######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.MacaZaman.Hindawi16416838 #META# Tags: novels #META# ID: 16416838 #META# Title: مع الزمان #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # فنان طيبة‏ # حبيب آمون‏ # شاءول بن شمويل اللاوي‏ # المعجزة‏ # مينا الأثريبي‏ # آكل المرار وهند‏ # العقد المبارك‏ # الغمرات ثم ينجلينا‏ # عبيد الله بن الحر‏ # فارسة قصر الباهلي‏ # سلامش‏ # الأمير بدر الدين بيليك‏ # آخر السلاطين‏ # المبارزة المؤجلة‏ # آخر الباشوات‏ # المعركة المستمرة‏ # الرقصة المجنونة‏ # دعاء شعبان‏ # العودة‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # فنان طيبة‏ # حبيب آمون‏ # شاءول بن شمويل اللاوي‏ # المعجزة‏ # مينا الأثريبي‏ # آكل المرار وهند‏ # العقد المبارك‏ # الغمرات ثم ينجلينا‏ # عبيد الله بن الحر‏ # فارسة قصر الباهلي‏ # سلامش‏ # الأمير بدر الدين بيليك‏ # آخر السلاطين‏ # المبارزة المؤجلة‏ # آخر الباشوات‏ # المعركة المستمرة‏ # الرقصة المجنونة‏ # دعاء شعبان‏ # العودة‏ # | مع الزمان # | مع الزمان # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | مقدمة الطبعة الثالثة # هذه لمحات من صور النفس البشرية في مغامرتها الطويلة على مدى القرون جيلا بعد جيل، نرى ~~فيها أشباها لأنفسنا؛ إذ نسعد أو نشقى، وإذ نندفع مع عواطفنا التي تسف بنا تارة وتسمو بنا ~~أخرى. وما تزال الإنسانية تكتب قصصا جديدة في كل يوم وكل ساعة، ومن مجموع هذه القصص ~~الإنسانية نستمد عقائدنا ومثلنا العليا ونواميس حياتنا الاجتماعية. وما من قصة قديمة إلا ~~وفيها عرق نابض متصل بحياتنا الحاضرة، وما من خلجة من خلجات نفوسنا في عصرنا هذا إلا وفيها ~~عرق متصل بمنابع الإنسانية الأولى. وأنا إذ أقدم هذه المجموعة إلى أبناء هذا العصر إنما ~~أهدي إليهم جانبا من نفسي وعصارة من فيض قلبي، وقد زدت على القصص التي ظهرت في الطبعة ~~الأولى عدة قصص أخرى تصل خطوات الزمان في أحداثه الكبرى إلى وقتنا هذا الذي نعيش فيه، وما ~~يكون أسعدني إذا وجد القراء فيها بعض لحظات سعيدة أو بعض خطرات تبعث على التأمل. # | فنان طيبة # «الحب أزلي والكبرياء أزلية.» # كان «أمنكارع» بقية عصر قديم كاد الناس ينسونه، فقد عاشر الملك «أمنحتب» الكبير جد الملك ~~«أمنحتب» المجيد، وكان أهل طيبة ينظرون إليه كما ينظرون إلى التماثيل الخالدة التي تحف ~~بمعبد آمون. ولكنه كان مع ذلك فتي الروح وسيم الوجه برغم التجاعيد الكثيرة التي تعلو جبينه ms001 ~~العريض. وكانت عيناه ما تزالان تلمعان ببريق الشباب وتشع منهما أنوار تنم عن طيبة قلبه، ولا ~~سيما إذا تبسم وهو ينظر إلى ابنته الشابة الجميلة «نفرتويا»، أو إلى تلاميذه الأعزاء في ~~«حصن طيبة». # وكان الأمراء الشبان الذين يتعلمون في حصن طيبة يحبونه كصديق بقدر إجلالهم له كأستاذ، ~~ويلتفون حوله كلما رأوه ليستمعوا إليه وهو يحدثهم عن الأيام الجليلة التي شهدها في أيام ~~شبابه، وما كان أكثر ما يدخره في ذاكرته من القصص العجيبة عن مغامرات الحروب عندما كان يصحب ~~«تحوتمس» الكبير في غزواته ببلاد لبنان وسوريا، وفي زحوفه المظفرة على شواطئ الفرات أو جبال ~~الشمال حيث دك حصون «الخيتا»، وكثيرا ما كان يقص عليهم كذلك قصص مغامراته في صيد فرس البحر ~~والتمساح والأسود والفيلة عندما ذهب مع تحوتمس العظيم إلى ما وراء جنادل النيل في بلاد ~~«كوش»، فإذا ما فرغ من أحاديثه ذهب هو وتلاميذه إلى حجرة الرسم وأخذ يكشف لهم عن أسرار ~~الفنون الخالدة ويبهر عقولهم ببراعته في بعث الحياة في الحجارة الصماء. ولم يكن علم أمنكارع ~~بالتواريخ القديمة أقل من وعيه لذكريات شبابه، فكان يتحدث عن آثار «أون» و«منف» كما يتحدث ~~عن معابد طيبة نفسها. فإذا وصف الدول الماضية منذ آلاف السنين ملأ القلوب خشوعا لعظمتها ~~وإجلالا لمجدها؛ لأنه كان يكشف لتلاميذه عن آيات الإبداع في آثارها العظيمة كأنه قد شارك ~~في بنائها وعرف كوامن أسرارها. وكان من عادته إذا بدأ أحاديثه أن يشخص ببصره في الفضاء ~~وينطق بصوت هادئ كأنه يناجي نفسه، فيخشع تلاميذه من حوله ويسبحون معه في صور القرون الماضية ~~كأنهم قد انتقلوا إليها وعاشوا فيها بسحر ساحر، حتى إذا أمسك عن الحديث تنفس التلاميذ ~~أنفاسا عميقة ونظروا إليه بعيون ملؤها العطف والإجلال. وقد اختاره فرعون أمنحتب العظيم ~~الثالث ليكون أستاذا للفن والتاريخ للتلاميذ الأمراء الذين كانوا يتعلمون في «حصن طيبة»؛ ~~لأن فرعون أمنحتب كان حريصا على أن يتلقى هؤلاء التلاميذ علومهم من أفذاذ العلماء ~~والحكماء، حتى إذا ما كبروا وعادوا إلى بلادهم كانوا أهلا ms002 لوراثة الملك عن آبائهم الذين ~~يحكمون الأقطار المنضوية تحت لواء فرعون صاحب التاجين. # وكان أمنكارع مع كبر سنه لا يتخلف يوما عن دروسه، ولم يبد عليه يوما ما يدل على فتور أو ~~ملال، بل كان دائما يفيض بالبشر والنشاط. # وكان من تلاميذه الأعزاء في حصن طيبة أبناء ملوك كثيرين من كل جهات الأرض، فمنهم من جاء ~~من بلاد الخيتا في الشمال، ومنهم من أتى من أقصى بلاد كوش في الجنوب، ومنهم أمراء من أبناء ~~ملوك النهرين في الشرق ورؤساء ليبيا في الغرب. ولكن أحبهم إليه كان «دوشري» ابن ملك المتاني ~~على حدود سوريا الشمالية، وهو من أكثر تلاميذه حبا له وإعجابا به، لا يكاد يفارقه إلا ~~عندما يغادر الحصن عائدا إلى بيته قبل حلول المساء. # وكان الشيخ أمنكارع إذا خرج من معهد الحصن ذهب إلى بيته الصغير على شاطئ النيل ليقضي سائر ~~يومه مع ابنته الوحيدة الباقية له في الحياة نفرتويا ذات الشعر الأسود وأجمل فتاة في طيبة. ~~ولم يكن له في الحياة غيرها، وقد جمع فيها كل ما بقي له من الآمال، بعد أن غادره أبناؤه ~~جميعا وبعد أن سبقه الأصدقاء والأحباب إلى جوار «أوزيريس». # ولكن الشيخ كان يخرج في بعض الأيام للنزهة في الأرياف المحيطة بالمدينة، أو إلى الصحراء ~~الفسيحة ذات الرمال الذهبية في أيام الشتاء، ويستصحب في هذه النزهات تلميذه العزيز دوشري مع ~~ابنته نفرتويا ويقضون الوقت بين تأمل مناظر الطبيعة وبين مدارسة أسرار الفن والحكمة، فإذا ~~تعب الشيخ من السير الطويل جلس ليستريح عند جانب النهر أو ليتمدد على الرمال الناعمة، ~~وينطلق دوشري ونفرتويا في جولتهما الطويلة ثم يعودان إليه بعد أن يكون كل منهما قد رسم ~~أجمل ما وقع عليه بصره من صور الطير والنبات أو مناظر النهر والصحراء. وقد تعود أهل طيبة أن ~~يروا الشيخ مع ابنته وتلميذه حتى صار من المألوف عندهم أن يقرنوا بين اسم نفرتويا ودوشري، ~~وأطلقوا عليهما اسم «إيزيس» و«أزوريس»؛ لأنهما كانا مثالين للجمال والوداعة والكمال. # ولكن بنات الأعيان في ms003 طيبة كن يتحدثن دائما عن نفرتويا في سخرية؛ لأنها لم تكن من بنات ~~الأمراء أو الأعيان، فهي ابنة فنان صانع تماثيل، وإن كان فرعون يقربه ويثق فيه ويجعله ~~أستاذا لأبناء الأمراء. وكثيرا ما دفعتهن الغيرة إلى إنكار نبوغ أمنكارع والبخس من عظمة ~~فنه. كما كن يوجهن أشد اللوم إلى الأمير دوشري؛ لأنه تنازل حتى اختار فتاة مثل نفرتويا ولم ~~يلتفت إلى واحدة من بنات كبار الموظفين أو الأمراء أو سدنة المعابد. # ولكن دوشري ونفرتويا كانا لا يعيران التفاتا إلى هذه السخرية التي كانت تصل أحيانا إلى ~~سمعهما؛ لأنهما كانا سعيدين وحدهما في عالمهما الصغير مع الشيخ العزيز، ولا يعبآن بقصور ~~طيبة ولا بمن يمرح فيها. # ولكن الأميرة الملكية «تادوخيبا»، زوج ولي العهد وابنة ملك المتاني وأخت دوشري، كانت تنظر ~~إلى هذه الصداقة بين أخيها وبين نفرتويا في كثير من القلق. حقا إنها كانت تعجب بالفتاة ~~وتجل الشيخ العالم الفنان أمنكارع، ولكنها لم تنس أن أخاها أمير ملكي، وأنه وارث عرش ~~«المتاني»، ولا ينبغي له أن يختار عروسه إلا من قصور الملوك. ولماذا لا يلتفت دوشري إلى إحدى ~~بنات فرعون أو إحدى بنات الأسرة الملكية على الأقل؟ فكانت كلما رأت الصداقة تتوثق بين أخيها ~~والفتاة زادت خشية وتوجسا من أن ينتهي الأمر بينهما إلى الكارثة، وأي كارثة أشد من أن ~~يتزوج الأمير من إحدى بنات الشعب وإن كانت تلك الفتاة نفرتويا؟ ولم تستطع آخر الأمر أن ~~تمتنع عن إظهار مخاوفها لزوجها ولي العهد واستأذنته أن تفاتح في الأمر فرعون العظيم نفسه ~~حتى يحول بين الفتاة وبين دوشري. ولكن ولي العهد لم يوافق الأميرة تادوخيبا، بل إنه صارحها ~~بأنه يفضل نفرتويا على كل بنات الأمراء اللاتي يعرفهن جميعا، وحاول أن يبين لها أن سعادة ~~الشاب تتوقف على اختيار قلبه، وأطال في التحدث عن فضائل نفرتويا. فلما لم تقدر تادوخيبا على ~~إقناع زوجها ولي العهد برجاحة رأيها، ذهبت إلى فرعون نفسه لتضرع إليه أن يساعدها. # وكان اليوم الذي توجهت فيه إلى فرعون من ms004 أيام الخريف الجميلة، والمدينة تستعد للاحتفال ~~بفتح السد الذي يفصل بين النيل وبين البحيرة الكبرى في القصر الغربي. # كان يوما من أحلى أيام الخريف وأصفاها سماء وأرقها نسيما وقد أخذت طيبة كل زينتها ~~استعدادا للعيد الذي اعتادت أن تحتفل فيه كل عام بتدفق الماء إلى البحيرة. كانت السفن في ~~ميناء النهر ترفع الأعلام الملونة، وقد انتشر النوتية فوق الساحل يغنون ويشربون الجعة ~~ويرقصون، وهم من ألوان مختلفة جاءوا من جميع أطراف الأرض ليحملوا خيرات بلادهم إلى عاصمة ~~فرعون. كان فيهم نوتية من أهل فينيقية بشعورهم المضفورة ولحاهم الطويلة، وبشرتهم البيضاء ~~وعيونهم السوداء. وفيهم بحارة من جزائر البحار الشمالية من الشردن والشكلش وأهل قبرص ورودس، ~~وهم لا يسترون أبدانهم إلا بقطع من الجلد تتدلى من أعناقهم إلى ظهورهم وصدورهم. وأما بحارة ~~كوش فكانوا يلفون أرهاطا حول أوساطهم من جلود النمور ويرقصون في حلقات صاخبة لا يعبئون ~~بضحكات الجمع الملتف حولهم. وخرجت طيبة كلها منذ الصباح في زينة الاحتفال الأنيق، الرجال في ~~ملابسهم الكتانية البيضاء ونعالهم الملونة وشعورهم المستعارة التي تتدلى على أكتافهم، ~~والنساء في ملابسهم المزركشة بالألوان تصف محاسن أجسامهن الدقيقة. وتزاحمت الجموع على ~~الشاطئ تتنافس على القوارب للعبور إلى البر الغربي لكي تدرك الاحتفال منذ الصباح، حتى لا ~~يفوتها منظر فرعون وهو يقطع السد بيده المجيدة، وينزل في القارب الذهبي إلى البحيرة العظيمة ~~مع ماء الفيضان الأحمر. # وخرج أمنكارع في ذلك اليوم مع نفرتويا ودوشري لمشاهدة مناظر العيد، فاستقلوا قاربا ~~ملكيا وضعت حوله الحشايا فوق الطنافس الوثيرة، وبلغوا الشاطئ الغربي قبل أن يصل موكب ~~فرعون. وكانت البحيرة صافية اللون مثل البلور تحيط بها أشجار الجميز والحور والصفصاف والسنط ~~ذي الزهرة الصفراء الفاتنة. ومالت نفرتويا على فرع فاقتطفت منه زهرتين صغيرتين وضعت إحداهما ~~على صدرها والأخرى على صدر دوشري. # وكان دوشري يلبس حلة زاهية اللون من صنع فينيقية ذات أكمام واسعة حليت أطرافها بخيوط ~~ذهبية، وجعل في قدميه خفا أنيقا من الجلد الأصفر المموه بالذهب. على حين لبست نفرتويا ~~حلة من ms005 الكتان الشفاف عليه وشي مختلف الألوان حول الصدر والعنق، وكان خفها الأحمر اللين ~~منقوشا بصور صفراء من رسم زنبق الماء. وأما الشيخ أمنكارع فكان ما يزال محتفظا بزيه ~~الساذج الذي عرفه منذ شبابه، وهو ثوب طويل يربطه حول وسطه حتى يصل إلى ركبتيه، ويلقي فضلته ~~على كتفيه حتى يغطي ظهره وصدره، ولم يجعل في قدميه إلا نعلا من الجلد مربوطة حول قدمه بسير ~~دقيق. # وساروا في الشارع الأعظم المؤدي إلى معبد الملك، وكان أمنكارع يسير الهوينى متأملا ~~تماثيل بنات آوى التي على الجانبين، ويقف بين حين وآخر ليتأمل أحد التماثيل ويهز رأسه في ~~صمت ثم يستأنف سيره. وسبقه دوشري مع نفرتويا حتى بلغا المعبد قبله، ووقفا حينا يتأملان صرحه ~~الرائع والمسلتين الشاهقتين اللتين تحفان به عند المدخل، ثم ذهبا إلى التمثالين الجديدين ~~الهائلين - وقد أقيما لفرعون أمنحتب العظيم الثالث منذ سنتين، ولم يسبق لملك أن اتخذ ~~تمثالين مثلهما في العلو والضخامة. وخشع قلباهما عندما رفعا رأسيهما إلى أعلى التمثالين ليتأملا وجهيهما الصارمين وهما ~~يشرفان على النيل من أقصى السهل كأنهما عملاقان جباران. وقال دوشري لنفرتويا في صوت متهدج: ~~وددت لو ذهب سيدي المبجل أمنكارع إلى بلادي ليصنع تمثالا مثل هذا لوالدي. # فقالت نفرتويا: إنه لا يرفض لك أمرا يا دوشري. # فتبسم الفتى قائلا: أتذهبين معه يا نفرتويا؟ # فتبسمت نفرتويا قائلة: لعل أبي يفضل أن يصنعه ها هنا. # فقال دوشري: وكيف يصنعه هنا وهو لم ير أبي؟ إنني أتمنى لو كان لملك المتاني تمثال مثل هذا ~~ليخلد ذكره، إنني أرى ذلك التمثال وكأنني أنظر إلى وجه سيدي الملك المقدس وهو يشرف علينا ~~من علو سبعين قدما. # وكان أمنكارع قد بلغ موضع الشابين ووقف ينظر إلى التمثالين في تأثر ظاهر، وقال: لقد ~~تفنى الأجساد وإن بالغنا في تحنيطها، ولكن خلجات نفوسنا تبقى مع الفن إلى الأبد في هذه ~~الصخور الصماء. # وعاد ينظر إلى التمثالين حينا، ثم قال: وددت لو كان هذان التمثالان واقفين وليسا قاعدين ~~هكذا يا دوشري. إنهما في جلستهما هذه ms006 يكذبان النظر ولا يقعان في القلب كما ينبغي لهما. لقد ~~رسمت تصميما لهما واقفين، ولكن الملك المقدس اختار تصميم هؤلاء الذين يملئون الأرض ~~ادعاء ويظنون الفخامة عنوان المجد. # فقال دوشري في صوت متردد: كنت أقول لنفرتويا إنني أتمنى لو صنعت لأبي مثل هذا التمثال ~~أيها السيد المبجل. # فهز أمنكارع رأسه قائلا بصوت هامس: لو كنت شابا! # ووضع يده على كتف دوشري وأضاف قائلا: لو كنت شابا لذهبت إلى المتاني من أجلك، وصنعت ~~لأبيك تمثالا يرضيني. # فأخذ الشاب يد الشيخ في رفق ورفعها إلى فمه يريد أن يقبلها، فبادر الشيخ وقبض يده ~~وانحنى على الفتى فقبل جبينه، وقال له بصوت متهدج: لئن شاء آمون أن يمد في أجلي، فسأصنع ~~لك أنت صورة من حجر الجرانيت الأحمر، صورة لك إذ تمرح مع نفرتويا في الحقول أو تصيد معها ~~البط والسمك من النهر. # فتهلل وجه الفتى ونظر إلى نفرتويا مبتهجا، ولكنه رأى على وجهها سحابة من الوجوم. ونظر ~~إليها كالمستفهم ولكنه لم يتكلم. وأدركت نفرتويا معنى نظرته، وحاولت أن تبدو مرحة، ولكن ~~قلبها لم يساعدها؛ فظهرت ابتسامتها مترددة تنم عن جزعها. # فصرف دوشري نظره عنها حتى لا يحرجها، وعلت عند ذلك ضجة عالية من ناحية النهر فاتجهت ~~أنظارهم جميعا إلى هناك، وقال الشيخ: هلموا إلى المعبد، فقد أقبل موكب فرعون. # وجذب دوشري نفرتويا برفق من ذراعها واستأذن الشيخ أن يذهب معها مسرعين حتى لا يفوتهما شيء ~~من مناظر الاحتفال. وسألها دوشري وهما يهرولان: رأيتك تغيرت منذ حين يا نفرتويا. # فترددت الفتاة حينا ثم قالت في صوت خافت: لست أدري ماذا أزعجني. # فقال دوشري في لهفة: لعلني لم أكن سبب ذلك الانزعاج. # فبادرت نفرتويا قائلة: لا، لا يا دوشري. إنها حماقة من حماقات الطفولة بغير شك. لست أحب ~~لوحات الجرانيت الأحمر، كانت دائما تحمل إلى ذهني صورا حزينة. كنت أفضل لو قال أبي إنه ~~سيصنع لنا تمثالا من الحجر الجيري أو من الصوان الأسود. أقول تمثالا وليس صورة على صفحة ~~من الجرانيت الأحمر. هذا ms007 ما أزعجني. # فضحك دوشري ضحكة عالية وقال في دفعة مرحة: لقد ظننت الأمر أخطر من مثل هذا الوسواس يا ~~نفرتويا. سأقول له أن يجعله تمثالا لا لوحة، ولن يبخل السيد المبجل بأن يجعله من المرمر ~~بدلا من الجرانيت الأحمر. لقد تأخرنا يا نفرتويا وهذا هو الموكب قد بدأ، أرجو ألا يعرقل ~~هذا الحذاء الضيق سرعة حركتك. # وأسرعا حتى بلغا سور المعبد فظهرت أمامهما الساحة الكبرى التي تمتد وراءها البحيرة ~~الفسيحة. ثم بدت لهما صورة الملك من بعيد مع زوجته الملكة الجميلة «تي» ذات الشعر الأصفر ~~الذهبي، وكانا يتجهان في موكبهما نحو الساحة. وبعد حين جاء أمنكارع وهو ينهج من جهد السير. ~~وكان فرعون قد اقترب في موكبه، فلما وقعت عينه على الشيخ حياه باسما. فاقترب الشيخ وسجد ~~حتى لمس الأرض برأسه، ثم رفع رأسه وجهر بالدعاء. فمد إليه فرعون يده عاطفا وأمره أن يكون ~~قريبا منه حتى ينزل إلى البحيرة في أقرب السفن المحيطة بموكبه الملكي. # وبلغ فرعون البحيرة ونزل إلى قاربه الذهبي تحيط به زوجته الحسناء والأميرة تادوخيبا. ~~وتلفت الشيخ ليرى أين ابنته فرآها مع تلميذه دوشري ينزلان وحدهما إلى قارب ولي العهد. ولم ~~يكن عجيبا أن يغيب ولي العهد نفسه عن حضور الاحتفال، فقد كان معروفا بأنه لا يؤمن بآمون، ~~ويعكف على عبادة إله غريب لا يعرفه أحد يسميه «آتون» ويسبح له بالترتيل والأناشيد. فلم يجد ~~الشيخ بدا من النزول في أحد قوارب البلاط الملكي ليكون قريبا من فرعون إطاعة ~~لأمره. # وكان الموكب رائعا أظهر فيه أمنحتب العظيم من أبهة الملك والجود والبر والسطوة ما هو ~~جدير بابن الآلهة المقدس. # وتعطف على الأميرة تادوخيبا فأجلسها عن يساره كما أجلس الملكة إلى يمينه. # وكانت تادوخيبا موضع رعاية خاصة، حتى إنه قضى أكثر الوقت في الحديث معها والاستماع ~~إليها. # ولما انتهت الجولة على البحيرة اتجه فرعون نحو المعبد العظيم الغربي ليقدم القرابين ~~الجديرة بمجده إلى كبير كهنة آمون. ولم ينس أن يتكرم على الفنان الشيخ أمنكارع فدعاه ليسير ~~قريبا منه ms008 واتجه إليه بحديث طويل حتى تهامس رجال البلاط قائلين: إن أمنكارع قد بلغ ذروة من ~~المجد لم ينلها أحد رجال الفن من قبله. # وتخلف أمنكارع عن مسايرة فرعون عندما بلغ باب المعبد الكبير، وسار في صفوف رجال البلاط ~~متباطئا، وأخذ يتلفت حوله ليرى ابنته التي غابت عن عينيه منذ سار إلى جانب فرعون. ولكنه ~~كان يبدو عند ذلك أصفر الوجه مضطرب النظرات، يكاد وجهه ينطق بأنه حزين. واستمر الاحتفال ~~رائعا جليلا تتخلله الأناشيد التي تملأ القلوب ابتهاجا، وبدا فيه فرعون في كمال أبهته ~~يجمع بين عزة الملك وخشوع التقوى، ونال بركة مضاعفة من كبير الكهنة الذي أهدى إليه رمز ~~الحياة الخالدة مصنوعا من خشب شجرة سقيت دائما بالماء المقدس. # ورجع أمنكارع مع ابنته وتلميذه بعد انفراط عقد الموكب، فركبوا القارب إلى الجانب الشرقي ~~من النهر وساروا صامتين حتى بلغوا المنزل الصغير على الشاطئ. واستأذن دوشري ليعود إلى حصن ~~طيبة ليقضي الليل فيه كالعادة المتبعة. وكان يحس في قلبه انقباضا عجيبا بعد ذلك اليوم ~~المرح البهيج، ولم يقدر أن يسري عن نفسه ذلك الشعور، وذهب إلى مخدعه لعله يهدئ من قلقه في ~~هدوء الوحدة، ولكن صورة الشيخ كانت تتمثل له دائما وهو يسير بطيئا مطرقا حزينا. # وخيل إليه أن حديث فرعون هو الذي بعث في الشيخ ذلك الحزن الشديد الذي غمره فجأة، بعد ~~أن كان في الصباح نشيطا كأنه شاب مرح. # ولم يستطع دوشري البقاء في مخدعه طويلا فخرج ليفرج عن قلقه، وذهب إلى ركن مطل على النهر ~~وجعل يسرح ببصره فوق صفحة الماء وعلى جوانب الشطآن وخلال السماء الصافية التي يغمرها ضوء ~~البدر، ولكن صورة وجه الشيخ الحزين لم تفارقه وصورة نفرتويا لم تستطع أن تهدئ من سورة ~~وساوسه. ماذا قال له فرعون حتى أزعجه هكذا؟ ثم ماذا قالت تادوخيبا لفرعون في ثنايا ذلك ~~الحديث الطويل الذي كان بينهما على طول الجولة فوق البحيرة؟ أتكون قد أعادت على فرعون ما ~~سمعها تقوله في يوم من الأيام عن مخاوفها من تعلقه ms009 بابنة الشيخ؟ أيكون فرعون قد حدث ~~أمنكارع عن ابنته وعلاقتها به؟ لم يفق الشاب من وساوسه إلا عندما شعر بوقع أقدام تقترب منه، ~~فالتفت إلى ورائه وسمع صوتا يناديه وكان صوتا مألوفا، وقال له رئيس الحصن: لقد بحثت عنك ~~في أركان القصر يا دوشري ... لم تخلفت عن مائدة العشاء؟ # فأجاب دوشري: حقا لقد نسيت يا سيدي. # ونهض متكلفا النشاط حتى لا يثير فضول رئيس القصر، ولم يلبث أن استعاد مرحه عندما صار ~~بين أصحابه في حلقة السمر بعد أن فرغوا من العشاء. ولما عاد إلى مخدعه بعد أن مضى صدر الليل ~~كانت كل الظلال قد انقشعت من قلبه كأن لم يعكر صفاءه شيء في ذلك النهار. # ولكن الصباح التالي حمل إليه نبأ كان أشد عليه من كل ما مر به من القلق والوساوس، فقد جاء ~~إليه قائد الحصن في الصباح ليبلغه أمر فرعون أن يسافر إلى «أون» في ذلك اليوم نفسه ليتم ~~دراسته في معهدها العظيم بعد أن نال بغيته من الدراسة في حصن طيبة، وكان عليه أن يأخذ أهبته ~~للسفر من ساعته بغير إبطاء. # وأظلمت الدنيا في عينيه وتهالك على كرسيه ولم يجب بكلمة. # وثارت في نفسه غضبة شديدة لذلك الأمر المفاجئ، ولكنه تذكر أنه أمر فرعون، ولا حيلة لأحد ~~فيما يأمر به فرعون. وجاهد أن يمنع نفسه من البكاء لشدة شعوره بالعجز أمام الإرادة التي لا ~~تقاوم، وذهب صامتا ليستعد للسفر في المساء. # ولما أقبل المساء كانت السفينة في انتظاره تحت أسوار الحصن فصعد إليها بغير أن ينظر إلى ~~الوراء، وبادر فمسح الدمعة التي فرت من عينيه، ثم ذهب إلى مؤخرة السفينة واتجه ببصره نحو ~~بيت أستاذه حيث تقيم نفرتويا. ولما اختفت طيبة عن عينيه وراء ثنية النهر ارتمى في موضعه ~~وأسلم نفسه للبكاء. # وأخفى أمنكارع عن ابنته سر الحديث الذي دار بينه وبين فرعون يوم احتفال الخريف، ذلك ~~الحديث الذي أمره فيه أن يقطع الصلة التي ما كان لها أن تجمع بين دوشري الأمير الملكي وبين ~~فتاة ms010 من عامة الشعب، وإن تكن نفرتويا الحسناء وابنة الشيخ المبجل أمنكارع. ولكنه لم يستطع ~~أن يخفي عن نفسه ألم الطعنة ومرارة الإهانة. لقد بلغت تلك الطعنة من الشدة أنه كاد يندفع ~~إلى الرد عن أمنحتب العظيم قائلا له: إن القلوب لا تعرف الفروق التي يقيمها المتكبرون. ~~ولكنه لم يجرؤ أن يخاطب ابن الآلهة إلا قائلا: سمعا وطاعة يا مولاي. وخطر له عندما سمع ~~أمر فرعون أن يقول له: «إنك أنت يا صاحب الجلالة تزوجت من إحدى بنات الشعب عندما أحببت ~~الملكة تي الحسناء!» ولكن الكلمات تعثرت في حلقه قبل أن ينطق بحرف من حروفها. ومهما يكن ~~من الأمر فإن غضب أمنكارع وشدة وقع الإهانة عليه لم يكونا شيئا إلى جانب الكارثة التي ألمت ~~به عندما رأى ابنته تذبل وتفقد سعادتها بعد أن فارقها دوشري. # ومرت الأيام بطيئة، ولكنها توالت مظلمة حزينة، وكانت نفرتويا لا تنطق باسم دوشري تسأل ~~أباها عنه أين غاب ولم غاب. قضت أيامها صامتة هادئة وديعة كأنها لم تفقد شيئا ولم تجزع ~~من شيء، كالزهرة المفردة التي تتفتح وحدها في الصحراء ذات صباح ثم يتبدد عبيرها وألوانها ~~الزاهية في وحشة الفقر. ولم يلحظ أمنكارع أن ابنته تذبل وتفقد نضرتها يوما بعد يوم حتى ~~رآها ذات يوم وقد أصبحت ذاوية. # وجلس دوشري في أون على سور معبد الشمس الشاهق ينظر إلى الشمس وهي تهبط إلى أفق الغرب. ~~وكانت الأرض تمتد تحت عينيه مثل صفحة مرآة لا يقطع سطحها سوى نقط منثورة من آجام النخيل. ~~وكان السكون يخيم على الكون وماء الفيضان يغمر الحقول إلى آخر ما تصل إليه العين. وكان ~~الهواء ساكنا في ذلك الوقت من شهر مسرى الحزين، كما كان قلب دوشري. لم يكن له في معبد ~~الشمس صديق كما لم يكن له في أون كلها أليف، وأحس بأنه قد أصبح وحيدا غريبا في بلاد بعيدة ~~غريبة، لا يؤنسه شيء في ذلك الفضاء الفارغ الرهيب الذي كان يحيط به. وعادت إليه وهو جالس ~~هناك ذكريات جولاته مع ms011 نفرتويا في أرياف طيبة وعلى ضفاف نيلها وفوق أمواجه الوديعة. كان كل ~~شيء هناك ينبض بالحياة والأمل، حتى تلك التماثيل الرابضة على جانبي الطرق، إذ كان الشيخ ~~أمنكارع يبعث فيها الحياة كلما تحدث عنها. فأين تلك الحياة المليئة في طيبة من حياته في ~~معبد الشمس الشاهق في مدينة أون العظمى، التي لم تكن في نظره سوى سجن مظلم. وخطر له أن ~~يتسلل من المعبد حتى يصل إلى النهر فيلتمس قاربا يصعد فيه إلى طيبة مرة أخرى، ليستعيد ~~أنفاسه الحارة وصدره المبتهج ونفسه المرحة. ولكن كيف يقدر على التسلل من المعبد الضخم الذي ~~توصد عليه الأبواب المتينة ويحيط به الحراس في الصباح والمساء؟ # وفيما كان جالسا هناك تتنازعه أشجانه الثائرة جاء إليه كاهن يحمل إليه رسالة من أخته ~~تادوخيبا، وهي أول رسالة تلقاها منذ فارق طيبة في أول الخريف. وفتح الرسالة بقلب مضطرب، ~~وكانت لفافة من البردي عقد عليها شريط من الكتان الأنيق. ولأول مرة في حياته تمنى لو كان ~~له جناح فيطير به ساعة حتى يبلغ طيبة ليرى نفرتويا؛ لأن الرسالة أنبأته بأنها مريضة وتريد ~~أن تراه قبل أن تبدأ رحلتها الأخيرة إلى عالم أوزيريس! لم يدر ماذا يستطيع أن يفعل ولا ماذا ~~يستطيع أن يقول، فلم يكن أمامه إلا أن يصبر نفسه حتى تحمله السفينة كما تشاء لها رياح ~~الخريف الفاترة. وسافر من ليلته نحو الجنوب بقلب واجف وعين دامعة وصدر كئيب. # وهناك في طيبة ذهب إلى بيت الشيخ أمنكارع آخر الأمر، ولكن الدار كانت خالية. وكان الشيخ ~~بعيدا في الجانب الغربي لا يقيم في المدينة منذ فارقته نفرتويا في رحلتها الأبدية. وأسرع ~~دوشري إلى الغرب حتى رأى الشيخ وكان عاكفا على جدران المقبرة التي يعدها لابنته لتكون ~~مثوى لجسدها بعد أن يتم الكهنة تحنيطها. كان الشيخ يطمع أن تقف نفرتويا على مقبرته مع ~~دوشري يقدمان القرابين من أجل سلامة روحه في عالم الظلام، ولكن الأقدار قست عليه مرة أخرى ~~ونزعت منه أمله الأخير. # ولما رأى الشيخ تلميذه مقبلا ms012 رمى مطرقته وإزميله ومد يده ليصافحه صامتا. ولم ينطق دوشري ~~بكلمة عزاء، بل نظر إلى الرجل في صمت ثم ترك يده وحول عنه وجهه وأجهش بالبكاء. وأسرع ~~مبتعدا ليتدارى وراء جدار المقبرة، ثم ارتمى على الرمال وترك دموعه تتدفق ليخفف عن قلبه ~~المحترق وصدره المختنق. وعاد أمنكارع إلى جدار المقبرة يضرب فيه بمطرقته وإزميله في عنف وهو ~~صامت، وكان أمامه لوح من الجرانيت الأحمر فيه نقش صورة ما تزال تحتاج إلى المزيد، والشيخ ~~يضرب بمطرقته وإزميله بغير توقف كأن في داخله ثورة عنيفة. # وقام دوشري بعد أن استطاع أن يتماسك، فذهب إلى الشيخ ووضع يده على كتفه مترفقا، فرفع ~~الشيخ رأسه ورمى بالمطرقة ورفع يده فمسح عرقه المتصبب من جبينه، وتنفس نفسا عميقا وهو ~~ينظر نحو دوشري، ثم استرخى وخر متهالكا. وبعد حين رفع رأسه في فتور وقال: هذا أنت يا ~~دوشري، لقد وعدت أن أصنع لك صورة فوق الجرانيت الأحمر. ها هي ذي صورتك يا بني، ولكنها صورة ~~باكية. # ثم قام وترك الفتى ينظر باكيا إلى الصورة، وانطلق يسير في طرق مدينة الموتى المتعرجة حتى ~~اختفى. # وأما دوشري فقد عزم على أن يعود إلى أون من ساعته، وأن يذهب إليها في هذه المرة ليكون ~~كاهنا راهبا. # وقد عرفت طيبة فيما بعد كاهنها الطيب الوديع دوشري، ذا البشرة البيضاء والعينين ~~الزرقاوين، الذي يقال إنه كان من قبل أميرا جميلا ثم جذبته محبة آمون فآثر خدمة الإله على ~~أن يكون ملك المتاني. # وقد عرف عن الكاهن دوشري أنه كان في كل يوم يعبر إلى مدينة الموتى في الغرب ليذهب إلى ~~قبر نفرتويا وقبر أمنكارع الذي في جواره؛ لأنهما كانا حبيبين لآمون. # وكان دوشري كلما ذهب إلى المقبرة وقف حينا ينظر إلى الصورة البديعة التي في اللوحة ~~الحمراء الجرانيتية، ثم يتمتم قائلا كأنه يتلو صلاة: # قد نزول نحن عن الأرض، ولكن خلجات نفوسنا تبقى مع الفن إلى الأبد في هذه الصخور ~~الصماء. # | حبيب آمون # «كان السلطان والعقل يتنازعان منذ آلاف السنين كما ms013 لا يزالان يتنازعان إلى اليوم. ~~وقليلون هم الذين يرفضون السلطان طاعة للعقل.» # كان يوما رائعا من أيام الشتاء في طيبة التي لا يشبهها شيء في بهائها ولألاء نورها ~~وزرقة سمائها. وكانت المدينة في ذلك اليوم هادئة على غير عادتها. كانت قصورها الواسعة لا ~~تشتمل إلا على بعض الأتباع والخدم، وكانت معابدها نفسها خالية لا تتردد فيها أصداء ~~الأناشيد، كأن أعمدتها الباسقة وأبوابها العالية ونقوشها الرائعة قد أصبحت آثارا عملاقية ~~من مدينة غابرة بقيت بعد زمانها. وكانت الطرق ساكنة راكدة، كأنها المسالك المهجورة بين ~~المقابر التي يقيم فيها الأبرار إلى الأبد. لم تكن هناك حياة إلا على شواطئ النهر المزدحمة ~~بالسفن التي أتت إليها من أركان البحار السبعة، تحمل خيرات الجزائر وشواطئ البحر الشمالي ~~وأخشاب بونت وخزف كنوسوس وعطور اليمن وعاج كوش. # خرج أهل المدينة في ذلك اليوم لشهود الاحتفال بعودة آمون إلى الكرنك بعد أن حرمت العاصمة ~~العظمى منذ سنوات كثيرة من مواكب الإله آمون منذ أيام «أخناتون» أمنحتب الرابع، صاحب البدعة ~~الجديدة التي دعا فيها إلى عبادة آتون إله الشمس، وفي سبيله فارق عاصمته واتخذ له عاصمة ~~جديدة في الشمال، مدينة أخناتون. # وخرج الناس منذ الصباح الباكر ليتمتعوا بالنظر إلى فرعون الصغير «توت عنخ» زوج الأميرة ~~الملكية ابنة أخناتون؛ لأنه سوف يداوي الجراح ويعيد إلى طيبة بهجتها ومرحها ورونقها، ويرجع ~~بركة آمون إلى أهل المدينة مرة أخرى. # واصطف الشعب على جانبي الطريق خارج المدينة من قصر الملك الشرقي حتى مدخل طريق الكباش ~~الذي زينه أمنحتب الثالث الكبير وجعل على جانبيه صفين من تماثيل الكباش رمزا «لآمون». ~~وهناك وقف الحراس يمنعون الناس من اجتياز مداخل المعبد، إلا العظماء الذين كانوا يستطيعون ~~الاقتراب من فرعون. # ولما علت الشمس فوق أفق الشرق، أقبل «توت عنخ» الشاب زوج الأميرة الملكية راكبا عربته ~~الحربية يجرها اثنان من الجياد البيضاء، ووقف فيها يمسك بأعنة الخيل بيمناه، ويقبض على عصاه ~~الذهبية بيسراه، ولم يلبس تاج القطرين الذهبي المزدوج، بل وضع حول رأسه إكليلا يمثل الحية ~~الملكية ms014 ترفع رأسها من أمام. وعلى مدخل طريق الكباش وقف كهنة الهيكل بملابسهم الكتانية ~~البيضاء ينشدون الأناشيد بأصوات تملأ القلوب خشوعا. # وكان «توت عنخ» نحيل الجسم، تعلو وجهه صفرة مثل صفرة النرجس الذابل، وتعتري جبينه بين حين ~~وآخر سحابة من العبوس، وتختلج عيناه في قلق يحاول أن يخفيه تحت ستار من الوقار والهدوء. كان ~~مظهره ينم عن معركة خفية تثور في حنايا صدره، ولكن الناس لم يلتفتوا إلى شيء مما بدا عليه؛ ~~لأن تيار الحماسة جرفهم، وخلعت بهجة العيد ورونق الموكب على فرعون نورا وضاء فلم تقع ~~منه العيون إلا على صفاء وسناء وبهاء. # وسار الملك بعربته بين صفي الكهنة تحف بهم التماثيل البيضاء البراقة حتى دخلوا إلى فناء ~~المعبد، فسجد من هناك جميعا من أعيان وأمراء، ومضى الموكب في سبيله والكهنة من أمامه حتى ~~بلغ صدر الفناء الكبير، ونزل من عربته متجها نحو العرش الذهبي القائم تحت مسلة تحوتمس ~~العظيم. # وكانت ساحة المعبد مثل غابة من الأعمدة الباسقة والمسلات ذات الرءوس الذهبية التي تشير ~~إلى كبد السماء حيث يلمع ضوء حوريس، وزادها كهنة المعبد رونقا بما جعلوه بينهما من أشجار ~~ثمينة نقلت إلى هناك من أقاليم بونت البعيدة، تتخللها الأعلام وسعف النخيل والزنبق المائي ~~في أوعية من المرمر الشفاف. وكان الهواء عطرا بما يفوح من مجامر البخور من عبق الند والعود ~~والمر واللبان. # وجلس توت عنخ على العرش ووقف حوله القواد والأعيان على ما رسم لهم من المواضع، وطاف ~~الكهنة بتماثيل آمون حول الساحة، والكاهن الأعظم يسير أمامهم يحمل تمثالا ذهبيا وهم ~~ينشدون آيات من الدعوات والصلوات. وما زالوا حتى بلغوا مكان العرش، فوقفوا ووقف الأمير ~~الشاب ليحيي صورة الإله المنتصر. فأشار الكاهن الأعظم إليه بالتمثال الذهبي، واتجه به نحو ~~حرم المعبد، وخر الناس جميعا ساجدين. حتى إذا بلغ الكاهن قدس الأقداس فتح الباب ودخل، ~~وتبعه الملك وأغلق من ورائهما المصراع. وخيم الصمت رهيبا من الموقف العظيم في الخلوة ~~الخاصة التي لا يطلع على سرها إلا من يتجلى لهم آمون: ms015 الكاهن الأعظم وفرعون. # وكانت حجرة قدس الأقداس مظلمة لا تضيئها إلا ذبالة ضئيلة في قنديل من الذهب، لا يكاد أحد ~~يتبين في ضوئها شيئا سوى ظلال متحركة يلقيها اللهيب الخافت المتراقص في الأركان. # ولما صار الملك وحده مع الكاهن استلقى خائرا على كرسي في جانب المذبح، ورمى عصاه ~~الذهبية، وأن أنة ضعيفة بصوت لا يكاد يسمع، فقال له الكاهن بصوت رقيق: أي بني، ~~شملتك رحمة آمون ... # وكأن هذه الكلمة قد نفست عن مرجل فوار، فما كاد الشاب يسمعها حتى انفجر قائلا: أيها ~~الشيخ، أمسك عن هرائك. فنحن هنا وحدنا لا يسمعنا غير الحق. والناس جميعا من وراء هذا ~~المصراع لا يسمعون. # فقال الكاهن في هدوء: أعرف أننا هنا وحدنا يا زوج ابنة الآلهة، يا وارث الفراعين. وأعرف ~~أن الحق يسمعنا؛ ولذلك أطلب لك رحمة آمون. # فصاح الشاب في غيظ: أما كفاك أنني تحملت ما تحملت من الأكاذيب في ملأ الناس؟ أما كفاك ~~أنني كتمت ما في نفسي وخالفت قلبي وأحنيت رأسي لهذا التمثال الأصم؟ # فقال الكاهن وفي صوته هزة خفيفة: إنك يا بني ما زلت شابا، وقد يغتفر للشاب أن يشك. ولكن ~~هذا التمثال رمز الحق. # فصاح توت في غيظ: إنني لا أشك أيها الشيخ، إنما أنطق بعقيدة لن تستطيع أن تزيلها من قلبي، ~~هي عقيدة الحق الذي لم يعرفه سوى الملك الأعظم أمنحتب «أخناتون» الذي تسمونه المجرم. # فتراجع الكاهن إلى الوراء وقال في صيحة مكتومة: أما زلت تذكر المجرم أخناتون؟ ألم توافق ~~على نبذ إلهه المزيف؟ ألم تتزوج من الأميرة «عنخ سنب»؟ أما سميت نفسك «توخ عنخ آمون» ورضيت ~~أن تلعن المجرم في ملأ من الناس؟ # فصاح «توت» غاضبا: نعم رضيت، وهذا ما يجعلني أمقت نفسي. رضيت لأنني لم أجد بدا من ~~الرضا. إنني هنا لا أنطق إلا بالحق لأن كتمانه يعذبني. أتريدني على أن أخادع نفسي وأنا في ~~خلوتي هنا؟ # قل الحقيقة سافرة أيها الشيخ. قل إنك تطلب مني أن أطيعك أنت. قل إن «آي» الكاهن الأعظم ~~قد ms016 انتصر، وإنه يأمر «توت» الصغير أن يذعن له. ليس هو آمون الذي يريد مني الإيمان به، بل هو ~~أنت الذي تطلب مني أن أخضع لك. أنت «آي» الذي تطلب مني أن أعبدك وليس آمون ذلك التمثال ~~الأصم. # وكان الشيخ يسمع هذه الصرخات الغاضبة وهو فاتح عينيه في حنق يحاول أن يخفيه. فلما انتهى ~~الشاب قال الكاهن بصوت خافت: ثم ماذا؟ ... # فقال «توت»: لا شيء إلا أن تكون صريحا معي هنا. لقد كنت أنا صريحا مع نفسي ومعك عندما ~~رضيت بتغيير اسمي وتركت اسم «آتون»، فقد قلت لك عند ذلك إنني أذعن من أجل التاج. فأرجوك إذا ~~خلوت معي ألا تطلب مني أن ألغي عقلي وأعبد تمثالا لكبش صنعته أيدي النحاتين. # فلم يقو الكاهن على تمالك نفسه وصاح غاضبا: حسبك يا ابن الشعب! ~~••• # فوثب «توت» على قدميه صائحا: بل أنا الملك المقدس. أنا زوج الأميرة عنخ سنب. # فأجاب الكاهن بصوت أجش: إنك لا تمت إلى الملوك بنسب، فما أنت إلا زوج ابنة قد تموت ~~غدا. # فرفع الملك رأسه ووقف منتفضا، ثم أخذ صولجانه من فوق المذبح وأراد أن يتكلم، ولكنه غص ~~بريقه من الغيظ فلم ينطق. ونظر الكاهن الشيخ إليه فاتحا عينيه الواسعتين في ثبات وسيطرة. ~~وبقي «توت» لحظة ينظر إلى عيني الكاهن لا يستطيع منهما فكاكا، ثم تخاذل واضطرب وتهالك على ~~مقعده وتقدم نحوه الشيخ حتى صار لا يفصل بينهما إلا قيد شبر، فطرفت عينا الشاب وأن أنة ~~تشبه صيحة مكتومة، فقال له الكاهن في صوت هادئ: المجد لآمون. # ثم وضع يده على كتفه وهو لا يزال يحدق في عينيه، واستمر قائلا: سألقي عليك قصة قصيرة قد ~~تكون سمعتها من قبل في دروسك. نحن نحتفل اليوم بعيد «أوبت» تذكارا لليوم الذي اختار فيه ~~الإله «آمون» جد زوجتك الملكية تحوتمس الكبير. كان تحوتمس كما تعلم كاهنا لا أمل له في ~~الحكم؛ لأنه لم يكن سوى ابن جارية لا تجري في عروقها دماء الملوك. وكانت أخته «حتاسو» هي ~~الأميرة الملكية الشرعية. ولكن ms017 آمون رضي عن تحوتمس واختاره في مثل هذا اليوم للملك؛ لأن ~~تمثاله الذهبي وقف أمامه في أول دورة من دورات الاحتفال، ومن ذلك اليوم صار تحوتمس الكاهن ~~ملكا لمصر وسيدا للقطرين. # هذا هو فرعون الذي لم تعرف البلاد سيدا مثله ببركة آمون. أما سمعت بهذه القصة من ~~قبل؟ # فحدق «توت» في عيني الكاهن لحظة، ثم ألقى برأسه في عنف على يديه واهتز جسمه في نشيج صامت. ~~فوضع الكاهن يده على رأسه ومر عليه في عطف وقال بصوت رقيق: شملتك رحمة آمون يا ولدي. عندما ~~تخرج من هنا سيدور تمثال الإله دورته في الساحة الكبرى، وستكون جالسا على العرش المقدس، ~~وسأقول كلمتي على مسمع من رجال الدولة والأمراء والكهنة، وسينصت الجمع كله ليسمع ما تجيب ~~به، فإذا أجبت وقف تمثال آمون أمامك كما وقف أمام تحوتمس، وإلا ... # قال هذا ثم سار رافعا رأسه متجها نحو الباب، ففتحه ووقف ينتظر حاملا التمثال الذهبي. ~~فقام توت فاترا من مقعده وسار وراءه مطأطئ الرأس، وكانت على وجنتيه بقعة حمراء واسعة تتقد ~~في وسط صفحة وجهه الأصفر. وسار الكاهن عائدا إلى الساحة والملك يسير من ورائه، وخر الجمع ~~المحتشد سجودا، حتى بلغا موضع العرش وجلس الملك عليه. ثم قام الكاهن الأعظم بين يديه فألقى ~~في المجامر حفنات من العود والند والمر، ثم رفع يديه في هدوء وأخذ يرتل نشيدا وهو يدور ~~بتمثال آمون الذهبي حول فناء المعبد، ثم صاح بأعلى صوته: «المجد لآمون!» # فقام «توت عنخ» عن عرشه وأجاب بصوت ضعيف: «المجد لآمون!» # فتقدم الكاهن إلى الملك فوضع يده على رأسه فمسحه بالعطور وقال له: أيها الملك المقدس، ~~انهض، وتلق بركة آمون. # فسجد الجميع مرة أخرى، وقام الملك مترنحا ثم أحنى رأسه وقال مرة أخرى: «المجد ~~لآمون!» # وعلت عند ذلك ضجة عظيمة من الجمع العظيم: «توت عنخ حبيب آمون.» وعلت أناشيد الكهنة تدوي ~~بين جدران المعبد العظيم. ولم يلحظ أحد ما اعترى الملك من اضطراب، ولم يسمع أحد تلك الأنة ~~العميقة التي ترددت في صدره ms018 تشبه الحشرجة وهو يقول في ألم: أواه!! # | شاءول بن شمويل اللاوي # «ما زال المستعبد يحن إلى الحرية وينطق بالأمل فيها، ولكنه قلما يقوى على ~~أعبائها!» # كان لي ولع بالتجوال في الصحراء منذ الصبا، ففيها كنت أملأ صدري من الهواء الصافي الذي ~~لا تعكره أنفاس هذه الإنسانية المزدحمة، وكنت أجد في سمائها جلاء لبصري، وفي عمق سكونها ~~سلاما لنفسي. كنت أنقل عيني بين رمالها الصفراء فأجد راحة لا أجد مثلها بين الحقول الخضراء ~~أو على شاطئ اللجة الزرقاء. فإذا سرت فيها يوما من أيام الشتاء وقد غسل القطر رمالها، كان ~~من أبدع المناظر عندي منظر حصبائها تلمع مختلفة الألوان في قيعان الجداول الصافية، تزري ~~باليواقيت واللآلئ. # وقد جمع حب التجوال في الصحراء بين قلوب مختلفة الميول متباينة الطباع، ألفت الصحراء بين ~~قلوبهم؛ لأنها كشفت لكل منهم مخبوء طبع صاحبه، إذ لا شيء يكشف حقائق الناس مثل البعد عن ~~زخارف المدينة وغشاواتها الخادعة. فهناك في الصحراء يقابل الإنسان أخاه وجها لوجه، ويقابل ~~الحياة صريحة لا تمويه فيها. # وكان صديقي الذي أؤثر صحبته في هذه الجولات صديقا قديما منذ أيام الطفولة، وكنا كلما ~~خرجنا معا إلى قلب الصحراء تبينت لنا تفاهة الحياة المتكلفة التي نحياها بما فيها من حدود ~~وأوضاع وعادات ورسوم وعقائد. كان كل منا يرى في الآخر أخا من بني الإنسان، لا يحتاج معه ~~إلى رباط أوثق من علاقة الإنسانية. # ولقد طالما تساءلنا فيما بيننا إذا ما خلونا إلى النجوى تحت النجوم المتلألئة السرمدية عن ~~جوهر تلك الحدود التي يخلقها الناس فيما بينهم، وكثيرا ما كنا نعجز عن الجواب. # وقد قصدت مع صديقي هذا إلى برية سيناء في بعض أيام الشتاء، وكنا نسير يومنا كله على هينة ~~في سيارتنا، حتى إذا أدركنا المساء ملنا إلى أقرب واد فقضينا فيه الليلة، حتى يطلع الصباح ~~فنستأنف السير معرجين على كل ما نمر به مما يسترعي أنظارنا. وكنا نجد في ذلك كله مجالا ~~فسيحا للتأمل والدرس. # وفيما كنا نسير في أصيل اليوم الثالث من ms019 رحلتنا، سمعت صاحبي يصيح فجأة: اسمع ... # فنظرت إليه فوجدته يحدق بنظره في ناحية عن يسارنا بها مدخل واد ضيق، وقال وهو يوقف ~~السيارة: انظر إلى هذا الموقع. إن شيئا في مظهره يأخذ بنفسي. # فتأملته لحظة فإذا هو يشبه فناء بيت من تلك البيوت التي يصفها علماء آثار ما قبل ~~التاريخ، عندما كان الإنسان يتخذ من الكهوف منازل قبل أن يعرف سر البناء. وشعرت بشيء ~~يجذبني إليه. فقلت لصاحبي وأنا أنحدر إلى الوادي: إن التمتع بالصحراء لا يتم لمن يسير على ~~مثل هذه السيارة السريعة. # فأجابني صاحبي في ابتسامة عابرة: حقا، إن السيارة هنا دخيلة، إنها تدنس أرضا خلقها ~~الله لتكون وادعة مطمئنة راضية بسير إبلها. # وكان يسير إلى جانبي ويحدثني وأنا متجه بكل اهتمامي نحو مدخل الوادي. ولو كانت الجان تتخذ ~~بيوتا لما كانت تختار إلا مثل هذا المكان. # وبعد جولة قصيرة في الوادي بدا لنا أن نقضي الليلة هناك، فقد كان منزلا طبيعيا لمن يمر ~~بذلك الجانب من الصحراء. وجلسنا بعد ساعة إلى جانب صخرة قائمة في وسط الفناء الفسيح الذي ~~ينفرج من وراء المدخل الضيق، وأعددنا عليها طعامنا وجعلنا نضرب في شعاب الحديث، كأننا على ~~مائدة في فندق عظيم في عالم مسحور. # وقلت لصاحبي: كم من الناس أتوا قبلنا إلى هذا المكان وجلسوا حول هذه الصخرة كما نجلس؟ وكم ~~من أجيال من البشر مرت من مدخل هذا الوادي إذا عرجت لقضاء ليلة هنا في أسفارها ~~الطويلة؟ # فقال صاحبي: لعل هذه الصخرة كانت مذبحا مقدسا تنحر عليه القرابين للآلهة التي لم يفهم ~~الناس سرها؟ # والحق أنني فطنت عند ذلك إلى سر الرهبة التي أحسستها منذ دخلت إلى ذلك الفناء ~~الفسيح. # وجلسنا لحظة في صمت ننظر فيما حولنا، وخطر لي أن هذا المكان البعيد ينطوي في صمته على ~~أسرار عميقة. # وقلت لصاحبي: ألسنا نشبه بني إسرائيل وهم يغادرون مصر هربا من طغيان فرعون؟ ألست تضيق ~~ذرعا بالإقامة في المدن المزدحمة وبين المجامع المنافقة؟ ألست تحس هنا لونا من الحرية لا ms020 ~~تجدها في ربوع المدينة؟ # فأجاب: هذا ما كنت أفكر فيه منذ لحظة. # وجعلنا نتذاكر بعض ما تردده الكتب المقدسة من قصص موسى وقومه حتى فرغنا من الطعام، وقمنا ~~نمشي رويدا في أطراف المكان الساكن. # وكانت لي منذ صغري عادة سيئة: أن أخبط بقدمي ما يعترضني من حجارة، فجعلت - كلما مررت ~~بحصاة - أدفعها كما أدفع الكرة، وما كان أشد عجبي عندما خبطت قطعة مستديرة فرأيتها تتدحرج ~~خفيفة كالكرة، فتبينتها فإذا هي عظام جمجمة آدمية. # فصحت بصاحبي: إذن لقد شهد ذلك الموضع حادثة إنسانية! # فقال بتهكمه الهادئ: أتقصد أن كائنا بشريا مات هنا؟ # فقلت في شيء من الاهتمام: أقصد أنه قد وقف هنا بعض إخواننا في الإنسانية الذين مضوا ~~قبلنا، وكانت العواطف تهزهم كما تهزنا وتعصف بهم وتدفعهم وتؤدي بهم إلى المآسي كما تفعل ~~بنا. ونحن اليوم لا نستطيع إلا أن نشعر بآلامهم ونرحمهم مع أننا لا نعرفهم. أتنكر العلاقة ~~القوية التي تربط أجيال البشرية؟ # فتبسم وهز رأسه وسار يتأمل جوانب التلال ويميل بين حين وآخر إلى بعض حجارتها فيفحصها ~~ويبقي منها في يديه قطعا يريد أن يحتفظ بها كما كان يفعل دائما في جولاتنا. # فقلت له لأنتقم من تهكمه: إنك لا تعبأ إلا بهذه الحجارة يا صديقي. ألا يهمك كل هذا العالم ~~السحري الذي يحيط بنا؟ # ولكنه مضى في سبيله يميل هنا أو هناك كأنه لم يسمع مني شيئا. وملت على العظمة المستديرة ~~لأفحصها فإذا بي أرى عظمة أخرى قريبة منها قد غمر الرمل أكثرها، فتناولت حجرا وجعلت أحفر ~~ما حولها حتى استخرجتها فوجدتها تتصل بهيكل آدمي كامل مدفون هناك. فاعتراني انقباض شديد ~~واسترجعت، وجمعت العظام المنثورة التي وجدتها قريبة مني وجعلت أعيدها إلى مدفنها وأجمع ~~عليها الرمال مما حولي حتى لا أزعجها في مقرها الذي ثوت فيه تلك السنوات الطويلة. وفيما أنا ~~في ذلك بدا لي سطح من الخشب تحت طبقة الرمل التي أزلتها بيدي لأسويها فوق العظام، فثارت ~~دهشتي مرة أخرى وتركت ما كنت فيه، وأقبلت على ذلك السطح ms021 الخشبي فكشفته وأخذت أحدق فيه ~~بنظري، فوجدت عليه نقشا غريبا. فدفعني ذلك إلى أن أحفر ما حوله حتى أخرجته، فوجدته ~~صندوقا صغيرا طوله نحو نصف متر في عرض أقل من ذلك بقليل وعمق أقل من عرضه. وكان صديقي قد ~~عاد يسير نحوي حتى اقترب مني، فلما رأى الصندوق أمامي أقبل يسعى نحوي في اهتمام عظيم، وقال: ~~أراك قد كشفت شيئا يستحق الاهتمام. # ثم أخذ يساعدني على تنظيف الصندوق مما عليه من الرمال، ونزعنا عنه غطاءه فوجدنا فيه ~~مجموعة من الجلود الرقيقة وقد دب إليها شيء من الفساد، وكان عليها خط بقلم غريب يميل ~~لونه إلى السواد. فنظر صاحبي إلي وقال: إنها لقية ثمينة! # فقلت له: حقا إنها كذلك، ولا شك في أن لهذا الصندوق شأنا مع هذا المقيم في الحفرة إلى ~~جانبه. # وأشرت إلى الحفرة التي دفنت فيها بقية العظام. وقضينا الليلة التالية في حديث متشعب عن ~~هذه الإنسانية القديمة التي كانت منذ ألوف السنين كما هي اليوم تضطرب ولا تعرف السلام. ولما ~~عدنا إلى القاهرة كان أول همنا أن نذهب إلى صاحب لنا من علماء الآثار ليساعدنا على كشف ~~السر الذي تنطوي عليه الكتابة الغريبة. # وقضى هذا العالم حينا في فك تلك الكتابة حتى نسيت أمرها أو كدت أنساه، لولا أن جاء صاحبي ~~إلي ذات مساء وهو يلوح في وجهي بلفة من الأوراق قائلا: ألا تذكر رحلة سيناء؟ لقد أتم ~~صاحبنا فحصه واستطاع أن يفك رموز الكتابة الغريبة. ~~«كانت الجلود كلها مكتوبة بالخط الشعبي الذي كانوا يكتبون به في دواوين مصر القديمة في ~~عصر الإمبراطورية.» # فتذكرت رحلة الصحراء والصندوق والجلود البالية المنقوشة بالخط الغريب، وسألته: وما هذه ~~الأوراق في يدك؟ # فقال: هي ترجمة عربية فصيحة. # وجلس إلى جانبي وفتح الأوراق وأخذ يقرأ: «أنا شاءول بن شمويل بن شمعون، من عشيرة اللاويين ~~سادة إسرائيل ...» # ثم رفع وجهه إلي قال باسما: أليس هذا اسما جميلا؟ # وكان شوقي إلى سماع الترجمة عظيما، فقلت في لهفة: هذه الشينات لا تعجبني، ولكن استمر ~~... # فاستمر ms022 يقرأ: ~~«كنت بمصر مع قومي، وكنا في أرض جاشان مهد أبي وجدي، وكنت في أول الأمر صاحب خاتم الأمير ~~«راحا ترع»، ولكني عزلت من خدمته عقب الحوادث المشئومة التي جرها النزاع الدموي بين الكهنة ~~وبين «أخناتون»، فطردت من خدمتي؛ لأنني مثل سائر قومي آمنا بالإله آتون، الإله الواحد ~~الذي تدين له الخلائق جميعا، آتون الذي يشرف على الكون من سمائه ويحييه بأنواره ذات ~~الأسرار العميقة. # ثم وضعت بعد ذلك حول رقابنا أغلال العبودية، وحشرنا في البراري لنعمل اللبن من الطين ~~لبناء مدينة بيتوم، تسوقنا سياط المقدمين ورؤساء العمل ذوي الأيدي الصلبة والقلوب التي تشبه ~~خشب السنط. # وكانت مشقة العمل تزيد من يوم إلى يوم، وكلما مر علينا شتاء جاء شتاء آخر أشد منه بردا، ~~حتى امتلأت قلوبنا غيظا وحقدا. # ودفعنا اليأس والألم أخيرا إلى أن نضرب ونقاوم، وأخيرا تحرك رجل امتلأ قلبه بالرحمة ~~علينا، فكان يزورنا في الليل ويواسينا، ولكنه دافع يوما عن أحدنا فقتل رجلا مصريا واضطر ~~إلى الهرب. # وكاد اليأس يغلب الأمل في قلوبنا، لولا أن عاد الرجل الطيب إلينا بعد غيبته، وأخذ يدعونا ~~إلى ترك مصر والخروج معه إلى الصحراء. وكان يجمعنا في الليل خفية ويؤكد لنا أن وراء البرية ~~أرضا فسيحة يستطيع الناس أن يعيشوا فيها أحرارا ويعبدون الإله الذي يريدون عبادته. # ولكن الناس كانوا يخافون من البرية، ولا يجرءون أن يخرجوا من أرض مصر؛ لأنهم كانوا في ~~الحقيقة يخشون الجوع أكثر من حبهم للحرية. نعم، فالناس دائما يفضلون أن يشبعوا بطونهم على ~~أن يعيشوا أحرارا. # وأخيرا أمرنا الرجل الحكيم بالاستعداد للرحيل، فخاطرنا وعزمنا جميعا على أن نسير وراءه ~~إلى الصحراء. # وطلع علينا الفجر يوما من أيام الربيع ونحن نغطي وجه الأرض في قافلة لا أول لها ولا ~~نهاية، وسرنا وراء الحمير التي حملنا فوقها كل ما كنا نملك من المتاع. ولست أنكر أننا قد ~~خدعنا جيراننا المصريين وأخذنا نحاسهم وذهبهم مدعين أننا سنردها إليهم بعد العيد. وهذا ~~العمل سرقة بغير شك، ولكنه كان انتقاما منهم ms023 لشدة غيظنا. # وقابلنا في هجرتنا صعابا وشدائد، وتعرضنا لأخطار جمة نجونا منها ببركة إلهنا الذي هاجرنا ~~من أجله، وكان الرجل الطيب يصلي لله من أجلنا كل صباح وكل مساء؛ لأن موسى - وهذا هو اسمه - ~~كان محبوبا من الله. ولكنا وجدنا بعد قليل أن زادنا قد نفد، ولم نجد حولنا زرعا ولا ~~صيدا، وكان الماء في الآبار ملحا، فعادت الحيرة تملأ قلوبنا؛ لأن الحرية التي طلبناها ~~كانت تهددنا بالموت جوعا وعطشا. وصرخنا إلى موسى نطلب منه أن يعطينا خبزا وماء، وأعطانا ~~موسى كل ما بقي معه، فلم يكفنا إلا قليلا، وصرنا ننظر إلى أولادنا وهم يبكون من الجوع ~~والعطش وتتحرق عليهم قلوبنا جزعا، حتى انتهى بنا الأمر إلى أن صحنا بموسى: «أعدنا إلى مصر؛ ~~فالإنسان قد يحيا مع العبودية، ولكنه لا يحيا وسط الصحراء بالحرية وحدها.» # وغضب موسى وظهر عليه الاضطراب، وصاح بنا يؤنبنا، ولكن لغته كانت سقيمة؛ لأنه لا يحسن لغتنا ~~وكنا لا نفهم منه إلا بعض ألفاظ عندما كان يتكلم بلسانه المصري. # وجعل هرون أخوه يترجم لنا أقواله؛ لأنه كان يجيد لساننا، فلم نستمع إليه لأن الجوع كان ~~يقرص أمعاءنا وبكاء أطفالنا يوجع قلوبنا، وصحنا نطلب العودة إلى مصر لنأكل من فولها وعدسها ~~وبصلها. وفي الصباح ذهبنا إلى موسى لنخبره بأننا سنعود إلى جاشان. فوجدناه يصلي، فانتظرنا ~~حتى فرغ من الصلاة وأقبل علينا بوجهه متهللا، وقال: «اذهبوا إلى ذلك الوادي.» # وأشار بيده إلى جهة مشرق الشمس، ثم قال لنا: «هناك تجدون على الأرض حبا يشبه القمح، ~~فاطحنوه واعجنوه بالزيت وكلوا منه.» # ثم أشار إلى السماء وقال: «انظروا إلى هذه الطيور الكثيرة التي تأتي من البحر، إنها رزق ~~طيب، فكلوا من لحومها تغنكم عن فول مصر.» # ولكن السلوى والمن لم يكونا مثل الفول والعدس، والحرية كانت تكلفنا أن نسعى وأن نفكر. ~~كانت الحرية ثقيلة على أكتافنا؛ لأن الذين اطمأنوا إلى العبودية يفزعون من التفكير ~~لأنفسهم. # وأخيرا وصلنا في سيرنا إلى الجبال العالية التي تغطيها الثلوج في الشتاء، وألقينا رحالنا ~~في ms024 «ريفيديم»، وكان البرد شديدا لم نقو على تحمله بعد السير الطويل، فتساءل الناس: «هل هذه ~~هي الحرية التي خرجنا نطلبها؟» ولكن موسى كان رجلا مهيبا لم يجرؤ أحد على الصياح في ~~وجهه. # فما كاد يصعد إلى الجبل العالي ليناجي ربه حتى اجتمعنا وجعلنا نوقد النيران ونرقص، وصنعنا ~~بعض الشراب من بلح واحة «ريفيديم»، وصنعنا لأبيس تمثالا من الذهب الخالص وأقمنا لأنفسنا ~~عيدا. نعم، فإن العبيد ينسون ذل العبودية وهم يرقصون. ولا أستطيع أن أصف ما كان من موسى ~~عندما عاد إلينا ورآنا على تلك الحال. لقد غضب وحطم التمثال وأوقع بالرؤساء وجثا هرون على ~~ركبتيه يعتذر ويتنصل من ذنبنا. # وأمرنا موسى بالتأهب لغزو أرض «موآب»، كأنه أراد أن يعاقبنا على خطئنا. فوقع علينا ذلك ~~الأمر مثل الصاعقة، وصاح الناس: «هل خرجنا من مصر لكي نحارب؟ هل معنى الحرية أن نحارب ~~ونموت؟» # فانفجر موسى غاضبا، وقال: «إن الحرية أغلى ما يملك الإنسان في الحياة، فحاربوا لكي ~~تكونوا أهلا لها.» # ولكنا لم نفهم أقواله، وقعدنا على الأرض عازمين على العصيان، وقال بعضنا له في وقاحة: ~~«اذهب أنت وربك فقاتلا.» # فغضب موسى غضبا لم يسبق له مثله، وصاح بنا: «أيها العبيد، إنكم قد نشأتم في الذل فلا ~~تعرفون الكرامة، وعشتم في الخسف فلا ترون في الحياة ظلما تأبونه. إن دمكم لا يحمى ولا ~~يعنيكم إلا الطعام. فعودوا إلى مصر وارجعوا إلى فولها وبصلها وعدسها وإلى عبوديتكم فيها. لن ~~يفهم جيلكم هذا للحرية معنى؛ لأنه لا يعبأ إلا بالطعام. فها أنا ذا سائر إلى الأمام، ولمن شاء ~~منكم أن يرجع إلى مصر. ستبقون حيارى حتى ينقرض هذا الجيل وينشأ جيل من بعده يستطيع أن يدرك ~~قيمة الحياة الحرة، وعند ذلك يستطيع الأحرار غزو أرض موآب.» # ولما انتهى موسى من قوله سار مسرعا وأمر بالرحيل ضاربا في البرية على غير هدى. # ولقد كنت أحب موسى وأجله، وكنت من أكثر الناس عطفا عليه وتقديرا لآرائه، ولكني شعرت ~~عند ذلك بالغيظ يملأ قلبي. فقد كنت من بني ms025 لاوي سادة إسرائيل، فكيف يصيح بنا هكذا؟ ولما ~~رأيت الناس يسيرون خلفه ثارت ثائرتي عليهم وصحت فيهم: «إنكم عبيد حقا.» # وعزمت على مفارقتهم. # وجاء إلي امرأتي ليلا فرأتني أتململ ولا يجد النوم سبيلا إلى جفني، فسألتني عن سبب ~~اضطرابي، فأعلمتها السبب وأخبرتها أنني عزمت على مفارقة موسى. وكانت المرأة حاقدة على موسى؛ ~~لأنه لم يعد إليها حليها التي وهبتها لتكون زينة لتمثال أبيس يوم العيد المشئوم. فما كادت ~~تسمع قولي حتى أخذت تشجعني على مفارقة موسى والعودة إلى مصر، وجعلت تتدفق بعبارات حانقة على ~~من كان السبب في خروجنا إلى الصحراء. # فما طلع الفجر حتى كنا في الطريق إلى أرض جاشان. # ولكن أواه! إنني أستحق كل ما وقع علي من عقاب الله. لقد تركت موسى، ودفعتني الكبرياء ~~إلى مفارقة الرجل الذي كان يريد لي الحرية والكرامة، فماذا وجدت عند فرعون؟ لقد قبض علي ~~حراس فرعون هنا. # إنني الآن في هذه الحجرة المظلمة، أجلس في انتظار كلمة من فم الظالم الذي قبض علي، ~~ويمر في خاطري كل ما وقع لي في الشهور الثلاثة الأخيرة كما تمر حوادث الماضي أمام عين ~~الغريق. لقد أخذوا امرأتي وأبنائي وساقوهم إلى حياة الذل ليكونوا عبيدا وإماء، وأما أنا ~~فلست أنتظر سوى العقاب العادل الذي قدره علي «أدوناي» الإله المنتقم؛ لأني لم أفضل الجوع ~~والخوف على العبودية. # الموت آت بلا شك، ويا ليتني بقيت حرا وقابلت الموت حرا. # إنني أسمع ضجة عند باب حجرتي، وها هو ذا المفتاح يصر في ثقبه.» # وإلى هنا انتهت القصة، ونظر إلي صديقي متأثرا، ونظرت إليه صامتا، وعدت بخيالي إلى ~~ذلك الوادي البعيد في الصحراء حيث وجدنا الصندوق والجثة، وسبحت في عالم بعيد أتصور ذلك ~~السجين المسكين وهو يستقبل الداخلين عليه في حجرته المظلمة، التي لم يبق منها أثر فوق ~~الرمال. # | المعجزة # «الإيمان دائما يهب السلام للقلوب، وإن كان بمعبود مزيف.» # كان القارب يشق ماء النيل الصافي الضارب إلى الخضرة وينزلق مسرعا مخلفا وراءه خطا ~~أبيض من الرشاش فوق رءوس الأمواج ms026 المضطربة، وكانت أغاني النوتية تناغم ضربات المجاديف ~~وتتماوج على الهواء الهادئ الذي يخفق في أذيال العلم الأصفر المرفوع فوق المظلة البيضاء في ~~مؤخر القارب. # وجلس «ستنامر» تحت المظلة صامتا، وقد وضع ذقنه على يده متكئا به على ركبته اليمنى ينظر ~~نظرة جوفاء إلى الماء وإلى المجاديف التي تشق سطحه. ولكنه لم يكن في الحقيقة ينظر إلى ~~الماء، ولا إلى المجاديف. ولم تكن أغاني النوتية المتكررة تسترعي انتباهه؛ لأنه كان غارقا ~~في تأمله تسرح أفكاره نحو الدار التي ما زال يقطع نحوها الأميال واحدا بعد واحد منذ ركب ~~القارب من قصر فرعون رمسيس الثالث في شرق الدلتا. # هناك في الجنوب كانت أمه «حاتاسو» سليلة بيت «رمهات» العريق، وهو بيت أنجب سلسلة مجيدة من ~~الأبطال الذين رفعوا أعلام مصر في أركان العالم، وكان آخرهم جده القائد المظفر «رمهاتي» ~~الذي شتت شمل الشردن في غرب الدلتا في أيام «رمسيس» الكبير «الثاني». كان ستنامر يحس حنينا ~~عميقا إلى هذه الأم الكريمة، التي لم يكن لها في العالم سواه، وهي مع ذلك تقيم وحدها في ~~القصر المنعزل في ضواحي طيبة راضية بفراق وحيدها، وتدعو آمون صباحا ومساء أن يمهد له سبيل ~~المجد كما مهده لأجداده من قبل، حتى يحفظ علم بيت «رامهاتي» خفاقا على تعاقب ~~الأجيال. # ولكن أفكار ستنامر كانت أيضا تحوم حول صورة «تويا» في الأصباح والأمسيات، في اليقظة ~~والحلم، تويا الجميلة سليلة بيت فرعون أمنحتب العظيم. # نشأت تويا معه منذ الصبا عندما كانا يمرحان معا في الحديقة اليانعة المحيطة بقصري ~~أسرتيهما العريقتين المتجاورتين، وطالما تجولا معا في حقول البرسيم أو القمح ليترصدا ~~للسمان أو ليصطادا الفراش العجيب الألوان. # وقد بقيا على مودتهما العميقة حتى اضطر ستنامر إلى مغادرة طيبة ليشارك في حروب مليكه ~~رمسيس الثالث تاركا أمه وعزيزته تويا، وقضى بعيدا عن وطنه ثلاث سنوات طويلة لم يجد في ~~خلالها من الوقت ما يتيح له الفرصة لزيارة وطنه والإقامة فيه حينا بين ظهراني أهله ورفقاء ~~صباه. # لقد مرت هذه السنوات الثلاث وما كان ms027 أطولها عليه وأقصرها! كانت تطول عليه كلما خلا بنفسه ~~في الليالي وتذكر أحبابه الذين فارقهم، وكانت تقصر وتمضي سراعا عليه وهو يضرب في الآفاق لا ~~يكاد يستقر في مكان. فكان إذا أرخى الليل سدوله وأوى إلى خيمته يطلق العنان لخياله فيحمله ~~إلى أحبابه في عالم الوهم. وكانت صورة تويا الثاوية في صدره تسعده بنجواها وتعلله بحلو ~~الأماني. فكم أزالت هذه الصورة وحشته وهو في الصحراء الغربية البعيدة عند «جبل قرون ~~السماء». # وكم آنسته هذه الصورة، وهو في خيمته عند جبال «حوران» بالشام أو في أودية فلسطين. # كان ستنامر إذا اطمأن في خلواته يخرج من جعبته تمثال إيزيس المقدسة ويتأمل جمالها البارع ~~بقلب خاشع خافق، ويصلي لها طالبا أن تحمل السلام والسعادة إلى قلوب أحبابه حيث يقيمون. ~~وكانت صورة تويا تلوح له دائما في ملامح تمثال إيزيس فتملأ روحه بهجة وأملا. # جلس ستنامر في مؤخرة القارب يفكر في تلك السنوات التي مرت به، وكان بين حين وآخر يتنفس ~~نفسا عميقا ويفيق إلى نفسه فيبتسم ابتسامة ضئيلة، ويقول لنفسه: ما هي إلا أيام قليلة أخرى ~~ثم أجتمع بالأحباب. # ومضت الأيام بطيئة، ثم ظهرت له أخيرا عند الأفق قبل المساء جزيرة كأنها تسبح طافية فوق ~~الماء، وكان النخيل الباسق يصعد من سطحها ضاربا في السماء برءوسه ويتمايل في رشاقة مع هبات ~~النسيم. وكان ستنامر يعرف هذه الجزيرة منذ الصبا، فلقد طالما اصطحبه أبوه الأمير «أمنمرى» ~~للصيد فيها بعد هبوط مياه الفيضان. # وجعل يتأمل حسن منظرها وقد كساها العشب والشجر الملتف، وعادت إليه ذكرى الصبا الحلوة ~~كأنها ذكرى الأمس القريب. # وفيما كان غارقا في تأمل صور ذلك الماضي سمع ضجة النوتية وهم يصيحون: «معبد ~~آمون!» # فأسرع خارجا من تحت المظلة ووقف ينظر إلى المعبد المشرف على النهر، وخشع قلبه عندما اتجه ~~بالصلاة إلى آمون. # وكان البدر يقترب من كبد السماء عندما وصل ستنامر إلى قصر أمه وألقى نفسه بين ~~ذراعيها. # وأخذت الأميرة «حاتاسو» أم ستنامر تقص عليه أخبار السنوات الثلاث التي مضت ، وكانت الأخبار ms028 ~~كلها تثير نفسه، فما أعجب تقلب أمور الحياة وأسرعها! كان بعيدا يذرع الأرض من المشارق إلى ~~المغارب، وكان الأهل والصحب جميعا مقيمين في العاصمة الكبرى، ولكن اضطرابه في الآفاق لم ~~يكن بأعظم من اضطرابهم مع صروف الأيام. أما الصغير فقد كبر، وأما الكبير فقد مضى عن الأرض، ~~وأما المال فقد تداولته الأيدي كما يتلقف الصبية الكرة بعضهم من بعض. كل شيء يتبدل ويتغير، ~~سوى «رع» الخالد «حورماخيس»، فهو دائما يشرق كل صباح على الأرض ويغرب كل مساء ذاهبا إلى ~~العالم الآخر في إقليم «يارو». وأخيرا سأل ستنامر أمه عن تويا؛ لأن أمه لم تذكر شيئا ~~عنها. # ونظرت الأم نحوه في فزع عندما سمعته يسألها عن الفتاة في لهفة يشوبها شيء من الضجر. كان ~~ذلك السؤال صدمة أصابت الأم فجأة على غير انتظار فزعزعتها ... فسكتت لحظة وأرادت أن تحول ~~عينيها عن نظراته، ثم قالت بصوت خافت حاولت أن تمسك زمامه: تويا بخير يا ولدي. # ولكن ستنامر أعاد سؤاله في إلحاح قائلا: كيف حالها يا أماه؟ خبريني! هل من شيء أصابها؟ ~~إنك بغير شك تخفين شيئا من أخبارها عني. # فبادرت الأم ومدت يدها إلى رأسه تمسحه وقالت في تردد: بل هي بخير يا ولدي ... # فقال في ضجر: عزمت عليك يا أماه أن تحدثيني طويلا عن تويا! # فأخذت الأم تقص عليه قصة طويلة ... كانت تويا بغير شك كريمة النفس، لا تزال باقية على مودته ~~حافظة عهده، وتبكي ليلا ونهارا في خلواتها حتى اعتراها السقم. وقد أصبحت طريحة الفراش، ~~فلا الدواء يشفيها ولا مباهج الحياة تسليها. كانت تنحدر إلى الموت. ولكنها لم تستطع أن ~~تقاوم إرادة أبيها. وهل كان أبوها يجرؤ على رفض مصاهرة السيد العظيم «مريي» الذي كانت ~~البلاد تهتز إذا ذكر اسمه؟ # ولما انتهت الأم من قصتها مرت بيدها على رأس ولدها المطرق لتواسيه، وكانت تتمنى لو ~~استطاعت أن تبلغ بيدها شغاف قلبه فتمسحها من ذلك الحب الذي لا أمل فيه. ولم يتكلم ستنامر ~~ولم ينطق بشكوى، ولكن أمه كانت تستطيع أن ms029 تقرأ ما في أعماق قلبه من شعور الخيبة والحنق. كان ~~موعد زفاف تويا على القائد الكبير «مريي» بعد أسبوعين اثنين، وكان رئيس الكهنة نفسه يشرف ~~على دقائق رسوم الاحتفال في معبد أمنحتب الرشيق القائم على الشاطئ الشرقي من طيبة. وقد أعد ~~الزوج النبيل لذلك اليوم مهرجانا رائعا يليق بمكانته الكبرى. وهل كان هناك من هو أمجد من ~~قائد الكتيبة اللوبية في جيش الملك؟ لم يكن في الجيش كله من هو أقرب منه إلى قلب الملك ~~العظيم رمسيس الثالث، حتى لقد ائتمنه على إقليم العاصمة الكبرى وجعله حاكما عاما ~~عليه. # وكان «مريي» عملاقا يرفع رأسه كالمسلة الباسقة، فإذا لبس سلاحه كان مثل إله الحروب. وكان ~~يسير أحيانا في طليعة كتيبته اللوبية ليعرض هيبة الملك على رعاياه من أهل طيبة، فإذا رآه ~~الناس خشعوا وتذكروا بأس فرعون العظيم. # وكان مريي يوقع الرعب في القلوب بهيبته وبعينيه الزرقاوين اللتين تشبهان عيني ~~الفهد. # وكان أحيانا يبتسم إذا سمع تحية من بعض المتزلفين الذين كانوا يتقربون إليه بالهتاف ~~والدعاء، ولكن الابتسامة كانت تلوح على فمه مرعبة كأنها على وجه نمر تظهر من تحتها ثناياه ~~البارزة إلى الأمام، على حين تبقى عيناه الزرقاوان ناظرتين إلى الأمام في جمود مخيف. # وذهب ستنامر عقب سماع القصة المحزنة إلى مخدعه فاعتكف فيه، ولم تستطع أمه أن تخفف من وقع ~~النبأ عليه برغم عطفها ومواساتها. حقا إنه لم يجهر بالشكوى ولم يظهر الجزع، ولكن منظره ~~كان ينم على ما في قلبه من اليأس. ولقد ضاقت الحياة أمامه وخيل إليه أن الآفاق تريد أن ~~تنطبق عليه من الشرق والغرب فلا تدع لأنفاسه متسعا فيما بينها. وغمر الشقاء أمه «حاتاسو» ~~واتهمت نفسها بأنها كانت السبب في يأس ولدها الحبيب، وجعلت تحاسب نفسها حسابا عسيرا على ~~أنها لم تخف عنه النبأ القاسي حتى لا تحطم قلبه، وأنها صدمته صدمة شديدة هدمت آماله في مثل ~~لمح البصر. وأخيرا لم تجد الأم حيلة لتخفف بها من آلام نفسها وآلام ولدها إلا أن تذهب إلى ~~معبد ms030 أمنحتب للصلاة عند محراب «آمون». # وكان الكاهن «أمنميس» رئيس المعبد شيخا مباركا يعرف الجميع أنه حبيب آمون وأنه قديس ~~يوحى إليه بالرؤيا الصادقة ويكشف له الغيب في لمحات واضحة. # ولما قضت حاتاسو صلاتها عند محراب المعبد، جلست حزينة تناجي الإله الرحيم في حرارة، ~~وتناشده أن يلطف بولدها في غمرة حزنه. وفيما هي في نجواها أقبل نحوها الشيخ الكاهن كأنه قد ~~جاء يلبي نداءها. وما كادت تراه حتى أحست كأن نورا ينبعث إلى قلبها. وأفضت إليه بآلامها ~~وآلام ولدها، وسألته أن يهديها إلى سبيل الخلاص بوحيه الميمون. وأخذ الشيخ يعبث بلحيته ~~البيضاء وهو يستمع إلى حديثها في هدوء، فلما أكملت شكواها أطرق ساعة، ثم رفع رأسه في بطء ~~ونظر نحوها مبتسما وهو صامت. # فمدت الأم يديها مبسوطتين نحوه في لهفة وضراعة، وأحست أن الشعاع الذي أضاء قلبها قد أخذ ~~يسطع ويزهر، وقالت وقلبها يخفق: أيها الشيخ المقدس، هل من أمل في الخلاص؟ # فهمس لها قائلا: انتظري معجزة آمون. # وأشار بإصبعه إلى شفتيه يأمرها بالتزام الصمت، ثم مضى عنها في هدوء. وكانت حاتاسو مؤمنة ~~طيبة القلب، فخرجت مسرعة تكاد تثب في سيرها، واخترقت الحديقة الفسيحة التي حول المعبد ثم ~~سارت في الطريق مهرولة حتى وصلت إلى بيتها، وذهبت إلى مخدع ولدها فوجدته على سريره حزينا ~~مثلما تركته. فأسرعت نحوه باسمة، وارتمت عليه وضمته إلى صدرها قائلة في صيحة مكتومة: ~~«انتظر يا ولدي معجزة آمون.» # ثم رفعت إصبعها إلى شفتيها تأمر ولدها بالانتظار والصمت. # واقترب يوم الزفاف قبل أن تحدث المعجزة، ثم تمت رسوم الاحتفال بالعقد المقدس الذي سوف ~~يربط مريي وتويا، وتحركت طيبة تستعد للاحتفال الباهر، وأعد علية القوم من رجال ونساء أبدع ~~الملابس الزاهية من الكتان الملون، استعدادا لمشاركة السيد العظيم مريي في احتفاله. ولم ~~تستطع حاتاسو نفسها أن تمتنع عن الاستعداد لإجابة الدعوة. وحل يوم الزفاف آخر الأمر، وذهب ~~الجمع إلى المعبد، وكانت حاتاسو تحس كأنها تحمل في صدرها عبئا ثقيلا عندما تركت ولدها ~~ستنامر في فراشه حزينا لتذهب إلى ms031 الاحتفال، وهي تكاد تكفر بآمون الذي وعد بالمعجزة ولم ~~يستطع الوفاء بوعده. # ومالت الشمس نحو الغرب، وصبغت أرجاء الأفق بألوان القرمز والذهب واللهيب. وسار مريي في ~~موكبه العظيم إلى المعبد، وكان يركب عربته الحربية في الطليعة، وقد لبس سلاحه كاملا، ووقف ~~ممسكا بأعنة الجياد ناظرا إلى الأمام جامدا، فاتحا عينيه الزرقاوين الباردتين، لا يلتفت ~~إلى يمين ولا إلى يسار. وكانت العامة من الشعب مصطفة على جانبي الطريق تنظر إلى الموكب ~~الباهر في صمت ووجوم. # ودخل مريي أخيرا إلى المعبد رافعا رأسه في كبرياء، وذهب نحو قدس الأقداس ليلقى الكاهن ~~الأعظم. ولكنه ما كاد يبلغ الباب المؤدي إلى المحراب حتى اعترضه رسول فرعون ومد إليه يده ~~بطومار من ورق البردي، ثم انحنى ووقف ينتظر في خشوع حتى يقرأ القائد العظيم خطاب فرعون. وفض ~~مريي ختام الطومار الذهبي، ثم قرأ ما فيه وكانت عيناه تزيدان اتساعا وقسوة كلما قرأ سطرا ~~بعد سطر. حتى إذا فرغ من قراءة الخطاب ارتعشت يداه وسقط من بينهما لفافة البردي إلى الأرض. ~~فانحنى الرسول ورفعها ووضعها عند رأسه، ثم دسها في منطقته الفضية. # ثم بسط يده مشيرا إلى مخدع قدس الأقداس وقال مخاطبا مريي: هل لسيدي القائد العظيم أن ~~يتقدم مطيعا أمر فرعون؟ # فنظر إليه مريي نظرة ثائرة، والتفت حوله لفتة سريعة، ثم تقدم في حنق سائرا نحو المخدع ~~المظلم الذي فيه قدس الأقداس. # وذهب رسول فرعون وراءه حتى دخل، ثم أغلق خلفه الباب قائلا: لن تغيب عنك أوامر فرعون ~~العظيم يا مولاي. # ثم ضم الرتاج النحاسي الثقيل ومضى عائدا نحو ساحة المعبد حيث كان الضيوف ينتظرون، فقال ~~لهم بصوت هادئ: إن مريي ينتظر أمر فرعون. إنه خائن يستحق العقاب! # وكأن صاعقة قد انقضت على الجمع عند ذلك، وعلت ضجتهم صاخبة، واضطربوا واختلطوا وتزاحموا ~~على الأبواب يلتمسون الخروج كأنهم يهربون من كارثة. وتعالت أصوات من بينهم قائلة: إنه خائن ~~بلا شك، إنه يتآمر على مولاه. # وذهبت حاتاسو إلى الكاهن «أمنميس» الطيب لتقبل يده في خشوع وتشكره على ms032 صدق نبوءته، ولتصلي ~~عنده للإله آمون بقلب مفعم بالإيمان. فوجدت عنده رسول فرعون في خلوة، فلم تطل وقوفها وعادت ~~إلى البيت لتحمل البشرى إلى ابنها السعيد. # وذاعت في طيبة بعد حين قصة القائد الليبي الجريء الذي أراد أن يتزوج تويا سليلة بيت ~~أمنحتب العظيم، كي يصير أهلا للملك، بعد أن يزيح الدخيل فرعون رمسيس الثالث عن العرش. ~~وكاد يبلغ مشتهاه لولا أن أفسد الكاهن المخلص أمنميس مؤامرته قبل أن تستحكم حلقاتها. # ولكن حاتاسو كانت كلما سمعت تلك القصة هزت رأسها في صمت وتبسمت بسمة خفيفة، وكانت فيما ~~بعد لا تنسى أن تذكر ولدها وزوجه تويا بالذهاب إلى معبد آمون لكي يؤديا واجب الصلاة عند ~~محرابه، شكرا له على المعجزة البارعة. # | مينا الأثريبي # «الكبرياء المحطمة تستطيع أن تنتقم ممن حطمها.» # كان الضوء يؤلم عيني السجين كلما فتح باب سجنه المظلم، لطول ما أقام في تلك الحجرة ~~الصغيرة الرطبة، كانت الحجرة أشبه شيء بجحر أو جب لا فتحة له إلا ذلك الباب الضخم العتيق ~~الخشبي الذي كلما فتحه السجان صر صريرا عاليا. فإذا فتح تدفق منه نور يهوي إليه من كوة ~~في أعلى البرج الذي فوقه، وكان ذلك النور يطعن عيني مينا بن حنا، فيضع يده عليهما، فلا ~~يرفعها إلا شيئا بعد شيء. # كانت السنوات الخمس التي قضاها مينا في سجنه بحصن بابليون قد غيرته ومسخت هيئته. كان ~~قبل أن يدخل ذلك السجن شابا تمتلئ الأعين من حسن منظره وروعة هيئته. فإذا ما جاء من قصره ~~الريفي في أثريب إلى مدينة مصر الكبرى رج الأسواق بما يبيع فيها وما يشتري منها. فإذا ما ~~ركب بغلته الشهباء الفارهة خارجا من الأسواق قام له أصحاب المتاجر وأحنوا له الرءوس ~~وتطلعوا في أثره إلى قامته الدقيقة الفارغة وهو رافع الرأس في ثيابه الكتانية الموشاة ~~بالذهب. وكان لعينيه بريق خاطف كأنه وميض البرق في حاشية السحاب. # ولكن ذلك الجمال قد خبا وذبل كما يذبل العود الأخضر تحت لفح رياح الخماسين، وأصبح مينا ~~يلوح كهلا أصفر اللون ms033 أشعث الشعر طويل اللحية غائر العينين، وانحنت قامته المعتدلة وثقلت ~~رجلاه، وضعف صوته المليء، حتى صار إذا نطق بكلمة تلفت حوله في فزع كأنه يسمع صوتا غريبا ~~منكرا. # ولم يعرف مينا الأثريبي سببا لقذفه في ذلك السجن الفظيع؛ لأنه لم يكن معاديا للسادة ~~الروم حكام البلاد، ولم يكن ممن يحبون الفضول في أمر السياسة، لم يكن ممن تؤخذ عليهم المآخذ ~~في مشاحنات الحزبين الأخضر والأزرق، ولا في مناقشات المذهبين الدينيين اللذين فرقا أهل ~~البلاد وأوقعا بينهم العداوة. وقد عجب الناس أشد العجب عندما سمعوا بنكبته المفاجئة، ولكن ~~لم يجرؤ أحد أن ينطق باسمه خوفا من بطش الحاكم الصارم قيرس المقوقس الذي كان لا يعرف ~~الهوادة في معاملة من تتجه إليهم شكوك جواسيسه. # وكان يوما من أيام الشتاء الباردة عندما فتح باب الحجرة على مينا ودخل الضوء إليه. وكانت ~~نفسه في ذلك اليوم خائرة، فلم ينهض من مكانه على الأرض الرطبة، بل أغمض عينيه وأدار وجهه عن ~~الباب، وانتظر لحظات ريثما يتحمل بصره الضوء في بطء وحذر. ولكنه سمع السجان يناديه: قم معي ~~يا مينا بن حنا. قم وأسرع فإن الأمير ينتظرك. # فتمتم الرجل في ضعف: أما من رحمة في قلوبكم؟ إنني لا أكاد أقوى على الوقوف أيها ~~المسيحي. # فصاح السجان الرومي: قم سريعا. أما تسمع؟ # فتحرك مينا حركة قلقة في مكانه، ثم نهض واقفا وهو يترنح، ومد يده إلى الجدار يتوكأ عليه ~~حتى استقام، ثم التفت إلى السجان وقد فتح عينيه وتغير مظهره فجأة، فاحمر جبينه ومد عنقه ~~كأنه يريد نضالا، ثم نطق بصوت أجش فقال: لن أذهب إلى العذاب بقدمي مرة أخرى. اذهب إلى ~~أميرك، فقل له إنني أمقته. فليحمل آلات العذاب إلى هنا على عاتقه إذا شاء. # وكانت لحيته الغبراء التي صبغها السجن شيبا تهتز في عنف، وعلا صدره بالأنفاس وارتفع رأسه ~~حتى كاد ظهره المقوس يعتدل. فوقف الرومي حينا صامتا ينظر إليه في دهشة ثم قال بصوت حانق: ~~ماذا تقول أيها الأحمق؟ إن الأمير يدعوك . # فصرخ مينا: ms034 اذهب إليه فأبلغه أنني أمقته. لن أذهب إليه على رجلي. قل له إنني أود لو ~~استطعت أن أمزق أعضاءه! # فقال السجان رافعا صوته: ماذا حدث بك يا مينا بن حنا؟ هل ذهب عقلك؟ أتريد أن أقول ~~للمقوقس إنك تمقته وإنك تريد أن تقطع أوصاله؟! # فصرف الرجل وجهه عن السجان، ثم سار خطوتين يهتز في مشيته متجها نحو ركن الحجرة. # فاقترب السجان منه ووضع يده على كتفه برفق، وقد دبت في قلبه هزة من الشفقة، وقال له: هلم ~~معي وكن هادئا. فإن الأمير الأعظم قيرس يريد أن يراك. # فالتفت مينا إليه لفتة مترددة وقال له: يريد أن يراني؟ # فهز السجان رأسه وقال له: نعم. لقد قلت ذلك مرارا فلم تسمعني! # فأطرق مينا لحظة وهو صامت، ثم رفع رأسه وتنفس نفسا عميقا وهو يغمض عينيه، كأنه يريد أن ~~يبعد عن نظره صورة كريهة. وسار وراء السجان وفي قلبه شجون مضطربة يدفع بعضها بعضا. ~~••• # وكان المقوقس في حجرته الفسيحة في أعلى الحصن، يشرف على النهر وقد فاض ماؤه الأغبر على ~~الحقول التي حوله إلى أطراف الأفق، فصارت الأرض كأنها بحيرة عظيمة لا تظهر فيها من المعالم ~~إلا قرى منثورة، كأنها نقط سوداء تجري بينها جسور سوداء، تبدو من بعيد مثل الخطوط المستقيمة ~~رسمها مهندس فوق صفحة بيضاء. # وكان القلق باديا على وجهه، ويتحرك بين حين وآخر حركة مضطربة متجها بنظره إلى الجزيرة ~~الطويلة الممتدة إلى الشمال من وراء مجرى النهر، وقد ضربت عليها خيام مختلفة الألوان بين ~~سمراء وغبراء وبيضاء وحمراء، موزعة مثل الأكواخ بين حشائش الجزيرة وأشجارها. ودخل عليه جورج ~~قائد الحصن مسرعا فحياه ووقف حياله حتى أذن له بالجلوس، ثم سأله: هل آن له أن ~~يجيء؟ # فقال جورج جاهما: نفذت أمر مولاي، فهو الآن يستعد للمثول بين يديك. # فتنفس قيرس وقال في نغمة حزينة: ألم تغير رأيك بعد يا جورج؟ # فحرك القائد رأسه مترددا وقال: لم أغير رأيي، ولا أظنه يستطيع أن يصفو لنا بعد ما ناله ~~من أذى على أيدينا. ms035 إنه من هؤلاء المصريين ذوي الرءوس الصلبة الذين أتمنى لو استطعت أن ~~أشنقهم جميعا. # فقال قيرس: لست أنكر ما في قولك من حق. إنه مصري عنيد مثل قومه. ولكن ماذا عساه يفعل إذا ~~أنا خاطرت فأرسلته؟ # فقال جورج: إذن يزيد أعداؤك واحدا في خارج الحصن. # فعبس قيرس وقال في حقد: لو استطعت أن أفني هؤلاء المصريين جميعا لفعلت كما تريد يا جورج، ~~ولكني لا أستطيع ذلك ويا للأسف. سأخاطر لأنني لا أتوقع ضيقا أشد مما نحن فيه. سأخاطر ~~فأخرجه معي هذه الليلة، ولا أظنه يجرؤ على مخالفتي ما دامت أمه وزوجه رهينتين هنا. # فطرفت عينا جورج طرفا سريعا ولم يجب. وأحس قيرس أن ذلك الجندي الخشن الذي أمامه ما يزال ~~يخالفه في الرأي. ولكنه ملك نفسه وتبسم قائلا في لهجة مرة: إنكم معاشر الجنود لا تعرفون ~~إلا حسم الأمور بالعنف، ولكني قد وجدتكم لا تستطيعون أن تهزموا هذه الشراذم الضئيلة من ~~العرب. # قال هذا وأشار إلى الخيام المنثورة بين الحشائش والشجر في الجزيرة. فانتفض جورج واحمر ~~وجهه، ولكنه لم يرد بكلمة. # واستمر قيرس قائلا: سأذهب الليلة إلى لقاء وفد العرب في الجزيرة، سأحاول أن أصرفهم عن ~~البلاد بالحيلة أو بالرشوة. ولكني أحب أن يكون الأمر سرا، فإياك أن يتسرب الخبر إلى خارج ~~الحصن. أسرع بإحضار مينا، فليس أمامنا من سبيل آخر. سأرسل مينا إلى بنيامين لنواجه العرب ~~صفا واحدا. # فحيا جورج وخرج من الحجرة مسرعا. # وبعد قليل جاء مينا وكان وجهه نحيلا حائل اللون ناتئ الوجنتين غائر العينين، كأن وجهه ~~المعروق عظام جمجمة. فاستقبله قيرس واقفا مرحبا، وأجلسه على مقعد وثير مغطى بالكتان ~~المزركش على مقربة منه، وأخذ يلاطفه في الحديث معتذرا إليه عما أصابه من الأذى، وصرح ~~له بعزمه على إيقاع العقوبة بالوشاة الذين سعوا به ورموه بالأكاذيب. وقال له: سيعوضك قيصر ~~عن كل ما أصابك في مالك ونفسك، وأنت ما تزال شابا والأيام واسعة أمامك تنسيك كل ~~الآلام. # فتنفس مينا نفسا عميقا ولمعت عيناه بومضة براقة ، ولفت رأسه ms036 لفتة سريعة، ولكنه لم يجب، ~~بل عاد وأطرق صامتا وصدره يضطرب بأنفاسه. # فقال له المقوقس: لقد آن لهذه البلاد أن تتحد وتعرف في داخلها السلام. أنت تعرف يا مينا ~~بن حنا أن هذا الانقسام الذي نعاني آثاره اليوم هو الذي يجرئ علينا هذه الوحوش التي جاءت ~~تجوس خلال ديارنا. # فرفع مينا رأسه ببطء وقال: لست أفهم شيئا ... # لقد قضيت خمس سنوات في السجن المظلم، وكأني منطو في قبر لا صلة لي فيه بالأحياء. لست ~~أفهم يا سيدي ما تقول. # فقال المقوقس معبسا: هذه المنازعات التي بيننا قد أطمعت فينا أضعف الشعوب وأفقرها. ألا ~~تعجب أن يأتي العرب إلينا يطلبون غزونا؟ # فقال مينا في دفعة غضب: وماذا تريد من جثة هامدة؟ ماذا تريد من هيكل محطم؟ ماذا تريد ~~بتوجيه هذا الحديث إلي؟ # قال قيرس ملاينا: نحن الآن أمام هؤلاء الأغراب الذين يهددوننا جميعا. # فقال مينا بصوت ضعيف: يهددوننا؟ أيهددوننا بالسجن؟ أيعذبوننا بالسياط والنار ~~والعقارب؟ # فقال قيرس وهو يحاول الهدوء: هذه بلادك يا مينا بن حنا. وقد جاء هؤلاء الجياع ليأكلوا ~~طعامكم ويسكنوا مساكنكم ويزيلوا عقيدتكم. # فاندفع مينا قائلا: من أجل عقيدتنا نسجن ونعذب. وأما الطعام والمساكن فلم يبق لنا ما ~~نحرص عليه يا قيرس. قل لي ماذا تريد بإحضاري إلى هنا؟ # فصمت قيرس واحمر وجهه، ولكنه تماسك وقال في هدوء: هذه الأحقاد القديمة فرقت بيننا وجعلتنا ~~أعداء يا مينا بن حنا. نحن الآن أمام عدو مشترك يريد أن يقضي علينا جميعا. أليس الروم أقرب ~~إليكم من هؤلاء الذين لا يعرفون المسيح يا مينا؟ # فأطرق مينا صامتا وكان وجهه النحيل يشبه وجه جثة محنطة. ولما رفع رأسه بعد حين نظر إلى ~~قيرس بعينين تلمعان ببريق خاطف، وارتد شيء من اللون إلى وجهه وقال: أريد أن أعرف ماذا تريد ~~مني يا سيدي؟ # فقال المقوقس: لا أريد منك إلا خدمة قومك ووطنك. أعرف أنك من أشرف أهل هذه البلاد وأكرمهم ~~وأشجعهم، ولولا أكاذيب الوشاة لما أقدمت على شيء يضرك يا مينا بن حنا. إنني ms037 آسف ومتألم ~~لأنني اضطررت إلى أن أقبض عليك وأحتفظ بك هنا. السلام والأمن والاستقرار لا تسمح بالتساهل. ~~ولكن الظروف تغيرت والمصلحة العامة تقضي علينا جميعا أن ننسى الماضي وننسى كل شيء إلا ~~الدفاع عن هذه الأرض من أجل المسيح. # فقال مينا في هدوء: وماذا أستطيع؟ # فأسرع قيرس قائلا: أشكرك على سؤالك هذا يا مينا بن حنا. هكذا كنت أعتقد فيك عندما دعوتك ~~إلى هنا. أنت تستطيع أن تؤدي لوطنك خدمة جليلة؛ لأنك من أشراف القبط، ولأنك فوق هذا صديق ~~لبنيامين. # فاندفع مينا قائلا: ومن هو بنيامين؟ أتقصد الأب المبارك البطريق؟ # فقال قيرس متماسكا: نعم البطريق اليعقوبي بنيامين. بنيامين الذي كان السبب في كل ما حدث ~~من الاضطراب والاصطدام، ولولا مخالفته وإصراره على العناد لما وصلنا إلى هذا الذي وصلنا ~~إليه. # ولكن دعنا من الماضي. يجب أن يعود السلام إلى صفوفنا إذا أردنا مقاومة هذا العدو ~~المخيف. # وكان مينا ينظر إلى يديه النحيلتين وهو صامت ويقبض أصابعه وينشرها في شيء من ~~الاضطراب. # واستمر قيرس قائلا: لست أشك أنك تقدر على الوصول إلى بنيامين، أنت من أقرب أصحابه إليه، ~~ولن تجد صعوبة في معرفة مكان اختبائه. ولست أطلب منك إلا أن تحمل إليه نبأ سارا فيه خير ~~له وللجميع. هذا كتاب قيصر إليه بالعفو عن كل ما سلف. فما رأيك في إيصال هذا الكتاب ~~إليه؟ # ومد يده إلى منضدة فأخذ قرطاسا ملفوفا بقطعة من الحرير المذهب ورفعها نحو مينا. # ولكن نظرة مينا الجامدة لم تتغير وبقي ثابتا في مكانه. # فاستمر قيرس قائلا في ابتسامة متكلفة: أنت ما زلت شابا يا مينا بن حنا. سنرد كل أملاكك ~~إليك، وكل الأموال التي صودرت تعود إليك. وأنت تعلم أن قيصر يعرف كيف يكافئ أصدقاءه. ولكن ~~الأهم من كل هذا أننا في ساعة حاسمة تحتاج إلى أن نقف جميعا صفا واحدا. وإذا عاد ~~بنيامين إلينا ووضع يده في أيدينا لم يجد هذا العدو ثغرة يطعننا منها ويقضي على استقلالنا. ~~أظنك لن تتردد في الذهاب إلى بنيامين ms038 ... # فانتفض مينا قائلا: أهكذا تتحدث عن الأب المقدس؟ أهكذا تعيد علي اسمه قائلا ~~«بنيامين»؟ ألا فاعلم أنه هو الأب المقدس بطريق القبط يا قيرس. # فاستمر قيرس قائلا في جمود: هذا خلاف لفظي بسيط يا مينا بن حنا. هو إذا شئت الأب المقدس ~~البطريق. وأحب أن أضيف إلى ما قلت لك إنك إذا نجحت في مسعاك وعدت إلينا مع البطريق فستجد ~~السعادة في انتظارك. ستجد هنا زوجتك وأمك يفتحان لك أذرعتهما. # فصاح مينا في فزع: أمي وزوجتي؟! # فقال قيرس في صرامة: نعم، هما تقيمان هنا في انتظارك. ستبقيان هنا في حفظي وصوني حتى تعود ~~إلينا. # فأطرق مينا واضعا رأسه بين كفيه واضطرب اضطرابا ظاهرا، ثم رفع رأسه قائلا: أأستطيع أن ~~أراهما؟ # فقال قيرس مرتاحا: تراهما الساعة حتى تطمئن على أنهما بخير. # وصفق بيديه يدعو حاجبه، ثم قال: قد أعددت لهما حجرة فسيحة فيها كل ما تحتاجان إليه من ~~الراحة والخدمة، فلا تقلق من أجلهما. # فهب مينا واقفا وقال: لقد غيرت رأيي، وخير لي أن أراهما بعد عودتي. خير لي أن أذهب ~~بغير أن أراهما. # وكان صوته متهدجا وعيناه الغائرتان تلمعان ببريق شديد. # فقال قيرس مبتهجا: هذا خير لك ولهما، وهو أدعى أن تعود إلينا سريعا. # فأجاب مينا في صوت عميق قوي: سأعود بأسرع ما أستطيع. # ودخل الليل وكان الظلام دامسا، ونزل مينا بن حنا من الحصن في صحبة القائد جورج، ففتح ~~لهما الحراس الأبواب المؤدية إلى المقابر فوق الخنادق المحيطة بالحصن، ثم أعادوا إغلاقها ~~وراءهما، وما زالا سائرين حتى صارا تجاه الجزيرة المستطيلة، فنادى القائد قائلا: ~~تيودور! # فخرج من ظل الشاطئ رجل يسعى حتى وقف تجاه القائد وحياه، وأخذه جورج من ذراعه وانتحى به ~~جانبا وأخذ يهمس له حديثا طويلا، ثم أشار إلى مينا أن يتبعه إلى النهر. وبعد دقائق كان ~~قارب سريع يشق الماء في الظلام الساكن متجها إلى الشمال نحو ميناء النهر في العاصمة ~~الكبرى، يحمل مينا بن حنا. # ومضى شهر بعد شهر وأخذ ماء النيل في الهبوط، حتى ms039 كاد الخندق المحيط بالحصن يجف. وكان قيرس ~~يزداد في كل يوم يأسا ويزداد صدره في كل ليلة ضيقا؛ لأنه خاب في كل ما دبره واحتال فيه، ~~خاب في محاولته مفاوضة العرب على مال يأخذونه منه ويعودون أدراجهم إلى الصحراء، وأرسل إليه ~~قائدهم عمرو إجابة جافة طعنت كبرياءه في الصميم. ولم يفلح في إثارة أهل مصر معه إلى الحرب. ~~ولم يفز بمساعدة قيصر عندما طلب إليه إرسال الأمداد. وكانت مخاوفه تشتد كل يوم، إذ كانت ~~الأنباء تتوارد إليه بأن أتباع بنيامين لا يزالون يعادونه ويقاطعونه. ولم يصل إليه نبأ من ~~مينا بن حنا. # وكانت آخر الأنباء أن العرب أرسلوا كتيبة منهم إلى الريف، ففتحت منوف وأثريب وأوشكت أن ~~تهزم «تيودور» في سمنود. # وكان قيرس جالسا في شرفة من شرفات سور الحصن في ليلة من ليالي القمر الباهرة في الخريف، ~~وكان خياله يسبح في الأماني حينا، وفي المخاوف حينا، ناظرا إلى السماء الصافية، وإلى ~~الأفق البعيد، ولا تزال بقية من مياه النيل تغمره من أقصاه وأدناه. وتذكر مينا بن حنا الذي ~~تركه منذ ثلاثة أشهر، ولم يبعث إليه كلمة، فثقل قلبه على صدره من الشعور بالخيبة ومن الحنق، ~~وأحس إحساسا عميقا بالخطأ الذي وقع فيه عندما آمن لهذا العدو القبطي وأخرجه من السجن ~~راجيا أن يساعده على إعادة الوئام بين المصريين والروم في تلك الساعة العصيبة. # وفيما كان قيرس يسبح في همومه، ارتفعت صيحة من جانب النيل، ثم تلاها صوت اصطدام، وارتفع ~~من أسفل الحصن صليل السلاح، ولمعت أنوار وهاجة سمع لها عجيج وزفير. فقام ينظر في جوانب ~~النهر، ولكن التواء المجرى كان يحجب عنه ما وراء الثنية، فلم ير إلا وميض النار كأنه برق ~~سحابة عند الأفق. فبعث إلى جورج قائد الحصن يستدعيه ليعرف منه مبعث تلك الصيحة، وجعل يذرع ~~أسوار الحصن مضطربا لا يدري من ذا الذي يلقي النار الإغريقية على سفن الحراسة وأبواب ~~الحصن، فإن تلك النار سر لم يتعلمه بعد أهل الصحاري. # ومضت ساعة طويلة قبل أن يجيء ms040 إليه جورج، يهمرج في مشيته، والسلاح يقعقع فوق جسمه الضخم. ~~فبادره المقوقس سائلا في لهفة: من هؤلاء الذين يقذفون علينا اللهيب؟ هل عرف العرب سر ~~القذائف الإغريقية؟ # فأجاب القائد لاعنا: ليسوا سوى هؤلاء القبط الذين يظهرون في هذه الأيام ما في قلوبهم من ~~الغل، هي سفنهم التي اعتادت في الليالي الأخيرة أن تهوي إلى الحصن في مثل هذه الساعة لتعترض ~~السفن الآتية إلينا بالمئونة. # فقال قيرس في غيظ: وأين جنودي؟ أما تستطيع يا جورج أن تطحن هؤلاء؟ حتى هؤلاء القبط لا ~~تقدر عليهم؟ # فقال جورج في غيظ: لقد كدت أقبض عليه بيدي، ولكنه فر قبل أن أدركه. الشيطان والنار ~~والجحيم! لقد فر قبل أن أدركه. # فقال قيرس في لهفة: من هو؟ # فقال القائد في حقد: مينا بن حنا! اللعين مينا! # فصاح قيرس: مينا! # ثم غص بريقه فلم يستطع أن يواصل صيحته. # واستمر جورج في لعنه وصخبه ... # وصاح قيرس من بين أسنانه هو الآخر: اللعنة! اللعنة! هاتوا أمه وأخته! العذاب لهما! # ثم مضى وهو يلهث مما في صدره من الضيق. # | آكل المرار وهند # «العاطفة الثائرة لا تعرف الاعتدال في حبها كما لا تعرفه في قسوتها.» # لم يكن حجر بن عمرو بالرجل الذي يعرف التردد. كان وجهه ينم عن أنه كان بين الرجال مثل نمر ~~الغابة، قاسيا صلبا، يعرف الغرض الذي يرمي إليه ثم يسير نحوه في سرعة وخفة واحتراس، حتى ~~إذا أتت اللحظة الحاسمة وثب على فريسته فصرعها ثم أخذ يقضم لحم أكتافها في شره. وكان الناظر ~~إليه يحسب أنه يتحفز دائما للوثوب، فقد كانت شفتاه تنفرجان عن ثناياه مثل وحش يكشر عن ~~أنيابه، وكانت عبسته الجاهمة لا تفارق جبينه، وتخط فيما بين حاجبيه أخدودا عميقا ~~مظلما. # وكان الشتاء قد أوشك أن يمضي، وتنفست في الغدوات نسمات الربيع، واستقر عزم حجر على أن ~~يسير إلى الغزو مع أتباعه من شيوخ القبائل الذين اجتمعوا له من نجد وأطراف اليمامة. كان كل ~~شيخ يظل تحت علمه قبيلته وحلفاؤها، ثم يسيرون جميعا وراء حجر ms041 بن عمرو حيث سار، واثقين من ~~أنهم سيفوزون معه بالنصر دائما. ولم يكن هؤلاء الشيوخ سوى صور مكررة من حجر، وإن كانوا قد ~~أذعنوا له واتخذوه زعيما. كانوا جميعا من المغامرين الذين لا يعرفون التردد ولا يخشون ~~الموت. وكانت عادة حجر إذا عزم على غزوة بيت أمرها مع أصحابه، فأعدوا لها الرواحل ~~والخيول في حذر وكتمان، حتى إذا تم لهم ما أرادوا لم يطيقوا صبرا عن السير. فكان حجر يسارع ~~إلى الرحيل بهم في أول الليل أو في وسطه، والظلام ضارب أطنابه في أطراف الفلاة، حتى يأخذوا ~~عدوهم على غرة قبل أن تبلغه الأنباء عن الخطر الزاحف إليه. # ولكن حجرا عندما بيت مع أصحابه غزو البحرين كان على غير ما اعتاد من قبل في غزواته، ~~فإنه بعد أن أعد عدته وأتم تدبير خطته، جعل يتردد ويطاول ويؤجل. وتهامس أصحابه فيما بينهم، ~~فقال بعضهم لبعض إنه قد تغير ودب إلى قلبه الخوف من الحروب. وأفضى بعض أصحاب حجر إليه بما ~~يتهامس به الناس عنه، فغضب وثار وهدد، وهاله أن يتهم بالخوف من الحرب وهو حجر بن عمرو، ~~ودفعه الغضب إلى أن يعزم على السير إلى الغزوة من ساعته. وكان الليل قد تصرم وبدت في الشرق ~~أضواء الفجر، ودبت الحياة في الفضاء الساكن الفسيح عندما بدأ السير. # كانت أنفاس الربيع تهب على منازل كندة من مروج نجد تحمل معها عطور الخزامى والشيح ~~والعرار، وخرج حجر من خيمته ونادى في أصحابه إنهم سائرون من ساعتهم إلى الشرق نحو البحرين. ~~ولكنه كان مع ذلك موزع القلب ثائر الشجن ينازعه قلبه إلى البقاء. وخرج الفرسان سراعا من ~~خيامهم حتى ملئوا رحاب الأودية، ولكنه عاد إلى خيمته ليودع امرأته قبل أن يسير. # لم يعرف حجر الحب إلا منذ تزوج تلك الزوجة الحسناء، ومنذ عرف الحب عرف الحنين والرقة. ومن ~~أجل ذلك الحب كان يطاول أصحابه ويؤجل يوم الغزوة الأخيرة يوما بعد يوم. # وكانت هند الجميلة واقفة عند باب الخباء مثل الأقحوانة الرطبة التي تفتحت في الصباح، ms042 ~~وخيل إليه أن الهواء قد امتلأ منها عطرا ونورا. # وألقت بنفسها بين ذراعيه وهي باكية، وأخذت تمزج اللوم بالدعاء وتستعجل عودة اللقاء قبل أن ~~يكون الفراق. وكان صوتها يقع في أعماق قلبه غناء مشجيا، ونظرات عينيها تنفذ إلى نفسه ~~سحرا يكاد يقعده عن الغزوة مرة أخرى. ونزع يديها من حول عنقه في رفق، ووثب على فرسه ~~مستجمعا عزيمته، بعد أن ضمها ضمة أودعها حبه الغامر الشديد، وقال وهو يثب إلى ظهر جواده: ~~أخلف عندك قلبي، فاحفظيه يا هند حتى أعود. # ثم اندفع يعدو نحو أصحابه في عنف، كأنه يريد أن يبعد عن نفسه التردد الذي كاد يلوي عنان ~~فرسه نحو الخباء الحبيب. # ولما سار الجيش وراء حجر كانت الشمس ترسل أول أشعتها من وراء الأفق طالعة على الفضاء ~~الرحب الذي يسيل بأعناق المطي. فالتفت حجر وراءه إلى أقصى الأفق، ليتزود بنظرة من معاهد ~~الحب قبل أن يغيب عنها، واهتز واضطرب وعاودته شجونه، وثار به وجده، وود لو كانت هند تسير ~~معه فيأمن عليها العوادي، وتكون في كنفه يدفع عنها بنفسه ويقيها بحياته. # ما زال حجر يحدث نفسه عن هند وفراقها حتى كادت تجثم على نفسه الوساوس، لولا أنه أزاحها ~~واثقا من أنه لن يقضي في غزوته إلا أياما ثم يعود إليها فيجدها تنتظره وتفتح له ذراعيها ~~تهنئه بالانتصار. # وسار في طليعة الجيش، وأقبل على أصحابه يسمع منهم ويحدثهم، وينظر في الأمور يوردها ~~ويصدرها بما تعود الجميع من حزمه وصرامته. وصارت صورة هند إذا عاودته بعد ذلك زادت عزيمته ~~مضاء وقوة. وما زال حتى انتهى به السير الطويل إلى البحرين، وبات ليلته قبل الزحف الأخير ~~يدبر الأمر مع أصحابه ليهبطوا على عدوهم من كل جوانبه، فلا تطلع الشمس حتى يكون شط البحر ~~جميعا موطئا لخيلهم، وحتى تكون خزائن اللؤلؤ كلها غنائم طيبة ... يختار منها ما شاء من ~~الفرائد هدية لهند الحبيبة. # وفيما كان الأمراء يعبئون الجيش ويقسمون كتائبه ويشدون ألويتهم في أطراف الرماح، طلع ~~عليهم راكب من الظلام وقد شق قميصه ms043 وهو يصيح: أدركوا منازلكم فقد أحاط بها العدو! # ثم أخذ يحدثهم عن العدو الذي تسلل إلى الديار في غيبتهم فسلب الأموال وسفك الدماء. ثم ~~قص عليهم أسر هند. لقد كان أول هم العدو أن يحيط بخباء هند فجعلها أثمن غنائمه، وأردفها ~~وراءه على فرسه البيضاء، ونجا بها قبل أن يدركه أحد من آل حجر أو أتباعه المخلصين. ولم يصبر ~~حجر ليسأل طويلا عن حديث الغزوة، فقد كان أول همه أن يبادر إلى العدو ليستخلص منه زوجته ~~وحبيبته الحسناء. # وطلعت الشمس على جيش حجر وهو يحث مطاياه عائدا بجيشه نحو الغرب يطلب منازله في نجد، لعله ~~يدرك عدوه قبل أن ينجو بما غنمه منها. وكان حجر صامتا ينفث في أنفاسه سما، ويهوي على ~~دابته بالسوط وهي تنهب الأرض، ولا يزال يستبطئها ويعنف في القسوة عليها. وبعد أيام بلغ هضاب ~~نجد وطالعته رياحها العاطرة، ورأى رمالها صفراء ناعمة لا أثر عليها ينم عن الغارة التي شنها ~~عليه عدوه الحانق. ولكن امرأته لم تكن هناك. وكان أول همه أن يرسل رجلين في آثار العدو ~~يتحسسان أخباره، ويريان كيف أصبحت هند معه وكيف صارت إليه حالها. وكان قلبه يذوب كلما تصور ~~ذلك العدو القاسي يسومها الذل والعذاب في أسره. # وقضى أياما في عذاب لا يذوق نوما، وهل ينام من يعلم أن حبيبه يعاني مرارة الأسر ويتجرع ~~غصص الفراق؟ وعاد إليه رسوله سدوس بعد أيام يحمل إليه الأنباء، وأخذ يحدثه في ضوء القمر بين ~~الكثبان العفراء، وسمع حجر سدوسا يتكلم وكان شاخصا ببصره في الفضاء يكاد بريق الغضب في ~~عينيه يلمع في ضوء القمر الوضاء، وأخذ سدوس يصف له كيف تسلل إلى جيش العدو في الليل، وكيف ~~زحف على الرمال حتى صار وراء خيمة هند وسمع حديثها مع العدو الذي اختطفها. وكان كلما أفاض ~~في وصفه تلوى حجر كأن النار تتقد في حشاه، يقبض يده تارة ويبسطها، وينزع حبوته مرة ثم ~~يشدها، حتى قال له سدوس: ثم دنا زياد من هند! # فصاح حجر مقاطعا: مهيم! ms044 ويحك، أتقول إنه دنا منها؟ # واستمر سدوس في حديثه فقال: نعم، دنا منها فاستقبلته مرحبة! # فصاح حجر قائلا: ويلك، أتقول إنها رحبت به؟ # فقال سدوس: ثم أهوى إليها بقبلة. # فهب حجر من مجلسه كأنه قد لسعته أفعى، وقبض في يمناه قبضة من غصن مرار كان في جواره، ~~فقطعه بأسنانه وجعل يلوكه، وقال وهو يهدر غضبا: ويل أمه وويل لك! ماذا تقول يا ~~سدوس؟ # فقال الرجل وقد خشع خوفا: إذا شئت أن أمسك عن الكلام أمسكت. # فقضم حجر قطعة من المرار وجعل يحطمها بأسنانه ويلوكها، ثم قال بصوت مختنق: بل امض في ~~حديثك لا أم لك ... # فقال سدوس في شيء من التردد: وقال لها زياد: «ما ظنك الآن بحجر؟ أتودين لو جاء مسرعا في ~~أثري؟ أتودين العودة إليه؟» # ثم توقف سدوس عن الحديث ونظر نحو الزوج الثائر. # فصاح حجر وهو يلوك المرار ويلفظه: ما لك تقف؟ امض في حديثك لا أم لك. امض لا أب لك! وقل ~~بما أجابت المرأة. # فقال سدوس مطرقا: فارتمت هند بين ذراعيه ... # فلفظ حجر عند ذلك قطعة من المرار كان قد حشا بها فمه، ثم دفع سدوسا في صدره دفعة ترنح ~~لها، وصرخ قائلا: أمسك لسانك فما لي قوة على سماعك. # ثم ولى وهو يزمجر بصوت أجش مخيف: الفاجرة! الخائنة! القطع! الإحراق! # وسار يخبط الأرض برمحه في عنف حتى بلغ خيمته وجعل يعبث في متاعها ويقلب ما في أركانها ~~ليجمع منها سلاحه ودروعه. ثم هدأ فجأة وتمالك جأشه، وخرج حتى كان عند باب الخيمة فوقف ~~شاخصا إلى الفضاء متكئا على رمحه ونادى سدوسا وفي صوته رقة وقال له: أقبل يا سدوس، فقد ~~عنفت عليك. # فأقبل الرجل حتى وقف تجاهه، ونظر نحوه وهو صامت، فقال حجر يحدثه في صوت متهدج: لست تعلم ~~يا سدوس أي طعنة أصبت بها فؤادي بحديثك. إن ضرب السيوف ووخز الرماح لم يزعزعا يوما جناني ~~كما زعزعته كلماتك، وإن كنت لا آلوك شكرا على نصحك. # ثم تخاذل فارتمى على صخرة ووضع رأسه على ms045 قبضة يمينه، وأطرق قائلا: قل يا سدوس ما عندك. ~~امض في حديثك يا سدوس. # فقال سدوس: لم يبق إلا ما قالته هند وهي بين ذراعيه ... # فقال حجر: قل ولا تخف يا سدوس. قل فإن الكي يريح القرحة الداوية. # فاستمر سدوس في صوت خافت: فقالت هند: «لم أبغض شيئا في الحياة مثل بغضي له.» # فصاح حجر في صوت حانق: تبغضني هند كما لم تبغض شيئا في الحياة؟ أقالت هذا وسمعته بأذنيك ~~يا سدوس؟ # فقال سدوس في تردد ورقة: لقد علمت أن الرائد لا يكذب صاحبه. # فتنفس حجر كأنما صدره ينفجر، ثم قال: أهند من بين النساء، أم هن كذلك يا سدوس؟ أتبغضني ~~هند وتفضي إلى عدوي بذلك وهي بين ذراعيه؟ أي شيء في الحياة يحرص عليه الرجل بعد هذا؟ أهذا ~~مبلغ الوفاء عند هند؟ # وسكت لحظة كأنه يستعيد صورا ماضية لكي يقرنها بالصورة التي حملها إليه صاحبه. أهذه هند ~~التي أمتعته بأشهى ما يمتع النساء الرجال؟ أهذه امرأته التي كان يجد السلام في قربها بعد أن ~~تجهده الحروب؟ أهذه هي الحبيبة التي ودعها عند باب الخيمة وهي تبكي؟ أهي التي استودعها قلبه ~~ريثما يعود؟ أي الصورتين تتمثل فيها الحقيقة، وأيهما يتدسس إليها الكذب المسموم؟ أكانت ~~تخادعه وهي تضمه إلى صدرها، أم هي تخدع زيادا وهي بين ذراعيه؟ # واتجه عند ذلك إلى سدوس في شيء من الريبة، وقال يمتحن صدقه: تقول إنك سمعت قولها يا ~~سدوس؟ أسمعتها بأذنيك؟ # فقال سدوس خاشعا: نعم سمعتها، ولم أشأ أن أعود إليك إلا بالخبر اليقين. # فقال حجر وقلبه يغوص في صدره: إذن فامض في قصتك وقل لي سائر الحديث، ولا تحجب عني شيئا ~~من قولها. قل ما سمعت وإن كان كل حرف منه يطعن قلبي. # ومضى سدوس يتحدث كأنما يهمس لنفسه، وكلما بلغ موضعا يظن فيه مثارا للألم المبرح في قلب ~~صاحبه تريث وتردد، ونظر إليه خاشعا كأنه يخشى منه سطوة الغضب والانتقام، ولكن حجرا كان ~~سادرا يلوك المرار ويلفظه، ولا ينطق إلا بزفرات مكتومة كأنها ms046 حشرجة المطعون. ثم قال سدوس: ~~وجعلت تصفك قائلة: «إنه شديد الكلب، تزبد شفتاه كأنه بعير أكل مرارا!» # فلفظ حجر قطعة من المرار كان يلوكها، وقال كأنه ينفث سما: نعم، ما أنا إلا بعير أكل ~~المرار. امض يا سدوس، امض في قصتك وأتم لي حديثها. # فاستأنف سدوس ولا يزال في خشوعه: ثم قالت له: «لقد عرفته أحزم رجل نائما ومستيقظا. إن ~~كان لتنام عيناه وبعض أعضائه مستيقظ. ولقد رأيته ذات ليلة نائما وأنا أنظر إليه، فإذا أفعى ~~تقبل عليه، فلما بلغت رأسه نحاه عنها، فمالت إلى يده فقبضها، فمالت إلى رجله فحركها، فذهبت ~~الأفعى إلى عس لبن كان إلى جانبه فشربت منه، فقلت يستيقظ فيشربه فيموت ...» # فصاح حجر كأن الأفعى قد عضته وقال: أمسك أمسك يا سدوس، هذه آية لا يدخل إليها الريب في ~~صدقك. نعم، إني لأذكر ذلك وأعرفه. لقد صحوت من نومي فرفعت العس لأشرب منه فوجدت فيه ريح ~~الأفعى، وسألتها عنها فأنكرت أن ثمة أفعى. لقد رأتها الشقية تنفث سمها في اللبن وودت لو ~~أني شربته. # ثم اندفع خارجا من الخيمة كأن خبلا أصابه، وصاح في أتباعه يستنفرهم للقتال ... ~~••• # وانتهى القتال إلى غايته، وهزم حجر جيوش زياد، وعاد بعدوه وامرأته الخائنة أسيرين، وكان ~~أول همه أن يرى هندا في الخباء. ~~••• # ودخل عليها فقامت إليه تستقبله، وكأنها لم تر بريق عينيه ولا تقلص شفتيه، وكأنها لم تسمع ~~فحيح أنفاسه الملتهبة ولا دقات قلبه الحانق. ومدت نحوه يديها كأنها تريد أن ترتمي بين ~~ذراعيه، فاقترب منها جاهما فوجمت إذ نظرت إلى وجهه، وشخصت ببصرها إليه، وثارت في نفسها كل ~~صور الماضي البعيد والقريب، ولم تستطع أن تنطق حرفا، وترددت ثم أطرقت وردت طرفها عن وجهه ~~هاربة من نظراته الثائرة. # فصاح بها حجر وفي صوته الأجش المخيف تهدج وتقطع: هلمي إلى ذراعي يا هند. ما لي أراك لا ~~تقبلين على زوجك الحبيب؟ # فرفعت عينيها إلى وجهه المربد تريد أن تقرأ ما عليه، فلم تجد إلا دما وسما ولهيبا، ~~فعادت إلى إطراقها ms047 واضطربت وقالت في ضراعة: هل للأسيرة إلا أن تذكر عارها؟ # فاندفع حجر وقد ملكه الغضب، فمد يده إلى كتفها فهزها هزة عنيفة وقال في صيحة مكتومة: هل ~~للأسيرة أن تفتح ذراعيها لمن يأسرها؟ هل للأسيرة أن تقبل من سباها؟ تكلمي يا ابنة ظالم. ~~تكلمي يا دنس الحرائر ... # فرفعت إليه رأسها مبهوتة وقالت صارخة: كذبت أو صدقت الكاذب. # فترك حجر كتفها وارتد إلى الوراء قليلا، وقهقه ضحكة مخيفة وقال: انظري يا هند إلى ~~شفتي، أليستا كشفتي البعير إذا أكل المرار؟ نعم انظري إليهما، فقد بالغت في أكل المرار، ~~وهاتان شفتاي مقلصتان أيتها الخائنة! # فأجابت هند وهي تستجمع قوة جنانها: ما حديثك هذا الذي تتحدث به؟ أهكذا تستقبلني بعد نصرك؟ ~~لقد كان بودي لو قتلت قبل أن أقع في يدي هذا اللئيم. # فأعاد حجر ضحكته المخيفة وقال: وما الأفعى التي كنت لم تريها؟ لقد شممت ريحها في العس، ~~ولكنك أنكرت رؤيتها. هل علم بهذا الحديث سواك؟ أكاذب من يروي هذه القصة عنك؟ ألم تخبري بها ~~زيادا وأنت بين ذراعيه؟ لقد كان سدوس وراء الخيمة يسمعك إذ تحدثينه ويراك وأنت ~~تداعبينه. # وكان غضبه قد ملكه عند ذلك، فدفعها في صدرها دفعة ترنحت لها وخرت باكية عند قدميه، ~~وقالت بين دموعها: ذل الأسر أذهلني! # فانتفض حجر عند ذلك وخرج مسرعا من الخباء لا يرى شيئا أمام عينيه. ثم نادى عبدين ~~وأمرهما أن يعدا له فرسين من أشد خيله عدوا. # ولما أحكم رباط هند في ذيل الفرسين أهوى عليهما بسوطه حانقا، فوثبا وثبة تطايرت لها ~~الحصباء، وانطلقا يعدوان على الوادي الوعر ومن ورائهما جثة تتخبط فوق الصخور حتى غابا عن ~~عينيه، ووقف عند ذلك شاخصا ببصره إلى الفضاء وقد أمسك بأعلى عمود خيمته ومال برأسه على ~~ذراعه الممدودة، وقال لسدوس يحدثه في صوت متهدج حزين: كانت يا سدوس إذا نظرت إلي كأن ~~الفجر يتنفس في الظلماء، وإذا أقبلت كأن نفحات الصبا تهب في أعقاب القطر، وإذا تنسمت ريحها ~~كأن الربيع يفتح أكمام الخزامى والعرار، وإذا ms048 تحدثت إلي كأن الطير يغني عند الأصيل، وإذا ~~ضممتها إلى صدري ... أف يا سدوس، ابعد عني، فإني أكاد أحترق! # ولوى عند ذلك وجهه، ومسح بيديه دمعة فرت من عينيه، ثم تهالك على جذع نخلة إلى جانبه، وقال ~~يحدث نفسه: # إن من غره النساء بشيء # بعد هند لجاهل مغرور # حلوة العين والحديث ومر # كل شيء أجن منها الضمير # ثم تمالك نفسه بعد لحظة، وقام وقد عاودته ثورته، وقال مقهقها وهو يندفع خارجا إلى ~~الفضاء: # كل أنثى وإن بدا لك منها # آية الحب حبها خيتور # ثم أسرع ووثب على جواد وألهبه سوطا، واتجه نحو الخيمة التي بها أسيره زياد، ليتم انتقامه ~~لقلبه المفجوع. # | العقد المبارك # «الإيمان والحب هما شطرا الإنسانية.» # ودخل عمرو بن هشام متجهما على أبي العاصي وهو في فناء داره بعد أن أذن له، وكان من ورائه ~~جمع لا يقل عنه تجهما وتحديا، واستقبلهم أبو العاصي قائما ينظر في وجوههم ثابتا ومد ~~إليهم يده مصافحا وهو صامت. # وقال عمرو بن هشام: أظنك تعرف ما جئنا له يا أبا علي. # فقال أبو العاصي: هلا جلستم أولا! # فقال عمرو في جفاء: لم نجئ لنجلس يا أبا علي، فقد تطاول الحديث بيننا بغير طائل. لم نجئ ~~إلا لنسمع منك الكلمة الأخيرة. # فقال أبو العاصي: يعز علي أن أجيبك بما في نفسي وأنت في بيتي يا أبا حنظلة. فهل جئتم ~~إلي منذرين إذن؟ # فتدخل الوليد بن عتبة قائلا: نعم، جئنا إليك منذرين يا ابن الربيع. فأنت تخرج على قومك ~~وتخذلهم، ولا ترضى أن تستمع إليهم. نعم، جئنا إليك مع صديقك هذا الذي يردنا ويدافع عنك ~~في كل موطن وأنت تأبى إلا أن تكون مع عدونا. # فقال أبو العاصي هادئا: إذن فأنت تعرف رأيي يا ابن عتبة ولا حاجة بي إلى إعادته. وإذا ~~كان ولا بد من الحديث ونحن وقوف هكذا فإني أعيد عليكم كلمتي الأولى: لن أسمح لأحد أن يتدخل ~~في خاصة أمري، ولن يستطيع أحد أن يفرق بيني وبين أهلي. # فصاح الوليد بن ms049 عتبة: أما قلت لكم إنه عدو يقيم بيننا؟ ها هو ذا يقول كلمته الأخيرة ~~ولا حاجة بنا إلى البقاء هنا. # فقال عمرو حانقا: فأنت يا أبا علي تردنا ردا أخيرا. أنت تريد الإبقاء على ابنة ~~محمد معك وأنت تعلم أنني بدأت ففرقت بين ولدي وبين ابنتي محمد رقية وأم كلثوم. ماذا ~~تنتظر يا أبا علي حتى تجتمع مع قومك على رأي واحد؟ ألست تاجرا تخشى على تجارتك؟ ألست من ~~سادة قريش فتخشى أن يتخلى عنك قومك؟ أتحرص على امرأة وتخاطر بجميع أهلك وعشيرتك؟ # فقال أبو العاصي هادئا: وماذا لكم أنتم في امرأتي؟ أينبغي لأحد أن يقول لك اذهب إلى ~~امرأتك فطلقها؟ # فصاح رجل من الجمع قائلا: أبهذا تجيب سيد قريش يا ابن الربيع؟ # فنظر إليه أبو العاصي هادئا وقال: ومن أنت في قريش يا أسود؟! # فصاح الأسود المخزومي في شراسة: وحق مناة ما جئت إلى هنا إلا لأرغم أنفك. # فقال أبو العاصي غاضبا: والله ما أصبر عليك إلا لأنك في بيتي. # واتجه إلى عمرو بن هشام قائلا: ألمثل هذا جئتم اليوم إلي في داري؟ ألا فاعلم يا أبا الحكم أن أنفي لا يرغم وأن شوكتي لا تلين. ولو شئت أن أخرج إلى المدينة لألحق بمحمد ~~لفعلت ولم يجرؤ أحد على أن يتعرض لي. ولكني أقيم هاهنا في مكة حتى لا أفارق قومي ولا ~~أخذلهم. فإذا أبى قومي إلا أن يذلوني فإني أقدر على الانتصاف لنفسي. # فقال عمرو بن هشام في شيء من السخرية: كل هذا من أجل امرأة؟ # فصاح أبو العاصي ثائرا: لن أسمح لك أن تعيدها يا ابن هشام. أنت تعرف من هذه المرأة التي ~~تتحدث عنها؟ فهي إذا لم تكن ابنة محمد فإنها ابنة خالتي. إذا لم تكن زينب امرأتي وقفت دونها ~~أحميها لأنها من دمي ومن عرضي. لن أطلق امرأتي، ولقريش أن تفعل ما تشاء إذا شاءت عداوتي. ~~أترون قولي هذا واضحا صريحا! # فتصاعدت من الجميع أصوات حانقة واضطربوا في غيظ، وصاح الوليد بن عتبة : ها هو ms050 ذا ~~يتحداكم. # وصاح الأسود بن عبد الأسد المخزومي: إنه مع محمد. # وقال عمرو بن هشام: ستعرف يا ابن الربيع أنك قد أسأت إلى نفسك، ولن ينفعك محمد إذا نبذتك ~~قريش وخلعت عنك حمايتها. لقد أعذر من أنذر. # وخرج بغير أن ينظر إلى أبي العاصي، وسار أصحابه من ورائه يتصايحون غضبا. # ولما انصرف الجمع خرجت زينب من حجرتها وكانت قريبة تسمع أحاديث القوم، فجاءت إلى زوجها ~~حزينة وألقت برأسها على كتفه تبكي بكاء مرا. وأخذها أبو العاصي في رفق وأجلسها على ~~أريكة في فناء الدار وجلس إلى جنبها وقال لها: لا تحزنك هذه الأحاديث يا زينب، فلن يجرؤ أحد ~~منهم بعد هذا على معاودتها. سأجيبهم إذا عادوا لمثل هذا الحديث جوابا شافيا. # فقالت وهي تجفف دموعها: هذا ما أخشاه يا ابن خالة. أخشى هذه المصادمات التي لا تنقطع بينك ~~وبين هؤلاء، ولا آمن أن تثور يوما فيخرج الأمر من أيدينا. # فقال في دهشة: وكيف يخرج الأمر من أيدينا؟ # فقالت مترددة: ألست تراهم في هذه الأيام متحفزين في كل لحظة؟ ألست ترى الآباء يسجنون ~~أبناءهم ويعذبونهم إذا داخلهم الشك في أنهم يميلون إلى أبي؟ فكيف آمن أن يجتمعوا عليك وأنت ~~تواجه قومك جميعا حتى لم يبق لك فيهم أحد يأخذ بناصرك؟ # فقال هادئا: أتحسبين أنهم يقدرون على تعذيبي أو سجني؟ هيهات يا زينب، فإنهم يعرفون كيف ~~أقدر على الوقوف في وجوههم جميعا. ولست في مكة وحيدا، فإن إخوتي وأبناء عمومتي من بني عبد ~~شمس لا يتخلون عني أبدا. # فقالت: أما نذهب إلى يثرب لنكون في مأمن هناك مع أبي؟ ماذا نريد من البقاء هنا بين هؤلاء ~~الذين يصبحونك ويماسونك بما لا تحب ولا يدعون لك سلاما. بحق أطفالنا يا أبا العاصي، لا تبق ~~هنا وانج بنفسك وأهلك وأبنائك إلى يثرب. ألست تحب أبي وتواجه قومك قائلا لهم إنه أكرم من ~~رأيت؟ ما لك لا تذهب إليه وتكون من أصحابه وتترك هؤلاء الذين لا يشبهونك ولا تشبههم. دعني ~~أناديك باسمك الذي كنت أناديك ms051 به ونحن أطفال فأقول لك: هلم بنا يا ياسر فلنخرج إلى المدينة، ~~إلى يثرب، كما خرج الذين رفضوا ظلم قريش وكبرياء قريش وجهالة قريش. # وكان أبو العاصي مطرقا يستمع إليها وعلى وجهه ما يشبه الحزن والتردد، ثم رفع رأسه بطيئا ~~وقال لها: صدقت يا زينب فيما تقولين، وما أحب إلي أن أسمع صوتك وأنت تقولين لي يا ياسر ~~كما كنت تنادينني ونحن صبية. إنني أذكر خالتي الحبيبة أمك التي كانت تحبني مثل ولدها، ولا ~~أستطيع أن أنسى عطفها ونبلها، وما زال صوتها العذب يرن في أذني كأنني أسمعه في نبرات ~~صوتك. # ومد يديه إلى يدها فأخذها بين كفيه وقال وهو ينظر في عينيها: وما أزال أذكر يوم ذهبت إلى ~~أبيك أسأله أن يقبلني زوجا لك، وكان أسعد يوم في حياتي. ولو طاوعت نفسي لما فارقته لحظة، ~~بل لكنت أول من يخرج معه. # فقالت زينب: وماذا يحول بينك وبين ذلك يا ياسر؟ أيسرك أن تبقى هاهنا لتسمع هؤلاء كل يوم ~~يقولون لك: «طلقها!» # وأطرقت حزينة. فضغط على يدها بكفيه قائلا: لن يفرق شيء بيننا يا زينب ما دمت حيا، وهذا ~~أول عهد قطعته لخالتي. ألا تذكرين يوم جاءت بهذا العقد الذي أراه حول عنقك؟ كانت ساعة لا ~~أنساها وأنت واقفة بيني وبين أبيك مطرقة من الخجل، فجاءت السيدة النبيلة أمك ووضعت هذا ~~العقد حول عنقك قائلة: «هذا تذكار مني.» ثم نظرت إلي قائلة: «هذا تذكار مني يربط ~~بينكما.» ألا تذكرين ما قلته لها عند ذلك؟ # فقالت زينب بصوت متهدج: أماه! # فقال أبو العاصي: «لن يفرق شيء بيننا يا زينب ما دمت حيا.» هذا ما قطعته على نفسي أمام ~~خالتي. # فقالت زينب: إذن فماذا يمسكنا هنا؟ # فقال: أنت تعرفين أني شاركت في تجارة أبي سفيان بكل أموالي، ولو خرجنا الآن إلى يثرب ~~لذهبنا إليها بيد فارغة وفرحت قريش بالأموال ولم يهمها خروجنا. وماذا نصنع بولدينا هذين: ~~علي وأمامة؟ وماذا نصنع بالجنين الذي سنسعد بوفادته إلينا بعد قليل؟ لا تقلقي يا زينب حتى ms052 ~~يعود أبو سفيان وعند ذلك سنهاجر إلى يثرب كما تشائين. لن يطول غياب أبي سفيان، فموعد عودته ~~بعد أيام. # وما كاد أبو العاصي يتم حديثه حتى قرع سمعه صوت يصيح من بعيد صيحة فزع عالية، فقام مسرعا ~~وقالت له زينب: ما لك أنت بهذه المعارك التي تثور كل يوم يا أبا العاصي؟ # فقال وهو يجمع عليه ثوبه: ليس هذا صوت معركة. إنه صريخ ينادي بكارثة. # وأسرع خارجا، ووقفت زينب ترهف سمعها إلى الصوت فإذا هو يعيد نداءه في فزع: «الغوث! ~~الغوث! أدركوا تجارتكم يا معشر قريش!» # وتهالكت زينب على الأريكة خائرة القوى، لا خوفا على أموال زوجها بل خوفا على الأمنية ~~التي كانت تتمناها. فلن يقعد أهل مكة عن الخروج لمساعدة أبي سفيان، ولن يستطيع أبو العاصي ~~أن يتخلف عن الخروج. # وبعد ساعة قصيرة عاد أبو العاصي إلى بيته ليستعد للسير من ليلته مع شباب مكة وكهولها ~~وشيوخها، فقد تعاهدوا جميعا على الذهاب لنجدة أبي سفيان وتخليص أموالهم من العدو الذي ~~يحاول أخذها. # وسألت زينب في فزع: ومن يكون ذلك العدو يا أبا العاصي؟ # فقال في تردد: أبوك يا زينب. # وصمتت زينب فلم تجبه بكلمة، وصمت أبو العاصي فلم يقل كلمة، وأخذ يستعد بسلاحه ودرعه حتى ~~يخرج مع أهل مكة بعد ساعة. # وبقيت زينب وحدها نهبا للقلق والألم لا تدري ماذا يطلع به الغد ولا ماذا تستطيع أن تفعل، ~~فقامت لتتوضأ ثم أخذت تصلي وتدعو الله في حرارة أن ينجي زوجها وأن يحفظ أباها. # ومرت عليها الأيام بطيئة أليمة وهي لا تدري ماذا دبرت لها المقادير في نجاة زوجها وسلامة ~~أبيها. ستكون المصادمة بين المسلمين وبين أهل مكة، وهي مصابة في كل حال إذا أصيب جانب ~~منهما. وكانت في كل ليلة تقضي ساعة طويلة في الصلاة تدعو الله أن يحفظ لها زوجها وهي لا ~~تدري ماذا يكون مصيرها في تلك المعركة التي نشبت على حين فجأة. # ثم بدأت الأنباء تتوارد على مكة بأن المسلمين انتصروا نصرا عظيما، وأن أبطال قريش ms053 هلكوا ~~في المعركة. واضطربت المدينة بمن بقي من أهلها شيوخا وصبية ونساء، فكانوا كل يوم يخرجون ~~إلى الأودية المحيطة بمكة يتلقفون الأخبار لعلها تحمل إليهم ما يذهب عنهم بعض الخوف الذي ~~خيم عليهم، ولكن الأنباء لا تزيدهم إلا خوفا وجزعا. # وسمعت زينب طرقا عنيفا على بابها في ليلة مظلمة، وكانت السماء غاضبة ترسل أمطارها ~~غزيرة والسحب السوداء تغطي وجه السماء، والرعد يقصف بين البروق التي تشق كبد السماء ~~القاتمة. وقامت زينب متوجسة فسألت: من الطارق؟ # فأجابها من الخارج صوت أجش: أنا عمرو بن الربيع. # فصاحت في فزع مكتوم: عمرو! # وفتحت الباب فإذا عمرو أخو زوجها يقف أمامها ثابتا ووجهه ينطق حنقا وحزنا. وكانت قوسه ~~معلقة فوق كتفه وسيفه معلقا في حمائله بعنقه، وفرسه يحمحم مضطربا من ورائه. # فقالت زينب: ماذا حدث لياسر؟ # فقال عمرو: تركته أسيرا عند محمد. # فصاحت في صوت مضطرب: معافى؟ # ثم استندت إلى الباب خوفا أن تسقط على الأرض من الدوار الذي ألم بها. # فقال عمرو: سأعود إليك في الصباح بعد أن أضمد جراحي. # وسار يجر فرسه وهو يعرج حتى بعد قليلا عن الباب، ثم تحامل فركب وغاب عنها في الظلام ~~تحت المطر المنهمر. # وقضت زينب ليلة ساهرة بين الصلاة شكرا لله على نجاة زوجها وبين الحيرة في أمر أسره. ~~فماذا تستطيع أن تفعل حتى تفك أسره؟ وماذا يقول أبوها إذا هي أرسلت إليه تسأله أن يمن ~~عليه بالحرية؟ بماذا تستطيع أن تعتذر عنه لأبيها وقد ذهب إليه مع الأعداء ليحاربه؟ وهل ~~حقا رضي أبو العاصي أن يجرد سيفه لحرب أبيها وهو يقول إنه أكرم من عرف؟ وأخذت تسائل ~~نفسها كيف تستطيع أن تفتدي زوجها وهي لا تملك من الأموال شيئا. فالتجارة مع أبي سفيان، وهي ~~لا تدري هل وقعت في أيدي المسلمين غنيمة أم استطاع ذلك الداهية أن ينجو بها. وما زالت تعيد ~~في ذهنها مئات من الأسئلة التي لم تستطع أن تهدأ عنها مع كل الصلوات التي كانت تحاول أن ~~تهدئ بها مخاوفها . # وطلع الصباح ms054 آخر الأمر، وهدأت ثورة السماء، وصفا الجو، ولمعت الشمس في الأفق، وكانت طرق ~~مكة زاخرة بالجموع المتزاحمة التي لا حديث لها إلا عن الهزيمة الشنيعة التي أصابت القوم. ~~وكان المنهزمون يعودون أفرادا وفي جماعات صغيرة ويسرعون إلى بيوتهم ليداروا وجوههم عن ~~الأبصار وليضمدوا الجراح التي أصابتهم في المعركة الدامية. وبدأت الأصوات تتعالى من أركان ~~المدينة بالنواح على القتلى من أبطال قريش وسادتها. وجاء عمرو بن الربيع يطرق باب زينب زوجة ~~أخيه، وكانت زينب تنتظر قدومه في قلق، فما رأته حتى بادرته قائلة: كيف السبيل إلى خلاص أبي ~~العاصي؟ # فنظر إليها عمرو صامتا ولم يحر جوابا. # فقالت زينب: متى تعود القافلة بالتجارة؟ # فقال عمرو وقد فطن إلى قصدها: وماذا تفيدنا القافلة أو التجارة؟ لقد وهبها أهل المدينة ~~للاستعداد لمعركة جديدة. قد تعاهد الجميع على أن ينزلوا عن أموالهم في تلك التجارة ليستعدوا ~~للانتقام من محمد وأصحابه. # فوجمت زينب وخاب أملها في تخليص صاحبها، وبقيت لحظة صامتة، ثم رفعت يدها تلمس جانب صدرها، ~~تلمس العقد الثمين الذي وهبته لها أمها. # ووقفت تفكر حينا وتسأل نفسها: ماذا تستطيع في تخليص زوجها؟ أيليق بها أن تتخلى عن عقدها ~~الثمين ليكون فداء له؟ لقد أهدته الأم النبيلة إليها ليكون رباطا بينها وبين زوجها، وها ~~هي ذي تحتاج إلى فداء ليعيد إليها زوجها. أليست هذه مكرمة من مكرمات الأم بعد موتها؟ ونظرت ~~إلى عمرو بن الربيع فقالت له: كم يساوي هذا العقد يا عمرو؟ # فقال في دهشة: وماذا تقصدين بسؤالك هذا؟ # فقالت: أقصد أن أبيعه لأفتدي به زوجي. # فقال عمرو وهو ينظر إليها في دهشة وإجلال: أتريدين بيعه؟ # فقالت: إذا كان يستحق ثمنا. # فقال عمرو: إنه لؤلؤ نفيس، لا أظن أحدا في المدينة يعرف له ثمنا. ومن ذا يشتري هذا ~~العقد في مثل هذا اليوم؟ # فقالت زينب: أما تسومه يا عمرو؟ # ثم خلعته ونظرت إليه في حنين وهي تمد به يدها إلى عمرو. # فقال عمرو: ولم نبيعه يا أم علي، ألا أذهب به إلى أبيك لأقدمه ms055 إليه فداء؟ # ففتحت عينيها مدهوشة وخطر لها خاطر سريع، فإن أباها سيعرف العقد إذا رآه. # وهناك في يثرب ذهب عمرو بن الربيع يطلب فداء أخيه، وبقيت زينب في دارها تنتظر عودة عمرو ~~في قلق، وزادها حزنا وخوفا أنها تحققت من عزم قريش على جعل ثمن التجارة التي أفلتت من ~~المسلمين وقفا على الإعداد للحرب المقبلة. وماذا يجديها أن يعود ياسر زوجها ليستعد مع قومه ~~مرة أخرى للمعركة الجديدة؟ # وكانت مكة كلها في حداد لا يكاد يخلو بيت من بيوتها من النواح على فقيد أو أسير، كل أسرة ~~مشغولة بما أصابها، والمدينة كلها تتقد من الغيظ وتتحرق للانتقام. فألح على زينب القلق ~~ولم تجد إلى جنبها من يدخل عليها شيئا من الأنس، وقضت أياما طويلة في عزلة مظلمة، ~~ولكنها كانت تجد العزاء والصبر كلما فرغت من الصلاة وتمثلت زوجها عائدا إليها، وكلما تمثلت ~~أباها في المدينة آمنا منتصرا. وبدأت تتجلى لها الحقيقة، أن الله قد استجاب لها فأنقذ لها ~~زوجها وحفظ أباها، وأن الدين الذي آمنت به قد انتصر نصرا عزيزا. # وكانت مفاجأة سعيدة أن يدخل عليها ذات صباح زوجها ومعه أخوه عمرو يعيدان إليها العقد الذي ~~بعثت به للفداء، وأخذا يصفان لها كيف تحرك أبوها رقة عندما رآه، فسأل أصحابه أن يطلقوا لها ~~أسيرها ويعيدوا إليها عقدها. وأخذت زينب العقد بين كفيها وجعلت تقلبه صامتة وهي مطرقة، ~~وأخذت تتأمل حباته اللامعة وتمر بأناملها عليها، ثم رفعته إلى أنفها فتشممته في شغف وهي ~~تحاول أن تقاوم الشعور الذي أفعم صدرها. ولم تستطع أن تقاوم طويلا، فوضعت وجهها بين يديها ~~والعقد ما يزال فيهما وأجهشت بالبكاء. # | الغمرات ثم ينجلينا # «الفتوة والنبل يجتمعان كي تنشأ أمة مجيدة.» # كان لونه الأسمر الذي لوحته الشمس ينم عن أنه من أبناء الصحراء، ولكن ملابسه كانت توهم ~~من يراه أنه أحد أبناء الشاطئ الذي يسير فوقه، شاطئ فينيقية الذي أنجب جبابرة المحيط منذ ~~آلاف السنين. كان سرواله الطويل ينتهي من أعلاه إلى منطقة جلدية عريضة تدور حول ms056 وسطه ويتدلى ~~منها سيفه المقوس، وكانت هامته الضخمة وقامته العالية وصدره العريض تنادي بأنه محارب تخشى ~~سطوته، وكانت نظراته الخاطفة تلمع مثل شعاع البرق إذا تلفت حوله كالصقر الحذر، وهو يسير ~~الهوينى على الشاطئ ينقل طرفه في الأفق كأنه يريد أن يستشف ما وراءه من الآفاق المجهولة. ~~وسار فرسه الأبيض من ورائه بغير زمام كأنه كلب أليف أو تابع أمين، يتابع خطواته عن قرب حتى ~~يكون على مقربة منه، رافعا أذنيه متنبها إلى كل حركة من حوله. وهب الهواء من جانب البحر ~~رفيقا لا تكاد نسماته تجعد سطح الماء الأزرق الصافي الذي تنفذ العين في رفارفه إلى القيعان ~~الرملية المتلألئة تحت ضوء الشمس في ساعة الأصيل. كان المنظر يغمر الفتى بالهدوء ويبعث في ~~نفسه شجنا رفيقا يساير ما في فؤاده من الآمال المبهمة؛ إذ كان على وشك أن يركب هذا البحر ~~في سرية من الشجعان ليحملوا لأول مرة لواء العرب إلى أرض الروم البعيدة. # كان عبد الله بن قيس الحارثي يتطلع إلى البراح الأزرق الذي أمامه ويفكر في الرحلة المقبلة ~~التي عزم على القيام بها بعد قليل مع أصحابه الشبان الذين تعودوا أن يقوموا بالمغامرات ~~الجريئة تحت قيادته، وإن كانوا لم يركبوا البحر من قبل في مثل تلك الرحلة. وأخذ يصور لنفسه ~~ما هو مقبل عليه في مغامرته؛ إذ يضرب في آفاق تلك اللجة الواسعة مع رفاقه يطلبون المجد ~~ويرتادون المجهول أو يلتمسون الشهادة. وكلما تمثلت له ضخامة المغامرة بأصحابه زاد شغفه ~~بالمبادرة بها حتى لا يتخلف عن الآخرين الذين سبقوا إلى ميادين المجد والمغامرة والشهادة، ~~وفتحوا سهول العراق وهضاب فارس وأودية الشام وأرياف مصر. # سار عبد الله ساعة غروب الشمس يتحسس ثنيات الشواطئ شاعرا بأنه سيكون أول عربي يقدم على ~~المخاطرة بغزوة في البحار، التي لم يجرؤ عليها أحد من شجعان العرب من قبله. وكان أصحابه ما ~~يزالون في خيامهم على سفوح الكثبان الممتدة وراء الشاطئ يجهزون لأنفسهم الزاد والعدة ~~لأيام الرحلة الطويلة التي قد تمتد بهم إلى شهور ms057 في أرض غريبة. وكانت السفينة الرشيقة التي ~~اعتزموا المغامرة بها رابضة في إحدى ثنيات الشاطئ، ترتفع بصواريها الخمسة فوق الصخور ~~العالية المحيطة بالخليج. # لقد عرف عبد الله البحر منذ كان طفلا يمرح فوق رماله الصفر الناعمة ويسبح بين أمواجه ~~التي كانت تداعبه أحيانا كأنها أرجوحة وتتقاذفه أحيانا بدفعاتها العاتية، وعرف أسفار ~~البحر في السنابك الصغيرة التي تسير بين صخور الساحل وتشق مجراها بين شعابها المرجانية ذات ~~الألوان الزاهية. # وكان في صباه يجد في البحر مباهج شتى تملأ قلبه سعادة، كما كان يجد فيه مخاوف تملأ قلبه ~~روعة، ولكنه كان في كل حال يحب البحر لما فيه من مباهج ومخاوف. كانت أسفاره في أيام الصبا ~~تطلعه على آفاق متجددة ومناظر متباينة لا يشبه أحدها الآخر إلا في أنها جميعا مناظر خلابة ~~رائعة، كان يأنس بالبحر كلما تبسمت شمس الصباح أو تجلى البدر في الليل أو كلما تلألأت ~~النجوم في الليالي المظلمة، وكان يعرف في أسفاره نشوة الحياة القوية التي لا تعرف الجمود ~~والسكون. فإذا ما صفا قسيم البحر ملأ صدره من عطره القوي، وإذا ما هبت غضبته وجد في هدير ~~أمواجه أنغاما مثيرة تملؤه بالرغبة في الكفاح. وقد علمه خوض البحر أن الصفاء لا يدوم وأن ~~المآزق لا بد تنجلي بعد حين، قد يتحول صفاؤه إلى إعصار في لحظة، وقد تخبو أعاصيره الشديدة ~~بعد حين وتنتهي إلى صفاء بديع. # سار عبد الله على الشاطئ يحدث نفسه صامتا بتلك الأحاديث حتى مالت الشمس إلى الأفق، وكانت ~~بلونها الأحمر تشبه جذوة النار التي توشك أن تنغمس في الماء، وتنبه على صوت أذان المغرب ~~ينبعث من ورائه خافقا بين تلال الشاطئ مترددا في الهواء الساكن: «حي على الصلاة!» فالتفت ~~إلى فرسه وكان ما يزال يخطو من ورائه، حتى إذا ما صار إزاءه وثب عليه وهمزه في رفق، فوثب به ~~كالوعل البري نحو خيام المعسكر ليدرك رفقاءه ويؤمهم في الصلاة. # ولما فرغوا من أداء الفريضة اتجه عبد الله خاشعا إلى السماء وجعل يدعو الله أن ms058 يرزقه ~~العافية في أصحابه وأن يجعله فداء لهم إذا قدر لأحد أن يصاب في الغزوة المقبلة. ثم قاموا ~~يستعدون للرحيل من ليلتهم متى اعتدلت الريح في تجاه بر الأناضول. # وسارت السفينة تحمل الكتيبة الصغيرة حتى غاب عنها الشاطئ ومن كان هناك من قواد الجيش ~~الذين أرسلهم معاوية بن أبي سفيان أمير الشام ليشيعوا أول سفينة محاربة. وبعد أيام لاحت ~~للسفينة شواطئ الروم، ووقف عبد الله يقلب بصره في السماء يشكر الله على سلامة أصحابه في تلك ~~الرحلة الأولى. ولكنه رأى عند الأفق نقطة سوداء تلوح من بعيد كأنها سحابة غبار قاتم، ووقع ~~في نفسه أنها من تلك السحب القاتمة التي تنذر باقتراب عاصفة. ولم تمض بعد ذلك إلا لحظات حتى ~~انتشرت النقطة السوداء وارتفعت من حولها سحابات كأنها نفثات هائلة من الدخان تمتد في أنحاء ~~السماء، وبدأ الهواء يضطرب وأخذ وجه الماء يتجعد، فما هي إلا ساعة حتى اشتدت الرياح وجعلت ~~تتقاذف بالسفينة. فنظر عبد الله إلى أصحابه وكانت وجوههم تنطق بما في قلوبهم من الثبات، ~~ولكنها كانت أول مرة يواجهون فيها السماء الغاضبة في لجة الماء. فصاح بهم عبد الله صيحة ~~مرحة، واندفع يعالج القلوع ويديرها بيدين ماهرتين، وبادر أصحابه يساعدونه وهو يشير عليهم ~~بما يفعلون، والسفينة في وسط الأمواج كأنها ريشة في مهب الهواء. # ومضت ساعة طويلة والعاصفة تزأر والمياه تفور من أعلى السفينة وأسفلها وهم يجاهدون الرياح ~~والأمواج حتى بدت ثغرة زرقاء في أفق الشمال، فاستبشر عبد الله إذ دلته تجربته الماضية أن ~~ذلك بدء انجلاء الغمرات. وبعد حين رها الهواء وهدأ الماء وعادت السفينة تطمئن على بقايا ~~الموج، وانقشعت العاصفة كما بدأت فجأة، ولمعت الشمس وضاءة في السماء الصافية كأن لم تكن ~~هناك زوبعة هوجاء كادت تهلك السفينة ومن عليها. ونظر عبد الله إلى أصحابه باسما، وقد أسفرت ~~وجوههم وأقبلوا نحوه مستبشرين بالخروج من الغمرة الشديدة، فحل شملته ولوح بها فوق رأسه في ~~الهواء وصاح بصوت فيه رنين الفوز قائلا: «الغمرات ثم ينجلينا.» # فهتف أصحابه من ms059 بعده في حماسة يرددون هتافه، وقام عبد الله فيهم إماما ليصلوا شكرا ~~لله. # ووصلت السفينة إلى الشاطئ عند غبش الفجر، ونزلت الكتيبة إلى الأرض الصلبة التي لا تميد ~~بهم إذا ساروا ولا تغوص بهم إذا اشتد عصف الرياح، وتصايحوا يهنئ بعضهم بعضا بالتجربة ~~الكبرى التي علمتهم أن الغمرات لا بد أن تنجلي إذا ثبت لها من يقتحمها. # وركبوا خيولهم التي أتوا بها معهم فصعدوا في بطن الوادي الذي نزلوا عنده، وأوغلوا في ~~الأرض ليتموا ما جاءوا من أجله، وهو لقاء الروم. ثم دارت معركة. # وكانت الشمس تسطع فوق الوادي عندما انثنى عبد الله برجاله بعد الموقعة الظافرة عائدا إلى ~~الشاطئ، فلما بلغه وقف يتفقد أصحابه ليرى ما أصابهم من المعركة، فلما انتهى إلى آخرهم وعرف ~~أنهم لم يصابوا إلا بجراح يسيرة خر ساجدا لله الذي استجاب إلى دعوته. ولما فرغ الفتيان من ~~تضميد جراحهم أقبل عليهم عبد الله مرة أخرى ولوح بسيفه في الهواء صائحا صيحته: «الغمرات ثم ~~ينجلينا.» وردد الفتيان صيحته في حماسة، ورددتها معهم الأصداء المتكررة بين جوانب ~~التلال. # وذهبوا يقصدون السفينة في المرفأ، فوجدوا هناك جمعا من فقراء أهل القرى المجاورة جاءوا ~~إلى هناك يحسبون القادمين تجارا يلتمسون منهم الإحسان، فلما اقتربوا منهم جفلوا خائفين ~~وكان أكثرهم صبية ونساء. ولكن الفرسان وثبوا عن أفراسهم، وذهبوا إلى الماء يغتسلون ~~ويتوضئون، ثم وقفوا صفا وراء عبد الله بن قيس يؤدون الصلاة. # وتجرأ الصبية فتقدموا نحوهم ينظرون إلى حركتهم في القيام والسجود، وتجرأ من بعدهم النساء، ~~فتقدمن يتصفحن الوجوه ويتأملن ملامحها، وينظرن إلى قامات الفتيان وهيئتهم، ويعجبن من غرابة ~~ملابسهم. فلما انتهت الصلاة تقدم بعض الصبية في تردد حتى وقفوا بين الفتيان وهم يستعدون ~~للرحيل، فأقبل هؤلاء عليهم يمسحون رءوسهم ويبتسمون لهم، ويلقون إليهم بقطع من الفضة ~~والنحاس. وتقدم بعدهم النسوة في أسمالهن حتى وقفن بينهم يتحدثن باسمات ويسألنهم العطاء، فمد ~~الفرسان أيديهم إليهن بالعطاء ثم غضوا الأبصار عن بسماتهن وساروا نحو السفينة وفي أيديهم ~~لجم الخيل، حتى ركبوا جميعا ms060 وحلوا القلوع وشقوا رءوس الأمواج. # ومرت بعد ذلك سنة في إثر سنة، وتوالت غزوات الفتيان على سواحل الروم، وزادت جرأتهم على ~~البحر، فكانوا يقتحمونه في الشتاء كما يجوبونه في الصيف، وعرفوا مسالكه في ظلمات الليل، كما ~~عرفوا مساربه بين شعاب الخلجان. وكانوا يعودون من كل غزوة ملتفين حول قائدهم الذي دب الشيب ~~إلى فوديه من صراع تلك السنين المليئة بالأحداث. # وذهبت السفن تتهادى مرة أخرى في مطلع الصيف إلى ذلك الشاطئ كما تتهادى القافلة على فدافد ~~الصحراء. وكان الفتيان عند ذلك قد صاروا رجالا، وتبعتهم طبقة بعد طبقة من الفتيان الذين ~~جذبتهم مغامرات البحر. ولكن أميرهم عبد الله كان دائما عند مقدم السفينة الأولى يرتاد لهم ~~الطريق ويختار لهم مرافئ النزول. # وهبط بهم عبد الله على الساحل على مقربة من المرفأ الأعظم، وصفهم صفا على الخيل، ~~ولكنه تردد عندما نظر إلى المدينة العظمى التي كانت تلوح من فوق التلال البعيدة، وهي ثغر ~~الروم الأعظم الذي أودعوا فيه بقية شوكتهم. # كانت مخاطرة عظيمة أن يتقدم بفتيانه نحو المدينة الكبرى، ولكنه لم يطل التردد وعزم على أن ~~يخوض المعركة. ورأى أن يذهب وحده ليرتاد ميدان المعركة قبل أن يقدم عليها. # فانتحى ناحية يصلي، وأعاد دعاءه أن يحفظ الله فتيانه وأن يجعله لهم الفداء. ثم نزل في ~~سفينة صغيرة مع ملاح فرد ليتحسس الساحل ويستطلع ما فيه من حصون وجنود قبل أن يسير إليه ~~بجيشه الصغير. ولبس ثياب تاجر ليخفي سلاحه ودرعه، وهبط بقاربه الخفيف إلى المرفأ حتى نزل في ~~بقعة منعزلة من البر متواريا في الصخور. وجعل يتعرف معالم المدينة. # ولم يكن هناك سوى بعض نسوة يحتلن على اصطياد الرزق من قواقع الشاطئ، فلما رأين عبد الله ~~وقفن يطلبن إحسانه، فمد إليهن يده بالعطاء وأسرع عنهن يثب فوق صخور الساحل، وتركهن ينظرن ~~إلى ما ألقى في أكفهن من قطع الفضة والنحاس. وصاح النساء صيحات فرح، وهتفن به شاكرات، ووقفن ~~ينظرن في أعقابه وهو يسير خفيفا على الشاطئ برأسه المرفوع وقامته المديدة، وجعلن ms061 يتحدثن ~~عنه في إعجاب. وكانت فيهن امرأة طال تردادها على تلك السواحل منذ سنين وجابت أطرافها منذ ~~كانت شابة، حتى ذهب شبابها وعصفت بها الأيام فلم تبق منها إلا أسمالها البالية وجسدها ~~النحيل. فلما انصرف التاجر العجيب وقفت تنظر في أعقابه مشدوهة، كأنها تتفقد شيئا غاب عنها ~~... تنظر حينا إلى ما في يديها من العطاء وتسرح حينا في أخيلة الذكرى، ثم تنظر نحو الرجل ~~وهو يتباعد عنها رويدا رويدا، فتذكرت أنها رأت تلك الصورة يوما. ثم سنحت لها الصورة من ~~عالم بعيد، فصاحت صيحة مكبوتة، والنساء من حولها يتضاحكن ويتغامزن ويتهامسن عنها قائلات: ~~«إنها لتنظر إلى الرجل الغريب ولا تكاد تثني عينيها عنه.» # فصاحت بهن المرأة: «ويحكن أيتها الخبيثات! فما بي من صبوة تحملني على النظر في أعقاب هذا ~~الكهل، وأنا اليوم امرأة عجوز!» # فصاحت بها فتاة من بينهن: «فما خطبك إذن؟ وما لك تبرقين في أعقاب الرجل وقد انصرف عنك؟ ~~أما سحرتك قامته السمهرية؟ أما خلب لبك ما يلوح عليه من خيلاء؟ أما أطمعك فيه كرمه، وحرك ~~جشعك ما عليه من مخايل الثراء؟» # ولم تجب العجوز عليها بحرف، بل صاحت تقول: «إنه صاحب الصيحة الغريبة وقائد الفتيان. إنه ~~صاحب الغارات التي روعت هذا الساحل منذ سنين. إنه هو الذي هزم هؤلاء الذين يزعمون أنهم ~~أبطال الحروب.» # وجعلت تقص على صويحباتها ما شهدت من عبد الله وما سمعت عنه في غاراته التي شهدتها مرارا، ~~وذكرت لهن صيحته العجيبة التي طالما ترددت أصداؤها بين أودية تلك السواحل بعد الانتصار. ثم ~~جعلت تفيض في وصف الفتيان الذين كانت تراهم أحيانا كالجان فوق الخيول وأحيانا كالرهبان في ~~الصلاة. # ولما انتهت من قصتها نظرت نحو الرجل الغريب، وكان ما يزال يضرب فوق الصخور بقامته العالية ~~وخطاه الخفيفة، فصاحت مؤكدة: «أهذا أيها الحمقى تاجر السلع؟ أهكذا يمشي قعيد الحوانيت؟ ~~أهكذا يثب على الصخر سعاة الأسواق؟ أما رأيتن عطاءه عطاء الملوك؟ أما وقعت عين إحداكن في ~~عينه؟» # ثم مضت غاضبة من حماقتهن وسخريتهن. # وسار النساء نحو ms062 المدينة وهن يتحدثن عن العجوز الشوهاء وعن التاجر السخي بالعطاء، ويعدن ~~قصة الرجل الغريب على كل من تجمعه بهن الطريق. # ومضى عبد الله بن قيس يسير على الساحل ويتدسس في ثناياه ويفحص صخوره وخلجانه، ويعد حصونه ~~ومسالحه، حتى مالت الشمس إلى المغيب وألقت بشعاعها الفاتر إلى صفحة الماء من خلال السحب ذات ~~الألوان الباهرة، واسترعى نظره جمال الأفق الغربي، فوقف حينا ينظر إليه مبهوتا خاشعا. ~~ولما عرف أهل المدينة من النساء نبأ الزائر الرهيب خرجوا إلى حراس المدينة يطلبون النجدة. ~~ولمح عبد الله جمعا في أسفل الشاطئ، ولمع له من خلاله بريق يشبه أن يكون بريق السلاح، فلمس ~~مقبض سيفه من تحت ثوبه الفضفاض وعلت وجهه عبسة جد صارمة، وساءل نفسه: «من يكون ~~هؤلاء؟» # ولكنه لم يذكر سوى فتيانه، وخشي أن يؤتى إليهم من بعض الشعاب على غرة، فاندفع عائدا ~~إليهم يثب فوق صخور الساحل كأنه يسابق ظلال المساء، ولكن الجمع المقبل اتجه إليه وانتشر ~~يأخذ عليه أفواه السبل، فعرف أنه هو المقصود، وامتلأ قلبه سكينة أن يكون هو غرض الروم دون ~~أصحابه، ووقف يستعد للقتال. وأحاط به الروم مع طلائع الليل، وأسرع الظلام يلف الأرض حتى صار ~~عبد الله يتحسس مواقع خطاه وهو يقفز من صخرة إلى صخرة، وهو يقاتل بسيفه من أمامه ومن حوله، ~~والأعداء ينحدرون إليه من كل جهة ويوشكون أن يلتئموا عليه. وما زال يدافعهم حتى بلغ قريبا ~~من مرسى السفين، وصاح صيحته: «الغمرات ثم ينجلينا!» # وأقبل على الروم يحاورهم ويواثبهم والجراح تنهال عليه من مئات الرماح. وتصايح جنود الروم ~~في حنق عندما سمعوا صيحته التي ذكرتهم وقعاته الماضية وزادتهم به علما، فتواثبوا عليه ~~حتى تعثر في الصخر ووقع إلى الأرض والتأمت عليه السيوف والرماح. # وسمع عبد الله وهو طريح يعاني سكرات الموت صيحة ترددت أصداؤها في الظلام مجلجلة صدعت سمعه ~~الكليل، فعرف أنها صيحة الفتيان. وانتفض يريد أن يثب على قدميه ولكنه لم يقو على النهوض. ~~وسمع الروم الصيحة فتلفتوا ثم تصايحوا وانتشروا هاربين في ms063 الظلام، وتركوا جثة عبد الله حيث ~~كانت على الصخر وقائم السيف ما يزال في يمينه. واهتدى الفتيان بعد حين إلى موضع قائدهم ~~الباسل، فحملوه وكانت على وجهه ابتسامة وهو يتمتم بالصلاة في آخر أنفاسه، وسمعوا آخر كلماته ~~إذ يشكر الله على أنه استجاب دعوته وجعله لصحبه الفداء. # | عبيد الله بن الحر # «عندما تضطرب الأهواء تغضب البطولة. وعندما تتعدد الأحزاب تتجرد سيوف الشجعان، ~~ليضرب بعضهم رقاب بعض.» # آثر ابن الحر أن يعتزل في بيته في تلك الفتن الجارفة التي مزقت الكوفة وزعزعت أركانها ~~وأذاعت بها الخوف والفوضى. كان عبيد الله بن الحر الجعفي رجل الحروب والمخاطر، وهو الذي قضى ~~ما مضى من عمره في كفاح منذ كان شابا لم يبلغ العشرين إلى أن صار شيخا نيف على السبعين، ~~ولكنه آثر أن يقيم في بيته متباعدا عن تلك الفتنة العمياء الجديدة التي أثارها طلاب الملك ~~من كل جانب. وماذا كان يحمل ابن الحر على أن ينغمس في مثل تلك الفتنة التي ترددت فيها صيحات ~~الجاهلية، وثارت فيها عصبيات القبائل الهوجاء؟ لقد أصبح كل حي ثائرا بالحي الذي ~~يجاوره، وصار كل قبيل يلتمس لنفسه الحلفاء ممن كانوا حلفاء لأسلافه قبل أن يجمع الإسلام ~~العرب ويؤلف بين قلوبهم. # كانت قبيلة بكر بن وائل تحارب تميما، وكانت الأزد تنافس جيرانها من بكر وتميم، فلا جوار ~~ولا قرار ولا عقد ولا عهد، بل هي أطماع ثائرة، وأهواء متنافرة. وما كان ابن الحر الذي شارك ~~في بناء الإسلام في القادسية ونهاوند وهو شاب، ليشارك وهو شيخ في هدم ذلك البناء الشامخ ~~الذي تناولته الأطماع بمثل هذا العنف، وكادت تدك أساسه وتهد أركانه. # وأقام في بيته يناجي الهموم التي ملأت قلبه من ذكريات الحوادث التي مرت به بعد أن تكشفت ~~له حقائق الناس وظهر له ما تنطوي عليه الحياة من نفاق وخداع ومن كذب ودناءة. كان قلبه ~~الفتي من قبل ممتلئا بالحماسة الخالصة، فما زالت الأعوام تكشف له الغطاء عن الناس طائفة ~~بعد أخرى حتى ضاق بالحقيقة، وعاف ms064 المشاركة فيما يتحرك إليه هؤلاء الناس. كان قلبه الفتي منذ ~~أربعين عاما يمتلئ بالدعوة إلى الحق، ولا يبالي أن يبذل دماءه في سبيل الحق، ولا يرضى في ~~جهاده إلا بأن يكون في صدر الأخطار. ولكنه بعد هذه السنين الطويلة، لم ير إلا أن الخلاف قد ~~أصبح على الحكم والسيادة وسلطان الحياة الدنيا. # كان يسمع في كل موطن من مواطن القتال صيحات الحق والعدل تتجاوب من كل جانب، ولكنه لم يجد ~~في حقائق الحياة إلا الطمع في الأموال والزخارف والحرص على النعيم ومفاتن الحياة، فما الذي ~~يدفعه بعد ذلك كله إلى المشاركة في الفتنة الجديدة؟ # وكان ابن الحر فوق هذا يريد أن يذوق شيئا من السلام إلى جوار امرأته الحبيبة أم توبة، ~~ابنة عمه سلمى الجعفية، التي تزوج منها وقد نيف على الستين، وكانت فتاة في البضع والعشرين، ~~تملأ بيته سعادة، وتشيع فيه السلام. وكانت حسناء رائعة، يزينها ما هو أكبر من الحسن ~~والشباب، من وداعة نفسها ونقاوة قلبها. # كانت أم توبة كلها روحا وذكاء وطهرا، فكان لا يحس إذا جالسها بما يفرق بينهما من عدد ~~السنين، وعاد قلبه معها فتيا ينبض ويخفق كما كان في العشرين. لهذا لم تستدرجه الأنباء ~~التي كانت تترامى إليه وهو معتكف في داره ولم تغره الفتن المتعاقبة على أن يعود إلى معامع ~~النضال القاسية. فسمع أن البصرة تضطرب، وأن أميرها ابن زياد هرب لائذا بالشام. ثم سمع أن ~~الشام تتنازعها الأهواء بين صبية بني أمية من ولد يزيد بن معاوية وبين مروان بن الحكم شيخ ~~قريش. وسمع أن عبد الله بن الزبير يدعو إلى نفسه، ويبعث البعوث إلى الأمصار يستميل أهلها ~~وشيوخها وينازع بني أمية ملكهم. # ولكنه لم يهتز إلى شيء من تلك الأنباء، وبقي على عزلته مغلقا بابه عليه. ~~••• # وكانت ليلة من ليالي الصيف، والغبار الثائر في الهواء ينعقد مع الأبخرة في ضباب كثيف، ~~وأحس ابن الحر ضيقا، فصعد إلى سطح داره بالكوفة ليقضي الليلة تحت السماء مطلا على ~~الصحراء ليتنفس ملء صدره، كما ms065 اعتاد أن يملأ صدره؛ إذ كان يضرب في فيافي اليمن قبل أن ينزل ~~مدينة الكوفة. # وجاءه بعد العشاء جماعة يطلبون لقاءه، فشعر بقبضة زادت أنفاسه ضيقا. فماذا يبغي الناس ~~منه وقد اعتزلهم وباعد ما بينه وبينهم؟ ولكنهم كانوا أصدقاء جاءوا يستأذنون عليه، فلم يستطع ~~أن يردهم بالخيبة. # فقام من مجلسه فاترا، ولبس عباءة من الديباج الأصفر وخفا من جلد لين أحمر، ولف على ~~رأسه عمامة من ثوب يمني، ثم مس بعض الطيب ومسح به لحيته، وكانت لا تزال سوداء تناثرت فيها ~~شعرات بيضاء، ثم نزل متثاقلا حتى بلغ رحبة الدار، فوثب الضيوف وقوفا يرحبون به في ~~حرارة. # كانوا جماعة لا تضمهم رابطة من عصبية، تعودوا من قبل أن يجتمعوا حوله ويأتمروا بأمره. وقد ~~جاءوا إليه لأنهم رأوا أمور الناس قد فسدت واضطربت، ولم يجدوا في حيرتهم من يلجئون إليه ~~غير صاحبهم الشيخ الباسل الذي طالما علمهم أن يلزموا الحق وأن ينصروه في كل موطن. # ودار الحديث بين الجمع، فلمح ابن الحر ما جاءوا من أجله، فجعل يردهم في رفق ويرجعهم عن ~~نفسه في تجمل. وطالت بينهم المناظرة، فعجب الرجال كيف تبدل ابن الحر وتغير، وكيف رضي أن ~~يقيم في عقر داره وقد اشتعلت الفتنة وهو الرجل الذي بنى مجده في معترك النضال من أجل الحق. ~~وتجرأ شاب منهم وقال له: أيجمل بك الاحتجاب يا أبا الأشرس وهذه الحال كما ترى؟ # فقال ابن الحر باسما: لقد أصبحت يا ابن أخي لا أرى. لست أرى شيئا ولا أعبأ بأن ~~أرى. # فقال الشاب وقد أحس في جواب الشيخ شيئا من الاستخفاف: ما عهدناك إلا ذا بصر وبصيرة يا ~~شيخ جعفي. # فأطرق الشيخ لحظة ثم قال: لقد علمت حسن رأيك يا جرير بن كريب، ولكني آثرت أن أعكف على ~~صلاتي وأنتظر لقاء ربي. # فقال جرير في شيء من اللجاجة: عرفناك دائما مصليا كما عرفنا أنك تنتظر لقاء ربك في كل ~~لحظة، ولكن ذلك لم يمنعك من نصرة الحق فيما مضى. # فلم يملك ابن الحر ms066 أن تبسم وقال في دفعة: الحق؟ أين الحق يا ولدي؟ إنها كلمة تتردد على ~~الألسنة ولا يراد بها إلا غير الحق. # فتحرك القوم قلقين، وقال أحدهم في صوت أجش: أأنكرت الحق يا أبا الأشرس وقد طالما ~~نصرته؟ # فعاد ابن الحر إلى الإطراق، وانعقدت على وجهه عبسة وقال بعد قليل: وكيف أنكر الحق وقد ~~قضيت العمر أنصره؟ ألا إني قد رأيت الناس قد صار أمرهم إلى فتنة عمياء. أما سمعتم عبد الله ~~بن عمر صاحب الرسول يقول: «إنها فتنة، القاعد فيها خير من القائم»؟ ألا ترى ذلك يا أخا ~~الأزد؟ # فقال الرجل معبسا: إنها كلمة قالها ابن عمر ليداري بها ضعفه، وما أنت وابن عمر؟ إنه رجل ~~لم تسبق له همة. # فتحرك ابن الحر في شيء من الامتعاض وقال: مهلا يا عمرو بن جندب. ألم يكف هذا العالم من ~~قد وثبوا به؟ ألا يكفيك أن ترى في الشام مروان، وفي البصرة ابن الزبير، وفي فارس ابن ~~الأزرق، وفي خراسان ابن حازم؟ أتريد أن نثب نحن كذلك على الكوفة فنزيد في الفتنة عصبة أخرى ~~تسفك الدماء؟ ألا لقد آن لابن الحر أن يتجنب دماء المسلمين يا عمرو بن جندب. لقد أرقت من ~~الدماء في حروبي ما أرجو أن يغفره الله لي، إذ أرقتها وأنا أحسب أني أجاهد في سبيله. ولكني ~~أرى القتال أصبح اليوم في سبيل الدنيا وحدها. لا يا عمرو، لن أسفك بيدي هذه دما جديدا في ~~غير قصد. وما الذي جد في أمرنا حتى نتحدث عن الثورة؟ لقد بايعت البصرة ابن الزبير، وما نحن ~~والبصرة إلا كجناحي هذا العراق. إن في البصرة قوما لا يقلون عنا عددا، وليسوا دوننا ~~شرفا، وما أسلموا أمرهم إلى ابن الزبير إلا بعد أن ذاقوا مرارة الفتنة فيما بينهم. ألا ~~تعرفون ما ذاقت البصرة من الويل والخراب إذ وثبت بكر بتميم، ووثبت تميم بالأزد؟ أفتحبون أن ~~ينزل بالكوفة ما نزل بأختها من قبل؟ هذا هو الأحنف بن قيس سيد تميم بالبصرة، وهذه بكر بن ~~وائل ms067 مع مالك بن مسمع، وهذه الأزد مع ابن عمرو، قد اتفقوا جميعا على أن يتجنبوا القتال ~~وبايعوا لابن الزبير، فلم لا تبايعونه وتحقنون الدماء؟ # وكان ابن الحر يريد أن يستمر في حجته، لولا أن قاطعه أحد الفتيان صائحا: لقد صدقت يا ابن ~~الحر. إنك لست ترى شيئا، ولا تعبأ أن ترى شيئا! # فغضب الشيخ وعبس عبسة مظلمة، والتفت إلى الفتى قائلا: ألمثلي يقال هذا يا مجشر؟ أما ~~والله لولا علمي بما عندك من المودة لأجبتك جوابا لا ترضاه ... # فقال المجشر معتذرا: لم أقصد يا أبا الأشرس أن أسيء إليك، بل أقصد أن أقول لك إنه قد ~~جد في الأمر جديد لا تعرفه، وقد كنا نحسبك قد سمعت بما كان. # فسكن ابن الحر وقال هادئا: وما ذاك الجديد يا مجشر؟ # فقال الشاب في حنق: الجديد أن البصرة تحترق في ثورة جديدة. خرج ابن أبي عبيد: المختار بن ~~أبي عبيد الثقفي، وثار أتباعه اليوم فقتلوا الشرط، وهرب الأمير ابن مطيع عامل ابن ~~الزبير. # فوجم ابن الحر ونظر إلى القوم فاتحا عينيه كأنه لا يصدق ما يسمع، ثم قال في شيء من ~~الحزن: أهي فتنة أخرى؟ # فصاح جرير: هي صفقات بيع وشراء ... خرج المختار مناديا بدم الحسين ليقبض لنفسه ميراث ~~الحسين! # فقال ابن الحر في حنق: برئ الحسين منهم. أشهد لقد سمعت الصادق يحكي عن هذا الرجل أنه ما ~~كان يبغض في الناس أكثر من بغضه عليا وولد علي. # وأخذ الفتيان يصفون ما يعلمون من حال البصرة وما صارت إليه أمورها. # وصاح المجشر متحمسا: نحن اليوم بين أمرين لا غنى لنا عن اختيار بينهما: نقيم في يد ~~المختار الثقفي، أو نقاومه لنمنع طغيانه ونفاقه. # وشمل الجمع سكون مدة لحظات طويلة، كانوا فيها ينتظرون جواب ابن الحر. كانوا ينظرون إليه ~~ويرقبون حركات وجهه إذ هو مطرق واجم محمر الوجه، كأنما ينتظرون صوت القضاء. وكان ابن الحر ~~في إطراقه يفكر وتتقاذفه الخواطر وتتجاذبه الميول. أيخرج من عزلته التي ركن إليها وأمل أن ~~يبعد فيها عن ms068 الفتن ليذوق السلام فيما بقي له من أيام؟ أم يتبع أصحابه ويعود إلى المعامع ~~القاسية مرة أخرى غضبا من أن يتولى الأمر طاغية ظالم؟! أيجدر به أن يبقى على عزلته ويترك ~~الأمر يئول إلى المختار بن أبي عبيد ويتحمل ذنب كل ما يقع منه من المفاسد والمظالم؟ ولكن ما ~~هناك في الزعماء إلا ظالم وطاغية؟ ... إنهم جميعا يبيعون ويشترون ولم يكن منهم من يقصد إلا ~~أن يحرز لنفسه منفعة. # ورفع ابن الحر رأسه في بطء وقال: أيها الشجعان، لا أحسبكم تظنون بي الجبن عن خوض الحروب ~~حرصا على بقية ضئيلة من الحياة، فلقد كنت كما تعلمون في صدر الأخطار كلما دعاني الواجب. ~~ولكني رأيت هذا الأمر قد صار إلى منازعة الأطماع بعد أن ذهب الأخيار إلى القبور. فإذا أنا ~~اليوم قاتلت فلن يكون قتالي إلا في سبيل بعض من يريد شراء عرض من أعراض هذه الدنيا. ولن ~~أبذل في سبيل هؤلاء نقطة من دماء المسلمين. لا، لن أكون في مثل هذا أبدا! # فعاد السكون لحظة أخرى طويلة، وتردد الرجال بم يجيبون وهم حائرون بين هيبة شيخهم وبين ~~حنقهم من تخذيله إياهم. ثم انفجروا غاضبين، وجعل كل منهم يلقي إليه سهما من قوله. وقام ~~ابن الحر غاضبا مما جبهوه به، وقال في صوت متهدج: لقد بلغتم من عمكم ما بلغتم، فحسبكم. ~~إنها كلمة لا أقول غيرها، لن أدخل في شيء من هذه الفتن الجامحة. # فطأطئوا رءوسهم حزنا وقاموا وهم يكتمون ما على ألسنتهم من ألفاظ الحنق، ولكن المجشر ~~التفت نحوه وهو منصرف وقال: أوتحسب يا أبا الأشرس أنك تقيم في دارك آمنا؟ والله لتعودن ~~إلينا إذا رأيت الطلب حثيثا في آثارك. والله لن يتركك ابن أبي عبيد في أمنك هذا. اقعد ما ~~شئت فسوف يحتوشك الكلاب. ولئن عدت يوما إلى ما ندعوك إليه الآن لتجدننا سراعا إلى ~~تلبية ندائك. # ثم سار الجمع وهم صامتون، وعاد ابن الحر إلى مجلسه من ابنة عمه فأفضى إليها بما كان، وجعل ~~يحدثها ويعيد عليها حجته ms069 التي رد بها أصحابه، وكأنه أراد بذلك أن يقوي نفسه، إذ أخذ يشعر ~~أنه قد خانهم فيما عاهدهم عليه من قبل. # ونظر إلى سلمى ينتظر جوابها ويستوحي خاطرها، فقالت وقد علمت ما يريد: أحسنت والله يا أبا ~~الأشرس لو أن المختار تركك آمنا في بيتك. # فأطرق ابن الحر حينا وهو صامت، ثم رفع رأسه وتكلف الابتسام وقال لامرأته في حزن: سنرى ما ~~يفعل ابن أبي عبيد. # ثم انتقل معها بالحديث إلى حيث كانا من قبل يتناجيان. # ومر الصيف ومضى من بعده الشتاء، وأقبل الربيع في موكبه تهب فيه الريح رخاء، وتسرح السحب ~~البيضاء في السماء الصافية، والمرج يزهو في حلته الخضراء، والزهر يبسم للحياة الجديدة. ولكن ~~ابن الحر لم يكن في بيته؛ لأنه كان قد خرج مع سبعمائة من أصدقائه الشبان إلى المدائن ~~وعسكروا هناك يستجمون بعد رحلة طويلة هبطوا فيها من الجبل. # لقد صدق ما تنبأ به المجشر عندما قال لابن الحر منذ عام إن المختار لن يتركه في الكوفة ~~آمنا في عزلته. فلم يقنع المختار منه بالعزلة وأوفد إليه الرسل ليذهب إليه، فرد ابن الحر ~~الرسل معتذرا ولم يذهب، وألح عليه المختار ولج هو في الإباء. فساء ظن الطاغية فيه وأخذ ~~يدبر للإيقاع به كما أوقع بمئات غيره من سادة الكوفة الذين اعتكفوا في بيوتهم اتقاء الفتنة. ~~وأتاه أصحابه يوما يحملون إليه نبأ ما يدبره المختار للإيقاع به، فتردد حينا حتى استيقن ~~من الأمر، ولم يكن له بد من الخروج معهم. وغادر الوطن وخلف ابنة عمه وراءه في الكوفة ~~وأمسك قلبه أن يخونه عند الوداع. # وكان يوما عاصفا باردا من أيام ذلك الربيع، وقد مالت الشمس إلى الغرب وصبغت الأفق ~~بألوان الشفق. # ونزل ابن الحر وفتيانه في وهدة ملتفة الشجر عند المدائن، يكمنون فيها حتى لا يبصرهم من ~~يسير على الطريق الواضح. وأقاموا على مداخل الوهدة ربيئة تحرسهم من أرصاد العدو، وجلسوا حول ~~حفرة أوقدوا فيها نارا ليستدفئوا. وكانت رحالهم وأحمالهم مبعثرة في أطراف الوهدة تتخلل ~~الشجر وتغطي ms070 الساحات الفسيحة التي بين الدحال الملتفة، تنبئ بأنها ألقيت هناك على عجل. ولما ~~غابت الشمس هبوا إلى الصلاة يؤمهم ابن الحر، حتى إذا ما انتهوا من الصلاة ذهبوا إلى رحالهم ~~يلتمسون عشاء أو يستريحون من الجهد، وبقي ابن الحر مائلا على النار مفكرا ينظر إلى ~~لهيبها وينسج منه في خياله صورا. وحمله الخيال إلى الكوفة وإلى داره التي خلف فيها أم توبة ~~من ورائه. وكان بين حين وحين ينظر نحو الغرب قلقا، يحاول أن يرى ما بين الشجر من ضوء ~~القمر، ثم يعود إلى إطراقه ويميل على النار يتأمل ما تخيله له من الصور. وكان القمر قد ~~توسط السماء وأوشك أن ينحدر إلى الغرب، عندما لاح له شبح راكب يسرع بين الأشجار، فقام نحوه ~~في لهفة فإذا هو رسول جاء يحمل إليه بعض الأنباء. # وقال الرسول في صوت المواساة: لا يرعك ما حملت إليك يا أبا الأشرس! # وكان هذا القول كافيا ليفهم ابن الحر أن صاحبه يحمل إليه مأساة. # وقص الرجل عليه قصة قصيرة أذكت في قلبه نارا تتأجج. فصاح بصوت ترددت أصداؤه في الليل ~~الساجي: يا غوثاه! # ثم ارتمى على جذع نخلة ووضع رأسه بين يديه. فتحركت الأغطية فجأة في جوانب الرحال ~~المنثورة بين الشجر، وتهاوى أصحابه إليه يترنحون من أثر النعاس، حتى التفوا به وجعلوا ~~يتساءلون عما أصابه. فقص عليهم الرسول قصته: انتهب المختار ضياع ابن الحر وأحرق داره، وساق ~~امرأته سلمى النبيلة أم توبة إلى السجن، ولم يرده عن قسوته أنها امرأة آمنة في ~~بيتها. # وما كاد الفتيان يسمعون القصة حتى انصرفوا في صمت إلى الرحال، وجعلوا يستعدون سراعا ~~للمسير. # وانحدر القمر إلى الغرب وطلع الفجر، وكان ابن الحر وأتباعه سبعمائة فارس يمسحون بسنابك ~~خيلهم عقود الندى الغزير المخيم على البساط الأخضر من عشب المرج عند مداخل الكوفة، ثم ~~تسللوا من جبانة السبيع إلى موضع السجن. # وكان الحراس قد هدءوا وغطوا رءوسهم بالأقبية الصوفية الغليظة يستدفئون من البرد القارس، ~~ويصيبون من النوم إغفاءة في السحر ، فأيقظتهم أصوات ms071 فتيان ابن الحر عند رءوسهم يحطمون أبواب ~~السجن في حنق، ولم يفلت منهم إلا من استطاع أن يهرب، وانطلق ابن الحر في سراديب السجن يعدو ~~في تلافيف الحجرات والسيف مصلت في يمينه وهو ينادي: «أم توبة، هذا ابن عمك يسرع ~~إليك.» # فلما بلغ أقصى السجن سمع صوتا ضعيفا كأنه ينبعث من تحت أقدامه قائلا: إلي أبا ~~الأشرس! # فاندفع نحو الباب المطأطئ الذي دونه، فحطمه بطعنات رمحه ودفعات جسمه، ورأى أمامه امرأته ~~الحبيبة كأنها شبح أصفر لا تكاد تقوى على الوقوف. فاحتملها بين يديه وعدا بها وهو صامت ~~اللسان خافق القلب، حتى إذا بلغ رحبة السجن وجد أصحابه لا يزالون يضطربون ويحطمون، فصاح ~~بهم: أطلقوا من تجدون في حبس الطاغية ... # ثم انتحى بابنة عمه، فوضع عليها عباءته، وفتح لها ذراعيه، وقال لها: فداك دمي أيتها ~~الحبيبة! # فاندفعت سلمى بين يديه باكية. # فضمها إلى صدره كما تضم الحمامة فرخها إلى جناحها، وقال وهو يهدر في ثورته: لأثيرنها ~~عليهم نارا لا تطفأ، ولأبعثنها عليهم زلازل لا تبقي ولا تذر، حتى أدك صرحهم الخاوي الذي ~~لا قوام له إلا على مثل هذا الجرم الشنيع. # وفيما هو يحدث امرأته سمع حوافر خيل مقبلة، فأسرع إلى فرسه وصاح في فتيانه: هلموا إلى ~~الجبابرة الأنذال ... # وسارع الفتيان فركبوا من حوله وهو مردف حليلته من خلفه، حتى خرجوا من السجن إلى الأرض ~~البراح وكان صداما عنيفا بينهم وبين جنود الطاغية حتى خرجوا من صفوفهم المتراصة. # ولما نزلوا أخيرا عند المساء في الوهدة الغائرة بين الدحال وطلع القمر فوق الفضاء ~~الساكن، سمع الفتيان صوت شيخهم يتغنى عند رحله بأبيات شجية من شعره، وكانت نبراته ~~المختلجة تنم عما في صدره من الأشجان. # ثم نادى أصحابه في صيحة عالية، فلما اجتمعوا حوله رفع يده عالية وقال في صوته الجهوري: ~~«سنعود إلى القتال الليلة أيها الشجعان. لن ننتظر الصباح حتى لا يطول أمد الطغيان.» # | فارسة قصر الباهلي # «هذه امرأة تلد الأبطال ...» # كان المرج الأخضر يمتد حول القصر - قصر الباهلي - فلا تقع منه ms072 العين إلا على بساط يتموج ~~مع النسيم، وقد وشته الزهور بين بيضاء وصفراء وحمراء، وخرج الرعاء يسوقون فيه قطعانهم ~~وخيولهم الضامرة. # وخرج من الحصن صبية يمرحون في صباح ذلك اليوم الوديع، بعد أن حبسهم الشتاء في حصنهم ~~الحصين شهورا طويلة، كانت فيها تلك المروج هادئة في سبات يشبه الموت، تحت أكداس من الثلوج ~~تعصف عليها زعازع الزمهرير. # كان ذلك في أرض السغد فيما وراء سمرقند، وقد وطئتها أقدام فرسان العرب منذ سنوات قليلة مع ~~قائدهم الشاب قتيبة بن مسلم الباهلي القيسي. # ومشت بين الصبية امرأة فارعة بيضاء، واسعة العينين، سوداء الشعر، تتنفس سحرا وكبرا ~~ونبلا، وعليها حلة من الحرير الأبيض ووشاح رقيق تزينه نقوش زاهية تحاكي ألوان زهور المرج. ~~وكان حول خصرها الدقيق منطقة زرقاء من نسيج رقيق عقدت فيها عقدة دلت أطرافها على جانب ~~حلتها. # وسارت عاتكة تنقل طرفها فيما حولها ولا ترى إلا صورة زوجها الحبيب هلال التميمي، ذلك ~~الفتى الفارس الذي قتل منذ عامين وترك لها طفلها الصغير الذي يمرح مع الصبية حولها. وكانت ~~بين حين وحين تتنبه من حلمها فتنظر إلى الصبية في لعبهم فتبتسم لهم ابتسامة عطف ثم تعود إلى ~~خيالها لتناجي صورة الزوج الذي نشأ معها في أودية قومها بني تميم حتى زفت إليه على حب ~~نبيل، ولكنها لم تتمتع بالحياة معه إلا ريثما درج ولدهما بينهما. ولما نزعته الحرب منها لم ~~تبد لموته جزعا، وكتمت حزنها في أعماق قلبها، والتمست العزاء في خلواتها مع صورته في ~~الخيال، وفي نظراتها إلى الصبي الصغير الذي خلفه من ورائه معها. # ولما بلغ الصبية مرعى الخيل أقبل ولدها يجري نحوها، وقد علق على كتفه قوسا صغيرة ودلى ~~في منطقته كنانة سهام من جريد النخيل، وقال لها في حماسة: ألا أركب قليلا يا أمه؟ # فمالت عاتكة عليه فرفعته بين ذراعيها وقبلته قبلة سريعة وهو يقاوم ويرفس ويصرخ حتى ~~وضعته على الأرض فتخلص من يديها ووثب جاريا وصاح بها: أدركيني إذا استطعت، فإني سابق إلى ~~الخيل. # فأسرعت المرأة وراء ms073 ولدها وصاحت به: ألا تخشى السقطة يا عمير؟ # فضحك الفتى في مرح وقال وهو يمسك بقوسه: لا أخشى السقطة يا أمه. ألست عمير بن ~~هلال؟ # واتجه نحو فرس بيضاء كانت أدنى الخيل إليه، فأسرعت أمه حتى أدركته ومسحت بيدها على رأسه ~~في رفق وقالت مبتسمة: تعال معي يا عمير سنركب جميعا. # ثم ذهبت معه إلى الفرس البيضاء فنادتها كأنها تنادي بعض أهلها فأقبلت الفرس نحوها، ورفعت ~~المرأة ولدها فأركبته، ثم قصدت إلى فرس أحمر قريب منها وقفزت فوق ظهره خفيفة كأنها فارس من ~~فرسان الحروب، ومسحت بكفها عنق الفرس فصهل صهيلا خفيفا ثم سار يثب هادئا، وسارت فرس ~~الصبي إلى جواره تحاكي وثباته. ولكن الصبي لم يرض بذلك السير المطمئن فوخز فرسه بقدميه ~~الصغيرتين، ومال على عنقها قابضا على شعر معرفتها، وصاح بها يحثها على الإسراع، فاندفعت به ~~الفرس مسرعة، وصاحت عاتكة بولدها: على مهلك يا عمير! فما ينبغي لنا أن نبعد. # فصاح الفتى وهو يقرقر ضاحكا: الحقي بي إذا استطعت يا أمه. # ثم جذب شعر الفرس وضرب ظهرها برجليه، فاندفعت تعدو به في المرج الفسيح عدوا هينا، فلم ~~يكن لعاتكة إلا أن تعدو بفرسها في إثره وقد داخلها كثير من الخوف عليه، وطالت بينهما ~~المسابقة حينا حتى لحقت به واستوقفته، وقالت له في شيء من الغضب: لقد أسأت يا عمير ~~وعصيتني. # فلم يقلل الصبي من مرحه عند سماع لومها، بل قال ولا يزال يضحك: كان في استطاعتي أن أعجزك ~~عن إدراكي. # فلم تملك عاتكة إلا أن تبتسم وتصرف ما ثار في نفسها من الغضب، وقالت له في عطف: هلم بنا ~~نعود فقد بعدنا عن القصر، والسغد قريبون منا. # فعاد الصبي إلى الضحك وهو يمسك بقوسه: وماذا تخشين يا أمه؟ لست أبالي السغد، فهذه ~~قوسي. # فاقتربت منه عاتكة وقالت وهي تمسح عنق فرسه: سابقني إذا شئت في العودة يا عمير. # وفيما كانت تدير جوادها إلى جهة القصر لاح لها فارس يعدو نحوها، فأرادت أن تسرع عائدة، ~~ولكن الصبي تلكأ وهو ms074 يعيد عليها أحاديثه وضحكاته حتى اقترب الفارس وترجل وأقبل نحوها، فوضعت ~~عاتكة الخمار على وجهها، واتجهت إلى الصبي وقالت له في حدة: هلم يا عمير. # وأحست في نفسها غضبة قوية؛ لأن ذلك الفارس تعود أن يتعرض لها في المرج منذ حين كلما تحين ~~خلوتها. # واقترب الفارس وأشار إليها بالتحية متأدبا وهو باسم، ولم يخف على عاتكة ما بدا على وجهه ~~من اضطراب كان يحاول أن يخفيه تحت ابتسامته. فلم تجب عاتكة على تحيته، بل انصرفت إلى الصبي ~~وقالت له في شيء من الصرامة: أرني الآن كيف تحسن الركوب يا عمير. # ثم همزت جوادها في شيء من العنف وضربت بيدها كفل فرس الصبي، فعدا الجوادان، وجعل الصبي ~~يصيح بفرسه أن تسرع حتى يدخل القصر سابقا، ووقف الفارس ينظر في أثرها، وعلى وجهه آثار من ~~الدهشة والخيبة. # ثم مضى مطرقا حتى عاد إلى أصحابه الذين كانوا ينتظرون عودته في وجوم، فوقف معهم حينا ~~ولا يزال مطرقا، ثم رفع رأسه وقد لمعت عيناه ببريق خاطف ولاحت على وجهه بسمة ضئيلة، ونظر ~~إلى صاحب كان إلى جواره وقال بصوت هامس: سأذهب غدا إلى أبيها. # فنظر إليه صاحبه منكرا ولم يجب، فأعاد عليه قوله: سأذهب غدا إلى أبيها لأخطبها. أتراه ~~يردني؟ # فقال صاحبه: إنك لم تسمع نصيحتي من قبل، فلا فائدة في إعادة نصحك. # فقال له الشاب باسما: وهل عرفت أن النصح ينفع من كان مثلي؟ إنني لا أملك قلبي يا بغا ~~حتى أصرفه عنها. # فقال بغا في دفعة: ولكنك تنسى أنك الأمير صول سيد السغد وابن سيدهم. وأنت تعرف هؤلاء ~~العرب ومبلغ كبريائهم. فهل سمعت أن أحدا منهم زوج ابنته لغريب؟ ألا تعرف ما يجيبك به ~~أبوها إذا أنت خطبتها إليه؟ # فانتفض الأمير صول غاضبا، وقال وقد احمر وجهه: أيجرؤ هذا الرجل على الإباء؟ # فقال بغا: إنهم يتزوجون بناتنا حقا، ولكنهم لن يرضوا بنا أزواجا. # فقال صول وقد زاد غضبا: ألا يرضى بي أنا؟ # فأجاب بغا: لن يرضى بغير عربي مثله. # فقال صول: إذا ms075 لأضرمنها عليهم حربا حامية. لأعيدن الحرب فيما بيننا إذا تجرأ الرجل فلم ~~يرض بي صهرا. # ولم ير بغا أن في مراجعته نفعا، فأمسك عن الجواب وسار الجميع إلى مضارب خيامهم في صمت ~~ووجوم. # وقضى صول تلك الليلة مترددا في شجونه، لا يستطيع أن ينسى صورة عاتكة التي علقت بقلبه منذ ~~رآها. لقد رآها عرضا منذ شهرين، وبقيت صورتها ماثلة في خياله، لا تفارقه في صباح ولا مساء. ~~وكان يتعرض لها كلما سنحت له في المرج، فلا يفوز منها في كل مرة إلا بإعراض وصمت، فكان ذلك ~~لا يزيده إلا وجدا بها. ثم رأى أن يخطبها من أبيها، فدافعه صديقه بغا مرارا، ولم تزده ~~نصيحته إلا عنادا وإصرارا على خطبتها، بل لقد دفعه حبه على أن يعزم على الحرب من أجلها، ~~إذ كان العرب في قصر الباهلي فئة قليلة لا تستطيع أن تقوم لها قائمة إذا صدمها صول بالألوف ~~المؤلفة من قبائل السغد الذين كانوا لا ينتظرون منه إلا أن يأمر فيبادروا إلى طاعته ~~سراعا. # وبكر صول في الصباح فذهب مع بعض أتباعه إلى باب القصر يطلب الإذن على نهشل بن يزيد أبي ~~عاتكة. وأذن له نهشل وأنزله ضيفا وأكرمه وحدثه وآنسه، فقد عرف أنه سيد السغد، وأنه في ~~ذروة القوم غنى ونسبا. وكان الفتى في تمام شبابه وكرم شيمه مما يزيده منزلة ~~وكرامة. # ثم أفضى صول إلى نهشل بما جاء له، وكانت مفاجأة وجم لها العربي، فأطرق لحظة ثم قال بصوت ~~خافت: لولا أنك ضيفي لما نجوت من عقوبتي. # فوثب صول على قدميه كأنه قد وطئ جمرا، ولم يجب بكلمة، بل خرج من القصر وهو لا يرى مواقع ~~أقدامه من الغضب، وعاد إلى قومه والنار تلتهم قلبه التهاما. # ومضى شهر بعد ذلك على قصر الباهلي، ولا حديث لمن فيه إلا ذكر ذلك الأمير التركي الذي بلغت ~~به الجرأة أن أتى إلى نهشل بن يزيد يخطب منه ابنته. وامتنعت عاتكة عن الخروج إلى المرج. ~~وزاد حزنها على زوجها الحبيب ؛ لأن خطبة ms076 الفتى التركي أعادت إليها ذكرى فجيعتها. # ثم تحرك السغد فجأة، وإذا بقصر الباهلي ذات مساء مثل بقعة جزيرة في محيط من جموع ~~الأتراك. # وبلغت أنباء الثورة إلى حامية العرب في سمرقند، وكانت الجيوش العربية غائبة في بعوث ~~الفتح، موزعة في دروب سجستان وخراسان، فلم يبق في عاصمة الحدود إلا بضعة آلاف في وسط ألوف ~~الألوف من قبائل الترك. # واجتمع قواد العرب في سمرقند يتشاورون في أمر القصر، وفي أمر من فيه من نساء وصبية، وفي ~~عجزه عن الثبات لمن أحاط به من فرسان الترك وشجعانهم، وقد امتلأت قلوبهم حقدا على سادتهم ~~المتكبرين. # وقال شعبة بن ظهير، وكان منذ حين أمير القوم ثم عزل عنهم: لو كانت هنا خيول خراسان ~~لاستطعنا أن نذهب إلى نجدة هؤلاء، ولكن ماذا نستطيع وحدنا؟ # فصاح به فارس طويل على رأسه عمامة حمراء: ما لك تخذلنا عن نصرة أهل القصر؟ ألسنا من خيول ~~خراسان؟ # وتبعه آخرون فإذا بالجمع يتصايح ويتناقش، منهم من يتوثب إلى القتال ومنهم من يؤثر الحذر ~~والأناة، حتى كاد العقد ينفرط، والقول يتشعب، والخصام والجدال يصيران إلى تدافع ~~ونضال. # فقام رجل من وسط الحلقة متكئا على سيفه، وأشار بيده يطلب الكلام، فالتفت إليه الناس بعد ~~حين وهم يتنادون: أنصتوا إلى أميركم عثمان بن عبد الله ... # فقال الأمير بعد أن هدأت الثائرة وخشعت الأصوات: «أي قوم! هؤلاء إخوانكم في قصر الباهلي ~~لا يزيدون على مائة أهل بيت يحرسون ثغرا بعيدا، ويحمون من نسائكم وذراريكم من هم في ~~أعناقكم أمانة.» # فحاول شعبة أن يقاطعه، فعلت ضجة أسكتته، واستمر عثمان فقال: «ولسنا في حربنا نبالي ما ~~يصيبنا. إن قصر الباهلي بمن فيه من نساء وصبية يستظلون بعلمكم، ويقيمون هناك ربيئة لكم. ~~أتسلمونهم إذ تكاثر عليهم العدو؟ أتبيحون حرمكم لأنكم اليوم في قلة؟» # فعادت الضجة، وعلت الأصوات، وتهاتف الناس قائلين: إلى قصر الباهلي. # فتبسم عثمان راضيا، وعاد إلى الكلام فقال: «لست آمر ولست أنهي. إنكم إن أقدمتم استقبل كل ~~فرد منكم عشرة أو عشرات من العدو، ولعلكم ms077 لن تستطيعوا غير أن تواسوا من هناك من المسلمين ~~بأنفسكم، فتنالوا الشهادة إلى جوارهم، ولكني لا أمنع من أراد منكم النهوض للقتال.» # فما كاد يتم قوله حتى قام من جانب الجمع ذلك الفارس الطويل الذي تكلم من قبل، وهو المسيب ~~بن بشر التميمي، فقال وهو يسوي على رأسه عمامته الحمراء: «لقد عرفتم أن السغد ما تحركوا إلا ~~ليأخذوا عاتكة، امرأة هلال التميمي، وهو الذي عرفتموه فارسا في الحرب، كريما في الجوار، ~~طالما دافع عن أحسابكم حتى قتل. أنترك امرأته سبيا ونسلم ابنه الصبي للعدو يبيعه رقيقا؟ ~~لن أبيت الليلة هنا، ومن شاء أن يلحق بي فليفعل.» # وما طلع صباح اليوم التالي حتى كان سبعمائة فارس يتبعون المسيب في الطريق إلى قصر ~~الباهلي، وقد بايعوا أنفسهم جميعا على الموت. # وسارت الكتيبة الصغيرة لا تهدأ في ليل ولا في نهار، حتى صارت بعد أيام على فرسخين من ~~القصر، فنزل المسيب يستروح قليلا ويريح من معه، وانصرف الفرسان يلتمس بعضهم طعاما وبعضهم ~~يستلقي استجماما، وتركوا جيادهم في سروجها وعدتها، وأقاموا في أطراف منزلهم ربيئة يحرسونهم ~~من المفاجأة. # ثم دعا المسيب فارسين ليسبقا الكتيبة في حذر إلى القصر، ويحملا إلى من فيه نبأ النجدة، ~~ويأمرا حاميته بالصبر والدفاع. # وأقبل الليل ولف المروج في ظلمة حالكة، لا يلوح فيها غير وميض نيران العدو تملأ الأفق من ~~بعيد. وهبط على الفضاء سكون تخرقه صيحات تتموج مع الريح، وتصل إلى الآذان مبهمة، فتزيد ~~الظلام رهبة ووحشة. وما هي إلا ساعات حتى عاد الرسولان، فكان أول من لقيهما المسيب وهو ~~يسير في المرج ينتظر عودتهما في قلق. وما كاد يراهما حتى سألهما بلهفة: هل بلغتما ~~القصر؟ # فقال أحدهما: لم نستطع الدخول، فقد كاد حراس القصر يرموننا بالسهام يحسبوننا أعداء، لولا ~~أن سمعوا كلامنا العربي، فطلبت منهم أن يدعوا أمير القصر ليكلمني، فما أبطأ حتى أتى، ~~وأخبرته بقرب الغياث. # فسأل المسيب ولا يزال متلهفا: وماذا وجدت منه؟ # قال الرجل: لقد اعتزموا أن يقدموا النساء دونهم، ويقاتلوا حتى يفنوا جميعا. ms078 # فسري عن المسيب وتنفس نفسا عميقا، وقال: هؤلاء قومي ... # ثم أسرع إلى رجاله، فنادى قائلا: القتال في ليلتنا هذه ... # فلم يجبه أحد بكلمة، بل وثب الجميع على خيولهم وتجهزوا للمسير، فاتجه إليه المسيب وقد ~~اعتلى جواده قائلا: خفضوا الأصوات واهدءوا في السير، حتى إذا اقتربنا منهم فكبروا تكبيرة ~~واحدة واجعلوا شعاركم «يا محمد!» # ثم اندفع يسير في طليعتهم سيرا وئيدا في صمت وسكون، حتى لاحت لهم خيام الترك في ضوء ~~النيران وقد همدت الأصوات والقوم من تحتها نيام. فاقترب المسيب برجاله حتى إذا صار من ~~الخيام على مرمى سهمين صاح مكبرا، واندفع مع أصحابه يصيحون صيحة رجت جوانب الفضاء: ~~«الله أكبر! يا محمد!» # ولم يلبث المعسكر الفسيح بعد هذه الصيحة أن صحا وتحرك وماجت جموعه مضطربة، وقد خالطتها ~~سيوف قاطعة، ورماح طاعنة، كأن السماء قد صبتها على رءوسهم بغتة. وما هي إلا ساعة حتى سالت ~~المروج بالرجال والخيل، وصار العرب في وسط المروج الزاخرة كالشعرات البيضاء في الفرس ~~الأدهم، لا يعرف بعضهم بعضا إلا بصيحة «يا محمد». # وكان المسيب دائما في طليعة القوم، يجوب المعسكر من طرف إلى طرف، وأوغل بين الجموع فإذا ~~هو وحيد. ثم رأى فرسه يخر من تحته وهو بين ألوف يخبطون في عماية الظلام ودهشة النوم، فترجل ~~وهو يصيح صيحته: الله أكبر! يا محمد! # واجتمعت عليه السيوف من كل جانب، وهو يدافع ويناضل ويتعثر في جثث قتلاه، وكاد التعب يعييه ~~عن القتال وكسرت رمحه وكلت يداه. ثم سمع صيحة على مقربة منه أعادت إليه نفسه، فتحامل وصاح ~~صيحته مجيبا، فأقبل عليه رجاله وجعلوا يطاعنون ويضربون، وفيهم رجل قد قطعت يمينه فأخذ ~~السيف بشماله، ثم قطعت شماله فجعل يدافع العدو بما بقي من ذراعيه. ولما استجمع المسيب ~~قوته، وصاح صيحته مرة أخرى، اندفع نحو الرجل ليعينه، ولكن سيفا أهوى على المسكين فأنامه. ~~ولم يلبث العدو أن تردد وتزعزع وتملكه الفزع فتراجع يطلب الفضاء هربا، وما هي إلا لحظات ~~حتى كانت أشباح الترك تسد الأفق لا تلوي على ms079 شيء. # فصاح المسيب في أصحابه: دعوا القوم في هربهم، ولا تلحقوا بهم. # ووقف ينظر لحظة إلى الفارس الصريع المقطوع اليدين، ثم مال إليه فقبله، وأسرع فركب ~~جوادا رآه قريبا منه ولوى عنانه وأشار إلى أصحابه قائلا: إلى القصر! # وهناك استقبلهم المحصورون خارجين من القصر ليشتركوا في المعركة. وسار الركب العربي عائدا ~~إلى سمرقند، بكل من في قصر الباهلي من رجال ونساء وذراري. وفصل المسيب من القصر في آخر ~~الركب بعد أن دار حول الأسوار ينظر لعله يجد متخلفا، فرأى امرأة تصيح به تستمهله، وعلى ~~يديها غلام صغير. فوقف حتى اقتربت منه، فقال لها في لهجة اللوم: وفيم تأخرت وقد كدنا ~~نبعد؟ # فقالت المرأة في هدوء: كنت أحمل ولدي من جانب في القصر تركته فيه. # فقال الرجل متعجبا: وكيف تتركين ولدك؟ # فقالت المرأة: كنت أحارب مع قومي، فما كنت لأتركهم يحاربون وحدهم. # ثم دفعت الطفل إلى الرجل قائلة: خذ هذا بين يديك. # فأخذ الرجل الطفل منها فجعله أمامه، وذهبت هي إلى فرسها في جانب القصر فوثبت عليه كأنها ~~فارس بارع. # فصاح بها المسيب: أوأنت عاتكة؟ # فقالت المرأة: أنا عاتكة ابنة نهشل. # فخفض الرجل بصره وجمع الطفل إلى صدره في عطف وسار صامتا أمامها ليلحق بالركب. # | سلامش # «قد تختلف الشعوب، وقد تقوم الحدود بين الدول وتثور فيها الحروب، ولكن القلب ~~الإنساني يجمع بينها ويزيل أحقادها.» # دافع المحصورون في أنطاكية دفاع الأبطال. لم يتركوا الأسوار حتى لم يبق بها ركن غير ~~مثلوم. ولم يدعوا الضرب حتى لم يبق لمجانيقهم حجر يقذفون به أو نار يلقون بها على أعدائهم. ~~وانتصرت جنود السلطان بيبرس، ودخلت المدينة في أبهة النصر واختيال القوة. وكانوا وهم يدخلون ~~المدينة لا ينسون أنهم فتحوا أكبر معقل بقي للنصارى في الشام، بعد أن كانوا قد بسطوا أيديهم ~~على ذلك القطر كله. # وكان قائد الجند «سلامش» شابا في مقتبل العمر، لو رآه أحد في غير لباس الحرب لظنه أحد ~~أبناء الملوك المنعمين. وجه مشرق وقوام ممشوق ورأس عال وعين تنطق بالسيادة. وكان ms080 في عدة ~~الحرب عليه اللامة والدروع وفي يده الرمح وفي منطقته السيف، راكبا جواده الأصيل في صدر ~~جنوده، ناظرا إلى الأمام معبسا جادا. # وكان يوم دخول أنطاكية يوما مشهودا، فكان نساء المدينة وصبيانها أسرى ينتظرون حكم ~~الفاتح فيهم! وكان رجالهم وشبانها بين مقيد في الأصفاد وجريح يعنى به في خيام العلاج، وقتيل ~~طريح على جانب الأسوار. وبلغ القائد وجيشه ميدان المدينة الأكبر، وقد احتشد فيه الأسرى ~~والضعفاء يتطلعون جميعا إلى من في يده الحكم في مصائرهم. وهدأت الأصوات، وأومأ القائد ~~للجيش بالوقوف حول الميدان. فوقف الجند ينظرون إلى أكوام الغنائم التي أمر السلطان الأعظم ~~أن تقسم بينهم، وهي من كل نفيس ونادر من تحف الأمراء والأغنياء. ووقف جماعات من سبايا الحرب ~~بين صبية وعذارى وبين كهول وشبان ينظرون إلى قيودهم حانقين، أو يبكون ويندبون ~~معولين. # وتقدم نحو سلامش وفد من كبار المدينة وأمرائها، حتى إذا ما صاروا منه على بضع خطوات ~~ركعوا له ووقفوا يطلبون الإذن بالكلام، فأذن لهم وهو معبس على عادته، لا تفارقه تلك النظرة ~~الصارمة التي في عينيه. وجعلوا يتكلمون بلسانهم ورجل منهم يترجم ما يقولون، فطلبوا أن ~~يمن عليهم القائد بالحرية وأن يهبهم نساءهم وذراريهم تقربا إلى الله الذي نصره، بعد أن ~~وضعت الحرب أوزارها ودانت المدينة لحكم السلطان الأعظم. وقالوا له فيما قالوا: «حسبك من ~~قتلت من شبابنا وكهولنا، وما خربت من ديارنا ومعاهدنا، فلئن كانت بنا كبرياء لقد ذلت، ولئن ~~كانت فينا عزة لقد هانت، وكفاك من الحرب النصر، فلا تضم إليه دموع المساكين ولهيب الفراق ~~بين الأبناء والوالدين.» # غير أن سلامش بقي على تعبيسه ووجومه، ولم يجب إلا بإشارة لجنوده أن يعيدوا الأسرى إلى ~~معسكر السلطان حتى يرى فيهم رأيه الأخير، فلم يكن للوفد إلا أن يرتد كليلا ~~حسيرا. # ثم أمر القائد جنوده بالمسير إلى مخيمه، وسار في الطليعة يتقدمهم، لولا أن استوقف نظره ~~جماعة من الجند يجرون شخصا وهو يمانع ويجاهد. وتأمل الشخص فإذا هو امرأة من الأسرى. واقترب ~~سلامش منها فرأى ms081 شابة جميلة ممشوقة فارعة، بوجهها صفرة قد غطتها حمرة، وفي عينيها حلاوة قد ~~غشيتها صرامة، وهي تنظر إلى الجنديين اللذين يدفعانها مرفوعة الرأس كأنها تتحداهما جامدة ~~العينين مضمومة الشفتين. وقد تمزق ثوبها وتلطخ من آثار الوسخ والدماء، فلا يكاد يستر من ~~جسمها إلا ما يستر ظل أوراق الشجر من صفحة الجدول. وكان شعرها الفاحم الغزير يغطي كتفيها ~~لامعا في ضوء الشمس الغاربة كأنه الحرير. فرق لها قلبه، وتمهدت عبسته ولانت نظرته، وأشار ~~إلى الجنديين أن يكفا عنها. ثم نزل إليها وأخذ بذراعها مترفقا، فأسلمت له وسارت معه، حتى ~~اقترب من شيخ فقيه من أهل المدينة كان في صحبة الجيش فأمره أن يترفق بها حتى تذهب إلى ~~خيمته. ولما ركب جواده استعاد نظرته الصارمة وعبسته، وألقى الأمر بالمسير، وقضى سائر اليوم ~~في شغل من أمر جيشه حتى انتصف الليل. # ولما أوى إلى خيمته تذكر الفتاة التي كانت أعمال اليوم قد أنسته ذكراها، فأمر غلاما أن ~~يحضرها إليه، وجلس يستعيد صورتها، ويتمثلها وهي تناضل على ضعفها، وتتكبر على ذلها. # وغاب الغلام قليلا ثم عاد وحيدا، وقال له بعد التحية: «إنها لا ترد بكلمة ولا ترفع إلى ~~أحد بصرها.» # فصرفه سلامش وجلس هنيهة يفكر، ثم نهض متثاقلا وسار إلى خيمتها، فرآها جالسة على الأرض ~~وقد وضعت رأسها بين كفيها. # فدنا منها ووضع يده على رأسها، وتبسم ابتسامة ضئيلة وقال: يحزنني أنهم أساءوا ~~إليك. # فانتفضت الفتاة رافعة رأسها وقامت تنظر إليه والحقد مرتسم على محياها والغضب يضطرم في ~~عينيها، وكانت الملابس الرثة التي أتت بها قد بدلت وألبست حلة من الحرير جعلت وجهها ~~المصفر وعليه آثار الدموع يبدو كالزنبقة المبللة بالندى، ودفعت يده عنها قائلة وفي صوتها ~~بحة: أبعد يدك عني أيها القاتل السفاك. أدر وجهك الكريه عني. فأنت قاتل أبي وأخي، وأنت سافك ~~دماء قومي، وأنت المعتدي على وطني. ابعد عني وافعل ما شئت من عذاب أو قتل، تكمل به وحشيتك ~~وفظاعة جندك. # وكانت في ثورتها تقذف بنظرات كالسهام وصدرها يعلو ويهبط، وشعرها ms082 الطويل الأسحم يضطرب فوق ~~كتفيها وعلى صدرها. # ودهش سلامش من قولها، ولم تفته فصاحة لفظها ولا رخامة صوتها. ولكنه لم يجب بكلمة، بل رفع ~~حاجبيه وانثنى راجعا إلى خيمته يسير في بطء وفي قلبه شيء يشبه الحزن. # وأرسل إلى الشيخ الفقيه يستحضره، فلما أتى جعل يسأله عن المدينة وأهلها، وعن تلك الفتاة ~~وبيتها، فعلم منه أنها ابنة تاجر من أهل أنطاكية قرأت أدب العرب كما قرأت أدب الفرس، وكان ~~لها أخ قتل في أثناء الحصار ومات أبوها يوم الفتح عند أبواب المدينة تحت سنابك الجيش ~~الظافر. # وسمع سلامش تلك القصة صامتا وقلبه يتكلم، وبات تلك الليلة والأحلام تتخلل نومه حتى لاح ~~الفجر، فصحا وهو مضطرب النفس قلق البال. # ولكن أعمال اليوم لم تترك له متسعا للتفكير في الفتاة ولا في همومها، حتى إذا انقضى ~~اليوم وعاد في المساء إلى خيمته بادر بالذهاب إليها. ولما اقترب منها هذه المرة تردد وترفق ~~ووقف إلى جوارها هنيهة يتأملها في صمت، ثم قال بصوت خفيض: لعلك اليوم أهدأ مما كنت ~~بالأمس. # فلم ترفع إليه بصرها، بل بقيت جالسة ورأسها بين كفيها. # ورأى قريبا منها مائدة صغيرة عليها طعام لم تمتد إليه يد، فقال وهو يتكلف الهدوء ~~والجفاء: هل تريدين أن تموتي جوعا؟ # فلم تجبه بحرف، وجعلت تبكي وتحاول كتمان نحيبها. فقرب منها وحاول أن يضع يده على رأسها ~~وهو محترس متلطف، ولكنه ما كاد يلمسها حتى نفرت منه وصاحت به قائلة: أقول لك اتركني ~~... # فأبعد يده عنها، وتراجع ناظرا إليها لحظة، ثم خرج مسرعا وفي قلبه حزن وقلق. # وقضى ذلك اليوم موزع القلب كئيبا، وصرف أمور الحكم متبرما غاضبا، حتى عجب الناس أن ~~تكون تلك حاله بعد ما أحرز من النصر وما بلغ من المجد والتوفيق. وما انتهى من عمله حتى أسرع ~~إلى سرادقه ووقف هذه المرة مترددا وجلا، قبل أن يذهب إلى خيمة الفتاة. وكانت ما تزال على ~~ما كانت عليه في الصباح، والمائدة الصغيرة عليها عشاء لم تمتد إليه يد . # ونظر إليها ms083 مليا ثم قال برفق: أما تكلمينني؟ إنني أرجوك أن تنظري إلي وتنطقي بما ~~يجول في نفسك ولو كان قاسيا. # ثم مد يده إلى رأسها ومسح عليها متلطفا، فلم تثر هذه المرة ولم تغضب ولكنها بقيت ساكنة ~~في مكانها كئيبة. # فجلس إلى جوارها يحاول أن يحادثها، وهي لا تجيب إلا بدمعة تثور بين حين وحين في عينيها ~~فتمسحها بمنديل ثم تعود إلى وجومها وسكونها، فقال لها ولسانه ينم عن مقدار عطفه وحزنه: إنني ~~لا أريد إيلامك، بل إني لا أحب أن أراك متألمة. ولو عرفت أن ألمك يزول بإبعادك عني لفعلت. ~~ألك أهل في عكا أو في مدينة أخرى من المدن فأرسلك إليهم؟ # فهزت رأسها وقالت: ليس لي أهل. قد قتلتهم جميعا، ويا ليتني قتلت معهم. # ثم شهقت بالبكاء واسترسلت في هزة مرة من الحزن. # ولم يملك سلامش قلبه من أن يجيش بالحزن، وقال لها في تأثر: إنني أرحمك في حزنك الذي لا ~~أملك دفعه. كان أهلك أعدائي، وكنا معا في ميدان قتال يسعون فيه إلى قتلنا كما كنا نسعى إلى ~~قتلهم. وهل للشجعان مصير إلا الموت في ميدان الحرب؟ ولو كان أهلك بين هؤلاء الأسرى لما ~~ترددت في افتدائهم من أجلك، ولكنهم في غير حاجة إلي ولا إليك. إن حزنك يؤلمني وإن كانت ~~كبرياؤك قهرت كبريائي. إذا شئت أن تبعدي إلى مكان تختارينه كان لك ما تشائين، وإن أحببت ~~المقام هنا كنت في أعز مكان عندي. # فنظرت الفتاة نحوه وقد زال من عينيها ذلك البريق القاسي الذي كان يلوح منهما كلما نظرت ~~نحوه من قبل، وأطالت نظرتها إليه حينا ثم أغضت صامتة. # ولم يذهب سلامش ذلك المساء إلى خيمته حتى كان قد قاسمها بعض الطعام الذي كان على ~~المائدة. # وجاء بريد السلطان في الصباح يحمل إلى سلامش أمرا بالسير إلى دمشق بمن معه من الجند، ~~ووهب له المدينة يتصرف في غنائمها كما يشاء اعترافا ببسالته وجزاء على انتصاره ~~العظيم. # وقضى سلامش يومين كاملين في الاستعداد للمسير إلى دمشق . وبكر في ms084 يوم الرحيل إلى خيمة ~~الفتاة، وهو خفيف الخطوة متهلل النفس، فرآها راقدة على أريكة. فلما وقع بصرها عليه جال على ~~وجهها طيف ابتسامة واعتدلت في مكانها. ولما حياها تحية الصباح ردت تحيته، ثم جلس قريبا ~~منها وأخذ يحدثها، وكان في حديثه خفيض الصوت مهتز النبرات. # قال لها: لقد أمرني السلطان أن أسير إلى دمشق. # فلم تجبه، بل نظرت نحوه كأنها تنتظر لحديثه تتمة، واستمر قائلا: وقد أراد السلطان العظيم ~~حفظه الله أن يهب لي هذه المدينة، فهل لك مطلب فيها؟ # فصاحت الفتاة ومدت نحوه يديها قائلة: إذا فالمدينة في يديك؟ # فقال لها: هي كذلك، فاطلبي ما تحبين ... # فصاحت الفتاة قائلة: ماذا تفعل بالأسرى؟ # فتبسم سلامش نحوها وقال: هم لك يا ... لم أعرف اسمك بعد. # فأجابت وصوتها يتهدج من الفرح: أونوريا! # فقام ومد يده نحوها وقال: هم لك يا أونوريا! # فمدت يديها وأمسكت بيديه الممدوتين وقالت: ما اسمك أنت؟ # فقال باسما: سلامش ... # فنظرت إلى وجهه لحظة، ثم تركت يديه وأطرقت إلى الأرض. واستمر هو قائلا: وأحب أن أعرف أين ~~تذهبين. لك أن ترجعي إلى دارك إذا شئت عزيزة في ظل السلطان العظيم. ولك أن تذهبي حيث شئت في ~~دولته الفسيحة ... # فنظرت الفتاة نحوه وترددت قليلا، ثم قالت في حياء: وأنت؟ ... # فقال سلامش وهو يمانع نفسه من الاضطراب: اليوم أسير إلى دمشق. # فسكتت الفتاة لحظة ثم مدت يديها بحرارة وقالت: سلامش! وأنا كذلك إلى دمشق أسير. # ثم ارتمت بين ذراعيه. # | الأمير بدر الدين بيليك # «عندما تعصف الأهواء بالحكمة، كم من ضحايا ذهبت في سبيل الأهواء الصغيرة التي ~~مهدت طريق الأمم المنحدر نحو الفناء!» # سار الموكب العظيم عائدا من بلاد الشام، وكان فرسان المؤخرة يسوقون الأثقال من غنائم ~~أرمينية وأذربيجان وآسيا الصغرى والقوقاز. ولكن السلطان العظيم بيبرس الذي عاد بتلك الغنائم ~~لم يكن على رأس الجيش في صدر الموكب. كانت المحفة البديعة المزركشة بالأبنوس والعاج والصدف ~~تسير متئدة فوق أعناق الإبل، والفرسان يرفعون نحوها أعينهم في خشوع إذ كان فيها قائدهم ~~العظيم الذي ms085 صرعه المرض. وكان الأمير بدر الدين بيليك نائب السلطنة يسير مطرقا على ظهر ~~جواده الأبيض إلى يمين المحفة، يلفت رأسه بين حين وآخر فيرمقها بحزن. # وكان الصمت يلف الصحراء إلا من وقع أخفاف الإبل وحوافر الخيل على الرمال الناعمة. # واشتد حر الظهيرة، وبدا الكلال على الخيل بعد أن واصلت السير إلى مطلع الفجر، فأمر بدر ~~الدين بدق الكئوس مؤذنا بوقوف الركب للراحة. وأنزلت المحفة في رفق فوضعت فوق الرمل على ~~قوائمها، وأشار نائب السلطنة إلى الفرسان المحيطين بها أن يذهبوا ليستريحوا ساعة. فلما ~~بعدوا عنه رفع الستار عن المحفة وانحنى في خشوع كأنه يحيي مولاه، ولكن المحفة كانت خالية ~~ليس فيها شيء. # وبعد قليل أتى إليه صديقه الأمير قلاوون صهر السلطان ومعه الطبيب، فدخلا إلى المحفة ~~وانحنيا بالتحية كما فعل بدر الدين، ثم تراجعا إلى الوراء وأعادا التحية وأسدلا ستار المحفة ~~الخالية. ثم جلسوا عند باب المحفة ليعدوا نشرة الطبيب معلنة أن السلطان يتماثل ~~للشفاء. # وسار الموكب يوما بعد يوم، والمحفة الخالية محمولة في وسطه، والأمير بدر الدين يرفع عنها ~~الستار في كل يوم مرتين، ويدعو الطبيب إلى زيارتها، ثم يذيع في الجيش أن الملك الظاهر يتنسم ~~في هذا السفر نسيم العافية. وبلغ الموكب أرباض القاهرة، وخرج الناس إليه ألوفا ليستقبلوا ~~بطلهم العظيم بيبرس. ~~••• # وكان الأمير محمد بركة بن بيبرس جالسا في الإيوان الكبير في قلعة صلاح الدين ينتظر موكب ~~والده ومن حوله أمراء الدولة. وكانت الشمس تطل في الإيوان فاترة من خلال النوافذ ذات الزجاج ~~الملون، فشاع الضوء الرقيق في جنباته يكسو أرضه الرخامية بألوان متناسقة مختلفة، بين الأحمر ~~والأزرق والأخضر والبرتقالي. وكان الأمير محمد ولي العهد جالسا فوق كرسي عال من الأبنوس ~~المطعم بالعاج والصدف، إلى جانب كرسي السلطان الرخامي القائم في صدر الإيوان على هيئة ~~المنبر. # وجلس إلى يمينه ويساره أهل الدولة في ترتيبهم المرسوم، ووقف من ورائه كبار الأمراء أصحاب ~~المشورة، وتفرق الحجاب والمماليك في جوانب الإيوان الفسيح في ملابسهم المختلفة الألوان ~~وأقبيتهم الصفراء الحريرية. # وبعد ms086 حين دقت كئوس الموسيقى تحت نوافذ الإيوان مؤذنة باقتراب طلائع الموكب، ثم سمعت ضجة ~~الموكب، فوقف كل من في المجلس ليستقبلوا السلطان. # ودخل نائب السلطنة مطرقا يسير في بطء، حتى إذا ما صار على بضع خطوات من الأمير انحنى ~~بالتحية حتى لمس بأطراف أصابعه بساط الإيوان، ثم رفع يده إلى فمه فقبلها ووضعها على رأسه، ~~وتقدم خطوة أخرى وانحنى بالتحية مرة أخرى، وتقدم خطوة ثالثة وأعاد تحيته، ثم وقف متجها إلى ~~الأمير خاشعا. فساد الصمت، وفتح الحاضرون أعينهم من الدهشة؛ إذ رأوا نائب السلطنة يحيي ولي ~~العهد مثل تحية السلطان العظيم. # ورفع بدر الدين يديه بالدعاء قائلا: حفظ الله مولاي وأحسن عزاءه ... # ووقف مطرقا، وساد الصمت لحظة، ثم ضج المجلس ضجة الدهشة والمفاجأة، وشاعت الأنباء سريعة ~~في القاهرة أن السلطان الفاتح بيبرس قد دفن في دمشق، وأن الموكب الذي أقبل إلى مصر إنما ~~كان يحيط بمحفة خالية. # واعتكف الأمير بدر الدين بعد ذلك في داره لكي يذوق شيئا من الراحة بعد سفره الطويل، وما ~~كان فيه من مشقة الجسم وكد القلب، فلم يذهب إلى دار النيابة، ولم يبكر إلى خدمة السلطان ~~الجديد، ولم يذهب لعزاء السيدة الوالدة في زوجها العظيم. ولم يشعر بالراحة إلا بعد أيام، ~~فاستطاع أن ينزل من دار الحريم ليجلس في البهو الفسيح من دار الرجال، وكان ذلك المكان آية ~~من آيات الفن، تحليه النقوش الدقيقة بألوان متداخلة يمازجها الفضي والذهبي والقرمزي، وكان ~~حول الجدران من أعلاها إطار كتبت فيه آيات من القرآن بأقلام نوابغ فن الخط، ووزعت حول ~~البهو تحف مختلفة تتصل بذكريات الحوادث التي مرت بصاحب الدار في حياته المضطربة، وكان أثاث ~~البهو يغطي كل جوانبه وأركانه، حتى لم يكن فيه موضع تظهر منه أرضه الرخامية التي كانت ~~تحليها نقوش من الفسيفساء والأحجار الملونة. وكان في وسط البهو «فسقية» من الرخام الأبيض، ~~رسمت في قاعها أنواع من الأسماك، فإذا امتلأت بالماء في فصل الصيف خيل إلى من ينظر إليها ~~أن الأسماك تتلاعب في بحيرتها. # جلس ms087 الأمير بدر الدين على مقعد في الصدر، وجعل يجيل بصره في التحف التي تحيط به. فهذه ~~ستارة من الحرير المذهب من غنائم أنطاكية، وإلى جانبها جوشن أهداه إليه السلطان اعترافا ~~ببسالته في حرب التتار عند حلب، وذاك سيف يعيد إليه ذكرى قاسية، فهو سيف «ليفون» الشاب ابن ~~ملك الأرمن الذي تصدى له في موقعة «سيس» على نهر الفرات وكاد يقضي عليه لولا أن عثر الجواد ~~بالفتى فأوقعه على الأرض، واكتفى بدر الدين بأن أخذ منه السيف بعد أن أسره. وهناك غير ذلك ~~كله حلل كثيرة زاهية الألوان مزركشة بالذهب علقت في كل منها منطقة من الذهب الخالص، ~~وهي الجوائز الكثيرة التي أنعم بها السلطان العظيم عليه في مباريات الرماية ولعب الكرة ~~بالصولجان وفي سباق الخيل. # جلس الأمير يستعيد أحداث ذلك الماضي المليء، ثم تنفس نفسا طويلا عميقا كأنه عاد من ~~رحلة طويلة، وأحس في نفسه انقباضا شديدا وهو يستعيد ذكرى ماضيه؛ لأن السلطان الجديد لم ~~يبعث إليه رسولا في هذه الأيام التي قضاها في داره يستريح، ولم يرسل في طلبه ليشارك في ~~الموكب العظيم الذي يشق فيه السلطان الجديد عاصمة ملكه لأول مرة. # فخرج إلى حديقة قصره ليسري عن نفسه، وأخذ يتمشى في مسالكها الضيقة المتعرجة بين أحواض ~~الورد الأصفر والأحمر وحصا البان والعتر وبين الأشجار النادرة التي نقلها من بلاد الشام من ~~مشمش وبرتقال وتفاح. # وكان هواء الأصيل يهب باردا على غير عادة تلك الأيام من شهر أغسطس، فبعث فيه برد ~~الهواء نشاطا أزال عنه كثيرا مما خيم على نفسه من الانقباض والغم. # ومال في ركن من الحديقة إلى أريكة تظللها فروع غزيرة من الياسمين، فاضطجع يستريح، فأتى ~~إليه خادمه مسرعا يخبره أن السلطان بعث إليه رسوله يستدعيه. # وأسرع بدر الدين ليستعد للمثول بين يدي سيده وخفق قلبه سرورا لعطف مولاه الذي تذكره وبعث ~~رسوله إليه. # ولما ذهب إلى القصر، لقي فيه ترحابا جديرا بقدره، واستقبله الملك السعيد باسما وبالغ ~~في إكرامه، حتى إنه أذن له أن يذهب إلى ms088 قصر السيدة الوالدة ليعزيها بنفسه. # وذهب بدر الدين إلى قصر السيدة الوالدة وهو يكاد يسبح في الهواء من السعادة، حتى إذا بلغ ~~موضع الستارة من القصر جاءت إليه السيدة العظيمة نفسها فرحبت به من وراء الستارة وشكرته على ~~ما كان من ولائه وحسن بلائه. وأرسلت إليه كأسا ذهبية على صينية رائعة الحسن لم تقع عين ~~على مثلها، وكان في الكأس شراب مثلج يفوح منه عطر ذكي، وقالت السيدة من وراء الستار: هذا ~~شراب صنعته بيدي أيها الأمير العظيم، أقدمه لك إيفاء بحقك وآية مني على شكرك. # فدعا الأمير لها وقبل الأرض تحية لها، ثم شرب الكأس. # الكأس التي تعودت القصور أن تقدمها للذين يؤدون الخدمات الجليلة للسلاطين حتى لا يبقى على ~~الأرض أحد يحس أن له فضلا على سيد البلاد. # وفي اليوم التالي ارتجت القاهرة لجنازة الأمير بدر الدين بيليك بطل الحرب وصاحب الفضل ~~في المحافظة على ملك بيبرس. وكان يسير في طليعتها نائب من قبل السلطان الملك السعيد ونائب ~~آخر من قبل السيدة الوالدة! إذ أرادا أن يظهرا جزعهما على موت خادمهما المخلص الذي حفظ ~~لهما العرش! # | آخر السلاطين # «مضت دولة وكان غروب شمسها تحيط به ألوان الشفق الزاهية. كانت دولة جديرة بالفناء، ~~ولكنها كانت مثلا رائعا من عصر منقرض.» # كانت رءوس النخيل الباسقة تميل في كبرياء، وتختلج بسعفها في عنف، كأنها عمالقة تجاهد في ~~معركة أمام رياح الخماسين الخانقة. # وتناثرت سحب الرمال تغطي صفحة السماء وتحجب قرص الشمس الغاربة، فلا يظهر منه إلا مثل جمرة ~~متقدة، وتبدت ألوان الشفق الزاهية مترددة خافتة، تتمسك بأذيال السحب الداكنة. # وسار الركب الصامت في موكب واجم، والخيل تتعثر في الأخاديد التي خطتها سيول الشتاء ~~المنصرم في تلك الصحراء الجرداء، التي لم يبق على وجهها أثر من النبات إلا هشيم تذروه ~~الرياح، يزيد السهل القفر وحشة. وسار الفرسان يلفون اللثم حول وجوههم ليتقوا الرمال ~~السافية، ولكن الحر الكامن في الهواء كان يجعل الأنفاس كثيفة كأنها تلج إلى الصدور قطعا ~~صماء. # ولاح عند الأفق ms089 الغربي تل أغبر، يقطع صفحة السماء ثقيلا كأنه يهم بالنهوض ولا تسعفه ~~الهمة. # ورفع الفارس المطرق الذي كان في أول الموكب الحزين رأسه في بطء، وقلب وجهه فيما حوله حتى ~~استقر نظره على قرية فوق التل البعيد، والتفت إلى صاحبه الذي يسير في أثره وقال له: أتعرف ~~ما هذه المدينة يا شاد بك؟ # فأجاب صاحبه: هي قرية تروجة يا مولاي. # فقال له الفارس وهو مطرق: نعم، هي تروجة، آخر قرية على حدود الصحراء. اسمع نصيحتي يا ~~صديقي واتركني لشأني واذهب أنت وهؤلاء الأصدقاء لتجدوا لأنفسكم متسعا للحياة. # فقال شاد: وهل كنا لننكث عهدنا ونغدر بك؟ إن لك في أعناقنا عهدا قطعناه على أنفسنا منذ ~~مات الملك قانصوه الغوري شهيدا ... لقد حلفنا أن نكون جنود السلطان طومنباي أينما كان، ولن ~~نزال جنودا لسلطان مصر حتى نسفك آخر ما بقي من دمائنا. # فأطرق طومنباي حينا ثم تنفس وقال: ما كنت أؤثر يا شاد أن تمتد بي الأيام حتى أرى نفسي ~~طريدا مع هذه الفئة القليلة من الفرسان البسلاء، الذين جررت عليهم الشقاء معي. إنني أحس يا ~~صديقي أن طالعا من النحس يتبعني، ولست أدري كيف ينقلب نصري خذلانا، وكيف ينفلت الأمر من ~~يدي كما ينفلت نور الشمس من بين الأصابع. كلما ظننت أن النصر قد أقبل وأصبح في قبضة يدي، ~~وجدت الشؤم يطاردني وصحوت على هزيمة طاحنة كأنني كنت في كابوس ثقيل. # وعاد الفارس إلى صمته وجعل ينظر نحو التل البعيد، وسار الموكب واجما يقتفي أثره صامتا، ~~لا تسمع فيه إلا خشخشة حوافر الخيل إذ تخبط في سيرها كليلة تمتد أعناقها نحو الأرض من ~~الإعياء. ثم لفت الفارس رأسه فجأة نحو صاحبه وقال له: أتعرف ماذا كان هذا التل من قبل يا ~~شاد؟ # فتمتم الرجل قائلا: هذه أول مرة أراه. # فكشف الفارس رأسه وأزاح اللثام عن وجهه الذي لوحته الشمس، وقال في صوت حزين: هذا التل ~~بقية مدينة عظيمة كانت هناك في أيام القدماء، عندما كانت هذه الأرض سلسلة من البساتين ~~الظليلة. ms090 هكذا الدنيا يا شاد، يفنى عزها ويطوى مجدها فلا يبقى منها إلا أثر مثل هذا التل ~~القائم في الصحراء. لقد كنت أقف في مصر إلى جانب الأهرام، فأتصور الذين بنوها وما كان لهم ~~من المجد والغنى والفن، ثم أحس قلبي يخفق كأنه يريد أن يقف ويخمد في صدري إذ أتأمل ما نحن ~~فيه اليوم من ضعف وخمود. هذا التل يقوم في وسط الصحراء مناديا بأن الأبناء قد يرثون المجد ~~ولا يحافظون عليه. # وكان شاد بك يسمع هذا القول الحزين وهو مطرق. # واستمر طومنباي قائلا: إن قلبي مظلم يا صديقي. أواه! إنه في مثل ظلمة السجن ويطويني في ~~جوفه. # فقال شاد بك متأثرا: لا تستسلم لهذا الهم يا مولاي، والأمل ما يزال أمامنا فسيحا. هناك ~~منازل صديقك حسن بن مرعي شيخ عرب البحيرة، وستجد عنده بلا شك ما تحب من النصر على هذا ~~الدخيل ابن عثمان، وسيجتمع لك بعد حين جيش من العرب يتحفز لقتال هؤلاء الغرباء، وسنكون في ~~صدر الجيش نمزق الجموع الهزيلة التي أتت إلينا كالذئاب من وراء الصحراء ... لم ينتصر الترك ~~علينا إلا بخيانة الخونة، وسنمزق جموعهم في المعركة المقبلة ونعود إلى مصر التي تردد اسمك ~~في حنايا قلوبها. # فأطرق السلطان صامتا، وكان يحس في نفسه شعورا مبهما من اليأس يرده إلى الحزن كلما حاول ~~الفكاك منه، وكلما حاول أن يعلل نفسه بما سوف يجده عند صديقه الأمير العربي من المعونة ~~والحماية أحس برودة تشبه برودة الثلج تغوص إلى أعماق قلبه وتكاد توقف دقاته. # ثم لاحت بعد حين عند الأفق ربوة تخفيها سحابة من الضباب والغبار، وانحدرت الشمس للمغيب ~~ولمعت من قبل الربوة أنوار تخفق ضئيلة خافتة. واستمر الموكب سائرا في طريقه يخيم عليه ~~الصمت والكآبة. ~~••• # وخرج الأمير حسن بن مرعي وابن عمه الأمير شكر ومن ورائهما طائفة من فرسان العرب على خيول ~~شعثاء خفيفة ضامرة، لاستقبال السواد المقبل من بعيد. # والتفت حسن إلى ابن عمه فسأله: لا أظن هؤلاء إلا بعض المماليك المنهزمين يا شكر . # فقال شكر ms091 مبادرا: أرجو ألا يكون ذلك أيها الأمير. # فقام حسن في ركابه واستشرف حينا ثم قال: إنها خيولهم يا شكر بغير شك. إنها خيول هزيمة ~~تسير وئيدة مطرقة. # فصمت شكر حينا ثم قال: وهل يجرؤ المماليك على المجيء إلينا؟ # فقال الأمير مسرعا: ولم لا يجرءون يا شكر؟ وهل بقي أمامهم سوى ذلك بعد هزيمتهم ~~الطاحنة؟ # فصاح شكر في غيظ: أتراهم يجرءون على ذلك بعد ما أصابنا من ظلمهم وبطشهم؟ أنسيت الأعوام ~~السبعة التي قضيناها في سجن قانصوه؟ # فأطرق حسن حينا ثم رفع رأسه وقال بصوت خافت: وكيف أنسى ذلك يا شكر وقد قاسيت في السجن ما ~~قاسيت؟ ولكن المهزوم ليس قانصوه بل طومنباي. إنه صديقي، وهو الذي خلصنا من السجن، وهو الذي ~~حالفته على الوفاء والولاء. # فقال شكر في شيء من الحنق: إنك لن تنصر طومنباي وحده يا ابن عم، إنها دولتهم التي ~~عرفناها وعرفها آباؤنا من قبلنا، وما ينبغي لك أن تنصرها وهي مدبرة محطمة، بعد أن أذاقتنا ~~ألوان العذاب والذل وهي في عزها وقوتها. # فقال الأمير: ولكن طومنباي صديقي، ولا بد لنا من أن نؤدي له واجب الضيف يا ابن ~~عم. # فقال شكر وهو يحاول أن يكتم غيظه: لك أن تختار ما تراه يا ابن عم، فإنا نسير وراءك حيث ~~تسير. # فأطرق الأمير واجما، وامتلأ قلبه حيرة منذ سمع قول ابن عمه، ووقع في نفسه هاجس من الخوف؛ ~~لأنه لن يخاطر بنفسه وحدها بل بكل قومه إذا وقف بهم في جانب دولة محطمة. ورفع رأسه بعد حين ~~وقال في تردد: لقد كان السلطان منذ الصغر صديقي، عرفته منذ صباي وكنا أخوين في العهد على ~~الشيخ المبارك أبي السعود الجارحي. # فضحك شكر ضحكة عالية ساخرة، ثم ملك نفسه وبادر قائلا في لهجة الاعتذار: إنني أول من ~~يطيعك يا ابن عم. # فنظر إليه الأمير متألما وقال له بلهجة العتاب: ولكن ما الذي يضحكك يا شكر؟ # فقال شكر جادا: معذرة يا ابن عم إن كنت قد آلمتك، ولكني لا أكتمك أنني لا ms092 أظن خيرا في ~~ذلك الشيخ، ولا أرى للعهد الذي قطعته عليه شيئا من القدسية. # فرفع الأمير حاجبه صامتا ومضى ابن عمه فقال: إنه شيخ لبيب يعرف حقيقة مصلحته. # أليس هو الذي كتب على أبواب القاهرة طلاسمه وأسراره زاعما لطومنباي أن ابن عثمان لن ~~يستطيع أن يدخل من تلك الأبواب ما دامت طلاسمه عليها؟ لقد اعتقد طومان المسكين في ولايته، ~~ولم يتحول عن اعتقاده بعد، مع أنه قد رأى ابن عثمان يدخل القاهرة من تلك الأبواب المطلسمة. ~~وها هو ذا ابن عثمان يخترق ريف مصر، ويهزمه في موقعة بعد موقعة حتى أتمها ست هزائم طاحنة، ~~وطومنباي مع ذلك مستمر على اعتقاده في شيخه المبارك. # فقال الأمير ولم يخف ما أصابه من ألم: إنك لا تحب الشيخ يا شكر، فدع هذه السخرية المرة ~~فإني لا أحب أن يصيبك منه أذى. # فعاد شكر إلى الضحك وقال في عناد: أما أنا فلست أبالي أذاه. إن الشيخ الصالح في زاويته ~~بالقاهرة عند كوم الجارح يقيم حلقات الذكر لأتباعه المخلصين، فليس يسمع سخريتي. # فلم يجب حسن، بل عبس ومضى في سبيله صامتا. ولكن ابن عمه قال جادا: أما بلغك أنه كان ~~يستقبل رسل ابن عثمان في زاويته؟ لقد أخبرني بذلك أحد مريديه. وكان الشيخ على عادته ~~حريصا لبيبا؛ لأنه طلب من أتباعه ألا يذيعوا سر ذلك الرسول. وها هو ذا ابن عثمان قد زاره ~~في زاويته أول شيء بعد دخول مصر. # فقال حسن في جفاء: دعنا من هذا الآن، فها هو ذا الركب يعرج نحو منازلنا، فأسرع بنا ~~لنلقاه. # وهمز فرسه فانطلق به مسرعا، ووثبت وراءه أفراس أصحابه تثير غبار الصحراء. # ولما استطاع حسن أن يتبين الوجوه والملابس في غبش المساء قال في شبه صيحة: إنه السلطان ~~طومنباي. # ولما صار على خطوات من ركب طومنباي، ترجل وألقى عنان فرسه على عنقه وصاح مرحبا: شرفت ~~البلاد يا مولاي! # فترجل السلطان وفتح له ذراعيه وتعانق الصديقان. # وكان الليل قد لف الصحراء ولمعت الكواكب في السماء الصافية بعد أن ms093 رها الهواء وسكنت ~~العاصفة، وبلغ الفرسان ساحة النجع، فنزل المماليك أتباع السلطان يختارون المواضع لإقامة ~~خيامهم، في حين سار السلطان وأمراؤه الستة نحو خيمة الأمير العربي. # ومد السماط بالطعام بعد حين واجتمع عليه شيوخ العرب من قبائل محارب وكبار الأمراء، وشبان ~~أسرة الزعيم البدوي حسن مرعي. # ودار الحديث بعد العشاء في سيرة الحروب، ولكن الأمير حسن كان يتحاشى المناقشة؛ لأن أقوال ~~ابن عمه شكر تركته في حيرة. # ولم يستطع أن يذوق النوم في ليلته من الأفكار المتضاربة، ثم قام مبكرا في الصباح فذهب ~~إلى خيمة أمه ليستشيرها. # وكانت السيدة جالسة في صدر خبائها تنتظر أن تصلي الفجر، وما كادت تراه حتى بادرته قائلة: ~~لقد سمعت أن السلطان عندك يا ولدي. # فأجابها الأمير مسرعا: نعم، هو هنا يا أماه. # فقالت الأم: لا شك في أنك تعرف ما يجب عليك يا ولدي. # فأطرق الأمير كأن صدمة عنيفة أصابته، ووقف مرتبكا ينظر إليها، وقال: لقد جئت إليك يا ~~أماه لاجئا إليك في حيرتي. # وجلس إلى جوارها يحدثها ويراجعها ويفضي إليها بما قاله ابن عمه شكر، ولكنها كانت ترده ~~كلما راجعها وتدور به إلى كلمتها الأولى كلما أراد أن يتفلت منها. وكانت آخر كلمة منها إليه ~~قولها: إذا لم تشأ أن تقف مع ضيفك وتسبل عليه حمايتك كما يقضي عليك واجبك، فلا يجمل بك إلا ~~أن تصرفه الآن عن جوارك. # فخرج من خبائها يتعثر في خطاه، ويمسح القطرات الباردة عن جبينه الملتهب، ويستقبل نسيم ~~الفجر مستروحا، وسار إلى الشمال في الفضاء الساكن ينظر في أعقاب النجوم الغاربة، والأفكار ~~الثائرة تضطرب في ذهنه الكليل. # وجال بين الكثبان مطرقا يناجي خواطره المضطربة، فلم يعد إلى نفسه حتى علت الشمس فوق ~~الأفق، فتلفت حوله ليرى موضعه من منازله، فما راعه إلا أن رأى على الأفق الجنوبي سوادا ~~يتحرك. فوقف ينظر إليه ذاهلا لا يدري ماذا يكون ذلك المقبل الجديد، ثم عاد إليه وعيه شيئا ~~فشيئا، وفتح عينيه من الدهش والرعب. فقد كان ذلك السواد بغير شك جيشا ms094 عظيما يثير حوله ~~سحابة من الغبار يغمرها ضوء الصباح. # فعاد مسرعا إلى الحي وقصد إلى منازل ابن عمه شكر، وناداه في فزع وانتحى به في ناحية ~~ليخبره عن ذلك الجيش الذي طلع به اليوم الجديد. # وأسرعا معا نحو خيام السلطان. # ومضت لحظات طويلة قبل أن يخرج إليهما السلطان من خيمته، إذ كان يصلي الصبح قضاء بعد هجعة ~~نوم ثقيل. فتقدم نحوه الأمير حسن وحياه تحية قصيرة ثم أنبأه باقتراب جيش الأعداء. # وقال له في آخر الحديث: فليس لك يا مولاي إلا أن تحتال لنفسك، ولا تخاطر بالبقاء في وجه ~~هذا الجيش الكبير. # فقال السلطان ثابتا: أتريد أن نسير عن جوارك أيها الأمير؟ # فأدرك الأمير ما في سؤال السلطان من لوم، وبادر قائلا: إذا شئت يا مولاي أن تبقى فنحن ~~معك. ليس علينا إلا أن نموت معك إذا شئت أن تجعل الوقعة الأخيرة هنا. # فأطرق طومنباي مليا، ثم نظر حوله نحو خيام أتباعه القلائل، وقال في صوت متهدج: ليس لي ~~أن أتحكم في مصير هؤلاء؟ # ثم أعلى صوته قائلا للأمير البدوي: لم ألجأ إليك يا صديقي لأجر عليك وعلى قومك الهلاك، ~~وقد صدقت في نصحي إذ أشرت علي ألا أواجه هذا الجيش. # فقال حسن: إذا شئت يا مولاي فاخرج إلى البراح وأوغل في الصحراء، فإن الجيش لن يستطيع ~~اللحاق بك في هذه القفار. # فقال طومنباي: إننا لا نستطيع الهرب من القضاء يا صديقي. فقد طالما وقفنا في وجه الجيوش ~~الجرارة، ومزقنا صفوفها بصدمة حملاتنا المفردة. كنا أفرادا نقاتل الألوف ونفتك بها، ونخرج ~~من تحت الغبار بغير أن تصل أيدي العدو إلينا. إني أرد عليك جوارك يا صديقي، وسأذهب من ~~هنا. # فرد الأمير حسن والخجل يثير الدماء في وجهه: لن نتخلى عنك يا مولاي إذا شئت البقاء. إنني ~~ما أزال على العهد الذي قطعته لك، ولن يخذلني عن نصرتك ما أراه من قوة عدوك. إنني نصحت لك ~~ناظرا إلى سلامتك، ولكني واقف معك إذا شئت حتى تحكم الأقدار حكمها. # فأطرق السلطان حينا ms095 وبدت على وجهه ظلال من التردد، ثم رفع رأسه وقال هادئا: أليس هناك ~~موضع نستطيع أن نتحصن فيه؟ # فقال الأمير مبادرا: نعم يا مولاي. هذا وادي الغابة على بعد قليل، هو واد حصين لن ~~يستطيع جيش أن يدخل إليه. إن له مدخلا لا يتسع لأكثر من راكب واحد، وتحف به رمال تغوص فيها ~~الدابة وتغرق في المستنقع الوخيم. ولن تجرؤ الجموع على اقتحامه ما بقي عند ذلك المدخل عدد ~~قليل يحميه. # فقال السلطان في وجوم: إذا شئت فسر بنا إليه أيها الأمير. # ثم أسرع نحو الخيام ليأمر أصحابه بالاستعداد ليسيروا سراعا إلى الوادي الحصين. ~~••• # وكان اليوم مثل سابقه قاتم السماء قلق الريح، يثور غباره مع هبات الهواء التي تسفي ~~الرمال. # واعتلى السلطان طومنباي ربوة في الوادي الذي دخله مع أصحابه في أول الصباح، وأطل على ~~المدخل الضيق يتأمل الرمال السمراء التي تحف بجانبيه. # وكان قلبه ثقيلا يكاد يغوص في أعماق صدره وهو ينظر في حسرة إلى الفئة الضئيلة التي بقيت ~~له من فرسانه ومماليكه. # وتمنى لو انصرف هؤلاء عنه وتركوه حيث هو على تلك الربوة ليقاتل في المعركة الأخيرة وحده. ~~ورأى عند الأفق البعيد جيش ابن عثمان يملأ الفضاء، فعرف أن الأمير العربي أخلص له النصيحة ~~عندما أشار عليه أن ينجو مع أصحابه إلى الصحراء الفسيحة قبل أن يحيط به عدوه بألوفه ~~المؤلفة. واندفع هابطا من الربوة إلى الوادي الأغبر، ثم استمر حتى بلغ الساحل وهو ذاهل عما ~~يريد أن يصنع. وهناك وقف حينا ينظر إلى الموج الهائج ويستمع إلى صوت هديره العنيف، كأنه ~~وجد في ثورة البحر الصاخب ما يواسي ثورة قلبه الحانق. وتصاعدت الشمس نحو كبد السماء وهو ~~ثابت في مكانه وحيدا لا يملك من ملك مصر كله سوى الدرع التي عليه والطبر الفولاذي الذي ~~طالما صاحبه في المعارك وسيفه الباتر الذي ورثه عن سلسلة السلاطين الأبطال. وخيل إليه أنه ~~يسمع صوتا يناديه من ثنايا الموج: ~~«ها قد قضي الأمر، فلا تقاوم القضاء.» # فوثب كالمخبول يتلفت حوله في ms096 فزع، واستولى عليه شعور غامر من اليأس والذعر، وأحس برأسه ~~يتصدع وبعزمه يتحلل. وطن الصوت في أذنيه مرة أخرى: «لقد قضي الأمر ولا حيلة في مقاومة ~~القضاء.» فاندفع يخوض الموج لا يدري ماذا يريد، ثم توقف وتراجع. ولم يدر ما هو فاعل عندما ~~نزع درعه فقذف بها في الماء، ثم ألقى فيه بعد ذلك طبره الفولاذي وخوذته النحاسية، ثم قذف ~~بالجراب الذي كان في منطقته مملوءا بالجواهر التي ادخرها لتكون له إسعافا إذا احتاج إلى ~~مال. وهم أن يلقي بسيفه وراءها، ولكنه تردد وأعاده إلى حمائله قائلا في صوت ذاهل يشبه ~~حشرجة الذبيح: هذا ما بقي لي من ملك ضائع. # وتراجع من بين الأمواج متخاذلا كسيفا، فاتجه نحو الوادي حيث كان أصحابه. وما كادوا ~~يلمحونه حتى أسرعوا إليه في قلق والتفوا حوله يأتنسون بوجوده بينهم. واتجه شاد بك إليه يريد ~~أن يحدثه فإذا ضجة ترتفع من ناحية مدخل الوادي، فالتفت الجمع وراءهم يحسبون أن جنود الترك ~~أقبلت تناوشهم، فإذا الأمير حسن بن مرعي عند المدخل ينادي قائلا: انج بنفسك وبمن معك يا ~~مولاي قبل أن تهلكوا ونهلك معكم جميعا. # ثم لوى عنان فرسه وعاد يركض مسرعا. # فنظر طومنباي إلى أصحابه قائلا: أما سمعتم القول؟ # فصاح الأمير قانصوه العادلي في غيظ: لقد علمت أن هؤلاء العرب لا يغنون عنا شيئا. # وصاح الأمير يحيى: هلموا إلى الخيل فلنمت كراما. # وتوالت صيحات أخرى والأمراء يتسارعون إلى خيولهم ليستعدوا للصدمة اليائسة. ولكن السلطان ~~بقي ثابتا في مكانه وهو مطرق في حزن. فصاح به شاد بك: هلم يا مولاي فالدقائق ~~معدودة. # فقال السلطان في ضعف: انج بنفسك وبمن معك أيها الأمير. لا تنظر إلي واذهب ~~بأصحابك. # فعاد شاد بك إليه يريد أن يجذبه معه، ولكن نظرة السلطان الهادئة كانت تنم عن عزيمة صارمة. ~~فقال شاد بك في ضراعة: إنك لن تهجرنا في هذه الساعة يا مولاي. إن وجودك بيننا يبعث فينا ~~الأمل والقوة. إننا في حاجة إليك فلا تخذلنا بحق سيفك. إننا في حاجة إلى ms097 سيف البطل ~~طومنباي. # فأدار السلطان وجهه الحزين عن الأمير حتى لا يظهر له ما بدا عليه من الاضطراب. وأطرق ~~الأمراء بقلوب موجعة إشفاقا أن يملئوا أعينهم من ذلك البطل الذي ينهار تحت نظراتهم. ثم قال ~~طومنباي بعد تردد: إنني أحس ألما يطعن فؤادي طعنا أشد من وقع السيوف والرماح وأنا أنطق ~~بكلماتي. ولكن هذا هو القضاء. نحن نجني الثمار المرة التي غرسها من قبل سوانا. لست أذكر ~~مساوئ الموتى، بل إنني أطلب لهم الرحمة من الله. ولكن هي الحقيقة المؤلمة. إنني أنطق بها ~~وليس في صدري أثر من الحقد أو اللوم. نحن نجني الأشواك التي بذرها أولئك الذين كانوا ~~يتمتعون بالحكم ولا يبالون القيام بأعبائه. # فبسط شاد بك يديه ضارعا وقال: إنني أستحلفك بشرفك. إنني أتوسل إليك بالسيف الذي لن يجد ~~يدا طاهرة تحمله بعدك. أستحلفك بكل ذلك أن تسير معنا لنلقى قضاءنا معا. # فقال طومنباي وقد عاد إليه الهدوء: لو علمت أنكم تطيعونني لأمرتكم بالبقاء معي هاهنا حتى ~~نلقى قضاءنا معا في صمت. إن هذا أكرم لنا من أن نضرب في فجاج الأرض هربا من عدو يلحق ~~بنا في غير هوادة. # فتحرك شاد بك في ضجر وهم أن يتكلم، فقاطعه السلطان قائلا: إنني أعرف أنكم لن ترضوا ~~بالاستسلام وستسخرون مني إذا أنا طلبت منكم أن تستسلموا، ولعلكم تزدادون سخرية إذا علمتم ~~أنني قد ألقيت سلاحي كله في البحر في هذا الصباح. # فصاح شاد بك: ألقيت سلاحك! # وردد الأمراء صيحته في يأس. # فقال طومنباي: نعم، ألقيت سلاحي كله في البحر. ألقيت درعي الفولاذية والحلي والجواهر التي ~~كنت أدخرها، ولم أبق إلا على هذا السيف الذي أحمله رمزا لملكي الزائل. حتى الطبر الفولاذي ~~الذي صنعه الأسلاف الأمجاد من صاعقة السماء، حتى هذا الطبر ألقيت به إلى البحر وعيني ~~باكية. # وارتفعت عند هذا ضجة عالية من قبل مدخل الوادي، فأشار السلطان بيده إلى الأمراء وصاح ~~بصوت أجش: اذهبوا، أسرعوا قبل أن تتعذر النجاة! إلى اللقاء في عالم البقاء. أسرعوا أيها ~~الأصدقاء. إلى ms098 اللقاء يا قانصوه العادلي، يا يحيى الشجاع! يا أرزمك النبيل! يا برد بك! يا ~~أبرك الباسل! إلى اللقاء يا شاد بك يا أشجع الشجعان! # ثم أطرق وسار يجر قدميه نحو الربوة الصفراء في جانب الوادي. # فنظر شاد بك إليه وجالت الدموع في عينيه، ثم أدار وجهه وأسرع نحو مربط الخيل وتبعه ~~الأمراء يهرولون في صمت. وصعد السلطان في الكثيب وهو مترنح، حتى بلغ أعلاه فجلس ساهما ~~يحملق في الفضاء. # وبعد ذلك علت ضجة أخرى عند مدخل الوادي ارتجت لها الأرض، وترددت أصداؤها بين سفوح التلال، ~~فالتفت السلطان فإذا الأمراء فوق جيادهم يركضون لا يلوون على شيء، وهم في السلاح الشائك، ~~واندفعوا نحو العنق الضيق المؤدي إلى البراح. وهمزوا الخيل في عنف فخرجت بهم تقتحم جموع ~~الترك التي تغطي وجوه الرمال في أقصى الفضاء، ونظر السلطان من موضعه إليهم كأنه يرى منظرا ~~في حلم، رأى صفوف الترك تضطرب وتنفرج والأمراء يخرجون من بينها وهم يحطمون فيها بضربات ~~عنيفة مثل صواعق الإعصار. وبرزوا من بين الجموع واحدا بعد واحد وحول كل منهم دائرة ضيقة ~~من المماليك، حتى بلغوا براح الفضاء، وانطلقت بهم الخيول تثير في أعقابها سحائب من الغبار ~~الكثيف واتجهوا نحو الغرب. # وكانت الشمس قد مالت للمغيب وصبغت أطراف السحب بألوان الشفق الزاهية مرة أخرى، وكانت ~~الرياح الحائرة الثائرة ما تزال تثير في الفضاء غلالة من الغبار يبدو من تحتها قرص الشمس ~~أحمر مختنقا مثل جذوة نار تتقد من تحت الرماد. ووقف السلطان فوق الربوة ينظر إلى مدخل ~~الوادي، وتبسم ابتسامة ضئيلة عندما رأى كوكبة من فرسان العرب مقبلة نحوه. ولما اقتربت منه ~~رأى الأمير حسن بن مرعي على رأسها، فصاح به قائلا: حسبك أيها الأمير، لا تكلف نفسك عناء، ~~فإني رجل واحد. # فرفع الأمير رمحه قائلا في حنق: يا مولاي لا تسئ بي الظن، فإنما جئت لأقف بينك وبين ~~هؤلاء الترك. # فزالت الابتسامة عن وجه السلطان، ونظر حينا إلى الأمير العربي في دهشة وعيناه تطرفان، ~~وأبصر جموع الترك وهي تتدافع ms099 في صف طويل من مدخل الوادي، ثم تنحدر كالسيل وتحيط بدائرة ~~فرسان العرب من وراء. ومضت دقائق طويلة وفرسان العرب يقفون من وراء أميرهم، وعليهم مظهر ~~التحدي ينتظرون ما تأتي به اللحظات المقبلة. وخشعت الأصوات. وخيم على الجموع الزاخرة صمت ~~يشبه السكون الرهيب الذي يشمل الجو قبل العاصفة. فعرف السلطان أن صديقه العربي قد آثر الموت ~~بمن معه في سبيل المروءة، وجالت في عينيه الدموع واختنق صوته عندما حاول الكلام، ولكنه جاهد ~~نفسه وصاح في حشرجة: يا حسن بن مرعي! جزاك الله عني خيرا أيها الأمير. لقد كنت أستطيع ~~النجاة لو أردت الحياة. دعني لقضائي فقد وفيت بذمتك. # فصاح الأمير العربي: لن أسلمك ما دام سيفي في يدي. # فنادى السلطان وقد عاد صوته إلى الصفاء: إني آمرك يا حسن بن مرعي. لا تسفك دما بعد هذا. ~~إني أسلم نفسي. أين قائد الجيش التركي؟ # فسكت الأمير حسن ولم يجب، وتقدم قائد الترك «إياس» من بين الصفوف، وأمر قواد جيشه أن ~~يرتدوا بالجند إلى الوراء، ثم ترجل عن فرسه وأغمد سيفه وتقدم نحو الربوة يريد أن يخرق حلقة ~~العرب التي حولها، فاعترض حسن بن مرعي سبيله متحديا. # فصاح السلطان من أعلى الربوة: أفسح له أيها الأمير، مر جندك أن يفسحوا له، إني آمرك إن ~~كنت محتفظا بالولاء. تقدم أيها القائد فإني أنتظر. # فأطرق الأمير حسن إلى الأرض، وسار القائد «إياس» مصعدا في الربوة حتى بلغ موضع ~~السلطان. # ولم يقو الأمير العربي على النظر إلى ورائه عندما علت صيحة الفرح من جنود الترك، فهمز ~~جواده وانطلق مسرعا وفرسانه يركضون في أثره حتى خرجوا من الوادي إلى الفضاء. # وأخذ إياس بذراع طومنباي وهو محتفظ بسيفه ونزلا معا ليركبا عائدين إلى القاهرة، ليكون ~~طومنباي آخر السلاطين. # | المبارزة المؤجلة # «حيث لا قانون يكون قانون الغابة.» # كان عمر بك يعرف أنه من أسهل الأمور أن تدبر له مكيدة في أي وقت من الأوقات وفي أي ساعة ~~من ساعات الليل والنهار. كانت القاهرة عند ذلك مدينة تنطوي على ms100 حياة خفية أشد اضطرابا من ~~حياتها الظاهرة؛ فقصورها المغلقة النوافذ وحاراتها الضيقة ومنعرجات طرقها التي تشبه التيه ~~توحي بأسرار غامضة لا يستطيع أحد أن يكشف حقائقها. قد يكون الإنسان سائرا في طريقه، أو ~~راكبا، كما قد يكون نائما مطمئنا في فراشه، ثم يتنبه فجأة على صوت غدارة تنطلق عليه أو ~~على لمعة خنجر يهوي نحو صدره. فإذا نجحت المكيدة وانتهت بصيد الفريسة، ظهر المتآمرون أمام ~~أعين الناس وأعلنوا أنهم أصحاب الحق في الاستيلاء على الغنائم، فيذهب دم الضحية هدرا ويصبح ~~الجناة سادة. # كان عمر بك يعرف هذه الحقيقة ولا ينكرها، ولا يجد فيها شيئا يستحق اللوم؛ لأنها كانت هي ~~سنة الحياة في زمانه. هكذا استطاع هو أن يصبح أميرا من كبار السادة في البلاد، وهكذا ~~فاز سيده الذي اشتراه مملوكا صغيرا، وهكذا كان السيد الأكبر الذي اشترى سيده مملوكا ~~صغيرا من قبل. وما أكثر الحوادث التي كانت تذكر عمر بك بأنه يعيش في القاهرة كما يعيش ~~الأسود والنمور والذئاب والضباع في الغابة، فالأسود لا تلوم النمور إذا هاجمتها ولكنها ~~تدافع عن نفسها إلى الموت، ولا تحمل لعدوها حقدا بعد أن تتغلب عليه، ولكنها تقضي ~~عليه. # وما أكثر الأعداء الذين كانوا يحيطون به ويتربصون له، ويدبرون له المكائد في كل ~~ليلة! # فقد كانوا في وقت من الأوقات مماليك صغارا مثله عندما أتوا من بلادهم وراء البحار ونزلوا ~~معا إلى وكالة «اليسيرجي» الذي جلبهم من الخارج، وكثيرا ما تصارعوا وتسابقوا وتباروا في ~~الرماية بالقوس وتبارزوا بالسيف عندما كانوا شبانا يريدون أن يظهروا مواهبهم في فنون ~~القتال. ولم ينس عمر بك مع تطاول السنين منذ تلك الأيام الأولى أنه كان دائما أبرع زملائه ~~في كل هذه الفنون، إذ كان أسبقهم في الجري وأقواهم في المصارعة وأمهرهم في المبارزة بالسيف. ~~وإذا كان أحيانا ينتصر وأحيانا ينهزم في حلبات سباق الخيل فقد كان ذلك تبعا لمقدرة ~~الجواد على السبق، لا تبعا لمقدرته هو على الركوب؛ لأن الجميع يعلمون أنه كان أبرع ~~المماليك في فنون الفروسية. ms101 # ولم يكن عجيبا أن يبلغ عمر بك مرتبة الإمارة قبل زملائه؛ لأن كبار الأمراء كانوا حريصين ~~على تقريبه إليهم وكانوا يتنافسون على انضمامه إلى أحزابهم لينتصروا به في مؤامراتهم ~~المستمرة. وقد استفاد هو بهذه المنافسة في كل مرة؛ لأنه كان يجني من كل مؤامرة ثمرة طيبة. ~~استطاع عمر بك أن يكون أغنى الأمراء؛ لأنه كان يحصل على نصيب الأسد من الغنيمة بعد كل ~~مؤامرة. واستطاع أن يكون أقوى الأمراء؛ لأنه حرص على أن يشتري لنفسه أكبر عدد من المماليك ~~حتى صار له عدد عظيم من الأتباع المخلصين. كما استطاع أن يكون أعظم الأمراء مجدا وجاها؛ ~~لأنه فتح بيته للقاصدين، وكان ينفق ما يبقى عنده من الأموال في الهدايا والعطايا والإحسان ~~على أهل العلم والفقراء. # ولم ينس عمر بك نصيبه من السعادة المنزلية؛ لأنه كان يجمع في قصوره الكثيرة مجموعة من ~~الجواري الحسان. كان تجار الجواري يعرفون شغفه بهن، فإذا ما عثر أحدهم بحسناء من بنات ~~الجركس أو الصقالبة أو الروم أو الترك أسرعوا إليه ليبادر بشرائها حتى لا يسبق إليها أحد من ~~منافسيه، وكان عمر بك يجازيهم على هذا الولاء بأن يجزل لهم العطاء ويبذل لهم ما يطلبون من ~~الأثمان إذا وقعت الجارية عنده موقع القبول. # ولم ينس عمر بك فوق كل هذا أن يكرم الأولياء الذين كان الأمراء الآخرون يحتقرونهم ~~ويسمونهم بلهاء أو مجذوبين، فهؤلاء كانوا يذهبون إلى بيت عمر بك كل يوم ليجدوا عنده أطايب ~~الطعام، كما كانوا يقضون عنده السهرات في ليالي رمضان، ويفوزون بالملابس الثمينة من الجوخ ~~والأطلس إذا جاءت أيام العيد. وامتاز عمر بك في القاهرة كلها بأنه من المريدين المخلصين ~~للشيخ علي المجذوب الذي يعرف الجميع كراماته. لهذا كله كان عمر بك لا يحس شيئا من الجزع ~~كلما بلغه أن زملاءه القدامى يحسدونه ويدبرون له المؤامرات، وكان دائما مطمئنا إلى أن ~~أخبار مؤامراتهم تصل إليه عن طريق أعوانه وأتباعه ومحبيه قبل أن يستطيع منافسوه أن يحكموها ~~وينفذوها. # وكان يحس نوعا من السرور عندما تبلغه ms102 أنباء مؤامرة جديدة؛ لأنه يجدها فرصة لمغامرة ظريفة ~~يجد فيها متعة تشبه متعة السباق في حلبة الرهان ومتعة المصارعات والمباريات والمبارزات. وقد ~~دلت الحوادث الكثيرة في مدى سنوات طويلة على أن عمر بك بطل لا يمكن أن يتغلب عليه أحد في ~~المنازلات ولا يفوقه أحد في فنون المكر والخداع. ثم حدثت حادثة واحدة كادت تقضي عليه، لولا ~~أنه نجا منها بأعجوبة، ثم كادت تقضي على شهرته بأنه بطل لا يقاوم، لولا أنه تذرع بالصبر ~~والأناة حتى تمكن من استرداد شرفه وشهرته. # جاء إليه الحاج علي «اليسيرجي» تاجر الرقيق ذات مساء وأفضى إليه سرا بأنه قد جلب من ~~بلاد الجركس فتاة لا تزيد على الثامنة عشرة، ولكنها كانت ذات مفاتن لا يمكن وصفها. وما كاد ~~عمر بك يسمع بذلك حتى بادر بالذهاب مع الحاج علي إلى الوكالة بغير أن يفكر طويلا؛ لأن وصف ~~الرجل للفتاة جعله يخشى أن تفوته الفرصة، ولا سيما عندما ذكر له أن أحد المماليك رآها عنده ~~وذهب إليه منذ ساعة يساومه في ثمنها. ولم يأخذ معه أحدا من المماليك؛ لأن الليلة كانت ~~مظلمة ولا يمكن أن يتصور أحد أنه يسير بمفرده في عطفات المدينة في مثل تلك الساعة. وركب ~~جواده، وسار اليسيرجي على بغلته من ورائه، وفي ساعة قصيرة كانا في الوكالة. وهناك دخل عمر ~~بك إلى الفناء الفسيح وأخذ يقلب بصره في أبواب الغرف المحيطة به، إذ كانت كل جارية تتمدد ~~أمام باب غرفتها على أريكة مكسوة بالحرير تنسدل على جانبيها ستارتان من الأطلس الملون، ~~وكانت الأضواء تنبعث من القناديل النحاسية المدلاة من سقف الرواق فتلقي أشعتها الخافتة على ~~الألوان المختلفة الزاهية وتخلع على وجوه الفتيات ألوانا سحرية. # وأشار الحاج علي إلى الغرفة التي في صدر الفناء، فذهب الأمير نحوها ورأى هناك حوراء لم ~~تقع عينه على مثلها من قبل. وماذا يستطيع الوصف أن يحمل في مثل هذه الألفاظ حتى يرسم صورة ~~صادقة لتلك الفتاة الساحرة؟ ولما وقعت عليها عين الأمير ضمت غلالة ثوبها على صدرها ms103 في حياء، ~~وأطرقت في خفر، فانسدل شعرها الفاحم يتدفق على كتفيها. أيوصف وجهها بأنه يشبه زهرة؟ أو يوصف ~~جسمها بأنه يشبه دمية؟ عندما نظر إليها عمر بك خيل إليه أن بساتينه تخجل من محاسنها إذا ~~خطرت بين أحواض زهرها، وأن عبير أنفاسها يزري بعبير المسك والعنبر. وسألها عمر بك عن اسمها ~~فلم تجب، وقال له الحاج علي: لم تتعلم العربية بعد، وقد سميتها «جلنار». # فتبسم له الأمير قائلا: اطلب ما تشاء ثمنا لها. # وانصرف عائدا ليأمر بإعداد البيت الذي يليق بحسناء مثلها، ولكنه ما كاد يبلغ باب الوكالة ~~حتى رأى مملوكا شابا يقبل نحو الحاج علي ويقول له: لقد دبرت لك الثمن الذي ~~تريده. # فبهت الشيخ ولم يجبه، ونظر في جزع إلى الأمير. # ولم يتوقع عمر بك أن يفاجأ بمملوك شاب مثله يأتي في تلك الساعة لينافسه، فأراد أن ينصرف ~~واثقا أن الفتى لا يمكن أن يتطلع إلى مثل تلك الجوهرة النفيسة. ولكن الشاب أدرك من نظرة ~~الشيخ ومن صمته أن في الأمر شيئا، فصاح قائلا للشيخ: ها هو ذا الثمن الذي طلبته. # فقال الشيخ بغير احتراس: انتهى الأمر وبعتها. # فصاح المملوك في غضب: أيها النحس! # وارتد إلى الوراء قابضا على سيفه وقال يخاطب الأمير: ألم يقل لك إني اشتريتها؟ # فنظر عمر بك إليه ولم يجبه، ولمح على وجهه ما جعله يتردد. كان وجه ذلك المملوك يدل على ~~أنه شاب متهور لا يتردد في أن يخوض معركة. # واستمر المملوك قائلا: لن يخرج بها أحد غيري، لن أسمح لأحد أيا كان أن يأخذها. # ووقف في سبيل عمر بك متحديا. # فقال عمر بك في هدوء: وماذا تفعل؟ # فقال الفتى مهددا: تكون لمن يبقى حيا منا. وجرد سيفه وارتد إلى الوراء مستعدا ~~للمنازلة. فهم عمر بك أن يجرد سيفه هو الآخر، ولكنه تردد بعد لحظة، فإنه أحس لأول مرة في ~~حياته أنه غير مستعد للمنازلة. وماذا يفيده إذا أغمد سيفه في صدر مملوك بائس مثل هذا؟ ثم ~~خطرت له خاطرة في مثل لمح ms104 البصر، واتجه إلى الفتى قائلا في صوت خافت: سأتنازل لك عن الفتاة ~~إذا عرفت من أنت. # فقال الفتى ساخرا: وماذا تريد مني؟ # فقال عمر بك في نغمة سخرية: لعلنا نتلاقى مرة أخرى. فقهقه الفتى ورد سيفه إلى غمده ~~قائلا: لك أن تختار وقتك يا سيدي. # فقال عمر بك: أما تخبرني من أنت؟ # فقال متحديا: حسين مملوك عثمان بك. # فرفع عمر بك حاجبه مندهشا وقال: عثمان بك؟ والجارية لك أنت؟ # فقال الفتى: وهل هذا يهمك؟ # فقال عمر بك: أتعرفني؟ # فأجاب المملوك: وهل يخفى عمر بك؟ # فصمت الأمير ونظر إلى الحاج علي نظرة ارتياب، ثم أسرع إلى جواده فوثب عليه عائدا إلى ~~بيته وهو يخشى في كل خطوة أن يواجهه كمين من الأعداء أو أن تنطلق عليه رصاصة غدارة عند ~~زاوية الطريق؛ لأنه أحس أن هناك مؤامرة مدبرة. وهل يتعذر على عثمان بك أن يدبر مكيدة محكمة؟ ~~من السهل عليه أن يبعث المملوك لشراء الجارية الحسناء ويعطيه ثمنها ثم يوعز إلى تاجر ~~الجواري أن يعرضها في الوقت عينه على الأمير عمر بك. هي خطة متقنة تضمن وقوف عمر بك وجها ~~لوجه أمام فتى متهور أعجبته امرأة ويخشى أن يخطفها منه الأمير. # ولما بلغ عمر بك داره استلقى على أريكة في الحديقة وهو يحس أنه ارتكب غلطة كبيرة عندما ~~ذهب وحده إلى وكالة «اليسيرجي». وحاول أن يزيل من نفسه شعور الإهانة التي أحسها عندما اضطر ~~إلى التراجع عن مبارزة المملوك الوقح الذي تحداه تحديا صريحا. ولكنه برغم محاولاته ~~الكثيرة استمر ساعة طويلة في جلسته منقبض النفس، وهو يسائل نفسه: ماذا كان يستطيع أن يفعل؟ ~~أكان يجمل به أن يقف بنفسه أمام فتى حانق يائس لا تهمه الحياة في شيء؟ # تذكر الخاطرة التي خطرت له وهو واقف تجاه الفتى المتهور. بعد عام سيكون ذلك الفتى قد ذاق ~~لذة الحياة مع جلنار، ولعله يكون قد أنجب طفلا أو طفلة، وعند ذلك سيكون أحرص على الحياة. ~~سيواجهه بعد عام واحد يسترد منه تلك الوقفة التي وقفها ms105 أمامه، حتى يعرف الجميع أن أحدا في ~~مصر لم يستطع إلى النهاية أن يقف في وجه عمر بك. ومع أن المقابلة التي حدثت بين الفتى ~~المملوك وبين عمر بك كانت سرا لا يعرفه سواهما، فإن أخبارها ذاعت في أركان القاهرة، فتحدثت ~~بها كل المجالس في أقصى المدينة وأدناها، وتندر الأمراء فيما بينهم وهم يتهامسون قائلين: ~~لقد وجد عمر بك من يخيفه أخيرا. # وشجعهم هذا الفوز على تدبير مؤامرات جديدة. # وجاهد عمر بك طوال العام التالي ليكظم غيظه ويوهم زملاءه القدامى أنه لا يعلم شيئا من ~~محاولاتهم، واكتفى بأن يفسد عليهم كل المؤامرات التي دبروها بغير أن يوجه إلى أحد منهم ~~كلمة. وكان إذا لقيهم في أيام المواسم وإذا اجتمع بهم عند الباشا في مجالس الديوان لا يبخل ~~عليهم بالتحيات الرقيقة التي تفيض مودة وعطفا. # ولما مضى العام اختار أن يضرب الضربة الحاسمة، وكان ذلك بمناسبة مؤامرة جديدة دبرها ~~زملاؤه القدامى، فاختار أن ينازلهم فيها منازلة صريحة. # أولم المملوك حسين وليمة كبرى بمناسبة ميلاد ولده البكر علي، بعد أن ترقى فصار حسين ~~كاشف. وذهب حسين إلى عمر بك في بيته يعتذر إليه ويرجوه الصفح عنه متظاهرا بأنه ندم على ~~جرأته السابقة ووقوفه في وجهه متحديا، وسأله أن يتفضل عليه بتشريفه في داره الجديدة التي ~~بناها على مقربة من قصر الأمير نفسه. وأرسل إليه عمر بك عدة أحمال من الهدايا ووعده بأن ~~يكون أول السابقين إلى الوليمة الكبرى إكراما للسيدة جلنار نفسها أيضا. # وفي اليوم الموعود - يوم الأربعين لميلاد الطفل السعيد - استعد عمر بك للذهاب إلى ~~الوليمة، وهو يعلم كل تفاصيل المؤامرة التي دبرت لاغتياله في ذلك اليوم. # سيقوم حسين كاشف بدوره الطبيعي عندما يتقدم إلى باب البيت لاستقبال الضيف الكبير بالحفاوة ~~التي تليق به، ثم يميل على يده ليقبلها إجلالا له واعتذارا عن خطئه السابق. ولكنه لا ~~يترك يده بعد أن يقبلها، بل يمسك بها بكلتا يديه حتى يمنعه من تجريد سيفه. وفي تلك اللحظة ~~يتقدم المتآمرون الخمسة ليضربوه بسيوفهم في ms106 لحظة واحدة. وستكون قصور عمر بك وأمواله وجواريه ~~ومماليكه بعد ذلك غنيمة للجميع، ويصبح حسين كاشف الأمير حسين بك مكافأة له على نجاح ~~المكيدة. # وذهب عمر بك إلى البيت الجديد الذي أعدت فيه الوليمة الفاخرة. كانت الأنوار والأعلام ~~تزين الحارة من مداخلها، وكانت الأرض مفروشة بالرمال الصفراء، وجلست فرقة الطبول والزمور ~~تعزف بأنغامها الصاخبة عند مدخل الفناء، في حين كان الطباخون منهمكين في إعداد الأصناف ~~البديعة للضيوف العظام. ونزل عن فرسه عند الباب وتولى زمامه اثنان من السراجين أتباع ~~الكاشف، وكان الشيخ علي المجذوب هناك واقفا بقرب الباب ممسكا بنبوته الطويل ويطوح رأسه ~~قائلا: الله! الله! # وكانت قلنسوته العالية ذات العمامة الخضراء تهتز مع حركة رأسه في عنف. # ولما أقبل حسين كاشف ليستقبل الأمير صاح الشيخ المجذوب: جرد السيف يا بطل! # فتبسم عمر بك عندما وجد الخطة التي رسمها مع الشيخ تسير في طريق النجاح. # وأسرع بتجريد سيفه ووقف ينتظر مجيء صاحب البيت لاستقباله. # وبهت الحاضرون جميعا وأوقفت فرقة الطبالين عزفها وقالوا: كرامة! # وبهت حسين كاشف أيضا من المفاجأة ووقف في مكانه ينظر نحو الضيف المتبسم. # وقال عمر بك: هذه كرامة الشيخ يا حسين كاشف، فتقدم. # ووقف الأمراء الخمسة ينظرون في دهشة وسيوفهم معلقة في حمائلها لم يجردوها بعد. # وقال عمر بك: تقدم يا حسين كاشف. كنت تريد مبارزتي منذ عام. تقدم وقبل يدي كما كنت ~~عازما. # وسار خطوتين إلى الأمام حتى وقف تجاه المملوك الشاب وقال في صرامة: أنا أدعوك إلى ~~المبارزة. # فقال حسين في ضعف: ألم أعتذر إليك؟ # فضحك عمر بك مقهقها وقال: وقد قبلت اعتذارك، وها أنا ذا أجيء إليك مهنئا. خذ يدي واقبض ~~عليها جيدا كما اتفقتم. كما اتفقت أنت وهؤلاء. # وأشار إلى الأمراء الخمسة الواقفين من ورائه. # ووقف الفتى أمامه ثابتا لا ينطق بكلمة. # وصاح عمر بك بالأمراء: دعوا هذا المسكين يحيا من أجل ولده، وتقدموا أنتم واحدا واحدا. ~~أهذا طلب عادل؟ # وصاح الشيخ المجذوب وهو يطوح رأسه: الله! الله! # وصاح الطبالون في حماسة: كرامة! ms107 # وتبسم عمر بك وأعاد سيفه إلى غمده قائلا: إلى اللقاء في ميلاد الطفل الثاني. # ثم قهقه في ضحكة طويلة، وأسرع فوثب على فرسه وهمزه فانطلق به يعدو. # وبلغته في الأيام التالية أحاديث الأمراء في مجتمعاتهم إذ يقولون إنه زعيم الأمراء بلا ~~منازع. # وكان الشيخ علي المجذوب يسير في طرق حي قوصون وحاراته بنبوته الطويل وعمامته الخضراء، يصيح ~~بأعلى صوته، متغنيا بزجل طويل في مدح البطل الذي وقف وحده أمام خمسة أمراء، ولم يجرؤ أحد ~~منهم على مواجهته، وكان يقطع غناءه بين حين وآخر ويهز رأسه في عنف ويقول: الله! ~~الله! # | آخر الباشوات # «الشعب يتحرك فتولد أمة.» # لم يستطع السيد عمر مكرم أن يشق طريقه في ميدان الرميلة؛ إذ كانت الألوف هناك بالعشرات ~~تحيط بالقلعة من جميع جهاتها التي تلي الميدان، ولم تنقطع الجموع كذلك من حولها صاعدة إلى ~~التل المجاور للقلعة وإلى الهضبة التي وراءها. كان حصارا تاما ليس فيه فجوة يستطيع أحد ~~أن يدخل منها إلى القلعة أو يخرج بغير أن يتعرض للموت المحقق. # وتزاحمت الجموع حول السيد عمر حتى إنه لم يتقدم إلا مسافة قصيرة نحو باب العزب حيث كان ~~حجاج زعيم الجماهير يرابط بأعوانه الذين بايعوه على الموت. وكان حجاج الخضري قد آلى على ~~نفسه أن يستمر على الحصار حتى يستسلم الباشا مهما تطاولت مدة الحصار، وأقسم له مئات من شبان ~~الأحياء المختلفة على أن يبقوا معه إلى النهاية؛ فلا ينصرفون عن أسوار القلعة إلا بالانتصار ~~أو بالموت. وأراد السيد عمر في ذلك اليوم أن يتحقق بنفسه أن جماهير أبناء القاهرة لم ~~يتزعزعوا ولم يترددوا بعد أن تخلى عن مناصرتهم جنود الأرنئود الذين كانوا يساعدونهم في حصار ~~القلعة في مبدأ الأمر. ولكنه رأى بعينه أن الجموع لم تتزعزع، بل ازدادت أضعافا عما كانت ~~عليه من قبل. وشعر السيد عمر بغبطة شديدة عندما رأى تلك الجموع حوله؛ إذ عرف أن شعب القاهرة ~~جاد في تصميمه على خلع خورشيد باشا، ذلك الطاغية العنيد الذي أبى أن يستسلم بالرغم من ms108 عزل ~~السلطان له وأعلن عزمه الجريء على الاستمرار في المقاومة. # وأخذت أصوات الألوف الزاخرة تتعالى بالهتاف للزعيم العظيم الذي كان يمثل لهم كل معاني ~~المقاومة، كما كان يمثل لهم كل الأماني الغامضة التي تكمن في أعماق صدورهم. # وسمع حجاج الخضري صياح الجماهير وهو مرابط مع أتباعه المخلصين أمام باب العزب، وسمع اسم ~~السيد عمر مكرم يتردد في هتافهم الصاخب، فأسرع ليستقبل الزعيم الجليل ويفضي إليه بالأنباء ~~الأخيرة للانتصارات المتوالية التي تمت على أيدي فتيانه البسلاء. وسار في صف طويل من أتباعه ~~يشقون الصفوف المضطربة الصاخبة، وكان سيفه مسلولا في يده وهو ينادي قائلا: يعيش السيد عمر ~~مكرم! # وزاد صياح الجماهير علوا عندما مر حجاج الخضري بينهم بسيفه المسلول ورددوا هتافه في ~~حماسة وهم يتدافعون وراءه. # واستطاع حجاج بقوة جسمه ودفعه صف الفتيان الذين يسيرون معه أن يصل بعد مشقة إلى المكان ~~الذي كان السيد عمر محصورا فيه بين الجماهير. ولما اقترب منه صاح بهتافه مرات متعددة وهو ~~يلوح بسيفه المسلول فوق رأسه، ورددت الجماهير هتافه بأصوات مدوية هزت فضاء الميدان الفسيح. ~~واستقبله السيد عمر باسما وقال له: أحسنت يا حجاج بالحضور إلى نجدتي. # فصاح حجاج بمن حوله في عنف ليفسحوا للسيد طريقه، وقال يخاطبه: تفضل يا مولاي لترى الغنائم ~~التي وقعت في أيدينا هذا الصباح. # فقال السيد مستبشرا: ها قد صرت قائدا أيها البطل. # فقال حجاج في حماسة: هي بركة مولانا وفضل هؤلاء الشجعان. هي أنفاسك الطاهرة وشجاعة هؤلاء ~~الأبطال. وهذا هو بطل اليوم. # وأشار إلى شاب واقف إلى جواره من بين صف الفتيان المحيط به قائلا: هذا أبو شمعة يا ~~سيدي، هو الذي ترصد للأتراك الذين جاءوا خفية في مساء الأمس من ناحية حلوان ليأخذونا على ~~غرة، وهو الذي أحاط بهم مع أصحابنا هؤلاء وقبضوا عليهم كما يقبض على الدجاج. # فقال السيد عمر ضاحكا: تقصد الدجاج الرومي! # فتعالى الضحك من الجميع واستمر حجاج قائلا: وهم هناك في قفص متين ليضعوا بيضهم على مهل. ~~لهم على كل حال شكرنا؛ لأنهم ms109 أتحفونا بكثير من الأسلحة وبمقادير كبيرة من الماء وبقافلة ~~كاملة من الجمال. أليست هذه أنباء سارة؟ # فقال السيد عمر: هذه بشرى النصر يا سيد حجاج. # وهز حجاج سيفه فوق رأسه قائلا: وهذا نصيبي يا سيدي من الغنيمة. سأحارب بهذا السيف حتى ~~ينزل الباشا في موكبه الذليل ونسوقه من القلعة ليعود إلى بلاده كما جاء. هذا ما أقسمنا ~~عليه. الانتصار أو الموت. أليس كذلك أيها الرفاق؟ # فتصاعدت صيحة عالية طويلة من الجموع الزاخرة: «الانتصار أو الموت!» # وأخذ حجاج بلجام فرس السيد عمر مكرم واتجه به نحو باب العزب وهو يصيح بالجموع المتراصة ~~ليفسحوا الطريق للزعيم الكبير. # ولما وصل السيد عمر إلى باب العزب ساعده حجاج وصاحبه أبو شمعة على النزول، وسارا عن يمينه ~~ويساره يسندانه من تحت ذراعيه حتى وصلا إلى خيمة كبيرة كانت منصوبة هناك. وكان في الخيمة ~~أكداس من الأحمال التي غنمها الفتيان، وهي مزيج مختلف من المؤن والأسلحة والثياب وعدد كبير ~~من صناديق مقفلة من الصاج مملوءة بالماء. # وجلس السيد عمر على أحد الصناديق الكبيرة وقال يخاطب حجاجا في صوت خافت: هل تخشى أن يضعف ~~الحصار بعد اليوم؟ # فقال حجاج: ولماذا نخشى؟ # فقال السيد مترددا: ألم يخذلنا هؤلاء الأرنئود؟ # فقال حجاج: وهل كان فيهم قوة لنا؟ نحن أقوى وحدنا وأقرب إلى الانتصار من غيرهم. لست تعلم ~~كيف كانوا يسببون لنا المتاعب كل صباح وكل مساء. # فقال السيد عمر: أعرف أنهم كانوا يخالفوننا ولا تنقطع لهم شكوى. أعرف أنهم كانوا حملا ~~ثقيلا علينا وعلى هذا الرجل الذي أخلص لنا. # فصاح حجاج: من هذا الرجل الذي أخلص لنا؟ # فقال السيد عمر: أنت تعرفه بغير شك يا حجاج. ألا تعرف أنه محمد علي؟ # فقال حجاج في حنق: والله يا سيدي لو كان الرأي لي ما قبلت مساعدة أحد. هؤلاء جميعا ~~أبناء عم، ولا فرق عندي بين الأرنئود والأتراك. كلهم صنف واحد ولا فرق عندي بين جنس وآخر. ~~هم جميعا يريدون أن يكونوا أسيادا ونحن لا نريد بعد الآن أسيادا . ما لنا ms110 نطلب منهم ~~المساعدة ونحن قادرون على الانتصار وحدنا؟ أقسم لك مرة أخرى يا سيدي أننا لن نعود من هنا ~~إلا بالانتصار أو الموت. # وأطرق السيد عمر لحظة، وعلا وجهه شيء من الحزن والقلق، ثم رفع رأسه إلى حجاج قائلا بصوت ~~خافت: اسمع يا ولدي، لا تكن سببا في تفريق الكلمة الآن ونحن في حاجة إلى كل مساعدة. دع ~~الأرنئود يذهبون وقف هنا أنت وأصحابك وأبناء بلدك حتى تنتصروا، فإذا تم الانتصار أمكننا أن ~~نصفي حسابنا. # وما كاد السيد عمر يتم كلامه حتى سمعت ضجة من ناحية باب القلعة، فخرج حجاج مسرعا، وقام ~~السيد عمر في لهفة ليرى ما هناك، وسرت في الجموع الواقفة حول الخيمة موجة اضطراب وتصاعدت ~~منهم جلبة مختلطة، وبعد حين عاد حجاج يجري نحو السيد عمر قائلا: أبشر يا سيدي! هذا صالح ~~أغا رسول السلطان ينزل من القلعة ذاهبا إلى محمد علي. # فقال السيد عمر في لهفة: أيكون قد نجح في إقناع هذا الباشا العنيد؟ # فقال حجاج: وما لنا نحن إذا اقتنع أو أصر على المقاومة! نحن واقفون هنا حتى يستسلم وينزل ~~مضطرا. # فقال السيد عمر: أرجو أن يكون قد نجح، فإن هذا يوفر علينا متاعب كثيرة. دعني أذهب إلى ~~محمد علي يا حجاج لأعلم ماذا يحمل صالح أغا. # وذهب إلى فرسه فركب، وسار حجاج وأبو شمعة على جانبي الفرس يفسحان له طريقا بين الجموع ~~الهاتفة الصاخبة حتى قطع ميدان الرميلة وهبط نحو المدينة من الطريق المجاور لجامع السلطان ~~حسن. # واستمر السيد عمر في سيره وصاحباه حجاج وأبو شمعة يحفان به من اليمين واليسار ومن ورائه ~~موكب كبير من عامة أهل القاهرة يهتفون باسمه وينادون بالانتصار أو الموت. # ولما وصل السيد عمر إلى بيت محمد علي بالأزبكية ترك الجمع الذي حوله ودخل وحده. وكان صالح ~~أغا قد وصل إلى الدار من قبله، فلما دخل كان محمد علي في مجلسه مع الرسول، فقام يستقبله ~~مرحبا وقال لصالح أغا: ألم تر السيد عمر قبل هذا؟ هذا هو صديقي الأعز ms111 وهو قائد هذه ~~الألوف التي لا حصر لها. # وتبسم ناظرا إلى السيد عمر. # فقال صالح أغا متجاهلا كلمة محمد علي: قد صعدنا إلى الباشا في القلعة للمرة الثانية ~~اليوم. وكنت عازما في هذه المرة أن أقرأ عليه فرمان العزل بغير تردد. # فقال محمد علي باسما: ولعلك لم تضطر إلى ذلك؟ # فقال صالح أغا: لم أضطر إلى ذلك؛ لأنه كان في هذه المرة ميالا للمسالمة. هو رجل عنيد ~~ومن حسن الحظ أنه استعد للتفاهم. # فقال السيد عمر: نحن لا ننكر عليه أنه رجل شجاع. أظنه قاوم حتى لم يبق عنده شيء يقاوم ~~به. # فقال صالح أغا في شيء من الجفاء: على كل حال قد انتهى الأمر وأعلن خورشيد استعداده ~~للتفاهم. # فبادر محمد علي قائلا: هذا حسن. هذا حسن. هل له شروط معينة؟ # فقال السيد عمر في إصرار: وهل هناك شروط لمن يريد التسليم؟ # فقال محمد علي: لا بأس يا صديقي أن نستمع إلى شروطه. # ونظر إلى صالح أغا قائلا: ما هي شروطه أيها السيد؟ # فقال صالح أغا: يخرج هو ورجاله بغير أن يتعرض لهم أحد. وتدفع مرتبات جنوده من الخزينة. ~~وتحمل أمتعة الجنود كلها على حساب الحكومة. # فنظر محمد علي إلى السيد عمر مكرم كالمستفهم، وقال بعد حين: لا أظننا نستطيع أن نصرف هذه ~~المرتبات وإلا ثار علينا جنودنا يطالبوننا مثلهم. # فقال السيد عمر: هذا موضوع آخر يا سيدي. وما دام الأمر لا يزيد على مبلغ من المال، فهذا ~~أمر سهل. أتعهد أنا بتدبير هذه المرتبات. # فصمت محمد علي، وقال صالح أغا: هل أبلغه هذا الرد؟ # فقال محمد علي في تردد: لا بأس، على شرط أن ينزل من القلعة اليوم. لا شيء سوى المرتبات ~~ونقل متاع الجنود! # فقام صالح أغا قائلا: سأعود إليه إذن. # واستأذن خارجا وبقي السيد عمر مع محمد علي يتحدثان في هذه الأموال المطلوبة وكيف ~~يدبرانها. # وفي عصر ذلك اليوم ضربت المدافع من القلعة، وكانت علامة على دخول الجيش الجديد إلى ~~القلعة، بعد أن نزل منها جيش خورشيد ms112 آخر الباشوات الذي اضطرته جموع أهل القاهرة إلى ~~الاستسلام. واصطفت الجموع الزاخرة المنتصرة في ميدان الرميلة ينظم صفوفهم حجاج الخضري ~~وأبو شمعة وفتيان الأحياء المتدفقون على ميدان الرميلة من كل أطراف القاهرة. وكان في وسط ~~الصفوف طريق واسع لا يسمح لأحد من الألوف المتجمهرة أن يدخل فيه. ثم بدأت صفوف الأتراك تنزل ~~من باب العزب خارجة من القلعة في طريقها الطويل نحو بولاق. كانت ملابسهم مختلفة وألوانهم ~~متباينة، حتى أطوالهم وملامح وجوههم كانت تنم على أنهم أخلاط من شعوب شتى. # وساروا في صمت لا تتقدمهم موسيقى ولا يسيرون في خطى متناسقة. كانوا يحملون أحمالهم مربوطة ~~وراء ظهورهم أو تحت أذرعهم، وتبدو على وجوههم آثار الإعياء والكآبة. وخرج في آخر الصف ~~الطويل خورشيد باشا الوالي العنيد، وعلى وجهه ما يعبر عما في صدره من روح التحدي. كان ~~رافعا رأسه في كبرياء، لا ينظر إلى يمين ولا إلى يسار، كأن الميدان الفسيح الذي يسير فيه ~~صحراء خالية. ووقفت الجموع المتراصة تنظر إليه في صمت عميق، تكتم أنفاسها من شدة التأثر ~~وروعة الموقف. وتوالى من وراء الباشا خروج كوكبة من فرسان الحرس الخاص في ملابسها البيض، ~~كأنها رشاش موجة منحسرة بعد أن تحطمت على صخرة. كانت موجة عنيفة هجمت منذ ثلاثة قرون ثم ~~انحسرت كما بدأت عنيفة! # | المعركة المستمرة # «المعركة لا تنتهي ولكنها أسجال.» # عندما تقع مأساة لا يستطيع الضحايا أن يجعلوا أحكامهم عادلة إذا تحدثوا عنها؛ لأن كلا ~~منهم يعكس آلامه الشخصية على أحكامه. هذه قاعدة عامة تصدق على كل ضحايا المآسي، سواء كانت ~~من المآسي الخاصة أم العامة. ولا شك في أن موقعة التل الكبير وهزيمة المصريين فيها ~~والاحتلال الأجنبي الذي أعقبها كانت من الكوارث القومية الكبرى التي خلفت وراءها ألوانا ~~كثيرة من المآسي الخاصة والعامة. وقد كان رضوان أفندي أحد الذين أصيبوا في تلك المأساة ~~الكبرى؛ لأنه كان جنديا في معركة كفر الدوار ثم رقي جاويشا قبل أن تنتقل فرقته إلى التل ~~الكبير لما أبداه من الشجاعة والإخلاص في مواقف ms113 كثيرة. وكان المنتظر أن يكون بين المرشحين ~~للترقي إلى رتبة ضابط ملازم بعد الانتصار في التل الكبير، ولكن الهزيمة الطاحنة التي أصابت ~~الجيش هناك بددت آماله كما بددت آمال البلاد كلها. ولما عاد رضوان أفندي إلى قريته في الكوم ~~الأحمر، كانت نفسه ممتلئة سخطا ويأسا وثورة على كل شيء. كان إذا اجتمع مع أهل القرية ~~يشتد في العنف على كل من اشترك في المعركة، وكل من لم يشتركوا فيها. وكان في الوقت نفسه ~~ينتهز الفرصة كلما خلا إلى أحد ممن يثق في إخلاصهم له فيأخذ في الطعن المر على الخديو توفيق ~~والذين ناصروه وتآمروا معه على الالتجاء للإنجليز. وكان أهل القرية يحترمونه ويحبونه؛ لأنه ~~كان في معاملاته رجلا عادلا، يحب أن يأخذ حقه كاملا، ويعطي الآخرين حقوقهم ~~كاملة. # كما أنه كان من صميم أبناء القرية ومن أسرة من أكرم أسراتها. واشتغل بالتجارة بعد أن هدأت ~~الأمور واستقر الحكم للخديو توفيق بمساعدة جيوش الاحتلال، ولقي في تجارته نجاحا عظيما حتى ~~أصبح من أثرياء القرية. ولم يكن له أبناء من زوجته الأولى فتزوج بشابة فلاحة حتى تكون طوع ~~أمره؛ لأنه كان رجلا صارما منذ أيام شبابه، لا يحب أن تسيطر عليه زوجة شابة معتزة بكرامة ~~أسرتها. وبعد عدة سنوات رزقه الله ولدا أدخل على قلبه السرور وسماه إبراهيم باسم أبيه، ~~فأنساه سروره بذلك الابن مرارة الحوادث الماضية. وكان يحاول نسيان ذلك الماضي المؤلم حتى ~~إنه صار يغضب كلما أراد أحد أن يذكره به في أية مناسبة. وكان يواصل عمله بالليل والنهار ~~ليجمع ثروة كافية لذلك الولد الوحيد حتى يكون غنيا عن الناس جميعا، واستطاع في أقل من ~~خمسة عشر عاما من العمل المستمر أن يجمع من الأموال ما يكفل لولده حياة رغدا. واشترى فوق ~~الأموال التي ادخرها في خزانة خفية عزبة لا تقل عن خمسين فدانا من أجود الأطيان في القرية، ~~وكانت صفقة عظيمة اشتراها من رجل أجنبي عن القرية زهد فيها لأنها كانت لا تدر عليه ربحا. ~~فلما اشتراها رضوان أفندي ms114 استطاع أن يؤجرها لأهل القرية بإيجار حسن وأن يحصل على ريعها ~~كاملا من الفلاحين الذين كانوا يرهبون جانبه لصرامته. # ولما كبر ابنه عني بتعليمه، فأدخله المدرسة الأميرية الوحيدة في عاصمة المديرية، واشترى ~~له بغلة هادئة سريعة وأعد له سرجا فخما من نسيج الصوف الأحمر، فكانت تحمله كل صباح إلى ~~المدرسة ثم تنتظر في وكالة البهائم حتى ساعة العصر فتحمله إلى القرية سالما في رعاية خادم ~~خاص كان يقطع المسافة كل يوم بين القرية والعاصمة ذهابا وإيابا إلى جانب البغلة. # ومن شدة حبه لولده كان يرحب بأصدقائه من زملاء الدراسة إذا أتوا لزيارته في أيام الجمع، ~~وكثيرا ما كان يعد لهم الولائم الزاخرة بألوان الطعام الريفي الذي كانت الأم تتفنن فيه. ~~ولما كبر ولده وانتقل إلى الإسكندرية ليكون بالمدرسة الثانوية أعد الأب له بيتا خاصا به ~~ليستطيع أن يستقبل فيه أصدقاءه إذا أتوا لزيارته في أيام الصيف ليقضوا عنده بضعة أيام بين ~~حين وآخر. ولشدة محبة الأب لولده واغتباطه بأنه قد صار شابا كان يتخفف من أعماله الكثيرة ~~حتى يقوم بواجب الترحيب بهؤلاء الأصدقاء. وكان من الطبيعي أن يعرف هؤلاء الشبان من أحاديثه ~~معهم ومن أحاديث صديقهم إبراهيم ابنه أنه كان «ضابطا» في جيش الثورة العرابية التي قرءوا ~~حوادثها في دروس التاريخ، فجعلهم ذلك ينظرون إليه كأنه قطعة من الآثار التاريخية الجديرة ~~بالاهتمام. فكانت أحاديثهم تتجه دائما إلى ذكر حوادث تلك الثورة رغبة منهم في سماع بعض ~~الطرف التي يحكيها الجنود القدماء دائما عن مغامراتهم في المعارك. ولكن رضوان أفندي كان ~~يحس كراهة شديدة لتلك الأسئلة ويحاول بقدر طاقته أن يتجنب الإطالة في الإجابة عنها، حتى لا ~~تعود إليه ذكرى الحوادث المؤلمة التي تثير في نفسه مشاعر مرة حانقة. ولكن الشباب في شغفه ~~بالمجهول لا يهتم بأن يفكر في آلام غيره، فلم يفطن أصدقاء إبراهيم إلى مظاهر الألم والحزن ~~التي كانت تظهر على وجه الرجل عندما كانوا يوجهون إليه تلك الأسئلة، وكانوا يلحون عليه في ~~السؤال ويأخذون في سرد الحوادث التي ms115 تعلموها ويمزجون أحاديثهم بكثير من عبارات الوطنية ~~الحماسية، فكان رضوان أفندي ينتحل لنفسه عذرا آخر ليخرج من مجلسهم حتى لا يستمر في ~~الاستماع إلى أحاديثهم. # وفي يوم من الأيام في إحدى تلك الزيارات ضاق صدر رضوان أفندي بتحمس ابنه لآراء أصدقائه ~~عندما كانوا يتحدثون عن الحركة الوطنية التي أثارها الشاب مصطفى كامل في جريدة اللواء، وبلغ ~~منه الحنق مبلغا عظيما حتى إنه وجه إلى ولده العزيز عبارات شديدة من التأنيب على ~~الحماقة التي ظهرت منه. ولم يتعود إبراهيم أن يسمع من أبيه منذ الطفولة سوى عبارات التكريم ~~والإعزاز، فوقعت عليه تلك الكلمات الشديدة كأنها صفعات مهينة، وقام من مجلسه غاضبا وترك ~~أصدقاءه في أشد حالات الارتباك والخجل. ولاحظ الوالد بعد قليل أنه أساء إلى ضيوفه وضيوف ~~ولده وأنه قد تجاوز الحدود التي تقتضيها واجبات صاحب البيت، فبدأ يعتذر عما فرط منه واستأذن ~~الشبان ليخرج ويعود بولده الغاضب. وبعد دقائق قليلة عاد الأب مع ابنه، وكان منظر إبراهيم يدل ~~على أنه غسل وجهه من آثار الدموع قبل عودته. # وبدأ الوالد يتكلم، وكان صوته متهدجا من التأثر، فقال: ~~«أحب أيها الأبناء أن أقص عليكم قصة حياتي أمام ولدي هذا الذي ليس لي أمل في الحياة إلا ~~أن يكون رجلا سعيدا؛ لأنه وحيدي الذي أحب له من السعادة أكثر مما أحب لنفسي. وقد عشت حياة ~~طويلة ومرت علي حوادث كثيرة ووقفت في مآزق شديدة علمتني كثيرا من الحكم التي لا ~~يعرفها هؤلاء الذين لم يعرفوا الشقاء. لقد بلغت اليوم من السن أكثر من الستين عاما، قطعتها ~~سنة بعد سنة في جهاد وعرق وآلام. # تركني والدي وأنا صبي، وكان لي شقيقان أصغر مني، وأنتم لا تعرفون معنى مسئولية صبي صغير ~~عن أخوين أصغر منه. كان علي أن أبحث عن عمل يمكنني من القيام بأحمال أسرتي، وأنا لا ~~أعرف بعد ما هي الأعمال التي يمكنني أن أبحث عنها. ولكن إذا كان أبي قد تركني للحياة وحيدا ~~فإنه خلف لي اسمه المحبوب بين أصدقائه الكثيرين؛ لأن ms116 إبراهيم أفندي كان عند الجميع رجلا ~~كريما محترما، ولهذا بادر أهل القرية جميعا ليمدوا إلي يد المساعدة، وذهب بي العمدة ~~عليه رحمة الله إلى مأمور الناحية ليساعدني على أن أجد وظيفة في الحكومة؛ لأني كنت أجيد ~~القراءة والكتابة. وكان المأمور رجلا كريما، فرق قلبه لي عندما عرف أني أعول شقيقي ~~الصغيرين، فتوسط لي لأكون كاتبا في الدائرة السنية، وذلك - كما هو معلوم - في مدة الخديو ~~إسماعيل. وفرحت فرحا شديدا بهذا الحظ السعيد الذي هيأ لي مرتبا لا يقل عن ثلاثة جنيهات ~~في الشهر. أراكم تبتسمون أيها الأبناء لأني أقول عن هذا المرتب أنه حظ سعيد، ولكن الجنيه في ~~تلك الأيام كان يساوي خمسة جنيهات على الأقل من قيمة نقودنا اليوم. # وماتت أمي بعد بضع سنوات، وكبر إخوتي واستقلا عني واشتغل أحدهما بالتجارة وذهب الآخر ~~ليكون جنديا في السودان مع حملة الحبشة. وتنقلت في وظائف الدائرة السنية وزاد مرتبي حتى ~~استطعت أن أتزوج، واتخذت لنفسي منزلا صغيرا على النيل في إحدى القرى التابعة للدائرة ~~السنية. كنت إلى ذلك الوقت لا أعرف من الحياة إلا أعمال وظيفتي وبيتي، ولم تكن عندنا صحف ~~تحمل إلينا الأخبار كما هو الحال الآن؛ ولهذا لم أكن أعرف شيئا من أمور السياسة سوى أن ~~مولانا الخديو هو ولي النعم. # وقمت في الصباح الباكر في يوم من الأيام ذاهبا إلى مزرعة الدائرة كعادتي، فإذا سفينة ~~كبيرة راسية على الشاطئ. فاقتربت محترسا نحو النهر وتداريت في ظل ساقية قريبة لأنظر ما ~~هناك، فإذا جماعة من البحارة تهبط من السفينة وهي تحمل شيئا يشبه جثة ملفوفة في ملاءة ~~بيضاء، وساروا بعيدا عن شاطئ النهر يحملون حملهم وهم يتعثرون، حتى صاروا على نحو مائة متر ~~من النهر، فوضعوا الحمل وبدءوا يحفرون في الأرض. وكان قلبي قد امتلأ رعبا من المنظر، فبقيت ~~ساكنا في مكاني أنتظر في لهفة أن يفرغ البحارة من عملهم وينصرفوا. ومرت الدقائق علي ~~بطيئة كأنها ساعات طويلة، حتى فرغت الجماعة من إعداد الحفرة ووضعوا فيها ما معهم، ثم ms117 أعادوا ~~فوقها الكوم الكبير الذي استخرجوه وداسوا التراب بأرجلهم حتى سووه بما حوله، ثم انصرفوا إلى ~~السفينة. وبعد بضع دقائق أخرى تحركوا نحو الصعيد. وكان العلم الأحمر يرفرف فوق السارية مع ~~النسيم الذي ملأ قلوع السفينة ودفعها نحو الجنوب. وكتمت السر الذي عثرت عليه في ذلك الصباح ~~طي أعماق صدري فلم أطلع عليه أحدا، مع أن الفلاحين في القرى المجاورة كانوا يتحدثون في ~~ذلك اليوم عن السفينة الذاهبة إلى الصعيد تحمل إسماعيل باشا المفتش لتغيير الهواء في أسوان. ~~لم أقل لأحد أني رأيت السفينة راسية على بعد كيلومتر واحد من القرية، ولا أني رأيت بحارتها ~~ينزلون منها يحملون جثة دفنوها على مقربة من الشاطئ؛ لأني لو قلت كلمة من ذلك لذهب الجميع ~~إلى الحفرة وأخرجوا الجثة وأحدثوا فضيحة كبيرة. وماذا كان يحدث لي لو حدثت تلك الفضيحة؟ ~~فكرت في ذلك طويلا وعزمت على أن ألتزم الصمت فلا أنطق بكلمة واحدة عما رأيت. # ولكني منذ ذلك اليوم أخذت أتتبع أخبار تلك السفينة، فكنت أذهب كل يوم إلى بيت المأمور ~~لأقرأ «الجرنال» الرسمي الذي كان يرسل إليه، وصرت إليه أتتبع السفينة في سيرها نحو الجنوب ~~بلهفة شديدة كأني أقرأ قصة مثيرة. وقرأت آخر الأمر أن السفينة وصلت إلى أسوان وأن المفتش ~~أصيب بمرض، وأنه كان يكثر من شرب الخمر فساءت حالته وزادت عليه العلة. ثم قرأت أن طبيبين ~~أجنبيين زاراه في أسوان وصرحا بأن حالته خطيرة، ثم أعلنت وفاته ونشر تقرير الطبيبين أنه ~~مات من تأثير الخمر الذي أضعف صحته. أأقول لكم ماذا شعرت به عند ذلك؟ شعرت بأني أعيش في ~~مسرح تمثل فيه مهزلة. رأيت بعيني جثة الرجل تحمل من السفينة وتدفن، ثم رأيت الحكومة ~~السنية تمثل رواية هزلية أمام الشعب. وترددت الإشاعات بعد ذلك تقول إن الخديو قتل إسماعيل ~~المفتش شريكه في الحكم ونديمه في مجالس اللهو وساعده الأيمن في اقتراض الأموال من المرابين؛ ~~لأنه تخلى عنه وخانه مع مندوبي المرابين الفرنج. ولكني التزمت الصمت ولم أقل شيئا . كان كل ms118 ~~شخص يتحدث بالإشاعات التي سمعها من غيره؛ لأنه لم ير شيئا بعينه، وأما أنا فلو قلت شيئا ~~فإني أقول إني رأيت بعيني، وهنا تقع الكارثة. # ومن ذلك الوقت دب في أعماق صدري شعور عميق بالكراهة والحقد والمقت للخديو إسماعيل، لا ~~لأنه قتل شريكه، بل لأنه سخر منا، سخر من الناس جميعا. كان في إمكانه لو أنه شجاع شريف أن ~~يحاكم المفتش ويوقع عليه العقوبة التي يستحقها. ولكن ارتكاب الجريمة في الظلام، وتمثيل ~~المهزلة أمام الأنظار، كان كافيا لملء قلبي حنقا، سواء كان المفتش مجرما أم ~~بريئا. # من ذلك الوقت امتلأ قلبي ثورة على الحكم الفاسد، ولكني كظمت الثورة في صدري فتعمقت وأصبحت ~~بعد قليل تشبه الوسواس أو الجنون. # ثم صودرت أموال إسماعيل لتسديد ديون المرابين، وصفيت الدائرة السنية، ووجدت نفسي في ~~الطريق بغير وظيفة. أتفهمون شعوري عند ذلك وتدركون السبب الذي حملني على الخطوة التالية؟ ~~أقول لكم إنني بدأت أبحث عن الأفراد الآخرين الذين يحملون في صدورهم ثورة مثل ثورتي. وهكذا ~~قضيت سنتين من التشرد والجوع والثورة. وعزل الخديو إسماعيل واتقدت النيران في قلوب كثيرة، ~~فاتصلت بالشيخ عبد الله نديم وبدأت أكتب في الجرائد التي يصدرها وأصبحت من أتباع الثورة ~~العرابية.» # وأخرج رضوان أفندي منديلا وأخذ يمسح قطرات العرق عن جبينه، كما أخذ يمسح قطرات من الدموع ~~في عينيه. ثم استأنف الحديث وكان الشبان ينظرون إليه في تلهف، فقال: ~~«بالاختصار لا أطيل عليكم، فإني لم أقنع بالكتابة في الجرائد، بل تطوعت في الحرب عندما ~~ارتمى الخديو توفيق بن إسماعيل في أحضان الإنجليز، وكنت كلما جاء ذكره أبصق على الأرض وأطلق ~~لنفسي العنان في سبه وسب أبيه وأصفهما بأوصاف لا أحب أن أعيدها على أسماعكم لأنها شنيعة. ~~كنت أسب كما تعود الجنود المحاربون أن يفعلوا. # وكانت النيران المتقدة في قلبي تدفعني إلى أعمال جنونية، فاشتركت في حريق الإسكندرية، ~~وتهورت في معارك المدينة كما تهورت في معركة كفر الدوار، حتى إني رقيت إلى صف ضابط. وصدرت ~~الأوامر إلينا بالانتقال إلى الشرقية، وهناك ms119 عسكرنا في التل الكبير. ولا تسألوا أيها ~~الأبناء عن الحقائق الأليمة التي بدأت تنكشف لي عند ذلك. كان الجميع يعرفون مقدار تهوري، ~~ولهذا كان لي في كل يوم مفاجأة جديدة؛ إذ كان الكثيرون يطلبون مني أن أقوم بأعمال أشم فيها ~~رائحة الخيانة. جاءوا يعرضون علي هدايا ثمينة لإغرائي، فكنت أزداد يقينا بأنهم يريدون ~~مني الخيانة، فكنت أبصق على الأرض وأسبهم سبا شنيعا. ولكني لم أتكلم وكتمت في نفسي الغيظ ~~حتى لا أثير فضيحة. وماذا يحدث لو ثارت فضيحة؟ لا شيء أكثر من تلويث سمعتي وانشغالي عن ~~الجهاد في أمور تافهة. وكانت أكبر مفاجأة لي عندما جاء إلي أحد مشايخ الصوفية الذين ~~يسيرون مع الجيش لإقامة الأذكار والابتهال إلى الله بالنصر، وطلب مني الشيخ أن أترك الدرك ~~الذي كنت مرابطا فيه لأشترك في ذكر هام محقق الفائدة لانتصار الجيوش الوطنية. ولم أفهم ~~معنى قوله بل إني تعجبت منه وشممت رائحة الخيانة. ولما رفضت أخذ الرجل يلح علي إلحاحا ~~شديدا وانتهى أمره بأن عرض علي كيسا مملوءا بالذهب قائلا: هذه هبة من سلطان باشا لشدة ~~إخلاصه وحرصه على قيامنا بالدعاء في هذه الليلة. # وكنت قد سمعت بعض إشاعات عن انشقاق سلطان باشا واتصاله بحزب الخديو والإنجليز، فصرخت في ~~الشيخ صرخة حانقة وبصقت على الأرض وسببته سبا مقذعا كما سببت الخديو وسلطان باشا ~~والشيطان. ومضى الرجل عني غاضبا يدعو علي، وفضلت أن أبقى في مكاني لأحافظ على الدرك ~~الذي كنت فيه. ولكن لم أتكلم بكلمة، وعزمت على الذهاب بنفسي إلى عرابي باشا لأطلعه على ~~الشكوك التي ساورتني. ولكن المفاجأة حدثت أسرع مما كنت أتوقع. فإن الموقعة بدأت بعد قليل ~~وبادرت إلى مكاني لأقاتل. وكان معي في الموقع الذي كنت فيه سرية من عشرين رجلا؛ لأني كنت ~~قائما بأعمال ضابط ملازم وكنت على وعد بالترقية بعد المعركة. أتدرون ماذا حدث؟ لم يكن هناك ~~رجل واحد؛ لأن الجميع ذهبوا ليقيموا الأذكار، واضطررت إلى أن أقاتل وحدي. # وبعد عشرين دقيقة من بدء المعركة رأيت عرابي باشا ms120 راكبا متجها إلى محطة السكة الحديد، ~~وصدرت الأوامر بالرحيل إلى القاهرة. # عند ذلك بصقت على الأرض مرارا وأنا أسب وألعن الجميع، ولم يخل من حنقي أحد سواء كان ~~عسكريا أم ملكيا، وسواء كان شيخا أم شابا. وسرت مع السيل المضطرب نحو القاهرة لا ~~أدري أين أذهب. انفرط العقد ولم يبق في البلاد حكومة. # ثم رأيت الإنجليز يدخلون إلى القاهرة، وكدت أجن من الغيظ والحنق عندما وجدت الجميع يقفون ~~لينظروا إليهم وهم يسيرون في سلاحهم في الشوارع. ولعنت نفسي أيضا لأني وقفت معهم. وسرت ~~كالمجنون أبحث عن أحد أسأله عما حدث. # وفي اليوم التالي سمعت الخونة يتكلمون بأصوات عالية، الذين كانوا بالأمس يستمعون إلى ~~خطابات عبد الله نديم وقصائد البارودي ويصفقون حتى تدمى أيديهم بدءوا يلعنون الثوار ويسمون ~~عرابي خائنا. وبدأت أنا وأمثالي نتوارى. فماذا تنتظرون مني أيها الأبناء بعد كل هذا؟ ماذا ~~تنتظر مني يا إبراهيم يا ولدي؟ أنت إبراهيم على اسم أبي لأني أحبك وأضع فيك أملى الذي فقدته ~~بموت أبي. ماذا تريد مني؟ أتقولون بعد هذا إن هناك شيئا اسمه الوطن؟» # فصاح إبراهيم: بحق أبيك يا أبي لا تقل هذا! # وصاح الشبان: بحق ولدك يا عم لا تقل هذا! # ونظر إليهم رضوان أفندي في دهشة وقال: وماذا تقولون أنتم؟ # فقال إبراهيم بصوت مختنق: ماذا كنت تفعل لو استمرت المعركة؟ # فقال رضوان أفندي في ضجر: ولكن أين هي المعركة؟ # فقال إبراهيم: ماذا كنت تفعل لو ناداك عرابي للنضال بعد عودته إلى القاهرة؟ # فقال رضوان أفندي في حماسة: ليته فعل يا ولدي. # فقال إبراهيم في عناد: وماذا تفعل لو ناداك غير عرابي ووجدت إلى جانبك رجالا؟ # فقال رضوان أفندي: كنت أقاتل معهم إلى آخر رمق، إلى آخر رصاصة. وإذا لم أجد رصاصا فإلى ~~آخر عظمة في رأسي وجسمي وآخر ضرس في فمي. # وكان يقذف بألفاظ سريعة واحمر وجهه من التأثر، ثم بصق في غيظ على الأرض قائلا: «إخص» ~~لعنة الله ... # وتمالك نفسه فلم يستمر في أقواله الحانقة وأوقف اللعنات التي ms121 كاد يقذف بها. # فقهقه الشبان بضحكة عالية وقال إبراهيم: ألا تحب أن تبدأ معركة جديدة يا أبي؟ # فنظر رضوان أفندي إلى ولده مبهوتا، ثم نقل بصره إلى الشبان يفحص وجوههم واحدا واحدا ثم ~~قال في بطء: لماذا تضحكون هكذا؟ # فقال أحدهم: لأنك ما زلت تحمل قلب جندي. # فانفرجت أساريره وأطرق حينا ثم قال: نعم ما زلت أحمله، وما يزال يغلي من الغضب. الغضب ~~الذي أحاول أن أخمده بلعناتي. # فقال الشاب: ولماذا لا تصوبه إلى العدو؟ لماذا لا تستأنف المعركة؟ # فقال رضوان أفندي بصوت امتزجت فيه الدهشة بالشك: أتقول أستأنف المعركة؟ # فقال الشاب في حماسة: هي معركة قد تطول. قد تطول لعدة سنوات، وقد يشترك فيها جيل بعد جيل. ~~قد يشترك فيها جنود لم يخلقوا بعد. ولكنها معركة مستمرة. لماذا لا تشترك فيها أنت ونحن، ثم ~~يشترك فيها أبناؤنا وأبناء أبنائنا حتى النهاية؟ هي معركة أمة، تتجدد مع الأجيال حتى يتم ~~النصر. # وكان رضوان أفندي قد وقف على قدميه من شدة التأثر وهو يستمع إلى الشاب الذي وقف هو الآخر ~~وأخذ يلوح بقبضته في الهواء كأنه يقاتل. # فلما فرغ الشاب من قوله اندفع رضوان أفندي إليه وأخذه بين ذراعيه قائلا: أعاهدك على أن ~~أستأنف المعركة! # وتحمس الشبان لهذا التغير المفاجئ فقاموا يهتفون بحياة الوطن والحزب الوطني الجديد، وتعهد ~~رضوان أفندي أن ينشئ في الكوم الأحمر شعبة من ذلك الحزب لينشر الدعوة لاستئناف ~~المعركة. # والذين يعرفون أخبار الحوادث التي وقعت في مصر في ثورة سنة 1919 يعرفون أن الأستاذ إبراهيم ~~رضوان كان اليد المحركة والقلب الدافع للحركة القوية التي عمت مديرية البحيرة كلها في ~~إبان تلك الثورة. ولكن الذين يعرفون الأسرار الخفية التي كانت تنطوي وراء تلك الحوادث، ~~يعلمون حق العلم أن القوة الحقيقية التي كانت تحركها إنما تنبعث من شيخ جاوز السبعين من ~~عمره ولا يغادر بيته في قرية الكوم الأحمر، وهو الجندي القديم رضوان أفندي! # | الرقصة المجنونة # «عندما كانت الحياة مجنونة.» # كان الأستاذ عطية يعتقد أن الحياة صارت مجنونة ، وذلك ms122 بعد أن بلغ سن الأربعين في عام 1951. ~~حقا إنه من السخف أن يقول أحد إن الزمان فسد لأن الزمان تغير، فإنه لا مفر من تغير ~~الزمان. ولكن من الضروري أن يكون الناس على اتفاق في شعورهم وآرائهم ما داموا يعيشون في وقت ~~واحد، وإلا كانوا عرضة لسوء التفاهم. وهذا هو السر في اعتقاد الأستاذ عطية أن الحياة مجنونة؛ ~~لأنه كان يخالف أهل زمنه في الآراء والشعور. # والأستاذ عطية مع غرابة أطواره جدير بأن يعد من الأفذاذ النادرين الذين بلغوا سن ~~الأربعين في منتصف القرن العشرين. هو رجل ذو شخصية عجيبة تشبه الشخصيات الخيالية التي تتحدث ~~عنها الأساطير، لا تهمه مظاهر الحياة بقدر ما تهمه حقائقها الجوهرية، ولا يعبأ بالأوضاع ~~التي يتعارف الناس عليها إذا كانت في نظره أوضاعا سخيفة. وهو فوق كل هذا لا يعترف ~~بالمقاييس الاجتماعية ولا المقاييس الأخلاقية إذا لم تكن قائمة على المبادئ التي يفهمها ~~ويسلم بها: فهو مثلا لا يعترف بأن الإنسان جدير بالاحترام لأنه حصل على ثروة عظيمة فقط، ~~وقد يكون احترامه عظيما لرجل بسيط فقير أكثر بكثير من تقديره لرجل من أصحاب الملايين، وذلك ~~إذا كان صاحب الملايين من الذين لا يساوون مليما على حسب مقاييسه الخاصة. # ولكن الأستاذ عطية وإن كان غير راض عن الأوضاع والمقاييس التي في أيامه، فإنه كان محتفظا ~~بالمرح وسعة الصدر، ولا يحمل لأهل زمانه ضغنا لأنهم يخالفونه في الشعور أو الآراء. هو لا ~~يعرف المرارة ولا الحقد ولا الحسد، ويأخذ أمور الناس كما هي ويحتفظ بآرائه ومقاييسه لنفسه ~~مع علمه بأنها تخالف مقاييس الناس وآراءهم. ولهذا كان محبوبا عند الجميع برغم اختلافهم ~~عنه، بل كانوا يحبون أن يستمعوا إلى آرائه وانتقاداته التي يصوغها في أسلوبه الفكاهي ~~الظريف. # وأما سبب اختلاف وجهة نظر الأستاذ عطية عن وجهة نظر أهل زمانه، فذلك ما يطول شرحه، ويكفي ~~أن نقول إنه يرى أن العالم كله بوجه عام ومصر بوجه خاص قد أصبح عالما سخيفا ~~مجنونا. # فالناس جميعا في نظره يسيرون نحو الهاوية ms123 بعيون مقفلة، بعد أن فقدوا أهم شيء في الحياة ~~وهو أرواحهم. أصبح الناس جميعا في نظره حثالة يعيشون بلا أرواح يعبدون أصناما بغير أرواح، ~~أو بقول آخر هم يعبدون الأصنام التي لا أرواح لها على شرط أن تكون من ذهب. ومن أجل عبادتهم ~~للأصنام الذهبية، أصبحوا لا يعبئون بالحقائق وأغلقوا أعينهم عن معاني الحياة الكبرى، ~~واتجهوا في لهوهم السخيف نحو الهاوية. هذه هي فلسفته التي كان يصوغها في أسلوبه الفكاهي ~~اللطيف، بطريقة مضحكة مسلية مع أنها تنطوي على حكم نفيسة. والمثل الأعلى في الحياة للأستاذ ~~عطية هو الشخصية الخيالية المعروفة: جحا، الذي بلغ من إعجابه بشخصيته أنه أوصى أحد الفنانين ~~المشهورين بصنع تمثال نصفي له، ووضعه في صدر غرفة الجلوس في بيته. # والأستاذ عطية رجل وإن تخطى سن الشباب من زمن طويل يحتفظ بحيوية قوية، حتى إنه يبدو ~~شابا في أعين الجميع. ومن فضائله أنه غير متزوج؛ ولذلك لا يجد سببا يحمله على المجاملة ~~في إبداء آرائه. كما أنه يمتاز بفضيلة أخرى، وهي أنه لا يرى في الحياة سببا يستحق الأسف. ~~لا تكاد الدنيا تزيد في نظره على مسرح شعبي تمثل عليه ملهاة مضحكة أو مهزلة، تتخللها ~~أحيانا بعض مناظر مبكية ولكنها ملهاة لا يدرك معناها كثير من النظارة. # والممثلون في هذه الملهاة أو المهزلة هم الأحياء جميعا لا فرق فيهم بين من يسمونهم ~~العظماء والحقراء، ولا بين العقلاء والحمقى، والجميع يقومون بأدوارهم على المسرح وينظرون ~~إلى أنفسهم في الوقت نفسه. وهو يعتقد أنه هو الآخر يقوم بدوره في المهزلة العامة، كما يشترك ~~في مشاهدة المناظر، والفرق بينه وبين غيره أنه لا يطلب أتعابا على القيام بدوره، في حين أن ~~الآخرين يتقاضون أتعابهم بطرق مختلفة! بعضها يضحك وبعضها يبكي. # والأستاذ عطية يتعمد أن يؤدي دوره في الحياة بإخلاص وصراحة، ولذلك فهو يسير على سجيته ~~بغير تكلف، ولا يحاول أن يغطي أعماله ولا آراءه بالغشاء المموه الذي يغطي به الناس أعمالهم ~~وآراءهم لتبدو مقبولة. وله فلسفة خاصة في كل ما يتصل ms124 بالناس، وذلك أنه لا يقيد نفسه بالعرف ~~الذي اصطلحوا عليه، ما دام لا يرى في الحدود والمقاييس التي وضعوها سوى حيل خبيثة وضعها ~~المكرة ليستغلوا البسطاء ويفوزوا بما يشاءون من المنافع والمتع. ولهذا جعل شعاره الأول في ~~معاملته للناس ألا يقف لحظة ليفكر فيما يقوله الغير عنه. # ومن العدل أن ننظر إلى الناحية الأخرى من شخصية الأستاذ عطية، إذا أردنا أن نعرفها على ~~حقيقتها، فهو رجل يجمع في طباعه بين الأضداد، كما أنه يجمع في عقله بين المتناقضات. فبينما ~~هو يعطي ما في يده سخيا فياضا، إذا هو يمد يده إلى أصدقائه في جرأة قد تبلغ حد التبذل ~~أو الاعتداء. وبينما هو يأبى أن يستجيب إلى دعوة أحد العظماء إلى وليمة فاخرة، إذا هو يذهب ~~إلى مجالس السوقة بغير دعوة ويقضي معهم الأماسي الطويلة في منتدياتهم الوضيعة. # وهو من سلالة أسرة قديمة عريقة في المجد، ولكنها من تلك الأسر التي لم يبق منها إلا ~~الاسم، كما لم يبق من مجدها القديم إلا بيت فسيح متهدم في حي المنشية. وإذا كان للأستاذ ~~عطية ميراث آخر من هذه السلالة القديمة، فذلك لا يزيد على بعض مبادئ يتمسك بها ويعتقد أنها ~~هي الأمثلة العليا. وقد يبلغ به التحمس لهذه المبادئ إلى حد أنه يعتقد أن الحياة الحديثة ~~صائرة بغير شك إلى الانحلال والفناء لأنها انحرفت عنها. # ومع أنه متصل بالقرابة والنسب إلى كثير من الأسر الكبيرة، فهو لا يعبأ بتلك الصلات ولا ~~يحرص عليها، بل يتعمد أن يتبرأ منها؛ لأن تلك الأسر قد انحرفت هي الأخرى عن المبادئ التي ~~يعتقد فيها. والأستاذ عطية مع كل بدواته وآرائه الغريبة يتمتع بمكانة عالية بين أهل ~~المنشية، فإن أبناء ذلك الحي ولا سيما العامة والسوقة منهم يحبونه ويعتبرونه الرجل الأصيل ~~المنحدر من بيت الشرف والمجد، فإذا مر في الطريق قام له أصحاب الدكاكين وقوفا وحيوه في ~~بشاشة ورحبوا به في مودة، فإذا عرج على دكان أحدهم ليجلس معه ساعة قصيرة عد ذلك شرفا ~~عظيما وتنازلا مشكورا. ms125 # وليس احترام الأستاذ عطية مقصورا على أصحاب الدكاكين وأهل السوق في حي المنشية، فهناك ~~شخصية هامة محبوبة في ذلك الحي تعتبر الأستاذ صديقا عزيزا، وهي شخصية «كوكو» المهرج المرح ~~الذي يعرفه الجميع، ويلتف حوله الأطفال والشبان ليستمعوا إلى فكاهاته الحلوة كلما مر في ~~حواريهم. فكلما لمح كوكو خيال الأستاذ عطية من بعيد أسرع إليه ووضع يده على كتفه وأخذ يرقص ~~ويغني له ويبادله الفكاهات، ثم يأخذ منه ما يعطيه من النقود الصغيرة إذا كان معه ~~نقود. # وللأستاذ عطية أصدقاء كثيرون في القاهرة وغيرها لا يكادون يصبرون عنه إذا غاب عنهم، ~~ويسعون إلى مرافقته والتمتع بمجالسه، وهم جميعا يميلون إلى مداعباته ويتعمدون أن يثيروا ~~مرحه وطربه، وقد يبلغون معه حد العربدة إذا لعبت الخمر برءوسهم. # وأما هو فإنه لا يشرب الخمر ولا يضيق أبدا بهذه المداعبات ولا يغضب، بل يتحملها مسرورا، ~~وكل ما يرد به عليها لا يزيد على بعض فكاهات تطلق الضحكات العالية وتزيد الأصدقاء تعلقا ~~به. فلا يذكر هؤلاء الأصدقاء أنه خرج عن عادته في المؤانسة الظريفة الوديعة إلا مرة واحدة ~~في ليلة واحدة كانت فلتة من الفلتات في كل حياته. # ففي تلك المرة وحدها، شرب الأستاذ عطية بعض كئوس من الخمر على غير عادته وعربد عربدة ~~صارخة كانت موضع الدهشة عندهم جميعا، حتى إنهم ما يزالون يذكرونها ويتفكهون في مجالسهم ~~بذكرها، ويسمونها فيما بينهم «ليلة عيد الميلاد». # وكان هو إذا سمع حديث هذه الليلة قام مسرعا؛ لأنها تثير فيه ألما شديدا، وهذا هو ~~حديثها: # في ذات صباح دق جرس التليفون في بيت الأستاذ عطية، وكانت الساعة ما تزال السادسة، وهي ~~ساعة يندر فيها رنين التليفون. وكانت دهشة الأستاذ عظيمة عندما سمع صوت صديقه جابر بك الذي ~~كان معه في الليلة السابقة إلى قرب منتصف الليل. # فقال الأستاذ في ظرف: أوحشتنا يا سيد جابر! # فضحك جابر عند الطرف الآخر من التليفون وأجابه قائلا: وماذا أصنع؟ لم تصلني الدعوة إلا ~~بعد عودتي إلى المنزل. اسمع يا أستاذ عطية! باختصار لا ms126 تقيد نفسك في هذا المساء بأي ~~موعد. # فقال الأستاذ: عظيم! كتب كتابك؟ # واستمر الحديث بعد ذلك بضع دقائق تخللتها بعض فكاهات طريفة. # ثم وضع الأستاذ السماعة. وكان مجمل ما قاله جابر بك أن أكد عليه ألا يقيد نفسه بموعد آخر، ~~وأنه سيمر عليه في الساعة الثامنة مساء. وهز الأستاذ عطية رأسه متعجبا من غرابة أطوار ~~صديقه وعاد إلى فراشه وهو يقول لنفسه: عظيم! # ثم أغمض عينيه. # ولما جاءت الساعة الثامنة مساء آخر الأمر سمع الأستاذ عطية بوق السيارة عند الباب، وكان ~~ما يزال يستعد لاستقبال صديقه. فأسرع بلبس حذاءه وطربوشه ونزل يقفز فوق الدرج حتى خرج إلى ~~الطريق. # وكانت الليلة باردة من ليالي الشتاء التي اشتدت فيها الريح، أو هي على التحقيق ليلة عيد ~~الميلاد من سنة 1951. كانت الريح تهب في عنف، والظلام يغالب أنوار المصابيح الغازية الخافتة ~~التي في الطريق الضيق. ووقف الأستاذ أمام السيارة حاملا طربوشه في يده حتى لا يقع من هبات ~~الهواء. # وسأل صاحبه: إلى أين؟ # فصاح به جابر من داخل السيارة: أسرع ولا تضيع الوقت. أيعجبك الوقوف في هذا الهواء؟ # ولكن الأستاذ عطية أجاب: أحب أن أعرف أولا ... # ولم يتم جملته لأنه سمع من آخر الحارة صوتا يناديه بعبارة مألوفة عنده: «عطية بيه يدوم ~~عزه!» # وفي لحظة كان كوكو المهرج يرقص ويغني وهو واضع ذراعه اليسرى حول كتفي الأستاذ عطية. فضحك ~~الأستاذ ووضع طربوشه على رأسه ثم جعل يده على كتف المهرج وأخذا يتراقصان ويغنيان ~~معا. # ودهش جابر بك من هذه المفاجأة ولم يملك نفسه من القهقهة وهو يصيح بصديقه أن يوقف تلك ~~المهزلة ويسرع إلى الركوب معه. # ولكن الأستاذ عطية تقدم نحو نافذة السيارة قائلا لجابر بك: أقدم لك صديقي كوكو! # وكان منظرا يشبه في عيني جابر بك منظر اثنين فرا من مستشفى المجاذيب، فاستسلم للأمر ~~الواقع وأوقف دوران محرك السيارة وانتظر حتى يفرغ صاحبه الغريب الأطوار من بدوته. # وكان الأستاذ عطية في ملابس أنيقة من قمة طربوشه إلى كعب حذائه اللامع. على حين ms127 كان كوكو ~~حافي القدمين وليس عليه سوى سروال قصير من القطن الأبيض، وأعلى جسمه عار إلا من خطوط ملونة ~~دهن بها جلده. وكان شعره الخشن الأشعت يعلوه طرطور من ورق ملون بين أحمر وأصفر وأخضر، وله ~~ذؤابات من قصاصات الورق معلقة في خيوط وترف على كتفيه مع كل حركة من حركاته. # ولم ينس كوكو فوق هذا أن يرشق وردة كبيرة حمراء من الورق الملون في شعره الغزير فوق أذنه ~~اليمنى، وكان بين حين وآخر يرفع يده إليها في تأنق ويحرك رأسه تيها وهو يرقص. وكانت حركات ~~الراقصين رشيقة وغناؤهما مطربا، حتى إن جابر بك لم يتمالك أن ينسى حنقه ويكف عن الصياح ~~منتظرا حتى يفرغا من تلقاء نفسيهما. # وكان أطفال الحارة قد سمعوا الضجة وأتوا مسرعين، فوقفوا في حلقة واسعة حول السيارة ~~والراقصين وشاركوا في الفكاهة والضحك والزياط والتصفيق. وبعد أن مضت دقائق طويلة، توقف ~~الرقص ورفع الأستاذ عطية يده عن كتفي صاحبه وتقدم إلى نافذة السيارة فخاطب صديقه جابر ~~قائلا: أليس معك نقود صغيرة يا سعادة البك؟ # فأخرج جابر بك ما في جيبه من القطع الصغيرة مستسلما وقدمها إليه في صمت، فألقاها الأستاذ ~~عطية في كف المهرج الذي انطلق في رقصة جديدة تصحبها أغنية متجها نحو أقصى الحارة، وأسرع ~~الأطفال يجرون وراءه ويصفقون ويضحكون. # وانطلق جابر بك بالسيارة في شيء من الغضب وقال في حنق: لقد هممت أن أنزل إلى هذا المجنون ~~لأعيد إليه عقله بصفعة. # فقال الأستاذ عطية: ولماذا؟ ألم يعجبك؟ # فقال جابر في غيظ: هذه رقصة مجنونة. إنه سخف. إنه هراء. وهذا التنازل الزائد عن الحدود! ~~ثم تشجعه فوق هذا بإعطائه نقودي؟ إنها رحمة زائفة، وأولى بمثل هذا المهرج أن يوضع في ~~إصلاحية أو سجن. # فقال عطية في هدوء: ولم كل هذا؟ # فقال جابر في دفعة: ألا تعرف لماذا؟ ألا تراه يسير هكذا عاريا ويضيع وقته في الرقص ~~الأبله؟ ألا تعلم أن أمثال هذا المهرج يجلبون على البلاد السخرية؟ توحش! # واستمر جابر بك في حنقه والأستاذ عطية ms128 مستمر في صمته. # وقال جابر: لم لا يلسع البرد هذا المخلوق فيقضي عليه ويريحنا منه؟ كيف يترك رجال ~~البوليس هذا الرجل العاري يسير بغير حياء أمام الناس؟ وهذا السخف الظاهر - طرطور - وألوان، ~~ولم ينس أن يضع وردة في شعره. هذه عودة إلى العصور المظلمة عندما كان الناس يتبركون ~~بالبلهاء أصحاب الريالة ويتمتعون بمناظر السخرية. # ولما هدأ غضب جابر بك قال له الأستاذ عطية في هدوء: إلى أين تسير بي؟ # فضحك جابر وقال في ظرف: لا مؤاخذة يا أستاذ عطية! دعنا من هذا الفصل البارد، لأننا ذاهبان ~~إلى حفلة رائعة ... ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة. جمال وفن وظرف وأناقة. ألا تعرف محمود بك ~~صعبان؟ هو يعرفك وبعث إليك بهذه الدعوة. # وأبرز بطاقة أنيقة في ظرف وردي اللون وقدمها إلى صاحبه قائلا: طبعا جيران قدماء. ولا شك ~~أنك تذكر الآنسة «بسمة»، ومن حقي عليك أن تقدم لي الشكر على أني أخذت هذه البطاقة من محمود ~~بك صعبان لأوصلها إليك. سترى حفلة رائعة. # وأحس الأستاذ عطية بقبضة شديدة في نفسه عندما سمع اسم الأستاذ صعبان، وتلفت حوله بغير وعي ~~كأنه يريد أن يجد سبيلا إلى الخروج، ولكنه كان سجينا في سيارة تجري بسرعة الريح الشديدة ~~التي تصفر بين الأشجار التي على جانبي طريق الجزيرة المؤدي إلى بيت صعبان بك بالزمالك. وأخذ ~~جابر بك يصف له الدار العظيمة التي يقيم فيها صعبان بك التاجر الكبير، ويطنب في وصف ما فيها ~~من أثاث ورياش، ويتحدث عن الثروة الواسعة التي جمعها ذلك الرجل العصامي في مدة الحرب. ثم ~~أخذ يتغنى بمحاسن الآنسة «بسمة» هانم التي ستكون نجمة الليلة في الاحتفال الذي أقامه البك ~~بمناسبة عيد الميلاد. # وكان الأستاذ عطية في أثناء ذلك مطرقا ينظر إلى البطاقة ذات الحروف الذهبية، وهو شارد ~~الفكر لا يكاد يسمع شيئا من أقوال صاحبه. # وعادت إليه صورة قديمة عرفها عندما كان محمود صعبان جارا قديما منذ اثنتي عشرة سنة، ~~وعندما كان يقيم في الشقة الأرضية من منزل قديم مجاور لبيته. ms129 وتمثل صورة «بسمة» وهي صبية ~~صغيرة تحمل السلة لتشتري الخضر من الباعة المتجولين في الحارة. كانت تعجبه لبساطتها ~~ومحاسنها الساذجة كطفلة وديعة سوداء الشعر واسعة العينين، تتدلى ضفائرها الغليظة على ظهرها ~~معقودة بشريط من الحرير. فكيف أصبح محمود صعبان سعادة البك وكيف أصبحت بسمة نجمة لحفلة عيد ~~الميلاد؟ هذا ما لم يعرف سره. وأخذ يسأل نفسه: هل يعرفهما إذا رآهما؟ وهل يعرفانه إذا وقعت ~~أعينهما عليه؟ وهل يخاطبانه كما كانا يفعلان بالاحترام الذي كان أهل الحي جميعا يوجهونه ~~إليه؟ # وقال لصاحبه في صوت خافت: كان ينبغي أن أستعد للذهاب إلى هذه السهرة. # فأجابه جابر مبتسما: ما شاء الله! ستكون أكثر المدعوين أناقة. # واستمر يتحدث عن صعبان بك منذ اشتغل بتوريد المؤن للجيوش المحاربة في السنوات العشر ~~الماضية، وعن الحيل البارعة التي كان يحتال بها على أخذ أثمان بضائع لم يورد منها شيئا، ~~وعن ذكائه الخارق في اختراع الوسائل التي يقدم بها الرشى إلى أصحاب المناصب العالية بغير أن ~~يجعلهم يسمونها رشى. ثم أخذ يطنب في تواضعه وكرمه ومحاسن أخلاقه، كما أطنب في وصف محاسن ~~الآنسة «بسمة». # ووقفت السيارة في وسط الحديث، وكان القصر المنيف الذي وقفت أمامه مطلا على النيل في ~~قطعة خالية من المساكن، والأنوار الملونة المنبعثة من البستان المحيط بالقصر تخلع على ~~المنظر ألوان الربيع وتتحدى السحب السوداء التي تغطي وجه السماء. # ودخل الضيفان من باب البهو الفسيح وكان المرح يشيع في الجو الدافئ، ولمعت من وجوه الحسان ~~بسمات عذبة كأنها منظر ثغور الأقاحي. وكان عبير العطور يخفق في الهواء ويبعث رسائل غامضة من ~~الفتنة. وصافح جابر بك أصدقاءه من الجنسين، وأما الأستاذ عطية فإنه اكتفى بالتحية من بعيد ~~وكان يبدو عليه شيء من الوجوم. وبعد دقائق مضى الجمع من أحاديثه السابقة وكانت كل مجموعة ~~تختلس النظرات إلى الأخرى. وأقبل صاحب الدار يتدحرج بقامته المكورة ووجهه السمين، وكان يفيض ~~بشاشة ورقة، ولما حيا الأستاذ عطية انحنى له في أدب وشكره على قبول الدعوة، ثم استأذن ~~ليستقبل عددا جديدا ms130 من الضيوف. # وجلس الأستاذ عطية في الحلقة التي اختارها جابر بك، وازداد في صدره شعور الانقباض الذي ~~كان يحسه من قبل. رأى الضيوف في الحلقات المبعثرة في البهو الفسيح يتهامسون ويميل كل اثنين ~~منهم في حديث خافت ضاحك. وأما الحسناوات فقد تعالت ضحكاتهن الوانية وهن يرسلن نظراتهن إلى ~~الحلقات الأخرى. ورنت الضحكات المرحة في سمع الأستاذ عطية كأنها أنغام ناشزة، وزاده ضيقا ~~منظر الظهور العارية والصدور البضة البارزة من بين البنائق الصغيرة. # كانت المناظر كلها فاتنة ولكن الأستاذ عطية رآها بعين صاحية، وكان وحده يجلس قابعا في ~~مقعده بغير كأس في يده، وتمنى لو استطاع أن يتسلل خارجا. # ثم أحس فجأة بعطش شديد إلى كأس من تلك الكئوس التي تلمع بين الأنامل الأنيقة، فقام إلى ~~البار وتشجع إذ لم يلتفت إليه أحد. ولما شرب الكأس الأولى أحس العطش يزداد به إلى أخرى، وما ~~زال حتى دب في نفسه الأنس وبدأ ينظر إلى البهو بعينه النشوى. صار البهو في عينيه ملهاة ~~صاخبة ضاحكة، وبدأ ينطلق من انطوائه ووحشته، وتردد على الحلقات التي يعرف من فيها والأخرى ~~التي لا يعرف أحدا فيها، وأبهجها جميعا بفكاهاته وضحكاته العالية. وانطلقت أنغام الموسيقى ~~تتردد جريئة مطربة، وسال البهو بالراقصين والراقصات، ولمعت جنباته بالوجوه الباسمة المشعة. ~~وكانت القدود الرشيقة تتجاوب في نعومة مع الأنغام السريعة، كأنها تسبح فوق الهواء بخطواتها ~~الخفيفة. # وتخاصر النساء والرجال، بين شباب وكهول، يتمايلون في ليونة ويتناظرون بلحظات وانية. وكانت ~~ملابسهم تلمع تحت الأنوار كأنها قوس قزح مختلف الظلال، والوجوه المضيئة تبرق بالأذهان مثل ~~لوحات في معرض فني. وأحاطت السواعد بالخصور، واستدارت الظهور البضة العارية إلى الصدور ~~الغضة السافرة تتطلع إليها أطراف الحلل الحريرية مترددة كأنها تريد أن تتساقط. وتدفقت ~~الهمسات الرقيقة في الأسماع واقتربت الأعناق من الأعناق. # وكان الأستاذ عطية قد عاد إلى ركن من البهو يرتشف من كأس أخرى في استرخاء، وعثرت عينه ~~بصاحبه جابر بك يراقص غادة حسناء كأنها جنية خرجت من البحر في أقل ثيابها، وكان ظهرها ~~العاري ms131 يكذب برد الشتاء، وقد لبست في يديها قفازين من الجلد الرمادي يغطيان معصمها وبعض ~~ساعديها، وكانت يمينها معتمدة في رفق على كتف صاحبها، ويسارها في يمينه. ونظر جابر نحو ~~الأستاذ عطية فتلاقت عيناهما وخيل إلى عطية أنه يبتسم. وكان على رأس الغادة طرطور من ورق ~~ملون له ذؤابة تترجح بحركة ناعمة مع حركات الرقص، وقد عقدت في شعرها شريطا من الحرير ~~الأحمر ورشقت فيه وردة حمراء كبيرة. # ووقف الأستاذ عطية ذاهلا يتطوح ويسأل نفسه: من هذه الساحرة الجريئة؟ ووثبت إلى ذهنه ~~المخمور صورة صديقه كوكو المسكين وهو يراقصه بجسمه العاري وذؤاباته الملونة ووردته الكبيرة ~~الحمراء. ثم لاحت له من ثنايا لمحات وجه الحسناء ملامح صورة قديمة يعرفها، صورة الفتاة ~~الصغيرة الوديعة «بسمة» الدعجاء. وصرخ في مكانه صرخة خافتة، وكاد يعيد صرخة عالية يناديها ~~باسمها. وفي مثل لمح البصر ملأ الغضب قلبه على صاحبه الذي غضب على كوكو عندما رآه يرقص معه ~~في أول الليلة. # حقا كان كوكو عاري الجسم ولكن هذه أيضا عارية، وهي تلبس طرطورا أحمر وتضع في شعرها ~~وردة حمراء، لا فرق بينها وبين كوكو. لا فرق بينهما سوى أنها حسناء وهو قبيح، وأنها ابنة ~~محمود بك صعبان وهو المهرج المسكين. أي فرق بين هذه الحسناء التي ترقص بين ذراعي جابر بك ~~وبين كوكو عندما كان يرقص إلى جانبه؟ ولماذا قال له جابر إنها رقصة مجنونة؟ ولماذا قال له ~~إنه هم بأن ينزل ليعيد إلى كوكو عقله بصفعة؟ ولماذا أراد أن يضع كوكو في إصلاحية أو في ~~السجن؟ فهل كوكو وحده المتوحش الذي يجلب على البلاد السخرية لأنه يسير عاريا ويرقص ضاحكا؟ ~~ولم يدر ما هو فاعل عندما اندفع في ضحكة مخمورة واخترق الصفوف بين الراقصين حتى وصل إلى ~~صديقه وصاحبته. # وقبل أن يفطن جابر بك إلى وجوده قريبا منهما، اندفع الأستاذ عطية نحو الآنسة صائحا: ~~مساء الخير يا كوكو! # وبضحكة عالية انتزع الحسناء من بين يدي صديقه المذهول واندفع يراقصها كأن شيطانا يقهقه ~~في جوفه. وفي لحظة ms132 قصيرة عم الاضطراب وانفلتت صرخة عالية من الفتاة الحسناء، وأسرع جابر ~~إليها لينقذها من بين يديه، ولكن عطية اندفع في عنف يرقص ويغني كما كان يرقص ويغني مع ~~كوكو. # كانت حقا رقصة مجنونة! # وسقطت الفتاة مغشيا عليها، وسقط الأستاذ عطية قريبا منها لا يسمع شيئا! # وفي تلك اللحظة انطفأت الأنوار بناء على برنامج الحفلة كما جرت العادة في نصف تلك ~~الليلة، فتسلل جابر بك من البهو وهو يترنح، وكانت تلك آخر مرة دخل فيها إلى قصر الوجيه ~~محمود صعبان، وآخر مرة سمحت له الآنسة بسمة بزيارتها كخطيبة. # وأما الأستاذ عطية فقد خسر صداقة جابر بك إلى الأبد، وكان فيما بعد لا يسمح لأحد أن يعيد ~~ذكر تلك الحادثة على مسمع منه. # | دعاء شعبان # «الكوارث قد تخفي في طيها النعم.» # هو شاب ساذج ضحى بكل شيء في الحياة ولم يطلب من أحد جزاء على تضحيته، وقليل هم الذين ~~يعرفون قصته. كان حسين من رفاقي القدماء عندما كنا في مكتب القرية، وطالما اجتمعنا على ~~اللعب في الليالي المقمرة في جرن القمح، لنلعب وننشد الأغاني القروية أو يقص أحدنا على ~~الآخر ما سمعه من حكايات غريبة عن الجن أو مغامرات اللصوص. وطالما قضينا معا صدور الليالي ~~فيما بعد عندما كبرنا، نستمع إلى قراءة القرآن في شهر رمضان في بيت العمدة أو من الراديو في ~~المركز الاجتماعي. وكان حسين يحرص في كل عام على أن يأخذني معه إلى المسجد في ليلة نصف ~~شعبان لنتلو الدعاء المعروف معا؛ لأنه كان يتيمن بقراءته، ويعتقد أنه يحمي من كل عثرات ~~المقادير ويوسع الرزق. وكان شابا مرحا حلو الفكاهة كما كان قوي الجسم وضيء الوجه ممتلئ ~~القلب بالشهامة. # ومرت سنوات طويلة شغلتني عنه المشاغل بعد أن تخرجت في الجامعة وفتحت عيادتي في القاهرة، ~~غير أنه كان يزورني بين حين وآخر في عيادتي، كما كنت أزوره في بيته كلما ذهبت إلى القرية في ~~بعض أواخر الأسابيع. وكان قد اشتغل بتجارة الألبان، واستطاع أن يشتري عددا كبيرا من ~~الأبقار ليطمئن ms133 إلى جودة الألبان التي يوزعها على زبائنه. ومع أنه جمع ثروة كبيرة، لم يتكبر ~~على أهل القرية ولم يغير طريقته الأولى في الحياة. فكان يطوف بدراجته مرة في الصباح وأخرى ~~في المساء ليوزع الألبان الطازجة أو ليحمل الجبن والزبد إلى زبائنه من البقالين في المدينة ~~المجاورة. وكان أهل القرية يكلفونه قضاء بعض حاجاتهم من المدينة فيقوم بتلك الخدمات ~~راضيا ولا ينتظر من أحد شكرا. وكان نساء القرية أكثر جرأة عليه من الرجال، حتى إنهن إذا ~~طلبن منه خدمة خاطبنه بلهجة الأمر أو وجهن إليه بعض الشتائم، وكن أحيانا يدفعنه في ظهره ~~بقبضات أيديهن فوق تلك الشتائم، ولكنه لم يظهر لإحداهن يوما شيئا من التأفف، كما أنه لم ~~يوجه إلى إحداهن نظرة أو لفظة تخدش المروءة. وكانت له في القرية خطيبة أخلص في حبها كل ~~الإخلاص، وهي ابنة خالته واسمها «مبروكة»، عقد عليها وكان يجهد نفسه في العمل ليستطيع أن ~~يبني لها دارا واسعة فيها زريبة كافية لكل أبقاره حتى يجمعها تحت رعايتها بدلا من ~~تفريقها بين نساء القرية بالمشاركة. # وكانت مبروكة حقا أجمل فتيات القرية وأبرعهن يدا. كانت مشهورة بين لداتها بمهارتها في ~~تطريز المناديل وعصابات الرأس وبتفننها في صنع أصناف الفطير والكعك وطواجن الأرز واللحم. ~~وكان حب حسين لها أمرا معروفا يتحدث به نساء القرية وفتياتها فيما بينهن، ويتساءلن كلما ~~مر قريبا من دارها هل عرج عليها وماذا حمل لها من الهدايا، وكن يتغامزن بها كلما مرت بهن ~~بعد الغروب لتحمل الطعام لأبيها وأخيها في الغيط ويتهامسن قائلات: «إنه هناك في هذه الساعة ~~يعزف على «سلاميته» عند منحنى الترعة.» ولم يكن ذلك افتراء منهن لأن حسينا كان يذهب حقا ~~كل يوم إلى منحنى الترعة بعد فراغه من أعماله ويجلس في جوار الساقية التي تروي غيط أسرة ~~مبروكة ينشد بعض الألحان القروية على سلاميته. وكان النسيم يحمل ألحانه العذبة إلى القرية ~~الصامتة معلنا أنه هناك ينتظر مرور عروسه. وكانت مبروكة تعرف ما لها في قلب ابن خالتها ~~وتعرف أن تلك ms134 الألحان العذبة موجهة إليها وحدها، ولكنها لم تشعر في وقت من الأوقات بشيء من ~~التكلف. كانت إذا اقتربت منه ألقت عليه تحية المساء ووقفت حتى يجيء إليها ليذهبا معا إلى ~~الغيط ويقطعا معا مسافة الطريق في حديث ساذج يفضي فيه كل منهما إلى الآخر بما عنده من ~~أخبار اليوم. ومع أنها كانت تراه في كثير من الأحيان يتحدث مع نساء القرية وفتياتها ويقوم ~~بأداء الخدمات التي يطلبنها منه، فإنها لم تقل له يوما كلمة تنم عن لوم أو غيرة، بل لعلها ~~كانت تزداد تعلقا به وثقة بنفسها كلما سمعت عن الهمسات الغيرى التي كانت الفتيات يتهامسن ~~بها من وراء ظهرها. # ومرت سنتان تمكن حسين في خلالهما من جمع المال الذي يكفي لبناء الدار الواسعة، وعزم على ~~أن يحقق أمنيته العزيزة بالزواج من مبروكة، واختار قطعة أرض في جوار الساقية التي تعود أن ~~يجلس عندها لينشد ألحانه، ولم يبخل بالثمن الغالي الذي طلبه منه زوج خالته صاحب تلك ~~الأرض. # وفي يوم من أيام آخر الأسبوع ذهبت إلى القرية كعادتي، وأتى إلي كثير من أهل القرية ~~بين أهل وأصدقاء وجلسنا نتسامر، وكان النسيم يرف بين أغصان الحديقة المزدهرة في فصل الربيع ~~ويحمل إلى مجلسنا عطر زهر البرتقال ممتزجا برائحة دخان الخشب الذي يوقد به الخدم لإعداد ~~الشاي المستمر لطائفة بعد أخرى من الضيوف. وجاء حسين محجوب بعد مضي ساعة طويلة من الليل، ~~وكان وجهه ينطق فصيحا بأنه سعيد. وتحول حديث المجلس إليه سريعا وأخذ كل من هناك يوجه ~~إليه كلمة مفاكهة فيها شيء من الخبث وشيء من الدعابة الخشنة. وكان حسين يجيب على تلك ~~الكلمات بمرحه الطبيعي وبفكاهات طريفة تثير الضحكات العالية. وكانت أكثر المفاكهات دائرة ~~حول زواجه القريب وليلة عرسه المنتظرة. # ولما انقضت السهرة قلت له معتذرا: أنا آسف لأني لن أستطيع أن أحضر ليلة زفافك لأني ~~سأسافر بعيدا. # فقال حسين مبتسما: ولماذا لا ننتظر؟ لست مستعجلا لهذه الدرجة. # فقلت جادا: قد يطول غيابي شهرا، وقد يمتد إلى أكثر من ذلك. ms135 # وسكت لحظة ثم تبسمت قائلا: وقد يكون إلى الأبد! # فانتفض حسين قائلا: ماذا تقول؟ # فقلت في صوت هادئ: سأذهب إلى فلسطين لمواساة المجاهدين. ومن يدري؟! # فانتفض حسين قائلا في دفعة: والله يا دكتور لن تذهب وحدك. # فشعرت بارتباك شديد وقلت في شيء من الضيق: وما معنى هذا؟ # فقال حسين في ثبات: لن أحتفل بعرسي حتى نعود معا. سأذهب معك إلى فلسطين. # فقلت في رنة أسف: لم أقل لك إني مسافر لتفاجئني بهذا العزم السريع. إذا شئت فأجل العرس ~~حتى أعود ولا حاجة بك إلى اتخاذ قرار سريع كهذا. # فقال في شدة: ولماذا تمنعني؟ أنت مسافر لأداء عمل تراه واجبا، ولماذا لا أذهب أنا كذلك ~~لأؤدي واجبي؟ سأكون معك إذا شئت أن أرافقك، وإلا فإني أذهب وحدي. # فقلت باسما: ومبروكة! # فقال في حماسة: سأعود إليها، بل سأذهب من أجلها. سأحمل السلاح مع المجاهدين من أجلها. ~~دعني أذهب معك لأسند لك الجرحى على كتفي أو لأخترق صفوف النار لأحملهم إليك. قلت لك إني ~~ذاهب. # فمددت إليه يدي مصافحا وأنا صامت في تأثر شديد من إخلاصه وشهامته الساذجة. وانصرف على ~~موعد ليقوم معي إلى القاهرة في صباح اليوم التالي. # ومن القاهرة بدأنا الرحلة إلى أرض فلسطين بعد أسبوع، وكان حسين محجوب سائق السيارة التي ~~أقلتني مع رفاقي؛ لأنه كان من أمهر سائقي السيارات. # ولا حاجة بي أن أفصل مشاهد الحرب التي خضناها معا في فلسطين، فإنها تذكرني بآلام تدمي ~~القلب وتثير الحقد والحنق، لا لما كان فيها من أعباء ومشقات في الجهاد، بل لسبب آخر يعرفه ~~الجميع. لم نشعر في حرب فلسطين بالأعباء ولا بالمشقات؛ لأننا كنا نجاهد في سبيل خدمة ~~إنسانية يرتاح الإنسان فيها إلى بذل كل تضحية. ولكن الذي يدمي القلوب هو رؤية ضحايا أرض ~~فلسطين الذين جاء إليهم قوم من وراء البحار لينزعوا منهم وطنهم ويطردوهم منه. كنا نرى ~~النساء والأطفال يسيرون في الفضاء بلا مأوى ولا طعام، والخوف يذهلهم عن المأوى والطعام. لم ~~نشعر بألم ولا بمشقة ونحن نجاهد ms136 لنرجع هؤلاء المساكين إلى ديارهم التي طردوا منها حتى نزيل ~~عن أهل هذا العصر معرة اعتداء شنيع لم يسبق للعالم أن شهد مثله. لم يسبق لجنكيزخان ولا ~~لتيمورلنك ولا أثيلا أو أي همجي وحشي أن يغزو بجموعه أرضا لكي يطرد منها أهلها حتى يموتوا ~~في العراء. كان الموت نفسه هينا في أنظارنا لو استطعنا أن نضحي بحياتنا في سبيل إعادة ~~الأطفال والنساء المساكين إلى ظل المنازل التي أخرجوا منها وإلى حظائر أسراتهم التي شردت ~~أبدادا. # ولا أريد أن أطيل في وصف مشاهد البطولة التي كانت تتكرر كل يوم في ميادين الجهاد، فقد ~~كانت حرب فلسطين جهاد أبطال بالرغم مما يقوله الثرثارون في سخافاتهم. وحسبي أن أقول إن تلك ~~الحرب كانت نعمة علينا وإن كانت في صورة كارثة، فإن الأمم لا تخلق على مهود السلام، ~~والآلام وحدها هي التي تحفز الأمم لمواجهة الحياة. وقد أظهر حسين محجوب من آيات البطولة ~~ما لا أستطيع وصفه إلا بقولي إن بطولته كانت جديرة بأرض الأنبياء. # ولكن بطولته كلفته ما هو أثمن من الحياة. وعدت من فلسطين وحدي وخلفت صديقي حسين في أرض ~~فلسطين حيث لا أدري، فقد خرج وحده ذات ليلة إلى صفوف القتال ليسعف بعض المجاهدين الذين سقطت ~~بهم طائرة وراء خط النار، ولكنه لم يعد ولم نقدر أن نعثر له على أثر في المكان الذي وقعت ~~فيه الطائرة المحطمة. # ولا أستطيع أن أصف الحزن الذي أصاب القرية ولا أثر تلك الكارثة على قلب مبروكة المسكينة. ~~لقد خلا مكان حسين في القرية وأحس كل فرد من أهلها وحشته، وأما مبروكة فإنها انطوت صامتة ~~على قلبها الدامي، لم تصرخ البائسة ولم تلطم وجهها، بل كانت تئن أنينا متقطعا في صمت، ~~واعتزلت وحدها فكانت لا تكاد تخرج من بيتها إلا لتحمل الطعام إلى أبيها وأخيها بعد الغروب ~~إذا سهرا على الماء لري الزراعة. وحال لون وجهها وذبلت عيناها وفارقتها ابتسامتها، فأصبح ~~وجهها ساهما يزيده كآبة لون ثيابها السود التي استمرت تلبسها. # وفي ليلة نصف شعبان ms137 ذهبت إلى القرية لأصلي وأقرأ الدعاء المعتاد في مسجد القرية ترحما ~~على صديقي المسكين وحفظا لذكراه، وسمعت في تلك الليلة قصة عجيبة: # كان القمر يشرق على الفضاء من بين رءوس النخيل الذي يحف بالطريق الذاهب من القرية إلى ~~منحنى الترعة حيث الساقية التي اعتاد حسين أن يجلس إلى جوارها لينشد ألحانه. وكان النسيم ~~يهز أوراق أعواد الذرة التي في الحقول على جانبي الطريق فيسمع لها حفيف كأنها أرواح يوشوش ~~بعضها بعضا. وخرجت مبروكة من القرية تحمل على رأسها طبقا من الخوص تبدو منه أطراف الأرغفة ~~الواسعة التي أعدتها قبل المساء. وسارت تتلفت على الجانبين وحفيف الأوراق يخيل إليها أنها ~~أصوات خافتة تناديها باسمها، وخيل إليها أن تلك الأصوات تشبه صوتا تعرفه عندما كان حسين ~~يناديها وهي تمر من هناك. فأخذت تقرأ آية الكرسي لتثبت قلبها، ولكن الدموع طفرت من عينيها ~~وغاص قلبها في أعماق صدرها. ولما مرت بقرب الساقية خيل إليها أنها تسمع صوت سلاميته تعزف ~~لحنا حزينا كأنه ينبعث من العالم السماوي. وأسرعت مبروكة في خطاها لتصل إلى الحقل، وخيل ~~إليها أنها تسمع صوتا يناديها باسمها مرة أخرى. وأسرعت أنفاسها من الخوف وصاحت تنادي أخاها ~~من بعيد لتشعر بالأنس إذا سمعت صوته يرد عليها. ولكنها سمعت الصوت الذي يناديها يعود مرة ~~أخرى، فالتفتت مذعورة نحو الساقية وخيل إليها أنها ترى شبحا يقترب نحوها في ضوء القمر وهو ~~يتكئ على عكازة. كان بغير شك يشبه صوت حسين ابن خالتها، ولولا أن الشبح كان يتكئ على عكازة ~~تحت إبطه ويقبل نحوها يعرج في مشيته لقالت إنه هو. وسمعت أو خيل إليها أنها تسمع صوته ~~يقول: «أنا حسين يا مبروكة!» فخانها التجلد وانطلقت منها صرخة عالية شقت الليل الساكن كما ~~يشق الشهاب الناري جوف السماء، وألقت الطبق عن رأسها وولت تجري نحو الحقل وهي تكرر ~~صرخاتها وترتعد كورقة في مهب الرياح. # وأسرع الأب والأخ إليها، فأسنداها وهي تترنح حتى أقعداها على جانب المسقاة، واغترف لها ~~أبوها حفنات من الماء لتشرب حتى يزول ms138 عنها أثر الذعر. وأخذ يمسح على رأسها ويقرأ اسم الله ~~وسورة الفلق وبعض تعاويذ يحفظها. ولما استطاعت أن تنطق وقصت عليهما ما رأت وما سمعت أخذ ~~الرجلان هراوتيهما وأسرعا بها نحو القرية وهما يقرآن اسم الله في أذنيها. ولما مرا بالساقية ~~لم يكن هناك سوى البقرة تدور مغمضة العينين خاشعة تحت النير الغليظ، وقال الأب لابنته: «ليس ~~هناك شيء يا مبروكة.» فلم تجب، بل سارت مطرقة حتى وصلت إلى القرية فرقدت على فراشها فوق ~~الفرن، والتف حولها النساء يتحدثن عن قصص الأرواح التي تظهر أحيانا بعد الموت للأعزاء. وهل ~~عجب أن يعود روح حسين محجوب من العالم الآخر ليزور معاهد حياته الأولى وينادي الذين تعلق ~~بهم في هذه الدنيا؟ واعتقد الجميع أن تلك آية جديدة على صدق محبة حسين المسكين لابنة خالته ~~مبروكة، وقالوا إنها زيارة قصيرة ثم عاد إلى عالمه السماوي. # ولكن الفتاة المنكوبة كانت أرهف بصرا وحسا من كل من هناك وقالت بصوت خافت: رأيته مرة ~~أخرى على الطريق، كان يسرع وهو يعرج على عكازة. # فصاح أبوها: اسكتي يا مبروكة. # وأخذ يقرأ الآيات في حزن ويده فوق رأسها. # وجاء أهل القرية إلى بيتي مسرعين ليحملوا إلي قصة مبروكة المسكينة وهم يتعجبون من ~~المعجزة. غير أني كنت أعرف أن الأرواح تؤثر البقاء في عالمها السماوي ولا تعود متجسدة إلى ~~القرى ومعها عكازاتها. وخطرت لي خاطرة سريعة، فقمت مبادرا إلى سيارتي وسألت عن الاتجاه ~~الذي قالت مبروكة إنها رأت الشبح يسير فيه، وما هي إلا دقيقة حتى انطلقت إلى الطريق المؤدي ~~إلى القرية المجاورة. وصدق حدسي آخر الأمر، لأني رأيت الشبح ما يزال يعرج على الطريق أمامي ~~مقتربا من القرية، وكان حقيقة يتكئ على عكازة تحت إبطه. وأدركته بعد لحظة قصيرة، فنزلت من ~~العربة لأفتح ذراعي لصديقي حسين محجوب، ومال كل منا على عنق صاحبه يبكي. وانتحينا جانبا ~~من الطريق فجلسنا تحت أشعة القمر نتحدث، وقص علي قصته: نجا من الموت بعد أن انفجر فيه لغم وهو ذاهب لإسعاف الطائرة ms139 المنكوبة، وعثرت به «دورية» ~~فحملته معها إلى غزة، وهناك أجريت له عملية مدت له الحياة بساق واحدة. ولما رجع إلى الوطن ~~بادر إلى القرية وكانت ليلة نصف شعبان، فذهب ليصلي المغرب إلى جوار الساقية قبل أن يرى ~~أحدا من أهل القرية، وقرأ الدعاء لعل الله يمحو عنه شقاوته وحرمانه وطرده! ولكنها عندما ~~مرت به لم تعرفه. وناداها باسمها قائلا: «أنا حسين يا مبروكة.» ولكنها صرخت وولت هاربة ~~مذعورة. # فقلت له وقلبي يسيل عطفا: لا تحزن يا صديقي، فسوف يمحو الله شقاوتك وحرمانك ~~وطردك. # فهز رأسه في شك وقال: هيهات يا دكتور. ليتني مت في الموقعة. # ولم أشأ أن أطيل معه المناقشة ونحن هناك على الطريق، كما أني لم أشأ أن أعود به إلى ~~القرية في تلك الليلة بالذات؛ لأن شعورا غامضا كان يوحي إلي بأن أذهب به من ساعتي إلى ~~القاهرة. # وتحدثنا طويلا في الطريق، كما تحدثنا طويلا في الأيام التي أقامها في عيادتي تحت ~~العلاج، وحمدت الله كثيرا على أن إصابته لم تكن يائسة كما كنت أحسب. واستطاع بعد شهر ونصف ~~أن يسير على قدميه سويا بغير عكازة بفضل ساق مصنوعة اخترناها له من أجود الأصناف التي لا ~~تكاد مشيتها تختلف عن المشية الطبيعية. # وعدنا إلى القرية في يوم من أيام عيد الفطر، وكانت حقا ليلة عيد عند أهل القرية ~~جميعا. وجاءت مبروكة إلى بيتي لأول مرة منذ مدة طويلة لكي تقبل يدي على أني أعدت حسينا ~~إليها. ولست أنسى أن أذكر هنا أنني لم أملك نفسي من البكاء وأنا أرى العروسين واقفين جنبا ~~إلى جنب ومبروكة تضع يدها تحت ذراع زوجها وتبتسم سعيدة، لألتقط لهما صورة شمسية تذكارا ~~للعودة. # ولما أقمنا العرس بعد ستة أشهر وجاء حسين ليسلم علي قبل الذهاب بزوجته إلى داره الجديدة ~~بجوار الساقية سألته قائلا: أرأيت كيف محا الله شقاوتك وحرمانك؟ # فضمني إلى صدره قائلا: سنتلو الدعاء معا كل عام! # | العودة # «العناصر واحدة والعبرة بالألوان، والحياة واحدة والعبرة بالروح.» # صديقنا الفنان «علي المصري » رجل ms140 فذ في شخصيته، وفذ في فنه. وكان يتخذ له مرسما في ~~قلب حي من أحياء القاهرة القديمة، ويحيطه بجو غامض يناسب جو قاهرة العصور الوسطى ~~الغامضة. فالحي القديم تحيط به من كل جانب بيوت متهدمة ومئات من المساجد الأثرية ذات المآذن ~~العالية وأزقة ضيقة متعرجة تحرسها بوابات ضخمة ما تزال تحتفظ بقوامها الشامخ مع كل ما ~~أصابها من خدوش السنوات الطويلة. والمرسم نفسه يمثل الحي أصدق تمثيل؛ إذ يحتوي على قطع ~~مختلفة من أثاث قديم يجمعه الفنان قطعة قطعة من متاجر التحف البالية، ومن فوقها قطع مهلهلة ~~من المنسوجات والسجاجيد التي مضت عليها مئات السنين وتناولتها مئات الأيدي. # وكنت أذهب مع صديقي إلى ذلك المرسم لأقضي يوما في جوه الغريب، فأنتقل فيه من عالم الحياة ~~الحاضرة إلى عالم بعيد مندثر أقطعه عبر الأجيال وأجد فيه مجالا واسعا للتأمل. وكانت ~~المناظر التي يرسمها صديقي تلائم جو المرسم والحي؛ إذ كان يختارها من الأطلال الدارسة ~~والجدران المتهدمة، ويجعل أشخاصها من سكان الأحياء الفقيرة ذوي الوجوه المعروقة والثياب ~~الممزقة. # ولست أدري لماذا كنت أشعر برغبة شديدة في الذهاب إلى ذلك المرسم برغم ما فيه وما حوله من ~~المناظر المحطمة، وكنت - كلما ذهبت إليه - أستغرق في تفكير عميق عن الماضي والحاضر وعن ~~الآلام والآمال، ويمضي اليوم فيه سريعا حافلا بالأحلام. # وأما الفنان نفسه، فقد كان عالما قائما بذاته، لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد، سواء في ~~صورته الجسمية أم في تكوينه العقلي والنفساني. كان قصير القامة بدين الجسم، يتدحرج في مشيته ~~السريعة ذات الخطى القصيرة، وأينما سار يتلفت حوله إلى الأشخاص والأشياء كأنه يريد أن يطبع ~~في ذهنه كل ما يقع عليه بصره، ولكنه كان لا يقول شيئا كأنه لم يلاحظ شيئا. وكنت أحيانا ~~أسأله لماذا لا يسير في طريقه بغير تلفت، فلا يجيبني إلا بابتسامته الساذجة قائلا: ولم ~~خلق الله لنا عيونا؟ # وكان من عادته أن يمسك في يده مسبحة سوداء من خشب اليسر كما كان دائما يلبس ثيابا ~~قاتمة وربطة عنق سوداء. ms141 وكلما سألته عن السر في هذا السواد وهل هو حزين، أجابني بابتسامته ~~المعهودة قائلا: إنه مزاج! # وأبرز ما يتصف به ذلك الفنان العجيب أنه يحمل في صدره أنقى قلب إنساني عرفته في حياتي، ~~فكلما مر بالحارات الضيقة ورأى أطفالها المساكين وقف يتأمل وجوههم النحيلة في تأثر شديد ~~وأخرج من جيبه كل ما يكون معه من النقود أو الحلوى، ووقف ينظر إليهم في عطف وهم يصفقون ~~طربا ويحيطون به يطلبون المزيد. فإذا انصرف عنهم بلغ منه التأثر مبلغا شديدا وأخذ يتمتم ~~لنفسه ببعض كلمات الرثاء. وله حس مرهف يدرك من المشاعر ما يخفى على أذكى الأذكياء، ولكنه ~~قلما اهتم بأن يعبر عن تلك المشاعر بالأقوال، وإذا قال شيئا كانت أقواله غير مفهومة كأنه ~~يستخدم لغة خاصة. وأما مقدرته على اختيار الألوان فقد كانت ممتازة، كأنه يدرك ببصره ما لا ~~تدركه العيون الأخرى. # ومع كل إعجابي بصديقي الفنان ومحبتي له كنت في كثير من الأحيان أضيق بغرابة أطواره؛ لأنه ~~كان يطيع بدواته إذا بدت له، ولا يعبأ برأي أحد من الناس. وكان لا يهتم بما تعارف عليه ~~المجتمع، ويعتقد أن أهل العصر كلهم لا يستحقون أن يقام لآرائهم وزن. كان ثائرا بطبيعته على ~~كل الأوضاع وكل القيم التي وضعها الناس في هذا الزمن، ولا يحاول أن يداري ما يشعر به مهما ~~كانت الظروف. وكانت صراحته أحيانا تبلغ حد الإهانة والإيلام، وكثيرا ما أحرجني عندما كنا ~~نجتمع في مجلس يضم بعض الأغراب الذين لا يعرفونه؛ لأنه كان لا يتردد في الجهر بآرائه وإن ~~كانت مؤلمة لهم. # وأذكر أننا اجتمعنا يوما في بيت صديق لنا وكان عنده ضيف من أعضاء حزب سياسي كبير، فلما ~~تناول الحديث بعض المسائل العامة تدفق الأستاذ علي المصري حانقا يتهم فيه زعماء الحزب ~~بأشنع التهم حتى أحرج الضيف وجعله يخرج من البيت غاضبا. وكثيرا ما كان يحرجني في مواقف ~~كثيرة أخرى؛ إذ كان لا يعبأ بالأصول المرعية في السلوك، فقد يعرج في الطريق على بائع عرقسوس ~~متجول ليشرب كوبا ms142 مثلجا إذا شعر بأنه عطشان، كما قد يعرج على دكان بائع أثاث قديم ليشتري ~~آنية محطمة أو قطعة من نافذة مهشمة أو قنديلا من النحاس تعلوه طبقة كثيفة من الصدأ. ولست ~~أذكر أني رأيته يوما عابسا أو غاضبا، وكان دائما عظيم الأمل في المستقبل. لم يشعر يوما ~~بالقلق لأنه مفلس، بل كان يؤمن بأن رزق الغد سوف يأتي. ولم يشعر باليأس من صلاح أحوال ~~الناس، بل كان يعتقد أن الأمور سوف تتغير. كان مؤمنا بأن في الجو ثورة لا بد من انطلاقها ~~في يوم من الأيام؛ لأنها أصبحت ضرورة لازمة، فإذا سألته عن الأسباب التي تدعو إلى ذلك ~~الاعتقاد تبسم وهز كتفه قائلا: «سوف ترى.» # وقلت له يوما على سبيل المزاح: إن مرسمك هذا يذكرني بهياكل الجثث في المتحف. # فاتسعت ابتسامته وأجاب قائلا: لأنك لا ترى الأرواح التي ترفرف فوقها. # وكنت في يوم من الأيام عنده وهو يرسم إحدى لوحاته، وكانت تشبه لوحاته الأخرى في منظرها، ~~فكل ما فيها محطم مهلهل متهدم، كانت تمثل تلا من الأطلال في أعلاه دار متهدمة ليس فيها ~~سوى جدار واحد قائم إلى اليمين مستند إلى مئذنة مسجد صغير. وإلى الجهة الأخرى كوخ صغير تقف ~~عند بابه طفلة صغيرة تشبه الأطفال المساكين الذين يقدم لهم قطع النقود والحلوى في الحارات ~~المجاورة للمرسم. كانت جميلة الصورة كأنها ملاك، غير أنها في ثياب ممزقة وتقف حافية ~~القدمين. وأمام الكوخ شيخ كبير السن تبدو على وجهه علائم القناعة والحزن والطيبة، وهو ~~يتحامل على نفسه ليرمم جدار الكوخ المتداعي للسقوط. # فجلست أتأمل الصورة وأنا خاشع، وامتلأ قلبي ظلاما من ألوانها القاتمة التي لا يتخللها ~~شعاع مشرق إلا في وجه الطفلة الصغيرة. ولم أدر كم مضى علي من الوقت وأنا أتأمل الصورة ~~وأتحدث إلى نفسي صامتا، فلم أنتبه إلا على صوت أذان المغرب الذي انطلق من المسجد الأثري ~~المجاور. ورأيت صاحبي يقف مصغيا إلى صوت الأذان في اهتمام، حتى إذا ما انتهى رفع «فرشته» ~~وأضاف بها بعض لمسات إلى صورة ms143 المئذنة فجعلها تشبه منارة تبعث شعاعا خافتا مترددا يجاهد ~~في اختراق ضبابة رقيقة من الغبار المتصاعد من تلك الأطلال. # وشعرت برغبة شديدة في أن أحدث صاحبي عن الصورة، ولكنه كان منصرفا إلى إضافة لمسات جديدة ~~إلى الضوء المنبعث من المئذنة. # فقلت له مداعبا: أراك ترسم صوت الأذان يا صديقي. # فالتفت إلي بابتسامته قائلا: ولم لا؟ # فقلت له في اهتمام: ألا تخبرني عن معنى هذه الصورة؟ # فضحك قائلا: المعنى دائما؟ # فقلت في إصرار: أكاد أقول إنك تقصد بها شيئا أكثر من مجرد صورة. أنت ترمز بها إلى معنى ~~في ضميرك. # فالتفت إلي في دهشة قائلا: ماذا تقصد أنت؟ # وكان تعبير وجهه في دهشته صادقا حتى وقع في وعيي أنه لم يقصد شيئا سوى تلك الصورة، سوى ~~الطلل والطفلة والشيخ والمئذنة، التي استرعت اهتمامه لسبب يجهله هو أيضا. # فسألته: بماذا تريد أن تسميها؟ # وكنت أعرف أنه يحب أن يسمي كل صورة باسم غامض. # فهز كتفيه قائلا: ربما سميتها الانتظار. # فقلت: وما معناه؟ # فهز كتفيه مرة أخرى قائلا: الانتظار؟! # ولم أفهم من قوله شيئا فعدت أنظر إلى الصورة واكتفيت منها بالأثر العميق الذي وقع في ~~نفسي. # وكانت تلك آخر جلسة طويلة معه في المرسم؛ لأني نقلت من القاهرة بعد ذلك وقضيت عدة سنوات ~~أجوب البلاد في الشمال والجنوب، وصرت لا أرى صاحبي إلا في مقابلات عابرة يفصل بين كل منها ~~والأخرى سنة كاملة أو عدة أشهر. # واتفق لي أن رجعت إلى القاهرة لأشهد الاحتفال الكبير الذي أقيم فيها لذكرى الثورة، وذهبت ~~إلى ميدان التحرير لأشترك مع الألوف المؤلفة التي جاءت من كل البلاد لتحتفل بالحادثة ~~التاريخية الكبرى. وهناك قابلت صاحبي مصادفة وهو يجوس خلال الجموع المتزاحمة. وكان أول ما ~~أدهشني منه أنه كان يمسك في يده سبحة من الكهرمان الأصفر اللامع، ويلبس ربطة عنق ذات ثلاثة ~~ألوان، الأسود والأحمر والأبيض، وهي ألوان الثورة كما هو معروف. # وقال لي ونحن نتعانق: أنا سعيد بلقائك. ألم أقل لك إنها آتية؟ # فقلت: من هي؟ # فقال : الثورة. ms144 # وكان شوقي إليه عظيما، فسحبته من يده إلى أقرب قهوة وجدنا بها مكانا خاليا وجلسنا ~~نتحدث، وكان مرحا مستبشرا أكثر من عادته. كان يتحدث عن الثورة كأنه هو الذي أحدثها، وأخذ ~~يتكلم على غير عادته كلاما مفهوما. ودعاني إلى قضاء يوم معه في المرسم لنتغدى معا ~~ونتحدث. وكنت مشتاقا إلى رؤية مرسمه مرة أخرى بعد غيبتي الطويلة عنه، ونحن نعرف مقدار حنين ~~الإنسان إلى الأماكن التي تعود الذهاب إليها في شبابه. # وفي اليوم التالي تلاقينا في الصباح على موعدنا في قهوة الفيشاوي، ثم سرنا في الطريق إلى ~~المرسم، وكنت أنا في هذه المرة أتلفت حولي إلى مناظر الناس والدكاكين التي لم تقع عيني ~~عليها منذ خمسة عشر عاما، وإلى الأطفال في الأزقة الضيقة والمنازل القديمة المتهدمة، وشعرت ~~بحنين يشبه حنين الذي يعود إلى وطنه بعد غربة طويلة. وسار صاحبي في نشاط بخطواته السريعة، ~~يحيي أصحاب الدكاكين الصغيرة ويدعوهم بأسمائهم ويبادلهم الفكاهة، ثم عرج بي فجأة على دكان ~~«مسمط» ليعد الوليمة التي دعاني إليها، واشترى شيئا من لحم الرأس واللسان والمخ، ولفه في ~~كيس من الورق وسار يهزه في يمينه، ثم عرج على دكان بائع «طرشي» ثم على مخبز وعربة برتقال ~~حتى جهز كل أصناف الغداء، وسرنا نحمل في أيدينا لفائف كثيرة. ولست أنكر أني شعرت بكثير من ~~الحرج ونحن نعرج على جانبي الطريق لشراء طعامنا، إذ كانت الطرق مزدحمة بالمارة الذين ينظرون ~~نحونا. وزاد حرجي حتى شعرت بأن الدم يتصاعد إلى وجهي عندما مر بنا أحد المعارف القدامى وسلم ~~علينا من بعيد ونحن نشتري رطلا من السكر لإعداد الشاي بعد الغداء، وخيل إلي أنه يتبسم ~~في شيء من السخرية عندما لمح القراطيس في أيدينا، فشعرت بكثير من الخجل، ولكن صديقي الفنان ~~صاح به قائلا: تفضل معنا. # وجعل يكرر دعوته في إصرار حتى جعل ذلك الصاحب القديم يرفع يديه إلى رأسه شاكرا ويسرع ~~متباعدا عنا. واخترقنا ما بقي من العطفات حتى بلغنا المرسم وصعدنا في سلمه ذي الدرجات ~~العالية. وألقيت القراطيس ms145 التي كانت في يدي على منضدة عرجاء من الأبنوس المطعم بالصدف، وهي ~~إحدى التحف العزيزة على صديقي. وجلست على الكرسي «الأربسكة» الذي تعودت أن أجلس عليه من ~~قبل، وأخذت أنظر في دهشة إلى المرسم. # كان منظره العام مختلفا عن منظره الكئيب الذي عرفته، وكان جوه العام غير جوه الأول ~~القاتم. وبعد لحظة فطنت إلى السر في ذلك التغيير الكبير؛ إذ رأيت في صدر الغرفة الكبيرة ~~صورة تضيء بألوانها الزاهية. فوقفت أنظر إليها وأتعجب من الأثر الذي أحدثته في الغرفة. كانت ~~الأركان هي الأركان التي عهدتها من قبل، وكان الأثاث هو الأثاث القديم، ولكن الصورة الجديدة ~~خلعت على المرسم كله شخصية أخرى. وتأملتها طويلا، وخيل إلي أني رأيتها من قبل، ولكني لم ~~أذكر أين رأيتها. كانت تمثل ربوة خضراء عليها خمائل ذات ظلال رائعة، وينحدر منها جدول من ~~الماء المتألق منسابا إلى أحواض مزدهرة، وإلى جانب الربوة من اليمين صورة مسجد يصعد ~~بمئذنته الرشيقة كأنها تبتسم لضوء الشمس، وإلى الجانب الأيسر كانت دار صغيرة متواضعة، ~~ولكنها بديعة في بساطتها، وعلى جانبها تصعد كرمة تتدلى منها قطوف العنب. # ووقفت عند باب الدار طفلة متهللة الوجه كأنها ملاك يسبح في السماء، تفتح ذراعيها لجدها ~~الشيخ الذي كان يميل أمامها ليرفعها بين ذراعيه. عند ذلك فقط هجمت علي ذكرى المنظر ~~القديم الذي رأيته من قبل، وتذكرت تلك الأطلال المتهدمة والكوخ الحقير المتداعي والجدار ~~المستند إلى المئذنة وشعاعها الخافت الذي يجاهد ليخترق سحابة الغبار، وقلت في شبه صيحة: ~~إنها هي هي! # فقال صاحبي: ما هي؟ # فقلت في حماسة: هذه الصورة. الطفلة هي الطفلة، والشيخ هو الشيخ، ولكن ماذا حدث؟ بعض ~~الألوان يتغير فتصير الأطلال ربوة مزدهرة وتصير المئذنة المتصدعة رشيقة مبتسمة للضوء، ويصبح ~~الكوخ الحقير دارا سعيدة! أليست هذه هي الصورة؟ # فابتسم صاحبي ابتسامته العريضة الطيبة وقال: كانت الأخرى تملؤني انتظارا. # فقلت: وأين هي؟ # فقال: لم أستطع الإبقاء عليها، طمستها؛ لأنها كانت كئيبة. ولماذا أبقي عليها؟ # فقلت: هي أثر من أعمالك. # فقال: لم تكن سوى ms146 بداية كنت دائما أنتظر لأتمها. كنت دائما أعتقد أنه سيأتي يوم أستطيع ~~فيه أن أتمها. # فقلت: لست أفهم. # فقال: أما قلت لك إنها ستتحدث يوما؟ أما قلت لك إن الثورة آتية؟ كنت أنتظرها وانتظرت ~~طويلا، ولكنها حدثت. وكان لا بد لي أن أتم الصورة كما أردتها. كان عاما سعيدا قضيته في ~~تجديدها منذ قيام الثورة، وانقطعت لها مدة عام من الصباح إلى المساء أضيف في كل يوم لمسة. ~~بدأت في يوليو، ونحن الآن في يوليو. أليست تعجبك؟ # فقلت في حماسة: إنها رائعة. # فقال وهو ينظر إليها في ارتياح: عندما أتممتها شعرت بأن عبئا ثقيلا أزيح عن صدري. كانت ~~الصورة القديمة تملأ قلبي ظلاما، فلما جددتها شعرت بالسعادة تغمرني. انظر إلى المئذنة وإلى ~~الشيخ، لم أضف عليهما إلا لمسات صغيرة ومع ذلك فقد تغيرت كما ترى. # توقفت أتأمل الصورة في نشوة، وكان منظر الشيخ والطفلة يجتذب بصري كأن فيه سحرا. # وقلت له بعد حين: وماذا سميتها؟ # فتبسم قائلا: «العودة»؛ كانت الأطلال تنتظر أن يعود الروح إليها. # فقلت: ولم لا تسميها الثورة؟ # فهز رأسه في ثبات قائلا: ليست ثورة. هكذا يسميها الناس، ولكني لا أسميها إلا «العودة». ~~ألا تراه اسما طريفا؟ فتعال لنتغدى فإني لم أتناول طعاما في الصباح. # ونزعت عيني من الصورة وذهبت معه إلى المائدة الأبنوسية العرجاء، وأخذنا نفك اللفافات ~~واحدة بعد واحدة ونحن نقتطع منها قطعا شهية. ms147