######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.FathCarabLiMisr.Hindawi74257591 #META# Tags: history #META# ID: 74257591 #META# Title: فتح العرب لمصر #META# AuthorID: 40397969 #META# Author: ألفريد بتلر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 41796395 #META# Translator: محمد فريد أبو حديد #META# Related_books: 1355AlfredButler.ArabInvasionOfEgypt (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المعرب‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - خروج هرقل‏ # 2 - النضال من أجل مصر‏ # 3 - خيبة بنوسوس‏ # 4 - ولاية هرقل‏ # 5 - مصر في حكم الإمبراطور الجديد‏ # 6 - فتح الفرس للشام‏ # 7 - فتح الفرس لمصر‏ # 8 - الفن والأدب‏ # 9 - جهاد أصحاب الصليب للفرس‏ # 10 - إعلاء الصليب‏ # 11 - دعوة النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)‏ # 12 - فتح العرب للشام‏ # 13 - الاضطهاد الأعظم للقبط على يد قيرس‏ # 14 - مسير العرب إلى مصر‏ # 15 - أول الحرب‏ # 16 - وقعة هليوبوليس‏ # 17 - حصن بابليون‏ # 18 - حصار حصن بابليون وفتحه‏ # 19 - السير إلى الإسكندرية‏ # 20 - حوادث القسطنطينية‏ # 21 - تسليم الإسكندرية‏ # 22 - فتح بلاد الساحل‏ # 23 - انقضاء حكم الروم بمصر‏ # 24 - وصف الإسكندرية عند الفتح‏ # 25 - مكتبة الإسكندرية‏ # 26 - فتح «بنطابوليس»‏ # 27 - إعادة بنيامين‏ # 28 - الحكم الإسلامي‏ # 29 - ثورة الإسكندرية بقيادة منويل‏ # خاتمة‏ # الملاحق والمصادر‏ # مقدمة المعرب‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - خروج هرقل‏ # 2 - النضال من أجل مصر‏ # 3 - خيبة بنوسوس‏ # 4 - ولاية هرقل‏ # 5 - مصر في حكم الإمبراطور الجديد‏ # 6 - فتح الفرس للشام‏ # 7 - فتح الفرس لمصر‏ # 8 - الفن والأدب‏ # 9 - جهاد أصحاب الصليب للفرس‏ # 10 - إعلاء الصليب‏ # 11 - دعوة النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)‏ # 12 - فتح العرب للشام‏ # 13 - الاضطهاد الأعظم للقبط على يد قيرس‏ # 14 - مسير العرب إلى مصر‏ # 15 - أول الحرب‏ # 16 - وقعة هليوبوليس‏ # 17 - حصن بابليون‏ # 18 - حصار حصن بابليون وفتحه‏ # 19 - السير إلى الإسكندرية‏ # 20 - حوادث القسطنطينية‏ # 21 - تسليم الإسكندرية‏ # 22 - فتح بلاد الساحل‏ # 23 - انقضاء حكم الروم بمصر‏ # 24 - وصف الإسكندرية عند الفتح‏ # 25 - مكتبة الإسكندرية‏ # 26 - فتح «بنطابوليس»‏ # 27 - إعادة بنيامين‏ # 28 - الحكم الإسلامي‏ # 29 - ثورة الإسكندرية بقيادة منويل‏ # خاتمة‏ # الملاحق والمصادر‏ # | فتح العرب لمصر # | فتح العرب لمصر # تأليف # ألفريد بتلر # ترجمة # محمد فريد أبو حديد # | مقدمة المعرب # | الطبعة الأولى # ألف الدكتور «ألفريد ج. بتلر» هذا الكتاب منذ ثلاثين عاما، وعرفته منذ عشرين، فكان من الكتب التي خلفت في نفسي ~~أثرا كبيرا، يمتزج فيه الإعجاب والتقدير بالرغبة في أن تتملك اللغة العربية بحثا قيما ms001 مثله، والأسف على أن يخلو ~~تراثنا الأدبي من كتاب نظيره. وأي شيء أعجب من أن تكون لغتنا العربية، وأن يكون الفتح العربي حدا فاصلا في تاريخنا ~~يفتح صفحة جديدة في حياتنا، ثم مع هذا لا نجد وصفا عربيا لذلك الفتح يمكن أن يعتمد على دقته ويوثق بتحريه؟ فكانت ~~النفس تتطلع إلى ضم كتاب الدكتور بتلر إلى ثروتنا الأدبية ، غير أنه كان يقعدها التفكير في مشقة ذلك العمل، ومظنة ~~العجز عن إنجازه، وقلة الثقة بالقدرة على نشره، ثم أتيح لي أن أحقق ذلك الحلم بأن ناطت بي «لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر» ترجمة ذلك الكتاب؛ إذ اختارته من بين الكتب القيمة التي تسعى أبدا في إظهارها ونشرها، فوجدت في تكليفها سرور ~~الساعي إلى تحقيق أمنية طالما تاقت نفسي إليها، وأرى أن هذا مكان لائق لكلمة أقولها عن تلك اللجنة المباركة، التي ما ~~سعت إلى أن يعرف أحد عملها، وهي دائبة لا تفتر عن العمل في خدمة العلم والأدب، وما قصدت قط أن تظهر للملأ فضلها، ~~وهي ماضية قدما في جهادها في ميدان التثقيف والتنوير، لم تقف خدماتها عند حد سياسي ولا عند وطن، بل كانت خدمتها ~~للناطقين بالعربية أجمعين، بادئة بالكنانة المحروسة مصرنا المحبوبة، ولو كنت من غير أعضاء لجنة التأليف لوجدت مجال القول ~~بعد فسيحا، ولكن حسبي ذلك من القول. # وبعد، فقد كان من حق هذا الكتاب أن ينقل إلى العربية منذ ظهر؛ فإنه يسد ثلمة في تاريخ العرب ما كان ينبغي لها أن ~~توجد، وما كان أجدر بأن ينقله إلى العربية مصري؛ إذ إن الكتاب يتعلق بتاريخ مصر. # غير أن الذي عاقني عن ترجمته قد عاق أمثالي عنها، ولم يكن أحد ليستطيع مثل ذلك العمل الكبير في مصر إلا إذا شدت أزره ~~هيئة علمية قوية، ولكن الخير إذا جاء متأخرا فليس ذلك بناقص من قدره، ولعل تأخر ظهوره في العربية إلى يومنا هذا كان عن ~~قدر وحكمة؛ فإن للكتاب معنى كان لا يظهر في الماضي ظهوره اليوم، فهو اليوم في ms002 إبانه وأوانه، والأحوال ملائمة له، ~~ومجرى الأهواء مستعد لقبوله وتلقيه؛ ذلك أن مؤلف الكتاب رجل باحث لم يقصد من تأليف كتابه إلا بيان الحقيقة ناصعة، فلم ~~يكن ممن يذهبون في التأليف إلى غرض من دعاية دينية أو سياسية، ولا ممن يتسترون بالعلم من أجل غرض يخفيه أو شهوة ~~يسترها، بل كان نزيها في بحثه، قاصدا في قوله إلى اللباب. ومثل هذا الباحث لا يدركه القراء حق إدراكه، ولا يقدره ~~الناس حق قدره، إلا إذا كان الجو المحيط بهم جو بحث وراء الحق، ودرس لإجلائه والإبانة عنه، ونحمد الله إذ قد بدت في مصر ~~هذه الأيام حركة جدية نحو البحث والدرس، ولسنا نشك في أن هذا الكتاب ممتزج بها، سائر في مسيرها، جار ~~مجراها. # غير أن الأمر غير قاصر على ذلك؛ فإن الوقت الحالي أسعد الأوقات لظهور هذا الكتاب من ناحية أخرى، ولعلها أجل شأنا ~~وأبلغ خطرا. # ذلك أن العرب لما دخلوا مصر كانوا فئة قليلة، وجعلوا يتخذون لهم في مصر نظاما ينتزعونه مما سبق من نظم الحكم في ~~البلاد، وجعل عددهم يتزايد ممن دخل في الإسلام من أهل البلاد طوعا أو كرها، فإذا مصر بعد قرن فيها عدد كبير من ~~المسلمين، وبعد أن كانوا فئة قليلة حاكمة أصبحوا فئة كبيرة تشترك وأهل البلاد في أعمال الحياة؛ ونشأ ما ينشأ بين ~~الجيران المختلفي المشارب من المنافسات والمنازعات، وزادت تلك المنافسات على مر الزمن حتى كانت أحيانا تتخذ شكل ثورة من ~~أهل البلاد المسيحيين، وكان رد ذلك قاسيا من جانب الحكومة القائمة التي ما كانت لتدع الثورة يندلع لهيبها من غير أن تقضي ~~عليها، ثم مضى الوقت وكان عدد المسلمين يتزايد، وعدد المسيحيين يتضاءل، وتغيرت الدول، وتبدلت نظرتها إلى واجبها في ~~الحكم، وداخل المسيحيين ما يداخل الأقلية عادة. # إذن كانت مصر قبل الإسلام أمة واحدة يحكمها الروم، فاحتفظت بقوميتها، وحاطتها بمذهب ديني مستقل حافظت عليه أشد ~~المحافظة، وما كانت محافظتها على مذهبها الديني إلا صورة من صور الحرص على بقاء شخصيتها ودوام ms003 استقلالها، ثم جاء الإسلام ~~فإذا أهل مصر بعد بضعة قرون قسمان، كل منهما منفصل عن الآخر رغم تجاورهما، وإذا فيها شعبان متنافسان يحمل أحدهما لواء ~~الكثرة والسيادة، ويحمل الآخر سلاح الراغب عن الامتزاج والفناء. # وقد نكون على حق إذا نحن قلنا إن الأمر بقي على تلك الحال إلى العصور الحديثة، غير أن ذلك الانفصال طور متوسط في حياة ~~الشعوب، وما كان لشعب أن يبقى على ذلك إلى الأبد؛ فإن سنة الطبيعة أن يمتزج سكان القطر الواحد، ويشتركوا في المصالح، ~~ويشعروا بأنهم أهل وطن واحد، تجمعهم الحياة نفسها، وتقرب بينهم أواصر الجوار والاشتراك في سراء الظروف وضرائها، على ~~أن بلوغ ذلك لا يكون إلا إذا مهدت له الظروف، وعملت على إحداثه الأحداث. والأحداث لا تخلق وإن سعى إليها الناس، بل إن ~~الناس ينساقون فيها، وقد يؤثرون فيها بعض الأثر أثناء اندفاعهم في تيارها القوي. وقد تهيأت الظروف إلى ذلك الامتزاج ~~منذ عهد قريب؛ فقد يمكن أن نقول - وفي قولنا كل ما يدعو إلى الوثوق - إن سنة 1919 كانت حدا فاصلا بين عهد قديم وعهد ~~حديث؛ بين عهد لم يكن الشعب المصري يحس أنه شعب مرتبط مشترك، وعهد آخر يشعر فيه المصريون جميعا أنهم أهل بلاد واحدة. ~~وها نحن اليوم نشهد جيلا جديدا من المصريين آخذا في الامتزاج والاشتراك على أساس وطنية صادقة، ووحدة لا تفصم عراها؛ ~~فلو ظهر هذا الكتاب من نحو عشرين سنة لما قدره أهل مصر قدره، ولما تبينوا فيه روح مؤلفه العادل، ولما أدركوا ما في ~~صدره من سعة، وما في عقله من رجحان، وأما اليوم فإنهم لا شك يقدرونه، ويدركون ما فيه من عدالة ونفوذ رأي؛ فمؤلف الكتاب ~~معجب بالعربي، ومعجب بالقبطي؛ فهو يذكر حوادث التاريخ ذكر القاضي الناقد، لا يعبأ أين تميل به الحجة؛ لأنه لا يقصد ~~إلى نصر فئة، ولا الدعاية لشعب، بل يذكر ما كان في الماضي، ويوضح ما فيه من المسائل من غير أن تكون في نفسه مرارة، أو ~~أن يكون في حكمه ms004 زيغ؛ فهو إن رأى الحجة مع العرب أبان عنها بيانا شافيا، وإن رأى الحجة مع القبط كشف عنها كشفا صريحا، ~~وفي نفسه سرور الباحث عن الحقيقة إذا وفق إلى كشفها؛ إذ ليس في قلبه ما يسخطه على تلك الحقيقة إذا هي تبدت في جانب دون ~~جانب؛ فالمصريون في هذه الأيام يستطيعون أن ينظروا إلى الماضي نظرة إلى تاريخ جرت حوادثه جريانا طبيعيا، ساقتها إليه ~~الظروف التي كان لا بد من أن تسوقها إليه، ويستطيعون إذا رأوا ما يؤلم في ذلك الماضي أن يتخذوا منه عبرة من غير أن تثور ~~حفيظتهم؛ إذ إن الأخ لا تبعده عن أخيه ذكريات ما كان بين الجدود من إحن أو منافسات؛ فلنا أن نعتقد أن قيمة هذا الكتاب ~~تبدو على حقيقتها اليوم، وما كانت لتظهر من قبل مثل ظهورها هذا؛ إذ كانت تتنازع القلوب عوامل الحياة نفسها، فتغلب على ~~حكمها. # كان للمؤلف فضل التعرض لبعض مفتريات التاريخ، وكانت شائعة بين الناس يأخذونها تلقفا بغير تمحيص، وطالما كانت تلك ~~المفتريات عضدا لمن أراد البغي على المصريين؛ إذ يسوقها حجة عليهم، عليها مظهر الصدق التاريخي، فينخدع بها ~~القارئ. # وإليك مثلين لتوضيح ذلك؛ فقد تناول في أول بحثه مسألة طالما رددها المؤرخون، وهي اتهام المصريين القبط بأنهم ~~كانوا دائما يرحبون بالغزاة الأجانب، فرحبوا أولا بالفرس، ورحبوا ثانيا بالعرب؛ يريدون بذلك أن يتخلصوا من نير ~~ليضعوا نيرا آخر على رقابهم. وقد أظهر المؤلف في حادث من هذين الحادثين كذب ما ادعاه المغرضون من المؤرخين، وخلص ~~إلى أن القبط إنما كانوا أمة شاعرة بوجودها، متماسكة فيما بينها، مستمسكة بمذهبها الديني، وقد اتخذت ذلك المذهب ~~الديني رمزا لاستقلالها، فضحت في سبيله بكل شيء، وكانت - وهي تفعل ذلك - تحافظ على استقلالها وشخصيتها من أن تندمج في ~~أمة أخرى، ولكن المؤلف أظهر أن تلك الأمة التي حافظت تلك المحافظة المرة على شخصيتها، لم تكن لترضى بأن تفتح ذراعيها ~~لسيد جديد، وتقف معه في وجه السيد القديم، بل كان كل ما فعلته أن بقيت ms005 مكانها لا تحرك ساكنا برغبتها، تاركة ميدان ~~النضال بين المتنافسين؛ إذ لم يكن لها مصلحة في الدفاع عن سيد أذاقها مر العذاب في محاولته القضاء على استقلالها. وهكذا ~~أظهر المؤلف أمة القبط في ثوب العزة والأنفة، ورمى عنها ما كان المؤرخون قد ألقوه ظلما عليها من التهم الشنيعة ~~بإظهارها في مظهر الدناءة والذلة. # ولكن هذه الروح العادلة التي حدت بالمؤلف إلى نصرة الحق في جانب أمة القبط، حدت به كذلك إلى نصرة الحق في جانب أمة ~~العرب؛ فلم يحاول أن يخفي من فضائلها شيئا، أو يعكر من صفو سيرتها في مدة فتح مصر، بل كان عادلا في وصف الأفراد ~~والمجموع. نرى إعجابه بقائد القوم عمرو بن العاص، كما نرى إعجابه بروح البساطة والطهارة التي كان عليها غزاة العرب إذ ~~ذاك، ثم نراه تعرض لمسألة خاض فيها المؤرخون المتأخرون، ووجدوا فيها سبيلا للطعن في سيرة العرب، وهي إحراق مكتبة ~~الإسكندرية، فأبان هناك عن الحق راجعا إلى أسانيد التاريخ، حتى أظهر أن العرب عندما غزوا الإسكندرية لم يجدوا هناك ~~مكتبة كبرى؛ إذ كانت مكاتب تلك المدينة قد ضاعت ودمرت من قبل غزوتهم بزمن طويل. # وبعد، فإن هذا الكتاب له قيمة خاصة لسبب آخر فوق ما سبق لنا بيانه، وذلك أن تواريخ العرب وفتوحهم لم يتناولها إلى الآن ~~كاتب حصر همه في ميدان محدود، وبحث فيه بحثا مستفيضا، كما فعل مؤلف هذا الكتاب؛ فنجد كثيرا من الكتب تصف سيرة ~~العرب إجمالا، وتتعرض إلى فتح مصر في قول موجز لا يزيد على عشرات من الصفحات، وأكثر هؤلاء المؤرخين إنما يرجعون إلى ~~ما كتبه العرب في دواوين أخبارهم، غير أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا لا يتناول إلا فتح العرب لمصر، وهو في أكثر من ~~خمسمائة صفحة، وقد رجع مؤلفه إلى أسانيد القبط والأرمن والسريان واللاتين وغيرهم، كما رجع إلى مؤلفات العرب، فكانت نظرته ~~من غير جانب واحد؛ ولهذا نراه أقرب إلى التمحيص، وأحرى بأن يكون قد أصاب القصد. # والحق أن تاريخ الفتح في أشد ms006 الحاجة إلى ذلك التمحيص؛ فكم به من مسائل غامضة يجب على المؤرخ أن يجلو غموضها، نضرب لذلك ~~مثلا شخصية المقوقس؛ فإنا نسمع ذلك الاسم يتردد في كتب التاريخ عند ذكر رسالة الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى حاكم مصر، ونجده ~~مذكورا في أثناء الفتح عند ذكر المفاوضة بين العرب والروم، ونجده كذلك مذكورا عند تسليم الإسكندرية، وقد سماه بعضهم ~~جورج أو جريج بن مينا، وسماه بعضهم ابن قرقب أو قرقب، وجعله بعضهم من أهل مصر، وقال آخرون إنه يوناني، وهو بين كل ذلك ~~يلوح في وسط ظلمة من الشكوك لا يكاد الإنسان يعتقد أنه شخص طبيعي وجد حقيقة في تلك الأحداث؛ غير أن المؤلف ما زال ~~يقارن ويناقش ويفحص، حتى خرج إلى أن المقوقس لم يكن سوى قيرس البطريرك الملكاني بالإسكندرية، الذي جمعت له ولاية الدين ~~والدنيا معا في أيام هرقل وخلفائه، على أن المؤلف قد استدرك الأمر، فأظهر أن ذلك الاسم قد أطلقه العرب على سبيل التعميم ~~على الذي كان بطريرك الروم قبل قيرس، كما أطلقوه على بنيامين بطريرك القبط الذي كان طريدا وعاد بعد أن استقر العرب في ~~مصر. وقد كان يخالفه في هذا الرأي كتاب أكبرهم الأستاذ ستانلي لين بول، غير أن ذلك الأستاذ لم يسعه بعد أن اطلع على ~~ما كتبه المؤلف في بحوثه المختلفة عن شخصية المقوقس إلا أن يذعن للحق، فكتب إليه في يوم عيد ميلاده: # وإني جاعل هديتي في عيد ميلادك شهادتي بالرجوع عن رأيي في معارضتك في شخصية المقوقس؛ إذ ثبت لدي أنه لم ~~يكن سوى قيرس. # وقد رأينا أن نورد أبحاث المؤلف في هذا الشأن تفصيلا، فأضفنا إلى الكتاب ذيلا جديدا ضمنه ما كتبه المؤلف عن المقوقس ~~في رسالة أصدرها بعد إصداره هذا الكتاب، وهي «معاهدة مصر في الطبري». # وقد عانينا كثيرا في أثناء ترجمة هذا الكتاب؛ إذ إن المؤلف يقتبس فقرات كثيرة عن كتاب العرب، وبعض تلك الفقرات ~~نصوص لا بد للمترجم أن يرجع إلى أصولها في اللغة العربية، حتى ms007 لا تكون الترجمة مذهبة روح القول الأصلي، أما البعض ~~الآخر فعبارة عن أوصاف مادية لا يهمه إلا تأدية ما تصفه، وقد وفقنا - ولله الحمد - إلى الوصول لتلك النصوص في أغلب ~~الأحوال، ولكن عجزنا عن بعضها لغير تقصير منا، ولنضرب لذلك مثلا قطعة منقولة عن هشام بن الكلبي، وهي عبارة عن مناظرة ~~لعمرو بن العاص في حضرة معاوية؛ فقد بحثنا في كل ما استطعنا الوصول إليه من كتب التاريخ والأدب فلم نجد ذلك النص، ثم ~~سألنا كثيرا من المتأدبين في مصر فلم يهتدوا إليه، وأرسلنا في طلب ذلك إلى المؤلف نفسه، ولكن طول العهد قد أنساه من أين ~~أتى بذلك النص، فأرسل يعتذر - وله العذر - قائلا: «لعلي أخذت ذلك النص من بعض مقتطفاتي من مكاتب باريس ومدريد.» ~~فاضطررنا أمام هذا أن نترجم النص الإنجليزي بقدر ما استطعنا من التقريب إلى أسلوب عصر معاوية وعمرو. # وقد وردت في الكتاب مقتطفات كثيرة عن اللغتين اليونانية واللاتينية، ولم يكن لنا حظ العلم بهاتين اللغتين، فاستعنا ~~ببعض من لهم إلمام بهما؛ فأما النصوص اليونانية فقد ترجمها لنا صديقنا المسيو كلونارس، وأما النصوص اللاتينية فقد ساعدنا ~~صديقنا المستر ويد، المدرس بمدرسة فاروق، بأن أرسلها إلى صديق معروف بالتفوق في تلك اللغة، وهو «القاضي بربكهيد»؛ فلهم ~~جميعا عميق الشكر على خدمتهم الجليلة، وكان لا بد لنا مع هذا من إثبات الأصل؛ فأما النصوص اللاتينية فقد كان من السهل ~~إيرادها في هوامش الكتاب، وأما النصوص اليونانية فقد تعذر علينا ذلك، فوضعنا علامة نجمة في موضع النص، مع كتابة رقم ~~مسلسل بجوار النجمة، ثم ألحقت كل النصوص اليونانية في آخر الكتاب مسلسلة بأرقامها ليطلع عليها من شاء. كما أشكر محمد ~~أفندي إسماعيل الصاوي على مجهوده في عمل فهارس الكتاب، وحضرة محمد أفندي نديم ملاحظ مطبعة دار الكتب على عنايته بإخراج ~~الكتاب في شكله الحاضر. # محمد فريد أبو حديد # | مقدمة المؤلف # لعلنا لسنا في حاجة إلى الاعتذار عن تأليف هذا الكتاب فيما يمس الغرض منه، فإنما الغرض منه أن نبني ms008 تاريخا واسع ~~المدى مفصل الأخبار لفتح العرب مصر، ولم يسبق لأحد أن كتب مثل هذا التاريخ، اللهم إلا رسائل متفرقة ألم كاتبوها ~~ببعض هذا الأمر إلماما، أمثال «جبون» ومن جاء بعده، وتلك الرسائل ما هي إلا بعض أبواب أو فصول موجزة داخلة ضمن مؤلفات ~~مكتوبة عن دولة الروم أو عن دولة العرب. وفي الحق أنه لمما يسترعي النظر ألا يكون في أية لغة من اللغات بحث مفصل له ~~قيمة يصف تاريخ ذلك الفتح، وقد كان ذلك من سببين اثنين: أولهما قلة ما لدينا من الأخبار التي يمكن أن يعتمد عليها الباحث ~~العادي، وثانيهما ذلك الخلاف الواسع بين الرواة والمصادر، سواء منها المشهور وغير المشهور، وسواء في ذلك الشرقي منها ~~والغربي. # وعلى ذلك فقد لف هذا الموضوع ظلام دامس، فكان الوالج فيه مقدما على تيه حالك من الخلاف والتناقض، وقد يلوح ~~قولنا هذا كأن فيه مبالغة ومغالاة، ولكنه الحق لا شك فيه، ويعززه رأي كاتب معروف، وهو المستر # E. W. ~~Brooks ~~؛ إذ يقول: «وقل أن نجد حادثا هاما من حوادث التاريخ قد خفيت أخباره واختلف في رواياتها ~~كما هو حال تاريخ فتح الإسكندرية. حقا إن تاريخ غزو العرب للدولة الرومانية كله تاريخ مظلم غامض، ولكن تاريخ مصر ~~أشده ظلمة وحلوكة.» # 1 # وقد أقدمنا على تأليف هذا الكتاب، وقصدنا منه - على الأقل فيما اختططنا لأنفسنا - أن نجلو بعض تلك الظلمة التي تلف ~~الأمر لفا، وأن ندخل إلى الموضوع نتائج البحث الجديد، وأن ننتفع بما صار في متناول اليد من الأخبار الجديدة، ~~وأن نقرن ما جاء في كتب مؤرخي الشرق بعضه إلى بعض، ثم نعالجه بالفحص والتمحيص حتى ~~نقيم تاريخ هذا العصر على أساس علمي، ولم يخف علي ما في عملي من تقصير عن الخطة التي رسمتها له، بل إني عالم به حق ~~العلم؛ فقد أخفقت طريقتي في بعض الحالات، ولم أفلح فيما قصدت منها، فكنت في ذلك عند قول # Maeterlinck ~~«كمن يضع عدسة منظاره المكبر على سكون وظلمة». غير أني أقر أن ms009 ~~إخفاقي كان في حالات أخرى راجعا إلى عجز في أنا لضعف علمي باللغة العربية، ومشقة السير في عملي في فترات قصيرة من ~~أوقات الفراغ، وهو عمل يتطلب استقرار الذهن والبحث الدقيق المتواصل. على أنني أرجو أن عملي هذا سوف يبعث على زيادة ~~البحث، ويحفز إلى المضي في الدرس. والحق أنني ألفيت نفسي مضطرا إلى مخالفة جل ما استقرت عليه الآراء في موضوع ~~الفتح العربي ؛ فإنك تجد سيرة الفتح، حتى فيما كتبه أحدث المؤرخين وأقربهم عهدا، لا تزيد في مجملها عما يلي: # أنه قبل غزوة العرب ودخولهم فعلا في البلاد، كانت مصر قد وضعت عليها الجزية مدة ثلاث سنين أو تزيد، وضعها عليها قيرس ~~(المقوقس)، ثم منع منويل تلك الجزية، فجاء العرب يغزون البلاد من أجل ذلك، وأن المقوقس كان من القبط وانضم إلى العرب، ~~وأن القبط عامة رحبوا بالغزاة، ورأوا فيهم الخلاص، وأسدوا إليهم كل مساعدة، وأن الإسكندرية فتحت عنوة بعد حصار طويل ~~مليء بالحوادث العجيبة والمخاطرات المثيرة. # مثل هذه السيرة هي التي أثبتها هؤلاء المؤرخون، ولعل القارئ يظن أننا نغالي ونبالغ إذ نقول إن تلك القصة لا حقيقة ~~لها من بدئها إلى ختامها، ولكنا لا نرى رأيا غير هذا. وإنا إذا بحثنا الأمر، وفحصنا هذه العبارات جميعا، وعرفنا منشأها ~~وأساسها؛ لاح لنا أنها تقوم على أساس من الحقيقة أو من شبه الحقيقة، ولا شيء أدعى للنظر ولا أروح للنفس من أن تفحص تلك ~~الحقائق، وترى كيف حورت وحرفت حتى أمكن أن تلفق منها قصة تاريخية كاذبة، وإن شئت قلت خرافة. وقد لا يعجب ~~القارئ أننا أطلنا في الهوامش والحواشي في بعض المواضع، وجوابنا على ذلك أننا قد رأينا واجبنا أن نثبت المراجع التي ~~رجعنا إليها، والأسباب التي حملتنا على الذهاب مذهبنا الذي سلكناه، ورأينا الإفاضة والإطالة أولى بنا في مثل هذا الموضوع، ~~وحيالنا ميدان فسيح مليء بالأخبار المتناقضة والخلافات العظيمة، فأطلنا وأفضنا، وما كان ينبغي لنا ذلك لو كنا نعالج ~~أمرا أقل رقعة وأضيق ميدانا. وكذلك قد أطلنا في ms010 ملحقات الكتاب، ولكن لقد كان من أوجب الواجبات أن نقيم لأنفسنا بناء ~~لتاريخ ذلك العصر، ونتخذ نظاما لتسلسل تواريخه وضبطها؛ فمثلا لم يكن من الممكن أن نكتب تاريخ الفتح إلا إذا جلونا حقيقة ~~المقوقس، ولم يكن لنا كذلك بد من رسم خطة تامة لتسلسل التواريخ فيه؛ فلم يكن بالمجزئ أن نثبت ما نستخلصه من النتائج، ~~وهي في كثير من الأحيان طريقة لم يسبق إليها أحد، بغير أن نبين الدعائم التي أقمناها عليها. ولقد كانت تلك الدعائم كثيرة ~~الشعب والوجوه، سواء أكان ذلك فيما يخص شخص المقوقس، أم يخص تواريخ الفتح الفارسي، أو تواريخ الفتح العربي. # وأما موضوع الكتاب فقد بدا لنا أن كتابة تاريخ الفتح العربي لمصر يجب ألا يعالج على أنه حادث منقطع العلاقة بسائر ~~حوادث التاريخ، بل إنه حادث لا يظهر خطره ولا تتضح حقيقته إلا إذا قرن بالأحداث التاريخية الكبرى التي ساقت دولتي الروم ~~والفرس القديمتين إلى الاصطدام بالدولة العربية الناشئة. وقد رأينا أن حكم هرقل علم ظاهر من أعلام التاريخ يليق لأن ~~نجعله مبتدأ تاريخنا. ومن لطائف الاتفاق أنه يبدأ على حوادث ذات شأن عظيم وقعت في مصر، وكانت لا تزال مجهولة خافية؛ فقد ~~حدث في أثناء ذلك الحكم أن تمزق ملك فارس، وأن بعث (النبي) محمد، وقام برسالته ونشر دينه، وأن أفلت حكم بيت المقدس ~~والشام من أيدي القياصرة، وملك كسرى بلاد مصر، كما أننا نطلع منه على الأسباب السياسية والدينية التي مهدت السبيل ~~لانتصار سيف الإسلام وصولة القرآن. على أننا في الوقت عينه لم ننس أن نلقي نظرة على مجرى الحوادث التي كانت تحدث فيما ~~وراء حدود مصر، وكانت نظرتنا إليه إلمامة حتى تكون تلك الحوادث الخارجية ثانوية تابعة لا تخمر الغرض الأول من ~~الكتاب. # ولا غنى لنا عن التعرض بالقول للمراجع التي رجعنا إليها في تاريخ هذا العصر الذي اخترناه، فنذكر أولا من التواريخ ~~القصيرة التي كتبها أهل الغرب في العصور القريبة # His. of the Saracens ~~، وهو تاريخ عجيب ~~ألفه «أوكلي»، وتكاد شهرته ms011 بين الناس تعدل شهرة كتاب جبون، وهو # Rom. Empire. ~~، ثم نذكر ~~كتاب «شارب»، وهو # Eg. under The Romans ~~، ولكنه ليس بالمؤلف الكبير القيمة. ونجد أخبارا ~~طريفة وبحثا حديثا في الطبعة التي أخرجها الأستاذ «بوري» من كتاب تاريخ «جبون»، وفي الكتاب الذي ألفه الأستاذ نفسه، ~~وهو # Later Rom. Empire ~~، ونجد مثل هذه الفوائد في كتاب المستر «ملن»، وهو # Eg. under Rom. Rule ~~، وكتاب الأستاذ ستانلي لين بول، وهو # Eg. in The ~~Mid. Ages ~~، ورسالته عن القاهرة في سلسلة الرسائل المسماة # Mediaeval ~~Towns ~~، وكتاب فيل # Geschichte der Chalifen # مرجع قيم، بل هو لا غنى ~~عنه، على أنه قد تقادم عليه العهد، وكتاب «فون رانكه» # Weltgeschichte # يحوي نبذة عن الفتح، ~~ومقالا عن عمرو في مصر، وفيها يردد الكاتب الأخبار المتداولة، ولعلنا نستطيع تلخيص رأي «فون رانكه» في كلماته التي ~~قالها هو، وهي: «وكان فتح مصر ناشئا من خيانة خائن قبطي خرج من قومه واستظل بألوية العرب.» وذلك لعمري رأي لا تقوم له ~~اليوم قائمة في ميدان البحث. وأما المؤلفات الفرنسية الكبرى فلا بد لنا أن نذكر منها كتاب «ليبو» طبعة «سان مارتان»، ~~وهو # Histoire du Bas Empire ~~، وهو كتاب لم يزد عليه المتأخرون إلا قليلا، أو لم يزيدوا ~~عليه شيئا. وأما كتاب سيديو # Histoire Generale des Arabes ~~، فقد جاءت فيه نبذة عن الفتح، ~~ولا يكاد الإنسان يجد بها جملة واحدة دقيقة. ومثل ذلك «ديهل» نفسه؛ فإنه كتب في كتابه القيم # Afrique ~~Bizantine # ما يأتي: «وقد انحاز القبط إلى جانب المغيرين بغير أن يقاوموا مقاومة تذكر، وكانوا ~~بانشقاقهم هذا سببا في نصرة المسلمين» (صفحة 553). وأما كتاب «رينودو» # His. Patr. Alex. # فمؤلف جليل فيه درس عميق وبحث مستفيض، وله قيمة لا ثلمة فيها في الموضوع الذي يعالجه، وقد كان «كاترمير» مؤلفا ~~اشتهر بسعة علمه ودقة حكمه، ومؤلفاته لا تزال على قيمتها العظيمة لم تفقد شيئا يذكر في نظر الباحثين في تاريخ مصر. ~~على أن مؤلفات أهل الغرب لا يجوز الاعتماد عليها وحدها، حتى وإن كانت ms012 خيرا مما هي وأتم؛ فإن من أراد أن يبحث بحثا ~~جديدا من هذا النوع، وجب عليه أن يعتمد على المراجع الأصلية. أما تلك المراجع، فاليوناني منها مخيب للظن والأمل؛ فمنها ~~كتاب تيوفانز، وقد كتبه المؤلف في سنة 813، ولكنه أساء كل الإساءة في فهم أخبار الفتح العربي، فتاريخه المجمل المقتضب ~~يخلط بين الفتح الأول والفتح الثاني للإسكندرية، مع أنه لا يذكر أحد الفتحين، وهو يخترع معاهدة عقدت مع العرب قبل دخولهم ~~لمصر غازين، وليس في كتابه تناسب ولا تناسق، وهو السبب في كثير من التاريخ المختلط المكذوب. ومن كتاب اليونان ~~«نيقفوروس»، وهو خير من السابق شيئا ما، ولكن كتابه لسوء الحظ ليس به شيء من أخبار ما بين سنتي 641-668، وما بقي بعد ذلك ~~لا يزيد على أنه «ثبت بأسماء القواد المنهزمين». وهذان الكاتبان كلاهما يورد نتفا مفردة غير متصلة، ويختلف أحدهما ~~عن الآخر، ويذكر كلاهما من تواريخ السنين ما لا يستطاع قبوله. # وأما حنا مسكوس وبطارقة بيت المقدس زكريا وصفرونيوس، فقد كانوا كتابا دينيين في أواخر القرن السادس وأوائل القرن ~~السابع، ونستطيع أن نلمح فيما كتبوه بعض إشارات إلى حوادث سبقت الفتح. وقد ترك «ليونتيوس» النيابولي في قبرص ترجمة لحياة ~~«حنا الرحوم» بطريق الإسكندرية، وفيها فائدة لتاريخ مدة الفتح الفارسي، وقد نشرها جلزر نشرة بديعة متقنة. وأما كتاب # Chron. Paschale # أو # Alexandrinum ~~، فأغلب الظن أنه ~~كتب في أوائل القرن السابع في مصر، ولكنه لا يبلغ عهد الفتح، في حين أن الكتاب اللاتيني # Chronicon ~~Orientale # الذي ألفه # Echellensis ~~، مؤرخ في سنة 1238 بعد ~~الميلاد. # وأما المراجع الأرمنية، فإنها تكاد تكون في نظرنا لا فائدة فيها لتاريخ الفتح، مع أنها تذكر بالتفصيل العظيم حروب الدولة ~~الرومانية مع الفرس، وتصف ضياع الشام؛ فالأسقف سبيوس له كتاب ظهر باللغة الروسية، وقد حرره المستر «كونيبير» مع ترجمة ~~إنجليزية، ولكنه لم يطبع بعد، وفيه أخبار توضح ذلك العصر، ولكن ليس فيها ما يتعلق بمصر، أو ما أقل ما يتعلق بمصر فيها. ~~وميخائيل السوري يظهر أنه ينقل ms013 عن تيوفانز، وقد نشر كتابه «لانجلوا». وأما النسخة التي حررها «شابوت» فإنها لم تتم بعد، ~~وكتاب «اليشع النصيبي» توجد منه نسخة مخطوطة في المتحف البريطاني، ولكن جزءا منه خاصا بالفتح العربي قد نشر في ~~«بتجن». # فلنأت الآن إلى الكتاب المصريين، ويجب أن نجعل أولهم وعلى رأسهم حنا النقيوسي، وهو أسقف قبطي كتب في مصر في أواخر ~~القرن السابع، ولعله ولد حوالي زمن الفتح، وكتابه عبارة عن مؤلف في تاريخ العالم، وقد كتب جزء منه في الأصل باللغة ~~القبطية، وجزء آخر باليونانية، ويظهر أنه قد نقل إلى العربية في زمن متقدم جدا، وعلى أساس النسخة العربية وجدت ~~ترجمة أثيوبية، وهي النسخة الوحيدة الباقية من ديوان حنا، وقد ترجمها زوتنبرج وحررها. وأخبار هذا الكتاب ذات قيمة عظمى؛ ~~إذ كان نصها واضحا غير غامض، ولم يتطرق إليه الفساد، ولكن ذلك الكتاب لا يذكر به شيء لسوء الحظ ما بين تولية هرقل ~~وبلوغ العرب حصن بابليون؛ وعلى ذلك فكل مدة الفتح الفارسي وعودة مصر إلى الروم قد ضاعت منه، وكذلك قد اختلطت أخبار آخر مدة ~~الفتح العربي اختلاطا عظيما؛ إذ هي مقلوبة رأسا على عقب، لا يستطاع إقامتها، ولا يكاد النقد يعيد إليها سياقها. على ~~أنه قد ثبتت منه بعض حقائق من الأمهات الكبرى، ولا بد لنا من اعتبارها معالم ثابتة لا تدافع، ولا يختلف في صحتها، مع ~~أنها تخالف ما جاء في الأخبار العربية المتأخرة عنها؛ فهي على ذلك أسس متينة لمن أراد أن يبحث في تاريخ هذا العصر. ~~والحق أنه لم يكن في الإمكان أن يكتب تاريخ الفتح العربي لمصر لولا أن عثرت البعثة البريطانية إلى بلاد الحبشة على نسخة ~~مخطوطة من كتاب حنا، وإنا لنرجو أن يعثر يوما ما على نسخة قبطية أو عربية من كتاب حنا النقيوسي تكون سابقة للنسخة ~~الأثيوبية التي وجدت. # 2 # ولقد وجد الدكتور «شفر» في متحف برلين قطعة من ست صفحات مكتوبة بلغة الصعيد، وهي كما قال المستر «كروم» تتفق ~~اتفاقا يسترعي النظر مع ما جاء ms014 في ديوان حنا. وقد ترجم «زوتنبرج» كتاب حنا، ونشره نشرة فيها عيوب في بعض نواحي الترجمة، ~~وفي حسبان التواريخ، ولا يزال أهل البحث على شوق في انتظار ظهور الترجمة الإنجليزية التي اضطلع بها الدكتور ~~«شارلز». # وأما المخطوطات القبطية المتقدمة فلا يعرف منها إلا النزر اليسير مما لا علاقة له بموضوعنا، وقد عني المسيو أميلنو ~~بنشر قطع من الوثائق البودلية، وبها قطعة من حياة بنيامين (وهو بحث منشور في الجريدة الآسيوية لسنة 1888 تحت عنوان # Fragments Coptes Pour Servir à l’Histoire de la Conquête de l’Egypte ~~.) وقد نشر ~~العلامة نفسه بحثا عن حياة صمويل القلموني في # Monuments pour servir a l’Histoire de l’Egypte Chret. ~~aux V # e ~~-VII # e # siècles ~~، وقد نشرت نسخة أثيوبية ~~من حياة صمويل نفسه، وهي # Vido do Appa Samuel do Mosteiro do Kalamon ~~، نشرها # F. M. E. E. Pereira ~~، وهو الذي نشر كذلك عن اللغة الأثيوبية رسالة # Vida ~~do Appa Daniel ~~، ونحن مدينون للمسيو أميلنو كذلك برسالة في ترجمة حياة «بيزنتيوس»، وأخرى في حياة ~~البطريق إسحاق، وكلاهما عن وثائق قبطية كتبت في القرن السابع، وبها نبذ ذات شأن عظيم، ولا شك أن الترجمة العربية لحياة ~~شنودة قائمة على أصل قبطي، وقد نشرها كذلك المسيو أميلنو، ولكن القيمة التاريخية لهذه الوثائق القبطية ليست عظيمة ~~المقدار؛ فقد كان هم من كتبوها ذكر الأمور الخاصة بالكنيسة، وكلما كانت تلك الأمور خارقة للمألوف كانت عنايتهم بها ~~أعظم، وأما أمور الدنيا وحركاتها التي حولهم فقد كانت قلوبهم منصرفة عنها، تكاد تكون مقفلة من قبلها، ولا حاجة بنا إلى ~~الأسف على أن هؤلاء الكتاب كانوا يستطيعون أن يدونوا لنا الأخبار الكثيرة ولكنهم لم يفعلوا، فلا يذكرون تاريخ عصرهم ~~وحوادثه إلا بعض نتف متفرقة يذكرونها عرضا، ويلمحون إليها تلميحا. # وإنه لأشد لأسفنا أن حنا النقيوسي وسائر كتاب القبط في القرن السابع تفصلهم حقبة طويلة من الزمن عن الكتاب العرب، ~~وهي نحو قرنين، وإنا لنأمل بعض الأمل أن نرأب تلك الثلمة إذا ما تم درس ms015 أوراق البردي الكثيرة التي كشفت في الفيوم ~~وسواها، وإن ما تم منها للآن على أيدي الدكتورين «غرنفل» و«هنت»، وعلى يدي المستر كروم، ليس له كبير جدوى في تاريخ العرب، ~~غير أن أوراق البردي العربية التي ينشرها الأستاذ «كراباسك» لا بد ترسل نورا يجلو ذلك التاريخ، ولنا على ذلك دليل مما ~~نشره في ثبت بين فيه نماذج من تلك الأوراق، وعرضه في معرض «فينا»، وقد كان بينها خطابات من عمال اشتركوا في ميدان ~~الفتح، وأورد حنا النقيوسي ذكر أسمائهم كما أورد أسماءهم مؤرخو العرب. # ولسنا نطمع أن نأتي ببيان مستقص لكل مؤرخي العرب، وحسبنا أن نأتي هنا بكلمة عن كل من كبارهم؛ فلعل في ذلك فائدة؛ # 3 # فقد كان من أول مؤرخي العرب وأعظمهم قدرا الواقدي (747-823 للميلاد)، وقد ضاع كتابه، ولم يبق منه إلا ~~المقتبسات الكثيرة والإشارات العدة التي بقيت في كتب المؤرخين الآخرين. وأما تلك الكتب التي تحمل اسمه مثل كتاب «فتوح ~~مصر»، فإنها تنسب إليه خطأ، ولكنها في العادة تذكر منسوبة إلى اسمه تسهيلا في القول ، بدل أن يقال إنها تأليف ~~«المدعي بأنه الواقدي». # البلاذري (806-892) تعلم في بغداد، ثم تردد على أبواب الخلفاء، وكتب حوالي سنة 868 كتابه «فتوح البلدان»، وهو كتاب ~~في ذكر الحروب والغزوات مرتبة بحسب الأقطار والأقاليم، وهذا الكتاب إذا لم يكن أول الكتب عهدا وأغزرها مادة فهو بغير ~~شك حجة من أعظم المراجع قيمة، ويتضح منه أنه قد كان منذ القرن التاسع خلاف عظيم في الآراء عن تفاصيل فتح مصر، واسمه ~~مشتق من «حب البلاذر»، وهو مادة مخدرة، وقد كان موته ناشئا من أخذه جرعة منه زائدة عن طاقته، والعلامة # Weil # لا يعرف البلاذري. # ابن عبد الحكم (المتوفى بالفسطاط سنة 870) مؤلفه موجود في نسخة وحيدة مخطوطة لم تنشر بعد، وهي في باريس، ولكن قد ~~أعدت العدة لنشرها، وإن الباحثين في الأمور الشرقية ليتطلعون إلى ذلك تائقين، وقد نقل كثير من الأخبار عن ذلك ~~المؤلف، نقلها المؤرخون المتأخرون من العرب، كما نقل عنه «فيل» ms016 و«كاترمير»، ويختلط في كتاب ابن عبد الحكم كثير من قصص ~~الخيال بأخبار التاريخ، ولكن لو نشرت منه نسخة منقودة لكانت ذات شأن عظيم. # وثمة الكثير من أوائل من كتبوا في وصف البلدان باللغة العربية، وقد نجد في كتبهم كثيرا من الأخبار والنتف التاريخية ~~التي لها قيمة عظمى، وقد نجد نصوص أكثرهم في كتاب «دي جويجه» # Bibliotheca Geographica ~~Arabica ~~، ونسمي من هؤلاء الإصطخري (ولعله ممن كتب في القرن التاسع)، وأبا القاسم بن حوقل (وكتب ~~حوالي سنة 960 للميلاد)، وشمس الدين المقدسي، وابن رستاه، وابن الفقيه (وكتبا حوالي سنة 900 للميلاد)، وابن واذح أو ~~اليعقوبي (المتوفى سنة 874 للميلاد)، وهو حجة عظيم القدر، غير أن «فيل» لا يعرف عنه شيئا، والمسعودي (وكتب حوالي سنة ~~960 للميلاد)، وهو كاتب دقيق الملاحظة، وما كتبه ذو قيمة كبرى في وصف آثار الإسكندرية. # ابن قتيبة (828-889 للميلاد) خلف «كتاب المعارف»، وهو عبارة عن قاموس تاريخي لتراجم حياة الأعلام، وقد قال عنه ~~«فوستنفلد»: «إنه أقدم الكتب التاريخية المحضة التي بقيت إلى الآن من مؤلفات العرب.» ولكن الظاهر أنه أخذ أخباره من ~~الرواية الشفوية وحدها بغير أن يرجع إلى المدونات، وقد أكثر النقل عنه متأخرو المؤلفين العرب، غير أنه لم يأت في أخباره ~~عادة إلا بالقليل، وأسلوبه غير مفصل ولا مستفيض، وذلك أمر غير عجيب، بل هو المتوقع منه. # والآن فلننتقل إلى ذكر علم من أشهر الكتاب، ومن أجلهم قدرا في أكثر ما كتب، ~~وهو الطبري (839-923 للميلاد)، وقد ولد في بلاد طبرستان، واسمه مشتق منها، وتلقى كثيرا من العلم، ثم ضرب في البلاد، ~~فذهب إلى العراق والشام ومصر، ودرس القرآن والحديث والفقه والتاريخ، ثم عاد إلى بغداد وأقام بها، واشتغل بالتدريس ~~والكتابة، وأخباره في العادة دقيقة، ويعنى بها عناية كبرى، ويفصل فيها تفصيلا وافيا مجليا، ولكن من أكبر ما يدعو ~~للأسف أن كتابه ناقص نقصا عظيما في أخبار فتح مصر؛ فإن روايته في ذلك قليلة قلة شديدة، وزيادة على قلتها قد دخلها خلط ~~كبير في كل ما ms017 يتعلق بوصف البلدان وتواريخ الحوادث، وذلك يدعو إلى كثير من التضليل. على أننا نرى أنه من الجائز أن يكون ~~العيب في ذلك عيب النساخ، وليس عيب المؤلف؛ إذ قد يكون النساخ قد اختصروا الأصل، ولم تكن لهم خبرة تسددهم في اختيار ~~ما يجب اختياره، وإغفال ما يجمل بهم إغفاله من الأخبار والروايات التي أوردها المؤلف بعضها إلى جانب بعض في ديوانه. ولعل ~~ذلك يوضح لنا العلة في أمر عجيب في ذلك الكتاب؛ إذ جاء فيه ما قد يفيد أن فتح الإسكندرية قبل فتح منفيس أو ~~مصر. # والمؤرخ المسيحي سعيد بن بطريق معروف معرفة عظيمة باسم آخر أكثر شيوعا، وهو «أوتيكيوس»؛ وعلى ذلك فلسنا في حاجة إلى ~~الإطالة في ذكره؛ فقد ولد في الفسطاط في سنة 876، وتوفي سنة 960 للميلاد، وكان عالما ممتازا في الطب والدين والتاريخ، ~~وصار بطريق الملكانية من سنة 933، واستمر عليها إلى وفاته، وينتهي ديوانه في سنة 938، وقد نسج به تاريخا سائغ المقرأ، ~~غير أنه لم يكن تاريخا نقديا، وقد جمع في نسجه كل ما وجده دونه من خيوط الأخبار في المؤلفات؛ وعلى ذلك قد حفظ أخبارا ~~كثيرة ذات شأن كبير، وديوانه فيه غلطة ثابتة في التاريخ مقدارها ثماني سنوات، سوى ما فيه فوق ذلك من الأخطاء وخلاف ~~المتفق عليه. # ودوننا كاتب مسيحي آخر، وهو الأسقف القبطي للأشمونيين، نعني ساويرس (ابن المقفع)، وكتب تاريخ حياة البطارقة، وهو كتاب ~~لم ينشر، ولا يعرف عنه إلا القليل، اللهم سوى ما أخذ عنه رينودو في كتابه، وتوجد ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب؛ ~~إحداها في المتحف البريطاني، وهي مما تخلف من نحو القرن الخامس عشر، والثانية في المكتبة الأهلية (بباريس)، وهي من نحو ~~القرن الرابع عشر، والثالثة وهي قبل هاتين بمدة طويلة، ولعلها من نحو القرن الثاني عشر، وهي في حيازة مرقس بك سميكة (مرقص ~~باشا سميكة) في القاهرة. وكتاب ساويرس عظيم الفائدة فيما يتعلق بتاريخ الكنيسة، غير أنه ليس فيه كبير غناء فيما سوى ذلك ~~من أخبار الدنيا، وقد كان ms018 يعيش في القرن العاشر، ولكن لم يتحقق تاريخ وفاته الصحيح. والنسخة الخطية التي في باريس بها ~~مقدمة من كتابة محبوب بن منصور، وهو شماس كان بالإسكندرية في النصف الأخير من القرن الحادي عشر، وقد كان يحرر في كتاب ~~«تاريخ حياة البطارقة»، وقد قال ساويرس في مقدمته التي كتبها بنفسه: إنه كان يلجأ إلى بعض القبط ليترجموا له الوثائق ~~القبطية واليونانية إلى اللغة العربية؛ إذ إن اللغتين المذكورتين كانتا حتى عند ذلك غير معروفتين لأكثر المسيحيين. وهذا ~~عظيم الدلالة؛ إذ يظهر الحال من الاضمحلال التي هوت إليها لغة القبط ولغة اليونان، كما أنه يظهر جهل ساويرس بهاتين ~~اللغتين. والحق أن ذلك الدليل على جهل اللغة القبطية عجيب مدهش، حتى ليلوح لنا أنه لا يكاد يصدق (انظر ثبت الكتب ~~المخطوطة في باريس، طبعة دي سلان، صفحة 83). # فلنمض الآن من التاريخ الكنسي الذي كتبه ساويرس المصري إلى الرسالة التي كتبها الماوردي عن الأحكام السياسية، وكان ~~الماوردي من بغداد (975-1058)، وقد بلغ أعلى شأو في ميدان الفقه والقضاء والسياسة، وكان ممتازا بسعة علمه ودقة حكمه، كما ~~كان ممتازا باستقامته واستقلاله وعزة نفسه، وكتابه في «الأحكام السلطانية» مؤلف نفيس، فيه قوة في البيان وعمق في ~~البحث، وهو عمدتنا فيما نعرف عن نظام الضرائب في الإسلام، كما أنه عمدتنا في كثير غير ذلك من مسائل الشريعة ~~والعرف. # وإذا نحن استثنينا هذا الكتاب لم نجد إلا فراغا منذ القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر، حتى نأتي إلى عصر كتاب الإدريسي ~~في الجغرافيا، وكان الإدريسي من أهل الأسفار، ولما بلغ من العمر ستين عاما نزل ضيفا كريما على بلاط الملك روجر الثاني ~~في صقلية، وكتاب الإدريسي يحوي طائفة من الأخبار القيمة. وأتى بعده بفترة قصيرة كتاب ابن الأثير (1160-1232)، ثم كتاب ~~أبي صالح، وكان يعيش في العصر نفسه، وكتب حوالي سنة 1200، ولعله ولد قبل مولد ابن الأثير ببضع سنين، ثم يلي ذلك كتاب ~~ابن خلكان «وفيات الأعيان». وكان ابن الأثير من أهل ما بين النهرين، وكان أكثر درسه ms019 للعلم في الموصل وبغداد، وقضى معظم ~~حياته في الدرس والأدب، ولكنا لا نستطيع أن نجعله في الميدان الذي نحن فيه إلا في مرتبة دون مرتبة كبار المؤرخين، ولعله ~~نقل أخبار الفتح عن كتاب الطبري، وما جاء فيه من ذلك لا يزيد الأمر إلا تحييرا. ومن أعجب الأمور أن كتابه الذي يسميه ~~«الديوان الكامل» تزيد قيمته بعد أن نخرج من فترة الفتح، حتى إنه ليخيل إلينا أن القضاء جرى بأن يلقي أخبار الفتح في ~~مجاهل النسيان. وأما ابن خلكان فقد كان صديقا لابن الأثير، وخلف كتابا في تراجم الأعيان، وقد نقلنا عنه كثيرا من ~~الأخبار، وتوجد نسخة قيمة من ذلك الكتاب في اللغة الفرنسية، نشرها # Mac Guckin de Slane ~~، ~~وكتاب أبي صالح «تاريخ الكنائس والديارات» معروف اليوم، والفضل في ذلك يرجع إلى نسخة المستر # B. T. ~~Evetts # التي طبعت في أكسفورد. # وأما تاريخ مصر القصير الذي ألفه عبد اللطيف البغدادي، فقد كان معروفا من زمن ~~طويل، والفضل في ذلك راجع إلى نشرة «ويت» مع ترجمتها اللاتينية، وقد ولد عبد اللطيف في بغداد في سنة 1161، ورأى كثيرا ~~من الحروب مع الصليبيين في أيام السلطان صلاح الدين مع أنه لم يكن من الجند، على أنه سافر في بلاد الشرق الأدنى، وأقام ~~مدة طويلة في مصر، وكان قصده من زيارتها في أول الأمر أن يسمع حكمة «الميمونيين». # 4 # وقد اشتهر بالعلم شهرة واسعة؛ لما كان عليه من معرفة بالطب والفلسفة والتاريخ، ولكن خدمته للتاريخ ينقص منها ~~ما في أخباره من قصر واختصار، ومن الاستطراد في كتابته وتنقله من أمر إلى آخر. # ياقوت (1178-1228) هو كاتب شائق، وأكثر ما كتبه موثوق به، وقد ولد في بلاد ~~الدولة الرومانية، ثم بيع رقيقا في بغداد لتاجر، فكان يبعث في التجارة إلى بلاد الخليج الفارسي، ثم ترك مولاه لخلاف ~~شجر بينهما، وأخذ في تحصيل العلم، وكان يرتزق في أثناء ذلك من نسخ الكتب، ثم صالح مولاه قبل سنة 1200، وعاد إلى الاشتغال ~~بالتجارة، وسافر من أجل ذلك إلى جزيرة ms020 «كيس»، ولكنه عندما عاد من سفره وجد أن مولاه قد توفي، فاشتغل ببيع الكتب والتأليف ~~والسفر، وحوالي سنة 1213 زار مدينة «تبريز» وبلاد الشام ومصر، وبعد ذلك بسنتين سار إلى الشرق من دمشق، حتى إذا بلغ مرو ~~ألفى بها مكتبة مليئة بالكتب، وهناك بدأ كتابه «معجم البلدان»، وانتهى من كتابته في سنة 1224، ولكنه اضطر إلى الرجوع ~~لزيارة الإسكندرية، ولم يبدأ في نقل كتابه إلا في سنة 1227 في حلب، ومات وهو يشتغل في ذلك العمل في السنة التالية، وإنما ~~لمما يؤسف له أنه لم يستطع أن يعيد النظر على كتابه، وهو كتاب لا يزال ذا قيمة عظمى في التاريخ والجغرافيا. # وأما ديوان المكين أو ابن العميد، أي كتاب تاريخ المسلمين، فهو مجموعة من نتف وأخبار قصيرة مرتبة بحسب تاريخ ~~السنين، والكتاب معروف؛ إذ نشر نصه مع ترجمة لاتينية في سنة 1625، نشره # Erpenius ~~، وقد ~~نقل «جبون» عنه كثيرا، كما نقل عنه كثيرون غيره، ولم يكن ل «جبون» من المراجع العربية إلا هذا الكتاب مع بضعة كتب أخرى ~~قليلة، وقد قال رينودو فيه رأيا غير مشهور، إذ قال: # 5 # Qui Elmacinum sequuntur si Arabice nesciant, non ipsum sed interpretem sequi deprehenduntur, qui ~~ut in multis saepe falsus est, ita circa annorum Arabicorum cum Romanis comparationem saepissime (His. Pat. Alex. p. 172). # وكذلك قال فيما يتعلق بالتواريخ: # 6 # Infinitis exemplis constat hallucinari saepissime Elmacinum. # والظاهر أن المكين، كما قال رينودو، جعل ديوانه أو جزءا كبيرا منه على أساس ساويرس، وهذه الحقيقة توضح بعض السبب في ~~قلة تحريه ودقته، وقد ولد المكين حوالي سنة 1205، ولكن تاريخه ينتهي إلى ما قبل عصره بنحو قرن، وقد كان مسيحيا ~~مصريا، ولكن مؤلفه يجب أن يعد بين المؤلفات الصغيرة القيمة في نظر الباحث في تاريخ مصر. # أبو الفرج (1226-1286)، ويسمى كذلك ابن العبري؛ نظرا لأنه من أصل إسرائيلي، وقد ولد في ملطية بأرمينيا، وهو معروف ~~بكتابه «تاريخ الدول» الذي نشره «بوكوك» مع ترجمة لاتينية، وهذا التاريخ مكتوب باللغة العربية، ms021 وقد اختصره أبو الفرج نفسه ~~من كتاب أكبر كتبه باللغة السريانية، وقد جاء فيه أول ذكر مفصل لإحراق مكتبة الإسكندرية المزعوم، ولكنه لا يزيد شيئا ~~على ما نعرف من أخبار الفتح العربي. وكتابه «تاريخ الكنائس» باللغة السريانية يتعلق بالكنيسة السورية أكثر مما يتعلق ~~بكنيسة الإسكندرية، ولكن به بعض أخبار قيمة تتعلق بعصرنا الذي نعالجه، وكان أبو الفرج مسيحيا يعقوبيا، وصار أسقفا، ~~ثم صار بطريقا لطائفته. # وللنووي معجم في التراجم فيه كثير من الأخبار التي لا تتعلق بعصر خاص، ولكنا لا نجد به كثيرا مما له علاقة لازمة ~~بالفتح العربي، وقد ولد في قرية «نوا» بقرب دمشق في سنة 1232، وصرف حياته في الدرس والتعليم، ثم مات من الإعياء والجهد، ~~ولا يزال قبره محفوظا، وله في نفوس الناس مقام كبير؛ إذ يعدونه وليا من أولياء الله. # وأما القزويني المتوفى سنة 1283، فقد خلف كتابا في آثار البلاد، وهو يشبه أن يكون دليلا لوصف الآثار القديمة، ~~وقد وجدناه ذا فائدة في المسائل المتعلقة بالآثار. وكتاب أبي الفداء في وصف البلدان لا يسعنا أن نغفله؛ فهو قيم ~~لذاته، وقد زادت قيمته لما أضاف إليه «رينو» في طبعته الفائقة التي جاءت في مقدمتها مقالة ذات فائدة عظمى، وصفت فيها ~~الموارد العامة لعلم وصف البلدان في العربية. # وقد كان أبو الفداء علما من الأعلام، سليل الأسرة التي أنجبت صلاح الدين الأيوبي، ودرج في سننها من سبل الفروسية، ~~فكان يهيم بمعمعان الحرب منذ نعومة أظفاره، على أن ناحيته العقلية كانت نامية زاكية ، وصار في آخر عمره سلطانا لحماة ~~فوق ما كان عليه من سعة العلم والتبريز في الأدب، فكان بابه مقصدا للأعلام في كل ضرب من الفنون والآداب، وكان مولده في ~~سنة 1273، وكانت وفاته في سنة 1331. # ولعلنا لا نكون تجاوزنا الحدود ونحن في صدد قولنا هذا في وصف البلدان إذا نحن عرضنا لكتاب أميلنو # Geographie de l’Eg. à l’Epoque Copte ~~؛ فهو كتاب عظيم النفع، يرجع إليه لمعرفة ~~أسماء البلدان في العصر القبطي والعربي. وكذلك يجدر بنا ذكر مقال ms022 المستر «لسترانج» في مؤلفي كتب وصف البلدان من ~~العرب، وذلك في مقدمة كتابه Palestine under The Moslems ~~. # ابن خلدون (1332-1405) يذكرنا اسمه بانتشار الدولة الإسلامية على بلاد المغرب؛ فقد كان مولده في تونس، ولكن أسرته كانت ~~قد انتقلت من زمن طويل إلى بلاد الأندلس وأقامت بها، ثم تركت أشبيلية، وأقامت في سبتة قبل ميلاده بنحو قرن، وقد حصل ~~ابن خلدون العلم في تونس أولا، ثم في تلمسان، ثم لحق بسلطان غرناطة، وقام بنفسه على عقد المعاهدة مع «الدون بدرو» ~~القاسي ملك قشطالة، وقد استطاع سلطان غرناطة بتلك المعاهدة أن يعود إلى قصبة ملكه، وتاريخ ابن خلدون بحالته التي بقي ~~عليها إلى اليوم مختلط تحيط به ظلمة حيث يصف أخبار فتح مصر، على أنا نجد به نبذا ذات قيمة عظمى ظهر صدقها الناصع ~~ظهورا جليا. # المقريزي (1365-1441) نجد فيه مؤلفا مصريا إذ ولد بالقاهرة، وكتابه «الخطط والآثار» أثر نفيس من آثار العمل ~~المتصل في جمع الأخبار، وقد كان كاتبا مكثرا عظيم الإكثار، وكان مطلعا على عدد عظيم من المؤلفات، غير أن معظمها قد ~~ضاع ودرست معالمه، فهو من جهة مقدار ما كتب أعظم مراجعنا وأكبرهم شأنا، على أنه قد رجع فيما رجع إليه إلى بعض مؤلفين ~~ليسوا ذوي ثقة عظمى، ومنهم من لا يتضح معنى قوله ومنهم، من يشك في روايته، وعلى ذلك فإنه مع شدة غيرته في كتابته وعنائه ~~في عمله لا نستطيع أن نصفه بالدقة والتحري، ولا بأنه استطاع أن يحسن بناء ما وجد دونه من الأخبار. # ابن حجر العسقلاني (1372-1448) نحن مدينون له بكتابه في التراجم الذي أفادنا في ترجمة حياة «عمرو، وسواه من القواد في ~~مدة الفتح»، وكان مولده في عسقلان كما يدل عليه اسمه، ثم سافر كثيرا في بلاد الشام وبلاد العرب ومصر، وحج إلى بيت الله إذ ~~كان عمره عشر سنين، واشتغل بالتجارة ثم بالشعر ثم بالأدب، ومات وقد طعن في السن في مدينة القاهرة. # أبو المحاسن (1409-1469) كان أبوه مملوكا للسلطان برقوق، وولاه على ms023 حلب ثم على دمشق، ولكن المؤرخ نفسه ولد في ~~القاهرة وتعلم بها، وكان المقريزي أحد من تلقى عنهم العلم، وقد جمع كتابه في تاريخ مصر على طريقة هي أشبه شيء بطريقة ~~المقريزي؛ أي إنه كان يروي مختلف الروايات عن الحادث الواحد بغير أن يعلق عليها أو ينقدها أو يرجح بعضها على بعض، وإن ~~فعل كان ذلك نقدا يسيرا. # السيوطي (1445-1505) هو آخر من نذكر هنا من المؤرخين، وكتابه «حسن المحاضرة» مبني في كثير من نواحيه على كتاب ~~المقريزي؛ فهو ينقل عنه قطعا بأكملها نقلا لفظيا، وكان السيوطي من أهل القاهرة، مع أن أسرته كانت في الأصل من أرومة ~~فارسية، وحلت في أسيوط منذ ثلاثة قرون قبل مولده، وكان أبوه قاضيا في القاهرة، وعلم بالشيخانية، وخطب في مسجد ~~ابن طولون. وقد بدأ السيوطي يكتب منذ صغره، وكان يفخر بأن مؤلفاته معروفة في آسيا الصغرى، والشام، وبلاد العرب، وشمال ~~أفريقيا، وبلاد الحبشة ذاتها، ولكن غروره وتفيهقه جعلاه مكروها عند الناس، فعزل عن أعماله المختلفة في التدريس، أو ~~اعتزل العمل بها من تلقاء نفسه، ثم انتحى ناحية في جزيرة الروضة ومات بها. وكتابه في التاريخ يدل على انحطاط حتى إذا ~~قورن بكتب سلفه الأقربين، ولكن من الحق أن نقول عنه كما نقول عن سلفه، إن اختيارهم للروايات كان يحوي أخبارا لها قيمة ~~وخطر مما أغفله سواهم من أصحاب المصنفات الأخرى، أو مما ردوه ولم يروا إثباته. # على أننا لا بد أن نذكر مؤلفا آخر ذا شأن عظيم، ولم يكن من مؤلفي التاريخ، بل من الكتاب في وصف البلدان والآثار، ولم ~~يكشف مؤلفه إلا سنة 1891، نعني به ابن دقماق، ويظهر أنه مصري، وأن وفاته كانت سنة 1406. وقد نشر الدكتور «فولرز» نص ~~كتابه مع مقدمة اعترف فيها، وحق له ذلك، بما كان عليه المؤلف من سعة العلم التي تستلفت النظر، والقصد الأول للكتاب يدل ~~عليه عنوانه؛ فهو وصف لبلاد مصر، وكثير من الحقائق التي حفظها ابن دقماق في كتابه لم يسبقه إلى ذكرها أحد، وهي ms024 شائقة من ~~أروع ما كتب، ولا سيما ما كان منها في وصف آثار الفسطاط والإسكندرية، ولنضرب لذلك مثلا، فإنه يذكر أن الباب الأصلي ~~للحصن الروماني الذي كان تحت كنيسة المعلقة كان في عام 1400 مستعملا لمرور الناس، ولعلنا نرجو أن يوفق الدكتور ~~«فولرز» إلى نشر ترجمة لذلك الكتاب العجيب. # هذه إذن أمهات الكتب الشرقية التي استمددنا منها تاريخنا هذا، وليس منها واحد يذكر أخبار الفتح واضحة متصلة، بل نرى ~~واجبنا أن نقول إنه ليس منها ما يذكر تلك الأخبار دقيقة، ولا يكاد الإنسان يتصور مقدار ما فيها من خلط في التواريخ ~~والحوادث والأشخاص، ولعل القارئ يستطيع من مطالعة الملاحق التي ألحقناها في آخر الكتاب أن يتبين شيئا من مقدار ما ~~هنالك من خلط في التاريخ، ومقدار ما عانيناه من المشقة في ابتداع طريقة لضبط تواريخ الفتح الفارسي والفتح العربي؛ فالظاهر ~~أن مؤرخي العرب لا يعرفون شيئا عن تيودور القائد الأعلى لجيوش الروم، فهم يخلطونه ببعض أصاغر القواد، وهم كذلك يخلطون ~~بين قيرس وبنيامين، وبين فتح قطر مصر وفتح مدينة مصر وفتح الإسكندرية، وأما معاهدة بابليون فهم يخلطونها بمعاهدة الإسكندرية، # 7 # وكذلك لا يميزون بين فتح الإسكندرية الأول الذي كان صلحا، وبين فتحها الثاني الذي كان عنوة في مدة ثورة ~~منويل. والحق أننا لا ندعي أننا قد جلونا هذه الظلمات، فإنا لم نعمل سوى أن حاولنا تبيين أكبر مواطن الخلط، والوصول إلى ~~الحقائق التي غطى عليها تناقض الأخبار. وقد حاولنا كذلك أن نكتب بغير تحيز إلى جانب القبط أو العرب؛ فبدأنا درس هذا ~~التاريخ وكان الاعتقاد السائد أن القبط قد ساعدوا العرب ورحبوا بهم، غير أننا اضطررنا إلى أن نعتقد أن التاريخ قد ظلم ~~القبط في ذلك ظلما فاحشا، وكذلك بدأنا درسنا على الاعتقاد الشائع أن العرب أحرقوا مكتبة الإسكندرية، غير أنا اضطررنا ~~إلى أن نرى أن التاريخ قد ظلم العرب في ذلك ظلما فاحشا كذلك، وقد رحبنا بالرأيين الجديدين معا؛ إذ كنا ممن يحملون ~~لكلا الشعبين العربي والقبطي أكبر الإعجاب. ms025 على أننا لا يحملنا ذلك على الانحياز لأحدهم، فما كان لنا إلا قصد واحد، وهو ~~أن نصل إلى الحق. غير أننا نرجو أن يهتم العرب والقبط جميعا بسعينا هذا الذي سعينا إليه في تمييز الحق وتصفيته من ~~الباطل، وفي جلاء عصر شديد الظلمة من عصور تاريخ مصر. # وكنا في كتابة الألفاظ العربية نسير على النظام المتبع في نشرة مطبعة «كلارندرن» لكتاب أبي صالح، وهو النظام الذي ~~أقره كثير من العلماء الإنجليز باستعمالهم إياه. على أننا لم نجد من الضروري أن ننقل وفق هذا النظام ما دخل إلى اللغة ~~الإنجليزية من الألفاظ العربية وصقله الاستعمال، مثل محمد # Mohammed ~~، وعمر # Omar ~~، ومكة # Mecca ~~، ~~والقاهرة # Cairo ~~، وكنا نحذف أداة التعريف كما فعل من قبلنا المستر # Le Strange # في بحثه «بغداد». ولقد كان من العسير في بعض الأوقات أن نختار صورة للفظ من ~~صور له متعددة بين يونانية وقبطية وعربية، فمثلا آثرنا استعمال لفظ # Nikiou ~~، وهو يوناني ~~قبطي؛ إذ كان هو المستعمل عند الفتح، وفضلناه على لفظ نقيوس، وهو الصورة العربية لاسم تلك المدينة؛ إذ إن تلك الصورة ~~تكاد تكون ميتة اليوم، ولكنا عند ذكر الفيوم رأينا من اللازم استعمال ذلك اللفظ المألوف، وفضلناه على الصورة القبطية ~~لذلك الاسم وهي «بيوم»، أو الصورة اليونانية الرومانية «إقليم أرسنويه»، وهذا الاختلاف كان في أكثر الأحوال مقصودا على ~~ذلك ولو كان خطأ، ويجب ألا يضاف إلى بيان الأخطاء الغير المقصودة أو وجوه النقص في الكتاب. # ولا بد لنا أن نشكر الدكتور المبجل «ر. ه. شارلز» إذ أعارنا ترجمته لكتاب حنا النقيوسي، والمستر «ف. ك. كونيبير» إذ ~~أعارنا ترجمة إنجليزية لكتاب سبيوس، وللمستر «ب. ت. افتس » أن أعاننا بترجمة نبذ كثيرة من الكتب العربية، والمستر «و. أ. ~~كروم»، والمستر «أ. و. بروكس»، والأستاذ «فولرز»، الأستاذ في «يينا»، لما قدموه لنا من الاقتراحات ووجوه النقد. ولا بد ~~لنا أن نذكر مع الشكر والعرفان من ساعدونا أثناء زيارتنا القريبة لمصر، ونخص منهم فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي ~~الديار المصرية؛ ms026 إذ قد قدم لنا بعض قطع اختارها أو كتبها خاصة بالفتح، ومرقص بك سميكة إذ ساعدنا بأن راجع معنا نسخة من ~~تاريخ ساويرس، كما قدم لنا كثيرا من الأيادي في وجوه مختلفة لم يدخر فيها وسعا، وجناب ماكس هارتز بك إذ قدم لنا ~~كثيرا من البيانات عن الحصن الروماني حصن بابليون، وعن سوى هذا من أمور خاصة بالفن والآثار، والكبتن ليونز # R. E. # بنظارة الأشغال العامة، والمنسنيور «ب. كازانوفا» مدير المعهد الفرنسي، والمستر ~~«أ. أ. فلوير» رئيس مصلحة التلغرافات؛ إذ قدموا لنا كثيرا من المساعدات فيما يخص أسماء المواضع وخطط البلاد عموما. ~~وفوق كل ذلك أبادر بأحر الاعتراف بفضل صديقي المبجل المفضل «العميد بوتشر» بالقاهرة؛ إذ أتاح لي فرصة زيارة القاهرة ~~مرة ثانية من أجل هذا الكتاب، وقد كان لا يفتر عن أن يغمرني بعطفه وتشجيعه، وهو يتابع خطواتي في هذا العمل، ويضيء لي ~~السبيل فيه. # ألفريد ج. بتلر # أكسفورد، في 22 سبتمبر سنة 1902 # الفصل الأول # | خروج هرقل # استهل القرن السابع والدولة الرومانية تلوح كأنها تنحدر من حال الاضمحلال إلى حال الذهاب والفناء، وقد كانت تلك ~~الدولة قبل ذلك بستين عاما قد أبلغها سلطان جستنيان إلى بلاد القوقاز وبلاد العرب شرقا، وإلى أعمدة هرقل # 1 # غربا، وقد كان لذلك العاهل شخصية قوية ملكت على الناس عقولهم، حتى لكان يخيل إليهم - كما قال القائل - ~~«أن العالم كله أضيق من أن يسعه». # 2 # وقد كان مجده وأبهة ملكه مساويين لقوته وسلطانه، وكان حزمه عدلا لمجده، حينا من الدهر على الأقل، وكان فوزه في ~~ميادين العلوم والفنون فوزا باهرا، حتى إنه ليبز انتصاره في ميادين الحروب؛ فإن عملية الجليلين اللذين يقترنان باسمه ~~لا يزال باقيا منهما قانونه ومجموعة أحكامه يسايران الأيام، مشهودا لهما أنهما عمدتان في فقه القانون، في حين أن كنيسة ~~«أيا صوفيا» لا تزال على مر الأيام ماثلة يشهد لها الدهر أنها أبدع أثر وأجل مثل في طراز البناء البيزنطي. # على أن خطر الاضمحلال كان ماثلا حتى في أيام «جستنيان»؛ ms027 فقد توالت النوازل على الدولة حتى خشي عليها، فمن فساد خلقي ~~إلى آخر سياسي. وزادت عليها نكبات طبيعية؛ فاجتاح الوباء بلاد الشرق كلها بادئا من مدينة «الفرما»، ثم ما زال يعصف ببلاد ~~مصر جائسا خلالها إلى أن بلغ بلاد «لوبيا»، وأنشب مخالبه في فلسطين وما يليها من بلاد فارس إلى القسطنطينية. وأعقب ~~الوباء الزلزال، فدمر من المدن ما قد يعدل ما أصاب أهل الدولة من «الموت الأسود»؛ فكانت آخر أيام ذلك العاهل القانوني ~~تغشاها سحابة دكناء من الهم وتوقع البلاء. وما كادت أيام حكم خلفه «جستن» تقترب من نهايتها حتى كانت حكومة الدولة ~~تتصدع، وقد كانت أيام ذلك الحكم قصيرة ولا روح فيها، وانتهى العاهل منها بالجنون. فلما جاء بعده «تيبريوس» سنة 578 أمل ~~الناس أن يكون أسعد طالعا من سلفه، وقد كان يرجى منه على الأقل أن يسعى ليوقف تيار الاضمحلال، ولكن الأجل لم يمهله ~~حتى يظهر قدره، فخلف لمن جاء بعده، وهو «موريق»، خزائن خاوية، وشعبا متذمرا، ودولة غير متماسكة. # وما كان لمثل ذلك الكرب أن ينفرج إلا على يدي رجل له أعظم عقل، ولا يخطئ له رأي. ولم يكن «موريق» بذلك الرجل، مع أنه ~~كان يقصد خيرا؛ فقد أفسد عليه خططه وخيب سياسته عيب طالما أفسد أحسن الخطط والآراء عند تنفيذها، ألا وهو قلة ~~الاعتداد بتغير الظروف والأحوال سفها وجهلا، فأدخل على جيشه بدعا يريد بها إصلاح شأنه، وكان ذا دراية بفنون الحرب ~~وخططه، وما أحسن ما كتبه في ذلك الشأن، غير أن ذلك لم يحفظ كتائبه من الهزيمة، ثم إنه عمد إلى الاقتصاد، وأخذ نفسه بذلك ~~أخذا شديدا لكي يصلح من حال الدولة المالية، فخاب سعيه فيما قصد إليه، ولم يفد إلا أن أمل شعبه وأبعده عنه كرها، ~~فثار به، ورمى بالتاج مزدريا إلى جندي جاهل مشوه الخلقة، وهو «فوكاس». # وكانت الدولة عند ذلك كأنها سائرة إلى الدمار لا ينجيها منه شيء؛ فكان حكم «فوكاس» حكما ظالما، قائما على جيش ~~فاسد، تدعمه عصبة فاسدة من الأشراف، ms028 حكما تتناقص هيبته وقوته كلما بعدت عن قصبته ميلا فميلا، وسلط على أنحاء ~~الدولة سوط عذاب من الحكم السيئ، حتى لأصبحت وأقل بلادها عذابا تلك الأقاليم التي تستعر فيها الحرب مع الفرس أو مع ~~همج الشمال. # وفي الحق لم يكن في بلاد الدولة الرومانية ما هو أشقى حالا من مصر؛ فقد سعى «جستنيان» جهده ليجبر القبط الذين ليسوا ~~على مذهب الدولة (الأرثوذكسي) فيدخلهم في ذلك المذهب، ولكن امرأته «ثيودورا» عملت من جانب آخر، فأفسدت بعض سعيه؛ إذ كانت ~~تعطف على مذهب هؤلاء الأقباط عطفا ظاهرا. # 3 # على أن ذلك العطف ما عتم أن قضى عليه الإمبراطور «جستن» وعفا أثره؛ ومن ثم عاد الكفاح الشديد الذي ثار ~~قديما بين طائفتي «الملكانيين» و«المونوفيسيين»، # 4 # وصار أشد سعيرا، ولم يكن عند قبط مصر هم أكبر منه يملأ قلوبهم ويملك عليهم آمالهم؛ فلم يكن عجبا على ذلك ~~أن يسمع صليل السلاح بين حين وحين في مدينة الإسكندرية نفسها، وأن تمتلئ أرض الصعيد بعصابات اللصوص وقطاع الطرق، # 5 # ويغزو أكنافها البدو وأهل النوبة، بل لم يكن عجبا أن تضطرب الأحوال في مصر السفلى، فتصبح ميدانا للشغب ~~تثور بها فتن بين الطوائف توشك أن تكون حربا أهلية، # 6 # ولم يكن عجبا أن يكون هذا في بلاد أصبح الحكام فيها لا هم لهم إلا أن يجمعوا المال لخزائن الملك البيزنطي ~~وحاشيته، وأن تكون لمذهبهم الديني اليد العليا بين أهل البلاد؛ فصار الحكم على أيديهم أداة لا تؤدي إلا إلى الظلم ونشر ~~الشقاء؛ فالحق هو أن بلاد مصر إذ ذاك كانت جميعها تضطرم بنار الثورة، ورغبة الخروج لا يغطيها إلا غطاء شفيف من ~~الرماد. # بدأ حكم «فوكاس» في نوفمبر سنة 602، وفي ذلك اليوم لبس التاج في حفل عظيم حسب الرسوم المعروفة، ألبسه إياه البطريق ~~«قرياقوس» في كنيسة القديس حنا بالقسطنطينية، ودخل المدينة من الباب الذهبي، فسار فيها بين صفوف من العمد الجليلة، وفي ~~الطرق الكبرى تحيط بموكبه الناس يهللون له في سرور كبير. غير أنه ما أتت سنة ms029 609 حتى كانت بلاد الدولة كلها هائجة ~~تتهيأ للثورة، ثم بدأت الثورة في «بنطابوليس»، والرواية المشهورة لتلك الحوادث هي أن «كريسبوس» صهر «فوكاس» - زوج ابنته ~~- استوجب أن غضب عليه الملك غضبا هائلا؛ وذلك بأن أقام تمثاله وتمثال عروسه في ميدان السباق؛ فلما أن فسد بذلك ما ~~بينه وبين الملك، شرع كريسبوس يدبر لحميه ثورة، ودعا هرقل حاكم إفريقية لينفذ ما دبره. أما الحقيقة فهي أن هرقل كان ~~يدبر أمر ثورة لم يكن فيها صادرا عن أمر «كريسبوس»، وقد ذكر تلك الحقيقة «قدرينوس» ذكرا صريحا لا شك فيه، ولم يكن ~~«كريسبوس» صهر الإمبراطور بالرجل الذي يقدر أن ينهض بادئا بأمر؛ فلما أن سمع بما ثار من الاضطراب في «بنطابوليس» قويت ~~نفسه، فأنفذ سرا إلى الثائرين كتبا يحثهم فيها على ما هم فيه، ويعدهم بالمساعدة إذا ما استطاع «هرقل» أن يسير إلى ~~القسطنطينية، وقد كان «هرقل» قد تقدم في السن، فلم يكن قادرا على مثل هذه المجازفة، # 7 # فما كانت سنه بأقل من خمسة وستين عاما، إلا أنه رأى دونه ابنه وسميه «هرقل»، وكان عند ذلك في مقتبل ~~العمر، ورأى صديقه «نيقتاس»، وكان نائبه ووكيله الأكبر، فما أسرع أن وجد فيهما الأداة الصالحة لإنفاذ خطته. # وقد أساء كثير من الناس فهم خطة الحرب، فذكر «جبون» - وهو حجة فيما يقول - رواية ~~تافهة خلع عليها قوة بذكره إياها، وهي أن هرقل ونيقتاس اتفقا على أن يسير أحدهما بحرا والآخر برا قاصدين إلى العاصمة، ~~فمن سبق إليها كان جزاؤه أن يفوز بالتاج. # 8 # ولا تنس أنهما ابتدآ من «قيرين»؛ # 9 # فإذا هما قد ابتدآ ومع كل منهما قوة من الجيش مساوية لما مع الآخر، لم تكن قسمة عادلة، وكان سباقهما ~~سباقا لم يكن قبله أكثر منه ظلما وحيفا؛ فإن هرقل لم يكن عليه إلا أن يجوز البحر الأبيض، ثم يساحل بلاد اليونان ~~ومقدونيا، ثم يقذف بعد ذلك بجيشه على العاصمة، في حين أن «نيقتاس» كان عليه - على ما جاء في تلك الرواية - أن يسير إلى ms030 ~~مصر، فينزعها من يد «فوكاس»؛ ومن ثم كان عليه أن يسير سيرا طويلا منهكا إلى فلسطين وسوريا وقليقيا وآسيا الصغرى؛ ~~فهب أنه في مثل تلك الحال فاز فوزا مبينا في عدة مواقع باهرة، وهب أن كل مقاومة له خبت نيرانها، وانطفأ لهيبها، ~~هب كل ذلك تجد أنه ما كان مع ذلك ليستطيع أن يتابع سيره في السباق لنيل الجائزة لفوات الوقت عنه إذا لم يكن لشيء ~~سواه؛ ولهذا نرى أن الأمر لم يكن كما جاء في تلك الرواية. وإننا لو صدقنا وجود فكرة مسابقة بين متنافسين يكون التاج ~~فيها لمن سبق - وهذا ما نستبعده ونشك فيه كل الشك - نقول لو صدقنا ذلك لكان خط السير أبسط مما تزعم الرواية، وأقرب إلى ~~أن يكون السباق معه عادلا على سواء. إنه لا شك في أن إقليم «بنطابوليس» لم يكن فيه ما يكفي لما يقوم بحاجة جيش عظيم، فما ~~بالنا بما يكفي جيشين؟ ولم يكن على قائد كل فرقة من الفرقتين أن يكتفي بالذهاب إلى «بيزنطة»، بل كان لزاما عليه أن يرفع ~~علم الثورة حيث يسير، وأن يجمع المؤن والأمداد، ثم يجتمع كل منهما بأخيه حتى يضربا العاصمة ضربة تتصدع لها. فاستقر ~~الرأي على إنفاذ هذه الخطة، بأن يذهب «هرقل» بحرا، وأن يسير «نيقتاس» في البر - لا شك في هذا - ولكن الذي جهله «جبون» ~~ومؤرخو اليونان، ولم يقدروا على الفطنة إليه، هو أن الغرض الذي رمى إليه «هرقل» هو مدينة «سلانيك»، وكان القصد الذي رمى ~~إليه «نيقتاس» هو مدينة «الإسكندرية»، وأن نجاح الخطة المشتركة كان متوقفا على انضمام هاتين المدينتين للثوار، أو ~~خضوعهما لهم. # إنه لا يكاد يكون شك في أن هرقل كانت له صلات وثيقة بأهل «سلانيك» أو بحزب منهم، وأن «نيقتاس» كان يتوقع أن يلقى في مصر ~~ترحيبا وتسهيلا، وأنه إن لقي مقاومة فلن تكون إلا مقاومة يسيرة. على أن توقعه لم يصدق، وفشل حسبانه؛ إذ صمد له عدو ~~شديد المراس لم يكن يتوقعه، فوقف في سبيله. وإني أرى من الواجب ms031 علي أن أؤكد مرة أخرى - مفندا لقول جبون - أن ~~«نيقتاس» لم يكن له إلا قصد واحد وهو فتح مصر، وأن مصر كانت من خطة العمل مع «هرقل» بموضع القطب تدور عليه رحاها، وأنها ~~كانت العقبة لا عقبة سواها بينه وبين القسطنطينية؛ فإذا هو فتحها ملك بذلك الفتح أرضا يستطيع أن يجند منها الجنود، ~~وتمكن من «مزرعة النيل» تخرج له القمح والخيرات، ووضع يده على ميناء الإسكندرية وما فيها من السفين؛ فإذا تم له ذلك كان ~~من أشد الحمق أن يقتحم بجيشه الشام وآسيا بدل أن يذهب عامدا نحو الدردنيل فيلتحق بجيوش هرقل. وعلى ذلك فقد كانت الخطة كما ~~يلي: # كان على هرقل أن يبحر بسفنه إلى «سلانيك»، وأن يعد هناك أسطولا قويا وجيشا جرارا، في حين أن «نيقتاس» كان عليه ~~أن يملك الإسكندرية - وهي المدينة الثانية في الدولة جمعاء - فإذا هو ملكها قطع عن القسطنطينية ما كان يبعث إليها من ~~قمحها، ووضع يده على موضع يستطيع فيه أن يجهز سرية بحرية يرمي بها «فوكاس»؛ فإذا لم يتهيأ له ذلك أمكنه على الأقل أن ~~يقطع عن «فوكاس» كل إمداد من ذلك القطر. # 10 # وهذه الحادثة لا يذكرها مشاهير مؤرخي بيزنطة إلا عرضا في بضعة أسطر، ولا يكاد أحدهم يدرك مكان مصر وخطورة محلها من ~~هذه الثورة، ولكن قد انبعث نور جديد على تاريخ مصر منذ كشف كتاب حنا النقيوسي، أو بقول أدق منذ نقلت إلى لغة ~~أوروبية ترجمة لنسخة مخطوطة باللغة الأثيوبية من «ديوان أخبار حنا أسقف نقيوس»، وكانت «نقيوس» إذ ذاك مدينة عظيمة من ~~مدن مصر السفلى، وكان حنا نفسه يعيش في النصف الثاني من القرن السابع للميلاد، وكان لا بد قد اتصل بكثير من الشيوخ ~~المعمرين الذين شهدوا الحوادث التي أدت إلى سقوط «فوكاس»، أو بمن يكون عندهم ذكر منها؛ فديوان أخباره على ذلك له خطر ~~كبير، ويسترعي النظر فيه دقة روايته وتحريه الحقيقة، إلا في مواضع شوهت فيها النسخة المخطوطة تشويها، وذلك مع أن ~~هذا الديوان نقل من ms032 لغته الأصلية إلى لغة أخرى. حقا إن فيه بعض أغلاط، وفيه مواضع لا يتفق ما يذكره فيها مع سائر ~~الحوادث، ولكن يعوض ذلك ويكفر عنه أن الكتاب يكشف من الحقائق شيئا كثيرا كان مجهولا؛ فالحق أن ذلك الديوان يبعث ~~من لدنه نورا جديدا عجيبا يكسو تاريخ الدولة الرومانية الشرقية، وتاريخ بطارقة الإسكندرية، وتاريخ مصر عامة في ذلك ~~العصر الذي قل أن يوجد عصر مثله في خطره ومكانه، على أنه عصر قد أهمل أمره إهمالا لا تبرره قلة ما ورد عنه، ونقص ~~ما تخلف من آثاره، وفوق كل هذا فديوان حنا يكمل من نواح عدة ما جاء في الروايات الأخرى من نقص، ويصحح ما يشوبها من ~~خطأ، مثل روايات «تيوفانز» و«قدرينوس» و«نيقفوروس». # الفصل الثاني # | النضال من أجل مصر # وإن شئت قلت إن الناس لا نعلم من ديوان الأسقف المصري أنه قد كان ثمة بعض قتال في إقليم البنطابوليس نفسه؛ فقد جمع ~~هرقل هناك جيشا من ثلاثة آلاف جندي منفقا في سبيل ذلك أموالا عظيمة، واجتمع لديه فوق ذلك جيش مما يسميه ذلك ~~المؤرخ «الهمج»، وكانوا بلا شك من البربر، وقد جعل هؤلاء تحت قيادة «بوناكيس»، وهو تحريف في اللغة الأثيوبية لاسم ~~يوناني؛ فانتصر بفضل هذا الجيش نصرا لم يكلفه كبير عناء على قواد الدولة، وهم «مارديوس» و«إكليزياريوس» و«إيزيدور»، ~~واستطاع بوقعة واحدة أن يقضي على قوة فوكاس في ذلك الجزء من أفريقيا، وفي الوقت نفسه أرسل «كيسيل» حاكم طرابلس كتيبة ~~لعلها ذهبت إلى جنوب بنطابوليس. وعلى كل حال فإن نيقتاس بدأ السير عند ذلك نحو الإسكندرية مساحلا، ثم لحق به في بعض ~~المواضع «كيسيل» و«بوناكيس»، ولم يكن ثمة ريب في أنه سينزل على الرحب في كل مكان حتى يبلغ أكناف القطر المصري؛ ذلك بأن ~~«ليونتيوس» حاكم مريوط - وهو الإقليم المصري في غرب الإسكندرية - كان قد استماله القوم، فوعدهم بجند كثير. # ويظن الناس أن مثل هذا السير إذا حدث اليوم حدث في صحراء مجدبة لا يكاد الماء يوجد بها، ولكن قامت أدلة كثيرة ms033 على ~~أنه قد كان في القرن السابع في ذلك الإقليم كثير من المدن العامرة، وبساتين من النخيل، وأرض واسعة ذات خصوبة، وهو إقليم ~~لا يعرف فيه الآن، وإن شئت قلت إن الناس لا يتصورون منه إلا أنه فياف من صخور ومن رمال محرقة. وهذا الأمر له خطر ~~وشأن كبير عند الرواد، وعند من يهمهم الدرس والعلم؛ ولهذا نستميح القارئ عذرا إذا نحن قلنا فيه كلمات قليلة. # ذكر بطليموس أن إقليم «قيرين» ينتهي عند الجانب الشرقي لمدينة «دارنيس»، ومن ثم يبدأ إقليم «مرمريكا»، ومنذ قلنا إن ~~«نيقتاس» قد سار إلى الشرق فإنه لا بد قد مر ببلاد كثيرة، منها مدينة «أكسيلس» و«بالوفيوس» و«بطراقس» و«أنتيبرجوس» ورأس ~~«قطينيوم»، وكل هذه كانت في إقليم «مارماريكا». وكان أول إقليم «لوبيا» عند مدينة «بانورموس»، وكانت به مدائن كثيرة منها ~~«قطابتموس» و«سيلنوس» و«بريطونيوم»، # 1 # وهي «أمونيا» بحسب تسمية «سترابو» لها. وكانت «بريطونيوم» قصبة الإقليم، وفيها مقر الحاكم، ويلوح أن ذلك ~~الاسم ما زال باقيا في الاسم العربي «البرطون». وكان ما يلي ذلك من الشرق في الإقليم ذاته مدينة «هرميا»، ويليها ~~«لوكاسبيس»، وكان أول إقليم «مريوط» في منتصف المسافة بين «لوكابيس» و«كيموفيكوس»، وكانت أكبر مدائن هذا الإقليم مدينة ~~«بلينطين» في «تينيا»، ومدينة «تابوسيريس الكبرى»، وحصن «الكرسونيسوس»، ومدينة «مارية»، وهي مريوط. # وترد في كتب «بطليموس» و«سترابو» أسماء مدائن أخرى. ومن المحقق أن إقليم مصر في القرن الأول كان ينتهي حيث يبدأ إقليم ~~«قيرين»، وأنه لم يكن يفصل بين الإقليمين مفازة من أرض لا يمكن السير فيها. وقد طرأ على إقليم «لوبيا» فيما بعد شيء من ~~الفساد والخراب حتى أتى القرن السادس، فأصبح «جستنيان» يعوض الحاكم عن فقر إقليمه بأن ضم إقليم «مريوط» إلى حكمه. على أن ~~الطريق بين بنطابوليس والإسكندرية بقي مع ذلك محفوظا، مراحله محددة، وليس به من قطوع تذكر، ولا من عائق يعوق السير ~~به، بل وما زال الطريق متصلا قائما إلى اليوم الذي نصفه في هذا الكتاب. وهذا أمر ثابت قام عليه الدليل القاطع؛ ذلك ~~لأنا ms034 نعلم أن الجيش الفارسي سار في أوائل القرن السابع بعد فتح مصر ليفتح بنطابوليس وكان سيره في البر، ثم عاد بعد أن ~~فاز فوزا مبينا في غزوته تلك. ويقول «جبون» إن تلك الغزوة قضت قضاء تاما على المحلات اليونانية في مدينة «قيرين»، ~~ولنذكر أن ذلك لم يكن إلا بعد سنوات تسع من غزوة «نيقتاس»، ولكن «جبون» قد أخطأ الصواب كل الخطأ؛ إذ زعم أن جيوش «كسرى» ~~جرت على ذلك الإقليم ذيل الخراب والعفاء؛ فالحق أن تلك الجيوش أحدثت بالإقليم ضررا عظيما، ولكنه لم يكن تخريبا قضى ~~عليه، ولا تدميرا لا قيام بعده، بل إن الأمر كان على خلاف ذلك؛ فإن عمرو بن العاص ~~العربي عندما فتح الإسكندرية بعد نحو ثلاثين سنة من ذلك الحادث اتجه نظره بالطبع إلى إقليم بنطابوليس، وسار نحوه فاتحا ~~«برقة» و«قيرين»، وليس في وصف تلك الفتوح ما يدل على أن ذلك المسير كان عملا حربيا خطيرا، ولا أن العرب تغلبوا فيه ~~على صعاب طبيعية. # إنه ليس شيء أبعد عن الحق من أن يقول قائل إن الطريق إلى غرب مصر كان يشق فيافي قاحلة؛ فلدينا من الأدلة ما يذكر ~~صريحا أن كل أرض الساحل الواقعة إلى غرب مصر بقيت آهلة يزكو بها الزرع حتى مضت قرون ثلاثة بعد الفتح العربي. ويذكر ~~المؤرخ العربي «المقريزي» أن مدينة «لوبيا» قاعدة لإقليم يقع بين الإسكندرية و«مراقية». وذكره لهذين الاسمين على هذه ~~الصورة يدل على أن الاسمين القديمين «لوبيا» و«مرمريقا» قد بقيا في اللغة العربية لم يكد يعتريهما تغيير. وقال المقريزي ~~في موضع آخر إن إقليم بنطابوليس يبدأ بعد مدينتي «لوبية» و«مراقية». وجاء في كتابي «القضاعي» و«المسعودي» ما يتفق مع ~~هذا الدليل. وكان في إقليم «لوبيا» أربع وعشرون مدينة ما عدا القرى الصغيرة. وقال المقريزي في وصف «مراقية» نقلا عن ترجمة «كاترمير»: # 2 ~~«مدينة مراقية كورة من كور مصر، وهي آخر حد أراضي مصر، وفي آخر أرض مراقية تلقى أرض أنطابلس (بنطابوليس)، وهي ~~برقة، وبعدها عن مدينة سنترية نحو من بريدين ms035 (وقدر ذلك أربعة وعشرون ميلا)، وكانت قطرا كبيرا به نخل كثير ~~ومزارع، وبه عيون جارية، وبها إلى اليوم بقية، وثمرها جيد إلى الغاية، وزرعها إذا بذر ينبت من الحبة الواحدة ~~من القمح مائة سنبلة، وأقل ما تنبت تسعون سنبلة، وكذلك الأرز بها جيد زاك، وبها إلى اليوم بساتين متعددة. وكانت ~~مراقية في القديم من الزمان يسكنها البربر الذين نفاهم داود - عليه السلام - من أرض فلسطين، فنزلها منهم خلائق، ~~ومنها تفرقت البربر؛ فنزلت زناتة ومغلية وصريسة الجبال، ونزلت لواتة أرض برقة ... إلخ. فلما كان في شوال سنة أربع ~~وثلاثمائة من سني الهجرة المحمدية (916 ميلادية)، جلا أهل لوبيا ومراقية إلى الإسكندرية خوفا من صاحب برقة، ~~ولم تزل في اختلال إلى أن تلاشت في زمننا، وبها بعد ذلك بقية جيدة.» # 3 # والكلمات الأخيرة، كما هو ظاهر، تقصد المدينة وليس الإقليم، وهي ذات دلالة كبرى؛ لأنها تصف ما بقي من آثار المدينة حتى ~~سنة 1400 للميلاد. وإنا لذاكرون هنا أمرا على سبيل الاستطراف، وذلك أن خرائط الملاحة لأهل البندقية كانت فيها حوالي سنة ~~1500 سلسلة غير منقطعة من الأسماء على هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط، ولكن المقريزي يحدثنا حديثا آخر عن ~~مريوط، فيقول إنها كانت قديما تزدحم بها البيوت والحدائق، وكانت أرض الإقليم كله حدائق منثورة إلى حدود برقة غربا. وكانت ~~مريوط في أيامه مدينة تابعة لإقليم الإسكندرية، وإليها كانت ترسل ما تثمره حدائقها من الفاكهة الكثيرة. ويقول ~~«شمبوليون» إنها كانت عاصمة لمصر السفلى في أيام الإمبراطورية المصرية القديمة، ثم اضمحل أمرها شيئا فشيئا. وكانت في ~~أيام «فرجيل» و«سترابو»، كما يشهدان بذلك، معروفة بجودة خمرها على الأقل، وتقع أطلالها اليوم على اثني عشر ميلا إلى غرب ~~الإسكندرية، ولكنها لا تكاد تكون معروفة لأحد. على أن الأرض التي تحت الرمال من الغرين، وهذا يعزز ما كان يعرف عنها ~~قديما من الخصب. # فمن الجلي إذن أنه قد كانت قبل فتح العرب لمصر سلسلة متصلة من المدائن، وأرض ~~فسيحة من مزارع أولها عند الإسكندرية ms036 إلى أن تبلغ «قيرين»؛ وأن مسير «نيقتاس» بجيشه هناك لم يكن به من الشدة ما يستوجب ~~مهارة كبرى في القيادة، ولا جلدا عظيما على تحمل المشاق. وأغلب الظن أن ما يوصف به الطريق في الوقت الحاضر من ~~الوعورة فيه كثير من المبالغة؛ فإن الحجاج المسلمين يسلكون ذلك الطريق من مراكش وتونس وطرابلس سائرين على أقدامهم بقرب ~~الساحل. وتكثر آثار الإغريق والرومان في تلك البلاد، ولكن أهلها اليوم من أشد الناس تعصبا؛ فالبدوي المتنقل هناك يمنع ~~تلك الأرض أن تطأها قدم الباحث المتنقل؛ ولهذا بقيت يجهلها التاريخ وعلم الآثار القديمة أكثر مما يجهل البقاع القاصية في ~~قلب الصحراء، مع أن سواحلها يحف بها البحر الأبيض المتوسط، وتكاد تكون على مدى البصر من بلاد إيطاليا واليونان. وهذا ~~بالطبع راجع إلى سببين معا؛ إلى حكم الترك، وإلى شدة البدوي في عقيدته. وهما سببان اجتمعا فكانا كافيين لأن يجعلا ~~التنقل هناك متعذرا يكاد يكون مستحيلا؛ # 4 # فلو أتيح لتلك البلاد أن تكون يوما تحت حكم دولة متمدينة لأصبحت ميدانا فسيحا للبحث والتنقيب، وقد يكون ~~من الممكن أن تسترجع شيئا من خصبها القديم ورخائها الماضي إذا ما أقيمت بها الأعمال الهندسية الملائمة لها. # وبعد، فإنا قد خرجنا عما كنا بصدده من القول، وطال بنا القول في سواه، على أن ذلك يساعدنا على أن ندرك حقيقة سير ~~«نيقتاس» بجيشه في تلك الأراضي، ومنه نستطيع أن نعرف أنه لم يلق في طريقه إلا قليلا من المشاق، على أنه لا شك قضى في ~~سيره زمنا طويلا، وكانت المؤامرات أثناء هذا يتلو بعضها بعضا بين أحزاب يكيد بعضها لبعض في عاصمة القطر المصري؛ فقد ~~اشترك رجلان في مؤامرة ليقتلا «فوكاس» ويجعلا التاج بعده لهرقل، وكان أحد هذين الرجلين «تيودور» بن «ميناس» الذي كان حاكم ~~الإسكندرية تحت حكم الإمبراطور «موريق»، وكان الثاني «تنكرا»، ويظن زوتنبرج خطأ أنه قد يكون «كريسبوس»، وكان بطريق ~~الإسكندرية الملكاني الذي أقامه «فوكاس» لا علم له بهذه المؤامرة، ولكن «حنا» حاكم الإقليم وقائد الحامية، ورجلا آخر ms037 اسمه ~~«تيودور» كان مراقب الأموال العامة، نقلا إلى البطريق نبأها، ثم اشتركوا ثلاثتهم في إرسال خطاب ينذرون به «فوكاس» ~~بالخطر. # وكان الإمبراطور يعرف حق العلم ما كان عليه المصريون من تقلب الأحوال وقلة الثبات؛ # 5 # ولهذا كان يريد أن يستميلهم؛ فأرسل إليهم منذ حين عددا كبيرا من الأسود والفهود لتعرض على الناس، ثم أرسل ~~مع ذلك عددا من القيود وآلات التعذيب تصحبها خلع سنية وأموال لكي توزع على أصحابه وأعدائه لكل ما يستحقه؛ فلما ~~جاءه كتاب البطريق تظاهر بأنه لا يعبأ بما كان يتهدده من خطر، ولكنه لم يتردد في عزمه، ولم يهن في عمله؛ فقد كان عالما ~~بالحاجة الشديدة لأن تبقى مصر في يده مهما تكلف في سبيل ذلك؛ فدعا حاكم «بيزنطة»، واستوثق منه بيمين محرجة على أن يبقى ~~على ولائه، ثم أرسله مع إمداد عظيم إلى الإسكندرية، وإلى المصالح الكبرى مثل «منوف» و«أثريب» في مصر السفلى، وأرسل في ~~الوقت عينه أوامر مستعجلة إلى «بنوسوس» في سوريا يدعوه أن يأتي بكل ما يستطيع حشده من الجنود إلى مصر؛ لأن «بنوسوس» كان ~~عند ذلك في «أنطاكية»، وقد أرسل إليها ولقب «أمير الشرق» لكي يقضي على ثورة لليهود إذ وثبوا على المسيحيين، وكانت ~~ثورتهم أقرب إلى أن تكون دينية من أن تكون سياسية، على أننا لا نستطيع في أكثر الأحوال أن نميز بين خيوط الدين وخيوط ~~السياسة في نسيج حوادث ذلك العصر. وقد قام «بنوسوس» بعمله ذلك قياما لك أن تصفه بما شئت، فإما قلت خير قيام وإما قلت شره؛ ~~فقد أنفذ عمله بأن قتل الناس جملة بين من شنق أو أغرق أو أحرق، وبين من عذب أو رمي للوحوش الكاشرة، واستحق بذلك أن ~~يقترن اسمه باللعن والخوف. وفي الحق أنه كان رجلا ممن يثلج قلب «فوكاس» ويقر عينه، كان «ضبعا مفترسا» يعرس في ~~القتل؛ فلما أن جاءته رسالة «فوكاس» تلقاها بقلب ملؤه السرور. # كان «نيقتاس» في هذه الأثناء يقترب من الإسكندرية من الجانب الغربي، وسلمت له مدينة «كبسين» - وربما كانت ms038 هي حصن ~~«كرسونيسوس» - فأعتق حاميتها، وأخرج من كان في السجون من الحزب الثائر، ثم استمر بهم في سيره، وأرسل دعاة يسبقونه داعين ~~إلى الثورة فيما حول «ترعة الثعبان» - وسميت بذلك لتعرج سيرها - وكانت على مسافة قريبة من المدينة، ولكنه رأى أن ~~الجيوش الإمبراطورية راصدة له تسد عليه الطريق، وكانت منيعة في العدد والعدة، فدعا «نيقتاس» قائدها أن يسلم قائلا: ~~«تنح عن طريقنا، ثم اصبر على حيادك حتى تضع الحرب أوزارها؛ فإن كانت الدائرة علينا لم يضرك ذلك، وإذا كانت الدبرة لنا ~~فإنا جاعلوك حاكم مصر، ولكن على كل حال قد انتهى حكم فوكاس.» فأجابه القائد جوابا قصيرا إذ قال: «سنقاتلكم حتى نقتل ~~في سبيل فوكاس.» ثم ابتدأت الواقعة. وأكبر الظن أن ذلك القائد هو الذي أقسم أن يحمي الإمبراطور، وكان أصدق في حربه من سائر ~~جنوده، وأثبت جنانا، فانتصر «نيقتاس» نصرا مبينا، وقتل القائد الإمبراطوري، وجعل رأسه على سنان رمح ورفع مع الأعلام ~~المنتصرة، ودخل الجيش الظافر من «باب القمر» إلى المدينة فلم يلق فيها بعد ذلك كيدا. وهرب «حنا» حاكم البلد و«تيودور» ~~مراقب الأموال العامة، فاحتميا بكنيسة «القديس تيودور» في الجانب الشرقي من المدينة، في حين هرب البطريق الملكاني إلى ~~كنيسة «القديس أثناسيوس»، وكانت على مقربة من شاطئ البحر. ولا يذكر لنا «حنا» أسقف «نقيوس» شيئا عما آل إليه أمر ~~البطريق، ولكنا نعرف من غيره من الرواة أنه هلك. # اجتمع القسوس والعامة عند ذلك، وأجمعوا رأيهم على مقت «بنوسوس» ومن كان معه من الوحوش المفترسة، ورحبوا جميعا ~~بقائد «هرقل»، ثم رفعوا رأس القائد المقتول على باب المدينة، ووضعوا أيديهم على قصر الحاكم وأبنية الحكومة، كما استولوا ~~على خزائن القمح والأموال العامة، ثم أخذوا كنوز «فوكاس»، وملكوا جزيرة «فاروس» وحصنها وكل ما هنالك من السفن. ولم يكن ~~العمل الأخير بأقل أعمالهم خطرا؛ فإن جزيرة «فاروس» - كما قال «قيصر» من قبل ذلك بزمن طويل حين رآها وعرف خطرها - كانت ~~مفتاحا من مفتاحي مصر، وكانت «الفرما» هي المفتاح الآخر. ولما ملك «نيقتاس» ms039 عاصمة القطر أرسل «بوناكيس» لينشر علم ~~الثورة في مصر السفلى. وقد كان عمله هينا؛ فإن المصريين في كل مكان كانوا يكرهون حكم «بيزنطة». فدخلت المدائن واحدة بعد ~~أخرى تحت لواء جيش الخلاص، وفتحت «نقيوس» أبوابها وفيها مطرانها «تيودور»، وقام حزب الثورة في «منوف» فنهب دار الحاكم ~~«أرستوماكوس»، ودور من كان هناك من كبار الرومانيين، وأصبح جل المدائن وجل حكام الأقاليم مع أعداء «فوكاس»، ثم عاد ~~«بوناكيس» إلى العاصمة بعد حملة موفقة منصورة. «سبنيتس» أو سمنود؛ إذ ثبت «بول» عمدة المدينة إلى جنب لوائه، وكان صديقه ~~«كسماس» مريضا أقعده الشلل، ولكنه كان يتقد شجاعة وأنفة، فكان يحمل في المدينة ليبث حماسته في قلوب الحامية. وكذلك ~~كان الحال في «أثريب»؛ # 6 # إذ رفض الحاكم «مرقيان» أن يدخل في زمرة الثائرين، وكان صديقا آخر من أصدقاء «بول»؛ فكأن الحرب كانت لا تزال ~~جذعة. # وكان «بنوسوس» قد بلغ في سيره مدينة قيصرية عندما أتاه نبأ سقوط الإسكندرية، فحفزه ~~ذلك النبأ إلى أن يكون عمله أشد قسوة، ثم وضع جنوده في السفن من ذلك الثغر واتجه نحو الجنوب مسرعا؛ وهناك إما أن يكون ~~قد أنزل فرسانه على حدود مصر، وإما أن تكون فصيلة من الفرسان لقيته آتية من فلسطين. وكانت خطته أن يذهب إلى «أثريب» ~~ليمنع سقوطها في يد عدوه؛ فقسم أسطوله إلى قسمين لكي يصل إلى تحقيق غرضه؛ فأما أحدهما فإنه سار في الفرع الأكبر الشرقي ~~للنيل، وأما الثاني فقد سار في الفرع «البلوزي»، وجاءت الفرسان معقبة في أثره من البر. وكان في أثريب عدا الحاكم ~~«مرقيان» سيدة ذات بأس اسمها «كرستدورا»، وكانت تنصر جانب الإمبراطور يدفعها دافع انتقام شخصي، وجاء إليها «بول» ~~و«كسماس» من منوف ليشتركوا جميعا في الرأي، ويدبروا أمر الحرب. وقد أرسل مطران «نقيوس» ومراقب الأموال «ميناس» يطلبان ~~إلى «مرقيان» و«كرستدورا» أن يرميا تماثيل «فوكاس» ويذعنا لأمر هرقل، وكان ذلك عندما سمعا بقدوم «بنوسوس»، وبلوغه البرزخ ~~الشرقي مع جنوده، ثم جاءت الأنباء بعد ذلك أنه أخذ مدينة «الفرما». وكان من قواد ms040 هرقل في جيش عند «أثريب» اثنان، وهما ~~«بلاتو» و«تيودور» - والحق أنه يخيل إلينا أن لا نهاية لعدد الأشخاص الذين اسمهم «تيودور» - فكانا يرقبان زحف «بنوسوس» ~~فزعين خائفين، وأرسلا إلى «بوناكس» على عجل رسالة يطلبان فيها المعونة؛ فما أبطأ «بوناكس» في أن يسير على الفرع الغربي ~~للنيل (الفرع البولبيتي) حتى بلغ «نقيوس»، وهناك علم أن «بنوسوس» وصل إلى «أثريب». وترك «بنوسوس» تلك المدينة وراءه، وسار ~~على الترعة التي تخرج من النهر ذاهبة إلى الغرب نحو منوف، وسار معه «مرقيان» و«كسماس» والمرأة التي لا يفل حدها، ولا ~~تكل همتها «كرستدورا». # سار «بول» عندئذ بمن معه ليلحق بجيش «بنوسوس»، وما كاد الجيشان الإمبراطوريان يجتمعان حتى جاء «بوناكس» وحل تجاههم، ~~واستحر بعد ذلك القتال واستعر، وكان فيه القضاء؛ فإن جيوش الثوار لم يبق منها فل، بل هزمت هزيمة تامة، فقذف بجزء ~~منها في الترعة، وقتل منها من قتل، وأسر من أسر، ووضعوا في القيود، وأخذ «بوناكس» نفسه أسيرا ثم قتل صبرا. ولقي ~~قائد آخر اسمه «ليونتيوس» عين ما لقيه «بوناكس». وأما «بلاتو» و«تيودور» فقد استطاعا الهرب، واعتصما بدير قريب من ~~المكان. ولم يكن في «نقيوس» قوة على مقاومة جيش «بنوسوس» المنتصر مع أنها كانت ذات حصون؛ وعلى ذلك خرج المطران «تيودور» ~~ومراقب الأموال «ميناس» ومعهما الإنجيل والصلبان في موكب مهيب، سائرين إلى القائد المنتصر، نازلين على حكمه، راجين ~~عفوه. وكان خيرا لهما أن يلقيا بأنفسهما من أعلى أسوار مدينتهما؛ فقد أودع «ميناس» السجن، وغرم 3000 قطعة من الذهب، ~~ثم أذيق العذاب بأن جلد جلدا طويلا، ثم أطلق سراحه، فلم يبق إلا قليلا ومات من الجهد. وأما «تيودور» فقد أخذه ~~«بنوسوس» معه إلى «نقيوس» وقد دخلها عندئذ بجيشه، فرأى عند باب المدينة تماثيل فوكاس وهي محطمة على الأرض، وقد شهد ~~«مرقيان» و«كرستدورا» أن ذلك إنما من فعل المطران «تيودور»، فأمر بأن تضرب عنق ذلك المسكين. وأعقب ذلك قتل القائدين ~~«بلاتو» و«تيودور»، وثلاثة من أعيان منوف، وهم «إيسيدور» و«حنا» و«جوليان»، وكانوا جميعا قد هربوا، فالتجأوا إلى ms041 دير، ~~فأسلمهم رهبانه خاضعين. وأما عامة الأسرى فقد نفى «بنوسوس» منهم من كانوا في خدمة الإمبراطور «موريق»، وقتل سائرهم ممن ~~كانوا قد دخلوا الجيش وحملوا السلاح تحت لواء «فوكاس». # ارتدت موجة النصر عند ذلك، وأوشكت أن تذهب إلى جانب الإمبراطور الحاكم، وصار «بنوسوس» بمثابة سيد مصر السفلى، وأسرعت ~~جيوش الثوار من كل صوب نحو الإسكندرية تسلك الترع الكثيرة التي تخترق أرض تلك الجهات؛ وذلك لأنهم كانوا يخشون الحرب، ولا ~~يأمنون أن يسلموا، وكان من أسهل الأمور على «بنوسوس» أن يسير من «نقيوس» في الفرع الغربي من النيل ثم يسير في الترعة ~~المؤدية إلى الإسكندرية. # كان «نيقتاس» على استعداد كامل للقاء عدوه، وقد حشد في المدينة جيشا كبيرا، بعضهم من جند منظمة، وبعضهم من أحابيش، ~~فيهم البحري والمدني، يعززهم الحزب الأخضر # 7 # في المدينة، وكانت دور الصناعة دائبة على عمل السلاح والحديد، ووضعت الجنود على الأسوار ومعهم آلات الدفاع ~~القوية، ويلوح أن «بنوسوس» أرسل «بول» لكي يأتي المدينة من الجنوب بأسطول من السفن. ولعل ذلك كان عند الموضع الذي تدخل فيه ~~الترعة إلى المدينة من بابين عظيمين من الحجر، بناهما «طاطيان»، وحصنهما في أيام الإمبراطور «فالنس»، ولكن لما جاء أسطول ~~«بول» حتى صار على مدى الرمي من آلات الدفاع بالمدينة، قذفت عليه الحجارة الضخمة قذفا مريعا، فوقعت بين السفن تحطم ~~منها، فلم يستطع «بول» أن يقترب من الأسوار، وأمر سفنه بالرجوع خوف أن تغرق أو تتحطم؛ فانظر ما بلغته مجانيق الإسكندرية من ~~القوة في ذلك الوقت. # الفصل الثالث # | خيبة بنوسوس # يظهر أن «بنوسوس» وإن كان قد جعل سيره بحذاء ترعة كليوباترا، وهي أكبر الترع ~~التي تخرج من الفرع البلبيتي ذاهبة نحو الإسكندرية، قد اتخذ سبيل البر على الأقل في المرحلة الأخيرة من مسيره، وقد نزل ~~أول منزل له في «ميفاموميس»، ثم نزل في «دمكاروني» بحسب رواية الأسقف المصري. ولسنا نجد وصفا لهذين الموضعين في كتاب ~~«زوتنبرج»، حتى إنهما ليحيران من يسمع بهما أول الأمر. غير أنه ورد في سياق ذلك الكتاب ms042 أن «ميفاموميس» هي «شبرا» في وقتنا ~~هذا، وهذه لا بد أن تكون «شبرا» القريبة من دمنهور. ويذكر «شمبوليون» مدينة اسمها «موممفيس»، # 1 # ويقول إنها على سبعة فراسخ من دمنهور إلى جهة الغرب، ويسمي المدينة الأخيرة «تيمنهور» بحسب ما كانت معروفة به ~~عند المصريين القدماء؛ وعلى ذلك فلسنا نتردد في أن نقول إن «ميفاموميس» هي بعينها «موممفيس»، وإن موضعها بقرب دمنهور، ~~ولكن «شمبوليون» لا يمكن أن يكون على حق في قوله إنها هي عينها «بانوف خت» التي سماها العرب «منوف السفلى»، والتي يقول ~~ذلك العالم الفرنسي إنها على مسافة واحد وعشرين ميلا من «دمنهور»، وهي مسافة يستحيل تصورها. # أما «دمكاروني» فلا يستطيع الإنسان أن يذكر اسما شبيها في كتاب آخر، ولكنا إذا علمنا أن «دم» أو «تم» كان حرفا ~~يوضع في أول أسماء البلاد في اللغة المصرية القديمة، ومعناه «مدينة»، إذا ذكرنا ذلك لم يكن ثم موضع للشك في نظرنا أن ~~«دمكاروني» هي الاسم القبطي لمدينة «كيريوم» أو «كريون». # 2 # وهذا التفسير يتفق كل الاتفاق مع وصف ذلك الإقليم؛ فإن «كريون» كانت واقعة ~~إلى الغرب على الترعة التي كان «بنوسوس» يسير عليها، وذلك يتفق مع ما ورد في الكتاب، وهي فوق ذلك في نحو منتصف المسافة بين ~~الإسكندرية ودمنهور؛ إذ هي على نحو ثمانية وثلاثين كيلومترا من الإسكندرية، وعلى نحو واحد وثلاثين كيلومترا من ~~دمنهور. # سار «بنوسوس» من «كريون» ولم يلق كيدا إلى أن بلغ الجانب الشرقي من العاصمة، وهناك وقف بجيشه على مرأى من أسوار ~~المدينة، وعقد النية على أن يهاجمها في غده، وهو يوم الأحد. وإنه لمما نتوق إليه لو استطعناه أن نعرف الوسائل التي ~~كان يطمع أن يصدع بها الأسوار العالية والحصون المنيعة التي كانت تحرس تلك المدينة الكبرى. # 3 # غير أن أهل الإسكندرية لم يكونوا في حال يستطيعون معها صبرا على الحصار؛ فيقال إن قديسا من أهل صعيد مصر اسمه ~~«تيوفيلوس» (الواثق بالله)، أو «صاحب الاعتراف»، كان يعيش على رأس عمود. ويلوح أنه تلقى فوق ذلك العمود ms043 الحكمة والكياسة، ~~فنصح «نيقتاس» أن يخرج ويناجز أعداءه القتال. فخرج بجنوده، ووقف بهم داخل «باب أون»، وكان الطريق الأكبر الذي يشق المدينة ~~طولا طريقا واسعا فسيحا، فكان فيه ما يتسع لحشد الجيش. أما اسم «باب أون» فلا يفسره «زوتنبرج»، ولا يجد الناظر إليه ~~لأول مرة أي شبه بينه وبين علم معروف من أعلام الإسكندرية، ولكنا نجد في موضع آخر من الكتاب أن اسم «أون» مرادف ~~ل «عين شمس»، واسم «عين شمس» هو الاسم العربي للمدينة المشهورة ب «هليوبوليس»، وكان الاسم المصري القديم لهليوبوليس هو ~~«أون»؛ ف «باب أون» على ذلك هو الباب المتجه نحو مدينة «هليوبوليس»، ويمكن فوق ذلك أن يقال إنه هو بعينه الباب المعروف ~~ب «باب الشمس»، وهو في نهاية الطرف الشرقي لذلك الطريق الواسع الذي كان يشق الإسكندرية من الشرق إلى الغرب، كما أن «باب ~~القمر» كان عند نهاية الطرف الغربي منه، وكان يقطعه عند مفترق واسع طريق آخر يتجه بين الشمال والجنوب. ولنا أن نقول هنا ~~إن كثرة ورود الأسماء المصرية القديمة، كما هو ظاهر من استعمال اسم «أون» هنا وفي أسماء وردت في مواضع أخرى، يدل دلالة ~~قوية على أن «حنا النقيوسي» كتب هذا الجزء من ديوانه الأصلي باللغة القبطية. # والآن فلنعد إلى ما كنا فيه؛ فإن الجيوش الإمبراطورية أتاها الأمر عند ذلك أن تزحف على المدينة يقودها قائد فارس، ~~فتقدموا ولكنهم قبل أن يقتربوا من المدينة أرسلت عليهم النيران المحرقة من مجانيق عظيمة كانت تزمجر وتخور فوق الأسوار ~~والآطام، وأصابت إحدى تلك المقذوفات القائد فكسرت فكه، وأردته صريعا لم تمهله، وأصابت أخرى قائدا ثانيا فقتلته؛ ~~فتردد الزاحفون وقد أوقعت هذه المجانيق فيهم الرعب والاضطراب. وعند ذلك أمر «نيقتاس» جيشه بالخروج من المدينة، ففتح «باب ~~الشمس» وخرج الجيش منه، فوقف صفا، وحمل على العدو حملة صادقة ثلم بها صفوفه، واستحر القتال، ثم انجلى عن شطر جيش ~~«بنوسوس» شطرين، ووقعت على أثر ذلك الهزيمة. ولما رأى «نيقتاس» أن أكثر المنهزمين يسرعون نحو الشمال، سار بجماعة من ms044 ~~رديفه، وهم من جنود السودان، وخرج من باب آخر قريب من كنيسة «مار مرقص» في الجهة الشمالية من المدينة تجاه البحر، وعند ~~نهاية السور من الشمال الشرقي؛ فما لبث أن سبق المنهزمين الفارين وأخذ عليهم السبيل، فردهم من حيث جاءوا، فكانوا في ~~رجوعهم بين مستهدف تحت الأسوار تحصده القذائف من حجارة وسهام، وبين جانح نحو البساتين يلجأ إلى حوائطها ذات الأشواك، ~~فيحصر هناك ويقتل. وأما من هربوا من جيش «بنوسوس» نحو اليسار، أي إلى الجنوب، فقد وجدوا أنفسهم حيال ترعة تقطع عليهم ~~سبيلهم، وكانت سيوف العدو تلمع من ورائهم وهم يتبعونهم، فأخذ الخوف بقلوبهم وأذهل ألبابهم، فصاروا يخبط بعضهم بعضا خبطا ~~بالسلاح وقد أعمى الهول أبصارهم. # وهكذا تمزق جيش «بنوسوس» كل ممزق، وكان بين القتلى «مرقيان» حاكم «أثريب» ~~و«ليونتيوس» و«فالنس» وكثير من الأعيان، وكان للواقعة من الأثر ما جعل الحزب الأزرق نفسه يتخلى عن «فوكاس»، ولكن «بنوسوس» ~~نجا بنفسه وارتد إلى قلعة «كريون»، وكريون مدينة سيأتي ذكرها بعد ثلاثين عاما عند مسير العرب بقيادة عمرو إلى ~~الإسكندرية، وكانت واقعة على كلتا ضفتي الترعة الآتية من النيل إلى العاصمة، ويصفها «ابن حوقل» بأنها كانت في أيامه ~~مدينة كبيرة جميلة تحيط بها الحدائق، وهي لا تزال باقية إلى اليوم، ولكنها قرية صغيرة. ولسنا ندري أي عمل قام به «بول» ~~وأسطوله في أثناء هذا القتال، فلعله كان يناجز جانبا من جيش العدو في الجنوب الغربي من المدينة؛ فلم يكن قريبا هو ~~وأسطوله من محل القتال، ولم يساعد في حرب البر، ولم تكن له يد في حماية الفارين. # فلما سمع «بول» بعد ذلك بتلك الهزيمة القاضية، سولت له نفسه أن يسلم ويلتحق ~~بأصحاب «نيقتاس»، ولكنه مع ذلك ثبت في جانب حزبه، واستطاع أن يتقهقر بوسيلة من الوسائل إلى مدينة «كريون» حيث لحق بالقائد ~~«بنوسوس». ولا بد لنا أن نقر بالإعجاب على كره منا بما كان لهذا القائد «بنوسوس» من قوة الجنان وسعة الحيلة؛ فإنه لم ~~يدر في خلده ساعة أن يخرج هاربا من النضال، ms045 فسار مسرعا في الترعة إلى أن بلغ فرع النيل الغربي، ثم سار في النهر ~~صعدا إلى «نقيوس»، وكان جنوده لا يزالون يحمونها، فجمع هناك أسطوله، وأصلح من شأنه، واستطاع أن يسيطر على النهر بعد أن ~~دمر عددا كبيرا من سفن الإسكندرية. وإذ كان غير قادر على لقاء «نيقتاس» مرة أخرى، اتخذ سبيله في ترعة أخرى (ولعلها ~~ترعة الروجاشات) سائرا نحو مريوط، ثم سلك ترعة الثعبان التي في غرب الإسكندرية قاصدا نحو مريوط يريد أن يستولي عليها، ~~ويجعلها قاعدة له يجهز منها السرايا إلى الإسكندرية، ولكن «نيقتاس» بلغه خبر هذه النية، فأمر أن تهدم القنطرة التي عند ~~«دفاشير» بقرب مريوط؛ وبذلك سد مجرى الترعة، وحال دون إتمام ما أراد عدوه. # فثارت ثورة «بنوسوس» عندما علم بهذا الفشل، وعزم على أن يدع الحرب الصريحة، وأن ~~يقتل «نيقتاس» غيلة؛ فأوعز إلى أحد جنوده أن يذهب إليه كأنه رسول جاء ليفاوضه في أمر التسليم وشروطه، وقال له: «خذ معك ~~خنجرا صغيرا، واجعله تحت ردائك، فإذا ما اقتربت من «نيقتاس» فضعه فيه، واخرق به قلبه حتى تتركه قتيلا، ولعلك تقدر أن ~~تنجو في أثناء الاضطراب الذي يعقب ذلك، فإذا أنت لم تستطع النجاة فقد مت شهيدا في سبيل حماية الإمبراطورية، وسأجعل ولدك ~~جميعا في قصر الملك أتعهدهم بنفسي، وأجري عليهم الأرزاق مدى حياتهم.» ذلك كان تدبير «بنوسوس»، ولكنه فشا؛ إذ أذاعه ~~خائن؛ فإن رجلا ممن كان معه اسمه «حنا» أرسل كتابا ينذر فيه «نيقتاس» ويحذره، حتى إذا ما جاء الفاتك إليه أحاط به ~~الحراس وفتشوه، فوجدوا معه الخنجر مخبوءا، فضربوا به عنقه. # فلما خاب «بنوسوس» في كيده سار في البر إلى «دفاشير»، وشفى غله بأن أحدث في أهلها مقتلة عظيمة، وجاء «نيقتاس» يسعى ~~للقائه، غير أن «بنوسوس» كان يعلم أنه من الحمق أن يخاطر بمناجزته القتال بمن معه وهم فلول ضعيفة، فعاد أدراجه على ذلك، ~~وعبر نهر النيل، والتجأ إلى «نقيوس» ليتحصن فيها مرة أخرى. وأما «نيقتاس» فإنه لم يتبعه إلى العدوة الأخرى، بل بقي ms046 في ~~غرب النهر وسار إلى مريوط، فأخذ المدينة والإقليم، ووضع فيهما جندا كثيرا. وكان شديد القلق لما لقيه من استماتة عدوه ~~وشجاعته، وسرعة حركته التي كان يغلب بها خططه؛ ولهذا كان يقدم الحزم في مقابلة حركات عدوه الجريء، فلم يعبر (نيقتاس) ~~النهر ذاهبا نحو منوف إلا بعد أن خلص له كل ما وراءه، وثبت قدمه على الجانب الغربي من النيل، وكان في منوف حصن حصين، وهو ~~من أكبر ما أقامه «تراجان»، وكان في طاقته أن يبقى على المقاومة ما شاء لو دافع عنه من فيه دفاعا قويا، ولكن الناس ~~كانوا من غير شك يميلون إلى حزب الثوار، وكان جنود الإمبراطورية تخبو شجاعتهم برغم شجاعة قائدهم وجراءة احتياله في الحرب، ~~ففر عدد كبير من جند الحامية، وأخذ الحصن عنوة بعد قتال ضعيف. # فلما تم ل «نيقتاس» ملك ضفتي النيل وما حولهما من البلاد، سار قاصدا مدينة «نقيوس»، وقد ضيق عليها من كل جانب؛ ~~فبلغ الأمر بالقائد «بنوسوس» أن وهنت عزيمته، ففر تحت جنح الليل، ولعله انسل من بين الجيش المحاصر، وسار إلى الشرق ~~نحو «أثريب»، أو لعله هوى مع النهر إلى الشمال، ثم ضرب نحو مدينة «صان» سالكا إليها إحدى الترع الكثيرة التي هناك. وعلى ~~كلا الحالين استطاع أن يبلغ «الفرما» سالما؛ ومن ثم ركب البحر إلى فلسطين، ومنها سار في طريقه إلى القسطنطينية تشيعه ~~لعنات الناس إلى أن لحق بسيده «فوكاس». وكان فتح «منوف» و«نقيوس» إيذانا للمدن الأخرى ولسائر القواد أن يسلموا، وأسر ~~«بول» حاكم «سمنود»، وصديقه المقعد الجريء «كسماس»، ولكن الفاتح المنتصر عفا عنهما عفوا صريحا، ثم قبض «نيقتاس» على ~~زعماء الحزب الأخضر، وأنذرهم وأوعدهم إذا لم يسيروا بالحسنى؛ وذلك لأنه رآهم قد اتخذوا نصره على عدوه ذريعة للاعتداء على ~~الحزب الأزرق، ولقتل الأنفس ونهب الأموال، فتصالح الحزبان، وعقد لحكام جديدين على المدائن كلها، واستقر الأمر، وعاد ~~سلطان القانون، وصار هرقل سيد القطر المصري. # لقد كانت الحرب قتال المستميت، وطالت بها مدة الزمن، وتقلبت بها الأمور تقلبا عجيبا، تارة ms047 يبسم فيها الحظ، وتارة ~~يعبس؛ فقد رأينا البلاد في سباتها وهي جاهمة كارهة، فإذا هي تهب على صوت الصور من جيوش «هرقل»، ثم فتح «نيقتاس» ~~الإسكندرية بغير قتال يذكر، ورأينا الثورة تنتصر في مصر، ثم رأينا «بنوسوس» وهو يهوي كأنه نمر انقض على رأس مصر ~~السفلى، فاكتسح كل ما دونه حتى بلغ أسوار الإسكندرية، وصدم حصونها صدمة لم تغن شيئا، فارتد وهو كليم حسير عاجز عن ~~المضي في النضال إلا مناجزة هينة بين حين وحين، وبقي على ذلك مدة تحمد فيها شجاعته وحماسته المتقدة؛ فلما لم ~~يبق له ما يستطيع به المقاومة مكر بأعدائه الذين أحاطوا به، فهرب منهم تحت جنح الليل، ولم يمكنهم من نيل ثأرهم منه. ~~وإنها لصورة بديعة زاهية الألوان، تدل كل ناحية منها على حقيقة ما تصوره، وقد بقيت كلها مجهولة لا يعرف عنها التاريخ ~~شيئا حتى كشف عنها تاريخ «حنا» أسقف «نقيوس». # ولسنا نجد في كتب مؤرخي بيزنطة كلمة واحدة تقص علينا شيئا من أنباء هذه الحرب العجيبة التي ثارت ثورتها بمصر، اللهم ~~إلا أن «ديوان بسكال» يذكر في حوادث سنة 609 للميلاد «ثورة أفريقيا والإسكندرية»، ونجد في كتاب «جبون» - وهو يعرف كل ما ~~كتبه هؤلاء المؤرخون معرفة لا نقص فيها - خلاصة استخلصها من مطالعة ما كتبوا عن الثورة، فيقول: «احتشدت جيوش أفريقيا، ~~وجندها فتيان مقدامان (هرقل ونيقتاس)، واتفقا على أن أحدهما يسافر بالأسطول من «قرطاجنة» إلى «القسطنطينية»، وأن يسير ~~الآخر بجيشه عن طريق مصر وآسيا، وأن يكون الرداء الإمبراطوري الجائزة لمن يجد منهما وينجح. فتسرب شيء قليل من أخبار ~~ذلك العزم إلى «فوكاس»، فأخذ زوج الفتى «هرقل» وأمه رهينتين كي يبقى «هرقل» على ولائه، ولكن «كريسبوس»، وكان ماكرا ~~غدارا، هون أمر ذلك الخطر البعيد عند الإمبراطور، وأهمل أمر الدفاع أو توانى فيه، واستنام الطاغية وتراخى حتى ألقت ~~السفن الأفريقية رواسيها في خليج هلسبونت.» # 4 # ولا يرد هنا ذكر لحوادث مصر وما كان لها من الأثر في مصير الثورة، بل لقد جاء في كتاب «جبون» ms048 بعد بضع صفحات ~~من الباب نفسه وصف لدخول الفرس في مصر في أيام كسرى سنة 616 للميلاد، وفيه يقول عن مصر صراحة: «إنها كانت الإقليم الأوحد ~~من أقاليم الدولة لم تعتره غزوة من خارجه ولا حرب في داخله منذ أيام دقلديانوس.» وهذه عبارة يعجب لها الإنسان؛ لأن «جبون» ~~ينقض جزءا منها في وصفه القصير المبين لأقباط مصر في الباب الثاني؛ فالحق أن الإنسان كلما أمعن في درس ذلك العصر ~~تبين له وزاد عنده وضوحا أن مصر كانت فيه أكثر بلاد الدولة هياجا، وأيقن أن أمورها كانت في اضطراب يكاد يكون مطردا ~~منذ انعقد مجلس «خلقيدونية»، وما أكثر الأدلة على ذلك الاضطراب في ثنايا كتاب «حنا النقيوسي»، وفي كتب أخرى مثل «تاريخ ~~بطارقة الإسكندرية» الشهير الذي ألفه «رينودو». وهذه الكتب تصف اضطراب مصر بغير تعرض للقصة التي نحن بصددها؛ قصة هرقل ~~ذاتها. # وليس هذا موضع البحث في حوادث تاريخ مصر في القرنين الأخيرين من حكم الرومان، كما ~~أنه ليس موضع البحث في المراجع التي يرجع إليها في ذلك التاريخ. ويقيننا أنه إذا جاء الوقت الذي يكتب فيه تاريخ هذا ~~العهد كتابة وافية، ظهر أن ذينك القرنين كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين، نضال يذكيه اختلاف في الجنس ~~واختلاف في الدين، وكان اختلاف الدين أشد أثرا فيه من اختلاف الجنس؛ إذ كانت علة العلل في ذلك الوقت تلك العداوة بين ~~«الملكانية» و«المونوفيسية»، # 5 # وكانت الطائفة الأولى، كما يدل عليه اسمها، حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاط، وكانت تعتقد ~~العقيدة السنية الموروثة، وهي ازدواج طبيعة المسيح، على حين أن الطائفة الأخرى، وهي حزب القبط (المونوفيسيين) أهل مصر، ~~كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها، وتحاربها حربا عنيفة في حماسة هوجاء يصعب علينا أن نتصورها، أو نعرف كنهها في ~~قوم يعقلون، بله ممن يؤمنون بالإنجيل؛ فالحق أن روح التعصب الشديدة التي ثارت بمن مزقوا جسم «هيباشيا» قطعا في ~~المحراب كانت لا تزال كامنة في القلوب لم تتغير. غير أنها بعد أن كانت تدفع إلى ms049 التنكيل بفتاة جميلة يعزى إليها ذنب ~~الوثنية، صارت تثور بفرقتين كل منهما تدعي أنها ابنة المسيح، وترمي الأخرى بأنها من نسل الشيطان. وفوق هذا قد كان ~~يزيد الأمر شرا ما كان بين الحزبين الأخضر والأزرق من نضال؛ إذ كانت عداوة هذين الحزبين في مصر عداوة حقيقية بلغت أشد ~~ما بلغته عداوتهما في أي جهة من جهات الدولة الرومانية. ولم تكن تلك العداوة ناشئة عن خلاف الدين، غير أن الخلاف الديني ~~كان يزيدها ضراما. # حسبنا هذا القول لندل به على ما كانت عليه مصر في ذلك العصر من السلام في داخلها. أما ما يزعم الزاعمون من أنها كانت ~~بمنجاة من غزوات الأجانب وإغاراتهم، فيكفي لإظهار خطئه أن نذكر إغارة الفرس في أيام الإمبراطور «أنستاسيوس» حين أحرقت ~~كل أرباض الإسكندرية كما يشهد بذلك «سعيد بن بطريق»، وهو كاتب مصري المولد، وهو يذكر أن القتال ظل قائما بين المصريين ~~وغزاة الفرس في مواقع يتلو بعضها بعضا، وأن البلاد عصفت بها مخالب الخراب، فلم تكد تنجو من السيف حتى أصابتها مجاعة ~~دفعت بالناس إلى الثورة. وماذا عسانا أن نذكر عن عسف الاضطهاد، وعن المذابح وما سال فيها من الدماء، وتشجيع الحكام لذلك ~~حتى «جستنيان» نفسه؟ وماذا عسانا أن نذكر من الثورات الصغيرة مثل تمرد «أرستماخوس» في أيام الإمبراطور «موريق»، ومن ~~خروج اللصوص في عصابات منظمة، ومن غارات البدو وقبائل السودان وما يصحبها من انزعاج دائم؛ إذ كانت تلك القبائل إذ ذاك ~~كما هي اليوم خطرا يهدد حدود البلاد؟ فلئن كانت الحرب في كثير من الأحيان غير ثائرة في البلاد في الحقيقة، فإن شبحها ~~المخيف كان يتراءى لها أبدا، ويرفعه الآل على آفاقها . # فمن الواضح إذن كما ترى أن أسبابا كثيرة أدت إلى أن تكون تلك البلاد دائمة الاضطراب، وكانت الأحزاب بها كثيرة عنيفة ~~الخلاف؛ فكان لأي غاز عقد العزم على غزوها أن يعتمد على أحد تلك الأحزاب التي بها. أما «نيقتاس» فقد أعانه أن «فوكاس» كان ~~كريها عند الناس كراهة لا شك فيها؛ ذلك ms050 لأن جرائمه قد زادت على الطاقة حتى في نظر الرومانيين أنفسهم، وكان القبط يرونه ~~طاغية فتاكا، وكان فوق ذلك قطب سلطة أجنبية وعقيدة مكروهة # 6 # كان وجودها بينهم ينغص عليهم حياتهم، ويجعل عشيهم مرا. على أنه من الجائز أن «نيقتاس» أحس أن بقاءه بمصر ~~لازم حتى بعد خروج «بنوسوس» منها لكي يدعم سلطانه ويوطده. ومن سوء الحظ أن تواريخ تلك الفترة ليس من السهل إدراكها؛ فإن ~~«حنا النقيوسي» على ما يظهر يزعم أن مدة الحرب قبل هزيمة «بنوسوس» عند الإسكندرية قد وقعت في السنة السابعة من حكم ~~«فوكاس»؛ أي قبل تمام سنة 609، فتكون الواقعة ذاتها إذن قد حدثت في شهر نوفمبر من تلك السنة، # 7 # وقد تكون سائر الحوادث قد استغرقت بضعة أسابيع أخرى، ومعنى هذا أن «نيقتاس» قد تم له ملك مصر في ربيع سنة 610. ~~ومن العجيب أن أمرا واحدا لا يرد له ذكر في ديوان أسقف «نقيوس»؛ وذلك هو القسط الذي كان لحصن «بابليون» في النضال، وهو ~~ذلك الحصن القوي بقرب «ممفيس»؛ فقد كان في القوة ثاني الحصون بمصر لا تفوقه إلا الإسكندرية، ولا شك أنه قد كانت فيه قوة ~~مسلحة من جنود الإمبراطورية، وقد كان في وقت غزو العرب أول ما قصد إليه القائد العربي، وكان فتحه فصل الخطاب في انتصار ~~الهلال. وكل هذا واضح جلي يصفه ديوان ذلك المؤرخ حتى لا يسع الإنسان إلا أن يفهم من ذلك الإغفال أن الحصن قد سلم إلى ~~«نيقتاس» بغير حرب؛ فإذا صح هذا، وإذا صح أن الحرب قد وضعت أوزارها قبيل ربيع سنة 610، كان من الجلي أن «نيقتاس» لم يكن ~~يخطر له ببال أن يسارع نحو «القسطنطينية»، ولو فعل لاستطاع أن يصل إلى العاصمة البيزنطية، ويخلع «فوكاس» قبل زحف هرقل ~~بستة أشهر؛ لأنه لا محل للشك في أنه كان يستطيع أن يجهز في مصر أسطولا كافيا لغرضه هذا. حقا إن المؤرخ «قدرينوس» يقول ~~إن وقعة «بنوسوس» بأهل أنطاكية ومذبحته لهم كانت في سنة 610. ولو صح هذا لكانت الحرب المصرية ms051 كلها في خلال تلك السنة، ولكن ~~هذا التاريخ لا يتفق مع سائر ما جاء في كتاب «قدرينوس»، وهو أيضا لا يتفق مع «ديوان بسكال»، وكذلك يختلف اختلافا لا مجال ~~فيه للتوفيق مع النسخة الأثيوبية المخطوطة من ديوان حنا التي عندنا، وتواريخ ذلك الديوان - ديوان حنا - على وجه الإجمال ~~موثوق بصحتها ثقة كبيرة؛ وعلى ذلك فإنا نرجح أن التاريخ السابق هو الصحيح، ويصح لنا أن نجزم بأن «نيقتاس» بعد أن ~~أتم الغرض الذي كان موفدا إليه بأن حاز النصر على ضفاف النيل قنع بالبقاء في تلك البلاد حتى يقوم هرقل بزحفه، وعمل على ~~أن يجمع جيوش الدولة التي في مصر ويستميلها إلى جانبه، ثم أن يجمع في يده أزمة موارد البلاد العظيمة من قمح وسفن، وكانت ~~القسطنطينية تعتمد عليها اعتمادا عظيما. # الفصل الرابع # | ولاية هرقل # لنصف الآن ما كان من أمر هرقل في هذه الأثناء؛ إننا لا نعرف إلا اليسير من وصف رحلته في البحر، ولا يزيد «حنا النقيوسي» ~~من العلم شيئا كثيرا على ما يذكره مؤرخو «بيزنطة» من الوصف الضئيل؛ فإنهم جميعا مثله يقصرون وصفهم على ما حدث في ~~نهاية الأمر في القسطنطينية، غير أنه من الواضح أن سيره كان بطيئا، وأنه بدأ سيره كما بدأ «نيقتاس» في قلة من السفن إذا ~~نظرنا إلى عظم ما كان مقدما عليه، وأنه كان على سفنه جنود من الروم وجنود من إفريقية، وأنه كان عليه أن يجمع السفن في ~~أثناء سيره، ويجهز أسطولا وجيشا يكفيان لما كان مقبلا على اقتحامه من قتال «فوكاس». وقد لقي ترحابا في الجزائر ~~وفي مدائن الساحل التي مر بها، وجاءت إليه المتطوعة تترى تنضوي تحت لوائه، ولا سيما من رجال الحزب الأخضر. # 1 # وليس ثمة من يذكر أن جيوشه لقيت مقاومة، غير أنه ولا شك لم يخطر بباله أن يقصد إلى القسطنطينية بمن سار بهم ~~من جند قليل؛ فإنه لما سافر من إفريقية سار على سواحل بلاد اليونان أو من خلال جزائرها حتى بلغ «سلانيك»، فجعلها مقرا ~~لأعماله، ms052 وأقام بها مدة طويلة لا تقل عن عام وهو يجهز أسطولا وجيشا، ويوثق عرى المودة بينه وبين الكارهين لفوكاس ~~في العاصمة وزعيمهم «كريسبوس». وكانت سلانيك في ذاك الوقت كما هو معروف مدينة حصينة منيعة، وكانت إحدى مدائن قليلة في ~~مقدونية قاومت جموع الهون وسواهم من الهمج الذين كانوا يجتاحون البلاد إذ ذاك؛ # 2 # فالحق أنها كانت بابا من أبواب الإمبراطورية الشرقية تشرف على الطريق الآتية من قرطاجنة وصقلية وغرب البحر ~~الأبيض المتوسط إلى القسطنطينية؛ ففيها إذن أقام هرقل بغير قتال كما يلوح، وكان مقامه فيها عزيزا، حتى إن أحد المؤرخين، ~~وهو «سعيد بن بطريق»، ظن على ما يلوح أنه من أهل المدينة، ولكن يجب أن نذكر أن كل ما جاء في كتاب «سعيد بن بطريق» من ذكر ~~حوادث هذه الثورة كان أبتر، وفيه خلط كثير في التاريخ، وقد كان ولا شك مخطئا في هذا الزعم. # ولسنا نرى من هرقل في مدة الأشهر الكثيرة التي قضاها في «سلانيك» إلا سعيا واحدا، وهو أن يكمل خطته، ويجمع الأمداد، ~~ويذلل الصعاب. ولسنا ندري ما كانت الصعاب التي قامت في سبيله في ذلك العصر الذي لا نجد شيئا من ذكر حوادثه في دواوين ~~الأخبار، وأكبر ظننا أنه قد أبدى فيه مثل ما أبداه فيما بعد في حرب الفرس، فأعجب العالم وأدهشه من همة لا يعتريها كلال ~~مقرونة إلى حزم وبصر بالأمور. على أنه لم يفرغ من تجهيز أمره إلا في سبتمبر سنة 610، وعند ذلك أقلع الأسطول الذي جمعه، ~~وأعد ما يحتاج إليه من المئونة والعدة، ولم ينس أن يحمل معه آثار الأبرار من القديسين في السفن التي في الصدر، ورفع علم ~~الصليب على رءوس سارياتها، وجعل فوق سفينته دمية ذات حرمة خاصة، «دمية لم تنحتها أيدي البشر»، جعلها عند مقدم السفينة. ~~وانتشرت أنباء الأسطول ومجيئه إلى الدردنيل انتشار النار في الهشيم حتى بلغت العاصمة، وما كادت حتى جهرت جماعة كبيرة من ~~الشيوخ وأهل الدولة بالدخول في طاعة «هرقل»، وكان معهم «تيودور» المجيد، ولكن يلوح ms053 أن «كريسبوس» بقي قابعا لا يحرك ~~ساكنا في أول الأمر. ويقول «حنا النقيوسي» إن رعاع المدينة وغوغاءها ثارت على الإمبراطور، وشرعت تصب عليه صنوف ~~السباب. # والظاهر أن «فوكاس» لم يكن على استعداد طيب للقاء هذه الجائحة التي ظلت تعصف بآفاقه هذه المدة كلها؛ فلما جاءته ~~أنباء ثورة مصر أولا كان في مرفأ الميناء عدد كبير من السفن تحمل القمح من الإسكندرية، فأخذها وأسر من فيها من الرجال، ~~وسجنهم في حصن مشرف على مرفأ «الهبدومون»، فأقاموا هناك ما شاء الله؛ فلما عاد «بنوسوس» من غزوته بالفشل ولم يقدر على ~~استرجاع مصر، لم يعاود الإمبراطور سعيا يذكر في سبيل الدفاع؛ فكان أول ما أنذر «فوكاس» إنذارا مزعجا صوت هؤلاء ~~السجناء من أهل الإسكندرية، وقد هللوا إذ رأوا سفن هرقل مقبلة، وكان الإمبراطور عند ذاك في قصر «الهبدومون» # 3 # على مقربة من الحصن، فلم يكد يسمع ذلك حتى وثب إلى جواده، وأسرع به إلى قصر اسمه «قصر الملك الأكبر» داخل ~~أسوار المدينة. وقد وقع ذلك في يوم سبت على رواية «ديوان بسكال»، ولا بد أن يكون ذلك هو اليوم الثالث من شهر أكتوبر. وفي ~~اليوم التالي بعث «بنوسوس» في جيش ومعه المركبات الحربية الملكية للقاء من ينزل إلى البر من جنود «هرقل»، ولكن فرقة ~~المركبات ثارت ووثبت بقائدها؛ لأن «كريسبوس» كان قد استمالهم إلى حزبه؛ فهرب القائد إلى المدينة والغيظ يأكل قلبه؛ فلما ~~بلغها دفعه غيظه إلى جناية فظيعة؛ وذلك أنه جعل يقذف بالنيران على أحياء المدينة التي حول القصر المعروف ب «قيصريون»، فلم ~~يقدر على إحراقه، ولكنه استطاع أن يقاوم الذين لحقوا به من ورائه من غوغاء المدينة، وأفسد عليهم سعيهم، فلم يخلصوا إليه، ~~وهرب في زورق إلى مرسى في الميناء اسمه «ميناء جوليان»، غير أن أعداءه لحقوا به هناك، وضيقوا عليه الخناق، فحاول أن ~~يقاومهم مقاومة عنيفة، غير أن ذلك لم يجده شيئا؛ إذ كان أعداؤه جموعا كثيرة. فلما لم يقدر على شيء، ورأى الخطر منه ~~أقرب من وريده؛ قذف بنفسه ms054 في الماء فغاص به، وما إن طفا مرة حتى علاه سيف شق رأسه، وذهب بذهابه روح مارد ثائر، فغاب عن ~~أرض طالما أفسد فيها، وأخرجت جثته من الماء، فجرها الناس إلى «سوق الثيران»، فأحرقوها يجللها العار وتشيعها ~~اللعنات. # وهذه القصة قصة «بنوسوس» وموته قد جمعناها من ديوان «قدرينوس» وكتاب «حنا النقيوسي» و«ديوان بسكال»، ومن العجيب أنهم ~~يتفقون جميعا فيما يوردونه، ولا يختلفون اختلافا حقيقيا إلا قليلا؛ فقد تختلف رواياتهم ولكن اختلافها ناشئ من نقص ~~شيء أو زيادة آخر، وليس فيما بينها تناقض في ذكر الحوادث، وفوق هذا فإن مواضع الاتفاق بينهم في كثير من الأحيان واضحة ~~تسترعي النظر، وهم إنما يتفقون في الجوهر لا في تفصيل الوصف، وهذا يدل على أنهم كتبوا ما كتبوه وكل منهم وحده مستقل عن ~~الآخرين. وفي هذا ما يبعثنا على الاطمئنان إلى رواياتهم والاعتماد عليها، وليس ثمة ما يبعث على الظن أنهم رجعوا جميعا ~~إلى مرجع واحد نقلوا عنه. # ومنذ علم الإمبراطور بما أصاب «بنوسوس» عرف أن ساعته قد دنت، ولم يكن في نيته أن يخلع عن نفسه التاج، في حين لم يكن ~~يتوقع الرحمة إذا هو سلم لأعدائه؛ فكان أمله الوحيد في أن يقاتل إلى أن يحكم السيف حكمه. غير أن تسلل خير جنوده عنه ~~لم يدع له أملا إلا قليلا، فلم يبق له إلا ولاء الحزب الأزرق، وإن شئت فقل لم يبق له إلا تلك العداوة الشديدة التي ~~كان يحملها الحزب الأزرق لأعدائه أصحاب الحزب الأخضر، وما داخلهم من الحنق عندما رأوا نجاح الفئة المعادية لهم؛ وعلى ذلك ~~جهز «فوكاس» أسطولا، وجعل رجاله من الحزب الأزرق، وجعله في ميناء «أيا صوفيا»، واستعد لقتال هرقل. وإنا ناقلون هنا ~~قصة يرويها «حنا النقيوسي»، ولا نعرف أن مؤرخا آخر ذكرها؛ وذلك أن «فوكاس» و«خازن أمواله» «ليونتيوس» السوري عندما علما ~~أن حياتهما أصبحت بعد قتل «بنوسوس» في أشد الخطر من غوغاء المدينة، أخذا كل ما في خزائن الدولة من الأموال وقذفا بها في ~~البحر؛ فضاع بذلك في ms055 لحظة واحدة كل ما كان للإمبراطور «موريق» من الثروة، وما جمعه «فوكاس» من الذهب والجواهر بغصب ~~أموال من قتل من ضحاياه، وما كنزه «بنوسوس» من أموال وتحف وأوان نفيسة حصلها بالظلم البالغ والغصب المتعدد. قال ~~المطران: «وهكذا كان «فوكاس» سببا في وقوع الفاقة والعوز بالدولة الرومانية الشرقية.» # وكانت هذه الفعلة شفاء للغل، وريا للحقد، وهي جديرة بخلق «فوكاس»، والظاهر أنها وقعت في اللحظة التي لاح فيها نصر ~~هرقل في الوقعة البحرية، ولا بد أن تلك الكنوز كانت محمولة في سفينة الإمبراطور حتى لا تؤخذ نهبا في أثناء القتال؛ فلما ~~وقعت الهزيمة ألقي بها في اليم جميعا. وما كان من شك في نهاية الأمر، وعلى من تكون الدبرة مهما كان من شدة القتال، ~~فهزمت سفن الإمبراطور، وقذف بها إلى الشاطئ أو استولى عليها العدو، وفر من استطاع من الجند فاستأمن في كنيسة «أيا ~~صوفيا». وأما «فوكاس» فالظاهر أنه عاد بصحبة «ليونتيوس» إلى «قصر الملك الأكبر»، فلحق به «فوتيوس»، أو هو «فوتنيوس»، ~~و«بروبس»، فضربا التاج عن رأسه فتردى عنه، ثم وضع هو في القيود والسلاسل، وجيء به يجر جرا على جانب المرفأ وقد ~~تمزقت ثيابه كل ممزق، وعرض هناك على جنود الجيش والأسطول المنتصرين، ثم اقتادوه بين التهليل إلى حضرة الفاتح ~~المنتصر في كنيسة «الرسول توماس» وصيحات اللعن الصاخبة تصدع أذنيه. # ومن الجائز أن «هرقل» اختار هذه الكنيسة ليصلي فيها شكرا لله على ما أولاه، ولم يختر كنيسة «أيا صوفيا» إذ كان بها ~~عدد عظيم ممن فر من الحزب المقهور؛ ولهذا لم تكن تتسع لجمع كبير فوق ذلك أو لحفل ديني. ولسنا في حاجة إلى أن ~~نكلف خيالنا شططا ليصور لنا كل ما جرى بين «فوكاس» و«هرقل»، وحسبنا أن نتصور كنيسة فخمة تزدحم برجال الدولة من ~~قواد وشيوخ وجنود، وبقوم من رجال الدين مثلوا في ثيابهم السنية حول المحراب وقد وضعت عليه آنية الذهب، ومن حولهم يدوي ~~المكان بأصداء النشيد نشيد الشكر لله، ثم يدخل «فوكاس» مكبلا بالقيود. # لبث الإمبراطور المخلوع برهة ms056 أمام تابعه المنتصر، وقد وصفهما «قدرينوس» وصفا مشهورا؛ فهرقل فتى في زهرة العمر؛ إذ ~~كان في نحو الخامسة والثلاثين، وهو من بيت نبيل، وكان ربعة لا هو بالقصير ولا بالطويل، متين البناء، عريض الصدر، له ~~قوام قوي مفتول، وكان شعره أشقر وكذلك لحيته، وكان وجهه ناصعا منيرا، له عينان لونهما صافي الزرقة، وتعلوه وسامة ~~بديعة؛ فكان ظاهره ينم عن رجل صادق صريح عليه وقار وهيبة، قوي في جسمه وعقله، تبدو على وجهه سيماء الشجاعة والحزم ~~والقدرة، ولعله كانت تبدو عليه كذلك صفة أخرى ذكرها «سعيد بن بطريق»، ألا وهي أنه لا يعبأ بما يرتكب في سبيل إتمام قصده. ~~أما «فوكاس» فكان في مثل قامته، ولكن هذا كل ما كان بينهما من الشبه؛ فقد كانت صورته كريهة مما بها من العاهات، وكان لا ~~لحية له، يعترض وجهه ندب جرح قبيح غائر فيه، وكان ذلك الندب يحمر أو يربد كلما ملكته سورة وثارت ثائرته، وكان ~~حاجباه بارزين يقترنان في جبهة خفيضة من فوقها جمة من شعر أحمر، ومن دونها عينان تومضان وميضا وحشيا، وكان بذيء ~~اللسان، مدمنا للخمر، مقبلا على المعاصي، قاسي القلب لا يتحرك قلبه بشفقة إذا ما عذب أو سفك الدماء. هذه صورة ذلك ~~الجندي الذي سلط على الدولة الشرقية سوط عذاب ثماني حجج، ثم جاء عند ذلك ليحاسب على ما جنت يداه، فتلي عليه كتاب ~~ذنوبه، وكشفت منه جريمة بعد أخرى، وقال هرقل: «أهذا سبيل حكمك؟» فكان رده: «وهل أنت من يحكم خيرا من هذا؟» # حكم عليه بالقتل، وأنفذ فيه ذلك، وارتكبت في قتله مثلة فظيعة، ولعمري إن تلك المثلة لم تكن من عيب في «هرقل» أو ~~قسوة في خلقه، بل كانت من عيب في العصر كله وما كان معروفا فيه من العادات. على أنها لم تكن أفظع مما كان مباحا في ~~قانون بلادنا # 4 # من تقطيع الأوصال وقطع الجسم أرباعا. قطعت أعضاء «فوكاس»؛ فقطعت يداه أولا، ثم بترت ذراعاه، وتلا ذلك ~~تشويه آخر، ثم قطع رأسه بعد ذلك ms057 ووضع على قضيب، وعرض في أكبر طرق المدينة. أما سائر جسمه فقد سحب على الأرض إلى ~~ميدان سباق الخيل، ثم إلى سوق الثيران، وأحرق في الموضع الذي كان فيه رماد «بنوسوس» ولما يكد يبرد، وأحرق عدا ذلك ~~علم الحزب الأزرق (وليس الأخضر كما زعم جبون)، وجيء بتمثال «فوكاس» فحملوه في ميدان السباق في موكب استهزاء، يحمله جماعة ~~يلبسون الثياب البيضاء الكهنوتية، وفي أيديهم الشموع موقدة حتى رموه في النار، وقد قال قائل: «قد أحرقوا «فوكاس» ~~و«ليونتيوس» و«بنوسوس»، وذروا رمادهم في الهواء؛ إذ كان الناس كلهم يكرهونهم.» # وألبس هرقل التاج، كما يقول «حنا النقيوسي»، وما كان راغبا فيه، وذلك في ~~الكنيسة عينها كنيسة «القديس توماس»، وعاد بعد أن أدى الصلاة ذاهبا إلى القصر، وجاء أعيان المدينة يؤدون له الولاء، ~~ويقول «قدرينوس» إن تتويجه إنما حدث في كنيسة «القديس إسطفن»، وهي متصلة بالقصر، في حين أن «ديوان بسكال» يذكر أن تتويجه ~~حدث بين حادثة إحراق «فوكاس» وبين إحراق تمثاله، ولا يذكر مكانا لذلك. وهذا فيه من الخلط ما فيه. ومن العجيب أن ديوان ~~«حنا النقيوسي» يؤيد قصة تردد «هرقل» في قبول التاج، وأن «ديوان بسكال» وسائر مؤرخي بيزنطة يؤكدون وقوع ذلك التردد. على ~~أنه لم يلبث أن زالت وساوسه، وأعلنت ولايته للأمر إمبراطورا للدولة في اليوم الخامس من شهر أكتوبر سنة 610، وأصبحت عروسه ~~المخطوبة «فابيا» إمبراطورة للدولة، وصار اسمها «أودوقيا». # والظاهر أن «نيقتاس» لم يعمل على أن يتصل بهرقل عند القسطنطينية على خلاف ما جاء في ديوان حنا؛ مما يدل سياقه على أن ~~«نيقتاس» كان في العاصمة عندما خلع «فوكاس»، ولا بد أن يكون الصواب ما ذهب إليه «زوتنبرج» من أن ذكر اسم «نيقتاس» في هذا ~~الوضع إنما كان نتيجة سهو وقع فيه الكاتب أو الناسخ، وأن الصواب هو «كريسبوس». ولو كان «نيقتاس» ترك مصر حقيقة ولحق ~~بهرقل فاشترك معه وتم له ما ابتغى، لما خفي الأمر على أحد، ولما جاء ذكره عرضا في غموض وإبهام. على أنني لا يسعني ~~إلا أن ms058 أخالف «جبون» حيث يقول: «كانت رحلة هرقل سهلة موفقة، وأما سير «نيقتاس» فقد كان شاقا عسيرا، ولم يتم حتى كان ~~النضال قد انتهى، فخضع للقضاء الذي حبا صديقه، ولم يظهر أقل تألم مما كان.» # وما هذا القول إلا قلب للحقيقة كما بينا؛ فإن مسير نيقتاس هو الذي كان سهلا موفقا على وجه الإجمال، وقد بلغ ~~مقصده الذي رمى إليه منذ ملك مصر على رغم ما اعترض سبيله من الأخطار، وما لقي من العوائق بوقوف «بنوسوس» في وجهه، وقد وقع ~~كل ذلك قبل أن يستطيع هرقل أن يزحف من «سلانيك» على العاصمة بزمن طويل؛ فمما سبق نرى من العدل أن نقول إن هرقل لاقى عقبات ~~ومصائب في رحلته، وكان عليه أن يقهرها، ولكن ليس في أيدينا من وصفها شيء، ولا نستطيع أن ندركها أو نعرف حقيقتها. # الفصل الخامس # | مصر في حكم الإمبراطور الجديد # أرسل الإمبراطور إلى نيقتاس يثبته في حكم الإسكندرية، وإن شئت قلت إنه جعله نائبا عن الملك في مصر، # 1 # وأصبح أصحاب «فوكاس» بين قتيل قضي عليه، أو طريد مبعد، أو مرتد ترك الجانب الخاسر وهجره؛ فكان هم ~~«نيقتاس» أن يعيد للحكم المدني الروماني نظامه، وأن يعيد للجيش الروماني كيانه، وكان هذان آلتي الدولة الرومانية ~~تحتفظ بهما بملك مصر. وكان الحكم المدني والجيش كلاهما في يد السادة الحاكمين ليس فيهم أحد من أقباط مصر أهل البلاد؛ فكان ~~ذلك الحكم من هذا الوجه أشبه شيء بحكم الإنجليز في الهند، على أنه يختلف عنه اختلافا عظيما كان سببا في القضاء عليه؛ ~~وذلك أن حكومة مصر لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين ، ولم يساورها أن تجعل ~~قصد الحكم توفير الرفاهة للرعية، أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة، أو تهذيب نفوسهم، أو إصلاح أمور أرزاقهم؛ فكان ~~الحكم على ذلك حكم الغرباء، لا يعتمد إلا على القوة، ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم. وكانت في يد الحكام ~~عاصمة البلاد الإغريقية، كما ms059 كانت في يدهم العاصمة المصرية القديمة منفيس، وحصنها العظيم حصن بابليون الروماني على ~~الشاطئ الشرقي من النيل، وكذلك كانوا يملكون مدائن عدة حصينة يلي بعضها بعضا بين أسوان في الجنوب والفرما في الشمال، ~~وكان جند الحكومة وجباة ضرائبها ينتشرون من تلك المدائن يظهرون هيبة السلطان ويجمعون الأموال، على حين كان تجار الروم ~~واليهود يحلون حيث شاءوا تحميهم جنود الربط، ينافسون الأقباط في التجارة منافسة شديدة. # وكانت الإسكندرية من أشق بلدان العالم حكما؛ لأنها كانت تجمع أخلاطا من الناس من إغريق بيزنطة وآخرين ولدوا بمصر ~~وقبط وسوريين ويهود وعرب وغرباء من جميع البلاد، ولكن يلوح أن نيقتاس قد كسب إجلال أهل الإسكندرية وإن لم يكسب حبهم، مع ما ~~عرف عنهم من التقلب وحب الخروج. وكان من أول ما أمر به أن رفع عنهم جباية المال ثلاث سنوات، فكانت تلك يدا مازهم بها ~~زادتهم تقديرا له بعدما رأوا من غنائه في الحرب، وليس ثمة شك الآن في أنه بقي مقيما في الإسكندرية. # 2 # حقا إنا نسمع بأنه كان في بيت المقدس قبل زحف الفرس عليها، ويقولون إنه أنقذ بعض الآثار المقدسة - الحربة ~~والإسفنجة - من أن تدركها يد الفرس، ولكنه عاد إلى الإسكندرية بعد ذلك كما سنرى؛ فالحقيقة هي بلا شك أن هرقل أمره أن ~~يسير إلى الشام لعله يدفع عنها الفرس، ولم يكن عنده علم بمقدار ما أتوا به من الجيوش الجرارة، فلم يستطع نيقتاس إلا أن ~~يسرع عائدا إلى مصر. # ولكن من سوء الحظ أن تاريخ مصر في هذه الفترة عسير إدراكه؛ فإن ديوان «حنا النقيوسي» لا يذكر عنها شيئا، وعليه جل ~~اعتمادنا إلى ذلك الوقت؛ فإن بالنسخة التي ننقل عنها نقصا كبيرا؛ إذ تغفل ثلاثين عاما من ذلك الوقت، وكأن يدا أثيمة ~~قد عمدت إلى ذلك الكتاب فأودت بكل ما فيه ذكر لحكم هرقل. غير أننا نجد ذكر كثير من حوادث بعض أنحاء الدولة في بعض مؤلفات الأرمن، # 3 # أو كتب سواهم من أهل الشرق التي كتبت في هذا العصر، ms060 ولكن ما أشبه هؤلاء بمؤرخي بيزنطة في أنهم لا يذكرون ~~إلا النزر اليسير عن مصر. على أننا نستطيع أن نلمح خلال الظلام سير الحوادث الكبرى التي عصفت بسلطان الدولة البيزنطية في ~~مصر في أواخر حياة ذلك الإمبراطور. # فإذا نحن أردنا أن نعرف تاريخ مصر في مدة الأعوام الثلاثين التي بين ولاية هرقل وبين الفتح العربي، فلا مناص لنا من أن ~~نلجأ على الأكثر إلى ما كتبه رجال الكنيسة أو ما كتبه رجال لهم ميول دينية قوية تجعلهم غير أمناء في رواياتهم؛ فالحق أن ~~أمور الدين في القرن السابع كانت في مصر أكبر خطرا عند الناس من أمور السياسة، فلم تكن أمور الحكم هي التي قامت عليها ~~الأحزاب واختلف بعضها عن بعض فيها، بل كان كل الخلاف على أمور العقائد والديانة، ولم يكن نظر الناس إلى الدين أنه المعين ~~الذي يستمد منه الناس ما يعينهم على العمل الصالح، بل كان الدين في نظرهم هو الاعتقاد المجرد في أصول معينة. وكان ~~الناس لا يكادون يحسون شيئا اسمه حب الوطن، وما كانت عداواتهم عند اختلاف الجنس والوطن لتثور ويتقد لهيبها على ~~الأكثر إلا إذا اختلف معها المذهب الديني؛ فكان اختلاف الناس ومناظراتهم العنيفة كلها على خيالات صورية من فروق دقيقة ~~بين المعتقدات، وكانوا يخاطرون بحياتهم في سبيل أمور لا قيمة لها، وفي سبيل فروق في أصول الدين وفي فلسفة ما وراء ~~الطبيعة يدق فهمها ويشق إدراكها؛ فحق على مصر المسيحية قول الشاعر «جوفنال» إذ يصف ما كان بين قومه من النزاع ~~والشقاق على أيهما أفضل في العبادة؛ عبادة التماسيح أم عبادة القطط؛ إذ قال: «كل مكان يكره الآلهة التي لجيرانه، ويعتقد ~~أن الآلهة الحقيقية هي التي يعبدها هو.» # 4 # لقد تغير الزمان، ولكن الناس هم هم لم تتغير طباعهم. ومنذ كانت الأحزاب ومناظراتها قائمة على ما كان في ~~الدين من شيع وفرق كان جل آثار العصر وما تخلف من كتبه تراجم لحياة القديسين والبطارقة، وقلما نجد فيها ذكرا لأهل ~~الحرب أو السياسة، وعلى ms061 هذه الآثار نعتمد في معرفة تاريخ مصر في ذلك العهد. # كان في مصر في ذلك العصر ما كان فيها منذ مجلس «خلقيدونية» في سنة 451؛ وذلك أن كلتا فرقتي المسيحية بمصر كان لها ~~بطريقها، وكانت أمورها الدينية مستقلة، ولكن هذا لم يذهب بشيء من شدة الخلاف الثائر بين الأحزاب، ولم يقلل من متاعبه. ~~نقول هنا للمرة الثانية إن الحزبين بمصر كانا يعرفان باسمين مشهورين: أولهما حزب اليعاقبة وهم القبط، والثاني حزب الملكانية # 5 # وهم حزب الملك. وكان اليعاقبة على مذهب «المونوفيسيين»، وأكثرهم وإن لم يكونوا جميعا من الجنس المصري، # 6 # على حين كان الملكانيون يتبعون المذهب الذي أقره مجلس «خلقيدونية»، وكان أكثرهم من أصل إغريقي أو أوروبي. ~~ونجد إجماعا من المؤرخين، وفيهم «ساويرس الأشمونيني»، على أنه ما ولي إمبراطور إلا سار على سنة القضاء على مذهب اليعاقبة ~~في مصر قضاء لا هوادة ولا رحمة، وكان اليعاقبة لا يرضون إلا بأن يمحوا كل أثر من آثار مذهب «خلقيدونية». # وقد سبق ذكر مقتل البطريق الملكاني «تيودور» عند فتح «نيقتاس» للإسكندرية سنة 609؛ فقد # 7 # كانت ثورة «هرقل» ثورة على السلطان الإمبراطوري في القسطنطينية، وكان القبط باشتراكهم فيها يؤملون بلا شك ~~أن يجدوا في الحكم الجديد سيرا أرفق بهم مما كانوا يجدونه من عسف «فوكاس». والحق أنهم لم يشعروا بخيبة بالغة في أول ~~الأمر؛ فإن البطريق القبطي «أنستاسيوس» بقي على كرسيه ست سنوات بعد خمس قضاها في مدة الثورة، حتى توفي في 22 كيهك (أي 18 ~~ديسمبر) من سنة 616 للميلاد. # 8 # واستطاع الأقباط عند ذلك أن يبنوا في الإسكندرية بعض الكنائس، أو يعيدوا بناء أخرى مثل كنيسة «القديس ~~ميخائيل»، وكنيسة «القديس أنجيلوس»، والقديسين «كزماس» و«دميان»، هذا عدا أديرة عدة. وكان «أنستاسيوس» ينصب القسوس ويعتمد ~~المطارنة، ولكن لا ننسى مع ذلك أن الملكانيين كانوا لا يزالون محتفظين بسلطانهم في العاصمة، ولهم أكبر الكنائس ~~فيها. # وليس ثمة ما يدعو إلى الشك في أن هرقل كان حريصا كل الحرص على أن يستميل قلوب أقباط مصر، وكان «نيقتاس» ms062 في الوقت عينه ~~يرى لزاما عليه أن يجزيهم على ما قدموه من خدمة؛ فإذا كانت حكومة بيزنطة قد أقامت بطريقا ملكانيا بدلا من «تيودور» ~~القتيل، فإنها اختارته رجلا أوصى به «نيقتاس» إيصاء خاصا، وكانت حياته الماضية وخلقه بحيث جعلاه موضع إعجاب ~~اليعاقبة، حتى بجلوه في حياته، وعظموه بعد مماته؛ إذ اتخذوه أحد القديسين الذين تخلد أسماؤهم في التقويم القبطي. ~~ومن العجيب أن «نيقتاس» جاء بعد ذلك فساعد مساعدة كبرى في التوفيق بين «المونوفيسيين» من أهل الشام وبين الكنيسة القبطية. ~~وهذا يدل على أنه كان يميل للأقباط ويعطف عليهم، وأنه لم يكتف بأن يسلك معهم مسلك الاعتدال والتسامح. # 9 # وكان المطران الأكبر الملكاني الذي عين حديثا هو «حنا الرحوم» أو هو المحسن. وقد أطلق عليه ذلك اللقب لما كان ~~يأتيه من أعمال البر والإحسان، # 10 # ولكن كرمه لم يكن فوضى؛ فإنه بعث من حوله ليجوسوا خلال المدينة، فيأتوه بخبر «سادته ومساعديه». فلما سألوه عما ~~يعنيه بقوله أجاب قائلا: «أقصد من تسمونهم أنتم «الفقراء والمساكين»، وأسميهم أنا «السادة والمساعدين»؛ لأنهم في ~~الحق يساعدوننا ويمنحوننا ملكوت السموات.» وعلى هذا كتبوا له صحيفة بأسماء الفقراء، فأجرى عليهم كل يوم رزقا، وبلغ عددهم ~~7500. فلما رأى «نيقتاس» أن البطريق تجري يده بالعطاء جريان البحر، نفس عليه ذلك، وجاءه يوما فقال: «إن الدولة محتاجة ~~أشد الحاجة إلى المال، وإن ما عندك من المال يأتي إليك عن رضا لا يؤذي أحدا، فابعث بما عندك إلى بيت مال الدولة.» فقال ~~له البطريق: «إن ما نقدمه لملك السموات يجب ألا نبذله لملك في الأرض، ولست بمعطيك شيئا عن رضا، ولكن خزانة الله تحت ~~سريري هذا، وأنت وما تختار لنفسك.» فدعا «نيقتاس» بحراسه، وأمرهم أن يأخذوا المال من تحته، وفيما كانوا خارجين رأوا قوما ~~يحملون في أيديهم أواني صغيرة كتب عليها «أحسن العسل»، وأخرى كتب عليها «عسل لم يدخن». فسألهم «نيقتاس» أن يعطوه ~~واحدة منها لطعامه، فهمس القوم في أذن البطريق أن فيها ذهبا، فأرسل حنا آنية منها إلى «نيقتاس» مع ms063 رسول، وأرسل إليه أن لا ~~يفتحها إلا في حضوره، ثم قال إن كل الأواني التي رآها وهو خارج لم تكن إلا مملوءة بالمال. فلم يسع «نيقتاس» مع هذا إلا أن ~~ذهب إلى البطريق، ورد إليه كل ما أخذ منه من المال، وكذلك رد الآنية، ثم بعث إليه بمال آخر من عنده. # 11 # ومثل هذه القصص تظهر على الأقل ما كان لرئيس الدين بالإسكندرية من سلطان، وما كان لديه من موارد المال. وإنه لمن ~~المستطرف أن نعلم كذلك أن الكنيسة كانت تملك أسطولا من السفن التجارية. وقيل إن إحدى تلك السفن ساقتها الريح عن ~~طريقها، وكان عليها عشرون ألف مد # 12 # من القمح، فبلغت السفينة سواحل بريطانيا وكان بها قحط شديد، ثم عادت تحمل من هناك القصدير، فباعه الربان في ~~«بنطابوليس». وجاء في موضع آخر أن جمعا من السفن يبلغ ثلاث عشرة سفينة عدا يحمل كل منها عشرة آلاف مد من القمح، ذهب ~~كل ما فيها ضياعا في البحر الأدرياوي في أثناء عاصفة، وكانت كلها ملكا للكنيسة، وتحمل عدا القمح حمولة أخرى من الفضة ~~والمنسوجات الدقيقة، وسوى ذلك من ثمين المتاع. # 13 # ولا يمكن أن يشك أحد في أن الكنيسة كان لها قسط من تجارة القمح العظيمة التي كانت رائجة بين الإسكندرية ~~والقسطنطينية، وكان جستنيان قد أعاد لها نظامها ورواجها، # 14 # وكان للكنيسة فوق ربح هذه التجارة وفوق ما كان الناس يهبونها طائعين مختارين، أوقاف من أرض الزراعة تؤتي ~~أموالا عظيمة؛ فليس من العجيب إذن أن نرى «حنا الرحوم» يدهش الناس بإنفاقه. وكان «أندرونيكوس» الذي صار بطريقا للقبط ~~بعد «أنستاسيوس»، وأدرك عهد «حنا الرحوم» مدة أشهر، لا يقل عنه شهرة بثرائه وكثرة إحسانه. # بقيت مصر وفيها بطريقان للمذهبين مدة، وكانت خطة هرقل في مبدأ أمره أن يوفق بين هذين المذهبين العظيمين اللذين اقتسما ~~أتباع الدين المسيحي في مصر، ولكن لم يستطع رئيس الدين القبطي أن يبقى في العاصمة؛ فقد كانت العداوة بين الشيعتين، وإن ~~خمدت، تتقد في خفاء، ويندلع منها اللهب ms064 إذا ما هب عليها أضعف ريح من الفتنة. ورأت الحكومة أن من الحكمة التفريق بين ~~رئيسي الدين حتى لا يبقى المتنافسان معا في العاصمة؛ # 15 # فإن «أنستاسيوس» مثلا عندما جاء إليه بطريق أنطاكية كان مقيما في دير «الهانطون»، وهو دير شهير على الساحل ~~على نحو تسعة أميال إلى غرب الإسكندرية؛ # 16 # ومن ثم خرج في موكب مهيب للقاء ضيفه. # 17 # وكذلك لم يذهب إلى الإسكندرية، بل أرسل يطلب قسوسه منها، وعقد في الدير مجمعا أسفر عن رجوع الاتفاق والاتصال ~~بكنيسة أنطاكية. # ولكن أندرونيكوس خليفة «أنستاسيوس» شذ عن هذه السنة، سنة ترك الإقامة بالإسكندرية؛ فقد كان عند انتخابه شماسا في ~~كنيسة «أنجيليون» # 18 # بالإسكندرية، فبقي هناك مقيما في صومعته المتصلة بالكنيسة مدة ولايته، وكانت ست سنوات. والسبب في أنه لم ~~يبعد عن الإسكندرية هو أنه كان من أسرة عريقة، وكان له قوم من أقاربه بين حكام المدينة يمنعونه ويعتز بهم. ولسنا ندري ~~كيف كانت العلاقة بين البطريقين. على أن «حنا الرحوم» مات بعد أشهر قليلة من ولاية «أندرونيكوس» رئاسة الدين في القبط. ~~ولسنا نعرف على وجه التأكد ما إذا كان جورج # 19 # الذي ولي بعد حنا بطرقة الملكانية قد أقام في الإسكندرية أم لم يقم؛ وعلى ذلك فأغلب الظن أن العلاقة بين ~~الاثنين لم تكن ذات شأن عند ذلك. # وليس من المجدي أن نأسف لأن أمثال هذه الأخبار المفصلة عن الكنيسة، والتي لا تلذ كثيرا للقارئ، هي جل ما بقي من ~~تاريخ مصر في السنوات الخمس أو الست التي جاءت بعد ثورة هرقل، ولكن قد آن لنا أن نخرج من هذه الترهات إلى السبيل ~~الواضح، فنرى ما كانت تتجاوب به الأنحاء الشرقية من الدولة من جليل الحوادث التي بلغ صداها جوانب النيل. وكان قد جرى ~~القضاء بأن تزعزع قوة الرومانيين في مصر وتصدع جدرانها، فتمهد بذلك السبيل إلى الفتح العربي، ولكن النضال الذي كان ~~بين إمبراطورية الرومان ودولة الفرس كان شائعا في ميدان فسيح. وإذا أردنا أن نعرف أثره في مصير ms065 مصر كان علينا أن نسير ~~وراء حوادثه وتقلبات أحواله، ولو كان ذلك إلماما غير مفصل. # الفصل السادس # | فتح الفرس للشام # خرج الثائر الغاصب «بهرام» على كسرى حفيد «أنوشروان» ملك الفرس العظيم بعد ولايته بأيام قلائل، وطرده من بلاده، فهرب ~~مع عميه، وعبروا دجلة، وقطعوا أطناب القنطرة التي اجتازوا عليها حتى لا يلحق بهم أحد من ورائهم، # 1 # ثم سار كسرى إلى «قرقيسيا» على نهر الفرات ينوي أن يؤدي الصلاة في مشهد من مشاهد النصارى، يسأل الله أن ~~يخلصه من أعدائه؛ ومن ثم يقال إنه ضرب في الأرض خائر العزيمة، كسيف البال، لا يدري أيحتمي بالهون أم بالروم؛ فرمى ~~أعنة فرسه على غاربه وجعل الحكم للقضاء، # 2 # فحمله فرسه إلى حدود الروم، فنزل ضيفا على القوم الذين ظلت بلاده في حرب مستعرة معهم نحو سبعة ~~قرون. # فلقيه الإمبراطور «موريق» مرحبا مؤهلا، أو بعبارة أدق لقد لقيه نائب عنه عند «هيرابوليس»، ويقال إن ~~الإمبراطور نفسه أرسل إليه هدية لا يقدر لها ثمن من الجوهر، وإنه زوجه ابنته «مارية»، # 3 # وأكبر من كل هذا أنه نصره، وأرسل «نارسيس» بجيش جرار ليعيد إليه ملكه من «بهرام». وحدث اللقاء عند نهر ~~الزاب في إقليم «بلرات»، وكانت موقعة شديدة القتال، وكان فيها فصل الخطاب؛ فإن جيش بهرام كان أقل عددا من جيش الروم، ~~فتمزق شر ممزق، مع أن قائده قاتل بما كان معروفا عنه من الشجاعة والبصر بأمور الحرب، وهرب بهرام إلى بلخ، فأدركه بها ~~أتباع الملك وقتلوه؛ # 4 # وبذلك عاد كسرى إلى عرش فارس بمساعدة الروم، واختار لحرسه الخاص كتيبة من الروم عددها ألف جندي؛ وبذلك حل ~~السلام وثيقا بين الدولتين، حتى لقد قيل إن كسرى تنصر. ويستدلون بما قدمه من النفائس قربانا لمشهد «مار سرجيس»، وما ~~كتبه من الرسائل إلى بطريق أنطاكية على أنه كان # 5 # يؤثر مذهب اليعاقبة. # ولا شك أن نشأته وعلاقاته بالدولة المسيحية وزواجه كان لها أثر كبير في تخفيف وطأة العداوة القديمة الموروثة بين ديانة ~~المجوس وديانة المسيح، ولكن الروم ms066 طلبوا المكافأة على مساعدتهم بأن تضم إليهم أرض فسيحة جعلت ملكهم بالغا شواطئ نهر ~~الرس؛ فكانت هذه الخسارة سببا في إيلام كسرى وقومه، كما كان ميل كسرى إلى المسيحية، وهي دين غريب، مؤلما لكهنته؛ فلا شك ~~مع هذا أن يكون قد بادر إلى العدول عن ميوله وإصلاح خطئه؛ فاضطر بتأثير عوامل قوية، بعضها ديني وبعضها سياسي، إلى أن ~~يقطع صلته وينقض عهده مع الدولة البيزنطية، فصرف حرسه الرومي وتغير على «نارسيس»، وكان على رأس الجيش في «دارا». فأراد ~~«موريق» أن يستل غيظ الملك ويسترضيه، فبعث «جرمانوس» # 6 # ليحل محل «نارسيس». # واتفق في ذلك الوقت أن وثب فوكاس، ذلك الرجل المشوه الفظيع، بعد أن تم له ~~الأمر في بيزنطة، فقتل الإمبراطور موريق مع كل ولده ذكورا وإناثا، ولم يكن كسرى ليطلب عذرا بعد هذا لتبرير غضبه وإثارة ~~الحرب علانية، ولئن كان لا يزال فيه شيء من التردد فقد زال عنه عندما بلغه أمر «نارسيس»، وأنه خرج ثائرا في «أذاسة»، ~~وقسم الدولة الرومانية إلى شطرين محتربين. # 7 # على أن نارسيس دفعته ثقة حمقاء مرة إلى أن يذهب إلى العاصمة ليزور بعض أصحابه فيها، فقبض عليه فوكاس وأحرقه ~~في ميدان سباق الخيل، ولكن كان ذلك بعد أن انتهى الأمر وسبق السيف العذل. فلما جاء «ليليوس» رسول فوكاس إلى جرمانوس في ~~«دارا»، بعثه هذا معززا مكرما إلى البلاط الفارسي، وكان معه رسائل وهدايا إلى الملك كسرى، ولكن الملك أودع الرسول ~~السجن، وسار بجيشه إلى أرمينيا. # وليس من قصد هذا الكتاب أن نصف القتال الذي كان بين فوكاس وكسرى؛ فإنه لم يكن في عصرنا الذي نصفه، وليس له من صلة ~~بتاريخ مصر اللهم إلا بما كان له من الآثار العامة، ولسنا نجد شيئا نزيده على ما كتب من قبل؛ وعلى ذلك فحسبنا أن نذكر ~~أن ملك الفرس بعد أن فتح أرمينيا ، وكثيرا ما كانت ميدانا للنضال بين الدول، قسم جيشه إلى قسمين، فأرسل قسما منه إلى ~~الجنوب لفتح الشام، وأرسل الآخر إلى الغرب ليخرق قلب ms067 آسيا الصغرى؛ يقصد بذلك أن يصل إلى القسطنطينية. وليس توارد الحوادث ~~بالأمر الواضح، ولكنا لا يعنينا منها إلا ما كان من أمر الجيش الذي ذهب إلى الجنوب. وقد كان سيره بطيئا، حتى إن فتح ~~أنطاكية لم يتم إلا وقد صار «هرقل» ملك الدولة. وبعد، فلو صح أن الباعث لكسرى على خوض الحرب إنما هو الانتقام من فوكاس، ~~لكان موت هذا الطاغية مختتم النضال، ولكن الملك العظيم قد عرف في حربه ضعف عدوه، وزاده النجاح رغبة في المضي في سبيله، ~~ولم يكن سبيله إلا إخضاع الدولة الرومانية لحكمه. ولم يكن ذلك مجرد خيال بعيد التحقيق؛ فقد كانت جيوشه أكثر عددا وأتم ~~عدة وأبدع نظاما من جيوش عدوه، وكان قواده لا أكفاء لهم في جيش الروم بعد أن مات «بنوسوس» و«نارسيس»، وكانت خزائنه ~~عامرة بالمال، والشعب من ورائه يدا واحدة، في حين كان أهل الدولة الرومانية شيعا وفرقا، وخزائنها تكاد تكون ~~خاوية. # ومع ذلك فقد كانت بلاد الشام وعرة المسالك، وكان حصار المدن أمرا شاقا، وكان الجيش يقضي قسطا كبيرا من السنة بلا ~~عمل في معسكر الشتاء، فلم يقدر خوريام # 8 # قائد الفرس على أن يسير إلى بيت المقدس بعد الاستيلاء على «دمشق» و«قيصرية» إلا في السنة الخامسة من حكم ~~هرقل. وأرسل ذلك القائد، على ما يلوح، رسلا من مقره في قيصرية إلى بيت المقدس يدعوها إلى التسليم للملك الأعظم. وقد ~~حدث ذلك، فأسلم اليهود المدينة إلى قواد الفرس بعد أن غلبوا المسيحيين من أهل المدينة على أمرهم. # 9 # وما هي إلا شهور قليلة بعد ذلك حتى وثب المسيحيون بالفرس، فقتلوا قادتهم، وملكوا الأمر على الجنود المرابطة، ~~وأغلقوا أبواب المدينة، وعند ذلك جاء «شاه-ورز» وحاصرهم، ثم ساعده اليهود على هدم الأسوار، فاستطاع جنوده أن يدخلوا ~~المدينة في اليوم التاسع عشر من مجيئه، وكان دخولهم من نقب أحدثوه في الأسوار، وأخذوا المدينة # 10 # عنوة، وأعقب ذلك مشاهد مروعة من التقتيل والنهب والتدمير، وكانت الضحايا عظيمة، وأقرب ما قيل فيها إلى ~~الأفهام قول «سبيوس» ms068 و«توماس الأرظروني»؛ إذ قالا إن عدد القتلى بلغ 57000، وعدد الأسرى 35000، على أن مؤرخي بيزنطة يقولون ~~إن عدد من هلكوا كان 90000، وهو تقدير غير دقيق؛ # 11 # فقول كتاب الأرمن أقرب إلى الحقيقة. على أنه من الثابت أن القتلى كان بينهم آلاف كثيرة من الرهبان والقديسين ~~والراهبات. وبعد أن قضى الفرس في المدينة واحدا وعشرين يوما في القتل والنهب خرجوا من المدينة وأوقدوا فيها النيران؛ ~~فخربت بذلك أو جردت مما بها كنيسة القبر المقدس وسواها من البيع العظمى التي بناها قسطنطين. # 12 # أما الصليب المقدس، وكان قد دفن في الأرض بغطائه الذهبي ذي الجواهر، # 13 # فأخرج منها وقد عرف مكانه بالتعذيب، # 14 # وأخذ هو وشيء لا حصر له من الآنية المقدسة من الذهب والفضة، وجعل كله غنيمة، وأسر عدد عظيم من الناس ~~كان من بينهم البطريق «زكريا». فأما صندوق الصليب المقدس والبطريق فأرسلا هديتين إلى مارية زوج كسرى. وأما سائر الأسرى ~~فإذا نحن صدقنا ما رواه «قدرينوس»، فقد اشترى اليهود كثيرا منهم ليمتعوا أنفسهم بتقتيلهم. وقد قال كاتب «ديوان بسكال»، ~~وفي قوله رنة الأسى: «إن كل هذا لم يحدث في سنة ولا في شهر، بل في بضعة أيام.» وكان تاريخ هذا على سبيل البت في شهر ~~مايو سنة 615. # 15 # من هذا نعرف أن المدينة المقدسة قد نزلت بها كوارث السيف والنار، ومن لم يدركه القتل والأسر من أهلها هرب لائذا إلى ~~الجنوب في القرى المسيحية من بلاد العرب. # 16 # وكانت تلك القرى جماعات وادعة، فعكر صفوها ما بلغها من صدى الدعوة الجديدة؛ دعوة نبي الإسلام. ولعل ذلك ~~الحادث من انتصار الفرس أهل الأوثان في بيت المقدس هو الذي نزلت بمناسبته الآية الشهيرة: # غلبت ~~الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين ~~. # 17 # ولكن الملجأ الأكبر للهاربين المشتتين من المسيحيين كان القطر المصري ولا سيما الإسكندرية، وكان عدد ~~سكانها قد تزايد بمن كان يرد إليها من اللاجئين الذين كانوا لا ينقطع سيلهم منذ ابتدأت غزوة الفرس في بلاد الشام. ms069 # وقد كان كرم «حنا الرحوم» وما عنده من المال لا يكفيان لسد الحاجة الشديدة التي عمت البلد قبل أن تأتي إليها وفود ~~اللاجئين من بيت المقدس، فما بالك بالحال وقد جاءت إليها تلك الوفود، ثم زاد البلاء اشتدادا؛ إذ كان فيض النيل في ذلك ~~الصيف فيضا ضعيفا مخطرا، وكانت عقباه مجاعة # 18 # جرت على البلاد كلها ذيل الخراب؟ على أن الهبات كانت لا ينقطع مددها عن الكنيسة، وقلما جاء قاصد قصد ~~«حنا الرحوم» «كما تلجأ السفينة إلى المرفأ الذي لا موج فيه» ثم ارتد خائبا؛ فكان ذلك البطريق الطاهر يطعم الطعام ~~للفقراء، وفوق ذلك بنى الملاجئ والمستشفيات للمرضى والجرحى، ولم ترض نفسه أن يعنف الأغنياء إذا هم بلغت بهم ضعة النفس أن ~~يستفيدوا من إحسانه، ولكن هذا البذل لا يمكن أن يدوم. فلما اشتد القحط وجد حنا خزائنه قد أخذت تخوي، وفيما كان في شدة من ~~أمره أصابته فتنة شديدة؛ وذلك أن أحد الناس أتى إليه وكان قد تزوج مرتين؛ ولهذا كان غير صالح أن يدخل بين رجال الدين، # 19 # ولكنه أتى إليه بمقدار عظيم من المال، وشيء كثير من القمح مهرا؛ لكي يبيح له الدخول في زمرة رجال الدين. ~~وكان حنا لم يبق لديه إلا كيلان من القمح في خزائنه، ولكنه لم يتردد طويلا، ثم أبى أن يقبل الهبة؛ فجوزي على ذلك بأن ~~أتته بعد قليل أنباء بأن سفينتين من سفن الكنيسة تحملان مقدارا كبيرا من القمح آتيتان عند رأس فاروس مقبلتين من ~~صقلية، وما عتمتا أن صارتا في المرفأ. # ولكن بر البطريق لم يكن مقصورا على مصر، ولم يكن معناه إطعام الجائعين وحده؛ فإنه ما كادت المدينة المقدسة تنهب ~~وتدمر حتى ذهب راهب اسمه «مودستوس»، كان قد نجا من القتل، فجعل يجوب أرض فلسطين في طلب المعونة على إعادة بناء الكنائس ~~المخربة. وقد نجح في سعيه، وعاد إلى بيت المقدس ومعه مقدار كبير من المال، فوجد أن اليهود قد خسروا حباء الفرس ~~وتعضيدهم، وكان الفرس قد بذلوهما لهم ms070 في أول الأمر ثمنا لما قدموه من المساعدة، وصار بعد ذلك المسيحيون في مكان الحظوة ~~عند الفرس؛ فجعل «مودستوس» على رئاسة جماعة المسيحيين في الحكم الدنيوي والديني، وأبيح له أن يعيد بناء الكنائس. ~~وأرسل كسرى - كما جاء في «سبيوس» - أوامر خاصة يأمر بالإحسان إلى الأسرى، وأن يعيدوهم إلى حيث يستقرون، وأن يرجعوا ~~بناء بيوت الدولة، ثم أجاز طرد اليهود، فتسابق الناس إلى إنفاذ أمره. # ويذكر لنا المؤرخ نفسه نص خطاب أرسله «مودستوس» إلى «كومتاس» (رئيس الدين في أرمينيا) بعد أن تم العمل في الكنائس، وفيه ~~يقول: «لقد جعل الله أعداءنا أصدقاء، وأنزل الرحمة والرضوان في قلوب غزاتنا، على حين أن اليهود الذين اجترءوا على معاداة ~~هذه الأماكن الشريفة وإحراقها قد شردهم الله من البلد المقدس، وقدر عليهم ألا ينزلوا به ولا يروه، وقد أرجعت فيه ~~بيوت العبادة إلى سابق عزها ومجدها.» ثم جاء فيه بعد ذلك: «لقد عادت كل كنائس بيت المقدس إلى سابق سيرتها؛ تصلي فيها ~~القسوس، ويسود السلام على مدينة الله وما حولها.» # وليس بأقل غرابة من هذا ما رواه الكاتب نفسه عن مجمع عقده المسيحيون وأوحى به ~~كسرى، ولا تزال هذه القصة محفوظة بين طيات خطاب كان أرسله الجاثليق الأرمني ومطارنته ردا على رسالة جاءتهم من قسطنطين ~~خليفة هرقل. وقد جاء في هذا الخطاب أن الملك الأعظم أمر مطارنة الشرق وأشور أن يجتمعوا في بلاطه، وقال لهم: «لقد سمعت أن ~~في المسيحيين فرقتين تلعن إحداهما الأخرى، فمن يدرينا أيهما على الحق؟ فليأتوا جميعا إلى مجلس واحد، فليأخذوا بالحق، ~~وليذروا الباطل.» وقد جعل الطبيب الأكبر للملك ورجلا آخر اسمه «سمباط البجرتوني» عميدين لهذا الاجتماع، وكان بين من ~~جاءوا إليه من الخواص «زكريا» بطريق بيت المقدس، كما جاء سواه من «رجال حكماء كانوا فيمن أخذ أسيرا من الإسكندرية». ~~وكان ذلك المجمع أولا كثير الصخب والاضطراب، فاضطر الملك أن يخرج منه أتباع كل الفرق التي لا تدين للمذاهب التي ~~أقرها أحد المجامع السابقة، وهي مجمع «نيقة» و«القسطنطينية» و«أفيسوس» و«خلقيدونية»، ثم ms071 أمر الملك المجتمعين من رجال ~~الدين أن يفحصوا ما تقرر في هذه المجامع، وأن يرسلوا إليه بما يرون في ذلك. فجاءت إلى الملك كتب عدة يبسط فيها ~~أصحابها مختلف الآراء، وجعل هو يفكر فيها ويزنها في عقله، ثم جعل يسائل فيها «زكريا» وأهل الدين الإسكندريين، وكانوا ~~يقسمون له أن يقولوا الصدق؛ فأجمعوا على أن الدين الحق هو ما أقرته مجامع «نيقة» و«القسطنطينية» و«أفيسوس»، وتبرءوا ~~من مجمع «خلقيدونية»؛ وعلى ذلك كان حكمهم ل «المونوفيسيين»، ومذ سمع الملك هذا أمر أن يبحث في خزائنه ومكاتبه عن الصحيفة ~~التي كان مذهب «نيقة» مدونا بها، فوجدوها ورأوا أنها وفق عقيدة الأرمن، فأمر كسرى «أن يؤمن المسيحيون في دولته جميعا ~~بما آمن به الأرمن». وكان ممن رضي عن ذلك «الملكة شيرين التي تحب الله، وسمباط الباسل، وكبير أطباء الملك». وختمت الصحيفة ~~التي كتب فيها المذهب الصحيح كما أقره المجلس بخاتم الملك الأعظم، وجعلت في «ديوان السجلات» بالدولة. # وليس لدينا ما هو أكبر دلالة على ما كان عليه كسرى في معاملته للمسيحيين من هذه الرواية التي بقيت محفوظة للتاريخ في ~~ثنايا خطاب المطارنة الأرمن. وإنا لنلمح الصدق في لهجة الخطاب، وليس بنا ما يدعو إلى الشك في صحته. وكانت كتابته حوالي ~~سنة 638؛ أي بعد نحو عشرين سنة من المجمع الذي جاء ذكره فيه؛ ذلك المجمع الذي انعقد عقده بعد زمن قصير من فتح الفرس بيت ~~المقدس. وهذا الخطاب يصور لنا الملك الأعظم في صورة غير التي ألف الناس رؤيتها؛ فلم يكن الملك الوثني المتعصب يضطهد ~~أصحاب الصليب ويقاتلهم، بل كان على غير ذلك يبيح للمسيحيين حقهم في اعتقادهم، ويبدي غيرة وإقبالا عجيبين على فهم ~~عقائدهم، ويعجب أشد العجب من خلافهم وتطاحنهم وتنابذهم، وهو ما لا يتفق مع روح دينهم، ويظهر الحرص على إزالة ما بينهم من ~~الشقاق والخلاف. ولا ندري أكان ذلك من حدب على ما فيه صلاح أمرهم، أم كان الباعث عليه حرصا على الكياسة في تصريف أمور ~~الدولة. فكان يجلس معهم وهم يتناظرون، ويسائلهم ms072 فيما هم فيه، ويتدبر ما يجيبونه به؛ فلما أن استقر رأيه على قرار وحكم ~~حكمه، قيل إنه توعد بعض المطارنة أن يضرب أعناقهم ويهدم بيعهم إذا هم عصوا ما أمر به. على أن القصة تدل في مجملها ~~على هوادة ورفق يقربان من العطف على المسيحية، وهو ميل بدا منه من قبل عندما أمر أن يعيد المشردين من المسيحيين إلى ~~بيت المقدس، والإذن لهم بإعادة بناء ما تهدم من معابدهم. وقد جاء في كتاب «حنا النقيوسي» # 20 # أن أبا «هرمزداس»، وهو «أنوشروان» الكبير، بقي مدة يضمر الإيمان بالدين المسيحي، ثم عمده أحد المطارنة. ~~ولسنا ندري ما مبلغ هذا من الحق، ولكن أثر نساء الملوك من المسيحيات، وأثر الأطباء والفلاسفة في بلاط هؤلاء الملوك، جعل ~~في قلوبهم عطفا على المسيحية، وجعلهم يعرفون عنها من العلم شيئا كثيرا. # 21 # وفي الحق إن عجبنا من أن الفرس كانوا في حكمهم على مثل هذا الرفق لا يحيدون عنه في معاملة الكنيسة المسيحية، ~~أشد من عجبنا من سورة البطش التي كانت توقع بتلك الكنيسة في بعض الأحايين. # وخلاصة القول أن «حنا الرحوم» مطران الإسكندرية بذل في سبيل إعادة الكنائس في بيت المقدس إلى سابق عهدها ما يقال إنه ~~بلغ ألف عدل من القمح والخضر، وألف بغل، وألف سفينة من السمك، وألف خابية من الخمر، وألف رطل من الحديد، وألف صانع. # 22 # وقد كتب حنا إلى «مودستوس» في خطاب له: «أعتذر إليك أني لا أستطيع أن أرسل شيئا جديرا بكنائس المسيح، وما ~~كان أحب إلي أن أجيء فأعمل بيدي في بناء كنيسة القيامة.» # 23 # ويروى عنه أيضا أنه بعث مرة عيرا تحمل من الذهب والقمح والثياب وما إلى ذلك مع رجل اسمه «كريسيبوس»، وقد ~~تكون هذه رواية أخرى للقصة السابقة عينها، ويروى أنه أرسل «تيودور» مطران «أماتوس في قبرص» و«جريجوري» مطران العريش «رينوقولورا» # 24 # و«أنستاسيوس» رئيس دير الجبل الأكبر دير «القديس أنطون»، # 25 # وأرسل معهم مالا كثيرا، وتقدم إليهم أن يفدوا به من استطاعوا فداءه من الأسرى. ms073 وكان هذا في النصف ~~الثاني من سنة 615. # الفصل السابع # | فتح الفرس لمصر # في الوقت الذي كانت فيه العير التي أرسلها حنا الرحوم تقطع الصحراء آتية من مصر ~~إلى بيت المقدس في أول خريف سنة 615، أتى إلى «أنستاسيوس» بطريق القبط ضيف نزل عليه، وهو «أنستاسيوس» بطريق أنطاكية، وكان ~~قد اعتزل عند غزوة الفرس، وكان لقاؤهما - كما ذكرنا آنفا - في دير «الهانطون» على الساحل إلى غرب الإسكندرية. ولعل بطريق ~~أنطاكية كان يصحبه مطران أو اثنان من مطارنة الشام، وكان قد حل في الدير من قبل مطارنة آخرون أمثال «توما الهركلي» ~~و«بولص التلوي»، وكانوا دائبين في عملهم العظيم، ألا وهو مراجعة ترجمة الإنجيل السريانية ومقابلتها على النص اليوناني، ~~وكان سواهم في مصر كثيرون جاءوا إليها لائذين؛ فإنه «قد هرب كل من استطاع الهروب؛ إذ كان الفرس يفسدون في الشام خوفا ~~أن يدركهم شرهم، وكان فيهم ناس علمانيون من كل الطبقات، وقسوس من جميع الدرجات ومعهم مطارنتهم، جاءوا كلهم إلى ~~الإسكندرية يحتمون بها». # 1 # فكان على ذلك من المحتمل أن تصدق الأقوال الشائعة عن وجود خمسة من المطارنة مع البطريقين عند اجتماعهما. وقد ~~كان من أثر هذا الاجتماع اتحاد الكنيستين الشامية والقبطية، ولم يبق «أنستاسيوس» في مصر إلا شهرا واحدا، ثم عاد إلى ~~الشام، وشهد فيها أول عهد التسامح العجيب الذي كان على ما يظهر يحل سريعا في إثر غزاة الفرس عقب القتال الأول العنيف ~~الذي كانت الدماء تسيل فيه غزارا؛ إذ كان الفرس في حربهم غلاظ القلوب ما دام السيف في أيديهم، وكانت غلظتهم وحشية لا ~~يبررها عقل ولا تدعو إليها حاجة، حتى كان يخيل إلى الناس أن جندهم لا يمل من سفك الدم، فإذا ما ساد السلام وعاد الأمن ~~صار حكمهم عادلا وديعا على غير توقع، كانوا على ذلك في بلاد العرب وفي الشام وفلسطين، وكانوا على ذلك أيضا في مصر كما ~~تشهد حوادثها بعد حين. # استغرق فتح الشام سنين ستة، وكان فتح بيت المقدس آخر ما كان عليهم القيام به هناك، ms074 لم يبق بعده إلا قليل من الأمور. ~~فلما اقترب خريف سنة 616 كان الاستعداد قد تم لغزو مصر. ويظهر أن القائد لم يكن «خوريام»، وهو «شاه-ورز»، بل كان قائدا ~~آخر اسمه «شاهين». # 2 # سار شاهين على محجة الحرب وطريقها الواضح، وهي الطريق التي سار فيها قمبيز و«أنطيوخس أبيفانس» والإسكندر ~~الأكبر، والتي كان مقدرا عليها أن تشهد سير عمرو بعد سنوات قليلة وهو يقود جيوش العرب. # كان أول تلك الطريق عند العريش (رينوقولورا)، وكانت تتبع ساحل البحر إلى الفرما ومنها إلى ممفيس، ثم تبلغ مجمع النهرين ~~عند رأس مصر السفلى، ومن «ممفيس» كانت تصل إلى «نقيوس» متبعة فرع النيل الغربي، ومن هناك تسير إلى الإسكندرية. ولم يكن ~~لدى أهل وادي النيل رغبة في قتال شديد ولا قدرة عليه؛ ولهذا لا نجد ذكرا لوقعة ذات شأن، ولا لسعي شديد في سبيل الدفاع ~~عن البلاد. # ويصف مؤرخو اليونان كل هذه الحرب في كلمة قصيرة؛ إذ يقولون: «جاء الفرس فأخذوا مصر كلها والإسكندرية وليبيا إلى حدود ~~أثيوبيا، ثم عادوا ومعهم عدد عظيم من الأسرى، وغنائم جليلة المقدار.» # 3 # ويزيد المؤرخون المصريون على تلك القصة شيئا يسيرا لا يشفي غلة. على أننا نعرف منهم أنه قد فتحت الفرما ~~بغير كبير عناء، وأن الفرس خربوا من كنائسها الكثيرة وأديرتها. # 4 # ولا يرد ذكر لإخضاع حصن بابليون بقرب ممفيس، ولنا أن نقول إنه كان غير محصن، ولم تكن فيه حاميات من الجنود ~~تدفع عنه - ولو أن الفرس كانوا بلا شك أهل السبق والتبريز في فنون الحصار وحروبه - وكذلك نعرف منهم أن جيش الفرس سار في ~~البر بعد فتح «ممفيس» يساعده أسطول عظيم في نهر النيل، وسار متبعا الشاطئ الشرقي من الفرع الأكبر الغربي، ومر بمدينة ~~«نقيوس» في طريقه إلى الإسكندرية. # 5 # وأما فتح الإسكندرية فقد بقي وصف شائق له، # 6 # يقول كاتبه إن تلك المدينة العظمى «بناها الإسكندر كما أوصاه أستاذه أرسطو، فجعل لها سورا، وأجرى وراء ~~الأسوار مياه النيل، وجعل لها أبوابا قوية»، وقد ظل الحصار ms075 زمنا ولم يستطع الفرس أن يدخلوا ذلك المعقل المنيع مع ما ~~كانوا عليه من بصر بأمور الحصار. والحق أن حصونها كانت قوية لا يكاد عدو يجد فيها مطمعا. وكان ذلك الحصار في عام 617؛ ~~أي بعد آخر غزوة غزاها الفرس مصر بنحو 117 عاما. وقد استطاع الفرس في تلك الغزوة السابقة أن يفتحوا مصر السفلى، وغمر ~~أتيهم أرضها جميعا، ولكنه ارتد عاجزا عند أسوار الإسكندرية. # 7 # وقد قامت هذه الأسوار نفسها منذ ثماني حجج ماثلة بين يدي جيوش «بنوسوس»، فارتدت عنها تلك الكتائب ~~المستميتة وهي خاسئة، كأنما هي أمواج البحر ترتطم بصخور الساحل. وقد أراد الله أن تقوم تلك الأسوار مرة أخرى بعد ربع قرن ~~وهي راسية قوية تحاد جيوش العرب حتى استطالت بها مدة الحصار. فمن الواضح على ذلك أن تلك الأسوار كانت في الوقت الذي نصفه ~~هنا لا تزال على عهدها خطا عظيما من الحصون والآطام ذات بأس ومنعة، ولو أتيح لها جند عاهدوا أنفسهم على الدفاع يدا ~~واحدة لكان في استطاعتها أن تثبت حتى يكل المحاصرون وتنفد قوتهم، ولاستطاع جندها عند ذلك أن يسحقوهم وقد أنهكت ~~قواهم، أو أن يرغموهم على رفع الحصار وترك المدينة، ولا سيما وقد كان البحر من ورائها تأتي منه الأمداد تترى إليها؛ إذ ~~كان الروم لا يزالون سادة البحر إلى ذلك الحين. # ولكن أنى لها ذلك وقد بعد عهدها باجتماع الشمل وتوحيد الكلمة، وصار أهلها أخلاطا مضطربة من قبط وروم وسوريين ويهود، ~~وجماعة من طلاب العلم، وآخرين من اللاجئين أتوا إليها من كل أنحاء الدولة؟ فكان القبط والسوريون يكرهون الروم، وكان ~~اليهود يمقتون أتباع المسيح مقتا لا يسله من قلوبهم الخطر الداهم عليهم جميعا، وكانوا جميعا لا يدركون أن الواجب ~~عليهم أن يجتمعوا من كل جنس أو طبقة أو مذهب يربطهم رباط الاشتراك في الوطن، وهو الوسيلة لا وسيلة غيرها إلى ضم شملهم. ما ~~كانوا ليدركوا معنى لهذا، بل كانوا يسخرون منه ؛ فلم يكن عجيبا مع هذا أن نرى الخيانة تعمل على وقوع ms076 المدينة في يد ~~أعدائها. # وكان الفرس في أثناء مدة الحصار يوقعون بما حول المدينة من الريف، ولا سيما بما فيه من الأديرة؛ يشفون بذلك ما في ~~نفوسهم من الغيظ لفشلهم. وقد جاء في الأخبار أنه كان بأرباض الإسكندرية نحو ستمائة من الأديرة لها آطام على شكل أبراج الحمام، # 8 # وكان الرهبان آمنين وراء هذه الحصون واثقين بمناعتها؛ فلم يلتفتوا إلى اتخاذ الحيطة وإعداد الأمر لسلامتهم، ~~بل دفعهم الاطمئنان إلى الجرأة على محادة عدوهم جهرا، ولكن جاءت إليهم كتيبة من الغرب # 9 # حيث كان معسكر الفرس، وأحاطت بأسوارهم، وما أسرع أن دكت حصونهم الضعيفة الساذجة، ثم قتل الفرس من فيها من ~~الرجال لم يكد يفلت منهم أحد إلا النزر اليسير ممن دخلوا الجحور والثنايا، ونهب ما في الأديرة جميعه من مال ومتاع، ~~وهدمت الكنائس والأبنية أو أحرقت، وأصبحت خاوية على عروشها، وظلت كذلك أطلاله ماثلة إلى زمن طويل بعد فتح العرب ~~مصر. # ولكن ذلك العدو أخذ فيما أخذ من الغنائم الثمينة كنوزا علمية كانت تملأ مكاتب الأديرة. ولسنا نعلم علم اليقين ماذا ~~كان من أمرها، ولكن لا شك في أن كل تلك المكاتب لم تهلك، بل بقي بعضها. وأكبر ما حدث أن الدير الكبير دير «الهانطون» لم ~~يصل إليه أذى لبعده عن الإسكندرية، وأغلب الظن أن ما كان فيه من الكتب والمنسوخات لم يمسه سوء. ويدلنا على أن الدير ~~نجا من الخراب أن البطريق «سيمون» سنة 694 للميلاد نشأ منه ثم دفن فيه. # 10 # وكان سيمون هذا سوري المولد، معروفا بضلاعته من علم الفقه المسيحي. ومن هذا نرى أن ذلك الدير بقي على صلته ~~بسوريا، وأنه احتفظ بما عرف عنه من شهرة بالعلم، ويتردد ذكره في صفحات التاريخ بعد هذه الأيام. وكذلك أفلت من الدمار ~~دير آخر، وهو دير «قبريوس»، وهو إلى الشمال الشرقي من الإسكندرية على ساحل البحر. # 11 # ومن هذا نرى أن تخريب الفرس حول المدينة العظمى كان في حدود ضيقة الرقعة لم يتعدها، وهو أمر غريب سببه ~~أن ms077 الفرس كانوا أثناء الحصار بين أمرين؛ إما أنهم كانوا في شغل من حصارهم، وإما أنهم كانوا أقصر همة من أن يبعثوا البعوث ~~بضعة أميال في الصحاري الرملية ليضيقوا على تلك البيوت المنعزلة ومن فيها من الرهبان. ولا بد أن الأديرة التي ~~دمروها ونهبوها - وكانت عدتها كبيرة - كانت كلها على مرأى من معسكرهم، أو تكاد تكون على مرأى منه. # ولا بد لنا هنا أن نخالف «ساويرس» في رواية رواها عن فتح الإسكندرية؛ فقد روى أنه عندما أتت أنباء هدم الأديرة وقتل ~~رهبانها إلى الإسكندرية استولى الرعب على أهلها، ففتحوا أبواب المدينة. وكان «سلار» الفرس، أي قائدهم، قد رأى فيما يرى ~~النائم أن عظيما ظهر له ووعده أن يسلم المدينة إلى الفرس، ثم تقدم إليه أن يأخذ أهل المدينة بشدة لا لين فيها، وألا ~~يغادر من أهلها أحد ينجو من النكال؛ وذلك لأنهم كانوا جميعا من أهل الكفر والنفاق. فأمر «السلار»، أو هو «شاهين»، أن يخرج ~~كل من في المدينة من الرجال ذوي القوة ممن كانوا بين الثامنة عشرة من العمر والخمسين، مظهرا أنه قد أعد لكل منهم ~~قطعتين من الذهب. فلما خرجوا إليه جميعا في صعيد واحد أمر بأسمائهم أن تكتب، ثم أمر جنده أن يفتكوا بهم ويقتلوهم، ~~وكانوا نحو ثمانين ألفا. # هذه روايته ولا يصدقها عقل، ولندع ما جاء فيها من ذكر الرؤيا، وما فيها من تحريض للفرس على جماعة مخالفة من ~~المسيحيين، وإن كنا نستطيع من سياق القصة أن نرى ميل الكاتب «ساويرس» لمذهب المونوفيسيين، وما كان يختلج في قلبه من السرور ~~إذ يفكر في مذبحة تحل بأهل المدينة العظمى، وهم من أتباع المذهب الملكاني، ولكن من ناحية أخرى كان الرهبان الذين ~~هلكوا من «المونوفيسيين» وهم القبط؛ ولذلك كان كل ما كتبه «ساويرس» تظهر منه كراهة شديدة للفرس ومقت لهم؛ فهذه القصة على ~~ذلك لا يمكن أن نتوسع في دلالتها فنقول إنها تدل على اتفاق أيا كان نوعه بين القبط والفرس. وعلى أي حال فإن الفرس، وإن ~~كانوا قساة، ms078 كانت شريعة الحرب عندهم لا تبيح لهم أن يقتلوا أهل مدينة سلمت إليهم بغير قتال. # 12 # ولا شك أنه من المضحك ما جاء في تلك القصة من ذكر الوعد الذي وعده القائد بإعطاء المال، وكذلك كتابة أسماء ~~ثمانين ألفا من الأسماء تمهيدا للقتل. هذا إذا سلمنا أن أبواب المدينة كان من الممكن أن تفتح بغير عهد يستأمن للناس ~~على حياتهم؛ إذن فلندع «ساويرس» وروايته، ولنرجع إلى الديوان «السوري»؛ ففيه رواية أخرى لفتح المدينة أقرب لأن يسيغها ~~العقل. # نعلم أن الترعة التي كانت تأتي بالماء العذب إلى الإسكندرية وتحمل إليها الأقوات، كانت تسير في التواء بإزاء السور ~~الجنوبي، ثم تذهب فجأة إلى الشمال، فتدخل إلى المدينة وتشقها حتى تصل إلى البحر، وكان على كل من منفذيها باب قوي ~~الحصون، عليه آلات شديدة من آلات الحرب. فإذا وقع للمدينة حصار قل نقل الأشياء على الترعة إلى ما وراء المدينة أو ~~امتنع؛ وذلك لأنها تكون عندئذ تحت سلطان العدو، أو على الأقل ما كان منها بعيدا عن مرمى المجانيق التي مع المدافعين في ~~الحصون. ولو اتفق وجود شيء في الترعة عند ذلك من السفن التي تحمل الغلال أو سوى ذلك من الزوارق، لاستولى عليه ~~المحاصرون، ولكن الباب الذي كان يلي البحر كان مفتوحا أبدا لكي تدخل منه السفن الآتية بتجارتها من البحر، ولتدخل منه ~~زوارق صيد السمك الكثيرة التي تأتي كل يوم إلى أسواق المدينة بما تحمل، وكان ذلك الباب على طرف المرفأ، وفيه سفن الحرب ~~الرومانية لا يدافعها مدافع؛ ولهذا كانت حراسته من غير شك مهملة بعض الإهمال. # فوجد الخائن في هذا الباب فرصته؛ إذ تسلل خفية إلى ما وراء الأسوار، وذهب إلى فسطاط قائد الفرس، فأفضى إليه بخطة ~~يستطيع بها أن يفتح المدينة، فاستحسن القائد رأيه واتبعه، فجاء الفرس بعدة من سفن الصيد، وجعلوا فيها الجند في لباس ~~صيادي السمك، وخرجت بهم السفن في ظلام الليل إلى البحر. فلما كان وقت السحر جاءت تلك السفن الصغيرة حتى صارت عند الباب ~~الشمالي، ms079 ونطق من فيها بشعار القوم فلم يعترض أحد سبيلهم، ودخلت السفن حتى بلغت القنطرة التي فوق الترعة، وهي التي يتصل ~~بها الطريق الأعظم في المدينة، وعند ذلك أخذ القوم سيوفهم وكان الظلام لا يزال سادلا ستره، ثم نزلوا إلى البر، وساروا في ~~الطريق الأعظم إلى الغرب بغير أن يحدثوا ضجة حتى بلغوا «باب القمر»، ولم يفطن إليهم أحد بفضل تنكرهم. فلما أن صاروا ~~هناك هبطوا على الحراس فجأة، فأخذوهم على غرة وقتلوهم، وكان كل ذلك في وقت قصير، فاستطاعوا أن يفتحوا الأبواب الضخمة ~~قبل أن ينذر القوم بهم. فلما طلع النهار مشرقا على قصور الإسكندرية ومعابدها، كانت جموع «شاهين» تتدفق إليها رافعة ~~ألوية النصر، هاتفة باسم كسرى من رءوس الأسوار. # وجاء في «الديوان السوري» بعد ذلك أن من استطاع النجاة من الناس هرب، وأن خزائن الكنيسة وأموال عظماء الدولة، وكانوا قد ~~جعلوها في السفن حرصا عليها وحذرا من أجلها، قد هبت ريح عاصفة دفعت السفن بها إلى الساحل على مقربة من عسكر الفرس، ~~أي إلى غرب المدينة، # 13 # فأخذ الفرس ما بالسفن من الذهب والفضة والجوهر، وأرسلوه مع مفاتيح المدينة إلى كسرى. ومن العجيب ألا يرد ~~بالديوان السوري ذكر للمقتلة العظيمة التي ذكرها «ساويرس»، ولكن من أبعد الأشياء أن يكون هذا المؤرخ المصري مخطئا كل ~~الخطأ وهو الذي كان يقيم في مصر ويعرف أخبارها. وإن مقتلة كهذه التي يذكرها المؤرخ المصري تتفق كل الاتفاق مع ما اعتاده ~~الفرس في حربهم إذا ما فتحت مدينة عنوة، لم تسلم عن رضا، ولم يستأمن لأهلها بعهد ولا عقد. # على أنه من الظاهر أن المدينة كانت تتوقع أن ينزل بها ما نزل؛ إذ أنذرها به منذر، ألا وهو اليأس؛ فقد أخذ من جندها ~~عدد كبير ليدافع عن بلاد أخرى من الدولة، أو ليدافع عن بيزنطة ذاتها؛ إذ كان الفرس يفتحون أرضا بعد أرض من بلاد ~~الدولة «ويطئونها كما يطأ الثوار أرض البيدر»؛ # 14 # فكان هذا سببا في إضعاف المدافعين عنها إضعافا جعل المدينة في ms080 خطر داهم. وفوق ذلك كان القمح لا يصل إليها ~~من ريف مصر. حقا إن أهل الإسكندرية كانوا يطعمون جزءا صغيرا من القمح الوارد إليها، ولكن تجارة القمح العظيمة كانت ~~تصدر عن الإسكندرية إلى كل جوانب البحر الأبيض المتوسط، فكانت التجارة كلها تتدفق إلى خارج المدينة. فلما انقطع المورد لم ~~يكن من الممكن أن تنقلب الحال، ويصبح واردا ما كان بالأمس صادرا. فلما استطال الزمن على ذلك الحال، وقل ما كان في ~~الخزائن بغير أن يأتي مدد من «هرقل»؛ كان لا بد أن تشتد الحاجة بالناس، ويوقنوا أنهم لا بد أن يسلموا عندما يفتك ~~بهم الجوع. إذا عرفنا هذا لم يكن بعد عجيبا أن يهرب «نيقتاس» حاكم القطر، وهو من نعرف فيه الشجاعة في الحرب والقوة في ~~العمل والولاء والإخلاص لدولته، وقد هرب «نيقتاس» في سفينة إلى القسطنطينية يصحبه «حنا ~~الرحوم»، وذلك «عندما كانت الإسكندرية على وشك التسليم للكفرة الفارسيين»، # 15 # فبلغت السفينة بهما إلى «رودس» ثم مرض البطريق. ولما أحس بدنو أجله سافر إلى قبرص فنزل بها، ثم مات بعد ~~قليل في الموضع الذي ولد فيه، وهو «أماتوس»، وذلك في 11 نوفمبر سنة 617. # 16 # إذن لا بد لنا أن نقر أن أهل الإسكندرية كانوا قد ضاع أملهم في النجاة، وكل ما فعله بطرس طالب العلم الغريب الذي دل ~~على عورتهم هو أنه أسرع بهم إلى القضاء المحتوم الذي كان لا بد نازلا بمدينتهم، وأغلب الظن أن ذلك القضاء لم يتقدم إلا ~~زمنا قصيرا. ولسنا نعرف عن ذلك الخائن إلا أنه أتى من إقليم البحرين الواقع في الشمال الشرقي من بلاد العرب، ولسنا ~~نستطيع الوثوق من دينه أكان مسيحيا أم يهوديا أم وثنيا، ولسنا ندري أكان له باعث على خيانته لتلك المدينة العظيمة، ~~التي كانت مقر العلم وآوته إلى أحضانها، سوى خوفه الدنيء على حياته، وسعيه لتخليصها مهما بذل في سبيل ذلك، ولكنا نعرف أن ~~البحرين كانت تحت حكم فارس، وأن أهلها كانوا، كما وصفهم العارفون، خليطا أكثره من الفرس واليهود ms081 ، # 17 # وبقيت كذلك إلى ما بعد العصر الذي نصفه الآن؛ وعلى هذا فإنه من الممكن أن ذلك الطالب قد ذهب إلى خيانته ~~متسترا بستار الإخلاص لدولته. وقد جاء في القصة أن بطرس هذا قرأ يوما في ديوان سجلات المدينة كتابا جاء في آخره: «إذا ~~ما عصفت الحوادث بالإسكندرية من الباب الغربي الذي من قبل البحر، فقد آن أوان سقوطها.» ولا شك أن هذه النبوءة قد وضعت ~~بعد هذا الحادث، ولو أنها تصدق على فتح «نيقتاس» للمدينة في سنة 609، ولكنها على أي حال لا تكشف لنا عن الباعث الذي دفع ~~الخائن إلى عمله ولا عن ديانته، بل الذي يمكن أن نعرفه منها هو أن بطرس كان يعرف أنه كان ينفذ قضاء محتوما على ~~المدينة عندما ذهب إلى الفرس وبايعهم على أن يدلهم على عورتها. # ولعل مفاتيح الإسكندرية قد بعثت إلى كسرى في أول سنة 618. أما أهلها فقد قتل منهم كثيرون عند أول فتح المدينة، ولكن ~~الفرس أبقوا على عدد كبير منهم، أخذ بعضهم سبيا وأرسل إلى بلاد الفرس، # 18 # وبقي البعض الآخر لم يمسسه سوء. وكان بين الذين نجوا بغير أذى البطريق «أندرونيكوس»، وقد لقي من الرفق على ~~ما يلوح مثلما لقي «مودستوس» في بيت المقدس، وكان ذلك عن أمر ملك الفرس نفسه، ولكن أثر المصائب التي شهدها تحل بقومه، ~~والخراب الذي نزل بهم في جميع أنحاء أرض مصر، لم يزل في قلبه يملؤه حزنا وأسى حتى قضى على حياته. # 19 # قد رأينا أنه قد أبيح للبطريق أندرونيكوس أن يبقى في الإسكندرية مدة ولايته للدين؛ وذلك لأنه كانت له عترة ذات بأس، ~~وكان ابن عمه كبير «مجلس الإسكندرية» عندما ولي الأمر. وهذا الخبر كبير الدلالة؛ إذ نعلم منه أن بعض القبط كانوا يبلغون ~~المراتب العالية في الدولة حتى في أيام هرقل، ونعلم منه أيضا أن الفرس عندما استقر بهم الأمر في البلاد بعد الفتح ~~استخدموا كبار رجال الدولة السابقة التي أزالوها وحلوا محلها، وسنرى بعد حين أن العرب ساروا على السنة ms082 ذاتها غير ~~حائدين عنها شيئا. وليس في الاستطاعة من سبيل غير ذلك كلما غزا جيش أجنبي بلادا لها مدنية تسبق مدنيته، ويرى واجبا ~~عليه أن يدبر أمورها، وهي منظمة تنظيما حسنا في أوضاع جليلة ذات شعب وفروع. ولا نزاع في أن القبط قد اشتركوا ~~في هذا الأمر، وما كان لهم أن يرفضوا ذلك الاشتراك؛ إذ إن الرفض حمق لا مبرر له، ولكن ذلك الاشتراك شيء، وما يعزوه ~~إليهم الكتاب المحدثون عادة شيء آخر؛ فإنهم يعزون إليهم أنهم رحبوا بالفرس ورأوا فيهم رسل الخلاص؛ # 20 # فإن هذه التهمة لا مبرر لها، وهي فوق ذلك قلب للحقيقة ومسخ لها. # إذ يجب أن نذكر أن الفرس جاءوا إلى مصر وأيديهم لا تزال ملطخة بما اقترفوه من ~~النهب والقتل زمنا طويلا، وكان أكثر ضحاياهم من المسيحيين الذين اتحدوا مع القبط، وبعيد أن يعطف الفرس في مصر على مثل ~~من قتلوا في الشام، في حين أن دفاع الإسكندرية ومقاومتها لهم ذلك الزمن الطويل لا بد أن يكون قد أثار حقدهم، ولا سيما ~~وقد كان فيها أولئك اللاجئون الذين أتوا إليها من بيت المقدس؛ فلا شك إذن أن المقتلة كانت لا تمييز فيها لأحد على آخر. ~~غير أن المقريزي # 21 # يقول إن اليهود اتفقوا مع الفرس كما فعلوا من قبل في فلسطين. وقد جاء في كتابه أن كسرى وجنوده جاءوا إلى مصر ~~فقتلوا طائفة كبيرة من المسيحيين، وأسروا عددا عظيما منهم، وساعدهم اليهود على إهلاك المسيحيين وتخريب كنائسهم. # 22 # ونص هذه الرواية مثل سائر النصوص مضطرب بعض الاضطراب، ولما كانت لا تفرق بين حرب الشام وحرب مصر، كان ~~لنا أن نقول إن المقصود منها مساعدة اليهود في بيت المقدس وحدها. على أنه قد كان في مصر عدد كبير من اليهود، وكان لهم حي ~~في الإسكندرية، ومن الجائز أن يكون اليهود قد انتهزوا في مصر فرصة جديدة ليساعدوا أعداء الصليب، ولكنا نستبعد أن يكون ~~القبط قد أظهروا شيئا من المودة للكفار الذين كانت أيديهم ملطخة بدماء إخوانهم ms083 في الدين في «أنطاكية» و«بيت المقدس»، ~~ولعل بطرس البحريني كان يهوديا، ولعله كان أداة خطة مكر بها اليهود للكيد لأعدائهم. فإذا كان الأمر كذلك كان عمله في ~~الخيانة أقل دناءة وخسة، وكان من السهل على الأفهام إدراكه. # ولكنا لسنا في حاجة إلى القياس والتخمين لكي نظهر براءة القبط مما عزي إليهم؛ فإنه لا شك في أن أكثر من هلك من ~~الرهبان فيما حول الإسكندرية كانوا من القبط، ولو لم يكن لدينا من الأدلة إلا هذه الحقيقة لكانت كافية لدحض افتراء ~~المفترين على القبط بأنهم رحبوا بالفرس، ولكن ليست هذه الحقيقة كل ما لدينا؛ فإنا نعلم أنه بعد فتح الإسكندرية سار ~~قائد جيوش كسرى بجنده صعدا إلى الجنوب بحذاء النيل لكي يفتح الصعيد، وكانت معاملته للقبط واحدة في كل مكان واحدة؛ يحل ~~الموت والخراب حيث حل. ويقول ساويرس إنه لما بلغ مدينة «بشاتي»، وهي «نقيوس»، # 23 # وشى إليه عدو من أعداء القبط بالرهبان الذين كانوا يعيشون في مغاور الجبال، قائلا إن عندهم مالا كثيرا، ~~وإنهم أهل فساد وظلم، ثم قال له إن كثيرين منهم كانوا مجتمعين عند ذلك في الحصن. # 24 # فأثرت فيه هذه الوشاية، فحاصر المكان في الليل بجنوده. ولما أصبح الصباح اقتحموه، وأوقعوا بمن فيه من ~~المسيحيين فقتلوهم، ولم ينج منهم أحد. # ولا شك أن الرهبان الذين قتلوا في ذلك المكان أيضا كانوا من القبط، وقد حدث في الصعيد مثل ما حدث في «نقيوس». ولدينا ~~في هذا الموضع رواية رواها من هو أصدق من «ساويرس»، وأقرب منه عهدا بتلك الحوادث، وتكاد كتابته تكون في نفس ذلك العهد ~~الذي يقص علينا نبأه؛ فقد كان بمدينة قفط بالصعيد في وقت غزو الفرس مصر مطران لتلك الأبرشية اسمه «بيزنتيوس»، ومن حسن ~~الحظ قد بقيت ترجمة حياته، وترجمها عن القبطية «المسيو أميلنو». # 25 # وهذه القصة فيها عدة أمور تسترعي النظر؛ ولهذا لا حاجة بنا إلى الاعتذار عن إيرادها هنا مع شيء من ~~التفصيل. # معلوم أنه كان من المعتاد في كل عام أن ينشر ms084 بطريق الإسكندرية كتابا على الناس يبين فيه يوم عيد الفصح. وإن في ~~المتحف البريطاني قطعة من أحد هذه الكتب، وهو حسن الخط مكتوب بحروف مستديرة، ومؤرخ حوالي سنة 577، ويكثر وجود أمثال ~~هذا الكتاب أو قطع منها. ونجد في ترجمة «بيزنتيوس» أنه في عهد غزو الفرس أو قريبا من ذلك جاء كتاب البطريق المعتاد، ~~فكتب «بيزنتيوس» موعظة بعث بها إلى أبرشيته كلها، وقال فيها: «لقد خذلنا الله لما نقترفه من الذنوب، وسلط علينا من ~~الأمم من لا يرحمنا.» # 26 # وكان قد بلغه نبأ عبدة النار ونزولهم بالديار، وأزعجه ما سمع من قسوتهم، ولم يكن يريد البقاء حيث هو ليكون ~~شهيدا فآثر الهرب. فلما أعد عدته لذلك، وتصدق على الفقراء بما يملك؛ ذهب إلى جبل «جيمي» بقرب المدينة، وكان معه ~~تلميذه المخلص حنا. كان هذا قبل أن يطلع العدو على الصعيد، فلم يكن هروبه في لحظة فزع تملكه على غرة، بل كان تدبير ~~رجل عالم بأنه إن بقي مكانه لم يكن نصيبه سوى الموت، ولم تخامره فكرة الخضوع للفرس والاحتماء بهم، ولم يخطر بباله أن يخطب ~~ودهم؛ فعمله هذا لا يتفق في شيء مع قول من قال إن القبط رحبوا بالفرس. # ولما هرب «بيزنتيوس» وتلميذه حنا إلى الجبل، أخذا معهما مقدارا كبيرا من الخبز وماء النيل. ولما نفد منهما الماء لقيا ~~مشقة عظيمة؛ لأنهما لم يجرآ على الاقتراب من النيل حتى ذهب «بيزنتيوس» تحت جنح الليل وهو حذر يترقب وأخذ الماء. ~~وما زالا في ذلك المخبأ زمنا طويلا يصليان إلى الله نهارا وليلا، ويدعوانه أن ينجي قومهما من أسر تلك الأمم ~~الظالمة، ويفك عنهم غلها. وكان كل ذلك قبل أن يأخذ الفرس مدينته «قفط». فلما أن أدركوها وصارت في يدهم، هرب «بيزنتيوس» ~~موغلا في الصحراء نحو ثلاثة أميال أخرى، فوجد الرفيقان هناك بابا مفتوحا في عرض الجبل فدخلاه، وكان يفضي إلى حجرة ~~مساحتها سبعون قدما مربعا، وكان علوها يناسب سعتها، وكلها نقر في صخر الجبل، تدعمها ست دعائم أو أعمدة، وكانت هذه ms085 ~~مدفنا به عدد عظيم من الجثث المحنطة مضطجعة ضجعتها ، مطمئنة في توابيتها. # فعزم «بيزنتيوس» على أن يقيم هناك وحده، وأمر تلميذه حنا أن يذهب عنه، على أن يغدو عليه مرة كل أسبوع بكيل من الدقيق ~~ومقدار من الماء. فلما أزمع حنا السير وجد قطعة من الرق ملفوفة، فناولها للمطران، فلما قرأها وجد بها أسماء من كانوا في ~~ذلك المدفن من الموتى. والاعتقاد الشائع أن هذه الصحيفة كانت كتابتها بلغة مصر القديمة (الهيروغليفية)؛ # 27 # ومن ثم يقولون إن تلك الكتابة كانت لا تزال معروفة إلى القرن السابع على الأقل، ولكن شيئا من ذلك لا يأتي ~~ذكره في الترجمة القبطية (التي نحن بصددها). وعلى كل حال قد جاء في القصة بعد ذلك أنه لما عاد حنا إلى المغارة سمع مولاه ~~يتكلم فأصغى إليه، فألفاه يحدث إحدى الجثث وقد خرجت من تابوتها ترجو منه الشفاعة، قائلة إنها كانت هي وذووها جميعا ~~من اليونانيين الذين كانوا يعبدون الأوثان. وهذه القصة على ما بها من خرافة تدل على أن التحنيط كان لا يزال متبعا إلى ~~القرن الثاني أو الثالث كما يدل عليه ذكر أكفانها، وأنها كانت من «الحرير الخالص الذي تلبسه الملوك»، وكما يدل عليه تحنيط ~~الأصابع مفردة. ولعلنا نستطيع أن نستخلص من ذلك أن الصحيفة كانت كتابتها بالحروف اليونانية. # 28 # نرجع الآن إلى قصتنا؛ فإن الجثة بعد أن أتمت كلامها عادت إلى تابوتها، والذي يؤسف له أنه لا يرد بعد ذلك ذكر للفرس ~~وما فعلوه بعد أخذ «قفط»، ولا كم من الزمن أقاموا في الصعيد. وقد عاد «بيزنتيوس» آخر الأمر إلى شعبه، ولما مات دفن في ~~الكنيسة في قرية «بسنتي» بعد أن قاموا الليل على جنازته بالصلاة المسنونة، وقد أوصى وهو على فراش موته بكل ما عنده من ~~الكتب إلى صديقه «موسى»، وهو الذي خلفه مطرانا على الأبرشية وكتب ترجمة حياته. وجلي أن كلا المطرانين كان على شيء من ~~العلم، ولكنهما كانا مثل سائر أمثالهما من كتاب القبط لا ينصرفان إلا إلى قصص تافهة ms086 خرافية تذكر ما كان على أيدي ~~القديسين من الكرامات العجيبة، فلا يحلو لهم إلا ذكر المعجزات وخوارق المألوف، ولا يذكرون حادثة حقيقية إلا عرضا أو ~~سهوا، وإن كانت مما يرتج له العالم من حوادث وقعت تحت أنظارهم، وهم يعلمون أنها حوادث يتوقف عليها مصير بلادهم. # على أننا نستطيع أن نستخلص أمرين من تلك القصة؛ الأول: أن الفرس بلغوا في فتوحهم أبعد أطراف وادي النيل حتى أسوان. ~~والثاني: أن المصريين القبط لم يرحبوا بهم أو يروا فيهم الخلاص، بل كانوا يرونهم بعين الجزع والمقت، وحق لهم أن ~~يفعلوا ذلك. # وكانت كتابة قصة «بيزنتيوس» في القرن السابع. وإليك صحيفة أخرى في المعنى ذاته تاريخها بعد تاريخ القصة الآنفة، ولكنها ~~في القرن نفسه، وهي تصف ما قاساه القبط من الفرس وصفا أدق وأكثر وضوحا، وهذه الصحيفة هي ترجمة حياة ظهرت حديثا # 29 # للولي القبطي المعروف «الأنبا شنودة». # 30 # وقد أورد فيها الكاتب ذكر الغزو الفارسي وجعله في صورة نبوءة، ولكنه كتبها ولا يزال في الأحياء جماعة من ~~الشيوخ أدركوا الحوادث التي يذكرها، وها هي الكلمة: «سيأتي الفرس إلى مصر يسفكون فيها الدماء، ويسلبون أموال المصريين، ~~ويسبون أبناءهم يبيعونهم بالذهب؛ فإنهم قوم ظالمون معتدون، وستنزل المصائب على أيديهم بمصر، يغصبون الكنائس ما بها من ~~آنية مقدسة، ويشربون الخمر في المحراب لا يبالون، ويهتكون أعراض النساء على مرأى من رجالهن، وسيبلغ الشر أعظمه ~~والشقاء قصاراه، وسيهلك ثلث من يبقى من الناس في بؤس وعذاب، وسيبقى الفرس في مصر حينا من الدهر ثم يخرجون منها.» # ولسنا نطمع في دليل أوضح من هذا ولا أبلغ دلالة؛ فهو يهدم كل ما زعم «شارب»؛ إذ زعم أن القبط فرحوا بالفرس، كما أنه ~~يهدم ما ذهب إليه من أن سبب ذلك الفرح الموهوم هو صلة نسب وقرابة زعم أنها كانت بين المصريين وجنود الفرس. وإليك ما قاله ~~«ساويرس» مجملا وصفه لقائد الفرس، قال: «قد اقترف ذلك «السلار» كثيرا من الظلم والقسوة؛ لأنه كان لا يعرف الله، وإن ~~الوقت ليضيق عن ms087 ذكر كل ما ارتكبه.» وقد ظل التاريخ صامتا لا يذكر شيئا عن غزو الفرس لمصر حتى عرفت كلمة «ساويرس» ~~الأخيرة التي اقتبسناها، ثم ظهرت بعد ذلك الصحيفتان اللتان تخلفتا عن ذلك العصر نفسه أو قريبا منه، وعند ذلك تجلت ~~الحقيقة. غير أن صمت التاريخ اتخذ أساسا بنيت عليه قصة قوامها الظن والحدس، فيها حط من شأن القبط لا مبرر له، ~~فلنشهد الآن انهيار ذلك البناء. # بقي الفرس سادة البلاد عشر سنين أو اثنتي عشرة سنة، ولعلهم قضوا ثلاث سنوات # 31 # يمهدون لسلطانهم في طول البلاد وعرضها في مصر و«بنطابوليس»، ولكن لا يرد ذكر لمقاومة عنيفة، أو لقتال ~~استطالت به المدة، اللهم إلا عند الإسكندرية. وإن مضي هذه المدة هو أكبر علة لاضطراب ترتيب الحوادث في هذه الفترة وقلة ~~الضبط في تواريخها، وكان الفرس في أثناء القتال يظهرون قسوة عنيفة. فلما أن خبت سورتهم واستقر أمرهم، صار حكمهم أبعد ~~شيء عن أن يكون ظالما. فلما أن أخرج جند الروم أو من بقي منهم من وادي النيل، وفروا في البحر، استقر القبط على شيء ~~من الاطمئنان، وخضعوا مرة أخرى لسيد جديد بعد زوال سلطان السيد القديم عنهم. وقد كان هذا شأن تاريخهم السياسي من أقدم ~~الأزمان أن تتبدل عليهم السادة وتتعاقب. # وما هو إلا أن عاد السلم حتى أمنت الكنيسة المصرية، واستطاعت أن تداوي بعض ما أصابها من الجروح بعد ما عانته من ~~السلب والتخريب، وبعد أن كادت آثارها تمحى في بعض المواضع. على أن «أندرونيكوس» لم يقم بشيء في سبيل إعادة بناء الأديرة ~~المخربة. وأغلب الظن أن الفرس فرضوا على الكنائس جزية تؤديها، أو لعلهم على الأقل استصفوا ما كان للكنائس الملكانية ~~الطريدة من أوقاف وأرزاق. وأما الأبنية الأهلية فقد لقيت من الفرس رفقا لم يرفقوا مثله في مكان آخر؛ فقد قدمنا أنهم ~~كانوا في الشام يمنون على المدائن والناس في أثناء الحرب كلها إذا هم سلموا إليهم أمانا، وأما إذا كانت مقاومة فقد ~~كانت عادتهم أن ينهبوا ما فتحوه عنوة، ms088 فيسلبوا منه كل ما استطاعوا حمله من تحف أو كنوز، ثم كانوا فوق ذلك يهدمون البناء ~~نفسه كي يأخذوا ما فيه من العمد البديعة، والإطارات الجميلة، والمرمر الثمين، ويرسلوه إلى الملك الأعظم يحلي به قصرا ~~من قصوره. وأما مصر فقد حماها بعدها الشاسع من مثل هذا التخريب الشنيع؛ لأن الروم كانوا لا يزالون سادة البحار، وكان ~~بمصر السفلى عدد لا حصر له من الترع لا قناطر عليها، وكان بين مصر والشام شقة واسعة من صحراء ذات رمال، فكان حمل ما ~~ثقل من الأشياء من قطر إلى آخر أمرا عسيرا فوق الطاقة، وكذلك نعرف أدلة تدل صراحة على أن الأبنية العامة الشامخة ~~بالإسكندرية لم يصبها أذى من الفرس في أكثر الأحوال، على خلاف ما حدث للأديرة التي في ظاهر أسوار المدينة. وفي الحق أن ~~أثر هؤلاء الغزاة في البناء كان أعظم من أثرهم في التدمير في تلك العاصمة؛ إذ بنوا بها قصرا عظيما بقي معروفا إلى ~~زمن بعيد بعد ذلك باسم قصر الفرس. # 32 # وأكبر ظننا أن أخبار تدميرهم وتخريبهم للمواضع الأخرى مبالغ فيها؛ فمثلا يقول «جبون» إنهم محوا من الوجود ~~مدينتي «قيرين» و«برقة»، في حين أن العرب وجدوا هاتين المدينتين بعد سنين من ذلك الوقت، وكانتا جديرتين بفتح جديد، بل إن ~~هاتين المدينتين في هذا الوقت الذي نصفه لم تذهبا وتنمحيا، بل إنا لا نستطيع أن نفسر قوله هذا بأنهما نزعتا إلى ~~الأبد من الدولة الرومانية؛ فإن ذلك لم يكن، وليس في الأخبار ما يبرر أن حظ هاتين المدينتين كان غير حظ مصر؛ فإنها ~~جميعا دخلت في حكم كسرى، وبقيت على ذلك حينا من الدهر، ثم قدر لها أن تعود إلى حكم هرقل قبل أن تدخل في الإسلام وتصير ~~إلى الأبد في حكمه. # 33 # وإنا لا نعرف عن حكم الفرس في مصر إلا قليلا، غير أنا نعلم أن هؤلاء الفاتحين لم يكونوا من الصلابة في أمر دينهم بحيث ~~يرغمون المغلوبين على عبادة النار، # 34 # وكذلك نعلم أنه بعد أن استقر ms089 لهم الأمر ساروا على سنة التسامح في أمور الدين، وكانت تلك سنتهم في فلسطين ~~وبلاد العرب؛ فقد رأينا أن كسرى سمح للمطران «مودستوس» أن يجمع المال ليعيد بناء كنائس بيت المقدس، ثم أباح لبطريق القبط ~~أن يبقى في الإسكندرية حتى موته، وألا ينازعه منازع في رئاسة الدين. وكذلك يظهر لنا أن انتخاب خليفته «بنيامين» تم في ~~سلام واطمئنان، وأنه قضى أول سني ولايته مستظلا بحكم الفرس. وكانت تلك السنين هادئة مطمئنة إذا قيست بسائر مدة ~~ولايته الطويلة المليئة بعواصف الحدثان. وكما أن طرق الإسكندرية وأبنيتها العامة بقيت على عهدها من الفخامة والشموخ لم ~~يعتورها فساد على يد الفرس، كذلك قد بقيت تلك «المدينة العظمى» على عهدها مقرا للعلوم لم ينطفئ نورها، وإن اعتراه شيء ~~من الضعف. # الفصل الثامن # | الفن والأدب # قلما تخلف عن هذا العصر أثر من آثار الأدب، وإن كان ما كتب عنه كثيرا فوق ما يتوقعه الإنسان. # 1 # ويقول بعضهم إن حنا «فيلوبونوس» كان عند ذلك لا يزال حيا في الإسكندرية، ولكن ذلك غير صحيح. # 2 # على أن أثر مذهبه - وإن شئت قلت أثر اعتزاله وانشقاقه - كان لا يزال باقيا، حتى لقد رأى البطريق «سرجيوس» أن ~~الأمر جدير بعنايته، فشرع يكتب في نقض آراء حنا وتفنيدها مشتركا في ذلك مع «جورج البيسيدي». # 3 # ولم يكن حنا هذا بصاحب الرأي الطريف المبتكر، ولكنه كان عالما ضليعا بفنون كثيرة من العلم، ولا تزال بعض ~~مؤلفاته باقية، وهي حواش على كتاب أرسطو. وفي ذلك الوقت كتب قس من الإسكندرية اسمه هارون رسائل في علم الطب باللغة ~~السريانية بقيت معروفة يرجع إليها العرب، كما قال أبو الفرج. # 4 # وكان أطباء الإسكندرية معروفين مشهودا لهم زمنا طويلا، وكانت مدرسة الطب في تلك المدينة كعبة للطلاب يقصدونها من كل ~~أنحاء الدولة. وقد جاء في كتاب زكريا المتليني عن وصفه للقرن السادس أن طبيب الإمبراطور بازيليكوس كان من أهل الإسكندرية. ~~وجاء في موضع آخر في وصف «سرجيوس # 5 # طبيب ريزاينا الأكبر» أنه كان يطلع على ms090 كثير من كتب الإغريق، وكان فوق ذلك فقيها في الدين وعالما في الطب ~~في الإسكندرية، وكان يجيد السريانية قراءة وكلاما . # 6 # ولعلنا نفهم من هذا الوصف أنه قد كان ثمة اتصال خاص بين لغة السريان ودراسة الطب، وأنه لا يبعد أن أعظم كتب ~~الطب في القرنين السادس والسابع كانت باللغة السريانية، ولا شك أن تلك اللغة كانت ذائعة بين الناس، وأن آدابها كانت دائما ~~تدرس في الإسكندرية حتى قبل أن تفد جموع العلماء إلى مصر من سوريا عند غزو الفرس لها. # ومن العجيب أن «هارون» و«سرجيوس» كلاهما كان فقيها في الدين وعالما في الطب في وقت واحد، وكذلك البطريق أوتيكيوس ~~(سعيد بن بطريق). وقد قام أكبر الأدلة على أنه قد ازدهرت في ذلك الوقت مدرسة مستقلة من مدارس الفقه؛ فنسمع أن جماعة من ~~العلماء السوريين كانوا قبيل غزو الفرس مصر يراجعون الترجمة السريانية للإنجيل، ويترجمون إلى السريانية كتاب التوراة ~~السبعينية من جديد، وكان أكبر من اشترك في هذا العمل «توما الهركلي» و«بولص التلوي». # 7 # وقد قامت الجماعة بعملها في أكثر الأوقات في الدير المعروف دير «الهانطون». ولسنا في حاجة لأن نبرهن على أن ~~ذلك العهد نشط إلى دراسة الكتاب المقدس نشاطا كبيرا، ولكن «أجاتياس» يحدثنا أحاديث مدهشة عن الهوة السحيقة من ~~التضليل والكذب التي قد تهوي إليها المناظرات الدينية؛ فإنه يحدثنا عن حاكم من كبار حكام الدولة أنه جمع أربعة عشر ~~كاتبا أو ناسخا يعملون في تحوير ما كتبه الآباء، ولا سيما «قيريل»؛ حتى يستطيع أن يدعم المذهب الذي ينتمي إليه بما شاء ~~من أكاذيب يعزوها إلى أكبر حجج الدين فيما ينشره من الكتب. وإنا لنرجو أن تكون هذه الأكاذيب قليلة الحدوث، ولكنها كتبت ~~في أوائل القرن السابع، حين كان الخلاف المذهبي على أشده لا يتورع أصحابه عن الكذب ~~ومخالفة الفضائل في سبيله، ولم تكن دور الكتب في دير «الهانطون» وحده، بل كان لكل دير مكتبته وقصاده من أجل العلم. ولعل ~~الدير السرياني # 8 # أو الدير السوري الذي لا يزال ms091 إلى اليوم في صحراء وادي النطرون، قد نشأ في ذلك الوقت عندما جاء إلى مصر كثير ~~من السوريين وعلمائهم هاربين من خطر حرب الفرس. وكان الرهبان والزهاد في صوامعهم في كل مكان في الصحاري والجبال بعيدين عن ~~العاصمة وما فيها من حياة العلم، يكتبون باللغة القبطية رسائل في خلافاتهم وتراجم لحياة بطارقتهم، ولكنهم لم يكتبوا من ~~حوادث التاريخ إلا قليلا. # لم يبق مما كتب في ذلك الوقت من التاريخ الصحيح إلا شيء يسير؛ فقد بقيت بعض أخبار قيمة كتبها «تيوفيلا كت ~~سيموكاتا». على أنه قلما يذكر الإسكندرية وإن كان من أبنائها، في حين أن الكاتب المجهول الذي ألف «ديوان بسكال» أو ~~«الديوان الإسكندري» قد خلف لنا صحيفة يصف فيها عصره، لها قيمة جليلة، وهي جديرة بكل عناية، وكتب «حنا النقيوسي» ~~ديوانه في أواخر القرن السابع، ولكنه كان من غير شك يأخذ عما سبقه من المؤلفات التي لم يبق منها شيء حتى الاسم. # وهذه الأسماء التي ذكرناها تدلنا على أنه قد كان في ذلك العصر درس وبحث في التاريخ والفلسفة وفقه الدين والطب، ولكنها مع ~~ذلك قليلة العدد لا تكفي للدلالة على ما كان بالإسكندرية من نشاط أهل العلم في مختلف الفنون؛ فقد ضاعت أكثر مؤلفات ذلك ~~العصر في أثناء عواصف الفتوح التي اجتاحت مصر في النصف الأول من القرن السابع. على أنه قد بقي منها ما يشهد للإسكندرية ~~بأنها كانت جديرة بأن تكون مقر الآداب في العالم أجمع، ومقصد طلاب العلم، وكان لا يزال بها أثر يزدهر من العلم ~~القديم، وإن كان أكثر العلم فيها عند ذلك خاصا بالدين. وقد ألفت رسائل في الأخلاق المسيحية أو المثل الأعلى المسيحي ~~قصد بها أن تكون قائمة على أساس مذاهب أفلاطون وأرسطو. وكما أن «بولص السيلنتياري» كتب مدحة يذكر فيها فضائل «القديسة ~~صوفيا» في شعر هومري # 9 # من ذي الستة المقاطع، كذلك رأى «صفرونيوس» وهو في الإسكندرية أنه لا عار عليه في أن يكتب قصيدة يبث فيها ~~شوقه إلى الأرض المقدسة في صورة ms092 شعر غزلي على نمط تشبيب الشاعر الإغريقي «أناكريون». # 10 # وقد اتفق أن بقي في كتب «حنا مسكوس» شيء من الوصف الشائق للحياة في الإسكندرية في ذلك العهد، على أن هذا الوصف الذي بقي ~~قليل لا يكفي لأن يملأ صحيفة كبيرة من الرقاع التي كانت تستعمل للكتابة، وقد كتبه الكاتب عرضا بغير أن يقصد به ~~شيئا، غير أنه مع ذلك يصور لنا صورة عجيبة. وكان «حنا مسكوس» هذا سوري المولد ولسانه لسان الإغريق، وقد طاف في مصر ~~بضع سنين قرب آخر القرن السادس مع صديقه وتلميذه «صفرونيوس»، وهو دمشقي الموطن، وقضيا مدة طويلة معا في أديرة ~~«الثيبائيد»، وهو صعيد مصر. ولما رجعا إلى وطنهما حمل حنا تلميذه «صفرونيوس» على أن يترهب. ويقال إنهما طردا من الشام ~~في سنة 605 في أثناء حروب «فوكاس» فذهبا إلى الإسكندرية، وقضيا مدة أخرى نحو ثماني سنين أو عشر في القراءة والكتابة، ~~وكانا بين حين وحين يزوران الأديرة المجاورة للإسكندرية وأديرة الصحراء والواحة الكبرى، وكان كلاهما صديقا ل «حنا ~~الرحوم»، على أنه قد كان أقل منهما علما، وقد هربا مثله من الإسكندرية في وقت غزو الفرس، حتى لقد قيل إنهما صحباه إلى ~~قبرص، وإن «صفرونيوس» ألقى خطبة على جنازته، ولكن الأدلة تنقض هذه الرواية. ومن المحقق أنهما ساحا في الجزائر الإغريقية، ~~ورحلا بعد ذلك إلى روما، وهناك أعاد «حنا مسكوس» قراءة كتابه، ونقح فيه التنقيح الأخير. ولما وافاه أجله أعطاه إلى ~~تلميذه صفرونيوس لينشره. فلما رجع الأمن حوالي سنة 620، وأبيح للمسيحيين أن يعودوا إلى التعبد على دينهم تحت حكم الفرس؛ ~~عاد «صفرونيوس» إلى فلسطين، ونشر بعد حين جزءا من كتاب أستاذه، وهو الجزء الباقي إلى اليوم، واسمه «مسارح الروح». # 11 # وهذا الكتاب على ما فيه من قصص شفاء الأمراض بالمعجزات، ومن الأحلام، وأمثال ذلك مما لا قيمة له عند المؤرخ، يشتمل على ~~أخبار قيمة ينشرح لها الصدر إذا ما استطاع الباحث أن يستخرجها منه بشق النفس. والكتاب مع ذلك فيه شيء من فوضى علمية ~~واستطراد غير ms093 منظم يجعله شهي المقرأ، ويخلع لذة على المواضع التي تدعو فيه إلى الملال والسأم. وسنرى فيما بعد بعض ~~ما جاء به عن وصف إقليم الإسكندرية ، ولكن لا بد لنا من أن نذكر هنا صفة تظهر في كل صفحة من صفحاته، ألا وهي حب العلم ~~حبا شديدا؛ فقد كان الصديقان لا يستقر لهما قرار في طلبهما للعلم. ويدل على ذلك تنقلهما في الأقطار، وإن كان بعض ~~رحلاتهما إنما قصدا فيه القيام بخدمات للكنيسة. # 12 # فبينا كانا في الإسكندرية يحدثان مطران «دارنه» أو هي «دارنيس» على ساحل البحر في ليبيا، إذا هما مع رئيس ~~الدير «تيودور الحكيم» أو مع «زويلوس القارئ». وكان «تيودور» و«زويلوس» كلاهما نادرة في العلم والخلق، وكانا فقيرين فقرا ~~مدقعا؛ فقد ورد عنهما أنهما لم يكن لأحدهما من حطام هذه الدنيا إلا رداؤه وبعض الكتب. وكان «تيودور» عالما بالفلسفة، ~~في حين أن «زويلوس» كان مفسرا للكتب المخطوطة، # 13 # ويوضحها بالرسم. وقد وجد الصديقان غير ذلك رئيس دير قريب من الإسكندرية، وكان شيخا جليلا قضى في الرهبانية ~~ثمانين عاما، # 14 # وكان يحب الناس، ولكنه كان فوق ذلك متصفا بخصلة أخرى قلما اتصف بها أحد، وهي حب الحيوان؛ فكان كل يوم ~~يطعم طير الجو، والنمل صغاره وكباره، حتى الكلاب التي كانت تسرح حول الدير. وإذا كنا قد وصفنا «تيودور» و«زويلوس» بأنهما ~~كانا لا يملكان إلا شيئا واحدا احتفظا به وهو الكتب، فقد كان هذا الشيخ الذي يحب الحيوان لا يبقي على شيء؛ فلم يكن عنده ~~درهم ولا رداء، بل لم يكن عنده كتاب؛ إذ كان يعطي الفقراء وأهل الحاجة كل ما يملك. # 15 # ولكن أرعى موضع للنظر في كتاب «حنا مسكوس» قطعة غير كاملة إذا قرأها الإنسان استزاد منها فلم يجد منها زيادة، وهي ~~تصف صلة الصاحبين بكزماس العالم، # 16 # وكانت صلة وثيقة العرى، وكان حنا إذا وصف شيئا استعمل صيغة المثنى في وصفه؛ يقصد نفسه وصاحبه «صفرونيوس» ~~الذي كان شريكه في أسفاره ومباحثه جميعا. وهذه القطعة عظيمة الشأن؛ فلنا العذر ms094 إذا نحن أوردنا هنا شيئا يشبه ~~نصها. # قال حنا: «ولن نقول عن «كزماس العالم» كلمة ننقلها عما يقوله الناس، بل سنكتب ما ~~خبرناه وشهدناه بأعيننا. كان رجلا لا كلفة فيه، زاهدا طاهرا، وكان هينا لينا مؤلفا كريما يعطف على الفقراء. ~~وقد انتفعنا به انتفاعا كبيرا؛ إذ فاض علينا من علمه ورأيه. # 17 # وكانت عنده فوق ذلك «خير مكتبة في الإسكندرية، وكان يعير من كتبها في سخاء لمن يحب أن يقرأ». # 18 # وكان فقيرا فقرا شديدا؛ فلم يكن في بيته من الأثاث إلا فراشه ومنضدة، على أن الكتب كانت تملؤه. وكان ~~يبيح لكل من شاء أن يدخل مكتبته، ومن أراد من القارئين كتابا طلبه وقرأه هناك. وكنت أزور «كزماس» كل يوم، ولست أذكر إلا ~~الحق إذا قلت إني ما دخلت بيته يوما إلا وجدته مكبا على القراءة أو الكتابة، يرد على اليهود أو يجادلهم. وكان لا ~~يحب أن يترك مكتبته؛ فكان كثيرا ما يبعثني لأجادل بعض اليهود بما جاء في الكتب التي كتبها. # وقد تجرأت يوما على أن أسأله سؤالا فقلت: «أتتفضل علي بأن تخبرني كم من الزمن بقيت منعزلا في مكانك هذا؟» ~~فأمسك ولم يرد علي حرفا، فقلت له عند ذلك: «عزمت عليك بالله إلا ما قلت لي جواب مسألتي.» فتردد أولا ثم قال: «بقيت ~~هنا ثلاثا وثلاثين سنة.» ولما أن ألحفت عليه بالسؤال قال لي إنه قد تعلم أمورا ثلاثة مما قرأ، وهي ألا يضحك، ولا يحلف، ~~ولا يكذب.» # وهذه صورة ولا شك بديعة لعالم فقير في الإسكندرية جعل بيته مرتادا لطالبي الكتب ومحبيها، # 19 # وهي صورة تجعل القارئ يستزيد، ولكن لا يجد فيها ما يشفي شوقه. ويرجع ذلك إلى أمرين؛ الأول: أنها لا تذكر ~~شيئا عن نوع الكتب التي كانت في المكتبة أو أنواعها، ولا عن عددها. والثاني: أنه يسوءنا كثيرا أن «حنا مسكوس» ~~و«صفرونيوس» لا يذكران شيئا ما عن المكتبة العامة الكبرى بالإسكندرية، وقد طبق ذكرها الخافقين، مع ما كانا عليه من حب ~~القراءة والعلم وعظيم العناية ms095 بأمر الكتب وجامعيها. فلسنا ندري أكانت تلك المكتبة في أيامهما موجودة أم غير موجودة، وقد ~~كانا قاب قوسين أو أدنى من إبانة ذلك الأمر؛ فكانا يستطيعان بكلمة يقولانها أن يجليا سره الذي ما زال مكنونا يضل فيه ~~الباحث، ولكنهما يوليان عنه في صمت وينصرفان. # ولا شك أن سكوتهما في نفسه متى قرن إلى صمت غيرهم من الكتاب، وهم كثر، له دلالة في الأفهام، ولكن ليس هذا مقام القول ~~في الوقت الذي ضاعت فيه تلك المكتبة العظيمة، وسيأتي مقامه في موضع آخر من هذا الكتاب. وأما هنا فحسبنا أن نظهر الأسف ~~على أننا إذا قرأنا كتاب «حنا مسكوس» «مسارح الروح»، أو إذا قرأنا ما بين أيدينا من كتب صفرونيوس الضخمة؛ لا نجد في أي ~~موضع منها إشارة واحدة نعرف منها أكانت تلك المكتبة لم تزل إلى أيامهما باقية في السرابيوم أم لم تكن. # ولكن كل شيء يذكر كتب الإسكندرية في هذا الوقت أو قريبا منه له في بحثنا هذا قيمة عظمى، ولو كان قطعة من دليل أو ~~نتفة من خبر؛ وعلى ذلك فقد يكون لنا العذر إذا نحن أوردنا ذكر مجموعة أخرى من الكتب، وهي مجموعة مطران «أميدو» السوري ~~«مورو باركستانت» في النصف الأول من القرن السادس. قيل في وصفه إنه كان «فصيحا يتكلم اليونانية»، ولكنه «نفي إلى «بطرة» ~~بعد أن أقام في مقر رئاسته للدين مدة قصيرة، ثم نفي بعد ذلك إلى الإسكندرية فأقام بها حينا، وجمع مكتبة تحوي كثيرا ~~من الكتب القيمة، يجد فيها من يرغب في العلم من أهل البحث والفهم فوائد جليلة. وقد نقلت هذه الكتب بعد موته إلى خزانة ~~كنيسة «أميدو»، وما زال يتعمق في القراءة وهو في الإسكندرية حتى لحقه السبات.» ومن هذه النبذة الهامة التي جاءت في كتاب ~~«زكريا المتليني» # 20 # يمكننا أن نستخلص أمرين؛ الأول: أن الإسكندرية كانت إلى ذلك الوقت سوقا رائجة لمن أراد أن يجمع الكتب. ~~والثاني: أن إصدار الكتب إلى البلاد الأخرى كان مباحا. # على أن إقبال أهل العلم في ms096 الإسكندرية لم يكن على آداب الإغريق وفقه الدين وحدهما؛ فقد كانت مدينة بطليموس وإقليدس لا ~~تزال مشهورة بخدمتها لعلم الفلك، معروفة بمهارة من فيها من علماء الرياضة وعلم الحيل، # 21 # وكان فيها من لا يزال يمارس التنجيم. ولم يخل ذلك من فائدة للعلم؛ لأن هؤلاء المنجمين كانوا على شيء من ~~العلم بالنجوم، وكان الملوك وحكام البلاد يرسلون من كل أقطار العالم إلى رهبان الصحاري لينبئوهم بما في ضمير الغيب لهم، ~~وكانوا في ذلك يعتمدون على علم الرهبان بالكواكب أكثر من اعتمادهم على ربانيتهم، ولم يخل هؤلاء المنجمون من التأثير في ~~أمور السياسة. وكان أكبر علماء الفلك في ذلك الوقت «إسطفن الإسكندري»، ولا يزال كتابه في علم الفلك باقيا، وهو معروف ~~أيضا بدرايته بالتنجيم، ولو صح أنه تنبأ بمجيء دولة الإسلام # 22 # لكان من المؤكد أن كثيرين من سرعان أهل وطنه صدقوا ما قاله منذ سمعوه، وداخلهم خوف خلع أفئدتهم ووهن من ~~قوتهم عندما جاء وقت النضال والبلاء، ولكن «إسطفن» كان فذا في الرجال، ويلقبونه ب «حكيم العالم» و«علامة الزمان»، ~~وليست درايته بالتنجيم لتزيد في قدره إلا قليلا. وكان علم تقويم البلدان من فروع العلم المعروفة في ذلك الوقت؛ فقد زادت ~~معرفة الناس بالبحار الشرقية بفضل رحلات الكشف التي قام بها «كزماس» المعروف ب «البحار الهندي»، وكان تاجرا من أهل ~~الإسكندرية جريئا على المخاطر، قام بسياحات علمية طويلة حول بلاد العرب والهند، دفعه إليها حبه للأسفار والاطلاع ~~على مجاهل البلاد أكثر مما دفعه إليها حب المال والربح، وقد مات قبل ذلك الوقت الذي نصفه ببضع سنين، غير أن ما كتبه كان ~~لا يزال فيه باقيا في أيدي الناس يعجبون به، ولكن من سوء حظنا أن أكثر ما كتبه وأعظمه قيمة ضاع ولم يصل إلى أيدينا. # 23 # وإذا حق لنا أن نقول إن الآثار الأدبية كانت لم تزل باقية يعتز بها في الإسكندرية، فإنه يحق لنا أكثر من ذلك أن ~~نقول إن الفنون كانت بها زاهية مزدهرة؛ فقد كان بنيان المدينة يأخذ ms097 بالألباب بعظمته ورونقه؛ من أسوار منيفة، وحصون ~~منيعة، وقصور براقة، وكنائس فخمة، وطرق ذات عمد مرصوصة. وكانت مهارة البنائين على عهدها لم تضمحل ولم تضعف عما ~~عليه في أيام «جستنيان»؛ إذ اتخذ من أهل الإسكندرية ذلك البناء الذي أقام الساحة الكبرى بالقسطنطينية، بها ألف عمود ~~وعمود، ولا تزال إلى الآن باقية، ورءوس الأعمدة في هذه الساحة يرجع إليها الفضل كما يقول الأستاذ «فريمن» في الانفصال عن ~~قيود الماضي انفصالا تاما، وتمهيد الطريق للبناء الجليل الذي أقامه «أنتيميوس»، ألا وهو بناء القديسة صوفيا. # 24 # وكان حجر السماق الأحمر والأخضر الذي استعمل في تحلية هذا البناء يؤتى به من مصر محمولا في النيل، # 25 # وكانت مصر منذ أيام الفراعنة شهيرة بما فيها من المرمر البديع، وكانت حلية الكنائس والقصور في جميع بلاد ~~العالم من هذا الحجر الثمين، وكانت سوقه في الإسكندرية، وبقيت هناك حتى قضي عليها في أيام الفتح العربي. # وكان فن التصوير من أتباع فن البناء يستخدم في تجميل الجدران في داخل البناء، كما كان من وسائل ذلك التجميل نقوش ~~الفسيفساء ذات الألوان، وصور الفسيفساء # 26 # الزجاجية، وأفاريز المرمر فوق الجدران، وتغطية الأرض بالرخام. وقد احتفظ القبط زمنا طويلا وهم تحت حكم العرب ~~بالدراية في هذه الفنون؛ فنون البناء، وصناعة فسيفساء الزجاج، وصناعة خاصة بالمرمر كان يطلق عليها اسم «الفن الإسكندري» # 27 # تمييزا لها. وكانت أسوار العاصمة الجديدة «القاهرة» وما فيها من مساجد بديعة، من صناعة المصريين في بنائها ~~وزخرفها، وما كان نبوغهم في هذه الصناعة وأساليبهم فيها إلا ما ورثوه كابرا عن كابر في الفن عن الإسكندرية ~~القديمة. # ولا ننسى فن تفسير الكتب وإيضاحها بالرسم، وقد رأينا أن «سيموكاتا» يذكر صديقا ~~له كان «مفسرا»، وأن «حنا مسكوس» يصف «زويلوس» بأنه كان ممن يعالج هذا الفن. والحقيقة أن فن الكتابة المزخرفة ورسم ~~الصور الصغيرة في الكتب كان شائعا بالغا حده من الإتقان في هذا العصر في كل بلاد الشرق، وكان خير المخطوطات إذ ذاك يتخذ ~~من الرق، يدهن بلون أرجواني، ويكتب ms098 عليه بحروف من الذهب، وكانت أمثال هذه الكتب تتخذ لمكتبة الإمبراطور. وإن بين ~~أيدينا خطابا خطيرا أرسله أكبر مطارنة الإسكندرية، وهو «تيوناس»، إلى رجل اسمه «لوقيانوس»، وهو الوصيف الأكبر ~~للإمبراطور وأمين خزانة كتبه. ولعل هذا موضع صالح لذكره وإن كانت كتابته في سنة 290 للميلاد. وقد جاء في أول ذلك الخطاب ~~وصف لما ينبغي أن يسير عليه الكتاب في دواوين حسابهم، وما في عهدهم من الخلع والحلى، ووصف لطريق إثبات ما في الخزائن من ~~آنية الذهب والفضة والبلور وقماقم المر وغير ذلك من تحف القصر، وجاء فيه بعد ذلك أن المكتبة أثمن ما في القصر، وأنه يجب ~~على المسيحي ألا يترفع عن مطالعة كتب الأدب الدنيوي، وأنه يجب على أمين خزانة الكتب أن يكون ملما بكل ما فيها، وأن ~~يرتبها على نظام ثابت، ويجعل لها ثبتا تدون فيه أسماؤها، وعليه أن يستوثق من أمر الكتب، وأن النسخ التي عنده ~~منها صحيحة غير محرفة، وعليه أن يعيد كتابة النسخ وتزيينها بالصور إذا هي بليت. وجاء في آخر خطاب «تيوناس» هذا أنه ~~ليس من الضروري أن تكون «كل» الكتب منسوخة بحروف من ذهب على رق أرجواني # 28 # إلا إذا أمر الإمبراطور بذلك أمرا. وهذا الخطاب يدلنا على الأقل على أن كبير المطارنة كان له علم بأمور مكتبة ~~عظيمة جليلة. وقد ازدادت صناعة إيضاح الكتب بالرسم، وانتشرت في أثناء القرون الثلاثة التي تلت كتابة هذا الخطاب، ولم تنقص ~~شيئا، ولم تتبدل تبدلا كبيرا في الوقت الذي نكتب عنه عما كانت عليه في وقت كتابة الخطاب. وكان أكثر إيضاح الكتب في مصر ~~عند ذلك يقوم به الرهبان في الأديرة، وذلك نظير ما حدث في أوروبا فيما بعد. وقد كانت أعظم المواضع التي تخرج هذا الفن ~~القسطنطينية والإسكندرية. على أنه قد كان من الرهبان في مواضع أخرى من يقضون أعمارهم في كتابة الكتب القيمة وتحلية ~~صفحاتها بأبدع أنواع الزخرف وأجمل الألوان، # 29 # ومن تلك المواضع ما كان في مصر، ومنها ما كان في آسيا الصغرى ms099 أو الشام أو بلاد الفرس. # وأما النحت في هذا العصر فلا نعرف عنه إلا القليل؛ فلا نعلم عنه إلا أنه كان لا يزال من المعتاد أن تجعل تماثيل ~~للإمبراطور الحاكم في العاصمة وفي أكبر مدائن الريف؛ وعلى ذلك فلم يكن هذا الفن مضيعا كل التضييع. # 30 # وكانت المدرسة البطليموسية في هذا الفن أولى مدارس العالم في ذلك العصر، وإن في بعض ما صنعته لجمالا كأنك به ~~عين جمال صناعة القدماء ورونقه؛ فقد بقيت آثار الصناعة حتى في العصور المسيحية، ومن أمثال ذلك التمثال الجليل الضخم لأحد ~~الأباطرة من حجر السماق الأحمر، ومقره الآن دار الآثار المصرية بالقاهرة. # 31 # على أنه لا شك في أنه ما أتى القرن السادس حتى كانت صناعة النحت قد اضمحلت، ولكن الصناعة البيزنطية الخالصة، صناعة نحت ~~العاج، بلغت وقتئذ قصارى الكمال، ترى بها دقة الصناعة وإبداع الفن. # 32 # وكذلك كانت صناعة الذهب وتطعيم المعدن؛ فقد برعت مدرسة الإسكندرية فيها جميعا وبرزت فيها. وإذا كانت هذه ~~الصناعات تمت بأصلها إلى صناع مصر القديمة، فإنها بقيت إلى ما بعد فتح الإسكندرية بزمن طويل، وقد عادت الحياة إليها في ~~القرون الوسطى، وكانت عند ذلك النشور بارعة، ولم يخب نورها، بل لا تزال باقية إلى أيامنا هذه. # وكان بالإسكندرية عدا ما ذكرنا صناعات زاهية مزدهرة، نذكر منها صناعة الورق وعمل الزجاج والمنسوجات وبناء السفن، ~~فكان في مصر السفلى عدد عظيم من غياض فسيحة تنبت البردي؛ ذلك النبات الطويل الحسن، وكان الورق يتخذ من لبابه يشق ~~شرائح تجعل منها صحائف بالضغط، ثم تصقل بآلة من العاج، وكانت الصحائف بعد ذلك يوصل بعضها ببعض فتكون لفائف يسهل ~~استعمالها، وكانت مقادير عظيمة من البردي تصدر من مصر من مراسي الإسكندرية المزدحمة. ولسنا ندري متى ضعف أمر هذه ~~التجارة، ولا الأسباب التي أدت إلى القضاء على هذا النبات في مصر. # 33 # وأما صناعة الزجاج فقد بقيت معروفة ذائعة الصيت زمنا طويلا في الإسكندرية وصحراء النطرون. وقد قال سترابو ~~إن صناع الزجاج في مصر كانت ms100 لهم أسرار يحفظونها، ولا سيما في معامل «ديوسبوليس»، وإنهم كانوا يقلدون الجواهر في ~~صناعاتهم ويعملون قماقم المر. وكان الزجاج من بين الأشياء التي فرضها «أغسطس» # 34 # على مصر ترسل عينا ضمن الجزية السنوية. ولا تزال في متحف الإسكندرية أمثال بديعة من منتجات هذه الصناعة. ~~ولا خلاف في أن هذه الصناعة أسلمها القبط بعضهم لبعض جيلا بعد جيل حتى العصور الوسطى، وكان آخر ما أخرجته تلك الصناعة ~~المصابيح المطعمة الفاخرة التي كانت تزين الكنائس والمساجد، وهي اليوم مفخرة المتاحف التي تجمع آثار العصور الوسطى. أما ~~صناعة الخزف فلا نعرف على وجه البت في أي وقت بدأ أمرها في الظهور، ولكن كان ذلك لا بد في عصر قديم؛ فقد ذكر سائح فارسي # 35 # جاء إلى الفسطاط في سنة 1047 للميلاد أمر صناعة الزجاج الرقيق، وذكر سوى ذلك الزجاج المزخرف الذي وجده ~~يصنع هناك، قال عنه: «وكان رقيقا شفافا، حتى إن الإنسان ليرى من وراء الآنية يد من يمسكها.» وقد ذكر أيضا الأواني ~~اللامعة المختلفة الألوان التي تشبه نسيج الحرير المعروف باسم «بوقليمون»، وهو الذي يتغير لونه كلما تغير موقع الضوء ~~من سطحه. وهذه الشهادات ذات قيمة عظمى؛ إذ تدل دلالة قاطعة على ما بلغته صناعة الخزاف والزجاج من التقدم في القاهرة في ~~القرن الحادي عشر. ولا شك في أن الصناعة الإسبانية المغربية التي جاءت بعد ذلك وذاع ذكرها وشاع، ترجع بأصلها إلى صناعة ~~القاهرة. # وأما المنسوجات فقد كانت لها تجارة رائجة، وكانت متعددة الأنواع والأصناف؛ فكان الكتاب الدقيق لا يزال ينسج، ولعله كان ~~أدق خيطا وصنعة مما كانت تخرجه مناسج مصر القديمة، وفوق ذلك قد صار الحرير منذ حكم «جستنيان» أكثر شيوعا بين الناس، # 36 # وكان تخرج على أيدي النساجين بدائع من الحرير والكتان تحليها زركشة تأخذ بالألباب، وقد كشفت حديثا ~~بقايا كثيرة من منسوجات ذلك العصر أو ما هو قريب منه، وجدت في أخميم بالصعيد، واسمها القديم «بانوبولس»، وهي محفوظة ~~اليوم في مجموعة «سوث كنزنجتون» بإنجلترا وفي مجموعات أخرى، وكل هذه ms101 المنسوجات من الكتان، وهي أبسطة منسوجة. وأما ~~أنماطها ورسومها فمختلفة؛ فبعضها يشبه في رسمه المنسوجات القديمة، وبعضها عليه أثر واضح من المسيحية، وقسم منها عليه ~~أثر ظاهر من أنماط الفرس؛ فإن مدة إقامة الفرس بمصر، وهي تلك السنون العشر أو الاثنتا عشرة، لا بد قد أثرت فيها الرسوم ~~الفارسية في الصناع، فجعلتهم يخرجون منسوجاتهم على مثالها. والشبه عظيم بين مجموعة من ورقة البردي في فينا تنسب إلى ~~«تيودور جراف» وبين مجموعة هذه المنسوجات؛ فمجموعة الأوراق التي تختلف تواريخها بين سنة 487 وسنة 909 للميلاد فيها لغات ~~شتى؛ فاليونانية والقبطية والفارسية والساسانية والعبرية والعربية، ومجموعة المنسوجات التي ترجع إلى نحو هذه العصور تنطبع ~~فيها صور ما مر على مصر من صروف الدهر المختلفة وغير الحادثات السياسية كما تنطبع صورة في مرآة. # 37 # ومن أهم الأمور أن نتذكر أن مادة صنوف المنسوجات ورسومها وألوانها تكاد تكون واحدة، سواء في ذلك ما وجد في ~~صقارة أو الفيوم أو الصعيد. وهذه حقيقة تدلنا على اشتراك النساجين في الأنماط وتشابههم في الأذواق أكثر مما تدلنا على ~~شدة محافظتهم على القديم وتمسكهم به؛ فكان ما جد من طرق الصناعة ورسومها يتنقل سريعا في نهر النيل، وهو المحجة ~~العظمى، ذاهبا إلى طائفة بعد طائفة من الصناع في البلاد المنتشرة في ريف مصر، وكان ما تخرجه المناسج يحمل إلى الأسواق ~~الكبرى في منف والإسكندرية، أو كان يحمل في الصحراء مرحلة قصيرة حتى يبلغ ميناء «بيرينيقة» على البحر الأحمر، ومن ثم ~~ينقل في السفن إلى البلاد الأخرى. وكانت منسوجات الكتان والستائر ذات الصور - التي ~~تتخلل نسيجها خيوط من الذهب، وتوشيها النقوش البديعة من التطريز في ألوان جميلة - كانت كلها من صناعة الصانع القبطي. ~~وإنا كلما أمعنا في درس تاريخ مصر، سواء منه ما كان في العصر البيزنطي أو العصر العربي، زاد يقيننا بأن القبط كانوا ~~أصحاب الفضل في بقاء آثار الصناعة حية ماثلة في البلاد، وذلك في كل شعبة من شعبها؛ في صياغة الذهب، وتطعيم المعادن، ~~والزخرفة بالميناء، وصناعة ms102 الزجاج، وغير ذلك من صناعات الإنشاء أو التجميل. # على أنه لا بد لنا أن نتدارك خطأ قد يقع فيه من يتصور أن المهارة في الصنعة وحسن الاختيار والبصر كانا وقفا على القبط ~~فاقوا فيهما كل من عداهم من صناع الدولة البيزنطية أو أرمينيا وأشور وفارس، فإن ذلك لم يكن، والحق أنه قد كان بكل بلاد ~~الشرق صناعة فائقة تخرج من المنسوجات والمطرزات وآنية الذهب والفضة والجواهر البديعة الصنع. ولقد كانت مصر تصنع الطنافس ~~الجميلة، ولكنا لا نقدر أن نقول إنها كانت تضارع ما تخرجه بلاد الفرس من طنافسها البديعة. # 38 # وكذلك كان الحال في بعض الرسوم التي توضح الكتب؛ فقد جاء بعض بدائعها من صناعة فارس والعراق كما جاء من صناعة ~~بيزنطة. وكانت أكبر المصابغ التي يصبغ فيها الحرير الأرجواني الذي يصنع منه برد الملك في مدينة بصرى بالشام، وهي ~~المدينة التي فتحها الفرس ثم العرب من بعدهم. وقد رأينا فيما سلف أن كسرى لم يكن من الملوك الهمج أو أشباههم، بل كان رجلا ~~مهذبا عالما، وكانت فنون الفرس في عهد الساسانيين قائمة على آثار القدماء من الأشوريين والبابليين، وكانت تضارع فنون ~~الدولة البيزنطية في الدقة وحسن الانسجام. # وكانت فوق ذلك ذات أثر أبلغ من أثر الروم في صناعة العرب ونشأة مذهبها في الرسم والنقش، وهو المذهب الذي اشتهرت به دمشق ~~في العصور الوسطى. # ولعل أكبر صناعات الإسكندرية كانت صناعة بناء السفن؛ فإن الإسكندرية كانت أكبر أسواق العالم، وأكثر ثغوره ازدحاما ~~وحركة، وكانت بها تجارة عظيمة في القمح والكتان والورق والزجاج وغير ذلك من صنوف ما تخرجه البلاد، وكانت تحمل إليها ~~مقادير عظيمة من الذهب والعاج من بلاد النوبة وأثيوبيا، وكانت فوق ذلك أنواع البهار والحرير والفضة والجواهر وغيرها تأتي ~~من بحار الهند والصين إلى البحر الأحمر، ومن القلزم (وهي السويس)، فتحمل في الترعة إلى «منفيس»، ومنها تنحدر في نهر ~~النيل إلى الإسكندرية، حيث كانت تبعث إلى أطراف البحر الأبيض المتوسط. ومثل هذه التجارة العظيمة لا بد لها من عدد ms103 كبير ~~من السفن، وكانت مصر منذ الأزمنة القديمة خلوا من موارد الخشب الذي تصنع منه السفن، ومع ذلك قد كانت الأخشاب تشترى من ~~بلاد الشام وغيرها لبناء السفن في الإسكندرية؛ إذ كان بناؤها هناك في مقر التجارة التي تحتاج إليها أعود بالربح وأجدى ~~على التجار، وكانت مصر فوق كل ذلك تنبت نوعا من التيل يليق كل اللياقة لعمل الحبال وأدوات السفن. # 39 # وقد رأينا فيما سلف أن إحدى سفن الغلال التي كانت للكنيسة في الإسكندرية كانت تحمل عشرين ألف مد (كل مد خمس الإردب)، ~~ولم يذكر أحد أن حمل هذه السفينة كان فذا، وأكبر الظن أن تلك السفن التجارية كانت أكبر كثيرا مما اعتاد الناس أن ~~يظنوا فيها، وكذلك كان حال السفن الحربية. وقد حدث بعد سنين عدة من هذا الوقت عندما أصبحت مصر في ملك العرب أن أمر ~~معاوية الزعيم العربي في الشام ببناء عدد من السفن الحربية في الإسكندرية وسواها من المواني التي في حكم الدولة العربية، ~~وذلك في وقت لم يكن فيه بمراسي الإسكندرية أحد من بنائي السفن الذين هم من أصل بيزنطي محض؛ إذ كانوا لا بد قد خرجوا ~~منها جميعا. ويقول «سبيوس» إن السفن كانت على نوعين؛ أحدهما يمكن أن نسميه «البوارج»، والآخر «الطرادات». وكانت البارجة ~~تحمل ألف رجل، في حين أن السفن الصغرى كانت تحمل كل منها مائة رجل، # 40 # وكانت تجعل للسير السريع واللف حول السفن الكبرى. ويذكر ذلك المؤرخ وصفا مسهبا عظيم القيمة لما كان في ~~سفن الحرب من الآلات والسلاح؛ فكان بها عدد القذف «مجانيق وآلات رمي الحجارة»، وكان في بعضها صروح عالية فوق ظهرها، ~~حتى إذا ما جاءت السفن بحذاء أسوار محصنة استطاع المهاجمون أن يكونوا هم والمدافعون على علو سواء، وأمكنهم أن يثبوا ~~من تلك الصروح إلى الأسوار، أو أن يقيموا قنطرة على الفضاء القليل الذي بينهما ويعبروا عليها إلى حصون الأسوار. # وأعظم شأنا من هذا ما جاء في كتب «سبيوس» من الوصف الصريح لما شهده من تلك السفن ms104 الكبرى، وأنها كانت مجهزة ب «آلات ~~تقذف النار»، وهي آلات ترمي بالنار المهلكة المعروفة ب «النار الإغريقية»، وكانت مزيجا قويا من مواد سريعة الالتهاب، ~~وكانت تشتعل اشتعالا شديدا لا يمكن إطفاؤه، ولعلها كانت فوق ذلك ذات قوة على النسف والتمزيق، وكانت لذلك تحدث تخريبا ~~كبيرا وخوفا شديدا، ولكن أكبر ما يسترعي النظر فيما جاء في كتاب «سبيوس» من ذلك الوصف أنه يقول: إن السفن التي بنيت في ~~مصر بعد الفتح العربي بأمر العرب كانت مجهزة بالمجانيق لقذف المواد الملتهبة. وهي المواد التي قيل إن تجهيزها كان إلى ~~القرن السابع على الأقل سرا مكنونا اختص به أهل بيزنطة. وقد جرت العادة أن يقولوا إن أول من اخترع النار الإغريقية رجل ~~اسمه «قلينيكوس»، وهو مهندس في مدينة «هليوبوليس»، ويقولون في تسرع إن «هليوبوليس» المقصودة هي التي بالشام، وليست هي ~~المدينة القديمة الشهيرة بمصر. أما المؤرخ «جبون» فإنه يعتمد على ما جاء في كتاب «قدرينوس»، ويقول إن «قلينيكوس» كان ~~مصريا، ولكنه يزعم خطأ أن «هليوبوليس» كانت عند ذلك أطلالا بالية. # 41 # وإننا لا يمكن أن نتصور أنه كان من الممكن أن تبنى سفن في الإسكندرية بعد فتح العرب لمصر بما لا يزيد إلا ~~قليلا على عشرين سنة، ثم أن تجهز بتلك الآلات التي تقذف النار الإغريقية، اللهم إلا إذا كان اختراع مزيج تلك النار ~~وعمل آلاتها أصله في مصر ذاتها. # ومهما كان من أمر هذه النار، فإنه لا شك على كل حال في أن صناعة بناء السفن كانت عظيمة في الإسكندرية في النصف الأول من ~~القرن السابع، وأنها لم تضمحل عندما انتهى أمر الدولة البيزنطية في مصر. وفي هذا ما يدل على أن الصانع القبطي في هذه ~~الصناعة وفي غيرها من الصناعات الكبرى في وادي النيل كان مستقلا بنفسه بغير إرشاد ولا تسيير من الروم، إذا لم نقل إنه ~~كان في الحقيقة الصانع المعلم. # قد ألجأنا هذا الفصل المجمل في كلامنا على الفنون والآداب في الإسكندرية حوالي وقت غزو الفرس لمصر إلى أن ms105 نخوض في ~~تاريخ ما سبقه وما جاء بعده من العصور، ولكنا قصدنا إلى ذلك قصدا لأمرين؛ أولهما: أن نبين على وجه الإجمال والتقريب ما ~~كانت عليه المدنية المادية في هذا العصر. وثانيهما: أن ندل على أن سير تلك المدنية كان متصلا، ولم يقطعه على الأقل فتح ~~الفرس للبلاد؛ فإن جيوش كسرى لم تسبب أذى كبيرا للتحف الكبرى في العاصمة، سواء كان ذلك بنيانا أو علما؛ فإن غزاة ~~الفرس لم يكونوا هم الذين دمروا مكاتب الإسكندرية إذا كانت لم تزل إلى ذلك الوقت باقية، وكانت المنارة الكبرى منارة ~~«فاروس»، إحدى عجائب الدنيا السبع، لا تزال إلى ذلك الوقت ماثلة مشرفة فيما بين المدينة والبحر، تكلل هامتها سحب ~~من الدخان في النهار، ولهب من النيران بالليل. ولم يهدم من أبنية الإسكندرية ما اشتهرت به المدينة من المعابد القديمة ~~وساحات العمد الفسيحة والقصور التي لا تقع تحت حصر، بل إن الكنائس ذاتها التي كانت في داخل أسوار المدينة لم يمسسها ~~أذى يستحق الذكر، وكان المصلون يزدحمون في الكنيسة الكبرى كنيسة «القيصريون»، أو في كنيسة القديس «مرقص»، حيث كان ~~رفات «رسول مصر» # 42 # لا تزال في مقرها يعلوها المذبح المنيف. # الفصل التاسع # | جهاد أصحاب الصليب للفرس # بلغت الحال بهرقل مبلغا سيئا، وهوى ملكه حتى صار لا يتعدى أسوار عاصمته؛ فكانت ~~جموع التتار أو الهون وما إليها من قبائل الهمج تضرب فيما يلي قسطنطينية من الغرب، وذلك من ناحية القارة. وقد كانت تلك ~~الجموع من قبل تتنقل هناك لا يقف أحد في سبيلها، حتى جاءت عند ذلك تدب حول أبواب المدينة ذاتها، وكانت الجيوش الفارسية ~~تقتحم آسيا الصغرى وتجتاح ما في طريقها، حتى فتحت «خلقيدونية» على الساحل الآسيوي للبوسفور تجاه القسطنطينية، # 1 # وذلك بعد أن بسطت يدها على فلسطين والشام ومصر، وخيبت عند ذلك الآمال التي أشرقت على الناس عند تولية هرقل، ~~أو علتها سحابة داكنة؛ إذ رأوا أو خيل إليهم أنه قد ذهبت عن ذلك العاهل همته الشماء التي مهدت له سبيل العرش، وحل ms106 ~~محلها الفتور واليأس، وكان أول شيء فعله بعد استيلائه على الملك أن بعث إلى كسرى يتوسل إليه أن يصالحه، فما كان نصيبه ~~من ذلك إلا الدفع والرفض # 2 # بازدراء. # والظاهر أن هرقل خارت نفسه وضاع منه الأمل في الخلاص منذ عرف أن مصر قد انفصلت عن دولته، وضاع ما كان يأتي من تلك الأرض ~~الغنية من الجزية من أموال وقمح، ورأى أن خزانته خاوية من المال والغلال، وأن حوله أعداء ضارية تحصره وتهدد أسواره، ولم ~~يكن دونها من حماة إلا جند خائر الهمة منفرط النظام، وسولت له نفسه أن يهرب ناجيا. وفي ذلك ما يعزز رأي من يقول ~~إنه كان يحس أن لا قبل له بحمل أمور تلك الدولة وهمومها، وإن وقع المصائب قد صدع نفسه فذهب بما فيها من الشهامة ~~والهمة، وإنه قد انخلع قلبه وتحطم منه ما كان صلبا. وقد ثبت عند الناس أنه قد وطد العزم على أن ينضو التاج ويعود إلى ~~موطنه في أفريقيا. ولو صح ذلك لحق للناس أن يذكروا رد فوكاس عليه إذ قال: «وهل أنت من يحكم خيرا من هذا؟» على أن الأمر ~~فيه ما يدعو إلى الظن أن هرقل إنما كان يريد نقل مقر الحكومة إلى قرطاجنة؛ حتى يقدر أن يجهز نفسه في متسع من الوقت ~~والمجال، قاصدا أن يعود بعد ذلك ليسترد أرض دولته في آسيا. # ومهما يكن من الأمر فقد سافرت سفينة تحمل الأموال والتحف التي كان يريد حفظها قاصدة قرطاجنة. فلما بلغت «بنطابوليس» ~~نزلت بها كارثة فغرقت. وعند ذلك علم «سرجيوس» بطريق القسطنطينية بما عزم عليه هرقل، فأحفظه ذلك، وحال بين الإمبراطور وبين ~~إتمام ما كان ينوي. وليس لنا من سبيل إلا الحدس لمعرفة ما كان بينهما؛ فلا ندري بأية لهجة كلمه، ولا بأية قوة أثر فيه ~~فجعله ينصاع لرأيه، وينزل عن عزمه الأول، ولكن المحقق عندنا هو أن البطريق نفخ في الإمبراطور روحا جديدا، وجعله يقسم ~~له على المذبح الأكبر في الكنيسة الكبرى أن يؤدي أمانته، وأن يقاتل ms107 في سبيل تخليص الدولة من أعداء الصليب. # 3 # ولا شك أنه قد طرأ على الإمبراطور منذ ذلك الحين تغير مشهود، ولا ندري سبب ذلك التغير الذي أحدث أول حرب صليبية كبرى؛ ~~أكان سببه لسان «سرجيوس» وبلاغته في الموعظة، أم كان ما شهده تحت القبة الكبرى في كنيسة «أيا صوفيا» مما يثير النفس، أم ~~كان بارقة من الأمل لمعت له من تغير في حال عدوه، أم كان السبب كل ذلك، وقد اجتمع وصحبه نهوض من وهدة اليأس التي تردى ~~فيها؟ وكان ذلك أمرا طبيعيا في رجل مثله كان له عقل راجح يحكمه مزاج غلبت عليه الأعصاب. أما الناس فقد رأوا منه على ~~الأقل رجلا ينضو عن نفسه الضعف والخمول كما تنضو الأفعى عنها أديمها، وعاد إلى ما كان عليه من خلق الزعيم القوي، وأظهر ~~من شيم الملوك ما هو جدير بولاء الناس وخضوعهم، وأصبح وليس في نفسه إلا أن يجمع كل ما عنده من الموارد ويتجهز للحرب مع ~~الفرس. # ومع ذلك فقد اتخذ هرقل الحيطة في أعماله؛ فبينما كان يستعد للحرب عول على أن يفاوض قائد الفرس في أمر الصلح، # 4 # فزاره بنفسه في مدينة «خلقيدونية». وقد نصح الناصحون للإمبراطور أن يوفد رسلا إلى كسرى يطلب منه الصلح، ~~وقالوا إنه لا بد يجيبه إلى ذلك، فأرسل ثلاثة من خاصته، وبعث معهم كتابا لا يزال باقيا إلى اليوم، وأرسل معهم هدايا ذات ~~قيمة، وأدى الرسل أمانتهم، وأفضوا بالكتاب إلى الملك الأعظم، فقبل منهم الهدايا، ولكنه أجاب على الكتاب ردا قاطعا ~~جاهما إذ قال: «قل لمولاك إن دولة الروم من أرضي، وما هو إلا عاص ثائر وعبد آبق، ولن أمنحه سلاما حتى يترك عبادة ~~الصليب ويعبد الشمس.» # 5 # فأحدثت تلك السبة المقصودة في رده هذا هزة عنيفة أيقظت نفوس الروم من رقدتها، وأظهرت لهم من جديد أن تلك الحرب ~~كانت دينية، فثارت حفيظة القوم وتملكتهم الحماسة، فوجد الإمبراطور فيهم عند ذلك ما شاء لتمام خطته الجديدة. وقد قيل إن ~~هرقل عندما أرسل رسله ms108 إلى كسرى قد بعثت إلى أعدائه من الهمج ليهادنهم إلى حين، # 6 # فأمن بذلك أن يأتيه العدو من ورائه من ناحية الأرض المتصلة بالعاصمة. وقد روي أنه اتفق فيما بعد مع قبيلة من ~~قبائل الترك في شمال بلاد الفرس على أن يمده شيخها بأربعين ألفا من خيله، وأن يجزيه نظير ذلك بأشياء، منها أن يزوجه ~~بأخته «أودوقيا». ولكن هذا العهد لم ينفذ لموت شيخ القبيلة الذي اتفق معه. على أنه من أشق الأشياء أن نجد الدليل القاطع ~~على وجود السلام في غرب العاصمة؛ # 7 # فإن قبائل الآفار كانت لا تزال تجوس خلال الديار في سنة 622 أو سنة 623 تخرب فيها، وكادوا يوقعون بهرقل ~~نفسه ثم يأخذون العاصمة بمكيدة دنيئة دبروها، ثم جاء جيش من الآفار عدته ثلاثون ألفا في سنة 626، وحاصر المدينة ~~حليفا للفرس الذين كانوا في مدينة «خلقيدونية»، وكان قائدهم عند ذلك على ما يلوح هو «شهر-ورز» الذي قدم منذ قليل؛ وعلى ~~ذلك لم يكن السلم بين الروم والآفار سلما صحيحا، ولم يدم طويلا، وأكبر الظن أن هرقل كان على بينة من أمر العهد ~~الذي كان بينه وبين الآفار عالما بقدره الحقيقي، موقنا أن سلامة عاصمته أثناء غيابه إنما تكون بقوة حصونها وسهر السفن ~~الحربية على سلامتها. وكان إقبال الناس على الحرب عندما ندبهم إليها عظيما، فاستطاع أن يجمع جيشا كبيرا ويجهزه، وبلغت ~~عدته مع من اجتمع إليه فيما بعد مائة وعشرين ألفا. وكانت خطته أن يبدأ أول شيء فيختار ميدانا يستطيع أن يدرب فيه ~~جنوده، ويعودهم النظام، ويعلمهم حركات الحرب واستعمال السلاح. وفي أثناء ذلك يجمع في خزائنه الذخائر والمؤن الكثيرة. ~~فإذا ما تم له ذلك، وأصبح جيشه صالحا للقتال، خرج قاصدا إلى قلب بلاد الفرس ليطعنها فيه؛ ولهذا عزم على أن ينقل جيشه إلى ~~خليج «أيسوس» في الركن الشمالي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وأن يجعل «قليقيا» مقره. وكانت تلك منه جرأة عظيمة ~~ساعده عليها أنه كان يملك ناصية البحر لا منازع له فيه، وأن وراءه ms109 من السفن عددا جد عظيم. # وإنه ليتبين من هذا أكبر خطأ وقع فيه الفرس؛ فإنهم لو كانوا أعقبوا انتصارهم الأول في البر بتعلم حرب البحر ~~والانتصار فيه لما استطاع أحد أن يدفعهم عن ملك دولة الروم. # 8 # وقد كان من حسن حظ المدنية المسيحية أن الفرس لم يكونوا من أهل البحار، ولم يعرفوا عند ذلك مقدار حاجتهم إلى ~~ملك البحر إذا هم شاءوا أن يتم لهم النصر، وأن يبقوا على ما فتحوه. وقد جاء في كتاب «سبيوس» أن كسرى عندما بعث رده ~~الشنيع إلى هرقل أمر جنده أن يعبروا إلى «بيزنطة»، فجهزوا عددا كبيرا من السفن، وأعدوا عدتهم للحرب في البحر. فلما ~~سار أسطول الفرس قابلتهم سفن الروم الكبيرة، فصدمتهم صدمة انهزموا لها هزيمة قبيحة، ومات منهم أربعة آلاف رجل، # 9 # وتحطمت سفنهم كلها، ووقع في نفسهم الفشل «فلم يجرءوا بعد على مثل هذا العمل»، وظلوا مقيمين نحوا من عشر ~~سنوات لا ينتفعون بما في يدهم من ثغور البحر، أمثال «خلقيدونية» وميناء الإسكندرية العظيمة، وما إليها من مواني الشام ~~ومواني بلاد المغرب في «ليبيا» و«بنطابوليس»، وكانوا يستطيعون لو شاءوا أن يجمعوا في هذه المواضع سفنهم ويعدوها للحرب، ~~فيسيطروا بها على بلاد البحر الأبيض المتوسط؛ فقد كانوا يستطيعون أن يجهزوا من الإسكندرية وحدها أسطولا به عدته ورجاله ~~يناجزون به أساطيل الروم، وينابذونه على سواء في أمل النصر، ولكن الفرس كانوا جنودا اعتادوا حرب البر، فلم يفطنوا إلى ~~قيمة البحر والسيادة فيه، ولم يتعلموا من الحوادث درسا تعلمته جمهورية الروم القديمة بعد لأي، ولكنها منذ لقنته برعت ~~فيه، واستفادت منه أثناء حربها مع قرطاجنة، وهو الدرس الذي تلقنته العرب فيما بعد سريعا في فطنة وذكاء قبل أن ينتهي ذلك ~~القرن السابع؛ وعلى ذلك فقد ظلت جنود الفرس مرابطة بالشاطئ ثابتة عليه، وكان أثرها في الحرب ضئيلا لا ترزأ عدوها ~~بالهجوم إلا قليلا. فرأى هرقل بعد قليل أنه يستطيع أن يتركها حيث هي لا يعبأ بها، فكان الروم إلى ما بعد عشر سنوات ms110 من ~~فتح الفرس مدينة «خلقيدونية» يسيرون بسفنهم آمنين، لا يخشون شيئا في المضيق بين جنود الفرس على ضفة وجنود الهون على ~~الضفة الأخرى. # 10 # وقبل أن يبدأ هرقل رحلته حول آسيا الصغرى أعد العدة لكي يجهز ما يلزم لها من النفقة، وذلك بأن اقترض من الكنائس كل ~~ما تستطيع إقراضه من كنوز عظيمة من آنية الذهب والفضة ثم سكها نقودا. وكانت تلك ~~وسيلة سيئة فيها كثير من الإسراف أمد بها خزائن الدولة، ولكن لعله لم يكن دونه من وسيلة سواها. فلما أن تم الجهاز ~~استخلف هرقل على الحكم ولده، وجعل عليه وصيين، وهما البطريق «سرجيوس» والنبيل «بونوس»، ثم انتعل نعلا أسود، ودخل ~~الكنيسة الكبرى، وخر ساجدا يصلي لله يسأله المعونة والبركة فيما هو مقدم عليه. # 11 # وكان ممن شهد صلاة الإمبراطور رجل اسمه «جورج البيسيدي»، وكان شماس الكنيسة وسادنها، فقال: «أسأل الله أن ~~تصبغ نعلك في دماء عدوك حتى يصبح نعلك الأسود وقد احمر لونه.» وتلك لعمري دعوة تقى نغتفرها لشاعر الملك، # 12 # لا لقسيس الجيش وإمامه؛ إذ يظهر أن «جورج» هذا الذي ذكرناه قد سار مع الجيش شاعرا وقسيسا في وقت واحد، وبدأ ~~هرقل رحلته في يوم الاثنين يوم عيد الفصح لسنة 622، # 13 # فسارت سفنه من العاصمة نحو الجنوب، فلقيت في سبيلها عاصفة تكشف هرقل فيها عن نفس لها ثبات القائد ورباطة ~~جأشه، وقوة النوتي وصبره على مقابلة الأخطار، ثم سارت السفن تشق حيازيمها الماء حتى ~~بلغت مرساها بغير أن تنزل بها نازلة، وهبط من فيها من الجند إلى البر، وأقاموا معسكرا في مدينة «أيسوس»، وحلت منهم ~~جماعة في شعب «بيلي»، وهو على الحد الفاصل بين الشام و«قليقيا». # 14 # وليس قصدنا أن نصف ما كان من الحوادث في مدة السنوات الست التي كان هرقل يشن فيها الغارة على بلاد الفرس؛ فقد كانت ~~جنوده مظفرة منذ بدأ القتال، واستطاع أن يجعل ممن معه من الجند - ولم يكن فيهم كبير أمل في مبدأ أمرهم - جيشا جليلا، ~~فكان كمن اتخذ من مادة ms111 خسيسة سيفا حساما، ثم جعله في يده يبطش به في عدوه بطش بطل مغوار بارع في القتال، وكان هرقل ذا ~~أيد وقوة، نجدا هيكلا، ماهرا في نزال القرين، تملأ قلبه الغيرة، ويثور به إيمان قوي بأنه فارس الصليب، وعليه أمانة ~~يؤديها في نصرته، ويؤثر أن يشارك جنده في تحمل المشاق، وكانت له في الجيش هيبة يملك أمره وزمامه؛ فإذا اختط خطة ~~كانت سريعة موفقة، وإذا طرأ طارئ كان رابط الجأش مالكا أمر نفسه؛ ولهذا وذاك مما بدا من صفاته بين الناس المثل الأعلى ~~للزعيم، واستطاع أن يغلب عدوه في موطن بعد موطن، وينتصر انتصارا لا مثيل له. # وكانت غزوة «قليقيا» كأنها الوتد يشق قلب الأرض التي كان الفرس يملكونها عند ذاك فيما بين النيل والبوسفور. وفي السنة ~~التالية أرسل بعث آخر إلى «طرابزون»، فكان كأنه وتد آخر أرسل ليلاقي أخاه آتيا من شمال آسيا الصغرى، فكان دفع هذين ~~البعثين عظيما، ثم توالت الوقعات، فاضطر الفرس أن يدعوا جيوشهم من الإسكندرية و«خلقيدونية» لتنصرهم. ولا ندري متى كان ~~ذلك، ولكن المؤرخين مجمعون على أن فتح كلا المدينتين كان في وقت واحد، وتخليتهما كذلك في وقت واحد، ويختلفون بعض ~~الاختلاف في مدة حلول الفرس بهما، فيقول المكثر إنها كانت في كلا الحالين اثنتي عشرة سنة، ويقول المقلل عشر سنوات. ولن ~~نخطئ الصواب خطأ بعيدا إذا نحن جعلنا تاريخ جلاء الفرس عن ضفاف البوسفور والنيل كليهما في أول سنة 627 # 15 # للميلاد. # وتكللت أعمال الحرب بفتح «دستجرد» في فبراير سنة 628، وهي مدينة على ثمانين ميلا من المدائن، وهي «أقتيسبون» نحو ~~الشمال. وفي الرابع والعشرين من ذلك الشهر فر كسرى هاربا هربا مهينا، ثم قبض عليه وسجن، ولقي على يد خلفه «شيرويه» ~~عذابا شديدا وذلا، ثم قتله بعد أيام من ذلك. وأحرق قصر كسرى فلم يبق منه شيء، وذهب طعمة للحريق كل ما به من التحف والكنوز # 16 # التي لم يستطع نقلها، وأطلق من كان في السجون من أسرى مصر والشام وهم كثيرون، وفيهم «زكريا» ms112 بطريق بيت ~~المقدس، وأعيد الصندوق الذي كان به الصليب المقدس لم يمسسه سوء إلى هرقل، # 17 # وانتهى القتال إلى صلح بين دولتي الروم والفرس. وهكذا انتهت تلك الحرب الصليبية الكبرى بنصر عجيب قل مثله ~~في التاريخ فيما يثيره في النفوس. # وجاءت البشرى يحملها رسل الإمبراطور بانتهاء الحرب والنصر في يوم عيد العنصرة الذي كان في الخامس عشر من شهر مايو من ~~السنة ذاتها، وقرئت من منبر كنيسة أيا صوفيا. # 18 # وكان لهذا النصر وقع كبير في نفوس الكتاب في ذلك العصر، ولا شك أنه قد أقيم من أجله ما اعتادوا إقامته في ~~ذلك المكان العظيم في مواسمهم الجليلة وحوادثهم الكبرى، من احتفال باهر وزينة بالغة. # 19 # ولكن الإمبراطور اضطر إلى البقاء حينا في بلاد الشرق كي يتم عمله في القضاء على عدوه ونشر السلام على بلاده. فلما أن ~~خرجت جنود الفرس الباقية في حصون الشام وآسيا الصغرى على بكرة أبيها، وعادت إلى بلادها تحت حراسة جنوده، وعاد البطريق ~~«زكريا» إلى مقره في بيت المقدس؛ عاد هرقل إلى وطنه بعد أن غاب عنه ست سنوات قضاها في نضال وقتال، ودخل القسطنطينية ~~مظفرا منصورا يحمل معه الصليب المقدس الذي خلصه ممن لا يعبدون الله. # الفصل العاشر # | إعلاء الصليب # في السنة التالية، وهي سنة 629، سار الإمبراطور يقصد الحج إلى بيت المقدس في أول ~~الربيع، وأراد عند ذلك أن يعيد الصليب إلى محله، وكان في هذه الأثناء مودعا في كنيسة أيا صوفيا. # وقد ذكر التاريخ حادثتين في رحلته هذه؛ الأولى: أن بعض المؤرخين يذكرون أنه قد أتى ~~عند ذلك رسول إلى حمص # 1 ~~(ويقول بعضهم إلى أذاسة) من قبل النبي محمد، عليه الصلاة والسلام، # 2 # بكتاب يدعو فيه هرقل إلى الإسلام. ولعل هذه الحادثة لم تقع عند ذلك، بل كانت قبل ذلك في حياة الملك الأعظم ~~«كسرى». وأما الحادثة الثانية فهي أن الإمبراطور عندما بلغ طبرية أرسل إليه يهودها وفدا معهم الهدايا العظيمة يطلبون منه ~~عهدا يضمن لهم السلامة؛ فقد ذكروا ما أتوا من ms113 الجرائر في المسيحيين، وخشوا أن يقتاد الإمبراطور منهم، ولكنه من عليهم ~~بالعهد، وكان من حرص اليهود وحيطتهم أن أخذوا منه بذلك العهد كتابا. # وسار الإمبراطور بعد ذلك في سبيله إلى أن لاحت له المدينة المقدسة عن بعد. ومن السهل أن تتصور سير موكبه في خيل تلمع ~~عدتها؛ من حديد يبرق، # 3 # وألوية على الخيل تخفق، ومن رماة بالنبال، وكماة في يد كل رمحه، وعليه درعه، وقد احتقب كنانته، وفي ~~وسطهم سار هرقل في خاصته، # 4 # وهم جميعا قطعة تتلألأ من الذهب وزاهي الألوان، حتى إذا ما اقترب من المدينة خرج إليه موكب من القسوس ~~والرهبان، وعلى رأسهم «مودستوس»، يحملون الأناجيل والشموع والمجامر، كما كانت عادتهم في احتفالاتهم، وجاءت من ورائهم جموع ~~كبيرة من الأهلين. وهكذا سار حتى بلغ الباب الذهبي # 5 # في الجانب الشرقي من المدينة، وكان في انتظاره هناك البطريق «زكريا»، فسلم عليه وأظهر الخضوع، ثم أخذ ~~يعنفه على فخامة ملبسه، وأمره أن يخلع رداءه الأرجواني، ويطرح ما عليه من الذهب حتى يقترب من المواضع الطاهرة بما يليق ~~بها من الخضوع والخشوع. وسار الإمبراطور المظفر بعد ذلك في لباس الحاج المنيب إلى ربه، وكان يرى أينما ولى وجهه آثار ~~الخراب الذي جره الفرس على البلاد منذ أربعة عشر عاما، ثم شكر «مودستوس» على ما بذله في سبيل الإصلاح والعمارة، ولا ~~سيما إعادته بناء كنيسة القيامة وكنيسة الرأس وكنيسة قسطنطين، ثم كان بعد ذلك الاحتفال الأكبر المشهور باسم «إعلاء ~~الصليب»، ولا تزال ذكراه إلى اليوم تحييها الكنيستان الشرقية والغربية كلتاهما في يوم 14 سبتمبر. # وتروى قصة عن الصليب المقدس أنه بقي محفوظا في صندوقه تحليه الجواهر، ولم تقع عليه نظرة نجسة من أعين الكفار في مدة ~~وقوعه في يد الفرس، حتى إن كسرى نفسه لم يجرؤ على أن يدير مفتاح ذلك الكنز الطاهر أو يكشف غطاءه. وأكبر الظن أن الصليب لم ~~تدركه يد التدمير لأمرين؛ أولهما: أن الملك كان يخشاه ويحترمه مع أنه كان غير مسيحي، وكانت خشيته ناشئة من ms114 وهم خرافي. ~~وثاني الأمرين: أن الصليب كان له في نفسه قيمة لما فيه من الذهب والجوهر الذي يحيط به، وكان كسرى يحب جمع التحف وآثار ~~الفن. وعلى أي حال قد أرجع الصليب إلى كنيسة القيامة، ووضع فيها على المذبح في احتفال باهر فخم. # وليس من الوهم أن نرى في هذا الاحتفال الباهر بإعادة الصليب أعلى ما بلغه ~~الإمبراطور من المجد في حياته؛ فقد أدرك عند ذلك قصارى السلطان والهيبة، وطبق ذكره الآفاق. ولعله أحس عند ذلك أنه قد ~~أدى أمانته وأتم أمره؛ فقد قضى من قبل عشر سنين كان فيها مخذولا ذليلا، يهوي به خور عجيب في النفس، وهوت معه دولته ~~حتى رغمت، وضاعت منها قطعة بعد قطعة لا تحتمل أن تلمسها جيوش الهمج حتى تتداعى، فلم يبق منها إلا أسوار العاصمة وما يليها ~~من شريحة صغيرة من البحر تفصل بينها وبين جموع العدو الضاربة حولها، ثم نهض كما ينهض الحالم من سباته، فأعجب العالم ~~بما أظهر من مضاء في العزيمة، وقوة في الجهاد، ومن حماسة ثائرة، ورأي في الحرب باهر، ومن سرعة في بت الرأي، وهيبة تخضع ~~لها الرجال. وتلك لعمري صفات جعلته سيد قواد عصره لا يدانيه مدان. وسارت الجيوش التي جمعها تحت لوائه يهديها بهدي ~~عقله الراجح، فغلبت الفرس وكانوا من قبل مغلوبين، وأزاحت نيرهم عن الدولة من ضفاف البوسفور إلى شواطئ «نهر الرس»، ومن ~~ثم إلى الأردن فالنيل. وفوق هذا وذاك استطاع أن يحفظ المسيحية من خطر كاد يدهمها من الوثنية؛ إذ كانت على وشك أن ~~تجتاحها، وأرجع من ملك الوثنيين أعز رمز لدين المسيح؛ فكان إرجاع الصليب إلى مشهده في المدينة المقدسة بمثابة الخاتم ضم ~~الإمبراطور المظفر إلى الغازي الموفق في جهاده في سبيل الدين؛ فقد خلص دولة الروم وحفظ دين المسيح بعد أن كانا على ~~شفا جرف هار من الضياع والدمار. # غير أنه منذ ذلك الوقت أخذ حظه يتعثر، وخلقه يهن ويضمحل. وكان أول ما أمر به في أمور السياسة أن نكل باليهود تنكيلا ms115 ~~فظيعا انتقاما منهم، وكان الناس والقسوس كلاهما يتسابق بالوشاية إلى الإمبراطور بهذا الشعب، وإيغار صدره منهم، ~~يتهمونهم بأشنع من تهم الفرس، وأنهم كانوا أشد منهم فتكا بالمسيحيين، وأفظع منهم جرما في تدمير الكنائس وإحراقها. ~~ولسنا ندري لعل تلك التهمة كانت صحيحة أو في شيء كثير من الصحة؛ فإنه لأمر ما قد بادر اليهود إلى أخذ عهد من الإمبراطور ~~يؤمنهم، وإنهم ولا شك كانوا عند ذلك يحملون للمسيحيين عداوة أشد مما كانوا يحملون لجيرانهم من أهل الوثنية. على أن هرقل ~~لم يسارع إلى الأمر، بل كان غير راغب في الإقدام على نقض عهده، فقال له قائل: إنه إنما أعطى العهد قبل أن يعلم بحقيقة ما ~~كان منهم، وإنه ما كان ليحفظ عهدا مع قوم خدعوه عنه، وإنه لو كان قد علم بما فعله اليهود من فتك بالمسيحيين بالسيف ~~والنار لما تردد في أن يقسو عليهم ويشتد في حكمهم، إلى غير ذلك من الأقوال. وما زالوا به حتى أزالوه عن رأيه؛ إما ~~بعلو ضجيجهم، وإما بالتماس الحجج لإحلاله من عهده. ولعل كلا الأمرين قد اجتمع على ذلك؛ فأمر أن يجلى اليهود عن بيت ~~المقدس، ويمنعوا أن يعودوا بعد ذلك إلى ما بعد أسوار المدينة بثلاثة أميال. ولكن ذلك النفي لم يكن أشد عقوبة نزلت بهم؛ ~~فإنه يلوح لنا أن هرقل قد أجاب المسيحيين من رعيته إلى كل ما طلبوه من الانتقام، وهناك وقعت في اليهود مقتلة تشبه أن ~~تكون عامة. # 6 # ولكن البطريق ومطارنته أرادوا أن يزيلوا وساوس الإمبراطور، وأن يطيبوا نفسه، ويطمئنوا نفوسهم إلى ما كان، ~~فبعثوا إلى المدائن جميعها كتبا يأمرون فيها أن يصوم الناس أسبوعا، وأن تكون تلك سنة أبد الدهر. وما زالت تلك السنة ~~باقية إلى يومنا هذا؛ فإن أول أسبوع من الصوم الكبير عند القبط لا يزال اسمه «صوم هرقل». ويمكن أن نقول إن القبط قد ~~اشتركوا في تلك المقتلة لما كان بهم من ذحل وموجدة على اليهود منذ أيام فتح الفرس للإسكندرية. # والظاهر أن الإمبراطور قضى ms116 الشتاء في بيت المقدس. ويمكننا أن نستنتج من تاريخ الصيام المذكور أن مقتلة اليهود كانت في ~~أول العام الذي بعده؛ أي عام 630. وقد مات في ذاك الشتاء البطريق «زكريا»، # 7 # وولي مكانه على عرش البطرقة «مودستوس» عن رضا من الملك والناس جميعا. # ولسنا ندري أي البطريقين كان صاحب الرأي في مقتلة اليهود التي لطخت ذكر هرقل، ولا شك في أن كليهما قد رضي عنها ~~وأقرها، ولكن الإمبراطور عندما أزمع السير إلى عاصمته استصحب «مودستوس» ليساعده على إقرار أمور الكنيسة، وإعادتها إلى ~~سابق عهدها بعد أن رجعت بلاد الشام إلى دولة الروم، وليعمل على رد الكنائس التي كان كسرى قد جعلها للنسطوريين # 8 # والمونوفيسيين، وإرجاعها إلى أصحاب مذهب الدولة (الأرثوذكس). وكان مما قصد إليه الإمبراطور من صحبة البطريق أن ~~يساعد كذلك في التماس الوسيلة لجمع مذاهب الدولة المنتضلة وتوحيدها. وكان هذا من أعز ما يتمناه الإمبراطور، وقد بدا له ~~الأمر ممكنا إذ كان عند ذلك بطل المسيحية وناصرها. # ولكن «مودستوس» توفي في شتاء سنة 630-631، ولم يل إلا تسعة أشهر؛ # 9 # فلم يجد هرقل بعده بين المطارنة من يوافق رأيه في أمر الكنيسة كل الموافقة؛ ولهذا ترك مكان البطريق شاغرا. ~~ولم يكن أحد ليستطيع أن يزيله عن رأيه، وهو التوفيق بين اليعاقبة والملكانيين، وهما حزبا الكنيسة؛ أولهما حزب الخوارج، ~~والثاني حزب الجماعة. وكان سرجيوس القسطنطيني يرى الملك في التوفيق، فاعتز ذلك الرأي به وهو الرجل الذي عرف بالقوة ~~والإقدام. وكان سوري المولد، وهو صاحب صورة التوفيق التي أقرها هرقل. وكانت تلك الصورة تقضي بأن يمتنع الناس عن الخوض ~~في الكلام عن كنه طبيعة «السيد المسيح»، وعما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان، ولكن عليهم أن يشهدوا أن له إرادة واحدة ~~أو قضاء واحدا. وكان الإمبراطور منذ سنة 623 عندما كان في أرمينيا قد اتفق مع «بولص» زعيم الدين، وكان أثر ذلك الاتفاق ~~أن توحدت الكنيستان؛ كنيسة الدولة وكنيسة أرمينيا. وبعد أربع سنوات من ذلك زار «اللازيين»، ودعا «قيرس» مطران «فاسيس» ms117 ~~إلى مذهبه الجديد، فوجد منه قبولا. وفي ذلك الوقت عرض رياسة الدين في أنطاكية على «أثناسيوس»، على شرط أن يقر ما ~~أقره مجمع «خلقيدونية»، وأن يأخذ بتأويل الموحدين (المونوثيليتيين). والظاهر أن الرؤساء الثلاثة اجتمعوا بالإمبراطور في ~~«هيرابولس»، وكانت نتيجة مناظرتهم في ذلك الاجتماع أن أقروا شرط التوفيق إقرارا كاملا. وكان المتوقع عند ذلك أن ~~يسود السلام الكنيسة، وترتق فتوقها المتسعة. # ولعل هذا الوفاق كان في صدر عام 631، # 10 # وأعقبته ولاية «قيرس» بطرقة الدين في الإسكندرية. وقد أمره الإمبراطور أن يجمع المذهبين القبطي والملكاني في ~~المذهب الموفق الذي ابتدعته حكمة المجلس الإمبراطوري. وكانت خطة الإمبراطور إلى ذلك الوقت موفقة توفيقا أعظم مما ~~توقعه أحد، وجاءت إليه الأنباء من مصر في أول الأمر مبشرة بالنجاح؛ فقد وصف «قيرس» نجاحه وصفا بليغا، حتى لكان ~~يخيل إلى الناس أن هرقل قد بدأ باسترجاع دولته وجمع شملها، بعد أن نزعها الفرس من يده ومزقوها كل ممزق، ثم ثنى بعد ~~ذلك بالحلم الذي كان يتمنى تحقيقه في حياته، وكاد يتم له الأمر كما يشتهي. فانتصر في القتال نصرا عظيما، فغلب الكفار، ~~وحمى منهم المسيحية. وإنه ليكون نصرا أعظم لو استطاع أن يحل السلام والوئام على الكنيسة، وأن يزيل ما فيها من مواضع الخلاف، # 11 # ويربط بين المسيحيين فيجعلهم إخوانا في دين واحد. وكان الصليب الذي استرجعه من العدو رمزا ماثلا أمام ~~عينيه؛ فلا عجب إذا لاح له فوقه ذلك الخيال الذي لاح لعيني سلفه العظيم، وهو «فز إما بالموت وإما ~~بالحياة»؛ ~~(22 ~~⋆ ~~) # فقد كان الصليب أداة نصره في الحرب، وكان يستلهم من الصليب وحيه وإلهامه في أمور الدولة بعد أن ساد السلام. # الفصل الحادي عشر # | دعوة النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) # ما أكثر عجائب التاريخ وعبره! ولكن قلما حدث فيه من العجائب ما هو أكثر عدا أو أعجب أمرا مما كان في عهد هرقل، وقد ~~اتفق عندما بدأ هرقل عهد ولايته أمر الإمبراطورية أن بدأ النبي محمد دعوته وأخذ في نشرها، وذلك في سنة 610، # 1 # وقد ms118 كان مقدورا أن تكون دعوة النبي أكبر ما يصدم هرقل ويهدم ما بناه. وقد لاقى كل من هذين العظيمين في أول ~~حياته تخذيلا عظيما وأخطارا جمة صحبته نحوا من اثنتي عشرة سنة، ثم خرج كل منهما من هذه المحن وقد قويت نفسه، ~~واستعدت للعمل العظيم الذي كانت مقبلة عليه. في سنة 622 سار هرقل في سريته إلى قليقيا، فضرب أول ضربة في سبيل ~~استنقاذ الصليب المقدس وإعادته إلى الدولة الرومانية من الفرس. وفي هذه السنة عينها هاجر النبي من مكة إلى المدينة، وبدأ ~~بذلك عصر الجهاد في سبيل تخليص بيت الله الحرام وفتح بلاد العرب لدعوة الإسلام، فكان هذا الحدث مبدأ التاريخ الإسلامي أبد ~~الدهر. # وليست هذه كل وجوه الاتفاق؛ فإن النبي والملك كليهما صحبه نصر لا تكاد تثلمه هزيمة مدة ست سنين # 2 # بعد سنة 622. وكان النبي يرقب بلهف حوادث القتال الطويل بين الروم والفرس، وكان قد آلمه نصر الفرس في مبدأ ~~الأمر في سنتي 614 و615؛ لأن ذلك كان انتصارا لعبدة الأوثان على قوم من أهل الكتاب. فلما رجع النصر إلى ~~الروم - وما كان أعجب ذلك - واستطاع هرقل أن يمحق سلطان الفرس بعد حرب ضروس استمرت ست ~~سنوات، بعث ذلك في النبي آمالا كبيرة لغزو الطائفتين والتغلب عليهما وقد تضعضعت قوة الغالب منهما والمغلوب، ورأى أن الله ~~قد مهد بذلك للإسلام طريق النصر والفتح؛ ولهذا نستطيع أن نقول إن الساعة التي بلغ فيها هرقل أعلى ذروة مجده كانت ساعة ~~البشرى العظيمة للنبي (عليه الصلاة والسلام). # وكان النبي قبل ذلك رأى أنه قد آن له أن يرسل إلى أمراء العالم يدعوهم للدخول في الدين الجديد، فبعث كتبا إليهم في ~~سنة 627، # 3 # وختمها بخاتمه على ما جرت عليه عادة أهل الشرق، وكان نقش ذلك الخاتم «محمد رسول الله»، وكانت الكتب جميعها ~~تدعو إلى الدخول في الإسلام والشهادة بأن محمدا عبد الله ورسوله. وأرسلت تلك الكتب إلى أمراء اليمن وعمان # 4 # واليمامة والبحرين، وإلى الحارث «ابن أبي شمر الغساني» أمير العرب ms119 على حدود الشام، وإلى «جورج»، وسمي ~~«المقوقس» في الكتاب خطأ، وهو حاكم الإسكندرية ونائب الملك في مصر، # 5 # وإلى نجاشي الحبشة، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى هرقل قيصر الروم. # 6 # فأما أمراء العرب، فقد رد اثنان منهما ردا حسنا وأسلما، وهما أمير «اليمامة» وأمير «البحرين». وأما أمير اليمن ~~وعمان فقد ردا ردا فاحشا، # 7 # فدعا عليهما النبي. وأما النجاشي فقد أجاب جوابا حسنا ولم يبعد، ولكنه لم يسلم. ولعل هذا موضع لأن نقول إن ~~الحبشة هي البلاد التي لم يفتحها الإسلام دون كل البلاد التي أرسل النبي إليها الرسل. وأما «عظيم القبط» # 8 # فقد وعد أن يرى لنفسه رأيا في الأمر، وأكرم الرسول وهو «حاطب بن أبي بلتعة اللخمي»، وبعث معه هدية عظيمة كان ~~فيها جاريتان «مارية» و«شيرين»، وبغلة سماها النبي «دلدل». ويزعم بعضهم خطأ أنها كانت أول بغلة عرفت في بلاد العرب. # 9 # وكذلك كان بين ما أهدى حمار اسمه «نفور»، # 10 # ومقدار من المال. # 11 # فأما «مارية» فقد أسلمت وتزوجها النبي، عليه الصلاة والسلام، وأحبها، وماتت سنة 636، فلم تشهد فتح مصر ~~وخضوعها للعرب. # وأما رد كسرى فقد كان على طريقة أخرى؛ إذ شق كتاب النبي ومزقه وهو غضبان قد تولى كبره، وكتب إلى بازان # 12 # عامله على إقليم «حمير» يأمره: «ابعث إلي برأس هذا الرجل الذي بالحجاز.» # 13 # فقال النبي عندما بلغه ما فعله كسرى بكتابه: «مزق ملكه.» فكانت نبوءة ودعوة عليه، وما مضى بعد ذلك إلا زمن ~~قصير حتى تحققت. # 14 # أما ما كان من أمر هرقل فلسنا ندري ما كان يدور بنفسه إذ هو خارج من مواكب الاحتفال عند مقدمه إلى عاصمة ملكه بعد فتوحه ~~في آسيا، أو عندما كان يسير وفي ركابه الظفر يشق بلاد الشام نحو بيت المقدس حاملا معه الصليب الأعظم؛ أكان عند ذلك يذكر ~~ما وقع له وهو في معسكره منذ حين، إذ طلع عليه جماعة من فرسان البدو وعليهم رئيسهم «دحية بن خليفة» الكلبي يحمل إليه كتاب ~~النبي؟ لا شك أن ms120 الإمبراطور قد سمع بما أجاب به من قبل ملك الفرس، ولعله كان عند ذلك قد أتاه نبأ مقتل رسول النبي في مؤتة، # 15 # ولكنه مع ذلك أرسل ردا حسنا، حتى إن بعض مؤرخي العرب خلق من ذلك قصة منمقة سخيفة عجيبة يذكر بها ~~إسلام هرقل، ولم يكن شيء أبعد من ذلك الأمر عنه. وماذا عسى كان يدفعه إلى تصديق ما أتى به زعيم عربي لم يعرفه، وذلك في ~~حين كان ملكا سيد الكتائب الكثيرة التي عركتها الحرب فأصبحت ضارية صعبة المراس. # وعلى ذلك فقد سار هرقل في سبيله، ولم يعكر شيء صفاءه، ولم يعر أمر تلك الرسالة اهتماما، ولكن فيما كان هرقل يسير في ~~موكبه من الباب الذهبي بين الطرق المتعرجة قاصدا إلى الكنيسة القائمة على جبل الزيتون ليقيم بها الصليب الذي استنقذه، ~~وفيما كانت الناس في بيت المقدس يبكون مما في نفوسهم من سورة قد غلبت عليهم جميعا، حتى لقد بكى من كانوا منهم ينشدون ~~أناشيد النصر؛ # 16 # كانت سرية من ثلاثة آلاف فارس أرسلها النبي تسير في الصحراء إلى مؤتة لتثأر لرسوله الذي قتل. ومن ذلك الحين ~~بدأت الحرب مع الدولة الرومانية، فلم تنته حتى كانت سنة 1453، وفيها سلمت القسطنطينية للإسلام، ونقش اسم النبي العربي ~~حيث هو اليوم على جدران الكنيسة الكبرى كنيسة «أيا صوفيا». وقد جاءت جنود الدولة فالتحمت بجيش العرب يقوده زيد بن حارثة ~~قرب «مؤتة»، وكانت صدمة القتال عنيفة، فقتل أكثر القادة حتى ولي القيادة خالد بن الوليد، واستطاع بما له من مهارة ~~فائقة في الحرب ورأي سديد أن يحفظ المسلمين من القتل، وقد سمي من ذلك الحين بسيف الله، فانحاز بمن بقي منهم، وسار إلى ~~المدينة في أسف شديد، ولكن النبي تلقاهم ولم تفلل الهزيمة من عزمه. وما أتى آخر شهر أكتوبر حتى جهز عمرو بن العاص في ~~سرية صغيرة وبعثه إلى أكناف الشام، وانتظر كي يتم نشر الدعوة في بلاد العرب ثم يخرج إلى من حوله فيناجزهم في حرب عظيمة. ~~وقد تم له ms121 فتح مكة ثم انتصر في حنين، فسار ذكره وسادت هيبته بعد ذلك كل ربوع بلاد العرب. # ثم أخذ في إعداد جيش، وجاهر بأنه لغزو فلسطين، يدفعه إيمانه وما في قلبه من شعور قوي بأمانته إلى الاستهانة بما قد ~~يلقى من العقبات، ولكن كثيرا من أصحابه استصعبوا الأمر، فدل ذلك على أن إيمانهم لم يعصمهم من هيبة هرقل. وكان يحب أن ~~يجتمع عنده مائة ألف رجل مجهزين بالعدد، ولكن لم يجتمع إليه إلا ثلاثون ألفا، وتخلف عنه المنافقون والمعذرون الذين ~~ادعوا المرض هربا. وسار في هذا الجمع إلى «تبوك»، وهي في نصف الطريق إلى مؤتة، فأقام بها عشرة أيام ولم يلق كيدا. ~~ولعل ربيئته قد حملت إليه من الأخبار ما جعله لا يتقدم إلى الشمال إلى أبعد من ذلك، أو لعله عاد لقلة الزاد والماء معه؛ ~~فإنه قد عاد إلى المدينة وقضى بها عاما يعد جيشا لغزوة جديدة. وفي أثناء مقامه في «تبوك» عقد عهودا مع كثير من أمراء ~~العرب، وأرسل خالدا في أربعمائة فارس إلى أمير «دومة» النصراني، فنزل عليه على غرة منه وأسره، ثم أسلم ذلك الأمير، وأخذ ~~منه النبي أرضه ومدينته وحصنه وثلاثة آلاف من الإبل وأربعمائة درع. # 17 # وعلى كل حال فإن غزوة «تبوك» وإن لم يصل النبي منها إلى غرضه من لقاء الروم لم ~~تؤخر سير الإسلام؛ فقد تتابع أمراء العرب إلا قليلا منهم على الدخول في الإسلام، وشهد ذلك العام دخول الناس جميعا تحت ~~لوائه؛ ومن ثم سمي «عام الوفود». وكانوا جميعا يتبعونه ويرونه سيدا وقائدا ورسولا من عند الله، بعضهم يرى ذلك صدقا ~~عن عقيدة وإيمان، وبعضهم يتراءى ذلك خوفا ونفاقا. وفي عام 632 # 18 # حج النبي إلى مكة حجة الوداع، وقام بين المؤمنين لا يحصرهم عد، وعلمهم شعائر الحج إلى الكعبة التي أصبحت ~~بيتهم الحرام بعد أن كانت معبد الأوثان، وقرر شعائر الحج التي لا تزال متبعة إلى اليوم. وبعد شهرين من منصرفه من ~~الحج أخذ يدعو العرب إلى غزو الروم، وجعل قيادة ms122 الجيش إلى أسامة ابن مولاه زيد الذي قتل في وقعة «مؤتة»، ولكنه مرض بعد ~~ثلاثة أيام من عقده لأسامة على الجيش، وكان مرضه بالحمى، وتوفي من مرضه ذاك بعد قليل. # على أن وفاة النبي لم تضعف الإسلام، بل شدت ساعده؛ فإنه اهتز حينا، ولكنه كان راسخ الأساس؛ فلم تكن تلك الهزة التي ~~جاءته من داخل جزيرة العرب لتحدث فيه أثرا. وقد مات النبي بعد أن أتم ما تاقت إليه نفسه في حياته، وإن لم يكن ذلك في ~~الوقت الذي كان فيه على ذروة النصر والقوة، فكان في ذلك على غير ما كان عليه هرقل عند موته. وكان النبي لا يشعر عند موته ~~بما يعكر صفاءه من أنه أخفق، أو أنه قد مضى عزه وتقادم العهد على نصره، بل إنه لو أتيح له أن يطلع على الغيب لعرف أنه ~~قد ألف بين قومه وألبهم، فأصبحوا وقد خلفهم قوة ذات بأس في الدين وذات أثر في السياسة، وأنها ستفتح العالم بعد ~~وفاته. # وكانت بلاد العرب قد صارت يدا واحدة قبل موت النبي، وقد انقطع بسقوط كسرى ما كان بين الفرس واليمن وجنوب أرض العرب من ~~علاقة السلطان، في حين أن هرقل لم يعمل على تقوية سلطانه وتحديده في شمال الجزيرة، بل تركه كما هو ظلا غير حقيقي من ~~الهيبة. ولا شك في أن جل نصارى العرب كانوا على المذهب «المونوفيسي»، وأنهم لذلك كانوا لا يثقون برأي الإمبراطور في ~~السياسة، على أنهم كانوا ضعفاء لا يستطيعون دفع أعداء الدولة. # 19 # وإذا كان ثم شيء يتم به جمع جزيرة العرب لتصبح يدا واحدة تحت سلطان واحد، فقد قام به أبو بكر خليفة رسول الله وقد ~~بايعه الناس بعد النبي؛ ففي سنة واحدة أرسل «أسامة» في بعث إلى الشام، وكان موفقا منصورا، وأرسل خالدا ذلك القائد ~~الشهم المغوار، فقضى على مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في بلاد اليمن. وكان النبي قد أوصى وهو على فراش الموت ألا ~~يبقى في بلاد العرب إلا دين الإسلام. والظاهر ms123 أن ذلك تم بلا تريث ولا مهل؛ فقد أخرج المسيحيون من الجزيرة ولم يبق ~~منهم فيها أثر، وكذلك قضي على ما كان عندهم من العلوم والفنون والآداب. # 20 # وليست لدينا صورة كاملة عن الفنون في بلاد العرب إذ ذاك، ولكنا نستطيع أن نعرف شيئا عن تقدمها مما يروى لنا من وصف ~~كنيسة صنعاء، وهي التي نالها المسلمون بالأذى وهدموها، وهي من بناء «أبرهة الأشرم» عامل ملك الحبشة على بلاد اليمن، وذلك ~~بعد منتصف القرن السادس بقليل. ويروى أن الملك كان شديد العناية بأمر بنائها وزخرفتها، فكان يقضي الوقت كله نهارا وليلا ~~فيها، وكانت تشبه كنائس الروم في رسمها؛ فكانت الأعمدة العالية من المرمر الثمين تفصل ما بين وسطها وجناحيها، وكان ما ~~فوق الأعمدة من القباب وأعالي الجدران يزينه زخرف بديع من فسيفساء الذهب والألوان، وتحليها الصور. وأما أسفل الجدران ~~فقد كان يغطيها إفريز من المرمر، وكذلك كانت الأرض، وكان المرمر من ألوان مختلفة منسقة تنسيقا جميلا. وكان المحراب ~~يفصله حاجز من آبنوس مطعم بالعاج بديع النقش، وكانت نقوش الذهب والفضة تغطي البناء من داخله. وكانت الأبواب تغطيها ~~صفائح من الذهب مساميرها من الفضة، أو صفائح من الفضة عليها مسامير كبيرة من الذهب. وأما الأبواب التي كانت تفضي إلى ~~المحاريب الثلاثة فقد كانت تغطيها صفائح كبيرة من الذهب عليها حلية من الجواهر، وكان على كل صفيحة من تلك صليب بارز من ~~الذهب والجوهر، في وسطه شكل خزامي من حجر أحمر، وتحيط به زهور زخرفية من الذهب والجواهر، أو من الميناء المختلفة ~~الألوان. تلك كانت الكنيسة العظمى التي ساعد «جستنيان» «أبرهة» في بنائها. # 21 # ولم تكن كنيسة «أيا صوفيا» ذاتها بأغلى زينة ولا أبدع في الصناعة منها. # ولعل هذا الوصف المجمل يحمل إلينا صورة من المدنية التي وجدها الإسلام في بلاد العرب، غير أن العرب كانوا عند ذلك لم ~~يقبلوا على الصناعات والفنون، ولم ينم لهم ذوق فيها؛ ولذلك لم يدرك المسلمون من تلك الثروة العظيمة ومن ذلك الجمال ~~البارع إلا أنها ms124 كانت للغنيمة إذا كانت مما يغنم، أو للتحطيم إن كانت صورا أو دمى. ولسنا نعرف على وجه البت في أي وقت ~~كان هدم هذه الكنيسة وسواها من أبنية النصارى. ويقول «ريت» إنه إن بقي في جزيرة العرب أحد من النصارى في سنة 632 # 22 # فإنه لم يبق بها إلا قليل، ولم تكن الأبنية وقتئذ لتترك كما هي أو تتخذ مساجد للمسلمين، كما حدث في غير ~~ذلك الوقت وفي البلاد الأخرى؛ لأن الإسلام كان في أول أمره شديد الوطأة على الدين المسيحي، وآثاره يمحوها ويعفي أثرها، ~~كما كان قبل ذلك يوقع باليهود وعبدة الأوثان. ولا شك أن المسلمين كرهوا ما في كنائس النصارى من كثرة الصور والرسوم ~~المنقوشة بالألوان، فحق لهم بعض الحق أن يخلطوا بين المسيحية وعبادة الأوثان. ومهما يكن من ذلك الأمر فقد أصبح المسلمون ~~جميعا في جميع بلاد العرب، وقبلتهم الكعبة، وإمامهم القرآن، قد ضمهم دين واحد وحكم واحد في عبادة إله واحد، سواء ~~أكانوا قبل ذلك نصارى أو يهودا من الفرس أو السودان أو العرب. # وكانت دولة العرب التي قامت عند ذلك دولة حلفاء عدة يضمها حكم جمهوري، وذهبت ~~مكة بزعامتها. وقد رأى «أبو بكر» وزعماء المسلمين ما رآه النبي من قبل، وذلك أنهم إذا شاءوا أن يحفظوا على الدولة ~~تماسكها، ويتموا عليها اتحادها؛ فلا بد لهم أن يبعثوا البعوث لغزو ما يليهم من البلاد. وكانت بلاد فلسطين للعرب بلادا ~~موعودة، كما كانت تلك الأرض موعودة لليهود، أرضا تفيض لبنا وعسلا، وكان حب القتال غريزة في العرب، وقد زادهم توقدا ~~إيمانهم بأن عليهم واجبا دينيا يؤدونه؛ فاجتمعت لهم صفتان ما اجتمعتا في قوم إلا صار بأسهم شديدا، فلما اجتمعتا للعرب ~~أصبحوا ولا يكاد شيء يقف في سبيلهم. # وكتب أبو بكر إلى رؤساء القبائل من العرب لانتداب الناس إلى المدينة ليخرجوا للقتال، وقال لهم إنه بعث إليهم ليخبرهم ~~أنه قد عزم على أن يرسل المؤمنين إلى بلاد الشام لينزعوها من أيدي الكافرين، وأنه يعلمهم أن الجهاد في الدين ms125 طاعة لأمر الله. # 23 # فما هو إلا قليل حتى اجتمع لديه جيش عظيم، ثم عقد عليه ليزيد بن أبي سفيان، وكان عمرو بن العاص على قسم منه. # 24 # وكان عمله هذا جرأة عظيمة؛ فإنه حاد دولتي الفرس والروم، وأغزى العرب بلادهما، ولكن الأمر كان أهون في ~~الحقيقة مما يلوح للناس؛ فإنه من الخطأ أن نتصور أن العرب قبل الإسلام كانوا كلهم يعبدون الأوثان، كما أنه من الخطأ أن ~~نتصورهم جميعا في عزلة عن العالم تفصلهم عنه مفازات الصحارى، ويعيشون في أرضهم لا يعرفهم أحد، ثم جاء الإسلام فقوى ~~جموعهم على اقتحام الفيافي، والخروج إلى أمم العالم يغزونها؛ فليس شيء أبعد من هذا عن الحقيقة. ولا شك في أن ضعف أسدي ~~الروم والفرس وما كان بين النصارى من الشحناء والبغضاء، وما انبعث في نفوس العرب من ~~الإيمان، وما كان فيهم من حب الفيء والغنيمة في هذه الحياة، وما كانوا يأملونه من نعيم الآخرة، لا شك في أن ذلك كله كان ~~عاملا قويا على فوز غزاة العرب في غزواتهم، ولكن لعله قد كان أكبر من كل ذلك أثرا في فوزهم أنهم كانوا يمتون ~~بصلات وشيجة من قرابة الجنس إلى طائفة كبيرة من أهل البلاد التي غزوها؛ فقد كان العرب منذ الأزمنة الغابرة ينزحون إلى ~~ما يلي بلاد الفرس والشام، وإلى ما بعد الحد الفاصل من الإقليمين من الشرق، فيقيمون بتلك الأرض أحيانا، ويضربون في ~~أنحائها أحيانا أخرى، وينتجعون بلاد الدولتين فيجوسون خلالها التماسا للتجارة، أو يشنون عليها الغارة. # 25 # وكان بعض هذه القبائل العربية يدين لهرقل بطاعة لا تتعدى اسم الطاعة، وعلى مثل تلك الحال كان بعضهم مع ~~كسرى، على حين كان بعضهم معتزلا لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، وكانوا جميعا لا يحجمون عن نصرة أي الدولتين بسيوفهم إذا ~~تبين لهم وجه النفع معها. # 26 # وكانت طلائع جيوش هرقل من العرب، في حين أن منهم قوما كانوا يغيرون على آسيا الصغرى، وهم قوم «طوال ~~الشعر» ذكرهم «جورج البيسيدي». # 27 # وكان أول ms126 نصر لهرقل يوم انتصر على هؤلاء، وقيل إن جل جيش الروم في «مؤتة» كان من العرب، وكانت منهم كتيبة خيل ~~بارعة مع كسرى تساعده على فتح الشام ومصر. # فوجد الإسلام على ذلك بين هؤلاء العرب الضاربين على التخوم عدة عظيمة من رجال الحرب شبيهين بما كان من بلاد العرب ~~ذاتها من جنده. فما كان على المسلمين إلا أن يدخلوا هؤلاء العرب في الإسلام، ويشعروا قلوبهم عقيدتهم، ويثيروا فيهم ~~روحه، فيصبحوا لهم عيبة ومسلحة. ولم يكن الأمر في أوله بالهين؛ فقد كان أكثر هؤلاء العرب نصارى، # 28 # وكان كثير منهم يقاتلون مستميتين في سبيل دولة الروم ودين المسيح، # 29 # غير أنه قد كان منهم من آثر علاقة الجنس، أو كان غير حريص على دين لم يفقه فيه، في حين أنه قد كانت منهم ~~طائفة انحازت على حذر، فلم تكن مع هؤلاء ولا مع أولئك، متربصة حتى يتبين لها لمن الغلبة، فتكون مع الظافر وهي آمنة. ~~ومهما يكن من الأمر فقد كانت صلة الجنس تجعل رجحان الميل إلى المسلمين. # ولعلنا نجد عذرا إذا نحن سقنا بعد ذلك رأيا آخر نمهد به مجملين؛ وذلك أن فوز المسلمين كان له سبب آخر، ألا وهو ما ~~حل بالمسيحيين من الخذلان والوهن، وهو يعدل في شدته ما كان عند المسلمين من إيمان وقوة. قال «قدرينوس»: «على حين كانت ~~الكنيسة تحتوشها الملوك ومن لا يخشون الله من القسوس، خرج من الصحراء عملاق ليعاقبنا على ذنوبنا.» هذه كلماته التي ذكر ~~فيها نشأة الإسلام، وهي كلمات قليلة، ولكنها تدل على أن المسيحيين كانوا يشعرون أن محمدا كان رسولا من الله، أو هو على ~~الأقل سوط من الله أرسله عليهم، وهذا شعور يظهر على لسان كثير ممن كتب من المسيحيين في ذلك الوقت، أمثال «سبيوس» الأرمني. # 30 # وإنه لأمر معروف أنه إذا نزلت بقوم نازلة من هزيمة قالوا إن ما أصابهم كان عقابا على ذنوبهم. وإن من فكر ~~وجد أن هذا القول لم يخطئ الصواب ولم يبعد عن الحقيقة، ولكن ms127 يلوح لنا أن في قول هؤلاء الكتاب شيئا من الحزن المبرح ~~أكثر مما نراه في مثل هذه الأحوال؛ فإنهم يحسون أن النصارى قد وزنوا والعرب في كفتين، فرجح العرب وشالت كفتهم، وأن ~~المسيحيين قد أصبحوا غير جديرين بأن يكونوا دون غيرهم هداة الناس إلى سبيل الله. وليس من العسير أن ندرك كيف قوي ~~الإسلام بما وقع في قلوب المسيحيين من هذا الخوف وتوقع البلاء؛ فقد كان قسوسهم وجندهم في ذلك سواء، وقد كان «لوقا» الذي ~~أسلم مدينة حلب للعرب ممتلئ القلب بما كان يبشر به قسيس من أنه كان محتوما أن يفتح العرب البلاد، وكان «بازل» الذي ~~أسلم مدينة صور قد أخذ عن الراهب «بحيرى» ما جعله يترك الروم ويوصي أهل الدولة الرومانية # 31 # بدين الإسلام. وهاتان الروايتان قد جاءتا عن طريق العرب، وقد تكونان هما وأمثالهما أقاصيص وهمية لا حقيقة لها، ~~ولكنها تدل على أمر واحد لا شك فيه ولا يكذبه التاريخ، وذلك أنه قد شاعت نبوءة بين بعض المسيحيين فارتجفت لها أفئدتهم، ~~وهي أن الإسلام حق، وأن نصره محقق. # الفصل الثاني عشر # | فتح العرب للشام # لما انقضى مقام هرقل في بيت المقدس وعاد أدراجه إلى الشمال في «فلسطين»، لم يكن ~~بعد قد بدا له ما في الإسلام من خطر عليه، وقد كان النبي (عليه الصلاة والسلام) عند ذلك قد فاز ونشر الإسلام في جزيرة ~~العرب، وبلغ ظل الإسلام أكناف الدولة الرومانية، ولكن الإمبراطور لم ير في ذلك إلا ما اعتادت الدولة أن تصمد له من غارات ~~أهل الصحراء، وكان هذا أمرا مألوفا؛ فإنه لو أدرك عند ذلك حقيقة ما في ثنايا الإسلام من الخطر لكان قد سارع إلى ~~منازلته، ولعله كان يستطيع أن يقضي على دولة العرب في أول نشأتها ويمحو أثر الإسلام # 1 # من التاريخ، لو كان اتخذ الحيطة وأعد العدة قبل فوات وقتها، وكانت قوة عقله تمكنه من ذلك، وعنده موارد ~~المال لا تزال مع ما نزل بها من ضعف كافية لما كان دونه. # ولكن قضى ms128 الله أن ذلك لا يكون؛ فإن واجبه كان يناديه أن يسرع بالسير من الجنوب، وكان قلبه مهموما بأمر البلاد التي في ~~أكناف الدولة حريصا على تنظيمها حسب نصوص المعاهدة مع الفرس، وكذلك كان عليه أن يدبر أمر الأموال وأمر الحكم في كل ~~البلاد الشرقية التي اضطربت أمورها في سنوات الحرب الست، وكان فوق كل ذلك يحب أن ينفذ ما اختمر في ذهنه منذ زمن طويل من ~~أمر الديانة المسيحية وتوحيد مذاهبها، حتى يقوم التوحيد على الوفاق لا على الجبر والاضطرار. وكان يظن أن زعماء الكنيسة ~~يستطيعون أن يخلقوا صورة جديدة من المذاهب تخلب الألباب وتسحرها. فإذا ما تم له صهر مذاهب الخارجين وأهل الشقاق والخلاف، ~~وأخرج منها مذهبا خالصا مصفى لا يدخل إليه الخلاف من بين يديه ولا من خلفه؛ كانت عند المسيحيين قوة لا تقف دونها قوة ~~أعداء الدولة والصليب! # وسار الإمبراطور عند منصرفه من بيت المقدس إلى جزيرة ما بين النهرين، # 2 # وكان طريقه عن دمشق فحمص فمدينة «بيرويه» فهيرابولس فأذاسة، وكانت «أذاسة» موطن آبائه، وكانت موطن القديس ~~«أفريم» أبي الكنيسة «السورية»، # 3 # وكذلك كانت مشهد اليعاقبة (المونوفيسيين)؛ لأنها كانت مقر «يعقوبوس بارودايوس»، وكان ذلك المذهب هو السائد ~~في الأديرة المجاورة وعدتها ثلاثمائة، وفي معظم بلاد أرمينيا والشام ومصر، وكانت أذاسة فوق كل ذلك موضعا ذا خطر عظيم في ~~السياسة لوقوعها بين دجلة والفرات، وقربها من بلاد الأرمن والفرس وسوريا، فلم يكن بلد أصلح منها لما عزم عليه الإمبراطور ~~من الأمور. # وحوادث هذه المدة ذات عقد يتعذر على المرء أن يحلها؛ فإنه قد يستبين خيطا منها في ديوان من الدواوين، وبضعة خيوط ~~أخرى في ديوان سواه، ولكن تلك الخيوط لا صلة بينها؛ ولذلك يصعب على الإنسان مهما أوتي من الصبر والأناة أن يسويها ~~ويجمع بينها. وعلى كل حال فإنا نستخلص أنه في سنة 631 ذهب الإمبراطور إلى «هيرابولس»، وبدأ فيها تحقيق ما كان يرجو إنفاذه ~~من توحيد الكنيسة، واختار «أثناسيوس» رئيسا لأساقفة «أنطاكية»، وجعل «قيرس» رئيسا لأساقفة الإسكندرية. ms129 غير أنه أخطأ خطأ ~~كبيرا في اختيار «قيرس» هذا، وسنصف بعد قليل سيره إلى مصر، ونرى أي نكبة حلت في تلك البلاد بما كان الإمبراطور يسعى ~~لتحقيقه من الآمال؛ فإنه لقي مقاومة ومخالفة من كل جانب، فخالفه الزعيم الملكاني «صفرونيوس» وشيعته، وخالفه كذلك كل ~~القبط قسوسهم وعامتهم، وسنرى بعد ذلك كيف انقلب «قيرس» فقلب للقبط ظهر المجن، وحارب مذهبهم؛ إذ رأى أنه لم يستطع أن ~~يدخلهم بالحسنى في المذهب المونوفيسي، وشرع يحملهم على الخروج من مذهبهم جبرا واضطرارا بالعسف والاضطهاد. # وكان الأمر في بلاد الشام على ما كان عليه في مصر؛ إذ أخفق سعي الإمبراطور هناك، ~~فأراد حمل الناس على ما أراد بالاضطهاد، فكان «قيرس» بعسفه واضطهاده يهدم ما بناه هرقل بحروبه وفتوحه، ويمهد السبيل ~~للإسلام في مصر، على حين كان الاضطهاد في الشام يمهد السبيل له هناك . غير أن الأمر في بلاد الشام لم يبلغ من الشدة ما ~~بلغه في مصر؛ فقد كان «أثناسيوس» صاحب كياسة وأناة، وكان «قيرس» خلوا منهما، وكان لوجود الإمبراطور نفسه في الشام أثر في ~~تخفيف حدة الخلاف ومنع الخروج، # 4 ~~( ~~⋆ ~~) ولكن لم يمض كبير زمن حتى ظهر الضرر ~~المحقق الناشئ من سعي الإمبراطور في أمر الكنيسة. وقد توسل الحبر القدير «صفرونيوس» إلى «قيرس» توسلا حارا ليعدل عن ~~عسفه، فلم يجده ذلك شيئا، فسافر إلى القسطنطينية لكي يخاطب البطريق «سرجيوس» في ذلك الشأن، وكان «سرجيوس» من خير من ولي ~~أمر الكنيسة الشرقية وأوضحهم عقلا، ولكنه كان صاحب المذهب المونوثيلي الذي أراد به التقريب بين المذاهب، ولم يكن ليستطيع ~~إنكار ذلك المذهب، وحاول أن يقنع «صفرونيوس» أو يستميله بكل ما أوتي من قوة في الحجة، وبلاغة في الخطاب، وخلابة في ~~الخلق، ولكنه لم يفلح، وعاد «صفرونيوس» إلى الشام آسفا كئيبا. # ولعله ذهب بعد ذلك إلى «هرقل» ليبذل معه من الجهد مثلما بذل مع «قيرس» و«سرجيوس»، ولكن لا يذكر التاريخ حدوث ذلك اللقاء ~~بينهما. أما نحن فنرى أنه لا بد أن يكون قد حدث ذلك اللقاء؛ فهو ms130 يتفق مع سائر ما نعرف من الحوادث، وبغير حدوثه لا يمكن أن ~~نفسر العلة التي من أجلها اختار «هرقل» «صفرونيوس» ليكون كبير أساقفة «بيت المقدس»، وقد بقي ذلك المنصب شاغرا منذ مات ~~«مودستوس» في سفره إلى الشمال مع الإمبراطور. ومهما يكن من الأمر فإنه من المحقق أن «صفرونيوس» لم يخفف من وطأة ~~عداوته للمذهب المحدث مذهب الوفاق، وكان من أول ما قام به بعد ولايته أنه جمع رجال الكنيسة، وقال فيهم كلمة طعن فيها بدعة ~~الإمبراطور، وندد بها في غير حيطة ولا هوادة، وحكم بالخروج على البطارقة الذين اتبعوها؛ # 5 # لأن «صفرونيوس» لما قبل أن يلي إمرة الدين في بيت المقدس كان يظن من غير شك أن الإمبراطور سيعدل عن بدعة ~~«المذهب المونوثيلي»، ويعود إلى مذهب السنة «الأرثوذكسي»، في حين أن الإمبراطور كان يظن أنه سيستميل «صفرونيوس» باختياره ~~للولاية الدينية كما استمال «أثناسيوس» من قبل. ولعل هذه كانت أشأم زلة زلها «هرقل» لا تفوقها إلا زلته الأولى وهي ~~اختيار «قيرس»، وليس من المبالغة أن نقول إنها تكاد تكون السبب في ضياع فلسطين، كما كان اختيار «قيرس» سببا في ضياع ~~مصر. # إنه من الممكن أن نلتمس لهرقل العذر في زلاته هذه إذا نحن ذكرنا أنه إنما اقتحمها ~~اقتحاما وهو يقصد إلى غاية سامية ويدفعه باعث نبيل، ولكن على أي حال قد أدى الأمر في مصر والشام إلى أن الإمبراطور ~~عندما أخفق في سعيه عمد إلى التضييق على معارضيه تضييقا مرا، ولم تبق إلا خطورة واحدة بين هذا التضييق وبين ~~الاضطهاد، ولم تكن نفسه الوثابة لتتردد في أمرها وقد جرح الفشل عزتها فأثارها. قال أبو الفرج: «ولما شكا الناس إلى ~~هرقل لم يجب جوابا؛ ولهذا أنجانا الله المنتقم من الروم على يد العرب، فعظمت نعمته لدينا أن أخرجنا من ظلم الروم، ~~وخلصنا من كراهتهم الشديدة وعداوتهم المرة. # 6 # على أن كنائسنا لم ترجع إلينا؛ لأن العرب أبقوا كل طائفة من المسيحيين على ما كان في يدها عند فتحهم للبلاد.» ~~وإنه لمن المحزن ms131 أن يقرأ الإنسان مثل هذا الترحيب من قوم مسيحيين بحكم العرب، وزعمهم أن ذلك كان تخليصا لهم ساقه الله ~~إليهم ليخرجهم به من حكم إخوان لهم في المسيحية، ولكن ذلك يظهر بجلاء قاطع أن سعي الإمبراطور في توحيد طوائف الكنيسة ~~كان سعيا باطلا غير ممكن، وأنه لا شك جر عليه الدمار والوبال. # بقي علينا أن نذكر الزلة الثالثة الكبرى، وقد سبق أن أشرنا إليها، وهي مقتلة اليهود، وكانت تلك أولى زلاته من ~~الوجهة التاريخية، وكانت كذلك أول ما جنى منه الثمر الوبيل؛ فإنه بعد احتفال إعلاء الصليب في بيت المقدس بزمن يسير أمر ~~بنفي اليهود أو قتلهم، فأتى بعضهم نبأ ذلك، فهرب من استطاع إلى ~~الصحراء فيما بعد نهر الأردن، وتربصوا هناك الدوائر بأعدائهم، وكانت قلوبهم تتقد بنار الغيظ وطلب الثأر وهم على ~~تربصهم هذا، حتى لاحت لهم أعلام الإسلام وهي طالعة، فرحبوا بهذه الجموع التي جاءت تطلب قتال الدولة الرومانية. # وفيما كانت السحب الدكناء تتعالى بعضها فوق بعض على أفق الدولة، كانت أعمال هرقل قد طبقت شهرتها الخافقين، وجعل ~~الملوك من أقاصي الأرض في الشرق والغرب من الهند ومن فرنسا # 7 # يرسلون إليه الرسل والهدايا الثمينة وآيات الإعجاب، ولكن الإمبراطور ما لبث أن عرف أن القضاء يسخر منه؛ فإنه ~~ما كادت تمثل بين يديه آيات خضوع العالم وإعجابه حتى كان العرب يقرعون أبواب الشام قرعا عنيفا، وحتى كان ابنه من صلبه ~~«أثالاريك» يكيد له مشتركا مع ابن أخته «تيودور» وجماعة من الأرمن يريدون خلعه ثم قتله، وقد فشا أمر المتآمرين، أفشاه ~~أحدهم، وكان عقاب المجرمين أن قطعت أنوفهم وأيديهم # 8 # اليمنى، إلا من نم عليهم؛ فإنه جوزي بحكم أخف وطأة، وهو النفي؛ وذلك لأنه لم يوافقهم على أمر قتل هرقل. # 9 # ويلوح لنا أنه قد حدث بعد هذا وبعد سفر هرقل إلى أذاسة أن اجتمع اليهود في تلك المدينة. وقد روى «سبيوس» أن قبائل اليهود ~~الاثنتي عشرة كان لكل منها من ينطق بلسانها في ذلك الاجتماع. ورأى اليهود أن ms132 المدينة خالية من الجنود؛ فإن جنود الفرس ~~خرجوا منها ولم تحل محلهم مسلحة من الرومان، فأغلقوا أبواب المدينة، وأصلحوا حصونها، وحادوا الإمبراطور وجنوده. ~~فحاصرهم هرقل، ولم يلبثوا أن نزلوا على حكمه، فمن عليهم ولم يشتط في شرطه، بل سمح لليهود أن يعودوا آمنين إلى موطنهم، ~~ولكنهم لم يطيعوا، بل ذهبوا إلى الصحراء، واتفقوا مع جند الإسلام، وصاروا لهم أدلاء في تلك البلاد. # 10 # ولا بد أن ذلك كان في سنة 634، حين كان العرب قد دخلوا بلاد الفرس بقيادة خالد بن الوليد. # فلما اتفق اليهود مع العرب طلب إلى هرقل أن يعيد أرض المعاد إلى أبناء إبراهيم، ~~وهدد أنه إن لم يفعل أخذوا منه تراثهم وزيادة، ولم يكن لهذا الطلب إلا رد واحد وهو الحرب، وهزم الروم بقيادة «تيودور» ~~في «جبته»، وأعقب ذلك انهزامهم الأكبر عند «اليرموك» في أول سبتمبر سنة 634، وقد مات أبو بكر قبل ذلك في شهر يوليو، وولي ~~الأمر بعده الخليفة عمر بن الخطاب، وكان العرب قد فتحوا «بصرى»، وجاءوا بعد اليرموك إلى دمشق، وهي العاصمة القديمة ~~لبلاد الشام، فحاصرها خالد حتى أسلمها لهم حاكمها «منصور» على عهد ضمن لأهلها سلامتهم وما يملكون، وأبقى في أيديهم ~~كنائسهم لا ينازعهم فيها منازع، وكان هذا في سنة 635. وقد روى أحد المؤرخين # 11 ~~«أن جميع المطارنة والبطارقة في كل البلاد لعنوا «منصورا» هذا لأنه ساعد المسلمين». وكان هرقل قبل تسليم ~~المدينة قد أرسل جيشا عظيما بقيادة أخيه «تيودور»، وكان جيشه أكبر عددا من جيش المسلمين، فقاتل خالدا أشد قتال، وظل ~~النصر مترددا بين الفريقين حتى انتهى الأمر بفوز المسلمين، وانهزمت جيوش الروم فلم يبق لها أثر. وجاءت أنباء الهزيمة ~~إلى هرقل وهو في أنطاكية، # 12 # فعرف أن الأمر قد انفلت من يده، وأن الله قد خذل الإمبراطورية، وأصبح غالب الفرس الوثنيين وقد غلبه العرب ~~الذين لا يتبعون دين المسيح. # 13 # ومما زاد ألمه شدة علمه أنه ارتكب خطيئة بزواجه من ابنة أخته «مرتينه»، وأن جسمه آخذ في الاعتلال ~~والانحلال. ولسنا نجد ms133 تفسيرا غير هذا نبين به سبب قعوده وتهاونه؛ فقد كان من قبل رجلا تلقاه أبدا في الصدر كلما ثارت ~~الحرب ودعاه الناس لائذين بسطوته في القتال ودرايته بكل أموره. ولو لاقاه خالد بن الوليد «سيف الله» منذ ست سنوات للقي ~~فيه قرنا كفيئا، ولكان في حربه أغزر حيلة وأبرع مكيدة، ولصمد لشجاعة قواد العرب البدوية فزلزلها وأوقع بها، ولكنه في ~~ذلك الوقت الذي جاء فيه العرب لم يتحرك ولم يقد جيشا ليلقاهم به؛ فكأن يده كانت عند ذلك مغلولة، وكأن عقله كان مفلوجا. ~~وقد جمع كبار قومه في حفل حافل في كنيسة أنطاكية يستشيرهم فيما يعمل، فقام شيخ أشيب وقال: «إن الروم يعذبون اليوم ~~لعصيانهم كتاب الله، وتطاحنهم فيما بينهم وتخاذلهم، ولما يرتكبونه من الربا والقسوة، وكان حتما عليهم أن يؤخذوا ~~بذنوبهم.» فكان قوله هذا فصل الخطاب، فأحس الإمبراطور من نفسه بضعف الجسم ووهن العقل، ورأى الحظ يتعثر به، وعرف أن ~~مقامه بالشام قد أصبح لا غناء فيه، فرحل عنها إلى القسطنطينية في البحر في شهر سبتمبر من سنة 636، # 14 # وقال إذ هو راحل: «وداعا يا بلاد الشام، وداعا ما أطول أمده!» وإن في تلك القالة المعروفة التي قالها ~~لرنة من الأسى، وكأننا بها تحمل ما كان يدور في نفسه من أن مجده الغابر ونصره الباهر قد انتهيا بعد بالخذلان والعار، ~~وإنه إذ يقولها ليودع عزه وسطوته. وإن ذلك ليذكرنا بنابليون وما أحس به من الألم، إذ هو على ظهر السفينة (بلريفون) ~~ينظر إلى وطنه فرنسا نظرته الأخيرة. # 15 # والحق أن فيما بين ذينك القائدين العظيمين لشبها من وجوه عدة في اضمحلال جسمهما وضياع قوتيهما على ~~القتال، ولكن نابليون ظل إلى آخر مواقعه وهو ملك يقود جيوشه، في حين أن هرقل أضاع قواه سدى في نضال لا فائدة فيه أراد ~~به توحيد الكنيسة، فلم يستطع أن يجمع ما بقي من قوى الدولة، أو يقود جندها إذا ما أزفت ساعة الخطر واشتدت الأزمة؛ فبقي ~~من شدته ثلاث سنين خبت فيها آماله ms134 وذوت قوته وصوح نشاطه، وعلا أمر الإسلام تحت بصره وسمعه ولم يتحرك لمقاومته، فما زال ~~الإسلام يعلو حتى طوى دولته تحت ظله. # ويذهب معظم المؤرخين مذهب مؤرخي اليونان، أو لعلهم أخطئوا تأويل ما قصدوه في رواياتهم، فيقولون إن هرقل صحا بغتة من ~~سباته، واندفع إلى بيت المقدس لا يلوي على شيء لكي ينجي الصليب المقدس من أيدي أعدائه. # 16 # وليس ثمة ما يدل على تلك الرحلة إلا ما روي من أن هرقل حمل معه الصليب وهو عائد إلى القسطنطينية. ولا شك في ~~أنه فعل ذلك، غير أنه لم ينقذه بأن ذهب إلى بيت المقدس، ولا يمكن أن نتخذ من قول «قدرينوس» وأمثاله ممن يسوقون القول ~~جزافا لا يتحرون فيه الدقة دليلا يقوم لحظة واحدة في وجه رواية «سبيوس»، وهي رواية واضحة دقيقة؛ فإن «سبيوس» يقول ~~إن العرب بعد وقعة اليرموك جازوا نهر الأردن، وكانت هيبتهم تسبقهم فتقع في قلوب أهل تلك البلاد، فكانوا يذعنون لهم ~~خاضعين، وقال: «وفي تلك الليلة (يقصد الليلة التي أعقبت بلوغ أنباء قدوم العرب إليهم) أخذ أهل بيت المقدس الصليب الأعظم ~~وكل ما كان في الكنائس من الآنية، وجعلوا كل ذلك عند الساحل، ثم وضعوها في سفينة، وبعثوا بها إلى دار الملك بالقسطنطينية.» ~~ولم يذكر في روايته كلمة واحدة عن هرقل، ولكن لا شك أن تلك السفينة التي كانت تحمل الكنوز المقدسة سارت إلى الشمال ولحقت ~~بالإمبراطور، وكان لحوقها به إما في بعض الثغور التي مر بها في طريقه إلى عاصمته إذا كان سفره بحرا، وإما لحقته بقصره في ~~«هيبيريا» على مقربة من خلقيدونية، وكان قد أقام بها مدة من الزمن وهو في اضطراب ومرض # 17 # يفتت عليه الأكباد. فلما سار إلى العاصمة حمل معه الصليب فأعاده إلى كنيسة القديسة صوفيا. وكان الناس قد ~~فرحوا من قبل أشد الفرح بذلك الصليب، ورحبوا بمقدمه ظافرا، ورأوا فيه سر نجاح هرقل، ثم عاد إليهم بعد ذلك والحزن ~~مخيم على الناس، وهم يرون في عودته إليهم رمزا لإخفاق مليكهم ms135 وخيبته. ويقيننا أن الأقدار لم تسخر من هرقل سخرا أقطع ~~حدا ولا أمر مذاقا من هذا على كثرة ما أنزلته به من النكبات. # إذن تتضح لنا الحقيقة، وهي أن الصليب لم ينزع نزعا من يد صاحبه البطريق صفرونيوس، بل إنه أرسله مختارا مع سائر تحف ~~الكنيسة، نزل عنها للإمبراطور لكي يحفظها عنده، ولم تكن ثمة وسيلة لحفظها غير هذه؛ فقد كان بالإسكندرية عدوه قيرس لا يزال ~~على ولايته، وكانت مصر فوق ذلك قريبة العهد بغزو الفرس، وكان يتهددها الخطر من فتح العرب، ولكن القسطنطينية صمدت لكل عواصف ~~الحدثان في الحروب الماضية، ولم يستطع عدو أن ينال منها؛ فكانت على ذلك هي البلد الذي لا يقهر، فوق أنها كانت عاصمة ~~الدولة. # وإذا صح أن إرسال الصليب والتحف كان عملا يقصد به صفرونيوس أن يدل على ولائه لهرقل، لكان ذلك آخر ما قدمه له في ~~حياته من الولاء؛ فإن مدينة بيت المقدس كانت عند ذلك يحاصرها خالد، ثم جاء له أبو عبيدة بعد بضعة أيام ممدا، وكان ~~بالمدينة شيء كثير من المئونة، وكانت أسوارها قد أصلحت وحصنت بعد خروج الفرس منها. فلما جاء العرب إليها ظلوا حولها عدة ~~أشهر يحيطون بأسوارها، ويرامون جندها بالسهام، ويقاتلون من خرج إليهم منهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن يرزءوها إلا يسيرا؛ ~~لأنهم كانوا لا عهد لهم بالحصار في حروبهم، ولم تكن لهم عدة لصدع الأسوار، ولم يستغرق الفرس في فتحها من قبل أكثر من ~~ثمانية عشر يوما، وأما عند ذلك فقد ظل خالد بن الوليد نفسه مقيما حولها وهو يحرق الأرم غيظا لا يستطيع شيئا إذ ~~يتطلع إلى حصونها وآطامها. وقد اختلف الرواة في مدة حصاره، والظاهر أنها استطالت مدة الشتاء كله؛ شتاء سنة 636-637، ولعلها ~~كانت أطول من ذلك، ولكن لم يكن عند أحد شك في نهاية الأمر؛ فإن العرب إن عجزوا عن فتح المدينة عنوة بالهجوم، فإن أهل ~~المدينة لم تكن لهم قوة على رفع حصارهم عنها، ولم تأت من قبل الرومان أنباء تجعلهم يؤملون ms136 في النجدة، بل كانت الأنباء ~~تترى بالمصائب والنكبات، فحل في قلوب أهل بيت المقدس من الخيبة واليأس مثل ما حل من قبل في قلب هرقل. # فلما أن صار الأمر إلى ذلك فاوض البطريق الشيخ صفرونيوس # 18 # قواد العرب من فوق الأسوار. ولعله كان يحس عند ذلك أن المدينة لن تستطيع المقاومة بعد ذلك طويلا؛ لنفاد ~~المئونة وقرب وقوع المجاعة بها. واتفق على أن يسلم المدينة على شرط أن يأتي الخليفة عمر بنفسه ليكتب عهدها. # ولا حاجة بنا أن نعيد هنا القصة المعروفة قصة مجيء عمر إلى الشام على جمل، وكان أشعث أغبر خشن الملبس والهيئة، حتى ~~اقتحمته عيون مترفي الروم، ثم ختم العهد وزار الأماكن المقدسة يصحبه صفرونيوس، فالتفت ذلك البطريق إلى أصحابه، وقال لهم ~~باللغة اليونانية: «حقا إن هذا هو الرجس الآتي من القفر الذي ذكره النبي دانيال.» وكانت هذه آخر مقولة وردت عن ذلك ~~البطريق «صاحب اللسان المعسول في الدفاع عن الدين». # 19 # وقد شهد مرة ثانية في آخر حياته أسر بلاد صهيون، وكان حزنه وألمه لذلك الأسر الأخير سببا في الإسراع به ~~إلى قبره. # الفصل الثالث عشر # | الاضطهاد الأعظم للقبط على يد قيرس # قد وصفنا فيما مضى ما كان من أمر الإمبراطور منذ يوم احتفاله بالنصر في بيت المقدس وقد بلغ ذروة مجده، إلى أن ودع ~~أنطاكية وقد أصبح ذلك العاهل الكبير ولا حول له ولا قوة، ضعيف العقل، واهي القوة، غرق في غمرات الخيبة والحزن، ثم رأينا ~~سحابة ترتفع على أفق فلسطين من الجنوب، ثم تعلو شيئا فشيئا كما يعلو المارد في قصص العرب، فإذا بشبح الإسلام # 1 # قد صار هيكلا ضخما يزيد على الأيام نماء، ثم يناضل دولة الروم في الشام حتى ينضلها، وتصير إليه دمشق ثم ~~بيت المقدس. وقد ألممنا إلمامة خفيفة بالأسباب التي اجتمعت على إحداث هذا التغيير الذي عجب منه العالم، وقد كان وصفنا ~~لهذه الحوادث قصيرا، وكان لا بد لنا منه إذ أردنا أن نعرف حقيقة الحوادث التي كان لمصر فيها ms137 أثر كبير، ولكن ذلك الوصف مع ~~ذلك قد شط بنا عن حوادث وادي النيل شططا بعيدا، وما أحرانا أن نعود الآن إلى تلك البلاد لنصف ما كان فيها من الحوادث ~~منذ أول الحرب التي بقيت ثائرة مدة ست سنوات، وكانت نهايتها موت كسرى. وليس لدينا من أخبار هذه المدة إلا النزر اليسير، ~~وهذا ما نأسف له، والقليل الذي لدينا منها غير واضح؛ فنحن مضطرون إلى أن نتلمس طريقنا فيما دوننا منها، مهتدين ما ~~استطعنا بهدي نورها الضئيل. # كان القليل الذي نجا من التدمير من الأديرة في جوار الإسكندرية «دير قبريوس»، وكان في وسط بستان من النخيل على مقربة من ~~شاطئ البحر في الشمال الشرقي من المدينة، ومن الأبنية التي نهبها الفرس. # 2 # وكان في ذلك الدير شاب اسمه «بنيامين»، من سلالة أسرة قبطية موسرة من قرية فرشوط في البحيرة، وقد جاء إليه ~~وترهب فيه على يد رئيسه الشيخ «تيوناس»، فجد في تحصيل العلم، وكان ذكي الفؤاد . فما كان إلا قليل حتى نبغ وبذ ~~معلميه في العلم والتقوى، وكانت عادته أن يقوم الليل في العبادة في كنيسة الدير. ويروى في القصص أنه كان يوما في ~~قيامه فسمع صوتا يناديه أنه سيكون راعي أتباع المسيح. فلما سمع «تيوناس» مقولته أمره أن يحذر الوقوع في حبائل الشيطان، ~~ثم قال له ينصحه إن مثل هذا الأمر لم يقع له ولا لأحد من إخوانه في مدة خمسين سنة قضاها في دير «قبريوس». على أنه مع ذلك ~~صحبه إلى الإسكندرية، ومثل به بين يدي البطريق القبطي «أندرونيكوس»، فأعجب البطريق بما كان عليه «بنيامين» من القدرة ~~وقوة النفس، واستبقاه في المدينة معه، وعاد «تيوناس» إلى الدير وحده، ثم دخل بنيامين بعد ذلك في زمرة القسوس، وبقي مع ~~البطريق، وكان أمينه وصاحب ثقته، «وساعده في أمور الكنيسة وتصريف أحوال ولاية الدين». # وكان دخول «بنيامين» إلى دير «قبريوس» قرب عيد الميلاد من سنة 621، ولم يبق في خدمة البطريق «أندرونيكوس» إلا شهور ثم ~~مات البطريق، وأوصى أن يكون هو خليفته. ms138 وقيل إن «بنيامين» كان إذ ذاك شابا، ولعله كان في السنة الخامسة والثلاثين من عمره، # 3 # ولكن رداء البطارقة ألقي على عاتقه في حفله المرسوم في كنيسة القديس مرقص. # وقد رأينا فيما سلف أن «أندرونيكوس» لم يخلعه فتح الفرس من ولايته، في حين أن «حنا الرحوم» بطريق الملكانيين هرب عند ~~ذلك، ومات في هربه ذاك في جزيرة قبرص، وكان خليفة «حنا» على ولاية أمر المذهب الملكاني اسمه «جورج»، ولكن سلطان الروم كان ~~عند ذلك قد ذهب عن مصر، وليس لدينا دليل كاف يدلنا على أن استخلاف «جورج» على ولاية المذهب الملكاني وقع قبل سنة 621، ~~وأقل من ذلك ما لدينا من الأدلة على تعيين الوقت الذي ذهب فيه ذلك البطريق إلى الإسكندرية # 4 # وأنفذ فيها أمر ولايته، بل إنا نشك في أنه جاء إلى مصر حقيقة وحل بها؛ فإنه كان لا يرجو ترحابا لا من ~~القبط ولا من الفرس، ولم يكن في مجيئه إلى مصر من فائدة إلا إذا عاد جيش الروم إليها فأرجع فيها أمر الدولة وأقر فيها ~~مذهب الملكانية، ثم دارت الدائرة وجلا الفرس عن مصر في أول سنة 627، وذلك عندما أزمتهم الهزائم على يد هرقل. وقد ذكر في ~~التاريخ أن حكم الروم عاد إلى مصر في تلك الفترة التي بين ذلك التاريخ وبين الوقت الذي ولي فيه «قيرس» على مصر؛ فمن الجائز ~~أن يكون البطريق «جورج» قد دخل الإسكندرية في ذلك العام سنة 627، وبقي بها كما يظهر من كتاب «حنا النقيوسي» حتى حل ~~محله «قيرس» نفسه وصار بطريقا بدله، ولكن أغلب الظن في رأينا أن دخول «جورج» إلى الإسكندرية لم يكن عند ذلك، بل كان ~~بعده بزمن؛ وذلك لأنه لما وقفت رحى القتال بين الروم والفرس فرغت بعض كتائب الروم شيئا فشيئا من مشاغلها، واستطاع الروم ~~أن يعيدوا الجند إلى مصر، ولكن من البعيد أن يكون وقوع ذلك قبل سنة 629 بزمن طويل. ولعل جورج لم يبلغ الإسكندرية إلا في ~~ذلك العام، ولعله لم يبق في ولايته إلا ms139 سنة أو سنتين؛ لأنه مات بعد ذلك أو عزل. فإذا كان الأمر كذلك سهل علينا أن ندرك ~~السبب الذي من أجله كان ذكره فيما تخلف من أخبار الكنيسة غير واضح، وكانت أحواله غير جلية. # 5 # عندما مات «أندرونيكوس» كبير أساقفة القبط في أواخر سنة 622 أو أوائل سنة 623، كان حكم الفرس في مصر غير مزعزع لا ~~يخشى عليه من شيء، لا من قبل هرقل ولا من كرة الدولة الرومانية على يديه. حقا لا يشك إلا قليلا في أن ذلك البطريق ~~قد سمع قبل موته أنباء سفر هرقل في رحلته الأولى في البحر، ومروره برودس ذاهبا إلى «قليقيا»، وأكبر الظن كذلك أن أهل ~~الإسكندرية كانوا عند ذلك يرددون فيما بينهم ما سمعوه من قوافل العرب عن ظهور النبي في مكة، ولكن ما كان لأحد أن يذهب ~~به الظن ويحمله الخيال - ولو كان ظنانا بعيد الخيال - إلى أنه لن تمر عشرون سنة حتى يكون الفرس قد أخرجوا من مصر إذ ~~يجليهم الروم عنها ، ثم يعود الروم بعد ذلك فيقهر سلطانهم وتخبو نيرانهم، وينمحي أثرهم على يد الكتائب الشعثاء من جنود ~~الإسلام. # وقد وافق اختيار «بنيامين» لولاية الدين هوى في قلوب الناس؛ فإننا إن شككنا في حكمته وحسن رأيه في آخر أمره، لا يمكن ~~أن ننكر أنه كان حبيبا إلى الناس عزيزا عليهم، وأنه قد بقي على محبة الناس له وإجلالهم إياه لم ينقص من ذلك شيء على ~~تغير الأحوال وتقلب الصروف. وكانت مدة ولايته أكثر عهد في تاريخ القبط تقلبا وأعظمه حوادث، لكنه لم يتساهل في أمر ~~الدين، ولم يغض عن رذيلة في الخلق، فشرع منذ أول أمره يأخذ قسوسه بالشدة إذا هم جازوا حدود الحمى في حياتهم، وما كان ~~أكثر من يفعل ذلك منهم، ثم جعل يقضي على السوء الذي حل في مواضع كثيرة ولم يستطع الأساقفة أن يتلافوه؛ إذ منعتهم من ذلك ~~ضجة الحرب ومشاغلها. وقد زار بابليون # 6 # مرة قبل ولايته، فلما ولي البطرقة أرسل كتابا إلى أساقفته قال ms140 لهم فيه: ~~«لقد رأيت في مقامي في حلوان وبابليون جماعة من أهل العناد والكبر، وكانوا قسوسا أو شمامسة، وما أشد ما كرهت ~~نفسي أفعالهم، وإني باعث بكتابي هذا إلى الأساقفة جميعا آمرهم أن ينظروا مرة في كل شهر في أمر كل من عندهم ممن لم ~~تمض عليه عشر سنوات في زمرة أهل الدين.» # قال صاحب الديوان: «وقد دل بخطابه هذا على أنه كان كبير الأساقفة حقا.» ثم ظهر أمره بعد ذلك ظهورا أجلى وأوضح عندما ~~نفى من الدين جماعة من رجال الكنيسة في إقليم بابليون، وقد أعقب كتابه بزيارة. وجاء في الأخبار أنه في أثناء زيارته تلك ~~سار راجلا من بابليون «يصحبه «أبامينا» أسقف حصن بابليون، و«بليهيو» أسقف حلوان، وجمع كثير من الناس»، وذهب إلى رجل ~~اشتهر بالعصيان ليحاسبه على ما أجرم، ودعا عليه فأرسل الله على داره نارا من السماء، وكان الناس يتلقونه أفواجا ~~أينما سار لينالوا من بركته. # وبقي على حاله هذه يطهر الكنيسة ويجزي المسيء من أهلها، فعرف الناس في كل البلاد أن دونهم رجلا يعتد به. ولا شك في ~~أنه عمل على إعادة وحدة الكنيسة القبطية، وعلى أن يعيد إليها اطمئنانها واستقرارها بعد أن زعزعتها حوادث السياسة في ذلك ~~الوقت أو كادت تهدمها. وقضى بنيامين أربع سنين أو خمسا # 7 # في سلام تحت ظل الفرس في الإسكندرية، وهناك رأى «شاهين» وقد دعاه سيده «كسرى» ليعمل إذا استطاع على مداركة ~~أمره، ثم رأى بعد ذلك جنود الفرس تجلو عن مصر عندما غلب هرقل ملكهم وقهره. ولسنا ندري كيف كان نظره إلى هؤلاء الكفرة وقد ~~رآهم يحملون الرماح ويتنكبون القسي وهم خارجون من الباب الشرقي للمدينة العظمى، ولا ما دار بنفسه وهو يتوقع عودة الروم ~~بعد ذلك. # وأكبر الظن أن أكثر الفرس خرجوا من مصر في أول سنة 627، # 8 # وأن البعض القليل منهم قد بقي في مسالح متفرقة إلى سنة 628، وخرجوا بعد ذلك عندما تم الصلح مع هرقل، وعاد في ~~ذلك الوقت سجناء المصريين إلى ديارهم قافلين من ms141 «دستجرد» وما إليها من مدائن آسيا. ولعل هرقل قد أرسل جيشا بعد أن دخل ~~القسطنطينية ظافرا منصورا، أرسله في البحر في شتاء سنة 628-629 ليحتل مصر ويعيد أمر الدولة الرومانية من فلسطين إلى ~~بلاد «بنطابوليس». # وإنا لا يسعنا إلا أن نقر بأن هرقل إنما كان من أحسن الناس قصدا عندما بعث ~~قيرس الذي كان أسقف «فاسيس» في بلاد القوقاز وولاه رياسة الدين في الإسكندرية، ولكن عمله هذا كان خطأ كبيرا، وكان له ~~أسوأ العواقب؛ فقد كان المسيحيون جميعا قد اتفقوا اتفاقا عجيبا عندما رأوا حرب هرقل وجهاده مع الفرس ذلك الجهاد ~~المدهش، وكانوا يرقبونه وأنفاسهم خاشعة في الصدور من عظم ما كان في نفوسهم. فلما أن هزم الكفار وخلص بيت المقدس منهم ~~وعلا أمر الصليب، فرح المسيحيون بالنصر على اختلاف نحلهم من قبط وملكانيين، وكذلك أظهروا سرورهم جميعا بما حل باليهود من ~~النقمة، واشتركوا كلهم فيما أمرهم به زعماؤهم من التوبة تكفيرا عن ذنبهم هذا، فكانت تلك الساعة فرصة من ذهب لو اغتنموها ~~لأدت إلى وفاق دائم ووئام حق. وقد فطن هرقل إلى هذا، وكان يعرف تعلق أهل ذلك العصر بأن يكون لهم شعار يحفظونه ~~ومقولة يقولونها، غير أنه لم يفطن إلى أن مذهبه الذي حاول به التوفيق قد يأباه أهل مصر، ولم يعرف أن أهل مصر إذا أبوا ~~ذلك المذهب كان شر الطرق إلى ضمهم إلى الجماعة أن يرغمهم عليه ويقذف به في حلوقهم؛ إذ قد كرهوا مرارة مذاقه منذ ذاقوه. ~~وعلى أي حال قد كانت هذه خطته في مصر والشام، وكان من رأي ذلك العصر أن أمور الدين والعقيدة مما ينبغي للدولة أن تقوم عليه ~~ويصدر الناس فيه عن أمرها، ولم يكن الإمبراطور في هذا الشأن أحكم رأيا من أهل عصره، فعقد النية على أن يظهر المذهب الذي ~~ابتدعه رؤساء الدين الثلاثة في دولته على كل ما عداه من المذاهب المخالفة له، متوسلا إلى غرضه هذا بكل الوسائل حسنها ~~وقبيحها. # ولكنه مع عزمه هذا كان كمن يسعى إلى ms142 المصائب سعيا؛ وذلك أنه اختار «قيرس» دون سواه إذ كان ذلك الرجل نحسا أنكد ~~النقيبة، أخفق الإمبراطور بشؤمه في سعيه لتوحيد المذاهب في مصر، ثم عسف في الحكم حتى صار اسمه مفزعا للقبط كريها عندهم ~~مدة عشر سنين أمعن فيها ما استطاع في اضطهاد مذهبهم، حتى استحال بعد أن يبقى في القبط ولاء لدولة الروم، وكان ظالما أساء ~~في حكمه حتى كره الناس دولته، ومهد السبيل بذلك إلى فتح العرب للبلاد، وكان فوق كل ذلك خائنا، فإذا ما اشتد الكرب وجد ~~الجد أسلم البلاد إلى أعدائها. كان هذا هو الرجل الذي ذاع سوءه وقبح ذكره، وهو المعروف فيما بعد في تاريخ مصر باسم ~~«المقوقس». وقد بقي ذلك الحاكم في التاريخ سرا خفيا استعصى على المؤرخين أن يعرفوا اسمه أو قومه، ولكن قد أصبح اليوم ~~من الثابت أنه هو قيرس دون سواه. # 9 # والظاهر أن «بنيامين» لم يستشره أحد في رأي القبط وما ينتظر منهم أن يفعلوا لقاء ما يراد إدخاله من البدعة الجديدة ~~عليهم، وكان خطأ فاحشا ألا يستشيره أحد في ذلك؛ فإن المذهب الجديد كان محتوما عليه ألا يلقى في مصر نجاحا. فما هو إلا ~~أن جاء «قيرس» إلى الإسكندرية في خريف سنة 631 حتى هرب البطريق القبطي. # 10 # وقد جاء في إحدى القصص أن ملكا أتى «بنيامين» في نومه، فأنذره أن يهرب مما هو لا بد واقع من العسف. وهذا يدل ~~على الأقل على أن ذلك البطريق كان قد عقد النية على أن يرفض ما جاء به «قيرس» قبل أن يفضي به إليه، وعرف ما سيكون وراء ~~ذلك من الآثار، وكان عزمه ذاك غير مزعزع، سواء أكان عارفا بحقيقة ما جاء به «قيرس» أم كان غير عارف بها. ففي الحق قد ~~رأى القبط في مقدم «قيرس» إيذانا لهم بحرب يثيرها الروم على عقيدتهم. وقد دبر «بنيامين» أمور الكنيسة قبل أن يغادر ~~ولايتها، وجمع جمعا من القسوس والرعية، وألقى فيهم خطابا «يحضهم فيه على أن يثبتوا على عقيدتهم حتى ms143 يوافيهم الموت»، ~~ثم كتب إلى أساقفته جميعا يأمرهم بالهجرة إلى الجبال والصحاري ليتواروا فيها حتى يرفع الله عنهم غضبه، وأنبأهم أن البلاد ~~سيحل بها وبال، وأنهم سيلقون العسف والظلم عشر سنين ثم يرفع ذلك عنهم. # هذا ما بعث به في خطابه إليهم. ولما أنفذه سافر من الإسكندرية خفية تحت جنح الليل لا يصحبه إلا رفيقان، وخرج من ~~المدينة من الباب الغربي، وسار يمشي إلى مريوط، ومن ثم ذهب إلى «المنى»، # 11 # وهي قرية في واحة عند مفترق الطريقين طريق الإسكندرية ووادي النطرون وطريق الطرانة وبرقة. ولا بد قد كانت تلك ~~القرية عند ذلك مدينة عظيمة؛ فإنها بقيت إلى ما بعد ذلك بقرون، وكان المسافر في الصحراء والقفار إذا طلع عليها عجب من ~~عظيم كنائسها وفخم بنيانها. # 12 # ولا شك أن البطريق دخل يصلي في الكنيسة العظمى بها كنيسة «القديس مينا»، واستراح قليلا بها ثم مضى في سبيله ~~إلى جبل اسمه برنوج، # 13 # وأصبح عند ذلك قريبا من أديرة وادي النطرون، ولكنه رآها مقفرة لا يكاد يكون فيها أحد؛ فإن تلك الأديرة لم ~~تعد إلى ما كانت عليه بعدما حل بها من التخريب منذ ثلاثين عاما، # 14 # وكان البدو لا يبيحون لأحد أن يعيد بناء كنائسها، ولا أن يقيم بها عدد كبير، فلم يكن فيها مقام للبطريق، ~~وكان يحس فوق ذلك أنه ما زال على مقربة من العاصمة، فلا هو بآمن على نفسه، ولا هو مقيم بين ظهراني قومه ليدافع عنهم ~~وينصرهم. فرأى أن يسير إلى الأهرام، ثم تركها وصعد إلى صعيد مصر سائرا على جانب الصحراء، وما زال حتى بلغ مدينة قوص، # 15 # ولاذ هناك بدير صغير بالصحراء غير بعيد عن تلك المدينة، وقد ظل هذا الدير مشهورا بمقامه فيه مدة قرون بعد ~~ذلك. # وكان هرب «بنيامين» في نفس الوقت الذي جاء فيه «قيرس» إلى الإسكندرية أو قريبا منه، ولم نجد كلمة واحدة في خبر من ~~الأخبار تدل على أن «قيرس» سعى مرة إلى أن يتقرب إلى بطريق القبط أو ms144 يتفق معه؛ فالظاهر أن مجيئه إلى مصر قد شرد قسوس ~~القبط فزعين، وقد صار بطريقا من قبل الدولة الرومانية في الإسكندرية، وزاد سلطانه بأن صار واليا إلى حكومة مصر من قبل الإمبراطور. # 16 # ولا شك أن قبض «قيرس» على رياسة سلطتي الدنيا والدين معا هو الذي زعزع أمر بنيامين؛ فإن ذلك جعله يوشك أن ~~يكون ذا سلطان مطلق. ولما قدم قيرس في أول الأمر تظاهر بأنه إنما جاء مسالما، وجعل يبين للناس كنه المذهب الجديد ~~(المونوثيلي)، وهو المذهب الذي كان الإمبراطور يطمع أن يزيل به ما أحدثه مجلس خلقيدونية من الشقاق بين الناس. فكان عليه ~~أن يستميل إلى المذهب الجديد أقباط مصر أولا وأتباع المذهب الملكاني ثانيا، ولكن الظاهر أن مذهبه لم يلق منذ أول أمره ~~توفيقا؛ فقد أساء هو بيانه وإيضاحه، وأساء الناس فهمه، وتلقوه لقاء سيئا. فأما أتباع المذهب الملكاني فقد رأى كثير ~~منهم أن المذهب الجديد نقض تام لمذهب خلقيدونية، وأما القبط فإن من سمع منهم بالبدعة الجديدة قال إن المذهب الجديد ما دام ~~قد سلم بأن الله له إرادة واحدة وفعل واحد، فإنه لا بد له أن يسلم بأن له كذلك طبيعة واحدة؛ وعلى ذلك فإن «قيرس» ~~إنما جاء في الحقيقة مسلما بالمذهب (المونوفيسي). # ولما أراد قيرس أن يزيل ما علق بالأفهام من الخطأ جمع مجلسا في الإسكندرية، وطرح عليه الأمر ليتناظر المجتمعون فيه ~~وليتناقشوا في مسائله، وفي ذلك المجلس جاء صاحبنا «صفرونيوس»، وكان قد عاد إلى مصر وصار زعيم المعارضين من الملكانيين، ~~واجتهد جهده أن يثني «قيرس» عما عزم عليه من البدعة تارة بالحجة وطورا بالتوسل والرجاء، وقيل إن «قيرس» أجابه جوابا لينا، # 17 # وطلب إليه أن يرجع إلى البطريق الأكبر «سرجيوس» بالقسطنطينية ليزيل ما في نفسه من الشكوك، ولكن «صفرونيوس» لم ~~ينثن، وانتهى المجلس إلى إقرار البدعة، ووسم من لا يقبلها بتسع سمات شائنة. والظاهر أن «قيرس» لم يكن أثناء ذلك على ما ~~ينبغي أن يكون عليه والي السلطان من الكياسة والرحمة، وقد جاء ms145 يدعو إلى السلم والوفاق؛ فإنه كان لا يلقى من يقاومه إلا ~~بقوة من العزيمة تدعمها قوة السلطان، في حين أن مثل تلك المشكلات الدينية في مصر لم يكن لها أن تحل إلا بالدهاء وحسن ~~الاحتيال. على أن الذنب في الإخفاق كان ذنب كلا الفريقين؛ فقد كان «قيرس» عاتيا متكبرا، في حين كان القبط على شيء من ~~العناد وقلة البصر، وذلك إذا نحن سلمنا بأن «قيرس» قد أوضح لهم المذهب الجديد وبين كنهه لهم؛ فإنه لم يكن ثم فرق ~~كبير بين مذهب القبط (المونوفيسي) والمذهب الجديد (المونوثيلي) لو طرح كلاهما أمام أعين عامة الناس. حقا يجب علينا ~~ألا ننسى أنه لا تزال إلى اليوم بين المسيحيين فرق وشيع، وكثيرا ما يكون بينها شديد العداوة وكبير الخلاف مع انعدام ~~ما يوجب ذلك في حقيقة الأمر، ولكن القبط في ذلك الوقت قد ارتكبوا خطأ كبيرا برفضهم ما عرض عليهم من أمر توحيد المذاهب، ~~وكان خطؤهم ذاك سببا في مصائب عظيمة تحل بهم. # وقد يرى البعض أن المذهب الجديد كان بدعة وضلالة، ولم يكن من المتيسر نشره، ولكن مهما يكن حكمنا على هذا المذهب الذي ~~ابتدعه هرقل وبطارقته الشرقيون الثلاثة، ومهما تكن صورته التي أطلع القبط عليها، وسواء كانوا على الحق أو على الباطل، ~~فإنهم تلقوه بكراهة شديدة بادئ ذي بدء، فلم يطيقوا أن يخطر ببال أحد أن يغير ذرة من أصول عقيدته أو لفظا من ~~شعار مذهبه، وعدوا ذلك خيانة لدينهم واستقلالهم بأمره، وقد كان استقلالهم في أمور الدين أكبر ما تتعلق به نفوسهم؛ فإنهم ~~لم يعرفوا الاستقلال القومي قط، # 18 # ولعلهم لم يحلموا يوما بمثل ذلك الأمل، وأما الاستقلال في أمر الدين فقد ناضلوا من أجله، وجاهدوا في سبيله، ~~لم ينثنوا عن ذلك في وقت من الأوقات منذ مجلس خلقيدونية، وكانوا حريصين على بلوغ ذلك الغرض لا تغفل عنه قلوبهم، ولا ~~يحجمون عن بذل كل شيء في سبيله مهما عظم. ذلك هو سر حوادث تاريخهم جميعا. # ولما رأى «قيرس» أنه لم يستطع ms146 أن يستميل القبط بالخداع، ولا أن يحملهم على ما أراد برميهم بالكفر واللعنة، لجأ إلى ما ~~هو أشد من ذلك. ولا نقدر أن ننكر أن هرقل كان شريكه فيما لجأ إليه من العسف، ولكن الإمبراطور حاول مرة أخرى بعد ذلك أن ~~يصل إلى غرضه من توحيد المذاهب؛ فإن سرجيوس لما رأى أن الناس لم يقبلوا المذهب القائل بأن لله إرادة واحدة وفعلا واحدا ~~ينفذها به، اقترح أن يقر الناس بأن الله له إرادة واحدة، وأما المسألة الأخرى وهي نفاذ تلك الإرادة بالفعل، وهل ذلك ~~الفعل واحد أو مزدوج، فيرجئ القول فيها ويمنع الناس أن يخوضوا في مناظراتها، ثم أرسل إلى الباب في روما وهو «هونوريوس» ~~فأخذ منه إقرارا لهذا الحل، وإن شئت فقل إنه لم يكن حلا ولكنه كان هروبا وتخلصا من المشكلة، ثم جعل ذلك في رسالة ~~رسمية، وبعث بها إلى جميع جهات العالم الشرقي، وتقدم إلى الناس أن يعتقدوه ويتبعوه، وأمر البطريق سرجيوس حنا قائد الشرطة ~~أن يحمل صورة من الأمر إلى «قيرس»، وأرسل معه هدية # 19 # صليبا له قدر عظيم من القداسة، ولكن أثر تلك الرسالة لم يكن سوى أن زاد المعارضة والرفض، ورأى الإمبراطور ~~أن «صفرونيوس» عدو لسعيه # 20 # لا يفل حده ولا تخور همته، وقد كان حاول من قبل أن يستميله أو يسكت لسانه بأن اختاره بطريق بيت المقدس، ~~فلم يغنه ذلك شيئا. وأما القبط فقد وجدوا أن الصيغة الثانية للمذهب الجديد إذا كان فيها ما يخالف الصيغة الأولى فهي ~~أشد منها وأكره مذاقا. # وإنه لمن أبعد الأمور أن تكون الصيغة الأولى للمذهب، أو الرسالة التي بعثت فيها الصيغة الثانية له، قد بلغت أقباط مصر ~~في غير الإسكندرية؛ فإن ما تخلف من أخبار القبط لا أثر فيه لذكر صيغة المذهب الجديد، أو أن شيئا مثل ذلك عرض عليهم. ~~ولعل هذا أدعى ما في الأمر للحزن والأسى؛ إذ لا يذكر في ذلك العصر كله في أثناء الاضطهاد إلا شيء واحد، وهو أن الروم ~~كانوا يخيرون الناس ms147 بين قبول مذهب خلقيدونية بنصه - وهو كتاب «ليو» - وبين الجلد أو الموت، ولم يكن في عقول مؤرخي ~~القبط إلا هذا الاعتقاد يدونونه في دواوينهم، فيلوح من ذلك أن قيرس أحس بإخفاقه في سعيه من مبدأ الأمر، وكان يود أن ~~يحمل القبط على المذهب الذي تقرر مهما تكلف في سبيل ذلك، فلم يعبأ بعد بما أدخله الإمبراطور على هذا المذهب من ~~التهذيب، بل كان يعرض على الناس أحد أمرين لا تعقيد فيهما، وهما قبول الدخول في الجماعة أو الاضطهاد. # وكانت البلاد كلها عند ذلك تحت يد «قيرس» المقوقس يصرفها كيف شاء، وكان جيش الرومان مرة أخرى يملك مصر، فكانت طرق ~~الإسكندرية البراقة تتجاوب جوانبها بأصداء الكتائب البيزنطية إذ تسير فيها، وعادت جنود الروم إلى الأسوار العظيمة أسوار ~~المدينة وآطامها، ووضعت عليها آلات حربها، وبعثت المسالح إلى مدينة الفرما (بلوز)، وهي ثغر الطريق الآتية من فلسطين إلى ~~مصر، وإلى بلاد مصر السفلى مثل أثريب ونقيوس، وكذلك إلى الحصن العظيم حصن «بابليون» بقرب ممفيس؛ ومن ثم عاد سلطان الروم، ~~فانتشر على بلاد الفيوم ووادي النيل حتى بلغ الحدود من الجنوب عند أسوان في أسفل الجنادل، وكانت كل تلك الجنود والكتائب ~~عند أمر «قيرس» ماثلة لإنفاذ أمره إذا ما دعاها. ولم يتحرك القبط بطبيعة الحال عندما عاد جند الروم إلى البلاد، ولكنهم ~~وجدوا بعد قليل أن حكم الفرس إن لم يكن مما يحب ويرغب فيه، فإن حكم الروم الجديد لم يكن حدثا يحمدونه ويفرحون من ~~أجله؛ فقد وجدوا فيه أنواع العقاب وصنوف العذاب، فكأنهم وقد خرجوا من حكم الفرس إلى حكم الروم قد رفع عنهم التعذيب ~~بالسياط ليحل بهم تعذيب آخر من لسع العقارب؛ إذ بينا كان غزاة الفرس بعد أن استقر بهم الأمر في البلاد لا يحولون ~~على الأقل بين القبط وبين التدين بما يشاءون من الدين، جاء «قيرس» المقوقس وصمم على أن يحرمهم تلك الميزة الكبرى وينزعها ~~من أيديهم. # وابتدأ الاضطهاد الأعظم عند ذلك. ويتفق المؤرخون جميعا على أنه بقي مدة عشر ms148 سنوات؛ أي إنه بقي كل مدة ولاية قيرس رياسة ~~الدين؛ فإن أكبر الظن أن مجمع الإسكندرية كان في شهر أكتوبر من سنة 631، وقد بدأ عهد الاضطهاد بعد ذلك بشهر واحد أو ~~بشهرين. ولا يشك أحد في فظاعة ذلك الاضطهاد وشناعته؛ فقد جاء في كتاب «ساويرس»: «لقد كانت هذه السنين هي المدة التي حكم ~~فيها هرقل والمقوقس بلاد مصر، ففتن في أثنائها كثير من الناس لما نالهم من عسف الاضطهاد والظلم، ومن شدة العذاب الذي ~~كان يوقعه هرقل بهم لكي يحولهم على رغمهم عن مذهبهم إلى مذهب خلقيدونية؛ فكان يعذب بعضهم ويعد البعض أحسن الجزاء، ~~ويمكر بالبعض ويخدعهم.» وقد جاء في ترجمة حياة البطريق القبطي «إسحاق»، # 21 # وكانت كتابتها سنة 695، أنه في شبابه لقي قسا اسمه يوسف كان ممن شهروا بين يدي «قيرس» وجلد جلدا كثيرا ~~لأنه شهد شهادة الحق. وكذلك كان أخو «بنيامين» ممن عذبوا ثم قتل غرقا، وكان تعذيبه بأن أوقدت المشاعل وسلطت نيرانها ~~على جسمه، فأخذ يحترق «حتى سال دهنه جانبيه إلى الأرض»، # 22 # ولكنه لم يتزعزع عن إيمانه، فخلعت أسنانه ثم وضع في كيس مملوء من رمل، وحمل في البحر حتى صار على قيد سبع ~~غلوات من الشاطئ، ثم عرضوا عليه الحياة إذا هو آمن بما أقره مجلس «خلقيدونية»، فعلوا ذلك ثلاثا وهو يرفض في كل مرة، ~~فرموا به في البحر فمات غرقا. وقال الكاتب الذي كتب ترجمة حياة بنيامين: «ولكنهم بفعلهم هذا لم يقهروا «ميناس» الذي مات ~~شهيدا، بل قد غلبهم هو بصبر الإيمان المسيحي.» # وإليك دليلا آخر جاء في ترجمة حياة صمويل «القلموني»، # 23 # وقد كتبت تلك الترجمة في أيام «قيرس»، وجاء فيها وصف جلي لما فعله «قيرس» نفسه من الأفاعيل في هذا ~~الاضطهاد؛ ولهذا كان لنا العذر إذا نحن نقلنا هنا بعض ما جاء فيها في شيء من الإفاضة. تصف القصة أن البطريق «قيرس» جاء إلى ~~الدير فوجده خلاء ممن فيه إلا من خازنه، فقبض عليه وجلده وأخذ يسأله، فقال له الخازن: «لقد جمع ms149 صمويل الزاهد رهبان الدير ~~وخطب فيهم فأطال، ووصفك بالكفر، وبأنك يهودي من أتباع «خلقيدونية» ولا تؤمن بالله، وبأنك لست أهلا لأن تقيم الصلاة، ولا ~~أن يعاملك المؤمنون. فلما سمع الرهبان قوله هذا هربوا قبل مقدمك.» فلما سمع الكافر الفاسق ما قاله الخازن ثار ثائره وعض ~~شفتيه من الغيط، وسب الخازن والدير ورهبانه، ومضى عنه. قال كاتب الترجمة: «ولم يعد للدير بعد ذلك إلى يومنا هذا.» # 24 # فلما ذهب رجع الإخوان إلى ديرهم آمنين. وأما الكاوخيوس (المقوقس) ذلك البطريق الدعي فقد ذهب إلى الفيوم ~~والغيظ يأكل قلبه، ودعا هناك أصحابه وأتباعه، وأمرهم أن يأتوا له بالعابد «الأبا صمويل» مكتوف اليدين من خلاف، وأن يضعوا ~~في عنقه طوقا من الحديد، وأن يدفعوا به كما يدفع باللصوص. فذهبوا إلى الدير الذي كان فيه وقبضوا عليه. # وذهب صمويل مستبشرا في صحبة الله وهو يقول: «سأمنح إن شاء الله اليوم الشهادة بأن يسفك دمي في سبيل المسيح.» ثم جعل ~~يسب المقوقس لا يخشى شيئا. وأدخله الجنود عليه، فلما رأى المقوقس ذلك الولي أمر جنده أن يضربوه حتى سال دمه كما يسيل ~~الماء، ثم قال له: «صمويل أيها الزاهد الشقي! من ذا أقامك رئيسا للدير وأمرك أن تعلم الرهبان أن يسبوني ومذهبي؟» ~~فقال له العابد (الأبا صمويل): «إن البر في طاعة الله وطاعة وليه البطريق «بنيامين»، وليس في طاعتك والدخول في مذهبك ~~الشيطاني يا سلالة الطاغوت، ويا أيها المسيخ الدجال!» فأمر «قيرس» جنده أن يضربوه على فمه، وقال: «لقد غرك يا صمويل أن ~~رهبانك يجلونك ويعلون من شأن زهدك؛ ولهذا تجرأت وقويت نفسك، ولكني سأشعرك أثر سبابك للعظماء؛ إذ سولت له نفسك ~~ألا تؤدي لي ما يجب عليك أن تؤديه لعظيم رجال الدين وكبير جباة المال في أرض مصر.» فأجابه صمويل: «لقد كان إبليس من قبل ~~كبيرا على الملائكة، ولكن كبره وكفره فسقا به عن أمر ربه، وهكذا أنت أيها الخادع «الخلقيدوني»؛ فإن مذهبك مذموم، وإنك ~~أشد لعنة من الشيطان وجنوده.» فلما سمع المقوقس ذلك امتلأ ms150 قلبه بالغيظ على ذلك الولي، وأومأ إلى الجند أن يقتلوه. وقصارى ~~القول أن ذلك الكافر أراد أن يقتل الولي، ولكن حاكم الفيوم خلصه من يديه، فلما رأى قيرس أن صمويل نجا منه أمر به أن ~~يطرد من جبل نكلون. # 25 # وقد جاء مثل هذا الخبر في الترجمة الأثيوبية لحياة «الأبا صمويل»، وقد جاء فيها ذكر رجل اسمه «مكسميانوس»، وأنه أتى إلى ~~دير صمويل في الصحراء ومعه مائتا جندي، وأنه أعطاه كتابا يؤمر فيه بالإيمان بمذهب خلقيدونية، # 26 # فمزقه صمويل ورمى به من باب الكنيسة وهو يقول: «ليس لنا من رئيس إلا بنيامين، ولعنة الله على ذلك الكتاب ~~الكافر الذي جاء من الإمبراطور الروماني، ولعنة الله على مجمع خلقيدونية وكل من آمن بما أقره!» فضرب صمويل حتى ظن أنه ~~مات ثم غودر، ولكنه عاد إلى نفسه، وسار إلى القلمون حيث عاد لمحادته لقيرس وما أعقبها كما أسلفنا وصفه. # 27 # وإذا كان مثل هذا العسف يجري في الصحاري، فما بالنا بما كان يحدث للقبط في بلاد ~~مصر السفلى والصعيد؟ فلقد كان حظ من يأبى منهم أن يتخلى عن عقيدته أو ينازع قيرس في أمره أن يجلد ويعذب، أو يلقى به في ~~السجن، أو يلقى الموت، فكانت تقام أساقفة للملكانية في كل بلد من مصر حتى أنصنا # 28 # من بلاد الصعيد، في حين كان قسوس القبط يقتلون أو يشردون في أنحاء الأرض يلتمسون فيها ملاذا. وكان السعي ~~حثيثا غير منقطع وراء بنيامين، ولكن لم يعثر عليه في مكان. وقد جاء في كتاب «ساويرس» أنه كان يتنقل من دير محصن إلى ~~آخر، وجاء في ترجمة حياة شنودة # 29 # ما يفهم منه أن بنيامين لجأ إلى دير الأنبا شنودة، وهو الدير العظيم المعروف بالدير الأبيض، على أن هذه ~~الرواية تختلف عما تواتر من الأخبار عن أنه إنما لاذ بدير في الصحراء قريب من «قوص»، ولعل الدير الأبيض كان مع قوة حصونه ~~ومنعة أسواره العظيمة غير كفيل بحماية بنيامين مدة طويلة لقربه من النيل، في حين ms151 أنه كان يستطيع أن يجد ملاذا آمنا لا ~~تصل إليه أيدي أعدائه في جبال صحراء قوص، وما بها من المغاور الكثيرة والكنائس المنقورة في الصخور. # وليس من العجيب أن يفتتن كثيرون ممن لم يستطيعوا الهجرة والهرب وأن يخضعوا لما شاء قيرس منهم؛ فقد كان حكمه حكم إرهاب. ~~وإذا كان القبط لم تخمد نفوسهم فما كان لشعب بأجمعه أن يستشهد في سبيل الدين؛ فدخل جماعة من الأساقفة في المذهب الجديد ~~مذهب عدوهم، ومن هؤلاء أسقف «نقيوس» # 30 # واسمه «قيرس»، وأسقف الفيوم «فكتور»، ولا شك أن عدواهم انتقلت إلى سواهم. أما من لم يستطع الهرب من الناس ~~والخروج إلى الصحراء، وكان مع ذلك غير راض عن ترك مذهبه، فقد لجأ إلى التقية، وأظهر غير ما يبطن، حتى لقد بقيت في ~~الإسكندرية ذاتها بقية من القبط في سني الاضطهاد العشر، مع أنهم لم يكن لهم بها إمام من مذهبهم اللهم إلا قس واحد من ~~أهل مريوط اسمه «أجاثو»، وكان كل يوم يخاطر بحياته في سبيل دينه؛ فكان يخفي نفسه في لباس نجار، ويسير في أنحاء المدينة ~~في النهار يحمل على ظهره كيسا قد وضع فيه آلاته وعدته، فإذا ما جاء الليل ذهب إلى الكنيسة كي يقيم شعائر العبادة ~~لإخوانه القبط. وقد صار هذا القس فيما بعد أكبر أصدقاء بنيامين، وخلفه بعد موته على ولاية الدين. # وروي أن دير «مطرة»، ويسمى بدير «السفونية»، نجح في مقاومة «قيرس»، وكان ذلك الدير في الإسكندرية أو قريبا منها، ~~وكان السبب في أنه بقي على عهده لم يتغير أن كل رهبانه كانوا مصريين خلصا ليس فيهم غريب واحد. # 31 # والظاهر أن المصريين سعوا مرة إلى التخلص من «قيرس» مع ما كانوا عليه من الصبر والاحتمال الطويل؛ فقد أثار حفيظتهم ما ~~رأوه من فعله؛ إذ تارة ينهب أواني كنائسهم الثمينة لا يرقب فيها إلا ولا ذمة، وتارة يضربهم أو يسجنهم. فاجتمع أتباع ~~الطريقة «الجايانية» في كنيسة «دفاشير» بقرب مريوط، وتآمروا على قتل ذلك الظالم، ولكن سمع بهذا الاجتماع «ضابط» ms152 روماني ~~اسمه «أودوقيانوس»، وهو أخو «دومنتيانوس»، وكان عدوا شديد العداوة للقبط، فأرسل جندا وأمرهم أن يذهبوا إلى المتآمرين ~~فيقتلوهم، فكان ذلك، وقتل الجنود بعضهم وجرحوا منهم البعض بسهامهم، وقطعوا أيدي طائفة منهم بغير أن يسمعوا منهم شهادة أو ~~يقوموا معهم بشيء يشبه القضاء؛ وبذلك قضى على المكيدة ونجا قيرس من الخطر. # 32 # وقد أوردنا هذه القصص جميعها لكي ندل بها دلالة واضحة على شدة الاضطهاد وعنفه. وإنه ليخيل إلى الإنسان أنه من ~~المستبعد أن يبقى مثل هذا الاضطهاد عشر سنوات، ولكن هذا هو الحق الذي لا مراء فيه؛ فقد جاء في ديوان «حنا النقيوسي» ما ~~يأتي: «وظل قيرس إلى ما بعد موت هرقل عندما عاد إلى مصر (وذلك في سنة 641 بعد نفيه من البلاد أو غيابه عنها فترة) لم يذهب ~~عنه حقده على عباد الله، ولم يمتنع عن اضطهادهم، بل زاد قسوة على قسوة.» وقد جاء مثل هذا القول في كتاب «ساويرس» إذ قال: ~~«فكان هرقل كأنما هو ذئب ضار يفتك بالقطيع ولا يشبع نهمه، وما كان ذلك القطيع إلا طائفة «التيودوسيين».» # 33 # ولكن ما كان الاضطهاد إلا ليزيد من استطاعوا مقاومته إيمانا إلى إيمانهم، بدل أن يفتنهم عنه ويقضي عليه. ~~فكانت الشدائد تتوالى بمذهب القبط، والمصائب تفتك بأصحابه، ولكنه ظل قويا لم تلن قناته، وبقي أكثر الناس على إيمانهم ~~ثابتين أقوياء، ولكن حد ذلك البطش كان قد بلغ نفوسهم فثلمها، وجعل الداء ينخر في جراحهم مدة ظلم تلك السنوات العشر ~~وظلامها، فكان ذلك سببا في ضياع كل أمل في عودة السلام والوفاق بين الطائفتين المتنازعتين؛ إذ استفحل الأمر، واستمر ~~مرير العداوة والكراهة لسلطان الدولة البيزنطية ودينها جميعا. # وليت شعري ماذا كان يدور بنفوس أهل مصر إذ ذاك، وبأي عين كانوا ينظرون إلى تلك الحركة العظيمة التي ثارت في بلاد العرب، ~~فما زالت حتى قرعت بلاد الشام وهزت مدائنها هزا. إنا نقول، وإن قولنا لمما يشرف القبط، إننا لا نجد أقل دليل ~~يبعثنا على الظن أنهم نظروا إلى تلك ms153 الحركة نظرة الميل والرضا. على أنهم لا بد قد بلغهم أن المسلمين يدعون للمسيحيين أمور ~~دينهم، وفعلهم قد خطر بقلوبهم عند ذلك أن الخضوع للمسلمين قد يخفف من الآلام التي نغصت عليهم حياتهم، وأن نير ~~المسلمين قد يكون أخف حملا من نير الملك الأصيل في دين المسيح وهو هرقل. لا شك في أنهم قد كرهوا دين الإسلام، وتدل على ~~ذلك كل صفحة من صفحات تاريخهم، ولكن سيف «قيرس» قطع آخر ما كان يربطهم إلى الدولة الرومانية من أسباب الولاء؛ وذلك لكثرة ~~ما لاقوه في مدة السنوات العشر من الظلم الذي نزل بهم إلى حضيض من الشقاء لا أمل معه، فرأوا في مجيء المسلمين نازلة ~~أرسلها الله لينتقم لهم بها من ظالميهم. # وهكذا دفع سوء الحكم خير بلاد الدولة الإمبراطورية إلى مأزق ما أضيقه. ولسنا نستطيع أن نعرف جناية من هذه؛ أهي جناية ~~هرقل وقد أطاعه المقوقس فيما أمر به من الشر، أم هي جناية المقوقس وقد عصى سيده وخان أمانته؟ فمن الجلي أن هرقل كان يقصد ~~في مبدأ أمره إلى قصد نبيل، فما كان أعظم أن يخلع على الكنيسة من السلام مثلما خلع على الدولة، ولكنه لم يعرف ثبات الناس ~~على أديانهم وحرصهم عليها، ولم يعرف أن الدين كان متغلغلا في أعمق فجاج الدولة، وأنه إذا شاء أن ينزعه منها بالقوة كان ~~في ذلك أشد الخطر على حياتها. وكذلك كان اختياره لمن ينفذ له أغراضه غير موفق؛ فقد أرسل إلى مصر رجلا ليعيد السلام ~~فإذا به ظالم عات، وأرسل كلمة يقصد بها نشر السلام فلم يؤدها الرسول أو لم يسمع بها الناس. وأما الاضطهاد فلا شك في أنه ~~قد وافق عليه وأقره، ولكنه قد يكون أقره بعد أن لم يجد عنه محيصا، في حين أن قيرس لجأ إلى العسف بادئ ذي بدء ولم ~~يلجأ إلى وسيلة سواه. ومهما يكن من شيء فقد كان رأي الإمبراطور في القضاء على اختلاف المذاهب بأمر يأمر به، رأيا بعث به ~~الخيال والوهم؛ فقد ظن ms154 أنه يستطيع بكلمة سحر يقولها أن يهدئ العواصف الثائرة من الخلاف ~~في المذاهب، فما كان منه إلا أن زاد العاصفة شدة، ولم يستطع الصبر على الخيبة، ولم يرض أن يدع الأمور إلى الزمن ويلزم ~~جانب الاعتدال، فعزم على أن يسعى للسلام بخوض حرب دينية في مصر والشام، فكان بعمله هذا يمهد السبيل في القطرين لمطلع ~~جنود الإسلام. # الفصل الرابع عشر # | مسير العرب إلى مصر # الظاهر أنه بعد أن سلم البطريق «صفرونيوس» الشيخ مدينة بيت المقدس، سار عمر بن الخطاب الخليفة وعمرو بن العاص القائد ~~وذهبا كلاهما نحو الشمال، وقد أرسل عمرو مددا للعرب المحاصرين لقيصرية، # 1 # وأما عمر فقد أقام في دمشق. ولعل عمرا قد أفضى إليه برأيه في فتح مصر منذ كانا في بيت المقدس، ولكن الخليفة ~~رأى أن وقت ذلك الفتح لم يحن بعد. فلما ظهر العرب وانتهت الحرب أو كادت، عاد عمرو إلى عرض رأيه، وجعل يبين للخليفة ما ~~كانت عليه مصر من الغنى، وما كان عليه فتحها من السهولة، وقال له إنه ليس في البلاد ما هو أقل منها قوة # 2 # ولا أعظم منها غنى وثروة، ثم قال إن «أريطيون» حاكم الروم على بيت المقدس - وكان قد هرب من المدينة قبل ~~تسليمها إليهم - قد لاذ بمصر، وإنه كان يجمع فيها جنود الدولة، وإن على العرب ألا ~~يضيعوا الوقت، بل أن يوقعوا به قبل أن يستفحل الأمر، # 3 # وإن مصر بعد ذلك تكون قوة للمسلمين إذا هم ملكوها. وكان اجتماع القائد بالخليفة في «الجابية» # 4 # بقرب دمشق، وذلك في خريف سنة 630 للميلاد، وكان العرب لا يزالون على حصار مدينة قيصرية. # وقد رأى عمر أن فتح مصر فيه خير للمسلمين، ولكنه ظن أن عمرا يقلل من شأن ما يلقاه من الصعوبة في فتحها، وكان في ذلك ~~الوقت لا يستطيع أن يضعف جند الشام بأن يبعث منهم جيشا كافيا لفتح مصر. فلما طلب منه عمرو أن يسير إلى مصر بجيش من 3500 ~~أو 4000 رجل وعده أمير المؤمنين ms155 أن يفكر في الأمر؛ فإنه كان لم يستقر على رأي في ذلك، ثم عاد عمرو بن العاص إلى قيصرية ~~وكان قسطنطين بن هرقل قائد الجند بها، فبعث الخليفة وراءه بكتاب مع «شريك بن عبدة» # 5 # يقول له فيه إنه قد رضي بغزو مصر، وتقدم إليه أن يجعل الأمر سرا، وأن يسير بجنده إلى الجنوب سيرا هينا. ~~فسار عمرو بن العاص في الليل في جيش صغير من الخيل، ولم يحدث له حدث حتى صار عند الحدود ~~بين مصر وفلسطين، وسار بعد ذلك حتى صار عند رفح، # 6 # وهي على مرحلة واحدة من العريش بأرض مصر، فأتت عند ذلك رسل تحث المطي تحمل رسالة من الخليفة. # انظر وصف هذه الأماكن فيما الخليفة لا بد قد عاد إلى شكه في الأمر خاشيا من الإقدام والمضي فيما عزم عليه. وقد كان ~~الخليفة كلم عثمان وأفضى إليه بما يرى من المخاطر في تلك الغزاة، فأجابه عثمان قائلا إن تلك الغزاة كانت عظيمة الخطر، ~~وزاد على ذلك أن قال إن عمرو بن العاص فيه جرأة وتهور، وإنه لا بد يقتحم بالناس المخاطر ويرمي بهم إلى الهلكة. فخشي عمر ~~بن الخطاب خشية عظيمة، وعزم على أن يأمر ابن العاص بالرجوع إذا كان ذلك ممكنا، ولكنه أحس أن جيش العرب إذا دخل مصر ~~كانت عودته عنها خذلانا وسبة للمسلمين؛ إذ يكون ذلك بمثابة الفرار من العدو؛ وعلى ذلك أرسل كتابه وتقدم فيه إلى عمرو ~~بن العاص أن يعود إذا كان بعد في فلسطين، فإذا كان قد دخل أرض مصر فليسر على بركة الله، ووعده أن يدعو الله له بالنصر ~~وأن يرسل له الأمداد. # 7 # أما عمرو فقد كان بدأ أمره، ولم يكن بالرجل الذي ينقض ما بدأ فيه، وعرف أن ذلك الكتاب الذي لحق به لم يأته ~~بالرضا عما هو فيه؛ ولهذا لم يأخذه من الرسول حتى عبر مهبط السيل الذي ربما كان الحد بين أرض مصر وفلسطين، وبلغ بسيره ~~الوادي الصغير الذي عند العريش، وهناك أتى له ms156 بالكتاب فقرأه، ثم سأل من حوله: «أنحن في مصر أم في الشام؟» فقيل له: «نحن في ~~مصر.» فقرأ على الناس كتاب الخليفة ثم قال: «إذن نسير في سبيلنا كما يأمرنا أمير المؤمنين.» # 8 # ولا شك في أن عمرا لقي من الناس الجواب الذي كان يرغب فيه. # ولنا هنا ملاحظة غريبة، وهي أن العريش وإن كانت تعد عادة من بلاد مصر لا يخلو ~~أمرها من الشك، # 9 # غير أن سياق القول يدل على أنها كانت خلوا من جيش الروم مع أنها كانت مدينة ذات حصون، وكانت أسوارها لا تزال ~~منها بقية ماثلة بإزاء البحر إلى القرن الثالث عشر، وكذلك كانت أطلال الكنيستين العظيمتين القديمتين. وكان يقال في ذلك ~~الوقت إن أجود أنواع المرمر وأعظم العمد التي في القاهرة كانت تأتي من العريش، # 10 # وما أعجب هذا! وقد روى بعض المؤرخين أن سور مصر العظيم كان يبدأ من هناك ويتجه إلى القلزم (وهي السويس)، ثم ~~يتجه مع شاطئ النيل الشرقي إلى الجنوب حتى الجنادل الأولى. ويقال إن من بنى ذلك السور هو «سيزوستريس»، وقد سماه العرب ~~«سور العجوز»، ولكنه كان قد تهدم منذ زمن طويل، حتى إنه لم يعق سير الجند في القرن السابع، وقد بقيت من أطلاله إلى ~~اليوم قطع عند جبل الطير وفي مواضع أخرى في مصر. # 11 # وقد أقام جيش العرب الصغير عيد الأضحى في العاشر من ذي الحجة من عام 18 للهجرة، وهو اليوم الثاني عشر من ديسمبر سنة 639 # 12 # للميلاد، وهو عيد القربان وعيد الحج عند المسلمين، وكان الاحتفال غير خال من الجد والرونق بين هؤلاء العرب ~~الذين كانوا يسيرون مع زعيمهم العظيم تربطهم به روابط النسب والولاء، وذلك مع ما كانوا عليه من قلة - إذ كانوا لا يعدون ~~أن يكونوا كتيبة من جند الصحراء - ومع عظيم ما جاءوا له؛ إذ جاءوا لفتح بلاد الفراعنة. وكان أكثر من مع عمرو من الجند من ~~قبيلة «عك»، وإن كان الكندي يقول إن ثلث الناس كانوا من «غافق». # 13 ms157 # ويروي ابن دقماق أنه قد كان مع جيش العرب جماعة ممن أسلم من الروم، وقد سماهم في كتابه، وقال أيضا إنه قد ~~كان مع جيش العرب جماعة ممن أسلم من الفرس الذين كانوا باليمن، ولعل هؤلاء جاءوا فيما بعد مع الأمداد التي بعث بها الخليفة ~~إلى مصر. # 14 # والآن فلننصرف إلى عمرو نفسه، فأي رجل كان هو بين الرجال؟ لقد جاء في الأخبار كثير من أقواله وذكر صفاته، وإذا نحن ~~أردنا أن نكتب تاريخ فتح العرب لمصر كان لزاما علينا أن نكتب شيئا عن قائد ذلك الفتح. كان عمرو بن العاص في نحو الخامسة ~~والأربعين من عمره في وقت غزو مصر، # 15 # وكان قصير القامة وقوي البنية، مرن الأعضاء، تعود جسمه احتمال المشقة. وقد ساعده ذلك على أن يبرز في ~~أفانين الفروسية والضرب بالسيف، وهي الفنون التي اعتاد أهل الفروسية في الغرب أن يقرنوها باسم العرب. # 16 # وكان عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، له عينان سوداوان ثاقبتان سريعتا التأثر، سواء أكان ذلك في حال الغضب ~~أم في حال السرور، وفوقهما حاجبان غزيران، ودون ذلك فم واسع، وكان وجهه ينم عن القوة في غير شدة، وتلوح عليه لائحة ~~البشر والأنس، وكان يخضب لحيته بالسواد. هذا كل ما رواه لنا المؤرخون من وصف مظهره، ولعل وصفه بأنه تمتام كان وصفا غير ~~صحيح. حقا إن أبا المحاسن روى # 17 # عن عمرو ذلك العيب، وقال إنه العيب الوحيد فيه، ولكنه كان معروفا بسرعة رده وحدة ذهنه في الإجابة ~~المسكتة، كما كان معروفا بطول خطبه وبلاغتها؛ فالظاهر من ذلك أن من وصفه بأنه تمتام كان واهما، ولعل ذلك الوهم كان أثر ~~خلط وسوء فهم؛ فقد روي # 18 # عن عمر بن الخطاب أنه سمع مرة رجلا يتلجلج في الكلام، فقال: «أشهد أن خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.» ~~وليس معنى هذا أن عمرا كان تمتاما، بل يقصد بذلك القول أن الله تعالى خلق الأبكم والمفصح كليهما، وذلك مثل ما روي عن ~~عمرو بن العاص ms158 نفسه إذ أحرج صدره أحد الجهلاء يوما فقال يعرض به: «إنه كذلك من مخلوقات الله تعالى.» ولكن قول عمر بن ~~الخطاب قد أخرجه جماعة من كتاب العرب عن معناه، وأولوه بأن المقصود منه أن عمرا كان يتلجلج في كلامه، ولو قصد عمر بن ~~الخطاب ذلك لكان قوله لا معنى له، وفيه اعتداء على عمرو، وذلك لا يتفق مع مكانة عمرو في قومه وما عرف عنه من الفصاحة في ~~الكلام. ولو كان متصفا بذلك العيب لما اختاره النبي - عليه الصلاة والسلام - من أول إسلامه وجعله من كبار قواده، بل وما ~~استطاع أن يكون يوما ما زعيما عظيما بين الناس. وبعد، فإن عمرا كان فوق ذلك كله إماما يؤم الناس في صلاتهم، وظل كذلك ~~إلى آخر أيامه، وإن الشرع الإسلامي ينص على أنه لا يصح للتمتام أن يصلي بالناس؛ # 19 # وعلى ذلك يكون ما روي من أن عمرا كان متصفا بذلك العيب خبرا غير جدير بالتصديق. # وأما سائر صفاته فقد جاء من أخباره وأقواله ما يدل عليها وعلى حوادث حياته؛ فقد كان من قريش، ونسبه معروف، # 20 # وكان إسلامه في السنة السابعة أو الثامنة للهجرة، ويروى عن إسلامه خبر أو اثنان، فقد سئل مرة: # 21 ~~«ما عاقك عن الإسلام تلك المدة الطويلة مع رجحان عقلك؟» فأجاب: إنه كان في أول أمره يخشى سوء رأي مشيخته، ~~فلما كبر وميز أخذ نفسه بالهوادة في معارضة النبي. وقد أرسلت إليه قريش واحدا من قومها يسأله عن إسلامه، فجعل عمرو ~~يسائل من جاء يسأله فقال له: «أي الناس على دين الحق؛ أهم العرب أم الفرس أم الروم؟» فقيل له: «بل العرب.» فقال: «أنحن ~~أكثر منهم مالا أم هم أكثر منا؟» فقيل له: «بل هم.» فقال له: «فأي فضل إذن للعرب على الفرس والروم إذا لم تكن ثم حياة في ~~الآخرة؛ فإنهم قد ذهبوا بخير هذه الحياة الدنيا جميعا.» ثم قال عمرو إنه قد أسلم وآمن بالنبي واليوم الآخر وبالعقاب ~~والثواب بعد الموت، وعزم على ترك الباطل؛ ms159 أي دين العرب القديم. وقيل إن عمرا أسلم منذ كان في الحبشة، وإن إسلامه كان على ~~يدي جعفر بن أبي طالب. # وروي في الخبر أن عمرا قال مرة للنبي: «يا رسول الله، إني أبايعك على أن يغفر لي ما مضى من ذنبي.» فقال له النبي: ~~«إن الإسلام والهجرة # 22 # يجبان ما كان قبلهما.» فكان عمرو لا يرفع عينه من وجه النبي عرفانا منه لصنيعه، وكان يقول: «والله ما كنت ~~أملأ عيني منه أو أنظر إلى وجهه، ما أردت إلا رأيت الحياء في وجهه.» # 23 # وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - يرى في عمرو رأيا حسنا، وقد قال فيه يوما: إنه من خير المسلمين وأكثرهم ثقة. # 24 # وقال فيه أيضا: إنه من «صالحي قريش». وكان يحبه لحسن رأيه ولشجاعته، وكان لعمرو أخ من أبيه اسمه هشام قتل ~~يوم اليرموك، وقد سئل عمرو عنه فقال: «حسبكم أن أقول إن أمه أم حرملة عمة عمر بن الخطاب وأمي عنزية، وكان أحب إلى أبي ~~مني، وبصر الوالد بولده ما قد علمتم، وأسلم قبلي، واستبقنا إلى الله فاستشهد يوم اليرموك وبقيت بعده.» # وكان أكبر ما امتاز به عمرو أن النبي نفسه عقد له على بعض سراياه، وقال له عند ذلك إنه قد أمره على الناس ودعا له ~~بالسلامة والغنيمة، فقال عمرو عند ذلك إنه لم يسلم للمال بل أسلم لوجه الله، فقال له النبي: إن المال الحلال خير ما ~~يرزأ المؤمن. وأكبر الظن أن عمرو بن العاص لم ينس تلك الحكمة فيما بعد، وكان على قيادة كتيبة من الكتائب في يوم السلاسل، ~~فأرسل يستمد النبي، فأرسل إليه مائتي رجل فيهم أبو بكر وعمر وعليهم أبو عبيدة بن الجراح، فلما أقبلوا عليه قال عمرو: ~~«أنا أميركم وأنتم لي مدد.» فقال أبو عبيدة: «لا، بل أنا أمير على من معي، وأنت أمير على من معك.» فأبى عمرو هذا، فقال ~~أبو عبيدة: «لقد قال لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك.» فقال عمرو: ms160 «فإني آبى أن أطيعك.» فسلم ~~عليه أبو عبيدة عند ذلك بالإمارة، ووقف وراءه في الصلاة. # وقد عقد النبي لعمرو بعد وقعة السلاسل على عمان، فظل عليها حتى لحق النبي بربه. وبعد سنة أو سنتين من ذلك جعله أبو بكر ~~أحد القواد الذين سيرهم إلى الشام، وفي تلك الحرب نما أمره وذاع اسمه في معرفته بمكيدة الحرب والشجاعة. وقد آلمه تقديم ~~أبي عبيدة عليه إذ أمره عمر في أول خلافته، ولكن لعل أجلى ما جاء في وصفه ما قاله هو عن نفسه دفاعا عندما سمع أن بعض ~~الناس يعذل معاوية على تقديمه إياه. # 25 # قال: إنني من تمثل يوم صفين بقول من قال: # إذا زاغت الأبصار حولي رأيتني # وطرفي ثبيت لم يكل ولم يغض # وأغمضت عيني منذ خابوا ولم يكن # عن الموت يوم الروع ما كان من غمضي # وقد علمتم أنني الكرار في الحرب، وأنني الصبور على غير الدهر، لا أنام عن طلب، كأنما أنا الأفعى عند أصل الشجرة. ~~ولعمري لست بالواني أو الضعيف، بل أنا مثل الحية الصماء لا شفاء لمن عضته، ولا يرقد من لسعته. وإني ما ضربت إلا فريت، ~~ولا يخبو ما شببت. عرفني أصحابي يوم الهرير أنني أشدهم قلبا، وأثبتهم يدا، أحمي اللواء وأذود عن الحمى، فكأني وشانئي ~~عند قول القائل: # وهل عجب إن كان فرعي عسجدا # إذا كنت لا أرضى مفاخرة العشب # وإن مثل هذا القول ليظهر الرجل في اعتداده بنفسه ومعرفته لمقدارها. ولا شك في أن عمرا قد أظهر شيئا من قلة التعفف في ~~الخلاف الذي أعقب يوم صفين؛ فقد روى الذهبي أنه هتك ما كان معاوية يتستر به من النفاق والادعاء في أيام وقعة صفين، إذ قال: ~~«يا معاوية أحرقت قلبي بقصصك. أترى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه؟ لا والله إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها. وايم الله ~~لتقطعن لي قطعة من دنياك أو لأنابذنك.» ولا يسع المطلع على ما كان منه في أمر التحكيم إلا أن يرى في عمله خيانة ~~وخدعة لأبي ms161 موسى، فكان أبو موسى كلما صلى قرن دعاءه بلعن عمرو، وقد قال له مرة: «ما مثلك يا عمرو إلا كمثل الكلب، إن ~~تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.» فقال له عمرو: «وما مثلك أنت إلا كمثل الحمار يحمل أسفارا.» # 26 # وقال ابن الحجر إن أحد أصحاب عمرو قال عنه: «ما رأيت رجلا يعرف كلام الله معرفته، ولا رجلا أكرم نفسا ولا أشبه سرا ~~بعلانية منه.» وقال رجل اسمه جابر: # 27 ~~«لم أر رجلا أقرأ لكتاب الله من عمر، وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أحلم منه، وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت ~~رجلا أبين ظرفا ولا أكرم جليسا.» وإنا موردون هنا خبرا أو اثنين من أخباره لندل بهما على كرم نفسه وصراحته وحبه ~~لجمال النسق؛ # 28 # فقد لامه بعضهم مرة على أنه يركب بغلة هرمة قبيحة المنظر، فقال له: «لا ملل عندي لدابتي ما حملتني، ولا ~~لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري.» # 29 # وقيل إنه وقع مرة بينه وبين المغيرة بن شعبة كلام، فاغتاظ المغيرة وسبه، فقال عمرو ~~وقد ثارت ثائرته: «يا آل هصيص! أيسبني ابن شعبة؟!» فقال عبد الله ابنه وكان قريبا: «إنا لله! دعوت بدعوى القبائل وقد ~~نهي عنها.» فقبل الوالد تأنيب ابنه، وأعتق ثلاثين رقبة يكفر بها عن ذلك. وسمع يوما وهو أصغر من ذلك سنا إذ كان ~~بالمدينة خطبة من خطب زياد، فلما رأى بلاغتها قال: «لله در هذا الغلام! لو كان من قريش لساق العرب بعصاه.» # 30 # ولو أردنا لأتينا بغير هذه الأخبار، ولكن حسبنا ما أوردناه منها؛ ففيه الدلالة على ما كان عليه عمرو بين الرجال. فإذا ~~نحن قرنا بعض خلاله إلى بعض رأينا أنه كان قوي الجسم ذكي العقل، تجيش نفسه فتدفعه، وله قوة من عزمه كالحديد إذا عزم، ~~وكان شجاعا لا ينكل، ولكنه كان يؤثر الأناة، ويعلم أن الرأي أول والشجاعة في المحل الثاني، وكان في أمر الدين والعبادات ~~على تقى وصلاح. وإذا كانت مطامع هذه الدنيا غررت به في ms162 بعض أيامه وعصفت بقلبه، فقد بقي فيما عدا ذلك شريفا نبيل ~~النفس. وكان في العلم على ما كان عليه أهل عصره، وعرف بين العرب بأنه من أحدهم ذهنا # 31 # ومن أكملهم عقلا. وكان يحب الغناء حبا جما ويقبل عليه، ويطرب للشعر. وكان خطيبا بليغا، وله خيال ~~خصب. فاجتمعت فيه صفات المحارب، والشاعر، وجواب الآفاق، والرجل الصالح. فكان واضح الباطن والظاهر، نبيل المقاصد ~~والفعال، وكان محببا مؤلفا، يملك قلوب الناس ويستهوي أفئدتهم، شأنه في ذلك شأن عظماء الرجال الذين يخلب حبهم أفئدة ~~الناس، فإذا إعجابهم ولاء وإخلاص. # هذه صفة القائد الذي جاء في فرسان أربعة آلاف بايعوا أنفسهم على نزع مصر من يد القياصرة. # الفصل الخامس عشر # | أول الحرب # نذر أهل مصر بغزوة العرب، وسمع المقوقس (قيرس) بسير هؤلاء الأعداء أولي البأس، وكان قبل ذلك قد أعد شيئا من وسائل ~~الدفاع؛ فحفر خندقا حول حصن بابليون العظيم بقرب ممفيس، وزاد في تحصين الحصون الأخرى، ورمم أسوار كثير من المدائن التي ~~كانت غزوة الفرس هدمت منها. # 1 # وليس من الصدق قول القائل إن «قيرس» اشترى العرب فصرفهم عنه بجزية وعدهم بها، وقد قال هذا الخبر أو أشار إليه ~~المؤرخ «تيوفانز». # 2 # وإنه من سوء الحظ أن مؤرخي اليونان يتخبطون في ظلمة، لا يصفون حقيقة ما كان من الحوادث في ذلك العصر، ولا ~~يعرفون ما كان منها أولا وما كان منها بعد. # وأضل من «تيوفانز» المؤرخ «نيقفوروس»، # 3 # وأبعد من كلا الاثنين عن الحق «الديوان الشرقي»؛ # 4 # فإنهم جميعا لم يفحصوا الحوادث التي يصفونها، ولم يدركوا حقيقتها، فلا فائدة فيها؛ لأنها تخلط في التواريخ ~~خلطا فاحشا، وتقلب الحقائق وتمسخها، بل إنها قد أضلت كل من اهتدى بنورها من الكتاب المحدثين، وقذفت بهم في المجاهل. # 5 # وحسبنا في هذا المقام أن نقول إنه ليس ثمة كلمة صدق واحدة فيما رواه هؤلاء اليونانيون عن دفع المقوقس غزوة ~~العرب بجزية من المال يعطيهم إياها، ولا يرد لفظ واحد يشير إلى هذا الأمر في كتاب كتبه أحد ms163 أهل الشرق، سواء أكان ~~فارسيا أم سريانيا أم قبطيا أم من العرب، اللهم إلا «ساويرس» وقد نقل عن «الديوان الشرقي». والقصة كلها قائمة على ~~خطأ وقع فيه مؤرخو اليونان؛ فهي صورة مشوهة ممسوخة مما وقع بعد ذلك بزمن طويل، وسيأتي ذكر ذلك في حينه. ولم يكن لنا ~~بد من أن نبدأ بدحض هذا القول، وإذ فعلنا ذلك فلنمض في سبيلنا من وصف مسير عمرو في الصحراء. # غادر العرب العريش وما حولها من بساتين النخيل وساروا في الطريق إلى الغرب بعيدين ~~عن البحر؛ فإن الطريق بعد العريش تسلك قطعة من الصحراء تتخللها بعض عيون وقرى، وهي الطريق القديمة المؤدية إلى مصر، ~~شهدت من قدم مصر قبل أن يلوح فجر العمران، كما شهدت مقدم إبراهيم ويعقوب ويوسف وقمبيز والإسكندر وكليوبترا # 6 # وأسرة المسيح، ثم وطئتها جيوش الفرس في غزوتها منذ حين، وكانت فوق ذلك في كل الأوقات طريق التجار وأهل الأسفار ~~والحاج تتردد عليها القوافل بين آسيا وأفريقيا، وقبل أن تبلغ الطريق مدينة الفرما ببضعة أميال تنحدر إلى الشمال الغربي ~~فتقتحم الكثبان، وهي التلال المتنقلة من الرمال، ولم يلق العرب أحدا من جنود الروم حتى اقتربوا من المدينة. # ومدينة «بلوز» اسمها بالقبطية «برمون»، ويسميها العرب «الفرما»، وكانت على نهد من الأرض على نحو ميل ونصف من البحر، ~~وكان لها مرفأ لعله كان متصلا بالمدينة بخليج من البحر، وكان فرع من النيل اسمه الفرع «البلوزي» يهوي إلى البحر بقربها. ~~وكانت مدينة قديمة قوية الحصون، بها كثير من آثار المصريين القدماء كما كان بها كنائس وأديرة. # 7 # وكان لها شأن كبير؛ إذ كانت مفتاح مصر من الشرق تشرف على طريق القادم من الصحراء، وتملك ناصية البحر، ويجري ~~إليها فرع من النيل يؤدي إلى مصر السفلى. ومع كل ذلك، فالظاهر أنها لم تكن منيعة؛ فإن الفرس وقد كانوا مبرزين في فنون ~~الحصار لم يعانوا مشقة كبرى في فتحها، ولعلهم دكوا أسوارها وخربوا من حصونها كما خربوا كنائسها، ولكن الروم ~~نذروا بمجيء العرب منذ زمن، ولقد ms164 كان في استطاعتهم إذا شاءوا أن يرمموا ما تهدم من أسوارها. # ولم يكن عند العرب الذين جاءوا مع عمرو شيء من عدة الحصار، ولم يكن لهم علم ~~بطرقه، وما كانوا ليستولوا على المدينة إلا بالمهاجمة وفتح الأبواب، أو بالصبر عليها إلى أن يضطر الجوع أهلها أن ~~ينزلوا إليهم. وليس لنا علم بعدد جندها، ولكن من الواضح أن العرب كانوا فئة قليلة، فما كانوا ليقدروا على حصارها من كل ~~جوانبها، فكانت مسلحتها تهبط إليهم بين حين وحين لقتالهم، واستمرت الحرب متقطعة مدة شهر، ويقول أحد المؤرخين # 8 # بل شهرين، ثم خرج إليهم جنودها مرة ليقاتلوهم، ولما عادوا لائذين إلى مدينتهم تبعهم العرب فملكوا الباب قبل ~~أن يقتحموه، وكان أول من اقتحم المدينة من العرب «أسميقع بن وعلة السبائي». # 9 # وقد روى المقريزي وأبو المحاسن أن قبط الفرما ساعدوا العرب أثناء الحصار، ولكن ذلك غير صحيح، ولعل هذا رجوع ~~إلى القصة القديمة التي تعزو إلى القبط ظلما مساعدتهم للفرس، ولم يرد ذكر لهذه المساعدة في كل ما كتب قبل القرن الرابع ~~عشر، ولعل ما ذكرناه من ذكر أخذها عنوة يكفي لتفنيد هذا الزعم. ولو ساعد القبط العرب لما أحرق هؤلاء السفن وهدموا الحصن، # 10 # ولما فعلوا ما فعله الفرس من قبلهم من تخريب الكنائس الباقية في الفرما. # 11 # ولنا فوق ذلك دليل آخر على كذب هذا الزعم، وهو ما قاله «حنا النقيوسي» # 12 # في ديوانه، وكان حنا من الأحياء قرب ذلك العهد. قال: إن القبط لم يساعدوا المسلمين إلا بعد أن استولوا على ~~الفيوم وإقليمها. ولسنا ندري على التحقيق في أي وقت كان هذا، ولكن من الجلي أنه لم يكن إلا بعد فتح حصن «بابليون»، ولم تكن ~~تلك المساعدة إلا مساعدة قليلة لا تعدو بعض الأمور. # فلما ملك العرب الفرما صار في أيديهم معقل يؤمن لهم الطريق المؤدية إلى بلادهم، ويضمن لهم سبيل الرجوع إذا نزلت ~~بهم هزيمة. وقد فطنوا بعد فتح الفرما إلى ما هم مقبلون عليه من الأمر الخطير إذا ms165 أتيح لهم فتح حصن بابليون والإسكندرية ~~العظيمة، ولا بد أن يكون عمرو قد أدرك أنه لن يستطيع شيئا إذا لم يوافه عمر بن الخطاب بما وعده من الأمداد، وكان يعرف ~~أن الأمداد لن تستطيع أن تخلص إليه إلا عن طريق الفرما. # 13 # ولم يكن معه من الجند من يقدر على أن يخلفه في المدينة ليحرسها؛ وعلى ذلك لم يكن له بد من هدم أسوارها وحصونها ~~حتى لا يستفيد بها العدو لو عاد إلى تملكها. ولسنا ندري ما كان يصنعه الروم في هذه الأثناء، فأغلب الظن أن «قيرس» كان ~~موقنا أن المسلمين لا بد لهم أن يسيروا إلى مصر بعد أن تخلص لهم الشام، وأن الأمر واقع لا محالة؛ فكان الحزم يقضي عليه ~~أن يقيم الأرصاد والربط في الصحراء، حتى أكناف العريش على الأقل، حتى يأتيه العلم بمسير القوم إليه في حينه، ليستطيع ~~التعبية ويسير للقائهم بمن معه جميعا عند الفرما. ولو أرسل الروم عشرة آلاف من جندهم ليقاتلوا عمرا أثناء سيره، أو ~~جمعوا ذلك الجيش تحت حصن المدينة؛ لما عجزوا أن يهزموا تلك الفئة القليلة من أعدائهم العرب. على أن ذلك لو حدث لما حال ~~بين المسلمين وبين فتح البلاد أمدا طويلا، ولكن الروم لم يصنعوا من ذلك شيئا، بل اعتمدوا على من في المدينة من الجند في ~~أمر الدفاع عنها. وقد يقال إن العرب قد بغتوهم في أول الأمر، وإنهم لم ينذروا بمسيرهم عند ذلك، ولكن الروم لم يتحركوا في ~~أثناء الحصار وقد لبث شهرا، فلم يبعثوا أحدا لنجدة المدينة أو تخليصها؛ فكان قعودهم عن الفرما وإسلامهم لها أول ما ~~ارتكبوه من خطل في تلك الحرب، وقد كانوا يستطيعون اتقاء هذا؛ وعلى ذلك يصح لنا أن نقول إن ذلك القعود أول ما ارتكبه «قيرس» ~~من خيانته العظمى لدولته، فلعله كان عند ذلك قد عول على أن يعمل على فصل بطرقة الإسكندرية وشقها عن القسطنطينية بالاتفاق ~~مع العرب وإعانتهم على دولته، ولسنا نجد غير هذا الرأي ما نفسر به مسلكه، ms166 ولا سيما ما وقع منه بعد ذلك. # كان عند ذلك قد مضى نصف شهر يناير من عام 640 للميلاد، وذلك العام الميلادي يكاد يتفق مع سنة # 14 # 19 من الهجرة، ثم سار عمرو في سبيله، ولم ينقص عدد جيشه؛ إذ لحق به من البدو من عوض عليه الذين قتلوا في ~~المناجزة الأخيرة أو لقد زاد عليهم، وقد لحق به هؤلاء البدويون حبا في القتال وطمعا في الغنيمة. # 15 # وسار من السبخة التي حول الفرما إلى أرض تليها يغطيها رمل قد خالطه الصدف الأبيض، حتى بلغ مدينة «مجدول» القديمة، # 16 # وهي في الجنوب الغربي من الفرما، ومن ثم سار إلى موضع يقع على قناة السويس مكانه الآن «القنطرة»، وفي ذلك ~~الموضع تصير الأرض فدفدا صلبا يغطيه المدر، تعترضه مواضع ينبت فيها العشب، أو غياض من ماء أجاج ينبت فيها القصب ~~والغاب. وقد لزم العرب جانب الصحراء، ولعلهم قصدوا إلى مدينة الصالحية، مخالفين في ذلك أكثر من عداهم من فاتحي مصر؛ فإن ~~قمبيز مثلا سلك طريقا أخرى؛ إذ ضرب إلى الغرب من بعد الفرما إلى «سنهور» و«تانيس»، ومن ثم إلى «بوباستيس» في مصر السفلى. # 17 # ولكن في وقت غزو العرب كانت مياه بحيرة المنزلة قد طغت على ما حولها، فأصبحت الطريق من هناك صعبة المسالك، ~~وكان جيش عمرو كله من الفرسان، ولم يكن عندهم شيء من وسائل بناء القناطر على الترع والأنهار، ثم سار عمرو من الصالحية أو ~~«القصاصين» إلى الجنوب، فاجتاز تلال وادي الطميلات # 18 # في موضع قريب من مكان اشتهر اليوم بوقعة كانت فيه، وهي وقعة التل الكبير. فلما خرج من الوادي لم يبق دونه ~~إلا سير هين حتى يبلغ بلبيس. # وقد بدا من الروم في ذلك الموضع شيء من المقاومة، وكانت طلائعهم قد خرجت ترقب قدوم العرب من الصحراء، ولكنها لم تحاول ~~إلا مناوشة ليس فيها كبير قتال. والظاهر أن قصة بعث المقوقس باثنين من الأساقفة، وهما أبو مريام (أو أبو مرتام) ~~وأبو مريم، لمفاوضة العرب لم تكن سوى ms167 قصة بعث بها الوهم؛ # 19 # فلم يكن بين الأساقفة أحد بتلك الأسماء، ولعل تلك القصة لم تنشأ إلا من الخطأ العظيم الذي وقع ~~فيه مؤرخو العرب عندما قرءوا أخبار هذه الحوادث، وقد اختلطت فيها حوادث التاريخ ~~بالخرافات اختلاطا فاحشا، ومسخها النساخون عند نقلهم منها لم يتحروا فيها الدقة، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نقول إنه ~~قد جاءت جماعة عليها أحد الأساقفة، وإنهم فاوضوا عمرا في ذلك الوقت. ويقول الطبري فوق هذا إن عمرا طلب إلى القبط أن ~~يساعدوا المسلمين لما كان بينهم وبين العرب من قرابة في النسب؛ إذ تجمعهم «هاجر»، ولكن القبط قالوا إن هذه قرابة ما ~~أبعدها. فأمهلهم عمرو أربعة أيام ليأتوا إليه بما استقروا عليه، ولكن ما كان قائد الروم لينظر في مثل هذا القول. ولعل ذلك ~~القائد الذي يسميه العرب أرطبون، وصحة اسمه «أريطيون»، هو نفسه حاكم بيت المقدس، # 20 # وكان قد هرب إلى مصر كما رأينا قبيل تسليم المدينة لعمر بن الخطاب. وقد عزم أريطيون قائد جيش الروم على أن ~~يناجز العرب، فلم يشعروا في اليوم الثاني بعد المفاوضة إلا وقد بيتهم بياتا شديدا، ولكن الدائرة دارت عليه فهزم ~~وتمزق جيشه. # 21 # غير أن العرب لبثوا عند بلبيس مدة شهر جدث في أثنائه قتال كثير، وقتل من العرب فيه عدد ليس بالقليل، ويقال إن ~~الروم خسروا ألف قتيل وثلاثة آلاف أسير. # 22 # وصار عمرو بعد ذلك على مسيرة يوم من مفترق فرعي النيل، فمر بمدينة «هليوبوليس» ~~سائرا على جانب الصحراء، ثم هبط إلى قرية على النيل اسمها «أم دنين»، وكانت إلى الشمال من حصن «بابليون »، وموقعها اليوم ~~في قلب «القاهرة». # 23 # ولكن جيش الروم كان عند ذلك قد تنبه إلى الخطر، وما كان ليرضى أن تقع تلك القرية في يد الغزاة، وهي موضع ~~حصين يجاوره مرفأ على النيل فيه سفن كثيرة، وفي ذلك ما فيه من القيمة في الحرب. وكان أمير الجيوش الرومانية في مصر واسمه ~~«تيودور» رجلا نكولا عاجزا في الحرب، ولم يتبين له ms168 إلا عند ذلك أن تلك الحرب لم تكن غارة من غارات البدو، بل كانت حربا ~~مخطرة. ولعل «قيرس» المقوقس حاكم مصر وبطريق الإسكندرية الإمبراطوري أسرع عند ذلك مع «تيودور» إلى حصن بابليون، وجمعا فيه ~~جندا ليعبئا فيه جيشا لحرب العرب، وكانت في أم دنين مسلحة قوية؛ ولهذا كان في استطاعة الجيش الرومي الأكبر الذي في ~~الحصن أن يهبط في أي وقت شاء إلى العرب، ثم يعود إذا شاء إلى حصنه آمنا وراء أسواره العظيمة، ومضت على ذلك أسابيع عدة في ~~مناوشة وقتال خفيف لم يؤذ الروم أذى كبيرا، ولكنه قلل من عدة المسلمين بمن كان يقتل منهم، ولا سيما وقد أجهضهم ~~القتال من قبل حتى صاروا في قلة لا تستطيع إتمام ما جاءت له من الفتح. # والحق أن عمرا كان عند ذلك في حرج مخطر، وكان قد أرسل يتجسس البلاد، وعرف أنه لن يستطيع أن يفتح حصن «بابليون»، أو ~~أن يحاصره بمن بقي معه من الناس، بل رأى أنه لن يستطيع فتح مدينة مصر، وكانت متصلة بالحصن تكاد تحيط بجوانبه. وكان ~~المسلمون قد جاءوا إلى مصر راغبين في القتال واثقين في شجاعتهم وحسن بلائهم في الحروب، غير أنه لم يلقوا فوزا متصلا في ~~جميع المواقف الأخيرة كما كانوا يتوقعون. وكان عمر بن الخطاب قد وعدهم بالأمداد، فأرسل عمرو إليه يستحثه على إرسالها، ~~ولكنها أبطأت عنه، وكان كل يوم من أيام إبطائها غنما لأعدائه، حتى أصبحت كفتا الحرب مترددتين، وخيل إلى الناس أن ~~النصر في إحداهما لا يدري أحد أيتهما ترجح. # 24 # ولكن ذلك الخطر ما كان ليرد القائد العربي عن قصده، فلم تكن من شيمته أن ييئس أو يفر. فلما رأى أنه لن ~~يستطيع فتح حصن بابليون بمن معه وهو ما كان يرمي إليه، عزم على أن يسير إلى وجه آخر كان فيه من الجرأة، ولم يكن ذلك سوى ~~إقليم الفيوم، وهو إقليم خصب على نحو خمسين ميلا إلى الجنوب في الجانب الغربي للنيل، وهو العدوة القصوى، ولم يكن له ms169 على ~~ذلك بد من أخذ «أم دنين» ولو لوقت ما، فعول على أن يفعل ذلك مهما لقي في سبيله. ولسنا نعلم كيف أخذ ذلك الموضع، ولكنا ~~نعلم أنه كلف من معه من الناس مشقة كبرى. نعلم ذلك من قصة تروى عن ذلك العصر؛ # 25 # إذ قيل إن عمرا رأى جماعة يخيمون في القتال، فجعل يذمرهم ويحثهم، فقال له رجل منهم: «إنا لم نكن «حجارة» # 26 # أو حديدا.» فقال له عمرو: «اسكت فما أنت إلا كلب!» فقال الرجل: «إذن فأنت أمير الكلاب.» فكان جوابه هذا ~~باعثا على ضحك من حوله، وأعرض عنه عمرو فلم يجازه على ذلك. # ولكن مهما كان من أمر القتال وشدته، فقد أتم العرب ما قصدوا إليه وأخذوا «أم دنين»، فملكوا بذلك منزلا على النيل جعلوا ~~فيه مسلحة منهم، واستطاع عمرو أن يأخذ من السفن ما يكفي بقية جنده لاجتياز النهر. # 27 # الفصل السادس عشر # | وقعة هليوبوليس # سار عمرو بمن معه إلى الجنوب بعد أن عبروا النهر سالمين، وكان سيرهم بجوار المزارع ~~حتى بلغوا «ممفيس»، وكانت تلك المدينة القديمة قد اضمحل أمرها منذ بناء الإسكندرية، ولم يبق منها اليوم باق، على أنها ~~كانت في وقت غزوة العرب لا تزال أطلالها ماثلة في الموضع الذي كانت فيه عاصمة لدولة الفراعنة، وكانت فيها مساكن عدة لا ~~تزال آهلة، وكانت في الجانب الآخر من النيل مدينة نما أمرها وزاد سكانها، حتى لقد كان يطلق عليها اسم ممفيس # 1 # أحيانا، وتلك هي مدينة مصر، وكان أكثرها إلى جنوب حصن بابليون. ولعل العرب رأوا عند ذلك لأول مرة وهم في ~~الجانب الغربي للنيل مدينة مصر واضحة، تشرف عليها صروح حصن بابليون سامقة فوق ماء النهر من وراء جزيرة الروضة. وإن ~~نفسا كنفس عمرو لا بد أن تكون قد ثارت بها سورة الشجون؛ إذ يرى عن يمينه الأهرام، وعن يساره نهر النيل وحصن بابليون، ~~وحوله أطلال ممفيس. وأما من كان معه من الناس فأكبر الظن أنهم ما كانوا إلا غزاة البادية يسيرون بين آجام ms170 النخيل لا ~~يعبئون إلا قليلا بما حولهم من آثار الحضارة الغابرة، ولا يلتفون إلى ما دونهم من بناء الروم أو البيزنطيين. # وأما سيرهم فليس لدينا علم بين بوصفه. وكان حاكم مدينة بيوم (الفيوم) اسمه «دومنتيانوس»، وأما حاكم الإقليم فاسمه ~~«تيودوسيوس»، وكان عند ذلك مع حاكم الإسكندرية «أنستاسيوس» في بعض بلاد مصر السفلى بقرب «نقيوس»، ووكل أمر الدفاع عن ~~الإقليم إلى «حنا» # 2 # قائد كتيبة «الخفر»، وهي كتيبة من أهل البلاد، وكان تحت إمرته رجل آخر اسمه «حنا الماروسي». وقد وضع الجنود ~~عند ثغور الفيوم التي يدخل إلى الإقليم منها، وحرست حراسة حسنة، وأقام الروم ربيئة لهم في حجر اللاهون # 3 # ليرصد العدو ويعرف أخباره ومسيره، ويحمل أنباء ذلك إلى «حنا» وكان مقيما قرب شاطئ النهر، ثم أرسلت سرية ~~من الفرسان والرماة إلى العرب لتحول بينهم وبين السير. ويلوح لنا أن جنود العرب لم يقووا على أن يخلصوا ممن لاقاهم من ~~الروم، فعدلوا إلى جانب الصحراء وجعلوا يستاقون ما لاقوا من النعم، فأخذوا منها عددا عظيما، وما زالوا كذلك حتى بلغوا ~~مدينة اسمها البهنسا، ففتحوها عنوة، وقتلوا من وجدوا بها من رجال ونسوة وأطفال، # 4 # ثم سمع عمرو بأن «حنا» كان يسير وراءه في قلة خمسين من فرسانه يرقبون سيره، فبعد به عمن وراءه من جنده ثم ~~كر عليه مباغتا. فلما رأى «حنا» ذلك وأن الخطر محدق به، أراد أن يعود سريعا إلى عسكره في «أبويط»، # 5 # وهي واقعة على النيل على مسافة قليلة من موضعه، فكان يسير بجنوده في الليل ويكمنون بالنهار في النخيل ~~والآجام، ولكن عمرا علم بمكمنه؛ إذ دله عليه أحد شيوخ البدو، # 6 # فحاصره ومن معه، وقتلهم فلم يدع منهم أحدا؛ فقتل في ذلك «حنا» قائد الكتيبة ووكيله؛ لأن العرب لم يتخذوا ~~منهم أسرى. # فلما بلغ القائد «تيودور» نبأ هذه النكبة بكى وأعول، ثم هب بعد ضياع الوقت، فحشد من دونه من الجنود، وبعث بهم صعدا ~~في النهر إلى جزيرة «الكيون»، ثم أسرع «أنستاسيوس» و«تيودوسيوس» بالعودة من ms171 «نقيوس» إلى حصن «بابليون» ليساعدوا من به، ~~وأرسلوا من الحصن سرية جعلوا عليها قائدا اسمه «ليونتيوس» إمدادا للعسكر في «أبويط». فلما بلغ «ليونتيوس» مضرب العسكر ~~في «أبويط» وجد المصريين حيال العرب، ووجد أن «تيودور» قد لاذ بجنوده في مدينة الفيوم، يخرج منها بين حين وحين فيهوي إلى ~~العرب في البهنسا يقاتلهم. وكان «ليونتيوس» رجلا سمينا خاملا لا علم له بالحرب، فخيل إليه أن العرب لن يلبثوا أن ~~يهزموا ويخرجوا من ذلك الإقليم؛ ولهذا خلف نصف جنده مع «تيودور» وعاد بالنصف الآخر إلى حصن «بابليون» ليروي لأولي ~~الأمر فيه ما شهده. # ولا شك أن العرب لم يستطيعوا فتح مدينة الفيوم، وأنهم عادوا أدراجهم إلى الشمال منحدرين مع النهر، وكان «تيودور» قد أمر ~~بالبحث عن جثة «حنا» وكانت قد ألقيت في النهر، فانتشلها الناس في شبكة، ثم حنطت ووضعت على سرير، وحملت في النيل إلى ~~حصن «بابليون» تحيط بها آيات الحزن، ومن ثم بعثوا بها إلى هرقل. # 7 # وقد حزن الإمبراطور لهزيمة «حنا» وقتله حزنا شديدا، وبعث إلى القائد «تيودور» يظهر له موجدته وغضبه عليه، ~~فعرف ذلك القائد أن الإمبراطور لم يغضب عليه إلا أن وشى به «تيودوسيوس» و«أنستاسيوس»، وأبلغا الإمبراطور عنه أنه السبب في ~~قتل «حنا»؛ ومن ثم وقعت في نفسه عداوة شديدة لهذين الرجلين. # ولكن العرب لم يعودوا من الفيوم منذ أحسوا بالفشل وحده؛ فلعمري لقد يكون ابن العاص أتم في غزوته تلك أكثر مما كان ~~يطمع فيه؛ فقد أخرج جيشه من مأزق وقع فيه عند «أم دنين»، وانتقل به إلى موضع أكثر أمنا، ولقي في غزوته فوزا كثيرا ~~ونصرا في مواطن عدة وإن لم يحرز انتصارا عظيما، وشغل جنده مدة فقطع عليهم مدة الانتظار؛ إذ جاءته الأمداد بعد ذلك بعد ~~أن طال إبطاؤها عليه، فلما بلغه نبأ مجيئها عاد أدراجه بالمسلمين ليلقوها. أما «تيودور» فإنه جاء كذلك إلى الشمال مع جنوده ~~إلى حصن «بابليون»، وقد اجتمع به الجند من كل جهات مصر فأصبح فيه جيش عظيم. # وكان أول مسير ms172 عمرو إلى الفيوم نحو أول شهر مايو، وقضى في غزوته بضعة أسابيع أضاعها الروم ضياعا، بل خسروا فيها خسارة ~~كبرى، وغنم العرب فيها غنما عظيما. ولعل قدوم أمداد المسلمين التي بعث بها عمر بن الخطاب كان في السادس من شهر يونيو. # 8 # والتقى الجميع قريبا من هليوبوليس، وكان الأمير على المدد الزبير بن العوام، ابن عمة النبي وصاحبه، وأحد ~~رجال الشورى الستة، وكان معه أربعة آلاف رجل، ثم جاء في عقبه كتيبتان كل منهما من أربعة آلاف رجل، فكان جميع من جاء من ~~الأمداد اثني عشر ألفا. # 9 # وقد علم الروم أن النيل يعلو في مجراه العميق في وسط الصيف؛ ولهذا أرادوا أن يناجزوا المسلمين بمن اجتمع منهم ~~قبل أن يفيض النهر، ولكنهم عجزوا كل العجز عن أن يحولوا دون اجتماع جيوش المسلمين المتفرقة، مع أنهم كانوا يملكون حصن ~~بابليون، وكان نهر النيل في يدهم، وعادوا إلى مسلحة «أم دنين» فملكوها. فلو كان عندهم علم بالحرب وحزم في الرأي لاستطاعوا ~~أن يمنعوا عمرا من العبور إلى الجانب الشرقي، فكانوا يجعلونه بذلك في معزل عمن جاء يمده، ولعلهم كانوا يستطيعون بذلك ~~القضاء عليه. # ولكنهم لم يفعلوا ذلك مع كل ما كان لديهم من ميزة عليه، واستطاع عمرو أن يعبر النهر إما عنوة وإما على غرة منهم، وأغلب ~~الظن أنه عبر النهر في موضع أسفل من موضع «أم دنين» إلى الشمال منها؛ لأن ترعة «تراجان» كانت عند ذلك مطمومة منذ أهمل ~~أمر حفرها وكريها، ولم تكن لتعوق سير العرب حتى في وقت فيض النيل. وكان عمرو قد علم بأن أمداد المسلمين سائرة في ~~طائفتين ميممة شطر «عين شمس»، وهي «هليوبوليس»، وعلم أن مقامه في الجانب الغربي مخطر. # 10 # والحق أنه فزع خوفا من أن يفطن الروم إلى الأمر فيحولوا بينه وبين الاتصال بالمدد الذي جاء به الزبير، ولكن ~~«تيودور» ضيع الفرصة على عادته، فلم يضرب الضربة القاضية، واستطاع عمرو أن يسير للقاء المدد ويبلغ عسكر المسلمين في ~~هليوبوليس وقد امتلأت قلوب أصحابه ms173 عزة وبشرا بما وفقوا إليه من الفوز في غزوتهم. # كانت هليوبوليس في الأزمنة القديمة إحدى مدن مصر الكبرى، واسمها «أون»، # 11 # ويتردد ذلك الاسم في قصص موسى، وكان لا يزال باقيا يطلقه القبط عليها في القرن السابع، ويفيد ذلك الاسم ~~معنى «مدينة الشمس». ولا شك أن اليونان أخذوا ذلك المعنى فجعلوا اسمها عندهم «هليوبوليس»، وقد احتفظ العرب كذلك بذلك ~~المعنى فجعلوا اسم الموضع «عين شمس». # 12 # وكانت هذه المدينة معروفة بعظمة آثارها، كما كانت معروفة بأنها قبلة لأهل العلم وكعبة للدين. ولما زارها ~~«سترابو» قبل ذلك الوقت بستة قرون كان الناس هناك يدلونه على المواضع التي كان أفلاطون يتلقى فيها العلم من قبل. على أن ~~الزمن عند ذلك كان قد غير المدينة، وجرت صروفه وحروبه وحصاراته ذيل العفاء على أكثر معابدها وتماثيلها. فلما أتى العرب ~~لم يكن باقيا من مجدها القديم إلا قليل من أسوار مهدمة، وتماثيل ل «أبي الهول» قد دفن نصفها تحت الثرى، وعمود واحد ~~مما يعرف ب «المسلة»، ولا يزال باقيا إلى اليوم ذكرى من ذلك العالم الغابر. # وكانت المدينة على نهد من الأرض، يحيط بها قديما سور غليظ لا يزال أثر منه باقيا إلى اليوم. # 13 # ولم يكن لها خطر في الحرب في ذلك الوقت، ولكنها كانت تستطيع المدافعة، وكان فيها ماء كثير، وتصلح لإمداد ~~الجيش بالمئونة؛ ولهذا اتخذها عمرو مقرا، وجعل يتجهز منها لما هو مقبل عليه من القتال. وقد وصفنا فيما سلف من قولنا ~~مقدم «تيودور» إلى حصن بابليون، وأنه جعل يحشد فيه الجنود من بلدان مصر السفلى، ولكن لعله ما أتم حشد الجيش الذي كان ~~يستطيع به قتال العرب والخروج به إلى عين شمس حتى كانت الأمداد التي بعث بها عمر بن الخطاب قد بلغت عمرو بن العاص، فأصبح ~~بها أميرا على جيش عدته خمسة عشر ألفا، من بينهم طائفة من أكبر فرسان الإسلام وشجعانه. # 14 # ولسنا نعرف عدد الجيش الذي حشده الروم إلا بالظن والحدس، وقد عرفوا حق المعرفة ما كان عليه ms174 عدوهم من ~~الشجاعة؛ فقد سمع قبطي مرة وهو يقول: ما أعجب أمر هؤلاء العرب؛ فإنهم أتوا إلى مصر في قلة من الناس يريدون لقاء الروم ~~في كتائبهم العظيمة! فأجابه آخر من القبط: إن هؤلاء قوم لا يتوجهون إلى أحد إلا ظهروا عليه حتى يقتلوا عن آخرهم. # 15 # وتروى قصة أخرى، وهي أن الروم كانوا لا يقدمون على القتال، ويقولون: ما لنا من حيلة في قوم غلبوا كسرى ~~وهزموا قيصر في بلاد الشام. على أن هذه القصص قد جاءت عن طريق العرب، وإنا نشك كثيرا في صحة القصة الأخيرة؛ فإن الروم ~~كانوا أكثر عددا، وإن جيوشهم التي كانت على قدم القتال لم تكن أقل من عشرين ألفا عدا من كان في الحصون. # كانت خطة عمرو أن يجعل الروم يخرجون إليه، فيقاتلونه في السهل وهم بعيدون عن حصن بابليون، فلما أحس «تيودور» من نفسه ~~القوة جعل يناجز العرب، وسار إليهم بجيوشه نحو «هليوبوليس»، وكانت على مسافة ستة أميال أو سبعة من عسكر العرب، وكان على ~~الخيل «تيودوسيوس» و«أنستاسيوس»، ولكن أكثر الجمع كانوا رجالة، بعضهم رماة وبعضهم يحملون الرماح، وكانت ربيئة العرب قد ~~أسرعت فحملت إلى عمرو ما عزم عليه الروم، فاستطاع أن يوجه جنوده إلى مواضعها ويعبئهم للقتال، فسار هو من هليوبوليس مع ~~أكثر الجمع من العرب للقاء الروم، ولكنه أرسل تحت الليل كتيبتين؛ إحداهما إلى «أم دنين»، والأخرى وعليها خارجة بن حذافة ~~إلى مكان واقع إلى الشرق، ولعله كان في ثنية الجبل # 16 # بقرب الموضع الذي فيه اليوم قلعة القاهرة؛ فكان سير الروم على ذلك بين هذين الكمينين من العرب. وكان عمرو قد ~~أمرهما أن يهبطا على جانب جيش الروم ومؤخرته إذا ما سنحت لهما الفرصة. # 17 # وخرج الروم بين البساتين والأديرة التي كانت إلى الشمال الشرقي من الحصن وانتشروا ~~في السهل، # 18 # وكان ذلك في الصباح الباكر، ولم يكن عندهم علم بمكيدة عمرو، بل رأوا أنه كان يسير إليهم في جمعه آتيا من ~~هليوبوليس، ثم حدث اللقاء بعد ذلك، ولعله ms175 كان في مكان وسط بين معسكري الروم والعرب عند الموضع الذي اسمه اليوم ~~«العباسية». وكانت كل من الطائفتين موقنة بأن ذلك اليوم سيكون يوم الفصل في أمر مصر؛ فكانت كل تقاتل قتال ~~المستميت. فلما حمي وطيس القتال وعض الناس على النواجذ، أقبلت كتيبة خارجة تهوي من مكمنها في الجبل، كأنما هي ~~عاصفة تجتاح مؤخرة الروم. فلما رأى الروم أنهم قد أخذوا بين جيشين من عدوهم، وقع الفشل في صفوفهم، واتجهوا بعض الاتجاه ~~إلى يسارهم نحو «أم دنين»، فلقيهم الكمين الآخر، فظنوا أنه جيش عربي ثالث؛ فانتثر نظامهم، وحلت بهم الهزيمة، ففروا ~~لا يلوون على شيء يطلبون النجاة من سيوف العرب وهي تلمع كأن وميضها وميض البرق. فاستطاع الأقل منهم أن يبلغ الحصن برا ~~فيلوذ به، وكثير منهم ساقهم الفزع إلى النهر، فنزلوا في السفن وعادوا إلى الحصن، ولكن طائفة كبيرة هلكت، واستولى العرب ~~بعد انتصارهم على «أم دنين» مرة أخرى. وقد قتل في الوقعة كل من كان بها من الجنود إلا ثلاثمائة، ولاذ كل من نجا من الروم ~~بحصن «بابليون» وأغلقوا عليهم الأبواب، ولكنهم منذ علموا بما أصاب إخوانهم الروم من القتل حملهم الخوف على أن يتركوا ~~الحصن، فساروا في النهر إلى «نقيوس». # وليس في الأخبار ما يذكر عدد القتل من الجانبين، ولكن من المعروف أن أمير الجيش «تيودور» والحاكمين «تيودوسيوس» ~~و«أنستاسيوس» لم يقتلوا. على أنه قد بقي من الروم فئة لا بأس بها اجتمع إليها من كان في الحصن في أثناء القتال، فصارت ~~منهم جميعا مسلحة قوية تستطيع الدفاع عنه، ولكن النصر أفاد العرب فوائد جمة؛ فقد أصبحت مدينة مصر في قبضة يدهم بغير ~~قتال، وكانت من قبل يحميها الجيش الذي في الحصن، # 19 # وأصبحوا يملكون ناصية شاطئ النهر من ناحيتي الحصن من أعلاه ومن أسفله، ونقلوا عسكرهم من هليوبوليس فضربوه في ~~شمال الحصن وشرقه بين البساتين والكنائس، وذلك هو الموضع الذي صار يعرف بالفسطاط فيما بعد. وقد صار جيش العرب بعد ذلك ~~النصر كافيا لحصار «بابليون» لا يعوقه ms176 عائق من التضييق عليه، بعد أن قضى على جيش الروم فلم تبق منه إلا الفلول التي ~~لاذت بالحصن أو هامت على وجهها في بلاد مصر السفلى. ولما بلغت أنباء نصر العرب إلى الفيوم غادرها من بها من المسالح، فخرج ~~«دومنتيانوس» عندما علم بذلك من المدينة في الليل، وسار إلى «أبويط»، ثم نزل في النهر بجنوده، وجد هاربا إلى «نقيوس»، ~~ولم يخبر أهل «أبويط» بما كان منه من ترك الفيوم لأعدائه لا دافع عنها أحد. ولما بلغ نبأ «دومنتيانوس» وهربه إلى عمرو بن ~~العاص بعث كتيبة من جنده عبروا النهر، وفتحوا مدينتي «الفيوم» و«أبويط»، وأحدثوا في أهلها مقتلة عظيمة، وأصبح ذلك ~~الإقليم تحت الحكم الإسلامي منذ ذلك الحين. # ولما قضى عمرو بذلك على كل من وقف له من الفيوم، وخلص له أمرها، أرسل جنوده إلى موضع اسمه «دلاص»، # 20 # رآه أصلح المواضع للنزول من النهر إلى ذلك الإقليم، وأصبح العرب بذلك إلى حين سادة النهر، وكان هذا أثرا ~~عظيما من آثار النصر. غير أن الروم كانوا لا يزالون يملكون جزيرة الروضة، وهي جزيرة ذات حصون تتصل بحصن بابليون، تسير ~~بينهما السفن والقوارب، وبقيت الأسفار على ذلك في النهر على عادتها يكاد لا يعوقها عائق؛ لأن العرب لم يكونوا من أهل ~~البحار؛ إذ لم يحذقوا بعد تسيير السفن، وكانوا في شغل بما هم فيه من القتال والفتح في الأرض. وعاد عمرو فأمر جرائد الخيل ~~بالعودة إليه، # 21 # وكان أنفذهم يجوسون خلال البلاد بعد وقعة عين شمس، ثم أمر «أبا قيرس» # 22 # حاكم دلاص أن يمد المسلمين الذين كانوا بالفيوم بالسفن لينتقلوا فيها من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي. ~~وكان يقصد بذلك أن يفتح كل إقليم مصر، وهو الإقليم الذي كان يلي مفترق فرعي نهر النيل. # ولعل وقعة عين شمس كانت في النصف من شهر يوليو سنة 640، وقضى العرب في فتح الفيوم نحو أسبوعين؛ وعلى ذلك لم يبدأ فتح مصر ~~السفلى قبل شهر أغسطس، وكان عمرو يطمع أن يبسط يده إلى هناك قبل ms177 أن يحول فيض النيل بينه وبين ذلك. وأما ما كان من أمر ~~«جورج» حاكم إقليم مصر، فإما أن يكون قد وقع في الأسر عند فتح مدينة مصر، وإما أنه أذعن للعرب وخضع لأمرهم. فالحق أن ~~الرهبة من العرب أخذت عند ذلك بقلوب الناس في كل البلاد، ولا سيما ما كان منها على كثب من سيوفهم، اللهم إلا المواضع ذات ~~الحصون. # غير أن مصر السفلى كانت تشقها الترع الكثيرة، وكان بعض هذه الترع لا يمكن اجتيازه خوضا، فجاء الأمر إلى «جورج» أن ~~يقيم قنطرة على الترعة عند قليوب، وقال حنا النقيوسي: «وأخذ الناس يساعدون المسلمين.» # 23 # وإنه لمن سوء الحظ أن قول الأسقف هنا ليس بالواضح البين، غير أنا إذا قرنا ذلك القول مع سائر ما جاء في ~~ديوانه رأينا أن معناه لا يزيد على أن الناس قاموا بتلك المساعدة إذ أمروا بها؛ أي إنها لم تكن مساعدة الراغب المختار، ~~بل عمل المجبر المضطر. وفي الحق أنا لو أمعنا النظر لرأينا في قول الأسقف نفسه ما يدل على ذلك دلالة واضحة؛ فإنه ~~بعد أن قال إن العرب فتحوا المدينتين الكبيريين «أثريب» و«منوف»، وملكوا ريفهما، وبسطوا سلطانهم على إقليم مصر كله، قال: ~~«إنهم لم يكفهم هذا، بل أمر عمرو أن يؤتى بالحكام من الروم مجموعة أيديهم في الأصفاد وأرجلهم في القيود، ثم أخذ من الناس ~~أموالا عظيمة، وضاعف عليهم الجزية، وأمرهم أن يأتوا له بالأعلاف لخيله، وظلمهم ظلما كثيرا.» وليس من العجيب أنه بمثل ~~هذه الشدة قضى على كل مقاومة، وجعل الناس لا يعصون له أمرا، ولكنا لا نجد كلمة واحدة تدل على أنه قد كان بين أهل مصر من ~~كان لمجيء المسلمين في قلوبهم إلا وقع الخوف والرعب. # على أن مدينة «نقيوس» - وكانت على الفرع الغربي للنيل - بقيت بنجوة من العرب بعد أن أخذوا «أثريب» و«منوف»؛ وذلك لأنها ~~كانت ذات حصون قوية وأسوار منيعة، فما كانت لتؤخذ حتى يحاصرها العرب حصارا تاما، ولم يستطع العرب ذلك عندئذ؛ إذ ~~كانوا لا يملكون ms178 العدة للحصار ولا يتسع لهم الوقت له؛ وعلى ذلك بقيت «نقيوس» كأنها حلقة تصل من كانوا في حصن «بابليون» ~~بمن كانوا في الإسكندرية، غير أن كبار الروم الذين كانوا فيها لم يستطيعوا البقاء بها عندما جاءتهم أنباء فتوح العرب ~~وفوزهم، فهاجروا إلى العاصمة، ولم يغادروا في المدينة إلا «دومنتيانوس» في قلة من الناس للدفاع عنها، وبعثوا إلى «داريس» ~~في سمنود يأمرونه أن يحفظ ما عنده من البلاد التي بين فرعي النيل، وعند ذلك زاد الخوف وذعر الناس، وغلب الرعب على كل ~~بلاد مصر، فأخذ الخلق يفدون أفواجا من كل حدب إلى الإسكندرية تاركين أرضهم وبيوتهم وما فيها من زرع وضرع ومتاع؛ وبذلك ~~خرج أهل مصر من عهدة المقوقس (قيرس) واضطهاده الذي عصف بهم عشر سنين إلى عهد آخر من الخوف والفزع. # ولكن عمرا لم يكن عند ذلك ليستطيع أن يسير إلى الشمال في أثر تلك الأفواج ~~الهاربة؛ فإن النيل كان آخذا في مده يعلو به الماء علوا سريعا في أواخر شهر أغسطس، فأصبحت البلاد لا يمكن السير ~~فيها، وكان فوق ذلك لا يريد أن يخلف وراءه ذلك الحصن العظيم حصن «بابليون» بغير ردء من جنوده يدرأ عنه، وإذا هو شاء أن ~~يجعل من جنوده ردءا كان لا بد له أن يخلف جانبا عظيما من جيشه؛ فلا يبقى له بعد ذلك من الناس من يقدر بهم على فتح ~~الإسكندرية، فلم يكن له مفر من أن يعمد بعد ذلك إلى فتح حصن «بابليون». # الفصل السابع عشر # | حصن بابليون # بقي من حصن بابليون إلى نحو أوائل القرن العشرين ما يدل على ما كانت عليه هيئته وعظمة خطره، وكان الفضل للقبط في حفظ تلك ~~البقية؛ إذ اجتمعت لهم كنائس عدة فيه منذ أول عهد المسيحية ؛ لأنهم وجدوا وراء أسواره منعة لهم في أيام المحنة والشدة، ~~وكانت كل أسوار الحصن للقبط إلا ما كان منها للملكانيين، وهو موضع كنيسة «مار جرجس»، وإلا ما كان منها لليهود وهو موضع ~~بيعتهم. والظاهر أن المسلمين لم يحفلوا بالمحافظة ms179 على ذلك الأثر مع ما كان له من الخطر في أيام فتحهم ومع كثرة ما كتبه ~~مؤرخوهم عنه. # ولكنه خرب تخريبا يرثى له منذ احتلال الإنجليز لمصر؛ إذ شعر أهله عند ذلك ~~بالاطمئنان والأمن؛ فقد أصبح الأمر مستقرا لا حاجة معه إلى الأسوار المنيعة، وصار القبط واليونان واليهود وكأنهم ~~يتبارون في هدم أسواره كلما بدا لهم فتح باب في ناحية أو إقامة بناء في جانب منه. فإذا نحن قلنا إن السنين الثمانية عشرة ~~الأخيرة قد شهدت من تهديمه أكثر مما شهدته القرون الثمانية عشرة التي قبلها، لم يكن في قولنا شيء من المبالغة. # فلما أن انتهى الأمر إلى ذلك، وحدث الضرر الذي كان يخشى؛ تدخلت الحكومة وبسطت حمايتها على ما بقي منه، ولكن ما أقل ما ~~قد بقي منه! # وموضع ذلك القصر المتهدم فيما يسمى «مصر القديمة»، # 1 # وكان باقيا من الأسوار ثلاثة جوانب لم يكد يمسسها أذى منذ بضع سنين، ولكن لم يبق ~~منها اليوم إلا قطع من جانبين اثنين، وأما الثالث فقد شوه ومسخ مسخا. وكان سمك ~~أسواره ثماني عشرة قدما، وكان بناؤها من الآجر والحجارة؛ طبقة من هذه وطبقة من تلك. وكان محيط الأسوار على شكل مربع ~~غير منتظم، ولكنا لا نستطيع البت في أمر سعته ومساحته حتى تكشف جدران الجانب الرابع، وهو الجانب الذي لم يبق منه أثر. ~~ويتخلل كلا من الجانبين الجنوبي والشرقي من أسوار الحصن أربعة أبراج بارزة، بينها مسافات غير متساوية، وكانت ثلاثة من ~~هذه الأبراج الأربعة التي إلى الجنوب لا تزال ظاهرة إلى عهد قريب، وأما الآن فإن أحدها قد تهدم واندثر ولم يبق إلا ~~اثنان، ونستطيع أن نرى بينهما الباب العظيم القديم الذي كشف مما كان علاه من الأقذار والأتربة إلى نحو ثلاثين قدما. # 2 # وأما الجانب الغربي فلم تكن به بروج، ونستطيع أن ندرك علة ذلك متى عرفنا أنه في وقت بناء الحصن كان ماء النيل ~~يجري تحت أسواره فكانت السفن ترسو تحتها، وقد بقيت الحال كذلك إلى أيام فتح ms180 العرب. وكان للحصن باب آخر في تجاه النهر، ~~ولعله كان بين الصرحين العظيمين المستديرين اللذين بقيا إلى عهد قريب، لم يبلغ منهما التهدم مبلغا كبيرا إلا فيما ~~انتابهما في المدة الأخيرة من التغير. وأما اليوم فقد بقي من أحدهما أثر، في حين لم يبق من الآخر شيء تراه العين؛ لأنه ~~دخل في بناء مربع أقامه أبناء العرب في العصر الحديث. وكان كل صرح من هذين الصرحين دائريا يبلغ قطره نحو مائة قدم، وكان ~~في داخله دائرة أخرى من البناء، وتقطع ما بين الدائرتين الخارجة والداخلة جدران من البناء تقسم الصرح إلى ثمانية أقسام، ~~كان في كل منها سلم حجري صاعد إلى أعلى البناء. وأما علو الأسوار فكان على وجه الإجمال نحو ستين قدما كما أظهره ~~الحفر الحديث، ولكن الحصن كله مطمور اليوم إلى نحو ثلاثين قدما فيما تخلف حوله من أثر العصور المتتالية عليه. وأما ~~الصروح فكانت أعلى من ذلك؛ فكان الصاعد إلى أعلاها يشرف على منظر عظيم يبلغ مداه إلى المقطم من الشرق، وإلى الجيزة ~~والأهرام وصحراء لوبيا من الغرب، وإلى قطع كبيرة من نهر النيل من الشمال والجنوب، وكان الناظر من هناك في وقت غزوة ~~العرب، وذلك قبل أن تبنى القاهرة، لا يقف شيء دون بصره حتى يبلغ مدينة عين شمس. # 3 # وكان بين الصرحين الكبيرين سور ساتر ينفذ منه الباب الذي ذكرناه آنفا، ولكن ذلك ~~الباب ليس هو الذي يكثر مؤرخو العرب من وصفه ويقرنونه باسم المقوقس؛ فإن الباب الذي يقصدونه هو الجنوبي، وهو الذي نراه ~~اليوم ماثلا، وأما ذلك الباب بين الصرحين فقد تهدم أو طمر في الأرض فلم يبق اليوم له أثر. وهذه حقيقة أصبحت ثابتة ~~لا ريب فيها؛ لأن البحث الحديث قد أظهر أمرا عجيبا، وهو أن النيل نفسه أو فرعا قصيرا منه كان في وقت الفتح يبلغ إلى ~~الباب الأكبر الجنوبي (وهو ما يسميه العرب بالباب الغربي)، # 4 # وإلى مرسى السفن الذي كانت ترسو عليه السفن الرومانية، وكان لذلك المرسى درج يهبط منه ms181 إلى الماء كلما تغير ~~علو النهر. وإن وجود هذا المرسى إلى اليوم لدليل على دقة وصف مؤرخي العرب في بعض الأحيان لما يرون. ولعل ذلك كان حال ~~الباب الذي كان بين الصرحين المستديرين اللذين كانا تجاه جزيرة الروضة، ولكن من الثابت أن ذلك الباب الجنوبي - باب كنيسة ~~المعلقة - هو الذي يرد ذكره في أخبار مؤرخي العرب ويسمونه «الباب الحديدي»، وتدل على هذا أدلة كثيرة: (أولها) أن ~~البحث قد كشف عن المرسى الذي كان هناك في النهر عند ذلك، و(ثانيها) أن الباب الذي لا يزال باقيا إلى اليوم فيه مجرى ~~عميق منقور في البناء كانت جوانب الباب تجري فيه إذ يدلى من عل، وكان ذلك الباب إما مصنوعا من الحديد أو عليه غطاء من ~~صفائح الحديد، و(ثالثها) أن المقريزي # 5 # ينص على أن الباب الحديدي هو الباب الغربي (الذي نسميه نحن في كتابنا هذا بالباب الجنوبي)، في حين أن ابن دقماق # 6 ~~- وكان يعيش في عصر المقريزي - يقول إن الباب الغربي هو الباب الذي يلي كنيسة المعلقة. # ومن أغرب ما يذكر هنا أن ذلك الباب الحديدي الذي يلي المرسى القديم كان إلى سنة ~~1400 للميلاد لا يزال مدخل الحصن الذي يلجه الناس منه، وكان السوق الذي يسمونه «السوق الكبير» واقعا إلى جوار ذلك ~~الباب، وكانت هناك طريق تنفذ من ذلك الباب مما يلي كنيسة المعلقة، ثم تسلك الحصن كله حتى تخرج من أسواره من باب في الشمال ~~في تجاه جامع عمرو. وكان إلى جوار ذلك الباب الحديدي كذلك مخفر بنائه، ولعله كان ذلك البناء الروماني المنفصل عن الحصن، ~~وقد بقيت للآن منه بقية صغيرة. ومع أن عبارة ابن دقماق يفهم منها أن الحصن كانت له أبواب عدة أخرى، فإنه لا يذكر إلا ~~بابا آخر، وهو في الجانب الغربي، ولعله كان الباب بين الصرحين. وما دام الأمر كما وصفنا، فإنه يكون من الثابت أن السور ~~الغربي كان على النيل، وأن السفن كانت تبلغ الباب الحديدي، ولكن النهر في هذه الأيام قد بعد ms182 بعدا كبيرا عن أسوار الحصن، ~~وعلت الأرض حوله فطمرت نصف أسواره، فذلك النصف من الأسوار قد بقي تحت الأرض محفوظا إلى اليوم لم تعصف به يد الهدم، ولعله ~~ينكشف يوما مما علاه فيظهر للعين. # وكانت جزيرة الروضة كذلك ذات حصون ومنعة في ذلك العصر، وكانت تزيد في قوة حصن بابليون وخطره الحربي بأنها كانت في وسط ~~النهر تملك زمامه. ويظهر من قول ابن دقماق # 7 # أن العرب غزوا تلك الجزيرة في أثناء حصارهم لحصن بابليون، فلما خرج الروم من هناك هدم عمرو بعض أسوارها ~~وحصونها، فبقيت مجردة عاطلة حتى أعاد ابن طولون بناء أسوارها في عام 876 ليجعلها مقرا لخزائنه وقصره الخاص. وكانت تلك ~~الجزيرة تتخذ لغرض آخر، فكان يسميها العرب في العصور المتأخرة «جزيرة دار الصناعة»، وقد بني مقياس النيل في الطرف ~~الجنوبي منها في سنة 716 للميلاد بدل مقياس قديم كان في حصن بابليون. # وكان الإقليم الذي إلى شرق الحصن في وقت الفتح مزارع فسيحة، وكانت إلى شماله الحدائق وحوائط الكرم، وفيما يليها إلى ~~الجبل الشرقي كنائس وأديرة متصلة إلى الموضع الذي به اليوم جامع ابن طولون وقلعة الكبش. وقد بقيت بعض هذه الكنائس وتلك ~~الأديرة إلى اليوم، بعضها داخل سور القاهرة وبعضها خارجه، مع أن الملك الناصر بن قلاوون # 8 # هدم أكثرها في القرن الرابع عشر. # وأما منشأ بناء الحصن فقد ذهبنا فيه إلى رأي # 9 # ظهرت صحته فيما بعد عندما نشر ديوان «حنا النقيوسي»، وذلك الرأي هو أن أول من بناه الإمبراطور الروماني ~~«تراجان» في العام المتمم للمائة من الميلاد. وقد جاء في ديوان حنا أن اليهود ثاروا بالإسكندرية مرة، فأرسل إليهم ~~«تراجان» جيشا عظيما وجعل أميره «مرقيوس تربو»، ثم جاء بنفسه إلى مصر، وبنى بها حصنا، وجعل فيه قلعة منيعة قوية، وجعل ~~فيها ماء كثيرا. # 10 # ولعل هذه الكلمة الأخيرة يقصد بها ما حفره من الآبار عند الصرح المستدير وفي مواضع أخرى من الحصن، ثم قال بعد ~~ذلك إن أصل ذلك الحصن كان بناء أقامه ms183 «بختنصر» وسماه باسم عاصمة ملكه «بابليون»، وذلك عندما غزا مصر، فأقام تراجان ~~أسوار الحصن على أساسه وزاد في بنائه. # 11 # وعلى كل حال فلا شك في أن البناء القائم اليوم بناء روماني، ولا نظن أن تراجان جعل بناءه على نسق كان في ذلك ~~الموضع من قبل. # على أنه من المحقق أنه قد كان في تلك الجهة حصن قديم؛ فقد جاء سترابو # 12 # إلى مصر قبل عهد تراجان بنحو مائة وثلاثين عاما، وقد ذكر أنه رأى حصنا قويا على نهد من الصخر، وقال إن ~~السبب في تسميته أن جماعة من أسرى بابل كانت مقيمة فيه. وقال تيودور # 13 # إن ملك مصر «سيزوستريس» جاء بجماعة من أسرى البابليين وأنزلهم في قصر، فأطلقوا على القصر اسم المدينة التي ~~جاءوا منها. ويقول المؤرخ «يوسفوس» # 14 # إن الحصن لم يبن إلا في أيام غزوة الفرس في حكم الملك قمبيز. وقال «ابن بطريق» # 15 # إن «آخوس»، وهو «أرتخشيارش أوخوس»، هو الذي بنى الحصن. وإذن نستطيع أن نقول إنه قد كان على مقربة من موضع ~~الحصن القائم في الوقت الحاضر حصن قديم كانوا يطلقون عليه اسم «بابليون» مدة قرون طويلة قبل أيام تراجان، ولكنا ~~بينا في موضع آخر # 16 # أن ذلك الحصن القديم كان على نهد صخري كما قال سترابو، وكان ذلك إلى الجنوب من الموضع الذي به الحصن اليوم ~~(ولا يزال ذلك النهد الصخري إلى اليوم ماثلا يرى). ولعل ذلك النهد الصخري وما جاوره كان داخلا في مدينة مصر في وقت ~~غزوة العرب، وكانت مصر إذ ذاك تتصل شمالا بموضع الحصن الروماني، ولعلها كانت تتصل بما بعد ذلك. وكان حول الحصن خندق أعاد ~~المقوقس (قيرس) حفره، واتخذ عليه قنطرة متحركة. # 17 # وإنا نظن أنه كان لا يزال بمدينة مصر في ذلك الوقت كثير من مباني المصريين القدماء؛ فإن الباحثين اليوم يعثرون ~~في كثير من الأحياء على حجارة كبيرة وعليها نقوش بالخط الهيروغليفي. # وقد سبب اسم «بابليون» ارتباكا كبيرا لكتاب العرب، وبقي ذلك الاسم إلى اليوم، ولكنه ms184 لا يطلق على الحصن نفسه، ~~فاسمه الآن «قصر الشمع»، بل يطلق على دير صغير على مسافة قليلة من الحصن نحو الجنوب، وهو «دير بابليون»، وكان اسم ~~الحصن باللغة القبطية في وقت الفتح «بابلون-آن-خيمى»، ومعناه «بابليون مصر»؛ # 18 # فكان من السهل تحريفه في اللغة العربية؛ لأن أول جزء منه «باب»، ويمكن أن يفهم أن الجزء الثاني منه مضاف إلى ~~الأول، وقد سبقت الإشارة إلى هذا. # 19 # وليس من السهل أن نعرف أصل تسميته بقصر الشمع في اللغة العربية؛ فقد يكون لفظ «الشمع» تحريفا للكلمة القبطية ~~«خيمى»، ولكن قد نصت الأخبار على أنه قد كان في حصن «بابليون» القديم هيكل للنار، وأنه قد بني هيكل آخر مثله في صرح ~~من الصروح بالحصن الروماني، وذلك في مدة تملك الفرس للبلاد في القرن السابع. ونجد في كتاب ياقوت ذكر «قبة الدخان». # 20 # ولعل منشأ ذلك أن الصروح العالية كانت تتخذ في وقت الحروب مراقب تبعث منها الإشارات، فلعله قد جعل على أحد ~~الصرحين أو عليهما معا منائر توقد فيها النيران للإشارة، فنشأ من ذلك اسم قصر الشمع. # 21 # ومهما يكن من أمر العرب وتحريفهم لاسم الحصن، فقد ظل كتاب أوروبا في القرون الوسطى يطلقون على ذلك الموضع ~~اسم «بابليون»، وليس اسم مصر، وحفظوا تلك التسمية إلى ما بعد بناء القاهرة، فصاروا يطلقون على مدينة مصر اسم «بابليون»، ~~ويسمون حاكمها «سلطان بابليون». # 22 # وبعد، فلنا كلمة أخرى؛ فإنه لم يرد لنا إلا القليل من أخبار ما كان في داخل الحصن من البناء في وقت حصار عمرو له، ~~ولكنا نعرف أنه قد كان به مقياس للنيل بقيت آثاره إلى أيام المقريزي، # 23 # وكذلك نعرف أن بعض ما بقي به إلى اليوم من الكنائس كان عند ذلك قائما تصلي فيه جنود الروم، نضرب لذلك مثل ~~الكنيسة الكبرى كنيسة «أبو سرجة»، ولعل منها كذلك كنيسة «المعلقة» نراها اليوم بعد أن مضى عليها من الدهر ثلاثة عشر قرنا. # 24 # الفصل الثامن عشر # | حصار حصن بابليون وفتحه # عاد عمرو منذ ms185 أول شهر سبتمبر إلى حصن بابليون، وجهز نفسه لكي يضيق عليه الحصار، وكان ذلك الحصن منيعا على أعدائه، ~~ولا بد أن تطول بهم مدة حصاره؛ إذ كانوا لا علم لهم بحيل الحصار، وليس معهم من عدته شيء، في حين أنه كان حصنا تحيط به ~~أسوار عظيمة وصروح عالية يحيط بها من ورائها نهر النيل؛ إذ كان الخندق الذي حولها عند ذلك مليئا بالماء، وكان العرب قد ~~غنموا بعض آلة الحرب في غزاة الفيوم ومن حصن تراجان في منوف، ولكنهم كانوا لا خبرة لهم بأمرها، ولا علم عندهم بطرق إصلاحها ~~إذا هي اعتراها الفساد؛ ولهذا لم يضروا بها مسلحة الحصن إلا ضررا يسيرا، # 1 # مع أنه قد كان دونهم نهد من الأرض على نحو مائتي ياردة (ثلاثمائة ذراع) إلى جنوب الحصن، وهو موضع إذا وضعوا ~~عليه آلة الحصار كان فيه رجحان لهم وقوة. # وقد قلنا فيما سبق إن الحصن كان على كل جانب النهر يتجه إليه بأطول جوانبه، تحف به المياه في وقت الفيض، وكان الباب ~~الحديدي تجاه الخندق والمرسى في الجهة الجنوبية من الحصن، وكان في تجاهه جزيرة الروضة يتصل طرفها الجنوبي بالحصن بجسر من ~~السفن، ولا سيما في أيام السلام. ولسنا ندري إذا كان ذلك الجسر قد ترك في إبان الحرب على ما كان عليه من قبل، ولكنا ~~على يقين من أن القناطر فوق الخندق بقيت مشدودة إلى جانب الباب الحديدي في مأمن من الخطر، وأن السفن كانت تمضي بين الحصن ~~والجزيرة بغير عائق؛ فإن عمرا لم يستطع بعد أن يملك زمام النهر مع كل ما كان من انتصاره؛ لأن أتيه الهدار لا يقوى ~~عليه من هم أخبر من العرب بتسيير السفن. ولو أتى عمرو إلى الحصن من جانب النهر لاستاقت مياهه السفن التي أتى فيها، أو ~~لأغرقها من في الحصن من رماة المنجنيق. # ولا خلاف بين مؤرخي العرب أجمعين في أن المقوقس (وهو البطريق قيرس) كان بالحصن # 2 # عند ابتداء الحصار، وكان تيودور كذلك بالحصن قبل وقعة عين ms186 شمس. ولا ندري إذا كان قد حضر الوقعة بنفسه أم لم ~~يحضرها، ولعله كان هناك ثم لحق بالهاربين بعد الهزيمة ولاذ بالإسكندرية؛ وعلى ذلك كان «قيرس» القائد الأكبر في الحصن، وهو ~~خليفة هرقل على مصر، ولكن القائد الذي كان يدبر أمر الجنود هو من يسميه العرب «الأعيرج» # 3 # ولعل ذلك تحريف منهم لاسم «جورج»، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا الرجل خلاف الحاكم «جورج» الذي أمره عمرو أن ~~يقيم له جسرا على ترعة قليوب. وكان في الحصن قائد آخر بقي فيه طول مدة الحصار، وهو «أودقيانوس» أخو «دومنتيانوس». # 4 # ولعل كل الجنود التي كانت تحت إمرة جورج تبلغ الخمسة آلاف أو الستة آلاف لا يمكن أن تزيد على ذلك كثيرا. وكان ~~بالحصن كثير من الأزواد والذخائر من كل نوع، وكان قد اجتمع به عدد عظيم من غير الجند من أهل مدينة مصر والأديرة ~~المجاورة، ولكن أغلب الظن أن هؤلاء أخرجوا عن طريق النهر ليوسعوا على الجنود. ويجدر بنا هنا أن نذكر أن كل الكنائس التي ~~كانت في داخل الحصن كانت تؤمها قسوس على المذهب «الخلقيدوني» أو الملكاني، ولم يبح لأحد هناك أن يتعبد على غير ذلك ~~المذهب؛ فإن قيرس كان لا يزال على عهده العدو الأكبر لمذهب القبط، وبقي على ذلك إلى آخر أمره، وإن في وجوده بالحصن لأقوى ~~دليل إذا احتاج الأمر إلى دليل على أنه لم يبق بالحصن من القبط إلا من أزالهم الاضطهاد عن عقيدتهم، بل إن الروم أساءوا ~~الظن ببعض هؤلاء، فوضعوهم في السجن وأنزلوا بهم فيه نكالا فظيعا كما سنرى فيما بعد. # ومن ذلك نعرف أن مؤرخي العرب ومن قال قولهم إنما يمسخون الحقيقة ويقلبونها قلبا؛ إذ يقولون إن جند الحصن أو كل من كان ~~به كانوا من القبط؛ فإن القبط لم يكونوا في شيء من القتال ولا الجيوش، وكان الاضطهاد في مدة السنوات العشر قد شطر مذهبهم ~~وفرقهم، فكان منهم من ذهبوا أفرادا وجماعات فهربوا إلى الجبال والكهوف، أو أووا إلى الصحراء، أو لاذوا ms187 بالأديرة ~~الحصينة في الصعيد. وأما أقباط مصر السفلى وبابليون والإسكندرية فقد اضطروا إلى الدخول في مذهب الدولة، ولم يغن عنهم ~~شيئا ما كان في قلوبهم من كره لما دخلوا فيه. وقد كتب مؤرخو العرب بعد الفتح بقرون، فكانوا يذكرون جيوش المصريين وقواد ~~المصريين لا يميزون بين القبط والروم، فكثرت من ذلك زلاتهم وعظم خلطهم؛ فعلينا أن نبين هنا بيانا لا شك فيه أنه لم ~~يكن في ذلك الوقت شيء اسمه القبط في ميدان النضال، ولم تكن منهم طائفة لها يد فيه، بل كان القبط إذ ذاك بمنجاة عنه قد ~~أذلهم «قيرس» وأرغم أنوفهم؛ فليس من الحق في شيء أن يقول قائل إن القبط كانوا يستطيعون أن يجتمعوا على أمر أو ينزلوا ~~إلى القتال أو يصالحوا العرب. # وكان حريا بقيرس عند ذلك أن يدرك كيف خذل مصر وأضعفها عن لقاء أعدائها، مهما كان في قلبه من عوامل الضغن على القبط؛ ~~فقد أدى عسفه إلى شيء يظنه من يراه توحيدا لمذاهب الدين، وما هو كذلك؛ فإنه بعسفه قد قطع أسباب المودة بين الحكام ~~والرعية قطعا، فما كان له أن يتوقع من القبط خيرا، بل كان خير ما يقع منهم له أن يعتزلوا جاهمين فينظروا إلى نضال بين ~~طائفتين كلاهما غريب عنهم كريه في أعينهم. لقد كان أمر الروم يضعف، وقوة جيوشهم تخور، وأملهم في النصر وتخليص مصر يخبو ~~شيئا فشيئا. أكان هذا ما قصده «قيرس» وسعى إليه؟ # كان المقوقس آمنا إلى حين في قصره المنيع تحيط به مياه النيل، وكانت مجانيق الروم أقوى أثرا مما كان يرميه المسلمون ~~إلى الحصن من حجارة وسهام، ولكن ما كانت تلك الحال لتبقى؛ فإن الماء في الخندق كان لا بد له أن يهبط بعد حين. وقد أدى ~~صبر العرب وشدة بأسهم في القتال إلى خور في عزيمة من بالحصن واختلاف في رأيهم؛ فما مضى شهر من الحصار حتى جمع «قيرس» من ~~وثق بهم من رءوس الحرس، ودعا معهم أسقف بابليون الملكاني، واستشارهم سرا في الأمر، وبسط ms188 لهم رأيه، وكان ذلك في أوائل شهر ~~أكتوبر سنة 640، وقال لهم إن الدبرة في الحرب كانت عليهم؛ إذ قضى أعداؤهم على أكبر جيوشهم، ثم أتوا لحصارهم بما لا قبل ~~لهم به من قوم أكثر منهم عددا وأشد في الحرب بأسا. وقال إنه لا يتوقع أن يأتي إليهم مدد يرفع عنهم الحصر قبل مضي ~~أشهر. وإذا كان الحصن يستطيع المقاومة والصبر، وهو أمر لا شك فيه، فإن عقبى الحرب كانت كذلك لا شك فيها، وما كانت تلك ~~العقبى إلا وبالا عليهم. ومنذ كان الأمر كذلك كان خيرا لهم أن يفدوا أنفسهم بالمال فيعطوا أعداءهم مقدارا منه ليرحلوا ~~عنهم، فإذا هم استطاعوا ذلك وأمكنهم أن يبعدوا العرب عن البلاد بمال يبذلونه لهم كان في ذلك كل الخير؛ إذ يخلصون مصر ~~فتعود إلى دولة الروم. وجعل قيرس يفتلهم في الذروة والغارب بمثل هذه الحجج يسوقها في بيانه الخالب الذي عرف به، حتى تبعه ~~من اجتمع عنده من القوم، فاتفقوا على أن يمضوا في الأمر إذا استطاعوا كما شاء قيرس منهم، ولكنهم رأوا من الحزم ألا يزعجوا ~~أهل الحصن من الجنود وممن كان رأيهم المضي في الحرب إلى أن يفنوا، فاستقر رأيهم على أن يذهب قيرس وأصحابه تحت ستار الليل ~~إلى جزيرة الروضة بغير أن يحس بهم أحد، ويبعثوا إلى قائد العرب بما أرادوا فيفاوضوه ولم يطلع على الأمر مطلع. # 5 # تم الأمر بعد ذلك على أبلغ الكتمان، ففتح الباب الحديدي المفضي إلى النيل، واستقل الخارجون السفن من هناك، فعبروا ~~إلى الجزيرة ونزلوا في الموضع الذي أنشئت فيه فيما بعد دار الصناعة. ولعل «جورج» قائد حرس الحصن كان معهم في تدبيرهم ~~هذا، ولكنه قد بقي في الحصن حتى إذا ما نذر أحد بخروج قيرس وفشا خبر خيانته في الناس كان هو هناك ليخمد الخبر ويقضي على ما يشاع. # 6 # وقد أمر قيرس أن ترفع قناطر الحصن حتى يأمن خروج الناس منه إذا هم علموا بخروجه وذعروا من أجله. ولما بلغ ~~جزيرة الروضة # 7 # أرسل ms189 إلى عمرو جماعة كان منهم أسقف «بابليون»، فلقيهم عمرو وأكرمهم، فأدوا رسالتهم فقالوا: # 8 ~~«إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا، وإنما ~~أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم ومعهم من العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى ~~في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع ~~عنا وعنكم القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا إن كان الأمر مخالفا لطلبتكم.» # 9 # فلم يبعث عمرو جواب ما أتوا به، وحبس الرسل عنده يومين حتى يروا حال المسلمين؛ إذ أبيح لهم أن يسيروا في ~~العسكر ويروا ما فيه، ثم بعث عمرو برده مع الرسل وقال: «ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم في الإسلام ~~فكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر والقتال حتى يحكم ~~الله بيننا وهو أحكم الحاكمين.» # ففرح قيرس لعودة الرسل؛ إذ كان قد خاف عندما حبسهم عمرو، وجعل يقول لأصحابه أترون أن العرب يقتلون الرسل ويستحلون ذلك ~~في دينهم؟ ولما جاء الرسل جاءوا وقد وقع في نفوسهم ما عند العرب من بساطة وإيمان، فقالوا: «رأينا قوما الموت أحب إلى ~~أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم ~~على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها ~~منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون في صلاتهم.» # 10 # وقد رأى قيرس مع ما اشترطه العرب من الشروط التي لا هوادة فيها ولا مفاوضة أن يبدأ في ذلك الوقت بعقد الصلح؛ ~~إذ كان العرب تحصرهم مياه النيل قبل أن يهبط النهر ويستطيعوا السير والانتقال فيجوسوا خلال البلاد ، فأرسل إلى عمرو أن يبعث ~~إليه ms190 جماعة من ذوي الرأي ليعاملهم ويتداعى معهم إلى ما عساه يكون فيه صلح، فبعث عمرو عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت، ~~وكان عبادة أسود شديدا، وأمره أن يكون متكلم القوم، ولا يجيب الروم إلى شيء دعوه إليه إلا إلى إحدى هذه الخصال ~~الثلاث. # فركب العرب السفن إلى الروضة، فلما دخل عبادة على المقوقس هابه وقال: «نحوا عني ذلك الأسود، وقدموا غيره يكلمني.» # 11 # فقال العرب جميعا: «إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع ~~جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله.» ثم قالوا، فكان قولهم عجيبا عند ~~المقوقس: «إن الأسود والأبيض سواء عندهم لا يفضل أحد أحدا إلا بفضله وعقله وليس بلونه.» فقال المقوقس الرقيق لعبادة أن ~~يتكلم برفق حتى لا يزعجه، فقال له عبادة: «إن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سوادا مني # 12 ~~... وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا في الجهاد في ~~الله واتباع رضوانه، وليس غزونا عدونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلب للاستكثار منها ... لأن غاية أحدنا من الدنيا ~~أكلة يأكلها يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها ... لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم ~~والرخاء في الآخرة.» # 13 # فوقع هذا القول في نفس المقوقس، وقال لأصحابه: «هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل؟! ... إن هذا وأصحابه قد أخرجهم ~~الله لخراب الأرض.» ثم أقبل على عبادة فقال: «أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما ~~بلغتم ما بلغتم وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم لا ~~يحصى عدده؛ قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم ولن ~~تطيقوهم لضعفكم وقلتكم # 14 ~~... ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل ms191 رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ~~ألف دينار، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم ...» # فقال عبادة: «يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك. أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم وأنا لا نقوى عليهم، ~~فلعمري ما كان هذا بالذي تخوفنا به ... وإن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم وأشد لحرصنا عليهم؛ ~~لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما شيء أقر لأعيننا ولا ~~أحب لنا من ذلك، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين؛ إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة ~~إن ظفرتم بنا، ولأنها أحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه: # كم ~~من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~، وما منا رجل إلا ~~وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، وليس لأحد منا هم ~~فيما خلفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده، وإنما همنا ما أمامنا ... فانظر الذي تريد فبينه لنا؛ فليس بيننا ~~وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل؛ بذلك أمرني الأمير، ~~وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من قبل إلينا ... إلخ.» # 15 # فأراد «قيرس» أن يستنزله عن شيء أو أن يجعله يقبل شيئا مما عرضه عليه فلم يقدر على شيء، بل وقع قوله على ~~آذان صماء لما يقول، وقال عبادة يرد عليه بعد أن نفد صبره ورفع يديه إلى السماء: «لا ورب هذه السماء ورب هذه ~~الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.» # 16 # فاجتمع عند ذلك المقوقس بأصحابه، فقالوا: «أما الأمر الأول فلا نجيب إليه أبدا، فلن نترك دين المسيح إلى دين لا ~~نعرفه ms192 .» وبذلك أبوا شرط الإسلام، فلم يبق إلا الجزية عن يد وصغار أو الحرب. قالوا: «فإنا إذا أذعنا للمسلمين ودفعنا ~~الجزية لم نعد أن نكون عبيدا، وللموت خير من هذا.» فقال عبادة لهم: إنهم إن دفعوا الجزية كانوا آمنين على أنفسهم ~~وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وحفظت لهم كنائسهم لا يتعرض لهم أحد في ~~أمور دينهم. فلما قال عبادة ما قال مالت نفس المقوقس (قيرس) إلى الإذعان؛ فقد كان وقع في قلبه أن المسلمين لا بد منتصرون، ~~فذهب ذلك بجرأته وقوة نفسه، ولكن المسيحيين لم يكونوا جميعا على ما كان عليه بطريق الإسكندرية الرومي. ويلوح لنا أن ~~«جورج» قائد جنود الحصن أتى عند ذلك فلحق بالمجتمعين، ولقي المقوقس من أصحابه عزما شديدا على القتال، ورفض ما كان يراه ~~من الإذعان. وهنا ينسدل ستار على الحوادث، كما يحدث في كثير من الأحيان، في تاريخ هذا العصر، فلم يبق لنا إلا أن نتلمس ما ~~كان ونتحسس أخباره من وراء ذلك الستار. # 17 # ويظهر لنا أن كبار الروم عندما اختلف رأيهم على قبول شروط العرب أو رفضها طلبوا أن ~~يهادنهم العرب شهرا ليروا فيه رأيه، فأجابهم عمرو جوابا قاطعا؛ إذ قال إنه لن يمهلهم أكثر من أيام ثلاثة. غير أن ~~عمل المقوقس لم يلبث أن ذاع بين الناس، فلما رجع أصحابه إلى الحصن عائدين من الروضة إذا بالناس قد ثار ثائرهم على المقوقس، ~~وأبى جند الإمبراطور إلا القتال، وظهر أمر الذين كانوا يأبون الإذعان، واستقر الأمر على هذا سريعا، فما انتهت أيام ~~الهدنة الثلاثة حتى أخذ أهل الحصن يتجهزون للخروج إلى المحاصرين يناجزونهم، ولم يبعثوا ردا إلى عمرو. وفيما كان ~~عمرو في اليوم الرابع بعد انتهاء الهدنة يفكر فيما يصنع، إذا بالروم قد خرجوا إليه فوق قناطرهم، فأخذوا جنود المسلمين على ~~غرة. غير أن تلك البغتة لم تذهل العرب، فأسرعوا إلى سلاحهم وقاتلوا الروم قتالا شديدا، وقاتل الروم يومئذ مستبسلين. ~~غير أن العرب تواردوا إليهم منذ ms193 نذروا بهم فتكاثروا عليهم، فما استطاعوا إلا أن يتراجعوا حتى دخلوا إلى الحصن بعد أن ~~قتلت منهم مقتلة عظيمة. # أما المقوقس فإنه ما زال رأيه من الإذعان والتسليم للعرب مستقرا في قلبه، وكان ~~مشئوما مشترك العقل، فرأى في انهزام الروم فرصة له؛ إذ إن من عصوه ونبذوا رأيه احتكموا إلى السيف، وحاربوا مستبسلين كما ~~ينبغي لجنود الروم أن يحاربوا، وأخذوا عدوهم على غرة، ولكن ذلك لم يغنهم شيئا، بل أخذتهم سيوف عدوهم. ورأى المقوقس ~~وهو خليفة الإمبراطور على مصر أن النصر على هؤلاء العرب لن يتأتى له، وزادته تلك الهزيمة الجديدة يقينا أنه لن يستطيع طرد ~~العدو من البلاد، ثم رأى من كانوا يعصون رأيه وينادون بالقتال قد ضعفت نفوسهم، فلم يلق منهم بعد عصيانا، وأذعنوا له ~~مرغمين جاهمين، على أن يعيد الكرة على عمرو فيبعث إليه في أمر الصلح. وإنه لمن العجيب أن شروط عمرو لم تتبدل، ولا ~~يستطيع قائل أن يقول إن العرب كانوا يبدلون شرطهم، ولم يفعلوا ذلك في أول الحرب ولا في آخرها، وكانت الخصلة التي اختارها ~~الروم هي الجزية والإذعان، فعقد الصلح على أن يبعث به إلى الإمبراطور، فإذا أقره نفذ، وأخذ قيرس على نفسه أن يبعث به ~~إلى هرقل، واتفق الروم والعرب على أن تبقى الجيوش حيث هي إلى أن يجيء رد هرقل، ولا سيما الحصن؛ فقد اتفقنا على أن يبقى ~~مع الروم إلى أن يقر هرقل الصلح. # سافر المقوقس عند ذلك مسرعا في النهر حتى بلغ الإسكندرية، وبادر بأن بعث إلى الإمبراطور كتبا يبين فيها ما كان منه، ~~ويعتذر عنه بأن الحاجة ألجأته إليه من صلح العرب، ويسأله أن يقر الصلح حتى يكفي مصر شر الحرب ووبالها. وليس بعجيب أن ~~يكون هرقل قد حار في أمر تلك الكتب التي جاءته من المقوقس؛ فإنها لا تبين إذا كان الصلح خاصا بحصن بابليون، أو أنه كان ~~صلحا على ترك بلاد مصر جميعها حتى الإسكندرية للعرب، ولا تبين هل يبقى العرب في البلاد بعد أخذ الجزية ms194 أو يرحلون عنها. ~~فهل كان معنى ذلك الصلح نزع مصر من دولة الروم وإسلامها لأعداء المسيحية؟ لقد كان الإمبراطور منذ شهور يلوم قواده، ~~ولا سيما «قيرس» خليفته على مصر؛ لأنهم فرطوا في الأمر، حتى استطاعت فئة قليلة من العرب أن ترفع ألويتها في مصر وتغلب ~~جيوش الدولة وتحادها. فإذا به وقد بعث إليه بصلح ليس يدري هل معناه رشوة العدو بمال يأخذه على أن يخرج عن تلك البلاد، ~~أم معناه إسلامها له فيبقى ذلك العدو سيد الأرض يجبي له خراجها ويتنعم بقمحها وبخيراتها؟ عجب الإمبراطور ولم يدر ما الذي ~~أدى إلى ذلك الإذعان، وعزم على أن يدعو (قيرس) المقوقس ليحاسبه على ما كان منه في مصر. # فبعث إليه رسالة يأمره فيها بأن يأتي إليه على عجل. ولعل ذلك كان في وسط نوفمبر، ولم تكن الرسالة مما يطمئن إليه ~~القلب. ولعل المقوقس قد أحس بما أجرم، وخشي العاقبة منذ جهز في نفسه ما يقوله لمولاه إذا هو حاسبه، فلم يكن لأحد سواه ~~علم بما أدى من أمانته وما اختان منها، ولا بما اتبع من أوامر مولاه بنصها أو بالمقصود منها، وما عصاه فيها في مدة ~~ولايته في تلك السنين العشر سني العسف والاضطهاد، ولكن شيئا واحدا لم يخف عن أحد، وذلك أنه قد جاء إلى مصر يقصد إلى ~~قصد ديني فلم يوفق فيه، بل أخفق إخفاقا وبيلا، وجر إخفاقه هذا على حال مصر السياسية نكبة جليلة وخطبا عظيما، ~~ولا بد أن يكون ذلك الرجل قد أحس بأن إسراعه إلى اليأس من أمر الروم وإقباله على مفاوضة العدو - لا، بل سعيه إلى ذلك ~~سعيا حثيثا - كل ذلك وصمه بمظنة السوء، وجلله بشبهة الخيانة، وما كان ليستطيع النجاة من مثل هذا الفكر مهما صور ~~لنفسه من حسن قصده، ومهما خادعها بتزويق نيته وتزيينها. لا بد أن يكون قلب ذلك الرجل قد جاش بمثل هذه الأمور عندما بلغ ~~حضرة الإمبراطور في القسطنطينية. ولقي الإمبراطور وما كان أهوله من لقاء؛ إذ لم يكن له بد ms195 من أن يقر بأنه رضي بأن يلقي ~~أموال مصر إلى العرب. # 18 # على أنه مع ذلك جعل يدافع عن فعله، ولعل ذلك كان خداعا وتصنعا، فقال إن العرب قد يحملون على الخروج بعد ~~من مصر، وإن الجزية التي دفعتها إليهم يسهل عليه أن يجبي مقدارها من متاجر الإسكندرية وبضائعها، فيعوض ذلك ما خسرته خزائن ~~الدولة. وأما فيما سوى ذلك فقد كان المقوقس لا يرى موضعا للأمان؛ إذ كان العرب قوما لا يشبهون سائر الناس في شيء؛ فهم ~~عند قولهم لا يعبئون بأمر من أمور هذه الحياة الدنيا ولا متاعها، لا يطلبون منها إلا لقمة يسدون بها رمقهم وشملة ~~يسترون بها أبدانهم؛ فهم «قوم الموت»، يرون ربحا في أن يقتلوا؛ لأنهم يرون في ذلك الشهادة التي ينالون بها الجنة، في ~~حين أن الروم يحبون متاع الحياة الدنيا ويحرصون عليه، وقال للإمبراطور: لو رأيت هؤلاء العرب وبلاءهم في القتال لعرفت أنهم ~~قوم لا يغلبون. فليس لنا من سبيل خير من الصلح مع عمرو قبل أن يفتح حصن بابليون عنوة، وتصبح البلاد غنيمة له. # بمثل هذه الأقوال أدلى المقوقس بحجته، وقد جاء في كتاب «نيقفوروس» أن الإمبراطور ~~قبل أن يبعث إلى «قيرس» ليسير إليه كان قد وجه إليه «مارينوس» ليشترك معه في الرأي لعلهما يجدان سبيلا على العرب، وجاء ~~فيه أيضا أن «قيرس» عندما بعث إلى الإمبراطور يعرض عليه دفع الجزية طلب إليه أن يزوج عمرو بن العاص من «أودوقيا» أو إحدى ~~بناته الأخرى، فإذا هو رضي بذلك تنصر ابن العاص. وتلك لعمري قصة لا تصدق؛ فما هي إلا عودة ضالة إلى قصة سابقة ~~قيلت منذ سنين، ألا وهي قصة تزويج «أودوقيا» لملك الخزر، فما كان «قيرس» ليجهل ما كان عليه المسلمون في إسلامهم من ثبات ~~لا زعزعة به، واعتقاد لا هوادة فيه. وإن قصة يقال فيها إن عمرو بن العاص يتنصر لهي قصة ضل فيها الوهم ضلالا بعيدا، ~~وليس ثمة أثر لمثل هذا الخبر في كتاب آخر كائنا ما كان، ولكن هرقل ms196 ثار ثائره بغير أن يعرض عليه المقوقس أمر ابنته ~~وتزويجها. وما كان في حاجة إلى مثل هذا ليتقد غضبه؛ فقد دهاه ما كان من أمر جنده، وعظم غيظه أن ينهزم منهم مائة ألف ليس ~~أمامهم من العرب إلا اثنا عشر ألفا. فاتهم المقوقس - ولا بأس أن نسميه بهذا الاسم حتى في عاصمة الروم - اتهمه بأنه ~~خان الدولة وتخلى للعرب عنها، ثم حكم عليه بأنه مرتكب مجرم، وما كان دونه إلا الموت جزاء ذنبه، ثم شرع يقرعه ويؤنبه ~~على ما كان منه قائلا إنه لم يكن أكثر غناء من بعض فلاحي مصر، ونعته بالجبن والكفر، وأسلمه إلى حاكم المدينة، فشهره ~~وأوقع به المهانة، # 19 # ثم نفاه من بلاده طريدا. # ولا بد أن رفض الإمبراطور للصلح كان في هذه الأثناء قد بلغ العرب وهم في حصار ~~الحصن قرب نهاية عام 640، وانتهى بذلك أمر الهدنة وعاد القتال، وعض الفريقان على النواجذ من الأضراس. وكان النيل عند ذلك ~~يهبط سريعا، وهبطت معه المياه التي في الخندق، وكلما هبطت خبت معها آمال من في الحصن إن لم تخب شجاعتهم. فلما فرغ الخندق ~~من مائه استعاض الروم عنه بأن رموا في قاعه حسك الحديد، وجعلوا ذلك الحسك كثيفا عند مدخل أبواب الحصن. ولا بد قد كان ~~المسلمون لقاء ذلك يسعون إلى طم الخندق وهدم جوانبه فيه حتى ينفذوا منه. غير أننا لا نعلم إلا قليلا مما كان في أثناء ~~ذلك الحصار، فلا نجد غير ذكر الترامي بالآلات والضرب بالدبابات، وخروج جنود الحصن إلى العرب وهجوم العرب على من بالحصن، ~~ولكن من الجلي أن العرب كانوا لا علم لهم بفنون الحصار وآلاته؛ ولذلك كان أثر حصارهم في الحصن ضئيلا بطيئا. ولسنا ندري، ~~لعل حصارهم وإن كانوا ضيقوا به على الحصن من جانب البر لم يكن ذا أثر من جانب النهر، ولكن يلوح لنا أن العرب لقوا شيئا ~~من المساعدة في ذلك الحصار من جماعة لعلهم من أهل الفيوم بعد فتحها، وكانوا أحابيش من الحزبين الأخضر والأزرق؛ # 20 ms197 # فكانت عصبة من الحزب الأخضر يقودها «ميناس»، وأخرى من الأزرق يقودها «كزماس بن صمويل»، تعبران النهر ليلا ~~إلى الروضة فتنهبان فيها، أو تهبطان على ما قد يكون بالنهر من سفن الروم أثناء عبورها إلى الحصن أو رسوها إلى جانب ~~الباب الحديدي، فكانت هذه الغزوات تؤذي مصلحة الحصن أذى كبيرا، وتنقص من هيبة الروم وسلطانهم في النهر. # ولم يكن حصار المسلمين من جانب البر نفسه على ما ينبغي من الحذر واليقظة؛ فقد خرج مرة جماعة من حرس الحصن ففاجئوا ~~عبادة والزبير # 21 # في صلاتهما، فوثب الرجلان إلى فرسيهما وحملا على الروم. فلما رأى الروم أن العدو لاحق بهم جعلوا يلقون ~~مناطقهم وحليتهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم، وعدوهم لا يلتفت إليها حتى دخلوا الحصن، وأصيب عبادة إصابة خفيفة من حجر رمي به ~~من فوق الحصن. # 22 # فرجع القائدان المسلمان، ولكنهما لم يلتفتا إلى ما ألقاه الروم، بل عادا إلى موضعهما فأتما صلاتهما، وخرج ~~الروم إلى متاعهم يجمعونه. # وقد روى الواقدي رواية عن قتال في موضع آخر، قال: إن المسلمين كانوا في يوم جمعة قد اجتمعوا للصلاة، وسار بينهم عمرو بن ~~العاص يحرضهم على القتال، فرآهم ربيئة الروم، وحمل إلى قومه في الحصن خبر اجتماعهم. فلما انتهى عمرو من خطبته نزل عن ~~منصته الساذجة التي كان قائما يخطب عليها، وأم المسلمين في الصلاة، وفيما هم كذلك هبط عليهم جنود الروم بغتة وهم ~~عزل ليس معهم السلاح، فأوقعوا بهم. # 23 # ولما مضى الشتاء قل خروج الروم من الحصن وقتالهم للمسلمين، في حين كثر هجوم المسلمين على الحصن وزاد شدة، واشتدت ~~وطأة الحراسة والقتال على الروم، وخارت قواهم عن الدفاع. على أن حصونهم ما زالت على عهدها لم يصدع الحصار منها إلا ~~قليلا، ثم فتك المرض بأهل الحصن # 24 # فقل عددهم، ولم يأتهم المدد، يتطلع حراسهم وهم فوق صروحهم إلى ما حولهم من الآفاق فلا يجدون أثرا يلوح من ~~رماح الروم ودروعهم طالعا من بين قباب الأديرة البيضاء التي تملأ السهل في شمال الحصن، وكان ms198 النهر عند ذلك قد هبط وجفت ~~الأرض، وإذا كان ثم أمل في قدوم جيش من الروم لإمداد الحصن فقد كان ذلك وقته وتلك فرصته. # ولعل ذلك هو الوقت الذي بلغ عمرا أن الروم قد أعدوا جيشا في مصر السفلى بين فرعي النيل وجعلوا عليه «تيودور»، فلم ~~يقم عمرو حتى يقبل عليه العدو، بل ترك من جيشه جماعة تكون ردءا عند الحصن، ثم سار على الفرع الشرقي للنيل، وعبر النهر ~~عند أثريب، وتوجه نحو سمنود. فبعث «تيودور» باثنين من قواده ليدافعا عن المدينة، فاتصلا بجنودهما بمن كان في المدينة ~~من الحرس، غير أن هؤلاء لم يرضوا أن يتبعوا الروم في قتال العرب، والتقى الجمعان مع هذا على كثب من سمنود، ودارت ~~الدائرة على المسلمين وعلى من كان معهم ممن أسلم من النصارى، وقتل من هؤلاء وأولئك خلق كثير، ورأى عمرو أنه لن يستطيع أن ~~يصيب البلاد الشمالية بشيء كبير؛ إذ كانت تحميها الخنادق والترع دون جرائد الخيل العربية، فعاد أدراجه إلى بوصير وجعل ~~حولها الحصون، ثم رمم حصون «أثريب» و«منوف»، وجعل فيها مسالح من المسلمين، ثم عاد إلى حصار الحصن، ولكن «تيودور» لم ~~يستطع أن يستفيد شيئا من وراء انتصاره في ذلك القتال، ولم يقدر على أن يبعث من جنده إمدادا يبلغ الحصن أو يقترب منه. # 25 # ولعل عجز «تيودور» وقعوده عن مواصلة الحرب كانا عن خيانة أصحابه وتركهم له. ولسنا ندري ما كان حال الجند الذين كانوا ~~حرسا في المدائن، فلا نعلم كم كان منهم من القبط وكم كان من الروم، بل إن المؤرخين ينسون أمرا فلا يذكرون عنه شيئا، ~~وذلك أن الروم لا بد قد امتزجوا بالمصريين في مدة القرون التي أقاموا فيها بمصر، واختلطت دماؤهم، وتقاربت أسباب التواصل ~~بينهم، وكان القبط يكرهون الدولة، ولهم في ذلك كل العذر، وكان بعض الروم لم يتغلغل الولاء لدولتهم في قلوبهم، فكانوا لا ~~يتورعون عن مساعدة العرب إذا ما رأوا في ذلك نفعا لأنفسهم، يفعلون ذلك حتى ولو لم يدفعهم دافع من ms199 اختلاف في الدين مع ~~قومهم. وإنا موردون هنا خبرين من أخبار أمثال هؤلاء وقعا في هذا الحين؛ فالأولى قصة قائد اسمه «كلاجي»، لحق بالمسلمين ~~وغادر قومه، فسعى «تيودور» حتى لقيه، وجعل يثنيه عما هو فيه بالحجة الدامغة حتى حمله على الرجوع، وكان قد ترك زوجته ~~وأمه رهينتين في الإسكندرية فافتداهما، واشترى عفو «تيودور» عنه بمبلغ من المال، ثم تسلل بجنوده تحت الليل من بين عسكر ~~المسلمين ولحق ب «تيودور»، فأرسله إلى «نقيوس» ممدا لمن فيها من الجند مع القائد «دومنتيانوس». وأما الخبر الآخر فقصة ~~الخائن التائب «سبنديس»؛ # 26 # فإنه مثل «كلاجي» تسلل من عسكر المسلمين في الليل وسار إلى دمياط، وكان عليها قائد اسمه «حنا»، فأرسله حنا ~~إلى نائب الحاكم بالإسكندرية وبعث معه بكتاب، وقد أقر «سبنديس» بذنبه والدموع تنحدر من مآقيه، وقال: «لقد كان مني ما كان ~~منذ ألحق حنا بي العار بأن ضرب وجهي ولم يرع حرمة سني، فلحقت بالعرب بعد أن كنت خادم الدولة الأمين.» وفي هذا ما يدل ~~على ما كانت عليه أسباب الوطنية من الوهن، وما كان عليه القوم من الضعف في أمر دينهم. # ومر اليوم بعد اليوم ولا شيء يبشر أهل الحصن، ولا كتاب يدخل إلى قلوبهم الرجاء. فلم تبلغهم إلا أنباء سوء وشؤم؛ ~~فقد بلغهم نبأ غضب هرقل على المقوقس، ونقضه لأمر الصلح، وحكمه عليه بالنفي، ولكن لم يبعث الإمبراطور أحدا من جنوده الذين ~~كان بهم معجبا، ولم تغن عن الحصن شيئا أوامره التي بعث بها إلى قواده. غير أن الناس ما زالوا يعللون النفس بالآمال ~~إلى أن سمعوا يوما تكبيرا عاليا في عسكر المسلمين، وذلك في أوائل شهر مارس سنة 641، فلما استطلعوا الأمر عرفوا أن هرقل ~~قد مات؛ فخارت عند ذلك نفوسهم، ولم يكن ذلك لأنهم صوروا لأنفسهم ما لا بد أن يعقب موته من الاضطراب في الدولة، بل لأنهم ~~قد ذهب عنهم ملكهم الشيخ وكان باسلا في الحرب، فكان في ذهابه عنهم ذهاب لأمرهم وخور في عزيمتهم. وقد قال أحد مؤرخي ms200 ~~العرب: «فكسر الله الروم بموته.» # 27 # وحسبنا بقوله هذا دليلا على ما أحدثه موته من الأثر في جند مصر. وأما العرب فقد زادهم نبأ موته شدة وجرأة، ~~وضاعف من همتهم في فتح الحصن. # ولكن قد بقي الحصن بعد ذلك شهرا لا يسلم، فلما أبطأ الفتح قيل إن الزبير وهب ~~الله نفسه، وأقبل مع جماعة يقودهم لفتح الحصن بعد أن أعد لذلك الأمر عدته. وكان الخندق قد طم جزء منه استعدادا ~~للهجوم، ولم يعق العرب عن ذلك دفاع أهل الحصن، وكانوا يفتك بهم المرض، ويقعد بهم اليأس، ولكن ساعة الهجوم بقيت سرا. ~~فلما جاء وقتها أقبل العرب سراعا تحت جنح الليل، # 28 # ووضع الزبير سلما على السور ولم يفطن إليه أحد، # 29 # فما شعروا إلا والبطل العربي على رأس الحصن يكبر وسيفه في يده، وتحامل الناس إليه من داخل الحصن، غير أن ~~السهام أمطرتهم من العرب في خارجه، واستطاع بذلك أصحاب الزبير أن يصلوا إليه فوق السلم ويطئوا الأسوار بأقدامهم. ~~والظاهر أن الروم كانوا يتوقعون هجوم العرب من ذلك الجانب، فبنوا حائطا تعترض الممشى فوق السور من جانبي ذلك الموضع، ~~فلما جاء العرب الذين صعدوا إلى الحصن وأناموا من كان هناك من حرسه وملكوا رأسه، ألفوا طريقهم مسدودة يعترضها ذلك ~~الحائط، فلم يجدوا سبيلا إلى السلم ليهبطوا منه إلى قلب الحصن، ورأوا أنفسهم قد بلغوا رأس الأسوار ثم لا سبيل لهم وراء ~~ذلك، وكانت تلك فرصة للمدافعين، ولو كان في قلوبهم بقية من القوة لاستطاعوا أن يرموهم بسهامهم فيردوا ذلك النفر أو ~~يقضوا عليهم، ولكنهم ما كانوا ليفعلوا شيئا من ذلك وقد بلغت أرواحهم التراقي، فاجتمع كبارهم على عجل في أول الصباح الباكر ~~فسألوا عمرا الصلح، وعرض «جورج» قائد الجند في الحصن أن يسلم على أن يأمن كل من هناك من الجند على أنفسهم. فقبل عمرو ~~منهم الصلح، وخالفه الزبير خلافا شديدا في ذلك، وقال له إنه كان على وشك أن يفتح الحصن عنوة، وقال: «لو صبرت قليلا ~~لنزلت من السور ms201 إلى داخل الحصن، ولكان الأمر على ما نشتهي.» ولكن عمرا لم يلتفت إلى ما قاله، وكتب عهد الصلح على أن يخرج ~~الجند من الحصن في ثلاثة أيام، فينزلوا بالنهر، ويحملوا ما يلزم لهم من القوت لبضعة أيام، وأما الحصن وما فيه من الذخائر ~~وآلات الحرب فيأخذ العرب كل ذلك، # 30 # ويدفع أهل المدينة للمسلمين الجزاء. # وكانت حملة العرب الأخيرة على الحصن في يوم الجمعة السابق لعيد الفصح، وذلك في السادس من أبريل سنة 641، وكان خروج الروم ~~منه في يوم الاثنين، وهو عيد الفصح. # 31 # وفي مدة تلك الأيام الثلاثة جمع الروم السفن من جزيرة الروضة، ووضعوا فيها ~~المئونة، وأخذوا في التجهز للهبوط في النيل إلى مصر السفلى. ولقد كان أشد لحزن جيش المسيحيين أن آخر يوم لهم في الحصن هو ~~يوم الفصح (يوم القيامة)، وكأننا بهم وقد اجتمعوا في الكنائس قبل أن يخرجوا والحزن سائد عليهم والذل ضارب فيهم لما ~~أصابهم من الهزيمة على يد المسلمين. ويجدر بنا أن نذكر هنا أن كبار الروم لم يتعظوا بما كان، ولم ترق قلوبهم لما نزل ~~بهم من ذهاب أمر المسيحيين في مصر، ولم تقع في نفوسهم حرمة ليوم الفصح الذي خرجوا فيه، فبقيت في صدورهم العداوة والشحناء ~~الذهبية لم يذهب منها شيء. وقد ذكرنا من قبل أنهم سجنوا في أول الحصار كثيرا من القبط الذين كانوا في الحصن؛ وذلك لأنهم ~~أبوا أن يتركوا دينهم، أو لأنهم رابهم منهم أمر. فلما جاء يوم الفصح الذي كان فيه الخروج من الحصن، جعله الروم يوم وقعة ~~ونقمة من هؤلاء المسجونين التعساء، فسحبوهم من سجونهم، وضربوهم بالسياط، وقطع الجند أيديهم، أمرهم بذلك كبيرهم ~~«أودوقيانوس». ولا عجب مع هذا أن نجد الأسقف المصري يسبهم في ديوانه حانقا، ويسميهم «أعداء المسيح الذين دنسوا ~~الدين برجس بدعهم، وفتنوا الناس عن إيمانهم فتنة شديدة لم يأت بمثلها عبدة الأوثان ولا الهمج، وعصوا المسيح وأذلوا ~~أتباعه. فلم يكن في الناس من أتى بمثل سيئاتهم ولو كانوا من عبدة الأوثان.» # 32 # ويصف ms202 الأسقف المصري أنين أولئك الأسرى الذين مثل بهم وبكاءهم؛ إذ يساقون مطرودين من الحصن يشيعهم السباب. ~~وإنه ليس بغريب مع ذلك من مثل الأسقف المصري أن يقول إن فتح الحصن للمسلمين لم يكن إلا عقاب الله على ما فعله الروم من ~~الأفاعيل في القبط، ولو أن مثل هذا القول ليس مما يصح في الأذهان. على أن ذلك الأمر له معنى؛ إذ يدل على ما كان بين ~~شيعتي المذهبين المسيحيين من عداوة لا تحل عقدتها، بقيت في قلوبهم لم تخب ولم تخمد نارها، مع ما ظهر من ثمار اختلافهم ~~وعواقب تخاذلهم من فوز الإسلام وعلو أمره. # الفصل التاسع عشر # | السير إلى الإسكندرية # انتهى حصار بابليون في اليوم التاسع من أبريل سنة 641 بعد أن لبث سبعة أشهر، وهذا أمر قد ورد جليا في أخبار العرب. على ~~أن جل مؤرخيهم إن لم يكونوا كلهم يخلطون الصلح الأخير الذي سلمت به الروم الحصن بعد أن نفي المقوقس من مصر، بالصلح ~~الذي حدث قبل ذلك في أوان الفيضان بعد بدء الحصار ببضعة أسابيع، وهو الذي عقده المقوقس ولم يقره الإمبراطور. وإنا ~~نستطيع أن نتبين أصل ذلك الخطأ بعد أن انكشف لنا التاريخ الحقيقي، كما نستطيع أن نتبين ما نشأ عن ذلك الخطأ من خلط آخر ~~لم يكن أقل منه شأنا. فليس في التاريخ مواضع وقع عليها خلاف أشد مما وقع في أمر مصر، وهل كان فتحها عنوة أو صلحا. ويقصد ~~هؤلاء الكتاب بلفظ مصر أحيانا كل البلاد، وأحيانا حصن بابليون. وقد أوضحنا فيما سلف أن الحصن يمكن الاختلاف فيه؛ فقد ~~وقع فيه حادثان؛ أحدهما فتح بالقوة؛ فإن الزبير علاه، وكان ذلك سببا في تخذيل الروم وتسليمهم؛ وأما الآخر فإن الفتح لم ~~يكن كله عنوة، بل إن حملة الزبير إنما أدت إلى أن يسلم أهل الحصن ويصالحوا. على أن قصارى الأمر لم يكن غير تسليم عن ~~أمان وصلح، وقد بين الصلح للروم شرط الخروج؛ وعلى ذلك فلا مناص لنا من أن نفند قول من يقول ms203 إن العرب فتكوا بمن كان في ~~الحصن، فما ذلك إلا حديث خرافة أساسه قول من قال إن الحصن أخذ عنوة. # 1 # ولكن الصلح الذي أبرم عند بابليون لم يكن إلا عهدا حربيا، ولم يكن عقدا سياسيا؛ فقد رضي فيه عمرو بأن يشتري ~~الحصن ويدفع ثمنا له تأمين من كانوا فيه، وخروجهم منه بغير أن يسلموا أو يدفعوا الجزية، وإنما دفع الجزية من بقي من أهل ~~المدينة. وإذ كان ذلك العهد لا يمس إلا مدينة مصر والحصن، فقد كانت الجزية قليلة ومؤقتة، فقال مؤرخ إنها كانت دينارا ~~لكل من جنود العرب ولباسا، # 2 # وكانوا في أشد الحاجة إليه. وهذا القول يتفق مع ما أورده مؤرخ آخر إذ قال: # 3 # إنه قد بقي في مصر بعد فتح الحصن جماعة كبيرة من جنود القبط. فلما رأى هؤلاء ما كان عليه العرب من الرثاثة ~~قالوا: «ما أرث العرب وأهون عليهم أنفسهم! ما رأينا مثلنا دان لهم.» # 4 # فلما سمع عمرو مقالتهم دعا جماعة من كبارهم إلى وليمة فنحر جزورا، # 5 # وصنع لهم المرق بالماء والملح، وجعل ذلك أمامهم، وقد جلس القبط إلى جانب العرب، فجعل العرب ينهشون اللحم ~~نهشا، حتى بشع القبط ذلك وعادوا بغير أن يأكلوا. فلما كان اليوم الثاني أمر عمرو قوامه أن يأتوا بألوان الطعام في مصر، ~~وأن يهيئوا منها وليمة عظيمة، ففعلوا ذلك، وجاء أهل مصر فجلسوا إلى ذلك الطعام وأصابوا منه، فلما فرغوا من أكلهم قال ~~عمرو للقبط: # 6 ~~«إنني أرعى لكم من العهد ما تستوجبه القرابة بيننا، وقد علمت أنكم ترون في أنفسكم أمرا تريدون به الخروج، ~~فخشيت أن تهلكوا، فأريتكم كيف كان العرب في بلادهم وطعامهم من لحم الجزر، ثم حالهم بعد ذلك في أرضكم وقد رأوا ما فيها من ~~ألوان الطعام الذي قد رأيتم. فهل تظنون أنهم يسلمون هذا البلد ويعودون إلى ما كانوا فيه؟ إنهم يسلمون قبل ذلك حياتهم ~~ويقاتلونكم على ذلك أشد القتال، فلا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وادخلوا في الإسلام، أو ادفعوا الجزية ms204 وانصرفوا إلى قراكم.» # 7 # وهذه القصة عجيبة؛ إذ إنها تظهر جانبا آخر من الخلق يختلف عما سمعناه من قول عبادة بن الصامت من احتقار هذه الحياة ~~ونعيمها، وهو القول الذي عجب له قيرس وردده. ولتلك القصة شأن آخر؛ وذلك أنها تدل دلالة واضحة على أن بعض القبط أخذوا ~~عند ذلك يختارون الإسلام ويفضلون الدخول فيه على دفع الجزية؛ فقد رأى هؤلاء أن الإسلام يجعل لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~على المسلمين، ويساويهم بالفاتحين في شرف محلهم، ويجعلهم إخوانهم في كل شيء، يسهم لهم في الفيء، ولا يفرض عليهم الجزاء. ~~فكان في ذلك باعث قوي لكثير منهم على الدخول في الإسلام، لا سيما وقد طحن المقوقس عقيدتهم طحنا، وحطم يقينهم ~~باضطهاده. وكذلك دخل في الإسلام كثير من الروم، بعضهم جنود وبعضهم ممن حل في مصر منهم، وفي هؤلاء يقول حنا النقيوسي: «قوم ~~ارتدوا عن دينهم المسيحي ودخلوا في دين البهائم.» وكان هؤلاء المسلمة يتظاهرون بأنهم من أشد الناس في أمر الدين، ~~يدفعهم ذلك إلى مساعدة إخوانهم العرب المسلمين على استصفاء أموال المسيحيين الذين أخرجتهم الحرب من ديارهم، وصاروا ~~يستبيحون لعنهم، ويصمونهم بأنهم «أعداء الله». # 8 # ولكن هؤلاء الذين أسلموا لم يكونوا إلا قليلا، وبقي جمهور القبط على دينهم يزدرون الذين خرجوا من نصرانيتهم، ~~وينفرون من ذلك الدين الجديد الذي دخلوا فيه، وهذا ظاهر في قول الأسقف المصري «حنا». ويجدر بنا أن نعيد هنا ما سبق لنا ~~قوله، وذلك أن القبط في ذلك العصر لم يكن لهم زعيم يأتمرون بأمره، ولا جماعة يلزمونها؛ فلم تكن بهم قدرة على أن يتعاونوا ~~على أمرهم، فكان الرجل منهم يرى لنفسه، وكانت الطائفة منهم يرون لأنفسهم بين حين وحين، ولكن لم يكن فيما بينهم تساند أو ~~تعاون؛ إذ لم يكن لديهم سبيل إلى توحيد قصدهم أو التكاتف في السعي إليه؛ وعلى ذلك فمن أكبر الخطأ أن يقول قائل إن القبط ~~عامتهم دخلوا في عهد الصلح الذي كتبه عمرو عند فتح بابليون؛ فإن ذلك العهد إنما دخل ms205 فيه أهل ذلك الموضع. على أن شروط ذلك ~~الصلح نفسه عرضت فيما بعد على من كانوا على كثب من تلك الناحية؛ فإن عبد الله بن حذافة السهمي سيره عمرو إلى عين شمس ~~ليعامل أهل المدينة والكورة التي حولها. # 9 # وهذا يدل على أن المسلمين عند فتحهم للمدينة أول مرة لم يأخذوا أمرها في يدهم ويقيموا فيها حكم ~~الإسلام. # ولكن هذا الصلح أحدث في دولة الروم أثرا كبيرا، مع أنه لم يكن إلا صلحا مقصورا على جماعة صغيرة؛ وسبب ذلك مكانة ~~ممفيس أو بابليون، فإنها وإن لم يبق لها المحل الأول في البلاد؛ إذ مضى عليها زمن طويل وليست هي عاصمة البلاد؛ كانت لا ~~تزال ذات شأن عظيم؛ إذ كانت باب إقليم الصعيد وإقليم مصر السفلى، وكان حصنها منيعا لا يكاد ينال، فإذا هو وقع في يد عدو ~~دانت له بلاد الصعيد جميعا، وهابته بلاد مصر السفلى في الشمال. ولسنا ندري ماذا كان قواد الروم يصنعون طول مدة الشتاء، ~~وما الذي حملهم على أن يخلوا ما بين المسلمين وبين الحصن حتى استطاعوا على مر الزمن أن ينزلوا من فيه، ولكنا نعلم حق ~~العلم أن الروم ضعفت قوتهم وخارت عزيمتهم عندما فتح العرب ذلك الحصن، في حين أن العرب زادوا قوة وجرأة، وأصبح في يد عمرو ~~ملك الفرما وبلبيس وأثريب وعين شمس؛ فكان باسطا سلطانه على الجانب الشرقي كله من مصر السفلى، فلما دان له الحصن صار ~~سلطانه ثابتا على مجمع النهرين، وجمع في يده أزمة وادي النيل الأوسط، وتم له بذلك الشطر من فتح مصر. # وإنا نرى أن عمرو بن العاص بعدما فرغ من فتح الحصن أمر بإقامة الجسر من السفن في النهر، أو بقول آخر أمر بإعادة إقامته ~~بين الحصن والروضة، وبين الروضة والجيزة، فوصل بذلك بين شاطئي النهر، واستطاع أن يملك ناصيته ويشرف على ما ينتقل فيه من ~~السفن والبضائع. وهذا على خلاف ما جاء في كتب التاريخ؛ إذ جاء فيها أن عمرا أمر بذلك قبل فتح الحصن، وكان ms206 عمرو شديد ~~الرغبة في أن يسير جنوده نحو الإسكندرية بعد أن طالت مدة إقامتهم بالعسكر في مصر، وكان يعرف أنه لن تمر ثلاثة أشهر حتى ~~يكون النيل قد أخذ يعود إليه مده وفيضه، فكان الوقت دونه غير متسع، وفي ضياعه مضيعة وخسارة، فأرسل إلى عمر بن الخطاب ~~يصف له ما كان ويستمده، على حين شرع يدبر أمر المدينة التي فتحها وما حولها من إقليمها، وأخذ يرمم بناء الحصن، وجعل ~~فيه مسلحة من المسلمين عليهم خارجة بن حذافة السهمي. # 10 # وما كان أعظم سرور عمرو؛ إذ رأى نفسه على ظهر جواده مرة أخرى يسير مع جيشه إلى وجه جهاد، وقد جعلوا الحصن ~~وراء ظهورهم، وساروا نحو الشمال يتبعون شاطئ الفرع الغربي للنيل، وتركت خيمة القائد في مكانها؛ فإنه عندما أزمع السير ~~وأمر الجند أن ينزعوا خيمته وجدوا في رأسها عش يمامة قد باضت، فقال عمرو: «لقد تحرم هذا اليمام منا بمتحرم، فأقروا ~~هذا الفسطاط في موضعه حتى يفرخ ويطير.» وقيل إن عمرا ترك على الفسطاط حارسا يمنع تلك اليمامة أن يمسها أحد بأذى. # 11 # وليس من اليسير أن نصف سير العرب في وقتهم ذاك؛ فإن ديوان حنا النقيوسي لا يذكر من حوادث تلك المدة إلا قطعا من ~~الأخبار لا نظام لها. وإذا نحن جمعنا تلك القطع وأردنا أن نجعل منها قصة متصلة، كان فيها اختلاف كبير عما يرويه مؤرخو ~~العرب. على أننا نستطيع أن نوفق بعض التوفيق بين تلك الروايات المتضاربة، لا سيما وأنا نجد اتفاقا عجيبا بينها ~~في بعض المواضع. # ولا شك أن أول ما قصد إليه عمرو في سيره نحو الإسكندرية كان مدينة نقيوس، وكانت مدينة ذات شأن عظيم، وحصنا ذا منعة وقوة، # 12 # وهي على الشاطئ الشرقي لفرع النيل الغربي الذي هو فرع رشيد على مسيرة يوم من حصن بابليون، وعلى ساعتين من ~~مدينة منوف، وكانت منوف إذ ذاك في ملك العرب، وكانت نقيوس فوق عظمها مدينة قديمة بها الآثار الجليلة من أيام الفراعنة، ~~وكانت مقر أحد كبار ms207 رءوس الدين المسيحي، ولها مكانة حربية كبرى في حفظ الطريق بين حصن بابليون والإسكندرية؛ فكان ~~لا بد للروم أن يجتمعوا هناك مرة أخرى للقاء العرب. # والظاهر أن عمرا ابتدأ سيره أولا على الضفة الغربية للنهر من ناحية الصحراء؛ ففيها مجال أوسع لخيله لا يعوقها هناك ~~ما يعترض مصر السفلى من الترع الكثيرة. وكان الروم على توقع أن يفعل ذلك فلاقوه هناك، وكان أول ما التحموا بجيشه عند ~~مدينة قديمة معروفة، وهي «طرنوتي»، أو «طرنوط»، أو كما يسميها العرب «الطرانة»، وكان في تلك المدينة فرضة يعبر النيل ~~عندها في الذهاب إلى الإسكندرية، # 13 # وفيها كذلك بدء الطريق المؤدية إلى أديرة القبط في صحراء لوبيا؛ فكان لا بد للروم على ذلك من أن يقفوا وقفة في ~~الدفاع عنها. فقاتلوا العرب هناك، # 14 # وأبلوا بلاء حسنا، غير أنهم انهزموا، واستطاع عمرو أن يستأنف السير إلى مدينة نقيوس. # وقد مر بنا أن مدينة نقيوس على الشاطئ الشرقي للنهر على مقربة من الموضع الذي تتصل فيه بالنيل الترعة التي بين أثريب ~~ومنوف، وكان عمرو لا يستطيع أن يتركها على جانبه ويسير عنها؛ إذ هي حصن منيع، فعبر النهر إليها، حتى إذا ما فتحها عاد إلى ~~الغرب وواصل السير. وكانت تلك فرصة دون القائد الروماني «تيودور» إذا أراد المناجزة، ولكنه لم يغتنمها، فلم يخرج للعرب ~~بنفسه في عامة جيشه، بل أرسل القائد الجبان الضعيف «دومنتيانوس» ليذود عن نقيوس، وبعث معه كتيبة ضعيفة. وكان عند ~~«دومنتيانوس» كثير من السفن قد أعدها لكي يدافع بها عن المدينة، أو لكي يهبط بها على جيش عمرو في أثناء عبوره للنهر، ~~وكان عمرو لا بد له من عبور النيل إذا فتح المدينة، وإذا هو فشل ولم يفتحها كان أغلب الظن أنه يحاول العبور. غير أن قائد ~~الروم عندما رأى المسلمين على كثب منه خانه جنانه، وترك جيشه وسفنه، ولاذ في سفينة هاربا نحو الإسكندرية. فلما رأى ~~الجنود أن قائدهم يفر عنهم ذلك الفرار وضعوا سلاحهم، وهبطوا إلى الترعة سراعا # 15 # وقد ms208 أذهلهم الخوف، يريدون أن يقتحموها أو يبلغوا السفن فيها، ولكن عدوى خوفهم أعدت نوتية السفن فلم يأبهوا ~~لشيء إلا لسلامتهم، فحملوا سفنهم مسرعين، وهبطوا بها إلى الشمال يطلبون النجاة، فعمد كل منهم إلى قريته، وعند ذلك طلع ~~العرب على جنود الروم وهم في الماء بغير سلاح فقتلوهم عن آخرهم، فلم ينج منهم إلا رجل اسمه «زكريا» بدت منه شجاعة عظيمة ~~عند ذلك، ولعل نجاته كانت لما بدا منه من الشجاعة، ثم دخل العرب المدينة من غير مقاومة؛ إذ لم يكن فيها جندي واحد يقف ~~في سبيلهم، ومع ذلك فقد أوقعوا بأهلها وقعة عظيمة. قال حنا النقيوسي: «فقتلوا كل من وجدوه في الطريق من أهلها، ولم ينج ~~من دخل في الكنائس لائذا، ولم يدعوا رجلا ولا امرأة ولا طفلا، # 16 # ثم انتشروا فيما حول نقيوس من البلاد، فنهبوا فيها وقتلوا كل من وجدوه بها. فلما دخلوا مدينة «صوونا» وجدوا ~~بها «اسكوتاوس» وعيلته، وكان يمت بالقرابة إلى القائد «تيودور»، وكان مختبئا في حائط كرم مع أهله، فوضعوا فيهم السيف ~~فلم يبقوا على أحد منهم، ولكن يجدر بنا أن نسدل الستار على ما كان؛ فإنه لا يتيسر لنا أن نسرد كل ما كان من المسلمين من ~~المظالم بعد أن أخذوا جزيرة نقيوس في يوم الأحد، وهو الثامن عشر من شهر «جنبوت» في السنة الخامسة عشرة من سني الدورة.» # 17 # ويقع ذلك التاريخ في اليوم الثالث عشر من شهر مايو سنة 641. # وقد أثبتنا هنا نص قول الأسقف القبطي؛ لأنه يدل على ما كان عليه القبط من قلة حب للعرب الفاتحين، ولكي نظهر أنهم ما كان ~~لهم أن يحبوهم وقد كان منهم ما كان. وقد كان نقيوس معقلا من معاقل الدين القبطي، ولا شك أن الناس كانوا مع ما نزل بهم ~~من الاضطهاد لا يزالون على عقيدتهم يضمرونها في قلوبهم، ولو أظهروا الخروج منها تقية لما نالهم من عسف قيرس. وكان العرب ~~في وقعتهم لم يفرقوا بين قبطي ورومي، وليس فيما وصلنا من أخبار ذلك ms209 لفظ واحد يدل على أن القبط كان لهم شأن آخر في ~~معاملة العرب، وكذلك ليس من شك في أن الشقاق والاضطراب قد دهما البلاد واجتاحاها كما يجتاح الطاعون الأرض، فلم يمض طويل ~~زمن حتى عمت الفوضى واندفع لهيب الحرب الأهلية بين أهل مصر، فكان ذلك ضغثا على إبالة، فانقسمت مصر السفلى إلى حزبين؛ ~~حزب مع الروم، وحزب يريد أن يتفق مع العرب. ولسنا ندري إذا كان الفارق بين ذينك الحزبين فارقا من جنس أو من مذهب أو من ~~تشيع سياسي، على أننا نرجح الرأي الأخير. وقد أصبح من الأمور المعتادة في ذلك النضال بين الحزبين أن يتقاتل الناس ~~وينهب بعضهم بعضا أو يحرقوا البلاد، في حين كان العرب ينظرون إلى كلا الحزبين نظرة الازدراء، ولا يأمنون لأيهما، ولا ~~يتعاهدون مع أحد منهما. # ولما فتحت مدينة نقيوس، # 18 # وتفرقت السفن الرومانية التي كانت بالنيل هناك، أصبح الطريق خاليا من العقبات دونهم إذا شاءوا السير إلى ~~الإسكندرية، وكان جيش الروم عند ذلك يقوده «تيودور»، ويتراجع به شيئا فشيئا نحو تلك العاصمة. # وأقام عمرو في نقيوس بضعة أيام ثم عبر النيل إلى الغرب، ولكنه قبل أن يستأنف سيره أرسل أحد رجاله وهو شريك ليتتبع العدو ~~المنهزم، وكان الطريق على جانب النيل الأيسر مما يلي الصحراء، وكان دهسا للخيل، فلحقت طلائع المسلمين بالروم عند موضع ~~على ستة عشر ميلا إلى الشمال من الطرانة، ولكن المسلمين وجدوا عدوهم أكثر عددا مما كانوا يحسبون، فلم يستطيعوا أن ~~يهزموهم بحملتهم الأولى، بل لقد قيل إن القتال استمر ثلاثة أيام، واستطاع الروم مدة أن يردوا العرب ويلجئوهم إلى نهد ~~من الأرض ظلوا عليه حينا، والروم تحمل عليهم حملات شديدة، وقد أحاطوا بهم من كل جانب. فلما رأى شريك ما يحدق ~~بالمسلمين من الخطر بعث مالك بن ناعمة ليخرج على فرس له أشقر لا يشق له غبار، وأمره أن يقتحم العدو أو يدور حوله حتى ~~يأتي عمرو بن العاص فيحمل إليه النبأ، ففعل مالك ذلك، وأراد جماعة من الروم ms210 أن يلحقوا به فأعجزهم. ولما بلغ عمرا ما يهدد ~~شريكا من الخطر أرسل إليه الإمداد سريعا. وقيل إن العدو فر هاربا عندما بلغه مجيء ذلك الإمداد. ومهما يكن من أمره فقد ~~نجا شريك مما كان فيه، ولم يستطع الروم أن يغلبوا تلك الجريدة العربية، فأضاعوا بذلك فرصة كما أضاعوا من قبل كل فرصة ~~أتاحها الحظ لهم. وقد سمي ذلك الموضع الذي وقع القتال فيه باسم القائد العربي؛ فهو معروف إلى اليوم باسم «كوم شريك». # 19 # وسار عمرو يدفع العدو أمامه، ولعله سار إلى الشمال الغربي على جانب الترعة التي تلي الصحراء حتى بلغ الدلنجات، ومنها سار ~~إلى الشمال في تجاه دمنهور، فوجد الروم مرة أخرى يعترضون سبيله عند سنطيس، # 20 # وهي على ستة أميال في جنوب دمنهور، ووقعت هناك وقعة شديدة انهزم فيها الروم وتقهقروا أمام العرب، ولم ~~يحاولوا أن يقفوا لعدوهم في دمنهور أو يملكوها، بل تدافعوا نحو الشمال، فانتهى بهم الانهزام إلى الطريق الأعظم المؤدي إلى ~~الإسكندرية، فعبروا الترعة وكانت عند ذلك لا يكاد يوجد بها شيء من الماء، ثم ساروا حتى أظلهم حصن «كريون» بعد مسيرة نحو ~~عشرين ميلا، وكانت مدينة «كريون» آخر سلسلة من الحصون بين حصن «بابليون» والإسكندرية، وكان لها شأن عظيم في تجارة القمح ~~سوى ما كان لها من خطر عظيم في الحرب؛ إذ كانت تشرف على الترعة التي عليها جل اعتماد الإسكندرية في طعامها وشرابها، ~~ولكن حصونها لم تكن في المنعة على مثل ما كان عليه حصن بابليون ولا ما كان عليه حصن نقيوس، # 21 # مع أن الروم رمموا حصونها وزادوها قوة. ومهما يكن من الأمر فقد عزم «تيودور» على أن يقف هناك وقفته الأخيرة، ~~ولم يكن في وسعه أن يختار مكانا أليق من ذلك؛ فكانت حصون المدينة تساعد الجنود وتشد أزرهم، وكان جنوده أكثر عددا من ~~العدو، وكانت الترعة تحميهم من بين أيديهم، وكان البطريق من ورائهم يفضي إلى الإسكندرية، ومن السهل عليهم حفظه. # وقد قاتل جنود الروم في هذا الوقت قتالا ms211 شديدا، حتى شهد بذلك مؤرخو المسلمين أنفسهم، ولم يخذلهم ما أصابهم من قبل من ~~النكبات من سقوط بابليون ونقيوس في يد عدوهم، ولا ما حل بهم من خيانة بعض قوادهم أو جبنائهم، ولم يكن الروم في قلة ؛ إذ ~~أتتهم الأمداد من وراء البحر من «قسطنطينية»، وكان قائدهم «تيودور» غير متهم في شجاعته ولا إقدامه في القتال، غير أنه ~~لم يكن قائدا ذا رأي في الحرب. وقد عرف الناس جميعا فيما يحيط بذلك الموضع، كما عرف الجنود الذين كانوا بالإسكندرية أن ~~ذلك اليوم، يوم كريون، له ما بعده، فأتت الكتائب تترى من كل مكان إلى لواء الروم من سنطيس ومن مدائن أبعد منها، مثل ~~«خيس» و«سخا» و«بلهيب». # 22 # ولم تكن تلك الوقعة قتال يوم انجلى عن مصير «كريون»، بل كان قتالا شديدا استمر بضعة عشر يوما، وحدث في وقت ~~من أوقاته أن وردان مولى عمرو المعروف كان يحمل لواء المسلمين، فأصابت عبد الله بن عمرو جراحة شديدة وكان إلى جانبه، ~~فأجهضته شدة القتال، فسأله أن يرتد قليلا يطلب الروح، فقال له وردان: «الروح تريد؟ الروح أمامك وليس خلفك.» ثم أقبلا على ~~القتال. فلما سمع عمرو بما أصاب ولده بعث إليه من يسأل عن حاله، فتمثل عبد الله بأبيات من الشعر # 23 # يطمئن بها والده. فلما سمع عمرو بذلك قال: «إنه ابني حقا.» وحمل المسلمون # 24 # مرة بعد مرة حملات شديدة، ولكن الفتح أبطأ عليهم، وصلى عمرو بالناس صلاة الخوف. ويلوح لنا أن تلك الوقعة لم ~~تكن نصرا لإحدى الطائفتين، بل تساوت فيها الكفتان، ولكن مؤرخي العرب يقولون إنها كانت نصرا عظيما للمسلمين. ومهما يكن ~~من الأمر فلا شك في أن المسلمين لاقوا نصرا بعد قتالهم في تلك الأيام العشرة؛ وذلك أنهم استطاعوا أن يفتحوا مدينة كريون ~~وحصنها وهزموا الروم عنها. ولا نستطيع أن نقول شيئا عما حدث بعد ذلك في ارتداد تيودور؛ فلا ندري أكان ارتداد جنوده ~~انهزاما لا يلوون فيه على شيء حتى بلغوا أبواب الإسكندرية، أم كان تقهقرا وئيدا ms212 في نظام؟ على أن ديوان «حنا النقيوسي» ~~يشتم منه أن التقهقر كان وئيدا، وهو لعمري قول لا يتهم صاحبه. # ولا بد قد خسرت الطائفتان كلتاهما في ذلك القتال بين الطرانة وكريون خسارة كبرى، وكان الروم أقدر على احتمال تلك ~~الخسارة من العرب. وإذا نحن حسبنا ما تركه العرب من المسالح في «بابليون» وسواها من بلاد مصر السلفى، يتضح لنا أن عمرا ما ~~كان ليستطيع السير إلى الإسكندرية ما لم تكن قد أتته أمداد عظيمة في الشتاء المنصرم ~~أو في الربيع، فلم يكن ليجرؤ أن يطلع على الإسكندرية بأقل من خمسة عشر ألفا. وإنه لأقرب للحق أن نجعل عدد جيشه عند ذلك ~~عشرين ألفا. ولما فتح العرب كريون خلا أمامهم الطريق إلى الإسكندرية، ولم يبطئ عمرو إلا ريثما يستريح جنده من عناء ~~القتال الأخير، ثم سار في سبيله، ولم يلق كيدا حتى بلغ الإسكندرية. # ولا بد أن كثيرين ممن كان في جيش العرب عند ذلك رأوا جميل المدائن في فلسطين والشام مثل أذاسة ودمشق وبيت المقدس، وقد ~~يكون منهم من وقعت عينه على أنطاكية الشهيرة، أو رأى عجائب تدمر، ولكن ذلك كله لم يكن شيئا إذا قيس بعظمة المدينة التي ~~تبدت لهم عند ذلك، وهي عظمة بارعة نادرة تتجلى لهم إذ يسيرون بين الحدائق وحوائط الكروم والأديرة الكثيرة بأرباضها؛ ~~فقد كانت الإسكندرية حتى في القرن السابع أجمل مدائن العالم وأبهاها، فلم تبدع يد البناء قبلها ولا بعدها شيئا يعدلها، ~~اللهم إلا روما وقرطاجنة القديمتين. فما سرحت العين لا تقع إلا على أسوار وحصون لا نظير لها، بقيت بعد ذلك قرونا وهي مثار ~~إعجاب من رآها من أهل الأسفار، وكانت تشرف وراء هذه الأسوار والحصون بدائع من قباب ومن عمد، بعضها أسطواني وبعضها ~~مربع (مما يسمى بالمسلات) تقوم فوق قواعدها، ومن تماثيل ومعابد وقصور تتلألأ وتتألق. فإذا ما تياسرت # 25 # رأيت دون ذلك معبد السرابيوم وقد أناف بسقفه المذهب، والقلعة التي كان يشرف فوقها عمود دقلديانوس. # 26 # فإذا ما تيامنت بدت لك ms213 الكنيسة العظمى كنيسة القديس مرقس، تليها العمد المربعة التي سميت «مسلات كليوبترا»، # 27 # وكانت عند ذلك قد عمرت نيفا وألفي عام، وذلك ضعفا عمر المدينة نفسها. وفيما بين يسارك ويمينك كان البناء ~~الجليل يبدو ظاهره مشرقا، ويلوح من ورائه ذلك الأثر العظيم المعروف باسم «فاروس»، وكان الناس يعدونه إحدى العجائب ~~السبع في العالم، وحق لهم أن يفعلوا. وما كان هذا الجلال الفائق والجمال البارع وما يبدو من عظمته وقوته إلا ليقع من ~~قلوب غزاة الصحراء موقعا عجيبا، وقد رأوا ما رأوا من المدينة التي جاءوا يفتحونها. # 28 # وكانت مسلحة المدينة عند ذلك نحوا من خمسين ألفا، وكانت قوات وفيرة فيها؛ إذ هي على البحر، ولم يكن فيه للمسلمين بعد ~~سفينة واحدة تنقص من سلطان الإمبراطور عليه، وكانت الأسوار منيعة تحميها الآلات القوية، وهي الآلات التي رأيناها في زمن ~~«نيقتاس» تفتك بأسطول العدو في النهر وتغرق سفنه، ولم يكن عند العرب شيء من آلات الحصار؛ إذ لم يستطيعوا نقل ما غنموه ~~منها قبل ذلك من الروم، ولم تكن لهم خبرة ودراية في فنون الحصار وحربه؛ وعلى هذا كان في يد الروم من العدة والعدد ما ~~يستطيعون به أن يقووا على حرب فرسان المسلمين، وليس لهم من العدة إلا سقيمها. على أن العرب كانوا قبل ذلك قد فتحوا الفتوح ~~العجيبة في مصر والشام، فلم تقف دونهم حصونها، فكانوا كلما ذكروا ذلك امتلأ قلبهم إيمانا وقوة، ووثقوا من أن العاقبة ~~لهم، ولكن ذلك الإيمان كان بطيء الأثر؛ فإن عمرا عندما حمل بجيشه أول مقدمة على أسوار المدينة كانت حملته طائشة غير ~~موفقة، فرمت مجانيق الروم من فوق الأسوار على جنده وابلا من الحجارة العظيمة، فارتدوا باعدين عن مدى رميها، ولم ~~يجرءوا بعد ذلك على أن يتعرضوا لقذائفها، وقنع المسلمون أن يجعلوا عسكرهم بعيدا عن منالها، وانتظروا أن يتجرأ عدوهم ~~ويحمله التهور على الخروج إليهم. # وليس في أيدينا من الأخبار الموثوق بها ما يدل على وقوع قتال من هذا القبيل؛ فليس في ديوان «حنا ms214 النقيوسي» # 29 # شيء آخر في وصف القتال بالإسكندرية سوى ما ذكرناه من تهور عمرو في حملته ~~الأولى، وما أصاب العرب من فعل المجانيق التي لم يطيقوا عليه صبرا فارتدوا، ولا نستطيع أن نفهم من ذلك الإغفال إلا ~~أمرا واحدا، وهو أنه لم يكن ثمة حصار للإسكندرية بالمعنى الصحيح؛ فقد كان البحر يحمي المدينة من جهة الشمال، وكانت ~~الترعة وبحيرة مريوط تحميانها من الجنوب، وكان إلى غربها ترعة «الثعبان»، فلم يبق من فرج إلا شرقها وجنوبها الشرقي، ولم ~~يستطع المحاصرون أن يقتربوا من الأسوار من ذلك الفرج، فلم يكن لهم بد من أن يقنعوا بالوقوف والرصد، ولم يكن رصدهم تاما ~~ولا مجزيا؛ وعلى ذلك لم يتحقق للعرب حصار المدينة حتى من جانب البر. ومع ذلك فقد كان لوقوف العرب بعسكرهم على كثب من ~~المدينة أثر كبير؛ إذ كانوا هناك يحادون الروم ويقطعون صلتهم بسائر البلاد. ولسنا نعرف عين الموضع الذي كان فيه ~~عسكرهم؛ فإن تعيين ذلك من أشق الأمور؛ فقد قال السيوطي إنه كان «فيما بين الحلوة وقصر فارس وما بعده». وقصر فارس كان في ~~الجهة الشرقية. # 30 # ولعل الفرس قد بنوه ليستعينوا به على الحصار؛ فإنا نعرف أن دقلديانوس لم يستطع أن يحدث أثرا في حصون ~~المدينة حتى بنى قلعة في شرقها، # 31 # ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يقتحم المدينة وأسوارها المنيعة التي لا تكاد تنال إلا بجيش قوي ظل على الحصار ~~زمنا طويلا، وكان في داخل المدينة خونة يساعدونه؛ فلا بد لنا من أن نقول إن المسلمين عجزوا عن أن يقوموا بعمل ما، ~~وقنعوا بالوقوف والمرابطة في عسكرهم، ولم يكن عسكرهم حيث كان إلا مرصدا يرقبون فيه عدوهم. ولعمري إننا لفي شك من أن ~~العرب أقاموا عسكرا في جوار الإسكندرية، فلعلهم لم يبعدوا به عن مدينة كريون. # مضى عند ذلك أكثر شهر يونيو ولم يكن قائد العرب بالرجل الذي يخادع نفسه عن ~~المدينة، ويعلل نفسه باستطاعة فتحها عنوة؛ فقد علم حق العلم أنه لن يستطيع أخذها بالهجوم، وإنما ms215 كان واثقا من شيء واحد، ~~وهو أن أصحابه إذا خرج لهم العدو وناجزهم القتال صبروا وثبتوا وغلبوه وإن كان أكثر منهم عددا، وعلى ذلك عول على أن يخلف ~~في عسكره جيشا كافيا للرباط، وأن يسير هو مع من بقي من الناس فيضرب بهم في بلاد مصر السفلى، قبل أن يتعذر # 32 # على المسلمين السير بها؛ إذ كان فيض النيل يقترب أوانه. وكان الروم قد هاجروا من حول الإسكندرية، فصارت قصورهم ~~البديعة ومنازلهم الجليلة فيما وراء أسوار المدينة فيئا للعرب، فغنموا منها غنيمة عظيمة، وهدموا كثيرا منها ليأخذوا ~~خشبها وما فيها من حديد، وأرسلوا ذلك في سفن بالنيل إلى حصن «بابليون» كي يقيموا به جسرا ليعبروا عليه إلى مدينة لم ~~يستطيعوا من قبل أن يعبروا إليها. # 33 # ولم تكن السرية التي سار بها عمرو بن العاص في مصر السفلى سرية كبيرة؛ فما كان يتوقع كيدا كبيرا ولا قتالا شديدا ~~اللهم إلا عند البلاد المحصنة، ولم يكن في الوقت متسع لحصارها لو شاء، وكان عمرو إنما يريد القفول إلى «بابليون»، ولكنه ~~أحب أن يعلم أهل مصر السفلى بقربه ويشعرهم شوكته. فسار إلى كريون، ومن ثم إلى دمنهور، ثم سار إلى الشرق يجوس خلال ~~الإقليم الذي يعرف اليوم باسم الغربية حتى بلغ «سخا». وكان ذلك الموضع إلى شمالي المدينة الحديثة (طنطا) على نحو اثنين ~~وعشرين ميلا منها، وقد ظل إلى ما بعد ذلك الوقت بزمن طويل، وهو قصبة الإقليم، وكان موضعا حصينا. # 34 # ولم يفلح عمرو في تحقيق ما كان يريده من النزول على تلك المدينة بغتة وأخذها على غرة، ورأى العرب أنفسهم ~~مرة أخرى وقد عجزوا عن أخذ مدينة تحيط بها الأسوار وتكتنفها المياه، فساروا نحو الجنوب. ولعلهم اتبعوا «بحر النظام» حتى ~~بلغوا «طوخ»، وهي على نحو ستة أميال في الشمال الغربي من موضع «طنطا»، ومن «طوخ» ساروا إلى «دمسيس»، # 35 # وقد ارتدوا كذلك عن هاتين القريتين ولم يستطيعوا فتحهما، ولم يجد أهلهما مشقة في صد العرب. ويرد مع هذه ~~الأخبار ذكر ms216 غزوة للقرى التي على فرع النيل الشرقي، قيل إن العرب قد بلغوا فيها مدينة دمياط. ولعل تلك الغزوة كانت على ~~يدي سرية عمرو في هذا الوقت نفسه، ولم يكن من أمرها غير إحراق المزارع وقد أوشكت أن ينضج ثمرها، فلم تفتح شيئا من ~~المدائن في مصر السفلى. ولنذكر أن العرب قضوا في عملهم في هذا الإقليم اثني عشر شهرا # 36 # إلى ذلك الوقت. وبعد تلك الغزاة التي أوقع فيها عمرو بالبلاد وغنم منها، عاد إلى حصن «بابليون» ومن معه دون أن ~~يجني كبير فائدة. وإن لنا لدلالة في غزاته تلك في مصر السفلى، وما لاقاه فيها من القتال في مواضع كثيرة، وعجزه في جل ما ~~حاوله من الفتح في بلاد الشمال القصوى؛ فإن ذلك يزيدنا برهانا على ما تحت أيدينا من البراهين على فساد رأيين يذهب إليهما ~~الناس: أولهما أن مصر أذعنت للعرب بغير أن تقاتل أو تدافع، وثانيهما أن المصريين رحبوا بالفاتحين، ورأوا فيهم الخلاص ~~والنجاة مما هم فيه. # الفصل العشرون # | حوادث القسطنطينية # فيما كانت هذه الحوادث التي نصفها تجري في مصر كانت القسطنطينية تشهد من الغير أجلها. ولقد أشرنا من قبل إشارة موجزة ~~إلى موت هرقل، وقلنا إنه حدث في آخر أيام حصار بابليون، وقد كان منذ وداعه المحزن لبلاد الشام في سنة 636 يقيم في عزلة ~~في مدينة «خلقيدونية»، وجعل يسترجع قوة عقله شيئا فشيئا بعد أن كان قد مسه شيء من الخبل من قبل، حتى لقد استطاع أن ~~يعالج أمور دولته في أوروبا ويحل مشكلاتها، مبديا في ذلك شيئا مما عهد فيه من الكياسة وأصالة الرأي في أمور السياسة، ~~ولكن جسمه كان قد اعتل، وزاد في سقمه وآلام دائه ما كان ينتاب الدولة من المصائب والنكبات تلي إحداها الأخرى؛ فمصائب في ~~الشام تليها نكبات في مصر، ورأى الدولة وقد فقدت بيت المقدس ثم أنطاكية وقيصرية، ثم نزعت كل بلاد الشام عنها وأخذها العدو؛ ~~فأحب أن يخلص مصر من ذلك العدو لما يعرفه من عظم شأنها في ms217 دولته. وكانت الحرب الطاحنة التي استمرت طوال السنين قد ~~استنزفت أموال الدولة ورجالها، ولكنه كان لا يزال يستطيع أن يبعث من جيوشه وخزائنه المنتقصة أمدادا كبيرة للدفاع عن ~~النيل. ويقول مؤرخو العرب إنه كان عازما على قيادة تلك الجيوش بنفسه، # 1 # غير أنهم إذ يقولون ذلك لا يذكرون أن غزو مصر لم يقع إلا قبل موته بسنة تزيد قليلا، وأنه كان عند ذلك صريعا ~~لدائه الذي قضى عليه، وقد سلبه السقام قوته ونشاطه، إذا لم تقل إنه قد سلبه القدرة على الحركة ذاتها، ثم مات الإمبراطور ~~في يوم الأحد الحادي عشر من فبراير من سنة # 2 # 641 بعد أن حكم إحدى وثلاثين سنة، وكان عمره إذ ذاك ستة وستين عاما، وكانت وفاته قبل فتح حصن بابليون ~~بشهرين. # وهكذا ختمت تقلبات عجيبة الحوادث في حياة عظيمة، وكان هرقل يقصد في حياته قصدا، وذلك أن يعيد بناء ما تهدم من ~~الدولة الشرقية، وكان لا أمل في نجاحه عندما ابتدأ ذلك العمل، غير أنه أتمه أو خيل إلى الناس أنه أتمه، وكان إتمامه ~~إحدى العجائب التي قد تبلغ حد الإعجاز، ولكن فشله ابتدأ حيث كان انتصاره؛ فإن البناء الذي أقامه لم يكن متماسك الأجزاء، ~~وكانت جريرته فيه أنه أخطأ وضل، فحل ما كان يجدر به عقده، وقطع ما كان يجب عليه أن يصله من أواصر التعامل والاشتراك بين ~~الناس في حياتهم ومن روابط الدين. وكانت تلك لعمري روابط كفيلة بأن تجمع الناس وتوحد كلمتهم، لو أحسن الحاكم وتسامح في ~~حكمه وأباح للناس ما يشاءون من أمور دينهم. وإن من أعجب ما اتفق وقوعه في التاريخ أن يقع خطأ هرقل في سياسته في الوقت الذي ~~قامت فيه دعوة الإسلام الجديد في مجاهل بلاد العرب، ولكن هكذا جرت مشيئة الله في قدره وقضائه في العالم، وعاش هرقل حتى ~~تبدى له خطؤه الذي قارفه، أو لقد استطالت به الأيام كي يندب سوء حظه الذي أفسد عليه أعماله وأحاط بثمارها. وقد كان في ~~أمور الدين يسير على ms218 ما تعارف عليه الناس في زمنه، وكان في ذلك سوء حظه؛ إذ لم يرتفع فوق ذلك، ولم يبتدع في سياسة الدين ~~خطة جديدة تصلح لعصره وما جد فيه من الأحوال. وإنه لجدير بنا ألا نلومه، بل نرحمه ونعطف عليه لما لحق به من الفشل، ~~وحسبه ما لا بد قد لاقاه من غصة الندم فوق ما كان به من ألم الداء في آخر أيامه. وقد عهد قبل أن يموت بما يئول إليه الأمر ~~بعده، فجعل ابنه قسطنطين يقسم الأيمان على أن يعفو عمن كانوا في السجن والنفي، وأن يرجع كل طريد طرده. # 3 # ودفن الإمبراطور في كنيسة «الرسل المقدسين»، وبقي قبره مفتوحا ثلاثة أيام، وقد جعل مع جثمانه تاجه الذهبي، ~~فنزعه قسطنطين عنه، ثم أعاده إليه هرقل الثاني ووهبه للكنيسة. # 4 # ولي الأمر بعد هرقل بعهد منه ولداه: قسطنطين ولد زوجه «أودوقية»، وهرقل ابن زوجه الأخرى مرتينه. وجعلت الإمبراطورة ~~شريكة لهما، ولكن ذلك الاشتراك لم يكن مما يتيسر الحكم معه، وما كانت الإمبراطورة مرتينه لترضى بمثل هذا الاشتراك في الحكم ~~وهي من هي؛ ذات العزم القاطع التي حكمت الدولة لا يكاد يشاركها أحد في أواخر أيام زوجها. وكان قسطنطين أكبر الأخوين ~~وآثرهما عند الناس، وكان من حزبه خازن الدولة «فلاجريوس» و«فلنتين» الذي جعل عند ذلك قائدا، وبعث ليكون قائد الجند في ~~آسيا الصغرى؛ # 5 # وعلى ذلك لم توفق مرتينه في سعيها في أمر ولدها هرقل، أو «هرقلوناس» كما كانوا يسمونه تمييزا له، بل ~~وجدت في سعيها ذاك مقاومة شديدة. وكان البطريق سرجيوس قد سبق الإمبراطور إلى أجله، واختير لولاية أمر الدين بعده راهب ~~اسمه «بيروس». ويلوح لنا أنه كان في أول أمره مع قسطنطين ممالئا على مرتينه، فبايع لقسطنطين بالملك ولم يشرك معه ~~مرتينه ولا أحدا من أولادها. # 6 # ولكن داود و«مارينوس» عملا على اختطاف «بيروس»، وحملاه سرا إلى جزيرة في غرب أفريقيا. # 7 # وقد قام قسطنطين بإنفاذ أمر أبيه، فأرسل أسطولا عظيما ليعيد «قيرس» من منفاه. # 8 # وكان يود الاجتماع ms219 به كيما يستشيره في أمر مصر، وكانت مرتينه تلح في إرجاعه؛ إذ كانت عالمة بما ينطوي عليه ~~قلبه من الولاء لها والمواتاة في مقاصدها وأمانيها. ولا نعرف عن يقين متى كان اجتماع قسطنطين ب «قيرس»، ولا ما انتهى ~~إليه أمر ذلك الاجتماع؛ لأننا لا نعرف أين كان منفاه، ولا المدة التي استغرقها رجوعه من ذلك المنفى إلى عاصمة الدولة. وقد ~~دعي كذلك «تيودور» من مصر لكي يشير على الإمبراطور بما يراه، واستخلف «أنستاسيوس» # 9 # على حكم الإسكندرية ومدائن الساحل التي لم يفتحها المسلمون إلى ذلك الوقت. وكان من رأي «تيودور» ألا يدخل ~~الروم في أي صلح مع العرب. ومهما يكن من رأي «قيرس» ومشورته في ذلك الأمر، فقد استطاع تيودور أن يحمل الإمبراطور على أن ~~يعد بإرسال أمداد كبيرة إلى مصر في أثناء فصل الصيف، ثم أمر الملك بتجهيز السفن لنقل الجنود. وما كاد كل ذلك يعد حتى ~~مرض قسطنطين مرضا مخطرا، وكان منذ ولي الملك يضعف جسمه ويعتل، ثم مات في الخامس والعشرين من شهر مايو من سنة 641 بعد أن ~~حكم مائة يوم. ولا نعرف هل مات الموت المعتاد أم قد فتك به غدرا على يد الإمبراطورة مرتينه، وإن تهمة الفتك به لتتردد ~~في أخبار ذلك العصر، # 10 # وقد جهر بها ابنه قنسطانز فاتهم الإمبراطورة معلنا. # أما مرتينه فقد اتخذت موت قسطنطين ذريعة توسلت بها إلى المبايعة لابنها «هرقلوناس» بملك الدولة، وأرادت أن تتملق ~~الناس فأنفذت تعيد البطريق «بيروس» من منفاه، ولكن ذلك النصر الذي صادفته أثار في قلوب الناس حقدا لم يلبث أن أشعل نار ~~العصيان. فما سمع «فلنتين» بما حدث من موت قسطنطين وما تبعه من عزل «فلاجريوس» حتى جاء بجيشه إلى «خلقيدونية»، وكانت ~~مرتينه هناك، وطلب إليها إرجاع «فلاجريوس». وقد لقي مساعدة على طلبه ومواتاة من جند الإمبراطورة، ثم رضي به هرقلوناس ~~وأقره في خطاب ألقاه. غير أن فلنتين لم يقنع بما أصاب من النصر، بل عبر المضيق مع «دومنتيانوس»، وصحبهما جماعة من ~~أعيان الدولة ms220 حتى بلغوا العاصمة، فبايعوا لابن قسطنطين وهو «قنسطانز» الثاني، وجعلوه شريكا ل «هرقلوناس» # 11 # في الحكم. # ويلوح لنا أن هرقلوناس كان قبل تلك الثورة التي ثارها «فلنتين» قد أعد العدة لإرجاع «قيرس» إلى حكم الإسكندرية، ~~ولا بد أن المبايعة لقنسطانز كانت في أوائل سبتمبر من سنة 641، # 12 # وذلك بعد أن سافر قيرس في وجهه إلى مصر. وكانت مع قيرس طائفة كبيرة من القسوس ، ولم ينقص شيئا من سلطانه ~~الدنيوي، بل أباح له الإمبراطور أن يصالح العرب، وأن يقضي على كل قتال بعد ذلك في البلاد، وأن يعمل على إقرار الأمر فيها ~~وإدارة شئونها. وإنا لنلمح من ثنايا ما تقدم به الإمبراطور إليه أنه كان لا يزال يساوره الأمل في أنه يستطيع الإبقاء ~~على سلطان الدولة في مصر، ولكنه من غير شك قد حمل الإمبراطور وهو غرير لا رأي له على الإذعان للعرب والتسليم لهم، كما حمل ~~على رأيه هذا مجلس الشيوخ المستضعف ورجال البلاط، وهم من أهل العجز والخور. ولا ندري أكان في ذلك يصدر عن نية طاهرة أم ~~كان يرمي عن مكر وخديعة. ومن الجلي فوق ذلك أنه استمال الإمبراطورة مرتينه إلى رأيه الضعيف، لا سيما وقد كان أنصارها ممن ~~يرون مصالحة العرب مهما كلفهم الأمر، وكانت هي أبدا في سياستها ترمي إلى التسليم والإذعان، وذلك رأي قيرس الذي ظل ~~يجاهر به في كل حين. # أما ما كان يجول في قرارة نفس ذلك البطريق من مختلف النزعات، فأمر لا يصل إليه الحدس ولا يبلغه التصور؛ فقد أظهر الجبن ~~والضعف إذا لم يكن قد أظهر الخيانة منذ أشهر عدة، قبل أن ينقسم الناس ويتفرقوا شيعا في أمر ولاية الملك بعد قسطنطين؛ ذلك ~~التفرق الذي كاد يبلغ حد الحرب الأهلية. فماذا كان الدافع له على الفرار من ميدان أعماله، وإن شئت قلت الهروب من جرائر ~~سعيه؛ فقد قضى عشر سنين وهو يعسف بقبط مصر حتى بدا منهم ما يشبه الإذعان، ولكنه كان يعرف أنهم لن يلبثوا أن يعودوا إلى ~~عقيدتهم إذا ms221 ما رفع عنهم وطأته. فهل كان قد أدرك عند ذلك أن سياسته في العسف والاضطهاد كانت جناية لم تلق نجاحا؟ إنه لا ~~شيء أبعد عن الحقيقة من تصور هذا. وإنه لأقرب إلى الحقيقة أن نقول إنه قد أيس من أمر الدولة في مصر منذ رأى ما حل ببلاد ~~الشام، ومنذ بلغ به اليأس ذلك المبلغ عزم على أن يسعى لكي يباح مذهبه الديني في مصر. لا، بل سعى إلى أكثر من ذلك؛ فقد طمع ~~في أن يثيبه المسلمون على مساعدته لهم بأن يبسطوا يده على الكنيسة القبطية في مصر، ويكون عند ذلك مالكا للأمر ليس لأحد ~~في القسطنطينية سلطان عليه. # إذن كان «قيرس» يريد أن يزيد في سلطانه الديني بالإسكندرية، ويقيمه على أطلال الدولة بعد خرابها. ولسنا نجد رأيا آخر ~~أكثر ملاءمة لما بدا منه؛ فهو خير رأي نستطيع به أن ندرك ما كان بينه وبين عمرو من صلات خفية، وما قارفه من خيانة ~~دولته الرومانية. فلنصفه بأنه خائن للدولة في سبيل ما توهمه صلاحا للكنيسة. # وقد قنع بأن يتبع خطوات الإمبراطورة أو أن يشير عليها برأيه، وخالف أمر دينه وهو يحظر أن يلي الملك من ولدوا من زواج ~~غير مباح. والدليل واضح على أن قيرس عاد إلى مصر ومعه جيش قد أعد ~~ليكون إمدادا لجند مصر يساعدهم على قتال العرب إذا لم يسفر الأمر عن صلح معهم. ولعل ذلك الجيش قد أرسل معه ليكون قوة ~~لحزب الإمبراطورة بين جند مصر. وأرسل معه قائد جديد لمسلحة الشرطة اسمه قسطنطين ليحل محل القائد المعزول «حنا». ~~وأما «تيودور» فإنه بين أحد أمرين: إما أن يكون قد حل في الوقت عينه إلى مصر، وإما أن يكون قد ذهب إلى جزيرة «رودس» عند ~~مقدم «قيرس»، وأقام بها حتى يوافيه الجيش فيلحق به. وكانت الإمبراطورة «مرتينه» بتلك الجزيرة كذلك، ولا ندري علة مقامها ~~فيها؛ أكان ذلك هربا من وثبة «فلنتين» وظهور أمر ثورته، أم كان عن ذعر أصابها عندما علمت بمبايعة «قنسطانز»؟ ولعلها ~~أرادت أن ms222 تجتمع ب «قيرس» و«تيودور» كي يشيرا عليها بما يريانه فيما جد من الحوادث. وعلى أي حال فقد كانت قمينة أن ~~يقلق بالها لما كان حولها من اختلال الأمور في العاصمة، واختلاف الكلمة واضطراب الأحوال بين رجال الحاشية. # وقد كان فلنتين في كيده وغدره عدلا ل «قيرس»، لا يتورع في وسيلة ولا يقف عند حد. وكان قد سبر قلوب الجند وفحص عما ~~للإمبراطورة فيها، فألفى أن الكثيرين لا يحملون لها إلا نفاقا ورياء، وأن حبها والإخلاص لها لم يتغلغل في نفوسهم، ووضع ~~يده في خزائن «فلاجريوس» فأنفقها في العطاء لجند مصر ليستميله إليه، وأوقع بينهم الفرقة والعداوة، فجعلوا بأسهم بينهم ~~وكفوا عن قتال المسلمين. فكانت الحرب الأهلية على ذلك قد اشتعل لهيبها، ولم تكن بحرب بين القبط والروم، # 13 # بل بين طائفتين من جيش الدولة. وكان «تيودور» ذا شأن عظيم في عين الثائرين، وكان لا بد لهم أن يستوثقوا من ~~أنه معهم، وأنه لن يعين الإمبراطورة، ولم يكن ثمة شيء يستحيل في مثل تلك الحال المضطربة وما فيها من مكائد ومكر. وكان ~~«تيودور» يخفي في نفسه آمالا يتمنى أن يحققها، فجاءته في «رودس» رسالة في السر بعث بها إليه «فلنتين» يحضه على أن ~~يخذل الإمبراطورة وينقض ما عقد لها من ولائه، وعلم أن «فلنتين» قد بعث بمثلها إلى «بنطابوليس» وإلى سائر بلاد الدولة، ورأى ~~أن يد الكيد تعمل في التفريق بين الجنود الذين جاءوا إلى مصر مع «قيرس»، فأعمل الفكر في أمره حتى استقر به على أن يقطع ~~اتصاله بالإمبراطورة ويرحل خفية إلى «بنطابوليس». ولسنا ندري ما الذي دفعه إلى هذا العزم؛ فقد يكون أراد الاعتزال ~~والابتعاد عن العواصف المقبلة، وقد يكون أراد التشبه بهرقل في المخاطرة بنفسه في سبيل التاج، فيقيم دولة جديدة في ~~قرطاجنة، وقد يكون اعتزم أن يستجم القوة ويجمع المال، ويقف بالمرصاد لما تنجلي عنه الحوادث؛ فمنذ كره أن يذعن للمسلمين ~~أراد أن يستعد بجيش يهبط به عليهم من قرطاجنة. وكان تدبيره أن ينفصل في ظلام الليل ms223 عن الأسطول الذي مع «قيرس»، ولم يعلم ~~بذلك إلا ربان السفينة التي كان فيها. والظاهر أن ذلك الربان وعده بإنفاذ ما أراد ثم ندم على وعده، وادعى أن الريح ~~تصد السفينة عن المضي في تجاه بنطابوليس؛ ففشل تدبير «تيودور»، ورأى نفسه مع سائر السفن مصاحبا ل «قيرس» # 14 # في ميناء الإسكندرية قبل أن يطلع نهار «يوم الصليب المقدس»، وذلك في الرابع عشر من سبتمبر من سنة 641. # الفصل الحادي والعشرون # | تسليم الإسكندرية # حدث في أثناء غياب قيرس في منفاه أن ثارت بمصر فتنة بين الناس، يتقد لهيبها بين حين وحين، فثار القتال مرة بين أهل ~~كورة مصر وأهل الكور في الشمال، ثم عاد السلام بينهم بعد أحداث كثيرة. وما كاد الأمر يستقر حتى استعر القتال في العاصمة ~~ذاتها، وكان كبار الروم أحزابا وشيعا، تباعد بينهم الإحن ويغري بينهم التحاسد، وكان حرص كل من الحزبين الأخضر والأزرق ~~على القتال فيما بينهم أعظم من حرصهم على حرب العدو الرابض عند أبواب مدينتهم؛ فكان «دومنتيانوس» الذي أسلم الفيوم ~~و«نقيوس» يناصب «ميناس» العداء، وينافسه في التطلع إلى القيادة العامة في الجيش، وكان «ميناس» يحقد على «أودوقيانوس» أخي ~~«دومنتيانوس» لما كان منه من شنيع الأفاعيل بالقبط الذين كانوا في حصن بابليون # 1 # في يوم عيد الفصح المشهور. وكان «تيودور» لا يزال غاضبا على «دومنتيانوس» لما كان من جبانته في الهروب من ~~«نقيوس» تاركا جيشه ومتخليا عن واجبه. وإنه لمن العجيب أن يبقى «دومنتيانوس» في منصبه لم يؤاخذ أو يقتص منه بالقتل، ~~فليس غضب رئيسه عليه بالجزاء الوفاق على ما جناه، ولعله لم ينج مما كان يحق عليه من القصاص إلا لمحاباة الإمبراطورة له، ~~ولقرابته من قيرس؛ إذ كان صهرا له بزواجه من أخته. على أن «دومنتيانوس» لم يرع في «قيرس» إلا ولا صداقة، ولم يحفظ له ~~جميلا؛ إذ كان لا يظهر له إلا ازدراء وحقدا غلب عليه عقله، وكان معه الحزب الأزرق، فاتخذ من رجاله عصبة استعان بها في ~~نضاله. فلما رأى «ميناس» ذلك استعد له ms224 بمثل عدته، فاتخذ من الحزب الأخضر له عصبة. # وفيما كان الأمر على هذا التحرج المخطر، نزل إلى الإسكندرية رجل اسمه «فيليادس»، وكان حاكم الفيوم وأخا ل «جورج»، ~~وهو سلف «قيرس» على بطرقة المذهب الملكاني. وكان «ميناس» قد أحسن إلى «فيليادس»، ولكنه أساء جزاءه. وكان «فيليادس» فوق هذا ~~مقارفا للخيانة؛ إذ كان يضع يده في الأموال العامة، وكان الجند يكرهونه كراهة تعدل حبهم ل «ميناس ». ولم يمض زمن طويل ~~حتى اشتد الأمر وتأزمت الأزمة؛ ففيما كان «ميناس» يوما يصلي بإخوانه الأقباط في الكنيسة الكبرى كنيسة «قيصريون»، إذ ~~ثار أهل المدينة بفيليادس يريدون قتله، ولكنه فر منهم ولجأ إلى منزل صديق له فاختبأ فيه، فذهب الثائرون إلى بيته فنهبوه ~~وأحرقوه، وكانوا من الحزب الأخضر، وعند ذلك أخرج «دومنتيانوس» إليهم عصبته من الحزب الأزرق، والتقت العصبتان في قتال ~~شديد في طرق المدينة، فقتل منهم ستة وجرح كثيرون، ولم يستطع «تيودور» أن يقضي على الفتنة إلا بعد مشقة وعناء. وبعد أن ~~انتهى الأمر أعيد إلى «فيليادس» ما سلب منه، وعزل «دومنتيانوس» من مرتبته في الجيش، ولكن يلوح لنا أنه أعيد فيما بعد إلى ~~ما كان عليه، وذلك بعد أن أمر «تيودور» بالعودة إلى القسطنطينية؛ فالحقيقة أن «دومنتيانوس» كان مع عداوته لقيرس يرى رأيه ~~في السياسة، وكانا كلاهما سواء في تقريب الإمبراطورة والحظوة عندها، وكان كلاهما يشير عليها ويزين لها رأي الإذعان ~~للعرب. # ولنذكر هنا أن «حنا النقيوسي» يصف نضال الأحزاب في الإسكندرية وكأنما يقر بأنه عاجز عن إدراك أسبابه؛ فإن سياق قوله ~~يدل على أن منشأ ذلك النضال كان بعضه من عداوات خاصة، وبعضه كان من أثر الشيع السياسية. على أنه يذكر بعد ذلك أن بعض ~~الناس يذهبون إلى أن اشتداد ذلك النضال واستعار لهبه إنما يرجع إلى اختلاف المذاهب الدينية، ولكنه لا يوضح الأمر ولا يجلو ~~الظلمة عن حقيقة ذلك النضال، فلا ندري أكان بين «المونوفيسيين» و«الملكانيين»، أم كان بين «الملكانيين» و«المونوثيليين»، ~~أم بين اليهود والمسيحيين؛ فالحق أن الأمر مشكل لا يستبين المرء ms225 فيه وجها للرأي، ولكنا إذا ذكرنا أن كثيرين من أهل مصر ~~السفلى والصعيد أتوا إلى الإسكندرية لائذين، وإذا ذكرنا أن «حنا النقيوسي» يروي لنا خبر اجتماع القبط بكنيسة «القيصريون» للصلاة، # 2 # إذا ذكرنا ذلك أمكن أن نقول إن عدد القبط في الإسكندرية زاد في ذلك الوقت زيادة كبرى، وإنهم استطاعوا أن ~~يتنسموا شيئا من نسيم الحرية، وأن يعود إلى نفوسهم شيء من القوة منذ غاب المقوقس عنهم في منفاه، وارتفع عنهم عسفه ~~واضطهاده. فلعلهم عند ذلك شعروا من أنفسهم بالقوة فرموا سهمهم مع الرامين، يناصرون من أحبوا ويحاربون من كرهوا، ~~ويلقون بدلوهم في دلاء الإسكندرية التي كانت تضطرم من عداوة الأحزاب ونضالها. وإن تعجب فعجب أن يقرأ الإنسان نبأ نزول ~~المقوقس بالإسكندرية في ذلك الصباح من شهر سبتمبر، وأن أهل المدينة طرأ ملكهم الفرح، فخرجوا «يظهرون سرورهم ويشكرون الله ~~على عودة بطريق الإسكندرية». # 3 # وتوافد الناس من كل جانب يحيونه ويكرمونه من رجال ونساء كبارا وصغارا، فما كنت تسمع كلمة مخالف ولا ~~همسة خوف، ولكن ما كان للقبط أن يدخل إلى قلبهم فرح بمقدم «المقوقس»، بل ما كان لهم أن يبقى أمل في قلوبهم من وراء عودته. ~~ولا يسعنا على هذا إلا أن نذهب إلى نتيجة من هذا القول، وذلك أن القبط ما كانوا في الإسكندرية مهما بلغ عددهم إلا فئة ~~قليلة ضائعة بين أهلها الكثيرين لا يحس أحد بها. # أما قيرس فإنه عمد قبل أن تصحو المدينة ويذيع بين أهلها نبأ مقدمه، فذهب سرا مع «تيودور» إلى دير رهبان «التبنيسي»، ~~ولعله كان قريبا من الموضع الذي نزل فيه من البحر، # 4 # وأمر بإقفال باب الدير، وأنفذ إلى «ميناس» يدعوه للحضور إلى الدير، فلما جاء جعله «تيودور» قائد مسلحة ~~المدينة، وعزل «دومنتيانوس» عن تلك القيادة، فأسرع أهل المدينة إلى إخراجه منها. وكانت عودة قيرس في مثل اليوم الذي أقيم ~~فيه الاحتفال بإعلاء الصليب، وقصد بذلك أن يعيد إلى نفوس جند الروم ما ضاع من قوتها، وبذل الجهد في الانتفاع بتلك ms226 ~~الذكرى ما وجد إلى ذلك سبيلا. ولنذكر عندما بعث حنا قائد الشرطة إلى مصر وقد وجهه إليها هرقل يحمل المذهب الديني الشهير ~~إلى «قيرس»، حمل معه إلى البطريق صليبا من أجل الصلبان شأنا، لعله كانت فيه قطعة من الصليب الأعظم نفسه، # 5 # وقد أودع هذا الأثر الثمين في دير رهبان «تبنيسي». فلا عجب إذا حمله «قيرس» في موكبه إلى الكنيسة العظمى كنيسة ~~«القيصريون» التي أقيمت فيها صلاة التحية. وقد فرشت النمارق في طريق ذلك الموكب من الدير إلى الكنيسة، وكانت الرايات ~~والألوية من الحرير تخفق فوق رأس «قيرس» إذ يسير بين عبق البخور وترتيل الأناشيد، وازدحمت طرق المدينة العظمى بالناس على ~~سعتها حتى ركب بعضهم بعضا، ولقي الحبر الأعظم مشقة كبرى في السير في ذلك الزحام إلى الكنيسة، ولكن الموكب سار على أي حال ~~سيرا وئيدا حتى بلغ «المسلتين» المصريتين القديمتين فمر بينهما، ثم سار في فناء ذي أروقة إلى أن بلغ باب كنيسة ~~قيصريون فولجه داخلا. # ولما أن صار في الكنيسة أقام الصلاة، وجعل عيد الصليب # 6 # وإعلاءه موضوع خطبته كما ينبغي له، وكانت الكنيسة الشرقية في ذلك الوقت ولا تزال إلى وقتنا هذا تحتفل بهما ~~معا. وإنه لمعنى جليل ذلك المعنى الذي جعله «قيرس» قطبا لخطبته، معنى يخلع على قائله رونقا إذا أعوزته الفصاحة، فما ~~بالك بقيرس وهو رب البيان والبلاغة؟ فجعل يذكر الناس بحوادث الماضي وما فيها من عجب، منذ قام هرقل بجهاده في سبيل ~~الصليب حتى ظفر به فأعاده من يد أعدائه الفرس، ثم أقامه في بيت المقدس في ذلك اليوم المشهود يوم النصر والفوز. ولقد كان ~~قيرس يرمي إلى غرض من سوق تلك القصة، فما كان ذلك القصد الذي رمى إليه؟ لقد صار بيت المقدس في أسر المسلمين عند ذلك، وقد ~~صار المسلمون على أبواب الإسكندرية ذاتها، فكان الأمر على مثل ما كان عليه من البلاء والشدة عندما كان كسرى يملك فلسطين ~~والشام ومصر، فهل تجرأ قيرس في خطبته على الإشارة إلى المغزى الذي تدركه ms227 الأفهام من قصة جهاد هرقل؟ وهل أثار في قلوب ~~سامعيه الأمل في الخلاص والإيمان بالنصر، واستفزهم إلى جهاد عدوهم باسم الصليب؟ إنه ما كان ليجرؤ على ذلك وقد خذل الصليب، ~~وعمل على أن يذله للإسلام ويحنيه لألويته. إنه قد يكون تحاشى الاقتراب من أمور السياسة في خطبته، ولكن لا شك في أنه في ~~خطبته ذلك اليوم لم يزح عن قلبه ما كان يثقله من الأسرار. # ولكن لم تنته تلك الصلاة إلا على كدر ونحس؛ فإن المصلين أقبلوا بعد الخطبة على الصلاة، فقرأ الشماس بدل ما كان يجب ~~عليه قراءته من الأناشيد في ذلك اليوم مزمورة أخرى فيها إشارة لرجعة البطريق؛ يريد بذلك أن يتملقه ويهنئه. فلما سمع ~~الناس ذلك ضجوا قائلين: إنه قد خالف السنن. وتطيروا به على البطريق، وجاء في تلك القصة أنهم قالوا إن البطريق لن يشهد ~~عيدا للفصح بعد ذلك. # 7 # ولا شك أنهم قد رأوا عليه تغيرا واعتلالا؛ إذ كان النفي قد أسقم جسمه، وكان السير في الزحام ذلك اليوم قد ~~أتعبه، ثم أجهدته بعد ذلك الخطبة وما بذل فيها. ولا بد فوق كل ذلك أن وجهه كان ينم عما كان في قلبه من أشجان تجيش به ~~فتمزقه؛ فقد كان يرى الناس من حوله يثقون به ويرفعون ذكره، ويرونه نصيرا لهم ومعينا في محنتهم، وكانوا جميعا عند ذلك ~~قد طهرت قلوبهم وامتلئوا إيمانا بالصليب، حتى ليجاهدون في سبيله ويلقون النصر على وعده، ولكن فيما كانوا والآمال تطلع ~~عليهم وتملأ نفوسهم، كان الحبر الأعظم يحس في نفسه وكسا ووهنا، ويشعر في قلبه الوخز الأليم؛ إذ كان مقبلا على ~~خيانتهم بعد قليل، مقدما على خذلان الصليب والإيقاع بدولة الروم. لقد كان في مقامه ذلك بين شجون شديدة تنتابه، ولا غرابة ~~أن ينم مظهره الكليل على ما كان يثقله ويهزهز نفسه العاتية، ولا عجب أن يرى الناس في أمارات وجهه أمارات الموت. # قضى قيرس مدة قصيرة بعد مقدمه يعالج طائفة من أمور الدين والدولة كان لا بد فيه من ms228 الإسراع بمعالجتها في الإسكندرية. ~~ويلوح لنا أن «أنستاسيوس» كان الحاكم المدني للمدينة في مدة غياب «قيرس»، ومن الجائز أن يكون «جورج» الذي استخلفه «قيرس» ~~عند خروجه من مصر على ولاية الدين هو بعينه البطريق الذي كان قبله. # 8 # وكان «جورج» عند ذلك شيخا كبيرا، ولكنه كانت له في قومه عزة، وكان كل الناس يظهرون له الإجلال والإعظام، لا ~~فرق في ذلك بين حاكم المدينة ومن هم دونه، ولم تكن له يد في اضطهاد القبط. وفي الحق أن القبط تنفسوا الصعداء منذ رحل ~~عنهم قيرس، ومنذ انقطعت الصلة بين سلطان الروم وبين قطع كبيرة من بلاد مصر، ولكن «قيرس» لم ينس بعد عودته ما كان في قلبه ~~من الحفيظة على ديانة القبط، فكان يرضى بالإذعان للعدو وإسلام البلاد له ومصالحة من لا يؤمنون بدين المسيح، ولكنه ما كان ~~ليرضى بأن يسالم القبط أو يعفو عنهم؛ فاستل سيفه مرة أخرى، ولم يلن قلبه لما حل به من مصائب الدهر ونوازله، بل عاد ~~إلى عسفه بالقبط وظلمه لهم بقلب لا رحمة فيه، وجعل يوقع بمن كان منهم في منال # 9 # يده. # وإنه لمن العجيب أن يرى المقوقس جدوى في العودة إلى اضطهاده وعسفه؛ فلعله كان ~~يتستر وراء ذلك ليداري عن أهل الإسكندرية حقيقة أغراضه، وهي إسلام بلاد مصر جميعها للعرب. ولا شك في أنه كان في ذلك ينفذ ~~أمرا من مليكه، ولكن أي أمر! لقد كان أمرا غصبه من مليك لا حول له ولا طول، وتوصل إليه بالخداع والدناءة، حتى إنه لم ~~يستطع أن يظهره لكبار قادة الدولة في الإسكندرية، ولا أن يعلنه للناس. فخرج وحده ذاهبا إلى حصن «بابليون»، أو لعله قد ~~استصحب جماعة من قسوسه كانوا على علم بسره. وكان النيل عند ذلك مرة أخرى في أوان فيضه، # 10 # وذلك في أواخر شهر أكتوبر بعد نحو عام من صلح بابليون الذي لم يتم؛ إذ مزقه الإمبراطور الشيخ «هرقل» في غضب ~~وحنق، وكان عمرو بن العاص عند ذلك قد عاد منذ قليل ms229 إلى «بابليون». ولا ندري فيم قضى الوقت إلى ذلك الحين، أقضاه في قتال ~~بلاد مصر السفلى قتالا لم يخرج منه بطائل، أم قضاه في غزو بلاد الصعيد يقود سرية إليها بنفسه؟ # 11 # وليس أمر السرية ذاتها بموضع للشك؛ فقد خرجت كتيبة صغيرة من المسلمين إلى الصعيد حتى بلغت مدينة «أنطنويه»، ~~المعروفة الآن باسم «أنصنا»، وكانت إذ ذاك عاصمة إقليم «طيبة»، وكانت جنود الروم لا تزال منها بقية في ذلك الإقليم. فذهب ~~الناس إلى حاكم الإقليم وهو «حنا»، وكلموه في الأمر، وطلبوا إليه أن يقفوا لقتال العرب، ولكن «حنا» أبى كل الإباء أن يقف ~~للقتال، ثم استولى على الأموال العامة التي جمعت، وحملها معه وخرج بجنوده ضاربا في الصحراء إلى الغرب يقصد الإسكندرية؛ ~~إذ لم تكن به رغبة أن يلقى ما لقيه جنود الفيوم. وكان يرى من نفسه العجز عن مناجزة المسلمين؛ وعلى ذلك لم يلق العرب ~~مشقة كبرى في فتح بلاد الصعيد. وقال حنا النقيوسي في وصف ذلك الفتح إن المسلمين عندما رأوا ضعف الروم وعداوة الناس ~~للإمبراطور «هرقل»، لما أوقعه من الاضطهاد والعسف بأهل مصر كلها ودينهم الصحيح بتحريض قيرس البطريق الخلقيدوني، زادت ~~جرأتهم واشتد ساعدهم في القتال. # 12 # والحق أن القبط لم يحبوا العرب، ولكنهم في الصعيد كانوا يحملون في قلوبهم أشد الضغن على من اضطهدهم ~~وعذبهم، حتى إن أهل الفيوم بعد أن استقرت بهم الحال في حكم العرب على دفع الجزية، بلغ الأمر بهم أن صاروا يقتلون من ~~وجدوه من جند الروم، وكان أهل البلاد التي في جنوب الفيوم أقل رغبة من هؤلاء في نصرة الروم. # ولكن القائد العربي كان قد عاد إلى بابليون بعد أن فتح بلاد الصعيد أو على الأقل بلاد مصر الوسطى؛ كيما يستريح بأصحابه ~~في أوان فيض النيل. وفيما كان هناك في ذلك الحصن وافاه «قيرس»، وقد جاءه يحمل عقد الإذعان والتسليم، فرحب به عمرو وأكرم ~~وفادته. ولما علم منه ما جاء من أجله من أمر الصلح قال له: «لقد أحسنت في الشخوص ms230 إلينا.» فقال البطريق له إن الناس قد ~~عولوا على دفع الجزية كيما تقف رحا الحرب، ثم قال: «إن الله قد أعطاكم هذه الأرض، فلا تدخلوا بعد اليوم في حرب مع الروم.» # 13 # ولعل المفاوضة والمشاورة قد استطالت مدة أيام كعادة أهل الشرق في مفاوضاتهم، ثم انتهى أمرها إلى صلح ~~اتفق فيه الجانبان على شروطه جميعا، وكتب بها عقد في الثامن من شهر نوفمبر من سنة 641. ولنسم هذا الصلح صلح ~~الإسكندرية كي نميز بينه وبين الصلح السابق الذي عقد في بابليون؛ فإن هذا الصلح الجديد إنما كان خاصا في معظم شروطه ~~بالإسكندرية وتسليمها، وقد تم به فتح العرب لبلاد مصر. واختلفت الروايات في ذكر شروط هذا الصلح، ولكن حنا النقيوسي أورد ~~أكبرها، وهي: ~~(1) # أن يدفع الجزية كل من دخل في العقد. ~~(2) # أن تعقد هدنة لنحو أحد عشر شهرا تنتهي في أول شهر بابه القبطي، الموافق للثامن والعشرين من شهر سبتمبر من ~~سنة 642. # 14 ~~(3) # أن يبقى العرب في مواضعهم في مدة هذه الهدنة على أن يعتزلوا وحدهم ولا يسعوا أي سعي لقتال الإسكندرية، وأن ~~يكف الروم عن القتال. ~~(4) # أن ترحل مسلحة الإسكندرية في البحر، ويحمل جنودها معهم متاعهم وأموالهم جميعها. على أن من أراد الرحيل من ~~جانب البر فله أن يفعل، على أن يدفع كل شهر جزاء معلوما ما بقي في أرض مصر في رحلته. ~~(5) # ألا يعود جيش من الروم إلى مصر أو يسعى لردها. ~~(6) # أن يكف المسلمون عن أخذ كنائس المسيحيين، ولا يتدخلوا في أمورهم أي تدخل. ~~(7) # أن يباح لليهود الإقامة في الإسكندرية. ~~(8) # أن يبعث الروم رهائن من قبلهم؛ مائة وخمسين من جنودهم، وخمسين من غير الجند؛ ضمانا لإنفاذ العقد. # ولم يورد المؤرخ القبطي هذه الشروط على هذا الترتيب الذي أوردناها به، فإنما قصدنا بترتيبها هكذا أن نجعلها سهلة ~~المأخذ؛ ففي الشرط الأول ضمان للقبط في أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وإباحة لهم أن يتدينوا كما شاءوا بحسب شعائر دينهم؛ ~~فإن دفع الجزية والأموال جعلهم «أهل ذمة» لهم هذه الحقوق على الفاتحين، وقدرت ms231 الجزية بدينارين على كل رجل إلا على الشيخ ~~العاجز والولد الصغير، وقد بلغت الجزية اثني عشر ألف ألف دينار، وذلك نحو ستة آلاف ألف من الجنيهات، # 15 # وكان على أهل مصر فوق هذه الجزية أن يدفعوا الأموال على أرضهم وعقارهم. وأما الشرط الثالث فالأجدر بنا أن ~~نجعله خاصا بالإسكندرية؛ فإن «قيرس» وإن كان قد صالح العرب بالنيابة عن أهل البلاد كلها، ما كان ليضمن أن ترضى بما رضيت ~~به كل مدينة وكل طائفة، وما كان العرب ليمنعوا من قتال من قاتلهم من أهل البلاد، ولا سيما قد وقع قتال في مدة الهدنة في ~~بعض المواضع التي لم ترض بالتسليم ففتحت عنوة. # ويلاحظ القارئ أن رواية «حنا النقيوسي» لا تذكر شيئا عن موعد حلول أول قسط من الجزية، ولا عن مواعيد ما يلي ذلك منها، ~~ولكنه يدل دلالة واضحة على أن العرب طلبوا أول قسط منها عاجلا، ويتفق معه في ذلك المؤرخ العربي ابن خلدون إذ يذكر ذلك ~~ذكرا صريحا. # 16 # والآن قد بلغنا مبلغا نستطيع معه أن ندرك ما وقع فيه مؤرخو العرب من الخلط والاختلاف عند معالجتهم مسألة يحبون ~~الخوض فيها، وهي مسألة فتح مصر، وهل كان عنوة أو صلحا. ولا بد لنا هنا من أن نذكر أمرا وقع بالإسكندرية فيما بعد ونعجل ~~به قبل موضعه، وهو أن الروم عادوا إليها فأخذوها بعد ثلاث سنوات أو أربع من وقت مصالحة قيرس وتسليمه للعرب، ثم فتحها ~~العرب مرة أخرى، وكان فتحها هذه المرة عنوة لا صلحا؛ فدوننا الآن اتفاق عجيب في حوادث عدة؛ فقد أراد المقوقس أن يسلم ~~حصن بابليون في أوان فيض النيل، وكان ذلك بعقد وعهد، فلم يرض به الإمبراطور وأبى الموافقة عليه، فبقي الحصن إلى أن هاجمه ~~العرب، ولكن قبل أن يدخل فيه الفاتحون خرج أهل الحصن، فسلموا لهم ونزلوا على عقد وعهد، ثم سلمت الإسكندرية كذلك في ~~أوان فيض النيل، وكان تسليمها صلحا، وذلك بغير أن تجد كيدا كبيرا من القتال، ولكن الروم عادوا إلى الاستيلاء ms232 عليها بعد ~~أن بقيت في حكم العرب مدة، ولم يخرج الروم منها إلا بعد حصار انتهى بفتحها عنوة. # فإذا نحن راجعنا هذه الحوادث العجيبة، وذكرنا أن أول من كتب تاريخ الفتح من مؤرخي العرب كتبه بعد نحو مائتي عام منه، ~~وإذا ذكرنا أنه من أشق الأشياء أن تبقى هذه الحوادث على حقيقة صورها، وهي صور متشابهة فيها الاتفاقات العجيبة، فتبقى مدة ~~قرنين لا حافظ لها إلا الرواية، وأكثرها أحاديث شفوية، إذا ذكرنا ذلك لم يكن عجبنا من ذلك الخلط الذي وقع في الرواية ~~والتشويه الذي أصابها، بل كان أعجب العجب أن نجد بقية من الحقيقة لا تزال محفوظة في نتف كثيرة من الأخبار مهما كان ~~اضطرابها وانقطاع نظامها وصلتها؛ وذلك لأن عهدنا بكتاب العرب لا يحسنون تفهم التاريخ، ولا يدركون نظامه، ولا يعبئون ~~بإحكام الصلة بين حوادثه. فنستطيع الآن أن ندرك السبب الذي من أجله نجد بعضهم يذكر فتح حصن بابليون صلحا وبعضهم يذكر أن ~~فتحه إنما كان عنوة، وكذلك ندرك السبب الذي من أجله نجد مثل هذا الاختلاف في فتح الإسكندرية؛ فالواقع أن كلا من ~~الروايتين صحيح من جانب واحد، ولكن صحتهما لا تتم إلا بعد إضافة وتعديل. # وقد رأينا من المستحسن أن نفحص روايات بعض المؤرخين من العرب الذين أتوا في أخبارهم بشيء من التفاصيل شائق لذيذ، ومن ~~هؤلاء «البلاذري»، وهو من مؤرخي القرن التاسع؛ فإنه يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال إن عمرا اجتمع بأصحابه من ~~زعماء المسلمين بعد أن فتح حصن بابليون عنوة، واستشارهم فيما أراده من مصالحة المصريين، ثم عقد معهم صلحا على أن يفرض ~~دينارين على كل رجل قادر منهم، وأن يجعل على أصحاب الأرضين # 17 # ضريبة يؤدونها عن أرضهم، واشترط عليهم فوق ذلك أن يأتوا لكل رجل من المسلمين بكسوة كاملة كل عام، وطلب إليه ~~الحاكم «المقوقس» أن يدخل في ذلك العهد كل بلاد مصر، ولكن أبيح لمن شاء من الروم أن يخرج من البلاد. ويقول البلاذري، وهو ~~مخطئ ms233 في قوله، إن هذا الصلح قد نقضه الإمبراطور؛ فإنه من الواضح أن الصلح الذي يذكره هو صلح الإسكندرية. ونجد هذا المؤرخ ~~في موضع آخر يدل على أن مصر إنما فتحت عنوة؛ فيروي أن عمرو بن العاص خطب مرة على المنبر فقال: «لقد جلست مجلسي هذا في ~~هذا البلد وليس لأحد فيه علي عهد ولا عقد، إن شئت قتلت وإن شئت سبيت.» وهذه الرواية إذا صحت كانت دليلا على أن القبط ~~لم يكن لهم من الأمر شيء، وأن العقد إنما كان بين العرب والروم. ولقد كان هذا صحيحا؛ فإن العقد كان بين الروم والعرب، على ~~أن القبط كانوا داخلين فيه. وقد ذهب «البلاذري» إلى هذا الرأي، وجعل يدلل عليه؛ فإنه يذكر أن معاوية كتب إلى وردان يأمره ~~بزيادة الجزية على القبط، فأجابه وردان أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك لأن فيه نقضا للعهد الذي لهم. وكذلك يذكر رواية عن أحد ~~ولد الزبير أنه قال: «لقد أقمت في مصر سبع سنوات، وتزوجت فيها، وكان الناس فيها يفرض عليهم من الأموال ما لا طاقة لهم ~~به، فآذاهم ذلك، مع أن عمرو بن العاص كان قد عقد لهم عهدا جعل لهم فيه شروطا معلومة.» ويقول البلاذري بعد ذلك إن في ~~الأخبار سوى ذلك ما يدل على أنه كان بين العرب والمصريين عهد، ولكنه مع ذلك لم يقدر على أن يمحو من ذهنه أن الإسكندرية لم ~~تفتح عنوة، مع إقراره «بأن عمرو بن العاص لم يقتل أهلها ولم يسبهم، بل جعلهم أهل ذمة»، والفتح عنوة لا يتفق بحال مع جعل ~~أهل المدينة أهل ذمة؛ فإقرار البلاذري بأن أهل الإسكندرية كانوا أهل ذمة دليل على أنه عندما ذكر فتح الإسكندرية وقال إنه ~~كان عنوة إنما كان يقصد الفتح الثاني. # وقد جاء في كتاب الطبري ذكر شروط ذلك الصلح، وهو يسميه صلح عين شمس بدل أن يسميه صلح الإسكندرية، وذلك خلط عجيب منه، # 18 # وإليك نصها كما جاءت فيه: «هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر ms234 من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم ~~وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص، ولا تساكنهم النوبة، وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية ~~إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم، خمسين ألف ألف. # 19 # وعليهم ما جنى لصوتهم (لصوصهم)؛ فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزية بقدرهم وذمتنا ممن أبى بريئة، ~~وإن نقص نهرهم من غايته إذا انتهى رفع عنهم بقدر ذلك. ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله مثل ما لهم وعليه مثل ما ~~عليهم، ومن أبى منهم واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا. عليهم ما عليهم أثلاثا في كل ثلث جباية ~~ثلث ما عليهم. # 20 # على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين. وعلى النوبة الذين ~~استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على ألا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة.» وشهد عليه ~~الزبير وعبد الله ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر. # 21 # وهذا النص للصلح ليس فيه خلاف عما جاء في كتاب «حنا النقيوسي»، وإن كان كلا النصين لا يشمل كل ما جاء في النص الآخر؛ ~~فالحق أن كلا من النصين يكمل الآخر. وقد جاء في كتاب ياقوت عن ابن عبد الحكم أن مصر فتحت كلها صلحا، وفرضت الجزية ~~دينارين على كل رجل من أهل مصر على ألا تزاد، ثم جعلت على أصحاب الأرض ضريبة يؤدونها خراجا من ثمار أرضهم، وفرضت على ~~أهل الإسكندرية جزية وضريبة على عقارهم. وأما مقدار تلك الجزية وتلك الضريبة فقد جعل أمره في يد الحاكم؛ لأن مدينتهم ~~فتحت عنوة بلا عقد ولا عهد. ولا شك أن في هذا القول خلطا بين الفتح الثاني للمدينة الذي كان عنوة والفتح الأول الذي كان ~~صلحا، وخير ما قيل في هذا الشأن ما جاء في كتاب المقريزي؛ فإنه أثبت الآراء المختلفة وأوضحها إيضاحا عظيما، وأسند كل ~~رأي إلى صاحبه، # 22 # وأقوى الأدلة ms235 في كل ذلك هي ما دلت على أن الفتح كان صلحا. وإن خير ما نلخص به الأمر كله أن نورد ما قاله ~~شيخ من القدماء؛ إذ سمع رجلا يقول إنه لم يكن لأهل مصر عهد، فأجاب: «ما يبالي ألا يصلي من قال إنه ليس لهم عهد.» # 23 # الفصل الثاني والعشرون # | فتح بلاد الساحل # لما انتهى أمر الصلح أوفد عمرو بن العاص معاوية بن حديج الكندي، وأمره أن يحمل أنباء ما حدث إلى عمر بن الخطاب، # 1 # فطلب معاوية منه أن يكتب معه كتابا، فقال له عمرو: «ماذا عساني أفعل بالكتاب؟ ألست امرأ عربيا تقدر على ~~وصف أمر شهدته؟» فسار معاوية في رحلته الطويلة في الصحراء حتى بلغ المدينة، ووافق مقدمه وقت الظهر، فأناخ راحلته عند باب ~~المسجد ودخل. وفيما هو هناك خرجت جارية من بيت عمر، فلما رأت رجلا غريبا عليه وعث السفر سألته عن اسمه فقاله لها، ثم قال ~~إنه جاء يحمل رسالة من عمرو بن العاص، فعادت الجارية إلى الدار، فما لبثت أن جاءت إليه مسرعة حتى سمع معاوية خفق نقابها ~~على أقدامها إذ تجري إليه، ثم أمرته أن يتبعها إلى البيت. فلما جاءه سأله عمر عن الأنباء، فقال له: «خير يا أمير المؤمنين، ~~فتح الله علينا الإسكندرية.» فقام معه عمر حتى عاد إلى المسجد وأذن المؤذن للصلاة، فأقام عمر صلاة الشكر لله على ما ~~أولى، ولما عاد مع معاوية إلى داره صلى مرة أخرى ثم طلب الطعام، فقدم له خبز وزيت يؤتدم به، فوضع ذلك أمام الضيف، ~~فأصاب منه شيئا خفيفا على استحياء، ثم أتى بتمر فوضع له، وكان هذا أكبر ما عند الخليفة من لذائذ الطعام وأطايبه، ثم ~~اعتذر معاوية بأنه لم يبادر إلى حمل نبأ الفتح لأنه ظن عمر نائما وقت القيلولة، فقال له عمر: بئس ما قلت، وبئس ما ظننت! # 2 # لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين؟ # وهكذا أرسل نبأ الفتح إلى المدينة، وهكذا تلقاه الخليفة ms236 فيها بغير زينة ولا ضجة، وما كان أعظم الفرق بين هذا وبين ما ~~حدث في الإسكندرية عندما أتاها ذلك النبأ. # أمضي عهد الصلح في «بابليون» في يوم الخميس الثامن من شهر نوفمبر من سنة 641، # 3 # وكان لا بد له من إقرار إمبراطور الروم، كما كان لا بد له من إقرار خليفة المسلمين عمر، وكان في مدة الهدنة، ~~وهي أحد عشر شهرا، متسع يكفي لذلك وما يلزم له من الرسوم، ثم عاد قيرس مسرعا إلى الإسكندرية يحمل معه كتاب ~~الصلح. # وكان أول ما عني به أن يرسل شروط الصلح إلى «تيودور» وهو القائد الأعلى، ثم إلى قسطنطين وهو قائد الحرس. ومن أعجب ~~الأمور أن «تيودور» لم تكن له يد في مفاوضة الصلح، ولم يحضر كتابته في «بابليون»، مع أنه كان حاكم المدينة من قبل ~~الإمبراطور. والحقيقة أن كل ما يمس «تيودور» محير مدهش، فلسنا ندري من أمره شيئا، حتى لنجهل هل كان قد علم بعزم ~~«قيرس» على تسليم المدينة للعرب قبل أن ينفذه، فإذا كان قد علم بذلك فلا بد أنه قد غير رأيه وأصبح من أشياع الصلح مع ~~العرب، وأما إذا كان غير عالم بذلك فمن أعجب الأمور أن يسارع إلى الموافقة على أمر لا يمكن أن نصفه إلا بأنه كان تسليما ~~شائنا. # وكانت أنباء ذلك الصلح الذي عقد في طي الخفاء تتردد بين رؤساء موظفي الحكومة وبين زعماء الناس في العاصمة، يتناقلها ~~بعضهم عن بعض همسا ووسوسة، يفضي بها الرجل إلى من يأمنه ويطمئن إليه، وأما العامة فإنهم ظلوا في جهالة لا يعلمون من ~~أمره شيئا، وأرسلت الرسائل إلى الإمبراطور هرقلوناس تفضي إليه بشروط الصلح، وطلب إليه أن يقرها. والظاهر أن ~~القائدين كانا كلاهما يعززان ذلك الصلح ويوافقان على طلب إقراره، وإن في تعزيزهما له وموافقتهما عليه لحجة يمكن ~~الاستناد عليها في تبرير ما أتاه قيرس ورفع الوزر عنه بعض الشيء. على أنه من المعلوم ما كان عليه «تيودور» من العجز في ~~قيادة الحروب وضعف الرأي فيها، فموافقته على ms237 الصلح على ذلك لا قيمة لها، وحكمه في أمر الحرب مدافع لا يعتمد عليه. ومهما ~~يكن من الأمر فإن «قيرس» عندما أحس بأنه مهد السبيل إلى إعلان الأمر في الإسكندرية، دعا كبار قواد الجيش وعظماء رجال ~~الدولة، ولما انعقد عقدهم جاءوا وعليهم «تيودور» و«قسطنطين»، حتى إذا مثلوا بين يدي البطريق «قيرس» أظهروا له الولاء ~~وأعلنوا له الطاعة. ولنا أن نصوره لأنفسنا، وقد جلس في أبهته واتخذ زينته، وجعل يبين لهم ما تضمنه الصلح من شروط بما ~~أوتي من فصاحة وبراعة، ويسهب في ذكر الضرورة التي استوجبت عقده وما فيه من مزايا، فما زال حتى فاز بما أراد من حمل سامعيه ~~على الإيمان بقوله، ولكنه كان فوزا ما أشأمه. # وبهذا خطا «قيرس» خطوة جديدة في سبيل إنفاذ خطته في الإيقاع بمصر. على أنه ما كان ليستطيع أن يبقي خطته في ستر الخفاء ~~بعد ذلك طويلا، فعلم الناس بما كان، ولكن علمهم لم يأت عن قالة قالها «قيرس»، ولا إشاعة ترددت وذاعت بينهم، بل علموا ~~بالأمر بغتة وقد فجأهم طلوع فئة من العرب على المدينة، فنفخت الأبواق إيذانا بمقدمهم، وأسرع الناس من كل جهة ليقفوا في ~~أماكن الدفاع من الأسوار والحصون، ولكن العرب ساروا على خيلهم لا يلوون على شيء ولا يعبئون بالضجة، وجاء قواد الروم عند ~~ذلك بعد أن كانوا قد قضوا على حماسة الجنود وإقدامهم، فجعلوا يهدئون من روع الناس، وينادون فيهم أن لا جدوى في القتال ~~ولا أمل من ورائه. وقبل أن يقترب العرب حتى يصيروا على مدى رمي المجانيق، أبصرهم الناس وهم يحملون أعلام الهدنة والسلام، ~~فأشير إليهم بعلامة الرد فاقتربوا، حتى إذا ما صاروا بحيث يسمعون ويسمع منهم أفضوا إلى جنود الروم بما كان. وما كان ~~أشد عجبهم ودهشتهم مما علموا؛ إذ عرفوا عند ذلك أن العدو لم يأت ليقاتلهم، بل أتى ليحمل الجزية التي اتفق عليها مع ~~«قيرس» المقوقس في عقد الصلح الذي طلبه من العرب وكتبه معهم على تسليم المدينة، فهاج الناس وثار ثائرهم لما ms238 سمعوا، وذهبوا ~~غير مصدقين حتى أتوا قصر البطريق، فاطلع عليهم منه بعد لأي، وكان الخطر في تلك اللحظة محدقا بحياته؛ إذ تهافت الناس ~~إليه يريدون أن يحصبوه. # غير أن كبر سنه وعلو مكانته خذلا الناس عنه وحمياه من الخطر، فأشار إلى الناس إشارة فهدءوا، ثم استطاع الكلام، واستعان ~~بما أوتي من بلاغة وفصاحة على تخفيف جنايته وتهوين خيانته في مقالته التي قالها بين الناس، وجعل يبرر ما كان منه قائلا ~~إنه إنما اضطر إلى ركوب الصعب اضطرارا إذ لم يكن بد منه، وما قصد إلا مصلحة قومه وفائدة أبنائهم؛ فإن العرب قوم لا يقوم ~~لهم شيء إلا غلبوه. وقد أراد الله أن يملكوا أرض مصر، فما كان للروم إلا أن يصالحوهم؛ فإنهم إن لم يفعلوا جرت الدماء في ~~طرق مدينتهم، ونهبت أموالهم وقتلوا، ومن بقي منهم حيا خسر ما كان يملك وضاع أمره، ولكن الصلح حقن دماءهم، وأمنهم على ~~أنفسهم وأموالهم وديانتهم، ومن أراد أن يعيش في أرض مسيحية كان له الخيار في ترك الإسكندرية. وما كان أمر الخيار بين ~~الهجرة من مصر وبين الإذعان للمسلمين بالأمر الهين؛ فلم يتمالك البطريق معه، بل بكى وهو يطلب من الناس أن يصدقوا أنه ~~إنما بذل جهده في أمرهم، وأن عليهم أن يرضوا بالصلح الذي عقده من أجلهم يقصد به صلاح حالهم. # بهذا استطاع «قيرس» مرة أخرى أن يفوز برأيه المشئوم، فإذا بالناس وقد عادوا إلى رأي الجيش، ورضوا بالتسليم والنزول عن ~~مدينتهم العظيمة للعرب على شرط العقد الذي تم. وجعل الثائرون يتلاومون على ما اقترفوا من الوثوب والحنق على ذلك الحبر ~~الطاهر، في حين كان يسعى جهد طاقته ليحول بينهم وبين الهلاك على يد الغزاة، وأخذوا يجمعون قسط الجزية التي فرضت عليهم ~~وزادوا عليها مقدارا كبيرا من الذهب، ووضع ذلك المال في سفينة خرجت من الباب الجنوبي الذي تدخل منه الترعة، وذهب به ~~قيرس بنفسه ليحمله إلى قائد المسلمين. # 4 # وبذلك تم فتح الإسكندرية، وإذا حسبنا تاريخ ذلك وجدنا أن أداء ذلك ms239 القسط الأول من ~~الجزية قد يكون في أول المحرم من سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وذلك هو اليوم العاشر من ديسمبر من عام 641، وليس في مصادر ~~التاريخ ما يثبت ذلك التاريخ وينص عليه صراحة، ولكن الرواية التي تناقلها العرب تجعل فتح المدينة في ذلك اليوم، ولعل ~~منشأ تلك الرواية كان عمن حضر ذلك اليوم وشهد إذعان أهل الإسكندرية بحملهم أول قسط من جزيتهم، ومع ذلك فإن مؤرخي العرب ~~يجعلون أول المحرم في يوم الجمعة، مع أن أول المحرم لم يقع في يوم جمعة في ذلك العام ولا في عام قريب منه إلا في عام 645؛ ~~وعلى ذلك يكون لنا أن نقول إن الرواية لا يمكن أن تكون صحيحة في كل أجزائها، بل لقد تكون كلها غير صحيحة، ولكنا نتردد في ~~الأمر، ونحمل أنفسنا على القول إنها لا بد أن يكون لها أساس من الحقيقة؛ لأنها رواية من أثبت الروايات في أخبار الفتح العربي. # 5 # وعلى أي حال فإنه من المفيد أن نوجه الأنظار إلى اتفاق عجيب آخر يلوح من خلال ما اختلط من تواريخ ذلك ~~العصر، ولعله يفيدنا في بيان أسباب ذلك الخلط بعض التبيين؛ وذلك أن بعض مؤرخي العرب يقرر أن فتح الإسكندرية لم يقع إلا ~~بعد ثلاث سنين من دخول جيش عمرو في مصر، في حين أن طائفة سواهم تقول إن فتح حصن بابليون وفتح الإسكندرية وقعا كلاهما في ~~عام واحد، وهو العام العشرون من الهجرة. ومع ما يظهر من الخلاف بين الطائفتين نقول إن كليهما على الحق؛ فقد سلم حصن ~~بابليون في شهر أبريل من عام 641، وسلمت الإسكندرية في شهر نوفمبر من ذلك العام، وكلا التاريخين واقع في سنة عشرين. ومن ~~جهة أخرى قد دخل عمرو في أرض مصر في عام 639 من الهجرة، ولكن جيشه لم يدخل الإسكندرية إلا بعد ثلاث سنوات من ذلك؛ أي في ~~شهر أكتوبر من عام 642 عندما انقضت مدة الهدنة وهي أحد عشر شهرا. وإنه لمما يسر النفس أن تفوز بكشف الحقيقة ms240 من وراء ~~هذا الغطاء من خلاف يخمرها. # وماذا عسانا نقول في هذا الصلح العجيب؟ فليس في طاقتنا أن نملك أنفسنا ونلزم القصد ~~في القول إذا ما أردنا أن نصف فعلة المقوقس، وما أتاه ذلك البطريق من المكر السيئ، وما كان له من الصلة الغريبة بقائد ~~للعرب، وحرصه المدهش في كل وقت من أوقات القتال مع المسلمين على أن يسرع بالإذعان والتسليم لهم؛ فليس مر الأيام ~~بمستطيع أن يمحو عن ذكره وصمة جنايته في خيانة دولة الروم، والقصد إلى تضييع أمرها بعد أن لطخته من قبل جريرة حمقه ~~وقسوته في اضطهاد القبط مدة أعوام عشرة. فالحق أنه لو كان منذ ولي أمر الدين قد قصر همه على هدم سلطان الروم وتضييع ~~أمرهم في مصر لما سار إلا على سيرته تلك، ولما سلك إلا السبيل الذي سلكه. وإنه ليملؤنا العجب إذ نراه يسارع تلك ~~المسارعة إلى اغتنام فرصة الخيانة والإيقاع بمصر، وهي فرصة ما سنحت له إلا من جرائر أفعاله، وما تهيأت إلا من عاقبة ~~سوء حكمه. ولا يخفف من جرمه أن يقول قائل إنه كان يأتمر بأمر مولاه الإمبراطور هرقلوناس وقد خول له أن يعقد ذلك الصلح؛ ~~فلقد كان من أهون الأشياء على مثل قيرس أن يحمل مثل هذا الملك على رأيه، وهو ملك مستضعف لا علم له بأحوال مصر، تسير به ~~مشيئة أمه أنى شاءت. # ولم يكن صلح الإسكندرية أول العهد بخيانته، بل لنا بها عهد منذ أشهر في حصن «بابليون»، وحسبنا بما كان منه في أمر هذا ~~الحصن ردا على من يريد الدفاع عنه بأنه إنما نزل على حكم الضرورة في الحرب؛ فإذا كان العرب عند طلوعهم على الإسكندرية قد ~~بسطوا سلطانهم على أكثر بلاد مصر، فإن الأمر لم يكن كذلك وهم واقفون حول حصن «بابليون» في الوقت الذي أراد فيه أن يعقد ~~معهم صلحه الذي أنكره الإمبراطور. وبعد فلم تكن الإسكندرية قد نزل بها من حرب العرب ضيق، وكانت بلاد الساحل جميعها لا تزال ~~بمنجاة عنهم. وقد حاول ms241 جيش المسلمين أن يصدم تلك العاصمة في أول الأمر فارتد عنها عاجزا مخذولا، وقد ذكرنا من قبل أنه ~~ليس في الأخبار ما يحملنا على الظن أن ذلك الجيش قد أقام عسكره على مقربة منها، ويدلنا على ذلك دليلان: أولهما إغفال ~~ديوان حنا لذكر عسكر لهم هناك، وثانيهما قوله إن أهل المدينة عندما رأوا الفئة من المسلمين التي أتت لتحمل الجزية انزعجوا ~~وثاروا، ولو كان المسلمون على مقربة بحيث يراهم أهل الإسكندرية من فوق أسوار مدينتهم كل يوم مدة شهور، كما يقول مؤرخو ~~العرب، لما حدث مثل ذلك الانزعاج عند اقترابهم . فالحق أن مؤرخي العرب يخلطون في هذا الأمر بين تسليم الإسكندرية الأول ~~وفتحها عنوة في المرة الثانية؛ إذ إنهم في المرة الثانية حاصروا المدينة حصارا صحيحا نوعا ما، وأما تسليمها الأول فلم ~~تكن ثمة ضرورة من ضرورات الحرب تدعو إليه. # 6 # وإنا نعيد هنا ما سبق لنا قوله إن الإسكندرية كانت من المنعة بحيث لا تكاد تنالها قوة عمرو ومن جاء معه من الجنود، فكان ~~دور أسوارها نحو تسعة أميال أو عشرة، ثلاثة منها مما يلي البحر، وأكثرها ما بقي منها تحميه الغياض والبحيرات والترعة. وإذ ~~كان العدو لا يستطيع أن يقترب إلا من جزء يسير من تلك الأسوار، فقد كان من السهل على جند المدينة أن تجعل همها دفع ~~حملاته على هذا الجزء. وإن العرب لو استطاعوا إسكات ما على الأسوار من المجانيق القوية المريعة، وقدروا على الاقتراب منها؛ ~~لما أمكنهم أن يصدعوا الأسوار بما لديهم من الوسائل وما كان أقلها وأضعفها. وإنا لا نكاد نعرف في تاريخ الإسكندرية أنها ~~أخذت مرة عنوة بغير أن يكون أخذها بخيانة من داخلها. # فمن ذلك نرى أن ذلك الصلح الذي عقده قيرس لم تكن ثمة من ضرورة في الحرب تدعو إليه، ما دامت أساطيل الروم تسيطر على ~~البحر، والعرب بعد أبعد الناس عنه لا يمر بخاطرهم أن يتخذوا فيه قوة. قد يقول قائل إن فتح بابليون قد أوهن الروم، وإن ~~جنودهم امتلئوا ms242 هيبة من العرب؛ إذ رأوا أنهم لم يصبروا على لقائهم في موطن من المواطن منذ ابتدأت الحرب، وإن الجيش ~~الروماني كان لا يثق في قواده، ولا يرى منهم إلا الجبانة والعجز. وهذا كله صحيح لا شك فيه، ولكن كان في الاستطاعة تغيير ~~الحال، بأن ترسل جنود غير تلك الجنود وقواد غير أولئك القواد، لا تزال في جنانها شدة وفي قلوبها قوة، غير أن ذلك لم ~~يسع إليه أحد؛ فإن الدولة منذ مات عنها هرقل لم تجد حاكما يلم شعثها، ويصرف أمورها، ويحملها على سبيلها. وكان أهل ~~الإسكندرية شيعا وطوائف، تقطع ما بينهم الأحقاد والأطماع، فما كانت تخلو من هيعة أو وثبة. وجاء بعد ذلك موت هرقل، فزاد ~~الحال سوءا؛ إذ شطر حكومة قلب الدولة شطرين ليس بينهما إلا الشحناء والعداوة؛ فالحق أن موته «كسر شوكة الروم» كما قال ~~المؤرخ العربي، ولكنه كسرها كسرا أبلغ مما قصده ذلك المؤرخ؛ فإن الدولة أغفلت بعده همها الأكبر، وهو الدفاع عن حياتها، ~~فشغلتها دسائس «مرتينه» ومكائد «فلنتين»، فتركت مصر تجري في قضائها، وكانت الإسكندرية إذ ذاك قطب الحوادث يدور عليها أمر ~~مصر ومصيرها، فلم تجد في الدولة من يأخذ بيدها، ولو وجدت نصيرا يمدها لنجت من عدوها، ولناجزته بعد ذلك على سواء حتى ~~تخرجه من أرض مصر. # لسنا ننكر أن الروم عند فتح الإسكندرية لم يكن لهم أمل في أن يهاجموا العرب ~~ويخرجوهم من البلاد، ولكن الإسكندرية كانت تطيق الصبر على الحصار مدة سنتين أو ثلاث ريثما يلي الأمر حاكم صلب القناة. ~~فإذا ما كان ذلك لم يكن بالمستبعد أن تعود مصر إلى الروم، ولا يمنع من ذلك ما كان من أثر الماضي وجرائره التي أدت إلى ~~تمكن العرب في البلاد تمكنا تصعب زلزلته؛ فالأمر لم يكن بعد قد أفلت من يد الروم إلى حيث لا يرجع إليهم. وقد كان قيرس ~~صاحب الجريرة في ضياع مصر، لا يجديه دفاعه واعتذاره بأن الجيش كان خائر النفس، وأن الناس كانوا شيعا وفرقا لا تجتمع ~~لهم كلمة، ms243 فما كان ينبغي النزول عن الإسكندرية، بل كان أوجب الأمور الاحتفاظ بها مهما كان في سبيل ذلك من مشقة، ولكن قيرس ~~أسلمها للعدو خفية وعفوا بغير أن تدعوه إلى ذلك ضرورة. # ولا نزال نسائل النفس عن السبب الذي حمل أهل الإسكندرية على قبول ذلك الصلح، والمبادرة إلى الرضا عن قيرس بعد أن كانوا ~~قد وثبوا به وأرادوا أن يحصبوه لما رأوا من خيانته؛ فقد كانوا معروفين بالنزق والتقلب في الأحوال، ولكنهم لم يكونوا صادرين ~~عن نزق في انصرافهم عن دولتهم وصدوفهم عنها ورضائهم بالإذعان لحكم الإسلام. وليس ثمة إلا رأي واحد فوق ما سبق لنا ذكره ~~نفسر به ما كان منهم، وذلك أنهم كانوا قد سئموا من كثرة ما أصابهم من الحدثان، وكرهوا فساد الحكم الذي أثقل كواهلهم مدة ~~أربعين عاما، وقالوا في أنفسهم لعلنا نجد في حكم المسلمين قرارا واطمئنانا نأمن فيه على ديننا فلا نكره على شيء فيه، ~~وعلى أموالنا فلا نتحمل من الخراج والجزية إلا قدرا نطيقه. ولعل أكبر ما حملهم على الرضا بحكم العرب رفع ما كان يبهظهم ~~من الضرائب؛ فقد كان الروم يجبون من مصر أموالا يتعذر علينا أن نعرف مقدارها، ولكنها كانت بلا شك كثيرة الأنواع ثقيلة ~~الوطأة شديدة الأذى؛ فأحل العرب محلها الجزية وخراج الأرض. ومهما يكن من مقدارها فقد كانت لها فضيلة البساطة، وكانت ثابتة ~~المقدار محدودة القصد، وكانت أقل في جملتها مما كان يجبيه الروم، أو لقد خيل إلى الناس أنها كذلك. ومنذ كان شعور ~~المصريين الوطني ضئيلا كان تأثرهم بما يمس أموالهم شديدا. ولعل ما كان الناس يتوقعونه من العرب من تخفيف حمل الضرائب ~~كان من أكبر العوامل على فوز المسلمين في فتوحهم جميعها، وأما في الإسكندرية فلعل هذا الأمر كان أعظم الأمور أثرا. # 7 # على أن ما طمع فيه أهل الإسكندرية من تخفيف هذه الأحمال لم يتحقق لهم، بل خاب أملهم خيبة ما كان ~~أمرها. # أقر الإمبراطور عهد الصلح. ولعل ذلك كان آخر ما أتاه في حكمه؛ إذ انتهى ms244 في ذلك ~~الشهر عينه وهو نوفمبر. ويلوح لنا أن عمرو بن العاص كتب شروط ذلك الصلح وأفضى بها إلى أهل مصر، وكانت تلك الشروط تعدهم ~~بالأمن على أنفسهم وأموالهم وذمتهم وكنائسهم وصلبهم، وبحمايتهم من أهل النوبة وسواهم من أعدائهم متى دفعوا الجزية. # 8 # ولكن المقاومة لم يخب لهبها، ولم يخذلها ما كان من تسليم الإسكندرية العظمى، ولا ما وعد به عمرو من الشروط ~~الحسنة؛ فقد بقيت بعض البلاد في شمال مصر السفلى ترفع لواء الروم ولا ترضى بالتخلي عنه، مع أن فتح الإسكندرية كان قد قضى ~~على الأمل كله في دولة الروم، وأصبح بعدها من أشد الحماقة أن تصر طائفة على القتال وتأبى الدخول فيما دخل فيه سائر ~~الناس من العهد؛ فكان لا بد للعرب من فتح تلك البلاد حتى يتم لهم الأمر، وكان عمرو قد فرغ مما يشغله، ويستطيع السير إليها ~~في أي وقت شاء. # وكان عمرو في هذه الأثناء منصرفا إلى عمل آخر في بابليون؛ إذ عزم على أن يبني للمسلمين مدينة جديدة في السهل الذي ~~يلي الحصن الروماني، بينه وبين جبل المقطم، وكان موضع عسكره. وقد روى البلاذري أن الزبير هو الذي اختط المدينة واتخذ ~~فيها لنفسه دارا، وجعل فيها السلم الذي صعد عليه إلى سور الحصن، وبقي فيها ذلك السلم حتى احترق في حريق. وأما ياقوت ~~فإنه يذكر أربعة نفر أمرهم عمرو أن يقوموا على اختطاط المدينة وتقسيمها # 9 # بين أحياء العرب وقبائلهم. ومهما يكن من الأمر فلا شك في أن الذين اختطوا المدينة الجديدة وبنوها كانوا من ~~القبط؛ إذ لم يكن عند ذلك في العرب من له علم بذلك الفن ولا دراية به. ومن الجلي أن اسم الفسطاط الذي سميت به المدينة ~~اسم أعجمي، وقد اختلف فيه مؤرخو العرب؛ فهم يقولون إجمالا إن معناه «الخيمة» # 10 # تتخذ من الأدم أو من الجلد، وكان عمرو يتخذ لنفسه خيمة منها، أو يقولون إن معناها الموضع حيث يجتمع الناس، ~~وجاء في رواية أن كل مدينة فسطاط، وقد أورد ms245 ياقوت ستة أوزان لذلك اللفظ. # 11 # ويمكننا أن نقول إن علاقة ذلك الاسم بسرادق عمرو وبقصة اليمامة فيها شيء من الصحة؛ فإن لفظ «فساط» يرجع بنا ~~إلى اللفظ ~~البيزنطي، ~~(28 ~~⋆ ~~) # وهو اللفظ الروماني # Fossatum ~~، وكان في وقت الفتح لفظا شائعا على العسكر، وكان الرومانيون ~~في حصن بابليون بلا مراء إذا ذكروا موضع عسكر العرب سموه ~~«الفساطون»، ~~(29 ~~⋆ ~~) # فأخذ عنهم العرب ذلك اللفظ. وإنه لمن أعجب الأمور أن يظهر ذلك الرأي للناس كأنه جديد مستغرب. # 12 # وإنه لمن البعيد أن تكون مدينة الفسطاط قد جعلت عند اختطاطها مدينة عظيمة، أو أنه كان يقصد منها أن تكون عاصمة للمسلمين؛ # 13 # فقد كان انحصار الجنود في الحصن مما أفسد حالهم ونغص عليهم عيشهم، وما كان من العدل ولا من المستحسن أن ~~يخرج المسلمون أهل مصر من ديارهم ليحلوا محلهم؛ وعلى ذلك فقد رأى العرب أنهم يستطيعون البناء خارج أسوار الحصن لا ~~يخافون شيئا، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأمنوا الكيد أن يأتيهم من جانب ذلك الإقليم، ولكن المدينة وإن ابتدأت صغيرة، ~~نمت نماء سريعا بعد سنة من إنشائها، منذ أبى الخليفة عمر أن يبيح لعمرو أن يتخذ الإسكندرية عاصمة؛ فاتسعت عند ذلك ~~فسطاط مصر، وكانت تسمى بالاسمين معا، حتى عمت الفضاء الفسيح الذي نرى به اليوم تلك الأكوام من الأقذار في جنوب ~~القاهرة، ومنذ ذلك الوقت صارت عاصمة مصر، ثم نشأت بعد ذلك ضاحية في ظاهر الفسطاط من قبل الشمال، وكان اسمها العسكر، ~~وانتقلت إليها قاعدة الحكم، ثم تلا ذلك بناء القطائع في شمال العسكر، بناها أحمد بن طولون، واتخذ فيها الطولونيون قصورا # 14 # لهم. فلما انقضت دولة الطولونيين رجعت العسكر إلى شأنها الأول حينا من الدهر، ثم قضي عليها في أواخر القرن ~~العاشر؛ إذ جاء الفاطميون إلى مصر وبنوا لهم عاصمة جديدة، وهي مصر «القاهرة»، أي المنصورة، وقد أخذ أهل البندقية الوصف ~~«القاهرة» ولم يأخذوا الاسم «مصر»، ونقلوه محرفا إلى لغات أوروبا، وهو «كيرو». # وإنا نرى إلى اليوم جامعا عتيقا في شمال ms246 الحصن الروماني المتهدم، ويبعد عنه بقليل، وهو أقدم مسجد في مصر يؤمه السفار ~~ويعرفونه، فلا حاجة بنا إلى إثبات وصفه هنا، ونظن أن إنشاءه كان في ذلك الشتاء من سنتي 641 و642، # 15 # وقد اختار عمرو لبنائه الموضع الذي كان فيه لؤلؤه، # 16 # وصار يعرف باسم مسجد أهل الراية. # 17 # وكان ذلك الموضع بين بساتين وكروم # 18 # تلي شاطئ النهر، # 19 # وقد حل فيه قبل بناء الجامع أبو عبد الرحمن قيسبة بن كلثوم، فلما طلبه عمرو منه نزل عنه صدقة للمسلمين. ~~وكان المسجد من أول ما يجب على المسلمين اتخاذه. ولقد كان جامع عمرو في الأصل مسجدا ساذجا، وكان ذرعه خمسين ذراعا في ~~ثلاثين، وسقفه مطأطأ، وكان أمامه فضاء ، ولم يجعل له صحن، ومد الطريق حوله، وجعلت له ستة أبواب، ثم ظهر ضيقه ~~بالمصلين، فكان الناس يصطفون للصلاة في الفضاء الذي أمامه. وقيل إن الذين أقاموا القبلة كانوا ثمانية # 20 # من أصحاب الرسول؛ فيهم الزبير، والمقداد بن الأسود، # 21 # وعبادة بن الصامت؛ وكانت قبلته منحرفة إلى الشرق انحرافا أكثر مما هي عليه اليوم. ولما تم بناؤه وضع فيه ~~منبر، وكان عمرو يقوم عليه في خطبته # 22 # حتى تقدم إليه الخليفة عمر يعزم عليه في كسره، ولامه على أنه يطأ رءوس المؤمنين إذ يقوم عليه والمسلمون ~~جلوس تحت عقبيه. وقد زيدت فيه زيادات كان أولها ما زاده مسلمة بن مخلد في سنة 673 للميلاد؛ # 23 # فإنه مده إلى جهة الشمال، وفرشه بالحصر بدل الحصباء، وبنى فيه صومعة عند كل ركن من أركانه، وجعل فيه منائر ~~نقش عليها اسمه، وزاد عدد المؤذنين، وأمرهم أن يؤذنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، # 24 # وأمر ألا يضرب فيه بناقوس # 25 # عند الفجر كما كان يفعل أولا. وفي حوالي سنة 696 # 26 # أمر عبد العزيز بن مروان بهدم جزء منه. ولعله أمر بهدم الزيادة التي زيدت فيه وأعاد بناءه. ثم أمر الخليفة ~~الوليد بن عبد الملك بعد ذلك في سنة 711 # 27 # واليه قرة بن شريك ms247 أن يهدم المسجد كله ويعيد بناءه، فصار بعد ذلك إلى صورته التي بقي إلى اليوم محتفظا # 28 # بجلها، مع ما دخل عليه من التغيير فيما # 29 # بعد. # ولا نعرف إلا قليلا من وصف البناء الذي بناه الناس في الفسطاط؛ فقد كانت أكثر ~~المنازل من اللبن، ثم علا فيها البناء حتى صار إلى طبقات أربع أو خمس. فإذا أردنا أن نصور لأنفسنا صورة تلك المنازل كان ~~لا بد لنا أن نصورها قطعا عظيمة من البناء، قائمة على غير استواء ولا نظام، تدعمها أعمدة رومانية لا شيء فيها من ~~الزينة ولا من جمال التنسيق، تشبه كل الشبه ما هو موجود أو ما كان لا يزال في مدينة رشيد من البناء منذ عشرين عاما. ~~وقيل إن بعض هذه المنازل الكبرى كان يسكن فيه نحو مائتي فرد، وكانت الطبقة السفلى مما يلي الأرض لا يسكنها أحد إلا ~~قليلا. وقيل إن خارجة بن حذافة النائب المعروف الذي كان عمرو ينيبه عنه كان أول من اتخذ لداره مشربة أو طنفا. فلما بلغ ~~ذلك عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو أنه ما فعل ذلك إلا ليشرف على من حوله ويطلع على عوراتهم وسرهم، وأمره أن يهدمها. وقد ~~بنيت في الفسطاط حمامات كان يسمى أحدها «حمام الفار»؛ إذ كانت صغيرة حقيرة البناء إذا قيست بحمامات الرومان ~~العظيمة. # وكان لا بد للمدينة فوق مسجدها ومنازلها وحماماتها أن يكون لها مقبرة. وقد رويت ~~في ذلك قصة عجيبة، وذلك أن قيرس بعث إلى عمرو أن يبيعه قطعة من الأرض عند سفح الجبل بسبعين ألف دينار، فلما سئل عن سر ذلك ~~الثمن العظيم قال إنه قد جاء في كتبهم أن ذلك الموضع روضة من رياض الجنة. فلما علم عمر بن الخطاب بذلك قال إنما روضة ~~الجنة حيث يدفن المؤمنون، وأبى ذلك البيع على المقوقس، وأمر بجعل تلك الأرض مقبرة للمسلمين. وقد دفن فيها فيما بعد عمرو ~~بن العاص وأربعة من الصحابة. # ثم أقبل عمرو على عمل عظيم آخر، وهو حفر خليج تراجان. ms248 # 30 # وكان ذلك الخليج يخرج من النيل إلى شمال بابليون بقليل، فيمر بمدينة عين شمس، ثم يسير في وادي الطميلات إلى ~~موضع القنطرة حتى يتصل بالبحر الأحمر عند القلزم. # 31 # وقد أهمل الروم أمره حتى سده الطين، وكان أقدم عهدا من حكم تراجان، وإنما سمي باسمه لأنه أعاد كريه ~~وأصلحه، كما عزم عمرو بن العاص على أن يفعل به عند ذلك. وقد أظهر العلامة «فيل» # 32 # أن جزءا منه إن لم يكن كله يرجع الفضل في حفره إلى فرعون مصر «نخاو»، وهو الذي حفر خليجا في برزخ السويس من ~~البحر الأبيض إلى البحر الأحمر، وقد أصلحت الترعة مرة أخرى في مدة بطليموس الثاني (فلادلفوس)، ولكنه جعلها تنفصل من ~~النيل عند «فاقوس» بعد أن كانت تنفصل عنه عند «بوبسطة». ولسنا نعرف الوقت الذي حفر فيه جزء الترعة الذي بين بوبسطة ~~وبابليون. على أن هذه الترعة لم تكن ذات غناء كبير؛ لأن الماء لم يكن يجري فيها إلا عند فيض النيل. ولما أهمل أمرها ~~أصبحت من بعد القرن الثاني للميلاد غير صالحة لسير السفن، وكان لا بد للرمل أن يسدها بالسقوط فيها إذا ما قل تعهدها ~~والاعتناء بأمرها. وقيل إنها كانت في ذلك الوقت خفية الأثر حتى احتاج عمرو إلى من يدله على موضعها من القبط، فأجازه برفع ~~الجزية عنه، ولكن سرعة حفرها وإعادتها إلى الصلاح تدلنا على أن بعض مجراها الذي طوله تسعون ميلا كان لا يزال صالحا. على ~~أن مثل ذلك الإسراع لم يكن عجيبا؛ إذ كان يعمل فيها عدد عظيم من أهل البلاد يساقون إلى ذلك كأنهم أرقاء، يسوقهم من ~~ورائهم مقدمون وخول، على ما جرت به سنة أهل مصر منذ أقدم الأزمان. ويلوح لنا أن العرب لجئوا إلى هذه السخرة بشدة لم ~~تعهد من قبل، حتى لقد وصفهم «حنا النقيوسي» وصفا شديدا، وتناولهم بالقول القاذع فقال: «وكان نيرهم على أهل مصر أشد ~~وطأة من نير فرعون على بني إسرائيل. ولقد انتقم الله منه انتقاما عادلا بأن أغرقه في ms249 البحر الأحمر بعد أن أرسل صنوف ~~بلائه على الناس والحيوان، ونسأل الله إذا ما حل حسابه لهؤلاء المسلمين أن يأخذهم بما أخذ به فرعون من قبل.» # 33 # ولكن الظاهر أن هذه الشدة إنما جاءت عفوا في وقت الفتح، ولم تكن صفة ثابتة لحكومة عمرو في مصر. # وقيل إن عمرا كان ينوي حفر خليج بين بحيرة التمساح والبحر الأبيض المتوسط، فيكون بذلك قد قطع البرزخ بالبحر كما هو ~~اليوم، ولكن عمر بن الخطاب أبى عليه ذلك وأنكره، قائلا إنه يمكن الروم من السير إلى البحر الأحمر وقطع السبيل على من ~~أراد الحج. وليس في هذه القصة شبهة تمنع من تصديقها. # ولم ينصرف القائد العربي كل الانصراف إلى هذه الأعمال السلمية، فلم تشغله عن أمور ~~الحرب والقتال؛ فإنه رأى البلاد قد صارت إلى الإذعان للعرب منذ عهد الإسكندرية لا ينقص من سلطانهم عليها إلا بعض بلدان في ~~شمال مصر السفلى، ولا سيما ما كان منها على شاطئ البحر؛ إذ أبت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من العهد. وكان لعمرو أن ~~يسير إليها إذا شاء فيقاتلها ولو كان ذلك في مدة الهدنة. ويلوح لنا أنه قد وجه لقتالها جيشا في ربيع سنة 642. ومن ~~العسير أن نصف ما كان من سير جيش العرب، لا سيما وأن حنا النقيوسي لا يذكر شيئا من أمر القتال في هذه المدة؛ فلا بد ~~لنا من الاعتماد على مؤرخي العرب وما جاء في أخبارهم، ومن أشق الأمور فهمها أو الربط بين أجزائها. # فلا نجد مع هذا ندحا من أن نلجأ إلى التصور والحدس، فنقول إن جيش العرب لا بد قد سار من كريون نحو الشرق على ساحل ~~النهر. وكانت في الإقليم الذي كان يعرف بالحوف الغربي مدينة اسمها «إخنا»، ليست بعيدة عن الإسكندرية، # 34 # وكان حاكمها اسمه «طلما»، فأتى إليه كتاب من عمرو يعرض عليه فيه شروط الصلح الذي صالح عليه «قيرس»، ولكنه لم ~~يقنع بما جاءه في ذلك الكتاب، فأرسل إلى عمرو يطلب الاجتماع به، فسأله عن ms250 مقدار الجزية، فلم يطق قائد العرب احتمال هذه ~~المراجعة، وأشار إلى كنيسة قريبة وقال: «لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا ~~كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم.» # 35 # ولا بد أن «طلما» كره هذا الرد وعزم على ألا يذعن؛ وعلى ذلك سار المسلمون إلى «إخنا»، وما لبثوا أن أرغموها ~~على التسليم لهم، وقد أخذوا منها أسرى كثرا وبعثوا بهم إلى الخليفة عمر في المدينة، مع أن تلك القرية سلمت إليهم صلحا ~~بعقد وعهد. وقد حدث مثل ذلك لمدينة «بلهيب»، # 36 # وكانت مدينة منيعة في جنوب رشيد تبعد عنها بضعة أميال. والظاهر أن عمرا أتاه هناك رد الخليفة عمر بإقرار صلح الإسكندرية. # 37 # فقرأ عمرو كتاب الخليفة على الناس، وقد جاء فيه أن يخير الأسرى، فمن رضي الدخول في الإسلام منهم أطلق سراحه ~~وصار للمسلمين أخا. فيروى أنه دخلت في الإسلام طائفة كبيرة من الأسرى، وكان المسلمون يكبرون فرحا كلما أسلم منهم ~~أحد، ولكن لم يقع مثل هذا كثيرا أن يسلم جماعة مرة واحدة في مقام واحد، بل إن هذا الأمر ليس له نظير في وقت آخر، ولو ~~صح أنه وقع لكان الباعث عليه طمعا عظيما في أمر من أمور الدنيا في قلوب لم تكن عقيدتها ثابتة، ولعل تلك القصة قد داخلها ~~تحريف ومبالغة. # ويذكر مع صلح «إخنا» صلح آخر عقد مع «قزمان» - ولعله قزماس - حاكم رشيد، وصلح ~~مع «حنا» حاكم البرلس. # 38 # ويلوح لنا أن الغرب ساروا من بعد البرلس على شاطئ البحر حتى بلغوا دمياط # 39 # ولم يقف لهم حاكم المدينة «حنا». وأصبح العرب بفتح دمياط مسيطرين على منافذ النيل إلى البحر جميعا. ثم ~~فتحت «خيس» في الإقليم المعروف بالحوف بقرب دمياط. # 40 # وأكبر الظن أن سلطان العرب صار يمتد عند ذلك على كل بلاد مصر السفلى، اللهم إلا بلادا قليلة كانت في الجزائر ~~التي في رقاق بحيرة المنزلة الفسيحة. # وكانت الأرض التي تغطيها مياه تلك البحيرة إلى ما قبل ms251 الفتح العربي بقرن # 41 # واحد لا تضارعها في بلاد مصر كلها أرض أخرى في جودة هوائها وخصبها وغناها، إلا إذا قلت بلاد الفيوم؛ فقد ~~تكون عدلا لها. وكانت أرضها ترويها ترع لا تنضب مياهها تأتي من النيل، فكانت تنبت نباتا يانعا من القمح والنخيل ~~والأعناب وسائر الشجر. غير أن البحر طغى عليها فاقتحم ما كان يحجزه من كثبان الرمل، وكانت المياه تزيد طغيانا عاما بعد ~~عام حتى عمت السهل الوطيء كله، ولم يبق فوق وجهها إلا عدد من الجزائر بعد أن أكلت المياه ما كان هناك من حقول وقرى، ~~فلم ينج منها إلا ما كان عاليا لا تناله المياه. وأعظم ما نجا من قرى تلك الأرض مدينة «تنيس» الشهيرة، وكانت مدينة لها ~~شيء من الاتساع والكبر، وكانت ذات بناء جميل تجود بها صناعة المنسوجات الدقيقة. وكانت في البحيرة التي تخلفت مدائن ~~أخرى اشتهرت ببراعة صناعها في النسيج، مثل «طونة» و«دميرة» و«دبيق»، ولكن لم تبلغ إحداها مبلغ «تنيس»؛ إذ كانت تضارع ~~دمياط وشطا في دقة منسوجاتها وجودة أنواعها، فما كان في البلاد كلها غير «تنيس» و«دمياط» ما يستطيع أن يخرج ثوبا من ~~الكتان النقي يبلغ ثمنه مائة دينار (أي خمسين جنيها). وقد ذكر المسعودي في تاريخه أن ثوبا صنع هناك للخليفة من عرض ~~واحد بلغ ثمنه ألف دينار، وكان مصنوعا من خيوط الذهب مخلوطة باليسير من دقيق الكتان. وقد ورد في الأخبار كذلك أن تجارة ~~«تنيس» مع العراق وحده بلغت من عشرين ألف دينار إلى ثلاثين ألفا في السنة الواحدة، ولكن ذلك كان قبل أن تقضي عليها ~~الضرائب الفادحة. # كانت تنيس على جزيرة # 42 # فسيحة، وكانت تصل إليها من الجنوب ترعة اسمها بحر الروم. ولعلها كانت بقية فرع النيل التنيسي الذي كان يبلغ ~~«الصالحية». وكان الاتصال كذلك سهلا في الماء بينها وبين الفرما، أو على الأقل بينها وبين «الطينة»، وهي ثغر الفرما على ~~ساحل البحر. وقيل إن «تنيس» كان لا يزال بها إلى القرن العاشر آثار قديمة، سوى ما كان بها ms252 من المساجد وعدتها مائة وستون، ~~تزين كلا منها مئذنة عالية، ثم ما كان بها من الكنائس وعدتها اثنتان وسبعون كنيسة، وكان بها من الحمامات ستة وثلاثون، ~~وكانت لها أسوار حصينة فيها تسعة عشر بابا مصفحة بالحديد الثقيل. # 43 # وقيل إن الموتى في الجزائر الأخرى كانت تحمل في الماء إلى جزيرة «تنيس» لتدفن بها. والظاهر أن هذه الموتى ~~كانت تحنط هناك. وقد زارها بعد ذلك بقرن الرحالة الفارسي «ناصري خسرو» # 44 # في عام 1047 للميلاد، فعجب مما رآه من ثرائها ورواج أسواقها؛ فهو يذكر أنه كانت بها عشرة آلاف متجر وخمسون ~~ألفا من الناس، وكانت في مراسي جزيرتها ألف سفينة، ولم يكن بها شيء من الزرع، بل كانت تعتمد في كل أقواتها على تجارتها، ~~وكان النيل إذا علا وفاض طرد ما حول الجزيرة من مياه البحر الملح، وملأ بالماء العذب ما كان فيها من الصهاريج ومخازن الماء ~~الدفينة في الأرض، وكانت تلك كافية لشرب الناس طول الحول. وقد بلغت منسوجات القبط البديعة ذات الألوان شأنا عظيما لم ~~تبلغه في وقت من الأوقات؛ فكان للسلطان مناسج خاصة به تنسج فيها الأثواب له وحده، وكان الثوب لعمامته تبلغ نفقته أربعة ~~آلاف دينار، ولكن الأثواب التي كانت تصنع للسلطان لم تكن مما يعرض في الأسواق. وقد طلب إمبراطور الروم أن يأخذ «تنيس» ~~ويعوض عنها بمائة مدينة من مدائن دولته، ولكنه لم يجب إلى ذلك. وكان مما يصنع في تلك المدينة سوى هذه الأثواب الملكية ~~نوع من الأثواب اسمه «بوقلمون»، وكان من الحرير المتغير اللون، وكانت لمعته زاهية، حتى قيل إنه كان يبدو في ألوان ~~متغيرة في كل ساعة من ساعات النهار، وكانت صناعة السلاح المتخذ من الصلب من الصناعات التي كادت تبلغ في تنيس مبلغ ~~منسوجاتها؛ فكانت على ذلك مدينة من أعجب المدائن وأعظمها شأنا. # ويروى في القصص أن حاكم «تنيس» كان في وقت الفتح العربي رجلا من العرب النصارى اسمه «أبو طور»، وأنه خرج لقتال ~~المسلمين على رأس عشرين ألفا من القبط والروم ms253 والعرب، فلقيهم في سيرهم إلى «تنيس» بعد أن فتحوا دمياط، # 45 # فناجزهم في مواطن كثيرة قبل أن يظفر العرب ويهزموا جيشه ويأخذوه أسيرا. ومنذ تم لهم ذلك فتحوا المدينة ~~وغنموا أموالها وقسموها، ثم ساروا إلى «الفرما». ومهما يكن من أمر تلك القصة ومبلغها من الصدق أو الخطأ فإنها تحوي أمرين ~~لهما قسط وافر من الثبوت، وهما أن «تنيس» دخلت في سلطان المسلمين في ذلك الوقت، وأن صناعتها لم يلحق بها أذى من الفتح ~~نفسه. ولم يجد المسلمون ما يحبب إليهم المقام في هذه المدينة، ولا في أشباهها من الجزائر التي كانت في وسط هذه البحيرة ~~تساورها المياه الزرقاء، مثل «طونة» و«بورا» و«دبيق»؛ وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن هذه الجهات ظلت على دينها النصراني ~~زمنا طويلا بعد ذلك لا يكاد يمسها دين الإسلام، # 46 # ثم قضي عليها وزالت أخبارها من التاريخ، وكان ذلك في وقت نستطيع أن نعينه. # كانت جزيرة «تنيس» مكشوفة للغزو من البحر، على أنها كانت محصنة فيها رباط قوي، وأمر صلاح الدين بإخلائها في سنة 1192، ~~ثم جاء الملك الكامل في سنة 1227 فهدم حصونها وأسوارها حتى تركها أطلالا. # 47 # وتتصل بفتح هذه الجهات قصة أخرى يجدر بنا أن نشير إليها؛ فإن المقريزي عند ذكره ~~مدينة شطا يصفها بأنها مدينة بين «تنيس» و«دمياط»، ويقول إن اسمها مأخوذ عن رجل اسمه شطا بن الهموك عم المقوقس. # 48 # وهذا الاشتقاق لا حقيقة له. وتذكر القصة بعد ذلك أن العرب عندما حاصروا دمياط وفتحوها خرج إليهم حاكمها «شطا» ~~ومعه ألفان من الناس، فأظهر إسلامه، وقد كان من قبل عاكفا على درسه والنظر فيه زمنا طويلا، ثم إن ذلك الرجل لما رأى أن ~~العرب أبطأ عليهم فتح «تنيس» جمع جيشا من البرلس ودميرة وأشمون طناح، وجهزه ولحق بإمداد المسلمين الذي بعث بهم عمرو، ثم ~~سار حتى التقى بالعدو، وأظهر من الشجاعة وحسن البلاء ما يظهره الأبطال، وقتل بيده اثني عشر رجلا من فرسان أهل «تنيس» ~~وشجعانهم، وما زال يقاتل حتى قتل في ms254 ذلك اليوم، ودفن في ظاهر المدينة. ويقول المقريزي إن قبره لا يزال معروفا يزوره ~~الناس من كل أنحاء البلاد المجاورة ليتبركوا به في يوم مقتله، وهو يوم النصف من شهر شعبان. # 49 # وليس من العسير أن ننقض هذه القصة كلها ونفندها؛ فإن مدينة شطا كانت تعرف بذلك الاسم قبل أن يغزو العرب مصر بزمن ~~طويل، وقد عرفت منذ أزمان بدقة منسوجاتها وجودتها، وفوق ذلك يعرف اسم حاكم دمياط في ذلك الوقت، وقد ذكره حنا النقيوسي ~~في ديوانه، فهو حنا # 50 # وليس «شطا» كما زعم المقريزي. وإن الصلة المزعومة بين «شطا» والمقوقس صلة ظاهرة البطلان، ولكنا إذا قلنا إن ~~ذلك الرجل «شطا» لم يكن له وجود، فإن في القصة أمرا يجعلنا نرفعها فوق مرتبة الوضع والكذب، وهو تاريخ الموقعة؛ فإن المؤرخ ~~العربي يذكر يوم وفاة ذلك البطل، ويقول إنه يوم الجمعة نصف شعبان من سنة إحدى وعشرين للهجرة، وهذا اليوم هو التاسع عشر من ~~شهر يوليو من سنة 642 للميلاد، وهو تاريخ لا نستطيع الشك فيه؛ فإن ذلك العام المذكور - أي عام 642 - هو العام الذي يتفق ~~ومجرى الحوادث التي وقعت في تاريخ فتح هذه البلاد حقيقة، وإن اليوم المذكور وهو التاسع عشر من يوليو كان حقيقة يوم جمعة، ~~وهذا اتفاق من وجهين يندر وقوعه، فإذا وقع كان التاريخ المذكور حقيقيا لا شك فيه. وزيادة على ما ذكرنا فإن زيارة الناس ~~لذلك القبر إلى أيام المقريزي لدليل يعزز صدق القصة؛ فلا يسعنا مع هذا إلا أن نصدق أنه قد وقع قتال في اليوم المذكور ~~في الجزيرة على مقربة من مدينة «تنيس»، وأن رجلا من الروم جاء من مدينة شطا، وقاتل في ذلك اليوم فأبلى مع المسلمين ~~بلاء حسنا حتى قتل. # وهذا التاريخ له قيمة كبرى ودلالة عظمى؛ فإنه يدلنا على أن مقاومة المصريين للعرب استطال أمرها في بلاد مصر السفلى ~~وظلت إلى ما بعد فتح الإسكندرية. وإذا ذكر أن أهل «تنيس» وما يليها من البلاد الواقعة في إقليم تلك البحيرة كانوا ms255 من ~~القبط الخلص، تنبض قلوبهم بما تنبض به قلوب القبط، عرفنا أن وقوع تلك الوقعة في ذلك الوقت دليل جديد على فساد رأيين ~~طالما خدعا الناس وتقادم عليهما الدهر، وهما يكفران الحقيقة، وهذان الرأيان هما أن مصر سلمت للعرب بغير قتال، وأن القبط ~~رحبوا بالعرب ورأوا فيهم الخلاص مما كانوا فيه. # لقد كانت خيانة قيرس للإسكندرية سببا في القضاء على آخر آمال المسيحيين بالفوز في مصر، ولكن من العجيب مع ذلك أن تدافع ~~هذه البلاد المتفرقة في مصر السفلى جيوش الغزاة وتقاومهم نحو عام آخر؛ ففي هذه آية على أن أهلها كانوا قوما من أولي ~~النخوة والحفاظ بقوا على عهد دينهم وثبتوا عليه، ولكن التاريخ لم يجزهم بذلك ما يستحقونه من حسن الأحدوثة، بل لبث ~~ينكرها عليهم زمنا طويلا. # الفصل الثالث والعشرون # | انقضاء حكم الروم بمصر # كانت بلاد الصعيد قد تم فتحها، ولا سيما إلى حدود إقليم «طيبة» قبل أن تخبو نيران الحرب في بلاد مصر السفلى بزمن ~~طويل، وكان فتح الصعيد على يد سرية أميرها خارجة بن حذافة، وأخرج الروم من بلاد وادي النيل (الصعيد) في عام 641 حتى لم ~~يبق منهم فيه إلا قليل، وكان من بقي منهم ضئيل العدد خائر الهمة، لا يرزءون المسلمين شيئا، ولا ينازعونهم السلطان، فلا ~~تذكر الأخبار شيئا من القتال في هذا الإقليم بعد ذلك. ولنا أن نقول إن بلاد الصعيد أذعنت للعرب بغير قتال بعد فتح ~~الإسكندرية. # ولكن التاريخ يذكر شيئا من أخبار الإسكندرية في المدة الباقية من الهدنة، وإنا موردوه هنا. قد رأينا أن المدينة قد ~~ازدحمت بمن لجأ إليها من جميع أنحاء مصر، وقد جلوا عنها عند مقدم العرب إليهم. فلما عقد الصلح كان من شروطه أن جنود ~~الروم ومن حل بالإسكندرية من الرومان لهم الخيار إذا شاءوا جلوا عنها بحرا وبرا، وأما القبط فلم يذكروا فيه بشيء. فلما ~~رأى اللاجئون بالإسكندرية أن السفن تحمل كل يوم طوائف من الناس إلى قبرص ورودس وبيزنطة قلقوا وحنوا للرجوع إلى قراهم، ~~فذهبوا ms256 إلى قيرس وطلبوا إليه أن يكلم لهم عمرا في ذلك، وكانوا يعرفون صلته الوثيقة بقائد العرب، ولكن الظاهر أن عمرا لم ~~يبح لهم الجلاء. ولا عجب في أن يخيب سعي البطريق في هذا الأمر إذا عرفنا أن طلبه هذا كان قبل شهر مارس؛ إذ كانت الحرب لا ~~تزال ثائرة في بعض قرى مصر السفلى. وكان أكثر اللائذين من مصر السفلى؛ فلو أبيح لهم الرجوع إلى قراهم لما أمن أن ~~يقاتلوا جنود المسلمين بأنفسهم، أو أن يمدوا المدائن التي كانت لا تزال مصرة على القتال ولم يفتحها المسلمون ~~بعد. # غير أن قيرس آلمه ألا يجيبه عمرو إلى طلبه، وكان ألمه من ذلك شديدا؛ فقد كان يطمع أن يستميل إليه القبط، ولعله كان ~~يرمي من وراء ذلك إلى أن ينسيهم شيئا من حقدهم عليه؛ فكان هذا الرفض الذي رفضه عمرو لطلبه ضربة شديدة أصابت سياسته في ~~هذا الشأن. # والظاهر أنه يئس قبل ذلك أن يحتفظ بنفوذه عليهم، ذلك الذي أراد أن يقيمه بالاتفاق مع المسلمين ومعاونتهم، فامتلأ قلب ~~المقوقس عند ذلك بالخوف وتوقع المصائب، وكان ذلك يزداد به كلما دنا أجل سلطان الروم في مصر. وكانت الأخبار التي ترد من ~~القسطنطينية لا تبشره بخير؛ فقد آل أمر مرتينه وابنها إلى زوال؛ إذ نحيا عن الحكم أو قتلا، وبويع لقنسطانز وحده ~~بالملك في آخر نوفمبر من سنة 641، ونفي «بيروس» وكان صديقا لقيرس، ويظهر أن قيرس هو الذي استماله إلى جانب مرتينه ~~وحزبها، وأعيد «فلاجريوس» من منفاه، وكان عدوا شديد العداوة ل «قيرس». وحاول «فلنتين» أن يثور ثورة # 1 # جديدة، ولكنه أخفق؛ إذ لم يواته الناس، وأظهروا له الكراهة، ثم قبض عليه وجيء به إلى الإمبراطور «قنسطانز» ~~ليحاكم على أنه خرج على الدولة وسعى إلى غصب التاج. غير أنه أقسم أغلظ الأيمان على أنه لم يقصد إلى ذلك، وأنه إنما كان ~~يجهز جيشا يحارب به المسلمين. فقبل الملك اعتذاره، وأعاده إلى ما كان عليه، وتزوج من ابنته. فأراد «فلنتين» أن يظهر ~~صدق نيته في ms257 الإخلاص للملك، فجعل يوقع إيقاعا بكل من يظنه مواليا ل «مرتينه» و«بيروس»، وكان من هؤلاء «أركاديوس» ~~كبير أساقفة قبرص؛ فإن فلنتين اتهمه بالخيانة، وأنفذ جماعة من الجند للقبض عليه. فحال الموت دون ذلك؛ إذ مات «أركاديوس» ~~فنجا من أيديهم. # ولكن ذلك الحادث كشف لقيرس عن الخطر المحدق به؛ فقد كان «أركاديوس» رجلا لا ~~تشوبه شائبة، قضى حياة في عيش القديسين، ومع ذلك كان على وشك أن يؤتى به إلى القسطنطينية ليحاكم كما يحاكم أهل الريب، ~~فما بالنا بقيرس؟ وماذا عساه يفعل إذا هو أوخذ واتهم بمثل تلك التهمة؛ تهمة الخيانة؟ وقد اشتهر عنه اتصاله بمرتينه ~~و«بيروس»، وكان الناس يعرفون ما اقترف من السعي في ضياع مصر، وكانت حاشية الملك وحزبها قد أدركوا عند ذلك أن ضياع مصر لم ~~يكن من الهنات الهينات؛ فأخذ منهم الغيظ مأخذه، وحقدوا على من جر على الدولة ذلك الشر الوبيل، وما لطخ به شرفها من ~~العار والخزي. # لا عجب إذا كان «قيرس» قد استولى عليه الهم وغرق في الحزن؛ إذ جاءت إليه الأخبار تترى من القسطنطينية بما كان من تلك ~~الأمور، واجتمعت عليه المخاوف، فخشي على نفسه أن يأمر الإمبراطور بنفيه أو بقتله، وكان أمره إلى ذلك الحين نافذا في ~~الإسكندرية، ثم رأى نفسه وقد عجز عن محو أثر اضطهاده من نفوس القبط واستمالتهم إليه، ورأى أن الناس قد أنكروا سياسته للدين ~~إنكارا لا أمل معه في عودة الرضا عنه، ورأى سياسته في أمور الدنيا وقد أصابها العار من وراء انتصاره فيها؛ فأثقل كل ذلك ~~نفسه، وأسقم جسمه، وألقى كل أطماعه وآماله وكأنها أحلام تبددت، وأصبح لا يأمن حتى على حياته نفسها. وكان كلما رأى ~~الحلقات تتضايق حوله وتساور الهموم حياته، صحا إلى ما كان من أمره، وذكر ما قارف من الذنوب وما أصابه من الفشل والخذلان، ~~فكان قلبه يؤنبه، وندم على تفريطه في أمر مصر، وبكى على تضييعه لها بالدمع السخين. # 2 # وظلت الأكدار تغمره والهموم تحيط به حتى أصابه داء «الدوسنطاريا» في يوم ms258 «أحد السعف»، ومات منه في يوم ~~الخميس الذي بعده في الحادي والعشرين من مارس من سنة 642. # ومن الواضح أن وفاته كانت وفاة طبيعية، وأن الموت قد عجل إليه لما أصابه من شقاء الهوان ومذلة العار. وقد ذكر حنا ~~النقيوسي وفاته في موضعين؛ فقال في الأول إنه «أثقلته الهموم، فمرض بالدوسنطاريا ومات منها»، وقال في الثاني إنه «بكى ~~بدمع لا ينقطع خوفا من أن يصيبه ما أصابه من قبل، وذلك هو النفي، وفيما كان غريقا في حزنه مات كما جرت به سنة العالم». # 3 # ولكنه في موضع منهما يوصف بأنه حزن لما أصاب مصر وما وقع بأهلها من ظلم العرب، وفي الموضع الآخر يوصف بأن ~~أكثر ما أصابه من الحزن كان لرفض العرب شفاعته في أمر المصريين. وليس من سبب يحملنا على أن نشك في شيء مما جاء في هذا ~~الوصف لآخرته، على أنه قد تخلفت رواية قبطية يرجع عهدها إلى أيام ساويرس، # 4 # وهي تصف موته وصفا آخر، فتقول: «إن عمرا لما أخذ الإسكندرية واستقر الأمر على يديه في المدينة خاف الحاكم ~~أن يقتله عمرو، وكان ذلك الحاكم رجلا سيئ الظن يلي أمر الدنيا والدين معا في المدينة. فلما بلغ منه الخوف جعل في فمه ~~خاتما مسموما فمات من ساعته.» على أننا نعرف أن المقوقس لم يخش عمرا خشيته من الإمبراطور، ولكن القصة أظهرت في سياق ~~عجيب وتأليف بديع أنه كان يخاف خوفا شديدا، وأن ذلك عجل بموته. بقي شيء آخر مما له اتصال بقصة موت قيرس، ويجدر بنا ~~ذكره؛ فقد رأينا أن عمرو بن العاص كان يشتد في وقت الفتح # 5 # شدة عظيمة في معاملة المصريين؛ ولهذا نجد المؤرخ القبطي يذكره كلما ذكره بالتقبيح والاستهجان على ما أثقل به ~~قومه من الأحمال؛ ولهذا فإنه عند وصف الأيام الأخيرة من حياة البطريق نراه يقول إن «عمرا لم تكن في قلبه رحمة بالمصريين، ~~ولم يرع العهد الذي عقده معهم؛ إذ كان رجلا من الهمج.» # 6 # ونراه في موضع آخر # 7 # يصف ms259 ما وقع وصفا مفصلا، فيحكي قصة رجل اسمه «ميناس» كان هرقل اختاره حاكما لمصر السفلى فأقره العرب في ~~مكانه، وكان رجلا غرا جاهلا يكره المصريين كرها شديدا. ويذكر رجلا آخر اسمه «سنودة» أو «سنيوتيوس»، أقره العرب ~~على حكم الريف، و«فيلوخينوس» # 8 # أقروه على حكم «أركاديا» وهي الفيوم. ويصف المؤرخ القبطي هؤلاء الثلاثة بأنهم كانوا يكرهون المسيحيين، ~~ويوالون أعداءهم، ويثقلون كاهلهم بالأحمال الباهظة. وكان القبط يكرهون على أن يحملوا للعرب مئونة لدوابهم وطعاما ~~لأنفسهم كثيرا من اللبن والعسل والفاكهة والخضر وسوى ذلك من الأشياء، فوق ما كانوا يؤدونه من الطعام المعتاد، وهو ~~الضريبة التي كانوا يأخذونها من ثمار الأرض، وكان القبط يؤدون كل ذلك تحت ظل خوف لا اطمئنان معه. # وهذا الوصف له شأن كبير من وجهين؛ الأول: أن هؤلاء الحكام الثلاثة الذين سماهم المؤرخ كانوا أكبر حكام مصر بعد حاكم ~~الإسكندرية، وكانوا من الروم الملكانيين أتباع قيرس، ولم يكن بهم عطف على القبط لا في دينهم ولا في دنياهم. وهذا يدل على ~~أن الذين دخلوا في الإسلام لم يكونوا كلهم من القبط؛ فإن بعض من أسلم من كبراء القوم كانوا من الروم. وإنا نكاد يداخلنا ~~الشك في أمر المقوقس، وأنه قد فعل ما فعل إذ كان يؤمن سرا بدين الإسلام. وأما الوجه الثاني: فإنه قد ثبت أن عمرو بن ~~العاص كان يعامل المصريين قبل فتح الإسكندرية وبعدها أشد المعاملة. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يردد قوم تلك ~~الكلمة القديمة الشوهاء، وهي أن القبط رحبوا بالعرب وفتحوا لهم ذراعيهم؟ فإن قول حنا النقيوسي في هذا الصدد يكفي وحده ~~لهدم هذا الرأي وإظهار فساده. أما متأخرو المؤرخين من العرب، وهم الذين يأخذون بهذا الرأي، فبين أمرين: إما أن يكونوا ~~على خطأ فيما ذهبوا إليه، وإما أن يكون في وصفهم لعمرو تهمة شنيعة؛ إذ يجعلونه مرتكبا لأعظم الجحود ومجازاة الإحسان ~~بأشنع الإساءة، وكلما أنعم الإنسان النظر في تاريخ هذا العصر، وجد أن قيرس لم يكن وحده الخائن الذي أوقع بالدولة ~~الرومانية، ms260 وحسبنا دليلا على ذلك ما كان من هؤلاء الحكام الثلاثة الذين سارعوا إلى افتداء دنياهم وسلطانهم بأن نزلوا عن ~~دينهم، وجعلوا ولاءهم للإسلام ودولته، وانقلبوا على القبط بما صار في يدهم من السلطان الجديد يؤذونهم في دينهم ودنياهم؛ ~~فالحق الذي لا مراء فيه أن الروم كان فيهم الكثيرون ممن يكيدون لدولتهم، وأن الكائدين كانوا من ناحية يوقعون بالقبط، ومن ~~ناحية أخرى يوالون العرب ويعينونهم. # لم يبق بعد ما ذكرنا إلا قليل من القول في وصف الشهور الستة التي مرت على الإسكندرية بين موت قيرس وبين دخول جنود ~~العرب فيها؛ فإننا لا نعرف شيئا أكيدا من حوادث هذه المدة إلا اختيار خلف للمقوقس بطريقا للمذهب الملكاني، ولم يحدث ~~ذلك إلا بعد أن مضى نيف وثلاثة أشهر على موت المقوقس؛ ففي الرابع عشر من شهر يوليو # 9 # في عيد القديس «تيودور»، ألبس الشماس بطرس لباس البطرقة، وجلس على العرش الذي خلا من آخر بطارقة الإسكندرية ~~تحت حكم الروم. ولعل ذلك الإبطاء كان لاستشارة القسطنطينية، أو لعله كان لتردد أهل الدين في قبول تلك الولاية بعد أن ~~انشقت الولاية الدينية في مصر عن السلطنة الدينية في الإمبراطورية، وأصبح أمرها مخوفا مضطربا منذ يئس الناس من رجوع ~~الأمر إلى الدولة البيزنطية. أما فلنتين وجيشه الذي كان يملأ فمه بذكره، فلم يغن عن مصر شيئا، ولم يستطع أن يخطو خطوة ~~في سبيلها، مع أن أهل مصر كانوا قد أخذوا يعرفون بطلان أحلامهم التي كانوا يمنون بها أنفسهم من الاطمئنان إلى حكومة ~~العرب واستقرار الأمور معها، وثبوت ما يطلب منهم فيها من ضرائب لا تزداد عليهم؛ إذ جاء أن أهل البلاد جميعا كانوا ~~يئنون من شقائهم في حكم العرب. وكان أجل المصاب ما أصاب مدينة الإسكندرية من ذلك؛ فقد فسد حال التجارة التي كانت ~~تدر الخير على أهلها، وخرج منها جماعة من أغنياء أعيانها وتجارها عولوا على الهجرة والنزوح عنها، فصار عبء الضرائب ~~إلى كواهل من بقي في المدينة من الناس فأبهظها. وأخذ الناس يحسون ما ms261 في دخول العدو في بلادهم من ذل لهم وتضييع لملتهم، ~~ولم تجدهم في ذلك ألفاظ معسولة وأقوال ناعمة كان قيرس يزجيها إليهم. # فكان الهم والغم يظلان المدينة في الأسابيع الأخيرة من مدة الهدنة، وكان كثير من المنازل قد خلا من أهله، وهدأت ضجة ~~الارتحال من مراسي المدينة بعد أن تحملت سفن يتلو بعضها بعضا بالنازحين من الروم ومتاعهم وأثاثهم، وسارت بهم إلى الشمال ~~إلى حيث لا عودة، ولم يبق إلا أسطول كبير يتجمع في مرفأ الإسكندرية ليحمل من بقي من جنود الروم. والظاهر أن الذي كان ~~يقوم على ترحيل جنود الروم من بلاد مصر السفلى اثنان من القادة، وهما «تيودور» الذي أصبح حاكم مصر بعد موت قيرس، ~~و«قسطنطين» الذي أصبح القائد الأعلى لجيش الروم بعد «تيودور». وكانا يقومان به بالاتفاق مع العرب. # 10 # وكان النيل عند ذلك قد أخذ يزداد، وصارت الترع صالحة لسير السفن ونقل الأشياء؛ ولهذا السبب وقع الاختيار على ~~ذلك الوقت لخروج الروم، فما إن حل حتى ركبت بقية جيش الروم في السفائن مع «تيودور» و«قسطنطين» وهبطوا نحو الإسكندرية، ~~وعند ذلك أطلق سراح من كان في يد العرب من الرهائن الذين أودعوهم حصن بابليون، أو لقد ذهب العرب بهم حتى لحقوا بأصحابهم ~~في العاصمة. # 11 # دار الفلك دورته وعاد عيد الصليب، وكان من عجائب المقدور أن اتفق في ذلك اليوم الرابع عشر من سبتمبر من العام المنصرم ~~مجيء المقوقس رئيس الأساقفة الخائن في رجعته إلى مصر، ثم عاد اليوم بعد عام ليشهد آخر مشهد من زوال ظل السلطان المسيحي عن ~~مصر، فكانت صلاة إعلاء الصليب تتردد أصداؤها في الكنيسة، في حين كانت السفن تتجهز آخر جهازها في الميناء ويؤذن لها ~~بالسير. فما طلع اليوم الثالث بعد هذا، # 12 # وهو اليوم السابع عشر من سبتمبر، حتى كان أسطول «تيودور» يحل قلاعه ويرفع مراسيه، ويسير إلى قبرص # 13 # بمن كان عليه من فلول جيش الروم يرفرف عليهم الأسى. ولم تبق بعد ذلك إلا أيام قلائل لأهل المدينة، وما كان ms262 ~~أشقاهم، ليصلحوا فيها من أمورهم؛ فإن الهدنة انقضى أمدها في اليوم التاسع والعشرين من شهر سبتمبر؛ إذ مضت أشهرها الأحد ~~عشر، وفتحت في ذلك اليوم أبواب المدينة، فدخلها عمرو يقود من معه من شعث جنود الصحراء، فساروا بين صفوف مما كان في ~~الإسكندرية العظمى من أعمدة براقة وقصور منيفة، وانتهى بذلك حكم دولة الروم في مصر. # الفصل الرابع والعشرون # | وصف الإسكندرية عند الفتح # أرسل عمرو إلى الخليفة كتابا مشهورا يصف فتح الإسكندرية، والرواية المتداولة ~~عنه هي: «لقد فتح الله علينا مدينة من صفتها أن بها أربعة آلاف قصر، وأربعة آلاف حمام، وأربعمائة ملهى، واثني عشر ألف ~~بائع للخضر، وأربعين ألفا من اليهود أهل الذمة.» # 1 # ونرى أن هذه الأعداد فيها مبالغة، ولعلها لم تكن كذلك في الكتاب الذي بعث به عمرو، بل نقلها النساخ خطأ. # 2 # ومع ذلك فإنها تدل دلالة واضحة على ما كان للمدينة من الأثر العظيم في نفوس الفاتحين، وقد أدهشهم عظمها ~~وفخامتها، ولكن لقد بهرهم فوق ذلك منها تألقها وسناها، فقال أحد من وصفها: «إن الإسكندرية مدينة يكثر المرمر في أرضها ~~وبنائها وعمدها.» وقال آخر: إن المدينة تبدو بيضاء لامعة في النهار والليل. # 3 # وقال في موضع آخر إن أهلها جميعا كانوا يلبسون الثياب السود والحمر؛ لأن أرضها وبناءها من المرمر الأبيض، ~~وكان تألق الرخام سببا في اتخاذ الرهبان السواد في لباسهم. وكان من المؤلم أن يسير الإنسان في المدينة بالليل؛ فإن ضوء ~~القمر إذا وقع فيها على الرخام الأبيض جعلها تضيء، حتى كان الحائك يستطيع أن يضع الخيط في الإبرة بغير أن يستضيء بمصباح، ~~وما كان يستطيع أحد أن يدخل المدينة إلا إذا اتخذ غطاء لعينيه يقيهما بهر الطلاء والمرمر. وقال مؤرخ عربي آخر # 4 # في القرن العاشر إن الناس كانوا يتخذون سترا من الحرير الأخضر يغطون به الطرق، يتقون بذلك وهج الضوء على الرخام. # 5 # وقال المؤرخ نفسه إن الطرق كلها كانت تكتنفها العمد. وكان هذا ولا شك صحيحا في الطريقين العظيمين اللذين وصفناهما ms263 من ~~قبل وهما يقطعان المدينة من أطرافها، فكان أحدهما من أول المدينة في الشرق إلى آخرها في الغرب يصل بين باب الشمس وباب القمر، # 6 # وكان الثاني يجري في المدينة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وكانا يتلاقيان ويقطع أحدهما الآخر في ميدان ~~فسيح به الحدائق وتحيط به القصور الجميلة. وكان لكثير من القصور في وسط المدينة حدائق غناء؛ فقد قال السيوطي - والظاهر ~~أنه يروي ذلك عن ابن عبد الحكم # 7 ~~- إن الإسكندرية كانت تشمل مدائن ثلاثا؛ إحداها إلى جانب الأخرى، وكان لكل منها سور قائم بها، وحول الجميع ~~سور يحيط بها. ولعله يشير بهذا إلى الأحياء الثلاثة: حي المصريين، وحي الروم، وحي اليهود. ولكنا نشك في دقة هذه ~~الرواية. وقد روى عبد الله بن ظريف أن المدينة كان بها سبع قلاع وسبعة خنادق، وكانت قلعة الفرس بلا شك تعد إحدى عجائب ~~الإسكندرية. # وما كانت دهشة العرب من رسم المدينة بأعظم من دهشتهم مما كان تحت أرضها من المباني؛ فقد رأوا بها عددا عظيما من ~~الصهاريج العجيبة تحت الأرض، كان لبعضها طبقات يلي بعضها بعضا أربعة أو خمسة، وكان في كل طبقة منها عدد عظيم من الحجرات ~~والأعمدة، حتى لقد قال السيوطي إن الإسكندرية مدينة قائمة على مدينة، وإنه ليس في البلاد مثلها على وجه الأرض. وكان بها ~~عدد عظيم من الأعمدة لم ير مثلها في موضع آخر في علوها وعظم حجمها. وكانت هذه الحجرات الدفينة تستخدم لخزن المياه ~~توصل إليها في قنوات تجري من الترعة الحلوة التي كانت تشق المدينة في حي المصريين، وكانت تملأ في أوان الفيضان فيشرب ~~الناس منها مدة الحول. # 8 # وكان أفخم أحياء أنحاء المدينة فيما مضى جهة اسمها «البروكيون»، وكان إلى شمالها ميناء الإسكندرية، وإلى جنوبها الشارع ~~الأعظم الآتي من باب الشمس إلى الحدائق الوسطى بالمدينة. ولا شك قد هدم أورليان جانبا عظيما من ذلك الموضع، ولكنا نظن ~~أن أخبار ما حل به من التخريب فيها مبالغة. # 9 # وما كانت آثار ذلك التخريب لتبقى ms264 فيه بغير أن تصلح ويعاد بناؤه إلى سابق عهده. وعلى أي حال فقد كانت فيه ~~قصور البطالسة والمقبرة الكبرى التي كانت فيها جثة الإسكندر في غشاء من الذهب، وكان فيه المتحف، وتتصل به مكاتبه العجيبة ~~التي كانت مقر العلوم في العالم أجمع. وكان في ذلك الحي إلى الشرق معبد مكشوف اسمه «التترابيلوس»، وهو إيوان به أربعة ~~صفوف من الأعمدة تحيط به. وقيل إن الإسكندر دفن هناك النبي «أرميا»، فكان ذلك الموضع مشهدا يحترمه الناس احتراما بالغا. # 10 # وإلى جانب ذلك المشهد كنيسة القديسة «ماريا دروثيا» بناها «أولوجيوس»، وإلى شرقها فيما يلي الأسوار على مقربة ~~من البحر الكنيسة الكبرى كنيسة القديس «مرقص»، # 11 # وكانت عند ذلك لا تزال ماثلة، وفيها مدفن من المرمر به جثمان ذلك الرسول. وقد قال «أركولفوس»: # 12 ~~«إذا أتيت من بلاد مصر ودخلت المدينة ألفيت عند جانبها الشمالي كنيسة كبرى فيها جثمان مرقص الإنجيلي، وترى ~~قبره أمام المحراب في الجانب الشرقي وقد أقيم فوقه شاهد من المرمر.» وكان في الحي نفسه كنيستا القديسين «تيودور» و«أنستاسيوس». # 13 # ولم تكن كنيسة القديس مرقص في القرن السابع أكبر كنائس المدينة وأعظمها شأنا، بل كان أعظم منها كنيسة القيصريون، وكانت ~~في الحي نفسه عند ثنية المرفأ الأعظم، وقد بلغت من عظم الشأن أن كادت تحل محل الكنيسة الكبرى؛ فقد كان بناؤها جليلا، ~~ولها مسلتان قديمتان في فنائها، فكانت تشرف فوق أسوار المدينة أظهر الأشياء التي يراها الرائي أول وهلة في صدر ما يراه # 14 # إذا أتى من الميناء داخلا مما يلي المنارة، فكانت في هذه الجهة لها مظهر يعدل مظهر «الأكروبولس» والسرابيوم ~~وعمود «دقلديانوس» في نهاية المدينة من الجانب الآخر. وكانت كنيسة القيصريون في مبدأ أمرها معبدا للأوثان، بدأت كليوبترا ~~في بنائه إعظاما لقيصر، ثم أتمه أغسطس. وإنه لجدير بنا أن نرى ما جاء من صفته في كتاب «فيلو» إذ قال: # 15 ~~«وكان هذا المعبد معبد قيصر، الذي يعرف في الإسكندرية باسم سبستيان (أغسطس)، أثرا لا مثيل له، وكان على ~~ميناء ms265 فسيحة، عظيم البناء، عجيب الصناعة، عالي السمك، يعده الناس علما من أعلام البحر، وقد زانته أبدع الصور ~~والتماثيل، تقدم إليها جليل الهدايا والقرابين، وكانت تجمله كله حلية من الذهب والفضة، فكان نموذجا في جمال تنسيقه ~~وإبداع أجزائه التي كان يشملها من متاحف ومكتبات وقباب وساحات وأبهاء ومماش وخمائل من أشجار ظاهرة، قد وضع كل شيء في ~~موضعه اللائق به، وأبدعت فيه يد الصناعة فأبرزته في حلة أنيقة من الرونق، بذل في سبيلها المال لم يدخر باذله ثمينا ~~ولا غاليا، وكان فوق ذلك جلاء عين أهل الأسفار في البحر إذا وقعت عليه في روحاتهم وغدواتهم.» # وقال فيه حنا النقيوسي: «إنه القصر الجليل.» وقد غيره قسطنطين الأكبر فجعله كنيسة مسيحية، وأهداه إلى اسم القديس ميخائيل، # 16 # ولكنه كان عند الفتح العربي لا يزال محتفظا باسمه الأول «القيصريون»، ولم يصر كنيسة بطريقية عظمى إلا ~~حوالي سنة 350 للميلاد، ولكن في سنة 366 في أيام أنستاسيوس جاء جمع عظيم من قوم هائجين ثائرين من الوثنيين وأتباع ~~المذهب الآري المسيحي، ودخلوا فناءها ثم اقتحموها، وأحرقوا المذبح والعرش وما كان فيها من النمارق والستر، وسوى مما وصلت ~~إليه أيديهم. ولئن كان قد بقي شيء من المكتبات التي ذكرها فيلو فإنها لا بد قد أحرقت عند ذلك، ثم أعيد بناء الكنيسة ~~وأصلحت في عام 368. وإن الذين يقرءون قصة «هيباشيا» يعلمون أنها وقعت في كنيسة القيصريون فيما بعد هذا العصر بنحو خمسين ~~عاما؛ فإن غوغاء المسيحيين وعامتهم ممن أعماهم التعصب للدين # 17 # أتوا بتلك الفتاة الحكيمة فمزقوا جسمها تمزيقا، فكان وثوبهم هذا وما فيه من خروج وعنف جديرا بالمعبد ~~القديم معبد زحل (ساتورن). وقد جاء في الأخبار أن تيموثي إيلوروس فر إلى بئر المعمودية في هذه الكنيسة لاجئا إليها بعد ~~نحو خمسين سنة من ذلك العهد، فدخل إليه الناس وأخرجوه منها ثم نفوه. فلما عاد «تيموثي» إلى الإسكندرية بعد أن أقام في ~~منفاه عشرين عاما «لقيه الناس في موكب حافل، توقد فيه المشاعل، وتنشد فيه آيات المديح يرتلها ms266 قوم مختلفو الأجناس ~~واللغات»، فسار في موكبه هذا يحدوه النصر إلى أن بلغ تلك الكنيسة عينها كنيسة القيصريون. # 18 # ولم يبق شيء من وصف ما في تلك الكنيسة من داخلها، ولكن الذي لا شك فيه أنها كانت على طراز الكنائس البيزنطية ~~(البازليكية)، وأنها بقيت على ما كان بها من الحلية الجليلة والزينة البديعة. وكان آخر ما عهدته تلك الكنيسة من مشاهد ~~المجد في عهد الإمبراطورية صلاة الفرح بعودة قيرس، ولا بد أن خطبته إذ ذاك كان لا يزال يذكرها من شهد دخول عمرو بجيشه إلى ~~المدينة، ولكنها لم تبق مدة طويلة بعد فتح العرب؛ فلم يبق إلا اسمها في صورته العربية، وهو القيصرية. وكان يسمى به ~~في أول الأمر نوع من القصور أو الأبنية العامة، ثم وصل إلينا بعد أن دخل على دلالته تغيير. # 19 # وقد عجب العرب أشد العجب من المسلتين من الصخر المحبب الأحمر (الجرانيت) ~~اللتين كانتا في صدر الكنيسة، وكان مؤرخوهم يكثرون من وصفهما؛ فقال اليعقوبي (وهو من كتاب القرن التاسع) إنه قد كان هناك ~~مسلتان من الحجر الملون تحتهما قاعدتان من البرونز على شكل الجعل، وعليهما نقوش قديمة. # 20 # وقال مثل ذلك ابن رستاه (وهو من كتاب القرن العاشر)، فوصف أثرين كل منهما على شكل منارة مربعة تحتهما ~~قاعدتان على صورة العقرب من النحاس أو الشبه، وعليهما نقوش، وقيل إن صورة العقرب قد صهرت بنار أوقدت تحتها فوقع الأثران. # 21 # وجاءت قصة في كتاب ابن الفقيه (وهو ممن كان يعيش في أيام ابن رستاه)، وفي هذه القصة بدأ الخطأ العجيب الذي خلط ~~بين هاتين المسلتين وبين «الفاروس»، وهي التي كان العرب يسمونها منارة الإسكندرية، قال إن منارة الإسكندرية قائمة في ~~البحر على قاعدة من الزجاج على شكل الجعل. وقال: ولها عمودان قائمان على قاعدتين؛ إحداهما من الزجاج، والأخرى من الشبه، ~~وكانت قاعدة الشبه على صورة العقرب، وقاعدة الزجاج على صورة الجعل. # 22 # فما إن أتى عهد المسعودي حتى كانت هذه القصة قد اتخذت صورة ثابتة، وأصبحت ms267 خرافة يبتهج العرب بذكرها، فقال ~~المسعودي: وكانت المنارة قائمة على أساس من الزجاج له صورة السرطان، وكان بناؤها على لسان من الأرض بارز في البحر، وكان ~~على رأسها صور من معدن الشبه؛ إحداها تشير بيمناها إلى الشمس وتدور معها في السماء، فإذا غربت الشمس وضعت يدها؛ وصورة ~~أخرى تشير إلى البحر في الجهة التي يأتي منها العدو، فإذا ما اقترب من المدينة خرج منها صوت هائل يسمع على بعد ثلاثة ~~أميال، فينذر أهل المدينة بالخطر. # 23 # ومن المعلوم أن «الفاروس» أو المنارة كانت أثرا غير المسلتين، وهي بناء متين من الحجر شاهق العلو. وإنه لمن ~~المضحك أن يتصور أحد أن بناءها العظيم يقوم على كرسي من الزجاج على هيئة السرطان، ومع ذلك فإنه مما يسر النفس أن ~~يصل الإنسان إلى أصل هذه الخرافة التي تظهر في مبدأ الأمر سخيفة لا معنى لها؛ فإنها إنما نشأت من سوء فهم لما ذكره مؤرخو ~~العرب الأوائل من الحقائق التاريخية وتحروا في ذكره الدقة العظيمة. فلا شك في أن المسلتين اللتين كانتا أمام كنيسة ~~«القيصريون» عند دخول عمرو في الإسكندرية، كانتا على قاعدتين على هيئة السرطان كما وصفهما العرب الأوائل؛ فقد قام الدليل ~~على هذا عند نقل إحدى المسلتين إلى نيويورك؛ إذ وجد أن هذا الحجر الهائل كان قائما على أربع صور من المعدن على هيئة ~~السرطان، وكانت هذه تفصل بين المسلة وبين القاعدة. وكانت القاعدة من قطعة واحدة من صخر «الجرانيت»، وكان من تحتها ثلاث ~~طبقات مدرجة من الحجر، ولم يكشف سند نقل المسلة إلا تمثال واحد من التماثيل الأربعة التي على هيئة السرطان؛ لأن ~~القاعدة كانت قد مضى عليها زمن طويل وهي مدفونة تحت الأرض. # 24 # وكان ذلك التمثال نفسه مشوها، ولكن لم يكن ثمة شك في الغرض من تلك التماثيل؛ إذ قد وجدت كتابة باللغتين ~~اليونانية واللاتينية على المعدن، وكانت لا تزال ظاهرة، وفيها مصداق لما رواه كتاب العرب. # 25 # وهذا مثل من الأمثلة الظاهرة التي كانت فيها أعمال الحفر والتنقيب ms268 مساعدة للتاريخ مصدقة له. # وقد يقول قائل: وماذا كان من أمر الجعلان أو العقارب الزجاجية التي تحت المسلة الأخرى، وما تحسب ذلك القول إلا إحدى ~~الأقاصيص؟ وليس شيء أشد خطأ من مثل هذا القول؛ لأننا إذا سمعنا وصف أمرين متصلين اتصالا وثيقا، وصدق أحدهما صدقا لا ~~شبهة فيه، وكان من آيات الدقة، فإن أعجب العجب أن نقول إن الأمر الآخر مكذوب لا صدق فيه؛ فما يكون قولنا هذا إلا تكذيبا ~~لا مبرر له للتاريخ كله. وليس في وصف هذه المسلات ما يجعلنا في حيرة بين ما يقتضيه العلم وما يقتضيه التاريخ. لا جرم ~~أننا لا نصدق أن تقوم قطعة عظيمة من الصخر في حجم تلك المسلة التي نسميها مسلة كليوبترا على جعالين من الزجاج مما يصنع ~~في أيامنا هذه، وما كان في الزجاج قطع تبلغ من الحجم ما يكفي لمثل هذا القصد، ولكنا نعلم في المعادن معدنا عظيم الصلابة ~~والرونق، وهو الحجر الأسود (الأبسيدي) الذي يشبه الزجاج، ويعرف بالزجاج الطبيعي. ولعل الجعالين التي كانت تحت المسلة ~~الثانية - وهي القائمة اليوم في لندرة - كانت من ذلك الحجر الأسود. وإذا كان هذا غير ممكن فلعلها كانت من حجر آخر متين ~~شديد الصقل. وإنا نؤثر أن نصدق ما قاله كتاب العرب بنصه كما جاء في قولهم، على أن نكذبهم فيه بعدما ظهر من صدقهم فيه ~~صدقا جليا. فإنا لا نشك في أن المصريين كانوا فوق براعتهم في صناعة الزجاج يعرفون من عظيم أسرار صناعته ما تجهل، وليس ~~بالمستبعد أن يكونوا قد استطاعوا صناعة صنف من الزجاج يبلغ من المتانة أن يحمل مثل تلك الكتلة الصخرية العظيمة. ومن ~~المفيد هنا أن نقول إن المسلة التي حملت إلى لندن كانت قد وقعت على الأرض قبل الأخرى بزمن طويل. # إذن نقول إن أثرين عظيمين كانا قائمين أمام القيصريون على قاعدتين ذواتي طبقات، وكان أحدهما قائما على أربعة سرطانات ~~من النحاس أو الشبه، وكان الثاني قائما على أربعة تماثيل من الزجاج المتين أو الحجر الأبسيدي على صورة ms269 العقارب. وإذا نحن ~~أزلنا ما طرأ من الخلط على هذا الوصف بين المنارة والمسلتين، عرفنا أن التماثيل النحاسية التي يذكرها المقريزي لم تكن في ~~أعلى المنارة حيث لا تكون ظاهرة لرأي العين، ولكنها كانت في أعلى المسلات، وكان التمثال «الذي يشير إلى الشمس» بغير شك ~~تمثالا ذا جناحين يمثل «هرميس» أو «نيكي # Nike ~~» (إلهة النصر عند اليونان)، وأغلب ~~الظن أنه كان قائما على قدم واحدة فوق قمة المسلة، # 26 # يمد يده اليمنى على عادة اليونان في تصوير تماثيلهم. وكان التمثال الآخر الذي «يشير إلى البحر» صورة أخرى ~~لا يقصد بها إلا التجميل والزينة وإيجاد التماثل في المنظر. ولا بد أن هذه الأعمدة العظيمة القديمة كانت باهرة الرونق ~~والجمال في صنعها ورسمها الذي أبدعته يد الصناع في عصر أغسطس، وأنها كانت ذات أثر عظيم في النفس إذا ما وقعت العين على ~~قمتها الشاهقة؛ إذ تمر بها السفن في دخولها إلى المرفأ أو خروجها منه. # وأما المتحف فلا نجد له ذكرا باقيا إلى يومنا هذا، ولا بد لنا أن نقول إنه ~~تخرب وزال قبل ذلك بزمن طويل، ولعل زواله كان في الحريق الكبير الذي أحدثه يوليوس قيصر عندما حاصره المصريون في ذلك ~~الحي تحت قيادة «أخيلاس»، # 27 # أو لعل ذلك وقع في النضال الأخير الذي كان في أواخر عهد الوثنية والاضطراب الذي حل بها عند احتضارها. # 28 # حسبنا ما تقدم من ذكر الكنيسة، ولنصف بعد ذلك «السرابيوم»، وهو طائفة من الأبنية ذات جمال رائع كان لها أثر عظيم في ~~نفوس العرب، وكان في حي آخر من أحياء المدينة في الموضع الذي به اليوم عمود «دقلديانوس». وكان هذا الحي معروفا بالحي ~~المصري الذي لم يضع اسمه في وقت من الأوقات، وذلك الاسم هو «راقوتي»؛ فإن القبط لم يسموا فيما بينهم مدينة الإسكندرية ~~باسم بانيها العظيم، بل كان أكثر حديثهم عنها باسم القرية التي كانت لبعض الصيادين قبل الإسكندر بزمن طويل. وهذا دليل ~~على شدة احتفاظهم بقديمهم لا يعبئون في ذلك بمر الزمن. وقد ms270 عرف موضع السرابيوم معرفة لا موضع للشك فيها مما جاء في وصفه ~~في الكتب القديمة، ومما أسفر عنه البحث الأثري في العصور الحديثة. ويقرن ذكر السرابيوم عادة بذكر عمود دقلديانوس، وهو ~~الذي سماه العرب «عمود السواري»، وكان على مقربة من الباب الجنوبي للمدينة، وهو الذي يسميه العرب باب الشجرة. # 29 # ولا يتفق أهل الآثار على أنه كان قائما على ربوة تشبه «الأكروبولس» في أثينا، وليس سطح الإسكندرية في ~~الوقت الحاضر مما يسهل تحقيق هذا الأمر. ومهما يكن من شيء فقد كان حصنا معظمه من صنعة الإنسان مع علوه وإشرافه فوق ~~المدينة؛ فقد كان قائما على نهد له نواة من الصخر الطبيعي، ولكن سائره كان من صنع الإنسان. وكانت أسواره المنيفة تحيط ~~بآزاج معقودة تحت الأرض طبقات بعضها فوق بعض. # 30 # فكان حصنا عظيما مربع الشكل، أعلاه مسطح تزينه أبنية بديعة. والظاهر أنه كان يدخل إليه من طريقين؛ ~~أحدهما تسير عليه العجلات، والآخر سلم له مائة درجة. على أننا لسنا نعرف القصد الذي من أجله بني ذلك السلم. # 31 # وكان موضعه في الجهة الشرقية من البناء، وفي أعلاه المدخل، وتدعمه أربعة أعمدة عظيمة في كل جانب اثنان منها، ~~وكان للمدخل أبواب من معدن الشبه . # 32 # وأما شكل البناء الذي على القمة وترتيبه، فليس من السهل أن ندركه مما بقي لدينا ~~من وصفه، ولكن يلوح لنا أنه كان على ما نحن موردون فيما يلي: فقد كان شكله مستطيلا، طوله خمسمائة ذراع في عرض مائتين وخمسين. # 33 # ويحيط بأعلى النهد من كل جانب صف من البناء المنيف البديع يتصل في مواضع كثيرة بحرم المعبد، وكان في داخل ~~هذه الجوانب الأربعة من البناء فناء يحيط به صف عريض من الأعمدة، وكان فيه كذلك من الوسط أربعة صفوف من الأعمدة يذهب ~~كل صف منها من وسطه إلى جانب من جوانبه، فكانت هذه الأعمدة على هيئة قريبة من صليب في الوسط يحيط به إطار مستطيل الشكل، ~~ولكن وسط هذا المستطيل، وهو قلب الحصن كله، كان فيه ms271 معبد «سرابيس»، وكان من سوء الحظ أن هذا المعبد قد تهدم قبل فتح ~~العرب بمدة طويلة، ولكن لا شك في أنه قد كان بناء من أروع الأبنية وأعظمها. وكان حرمه مستطيلا في وسطه بهو له أعمدة من ~~أثمن المرمر، وكانت جدرانه من الرخام من داخلها وخارجها. وكان في وسط ذلك البهو تمثال عظيم للمعبود «سرابيس» من الخشب ~~الملبس بالذهب والعاج، له ذراعان ممدودتان تكاد كل منهما تلمس الحائط الذي يليها. وكان في يسراه سيف، وتحت يمناه ~~صورة مروعة للأعجوبة «قربروس» لها رءوس ثلاثة: رأس أسد، ورأس كلب، ورأس ذئب. وقد التف حولها جميعا أفعى عظيمة. # 34 # وكانت تزين المعبد جميعه زينة باهرة من النقوش التي لا تقدر بثمن، وكانت من المرمر والشبه، وكان أظهر ما ~~فيها سلسلة من نقوش تمثل حروب «برسيوس». وكان حول جدران ذلك المعبد صف من جليل الأعمدة تجري موازية لصف الأعمدة ~~المحيطة بالفناء جميعه، وتصلها به الصفوف الأربعة التي على هيئة الصليب، والتي سبق لنا ذكرها، وكانت الأبواب العظيمة التي ~~تحيط بالمعبد لا مثيل لها في الفخامة والجلال. وكانت رءوس الأعمدة من معدن الشبه تغطيه طبقة من الذهب، وأما السقوف فكانت ~~يغطيها الذهب والألوان الزاهية في حين كانت الجدران والأرض من أثمن المرمر. # 35 # لكن أهم من ذلك كله أن عقود هذا المعبد كانت لها أبواب تفضي إلى حجرات في البناء الأعظم كان في بعضها مكتبة الإسكندرية الكبرى، # 36 # وكان في البعض الآخر مشاهد لآلهة مصر القديمة، وكان في بعض مواضع من حرم هذا المعبد مسلتان قديمتان، وحوض ~~ماء عظيم من المرمر فائق الجمال. وكان العمود العظيم المعروف بعمود دقلديانوس في وقت فتح العرب قائما فوق القلعة مشرفا عليها، # 37 # على أننا لسنا نعلم في أي وقت أقيم. وكان في موضع من السرابيوم كنيسة باسم القديس «يوحنا المعمدان»، وكان فيه ~~سوى هذه كنائس أخرى كانت لا تزال عند ذلك قائمة، منها كنائس القديسين «قزمان» و«دميان» و«الإنجيليون». # 38 # وقد بقيت الكنيسة الأخيرة إلى ما بعد الفتح، ولكنها ms272 كانت يخشى عليها التهدم، فأعيد بناؤها في أواخر القرن ~~السابع، وقام على ذلك البطريق إسحاق. # 39 # بقي علينا أن نذكر بناء آخر، وهو البناء الملاصق لمدخل السرابيوم، ويعد جزءا ~~منه، وهو «الأقوس»، ومعناه البيت. ويمتاز عن سائر بناء القلعة بأن كانت له قبة مذهبة عالية قائمة على دائرة مزدوجة ~~من الأعمدة. ولم يتضح لنا القصد من هذا البناء، ولعله لم يقصد منه غير الزينة. والظاهر أنه بقي بعد أن تهدم المعبد، ~~ويرد ذكره في أخبار العرب مع «عمود السواري». # 40 # وقد قيلت في ذلك العمود قصص عجيبة؛ فقيل إنه كان جزءا من معبد بناه سليمان. وهذا ما ذهب إليه أصحاب الرأي ~~السائد. وقال ابن الفقيه: إن الإنسان إذا رمى عليه قطعة من الخزف أو الزجاج، وقال عند ذلك «باسم سليمان بن داود تكسري»؛ ~~انكسرت، ولكنه إذا لم يذكر ذلك الطلسم لم تنكسر. وقيلت قصة أخرى، وهي أن الإنسان إذا أقفل عينيه وسار إلى ذلك العمود لم ~~يستطع أن يبلغه. وقال السيوطي في سذاجة إنه قد جرب ذلك الأمر بنفسه مرارا وظهر له صدقه، وقال ذلك المؤرخ إن «أهل العلم ~~في الإسكندرية» يذكرون أن هذا العمود كانت عليه قبة جلس تحتها أرسطاطاليس وهو ينظر في علم الفلك، وهذه بقية من ذكر القبة ~~والمكتبة. وقد روى المقريزي عن المسعودي وصفا للسرابيوم، وهو وصف لا بأس به، فقال: «وكان بالإسكندرية قصر عظيم لا ~~يماثله قصر في بلاد العالم، قائم على تل عظيم تجاه باب المدينة، وكان طوله خمسمائة ذراع في عرض مائتين وخمسين، وله باب ~~عظيم كل جانب منه قطعة واحدة من الصخر، وكذلك أعلاه حجر واحد، وكان في ذلك القصر مائة عمود، وفي صدره عمود عظيم لم ~~ير مثله في الحجم، وله قمة كالتاج.» ويقول الكاتب نفسه إن ذلك العمود يهتز عند هبوب الريح عليه. وكان الاعتقاد السائد ~~أن هذه الأبنية أقامها الجن والعمالقة من البشر الأوائل. قال السيوطي إنه قد بنى الجان لسليمان في الإسكندرية إيوانا ~~للاجتماع، به ثلاثمائة عمود علو ms273 كل منها ثلاثون ذراعا، وكانت من المرمر المجزع بلغ من صقله أن صار كالمرآة يرى ~~الإنسان فيه من يسير خلفه، وكان في وسط الإيوان عمود علوه مائة ذراع وأحد عشر ذراعا، وكان سقفه قطعة واحدة مربعة ~~من المرمر الأخضر نحته الجن، # 41 # وكان هؤلاء الجان على صورة الإنسان، لهم رءوس كالقباب وعيون تمزق الأسود. وقد ورد عن ذلك رأي آخر، وهو أن ~~الأحجار كانت في الأزمان السالفة لينة كالطين، أو كما قال كاتب آخر: «وكان من السهل أن يعمل الناس قبل الظهر في محاجر ~~المرمر؛ إذ يكون المرمر كأنه العجين في لينه، ولكنه يصير بعد الظهر صلبا يتعذر اقتلاعه.» # وهذه القصص تظهر دهشة العرب مما رأوا من الأبنية التي صارت ملكا لهم. وإنه لمن المؤلم أن يقرأ الإنسان أخبار تخريبها ~~وهدمها، ولكن العدل يقضي علينا أن نذكر أن أكثر ذلك التخريب كان من فعل الزلازل، فما أتى القرن الحادي عشر حتى كانت ~~المدينة كلها أطلالا خربة، ولكن العجب أن يذكر كتاب ذلك العصر أن الأعمدة كانت لا تزال قائمة، # 42 # ويقولون إن عدتها كانت خمسمائة. وقد رآها الإدريسي بعد مائة عام من ذلك الوقت، وقال في وصف ذلك إن العمود ~~الأكبر كان حوله فضاء فيه ستة عشر عمودا عند كل من جانبيه الضيقين، وسبعة وستون عمودا عند كل من طرفيه العريضين. # 43 # وقال بنيامين «التودلي»، # 44 # وقد زار المدينة في عام 1160، إنه رأى بناء عظيما جميلا فيه أعمدة من المرمر تفصل بين حجراته الكثيرة، وقال ~~إن ذلك كان في «مدرسة أرسطو». وذلك مثل ما يقوله الكتاب المسلمون؛ إذ يسمونه «قبة أرسطو» أو «بيت الحكمة». غير أنه حدث ~~في عام 1167 أن حاكما جاهلا للإسكندرية اسمه «قراجا»، وكان من وزراء صلاح الدين، أمر بهدم هذه الأعمدة، وحمل أكثرها إلى ~~البحر فألقاها فيه ليحول بين العدو وبين النزول إلى البر. # 45 # ومنذ ذلك الحين بقي عمود «دقلديانوس» وحده في مجده، بقية مما كان في قلعة الإسكندرية # 46 # من الأبنية التي لم يكن ms274 لها مثيل. # ولنترك الآن معالجة مسألة المكتبة وما حل بها، فسنجعل لذلك موضعا آخر، ولنمض إلى ذكر أثر آخر أو أثرين جديرين ~~بالذكر. كان الملهى الذي ذكره العرب في غرب القلعة على ما يلوح لنا، وكان هناك من غير شك ميدان لسباق الخيل في خارج ~~المدينة مما يلي الباب الشرقي. وقيل إن # 47 # ذلك الميدان كان يتسع لألف ألف من النظارة، وكان بناؤه يجعل كل من فيه يرى ما يجري به، سواء في ذلك من كان في ~~أعلاه أو في أسفله، وكانوا يسمعون كل ما يقال بغير ازدحام أو مشقة. وأما دار التمثيل فقد كانت في موضع من حي ~~«البروكيون»، وكانت بناء عظيما قائما بنفسه. # ولكن المنارة كانت موضعا لأعظم إعجاب العرب وأكبر دهشتهم. وقد كان ذلك البناء الضخم كما هو معروف قائما في الشمال ~~الشرقي من جزيرة «فاروس»، وكانت تلك الجزيرة متصلة ببر المدينة بطريق طويل قائم على عقود اسمه «الهبتاستاديوم»، وكانت ~~الجزيرة في وقت الفتح العربي يحيط بها مرسى السفن، وفيها أبنية مختلفة كان أكبرها كنيستان؛ إحداهما ل «القديسة صوفيا»، ~~والأخرى ل «القديس فوستوس»، وبينهما نزل للأغراب. # 48 # وكانت بتلك الجزيرة في أيام قيصر قرية كبيرة، وكان أهلها قوما لا خلاق لهم. وقد قال قيصر عن المنارة إنها ~~قطعة عجيبة من البناء، # 49 # ووصفها سترابو بأنها برج ذو بناء عجيب من الحجر الأبيض وله طبقات عدة. # 50 # وقد كان بناؤها على يد «سوستراتوس الكنيدي» في أيام «بطليموس فلادلفوس»، وكان القصد منها هداية السفن. وقد ~~أصابها هدم من فعل البحر ومن أسباب أخرى، ولكنها كانت ترمم كلما دعت الحال # 51 # إلى ترميمها. فكانت في أيام فتح العرب صالحة لم يفسد منها شيء، تلمع في النهار في ضوء الشمس، وتضيء بنورها في ~~الليل على البحر إلى بعد عدة فراسخ من الإسكندرية. وكان شاطئ تلك الجهات ضحلا لا مرفأ له، وكانت السفن الآتية إلى ~~الإسكندرية تعبر إليها بحرا فسيحا لا معالم فيه من البر؛ فكان من أكبر النعم أن يقام علم ms275 ظاهر في النهار والليل على ~~مسافة ستين ميلا أو سبعين. # وقد كتب كتاب العرب شيئا كثيرا عن هذه المنارة؛ فقال الإصطخري # 52 # إن المنارة قائمة على صخرة في البحر، وبها أكثر من ثلاثمائة غرفة لا يهتدي فيها الزائر إلا إذا هداه دليل. ~~وقال ابن حوقل: # 53 # إنها مبنية من صخور منحوتة قد جمع بعضها إلى بعض وشدت بالرصاص، ولا يشبهها شيء على وجه الأرض. وقد ~~وصفها الإدريسي مثل ذلك الوصف # 54 # مع تفصيل أعظم، فقال: إن المنارة لا يماثلها شيء في بلاد العالم في قوة بنائها ونظامها؛ فهي من أصلب الصخور ~~صب بينها الرصاص المنصهر، حتى إن حجارتها لا ينفصل بعضها عن بعض. ويصل ماء البحر إليها من جهة الشمال، وعلوها نحو ~~ثلاثمائة ذراع، كل ذراع ثلاثة أشبار؛ فطولها مثل قامة مائة رجل؛ منها سبعون قامة بين الأرض والطبقة الوسطى، وست وعشرون ~~قامة بين الطبقة الوسطى والقمة، وعلو المصباح الذي بها أربع قامات. # 55 # وهيئة بناء برج المنارة معروفة لا شك فيها؛ فقد كانت ذات طبقات أربع، كل منها أضيق قطرا من الطبقة التي ~~أسفلها. وكانت الطبقة الأولى مما يلي الأرض مربعة، والتي تليها ذات ثمانية أضلاع، وكانت الثالثة مستديرة، وأما الطبقة ~~العليا فكانت مصباحا مكشوفا، وبها مواضع للنار التي يهتدى بها، ومرآة عجيبة. وكان في أعلى الطبقة الأولى المربعة طنف ~~عريض عند قاعدة الطبقة الثانية المثمنة يشرف على المدينة والبحر، وكان بين الطبقة المثمنة والطبقة الدائرية التي ~~فوقها طنف آخر أقل اتساعا من الأول، # 56 # ولكنه يشبهه. وكان الصعود إليها على سلم يغطيه سقف من الحجارة # 57 # يصل بين جدرانها، وكان تحت السلم غرف عدة، ويضيق ما بين السلم من الفراغ بعد الطبقة الثانية، حتى ~~يتضاءل الفضاء الذي بداخل المنارة فلا تبقى إلا فرجة صغيرة كالبئر في وسطه، وكان الضوء يصل إليها من نوافذ في جدارها كله ~~من أعلاه إلى أسفله. # 58 # وقد عجب العرب من عدد غرف المنارة ومن تداخلها؛ فقال المقريزي: ويقال إن كل من دخل المنارة ms276 اختبل وضل الطريق مما بها ~~من الغرف العدة والطبقات والمماشي. وقيل إن المغاربة عندما جاءوا إلى الإسكندرية في خلافة المقتدر، دخل جماعة منهم إلى ~~المنارة على ظهور الخيل، فضلوا طريقهم حتى جاءوا إلى شق في كرسي الزجاج الذي على هيئة السرطان، # 59 # وهو الذي يقوم عليه البناء، فوقع كثير منهم فيه وهلكوا. # 60 # ولكن قيلت في المرآة قصص أعجب من هذا. وقد أجمع كتاب العرب على أنها كانت في ذاتها بصرف النظر عن المنارة ~~التي كانت هي قائمة عليها، إحدى عجائب العالم. فقيل: قد كان في مدينة «راقوتي» قبة مذهبة على أعمدة من الشبه، وكان ~~فوقها منارة في أعلاها مرآة من معدن مركب يبلغ قطرها خمسة أشبار. # 61 # وكانت تلك المرآة تتخذ لإحراق سفن العدو. وقد قلدت هذه المرآة في مدينة الإسكندر، فأقيم مثلها على رأس ~~المنارة، ولكنها كانت تستخدم في رؤية العدو من بعد «إذا أقبل من بلاد الروم». وقد دخلت المبالغة على وصفها بعد قليل، ~~فروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: «ومن عجائب بلاد العالم المرآة التي على منارة الإسكندرية، وهي تكشف ما يجري في القسطنطينية.» # 62 # ولكن المسعودي يصفها بأنها «مرآة عظيمة من الحجر الشفاف، يمكن أن ترى فيها السفن الآتية من بلاد الروم وهي ~~بعيدة عن مدى البصر». وقال كاتب آخر مثل هذا المعنى، ولكنه يذكر أن هذه المرآة كانت من «زجاج مدبر»؛ أي محكم الصنعة. # 63 # وقال كاتب ثالث إنها كانت من «الحديد الصيني» أو الصلب الثقيل. # 64 # وقد أجمع الكل على أنها كانت تظهر السفن وهي أبعد من مدى البصر، فكان الإنسان إذا جلس تحتها رأى كل شيء من ~~مكانه إلى القسطنطينية. # وأما الغرض الذي من أجله أقيمت المرآة فمختلف فيه؛ فهل لم تكن تتخذ إلا لتنعكس عليها أشعة الشمس في النهار وضوء ~~النار في الليل لهداية السفن؟ وهل كانت مرآة مما اعتاد الناس اتخاذها، أم كان لها سطح يختلف عن ذلك له قدرة على كسر ~~الضوء؛ فلذلك كانت حقيقة تتخذ لإحراق ms277 السفن إذا ما سطعت عليها أشعة الشمس القوية في مصر؟ والجواب على هذا موكول إلى ~~العلماء، ولكن من أعجب الأمور أن يذكر مؤرخو العرب في القرن العاشر للميلاد من وصف هذه المرآة ما يمكن أن نعده تنبؤا ~~باستعمال المنظار المقرب (التلسكوب). وإنه من العجيب كذلك أن يجمع كل هؤلاء الكتاب على أنها كانت من مادة شفافة، ~~فيقول بعضهم من الزجاج المدبر، ويقول البعض من حجر شفاف؛ فإن هذا القول وصف لعدسة ضوئية وليس لمرآة. أليس إذن من ~~الممكن أن تكون مدرسة الإسكندرية العظمى التي فاقت في علوم الرياضة والحيل قد كشفت سر العدسة الضوئية وصنعتها، ثم نسي أمر ~~هذا السر بعد تخريب المنارة؟ # وإنه من الثابت أن المنارة كانت تتخذ علما للإشارة، كما كانت تستخدم لهداية السفن، ولكن ليس من الواضح عندنا أكانت ~~النار توقد بها في الليل والنهار؛ فإن الإدريسي إنما يذكر النار بالليل «وسحابة من الدخان في النهار»، ولكن جاء في وصف ~~آخر للمنارة أن الديادبة كانوا يقيمون بها على استعداد لإبقاء النيران بالليل. # 65 # ولكن من سوء الحظ أنا لا نجد دليلا على ما جرت به العادة في أول الأمر؛ لأن المنارة لحقها كثير من الهدم ~~والتخريب في مدة القرن الأول بعد الفتح العربي. ولذلك التهديم قصة؛ وذلك أنه في خلافة الوليد بن عبد الملك في القرن الثامن ~~للميلاد، رأى الروم فعل المنارة، وضايقهم من أمرها أنها كانت مرقبا يساعد المسلمين على رد غارات البحر ويحميهم من ~~المباغتة، فعولوا على الاحتيال في تخريبها. فذهب رجل من خواص # 66 # ملك الروم إلى الخليفة يحمل الهدايا النفيسة، وتظاهر بأن الملك قد وجد عليه موجدة عظيمة وسعى في قتله، وأنه ~~جاء راغبا في الإسلام، فصدقه الخليفة، ورحب بإسلامه وقربه، وتنصح الرجل إلى الخليفة في دفائن استخرجت من بلاد ~~الشام، فشرهت نفسه إلى الأموال، فمال إلى تصديق ما وصفه ذلك الرومي الداهية من كنوز عظيمة من الذهب والجوهر كانت من قبل ~~لملوك مصر القديمة، وقال إنها مدفونة في آزاج ومخادع تحت ms278 المنارة. فأرسل الخليفة جماعة من جنده ليستخرجوا ذلك، فهدموا نصف ~~المنارة وأزالوا المرآة، وتم ذلك قبل أن يفطن أحد إلى المكيدة. فضج الناس وعزموا على منع ذلك الهدم، وبعثوا إلى الخليفة ~~بخبرها، فنذر الخائن بالأمر فهرب في الليل إلى بلاده، وكانت حيلته قد تمت، وهدم من المنارة نصفها أو على الأقل ~~ثلثها، وبلغ الخائن ما أراد؛ إذ هدم المرآة السحرية. وعرف العرب أنهم خدعوا بعد أن انقضى الأمر، و«بنوا مرآة من الآجر، ~~ولكنهم لم يستطيعوا أن يعيدوها إلى علوها السابق، فلما وضعوا المرآة عليها لم تفد شيئا». # 67 # وليس ثمة سبب يدعو إلى الشك في جوهر هذه القصة، وليس من العجب أن يتعذر إصلاح ~~ما تلف من المنارة؛ فلا شك أنها كانت من آيات البناء؛ إذ بقيت قائمة مدة قرون وهي شاهقة العلو ناهدة في أطباق الفضاء، وما ~~كان البناءون في مدة حكم العرب ليبلغوا ما بلغه سلفهم في عهد البطالسة. ولم يرد في كتاب المسعودي ذكر لسعي العرب في ~~إعادة بنائها، بل يفهم من قوله أنهم لم يفعلوا شيئا في سبيل ذلك، ولكن لعله مخطئ. ولا نعرف بعد ذلك إلا قليلا من أخبار ~~المنارة؛ فقد ورد أن أحمد بن طولون # 68 # جعل على قمتها قبة من الخشب حوالي سنة 875 للميلاد. وفي ذلك ما يدل على أن هذا البناء لم يكن يعد منارة ~~على سابق عهده، بل صار مرقبا لا يستخدم لغير ذلك، ولكن هذه القبة لم تبق مدة طويلة، ولما أن أزالها الريح أقيم في ~~موضعها مسجد في مدة الملك الكامل. وقد حدث بعد مدة ابن طولون ببضع سنين أن تهدمت إحدى قوائمها من جهة الغرب مما يلي ~~البحر، فبناها خمارويه. # 69 # وفي القرن الذي بعد ذلك لعشر من رمضان لعام 344 للهجرة (وذلك يوافق الثامن والعشرين من ديسمبر سنة 955 ~~للميلاد)، تهدم نحو ثلاثين ذراعا من قمتها في زلازل شديدة أحس بها الناس في كل بلاد مصر والشام وشمال أفريقيا، وكانت ~~لها هزات عنيفة بقيت تتوالى نحو ms279 نصف ساعة. # 70 # وفي عام 1182 ذكر ابن جبير # 71 # أنه رأى مسجدا آخر على رأسها. ويقول ذلك الكاتب إن علوها كان نيفا ومائة وخمسين ذراعا. وفي ذلك دلالة على ~~مقدار نقصان البناء عما كان عليه في أول عهده. وبعد ذلك الوقت بنحو أربعين عاما كتب ياقوت وصفا لها، ورسم لها رسما ~~مربعا ك «الحصن»، له طبقة ثانية قصيرة من فوقها قبة صغيرة. واستطرد من ذكر ذلك إلى أن قال: إن أخبار عظم تلك ~~المنارة وما ورد من تعظيم شأنها لم تكن إلا «أكاذيب وتغرير». ولقد كان حكمه ذلك وليد التسرع؛ فالظاهر أنه لم يفطن إلى ما ~~أحدثه الدهر فيها من التغير. ولقد جاء في قوله: «وبحثت عن موضع المرآة فلم أجد له أثرا.» وكيف يرجو أن يراها على مثل ذلك ~~الطلل المتهدم المشوه وهو كل ما كان باقيا في وقت زيارته؟ # 72 # ولكن ما حدث بها من التلف بعد ذلك كان أعظم وأبلغ؛ فقد وصفها كاتب عربي في أيام قلاوون بأنها «طلل بال». # 73 # مع أن السلطان «بيبرس» كان قد رممها قبل ذلك وأصلح منها، وقد سعى من جاء بعد ذلك في إصلاحها، غير أنه يلوح ~~لنا أن الزلزال الذي وقع في عام 1375 دمر معظمها، فلم تبق منها إلا الطبقة السفلى من البرج. # 74 # ولئن ذهبت منارة «الفاروس» وتطاول على زوالها أمد الدهر، فقد بقيت منها هيئتها ~~وجمال منظرها، وما كانت مستعملة من أجله؛ وذلك أن منائر المساجد المصرية إنما رسمت على رسمها، # 75 # ونسجت على منوالها، وقد سميت باسمها. وإن منائر القاهرة وإن اختلفت أشكالها وتباينت رسومها، لا تزال الكثرة ~~منها على رسم منارة «سوستراتوس» لا فرق فيما بينها؛ فهي برج قاعدته عند الأرض مربعة الشكل، ثم تصير بعد ذلك مثمنة ~~الأضلاع، وتدق في حجمها، ثم تدق بعد ذلك ويستدير شكلها، ثم يعلوها عند القمة مصباح. # إن تاريخ آثار الإسكندرية لم يكتبه أحد بعد، وإن من أراد كتابته لا بد له من بحث كثير لا يتيسر اليوم ms280 في كثير من ~~المواضع، وهو بحث لا غنى عنه في إثبات ما يراد إثباته. على أن وصفنا الذي نصفه الآن على ما فيه من نقص قد يفيده في بيان ~~ما وقعت عليه أنظار العرب من تلك الآثار عند أول دخولهم في المدينة. # ولم يكن مظهر العاصمة من خارجها بأقل أثرا أو أحقر منظرا؛ فكانت الأسوار في شمال المدينة تساير الشاطئ في انحنائه كما ~~سبقت الإشارة إلى ذلك، وكانت الأسوار في جنوبها تتبع الترعة حتى تدخل إلى المدينة وتجري فيها، وكان كل ذلك بناء متينا ~~بارع الصناعة تنهض فيه بروج وحصون، فتجعل له هيئة منوعة ظلت يعجب بحسنها السفار الذين كانوا يرونها في السنين ~~الغابرة من أيام الفتح حتى العصور الوسطى. # 76 # الفصل الخامس والعشرون # | مكتبة الإسكندرية # لقد كثر الجدل في أمر مكتبة الإسكندرية العظمى، وطالما احتدم الخلاف في شأن إحراقها، وهل كان للعرب يد في ذلك عند فتحهم ~~للمدينة، أم أنهم لم يقارفوا شيئا من ذلك. وما دام أهل البحث والعلم لا يزالون على اختلاف في ذلك الأمر ولم يهتدوا إلى ~~كلمة فصل فيه، فلا بد لنا في كتابنا هذا أن نعالجه؛ إذ لا نستطيع أن نغفله في كتاب جعلناه لمعالجة تاريخ فتح العرب لتلك ~~البلاد. # والقصة كما أوردها أبو الفرج # 1 # كما يلي: قد كان في ذلك الوقت رجل اشتهر بين المسلمين اسمه «حنا الأجرومي»، وكان من أهل الإسكندرية، وظاهر من ~~وصفه أنه كان من قسوس القبط، ولكنه أخرج من عمله إذ نسب إليه زيغ في عقيدته، وكان عزله على يد مجمع من الأساقفة انعقد ~~في حصن بابليون. وقد أدرك ذلك الرجل فتح العرب للإسكندرية واتصل بعمرو، فلقي عنده حظوة لما توسم فيه بصفاء ذهنه وقوة ~~عقله من الذكاء، وعجب مما وجد عنده من غزارة العلم. فلما أنس الرجل من عمرو ذلك الإقبال قال له يوما: «لقد رأيت المدينة ~~كلها وختمت على ما فيها من التحف، ولست أطلب إليك شيئا مما تنتفع به، بل شيئا لا نفع له عندك ms281 وهو عندنا نافع.» # فقال له عمرو: «وماذا تعني بقولك؟» فقال: «أعني بقولي ما في خزائن الروم من كتب ~~الحكمة.» فقال له عمرو: «إن ذلك أمر ليس لي أن أقتطع فيه رأيا دون إذن الخليفة.» ثم أرسل كتابا إلى عمر يسأله في الأمر، ~~فأجابه عمر قائلا: «وأما ما ذكرت من أمر الكتب فإذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله فلا حاجة لنا به، وإذا ~~خالفه فلا أرب لنا فيه وأحرقها.» فلما جاء هذا الكتاب إلى عمرو أمر بالكتب فوزعت على حمامات للإسكندرية لتوقد بها، ~~فما زالوا يوقدون بها ستة أشهر. ثم قال المؤلف: «فاسمع وتعجب!» # هذه هي القصة كما جاءت في اللغة العربية، وقد كتب أبو الفرج ما كتبه في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ولم يذكر ~~المورد الذي نقل عنه قصته، ثم نقله عنه أبو الفداء في أوائل القرن الرابع عشر، ثم المقريزي # 2 # بعد ذلك. حقا قد ذكر عبد اللطيف (وقد كتب حوالي سنة 1200) إحراق مكتبة الإسكندرية بأمر عمرو، لكنه لم يفصل ~~في ذكر ذلك، ويلوح أنه روى ذلك الخبر مصدقا، وهذا يدل على أن تلك القصة كانت متداولة في أيامه، ولكن لم يرد لها ذكر ~~مكتوب قبل مضي خمسة قرون ونصف قرن على فتح الإسكندرية، ويمنع من تصديقها إغفال كل الكتاب لذكرها من «حنا النقيوسي» إلى ~~«أبي صالح». ولعل قائلا يقول إنها ظلت تلك القرون تتناقلها الألسن. وإن هذا الرأي يعززه أن القبط لا تزال بينهم تلك ~~القصة يتناقلونها مع بعض خلاف فيها؛ إذ يجعلون مدة الإيقاد بالكتب سبعين يوما بدلا من ستة شهور، ولكن ليس من دليل يدل ~~على أن أصل هذه الرواية أقدم من أيام أبي الفرج. ومعنى ذلك بقول آخر أن هذه القصة وإن كانت متداولة بين الناس تكون أخذت ~~عن كتاب القرون الوسطى؛ فتداولها لا يمكن أن يكون دليلا على شيء، كما أنه لا يمكن أن ينقض شيئا، ولكن الشك الذي يحيط ~~بتلك القصة يجعلها غير وثيقة في الدلالة، ms282 ولا كافية بذاتها في البرهان. # إذن علينا أن نفحص القصة كما وردت؛ فهي بلا شك قصة خلابة المظهر، وإن رد عمر ~~على كتاب ابن العاص أشبه القول بما اعتاده أهل الشرق في ردودهم، وهذا التشابه في الأسلوب هو أقوى ما تعزز به القصة، ~~ولكن من سوء الحظ أنه قد ورد عن عمر مثل هذا الرد في شأن إحراق كتب الفرس، # 3 # وهذا نظير قصة أخرى تذكر عن عمرو إذ وقع في الأسر، ثم أنجاه مولاه وردان بضربة على وجهه كانت سببا في خلاصه ~~من الموت إذا هو انكشف أمره، فأخذت تلك القصة من موضعها ونقلها الكتاب المسلمون إلى وقت حصار الإسكندرية؛ فلعل قصة ~~المكتبة تكون كذلك قد عزيت إلى الإسكندرية مع أنها قد تكون في أصلها قائمة على حادثة وقعت قد يكون عمر عناها بذلك القول ~~وقضى فيها بذلك القضاء الشديد، ولكن في القصة مواضع أخرى لا تثبت إذا حملنا عليها بالنقد؛ وذلك أننا لو سلمنا أن المكتبة ~~قد أحرقت كما قيل، لكان الأقرب إلى الأذهان أن تحرق فوق ربوة القلعة، ولكن القصة تريدنا على أن نقول إن تلك المكتبة قد ~~كلفت الناس مشقة حملها في عيب وفرقوها بين الحمامات العدة فاتخذت وقودا مدة ستة أشهر. وما كل ذلك سوى نسيج من ~~الباطل؛ فإن تلك الكتب إذا كان قد قضي عليها بالحرق لأحرقت حيث هي، وما كان عمرو بن العاص وقد أبى أن يعطيها لصديقه ~~«فليبونوس» ليجعلها في أيدي أصحاب الحمامات في المدينة؛ فإنه لو فعل ذلك لاستطاع «حنا فليبونوس» أو سواه من الناس أن ~~يستنقذوا عددا عظيما منها بثمن بخس في تلك الشهور الستة التي قيل إنها جعلت وقودا للحمامات فيها. وبعد فمما لا شك ~~فيه أن كثيرا من الكتب في مصر في القرن السابع كانت من الرق، # 4 # وهو لا يصلح للوقود، وما كان أمر الخليفة ليجعله يصلح لذلك. فلنسائل إذن أنفسنا، ماذا كان من أمر تلك الكتب ~~المخطوطة على الرق؟ وإذا نحن استبعدناها فكيف يتصور أحد أن ms283 ما يبقى من سواها يكفي لوقود أربعة آلاف حمام # 5 # مدة مائة وثمانين يوما؟ إن إيراد القصة على هذه الصورة مضحك، وإنه ليحق لنا أن نسمع ما فيها ~~ونعجب. # وقد يقول قائل إن هذه الشبهات الصغيرة ليس من العدل أن يؤخذ بها، وإننا إذا أنعمنا النظر في الأمر، واستقصينا ما ذكر ~~عنه، وفحصناه فحصا دقيقا؛ لم نجد مندوحة من الانتهاء إلى أن حريق المكتبة أمر صحيح على وجه الإجمال. ولا يسعنا مع مثل ~~هذا القول إلا أن ندع القصة ونقدها في ذاتها ونلتمس دليلا مما هو خارج عنها لنرى هل يعززها في الجملة أو ينقضها، ولا بد ~~لنا من النظر في أمرين نرى لهما شأنا عظيما فيما نحن بصدده؛ أولهما: هل كان «حنا فليبونوس» # 6 # على قيد الحياة في وقت فتح العرب؟ وثانيهما: هل كانت المكتبة باقية إلى ذلك الوقت؟ فأما الأمر الأول فإنه أمر ~~مقرر لا يكاد يكون فيه شك؛ فإن حنا لم يكن حيا في عام 642، ولا حاجة بي إلى سرد كل ما يؤيد هذا الرأي؛ فمن المعروف أن ~~حنا كان يكتب في عام # 7 # 540، ولعله كان يكتب قبل تملك جستنيان، أي قبل عام 527، وقد يكون أدرك القرن السابع وعاش بضع سنين في أوله. ~~وأما لو قلنا إنه عاش إلى عام 642، فإن سنه لا تكون عند ذلك أقل من مائة وعشرين عاما؛ فمن الجلي على ذلك أن يكون «حنا ~~فليبونوس» قد مات منذ ثلاثين أو أربعين عاما قبل أن يدخل عمرو في الإسكندرية. # وأما المكتبة ذاتها ووجودها عند الفتح فبحث شائق، ومن أشق الأمور الانتهاء إلى قول فيه؛ فإن أول مكتبة كانت بالإسكندرية ~~هي المكتبة الشهيرة، وكانت في حي البروكيون كما هو معلوم. ولئن كان إنشاء هذه المكتبة العظمى التي اجتمعت فيها أجل ~~مؤلفات العالم يرجع الفضل فيه إلى «بطليموس سوتر»، فإنها لم تتحقق ولم يتم تجهيزها ويكمل نظامها إلا على يد خلفه «بطليموس ~~فلادلفوس». والظاهر أنها كانت في جزء من مجموعة الأبنية الفخمة التي كانت تعرف بالمتحف. ms284 # 8 # وقد قال «سترابو» عن ذلك المتحف إنه كان في جوار قصور الملك العظيمة التي كان بناؤها على ربع مساحة المدينة. ~~وكان بناء المكتبة له بهو عظيم في وسطه من حوله عمد مصفوفة تحيط به، وأفنية ذات آزاج. وكانت هذه الأبنية تتصل بسواها ~~مما كان فيه مدرسة الطب والتشريح والجراحة ومدرسة الرياضيات والفلك ومدرسة القانون والفلسفة، وكان يتصل بالبناء بستان ~~كبير وحديقة لعلم النبات ومرصد. # 9 # وفي ذلك كما ترى جهاز جامعة من أكبر الجامعات، ولسنا نستطيع أن نعين على وجه الدقة الموضع الذي كانت فيه ~~المكتبة، ولا هيئة بناء المتحف، بل قد اختلف العلماء في تعيين موضع ذلك المتحف. ومن المؤلم أن سترابو لا يذكر شيئا عن ~~المكتبة؛ فإنه لو ذكر عنها شيئا لكان دليله قاطعا في هذه المسألة، ولعرفنا الحقيقة عما رواه بعض المؤرخين القدماء من ~~ضياع المكتبة في حريق سنة 48 للميلاد؛ أي قبل زيارته ببضع سنين؛ فقد كان قيصر عند ذلك محصورا في حي البروكيون يحيط به ~~المصريون من كل جانب، وعليهم قائدهم «أخيلاس»، فأحرق السفن التي في الميناء، وقيل إن النار امتدت من هناك وأحرقت المكتبة ~~فأفنتها. أما قيصر نفسه - وذلك إذا كان هو كاتب وصف ذلك الحادث - فإنه لا يشير إلى شيء من أمر نكبة كهذه، بل إنه يقول إن ~~الإسكندرية لا تكاد النيران تسري فيها؛ # 10 # إذ كان بناؤها لا خشب فيه، بل كان قائما على عقود وآزاج، وسقوفه من الحجر والبلاط المتجمد. # 11 # وإن إشارة مثل هذه لا يكون القصد منها إلا التضليل والإيهام إذا كان الكاتب يداري في أمره، ويتستر على أنه ~~شهد إحراق مكتبة الإسكندرية، وأنه كان السبب في إحراقها. وإنه من أشق الأمور أن ننتهي إلى نهاية في أمر قيصر فنتهمه أو ~~نبرئه. أما «بلوتارك» فلم يكن به شك في الأمر؛ إذ قال: «ولما رأى أسطوله يقع في يد عدوه اضطر أن يدفع الخطر بالحريق، ~~فامتدت النار من المراسي في الميناء فأحرقت المكتبة.» # 12 # وواضح أن سنيكا قد صدق ms285 هذه القصة؛ إذ قال: «لقد أحرق في الإسكندرية أربعمائة ألف كتاب.» # 13 # وما أغرب ما قاله «ديوكاسيوس» # 14 # إذ قال: «وامتدت النيران إلى ما وراء المراسي بالميناء فقضت على أنبار القمح ومخازن الكتب. وقيل إن هذه ~~الكتب كانت كثيرة العدد عظيمة القيمة.» وليس بنا من شك فيما كان معروفا بين الناس في القرن الرابع؛ فإن قول «أميانوس مرسلينوس» # 15 # واضح جلي؛ إذ وصف «مكاتب الإسكندرية التي لا تقوم بثمن، والتي اتفق الكتاب الأقدمون على أنها كانت تحوي ~~سبعمائة ألف كتاب بذل في جمعها البطالسة جهدا كبيرا، ولقوا في سبيل ذلك عناء كبيرا، وقد أحرقتها النيران في حرب ~~الإسكندرية عندما غزاها قيصر وخربها.» وقد كتب «أورسيوس» ما يعزز هذا القول، وذلك حيث يقول: «وفي أثناء النضال أمر ~~بإحراق أسطول الملك، وكان عند ذلك راسيا على الشاطئ، فامتدت النيران إلى جزء من المدينة، وأحرقت فيها أربعمائة ألف كتاب ~~كانت في بناء قريب من الحريق؛ فضاعت خزانة أدبية عجيبة مما خلفه آباؤنا الذين جمعوا هذه المجموعة الجليلة من مؤلفات النابغين.» # 16 # وخلاصة القول أننا نرى الأقرب إلى العقل أن نصدق ما جاء من أخبار ضياع المكتبة في حريق الإسكندرية على يد ~~قيصر لا أن نكذبها. # ولكن بعد سبع سنوات أو ثمان من ذلك الحادث الذي وقع لقيصر أرسل «مارك أنطون» إلى الإسكندرية # 17 # مكتبة ملوك «برجاموس». ولا نقدر على البت في موضع هذه الكتب؛ أكان المتحف لا يزال صالحا لأن يكون لها ~~مقرا، أم وضعت في السرابيوم، فكان ذلك منشأ مكتبة السرابيوم المتأخرة؟ فإن هذا الأمر لا يزال موضع الخلاف والبحث بين العلماء. # 18 # وإنا نرى الأقرب إلى الصواب تكذيب هذين الرأيين كليهما ؛ فقد رأينا فيما سلف أن المعبد الكبير معبد القيصريون ~~كان من بناء كليوبترا أنشأته تكريما لقيصر، # 19 # وأن «أغسطس» أتمه بعد ذلك. وذكر أنه كان من أجل ما يحليه مجموعة كتبه. فإذا كانت مكتبة المتحف قد ~~أحرقت، كان أقرب الأمور إلى العقل أن يجعل معبد القيصريون مقرا لمكتبة «برجاموس»، وإن ms286 لم يكن مقرا لجميعها فلا أقل ~~من أن يجعل جزء منها فيه، ولعل ما يبقى بعد ذلك يجعل في معبد السرابيوم. # ومهما يكن من ذلك الأمر، فإن أمرين يكاد ألا يكون شك فيهما؛ أولهما: أن جزءا من بناء المتحف كان لا يزال باقيا صالحا ~~إلى أيام «كراكلا» الذي أسال الدماء في المدينة أنهارا، وأقفل الملاهي بها، وأمر بمنع الناس من الذهاب إلى «السيسيتيا»، ~~وهي القاعة العامة في المتحف، وكان ذلك في عام 216 للميلاد. وثاني الأمرين: أنه في أوائل التاريخ المسيحي أنشئت مكتبة ~~كبرى بدل مكتبة المتحف التي ضاعت، وجعلت في معبد السرابيوم على قلعة «الأكروبولس». وقيل إن أورليان هدم أبنية المتحف ~~وسواها بالأرض # 20 # في عام 273، وذلك عندما أوقع بحي البروكيون فخربه انتقاما من أهل الإسكندرية على ثورتهم مع «فيرموس». وهرب ~~عند ذلك أعضاء المتحف الذين كانوا ينتسبون إليه فلجئوا إلى السرابيوم، أو خرجوا في البحر فرارا. وكانت مكتبة السرابيوم ~~تعرف ب «المكتبة الصغرى» أو «المكتبة الوليدة»، # 21 # ولكنا لا نستطيع أن نعين تاريخا لنهاية «المكتبة الأم»، # 22 # ولا لابتداء «المكتبة الوليدة». على أنه قيل في الأخيرة إن الذي أنشأها «بطليموس فلادلفوس». ولكن هذا أمر لا ~~شأن له ببحثنا هذا؛ فحسبنا أن نعرف أن المكتبة الأولى القديمة كانت في القرن الرابع قد قضي عليها وفنيت، وأن المكتبة ~~الثانية الصغرى كانت عند ذلك قد مضى زمن ما على إنشائها. # إذن قد سار معهد السرابيوم على سنة الماضين في تحصيل العلم، وأنشئت جامعة بها ~~عدد عظيم من الكتب، وبقي اسم أرسطو متصلا بالعلم الإسكندري في معهد السرابيوم، # 23 # كما كان من قبل متصلا بمعهد المتحف. ومعنى ذلك أن دراسة الفلسفة والعلوم بقيت على عهدها بالإسكندرية، وهي ~~التي جعلت تلك المدينة من قبل مقر العلوم في العالم، ولم يتغير إلا شيء واحد، وهو أن مقر الدراسة أصبح السرابيوم ~~بعد أن كان المتحف. # ولكن كان مقدورا على السرابيوم أن يقضى عليه في أواخر القرن الرابع على يد المسيحيين يقودهم «تيوفيلوس». وقد رأينا ~~فيما ms287 سلف كيف خرب القيصريون ونهبوا في سنة 366 في أثناء نضال ديني، وأغلب الظن أن المكتبة التي كانت فيه قد ذهبت ضحية في ~~ذلك النضال. وكان نضال المسيحيين مع عبدة الأوثان يزداد شدة وهولا كلما زاد المسيحيون قوة، وكان السرابيوم بلا شك حصن ~~الوثنية وملاذها، وظل الوثنيون مدة يغيرون من هناك على المدينة ويقتلون أشد المسيحيين عليهم، وقد انتفعوا في ذلك بمناعة ~~موقع السرابيوم، فثأر المسيحيون بأن حاصروا «قلعة الأكروبولس»، ولكن قبل أن يصل النضال إلى نهايته اتفق الجانبان على تحكيم ~~الإمبراطور فيما بينهم؛ فقضى «تيودوسيوس» للمسيحيين، وقرئ حكمه على الناس من الحزبين في ساحة السرابيوم، فهرب عبدة ~~الأوثان المصرية القديمة، وأهوى المسيحيون إلى المعبد العظيم معبد «سرابيس»، وعلى رأسهم «تيوفيلوس»، وجعلوا يهدمونه ~~ويخربون فيه، وكان ذلك في عام 391، ولا يختلف فيه اثنان. # فلنمض الآن إلى بحث آخر لنرى هل ضاعت المكتبة في ذلك التخريب. وإنا لا نستطيع أن نقول على وجه البت إنها قد ضاعت؛ # 24 # فإن ذلك أمر مختلف فيه. ولا بد لنا من فحص ما يتاح لنا من أدلة بتراء لعلنا ننتهي منها إلى حكم، وأول شيء ~~نثبته أن المعبد ذاته قد تهدم في عام 391، وكان هدمه تاما؛ إذ سوي بناؤه بالأرض ونقض من أساسه، كما قال «أونابيوس»، ~~ولعله كان مبالغا في قوله بعض المبالغة. وقد بني في موضعه كنيسة أو أكثر من كنائس المسيحيين، ولكن لم يذكر أحد أن ~~المكتبة قد ضاعت فيما ضاع عند ذلك؛ فلا بد لنا إذن من إثبات أحد أمرين إذا أردنا أن نثبت ضياعها: إما أن نبرهن على أن ~~المكتبة كان مقرها ذلك المعبد، وإما أن نبرهن على أن أبنية «الأكروبولس» قد خربت جميعها في الثورة؛ إذ هدمها ~~المسيحيون مع «تيوفيلوس». # 25 # ولكن أحد هذين الأمرين محقق، وهو الأمر الثاني؛ فإن المسيحيين لم يهدموا أبنية «الأكروبولس» جميعا. ومن ~~السهل إثبات هذا؛ فقد سبق لنا البرهان على أن بقية عظيمة ذات جلال رائع كانت لا تزال باقية من بناء السرابيوم إلى القرن ms288 ~~الثاني عشر، ولكنا نجهل كل الجهل موضع هذه البقية، كما أنا نجهل الغرض من إنشائها أولا. # 26 # وبقاء هذه البقية إنما يدل على أن المكتبة قد تكون بقيت سليمة إذا كانت في البناء الباقي الذي لم يصل إليه ~~الهدم في ثورة المسيحيين، ولا يدل على أكثر من ذلك، ولكن بين أيدينا براهين تدل على موضع المكتبة ومقدار ما لحقها من التلف ~~على يد المسيحيين، وأول هذه الأدلة ما قاله «أفطونيوس»، وقد زاد السرابيوم في القرن الرابع قبل تدميره بزمن. # 27 # وثاني هذه الأدلة ما قاله «روفينوس»، وقد شهد ذلك التخريب وكتب ما كتبه بعده. وقول كل من هذين الكاتبين يكمل ~~قول الآخر ويصدقه، ولكن من العجيب أن أحدهما لا يذكر المعبد في قوله ولا يشير إليه، في حين أن الثاني لا يذكر المكتبة ~~ولا يشير إليها، ولكن مع ذلك لا شك في أن «أفطونيوس» يلحق المكتبة بالمعبد، ولا يلحقها بأي بناء آخر من أبنية «الأكروبولس»، # 28 # كما لا شك في أن المكتبة كانت في وقت زيارته للإسكندرية قائمة هناك مفتوحة الأبواب كعادتها لمن يقصدها من طلاب ~~العلم والقراءة. # فإذا نحن آمنا بأن المكتبة كانت ملحقة بالمعبد، وبأن المعبد قد خرب ودمر؛ فكيف يمكن أن نقول إن المكتبة قد نجت ولم ~~تصر إلى ما صار إليه المعبد؟ لا سيما وقد كان خراب المعبد كاملا؛ إذ نقض من أساسه وسوي بالأرض. قال «أونابيوس»: # 29 ~~«إنهم خربوا السرابيوم وحطموا أوثانه، ولم تبق إلا الجدران ذاتها؛ إذ عجزوا عن إزالة تلك القطع العظيمة ~~من الحجارة.» وقال «ثيودوريت» في وصف هذه الحوادث عينها: «ونزعت محاريب الأصنام من أساسها.» # 30 # وقال سقراط: «وأمر الإمبراطور بهدم كل معابد الوثنيين في الإسكندرية.» ثم قال: «فهدم «تيوفيلوس» معبد سرابيس.» ~~وقال: «وهدمت المعابد، وصهرت الأوثان التي من معدن البرونز، واتخذت منها الأواني.» # 31 # وقال في موضع آخر: «إنه قد كشفت حجارة عليها نقوش بالحرف المصري القديم عندما كان الناس يهدمون معبد ~~السرابيوم.» وقال مثل ذلك «سوزومن»، # 32 # وهو يقول إن ms289 المسيحيين استولوا على السرابيوم منذ أخذه «تيوفيلوس» إلى وقته الذي كتب فيه. وكل هؤلاء الكتاب ~~كما ترى ممن كتب في النصف الأول من القرن الخامس؛ وعلى ذلك يكادون يكونون كلهم ممن عاشوا في وقت واحد. ومما يؤسف له أنهم ~~لم يقولوا في المكتبة قولا صريحا فنعلم مصيرها على غير شك، ولم يذكروا شيئا عن تخريب أبنية «الأكروبولس» الأخرى، ولم ~~يرد شيء من الإيضاح إلا فيما كتبه «روفينوس»؛ فإنه يذكر أن الأبنية التي كانت تكتنف الربوة من خارجها لم يمسها ضر، وكل ~~ما لحقها أن عبدة الأوثان أخرجوا منها. ويقول إن هذه الأبنية هي التي بقيت بما كان فيها من قاعات الدرس وأروقة البيت، في ~~حين أن معبد سرابيس الأكبر وما كان فيه من عمد لم يبق فيه حجر على حجر، بل سوي بالأرض. # 33 # إذن فالأمر كما يلي: قد ثبت أن المكتبة كانت في حجرات متصلة ببناء المعبد، شأنها في ذلك شأن المشاهد التي كانت للأصنام ~~المصرية القديمة، وثبت أن بناء ذلك المعبد كله قد هدم وخرب، فلا بد أن تكون المكتبة قد لحقها الخراب نفسه. # 34 # وقد يقول قائل لعل الكتب قد أنجيت من ذلك الدمار الذي لحق البناء الذي كانت فيه، بل لقد قيل إن تلك الكتب قد نقلت ~~جميعها؛ إذ نقلها «جورج القبادوقي» من هناك قبل ثورة المسيحيين بقيادة «تيوفيلوس»، وقبل أخذهم المعبد بثلاثين سنة، وقيل ~~كذلك إنه عندما أخذ المسيحيون «الأكروبولس» أرسلت تلك الكتب إلى القسطنطينية. # 35 # وإنه لمما يشك فيه أن يكون الناس الثائرون قد أبقوا على تلك الكتب وأشفقوا على تلك الكنوز أن تضيع، وهي ~~في نظرهم كتب الوثنيين قد وضعوها هناك وديعة عند الوثن الأكبر. إنهم خليقون ألا يفعلوا ذلك وهم الذين حطموا أوثان ~~«سرابيس» وأحرقوا حطامه، # 36 # ولم يبقوا في معبده حجرا قائما؛ ذلك المعبد الذي كان آية العظمة والإبداع في بلاد العالم. وإنا لنعجب من ~~إغفال كتاب العصر ذكر هذا الحادث، ولكنا مع ذلك نجد الأقرب إلى الأفهام أن تلك الكتب ms290 قد ضاعت طعمة اللهيب # 37 # الذي أحرق وثن «سرابيس»، وأنها لم تنزع من براثن ذلك التخريب الذي مزق المعبد كله، ولم ترسل في البحر إلى ~~موضع آخر. وقد نقل عن «أوروسيوس» أنه رأى الرفوف أو الصناديق في السرابيوم فارغة ليس عليها شيء من الكتب. فإذا صح ذلك ~~لكان دليلا على أن الكتب لم يكن لها وجود منذ سنة 416، وذلك هو العام الذي كتب فيه «أوروسيوس»، ولكان ذلك دليلا على أن ~~بناء المكتبة بقي إلى ذلك الوقت قائما، ولكن ذلك قول غير دقيق، ولفظ الرواية لا يبرره؛ # 38 # فإن «أوروسيوس» لا يذكر بناء السرابيوم، بل يذكر حريق مكتبة المتحف، ويدلي بحجته على النحو الآتي بوجه ~~التقريب: «إذا فرض أننا نرى اليوم رفوفا مما توضع عليها الكتب (في بعض المعابد)، وإذا ~~فرض أنها فارغة ليس عليها شيء قد خلت من الكتب لما أصابها من أيامنا هذه، إذا فرض ذلك ثبت منه أنه قد كانت في تلك ~~المواضع مكاتب في الأزمان القريبة من عهدنا، ولكن لا يثبت منه أن مكتبة قد بقيت وكانت جزءا من مكتبة المتحف القديمة، ~~وأنها نجت من النيران بأن وضعت في بناء آخر، بل إن الذي نستطيع أن ننتهي إليه أنه قد جمعت كتب أخرى تقليدا للمكتبة ~~القديمة، وكان جمعها بعد الحريق.» # هذه حجة «أوروسيوس» يريد بها أن يبرهن على أنه لم ينج شيء من المكتبة القديمة التي أنشأها البطالسة، ولم يشر فيها ~~إلى مكتبة السرابيوم. # 39 # وقد عزز هذا الرأي كتاب آخرون، من بينهم «ماتر»، وهذا هو الحق بعينه، ولكن ذلك القول له دلالة من وجهتين؛ ~~فإنه إذا كان لقول «أوروسيوس» معنى لا يختلف فيه اثنان، فهو أنه لم تكن في عصره مكتبة قديمة عظيمة في الإسكندرية؛ إذ لو ~~كان في عصره مكتبة كبرى بمعبد السرابيوم لما أغفل «أوروسيوس» ذكرها في أثناء قوله الذي بيناه آنفا؛ وعلى ذلك يمكن أن ~~نقول إن «أوروسيوس» وإن لم يشهد تدمير مكتبة السرابيوم في عام 391، قد شهد أنها لم تكن في الوجود ms291 في عام 416. # ولكنا لم ننته بعد من برهاننا على النقطة التي نحن بصددها، وهي أن المكتبة لم يكن لها وجود في القرن السابع؛ فإنه لا ~~يستطيع أحد أن يقول إن كل كتب الإسكندرية قد ضاعت في أثناء تلك الحروب الشعواء التي شنت على المكاتب، أمثال حرب ~~«دقلديانوس» على مؤلفات المسيحيين، وحرب «تيوفيلوس» على مؤلفات الوثنيين؛ فلا بد أنه قد بقيت بعد تخريب المكاتب العامة ~~الكبرى بقية كبرى من تلك الكتب في ملك أفراد الناس، أو في مكاتب الأديرة البعيدة. وإن بقاء العلم في الإسكندرية لم تنطفئ ~~أنواره ليقوم وحده دليلا على بقاء الكتب وانتفاع الناس بها، غير أننا نستبعد كل الاستبعاد أن تكون مكتبة السرابيوم الكبرى ~~قد بقيت إلى القرن السابع، من غير أن نجد في كتابة أحد من كتاب القرنين الخامس والسادس ما يدل على وجودها دلالة صريحة لا ~~لبس فيها ولا إبهام. ولنذكر من ذلك مثلا واحدا وهو «حنا مسكوس»، وقد سبق لنا ذكر زيارته لمصر مع صديقه «صفرونيوس» قبل ~~فتح العرب بسنين غير كثيرة. وقد بينا ما كان عليه هذان الرجلان من محبة العلم، وشغفهما بالكتب وما يتصل بها، # 40 # وقد كتبا مقدارا عظيما، وسافرا إلى كثير من بلاد مصر وأقاما فيها زمنا طويلا، ولكنا لا نرى في كتاب من ~~كتبهما إذا قلبناها واستوعبنا قراءتها ذكرا لمكتبة عامة في البلاد اللهم إلا لمكاتب أفراد الناس؛ وعلى ذلك يكون قد ~~مر قرنان لا تذكر فيهما تلك المكتبة. وجاء في آخر هذين القرنين كاتبان مكثران، وهما «حنا مسكوس» و«صفرونيوس»، وهما لا ~~يذكران عنها شيئا. ولا يتأتى مع كل هذا أن يقول قائل إن الإسكندرية كانت مكتبة عامة كبرى عندما فتحها العرب. # بقي علينا أن نثبت أمرا أو أمرين؛ فإننا إذا سلمنا بأن كل ما سبق إيراده من الحجج لم يكف لأن يزعزع رأي من يذهبون ~~إلى بقاء مكتبة السرابيوم، ثم سلمنا بأن تلك المكتبة بقيت على عهدها حتى فتح العرب الإسكندرية، إذا سلمنا بذلك كان ~~أبعد الأمور أن يكون ms292 العرب قد أتلفوها ودمروها. ولذلك سبب نورده؛ فإن العرب لم يدخلوا المدينة إلا بعد أحد عشر شهرا ~~من الفتح، وقد جاء في شروط الصلح أن الروم في مدة الهدنة لهم أن يخرجوا من البلد إذا شاءوا، وأن يحملوا معهم كل ما ~~استطاعوا نقله من متاعهم وأموالهم، # 41 # وكان البحر في كل هذه المدة خاليا من العدو لا يقف شيء فيه بين الروم وبين القسطنطينية أو سواها من ثغور ~~البحر، فلو كانت مكتبة السرابيوم عند ذلك باقية لطمع الناس في ثمن كتبها، وأغراهم ذلك بنقلها إن لم يغرهم شيء آخر؛ إذ ~~كانت كتبا قيمة عظيمة القدر يقبل على شرائها كثير من الناس الذين لهم شغف بالعلوم وطلبها، وكان لا بد لمثل هؤلاء أن ~~يكونوا على مثال الشخص الذي جاء في القصص وهو «حنا فليبونوس»، فيسعوا إلى نقل تلك الكنوز العلمية في وقت الهدنة إذا كانت ~~الفرصة ممكنة، وما كانوا ليتركوها تقع لمحاربي الصحراء الذين لا علم لهم بقيمتها، وهم على وشك أن يدخلوا المدينة. # وبعد، فإن الصمت الذي يلزمه كتاب القرنين الخامس والسادس، وإغفالهم ذكر تلك المكتبة، بقي إلى ما بعد الفتح؛ فلم يكن ~~بين العرب مؤرخون كتبوا عن تاريخ مصر في القرنين السابع والثامن. وقد يقال إن متأخري الكتاب تعمدوا إغفال ذكرها، ~~ولكننا لا نستطيع أن نقول ذلك عن «حنا النقيوسي» الأسقف المصري، وقد كان رجلا من أهل العلم، وكانت كتابته قبل القرن ~~السابع، وقد كتب في ديوانه الأخبار المفصلة، وأحاط فيه بمختلف الأحداث. وفي هذا دلالة على أنه كان عظيم الاطلاع، واسع ~~العلم بالأخبار، ولم يفصل بينه وبين فتح العرب إلا خمسون عاما. وإن أبا الفرج نفسه (صاحب القصة التي يتهم فيها العرب) ~~ليشهد بأن الإسكندرية بقيت مقصدا لطلاب العلم إلى حوالي سنة 680 للميلاد؛ فإنه يذكر أن «يعقوب الأذاسي» ذهب إلى ~~الإسكندرية ليتم تحصيله للعلم بعد أن أتم درس اللغة اليونانية والكتاب المقدس في أحد الأديرة بالشام. # 42 # وهذا يدل على أن بعض المكتبات كانت لا تزال باقية ms293 بمصر عند أفراد الناس وفي الأديرة بعد الفتح كما كان قبله، ~~وإلا فلو كان في المدينة مكتبة عامة كبرى قبل الفتح ثم أحرقها العرب عند فتحهم لها، لما أغفل ذكر هذا الحادث رجل مثل ~~«حنا النقيوسي»؛ كاتب قريب العهد بالفتح، قد أفاض في ذكر الإسكندرية، وفصل في وصف فتحها، وما كان ليبيح لنفسه أن يدع ~~للنسيان حادثة كان لها عظيم الأثر؛ إذ ذهبت بما كان يمكنه الاعتماد عليه في كتابة تاريخه، وحرمت العالم أجمع من كنز من ~~أكبر كنوز العلم حرمانا أبديا. # ولعلنا لا نكون مخطئين إذا نحن أجملنا فيما يلي أدلة حجتنا؛ فإن قصدنا أن نبين حقيقة أمر مكتبة الإسكندرية، ومقدار ~~نصيب قصة إحراق العرب لها من الصحة أو الكذب. وقد بينا فيما سلف الأمور الآتية: ~~(1) # أن قصة إحراق العرب لها لم تظهر إلا بعد نيف وخمسمائة عام من وقوع الحادثة التي نذكرها. ~~(2) # أننا فحصنا القصة وحللنا ما جاء فيها، فألفيناه سخافات مستبعدة ينكرها العقل. ~~(3) # أن الرجل الذي تذكر القصة أنه كان أكبر عامل فيها مات قبل غزوة العرب بزمن طويل. ~~(4) # أن القصة قد تشير إلى واحدة من مكتبتين؛ الأولى: مكتبة المتحف، وهذه ضاعت في الحريق الكبير الذي أحدثه ~~قيصر، وإن لم تتلف عند ذلك كان ضياعها فيما بعد في وقت لا يقل عن أربعمائة عام قبل فتح العرب. وأما ~~الثانية، وهي مكتبة السرابيوم: فإما أن تكون قد نقلت من المعبد قبل عام 391، وإما أن تكون قد هلكت أو تفرقت ~~كتبها وضاعت، فتكون على أي حال قد اختفت قبل فتح العرب بقرنين ونصف قرن. ~~(5) # أن كتاب القرنين الخامس والسادس لا يذكرون شيئا عن وجودها، وكذلك كتاب أوائل القرن السابع. ~~(6) # أن هذه المكتبة لو كانت لا تزال باقية عندما عقد «قيرس» صلحه مع العرب على تسليم الإسكندرية، لكان من المؤكد ~~أن تنقل كتبها، وقد أبيح ذلك في شرط الصلح الذي يسمح بنقل المتاع والأموال في مدة الهدنة التي بين عقد الصلح ~~ودخول العرب في المدينة، وقدر ذلك أحد عشر شهرا. ms294 ~~(7) # لو صح أن هذه المكتبة قد نقلت، أو لو كان العرب قد أتلفوها حقيقة، لما أغفل ذكر ذلك كاتب من أهل ~~العلم كان قريب العهد من الفتح مثل «حنا النقيوسي»، ولما مر على ذلك بغير أن يكتب حرفا عنه. # ولا يمكن أن يبقى شك في الأمر بعد ذلك؛ فإن الأدلة قاطعة، وهي تبرر ما ذهب إليه «رينودو» من الشك في قصة أبي الفرج، وما ~~ذهب إليه «جبون» من عدم تصديقها. ولا بد لنا أن نقول إن رواية أبي الفرج لا تعدو أن تكون قصة من أقاصيص الخرافة ليس لها ~~أساس في التاريخ. # 43 # الفصل السادس والعشرون # | فتح «بنطابوليس» # رأى عمرو بن العاص أنه بفتح الإسكندرية قد قضى على سلطان الروم في مصر، ولكنه لم ~~ير أنه قد أتم ما كان ينبغي له من الفتح، وقد خرج جيش الروم من مصر وشرط عليه ألا يعود إليها، ولم تبق من المقاومة في ~~مصر إلا جذوة صغيرة في أقصى أرض مصر السفلى، وقد اعتصم أصحابها بموانع من طبيعة أرضهم من نهر أو بحيرة، ولكن تلك المقاومة ~~لم تكن لتحدث في مصير البلاد أثرا، فبقيت مدينة المنزلة كما رأينا على نضالها أشهرا عدة بعد دخول العرب الإسكندرية، ~~وجاءت الأمداد تترى إلى مصر منذ جاء أولها من فرسان العرب مع الزبير، فأدركوا عمرو بن العاص وأغاثوه وهو بين عيني الخطر، ~~فكانت تلك الأمداد تحل محل من يلقى الشهادة من المسلمين في الحرب، وزادتهم فوق ذلك عددا، فأصبح عمرو وقد صار معه جيش ~~عظيم فوق ما كان من المسالح في الحصون والمدائن الكبرى، وما كان من الجند في قتال البلاد التي كان العدو لا يزال يناجز ~~فيها ويقاوم. # وكان عمرو يميل إلى التوسع في الفتح بطبعه، وكان الإسلام في نشأته يرى أن ينشر علمه على الآفاق، فما إن أمن العرب على ~~مصر ولما ينقض فيها القتال كله، حتى عول قائدهم على إنفاذ بعث إلى بنطابوليس، وهو الإقليم الذي يلي مصر غربا من بلاد ~~الدولة الرومانية. ولا ms295 بد أن يكون عمرو قد أقام نظام الحكم في وادي النيل في مدة شهور الهدنة الأحد عشر، حتى إذا ما انقضت ~~تلك الهدنة ودخل العرب الإسكندرية لم يبق عليه إلا أن يقيم للمدينة وحدها نظامها. ولو كان الأمر غير ذلك لما استطاع ~~عمرو أن ينفذ بعثة إلى بلاد المغرب بعد مثل ذلك الزمن القصير من فتح العاصمة؛ فإنه أنفذه في تاريخ لا يمكن أن يقع بعد أول ~~عام 643 # 1 # بزمن طويل. # وقد بينا من قبل عند الكلام عن ثورة هرقل على فوكاس، أنه قد كان في القرن السابع سلسلة من المدائن والمنازل على ~~الطريق بين الإسكندرية و«قيرين»، وأن أكثر الطريق كان في أرض خصبة ذات زرع. # 2 # وإذا قلنا إن السير في ذلك الطريق كان سهلا على جند الروم، فإنه كان نزهة لفرسان العرب، # 3 # ولم يلقوا في سيرهم هذا كبير كيد؛ فلا يذكر أنه قد وقع قتال حتى بلغ العرب «برقة». والظاهر أنها سلمت لهم ~~صلحا على أن تدفع للعرب ثلاثة عشر ألف دينار جزية معلومة كل عام. # 4 # وقد جاء في شروط ذلك الصلح شرطان عجيبان: الأول أنه أبيح لأهل برقة أن يبيعوا أبناءهم ليأتوا بالجزية المفروضة، والثاني ~~أنه كان عليهم أن يحملوا الجزية إلى مصر حتى لا يسمح بدخول جباة لجزية إلى بلادهم. وقد قال ياقوت إن أكثر أهلها أسلموا. ~~وسار عمرو بعد فتح برقة إلى طرابلس، وكانت أمنع حصونا وأعز جيشا؛ فقد كانت بها مسلحة كبيرة من الروم، فأقفلت أبوابها ~~وصبرت على الحصار الذي وضعه العرب عليها بضعة أسابيع. # 5 # وكان البحر من ورائها خاليا من العدو، ولكن لم يأتها ~~إمداد منه، حتى إذا ما كاد جيشها يهلك من جهد القتال وشدة الجوع، عرف العرب أن المدينة كانت غير محصنة من قبل البحر، ~~وأنهم يستطيعون النفوذ إليها من هناك. فدخل جماعة منهم بين أسوار المدينة والبحر، وقاتلوا عدوهم من هناك، وصاحوا صيحتهم: ~~«الله أكبر!» فترددت أصداؤها في طرق المدينة، ولمعت سيوفهم المهندة، فذعر المدافعون عن ms296 المدينة، وحملوا ما استطاعوا ~~حمله من متاعهم، وأسرعوا إلى السفن وحلوا قلوعها. وفي أثناء ذلك ترك الحراس الأبواب، ودخل عمرو بجيشه إلى المدينة. # سار عمرو مسرعا كما اعتاد السير، فطلع بغتة على مدينة سبرة، # 6 # وهاجمها في أول الصباح، وأخذ الناس على غرة؛ إذ كانوا يظنون أن العرب لا يزالون في شغل من حصار طرابلس؛ ~~ولهذا فتحت المدينة عند أول حملة حملوها عليها، وكان أخذها عنوة، فأعمل فيها العرب النهب، وكان هذا ختام تلك الحرب ~~السريعة. فعاد عمرو إلى برقة، وجاءت إليه من قبائل البربر قبيلة لواتة # 7 # فدانت له، وهي جل من كان يسكن تلك البلاد. فلما تم له ذلك عاد بجيشه المنصور إلى مصر # 8 # ومعه عدد عظيم من الأسرى ومقدار كبير من الغنائم. # وقيل إن عمرو بن العاص أحب أن يتخذ الإسكندرية مقرا له، ولا سيما وأنه وجد بها قصورا كثيرة من أجل القصور ~~خالية من أصحابها، ولكن عمر بن الخطاب كان قد عول على أن يجعل الفسطاط عاصمة مصر المستقبلة؛ فإنه لم يشأ أن يجعل الأمير ~~الذي أقامه يتخذ عاصمته في مدينة عظيمة على ساحل البحر، جاعلا بينه وبين صحراء العرب مجاري الترع المتشبكة الآخذة من ~~النيل. ولعل عودة عمرو إلى حصن بابليون كانت في صيف سنة 643، وكان جسرا النيل قد أعيدا هناك فأقيما بين الروضة وبابليون ~~على الشاطئ الشرقي، وبينها وبين الجيزة على الشاطئ الغربي، # 9 # ولكن الشاطئ الغربي ومدينة منفيس التي كانت عليه كانا عرضة للغارات المباغتة من قبائل الصحراء الضاربة فيما ~~وراء الأهرام، فأمر عمرو ببناء قلعة في الجيزة تدفع المغيرين من قبلها، وتمكن للعرب في جانب النيل الآخر، فيكون ~~سلطانهم مبسوطا على الضفتين معا، فتم ذلك قبل حلول شهر نوفمبر من ذلك العام. # 10 # أصبح السلام سائدا عند ذلك في كل بلاد مصر السفلى وبلاد وادي النيل إلى حدوده الجنوبية عند أسوان، ولكن السودان كان عند ~~ذلك قذى في عين حكام مصر، وهو لا يزال كذلك في كل العصور؛ وذلك لأن قبائله ms297 لا يسهل قيادها، وكانت في جبالها أو صحرائها لا ~~ترضى بدين المسيح بدلا، ولا تحب الدخول في الإسلام، ولا تزال تنظر إلى بلاد مصر ذات الخيرات أنها غنيمة لها كما كانت ~~لآبائها وأجدادها لا تدع الإغارة عليها. وقد أرسل عمرو إلى بلاد النوبة جيشا يغزوها، ولكن لم يستطع أن يهزم أهلها، بل ~~اضطر إلى العودة # 11 # بعد أن لحقت به خسارة عظيمة مما أصاب الناس من سهام رماة النوبة الذين سماهم العرب بعد ذلك رماة الحدق. ~~وبقي القتال بعد ذلك ينشب بين حين وحين مدة بضع سنين إلى أيام خلافة عثمان، فعقد صلحا مع أهل النوبة على أن يدفعوا كل عام ~~جزية من العبيد إلى والي مصر، وشرط لهم العرب أن يرسلوا إليهم خلعة ومئونة. ومن ذلك يظهر أن الصلح كان صلح ندين؛ إذ ~~لم يكن الوقت قد حان لفتح بلاد السودان. # 12 # كانت بلاد مصر في أثناء هذا آخذة في الاستقرار والاطمئنان تحت حكم عمرو بن العاص، وكان عادلا في حكمه لين الجانب ~~لرعيته، بدا ذلك منه بعد أن هدأت سورة الفتح، وذهبت إحن القتال والنضال التي عصفت بالبلاد زمنا. وقد أرسل إلى الخليفة ~~وصفا لمصر؛ إذ طلب عمر ذلك منه، وهذا الوصف آية دالة على عمرو، يبدو فيها شاعرا معسول القول، وحاكما عظيم الكياسة، وهو ~~في نثر مسجوع ننقله فيما يلي: # 13 ~~«اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء، وشجرة خضراء. طولها شهر، وعرضها عشر. يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر. يخط ~~وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات، تجري فيه الزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر، له أوان يدر حلابه، ويكثر فيه ~~ذبابه، تمده عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا اضلخم عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على جانبيه، فلم يكن التخلص من القرى ~~بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن في المخايل ورق الأصائل. فإذا تكامل في زيادته، نكص على ~~عقبيه كأول ما بدا في جريته، وطما في ذرته، فعند ذلك تخرج أهل ملة محقورة، وذمة مخفورة، ms298 # 14 # يحرثون بطن الأرض، ويبذرون بها الحب، يرجون بذلك النماء من الرب، لغيرهم ما سعوا من كدهم، فناله منهم بغير ~~جدهم. فإذا أحدق الزرع وأشرق سقاه الندى، وغذاه من تحته الثرى. فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة ~~سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء، الذي يصلح هذه البلاد وينميها، ~~ويقر قاطنيها فيها ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، وألا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها في ~~عمل جسورها وترعها. فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفق في المبدأ والمآل.» # 15 # وتبدو حكمة فاتح مصر عينها في خطبته التي قالها في مسجده، وهو الذي يسمى جامع عمرو إلى يومنا هذا، وذلك في يوم الجمعة ~~من أيام عيد الفصح من عام 644، # 16 # وقد رواها عنه رجل ممن سمعه كان عند ذلك مع أبيه في المسجد، فرأى رجالا يزجرون الناس بالسياط عند ~~ازدحامهم، وسمع المؤذن يقيم الصلاة، ثم رأى عمرو بن العاص قام على المنبر. وقد أثرت هيئة عمرو في نفس ذلك الشاب المسلم؛ ~~إذ كان ربعة قصير القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، ورأى عليه ثيابا موشية كأن بها العقيان يأتلق. # 17 # فلما قام عمرو حمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم أمر الناس بالإحسان والصدقة وطاعة الوالدين، وأمرهم بالقصد ~~ونهى عن الإفراط والفضول، وحذر المسلمين مما يسبب لهم النصب بعد الراحة، والضيق بعد السعة، والذلة بعد العزة. وهذه ~~الأمور التي حذرهم منها هي كثرة العيال، وإخفاض الحال، والقيل بعد القال. ثم بين لهم أن الإفراط في الفراغ واتباع ~~الشهوات أكبر أسباب الضياع والفساد؛ إذ هي تقضي على فضائل النفس. ثم قصد عمرو بعد ذلك إلى معنى آخر، فقال: «يا معشر الناس ~~إنه قد تدلت، الجوزاء وذكت الشعرى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل الندى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت ~~السخائل، وعلى الراعي بحسن رعيته حسن النظر، فحي لكم على بركة ms299 الله إلى ريفكم، فنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، ~~وأربعوا خيلكم وأسمنوها، وصونوها وأكرموها؛ فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط ~~خيرا، وإياكم والمسومات والمعسولات؛ فإنهن يفسدن الدين ويقصرن الهمم. حدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا؛ فإن لكم منهم صهرا وذمة.» فكفوا أيديكم، وعفوا ~~فروجكم، وغضوا أبصاركم، # 18 # ولا أعلمن ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال، فمن أهزل فرسه من ~~غير علة حططته من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة لكثرة الأعداء حولكم، وتشوق قلوبهم إليكم وإلى ~~داركم؛ معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية. وحدثني عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إذا ~~فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض.» فقال له ~~أبو بكر: «ولم يا رسول الله؟» قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة.» # 19 # فاحمدوا الله معشر الناس على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم. فإذا يبس الزرع، وسخن العمود، وكثر ~~الذباب، وحمض اللبن، وصوح البقل، وانقطع الورد من الشجر؛ فحي إلى فسطاطكم على بركة الله. ولا يقدمن أحد منكم ذو عيال ~~على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته. # أقول قولي هذا وأستحفظ الله عليكم.» # ويروي المسلمون رواية عجيبة، وهي أن من أول ما صنعه عمرو بمصر أن أبطل عادة كان المصريون يتبعونها كل عام، بأن يضحوا ~~بفتاة عذراء يلقونها في النيل حتى يفيض. ويقال إن النيل لما امتنعت هذه العادة القديمة بأمر عمرو لم يعل وأبى أن يفيض، ~~حتى كتب الخليفة عمر كتابا ألقى فيه فعلا وفاض. # 20 # وهذه ولا شك قصة من أقاصيص الخرافة؛ فليس فيما اعتاده مسيحيو مصر ما يدعو إلى تصديق أنهم كانوا يبيحون ~~التضحية بالبشر، وليس من سبب يدعونا ms300 إلى تصديق سر كتاب عمر وقوته العجيبة. على أن هذه القصة تشبه أكثر أمثالها من ~~الأقاصيص في أن لها أساسا من الحقيقة التاريخية كما يلوح؛ فقد كان من عادة أهل السودان حقيقة في أقصى أنحائه الجنوبية أن ~~ترمي قبائله الهمج في النهر بفتاة عذراء في زينة الزفاف. # 21 # ولعل عادة كهذه كانت متبعة في بعض جهات الهمج من بلاد النوبة التي فتحها الإسلام في أول أمره، ولعل عادة ~~التضحية بفتاة ترمى في النهر كانت متبعة في مصر في أيام الفراعنة. وإنه من المحقق أن الاحتفال بالنيل والدعاء من أجل ~~زيادته وفيضه كانت تقع فيه أعمال خرافية كثيرة تختلف من العصور القديمة، ولكنها لم يكن فيها شيء مثل ذلك الجرم من ~~التضحية بالعذراء. وقد بقيت بقية كبيرة من هذه الخرافات القديمة العهد في الاحتفال بالنيل إلى أيام القرن الرابع عشر، # 22 # ولكنه من أكذب الكذب أن يتهم المسيحيون بأنهم حافظوا على مثل هذه العادة الشنيعة التي لا ترضى عنها ~~ديانتهم، ولا تقرها ملتهم. # وإن قول عمرو الذي اقتبسناه فيما سلف من قولنا ليدل دلالة واضحة على طريقته في الحكم، وعلى ما أراد أن يصله من الصلة ~~بين الغزاة الفاتحين وأهل البلاد. وعندنا دليل أكبر دلالة على هذا الميل وتلك النزعة فيما كتبه عمرو في أمره الذي أمره ~~بتأمين البطريق بنيامين وإعادته إلى سابقة ولايته، وقد حدا به إلى انتهاج تلك الخطة أنه رأى أن أمور السياسة لا تستقر في ~~هذا البلد إلا إذا استقرت معها أمور الدين. # الفصل السابع والعشرون # | إعادة بنيامين # لما مات البطريق الروماني «قيرس»، ورحلت عن مصر جيوش الروم التي كان سلطانه يعتمد ~~عليها، حدث تغير كبير في حال الأحزاب الدينية؛ إذ انقضى بذلك أمد البلاء الأكبر الذي حل طويلا بالناس من جراء ~~الاضطهاد. وقد أقيم خلفا لبطريق الرومان في الإسكندرية ليقوم على ولاية أمر المذهب الملكاني، ولكن ولايته كانت لا تتعدى ~~أسوار المدينة، وذهب عنه سلطانه، وانفض من حوله كثير من أتباعه، ولكن بطريق القبط كان لا ms301 يزال على اختفائه طريدا يضرب ~~في أنحاء الصعيد ويهيم على وجهه فيه؛ فكان يخيل إلى الناس أن مذهبه قد بات صريعا لا تكاد الحياة تدب فيه؛ مما ~~أصابه من الوطء والعسف في محنته التي تطاولت به مدتها نحو عشر سنوات على يد قيرس الذي كان لا يعرف الرحمة، ولا تخطر على ~~قلبه هوادة. وقد أصبحت مصر بعد وليس دينها دين المسيح؛ إذ وضعت عليها حماية الإسلام تعلو أحزابها جميعا، وأصبح سيفه ~~بينها فيصلا حائلا؛ فأدى ذلك إلى تنفس الناس في عباداتهم، واختيار ما يشاءونه في تدينهم، فلم يكن بالمسلمين اهتمام ~~لمنازعات الأحزاب في شأن مجمع خلقيدونية، واختلافهم في صدق ما أقره ذلك المجمع أو كذبه، وأصبح القبط في مأمن من الخوف ~~الذي كان يلجئهم إلى إنكار عقيدتهم أو إخفائها تقية ومداراة؛ فعادت الحياة إلى مذهب القبط في هذا الجو الجديد، جو ~~الحرية الدينية، وما لبث أن صار مذهب الكثرة الذي يحق له أن يكون مذهب الأمة السائد، وقد قضى عمرو بن العاص بأنه كذلك، ~~وأنفذ قضاءه بأن كتب أمانا لبنيامين وأقر عودته. # وقيل إن الذي حدا بعمرو إلى المبادرة بهذا الأمر ما أبلغه إياه رجل اسمه سنوتيوس (أو هو شنودة)، وكان من قبط مصر، إلا ~~أنه كان مع ذلك من بين قواد جيش الرومان، # 1 # ولكن الموضع الذي كان به «بنيامين» كان مجهولا # 2 # لا يعلم به أحد، ولا يعرفه «شنودة» نفسه؛ وعلى ذلك كان لا بد من كتابة أمر الأمان على هيئة كتاب لا تخصيص فيه، ~~وكانت صورته كما يلي: ~~«أينما كان بطريق القبط بنيامين نعده الحماية والأمان وعهد الله، فليأت البطريق إلى هاهنا في أمان واطمئنان ليلي أمر ~~ديانته، ويرعى أهل ملته.» # 3 # وليس بالمستبعد أن يكون سعي «شنودة» هذا كان في الوقت الذي جاء فيه رهبان وادي النطرون إلى عمرو يظهرون له ~~الطاعة لحكم المسلمين؛ فقد روى المقريزي نقلا عن بعض مؤرخي المسيحيين أن سبعين ألفا من الرهبان خرجوا من تلك الأديرة ~~للقاء عمرو بن العاص، وكان ms302 كل منهم يحمل في يده عصا. فلما دانوا له بالطاعة أعطاهم كتابا لا شك أنه كان «عهد أمان»، ~~ولعله كان العهد الذي نذكره الآن، وهو عهد بنيامين. # 4 # وقد دخلت مبالغة كبيرة على عدد الرهبان كما جرت عادة العرب في إخبارهم؛ إذ يزيدون في العدد زيادة تخرج به عن ~~تصور الأفهام. ولا يمنعنا شيء من أن نصدق أن جماعة من الرهبان قد خرجوا إلى عمرو في نحو سبعين أو سبعمائة منهم فأحسن ~~لقاءهم ورحب بهم؛ فإنا لا نجد بأسا بمثل هذا الخبر، ويمكن للتاريخ أن يسيغه. # ولم يلبث عهد الأمان أن بلغ بنيامين فعاد من مخبئه، ودخل إلى الإسكندرية دخول الظافر، وفرح الناس برجوعه فرحا عظيما ~~بعد أن بلغت مدة غيابه ثلاثة عشر عاما منذ هجر مقره وهرب إلى الصحراء الغربية عند مقدم «قيرس»، ومن هذه المدة عشر سنين ~~وقع فيها الاضطهاد الأكبر، والثلاث الباقية كانت في مدة حكم المسلمين. # 5 # وكان بنيامين في كل هذه المدة يتنقل خفية بين أصحاب مذهبه، أو يقيم مختبئا في أديرة الصحراء. وإنه لمن ~~الجدير بالالتفات أن هذا البطريق الطريد لم يحمله على الخروج من اختفائه فتح المسلمين لمصر واستقرار أمرهم في البلاد، ولا ~~خروج جيوش الروم عنها. وليس أدل من هذا على افتراء التاريخ على القبط، واتهامهم كذبا بأنهم ساعدوا العرب ورحبوا بهم، ~~ورأوا فيهم الخلاص، مع أنهم أعداء بلادهم. ولو صح أن القبط رحبوا بالعرب لكان ذلك عن أمر بطريقهم أو رضائه، ولو رضي ~~بنيامين بمثل هذه المساعدة وأقرها لما بقي في منفاه ثلاث سنوات بعد تمام النصر للعرب، ثم لا يعود بعد ذلك من مخبئه إلا ~~بعهد وأمان لا شرط فيه. ولو لم يكن في الحوادث دليل على كذب هذه الفرية غير هذا الحادث لكان برهانا قويا، وإن لم يكن ~~برهانا قاطعا فهو حلقة نضمه إلى سلسلة ما لدينا من الأدلة، وقد أصبحت سلسلة لا يقوى على نقضها شيء. # ولما أبلغ شنودة عمرو بن العاص مقدم بنيامين أمر عمرو بإحضاره إليه، ms303 وأمر بأن يقابل بما يليق به من الترحاب والتكريم. ~~وقد كان بنيامين ذا هيئة جميلة تلوح عليه سيما الوقار والجلال، وكان عذب المنطق في تؤدة ورزانة؛ فكان لذلك أثر عظيم ~~في نفس عمرو، حتى قال لأصحابه: «إنني لم أر يوما في بلد من البلاد التي فتحها الله علينا رجلا مثل هذا بين رجال الدين.» ~~وقد قيل إن بنيامين قال عند ذلك «خطبة جليلة». ولا شك أن عمرا لم يفهم من ذلك حرفا، ولكنه عندما عرف ما يقصده وفهم ~~مراميه، أحسن تلقيها وقبولها، وجعله أميرا على قومه لا يدافع فيهم أمره، وجعل له ولاية أمر دينهم. # ولقد كان لعودة بنيامين أثر عظيم في حل عقدة مذهب القبط وتفريج كربته، إن لم تكن عودته قد تداركت تلك الملة قبل الضياع ~~والهلاك؛ إذ لم يكن قبط مصر في وقت من الأوقات أشد حاجة منهم في ذلك الوقت إلى ذي رأي حصيف وخلق متين يقودهم ويلي ~~أمرهم؛ فقد كان منهم من خرجوا من عقيدتهم وهم ألوف، ورضوا باتباع مذهب «خلقيدونية» خوفا من اضطهاد قيرس. ولا شك أن الخروج ~~من الدين كرها أو خوفا لا يكون في مبدأ أمره حقيقيا، ولكن لقد مضى على ذلك الأمر عشر سنين، واعتاد الناس السير على ما ~~دخلوا فيه، وما كان بناء عشر سنين ليتهدم في لحظة ويزول. ولقد كان أشد خطرا على القبط من كان يخرج منهم إلى الإسلام. ~~وليس من العدل أن يقول قائل إن كل من أسلم منهم إنما كان يقصد الدنيا وزينتها؛ فإنه مما لا شك فيه أن كثيرا منهم أسلم لما ~~كان يطمع فيه من مساواة بالمسلمين الفاتحين، حتى يكون له ما لهم، وينجو من دفع الجزية، ولكن هذه المطامع ما كانت لتدفع إلا ~~من كانت عقائدهم غير راسية. وأما الحقيقة المرة فهي أن كثيرين من أهل الرأي والحصافة قد كرهوا المسيحية لما كان منها من ~~عصيان لصاحبها؛ إذ عصت ما أمر به المسيح من حب ورجاء في الله، ونسيت ذلك في ثوراتها وحروبها ms304 التي كانت تنشب بين شيعها ~~وأحزابها. ومنذ بدا ذلك لهؤلاء العقلاء لجئوا إلى الإسلام فاعتصموا بأمنه، واستظلوا بوداعته وطمأنينته وبساطته. # ولم يكن من اليسير أن يعاد من خرج من المسيحية إلى حظيرتها بعد أن قطع أسبابها؛ فإن ذلك كان لا رجاء فيه، ولكن الأمر ~~كان على غير ذلك في أكثر من اضطر إلى اتباع مذهب الملكانيين خوفا أو كرها. وقد كان لعودة بنيامين إلى عرش الإسكندرية ~~وأبنائها رنة طرب في قلوب أهل مصر جميعا، فعاد جل العامة إلى راعيهم القديم والفرح يملؤهم، «ونالوا على يديه تاج الاعتراف». # 6 # ونادى البطريق المطارنة الذين اتبعوا مذهب الدولة أن ارجعوا إلى سابق عهدكم وملتكم، فعاد بعضهم يذرفون الدمع ~~السخين ندما، ولكن قيل إن واحدا منهم أبى أن يعود حتى لا يلحقه العار خوف أن تعرف عنه الردة الأولى، وفعل الكثيرين ~~كانوا مثله في هذا. ومهما يكن من الأمر فقد نما أمر القبط وزاد أتباع ملتهم. وكان هم بنيامين في أول الأمر أن «يقدح فكره ~~ليلا ونهارا في أمر رعيته، وإرجاع من ضل منهم في أيام هرقل». فلما أن تم له جمع قومه ولم شعثهم اتجهت همته إلى ~~إصلاح ما تهدم من الأديرة، ولا سيما ما كان منها في وادي النطرون، وقد لحقها من التخريب في أوائل القرن السابع ما لم ~~تعد معه إلى سابق عهدها. # وقد استطاع بنيامين أن يجد ما يلزم لذلك الإصلاح من المال، ثم أتمه على ما أراد. وقد وصف «ساويرس» ما يتصل بهذا الأمر ~~من الحوادث وصفا شائقا، فقال إن جماعة من الرهبان وفدوا إلى الإسكندرية حتى دخلوا «باب الملائكة»، # 7 # وكان بنيامين عند ذلك يصلي بالناس صلاة عيد الميلاد، فطلبوا إليه أن يذهب معهم ليبارك الكنيسة الجديدة التي ~~بنيت في الصحراء، وهي كنيسة القديس «مقاريوس»، فأجابهم إلى ما طلبوا، وسافر معهم إلى «المنى» و«جبل البرنوج» حتى بلغ «دير ~~البراموس»، وذهب بعد ذلك من هناك لزيارة الأديرة الأخرى. وجاء في اليوم الثاني من شهر يناير إلى «دير مقاريوس»، فلقيه ms305 ~~هناك المعلم الأكبر «بازل» مطران نقيوس، ورحب به في موكب حملت فيه بين يديه المباخر وسعف النخيل. وفي اليوم التالي ~~وهو الثامن من شهر طوبة، احتفل بمباركة الكنيسة، واتفقت له عند ذلك - كما قال ساويرس - آيات وكرامات لا محل لذكرها هنا. ~~ولعله من المستحسن أن نذكر هنا كلمات «بازل» الذي شكر الله على ما أولى البطريق من زيارة الصحراء المباركة مرة ثانية، ~~وأن يرى من فيها من الآباء المقدسين والإخوة الطيبين الأبرار، ويشهد بها شعائر الدين القويم، ثم شكر الله على أن أنجاه ~~من الكفرة، وحفظ قلبه من ذلك الطاغية الأكبر الذي شرده، فعاد إلى أبنائه يراهم ملتفين حوله مرة أخرى. # 8 # وإن هذا القول لا ينم عن قوم يشعرون بأنهم في قيد الذل، بل ينم عمن يبتهج بالنجاة والخلاص. وقد جاء في غير هذا ~~الموضع من كتاب الكاتب عينه ما يؤيد هذا المعنى ويوافقه. قال على لسان بنيامين: «كنت في بلدي وهو الإسكندرية، فوجدت بها ~~أمنا من الخوف واطمئنانا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم.» # 9 # وقد وصف قومه بأنهم «فرحوا كما يفرح الأسخال إذا ما حلت لهم قيودهم، وأطلقوا ليرتشفوا من لبان أمهاتهم». ~~وكتب «حنا النقيوسي» بعد الفتح بخمسين عاما، وهو لا يتورع عن أن يصف الإسلام بأشنع الأوصاف، ويتهم من دخلوا فيه بأشد ~~التهم، ولكنه يقول في عمرو إنه «قد تشدد في جباية الضرائب التي وقع الاتفاق عليها، ولكنه لم يضع يده على شيء من ملك ~~الكنائس، ولم يرتكب شيئا من النهب أو الغصب، بل إنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته». # 10 # إذن فما كان أعظم ابتهاج القبط بخلاصهم مما كانوا فيه! فقد خرجوا من عهد ظلم وعسف تطاول بهم، وهوت بهم إليه حماقة ~~البيزنطيين، وآل أمرهم بعد خروجهم منه إلى عهد من السلام والاطمئنان، وكانوا من قبل تحت نيرين من ظلم حكام الدنيا واضطهاد ~~أهل الدين، فأصبحوا وقد فك من قيدهم في أمور الدنيا، وأرخي من عنانهم، وأما دينهم فقد صاروا ms306 فيه إلى تنفس حر وأمر ~~طليق. وقد يقال إن حكامهم الجديدين قد أدخلوا إلى الأرض دينا غريبا غير دين المسيح. وهذا حق، غير أنهم لم يروا في ذلك ~~إلا عدلا من الله؛ إذ أجمع الناس على قول واحد، فقالوا: «ما خرج الروم من الأرض وانتصر عليهم المسلمون إلا لما ارتكبه ~~هرقل من الكبائر، وما أنزله بالقبط وملتهم على يد قيرس؛ فقد كان هذا سبب ضياع أمر الروم وفتح المسلمين لبلاد مصر.» # 11 # هكذا كان الناس يرون، وهكذا كانوا يحكمون، غير أن التاريخ لن يحكم مثل حكمهم هذا الذي دفعهم إليه الميل إلى ~~ملتهم وحزبهم، ولكنه لن يستطيع إلا أن يحكم بأن العسف وسوء الحكم هما اللذان هويا بدولة الروم بغير شك إلى الضياع وزوال ~~السلطان. # الفصل الثامن والعشرون # | الحكم الإسلامي # لم يكن عجبا من أمر القبط أن يسعوا إلى الإيقاع بأتباع المذهب الملكاني والاقتصاص منهم، بعد ما ذاقوه من الروم ~~وبطريقهم قيرس من سوء العذاب، ولكن ما كان عمرو ليبيح لهم مثل هذا الأمر إن دار في خلدهم أن يفعلوه؛ فإن عمرا كان في ~~حكمه يسير على نهج الاعتدال والتسامح، ولم يكن له هوى مع أحد المذهبين الدينيين. ولدينا كثير من الأدلة على صدق هذا ~~الرأي؛ فمثلا يذكر ساويرس أن أسقفا ملكانيا بقي على مذهبه حتى مات لم يمسسه أحد بأذى، وذكر أن بنيامين كان يستميل ~~الناس إلى مذهبه بالبرهان والإقناع. وقد ورد ذكر كثير من كنائس الملكانيين بقيت إلى ما بعد ذلك من العصور، # 1 # وورد ذكر الملكانيين، وأن عددا كبيرا منهم كان باقيا في مصر إلى ما بعد الفتح بخمسين عاما. # 2 # وعلى هذا لا بد لنا من أن نقول إن المذهبين كليهما قد بقيا جنبا إلى جنب في مصر يظلهما الفاتحون بذمتهم، ~~ويحمونهما جميعا بحمايتهم. # والظاهر أن حماية المسلمين لأهل الذمة كانت في ذلك الوقت الأول من حكم الإسلام لا تقيدها القيود التي دخلت فيما بعد على ~~أحكامه في أمر أهل الذمة؛ فإن شرط الصلح مع المسيحيين ms307 في مصر قضى بأن يدفعوا الجزية على أن يأمنوا في بلادهم ، ويدفع عنهم ~~من أراد غزوهم من عدوهم؛ فكان هذا عهد أهل الذمة الذي استقروا عليه، ولكنا نجد تغيرا طرأ على هذا العهد، فنجد منذ القرن ~~العاشر أن دفع الجزية تقيد بنوعين من الشروط؛ فالنوع الأول من هذه الشروط ما يجب لزومه واتباعه في كل الأحوال، والنوع ~~الثاني ما يكون لزومه واتباعه بحسب شرط العقد إن وجد. والشروط التي لا بد من لزومها واتباعها هي: ~~(1) # ألا يعتدى على القرآن ولا تحرق مصاحفه. ~~(2) # ألا يقال عن النبي إنه كذاب، ولا يحقر في القول. ~~(3) # ألا يسب دين الإسلام، ولا يرد عليه بالتكذيب. ~~(4) # ألا يتزوج مسيحي من مسلمة. ~~(5) # ألا يغرر بمسلم أو يغرى على أن يرتد عن الإسلام، ولا أن يؤذى في ماله ولا في نفسه. ~~(6) # ألا يوالى أعداء الإسلام، ولا ينصروا، ولا يكرم أغنياؤهم. # وأما الأمور التي يتبع فيها شرط العقد فهي: ~~(1) # أن يلبس أهل الذمة لباسا يميزهم، ويعقدوا الزنانير على أوساطهم. ~~(2) # ألا يعلوا في بنيانهم على المسلمين. ~~(3) # ألا يؤذوا المسلمين بقرع نواقيسهم، # 3 # ولا بترتيلهم في صلاتهم، ولا بما يرون في عقائدهم، سواء في ذلك اليهود والنصارى. ~~(4) # ألا يبدوا صلبانهم، ولا يشربوا الخمر جهارا، ولا يظهروا خنازيرهم. ~~(5) # أن تقام مآتمهم بغير احتفال، وتدفن موتاهم كذلك. ~~(6) # أن يركب أهل الذمة البراذين والخيول المعتادة، وأن يتجنبوا ركوب الأصائل. # 4 # وليس في كل هذه الشروط ما لا يقبله العقل، ولكنا نشك في أنها كانت مشترطة عند ~~أول دفع الجزية وقت الفتح؛ فإن كثيرا من الأمور التي جرت عليها العادة أصبحت في حكم القانون، وصار الناس ينظرون إليها ~~فيما بعد كأنها من أصل الدين ومن أحكام الإسلام، فقال الماوردي مثلا: «إنه لا يحق لأهل الذمة أن يتخذوا لأنفسهم كنائس ~~أو بيعا جديدة في دار الإسلام، فإذا بنوا لأنفسهم ذلك هدم، ولكن لهم أن يعيدوا بناء ما تهدم من كنائسهم أو بيعهم.» ~~وهذا التفريق لم يكن في أول عهد حكم الإسلام في مصر؛ فقد ورد أن ms308 القائد «سنوتيوس» أرسل إلى بنيامين مقدارا عظيما من ~~المال لبناء كنيسة القديس مرقص في الإسكندرية، # 5 # وورد أيضا أن البطريق «حنا السمنودي» بنى كنيسة وكرسها باسم ذلك القديس عينه. # 6 # فلما جاء بعده البطريق إسحاق قيل إن حاكم مصر نفسه عبد العزيز بن مروان أمر أن تبنى كنيسة في مدينته الجديدة حلوان. # 7 # فالظاهر من هذا أن القبط نالوا في أول الأمر كل ما يتصوره العقل ويبيحه من الحرية. # وليس من المستطاع أن نحدد النظام السياسي الذي سارت عليه البلاد عند ذلك بمثل ~~هذه السهولة، غير أن الحكم المدني كان على وجه الإجمال على عهده الأول لم يغير فيه شيء؛ إذ كان العرب رجال حرب وسيف لم ~~يتعودوا حكم البلاد، ولم يحذقوا فنونه، ولم يكن بينهم نظام معروف قد يتخذونه في مصر أو يدخلون منه شيئا في إدارة ~~أمورها، ومصر عريقة في الحضارة ذات نظام مقرر مشعب، بيد أن العرب كانوا أهل ذكاء وفهم سريع؛ فكان في استطاعتهم أن ~~يتناولوا أعنة الحكم التي وجدوها دونهم ويديروا بها الأمور على ما كانت سائرة عليه من قبلهم. وقد بينا فيما سلف أن ~~بعض أكابر حكام الروم قد بقوا في أعمالهم، ولعل طائفة كبيرة من عامة الروم ساروا في ذلك على منهاجهم، غير أنه لا بد قد ~~خلت أعمال كثيرة؛ إذ نزح عمالها الروم الذين لم يرضوا أن يكونوا من رعية الإسلام، فجعل العرب في مكانهم عمالا من القبط، ~~فما مر إلا قليل زمن حتى صار عمال الدولة يكادون جميعا يكونون من المسيحيين. وهذا أمر كان لا بد منه في مثل تلك الحال؛ ~~إذ كان العرب قوما لا عهد لهم بالمدينة، وفتحت لهم بلاد ذات حضارة عالية. وقد تنبأ بذلك الرسول نفسه بثاقب نظره، ~~وأقره في قوله إقرارا صريحا؛ وعلى ذلك خلا المسلمون من أعباء الحكم وانصرفوا إلى أمور الدين؛ إذ لم تشغلهم عنه مشاغل ~~الدنيا. ومن العجيب أن نجد كثيرا من أسماء الروم وألقابهم باقية في حكم الإسلام، ورغم تطاول الزمن؛ فقد ms309 بقي القبط إلى ~~آخر القرن السابع يسمون المسجل أو الناموس باسمه الروماني «الخرتولاريوس»، ويسمون رئيسه باسم «الأرباخوس» أو ~~«الأرخون»، ويسمون مقر الحاكم باسم «البريتوريوم»، وكانوا يسمون حاكم الإسكندرية باسم «الأغسطل». # 8 # وقد ورد لقب «دقس» في كثير مما كتب في القرن الثامن، # 9 # ولا سيما في الحجج الشرعية، وقد استعمله الكاتب «ساويرس»، وكان في القرن العاشر. # 10 # ولكن الظاهر أن العرب وإن حافظوا على طرق الروم في تدوين دواوينهم وجمع ضرائبهم، كانوا على ما يلوح لنا أخف منهم وطأة ~~في جباية الأموال؛ إذ كان مقدار الجزية والضرائب الذي اتفقوا عليه في عهد الصلح أخف حملا على الناس وأقل إحراجا لهم. ~~وإنه من الصعب أن يعرف الإنسان حقيقة مثل هذا الأمر؛ فليس دوننا إلا ما كتبه العرب، واختلافهم يبلغ معظمه في إحصاء الأعداد ~~وذكر الأرقام؛ فابن عبد الحكم مثلا # 11 # يقول إنه لما استقر الأمر لعمرو بن العاص جعل القبط يدفعون من الجزية مثل ما كانوا يدفعون للروم، غير أنها ~~كانت تتغير بحسب غناهم ورواج أمورهم. وليس لهذا في نظرنا إلا معنى واحد، وهو أن عمرا سار على ما كان الرومان يسيرون عليه ~~في جباية خراج الأرض؛ لأن الجزية التي فرضها العرب على القبط كان مقدارا معلوما، في حين كان خراج الأرض يتغير بحسب علو ~~الفيضان وبحسب حال الزراعة. ويقول ابن عبد الحكم بعد ذلك: إن زعماء الناس في القرى كان عليهم أن يجتمعوا لينظروا في حال ~~الزراعة، ويجعلوا جباية المال مناسبة لذلك؛ فكانوا في ذلك بمثابة لجنة خاصة تجتمع لتقدير مقدار ما يجبى من الأموال. فإذا ~~اجتمع من ذلك المال شيء فوق ما فرض على قريتهم أنفق في إصلاح أحوالها. وكانت تجعل في كل بلد قطعة من الأرض يخصص ~~ريعها لإصلاح الأبنية العامة وصيانتها، وذلك مثل الكنائس والحمامات. وكانوا كذلك يقدرون ما يفرض على الناس من المال ~~لضيافة العرب، وكان هذا حقا من حقوق العرب عليهم، وكذلك ما كان يفرض من المال لضيافة الحاكم وإكرامه إذا وفد ~~عليهم. # هذا وصف ms310 لا بأس به لحال الضرائب وجبايتها على الأرض، ولكنا لا نعلم هل وقع الاتفاق عليها في شرط الصلح عند الفتح أم ~~أنها بقيت على ما كانت عليه يعدونها ضريبة على ملك الأرض، وكذلك ليس من الجلي ما يقصده مؤرخو العرب إذ يذكرون خراج مصر؛ ~~أيقصدون كل ما يجبى من أموالها، أم يقصدون الجزية وحدها، أم الخراج وحده؟ غير أنه يلوح لنا أنهم إنما يقصدون الخراج؛ فقد ~~جاء عنهم أن عدد من فرضت عليهم الجزية دينارين: ستة آلاف ألف نفس. وجاء بعد ذلك أن مقدار المال الذي جبي من مصر كان ~~اثني عشر ألف ألف دينار. # 12 # ويقول مؤرخو المسلمين إن هذا المال أقل مما كان يجبيه المقوقس، ومقداره عشرون ألف ألف دينار. # 13 # فإذا صح لنا أن نصدق هذه الأعداد، ونثق في أنها قدرت على أساس واحد في الحالين، وأنها تصلح لأن تكون ~~أساسا للمقارنة؛ كان لا بد لنا أن نتخذها دليلا على أن حكم العرب كان بركة على المصريين خفف عنهم وطأة الضرائب. على أن ~~الأمر كان على غير ذلك؛ إذ إن المال الذي يذكره العرب لا يقصد منه إلا مال الجزية، في حين أن ما يذكر عن أموال الروم لا ~~يقصد به في أغلب الظن الجزية وحدها؛ إذ إن الروم كانوا يجبون من مصر جزية على النفوس وضرائب أخرى كثيرة العدد. # 14 # ومع كل هذا فإنه مما لا شك فيه أن ضرائب الروم كانت فوق الطاقة، وكانت تجري بين الناس على غير عدل؛ إذ كانت ~~تعفى منها طائفة ممتازة من أفراد أو جماعات. # 15 # وكذلك لا شك في أن الدولة في أيام هرقل كانت في أشد الحاجة إلى المال، وذلك في السنوات التي قبل الفتح، فليس ~~ثمة من سبب يحدو بنا إلى تكذيب ما ذكره مؤرخو المسلمين من خفة وطأة الضرائب على المصريين بعد فتح العرب. هذا إلى أن ~~العرب أزالوا ما كان مقررا من التفريق بين الناس في جباية الضرائب وإعفاء بعضهم منها، غير أن النفس بها ms311 شيء من الشك في ~~أمر الإسكندرية؛ إذ من المحقق أن أهلها كانوا شديدي الضجر من الحكم الجديد. ولعل هذا الضجر قد لحقهم لما أصابهم من زوال ~~بعض امتياز كان لهم؛ إذ لعلهم كانوا من قبل لا تفرض عليهم جزية على الأنفس، أو لعلهم قد لحقهم ضرر لما أصاب المدينة في ~~أرزاقها من فادح الخسارة في تجارتها، وكساد أسواقها في مدة الحرب الطويلة التي حلت ببلدهم، ومما فقدته من الخير عندما ~~هاجر منها كثير من أغنياء التجار والأعيان عند الفتح وتسليم المدينة. وإذا صح أن عهد الصلح شرط على المدينة أن تفقد ما ~~امتازت به قديما، وهو الإعفاء من جزية الأنفس، كان من العسير علينا أن ندرك كنه ذلك الصلح. وأغلب الظن أن مدينة ~~الإسكندرية قد حرمت من ذلك الامتياز قبل فتح العرب بحين من الدهر. # وقد رأينا فيما سلف أن الضريبة التي كان العرب يسمونها الجزية كانت دينارين على ~~كل رجل، ليس على الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا الشيخ الفاني، ولم تفرض على النساء، ولا على الرقيق، ولا على المجانين أو ~~المساكين المعدمين. على أن الجزية وإن كانت في مجموعها على عدد الرءوس عن كل رجل دينارين، لم تكن على ما يظهر لنا واحدة ~~على كل فرد، بل كانت تختلف؛ وذلك لأن الدينارين لا يتكلف الغني في حملهما شيئا، في حين أنهما يبهظان الفلاح الفقير؛ فلعل ~~الحاكم كان له الخيار أن يقسم من تفرض عليهم الجزية إلى ثلاثة أقسام: الفقراء، وأوساط الناس، والأغنياء. فكان يضع على كل ~~فئة قسطا من الجزية خلاف ما يضعه على غيرها. # 16 # وهذا أمر لا يأباه العقل ولا يرى فيه ظلما، غير أنه كان بلا شك عرضة لأن يفسد. وقد تطرق إليه الفساد؛ ~~فمكن الحكام أن يزيدوا مقدار الجزية ويمزقوا بذلك عهد الصلح؛ فإنك إذا نظرت إلى الأمر في ذاته لم تجد بأسا بأن تكون ~~الجزية على الناس بحسب طاقاتهم مع بقاء جملتها واحدة لا تتغير، وكذلك لا تجد بأسا في أن يكون خراج ms312 الأرض في جملته ~~متغيرا بحسب السنة وخصبها، وأن يتغير ما يفرض على صاحب الأرض من الخراج بحسب خصب أرضه ومقدار ثمرتها، ولكن ليس في طاقة ~~البشر أن يبقى مثل هذا النظام ثابتا لا تفسده الأطماع؛ فكان لا بد له من عدل كامل لا شائبة فيه كيما يبقى على صلاحه، ~~غير أنه كان عرضة لأن يداخله الفساد وتعصف به الأطماع، ولم يكن بالعجيب أنه قد فسد بعد حين من العمل به. # وإن هذا لموضع لذكر ما رواه ابن عبد الحكم أن الخليفة عمر بن الخطاب تقدم إلى عمرو بن العاص في أن يستشير البطريق بنيامين # 17 # في خير وسيلة لحكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه البطريق بالشروط التالية: ~~(1) # أن يستخرج خراج مصر في أوان واحد عند فراغ الناس من زروعهم. ~~(2) # أن يرفع خراجها في أوان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم. ~~(3) # أن تحفر خلجانها كل عام. ~~(4) # أن تصلح جسورها وتسد ترعها. ~~(5) # ألا يختار عامل ظالم ليلي أمور الناس. # 18 # وكان ذلك الشرط الخامس أشق الأمور وأصعبها تحقيقا؛ فإن السيادة التي جرى عليها الحكام في اختيار العمال كانت لا بد أن ~~توجد فيهم تلك الصفات التي تفسد نظام الحكم وتجعله مشئوما. # إنا لا نشك في أن عمرو بن العاص كان في أول حكمه لا يقصد إلا العدل والرأفة بأهل البلاد، ولكن الخليفة لم يواته في ~~هذا ولم يوافقه عليه؛ فقد رأى الخليفة أن عمرا قد ملأ أنباره بالقمح من مصر، ودر على خزائنه الذهب، ومد سلطان العرب ~~على فسيح البلاد، ولكن الخليفة عمر لم يجزه بذلك إلا هوانا وجحودا. وقد بقيت صيغة بعض كتب مما تردد بين الخليفة ~~وواليه، وإنا لا نشك في صحتها، # 19 # وهي تظهر لنا ظهورا جليا ما كان عليه الرجلان في صلتهما؛ فقد كتب الخليفة عمر مرة إلى عمرو: # 20 ~~«أما بعد، فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، وقد أعطى الله أهلها ~~عددا وجلدا وقوة بر وبحر، وإنها قد عالجتها ms313 الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ~~ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدب. ولقد أكثرت في مكاتبتك في ~~الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إلي ذلك، فإذا أنت تأتيني بمعاريض ~~تعبأ بها لا توافق الذي في نفسي، لست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدري مع ذلك ما الذي نفرك ~~من كتابي وقبضك؛ فلئن كنت مجربا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة، وإن كنت مضيعا نطعا إن الأمر لعلى غير ما تحدث به ~~نفسك. وقد تركت أن أبتلي ذلك منك في العام الماضي # 21 # رجاء أن تفيق فترفع إلي ذلك. وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا أن عمالك عمال السوء، وما توالس عليك وتلفف ~~اتخذوك كهفا، وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك فيه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه؛ فإن النهر ~~يخرج الدر، والحق أبلج، ودعني وما عنه تلجلج؛ فإنه قد برح الخفاء، والسلام.» # 22 # فرد عمرو على ذلك بأن قال: إن الخراج كان من قبله أوفر وأكثر، والأرض أعمر؛ لأن الفراعنة على كفرهم كانوا أرغب في ~~عمارة أرضهم من العرب مذ كان الإسلام. # 23 # ثم وجه إليه شكوى مما وجهه إليه من شديد التأنيب، وقال: «ولقد عملنا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولمن بعده، ~~فكنا بحمد الله مؤدين لأمانتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا والعمل به شينا، فتعرف ذلك لنا ~~ونصدق فيه قلبنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم. فأمض عملك؛ فإن الله قد نزهني عن ~~تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا، ولم تكرم فيه أخا. والله يا ابن الخطاب لأنا حين ~~يراد ذلك مني أشد غضبا لنفسي ولها ms314 إنزاها وإكراما، وما عملت من عمل أرى علي فيه متعلقا، ولكني حفظت ما لم تحفظ، ~~ولو كنت من يهود يثرب ما زدت. يغفر الله لك ولنا! وسكت عن أشياء كنت بها عالما ، وكان اللسان بها مني ذلولا، ولكن الله ~~عظم من حقك ما لا يجهل.» # ولكن هذا الرد السهل في أسلوبه الجليل في معناه لم يكن له أثر في عمر؛ فإنه رد عليه في جفاء، فقال: # 24 ~~«أما بعد، فإني قد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلي بثنيات الطرق، وقد علمت أني ~~لست أرضى منك إلا بالحق المبين، ولم أقدمك إلى مصر # 25 # أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك. فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل ~~الخراج؛ فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون، والسلام.» # وقد طلب عمرو أن ينتظر به على الناس حتى تدرك غلتهم، متبعا في ذلك مشورة بنيامين. وقال لعمر إنه لا يستطيع أن يزيد ~~الخراج على الناس بغير أن يؤذيهم، وإن الرفق بهم خير من التشديد في أمرهم، وإكراههم على أن يبيعوا ما هم في حاجة إليه في ~~أمور معيشتهم # 26 # لكي يؤدوا ما يطلب منهم. وقد اتهمه «فيل» في مراجعته هذه بالنفاق، وأنه إنما كان يضن بالمال كي يحتفظ به ~~لنفسه، غير أنا لا نجد ما يدعونا إلى مثل ذلك الظن؛ فإنا لو آمنا بأن الطمع والجشع قد دبا في قلبه لم يكن لنا أن ~~نذهب إلى أنهما قد ملكا عليه لبه فأنسياه العدل، وجعلاه يتخلى عن أداء أمانته نحو المصريين، غير أن عمر جعل كل قوله وراء ~~ظهره ودبر أذنه، فلم يستشعر رحمة في جباية الأموال، # 27 # فأرسل محمد بن مسلمة إلى مصر، وأمره أن يجبي منها ما استطاع من المال فوق الجزية التي أرسلها عمرو من قبل. ~~وقيل في رواية أخرى إنه إنما أوفده إلى عمرو لكي يقاسمه ماله. وقد اتهم ابن مسلمة عمرو بن العاص بأنه كان يتستر بالدفاع ms315 ~~عن أهل مصر لحاجة في نفسه يريد قضاءها، كما اتهمه عمر بن الخطاب بالخيانة والتفريط، ولكن عمرا كان يدافع عن المصريين كما ~~أقر ابن مسلمة. فإذا أضفنا إلى هذا ما قاله في الدفاع عن نفسه رجح عندنا صدقه وإخلاصه، واستبعدنا اتهامه. وفي الحق أن ~~عمر بن الخطاب أولى بأن يتهم بالحرص؛ فقد روى البلاذري أنه كان كلما استعمل عاملا على بلد أثبت مقدار المال الذي عليه ~~جبايته منه، فإذا زادت الجباية على ذلك شيئا قاسم العامل فيه أو أخذه في بعض الأحيان كله؛ ولهذا لم ينج منه البطل خالد ~~بن الوليد نفسه؛ فإنه بعث إليه في الشام بمن يحاسبه على ماله، وأمره أن ينزل عن نصفه، حتى لقد قيل إنه قد أخذ إحدى ~~نعليه. وقد أشار بعضهم على عمر بأن يرد عليه ما أخذ منه، فقال: «والله لا أرد شيئا؛ فإنما أنا تاجر للمسلمين.» ولكنه ~~كان إذا قال المسلمين لم يقصد إلا نفسه، أو تلك الفئة القليلة التي كانت معه في مكة. وقد كان ذلك وبالا عليه؛ فإن ذلك ~~الرأي الذي كان يراه في أداء أمانته نحو المسلمين وملء بيت المال مما يجمعه من البلاد التي فتحها المسلمون منذ حين، كان كل ~~ذلك سببا في القضاء على حياته. # وقد حذق خلفه ذلك الدرس، وهو لعمري درس وبيل؛ فإن عثمان عزل عمرا عن ولاية مصر، واستعمل عليها عبد الله بن سعد، ~~وكان عمر قد استعمله مع عمرو بن العاص على الصعيد والفيوم، فزاد في جباية الأموال ألفي ألف دينار، حتى بلغ ما جمعه أربعة ~~عشر ألف ألف دينار، فقال عثمان لعمرو عند ذلك: «إن اللقاح بمصر بعدك قد درت ألبانها.» فأجابه عمرو: «ولكنها أعجفت ~~فصيلها.» وكانت زيادة الجزية فوق ذلك نقضا للعهد؛ فقد بينا فيما مضى أن معاوية عندما أمر وردان أن يزيد الجزية على ~~القبط، قال له إن ذلك غير ممكن، وإلا نقض عهد الصلح. # 28 # وقد روينا عن عروة بن الزبير أنه قال: «إن الناس كان يفرض عليهم ما ms316 لا طاقة لهم به فآذاهم ذلك، مع أن عمرو بن ~~العاص كان قد عقد لهم عقدا جعل لهم فيه شروطا معلومة.» # وذلك الوصف يحملنا على أن نحمد لعمرو عدله، غير أن ابن عبد الحكم روى رواية إن صحت كانت ناقضة لذلك؛ فقد قال إن عمرو ~~بن العاص أنذر القبط أن من أخفى منهم كنزا من الكنوز اقتص منه بالقتل. فسعي إليه بأحد قبط الصعيد اسمه بطرس أنه يخفي ~~كنزا. فلما مثل بين يديه أنكر ذلك وأصر على الإنكار، فسجنه عمرو، وسأل بعد حين فقال: هل ذكر بطرس اسم أحد من الناس؟ ~~فقيل له إنه لم يذكر إلا اسم راهب في الطور. فأمر عمرو فأخذ خاتم بطرس، وكتب كتابا إلى ذلك الراهب فقال فيه: «أرسل ~~إلي ما عندك.» ثم ختمه بذلك الخاتم. فجاء إليه بعد مدة رسول يحمل قدرا مقفلة عليها خاتم من رصاص، ففتحه عمرو، فوجد ~~فيه رقعة كتب عليها: «إن مالك تحت الحوض.» فأمر عمرو بالماء الذي في الحوض فأفرغ، ونزعت الأحجار التي في قاعه، فوجدت ~~غرفة فيها اثنان وثلاثون # 29 # مدا من نقود الذهب. فأمر عمرو بضرب عنق بطرس عند باب مسجده في بابليون. ولا يسعنا أن نمر على قصة كهذه ~~بغير كلمة نقولها؛ فإنها غير جديرة بالتصديق، ولا تحتمل النقد، فما هي إلا قصة من تلك القصص التي خلقها الخيال، وكان ذلك ~~المؤرخ مغرما بإيراد أمثالها يحلي بها كتابه؛ فإنه من الثابت أن القبط كانوا أجدر الناس بأن يأسفوا مر الأسف عندما ~~عزل عنهم عمرو بن العاص. # لم يبق إلا الشيء اليسير فوق ما قلناه في أمر الضرائب، غير أن أمرا واحدا يجب أن نذكره لما له من الشأن، وذلك أن ~~المسلمين في أول الأمر لم يبح لهم أن يملكوا الأرض، وكان إقطاع الأرض في ذلك الوقت قليلا؛ # 30 # إذ كان الرأي أن يبقى العرب على رباطهم لا يشتغلون بالزرع، ولا يحلون بالبلاد كأهلها. فلما أن اطمأنوا في ~~البلاد، أخذ ذلك المنع يرتفع عنهم، وأبيح لهم أن ms317 يملكوا الأرض، وكانوا إذا ملكوا أرضا دفعوا عنها الخراج كسائر الناس، ولم ~~يتغير نصيب أرض من الخراج إذا ملكها مسلم من قبطي، بل بقي على حاله، والناس فيه سواء؛ ولهذا كان القبطي إذا دخل في الإسلام ~~لم يرتفع عنه خراج أرضه، ولكن الجزية كانت على غير ذلك؛ إذ كانت الجزية سمة لأهل الذمة وعلامة لغير المسلمين، فكان الدخول ~~في الإسلام كافيا لزوالها؛ إذ تزول بذلك صفتا الذمة واختلاف الدين. وهذا أمر قد أجمع عليه مؤرخو العرب؛ فإن المقريزي يأخذ ~~على عمر بن عبد العزيز (وكانت وفاته في شهر يناير من عام 720 للميلاد) أنه حكم بأن ~~الذمي إذا مات استحقت الجزية من ورثته. ويقول المقريزي: «يحتمل أن تكون مصر فتحت بصلح، فذلك الصلح ثابت على من بقي ~~منهم، وإن موت من مات منهم لا يجعل على خلفه # 31 # مما صالحوا عليه شيئا»، ولكن روي عن عمر بن عبد العزيز نفسه أنه «وضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة من أهل ~~مصر، وألحق في الديون صلح من أسلم منهم في عشائر من أسلموا على يديه، وكانت تؤخذ قبل ذلك ممن أسلم». وأول من أخذ الجزية ~~ممن أسلم من أهل الذمة الحجاج بن يوسف الثقفي، ثم كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد العزيز بن مروان أن يضع الجزية على من ~~أسلم من أهل الذمة، فكلمه ابن جحيرة في ذلك، فقال: «أعيذك بالله أيها الأمير أن تكون ~~أول من سن ذلك بمصر، فوالله إن أهل الذمة لا يتحملون جزية من ترهب منهم، فكيف تضعها على من أسلم منهم؟» فتركهم عند ذلك. # 32 # وقيل إن ابن شريح، # 33 # وهو الذي جاءه أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز، كتب إلى الخليفة يقول إن الإسلام قد أضر بالجزية، حتى لقد نقص ~~عشرون ألف دينار من عطاء أهل الديوان. فكتب إليه الخليفة كتابا شديدا قال فيه: «أما بعد، فقد بلغني كتابك، وقد وليتك ~~جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا. ms318 فضع الجزية عمن أسلم قبح الله رأيك، فإن الله إنما ~~بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # هاديا ولم يبعثه جابيا. ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه.» # 34 # راجع كتاب الخطط، الجزء الأول، صفحة 78 والصفحتين السابقتين لذلك. # وعلى ذلك قد كان في الدخول في الإسلام ربح وغنم. ولقد كان عهد الصلح مع القبط كفيلا من الوجهة النظرية بأن يكونوا ~~آمنين في دينهم، غير أن الأمر صار بعد حين إلى خرق العهد ونقضه؛ فالحق أن الأمن في الدين إذا كان مقترنا بأن يكون الرجل ~~مهينا بين الناس، وأن يحمل ثقلا في ماله، لم يكن أمنا حقيقيا ولا باقيا. فلما انتشر الإسلام بين الناس زادت وطأته ~~اشتدادا على القبط، وأصبح عبء الجزية ثقيلا لا ترضاه النفوس، وأصبح أصحاب الجزية من اليهود والنصارى بعد حين وقد صاروا ~~في قلة ظاهرة بسبب من كان يسلم منهم عاما بعد عام. فكان هذا الأمر فاسدا؛ إذ هو بمثابة رشوة لتحريض النصارى على ~~الخروج من ملتهم، فوق ما كان من أثره في نقص مقدار الأموال نقصا ظاهرا، وكان نقص الجزية سريعا، فبينا كان مقدارها في ~~أيام عمرو اثني عشر ألف ألف دينار، وفي أيام خلفه الظالم عبد الله بن سعد أربعة عشر ألف ألف، إذا بها في خلافة معاوية ~~خمسة آلاف ألف بعد أن أسلم عدد عظيم من القبط، ثم إذا بها في خلافة هارون الرشيد أربعة آلاف ألف، ثم ثبتت الجزية على ~~ثلاثة آلاف إلى أواخر القرن العاشر. # 35 # ولما حدث هذا النقص في الأموال التي كانت تجبى من الجزية، استحدث الحكام وسائل جديدة يعوضون بها ما نقص من ~~مال الجزية. وليس ثمة من شك في أن الحكام عندما استحدثوا تلك الضرائب الجديدة فرقوا فيها بين معاملة المسلمين وأهل ~~الذمة، فميزوا المسلمين فيها؛ فأكبر الظن على ذلك أن المسيحيين قد آل أمرهم في حقيقته ومظهره إلى زيادة فيما يحملون، ~~وكان عبؤهم يزيد عليهم ثقلا كلما قل عددهم؛ فلا عجب إذن أن ms319 يخضع كثير من القبط فيسوقهم أتي الحوادث إلى الإسلام، بل ~~العجب أن يبقى عدد عظيم منهم ثابتا في جرية ذلك الأتي، ولم تستطع عواصف الحدثان التي توالت عليهم ثلاثة عشر قرنا أن ~~تزعزعهم عن عقيدة قائمة في قلوبهم على صخرة. # على أننا إن قلنا ذلك فلسنا ننسى أن التاريخ لم يحو بين صفحاته ما هو أعجب من العرب وفتحهم؛ إذ جاءوا إلى مصر فئة ~~قليلة من الصحراء فانتصروا بها، ثم نقول إجمالا إنهم أقاموا لأنفسهم بنيانا مما هدموه فيها من ديانة مسيحية، ومدنية ~~بيزنطية، قد اجتمع بها ضعف ورقة، إلى جمال وروعة، منذ امتزجت بها أكبر المدنيات القديمة الثلاث: المدنية المصرية، ~~والمدنية اليونانية، والمدنية الرومانية. # الفصل التاسع والعشرون # | ثورة الإسكندرية بقيادة منويل # ظهر بعد أن فتح مصر لم يتم؛ فإن الحرب عادت جذعة بعد أن ظن الناس أنها قد وضعت أوزارها؛ إذ جاء الروم يسعون سعي ~~المستميت لكي يسترجعوا ما فقدوه من ملكهم، ولا يسعنا إلا أن نصف هذا السعي ولو على وجه الإيجاز. # وقد أخطأ عمر بن الخطاب في أنه كان مع عماله جميعا على سوء الظن يتوقعون منه العزل والمحاسبة، ويأخذ أموال بلادهم ~~كلها لا يدع لهم فيها شيئا. وقد كان لهذه الخطة أثر في التعجيل به، فقتل لبضعة أيام بقيت من ذي الحجة من عام 23 للهجرة، ~~ودفن في غرة المحرم من عام 24 للهجرة، # 1 # وفي ذلك اليوم اختير عثمان خليفة له. على أن عمر وإن أخطأ في بعض أمره لم تلق دولة المسلمين خيرا بوفاته ~~وولاية خلفه؛ فإنه إن كان يضايق خير ولاته ويسيء إليهم فقد كان عثمان الذي جاء بعده يعزلهم. وكان من آخر ما أتاه عمر في ~~حياته أن قلل من سلطان عمرو بن العاص، وذلك بأن ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح حكم الصعيد والفيوم، وجعل إليه جباية ~~الخراج. فأتم عثمان ما شرع فيه عمر بأن عزل ابن العاص عن ولاية مصر، وجمع ولايتها جميعا لعبد الله بن سعد، فجاء ms320 هذا ~~ليلي أمره من مدينة شطنوة في إقليم الفيوم، وكان مقيما بها. # وقد اختلفت الآراء في هذا الوالي الجديد، فقال عنه النواوي: «كان من أعقل قريش وأشرفهم.» # 2 # في حين أن عمرو بن العاص نعى عليه ضعفه وقلة كفايته في حكم البلاد وفي قيادة الجيوش، ويصفه الطبري بأشنع ~~الصفات، فيقول عنه: «لم يكن في وكلاء عثمان أسوأ من عبد الله والي مصر.» # 3 # وكانت ولايته هذه في وقت ساء فيه حكم الولاة، وثارت ثورة الناس عليهم، وعلى الخليفة لجورهم في الحكم. والظاهر ~~أن من وصف عبد الله وصفا حسنا إنما يدل على سخافته وحماقته، وليس لوصفه قيمة في التاريخ؛ فإنه لا مراء فيما ارتكبه في ~~مصر من الظلم، وقد ولاه الخليفة قصدا لكي يزيد في جباية الجزية. وإن لدينا من الأسباب ما يحملنا على أن نقول إن ~~عبد الله قد جعل أول همه زيادة الضرائب على أهل الإسكندرية؛ إذ لا شك أنهم كانوا عند ذلك يرزحون تحت عبء ثقيل من الضرائب. ~~ولقد كان من أثر هذا العبء الثقيل أن جماعة من زعمائهم أنفذوا كتبا إلى الإمبراطور «قنسطانز» في قسطنطينية يسألونه أن ~~يخلصهم من ظلم المسلمين، وقالوا له إن الإسكندرية ليس فيها إلا مسلحة ضعيفة لا تقوى على دفع جيش روماني. # فأثرت هذه الكتب في الإمبراطور؛ إذ إنه لم ينس ما أصابه في عزته، وما لحق دولته من الضرر من ضياع مصر، فأمر بإعداد ~~قوة عظيمة، وكتم أمرها كتمانا شديدا. وكان الروم إلى ذلك الحين لا يزالون على سلطانهم في البحر غير مدافعين ولا ~~معاندين، وكان عمر يسمع بحروب البحر، فكتب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ذلك، وقال له: «صف لي البحر وراكبه.» فكتب إليه ~~عمرو كتابا عجيبا قال فيه: «إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد ~~فيه اليقين قلة، والشك كثرة. هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق.» # 4 # فكان وصفه هذا باعثا لعمر على الإشفاق ms321 منه، على ما كان عليه من إقدام وشجاعة، فلم يبح لمعاوية أن يجهز السفن، # 5 # ولم يجرؤ أحد على خوضه حتى آلت الخلافة إلى معاوية، فأخذ العرب عند ذلك في سبيله، وعرفوا قيمة السيادة ~~عليه. # وعلى ذلك لم يكن للعرب في الوقت الذي نصفه سفينة واحدة تأتيهم بأنباء أسطول ~~الروم الذي بعث به الإمبراطور بقيادة منويل للاستيلاء على الإسكندرية. فما فجأ العرب إلا أسطول عظيم يدخل ميناء ~~الإسكندرية في عدة ثلاثمائة سفينة، وألقى فيها مراسيه غير مدافع. # 6 # ولم يكن بالمدينة إلا ألف رجل من العرب للدفاع عنها، فغلبهم الروم، وقتلوهم جميعا إلا نفرا قليلا منهم ~~استطاعوا النجاة، وعادت بذلك الإسكندرية إلى ملك الروم. # وهذه الحادثة منشأ الرواية العجيبة التي رواها «جبون» وسواه من الكتاب؛ وذلك أنهم ~~قالوا إن الروم عادوا بعد ثلاثة أيام أو أربعة من فتح الإسكندرية الأول بعد أن كانوا قد سافروا في البحر ورحلوا عن مصر، ~~فأخذوا العرب على غرة وهم متفرقون، فملكوا المدينة مرة ثانية، ولبثوا يحكمونها بعد ذلك حينا قصيرا. وليس ثمة من ~~حقيقة لهذه الرواية؛ فإنما منشؤها خطأ في التأويل؛ وذلك أنهم خلطوا بين فتح الإسكندرية في المرة الأولى وفتحها في المرة ~~الأخيرة، ومزجوا بين وصفي الحادثين؛ فهم يقولون مثلا إن فتح الإسكندرية كان في المرة الأولى عنوة، وجعلوا بناء روايتهم ~~كله على أنها فتحت عنوة، في حين أنا قد بينا بيانا واضحا لا نزاع فيه أن فتح الإسكندرية في المرة الأولى كان صلحا، ~~وأن العرب جعلوا لأهلها هدنة مدتها أحد عشر شهرا، ثم دخلوا بعد ذلك إلى المدينة مسالمين، وظلوا بعد ذلك على ملك المدينة ~~لا يحدث لهم حدث حتى جاء منويل في بعثه. # 7 # وقد اتفق مؤرخو العرب اتفاقا يقل مثله على أن استرجاع الروم لمدينة الإسكندرية قد وقع في أوائل السنة الخامسة ~~والعشرين للهجرة، وذلك نحو آخر سنة 645 للميلاد، # 8 # ولكنهم لم يتفقوا مثل هذا الاتفاق في ذكر المكان الذي كان فيه عمرو بن العاص عند ذلك. فإذا صحت ms322 رواية ~~الطبري، وروايته جديرة بالتصديق، كان عمرو عند ذلك في مكة # 9 # معزولا. فلما جاءت أنباء هذه الثورة أمر بأن يعود إلى قيادة الجيش بمصر. وعلى أي حال فالظاهر أنه عزل قبل ~~مجيء الروم، ولم يلتفت خلفه العاجز إلى حماية البلاد، فأهمل تحصينها حتى بدا عجزها واشتد خللها، ولم يقف جيش «منويل» ~~عند الإسكندرية بعد أن ملكها وخلصت له، بل سار إلى ما يليها من بلاد مصر السفلى ينهب فيها، ويغصب القمح والخمر والأموال من ~~أهل قراها، لا يدافعه مدافع. والظاهر أن الروم لم يعبئوا بمن تودد إليهم، فكان جندهم أينما حل أو سار في البلاد ~~يعامل الناس معاملة أعداء قد فتحت بلادهم. # 10 # على أنه قد يكون الأمر على غير ذلك في بعض الأحوال؛ فإن جيش الروم ما عاد إلى امتلاك البلاد إلا بمساعدة من في ~~الإسكندرية من الروم، وكانوا لا يزالون على مكانة عظيمة فيها، وكان هؤلاء يعتمدون على مساعدة بعض الناس في بلاد مصر ~~السفلى وميلهم إلى الروم. وقد ذكرت في الأخبار بعض قرى قامت على بكرة أبيها وانحازت إلى جانب الروم. غير أن القبط كانوا ~~على وجه الإجمال لا يرجون خيرا من وراء رجوع سلطان الروم؛ إذ كانت ذكريات قيرس وعسفه لا تزال منقوشة على قلوبهم، وكانوا ~~غير ساخطين على ما هم فيه مع ما أخذ يظلهم عند ذلك من خوف العرب وظلمهم؛ إذ كانت لهم طمأنينة على دينهم ودنياهم ما ~~كانوا ليحتفظوا بها إذا عاد حكم الروم؛ ولهذا لاذ القبط بالعرب في هذه المحنة وساعدوهم. ولو فعلوا غير ذلك لكانوا أحمق ~~الناس وأجهلهم؛ إذ يكونون كأنهم يسعون إلى وضع أيديهم في أغلال الروم، وكشف أجسامهم لجلد سياطهم. ولسنا نعلم علم اليقين ~~أبقي البطريق بنيامين عند ذلك في الإسكندرية أم هرب قبل مجيء جيش الروم؟ على أننا نرجح هروبه وغيابه عن العاصمة في ذلك ~~الوقت. والأدلة على ذلك قوية، ولكن لا شك في أنه وقف مع قومه من القبط يشدون أزر العرب ويساعدونهم، ويظهرون لهم ~~الود، ms323 حافظين بذلك عهدهم الذي تعاهدوا عليه في صلح الإسكندرية. # وفيما كان الروم يتمتعون بما في مصر من ملاذ، ويضيعون الفرصة على عادتهم في تضييع ثمين الفرص إذا ما سنحت لهم؛ عاد ~~عمرو إلى قيادة جيش العرب في بابليون. وقد دعاه العرب لذلك، وألحوا فيه منذ رأوا أنه رجل داهية لا يدانيه مدان في ~~مكيدة الحرب، ولا يثق الناس في أحد ثقتهم فيه؛ لما اعتادوا من النصر على يديه، وشعروا بأنهم في أشد الحاجة إليه في ذلك ~~الوقت العصيب الذي لم يأت عليهم وقت أشد منه منذ غزوا بلاد مصر. ولو لم يضع الروم وقتهم في بلاد مصر السفلى، بل ~~ساروا لا يلوون على شيء قاصدين إلى الفسطاط؛ لما بعد عليهم أن يهزموا عبد الله ويأخذوا حصن بابليون، ولكنهم لم يفعلوا ~~ذلك، بل تهاونوا حتى استطاع عمرو أن يحضر إلى مصر ويجهز جيشه بها. ولم يكن من رأي عمرو أن يسرع في أمره، وهذا غير ما ~~كان يراه خارجة بن حذافة الذي كان عند ذلك قائد مسلحة حصن بابليون؛ إذ كان يرى أن التأخر ضار بالمسلمين مصلح لأمر ~~الروم، وأشار على عمرو أن يبادر إلى العدو قبل أن يأتيه المدد، أو يثب أهل مصر جميعها وينقضوا على العرب. ولكن عمرا ~~كان يرى خلاف ذلك، فقال: «ولا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلي؛ فإنهم يصيبون من مروا به فيخزي الله بعضهم ببعض.» وإنه لمن ~~الجدير بالذكر أن قواد العرب في هذا الوقت لم يميزوا بين قبطي ورومي، بل ظنوا أن الفئتين معا إلب على قتالهم. وهذا يدل ~~على أنه لم يكن ثمة ما يدعوهم إلى توقع محبة القبط لهم، ولا حيادهم في قتال الروم. ولو صح أن القبط رحبوا بالعرب ~~عند أول مجيئهم إلى مصر ورأوا فيهم الخلاص، لركن قواد العرب في هذا الوقت إلى ولاء القبط ومحبتهم، ولتوقعوا منهم الود ~~والمساعدة. # وعلى هذا سار الروم على مهل حتى استدرجوا إلى نقيوس، # 11 # وهناك لقيتهم طلائع العرب، ولعل جيشهم كان إذ ذاك خمسة ms324 عشر ألفا. # 12 # ولم يذكر التاريخ هل استولى الروم على مدينة نقيوس، غير أنه يذكر أنه قد وقع قتال شديد بين الجيشين تحت أسوار ~~حصنها فيما يلي الخليج أو النهر الذي يجري على كثب من المدينة، وقد قاتل الروم في تلك الوقعة قتالا عظيما، وأبدوا فيه ~~شجاعة لا مثيل لها، وحارب عمرو في صفوف الناس، وعقر تحته فرسه إذ أصابه سهم ، فاقتحم عنه وحارب راجلا، وانهزم العرب في ~~بعض ذلك القتال وولوا الأدبار، وكان أظهر الروم يومئذ في شجاعته وحسن عدته رجل فارس عليه سلاح مذهب. فلما تنازع ~~الناس القتال دعا العرب إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد يقال له «حومل»، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان بغير أن ~~يغلب أحدهما الآخر، ثم ألقى الرومي رمحه، وأخذ السيف فألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان الجيشان في أثناء ذلك وقوفا يرى ~~جندهما ذلك البراز وهم في صفوف على الجوانب، ثم حمل الرومي حملة شديدة، فضربه العربي بسيفه ضربة في ترقوته فأثبته، وأما ~~حومل فقد أصابته جراحة مات منها بعد أيام قليلة، فأرسل عمرو جثته إلى الفسطاط على سرير، ودفنه عند المقطم. # 13 # ولما قتل البطل الرومي رجع القتال بين الناس واشتد، وانتهى أمره بهزيمة جيش ~~منويل، وفر الروم لا يلوون على شيء نحو الإسكندرية. فبلغت فلول جيشهم العاصمة والعرب في آثارهم، فأقفل الروم الأبواب ~~واستعدوا للحصار. # 14 # وكان عمرو في أثناء سيره في بلاد مصر السفلى يلقى مساعدة من قرى القبط حيث سار، فكانوا يأتون إليه بمن يقيم ~~له الجسور، ويقدمون له ما كان في استطاعتهم تقديمه بعد ما حل بهم من نهب الروم وغصبهم. فلما بلغ جيش العرب أسوار ~~الإسكندرية، ورأى عمرو ما عليه المدينة من المنعة؛ اشتد به الألم؛ لأنه رأى أنه أخطأ في ترك أسوارها قائمة ولم يجعل بها من ~~الجند مسلحة قوية، وحلف لئن أظفره الله بها ليهدمن أسوارها حتى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كل مكان. وجعل عسكر العرب ~~في الجانب الشرقي من المدينة، وهو الجانب ms325 الذي كان الحصار منه ممكنا. وقيل إنه أقام آلات الحصار وصدع بها الأسوار. غير أن ~~ذلك لا يتفق مع ما هو معروف عن أسوارها من القوة. وإنه لأقرب إلى الأفهام أن نصدق رواية أخرى تجعل مرجع فتح المدينة في ~~هذا الحصار جله إلى الخيانة من داخلها، كما وقع لها في حصار دقلديانوس؛ فقد قيل إنه كان في الإسكندرية بواب اسمه «ابن ~~بسامة»، سأل عمرا أن يؤمنه على نفسه وأهله وأرضه ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك. # 15 # ومهما يكن من الأمر فقد أخذ العرب المدينة عنوة، ودخولها يقتلون ويغنمون ويحرقون حتى ذهب في الحريق كل ما كان باقيا على ~~مقربة من الباب في الحي الشرقي، ومن ذلك كنيسة القديس مرقص. واستمر القتل حتى بلغ العرب وسط المدينة، فأمرهم عمرو أن ~~يرفعوا أيديهم، وبني مسجد في الموضع الذي أمر عمرو فيه برفع السيف، وهو «مسجد الرحمة»، وقد لاذت طائفة من جند الروم ~~بسفنهم فهربوا في البحر، ولكن كثيرا منهم قتل في المدينة، وكان منويل بين من قتل، وأخذ العرب النساء والذراري فجعلوهم ~~فيئا. # وكان هذا الفتح الثاني في صيف سنة 646، وكان عنوة بالسيف؛ وبهذا يكون بين الفتح ~~الأول والفتح الثاني فروق تميز بين وقت وقوع كل منهما وحوادثه، ولكن من سوء الحظ أن كتاب العرب لم يفرقوا بين ~~الفتحين. وإنه لمن أصعب الأمور وأشدها استعصاء أن يعيد باحث إلى الحوادث نظامها في كل من الحالين؛ إذ يجد بعضها داخلا ~~في بعض مختلطا به اختلاطا من كل وجه. وإنا نرى أن هذا الوصف موضع لذكر حادثة قد وضعت في غير موضعها في وصف الفتح الأول، ~~فنشأ عن ذلك خلط عظيم، وتلك الحادثة هي الزيارة التي قيل إن المقوقس زارها لعمرو ليعرض عليه فيها أمورا عجيبة. ولا شك أن ~~المقوقس قد مات منذ زمن طويل، غير أن العرب كانوا يطلقون ذلك اللقب خطأ على أشخاص عدة؛ فقد سموا به الحاكم الذي كتب ~~إليه النبي كتابه قبل فتح العرب لمصر، ثم أخطئوا فسموا ms326 به بعد الفتح بطريق القبط بنيامين؛ # 16 # وعلى ذلك فإنا إذا قرأنا أن المقوقس جاء إلى عمرو في وقت الحصار، ووعده أن يساعده على شروط ثلاثة، كان لا بد ~~لنا أن نعزو تلك القصة إلى «بنيامين» وما كان منه عند ثورة الإسكندرية واستيلاء منويل عليها. # وإن تحريف هذه القصة ووضعها في غير موضعها له أثر كبير في تاريخ الفتح؛ فإن ذلك منشأ الخلط الذي بنيت عليه روايات ~~كثيرة؛ فإن المؤرخين لم تسبق لهم كتابة تاريخ للفتح نقدوا فيه أخباره وبحثوها، فلا نجد في كتب تواريخ العرب إلا سردا ~~لحوادث اختاروها ورووها عن مصادر مختلفة، ولكنهم في اختيار ما يروون من أخبار تلك الحوادث لا يفرقون بين أشياء كان يجب ~~عليهم التفريق بينها، فيجمعون من أخبار الحوادث ما وقع في أوقات مختلفة، لا يتحرون في ذلك ترتيبها ولا تاريخ وقوعها. ~~فإذا ما صار الخبر في غير موضعها لا يتناسب مع السياق والقرائن حوروه لكي يلائم ذلك السياق الجديد، وقد يصير الخبر بذلك ~~التحوير في كثير من الأحوال سخيفا أو باطلا فاسدا. وهذا ما كان في تاريخ هذا الحادث الذي نحن بصدده؛ فقد روى # 17 # المقريزي ثلاثة شروط اشترطها المقوقس على عمرو، وهي: ~~(1) # ألا ينقض القبط، «وأن يدخله معهم ويلزمه ما لزمهم». ~~(2) # ألا يصالح الروم أبدا. ~~(3) # أن يأمر به فيدفن في جسر الإسكندرية. # 18 # وإنا نرى أن هذه الرواية عما اشترطه المقوقس بعيدة لا يسيغها العقل، وهي فوق ذلك قلب للخبر الأول الذي نقلت منه؛ فهي ~~تصور المقوقس كما هو ظاهر كأنه رجل من الروم يسأل العرب أن يفوا للقبط بعهدهم، وألا يصالحوا الروم؛ ومن ثم نشأت قصة ~~القبط، وأنهم وحدهم انفصلوا عن الروم وصالحوا العرب عند أول هبوطهم مصر. ومن تلك الرواية كذلك نشأت قصة أخرى، وهي أن ~~القبط رحبوا بالعرب ورأوا فيهم الخلاص. على أن المؤرخ نفسه يورد الشروط # 19 # عن مصدر آخر، وهو ابن عبد الحكم، ويجعلها كما يأتي: ~~(1) # ألا يبذل للروم ما بذل للقبط؛ لأنه نصحهم فاستغشوه. ~~(2) # ألا ms327 ينقض القبط؛ فإن النقض لم يأت من قبلهم. ~~(3) # أن يدفن المقوقس في كنيسة يوحنس. # وهذه رواية أقرب إلى عهد الحادث؛ فهي لذلك أقرب إلى الحقيقة. ومما يستحق الذكر أن هذه الرواية ليس فيها قوله: «وأن ~~يدخله معهم (أي المقوقس مع القبط) ويلزمه ما لزمهم.» ونرى أن ذلك القول الذي عزاه المؤلف إلى المقوقس، وهو سؤاله لعمرو أن ~~يدخله مع القبط، قول لا مبرر له، وإنما أراد به المؤلف أن يوضح أمرا لم يجد إيضاحا له غير ذلك؛ فهو يريد أن يعزز ~~بقوله هذا أن المقوقس كان يميل مع القبط (وهو قول بعيد عن الصواب)، وأنه كان يأخذ لهم من العرب ميثاقا وعهدا. # ولكن من حسن الحظ أنا نجد في تاريخ البلاذري رواية عن المقوقس وما طلبه من عمرو، وهي تدل دلالة قاطعة على أن هذا ~~الأمر لا علاقة له بفتح الإسكندرية أول مرة، بل إنه حدث عند ثورة الإسكندرية وحرب «منويل»؛ وعلى هذا لا يمكن إلا أن يكون ~~المقصود من «المقوقس» هو بنيامين بطريق القبط. وجاء في هذه الرواية أن بنيامين سأل عمرا فقال: ~~(1) # ألا تبذل للروم من شروط الصلح مثل ما بذلت لي. ~~(2) # ألا تسيء إلى القبط؛ لأن نقض العهد لم يأت من قبلهم. ~~(3) # إذا مت فأمر بدفني في كنيسة كذا. # 20 # وقوله «إذ إن نقض العهد لم يأت من قبلهم» توضح الأمر كله وتجلوه؛ فإن القبط لم تكن لهم يد في ثورة الإسكندرية التي ~~نقض بها الصلح الذي عقده قيرس (المقوقس)، ولم يكن لهم ضلع في تلك المؤامرة التي كان يقصد بها عود سلطان الروم؛ وعلى ذلك ~~ذهب كبيرهم - وكان عند ذلك بنيامين - فعرض على عمرو مساعدة القبط له على شرط أن يجازوا على ولائهم بأن تحسن معاملتهم، ~~ولا يكال لهم بكيل الروم الذين ثاروا بالمسلمين. فإذا نحن وضعنا هذا الخبر في موضعه بدا لنا واضحا بينا عظيم الدلالة ~~بعد أن كان وهو محرف في غير موضعه غامضا محيرا. ولقد استبحت الإطالة في ذكر هذا الخبر لما له ms328 من عظيم الشأن بين ~~أخبار التاريخ، ولأنه مثل يظهر منه ما يلاقيه الباحث من المشقة في بحثه، وما يعانيه من الصعاب في سبيل جلاء ~~الحقيقة. # هذا ما عرضه البطريق على عمرو. فلما سمع عمرو ذلك منه قال، يقصد الشرط الثالث: «هذه أهونهن علينا.» فقد كان من السهل ~~عليه أن يعد بنيامين بأن يدفن في كنيسة القديس يوحنس، ولكن لم يكن من السهل عليه أن يفرق في كل الأحوال بين القبط وبين ~~الروم فيما كان منهم، أو أن يحكم في أمر القبط ومبلغ اشتراكهم في ثورة الإسكندرية. ولسنا نعرف على وجه اليقين الموضع الذي ~~لقي فيه بنيامين عمرو بن العاص، ولعل ذلك كان في بابليون قبل أن يسير عمرو إلى لقاء الروم، وقبل أن يعرف نصيب القبط من تلك ~~الثورة. وأغلب الظن أن القبط من أول الأمر أعرضوا عن منويل، ولا شك في أنهم سهلوا على العرب السير في بلاد مصر السفلى، ~~ولا بد أن ذلك كان راجعا إلى فعل بنيامين واتفاقه مع قائد العرب. # وفي هذا الوقت إذن نرى أن القبط يمالئون العرب راغبين وهم على عهد معهم، وما زالوا على ذلك حتى هزم الروم وتشتت شمل ~~جيشهم، وفتحت الإسكندرية مرة أخرى. وهذا هو المنشأ الحقيقي لقصة ترحيب القبط بالعرب وممالأتهم لهم منذ هبطوا مصر، وهي ~~قصة لا صدق فيها، وقد بينا بطلانها مرة بعد مرة في تاريخنا هذا. غير أنا نرى مما أوضحناه هنا أن تلك القصة قائمة ~~على أساس قد اختلط به الحق والباطل، والتبست فيه الأخبار واستغلقت على الرواة؛ فهي بالاختصار تروي خبرا صحيحا، ولكنه ~~وقع في القتال الذي انتهى بفتح الإسكندرية للمرة الثانية لا في أي قتال قبله، وهي تصدق على ثورة الإسكندرية، ولكنها لا ~~تصدق على فتح مصر الأول، وهي صورة تاريخية صحيحة، ولكنها قد ألبست إطارا كاذبا. # 21 # وبعد، فثم قصة أخرى كان لها حظ عظيم من تضليل المؤرخين وتحييرهم، وهذا موضع تفنيدها؛ فقد ذكرنا فيما مر من القول ~~قصة وجدناها في كتاب «ساويرس» ms329 وكتاب «تيوفانز»، وهي أن «قيرس» دفع للعرب الجزية قبل غزوهم مصر مدة ثلاث سنين أو تزيد، ~~وكان يقصد بذلك أن يدفع عن مصر غزوتهم، وقد قلنا إن هذه القصة غير جديرة بالتصديق، # 22 # ولكنا لم نبين كذبها، وقد ظهرت لنا الآن حقيقة منشئها جلية، فما هي إلا زعم فاسد توهمه من قرأ أخبار ~~الفتح في كتاب مجمل مبتور، ولا شك عندي في أن منشأ تلك القصة كتاب يوناني مثل «تيوفانز» سرد أخبار عدة سنين في جمل ~~قليلة مجملة مختلطة، لم يتحر فيها ترتيب التاريخ؛ فقد قال «تيوفانز» إن العرب لما غزوا مصر صالحهم قيرس على أن تدفع ~~مصر لهم جزية مائتي ألف دينار، ثم قال: # 23 ~~«فحفظ قيرس بذلك مصر من الضياع ثلاث سنين، غير أنه اتهم عند الإمبراطور ~~بأنه يدفع أموال مصر إلى العرب، فعزله الإمبراطور وغضب عليه، وأقام مكانه «منويل» الأرمني ليكون قائد جيش الروم، فلما مر ~~العام أرسل العرب في طلب الجزية فأجابهم «منويل»: «لست بالعاجز المستضعف (قيرس) فأدفع لكم الجزية، فما لكم عندي إلا ~~السيف.» ولم يعطهم شيئا. فتجهز العرب لغزو مصر، وجاءوا لحربها، وهزموا منويل، فهرب مع فلول جيشه إلى الإسكندرية، وفرض ~~العرب الجزية على مصر مرة أخرى. فلما سمع الإمبراطور بذلك بعث «قيرس» ليحمل العرب على الخروج من مصر على الشروط التي ~~عقدوها معه، فجاء «قيرس» إلى عسكرهم، وقال لهم إنه لم يأت النقض من قبله، وإنه يقسم أن يعيد معهم العهد الذي عقده من ~~قبل، فأبى العرب ذلك كل الإباء.» وإنه لمن أشق الأشياء أن يعين الإنسان مواضع الخلط والخطأ في هذه الرواية؛ فما هي إلا ~~نسيج من التحريف، ولكن من قرأها لا يسعه إلا أن يقول إن العرب عندما غزوا مصر في أول الأمر لقيهم «قيرس» فأعطاهم مالا ~~على أن يرجعوا عن مصر، فلما سمع هرقل بذلك أرسل إلى مصر «منويل» على الفور، فلما هزم «منويل» أبى العرب أن يعودوا إلى عهد ~~الصلح الأول الذي اشترط عليهم فيه الخروج من مصر. هذا ms330 ما آل إليه الخبر من التحوير؛ ومن ثم نشأت قصة الجزية، ولا حاجة ~~بنا أن نقول بعد ذلك كلمة في إظهار فسادها. # 24 # ومع ذلك فإننا نرى اليوم من بين الكتب الكبرى من يأخذ بهذه القصة ويراها رواية صحيحة. # 25 # | خاتمة # لقد لقيت الإسكندرية جزاء مدينة مقهورة، وكانت بذلك جديرة؛ إذ إنها أجرمت بالثورة ~~على العرب واستدعاء الروم لمساعدتها عليهم. ولو نجحوا فيما شرعوا فيه لبرر النجاح مسعاهم، ولكنهم خابوا، فكان خطؤهم ~~مضاعفا؛ ذلك بأنهم فجروا في عهدهم، ثم عجزوا في أمرهم، فلم يفتحوا أرض مصر. ولسنا ندري أكانوا على حق في نقضهم العهد، ~~وما كان ذلك ليحق لهم إلا إذا كان العرب قد بدءوا بنقضه. ولقد قيل إن الأمر كان كذلك؛ إذ زاد العرب الجزية المفروضة ~~عليهم، ولكن لا برهان على ذلك. وأما الإمبراطور فلا نجد له مبررا ولا عنه دفاعا؛ فقد قبل العهد وجعل عليه خاتمه، وقبل ~~فيه أن يخرج جنده من مصر لغير رجعة، فلا يعيد إليها من بعد ذلك جيشا. ولو زعم أن العرب قد نقضوا عهدهم معه لبرئ من عهده ~~معهم وأخلى نفسه منه، ولكنه خرق شريعة الحرب؛ إذ جهز أسطولا عظيما خفية، واستولى على عاصمة مصر، ولم يقم وزنا ~~لما تعاقد عليه؛ # 1 # وعلى ذلك كان العرب على حق في التشدد مع الثائرين، ولم يكن في وسعهم وقد دخلوا المدينة، ووضعوا فيها السيف ~~والنار، أن يميزوا بين صديق وعدو، أو بين قبطي ورومي، ولكن الأمر كان على غير ذلك في القرى. وما انتهت ثورة الإسكندرية ~~وقضي على لهيبها حتى بر عمرو بقسمه، وهدم الأسوار الشرقية حتى سواها بالأرض، ثم توجه إلى من اشترك جهارا في ~~الثورة من مدن مصر السفلى. والظاهر أن طلما # 2 # حاكم إخنا أو حاكمها المعزول كان من أول من أوقد الثورة، وكانت إخنا قرية من قرى الساحل بين الإسكندرية ~~ورشيد. وقد سافر ذلك الرجل إلى القسطنطينية، وعاد مع الأسطول الروماني، فلما هزم الروم بقي وحده لا ناصر له، فوقع في ms331 يد ~~المسلمين وجيء به إلى عمرو. فقيل لعمرو أن يقتله، ولكنه لم يكترث به، ونظر إلى عمله نظرة استهزاء؛ إذ أمر به فألبس ~~سوارين وتوجه، وكساه برنسا أرجوانيا، وقال له ساخرا: بل انطلق فجئنا بجيش آخر من جيوش الروم. ولقد فرح طلما في ~~آخر الأمر بأن أبيح له أن يبقى في مصر، وأن يدفع الجزية. # 3 # وأما البلاد الأخرى التي ساعدت الروم في ثورة منويل فكان أكثرها ما قاوم العرب في الفتح الأول، وهي: بلهيب، ~~وخيس، وسنطيس ، وقرطسا، # 4 # وسخا. وقد أخذت من تلك القرى أسارى، كما أخذ من الإسكندرية، وبعث بهم إلى المدينة، ولكن الخليفة عثمان ~~عندما نظر في أمر البلاد التي ثارت هداه حسن رأيه إلى أن يعيد من أسر من أهلها، ويعفو عمن اشترك منهم في الثورة، ~~وأعادهم إلى ذمة المسلمين على شرط الجزية # 5 # التي حددت من قبل. ومعنى ذلك أنه نزل عن حقه في جعل الإسكندرية وسواها من المدن الثائرة غنيمة، واتخاذ ~~أهلها عبيدا في ملك يد الفاتحين. والظاهر أن جماعة من جند عمرو كانوا يرغبون أشد الرغبة في قسمة الإسكندرية والبقاء ~~فيها، ولقد قيل إن عمرا نفسه كان يريد أن يتخذ الإسكندرية مقرا له، ولكن الخليفة لم يرض بذلك، كما قد أباها عليه ~~الخليفة الذي قبله. ولم يبق عمرو في مصر بعد استقرار الأمر إلا شهرا واحدا، ثم خرج عنها لعبد الله بن سعد. # ولا يسعنا إغفال قصة ذات دلالة تذكر هنا، وذلك أن القبط من أهل قرى مصر السفلى جاءوا إلى عمرو بعد فتح الإسكندرية ~~وشكوا إليه ما حل ببلادهم من النهب الشنيع على يد جند الروم، وقالوا: قد كنا على صلحنا موالين للعرب، وما حل لك ما ~~صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنا لأنا في ذمتك، وقد أصابنا من وراء ذلك ما أصابنا. وكانوا على حق في شكواهم هذه، ولكن ~~قلما ترى بين القواد المظفرين من يعبأ بمثل تلك الشكوى. غير أنه قد روي عن عمرو أنه ندم وقال: «يا ليتني ms332 كنت لقيت ~~الروم حين خرجوا من الإسكندرية.» وأعظم من هذا في أمره أنه أمر بتعويض القبط مما فقدوه، فكان هذا إقرارا صريحا من عمرو ~~بما عليه من فرض واجب، فألزم نفسه في صراحة بأن يعوضهم عما لحق بهم. وإن في ذلك لدلالة على ما كان عليه عمرو من حسن ~~الرأي في الحكم، وما كان متصفا به من نبيل الشيم. # ولكن هذه المكارم كانت نقائص في عين الخليفة؛ إذ كان بها مرض من سخطه، وقد علم غناءه في الحرب، فأحب أن يكافئه على ما ~~أدى من عمل عظيم بأن يجعله قائد جند مصر، على أن يكون عبد الله الظالم حاكمها وعاملا على ولاية خراجها. وما كان مثل ~~ذلك الرأي ليلقى من عمرو غير إباء المزدري. وقد بقي رد عمرو على صفحات التاريخ ردا شديدا لاذعا لما رآه من عبث ~~الخليفة به، إذ قال: «إنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها.» ولكن الخليفة لم يبق عليه؛ إذ قد فرغ من غرضه منه، ~~وقضى به على ثورة مصر، وكان في حاجة عند ذلك إلى من يستخرج له الأموال من أهلها، فوجد طلبته في عبد الله، # 6 # وخرج عمرو على ذلك من البلاد. # وهنا يليق بنا أن نختم قصة فتح العرب؛ فإن القضاء على ثورة منويل واستعادة الإسكندرية جعلاهم أصحاب وادي النيل، ومكنا ~~المسلمين في بلاده. ولقد أراد الإمبراطور قنسطانز بعد ذلك بتسع سنين أن يعيد الكرة على مصر، فأعد لذلك أسطولا ~~ثانيا، ولكن القضاء سبق بما شاء؛ فإن العرب كانوا عند ذلك قد عرفوا شيئا من فن البحر، وأعدوا أسطولا استطاع أن يقف ~~للروم ويحول بينهم وبين ما أرادوا من النزول ببر مصر، مع أنه كان أقل من أساطيل الروم عددا، وأضعف سطوة في القتال، ~~وأصابت أسطول الروم بعد خيبته في القتال عاصفة شديدة حتى لم تبق منه إلا حطاما، بعد ما كان من عظيم شأنه، وصارت ~~بقاياه لعبة للأمواج تعبث بها وتشتتها. ومنذ ذلك الحين لم يخش المسلمون شيئا اللهم إلا غزوات ms333 مفردة؛ إذ لبث بحارة ~~الروم ولصوصهم زمنا طويلا يهبطون على مدن الساحل يغيرون عليها، ولكن غاراتهم كانت عقيمة ترتد خائبة. # وقد يكون مما يطلبه الباحث أن يعرف ما آل إليه حال الناس بعد الفتح، وما طرأ من التغيير على أحوالهم الاجتماعية وغيرها، ~~وأن يرى كيف أسرع الانحلال إلى الحضارة الرومانية الإغريقية التي كانت بالبلاد، وحلت محلها حضارة جديدة عربية تسير ~~بخطى وئيدة، وأن يتبين ما بقي ثابتا من أحوال القدماء ومن آرائهم، لم تغيره السنون ولم تزعزعه الغير. وإن دوننا ~~لميادين للبحث والوصف، فدوننا وصف علوم القدماء، فنبين كيف حاولت أن تبقى في مكانها في مدينة الإسكندرية بعد الفتح، ثم ~~كيف أنها زالت شيئا فشيئا حتى لم تبق منها إلا بقية طريدة في أديرة الصحراء وصوامعها، وظلت هناك ضعيفة ذابلة حتى ~~ذبلت لغة القبط ذاتها وانمحت، ثم دوننا أن نبين كيف ذاعت لغة العرب وفشت في البلاد، فبدأت منقوشة على النقود في أواخر ~~القرن السابع، ثم اتخذت في الدواوين وكتابة الحكام، # 7 # ثم زاحمت لغة القبط، وطردت لغة اليونان من ميدان التخاطب والتعامل إلا كلمات قليلة بقيت وقد صبغت بلون ~~عربي، أو عبارات وألفاظا لا تزال دفينة في كتب القبط. وكذلك علينا أن نبين كيف اضمحلت تلك المدن العظيمة التي كانت في ~~آخر عهد الرومان مزدهرة؛ فإن الإسكندرية وإن كانت أعظم مدائن الشرق، إن لم تكن أعظم مدائن العالم، لم تكن سوى واحدة من ~~مدائن كثيرة يلي بعضها البعض فيما بين بحر الروم # 8 # وأسوان. ولو وصفنا هذا لرأينا كيف كانت المعابد العظيمة والقصور الجليلة تتهدم وتتخرب بغير أن يصلح من ~~أمرها أحد، وكيف كان المرمر الثمين ينزع من مواضعه لكي تبنى به الأبنية، أو لكي يصنع منه الجير، وكيف كانت تماثيل ~~البرونز تصهر لكي تتخذ منها النقود أو لتصنع منها الآنية، وكيف بقيت مع كل هذا التخريب المحزن والاضمحلال البالغ بقية ~~من آثار ورسوم في الصناعة حرص عليها صناع القبط، ومنها نشأ مذهب جديد في الفن والبناء بعد أن ms334 مزجها العرب بروحهم وأدخلوا ~~عليها مما ساغ في ذوقهم، وصار من ذلك كله مذهب في الزخرفة خال من كل صورة للإنسان. ومع ذلك فقد أبدعت فيه الصنعة آيات ~~تمتاز بالجمال والجلال وحسن الرونق، كما تمتاز بأنها بدعة في الفن لم يسبق إليها الماضون. وقد سبق كثير من البحث الذي يدل ~~على سبيل نشأة فن العرب من الفن البيزنطي، # 9 # ولا نرى أن مثل هذا البحث داخل فيما نحن فيه من القول في كتابنا هذا. # وفوق هذا لا يزال دوننا ميدان القول في القبط ومذهبهم؛ فقد سبق لنا القول في البواعث القوية التي كانت تحدو بالقبط إلى ~~أن يمتزجوا بالإسلام كل الامتزاج في معيشتهم وفي دينهم؛ فإن التاريخ لم يذكر في حوادثه أمرا أعجب من أن القبط انقسموا ~~قسمين: قسم منهم امتزج كل الامتزاج بالإسلام، والقسم الآخر بقي صلبا يأبى كل الإباء أن يترك ما كان عليه آباؤه من الدين ~~والعادات، وقد بقي على دينه لم تفتنه أشد المظالم، ولم يزعزعه أشنع الاضطهاد. فكان أحدهم إذا ابتلي صبر على بلائه وفي ~~صدره من حرارة إيمانه ما يثبت فؤاده، ولم يفتنهم أنهم عاشوا وهم كل يوم يحسون مرارة الذلة ومضض الهوان، فلم تخضع ~~نفوسهم ولم تلن. ولقد كان بقاء المسيحية بغير شك راجعا إلى الأديرة وأثرها، وكانت الأديرة آمنة لبعدها في الصحراء أو ~~شعاب الجبال، غير أنه قلما نجد في تاريخ مصر ما ترتاح إليه النفس ارتياحا أعظم مما نحسه إذا قرأنا أخبار ما كان بين ~~بعض الخلفاء وبين بعض الديرانيين من القبط، وما كان يجده الخلفاء من اللذة في زيارة أديرتهم البديعة والتمتع بمحاسنها، # 10 # ولكن هذه الأخبار لا ترد إلا عن العصور المتأخرة، فليست مما نتناوله هنا. # ولعل قائلا يقول إنه لا يجمل بنا أن نغفل ذكر فاتح مصر وما آل إليه أمره، وليس في ذلك مشقة ولا عناء؛ فإنا إذا ~~خرجنا من عصر الفتح وولجنا عصر الحكم العربي وقد استقر الأمر واطمأنت الأحوال، خرجنا من ظلمة الخلاف والتناقض إلى ms335 نور ~~اليقين والإجماع في التاريخ، ولكن القارئ لا بد قد أحاط علما بأخبار عمرو في وقت النزاع بين أحزاب الإسلام بعد عزله عن ~~مصر، وما كان منه في وقت مقتل عثمان، وما ثار بعد ذلك من النضال بين علي ومعاوية، ثم سيره إلى مصر وانتصاره فيها وعودته ~~إلى حكمها؛ فإن أخبار كل ذلك تحويها تواريخ الخلافة، وقد مر عليها زمن كبير وهي في متناول القراء. # وقد دخل عمرو إلى مصر لولايته الثانية في شهر ربيع الأول من عام 38 للهجرة (ويوافق ذلك شهري أغسطس وسبتمبر من عام 658 ~~للميلاد)، ولم يمض عليه زمن طويل حتى ذللها وأقر الأمور فيها، ثم جازى جنوده وأقبل على خيراتها وأموالها فنال منها ~~ما شاء؛ إذ جعلها معاوية طعمة له. ولقد خرج من مصر حينا قصيرا لأمر التحكيم العجيب بين المتنافسين على الخلافة، وهما ~~علي ومعاوية، ثم عاد إليها ونجا نجاة عجيبة من القتل غيلة، وكان جماعة قد اتفقوا على قتل أكبر زعماء الإسلام الثلاثة، ~~وهم: علي ومعاوية وعمرو. وأخذ أحدهم - واسمه يزيد - على نفسه أن يذهب لقتل عمرو وهو يؤم المصلين في يوم الجمعة في ~~المسجد، حتى إذا كان اليوم الذي عزم القاتل فيه على إنفاذ أمره عرضت علة لعمرو منعته من الخروج للصلاة، فصلى بدله ~~القائد المعروف خارجة بن حذافة، ولم يفطن القاتل إلى ذلك التغيير، فشد على خارجة فضربه بخنجره حتى قتله، ولما جيء بيزيد ~~إلى عمرو، قال له في شجاعة: «أما والله ما أردت غيرك.» فقال له عمرو: «ولكن الله أراد خارجة.» # وفي اليوم الثالث من شهر يناير من عام 662، مات البطريق بنيامين بعد أن قضى زمنا طويلا في اعتلال وضعف. وقد لبث ~~بطريقا للإسكندرية مدة تسع وثلاثين سنة، كثرت في خلالها العواصف، وتتالت فيها الحوادث العظيمة؛ من أمم تتحرك، وشعوب ~~تناضل على سيادة بلاد الشرق، وديانة تقاتل أخرى لتفوز بالسلطان على النفوس. وقد بدأت ولاية بنيامين في مدة حكم الروم، ~~ثم رأى الفرس في أيام كسرى يملكون مصر ويبسطون سلطانهم ms336 على معظم بلاد القياصرة، ثم رأى هرقل في وثبته الجليلة وقد كافح ~~وناضل حتى انتصر، فاضطر الفرس إلى استدعاء جنودهم من وادي النيل، وعادت إليه جيوش الروم، فجاء معها قيرس الذي سلط على ~~الناس عذابه وعسفه، فهرب منه بنيامين ولاذ بالصحراء، فبقي بها ثلاثة عشر عاما حتى ذهب أمر الروم وانقضت مدة سلطانهم ~~انقضاء لا عودة له في مصر. وقد رأى فوق كل هذا دولة جديدة ودينا جديدا، يخرجان من فيافي بلاد العرب فيقهران المجوس ~~والمسيحيين جميعا، ويبسطان سلطانهما على الشام وفارس ومصر، ثم مات بعد كل ما شهده من الغير والحروب وقد ترك كنيسته في ~~أمن لا بأس به تحت ظل المسلمين الفاتحين وقائدهم العظيم عمرو بن العاص. # وقد عاش عمرو بعده تمام سنتين أو نحو ذلك، وكان البربر من أهل بنطابوليس لا يزالون ~~يعكرون صفاءه، وقد أرسل إليهم أكثر من بعث واحد فيما بين عامي 661 و663. ولما عاد قواده في آخر سنة 663 وقد تم لهم ~~النصر عليهم، ألفوا عمرو بن العاص في الفسطاط في مرضه الأخير. وقد روي أن ابن العباس # 11 # دخل عليه وهو في فراش موته، فقال: «لقد كنت تقول أشتهي أن أرى رجلا عاقلا يموت حتى أسأله كيف يجد، فكيف ~~تجدك؟» فقال له عمرو: «أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما كأنما أتنفس من خرت إبرة.» ولما دخل عليه ابنه ~~عبد الله أشار إلى صندوق وقال: «هذا لك.» فقال له عبد الله: «لا حاجة لي به.» فقال عمرو: «خذه فإن فيه مالا.» ولكن ~~عبد الله أبى أن يأخذه، # 12 # وكانت آخر كلمات قالها عمرو هي: «اللهم أمرتنا فعصينا، ونهيتنا فما انتهينا. اللهم لا بريء فأعتذر، ولا قوي ~~فأنتصر.» ومات في يوم الفطر من عام 43 للهجرة، وذلك يوافق السادس من شهر يناير من سنة 664 للميلاد، وكان عمره فوق السبعين، # 13 # فحمله ابنه عبد الله إلى المسجد وصلى عليه، ثم صلى عليه كل من حضر الصلاة من الناس. # ودفن عمرو في سفح ms337 المقطم «بقرب مدخل الشعب»، ولكن موضع قبره قد نسي وأغفل. ولقد مرت قرون على ذلك الجبل والناس ~~يحفرونه ويقتلعون منه الحجارة، حتى لقد انمحى أثر «الشعب» الذي كان هناك من زمن طويل؛ وبذلك لم تبق علامة تدل على قبره، ~~وأصبح اليوم لا تذكره الأخبار. ولقد بنى عمرو مدينة الفسطاط، ثم علا شأنها حتى صارت مدينة جليلة، ثم عصف بها الدهر، فهي ~~الآن لا أثر لها، وقد سويت بالأرض، ولا يبق منها شيء سوى المسجد الذي يحمل اسم عمرو، ولا يزال قائما في الموضع الذي ~~كان فيه بناؤه الأول، وهذا كل ما بقي منه، وإلى جانبه «دير أبي سيفين» و«قصر الشمع»، وفيهما كنائس لا تزال قائمة يرجع وضع ~~أساسها، وإن لم يكن بناؤها، إلى زمن الدولة الرومانية. وأما أسوار حصن بابليون فقد كانت لا تزال قائمة منذ عشرين عاما، ~~وكاد بناؤها عند ذلك يكون سليما تاما، ولكن لم تبق منها اليوم إلا قطع في بعض المواضع. ولعله من الممكن أن يكشف عن ~~أساسها إلى عمق عظيم فتوجد كاملة تحيط بالحصن، كما قد كشف باب من أبواب الحصن من قبل عند حفر ما حوله، ولكن الإنسان ~~إذا بحث في السهل حتى بلغ جانب الجبل لم يستطع أن يجد حجرا يدله على قبر عمرو؛ فإن المسلمين لم يحتفظوا بأثر من فاتح ~~مصر، ولم يبقوا في قلوبهم ذكرى مقره الذي دفن فيه. # | الملاحق والمصادر # الملحق الأول: عن الأثر الذي اسمه الصليب المقدس # قصة وجود الصليب في مايو سنة 328 قصة معروفة حق المعرفة، ومن المحقق أن الخشب الذي وجدته الإمبراطورة «هيلانة» ~~بقي مدة قرون. وقد ذكر سقراط (راجع # Eccl. Hist lib I. XVII ~~) أن هيلانة وضعت قطعة منه ~~في صندوق من فضة وجعلته في بيت المقدس، وأرسلت القطعة الأخرى إلى الإمبراطور. والدليل تام غير منقطع على تاريخ ذلك ~~الصليب فيما بعد ذلك من الأيام. # فلنبدأ بما كان في القرن الرابع؛ فإنا نجد في الرسالة المكتوبة عن «كنائس قسطنطين في بيت المقدس» في الجزء الأول ms338 مما ~~نشرته جمعية Palestine Pilgrims Text Society ~~، صفحة 23-25، اقتباسا من كتاب الصلوات ~~يبين أن في كنيسة قسطنطين مذبحا من الفضة والذهب قائما على تسعة أعمدة، وأن الصليب كان مزينا بالذهب والجواهر. ~~ويذكر تيودوسيوس ( # De Terra Sancta ~~) «المخدع الذي فيه صليب السيد المسيح، والصليب نفسه ~~مزين بالذهب والجوهر، ومن فوقه السماء، وحوله قضبان متقاطعة من الذهب». وكذلك تذكر «القديسة سلفيا الأكيتانية» ~~(حوالي سنة 385 للميلاد) استعمال البخور في كنيسة القيامة في عرض قولها وهي تذكر الاحتفال بيوم «الجمعة الطيبة»، ~~وقد شهدت فقالت: «ثم أحضر صندوق مغطى بالفضة، وفيه الخشب المقدس خشب الصليب، ثم فتح وأخرج ما فيه، ووضع خشب ~~الصليب بما عليه من النقوش فوق منضدة، ثم أقبل الناس فقبلوه» (نفس الكتاب، صفحة 63). # وقد زار «أنطونيوس الشهيد» الأماكن المقدسة حوالي سنة 565 للميلاد، ورأى هناك ذلك الأثر لا يزال باقيا في مدخل ~~كنيسة قسطنطين، وكان محفوظا هناك في مخدع أو مشهد، وهو لا يذكر شيئا عن الصندوق، بل يذكر الإسفنجة والقصبة، وقد قيل ~~إن نيقتاس أنجى تلك القصبة في القرن السابع. # وقد رأينا أن الصليب قد أخذه الفرس في سنة 615 عندما فتحوا بيت المقدس، وبعثوا به إلى كسرى مع سائر الغنائم، ثم ~~أعاده هرقل في سنة 628 فأتى إلى القسطنطينية في ذلك الشتاء، ثم أعاده إلى موضعه في كنيسة قسطنطين باحتفال عظيم سنة ~~629، ثم أرسل إلى القسطنطينية بعد ذلك ببضع سنين حوالي سنة 636؛ لكي يحفظه من الوقوع في يد الفاتحين ~~المسلمين. # وقد رآه في قسطنطينية نحو سنة 670 الحاج «أركولفوس»، وكان قد زار بيت المقدس ~~ورأى الكنائس الكبرى كما كانت بعد أن أعاد بناءها مودستوس. وهذا دليل هام؛ لأنه يدل على مقدار تسامح المسلمين في ~~معاملة الكنائس المسيحية نحو آخر القرن السابع، ولكن «أركولفوس» يذكر أن الصليب كان محفوظا في كنيسة أيا صوفيا في ~~صندوق من الخشب محفوظ في مخدع أو مشهد فسيح في منتهى الجمال. وكان ذلك الأثر يوضع فوق مذبح من الذهب في ثلاثة أيام في ~~العام، ms339 وهي يوم خميس العهد والجمعة الطيبة والليلة التي تسبق يوم عيد الفصح؛ ففي اليوم الأول كان الإمبراطور وجيشه ~~يدخلون فيقبلون الصليب يتقدمهم الإمبراطور ثم أكابر رجال الجيش حسب درجاتهم، وفي اليوم التالي كانت الملكة تدخل مع ~~وصيفاتها وسائر نساء الأعيان ليقبلنه، وفي اليوم الثالث كان البطريق ورجال الدين يدخلون ليفعلوا مثل هذا مع تقديم ~~الأكابر، ثم كان الأثر يوضع بعد ذلك في صندوق ويعاد إلى مشهده (انظر الكتاب المذكور، الجزء الثاني، صفحة ~~55-56). # وقد ذكر بورفيروجنيتوس مثل هذا الخبر عن الصليب في القرن العاشر. على أنه يظهر أن الصندوق الذي كان موضوعا فيه كان ~~عند ذلك في موضع آخر من الكنيسة، ويحيط شيء من الظلام بما آل إليه أمر الصليب في النهاية، وما آل إليه أمر سائر ~~الآثار التي كانت محفوظة في كنيسة أيا صوفيا. وقد أفاض في وصف هذا الأمر المستر «ليتابي» والمستر «سوينسن» في كتاب ~~ممتع، وهو # St. Sophia, Constantinople ~~، صفحة 92 و93 و97 وما بعدها ... إلخ. # الملحق الثاني: في تواريخ الفتح الفارسي # مما يشك فيه أن نستطيع اليوم أن نعرف على سبيل البت تاريخ الحوادث المتصلة بالفتح الفارسي لمصر؛ فقد ذهب بعض ~~المؤرخين المحدثين إلى أن ذلك الحادث كان بعد سنة 616 للميلاد. ويقول «جلزر» - وقد كتب رسالة غزيرة العلم عن هذا ~~الأمر ( # Leontius Von Neopolis ~~، صفحة 151) - إن الإسكندرية لا يمكن أن يكون فتح الفرس ~~لها قبل سنة 619. وهو يخالف في ذلك رأي «فون جوتشمت» الذي يذهب إلى أن ذلك الحادث كان قبل ذلك بسنة أو سنتين. # والحجج التي يوردها «جلزر» هي كما يلي: أن تيوفانز يجعل الفتح الفارسي في سنة 616. ويقول ابن العبري إنه كان في ~~السنة السابعة من حكم هرقل، آخذا ذلك عن البطريق ميخائيل إذ يقول (طبعة بيت المقدس، صفحة 293) إن شاه-ورز غزا مصر في ~~السنة السابعة من حكم هرقل. ويذهب إيزيدور ( # Roncalli. Chron, Min ~~، الجزء الثاني 461) ~~إلى أن الفتح كان في سنة 616. ويقول الطبري إن مفاتيح الإسكندرية أرسلت إلى كسرى في السنة الثامنة ms340 والعشرين من حكمه؛ ~~أي سنة 617-سنة 618. «وهو في ذلك يثبت التاريخ الذي سبق أن روي عن ميخائيل». # ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن السنة السابعة من حكم هرقل هي من أكتوبر سنة 616 إلى أكتوبر سنة 617، في حين أن السنة ~~الثامنة والعشرين من حكم كسرى تقع من منتصف سنة 617 إلى منتصف سنة 618، ولا يقع أي جزء منها في سنة 616؛ وعلى ذلك فليس ~~الاتفاق واضحا بين خبر الطبري وخبر ميخائيل، وفوق ذلك أن ابن العبري (أو أبا الفرج) يذكر بوضوح في موضع آخر ~~( # His. Dyn ~~، طبعة بوكوك، صفحة 99) أن فتح الفرس لبيت المقدس كان في السنة الخامسة ~~من حكم هرقل، وهو في ذلك يناقض نفسه كما فعل في مواضع كثيرة. # ويقول «جلزر» فوق ذلك إن «فون جوتشمت» قد بين بيانا دقيقا ( # Kleine Schriften ~~، ~~الجزء الثالث، صفحة 473 وما بعدها) أن غزوة الفرس لا يمكن أن تكون وقعت قبل سنة 617؛ لأن «المراجع السورية تدل على أن ~~زيارة أثناسيوس الأنطاكي للبطريق أنستاسيوس المونوفيسي بالإسكندرية كانت في سنة 616»، في حين أن المعروف أن البطريق ~~الذي كان على ولاية الدين عندما فتح الفرس الإسكندرية كان أندرونيكوس. وفوق ذلك لقد كان «نيقتاس» هو المساعد على ~~توحيد الكنيستين وصاحب الفكرة في هذا كما يقول ابن العبري، وقد هرب نيقتاس مع حنا الرحوم عند مقدم الفرس. ويذهب «فون ~~جوتشمت» إلى أن وفاة أنستاسيوس كانت في 18 ديسمبر سنة 616، وقد أقام خلفه أندرونيكوس (كما أسلفنا في متن كتابنا هذا) ~~في المدينة واستطاع ذلك. ويقول «جلزر» إن هذا يدل دلالة واضحة على أن الإسكندرية كانت على الأقل في أول ولاية ~~أندرونيكوس للبطرقة (آخر سنة 616) لا تزال تحت حكم الروم؛ وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون فتح الفرس قبل صيف سنة 617 كما ~~يذهب إليه «فون جوتشمت». # وإنا نرى على وجه الإجمال أن تواريخ «فون جوتشمت» صحيحة، على أنها لا تخلو من ~~الصعوبة، وأول اعتراض هو أنه ليس من الثابت أن السنة التي يوردها المؤرخون السوريون تتفق مع سنة 616؛ وذلك ms341 لأن هؤلاء ~~المؤرخين ولو أنهم يتبعون التقويم اليوناني أو «السلوخي» في تاريخهم، يختلفون عنه عادة في حسابهم بسنة؛ إذ يجعلون ~~بدأه من سنة 311 قبل الميلاد بدلا من سنة 312 (راجع # Trésor de Chronologie ~~، المجموعة ~~36)؛ وعلى ذلك فمن المحتمل أن يكون الدليل المستند إلى الكتاب السوريين أميل إلى سنة 615 لا إلى سنة 616، وفي هذه ~~الحالة يتفق ذلك التاريخ مع ما جاء في «الديوان الشرقي»؛ إذ يذهب إلى أن زيارة أثناسيوس لمصر كانت في السنة التي فتح ~~الفرس فيها بيت المقدس عنوة. وفوق ذلك يقول الكاتب المصري ساويرس الأشمونيني: إن وفاة البطريق المصري أنستاسيوس في 22 ~~كيهك (18 ديسمبر) من سنة 330 للشهداء. وقد أخطأ «رينودو» إذ ذهب إلى أن ذلك يوافق سنة 614؛ لأن كيهك يقع في سنة 613. ~~وهذه الأخبار لا يمكن التوفيق بينها، ولكن لا يمكن على الأقل أن نجعل فتح بيت المقدس في سنة 613. # على أنه يجدر بنا أن نذكر أدلة سوى هؤلاء من المؤرخين السوريين؛ إذ من المعلوم أنه توجد نسخ مخطوطة سورية من ~~الإنجيل تاريخها في القرن السابع، وقد كتبت في دير الهانطون بقرب الإسكندرية، كتبها توما الهركلي وبولص التلوي، وأمر ~~بكتابتها البطريق أثناسيوس نفسه وهو في زيارته لمصر، وكانت هذه المخطوطات جزءا من مراجعة شاملة للنص السرياني على ~~النص اليوناني نص Philoxenus ~~؛ فتاريخ هذه المخطوطات ذو أهمية عظمى. ~~«ومن المعلوم أن توما الهركلي أتم ترجمته لنص العهد الجديد إلى السريانية في ~~سنة 927 من التاريخ اليوناني». # 1 # وسنة 927 هذه إن لم تكن موافقة لسنة 926 المعتادة كانت من ابتداء أكتوبر سنة 615 إلى أكتوبر 616. وتوجد ~~أيضا نسخة مخطوطة أخرى (سريانية ذات ست روايات) في المتحف البريطاني ( # Add. Mss. 144, ~~376 ~~)، وقد كتب فيها أنها تمت في السنة عينها سنة 615-616. والنسخة الخطية للكتاب الثالث ~~للملوك مؤرخ في شباط سنة 927، وذلك يوافق فبراير سنة 616. ونسخة الكتاب الرابع للملوك كتب بها ما يدل على أن بولص ~~وأثناسيوس كانا يقيمان في الإسكندرية في سنة 928، وهي تقع بين أكتوبر ms342 سنة 616 وأكتوبر سنة 617. وهذا يحدد وقت زيارة ~~البطريق السوري في خريف سنة 616. وقد ذكر في نسخة أخرى خطية من النسخ السريانية ذات الروايات الست وجدت في ميلان، ~~أن تاريخ تمامها كان في سنة 928، وذلك في سنة 616-617. # ففي كل هذه النسخ الخطية ذكر دراسة علمية تجري في سلام في دير الهانطون مدة سنتين بين سنة 615 و617، وهذا يحدد ~~عرضا وقت زيارة البطريق السوري، ويجعلها في أكتوبر سنة 616؛ لأن مضيفه البطريق القبطي توفي في ديسمبر من ذلك ~~العام. وقد كان حساب تلك التواريخ على ما اعتاده الناس من التاريخ بالحساب اليوناني. على أننا إذا ذهبنا إلى أن حساب ~~تلك التواريخ كان على حسب التاريخ السوري الخاص كان لزاما علينا أن نجعل وقت تلك الزيارة في سنة 615-616، وأن نجعل ~~العمل من سنة 614 إلى سنة 616. فإذا ذهبنا هذا المذهب وقع الاتفاق بين قولنا وبين قول ابن العبري إذ يقول في كتابه ~~«تاريخ الكنائس»، صفحة 267-269: «إن أثناسيوس ذهب إلى الإسكندرية وكان بطريقها أنستاسيوس، وعقد معه وفاقا واتحادا، ~~ووقع هذا الاتحاد بين كنيستنا السورية وكنيسة مصر في سنة 927 من التاريخ اليوناني» (وهي من أكتوبر سنة 615 إلى أكتوبر ~~سنة 616)؛ إذ إن ابن العبري لا يتبع الطريقة السورية التي تخالف التاريخ المعتاد. ولا يمكن التوفيق بين وجوه هذا ~~الخلاف إلا إذا سرنا على طريقة أخرى في حساب التاريخ. ولما كان سريان بابل خاصة هم الذين قدموا حسابهم على ~~التاريخ اليوناني بسنة، لم يكن بعيدا أن يكون توما الهركلي وبولص التلوي قد سارا على تلك الطريقة؛ وإذن يقع الاتفاق ~~بين الديوان الشرقي وبين النسخ الخطية من الإنجيل وأبي الفرج، وكل هؤلاء يجعلون تاريخ توحيد الكنيستين في أكتوبر سنة ~~615. ويلوح لنا أن هذا حل عادل قريب إلى الأذهان. # ونرى أنه لا يزال من الضروري أن نجعل وفاة البطريق القبطي في 18 ديسمبر سنة 616، وليس في سنة 615؛ وذلك لأننا لا نجد ~~طريقة أخرى نجعل بها ولاية خليفته أندرونيكوس توافق التواريخ المعروفة في مدتها ms343 وفي تاريخ انتهائها؛ فإن مدتها ~~معروفة بأنها كانت بضعة أيام وست سنوات آخرها 8 طوبة (3 يناير). فإذا قلنا إن يوم 3 يناير من سنة ما هو تاريخ وفاة ~~أندرونيكوس وبدء ولاية بنيامين، لم نجد سنة فيها كل الشروط المطلوبة إلا سنة 623؛ فمن جهة لا شك في أن أندرونيكوس شهد ~~بدء غزوة الفرس، ونرى أنها كانت في أواخر سنة 616؛ ومن جهة أخرى لا شك في أن هذا البطريق كان حيا في أول أمر ~~الإسلام؛ فإن الديوان الشرقي يجعل مدة ولاية أندرونيكوس بين سنة 611-617، ولكنه يذكر بعد ذلك «أن في مدته علا أمر ~~المسلمين»، وذلك في يوليو سنة 622. ويوافق على هذا مكين؛ إذ يجعل اختيار بنيامين في السنة الأولى للهجرة سنة 622-623. ~~وشهادة أبي صالح كذلك واضحة صريحة؛ فإنه يذكر أن أندرونيكوس كان بطريقا «في أول ظهور المسلمين في السنة الثانية عشرة ~~من حكم هرقل» (طبعة # Butler, Evetts ~~، صفحة 231). وهذا التواتر في الأدلة على أن تاريخ ~~ولاية بنيامين كان في شهر يناير سنة 623 برهان قوي لا يكاد شيء يقف له. وأما # Le ~~Quien # فإنه يتبع تاريخ ساويرس؛ إذ يقول إن ولاية أندرونيكوس كانت من سنة 619-622. # فإن تم لنا إثبات أن وفاة أندرونيكوس كانت حوالي 3 يناير سنة 623، وأن مدة ولايته كانت ست سنوات تزيد قليلا أولها ~~18 ديسمبر، ويخيل إلينا أننا قد أثبتنا ذلك؛ كان أول ولايته في سنة 616، وكانت وفاة أنستاسيوس في 18 ديسمبر سنة ~~616، وهذا التاريخ يوافق ما أثبته «فون جوتشمت» (راجع # Kleine Schriften. ii ~~، صفحة ~~471-474). # ولقد ساقنا هذا الكلام إلى الاستطراد والبعد عما كنا فيه من ذكر النسخ المخطوطة من الإنجيل التي كتبت في دير ~~الهانطون، ولكن من الضروري أن نعود إلى ذكرها حينا. # فهذه النسخ المخطوطة تدل على: (1) أن توما الهركلي كان يعمل في الترجمة مدة سنتين على الأقل قبل زيارة البطريق ~~السوري. (2) أن الزيارة نفسها يغلب أن تكون وقعت في أكتوبر سنة 615. (3) أن بولص التلوي بقي يعمل مدة ثلاثة أشهر على ~~الأقل ms344 بعد الزيارة؛ أي إلى يناير سنة 616. # وهنا تقوم صعوبة؛ إذ ذكر عرضا أن أثناسيوس ذهب مع خمسة من الأساقفة السوريين، في حين أن سياق قول ابن العبري يدل ~~دلالة قاطعة على أن توما الهركلي طرد من أسقفيته في «مابوج» وهرب إلى مصر لاجئا. ولا موضع للشك في أن توما وبولص ~~كانا في مصر وقت تلك الزيارة، ولا في أن ثلاثة أساقفة آخرين إما جاءوا مع أثناسيوس، وإما طردوا ولجئوا إلى مصر هاربين ~~من فتح الفرس لفلسطين. ولدينا عبارة صريحة ذكرها حنا مسكوس، وهي أن أساقفة كثيرين هربوا إلى مصر لاجئين. ولكن الأقرب ~~إلى الاحتمال أن هؤلاء العلماء السوريين بمقامهم في الإسكندرية واتصالهم الناشئ من ذلك بالبطريق القبطي قبل زيارة ~~بطريق أنطاكية، قد مهدوا السبيل إلى الاتحاد الرسمي الذي تم سريعا بعد اجتماع البطريقين. # وبعد، فقد بقي جزء واحد من الدليل الذي يمكن أن نستخلصه من هذه النسخ المخطوطة، وذلك أنه من أكبر الأمور دلالة أن ~~كل الكتب الأخرى من الإنجيل التي تنسب إلى بولص التلوي ليس بينها كتاب واحد يذكر فيه تاريخ، وآخر تاريخ هو كما ~~بينا أول سنة 616. ويلوح لنا أنه ليس من المقبول عقلا أن يقال إن العمل مع ذلك قد تم في الدير نفسه دير الأنطونيين # Antonines # 2 # في الظروف نفسها، وأن نجعل غزوة الفرس على ذلك فيما بعد سنة 616، بل إن الأمر على عكس هذا؛ فإن هؤلاء ~~العلماء السوريين الذين رأوا أو سمعوا بما أحدثه الفرس من التخريب العظيم ببلادهم، كان لا بد لهم أن ينزعجوا عند أول ~~نبأ يصلهم عن مقدم الفرس إلى مصر. وإنه لمن أقرب الأمور أن يكونوا قد هربوا في البحر في صيف سنة 616 ومعهم رهبان دير ~~الهانطون بما معهم من ثمين المتاع، ومن ذلك النسخ المخطوطة اليونانية للكتاب المقدس، ولكنا بغير أن نأخذ بهذا الرأي ~~نرى دوننا رأيا آخر محتملا في تفسير ما كان، وهو يتفق مع استمرار العمل في مصر. ويدفعنا ذكر ذلك إلى القول في أمر ~~أهمل إهمالا ms345 عجيبا، ويجمل بنا على ذلك أن نؤكده بعض التأكيد؛ فإن من عادة الكتاب الذين كتبوا عن هذا العصر أنهم ~~دائما يذكرون فتح الفرس كأنه حادث واحد يجعلون له تاريخ سنة واحدة، ومعنى هذا أنهم «يعجزون عن أن يميزوا بين غزو ~~مصر وبين فتح الإسكندرية»، وهذان الحادثان لا بد كان بينهما سنة على الأقل. ومما لا شك فيه أن الكتاب القدماء كانوا ~~أحيانا يذكرون لفتح الفرس تاريخ أحد الحادثين، وأحيانا يذكرون له تاريخ الحادث الآخر، وهذه الحقيقة تفسر كثيرا مما ~~يسود ذلك الأمر من الخلط والاختلاف. # ويمكننا أن نقول إنه قد صار من المدلل عليه أن الفرس لم يكونوا قد ساروا إلى ~~مصر في أول سنة 616. ولئن قلنا إنهم كانوا يستطيعون أن يدخلوا في حرب جديدة عقب فتح بيت المقدس، فإنه ليس من المحتمل ~~أن يقدموا على عبور الصحراء في فصل الصيف؛ فيمكن على ذلك أن نذهب إلى أن سيرهم إلى مصر بدأ في خريف سنة 616، وأن ~~جيشهم فتح الفرما ونهب الأديرة فيها قبل آخر تلك السنة، ثم كان عليهم بعد ذلك أن يسيروا إلى منفيس وإلى فتح الحصن ~~المنيع حصن بابليون، وأن يحاربوا الروم في طريقهم على فرع النيل الغربي مارين بمدينة نقيوس (ونعلم أنهم فعلوا ذلك) ~~حتى بلغوا الإسكندرية، ونعرف كذلك أنهم قضوا وقتا طويلا في حصار المدينة قبل أن تسلمها إليهم الخيانة، ولا يمكن ~~أن يكون ذلك قد استغرق أقل من سنة؛ وعلى ذلك فمن المحال أن نجعل فتح الإسكندرية قبل آخر سنة 617، أو أول سنة 618، على ~~أي مذهب من مذاهب التاريخ. # وعلى ذلك فمن السهل أن نقول إن العلماء السوريين بقوا في عملهم في دير الهانطون حتى قربت جيوش الفرس ثم هربوا إلى ~~المدينة، وكان الهرب منها في البحر ممكنا في كل وقت؛ وبهذا كان يمكنهم أن يبقوا سنتين أخريين قد تكونان كافيتين ~~لإتمام عملهم. # حسبنا ما ذكرناه عن المراجع السورية، ولكن يجدر بنا أن نتنبه إلى أن تلك الحجة التي ساقتنا إلى القول إن شتاء سنة ms346 ~~617-618 هو الوقت الذي لا يمكن أن تكون الإسكندرية قد فتحت قبله، تسوقنا كذلك إلى اتفاق دقيق مع التاريخ الذي ذكره ~~الطبري، وهي كذلك تسوقنا إلى قريب من الاتفاق مع ما ذهب إليه فون جوتشمت. ولو أننا سلكنا مسلكا مخالفا لما سلكه، ~~وكانت الحقائق التي بنينا برهاننا عليها فيها شيء من التضارب مع حقائقه، فقد ذهب إلى «أن الإسكندرية كانت في ديسمبر ~~سنة 616 لا تزال مع الروم، وأنه لا يمكن أن يكون الفتح الفارسي قد وقع قبل صيف سنة 617» (إذا كان يقصد بقوله «الفتح ~~الفارسي» فتح الإسكندرية). والطبري يتجاوز هذا التحديد قليلا؛ إذ يقول إن مفاتيح الإسكندرية لم ترسل إلى كسرى قبل ~~الشتاء. وإنا نتفق معه في هذا الرأي؛ فنقول على ذلك إجمالا إن التواريخ كانت كما ~~يلي: ~~(1) # فتح بيت المقدس كان في آخر مايو سنة 615. ~~(2) # زيارة أثناسيوس للإسكندرية كانت في أكتوبر سنة 615. ~~(3) # سير الفرس إلى مصر كان في خريف سنة 616. ~~(4) # موت البطريق القبطي كان في 18 ديسمبر سنة 616. ~~(5) # فتح بابليون كان في ربيع سنة 617. ~~(6) # فتح الإسكندرية كان في آخر سنة 617. ~~(7) # إخضاع مصر جميعها كان في سنة 618. # ولعلنا نقول فوق ذلك إن فتح الصعيد لا يمكن أن يكون قد تم قبل شتاء سنة 618 ~~بزمن طويل؛ لأننا نعرف من ورقة بردي قبطية مؤرخة أن «أرسنوية» أو الفيوم كانت لا تزال في ملك الروم في التاسع من ~~يونيو سنة 618 ( # Corpus Papyrorum Raineri ~~، الجزء الثاني، صفحة 22؛ ~~(ed. ~~J. Krall.) Koptische Texte ~~). ولكنا نقول على وجه الإجمال إن هذا البيان يدل على أنه قد وقعت بين ~~فتح بيت المقدس وتمام فتح مصر مدة ثلاث سنوات، وهو يوافق كل الموافقة ما ذكره أبو الفرج (طبعة Pococke ~~، راجع ما سبق). # وهذا النظام يمكننا من أن نقول إن بعث حنا الرحوم لمساعدة بيت المقدس كان في شتاء سنة 615-616؛ فإن من بعثهم ذهبوا ~~عن طريق البر، وما كانوا ليستطيعوا ذلك لو كانت جيوش الفرس في طريقها إلى مصر؛ وعلى ذلك يكون هروب حنا الرحوم ms347 مع ~~نيقتاس في خريف سنة 616، إذا كانا قد هربا عندما جاءهما نبأ غزوة الفرس. على أن قول # Leontius # يفيد أنهما هربا قبيل فتح الإسكندرية؛ أي بعد ذلك التاريخ بعام، ولكنا ~~فوق كل هذا نرى أن هذا النظام في التاريخ يتفق مع تأريخ مؤرخي العرب في ذكرهم تاريخ حياة البطارقة، وفي ذكرهم مدة ~~احتلال الفرس لمصر، وهذه المدة كما يقول جلزر كانت عشر سنوات، وهو حق. # وأما البطارقة القبط فنرى أن تواريخهم كما يلي: ~~(1) # أنستاسيوس من يونيو سنة 604 إلى 18 ديسمبر سنة 616. ~~(2) # أندرونيكوس من ديسمبر سنة 616 إلى 3 يناير سنة 623. ~~(3) # بنيامين من يناير سنة 623 إلى 3 يناير سنة 662. # وأما البطارقة الملكانيون فتاريخهم كما يلي: ~~(1) # تيودور قتل في سنة 609. ~~(2) # حنا الرحوم من سنة 609 إلى سنة 616 أو سنة 617. ~~(3) # جورج من سنة 621 إلى سنة 630 أو سنة 631. ~~(4) # قيرس من سنة 631 إلى سنة 642. # فإذا نحن اتبعنا «جلزر» فيما ذهب إليه معتمدا على حجة واحدة، وهو # Thomas Presbyter ~~، من أن اتحاد الكنيستين المصرية والسورية قد وقع في سنة 618؛ وجب علينا أن نغير كل نظامنا ~~في تتابع تواريخ بطارقة القبط، ووجب علينا فوق ذلك أن نجعل ولاية بنيامين على الأقل في سنة 625، في حين أن المؤرخين ~~المصريين يكررون أن ولايته بدأت في سنة 622-623، وهي سنة هجرة النبي وظهوره. وأما نحن فنرى أن هذا الاتفاق برهان ~~قاطع، ولو لم يكن لدينا برهان غيره على تاريخ ولاية بنيامين، ولكنه من أمهل الأمور أن نورد براهين كثيرة من ~~المؤرخين المصريين على تفنيد قول من قال إن ولايته كانت في سنة 625. # وأما احتلال الفرس لمصر مدة عشر سنوات، فقد ذهب «جلزر» إلى أن تلك المدة انتهت سنة 629؛ أي بعد سنة على الأقل من صلح ~~هرقل وشيرويه. ولكنا نرى ثلاث حجج قوية تنقض ذلك الرأي: ~~(1) # أن القصد من كل خطة هرقل في سنة 622 والسنوات التي بعدها كان تخفيف ضغط الفرس عن عاصمته وعن مصر. وإنه ~~لمن أقرب الأمور أن تكون مصر قد أخليت ms348 من الفرس بسبب هذا الضغط منذ ربيع سنة 627، حتى ولو لم يقم على ~~ذلك برهان؛ وعلى هذا تكون مدة الفتح الفارسي منذ أول الغزو عشر سنوات تزيد قليلا. ~~(2) # ولو لم يكن الأمر كما ذكرنا فقد ذكر سبيوس أن شيرويه في صلح فبراير سنة 628 رضي أن يخلي في الحال كل ما ~~كان يملكه من بلاد الروم، وأخرج جيوشه منها. ~~(3) # أن النبي محمدا بعث رسله إلى الأمراء في صيف سنة 627 أو خريفها ~~على الأكثر كما روى الطبري؛ لأنه يذكر أن الرسل الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن حجزوا هناك بضعة أشهر حتى ~~أتت أنباء موت الملك، وكان موته في فبراير سنة 628. ولا شك في أن النبي عندما بعث رسوله إلى مصر كانت مصر ~~قد عادت إلى دولة الروم، وكان يحكمها والي هرقل «المقوقس» كما يسمونه خطأ. # وليس اعتماد «جلزر» على «نيقفوروس» مما يدعم اتخاذه تاريخ سنة 629؛ فإن نيقفوروس يقول: «إن سارباروس بعد أن سمع بموت ~~كسرى وشيرويه وقباذ وهرمزداس رجع من بلاد الروم.» ثم قال: «ولما تم الصلح أعاد سارباروس مصر وسائر بلاد الشرق إلى ~~الروم، وأخرج منها مسالح الفرس، وبعث بالصليب واهب الحياة إلى الإمبراطور.» ولكن الشاه-ورز لم يصر ملكا باتفاقه مع ~~هرقل إلا في آخر سنة 629 على الأقل ( # Journal Asiatique, 1866 ~~، صفحة 220)، في حين أنه ~~من المؤكد أن هرقل استعاد الصليب في سنة 628. وفوق ذلك إن نيقفوروس نفسه قال بعد أن ذكر عدة حوادث أخرى إن الصليب أخذه ~~هرقل بعد ذلك إلى بيت المقدس، ثم أعاده إلى القسطنطينية وتلقاه فيها البطريق سرجيوس، «وقد كان حدوث ذلك في الخمس ~~عشرة سنة الثانية» (أي في سنة 629). وإذا كان لنا أن نستخلص شيئا من هذا الخبر المفكك استخلصنا أن الفرس خرجوا من ~~مصر قبل استعادة الصليب؛ أي قبل سبتمبر سنة 628، ولكن ذلك الخبر لا يدل على شيء سوى أن نيقفوروس هذا شاهد غير عدل لا ~~يعول على قوله. # والحقيقة هي أن مدة احتلال الفرس وهي السنين العشر، يمكن أن يعد أولها ms349 إما عند دخول الفرس إلى مصر، وإما من أول ~~فتح الإسكندرية، وإما من إتمام فتح مصر إلى أسوان، ويختلف مدى تلك المدة باختلاف الوقت الذي يعتبر الابتداء ~~منه. # ولقد سعينا في هذا التعليق أن نظهر أن كثيرا من الخلط ناشئ عن إغفال التمييز بين غزو مصر وفتح مصر؛ فهما معنيان ~~غير مترادفين، وحادثان لم يقعا في وقت واحد. ولذلك الخلط سبب آخر، وهو إغفال التفريق بين السنة الميلادية (التي ~~أولها أول شهر يناير) وبين السنة اليونانية من تاريخ الإسكندر (التي أولها أول سبتمبر)، وهي تقع في جزأين من سنتين من ~~سني الميلاد. وفوق ذلك سبب ثالث، وهو إغفال الانتباه إلى طريق حساب السنة اليونانية عند السريان؛ فإنها أحيانا ~~تختلف عن التاريخ اليوناني المعتاد بسنة، وفيها تبدأ السنة في أول أكتوبر بدل ابتدائها في أول سبتمبر. والسبب الأخير ~~في الخطأ يصح لنا أن نذكره، وهو الاعتماد في حساب التواريخ على أساس غاية في الضيق. ويحدث هذا من طريقين: إما ~~بالمبالغة في تضييق الفترة التي يستمد الدليل منها، وإما بتضييق المجال الذي يستمد منه الدليل. فإنه لا يكفي أن نبحث ~~في تواريخ فترة نحو عشر سنوات أو اثنتي عشرة سنة ثم ننتهي من ذلك البحث إلى نهاية بغير أن ننظر إلى ما ينشأ عن ذلك من ~~النتائج؛ أعني بغير أن ننظر إلى علاقة هذه التواريخ بما قبلها وبما بعدها من التواريخ، ونتحقق من أن ما ينشأ عن ذلك من ~~النتائج يخرج ثابتا بعد التمحيص والنقد. ويجمل كذلك أن نذكر أننا إذ نعالج هذه الحوادث التي وقعت في القرن السابع ~~نعتمد على مراجع تاريخية مختلفة الأنواع كثيرة العدد؛ ففيها اليوناني والأرمني والسرياني والعربي والمصري، وفي كل ~~منها شيء يجب الرجوع إليه. وليس من العدل أن نضع نظاما للتاريخ نستمده من طائفة أو اثنتين من هؤلاء الكتاب بغير ~~أن نأبه كما ينبغي بالآخرين. وإنا ونحن نكتب هذا نشعر أعمق الشعور بالصعاب التي تحيط بمثل هذا السعي إلى التوفيق بين ~~المراجع التي قد تكون في ms350 الحقيقة كما هي في الظاهر غير قابلة للتوفيق، ولكن لعلنا غير مغرورين إذا نحن بينا بعض ~~الصعاب التي تعترض طريق الباحثين في بحثهم. ويجمل بنا أن نقول إننا وإن اختلفنا مع «جلزر» نفعل ذلك وفي نفوسنا كل ~~الإعجاب بمؤلفه النفيس الغزير العلم الدقيق البحث. ولسنا ندعي أن نظام التاريخ الذي وضعناه خال من الصعاب، ولكنا قد ~~ندعي أننا قد وضعناه على أسس واسعة، وأننا قد وفقنا به بين عدد عظيم من مراجع كل منها منفصل عن الآخر كل ~~الانفصال، ومباين له أكبر المباينة. # ليس في كل تاريخ مصر شخص جمع بين الشهرة والخفاء مثل الشخص الذي يطلق عليه ~~الاسم العربي المقوقس أو المقوقس، ولا خلاف في أن ذلك الشخص كان أعظم الروم أثرا في أزمة الفتح العربي، وأنه كان ~~العامل على تسليم مصر، ولكن هذا كل ما لا يختلف فيه، وأما حقيقة شخصه واسمه وجنسه وعمله الذي كان يعمله في الدولة، ~~وبلائه الذي أبلاه، ومعنى لقبه نفسه الذي يعرف به، كل تلك الأمور مختلف فيها، وطالما تكلم فيها الباحثون، وذهب ~~كل مذهبا في الإجابة عنها، ولكن تلك الإجابة تنم عن تباين في الآراء لا يمكن التوفيق معه بينها. وما كنا لنعجب ~~من ذلك الاختلاف؛ فإنه من الجلي أن مؤرخي العرب أنفسهم كانوا من أول الأمر في حيرة عظيمة ودهشة من هذا الأمر، ومن ~~الكتاب المحدثين نجد # Von Ranke ~~، في صفحة 142 وما بعدها من كتابه # Weltgeschichte V. i ~~، يزعم أن المقوقس كان حاكم مصر، وأنه كان قبطيا. ولكن يلوح ~~لنا أنه كان يشك في حقيقته التاريخية. وأما # De Geoje # في كتاب # De ~~Mokaukis Van Egypte # في كتاب # Etudes dedieés a Leemans ~~، فإنه يذكر ~~أن الظاهر أن مؤرخي العرب قد خلطوا في بعض المواضع بين المقوقس وقيرس البطريق الإمبراطوري في الإسكندرية مع أنه كان ~~شخصا آخر، وله عمل غير عمل المقوقس. وأما الأستاذ # Karabacek # في مقاله # Der Mokaukis Von Aegypten (Mitheilungen aus der Sammlung der Papyrus Erzherzog ~~Rainer) ~~(الجزء الأول، صفحة ms351 1-11)، فإنه يذهب إلى أن اسم المقوقس هو جورج بن مينا برقبيوس # Barkabios ~~؛ وبهذا يفسر اسم «فرقب» أو «قرقب» الذي يسمي به بعض المؤرخين أبا ~~المقوقس. ويزعم # Karabacek # أن المقوقس كان حاكما لإقليم، ويزعم أن لقبه تحريف عربي ~~للفظ ~~اليوناني، ~~(61 ~~⋆ ~~) # ويأخذ ذلك اللفظ على أنه كان لقبا تشريفيا يعادل ~~لفظ ~~(62 ~~⋆ ~~) # وسواه مما يوجد في أوراق البردي المختلفة من القرن السابع. وأما المستر «ملن» في تعليقه عن «جورج المقوقس» في كتابه # Egypt under Roman Rule ~~، صفحة 224، فإنه يذهب إلى أنه كان جورج حاكم الإقليم الذي ~~ذكره حنا النقيوسي، والذي يظن أنه كان حاكم # Augustamnica ~~؛ أي أثريب. انظر كتاب # Actes des martyres de L’Egypte (Hyvernat) ~~(الجزء الأول، صفحة 296). على أن أثريب ~~لا يصح أن تعد «على الحدود الشرقية لمصر» كما تستلزمه حجة المستر «ملن». وأما الأستاذ استانلي لين بول في كتابه # Egypt in the Mid. Ages ~~، صفحة 5، هامش 2، فإنه يميل إلى ترجيح مذهب أن ذلك الاسم ~~تحريف للقب اليوناني السابق ~~الذكر، ~~(63 ~~⋆ ~~) # ويتبع رأي المستر «ملن» في زعمه أنه كان «جورج حاكم الإقليم الشرقي»، مخالفا في ذلك ما جاء في الأخبار العربية من أن ~~المقوقس كان «حاكم مصر كلها، وأنه كان يقيم في الإسكندرية». # ثم إنه يقبل القصة المتداولة التي تجعل المقوقس قبطيا. وهكذا نرى الأستاذ ~~«بوري» يسميه «الحاكم القبطي» لمصر، وذلك في كتابه # Later Rom. Empire ~~، الجزء الثاني، ~~صفحة 270. وترى أن أخبار هؤلاء المؤرخين جميعها لا يمكن وصفها بخير من أنها جزئية وغير تامة؛ لأنهم لم يعالجوا ذلك ~~الأمر معالجة كافية، ولم يبينوا آثاره في تاريخ الفتح، ثم لم يفحصوا رأيهم بمقابلته بالصعاب التي تنشأ من إطلاقه، ~~وما يلقى الباحث عند اتباع ذلك الرأي من المشاكل، وفوق كل ذلك ليس المقوقس بالشخص الأوحد الذي اختلف في حقيقته؛ فإن ~~جل كبار قادة تلك الحرب من روم ومصريين يحيط بهم ظلام وإبهام، وكثيرا ما يختلط بعضهم ببعض. فإذا نحن وفقنا إلى ~~معرفة كنه المقوقس لم نصل إلا إلى نصف حل العقدة، ms352 فلا بد لنا من أن نفحص أشخاصا آخرين في الوقت عينه ونعرف ~~حقيقتهم، ولكنا نرى أن هذه الضرورة لم يدركها أحد إلى الآن حق إدراكها؛ وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن هذه المشكلة في ~~مجملها لم يعالجها أحد علاجا وافيا. فالحقيقة أن الخلط في الأسماء والأشخاص متسرب في كل تاريخ مدة الفتح تسربا ~~عظيما، لا يدرك عظم المشكلات التي به حق الإدراك إلا من يعاني كتابة ذلك التاريخ أو يحاول كتابته، ونرى أن الأجدر ~~بنا أن نبدأ بذكر ما قاله أكبر مؤرخي العرب، ونرى ما في قولهم من الأخبار التي توضح هذا الأمر الذي نحن بصدده أو ~~تساعد على حل إشكاله. # البلاذري: ~~(المولود سنة 806 للميلاد) يذكر المقوقس ويقول إنه صالح عمرا، وإنه كان في جانب القبط بعد أن أبى ~~هرقل أن يقر صلحه. ويذكر عند وصف ثورة منويل أن بعض الرواة يذهبون إلى أنه ساعد العرب، ويذهب بعضهم ~~إلى أنه كان قد مات قبل ذلك. # الطبري: ~~(839-923) يفرق بين حاكم الإسكندرية وبين حاكم منفيس، ويذكر أن الأخير كان المقوقس، وأنه كان عظيم ~~القبط، وأنه أرسل إلى منفيس جيشا تحت قيادة «الجاثليق الذي كان كبير أساقفة النصارى، واسمه ~~ابن مريم». # سعيد بن بطريق: ~~(المولود سنة 876 للميلاد) وكان ملكانيا، ويذكر أن المقوقس كان عاملا على الأموال في مصر لهرقل، ~~وكان يعقوبيا في الباطن، ولكنه كان في الظاهر ملكانيا، وأنه منع الجزية التي كان عليه أن يرسلها ~~للإمبراطور منذ حصار الفرس للقسطنطينية، ولم يذكر للمقوقس اسما، وذكر أنه كان حيا إلى ما بعد ثورة ~~منويل. # النسخة الخطية من كتاب ساويرس الأشمونيني: ~~(أوائل القرن العاشر) وهي غاية في عظم الشأن؛ فقد جاء فيها: «لما استعاد هرقل بلاده استعمل عمالا ~~عليها، فأرسل إلينا في أرض مصر قيرس ليكون حاكما وبطريقا معا.» ويقول عن اضطهاد السنوات العشر ومدة ~~هروب بنيامين: «وكانت هذه هي السنوات التي كان فيها هرقل والمقوقس يحكمان مصر.» ثم قال: «ولما انتهت ~~مدة السنوات العشر لحكم هرقل وولاية المقوقس ...» ثم قال ms353 في وصفه: «الحاكم الكافر الذي كان بطريقا ~~وحاكما للإسكندرية.» وفي الختام روى عن بنيامين أنه قال: «مدة الاضطهاد الذي نزل بي عندما طردني ~~المقوقس ...» وقد كان ساويرس هو الذي ذكر أن بنيامين هرب من ولايته عند مقدم قيرس؛ ومن هذا يرى أن ~~ساويرس يذهب إلى أن قيرس هو المقوقس. # تأتي بعد هذا فترة تقرب من قرنين إلى أن يجيء ابن الأثير (المولود في سنة 1160 للميلاد)، وهو يذكر أبا مريم وأبا ~~مريام، وأن الأول كان جاثليق منفيس (ولنلاحظ خطأ ذلك اللقب)، وأن الثاني كان أسقفا، وأن المقوقس أرسلهما ليقاتلا ~~عمرا، ولكنهما فاوضاه وصالحاه على شروط رفضها المقوقس، وأن المقوقس كان يقود الجيش بنفسه في وقعة عين شمس. ثم ذكره ~~بعد ذلك على أنه حاكم الإسكندرية في وقت الحصار، وأنه صالح عمرا وكان حيا عند ثورة منويل. # وابن الأثير مضطرب في ترتيب الحوادث في أول مدة الفتح. # أبو صالح: ~~(كتب حوالي سنة 1200 للميلاد) يذكر أن «محمدا بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم ~~الإسكندرية»؛ أي في سنة 6 للهجرة (وأولها 23 مايو سنة 627). ويقول بعد ذكر عودة مصر إلى الروم: «إن ~~هرقل استعمل على مصر جريج بن مينا المقوقس.» ثم ذكر ديرا في الصعيد فقال: «إن بنيامين اختفى هناك في ~~حكم الإمبراطور الروماني هرقل الخلقيدوني، وحين كان جريج بن مينا المقوقس حاكما على مصر حتى تمت ~~مدة السنوات العشر، وكان ذلك هربا منهما كما أنذره الملك.» ثم قال المؤلف بعد ذلك إن تلك كانت ~~السنوات العشر التي قاسى فيها المؤمنون (القبط) الاضطهاد. ولكن أبا صالح ينقل من كتاب «الجناح» أن ~~أسقف الروم في مصر والإسكندرية كان اسمه قيرس (صفحة 73). # ياقوت: ~~(المولود حوالي سنة 1178 للميلاد) يعقد الأمور تعقيدا أشد؛ فهو يذكر أن حصن بابليون كان حاكمه ~~«المندفور» الذي اسمه الأعيرج، نائبا عن المقوقس ابن قرقب اليوناني الذي كان يقيم في ~~الإسكندرية . # مكين: ~~(المولود حوالي سنة 1205 للميلاد) يذكر أن عامل هرقل على مصر هو المقوقس، وأنه هو وعظماء القبط ms354 ~~صالحوا عمرا. # ابن خلدون: ~~(المولود سنة 1332 للميلاد، وكتب في أواخر القرن الرابع عشر) يتبع ابن الأثير، ولكن له خلطا خاصا ~~به، وهو يجعل المقوقس قبطيا. # ابن دقماق: ~~(كتب حوالي سنة 1400) يذكر المقوقس الرومي عامل هرقل. # المقريزي: ~~(المولود سنة 1365 ميلادية) يروي عن يزيد بن أبي حبيب عبارة أن المقوقس الرومي كان واليا على مصر ~~وصالح عمرا، ويروي عن ابن عبد الحكم خبر حياة المقوقس في وقت ثورة منويل. وابن عبد الحكم مؤرخ قديم ~~(مات سنة 870 للميلاد)، وكتابه موجود في نسخة خطية، ولكنه قصصي، كما أنه مؤرخ، غير أنه ذو قيمة ~~عظيمة في كثير من الأحيان، وقد نقل # Weil # عنه كثيرا. # ويتفق المقريزي مع ياقوت في ذكر «الأعيرج»، وفي أن المقوقس بن قرقب (أو قرقت) كان يونانيا، ويذكر ~~أن القبط كان لهم في الإسكندرية أسقف اسمه «أبو ميامن»، وأن المقوقس صالح العرب، غير أن هرقل لم ~~يقر صلحه وعنفه، على أنه كان كالقبط في الجبن والخسة، وذكر قيرس فقال إن هرقل «أقام قيرس بطرك ~~الإسكندرية» (وأخطأ فذكر فيرس بالفاء بدل قيرس بالقاف). # وأما كتاب الواقدي (وهو كتاب قصصي غير ثابت التاريخ) فقد جاء فيه أن ملك القبط كان عند ذلك المقوقس ~~بن رعيل. # أبو المحاسن: ~~(المولود سنة 1409) يجعل بنيامين القبطي أسقف الإسكندرية، ~~ويقول إن قائد قصر الشمع كان الأغيرج (بالغين)، وكان تحت أمر المقوقس. وجاء في نسختين خطيتين أن اسم ~~المقوقس جريح (بالحاء) بن مينا. وهذا تحريف ظاهر لاسم «جريج بن مينا». وقد ذكر المؤرخ نفسه في موضع ~~آخر أن قائد الحصن كان المندفور المسمى الأغيرج من قبل المقوقس بن قرقب اليوناني. ويروي هذا المؤلف ~~عن ابن كثير قصة (منقولة من ابن إسحاق وغيره) أن المسلمين عندما دخلوا مصر قابلهم أبو مريم جاثليق مصر ~~وأبو مريام الأسقف، ثم ذكر هذين القسين العظيمين عند بناء الفسطاط. # السيوطي: ~~(المولود سنة 1445 ميلادية) يكاد يتفق مع أبي المحاسن، وهو يذكر أن الحصن كان يقوده المندفول ~~المسمى الأعيرج من قبل المقوقس بن قرقب ms355 اليوناني، ويذكر أن مقام المقوقس كان في الإسكندرية، وأنه ~~صالح عمرا، ولكن هرقل لم يقر صلحه، وأن اسم الأسقف القبطي «أبو ميامن». # وهذا العرض لكبار المؤرخين العرب يظهر وجوه اختلافهم الكثيرة، ولكن من الجلي أنهم يذكرون ثلاثة أشخاص يجب معرفة ~~حقيقتهم، وهم: المقوقس، وأبو مريم، والأعيرج. وسنذكرهم بادئين بالأخير، ثم الذي قبله، فالذي قبله: ~~(1) # الأعرج - الأعيرج - الأغيرج: ويظهر أن هذا الاسم جاء أولا في ~~ياقوت (أول القرن الثالث عشر) على أنه اسم قائد حصن بابليون، وأن لقبه كان المندفور، ويجوز أن ذلك كان ~~تحريفا للفظ «المندتور»، وهو تعريب اللقب البيزنطي، على أن ذلك اللقب لا يظهر أنه استعمل في غير ذلك ~~الاستعمال وقصد به القائد. وقد أخذ أبو المحاسن ذلك عن ياقوت، وكذلك أخذ عنه السيوطي، على أن السيوطي جعل ~~ذلك اللقب «المندقول»، وهو تحريف في النسخ. ويقول الأستاذ «لين بول» إن الأعرج والأعيرجإن قائد قصر الشمع ~~كان الأغيرج هو «أرطبون» أحد قواد الروم، وإنه كان كذلك يسمى ابن «قرقب» (انظر # Eg. in ~~The Middle Ages ~~، صفحة 5، هامش 2). ولكن ليس ثمة مرجع حقيقي لذلك الرأي في شخصيته، ~~ولا في نقل اسم «ابن قرقب» من المقوقس إلى الأعرج، ولكنا نرى أن الأعرج ما هو إلا قلب ناشئ من النقل ~~الكثير للفظ «جرج» أو «جريج»، وأن اسم قائد الحصن في الواقع هو «جورج»، ولعله شخص غير «جورج الحاكم ~~للإقليم» الذي ذكره حنا النقيوسي. ~~(2) # أبو مريم: وصف الأستاذ «لين بول» هذا الشخص بأنه «جاثليق» مصر، وأنه انضم إلى جيش عمرو. ولفظ جاثليق لا ~~معنى له إلا «بطريق»، وأول من ذكره من مراجعنا «الطبري»؛ فقد جعلته معلوماته الفارسية يذكر ذلك اللفظ على ~~أنه اسم كبير أساقفة مذاهب النسطوريين والأرمن، ويكثر ذكره في كتب سبيوس وسواه، ويعرفه # DU ~~Cange # حق المعرفة. والحقيقة أن الطبري نفسه يفسر ذلك اللفظ بأنه كبير أساقفة ~~النصارى، ولكنه يقول بعد ذلك عبارة محيرة، وهي أن اسمه كان «ابن مريم». ويمكننا أن نسلم بأنه قد كان ~~في مصر رئيسان للأساقفة أو ms356 بطريقان في وقت الفتح، وهما قيرس وبنيامين، ونزيد على ذلك أنه قد يجوز أن ~~بطريقا ثالثا كان موجودا عند ذلك، وهو بطريق مجهول (للجايانيين)، ولكن ذلك غير هام فيما نحن فيه، وابن ~~مريم لا يمكن أن يكون هو «قيرس»، ولكنه يمكن أن يكون المقصود به «بنيامين»، ونرجو أن نستطيع البرهان على ~~أن ذلك هو المقصود؛ فإنه في مدة ابن الأثير كان الاسم قد حرف إلى «أبي ميامين»، في حين أن أبا المحاسن ~~يذكر - وهذا طبعا صحيح - أن الأسقف القبطي في الإسكندرية كان اسمه بنيامين، ويذكر السيوطي أن الأسقف ~~القبطي هو «أبو ميامين»، وليس على الإنسان إلا أن يقرن هذه الحقائق بعضها إلى بعض فيرى لأول نظرة أنه من ~~أسهل الأمور تحريف اسم «أبي بنيامين» إلى «أبي ميامين»، ثم إلى «أبي مريم»، في حين أن «ابن مريم» يجوز أن ~~يكون تحريفا للاسم بنيامين؛ فإن كتاب العرب كانوا يعرفون أن اسم مريم اسم يجله النصارى إجلالا عظيما، ~~فأخطئوا في لفظ «أبا» فظنوا أنه اللفظ العربي «أبو»، في حين أن نزع الجزء الأول من «بنيامين» وهو «بن»، ~~وخلط باللفظ العربي «ابن»، ونشأ من ذلك الخلط أسماء عجيبة زادها تحريف النساخ خطأ، فذهبوا إلى تسمية ~~الأسقف باسم «أبي مريم» و«ابن مريم»، ونستطيع الآن أن نستبعد اسم «أبي مريم» # 4 # ونحن واثقون من أن ذلك الاسم لم يكن. وكذلك أسماء «أبي مريم» و«ابن مريم» و«أبي ميامين»، وأن ~~نجعل مكان هذه الصور الغريبة اسم «بنيامين» الذي كان كبير أساقفة القبط في الإسكندرية. غير أنه لا يكفي أن ~~نستبعد هذه الخيالات؛ فإنا إذا سلمنا أن الشخص التاريخي المقصود هو بنيامين، فإنه من المحال أن نقبل ما ~~قيل عنه من أنه اشترك مع عمرو أي اشتراك فيما ذكر عنه، فلم يحاربه ولم يفاوضه. وأما ما ذكره الطبري ومن ~~اتبعه كابن الأثير عن بنيامين فإنه قول سخيف؛ فقد جعلوه قائدا حربيا تحت حكم المقوقس. وقد سعى الطبري ~~إلى جعل خبره مقبولا لا تناقض فيه، فجعل المقوقس أميرا للقبط. ولكن ms357 كل الأدلة المستمدة من المؤرخين ~~المصريين تدل على أن هذين الرأيين غير صحيحين (وكان الطبري غريبا عن مصر وإن كان قد زارها)؛ فالمؤرخون ~~المصريون مجمعون على أن بنيامين بقي مختفيا في الصعيد مدة عشر سنوات قبل الفتح العربي، وثلاث سنوات في ~~مدة الفتح. ولو لم يكن لدينا غير ما كتبه ساويرس «حياة بنيامين»، لكان ذلك كافيا للبت في هذا الأمر، غير ~~أن كل المؤرخين من حنا النقيوسي إلى ما بعده متفقون في هذا الرأي؛ فكيف لنا إذن أن ندرك علة ما يعزوه ~~مؤرخو العرب إلى بنيامين من الاشتراك في الأمور عند الفتح؟ والتعليل هو ما يلي: أنهم وجدوا في الأخبار ~~القديمة أو الروايات السابقة أن زعيم المدافعين والرئيس الذي فاوض في شروط الصلح مع الغزاة هو كبير ~~أساقفة الإسكندرية، ووجدوا بعد الفتح وفي التاريخ القبطي أن كبير الأساقفة في الإسكندرية المعترف به هو ~~بنيامين، وفوق ذلك لقد كان بنيامين هو الذي جاء إلى عمرو وصالحه في وقت الفتح الثاني للإسكندرية عند ثورة ~~منويل؛ فاختلط هذا الخبر بالصلح الذي كان مع قيرس؛ وعلى ذلك اختلط الشخصان، وعزي إلى بنيامين فعل ما ~~فعله قيرس عند الفتح، ولكن لا بد لنا أن نعالج الأمر الفاصل، ألا وهو حقيقة شخصية المقوقس؛ حتى لا يقال ~~إن تفسيرنا هذا تفسير شيء غامض بمثله. ~~(3) # المقوقس: يذكر جل مؤرخي العرب شخصا يطلق عليه ذلك اللقب، ولكن مما يسترعي النظر أن من بين من ~~ذكرنا من المؤلفين لا يذكر الآتون اسما لصاحب ذلك اللقب، وهم البلاذري والطبري وسعيد بن بطريق وساويرس، ~~ولا ابن الأثير نفسه. حقا إن الواقدي يسميه «ابن رعيل»، ولكن هذا اسم من الأسماء العجيبة الخيالية التي ~~ترد في قصص العرب قبل التاريخ لتسمية الملوك والسحرة ومن إليهم، فلا نجد أن المقوقس اسمه جريج بن مينا ~~حتى نأتي إلى عام سنة 1200 للميلاد؛ إذ يطلق عليه ذلك الاسم «أبو صالح»، في حين أن ياقوت الذي كان في ~~نفس عصره يسميه «جريج بن قرقب اليوناني». وهذا الاختلاف يدل ms358 على وجود روايتين مختلفتين أو مصدرين ~~منفصلين للخبر. ومن العجيب أن هذا استنتاج يدل عليه ما نجده بعد مدة من ذلك العصر؛ إذ نجد مؤرخا واحدا ~~وهو أبو المحاسن ينسب ذلك الشخص «جريج» إلى النسبتين في مواضع مختلفة، فيسميه تارة «ابن مينا» وتارة ~~«ابن قرقب اليوناني»، ويكفي أن نقول أولا إن هذين الاسمين لا يمكن التوفيق بينهما، وإنهما يرجعان إلى ~~مرجع في عصر متأخر، ولا يمكننا بهما أن نعرف شيئا عن حقيقة المقوقس؛ فيجب علينا إذن أن ندعهما، وأن نسعى ~~إلى اكتناه حقيقته من نواح أخرى لا علاقة لها بهذين الاسمين، فإذا تم لنا ذلك نظرنا فيما وصلنا إليه من ~~بحثنا لنرى هل نستطيع بعد أن عرفنا حقيقة المقوقس أن نفهم سبب هذين الاسمين. ولنعد الآن إلى مراجعنا؛ فإن ~~البلاذري لا يفيدنا كثيرا في بحثنا. وأما الطبري فإنه بلا شك يضلله ويعميه؛ فإنه يجعل المقوقس «أمير ~~القبط»، وفوق ذلك يجعله الزعيم الذي يفاوض العرب في التسليم وهو في داخل حصن بابليون، وهو مخطئ في هذا ~~خطأ مزدوجا؛ فإن المقوقس لم يكن من القبط، ولم يكن في الحصن عند فتحه، على أن البلاذري يذكر أن المقوقس ~~حاكم الإسكندرية. ويقول سعيد بن بطريق إنه كان مراقب الأموال من قبل هرقل. ويجب أن نذكر أن سعيد بن ~~بطريق كان ملكانيا، وقد ذكر أن المقوقس كان ملكانيا، ولكنه ذكر أنه كان يبطن الاعتقاد في مذهب القبط. ~~وتلك عبارة فاسدة اخترعها لكي يفسر ما كان من المقوقس. فلا نستطيع أن نجد حلا للغز المقوقس وحقيقته ~~حتى نأتي إلى ساويرس؛ فإن الحل فيه واضح لا إبهام فيه، وقد كان ساويرس قبطيا، ولم يكن به ما يحدوه إلى ~~إخفاء ما أتى به المقوقس، وفوق ذلك قد كتب تاريخه مستندا إلى وثائق، بعضها قبطي وبعضها غير قبطي، كانت ~~محفوظة في مكتبة دير مقار، وفي دير «نهيا»، وفي مجموعات أخرى عند أفراد الناس. ولقد تجد فيه بلا شك في ~~بعض الأحوال أخبارا غير دقيقة وأخرى مستحيلة، ولكنه مع ذلك ms359 يذكر طائفة كبيرة من الأخبار لا نجدها في ~~التواريخ القديمة التي ذكرناها آنفا، وإليك ما جاء في كتاب ساويرس: «استعمل هرقل قيرس بعد استعادة مصر من ~~الفرس، وجعل له ولاية الدين والحكم في الإسكندرية.» ونعلم أنه بقي في عمله عشر سنين اضطهد القبط في ~~أثنائها اضطهادا عظيما، وقد وصف بنيامين مدة هذا الاضطهاد بأنها «عشر سنين كان هرقل وقيرس يحكمان فيها ~~مصر»، ثم نجده يذكر قيرس فيسميه «الحاكم الكافر الذي كان حاكما وبطريقا للإسكندرية مدة حكم الروم»، ~~وفوق ذلك يذكر ساويرس أن بنيامين هرب عند قدوم قيرس؛ لأن ملكا حذره، ثم ذكر أن بنيامين قال: «إن ~~المقوقس طردني وشردني.» وعلى ذلك فليس ثمة بقية من الشك في أن ساويرس يذهب إلى أن المقوقس هو قيرس، ~~ويفرق بينه وبين بنيامين. # وسنحاول أن نبرهن على أن ساويرس على الحق وأن كل مؤرخي العرب على خطأ فيما خالفوه فيه. # فمن الحقائق التي لا يختلف فيها عن هذا العصر أن قيرس كان ذا سلطان في أمر الدنيا وأمر الدين معا، وحقيقة أخرى ~~وهي أنه لما استعمله هرقل بطريقا وواليا اضطهد القبط مدة عشر سنوات. ويذكر حنا النقيوسي «الاضطهاد الذي شهره هرقل في ~~بلاد مصر جميعها على أتباع مذهب السنة (القبط)، وذلك بتحريض البطريق الخلقيدوني «قيرس»». وتاريخ القبط مملوء بذكر ~~هذا المعنى. # فكل تاريخ الفتح في كتاب حنا قائم على أن قيرس كان واليا على مصر ولا خلاف في ذلك، ولكن أبا صالح يذكر أن هرقل ~~استعمل على البلاد المقوقس، وأن هروب بنيامين بقي عشر سنوات كما أوحى إليه الملك، وأن تلك كانت مدة حكم المقوقس في ~~مصر. حقا إن أبا صالح يسمي المقوقس جريج بن مينا، ولكنا سنتكلم في ذلك بعد حين وجيز. ويتفق ابن دقماق ومكين في أن ~~عامل هرقل على مصر كان المقوقس. ويذكر المقريزي أن المقوقس هو الذي صالح العرب، وأن مولاه هرقل أبى إقرار صلحه، وقد ~~تبعه في ذلك أبو المحاسن والسيوطي؛ وعلى ذلك فثمة اتفاق بين مؤرخي العرب في ms360 العمل الذي كان يعمله المقوقس، ولكنهم لا ~~يتفقون في ذكر الاسم الذي كان به يسمى، ولو لم يكن لدينا من المراجع غير هؤلاء لما بلغت حجتنا من القوة ما بلغته. ~~على أن حجتنا قد تستند على دعامة قوية من قول ساويرس وحده. # لكننا نجد دوننا بعض وثائق قبطية وأخرى عربية قليلة العدد لها علاقة بهذا الأمر؛ فلدينا «تاريخ حياة شنودة» الذي ~~نشره أميلنو، وهو عن أصل قبطي كتب في القرن السابع، وقد جاء فيه الخبر الآتي على صورة نبوءة، وهو: «ثم سيظهر المسيخ ~~الدجال، ويمثل بين يدي ملك الروم، فيجمع له ولاية الدين والدنيا، وسيجيء إلى مصر ويناصب فيها كبير الأساقفة ~~بالإسكندرية العداء، وسيهرب منه هذا إلى أرض تيمان.» وهذا بغير شك وصف لقيرس وما كان منه من معاملة بنيامين، ولكن ~~ثمة قطعة من وثيقة أخرى في المكتبة البودلية ( # Mss. Copt. Clar. Press. ~~)، وقد نشرها ~~كذلك أميلنو تحت عنوان حياة «صمويل القلموني». # وقد ذكر في هذه القطعة خبر زيارة شخص إلى الدير، واسم ذلك الشخص # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ ~~ⲡⲉⲡⲥⲉϫⲧⲟⲁⲣⲭⲏⲉⲡⲓⲥⲕⲟⲡⲟⲥ # أو # ⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ ~~«البطريق الكاذب»، وقد ذكرنا هذه القصة في متن كتابنا هذا (الباب الثالث عشر)، ولا حاجة بنا إلى إعادتها هنا، ولكن ال # ⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ # لم يقتصر على تسميته في ذلك الخبر بالبطريق، بل من الجلي أنه سمي كذلك «مراقب خراج أرض مصر»؛ # ⲧⲁⲝⲓⲁⲣⲭⲏⲥ ~~ⲉϫⲛ ⲇⲏⲙⲱϭⲓⲟⲛ ~~ⲛⲧⲉⲭⲱⲣⲁ ~~ⲛⲕⲏⲙⲉ # وعلى ذلك فقد جاء في وثيقة # 5 # مما تخلف عن ذلك العصر ذكر البطريق «الخلقيدوني» (أي الملكاني)، وهو لا يعترف له القبط بالسلطان، بل ~~إنهم يوالون بطريقهم بنيامين. على أن ذلك البطريق الخلقيدوني قد جمع له السلطان الديني والدنيوي على بلاد مصر، وفوق ~~هذا يسمى ذلك الشخص باسم # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟς ~~. # ولا حاجة بنا إلى بيان مقدار الاتفاق الوثيق بين هذا الوصف وبين ما جاء في كتاب ساويرس عن عمل قيرس البطريق ~~الخلقيدوني ووالي هرقل، وهو فوق ذلك متفق بعض الاتفاق مع ما جاء في كتاب «سعيد بن بطريق» ومكين وابن دقماق والمقريزي، ~~ولكن أكبر ما يهم المطلع ms361 على هذه القطعة أننا نجد فيها اسم المقوقس في الصورة الأصلية القبطية، وأنه يطلق على ~~شخص لا نجد بعد شكا في أنه هو بعينه قيرس. # ولكن أميلنو قد أخطأ الصواب فيما ذهب إليه؛ فإنه اضطر إلى أن يذهب إلى أن المقوقس كان بطريقا ملكانيا، ولكنه لم ~~يفكر في أنه هو قيرس بعينه؛ فهو يقول في الحقيقة إنه من أصعب الأمور تعيينه؛ فإن قيرس كان قد ترك البلاد في سنة 639، ~~ثم قال: «ولعل المقوقس قد اختير ليحل محل قيرس عند ذلك، بل لعله كان عدوا لقيرس.» ولكن من أعظم الخدمات التي ~~خدمها ذلك العالم الفرنسي للآداب المصرية أنه لا يدعي أنه بحث بحثا خاصا في تاريخ الفتح العربي؛ وعلى ذلك فإنه ~~كتب مقالا عن المقوقس بعنوان «قطع قبطية» في جريدة # Journal Asiatique ~~، شهر أكتوبر ~~ونوفمبر سنة 1888، صفحة 389-409، وهو مقال ذو قيمة حقيقية، ولكنه لم يبحث فيه بحثا مستفيضا واسع النطاق، ولم ~~يرتب المراجع التي أخذ عنها ترتيبا راعى فيه ترتيب التواريخ أو القيم، وكذلك قد أخذ في مقاله ذاك برأي بعض من سبقه ~~من المؤرخين بغير أن يفحصه فحصا نقادا؛ فمثلا عندما ذهب إلى أن المقوقس كان بطريقا ملكانيا كان دونه اعتراض، ~~وهو أنه «إذا صح ذلك فكيف لم يذكر شيئا عنه المؤرخون القبط الذين كتبوا باللغة العربية، مثل سعيد بن بطريق ومكين وأبي ~~الفرج؟» ويلوح أن هذا اعتراض قوي، ولكنه لا يلبث أن يختفي إذا ما مسه النقد، وقد أجاب أميلنو عليه بقوله: «ويجب أن ~~نجيب ببساطة أننا لا نعرف شيئا عن ذلك؛ فإن المؤرخين الأخيرين لم يكتب أولهما وهو مكين غير سطرين اثنين عن ~~المقوقس، ولم يذكره ثانيهما وهو أبو الفرج، وقد كتب فيه سعيد بن بطريق فحاباه. ولو قلنا إنه عرف ذلك الأمر فمن الجائز ~~أنه غفره له لما كان منه فيما بعد، ولكنه إذا لم يعرفه كان جهله به سببا قويا في أنه لم يذكره، وفوق ذلك فقد كتب ~~سعيد كتابه بعد هذه الحوادث بما لا ms362 يقل عن ستمائة عام.» # يقول إن ابن بطريق قبطي، وإنه كتب بعد الفتح بما لا يقل عن ستمائة عام، وما أغرب هذا من قول! فإن المؤرخين الثلاثة ~~الذين ذكرهم أميلنو، أحدهم أبو الفرج، لم يكن قبطيا البتة، ولم يكن كذلك مصريا، بل كان سوريا، وأما الثاني فهو ~~سعيد بن بطريق، ولم يكن قبطيا، بل كان بطريقا ملكانيا، مع أنه لا يقول إن المقوقس كان هو بعينه قيرس. وقد كتب ~~سعيد بن بطريق بعد الفتح بأقل من ثلاثمائة عام، وليس «بما لا يقل عن ستمائة عام». وقد قال سعيد بن بطريق فوق ذلك ~~صراحة إن المقوقس كان مراقب الخراج من قبل هرقل، وهو يكاد في ذلك يتفق في النص مع وثيقة أميلنو. وأما الثالث مكين ~~فقد كان مسيحيا، ويجوز أنه كان قبطيا، ولكنه مؤرخ متأخر، وليس له قيمة كبرى. ومن هذا يظهر أن اعتراض أميلنو ~~الخاص بمن سماهم مؤرخي القبط لا يدعمه أساس. على أنه ثمة مؤرخ قبطي من المتقدمين ومن أكبر المؤرخين شأنا، وقد كتب ~~بالعربية، ودليله كما سبق القول كاف وحده إذا لم يدعمه دليل آخر للدلالة على حقيقة المقوقس دلالة لا شك فيها، وهو ~~ساويرس، ولكن أميلنو لا يأخذ عنه. ولنوجز هنا النتائج التي استخلصها أميلنو، ~~وهي: ~~(1) # أن خبر إرسال النبي محمد # صلى الله عليه وسلم # إلى المقوقس كتابا في عام 627 خبر غير حقيقي. ~~(2) # أن اسم المقوقس هو جورج بن مينا، وأما اسم «ابن قرقب» فإنه تسمية ~~أخرى. ~~(64 ~~⋆ ~~) ~~(3) # أن المقوقس كان أحد أبويه قبطيا إن لم يكونا قبطيين كليهما، وأنه كان في خدمة الإمبراطور، وأنه كان ~~في أول الأمر على المذهب الملكاني. ~~(4) # أنه كان بطريقا ملكانيا، ولكن تاريخ ولايته غير معروف إلا بالظن والحدس. ~~(5) # أن لفظ المقوقس كان لقبا لقب به، وهو مشتق من ~~لفظ ~~(65 ~~⋆ ~~) # أو ~~من، ~~(66 ~~⋆ ~~) # وهو اسم قطعة صغيرة من النقود البرونزية كانت تتداول منذ أيام جستن. # والآن قد بلغنا موضعا نذكر فيه مؤلفا عظيما في ذلك البحث للأستاذ العلامة البرتغالي # F. ms363 M. E. Pereira ~~، وهو # Vida da Abba Samuel do Mosteire do Kalamon ~~، وهو ~~ترجمة عن اللغة الأثيوبية من كتاب «حياة صمويل»، وبه تعليقات ورسائل قيمة، من بينها رسالة قصيرة عن المقوقس (صفحة ~~41-53). ولا يأخذ هذا المؤلف شيئا عن النسخة المخطوطة من كتاب ساويرس، وهو في ذلك مثل أميلنو، وهو يتبع أميلنو في ~~كثير من المواضع، وهو مثله لا يتحرى الدقة في تصنيف مراجعه ولا يرتبهم بحسب قدورهم، ولكنه يظهر مقدار القرب بين ~~الخبر في النص الأثيوبي وبين الخبر في النص القبطي. على أنه من أعجب الأمور أن ذلك النص الأثيوبي مثل كل مراجعنا لا ~~يذكر اسم أكبر عامل في تلك الحوادث، بل يسميه «الحاكم»، وتسميه القطعة القبطية # ⲡⲕⲟⲗⲭⲓⲟⲥ # و«بطريقا». والنتائج التي ~~استخلصها Pereira # مخالفة بعض المخالفة لما استخلصه أميلنو، وهي كما ~~يلي: ~~(1) # أن صاحب الاضطهاد شخص عرف باسم # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟς # أو ~~المقوقس. ~~(2) # أنه كان من أصل يوناني. ~~(3) # أنه كان بطريق الإسكندرية، وحاكم مصر، ومراقب الأموال. ~~(4) # أن اسمه كان قيرس. ~~(5) # أن اسم المقوقس مشتق من ~~لفظ ~~(67 ~~⋆ ~~) # أو من ~~لفظ ~~(68 ~~⋆ ~~) # لم يبق علينا إلا أن نقول كلمة أخرى في أن المقوقس هو قيرس؛ فقد نقل أميلنو عن التقويم القبطي للكنيسة ما ذكره ~~التقويم عن يوم 8 طوبة، وهو يوم وفاة بنيامين، ما يأتي: «قاسى بنيامين شدة عظيمة على يد المقوقس، فهرب إلى الصعيد حيث ~~قضى مدة عشر سنوات كاملة ... وكان المقوقس رئيس مذهب خلقيدونية، وقد استعمل واليا وبطريقا على مصر.» ويتفق التقويم ~~الأثيوبي مع هذا اتفاقا تاما، وقد نقله Pereira # بتمامه، وقد جاءت فيه هذه الكلمات ~~(راجع أصل الكتاب، صفحة 173، والترجمة 180): «والمقوقس أي الحاكم والبطريق في الإسكندرية وكل أرض مصر.» حقا إن ~~النسخة الخطية لهذا التقويم يلوح أنها مؤرخة في القرن الخامس عشر (انظر فهرس النسخ الخطية الأثيوبية في المكتبة ~~الأهلية، سنة 1877، صفحة 152). ولكنها مع ذلك ترجع إلى أصل قديم جدا. وعلى كل حال فما يسترعي النظر مقدار الدقة ~~العظيمة التي بقيت فيها الرواية الصحيحة لهذا الخبر محفوظة في هذه ms364 السجلات التي للكنيستين (وكانتا طبعا على اتصال ~~وثيق)، في حين أن المؤرخين العاديين قد خلط معظمهم هذه الأخبار وجعلوها غامضة، حتى ضاع فيها الحق. # ولكن لقد صار من المحقق المقطوع به أن قيرس هو المقوقس بعينه، وأن المقوقس كان قيرس الذي استعمله هرقل حاكما ~~وبطريقا في الإسكندرية. وإنه لمن العجيب أن حنا النقيوسي لا يذكر لقبا يشبه المقوقس أو # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟς ~~، ولكن ~~تاريخه لهذا العصر حافل بالأدلة على أن قيرس البطريق هو الذي قام بالاضطهاد مدة السنوات العشر، وأنه كان حاكم بلاد ~~مصر. وأما ما قيل من أن المقوقس قد ورد ذكره في سنة 627 على أنه كان حاكم مصر، إذ أرسل النبي محمد كتابه إلى ذلك ~~الحاكم يدعوه فيه إلى الإسلام، فإنه اعتراض يسهل الجواب عليه؛ فإن من أوضح الحقائق أن مؤرخي العرب الذين يذكرون اسم ~~المقوقس ليس عند أحدهم أي إدراك لمعنى ذلك اللفظ ولا لاشتقاقه، وقد استعمل اللفظ وقصد به حاكم مصر في سنة 627 خطأ؛ ~~فقد كان عند مؤرخي العرب أمران: ~~(1) # أن النبي محمدا أرسل رسولا إلى حاكم مصر في سنة 627. ~~(2) # أن حاكم مصر في وقت فتح مصر كان اسمه المقوقس، وهو الذي كان أكثر الناس ذكرا في تاريخ ذلك الفتح، ~~فاستنتجوا من ذلك خطأ أن الحاكم السابق كان اسمه المقوقس كذلك، وهذا خلط كان وقوعه من أسهل الأمور، ~~ويكاد يكون لا بد منه في عقول لم تكن بطبعها نقادة. فليس ثمة ما يبرر تكذيب خبر بعث النبي للرسول إلى ~~مصر كما فعل أميلنو؛ إذ إنه خبر قد قام عليه من الدليل ما قام على أي خبر مصدق من أخبار تاريخ الإسلام. ~~وقد حدث مثل هذا الخلط وفسرنا به إطلاق لقب المقوقس في وقت ثورة منويل على بنيامين. وخلاصة القول أن لفظ ~~المقوقس يطلق على ثلاثة أشخاص: ~~(1) # على الحاكم الذي جاءه كتاب النبي محمد قبل الفتح بسنوات. ~~(2) # على الحاكم الذي كان في وقت الفتح. ~~(3) # على عظيم القبط في وقت ثورة منويل. # وهذا يدل على أن العرب لم ms365 تكن عندهم صورة واضحة عنه، ولكن دلت الأدلة كلها على أن ذلك اللقب كان يطلق على ~~الحاكم الذي كان على مصر في وقت الفتح؛ فإن كل المؤرخين العرب يدلون على أن قطب الحوادث التي أحدثها المقوقس هو ~~تسليم مصر، وقد دل حنا النقيوسي دلالة قاطعة على أن الذي سلم مصر وخانها هو قيرس. # بقي علينا أن نظهر كيف أصبح قيرس يدعى جريج بن مينا أو جريج بن قرقب؛ فإن ~~حنا النقيوسي كما رأينا ذكر رجلا اسمه «جورج» حاكم الإقليم الذي أمره عمرو أن يقيم جسرا على الترعة عند قليوب؛ وعلى ~~ذلك قد كان «جورج» هذا شخصا تاريخيا كان له مكان عظيم في وقت الفتح العربي، ولعله الشخص نفسه الذي نلقاه تحت اسم ~~«الأعيرج»، وإنه من السهل أن نعتقد أن مؤرخي العرب قد خلطوا بينه وبين قيرس. ولسنا نقدر أن نقول أكان جورج هذا هو ~~«جريج بن مينا» أو «ابن قرقب»، ولسنا نرى لهذا كبير قيمة، ولكنا لا نقدر أن نوافق # Karabacek # على أن والده كان يدعى بالاسمين معا، ولو أنه من الجائز أن «قرقب» ~~صحتها «فرقب» بالفاء، وأن «فرقب» تعريب الاسم ~~اليوناني. ~~(69 ~~⋆ ~~) # فإن لفظ «قرقب» لم يذكر في الكتب العربية إلا في عصر متأخر جدا، # 6 # فأحر به ألا يكون أكثر من تحريف أو سلسلة من التحريف عند النسخ. وقد قال أبو صالح، صفحة 156، إن اسم ~~«قرقر» مشتق من «جريجوريوس». فإذا ذهبنا إلى أن لفظ «قرقر» قد حرف فصار «قرقب»، وهو احتمال قريب كل القرب، بدا ~~لنا تفسير سهل قريب، وهو أن «ابن قرقب» ليس إلا تحريف «ابن قرقر»، وأن معناه «ابن جريجوريوس». ولنلاحظ كذلك أن ~~«جريجوريوس» تكتب في لغة الأرمن «جريجر»، وأن ذلك الاسم من الأسماء الشائعة في تلك البلاد، والصورة المعتادة بين ~~القبط والأرمن اليوم من اسم «جريجوريوس» هي «كركور»؛ وعلى ذلك فإنه من أقرب الأمور أن قيرس كان «ابن جريجوريوس»، وأن ~~جورج كان «ابن مينا». وقد نبهنا المسيو «كازانوفا» إلى أن «ابن قرقب» إن هو إلا ms366 تحريف بسيط لاسم «أبو قرص». وعلى ~~ذلك نرى في الحقيقة اسم «قيرس» مختفيا تحت لفظ «ابن قرقب»، وهذا الاقتراح وجيه، كما أنه ينم عن ذكاء. # وأما البحث في معنى لفظ المقوقس واشتقاقه فأصعب وأعسر؛ فقد جاء في المراجع المتأخرة أمثال كتاب «الدميري» «حياة ~~الحيوان» (حوالي سنة 1400)، و«القاموس» الذي يأخذ عنه (في القرن الخامس عشر)، ما يدل على أن لفظ المقوقس معناه ~~«الحمامة المطوقة»، وقد ذكرت عدة أقاصيص في تفسير ذلك اللقب، ولكن لا يكاد أحد يشك في أن هذا الاشتقاق مسخ ~~للحقيقة، وهي أن اسم المقوقس قد أطلق في العصور المتأخرة على «الحمامة المطوقة» على وجه الدعابة والاستظراف. وكذلك ~~لا نستطيع أن نقبل ما ذهب إليه # Karabacek # من أن ذلك اللفظ مشتق من اللفظ ~~اليوناني؛ ~~(70 ~~⋆ ~~) # فليس ثمة من دليل على ما يظهر على وجود مثل ذلك اللقب. وإن قرب الشبه بين اللفظ اليوناني واللفظ العربي هو في الحقيقة ~~هادم لذلك الرأي؛ فإنه لا يتصور أن يكون العرب قد حكوا ذلك اللفظ اليوناني على صورته بغير تحريف. # وقد رأينا أن لقب المقوقس قد ذكر في النصوص القبطية القديمة هكذا # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ ~~، وأن «أميلنو» و«بريرا» قد ~~اتفقا في أنه مشتق من لفظ بيزنطي قيل إن معناه قطعة من النقود البرونزية صغيرة مثقوبة، كما اتفقا في أن ذلك الاسم ~~قد أطلق على قيرس على سبيل السخرية من عمله، وهو مراقبة الأموال أو الضرائب أو الجزية. وهذا التفسير وإن كان بعيدا ~~وفيه تكلف عظيم، قد يكون أقرب إلى الأذهان لو صح الدليل على أن ~~لفظ ~~(70 ~~⋆ ~~) # أو ~~لفظ ~~(71 ~~⋆ ~~) # كان مستعملا في مصر أو سواها من البلاد في ذلك الوقت أو في أي وقت آخر. وأما نحن فلا نعرف ثمة هذا الدليل، ولسنا ~~ندري أين وجد أميلنو مثل هذه الألفاظ، فهو يشير إلى # Du Cange ~~؛ إذ يذكر أن ~~لفظ ~~(72 ~~⋆ ~~) # معناه إناء صغير أو قدح، كما أنه يذكر مثلا استعمل فيه ذلك اللفظ بمعنى قطعة مخروقة من النقد، وقد ذكر أن المرجع ~~في ذلك ms367 كان (نوفمبر 105) جستن. وقد احترس # Du Cange # فذكر بعد ذلك أن قراءة ~~لفظ ~~(73 ~~⋆ ~~) # في ذلك المرجع مشكوك فيها، وقد يكون المقصود هو ~~لفظ. ~~(74 ~~⋆ ~~) # ومثل هذا القول هو الذي اعتمد عليه «أميلنو» في إثبات وجود ما زعم وجوده من «قطعة من النقد البيزنطي كانت مستعملة منذ ~~أيام جستن». وقد أخذ «بريرا» هذا الاشتقاق بغير أن يشك فيه، فقال: «إن هذا اللفظ مكتوب على ~~صورة ~~(75 ~~⋆ ~~) # وصورة، ~~(76 ~~⋆ ~~) # وهو اسم لقطعة من النقود مخروقة كانت مستعملة منذ أيام «الإمبراطور جستن»» (صفحة 53). ولكن هذا الدليل قائم على أساس ~~واه، ويجب علينا أن نرفضه؛ وعلى ذلك فليس دوننا إلى الآن تفسير مقبول للقب المقوقس. ولعلنا لن نستطيع أن نجد حلا ~~لتلك المسألة، ومع هذا فإنا مقدمون على إيراد رأيين في حلها سنعرضهما على علاتهما كما عنا لنا: ~~(1) # أن كتاب العرب الذين ذكروا «المقوقس» ضبطوا اللفظ بكسر القاف ~~الثانية، وهو ضبط اللفظ الذي أطلق في العصور المتأخرة على الحمامة المطوقة. ولعلهم كتبوا اللفظ على ~~هذه الصورة ليظهروا التشابه بين الاثنين. على أن اللفظ مضبوط بلا شك في اللغة الأثيوبية بفتح القاف ~~الثانية، ولا نكاد نشك في أن ذلك الاسم نقل إلى اللغة الأثيوبية في عصر متقدم جدا. وبعد، فإن الكتاب ~~الذين عالجوا هذه المسألة لم يعن أحد منهم بأن يبحث عن البلاد التي جاء قيرس منها، ولا عن أصله ومنشئه. ~~ولنذكر أنه لم يكن مصريا، وأنه لم يكن من أهل القسطنطينية. ومما لا شك فيه أن موطن قيرس وأصله كانا من ~~أكبر مواضع التساؤل بين أهل الإسكندرية الذين اعتادوا الفضول والاهتمام بالأمور. ولا شك أن الجواب على ~~تساؤلهم في هذا الشأن كان «قفقاسيوس»؛ وذلك لأن هرقل قد نقل قيرس من ولاية الدين في «فاسيس» ببلاد ~~«القوقاز»؛ وعلى ذلك فإنه من أقرب الأمور أنه كان يسمى ~~«قفقاسيوس» ~~(77 ~~⋆ ~~) # باللغة اليونانية، وأن هذا اللفظ اليوناني نقل إلى اللغة القبطية؛ إما على صورة # ⲕⲁϫⲕⲁⲥⲓⲟⲥ ~~(78 ~~⋆ ~~) ~~(قفقيوس)، وإما على صورة # ⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ ~~(قلخيوس). ونشأ من هذه ~~الصورة القليلة ms368 التحريف الاسم العربي «المقوقس» في القرن السابع أو الثامن، فبقي إلى القرن العاشر في ~~صورة أكثر تحريفا، وهي # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟς # في الوثيقة ~~الخطية في المكتبة ال «بودلية»، وحرف «م» القبطي في اللغة القبطية من السهل التعبير عنه في اللغة العربية ~~بحرف «ميم مضمومة»، وقد يساعد على ذلك وجه الشبه بين ذلك اللفظ المنحوت في العربية وبين صيغة اسمي ~~الفاعل والمفعول. وهذا التفسير وإن كان غير خال من وجوه الاعتراض قائم على أساس من التاريخ على الأقل. ~~وإذا كان التغيير من لفظ قفقاسيوس إلى لفظ قفقيوس يعد انتقالا كبيرا لا يبرره مر الزمن ولو كان ~~مر قرنين، كان الناس في أثنائهما يتكلمان القبطية ويكتبان بها؛ فإنا نقول إن مدينة «فاسيس» كانت في ~~إقليم قلخيس # Colchis ~~، ولعل قيرس قد لقب بلقب «القلخي»، والانتقال سهل ~~جدا من هذا اللفظ إلى # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ ~~. ~~(79 ~~⋆ ~~) ~~(2) # وأما التفسير الثاني فهو كما يلي: جاء في تفسير # Du Cange # للألفاظ ~~المستعملة في كتابه أن ~~لفظ ~~(80 ~~⋆ ~~) # بمعنى # Amatus # و # Amasius ~~، ~~ومؤنثه، ~~(81 ~~⋆ ~~) # ومعناه # Concubina ~~، وهو لفظ يدل على نوع من الرذيلة، ومن السهل والطبيعي أن ~~يشتق من ذلك اللفظ ~~صفة ~~(82 ~~⋆ ~~) # إذا لم تكن تلك الصفة موجودة، ويكون إطلاقها على الشخص الذي يتصف بتلك الرذيلة. وهذه ~~الصفة ~~(83 ~~⋆ ~~) # تنقل إلى اللغة القبطية على صورة # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟⲥ # مع عدم تغيير ~~الصفة، ومع تغيير أداة التعريف، وذلك على قياس اشتقاق لفظ آخر من ~~لفظ ~~(84 ~~⋆ ~~) # استعمل أكثر من مرة في الوثيقة نفسها التي ورد فيه اللفظ السابق، وهو كذلك لفظ يقصد به الشخص عينه، أي ~~قيرس، ولكن قد يقال إن وصف قيرس بهذه الأوصاف القبيحة لا يستند إلى حقيقة في التاريخ فلنسلم بهذا، ولكن ~~ليس معنى ذلك أن القبط لم يصفوه بتلك الأوصاف، بل على عكس ذلك، إنه من أقرب الأمور أن يكونوا قد فعلوا ~~ذلك؛ إذ إن اضطهاد قيرس لهم مدة السنوات العشر قد بذر في قلوبهم كراهة عظيمة كانوا ينفسون عنها بسبه ~~وقذفه بالتهم؛ فقد وصف قيرس في هذه الوثيقة عينها ms369 بأنه «الفاجر» و«اليهودي» و«الكافر» و«ابن الشيطان» ~~و«المسيخ»، وبأن مذهبه كان «شيطانيا»، وعقيدته «مدنسة»، وبأنه «ملعون أكثر من لعنة الشيطان وشيعته من ~~الجن». فهل من المنتظر أن يطعن قيرس في دينه هذا الطعن ثم ينجو خلقه من التجريح والقذف؟ فإذا جعلت ~~حياته الخاصة هدفا لمثل هذا السباب المقذع فأولى به أن يتهم بالرذيلة التي يدل عليها ~~لفظ، ~~(85 ~~⋆ ~~) # وإن كانت تلك التهمة لا حقيقة لها. وقد أبدينا هذين الرأيين، ويلوح أنهما منفصلان ولا توفيق بينهما، ~~ولكنا نقول إنهما قد يكونان متصلين اتصالا وثيقا؛ فإنه من السهل أن نتصور أن المقوقس كان في أول ~~الأمر يدعى ~~قفقاسيوس، ~~(86 ~~⋆ ~~) # أو ~~قلخيقوس، ~~(87 ~~⋆ ~~) # أو ~~قلخيوس، ~~(88 ~~⋆ ~~) # ثم تلقف المصريون في دعايتهم بما هم عليه من سرعة البديهة ذلك اللفظ، وحولوه إلى الوصف ~~القبيح؛ ~~(89 ~~⋆ ~~) # وعلى هذا تحول لفظ مشتق في أصله من اسم إقليم جغرافي فأصبح شتما قذرا، وبقي الاسم بعد ذلك مدة قرون ~~بعد أن نسيت دلالته الحقيقية كل النسيان. # تعليق جديد للمؤلف في موضوع المقوقس # ترددت المكاتبة بين المعرب وحضرة الدكتور الفاضل مؤلف هذا الكتاب ( # Dr. A. J. ~~Butler ~~) في موضوع المقوقس، وقد تفضل بتعليق جديد يثبت رأيه في أن المقوقس لم يكن سوى ~~«قيرس» البطريق الملكاني بالإسكندرية، وها نحن موردوه هنا: # وقد وجدنا دليلا جديدا على أن المقوقس كان «قيرس» بعينه، وجدناه في كتاب منسوخ باليد في باريس ~~(منسوخات عربية رقم 150، صفحات 20-31)، وقد جاءت في هذه النسخة قصة عن «الأبا صمويل القلموني»، وفيها يروي ~~عن صمويل أنه يبدي أشد الكراهة والإنكار للمقوقس الفاجر (الذي يجب ألا يذكر اسمه)، وقد سماه على وجه ~~التعيين باسم «كبيرس المقوقس»، وذلك بلا شك خطأ من الناسخ لاسم «كيرس المقوقس» كما يقول الأستاذ «جاستون ~~فيت». وهذه النسخة المخطوطة منقولة من أصل قبطي، وصفحاتها بالفعل مرقومة باللغة القبطية. وهذا التعزيز ~~المستقل لرأينا في شخصية المقوقس له دلالة كبيرة. # الملحق الرابع: في تواريخ الفتح العربي # ما أكثر الصعاب التي تعترض الإنسان إذا عالج التواريخ في ذلك العصر، ms370 حتى ليخيل إلينا أن الوصول إلى الحقيقة ~~فيها يكاد يكون مستحيلا؛ فليس على الكاتب فيها أن يقابل مسألة واحدة، بل عليه أن يقابل عدة مسائل متشابكة ~~متداخلة يلوح للإنسان أنه إذا حل عقدة منها في ناحية دعا ذلك إلى تعقد جديد في ناحية أخرى، ولكن المستر # E. W. Brooks # قد عمل كثيرا على تسهيل الأمور؛ فإن مقاله الغزير العلم في ذلك الموضوع ~~بمجلة # Byzantinische Leitschrift ~~(1895، صفحة 436-445)، يمكن أن يقال إنه أخرج ذلك ~~العصر من حيز الظن، وجعله قائما على أساس علمي؛ فبحثه يجب أن يكون أساس أي دراسة، سواء أكانت دراسة للتواريخ أم ~~كانت لترتيب الحوادث في ذلك العصر. وإني أبادر بأن أقر بما أنا مدين به لذلك البحث. # والمراجع اليونانية لا قيمة لها كما دل على ذلك المستر بروكس، فلا يذكر تيوفانز ولا نيقفوروس فتح الإسكندرية، ولو أن ~~الأخير يذكر أن هرقلوناس أعاد قيرس إلى بطرقة الإسكندرية بعد موت أخيه من أبيه قسطنطين في مايو سنة 641، وهذا يفيد أن ~~المدينة لم تكن عند ذلك قد فتحت ولا قربت من الفتح، وتاريخ نيقفوروس ينتهي إلى سنة 641، ولا يبدأ بعد إلا من سنة ~~668، ولكن نيقفوروس وتيوفانز لا يوثق بهما فيما يتعلق بأول جزء من تاريخ الفتح؛ فتاريخهما مليء بالمتناقضات، ~~وكلاهما في ترتيب الحوادث لا بد أن يؤدي فعلا إلى تضليل المؤرخين الذين يعتمدون عليهما تضليلا كبيرا. # وأما مؤرخو السوريين والأرمن فيلوح أنهما لا يفضلون اليونانيين؛ فمثلا اليشع النصيبي (نسخة المتحف البريطاني الخطية ~~7-197، صفحة 29، وقد نقل عنها المستر بروكس) يجعل فتح الإسكندرية في سنة 20 للهجرة (ديسمبر 640-ديسمبر 641). وأما ~~أبو الفرج فإنه لا يذكر شيئا إلا ما ذكره عن القصة المعروفة قصة إحراق مكتبة الإسكندرية، وكذلك سبيوس فإنه لا يذكر ~~شيئا. # وأما المؤرخون العرب فإنهم مثل اليونانيين في إغفال ذكر الحوادث والخلط والتناقض، ولكن لا يخلو درس كتبهم من ~~فائدة. # ابن عبد الحكم: # نقل عنه # Weil # في كتاب # Geschichte der ~~Chalifen ~~، وهو يقول إن عمرا كان عند العريش في يوم ms371 الأضحى؛ أي عاشر ذي الحجة سنة ~~18 للهجرة (12 ديسمبر سنة 639)، ويذكر أن حصار الإسكندرية بقي تسعة أشهر بعد موت هرقل. ونقل السيوطي ~~عن ذلك المؤرخ أنه قال إنه بعد فتح مصر أرسل عمرو جرائد الخيل إلى القرى والمدائن التي في جوار مصر، ~~وبقيت الفيوم لا يعرف عنها شيئا مدة سنة. # البلاذري: # يذكر أن غزوة مصر كانت في سنة 19 للهجرة (وهي تبدأ في 2 يناير سنة 640)، ويذكر أن وقعة عين شمس ~~وغزوة الفيوم كانتا بعد فتح حصن بابليون، ويقول إن عمرا سار إلى الشمال، أي إلى الإسكندرية، في سنة ~~21 للهجرة (10 ديسمبر سنة 641-29 نوفمبر سنة 642) بعد أن مكث مدة في حصن بابليون، وإنه في السنة عينها ~~عام الرمادة كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو يأمره بإرسال الجزية بالبحر. ويذكر كذلك عبارة أن مصر قد ~~فتحت في سنة 20 للهجرة. وقد جرت العادة أن تفهم معنى «مصر» على أنها القطر المصري كله، في حين أن ~~المقصود بها هنا بغير شك مدينة مصر (أو منفيس) التي سبقت الفسطاط. # ابن قتيبة: # يذكر أن وقعة «باب اليون» قد انتصر فيها عمرو في سنة 20. # الطبري: # يذكر أن الأمر بفتح مصر بلغ عمرا في أوائل سنة 20 للهجرة (أواخر شهر ديسمبر سنة 640)، ويذكر أن فتح ~~بابليون كان على وجه التعيين في ربيع الثاني من السنة عينها (من 20 مارس:17 أبريل سنة 641). وإن بين ~~هاتين العبارتين لتناقضا؛ فإنه من المحال أن يكون حصن بابليون قد فتح بعد ثلاثة أشهر من ورود الأمر ~~إلى عمرو وهو في فلسطين بأن يغزو مصر، ولكن لقد عززت المراجع الأخرى صحة التاريخ الثاني؛ وعلى ذلك ~~فالتاريخ الأول لا بد أن يكون غير صحيح، ولكنا إذا جعلنا أول الغزوة في أوائل سنة 19 بدلا من أوائل ~~سنة 20، وقع الاتفاق تقريبا على تاريخ أول الفتح بين ابن عبد الحكم والبلاذري والطبري. وفي الحقيقة ~~نرى أنه من المؤكد أن الطبري لا بد قد كتب سنة 19 لأنه عندما ذكر خبر وفاة عمرو، ms372 قال إنه قضى أربع ~~سنوات على ولاية مصر في مدة عمر بن الخطاب. وكانت وفاة عمر في سنة 23 للهجرة؛ وعلى ذلك فلا بد أن تكون ~~ولاية عمرو قد بدأت في ذي الحجة من سنة 19 للهجرة، وأنه لا يعقل أن يقال إن مدة ولايته تبدأ قبل ~~ابتداء الغزوة. # وقد ذكر الطبري أيضا أن الإسكندرية سلمت بعد حصار خمسة أشهر، وأن الثورة (التي نسميها ثورة ~~منويل) كانت في أوائل سنة 25 للهجرة. # أوتيكيوس: ~~(وهو ابن بطريق): وأما عبارة أوتيكيوس فهي كما يلي: فتحت الفرما (وهي بلوز) بعد حصار شهر، وفتح ~~حصن بابليون بعد حصار سبعة أشهر، وخرج المقوقس من الحصن في وقت الفيضان، وحدثت ثلاث وقعات بين بابليون ~~والإسكندرية، وفتحت «المدينة العظمى» في يوم الجمعة مستهل شهر المحرم من سنة 20 للهجرة، وهي السنة ~~العشرون لحكم هرقل والثامنة من خلافة عمر. # ثم تلا ذلك فتح برقة، وفتحت طرابلس سنة 22 للهجرة. فإذا كان يقصد بيوم الجمعة من محرم أول يوم في ~~ذلك الشهر من سنة 20، وافق ذلك يوم 21 ديسمبر سنة 640، ولكن أول يوم في المحرم من السنة الثامنة ~~لخلافة عمر كان يوافق العاشر من ديسمبر سنة 641، ولم يقع أي هذين اليومين في يوم الجمعة، والتاريخ ~~الأول لا يقع إلا في السنة الحادية والثلاثين من حكم هرقل، وكان هرقل قد توفي قبل ذلك التاريخ. ~~وحسبنا هذا من ابن بطريق. # ساويرس الأشمونيني: # يذكر أن أمير المؤمنين أرسل جيشا بقيادة عمرو في سنة 357 للشهداء، وأن جيش المسلمين هبط إلى مصر في ~~قوة عظيمة في 12 بئونة؛ أي في شهر ديسمبر الروماني. وفي هذا أيضا خطأ؛ فإن يوم 12 بئونة (أو بايني) ~~يوافق 6 يونيو، في حين أنه إذا كان المقصود هو ديسمبر سنة 357 للشهداء، كان ذلك ديسمبر سنة 640، وليس ~~سنة 641. وقد جاء في «الديوان الشرقي» أنه «في 12 بئونة 357 للشهداء جاء عمرو إلى مصر وفتحها». ولكن ~~12 بئونة سنة 357 للشهداء توافق 6 يونيو سنة 641. ويذكر المقريزي على وجه ms373 التعيين أن القبط يذكرون أن ~~تاريخ فتح «الحصن» هو 12 بئونة. ويذكر ساويرس أيضا أن المسلمين فتحوا الإسكندرية في سنة 360 للشهداء ~~(وهدموا أسوارها). وهذه الإضافة تدل على أنه يقصد الفتح الثاني بعد ثورة منويل. وفي الحقيقة أن تواريخ ~~ساويرس لا تساعد على جلاء الظلمة. # أبو صالح: # لا يزيد على ما نعرف إلا قليلا؛ فإنه يذكر نقلا عن كتاب الجناح أن عمرا فتح مصر في سنة 19 للهجرة ~~(2 يناير-20 ديسمبر سنة 640)، وأنه عسكر خارج موضع اسمه «جنان الريحان» (صفحة 73). ويقول أيضا إن ~~عمرا فتح مصر في غرة المحرم من عام 20 للهجرة، وينقل (أو يسيء نقل) التاريخ الذي ذكره ~~ساويرس. # ياقوت: # هذا كاتب عظيم الشأن، وهو يذكر أن عمرا طلب إلى الخليفة عمر أن يأذن له في فتح مصر سنة 18 للهجرة ~~(من 12 يناير سنة 639: 2 يناير سنة 640)، وأن الروم لقوا عمرا أول مرة في مصر عند الفرما، واستمر ~~القتال شهرين، وبعد ذلك لم يلق العرب كبير كيد حتى بلغوا بلبيس، ثم قاتلوا الروم هناك مدة شهر قتالا ~~متصلا، ثم ساروا سيرا سهلا إلى أم دنين أو المقس، وبقوا هناك يقاتلون نحو شهرين. # ومعنى هذا أن القتال استمر ستة أشهر من أول الغزو مع حساب المدة اللازمة للسير، وهذا يوصلنا ~~بدقة عظيمة من 12 ديسمبر إلى 6 يونيو. # وقال ياقوت: إن عمرا عند ذلك أرسل يطلب الإمداد، وإن فتح الحصن كان مدة فيضان النيل؛ أي في سبتمبر ~~أو بعد ذلك بقليل. على أن ذلك الكاتب يقول بعد صفحة أو قريبا من ذلك إن فتح بابليون كان في يوم ~~الجمعة أول المحرم من سنة 20 للهجرة (21 ديسمبر سنة 640)، وهو التاريخ الذي يذكر عادة أن الإسكندرية ~~قد فتحت فيه، وفي هذا ما فيه من التضليل. وقد قال ياقوت بعد ذلك إن عمرا سار إلى الإسكندرية في ربيع ~~الأول من سنة 20 للهجرة (20 فبراير-20 مارس سنة 641). ولعل هذا تحريف، وأنه يقصد ربيع الثاني. ثم قال ~~إن عمرا لما بلغ ms374 الإسكندرية حاصرها مدة ستة أشهر. وقال في موضع آخر إن فتح الإسكندرية كان في سنة 20 ~~(وآخرها 9 ديسمبر سنة 641)، وإن عمرا صالح أهل برقة سنة 21 للهجرة (10 ديسمبر سنة 641-29 نوفمبر سنة ~~642). # أما «ابن خلدون»: # فإنه ذكر أن عمرا استأذن في فتح مصر عقب فتح بيت المقدس، وأن ذلك كان في سنة 21 للهجرة، وأن عمرا ~~سار إلى إفريقية (برقة) في سنة 21 نفسها. # وأما «المقريزي»: # فقد أفاض في القول؛ فقد كرر أن عمرا كان عند العريش في يوم الأضحى، وأنه قضى شهرا في الفرما، ~~وأن المقوقس خرج من الحصن في مدة فيضان النيل، وأن مدة الفيضان كانت لم تنقض عندما فتح العرب الحصن، ~~ولكنه روى عن الكندي أنه قال إن عمرا سار إلى الإسكندرية بعد فتح حصن بابليون، وأن ذلك كان في ربيع ~~الأول سنة 20 للهجرة. وروى عن آخر أن ذلك كان في جمادى الثانية (أول ربيع الأول في 20 فبراير، أول ~~ربيع الثاني في 20 مارس، وأول جمادى الأولى في 17 أبريل سنة 641، وأول جمادى الثانية في 18 مايو، ~~والتاريخ الصحيح هو جمادى الأولى كما سنرى)، وقال إن موت هرقل كان في سنة 19 للهجرة. وهو غير صحيح. ~~ويقول المقريزي إن ذلك شجع المسلمين فضيقوا الحصار على الحصن، ولكنه روى عن الليث تاريخا آخر، ~~وهو سنة 20 للهجرة، وهو الصحيح. وقال إن فتح الإسكندرية كان بعد موت هرقل بتسعة أشهر وخمسة أيام، وإنه ~~كان في يوم الجمعة أول المحرم سنة 21 للهجرة (10 ديسمبر سنة 641، ولكن ذلك اليوم كان يوم اثنين). ~~ويذكر الليث أن الفتح الأول كان في سنة 22 للهجرة (أولها 30 نوفمبر سنة 642). ويورد المقريزي أسماء ~~جماعة من المؤرخين روى عنهم تواريخ لها علاقة بالفتح، وهم يختلفون بين سنة 16 وسنة 26 للهجرة. ويقول ~~بعد ذلك إن الأرجح أن سنة 20 هي الصحيحة، وهي التي يقبلها أكثر المؤرخين. # أبو المحاسن: # ينقل عن الذهبي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو يأمره بغزو مصر ms375 في سنة 20 للهجرة (أولها 21 ديسمبر ~~سنة 640). وينقل عن ابن عبد الحكم أن حصار بابليون بقي سبعة أشهر. أما هو فيذكر أن فتح مصر (ولعله ~~يقصد بها مدينة مصر) كان في أول المحرم سنة 20 للهجرة. وينقل عن ابن كثير والواقدي وأبي معشر أن فتح ~~مصر كان في ذلك العام نفسه. ويذكر الواقدي أن فتح الإسكندرية كان في السنة نفسها. أما أبو معشر فيذكر ~~أنه كان في سنة 25 للهجرة. وأما سيف فإنه يذكر أن مصر والإسكندرية فتحتا في سنة 16 للهجرة، وأن ولاية ~~عمرو على مصر تبدأ في سنة 20 للهجرة. # السيوطي: # بعد أن ذكر نقلا عن الليث أن موت هرقل كان في سنة 20 للهجرة، قال إن حصار الإسكندرية استمر تسعة ~~أشهر بعد ذلك، إلا أنه ابتدأ قبل وفاة هرقل بخمسة أشهر، ولكنه قال مع ذلك إن فتح الإسكندرية كان في ~~أول المحرم سنة 20 للهجرة. وهذا سهو؛ لأن السيوطي يذكر بعد صفحات من هذا أن فتح الإسكندرية الأول كان ~~في سنة 21 للهجرة، وأن الفتح الثاني كان في سنة 25 للهجرة، وينقل عن القضاعي نقلا عن ابن قتيبة أن ~~عمرا عاد من الإسكندرية (أي إلى بابليون) في ذي القعدة سنة 20 للهجرة (أكتوبر-نوفمبر سنة ~~641). # وحسبنا هذا من المراجع العربية الكبرى، وإن ما بينهم من الخلاف عظيم. ومن الواضح أنه لا يمكن التوفيق بينهم فيه، ~~ولكن من السهل أن نعين بعض أسباب هذا الخلط الذي يقع فيه هؤلاء الكتاب جميعا، وهو الذي ضلل المؤرخين المحدثين ~~وحيرهم، فلعله ليس في التاريخ عصر في مثل قصر تلك المدة، وفيه مثل هذا العدد الكبير من المساقط التي يقع فيها من ~~أراد البحث في ترتيب التواريخ؛ فإن دوننا هذا عصرا مدته ثلاث سنوات، وهي مثل مدة الفتح الفارسي، ويذكر لنا من غير ~~تدقيق تاريخ واحد على أنه تاريخ الفتح، ولكن يقصد به أحيانا أول غزو البلاد وأحيانا تمام فتحها، ثم إن اسم مصر ~~يقصد به أحيانا مدينة مصر (وهي منفيس بقرب ms376 بابليون من الجنوب) وأحيانا يقصد به القطر المصري، وهذا مما يؤسف ~~له. # وعلى ذلك فذكر «فتح منفيس» في كثير من الأحيان لا يمكن التفريق بينه وبين «فتح بلاد مصر»، ثم إن فتح بابليون كان ~~حادثا مخالفا لفتح مدينة مصر، في حين أن هذين الموضعين قريبان كل القرب وكان لا مناص من الخلط بين حوادثهما، ثم إن ~~الإسكندرية لم تفتح مرة واحدة، بل مرتين. وقد وجد المؤرخون، حتى أقدمهم من الذين كتبوا بعد الفتح بمائتي عام، أن ~~أخبار الفتح غير جلية، وقد نسي ترتيب الحوادث فيها؛ وعلى ذلك فنحن أميل إلى أن نعد أخطاءهم وتناقضهم أمرا يؤسف ~~له، وأنه ليس عجيبا ولا غير متوقع. # ولكن قد أشرق على تاريخ فتح العرب وترتيب حوادثه نور جديد لم يسبق للناس عهد به، وذلك من كتاب حنا الأسقف القبطي ~~لمدينة نقيوس، وقد كان حاضرا تولية البطريق إسحاق في سنة 690 للميلاد، ولعله قد ولد قريبا من وقت الفتح، ولكن ~~لا بد له أن يكون قد سمع أخبار ذلك الفتح ممن شهده؛ فشهادته على ذلك ذات قيمة كبرى فيما يشهد فيه. حقا إن بعض أجزاء ~~ذلك التاريخ ناقصة لا ذكر لها في ذلك الكتاب، وهو أمر مؤسف له، كما أن أجزاء أخرى منه قد دخلها كثير من المسخ وتغيير ~~الترتيب، فلا نكاد نستبين لها معنى، ولكن مع كل ما في النسخة الخطية الأثيوبية قد جاء فيها بعض تواريخ جديدة تسترعي ~~النظر بدقتها العظيمة، وهذه التواريخ بمثابة معالم ثابتة نستطيع أن نستدل بها على نظام علمي في ترتيب ~~التواريخ. # لقد رأينا فيما سلف أن كتاب حنا قد أغفل فيه ذكر كل ما يتعلق بمدة الفتح الفارسي، وهذا النقص يبدأ من استيلاء هرقل ~~إلى ما بعد ذلك بثلاثين عاما؛ أي من حوالي سنة 610 إلى حوالي سنة 640. ولا يرد فيه ذكر لدخول العرب إلى مصر. وأول ~~استئناف لذلك التاريخ بعد ذلك هو عندما علم «تيودور» قائد جيوش الروم في مصر بهزيمة «حنا» قائد فرقة الخفر في الفيوم ms377 ~~وموته، وذكر بعد ذلك أن جيوش الروم اجتمعت عند حصن بابليون وقد عولت على أن تلقى العرب قبل أوان فيضان النيل، والنيل ~~يبدأ مده في أواسط الصيف، ويبلغ جمامه في الاعتدال الخريفي؛ وعلى ذلك يمكن أن نقول إن وقعة هليوبوليس كانت في «يوليو» ~~أو في «أغسطس». فإذا نحن اتبعنا قول ابن عبد الحكم أو البلاذري أو الطبري في أن دخول العرب كان في شهر ديسمبر سنة ~~639، كانت وقعة هليوبوليس في يوليو أو أغسطس من عام 640، وكان من القريب أن أول أمداد جيش العرب أبصرها الروم من بروج ~~حصن بابليون في 6 يونيو، وهو اليوم الذي قام الدليل من قول ساويرس وغيره على أنه كان من أثبت الأيام ذكرا عند القبط، ~~على أنه لم يكن يوم حادث خطير من حوادث الفتح. والمستر بروكس محق بغير شك في أنه اعتبر البابين الرابع عشر بعد ~~المائة والخامس عشر بعد المائة من تاريخ حنا في غير موضعهما؛ فعنوان الباب الخامس عشر بعد المائة هكذا: «كيف استولى ~~المسلمون على مصر في السنة الرابعة عشرة من الدولة القمرية، واستولوا على حصن بابليون في السنة الخامسة عشرة؟» في حين ~~أنه مما يؤسف له أن الوصف الذي يصدق عليه هذا العنوان ساقط من الكتاب. وقد ورد في الفصل السادس عشر بعد المائة أن موت ~~هرقل كان في «السنة الحادية والثلاثين من حكمه في الشهر المصري «يكاتيب»، وهو يوافق الشهر الروماني «فبراير» في السنة ~~الرابعة عشرة من الدورة، وهي سنة 357 للشهداء». وقد جاء في الباب السابع عشر بعد المائة أن تسليم حصن بابليون كان في ~~يوم الفصح (الاثنين). وجاء في الباب الثامن عشر بعد المائة «أن فتح «نقيوس» كان في يوم الأحد الذي بعده (18 جنبوت) في ~~السنة الخامسة عشرة من الدورة». وقد قال المستر «بروكس»، متبعا في ذلك رأي «زوتنبرج»، إن تاريخ موت هرقل هو التاريخ ~~الوحيد بين هذه التواريخ الذي يمكن أن نفحصه، وهو مذكور في ذلك الكتاب في منتهى الدقة؛ فإنا نعلم أن هرقل قد ms378 مات في 11 ~~فبراير سنة 641. وقال إن هذه الحقيقة دليل قوي على أننا يمكن أن نعتبر التواريخ الأخرى صحيحة دقيقة. ولكن كلا هذين ~~المؤرخين وجد نفسه مضطرا بعد هذا القول إلى أن يظهر أن التواريخ الأخرى صحيحة بعض الصحة لا كل الصحة؛ فقال المستر ~~بروكس في عرض ذكره سني الدورة التي ورد ذكرها في عنوان الباب الخامس عشر بعد المائة: «ولا نظن أننا نستطيع أن نثق ~~ثقة كبرى بهذه التواريخ» (صفحة 439). ثم أظهر بعد ذلك أن يوم «18 جنبوت» الواقع في يوم الأحد لم يكن في السنة الخامسة ~~عشرة من سني الدورة كما قال حنا، وقصارى قوله هو أن الواجب أن نغير التاريخ الذي ذكره حنا، وهو «13 مايو سنة 642»، ~~فنجعله «13 مايو سنة 641». ومعنى هذا أن الواجب أن نبرهن على خطأ جزء من قول «حنا النقيوسي». # وبعد، فإنا نجرؤ أن نقول إن هذا الرأي لا حاجة بنا إليه ولا ضرورة تدعو إليه؛ ~~فإن الخطأ إنما نشأ من خطأ في فهم ما قصده حنا بقوله «سني الدورة»؛ فإن ناقديه أخذوا ذلك على أن المقصود منه سنو ~~الدورة التي ابتدعها قسطنطين (وكل منها خمسة عشر عاما)، ولكن حنا نفسه يسميها بوضوح «الدولة القمرية»، وليس يقصد ~~دورة قسطنطين. حقا إن التأريخ بتلك الدورة القسطنطينية كان في عصر حنا غير مهمل، بل كان لا يزال مستعملا في مصر، ~~ولكن المقصود هو الدورة الديونيسية # Dionysian ~~، وكل منها تسعة عشر عاما، وقد بقيت ~~مستعملة إلى يومنا هذا، وتسمى أعدادها عادة «الأعداد الذهبية». ويزعم «زوتنبرج» أن هذه الدورة لم تكن مستعملة في ~~التاريخ المدني، ولكن ما دام التاريخ بدورة قسطنطين كان غير شائع في مصر، فقد كان حنا معذورا كل العذر في أنه يعمد ~~إلى التأريخ بالتقويم الديني الخاص بالكنيسة، وقد كان على تمام الإلمام به؛ إذ كان رجلا من علماء الأساقفة؛ وعلى ذلك ~~فإنا موردون ما جاء في كتابه فيما يلي: ~~(1) # فتح مدينة مصر في السنة الرابعة عشرة من سني الدورة. ~~(2) # موت هرقل في السنة ms379 الرابعة عشرة من الدورة في 11 فبراير سنة 641. ~~(3) # فتح حصن بابليون في السنة الخامسة عشرة من الدورة في الاثنين (الفصح)؛ أي في 9 أبريل سنة 641. ~~(4) # فتح نقيوس في السنة الخامسة عشرة من الدورة في 13 مايو سنة 641. # ويظهر من هذا البيان أنه إذا كان قد نقل ما كتبه حنا على حقيقته، كانت سنة الدورة التي يؤرخ بها تتغير فيما بين 11 ~~فبراير و9 أبريل. وهذا هو الأمر الواقع بالدقة؛ فإن الدورة القمرية الديونيسية كان أولها 23 مارس (راجع كتاب # S. Butcher # في # Ecclesiastical Calendar ~~، صفحة 73؛ ~~وكتاب # Handy-book of Dates ~~، تأليف # Bond ~~، صفحة 218)، ~~والسنة الرابعة عشرة من الدورة تقع ما بين 23 مارس سنة 640، و22 مارس سنة 641. وكذلك السنة الخامسة عشرة؛ فإنها تبدأ ~~من 23 مارس سنة 641، وتنتهي في 22 مارس سنة 642. فإذا صح رأينا هذا ثبت أن تواريخ حنا صحيحة لا خطأ فيها؛ فليس فيها ~~شيء يجب البرهان على فساده، بل إن ثقتنا في تواريخ هذا المؤرخ تزداد زيادة عظمى. # ويجدر بنا أن نزيد على هذا أن الدورة القسطنطينية التي كانت تستعمل في مصر قبل الفتح كانت قد صارت لا قيمة لها في ~~التاريخ؛ إذ إنها كما دل عليه # Wilcken # في كتابه # Hermes # 19، صفحة 293 وما بعدها، بدل أن تبدأ من شهر توت، وهو أول السنة المصرية، فتكون بذلك متفقة مع أول سنة من سني ~~التقويم؛ كانت تبدأ أحيانا من أول حكم الإمبراطور الحاكم، وأحيانا أخرى من أيام أخرى مختلفة من أيام الصيف، متبعة ~~في ذلك نظاما لا يستطيع أحد أن يفهمه، وهو نظام أشبه شيء بالفوضى المطلقة؛ ولهذا كان الأجدر بنا أن نحمد كاتبا ~~قديرا مثل حنا على أنه استعمل تاريخا ثابتا لا يطعن أحد في قيمته. # على أنه قد وردت عبارة أخرى في تاريخ حنا، وذكر فيها تاريخ سنة من سني ~~الدورة يخيل إلى من يراها أن رأينا الذي ذكرناه غير صحيح؛ فقد جاء في الباب الحادي ~~والعشرين بعد المائة قوله: «وفي السنة الثانية من الدورة القمرية جاء ms380 حنا من دمياط، ~~وساعد المسلمين كيما يمنعهم من تخريب المدينة.» وهذه السنة يكون أولها 23 مارس سنة 646، وآخرها 22 مارس سنة 647؛ وعلى ~~هذا فلا بد أن يكون هذا الحادث قد وقع بعد ثورة منويل، ولم يذكر عن تلك الثورة لفظ واحد في كل تاريخ حنا، ومع ذلك ~~فإنا نرى ذلك التاريخ صحيحا؛ لأن وجود فجوة أخرى في آخر ذلك الكتاب أمر غير مستغرب. فإذا نحن لم نذهب إلى هذا ~~الرأي، واعتبرنا أن المقصود هو السنة الثانية من الدورة القسطنطينية؛ كان التاريخ المقصود هو عام «643-644»، ولكن هذا ~~في حكم المستحيل؛ إذ لم يرد أي خبر عن حادث وقع في ذلك العام يمكن أن يحدو بالعرب إلى تخريب الإسكندرية، في حين أنه ~~قد جاء في كل الأخبار أن ثورة منويل وعودة الروم إلى الإسكندرية كانتا حوالي نوفمبر سنة 645، ولم تهزم جيوشه إلا بعد ~~عدة أشهر، ولا يكاد يشك في أن فتح العرب للإسكندرية ثانية وقع بعد 23 مارس سنة 646. ونعلم كذلك أنه عند الفتح ~~الثاني للمدينة أحرق جانب كبير فيها، وهدم عمرو جانبا من الأسوار؛ فلا يبعد أن يكون قد فكر في تخريب المدينة ~~كلها. وفوق ذلك يظهر أن «زوتنبرج» أغفل في ترجمته كلمة ذات شأن؛ فإنه قال في ترجمته: «وبعد أن استولى «عمرو» على ~~الإسكندرية جفف الترعة التي توصل الماء إلى المدينة.» في حين أن الدكتور شارل يقول في ترجمة هذه العبارة عينها: ~~«ولما استولى عمرو على مدينة الإسكندرية كان كثيرا ما يجفف الترعة.» وهذه الكلمات تدل على أن الكاتب كان وهو يكتب ~~هذه العبارة التي ورد فيها ذلك التاريخ يسبح بفكره فيما بعد الفتح الأول للمدينة بمدة طويلة، وسنرى أن ذلك الفتح ~~الأول كان في سنة 642؛ وعلى ذلك يكون التاريخ الذي نحن بصدده يوافق رأينا في أن المقصود هو التأريخ بالدورة ~~الديونيسية القمرية؛ ولهذا نجرؤ على أن نعد هذا الرأي ولا وهن فيه، ولا وجه للطعن. # نقبل الآن على ذكر تاريخ من أهم التواريخ، على أنه تحيط به عقد ms381 يحار المرء فيها، وذلك تاريخ عودة البطريق قيرس ~~إلى الإسكندرية من قسطنطينية؛ فقد دعاه هرقل حوالي نصف نوفمبر سنة 640 بعد أن صالح العرب على تسليم بابليون ذلك ~~الصلح الذي لم يتم. ويلوح أنه نفي عند ذلك، ثم أعاده قسطنطين الثالث خلف هرقل إلى الحظوة، وكان عازما على أن يعيده ~~إلى مصر، فعاجلته المنية بعد أن حكم مائة يوم، فمات ذلك الإمبراطور في مايو سنة 641، وخلفه على الملك هرقلوناس، ~~ولكن ثورة فلنتين في ذلك الصيف نفسه عملت على أن يشرك معه في الحكم أخاه من أبيه، وهو قنسطانز. وقريبا من ذلك الوقت ~~أرسل قيرس إلى مصر ومعه الأمداد، وقد كان في «رودس» في أوائل سبتمبر، ولعله كان يأخذ ما كان هناك في دار الصناعة ~~البحرية (الترسانة) من الذخائر. وكان «تيودور» قائد جيوش مصر في رودس كذلك، وخلع بيعة الإمبراطورة «مرتينه»؛ إذ حرضه ~~على ذلك فلنتين، وأراد أن يسافر إلى بنطابوليس، ولكنه نزل إلى الإسكندرية مع قيرس في فجر يوم 17 «مسكرم» أو «توت»، وهو ~~عيد الصليب؛ أي في 14 سبتمبر. # هذا ما يمكن أن نستخلصه من تاريخ حنا الذي تغيرت معالمه تغيرا يؤسف له، وهذه الأخبار يعززها ما جاء في تاريخ ~~نيقفوروس؛ إذ يقول إن «قيرس» أعاده هرقلوناس إلى مصر، ولكنا الآن آتون إلى خبر من تلك الأخبار التي كتبت بعد حدوث ~~حوادثها على صورة النبوءة، وهي كثيرة في تواريخ القبط، وهي تستلزم أن تكون عودة قيرس في عيد الفصح؛ فقد روى حنا أنه ~~بعيد عودته (راجع الفصل العشرين بعد المائة) أقيم احتفال في الكنيسة العظمى كنيسة القيصريون في عيد الفصح، واختار ~~القمص للصلاة ترتيلا غير ما كان يجب أن يختاره لذلك اليوم؛ أي المزمورة التي مطلعها: «وهذا هو اليوم الذي جعله الله ~~... إلخ» (راجع المزمورة الثامنة عشرة بعد المائة 24-26). وقد عد هذا التغيير فألا سيئا، وذاعت كلمة قالها القسوس، ~~وهي أن قيرس لن يشهد بعد ذلك اليوم عيدا آخر للفصح. فلما مات قيرس بعد ذلك في يوم الخميس ms382 المقدس «25 مجابت»، أي قبل ~~عيد الفصح التالي بثلاثة أيام، تذكر الناس النبوءة، وقالوا إنها قد تحققت. وقد قال المستر بروكس بوضوح مقنع إن ~~يوم «25 مجابت» أو «فامنوت» يوافق 21 مارس، وليس 2 أبريل كما زعم زوتنبرج في حسابه، ثم قال إن عيد الفصح في سنة 642 ~~كان في يوم 24 مارس من ذلك العام، وإنه في ذلك العام وحده قد وقع يوم الخميس المقدس في «25 مجابت»؛ وعلى ذلك «فقد ~~ثبت تاريخ وفاة قيرس ثبوتا لا شك فيه، وأنه كان يوم الخميس 21 مارس من سنة 642». وينتج من ذلك أن يوم الفصح الذي ذكر ~~في ذلك الخبر أن قيرس قد عاد فيه كان يوم الفصح من عام 641، وهو يوم 8 أبريل. # فإذا أجملنا ما قاله حنا كان كما يلي: ~~(1) # نزل قيرس في مصر 14 سبتمبر بعد موت هرقل؛ أي سنة 641. ~~(2) # أنه أقام عيد الفصح سنة 641، وهو يوم عودته. ~~(3) # أنه مات في 21 مارس سنة 642. # وهذه الأخبار ظاهرة التناقض، ولا يشك زوتنبرج في أن قيرس نزل في أرض مصر في يوم 14 سبتمبر، ويرى أنه من الغريب أن ~~تقام صلاة بمناسبة عودته بعد سبعة أشهر منها، ولكنه مع ذلك قبل هذا الأمر الغريب هذه الغرابة، وجعل موت قيرس في سنة ~~643. وأما المستر بروكس فإنه يرى رأيا آخر؛ فإنه برهن برهانا قاطعا على أن قيرس مات في يوم الخميس الذي قبل عيد ~~الفصح من سنة 642، ثم برهن على أن زوتنبرج مخطئ فيما ذهب إليه من أن عودة «تيودور» وعودة «قيرس» كانتا في وقت واحد، ~~وجعل عودة قيرس في عيد الفصح من عام 641، وهو يدرك ما يواجهه من الصعوبة في تكذيب تاريخ حنا، وهو أن عودة قيرس كانت ~~بعد وفاة قسطنطين الثالث وما يعززها من قول نيقفوروس، ولكنه يميل إلى أن يقول إن كتاب حنا قد داخله شيء من الخطأ في ~~ذلك الموضع، ثم يقول في ختام حجته: «وأما البت في مسألة عودة قيرس، وأنها كانت قبل عيد الفصح من عام ms383 641، فأمر يجب أن ~~يبقى موضعا للنظر والبحث، وأما ما قصده حنا فلا شك عندنا في أنه كان يقصد أن يقول إن قيرس قد عاد في ذلك الوقت ~~المذكور، وإنه لمن المحتمل أن التاريخ قد غير قصدا لإدخال ذكر النبوءة» (راجع موضع ذكر ذلك في الملحق ~~الثاني). # ولسنا نوافق على هذه الآراء كل الموافقة؛ فإن التاريخ الذي ذكر زوتنبرج أن قيرس قد مات فيه لا يؤيده شيء. # 7 # هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنا نرى أن المستر بروكس مخطئ في قوله إن عودة قيرس لم تقع مع عودة تيودور في ~~وقت واحد، وإن عودة تيودور كانت وحدها في 14 سبتمبر سنة 641. ويقول المستر بروكس إن هذين الحادثين «منفصلان كل ~~الانفصال». ولكن نص الكتاب فيه ما يلي: «فدخل الإسكندرية «تيودور» في ليلة السابع عشر من شهر «مسكرم» في عيد الصليب، ~~وخرج أهل الإسكندرية أجمعين من نساء ورجال وهم بين شبان وشيب ليلقوا البطريق قيرس وهم فرحون يشكرون الله على عودة ~~بطريق الإسكندرية، وصحب تيودور البطريق خفية إلى كنيسة «التبيونيسيين»، وأقفلا الباب وراءهما.» وإنا إزاء هذا القول ~~لا يسعنا إلا أن نرى أنه من المحال أن يكون هذان الرجلان قد أتيا في وقتين متفرقين، أو أنه عندما أتى «تيودور» كان ~~قيرس قد مضى عليه في الإسكندرية خمسة أشهر أو يزيد. وفوق ذلك فإنا لو قلنا إن قيرس قد عاد في يوم الفصح من سنة 641 ~~لنشأت من ذلك صعاب أخرى؛ فأول شيء يجب علينا أن نكذب كل ما ذكره حنا من حوادث القسطنطينية بعد موت هرقل، أو على ~~الأقل أن نكذب نصيب قيرس من تلك الحوادث، كما أنه يجب أن نكذب ما جاء في كتاب «نيقفوروس»، وفوق كل ذلك يجب علينا ~~أن نكذب عبارة أخرى في كتاب حنا، وهي في منتهى الوضوح؛ فإنه ذكر بعد وصفه الصلاة في القيصريون أن قيرس عاد «حينذاك» ~~إلى بابليون. والمستر بروكس يقبل هذا القول، ويضيف إليه أن حصن بابليون «كان قد صار قبل ذلك بقليل إلى ms384 يد العرب»؛ إذ ~~إنه قد فتح كما برهن هو على ذلك في 9 أبريل سنة 641. غير أنه عاد في الصفحة التالية لذلك فقال إن تسليم الإسكندرية ~~الذي اتفق قيرس عليه مع عمرو في بابليون، وهو بغير جدال القصد الذي قصد إليه من زيارته لحصن بابليون، قد حدث في الشهر ~~الذي بين 12 أكتوبر و10 نوفمبر من سنة 641. فكيف لنا أن نوفق بين هاتين العبارتين؟ وفوق ذلك فإنا نعرف من كتاب حنا ~~ومن سواه من المراجع أن عمرا غادر حصن بابليون عقب فتحه، فكان في مدينة نقيوس في 13 مايو، ولم يكن في فترة مقامه ~~بالحصن متسع لزيارة قيرس ومفاوضته، ثم إننا إذا قلنا إن تاريخ تسليم الإسكندرية كان في تلك الفترة كنا بذلك ~~عاملين - كما لا بد أن يقر المستر بروكس - على نقل التواريخ من مواضعها واضطرابها. # وعلى ذلك فإنا إذا وافقنا زوتنبرج على أن قيرس نزل بأرض مصر مع تيودور في يوم الصليب، أي في يوم 14 سبتمبر سنة 641، ~~وإذا وافقنا المستر بروكس على أن قيرس مات في يوم خميس العهد التالي، أي في يوم 21 مارس سنة 642؛ كان لا بد لنا من ~~التوفيق بين قولنا هذا وبين ما جاء في كتاب حنا. وإنا نستطيع أن نجد المفتاح الذي يفتح لنا ما استغلق من هذا الأمر ~~بدرس ما جاء بذلك الكتاب؛ فإنا إذا فحصنا ما جاء به اتضح لنا من خلاله أن العيد الذي أقيمت فيه الصلاة بمناسبة عودة ~~قيرس، ورتلت فيه المزمورة التي في غير موضعها، لم يكن عيد الفصح، بل كان عيد إعلاء الصليب؛ أي العيد الذي نرى أن قيرس ~~نزل إلى أرض مصر في يومه، وذلك لأسباب؛ أولها أن الخبر يذكر لنا صراحة أن الخطبة التي خطبها قيرس كانت كلها عن الصليب، # 8 # وأنه قد احتفل في موكب يحمل القطعة من الصليب المقدس، أو الصليب الذي أحضره إليه القائد حنا قبل منفاه، ~~وسار بذلك الموكب من دير التبيونيسيين، وكل هذه التفاصيل تكون لا موضع لها إذا ms385 كان المقصود هو عيد الفصح، وهي كلها في ~~موضعها الصحيح إذا كان المقصود هو يوم الصليب المقدس. وفوق ذلك فقد ذكر أن قيرس جاء من دير التبيونيسيين إلى كنيسة ~~القيصريون لحضور الاحتفال بعيد الفصح المزعوم، كما قد ذكر قبل ذلك بأسطر أن تيودور قد عاد عقب نزوله إلى البر إلى دير ~~التبيونيسيين في صحبة قيرس. وإذا كان ذلك الحادث قد وقع في يوم عيد الفصح حقيقة لما كان لوجوده في دير التبيونيسيين ~~في ذلك الوقت معنى، في حين أنه إذا كان المقصود هو عيد الصليب كما نرى نحن كان الوجود بالدير حينئذ ضرورة من ألزم ~~الضرورات؛ إذ يكون قيرس عندما نزل إلى البر ذهب إلى الدير، ثم ذهب من هناك في موكب إلى كنيسة القيصريون، ثم إن ~~المزمورة «هذا هو اليوم ... إلخ» هي التي كانت تستعمل «في الأعياد السيدية وكامل أيام الفطر». ولسنا نستطيع أن نعرف إذا ~~كان استعماله في الترتيل في الصلاة يدل دلالة واضحة على أن اليوم المقصود هو يوم الفصح أو هو يوم آخر. وإنا نرى على ~~وجه الإجمال أنه لا شك في أن تلك الصلاة التي حضرها قيرس عند عودته كانت صلاة عيد الصليب؛ أي إن عودته كانت في يوم 14 ~~سبتمبر سنة 641. # ولكن إذا كان الأمر كذلك، فما القول في النبوءة؟ وجوابنا على ذلك يتناول أمرين: (1) أن تلك النبوءة تبقى على ما لها ~~من القيمة، فإذا كانت قد قيلت في وقت صلاة عيد الصليب كان المقصود منها عيد الصليب الذي بعده، أو كان المقصود منها ~~يوم الفصح المقبل، وقد صحت على كلا الحالين. (2) أن التفسير المقبول عقلا هو أن قيرس عندما عاد رأى الناس عليه ~~أمارات المرض أو التغير، وأولوا حادث الترتيل بما أحسوه من التطير في نفوسهم؛ فقد كانت عبارة النبوءة كما يلي: ~~«إنه لن يشهد عيدا آخر للفصح.» فلما مضت بضع سنين على ذلك أصبحت وفاته قبيل عيد الفصح قطب تلك القصة، فحورت ~~عبارتها بعد أن نسيت تفاصيل الحادث الذي حدث، وعزي أصل ms386 النبوءة إلى يوم عيد الفصح ما دامت وفاة قيرس قد وقعت قبل ~~يوم عيد الفصح الذي بعده. وذلك تجوز لم يراع معه ترتيب التواريخ والحوادث؛ وعلى ذلك قد كان من الطبيعي أن تزاد ~~على عبارة حنا العبارة الآتية: «في يوم عيد القيامة.» وذلك في موضع يظهر فيه هذا القول غريبا في غير موضعه. # 9 # وهذه العبارة بغير شك زيادة من بعض النساخ أدخلها على النص الأصلي، وإذا نحن حذفناها زالت كل أسباب ~~الحيرة، واتضح سياق الحوادث، واستبان بعد أن كان مختلطا خفيا. # وتسير عبارة حنا بعد ذلك سيرا طبيعيا؛ فإنه بعد يوم الصليب بقليل ذهب قيرس إلى بابليون يطلب لقاء عمرو. وقد أثبت ~~ابن قتيبة أن عودته من غزوته في الدلتا كانت في ذي القعدة من سنة 20 (12 أكتوبر-10 نوفمبر سنة 641)، وهي الغزوة التي ~~لم يتم فيها شيئا من الفتح. وهذا معناه أن ذهاب قيرس إلى بابليون كان نحو آخر أكتوبر؛ وعلى ذلك لا يمكن أن نجعل ~~تاريخ الصلح في 17 أكتوبر كما يزعم المستر بروكس؛ فإن عمرا إذا كان قد عاد إلى بابليون في أوائل ذي القعدة (وهو أمر ~~لم يذكر)، كان لا بد من مضي أيام عدة قبل أن يستقر الأمر على شروط الصلح؛ ولهذا لا نرى أن الصلح قد تم قبل آخر ذي ~~القعدة، ونرى في الحقيقة أن الصلح الذي اتفق قيرس مع عمرو عليه قد وقع في 8 نوفمبر على وجه التعيين. وقد كان من شرط ~~هذا الصلح أن تباح مدة هدنة قدرها أحد عشر شهرا، وكان على جنود الروم أن تجلو عن الإسكندرية في أثنائها. وقد اختار ~~المستر بروكس لذلك تاريخ 17 أكتوبر لأن هذا التاريخ يقع قبل يوم 17 سبتمبر سنة 642 بأحد عشر شهرا؛ إذ إنه يزعم أن ذلك ~~التاريخ الأخير هو يوم إخلاء الإسكندرية للعرب. ولكن ليس ثمة من سبب يحدو بنا إلى أن نقول إن جيش الروم قد بقي في ~~الإسكندرية إلى آخر يوم من أيام الهدنة؛ إذ كانوا قد ms387 تجهزوا قبل ذلك للسفر. وإنا إذا حسبنا مدة الهدنة بالشهور ~~العربية من يوم 8 نوفمبر كانت نهايتها يوم 29 سبتمبر. وأما المستر بروكس فإنه يؤكد أن تاريخه (أي 17 أكتوبر) «يتفق كل ~~الاتفاق مع ما ذكره ابن عبد الحكم من أن الحصار استمر تسعة أشهر بعد موت هرقل». وكانت وفاة هرقل في يوم الأحد 11 ~~فبراير سنة 641، فإذا نحن عددنا المدة بالحساب العربي وقع آخر أجل الهدنة في شهر نوفمبر، ولكن المقريزي قد ذكر أن فتح ~~الإسكندرية كان بعد موت هرقل بتسعة أشهر وخمسة أيام، واليوم الحادي عشر من شهر فبراير سنة 641 يوافق يوم 23 صفر، فإذا ~~حسبنا تسعة أشهر وخمسة أيام من هذا التاريخ بلغ بنا الحساب يوم 28 يوم ذي القعدة، وهو يوم الخميس 8 نوفمبر. # هذا ما نراه التاريخ الصحيح. وقد لاحظ المستر بروكس أن الصلح لا يمكن أن يكون قد وقع بعد نوفمبر؛ لأن قيرس عند ~~عودته من بابليون إلى الإسكندرية طلب من تيودور أن يحمل ذلك الصلح إلى الإمبراطور هرقل (أي هرقلوناس)، وقد كانت وفاته ~~في انتهاء هذا الشهر (نوفمبر)، ولكن من الأمور التي تستحق البحث أن نرى هل مؤرخو العرب إذ يوردون المدة الصحيحة بين ~~وفاة هرقل الأول وتسليم الإسكندرية، يجعلون وفاته في يوم 11 فبراير أو في 11 مارس؛ فقد ذكر تيوفانز وقدرينوس خطأ أن ~~وفاته كانت في 11 مارس، ولعل هذا قد ضلل مؤرخي العرب؛ فإنه من العجيب أننا إذا حسبنا مدة الأشهر التسعة والأيام ~~الخمسة بادئين من 11 مارس (أو 22 ربيع الثاني)، بلغ الحساب بنا يوم 27 من ذي الحجة (أي 7 ديسمبر)، وهذا اليوم السابع ~~من ديسمبر كان يوم جمعة، وهو قريب من أول المحرم (10 ديسمبر) الذي ثبت في أخبار العرب أنه كان يوم فتح ~~الإسكندرية. # وبعد، فقد برهن المستر بروكس برهانا قويا على أن التواريخ الباقية إلى الآن من التواريخ التي ذكرها حنا إذا فسرت ~~على حقيقتها تنص على أن ولاية البطريق بطرس خلف قيرس على ms388 بطرقة الملكانيين كانت في 14 يوليو سنة 642، وعلى أن الروم ~~أخلوا الإسكندرية في السابع عشر من سبتمبر من ذلك العام نفسه (صفحة 443). ويجدر بنا أن نزيد على هذا أن عودة بنيامين ~~من منفاه في الصعيد كانت في سنة 644، ولعلها كانت أقرب إلى نهاية العام منها إلى أوله. # 10 # ولكنا مضطرون إلى أن نخالف المستر بروكس في أمر أو أمرين في رأيه ذاك؛ فإنه ينقل عن «ابن بطريق» وابن عبد الحكم ~~ومكين أنهم اتفقوا على أن مدة حصار الإسكندرية كانت أربعة عشر شهرا، وعلى ذلك جعل بدء ذلك الحصار في أواخر أغسطس من ~~سنة 640، وكذلك ينقل عن «ابن بطريق» أن حصار بابليون بقي سبعة أشهر. ولما كان فتح بابليون قد وقع في 9 أبريل سنة 641، ~~كان أول الحصار في أوائل شهر سبتمبر سنة 640؛ وعلى ذلك يكون العرب قد حاصروا المعقلين في وقت واحد تقريبا، وذلك ~~أمر غير ممكن من الوجهة الحربية المحضة؛ فإن عمرا لم يكن معه في وقت من الأوقات جند كاف لحصار الحصنين معا، وفوق ~~ذلك ليس ثمة مؤرخ يدعم حجة المستر بروكس فيما ذهب إليه، بل إن المراجع كلها تنقض رأيه؛ فإن حنا نفسه يقول إن عمرا ~~غادر حصن بابليون بعد فتحه في 9 أبريل سنة 641، وإنه فتح نقيوس بعد ذلك بشهر. وإذا نحن أرخنا سقوطها بشهر جمادى ~~الأولى، وهو وسط بين ربيع الأول الذي ذكره الكندي وياقوت، وبين جمادى الثانية وهو الذي ذكره المؤرخ الذي نقل عنه ~~المقريزي؛ كان ذلك موافقا كل الموافقة لما جاء في كتاب حنا. وسار جيش عمرو بعد فتح نقيوس إلى الشمال، وإنه لمن ~~القريب أن يكون قد حاصر الإسكندرية في آخر شهر يونيو أو في أوائل شهر يوليو من عام 641، ومن هذا الوقت تبدأ مدة الحصار ~~الأربعة عشر شهرا، وليس من شهر أغسطس ولا من شهر سبتمبر سنة 640، ذلك إذا أردنا الأخذ بما جاء في تواريخ ابن بطريق ~~(أوتيكيوس) وابن عبد الحكم ومكين؛ أي إن مدة الأربعة عشر شهرا يجب أن تحسب ms389 من وقت تسليم المدينة في أواخر سبتمبر سنة ~~642 راجعة إلى أول الفتح، لا أن تحسب من تاريخ الصلح الذي كان في سنة 641. # هذه النتيجة تفضي بنا إلى اتفاق يكاد يكون تاما مع ما جاء في الطبري؛ إذ يقول إن مدة الحصار كانت خمسة أشهر (قبل ~~التسليم). وإذا حسبنا ما بين أول يوليو و8 نوفمبر كان ذلك تمام أربعة أشهر ونصف من الشهور العربية. ويلوح أن هذا ~~الاتفاق يعزز التاريخين اللذين أخذنا بهما، وهو في نفس الوقت يبين لنا سبب ذلك الاختلاف الكبير بين المؤرخين في ~~تقدير مدة الحصار؛ فمن الواضح أن بعضهم بدأ حسابه من أول وقوف العرب دون الإسكندرية إلى معاهدة التسليم، وبعضهم حسب ~~المدة إلى وقت إخلاء الروم للمدينة فعلا. والظاهر أن عبارة السيوطي التي نقلناها آنفا فيها خلط بين ما جاء في ~~الطبري وما جاء في أوتيكيوس، وهي خطأ واضح. وأما اليعقوبي والبلاذري وابن خلدون وسواهم من المؤرخين، فإنهم يذكرون أن ~~مدة الحصار كانت ثلاثة أشهر. وظاهر أنهم يقصدون أنه قد مضت ثلاثة أشهر من الحصار قبل معاهدة الصلح. فإذا أضفنا إلى ~~تلك المدة مدة الهدنة، وهي أحد عشر شهرا، رجعنا إلى أن المدة بين أول مجيء العرب أمام المدينة ودخولهم فيها كانت ~~أربعة عشر شهرا. ومن ذلك يتضح أن هذه الأخبار وإن ظهر عليها شيء من الاختلاف يمكن التوفيق بين مواضع الخلاف فيها، أو ~~التقريب بينها تقريبا يسترعي الأنظار. # وكذلك نخالف ما ذهب إليه المستر بروكس من أن «فترة الأحد عشر شهرا قضاها عمرو في غزو بنطابوليس» (يقصد مدة ~~الهدنة)؛ فإنا نسلم بأن نص عبارة كتاب حنا كما هي تساعد على الأخذ بهذا الرأي؛ وذلك لأن الفقرة القصيرة التي ذكرت ~~فيها هذه الغزوة جاءت قبل ذكر موت قيرس مباشرة، ولكن قد جاء ذكر موت قيرس في موضع آخر بعد ذلك. وظاهر أن ذلك الباب ~~ممسوخ الترتيب؛ فلا يمكن أن تقوم حجة على ترتيب أخباره. وإن الأسباب الحربية بغير شك كانت تمنع عمرا من أن يغامر ms390 ~~بالقيام بغزوة بعيدة قبل أن يملك الإسكندرية، وهي القاعدة الوحيدة التي كان يمكن أن تبدأ منها مثل هذه الغزوة. وأما ~~ابن الأثير فإنه يورد قولا قاطعا في ذلك التاريخ، فيجعل تلك الغزوة في سنة 22 للهجرة. وأما سواه من مؤرخي العرب ~~فإنهم مهما اختلفوا في ذلك التاريخ متفقون على أن فتح برقة إنما كان بعد سنة من تملك الإسكندرية (راجع ابن بطريق ~~وياقوت)؛ وعلى هذا فإنا جعلنا تاريخ غزوة بنطابوليس في الشتاء الذي أعقب إخلاء الإسكندرية، وقد بدأت السنة الثانية ~~والعشرون للهجرة في 30 نوفمبر سنة 642، فإذا كانت الغزوة قد وقعت بعد أول السنة بقليل، كان ذلك إيضاحا سهلا لما وقع ~~فيه مؤرخو العرب من الاختلاف بين سنة 21 وسنة 22 للهجرة. # ولسنا نشك في أن عمرا كان كثير الأعمال في بابليون، ولعله كان يتجهز لإتمام فتح الصعيد أو إخضاعه. وقد كان بغير ~~شك يستعد لإعادة حفر قناة تراجان؛ فقد جاء في البلاذري أن عام القحط في بلاد العرب كان سنة 21 للهجرة (وأولها 10 ~~ديسمبر سنة 641). وجاء في تاريخ ابن الأثير أن عمرا أرسل في ذلك العام القمح إلى المدينة في الخليج الذي حفره، ولعل ~~ذلك كان في أغسطس أو سبتمبر من عام 642. # وما كان حفر ذلك الخليج بممكن إلا في الشتاء في وقت انخفاض النيل، كما أنه ما كان سير السفن فيه ممكنا في غير فصل ~~الصيف عند فيضان النيل. وكان عمرو في شتاء «سنة 640-641» مقبلا على حصار بابليون مشتغلا به، فلم يكن من الممكن ~~حفر ذلك الخليج إلا في شتاء «سنة 641-642» كما يفهم من تاريخ ابن الأثير. وقد جاء في ذلك التاريخ عينه أن تاريخ غزو ~~عمرو لبرقة كان على وجه التعيين في سنة 22 للهجرة، وهي تبدأ من يوم 30 نوفمبر سنة 642، وتنتهي في يوم 20 نوفمبر سنة ~~643. # وعلى ذلك فإنا موردون التواريخ الآتية: ~~(1) # كان جيش عمرو في العريش في 12 ديسمبر سنة 639. وقد ذكر هذا اليوم في كتاب ابن عبد الحكم، ولكن البلاذري ms391 ~~والطبري وياقوت ومكين يكادون يتفقون في إيراد تاريخ الغزوة. ~~(2) # فتح الفرما حوالي 20 يناير سنة 640. وقد اتفق ابن بطريق وياقوت وغيرهم على أن المدينة فتحت بعد حصار ~~شهر واحد. ~~(3) # غزوة عمرو لإقليم الفيوم في مايو سنة 640. ولا يذكر هذا التاريخ ~~غير حنا النقيوسي وحده. ~~(4) # وصول إمداد العرب في 6 يونيو سنة 640. وهذا مأخوذ من ساويرس، ~~ولكنه مشكوك فيه. ~~(5) # وقعة هليوبوليس في يوليو سنة 640. وقد تبع ذلك فتح مدينة مصر. ~~(6) # بدء حصار حصن بابليون بدأ في سبتمبر سنة 640. وهذا يتفق عليه ابن عبد ~~الحكم وابن بطريق (أوتيكيوس). ~~(7) # معاهدة قيرس المقوقس التي رفضها هرقل في أكتوبر سنة 640. ~~(8) # تسليم حصن بابليون في 9 أبريل سنة 641. وقد جاء ذكر هذا اليوم في كتاب حنا النقيوسي. وهذا اليوم هو ~~تاريخ «فتح مصر»، أو بعبارة أصح تاريخ فتح مدينة مصر. وأوثق المؤرخين يجعلون ذلك في سنة 20 للهجرة كما ~~ذكر المقريزي، ومن بين هؤلاء الثقاة ابن قتيبة وابن بطريق وياقوت وأبو المحاسن وابن كثير والواقدي ~~وأبو معشر ... إلخ. على أنهم لا يتفقون جميعا في قصدهم من عبارة «فتح مصر»؛ فبعضهم يعني بها فتح حصن ~~بابليون، وبعضهم يقصد بها فتح الإسكندرية، ولكن الطبري يجعل فتح بابليون في ربيع الثاني من سنة 20 للهجرة ~~(20 مارس-17 أبريل سنة 641)؛ وعلى ذلك فهو متفق كل الاتفاق مع ما جاء في كتاب حنا النقيوسي. ~~(9) # فتح نقيوس في 13 مايو سنة 641. ~~(10) # الهجوم على الإسكندرية في آخر يونيو سنة 641. ~~(11) # عودة قيرس في 14 سبتمبر سنة 641. ~~(12) # تسليم الإسكندرية في 8 نوفمبر سنة 641. ~~(13) # حفر خليج تراجان في شتاء «سنة 641-642». ~~(14) # موت قيرس في 21 مارس سنة 642. ~~(15) # ولاية خلف قيرس في 14 يوليو سنة 642. ~~(16) # إخلاء الروم للإسكندرية في 17 سبتمبر سنة 642. ~~(17) # غزوة بنطابوليس في شتاء «سنة 642-643». ~~(18) # عودة بنيامين في خريف سنة 644. ~~(19) # ثورة منويل في أواخر سنة 645. ~~(20) # فتح العرب الثاني للإسكندرية في صيف سنة 646. # وهذه التواريخ وإن جاءت في ذيل كتابنا قد اضطررنا إلى استخلاصها قبل كتابة هذا التاريخ؛ فإن تسلسل الحوادث كما هو ~~ظاهر متوقف ms392 على البت في أمر هذه التواريخ. ولقد كان ذلك أمرا عسيرا، بل هو سلسلة من المشكلات. وقد اضطررنا أن نعرض ~~طريقنا في حلها تفصيلا، وإنا آسفون للإطالة في هذا المقال، وقد خالفنا المستر بروكس في عدة مواضع ذات شأن من هذه ~~التواريخ التي ذكرناها، ولكنا لا يجمل بنا أن نختتم هذا القول بغير أن نعود إلى الإقرار بما على الباحثين طرا من ~~دين لأبحاثه وآرائه. # الملحق الخامس: في سن عمرو بن العاص # اختلف مؤرخو العرب بعض الاختلاف في سنة عمرو بن العاص عند موته، على أن اتفاقهم يكاد يكون تاما في تعيين تاريخ ~~وفاته؛ فإنه في حكم المسلم به أنه توفي في يوم عيد الفطر من عام 43 للهجرة، ويوافق ذلك يوم 6 يناير سنة 664. وقد ~~قيل إن عمره إذ ذاك كان تسعين سنة، وقيل كان ثلاثا وسبعين، وقيل كان سبعين. ونرى أن الرأي الأخير هو الصحيح، وعلى كل ~~حال لم تكن سنه تسعين سنة. # وقد ذهبنا في حسابنا إلى أن مؤرخي العرب يعدون بالسنين القمرية؛ وعلى ذلك ~~فنحن إذا حسبنا عدد السنين اعتبرنا الفرق بين طول السنة القمرية والسنة الشمسية. وقد قال ابن قتيبة (وهو من كتاب ~~القرن التاسع) عند ذكره عمرو بن العاص (انظر طبعة # Wustenfeld ~~، صفحة 145 وما بعدها) إنه ~~مات وهو في سن الثالثة والسبعين. وذلك في عام 42 أو 43 للهجرة، على أنه يقول إن بعض الرواة يذكر أنه مات سنة 51، ثم ~~يقول بعد ذلك إن ابنه عبد الله مات وله من العمر اثنتان وسبعون سنة في سنة 65 للهجرة، وكان أصغر من أبيه باثنتي عشرة ~~سنة لا أكثر. فإذا أصبح ذلك كان ميلاد عبد الله بن عمرو حوالي سنة 615 للميلاد؛ وعلى ذلك يكون ميلاد عمرو في عام سنة ~~603، وتكون سن عمرو عند موته في سنة 664 نحو ثلاث وستين سنة هجرية. ومن ذلك يظهر تناقض ابن قتيبة فيما ذهب إليه. وأما ~~ابن خلكان فيذكر أن سن عمرو بن العاص كانت تسعين سنة، وقد ms393 روي ذلك عن الواقدي. # ويروي ابن الحجر روايته عن يحيى بن بكير أنه قال إن عمرا عاش تسعين سنة، ثم ~~قال إن عمرا كان ابن سبع سنين عندما ولد عمر بن الخطاب. واتفق معه السيوطي في ذلك، فقال إن عمرا مات في سن التسعين ~~في سنة 43 للهجرة. وقد مات عمر بن الخطاب في اليوم السادس والعشرين من ذي الحجة من سنة 23 للهجرة (وذلك يوافق يوم 3 ~~نوفمبر سنة 644)، وكان عمره إذ ذاك خمسا وخمسين سنة؛ وعلى ذلك فقد ولد عمر حوالي سنة 590 للميلاد. فإذا كان عمرو ~~بن العاص ابن سبع سنين عند مولد عمر بن الخطاب كان ميلاده حوالي سنة 583 للميلاد؛ أي إن عمرا لم يكن عمره عند موته ~~تسعين سنة، بل كان ثمانين. على أنه قد اختلف بعض الاختلاف في سنة عمر بن الخطاب عند موته؛ فقد ذكر ابن قتيبة مؤكدا ~~أن سنه كانت عند موته خمسا وخمسين سنة (صفحة 91)، ولكنه يروي أن الواقدي روى عن عامر بن سعد أنه مات وله من العمر ~~ثلاث وستون سنة. فإذا نحن قلنا إن عمر بن الخطاب عاش ثلاثا وستين سنة كان ميلاده حوالي سنة 582 للميلاد، وكان ميلاد ~~عمرو بن العاص حوالي سنة 575 للميلاد؛ وعلى ذلك تكون سن عمرو في سنة 664 فوق التسعين بالحساب العربي، وينتج أيضا أنه ~~كان عند الفتح له من العمر أكثر من أربع وستين أو خمس وستين من السنين الميلادية، وهذا قول مستبعد جدا. # وقال النواوي إن وفاة عمرو كانت حقا في يوم عيد الفطر من عام 43 للهجرة، وإنها لم تكن في وقت آخر مما ذكره ~~المؤرخون، وهو يذكر أن سن عمرو عند وفاته كانت سبعين سنة (صفحة 478 من طبعة # Wustenfeld ~~). ومعنى هذا أن مولد عمرو كان حوالي 595، وأن عمره كان حوالي أربع ~~وأربعين سنة في وقت فتح مصر. # وبعد، فإن علينا أن نفصل أحد أمرين، وهما: أن قائد الجيوش العربية وقت الفتح كانت سنه أربعا وأربعين سنة، أو ms394 ~~أنه كان ابن أربع وستين سنة. وإنا نرى بغير البحث الطويل أن الأمر غير محتاج إلى شك كثير؛ فإن روحا وثابة ~~مقدامة ليس من الممكن أن تكمن في رجل جاوز منتصف الحياة وبعد عنه مثل هذا البعد، وليس من القريب إلى التصور أن ~~يكون عمرو قد دخل فيما دخل فيه من فتح مصر وما تلا ذلك من الحوادث في مصر والشام وهو في سن الرابعة والستين؛ فمثلا لو ~~كان عمرو في سن التسعين في سنة 663 لكان في سن الخامسة والثمانين في وقع صفين في عام 658، والمعروف أنه قد أبلى في ~~تلك الوقعة بلاء عظيما، وأظهر فيها المدهش من الرأي والعمل. وحسبنا هذا الدليل وحده لتفنيد العبارة وإظهار سخفها. ~~على أنه من أسهل الأمور أن نكشف عن منشئها؛ فإنه لا شيء أسهل من أن يخطئ الناقل في العربية عند قراءة سبعين فيجعلها ~~تسعين، وليس شيء أقرب إلى التوقع من أن يحرف لفظ سبعين عند النسخ فيصير تسعين، ويؤيد هذا أن المتأخرين من المؤرخين ~~هم الذين ذكروا العدد الأكبر؛ وعلى ذلك يمكننا أن نبت في الأمر فنقول إن عمرا مات وهو في سن السبعين. # الملحق السادس: في تواريخ بطارقة القبط بعد بنيامين في القرن السابع # قد اضطرتنا معالجة المسائل التي لها علاقة بتاريخ الفتح العربي إلى أن نشير أحيانا إلى خلفاء بنيامين، وإن في ~~إثبات تواريخهم لشأنا يذكر فيما نحن فيه، وليس أقل هذه المسائل شأنا إثبات التاريخ الذي كتب فيه حنا النقيوسي ~~كتابه، وإثبات ذلك لا يكون إلا من طريق غير مباشر كما هي العادة، ولكن ذلك الإثبات قائم على الأكثر على إثبات التاريخ ~~الذي تولى فيه البطريق إسحاق؛ إذ كان حنا أحد من شهدوا الاحتفال بتوليته، وكان إسحاق البطريق الثالث بعد بنيامين، ~~وكان البطريقان المتوسطان بينه وبين بنيامين هما «أجاثو» وحنا السمنودي. ويلوح لنا أنه من الممكن أن نثبت تاريخ تولية ~~إسحاق على وجه الدقة؛ ولهذا نرى أن خير طريق نسلكه هو إثبات هذا التاريخ، ثم الرجوع منه إلى ms395 التواريخ السابقة . # والمرجع الأكبر لنا في استمداد الأخبار هو الكتاب القبطي «حياة إسحاق»، وقد نشره مع ترجمة له العلامة أميلنو في ~~كتاب # His. du Patr. Copte Isaac ~~، وقد أظهر ذلك الكاتب في مقدمته القيمة أن تلك ~~الوثيقة القبطية لا تذكر أن إسحاق توفي في التاسع من هاتور (هو يوافق 5 نوفمبر، وليس 6 نوفمبر كما ذكر هناك). # قال الكاتب: «وقد اقتصرت كل الأخبار التاريخية على ذكر ذلك التاريخ، ومعنى ذلك أنها لا تفيدنا بشيء مطلقا.» ولكن ~~مكين يذكر في تاريخه أن تاريخ وفاة إسحاق سنة 69 للهجرة؛ ومن ذلك يستخلص أميلنو أن إسحاق مات في 6 نوفمبر سنة 688. ~~وأما فون جوتشمت فإنه يذكر أن وفاته كانت في الخامس من نوفمبر سنة 692. # على أن أميلنو قد أخطأ الصواب؛ إذ قال إن الوثيقة القبطية لا تذكر شيئا آخر ~~من الأخبار التي تحدد التواريخ؛ إذ إنه قد أغفل عبارة لها شأن كبير؛ فقد جاء في تلك الوثيقة (في صفحة 50) أن إسحاق ~~احتفل بولايته في 8 كيهك، «وكان ذلك يوم أحد»، وهو اليوم اللائق بهذا الاحتفال. ولم يقع يوم 8 كيهك حوالي هذا العصر ~~في يوم أحد إلا في سنة 684 وسنة 690، فأما سنة 684 فإنه من المحال أن تكون هي المقصودة؛ وعلى ذلك فإن إسحاق قد احتفل ~~بتوليته في «8 كيهك، الموافق 4 ديسمبر سنة 690»؛ وعلى ذلك فهذا هو التاريخ الذي شهده حنا النقيوسي. وقد قال ساويرس في ~~مدة ولاية إسحاق أقوالا مختلفة في النسخ المخطوطة المختلفة، فهو يجعلها بين سنتين وتسعة أشهر وبين ثلاث سنوات، ولكنا ~~إذا علمنا أن إسحاق قد مات في 5 نوفمبر، وإذا قلنا إنه توفي في الخامس من نوفمبر سنة 693؛ كانت مدة ولايته سنتين وأحد ~~عشر شهرا، وهي المدة التي ذكرها المقريزي. # وقد يكون من السهل أن نقرأ مقدمة أميلنو كلها، ثم نظهر السبب في أنه أخطأ الخطأ كله في إثبات تاريخ ميلاد إسحاق؛ إذ ~~يجعل ذلك التاريخ قبل الفتح العربي، ويجعل إسحاق في نحو الثمانية عشرة من ms396 عمره في وقت ذلك الفتح (ويذكر أن الفتح كان ~~سنة 640)؛ فهو يجعل تاريخ ميلاده سنة 622. وقد ساقه إلى هذه النتيجة على الأخص ما ذكر من أن إسحاق كان في صباه ~~ملحقا بقريب له اسمه # Meneson ~~، وكان هذا القريب ناموسا لجورج حاكم أرض مصر # ⲛⲭⲁⲣⲧⲟⲗⲁⲣⲓⲟⲥ ~~ϧⲁ ⲣⲁⲧϥ ~~ⲛⲋⲉⲱⲣⲋⲓⲟⲥ ⲉϥⲟⲓ ~~ⲛⲉⲡⲁⲣⲭⲟⲥ ~~ⲉϯⲭⲱⲣⲁ ⲛⲧⲉ # ⲭⲏⲙⲓ ~~. وهذا اللقب عجيب؛ إذ إنه يظهر كيف بقيت الألقاب اليونانية ~~مستعملة في مصر بعد الفتح العربي. ولسنا نشك لحظة في أن تلك الألقاب قد بقيت في مصر بعد ذلك الفتح؛ فقد جاء في ~~الوثيقة عينها ذكر عامل بلقب # Augustal ~~، صفحة 73، وأنه كان متصلا اتصالا مباشرا مع ~~«ملك العرب» (عبد العزيز)، وقد ذكر اسمه قبل ذلك ببعض صفحات (صفحة 43 و64)؛ فوجود هذا اللقب على ذلك لا يدل على أن ~~إسحاق قضى صباه تحت حكم الروم. والحق أنه قد ثبت أنه هرب في الصحراء وكان بعد لا يزال في سن الصبا، وكان ذلك بعد ~~الفتح؛ إذ إنا نجد أهله بعد ذلك بقليل يستشيرون بطريقا قبطيا في الإسكندرية في أمره. # وليس من الممكن أن يكون هذا قد وقع بين سنة 631-سنة 644؛ إذ لم يكن ثمة في الإسكندرية بطريق قبطي وقتئذ، كما أنه ~~ليس من الممكن أن يقع هذا قبل سنة 631؛ إذ قد ذكر عنه عقب هروبه أنه حادث قسيسا من قسوس الريف. وقد جاء في ذلك ~~الخبر (في صفحة 12): «أنه قد شهد الكثيرون أن ذلك القس كان من القديسين أهل الإيمان، وأنه كان ممن أحضر بين يدي ~~قيرس فحكم عليه بأن يجلد عدة جلدات لأنه أظهر إيمانه.» # 11 # وهذا القول يدل على أن مدة الاضطهاد الذي أنزله قيرس كانت قد انقضت، وهي بين سنة 631-سنة 641؛ وعلى ذلك ~~فإن لجوء أهل إسحاق إلى البطريق كان ولا بد بعد سنة 644؛ وعلى ذلك نقول إن البطريق كان بنيامين. # وليس ثمة من دليل يدل على تاريخ لجوء أهل إسحاق إلى البطريق، وفي أي عشرة من ~~عشرات السنين كان، ولا ندري أكان حوالي سنة 650، أو ms397 حوالي سنة 660، أو حوالي سنة 670. على أننا نميل إلى ترجيح ~~التاريخ الأول؛ وذلك لأننا نهتم أكبر الاهتمام بالعبارات المتكررة التي تنص على صبا إسحاق إذ ذاك. ونحن في ذلك ~~نخالف ما ذهب إليه أميلنو؛ فإنه مثلا لا يجد صعوبة في تأويل معنى # Jeune Garçon ~~«صبي ~~صغير» على أنه كان رجلا متوسط السن، مع أن هذا اللفظ قد ورد نقيضا للفظ «الهرم» (صفحة 25-26). فإذا ذهبنا إلى أن ذلك ~~التاريخ المقصود كان حوالي سنة 657، كان ميلاد إسحاق إلى سنة 640، وكانت سنه عند وفاته ثلاثا وخمسين سنة، وكان ~~البطريق الذي استعمله ناموسا مدة من الزمن بغير شك البطريق «أجاثو»، مع أن البطريق الوحيد الذي ذكر حنا النقيوسي ~~اسمه هو «حنا السمنودي»، صفحة 42، وهو الذي رشح إسحاق لولاية الدين بعده. ويجدر بنا أن نزيد على هذا أن أميلنو إذا ~~كان مصيبا فيما ذهب إليه من ترتيب التواريخ، أي إن ميلاد إسحاق كان في سنة 622، فإن مدة الاضطهاد الأكبر، وهي بين ~~سنة 631 وسنة 641، تقع إذ كانت سن إسحاق بين التاسعة والتاسعة عشرة، ولكنا قدمنا أنه لم يكن للقبط إذ ذاك بطريق في ~~الإسكندرية كما يستلزمه ذلك الخبر، في حين أننا إذا ذهبنا كما فعلنا إلى أن مولد إسحاق كان حوالي سنة 640، وأنه هرب ~~إلى الصحراء حوالي سنة 657؛ استوى لنا القول وأصبح طبيعيا؛ فإن بنيامين قد عاد إلى الإسكندرية قبل ذلك بثلاث عشرة ~~سنة، وكانت هذه المدة في الحقيقة أكثر مدة صبا إسحاق. # وبعد أن أثبتنا تاريخ الاحتفال بولاية إسحاق وموته، نقول إن سابقه حنا ~~السمنودي توفي في أول كيهك (27 نوفمبر) من إحدى السنين بعد أن ولي أمر الدين تسع سنين؛ وعلى هذا تكون وفاته في 27 ~~نوفمبر سنة 690، ولكن ذلك لو صح لوجب علينا أن نسلم أن الاحتفال بتولية إسحاق حدث بالضبط بعد أسبوع من موت سلفه، ~~في حين أن تاريخ حياته القبطي يحتوي على ذكر مفصل لما وقع من الخلاف في المدة التي كانت ولاية الدين فيها شاغرة ~~بعد موت سلفه، ms398 وما وقع من المسعى لتولية رجل آخر اسمه «جورج»؛ إذ ادعى أنه هو الذي وقع عليه الاختيار الصحيح. على ~~أن كبير الشمامسة أمر ألا يولى «جورج» حتى جاء أمر من قبل الحاكم العربي، فاجتمع الأساقفة عنده في بابليون ~~ليعرضوا عليه الأمر، فلما فحص تاريخ «جورج» في حياته الماضية وجد أنه لم يكن على ما يجب أن يكون عليه. وقد جاء الناس ~~من جميع البلاد ليسمعوا حكم «عبد العزيز» في ذلك الأمر، فلما حكم بما أرادوا من إحقاق أمر إسحاق طربوا ورقصوا جميعا، ~~وعم السرور البلاد من بابليون إلى الإسكندرية (صفحة 44-49). ومن الجلي أن ذلك لا بد يحتاج إلى وقت طويل؛ فنحن ~~مضطرون إلى القول إن وفاة حنا السمنودي كانت في أول كيهك (27 نوفمبر) سنة 689، مع أننا نقول إن الاحتفال بتولية إسحاق ~~كان في 8 كيهك سنة 690، أو بقول آخر إن ولاية الدين بقيت شاغرة مدة عام. وهذا الاستنتاج يؤيده ما جاء في الديوان ~~الشرقي؛ إذ جاء فيه أن حنا مات في أول كيهك، وكان ذلك يوم السبت. وقد رأينا أن يوم 8 كيهك كان في سنة 690 يوم أحد، ~~فيكون أول كيهك من ذاك العام يوم أحد أيضا، ولكن أول كيهك كان يوم السبت كما هو المطلوب في عام سنة 689. # فإذا نحن حسبنا مدة ولاية حنا تسع سنين، رجع بنا الحساب إلى أن أول تلك الولاية كان في سنة 680، وقد مات سلفه ~~«أجاثو» في 13 أكتوبر؛ وعلى ذلك يكون الاتفاق قريبا كل القرب بين حسابنا والتاريخ المذكور. وكانت وفاة أجاثو في 13 ~~أكتوبر سنة 680 بعد أن ولي أمر الدين مدة تسع عشرة سنة كما جاء في الأخبار، ولكنا رأينا أن وفاة بنيامين كانت في 8 ~~طوبة (وذلك يوافق 3 يناير سنة 662)، والمدة بين التاريخين ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر تنقص قليلا، وذلك تقريب شديد ~~القرب؛ وعلى ذلك نرى أن حساب التواريخ يتفق بعضه مع بعض اتفاقا وثيقا. # وإنا نستطيع الآن أن نورد التواريخ مرتبة، وقد كان جل ms399 اعتمادنا فيها على ~~ما جاء في كتاب ساويرس. وقد راجعناها على ما جاء في تاريخ حياة إسحاق وسوى ذلك من المراجع، فاتفقت اتفاقا عظيما ~~يجعلنا نستبعد احتمال الخطأ فيها. وقد اتفق فون جوتشمت معنا فيما أثبتناه من تواريخ وفاة بنيامين وأجاثو، ولكنه ~~يخالفنا في تاريخ وفاة حنا السمنودي ، فيجعلها في 2 مايو سنة 689 ( # Kleine Schriften ~~II ~~، صفحة 500). # ولكن ذلك لا يعتمد على مرجع كاف، وهو فوق ذلك يجعل الاحتفال بتولية إسحاق في فبراير سنة 690، ووفاته في 5 نوفمبر ~~سنة 692، ولكن هذين التاريخين قد ظهر فسادهما مما جاء في تاريخ حياته القبطي؛ فالتواريخ الحقيقية على ما يلوح لنا هي ~~الآتية: # البطريق # تاريخ التولية # مدة الولاية # تاريخ الوفاة ~~(1) بنيامين # يناير سنة 623 # 39 سنة # 3 يناير سنة 662 ~~(2) أجاثو # يناير سنة 662 # 19 سنة # 13 أكتوبر سنة 680 ~~(3) حنا السمنودي # أكتوبر سنة 680 # 9 سنوات # 27 نوفمبر سنة 689 # ثم جاءت مدة سنة بقيت فيها الولاية شاغرة. ~~(4) إسحاق # 4 ديسمبر سنة 690 # 3 سنوات # 5 نوفمبر سنة 693 ~~(5) سيمون # يناير سنة 694 # سنوات # 18 يوليو سنة 701 # ويمكن أن تقرأ التواريخ الخاصة بسيمون والسبب الذي من أجله تأخرت توليته في كتاب «رينودوه». # الملحق السابع: وفيه بحث جديد للمؤلف في شخصية المقوقس # لم تزل النفس غير قانعة بما قيل في المقوقس وشخصيته، وكل ما جاء في مؤلفات العرب والفرنجة خاصا لا يزيد النفس إلا ~~تساؤلا؛ فلا تزال حقيقته وصفته واسمه مجالا لمختلف الأقوال، غير أن مؤلف هذا الكتاب الدكتور بتلر قد وفق لحسن الحظ ~~إلى حل أكثر غوامض هذا الأمر، وهو الجزء المتعلق بإثبات أن المقصود بالمقوقس في وقت غزو العرب لمصر هو «قيرس» بطريق ~~الإسكندرية الملكاني، الذي جمع له هرقل ولاية الدين وجباية الخراج بأرض مصر، وقد ترددت المكاتبة بين المترجم ~~والمؤلف بهذا الشأن، وظهر من أثنائها أن أكبر المعارضين لرأي المؤلف في شخصية المقوقس كان الأستاذ «استانلي لين بول»؛ ~~إذ كان له رأي آخر، وهو أن المقوقس لم يكن سوى ms400 حاكم الإقليم الشرقي من مصر، غير أنه عاد عن رأيه ومعارضته للدكتور ~~بتلر على أثر بحث قيم طبعه في سنة 1912، وهو # The Treaty of Misr in Tabary ~~. # قال مؤلف الكتاب في أحد كتبه للمترجم إن الأستاذ «استانلي لين بول» عندما قرأ ~~ذلك البحث عاد عن رأيه، وأرسل إليه يعلن صراحة أنه قد رجع عن رأيه في المقوقس، وأنه آمن بما قال به الدكتور بتلر. ~~ولم يكن على الأستاذ «استانلي لين بول» في ذلك من غضاضة؛ فشيمة العلماء حب الحقيقة وحب الرجوع إليها، لا تأخذهم في ذلك ~~عصبية لرأي. # وقد أشار المؤلف على مترجم هذا الكتاب أن يلحق بآخره ملحقا جديدا يضمنه الفصل الذي جاء في بحثه الأخير عن ~~المقوقس، وهو عبارة عن خطاب نقدي موجه خاصة إلى الأستاذ «لين بول»، قارع المؤلف فيه بالحجة الدامغة حتى أظهر حقيقة ~~المقوقس، وأنه لم يكن سوى «قيرس». # على أنه لا تزال سحب من الشك تحوم حول نواح أخرى من ذلك الموضوع، فما معنى المقوقس؟ وهل كان لقبا خاصا لقيرس ~~أم كان لقبا لحاكم مصر؟ وما كان اسم ذلك الحاكم؟ ولماذا سمي جريج بن مينا أو ابن قرقب أو ابن فرقب؟ وهل أطلق لقب ~~المقوقس على سوى قيرس؟ وإذا كان كذلك فمن الذي أطلق عليه اللقب قبل قيرس؟ ومن الذي أطلق عليه بعده؟ كل هذه أسئلة ~~لا تزال الإجابة عنها تحتاج إلى بحث. على أننا إذا لم نستطع أن نجيب عن هذه الأسئلة إجابة باتة، فإنا نستطيع أن ~~نلمح إلى مذاهب الباحثين فيها. # وقد رأينا أن نلخص بحث المؤلف الذي سبق لنا ذكره، حتى إذا ما أوجزنا تلخيصه ترجمنا الجزء الخاص بالمقوقس بنصه؛ إذ ~~هو المقصود من ذلك البحث. # ويتلخص ذلك البحث في معالجة المسائل الآتية: ~~(1) # البحث في وقت «معاهدة مصر» ومكانها. ~~(2) # البحث فيمن كانا طرفي هذه المعاهدة. ~~(3) # البحث في معنى المعاهدة. ~~(4) # البحث في مبلغ صحتها. ~~(5) # البحث في شخصية المقوقس. # البحث في وقت «معاهدة مصر» ومكانها # كان للمؤلف رأي ذهب إليه في كتابه هذا ms401 «فتح العرب لمصر»، وهو أن المعاهدة التي يسميها مؤرخو العرب «معاهدة ~~مصر» لم تكن في الحقيقة معاهدة عقدت في مصر، بل كانت «معاهدة الإسكندرية»، ولكنه في رسالته الأخيرة التي سماها ~~باسم هذه المعاهدة، وهي «معاهدة مصر في كتاب الطبري»، عدل عن رأيه السابق، وسلم بصحة ما ذهب إليه الطبري من أن ~~تلك المعاهدة إنما كانت في مصر. غير أن المؤلف يحتفظ برأي خاص في المكان الذي عقدت فيه، فيقول إنها لم تكن ~~المعاهدة التي عقدت عند تسليم حصن بابليون (قصر الشمع)، بل هي إما أن تكون المعاهدة التي عقدت عند فتح مدينة مصر ~~(قبل سقوط الحصن)، وإما أن تكون المعاهدة التي تفاوض المقوقس مع عمرو في عقدها في أول حصار الحصن، ولكن ~~الإمبراطور هرقل رفضها ولم يرض بها. ويذهب المؤلف إلى أن الرأي الأول هو الأقرب إلى الحقيقة في نظره. # البحث فيمن كانا طرفي هذه المعاهدة # ناقش الدكتور بتلر رأي من يقولون إن المعاهدة كانت بين العرب من جانب وبين القبط من جانب آخر، وخرج من بحثه على ~~أن المعاهدة إنما كانت بين رجال الدولة الرومانية بمصر من جانب والعرب من الجانب الآخر، وأن رجال الدولة الرومانية ~~بمصر كانوا يتعاقدون مع العرب عن أهل مصر جميعا، سواء في ذلك القبطي والرومي واليهودي وسوى هؤلاء؛ إذ كانت ~~المعاهدة بين طرفين متحاربين، وكان الجيش المدافع عن مصر جيش الدولة الرومانية، وأما القبط فلم يكونوا أصحاب ~~الدولة والجيش والحصون. # البحث في معنى المعاهدة # ليس في هذا البحث تعليق على موضوع من موضوعات كتابنا بزيادة أو نقص أو تعديل؛ ولهذا آثرنا تركه. # البحث في صحة المعاهدة # استعرض المؤلف رأيين متناقضين؛ الأول: رأي الدكتور «لين بول»، وهو يؤمن بما يقوله الطبري إيمانا لا شك فيه. ~~والثاني: رأي «ولهاوزن» و«كايتاني». وأولهما يشك في كل ما رواه «سيف» رواية الطبري، وثانيهما يرى أن معاهدة مصر ~~على وجه الإجمال مشكوك فيها. ثم أبدى المؤلف بعد ذلك رأيه الشخصي إذ قال: «ولعل الصواب بين هذين الرأيين ~~المغاليين.» وجعل يبين ms402 أن المعاهدة إذا كانت صادقة فموضعها ليس عند تسليم حصن بابليون (قصر الشمع) كما يقول ~~الطبري (وكان ذلك في 9 أبريل سنة 641)؛ لأن هرقل كان عند ذلك قد مات، ولم يكن المقوقس في مصر. وخلص من بحثه إلى أن ~~تلك المعاهدة «في مجملها صحيحة، ولكن تعيين موضعها الحقيقي في التاريخ من أصعب الأمور»، ثم انتهى بعد ذلك كما سبق ~~إلى أن المعاهدة «إما أن تكون المعاهدة التي كانت في شهر أكتوبر في وقت فيضان النيل، وهي المعاهدة التي رفضها ~~الإمبراطور ، وإما أن تكون المعاهدة التي تمت عند تسليم مدينة مصر». # البحث في شخصية المقوقس # لا حاجة بنا إلى الاعتذار عن ترجمة كل حجة المؤلف في هذا الباب كما أسلفنا، وعلى هذا ندع الكلمة للمؤلف: # قد سبق أن تكرر في بحثنا هذا اسم المقوقس في عرض الكلام عن طرفي المعاهدة، ولم نخرج عن قولنا عند ذلك ~~للكلام عن شخصيته، ولكن الدكتور «لين بول» قد تحدى مذهبنا الذي ذهبنا إليه من أنه هو «قيرس» البطريق الإمبراطوري ~~وحاكم مصر من قبل الدولة الرومانية. وقد آن لنا أن نناظره ونقابل تحديه. وقد قبل كثيرون من صفوة العلماء في ~~أوروبا وفي مصر رأينا في المقوقس، وإن لم يقبلوه كله فقد قبلوا منه جانبا، ولكنا لا نريد أن نحتمي بظلهم، ولا ~~أن نقول إن رأيهم أرجح وزنا في نظرنا من انتقاد الدكتور «لين بول»؛ ولهذا نرى أن نصمد لرأيه فنفحصه. قال الدكتور ~~«لين بول» ما يأتي بعد أن عرض أدلتي التي أخذتها عن مؤلفات القبط، وهي «كتاب ساويرس، وتقويم حياة القديسين، ~~وحياة صمويل القلموني»، قال: ~~«فإذا ذهبنا إلى أن ترجمة هذه النصوص صحيحة دقيقة، وإذا قلنا إن هذه النسخ المخطوطة، وأكثرها متأخر العهد، ~~منقولة نقلا صحيحا عن الوثائق الأصلية الأولى التي يعتمد عليها، وليس لي أن أقول في هذا الأمر رأيا، إذا ~~سلمنا بذلك كله خرجنا على أن هذه النصوص مجتمعة تدل على أن قيرس والمقوقس كانا في نظر هؤلاء الكتاب شخصا ~~واحدا، وهذا رأي لا ms403 يكاد ينازع فيه أحد، غير أن دوننا سؤالا واحدا وهو: هل كان هؤلاء الكتاب ممن يعتمد على ~~قولهم؟» # وقال: «وكل المسألة تدور حول قطب واحد، ألا وهو مقدار تصديق كاتبين أو ثلاثة من كتاب القبط من جهة وسلسلة مؤرخي ~~العرب من جهة أخرى. وإنا إذا لم يكن لدينا غير هذه النصوص القبطية والأثيوبية لكان من المحتمل أن نقول إن البرهان ~~قد تم على أن شخص المقوقس هو قيرس، ولكنا إذا نظرنا إلى سلسلة كتب المؤرخين من العرب، تلك السلسلة الطويلة التي ~~لا يزال بعضها باقيا، في حين أن بعضها ضاع ولم يبق منه إلا ذكره فيما تخلف من الكتب الباقية، وإذا رأينا أن ~~تلك السلسلة لا توجد في أي فرد منها أقل إشارة إلى أن المقوقس هو قيرس، إذا رأينا ذلك لم يسعنا إلا أن نرى دليلهم ~~قاطعا ولو أنه دليل سلبي؛ إذ كيف لا يذكر واحد من هؤلاء المؤرخين أن المقوقس كان قسيسا، بل رئيس أساقفة؟ ولم ~~يسمونه باسم «جريج بن مينا» أو «ابن قرقب» إذا كان اسمه الحقيقي قيرس؟ ولم يذكر أبو صالح أن هرقل جعل على مصر ~~«جريج بن مينا المقوقس»؟ وأبو صالح كاتب مسيحي كتب حوالي سنة 1200 للميلاد، ~~ولم نره ينقل عن كتاب «الجناح» أن أسقف الروم في مصر والإسكندرية كان اسمه قيرس؟ وكيف لا نجد مؤرخا ممن كتب عن ~~مصر، سواء أكان مسلما أم مسيحيا، يذكر صراحة أن لفظ المقوقس كان لقبا أو نعتا نعت به البطريق ~~المقوقس؟» # وقد أطلنا في إيراد هذه النبذ لأنا حريصون على أن نعرض حجة الدكتور «لين بول» عرضا تاما لا مواربة فيه ~~ولا مواراة. فمجمل قوله إذن أنه يريد أن يجرح الدليل الذي أخذناه عن الموارد القبطية بأن يورد دونها نتائج ~~سلبية من كتب العرب، ويصل إلى تلك النتائج من سكوت هذه الكتب وإغفالها وخلطها في ذلك الموضوع. # فلنبدأ بذكر المؤرخين العرب؛ فإن ذلك الدليل السلبي المتخذ من سكوتهم له قيمة كبرى في البرهان، ولكنه لا يدل ~~على ms404 أكثر من أن المؤرخين العرب ليس لديهم عن هذا الأمر شيء سوى شك وخلط، وأنهم في ذكرهم لأخباره يبدون أكبر ~~الاضطراب والتناقض، وليس خلطهم في ذكر الأخبار إلا نتيجة لاختلاط الأمر عندهم واستغلاقه عليهم. ولئن كان ثمة شيء ~~مؤكد فهو أن مؤرخي العرب تلقفوا المقوقس سماعا أو رواية نقله بعضهم عن بعض بغير أن يفهموا له معنى، وأن الاسم ~~بقي بينهم دون سواه، واختلط عليهم الاسم الحقيقي للشخص الذي كان يلقب به، فحسبوا ذلك لقبا مبهما أصله غير ~~عربي يطلق على حاكم مصر. فهم يسمون حاكم مصر في زمن النبي المقوقس، ويسمون حاكمها في زمن الفتح المقوقس. ~~ولا يهمنا كثيرا فيما نحن بصدده من الحجة أن نبحث في أول ما استعمل العرب ذلك اللقب له؛ أأطلقوه على حاكم مصر ~~في وقت رسالة النبي، ثم أطلقوه بعد ذلك من باب التوسع والتمثيل على حاكم مصر في زمن الفتح، أم قد سمعوه (كما نظن ~~نحن) أولا في زمن الفتح ثم أطلقوه خطأ على الحاكم الذي جاءته رسالة النبي؟ وعلى أي حال فقد كان ذلك اللقب يطلق ~~على العامل على مصر من قبل إمبراطور الروم؛ أي على الحاكم العام لمصر. # 12 # على أن الدكتور «لين بول» عندما رأى ما ينبني على التسليم بهذا الأمر حاول أن يتخلص من ذلك على النحو ~~الآتي: # قال: «هذا هو الدليل الإيجابي للدكتور بتلر؛ فإن الاتفاقات التي يبني عليها حكمه أيضا هي أن قيرس من جهة ~~والمقوقس من جهة أخرى كان كلاهما حاكما على مصر من قبل هرقل، وأن مؤرخي اليونان وحنا النقيوسي كلاهما يذكرون أن ~~قيرس صالح العرب، وأن مؤرخي العرب يذكرون أن المقوقس صالح العرب، ولكن هذه الاتفاقات يمكن أن نفسرها تفسيرا ~~آخر بأن المقوقس كان حاكما تابعا قام بمصالحة العرب، وأن قيرس البطريق والحاكم الأعلى أقر ما قام به تابعه، ~~وبعث بذلك إلى الإمبراطور.» # فأنت ترى أنه أراد أن يتحاشى أن يقول إن المقوقس كان هو قيرس عينه، فلجأ ~~إلى أن قال إنه لم يكن ms405 بالحاكم الأعلى على مصر، بل كان حاكما تابعا. وقد مضى في رأيه هذا فخلص إلى نتيجة، وهي: ~~«ولا يدلنا ما نجد من الأدلة في تواريخ العرب إلا على أن المقوقس قد يكون تيودور، لا يقف في سبيل ذلك إلا الاسم.» ~~ويقصد بتيودور حاكم الإسكندرية الحربي. وفي الحق أن المقوقس إذا كان هو تيودور فإنه لا يكون «جريج بن مينا»، ~~والحقيقة أن اسم «جريج بن مينا» لا يناسب شخصا من أشخاص هذا التاريخ العجيب المليء بالحوادث، ولا يتفق مع نظرية ~~من النظريات التي أقيمت لتوضيحه، ويجب أن نعده اسما مغلوطا. # 13 # فلنمض الآن إلى فحص أقوال مؤرخي العرب لنرى بأي وصف يصفون المقوقس، ولنبدأ بالطبري؛ فلا ينكر أحد ~~أنه يفرق في رواية من رواياته بين المقوقس وبين جاثليق مصر، فلننظر فيما هو المقصود من لفظ جاثليق مصر، فهو لفظ ~~لا يطلقه أحد إطلاقا صحيحا على عظيم من عظماء رجال الكنيسة، ولم يستعمله أحد لذلك المعنى؛ فهو اصطلاح أرمني ~~أو سوري أو نسطوري. وقد عرفه الطبري في طبرستان أو في بغداد، ثم أطلقه خطأ في مصر، ولا شك في أن معناه ~~«المترانوس»، ولكن ليس من اللازم أن يقصد به البطريق. وفوق ذلك قد رأينا أن لفظ مصر له مدلولان؛ إما قطر مصر ~~وإما مدينة مصر؛ وعلى ذلك فجاثليق مصر قد لا يكون معناه سوى «مترانوس مدينة مصر»، في حين أن الدكتور لين بول وسواه ~~يفسرونه عادة تفسيرا غير ممكن؛ إذ يجعلون معناه «بطريق القطر المصري». وإنه من المحتمل أن يكون قد وجد بمدينة ~~مصر «مترانوس» غير بطريق القطر كله؛ فإنه من المعروف أنه قد كان لمدينة مصر أسقف، وقد ورد اللقب كثيرا في ~~التاريخ القبطي، وقد كان في بابليون أسقف، وهو أسقف حصن بابليون، وكان في منفيس أسقف، وفي حلوان أسقف، وقد كان ~~أسقف مصر مقدما على سائر أساقفة ذلك الإقليم، وكان لقب «مترانوس» يطلق فوق ذلك على أسقف دمياط. وإنه من ~~العسير أن نتصور أن أسقف مصر - وقد كانت العاصمة الثانية ms406 بعد الإسكندرية - يكون أقل شأنا وأحط مقاما من ~~سواه، وذلك إذا لم يكن «مترانوس». ويجمل بنا أن نذكر هنا أننا نرى أنه من المحال أن يقال بطريق مصر؛ لأن هذا ~~يكون لقبا غير ممكن الوجود؛ فقد كان البطريق يقال له «بطريق الإسكندرية»، ولم يطلق عليه غير ذلك اللقب أبدا، ~~ولم يذكر مرة لقب «بطريق مدينة مصر» أو «بطريق القطر المصري». وإنا إذا استعملنا ذلك اللقب كنا في الخطأ كمن ~~يذكر في بلاد الإنجليز «كبير أساقفة إنجلترا». # 14 # ولقب «مترانوس مصر» ليس مستمدا من الظن والحدس؛ إذ قد وجدناه مستعملا حوالي سنة 750 للميلاد؛ إذ ~~وصف رجل اسمه تيودور بأنه كان «المترانوس أسقف مصر». # فإذا نحن ذهبنا مع هذا الرأي زالت من أمامنا كل الصعاب التي نشأت من ~~التمييز بين الجاثليق والمقوقس؛ فقد كانا شخصين متفرقين، ولم يقل أحد مرة إن أسقف مصر كان هو المقوقس. وكذلك ~~إذا اتبعنا ذلك الرأي زالت الصعوبة النائشة من اسم «أبي مريام»؛ فإنا لا نقول عند ذلك إن هذا الاسم غير ممكن - ~~وهذا خطأ وقعنا فيه، واتبعنا فيه الدكتور لين بول - بل نكتفي بأن نقول إن وجود هذا الاسم في الموضع الذي يذكر ~~فيه مشكوك في صحته، ويصح لنا أن ننبه إلى أمر نظن أنه لم يتنبه له أحد من قبل، وذلك أن هذا الاسم يطلق على ~~المسيحي الذي أسلم في بلهيب، كما ذكره الطبري في روايته عن أخبار تسليم الإسكندرية؛ إذ قال إن اسمه عبد الله ~~عبد الرحمن أبو مريام. ولا شك في أن الاسمين الأولين إضافتان من المسلمين على الاسم الأصلي؛ فذلك الاسم على ذلك ~~ممكن. غير أن إطلاقه على «أبي مريام المترانوس» و«أبي مريام الأسقف»، ثم «أبي مريام الذي أسلم»، نقول إن إطلاقه ~~على كل هؤلاء دليل قاطع على الخلط الذي لا يمكن معه التأكد من تلك التسمية. على أننا إذا قلنا إن أسقف مدينة مصر ~~وأسقفا آخر هما اللذان قابلا عمرا، لم يكن في ذلك شيء يتعارض مع رأينا في معنى ms407 عبارة الطبري؛ فإنها تفيد أنهما ~~قد أرسلا من قبل المقوقس ثم عادا إليه. والحق أن هذا التفسير يتفق مع رأينا اتفاقا حسنا. # وقبل أن ننتقل من القول في عبارة الطبري يجب علينا أن ننبه إلى تناقض في قوله؛ فبينا هو يقول في رواية إن ~~عمرا عندما جاءه الزبير ممدا قابله أبو مريم وأبو مريام وقاتلاه، إذا به يقول في رواية أخرى إن عمرا ~~والمقوقس التقيا في عين شمس والتحم جيشاهما في القتال. ولسنا نرى موضعا للشك في أن هاتين العبارتين تشيران ~~إلى حادثة واحدة ، وهذا مثل من الأمثلة التي تدل على ضرورة درس روايات الطبري مفردة، ثم قرن بعضها إلى بعض ودرسها ~~معا. فإذا سلمنا بأن الحادثة المقصودة واحدة، وأن رواية من الروايتين تشير إلى أن جاثليق مصر هو الذي قابل ~~عمرا، ثم أعقب ذلك وقعة عين شمس، وأن الثانية تشير إلى أن المقوقس هو الذي فعل ذلك؛ أمكن أن نقول إن المقوقس هو ~~جاثليق مصر، وأن ذلك الجاثليق قد يكون جاثليق القطر المصري؛ أي إنه قد يكون هو البطريق قيرس. وإذا صح ذلك كانت ~~الرواية التي تميز قيرس وتجعله شخصا آخر غير المقوقس رواية مخطئة. ويجب أن نذكر أنه لا يصح أن نثق بمختلف ~~الروايات ثقة متساوية إذا كانت روايات متناقضة، فيجب علينا أن نميز بينها ونوازن بين دلالاتها لنرى أيها ~~أوثق وأصدق. # وإن قول الطبري إذا فسرناه على وجهه يتفق مع رأينا الذي نريد البرهان عليه، لا، بل إنه يعززه ويدعمه. ويصح ~~لنا أن نزيد هنا أننا لا نجد كلمة واحدة في تاريخه تشير تلميحا أو تدل صريحا على أن المقوقس كان تابعا من ~~أصاغر العمال في الدولة. # والآن فلننظر إلى المؤرخين الآخرين لنرى إذا كان أحدهم يعزز حجة الدكتور ~~«لين بول»؛ فقد جاءت في تاريخ ابن عبد الحكم (حوالي سنة 850 للميلاد) عبارة ذات شأن، ونرى بحسب علمنا أنه لم ~~يلتفت إليها أحد في هذا الصدد؛ فقد جاء فيه قوله: «فوجه هرقل ملك الروم المقوقس أميرا على ms408 مصر، وجعل إليه حربها ~~وجباية خراجها، ونزل الإسكندرية.» فما معنى هذا القول سوى أنه كان الحاكم الأعلى بمصر؟ وإذا كان ابن عبد الحكم ~~يذكر أن المقوقس كان على جباية الخراج في مصر، فقد ذكر ذلك أيضا سعيد بن البطريق (876-939)، كما أن قوله هذا ~~يوافق ما جاء في وثيقة قبطية متخلفة من القرن السابع، وفيها ذكر زيارة «المقوقس البطريق الكاذب» لدير القلمون، ~~وفيها يوصف ذلك البطريق بأنه «مراقب الخراج في أرض مصر». ولا شك في أن هذا الدليل ذو خطر عظيم. وقد ذكرت هذه ~~الحادثة عينها في النسخة العربية من التقويم القبطي لحياة القديسين؛ فقد جاء فيه صراحة أن الشخص الذي حاول أن ~~يجعل صمويل يعترف بالعقيدة الخلقيدونية أو الملكانية كان اسمه المقوقس. وهذا دليل واضح على أن لفظ # ⲡⲕⲁϫⲭⲓⲟς # هو ~~الأصل القبطي للفظ «المقوقس». وفوق ذلك جاء في وثيقة مخطوطة أخرى وصف «البطريق» بعد اسم المقوقس؛ وعلى ذلك فقد ~~قام الدليل من هاتين الوثيقتين القبطيتين على أن الشخص الذي كان مراقبا للخراج في مصر هو المقوقس كما قال ~~ابن عبد الحكم، وكذلك كان هو البطريق الملكاني وكبير الأساقفة؛ أي قيرس. # ولكنا نجد فوق ذلك اتفاقا آخر يسترعي النظر بين ابن عبد الحكم ومؤرخ آخر ~~مستقل عنه؛ فقد ذكر المؤرخ العربي عبارتين عن المقوقس؛ إحداهما تنص على عمله الحربي، والأخرى تنص على عمله في ~~جباية الأموال. فأما فيما يخص جبايته للمال فلدينا دليل واضح يعزز ذلك في وثيقة قبطية، وأما فيما يخص عمله ~~الحربي فإنا موردون هنا تعزيزا عجيبا نأخذه من وثيقة سريانية تخلفت من القرن السابع، ولم يمض على كشفها ~~إلا زمن قصير، ألا وهي «الديوان المجهول الكاتب» # Chronicon Anonymum ~~، وقد ترجمها ~~وعني بنشرها الأستاذ جويدي، وطبعها بين مجموعة الدواوين الصغرى # Chronica Minora ~~، ~~وكانت كتابتها في القرن السابع بعيد فتح العرب لمصر، وقد جاء فيها أن العرب قد عاقهم عن الفتح في أول الأمر أن ~~حدود مصر كان يدافع عنها جيش قوي كبير حشده بها بطريق الإسكندرية. وهذه العبارة ms409 إذا سمعها الإنسان أول مرة ~~أنكرها ولم يكد يصدقها إذا هو سمعها وحدها، فأنى لبطريق أن يدبر هذه الأمور الحربية المحصنة؟ ولكن إذا عرفنا ~~أن البطريق كان عند ذلك قيرس، ولا ينكر أحد أنه قد كان، وإذا كان قيرس هو المقوقس؛ كانت عبارة هذه الوثيقة ~~السريانية القديمة متفقة كل الاتفاق مع وصف ابن عبد الحكم لحاكم مصر، وأنه كان صاحب الحرب المطلق فيها. # حسبنا هذا من ابن عبد الحكم، ومن الواضح أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أنه يذكر أن المقوقس أرسله هرقل إلى مصر، ~~وجعل له حربها وجباية خراجها، ولا يمكن أن يكون هذا وصف عامل تابع من الأوساط. وقد قام البرهان على أن قول هذا ~~المؤرخ العربي قد عززته وثيقتان؛ إحداهما قبطية والأخرى سريانية، تكادان تكونان مما كتب في عصر الفتح العربي ~~أو قد كتبتا فيه. # البلاذري: ~~(809-893 للميلاد)، ليس قوله في المقوقس شديد الدقة؛ فهو يذكر أنه صالح عمرا على عهد ثم رده ~~هرقل، ونحسب المقصود بذلك معاهدة مصر، ثم يذكره بعد ذلك قائدا في الإسكندرية في مدة حصار العرب ~~لها، ثم يذكر أنه فاوض عمرا في تسليم المدينة. ولم ترد في تاريخ هذا المؤرخ كلمة واحدة تعزز ~~قول من يقول إن المقوقس كان عاملا تابعا. وفي الحقيقة يتفق ما جاء في تاريخ البلاذري في هذا ~~الشأن مع ما جاء في كتاب حنا النقيوسي من أخبار قيرس. # اليعقوبي: ~~(المتوفى سنة 873 للميلاد)، ولم يكن من أهل مصر، وهو يذكر أن المقوقس صالح عمرا، وأن هرقل ~~رد ذلك الصلح. # ابن الأثير: ~~(1160-1232 للميلاد)، والظاهر أنه ينقل عن الطبري، ولكنه يصف «أبا مريم» بأن المقوقس أرسله ~~ليقابل عمرا، ويصفه بأنه جاثليق منفيس. وهذا يدل على أنه فهم من لفظ «جاثليق مصر» أنه يقصد به ~~أسقف مدينة مصر، وليس بطريق الإسكندرية؛ وعلى ذلك فليس في قول ابن الأثير ما يناقض الأدلة على أن ~~المقوقس كان هو قيرس بعينه. ويصح لنا هنا أن نزيد على ذلك أن مؤرخي العرب لم يميزوا ms410 تمييزا ~~واضحا بين الأسقف وبين كبير الأساقفة؛ فإن أبا المحاسن يذكر «أبا مريم» بأنه كان جاثليق مصر، ثم ~~يذكر «بنيامين» بأنه كان أسقف أهم المصادر العربية الإسكندرية. وكذلك ليس لفظ «أسقف روما» باللفظ ~~الغريب عن عرف التاريخ، بل إنه يرد في الأخبار هكذا «ويقصد به بابا روما»، ولكن ابن الأثير ~~يذكر أن المقوقس أمر بالقتال في عين شمس متبعا في ذلك رأي الأطربون الحربي، ويذكر كذلك أنه ~~فاوض في الصلح في الإسكندرية؛ وعلى ذلك فليس في قول هذا المؤرخ ما يعزز قول من يقول إن المقوقس ~~كان عاملا تابعا. # ياقوت: ~~(1178-1228 للميلاد)، يذكر أن المقوقس هو صاحب الصلح الذي عقد باسم القبط والروم، وأنه صالح ~~على شرط أن ينفذ بالعهد إلى الإمبراطور ليقره. وهذا دليل على أن هذا المؤرخ كان يعده حاكم ~~مصر. # المكين: ~~(1205-1273 للميلاد)، يذكر أن المقوقس كان حاكم مصر من قبل هرقل؛ أي إنه كان نائب الملك ~~فيها. # ابن دقماق: ~~(حوالي 1350-1406 للميلاد)، يروي عن ابن وهب أنه روى عن الليث بن سعد أن المقوقس الرومي الذي ~~كان ملك مصر صالح عمرا. # المقريزي: ~~(1365-1442 للميلاد)، يروي عن يزيد بن أبي حبيب أنه قال إن المقوقس الرومي كان واليا على مصر، ~~وأنه صالح عمرا. ويقول إن قائد الحصن (أي بابليون) كان «الأعيرج» من قبل المقوقس، ويذكر بعد ~~ذلك أن المقوقس كان حاكم البلاد من قبل هرقل، ويذكر أنه عقد صلح مصر، وأن الإمبراطور رده ولم ~~يقره، وأنه لام ذلك الحاكم النائب عنه على أنه رضي «أن يكون ومن معه من الروم في حال القبط ~~أذلاء» ... إلخ. وليس ثمة ظل من الشبهة في أن المقريزي يعد المقوقس نائب الملك في مصر. # أبو المحاسن: ~~(1411-1469 للميلاد)، وهو يذكر أن قائد قصر الشمع (أي حصن بابليون) كان «الأعيرج» من قبل ~~المقوقس. # ويقول هذا المؤرخ مرة أخرى: «ثم بدأ حصار الحصن، وكان قائده المندفور من قبل المقوقس بن قرقب ~~اليوناني.» ثم يذكر بعد ذلك عظماء المصريين وحاكمهم المقوقس؛ فلم يكن ثمة شك ms411 في أمره، ولم يظن ~~أبو المحاسن أنه كان عاملا تابعا. # السيوطي: ~~(1445-1505 للميلاد)، وكان مثل أبي المحاسن متفقا معه في الرأي، فقال إن الإمبراطور هرقل رد ~~صلح المقوقس مع العرب وأمثال ذلك القول. # وها نحن قد عرضنا أدلة مؤرخي العرب، واخترنا ما بها من تعريف بسلطة المقوقس وعمله في مصر، مبتدئين بابن ~~عبد الحكم إلى أن انتهينا بالسيوطي؛ وذلك كيما نقابل العبارة التي أوردها الدكتور «لين بول»، وهي أن أقوال مؤرخي ~~العرب وأدلتهم يؤخذ منها أن المقوقس قد يكون حاكما من الأتباع، أو عاملا من العمال من قبل الحاكم العام بمصر. ~~وإذ قد فرغنا من عرضنا هذا فماذا نحن واجدون ؟ إنهم جميعا لا يشذ منهم أحد يصفونه بأنه ملك أو أمير، أو يصفون ~~عمله في عبارات لا يمكن أن تفيد إلا السلطان الأعلى في مصر؛ وعلى هذا لا يمكن أن يقال شيء عن المؤرخين العرب سوى ~~أن قولهم إنما يدل على أن المقوقس كان الوالي على مصر من قبل هرقل، ولا يمكن أن تعزز عباراتهم رأيا آخر يذهب ~~إلى أن عمله كان عمل تابع في المحل الثاني؛ وإذا فقد كان المقوقس حاكم مصر من قبل الإمبراطور كما قال عنه ~~ابن عبد الحكم. # هذا الذي قلناه يلوح لنا ثابتا ثبوتا لا بأس به، ولكن الدكتور «لين بول» إذا كان قد لجأ إلى رأيه ذلك فقال إن ~~المقوقس كان عاملا تابعا، إذ لم يجد رأيا سواه يلجأ إليه كي يتخلص من أن يقول إن المقوقس كان هو قيرس بعينه؛ ~~فقد صارت حجته الآن واهية لا يقوم لها قائم بعد أن ثبت أن هذا الرأي لا يتفق مع دلالة المؤرخين العرب الذين اعتمد ~~على أقوالهم، وبنى رأيه على دلالتهم. # غير أن حجته كانت ذات شعبتين؛ الأولى: أن قول المؤرخين العرب ينقض قول من يقول إن المقوقس كان هو قيرس. ~~والثانية: أن قول المؤرخين القبط لا يصح تصديقه ولا الأخذ به. وقد بينا في قولنا السالف فساد الشعبة الأولى من ~~حجته، وأظهرنا بطلانها، فلنمض ms412 الآن إلى الشعبة الثانية لنرى محاولته تجريح المؤرخين القبط وإثبات فساد قولهم. ~~حقا لسنا ننكر أننا قلنا في مقدمة كتابنا «فتح العرب لمصر» إن بعض وثائق قبطية سميناها ليس لها كبير قيمة، ~~ولكن هذا القول قد اتخذ في الحجة سلاحا لحربنا، وكان في ذلك بعض شيء من الظلم لنا؛ فإنما أوردنا سببا لرأينا ~~هذا الذي قلناه، وهو أن أولئك المؤرخين القبط «كانوا يستطيعون أن يدلونا على كثير، لكنهم لا يوردون إلا النزر ~~اليسير من الأخبار، ويلمحون تلميحا عرضيا إلى تاريخ عصرهم»، ولكن من الواضح أنه ليس من العدل في شيء أن ~~تغفل كل الأخبار التي يوردها المؤرخون القبط بحجة أنهم لا يوردون أكثر منها؛ فإن الإشارة التي في هذه ~~الوثائق والتلميح الذي يبدو منها إلى حوادث التاريخ يجيء فيها عرضا بغير قصد. وإذا كانت تلك الإشارة يقصد بها ~~أولئك المؤرخون الحوادث التي تجري في عصرهم، كانت ذات قيمة لا تنكر ولا يجحد فضلها. وقد سبق لنا أن أظهرنا أعظم ~~التقدير للوثيقة القبطية المخطوطة التي تخلفت من القرن السابع، وهي الوثيقة «البودلية» التي تحكي قصة زيارة ~~البطريق الملكاني لدير القلمون، وبينا أنها تتفق مع ما جاء من ذكر هذا الحادث في النسخة العربية من تقويم حياة ~~القديسين (وفيها يذكر اسم الزائر أنه المقوقس). فهل كنا لنرفض مثل هذه الحجة ونغفلها؟ لا، بل لقد فعلنا عكس ~~ذلك؛ إذ بينا أن وثيقة أخرى سريانية متخلفة عن القرن السابع تثبت أن قيرس كان صاحب السلطة الحربية في مصر. ~~ولنا أن نزيد هنا أن جمع السلطة العليا في أمور الدين والدنيا معا في شخص واحد لم يكن بدعة جديدة، بل كانت له ~~سابقة واضحة في القرن السادس؛ فقد عرض جستنيان على تيودوسيوس أن يكون بطريق الإسكندرية وحاكم مصر معا إذا هو ~~قبل كتاب ليو ومذهبه الديني. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن عجبا من هرقل أن يجمع الرياستين في شخص قيرس. وقد أورد ~~ساويرس هذين الخبرين، أو لعلهما وردا في تاريخه؛ فإن ديوان تاريخه وما ms413 أضيف إليه بعده مجموعة قيمة من الأخبار ~~يقر أهل البحث والدرس لها اليوم بالفضل. ولسنا ننكر أننا لم نذكر ذلك الكتاب من قبل بما يليق به من الإكبار، ~~ولكنا عندما ذكرناه من قبل لم نكن على علم كامل به؛ إذ كان عند ذلك نسخة مخطوطة، غير أنه الآن قد أصبح جله ~~منشورا، وقد قال عنه المستر # Evetts ~~، وهو الذي ينشره مع ترجمة له: «إن تاريخ ~~بطارقة الإسكندرية هو الكتاب العمدة في تواريخ البطارقة للكنيسة القبطية، والجزء الأول منه مجموعة جمعها ساويرس ~~أسقف الأشمونين بالصعيد نقلها عن وثائق يونانية وأخرى قبطية، وجدها في الأديرة التي في بلاده فترجمها بمساعدة بعض ~~القسوس القارئين . وقد صار كتاب تاريخ البطارقة أتم وأكثر فائدة وأكبر قيمة منذ القرن السابع، ولا سيما في وقت ~~فتح العرب، فنجد فيه سلسلة من تواريخ حياة حقيقية كتبها كتاب من أهل عصرها.» وليس يخالف أحد هذا الرأي إذا كان ~~ممن درس كتاب ساويرس حق دراسته. ولما كنا لم نر أحدا سبق إلى بحث في هذا الأمر دعمه بالحجة وعززه بالرأي، ~~كان لنا أن نجرؤ على بيان بعض الأسباب التي تبرر إجلالنا لساويرس وإكبارنا له كحجة في التاريخ. يظهر أنه قد جرت ~~العادة منذ أقدم الأزمان على أن تكتب أخبار الكنيسة القبطية في صورة تراجم للحياة على الأكثر، وعلى أن تحفظ في ~~مكتبة الدير المعروف دير مقاريوس في وادي النطرون، ولم يكن مأمن أصلح لذلك الغرض من ذلك المكان وراء أسوار ذلك ~~الدير المحصن البعيد في الصحراء، وقد حفظت في ذلك الدير الوثائق المخطوطة التي استمد منها ساويرس تاريخه. وقد ~~وجدت فقرة مؤرخة في أول يونيو من سنة 1081 للميلاد قد أضيفت إلى ذلك الديوان، وفيها ما يلي: «إلى هنا انتهى ~~الفصل السادس عشر الذي تم به تاريخ الآباء إلى سيمون الثاني وأربعين من البطارقة، وسيلي ذلك ما ترجمناه عن ~~الوثائق في دير القديس مقاريوس، وهو تاريخ البطارقة من ميخائيل الأخير إلى سنوتيوس الأول. وقد ترجمنا في هذا الدير ~~تاريخ حياة ms414 تسعة آخرين من البطارقة في سنة 796 للشهداء (سنة 1080 للميلاد). وقد كتب هذا «أبا قيروس» الدمنهوري ~~بمشيئة الله التي أعانتنا على أن نجد هذه الأخبار في دير القديس مقاريوس بمساعدة الأخ تيودور الخازن ابن بولص، في ~~يوم الأحد السادس من شهر بئونة من عام 797 للشهداء الأكرمين. وقد قارنا الوثائق بعضها إلى بعض، ووجدنا أنها تتفق ~~مع ما لدينا من الصور فاقتنعنا بصحتها.» # وهذا خبر يدل على دراسة المصادر الأصلية بعناية ودقة ومحاسبة للنفس، وفي ~~استطاعتنا أن نرى مثل هذا السعي الدقيق متصلا إلى ما قبل هذا التاريخ بنحو أربعة قرون، فإننا نجد نبذة أخرى نعلم ~~منها أن الحوادث التي وقعت إلى أيام خلقيدونية و«ديوسكوروس» (حوالي سنة 450 للميلاد) كانت «تدون في الجزء ~~الثاني عشر من دواوين تاريخ الكنيسة»، ثم إذا أردنا أن نطلع على تاريخ الحوادث من أيام «قيريل» إلى أيام ~~الإسكندر، «أمكن أن نجد ذلك في كتاب المعلم الكاتب جورج كبير شماسي البطريق سيمون وكاتبه» (689-701 للميلاد). ~~وقد كتب ذلك الرجل كذلك تاريخه في دير القديس مقاريوس، ويقول الكاتب بعد ذلك: «وعلى ذلك فأنا العبد المخطئ ~~الذليل، أرجوكم أن تدعوا لي السيد المسيح أن يفك عقدة لساني الضعيف، وأن يشرح قلبي المظلم، وأن يهب لي من ~~البيان ما أستطيع به أن أبين لكم أيها الإخوان وأيها الأب ما سألتموني بيانه. ولست أرجو أن أبين لكم شيئا ~~أكون فيه معلما لكم أو مرشدا أتعالى به عليكم، بل أكون فيه باحثا دارسا؛ إذ قد رأيت بعيني ما كتبت. وإن ~~عظم الحوادث التي رأيتها تجعل من واجبي أن أدونها، ذلك عدا ما سمعته ممن هم أكبر مني سنا من أصحابي الذين أثق ~~في قولهم وأعتمد على صدقهم. والسيد المسيح يعلم أننا لم نزد شيئا على الحقائق، بل قد ذكرنا ما وقع إلى أيام وفاة ~~الأب المرحوم تيودور بطريق الإسكندرية، وما جرى من أمور الدول في أيامه إلى آخر الفصل السابع عشر من التاريخ الذي ~~أتممناه آنفا» (أي إلى سنة 743 ms415 للميلاد). ثم قال المؤرخ: «والآن فإنا كاتبون الفصل الثامن عشر من تاريخ الكنيسة.» ~~ثم بعد بضعة أسطر من هذا تراه يعلق على عبارة من عباراته فيقول: «إذ قد شهدنا بأعيننا مرارا عدة.» ثم قال ~~أيضا: «وأقاموا ملكا اسمه قرياقوس (في بلاد النوبة)، وبقي ملكا إلى اليوم الذي نكتب فيه هذا التاريخ.» وفي هذا ~~دليل على أن الكاتب يكتب عن عصره في القرن الثامن من الميلاد. وقد كان ذلك المؤرخ كاتبا لموسى أسقف أوسيم بالقرب ~~من الجيزة، وهو يتكلم دائما عن نفسه في ذكر الحوادث، فيقول مثلا: «فذهبنا إلى القصر وكان معنا الأبا تيودور أسقف ~~مصر.» إلى غير ذلك، ويقتبس قطعة من مذكرات البطريق ميخائيل (في موضوع دير مينا بقرب مريوط)، وقد أرسلت تلك ~~المذكرات إلى كاتب عبد الملك. ونرى ذلك المؤرخ من جهة أخرى يدافع عن نفسه لحذف بعض الحوادث بقوله: «وقد ذكرنا ~~هذه الأمور في كتاب تاريخ حياة «ميخائيل»، وهو منفصل عن هذا التاريخ.» ولكنه يذكر بعد ذلك حوادث تاريخية مثل موت ~~مروان، فيقول: «وقد قتلوه ومثلوا به، ونكسوا رأسه بعد أن أسروه، وقد كنا من شهود هذا الحادث.» # وفي القرن السابع كتب كاتب في ذلك التاريخ ترجمة حياة حنا الثالث (677-686 للميلاد)، ووصف قصة رحلة حنا الأخيرة ~~إلى الإسكندرية، فقال: «وكان كاتب هذا الخبر معه؛ فإنه كان ابنه في الله.» ويمضي الكاتب بعد ذلك في ذكر تفاصيل ~~دقيقة لا يستطيع أن يورد مثلها إلا كاتب من أهل العصر نفسه. # وبعد، فإن كثيرا من الأمور التي يشير إليها الكاتب في تاريخ ساويرس يمكن تحقيقها، وقد ظهرت صحتها ظهورا ~~جليا؛ فمثلا جاء في أخبار سيمون الأول قوله: «وفي يوم من أيام الأحد جاءت الأخبار إلى الأمير أن جيش الروم ثار ~~بالملك جستنيان وعزله، وولى مكانه «ليونتيوس».» وقد كانت ولاية سيمون للبطرقة من 689 إلى 701 للميلاد، أو هي ~~إلى سنة 700 للميلاد، وكان عزل جستنيان الثاني في سنة 695. ومثل آخر قوله: كانت مملكة الروم في ذلك الحين ~~تتخبط تخبط الصبية ms416 في لهوهم؛ فإن الروم بعد أن عزلوا ملكهم جستنيان جعلوا مكانه «ليونتيوس» ملكا عليهم، ~~ولكنه قتل قبل أن يتم السنة الثالثة من حكمه، وولي بعده «أبيماروس»، ويسمى «تيبريوس»، وبعده ولي «فليبيكوس»، ~~وبعد سنتين ولي «أنستاسيوس» ملكا على الروم، ولا يزال يلي الملك (وقول الكاتب «ولا يزال يلي الملك» يقصد به ~~الوقت الذي كان يكتب فيه تاريخه). # ونرى أنه يكفينا مثل آخر بعد هذه الأمثلة، وذلك عندما كان قرة الظالم والي مصر؛ فقد جاء عنه أنه عسف بالناس ~~عسفا شديدا، وابتز أموالهم، واستصفى أملاكهم الخاصة وأراضيهم وأرزاقهم وأوقافهم، حتى صار الناس إلى الفقر ~~المدقع، قال الكاتب: «فجعل الناس يهربون من مكان إلى آخر، ولكن لم يعصمهم منه مكان.» فإن قرة كان يرسل رسله ~~وراء الهاربين. قال الكاتب عن هؤلاء الرسل إنهم يجمعون الهاربين من كل مكان، ويرجعونهم إلى بلادهم مقيدين، ~~ويعاقبونهم. وهذه الأخبار كلها تذكر على أنها وقعت في أيام بطرقة الإسكندر الثاني (705-730 للميلاد). وهذه ~~الحقائق قد ثبتت بغير شك عندما كشفت ورقة البردي المسماة «أفروديتو»؛ إذ جاء نفس الخبر - عن هروب الناس - في ~~تلك الوثائق اليونانية وتاريخها (708-710 للميلاد). وهذا الاتفاق بين الخبرين دليل قوي على دقة كتاب «تاريخ ~~البطارقة». # حقا إنه لا يمكن في بعض الأحوال أن نعرف الكاتب الحقيقي لخبر من أخبار ذلك الديوان؛ وسبب ذلك أن التراجم ~~والوثائق الأخرى التي أدخلت فيه قد كتبها كتاب مختلفون في مدة حياة البطارقة المتعاقبين أو بعد موتهم بقليل؛ ~~وعلى ذلك فإن حكاية الكاتب عن نفسه يقصد أشخاصا مختلفين؛ فمثلا قال المصنف في آخر ترجمة حياة ميخائيل الأول: ~~«وقد بقي البطريق على كرسي الكرازة ثلاثا وعشرين سنة ونصف سنة، كما وجدنا ذلك في مكتبة دير القديس مقاريوس إلى ~~سنة 768.» ولا يمكن أن يكون هذا المصنف هو عين الكاتب الذي يذكر «أنستاسيوس» أنه صار إمبراطور الروم، وأنه كان ~~لا يزال على عرش الدولة إلى وقته، مع أن هذا الكاتب لا بد أن يكون هو الكاتب الذي علق على قوله «لا يزال»؛ ms417 ~~فالحقيقة أن النسخ المخطوطة التي كانت في المكتبة كانت تنقل حرفا حرفا ولفظا لفظا عن أصحابها، وهي ترجع إلى ~~أقدم الأزمان، وأكثرها كتب في وقت حدوث الحوادث التي تصفها، وهذه الحقيقة تجعل لتلك الوثائق أكبر قيمة. حقا إن ~~تلك الدواوين لا تخلو من ذكر خوارق المألوف والمعجزات، كما أنها لا تخلو من الأخطاء كما لا يخلو ديوان مؤرخ عربي ~~منها، ولكنا إذا استبعدنا من وثائق التاريخ القديم كل ما تشوبه الخرافات أو تتخلله الأخطاء، وإذا نحن أغفلنا تلك ~~الوثائق فلم نعتد بدلالتها؛ لم يبق لنا إلا القليل في أي باب من أبواب التاريخ. وإنا نقول إجمالا غير وجلين ولا ~~موارين، إن أخبار دواوين تراجم البطارقة صادقة في جملتها فيما تنص عليه من أخبار التاريخ، وقد ثبت ذلك وخلص من ~~كل شك. # لقد خرجنا عما كنا فيه، وطال بنا القول في سواه، غير أنه لم يكن لنا بد من ذلك لكي ندحض حجة الدكتور «لين بول» ~~في تجريح دلالة ساويرس. وقد تمسك الدكتور «لين بول» بكلمة خيل إليه أن ساويرس قالها، وهي اعتراف بعدم معرفة ~~اللغة اليونانية أو القبطية. حقا لقد حدث هذا الاعتراف، وصاحبه هو كاتب المقدمة الثالثة للكتاب، ولكن قام الدليل ~~القوي على أن اسم ساويرس قد ألصقه الناسخ خطأ بتلك المقدمة، ولم يكن في الإمكان أن يكون ساويرس كاتبها. فإذا نحن ~~فحصنا الأمر لم نجد إلا تبريرا ضعيفا، أو لعلنا لا نجد تبريرا لقول من يقول إن ساويرس لم يعرف اللغة اليونانية ~~ولا اللغة القبطية. وإذا أمعنا النظر وجدنا كل ما يدل على أن تاريخه كان تصنيفا بالغا مبلغا عظيما من الدقة ~~قائما على أساس من الوثائق الصحيحة؛ فمن الخطأ على ذلك أن نجرح دلالته. وفي الحق إنا لا نعلم أن مؤرخا واحدا من ~~المؤرخين العرب يمكن أن نظهر أن تاريخه يعدل كتاب ساويرس في أنه قائم على سلسلة غير منقطعة من الأخبار المدونة ~~التي كتب أكثرها كتاب عاشوا في عصرها؛ فإن المؤرخين العرب يروون أخبارا عدة عن ms418 العصور القديمة، ولكنهم قلما ~~ينقلون عن الوثائق الأصلية نصوصها أو يسندون أخبارهم إليها. ومعنى هذا القول أن التاريخ القبطي قائم على أساس ~~أقرب إلى العلم وأمتن في الدلالة، ألا وهو أساس الوثائق المخطوطة. # وبعد، فإن ما ذكرناه آنفا يدل على أن لكتاب ساويرس قيمة عظيمة بين مصادر التاريخ، وعلى أن قوله في المقوقس ~~وشخصيته لا يجوز أن يغفل بغير روية ولا فحص. فلنمض الآن إلى قول ساويرس، أو بقول أدق لنمض إلى قول المؤرخ ~~الذي ترجم حياة بنيامين لنرى ما فيه. # قال: «ولى هرقل قيرس حاكما على مصر، وجعل له ولاية الدين والحكم معا.» فلما جاء قيرس إلى الإسكندرية أنذر ~~بنيامين، فهرب إلى دير بالصحراء في الصعيد، وبقي به مختفيا مدة عشر سنوات . قال المؤرخ: «وكانت تلك السنوات هي ~~التي حكم فيها هرقل والمقوقس بلاد مصر.» ثم قال بعد ذلك عن قيرس إنه «حاكم الإسكندرية الكافر الذي كان بطريقا ~~وحاكما من قبل الروم». وهذا القول يؤكد أن قيرس كان هو المقوقس تأكيدا لا إبهام فيه، وقد بينا أن هذا يتفق كل ~~الاتفاق مع ما جاء في النسخة العربية من تقويم القديسين؛ إذ جاء فيها: «كان المقوقس كبير المذهب الخلقيدوني، وقد ~~جعل حاكما على مصر وبطريقا لها.» كما أنه يتفق مع النسخة الأثيوبية من ذلك التقويم؛ إذ جاء فيها: «المقوقس أي ~~الحاكم والبطريق في الإسكندرية وفي جميع بلاد مصر.» وقد أظهرنا كذلك الاتفاق التام مع ما جاء في الوثائق المخطوطة ~~«البودلية»، وهي مما تخلف عن ذلك العصر، وفيها نص على أن المقوقس كان يجمع الرئاستين؛ رئاسة الدين ورئاسة جباية ~~الأموال في مصر. كما أننا أظهرنا أن وثيقة مخطوطة سريانية تختلف عن زمن قريب من ذلك العصر، وهي الديوان المجهول ~~الكاتب # Chronicon Anonymum ~~، قد جاء فيها أن بطريق الإسكندرية هو الذي دافع العرب ~~عن مصر، في حين أن ابن عبد الحكم يصف عامل هرقل على مصر بأنه كان يجمع سلطة الحرب الكاملة وسلطة جباية الأموال، ~~ويسميه بالمقوقس. # وقول مؤرخي اليونان يوصلنا إلى ms419 النتيجة نفسها؛ فإن نيقفوروس يذكر أن هرقل ~~أرسل «ماريانوس» إلى الإسكندرية ليشترك مع قيرس بطريق الإسكندرية في الاستقرار على خطة يسيران عليها مع العرب، ثم ~~يقول في موضع آخر إن قيرس كان أسقف الإسكندرية. # وتيوفانز أصرح قولا إذ يقول: «ولما مات جورج (البطريق الملكاني أو الخلقيدوني) أرسل قيرس ليكون أسقف ~~الإسكندرية بعده.» ولما ذكر العرب قال: «فغزوا مصر، واتهم قيرس بأنه سلم ذهب مصر إلى العرب، فأرسل إليه ~~الإمبراطور رسالة شديدة يأمره فيها أن يعود من مصر.» # فالحقائق التي يدل عليها قول هذين المؤرخين هي أولا أنهما على أن قيرس كان بطريق الإسكندرية. ويقول نيقفوروس إن ~~«مريانوس» كان قائدا حربيا أرسله هرقل، وأمره أن يشترك مع قيرس في الاحتيال في أمر العرب خاصة. وهذه عبارة تدل ~~على أن قيرس كان له أمر الدنيا كما كان له أمر الدين في مصر، في حين أن تيوفانز يقول إن قيرس عندما رضي بدفع ~~الجزية للعرب غضب عليه هرقل، وأمره بالعودة من مصر. وهذه العبارة كذلك تدل على أن قيرس كان له أمر الدنيا؛ إذ كان ~~نائبا عن هرقل. ولا شك أن تيوفانز يعني بقوله هذا معاهدة مصر التي رضي بها قيرس ثم ردها هرقل غاضبا. # وما أقرب الصلة بين قول هذين المؤرخين اليونانيين وبين قول مؤرخي العرب اللهم إلا في أمر واحد، وهو أن العرب ~~يذكرون اسم المقوقس في المواضع التي يذكر فيها اليونان اسم قيرس؛ فإن مؤرخي العرب متفقون على أن الذي صالح عمرا ~~هو المقوقس، وأن ذلك الصلح كان مشروطا فيه الرجوع إلى هرقل لموافقته، وأن هرقل غضب ورده حانقا. حقا إن العرب ~~لا يذكرون أن هرقل أمر المقوقس بالعودة من مصر، ولكن المؤرخ الذي كان قريبا من ذلك العصر، وهو حنا النقيوسي، ذكر ~~أن قيرس أمره هرقل بالعودة والخروج من مصر. # بقي علينا أن نذكر باختصار ما قاله مؤرخان مسيحيان من مؤرخي العرب، وهما أبو صالح وسعيد بن البطريق (أوتيكيوس)؛ ~~فقد قال أبو صالح إن المقوقس ولاه هرقل على مصر، ms420 وقال كذلك إن السنوات العشر التي كان فيها البطريق بنيامين ~~طريدا في منفاه كانت السنوات التي حكم فيها المقوقس مصر. ولسنا ننكر أن أبا صالح يقول إن اسم المقوقس هو جورج بن ~~مينا، ولا ننكر أن سواه من المؤرخين يذكرون له أسماء أخرى، ولكن حسبنا أن نقول إنه لم يورد أحد من المؤرخين ~~الأولين اسما ما لحامل ذلك اللقب المقوقس، فإذا جاء ذكر اسم له بعد موت المقوقس بخمسة قرون أو ستة لم يكن ذلك ~~دليلا يقاوم الأدلة المتراصة المتراكمة التي تدل على أن المقوقس هو قيرس؛ وعلى ذلك يمكن أن نقول إن أبا صالح ~~الأرمني يتفق مع مؤرخي القبط واليونان والمصريين في ذكر العمل الذي كان يعمله المقوقس، ويتفق مع ساويرس في أن ~~المقوقس كان المضطهد الخلقيدوني الذي اضطهد القبط وطرد بنيامين إلى منفاه. # وأما سعيد بن البطريق (سنة 876-939) فقد كتب قبل أبي صالح بنحو ثلاثة قرون، ويجب أن نذكر أنه لم يكن خلقيدونيا ~~فحسب، بل قد كان بطريقا ملكانيا لمصر، وهو يقول: «وبعد هرب جورج صار قيرس بطريق الإسكندرية، وكان مارونيا على ~~مذهب هرقل.» وقال في موضع آخر: «وكان العامل على الخراج بمصر المقوقس من قبل هرقل الملك.» ثم قال: «وكان ~~يعقوبيا (أي قبطيا) يكره الروم، ولكنه كان يخشى أن يظهر عقيدته اليعقوبية خوفا من أن يقتله الروم.» # ولا شك في أن ذلك المؤرخ الذي كان بطريقا ملكانيا كان شديد الحرص على أن يزيل عن قيرس معرة تسليم مصر إلى ~~العرب، فاضطره ذلك إلى أن يتورط في أقوال عجيبة. فلما قال إن قيرس جاء إلى مصر عند تولية هرقل ليكون بطريقا ~~للإسكندرية، قال في نفس الصفحة إنه لم يول بطريق ملكاني للإسكندرية لمدة سبع وتسعين سنة بعد هروب جورج. وهذا ~~قلب جريء ومسخ لحقائق التاريخ؛ فالظاهر من هذا أن ابن البطريق لا يرضى بأن يسلم بأن قيرس كان بطريقا ~~ملكانيا، وهو في الوقت عينه يتهم المقوقس بأنه كان قبطيا يخفي عقيدته في قلبه، وهذه التهمة اعتراف منه ms421 بأن ~~المقوقس كان ملكانيا في ظاهره - حقا إن ابن البطريق لا يقول صراحة إن قيرس كان المقوقس، ولكنه هذا الاتفاق في ~~قوله ذو دلالة عظمى - ولقد قال إن المقوقس كان العامل على الخراج من قبل هرقل؛ فهو بذلك يتفق مع ابن عبد الحكم ~~ومع الوثائق القبطية «البودلية». وابن البطريق مثل سائر مؤرخي العرب يذكر أن المقوقس كان حاضرا في حصن بابليون ~~عند الحصار، ثم خرج منه إلى الروضة لمفاوضة عمرو، وأنه صالح عمرا بعد ذلك على معاهدة مصر. ولكنا نرى أن ~~ابن البطريق لم يذكر أن قيرس هو المقوقس لأنه كان يجهل ذلك الأمر، لا لأنه كان يقصد التضليل والتدليس. ولقد ظهر ~~جهله بذلك الأمر في موضع آخر؛ إذ قال إن المقوقس كان حيا في وقت ثورة منويل. # إلى هنا قد بينا ما هنالك من أدلة بينها اتفاق عجيب في بعض الأحايين واختلاف واسع في أحايين أخرى، وقد ~~استمددنا تلك الأدلة من وثائقها الأصلية، ومنها ما تخلف عن العصر الذي نصفه، وهي من أصول متباينة؛ منها ~~اليوناني والقبطي والسرياني والعربي، وكلها تدل على أن المقوقس إنما هو قيرس بطريق الإسكندرية، والعامل على ~~الخراج، والحاكم العام على مصر في وقت الفتح. وليس ينقض هذا الرأي أن يقول قائل إن مؤرخي العرب قد يطلقون لقب ~~المقوقس أحيانا على شخص يسمونه ليس هو قيرس، ولسنا ننكر أن الأمر كذلك، ولكنا ننكر كل الإنكار تلك النتيجة ~~التي يذهب إليها أصحاب ذلك القول، وهي أن لقب المقوقس لم يكن علما على شخص معين واحد، وحجتهم في ذلك أنه قد ~~أطلق خطأ في بعض الأحوال على أشخاص متعددين، ويلوح لنا أن العلامة «كايتاني» من بين من يذهبون هذا المذهب. ~~وأما الحقيقة التي نراها فهي أن المؤرخين العرب إنما كتب أكثرهم وليس عنده عن المقوقس أكثر من صورة ضئيلة ~~مبهمة عن المقوقس، وأنه كان حاكما على مصر؛ فليس من العجيب أن نجدهم يصورونه أحيانا مشتركا في أعمال أو ~~حوادث لم يكن مشتركا فيها بنفسه أو لم يحضر ms422 حدوثها. ولا شك أنهم قد ضلوا في أمر اسمه وشخصه؛ ولذلك فهم يخطئون ~~فيها، ولكن المسألة التي نحن بصددها باقية، وهي أن يكشف خلافهم عن حقيقة شخصية المقوقس، وأن نعرف من كان بين ~~الناس. ولم يذكر مؤرخ عربي، وما كان له أن يذكر، أن ذلك اللقب قد أطلق على ثلاثة أشخاص كلهم حق له أن يلقب ~~به، وليس في طاقة المنطق أن يبيح لقائل أن يقول إن وجود الخلاف يجعل ذلك اللغز متعسرا على العقول لا تستطيع ~~حله، بل إن واجب النقد التاريخي أن يصفي ما هنالك من خلاف، وأن يزيح ما تراكم منه على الحقيقة فيكشفها ويجلوها. ~~ولعلنا يحق لنا أن نعتقد أنه إذا عرضت الأدلة عرضا لا ميل فيه ولا تحيز، أمكن أن نصل إلى نتيجة مؤكدة ليس ~~فيها شك، وهي أن المقوقس لم يكن سوى «قيرس»، وأنه لا ينبغي لذلك اللقب أن يطلق على سواه من الناس. # الحوادث التاريخية # الثورة على هرقل في بنطابوليس # سنة 609م # النضال من أجل مصر # سنة 609-سنة 610 # تولية هرقل إمبراطورا # 5 أكتوبر سنة 610 # إغارة الفرس على الشام # سنة 614 # حصار الفرس لمدينة دمشق # نهاية مايو سنة 615 # زيارة أثناسيوس لمدينة الإسكندرية # أكتوبر سنة 615 # مسير الفرس لمصر # خريف سنة 616 # فتح الفرس لبابليون أو تسليمها لهم # ربيع سنة 617 # فتح الفرس لمدينة الإسكندرية # نهاية سنة 618 # إخضاع مصر نهائيا # سنة 618 # بدء حرب هرقل الكبرى مع الفرس # ربيع سنة 622 # هجرة الرسول # صلى الله عليه وسلم # 16 يوليو سنة 622 # جلاء الفرس عن مصر # سنة 627 # كتاب الرسول إلى الحكام # 627-628 # هزيمة كسرى النهائية وموته # فبراير سنة 628 # الاحتفال بإعلاء الصليب في دمشق # 14 سبتمبر سنة 629 # بعث قيرس بطريقا للإسكندرية # سنة 631 # الاضطهاد الأعظم للقبط # 631-641 # وفاة الرسول # سنة 632 # فتح فلسطين والشام على يد العرب # 629-640 # وداع هرقل للشام # سنة 636 # تسليم بيت المقدس لعمر بن الخطاب # سنة 637 # غزو مصر ووصول عمرو إلى العريش # 12 ديسمبر سنة ms423 639 # الاستيلاء على بلوز (الفرما) # يناير سنة 640 # غارة عمرو إلى الفيوم # مايو سنة 640 # وصول الأمداد بقيادة الزبير # 6 يونيو سنة 640 # موقعة هليوبوليس وفتح مصر # يوليو سنة 640 # بدء حصار حصن بابليون # سبتمبر سنة 640 # معاهدة بابليون الأولى مع قيرس ورفض هرقل # أكتوبر سنة 640 # استدعاء قيرس # نهاية سنة 640 # موت هرقل # 11 فبراير سنة 641 # تسليم بابليون والمعاهدة الثانية # 9 أبريل سنة 641 # الاستيلاء على نيقيوس # 13 مايو سنة 641 # الهجوم على الإسكندرية # نهاية يونيو سنة 641 # عودة قيرس إلى مصر # 14 سبتمبر سنة 641 # تسليم الإسكندرية # 8 نوفمبر سنة 641 # إعادة حفر ترعة تراجان # شتاء 641-642 # بناء الفسطاط # موت قيرس # 21 مارس سنة 642 # تعيين من يخلف قيرس # 14 يوليو سنة 642 # جلاء الروم عن الإسكندرية # 17 سبتمبر سنة 642 # بعث عمرو إلى بنطابوليس # شتاء 642-643 # عودة بنيامين # خريف سنة 644 # ثورة الإسكندرية بقيادة منويل # نهاية سنة 645 # موقعة نيقيوس الثانية # آخر فصل الربيع سنة 646 # إعادة فتح العرب لمدينة الإسكندرية # صيف سنة 646 # استدعاء عمرو من مصر # خريف سنة 646 # تولية عمرو حاكما لمصر # أغسطس سنة 658 # موت بنيامين # 3 يناير سنة 662 # موت عمرو # 6 يناير سنة 664 # البطريق # تاريخ التولية # تاريخ الوفاة # البطارقة الملكانيون # تيودور ~~- # 609 # حنا الرحوم # 609 # 616 أو 617 # جورج # 621 # 630 أو 631 # قيرس # 631 # 21 مارس 642 # بطرس # 14 يوليو 642 # غير معلوم # بطارقة القبط # أنستاسيوس # يونيو 604 # 18 ديسمبر 616 # أندرونيكوس # ديسمبر 616 # 3 يناير 623 # بنيامين # يناير 623 # 3 يناير 662 # أجاثو # يناير 662 # 13 أكتوبر 680 # حنا السمنودي # أكتوبر 680 # 27 نوفمبر 689 # إسحاق # 4 ديسمبر 690 # 5 نوفمبر 693 # سيمون # يناير 694 # 18 يوليو 701 # أهم المصادر العربية # ابن الأثير: # الكامل، المطبوع بلندن سنة 1868-1874، لناشره # C. J. ~~Tornberg ~~. # ابن حجر: # الإصابة في معرفة أسماء الصحابة (أربعة أجزاء)، المطبوع 1856، لناشريه # A. ~~Spranger # وآخرين. # ابن حوقل البغدادي: # المسالك والممالك (ضمن المكتبة الجغرافية العربية)، المطبوع سنة ms424 1870-1879، لناشره # De Goeje, M. J. ~~. # ابن خلدون: # العبر وديوان المبتدأ والخبر (سبعة أجزاء)، المطبوع ببولاق سنة 1283ه. # ابن خلكان: # وفيات الأعيان (أربعة أجزاء)، المطبوع بباريس سنة 1842، لناشره # De Slane ~~. # ابن دقماق: # الانتصار لواسطة عقد الأمصار، المطبوع ببولاق سنة 1893، لناشره # Dr. k. ~~Vollers ~~. # ابن رستاه (أحمد بن عمر): # الأعلاق النفيسة (ضمن المكتبة الجغرافية العربية)، المطبوع سنة 1870-1879، لناشره # De ~~Goeje, M. J. ~~. # ابن عبد الحكم: # نسخة خطية بباريس # M. S. ~~. # ابن الفقيه (أحمد بن محمد الهمذاني) البلدان (ضمن: # المكتبة الجغرافية العربية)، المطبوع سنة 1870-1879، لناشره # De Goeje M. ~~J. ~~. # ابن قتيبة: # المعارف، المطبوع سنة 1850، لناشره # Wüstenfeld ~~. # ابن واضح اليعقوبي: # تاريخ اليعقوبي (جزءان)، المطبوع سنة 1883، لناشره # T. Houtsma ~~، ~~والمكتبة الجغرافية العربية # De Goeje, M. J. ~~. # أبو صالح: # تاريخ أبي صالح الأرمني، المطبوع بأكسفورد سنة 1895، لناشريه # Evetts and ~~Bulter ~~. # أبو الفدا: # جغرافية أبي الفدا، ثلاثة مجلدات، المطبوع بباريس؛ الأصل سنة 1840، الترجمة سنة 1848، 1883، لناشره # J. T. Renaud ~~. # أبو الفرج ابن العبري: # مختصر تاريخ الدول، المطبوع سنة 1663، في # Oxon ~~، لناشره Pococke ~~. # تاريخ الكنائس (ثلاثة أجزاء)، المطبوع بلوفان سنة 1872، لناشريه # Abbeloos et ~~Lamy ~~. # أبو المحاسن: # النجوم الزاهرة (جزءان)، المطبوع سنة 1855-1861، لناشريه # Juynboll et ~~Matthes ~~. # الإدريسي: # نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، جغرافية بلاد النوبة، المطبوع بباريس سنة 1609. # الإصطخري (إبراهيم بن محمد): # مسالك الممالك (ضمن المكتبة الجغرافية العربية)، المطبوع سنة 1870-1879، لناشره # De ~~Goeje, M. J. ~~. # البلاذري: # فتوح البلدان، المطبوع سنة 1866، لناشره # De Goeje, M. J. ~~. # ساويرس الأشمونيني: # سير البطارقة بالمدينة العظمى الإسكندرية. # سعيد بن بطريق (أوتيكيوس): # نظم الجوهر، طبع في باريس. # السيوطي: # حسن المحاضرة، المطبوع بمصر سنة 1299ه. # تاريخ الخلفاء، المطبوع بكلكتا سنة 1881، ترجمة # H. S. ~~Jarrett ~~. # الطبري: # تاريخ الأمم والملوك (أربعة أجزاء). (1) المطبوع بباريس سنة 1871، لناشره # Zotenberg ~~. (2) في # Lugd. Bat ~~، سنة ~~1879-1890، لناشره # De Goeje ~~. # عبد اللطيف (البغدادي): # أخبار مصر، الإفادة والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المطبوع بأكسفورد سنة 1800، لناشره # White ~~. # القزويني: # آثار البلاد وأخبار العباد، المطبوع سنة 1848-1849، لناشره # Wüstenfeld ~~. # الماوردي: # الأحكام السلطانية، المطبوع ms425 سنة 1853، لناشره # M. Enger ~~. # المرتضى: # تاريخ المصريين، المطبوع بلندن سنة 1672، ترجمة # J. Davies ~~. # المسعودي: # مروج الذهب، المطبوع بباريس سنة 1863، لناشره # Barbier de ~~Maynard ~~. # المقريزي: # الخطط (جزءان)، المطبوع ببولاق سنة 1270ه. # المكين: # تاريخ العرب، المطبوع سنة 1625، ( # Lugd Bat ~~) لناشره # T. Erpenius ~~. # ناصري خسرو: # سفر نامه، المطبوع بباريس سنة 1881، لناشرها # C. Schefer ~~. # النووي: # تهذيب الأسماء، المطبوع بجوتنجن سنة 1872-1877، لناشرها # Wüstenfeld ~~. # الواقدي: # فتوح مصر، المطبوع بليدي سنة 1925، ناشره # Hamakar ~~. # ياقوت: # معجم البلدان (ستة أجزاء)، المطبوع بليبزج سنة 1866-1873، لناشرها # Wüstenfeld ~~. # أهم المصادر الإفرنجية # Amélineau, E. : Vie d’un ÉÉvéque de Keft, Paris, 1887. # Fragments Coptes, and C., in Journal Asiatique, ~~1888. # Histoire du Patriarche Copte Isaac. Paris, 1890. 8 ~~vo. # Vie de Shenoudi in Mém. Miss Arch. Franç. t. IV. i. p. ~~340. # Vie de Samuel: id., t. lV. ii. p. 774. # Géographie de l’Egypte à Epoque Copte, Paris, 1893. and c. 8 ~~vo. # Histoire des Monastéres de la Basse Egypte. Paris, ~~1894. # Ammianus Marcellinus. # Botti, G. : L’Acropole d’Alexandrie et le Sérapeum. Alexandrie, 1895. 8 ~~vo. # Fouilles à la Colonne Théodosienne. Alexandrie, 1897. 8 ~~vo. # Brosset: Collection d’Historiens Arméniens. St. Pétersbourg, 1874. 2 tom. 8 ~~vo. # Bury, Prof. J. B. : Gibbon’s Decline and Fall. London, 1896, 7 vols. 8 ~~vo. # History of the Later Roman Empire. London, 1889. 2 vols. 8 ~~vo. # Butcher, E. L. : Story of the Church of Egypt. London, 1897. 2 vols. 8 ~~vo. # Butler, A. J. : Ancient Coptic Churches of Egypt. Oxford, 1884. 2 vols. 8 ~~vo. # Cedrenus. # Champollion: L’Égypte sous les Pharaons. Paris, 1814, 2 vols. 8 ~~vo. # Chronicon, Orientale. # Chronicon Paschale, ap. Migne, Patr. Gr. t, 92. # Crum, W. E. : Coptic Ostraka. London, 1902. 8 vo. # D’Anville: Mémoires sur I’Égypte. Paris, 1766. 4 to. # De Bock, W. : Matériaux pour servir à l’Archéologie de l’Égypte Chrétienne. St. Pétersbourg, 1901. Fol., with plates. # De Goeje, M. J. : # v ~~. Balâdhurî and ~~Tabarî. # Mémoire sur les Carmathes du Bahrain. Leyde, 1862. # Conquête de la Syrie. Leyde, 1804. # Bibliotheca Geographica Arabicorum. Lugd. Bat. ms426 1870-79. 8 ~~vo. # Diehl, C. : L’Afrique Byzantine, Paris, 1896. 8 vo. # Justinien et la Civilisation Byzantine au Vl # e # Siècle. Paris, 1901. 8 vo. # Drapeyron, L. : L’Empereur Héraclius. Paris, 1869. 8 vo. # Dulaurier: Chronologie Arménienne. Paris, 1859. # Egypt: Exploration Fund Reports. # Epiphanius: De Ponderibus et Mensuris. # Eunapius: Vita Aedesii. # Eusebius: Historia Ecclesiastica Ed. Heinechen. Leipzig, 1828. 3 vols. 8 ~~vo. # Eutychius, Patriarcha Alexandrinus: Annales: ap. Migne, Patr. ~~Gr. # Evetts and Butler: # v ~~. Abû ~~Sâlih. # Gayet, A. : Le Costume en Égypte, Paris, 1900. # L’Art copte. Paris, 1902. 8 vo. # Gelzer, H. : Leontios von Neapolis Leben des Hiligen Johannes, Leipzig, 1893. 8 ~~vo. # George of Pisidia: ap. Migne. # Gregorovius, F. : The Emperor. Hadrian: tr. M. E. Robinson. London, 1898. 8 ~~vo. # Hamaker: Expugnatio Memphidis: # v ~~. ~~Wakidî. # Holm, A. : History of Greece: tr. F. Clarke. London, 1898. 4 vols. 8 ~~vo. # Hyvernat, H. : Actes des Martyrs de l’Égypte. Paris, 1886. ~~Fol. # Jarrett, H. S. : History of the Caliphs: # See # Suyûtî. # Karabacek, J. : Mittheilungen aus der Sammlung der Papyrus. Erzherzog Rainer. Wein, ~~1887. and c. Fol. Papyrus Erzherzog Rainer: Führer durch die Ausstellung, Wien, 1894. 4 ~~to. # Koelle, S. W. : Mohammed and Mohammedanism. London, 1889. 8 ~~vo. # Kyrilolos II, Mgr. : Le Temple du Césareum, in Bulletin de la Société Khédiviale de ~~Géographie, V # e # Série, No. 6, Fév. 1900 (Le ~~Caire). # Lane-Poole, Prof ~~. S. : Art of the Saracens in ~~Egypt. London, 1886. 8 vo. # Egypt in the Middle Ages. London, 1901. 8 vo. # The Story of Cairo in Mediaeval Towns’ Series. London ~~1902. # Le Beau, C. : Histoire du Bas Empire. Ed. de Saint-Martin. Paris, 1824-38. 21 vols. 8 ~~vo. # Le Strange, G. : Palestine under the Moslems. London, 1890. 8 ~~vo. # Lethaby and Swainson: St. Sophia, Constantinople. London, 1894. 8 ~~vo. # Mahaffy, Prof ~~. J. P. : Empire of the Ptolemies. ~~London, 1895. # Malan, S. C.: Original Documents of the Coptic Church. London, 1874. 8 ~~vo. # Matter, M.: Histoire de l’École d’Alexandrie. Paris, 1840. 2 vols. 8 ~~vo. # Michel Le ms427 Grand: Chronique, Ed. V. Langlois. Paris, 1866. 4 ~~to. # Michelle Syrien: Chronique. Ed. J. B. Chabot. Paris, 1899, and c. 4 ~~to. # Michelle, R. L.: Egyptian Calendar. London, 1900. 8. vo. # Milne, J. G.: Egypt, under Roman, Rule. London, 1898. 8 vo. # Moschus, John: Pratum Spirituale. Ap. Migne, Patr. Gr. # Murtadi: Egyptian History. Tr. J. Davies. London, 1672. 12 mo. # Neroutson Bey: L’Ancienne Alexandrie. Paris, 1888. 8 vo. # Nicephorus. # Nicephorus Callistus. # Niebuhr, C.: Voyage en Arabie. Amsterdam, 1776. 4 vols. 4 to. # Nikiou, Jean De: Chronique. Ed. Zotenberg in t. XXIV of Notices et Extraits des Mss. ~~de la Bibl. Nat., and c. Paris, 1883. 4 to. # Also English translation lent by Dr. Charles. # Nourisson, V.: La Bibliothèque des Ptolémés. Alexandrie, 1893. 4 ~~to. # Ockley S.: History of the Saracens. Ed, Bohn. London, 1847. 8 ~~vo. # Orosius: Historiae. Palestine Pilgrims Text Society’s Publications. Papyri: Corpus Papyrorum Raineri. Ed. J. Krall. (Coptische ~~Texte). # Fayûm Towns and their Papyri. Ed. Grenfell and ~~Hunt. # The Amherst Papyri. Ed. P. E. Newberry. # Oxyrhynchus Papyri. Ed. Grenfell and Hunt. Pereira, F. M. E.: Vida do Abba Samuel do Mosteiro do Kalamon. Lisboa, 1894. 8 ~~vo. # Vida do Abba Daniel do Mosteiro de Soceté. Lisboa, 1897. 8 ~~vo. # Historia dos Martyres de Nagran. Lisboa, 1899. 8 ~~vo. # Quatremère, E.: Recherches sur la langue et la littérature de l’Égypte. Paris, 1808. ~~8 vo. # Mémoires Géographiques et Historiques sur l’Égypte. Paris, 1811. 2 tom. 8 ~~vo. # Renaudot: Historia Patriarcharum Alexandrinorum. Paris, 1713. 4 ~~to. # Rufinus: Vitae Patrum. # Historia Ecclesiastica. # Sebeos: Translation lent by Mr. Conybeare. # Severus of Ushmûnain: Brit. Mus. Ms. Or. 26, 100; Paris, Ms., and M. Simaikah. Bey’s ~~Cairo Ms. # Sharpe, S.: Egypt under the Romans. London, 1842. 8 vo. # History of Egypt. Ed, Bohn. London, 1885. 2 vols. # Simaikah, A.: La Province Romaine de l’Égypte. Paris, 1892. 8 ~~vo. # Socrates: Historia Ecclesiastica. # Sophronius: Opera, ap. Migne, Patr. Gr. # Sozomen: Historia Ecclesiastica. # Strzygowski, J.: Orient Oder Rom. Leipzig, ms428 1901. 8 vo. # Susemihl, F.: Geschichte der Griechischen Litteratur in der Alexandrinerzeit. ~~Leipzig, 1891-2. 2 vols. 8 vo. # Tarikh Regum Persiae. Ed. W. Schikard, Tübingen, 1628. to. # Theodoret: Historia Ecclesiastica. # Theophanes. # Usener, H.: De Stephano Alexandrino. Bonn, 1880. 8 vo. # Acta Martyris Anastasii. Bonn, 1894, 4 to. # Vansleb: Histoire de L’Eglise d’Alexandrie. Paris, 1677. 12 ~~mo. # Nouvelle Relation d’un Voyage fait en Egypte, Paris, 1698. 12 ~~mo. # Von Gutschmid, A.: Kleine Schriften, Leipzig, 1889-94. 8 vo. # Von Ranke: Weltgeschichte. Leipzig, 1884. Several vols. 8 vo. # Weil: Geschichte der Chalifen. Mannheim, 1846. 3 vols. 8 vo. # Wright, T.: Christianity in Arabia. London, 1895. 8 vo. # Zachariah of Mitylene: Chronicle tr. Hamilton and Books. London, 1889. ~~8 vo. # Zoega, G.: Catalogus Codd Copticorum Mss. Romae, 1810. Fol. # تتذييل بالألفاظ والعبارات اليونانية الواردة بهذا الكتاب، وهي المشار إليها بأرقام في أعلاها نجمة، هكذا: ~~«1 ~~⋆ ~~، ~~2 ~~⋆ ~~، ~~3 ~~⋆ ~~... إلخ» # Greek Word # No. # Νίκιον # 1 # σφάζεται ἀπὸ ἐναντίων # 2 # Τὸ Ἔννατον # 3 # Ἔνατον # 4 # Σαλαμᾶ # 5 # Τὸ πέμπτον # 6 # Σαρβαραζᾶς # 7 # Σαρβαναζᾶς # 8 # Σάρβαρος # 9 # Ρουμίαζαν # 10 # παραγενόμην ἐν Ἀλεξανδρείᾳ κατὰ τὸν καιρὸν ἐν ᾧ εἰσῆλθον οἱ ~~πέρσαι ἐν Αἰγύπτῳ, ἔτι ὄν των αὐτῶν ἐπὶ τὰ μέρη τῆς Νικίου καὶ Βαβυλῶνος τῆς κατ’ ~~Αἴγυπτον # 11 # ταραχὴν καὶ θόρυβον τῆς περσικῆς ἐπιδρομῆς # 12 # ὡς ἔμελλεν Ἀλεξάνδρεια τοῖς ἀθέοις πέρσαις ~~παραδίδοσθαι # 13 ~~(توضع قبل كلمة «والأشهر عنه» من تعليق (1) صفحة 135) # Λειμὼν πνευματιπός # 14 ~~(توضع قبل كلمة «والأشهر عنه» من تعليق (1) صفحة 135) # ὠφελειας χάριν # 15 # ὁ σχολαστικὸς # 16 # θεωρούμενος # 17 # θεωρια # 18 # διὰ τὸ εἶναι αὐτὸν πολύβιβλον ὑπὲρ πάντας τοὺς ἐν Ἀλεξανδρείᾳ ~~ὄντας καὶ προθύμως παρασχεῖν τοῖς θέλουσιν # 19 # χάρτης # 19 # Σαὴν-Σάϊτος-Σαλβάρας # 20 # ΕΝ ΤΟΥΤΩΙ ΝΙΚΑ # 21 # ὅπως ὁ πεισας ἠρεμεῖν τοὺς βαρβάρους πείσῃ σὺν αὐτοῖς ἠρεμεῖν τὰς ~~αἱρέσεις # 22 # λυπηθέντες ἀπῆλθον πρὸς τοὺς ὁμοφύλους καὶ ὡ δήγησαν αὐτοὺς ἐπὶ ~~τὴν χώραν τῆς Γάξης στόμιον οὖσαν τῆς ἐρήμου κατὰ τὸ Σίναιον ὄρος # 23 # ἄρας καὶ τὰ τίμια ξύλα, ἐπὶ τὴν ms429 Κωνσταντινούπολιν ~~ἀπῄει # 24 # ξύλα “ἀπὸ Ἱεροσολύμων” # 25 # αἰκισομένῳ # 26 # χαιρεου # 27 # φοσσᾶτον # 28 # φοσσᾶτον # 29 # φοσσᾶτον # 30 # φοσσᾶτον # 31 # φοσσᾶτον # 32 # εἰσὶ γὰρ παράδεισοι μέσον τῆς πόλεως ἐν τοῖς οἴκοις τῶν ~~μεγιστάνων # 33 # ἀγνεύοντας # 34 # τῷ τε Σεραπείῳ κατελυμῄναντο καὶ τοῖς ἀναθήμασιν ἐπολέμησαν... τοῦ ~~δὲ Σεραπείου μόνον τὸ ἔδαφος οὐχ ὐφείλοντο διὰ βάρος τῶν λίθων, οὐ γὰρ ἦσαν εὐμετακίνητοι, ~~συαχέαντες δὲ ἅπαντα καὶ συνταρά ξαντες κ.τ.λ. # 35 # εἰσιόντι δὲ παρ’ αὐτὴν τὴν ἀκρόπολιν τέτταρσι πλευραις εἷς χῶρος ~~ἴσαις διῄρεται (? διῄρηται) καὶ τὸ σχῆμα πλαίσιον τυγχάνει τοῦ ~~μηχανήματος # 36 # τὸ σχῆμα τοῦ μηχανήματος # 37 # Βίος Ἀλεξάνδρου # 38 # τῇ δεξιή χειρὶ κομίζοντα θηρίον πολύμορφον τῇ δὲ εὐωνύμῳ σκῆπτρον ~~κατέχοντα # 39 # παρῳκοδομῆνται δὲ σηκοὶ τῶν στοῶν ἔνδοθεν, οἱ μὲν ταμεῖα ~~γεγενημένοι ταῖς βίβλοις, τοῖς φιλοπονοῦσιν ἀνεῳγμένοι φιλοσοφεῖν καὶ πόλιν ἅπασαν εἰς ~~ἐξρυσίαν τῆς σοφίας ἐπαίροντες· οἱ δὲ τοὺς πάλαι τιμᾶν ἱδρύμενοι θεούς # 40 # τὸ μὲν οὖν Σεράπιον # 41 # ᾧδε ἥλω καὶ μετ’ οὐ πολὺ εἰς ἐκκλησίαν μετεσκευάσθη Ἀρχαδίου τοῦ ~~βασιλέως ἐπώνυμον Σεράπιον # 42 # μετεσκευάσθη # 43 # τὸν γραμματικὸν Ἰωάννην ὃς ἐπεκλήθη ~~Φιλόπονος # 44 # ἀκμάσαντα ἐπὶ τῆς παρούσης ἡγεμονίας # 45 # περικοπτόμενος τὸν στόλον ἠναγκάσθη διὰ πυρὸς ἀπώσασθαι τὸν ~~κίνδυνον ὃ καὶ τὴν μεγάλην βιβλιοθήκην ἐκ τῶν νεωρίων ἐπινεμόμενον ~~διέφθειρεν # 46 # τάς τε ἀποθήκας καὶ τοῦ σίτου καὶ τῶν βίβλων-πλείστων δὴ καὶ ~~ἀρίστων, ὥς φασι, γενομένων-καθῆναι # 47 # ἀποθήκη τῶν βίβλων # 48 # βιβλιοθήκη # 49 # αὐλὴ δὲ κατὰ μέσον περίστυλος # 50 # αὐλή # 51 # παρῳκοδόμηνται δὲ σηκὶ τῶν στοῶν ἔνδοθεν κτλ # 52 # Σαράπιδι καὶ τοῖς συννάοις θεοῖς ὑπὲρ σωτηρίας αὐτοκράτορος ~~Καίσαρος Τραιάνου Ἀδριανοῦ Σεγαστοῦ # 53 # ἐκ βάθρων ἀνέσπασε τὰ τῶν εἰδώλων τεμένη # 54 # τῶν πανταχοῦ γῆς, καθὰ φασί τινες, μέγιστός τε οὗτος καὶ ~~κάλλιστος # 55 # λύεσθαι τοὺς ἐν Ἀλεξανδρείᾳ ναούς, ἀνακαθαίρει μὲν τὸ Μιθραῖον ~~καταστρέφει δὲ τὸ Σαραπεῖον # 56 # τὸ Διονύσου ἱερὸν εἰς ἐκκλησίαν μετεσκεύαζε # 57 # τοῦ ναοῦ τούτου καθαιρουμένου # 58 # Ἰοβίανος # 59 # ἐν παλαιαῖς βιβλιοθήκαις # 60 # ἐν τῇ ms430 μεγάλῃ βιβλιοθήκῃ # 61 # 62 # ἐνδοξότατος # 63 # μεγαυχὴς # 64 # παρκάβιος # 65 # καύχον # 66 # καύχιον # 67 # καύχον # 68 # καύχιον # 69 # παρκάβιος # 70 # μεγαυχής ~~°70 # καύχον # 71 # καυχίον # 72 # καυκίον # 73 # καυκίοθ # 74 # καυκίον # 75 # καύχον # 76 # καύχιον # 77 # ἐκ τοῦ Καυκάσου-Καυκάσιος # 78 # 79 # καῦκος # 80 # καύχα # 81 # ὁ καύχιος # 82 # ὁ καύχιος # 83 # ὁ ἀσεβής # 84 # ὁ καύχιος # 85 # ὁ Καυχάσιος # 86 # ὁ Κολχικός # 87 # Κόλχιος # 88 # ὁ καύχιος # 89 ms431