمور قائلا له: «إنني أحتج احتجاجا شديدا لإرغامي على قبول طعام لا أريد ~~قبوله.» # والظاهر أن حمادة كان يحتال على إيصال الطعام إلي بإهداء بعض الهدايا إلى حراس ~~السجن، فإن المأمور اضطر إلى إحضار رئيس الحراس أمامي وهدده بالعقاب إذا هو تساهل في ~~إدخال أي طعام يأتي باسمي، وبعد ثلاثة أيام من هذا الاحتراق المستمر شعرت في الليل ~~بقشعريرة شديدة والتهاب في الزور، وقمت في صباح اليوم الرابع لا أكاد أقدر على بلع ريقي، ~~وترددت في أن أعرض أمري على المأمور فتحملت آلامي ولم أذق شيئا من طعام السجن الذي ~~جاء إلي، ولو كنت في تمام صحتي لما وجدت له شهوة؛ إذ كان لونه ومنظره يكفيان لصد النفس ~~عنه، ولما أقبل الليل خيمت على قلبي كآبة شديدة زادتني ألما على ألم وزادت حرارة جسمي ~~حتى كنت أحسها في أنفاسي المكروبة ورأسي المصدع وأعضائي النابضة بالوجع، وخشيت أن ~~يكون قد أصابني مرض خطير يقضي ms206 علي قبل الصباح، فتحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الباب، ~~فدققته لأدعو السجان، وبعد حين فتح الباب وسألني الرجل في لهجة اللائم عما أريد، فلما علم ~~أن الأمر لا يزيد على أني مريض أجابني قائلا: وماذا أصنع لك؟ # ثم أغلق الباب وانصرف عني بغير أن يزيد كلمة، ولم أجد فائدة في إعادة الكرة عليه ~~فتهالكت على سريري، وألهاني الوجع عن التفكير في فظاظة ذلك السجان، وأغلقت عيني لأغريها ~~بالنوم، ولكن سلسلة من أخيلة محمومة لا معنى لها أغرقت وعيي، وجعلت تتطارد وتتواثب في ~~شبه حلم مضطرب، وعادت إلي القشعريرة أشد مما كانت في الليلة الماضية فقمت أبحث عن شيء ~~أتغطى به فلم أجد شيئا، وجعلت أنتفض وأرتعد ساعة طويلة حتى زال البرد وهجمت علي ~~حرارة شديدة كادت تزهق روحي. # وطلع الصباح آخر الأمر وطلبت من السجان أن يبلغ المأمور أني مريض، فما هي إلا ساعة ~~قصيرة حتى جاء الطبيب ليفحصني، ولو كنت قطة مدللة لكانت عناية الطبيب بي أكثر من عناية ~~ذلك الرجل الذي جاء إلي فنظر إلى وجهي ثم قال: ماذا تشكو؟ # فأشرت إلى زوري قائلا: زوري أولا، وقد بدأت أسعل في آخر الليل سعالا شديدا، وجسمي ~~هامد، ورأسي مصدع، ولم أذق النوم، وانتابتني في الليل قشعريرة شديدة. # وأظن حرارتي ... # ولكنه لم يصبر حتى أتم قولي. # فقاطعني ساخرا: يظهر أنك تعرف كل شيء، فلم يبق إلا أن تشخص المرض. # فقلت مغتاظا: وماذا أعمل وأنت تسألني؟ # فقال في جفاء: هذا شيء عادي يحدث كل يوم. # وهم أن ينصرف. # فقلت في حنق: أليس لهذه اللوز الملتهبة دواء؟ أظن واجبك لا يقتصر على كتابة شهادة ~~وفاتي. # فقال غاضبا: لم أنتظر تشريفك حتى تعلمني واجبي. # وأدار ظهره وانصرف، وسمعت وقع الأقدام تتباعد وأنا في شبه غيبوبة. # ولم أعرف ماذا حدث بعد ذلك حتى صحوت لأجد نفسي في غرفة أخرى وإلى جنبي سيدة في ملابس ~~الممرضات، ولما هممت بالقيام قالت في لهجة أجنبية: أرجوك أن تهدأ الآن. # | الفصل السادس والعشرون # مرت ساعة طويلة قبل ms207 أن أعرف أني في مستشفى الحميات، وأني نقلت إليه في الساعة السابعة ~~من الصباح، وعاد إلي شيء من القوة في ساعة الظهر فاستطعت أن آكل الطعام اليسير الذي قدم ~~إلي، ولم يأت الليل حتى كنت أقدر على الحديث، وجاءت السيدة التي رأيتها من قبل وهي كبيرة ~~الممرضات فقاست حرارتي وكانت تزيد درجة واحدة عن الحرارة الطبيعية، وأخذت تحدثني وكانت ~~نفسي مستوحشة فوجدت في ثرثرتها أنسا كبيرا، ثم أخذت تربط ذراعي من فوق المرفق ومن ~~تحته لتأخذ عينة من الدم، فلما أتممت عملها أهدت إلي قصة لأتسلى بقراءتها، وهي امرأة ~~في نحو الخمسين من عمرها وما يزال فيها أثر من نضرة الشباب والجمال، وزادتها طبيعتها ~~العاطفة حسنا ورقة. # وبعد أن قضيت بضعة أيام في المستشفى بدأت العلاقة تتوثق بيني وبين من هناك من ~~الممرضين والموظفين، بل توثقت الصلة بيني وبين حراسي وهم من جنود الرديف، وكان أقربهم ~~إلى مودتي الفتى «مجاهد» الذي كان ينتظر انتهاء مدته في الجندية، ليعود إلى قريته ويتزوج ~~من ابنة عمه «هنا»، فكان كلما جاءت نوبته وقف عند باب حجرتي في حديقة المستشفى واضعا ~~بندقيته بين قدميه، وأخذ يحدثني عن نفسه وأهله وعروسه «هنا». # وكان لهذه المودة التي نشأت بيني وبين من في المستشفى أثر كبير في تخفيف وطأة السجن ~~علي وفي تسهيل زيارات أهلي وأصحابي. # وكانت أول زيارة مفاجأة سارة بعد عشرة أيام من انتقالي إلى المستشفى، وذلك في الساعة ~~التاسعة من المساء في ليلة مظلمة كان الحارس «مجاهد»، أو اللواء «مجاهد» كما كنت أسميه، ~~يحدثني كعادته بلهجته الصعيدية الظريفة عن بعض مغامراته في حرب فلسطين، وعرى ذراعه فكشف لي ~~عن جرح كبير فيها وأخذ يحكي لي قصة ويمزج وصفه الساذج بفكاهات ساخرة عن القنابل ~~«الرفاسة» التي كانت دائما تضرب إلى الوراء كأنها بغال خبيثة، ورأيته يلتفت فجأة ويرفع ~~بندقيته ويصيح في عنف: «من هناك؟» وخيل إلي أنه على وشك أن يضرب، فأجابه أحد القادمين ~~قائلا: «عوض الله»، فعاد إلى وقفته الأولى، وتقدم عوض الله أفندي ms208 رئيس التومرجية ومن ~~ورائه شخص يتعثر في معطف أبيض من ثياب الممرضين، ولم أعرف من هو حتى خرج من ظل الجدار ~~وبدأت أشعة مصباح الغرفة تقع على وجهه فصحت قائلا: «حمادة! ماذا جاء بك إلى هنا؟» # وتنحى اللواء مجاهد حتى وقف على مسافة بضعة أمتار منا، ولأول مرة في حياتي أخذت حمادة ~~بين ذراعي، وكان يحمل في يده ربطة وضعها على المنضدة قبل أن يعانقني وقلت له: «كيف عرفت ~~أني هنا؟» # فقال ضاحكا: أمال يا عم، تهرب من السجن بغير أن تترك لنا العنوان الجديد؟ # وقام فحل الربطة وأخرج منها صندوق السجاير وعلب الحلوى، وأخذ يقدم منها إلي وإلى عوض ~~الله أفندي واللواء مجاهد، ثم أخذ يحدثني عن أمي وأختي وعبد الحميد والشيخ مصطفى وفطومة، ~~كانت فطومة تريد أن تحضر معه ولكنها تكاسلت في آخر لحظة. # فقلت باسما: إذن لم تسافر إلى دمنهور. # فقال: ما لي أنا يا سيدي، هنا وطني. # فقلت: وانتهيت؟ أقصد عقدت العقد؟ # فقال: اشترينا الملبس والشربات، وذهبت إلى المنزل على حسب وعد الحاج مصطفى، ولكن الست ~~فطومة حلفت ما يمكن العقد حتى يخرج سي سيد من السجن، قلت: الحق معها، يا سلام يا ~~أستاذ! # وكان عوض الله أفندي قد عاد إلينا بعد أن غاب في جولة بالمستشفى وطلب من حمادة أن ~~ينصرف. # وقام حمادة بغير أن يتم حديثه، وكان وداعه حارا، وسار يتعثر في ذيل معطفه الذي ~~استعاره من عوض الله ليستخفي به، وغاب وراء ركن البناء بعد قليل، وبقيت وحدي جالسا على ~~الكرسي الطويل سابحا في تأمل هذا الرجل العجيب حمادة الأصفر، لم أستطع أن أعرف حقيقته منذ ~~كنا أطفالا، ولا عندما كان يتمرغ في الأوحال، ولم أستطع أن أعرف حقيقته بعد وهو يتخطى ~~الأسوار ويعرض نفسه للمتاعب من أجل زيارتي. # وقطعت الأخت مرسيديا كبيرة الممرضات سلسلة أفكاري عندما جاءت لتأخذ عينة الدم من ذراعي، ~~وتعطيني الحقن كما كانت تفعل كل ليلة. # وقلت لها ضاحكا: أهي مؤامرة لنزف دمي؟ # وكانت لها طريقة ظريفة في معاملتي ms209 تشبه طريقة الأم إذا أرادت أن تتغلب على مقاومة طفلها ~~العنيد في رفق، فاستسلمت لها حتى فرغت والتفتت إلي قائلة: هذه مكافأة صغيرة على طاعتك. ~~أظنها قصة تعجبك وهي من أحدث ما ظهر. # فقلت وأنا أنظر إلى غلاف الكتاب: أتعجبني من أجل هذه الصورة؟ # وكانت صورة امرأة غجرية حسناء تكاد تكون صورة فطومة. # فقالت مرسيديا: هذه «ردمويا»، هي امرأة متوحشة لم تفسد المدنية طبيعتها الأصيلة؛ ~~ولهذا تنطق بما يقول قلبها. # فأخذت أقلب الصفحات وأنظر إلى الصور الأنيقة التي فيها، وهي تمثل الغجر الذين يقيمون في ~~خيامهم في قلب المدينة كما كان يعيش الإنسان الأول. # وكانت قصة مسلية مؤثرة في وقت واحد، فتاة غجرية حسناء يتهافت على خطبتها شباب القبيلة، ~~وكان أحرصهم على الفوز بها «نمرادا» ابن شيخ القبيلة، وهو فتى ممشوق القامة، جميل الصورة، ~~ولكن «ردمويا» رفضت حبه وقالت له تتحداه: «دمائي لا تألفك.» # ولم أستطع أن أقاوم ميلي للقراءة برغم تحذير الأخت مرسيديا، ألا أطيل السهر، وأخذت أقرأ ~~في تمهل بغير أن أجد في مدخل القصة شيئا يسترعي اهتماما خاصا، ثم بدأت صور الأشخاص ~~تتمثل في ذهني كأنها تخرج من وراء ضبابة، وبدأت آنس إليها وأعرفها، ولم أشعر بمضي الوقت ~~حتى شعرت بيد تخطف القصة مني، وسمعت صوت مرسيديا تقول في غضب: الحق علي أنا! ألم أقل ~~لك ألا تقرأ هذه الليلة؟ أهكذا تسهر إلى الساعة الواحدة من الصباح؟ # ولم تتركني حتى رقدت في فراشي وسوت علي الغطاء وأطفأت النور وأغلقت باب الغرفة وأخذت ~~الكتاب في يدها، ولم أستطع أن أنام فبقيت أستعرض مناظر القصة التي كانت تمر أمام عيني مثل ~~فيلم ناطق. # أم ردمويا تقول لها: عجبا لك إذ ترفضين نمرادا! هل تخفين عني سرك يا ردمويا؟ ~~أتحبين فتى آخر؟ حاذري أن يكون قلبك متعلقا بمن لا يهتم بك. # فقالت ردمويا ضاحكة: ألست أختار لنفسي يا أمي؟ # فقالت الأم غاضبة: أيام الشباب قصيرة يا ردمويا؟ والزهرة تذبل سريعا. # فقالت ردمويا: لست حمقاء أو غبية يا أمي، ولا أريد ms210 أن أضيع حياتي، كيف أهب قلبي كما يوهب ~~العبد؟ # فقالت الأم في حنان: لا تنخدعي بالأوهام يا ردمويا، عندما يقول قلبك: «لا» قد يكون قصده ~~«نعم»، هكذا نحن يا حبيبتي إذا تسرعنا. # فقالت ردمويا: لم أتسرع في شيء يا أمي، قضيت شهرا أغني وأرقص لعل قلبي يرضى، ~~وقضيت شهرا آخر أحرق البخور كل ليلة لنجم الشعرى لعله يهديني، ولكن قلبي كان دائما ~~يقول: «ليس نمرادا رجلي.» # فصاحت الأم غاضبة: لا تقول هذا فتاة أخرى في القبيلة، كلهن يبتسمن له ويرمينه بالحصى ~~من أجلك. # فقالت ردمويا في تأثر: ليس هو رجلي، هو أنيق مثل عود السرو، وصوته ناعم كصوت اليمام، ~~وهو ابن شيخ القبيلة الذي يملك الذهب، ولكنه لا يحسن إلا تسلق الشجر الأملس، لا يقدر ~~نمرادا أن يذلل الجواد الحرون ولا يشق الأمواج الثائرة، ليس نمرادا رجلي. # فصاحت الأم في يأس: رجلك إذن خيال في السحاب أو شبح في ضوء القمر. # وتركتها ذاهبة إلى الخيمة في حنق: ووقفت «ردمويا» وحدها تحت السماء تنظر إلى نجم الشعرى ~~وتحدث نفسها قائلة: ليس هو نمرادا. # هكذا كانت ردمويا تتحدث؛ لأنها تعرف قيمة حياتها، ولا تريد أن تضيعها، قضت شهرا تحرق ~~البخور لنجم الشعرى ليهديها حتى لا تخطو خطوة حمقاء لأنها ليست مثلنا تتخبط مع الأهواء ~~الزائفة في أخطر موقف في حياتها، فأين هي من منى التي تقول لي: «لم أفكر في أمر هذه ~~الخطبة؟» # ومتى تفكر إذن؟ أم هي تريد أن تهب قلبها كما يوهب العبد؟ # وتمنيت لو استطعت أن أكتب في يوم من الأيام قصة مثل «ردمويا» لأعلم الناس مسئولية ~~المرأة في اختيارها؟ ولكن ماذا صنعت «ردمويا»؟ أين هي القصة؟ أوه! كان في وسع الأخت مرسيديا ~~أن تتركها هنا بدلا من جعلي أنتظر حتى تأتي إلي في الساعة الثامنة من الصباح. # هكذا بقيت أحدث نفسي وأنا مغمض العينين، ولا أدري متى دخل النوم إليهما. # | الفصل السابع والعشرون # أصبح عالمي بعد قليل محصورا في ذلك المستشفى وأهله؛ الأخت مرسيديا واللواء مجاهد ~~والدكتور عوض ms211 الله أفندي، وكانت زيارات أهلي وأصدقائي تقطع رتابة تلك الحياة الهادئة التي ~~بلغت مبلغ الركود، وتدخل إلى وحشتي شعاعا من الأنس، فكنت أنتظرها في تلهف وأتخذ من كل ~~منها ذخيرة أتصبر بها حتى تحين الزيارة التالية، ومن عجيب الطبع البشري أننا نقبل ما ~~تحتمه علينا الظروف، ونلائم بين أنفسنا وبين الأحوال التي نتقلب فيها، ولو لم تكن فينا ~~هذه المقدرة على الانطباع بالظروف المتغيرة لما استطاع كثير منا أن يطيقوا حياتهم إذا ~~تغيرت أحوالهم من اليسر إلى العسر أو من الغنى إلى الفقر أو من الجاه إلى الخمول، ولولا ~~هذا الطبع لما استطاع إنسان أن يعيش يوما واحدا إذا فقد الحرية وهي الهبة الأولى التي ~~تميز الحياة الإنسانية، وتجعل لها معنى، الطير والوحش إذا حبست وحيل بينها وبين حرية ~~الفلوات والفضاء لا تطيق صبرا على الأسر، وقد تنتحر أو ترفض الطعام والشراب حتى تموت، ~~ولكن الناس يتمسكون بالحياة وإن كانت في سجن مظلم تحت أطباق الأرض، وقد عجبت كثيرا ~~وأنا في سجن الاستئناف من فتى كان محكوما عليه بالإعدام ولم يبق من عمره إلا أن تنظر ~~محكمة النقض في أمره، ولكنه كان يأكل ويشرب ويضحك ويهرج، ولا يكاد من يراه يحسبه ~~مهموما بشيء، ولو أنه خير بين الموت وبين البقاء في سجنه طوال حياته لما تردد في ~~اختيار السجن مع كل ما فيه من ضيق وعذاب وألم لا يقاس به ألم الإعدام في لحظة ~~قصيرة. # ومهما يكن من الأمر فقد استقر بي المقام في حجرتي المنعزلة في المستشفى أترقب زيارات ~~أهلي وأصدقائي كما يترقب الطفل صباح العيد، وقد صار الناس جميعا في نظري أعزاء والذين ~~كانوا أعزاء من قبل أصبحت حولهم هالة من الحنين تشبه القدسية، وأما أهل عالمي المحدود ~~فقد أصبحت لكل منهم عندي شخصية خاصة به، ومكانة لا يملؤها سواه. # وقد جاءني الشيخ مصطفى حسنين ذات يوم، فلم أتمالك عيني من الدمع عندما عانقني وهو يبكي، ~~هكذا نحن معاشر البشر نقيس الأشخاص والأشياء والأمور بمقاييس متقلبة تختلف مع ms212 أهوائنا ~~ومع مشاعر الساعة التي نكون فيها. # وكان حمادة من أكثر أصحابي ترددا على زيارتي ومن أشدهم عناية بأمري، فلا يكاد يخلو يوم ~~من زيارة يؤنسني بها وحده أو مع غيره، وكان قلبي يتوجع كلما تذكرت أن منى لم تسأل عني، ~~أما سألت يوما عن أختي منيرة؟ أما عرفت أنها سافرت مع أمي إلى القاهرة لتكونا قريبتين ~~مني؟ وهل يمكن أن يخفى خبر سجني عنها مع أن الأخبار تنتقل في دمنهور مثل تردد الصدى في ~~الوادي الضيق؟ # ولكن كنت أعود دائما إلى نفسي فأراجعها معتذرا عنها، فما أدراني أنها عرفت ما أنا فيه؟ ~~وأما الأستاذ علي مختار فإنه لم يأت لزيارتي مرة، ولم يحضر في يوم جلسة من جلسات ~~المعارضة، بل إنه لم يبعث إلي بكلمة مع أحد أتباعه، كان ساعي مكتبي هو الرجل الوحيد الذي ~~جاء ليواسيني ويقول لي: «تشجع.» وهممت مرارا أن أسأل صديقي عبد الحميد عنه، ولكني ~~تكبرت أن أسأل عن رجل يتخلى عني هكذا مع أنه شريكي في كل كلمة أنشرها. # وجاءني عبد الحميد عياد يوما وكان معه أحد أصدقائي من المحامين الشبان، وذلك في الليلة ~~التي تسبق جلسة المعارضة الثالثة، وبدا لي صاحبي على غير ما كان منذ رأيته آخر مرة، عاد ~~كما عرفته من قبل مستقيم العود حاد الملامح هادئ الحركات رصين النبرات، وكان في مظهره شيء ~~كثير من العناية التي تقرب من التأنق، ودار أكثر حديثنا حول جلسة المعارضة، ولكن المحامي ~~الشاب لم يكن يعرف شيئا عن القضية، وخيل إلي أنه لا يعبأ كثيرا بأن يعرف عنها شيئا، ~~فشعرت من حديثه بكثير من الضيق حتى لقد تمنيت لو حدث شيء يحول بينه وبين حضور الجلسة، ~~ولما انصرف بعد زورة قصيرة مع صاحبي عبد الحميد، هجم علي سيل من الهواجس حتى صارت الساعة ~~الثانية بعد نصف الليل، واضطربت الأفكار السوداء حولي من كل جانب، وأخذت أسأل نفسي عما يكون ~~إذا حكم القاضي باستمرار حبسي مرة بعد مرة، فهل تبقى أمي وأختي بالقاهرة تقيمان في ms213 غرفتي ~~المحطمة؟ وهل عندهما ما يكفي لنفقتهما التي ضاعفتها عليهما بحبسي؟ أم أتركهما هكذا لصاحبي ~~عبد الحميد ينفق عليهما وأنا كالمفقود في سجني؟ وقد جعلتني هذه الهواجس أشعر بأنني قد ~~اقترفت جريمة شنيعة؛ لأني لم أفكر في أن ما يصيبني لا يقف عند شخصي، فلو كنت وحدي في ~~الحياة لكان مقامي بالسجن لا يزيد على مغامرة تخصني ولا تمس غيري، ولكني جنيت على أمي ~~وأختي وأرغمتهما على أن تغامرا معي بغير أن يكون لهما شعور الرضا الذي يصاحب المغامرة، وقد ~~ألح هذا التفكير علي حتى صرت أقول لنفسي: «من أجل أي شيء أقدم على هذا التضحية؟ من أجل ~~حرية بلادي؟ وكل هؤلاء الذين يستقرون في بيوتهم ألا يحسون شيئا من أجل حرية بلادهم؟ ~~ألا يزعم الأستاذ علي مختار مثلا أنه مجاهد في سبيل الحرية؟ وأين هو الآن؟ أليس يقيم ~~سعيدا في بيته؟ وماذا يكتب يا ترى في بريد الأحرار؟ لا شك أنه محا عنوان «أنا الشعب»، وجعل ~~في مكانه عنوان قصة عاطفية تغري بالقراءة مثل «غرام غانية» أو «الحب المحرم». # وعندما بلغ بي التفكير إلى هذا المدى تنبهت إلى أن الجزع قد استولى علي وجعلني أنكر ~~كل عقائدي وأبدل كل آرائي، فهل كنت هازلا عندما آمنت بالثورة وبالجهاد من أجلها؟ أهكذا ~~أنكل عند أول صدمة وأسمح لضعفي أن يغلبني حتى أكفر بأعز ما آمنت به وأمحو بيدي تلك الصورة ~~التي نصبتها أمام عيني لتكون أمنية كبرى تجعل لحياتي معنى؟ وأخذت أستعيد لنفسي ذكرى وقفتي ~~عند قبر أبي؛ إذ خيل إلي أني أسمع صوته يقول لي: «إن الحياة تناديك يا ولدي.» وتذكرت ~~أني عاهدته على أن أؤدي واجب حياتي، وماذا تكون قيمة هذا الواجب إذا كان أداؤه لا يحملني ~~الآلام ولا يكلفني المتاعب؟ # وثقل جفناي آخر الأمر بالنوم، ولكنه كان نوما متقطعا مضطربا، وقمت في الصباح الباكر ~~لأستعد للذهاب إلى المحكمة وجاءت الأخت مرسيديا بنفسها لتحمل إلي إفطاري وتودعني ~~معتذرة بأنها ستكون مشغولة عني، ولعلها لا تراني قبل خروجي، وقالت لي ms214 وهي تهز يدي: «أرجوك ~~أن تسأل عنا بالزيارة بعد أن يفرج عنك، فسيفرج عنك اليوم بغير شك!» وقلت لها باسما: ~~إلى اللقاء يا ملاكي. # فضحكت ضحكة عالية وقالت: لقد تعلمت الملاطفة هنا. # وانشرح صدري لكلمتها واستبشرت بالفرج القريب، وكان وداع عوض الله أفندي لا يقل عن ~~وداعها بشرا وظرفا، وكان أسفي عظيما؛ لأني لم أودع اللواء مجاهد؛ إذ كان ذلك اليوم ~~غائبا عن المستشفى. # ولما خرجت في العربة ذاهبا إلى المحكمة ظهرت المدينة أمام عيني باهرة، كأنها منظر أنيق ~~لم يقع عيني عليه من قبل، وكنت أحس في بدني قوة جديدة من أثر العلاج الذي كان أكبر الفضل ~~فيه للأخت مرسيديا، فاستقبلت نسيم الصباح في صدري رطبا عطرا يملؤني نشاطا واستبشارا، ~~وكنت ما أزال محتفظا في جيبي بالمائة جنيه التي ردها إلى حمادة الأصفر وبعشرين جنيها ~~أخرى كانت معي من قبل، فما كدت أرى صاحبي عبد الحميد واقفا عند باب المحكمة، حتى أخرجت ~~المحفظة ودفعتها إليه بعد التحية قائلا: خذ هذه النقود فأوصلها إلى أمي، وأرجوك أن ~~تحملها على العودة إلى دمنهور إذا حكم القاضي باستمرار حبسي. # فقال عبد الحميد باسما: فإذا رفضت؟ على كل حال أرجو أن يكون الحكم بالإفراج ~~عنك. # ولم أجد وقتا للمجادلة؛ لأن الحارس جذبني في رفق من ذراعي ليسير بي، وقلت مختصرا: أترك ~~كل شيء لتقديرك، وعلى فكرة أرجو أن تبعث إلي ببعض أعداد بريد الأحرار. # وكانت دهشتي عظيمة عندما رأيت عبد الحميد ينظر إلي مبهوتا وهو يسير إلى جانبي. # فقلت: ألم تسمعني؟ # فقال في صوت خافت: لم أرد إزعاجك بالحديث عن بريد الأحرار. # فصحت: ماذا حدث؟ # فقال: هي مغلقة من يوم القبض عليك. # فقلت في دفعة: والأستاذ علي مختار؟ # فقال: هو مثلك سجين غير أنه يستعد لعملية جراحية. # فرفعت يدي إلى رأسي بحركة قسرية وهجمت علي موجة شديدة من حزن مختلط بالأسف على ما ~~سبق من سوء ظني بالرجل. # واستمر عبد الحميد قائلا: وأحب أن أقول لك: إن مرتبك وصل إلى الوالدة في أول ms215 الشهر، ~~فلا تزعج نفسك بالتفكير في شأنها. # وكنا قد وصلنا عند ذلك إلى قاعة المحكمة، وكانت المقاعد مزدحمة بمن فيها، ولمحت أمي وهي ~~جالسة تمسح دموعها بمنديلها في الصف الثاني، وأما منيرة فكانت تنظر نحوي وهي جالسة إلى ~~جانب أمي وتحاول أن تبتسم ووجهها يتحرك حزينا، وتعمدت أن أظهر طبيعيا فتبسمت لهما وحركت ~~يدي نحوهما ثم أدرت بصري عنهما حتى لا تنفجر دموعي. # ثم أخذ القاضي في نظر قضيتي وهو هادئ، وكنت مشغولا عنه بما في داخل نفسي، ثم بدأت بعد ~~حين مرافعة المحامي، والظاهر أنه لم يجد وقتا في الليلة الماضية ليقرأ دوسيه التحقيق؛ إذ ~~كان دفاعه سقيما مترددا لا روح فيه، وختم مرافعته باعتذار سخيف يزعم فيه أني لم أقصد ~~شيئا من وراء ما كتبت، وأنني أضمر لرجال الحكومة كل تقدير وتبجيل، فكدت أصيح به أن يسكت ~~وشعرت بالدم يتدفق إلى وجهي ورأسي، وما كاد يفرغ من مرافعته حتى اندفعت أكذب ما قاله، ~~وأخذت أبين في وضوح أنني لم أكن هازلا عندما كتبت مقالاتي، وأنني أشعر شعورا عميقا ~~بواجبي في مجاهدة الفساد والانحلال بكل ما أملك من قوة، وهي قوة قلمي. ثم انطلقت أتحدث عما ~~سميته «التفاهات المسكينة» التي أغرق فيها رجال الحكم أنفسهم، وأوشكوا أن يغرقوا ~~فيها البلاد معهم، وختمت دفاعي بصيحة عالية ناديت فيها كل من يقدر الكرامة الوطنية والحرية ~~ومصلحة البلاد أن يعمل على إزالة الحكم الفاسد حتى لا يجد في نفوس الأمة دعامة يستند ~~عليها. # وكانت كلمتي الأخيرة مصحوبة بإشارة قوية من يدي وخبطت على القضبان الحديدية التي أمامي ~~قائلا: «إن الحكام لا يستمدون سلطانهم إلا من الأمة، ويفقدون كل حق في السلطان إذا ~~تخلت عنهم الأمة.» وكانت القاعة ساكنة في أثناء دفاعي كأنها خالية، ولما فرغت من قولي ~~تلفت حولي وكانت الوجوه ساهمة شاخصة نحوي، وكان عبد الحميد ينظر إلي حزينا واجما، ~~وأما أمي وأختي فإنهما كانتا تبكيان بكاء مرا. # ونطق القاضي قائلا: «الحكم بعد أسبوع.» هكذا دائما! وكان وجهه هادئا كأنه يقول: ms216 «عليكم ~~السلام.» وخرجت من قاعة الجلسة، ونزعت نفسي من حلقة أهلي وسرت مع حارسي حتى ركبنا العربة ~~وفي قلبي عاصفة، وسارت العربة بي وأنا مطرق لا أنظر حولي حتى وقفت آخر الأمر عندما سجن ~~الاستئناف. # | الفصل الثامن والعشرون # لم تكن رهبتي من السجن في هذه المرة مثل الرهبة التي وقعت في نفسي عندما جئت إلى سجن ~~الاستئناف أول مرة. # وبدأت تستولي علي حالة من التجرد والتأمل صرفتني عن كل شيء، ووطنت نفسي على أسوأ ما ~~أتوقع، واتجهت بقلبي إلى الله تعالى أن يثبت جناني حتى لا يتزلزل، واستكثرت من الكتب حتى ~~صارت لي مكتبة منوعة أستطيع أن أتنقل فيها كما أشاء، وكنت أقضي وقتي بين التأمل والقراءة ~~والصلاة، وما أشقى الذين تخلو قلوبهم من الإيمان إذا ألحت عليهم الكروب. # ولما جاءني خبر حكم القاضي بعد أسبوع برفض المعارضة واستمرار حبسي لم أبتئس منه، بل عزمت ~~على أن أصرف نفسي عن التفكير في المعارضة حتى لا أزعزع فكري بالانتظار والتلهف والتساؤل، ~~وجمعت كل إرادتي لأستفيد من وجودي بالسجن، فكنت أنتهز كل فرصة للتحدث مع زملائي، ووجدت ~~في ذلك ذخرا عظيما من التأمل. # كنت أشعر في أول الأمر كأن بيني وبينهم سدودا منيعة يتحصنون مني وراءها، أو كأن لهم ~~قواقع ينكمشون فيها كلما أحسوا محاولتي في الكشف عن ضمائرهم، ولكني استطعت بعد حين أن ~~أصل إلى قلوبهم وما فيها من صفحات مطوية في الظلمات، والذين لا يعرفون من الحياة إلا ~~الجانب الوديع الهادئ الآمن لا يعرفون من حقائق الحياة إلا قليلا، فالصفحات المطوية في ~~أطباق قلوب هؤلاء تروي قصص المآسي التي جفت دموعها، وتحجر قلبها، وكثيرا ما كنت أسأل ~~نفسي هل ولد هؤلاء هكذا؟ لا. لا! لقد ولدوا أطفالا أبرياء كما يولد الأطفال بغير شك، وكان ~~من أقرب نزلاء السجن إلى مودتي ذلك السجين رقم 92 الذي ذكرته من قبل، وهو الشاب المتهم ~~بالقتل وكان اسمه «نوفل»، وكان لا ينقطع عن الضحك والغناء والمزاح مع علمه بأنه لا ينتظر ~~في الحياة إلا ms217 ريثما تنظر محكمة النقض في أمره، وكان يتحدث عن حكم الإعدام كما لو كان ~~فكاهة، وقد جمعت بيني وبينه ساعات النزهة في فناء السجن، وكنت أحس نحوه عطفا عجيبا، ~~كما كنت أحس منه عطفا عجيبا، ولم أستطع أن أدرك السر الذي جعل منه رجلا سفاكا للدماء مع ~~كل محاولاتي التدسس إلى أغوار قلبه، وقد عرفت من أحاديثي معه أنه نشأ يتيما منذ قتل أبوه ~~في معركة من معارك القبائل بالصعيد، وأبى أهله أن يدلوا الحكومة على القاتل ليبقى حيا ~~حتى يكبر ابن القتيل فينتقم لأبيه. # وظلت أمه تلقنه عقيدة الانتقام منذ صغره، حتى أصبح الثأر عنده إيمانا مقدسا، فلما ~~صار شابا جعل كل همه أن يتربص بالرجل الذي قتل أباه حتى تمكن من قتله ذات ~~ليلة. # وجاءني نوفل ذات يوم في ساعة النزهة، وانفرد بي قائلا: أرجوك أن توصي أحد أصحابك بشراء ~~شمعتين لي. # فضحكت قائلا: أتخاف من الظلام؟ # فقال في جد: نذر للحسين يا عم سيد! # فظننت أنه سمع شيئا عن حكم النقض، وقلت له: مبروك! هل جد شيء؟ # فضحك قائلا: جاءني الخبر من البلد، جاءني ولد. # فشعرت بحزن شديد وقلت في نفسي: مسكين! # وأما هو فاستمر قائلا: حتى لا يشمت بي أولاد عوكل. # فقلت: ومن هو عوكل؟ # فقال في مباهاة: قاتل أبي. # فقلت: وماذا يهمك؟ # فهز رأسه قائلا: كانت امرأته تشمت بي؛ لأني لم أخلف ولدا. # فقلت: ألست تخشى مصير هذا الطفل المسكين؟ # فقال: من أولاد عوكل؟ # فقلت: طبعا، أليست معركة دائمة؟ كل طفل يأخذ بثأر أبيه. # فقال: ولكن الثأر انتهى عندي. لم يفعل أولاد عوكل وإخوته كما فعل إخوتي وأعمامي، ترك ~~أولاد عوكل أمرهم للحكومة وانتهى الأمر، وحسبوا أن نوفل انتهى وانقطع ولده. # ولكن الحسين جدي، وزارني في المنام يطالبني بنذره، اصنع الجميل يا عم سيد، واشتر لي ~~شمعتين، الحسين جدي والولد سميته حسين، بودي والله يا عم سيد، بودي لو أطير ساعة واحدة لنجع ~~الساقية وأعود، أوص لي على شمعتين بحق الحسين يا عم سيد. # واضطربت ms218 نبرات صوته وهو ينطق بكلماته الأخيرة. # ورفع يده إلى عينيه متأثرا ثم أسرع عني كأنه يهرب مني. # وأتى عبد الحميد بالشمعتين بعد ثلاثة أيام من ذلك اليوم ليهديهما إلى نوفل، وكانتا ~~بيضاوين طويلتين منقوشتين من ذلك النوع الذي يكثر استعماله في الاحتفال بأسبوع الميلاد، وقد ~~عقد لكل منهما رباطا من الحرير في أعلاها، ولكن نوفل المسكين لم يرهما؛ لأن موعد إعدامه ~~كان في اليوم التالي، فلم ينزل إلى طابور النزهة في ذلك المساء. # ولم أبك في حياتي مثل بكائي المر في الليلة التالية، فإن ذلك الشاب الذي كان لا ينقطع ~~عن الضحك والغناء والتهريج، مع علمه بأن حكم الإعدام معلق فوق رأسه كالسيف، قد تبدل فجأة ~~إلى حالة فاجعة من الجزع والثورة منذ علم بأنه رزق ولدا، وقضى الليلة كلها يرسل من ~~غرفته صيحات تشبه زئير الأسد الجريح، وكان في صوته نغمة جزع وحشي تهز أعماق قلبي، ~~وتبعث الدموع من عيني. هو واحد من ألوف وألوف ساقتني المصادفة إلى طريقه أو ساقته المصادفة ~~إلى طريقي، فلمحت منه لمحة من المآسي الإنسانية التي تنطوي عليها أطباق الحياة المظلمة، ~~ولم أشعر يوما كما شعرت في تلك الليلة بأنني لا أعرف من الحياة إلا طرفا ضئيلا، وبأنني ~~أكذب على نفسي وعلى غيري عندما أقول: «أنا الشعب.» لأنني أغضب وأنطق عندما أحس بالغضب، ~~ولكن ألوفا من الألوف لا تستطيع أن تنطق؛ لأنها خرساء، وهناك ألوف من ألوف أخرى من أمثال ~~الطفلين البائسين اللذين وقع بصري عليهما وأنا محجوز في قسم البوليس. هؤلاء ينشئون في ~~العراء، كأنهم أعشاب البر التي لم يبذر أحد بذورها. # هم لا يقدمون للحياة شيئا، بل يسلبونها أشياء، ومع ذلك فالراعي لا يعبأ بقطيعه إلا ~~عندما يشعر بالجوع فيذبح خرافه العجاف واحدا بعد واحد، إنه الراعي الأحمق الذي يستحق ~~مصيره إذا فنى قطيعه وهلك هو بعد ذلك جوعا ... ولكن ما بال القطيع؟ ما بال القطيع ينتظر ~~طويلا على الراعي الأحمق؟ # قضيت تلك الليلة أحدث نفسي حانقا حزينا حتى طلع الصباح الذي ms219 حدد لتنفيذ الحكم على نوفل ~~المسكين، ورفعت العلم الأسود فوق قلبي، وبقيت في غرفتي كأن ذلك المحكوم عليه بالإعدام أخي ~~من أبي وأمي، واستمرت الدموع تنحدر من عيني برغم كل محاولاتي في التماسك، مع أن المسكين ~~كان قد تخفف من كل أشجانه بالموت. # كانت أصداء الصرخات الوحشية التي أرسلها الفتى المسكين في الليل ما تزال ترن في سمعي ~~وتصدع قلبي، وتمنيت لو استطعت البكاء، ولكني كنت أختنق بغير دموع، وكانت الليلة ~~التالية من تلك الليالي الحارة الراكدة التي يتعثر فيها الخريف في شهر سبتمبر، وزادها شدة ~~لسع البعوض الصغيرة الذي كان ينتشر مثل سحابة في الغرفة، واستلقيت كأني ضال مجهد ~~في غابة كثيفة لا ينفذ البصر فيها، ويتصاعد من خلالها زئير الوحوش، واجتذب نور المصباح ~~بصري كما كان يجتذب أسراب البعوض الصغير، وكانت تنبعث منه إلى عيني خيوط ملونة من الضوء ~~تنساب متراقصة وتختلط فيها الحمرة بالزرقة والخضرة، وتتشكل في رسوم هندسية بديعة، وكلما ~~أغمضت عيني ثم فتحتها، خيل إلي أن صورا ملونة تتطاير حول الصباح وتسبح في بطء، ~~وتتواثب كالفراشات ثم تخبو ألوانها شيئا فشيئا حتى تزول، فاستغرقت في النظر إليها، ~~وتصورتها كائنات خفية من أرواح جاءت تسبح في جو الغرفة كالجنيات الصغيرة المرحة التي صورها ~~شكسبير في القصة التي كنت أقرؤها في الليلة السابقة، ولم لا؟ إن الأوهام تخفف عن البؤساء ~~كثيرا مما يعانونه من الأثقال ولو إلى حين، وما معنى الحقيقة التي نتحدث عنها؟ ألا تكون ~~الحقائق حقائق إلا إذا لمسناها باليد أو ذقناها بالفم؟ وما زلت مستغرقا في تأمل هذه الصور ~~حتى سري عني بعض الشيء، وبدأت أسأل نفسي: «إلى متى أبقى هنا سجينا؟» # ثم هبت نسمة خفيفة قبل الصباح، فلطفت من زمتة الحر، وأحسست بأجفاني تسترخي. # | الفصل التاسع والعشرون # كان الصباح التالي ألطف هواء، وكانت الساعات التي نمتها كافية لإعادة النشاط إلى جسمي، ~~فاستقبلت اليوم هادئا منشرحا، وما أعجب طبيعة الإنسان! إننا ننظر إلى العالم، ونحسب أننا ~~نراه خارجنا، وما هو إلا في داخلنا نحن، ms220 كانت الغرفة الضيقة هي هي والنافذة الصغيرة ذات ~~القضبان الحديدية والأرض الحجرية الغبراء والسقف الأسود المطأطئ، كل ذلك كان باقيا لم ~~يتغير، ولكن شتان بين صورة ذلك كله في عيني في الليلة الماضية وصورتها عندما طلع ~~الصباح. # ولما جاء حمادة لزيارتي في الساعة العاشرة، استقبلته مشتاقا مستأنسا؛ إذ لم أره منذ ~~أيام، ولكنه كان على غير عادته فاترا حزينا، وبادرني قائلا: أراك في خير يا سيد ~~أفندي. # فقلت في دهشة: خير إن شاء الله. # فأجاب منكسرا: مسافر! راجع لبلدي يا عم. كفاية مصر وما في مصر. # فقلت: ماذا حدث؟ # فأجاب: لا يا عم! ما لي أنا وما لها؟ أنا من هنا وهي من هناك؛ حد الله يا سيد أفندي، كانت ~~ليلة زفت. تصدق يا سيد أفندي أن فطومة تقول لي كل هذا؟ يا فلاح، يا دون، يا حمار، ولا ~~مؤاخذة يا أستاذ سيد. # فقلت محاولا تخفيف الأمر: أهذا كل شيء؟ # فقال في حزن: لا لا يا سيد أفندي، تبحث لها عن حمار غيري، أذهب إليها بسيارة محملة ~~بالهدايا وأتحمل وأصبر ويكون هذا جزائي؟ # فقلت: ألا تخبرني ماذا حدث؟ # فقال: اسمع يا سيدي. ذهبت إلى البيت وكانت ست فطومة تستعد للخروج. أتدري مع من؟ أتعرف ~~الست هدى؟ النهاية، وحلف الشيخ مصطفى بالطلاق، وبكت ~~الست فطومة، ورق قلبي لها واستسمحت الحاج مصطفى حتى قبل أن تذهب بشرط أن أكون معها، ~~ونظرت إلي الست هدى تفحصني من رأسي إلى قدمي، ثم قالت: بكل سرور، ورحنا إلى بيت الست ~~هدى في الزمالك، فيلا أنيقة وحديقة وصالة فخمة وجلسنا ننتظر الضيوف. كانت حفلة يا أستاذ ~~فيها رجال ونسوان، وبعد ساعة امتلأت الصالة وصارت هيصة. تعرف من كان الضيف العظيم يا ~~أستاذ؟ سي محمود خلف، يا خبر؛ وعرفت القصة من عنوانها وبدأت أفهم، وقلت لفطومة: «يلا بنا ~~...» وكأني كفرت. قالت: مستحيل؛ وهات يا فلاح ويا دون ويا حمار أخجلتني، ومع ذلك قلت ~~لنفسي: «هدئ نفسك يا حمادة.» وبعد ربع ساعة جاءت الست هدى تضحك وتطلب فطومة ms221 للمقصف. أي ~~مقصف يا ست هدى؟ ورنت الضحكة وقالت لي: «تعال معنا يا سي حمادة!» والبنت تكسف البدر ~~والعيون كلها متجهة إلينا، وغلى دمي، وقلت: الأمر لله، هي المرة الأولى والأخيرة، وهدئ ~~نفسك يا حمادة، وذهبت ست فطومة، وجلست أنظر إليها من بعيد وهي تضحك مع الضيوف، ولو كانت ~~صاعقة نزلت على رأسي من السماء كان أهون علي يا سيد أفندي، وبعد قليل ذهب محمود إليها ~~وكلمها وضحك معها، وأحسست برأسي تلف، فوقفت على رحلي وقلت: ليلته زفت، ولكن العيون ~~كانت مفتحة لي، وأقول لك الحق، تسمرت في مكاني. النهاية يا أستاذ فاتت الليلة بالطول أو ~~بالعرض، ورجعنا إلى البيت وطول الطريق أخجلتني يا فلاح يا دون يا حمار يا، يا، لا مؤاخذة ~~يا سيد أفندي، وما صدقت أننا وصلنا إلى البيت وقلت: يحرم علي دخوله. أنا من هنا وهي من ~~هنا. تبحث لها عن حمار غيري. من الليلة مسافر إلى دمنهور، وربنا يلطف بك وبنا يا ~~أستاذ. # وكنت أنصت إليه في اهتمام وقلق، وشعرت بشيء كثير من الضيق والأسف. لم يكن عدول حمادة ~~عن زواج فطومة هو الذي يزعجني، بل كان مصير فطومة، بهرتها أضواء المدينة كما تنجذب الفراشة ~~إلى المصباح الذي يحرقها. أهي سوق رقيق جديدة؟ بخور يحرق للشيطان من جثت فطومة ~~وأمثالها. # وتنبهت إلى صوت حمادة وأنا غارق في تفكيري، وكان يسألني قائلا: ما رأيك ~~يا أستاذ؟ # فقلت غائبا: في أي شيء؟ # فقال: في زواج صاحبك عبد الحميد. # فقلت: هل يريد الزواج؟ # فأجاب: أما كنت أقول لك إني أحب أن أعرف رأيك؟ إذا كنت تريد أن تزوجه الست منيرة كان ~~بها. # فقلت: وهل هذا من شأني؟ # فقال: ومن شأن من غيرك؟ # فقلت: ماذا تقصد؟ # فقال في تردد: أريد أن أسأل. المسألة بسيطة. أظن أن عبد الحميد أفندي يريد أن يخطبها، ~~فإذا كنت توافق انتهينا، وأما إذا كان لك رأي آخر ... أحب أن أعرف؛ لأني أريد أن أبحث ~~... # وتردد لحظة فاتحا فمه في ابتسامة بلهاء، واستمر قائلا في ms222 تعثر: هل ترضى بي أنا ؟ ~~سأبني لها فيلا والمهر كما تحب، والأشياء رضا والحمد لله. # فلم أتمالك أن قهقهت من المفاجأة، وقلت: الله يجازيك يا حمادة. # وخبطت على كتفه بيدي قائلا: ليس هذا من شأني، منيرة هي صاحبة الرأي الأول والأخير في ~~نفسها. # واستمرت الضحكة البلهاء على وجه حمادة مدة طويلة، كما بقيت ضحكتي في قلبي طوال اليوم ~~حتى جاءت منيرة لزيارتي في ساعة العصر، فكانت موضع فكاهتي معها. # ولست في حاجة إلى أن أعيد هنا أني قطعت الأمل في ~~الخروج من السجن؛ إذ كان المدعي العام يسير في التحقيق على أكثر من مهله، ومرت الأسابيع ~~تتوالى على وتيرة واحدة، فكنت أقضي الأيام والليالي في القراءة أو الكتابة أو في الحديث مع ~~زملائي في السجن. # ولما بدأت السنة المدرسية سافر عبد الحميد إلى دمنهور، فصارت زيارة أمي وأختي مرة واحدة ~~في كل أسبوع كلما جاء عبد الحميد من دمنهور. # ولم يقطع هذه السلسلة المتصلة من الحياة الرتيبة إلا حوادث قليلة في مدة الشهور الباقية ~~التي أقمتها في السجن، وأولها إتمام النيابة التحقيق في قضيتي ورفعها إلى قاضي الإحالة ~~الذي أحالها بدوره إلى محكمة الجنايات، وصدر الحكم آخر الأمر بحبسي ستة أشهر؛ لأن القضاء ~~استطاع آخر الأمر أن يجد في مقالاتي جريمة العيب في الذات الملكية؛ ذلك الشيء الذي يمس من ~~قريب أو من بعيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة تصريحا أو تلميحا تلك الذات. # وكان أثر الحكم عندي أقرب إلى أن يكون ارتياحا؛ لأني كنت أقمت بالسجن خمسة أشهر، ولم ~~يبق علي من المدة التي حكم بها علي إلا شهر واحد، كنت مثل بحار في سفينة تتخبط في ~~الضباب، وهو يمسك قلبه في كل خطوة حتى لا يستسلم لليأس، ~~ثم رأى فرجة في الظلام ولمح الشاطئ أمام عينيه، فمنذ علمت بالحكم تبدل استسلامي إلى ~~استبشار، وزال ضغطي على نفسي وكبتي لخلجات أملي، وبدأت أطلق العنان لأحلامي وسبحات خواطري، ~~وكان كل يوم يمر يبعث إلي هزة جديدة من التطلع إلى الساعة ms223 السعيدة التي عرفت أنها آتية في ~~موعدها. # ومن واجب الوفاء علي لهذه الأيام الأخيرة من إقامتي بالسجن - وقد نقلت إلى سجن مصر - أن ~~أذكر هنا أنني مدين لساعاتها الهادئة بكتابة أكثر فصول هذه القصة التي بدأتها من قبل، وكان ~~هواء الخريف أرفق بي، وبدأت الأيام تقصر، وكان ذلك يتيح لي فراغا كبيرا للقراءة والكتابة؛ ~~لأني في العادة أكثر إقبالا على العمل في الليل. # وقد حدث أمر آخر كان له أثر كبير في نفسي قبل يوم الحرية الموعود بأسبوع واحد؛ إذ جاءني ~~عبد الحميد مع أمي وأختي، وجرى الحديث بيننا حول ميلادي الجديد بعد خروجي من السجن، وكانت ~~أمي تردد رغبتها في أن أذهب إلى دمنهور، وأنفض يدي من الكتابة التي تقذف بي إلى ~~السجن. # وأما منيرة فكانت تعارض هذا الرأي، وترجو أن أقيم في بيت محترم حتى تستطيع زيارتي بين ~~حين وآخر، وتتمتع بمشاهد القاهرة التي لم تزرها مرة واحدة في مدة إقامتي بالسجن، وقد علمت ~~من خلال هذا الحديث لأول مرة أن بريد الأحرار عادت إلى الظهور منذ شهر بعد خروج الأستاذ علي ~~مختار من السجن، فكان من الطبيعي أن أنحاز إلى رأي منيرة في البقاء بالقاهرة. # وقالت منيرة في حماسة: على كل حال لا يليق بنا أن نسافر إلى دمنهور قبل أن تقضي بضعة ~~أيام مع منى. # وتمالكت نفسي حتى لا أصيح أو أثب من مكاني، وقلت في هدوء: أين؟ # فقالت منيرة: هنا في القاهرة، نسيت أن أعطيك خطابها، أين هو يا أمي؟ هل أخذته مني يا ~~عبد الحميد؟ # فقلت محاولا أن يكون صوتي طبيعيا: ومتى بعثت بذلك الخطاب؟ # فقال عبد الحميد: طلبت منيرة مني في الأسبوع الماضي أن أمر على بيت منى؛ لأسأل عنها وعن ~~صحة السيدة الكبيرة، فأرسلت منى معي هذا الخطاب. # وأخرجه من جيبه وقدمه إلى منيرة. # فقالت ضاحكة: لماذا أخذته مني؟ كنت أحب أن أقرأه مرة أخرى. # وفتحته وأخذت تنظر فيه، وكان قلبي يدق عنيفا. # وقال عبد الحميد باسما: لم آخذه إلا لأنك قذفت ms224 به على مقعد السيارة. # فقالت منيرة: سأقذف به مرة أخرى؛ لأني لا أفهم منه كلمة. # ومدت يدها نحوي بالورقة الزرقاء، وكانت مكتوبة بخط صغير أنيق، تذكرته عندما وقعت عيني ~~عليه. هكذا كتبت لي فيما مضى ورقة صغيرة بمثل هذا الخط تقول لي: «ألف شكر.» وأخذت أقرأ في ~~صعوبة؛ لأني كنت أنا الآخر ضعيفا في اللغة الفرنسية. # قالت منى تخاطب منيرة بما يقرب من هذا المعنى: «كنت في هذه الأشهر الماضية أقاسي متاعب ~~كثيرة ما بين مرض أمي وبعض «مشكلات عملية» أخرى، لم يسبق لي عهد بها، وكنت أنتظر منك ~~زيارتي ولكنك انقطعت عني، حتى خفت أن تكوني مريضة، فأرسلت أسأل عنك وعلمت أنك سافرت مع ~~الوالدة إلى القاهرة، وكان من الطبيعي أن أفهم من ذلك أنك سافرت للتمتع بمشاهدة العاصمة ~~الجميلة، فعدت إلى مشاغلي الثقيلة، وكنت أتمنى لو كنت إلى جانبي، كما كنت أتمنى أحيانا ~~لو كان سيد هنا ليتحمل بعض هذه المتاعب نيابة عني.» # ومن الواضح أني عندما قرأت هذه العبارة أعدت قراءتها مرارا، وشعرت بسعادة عظيمة، وقرأت ~~بعد هذا: «لا يمكنك أن تتصوري برد دمنهور في هذا العام ولا تلك الأمطار التي لا تنقطع ~~في الليل ولا في النهار، وهذا ما زاد صحة أمي اعتلالا؛ لهذا لم أحاول أن أعرف شيئا من ~~أخبارك حتى زارنا الأستاذ عبد الحميد ليسأل عنا ويهدي إلينا تحياتك الكريمة، ولأول مرة ~~عرفت منه السبب المؤلم الذي جعلك تسافرين إلى القاهرة، فأنت مثلي إذن بل أشد مني ضيقا. أنا ~~آسفة من أجل سيد، وإن كان حبسه لا يدعو إلى الخجل، ولا عار عليه أن يحبس في تهمة صحفية، ~~ولكنها على كل حال كانت مفاجأة شديدة الوقع علي وعلى والدتي، حتى إنها بكت وكادت تبكيني، ~~ومما يدعو إلى الارتياح أن سيد سيخرج كما علمت بعد أسبوع واحد. # كان الأطباء قد أشاروا على أمي بتغيير الهواء، فعرضت عليها أن نسافر إلى القاهرة لنقيم ~~بها بضعة أيام، فرحبت بالفكرة وأظن أنها ستكون فرصة طيبة لنرى المتهم البريء ms225 ونهنئه ~~بالخلاص، ما دمنا لم نقدر على مواساته في أيامه القاسية، سأكتب إليك بيوم حضوري وإلى اللقاء ~~يا منيرة، وأنا واثقة من أنك ستقومين مقامي في تقبيل يد الوالدة وإبلاغ اعتذاري إلى سيد ~~...» # وكان قلبي يثب عنيفا عند كل كلمة تذكرني منى فيها، ولم أرفع رأسي عن الخطاب حتى قرأته ~~مرة أخرى ووقفت عند كثير من فقراته لأقرأها مرارا. # وحاولت أن أكون طبيعيا أيضا عندما رفعت رأسي آخر الأمر لأعيد الخطاب إلى منيرة، ولكني ~~لم أستطع أن أخفي حماستي عندما سألتني منيرة عن رأيي الأخير في السفر إلى دمنهور عقب ~~خروجي؛ فقد أجبتها سريعا: لا شك أننا ننتظر هنا. # وقبل أن يودعني عبد الحميد عائدا إلى دمنهور همس في أذني: أحب أن أحتفل بخروجك من السجن ~~بطريقة لا تنسى. # فقلت في هدوء: هل تكون هنا في الأسبوع المقبل؟ # فأجاب باسما: هذا يتوقف على إرادتك. # فقلت باسما: ماذا تعني؟ # فقال هامسا: أعني أني أحب أن أسألك هل توافق أن أحتفل بخروجك في الأسبوع المقبل بطريقة ~~مبتكرة؟ ما رأيك في أن أقيم لك احتفالا أقدم فيه شبكة منيرة؟ # فانطلقت مني ضحكة لم أملكها وقلت: أتسألني أنا؟ # فقال ضاحكا: أنا أيضا دون كيشوت بغير أن أدري. لم أجرؤ أن أسأل غيرك؟ # فضغطت على يده قائلا: لا تكن أبله. # ولاحظت أنه تحاشى الاقتراب من منيرة وهو منصرف، كما لاحظت أن منيرة نظرت إلي في شيء من ~~الارتباك وهي تودعني. # وامتلأ قلبي بعد انصرافهم بسعادة لا توصف، وكنت أردد الدعاء لأختي وعبد الحميد ~~بالسعادة، وبقيت طوال الأسبوع الأخير أطوي في صدري الأمنية الكبرى التي أنتظرها؛ سأخرج من ~~السجن وألقى منى. # | الفصل الثلاثون # كما يولد الإنسان ميلادا جديدا، خرجت من بين جدران السجن، وبدت لي الدنيا في ألوان ~~زاهية لم يسبق لي عهد بمثلها من قبل، صار الهواء يملأ صدري عاطرا، والضوء يملأ عيني ~~بهيجا، ونضرة الأشجار ترطب قلبي إذا أظلتني ظلالها، وما كان أسعدني أن أسير في الطريق ~~في ساعات الصباح الباكر ورذاذ المطر يتطاير ms226 في وجهي، أو عندما كنت أجول في حدائق الجزيرة في ~~ساعات العصر والأزهار تتناجى بألوانها الباهرة. من قال إن في القاهرة شتاء؟ إنه ربيع باسم ~~ذلك الذي استقبلني بعد خروجي من السجن وجعلني أزداد غراما بهذه الأرض العزيزة، وبعد أن ~~مرت فرحة الأيام بعد خروجي، حقق عبد الحميد ما عقد عليه النية من التقدم إلى منيرة، ولم ~~أسمح لأحد أن يسألني عن شيء في أمرها مكررا في كل مرة قولي: «ليس هذا من شأني.» # المرأة هي التي تختار وقد خلقها الله لتختار وعليها وحدها يقع كل العبء في الاختيار، هي ~~التي ينبغي لها أن توجه حياتها ما دام الله قد وهب لها عقلا ووهب لها غريزة، النساء ينطقن ~~بوحي الغريزة بأصدق مما تنطق العقول، وليس من الضروري أن تقول الفتاة: «نعم أرضى.» فإن ~~ردمويا وحدها تستطيع أن تغني وترقص وتحرق البخور لنجم الشعرى، ثم تسأل قلبها ليهديها، ~~فينطق لسانها في صراحة. لم تقل منيرة شيئا عندما سألها عبد الحميد: «أترضين بي يا منيرة؟» ~~وكانت عند ذلك في غرفة الجلوس بمنزل عمة عبد الحميد في اليوم الرابع لخروجي من السجن، وكانت ~~أمي تصلي في البهو المجاور، وكنت أنا غائبا في أول زيارة للأستاذ علي مختار. # وقد أخبرني عبد الحميد أنها لم تقل له شيئا، بل خجلت وخرجت من الغرفة صامتة، وكان مشفقا ~~أن يكون قد آذاها أو سبب لها حرجا، ولكني كنت واثقا من رضاها، كان ذلك يبدو واضحا في ~~كثير من الأحيان في الكلمة العابرة والنظرة السانحة، ولم يخب ظني عندما سألتها، عندما ~~وجهت إليها سؤالي: «أترضين بعبد الحميد؟» # أجابت قائلة: «هذا من شأنك أنت يا سيد.» ثم انصرفت من أمامي. # وكانت سعادة عبد الحميد ظاهرة في نظرته الشاكرة عندما قلت له: «أهنئ نفسي.» وتم ~~الاحتفال بعقد الزواج بعد يومين، وكان بسيطا وسعيدا. # وكانت مقابلتي للأستاذ علي مختار صدمة شديدة لم أكن أتوقعها، كنت متوقعا أن يهب واقفا ~~ليفتح لي ذراعيه، وهممت أنا بأن أستقبله فاتحا ذراعي أيضا كما يفعل ms227 الشركاء في الجهاد ~~عقب المعركة ، ولكني وجدته رجلا آخر غير الشاب الواثق بنفسه الهادئ المسيطر، كانت نفسه تقطر ~~مرارة وهو يجيبني عن أسئلتي، وقال في حنق مكتوم: لن أقيم في هذا البلد بعد هذا. # فقلت ملطفا: هذا شعور مؤقت، وسيزول بعد قليل لنعيد الجهاد مرة أخرى. # فنظر إلي نظرة حانقة، ثم قال: من أجل من؟ # فقلت محتجا: من أجل من؟ من أجل أنفسنا، من أجلك ومن أجلي، ومن أجل كل من يعيش ويتألم، ~~من أجل أبنائنا الذين ما يزالون يتألمون؛ لا تدع هذا العارض ... # فقال في دفعة: عارض؟ أتسميه عارضا أيها الرجل وقد كاد يذهب بحياتنا؟ أما مرضت أنت كما ~~مرضت أنا، وقاسيت أنت كما قاسيت أنا ما في قلوب هؤلاء من وحشية؟ # فقلت في دفعة أخرى: فليكن يا سيدي، لم نكن هازلين عندما تعرضنا للمعركة، كنا نعلم أنها ~~معركة عنيفة مع قوى طاغية، بل لقد عزمنا في بدء الأمر على أن نثير المعركة من أجل هذه ~~القوى الطاغية. # فأشار بيده إشارة يأس قائلا: هي ألفاظ يا سيدي نحاول أن نخدع بها أنفسنا، أتعرف مقدار ~~ما أصابني من الخسارة؟ أما عرفت أنني قضيت أسبوعين بين الموت والحياة. # فاندفعت قائلا: وماذا لو لقينا الموت يا سيدي؟ # فضحك ساخرا لأول مرة وقال: هذا شيء آخر. هذا لم يدخل في حسابي يا سيدي، لست أريد أن ~~أضللك، أو أن أقول كلاما ضخما لأخدعك؛ لأنني أعرف أنك تفهمني عندما أقول لك رأيي ~~صريحا، عندما نقول: إننا نريد الجهاد، فإننا نقصد أننا نجاهد بآرائنا لا بأجسامنا، أظننا ~~لم نقصد أن نموت الآن يا سيدي. # فقلت: إننا لم نمت بعد. # فقال مشيرا بيده مرة أخرى إشارة اليأس: هذا رأيك يا صديقي، وأما أنا فقد عزمت عزما ~~أكيدا على أن أترك هذا البلد في أول فرصة، لا مقام لي هنا. # فقلت: إلى أين؟ # فقال في ضيق: لم أفكر بعد. إلى أي ركن من أركان الأرض لأعيش إنسانا. # فأحسست أنني حيال رجل إما أن يكون محطما في ساعته ms228 تلك، وإما أن يكون طفلا ، وقلت في ~~نغمة ساخرة: لم تفكر بعد، ولكنك تعزم عزما أكيدا؟ # فقال في شيء من الغضب: ماذا نصنع هنا؟ # فقلت: بل ماذا تصنع في غير هنا؟ هنا بلادنا ولا مفر لنا من أن تكون هي بلادنا، أي بلد ~~يقبلك كأحد أبنائها؟ # أتقبلك إنجلترا أو فرنسا أو أمريكا أو غيرها لتكون ابنا من أبنائها؟ لن تكون هناك إلا ~~نزيلا غريبا تقضي أيامك في فراغ، أم تريد أن تذهب إلى بلد شرقي يمكن أن يكون أقرب إليك؟ ~~أين؟ تعيش في تركيا؟ في سوريا؟ في العراق؟ في السودان؟ تعيش هناك على هامش الحياة وأهل تلك ~~البلاد يجاهدون كما نجاهد نحن؟ هل ترضى أن تكون غريبا بين قوم يجاهدون من أجل أنفسهم ~~وأنت ساكن؟ أم تريد أن تشارك هؤلاء في جهادهم وتتخلى عن الجهاد هنا؟ # فسكت ناظرا إلي نظرة حزينة، وعلمت أنه يعاني صراعا عنيفا في أعماق نفسه، فأشفقت أن ~~أزيده ضيقا وسكت آسفا، وقلت في نفسي: إن الوقت كفيل بإزالة الذكريات الأليمة. # ولكنه لم يلبث أن صدمني صدمة أخرى أعنف من الأولى عندما قال لي: على كل حال يا أستاذ سيد، ~~هذا موضوع آخر ... أما عملنا في هذه الجريدة فسيستمر طبعا، وقد أطلب منك قريبا أن تقوم على ~~إدارة الجريدة بدلا مني، سيستمر مرتبك كما كان على أن تكتب للجريدة قصة كلما ~~أردت. # وشعرت بالدم يصعد إلى رأسي، أكتب قصة؟ الأمر أخطر من أن أكتب قصة؟ وهل أستطيع أن أكتب كل ~~يوم قصة في الموضوع الواحد الذي يستولي على كل عقلي وقلبي؟ ما هو المصير الذي نتجه ~~إليه؟ وهل يفرغ ذهني إلى أن أعيش مع الصور في قصة وأنا أرى الحياة من حولي تفور وتنفجر، ولا ~~يدري أحد ماذا يحدث فيها غدا؟ # وقلت مختصرا: أرجو لك التوفيق يا سيدي. # واستأذنت منصرفا حتى لا أزيده ضيقا إذا نطقت بالكلمات التي وثبت إلى طرف لساني. # وخرجت من عنده والأسف يختلط في قلبي بالحنق والحيرة والعجب، وخطر لي خاطر قوي أن ms229 أنقطع ~~عن بريد الأحرار مهما كلفني ذلك من المتاعب، بل لقد هم بنفسي وأنا غاضب أن أعيد إليه مرتب ~~الشهور الستة التي بعثت بها الجريدة إلى أمي في مدة السجن؛ ليكون جوابي شافيا لغضبة قلبي، ~~ولكني لم ألبث أن سريت عن نفسي أثر هذه المقابلة، وأقبلت على الفضاء الطلق أعب منه حتى أروى ~~بعد طول تعطشي إليه، وكان عبد الحميد في إجازة نصف السنة، ولكنه كان مشغولا عني برحلاته مع ~~منيرة، فكنت أخرج وحدي كل صباح قاصدا أحد الأطراف البعيدة؛ لأقضي فيه يوما بعيدا عن ضجة ~~المدينة؛ لأفكر فيما أستقبل به حياتي الجديدة. نعم كانت حياة جديدة بعد ميلاد جديد، وذهبت ~~يوما إلى الأهرام مبكرا؛ لأتمتع بجولة إلى جانب الأثر الأشيب الذي يجتذب طلاب الروعة من ~~أركان الأرض، وكان الناس هناك ينتشرون في الهضبة بعضهم يسير في جماعات مرحة، والبعض الآخر ~~يسير مثنى، ولم يكن من يسير وحده غيري، فسرت في صحبة أفكاري حتى وصلت إلى قريب من ~~الاستراحة الملكية، فتنبهت إلى صوت الحارس الذي يزجرني لأبعد، وقلت في سري: فرعون القزم ~~هنا؟ # ووثبت إلى صدري كل مشاعر الحنق الذي كنت أكبتها؛ حتى لا تعذبني في أيام سجني، هذا الرجل ~~الذي تعذبت من أجله يقيم هناك ليتنزه، ولست أدري مع من يقيم في تلك الاستراحة، بنى ~~فرعون خوفو هذا الأثر الخالد؛ لأنه كان يطلب مثوى لروحه، وهذا فرعون القزم يطلب استراحة ~~لجسده، وتأملت من بعيد هندسة بناء الاستراحة ونقوش مداخلها، فبدت لي كأنها تسخر من نفسها، ~~وقلت في نفسي: هكذا يزيف طالب المتعة فن القدامى، كان ذلك الفن في عصره رمزا للجلال الذي ~~يملأ القلوب عندما كان الناس يؤمنون بشيء جليل في قلوبهم، ولكنه اليوم لا يزيد على حلية ~~مزيفة، وبدت الاستراحة في عيني مثل مرقص خليع في هيكل عبادة، أما كان أولى بفرعون القزم لو ~~بعد قليلا عن الأثر الجليل حتى لا تبدو السخرية واضحة؟ وأية سخرية؟ وماذا يصنع كل هؤلاء ~~المنتشرون في الهضبة سوى أن يسخروا عند أقدام ms230 الهرم ولا يشعرون له إجلالا ، ما دام فرعون ~~القزم يضرب لهم المثل في السخرية؟ ومن هذه الفتاة؟ هل أصدق عيني؟ أهذه فطومة؟ # كانت فطومة تسير على مسافة مني وهي تميل على ذراع محمود خلف عند زاوية الهرم الشمالية، ~~وكنت عند ذلك مرتدا من ناحية الاستراحة، ووقفت مترددا بين أن أذهب إليها لأصفعها، ~~وبين أن ألتمس لنفسي مكانا أتوارى فيه، وغلب علي الرأي الأخير، فاتجهت مسرعا إلى حرف ~~الهضبة الهابط إلى الغور المنخفض الذي تلوح فيه بركة ماء من بعيد، فانحدرت متعثرا فوق ~~السفح، ثم بدا لي سخفي، فعدت أدراجي، واتجهت إلى المنحدر الذي يؤدي إلى محطة الترام، وكان ~~رأسي مشغولا بصورة فطومة الغادة في ملابسها الأنيقة وحليها الكثير، وقوامها الرشيق وهي ~~تميل على ذراع محمود، وتلفت قبل أن أهبط في المنحدر، فرأيتهما من بعيد بين الجموع ~~الواقفة تتطلع في فضول نحو الاستراحة لتخطف نظرة من فرعون القزم، ثم خفضت رأسي كأني ~~أتحفز لصراع، وأسرعت في حنق متجها إلى محطة الترام. # وقضيت مدة سيري إلى القاهرة مضطرب الفكر بين أحاديث مختلفة تتدافع ليحل بعضها محل بعض في ~~عنف، ذلك الحكيم الذي صمم بناء الهرم الجليل كان شاعرا عظيما أو فيلسوفا كبيرا فوق ~~أنه كان فنانا؛ أي إيمان ذلك الذي كان يحرك قلبه ويجعله يجرؤ على هذا العمل الهائل؟ ~~وفرعون الصغير يعود في موكبه ولا يسمح للترام أن يسير حتى يمر الموكب، وفطومة ومحمود ~~يبقيان هناك إلى جانب الهرم، وا خجلاه! الساخرون الذين لا يرهبون من شيء مقدس، والأغبياء ~~الذين يقصر ذكاؤهم عن إدراك المعاني الجليلة يمرحون في تفاهتهم، ولا يحسون أننا جميعا ~~في الطريق إلى الهاوية، وبدلت الترام عند الجيزة بغير أن أفكر، وسرت في ترام آخر بغير ~~أن أفكر، كان ذهني يدور في أفكاره المضطربة عودا على بدء بغير توقف، وتنبهت آخر الأمر ~~عندما قربت من ميدان قصر النيل، وكان هناك صف طويل من عربات الترام يسد الطريق، فنزلت لأرى ~~منظرا لم يخطر ببالي، وكان الناس يتسارعون في كل اتجاه ms231 في هلع، ويقولون: «القاهرة تحترق .» ~~فأسرعت إلى شارع سليمان باشا، وكانت النيران تندلع من شارع البستان، والجموع الهائجة تسيل ~~بالطرق في كل اتجاه. # وجريت إلى ميدان سليمان وكان شعلة من اللهب. ماذا حدث؟ وجريت إلى شارع قصر النيل فعماد ~~الذين فشارع فؤاد، وكنت ألهث من التعب، ولا أقدر أن أقف، كنت أريد أن أعرف إلى أين ينتهي ~~الحريق. هل القاهرة كلها تحترق؟ هل هي ثورة؟ كان شارع فؤاد أيضا يشبه حاجزا من اللهب ~~في معركة دموية، والجموع المتدافعة تنساب كمياه السيل في كل شعب من الطريق. جموع تقتحم ~~المتاجر وأخرى تتدفق صائحة هائجة. أهكذا تندلع الثورة فجأة؟ ومررت أمام متجر مانويل ~~الفخم، وكانت ألسنة اللهيب تطل من نوافذ الطبقات المتتالية كأنها تشير إلى الطريق تطلب ~~الغوث، وأين الإسعاف؟ ولم يكن هناك أيضا رجال مطافئ كأن المدينة قد خلت من الحكومة، ~~وانساب نهر من الجموع إلى ميدان الأوبرا ونهر آخر إلى شارع إبراهيم، وفي مقدمة كل فرع بعض ~~أفراد يسيرون كأنهم طليعة، أهي ثورة مدبرة؟ لم لا وفرعون القزم يلهو في الصباح في ~~مخبئه؟ وكان قلبي يثب كأنه يتداعى مع الأبنية المنهارة. أهذه هي الثورة؟ هي جانب لا ينفصل ~~عن الحكم الضعيف المزيف، الذي لا بد أن ينتهي إلى الثورة، ومع كل ما كان في نفسي من الهم ~~والغم شعرت بأن شيئا جديدا قد حدث. # وتذكرت أن أختي وعبد الحميد كانا يعتزمان أن يخرجا إلى المدينة في الصباح، فجريت نحو ~~المنزل، لم تكن هناك سيارة لتحملني، وكنت متعبا ولكني اندفعت بقوة مضاعفة. # وبلغت المنزل آخر الأمر، وهدأت قليلا عندما رأيت أمي وأختي تنتظران في لهفة بالطبقة ~~السفلى من الدار، وأخذتني أمي بين ذراعيها، ثم ارتميت على كرسي خائر القوى. # | الفصل الواحد والثلاثون # سافر عبد الحميد ومنيرة إلى دمنهور بعد إقامة أسبوعين أطلقا عليهما اسم أسبوعي الجبن ~~لا العسل؛ لأنهما لم يخرجا فيهما للنزهة في أرباض القاهرة في النهار أو إلى ملاهيها في ~~الأماسي؛ لأن حريق القاهرة لم يدع لهما انشراحا إلى ms232 الجولات التي أعدا خططها، منازه طريق ~~الأهرام وشواطئ النيل ودور التمثيل والسينما وأبهاء الفنادق الكبرى ومقاصف الريف، كل هذه ~~كانت بين محترقة أو مغلقة، وكانت منيرة تخشى الخروج فوق هذا خوفا، أو - كما قالت هي - ~~جبنا من أن تعترضها ثورة جديدة على حين غرة، كما اعترضتني يوم خرجت للنزهة عند الأهرام في ~~الصباح، فإذا هي تثور وتحرق قلب المدينة في ساعة، وقد أصرا على أن يأخذا أمي معهما بعد أن ~~عجزا عن حملي على الرجوع إلى دمنهور، ولست أخفي أنني ارتحت إلى هذا الرأي، فما كان من ~~اليسير علي أن أتمسك بأمي لتعيش معي وأنا عاطل عن العمل منذ انقطعت عن بريد ~~الأحرار. # ولما بقيت في القاهرة وحدي وجدتها غير القاهرة الأولى التي أقبلت عليها مملوءا بالأمل ~~والحماسة، كان في جيبي ستون جنيها بعد أن قاسمت أمي في الجنيهات المائة والعشرين التي ~~أعادها إلي عبد الحميد، وكان لا بد لي من الاقتصاد في النفقة لأستكفي بذلك المال الضئيل ~~أطول مدة ممكنة ريثما تسوق إلي الأقدار عملا ليس في حسباني. # فاستأجرت غرفة في فندق صغير في حي سيدنا الحسين، وكان من السهل علي أن أجد هناك ما ~~يناسبني من الطعام الرخيص، فكانت الأيام تمر بي موحشة في مدينة تموج كالبحر في أعقاب ~~عاصفة، كل يوم شائعة عن مخاوف غامضة، والأرض تتزلزل تحت أقدام الحكومة الجديدة التي أعقبت ~~حكومة الحريق، وحلقات القهاوي المتواضعة تتناقش في حنق، وأندية الجمعيات الشعبية تحفل كل ~~ليلة بهواة السياسة، واستعنت على قضاء الوقت الموحش بارتياد تلك المجالس على اختلاف ~~ألوانها ومشاربها، ولم أجد صعوبة في الاندماج فيها، فلم يمض إلا أسابيع قليلة حتى كنت من ~~أركانها وأقطابها، وكان الجميع يقولون: إننا على حافة هاوية، ولا مفر لنا من التردي ~~فيها، بأس مظلم في كل مكان، وحيرة مغلقة في قلبي وسؤال واحد يعاودني كل صباح وكل مساء: «أين ~~أذهب؟» وكانت منيرة تبعث إلي في كل أسبوع مرة أو مرتين بخطابات لا تزيل وحشتي، بل تزيدني ~~وحشة وانقباضا، وفي ms233 كل خطاب تعيد علي عبارة تختم بها حديثها، فتقول أحيانا: «منى ~~تسلم عليك وتريد أن تراك.» وتقول في أحيان أخرى: «منى تهديك سلامها وتسأل عن صحتك.» فكنت ~~أفرغ من قراءة الخطاب في شيء يشبه الحنق، وأضعه في جيبي مكررا في نفسي إنها تسلم ~~علي وتسأل عن صحتي كما يفعل الناس إذا تلاقوا في الطريق، ثم أزيد على ذلك أقوالا أخرى ~~أشد قسوة؛ لأني كنت في تلك الأيام قوي الشعور بأنني عاطل لا أعرف لنفسي وجهة أتجه ~~إليها، ومع كل ما قاسيته من الوحشة والضيق والتعطل لم تسمح نفسي بأن أعود إلى بريد ~~الأحرار، ولم أحاول أن أبحث عن عمل آخر، شيء واحد كان يبعث في قلبي بعض الراحة، وهو اتصالي ~~بجمعية «شبان الفداء»، التي كانت تعقد جلساتها في بيت أحد أعضائها الطالب في كلية الشريعة؛ ~~إذ كانت الخطب العنيفة التي تنطلق بغير تحرج ولا تحفظ كأنها قذائف من الرصاص تخفف من ~~حنقي المكبوت، وكان نصيبي منها لا يفوتني كلما اجتمعنا، فأفرغ ما في قلبي من الحنق على ~~الطاغية والطغيان والفاجر والفجور، غير متورع عن التصريح بأنه الفرعون القزم، ولست أدري ~~كيف خفيت هذه الأحاديث عن آذان جواسيس الحكم، فإنها لو بلغتها لما احتاجت النيابة إلى ~~تفسير أو تأويل في إثبات تهمة العيب التي قضت خمسة أشهر في إثباتها علي في المرة ~~السابقة، ولكني كنت في كل مرة أذهب فيها إلى تلك الجلسات الحامية أعود إلى غرفتي في أواخر ~~الليل بأعصاب مشدودة تكاد تتمزق، وكان يضايقني من المجتمعين في الأندية والقهاوي أنهم لا ~~يستطيعون غضبا، إلا إذا تحدثوا عن غلاء الطعام والكساء أو كساد التجارة أو ما يماثل هذا ~~من هموم الحياة، ولا يكادون يتحركون لفقدان الكرامة القومية أو الحريات أو العدالة؛ ولهذا ~~كنت أقترب يوما بعد يوم من الشعور بالفشل، وأن الثورة التي آمنت بها وتمنيتها ووقفت ~~كل أملي عليها لا وجود لها في القلوب، وبدأت أرى أن الثورة التي أرى علاماتها وأحس خفق ~~أجنحتها في الظلام ليست سوى ثورة ms234 أبدان أو ثورة خذلان كتلك التي أحرقت القاهرة، وبدأت ~~أشفق وأتوجس حتى امتلأ قلبي غما وهما ويأسا، وفي يوم من الأيام كنت أؤدي فريضة ~~الجمعة في مسجد الحسين، ولا أستطيع أن أصف حالي وأنا قائم أصلي، كنت لا أملك دمعي وأنا ~~أقرأ، وكأن كل عرق في بدني ينتفض من حزن غامض، وكان يستولي علي شعور يشبه شعوري عقب ~~وفاة أبي وأنا فتى صغير، عندما خيل إلي أنني أعيش في فضاء لا وطاء من تحتي ولا غطاء ~~من فوقي، وحاولت جهدي أن أتماسك، ولكن الدموع كانت تغلبني، ولما فرغت من الصلاة رأيت ~~«خضرجي» ساعي مكتبي في بريد الأحرار جالسا إلى جنبي، وسمعته يقول لي: «أين أنت يا أستاذ ~~سيد؟» ومضت لحظة طويلة قبل أن أستطيع إجابته قائلا: «كيف أحوالك يا أخي؟» # فقال وهو يصافحني: «حرما! تشجع يا أستاذ!» # فتذكرت كلمته التي قالها لي يوما وأنا في المحكمة، وشعرت نحوه بشكر عميق، وقلت ~~مجيبا: جمعا إن شاء الله! أشكرك يا صديقي. # وضغط على يدي قبل أن يرسلها وقال: الأستاذ يسأل عنك كل يوم. # فقلت متكلفا الهدوء: وكيف حاله؟ # فقال: مسكين يا أستاذ سيد، صار لا يطيق شيئا، انتهت مجالسه الحافلة التي كانت تؤنس ~~الجريدة، وفي كل يوم مصادمة مع محرر أو آخر، وأظنه استخرج جوازا للسفر إلى أوروبا، ولم ~~يخل قلبي من الشعور بالأسف والعطف، وتذكرت كيف كان يكرمني وكيف كان يشاركني في مشاعري، ~~وقمت مع «خضرجي» خارجين من المسجد، فتمسكت به ليتغدى معي، وذهبنا إلى مطعم الدهان كما ~~تعودت أن أذهب في كل جمعة كأنني أدخر منه ذخيرة لمدة الأسبوع، وقضينا معا بضع ساعات ~~سعيدة بين الغداء وبين شرب الشاي في مقهى الفيشاوي، ولا أخفي أنني مع كل ما شعرت به من ~~السعادة في مرافقة «خضرجي» والتمتع بحديثه، أحسست في كثير من اللحظات بما يشبه الخجل من ~~أن يراني بعض معارفي جالسا مع ساع في بدلته الصفراء، وقد كبحت هذا الإحساس في حنق، ~~وكررت لنفسي أن هذا الساعي لو وقف أمام ms235 الله إلى جنب محمود خلف لكان هو الأكرم ~~مكانا. # وحدثني خضرجي حديثا بسيطا لم أشعر معه بمضي الوقت، ووجدته ملما بكثير من أسرار ~~السياسة، فزاد قدره في عيني فوق ما كان له من قدر في نفسي، وتبينت أننا لا نلمح حقائق ~~الناس إلا إذا فتحت شدائد الحياة أعيننا، كل منا يعيش في عالم يغلقه من حوله، ويقيم ~~حوله الحواجز من كل ناحية، فلا يبصر الآخرين إلا من بعيد، ولا يميز بعضهم على بعض إلا ~~بمظاهرهم. # واستمر خضرجي ينتقل من موضوع إلى آخر حتى استرعى اهتمامي بقوله عن الأستاذ مختار: أظنه ~~صار يخشى التورط، كما يخشى النزول إلى البحر من نجا من الغرق. # فسألته: ماذا تقصد؟ # فمال على المائدة التي بيننا قائلا: فضيحة الأسلحة! لا يرضى أن يكتب عنها، مع أنها تعيد ~~توزيع الجريدة إلى أكثر مما كان قبل إغلاقها. # فقلت: وكيف ذلك؟ # فأجاب: عندما قدمت القهوة منذ يومين لضيفه وجدتهما يتناقشان في شيء من الحماسة وأمامهما ~~ظرف كبير، فوضعت الفنجانين ولمحت على وجه الأستاذ تلك السحابة التي أعرفها عندما يكون في ~~حيرة، كان وجهه محتقنا ونظرته تطلب النجدة، ولا تؤاخذني إذا اعترفت لك أن الفضول دفعني ~~إلى التجسس، فعندما خرج الأستاذ يشيع ضيفه فتحت الظرف، وقرأت عنوان الملف: «فضيحة ~~الأسلحة الفاسدة». # ولما عاد الأستاذ طلب فنجانا آخر، وأخذ يقرأ الأوراق متمهلا ووجهه يزداد احتقانا، ~~وعاد الضيف بالأمس، وكانت بينهما مشادة عنيفة، وأرسلني الأستاذ بعدها لأستخرج له جواز سفر ~~إلى أوروبا. ألا ترى أنه يخاف من التورط؟ # أين تقيم يا أستاذ سيد؟ # فقلت في تردد: في فندق الأميرة الصغيرة. # فقال وهو يهم بالانصراف: سيسره جدا أن يعرف عنوانك، كل يوم يسأل عنك، إلى اللقاء يا ~~أستاذ. # ومضى بعد أن حياني تحية حارة وشكرني، وبقيت وحدي أجتر ما سمعته على مهل مع كأس أخرى ~~من الشاي، وخطر لي أن الأستاذ علي مختار ليس وحده الذي يشفق على نفسه من التورط، وأي عاقل ~~لا يخشى أن يذهب إلى السجن بعد أن يذوقه مرة؟ ms236 ذلك السجن الذي يحول القاتل الجبار إلى ~~جبان يرتعد هلعا، ولكني عدت إلى نفسي أقول: إن اللوم علينا إذا تركنا أنفسنا لهذا الخوف ~~ينحرف بنا عن غايتنا، فلو خشي المجاهد في ميدان القتال أن يصاب بجرح مرة ثانية لما عاد ~~إلى الميدان أبدا، والذي ينجو من الغرق مرة لن ينزل إلى الماء إذا لم يقاوم خوفه من ~~الغرق. # وهكذا مضيت في أفكاري حتى صارت الساعة الخامسة بعد الظهر، فقمت أسير على قدمي نحو دار ~~بريد الأحرار؛ لألقى الأستاذ علي مختار. # | الفصل الثاني والثلاثون # لم نلبث بعد أن لقيت الأستاذ علي مختار أن بدأنا المعركة ثانية، وأخذنا نواجه الموقف في ~~صراحة؛ ففي اليوم التالي لعودتي إلى «بريد الأحرار» نشر المقال الذي كتبته بعنوان عريض على ~~أنهار الصفحة الأولى كلها: «الخيانة القومية الكبرى - فضيحة الأسلحة الفاسدة - نقتل أبناءنا ~~بأيدينا!» # ولم يخف الأستاذ علي مختار شعوره الحقيقي عندما دخلت عليه في الصباح وكان يقرأ المقال؛ ~~إذ قال لي بغير مواربة: هي معركة الحياة أو الموت يا أستاذ سيد. # فقلت: بل معركة الحياة يا سيدي، وهل تستحق الحياة أن نحرص عليها إذا استمرت ~~هكذا؟ # فضحك قائلا: كلمة جميلة عندما نسمعها بآذاننا فقط. # فقلت جادا: بل نجدها جميلة؛ لأننا نؤمن بها، من الطبيعي أن نحب العافية ونتحاشى ~~الآلام والمتاعب، ولكن من الطبيعي أيضا أن نخوض معركة. # فقال باسما: قل أيضا إنها طبيعة مهنتنا، هذه هي الحجة التي تجعلني ألقي سلاحي، وعلى ~~أية حال لم يصادر عدد اليوم، وهذا دليل على أن القذيفة أصابت هدفها. # وأدهشني من الأستاذ علي مختار أنه بدأ يتحول إلى شيء يشبه حاله الأولى بعد بضعة أيام، ~~ونشط من الفتور الذي طرأ عليه، وعاد مكتبه في كل ليلة منتدى سياسيا يضطرم ~~بالثورة. # ولكنه كان مع ذلك لا يخلو من التوجس؛ ففي كل صباح يبادرني عندما أذهب إليه قائلا: لم ~~يصادر عدد اليوم أيضا. # وشغلتني المعركة العنيفة عن كل شيء حتى عن أمي وأختي وعن منى، وعادت الثورة تخفق في قلبي ~~وتضطرم في ms237 كل مكان، وكنا نتوقع أن تندلع في كل صباح، وماذا كان يجعلنا نشفق من الثورة؟ ~~كان اليأس يدفعنا إلى طلب التغيير ولو إلى حريق آخر، وكما يحدث للمقاتل إذا حمي القتال ~~فجعله لا يفكر في شيء غير القتال، جعلتنا المعركة الصحفية لا نفكر في شيء سوى الفضيحة ~~المقبلة؛ فضيحة القطن وفضيحة البورصة وفضيحة تجارة المخدرات وفضيحة الاغتيالات الجهنمية ~~وعشرات أخرى، كل واحدة تثير زوبعة قبل أن تهدأ التي سبقتها، وفي غمار هذه المعمعة كانت ~~منيرة تبعث إلي خطاباتها بغير انقطاع، وكل منها ينتهي بالعبارة المألوفة: «منى تسلم عليك ~~وتسأل عنك.» فأطوي الخطاب في شيء من الحنق، وأضعه في درج مكتبي، وأرسل جوابا قصيرا أرد ~~فيه التحية الجوفاء بمثلها: «أرجو أن تبلغي منى سلامي وسؤالي عنها.» # هكذا مضت الأشهر واحدا بعد واحد حتى أتى إلي خطاب من منيرة، فقرأته مسرعا، وكدت أضعه ~~مع الخطابات الأخرى لولا أني وجدت تغييرا في الخاتمة: «منى تسأل عنك وهي متألمة منك.» ~~فوضعت الخطاب أمامي، ونظرت إلى الفضاء حيث كانت صورة منى. ماذا تنتظرين مني؟ وأينا الذي ~~يغضب ويتألم؟ هكذا قلت في نفسي ونظرت إلى الساعة فوجدتها الحادية عشرة، وقمت لأستأذن في ~~إجازة قصيرة، وأسرعت إلى المحطة لأسافر، وأخذت معي كتابا لأقطع على قراءته الطريق حتى لا ~~أحس طول السفر، وذهبت من تو وصولي إلى دمنهور قاصدا إلى بيت منى، وكانت الساعة الرابعة ~~عندما طرقت الباب، وعرفتني الخادمة ففتحت لي غرفة الاستقبال. # وكان الجو حارا فخلعت طربوشي، ووضعت الكتاب الذي كان معي على منضدة، ومكثت بضع دقائق ~~أنظر حولي إلى ما في الغرفة وأنا أفكر فيما أقول إذا لقيت منى، كانت الغرفة كما تركتها آخر ~~مرة، الصورة الحزينة المجللة بالسواد، والستائر المقلوبة، والأواني المنكسة، وزادها كآبة ~~شيء من الإهمال في الترتيب والتنظيف، وكان قلبي ممتلئا بالإشفاق والحزن عندما جاءت منى مثل ~~زنبقة مشرقة، وملابسها السود تجعل على وجهها مسحة من الصفرة، وكان وجهها الباسم وعيناها ~~الصافيتان تقولان مع لسانها: «مرحبا، الحمد لله على السلامة!» ومددت يدي ms238 الاثنتين لآخذ ~~يديها وأضغط بهما على صدري، وأنا لا أدري ماذا فعلت، وكان خفقان قلبي يحول بيني وبين النطق، ~~وقالت منى وهي تجذب يديها: أهكذا لا تأتي إلينا إلا بإنذار؟ # فقلت في حرارة: كنت في الانتظار دائما. # وتركت يديها وجلست وقلبي يدق عنيفا. # وقالت في نغمة اعتذار: لو عرفت ما كنا فيه هذه الأشهر، لما تأخرت هكذا عن الحضور، في كل ~~أسبوع ننتظر إلى الأسبوع المقبل بغير فائدة. # فقلت: وأنا أيضا في كل يوم أنتظر الصباح المقبل بغير فائدة، في كل يوم أنتظر برقية ~~تنبئ بحضوركم، فلا يصل إلي إلا خطاب منيرة تقول لي: إنك تسلمين علي وتسألين عن صحتي ~~كما يفعل الذين يتقابلون في الطريق. أهذه هي الإشارة المنتظرة؟ # فضحكت قائلة: إذن فأنت الغاضب لا أنا! وماذا كنت تريد أن أقول غير أن أسلم عليك وأسأل ~~عن صحتك؟ أتنتظر أن أرجوك الحضور حالا كما يفعل أصحاب الأعمال؟ # فقلت بصوت متهدج: إذن فأنا أعترف بخطئي. كيف أنت وكيف صحة عمتي؟ # وكنت على وشك أن أسأل عشرات من الأسئلة لولا أنها قامت قائلة: هي أكثر زعلا ~~مني. # وقمت معها فدخلنا إلى حجرة السيدة وكانت جالسة على كرسي كبير إلى جوار سريرها، ومدت ~~إلي يدها قائلة: الحمد لله على السلامة! أنت هنا أخيرا؟ # فقبلت يدها وقلت: بل كنت هنا دائما. # فضحكت ناظرة إلى منى، وقالت: ومن يقدر عليه في القول يا منى؟ تفضل هنا يا سيد. # وأشارت إلى كرسي أمامها، وجلست منى على حرف سرير أمها. # فقلت مبادرا: لست أقول كلمة جوفاء يا سيدتي، فلو أطعت نفسي لكنت في كل يوم هنا. # وقالت السيدة وهي تمد رجليها متألمة: آه يا ولدي، ما أشد هذه الآلام التي أعانيها، كنا ~~نود تبديل الهواء لعل هذه الآلام تفارقني، ولكن كيف أسافر هكذا، والمشاكل التي لا تنتهي، ~~والقاهرة التي تحترق؟ النهاية يا سيد، الحمد الله على السلامة! لقد حزنت والله عندما علمت ~~بما حدث لك، ولا أدري ما هذه السياسة التي تعذبون أنفسكم فيها، رحم الله ms239 والدك العزيز ~~يا منى، كم قلت له أن يبعد عن السياسة، ولكن الحمد الله على كل حال يا سيد، قولي له يا منى ~~كيف كنا نقول: «أين سيد؟» # فقالت منى ضاحكة: قبل أن يشرب القهوة يا ماما؟ # وكانت الخادمة في تلك اللحظة داخلة تحمل صينية القهوة، فأخذت فنجانا كنت محتاجا إليه، ~~واستمرت السيدة في حديثها، وكان كل حديثها أو أكثره عن محمد خلف باشا وولده محمود: الباشا ~~يحسب عشرة آلاف جنيه على التركة، ويزعم أنه صرفها لحمادة الأصفر، مع أن الجميع يعرفون ~~الحقيقة، وإيراد العزبة البحرية يهبط إلى النصف، خمسمائة فدان لا يزيد إيرادها على عشرة ~~آلاف جنيه مع أنها من أجود الأطيان، والحديقة مائة فدان لا تأتي بأكثر من عشرين ألفا، ~~الأسعار هابطة لورثة السيد أحمد جلال خاصة، والأقطان لا يبيعها بسبعة وعشرين جنيها؛ لأن ~~البرلمان سيرفع الأسعار، ثم ينحل البرلمان والسيد محمود خلف يبقى في مصر ليمشي على هواه، ~~ومع ذلك فالباشا يطلب تحديد يوم الاحتفال بالعقد كأن السيد أحمد جلال مات من عدة سنين، وإذا ~~طلبنا التأجيل إلى بعد مرور سنة على الوفاة أصر الباشا على تصفية الحساب وأخذ الأطيان، كل ~~الأطيان، ثمانمائة فدان من أجود الأطيان، ومن البساتين في نظير ديونه، ومنى تزيد الأمور ~~تعقيدا بإصرارها على الرفض. # ونظرت إلى منى عندما وصلت إلى هذا الحديث، وقالت: انظر يا سيد كيف صارت عقول ~~بناتنا؟ # وقامت منى خارجة من الغرفة، فاستطعت أن أقول: أظن أن هذه الأمور تحتاج إلى روية، ولا ~~فائدة من سردها هكذا. # فقالت السيدة: وماذا نستطيع يا سيد؟ نحن في يد الباشا. # فقلت: هذا ما أقصده بقولي: إن هذه الأمور تحتاج إلى الروية، حتى لا نضر بمصلحتكم ولا ~~بمستقبل منى. # فقالت: حقا إن محمود ولد فاسد، ولكن هكذا الشبان اليوم، وأظنك توافق أن نتصرف ~~بحكمة. # فقلت: المهم أولا أن نفرق بين تسوية المصالح وبين موضوع العقد. # فقالت: اسمع يا سيد يا ابني، أنت مثل ولدي والسيد أحمد كان يقول إنك شاب عاقل ومثل ولده، ms240 ~~ويجب علينا أن نتصرف بحكمة . يعني يا ابني نضيع أنفسنا؟ ما معنى هذا العناد وكلما كلمتها ~~قالت: «يكفينا أقل ما عندنا» ألست توافقني يا سيد على رأيي؟ # وسكتت السيدة تنتظر جوابي، وكنت لا أعرف إلى تلك اللحظة ما السبب الذي حملني على الإسراع ~~إلى دمنهور هكذا، وشعرت بأني في أحرج موقف وقفته في حياتي، وكدت أصيح قائلا للسيدة: «هل ~~منى جارية؟ هل تريدين بيعها؟» # وقلت بعد صمت طويل: المسألة دقيقة يا سيدتي، وتحتاج إلى كل حكمتنا، وأول ما يهمنا هو ~~منى نفسها. # فقالت: طبعا يا ابني، هذا ما أقوله لها، هي أول ما يهمنا طبعا، ولا نريد إلا أن ~~نختار أحسن شيء لها. # فقلت في دفعة: هل تختارين لها محمود خلف؟ # فقالت: جهل الشباب يمر يا ولدي. # فقلت: هناك شبان آخرون يا سيدتي، ويحسن أن نفرق بين تسوية المصالح وبين أمر ~~الزواج. # فقالت في شيء من الغضب: أين هؤلاء الكثيرون يا سيد؟ أنرضى لها أحد هؤلاء الذين يتقدمون ~~لها؟ صعاليك تعلموا وتوظفوا بعشرين جنيها، ويتجرءون على التقدم لها؟ ماذا تصنع بهم منى؟ ~~أتختار أحدهم لتصرف عليه لتجعله إنسانا، ثم تقول للناس: «هذا رجلي؟» # فأطرقت صامتا وأظلمت الدنيا في عيني، وقمت قائلا: اسمحي لي الآن يا سيدتي، سأعود ~~للحديث مرة أخرى. # وكنت أقول في نفسي: لن أدخل هذا البيت بعد هذا. # وقالت السيدة: أين ذهبت منى؟ هذا ما استفدناه من المدارس والكتب والعصر الحديث، يا حسرة ~~علينا ما كنا نجرؤ على أن نقول كلمة. # ورفعت صوتها تنادي منى. # ثم التفتت إلي بنظرة التجاء قائلة: أرجوك يا سيد أن تساعدني. # وجاءت منى تنظر إلي صامتة، واستمرت السيدة تقول: ألست توافقني يا سيد؟ # وخرجت الكلمات من فمي كأني أنتزع خيطا من شوك، وقلت: أظن الأمر كله يتوقف على رأي ~~منى. # فقالت السيدة في نغمة عتاب حانق: ولكنها في حاجة إلى النصيحة. # وأطرقت لحظة مفكرا أعيد في ذهني كلمة السيدة عندما قالت في حنق: «ماذا تصنع به منى؟ ~~أتصرف عليه ليكون إنسانا وتقول للناس ms241 هذا رجلي؟» # وقلت في نفسي في حسرة ساخرة: «ماذا تصنع بي منى؟» # والتفت إلى السيدة وأنا أكثر ثقة فقلت: أرجو المعذرة يا سيدتي إذا لم أجد ~~نصيحة. # لم أقل رأيا عندما تقدم عبد الحميد لأختي منيرة. # فقالت السيدة: ولكن هذا موضوع آخر. # فقلت في إصرار: لو رفضت منيرة لكنت أوافقها. # فقالت في دفعة: ولكن منيرة تستطيع أن تجد كثيرين مثل عبد الحميد يا سيد. # فقلت في تحد: ومنى؟ # فقالت: كم في المدينة مثل محمود خلف؟ بل كم في البلاد كلها؟ # فقلت في شيء من الأنفة: اسمحي لي أن أخالف، المقاييس تختلف. # فقالت ووجهها يزداد حمرة: لا وجه للمقاربة يا ابني. # وتدخلت منى في الحديث قائلة: لماذا تتعبين نفسك يا ماما؟ ألم نتفق على ترك هذا ~~الموضوع نهائيا؟ # فقالت السيدة: ما معنى نهائيا؟ يعني أن نصفي حسابنا ونضيع ثروتنا؟ # وبدأت بينهما مناقشة طويلة لم أتدخل فيها؛ لأنها تتصل بأرقام لا أعرفها، وكانت السيدة ~~تنطق بها في حنق حتى خشيت على صحتها، وكنت في أثناء هذه المناقشة صامتا أفكر حانقا فيما ~~قالته السيدة، ولكني لم أستطع أن أظهر ما ثار في نفسي، كانت كلماتها تصطدم بقلبي كأنها ~~قذائف من الرصاص كلما سمعتها تساوم في منى، وخرجت مستأذنا أكاد أترنح وقلت وأنا ~~أتكلف الهدوء: أرجو لك العافية يا سيدتي. # فقالت منى ضاحكة: النتيجة أننا نسينا ما كنا نريده من سيد، كنا ننتظر حضوره كل أسبوع ~~لنسأله عن رأيه، ثم نضيع الوقت في أحاديث أخرى، ما رأيك فيما يعرضه الباشا علينا، يريد أن ~~يأخذ الأطيان ليستوفي بها دينه. هذا كل شيء. # ووقفت صامتا لا أدري كيف أفكر في تلك المفاجأة، وماذا أعرف في هذه الشئون حتى أبدي ~~رأيي؟ # فقالت منى مستمرة: ليس المهم أن تقول لنا رأيك في الصفقة ذاتها، فهذا أمر يتولاه ~~المحامي والخبير، وهما أعلم بهذه الأمور منا، الأمر كله يتعلق بك أنت، هل تستطيع أن ~~تشرف على شئون المحلج إذا اتفقنا على التسوية التي يعرضها الباشا؟ لست أجنبيا عنه ~~ولا عن ms242 الذين فيه وثقتنا فيك مطلقة ، ونظرت إلي باسمة. # فقلت بغير تفكير: دعي لي وقتا لأفكر. # فقالت: لا حاجة إلى العجلة في الجواب، أمامنا وقت طويل قبل أن يفرغ الجميع من إجراءات ~~الاتفاق، وستكون معنا غدا بغير شك؛ لأننا ذاهبون جميعا إلى العزبة؛ منيرة وعبد الحميد ~~وماما، وستعود ماما من هناك سائرة على قدميها. أليس كذلك؟ # ونظرت إلى أمها التي كانت عند ذلك عابسة مطرقة تضع رأسها على يدها. # وخرجت لأنصرف صامتا، ولا أدري إن كنت قد تبينت عند ذلك ماذا قالت منى؛ لأني كنت في ~~جدال عنيف مع نفسي. # وقالت منى ونحن سائران وهي تمسك بذراعي: هذه هي اللحظة الموعودة يا سيد، اللحظة التي تقف ~~فيها إلى جانبي. # ونظرت إلى عينيها، وهي ترفع وجهها إلي، وكانتا مثل البحر الصافي العميق في يوم من ~~أيام الربيع الهادئة، ودخلنا إلى غرفة الضيوف لأستعيد طربوشي وكتابي، فقالت منى: لم تقل ~~بعد إنك ستأتي معنا. # وكان وجهها في عيني كما كنت أراه دائما مثل زهرة الفول في الصباح إذا جللها الندى، ~~وعودها الرشيق مثل تمثال رائع، ولو أطعت نفسي لركعت عند قدميها قائلا لها: ~~«معبودتي!» # وأخذت يديها فوضعتمها بين كفي، ورفعتهما إلى صدري في لهفة، وقلت في نفس مبهور: طبعا ~~يا منى، وهل أرفض السعادة؟ هل أستطيع أن أقول لك: «لا»؟ ولكني أجد فيما تعرضين علي شيئا ~~من المرارة، وإن كنت لا أدري كيف أرفض. # فقالت: أي مرارة؟ # فأجبت في هدوء: لست أعرف كيف تنظرين إلي وأنت تطلبين مني أن أشرف على المحلج، لن ~~أستطيع عند ذلك أن أقول لك الكلمة التي عشت هذه السنين راجيا أن أقولها لك يوما، لن أجرؤ ~~أن أقولها لك إذا اشتغلت عندك، ولا فرق بين أن أكون في المحلج مديرا أو وزانا. # وتوقفت لحظة، ثم تهدج صوتي وأنا أستمر قائلا: لم يكن لي في الحياة إلا حلم واحد وهو حبك ~~يا منى. # ورفعت يديها إلى شفتي فقبلتهما في حرارة. # واندفعت قائلا: حبك هو الذي يدفعني دائما، ويوحي إلي، ms243 ويجعل لي في الحياة غرضا ، ~~ولست أحب أن أعرضه للسخرية حتى يقول أحد إنني أحب سيدتي، أو يقول أحد إنك تريدين أن ~~تجعليني إنسانا وتقول للناس: «هذا رجلي.» وأنا آسف إذ أقول لك هذا، فإني أبدو لنفسي ~~جديرا بالسخرية وأنا أقوله. # فأطرقت برأسها ويداها ما زالتا على صدري، ومالت حتى مس رأسها كتفي، وقالت بصوت ~~منخفض: لم تقول هذا؟ # وبغير أن أشعر بما فعلت ضممتها إلى صدري وقبلت جبينها. # | الفصل الثالث والثلاثون # تمر علينا أحيانا لحظات طويلة أو قصيرة نكون فيها مثل الريشة في مهب الرياح ~~المتعارضة لا نعرف لأنفسنا اتجاها، وهذا ما حدث لي بعد خروجي من بيت منى، لم أدر ماذا ~~أريد ولا ماذا أحس، وتنازعتني دوافع متضادة كل منها يجعلني أشك في حقيقة آرائي وصدق ~~مشاعري. منى تسألني أن أقف إلى جنبها وتقول لي هذه هي اللحظة الموعودة، وهناك في القاهرة ~~معركة كبرى في سبيل الغاية التي آمنت بأن الحياة تناديني من أجلها، وها هي ذي منى تستمع ~~إلي وأنا أقول لها في أول مرة من حياتي: «أنا أعيش من أجل حبك، وأخشى أن أكون موضعا ~~للسخرية.» فتميل برأسها على كتفي قائلة: «لم تقول هذا؟» # وبقيت صورتها ونغمة صوتها تترددان في كل كياني، وأنا أتحدث إلى أمي وأختي وأستمع إلى ~~تحياتهما الممزوجة بالعتاب على طول غيبتي عنهما. # ولما جاء عبد الحميد في ساعة الظهر كانت دهشته عظيمة لزيارتي المفاجئة، وسألني: متى ~~جئت؟ # فقلت: في قطار الصباح. # فصاحت منيرة: وأين كنت؟ # فأجبت في نشوة: عند منى. ألم تبعثي إلي أنها متألمة مني؟ # وأخذت عبد الحميد لنجلس في غرفة الجلوس، وأفضيت إليه بكل ما قلت وما قيل لي، فخبط على ~~كتفي قائلا: لأول مرة تستحق احترامي. # ودخلنا في مناقشة طويلة بعد ذلك عندما ذكرت له تنازع أفكاري بين إجابة رغبة منى وبين ~~تلبية نداء المعركة التي تناديني. # فما كاد عبد الحميد يسمع كلمتي حتى انفجر ضاحكا وقال: لا تكن أحمق بهذا القدر، تستطيع أن ~~تكتب ما تشاء وأنت هنا، ms244 ولكنك لا تستطيع أن تقف إلى جنبها إلا هنا. # والمناقشة تخرج في كثير من الأحيان إلى مكابرة يندفع إليها كل من طرفيها مع الكبرياء، ~~كأنها معركة يخشى كل منهما الهزيمة فيها، وهذا ما وقع بيننا لمدة ساعتين حتى جاء وقت ~~الغداء وكل منا متمسك بآرائه، ومن العجيب أنني كنت أجادل صاحبي وأنا أحس في الوقت ~~عينه بسرور خفي كلما وجدت في حجته قوة، كأنني كنت أريد من المناقشة أن أقنع نفسي بأن عملي ~~سيكون في نظر الناس طبيعيا لا موضع فيه للسخرية. # وكان اليوم التالي من أسعد أيام حياتي، فذهبنا جميعا إلى العزبة وهي لا تبعد عن ~~دمنهور بأكثر من عشرين كليومترا، وكانت قطعة جميلة من الهندسة والخصب والذوق الجميل، في ~~تنسيق طرقها ونضرة زرعها وبهاء المسكن الأنيق الذي بناه السيد أحمد جلال قبل موته بعام ~~واحد، وذهبت مع الأماني إلى أبعد مذاهبها عندما تخيلت نفسي مقيما في ذلك القصر مع منى، ~~ومن حولنا ذلك الريف الجميل في معزل عن الناس جميعا، ومرحنا في ذلك اليوم السعيد، كأننا ~~جميعا عدنا إلى الطفولة، حتى إن السيدة الكبيرة وأمي نفسها نسيتا أن للسن أو لآلام ~~المرضى ضرائب لا بد من الاحتياط لها، ولكن العاقبة كانت على غير انتظار خاتمة طيبة لليوم ~~السعيد، فقد عادت أمي من تلك الرحلة بذخيرة من المرح والنشاط كما عادت السيدة الكبيرة تسير ~~على قدميها كما تنبأت منى، والشيء الوحيد الذي عكر بعض صفاء تلك الرحلة أن السيدة ~~استمرت تجادل منى على طول طريقنا في العودة، وتصر على الاحتفاظ بالعزبة مهما كانت ~~الظروف، ولكن منى تخلصت من المناقشة الحادة بضحكتها الوديعة قائلة: نستطيع أن نشتري أحسن ~~منها. ولما عدت إلى القاهرة كانت الدنيا تبدو في عيني بألوان أخرى غير التي تعودت أن ~~أراها، وبدأت أنظر إلى الأمور نظرة جديدة غير التي كنت أنظر بها. # كانت الحكومات تتعاقب في أسابيع قليلة، وكل منها لا تدري أين تضع أقدامها، وسألت نفسي ~~مرارا أين تنتهي هذه المهازل التي يمثلها صغار في ms245 أسماء منفوخة، أساليب واحدة وإن تعددت ~~الأدوار التي يمثلها كل منهم والنتيجة المحتومة واحدة، كنت كل يوم أسأل نفسي: «إلى أين ~~نصير؟» ولم يكن لهذا السؤال إلا رد واحد: ثورة أخرى مثل التي وقعت في 26 يناير الماضي، ~~ولم لا؟ غير أني كنت أعود دائما فأقول: «وماذا نجني من مثل تلك الثورة؟» وماذا يجني ~~الجسم العليل الذي تسممت دماؤه من انفجار جلده بالقروح ذات الصديد؟ # والآن تقترب نهاية القصة على فجأة كما تنتهي القصص الرديئة، وإن كنت أعتذر عن هذه ~~النهاية المفاجئة بأنني لم أتعمدها؛ لأن المقادير هي التي جعلتها تنتهي فجأة، المقادير تصرف ~~شئون الحياة كما تريد هي لا كما يريد الأحياء، بل إني أستطيع أن أعتذر عن المقادير نفسها، ~~فأقول: إنها لم تدبر لهذه القصة نهاية بل دبرت لقصة جديدة. هكذا الحياة تسير في سلسلة ~~من القصص التي تنتهي كل منها إلى بداية أخرى، ولا يستطيع أحد أن يعلل حوادث المقادير ~~مهما أوتي من الحكمة، فكيف أستطيع أنا أن أعللها وما أوتيت من الحكمة شيئا؟ كل ما ~~أفخر به أني آمنت بأن الحياة نادتني وأن للأقدار حكمة وأننا نتجه في الحياة كما توجهنا ~~أسرار صغيرة عظيمة أو مواقف تافهة خطيرة، لا ندرك قيمتها في لحظتها، ولا نعرف أنها هي التي ~~وجهت حياتنا إلا بعد أن نمضي على الطريق، ويصبح من المحال علينا أن نعود أدراجنا. # قد يقول البعض: إننا نملك مصائرنا، وإن الحوادث التي تقع لنا ما هي إلا نتائج محتومة ~~لمقدمات ثابتة، وقد يكون هذا صحيحا، ولكن نهاية هذه القصة تخالف هذه السنة على ما بدا لي، ~~وما أزال أراها من الأمور الغامضة التي تبعث الدهشة والعجب، ولقد بلغت بي الحيرة أنني ~~عددتها كرامة من كرامات الأولياء أو معجزة من معجزات الإرادة الإلهية، وإلا فكيف كنت ~~أتصور كل ذلك الانقلاب في الأسابيع القليلة التي قضيتها في القاهرة بعد عودتي من ~~دمنهور؟ # فقد اتفق وقوع حادثين في وقت واحد، بل في ساعة واحدة، وكانت فيهما نهاية ~~القصة. # في ms246 صباح اليوم الثالث والعشرين من شهر يوليو وقعت الحادثتان معا، وأنا أسجلهما هنا؛ لأن ~~بهما تنتهي هذه القصة، أو بقول آخر تبدأ قصة جديدة. # فأما الحادث الأول فهو أنني كنت جالسا إلى جانب المذياع أستمع إلى قرآن الصباح وإلى ~~أخبار اليوم الجديد، فإذا صوت ينطلق معلنا قيام ثورة من الجيش! الجيش! الله أكبر! الجيش ~~الذي كنا نخشى أن يكون هو عماد الطاغية الرهيب؟ # الجيش يعود مرة أخرى ليثبت أنه من أبناء الوطن، وأن الطاغية يسخر منه كما يسخر من الأمة، ~~ويعبث به كما يعبث بالأمة! إنها لكرامة من الولي الذي جاورته في هذه الأشهر الماضية، وكنت ~~أذهب إليه كل صباح لأؤدي صلاة الفجر بعين دامعة، وقمت مسرعا لأصلي في مسجد الحسين؛ لأني ~~في دهشة المفاجأة آمنت بأنها كرامته، وإلا فكرامة من؟ الأمة كانت لا تستطيع إلا ثورة مثل ~~التي وقعت في يوم 26 يناير، ولكن هذه ثورة أخرى، ثورة بيضاء تعرف غايتها. # وأما الحادث الثاني فإني ما كدت أعود إلى شقتي المتواضعة في باب الخلق حتى وجدت برقية ~~تنتظرني! «تم الاتفاق وفي انتظارك اليوم حسب الاتفاق. منى.» # وسرت كما أنا بوضوئي وخشوعي ودهشتي قاصدا إلى المحطة مخترقا طرق القاهرة المزدحمة ~~بأمثالي من الذين خرجوا إلى الطريق ليسأل بعضهم بعضا في دهشة: «كيف حدث هذا؟» # وسافرت إلى دمنهور في قطار الصباح، وكنت على طول الطريق أفكر خاشعا وأسأل نفسي: «كيف ~~يحدث هذا؟» واستقبلتني منى باسمة، وفتحت لها ذراعي، وكانت هي الأخرى تقول إذ تندفع إلى ~~صدري: «كيف يحدث هذا؟» ms247