######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.AzharShawk.Hindawi60929519 #META# Tags: novels #META# ID: 60929519 #META# Title: أزهار الشوك #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أزهار الشوك‏ # أزهار الشوك‏ # | أزهار الشوك # | أزهار الشوك # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | أزهار الشوك # 1 # كانت ساعة الظهيرة عندما بلغ فؤاد أطراف القرية، وكانت البركة الخضراء تلمع ساكنة تحت ~~الشمس، يخفف من حرها نسيم خفيف يجعد سطح الماء، وكان سرب من الإوز يسبح متصايحا في ~~أركانها، وعلى جانبها بعض أطفال عراة من أبناء القرية المجاورة يتمرغون في التراب حينا ~~ويغطسون في الماء حينا آخر، ويملئون الفضاء ضحكا وضجيجا. # وكان على جانب آخر من البركة كلب ناعس يتكئ برأسه على يديه ممدودتين في استرخاء، والدجاج ~~يتواثب حوله ينبش الطين باحثا عن الطعام، فيثير حوله سحابة رقيقة من غبار. # وكانت قرية النجيلة من وراء البركة عن يسار الطريق، تدرج صاعدة على نشز من الأرض، حتى ~~يطل أعلاها على أسفلها، وما بين ذلك طرق ضيقة ملتوية تتعرج في تلافيف صاعدة من دار إلى ~~دار، فكانت القرية تبدو من بعيد كأنها قلعة، وتلوح من قريب قطعا من بناء مكدس فوضى، وكان ~~فيما يلي البركة عن اليمين فضاء فسيح يتخذ أهل القرية جانبا منه «جرنا» ويعقدون فيه ~~أسمارهم ويحتفلون بأعراسهم ويتفسحون فيه في ليالي الصيف القمراء، وكان يحف بذلك الفضاء أجم ~~من النخيل يلقي عليه في الصباح ظلا ويخلع على منظره رونقا، ولكنه كان في الليل يلوح ~~للأعين رهيبا يتحامى أهل القرية السير فيه خوف أن تعترض سبيلهم «الأرواح»، وكان إلى جانب ~~النخيل كوم أحمر «كفري» يمد ذراعا نحو فضاء «الجرن» ويترامى من ورائه صاعدا ويزيد عرضا ~~كلما قرب من طرفه البعيد. # وكان الفلاحون يتخذون من تراب الكوم سمادا لأرضهم؛ ولهذا تركوه مهشما مضطرب السطح بين ~~حفر غائرة وأضراس بارزة، وعلى وجهه حطام مختلف الألوان بين قطع حمراء وزرقاء من الآجر ~~والفخار، وعظام من جماجم أو ضلوع. # وكانت دار الأفندي متنزهة عن القرية إلى اليمين، يهبط إليها الطريق من حافة البركة على ~~مسيرة دقائق بين الحقول الخضراء، وهي بسيطة البناء يحيط بها سور من شجيرات ملتفة شائكة تحجب ~~الأنظار عنها ولا تحجب منظر الحقول ms001 عمن في داخلها، وكان في ساحة الدار بستان يتخذه الأفندي ~~حقلا يزرع فيه ما يحتاج إليه من خضر وبقول، وفيه ساقية تظللها شجرتان من الجميز، ومن حولها ~~بعض كروم ونخلات وأشجار شتى مبعثرة في غير نظام. # كان الأفندي في شبابه موظفا، ثم غادر الوظيفة، وآثر أن يعتزل في الريف، فاشترى قطعة من ~~أرض تجاور قرية النجيلة، وبنى بها تلك الدار ليقيم فيها مع زوجه، وليس لهما سوى ولد وحيد ~~يخطو إلى حدود العشرين في كلية الحقوق، فإذا أتى الصيف انتظر الوالدان وحيدهما في لهفة ~~ليملأ عليهما الحياة في معتزلهما البعيد. # وكان فؤاد ابن الأفندي يقيم بالقاهرة مدة العام مع بعض لداته من طلاب العلم في منزل ~~مستأجر، حرص أبوه على ذلك على غير رغبة من أمه التي كانت تود لو أقام في بيت من بيوت ~~أخواله، فقد كان حسني أفندي يرى رأيا لا يرضى أن ينزل عنه في تربية وحيده، ولم يحدث له ~~يوما أن ندم على رأيه، إذ مضى فؤاد في دراسته موفقا، فكان في كل عام يراه إذا عاد إليه ~~كأنه عود طيب ينمو يانعا مزهرا. # وأقبل فؤاد من القاهرة حتى بلغ القرية، وكان يركب بغلة أبيه تسير به فارهة مطمئنة الظهر ~~وعليها سرج ملون من نسيج الأعراب، ومن ورائه ثلاثة من أهل العزبة يحملون حقائبه. # فلما بلغ الدار نزل عن البغلة وأسرع داخلا يثب في خطواته حتى قفز سلالم المدخل وأخذ بيد ~~أبيه يقبلها، وكان الوالد جالسا في صدر البهو، فلما لمح ولده قام إليه يستقبله، وقبله ~~بين عينيه قائلا: أحمد الله على سلامتك. # وخرجت الأم فاتحة ذراعيها فضمت ولدها دامعة العين وهي ضاحكة، وقالت له وهي ~~تربت: لقد نحفت يا فؤاد. # ثم دخلوا إلى الدار يستمتعون بالشمل المجتمع بعد فراق عام طويل، ودار فؤاد حول أركان ~~الدار كأنه يستعيد عهدها، وقضى مع والديه ساعة يقص عليهما أنباءه ويستمع في شوق إلى ~~أحاديثهما حتى أعدت مائدة الغداء، وكانت الأم قد حشدت لها كل ما عرفته شهيا عند ms002 ~~وحيدها . # ولما هدأ فؤاد بعد العصر، خرج إلى المنظرة يريد أن يرى من هناك، فكل من في العزبة ~~أصدقاء قدماء رأوه صغيرا، ثم فتى يافعا، ثم رأوه بعد ذلك شابا، وهو إذا حل بها كأنه ~~عاد إلى كل بيت من بيوتها، وكان يعرف أنهم سيأتون إليه واحدا بعد واحد إذا فرغوا من عمل ~~النهار، وكان به حنين إلى أن يراهم جميعا. # وأول من لقيه من أهل العزبة رحومة البدوي المرح الكسول. # كان رحومة أو «عبد الرحيم» شيخا في السبعين، ولكنه أعجوبة في الشيوخ، كان يسير عاري ~~الصدر حتى في أشد الأيام بردا، ولا يلبس إلا ثوبا من القطن الخفيف الأزرق يشتريه في كل ~~عيد فلا يخلعه إلا في العيد الذي يليه، فإذا اشتد البرد في ليالي الشتاء التحف بحريم ~~من الصوف يتخذه في الليل غطاء ثم ينحيه عنه إذا حميت شمس النهار، فهو يجعله زينته إذا ~~استقبل زائرا وبساطه إذا أكرم ضيفا، ومظلته إذا آذاه حر الشمس، وكان يسير مستقيم الظهر ~~ويحب أن يجرش الفول بأسنانه البيضاء، فإذا رأى زكيبة منه أسرع إليها ليصيب منها قبضة يجرشها ~~فولة بعد أخرى، وقد تزوج من نساء عدة من فقيرات الأعراب، ولكنه لم يعقب منهن ذرية سوى ~~تعويضة، وكانت فتاة في السابعة عشرة إذ ذاك. # ولكنه كان كسولا، فأحب شيء عنده أن يستلقي في ظل النخيل ظهرا أو يعرج على حلقة من ~~الناس يشارك في حديثها، وكان مرحا ظريف المجلس فما يكاد يمر بجمع حتى يدعوه ليستمعوا إلى ~~آخر أخباره، وكان يترك حقله لامرأته وابنته؛ ولهذا كان لا يكاد يجد الكفاف من العيش، فإذا ~~تذمرت امرأته فقذفته بما شاءت من قول ضحك ساخرا وانصرف عنها بكلمة لاذعة، ولكن ابنته ~~كانت تحبه، فإذا سمعت أمها تعنفه وقفت لها تدافع عنه في حماسة وترد عليها تعنيفها. # وكان رحومة مع فقره متكبرا يكاد يكون غطرسا في بعض الأحيان، كان لا ينسى أنه حر ~~بدوي من أحرار بدو لا ينبغي لهم إلا أن يكونوا حيث خلقهم الله، ms003 وكان يرى المال عرضا لا ~~قيمة له في قيم الرجال، فقد يكون غني اليوم فقيرا في الغد، وقد يكون الفقير من بعد غنيا، ~~ولكن المرء نفسه يبقى كما خلقه الله. # والناس عنده صنفان: فمنهم البدوي ومنهم غير البدوي، وما كان ينسى أن يشكر الله إذ خلقه ~~بدويا. # ولما رآه فؤاد داخلا ناداه من أقصى (المنظرة): أين أنت يا رحومة؟ # فصاح بصوته القوي: مرحبا! # وأسرع في مشيته ليلقاه مادا يده مصافحا، وكانت تحية حارة من مصافحة مكررة على طريقة ~~الأعراب: إيش حالك؟ إيش لونك؟ وسأله فؤاد عن أخباره فجعل يقص عليه من الأنباء ما ادخره في ~~عامه، وقص عليه نبأ سجن «سلومة». # كان فؤاد يعرف عبد السلام أو «سلومة» كما يسميه أهل ذلك الريف على طريقة الأعراب، كان ~~الناس يسمونه الصقر أحيانا أو الذئب أحيانا، ففيه شبه لا شك فيه من الصقر والذئب معا، ~~كان فارسا في حلبات «البرجاس» في موالد الأولياء، وكان مبارزا ماهرا بالعصى، إذا نازل ~~أقرانه هزم أمهرهم واحدا بعد واحد، وكان يستطيع أن يضع الرصاصة حيث شاء من الهدف الذي يرمي ~~إليه. # وكان شابا نحيفا يضع على رأسه عمامة صغيرة فوق «لبدة» ويلف أعلى جسمه بشملة بيضاء من ~~صوف، وكان في أول أمره في عزبة الأفندي، ثم اتصل به أحد أعيان الريف المجاور واسمه إبراهيم ~~ميسور فحبب إليه أن يكون عنده، وكان ذلك الرجل يستكثر من مثله ليكونوا له أتباعا، فانتقل ~~سلومة إليه مع أمه وأخيه، ومع ذلك كان بين حين وآخر يزور الأفندي محافظة على مودته ~~القديمة، ولكنه لم يبق على عهده الأول، فكان إذا سار أمام البيوت يخطر معجبا، ويتخذ في ~~ملبسه زينة المترفين، فما لبث أن رأى من الأفندي انقباضا عنه فصار لا يزوره إلا لماما، وما ~~مضى عليه إلا أعوام يسيرة في عزبة ميسور حتى تبدل تبدلا عجيبا، فقد ضرى في زهوه حتى صار ~~فاتكا، يسطو بمن يخاشنه، لا تأخذه بأحد رحمة ولا تدفعه عنه رهبة، ثم تمادى في فتكه حتى كان ~~الناس ms004 كلما اجتمعوا جعلوا حديثهم همسا عن آخر ما جناه. # ولكن أهل القرى كانوا يتحامونه ولا يجرءون على أن ينموا عليه، وكان إبراهيم ميسور يدفع ~~عنه أذى الأقوياء، وإذا أجرم جريمة أسبل عليه جاهه وأقام له محاميا حتى يبرئه. # وأخذ «رحومة» يقص على فؤاد نبأ الرجل الذئب وما حدث بينه وبين سيده ميسور من القطيعة، ~~فحكى له كيف انقلب «سلومة» على صديقه القوي فكشر له عن نابه، فلم ينم عنه ميسور حتى بعث ~~به إلى السجن ليلقى جزاء جرائمه. # ولم يخل قلب فؤاد من الأسف عندما تمثل صورة ذلك الرجل وهو يطارد أقرانه رشيقا خفيفا ~~فوق فرسه في حلبات السباق. # وسأل رحومة قائلا: وماذا فعلت أمه وأخوه؟ # فقال رحومة: جاءوا إلى هنا. # فقال فؤاد راضيا: أود أن أراهما. # فقال رحومة: لا شك أنهما آتيان للسلام. # فقال فؤاد: وكيف حال تعويضة؟ # فقال الرجل ضاحكا: كما تركتها في العيد. # وتذكرها فؤاد في يوم العيد السابق إذ أهدى إليها ثوبا من القطن زاهي اللون فضحكت ~~قائلة: أألبس هذا؟ # فما كانت تعويضة ترضى سوى ثوبها الأسود تتخذ له حزاما من الصوف الأحمر من نسج أمها، ~~فاشترى لها فؤاد ثوبا أسود من قطن في حرير، فلما لبسته جاءت إلى الدار تهنئ سيدتها بالعيد، ~~وكان «فؤاد» جالسا إلى جانب الساقية تحت ظل الجميزة يقرأ في كتاب، فحيته قائلة: تعيش لكل عام يا حاج فؤاد. # وكانت هذه طريقتها في خطابه، وما زال صوتها يرن في أذنه عذبا وهو يسأل عنها ~~أباها. # كانت تعويضة كأنها زهرة برية يانعة، لها عينان سوداوان نجلاوان وأنف جميل فيه حلقة من ~~فضة، وكان تحت فمها الحسن وشم يمتد من أسفل شفتها إلى ذقنها، ولها بشرة سمراء صافية تعلوها ~~حمرة. أرأيت زهرة البر إذا تفتحت في خميلة شعثاء في شعب من شعاب الصحراء؟ هكذا كانت تعويضة ~~تبدو إذا لبست ثوبها الأسود ومن حول وسطها حزامها الأحمر، وكان صوتها عذبا إذا نطقت ~~بلهجتها، وتنطلق في حديثها هادئة كالنسيم حينا وثائرة كالعاصفة حينا، لا تختلج من ms005 تكلف ~~أو حياء، ولا تتعثر من تردد أو خوف. # وكان فؤاد يحس لها ميلا ولا يملك كلما رآها أن يبسم لها، ويرتاح إلى سماع ندائها إذا ~~نادته: يا حاج فؤاد. # وكان كلما أتى إلى العزبة في الصيف يقضي كثيرا من وقته في «غيطها» يساعدها في عملها، ~~وكانت الأرض هناك كثيرة النجيل، فكانت هي وأمها لا تكادان تغيبان عن الحقل ساعة كأنهما ~~تجاهدان هذا النجيل جهادا، فإذا ذهب فؤاد إلى حقلها جعل يقلع معها النجيل حينا أو يحول ~~الماء من المساقي لري خطوط القطن أو يعزقه معها إذا جفت الأرض، وكان ذلك يثير في الناس ~~عجبا في أول الأمر، حتى لقد تهامسوا فيما بينهم عنه وعنها، وبلغ الحديث إلى أبيه ففاتحه ~~فيه فقال لأبيه ضاحكا: «لعلي أحب أن أتزوجها يا أبي»، فأمسك عنه أبوه فلم يعد إلى كلمة ~~أخرى مثلها، بل لقد صار إذا رآه مقبلا ساعة الظهيرة محمر الوجه تبسم له قائلا: «هل فرغت من عملك في حقلها؟» # وكان فؤاد يجيب في ابتسامة هادئة متحدثا عما كان منه في يومه. # وكان فؤاد بعد هذا يرى تعويضة في ليالي القمر إذا اجتمع أهل العزبة في الفضاء المجاور ~~للدار، كانت تحيي حلقة السمر الساذج، فترقص رقصة الأعراب في «الصابية»، تخطر رشيقة في ~~الحلقة والأكف ترن وأصوات الإنشاد الصاخبة تدوي من حولها. # وكانت صورتها كلما خطرت لفؤاد بدت له كأنها لوحة من لوحات الفن الجريء أو صورة من صور ~~الشعر الوحشي في عصر مضى. # ولكنه لم يسأل نفسه عما يحسه نحوها، فإنما كان يراها معجبا بحسنها كما يعجب بزهرة ~~يانعة على حافة ترعة. # ومضى رحومة يتحدث في مرح عن تعويضة، وفؤاد يستمع إليه في اهتمام: لقد تجرأ محمود بن ~~خضرة فجاء إليه يخطبها، ولم يرض رحومة أن يذكر اسم والد الفتى - الشيخ عبد المقصود شيخ ~~البلد في قرية النجيلة - متعمدا أن ينسبه إلى أمه تحقيرا وازدراء، وكان محمود فتى يرضاه ~~أهل النجيلة جميعا إذا طلب إليهم أن يكون صهرا، ولكنه كان فلاحا وما ms006 كان ينبغي له أن ~~يجرؤ على مصاهرة رحومة البدوي، فرده رحومة ردا عنيفا، ولم تخل تعويضة من الغضب عندما ~~ذكر أبوها اسم الفتى لها، وسأله فؤاد عن أخي سلومة، فانطلق رحومة يثرثر عنه، وكان حديثه ~~مرحا عاطفا. # كان اسمه عبد القوي، ولكن رحومة نطق اسمه «قوية» على طريقة الأعراب؛ لأنه كان مثله ~~بدويا، وكان في نحو الخامسة والعشرين عندما عاد إلى العزبة بعد أن ذهب أخوه سلومة إلى ~~السجن رهن القضاء، جاء هو وأمه مبروكة فاتخذا لهما خيمة إلى جانب الكوم الأحمر، ورحب بهما ~~الأفندي لأنه عرف قوية صغيرا، وكانت مبروكة أمه امرأة طيبة حلوة اللسان كريمة، فلما عادت ~~إلى العزبة - بعد أن بعدت عنها بعض سنوات - لقيت من كل أهلها ارتياحا وبشاشة. # وأخذ «رحومة» يصف قوية وما فيه من شبه بأخيه في قامته وهيئته وفي فروسيته وفتوته، ولكنه ~~لم يكن مثل أخيه غطرسا مزهوا، ولم يكن مثله شيطانا مرعبا، كان ينشد شعر البدو بصوت ~~مليء مطرب، ويهز حلقات السمر ضحكا بألاعيبه الرشيقة وتندره المعجب، وكان فؤاد لم يره منذ ~~سنوات ولم يعرف فيه شيئا مما تحدث به رحومة، فحبب إليه ذلك الحديث أن يراه. # وتوافد أهل العزبة على الدار ونزل الأفندي يستقبلهم مرحبا، فتنحى رحومة إلى ركن بعيد ~~يجرش الفول، وامتلأ البهو بالزائرين بين شباب وكهول، وجاء من قرية النجيلة آخرون ليهنئوا ~~الأفندي بسلامة ولده، وكانت أكواب الشاي تدور على الضيوف في خلال الأحاديث دورا بعد دور، ~~وأدرك فؤاد في ذلك المجلس كل ما غاب عنه من أخبار ريفه في مدة العام الطويل. # 2 # رأى فؤاد بعد ذلك قوية وكان لم يره من سنين، كان ممدود القامة عريض الصدر ضخم الهامة، ~~ولكنه كان طلق المحيا واسع العينين يبعث مظهره الثقة، وأنس إليه فؤاد منذ رآه وقربه، ~~فوجده خفيفا إلى الخدمة سريعا إلى الاستجابة كلما أراد أن يجول في الريف جولة، فكان ~~يستصحبه كلما أراد نزهة في الكوم الأحمر أو ذهب إلى الصيد في المناقع ذات الأعشاب الطويلة ~~على حوافي ms007 الحقول، وكثيرا ما كان يصاحبه في الليالي التي يسهر فيها الفلاحون عند امتلاء ~~الترع ليدركوا فرصة ري الزرع قبل أن تمضي مدة «النوبة». # ونشأت بينهما على الأيام مودة تشبه أن تكون صداقة، وكان قوية في كل تلك الجولات مرحا ~~وثابا خفيف الروح يعرف اسم كل عشب وكل زهرة وحشرة، ويطرب لمشاهد الأرض والسماء في حماسة ~~معدية، فكان فؤاد يطلع في صحبته على محاسن لم تبد له من قبل في مناظر الطبيعة الشعثاء، ~~وأعداه منه طربه إليها حتى صار يتذوق كل ما فيها، حتى لقد أصبح يطرب إلى الموسيقى الوحشية ~~التي تنبعث في هدأة الليل من أصوات الضفادع والحشر أو نعير السواقي. # وكان قوية يعرفه بمواقع النجوم في المساء وقبيل الصباح، ويسمي له أسماءها ويقص عليه ~~قصصها، إذ كانت تعيش على الأرض قبل أن تصعد إلى السماء. # وكان فؤاد يذهب معه أحيانا إلى خيمته فيستمع إلى أحاديث أمه، إذ تحكي لهما قصص قومها في ~~موطنها الأول بمريوط، وتجعل قصصها تفوح بعطر النرجس البري الذي ينبت على جوانب كثبانها، ~~كانت تحدثهما أحيانا عن غارات قبائل البدو ومصارع أبطالها، وأحيانا عن نجوى أحباب الصحراء ~~تحت ظلال النخيل في جوار العيون المتدفقة. # وكان فؤاد في بعض الأحيان يطيب له أن يقضي الليل عنده، فيمهد له قوية فراشا في جوار ~~خيمته فيقضي ليلته تحت السماء، حتى إذا استيقظ في الصباح مسح الطل عن وجهه وهب نشيطا ~~يجوس خلال الحقول قبل مطلع الشمس، يعجب بلآلئ عقود الندى فوق نسيج العناكب، ويملأ صدره من ~~الهواء البليل الذي يفوح بروائح أعشاب البر السابحة في الفضاء. # وكانت مبروكة تعد له في الصباح طعاما من عصيد أو رقاق مبسوس، فيعجبه طعامها كما تطربه ~~حفاوتها. # هكذا قضى فؤاد في العزبة شهرا لا يكاد صاحبه ينقطع عنه يوما، ثم جاء إليه قوية ذات مساء ~~وكان على غير عادته كئيبا، فلما سأله عن أمره قال له: غدا محاكمة أخي. # وكان فؤاد قد نسي في تلك المدة ذكر سلومة أخي قوية، فلم تخطر له ms008 منه خاطرة ، وكان قوية ~~كذلك لا يورد ذكره في أثناء جولة أو مجلس كأنه كان يتعمد ذلك تحرجا من ذكره، وشعر فؤاد ~~بشيء يشبه أن يكون خجلا، إذ كان يكلف الفتى أن يصحبه ويمرح معه ولا يذكر أن له في السجن ~~أخا يستحق مواساة أخيه، وعجب من قوية إذ كان يراه في تلك الأيام مرحا طروبا كأن قلبه لم ~~يعرف في حياته حزنا أو ألما، ولم يدر أكان الفتى يحس الألم ويخفيه أم أنه كان كوحش البر ~~ينسى الطعنة بعد أن يلعق موضعها؟! # فقال له بعد لحظة من صمت: أذاهب أنت لتراه؟ # فأجاب قوية كأنه حسب سيده يلومه: إنه أخي! # وأطرق حزينا، فمد فؤاد يده إلى كتف الفتى قائلا: سنذهب معا. # فرفع قوية رأسه في دهشة وقال: لا تكلف نفسك هذه المشقة يا سيدي، فإنما جئت إليك معتذرا من تخلفي عنك غدا. # وتحرك قلب فؤاد عندما استأذن الفتى يريد أن يذهب فقال له: أتذهب إليه وحدك؟ # فقال: ستسافر أمي معي. # فقال فؤاد في دفعة: بل أذهب معكما. # فرفع قوية يده إلى عينه فمسح دمعة فيها وقال بصوت متهدج: أشكرك يا سيدي، لا تكلف نفسك هذا العناء. # فقال فؤاد: لا عناء علي في هذا، ألا تحب أن أكون معكما؟ # فصمت قوية حينا ثم قال مترددا: كيف تريد أن تذهب معنا لترى سلومة؟ # فأجاب فؤاد: أليس أخاك؟ # فقال حزينا: إنه أخي! ولست أعرف إلا أنه الذي رباني وأحبني وأكرمني، ولكنه سلومة الذي كان يرعب ~~الناس جميعا. # كان يسبل حمايته علي وعلى أمي، ولكن الناس سيتحدثون عنك إذا ذهبت معنا. # وسكت لحظة كأنه ينتظر حكما. # فأجاب فؤاد: أعد لي ركوبتي في الصباح. # فلم يزد قوية على أن قال في صوت خافت: شكرا لك يا سيدي. # فلم يجب فؤاد وقد داخله من قول الفتى ما يشبه أن يكون حزنا، وفكر في حال هذين ~~البائسين: قوية وأمه، إذ يقفان في حبهما مع الرجل الذي أجمع الناس كلهم على مقته. # وقضى صدرا من الليل في خيمة ms009 قوية مستمعا إلى حديثه وحديث أمه عن سلومة الذي أحباه، ~~فلما عاد إلى داره كان يتطلع إلى الصباح حتى يرى ذلك الفاتك المروع الذي تجتمع عنده ميول ~~شتى من المقت والمحبة معا. # وبكر ليدرك القطار الأول مع قوية وأمه، وكانت الأم تحمل تحت ذراعها صرة فيها هدايا ~~لولدها، ومضى القطار الصغير يتبختر ويهتز وسط الحقول الخضراء، ومبروكة لا تفتأ تتحدث عن ~~سلومة الذي كانت تحبه ولا ترى فيه سوى فلذة كبدها، كان حبها مثل حب الكلب لصاحبه لا يبالي ~~ما هو سوى أنه صاحبه، فهو يحبه إذا كان سكيرا أو قاتلا أو لصا أو نذلا، ويرقد تحت ~~قدميه ويترقب عودته من ليلته السوداء، فإذا رآه هب يتمسح به ويلعق وجهه حبا، ولو وقف ~~العالم كله معاديا لذلك الصاحب البشع لما تزحزح الكلب عن محبته ولوقف إلى جنبه يقاتلهم ~~جميعا. # وكان قوية حزينا مطرقا يختلس نظرات من فؤاد وهو يستمع إلى حديث أمه كأنه يرقب حركة وجهه ~~متلهفا. # ولما بلغوا جانب السجن آخر الأمر رأوا عربة سوداء عند بابه، وعلى مقربة منها جمع من نساء ~~ورجال في ثياب قاتمة، يجلسون القرفصاء على الأرض في ظل شجرة، وأفاق فؤاد عند ذلك إلى نفسه، ~~فرأى أنه قد أقبل مع شاب مسكين وأمه لكي يروا سجينا وهم وقوف عند باب سجنه. # ودب إليه شيء من العجب كيف دفعه الفضول إلى مثل هذا الموقف المزري، وداخله شعور يشبه أن ~~يكون ندما، فما كان ينبغي له أن يقف هكذا مع كل هؤلاء. # ورأى مبروكة وهي تهتز وتحاول أن تخفي ما بها، ثم رآها تذهب نحو حارس الباب مترددة، ~~فناداها قوية: إلى أين يا أمي؟ # فهمست له وهي تلمس الصرة التي تحت ذراعها. # ورأى فؤاد أنه واقف على مقربة منهما لا يفيدهما شيئا ولا يدري ماذا ينبغي له حيالهما، ~~أيتركهما حتى يفرغا من أمرهما كما يتهيأ لهما؟ أم يذهب مع المرأة إلى حارس الباب فيقول له: ~~إنه جاء معها لعله يظهر له إعظاما فيساعدها على إيصال الصرة ms010 إلى ولدها السجين؟ وأحس في ~~نفسه حنقا شديدا، إذ يقف هناك كأنه أحد أولئك الجالسين تحت الشجرة في صغار، ولكنه لم ~~يتحرك لشيء ووقف ينظر إلى من حوله كأنه يلهو بمنظر في مأساة. # وأراد قوية أن يجذب أمه عن الباب قسرا، ولكنها امتنعت عليه في قوة كان من العجيب أن تكمن ~~في مثلها. # وفي تلك اللحظة سمعت صيحة من وراء الباب الأسود، فانفلتت الأم من ذراع ابنها وأسرعت ~~تستقبل مبعث الصيحة، وكانت عيناها مفتوحتين لا تطرفان كأنها تنتظر جلادها، وفتح الباب ~~وخرج منه جندي في يده سلاحه، فلما رأى المرأة وابنها قريبين صاح بهما: إلى أين؟ # فوقفت المرأة في مكانها خاشعة ومدت يدها بالصرة إلى الجندي وقالت له كلمات بصوت ~~خافت. # فصاح بها الجندي بصوت أجش ينهرها، فأخذها قوية يجذبها من ذراعها وهي تتكفأ وتتعثر، وثار ~~الدم في رأس فؤاد وهو واقف في مكانه شاعرا بما يشبه أن يكون إهانة، أليست المرأة معه؟! ~~ولكنه مع ذلك وقف جامدا! # وخرج من الباب جندي بعد آخر ثم جاء من بعدهم رجال، من بعدهم رجال في ثياب السجن حائلة ~~اللون، وسار الجنود يحفون بهم عن يمين وشمال ومن وراء وأمام يحملون السلاح مشرعا، ورفعت ~~مبروكة عينيها إلى الوجوه تتفرس في ملامحها وهب من كانوا تحت الشجرة وجعلوا يتصايحون ~~بين عويل النساء وبكاء الصبية وضجيج الرجال، واقترب فؤاد من الجمع يدفعه دافع شديد إلى رؤية ~~وجه سلومة، أكان ما يزال في هيئة البشر؟ # كان - وهو يسير نحو السجناء - يدفعه ميل عجيب كمن يريد أن يطلع على وحش في قفصه من وراء ~~قضبان الحديد، وصاحت مبروكة مولولة في صوت ممزق: ولدي! # ورفعت يدها بمنديل أسود إلى مؤخر عنقها تحركه يمنة ويسرة مع صراخها، فعض فؤاد على ~~أضراسه جزعا وهو ينظر إلى سلومة. # كان رجلا طوالا متين البناء له جبهة مثل جبهة أخيه، وصدر عريض وعينان واسعتان يشع ~~منهما بريق، ونظر نحو أمه بوجه متحرك ترددت عليه مسحة من رقة في لحظة قصيرة ولكنه عاد ~~فتجهم ms011 ووقف رافعا قامته الفارعة، وهم برفع يديه كأنه يريد أن يحطم القيود التي ~~تغلهما، ثم حول بصره إلى ناحية أخيه مسرعا وخيل إلى فؤاد أن نظرته لانت قليلا ~~فعلت وجهه سحابة رقيقة تشبه الابتسامة ثم عبس مرة أخرى. حدث ذلك كله في لحظات لا تزيد ~~على ثوان، ثم تحول كأنه ينزع نفسه قسرا، ومضى في خطوات سريعة واسعة حتى بلغ العربة السوداء ~~فاندس فيها، وتمثلت لفؤاد عند ذلك صورة ذئب كاسر ينزوي في قفصه مكشرا، واجتمع في قلبه ~~شعور مختلط مضطرب من إشفاق ورهبة. # وثارت الأم وتزايد صراخها ووثبت وثبة تخلصت بها من ذراع قوية كأنها تريد أن تلحق ~~بولدها. # وصاحت تولول: ولدي! # فصاح بها الجنود ينهرونها وهم يغلقون باب العربة، وأدركها قوية ليحجزها، فارتمت على الأرض ~~وجعلت تتخبط وتتدأدأ كأنها تريد أن تحطم عظامها. # ولم يدر فؤاد ماذا يصنع ولا كيف يحتال في موقفه المحرج الذي دفعه إليه الفضول والتسرع، ~~واعتراه ذهول يمتزج به الحنق والخجل، فما زال في موضعه ساكنا حتى تحركت العربة وسارت تحمل ~~من في جوفها، وكان لا بد له من أن يشرب الكأس حتى ثمالتها، فانتظر إلى أن استطاع قوية أن ~~يدفع أمه ويسير بها، وقذفت الأم بالصرة التي كانت تحملها نحو باب السجن كأنها جاءت بقربان ~~من زهر تضعه عند قبر، وساروا في الطريق صامتين والأم تكتم عويلها حتى بلغوا المحكمة فوقفوا ~~عند بابها، ولم يستطع فؤاد أن يصبر فوق صبره فترك صاحبيه حتى يفرغا من أمرهما وذهب إلى مقهى ~~قريب فجلس به خائرا، ولم يدر ما صنعت مبروكة المسكينة عندما سمعت الحكم على ولدها، ولكنه ~~كان يسمع من بعيد صراخا مختلطا بين حين وحين كلما صدع القضاء بأمر من أوامره، وقضي ~~الأمر بعد حين وعاد السجناء إلى العربة السوداء فسارت تحملهم في جوفها نحو الأفق المجهول، ~~وخرج قوية مع أمه يسندها وهي متهالكة، فلما وقعت عين فؤاد عليه هز رأسه سائلا في صمت، ~~فأجاب قوية بصوت مخنوق: مؤبد! # فمد يده إلى ذراع الأم ms012 صامتا يساعد ولدها على إسنادها، ثم دعا مركبة لتحملهم إلى العزبة، ~~وقد هزه اليوم هزا عنيفا. # ولما حكى لأبيه ما كان في يومه قال والده: لقد عرفت سلومة من قبل يا ولدي. # قالها في رنة أسف عميق وأطرق حينا قصيرا ثم قال: ومع ذلك فقد عرفته من بعد قاسيا عنيفا كأنه إعصار. # ولست أدري كيف تجتمع هذه الخصال كلها في طبيعة واحدة. # كان سلومة إذا لجأ إليه ضعيف أعانه، وإذا نزل عليه ضيف بالغ في إكرامه، ولكنه كان إذا لم ~~يجد ما يقدمه لضيفه لا يتردد في سرقة ما يقيم به الوليمة. # فقال فؤاد: لقد رأيت فيه شبها عجيبا من أخيه. # فقال الوالد: إذن فحاول أن تجنب أخاه مصيره إن استطعت، حاول أن تجعل منه إنسانا، إن ~~أكثر من تذهب عنهم الإنسانية هم هؤلاء الذين لم يجدوا أحدا يأخذ بيدهم يا ولدي. # وتمنى فؤاد لو استطاع، فقد مست هذه الكلمات قلبه. # وذهب إلى الخيمة بعد الأصيل ليرى كيف حال مبروكة، فرأى أهل العزبة عندها يواسونها في ~~مصابها، كأن سلومة لم يكن لكل ريفهم رعبا. # وقالت تعويضة وهي تربت كتفها: هل السجن إلا للشجعان يا خالة؟ # ووقعت الكلمة على سمع فؤاد وقعا ثقيلا، أهذه هي تعويضة الحسناء تتكلم؟ # 3 # أخذ فؤاد يحس في نفسه شعورا جديدا كان يزيد كلما مر عليه يوم، كانت تعويضة في أول ~~الأمر لا تزيد في نظره على زهرة برية عند شاطئ الترعة، أو في خميلة برية في شعب من شعاب ~~الصحراء، ولكنه صار يجد كل يوم ميلا قويا يدفعه إلى الذهاب نحو حقلها وإن لم يكن في ~~الحقل ما يدعو إلى ذهابه، كان من قبل يخيل إلى نفسه أنه يساعدها ويرحمها ويضحك ساخرا إذا ~~بلغه ما يتهامس به الناس عنه وعنها، وكان يذهب إلى حقلها كما يذهب الهواء وشعاع الشمس على ~~سجيته غير متحرج، ولكنه أصبح يشعر شيئا من الحرج، ويكاد يود لو لم تقع عليه عين في طريقه ~~إليها، ولكنه كان لا يملك مقاومة ميله ms013 فيذهب نحوها متعللا بالعلل، فإذا سمع منها لفظا وجد ~~صداه يتردد في سمعه بعد أن يعود، فيزنه ويسترجعه ويحاول أن يدرك ما ينطوي فيه. # وأخذ يسأل نفسه أيرضى أبوه عنه لو عرف أن وحيده ينظر إلى تعويضة في مثل هذا الجد؟! لقد ~~حدثه أبوه عنها مرة فيما مضى فلم يزد على أن ضحك قائلا: «لعلني أتخذها لي زوجة يا أبي»، ~~فهل كان يضحك ساخرا لكي يخفي حقيقته عن أبيه أم كان يحاول أن يخدع نفسه ويخفي الحقيقة ~~عنها؟ وتدسس في خفايا نفسه حتى لمح في أعماقها أمنية جريئة. # كانت تعويضة فتاة لا تقل عن سائر الفتيات ذكاء وحسنا وظرفا، بل لقد كانت أكثر ممن ~~عرف منهن في ذكائها وحسنها وظرفها، وأصبحت تحرك قلبه كما لم يتحرك نحو فتاة أخرى من ~~قبلها، أما كان يستطيع أن يسمو بها وأن يخلق منها ...؟ وأمسك عن المضي في التفكير كأنه اصطدم ~~بما لم يقو على مقاومته، وماذا يستطيع أن يخلق منها؟ # إن هذا الوشم الذي كان يزين ما تحت شفتها إلى ذقنها الجميل قد خالط دمها فلا سبيل إلى ~~محوه عنه أبدا، ولعل إزالة ذلك الوشم كان أهون عليه من إزالة وشم آخر أعمق منه أثرا، لقد ~~كانت كلماتها إلى مبروكة ترن في أذنه كلما تذكرها إذ قالت لها: «وهل السجن إلا للشجعان يا ~~خالة؟» أكان يستطيع أن يخلق من هذه الفتاة ما يريد؟ # كان كل شيء في تعويضة جميلا في عينه وإن كان لا يشبهه في العالم جمال آخر، كان جمالا ~~وحشيا ترضاه العين أو ينجذب إليه الحس كله، كان قوة عنيفة كما ينبغي للجمال الوحشي أن ~~يكون، ولكنه مع ذلك كان من عالم آخر غير عالمه بغير شك. # وكان فؤاد في كل ما جد في نفسه من تعويضة وما حدث به نفسه عنها وما تردد فيه من ~~تحرج وخشية لا يستطيع أن يمنع نفسه من الذهاب إليها ليملأ عينيه منها ويتنسم الهواء الذي ~~يفوح بعطرها. # هكذا مر عليه أكثر الصيف وهو أشد ms014 ما يكون متعة في مقامه، وذهب يوما إلى تعويضة وهو يجاذب ~~نفسه حتى بلغ جانب حقلها وألقى إليها تحيته، ثم سأل نفسه: فيم جاء إليها؟ وكانت ترعى قطعة ~~من غنم لها في حوافي الحقل فتركتها وأسرعت إليه تستقبله قائلة: مرحبا بك يا حاج فؤاد. # ثم لمست جانب طرحتها لتخفي وجهها الباسم وما كانت تفعل ذلك من قبل. # وكان صوتها على عهده ناغما وقوامها بديعا ويحيط بوسطها حزامها الأحمر وتتدلى ضفيرتاها ~~الطويلتان على صدرها. # فقال ولم يجد ما يقوله: كيف حالك؟ وكيف حال غنمك؟ # فضحكت قائلة: ولدت نعجتي اثنين، ذكرا وأنثى لم تضع نعجة مثلهما، ثم عادت مسرعة إلى غنمها وهي ~~تقول: تريث حتى تراهما. # ودخل إلى الحقل وراءها حتى لقيها مقبلة بالسخلين، أحدهما أبيض لا شية فيه، والآخر مرقط ~~ببياض في سواد، وكانا رشيقين كأنهما خشفا ظبية تجمعهما تعويضة إليها وهما يتواثبان ويثغوان ~~في فزع، وهي تضحك وتحاورهما حتى انفلتا منها. # فقال فؤاد يضاحكها: وماذا سميتهما؟ # فأمالت رأسها في خفر ونظرت إليه نظرة باسمة وقالت: لم أسم الأنثى. # فقال فؤاد: والآخر؟ # فكركرت ضاحكة وهي تقول: قوية! # وكانت ضحكة خارجة من أعماق قلبها! # وخفق قلب فؤاد إذ سمع قولها وصاح: قوية؟ # ثم تمالك نفسه فأمسك، وملأ عينيه منها كأنما لم تقع عليها عينه قبل تلك الساعة، فرآها فتاة ~~لا زهرة، فتاة مليحة ممشوقة القوام غضة الشباب لدنة العود مملوءة حياة ومرحا، ولو أطاع ~~نفسه في تلك اللحظة لاندفع نحوها فطواها بين ذراعيه متلهفا. # ثم قال: أهذا الحمل قوية؟ # فاحمر وجهها عندما أجابت: أليس مثله شيطانا؟ # فقال كأنه يعاتبها: أراه حملا ظريفا، ويا ليتك سميته باسمي. # فنظرت نحوه في دهشة وقالت كالمعتذرة: ليس قدر المقام يا حاج فؤاد. # وأحس عند ذلك بالجدار القائم بينهما، فلم يكن هو وحده الذي يعرف البون الذي يفصل بينهما، ~~واستعجل الذهاب فحياها وعاد يسير نحو الدار ونفسه تنازعه أن ينظر إلى الوراء نحوها، فلما ~~بلغ البيت استقبله أبوه أول شيء فتبسم له قائلا: كيف وجدت حقل تعويضة ms015 اليوم؟ # وارتبك للمرة الأولى في حديث أبيه وقنع من الرد بابتسامة وتمتم بألفاظ لم يكد هو يعرف ~~معناها. # وأحس كأن حملا ثقيلا أزيح عن كاهله عندما تركه أبوه وخرج من الدار نحو البغلة التي كانت ~~عند الباب ليركبها في جولته التي تعود أن يجولها كل يوم حول المزرعة. # ودخل فؤاد إلى الدار فقضى بها سائر يومه، فلما أتى الليل قضى صدرا منه يطل على الفضاء ~~من نافذة غرفته والظلام الدامس يلف الأرض وتلمع فيه النجوم وضاءة، وسأل نفسه: ما ذلك الذي ~~تغير فيه؟ بل ما ذلك الذي تغير في كل ما حوله؟ # ومع ذلك فإنه مضى فيما كان فيه يرى تعويضة في ليالي القمر في حلقة السمر تخطر في رشاقتها، ~~ويراها في الحقل تزينه بطلعتها، وتدخل إلى الدار أحيانا فكأن شعاعا من النور ينفذ ~~فيها. # ولما اقترب الصيف من نهايته لمح فؤاد في قوية تغيرا، إذ كان كلما رآه ذاهبا إلى غيط ~~تعويضة ينفلت إلى خيمته داخلا، وإذا رآه في ليلة من ليالي السمر يحدثها أو يضاحكها يطرق ~~بعد مرحه ويلوذ بالصمت حتى تمضي الليلة وينفض السامر وهو صامت، وقد رآهما مرة يقبلان معا ~~من الحقل يسيران بين النخيل، وكان هو آتيا من القرية تجاههما، فما كاد يراهما حتى عاد ~~أدراجه فاندس بين البيوت فغاب فيها، وكان فؤاد مع هذا يرى أن الفتى لا يلبث أن ينبسط بعد ~~انقباض ويعود إلى ما اعتاد من مرح وطلاقة، فيراجع عنه نفسه ويعنف في لومها ويحسب أنه كان ~~واهما، وهم أن يسأل الفتى مرارا عما بدا له منه، ولكن كبرياءه حالت دون هذا، وأخذ ~~يتلمس له الأعذار في بدواته، فقد كان مثله جديرا بأن تكون له بدوات. # وذهب معه في عصر يوم من الأيام في جولة بالكوم الأحمر، وكان قوية - على عادته - مرحا ~~ينشد شعره ويغني ويصيح كلما عثر على قطعة من خزف أو رأس محطم من تمثال أو قرص صدئ من نقود، ~~وكان يصور حول كل شيء من ذلك قصصا من خياله ms016 وينطلق في تندره مفاكها، ثم عثر على تمثال ~~صغير كامل من خزف مطلي بدهان أزرق، فوثب صائحا ومسح عنه التراب فلمع في ضوء الشمس كأنما قد ~~فرغ منه صاحبه منذ ليلة، ومال على فؤاد هامسا: أما إنها لتميمة نادرة. # فتبسم فؤاد وأخذ التمثال منه فجعل يقلبه في كفه معجبا بحسن صنعته، وينظر إلى الكتابة ~~الغريبة المنقوشة عليه، وأراد أن يحتفظ به لما فيه من إبداع فقال لقوية: أتسخو نفسك لي بهذا؟ # فقال الفتى: هو لك. # وخيل إلى فؤاد عند ذلك أنه وجم قليلا، وحسب أنه قد يحتاج إلى ثمنه فقال له: سأبذل لك في ثمنه جنيها. # فقال قوية: وما حقي فيه حتى آخذ له ثمنا؟ # فقال فؤاد مازحا: إذن خذه فاتخذه تميمة. # فقال الفتى: بل أظنك أنت في حاجة إليه. # ولو وجده فؤاد باسما أو مازحا لغضب من قوله، ولكن قوية كان يكلمه جادا. # فانفجر فؤاد ضاحكا ووقف مكانه ناظرا إليه في شيء من الدهشة قائلا: وما حاجتي إلى التمائم يا قوية؟ # فقال قوية في سذاجة: ألست تحب أن تكون لك؟ # فصاح فؤاد: ومن هي؟ # فقال قوية مترددا: تعويضة. # فصاح فؤاد: تعويضة! # فأجاب الفتى: وهل عجب أن تتخذ تميمة تحببك إلى مثلها؟ # وأحس فؤاد شيئا من الغضب يسري إليه عندما قال: خذ تميمتك فلا حاجة بي إليها. # فقال الفتى جادا: وهل كنت لأقتحمها عليك؟ # فسكت فؤاد كأن صدمة أصابته، وخيل إليه أن الفتى يكشف له من نفسه ما كان يحاول أن يخفيه ~~هو عنها. # فقال الفتى كأنه يعتذر: أليست تعجبك؟ # فقال فؤاد: وهبها تعجبني. # فقال قوية: إذن فمن أكون أنا حتى أتعرض لها؟! # ولو أطاع فؤاد نفسه لصفع الفتى وتركه حيث هو ومضى عنه فلا يراه مرة أخرى، ولكنه تمالك ~~نفسه وقال له: اسمع أيها الأحمق، أليس يعجبك منظر الزهرة؟ # فقال قوية ولمع وجهه: وهل هي كذلك عندك؟ # فقال فؤاد: هي كذلك، وما أنظر إليها إلا كما أنظر إلى كل هذا. # وأشار بيده إشارة شاملة إلى الحقول والسماء والفضاء، ولكن ms017 صوتا في داخله كان يراجعه ~~ويتهمه بأنه يداري الحق ويخفيه. # وارتاح الفتى إلى قوله ارتياحا ظاهرا، وانطلق في مرحه ووضع التمثال في جيبه مترفقا ~~وقال: إذن سأجعله تميمتي. # وسأله فؤاد في سيرهما: أأنت تحبها هكذا؟ # فقال قوية في صوت متهدج: # لقد كنت أمنع نفسي عنها وأجحدها من أجلك، ولكني كنت أراها نورا لعيني، فكنت كلما تصورت ~~أنك تحول بيني وبينها أذهب يائسا، وأنا أخشى أن يحملني يأسي على إنكار مودتك، فأبعد مسرعا ~~كلما رأيتك معها، وأختبئ في خيمتي أو أدخل بين البيوت حتى لا تقع عيني عليكما، وكم قضيت ~~الليالي مترددا بين إخلاصي لك وبين حبي لها، حتى لقد فكرت في هجر العزبة وأن أفر عنها ~~محتفظا لك بمودتي، ولكن ما كان أجهلني وأحمقني! لا تؤاخذني يا سيدي فؤاد، فإننا قوم في ~~عقولنا خفة تطيش معها قلوبنا، ومثلك من يلتمس الأعذار لمثلي. # وكان لكلماته أحسن وقع على قلب فؤاد مع ما كان فيه من حيرة وارتباك، واندفع قوية يغني ~~بلهجته البدوية: # يا نوارة الشط رؤى الطل عاليها # وصبحتها مساقي الورد ترويها # يا نجمة الليل يا لله معاي نراعيها # وإن نمت في الفجر تبقى عيني تحميها # ولما انعقد سامر القرية في تلك ~~الليلة كانت أناشيد قوية ترن في الفضاء مرحة مطربة، وكانت ألاعيبه وفكاهاته تهز الحلقة ~~بضحكات عالية. # وأتى قوية في الصباح التالي إلى فؤاد يدعوه إلى الغداء معه، وألح في ذلك إلحاحا ~~شديدا، فلما تمنع عليه استعان بأمه مبروكة حتى قبل إرضاء لها. # وذهب فؤاد إليه في خيمته يحس مزيجا من بشر وتقبض، يكاد يحمل نفسه على الدخول حملا، ~~ولكن ترحيب مبروكة وحديثها ما لبثا أن أزالا عنه قبضته، ومدت مبروكة أمام الخيمة سفرة ~~حافلة أعدت عليها طعاما على طريقة الأعراب من ثريد ولحم ورقاق مبسوس وشواء، وكان ~~طعاما شهيا. # وجال فؤاد وقوية بعد الغداء جولة في الحقول، وجرى الحديث بينهما على عادته، ولكن فؤاد كان ~~أقل حماسة من قوية الذي كان يفيض سعادة، فلم ينتبه إلى فتور صاحبه، كانت ms018 نشوة الحياة تملؤه ~~فيعطي ولا ينتظر عطاء، ويتحدث ولا يعبأ أن يتلقى جوابا. # وعادا بعد جولتهما إلى العزبة، فلما رآهما الأب قال يخاطب الفتى: لم نسيت أن تدعوني يا قوية؟ # فتبسم قوية صامتا. # وقال فؤاد: لقد كان غداء مبروكة عظيما كعادتها. # فقال الوالد ممازحا: فيه رقاق مبسوس بغير شك. # فأجاب فؤاد: وحمل مشوي لذيذ. # فقال الأب مازحا: أنى لك هذا يا قوية؟ لعلك لم تأخذه من وراء نعجة تعويضة! # فاحمر وجه الفتى وقال: كله من خيرك يا سيدي. # ثم أطرق في شيء من الارتباك، ولما مضى قوية بعد حين قال الوالد: لقد أحسنت يا ولدي في إجابة دعوته. # فقال فؤاد: لقد تمسكت مبروكة بي وألحت. # فسكت الأب لحظة ثم قال: قليل من الناس من يعرف هؤلاء على حقيقتهم، إننا يا ولدي نراهم من ظاهرهم ولا نعرف ~~كثيرا مما في داخلهم. # فقال فؤاد في صوت خافت: لقد عرفت قوية يا أبي. ~~- قد تكون عرفت منه جانبا وغاب عنك منه جانب، فإن هؤلاء يجمعون في أنفسهم أشخاصا ~~أضدادا، وكلما رأيت هذا الفتى تذكرت سلومة أخاه. # وكانت ملاحظة الأب مفاجأة لفؤاد فقال في شبه صيحة: أهو مثله؟ # فأجاب الأب هادئا: نعم هو مثله، وإن كنت أنت لا ترى الشبه بينهما، لقد عرفت سلومة قبل أن أعرف هذا، كان ~~منه جانب من أنبل طباع البشر، ولكنه كان يمتزج بجانب آخر هو سلومة الذي يتحدث عنه الناس، ~~فهل عرفت يا ولدي من أين أتى قوية بالحمل؟ # فقال فؤاد في دهشة: لم أفكر في هذا؟ # فقال الأب: أكبر ظني أنه قد سطا على أقرب جار فأخذه. # فتبسم فؤاد كأنه لا يصدق وقال: إذن فأنا شريكه. # فقال الأب: خذه كما هو يا ولدي، وحاول - كما قلت لك من قبل - أن تجعل منه إنسانا، حاول ألا تضيق ~~بالشخص الأسفل الذي فيه؛ لكي تظهر منه الشخص الأعلى. # ولقد زادت دهشة فؤاد بعد أيام عندما عرف صدق فراسة أبيه، فإن ذلك الحمل كان حقا لأحد ~~جيرانه، فمد إليه يده ليولم ms019 به وليمته، ولم يفض النزاع الذي ثار بين قوية وجاره إلا أن ~~تدخل الأفندي، فدفع لصاحب الحمل ثمنه. # وبقيت من مدة الصيف أيام، وفؤاد ما يزال يحس في نفسه نزاعا يكاد لا يفارقه، فكان بين حين ~~وحين يحتجب في الدار نهارا حتى إذا أقبل الليل قضى صدرا منه ساهرا وحده يطل على الحقول ~~الصامتة، تؤنسه موسيقاها الوحشية، وتومض من فوقه النجوم البعيدة التي لا تفصح عن ~~سرها. # ثم مضت تلك الأيام الباقية واستعد فؤاد للسفر وودع أبويه كما ودع العزبة وأهلها وكل ~~أركانها. # وركب إلى المحطة آخر الأمر عائدا إلى القاهرة؛ كي يستأنف دراسته في عامها الأخير. # وسار قوية وراءه يودعه مع ثلاثة من الفلاحين يحملون حقائبه، وكان قوية يسير نشيطا ~~منشدا طروبا، على حين كان فؤاد صامتا يكاد يكون حزينا، يتلفت حوله إلى الحقول وإلى ~~الكوم والبركة الخضراء. # ولما مر بحقل تعويضة قامت تجري نحوه وهي تصيح: مع السلامة يا حاج فؤاد. # فخفق قلبه وهو يجيب: الله يسلمك، ولا تنسي أن تسلمي على رحومة. # فقالت تعويضة: يصل يا سيدي، ولو علم أنك مبكر بالسفر لما تأخر عن وداعك. # فصاح قوية: هو مشغول بنومة الصباح. # فصاحت تعويضة: اسكت أنت أيها الخبيث، وترفق في سوق البغلة. # ومضى فؤاد وهو يسمع صوتها عذبا من ورائه: مع السلامة يا حاج فؤاد. # واستأنف قوية ثرثرته وغناءه، حتى هم فؤاد أن يصيح به يسأله أن يمسك، ولما اقترب من ~~المحطة التفت إلى ورائه كأنه يريد أن يتزود بنظرة أخيرة من الريف العزيز. # وجاء القطار وصعد فؤاد بما حمل معه من حقائب وطرود، ومد قوية إليه يده مصافحا، وكان وجهه ~~طلقا وعيناه تلمعان بشرا عندما قال: لي عندك رجاء يا سيدي فؤاد. ~~- يسرني أن أجيبه. # فقال الفتى: تشرفني في ليلة كتابي. # فانفلتت من فؤاد صيحة: كتابك؟ # فزادت بسمة الفتى اتساعا وهو يقول بصوت متهدج: نعم، كتابي على تعويضة. # وتحرك القطار فقال فؤاد: إن شاء الله يا قوية! # ثم أدخل رأسه من النافذة، وارتمى على الأريكة المغبرة، ms020 وأخرج منديله فمسح وجهه وخيل ~~إليه أن الجو يتقد حرا. # وقضى يوم سفره مع صورة تعويضة، وهو يعجب كيف لم يدرك من قبل أن الفتى سوف يتزوجها، وجعل ~~يجادل نفسه بما شاء من حجج، ولكنها كانت تدفعها في لجاجة التحدي، وعاد إلى القاهرة شاعرا ~~بأنه فقد خيالا عزيزا. # 4 # كان حر القاهرة قد هدأ، وصارت الشمس تطلع في الصباح فاترة تلمع ولا تلذع، والهواء ~~يهب في المساء رطبا ويسري رفيقا، والسحب البيضاء تجول في السماء هائمة على ~~رسلها. # وما كان أبدع ليالي القاهرة، إذا سطع البدر على مياه نهر النيل كان النور يتناثر على ~~الموج الفائر، كأنه ينعكس على قطع من عقيق، وكان الماء يهتز في جريته رابيا أحمر اللون ~~زاخرا يملأ العين جلالا ويملأ النفس عرفانا، حقا إن مصر هبة من هذا الأب الجليل، وكان ~~فؤاد يخرج كل يوم في ساعة الأصيل إلى شاطئ النهر فيقضي عنده ساعة طويلة يغرق خواطره في ~~أعماقه، ويطوف بناظره على أمواجه وهو لا يدري سر تلك الهزة التي كانت تشمله، كان يحس في ~~صدره جيشانا يستجيب إلى اصطخاب الأمواج وحيرة تشبه غموض الأعماق، وكانت الحياة تبدو له ~~كأنها لغز تسنح فيه أحيانا سانحة من الهدى توشك أن تبعث إليه شعاعا من إدراك حقائق ~~الوجود، ولكنها كانت لا تلبث أن تختفي عنه كأنها ومضة برق في ظلام، فيرتد إلى حيرته وقلقه ~~متلهفا، على أن تلك الومضة لم تلبث إلا قليلا ثم خلفته وراءها في ظلامه، وكان كلما وقف ~~هناك خطرت له خطرات من ريف النجيلة ومن أيامه فيها وأماسيه في أشهر الصيف، ثم تتمثل له ~~صور من هناك: تعويضة وقوية ورحومة ومبروكة، وكل هؤلاء الذين ملئوا عليه الحياة في تلك ~~الشهور، ثم تتمثل له صورة أبيه محلقة فوق هذا الخلق كله كما يحلق النسر فوق قمم الجبال، لقد ~~عرف أباه قبل ذلك الصيف، ولكنه عرفه في تلك الشهور كما لم يعرفه من قبل، ففتح عينيه عليه ~~آخر الأمر فرآه رجلا وإنسانا كان يعيش في ms021 ريف النجيلة البعيد أمة وحده وسط أمة أخرى يعرف ~~أنه غريب عنها، ولكنه كان يمد يده إليها كما يمد السابح الماهر يده إلى الغريق الذي يكافح ~~الموج إلى جانبه، وكان صدى كلماته ما زال يرن في أذنه، إذ قال عمن حوله من المساكين: «قليل ~~من الناس من يعرف هؤلاء». # وكان يسأل نفسه: أهؤلاء مثلنا ولهم مثل غايتنا من الحياة؟ تعويضة! أكانت لها في الحياة ~~غاية أم هي مثل أزهار الصحراء تنمو ثم تصوح وتفنى في صحرائها؟ ولكنه كان يعود إلى نفسه ~~فيسأل: ما غايتنا جميعا من الحياة؟ # وكان في حيرته ينظر إلى الماء المضطرب كأنه يستوحيه ويغوص في أعماقه المظلمة لعله يجد ~~فيها ما يهديه. # ورأى يوما في بعض وقفاته عودا ضئيلا تتقاذفه الأمواج على سطح الماء، تعلو به ثم تنحدر، ~~وتتجه به إلى اليمين تارة، ثم تلقيه إلى اليسار، ثم إذا دوامة شديدة تجذب العود إليها فتدور ~~به لحظة ثم تبعث به إلى الأعماق، وكان هذا المنظر يشبه وحيا هبط عليه، فبدا له أن البشر ~~ليسوا في الوجود سوى هنة مثل ذلك العود الضئيل، والقضاء يقذف بهم حيث يريد، فهم يأتون إلى ~~الحياة بغير أن يريدوا حياة، وهم يمضون فيها حتى يخرجوا عنها، سواء طالت أيامهم أو قصرت، ~~فإذا حان ذهابهم عنها ذهبوا كما جاءوا إليها قسرا وأمرا بغير أن تكون لهم إرادة، فأية ~~غاية تكون لهذا البشر فيها؟ # أليسوا يطيعون أمر الحياة أو أمر الفناء؟ # هذا ما بدا له في وقفته، فما انصرف عن جانب النهر حتى كان قد وقرت في قلبه عقيدة، وأحس ~~كأن ثقل الحيرة قد ذهب عنه. # فإن أحوال هذه الحياة لا قيمة لها ولا عبرة بها، فلا الفقر ولا الغنى ولا السلطان ولا ~~الضعف ولا شيء من ذلك كله يستحق من الناس لفتة، وإذا كان للناس غاية في هذا الوجود فإنهم ~~جميعا فيها سواء، إنه الواجب الذي خلق الله له الكائنات جميعا عندما أمرهم بالوجود، أليست ~~الشجرة تنبت عودا مثل هدبة الثوب ثم تنمو ms022 حتى تكون هيكلا ضخما ، ثم تؤتي ثمرتها حينا ~~وتمضي في سبيلها بعد أن تتم وجودها؟ أليس كل صنف من الحيوان ينشأ علقة ثم مضغة ثم يصير ~~إلى التمام حتى تخبو فورته فيطويه الثرى؟ # أليس الوجود في تمامه هو غاية الأحياء، وما ينبغي لصنف منها أن تكون له غاية سوى ~~هذا؟ # وقد كان لهذه الوقفات أثرها البالغ في حياة فؤاد، فقد بدلته حتى أحس أصحابه ما اعتراه ~~من تغير، كان من قبل يأنس إلى مجالسهم، ويقضي معهم قطعا من المساء في سمر صاخب مرح لم يكن ~~يدرك فيه سخفا، فصار يحس في مجالسهم ضيقا ولا يكاد يجتمع بهم إلا في ساعات المائدة ثم ~~يقضي سائر وقته وحيدا، وداخله من هذه العزلة ضيق جديد وأحس في نفسه فراغا ووحشة، فكان يحس ~~أحيانا حنينا مبهما وأحيانا يحزن حزنا خاويا لا يدري له باعثا، ويتمنى لو عاد حينا ~~إلى العزبة لعله يجد فيها لنفسه مراحا، ولكنه كان لا يلبث أن ينفر من فكرته، فماذا كان في ~~العزبة مما يستراح إليه؟ ألم يقل له قوية إنه سوف يعقد زواجه على تعويضة؟ # وبعث ذلك الخاطر فيه ضيقا آخر وحرجا، فما الذي يتعلق به في خياله؟ أكان يريد تعويضة أن ~~تكون زوجته؟ يا للسفاهة! # وجاءت عطلة العيد فهم بأن يعود إلى العزبة ليقضي بها أياما، ولكن خطابا أتى إليه من ~~قوية يدعوه إلى شهود ليلة عقد زواجه فمزق الخطاب حانقا وقضى ليله مسهدا كئيبا يلوم ~~نفسه كيف نزلت به حتى يتجرأ مثل هذا الفتى على دعوته في هذه البساطة إلى عرسه؟! وارتدت ~~إليه صورة تعويضة الأعرابية في جمالها الوحشي كأنها تكذبه فيما يدعيه، ولكنه قضى عطلة ~~العيد بالقاهرة. # ومر به العام مضطرب الفكر حتى كاد ينسى قراءته، وكان كثيرا ما يخرج إلى الحقول والحدائق ~~المجاورة لمعهده ليقضي فيها ساعاته مغفلا كل دروسه. # وأقبل صيف القاهرة بحره عنيفا كعادته كل عام، فكان يكاد يصهر الهواء، فلا يجد فؤاد ~~لدروسه فرصة إلا ساعات من الليل إذا ما هدأ الحر ms023 وهبت من النسيم هبات كان يتلقاها كما ~~يتلقى الظمآن جرعات من الماء. # ولما فرغ من امتحانه بعث إلى أبيه معتذرا من تأخير السفر إليه، إذ كان يريد قضاء أيام في ~~الإسكندرية، وعزم على أن يهرب إلى ذلك الشاطئ، يحاول أن ينسى عنده ما مر به من ~~سخافات. # وكان اليوم الذي بلغ فيه الإسكندرية من الأيام الهادئة الهواء التي يتجلى فيها البحر كأنه ~~مرآة، وتنفس من أنفاس البحر فملأ صدره منه وانفرجت قبضته لمنظر الأفق الأزرق الفسيح، وسار ~~على الشاطئ الذهبي فوق رمال سيدي بشر، فكانت أشعة الأصيل تنساب مائلة كأنها ذهب من فوق ذهب، ~~وكان من حوله عالم مرح يموج ويسعى كما يسعى النمل حول عشه، يلتقي حينا ويفترق حينا ~~ويتدافع ويتجاذب في رفق كأن الحياة قد خلت من همومها. # ومر بالجموع تجلس في حلقات تحت مظلات زاهية الألوان أو في مقاصير أنيقة من الخشب يتسامر ~~بعضها همسا ويتواثب بعضها إلى أحضان الموج في صخب، ولم يخل الشاطئ من مثله، إذ يسير ~~وحيدا تقع عينه على الأشخاص ولا تكاد تبصرها، كان كل ما على الشاطئ يبدو مثل أشباح تسبح ~~حول عالم عنيف يثور في داخله، وكان يقلب بصره على صفحة البحر الزرقاء أو في الجموع ~~المتزاحمة، وهو لا يقف عند شيء منها. ألا ما كان أرفق لون السماء وألطف مس النسيم وأطيب تلك ~~الرائحة التي تنبعث من أعشاب البحر. وملأ صدره من تلك الرائحة كما كان يفعل إذ هو تلميذ ~~بالمدرسة الثانوية، ليخرج كل أسبوع مع بعض أصدقائه ليمرح على مثل هذا الشاطئ. # ودب إلى نفسه شعور لم يدر كيف يصفه، فما هو شعور القلب السعيد الذي كان يتمتع، وما هو ~~شعور المحروم الذي يتحرق، بل هو أقرب إلى أن يكون مواساة لمن حوله أو استجابة إلى نبضات ~~الذين يستمتعون بالحياة، أهي عدوى من الإنسانية الطروب تدخل إلى قلبه المكتئب؟ أم ذلك أثر ~~زرقة السماء وصفاء البحر ودعة النسيم ومس الأشعة الهادئة المتدفقة على هينتها؟ كان كل ذلك ~~جديرا بأن ms024 يهدهد من عنفه وأن يذهب عنه كآبته، وما كان أعظم الفرق بين هذا الشاطئ وبين ~~طرق القاهرة التي كانت تصهر الصدور بأنفاسها. # وود لو أقبل عليه بعض هؤلاء اللاهين فوق الرمال فتحدثوا إليه وأباحوا له أن ينطلق معهم ~~متحدثا، فإن خواطره تزاحمت في صدره فأضاقته وثقلت عليه حتى تمنى لو وجد أذنا عاطفة ~~تستمع إليه، وخطرت له صورة صديق قديم كان يسير معه منذ سنين طويلة إذ هما تلميذان في ~~المدرسة الثانوية، ولم يدر ما الذي بعث إليه صورته في تلك الساعة، فقد لمعت له فجأة مثل ~~الشعاع الذي يخطف إذا انعكس على مرآة، كان صديقه سعيد يخرج معه في نهاية كل أسبوع إلى مثل ~~هذا الشاطئ فيمرحان معا فوق صخوره أو رماله، وكانا يقفان معا يملآن صدريهما من نسيم البحر ~~العبق برائحة الأعشاب التي تفوح في شمه عند ذلك، وكانا ينظران إلى الشمس إذ تلمس سطح الماء ~~عند الغروب، فيخيل إليهما أنهما يسمعان لها نشيشا، ثم فرقت الأيام بينهما فلم يره ~~فؤاد منذ سنوات وتمنى لو رأى ذلك الصديق في ذلك اليوم، فقد كان يجد فيه - بغير شك - أذنا ~~تصغي إليه وقلبا يتدفق في الحديث معه. # وكانت العيون تتطلع إليه إذا مر بها ثم تلتفت عنه فلا يبقى لحظة في خاطرها، إنها عوالم ~~مغلقة دونه لا يستطيع أن يطرق بابها. # وسمع في تلك اللحظة صوتا يناديه باسمه فتلفت في فتور كأنه يفيق من حلم، أيعرفه أحد في ~~هذا الخلق المتزاحم الذي يجوس خلاله بعيدا وحيدا؟! ورأى وجها باسما يقبل نحوه، ~~يتقلع صاحبه من الرمل مسرعا، ومرت لحظة قبل أن تزول سحابة الغموض عن بصره، فرأى صديقه ~~القديم الذي خطرت له صورته منذ لحظات، أهي نجوى الأرواح كما يقولون؟ # وفتح فؤاد ذراعيه ليحيى صديقه قائلا في حماسة: إنها لساعة سعيدة! # فقال سعيد وهو يصافحه: لقد خطرت لي صورتك منذ قليل. # فصاح فؤاد: كما خطرت لي صورتك منذ دقائق. # فقال سعيد: إنها آية للعلماء، لو كان يؤمن العلماء بالأرواح. # ومالا على ms025 أحد منازه الشاطئ في اتفاق صامت، فاتخذا فيه مجلسهما. # 5 # كان سعيد مع فؤاد في أيام الدراسة الثانوية لا يكادان يفترقان، ولكنهما - على ما كان ~~بينهما من ألفة - ضدان في الطباع، كان فؤاد وثابا على حين كان صاحبه هادئا، وكان يقبل ~~على دروسه في شغف وتقديس حين كان سعيد يتلقاها فاترا كأنها قضاء لا بد من الخضوع له، فكان ~~سعيد إذا ضاق بشيء من ألغاز الجبر أو الهندسة خف إليه فؤاد كأنه أستاذه يبصره بما غاب عنه ~~ويعجب كيف خفي ذلك عليه، وكانا يختلفان في هيئتهما مثل اختلافهما في طباعهما، فقد كان فؤاد ~~قصيرا لا يعبأ أن يكون أنيقا، وكان يحب اللعب والحركة، فإذا لم يجد كرة يلاعب أصحابه بها ~~صنع كرة من جورب أو عمد إلى قطعة مستديرة من الحجر كأنها كرة، وأما سعيد فقد كان طويلا ~~نحيفا يتأنق في ملبسه ولا يميل إلى شيء من العنف في حركة، ولكنه كان إذا وقع بصره على منظر ~~جميل وقف أمامه يتأمله في خشوع كأنه يؤدي صلاة، وكان فؤاد يعابثه عند ذلك متهكما فلا ~~يزيد سعيد على أن يقول له: ليتك ترى ما أراه. # فلما فرغ سعيد من دراسته الثانوية اتجه إلى الفن، فقضى عاما بمدرسة الفنون الجميلة ~~العليا، ثم سافر إلى إيطاليا فقضى بها ثلاث سنوات عاكفا على دراسة الفنون في شغف حتى عاد ~~منها في الشتاء السابق، ولم يكن فؤاد يعرف من أنبائه في تلك السنوات إلا قليلا مما يبلغه ~~عنه من بعض أقربائه، فقد كان سعيد لا يطيق أن يستقر للكتابة، حتى كان أهله أحيانا يحسون ~~عليه قلقا من انقطاع رسائله. # فلما استوى المجلس بهما قال فؤاد: لقد ردني صوتك من عالم بعيد إلى عالم آخر بعيد، كنت أضرب في خواطر هائمة على الأفق ~~فأعدتني إلى أفق آخر غاب عني من سنين. # وأخذا يتذاكران أيامهما الأولى التي بدت لهما هادئة سعيدة إذ خلع عليها البعد غلالة ~~حجبت همومها الصغيرة، واستمر الحديث بينهما متدفقا فيما قرب وما بعد حتى ms026 مالت الشمس إلى ~~الغروب، فنظرا نحوها في صمت يرقبان قرصها الأحمر وهو يتطاول نحو البحر حتى انغمس فيه، ~~فقال سعيد ضاحكا: ألا تسمع نشيش الماء؟ # فأجابه فؤاد في ضحكة مثلها: إنه سؤالك القديم، وهو يذكرني بوقفاتنا على هذا الشاطئ منذ سنين، ولقد كنت منذ صباك ~~فنانا، أرضيت عن حياتك يا سعيد؟ # فقال سعيد هادئا: أظن ذلك. # ونظر فؤاد إلى وجهه الذي عرفه فوجده كما كان وديعا نبيلا، واستمر سعيد بعد لحظة ~~قائلا: وأنت؟ # فهز فؤاد رأسه قائلا: لست أدري، لقد طالما سألت نفسي هذا السؤال فلم أستطع جوابا. # فقال سعيد: هذا سؤال لم يخطر لي. # فأجاب فؤاد: ليته لم يخطر لي، إذن لكنت مثلك راضيا. # فقال سعيد: ولم لا نأخذ الحياة كما نجدها؟ # فقال فؤاد: حبذا لو استطعت، ألم تسأل نفسك عن غاية هذه الحياة؟ # فضحك سعيد هادئا وقال: وهل يقدمنا ذلك التساؤل خطوة نحو الرضى؟ أعرفت أنت غايتها؟ # فقال فؤاد وهو يهز رأسه: خيل إلي حينا أنني وجدت جوابا على سؤالي، ولكن ... # فقال سعيد عاطفا: ألا يكفينا أن نحياها كما تتهيأ لنا؟ إننا نطل عليها من حيث نكون وهي تبدو لنا كما ~~نصورها لأنفسنا. # فقال فؤاد: أليس هذا خداعا لعقولنا؟ # فضحك سعيد ضحكة هادئة وقال: وأين الحقيقة التي نخادع أنفسنا عنها؟ كنت أنظر الآن إلى منظر الشمس إذ تميل نحو الماء ~~وتصبغ السحب بألوانها الخلابة، وأقنع من كل ذلك بما يقع عليه بصري، ولو تعمقت المنظر ~~لأعرف ما وراءه من الحقيقة لما أصبت من ذلك إلا أن أفسد على نفسي متعتها. # وكان الشاطئ قد أخذ يخلو من جموعه فأجال فؤاد بصره فيه ثم قال: لقد خلا هذا الشاطئ ممن كانوا فيه منذ ساعة، وكاد رمله يصير صحراء بعد ذهابهم، ألم تكن ~~كل تلك الرؤى وهما؟ # فقال سعيد: ولكن الذين كانوا هنا قد أخذوا من الحياة ما جادت عليهم به، ولم يقفوا ليسألوا أنفسهم ~~عن غايتها. # فقال فؤاد في ارتياح: لقد بعد العهد على سماع آرائك وأنا مشوق إلى استعادة ms027 ما كنت أحسه عند سماعها ، لم ~~أنس بعد كيف كنت أقف بك على قنطرة الطريق الحديدي ونحن عائدان من نزهتنا، فأعكر عليك ~~صفو اليوم بمحاسبتي عما أضعنا فيه يومنا، ولكنك كنت دائما تنتصر وتتغلب ببشرك وصفائك على ~~مجادلتي. # فقال سعيد: هذه مجاملة لا أظنني جديرا بها، قد يكون ما تراه مني أثرا من آثار قصوري، فأنا لا ~~أطيق أن أغوص إلى ما هو أبعد مما يقع عليه حسي، أما تذكر كيف كنت أصيح بك «لقد أفسدت علينا ~~نزهة يومنا؟» # فقال فؤاد في رنة من الحزن: وها أنا ذا أحاول أن أفسد على نفسي ما أحسه من سرور بلقائك يا سعيد، حدثني عن نفسك ~~ودعني أحدثك عن نفسي. # فعاد سعيد يقص عليه بعض أنبائه منذ غاب عنه، وفؤاد يبادله الحديث بطرف مما عنده، وكان ~~الظلام قد هبط على البحر وهبت الريح شديدة، فاضطربت الأمواج سوداء ثائرة، فقال ~~فؤاد: أظنني أخذت من وقتك أكثر مما ينبغي لي؟ # فقال سعيد: بل أحسب أنني لم آخذ من وقتك ما يقنعني، ألا تحب أن تقضي سائر الليلة معي؟ # فنظر فؤاد إليه مترددا فبادر سعيد قائلا: إني أقيم في مرسمي وهو في حديقة الدار، فلن تزعج بزيارتك أحدا غيري. # فابتسم فؤاد قائلا: كما تعودت أن أزعجك قديما. # وقاما يسيران على طريق الكورنيش يتذكران ما طرأ على ذلك الشاطئ من تغيير في مدة سنوات ~~قليلة، وكانت الدار على ربوة يصعد إليها الطريق مدرجا من محطة السراي، ومن حولها حديقة ~~بديعة التنسيق يتخذ سعيد مرسمه في بناء بجانب منعزل منها. # وكان منظر الحديقة في الليل رائعا بين سطوح مطمئنة من العشب وأشجار باسقة من حولها أحواض ~~من شجيرات مزدهرة، وكانت أركانها تلوح في الظلام بعيدة يخترقها شعاع من ضوء مصباح خافت ~~يزيدها غموضا. # فقال فؤاد معجبا: إنها حديقة فنان. # فأخذ سعيد يتحدث إليه وهما يتجهان نحو المرسم عن أركانها الظليلة في الليالي ~~القمراء. # ولما دخل الصاحبان إلى المرسم اقتسما عشاء خفيفا كان على مائدة في مدخله، ثم جلسا ms028 ~~يتحدثان في غرفة المكتب المجاورة . # وقال سعيد بعد حين: ألا تحب أن تلقي نظرة على مرسمي؟ # ولم ينتظر من صاحبه جوابا فسار إلى بهو فسيح، وأضاء أنواره وتبعه فؤاد، فكأنه دخل إلى ~~عالم جديد، كان البهو مزدحما بما فيه من صور بعضها صغير معلق على الجدران وبعضها قائم ~~على حوامل من الخشب في غير نظام، وهي مناظر شتى كأن الحياة الزاخرة اجتمعت فيها، ورأى فؤاد ~~في صدر البهو إطارا كبيرا فيه صورة تتقد بألوانها تحت الأضواء الهادئة، فاتجه أول شيء ~~إليها ووقف أمامها ثابتا، كانت صورة زنجي متسول ممن يحملون تلك القيثارة الساذجة ذات ~~السلوك الجشاء، وكان يلبس ثيابا مهلهلة وفي وسطه حزام علقت به عناقيد من ودع وأسنان ~~حيوان وخرز، وكان واقفا في قطعة من صحراء جرداء ليس فيها عود ولا حياة، وكانت أشعة الشمس ~~تقع على رأسه العارية وظله رابض تحت قدميه، وكانت ألوان الصورة تتوهج حمرة وصفرة تنتهي ~~إلى حواف قاتمة كأنها لهيب ينبعث منه دخان. # ولكن الزنجي المتسول كان يرقص مرحا واقفا على ساق واثبا بالأخرى يضرب بيده على قيثارته ~~الساذجة، ووجهه الممتلئ قوة يفيض بالبشر والسعادة. # وكان سعيد واقفا إلى جانبه يتأمل الصورة صامتا، فلما طالت وقفة فؤاد أمام الصورة، ~~فقال له سعيد: أقد أعجبتك؟ # فقال فؤاد في حماسة: إنها مدهشة! # فتبسم سعيد مرتاحا وقال: إنها أعز لوحاتي علي. # وأجاب فؤاد: أظنك قد جمعت فيها كل فلسفتك. إن السعادة ليست وقفا على من نحسبهم السعداء. # فرفع سعيد يده ضاحكا وقال: أرجوك يا صديقي، لا تذكر الفلسفة إذا تحدثت عني، فأنا أبعد هذا الخلق عنها، إن الفلسفة ~~والعلم كلاهما يفكر ويتعثر، وأما أنا فحسبي أن أحس. # فقال فؤاد جادا: إذن لقد وضعت فيها كل قلبك. # فأجاب سعيد باسما: أما هذا فنعم، وضعت كل قلبي في هذه الصورة مرة حتى كان يخيل إلي أنني أعيش ~~فيها. # فضحك فؤاد قائلا: إذن فأنت كامن في طي هذا الزنجي. # فأجاب سعيد: بل أنا هو يا فؤاد، كما أنني كل هذا ms029 الذي تراه هنا، فضحك فؤاد وهو ينظر نحو منظر ~~ريفي. # فقال سعيد باسما: وهذا أيضا يا فؤاد، لا تخش أن تقول ما جال في نفسك، أنا كذلك في هذا الثور الذي تراه ~~هناك هادئا يضطجع مجترا، انظر إلى هذه الصورة، وأشار إلى يساره. # فنظر فؤاد إلى صورة جميلة من الشوك تطل من بين أشواكها أزهار باسمة ناضرة لها ألوان لا ~~يشبهها في روعتها شيء مما تقع عليه العين في البساتين الضاحكة. # ووقف فؤاد أمامها مشدوها. # فقال سعيد في نغمة رضى: أزهار الشوك يا فؤاد! # وتمتم فؤاد قائلا في غير وعي: أزهار الشوك! # وأخذ يتأملها بقلب واجف وهو يذكر داره القديمة العزيزة في النجيلة والكوم والفتاة البدوية ~~ذات الجمال الوحشي تعويضة. # فقال سعيد: أأعجبتك هذه أيضا؟ إنها قطعة من الطبيعة الصامتة قلما يعبأ أحد بمثلها. # فقال فؤاد في رنة تشبه الحزن: بل هي قطعة من الإنسانية، ألا تسميها البدوية الحسناء؟ # فصاح سعيد: أحسنت التسمية، إن ذلك الاسم لم يخطر ببالي، ولكنها تشبهها إذ تتبرج ضاحكة في ثيابها ~~الفقيرة وأقدامها الحافية الخشنة. # فقال فؤاد في صوت خافت: أرأيت يوما مثلها؟ # ولم ينتظر جوابه والتفت كأنه ينزع عينه من تلك الصورة قسرا، واتجه إلى صورة أخرى منزوية ~~في ركن إلى جانب صورة الزنجي، كانت صورة فتاة في نحو الثامنة عشرة بيضاء الوجه زرقاء ~~العينين شقراء الشعر، وكان في نظرتها معنى من وداعة وظرف يخالطهما لون من حزن وخوف، ~~وكانت واقفة على قطعة صخرية عالية من شاطئ، وتهم بالنزول إلى صخرة بين الموج، تمسك بجانب ~~ثوبها الأبيض وترفعه في حذر ناظرة إلى ما تحت قدميها، كأنها تخشى أن يصيب الموج حذاءها ~~الأبيض الناعم الدقيق، وكانت الأمواج تضطرب دونها متكسرة على صخور الشاطئ في عنف. # وقال فؤاد وهو ينظر إليها: حقا إن مثلي ممن ينظرون إلى أعمال الفن من ظاهرها يسيئون إليها إساءة كبرى. # فقال سعيد: ولكنك تنظر إلى الأعماق يا صديقي. # فقال فؤاد: لقد كدت أعيد غلطتي الأولى فأعبر عن هذه اللوحة بلفظي كما ms030 فعلت مع صورة الزنجي، كدت ~~أقول: إنك جمعت فيها جانبا آخر من فلسفتك. # فقال سعيد: ولكنك أحسست مثل إحساسي وتعمقت إلى ما هو أبعد منالا مني، فأنا أحس وأمزج ألواني ولا ~~أحاول أن أحدد ما أحسه في ألفاظ. # فأجاب فؤاد: وأنا أفسد عليك ما تحس بأن أقرأ فيه ما اعتدنا أن نقرأه في صحف الصباح أو ~~المساء. # فقال سعيد: فماذا قرأت هنا؟ # فقال فؤاد: أما وقد شئت أن أقتحم عليك عالمك العلوي فإني أرى هذه الصورة تكملة للأخرى، فإذا كان ~~للحياة شاطئان، فصورة الزنجي على شاطئ منهما وهذه على شاطئها الثاني. # فقال سعيد في نفس عميق: لكأنك كنت في نفسي، حقا أنها تكملة الصورة الأخرى، كان هذا المعنى غامضا في أعماق حسي ~~حتى جلوته أنت في ألفاظك القليلة، أأقول: إننا معاشر أهل الفن نقنع بالإحساس الصامت لأننا ~~نعجز عن خلق اللفظ الناطق؟ # فضحك فؤاد قائلا: لو كنت من أهل الأدب لمددت إليك يدي مصافحا، ولكني أوثر أن يبقى فنك صامتا، وخير لنا ~~أن يبقى الفن مطلقا مبهما من أن نحاول أن نحدده بألفاظنا. # ثم حول بصره إلى البهو الفسيح وفيه عشرات أخرى من لوحات بين صور من جوامد وأخرى من ~~الأحياء، وبين مناظر من الريف وأخرى من الصحراء أو شواطئ البحر. # ثم قال لصاحبه: إن هذا عالم لا نجرؤ على أن نطلع عليه في مثل هذه اللمحة العابرة. # ثم عاد إلى صورة الفتاة قائلا: من هذه يا سعيد؟ # فمد سعيد إليه ذراعه وقال له ضاحكا: أما تكفيك صورتها؟ # ثم جذبه عائدا به إلى غرفة مكتبه. # وخجل فؤاد من فضوله على ما كان بينه وبين سعيد من المودة القديمة، وخيل إليه أنه قد ~~اقتحم عليه بهذا السؤال سرا، وأدرك سعيد من هيئة صاحبه أن جوابه قد صده، فقال له ~~باسما: لا بأس عليك ولا تذهب بك الظنون مذاهبها، فهذه أختي - أقصد صاحبة الصورة التي سألتني ~~عنها. # فتبسم فؤاد وأسرع إليه شعوره بالارتياح وقال: أحسنت إذ جلوت أمر الصورة لي، فقد كدت ms031 أذهب مع ظنوني حيث تسرح بي. # فاستأنف سعيد قوله: كنا ليلة نتحدث في الفن فقلت لأختي: إن الفنان يصور ما يراه وليس ما يبدو للأعين أمامه، ~~فهو يترجم الطبيعة ولكنه لا ينقلها نقلا. # وكانت علية أختي تراجعني وتزعم أنها كبرياء أصحاب الفن هي التي تخيل إليهم أنهم فوق البشر ~~وأنهم يخلقون ويبتدعون، ثم انتهى بها الأمر إلى التحدي فطلبت إلي أن أرسم لها صورة لترى ~~هل هي صورتها كما تحسب أو أنها في الحق من خلقي أو ترجمتي. # وذهبنا في اليوم التالي إلى شاطئ البحر، فرسمت تلك الصورة لها. # فقال فؤاد: إذن فأنت لم تأت بشيء من عندك كما قلت لك، إنها واقفة على صخرة والبحر من دونها. # فقال سعيد: ولكنها منذ رأت الصورة آمنت برأيي، فقد كانت لا تحسب أن تلك صورتها. # فقال فؤاد في حماسة: إنها صورة رائعة. # فأجاب سعيد باسما: دع هذه الأوصاف يا فؤاد، فإن الألفاظ لا يمكن أن تعبر عن معاني الفن تعبيرا صحيحا، ~~ولست أدري ماذا تعني عندما تقول: إن تلك الصورة رائعة. # فقال فؤاد: فكيف تريد أن أصفها؟ # فرفع سعيد كتفيه قائلا: لا أدري، هذه صورة أختي كما رأيتها، ولا يهمني بعد ذلك كيف تصفها ولا كيف يصفها الناس ~~سواك. # فقال فؤاد: وماذا قالت عنها علية؟ # فأجاب سعيد: أظن أن إعجابها بي زاد أضعافا حتى ألحت علي أن تكون تلميذة لي، فقد أعجبها ما رأت ~~من ألواني ومن تعبيري وقالت كلاما كثيرا لم أفهم منه أكثر مما أفهم من كلامك أنت. # فهي مثلك تستعمل ألفاظا لا أعرف لها معنى، أما أنا فإني لم أقصد من صورتها أن تكون رائعة ~~ولا أن تكون شائهة، وكان كل ما فعلت أن نظرت إليها ثم انطبع منها أثر في نفسي فصورت هذا ~~الأثر، وكنت في أثناء ذلك لا أكاد أفتح عيني. # فهز فؤاد رأسه في هدوء وقال ضاحكا: إنني أخاف أن أصف لك ما وقع في نفسي، فأنت تحتقر ألفاظنا معاشر البشر كأنك قد أصبحت ~~خلقة أخرى. ms032 # فأجاب سعيد: بل يسرني أن أسمع ما تقول وإن كنت لن أفهمه، ويسرني سماعه لكي أرى كيف يفكر أمثالك من ~~الفلاسفة والعلماء، فقل ما بدا لك لعلك تعلمني شيئا جديدا. # وكانت سخريته وديعة أشبه شيء بالتحية. # ومضى فؤاد في حديثه قائلا: ألقي في روعي عندما رأيت الصورة أن صاحبتها فتاة طيبة هادئة سعيدة، ولكنها مع ذلك ~~تتطلع إلى شيء مجهول تحاول أن تجد فيه ما يدخل عليها بعض الحزن أو الألم أو القلق أو ~~كما شئت أن تسميه. # فخبط سعيد بيده على المنضدة في حماسة وقال: إنك تكاد تنطق بما في نفسي مرة أخرى، فتعبر عما عجزت عن التعبير عنه في ألفاظي، ويخيل ~~إلي أن العيب في أنا إذا كنت لا أفهم ما يقوله أمثالك، لم أفكر في هذا كله ولكني ~~أحسسته، وهي حقا كما تصفها، هي تعيش في ظل أبيها منعمة هادئة سعيدة، وهي طيبة القلب إلى ~~أبعد ما يكون القلب طيبا، ولكنها مع ذلك تنظر إلى الحياة نظرة يشوبها الحزن والقلق والألم، ~~وهي تقضي وقتها في المعاونة على بر الضعفاء والمشاركة في خدمة المساكين، فهي عضو من جمعيات ~~خيرية شتى ومؤسسات اجتماعية مختلفة تعود منها كل يوم حزينة، وترى أن ذلك يدخل على قلبها ~~سعادة أكبر من سعادتها بنعمة أبيها. # فقام فؤاد يذرع الغرفة قائلا: لقد صدقت التعبير عنها في صورتها، فهي - كما قلت لك من قبل - تقف على الشاطئ الآخر من ~~الحياة، تقابلها من بعيد صورة الزنجي المرح. # ومد سعيد يده إلى مكتبه فأخرج منه لفافتي تبغ سمراوين، وقدم واحدة منها إلى ~~صاحبه. # فقال فؤاد وهو يأخذها: لست أدخن ولتكن هذه أول لفافة أدخنها. # ثم أشعل اللفافة ونفخ منها سحابة بيضاء كثيفة ورفع بصره إليها قائلا: دعني أصور من هذا الدخان لوحاتي. # ومضيا في الحديث إلى أن مضى أكثر الليل. # 6 # طالت إقامة فؤاد بالإسكندرية فامتدت إلى أسابيع حتى أوشك الشهر أن ينقضي، وكانت أياما ~~ملأى في صحبة سعيد وأخته علية، كان يصاحبهما ساعات من النهار أو ms033 ساعات من المساء يقضونها ~~على شواطئ البحر أو في المنازة النائية في الأطراف، وكانت علية تهوى التصوير وتصاحب أخاها ~~في كثير من جولاته، فتستمع إليه وترسم أحيانا مناظر على هداه. # وكانت أحاديثهم تتسرب هادئة فلا يحسون للوقت طولا. # واستعاد فؤاد مودته الأولى لصاحبه فعادا كأنهما لم يفترقا من قبل يوما، وتوثقت مودة ~~جديدة بينه وبين علية، وكان فؤاد كل يوم يرى فيها معنى جديدا، كانت علية حسناء بغير شك، بل ~~كانت أبدع من صورتها حسنا، ولكن شيئا غامضا كان يفرق بينها وبين صورتها، وكثيرا ما حاول ~~فؤاد أن يكشف عن ذلك الفرق الغامض فكان يرهف سمعه وبصره لكل حركة منها، بل لقد كانت ~~صورتها تبقى في ذهنه بعد أن يخلو لنفسه فيمضي في تأملها، لقد خلق سعيد في صورتها راهبة ~~وديعة تكاد عيناها تنمان عن عزوف عن الحياة، على حين كانت علية فتاة طروبا مرحة تملؤها ~~الحياة، حقا كانت تحب أن تشارك في مؤسسات الخير وتعاون على أعمال البر، ولكنها كانت تفعل ~~ذلك وهي شاعرة بأنها قوية تمد يدها إلى الضعفاء، وخيل إلى فؤاد أن الكبرياء هي التي ~~تحركها، وكانت كبرياؤها صنفا يختلف في لونه عما اعتاد الناس أن يصفوا به المتكبرين، وكانت ~~تحس كأنها تحلق عالية فلا يضيرها أن تمد يدها إلى من هم في أدنى الأفق وهي لا تخلو من ~~شعور بالزهو، وكان يطربها أن ينظر إليها للناس إذ هي تتنازل بمد يدها. # ولكم خلا فؤاد إلى نفسه فحدثها عن علية الحية التي قضى اليوم معها، وكان يحس تعلقا ~~بها يزداد يوما بعد يوم، وود لو استطاع أن ينظر إلى الحياة كما تنظر هي إليها. # وكان يخيل إليه أحيانا أنها تحس بنفسها وتعرف مقدار حسنها، فكان فيها نوع من العجب ~~يحملها على شيء من التكلف يقلل من بهجة حسنها، وكثيرا ما كان يقرن صورتها بصورة تعويضة ~~الأعرابية التي كانت لا تعرف الغرور ولا العجب ولا الزهو، ولكنه كان لا يلبث أن يعود من ~~الموازنة بينهما نافرا حانقا يكاد ms034 يحس أنه قد ارتكب جرما، أكان ينبغي له أن يقرن صورة ~~هذه الحسناء المنعمة المثقفة بصورة البدوية التي لا تستطيع أن تستمر في حديثها إلى ما بعد ~~التحية والابتسامة؟! كانت تعويضة كالقطة البرية إذا غاضبها أحد من قومها، ولكن هذه الفتاة ~~الوديعة كانت لا تعرف كيف تغضب، بل كانت لا تعرف أن الحياة قد تسوقها إلى ما يثير ~~غضبها. # وكانوا يخرجون أحيانا إلى ظاهر المدينة فإذا بلغوا ريفا خاليا وقف سعيد يجمع في عينيه ~~المناظر، ووقف فؤاد مع علية ينظران إليه يتفكهان برؤيته، أو يتجهان إليه ببعض ألفاظ التهكم ~~الرفيق، وكانا يجدان في هذه الأوقات فرصة يتبادلان فيها الأحاديث، وكانت علية واسعة القراءة ~~في الفرنسية تعرف الكثير من بدائع أدبها القديم والحديث، وكان فؤاد يخجل إذ لا يستطيع أن ~~يرد عليها بشيء من قراءاته سوى أن يتحدث إليها عن شيء من القانون أو ما يتصل به إذا ~~عرض ذكر من ذلك في الحديث، فقنع معها بأن يستمع ويعجب باختيارها لما تقتبس من ذلك الأدب، ~~وكان هذا يملق زهوها ويرضيها، ووقف سعيد يوما على عادته ينظر إلى الأفق وهم وقوف على رابية ~~في حدود صحراء مريوط، فجعل يشير بيده إلى تعاريج الشاطئ وإلى تضاريس الصخر، وما على البحر ~~والبر من ألوان حتى لقد كان يرى للهواء في كل صوب لونا فكأنه وقف يطلع على العالم من نافذة ~~لا يطل سواه منها. # فقال له فؤاد: أتعرف كيف أراك يا سعيد؟ # فنظر إليه سعيد ضاحكا وقال: هل أصبحت فنانا؟ # فصاحت علية: وهل تريد أن يقتصر الفن عليك؟ سأرسم لهذا الساحل صورة تجعلني من الخالدين. # ثم ضحكت قائلة: أليس هذا الخلود هو مطمع أهل الفنون؟ # فأجابها سعيد: أهكذا يليق أن تتحدث التلميذة إلى أستاذها؟ # ثم التفت إلى فؤاد قائلا: أحب أن أعرف كيف تراني؟ # فقال فؤاد: كأني بك أحد كهنة القدماء. # فضحكت علية وقد أعجبها التشبيه وقالت: هكذا صورة الراهب في تاييس. # فقال فؤاد: هكذا كان الكاهن القديم يقف فيقول للناس: إني أرى الإله، ms035 فيقول المساكين: هذا هو، وإن لم ~~يروا شيئا. # فقال سعيد: ولكني أرى إلهي حقا، ولا عيب علي إذا كانت العيون لا تراه، فأنا أبصر هذا الوجود ~~ألوانا وأشكالا، وإن كنت تأبى علي إلا أن أراها أشياء وأشخاصا. # فقالت علية: أحسنت يا سعيد، وأظنك قرأت أناتول فرانس. # فقال سعيد في بساطة: لم أقرأ منه حرفا. # وضحك فؤاد وعلية، ولكن فؤاد كان يخشى أن تتجه إليه فتحدثه عن قصة الأديب الكبير الفرنسي، ~~وتسأله هل قرأها، وشعر بالنجاة عندما أخذت هي تتحدث وتصف كيف كان أناتول يقرع الإدراك ~~الإنساني على غروره وقصوره. # وأحس فؤاد في ذلك اليوم وهو عائد إلى المدينة أنه قضى يوما من الأيام التي لن تزول ~~صورتها من الذاكرة، كانت ساعاته من اللحظات الموسيقية التي تمر عابرة فلا تعود، ثم تترك ~~وراءها أصداء حلوة مطربة تتردد إلى الأبد في الأسماع. # ولما نزلوا عند البيت استندت علية بيدها على ذراع فؤاد حتى دخلوا إلى المرسم، وأعدت في ~~ذلك المساء مائدة الشاي بيديها، وقد كان لذلك الشاي - بعد جهد اليوم - طعم لا يشبه طعم أي ~~شاي ذاقه من قبل! # وجاء إلى فؤاد كتاب من أبيه يدعوه إلى الذهاب عنده فلم يجد بدا من طاعته بعد أن انقضى ~~شهر عليه في الإسكندرية، وكان لا بد له من أن ينظر في أمر مستقبله ويستشير فيه والده بعد أن ~~ظهرت نتيجة الامتحان، وما كان أشد عجبه إذ عرف أنه نجح وكان سابقا، فاستأذن صاحبه كما ~~استأذن علية، ووقعت كلماتها على سمعه عذبة عندما قالت له: لا تنس أن تزورنا. ~~••• # واحتفلت القرية بمقدم فؤاد فلقيته عند عودته إليها بما لم تلقه به من قبل، وازدحمت الدار ~~أياما بمن وفد عليها من القرى المجاورة، وكان نساء العزبة يجتمعن كل ليلة في فضاء الجرن ~~يغنين ويزغردن كأنهن يحيين عرسا. # وجاء إليه قوية بعد ثلاثة أيام، وكان لم يره منذ يوم وصوله إلا مرة عندما سلم عليه في ~~صحن الدار مع الجموع الوافدة. # فقال له الفتى: سيكون عقدي بعد ms036 غد يا سيدي. # فقال فؤاد في شبه صيحة: أولم تعقد بعد يا قوية؟ # فقال الفتى خجلا: وهل كنا لنعقد وأنت غائب عنا؟ # فوقعت كلمته في قلبه، ونظر إليه حينا يتأمل بناءه القوي ووجهه الصريح ومد إليه يده ~~قائلا: مبروك يا قوية. # وقال كلمته بملء قلبه، فقد أحس نوعا جديدا من السعادة أن يرى ذلك الصديق الوفي ~~سعيدا. # ثم قال له: وأين تعويضة؟ # فقال الفتى باسما: تعد ثوب عرسها. # وعجب فؤاد إذ أحس عند ذلك هزة من سرور أخرى، كأن ما في قلب الفتى قد انتقل إلى ~~قلبه. # وقال باسما: فهي إذن لاهية عنا. # فضحك قوية قائلا: وكيف تلهو عنك يا سيدي؟ لقد كانت طول هذا الشهر تسألني متى تأتي. # فقال فؤاد عاطفا: أبلغها تحيتي. # وتصورها عند ذلك واقفة إلى جانب علية الحسناء المنعمة، ألا ما أبعد الفرق بينهما! ولكن ~~تعويضة كانت مع ذلك حسناء مثل زهرة الشوك في البرية، وحسبه منها أن ينظر إلى حسنها وأن يشفق ~~على أنها سوف تذبل نضرتها في صحرائها، ثم تصوح وتذوي بغير أن تقع عين عليها. # وقال فؤاد لقوية بعد لحظة صمت: سأكون أحد الشهود في عقدكما، بارك الله لكما. # ومضى عنه الفتى شاكرا، وبقي هو حينا ينظر إلى نفسه كيف تبدلت! أكان هذا الذي شعر به ~~نحو تعويضة من قبل أثرا من آثار الوهم أو الفراغ؟ أكان نتيجة لجهده المتصل وانطوائه على ~~نفسه؟ أكان في ظلمة ثم خرج إلى النور منذ رأى علية؟ # مهما يكن من أمره فقد أحس سعادتين: إحداهما كلما تذكر علية المنعمة الحسناء على شاطئ ~~الإسكندرية، والأخرى كلما تذكر أن تعويضة سوف تسعد بعد غد في ليلة زفافها. # واجتمعت القرية تلك الليلة في الفضاء الفسيح يحف بهم النخيل من جانب وسفح الكوم الكفري ~~من جانب، وكان القمر يزهر في سماء الخريف في وشي من سحب بيض تتهادى على رسلها، فتحجب نوره ~~بين حين وحين، ووضعت ثلاثة من المصابيح في فوانيسها الزجاجية الكبيرة في وسط حلقة صاخبة ~~من نساء ورجال وأطفال ms037 يتصايحون ويتنادون لكي يروا رقصة تعويضة في الصابية، وأخذت الحلقة ~~تضرب بأكفها ودخلت تعويضة في وسط الحلقة تخطر في ثوبها الجديد. # وجلس فؤاد على كرسي فكان موضعه صدر الحلقة، وجلست مبروكة تحت قدميه عن يمينه، ووقف قوية ~~إلى اليسار وبدأت تعويضة رقصتها وانطلق قوية منشدا: # صغير غادي في النوار # منور مثله وعوده زين # وكانت ضربات الأكف تساير وزن النشيد سريعة وثابة، وتعويضة لا تكاد تمس الأرض بأطراف ~~قدميها تدور وتثب وتميل برأسها، وضفائرها الطويلة السوداء تضطرب على صدرها وكتفيها كأنها ~~لفائف من حرير غزير. # وود فؤاد لو كانت علية وسعيد إلى جانبه في تلك الليلة يريان معه ما يرى ويشاركانه ما ~~يتمتع به من سعادة، وكان يخيل إليه عند ذلك أن الحياة كلها تبتسم للحلقة المتواضعة السعيدة ~~التي تزأط وتضطرب تحت عينيه، فلو كانت علية هناك لما ترددت في أن تصور لهؤلاء صورة تعرضها ~~على أستاذها وأخيها لعلها تفوز برضائه عن مقدرتها، ولو كان سعيد هناك لأوحى إليه المنظر ~~صورة عجيبة لا تخطر لأحد ببال، كان من الممكن أن يصور الراقصة البدوية أو السيد الجالس أو ~~قوية المنشد أو المصابيح في وسط الحلقة، أو أن يصور شيئا غير هذا كله ليودع ما ثار في نفسه ~~من أثر ذلك المنظر العجيب. # ولو كانت علية هناك لجلست معه في الحلقة تنظر إلى هؤلاء القرويين الذين يمرحون في ~~أسمالهم، وتمد إليهم يدها من أفقها العالي ناظرة حولها تنتظر لفتات الثناء والشكر على ~~تنازلها، ولما انفض السامر ذهب فؤاد مع قوية إلى داره التي اتخذها مسكنا في جانب من ~~العزبة بدل الخيمة التي كان يقيم بها في جانب الكوم، وأخذ فؤاد معه هدايا كان أبوه قد ~~أعدها له من ذبائح تنحر في الليلة التالية، ومن ثياب لتعويضة تضعها على كتفيها أو ~~تلبسها في قدميها في ليلة زفافها المقبلة، ولم ينس الوالد أن يبعث إلى مبروكة ثوبا أسود ~~فضفاضا وملاءة وطرحة ونعلا أصفر من جلد لين لامع. # وأحس فؤاد إذ هو عائد إلى داره أن ms038 قلبه يفيض سلاما وحبا، حبا لم يعرفه قبل تلك ~~الليلة، فيه مؤاساة وفيه حرارة ومودة، ولكنه مصفى من كل رغبة أو غاية. # وقضى أول الخريف في القرية يشاور والده في مستقبله، وكان أبوه يريد له أن يلي عملا في ~~النيابة، فقد كان هذا أمله الذي كان يرمي إليه، وكانت أمه تحب له الوظيفة ولا ترضى أن يكون ~~محاميا، وبعث الوالد إلى بعض أصحابه يسأله أن يعينه على أمره، وكان فؤاد يذهب بين حين وحين ~~إلى القاهرة ثم يعود وهو في حيرة لا يدري أي سبيل يختار في الحياة، ولكن أباه كان ثابتا ~~على رأيه لا يرضى إلا أن يكون ولده وكيلا للنيابة، فهي الوسيلة إلى المناصب الكبرى وهي أكرم ~~الوظائف في عينه قدرا. # وأوغل الخريف وشغل الوالد بجني القطن وجمع الأرز وإعداد الأرض لزرع الشتاء، فكان لا ~~يكاد يفرغ من عمل في ساعة من نهار. # وكان ذلك أول خريف يقضيه فؤاد في العزبة منذ دخل في المدارس، فكان منظر الجو الغائم ~~جديدا عليه يجد فيه متعة إذ يجول بالحقول تحت قطرات الرذاذ أو بين سحب الضباب. # وكان يوما يجول جولته تحت سماء غائمة يكاد يدفع سحابها المطأطئ بكفه قائما، وكان الهواء ~~يزمجر عاصفا باردا كأن بابا من الزمهرير قد فتح على السهل الفسيح فجأة، فأسرع حتى بلغ ~~أدنى دار من القرية فدخلها ليجد فيها ظلا فاستقبلته صاحبة الدار وأسدلت طرف طرحتها على ~~جانب وجهها، وسلمت عليه في غير تكلف، وأسرعت إلى داخل البيت تلتمس له مقعدا، ثم جاءت له ~~بكرسي صغير من الخشب وارتدت داخلة إلى الدار فغابت حينا حتى عادت تحمل في يمينها إبريق ~~قهوة من معدن سوده الهباب، وفي يسارها فنجانا مكسور الحافة فصبت فيه القهوة وتناولها ~~فؤاد شاكرا، وجاء صاحب الدار بعد قليل يسوق بقرته فلما رأى «فؤاد» ألقى حبل البقرة على ~~ظهرها وأسرع داخلا يحييه مرحبا، وجلس أمامه عند عتبة الدار، وكان المطر يهوي في الطريق ~~كأنه ينحدر من بزابيز، وأخذا في شيء من الحديث عن ms039 عاصفة اليوم وعن حالة الزرع، وكان الرجل ~~يلتفت نحو الحقول في أثناء الحديث وعلى وجهه أثر اللهفة. # فقال فؤاد: أظن المطر قد هدأ قليلا. # فهز الرجل رأسه في استسلام وقال: أما تراه يتساقط بالقطن إلى الأرض؟ # وكان في صوته رنين ألم كأنه يرى فلذة كبده على الأرض طريحا. # ثم مضى الرجل قائلا: هكذا نقضي العام كله نحرث ونفلح ونروي ونعزق ثم نكافح الدود ونخرج كل يوم نقلب ورق ~~النبات، حتى إذا ما تم نضجه نراه يذهب هكذا في لحظات. # ونظر فؤاد إلى وجه السماء المغبرة آسفا. # وأمسك الرجل عن الحديث فقام يسوق بقرته إلى حظيرتها، وجلس فؤاد وحده يفكر في هذه الطبيعة ~~التي لا تعبأ بهموم البشر، فليس القطن عندها سوى نبت قضى واجبه فبدأ حبة ثم نما عودا ثم ~~استوى شجيرة وآتى ثمره وبذره فليس له بعد ذلك من مأرب، وأما مآرب الناس فإنها لا تعني سوى ~~هؤلاء الذين يسخرون النبات فيما يجنون منه، هكذا يعيش هؤلاء الذين يجاهدون الطبيعة وهي ~~تترفع عن النظر إلى أحدهم، وهكذا يقابلون الحياة قاسية منطلقة في سبيلها. # وعادت إليه صورة من شاطئ البحر ومن رآهم عليه يمرحون في الصيف، أيعرف هؤلاء شيئا مثل ~~هذا؟ ومع ذلك فهم يتحدثون أحيانا عن الحياة، وإن كانوا يرونها من وراء حجاب. # ولما هدأ المطر سلم فؤاد على صاحب الدار وصاح مسلما على امرأته من وراء الباب، ثم ~~سار في تلافيف القرية في سبيله إلى العزبة من ورائها. # ولما رأى والده بعد ذلك لمح على وجهه أثرا من كآبة وإن حاول أن يخفيها فلقيه باسما، ~~وسأله عما فعل في تلك العاصفة فأخذ فؤاد يحدثه عن الدار التي دخلها وعن صاحب الدار وما ~~قاله مستسلما. # فقال أبوه: إن من يسلب هؤلاء إيمانهم واستسلامهم لقضاء الله إنما يتآمر عليهم ليدس إليهم ~~الشقاء. # وصفق يطلب الخادم، ثم أمره أن يعد له فنجانا من القهوة، وأخرج علبة تبغ فلف لفافة ~~منها بيده وأشعلها. # وخيل إلى فؤاد أن وجهه كان شاحبا. # وكان فؤاد ms040 يزيد معرفة بأبيه يوما بعد يوم ، كان من قبل لا يعرف فيه إلا أبا، ولكن تلك ~~الأيام أظهرته على حقيقة الإنسان فيه. # واستعجله أبوه ليذهب إلى القاهرة فينظر ماذا فعل صاحبه في وساطته، ثم قال له: هذه الأيام ملتقى الطرق في حياتك يا ولدي، فلا تدع نفسك تسير في طريق قد تندم بعد على ~~سلوكها. # وذهب فؤاد إلى القاهرة فأقام فيها أسبوعا يتردد بين الوزارة وبين أصدقاء والده لعله ~~يحقق لأبيه أمله الذي كان عليه حريصا، أما هو فقد عادت إليه صورة العود الضئيل الذي كان ~~يضطرب فوق موج النهر الفائر، فلما عرف بعد حين أن الوزارة قد اختارته لمنصب في النيابة لم ~~يكد يحس فرحا. # ثم جاءت إليه برقية تنبئه بالنبأ الفاجع، لقد توفي أبوه! # وأسرع إلى العزبة وهو ذاهل لا يكاد يرى ما حوله من هول المفاجأة حتى بلغ داره فوجد فيها ~~أهل القرية حشودا كأنما هو الذي جاءهم معزيا، وكانوا يتلقون وفود القرى ويبادرون إلى ~~الخدمة بغير أن يدعوا إليها، ثم نقل جثمان الأب إلى القاهرة حيث ولد ونشأ، ودفن ~~في جوار أهله الذين سبقوه إلى مضاجعهم في مقبرة الإمام. # ولم يستطع فؤاد أن يدع أمه في العزبة وهو وحيدها، فانتقل بها إلى القاهرة لتكون قريبة من ~~أهلها. # وقضى فؤاد سائر الشتاء في عمله حتى أقبل الربيع، فاستأذن أياما ذهب فيها إلى العزبة ليرى ~~ما حدث بها بعد أبيه فأي فرق طرأ عليها؟! # ماذا تبدل في حقولها وفي طرقها؟ وماذا اختل في سمائها وهوائها؟ كانت الحقول تبدو له عند ~~ذلك كالحة في خضرتها والسماء كئيبة في زرقتها، حتى قوية وتعويضة ومبروكة ورحومة وكل هؤلاء ~~الذين عرفهم من قبل كانوا يبدون له كأن مطالع وجوههم قد شاهت وتبدل أنسها، كانوا ~~يلقونه جميعا مرحبين ويلتفون حوله كما كانوا يفعلون من قبل، ولكنهم لم يكونوا هم الذين ~~رآهم وعين أبيه تقع عليهم؛ لأن ذلك الأب كان يخلع عليهم جميعا من أنسه وبشره، وكانوا ~~يذكرون الأفندي ويترحمون عليه ويقرءون الفاتحة له ms041 كلما رأوا ولده، ولكن قلب فؤاد كان لا ~~يحس ما اعتاد من انشراح في حياة أبيه عندما كانت البركة تطالعه باسمة ومن ورائها الكوم ~~والقرية العالية والنخيل. # وجاء إليه رسول وهو هناك يحمل رسالة من إبراهيم ميسور، يعرض عليه شراء العزبة إن كان له ~~أرب في بيعها، وكانت أمه في حزنها على صاحبها العزيز تحسب أن العزبة هي التي أودت به، كانت ~~تحسب أنهم لو كانوا في مدينة لوجدوا فيها إسعاف الطب ولما عز عليهم الشفاء، بل لقد حسبت ~~أن موت صاحبها جريمة هواء القرية ومطرها ووبائها وقذر مياهها، لقد كان صاحبها المسكين أقوى ~~ما يكون صحة وأكثر ما يكون بشرا، ثم رقد أياما وأخذه السعال ليلتين طغت فيهما الحمى عليه ~~كأنها شعلة نار، ثم رأته يخمد قبل أن تفيق من صدمتها الأولى، فلما علمت بما بعث به ميسور ~~أشارت على ولدها أن يبادر إلى التخلص من تلك العزبة التي أصبحت لا تود رؤيتها ولا تحب أن ~~تطأ أرضها بقدميها، فاتفق فؤاد مع ميسور على بيعها، وانقطع بذلك ما كان يربطه بالأرض التي ~~كان له في كل ركن منها ذكرى عزيزة. # 7 # كان بيع العزبة صدمة جديدة لقوية وتعويضة وكل من هناك من أهل القرية بعد الصدمة الأولى ~~التي أصابتهم بموت الأفندي، وكان إبراهيم ميسور - المالك الجديد - معروفا عندهم جميعا، ~~فإنه كان أكبر أعيان الإقليم، وتمتد أملاكه ما بين حوش عيسى والنجيلة لا يزاحمه فيها إلا ~~قليل ممن لم يقدر على إزاحتهم من سبيله. # أما الآخرون فقد كانت أرضه تحصرهم في وسطها فما يزال يضيق عليهم مسالك مياه الري أو يسد ~~عليهم مسارب مياه الصرف أو يغري بهم بعض من يحشدهم حوله من الفتاك حتى يلجئوا إليه ~~يعرضون عليه شراء أرضهم خوف أن تصير بورا، فلما ملك عزبة الأفندي امتدت رهبته إلى ~~الضعفاء الذين يلونها، فقد كانوا يحتمون وراء تلك العزبة؛ إذ كان صاحبها يصد عنهم عادية ~~ميسور، ولكنهم عندما أحسوا عجزهم عن المالك القوي الرهيب لم يجدوا وسيلة للدفاع ms042 عن أنفسهم ~~سوى أن ينتموا إليه وينضووا تحت ظله، ويعدوا أنفسهم له تبعا يدينون له بالولاء. # وما هي إلا شهور حتى كان قد اتخذ من دار الأفندي مسكنا جديدا يحل فيه أحيانا، كأنه ~~جعله معقلا في جبهة زحف ليغير منه على الجانب الذي يليه، وزاد في الدار جناحا عاليا بناه ~~من حجارة ضخمة، وأقام سوره حصينا بعد أن كان لا يزيد على أعواد من شجيرات خضراء شائكة، ~~وأصبح ذلك البيت الهادئ الوديع يبدو تجاه القرية كأنه حصن منيع. # ووقع في نفس قوية أنه لن يستطيع البقاء في الأرض بعد أن صارت إلى ميسور، كان كلما رآه ~~تذكر أخاه سلومة السجين الذي كان في يوم من الأيام أحد أعوانه وأشياعه المقربين، ومن أجله ~~تجرأ على عداوة الرجال، وفي سبيل الولاء له اعتدى على كثير من الأبرياء، ثم ما لبث أن ذاق ~~طعم الدماء كما يذوق جرو الأسد دماء أول ضحاياه، فضرى وقسا حتى تحجر قلبه وأصبح فاتكا ~~عابثا لا يثنيه عن شره شيء من رحمة أو رهبة، بل لقد بلغ به الأمر أن ارتد على صاحبه الذي ~~راضه على الفتك فكشر له عن أنيابه مخاشنا، ولكن ذلك السيد لم يمهله، بل كان مثل الفهد ~~الخفيف الحركة إذا لقي ذئبا ضاريا، فبادر إليه قبل أن ينشب فيه أنيابه، فألقى به إلى السجن ~~ليلقى جزاءه على الآثام التي كان هو يبعثه إليها. # ولكن قوية مع ذلك لم يستطع أن يغادر الأرض التي بذر فيها برسيمه وقمحه، وأعد فيها ~~جانبا لقطنه، فآثر أن يجامل ويصانع ويداري حتى يجني ما زرع، ثم يفكر بعد ذلك فيما يكون؛ ~~ولهذا أقام في أرض يكاد يمقت النظر إليها. # كان يخرج إلى الحقل كل يوم مع زوجته يعملان معا، ولكنه كان يود لو وثبت الشهور حتى يقبل ~~الخريف مرة أخرى لكي يقطع ما بينه وبين العزبة، وتنكر للقرية والجرن والبركة والنخل، فكاد ~~يخيل إليه أن كل ذلك قد صار عنه أجنبيا منذ صار في حوزة إبراهيم ميسور، ثم قطع ms043 نفسه من ~~بناء العزبة بعد أن اتخذ له فيها دارا ليقيم بها مع زوجته العزيزة، وآثر أن يعود إلى خيمته ~~يعيش فيها كما كان يعيش من قبل، بل لقد بالغ في القطع، فبعد بخيمته إلى الجانب الأقصى من ~~الكوم حتى لا يقع بصره على الدار ذات الأسوار العالية، وكان رضاء مبروكة أم قوية أعظم من ~~رضاء ولدها؛ لأنها كانت تنزوي في كثير من الأوقات في خيمتها وتندب ولدها السجين منذ رأت وجه ~~ميسور يطلع عليها في العزبة. # ولم يعبأ ميسور بشيء مما دار في نفس قوية ولا في نفس أمه المسكينة، فإنه أحل أتباعه في ~~العزبة، وجعل دار قوية مسكنا للخولي الجديد، وضربت خيمة أخرى في سفح الكوم مما يلي ~~العزبة وحل فيها خفير آخر بدوي من أتباعه، ومضى السيد في إصلاح الأرض في نشاط وخبرة كأنه ~~يسخر من طريقة الأفندي في الفلاحة والإصلاح. # وكان ميسور معروفا في أطراف ذلك الريف بأنه خبير في الزراعة إذا وضع يده في موات أحالها ~~إلى جنات وبساتين، فشرع يمهد الطرق ويزيل الأكوام ويزرع الشجر على جوانب الجسور، فكانت ~~العزبة تدوي بعجيج العمل كل يوم من الصباح إلى المساء، وكان العمال لا يستريحون في ظهيرة، ~~ويبكرون في الغدو ولا يبادرون إلى الرواح في المساء كأنهم يحسون رهبة سوط من ورائهم. # وكانت البركة الفسيحة تفصل بين الحقول والقرية، وهي وإن أكسبت المنظر جمالا كانت تشغل ~~فدادين عدة ولا تؤتي ثمرة، فبعث ميسور إليها عماله فأهالوا عليها من تراب الكوم في دءوب ~~كأنهم النمل يخلي عشه في مطالع الربيع. # ثم دفئ الهواء ودبت الصفرة في أعواد القمح الخضراء، واشتعلت خضرة البرسيم بنوار أبيض ~~ناصع أو أصفر بهيج، فصارت الحقول من مزيج الألوان كأنها لوحة فنان، وكانت تعويضة تذهب إلى ~~حقلها في الآصال ترعى غنماتها وتقطع من سنابل القمح لتصنع منه فريكا، على حين كان قوية في ~~شغل من قطنه يعزقه ويرويه ويصابحه ويماسيه كأنه أم تتعهد رضيعا، فإذا أصبح بكر إليه ~~يقلب أوراقه؛ ليرى هل تركت ms044 عليه فراشة الدود «لطعا» من بيضها المخيف ، وإذا أمسى ذهب مرة ~~أخرى يقلب ورقه؛ ليرى هل خرج وسواسه فآذن أن يزدهر، أو يميل على خطوط البقل والبطيخ ليرى ~~هل أخرج شطأه. # ومر ميسور في أصيل يوم بحقل قوية وكانت تعويضة هناك، فمال عن طريقه يسأل عمن هناك، ~~واستقبلته تعويضة في شيء من الرهبة التي كانت تسبق اسمه إلى القلوب، فلم تبسم ولم تتجهم، بل ~~قامت نحوه عندما ناداها. # وقال لها: ما اسمك يا بنت؟ # فقالت في صوت خافت: تعويضة. # فنظر نحوها لحظة ثم قال: اسم غريب لم أسمع مثله، ولكنه اسم حسن. # ومن أبوك؟ # فقالت مقتضبة: رحومة. # فقال: ذلك البدوي الخامل؟ # فغضبت ولم تجب. # فاستمر وهو يبتسم: أهذا الشيخ أبوك أنت يا تعويضة؟! # وأطرقت تعويضة مرتبكة. # فاقترب منها وقال لها: وكيف لم أرك من قبل؟ # فنظرت إليه في شيء من التحدي قائلة: وفيم تراني؟ # فقال في تودد: أما كان واجبا عليك أن تعرجي علينا؟ ألست مثل فتيات العزبة اللاتي يأتين كل يوم ~~إلينا؟ # فقالت في جفاء: ما كنت خادمة. # فقال لها السيد ولم يغضب: ومن قال: إنك خادمة؟ ألست جارتنا؟ أأنت متزوجة؟ # فقالت له في شيء من الحنق: نعم. # ونطق عند ذلك أحد أتباعه من ورائه قائلا: هي امرأة قوية. # فنظر إلى الرجل الذي وراءه قائلا: قوية! جازاه الله، إنه كذلك لا يزورنا، سلمي عليه يا ~~تعويضة. # ثم سار في طريقه ينظر إلى الحقول، ويشير إلى يمينه تارة وإلى يساره تارة، ويلقي أوامره ~~بغير أن يلتفت إلى ورائه، وكان أتباعه يبادرون إلى الإجابة في أصوات عالية فيها رنين ~~الخضوع. # وقصت تعويضة على زوجها ما حدث عندما عاد إلى خيمته في المساء، فاستمع إليها صامتا حتى ~~فرغت فلم يجبها إلا أن قال: أحسنت الإجابة. # وقضى سائر المساء ساهما. # ولم يكن ذلك آخر عهد تعويضة بالسيد، فإنه كان يمر بحقلها بين يوم ويوم كأنه كان يتعمد ~~أن يجعل طريقه من ناحيتها، فإذا رآها وحدها وقف يحدثها ملتمسا إلى الحديث عللا، فكان ~~أحيانا ms045 يأمرها أن تؤدي له خدمة تافهة، ويطوي في ثنايا أمره وعدا بالعطاء، وأمرها يوما أن ~~تصنع له بعض الفريك فلما أطاعته في ذلك رد لها أضعاف الفريك أرزا، ورأى يوما معها ~~(حملا) من صوف ملون فسألها عمن صنعه، فلما أخبرته أنه من صنع أمها أمرها أن تصنع له مثله ~~ليتخذه كساء لسرج فرسه، وقال لها: أليست هي التي نسجت للأفندي سرج بغلته؟ # فقالت تعويضة: الله يرحم الأفندي! # فأخرج السيد جنيهين ورقا وقال: خذي هذين لتشتري أمك بهما صوفا. # فردت تعويضة النقود قائلة: سوف أقول لأمي أولا ولك أن تدفع ثمن الصوف إليها. # ولكنه أبى وأصر قائلا: أترفضين ما أعطيك وأنت مثل إحدى بناتي؟ # وكادت تقذف الورقتين إليه لولا من كان هناك من أتباعه، فارتبكت وعلاها الخجل وترددت حتى ~~مضى السيد عنها. # وكانت في كل مرة تفضي إلى قوية بحديث السيد وبما تجيبه به، فكان قوية بين حين وآخر ~~يقضي ليلة مسهدة يتقلب في فراشه حانقا. # وبعث السيد إليه ذات صباح من الصيف ليغدو إليه في الدار، وما كاد قوية يسمع الدعوة حتى ~~دق قلبه وانقبض صدره، وخطر له أول شيء أن يغفل الدعوة متحديا، ولكنه فكر فيما قد ~~يجره ذلك عليه، وكان كل همه أن يداري السيد حتى يقطع ما بينه وبينه في الخريف إذا ما ~~جنى ثمرة قطنه. # وذهب إلى أمه حائرا فقص عليها قصة الرجل، وصمتت أمه لا تجيب حينا حتى حسب أنها لا ترى ~~في الأمر رأيا. # ثم قالت له في صوت خافت: اذهب إليه يا ولدي، وليكن الله معك يحرسك. # إن سلومة عندما ذهب إليه أول مرة على إثر دعوة مثل هذه لم يأت إلي ليسألني عن رأيي، ولم ~~أدع له الله أن يحرسه كما أدعو لك الآن يا ولدي، اذهب إليه ولا تخشه إذا كنت رجلا. # فذهب قوية ثابتا نحو الدار العابسة العالية، وخيل إليه وهو سائر أن ذلك الرجل لن يقوى ~~على مواجهته. # ودخل الدار وكانت أول مرة يدخلها منذ آلت إلى ميسور، ووقعت ms046 عينه على الساقية التي طالما ~~جلس مع فؤاد تحت ظل شجرتيها، كانت الحديقة يانعة الخضرة فيها بقل وخضر وبطيخ وكانت طرقها ~~نظيفة، ولكن لم يكن على الساقية شجرتا الجميز، أهكذا يزول من الأرض كل أثر أصدقائه؟! # ودخل إلى القاعة الكبرى فرأى السيد في صدرها ومن حوله بعض أتباعه جلوسا على الأرض في ~~الركن الأقصى أو وقوفا. # ولما وقعت عين السيد عليه قال باسما: مرحبا بك يا قوية. # فقال قوية في شيء من الارتباك: مرحبا بك يا سيدي. # فقال ميسور: لم أرك منذ طويل، ألست معنا؟ # فقال قوية: العيش يشغلني يا سيدي. # فقال السيد باسما: لم أرك منذ سنين يا قوية، لقد صرت رجلا. # فقال قوية: الحمد لله وكل صبي يصير رجلا. # فقال السيد: أكنت هكذا دائما لا ترى الناس؟ لقد بلغني عنك أنك كنت مع الأفندي على غير ~~هذا. # فقال قوية في إخلاص: رحم الله الأفندي! # فقال السيد في شيء من الحدة: ومتى عرفته؟ أقد رباك يا قوية؟! # فقال قوية: عرفته في الوقت الذي لم يعرفني فيه أحد. # فقال ميسور وهو يتكلف الضحك: ما أفصحك يا قوية! إنك تذكرني بأخيك. # فأجاب قوية في شيء من الاندفاع: يرحمه الله أيضا. # فتضاحك ميسور قائلا: معاذ الله يا جذع! لقد تألمت من أجله كثيرا. # فقال قوية في شبه سخرية: الله يحفظك. # وسكت السيد لحظة ثم قال: بلغني أنك تزوجت، مبروك! # فقال قوية بصوت أجش: الله يبارك فيك. # فقال السيد: وكيف حالك معها؟ يظهر أنها طيبة. # أهي ابنة رحومة؟ ما اسمها؟ # فقال قوية: هي بدوية مثلي. # فأعاد ميسور: نسيت اسمها. # فصاح أحد الأتباع: تعويضة. # فقال ميسور: اسم لم أسمعه من قبل. # ونظر قوية حوله كأنه يبحث عمن نطق باسم زوجته، وعلا شيء من الحمرة وجهه الأسمر. # وقال السيد: تعال يا قوية، اجلس فإني أريد أن أكل إليك عملا هاما. # فقال قوية: أنا مستريح هنا. # فقال ميسور: كل شيء فيك يذكرني بأخيك حتى عناده، ومع ذلك فقد كان عزيزا عندي. # فقال قوية: لا سبيل إلى ms047 أن يسمع أخي منك هذه التحية. # فقال ميسور: أراك تصدني يا قوية، وقد بعثت إليك أريد لك خيرا. # فقال قوية: أشكرك يا سيدي. # فقال ميسور: يسرني أن أراك قريبا مني، كم فدانا تستأجر مني؟ # فقال قوية: عندي إيجارة الأفندي. # فارتد ميسور لحظة ثم قال: كم كان يؤجر لك؟ # فقال قوية: لم أطلب إلا خمسة أفدنة، وكان يعطيني ما أسأله. # فقال ميسور: ما أعظم حبك له! # فقال قوية متحديا: رحمه الله. # فقال ميسور يخفي غضبه: يسرني أن أسمع هذا، فأنت شاب تقدر الجميل. # فسكت قوية ونظر حوله في شيء من التردد. # ومضى ميسور مستمرا في قوله: لم بعدت عن سكن القرية يا قوية؟ لقد أخبرني الخولي أنك ~~تقيم بعيدا عن هنا. # فقال قوية في جفاء: أنا سعيد حيث أنا. # فقال السيد في ضجر: عجيبة! أكنت تقول للأفندي مثل هذا؟ # فقال قوية متحديا: وما لنا الآن به يا سيدي؟ # فقال السيد محتدا: كأنك تجازيني بهذه الأجوبة على تقريبي لك. # فقال قوية: أنت يا سيدي عظيم ولا يضرك أن يقيم مثلي في خيمته بعيدا، إني أحب أن أسرح ~~بصري في الأفق كما كنت أفعل في الصحراء صبيا. # فقال ميسور: كدت أنسى أنك بدوي وليد الصحارى. # فقال قوية: ولكني لم أنس ذلك يا سيدي. # فقال ميسور: فلا تريد أن تقرب منا؟ ما كان أخوك هكذا. # فقال قوية في دفعة: دع أخي فهو في سجنه. # وتحرك يتأهب للمسير قائلا: أتأمرني بشيء يا سيدي؟ # فقال السيد: أتريد أن تسرع إلى خيمتك؟ # فقال قوية: إذا لم يكن لك أمر تأمرني به. # فقال ميسور مظهرا الرضا: أشكرك يا ولدي، وكان بودي أن أجعلك للعزبة خفيرا، ~~ولكن. # ونظر إلى وجه الفتى. # فقال قوية: شكرا لك يا سيدي. # فقال ميسور: كنت أريد أن أخلي لك دارا حسنة هنا، تجد فيها مكانا لغنمك وبقرتك. # فقال قوية: أحب أن أبقى في مكاني أعمل في حقلي وأعيش في خيمتي. # فقال ميسور غاضبا: فأنت ترفض؟ # فقال قوية: دعني حيث أنا يا سيدي. # فقال السيد ms048 مهددا: إذن سوف أنظر في أمرك. # فقال قوية: هذا لك يا سيدي. # وعند ذلك اندفع السيد غاضبا كأنه كان يمسك نفسه قسرا عن غضبه، فانفلت فجأة من زمامه ~~منفجرا وقال في صوت مجلجل: لقد أخطأت إذ حسبتك أهلا لإكرامي، فجرأك ليني على مراجعتي وصدي حتى وقفت في وجهي ~~تراجعني في كل لفظ وتعصي أمري، فاذهب إذن وستعرف أنك كنت أحمق الناس وأسفههم رأيا. # فوقف قوية هادئا أمام دفعته قائلا: وما الذي أغضبك مني حتى تصيح بي هكذا؟ لقد سألتني فأجبتك كما يجيب الإنسان ~~إنسانا. # فصاح السيد واشتد حنقه: إنسان وإنسان؟! عمى في عينك أيها الولد الوقح. # وقام من مقعده ثائرا. # فالتفت إليه قوية وصلب قامته قائلا: حسبك هذا، أنت سيد عظيم وما ينبغي لك أن تتعرض لجوابي. # فصاح الرجل مرة أخرى: جوابك؟ أتهددني؟ # فقال قوية معليا صوته: نعم جوابي، لست عبدا لأحد أيها السيد. # وقام الأتباع فاقتربوا من السيد ناظرين إلى قوية في حنق، وقال قوية وقد زاد صوته ~~شدة: أنا قوية الفقير الضعيف، ولكني قوية فماذا تريد مني؟ # فهدأ الرجل نفسه وجلس قائلا: هذا حسن! لقد كنت مخدوعا، كنت أظن أني سأجد عندك شكرا وجوابا غير هذا. # وانفتل قوية يريد الخروج، فقال ميسور يحدث أتباعه في صوت ساخر جامد: دعوه حرا. # وذهب قوية إلى أمه وامرأته فقص عليهما ما كان بينه وبين الرجل الرهيب، وكانت أمه تنظر ~~إليه صامتة جامدة، وتعويضة تضع كفيها على جانبي وجهها في فزع. # ولما فرغ قال هادئا: كلها شهران فلا نبقى هاهنا، لقد علمت أن لا مقام لنا في هذه الأرض بعد موت الأفندي عليه ~~رحمة الله. # وخرج إلى حقله يسحب بقرته وامرأته تسير إلى جنبه تسوق غنمها. # 8 # شغل فؤاد بعمله الجديد في النيابة، وكان في جدة عمله ما يملأ كل فراغ وقته، وكان ~~دائما يذكر صديقه «سعيد» وأخته علية، ويتمنى لو جلس إليهما بعد كل يوم في الأمسية الهادئة ~~لينعم بحديثهما، فلو عرفا ما في هذه الحياة التي أخذ يطلع عليها لوجدا ms049 فيها كثيرا مما غاب ~~عنهما، كانا ينظران إلى الحياة من بعيد كما ينظر المنعم من نافذته العالية من وراء زجاجها ~~الشفاف وستائرها الحريرية، فإذا رأى تحت نظره امرأة مهلهلة الثياب تسير على سطح الأرض مهتزة ~~من الضعف، وتجمع بيديها السوداوين بقايا القشر من صندوق القمامة، سأل نفسه: أهذه العجوز ~~التي تتطوح في قذرها تحس شيئا في أعماق قلبها؟ ألها أفراح تطرب لها أو أحزان تئن ~~منها؟ # كانا يبصران من الحياة ألوانا زاهية أو قاتمة، يجدان متعتهما في تصورها وفي تصويرها ~~كأنها نوع من اللهو أو تزجية الفراغ، ثم يهتز قلباهما هزات رفيقة تبعث فنهما إلى الإبداع، ~~ولكنهما كانا لا يزيدان على أن يرسما لها لوحة تحرك قلب كل من يراها، أو يمدان أيديهما ~~بفضلة من الخير يملقان بها كبرياءهما، هكذا كانت تفعل علية، وهكذا كان يفعل سعيد كل على ~~طريقته، ولكن «فؤاد» قد شاهد الحياة عن قرب ولمس ما فيها، وأحس لذعة آلامها وعنف دوافعها ~~وخوالجها، كان يدخل للتحقيق إلى بيت الأرملة المسكينة التي ذبحت في الليل ذبحا عندما ~~ذاع في القرية أن جنيها هبط إليها من بعيد إذ بعث به إليها ولدها الذي هاجر في الشتاء من ~~قريته بالصعيد ليعمل نهارا وليلا، فإذا جال في البيت لم يجد به شيئا من أثاث ولا قطعة من ~~طعام، فيسأل نفسه كيف طعم الحياة لمثل هذه المسكينة؟! وهكذا أخذ فؤاد يعرف الحياة عن قرب في ~~حرها وزمهريرها وفي ضعفها وفجورها وفي إعطائها وحرمانها، وتمنى لو عرف سعيد وعلية شيئا ~~مما عرفه، وكان أحيانا يكتب ما يثور في نفسه حتى لا ينساه إذا لقيهما في مدة الإجازة التي ~~يقضيها معهما في الصيف إلى جانب الشاطئ الوديع في سيدي بشر، وإن كان شاطئ سيدي بشر قد هجر في ~~أيام الحرب الطاحنة التي اندلعت نيرانها في الخريف الماضي، إذ كانت الحرب قد بدأت وانطلقت ~~آثار العلم الحديث تتدفق على السهول فتفيض عليها هولا وتخريبا وفظاعة. # وجاء فصل الصيف وأراد فؤاد أن يقضي منه أياما في ms050 الإسكندرية، ولكن الإسكندرية كانت مدينة ~~مهجورة أو تكاد تكون، فإن أكثر ثراتها هجروها وذهبوا إلى الريف أو عواصم الأقاليم لائذين ~~بظلمتها وبعدها وسذاجة الحياة فيها، فإن من بركة هذه الأركان أنها غير جديرة في نظر الجيوش ~~المتحاربة بأن تبعث إليها قنبلة! # وبعث إلى سعيد في الإسكندرية يستعيد به صلته، ولكنه لم يتلق منه جوابا، ثم أتى إليه ~~كتاب منه بعد أسبوعين يعتذر عن تأخره بأنه تلقى الخطاب متأخرا بعد أن حول إليه من بلد ~~إلى بلد حتى جاءه في القرية البعيدة التي نزح إليها، إذن فقد نزح سعيد وأخته إلى الريف، كما ~~نزح غيرهما من السراة، وما كان ليحب أن يذهب إلى الإسكندرية وهما بعيدان عنها. # فذهب في القاهرة على كره، فإن حرها كان من قبل يبعث إليه ضيقا ويسبب لجسمه السقم، ~~ولكن أمه كانت فيها ولم يكن له سبيل إلى غيرها، وكانت القنابل تهزها بين حين وحين، ولكنها مع ~~ذلك لم تخل من أهلها كما خلت الإسكندرية، أكان أهل القاهرة أكثر وفاء لها؟ أم هم أكثر ~~إيمانا واطمئنانا؟ أم هم أكثر غباوة وأقل قوة في الخيال؟ كان يسمع الناس في الطريق ~~يقولون: إن القاهرة إذا هوت كان عليها أسماء الضحايا مقدورة منذ الأزل، أهذا من دلائل ~~القوة أم من علامات الذهول والاستسلام الغبي؟ ولكن أهل القاهرة كانوا يمسون على فرقعة ~~الآلات الجهنمية، ثم يصبحون غادين إلى أعمالهم في ثبات، فإذا دهمتهم فرقعة جهنمية أخرى في ~~نهارهم أظهروا لها هدوءا عجيبا، وما هكذا يكون الاستسلام الغبي، إن هو إلا إيمان واطمئنان ~~واستبسال يبعث إلى الاستهانة بالأخطار. # لقد زاد إيمان فؤاد في تلك الأيام السوداء بثبات قومه وقوة جنانهم، فما ذلك التسليم للقدر ~~إلا أثر من تجربة أمة شهدت من أحوال الحياة ما لم يشهد سواها، وعرفت من الخطوب ما لم تعرفه ~~الأمم الأخرى. # ومع ذلك فقد كان يضيق أحيانا بحر المدينة في النهار فيتذكر الأيام التي كان يقضيها ~~في العزبة، ويتذكر الكوم القديم والبركة والنخيل والدار العزيزة التي تركها لإبراهيم ms051 ~~ميسور، ويود لو رآها مرة أخرى. # وكانت صورة تعويضة وزوجها قوية تعود إليه باسمة هشة بشة كأنها ترحب بمقدمه إليها، ~~أكان قوية راضيا عن زواجه؟ أكانت تعويضة سعيدة تلك الزهرة الباسمة في خميلة شوكها بقطعة ~~من الصحراء؟ ولكن أنى له رؤيتهما وقد صارت العزبة غريبة عنه بعد أن ملكتها يد ~~أخرى؟ # وكان كلما أمضه الحر خرج إلى أطراف المدينة يبترد في أوقات الأصيل أو يمد نزهته إلى ~~صدر من الليل تحت ضوء القمر، فإن القاهرة - وإن قست بحرها في النهار - تتجلى في ليلها ~~كأنها قطعة من الخلد، فنسيمها وصفاء سمائها ولمعان نجومها وجفاف أنفاسها، كل ذلك يذهب بعناء ~~النهار الذي مضى بحره ووهج شمسه فلا يلبث المكدود أن ينسى كد يومه كأنه حلم كريه مضى، أو ~~كأنه يزيل ما أصابه من الكد في حلم سعيد غمره. # وذهب فؤاد يوما إلى حديقة الحيوان، وكانت منذ صغره تحرك نفسه بجمال تنسيقها، وتشرح ~~صدره ببهاء منظرها. # وسار في تلافيف طرقها فوقف عند حظائرها يتأمل ما بها من ظباء ووعول أو كواسر من الوحوش، ~~ووقف عند حظيرة الأسود وكان دائما يحس نوعا من المتعة القاسية عندما يقف عندها، كان بها ~~أسد ضخم يسرع الخطا في رقعة حظيرته الضيقة، فما يلبث أن يبلغ مداها فيرتد عائدا في عنف ~~ويحك رأسه وصدغه بقضبانها، فإذا خطا خطوتين بلغ طرفها الآخر فارتد وما يزال عنيفا ~~دائبا، إذ كان الأمل ما يزال يطمعه في الخلاص، وقف فؤاد حينا أمام الحظيرة كأنه يسأل ~~الأسد عما يحس عندما يرى هذا البشر الضعيف واقفا من وراء قفصه؟ ونفر الأسد عند ذلك نفرة ~~فزع فؤاد لها، كما فزع من كانوا معه وقوفا أمام الحظيرة، وضحكوا بعد ذلك وارتدوا عن ~~السور الذي يفصلهم عن الحظيرة كأنهم كانوا في مزاح، أليست المقادير قاسية على هذا الأسد إذ ~~جعلته جبارا مخيفا؟ أما كان خيرا له لو خلق قطا أليفا أو دابة من دواجن الأرض تعيش ~~مطمئنة لا يخشى بأسها؟ # وسأل فؤاد نفسه ماذا يكون حال الأسد ms052 لو خلا من عنفه وبطشه، واستطاع أن يألف وأن يؤلف؟ ~~أليس خوفه والخوف منه هو الذي أنمى مخالبه هذه الباطشة وأنيابه هذه الفتاكة؟ أليس الخوف هو ~~الذي جعله دائم التكشير عن أنيابه دائم الحنق على من يلقاه؟ # وتذكر حال هذه الأمم المتحاربة التي لا تختلف في شيء عن هذا الأسد الوحش إلا في نوع العدة ~~التي تقاتل بها، أليس الخوف هو الذي أنمى مخالبها وأنيابها وملأ قلوبها حنقا وكرها؟ ألا ~~ما أشقى ذلك الأسد في بطشه وعنفه وهو يذرع قفصه الحديدي في قلق وحنق! حقا إن السعادة لا ~~تجد سبيلا إلى القلوب التي تمتلئ حنقا وعنفا وبطشا، وخيل إليه في تلك اللحظات أن تلك ~~الأمم القوية الباطشة لن تعرف إلى السعادة سبيلا إلا إذا تخلت عن عنفها وبطشها ~~معا. # وما زال يتنقل من حظيرة إلى أخرى ومن خميلة إلى خميلة ومر بشجيرات شائكة فيها أزهار ~~بيضاء ناصعة تزين أطرافها صفرة فاقعة، وتخرج من ثغورها أهداب دقيقة، فكانت بديعة في شكلها ~~ظريفة في لونها، فتذكر لوحة سعيد، وتذكر تعويضة البدوية الحسناء، وتساءل: أيستطيع أن ~~تقع عينه مرة أخرى عليها؟ وتذكر علية ولكنها كانت زهرة أخرى، كانت منعمة كتلك الأزهار في ~~الأحواض السهلة التي تمد جذورها الصغيرة القصيرة فتروى على هينة من الماء المتدفق ~~إليها. # ووقف حينا أمام حظائر القردة وهي صنوف شتى بين صغير وكبير، ومن ألوان شتى وهيئات تفرق ~~بينها فروق أبعد مما يفرق بين الأسود والضباع، ومع ذلك فهي جميعا قردة في أعين الواقفين ~~حول حظائرها لا يعبئون إلا أن يلهوا بمناظرها. # كانت القردة سعيدة كأنها لا تبالي ضيق سجونها، بل لعلها هناك أسعد حالا؛ لأنها تجد قوتها ~~وتأمن غائلة أعدائها التي تفتك بها في الغابة، ولكن أهي هناك أسعد حظا من الأسود الباطشة ~~الحانقة التي تتطلع إلى منفذ في قضبانها لتستعيد حريتها حتى تستأنف افتراسها وبطشها؟ إن ~~الحرية ليست أمنية الإنسان وحده، ولو وجدت تلك القردة فرصة في قضبان أقفاصها لبادرت خارجة ~~منها منطلقة من عقالها سعيدة بأنها ms053 ظفرت بحريتها، ولن تعبأ بما يصيبها بعد ذلك من تلك ~~الحياة الحرة. # وود فؤاد لو أتمت حديقة الحيوان مجموعتها فأضافت إليها أشرف أنواع الحيوان وأشدها ~~بطشا وفتكا؛ الإنسان. # ولكن أتتسع حديقة مثل هذه لأنواع ذلك الجنس الأرقى؟ إن منه صنوفا يختلف بعضها عن بعض ~~وفيما بينها من الفروق ما لا تراه عين في صنوف الحيوان الأخرى، فمنه الأسود والأشقر والأصفر ~~والأحمر ومنه القميء الضئيل الجسم ومنه الطويل الضخم، وفيه ما يبلغ ذكاؤه مرتبة الشياطين ~~التي تسترق السمع من تحت عرش الله ومنه ما لا يرتفع في ذكائه فوق مرتبة الطفولة. # على أن من ذلك الحيوان صنفا فاتكا يفترس رزقه كالأسود، ومنه صنف ختال يحتال على قوته ~~فيختلسه كما تختلس الطيور أو الثعالب أو القطط والكلاب أرزاقها. # فلو عرض ذلك الإنسان على اختلاف هذه الصنوف والمراتب لما وسعه سوى هذه الأرض التي تكاد ~~تضيق به على سعتها. # وضحك فؤاد عندما تمثل ذلك العالم الفسيح كله حديقة ضخمة لذلك الحيوان العجيب، وأنه ~~يضطرب فيه قلقا سجينا كما تضطرب هذه المخلوقات في أقفاصها تطلب حريتها، ولكن الإنسان قد ~~خدع نفسه عن الحرية وضللته أحلام البطش والسيادة حتى بلغ من قلقه وضيقه في سجنه الفسيح أنه ~~يجاهد وينفق أكثر ما وهب الله له من ذكاء في التدسس إلى أسرار الطبيعة ليظهر منها على سر ~~يعينه على تدمير الحياة؟ أليست هذه الأسرار التي يعكف على كشفها نوابغ العلماء أبشع من ~~مخالب الأسود وأنيابها؟ # ولو عرف الإنسان صنفا من الحيوان يقضي نهاره وليله باحثا عن أنواع السموم في الغابات ~~ليقضي بها على جنسه، أو عاكفا على تدبر آلات الفتك والتخريب لكي يذل بها سائر أبناء صنفه؛ ~~لعده نوعا من أخبث الأنواع ولاتخذ له قفصا شائكا يحجب النظارة عن الاقتراب منه إلا أن ~~يلمحوه من بعيد صورة من صور الشر الكريه، ولكنه هو الإنسان سيد أصناف الخليقة لا يريد أن ~~يرى عيوب نفسه. # وفيما كان فؤاد يسير مناجيا خواطره في شعب بديع تظلله الأغصان المتدلية المزدهرة تمثل ms054 ~~ألوان الشفق، رأى أمامه رجلا من أهل القرى يسير الهوينى، وكان في مشيته وصورة قامته ما ~~استرعى انتباهه، فأسرع في خطوه ليسبقه حتى يرى وجهه، وما كاد يراه حتى وقف مدهوشا، فأية ~~مصادفة هذه التي تلقي قوية في سبيله؟! # فصاح بغير وعي: قوية! # واندفع قوية إليه وهم بفتح ذراعيه كأنه يريد أن يعانقه، ثم أمسك ومد يده يصافحه في ~~حماسة مصافحة البدو المكررة، فنسي فؤاد نفسه ومن حوله ممن كانوا يتطلعون إليه باسمين، ~~وانتحى به جانبا، فأخذ يسأله عن حاله ومكانه وأهله، وكان قوية يجيب في نبرات متهدجة فيها ~~ذلك الجرس العذب الذي كان يطرب فؤاد له. # وقال فؤاد: كيف خالتي مبروكة؟ # فصمت قوية لحظة ثم قال: البركة فيك. # وعلا وجهه غشاء من الحزن. # فنطق فؤاد ببعض ألفاظ مواساة يعزيه فيها، وأحس حسرة صادقة كأنه فقد صديقا حميما. # ثم عاد إلى الحديث يسأل قوية عن تعويضة وغيرها ممن عرف وعن حال الدار والعزبة والحقول ~~والكوم، وكان قوية يجيبه عن ذلك ويضيف من عنده بعض ذكريات من أحداث تافهة مرت بهما يعرف أن ~~لها في نفس فؤاد ذكريات عزيزة. # ودعاه فؤاد إلى قضاء اليوم معه، فتنقل به في أطراف القاهرة الفسيحة كأنه يرد إليه بعض ~~دينه القديم؛ إذ كان يجول به في حواشي الريف أو يخرج به إلى الصيد في المناقع ~~المعشبة. # وكان قوية قد امتلأ جسمه وحسنت بزته وخيل إلى فؤاد أنه مغتبط بالحياة، ولم لا يكون ~~مغتبطا وهو زوج تعويضة؟ وتردد في أن يسأله عنها مرة أخرى حتى يأتي هو بشيء من سيرتها، ~~ولكنه لم يستطع أن يصبر طويلا فسأله: لم لا تحدثني عن تعويضة طويلا؟ إنني أذكرك كثيرا وأذكرها ويشتد بي الشوق أن أراك ~~وأن أراها. # فقال قوية في حماسة: تكون أسعد ساعة عندنا لو جئت لزيارتنا، ولو علمت تعويضة بأني في القاهرة ألقاك لما ~~تركتني أسافر إليها وحدي. # وكان وهو يتحدث طلق المحيا تلمع عيناه بنور من الحماسة والبشر، فارتاح فؤاد وأحس ~~نحو الرجل عطفا كأن ذكر ms055 تعويضة يصل بينهما سببا من المودة متينا. # وكانا عند ذلك يسيران على جانب النهر في الجزيرة الخضراء في ليلة مقمرة من ليالي الصيف ~~الرائعة، والكروان يملأ الفضاء صداحا، والأشجار الحانية على جانبي الطريق تجعل المنظر كأنه ~~قطعة من عالم خيالي. # فقال فؤاد: أليس هذا المنظر بديعا يا قوية؟ أفي ريف العزبة منظر يشبه هذا؟ # فنظر قوية حوله قائلا: لو علمت أنني أرى مثل هذا المنظر لأتيت بتعويضة معي، لقد كانت تود لو صحبتني فإن عليها ~~نذرا للحسين تريد أن توفيه، ثم تزور مشاهد أهل البيت والأولياء، وتقضي يوما في حديقة ~~الحيوان. # فضحك فؤاد في نفسه، فلو كانت تعويضة معهما لما استطاع أن يسير بها في مثل هذا الركن ~~البديع من الجزيرة خشية من سخرية الأنظار. # وقال لقوية: ألا تنشدني من أغانيك القديمة في مثل هذا السكون؟ # فانطلق قوية غير متردد يترنم بأنشودة تعويضة ليلة زفافها: # صغير غادي في النوار # منور مثله وعوده زين # وفيها يشبهها بعود الحور على شاطئ الترعة الحلوة وبزهرة الفول في الصباح ~~النادي وبنسيم الربيع إذا وسوس بين الأغصان وبالجدول الصافي إذا شرب منه الظمآن. # وكان صوته متهدجا يرن عذبا في السكون العميق. # فقال فؤاد: وكيف أبوها؟ # فقال قوية: كما تركته يا سيدي. # فقال فؤاد ضاحكا: أما يزال نائما في ظل النخيل؟ # فهز قوية رأسه قائلا: لقد بعدنا عن النخيل يا سيدي. # فصاح فؤاد: أخرجت من الأرض؟ # فقال قوية: لم نبق بها إلا لآخر العام حتى جمعنا ثمرة زراعتنا. # وأخذ يقص عليه ما كان بينه وبين ميسور ثم قال: وبدأت بيني وبين ميسور حرب صامتة حاول فيها أن ينزل علينا صنوفا من العقاب، وصار ~~يقف دوني في كل خطوة أحاول أن أخطوها حتى ضاقت في وجهي مسالك الحياة. # وكدت أقابله ثائرا لأدفعه عن نفسي ولكن تعويضة منعتني فباعدت ما بيني وبينه، فاستأجرت ~~قطعة من أرض الخواجة بشارة التي في الناحية الأخرى من الكوم، وعدت إلى خيمتي القديمة، وفتح ~~الله علي فاشتريت بقرة فوق بقرتي وزادت غنمات تعويضة ms056 حتى صارت قطيعا، وما تزال أمها ~~عاكفة على مغزلها ونولها، ورحومة يملأ علينا الديار مرحا، وقد اتخذ لنفسه خيمة وحده، ولم ~~يطرب صاحب قصر مثل طربه بخيمته، فقد أظهر للناس جميعا أنه بدوي حقا، فنحن بحمد الله ~~سعداء في جوار كومنا، وإذا شرفتنا يوما بزيارتك فإنها تزيدنا سعادة. # وكان فؤاد يستمع إلى حديثه الساذج باهتمام وغاب في تفكيره حينا: أيضر هؤلاء أنهم يعيشون ~~وحدهم يسرحون أبصارهم في الأفق فلا تعثر على شيء تحب أن تصرفه عنه؟ وجعل يسأل في نفسه: ما ~~هي السعادة؟ # وكان الليل قد أوشك أن ينتصف وتكبد البدر السماء ورنت في الفضاء سجعة من سجعات ~~الكروان، ثم أعقبها نعيب طويل مخيف فكاد فؤاد يثب عن الأرض خوفا وتلفت قوية حوله ~~سائلا: ما هذا؟ # فقال فؤاد في فزع: صفارة الإنذار، أسرع بنا يا قوية. # وكانا يتجهان إلى (كوبري) قصر النيل وما تزال دونهما مسافة طويلة، فجريا نحو المسجد ~~القائم على شاطئ النهر؛ إذ لم يجدا ملجأ قريبا سواه، فدخلا إليه يستظلان بسقفه، وكان ~~الظلام حولهما كثيفا. # واندلعت أصوات المدافع تدوي من جوانب الأرض ومن أطباق السماء، كأنه يوم الفزع الأكبر إذ ~~تزلزل الأرض زلزالها، وكان قوية أثبت من صاحبه جأشا، ولكنه كان بين حين وحين يتمتم في صوت ~~خافت: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ومضت ساعة طويلة ثم سمع صوت طويل فقال فؤاد: الحمد ~~لله، هذه صفارة الأمان. # وخرجا إلى الشاطئ يسرعان نحو الدار في صمت. # وأنزل فؤاد صاحبه في غرفة أعد له بها فراشا، ثم استأذن قائلا: تصبح على خير يا قوية. # فقال: وأنت أهل للخير يا سيدي، سأقوم في الصباح الباكر عائدا إلى قريتي. # فقال فؤاد: بل تقيم معنا يومين. # فقال قوية: أشكرك يا سيدي، ولكني قد أخرج قبل أن أراك، فسأبكر في الصباح عائدا إلى قريتي، وحسبي ~~من القاهرة أنني رأيتك. # فودعه فؤاد في حرارة، وقال قوية مؤكدا: عدني إذا مررت قريبا منا أن تعرج علينا، ستسر تعويضة إذا رأتك يوما. # فقال فؤاد وهو ms057 يهز يده: سأفعل يا قوية، ولا تنس أن تبلغها تحيتي. # 9 # مرت أربع سنوات على فؤاد وهو في عمله ينتقل من أقصى البلاد إلى أقصاها، لا يكاد يستقر في ~~بلد إلا قليلا. # وكان عمله يشغله في ليله وفي نهاره، وهو كلما عاد من تحقيق مأساة تستقبله أخرى حتى أوشك ~~أن يضيق بنفسه ويسيء ظنه بالحياة، إذ كان لا يطلع منها إلا على القسوة والعنف والوحشية، ~~كانت الحياة تطالعه ساخرة كما تطالع الغابة الصياد الذي يجوس خلالها، فهناك رأى القاتل ~~الفاتك يهوي على فريسته يطلب حياته صريحا ساخرا كما يطلب الوحش فريسته في غير رحمة، فإذا ~~تغلغل إلى قلبه ليسبره ويعرف ما بعثه على جريمته انقلب عنه حائرا لا يدري ما الذي ذهب ~~بإنسانيته، وهناك رأى الضعيف الذي لا سند له يقف وحيدا في عالم موحش يلقاه فردا، وهناك ~~رأى نزغات النفوس من جشع وأنانية، وشهوة بهيمية وغطرسة، ومن ذلة وانحطاط وبله يختلط بعضها ~~ببعض فينشأ منها ما يكاد يكون عفنا تنفر النفوس من تأمله، ومع ذلك فإن الحياة تمضي في ~~سبيلها كأن هذا من بعض طبعها، أليس هذا التيار القوي يشبه النهر القديم الذي كان يقف في ~~صباه إلى جانبه فيرى عليه العود الضئيل يندفع إلى قدره المحتوم قسرا؟ # وكانت الحرب الكبرى التي أظلت العالم من قبل أعواما ما تزال تنشر على الأرض شؤمها وعنفها ~~وقسوتها، وانطلقت في ميادين القتال كل الوحشية التي تنطوي في ذلك القلب العجيب الإنساني ~~الذي يجمع بين الأضداد. # واشتغلت الأفكار كلها بما قد يكون بين صباح ومساء أو بين مساء وصباح، كانت الجيوش ~~المنتصرة تطوي أرض الأمم الهزيمة ثم تحتفل بنصرها على أشلاء الضحايا، وعندئذ تعلو أصوات ~~المنتصرين باتهام الذين غلبوا على أمرهم ثم يحكمون عليهم بما تقضي به عدالتهم، وما تلك ~~العدالة إلا أن الحق للقوة. كان العالم كله يضطرب كأنه في بحر هائج في ليلة عاصفة موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض. # وكان إقليم البحيرة الذي نقل إليه ms058 فؤاد يضطرب في فزع من الحوادث الدامية التي تمزقه ، فما ~~كان يمر يوم بغير سرقة بإكراه أو تقليع مزروعات أو قتل شنيع أو تصادم بين أهل القرى، كأن جو ~~العالم المتفاني قد أسرى عدواه إلى كل النفوس، فكان فؤاد يدعى إلى التحقيق في الصباح وفي ~~المساء وفي وسط الليل أو قبيل الفجر حتى لم تدع له الأعمال متنفسا ولا مراحا، ومع ذلك فقد ~~كان على عادته لا يرضى بأن يمر بتلك الكوارث متخففا ما استطاع من عنائها، بل كان يزيد ~~نفسه عناء بالتغلغل في حناياها، فكان أحيانا يقف مشدودا بين عاملين: أحدهما يجذبه والآخر ~~يدفعه، يرى واجبه يقضي عليه أن يطالب بالعقوبة وقلبه يكاد يحمله على الدفاع والرحمة، فإذا ~~اشتد النزاع بينهما أغمض عينيه؛ لكي يحمل عقله الحائر قسرا على أداء واجبه، فإذا ما كبح ~~خلجات نفسه، وأطاع الواجب الذي جعله أمانة في عنقه؛ ارتد يجادل قلبه حتى يبلغ منه العذاب ما ~~يكاد يحمله على هجر منصبه، وكان أحيانا يلجأ إلى من هم أكبر منه سنا وقدرا لعله يجد ~~عندهم ما عجز عن الاجتهاد فيه، فإذا هو حيال قوم يسخرون من ضعفه، فكان يحس قيوده ولا يقدر ~~على الانفكاك منها، ويتلفت حوله فلا يرى دونه من يأسى له. # وكثيرا ما تمنى لو أسرع الحظ إلى نجدته فأصبح قاضيا، فإن خطب القضاء أهون عليه، إذ ~~يستطيع أن يمزج في حكمه بين العدل والرحمة، وأما رجل النيابة فإن واجبه يحتم عليه أن يرفع ~~سيف القانون مصلتا، ويا لها من كلمة إذ كان يقولها! لقد كان في كثير من المواقف يود لو قدم ~~إلى القضاء الفتى الطاغية الذي سلب ماله بدلا من اللص المسكين الذي سرق ذلك ~~المال. # وكان كثيرا ما يهرب من عذاب نفسه بأن يعود بالخيال إلى ذكريات النجيلة وأيامها الوديعة ~~التي كان يقضيها هناك، وإلى الكوم الأحمر وإلى الحقول الشعثاء، وإلى الجسور السمراء ذات ~~الجوانب العالية المضطربة، وإلى شجرتي الجميز فوق الساقية وإلى جوانب الترع تظللها أشجار ~~الحور والأكوام التي ms059 تتهدل فوقها أعواد الطرفاء. # وهفت نفسه إلى قضاء يوم هناك تنزيها لقلبه المكدود، فلا شك أن قوية وزوجته تعويضة ~~كانا ما يزالان في خيمتهما ينعمان بحياتهما الساذجة بعيدين عن قسوة الحياة، وهناك بغير شك ~~رحومة المرح يستمع إليه وهو يتحدث عن أخبار عالمه. # واشترى بعض الهدايا، وركب سيارة حملته نحو القرية، فما هي إلا ساعة قصيرة حتى كان عند ~~بقية الكوم القديم. # وكان الإقليم قد تغير فلم يبق من الكوم إلا طلل من طلل، فقد هده الفلاحون بما أخذوا من ~~ترابه، فلم يتركوا منه إلا جانبا يحيط به من أطرافه إطار محمر اللون، أهذه الحرب قد أصابت ~~الكوم فيما أصابت؟ ولم تكن البركة الخضراء هناك بما عليها من أوز عائم، وما حولها من دجاج ~~تنبش الأكوام باحثة عن طعام، وتلفت حوله فيما بعد وما قرب فلم يجد أثرا ينم عن ~~قوية. # وصعد فوق بقية الكوم وسار بين حفره يلتقط منه قطعا من الفخار والأحجار المحطمة يتأملها ~~كما كان يفعل قديما لعله يجد بها بعض ما كان قوية يطرب له، ويبعث الأغاني إلى قلبه، فلم ~~يجد من ذلك شيئا، ومع ذلك فإنه قضى هناك ساعة في جولة كأنه يواسي الكوم القديم فيما ~~أصابه. # وبدا الكوم تحته كأنه كان قصرا أو معبدا ثم اندك. # ثم نزل يسير متباطئا نحو السهل الأخضر اليانع في الطرف الآخر من الكوم يسائل نفسه كيف ~~يهتدي إلى قوية، وما كان أعظم الفرق بين تلك الحقول الخضراء وبين البرية التي كان يجول فيها ~~من قبل، كان النبات تحت عينيه زاهيا يانعا، وكانت الجسور ممهدة، والترع والمصارف مطمئنة، ~~لا كما عهدها وحشية مضطربة، أكان كل ذلك التبدل في الأعوام القليلة التي غاب عن الأرض ~~فيها؟! # ولكنه أحس شعورا شديدا من الخيبة، فإن اطمئنان المنظر سلب ما كان فيه من روعة، وبلغ ~~أسفل الكوم مطرقا واجما، فلما رفع رأسه رأى رجلا يسعى نحوه، وصاح يستقبله: عرفتك يا سيدي من مشيتك. # وأقبل قوية عليه باسما يمد يده مصافحا، ثم قال: ومن ms060 غيرك يأتي إلى هنا ثم يصعد إلى الكوم قصدا ؟ منذ رأيتك حدثتني نفسي أنه ~~أنت. # وغمره بتحياته المكررة وسار به نحو خيمته، وكان قد نقلها إلى أقصى الكوم عند أعلى بقية ~~فيه. # فلما بلغها نادى: هاتي الحمل والفروة يا تعويضة! # وخرجت تعويضة تسعى واضعة طرحتها على جانب من وجهها، فلما رأت «فؤاد» وقفت أمامه في دهشة، ~~ثم صاحت: مرحبا يا حاج فؤاد! # وبسطت الحمل وجعلت الفروة فوقها في سرعة، ثم مدت يدها من تحت الطرحة وأهوت على يد فؤاد ~~تريد أن تقبلها. # وسحب فؤاد يده وعيناه تدمعان من السرور وقال لها: كيف أحوالك يا تعويضة؟ لشد ما كنت إليكم مشوقا. # فقالت ووجهها يفيض بشرا: هذا يوم أبيض يا سيدي! شرفت دارنا. # ونظر فؤاد إليها فملأ عينيه منها، وكانت كما عرفها بعينيها السوداوين وشعرها الأسود ~~الحريري، وقوامها اللدن الرشيق وحزامها الأحمر وحلقتها الفضية في طرف أنفها ووشمها الذي ~~يزين ما بين شفتها وذقنها، كانت هي تعويضة لم يتغير منها شيء سوى أنها تقول له: «شرفت ~~دارنا». # وسأل فؤاد قائلا: وأين عم رحومة؟ # ولكن نظرة تعويضة كانت لا تحتاج إلى رد. # وتمتم قوية قائلا: البركة فيك يا سيدي. # فنطق فؤاد بكلمتي عزاء، ثم مضى قوية يتحدث بأخباره. # وكان يوما من أسعد الأيام التي مرت على فؤاد، كان مثل النهار الشامس في شتاء دمنهور، فكم ~~تحدث قوية في القريب والبعيد، وكم تفكه كما كان يتفكه، واستأذن ساعة قصيرة، فقام فؤاد ~~يسير وحده بين الحقول، وكان القمح يموج مع النسيم، والفول الأخضر يخلع على الأرض بهجة من ~~نواره ويملأ الجو بعطره الخفيف، ولحق به قوية بعد حين فسار إلى جنبه يحدثه. # وسأله فؤاد باسما أن يعيد عليه بعض أغانيه القديمة، فلم يتردد وأعادها مهتزا بنبرات ~~متهدجة، يغنيها بكل كيانه، ورنت في الفضاء كأنما هي أصداء الأناشيد العذرية التي كانت ~~ترن في نجد عند بيوت آل لبنى وليلى. # ولما حان وقت الغداء مدت تعويضة على الأرض سفرة، وجاءت بطعام عجب فؤاد أن يتهيأ مثله ~~عندها، ms061 وذكره الثريد والرقاق المبسوس بمبروكة رحمها الله، فقال وهو يتهيأ للطعام: ما هذا كله يا قوية؟! إنها وليمة عظيمة. # فأغضى الرجل كأنه خجل من كلمته، وخيل إلى فؤاد أن حمرة علت وجهه، فذكره ذلك بيوم بعيد ~~يوم ذبح له قوية حملا منذ سنين، إذ سأله الأفندي: «أنى لك هذا يا قوية؟» فأطرق في شيء من ~~الخجل وعلت وجهه الحمرة. # وخشي فؤاد أن تكون كلمته قد آذته فأخذ يطري الطعام. # فقال قوية منشرحا: لقد تعلمت تعويضة الطبخ على أمي. # ولان صوته رحمة لذكرى الأم العزيزة. # ثم قال لتعويضة باسما: أينبغي لسيدي فؤاد أن يلتقم الثريد مثلنا بيده؟ # فأسرعت تعويضة ضاحكة وأتت بملعقة وسكين من معدن لامع، ثم عادت إلى بيتها تنتظر أمر ~~زوجها. # وتمنى فؤاد لو أتت تعويضة فشاركتهما غداءهما وحديثهما، ولكنه لم يجرؤ على الجهر ~~بأمنيته. # وكان طعاما شهيا امتلأ منه فؤاد امتلاء، فلما فرغا من الأكل حملت تعويضة إليهما وعاء ~~الشاي وصفت لهما كأسين من الزجاج، ووقعت عينها في عين فؤاد فتبسمت له وجذبت طرف طرحتها ~~على وجهها. # فقال فؤاد لها: ألم يرزقك الله بعد طفلا؟ # فخجلت وقالت - وهي منصرفة: سنسميه «فؤاد» إذا كان ولدا. # وداخله سرور عظيم عند ذلك، وقال قوية: وعلي نذر للحسين - رضي الله عنه - إن كان ولدا. # وعاد فؤاد في عصر ذلك اليوم إلى دمنهور وهو يحس في نفسه دبيب نشاط لم يحس مثله منذ سنين، ~~وكانت صور شتى من تعويضة تلوح أمام عينيه عندما استقر في منزله، فتمثلها في طرحتها وهي ~~تمد إليه يدها لتقبل يده، ثم وهي تبتسم له في خفر وتسرع عنه وهي تقذف بجوابها: «سنسميه ~~«فؤاد» إذا كان ولدا»، ثم وهي تودعه قائلة: «لا تنس أن تزورنا». # ولقد سمع مثل هذه الكلمة يوما من علية المنعمة فهزته دعوتها وأثارت في نفسه أملا، ~~ولكن تعويضة أثارت بكلمتها في نفسه شكرا، وسأل نفسه متعجبا: ما ذلك الذي يضمره في قلبه ~~لتعويضة؟ وعجز عن اكتناه قلبه العجيب، إذ كان يتسع لمثل هذه المودة، وتجتمع ms062 فيه صورتان ~~غريبتان ما أبعد إحداهما عن الأخرى: علية وتعويضة. # 10 # عادت الأحداث تشغل هم فؤاد مرة أخرى، فلم يفرغ لأحاديث نفسه أياما يتلو بعضها ~~بعضا، يقضي نهارها وقطعا من لياليها في تنقل لتحقيق أمر جريمة أو في قراءة محضر جريمة ~~أخرى، أو إعداد خطاب يلقيه يوم المحاكمة ويبعث به إلى السجن نزيلا جديدا، وكان يخيل إليه ~~أحيانا أنه في جبهة قتال بين فئتين، ما تزال إحداهما تتربص الدوائر بالأخرى، أهؤلاء هم ~~قومه؟! # وكان يقتطع من وقته قطعا يختلسها فيقرأ فيها صفحات من كتاب، فما يكاد يمضي في قراءته حتى ~~يئز جرس المسرة فيدعوه فجأة إلى رحلة سوداء في صدر ليل أو في بكرة صباح، فيثب في شيء يكاد ~~يكون ذعرا لكي يستعد لخوض المحنة التي يقضي عليه واجبه أن يخوضها. # وكثيرا ما كان يسأل نفسه ما هذا المجتمع الذي يعيش فيه هو وغيره من البشر كأنهم قوم واحد ~~يظللهم وطن واحد؟ ما هذا الوطن وما سر ذلك الحب الذي يضم عليه جوانحه للبلاد العزيزة التي ~~أضمر لها أعمق الحب منذ أدرك وعقل؟ أذلك حب صحيح أم هو وهم من أثر التلقين والإيحاء؟ أهو ~~يحب هذا الوطن حقا أم هو يخادع نفسه بغير وعي؟ وما هو ذلك الوطن الذي يحبه ذلك الحب ~~العميق القوي ويفنى في خدمته ويفديه إذا دعا داعي الفداء بكل ما يملك، نفسه وما ~~دونها؟ # ولكنه كان كلما أطال التأمل والتغلغل في أطواء ضميره بدا له أنه يحب ذلك الوطن حبا لا ~~يعدله حب الوالد أو القريب والحميم، وكان كلما تمثل حال هذا الوطن وما يقاسيه من آلام وما ~~يطمح إليه من آمال في الحرية والكمال أحس في نفسه حرارة لم يحس مثلها في حركة من حركات الحب ~~أو الرحمة، أيكون كل هذا خداعا وإيحاء من أثر التلقين؟ إذن لقد كذبت كل طبائع الشعور، ~~ولكن ذلك الحب الذي يضمره لوطنه لم يكن سوى حب غامض شائع غير محدود فلمن كان ذلك الحب ~~الشديد؟ # أهو لهؤلاء الذين يجاورونه ms063 في الدار أو يجالسونه في المنتدى أو يعاملونه في مهنة ~~الحياة؟ # أم هو لهؤلاء الذين يذهب إليهم بين حين وآخر محققا متهما يبعث البعض منهم إلى السجن أو ~~يحشر البعض الآخر إلى محكمة الجنايات؟ أم هو يحب هذه الأرض وحدها بما فيها من حسن في منظر ~~الزرع ولطف في الهواء وجلال في لألاء النجوم في الليالي الظلماء؟ ولكن أكان يستطيع أن يحب ~~أرضا أخرى فيها من الجمال ما هو أبدع وأروع من جمال مصر؟ وخيل إليه أن هذه البلاد لو ~~كانت صحراء جاهمة أو مناقع بلاقع لما كان لها عنده إلا ذلك الحب القوي العميق. # أم هو يحب هذا الخلق الذي يجاوره ويعامله من أمثال علية وسعيد أو تعويضة أو قوية ورحومة ~~وأمثالهم ممن رأى في الحياة؟ ولكن ألم يكن إلى جانب كل هؤلاء قوم آخرون ممن ينكرهم وينكرونه ~~ويسخط عليهم ويسخطون عليه؟ ألم يكن في جيرانه أو أهله أو هؤلاء الذين يراهم قومه من ~~يخالفونه في الرأي والمشرب والذوق والعقيدة؟ أليس يرى كل يوم فيما حوله ما يملأ قلبه بالغضب ~~والحنق أحيانا؟ أفلا يكون ذلك الحب الذي يحسه لبلاده نوعا من الأنانية يبعثه على أن يطلب ~~في المشاع ما يريد أن يتمتع به هو من حرية وكمال ومجد؟ لقد كان كلما رأى عيبا في قومه أسف ~~وحزن وود لو استطاع أن يصلحه، وكلما تأمل خيرا ود لو استطاع هذا الوطن أن يدركه ~~ويجمعه إليه، أما يكون ذلك الحب نوعا آخر من الغرائز لم يتعمقه بعد العلماء، غريزة كامنة ~~في الفرد يحس بها أنه قطعة من كل كما أنه يحس أن ساعده قطعة منه؟ # كان فؤاد يفكر في كل هذا وهو سائر أحيانا، ثم وهو مضطجع أحيانا يستريح من أثر الجهد، أو ~~وهو يقرأ في كتابه فيسرح بين سطوره لا يكاد يرده من سرحته إلا أزيز المسرة إذ تدعوه إلى ~~مفاجأة طارئة. # وكان في سرحة من هذه السرحات في بكرة الصباح عندما رن الجرس فهب في شيء من الذعر ~~يستمع ms064 إلى الصوت الذي دعاه، وكان صوت رئيسه يأمره بأن يذهب مسرعا للتحقيق في جريمة جديدة، ~~سرقة في الليل، صاحبها نقب في جدران عزبة إبراهيم ميسور، فأحس في جسده شيئا يشبه القشعريرة ~~ثم أسرع يرتدي ملابسه. # وجاء إليه ضابط البوليس وكاتب النيابة فركبوا سيارة انطلقت بهم حتى بلغوا النجيلة وهم ~~جميعا صامتون. # ونزل فؤاد يسير إلى العزبة القديمة التي طالما عرفها ووطئ بقدميه كل أركانها، ولكن أي ~~تبدل طرأ عليها؟ نزل بالدار العزيزة التي صارت أشبه شيء بقصر من قصور الإقطاع، فخيل إليه ~~أنها تنكره وتنظر إليه شزرا، ودخل إلى البهو الذي طالما رأى فيه والده مشرقا بطلعته فلم ~~يجد سوى إبراهيم ميسور. # وكانت الجريمة عجيبة يحيط بها غموض واضطراب، فقد نقب جدار العزبة، وشرع اللصوص يسحبون ~~الماشية ولكنهم لم يسرقوا سوى عجل واحد صغير، وتركوا وراءهم كثيرا من الآثار ولكنها كانت ~~عجيبة، تكاد تثير الشك في حقيقتها، وكانت واضحة فوق الجرن والجسر وعلى الطريق، ولكنها ~~انقطعت بعد ذلك عند طرف الكوم. # وبدأ رجال الضبط في التحقيق ولكنهم لم يستطيعوا الاهتداء إلى شيء ينم على اللصوص إذ ~~كانوا مهرة دهاة، كانت آثار أقدامهم واضحة، ولكنها كانت ذات نعال عجيبة لا يشبه الأيمن منها ~~الأيسر، وكانت مقلوبة فمؤخرها عند أصابع الأقدام، ومقدمها عند العقبين، هكذا دبر اللصوص ~~أمرهم في دهاء وحرص ليضللوا المحقق والمقتفي، فلما اطلع فؤاد على تلك الآثار عجب من عمقها ~~في الأرض وانتظام رسمها، كأن اللصوص كانوا في غير حاجة إلى العجلة. # وأحس إحساسا غامضا بأن ظاهر هذا الحادث غير باطنه، واشتدت رغبته في استجلاء ذلك الغموض، ~~وكان في قرارة نفسه يشعر بشيء من سوء الظن بصاحب العزبة الذي عرفه وسمع عنه. # وأخذ يسمع أقوال الشهود واحدا بعد واحد محترسا في إثباتها حتى لا يضيع حرف منها. # ودعا أحد الحراس ليصف ما رآه، فقال كأنه يعيد قصة محفوظة: تعودت عند حراستي أن أكون قريبا من حظيرة المواشي؛ لأنها معرضة للسرقة من ناحية الحقول ~~والكوم، ولكني كنت في تلك الليلة ms065 محموما فاستأذنت السيد في الاعتكاف، ولكني سمعت صياح أهل ~~القرية فقمت متلفعا بغطائي ولم تكن بندقيتي معي، ولو عرفت أن هناك لصوصا لما تركتها ورائي ~~ولوضعت رصاصة في أحشاء ذلك اللص الذي لمحته من بعيد يجري، ولكني عرفته من هيئته، عرفته وهو ~~يتجه نحو الكوم. # وسكت لحظة لينظر أثر قوله في وجه المحقق. # فأطرق فؤاد متعجبا يكاد يضحك من طريقة الرجل في وصفه وقال غير ناظر إليه: أكمل شهادتك. # فقال: إنه قد فرغ منها، مع أنه لم يذكر اسم ذلك اللص الذي لمحه، فسأله فؤاد: ألست تقول ~~إنك لمحت اللص؟ # فأجاب الرجل: بلا شك. # فصاح فؤاد: ولم لا تذكر اسمه؟ # فقال في شيء من الارتباك: إنك لم تسألني عن اسمه. # فتمالك فؤاد نفسه وسأله: أتقول إنك رأيته؟ # فأجاب مؤكدا: بغير شك. # فقال فؤاد وهو يحاول أن يمسك نفسه: وهل كانت الليلة مقمرة؟ # فأجاب الرجل: لا، ولكني حارس تعودت أن أبصر في أحلك الظلام. # فنظر فؤاد إليه نظرة طويلة وهو يجاهد ألا يظهر ما في نفسه من الشكوك، فأغضى الرجل في ~~ارتباك ثم حول وجهه عنه كأنه يبحث عن نجدة قريبة. # فأخرج فؤاد من جيبه منديلا مسح به عرقه. # وقال هادئا: أكمل شهادتك. # فتلفت الرجل حوله مرة أخرى في شيء من الفزع ثم قال: ومع ذلك فقد رأى الخولي ذلك العجل عند قوية. # فغص فؤاد بريقه وهو يقول في شبه صيحة: قوية! # فقال الرجل محملقا في وقاحة: نعم، قوية. # وتصبب جبين فؤاد عرقا، وكان يوما دافئا من أيام الربيع، فأخرج منديله يمسح به وجهه ~~وقال متلفتا حوله: افتحوا هذه النافذة، وأين الخولي؟ # وجاء الخولي بعد حين، فقال فؤاد مبادرا: قص علي ما رأيت. # فتكلم الرجل غير متعثر كأنها قطعة أخرى يحفظها، كان يمر اتفاقا عند طرف الكوم في طريقه ~~إلى العزبة، فرأى عند قوية عجلا جديدا لم يره عنده من قبل، وهز رأسه عند ذلك متهكما ثم ~~قال: وليس من العجيب أن نجد عنده عجلا جديدا، فتأملته فإذا هو العجل الذي ms066 سرق من ~~العزبة، ولكني خشيت أن أتعرض لقوية أو أسأله عن شيء خوفا من بطشه. # وحملق في وجه فؤاد حينا بنظرة كالحة ثم أطرق، وكان وقع هذه الشهادة على فؤاد شديدا، ~~فقام يسير في البهو، وأحس الدم يصعد إلى وجهه، أيقول الرجل: إنه خشي بطش قوية؟ أقد تغير ~~الفتى في هذه السنين القلائل كل هذا التغير أم أن الأمر كله ينطوي على مؤامرة ~~خبيثة؟ # وكان الرجل الشاهد يختلس نظرات إلى وجه فؤاد كأنه يتأهب لأول بادرة منه، ولم يكن فؤاد ~~ليعبأ به وهو وكيل نيابة يحلق فوق نظرات أمثاله، ولكنه أحس لتلك النظرات الخبيثة وقعا ~~كأنهما عينا أفعى تبرقان نحوه، ودب إلى قلبه شيء يشبه الرعب؛ خشية أن يكون ذلك الرجل قد رآه ~~يوم زيارته لقوية، أو سمع بتلك الزيارة، أو يكون غيره قد لمحه عنده فأخبره، وماذا يكون ~~موقفه منه إذا هو قال له في وقاحة: «لقد كنت منذ أيام تنزل ضيفا على قوية»؟ # وإلا فما باله يختلس إليه تلك النظرات الجريئة الوقحة التي لم يعتد أحد من أمثاله أن ~~يوجهها إليه؟ # وعادت ألفاظ الرجل ترن في سمعه قاسية كأنه كان يوجه التهمة إليه قاصدا، وكاد يضحك ~~ساخرا من نفسه كيف تنزل إلى مستوى مثل هذا الخلق، ولكنه مع ذلك اندفع في غير وعي يحاول ~~أن يجد لنفسه مهربا، فسأل نفسه ألا يكون قوية الوديع قد انقلب إلى فطرته التي ساقت أخاه ~~إلى السجن قبله؟ فما باله يبدأ تحقيقه بمثل هذا التحفز في نصرة فتى لا يعرف من أمره إلا ~~الظاهر وقد فرقت بينهما سنون عدة؟ لقد أحس في يوم من الأيام نوعا من الرضى عن نفسه إذ حسب ~~أنه ساعد ذلك الفتى على أن يستعيد أمله في الحياة الشريفة، وأحس سعادة صادقة عندما رآه في ~~خيمته منذ أيام ينظر إلى الناس والحياة عاطفا سعيدا، ولكن أينبغي لمثله أن يغتر بمثل ~~هذه المظاهر الخادعة؟ وأخذته هذه الخواطر على غرة حتى أذهلته، وجعلته يصرف كل همه إلى ~~النظر في أمر ms067 نفسه وفي موقفه وفيما يخشى أن يقول هذا الشاهد وأمثاله عنه، وخيل إليه أنه ~~قد بدأ التحقيق بما لا ينبغي للأمين على القانون أن يبدأ به تحقيقه، وكان يخالط كل وساوسه ~~الثائرة ندم شديد على أنه أطاع نفسه في زيارة هذا الفتى الذي فارقه من سنين ولا يعرف ماذا ~~طرأ عليه، أغره حديثه وهو يعرف أن الأحاديث هي مطية الأكاذيب والخداع؟ ألم ير أسفل الناس ~~في النذالة وهم أعلى الناس أصواتا بالشرف وبالكرامة؟! فكيف لم يحترس في خطوته ولم يفكر في ~~عاقبة تبذله؟ # ثم زاد به الحنق فتصور أن ذلك الفتى وجه إهانة إلى كرامته؛ إذ خدعه بمظهره ودعاه إلى ~~زيارته في تلك الجرأة، كأنه لا يريد سوى أن يرضي غروره ليذيع أهل الريف المجاور أنه أهل ~~لزيارة مثله؛ فيكبر في أعينهم ويزداد صرامة في جرائمه. # ثم تذكر ما قاله أبوه منذ سنين إذ قال له: «إن هؤلاء يجمعون في قلوبهم الأضداد من الكرم والقسوة ومن الإنسانية والنذالة.» # وصار كل همه أن ينظر إلى نفسه فيلتمس لها من هذا الحرج مخلصا، وأطرق حينا يفكر فيما ~~عساه يفعل في هذا الموقف المنكر، فلم يجد إلى الخلاص سبيلا إلا أن يعدل عن المضي في ~~التحقيق وينفض منه يده نفضا. # وكان كل من حوله يحسبون أنه يفكر في حل لغز أو رسم خطة لتعقب الجناة، على حين كانت ~~الأرض تدور به إذ خيل إليه أنه مقبل على فضيحة جرتها عليه دفعته الحمقاء، فلسوف يسخر ~~منه إخوانه ويضحكون من سخافته وبلاهته، ولسوف ينظر إليه الرؤساء شزرا متى علموا أنه دعا ~~نفسه إلى وليمة عند رجل بدوي حقير في قطعة منعزلة من الريف، ومن يدري ماذا يكون من أمر ~~هؤلاء جميعا؟ ولسوف يرى بعضهم تعويضة بغير شك ولن يخفى عن أعينهم حسنها الوحشي العنيف، وما ~~أجدر ذلك الحسن أن يبعثهم إلى الظنون! وخرج من الدار وليس يدري أين يسير، فاستجمع قوته ~~وحملته قدماه إلى السيارة، ولم يسأله أحد ممن حوله عن مقصده، فما كان أحد ms068 ليسأل وكيل ~~النيابة عن نواياه، وأمر السائق أن يحمله وحده إلى طرف الكوم البعيد على نحو كيلومترين من ~~العزبة، فلما بلغه اتجه مسرعا نحو خيمة قوية المنكود. # وسمع قوية صوت السيارة فخرج مسرعا، فما كاد يراه حتى أقبل نحوه باسما، فصاح فؤاد يناديه ~~في غلظة، وكان صوته بشعا، فزالت الابتسامة عن وجه قوية ونظر نحوه متعجبا مترددا مرتبكا، ~~ومد يده في فتور ليصافحه وهو واجم من منظره، فجذبه فؤاد إلى ناحية الكوم وقال له في صيحة ~~مكتومة: اصدقني أيها الرجل. # فنظر قوية إليه في دهشة وقال: كفى الله الشر يا سيدي فؤاد، ما لي أراك غاضبا؟ # فقال فؤاد في جفاء: ما ذلك العجل الذي سرقته؟ # فرفع قوية رأسه في تحد وقال غاضبا: العجل الذي سرقته؟! # فصاح به ثانيا: نعم، ولا تحاول أن تخدعني. # فملك قوية نفسه وقال عاتبا: إنني لا أفهم قصدك، ولا أدري سر هذا اللقاء الغاضب. # وكاد فؤاد يتزلزل من رنين الصدق في صوته، ولكنه لم يلبث أن عاد إلى غضبه مضاعفا، فقد ~~خيل إليه أن الفتى يحاوره ويريد أن يتخلص من سؤاله. # فقال له في جد صارم: اسمع يا قوية، إنني عندما زرتك منذ أيام لم أكن معك سوى فؤاد الذي عرفته، وما كنت عندي ~~سوى قوية الذي وثقت فيه، فلم تكن تعرف أنني وكيل نيابة دمنهور، ولم أكن أعرف أنني سأعود ~~اليوم للتحقيق في جريمة سرقة تكون أنت المجرم فيها. # وكان صوته في غضبه أجش كريها حتى أنكرته أذناه. # وكان قوية يسمع قوله مذهولا، وارتج عليه فلم يجب بلفظ، بل تحرك قلقا وتمتم ~~قائلا: «لا حول ولا قوة إلا بالله.» # فصاح فؤاد به: ما لك لا تنطق؟ # فرفع قوية رأسه في بطء، وقال: ماذا أقول لك يا سيدي؟ إنني لم أكن أهلا للسعادة التي وهبتها لي بزيارتك فلم تمض إلا ~~أيام حتى طلع علي النهار بهذا الشقاء الفادح، أتقول إنني سارق؟ # فقال فؤاد في حنق: دع هذه الأقوال التي لا تجدي شيئا وأجبني عما سألتك أولا، ms069 أيدفعك حرصك على الزهو ~~إلى أن تدعوني لتملأ فمك فخرا بأنني زرتك ثم تتستر بي في جرائمك؟ أألومك أم ألوم ~~نفسي؟ # وبدت لمعة الغضب تبرق في عيني الفتى عندما رفع رأسه قائلا: إن الموت أهون علي مما تقول يا سيدي، لم أطلب زيارتك لتشرفني، ولكني أمتعت بزيارتك ~~قلبي، وما كان يعنيني أنك وكيل النيابة، فلم أعبأ إلا بأنك سيدي الذي عرفته قديما. # لم أسألك عن عملك وما كان يهمني أن أعرف شيئا عنه سوى أنك سيدي فؤاد، ولكن ما ذلك العجل ~~الذي تذكره؟ # فصاح فؤاد صيحة مكتومة أخرى قائلا: العجل الذي سرقته. # فصاح قوية مجيبا وكانت تلك أول مرة سمعه فؤاد يصيح في وجهه: لا تعد هذه الكلمة على سمعي، فلولا أنك سيدي فؤاد لرددتك عن نفسي، لست ~~مجرما. # فنظر فؤاد إليه متعجبا وقال في ضحكة مرة: نعم، تردني عن نفسك، فلست في شك من جرأتك. # وأدار عنه وجهه لينصرف. # فاقترب الفتى منه وأمسك بذراعه قائلا: اسمع يا سيدي فؤاد، ولست أسميك إلا بالاسم الذي أعرفك به، لست مهتما بشيء من كل هذا ~~إلا أن تذهب عني وأنت تحسب أني - كما زعمت - مجرم. # فضحك فؤاد ضحكة سخرية وقال: كما زعمت؟! # فقال قوية ناظرا إليه في ثبات: أأحضر إليك تعويضة لكي تسألها عني؟ # فاندفع فؤاد قائلا في حنق: وما شأن تعويضة في هذا؟ # فقال في صوت جريح: أتصدقني إذا أقسمت لك؟ # فقال فؤاد في عنف: وبم تقسم لي؟ # فأجاب الفتى وفي صوته رنة المتألم: إنك تنكر في لحظة من عرفته في سنين، ولكن ما علينا! سأحلف بتربة أبيك، ولا شك أنك تحس ~~في قرارة قلبك أنني صادق، أقسم بتربة أبيك لم أسرق، وأقسم كذلك بتربة أمي التي كانت تحبك ~~وكنت تحبها، أقسم برحمة أمي أنني لم أسرق. # فنظر فؤاد إليه في حيرة ووقع في نفسه أنه صادق. # واستمر الفتى يقول: وجدت بالأمس في المساء هنا عجلا وراء خيمتي مقيدا، وحسبت أن بعض الجيران قد تركه في ~~جواري حتى يعود إليه، فكثيرا ms070 ما يفعل جيراني مثل هذا اطمئنانا إلى حراستي، فضممته إلى ~~ماشيتي وأطعمته من علفي، وأنا واثق من أن صاحبه سوف يعود إلي ليسترده مني، فكنت أنت أول ~~من جاء بحديثه إلي في مثل هذه الغضبة التي أخرست لساني. # ثم أشار بيده إشارة بأس. # فأحس فؤاد كأن الأرض تهبط تحت قدميه، واستند إلى كتف الفتى، فأسرع يسنده وذهب به إلى ~~العربة حتى أجلسه فيها، ونسي ما كان فيه وأقبل عليه يعنى به في لهفة. # فقال فؤاد وهو يمد إليه يده مصافحا: أنا آسف يا قوية على ما بدا مني، ولكني لا أستطيع أن أفهم من هذا الأمر شيئا، فأنا ~~أصدقك ولكني لا أستطيع إلا أن أمضي عنك والله يتولاك. # فأطرق الفتى حينا، وجعل ينكت الأرض بعصا في يده، ثم رفع رأسه قائلا: إذا صدق ظني يا سيدي فهي مكيدة خبيثة قد دبرت لي، أليست السرقة في عزبة ~~ميسور؟ # فقال فؤاد كالحالم: مكيدة؟! # فقال قوية في هدوء: أتحب أن تسمع ما تقوله تعويضة؟ # ففتح فؤاد عينيه كأنما تلك أول مرة يسمع فيها اسمها. # إذن فهي القصة القديمة! # وعادت به الذاكرة إلى أحاديث قوية، إذ قص عليه أخباره يوم التقيا بالقاهرة، وأطرق صامتا، ~~فاستمر قوية يقول: عاد الخبيث منذ أسابيع فبعث إلي يستعيدني إلى أرضه، وكان أحيانا يمر بخيمتي فيتودد ~~إلى تعويضة، ولكنها كانت ترده ولا تفضي إلي بأمره؛ خوف أن يزيد الأمر بيني وبينه سوءا، ~~ثم رأيته يوما في عودتي إلى البيت مساء، وخيل إلي أنه كان منصرفا من خيمتي، فاتقد ~~قلبي لهبا وعنفت على تعويضة حتى خيل إلي أن الأمر سوف يؤدي إلى القطيعة بيننا، ~~فأخبرتني بما كان منه، فلم أتريث حتى تتعلق بي وتمنعني من الذهاب إلى ذلك الرجل. # وكان بيني وبينه في تلك الليلة حديث صريح هددته فيه وهددني، ثم انصرفت عازما على أن ~~أثنيه عني وإن أدى الأمر إلى أن أفتك به فتكا. # ولكنه خشع بعد ذلك فلم يعد إلى شيء أكرهه، بل لقد بعث إلي منذ أيام ms071 رسولا من قبله يعرض ~~علي أن أعود إلى عزبته، وأنه يحب أن يكرمني، فرددت رسوله عني ردا قبيحا. # وأكبر ظني أنه دبر لي هذا الحادث ليتهمني تهمة تمهد له سبيل الانتقام مني كما فعل بأخي ~~من قبلي، هكذا يفعل هذا السيد؛ لأنه لم يقو على الوقوف وجها لوجه أمامي، ولكن الله من ~~ورائي ولن يخذلني، وأما أنت يا سيدي فقد أقسمت لك يمينا صادقة، فإذا شئت فصدقني وإذا شئت ~~فكذبني، وأما ميسور فلست أعبأ بما يدبره لي. # فصافحه فؤاد حزينا وعصر يده كأنه يعتذر إليه عما بدر منه، ولكنه ذهب عنه وفي نيته أن ~~ينفض يده من هذه القضية المنكرة، وانطلقت السيارة إلى العزبة وأمر أصحابه بالعودة إلى ~~دمنهور، فلما بلغ المدينة كان أول همه أن يرى رئيس النيابة ليطلعه على ما كان منه، وأفضى ~~إليه بكل أمره لم يخف منه شيئا، فوافقه الرئيس على أن واجبه أن يتنحى عن التحقيق في تلك ~~القضية تجنبا للشبهات. # وتعمد فؤاد بعد ذلك أن يتباعد عن كل ما يتصل بقضية قوية تاركا صديقه لرحمة الأقدار، ~~وقضى أسابيع طويلة ممزقا في خواطره، يلوم نفسه حينا، ويعذرها حينا، وهو في كل ذلك يخشى أن ~~يضيع الفتى ضحية المكر الخبيث. # ولكن الشواغل شغلته بعد ذلك عن أن يفكر في أمر قوية إلا بين حين وحين، فكانت صورة الفتى ~~تتمثل له أحيانا كأنها تؤاخذه، وكانت صورة تعويضة تبدو له كأنها تعاتبه، فكان يدفع ~~صورتيهما في شيء من الفزع ويبعد التفكير فيهما بهزة عنيفة. # 11 # كان فؤاد يكتب إلى صديقه سعيد بين كل أسبوع وأسبوع، يجد إلى ذلك باعثا من كتاب قرأه أو ~~حادث شهده أو قضية حققها أو منظر رآه، وكانت ردود صاحبه قليلة ولكنها إذا أتت إليه ملأت ~~فراغ وقته حتى يعيد إليه الكتابة مرة أخرى، وكان سعيد في كل كتاب يبعث به إليه يثير مسألة ~~تحرك فيه فكرة أو أفكارا، فكأن تلك المكاتبة قد أصبحت سلسلة تفصل بعضها عن بعض فترات من ~~زمن، وهي إذا ms072 اجتمعت كانت حديثا موصولا. # وجاء أحد هذه الكتب إلى فؤاد في مطلع الربيع ينبئه صاحبه في حاشيته أنه قد اعتزم العودة ~~إلى الإسكندرية، لقد ضاق أهله بالريف وما فيه من ظلمة في الليل وركود في النهار، إذا شاء ~~الذي يعيش فيه أن يشرب ماء كان عليه أن يحمله ويصفيه، وإذا أراد شراء دواء كان لا بد له من ~~سفر طويل لكي يشتريه، وأما الحياة فيه فلا يقدر عليها إلا من عزم على أن يقطع ما بينه ~~وبين الحياة. # وكان عجب فؤاد شديدا من ذلك النبأ، وإن امتزج عنده العجب بالسرور، كانت الإسكندرية أشق ~~على الناس مقاما من سائر المدائن، فإن المعركة الطاحنة كانت ما تزال تدور في شمال أفريقيا، ~~وكانت الغارات تتوالى على شواطئ الإسكندرية، فلم يفكر أهلها بعد في العودة إليها، ولكن مهما ~~يكن من خطر تلك الغارات فقد كان في استطاعة فؤاد أن يذهب إلى ذلك الشاطئ كل أسبوع فيمتع ~~نفسه بحديث صديقه حينا وبرؤية علية التي لم يرها منذ شهور طويلة. # على أنه بعث إلى صديقه يسأله هل يؤثر الإقامة في القاهرة، فإنها كانت أقل تعرضا ~~للأخطار، وما ينبغي له ولأهله أن يدفعهم التبرم بالريف إلى مثل هذه المخاطرة، ولكن رد سعيد ~~كان قاطعا حاسما، فإن علية قد بلغت من السآمة ما لا يستطيع شيء أن يزيله عنها إلا شواطئ ~~الإسكندرية. # إذن فهي علية التي كانت أشدهم ضيقا بحياة الريف، وهي التي كانت في الإسكندرية تقضي أكثر ~~فراغها في خدمة المساكين والمشاركة في جمعيات البر. # وتبسم في شيء من السخرية، ولكنها كانت سخرية هادئة ليس فيها سوى وخزة من الدعابة. # وكتب إلى سعيد ينبئه بأنه سوف يزورهم بالإسكندرية؛ حتى يشاركهم بعض المشاركة في التعريض ~~لأخطار قنابل الأعداء، ومضت أسابيع بعد ذلك وفؤاد يتلهف إلى سماع نبأ انتقال الأسرة الصديقة ~~إلى الإسكندرية، وتمثلت له مناظر تلك المدينة أكثر سحرا، وهواؤها أعظم صفاء، وصيفها ~~المقبل أبدع رواء رغم ما يحيط بها من المخاطر، فما يكون أسعده إذا اختلس من ms073 أواخر الأسابيع ~~خلسا يقضيها هناك فيفوز فيها بنزهات على رمال الشاطئ أو جولات فيما يجاور المدينة من ~~المنازه أو الصحارى في صحبة علية وأخيها، فما كاد سعيد يبعث إليه نبأ انتقال أسرته إلى ~~الإسكندرية حتى بادر إليه ليقضي معه ومع أسرته يوما بديعا، فسافر في يوم من شهر يونيو، ~~وكان الشاطئ خاليا إلا من قلائل منثورين على الرمال كأنهم بقية من عالم مندثر، وكان السكون ~~عميقا في ساعة الأصيل عندما ذهب ليلقي على الشاطئ أول نظرة بعد عودته إليه، ألا ما كان ~~أكبر الفرق بينه وبين ما رآه في المرة السابقة بين الجموع التي كانت تسير على الطريق ~~متزاحمة صاخبة مرحة! # كانت السماء على عهدها زرقاء صافية، وكانت حدائق زيزينيا ولوران تضحك متبرجة في ألوان ~~أزهارها، وكانت أوراق الأشجار وأغصانها تهتز يانعة عميقة الخضرة بعد أن غسلت الأمطار عنها ~~غبارها في الشتاء والربيع، وكان هواء البحر ما زال يفوح برائحة العشب، تلك الرائحة التي ~~كانت تحمل إليه أبعد الذكريات التي حجبها الماضي وراء غلالة من الضباب، ونزل آخر الأمر إلى ~~شاطئ سيدي بشر فرأى الرمال على عهدها صفراء لامعة تحت أشعة الأصيل، وكانت مياه البحر تتهادى ~~نحو البر في رفق تحت هبات النسيم الرفيق، ولكن العالم السحري لم يكن هناك، لم يذهب فكر فؤاد ~~في ذلك السكون الصامت إلا إلى صورة علية التي لم تكن على الشاطئ الخالي، وجعل ينظر إلى ~~المقاصير الخشبية وهي أنيقة خالية كأنها حسناء منبوذة، وسار يقلب عينيه على جوانب الشاطئ ~~لا يدري عمن يبحث فيها. # وكان موعده مع صاحبه مساء في البيت على العشاء؛ ليحتفلوا بأول التقاء بعد تلك الغيبة، ~~فجلس حينا على مقصف الشاطئ يشرب فنجانا من الشاي، ومد بصره إلى الأفق لا لكي يتأمل ~~سحابه الذي كان يخطر في ذيوله الزاهية، بل ليتمثل كيف يلقاها وكيف يحدثها إذا حان وقت ~~لقياها، وجعل يدبر في نفسه عبارات الإعجاب بالصور التي لا شك أن مناظر الريف حملتها على ~~تصويرها، فلئن كانت لم تستطع الامتزاج بأهل ms074 القرى وانتهاز فرصة إقامتها بينهم لتفيض عليهم ~~من رحمة قلبها، فإن ذلك عبء لا يقوى عليه مثلها، ولكن الريف في حقوله وشمسه وفي قراه ~~وأكواخه وفي مراعي برسيمه وأجران قمحه يعرض على أهل الفن عالما واسعا ليجولوا بفنهم ~~فيه. # وذهب في المساء إلى البيت على ربوته في محطة السراي، فدق جرسه وانتظر في لهفة مدة ثوان ~~حتى فتح الخادم النوبي الباب، ودخل إلى البهو الفسيح وكانت الأضواء تأتلق في أركانه ومن ~~فوقه، وهب سعيد من بين الجلوس مرحبا في حماسة، وفتح لصاحبه ذراعيه، ودخل فؤاد ينظر حوله ~~فرأى علية في ركن تنظر إليه باسمة، ثم مدت يدها نحوه في بشاشة فسلمت وقالت: زمن طويل يا فؤاد! # فقال باسما: ثم أشرقت الأنوار فجأة! # وسلم على الأم والأب ثم انحنى إذ قدمه صاحبه إلى ضيف لم يره قبل ذلك اليوم، صدقي ~~بك. # وكان صدقي فتى أنيقا ممتلئ الجسم تلوح النعمة في وجهه وهيئته وملبسه، وعرف فؤاد من ~~حديثه أنه ابن عمة سعيد، قد ذهب إلى أوروبا ليدرس الاقتصاد في فرنسا حتى أوشك أن يبلغ غايته، ~~ثم قامت الحرب فعاد مسرعا قبل أن يمتد لهيبها، إذ عرف أنها حرب مدمرة سوف تقف حركة ~~العالم كله مدة سنين، وقال صدقي: إنه يقيم في الإسكندرية لم يبرحها منذ عاد من فرنسا، ولم ~~يرض أن يهرب من الأخطار كما يهرب خفاف القلوب، وكان ما يزال ينتظر انتهاء الحرب وفتح طريق ~~البحر حتى يعود لإتمام دراسته في فرنسا، فما كان مثله ليلجأ إلى إحدى كليات جامعتي ~~مصر. # ورآه فؤاد من أول نظرة جميل الصورة رشيق العود، ولكنه على شيء من الزهو يشبه أن يكون ~~دلالا، فذهب ليتخذ مجلسه إلى جنب سعيد في الركن الآخر الذي يقابل علية وصدقي. # وأحس فؤاد شيئا يشبه أن يكون خيبة وحنقا، فلم يلبث أن ضاق بذلك المجلس وود لو استطاع ~~أن يفر منه هاربا، وكان سعيد يناجيه في حماسة ويصف له ما شهده هو وأهله في حياة الريف، ~~وما كانوا يسمعونه كل ms075 يوم من أنباء خيالية عن الحرب يذيعها أهل القرى كأنها هبطت إليهم من ~~السماء، وود فؤاد لو كان حديث المجلس مشتركا ليسمع ما تقول علية، ولكنها كانت منصرفة إلى ~~صدقي تحدثه فلا تأتي من أحاديثها إلى أذنه إلا كلمات بين حين وحين في طي ضحكة مرحة فيها ذكر ~~بعض الأسماء، لقد كانا يتحدثان عمن رأيا من الناس وهما ينظران إليهم من ركنهما ~~وحدهما. # وزاد الانقباض في قلب فؤاد، فكان يمانع نفسه قسرا من توجيه نظراته الحانقة إلى ذلك الفتى ~~الجديد الذي طلع عليه فجأة ليسلبه حقه في حديث علية، وآذن وقت العشاء فاجتمعت الحلقة على ~~المائدة وقامت علية تخدم في محل أمها، وكان حديث المائدة مهذبا مرحا وزعته علية في ~~براعة كأن ذلك فن من فنونها، واتجهت في أثناء ذلك إلى فؤاد ببعض لفتات أزالت عنه بعض قبضته ~~الأولى، فلما فرغ من الطعام كاد يلوم نفسه على سوء ظنه وما ساوره من الضيق والحنق، وسأله ~~سعيد أيحب أن يلقي نظرة على مرسمه، فوثب مرحبا ونظر إلى علية كأنه يسألها: أليست تلك ~~فرصة لاستعادة ما سلف من الأحاديث؟ فقالت ضاحكة: لا تطعه يا فؤاد، فإنه سوف يصدع رأسك بالأحاديث عن صور ريفه. # فكانت صدمة أخرى شديدة أصابته، أنها تتحدث عن مناظر الريف بمثل هذه الزراية ولا تريد أن ~~تذهب إلى المرسم معه ومع أخيها، وتؤثر البقاء حيث هي في البهو مع هذا الشاب؛ لتستأنف الحديث ~~وضحكات السخرية معه عن أصحابه وصواحبها. # وخرج مع سعيد كئيبا إلى الحديقة ودخلا إلى المرسم وقد زاد باللوحات ازدحاما وفوضى، كانت ~~لوحات جديدة تزاحم اللوحات التي وقع بصره من قبل عليها، وهي خليط من مناظر، بعضها رءوس أشخاص ~~وبعضها صور حيوان أو مناظر أكواخ في الحقول، وقد مزج سعيد ألوانها في براعته المعتادة، ~~وكانت كل لوحة تتحدث حديثا ناطقا: إنه سلام واطمئنان! وكانت صورة الزنجي المتسول ما ~~تزال قائمة في الصدر، ولكن لوحات أخرى قامت دونها تحجبها، وأما صورة علية فقد انزوت في ركنها ~~من البهو ms076 في جوار صورة الزنجي حتى كان من العسير على فؤاد أن يبصرها إلا إذا اندس بين ~~الصور التي تحجبها، وأي تغير اعترى تلك الصورة عندما دخل في الفرجات بين اللوحات واستطاع أن ~~يبصرها! لقد زالت نظرتها التي لمح فيها الهدوء والسلام من قبل، ورآها وهي تمسك بطرف ثوبها ~~هابطة إلى الصخرة التي على شط البحر جريئة لا تبالي أن تقتحم الموج الثائر بثوبها الأبيض ~~ونعليها الرقيقتين، ولم ير أثرا لتلك النظرة الخاشعة التي جعلته يشبهها بالراهبة المطمئنة، ~~فلم يكن لها من الراهبة إلا ثيابها البيض، فأين ذهب ما رآه من قبل عندما وقعت عينه عليها ~~أول مرة؟ أتبدلت الصورة كما يتبدل الناس أم كانت الصورة تبدو له كما يصوره له وهمه؟ ومع ~~هذا فإنه قضى ساعة مع صاحبه في حديث متصل ليس فيه فتور، وكان سعيد كما عرفه فؤاد منذ صغره ~~موطأ الأكناف ألوفا عطوفا، وأقبل سعيد في أثناء الحديث على لوحاته يرتبها ويعدل من ~~أوضاعها، فاستأذنه فؤاد أن ينزل إلى الحديقة فيسير فيها وحده حينا، ونزل من المرسم وهو يحس ~~كأن الفضاء الذي حوله يتقد حرا، ورأى علية عند ذلك خارجة من البهو فانحرف عنها كأنه لم ~~يرها، واتجه إلى ركن بعيد من الحديقة، ولكنه سمع قدميها وهي تهبط على الدرج وتسير فوق الحصى ~~المفروش في المماشي متجهة نحوه، وكانت الليلة قمراء والحديقة تبدو في غلالة من النور ~~الرفيق، كانت الأغصان الباسقة تنطبع على صفحة السماء حالمة هادئة صامتة، وكانت الخمائل ~~المزدهرة منثورة بين الأشجار كأنها أطفال تلوذ بأمهاتها في ليلة عرس، ومن تحتها بساط ممتد ~~من العشب الأخضر تتلألأ عليه قطرات من الماء تبرق كلما سطع عليها الضوء، وسمع صوت علية من ~~خلفه تناديه مرحة: أنت هنا؟ # فالتفت إليها بقلب واجف وقال: إنها ليلة ساحرة. # فقالت ضاحكة: وما ينبغي أن تقضيها في المرسم الضيق، وأين سعيد؟ # فقال فؤاد باسما: مع لوحاته يصففها ويمسح الغبار عنها. # فقالت علية: هو لا يملها، ولا يرى جمال الكون إلا من خلالها. تعال ms077 يا فؤاد لأطلعك على لوحاتي أنا. # فقال فؤاد: لم أرها في زحمة المرسم ... # فقالت ضاحكة: لم أضعها في ذلك المرسم الضيق، فهي هنا. # وأشارت بيدها إشارة شاملة إلى الحديقة. # ثم قالت: قد اتجهت إلى هذه الحديقة بعد عودتنا معتذرة لها عن هجرتنا، فانقطعت لها أخدمها وأسقيها ~~وأنسق أحواضها وأركانها، هذه لوحتي! # فقال فؤاد وقد عاد إليه بشره: إنها لوحة حية! # فأخذت ذراعه وسارت به نحو عريش في ركن الحديقة، وأحس لمس يدها فكأن عصا ساحر غمرته ~~سعادة. # وقالت علية في حماسة: أترى هذا المجلس الهادئ؟ # وكان العريش قائما في زاوية تلاصق البناء وتتكئ على جانبيه أعواد متسلقة ذات زهر فيها ~~الأصفر الداكن وفيها الأبيض الناصع، ومن تحته مقاعد على قوائم من قطع غليظة من جذوع الشجر ~~قد رصت فوقها أعواد من أغصان دقيقة، وكان بين المقاعد قطع أخرى من جذوع كأنها مناضد، ومن ~~فوقها أصص من أزهار شتى. # واستمرت تقول ضاحكة: إنك تحب الريف يا فؤاد وهذا مجلس لا شك يعجبك. # وجلست على مقعد ونظرت إليه كأنها تدعوه إلى الجلوس، وفاح في الهواء عطر خفيف من أزهار ~~العريش يمتزج بالعطر الذي يفوح من علية، فكان لذلك شذى عجيب لا يشبه في شيء ما عرف فؤاد من ~~أنواع العطور! أرج خفيف ولكنه قوي شديد أحسه ينفذ إلى أعماقه. # وجلس إلى جانبها يقول: ما أبدعها من لوحة! # فقالت علية مرحة: لقد عرفت أن هذا المجلس يعجبك. # فأجاب مغتبطا: إنها قطعة من فن يلهم بالسلام يا علية. # ورنت كلماتها في قلبه إذ قالت: «لقد عرفت أن ذلك المجلس يعجبك» أكانت تذكره وهي ترسم ~~هذا العريش؟! # ونظر إليها حائرا يحس أن الأقوال تزدحم في خاطره ولا تنطلق على لسانه، أهذه علية التي ~~كانت منصرفة عنه منذ ساعة وتقبل بحديثها على ذلك الفتى الآخر تناجيه وتبتسم له؟ أليس ~~إقبالها عليه كأنه اعتذار إليه وتكذيب لظنونه ووساوسه؟ فما الذي يمنعه من أن يأخذ بيدها بين ~~كفيه فيرفعها إلى شفتيه يقبلها ثم يتدفق لها بما في نفسه ms078 فيكشف لها عن الحب الذي يجيش ~~في قلبه قويا صادقا صافيا ؟ أيمضي في صمته فلا يكشف لها عن حقيقته ويدع ذلك الفتى الوسيم ~~المعجب بنفسه يتودد إليها ويغلبه على فؤادها؟ ولكنه لم ينطق، وكلما هم بأن يقول كلمة ~~تعثر بها خاطره قبل أن يفوه بها فترتد الكلمات كليلة إلى صمتها، ومضى حين عليهما في صمت ~~ثقيل فقالت علية: تعال يا فؤاد فانظر إلى الحديقة من ذلك الركن الآخر. # ورآها تهم قائمة وأحس لمس ثوبها الحريري، وفاح في شمه عطرها العجيب، فقام صامتا ~~يتبعها حتى وقفت عند الركن المقابل وأشارت بيدها نحو البدر المطل من بين أغصان مجموعة ~~ملتفة من الشجر، ولمعت أناملها الملونة وهي تشير كأنما هي زنبقة بديعة وقالت: سأتخذ هنا مجلسا آخر يستقبل البدر إذا طلع هكذا. # فقال فؤاد: إن الأحلام تحيط بكل المكان يا علية! # وهم أن يصيح قائلا: تعالي نعد إلى مجلسنا الأول فنتحدث فيه قليلا، ومضت عليه ~~لحظات طويلة وهو يدير الأحاديث في ضميره، ولكنه كان كلما حاول النطق لم يستطع إليه سبيلا، ~~كانت الكلمات المتدفقة تقف عند لسانه كأنها ترتد عند سد. # وقالت علية: ألا توافقني على اختياري؟ # فأجاب: كل الموافقة يا علية. # فقالت في حماسة: إذن فهذه الحديقة مرسمي. # ثم نظرت نحو مرسم أخيها، ونظرت إلى الساعة التي فوق معصمها وقالت في شبه صيحة: سوف يقضي سعيد كل ليلة مع لوحاته لا يبالي أحدا. # ثم صاحت تنادي أخاها. # فقال فؤاد: لا فائدة في ندائه إذا لم نذهب إليه ونجره من مرسمه جرا. # فصاحت تناديه مرة أخرى فلما لم تسمع جوابا قالت: دعه يا فؤاد فلا أظن أنه يعبأ بأحد منا. # ثم أسرعت نحو سلم الدار فقفزت على الدرج صاعدة وصعد فؤاد وراءها فاترا، ودخلت إلى ~~البهو فقالت في مرحها: لا مؤاخذة يا صدقي، لقد تأخرنا كنت أعرض على فؤاد حديقتي. # وعادت القبضة إلى صدر فؤاد عندما سمعها تعتذر إلى صدقي لأنها أبطأت عليه في تلك اللحظات ~~القصيرة التي قضتها معه في الحديقة! # والتفت ms079 صدقي نحوها باسما وقال في هدوء: لم أشعر بمرور الوقت فإني كنت أحدث عمتي. # وكان جالسا إلى جنب أم علية يدخن سيجارا، ووقف فؤاد عند مدخل البهو حينا، وهجم عليه ~~الضيق فجأة حتى أحس أنه أشقى من فوق الأرض، وخيل إليه أن كل ما في البهو ينظر نحوه ~~شزرا، وسارت علية متجهة إلى مقعد ونظرت إلى فؤاد كأنها تدعوه ليجلس إلى جانبها. # ونظر صدقي إليه باسما. # فقال فؤاد وهو يحاول إخفاء ارتباكه: كنت أود لو استطعت أن أقضي الغد معكم، ولكني مضطر أن أكون في دمنهور غدا. # فصاحت علية: مستحيل! # وذهبت نحوه فأمسكت بذراعه. # فقال فؤاد في بسمة ضئيلة: أشكرك، ولكني مضطر يا علية، لا بد أن أكون في دمنهور صباحا. # وحيا آخر الأمر منصرفا، فذهبت عليه معه إلى المرسم، وكان سعيد ما زال هناك في قميصه ~~عاكفا على صوره يرتبها ويزيل أثر الغبار عنها. # فصاحت به علية: ما هذا؟ # فالتفت سعيد باسما وقال لفؤاد: لعل الحديقة أعجبتك. # فقالت علية: إنه يريد السفر الليلة. # فنظر إليه سعيد قائلا في هدوء: أيمكن هذا؟ # ثم رفع يده فنظر إلى الساعة التي فوق رسغه وقال في دهشة: لقد مضى الوقت سريعا ولكن أليس الغد يوم الجمعة؟ # فقال فؤاد: أنا مضطر إلى السفر. # فقال سعيد يخاطب علية: ألم تخبريه عن رحلتنا غدا؟ # فقالت باسمة: لم أعلم أنه يسافر الليلة، وكنت أحب أن أجعلها مفاجأة. # فأحس فؤاد كأن سهما طعن قلبه، فأية رحلة تلك التي يكون معهم فيها، ثم يرى علية تتأبط ~~صاحبها وتناجيه ولا يكون نصيبه إلا أن تلقي إليه أحيانا فضلة من فضلات التفاتها؟! # وأجاب في إصرار: آسف؛ إذ إني مضطر إلى السفر الليلة. # ونظر سعيد إلى وجهه الجاهم فقال له: أأنت متعب؟ # فهز فؤاد رأسه في شك وقال: قد أكون متعبا، ولكني مضطر إلى السفر يا سعيد، ومد يده إلى علية ليحييها قبل ذهابه ~~فنظرت إليه آسفة، ولكنه حول عنها عينه متكلفا أن يبتسم وهو يحييها. # وقالت له: لن نحسب هذه الزيارة ms080 يا فؤاد. # فتمتم مجيبا بكلمة لم يكد يتبين لفظها، وهبط يسير نحو الباب مسرعا، وذهب معه سعيد يشيعه ~~إلى المحطة في عربته، وأحس كأن عبئا أزيح عن صدره عندما وجد نفسه في عربة القطار وحيدا، ~~وأسلم نفسه لخواطره الحانقة. # وبلغ بيته آخر الأمر فقضى سائر ليلته ساهدا حتى طلع الصباح، وذهب إلى عمله فاتر الجسم، ~~ولكن قلبه كان ثائرا يريد أن تجتمع عنده كل الهموم السوداء لعل انشغاله بها يصرفه عن ~~الأحاديث الحانقة التي كانت تضطرب فيه. # وعزم على أن يقطع ما بينه وبين الإسكندرية فلا يزورها حتى لا تقع عينه على صدقي مرة أخرى، ~~ومضت أيام الأسبوع ونفسه موزعة بين الحنق حينا والكآبة حينا، حتى جاء يوم الخميس فسأل ~~نفسه: ألا يزور الشاطئ مرة أخرى؟ وحاول أن يصرف عنه هذا الخاطر مرارا، ولكنه وجد نفسه آخر ~~الأمر يركب أول قطار في صباح الجمعة إلى الإسكندرية، ولم يتردد في أن يذهب إلى دار سعيد ~~ويدعو نفسه إلى الغداء مع الأسرة، وكان سعيد في مكتبه، فدخل عليه متكلفا أن يبدو مرحا غير ~~متكلف، فما وقعت عين سعيد عليه حتى صاح به قائلا: لقد أحسست أنك آت للغداء معنا اليوم. # فقال فؤاد: هو قلبك المؤمن دائما يا سعيد. # وجلسا يتحدثان على عادتهما. # ودخلت علية باسمة فقالت: مرحبا بك يا فؤاد، لقد لمحتك من النافذة داخلا. # فخفق قلب فؤاد وهجم عليه شعور قوي من السعادة وقال لها: يخيل إلي أننا افترقنا أجيالا طويلة. # فقالت علية ضاحكة: لقد كانت إقامتنا في الريف - بلا شك - أجيالا طويلة. # فقال سعيد: لست أدري إذن كيف نعيش إلى اليوم. # فقالت علية: لست أفهمك يا أستاذي. # فأجاب سعيد: أبلغ قولي من العمق أن يصعب عليك فهمه؟ هذه تحية لا أستحقها، ولكني لست ~~أدري كيف تكون الشهور أجيالا. # فقالت علية ناظرة إلى فؤاد: لو رأيت ما رأيناه في الريف لعددت كل دقيقة بسنة. # فضحك سعيد وقال: أما أنا فإني لم أحس شيئا من هذا، كنت أستيقظ في الصباح فأتنفس من ms081 ~~الهواء، وأفتح عيني على منظر الطبيعة الباسمة، وأستغرق أحيانا في تأملي خلال الليل ~~المظلم الذي تتلألأ فيه النجوم، وأستمتع أحيانا بجمال الليالي القمراء الوديعة، هذا كل ما ~~وجدت في الريف ولم ينقصني فيه إلا رؤية هذا. # وأشار إلى فؤاد. # فقالت علية: ولم تحس ألما من لذع بعوض الليل ولا ضيقا من وحشة حياة النهار؟! # فعادت القبضة إلى قلب فؤاد كأشد ما كانت تعذبه في الأسبوع الذي مر به، فلقد قصد بكلمته ~~التي قالها أن فراق علية في هذه الشهور كان في نفسه يشبه فراق أجيال طويلة، ولكنها لم تشعر ~~بتحيته وأخذت تتحدث عن ضيقها بحياة الريف وما فيها من مشقة. # وقال سعيد: لم أحس في الريف وحشة في الحياة ولا ألما، إن الوحشة في قلوبنا نحن إذا كنا ~~نتطلع إلى أكثر مما تهب لنا الطبيعة، هناك في الأحياء من يحسون الشقاء الشديد؛ لأنهم لا ~~يستطيعون الوصول إلى كأس مرة من الخمر، أو لا يصدعون رءوسهم بضجيج المجامع اللاهية ~~الهازلة، أليس كذلك؟! # ونظر إلى فؤاد كأنه يستنجد به. # ولكن قلب فؤاد خانه، فلم يرد إلا بهزة من رأسه موافقا. # وقالت علية ناظرة إلى فؤاد: تصور عزلتنا هناك عن كل ما فيه حركة الحياة، حتى لقد كنا لا نستطيع الوصول إلى صحيفة ~~ولا إلى كتاب. # فقال فؤاد فاترا: ولكنك بغير شك تجدين هناك ميدانا عظيما لقلبك الكبير. # فقال سعيد: هكذا قلت لها مرارا، إن هؤلاء المساكين الذين يعيشون في الريف في أشد الحاجة ~~إلى أن يعيش بينهم أمثالها. # فقال فؤاد في هدوء: بلا شك، ولو وجدنا الوسيلة إلى الإقامة بينهم ولو بين حين وحين لردوا إلينا الصنيع ~~مضاعفا، لقد عشت بين هؤلاء أعواما وأستطيع أن أدرك مقدار المتعة التي يمكن أن نجدها في ~~الحياة بينهم. # وعادت إلى ذهنه صورة قوية المسكين وتعويضة امرأته، وسأل في سره: ألا كيف حالهما؟ وماذا آل ~~إليه أمر قوية؟ # وسمع صوت علية تقول عند ذلك: لا لا، لقد فضلنا أن نخاطر بحياتنا هنا على أن نبقى بين ms082 تلك الحقول الخضراء بما فيها من ~~متاعب. # وقامت عند ذلك مسرعة فنظرت من النافذة وصاحت تنادي في حماسة: صدقي، تعال. # وسارت تفتح له الباب قائلة: سأجد على الأقل واحدا يشاركني في رأيي. # وغاص قلب فؤاد كأنه يهوي في فراغ عميق، ثم دخل صدقي بقامته المديدة ووجهه الجميل، وسمع ~~صوته القوي يقول: صباح الخير يا علية، ماذا أتى بك إلى هنا؟ # فقالت: فؤاد هنا. # فصاح صدقي: الحمد لله على السلامة. # ثم دخل وحيا في طلاقة، وقام فؤاد يستقبله وهو يعاني المشقة في إزالة ما على وجهه من ~~الوجوم. # وقالت له علية وهو يجلس: مبروك بذلتك الجديدة، إن لونها بديع ولون رباط الرقبة ~~يناسبها. # وجلس صدقي إلى جانب علية مقابلا لفؤاد وسعيد، وقال باسما: أشكرك على تحيتك. # ثم قال لها: الحمد لله إذ لم تحدث إغارات على الإسكندرية منذ جئتم إليها، كان قدومكم إليها ~~سعيدا. # فقالت في حماسة: هذا من حسن حظي، فلو حدثت إغارة في هذا الأسبوع لما تخلصت من لوم الجميع، ألا توافقني ~~يا صدقي على أن حياة الريف لا تطاق؟ # فقال صدقي باسما: بالتأكيد، وأظن أن سعيد يغالط نفسه. # واتجه إلى فؤاد قائلا: ألا توافق على أن الحياة هناك لا تطاق؟ # فقال فؤاد في فتور: هي بغير شك شديدة على من لم يتعودها. # فقالت علية: والناس هناك، لقد سألت نفسي مرارا أهؤلاء هم مواطنونا؟ # فقال فؤاد في حزن: إنه سؤال كان يخطر لي هناك في كل صباح ومساء. # فقالت علية: إذن فأنت توافقني؟ # فقال فؤاد: بغير شك، وأرى أننا مطالبون بأن نؤدي نحوهم واجبنا. # فقالت علية ضاحكة: ولكن من بعيد. # وأضاف صدقي ضاحكا: نعم من بعيد، لا حاجة بنا إلى أن نضم أنفسنا إلى البائسين لكي ~~نواسيهم. # فنظر فؤاد إلى علية صامتا ثم أطرق مفكرا، وتذكر قوية وتعويضة وقال في نفسه: «هل فعلت أنا أكثر من هذا حتى أوجه اللوم إلى علية؟» # وتنبه من تفكيره على صوتها إذ قالت: لست أخشى أن أقول في صراحة إن واجبنا لا يزيد ms083 على أن نرحم هؤلاء المساكين ونمد إليهم ~~أيدينا لنخفف عنهم بؤسهم ، ولكن ليس معنى هذا أن نشاطرهم الشقاء، ألا ترضون إلا بأن نكون ~~كذلك من الأشقياء؟ # ونظرت إلى صدقي قائلة: ألا توافقني؟ # فقال صدقي في حماسة: طبعا. # وقال سعيد ضاحكا: طبعا! # ثم نظر إلى فؤاد قائلا: لا بد من وجود الأحزاب، هكذا الحياة الديمقراطية. # فقالت علية ضاحكة: لن تخيفني بسخريتك، أتستطيع أن تبين لنا ماذا فعلت أنت لهؤلاء؟ # فسكت سعيد لحظة، وعلق فؤاد أنفاسه ليستمع إلى جوابه، وسأل نفسه هذا السؤال عينه، ماذا ~~فعل هو لأولئك الذين يكثر عنهم الأحاديث؟ ألم يمد إليهم يده من بعيد حتى إذا ما خشي أن ~~تصيبه معرة أو سخرية قبضها عنهم والتمس لنفسه النجاة؟! # وقال سعيد في صوته الهادئ: لا أستطيع أن أكابر في الحقائق يا عزيزتي، إنني لم أصنع لهم أكثر من أن أرسم بعض صورهم ~~على لوحاتي. # فضحكت علية منتصرة وقالت: أتكفي هذه الصور البارعة في مساعدة هؤلاء الأصدقاء؟ قدمها لهم إذا شئت لعلهم يجدون ~~فيها عزاء على ما هم فيه من شقاء. # ونظرت إلى فؤاد باسمة في صمت. # وخيل إليه أنها تهم بأن تسأله عما فعله هو كذلك لأصدقائه المساكين، ودب إليه شعور ~~بالنجاة عندما قامت تنظر من النافذة قائلة: إننا نضيع وقتنا هباء في مثل هذه المناقشة، وقد طالت جلستنا بين الجدران في مثل هذا ~~الجو البديع، هلموا إلى الحديقة. # ولم تنتظر بل سارت إلى الباب، ووثب صدقي يسير وراءها. # وقام سعيد قائلا لفؤاد: حقا إن الحديقة في هذا الوقت ممتعة، ألم تر مجموعة الأبصال التي زرعتها علية؟ # فقام فؤاد يجر قدميه وراءه إلى الحديقة، ومر اليوم عليه بطيئا حتى عاد إلى دمنهور في ~~قطار المساء. # ولما عاد إلى دمنهور في تلك الليلة كانت الوحشة تخيل إليه كأنه وحيد منبوذ، فما قيمة كل ~~هذه الحياة التي كلما تعلق فيها بأمل وجده ينهار في يده ويهوي به إلى الهوة المظلمة التي ~~كان يحاول الخروج منها؟! وقد راجع نفسه من قبل مرة ms084 بعد أخرى وعللها بالأماني وخادعها ~~بالحجج، ولكن ما جدوى كل هذا والحق واضح أمام عينيه إن كان يريد أن يعرفه، إن علية تحب هذا ~~الفتى الوسيم الرشيق الأنيق، تحب صدقي الذي يعرف كيف يستميلها بلفظه المعسول وأدبه المزوق ~~وبراعته في الأحاديث ولا يتردد في التودد إليها في كل مناسبة. # ولم يكن من العسير عليه إذا لم يشأ أن ينخدع منذ أول الأمر أن يعرف هذه الحقيقة الواضحة، ~~كان من الواضح أن كل شيء في ذلك الشاب يعجبها حتى لون بذلته وربطة رقبته، وأما آراؤه - وهل ~~كان لصدقي آراء؟! - كانت تافهة ولكن علية كانت تقرها، أو كان هو دائما على وفاق معها في ~~آرائها، فما تكاد تنطق حتى يتم لها قولها، فإذا أتمه أعادت هي كل كلمة معجبة بكل حرف ~~منها. # وامتلأ قلب فؤاد من شيء يشبه الحنق أو الحقد على ذلك الشاب الذي خيل إليه أن المقادير ~~قذفت به بينه وبين علية لكي تحرمه منها، وإلا فما الذي عاد به من فرنسا وقد كان له - بغير ~~شك - في فتياتها غنى عن علية؟ وما الذي أقام هذه الحرب في ذلك العام فلم يتقدم به ولم ~~يتأخر كأن القضاء قد أثار تلك الحرب عمدا ليعود ذلك الفتى إلى مصر في الوقت الذي عرف فيه ~~علية؟ # وكان الحنق يحمله أحيانا على أن يدافع نفسه عن تلك الفتاة ويحاول أن يظهر كل ما يستطيع ~~الحنق أن يصوره له من العيوب، وسأل نفسه أيستطيع أن يتخذها زوجة؟ # لقد تعود في حياته بساطة الريف، فهو لا يميل إلى مفاتن المدينة وملاهيها، ولا يرتاح إلى ~~مجامعها الصاخبة ولا إلى أنوارها التي تكاد تعشي العيون، كان نور القمر الخافت أحب إليه من ~~أضواء المسارح الوهاجة، وكانت أنفاس الشاطئ أروح لصدره من جو الأبهاء المزدحمة، وكانت أغاني ~~قوية الساذجة ورقصة تعويضة الوحشية أدعى إلى مسرته من النغمات الناشزة التي تبعثها الموسيقى ~~الصاخبة في حلقات الرقص الماجنة. # ولكن علية تحب كل هذا الذي ينكره وتجد فيه متعتها، فهل كان يستطيع ms085 أن يتخذها زوجة مع كل ~~هذا؟ # ولكن هذه المحاولة لم تجده نفعا، فكان بعد أن يطيل تأمل ما في علية من عيوب يفيق إلى ~~نفسه على خفقة من قلبه إذا تمثل ذلك الشاب «صدقي» جالسا إلى جانبها يحدثها، وخيل إليه ~~أن تأمله في عيوبها قد زاده تعلقا بها، فكان لا يلبث أن يعود فيسأل نفسه لم لا تكون علية ~~زوجة له فتخرجه من ذلك الظلام الذي يخيم على قلبه، وتخلق منه شخصا جديدا يطرب للحياة ~~ويعيش في زحمتها ويتذوق مباهجها ومفاتنها؟ بل إنه لأشد حاجة إلى مثلها من ذلك الشاب المرح ~~الذي إذا أنصف التمس له زوجة تصلح له ما فيه من طراوة، وتدخل إلى قلبه وعقله شيئا من ~~الجد، ومع هذا فقد كان كلما تمثل صورته داخله شعور العجز الذي يقعد بالقزم عن مصارعة ~~العملاق، وهل كان يستطيع هو بقامته الضئيلة ولونه الأسمر وملامحه الحادة ونظرته التي تكاد ~~تكسب وجهه مظهر العبوس الدائم الصارم، أكان يستطيع بهذا أن يهزم الشاب الباسم المرح المتأنق ~~الوسيم؟! كان صدقي يكاد يشبه الغادة الحسناء لولا صوته العميق وجذور الشعر الخضراء التي ~~تغطي عارضيه، وماذا يضره من ضآلة أفكاره التي تشبه أفكار الصبية أو تفاهة ثقافته ونظراته في ~~الحياة؟ فمهما يكن من أمره فإن كل شيء فيه محبب عندها، فكل لفتة منه تسترعي التفاتها، وكل ~~لفظة ينطق بها تستقر في أذنها، وهي تعرف ألوان كل قطعة من ملابسه، وهيئة كل حركة من حركاته، ~~حتى لقد كانت عينها أول عين لمحته عندما اقترب من البيت. # كانت تستطيع أن تميز صوته من بين ضجيج الأصوات، وتعرف دبيب سيره كأنها تراه. # وقضى أيام الأسبوع شقيا ينتظر مضي ساعاتها البطيئة حتى يأتي يوم الجمعة المقبل ليراها ~~مرة أخرى ويراجع نفسه لعل ما بدا له منها كان من وساوس الخيال، ولكن الأسابيع كانت تمر، ~~ويعود من الإسكندرية في أعقابها كل مرة بخيبة تزيد قلبه مرارة على مرارة. # وجاءت إليه يوما رسالة من رئيس النيابة يأمره بأن يسرع إلى التحقيق ms086 في جريمة كبرى، ذهب ~~ضحيتها أحد كبار أعيان الإقليم إبراهيم ميسور ، فثارت نفسه فجأة تتذكر الماضي الذي كاد يغيب ~~عنه في ثنايا الضباب، وعادت إليه ذكريات النجيلة والكوم وقوية وتعويضة، فماذا عسى آل إليه ~~أمرهما؟ وكيف انتهى قوية في تهمته بعد أن تركه للأقدار تصرفه كما تشاء في تيارها؟ وسأل نفسه ~~وهو يسرع في طريقه إلى القرية: أما كان لقوية يد في تلك الجريمة؟ ألا يكون قوية قد ~~سجن ظلما فلما خرج من سجنه دبر للرجل فاغتاله انتقاما؟ وحاول أن يشغل فكره بما حوله ~~والسيارة تطوي الأرض طيا حتى بلغ العزبة. # وطلع عليه منظر الدار العزيزة ولكنها كانت عابسة عالية، ودخل إلى روضتها الجافية ثم إلى ~~بهوها الجاهم وجلس في كآبة يستعد للتحقيق، وكان أول من سأل عنه من أهل القرية قوية بن ~~سلام. # فقال العمدة: هو في المنفى. # فقال فؤاد في لهفة كأنه نجا من خطر: وكم مضى عليه فيه؟ # فقال العمدة: منذ أسبوع. # فقال فؤاد: أذلك بعد خروجه من السجن؟ # فقال العمدة في خبث: لم يسجن إذ لم تثبت عليه التهمة، ولكن الحكومة لا تترك مثله في هذه الأيام السوداء ~~ليفسد في الأرض، ليس في مثل هذه الأيام فراغ لأمثال قوية يا سيدي النائب. # 12 # قوية في المنفى! قد يقرأ الناس هذا النبأ الصغير في صحيفة أنباء أو قد يسمعون ذلك الاسم ~~عرضا في جمع فلا يقف أحدهم ليسأل نفسه من يكون قوية؟ إنه لا يزيد عندهم على اسم يسمى به ~~أحد أولئك «الأشقياء» الذين ينفون من البلاد إلى الأطراف البعيدة ليأمن الناس شرور ~~اعتدائهم، إذ هم يعيشون كما تعيش الذئاب تلتمس أرزاقها خطفا من حيث يتاح لها أن تخطف، فإذا ~~ما سدت عليها السبل أو هيجت من مكامنها المظلمة ثارت على الخلق جميعا تعقر من تلقى ~~منهم في سبيل النجاة، ولكن قوية كان عند فؤاد إنسانا له قلب يحس ويحب ويخلص، وقد عرفه ~~وعاشره وسبر دخيلته، وشاركه في قطعة من حياته كما يشارك بعض الناس بعضا، وقد ms087 داخله في أمره ~~الشك حينا يوم اتهم بالسرقة، ثم سمع صوته وهو يقسم بتربة أمه فزال شكه وعرف أنه صادق بريء، ~~وأنه ضحية مكر خبيث من رجل يلبس ثياب العظماء، فيحتمي بها ويرتكب جرائمه في سترها، ولكنه مع ~~ذلك تركه لقضائه فلم يحرك في نصرته ساكنا؛ لأنه خشي أن يجره التدخل في أمره إلى أن ~~يكون موضع شبهة أو أن يكون هدفا لسخرية، فكان في ذلك إنسانا تستبد به الأنانية كسائر ~~الناس يؤثر أن يتقي خدشا يصيبه غير مبال أن يصير صاحبه إلى الهلاك. # فكان قلبه دائم الثورة عليه وهو مقبل على التحقيق في مقتل إبراهيم ميسور، وما دام قوية ~~المسكين قد ذهب إلى منفاه فمن ذا الذي قتل ذلك الرجل المخيف؟ أكان لقوية أهل ينتقمون له ~~من ورائه؟ لم يكن له سوى أخيه سلومة وقد سبقه إلى السجن المؤبد، فهو يرسف هناك في قيوده، ~~ولا يدري أحد إذا كان ما يزال حيا أم قد انحدرت عليه صخرة من الجبل فدكته دكا، أتكون ~~تعويضة هي التي انتقمت لظلم صاحبها؟ أتقوى امرأة مثلها على قتل رجل مثله يحيط به الحراس ~~أينما سار؟ لقد ضحك فؤاد ساخرا من نفسه عندما خطر له ذلك الخاطر، ومضت أسابيع في التحقيق ~~حتى بلغت منه الحيرة مبلغا إذ لم يجد حوله إلا ظلاما دامسا ليس فيه شعاع من النور، ~~وحدثته نفسه مرارا بالتخلي عن التحقيق؛ لأنه كان يحس في قرارة نفسه مقتا لذلك القتيل ~~الذي جاء يريد القبض على قاتله، ولكنه مع ذلك مضى في تحقيقه؛ إذ لم يجد عذرا يعتذر به عن ~~ذلك التخلي. # وقد دل التحقيق على أن إبراهيم ميسور كان يقيم ليلة مقتله في بيته وراء أسواره العالية، ~~وكان خدمه وأتباعه يحلون في كل ركن من الأركان، فلم يكن بالبيت موضع لمتربص ولا لمتدسس، ~~ولكن هؤلاء جميعا قالوا إنهم لم يعلموا من أمر الجريمة شيئا، حتى كاد فؤاد يذهب إلى أنها ~~مؤامرة مبيتة بين أتباعه أنفسهم. # ولكنه كان كلما ذهب مذهبا من الشك ms088 لم يلبث أن يرتد عنه خائبا، فقد كان ميسور عماد ~~هؤلاء جميعا ، وما كان أحد منهم ليرجو أن ينال خيرا بزواله، كان مع قسوته وغلظته يظلهم ~~جميعا بحمايته ويبسط لهم على الريف سلطانا ورهبة، ولم يكن له في قلب من قلوبهم إلا ~~الإكبار والعرفان، على أن الحقائق لم تدع لتلك الشكوك مجالا، فقد دخل السيد إلى مخدعه بعد ~~العشاء وأغلق بابه عليه كما اعتاد كل مساء، وكانت حجرته في الصباح مغلقة ليس عليها أثر من ~~اعتداء، وأما هو فقد وجد في الصباح الباكر قتيلا فوق جسر الترعة ومفتاح الحجرة في جيب ~~ثوبه، وكان مطعونا في صدره بخنجر لم يوجد له أثر مع طول البحث ودقته، فلا شك في أنه قد خرج ~~مختارا، وأنه أغلق بابه مطمئنا عن قصد، ثم ذهب إلى حيث قتل بغير أن يحس أحد بخروجه، ~~فما الذي بعثه على كل هذا؟ # وتدسس رجال الأمن في كل مكان لعلهم يجدون أثرا للقاتل فلم يستطيعوا شيئا، كأنه قد سدد ~~طعنته ثم ساخ في الأرض أو طار في السماء. # ووجدت حول الجثة آثار أقدام مختلطة بآثار المواشي والأغنام فوق الطريق الترب، ولكن لم ~~يكن هناك ما ينم عن عنف أو صراع أو دفاع. # وقد جرت العادة في مثل هذه الجريمة أن يسارع الأهل والأتباع إلى الاتهام والرجم بالغيب، ~~فيسوقون الظنون جزافا إلى كل من تتعلق بهم شبهة من قريب أو من بعيد، ولكن أهل القتيل ~~وأتباعه كانوا ذاهلين لا يهتدون إلى رأي، ولا يزيدون على أن يهزوا رءوسهم واجمين كلما وجه ~~إليهم المحقق سؤالا، وامتنع أهل القرية كذلك عن الاتهام كأنهم كانوا جميعا شركاء في ~~مؤامرة لتغطية القاتل، فهم يلوذون بالصمت في عناد عجيب، وحاول فؤاد أن يستدرجهم للإيماء إلى ~~وجهة قد تفيده في الاهتداء إلى أول خيط من الحقيقة فلم يستطع شيئا، وكان في كل مذاهبه في ~~التحقيق يخشى أن تأتي من أحد إشارة إلى اسم تعويضة، وكان يحس ارتياحا عظيما كلما انقضت ~~شهادة الشاهد بغير أن يورد ذكرها ms089 أو يشير إلى شيء يتصل بها، ولكنه لم يجد آخر الأمر بدا ~~من مواجهة واجبه القاسي الذي يحتم عليه ألا يدع وجهة بغير أن يتجه عليها، ومرت بخاطره ~~صورة الأعرابية الحسناء التي طالما أعجب بحسنها وظرفها وذكائها، وسأل نفسه: أليس واجبه أن ~~يحقق معها لعلها تكون هي القاتلة؟ # لقد كانت هي الجديرة بأن ترتكب مثل تلك الجريمة التي يحيط بها الغموض وتوحي حقائقها بوجود ~~امرأة، ألم يكن في تسلل ميسور من بيته وحده تحت ستار الظلام ما يوحي بأن في الأمر ~~امرأة؟ # ولقد عرف فؤاد فيما سبق له علمه من أخبار قوية أن «ميسور» كان يضمر في نفسه رغبة خبيثة ~~نحو تعويضة، وما كان أحراها أن تدفعه عن نفسها بخنجرها، فقد كانت تغضب أحيانا فكأنها قطة ~~برية في غضبتها. # ولكن أكان فؤاد ليقوى على أن يطلبها للتحقيق أو يسوقها إلى العقوبة؛ لأنها قتلت مثل ~~ميسور؟ # وقضى ليلة مسهدة عندما وجد واجبه يحتم عليه أن ينحي عاطفته ويقسو على نفسه ويطلب تلك ~~الفتاة لكي يستمع إلى أقوالها، فتمثلت له بقامتها المعتدلة وتكوينها البديع وعينيها ~~السوداوين وضفائرها السوداء الحريرية التي كانت تضطرب فوق صدرها، وهي تخطر رشيقة في حلقة ~~السمر، وسمع صدى صوتها العذب يرن في أذنه إذ كانت تناديه: يا حاج فؤاد، وتبتسم له في خفر، ~~متطلعة إليه كما تتطلع إلى خلقة محبوبة من غير عالمها، عادت إليه صور تعويضة في تلك الليلة ~~مختلفة في مواضع شتى، فكان قلبه الحزين يتوجع كلما تمثل الغد الذي سوف يدعوها فيه ~~ليسألها، وفي ظهر ضميره أنها قد تكون هي القاتلة. # وماذا كان يستطيع أن يفعل لو وجدها المجرمة حقا؟ ماذا كان يصنع بحياته إذا هو أمر ~~بالقبض عليها وأقام الدليل على جنايتها، ثم قام ليترافع في قضيتها طالبا من القضاء أن يسفك ~~دمها عقابا لها على قتل ميسور؟ أما كان في قرارة قلبه يرحمها لو كانت هي القاتلة حقا؟ ~~وود لو خلع عن نفسه صفة النيابة ولبس عباءة المحامي لكي يقوم مدافعا عنها، لو ms090 ظهر أنها ~~قد أغمدت خنجرها في قلب ذلك الرجل الشنيع الذي كان - بلا شك - هو العامل على نفي قوية ~~صاحبها، وسأل نفسه: ما تلك العدالة التي تحتمل أن يتنازعها جانبان: أحدهما يمثل سلطة ~~القانون فيطلب من القضاء أن يسطو بلا رحمة ويقطع بلا هوادة، والثاني يمثل العدالة فيقف ~~مدافعا عن الجريمة يملأ المحكمة بصوته الجهوري مطالبا بالبراءة مدافعا عن مرتكب ~~الجريمة؟! حقا إن كل أمور الإنسان لا تتصل بالحق إلا بمقدار ما يراه الإنسان حقا، وقد ~~يكون الحق عند البعض باطلا عند البعض الآخر، وقد يكون الخير في نظر قوم شرا في نظر قوم ~~آخرين، هذه تعويضة التي يخشى أن تكون هي القاتلة، وهو نفسه ينظر نحوها بعينين مختلفتين، يسمي ~~إحداهما واجبه ويسمي الأخرى قلبه، وما هما سوى اسمين يخفيان تحتهما معنى آخر، وهو أن ~~الإنسان غير جدير بحمل أمانة الحقيقة. # ولكن مهما يكن من أمر فؤاد فإنه سافر إلى النجيلة في اليوم التالي، وقد عزم على أن يؤدي ~~واجبه وإن كان قاسيا، وأن يتجرع مرارة الحياة الصارمة حتى ثمالتها، فسأل العمدة أن يأتي ~~إليه بتعويضة، وكان قلبه عند ذلك يهبط به كأنه قطعة من رصاص في حوض ماء، وأرهف أذنيه يستمع ~~إلى جواب العمدة الذي كان أمامه واقفا، ألا ما أعجب الأقدار في عبثاتها وصدماتها! فإن ~~الرجل أجاب قائلا: ليست تعويضة هنا ولا يعرف أحد مكانها. # وكاد فؤاد يثب عن مقعده فرحا لولا أنه تماسك فأخرج منديلا مسح به قطرات من العرق تقاطرت ~~من جبينه. # ومضى العمدة يتحدث عن تعويضة، فقال: إنها هامت على وجهها منذ نفي زوجها فلم يرها بعد أحد ~~في القرية ولا فيما حولها، ولم يعرف أحد لها مصيرا كأنها انطلقت في البر هاربة من نفسها، ~~وامتزج الفرح بالحزن في قلب فؤاد، فإنها إن كانت قد نجت من التهمة لم تنج إلا إلى حياة ~~مشردة مظلمة لا يدري أحد ماذا يكون فيها مصيرها، وعادت إليه صورة الزهرة في خميلة الشوك ~~بالصحراء، لا يدري أحد متى ازدهرت ms091 ولا متى سقطت عن عودها، فلا أقل من أن يعبأ بها هو الذي ~~عرفها وأنس إلى مودتها وكان لها في قلبه مكان أثير، فبالغ في السؤال عنها متظاهرا بأنه ~~يمضي في تحقيقه ليستوثق من أمرها، وهو يخفي لهفة شديدة على جمع شوارد الأنباء عنها، فأخذ ~~يسأل أين ذهبت إذ هامت على وجهها؟ وماذا اعتراها بعد نفي زوجها؟ وأين كانت تقيم؟ وكيف كانت ~~تعيش؟ # وكان في نفس الوقت يسأل نفسه هل ذهبت صباحة وجهها ونضارة شبابها أم لقد ذهب ذلك كله بين ~~عشية وضحاها فذوى حسنها كما يذوي حسن الزهرة اليانعة في ليلة؟ ولقد كانت المسكينة تحمل في ~~أحشائها جنينا وكانت تحب أن تسميه «فؤاد» باسمه، فماذا فعل ذلك الجنين المسكين الذي ~~استقبلته الحياة جاهمة قبل أن يفد عليها؟ وكان قلب فؤاد يعصر عصرا أليما وهو يعود من ~~أسئلته بالخيبة، حتى ارتج عليه كل باب في التحقيق، ولم يستطع أن يهتدي إلى شيء يكشف له سر ~~الجريمة، وقد بلغ به الأمر أن تغاضى عن قسوة رجال الضبط في انتزاع الأقوال من أهل القرى ~~المجاورة لعلهم يفتحون أفواههم بلفظ ينم عن حقيقة تفيده، فلم يوفق إلى شيء سوى ترهات ~~تنتهي إلى سدود مغلقة، ولم يجد مناصا آخر الأمر من أن يطوي أوراقه في سجلها وينسب الجريمة ~~إلى مجهول. # ولكنه مع إخفاقه في هذا التحقيق عاد إلى دمنهور وهو يحس في قرارة نفسه ارتياحا لا ~~يدري ما كان مبعثه، أكان ذلك تشفيا خفيا من رجل يمقته؟ أم كان ذلك ذهابا مع بعض آرائه ~~في العدالة التي تعمى عنها القوانين أحيانا؟ أم كان لأنه خلص من موقف أوشك فيه أن يلوث ~~يديه بدماء تعويضة المسكينة؟ # مهما يكن من أمره فقد تنفس الصعداء عندما فرغ من تحقيقه، ولم يبال ما كان يبلغ سمعه من ~~همسات أقرانه ورؤسائه عنه، حتى إنه لم يشعر بشيء من الأسى أو الأسف عندما جاءه نبأ نقله إلى ~~الصعيد بعد أيام، ولم يقف لحظة ليسأل نفسه أكانت هذه عقوبة على إخفاقه ms092 أم كانت لطفا ساقته ~~إليه الأقدار؟! وجاء أصحابه يواسونه فيما حسبوه محنة ، ولم يعلموا أنه كان أسعد الناس في ذلك ~~اليوم بهذا النقل ساقه الله إليه. # 13 # ذهب فؤاد إلى الصعيد وهو يحس كأنه هارب من موطن عبثت فيه الأقدار بقلبه وضميره وحياته إلى ~~موطن آخر يجد فيه من آثار العالم الغابر ما ينسيه حاضره. # فكان كلما وجد فراغا من عمله أسرع إلى زيارة أثر من بقايا القرون الماضية في الأقصر أو ~~إدفو أو العرابة المدفونة يسرح خواطره في الماضي البعيد، ويتحدث إليه عن زوال الإنسانية ~~وحقارة همومها، ويسمو معه فوق هذه الحياة بما فيها من سخف وجور وقسوة وعنف. # كان يجلس في رحاب الآثار الفسيحة، ويتأمل عمدها الباسقة وهندستها الرائعة، ويخيل إليه أن ~~أرواح الماضي تناجيه في رفق الحكيم، وتهون عليه ما يساوره من الشجون، فإذا ما اطمأن إلى ~~حديثها تجرأ على كشف ما في أعماق نفسه وما يثور بها من آلام، فكأن نسيما من السلام يهب ~~على وقدتها، كانت تلك الآثار تنطق له قائلة: «كانوا ثم ذهبوا» بعد أن خلفوا للحياة أحلامهم ~~وخفقات قلوبهم مجسدة في صور منحوتة أو أشكال مرسومة يخيم الصمت عليها، كانت لهم مسراتهم، ~~وكانت لهم أحزانهم، ولكنهم خلعوها مع أجسادهم الفانية فلم يبق منها إلا أصداء ضئيلة، ولكن ~~تلك الأصداء سوف تتردد صافية على مر العصور، فتدركها الأسماع المرهفة التي تستطيع إدراكها ~~وهي تهتف بالحقيقة الأبدية أن مادة هذه الحياة غرور باطل لا يبقى منها إلا الجوهر المصفى، ~~مثل ذرة ثمينة لا تزيد على مثقال حبة من خردل في صخرة أو في السموات أو في الأرض. # ولكن «فؤاد» - مع كل ما حدث به نفسه ومع كل ما حدثته به تلك الآثار - كان لا يملك أن ~~يبعد عن قلبه صورتين ما برحتا تلازمانه في كل جولاته: إحداهما صورة تعويضة والأخرى صورة ~~علية، وكانت إحداهما تعصر قلبه رحمة وحزنا، والأخرى تطعنه خيبة ووحشة، وكان يتمنى ~~أحيانا لو جالت علية معه بين تلك الآثار حتى يفضي إليها ms093 بما تحدثه به من احتقار عرض هذه ~~الحياة التي لا يبقى منها إلا جوهرها الضئيل الثمين الذي يتمثل في الروح، في مثل الحب ~~المصفى الذي يحمله لها، إذن لاستطاعت أن تدرك مبلغ ما ضيعت عليه وعلى نفسها بإيثارها فتاها ~~الأجوف الذي لا يزيد على قطعة من جسد فان. # وكان أحيانا يصور في نفسه جدالا شديدا وعتابا قاسيا في أحاديث طويلة، يسرح فيها مع ~~خياله فيعود إليه حنقه وتثور عليه كبرياؤه ويفيق من أحلامه الثائرة هامسا في نفسه: «أهذا ~~هو الفتى الضحل الذي ارتضته وآثرته علية؟» ثم يخرج من المعبد العظيم الذي يجول بين أطلاله ~~ثائرا على خياله الذي يطوح به إلى مثل ذلك الوهم البعيد، فما الذي يجعله يتجه بمثل هذا ~~الحنق إلى علية؟! وما كان أحراه أن يتجه به إلى نفسه! ألم يكن هو الذي تركها تنفلت إلى ذلك ~~المنافس الجريء؟ لقد كان في استطاعته - بغير شك - أن يستميل قلبها لو كشف لها يوما عن ~~حبه صريحا قويا، فلا يقوى ذلك المنافس الأجوف على أن يهزمه عندها، بل لقد كان في ~~استطاعته أن يقاوم بحبه الصادق ذلك الفتى ويصرع مظهره المزوق ويخسف أناقته المتبرجة ولفظه ~~المعسول، ولكنه هرب من ميدانه في شيء لا يقل عن الجبن والضعف كأنه طفل ينصرف إلى مخدعه ~~باكيا ينتظر من أمه أن تلحق به فتسترضيه رأفة به ورحمة لضعفه. # ولكنه كان مع كل هذا الذي يضطرب في أعماقه لا يملك قلبه أحيانا من الحنين إلى علية، ~~فتنازعه نفسه إلى السفر إلى الإسكندرية؛ ليقضي حينا في البلد الذي تقيم فيه، ويسير على ~~الشواطئ التي لا شك في أنها كانت تخرج إلى النزهة عندها، ويملأ صدره من الهواء الذي يهب ~~على دارها، وكان يتمنى لو وقع بصره عليها في نظرة عاجلة ليطفئ بها لاعج الشوق الذي كان ما ~~يزال يضطرم بين جنبيه مع كل حنقه وألمه، بل لقد كان يصور لنفسه أن الأمر لم ينفلت بعد من ~~يديه وأنه ما زال يستطيع - إذا أراد - أن يذهب ms094 إلى علية ويكشف عما يغمره من حبها، فلا يلبث ~~أن يهزم خصمه ويفوز برضائها، ولكنه كان يطوي أياما طويلة مترددا في نزاع شديد بين ميله ~~وكبريائه حتى تتغلب عليه الكبرياء آخر الأمر فيعدل عن السفر ويقبل على عمله في عنف، أو ~~يخرج إلى نزهة أخرى بين الآثار ليسرب شجونه بين أطلالها. # هكذا مضت عليه الأيام شهرا بعد شهر، وكانت الحرب ما تزال ثائرة في الخافقين تخيم على ~~البلاد بظلالها ورهبتها، وكانت صحف الأخبار تحمل من أنبائها كل يوم ما يزيد على أعجب وثبات ~~الخيال، فبعد أن كانت الجيوش الغازية الجبارة تطوي الدول تحت قدميها؛ ارتدت موجتها خاسئة ~~وعاد النصر مع القضاء الساخر إلى الكفة الأخرى، وبدأت جيوش الحلفاء تطوي الدول تحت قدميها ~~كما كانت جيوش ألمانيا تطويها من قبل، وزحفت مثل موجة عنيفة أخرى تحطم وتطحن وتعيد سيرة ~~السطوة الأولى قائلة: إن الحق للقوة، وأخذت الدول المنتصرة تحتفل بالنصر وتتهم المخذولين ~~على جرائم تشبه ما كان المنتصرون بالأمس يتهمون به أعداءهم، وما الجريمة في الحالين سوى ~~الهزيمة والخذلان، فكانت العدالة عند الخصمين تنطق دائما أن الحق للقوة. # ورأى فؤاد يوما في بعض تجواله بالقرى منظرا عجبا على جانب النيل عند قرية منعزلة، رأى ~~جماعة من نساء الغجر يلتفون حول امرأتين تتباريان مباراة عجيبة لم يشهد من قبل مثلها، وقفت ~~المرأتان ومع كل منهما كيس كبير فيه قطع من نقود الفضة، وكانت كل منهما تقبض من كيسها قبضة ~~ثم تقذف بها إلى أعماق النهر واحدة بعد الأخرى، فسأل من هناك عن سر هذا الإسراف، فعلم ~~أنها طريقتهن في إثبات المقدرة والقوة، فمن فرغ كيسها قبل منافستها كانت عليها الغلبة، ~~وكان لا مفر لها من الخضوع والاعتراف بالسيادة لصاحبتها. # وتبسم في سخرية مرة من هذا الحمق البليغ، ولكنه عاد فسأل نفسه أليس هذا حال الأمم ~~الكبرى التي تتقاسم هذه الأرض فيما بينها؟! إنها تتبارى في الابتكار والابتداع وتتنافس في ~~الإنتاج والاستكثار من الخير وتبسط سلطانها على أركان المعمورة فتنزع منها معدنها ونباتها ms095 ~~وما بطن وما ظهر من ثروتها؛ لكي تملأ بذلك خزائنها، ثم ينتهي بها الحال آخر الأمر إلى ~~مباريات لا تقل في حمقها وغرابتها عن مباراة الغجريتين اللتين شهدهما على جانب النهر، فتبذل ~~كل منها ما أصابت من غنى وتتجه كل منها بما أتيح لها من علم وفن ونبوغ لتبدده في حرب طاحنة ~~يهوي فيها بعضها على بعض في تخريب وتدمير، وتتأجج ما بينها الأحقاد وتسفك الدماء ولا قصد ~~لها من وراء ذلك إلا أن تفوز إحداها بالسيادة وتذعن لها الأخرى عن يد وهي صاغرة، ولو ثارت ~~الحروب بين تلك الدول لأن بعضها جائع يسطو على جاره ليسد جوعه، أو لأن بعضها عار يريد أن ~~ينتزع منه ما يستر به جسمه كما تفعل قبائل البدو إذ تغير على ما يجاورها من الريف، لكان ~~عذرها مفهوما إذا احتكمت إلى قانون الغابة الصارم، ولكن تلك الدول تتحارب وخزائن كل منها ~~منتفخة مثل كيسي هاتين الغجريتين، فما أعجب الغرور الإنساني! وهو غرور لا فرق فيه بين صنف ~~وصنف من البشرية المسكينة، ولما مضى العام الأول على فؤاد في الصعيد جاءت إليه برقية من ~~سعيد يدعوه فيها إلى قضاء الصيف في الإسكندرية حتى يشهد حفل زواج علية من صدقي! فيا للصدمة ~~الهائلة! أهكذا ينتهي إلى الحرمان المحقق وتتجسد وساوسه في الحقيقة القاسية التي تنكشف ~~له؟ وكان أول خاطر طرأ عليه أن بعث برقية يعتذر فيها عن السفر، ثم استأذن في أيام يستريح ~~فيها من عناء العمل، وهرع إلى القاهرة ليقيم حينا في جوار أمه كأنه عاد طفلا يطلب ~~حمايتها. # ولما عاد إلى عمله كان الصعيد يتوهج بحره فيهب الهواء كأنه أنفاس لهيب، فإذا رها ~~وخمد كان الجو مثل جوف أتون، وكان منذ نشأته يضيق بالحر ولا يطيق وطأته، فكان يعاني من ~~أيامه ولياليه آلاما مبرحة، كان إذا خرج إلى طرف من الريف في بعض عمله عاد متوعكا، وإذا ~~احتجب بين جدران منزله أحس كأنها تنطبق عليه وتكتم أنفاسه، وكانت شجونه الثائرة أشد عليه من ~~كرب ms096 الوعكة وضيق الوحدة. # ووضعت الحرب أوزارها بعد حين وقيل عاد السلام، ولكن الحياة كانت ما تزال تنضح دما من ~~جراحها، كأن الحرب قد أطلقت غرائز النفوس فهيهات لها أن تعود إلى حدودها، كان كل من استطاع ~~أن يغنم غنيمة سارع إليها، فالتاجر يبتز إذا تمكن من الابتزاز في ستر القانون، فإذا لم يقنع ~~بما يصيب من ربح لم يخش أن يغامر في التماس الحيل ليخلص إلى ربحه من وراء القانون، والموظف ~~لا يكفيه مرتب الوظيفة فيحتال على رزقه بالرشوة أو الاختلاس متسترا بما يتهيأ له من مسارب ~~مظلمة، وصاحب المهنة لا يرضى إلا أن يشارك في أسلاب المعركة الحامية بعد أن يرقد ضميره في ~~فراشه لينام عنه، ونشأت طبقة جديدة من الوسطاء والمهربين لتخدم في فوضى المعمعة وتصيب من ~~فضلاتها مغنما، وكان من وراء هؤلاء جميعا طبقة أخرى متربصة تهوي بين حين وحين على الميدان ~~المضطرب لتخطف من المحملين بالأسلاب قطعة تجعلها نصيبها، كما تهوي الذئاب والنسور على أطراف ~~القرى فتصيب ما تستطيع الوصول إليه من قطعانها، هكذا كانت الحياة تضطرب حول فؤاد، وكان عليه ~~أن يرفع سيف العدالة الرهيبة على كل من يتعدى حدود القانون من هؤلاء جميعا، فكان لا يكاد ~~يستقر يوما في داره إلا إذا اضطره الضعف فلزمها مكرها، ومع هذا فقد مضى عليه سائر فصل ~~الصيف ولم يفكر في الهروب مما يعاني من المشقة والألم، فقد كان ذلك أهون عليه من الفراغ، بل ~~لقد كان يرى في تلك الشواغل والأعباء والآلام ما يحول بينه وبين الأحزان التي تعذبه، فلم ~~يطلب إجازة سوى أيام قليلة بين حين وحين؛ ليذهب إلى القاهرة ليلم بأمه ويتنفس من جانب ~~النيل أنفاسا. # وكانت الأم كلما رأته بادرته بالحديث في أمر زواجه، فتصف له من عرفت من الفتيات، فهذه ~~قريبة جميلة من أهلها تجمع الجمال إلى تمام العقل، وأبوها سري غني قد ضن بها على الفتيان ~~الذين تقدموا إليه يخطبونها؛ لأنه كان يدخرها له إذا هو خطبها، وهؤلاء كثيرات غيرها من بنات ms097 ~~الجيران والأصدقاء كلهن من ذوات الحسن والنسب الرفيع والثقافة العالية، ولا تمتنع عليه ~~إحداهن إذا هو شاء أن يتخذها زوجة، فكان لا يلبث أن يضيق بأحاديثها ويتكلف المرح قائلا ~~إن أوان الزواج لم يحن له بعد، ثم يخلو في حجرته فتجتمع عليه شجونه تحدثه حديثا آخر غير ~~حديث أمه، أليس هؤلاء الفتيات جميعا مثل علية التي آثرت الفتى الذي أعشى عينيها بمظهره ~~الأنيق وخلب سمعها بلفظه المعسول؟ ألم يحمل لها أصدق الحب وأقواه ثم تركته في صحراء جرداء ~~وذهبت إلى الفتى الذي غرها برونقه؟ وهل كان في هؤلاء الفتيات من تستطيع أن تملك قلبه ~~كما ملكته علية أو من يستطيع هو أن يهب لها من الحب ما وهب لعلية؟ فما تزال الهواجس ~~تحتوشه حتى يضيق بها فيسرع أول شيء في الصباح إلى أمه يستأذنها ليعود إلى صعيده الجاهم، فقد ~~كان بحره وشقائه ووحشته أرفق به من فراغه إلى تلك الشجون، ومضت أيام الحر ثم أقبلت ~~بعدها أيام الخريف فالشتاء، وعاد إلى سرحاته بين الآثار الجليلة يحاول أن يسمو فيها على هذه ~~الحياة الصغيرة التي تحبسه في حدودها. # هكذا مرت به شهور عامه الثاني فالثالث بالصعيد، وطلع عليه الحر مرة أخرى فجأة كأنه انصب ~~في ليلة من أطباق السماء، ووقع بصره ذات صباح على إعلان في صحيفة أنباء عن لبنان ومباهجه ~~بعد أن فتحت إليه السبيل، فكأنه وجد ضالة كان ينشدها، فهو لبنان الذي يستطيع أن يجد فيه ~~ملجأ من حياته الرتيبة الموحشة، وهو الذي يبعد به عن الإسكندرية وشواطئها، فاستأذن في إجازة ~~شهرين وسافر إلى القاهرة ليقيم فيها أياما قبل سفره. # ولم يكن في حاجة إلى إطالة الاعتذار إلى أمه عن مفارقتها إلى لبنان وحده، فقد كان أحب ~~الأشياء إليها أن تراه سعيدا، ولم يكن لها أرب في السفر إلى قطر بعيد يقع من وراء بحر ~~فسيح. # ولما أعد عدة السفر وثب في الطائرة فوق شاطئ البحر الأبيض ورآه من تحته شطا ضئيلا يدرج ~~ظل الطائرة من فوقه كما تدرج ms098 النملة فوق مصور جغرافي، هذا هو البحر الذي تعيش علية إلى جوار ~~شاطئه مع زوجها صدقي! هذا هو الخط الضئيل من الرمال الصفراء التي طالما سار عليها تتقاذف به ~~الأهواء فحينا تتدفق فيه الحياة السعيدة وحينا تلفه ظلمة اليأس، وما كان أتفه ذلك الشاطئ ~~وهو ينظر إليه من أجواز السماء! # 14 # هبطت الطائرة في بيروت وصعد فؤاد في السيارة إلى الجبل فنزل في فندق يشرف على واد أخضر من ~~أودية لبنان الباسمة، ووقف في الأصيل على الشرفة يطل على الهوة التي تحته تنحدر إلى أعماقها ~~جريئة جبارة في درجات عالية كأنها سلاليم بنتها المردة العماليق. # كانت أشجار الصنوبر توشي السفح قائمة بعمائمها الخضراء فوق جذوعها الباسقة، وفي أسفلها ~~الكروم وأشجار الفاكهة تتكئ على جوانب الدرج طبقة تحت طبقة حتى تنتهي إلى قاع أسمر يتعرج ~~فيه جدول دقيق من ماء ضحل يلمع في آخر أشعة الشمس المائلة، وكان البحر يلوح من وراء الوادي ~~أزرق هادئا فسيحا يخدع البصر عن أعماقه فيخيل إلى الناظر إليه أنه بساط ناعم من مخمل، ~~وكان الجو رفيقا والهواء هادئا لا تخفق فيه ورقة ولا يتحرك عليه طائر، فأين العصافير ~~المزقزقة وأين البلابل الصادحة وهذه أعشاشها فوق غصونها خاوية؟ وانحدرت الشمس إلى الغرب ~~وامتدت الظلال في السفوح فرأى السحب ترنق في السماء بيضاء حمراء ذهبية، تترامى من بينها ~~أشعة الأصيل نحو البحر مثل فيض دافق، وخيل إلى فؤاد أن الكون معبد يتردد فيه ترتيل ~~مقدس، هذا هو لبنان الذي طالما حلم به، فلما رآه كان حلما في حلم، وشاع من حوله صفاء بعث ~~في نفسه شجنا لا مرارة فيه. # وذهب في تأمله إلى ما بعد وما قرب، وأحس للمرة الأولى منذ سنتين أنه نسي آلامه وعاد ~~يستجيب إلى طرب الحياة، وصعد إلى غرفته يحس دافعا علويا يبعثه إلى الصلاة، فتوضأ وصلى ثم ~~جلس حينا يقرأ من آيات القرآن. # ونزل بعد أن ساد الظلام إلى الشرفة فأجال بصره خلال حلقات المصطافين ولم يكونوا بعد قد ~~تزاحموا، وتمنى لو ms099 اندس في إحداها وخاض معها في أحاديثها، فقد كان قلبه ينبض خفيفا ~~متعطشا إلى الائتناس. # وكان البحر قد توارى في حجاب الليل وأخذ الوادي يتشح بعناقيد من أنوار الكهرباء تنبعث من ~~القرى المنثورة في قيعان الوادي وعلى سفوحه، فكأن تلك الأنوار قلائد من الماس تتلألأ على ~~صدر زنجية حسناء، ولله در شاعر الشام الأعمى كأنه أدرك ببصيرته ما يعجز عن وصفه المبصرون إذ ~~قال: # ليلتي هذه عروس من الزنج # عليها قلائد من جمان # ونزل فؤاد من الشرفة على سلم الفندق إلى ~~الطريق المنحدر نحو الوادي، ثم سار يقلب بصره عن يمين وشمال في جذوع الصنوبر وأغصان ~~الكروم الملتفة وما يتخللها من أعواد الأعشاب والشجيرات، وكان نور القمر الصغير ما يزال ~~خافتا لا يكاد يهديه سبيله، فأحس شيئا يشبه خيبة الأمل، فإن الأودية البديعة التي تبتسم ~~في ضوء النهار لم تخلق لسير الليل لمن أراد أن يسبح في السماء، فأين سحر وادي النيل ~~السهل الحبيب الذي يسحر اللب في مثل هذه الليلة الساكنة؟ أين جانب النيل في القاهرة والجيزة ~~حيث يسرح البصر في الحدائق الفيحاء يصعد حينا في شجر باسق ويصوب حينا في خمائل زهر باسم؟ ~~وأين الألوان التي تبعثها أرض السحر القديم فيما ينبت على ثراها وما يسبح في سمائها؟ ووثب ~~الخيال بفؤاد عائدا إلى الربوع التي أنس إليها وخطرت له خطرة من علية ذات الوجه النبيل ~~الذي ما زال يطل عليه من ثنايا ذكرياته باسما قاسيا، ولم يسر طويلا على سفوح الوادي إذ ~~كانت عيناه تصطدم في كل خطوة بظلمة من وراء ظلمة، وكانت صفحة السماء تبدو من وراء أضراس ~~الجبال قاسية مكشرة جامدة، فعاد إلى الفندق المرح حيث كانت الأنوار تسطع فيضا غامرا، ودخل ~~إلى البهو يتلفت بين الناس لعله يجد فيهم من يدعوه بنظرة، ولكن الحلقات الضاحكة كانت ~~منصرفة إلى الموسيقى الصاخبة قانعة بأنفسها، فلم تتجه إليه بنظرة إلا أن يرتفع رأس نحوه ~~يحسبه صديقا، ثم يرتد عنه مسرعا، وكان الراقصون يتواثبون في رشاقة مع الأنغام الصارخة ms100 ~~الجشاء، ولا يلتفت أحد منهم عن زميله إلا بمقدار ما يزهى بنصيبه على من يليه، أما هو فقد ~~كان وحيدا، وكانت الساعة قد بلغت العاشرة، فأحس شيئا من الاغتباط إذ فاته العشاء؛ لأنه ~~كان أعد فاكهة في غرفته لتكون عشاءه، إنها فاكهة لبنان. # ووقعت عينه في آخر البهو على أسرة رآها عند أول مقدمه، تقيم في الجناح الذي ينزل فيه، ~~فنظر رجلها إليه نظرة فيها تحية قصيرة فرد تحيته حانيا رأسه، ودعاه الرجل إلى الجلوس ~~صائحا بلهجته اللبنانية: «شرف»، والتفتت زوجته نحو فؤاد وتبسمت وأحنت رأسها في ظرف، ~~فذهب فؤاد إلى كرسي قريب وجلس عليه، ولم تمض إلا دقائق حتى كانوا يفيضون معا في شعاب ~~الحديث. # وكانت السيدة لبنانية يشع وجهها بشرا ونضارة، وهي شابة تبدو في الثلاثين، ولكنها ~~كانت - بغير شك - أكبر من ذلك سنا، إذ كان ابنها الأكبر في نحو الثامنة عشرة، وكان رب ~~الأسرة تاجرا من ثراة بيروت يأتي مع أهله في كل صيف إلى الجبل يقيم فيه بعض أسابيع ~~مستجما، وقد عرفت السيدة مصر وزارتها مرارا في صباها ولها فيها أهل وأصدقاء، وما أظرف ~~أهل لبنان إذا ما تحدثوا عن مصر إلى أهل مصر، لقد خيل إلى فؤاد وهو يسمع حديثها أن بلاده ~~جديرة بأن يهب لها من حبه أسمى مما يهب لها لو كان في استطاعة قلب البشر أن يجد في الحب ~~موضعا أسمى، واتجه حديث السيدة إلى من عرفت من أهل مصر ومن جاء منهم إلى لبنان في ذلك ~~العام، وكانت تتحدث في حماسة عما رأته من مباهج القاهرة والإسكندرية وتطيل في وصف ~~مغانيهما، وكان السيد منصرفا بنظره إلى حلقة الرقص، فجرى الحديث بين فؤاد وبين السيدة ~~كأنهما صديقان حميمان. # ومنذ تلك الليلة الأولى صار فؤاد كأحد أفراد أسرة السيد عبد الله بطرس، فكان معهم على ~~المائدة وفي البهو، وكثيرا ما كانوا يجولون معه بين القرى الجميلة، فيزورون أركانا ما ~~كان يستطيع فؤاد أن يهتدي إليها لو سار وحده، ومر أسبوعان أحس فؤاد بعدهما ms101 أن نفسه تسفر بعد ~~غيمها وجسمه يتعافى بعد سقمه وتدب إليه القوة، وزالت وحشته وصار لا يذكر آلامه إلا كما ينظر ~~الآيب من سفر إلى الأفق الذي خلفه وراءه، وجلس في الصباح يوما على المائدة ينتظر نزول ~~أصحابه ليفطروا معا، وكان منظر الوادي يتفتح تحت أشعة الشمس المشرقة فتبدو منه قطعة بعد ~~قطعة كأنه يتحرك فاترا بعد نوم عميق، وانصرف إليه يدس بصره في شعابه وبين أشجاره ويتنفس ~~من الهواء الذي طالما سمع أنه يجلو الصدر، فلم يشعر بمجيء السيدة حتى سمع صوتها المرح يحييه ~~تحية الصباح، فقام يستقبلها ورأى في نظرتها بسمة وهي تقول: لقد أتى إلى هنا بالأمس أصدقاء أعزاء، وإنه ليسرك أن تعرفهم بغير شك. # ولم تنتظر حتى يسألها عن هؤلاء فمضت في حديثها تصفهم قائلة إنهم أصدقاء قدامى عرفتهم من ~~سنين حتى كأنهم صاروا أهلها، وأشارت برأسها في تجاه أقصى الشرفة قائلة: «انظر إلى ~~هناك». # فنظر فؤاد إلى حيث أشارت، فرأى سيدتين وثلاثة أطفال، وكانوا في الطرف الأقصى من الشرفة ~~المزدحمة، وقد صفت فيها الموائد وعليها أكواب القهوة والشاي وأوعية الزيتون واللبنية ~~والزبد، وكان الخدم يتسارعون في تلبية كل نداء فلم يستطع فؤاد أن يتبين من السيدتين سوى ~~صفحة وجه إحداهما، إذ التفت لفتة سريعة إلى الأطفال الذين يتواثبون حولها. # ولكن شيئا في هيئتها استرعى نظره كأنه قد سبق له أن رآها. # وسألته السيدة: أما تعرفهما؟ # فقال في تردد: لا أظنني أعرفهما، وإن كان يلوح لي من إحداهما شبه أتذكر منه صورة مبهمة. # فقالت السيدة: هي أسرة ثري من ثراة الإسكندرية اسمه مصطفى بك سري! # فكاد فؤاد يثب من مقعده ومد عنقه متطاولا، إنها - بلا شك - أمها، هي أم علية نفسها، ~~وأما الأخرى فلم تسبق له رؤيتها. # وقال محاولا إخفاء اضطرابه: أظنني أعرف هذه الأسرة. # وسأل نفسه في لهفة: «وهل علية معهما؟» وود لو تحدثت السيدة فأفاضت ليسمع منها ~~ذكرها. # فأخذت السيدة تتحدث عن الأسرة وكانت تعرف الكثير من خبرها، وعجب فؤاد كيف جمعت كل هذه ms102 ~~الأخبار في يوم، وما كان أظرف تألفها وثرثرتها، ثم نطقت أخيرا بما كان فؤاد ينتظر منها ~~فقالت: كانت ثريا هذه التي تراها فتاة صغيرة عندما رأيتها هنا قبل الحرب، ألا ترى كيف تزوجت ~~وصار لها ولدان؟ ألا ما أظرفهما! وأما هذا الطفل الأشقر الثالث فهو ابن أختها علية التي لم ~~أرها منذ كانت صبية هكذا. # وأشارت بيدها لتدل على صغرها. # فنطق فؤاد بغير وعي: أهي هنا معهما؟ # فنظرت إليه السيدة في شيء من الدهشة وسألته: أتعرفها؟ # فأدرك فؤاد خطأه وقال وهو يستجمع نفسه: نعم؛ لأني أعرف أسرتها. # فهزت السيدة رأسها أسفا وقالت: مسكينة علية! إنها صغيرة! # ولم يستطع فؤاد أن يسألها في لهفة كما هم في نفسه أن يسألها: «ولم تكون علية مسكينة؟ علية المرحة الضاحكة القاسية؟!» # وأخذت السيدة تتحدث وهو مصغ إلى قولها بجميع حواسه يعلل نفسه بأنه سوف يراها، وذهب ظنه ~~مذاهب شتى فيما أصابها، حتى جعل السيدة ترثي لحالها، فهل مات أبوها؟ ولم تكون هي المسكينة ~~وحدها؟ أم جدت عليها أحزان أخرى مما يصيب مثلها؟ أكانت مسكينة من أجل زواجها؟ # أليست هي التي اختارت زوجها وآثرته عليه ووجدت فيه قصارى أملها؟ وعلق نظره بأبواب الشرفة ~~لعله يرى وجه علية يطلع من أحدها، فما كان أشوقه إلى أن يراها ويحدثها ويعاتبها وإن كاوح ~~قلبه وجحده قسرا، ولقد ود لو جلس إلى جانبها يشاركها همومها ويواسيها فيما جعل السيدة ~~ماري ترحمها، وكان حديث السيدة عنها متقطعا بين توزيع الشطائر وصب الشاي وملاحظات تبديها ~~بين حين وآخر على قادم جديد أو جالسة على مائدة أخرى، ولكن قصة علية كانت مثل خيط لامع يبرق ~~في ثنايا حديثها فلا يكاد فؤاد يسمع سوى ما يتصل بها، يلتقطه كأنه يسل خيطا من الحرير في ~~لفائف معقدة، ومع ذلك فإنه لم يخل من شعور يشبه أن يكون ارتياحا عندما علم أن علية لم تكن ~~سعيدة في زواجها، علم أن زوجها عنيف جشع كما تصوره، لا يحرص على شيء إلا على أنها ابنة ~~الثري الغني ms103 الذي سوف يترك وراءه ثروة كبرى ترثها علية لكي يتمتع هو بها، وما كان مثل هذا ~~الفتى الأنيق المعجب بنفسه ليقدر على أن يضم أضلاعه على حب مثل حبه المصفى، ولا أن يعرف قدر ~~علية مستقلة عن كل ما عداها، بل لقد كان شعوره يشبه أن يكون شماتة لم يستطع أن يقاوم ~~الاسترسال فيها حينا؛ لأنها فضلت صدقي عليه ولم تستطع أن تتغلغل إلى ما تحت ظاهره الخادع، ~~كما تنخدع الغريرات بمظاهر أمثاله من الشبان، فهي تلقى جزاء قلة بصرها وسوء ~~اختيارها. # ولكن ما كادت السيدة تفرغ من الحديث حتى تبدل شعوره فانقلب انقباضا وحزنا، وذهبت عنه ~~الشماتة الكالحة، وحل في مكانها الرثاء والرحمة، ثم لمح في أعماق نفسه أمنية غامضة كما ~~يلوح وميض النار من خلال الرماد، أتزول العقبة التي تفصل بينه وبين علية ويختفي ذلك الشاب ~~من بينهما فجأة كما ظهر بينهما فجأة؟ ولكن أكانت علية ترضى بذلك لو حدث وتقبل عليه باسمة ~~سعيدة؟ # ولما فرغوا من الإفطار ذهب فؤاد مع السيدة ماري إلى الأسرة ليقدم تحيته إليها، وكان أحد ~~الأطفال ابن علية، يدرج في أول مشيه، وكان له وجهها وعيناها الزرقاوان وشعرها الأشقر، ~~وتبسم الطفل إلى فؤاد وهو يقبله وأنس إليه ذلك الأنس الذي يملأ به الأطفال القلوب ~~انشراحا. # ولكن علية لم تنزل إلى الشرفة في ذلك الصباح، فقد أتعبها السفر وآثرت البقاء في غرفتها، ~~وتمنى فؤاد لو دعته أمها أو أختها إلى عيادتها، ولكنهما استأذنتا بعد قليل وصعدتا وحدهما ~~بعد أن حملهما فؤاد تحيته إليها. # ولما بقي وحده عاد إليه ما كان يعتريه من ضيق ووحشة بعد أن خيل إليه أنه قد شفي ~~منهما، وخشي أن يطول عليه يومه إذا هو قضاه في الفندق ساكنا، وهو يعلم أن علية تقضي اليوم ~~كله في غرفتها، وما كان ينبغي له أن يقبع في ركن الشرفة طول يومه متلهفا إلى ~~رؤيتها. # فأخذ سيارة إلى بعلبك لزيارة معبدها القديم، وسار حينا في سهلها الأحمر الفسيح الأجرد، ~~يحاول أن يصرف نفسه ms104 إلى التفكير في المناظر التي حوله لعل ذلك يشغله ويهون عليه انتظار يومه ~~حتى يعود إلى الفندق في المساء، وكان منظر الإقليم شبيها بما ألف من مناظر مصر، وكان أهله ~~قريبين إلى البدو من قومه، فكان يحدث نفسه في مدة رحلته عن هذه البلاد التي تمزقت قطعا ~~كما يتمزق البدن في أشلاء متناثرة، وكل قطعة منها تعيش وحدها في رقعة صغيرة لا تكاد تغني ~~شيئا في حياتها، وقد قنع أهل كل قطعة منها بما هم فيه واغتروا بأسماء ينخدعون بها أو ~~يخدعون أنفسهم بسحرها، فما ذلك الاستقلال الذي يتلقفه الناس خرافة عن القدماء؟ # ما معنى ذلك الاستقلال الممزق إذا كانت الأمم لا تجد في أرضها ما يدعم وجودها؟ # إنها خرافة خلفها القدماء يوم كانوا في أيام فطرتهم الأولى، ثم تلقفها أهل الجدل وسخفاء ~~الرأي الذين أوغلوا في طلب الحرية حتى مرقوا منها. # فإن الأمم تتجمع اليوم في كتل كبرى لتكفل الحياة لأنفسها وما هذه الأرض الفسيحة التي تمتد ~~من حدود الترك إلى وسط أفريقيا والتي تمتد من بحر الهند إلى بحر الظلمات سوى أجزاء يتم ~~بعضها بعضا، وليس من بينها من فرق المكان والأرومة مثل ما بين شرق أمريكا وغربها أو شرق ~~روسيا وغربها. # ولو كانت الفرقة التي بينها من صنع الغير لكان عذر هذه البلاد أنها مغلوبة على أمرها، ~~ولكن الفرقة آتية من قبل باطنها، ففي كل رقعة منها فرقة تنظر إلى نفسها ولا تعبأ ما يكون من ~~أمر بلادها ما دامت تفوز بالسيادة في أفقها الضيق، ألم تكن هذه حال الأندلس قبل زوالها إذ ~~كان لكل مدينة منها أمير للمؤمنين ومنبر؟ ظل هكذا فؤاد يحدث نفسه حتى عاد إلى الفندق في ~~المساء، ووثب قلبه عندما رأى علية على الشرفة تطل على الوادي ساهمة والأطفال يسعون من ~~حولها كفراخ القطا، وكان وجهها مصفرا فيه أثر من هزال، ولكن ما كان أصفى لون عينيها! وما ~~كان أبدع قسمات وجهها! # لقد كانت هي علية التي رأى صورتها أول مرة في مرسم ms105 أخيها، صورة الراهبة في الثياب البيض! ~~أهذه الصورة الوديعة هي التي اختارت «صدقي» وآثرته عليه وغرها لألاء مظهره؟ أهاتان العينان ~~الزرقاوان الصافيتان هما اللتان لم تستطيعا النفوذ إلى أعماقه لتبصرا ما هناك من حب صاف؟ ~~أم كان هذا كله من صنع خياله ولم تكن علية سوى أنثى من الحيوان فاختارت من استطاع أن يشق ~~طريقه إليها في قوة غير متردد؟ أكانت زلة منها أم هي زلة منه أم هي عبثة من عبثات المقادير ~~التي تحمل البشر في تيارها كما يحمل تيار النيل العود الضئيل الذي رآه من قبل؟ واستقبلته ~~علية مرحبة به ترحيبا مخلصا صريحا، ولكنه رأى في عينيها بسمة حزينة خيل إلى عقله ~~المرتبك أنها تحمل معنى الاعتذار. # وشكرته علية على تحيته وسؤاله عنها، ثم أخذت تتحدث عن الجو ومنظر الوادي وجلالة الجبال، ~~وحاول فؤاد أن يتماسك في ارتباكه، ويبحث عن مسيل سهل للحديث، ولكنه وجد أبواب الحديث مقفلة ~~دونه إلا بابا واحدا كان يود لو اقتحمه فيسألها عن نفسها وعن حياتها وعن آلامها، وشعر ~~بارتياح عندما أتت السيدة ماري فملأت المجلس مرحا وضحكا، ولكن ما كان أعظم الفرق بين ~~صوتها وبين صوت علية! # ولم تلبث علية أن أقبلت على السيدة مستجيبة إلى حديثها المرح، فانفرجت أساريرها وعاد إلى ~~وجهها شيء من لونه القديم، واستطردت السيدة في حديثها تسأل علية عن أخبارها، فعلم فؤاد في ~~تلك الساعة كثيرا مما كان يود أن يطلع عليه، فعرف أن زوج أختها ثريا سيأتي بعد أسبوع، ولكن ~~«صدقي» سيتخلف في مصر لقضاء أمور لا تحتمل التأجيل، وأما سعيد فإنه قد سافر إلى إيطاليا؛ ~~لأنه لا يطيق سكون لبنان، إذن سيتخلف صدقي في مصر وستكون علية وحدها فيستطيع أن يراها كل ~~يوم في مجلسها، وقد يجد الفرصة أحيانا ليجلس إليها وحدها. # وعادت إلى قلبه تلك الأمنية التي تسللت إليه عندما سمع بشقائها في زواجها، فإنه ما زال ~~حرا فارغا لها لا ينتظر إلا أن تزول العقبة التي تحول بينه وبينها. # ولكن أكانت هي ترضاه ms106 لو عاد إليها؟ أما كانت هي التي اختارت زوجها عليه أول مرة ولم تستجب ~~إلى نداء قلبه المخلص الذي كان يصيح بها كلما رآها؟ فما الذي يمنعها إذا هي فارقت زوجها أن ~~تعيد الكرة وتختار فتى آخر تؤثره عليه مرة أخرى؛ فتزيده شقاء على شقاء وتجرح عزته وتدمي ~~قلبه وتزيده عزوفا عن الحياة؟ # 15 # مضت الأيام سراعا حتى كاد الأسبوع ينقضي، وخشي فؤاد أن يأتي زوج ثريا فيبدو للأسرة ~~التنقل في أركان الجبل على عادة المصطافين، وما كان ليجرؤ على تعقبهم فيما يذهبون إليه من ~~القرى، ولم يظهر له من علية في تلك الأيام شيء يدل على تبرمها بحياتها سوى بعض إطراق وصمت ~~كانا يعتريانها، فكانت أحيانا تنطوي على نفسها فلا تشارك في الأحاديث، ولا تطرب إلى شيء من ~~المرح، وتشرد بنظراتها كأنها تسرح في عالم بعيد، ولكنها مع ذلك كانت تأنس إلى فؤاد كلما ~~رأته ولا تتردد في أن تطلب إليه أن يؤدي لها بعض خدمات ضئيلة، وتطلب منه ذلك في يسر طبيعي ~~كان يقع منه موقعا مسعدا. # وفي تلك الأيام فاز فؤاد بثقة ولدها الأشقر الظريف، فكانت علية تبتسم مرتاحة كلما رأته ~~يفتح له ذراعيه فيثب الطفل بين يديه ويضحك مكركرا إذا رفعه فوق رأسه مداعبا. # وفي آخر يوم من الأسبوع أرادت علية أن تنزل إلى بيروت لتشتري بعض ما تحتاج إليه لنفسها ~~ولولدها، وعهدت إلى فؤاد أن يستأجر لها سيارة، فكان من الطبيعي أن يعرض عليها صحبته ليكون ~~في خدمتها، ولعلها كانت تنتظر منه هذا فقبلت شاكرة، وكانت تلك هي الفرصة التي تمنى فؤاد ~~سنوحها في خفي ضميره. # وكان يوما من أواخر يوليو وقد أخذ الجبل يزدحم بالوافدين وسالت الطرقات بالسيارات صاعدة ~~هابطة فوق منحدرات الجبال، تكتنفها جدران الصخر من جانب ومهاو سحيقة القرار من جانب آخر، ~~وكان السائق شابا جريئا فكان يهوي على السفح كأنه يعرف قياس أبعاد الطريق أصبعا أصبعا، ~~فقالت علية في بعض هذه الليات العنيفة: أحمد الله على أنك معي يا فؤاد، فقد ms107 كادت هذه السيارة تخلع قلبي. # وطرب فؤاد لقولها وأخذ يحدثها عن الأودية التي شاهدها في جولاته مع أسرة السيد عبد الله ~~بطرس، وعن عيونها وما يتحدث به الناس عن خصائصها العجيبة في شفاء الأمراض المستعصية فشغلها ~~بحديثه عن منعرجات الطريق ومخاوفها، حتى بلغت السيارة بيروت، وتبدل الهواء فصار بعد ~~لطافته كثيفا، وبعد اعتداله حارا ثقيلا حتى بلغوا سرة المدينة في زحمتها وضجتها كأنها ~~ركن من أركان الإسكندرية القديمة. # كانت مجالس الناس كالعناقيد على المقاهي كما هي في مصر، وكانت هناك الحوانيت الضيقة ~~والمركبات البطيئة، والناس إذ يتحدثون والملابس والألوان والصيحات راضية وساخطة، كانت كل ~~هذه مناظر عهد فؤاد وعلية مثلها في مصر، فكانا يعجبان ما الذي يفصل هذه البلاد بعضها عن بعض ~~ويقطعها قطعا وما هي سوى رقعة خلقها الله لتكون واحدة؟! # وقضيا في المدينة صدر اليوم كله، ثم مالا على فندق مطل على البحر ليتغديا فيه، وأخذ ~~الحديث يجري سهلا غير منقبض، فأعاد إلى فؤاد ذكرا من أيامهما بالإسكندرية، وخيل إليه ~~أن علية كانت تود لو وجدت وسيلة إلى الإفضاء إليه بمكنون أشجانها، ولكنها كانت كلما بدأت في ~~شيء من ذلك ترددت ونكصت، ولم يجرؤ فؤاد على أن يبدأها بسؤال؛ خوف أن يكون فيه اقتحام لما ~~تؤثر إخفاءه. # ثم تجرأ آخر الأمر فقال لها: أأنا واهم يا علية إذ أرى عليك أثرا من هم؟ # وترددت علية في الإجابة فمضى فؤاد قائلا: إنه فضول مني أن أسألك مثل هذا السؤال، ولكني أعتمد في جرأتي على إخلاصي ومودتي. # فرفعت رأسها وقالت في حرارة: بل هو تفضل منك يا فؤاد أن تسألني سؤالك هذا، ولقد شكرت الله منذ رأيتك هنا، كأنه ~~أراد أن أجد في هذه الجبال النائية صديقا أستطيع أن أثق بمودته فأفضي إليه بما ~~عندي. # فقال فؤاد مرتاحا: إنني سعيد يا علية إذ أعرف أنني ما زلت عندك صديقا. # فقالت علية: أتشك في معزتك عندنا؟ لقد كنت دائما أنظر إليك كما أنظر إلى أخي. # ووثب قلبه عند ذلك وأعاد قولها ms108 في نفسه كئيبا، إنها لا تنظر إليه إلا كما تنظر إلى ~~أخيها. # وأطرق يفكر في الأحلام البعيدة التي غرق فيها حينا في الإسكندرية إذ كان ينعم بسعادة من ~~الوهم يتخيلها في نظراتها وبسماتها. # كان يخيل إليه عند ذلك أن نظراتها تتحدث أحيانا إليه عاطفة وتناجيه قائلة: «هذه الحياة ~~لنا»، ولكنها كانت في كل ذلك تنظر إليه كما تنظر إلى أخيها. # وقالت علية عندما طال إطراقه: أرجو ألا أكون قد تعثرت في قولي لك كما كانت عادتي أن أتعثر في القول معك، إنني لا أقدر ~~على وزن ألفاظي كما تزنها أنت ولا أدرك منها ما تدرك أنت بذكائك، لقد كنا نقضي الساعات أنا ~~وأخي نتحدث عنك، وكانت أحاديث أخي تجعلني أسأل نفسي كلما خلوت إليها بعد زيارتك عما عسى ~~أكون قد تعثرت فيه في حديثي. # ولكني كنت دائما أجدك تغفر لي عثراتي. # أنا حائرة يا فؤاد ويزيد من حيرتي أنني تعودت في هذه الشهور الطويلة التي مضت بي أن أنطوي ~~على آلامي قانعة بمناجاة شجوني حتى كأنني أغلقت نفسي على نفسي. # وكانت تقول كلماتها متقطعة تقف بين كل عبارة وأخرى، كأنها تريد أن تزن كل حرف منها، وكان ~~فؤاد ينتظر ألفاظها وتدور في داخله أحاديث طويلة حول كل لفظ منها. # وقال لها في عطف: هذا ما أدركته منذ أول نظرة عند لقائنا، وهذا ما بعث إلي القلق، ودفعني إلى أن أسألك ~~سؤالي. # فأجابت: لست أعرف كيف أعبر لك عن شكري، ولعل هذه الأيام قد ردت إلي بعض اطمئناني عندما رأيتك ~~إلى جانبي. # وصمتت حينا ثم قالت: ما كنت أحسب أن الحياة تغير ألوانها تحت نظري في مثل هذه السرعة، ولكن ... ماذا أقولك ~~لك؟ # وكان فؤاد ينظر إليها عاطفا وهي تتحدث، وهم مرارا بأن ينطق ليحثها على الإفضاء بما ~~عندها، ولكنه كان لا يجد من الألفاظ ما يصلح لأن يعبر به عن مشاعره. # وقالت بعد صمت آخر: أرى كأنك تمنع نفسك عن القول يا فؤاد، ولست أدري لعل ذلك ذنبي أنا، فاسألني ms109 عما بدا لك ~~فقد يساعدني سؤالك على أن أجد الموضع الذي أحتاج إلى الإفضاء به ، حدثني بما شئت فإن حديثك ~~يتيح لي فرصة التنفيس عن آلامي. # فقال فؤاد عاطفا: ليتني أقدر على أن أحمل عنك آلامك يا علية، ولست في حاجة إلى أن أقول لك: إنني لا أجد ~~سعادة أكبر من أن أشعر بأنني جدير بثقتك. # فقالت علية: دعني أخفف من آلامي بكشف ما في نفسي، لقد كانت حياتي في هذه الشهور الأخيرة ~~جحيما. # ودمعت عيناها فأدارت وجهها ومسحتهما، ثم قالت بعد لحظة صمت: كان صدقي في أول الأمر رفيقا عاطفا موافقا، كان لا يدع فرصة لا يظهر فيها من شخصه ~~جانبا جديدا لامعا، حتى خيل إلي أنه الرجل الوحيد الذي يستجيب إلى ندائي، ومع ~~ذلك. # ثم أطرقت حينا صامتة مترددة. # فنظر إليها في لهفة وأطرق صامتا، ألا ما أشدها عليه من ذكرى! # ورفعت رأسها بعد حين وقالت: إنني أحس نوعا من الخوف كلما أردت أن أجهر بما يجول في نفسي، ولكني مع ذلك لا أريد أن ~~أخفي عنك شيئا، لقد كنت مع كل ما بدا لي من صدقي أحس في قرارة قلبي شعورا غامضا بأنني ~~مقبلة في زواجه على أمر خطير يشبه المغامرة، أمر غامض مبهم لم أستطع تحديده أو إدراك ~~حقيقته. # وصمتت مرة أخرى مترددة، فلما بدأت تتحدث بعد ذلك كانت تقلع الألفاظ واحدا بعد واحد كأنها ~~تحمل نفسها على الحديث قسرا، وقالت: وكنت كلما حدثت عنه نفسي خالية لا أملك أن أرى ومضات خفية كأنها نذر عاصفة بعيدة، ولكني ~~مع ذلك مضيت في سبيلي كأن تيارا قويا يجرفني. # وحولت بصرها إلى البحر فنظرت إلى الأفق البعيد ساهمة، وأحس فؤاد عند ذلك حزنا يغمره، ~~بل لقد عاد إليه حنقه القديم على نفسه إذ اتهمها بأنها قد جنت عليه كما جنت عليها، وتذكر ~~كيف كان يلقاها ويتحدث إليها ويخرج معها إلى المنازه، ثم كيف كان يكبح ما في نفسه فلم ~~يبح لها مرة بحبه، بل إنه لم ينطق لها ms110 بكلمة تنم عن حبه لها زاعما لنفسه أن مناجاة الحب ~~أرخص من أن يسوقها إليها . # كان يوهم نفسه بأن حبه القوي لن يلبث أن يصل إلى قلبها بغير حاجة إلى لفظ يقلل من صفائه ~~وصدقه وقوته، أما كان في ذلك غبيا أحمق يهيم في خيال سخيف؟ أما كان يعيش في عالم بعيد في ~~عصر سحيق عندما كانت القلوب في حجاب كما كانت الوجوه تتستر بالحجاب؟ وإلا فكيف ترك ذلك ~~الفتى الجريء يتودد إليها ويحدثها ويزوق لها ألفاظ الإعجاب حتى جرف قلبها في تياره كما ~~تقول؟ أما كان هو الجاني على نفسه وعليها؛ إذ أخفى قلبه عنها وبالغ في صمته خوف أن يتعثر في ~~لفظ أو يدنس حبه العلوي بما ينم عن رغبة؟ ألم يكن ذلك منه جبنا وجمودا استحق من أجلهما ~~حرمانه من السعادة التي كان ينشدها؟ ها هي ذي أمامه تنطق صريحة بأنها قد أخطأت؛ لأن ألفاظ ~~صدقي قد جرفتها في تيارها، ولو أنه أسمعها ألفاظه التي تعبر عن حبه الصادق لما استطاعت ~~ألفاظ صدقي المزوقة أن تجرفها. # وكاد في تلك اللحظة يتدفق معتذرا عن تقصيره مفصحا عما أطال كتمانه من حبه لها، ولكنه ~~بقي صامتا ولم يجرؤ على النطق إلا أن قال وهو يجمجم اضطرابه: لست أستطيع أن أصف لك ألمي من أجلك يا علية، ولكني أضع بين يديك مودتي ونصحي، فأحب أن ~~أسألك سؤالا. # وعادت الأمنية الأولى فلمعت في أعماقه مرة أخرى. # أيمكن أن تزول العقبة التي قامت بينهما؟ # وكاد يجمع شجاعته، فيسألها لم اختارت ذلك الزوج دونه؟ وكيف لم تحس بما كان في قلبه من ~~الحب وإن لم يفصح لها عنه؟! # ولكنه سمعها تقول: أحب أن تسألني سؤالك، سل ما بدا لك، ولا يخامرك شك في ثقتي. # فقال فؤاد كالمعتذر: هو سؤال جريء بغير شك وقد يكون سؤالا سخيفا، ولكني لن أتردد فيه لأن عليه يتوقف كل ~~ما بعده من إسداء نصحي، أتحرصين على صدقي؟ # فنظرت إليه في شيء من الدهشة كأنها لم تتوقع منه ذلك ms111 السؤال، وأطرقت حينا ثم رفعت رأسها، ~~وعلق فؤاد أنفاسه ليسمع جوابها. # والتفتت إلى ولدها وقالت بصوت خافت: من أجل ولدي! ثم رفعت منديلها فمسحت عينيها. # فكاد يصيح قائلا: «إنك تخدعين نفسك يا علية، أنت تحبينه ويزداد حبك له كلما قسا عليك»، ~~ولكنه ملك زمامه قسرا فلم يجب بحرف، وأخذ طفلها بين يديه يقبله ويداعبه. # وتغديا معا في شرفة الفندق، وأخذ الطفل يثرثر في لغته الظريفة، فانصرف الحديث إليه في ~~أثناء الغداء، فهدهد ذلك من نفسيهما، فلما جلسا يرشفان القهوة بعد الغداء أخذ فؤاد الطفل ~~وضمه إلى صدره، وجعل يداعبه والطفل يمد إليه يده فيعبث بشاربه حينا ويجذب طربوشه حينا، ~~فوضع فؤاد طربوشه على رأس الطفل حتى غطى عينيه ثم رفعه قائلا: أنداء! # فضحك الطفل مكركرا ومد يده إلى الطربوش يستعيد المداعبة مرارا. # والتفت فؤاد إلى علية وهو يضم الطفل إلى صدره، فرآها تنظر إليه نظرة فيها ثقة لا حد لها، ~~وفيها عطف صريح ساذج كأنه من ضوء الشمس، وتقابلت عيناهما في نظرة طويلة كأنهما تتبادلان ~~حديثا خفيا، وبرقت له عند ذلك مشاعر جديدة لم يحس مثلها من قبل ولم تخطر له منذ وقعت ~~عينه عليها، كان دائما يراها فتاة مثقفة نبيلة الطبع فاتنة الحسن رقيقة النغمة مرهفة الحس، ~~يتمنى لو شاركته حياته فتخرج به من عزلته وعزوفه وسذاجته فتصقل حياته وتدخل إليها مرحها ~~وأناقتها، ولكن تلك المشاعر الجديدة برقت له كأنها وميض كوكب الزهرة إذا قارنت الهلال، ~~فألقت في روعه سلاما ومودة من نوع لا تشوبه شائبة من أنانية، أفما كان يستطيع أن يجد سعادة ~~أسمى من سعادة الحب في أن تكون علية صديقته على رغم الحائل الذي يقوم بينهما؟ ألم تكن تلك ~~المودة الصافية أبقى وأسمى متعة من محبة الأجساد التي تزول وشيكا ويعتريها الاكتفاء ~~والسآمة؟ # وقال لها في أعقاب نظرته الهادئة الطويلة: ماذا ترين يا علية في أن أتدخل بينكما؟ # فأجابت في دهشة: تقصد بيني وبين صدقي؟ # فأومأ برأسه منعما وابتسم. # فسكتت علية مطرقة حينا، وانتظر جوابها متشاغلا ms112 بمداعبة طفلها. # وكان جوابها مترددا، ولم تخف على فؤاد ما فيه من لهفة إذ قالت : لست في حاجة إلى إذني يا فؤاد إذا رأيت أن ذلك التدخل مستحسنا. # فقال فؤاد متمتما: أنا سعيد بهذه الثقة. # وأضافت علية: ولكني لست أدري إذا كان ذلك التدخل يجدي. # وجاشت نفس فؤاد إذ تأمل موقفه الجديد منها، أهذه الثقة أحب إليه أم أحلامه ~~الأولى؟ # وسألها: أحقا قد تخلف صدقي لقضاء شئون لا تحتمل تأجيلا كما قلت للسيدة ماري؟ # فاحمر وجه علية عندما قالت: وماذا كنت تنتظر مني أن أقول للسيدة عندما سألتني؟ أكنت أستطيع أن أقول لها إنه ذاهب ~~وحده إلى فرنسا؟! # فقال فؤاد في دهشة: وهل سافر؟ # فأجابت علية في حنق: هو ينتظر حتى يتم إعداد عدته للسفر مع بعض أصدقائه، إن هذه الجراح تزيدني ألما إذا ~~تعرضت للأنظار. # وتوقفت قليلا ثم أضافت: إلا إذا كشفها الجريح إلى صديق. # فقال في دفعة: سأرسل إليه برقية ليأتي إلينا هنا. # فأجابت في شبه يأس: أتحسبه في مثل هذه السهولة؟ # فقال في ثقة هادئة: لن تضر محاولتي وستكون البرقية باسمي أنا. # وكان يدرك بإلهامه أنه إذا بعث تلك البرقية إلى «صدقي» فإنه سوف يبادر في أول طائرة إلى ~~لبنان. # كان يدرك في أعماقه أن ذلك الشاب على ما فيه من غرور بنفسه لا يستطيع أن يغفل عنه وهو مع ~~علية في لبنان. # وهزت علية رأسها في شك وقالت في شيء من المرارة: لست أظن أنه يعبأ بشيء سوى ما ينتظره في باريس. # فتبسم فؤاد قائلا: هي محاولة. # وكان يقول في نفسه: «بل أنا واثق أنه سيأتي». # وقضيا سائر اليوم في جولتهما بالمدينة، وعرج فؤاد على مكتب البرق، فبعث إلى صدقي يدعوه ~~باسمه أن يحضر سريعا. # ولما عادا إلى الفندق في ذلك المساء كانت علية مرحة نشيطة وقضت مع الأسرة صدر الليل في ~~مجلس الشرفة، حتى إذا انصرف الجميع إلى مخادعهم بقيت مع فؤاد يتحدثان أحاديث لا ينضب ~~معينها، وكانت ليلة قمراء هادئة الهواء دافئة، وجموع المصطافين ms113 في داخل البهو يستمتعون ~~بعيدا عنهما بضجيج موسيقى الجاز إلى ما بعد منتصف الليل. # ولما أوى فؤاد إلى مخدعه في تلك الليلة أحس بالسلام يغمر قلبه، ولم يمض إلا يومان بعد ذلك ~~حتى جاء صدقي على طائرة، فبلغ الفندق في نفس اليوم الذي جاء فيه زوج ثريا أخت علية. # وكانت الأسابيع الأخيرة التي قضاها فؤاد في لبنان من أسعد ما مر عليه في الحياة، كان ~~يتنقل مع علية وأسرتها في أكناف الجبل، فيقيمون حيث يحلو لهم أن يقيموا، حتى إذا ما بدأت ~~السآمة تدب إليهم بادروا إلى الانتقال إلى موضع آخر يختلف عما كانوا فيه، فكانوا أحيانا ~~يصعدون إلى آلاف الأمتار فوق البحر فيذوقون به برد الشتاء في قلب فصل الصيف، ويقتربون من ~~مواطن شجر الأرز الذي شهد في حياته طوال القرون، ثم يصوبون إلى أغوار الأودية في جوار ~~العيون الصافية وظلال الكروم الدافئة، فكانت الأيام كلها ملأى يجعلون لليوم خطته قبل أن ~~يطلع عليهم، حتى إذا ما استمتعوا به رسموا خطة أخرى ليوم جديد، وعادت علية إلى هوايتها، ~~فكانت تختار من المناظر أبدعها فترسم خطوطها العامة في محاور أولى، وتؤجل إتمامها حتى تعود ~~إلى القاهرة عندما يكون سعيد إلى جانبها ... ومن العجيب أن صدقي تغير في تلك الأسابيع تغيرا ~~لم يكن منتظرا، فكان يسبق إلى الاستجابة إلى كل رحلة ويمد يده إلى كل خدمة، ويشارك في ~~إشاعة المسرة في كل منزل تنزله الأسرة، وكان كلما رأى علية تصور منظرا جمع الأسرة فأخذ لها ~~صورة فوتوغرافية يسجل فيها ما كان يسميه «اللحظات السعيدة»، وكان فؤاد أشد الجميع عجبا من ~~تغيره؛ إذ وجد منه مودة صريحة لم يكن يتوقعها، كأنه قد حفظ له حسن صنيعه في إصلاح ما بينه ~~وبين علية، ولم يكن عجب فؤاد من صدقي بأقل من عجبه من نفسه كلما خلا إليها وتأمل أعماقها، ~~كان عندما عرض على علية أن يبعث في طلب صدقي يطيع عقله ويندفع مع حماسة طارئة بعثها فيه ~~حديثه مع علية عندما حركه حزنها ms114 ودفعته ثقتها إلى أن يسمو فوق حبه وأنانيته وحنقه، ولما ~~سألها سؤاله: «أتحرصين على صدقي ؟» وسمع قولها: «من أجل ولدي!» جرفه فكره فأنساه كل شيء سوى ~~أنه أمام أم تثق فيه مثل أخ لها، فلا ينبغي له إلا أن يكون عند ثقتها. # فلما مضى ذلك اليوم واضمحلت تلك السورة عادت إليه الشكوك وكاد يلوم نفسه على أنه فرط في ~~حق نفسه وفي حقها مرة ثانية، فساعد على إعادتها إلى ذلك الزوج الذي لا يستحقها. # ولكنه منذ عاد صدقي ورأى كيف عاد البشر إلى علية وكيف تغير ذلك الزوج كأنه يكفر عن ~~زلاته الماضية، بدأ يحس نوعا جديدا من السعادة أفسح مما كان يخيل إليه، أحس أن المودة ~~الصافية التي جمعت بينه وبين علية تمتعه من السعادة بأضعاف ما كان يستطيع أن يجده في أية ~~صلة أخرى، حتى لقد سأل نفسه: أليس هذا هو الحب الأوفى؟ أليس ذلك هو الحب الذي يتحدث عنه رسل ~~الإنسانية في غير تحرج؟ # وأراد فؤاد أن يعود إلى مصر بعد أن انقضت إجازته فودع الأسرة في ليلة بديعة، احتفلوا به ~~فيها في فندق شتورة الذي كانوا يقيمون به، واتخذوا مجلسهم بعد العشاء إلى جانب العين ~~الصافية، وجرى الحديث بينهم دافقا كماء النبع، وكانت علية وصدقي يتعاوران معابثته وهو ~~منصرف إلى صديقه الصغير توتو بن علية، كان الصغير متعلقا به لا يرضى أن ينزعه منه أحد، كأنه ~~أراد أن يشارك بنصيبه من وداعه. # فقالت علية: أتأخذه معك يا فؤاد؟ # فقال فؤاد: يكون نعم الرفيق يا علية. # فقالت: أتقوى عليه وهو يهد قوانا؟ # فقال: إنه يهدأ معي كما ترين لأنه صديقي. # أليس هذا حقا يا توتو؟ # فضحك الطفل بغير أن يفهم حرفا وهز رأسه ناطقا: يأ يأ. # فعلا ضحك الجميع وقالت علية: إنه لا يريد أن يخدعك. # فقال فؤاد: أتحب أن تبقى مع هؤلاء يا توتو؟ # فضحك الطفل ناطقا مرة أخرى: يأ يأ. # فصاحت علية: ببغاء! # وضحك الجميع مرة أخرى وشارك الطفل في الضحك متحمسا يكرر حرفه يأ ms115 يأ ويهز رأسه في ~~حماسة. # فقال صدقي: تشجع يا فؤاد حتى يكون لك مثل توتو . # فقالت ثريا: سأخطب له من تهب له مثل هذا الشعر الأشقر. # وقالت علية: لا لا، مستحيل أنا أولى الناس بأن أخطب لفؤاد من يرضاها. # فرنت ألفاظها في قلبه ونظر إليها نظرة شكر وهو صامت، وكان يقول في نفسه: «من أرضاها؟ ~~سأنتظر إذن طويلا». # ومضى الحديث سهلا صافيا إلى أن هبط البرد من أعلى الجبال المجاورة، ولما أوى فؤاد إلى ~~غرفته قضى أكثر الليلة ساهدا. # ونزع نفسه في الصباح نزعا ليعود إلى مصر والجميع يلوحون له بأيديهم حتى غابت سيارته ~~متجهة نحو بيروت. # 16 # عاد فؤاد إلى القاهرة ولقي أمه فرحا مستبشرا، وأحست الأم بإلهامها ما طرأ عليه من تغير ~~فما كان أشد فرحتها! وجعل يصف لها مناظر لبنان وأهلها وأدويتها وقراها، وهي تستمع إليه ~~كأنها كانت تشاركه متعته فيها، وقص عليها أنباء من لقيهم هناك، فكم أطربها تصويره ~~للسيدة ماري وأسرتها وكم أسعدها سعيه في الصلح بين علية وزوجها، وقالت له في أثناء ~~الحديث: ليتني أجد لك عروسا مثل علية يا فؤاد؟ ألم تفكر في ذلك يا ولدي؟ # فقال في نفسه: ألم أفكر في ذلك حقا؟ # ثم قال لها باسما: ستبحث لي علية عن زوجة ترضاها. # فقالت الأم في نغمة عتاب: أتخطب لك دوني؟ وهل تعرفك علية أو غيرها كما أعرف ابني؟ # فقام فؤاد فقبل رأسها ويديها قائلا: لن تكون الكلمة الأخيرة إلا لك يا أمي. # فضمته إلى صدرها دامعة العين، وأخذت تعيد عليه أوصاف من عرفت من الفتيات من قريباتها أو ~~بنات صاحباتها وجاراتها، ولم يضق صدره هذه المرة من حديثها، فكان يجيبها مداعبا، وكلما ~~ذكرت وصفا لا يشبه بعض خلق علية أو طبعها قال مرحا: ليس هذا طلبي. # فقالت أمه آخر الأمر: إذن فصور لي الزوجة التي ترضاها. # فجعل يصف لها ملامح وجه علية وطولها ولون بشرتها وشعرها ومشيتها ونغمة صوتها وهو في كل ~~ذلك يتأمل الصورة الماثلة أمامه من خيال علية، ثم ms116 قال لها: وأما روحها، أما طبعها ... # وسكت لحظة ثم قال: أما طبعها فلا أستطيع أن أتحدث عنه إلا إذا رأيتها. # فضحكت الأم قائلة: وأين نجد كل هذه الصفات مجتمعة يا ولدي؟ # فقال باسما: سوف أنتظر حتى أعثر عليها. # وقال في نفسه: «وسأنتظر طويلا». # وخيل إليه أنه لن يضيق بالحياة إذا قضاها وحده، قانعا بما تحقق له من مودة ~~علية. # وجاء النبأ بعد أيام أنه قد نقل إلى طنطا، فملأه ذلك سرورا؛ إذ كان يستطيع وهو هناك أن ~~يزور الإسكندرية بين حين وحين، فيقضي بها يوما أو أياما. # ولما استأنف عمله أقبل عليه في جد وبشر، وكان كل من يلقاه يقرن تحيته بالتهنئة على ~~ما أفاد من الصحة في لبنان. # وكانت طنطا محببة إلى فؤاد منذ كان صبيا، كان يزورها مع أبيه في أيام المولد فيقضي بها ~~أياما سعيدة متنقلا بين السرادقات يستمع إلى القرآن وأناشيد الأذكار، وينشرح صدره بما ~~فيها من أنوار وضجيج، وكانت مناظر الأسمار وحلقات اللهو التي شهدها ما تزال ماثلة في ذهنه ~~مقرونة إلى صورة عزيزة؛ صورة أبيه. # وكان عمله الجديد أسمى قدرا مما كان فيه؛ ولهذا كان أخف عليه، على سنة الوظائف في مصر، ~~فإن الوظائف تتدرج صاعدة حتى تئول آخر أمرها إلى ما يكاد يكون فراغا بديعا، وما جدوى ~~الوظيفة الكبيرة إذا لم يصاحبها زيادة الأجر وزيادة الفراغ؟! # وازدحمت المدينة في أيام المولد كعادتها كل عام، فحن فؤاد إلى ارتياد السرادقات والخوض ~~في زحمة البشرية الساذجة التي تخف إلى ضريح الولي الكبير تطلب عنده البركة والغفران. # فكان يخرج في كل ليلة ليستمع إلى القراء وأناشيد المنشدين ويجد فيها متعة لا تشبه في شيء ~~ما كان يجده من الاشمئزاز إذا سمع أغاني المغنين، كان فؤاد إذا سمع تلك الأغاني نفر منها ~~وضاق بتكسرها وتبذلها وأسأمته رتابتها وضآلة فنها، كان إذا سمع منها نغمة انقبض صدره كأنه ~~يسمع عديدا في مأتم حزين، وإذا سمع أخرى تقزز كأنه انتقل قسرا إلى بؤرة مجون، ولكن ~~قراءة القرآن كانت تجلو ms117 أذنيه، وكانت أناشيد الأذكار تقع في قلبه جليلة مطربة، وكان إذا ~~مر بحلقات أهل القرى في أسمارهم وملاهيهم أحس عطفا على سخافتهم وتذكر حلقات الأسمار في ~~النجيلة إلى جانب النخيل والكوم الأحمر وسأل نفسه: ألا أين تكون تعويضة؟ وماذا آل إليه أمر ~~قوية؟ # ومر ليلة بسرادق أحد الأعيان فرأى فيه زحمة، وسمع منه صوتا حسنا يغني أنشودة بدوية، ~~فوقف يستمع إليها من خارج السرادق فوجد في نغمتها شيئا يشبه نشيدا سمعه من قبل، ثم تبين ~~ألفاظها فجمد في مكانه مدهوشا، أيكون هذا قوية؟ كانت الأنشودة ترن في نغمة حزينة: # وين راح يا تعويضة طياب الريح، راحت وين # وين الهلال والندى والدار وين الدار # كان الزمان من زمان نادي يروينا # شبت لهايب على الأعواد والنوار # جولي لي وين راحت يا تعويضة # ووثب فؤاد داخلا إلى السرادق يخترق الصفوف المتزاحمة حتى بلغ صاحب الصوت، فماذا رأى؟ كان ~~قوية أمامه يبدو كأنه شيخ نحيل فيه شبه من الفتى القديم، كان أغبر الشعر ضعيفا حائل اللون ~~له لحية شعثاء، يرتدي «حراما» مهلهلا من الصوف ومن تحته ثوب مرقع مختلف الألوان، وقد وضع ~~حول عنقه سبحة طويلة غليظة الحبات من خشب أسمر، وهو يهز رأسه يمينا ويسارا في غنائه، ~~وكلما فرغ من سمط ختم قائلا: # وين راحت يا تعويضة! # أهذا قوية الذي أمامه؟ لم يصدق فؤاد عينيه لولا أنه يذكر تعويضة، وهاتان العينان ~~الغائرتان وهذا القوام المنحني النحيل ما له قد تبدل مثل هذا التبدل في عامين أو ثلاثة؟ ~~لكأنه قد غاب عنه ثلاثين عاما. # وامتلأ قلبه حزنا واقترب من الرجل مندفعا، حتى إذا وقف حياله رآه يتجه إليه بنظرة ~~خاوية، ثم رآه يبتسم بسمة حزينة ويمضي في غنائه الباكي، فأخذه فؤاد من ذراعه يريد أن يبعد ~~به عن السرادق لعله يحدثه ويسأله عن حاله وعن حال امرأته المسكينة، ولكنه نزع ذراعه عنه في ~~رفق ولم يتوقف عن الغناء. # فناداه: ألا تذكرني يا قوية؟ # فالتفت الرجل إليه باسما ومال عليه هامسا: ماتت، ماتت تعويضة! # ثم ms118 هز رأسه واغرورقت عيناه وعاد إلى الإنشاد، فارتبك فؤاد وهو يرى الأنظار تتجه نحوه في ~~ريبة ، وحاول مرة أخرى أن يتجاهل من حوله وينزعه خارجا به من السرادق، ولكن قوية انفلت ~~منه فجأة فخرج مسرعا كأنه يفر فرارا، وهم فؤاد أن ينطلق في أثره غير عابئ بمن ~~يتهامسون ومن وراءه، ولكنه لم يستطع أن يلحق به فقد كان يحس قدميه ثقيلتين وهو يسير ~~خلفه. # ووقف عند مدخل السرادق ينظر في أعقاب قوية المسكين حتى غاب بين الجموع الزاخرة، وصعدت إلى ~~ذهنه صورة العود الضئيل الذي تتقاذفه الأمواج فوق اللجة المضطربة، تقذف به يمنة ويسرة حتى ~~تبتلعه الدوامة في أعماقها. # وسار يجرر قدميه بقلب مفعم ألما، يسأل نفسه متى عاد ذلك المسكين من منفاه؟ وهل ماتت ~~تعويضة حقا؟ وكيف عرف المسكين مصيرها مع أنها اختفت منذ نفي فلم يعثر أحد عليها؟ ألا ~~يكون هو الخيال المضطرب الذي يصور له أنها قد ماتت لأنه عاد من منفاه فصدمته غيبتها؟ وأطرق ~~يسير حزينا بين الناس لعله يعثر عليه في سرادق آخر أو في حلقة من حلقات الأذكار أو في مسجد ~~السيد البدوي، ثم سمع من خلفه اسم إبراهيم ميسور، فلما التفت رأى جماعة من أهل الريف يخرجون ~~من السرادق وهم يتحدثون، فتريث حتى حاذوه، ونظر إليهم فسكتوا ونظر بعضهم إلى بعض نظرة ~~ارتياب. # فنادى في صوت حزين: أتعرفون هذا؟ # فسكتوا ونظروا إليه نظرات خاوية فيها شيء من الخوف. # فقال في رنة تودد: كنت أعرفه قديما وكان لي صاحبا. # وكانت نبرات صوته صادقة، فاقترب واحد من الجمع إليه وقال: أين عرفته يا أفندي؟ # فقال فؤاد: ألم تسمع عن عزبة الأفندي؟ # فقال آخر من الجمع: أما قلت لكم إنه هو؟ # وتقدم نحوه قائلا: ألست سي فؤاد؟ # فتبسم فؤاد بسمة ضيئلة وهز رأسه سائلا: أتعرفني؟ # فقال الرجل: أنا من كفر حصام، وقد رأيتك مرة في عرس تعويضة. # فغص فؤاد بريقه، وأقبل عليه كما يقبل على صديق ومد له يده مصافحا، واطمأن الجميع إليه ~~بعد استرابته وساروا ms119 إلى جنبه يتحدثون في سذاجة. # وسأل فؤاد: أتعرف أين يقيم قوية؟ # فقال الرجل: حيث يبلغ به السير، فهو يضرب في الأرض منذ عاد من منفاه. # فقال فؤاد: لو ساعدتني على اقتفاء أثره كانت مروءة منك. # فرضي الرجل واستأذن أصحابه وسار مع فؤاد يخوضان زحام المولد، ومضى الرجل في حديثه فقال في ~~عطف: الله يلطف به! # فسأله فؤاد: أتعرف متى عاد من منفاه؟ # فأجاب الرجل: منذ سنتين، ولكنه لم يكن هكذا، لم يكن نحيلا أغبر كما رأيته الآن. # فقال فؤاد في لهفة: وهل ماتت تعويضة حقا؟ # فأجاب الرجل: هكذا قال قوية، فإنه بعد عودته سأل أهل القرية عنها فلم يستطع أحد أن يدله عليها، ~~فسار إلى مريوط لعله يجدها هناك، ثم عاد كما رأيته يخلط ويغني ويبكي، وأصابته «جذبة» فلبس ~~ثيابه المرقعة ووضع السبحة حول عنقه، فلا يراه أحد إلا في الموالد أو عند مقابر ~~الأولياء. # وصمت فؤاد حزينا كأنه أصيب بكارثة في حميم، ومضى الرجل في حديثه قائلا: وهو يذهب إلى النجيلة أحيانا فيأتي إلى جانب الكوم حيث كان يضرب خيمته، ويقضي هناك ~~ليالي في العراء ينشد أناشيده الحزينة كما سمعته الآن. # فقال فؤاد في صوت خافت: أما كنتم تتحدثون عن ميسور؟ # فعادت إلى الرجل نظرة الريب وقال مترددا: هي أقوال نسمعها. # فقال فؤاد مشجعا: أيقولون إنها ... # وصمت ناظرا إليه كأنه يناجيه بسر. # فقال الرجل هامسا: نعم، يقولون إنها قتلته؛ لأنه تعرض في الليل لها، ثم هامت على وجهها. # وكانا قد بلغا مسجد السيد البدوي فخلع فؤاد نعليه وقال للرجل: ألا نجده هنا؟ # ودخلا بين الجموع الزاخرة فزارا المشهد وطافا بأنحاء المسجد فلم يجدا من قوية أثرا، وأحس ~~فؤاد خشوعا حزينا فذهب ليتوضأ، ثم صلى عند مقام السيد ركعتين لله، واتجه بقلبه إلى تعويضة ~~وقوية لعل الله يرحمهما. # ولما قام يريد العودة إلى بيته لم يطعه قلبه الموحش فذهب إلى سرادقات المولد ليذهب ~~وحشته في أنوارها اللامعة ويستمع خاشعا إلى آيات القرآن، وكانت قطرات من رذاذ المطر تتطاير ~~إلى وجهه، ms120 وسماء الخريف الغائمة تلف السماء بثوب حزين، فسار مسرعا يحس ارتياحا للقطرات ~~الباردة التي ترف على جبينه، وهبات الهواء البارد الذي كان يتسرب إلى صدره ~~المضطرب. # وكانت صورة قوية وتعويضة تتمثلان أمامه في ذكريات شتى تتزاحم في خياله يجللها السواد، ~~وصورة لجة الماء تبدو إلى جانبهما وعلى سطحها عود ضئيل من الشوك يتخبط على الأمواج، ~~وكانت هناك زهرة في العود الضئيل تضطرب في اللجة الغائرة ثم تبتلعها الدوامة العنيفة في ~~جوفها. ms121