######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.MuhalhilSayyidRabica.Hindawi97496815 #META# Tags: novels :: history #META# ID: 97496815 #META# Title: المهلهل سيد ربيعة #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # | المهلهل سيد ربيعة # | المهلهل سيد ربيعة # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | الفصل الأول # كان اليوم الأول من تلك الأيام المطيرة القليلة التي يجود بها شتاء الصحراء. وقد أسفر وجه ~~السماء بعد أن جلل المطر أعواد الخزامى والشيح، وصفا الجو ورق النسيم البارد، وسطعت أشعة ~~الشمس رفيقة دفيئة تغمر الرمال الصفراء الندية، وتلمع تحتها الجداول الدقيقة ~~المتعرجة. # وكان وائل التغلبي - وائل بن ربيعة، فارس تغلب وسيدها - يسير في جانب الوادي المعشب الذي ~~ضربت فيه خيامه، ويجول ببصره في التلال الجرداء المحيطة به، ليس عليها إلا أعواد من طرفاء ~~الكالحة، وأشواك العوسج تبسم فيها الزهرات الزرقاء، متوارية كأنها تخجل من ثوبها المقدد، ~~وكان في سيره يتجه إلى جدول يترقرق ماؤه من تلعة شجراء عالية، وينساب متلألئا إلى بطن ~~الوادي حتى يغيب في روضة ملتفة الشجر، يتماوج حولها العشب الأخضر البارض مع ريح الشمال، ~~وتتراقص أعوادها في رفق، وتتلامس كلما هبت عليها نفحة من النسيم الفاتر. # وتبسم البدوي للمنظر الفاتن ولكن ابتسامته كانت خافتة لم تنفرج لها العبسة العميقة التي ~~كانت تعقد جبينه الواسع، وتنفس نفسا عميقا ملأ به صدره من الهواء الصافي، ومضى في سبيله ~~نحو الروضة بخطي قصيرة ثابتة؛ سار كأن في قلبه ثقلا ينوء به، وكأن في صدره اضطرابا يصرفه ~~عن أن يهتز لجمال ذلك اليوم البديع. # وسار في أثره عبد أسود يترقب حركته في خشوع، وينظر إليه بطرف عينيه في حذر، يتلفت نحوه ~~كلما بدرت منه لفتة، كأنه يخشى أن تفوته إشارة من مولاه، أو تشرد عن سمعه همسة ms001 من همساته، ~~وسار من ورائه كلب يتمسح بأذياله، وقد وضع ذيله بين فخذيه، يطرق برأسه يشم الأرض حينا، ثم ~~يرفع عينيه نحو سيده مترددا ويعود إلى إطراقه يشم الأرض في مواطئ قدميه. # ولما اقترب السيد من الروضة وقف هنيهة، ثم نادى ولم ينظر إلى ورائه: «يا غصين!» فأسرع ~~إليه العبد حتى وقف على خطوة منه وقال: «لبيك!» # فقال وائل: «جهز لي طعاما وشرابا، واتبعني إلى هناك!» وأشار بيده نحو قلب الروضة، ثم ~~سار بغير أن ينظر نحو العبد، فحنى هذا رأسه وسار مسرعا نحو البيوت المنتشرة في أعلى ~~الوادي، حول القبة الحمراء العالية المشرفة على الحي. # كان وائل يبدو لمن نظر إليه شابا يتألق على وجهه الأسمر رونق الشباب، وهو يسير مرفوع ~~الرأس كأن قوامه النحيف عود رمح سمهري، وينظر بعينين لامعتين تبصان ببريق فيه قسوة، وقد ~~انعقد ما بينهما في عبسة، كأن جبينه الواسع لم ينفرج يوما عن بسمة، وكان أنفه الدقيق ~~الأقنى ينتهي إلى فم رقيق الشفتين، وشارب أسود الشعر مفتول الطرفين، تشذ منه شعيرات قائمة ~~في وسطه قد تمازجت فيها خيوط بيضاء وأخرى سوداء، وكانت لحيته الخفيفة تدور حول وجهه، لا ترى ~~العين أثرا من الشيب في شعرها الأسود الجعد. # وكانت عمامته البيضاء تنتهي من وراء بطرف مسبل يبلغ مجمع كتفيه، وتبرز من تحتها ذؤابتان ~~من شعره الأسود تلمعان به بما عليهما من دهن وعطر. # وسار وائل بخطاه البطيئة نحو الروضة الخضراء، والكلب يسير من خلفه يتمسح في ~~أذياله. # ولما بلغ السيد مدخل الروضة وقف هنيهة ينظر فيما حوله يفحص عما في الرمال من آثار، ثم ~~أشار إلى الكلب بطرف سيفه المتدلي من حمائله وصاح به: «ههنا يا عساف؟» ففهم الكلب الإشارة ~~وأقعى حيث أشار إليه سيده، وعوى عواء خفيفا. # ودخل الرجل الروضة، فجعل يمشي في مساربها ينظر ما بها من آثار، ويميل إلى كل زهرة يراها ~~فيتأملها مليا، ثم يمضي عنها متباطئا، ويمد يده إلى الأغصان المتدلية عابثا بأوراقها ~~حينا، ونازعا بعض أوراقها حينا. ثم أوغل ms002 في الروضة حتى بلغ مكانا قد ظللته أشجار ملتفة، ~~فحمته من بلل المطر، وسقطت عليه الأوراق فكسته فراشا وثيرا. فمهد الورق بقوسه، ثم ألقى ~~القوس إلى جانب، وألقى كنانته إلى جانب، ونشر شملة كانت عليه فجعلها فوق الأوراق الجافة، ~~ومال فاضطجع عليها فوق ظهره، متكئا برأسه فوق كفه، وجعل يتأمل السماء من خلال الغصون ~~المتدلية، ويتلقى شعاع الشمس المائل داخلا إليه من بين الجذوع والفروع. # اعتاد وائل كلما نزل القطر وغسل الغبار عن الأغصان وسالت به جداول الوادي أن يذهب إلى تلك ~~الروضة ليتمتع بيوم في ظلالها. وكانت بهجة الحياة تتحرك فيه عند ذلك فيلتمس نداماه ويقضي ~~معهم يومه يطاردون متع اللهو، ثم يعود بعد يومه، طروبا ممتلئ القلب بالبشر. ولكنه لما خرج ~~في ذلك اليوم كان على غير عهده بنفسه. خرج إلى روضته وحيدا يحس في قلبه حزنا كامنا لا ~~يتبين مبعثه، وخيل إليه أن العالم يفيض حوله بنبضات حزينة تطن في أذنيه، وأن السماء الصافية ~~تخفي وراء أنوارها الشفافة أسرارا غامضة، وأن الصحراء التي تمتد تحت ناظريه إلى الأفق ~~المستدير، ليست كما عهدها فضاء فسيحا يسرح فيه بصره مطمئنا، بل كانت تزدحم وتضطرب حتى ~~تكاد لا تدع له فيها خلوة، وأن النسيم البليل الذي يملأ صدره منه يزيد نفسه القلقة ضراما ~~واختلاجا. # خرج في ذلك اليوم وحده إلى روضته التي طالما شهدت مجالس أنسه وطربه، وكان يطمع لو استطاع أن ~~يجد في جمالها الساذج ذلك السلام الذي عجز أن يجده في نوادي قومه أو في فناء منزله الفسيح، ~~أو في الوادي الأعشب الذي ترعى به إبله. ولكنه عندما اضطجع في ظلال الروضة وجدها أعلى ضجة ~~من المجامع المزدحمة المضطربة. # لقد كانت نوادي قومه منذ حين تضيق بنفسه وتملؤها ضجرا، وكان فناء منزله يبعث في قلبه ~~وحشة وكآبة؛ ولكن تلك الروضة نفسها قد خيبت أمنيته فلم يجد فيها إلا وحشة وكآبة. # وتواردت عليه وهو مضطجع تحت ظلال الغصون المتدلية صور من حياته مرت في خياله سراعا، ~~فتذكر حروبه ومواقعه ms003 عند أراط والكلاب، ثم موقعته الكبرى عند جبل خزازى، حيث تهاوى ~~بفرسانه ليلا نحو النيران الموقدة على رءوس الجبال، وأحاطوا بأهل اليمن فحطموهم حتى لم تقم ~~لهم بعد قائمة، فانتصف منهم لقومه ربيعة، وألقوا نير اليمن عن رقابهم وتبوءوا مقاعد السيادة ~~في هضاب نجد. إنه هو الذي اجتمعت حوله الكلمة، فقاد عرب الشمال جميعا من ربيعة ومضر حتى ~~انتهى بهم إلى النصر البارع، وطرد السادة من ملوك اليمن من تلك الربوع التي رتعوا بها من ~~قبله أجيالا. ولكن قبائل ربيعة قد تغيرت عليه وجحدت فضله ونسيت بطولته، فأصبحت تتحدث في ~~نواديها عن كبريائه وظلمه، وصار الشبان منهم يتحدونه وينكرون عليه ما سمحت به نفوس آبائهم ~~طائعة عقب ذلك الانتصار. أينكر قومه سابق فضله وينازعونه في الحق الذي بايعوه من قبل عليه؟ ~~أيحسبون السيف الذي قضى به على قبائل اليمن قد صدئ في غمده من طول ما مر عليه من السلام؟ أم ~~هو العقوق الذي يدفعهم إلى هذه الهمسات الحانقة التي تبلغ أذنيه مهما بالغ الهامسون أن تكون ~~فيما بينهم سرا؟ أم هو الحقد الذي يملأ صدور منافسيه، ويحملهم على تناسي فضله والتجهم ~~له؟ # وتنبه وائل من خواطره على صوت رفرفة بين الأغصان التي فوقه، فحرك رأسه فاترا وأحس بشيء ~~من الارتياح إلى أن يخلص ولو حينا من شجونه المضطربة، فرأى بين الأوراق قبرة تنتقل بين ~~الفروع في حذر كأنها تريد أن تهبط، وكان يلوح عليها أنها تخشى ذلك الدخيل المضطجع تحتها. ~~فجعل يتأملها حينا ثم رأى اضطرابها فرق لها وقام من مكانه متسللا يحاذر أن يعنف في ~~حركته حتى لا يفزعها، ونظر نحوها يرقب حركتها، فرآها تنظر إليه في ذعر واضطراب تهم أن تطير ~~هاربة، فتقفز عن غصنها، ثم تتردد فتنزل على غصن آخر وتصرصر وتنقنق في خشوع كأنها تتوسل ~~وتبدي الحنين. # وفيما هو في ذلك سمع صوت رفرفة ضعيفة عند قدميه. # وتلفت حوله إلى أطراف الأغصان المتدلية، فرأى عش القبرة وفيه فرخان صغيران لا يغطي ~~جسميهما إلا الزغب الأخضر ms004 ، وهما يتطلعان نحو أمهما ويحركان جناحيهما العاريين في لهفة ~~إلى ظل جناحيها. فأسرع في خفة فرفع قوسه وكنانة سهامه، ثم وضع شملته على كتفه وتراجع في ~~هدوء حتى خرج من ظل الخميلة. وهبطت القبرة تهوى مندفعة نحو فرخيها وتدرج إليهما في العش ~~ترفرف عليهما بجناحيها وهي لا تزال تنظر في قلق إلى الخيال القائم من وراء الأغصان. فتبسم ~~وائل ابتسامة حزينة، ثم سار إلى خميلة أخرى من الروضة يلتمس في ظلها مضجعا. وقال وهو سائر ~~كأنه يحدث نفسه: «لقد تحرمت المسكينة في حماي.» # ولكنه ما كاد ينطق بهذه الكلمات حتى عاودته خواطره الأولى وكانت أشد حنقا؛ إذ تذكر ما ~~يتحدث به قومه وما بلغوا من الجرأة عليه؛ فقد أطلقوا ألسنتهم فيه بما لم يكونوا من قبل ~~يجرءون عليه. إنهم صاروا يتحدثون عنه أنه يحمي الوحش والطير مبالغة منه في الكبر والعتو، ~~ويتحدثون عن مراعيه التي لا يستطيعون أن يلتمسوا فيها صيدا من ظبي أو أرنب أو ضب؛ لأنه قد ~~حمى تلك المراعي وسدها في وجوههم. ويتحدثون عن الماء الذي لا يستطيعون أن يردوه إلا بعد أن ~~تصدر عنه إبله، وعن كلأ الأرض الذي لا يقدرون على أن يطلقوا فيه إبلهم؛ لأنه قد حمى ذلك كله ~~وحازه لنفسه لا يبيح لأحد فيه شيئا إلا بإذنه. لقد تحدث قومه بهذا كله، ووصفوه بالطغيان ~~والكبر والبطر وكأنهم تناسوا أن ذلك كان من حقه عليهم؛ إذ قد ارتضوه وتطوعوا به له إقرارا ~~بفضله عليهم واعترافا له بسلطانه فيهم. # وفيما كان يناجي نفسه بهذه الخواطر سمع كلبه ينبح، فوقف ينظر نحو مدخل الروضة ليرى من ~~يكون ذلك الجريء الذي اقترب من حماه، وقال في نفسه: لعل هذه آية جديدة تطلعه على ما داخل ~~قومه منذ حين من الجرأة عليه. لقد طالما جاء إلى هذه الروضة وأمر كلبه أن يقعي عند مدخلها، ~~فما كان أحد يجرؤ على أن يقترب منها، فكان ذلك الكلب إذا جلس عند أسفل التلعة نظر إليه ~~الناس من بعيد وتيامنوا عنه أو ms005 تياسروا حتى لا يستبيحوا حمى سيد ربيعة المخيف وائل بن ~~ربيعة. بل لقد كانوا يجعلون اسم ذلك الكليب علما يذكرونه فيما بينهم إذا أرادوا التحدث عن ~~بطلهم الباسل الذي ملأت هيبته القلوب، حتى لا يمر اسمه على ألسنتهم إكبارا له ~~وتقديسا. # أوقد تجرأت ربيعة حتى لم يبق في نفوسها رهبة من الكليب؟ # واتجه نحو مدخل الروضة هابطا على جانب الربوة مسرعا والغضب يملأ قلبه، لا ترى عيناه إلا ~~حمرة الدماء، وقد عزم على أنه لن يصبر بعد ذلك، بل ليجعلن سطوته طاحنة حتى يصرف قومه عن تلك ~~الهمسات التي يهمس بها الحاسدون فيما بينهم إذا خلا بعضهم إلى بعض. لقد جاءت إليه الأنباء ~~يسعى بها صحبه الأوفياء وآله الأقربون؛ فهو لا يجهل ما تغلي به الصدور عليه، وإن كانت ~~الخشية من بطشه لا تزال تخفي النيران تحت ستار واه من الرياء والبسمات الزائفة. وكان قلبه ~~وهو يسير نحو مدخل الروضة يغلي حنقا ويحدثه صائحا أنه لا بد له أن يفتك وأن يسطو، حتى ~~يعلم هؤلاء أنه ما زال السيد الذي طالما انعقدت ألسنتهم عن ذكر اسمه، وأنه ما زال البطل ~~الذي لا يجرؤ أحد على أن يملأ منه عينيه. # ولما بلغ مدخل الروضة تلفت حوله فلم يجد أحدا. وأقبل الكلب نحوه يعوي متألما وهو يتلوى، ~~حتى اقترب منه وجعل يتمسح به ويبصبص بذنبه، ثم ذهب عنه ينبح في حنق متجها إلى جانب الربوة. ~~فسار وائل في أثره حتى بلغ قمة الربوة فأشرف على الوادي المجاور، فإذا هو يسيل بأعناق الإبل ~~الحمراء ومن ورائها فارس يعرفه، هو جساس بن عمه مرة، جساس أخو امرأته جليلة بنت مرة سيد بني ~~بكر. هو أخو تلك الزوجة الحبيبة التي اصطفاها ونعم بالحياة في بيتها الهادئ. وكان جساس يسير ~~وراء إبله مثل الرمح الرديني بأنف أشم، تدل هيئته على أنه لا يرى في قبائل ربيعة من يليق أن ~~يكون عليه سيدا. # وتمنى وائل لو لم يكن جساس أخا لزوجته، أو لم يكن ابن عمه الشيخ ms006 مرة بن ذهل بن شيبان؛ ~~فإنه لو لم يكن في حمى تلك القرابة لعرف كيف يكسر ذلك الأنف الأشم، وكيف يحني تلك الهامة ~~المرفوعة، وكيف يجعله يغضي تلك العين الجريئة التي يحملق بها في وجهه إذا كلمه؛ فهو لا يقدر ~~على أن يمنعه من الرعي في مراعيه، ولا يقدر على أن يجعل إبله تنتظر حتى تصدر إبله هو عن ~~الماء لأنه ابن الشيخ مرة وأخو زوجته الحبيبة جليلة. # واشتعل قلب وائل غيظا إذ رأى ذلك الفتى يسوق إبله في مراعيه التي حماها، ثم يجتاز ~~بالروضة التي لم يجرؤ أحد من قبل أن يمر بها، ويبطش بالكلب الذي كانت ربيعة كلها تتحامى ~~الاقتراب من موضعه. # وكان جساس لا يخفي جرأته وتحديه؛ فقد طالما جهر في نوادي بكر بكراهية كليب، وطالما جرأ ~~الشبان من قومه على أن يتكلموا فيه ويسخروا منه في غيبته. كان جساس يحرض عليه ويثير النفوس، ~~ويوشك أن يوقد بين الناس فتنة عمياء. بل لعله هو الذي فتح عقول القوم إلى التذمر مما كانوا من ~~قبل لا يرونه إلا حقا وعدلا، ووقف وائل ينظر إلى ذلك الشاب المتحدي وثارت في قلبه ~~الحفيظة، وعزم على أن يتنبه وأن يضرب وإلا كانت عاقبة أمره وبالا. # ونزل عن الربوة ولم يعد إلى روضته التي كان قد أزمع أن يقضي فيها اليوم وحده يلتمس نزهة ~~تهدئ من قلبه الثائر، بل عاد إلى بيته يسرع الخطى وقلبه يفور، وأنفاسه تضطرب، وقد تمثلت ~~أمام عينيه مناظر الصراع المقبل الذي يوشك أن يقع بينه وبين ذلك الفارس الجريء. # ولما بلغ مضرب خيامه المشرفة على الوادي لم يلتفت إلى من كانوا في فنائه الفسيح من عبيد ~~وأتباع، بل سار مسرعا والكلب يجري وراءه لاهثا. # ولما بلغ خيمته دخل إليها، ثم نادى في شيء من العنف: «جليلة»، فنهضت امرأته مسرعة وأقبلت ~~نحوه تبتسم، ولكن نظراتها إليه كانت تنم عن دهشة؛ فقد كانت تعد له زق الخمر، وتهيئ له شواء ~~من الكبد والسنام لكي ترسله إليه مع العبد «الغصين ms007 » في الروضة كما أمره منذ حين قصير. وأحس ~~قلبها أن في رجوعه إليها بعد ذلك الحين القصير دليلا على أمر خطير أزعجه لم يكن في حسبانه. ~~ونظرت إلى وجهه فأدركت أنه قد عاد إليها غاضبا ثائرا، فقد كانت عيناه محمرتين تقدحان ~~شررا، وخيل إليها أن الشعرات القائمة في وسط شاربه تهتز في قلق. وأرادت أن تزيل ما عنده من ~~الشجن الثائر حتى لا تبدر منه بادرة قاسية؛ فإنه كان إذا ثار لم يملك بوادره الدموية. كان ~~لا يعبأ أن يبقر بطن فرس عزيز، أو يطيح بسيفه رأس بعض عبيده المساكين الأبرياء. حتى إذا ما ~~سكن غضبه وعاد إلى نفسه استولى عليه الحزن وكاد يبخع نفسه أسفا. ولم يكن أكبر ما يحملها على ~~أن تذهب ما في نفسه أنها كانت تحرص على فرس أو تشفق على عبد مسكين، بل كان الذي يعنيها هو ~~هذا الهم الذي رأت عليه بوادره منذ حين؛ فقد أحست تغيرا عظيما اعتراه في تلك الأيام ~~الأخيرة، وكان قلبها يعصر عصرا قاسيا كلما رأته يقضي اليوم والليل كاسفا متململا لا ~~يكاد يذوق نوما ولا راحة، وتقدمت نحوه ووضعت يديها على كتفه في وداعة وقالت في صوتها ~~الرخيم: مرحبا بك. لقد كنت أعد لك طعامك. # فنظر وائل إلى وجهها نظرة سريعة، ثم بدت على وجهه ابتسامة ضئيلة، ولكنه حول نظراته عنها ~~وأمسك بيديها برفق فأزاحهما عن كتفيه، ونزع قوسه فقذف بها في حنق إلى ركن من الخيمة، ثم قذف ~~بكنانة سهامه على الأرض في عنف حتى قعقعت، وذهب إلى نطع من الجلد في صدر الخيمة فجلس عليه ~~واحتبى بسيفه ونظر إلى الخارج وهو ساهم صامت. فقربت جليلة منه وجلست إلى جانبه، وجعلت تعبث ~~بيدها حينا في شملته، ثم قالت بصوت خافت: أراك مهموما. # فانفجر وائل قائلا: لقد طال صبري ولم يبق بعد في القوس منزع. قاومت نفسي وكبحت جماحها ~~من أجلك. من أجلك أنت يا جليلة، ولكنه يتمادى ولا يزيد إلا جرأة علي. # فأطرقت جليلة صامتة، ووقع في قلبها ms008 من يكون ذلك الجريء الذي يقصده زوجها؛ فلم يكن في ~~قبائل ربيعة كلها من يجرؤ عليه إلا أخوها جساس بن مرة الذي لا يعرف لنفسه سيدا. أطرقت ~~حزينة وقلبها يغوص إلى أعماق صدرها وتواردت عليه الخواطر سراعا. لقد طالما سمعت بما يقوله ~~أخوها في نادي قومه من التعرض لزوجها الحبيب، وطالما غاضبته وأنحت عليه بلومها. وكم توسلت ~~إليه وهي باكية لكي يتجنب ما يوجب القطيعة بين زوجها وقومها؛ فإن تلك القطيعة لم تكن لتجر ~~في هولها جساسا أخاها وحده، بل هي داهية محطمة تخبط وتنزع وتمزق الشمل كله. فلو كان جساس ~~يجني بها على نفسه لما كان ذلك يطعن قلبها مثل تلك الطعنة، فإنه فتى عنيف متكبر لم يدع في ~~قلبها رقة عليه، ولكن ثورته كانت جناية عليها وعلى قومها جميعا؛ قوم أبيها وإخوتها من بكر، ~~وقوم زوجها وبني عمها جميعا من تغلب. # وأفاقت جليلة على صوت زوجها يهدر قائلا: إن أخاك جساسا يتحدث عني حديث الكاره المستهزئ ويجرئ علي هؤلاء الأحداث الذين كانوا ~~أطفالا في أفنية آبائهم يمرحون ويلعبون، عندما كانت المعارك الدامية تثور من حولنا؛ إذ ~~نجاهد أقيال اليمن وملوكها في جبال العالية من تهامة. كنا نبني لهم المجد لكي يصعروا خدودهم ~~للعرب جميعا، فإذا هم اليوم قد أذهلهم البطر والجهل، فحسبوا أنهم أصحاب ذلك المجد الذي ~~ينفخ أوداجهم كبرا. أما وأنصاب بكر وتغلب كلها، لئن لم ينته ذلك الأخرق لألحقنه بالعبيد، ~~ولأجعلنه عبرة لأصحابه الآخرين. # فرفعت جليلة يدها إلى غديرتيه، وجعلت تفتلهما بأصابعها، ثم قالت بصوت هادئ: هون على نفسك ~~يا ابن العم أمر جساس، ما هو إلا منك وما أنت إلا منه. لا تستمع إلى ما يسعى به إليك ~~الواشون؛ فرب واش لا يريد إلا فسادا. # فقال وائل ولا يزال حانقا: لا تعتذري عنه يا جليلة؛ فلقد كنت تعذلينه وتلومينه. ألم ~~تأتني أنباء ما قلت له؟ # فنظرت إليه جليلة في شيء من الفزع. إن الأنباء تبلغه وهي تعلم صدق ما يقول، ولكنها لم ~~تيئس وأرادت أن ms009 تستعين بما تعلم أنه في قلبه من حبها، فقالت كأنها معاتبة: ألا يرضيك منه ~~عمك وأبناء عمك؟ إنك تعرف ما يحملون لك جميعا من المودة، فهلا أكرمتهم بالتغاضي عن جهل ابن ~~عمك الصغير؟ # فانتفض وائل حتى نزع غدائره من بين أناملها وقال في عنف: أتغاضى عن جهله! ومن لي بتحمل ما ~~يتبع ذلك من جهل من يشاركونه؟ هل كنت لأسيغ أن يجعلني هؤلاء ملهاة لهم إذا مالت الخمر ~~برءوسهم، وأن يتخذوا اسمي في أسمارهم العابثة هدفا لسخريتهم وعبثهم؟ لا وحق مناة! ما ذلك ~~من شأن وائل. # ثم قام خارجا، ولم تجد كلمات جليلة إلى قلبه سبيلا، فقامت وراءه وهي دامعة العين وسألته ~~بصوت متهدج: إلى أين يا ابن العم؟ إنك لم تطعم شيئا منذ الصباح. # فلم يجبها، بل سار وهو يرفع رداءه في اضطراب، ويلقي الشملة على كتفه في غضب، ووقفت جليلة ~~حينا تنظر في أعقابه والحزن يعصر قلبها عصرا، حتى بعد واختفى عن عينها، ثم أسرعت وألقت ~~عليها إزارها وخرجت مسرعة نحو منازل أبيها. # ولما صار كليب في الفناء الواسع بين خيامه دعا عبده الغصين، فجاء نحوه مسرعا، فصاح به في ~~غضب: الرباب! # فأسرع العبد إلى جانب من الوادي، وسار كليب في خطوات واسعة لا يلوي على شيء وكلبه يتبعه ~~ويشم آثاره. فلما بلغ آخر ثنية الوادي وقف ينتظر العبد حتى أقبل يجري وفي يمينه لجام فرس ~~تخطر رشيقة في خيلاء، فوثب كليب على ظهرها وهمز جانبيها، فوثبت به لا تكاد تلمس سطح الرمال. ~~وكانت كميتا غراء محجلة لا يرى الرائي منها إذا انطلقت إلا ساقين مثل ساقي النعامة تمدهما ~~من أمام وأيطلين كأنهما لظبي تسبح بهما من خلف، وكأنها بينهما طائر يخترق الهواء. # وكان كليب مع ذلك يهمز فرسه في عنف على غير عادته ويصيح بها كأنه قد خرج يطارد عدوا؛ فإن ~~الشجون التي تجيش في صدره كانت تلتمس منفذا في تلك الحركة العنيفة وتلك الصيحة الحانقة. ~~ولما خرج من الوادي عرج متياسرا إلى براح من أرض صلبة ms010 قد غطى المدر سطحها، فكانت الفرس ~~في عدوها تثير حولها نثارا من الحصى المتطاير، وكأنها أحست ما في قلب راكبها من الثورة، ~~فأجابتها بوثبات لا تبالي فيها أين تقع حوافرها. وما كانت إلا هنيهات حتى بلغ وائل هضبة ~~عالية فهدأ من سرعته وترك فرسه تعلو جانبها على رسلها، ولكنها وثبت على السفح ~~الصخري كما يثب الوعل الأعصم، حتى علت ظهر الهضبة الفسيح، وكان العشب الأخضر يغطي سطحها ~~المتموج، ولا تزال قطرات الماء من أثر الأمطار تلمع تحت ضوء الشمس في ثنايا الأعواد، وفي ~~ثغور أزهار الأقاحي والعرار، فملأ كليب صدره من الهواء وأرخى الحبل للفرس ومسح عرفها بكفه، ~~فاطمأنت في سيرها ومضت بين التلاع والوهاد تعلو وتهبط في هوادة كأنها تتحرك بما تحسه من ~~إرادة سيدها، وقلب كليب نظره في أرجاء الأفق الواضح، وكانت السماء الزرقاء صافية بعد أن ~~تحلبت أمطارها كأنها قد غسلت من أدرانها. فدب السلام رويدا إلى قلبه، وانفرجت عقدة جبينه ~~ولاحت على وجهه بسمة الارتياح. ولما عادت إليه صورة ما حدث في الصباح لم تعد إليه غضبته، ~~كأن المنظر الوديع هدهدها وقطع فحمتها. وعادت إليه صورة جساس بن مرة أخي زوجه الحبيبة فساءل ~~نفسه: أما آن لجساس أن يدع تلك الوساوس التي توغر صدره؟ ولكنه لم يكن يحس عند ذلك تلك ~~الكراهة التي ملأته غيظا منذ ساعة على ذلك الشاب الفارس الجريء، بل لقد كان في قرارة قلبه ~~يتمثل بسالته فيعجب به ويتمنى مودته. إن مثل جساس من يحمي الظهر عند اللقاء، ويشفي النفس من ~~دماء الأعداء، وإن مثله من يركن إليهم الملوك في رد غيبتهم والذب عن حياضهم. وهو أخو جليلة ~~العزيزة، وما كان أجدره أن يكون إليه حبيبا ومنه قريبا، فإذا كان قلب جساس قد امتلأ غيرة ~~منه وحقدا عليه، حتى أطلق فيه لسانه، فإن غيظه قد يسل وغيرته قد تهدأ. إنه لا يحاول إذا ~~لقيه أن يخفي عليه ثورته. ولكن ذلك أخف كيدا وأسلم عاقبة من أولئك الذين يلقونه بالبسمات، ~~فإذا تولوا عنه ms011 سلقوه بألسنة حداد. لقد تمنى كليب عند ذلك لو عاد جساس إليه صديقا يؤنسه ~~بمودته ويسند ملكه بشجاعته. # وما زالت هذه الخواطر به حتى أزاحت عن كاهله ثقله فتنفس نفسا عميقا، وشعر بالأشجان التي ~~تضطرم فيه تتصاعد معها، ودب إليه دبيب من السلام، وسار على رسله يقلب طرفه في الأفق الصافي ~~وفي جوانب الربى الخضراء. # وفيما هو في ذلك لمعت أمام عينه لمعة على مرمى سهمين فرأى بياضا يبرق ثم ينساب، فإذا هو ~~بطون الظباء وهي تثب في خفة من خميلة فوق طريقه لتقصد إلى أخرى آمنة إلى جانب من الهضبة. ~~فصرخ صرخة وهمز فرسه وحرك اللجام إلى قصدها فانطلقت الفرس تعدو نحوها ووثب عساف يهدر من ~~حلقه حتى سبقها. وما كادت الظباء تحس المطاردة حتى خرجت تهيم على الهضبة الفسيحة تعلو وتهبط ~~بين ناشز من سطحها ومتطامن، والخوف يقذف بها قذفا، وقد مدت رءوسها حتى بلغت قرونها ~~الطويلة جانبي ظهرها. وعدا الكلب والفرس في آثارها، وطالت المطاردة في تيامن وتياسر حتى بدا ~~شيء من التردد على الظباء، فتفرقت تحاول أن تجد لها عاصما. ولكن الهضبة الفسيحة لم يكن بها ~~صخر تتوقل في جانبه، فانطلقت تعدو في فزع حتى أدرك الكلب عساف زوجا منها كان أثقل الربرب ~~وثبا، فجعل يهر في وجهيهما ويتواثب من حولهما وهما يحاورانه ويحاولان الخلاص منه حتى صار ~~كليب على مرمى السهم من الظبيين، فجذب قوسه وسدد الرمية إلى أقربهما إليه، وهو يحاذر أن ~~يصيب كلبه الباسل برميته، فإذا الكبش يخر وقد أصاب السهم مفصل كتفه، ثم سدد رمية أخرى فإذا ~~النعجة تخر على خطوات منه وقد وقع النصل ما بين عينيها، وهمز كليب فرسه همزة فوثبت به حتى ~~كانت عند الرميتين، وهما تفحصان الأرض بأظلافهما الدقاق. ونزل عن فرسه في خفة وجرد سيفه ~~فذفف على الظبيين ومال عليهما يتأمل أعضاءهما في إعجاب. # ثم رفعهما إلى ظهر الفرس فربطهما في سرجه عن يمين وشمال، ثم مسح رأس كلبه وصاح به: عشاء ~~طيب يا عساف! # فبصبص الكلب ms012 بذنبه ونظر إليه كأنه يضاحكه، ثم وثب الفارس فوق ظهر فرسه فاستوى عليه ومسح ~~بيده على رأسها وعرفها وأرخى لجامها، وأخذ يتغنى ببعض شعره. # وقضى كليب في عودته ساعة طويلة يسير على هينته وهو يقلب نظره في الفضاء، وقد هزته نشوة ~~أنسته كل شجونه الثائرة، حتى مالت الشمس منحدرة نحو الأفق الغربي، ولمعت تحتها الأزهار ~~تتألق بين بياض في صفرة، وحمرة في زرقة. فلما بلغ جانب الهضبة مما يلي روضته، نزل عن فرسه ~~وأرسلها فسارت وحدها متجهة إلى مضارب الخيام، وسار كليب وحده نحو الروضة حتى تبعث امرأته ~~إليه الطعام. ورأى في طريقه إلى الروضة إبل جساس صادرة عن الماء، ورأى جساسا في عدوة ~~الوادي على فرسه يسير في أعقابها. وكان في يده رمح قد ركزه في ركابه، فنظر كليب نحوه نظرة ~~قصيرة فرآه ينظر نحوه، وخيل إليه وهو على تلك المسافة البعيدة أن نظرته لم تخل من التحدي، ~~فصرف وجهه عنه ولم يرد أن يفكر في أمره حتى لا يعكر الصفاء الذي شمله من جولة اليوم. # ودخل الروضة حتى بلغ موضع الخميلة وسار في خفة يرفع بيده أطراف الغصون المتدلية باحثا عن ~~عش القبرة التي رآها في الصباح. # وكان يتغنى بصوت خافت: # قنبرة تدعو بإلف قنبر # هاتفة بين رياض الحجر # لا ترهبي خوفا ولا تنقري # فأنت جاري من صروف الحذر # إلى بلوغ يومك المقدر # وما كاد يدير بصره بين الفروع حتى هاله ما رأى: كان العش هناك محطوما في أذيال الغصون ~~المتدلية، وكانت الأفراخ فيه مدكوكة قد سويت بالأرض واختلطت دماؤها القليلة بأعواد القش ~~والأوراق المتساقطة من الشجر. # إذن لقد دخل الروضة دخيل تعمد أن يستبيح حماه حتى وطئ القنبرة المسكينة التي آوت ~~إليه. # فاعتدل وتطلع فيما حوله وعاد إليه الغضب أشد مما كان، ولم يشك في أن ذلك الجريء الذي ~~اعتدى عليه لم يكن سوى جساس؛ فهو وحده الذي يستطيع أن يقدم على إيماءة مثل هذه ليظهر بها ما ~~في نفسه من استخفاف. فهو الذي آذى كلبه في ms013 الصباح، وما كان أحراه أن يكون هو الذي حطم عش ~~هذه القنبرة المسكينة وحطم أفراخها الزغب تحت عينيها. # ولما رفع بصره إلى أعلى الخميلة رأى في الغصون القصية مواضع قضم ونزع، فألقى نظرة على ~~الأرض فإذا آثار إبل، ورأى إلى جانب موضع العش رسم خف على الرمال، فزاد يقينه أن جساسا هو ~~الذي استباح حماه. فذهب وهو ممتلئ من الغيظ وقد عزم على أن يفصل فيما بينه وبين الفتى ~~الجريء؛ إذ صار الأمر بينهما إلى ما لا يستطاع معه احتمال. ولما هم بالسير لاحت له من ~~خلال أشجار الروضة ناقة تقطف الأوراق الخضراء من أعالي الغصون، وتسير متباطئة بين الشجر ~~تنزع من غصونها لقيمات. فتأملها فإذا هي ناقة بيضاء ضئيلة البدن هزيلة حدباء الظهر، ليس لها سنام. ولم تكن هذه من ~~إبل جساس؛ فقد كانت إبله حمراء عالية تهتز أسنامها من خصوبة المرعى وعذوبة المورد، فوقف ~~يتأملها حتى نزلت من الروضة وذهبت لتختلط بإبل جساس. # فأسرع كليب في أثرها حتى أدركها، ثم وضع يده على مقبض سيفه ليعقرها. # ولكنه سمع صوتا من ورائه ينادي في فظاظة: «تمهل يا كليب لا تفعل!» # فرفع يده عن سيفه ونظر فرأى من ورائه جساسا ينظر إليه في غضب ويبرق وجهه بما اعتاد من ~~نظرات التحدي. # فقال له معبسا: «أهذه الناقة لك؟» # فقال جساس: «أجل. هي ناقتي.» # قال كليب: «ليست ناقتك فإني لم أرها من قبل.» # قال جساس: «هي ناقة ضيف نزل عندي وهي في جواري.» # فقال كليب وقد عاد إلى القبض على سيفه: «لقد وطئت حماي.» # فقال جساس متحديا: «إذا كان لك حمى فإن ناقة ضيفي في حماي.» # فصاح به كليب: «أتحمي علي يا جساس؟» # فقال جساس: «قلت إنها ناقة ضيفي.» # فكظم كليب غيظه وقال متساهلا: «لقد هممت أن أقتلها ولكن احذر أن تعود تلك الناقة إلى ~~الرعي في مرعاي.» # فقال جساس وقد ضحك ساخرا: «مرعاك! كأننا لا يحق لنا أن نرعى في هذه الأرض! إنما هي أرض ~~بكر، كما هي أرض تغلب، ولم ms014 يورثها لك أبوك ربيعة.» # فتألم كليب لذلك القول الذي لم يتعود سماع مثله وعلا الدم في وجهه، ولكنه تمهل في الجواب، ~~ثم قال: «أنصحك أن تبعد هذه الناقة عن إبلك.» # فأجاب جساس متحديا: «لن أبعدها، وسترعى مع إبلي وحق مناة.» # فتقدم كليب نحو الشاب وقال مهددا: «أيها الفتى! وحق آلهة ربيعة لئن عادت هذه الناقة إلى ~~الرعي هنا لأضعن سهمي في ضرعها.» # فضحك جساس مرة أخرى ساخرا وقال: «لئن وضعت سهمك في ضرعها ليكونن لي شأن.» وصمت قليلا ~~ثم قال في حقد: «لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن رمحي في لبتك.» # ثم همز فرسه ومضى وهو يطعن الأرض برمحه وعيناه تقدحان شررا. # فانتفض كليب كأنما لذعته نار، وقال وهو ينظر في أثره: «أيها الفتى الوقح! ويل ~~لك!» # فوقف جساس والتفت نحوه رافعا رأسه وقال: «سترى لمن الويل يا كليب.» # فقال كليب وهو يكاد ينفجر من الغيظ: «وحق مناة لأكبحن من سفهك.» # فلوى جساس عنان فرسه حتى صار أمامه وجها لوجه وقال ساخرا: «ما قلت سفها ولكنه الحق ~~يصدعك. نحن الذين سودناك، لم تسدنا بعبيدك بل سدت لأننا عززناك. أحاربنا معك حتى انتصرت بنا، ~~ثم تريد أن تجعلنا عبيدا لك؟» # فخشي كليب أن يخرج الفتى في قوله إلى أكثر من ذلك، فاكتفى بأن قال: «سأعرف كيف ~~أؤدبك.» # ثم مضى عنه مسرعا. # وصاح جساس من ورائه: «بل يؤدبك رمحي.» # وكانت جليلة واقفة عند باب البيت تحمل في يديها صحفة فيها طعام وشراب، فلما وقعت عينها ~~عليه عرفت في وجهه الغضب، فارتاعت واضطرب فؤادها، وألقت بالصحفة وسارت مسرعة نحوه ووجهها ~~ينم عما يثور في نفسها من المخاوف. # ولم يأخذها بين ذراعيه كعادته إذا أقبل، ولم تهم هي بالاندفاع إليه كعادتها عندما تراه ~~راجعا، بل وقفت على خطوة منه، وجعلت تفرك بيديها لتزيل أثرا من الدهن فيهما، ثم قالت وهي ~~تحاول إخفاء ما بها: لقد أصبت صيدا كريما يا ابن العم. # فقال وهو يعلق سيفه في عمود الخيمة في وجوم: «بل أصبت شرا مستطيرا ms015 وحق مناة.» # فقالت وهي تمانع نفسها من إظهار الجزع: «هل غضبت لأمر؟» # فقال متجهما وقد نظر إليها: «أترين يا جليلة أحدا من العرب يمنع مني جاره؟» # فقالت: «ومن يجرؤ على ذلك إلا أن يكون عمك مرة. هل حدث بينكم أمر؟» # فقال كليب: «لم أر أباك اليوم.» # فقالت جليلة في شيء من الارتياع: «إذن هو جساس بن مرة.» # فقال كليب بحقد: «وشتمني.» # فقالت جليلة وقد أقبلت فطوقته بذراعيها: «دع جساسا يا ابن عمي إنه فتى أخرق.» # فقال كليب وهو يتخلص من ذراعيها: «أخرق؟ أعلي أنا يكون خرقه؟» # فعادت جليلة إلى التعلق به وقالت: «أتوسل إليك يا ابن عمي أيها الحبيب، أتوسل إليك ألا ~~تقطع رحمك.» # فقال كليب: «هو الذي يقطع الرحم. أترضين أن يهان كليب يا جليلة؟» # فقالت جليلة وقد أخذت وجهه بين يديها: «اعف عنه من أجلي، اعف عنه يا كليب. هو أخي ~~فأكرمني بالتجاوز عن خطئه، عدني بحق مناة أن تفعل.» # فسكت كليب ولم يجب، وحاول أن يتخلص من يديها، ولكنها تعلقت به، واستمرت تتوسل ~~وترجو. # ونظر إليها كليب فرأى دمعة تنحدر على خديها وهي متجهة إليه بعينيها المغرورقتين. فتردد ~~لحظة ثم ضمها بين ذراعيه بقوة وقال لها: «لقد طالما عفوت عنه يا جليلة من أجلك.» # ثم قبلها بين عينيها، ومضى يحدثها فأفضى إليها بما كان من جساس. # | الفصل الثاني # كانت الشمس قد مالت للغروب، وصبغت الأفق الغربي بلون القرمز، ولم يبق من شعاعها إلا فلول ~~ذهبية تتعثر في أذيال سحابة بيضاء تسير قرب الأفق متباطئة. وكان نسيم المساء المقبل يهب ~~باردا من صوب الشمال، يحمل معه طلائع برد ليل الشتاء في صحراء اليمامة من بلاد نجد. # وجلس مرة شيخ بكر وحوله شيوخ العشائر يتحدثون عن أحداث اليوم، وعن عزمات الغد، والعبيد ~~يجمعون الأحطاب من بطون الأودية، ويكدسونها أكداسا في وسط حلقة الجلوس ليوقدوا منها ~~النيران. # وأقبل جساس بن مرة يسير متباطئا حتى اقترب من أبيه الشيخ، فوقف وراءه وهو صامت، وقد ~~استند على رمحه المركوز في الرمل الناعم ms016 اللامع. # فنظر إليه الجلوس في صمت إلا أباه مرة فقد أطرق ولم يلتفت إليه، وعلت وجهه سحابة خفيفة من ~~كآبة كأنه لم يسترح إلى مقدم ابنه الشاب في ذلك الوقت. # وكان جساس مقطب الجبين تلمع عيناه لمعة الغضب، وكان شعره الطويل الأسود مضفورا في غدائر ~~ملتوية، تهتز أطرافها مع النسيم فوق كتفيه. # وكان طويل القامة دقيق العود، ليس في لحمه فضلة من شحم تدور ملامحه؛ فبدا في وقفته تلك ~~كأنه رمح يتكئ على رمح، وبدت تقاطيع وجهه حادة قوية، تجمعت حول فم منقبض تكاد شفتاه لا ~~تنفرجان. # وقطع جساس السكون بعد قليل، فقال بصوت أجش: «أما لهذا الهوان من آخر؟» # فنظر الجلوس إلى أبيه الشيخ ولم يتكلموا، وانتظروا ما يقوله الشيخ لابنه الغاضب. # وكان الأب محتبيا في جلسته، جمع ركبتيه في حبل دقيق مربوط من تحت إبطيه، فلم يحل حبوته ~~ولم يلتفت وراءه، بل قال بصوت هادئ لا يكاد يسمع، وقد زاد وجهه عبوسا: «دعنا اليوم من ~~هرائك.» # فانفجر الفتى عند ذلك، وقد أنساه الغضب ما يجب لأبيه من توقير فقال: «إني لن أصبر على ما ~~تصبرون عليه ها أنا ذا قد أنذرت.» # فأحل أبوه حبوته وانتفض كأنه قد أحس وخزة أليمة، ثم قام ودار بوجهه إلى ولده وصاح به: ~~«ماذا تقول؟» # فوقف الشاب مرفوع الرأس في تحد، وقال وصوته لا يزال أجش جافا: «أقول إنني لن أصبر على ~~الضيم، هذا رجل يسومكم الخسف ولا تتحركون، قد وضعتم أعناقكم إليه ليطأها بقدميه، ولكني لن ~~أكون معكم في ذلك العار.» # فقال أبوه وقد اربد وجهه: «من تعني بقولك أيها الفتى الجاهل؟ أتعني سيد ربيعة؟ أتعني ~~كليبا؟ أتعني الرجل الذي حفظ قومك من العار، وحماهم من الذل؟ أتعني وائل بن ~~ربيعة؟» # فقال الشاب ولا يزال في صوته رنين الحقد والغضب: «نعم أعني وائل بن ربيعة. أعني كليب بن ربيعة، ذلك الذي يجعلكم عبيدا، ولا يعدكم إلا ~~أتباعا وخدما.» # فسرت في الجلوس ضجة مكتومة، ولا سيما من شيوخ بني تغلب، وتحرك بعضهم يريد ms017 القيام ~~غضبا. # فأشار إليهم الشيخ بيده أن يصبروا، فهدأت الضجة وسكن اللغط، ونظر القوم إلى الشيخ، وقد ~~اعتدل أمام ولده الغاضب كأنه يريد أن يبطش به، ولكنه تحول بعد لحظة قصيرة وكأنما جال في نفسه خاطر طارئ صرفه عما كاد يهم به من عقاب ~~ابنه. ثم نظر إلى القوم وقال لهم وهو يحاول أن يجمع شعوره ويكبح العاصفة الثائرة في ~~صدره: «يا إخواني وأبناء عمي! اجعلوا ما قاله هذا الفتى يذهب مع الريح، فما هو إلا من جهل شاب ~~ليس يدري ما حق هذا الأمير عليه.» # ثم نظر إلى ولده، وقال وهو متجهم: «أيها الابن المنكود. لقد صبرت على كثير من أذاك، ولكني أراك تماديت، وأحب أن أعلمك بشيء ~~لست تعلمه لعلك ترجع عما يوغر صدرك، ويوشك أن يقطع بينك وبين أبيك.» # فأطرق الفتى وخشع قليلا عندما سمع قول أبيه، واعتدل في وقفته وقد أحس شيئا من الخجل لما ~~أظهر من التحدي لشيخه، ولحظ أبوه ذلك فلان من عبسته، كأنه قد أمل أن يستلين قلب ابنه بالحجة ~~والموعظة؛ لأنه كان يعلم أن الرهبة لن تمنع ذلك الابن من الإقدام على عظائم الأمور. # واستمر مرة فقال يخاطب شيوخ قومه ويسمع ابنه: «لقد علمتم ما كان من سطوة قبائل اليمن بنا ~~وإذلالهم إيانا، أيام كنا لا نملك لأنفسنا أمرا، ولا نقوى على رد اعتداء.» # فقال شيخ أبيض اللحية، كان أقل الجلوس اكتراثا بما يجري حوله: «قسما بمناة لقد كانت ~~قبائل اليمن تجتاح أرض تهامة ونجد، لا يقوى أحد على أن يرفع رأسه لها.» # قال مرة متجها إلى ابنه: «صدق أبو عامر؛ لقد كانت مذحج تسومنا الخسف، ولا تجتمع لنا ~~كلمة في مقاومة عسفها، وبقينا مفرقين أشتاتا حتى أتى وائل بن ربيعة، ذلك الأمير الذي نتحدث ~~عنه هذا الحديث القبيح، فاجتمعت عليه كلمة قومك من بني شيبان، ومن بني أبيهم بكر، ومن بني ~~عمهم تغلب، فوقف بهم يوم خزازى، حتى قادهم إلى النصر والعز والمجد.» # فسرت في الجمع عند ذلك همهمة الارتياح، وعاد ms018 أبو عامر إلى الكلام فقال: «أما إنك تذكرنا ~~بأيامنا المجيدة يا أبا همام، إني لأذكر النار التي أوقدت فوق خزازى لنهتدي بها ونجتمع ~~عندها، وإني لأذكر كيف قاتلنا وكيف كانت كل ساعة تطلع بنا على بطل جديد من بيننا. كان ذلك ~~كأنه بالأمس القريب، ولقد شفى وائل بن ربيعة نفوسنا وحق مناة من العدو المندحر.» # فعاد مرة إلى الحديث فقال: «وإنا لو أعطينا وائلا أموالنا وأنفسنا لكان ذلك بعض حقه ~~علينا؛ فقد حفظ أعراضنا، وأعلى أمرنا، وجعل سيادة العرب لنا.» # فرد الجميع موافقين وقال أبو عامر: «إن يد وائل بن ربيعة علينا لا تكافأ بمال.» # فتحرك جساس في غيظ وانفجر بعد أن عجز عن كتمان ما في نفسه وقال وهو يهدر: «وحق مناة ما ~~أراكم تنطقون بما تطوون عليه الجوانح، فهل آن لكم معاشر بني بكر أن تعرفوا أن كليبا قد ~~أركب عليكم قومه تغلب؟ إنكم لتعلمون أنه يمنعكم الماء حتى يصدر عنه عبيده، ويمنعكم الرعي ~~حتى تمتلئ بطون إبله، ويحمي عليكم الوحش في الفلاة فلا تستطيعون أن تصيدوا بها ظبيا أو ~~تحترشوا ضبا. وإن صدوركم لتتمزق من الغيظ ولكنكم تخفونه من خوف بطشه.» # فتقدم مرة نحوه مهددا، ووضع يده على مقبض سيفه وصاح به: «لا كنت أيها العقوق!» # فأسرع إليه أبو عامر وأمسك بيده يمنعه، ووقف جساس حينا ينظر إلى شيخه وهو يرتعش في ~~اضطرابه ثم حول وجهه وأسرع ذاهبا عنه في حنق وعيناه تقدحان شررا. # وكان الليل في أثناء هذا قد أقبل وأرخى على الآفاق سدوله، ولمعت أنوار النيران على وجوه ~~القوم وهم جلوس حولها مطرقين، يشفقون أن يرفعوا عيونهم نحو الشيخ في ثورته. ولم يجد مرة في ~~نفسه ارتياحا إلى البقاء في نادي قومه، بعد أن كان من ولده ما كان، ولم يدر كيف يستطيع أن ~~يداوي وقع تلك الألفاظ القاسية التي فاه بها الفتى في ثورته، ورأى الأمور تتعقد ~~وتتجهم. # ولم يدر ماذا ينبغي له أن يفعل، ولا أين يجب عليه أن يقف، فقد فتح جساس ms019 عليه بابا من ~~الفتنة ما كان أحب إليه أن يبقى مغلقا. ولم يدر كذلك ماذا يحمل الغد المقبل في طياته بعد ~~أن أقحم ذلك الشاب المنكود في غضبته ذكر بكر وتغلب، فإن بكرا وتغلب من صلب أب، وقد أقاما ~~معا على حالي العسر واليسر، فماذا يخفي لهما الغد في طياته؟ هذا جساس بن مرة ينادي بكرا ~~أن تثور، وما كانت تغلب لترضى أن يطمع أحد في ملكها، فلم يجد الشيخ في حيرته هذه إلا أن يذهب ~~عن الجمع لعله يهتدي في خلوته إلى ما يضيء له تلك الظلمات. # وكان الهواء قد برد ولف الشيوخ عليهم العباء، فلما تركهم مرة قاموا في أثره إلى البيوت ~~يستدفئون وراء جدرانها الصوفية، ويتم كل منهم الحديث مع عشيرته في خلوة من الرقباء. # وأقبل مرة نحو بيته وكان يسير مطرقا، يفكر فيما عساه يفعل مع ولده الغاضب، وهو يتوجس ~~خيفة من طيشه وحمقه. فقد عرف جساسا سريعا إلى الفتك، مقداما على الشر، لا يتردد في أن ~~يلجأ إلى سيفه إذا ظن أن أحدا اعتدى على كرامته أو مس كبرياءه، وعرفه لا يبالي من يكون ذلك ~~الذي يقدم على عداوته، ولا يعبأ بما يجره إليه غضبه. # عرف الشيخ أن ولده لن ينصرف عن كليب إذا تعقدت الأمور بينهما، ولن يثنيه عن الانتقام ~~لكبريائه شيء، ولو سالت دماء قومه في حرب ضروس تفرق بين بني العم، وتجر الشؤم على ~~القوم. # جعل مرة يقلب وجوه الرأي فيما يصنع مع ابنه حتى يصرفه عن التعرض لكليب. حتى لقد فكر في أن ~~يبعده عن منازل قومه؛ لكيلا يجمع بينه وبين الرجل الذي داخله الحقد عليه. # ولم ينتبه من تفكيره ذلك إلا عندما سمع صوت ابنته جليلة تتكلم مع أمها في الخيمة من وراء ~~الستار، وتبين من صوتها أنها كانت تتحدث وهي مرتاعة ثائرة النفس. فدخل إلى بيته، وكان بيتا ~~رفيع الأركان قد أقيم على أعواد عالية، وشدته إلى الأرض أوتاد كبيرة، تمتد إليها حبال ضخمة ~~من أوبار الإبل وأصواف الغنم ms020 . فلما سمعت جليلة وقع أقدام أبيها سكتت، ثم وقفت تنتظر دخوله، ~~وقد ارتسم على وجهها ما كان في قلبها من الخوف، ثم اقتربت إليه وقبلت يده في خشوع. # فقال مرة: «مرحبا بك يا جليلة، خيرا ما جاء بك هذه الليلة!» # ثم التفت فرأى ابنه يجلس إلى جانب في ركن من الخيمة، وأمه تنظر إليه كأنها كانت تحدثه في ~~غضب. # فقالت جليلة وهي تحاول أن تهدئ من روعها: «ليس بي إلا ما تحب يا أبي.» # فقال مرة: «لقد سمعتك تتكلمين مع أمك.» # وما كاد يتم قوله حتى انفجرت جليلة تبكي، ووضعت يديها على عينيها تحاول كتمان صوت ~~البكاء. # فوضع مرة يده على رأسها ملاطفا، ثم قال: «ماذا يحزنك يا بنيتي؟» # فاستمرت في بكائها مليا، ثم قالت بين شهقاتها: «أدرك جساسا يا والدي.» # فقال لها وقد نظر نحو ابنه: «لا تخافي يا ابنتي.» # قال ذلك ليهدئ من روع ابنته، ولكنه كان يكذب قوله بنبرات صوته المترددة ونظراته ~~الغاضبة إلى ولده. # فقالت جليلة: «أما سمعت يا أبي بما كان بينه وبين وائل؟» # فسكت الشيخ ولم يرد أن يزيد من ارتياعها، فقال: «لم يكن بينهما إلا ما يكون بين ولدي ~~العم، إنها غاشية لم تلبث أن تنجلي.» # قالت جليلة: «إذا لم تعلم يا أبت. إذا لم يخبرك جساس.» # فقال مرة وهو يحاول كتمان غضبه: «لا تخافي يا ابنتي، لن يكون بينهما إلا ما ~~تحبين.» # ثم التفت إلى جساس وقال: «أكان بينكما نزاع؟» # قال جساس وشفتاه تختلجان: «قال لي قولا فرددته عليه.» # فصاحت جليلة: «ألم تهدده؟ ألم تسبه؟» # قال مرة مرتاعا: «هددته؟» # فقال جساس وقد أعلى صوته على صوت أبيه: «نعم هددته إذ هددني. ألست جساس بن مرة؟ ألست من ~~شيبان سادة بني بكر؟ فبماذا يفضلني كليب؟» # قال مرة وقد أودع كل ألمه في كلمته: «أيها المنكود!» # ونظر إليه غاضبا، فأغضى الفتى أمام نظرة أبيه وبقي صامتا، فقالت جليلة تخاطب أخاها: «أي ~~جساس! أنت أخي وهو زوجي، فبحقي عليك لا تقطع رحمك، ولا تؤذني في ms021 صاحبي.» # فعاد مرة إلى ملاطفتها قائلا: «لا تخافي يا جليلة، لن يكون هذا الولد مني إذا هو عصى ~~أمري.» ثم نظر إلى ابنه وقال: «أأنت يا جساس ولدي؟ أأنت مطيع أمري؟» # فقال جساس: «قد علمت أنه قد حمى خير مراعي جبالنا، وعلمت أنه يطغى علينا ويذلنا ويأبى إلا ~~أن يكون سيدا لنا.» # قال مرة: «علمت قبلك، ولست في حاجة إلى قولك، وقد أقررنا ذلك ورضينا عنه، على أن إبلنا ~~ترعى مع إبله فلا يتعرض لها، وتسعى إلى موارده فلا يمنعها عنها، وهو بعد ذلك صهري ويتخذني ~~له والدا.» # قال جساس: «ولكنه يريد أن يفضحني مع جاري.» # قال مرة: «جارك؟ ومن جارك هذا؟» # قال جساس: «سعد بن شميس الجرمي، رجل نزل ضيفا على خالتي البسوس، وله ناقة ترعى مع إبلي، ~~فطردها كليب وقال لو عادت إلى الرعي ليضعن سهمه في ضرعها.» # فسكت مرة، وبقي ناظرا إلى ولده ينتظر أن يتم الحديث. # فقال جساس: «فقلت له لو وضعت سهمك في ضرعها لأضعن رمحي في لبتك.» # فقال مرة وهو يكتم ما ثار في نفسه من الغضب: «سآخذ ناقة جارك لأرعاها مع إبلي.» # قال جساس معاندا: «ولكني لا أفرط في أمر جاري.» # قال مرة يحاول تهدئة ولده: «وأنا كذلك لا أفرط في جارك، سأرعى ناقته مع إبلي.» # فقال جساس غاضبا: «لا بل ترعى مع إبلي، والويل لمن تعرض لها.» # ثم خرج من البيت غاضبا، فذهب ولم يرجع، ولم يعرف أحد أين قضى ليلته. # وجعل مرة يخفف من خوف ابنته ويهدئ من روعها، وجلس يحادثها ويضاحكها، وهو ثقيل القلب يتوجس ~~خيفة مما قد يجره عليه نزق ولده، فلما اطمأنت جليلة إلى وعود أبيها قامت لتعود إلى بيتها، ~~وخرج أبوها معها ليؤنسها في ظلمة الليل، حتى إذا بلغ قبة كليب العالية، تركها عند المدخل ~~وعاد إلى بيته، وكان الهم يملأ قلبه، من توقع ما يكون بين ابنه وبين زوج ابنته. # | الفصل الثالث # مضت أيام كانت منازل بكر وتغلب في أثنائها لا تظلل إلا وجوها جاهمة عابسة ms022 ، وكانت الأندية ~~خالية لا يتبادل فيها الشيوخ الهمسات، ولا توقد في وسط براحها النيران، قد شغل الجميع هاجس ~~من توقع الفرقة بين أبناء العم الذين عاشوا معا في ربوع تهامة واليمامة سنين متصلة ~~يتقاسمون العيش في سراء وضراء، ويتعاورون المروج في رعيهم وصيدهم، تجمعهم جميعا ذكريات ~~الجهاد المشترك مع عدوهم من ملوك اليمن وقبائله. فإن الصيحة التي صاحها جساس لم تكن إلا صدى لما ~~في قلوب شباب بكر جميعا. # كان الشيوخ إذا أحسوا من كليب طغيانا طووا ما أحسوه تحت الصمت العميق وشفعوا سابق فضله. ~~كانوا يحسون أن كليبا قد أطغاه الملك وأبطره ما يلقاه به قومه من التبجيل والتكريم، ~~ولكنهم كانوا كلما ثارت نفوسهم من طغيانه تذكروا سابق الذلة الي كانوا يئنون تحت أعبائها ~~عندما كانت قبائل اليمن تتحكم في أرضهم، فيؤثرون الذلة لابن العم ويصبرون على كبرياء كليب ~~وعسفه، فإن ذلك لا يجرعهم من الغصص مثل ما كانت تجرعهم وطأة حكم الغريب. ولكن جساسا صاح ~~صيحته وتلقفها من ورائه الشبان ممن لم يعانوا حكم قبائل اليمن، ولم يشهدوا عسف أقيالهم وجور ~~ملوكهم. لم ير هؤلاء الشبان كيف كانت شيوخهم تقتل وتسجن، ولا كيف كانت أموالهم تسلب، ولا ~~كيف كانت حرماتهم تستباح. لم يشهدوا شيئا من ذلك، وكان كل ما شهدوه هو كبرياء كليب ~~واستئثاره بالسلطان دونهم وحماية الوحش من صيدهم. # فلما سمع هؤلاء الشبان صيحة جساس اهتزوا لها ورددوها فيما بينهم، لا يبالون أن يضرموا في ~~قبائل ربيعة نارا لا تطفئها إلا الدماء السائلة بين بني الأب والأم. فكان الشيوخ كلما ~~سمعوا صيحاتهم أشفقوا وجزعوا مما يحمله الغد من كوارث تفجعهم في الولد والحميم، وفي النفس ~~والمال. لقد طالما عركوا الحروب وخاضوا غمارها، وما كانوا ليخفوا إليها إذا استطاعوا إلى ~~تجنبها سبيلا. لقد عمهم السلام ودرت لهم الأخلاف وأمرعت لهم المروج، واستقرت السيوف في ~~أغمادها، إذ هابتهم قبائل العرب جميعا وتحامت عداوتهم وتركتهم يستمتعون بثمار النصر الباهر ~~الذي كان رمزه وصاحب علمه كليب؛ وائل بن ربيعة. # كان الشيوخ ms023 يشفقون أن يستبدلوا بذلك السلام وهذا الرخاء حربا، تستنزف دمائهم وتخرب ~~عمرانهم وتضيع ما حازوه من أموال؛ ولهذا قضوا تلك الأيام التي أعقبت صيحة جساس واجمين، كل ~~منهم منطو على نفسه يفكر فيما هو صانع بنفسه وفيما هو محتال فيه مع بنيه وحفدته من أولئك ~~الشبان الأغرار الذين لا يكتمون ما في نفوسهم ولا ينظرون في أعقاب نزواتهم. # ولكن الأمور لم تقف؛ فإن قلب جساس كان يغلي من غيظه وحقده، فلم يدع له اطمئنانا في صباح ~~ولا مساء، بل كان يدفعه ويثور به فلا يزال يضرب في النجوع ليلم بكل فتاك من الشبان يحرضهم ~~وينقل إليهم ما لم يبلغهم من أنباء عسف كليب. فصار لا يأوي إلى منازل أهله إلا الساعات ~~القلائل في طويل الأيام، فإذا آوى إليها لم يرتح إلى حديث أحد ولم يرتح أحد إلى حديثه؛ ~~إذ استبدت بخياله صورة واحدة، صورة كليب وهو يرفع رأسه عليه شموخا وينظر إليه ساخرا ~~باسما، كأن السيد يأمر بعض عبيده ويشير إليهم بإصبعه فلا يسعهم إلا أن ينحنوا وأن ~~يطيعوا. # في تلك الأيام الجاهمة الساكنة كان شابان اثنان لا يعبآن بشيء مما يفكر فيه الشيوخ، ولا ~~يباليان شيئا مما يصل أسماعهما من ثورة جساس. وكانا صديقين شبا معا وتقاسما حياة النعيم ~~في أكبر بيتي ربيعة. نشآ في سلام لم يعرفا مآزق الحروب، وفي بحبوحة من العيش لم تلجئهما ~~ضرورة إلى كبح النفس عن لذات الحياة. وكانا جميلين ناعمين تركهما الأهل للهو، فلم تكن بهما ~~حاجة إلى الجد، واكتفى الشيوخ بأن يتحدثوا فيهما وأن يتهكموا بانصرافهم إلى اللذات، وعنفوا ~~عليهما في الأحاديث، ولكنهما لم يباليا من ذلك شيئا، فما كان يضرهما أن يسمعا رأي الشيوخ ~~فيهما؛ إذ كان ذلك أبعث لهما على المرح والاستهتار بالمجون. # كان أحدهما عدي - المهلهل بن ربيعة - الذي كان أخوه كليب يسميه زير النساء تهكما وسخرية، ~~وكان الآخر همام بن مرة أخو جساس. # ترك الصديقان الشابان منازل الحي الساكنة الجاهمة، واعتزلا في روضة من الرياض عند رأس واد ms024 ~~صخري ضيق تنحدر جوانبه في درجات وعرة، تجري من فوقها جداول من مياه المطر المجتمعة عند رأسه، ~~وكانت المياه في هبوطها على الجوانب الصخرية تهمس في خرير رقيق يشبه وسوسة أوراق الأغصان ~~إذا هزها النسيم. كانت السفوح مخضرة تكسوها خصل متفرقة من أعشاب بارضة وشجيرات قصيرة أحياها ~~الموسم المطير. # وأعد الصديقان ليومهما عدته من خمر وفاكهة وطعام، ورياحين من زهور العرار العطرة البيضاء ~~ذات الحدقة الصفراء، وبعثا إلى فتيات من خليعات القبائل ليؤنسنهما في المنادمة على الشراب ~~كما اعتادا في مجالسهما؛ إذ كانا لا يرهبان أن يتحدث عنهما الناس، فما كان ذلك عنهما ~~بالحديث الجديد. # وبقيا في مجلسهما إلى أن تصرم النهار، وهب النسيم باردا يؤذن باستطالة الظلال، واضطربت ~~غصون الأشجار، وتمايل سعف النخلات ودارت الخمر بهما فاضطجعا، ومالت النسوة حولهما يتهاتفن ~~بضحكات وسنى. ولكن زقاق الخمر كانت في وسط جمعهم بعضها ممتلئ وبعضها مفشوش، ولا يزالون ~~يملئون منها كأسا بعد كأس، وهم كلما شربوا منها زاد بهم الظمأ وطلبوا المزيد. وفيما هم في ~~ذلك لاح لهم قادم من أسفل الوادي، فنظرت إحدى النساء إليه وقالت ضاحكة بلسان متلعثم: «هذا ~~ضيف كريم!» # فنظرت أخرى نحوه وهمت قائمة وهي تقول: «ما رأيته مرة إلا كرهت الرجال.» # فجذبتها أخرى وهي ضاحكة في خلاعة وهي تقول: «لنسقينه معنا حتى يلين، فإنا لا نعرف الانهزام.» # وعلت الضحكات من الجميع حتى سمعها القادم وهو يعلو فوق جانب الوادي الصخري متكئا على ~~رمحه، فرفع نحوهم رأسه فرآه الجالسون، وصاح همام في شيء من الفزع: جساس! # فضحك مهلهل وقال: إنك لترهبه رهبة لا تحمل مثلها لأبيك مرة. # فضحك النساء وقالت إحداهن: وحق مناة لو جاء مرة إلى هنا لأبلن لحيته من هذا الزق حتى ~~تعود صفراء! # فصاح همام وهو يضحك: حسبك أيتها الخرقاء فلسنا عن الزق في غنى. # فعلا ضحك الجميع، وكان جساس قد بلغ موضعهم وحياهم في وجوم، فدعاه المهلهل إلى الجلوس وهو ~~يضحك، ولكنه لم يجب إلى المرح، وجلس صامتا معبس الوجه، مضطرب الأنفاس، ومد ms025 رمحه أمامه وجعل ~~يعبث فيه بإصبعه وكفيه، ويقرع به الصخر حينا، أو يرسم به على الأرض خطوطا، فقال له همام ~~ضاحكا: هل لك في كأس يا جساس؟ # فأطرق جساس وزادت عبسته عمقا وقال في صوت خافت: قد حرمتها على نفسي وأنت أولى ~~بها. # فقال المهلهل يمازحه: لعل لك ثأرا فآليت لا تشرب حتى تدركه. # فقال جساس في مرارة: بل ينبغي للعبد ألا يطرب. # فلم يرتح أخوه همام إلى جوابه، وقال: ومن العبد ويحك؟ إنك جساس بن مرة. # فقال جساس مسرعا وقد نظر إلى أخيه حانقا: «وهل ينبغي لابن مرة إلا أن يكون ~~عبدا؟» # ولم يرتح النساء إلى هذا الحديث، فقد كان منظر جساس لا يدع لهن جرأة عليه، فقمن واحدة بعد ~~أخرى وتسللن وتركن المجلس الكريه. # وما سمع همام إجابة أخيه حتى انتفض كأن النار قد لذعته، وهم أن يرد على أخيه ردا ~~قاسيا، لولا أنه رأى عبدا يقبل وهو يحمل على كتفه شيئا ضخما، فنظر إلى أخيه نظرة قاسية، ~~ثم صرف عنه وجهه إلى العبد القادم، فإذا هو من خدم كليب يحمل على كتفه وعلا من ~~الصيد. # فقام المهلهل نحوه مسرعا متعثرا يكاد ينكفئ، ومد ذراعيه نحو العبد وساعده على إنزال ~~الوعل، وصاح وهو ممتلئ بالسرور: «هدية بطل حبيب، ربح كليب وحق أوال!» # فما كاد جساس يسمع صيحة المهلهل حتى وثب قائما، وركز رمحه في الأرض ووجهه ينم عن الغيظ ~~والحقد، وقال يتمتم من بين أسنانه موجها الحديث إلى أخيه: تمتع بفضلات الكرام؟ # ثم انصرف وهو يطعن الأرض بسن رمحه حتى غاب وراء الكثبان. # ووقف همام أخوه ينظر في أعقابه حتى غاب عنه وهو يزدرد غيظه، حتى لا يفسد على نفسه متعة ~~اليوم. ثم ذهب نحو صديقه ليشاركه فيما هو فيه، فسمعه يسأل العبد: ومتى عاد كليب من صيده؟ # فقال العبد في خضوع: حضر الساعة ومعه الصيد، فسأل عنك حتى علم بأنك خرجت منذ الصباح، ~~فأعطاني هذا وأمرني أن ألتمسك حيث تكون لتذوق من صيده. # فصاح المهلهل في حماسة ms026 : «أنعم مساء يا كليب! إنك لتذكر على البعد زير النساء.» # ثم ضحك وشاركه همام في ضحكه قائلا: كليب للصيد والحرب، وأما المهلهل ... # ولم يتم همام قوله لأن المهلهل صاح ضاحكا يتم له كلمته: والمهلهل للمجون والشراب. # ثم علا ضحكهما وأقبلا على الوعل يساعدان العبد في سلخه وإعداده للطعام. # | الفصل الرابع # لم يجد كليب استراحة إلى الإقامة في منازله، ولم يكن في ثورة نفسه يرتاح إلى النزهة في ~~روضته، وعاف الطعام فكان لا يصيب منه إلا إذا ألحت عليه جليلة، ثم لا ينال منه إذا أكل إلا ~~اليسير. وعاف الشراب ومجالسة الندمان، وخيل إليه أن الجو الذي حوله كله يأتمر به ويخادعه. ~~فكان لا يجد راحة إلا في الفلوات، يضرب في كبدها ويغرق شجونه في السير الطويل والركوب ~~العنيف، حتى تمنى لو صارت الحرب لكي يجد في ضجة معامعها ما يبعد عنه تلك الوساوس التي ~~ساورته، وكان الصيد أحب ما يخرج إليه، فكانت مطاردة الوحش لا تدع فراغا لهواجس غضبه ~~المكتوم، تلك الهواجس التي كانت تزدحم في صدره حتى يضيق به كلما خلا إلى نفسه. فكان يخرج ~~إلى الصيد فيقضي فيه يوما أو أياما، ثم يرجع حينا قصيرا فلا يلبث إلا قليلا، ثم يعود ~~إلى الفلوات يلتمس فيها التفريج عن قلبه المكروب. # قام يوما من تلك الأيام من نومه في بكرة الصباح، فأخذ قوسه وكنانة سهامه وهم بالخروج، ~~وكانت امرأته جليلة تنظر إليه وعيناها مغرورقتان بالدمع، تتبع حركته في لهفة ووجل، وتسأل ~~نفسها متى يعود السلام إلى قلب هذا الزوج الحبيب الذي قد تبدل فصار لا يطمئن ولا يستقر. ~~وكانت آلامها تزيد كلما تذكرت أن سبب كل هذا الذي أصاب زوجها من الاضطراب، إنما هو أخوها ~~الذي أثار عليه النفوس وتجرأ عليه في غيبته وأمام عينيه، ولم تستطع هي ولا أحد من أهلها أن ~~يسلوا من قلبه الحقد الذي ملأه وملك عليه زمامه. ولقد طالما حدثته وتوسلت إليه وسمعت أمها ~~تجادله وتحاول أن تثنيه عن عداوته، وسمعت أباه وهو يعنفه ويغلظ ms027 عليه القول، ولكن ذلك كله ~~ذهب مع الريح وبقي جساس يغذي وساوسه وعداوته بكل ما استطاع أن يلتمسه من علل. فكان يرى في ~~كل نظرة من نظرات كليب احتقارا، وفي كل كلمة من كلماته إهانة، وفي كل فعل من أفعاله آية ~~جديدة على كبريائه وطغيانه. ولج به الخيال حتى حلت هذه الوساوس محل العقيدة لا يتزعزع عنها، ~~ولا يقبل المجادلة فيها، فكان هذا أبعث على زيادة تألمها واشتداد حيرتها. # فلما رأت زوجها خارجا ولم يستقر في ~~منزلها إلا بعض ليلة، برح بها الحزن ووقفت في سبيله تنظر إليه صامتة والدمع يجول في ~~عينيها. # فنظر إليها كليب واهتز فؤاده إشفاقا، وقال لها وهو يحاول الابتسام: ما لي أراك مكتئبة ~~يا جليلة؟ # وكأن هذه الكلمة قد حلت عقدة حزنها فانفجرت تبكي، وألقت يديه على كتفيه وطوقت بهما عنقه، ~~وأمالت رأسها إلى صدره وهي تنشج بالبكاء. # فوضع يده على رأسها ثم ضمها بعطف، وقال لها: «إنني لا أطيق بكاءك يا جليلة، فما الذي ~~يحزنك؟» # فقالت له في بكائها: «لو كنت تتألم لحزني لما غبت عني كل تلك الأيام، إنك لم تأت من صيدك ~~إلا الليلة وأراك تبكر بالخروج.» # فقال لها وهو يحاول الابتسام لتهدئتها: «أتحبين أن تكوني معي يا جليلة؟ لقد وددت لو ركبت ~~الخيل ورميت بالقوس، فإنك خير من أحب صحبته.» # فقالت جليلة وفي صوتها رنين اللوم: «بل تريد أن تبعد عن منزلك وتتعمد أن تغيب ~~عني.» # ثم نظرت في عينيه قائلة: «بحق مناة يا وائل ابق معي، بحق أوال لا تخرج اليوم ~~عني.» # فقال كليب باسما: «كأنك تخشين علي إذا خرجت؟» # فأسرعت قائلة وقد خفضت رأسها: «بل أخشاك أنت. إنني لا أخشى عليك؛ فليس في قبائل ربيعة من ~~يتجرأ عليك.» # فزم وائل شفتيه وصمت لحظة، ثم قال كأنه يحدث نفسه: «ليس في ربيعة من يتجرأ علي؟» # ثم تدارك كلمته فضحك وقال: «لا تخشي يا جليلة.» # فنظرت إلى وجهه ورفعت كفيها إلى عارضيه فضمتهما بينهما، وقالت بصوت متهدج: «لم لا تستقر ~~في ms028 بيتك حينا؟ لم لا تبقى هنا كما كنت بين أهلك وقومك؟ إنك كل يوم تضرب في أفق جديد، وقد ~~يحملك الصيد إلى مهالك البيد. لست آمن عليك أن تقتحم أرضا فيها عدو لك، ولا آمن أن تبدر ~~منك بادرة فلا تملك نفسك.» # فقال وقد مد يده إلى رأسها، وجعل يمسح بكفه على شعرها: هدئي روعك ولا تطيعي جزعك. # ثم ضمها إلى صدره ضمة أودعها ما في قلبه من المحبة لها. # فقالت جليلة: وماذا عليك لو أقمت اليوم؟ إنك لم تذق راحة منذ أيام، وأولى لك لو بقيت ~~اليوم في منزلك. # فقال وائل مترددا: وما الذي يحملك على هذا القول يا جليلة؟ لقد طالما خرجت وأقمت الأيام ~~في صيدي ولم أر منك مثل هذا الحزن. # وسكت حينا ثم قال ضاحكا: لقد قلت لي هذه الليلة أنك كنت عند عرافة تغلب، وهذه تميمتها قد ~~وضعتها بيدك حول عنقي، ولم أرد أن أعصيك حتى أزيل عنك خوفك، فهل هي التي أمرتك أن ~~تقعديني؟ # فحولت عينيها عنه ولم تجبه، فضمها إليه باسما وقال لها: إذن فهي التي حذرتك من خروجي، ~~وأنت تريدينني على الاحتجاب حتى تأذن لي عرافتك. # فتبسمت جليلة ابتسامة ضئيلة، وأخفت وجهها في صدره وقالت: وماذا عليك لو أطعتني؟ # فقال لها: أتحبين أن تتحدث الناس أنني خشيت أن أخرج؟ لقد تحدثت الأندية بما قال جساس عن ~~طغياني وكبريائي، أتريدين أن تتحدث المجامع بأنني احتجبت خوفا حتى تأذن لي عرافة ~~تغلب؟ # فقالت جليلة في عناد وهي تنظر إليه: ألا تطيع رجائي؟ ألا تجيب توسلي؟ بحق حبي لك أطعني ~~إذا لم تجد من حبك لي ما يحملك على البقاء. ابق اليوم إلى جانبي. لا يستطيع أحد أن يقول ~~إنك خشيت الخروج. أنت فارس العرب وسيد ربيعة كلها، ولن يستطيع أحد أن يقول إنك تخشى. # فحول وائل عينيه عنها حتى لا يرى دمعها، وقال: «إن حبي لك يا جليلة لا يعدله عندي في ~~الحياة حب، ولكنك لا ترضين أن يتحدث الناس عني حديث السخرية أو ms029 يظنوا بي الخوف، مريني أن ~~أخرج إلى صيدي وأن أخرس لسان عدوي.» # وسكت لحظة ثم قال: «وإذا كنت تخشين أن يتعرض أخوك لي فإني أعدك أنني سأفسح له من صدري ~~وأمد له من عفوي.» # ثم تخلص برفق من بين ذراعيها، واتجه نحو باب الخيمة، ووقفت جليلة تنظر إليه في صمت وقلبها ~~يخفق وعيناها لا تزالان تدمعان. # ولما خرج كليب إلى باب المنزل لاح له يربوع يجري من جانب الوادي، فأسرع إلى قوسه فوضع ~~فيها سهما فرمى اليربوع قبل أن يبلغ الجانب الآخر من الوادي، فصرعه في مكانه وقد أصاب ~~السهم رأسه. وأراد عند ذلك أن يجعل وداعه مرحا، فنظر إلى زوجته وضحك ضحكة عالية وقال لها: ~~«هذا عشاء عساف يا جليلة.» # فلم تملك جليلة إلا أن تبسمت وصاحت به: حرستك مناة! # ووقفت تنظر إليه وهو سائر وتتأمل قامته المعتدلة، ورأسه المرفوع وخطاه الواسعة، وكان كلبه ~~عساف يسير كما اعتاد في آثاره يتشمم مواطئ أقدامه. # ولما بعد وأوغل بين الكثبان أسرعت جليلة خارجة إلى طرف الوادي، وسارت تهرول حتى دخلت في ~~شعب من شعابه، وقصدت إلى بيت العرافة لتلتمس لزوجها عندها بركة إلهيها مناة وأوال. # وسار كليب حتى بلغ مرعى خيله، وكانت في واد مجاور، والعبيد مشتتون في أنحائه بعضهم يتعهد ~~الأمهار، وبعضهم يعلم ما شب منها ويروضها، فنادى كليب أحدهم وأمره أن يأتي له بالرباب، ~~وكانت أحب خيله إليه، فأسرع العبد إليها حتى قادها إليه، فأقبلت الفرس تسير إلى سيدها كأنها ~~صديق يسعى إلى صديقه. حتى إذا قربت منه جعلت تحرك رأسها وهي تصهل كأنها تبدي سرورها بلقائه، ~~ورفعت ذيلها، وضربت الأرض بحوافرها، فمسح كليب رأسها وعنقها وهو يبتسم لها، ثم وثب على ~~ظهرها وركبها عريا، وقد أخذ كنانة سهامه في كتفه اليسرى وجعل القوس في كتفه اليمنى. ولما ~~استقر في ركوبه مسح رقبة الفرس، وهمزها قائلا: «هيا يا رباب.» # وكأن الفرس قد فهمت خطابه، فانطلقت تعدو مثل وعل بري، وغابت براكبها وراء ثنية الوادي، ~~وانطلق الكلب يجري في أثرها ms030 يقفز فوق الحجارة، ويحاول أن يلحق بها لاهثا. # وقضى كليب ذلك اليوم في الصيد حتى مالت الشمس نحو الغرب، ثم عاد وقد حمل زوجا من وعول ~~عصماء تكاد الرباب تنوء تحتهما، وقد تدلى أحدهما عن يمين وآخر عن يسار، فلما بلغ مرعى خيوله ~~في الوادي المجاور لمنازله أسرع إليه العبيد، فوثب عن فرسه وقال ينادي الغصين: أين المهلهل ~~اليوم؟ # فتردد العبد حينا ثم قال: لا أظنه اليوم في منازله. # فقال كليب: احمل إليه وعلا من هذين أينما كان يا غصين. # ثم سار نحو الروضة وقال وهو لا يلتفت: امسحوا الرباب ثم قربوها مني عند الروضة. # ومضى نحو روضته والعبيد يسارعون إلى الفرس ليزيلوا ما علق بها من أثر الدماء، وسار الكلب ~~كعادته يتمسح في أذيال سيده ويشم آثاره، حتى بلغ كليب الروضة فسار بين شجرها الملتف، وأقعى ~~الكلب عند المدخل ينظر فيما حوله وهو يلهث. # وقضى كليب هناك ساعة يسير بين الخمائل ويتأمل زهرها وأغصانها، حتى بلغ خميلة القنبرة، ~~فوقف عندها هنيهة وسرت فيه هزة من الغضب، ولكنه مضى سريعا إلى خميلة أخرى حتى لا تلح عليه ~~الذكرى. # ولم يلبث أن عاد إليه الهدوء وهو يسير فوق رمال ناعمة، جعد سطحها مر الريح، فبدا مثل ~~الغدير قد انداحت عليه خطوط متراقصة من لمس النسيم، واطمأن إلى أن حماه ما زال عزيزا لم ~~تستبحه اليوم قدم جريئة. فلما بلغ آخر الروضة واطمأن إلى سلامتها وأن امرأ لم يطأ بقدم ~~عليها، عاد أدراجه خفيفا حتى صار عند مدخلها فرأى عبده وفرسه، فوثب على الرباب واتجه إلى ~~منازله. # ولما خرج من الروضة رأى عن بعد شخصا يسير مسرعا وهو يخبط الأرض بزج رمحه، فتأمله فإذا ~~هو جساس، وكان متجها نحو مراعي إبله في الوادي المجاور، فاعترته لمرآه قبضة لم يتمالك منها ~~نفسه، ولكنه أخذ يصرف نفسه عنها، واستعاد صورة جليلة لعلها تسل من صدره تلك الموجدة التي ~~كان يجاهد نفسه في مغالبتها. وفيما هو في ذلك سمع كلبه ينبح نباحا شديدا، فالتفت نحوه ms031 ~~فإذا هو يعدو مسرعا نحو جساس في غضب يريد أن يهجم عليه فيعقره، فهمز فرسه لكي يدرك الكلب ~~الغاضب وصاح به ليثنيه، ولكن الكلب اندفع في شراسة حتى وثب على جساس، فما أدركه حتى مزق ~~ثوبه وأوشك أن ينهش لحمه، فوقف جساس والرمح في يده يسدده إلى الكلب، ولكنه عدل عن ذلك فجأة، ~~واتجه نحو كليب وشخص إليه ببصره حينا لا يطرف ولا يتحرك، وخشع الكلب عندما أبصر سيده ~~قريبا منه وسمع زجره. وكاد كليب ينطق بكلمة يعتذر بها إلى صهره الحانق، ولكن الكلمة وقفت ~~على لسانه إذ سمع جساسا يقول له بصوت أجش: «هلم إذا شئت فأنت أولى بهذا!» ورفع رمحه كأنه يريد نزالا. # فغلى الدم في رأس كليب ووضع يده على مقبض سيفه، ولكنه تردد بعد قليل، ورفع يده ونظر إليه ~~صامتا لحظة، ثم أدار عنه وجهه وقال في مرارة: لقد وعدت جليلة. # ثم انصرف متجها إلى منازله وهو لا يكاد يرى ما أمامه من شدة غضبه المكظوم، ووقف جساس ~~لحظة ينظر في آثاره وهو مضطرب القلب يكاد يتمزق من الغيظ، وقد طعنته الكلمة التي سمعها في ~~صميم فؤاده وزادت حقده التهابا. # ولما بلغ كليب ساحة بيته هب من فيها سراعا، ولكنه وثب عن فرسه وسار نحو خيمته ~~مطرقا، وقامت جليلة مسرعة في لهفة تريد أن تبلغ باب الخيمة قبل أن يدخل، فقد كانت تريد أن ~~تتريث به قليلا قبل الدخول حتى يطأ خطوطا رسمتها بدقيق عند بابها، ولكن كليبا سار مسرعا ~~فلم تدركه جليلة حتى دخل إلى الخيمة بغير أن ينظر إليها، ووقفت جليلة مضطربة الصدر تنظر ~~نحوه وشعور الخيبة يثور بأنفاسها، فلقد ذهبت في الصباح، بعد أن خرج زوجها، إلى عرافة تغلب، ~~واستعانت بها أن تدبر لها من سحرها وكهانتها ما يمنع الشياطين عن ولوج بيتها، ويحفظ لها ~~الزوج الحبيب من وثباتها. فصنعت لها العرافة دقيقا تخط به رسما عند مدخل البيت، لكي يطأه ~~كليب إذا عاد داخلا، وأمرتها أن تذر منه في أركان البيت وتحت ms032 أوتاده، وأن تجعل منه تحت ~~وسادتها وحول فراشها لعل زوجها يصيب بخفه أو بيده منه شيئا. فإذا فعل ذلك أمن المهالك، ~~وكان محروسا أينما سار وحيثما استقر. # وشردت جليلة ببصرها نحو الخطوط المرسومة عند الباب لترى هل مسها زوجها بخفه، ولكنها رأت ~~الخطوط سليمة كما رسمتها، فعادت ببصرها إلى كليب، وراعها ما على وجهه من علامات الغضب، ثم ~~تنبهت إلى أنه دخل ولم يبسم لها ولم يأخذها بين ذراعيه كما عودها. فقالت له في صوت العتاب: ~~عمت مساء يا ابن العم. # فقال كليب وهو يحاول الهدوء: عمت مساء أيتها الحبيبة! # ثم عاد إليها ففتح ذراعيه يريد أن يصرفها عن اضطرابه وغضبه، فألقت نفسها بين ذراعيه وقالت ~~مترددة: لعلك قضيت يوما هنيئا في رياض الخزامى. # فقال وهو يلفها بيمناه ويشم شعرها بشغف: وأين الخزامى من عطرك؟ # ثم أرسلها وحاول أن يصرف نظره عنها، فخنست في صدره وطوقته بذراعيها، وقالت بصوت خافت فيه ~~رنة الحزن: حمدا لمناة إذ أراك سالما. # ثم أخذت تنشج في هدوء. # فقال يحاول صرفها عن حزنها: وكيف مضيت أنت اليوم يا جليلة؟ هل عاودك الدوار؟ # وكانت جليلة حاملا يعتريها دوار الوحم بين حين وحين فيصيبها بضيق شديد. # فقالت جليلة: ما أبالي اليوم دوارا. # ثم تشبثت به واستمرت تقول: قل لي بحقي عندك. أغاضبت أحدا؟ هل تعرض لك جساس؟ # فلم يستطع كليب أن يكذب في جوابه بعد أن ألقت إليه ذلك السؤال الصريح. # فقال: «ولكني وعدتك يا جليلة.» # ثم سار داخلا حتى بلغ صدر البيت، فجلس على فروة قد فرشت فيه، وذهبت جليلة إلى ناحية أخرى ~~من الخيمة فحملت إناء مملوءا باللبن، وأتت به فقدمته إليه وهي صامتة، ثم جلست إلى جانبه ~~تنظر إليه في شيء من الوجوم، فشرب كليب بعض اللبن ووضع الإناء إلى جانبه، وقرب جليلة إليه ~~وجعل يحدثها بما كان من أخيها وهي تسمع مطرقة. # ولما انتهى من وصف ما حدث من جساس نظر إليها بابتسامة مرة وقال: «ولكني مع ذلك أعفو عنه ~~لأنه أخوك يا ms033 جليلة.» # فقالت جليلة: «أنت سيد ربيعة كلها ولا يضرك نزق شاب مثله.» # فقال كليب: «سوف أصبر عليه حتى تغضبي لي.» # فقالت بصوت ثابت: «حاشاك أن يلحق بك ما يغضبني. ومن يظن أن في حلمك نقصا؟ بل من يستطيع ~~أن يجعل جساسا لك قرينا؟» # قال كليب: «لقد عرفت العرب يا جليلة، إنهم لا يكبرون إلا العزيز، ولا يجلون إلا ~~المنيع.» # فرأت جليلة صدق قوله، ولكنها آثرت أن تداري جزعها، وعزمت على أن تسعى مرة أخرى عند أخيها ~~وأبيها لعلها تتدارك الخطب، وتتقي تلك الكارثة التي كان قلبها ينذر بها. وأخذت تلاطف كليبا ~~وتسليه، واستطاعت بعد قليل ما تستطيعه الزوجة المحبة وحدها، فإذا الحديث يعود إلى عذوبته، ~~وإذا زوجها الغاضب يرتد حبيبا رقيقا، يتحدث باسما إليها واصفا لها ما كان في يومه من ~~مطاردة الوحش، وصيد الوعول من قلل الصخور، ويتغنى لها بمحاسن الرباب، وبسالة كلبه عساف وهو ~~يمشط بأصابعه شعرها. # فقالت جليلة باسمة: «وأين ذهب الصيد؟» # فقال: «أهديت مهلهلا أخي وعلا ليكون طعاما له في شرابه، وأغلب ظني أنه اليوم لاه مع ~~أخيك همام.» # وأراد أن يتم حديثه فقاطعته قائلة: «وأين إذن نصيبي؟» # فضحك وضمها إليه وقال: «أما يكفيك كليب أيتها الحبيبة؟» # فانحنت برأسها على صدره وهو لا يزال يعبث بشعرها الأسود، ثم همس في أذنها يقول: «ستجدين ~~بعد حين عني سلوة يا جليلة.» # فقالت جليلة في شبه صيحة: «ومن ذا يسليني عنك؟» # فضحك وقال: «ولدك الذي سيقبل بعد حين.» # فقالت وهي تحرك رأسها على صدره: «لن يزيدني ولدي إلا حبا.» # ثم استسلما معا لأحلام المستقبل العذبة. # | الفصل الخامس # أصبح الصباح فقام كليب كعادته مبكرا يريد الخروج، وهمت جليلة أن تعيد عليه رجاءها أن ~~يبقى معها في البيت كما فعلت بالأمس، ولكنها أيقنت أنها لن تجد منه في يومها إلا مثل ما ~~وجدت في أمسها، فما كان سيد ربيعة ليرضى أن يطيع امرأته ويبقى في بيته، خشية من قالة عرافة ~~تخيفه من اعتداء عدوه؛ فليس في قبائل بكر أو تغلب من ms034 توقع عداوته الرعب في قلبه، وما كان ~~ليتوارى من ذلك العدو لو رآه أمامه بسيفه أو برمحه. # فتركته يمضي بغير مراجعة، وجعلت تكاوح نفسها بما تحسه من الخوف، وتطمئنها بأنه قد لبس ~~التميمة السحرية ونام على الوسادة التي ذرت من تحتها الدقيق الأبيض، ولئن فاته أن يمس ~~الخطوط المرسومة عند مدخل البيت في المساء، لعله يصيب منه في خروجه ذلك الصباح، بل إنها ~~شعرت بشيء من الهدوء والبشر عندما تذكرت أنها قدمت لمناة القرابين من لبن وتمر، ومن لحم ~~وسمن، وقربت لأوال كبشا من غنمها، أهدت ذلك إلى العرافة لترفعه إلى إلهيها. وخرجت مع زوجها ~~إلى الباب تحاول أن تجره إلى الرسم السحري لعله يمسه. فلما خرج استوقفته لتودعه ولكنه كان ~~قد أسرع فلم يقف إلا بعد أن تعدى الخطوط المرسومة بالدقيق، واضطرت هي أن تذهب إليه لتضع ~~رأسها بين ذراعيه الممدودتين، وكانت بادية الحيرة، تنم نظراتها عن أنها تريد أن تقول له ~~قولا ولا تجرؤ عليه، ففطن كليب إلى ذلك وعزاه إلى ما في قلبها من القلق عليه، وأراد أن ~~يذهب ذلك الاضطراب عنها فقال لها باسما وهو يضمها: «لا تراعي يا جليلة، فهذه هي تميمتك.» ~~ثم أمسك بمثلث من الجلد تحت ثيابه، فتبسمت جليلة وسرى عنها بعض التسرية وقالت له: سر إلى ~~صيدك في حراسة الأرباب. # فقال لها وهو يمسح بيده على رأسها: ليس اليوم للصيد يا جليلة، قد علمت أن الإبل لم تشرب ~~منذ خمس. # فصاحت جليلة في فزع مكتوم: إذن فأنت اليوم في الحي. # فتبسم وقال وهو يرسلها في رفق: لا تراعي يا جليلة، فلن أتعرض لجساس، لن أتعرض له وإن تعرض ~~هو لي. # وسار عنها حتى أخفته كثبان الوادي عن عينيها. # وقضت جليلة ذلك الصباح وهي مكتئبة، فلم تذهب إلى زيارة أحد من أهلها، وعاودها دوار الحمل ~~فاستلقت على الفراش حتى يزول عنها، وبقيت كذلك ساعات وهي تفكر في أمر زوجها وأخيها. ورنت في ~~أذنيها أقوال جساس وهي تحدثه في بيت أبيها، وتمثلت لها صورته ms035 وهو يحملق فيها ثائرا، ~~واحتوشتها المخاوف، فكانت تارة تتصور زوجها وقد سطا بجساس، ثم تتصور أخاها وقد سطا بزوجها، ~~ثم يعود إليها الهدوء حينا فتطمئن إلى حماية مناة وأوال، ثم ترتد إليها الوساوس فتهزها مرة ~~أخرى وتضنيها. # وفيما هي كذلك إذ سمعت صارخا يتعالى من بعيد من ناحية خيام أخيها جساس، وكانت في الوادي ~~المجاور، فذهب ظنها إلى أن مكروها قد أصاب شقيقها، فقامت مذعورة ونسيت دوارها، وحل الخوف ~~على أخيها محل القلق على زوجها، وسارت تترنح حتى اعتلت جانب الوادي تتوقل في الرمال ~~والصخور، ثم هبطت إلى منازل جساس فرأت في ساحتها جمعا، فأسرعت تهرول حتى اقتربت منه، فرأت ~~سعد بن شميس الجرمي ضيف خالتها البسوس واقفا يتحدث إلى من حوله. # وصاحت في لهفة: «أين جساس؟» # فأشاروا لها نحوه، وكان واقفا عند خيمة خالته في جمع مضطرب هائج، قد قامت من وسطه امرأة ~~تصيح صيحات متقطعة تعلو على اللغظ الذي حولها، فأسرعت جليلة نحوها وقد داخلها شيء من ~~الاطمئنان منذ رأت أخاها حيالها، وشقت الصفوف حتى صارت إلى جوار المرأة فإذا هي خالتها ~~البسوس، وقد شقت ثوبها وحسرت رأسها، وكانت تلطم وجهها في هياج يشبه الخبل، وتصيح: ~~«وا ذلاه!» وكان جساس واقفا ينظر نحوها صامتا والغضب يتطاير من عينيه، فاقتربت جليلة من ~~خالتها وحاولت أن تهدئ منها، فقالت لها: هوني عليك يا خالة. ماذا بك؟ # فلم تلتفت المرأة إليها بل استمرت تصيح وتتكلم، وهي بين حين وحين تصرخ صرخة مفزعة ترن في ~~الوادي قائلة: «وا ذلاه!» ورأتها تختلس النظرات إلى جساس وهي تصرخ كأنها توجه لسعات تأنيبها ~~إليه، وتقول: ليتني لم أنزل سعدا في جواري، ليتني بعثته إلى جوار عزيز لا يناله الذل عنده. ~~ليتني لم أر يوما هذه المنازل ولم تطأ قدماي هذه الساحة، فليس فيها من يحمي جاره ولا من ~~يدفع عن ذماره. # وما زالت تهتف بمثل هذه الأقوال وتتجه بنظراتها إلى جساس، وهو صامت مطرق بوجه أصفر كأنه ~~يقطر السم. ولم تستطع جليلة أن تهدئ من ms036 ثورتها ولا أن تسمعها لفظا من كلامها، فإنها كانت ~~تهدر وتصرخ، لا ينقطع صوتها ولا تتردد الألفاظ على لسانها. فذهبت جليلة نحو جساس لتسأله، ~~ولكنه صرف وجهه عنها، وقال في صوت الحانق كأنه يحدث نفسه: لو كانت خالتي في جوار عزيز لما ~~هانت ولما هان ضيفها، ولو كانت نازلة عند آل أبيها منقذ لحماها بنو تميم قومها، ولكنها نزلت ~~في جواري فكان الهوان ينتظرها، وهذه ناقة ضيفها ترتع والسهم في ضرعها. # وأشار بيده نحو ناقة تجري بين الكثبان وهي تضطرب وتصيح صياحا عاليا، وفي ضرعها سهم ~~مرشوق يهتز بين رجليها. # وتحرك جساس عند ذلك يريد أن يسير، فأمسكت جليلة بذراعه وقالت بجفاء: ماذا تقول يا جساس؟ وما معنى كل هذا؟ # فتملص جساس منها ونظر نحوها في قسوة وقال: لا أقول شيئا سوى أنني رجل ذليل الجار، ترمى ~~ناقة ضيفي في ضرعها، ولا أملك أن أدفع عنها. # فلم ترد أن تطيل الحديث وقد أدركت ما كان. إنه - بغير شك - زوجها قد بر بيمينه، ورمى ~~الناقة الغريبة في ضرعها عندما رآها ترد الماء مع إبل جساس. # وسمعت أخاها يقول وهو ينصرف عنها: لأجعلن للبسوس حديثا تسير به الركبان. # فأسرعت جليلة من ورائه حتى أدركته وأمسكت بذراعه وصاحت به: أي حديث تريد يا جساس؟ # فضحك جساس ضحكة مرة وقال: «لأقتلن في ناقتي فحلا سوف يتحدث الناس عنه، سوف أقتل أسمن ~~الفحول في ثأر ناقة ضيفي.» # ثم ضحك مقهقها ومضى مسرعا يقصد نحو سعد بن شميس. # فشرد خيال جليلة في كلمات أخيها، لقد عرفته لا ينطق لغوا، ولا يفوت أمرا عقد عليه نيته. ~~فما ذلك الفحل الذي سيقتله؟ أي فحل هذا الذي يقتله جساس في الثأر لسراب، هذه الناقة العجفاء ~~سراب؟ وكادت المخاوف تتجسم لها وتزيد من تهويل الخيال لولا أنها صرفتها وردتها، فما كان ~~لجساس أن يقتل إلا فحلا سمينا من إبل زوجها. # وكان لزوجها فحل ليس في إبل العرب فحل مثله، هو الفحل «علال» الذي كانت تضرب الأمثال ~~بعظم هامته وعلو قامته ms037 ، وقوة هديره وشدة وطأته. فذهب ظن جليلة إلى أن أخاها يريد أن يقتل ~~هذا الفحل العزيز على زوجها، لكي يفجعه فيه كما فجع جاره في ناقته الهزيلة. وتبسمت عند ذلك ~~بسمة سخرية من أخيها الذي يسف ويدفعه حنقه وحقده إلى مثل هذا الهراء. # ووقفت حينا تنظر في اشمئزاز إلى خالتها الشعثاء وهي تصرخ صراخها المنكر في ثيابها ~~الممزقة، ثم عادت أدراجها نحو بيتها وهي تضحك ساخرة. # ولكن صرخات البسوس كانت تلاحقها وهي تنشد صائحة: # لعمري لو أصبحت في دار منقذ # لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي # ولكنني أصبحت في دار غربة # متى يعد فيها الذئب يعدو على شاتي # فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل # فإنك في قوم عن الجار أموات # وذهبت إلى فراشها عقب عودتها، فاستلقت فيه ضعيفة، ولا تزال الوساوس تعاودها حتى أقبل ~~زوجها عند المساء، فدخل الخباء إليها قبل أن تنهض للقائه، وقد سري عنها عندما رأته باسما ~~مرحا كثير الدعابة والفكاهة. فقضى معها صدر المساء في سمر ثم قاما معا فأصابا شيئا من ~~الطعام، فإنها لم تذق منذ الصباح طعاما. ثم جلس إليها يحدثها ويضاحكها حتى زال عنها أثر ~~الدوار الذي ألم بها، ولكنه لم يتكلم بشيء عن ناقة سعد بن شميس جار البسوس، ولم تفاتحه ~~جليلة بالأمر خوف أن يعرف منها ما قاله جساس. # وجاء في جوف الليل طارق يزور كليبا، فانتحى به مكانا في جانب الخيمة، وجعل يساره ببعض ~~الحديث، ثم مضى بعد حين وعاد كليب إلى مكانه مع زوجته، وأخذ يحدثها بذكر أيامه الماضية ~~ومواقعه المشهورة مع قبائل اليمن منذ سنين، ولكنه لم يذكر لها كلمة عن خالتها البسوس، ولا ~~عن الناقة سراب، ولا عن أخيها جساس. # وكانت جليلة منذ خرج الزائر تحب أن تستطلع من زوجها ما أسر الرجل إليه، فقد خشيت أن يمشي ~~الوشاة بينه وبين أخيها بالكذب فيزداد ما بينهما من البغضاء، ولكنها لم تجد وسيلة لفتح ~~أبواب الحديث الذي يؤدي إلى ذلك الاستطلاع، غير أن كليبا عرض في حديثه إلى ms038 ذكر فحله علال، ~~وجعل يعدد محاسنه بين الإبل، فاستخلصت جليلة من ذلك أن الزائر قد حمل إليه ما قاله جساس، ~~وتهديده بقتل أسمن الفحول في ثأر ناقة جاره، وتنفست الصعداء وشاركت زوجها في مرح ~~الحديث. # | الفصل السادس # ماتت «سراب» ناقة سعد بن شميس ضيف البسوس، وما كان موت ناقة ليقع على قوم مثل ما وقع موت ~~هذه الناقة على بني مرة قوم جساس. لقد حاولوا جهد طاقتهم أن يترفقوا في نزع السهم من ضرعها، ~~وأن يداووا جرحها، وكانوا يتلهفون على سلامتها كأنها مريض عزيز يحيط العواد بفراشه. # فلما ماتت اهتز لها الناس، وقضوا أياما في وجوم يتوجسون من خوف ما قد تطالعهم به الأماسي ~~والأصباح، ولكن الأيام مرت أسابيع بعد أسابيع ولم يحدث حدث مما كانوا يخشون، فأخذت المخاوف ~~تهدأ، وأخذ شبان تغلب يتفكهون فيما بينهم بتهديد جساس، فقد عرف العرب أن يثأروا لرجالهم ~~بطلب الدماء، ولكن هذا جساس يثور لطلب دم فحول الإبل انتقاما للنياق! وكانوا يقولون إذا ~~رأوا جساس بن مرة: «ما بال الركبان لا تسير بالحديث؟ ما بال هذا الثائر لا يزال يتربص ~~بالفحول؟ هذا هو جساس يسكن ويركد ويخشع بعد أن أظهر له كليب بن ربيعة أنه يبر بيمينه ويحقق ~~وعيده، ولا يبيح لأحد أن يستبيح حماه. وأي امرئ يكون جساس إذا قيس بسيد ربيعة المنيع؟ إنه ~~تجرأ واعتدى وكان اعتداؤه بدعة، حتى إذا ما سطا كليب وأظهر له نواجذه غضبا خشع ولزم ~~الحدود.» # وكان جساس في أثناء هذه الأيام يسمع الهمسات التي يفتكه بها شبان تغلب، فتقع في نفسه وقع ~~السهام، وداخله من ذلك هم مضن حتى حال لونه، وصار لا يأنس إلى أهل ولا أصحاب، فما كان أحد ~~يراه إلا في الأطراف البعيدة الموحشة سائرا وحده، فإذا أنس إلى أحد من الناس فما كان أنسه ~~إلا إلى فتى صئيل من أهون بيوت بكر وأضعفها حولا، فتى ضعيف لم يشترك مرة فيما يشارك فيه ~~الفتيان من لهو أو جد. ولم يعرف أحد له محلا في ms039 أمر تافه أو عظيم. كان هذا عمرو بن الحارث ~~البكري غريم الكلب عساف الذي عرف الناس جميعا قصته. # كان عمرو هذا يحمل لكليب بن ربيعة صنفا من الكراهية عجيبا، كان لا يتحمل أن يسمع ذكر ~~اسمه، فإذا سمعه اضطرب واختلج ومضى في سرعة تشبه الذعر، ولكنه كان لا ينطق بكلمة تنم عن ~~كرهه، ولا يشارك في الهمسات التي يتهامس بها شبان بكر عن طغيانه وعسفه. وقد وقع في قلبه هذا ~~الكره العجيب منذ يوم بعيد، إذ كان يسير على مقربة من روضة كليب بن ربيعة، فنبحه الكلب عساف ~~الواقف عند مدخلها، وهجم عليه فمزق ثيابه وعضه في فخذه فكاد ينزع نساه، فجرى الفتى في ذعر ~~خيفة أن يراه الأمير المخيف فيوقع به، كما كان يوقع بكل من تجرأ واقترب من موضع الكليب، ~~وأحس من ذلك ذلة طعنت قلبه، ولكنه لم يستطع أن ينفس عنها بكلمة إلى حميم. # منذ ذلك الحين انقلب شعوره بالذلة حقدا يأكل القلب، وزادت كراهته عمقا وقوة على مر ~~الأيام كلما تبين له عجزه عن الانتصاف من الأمير العنيف، وسماه الناس منذ ذلك اليوم غريم ~~عساف سخرية وازدراء. # فلما وقع ما وقع بين جساس وكليب، ورأى ذلك الفتى ما آل إليه أمر جساس من مباعدة الناس ~~وانطوائه على نفسه أنس إليه فأطلعه على خبيئة نفسه؛ فإنه إذا لم يستطع أن ينتقم بنفسه من ~~الأمير العزيز قد يستطيع أن ينفس عن حقده إذا شاركه جساس بن مرة، فهو في منعة من أبيه شيخ ~~شيبان وإخوته وأبناء إخوته، وكلهم من فرسان بكر الذين لا يسلمونه ولا يتخلون عنه، ولكنه كان ~~يحاذر ويتوارى إذا أراد لقاء جساس خيفة أن يراه أحد من أتباع كليب فيشي به إليه؛ ولهذا كان ~~لا يجتمع به إلا خلسة في ظلمة الليل في أمن من الأنظار، فإذا ألم به ساعة من نهار لم يبق ~~معه إلا إذا اطمأن على أن العيون لا تراه، فإذا رأى أحدا قريبا ترك صاحبه وذهب مسرعا إلى ~~بعض الشعاب. # ولما ms040 مضت الأيام بغير حدث جديد نسي الناس الأمر وحسبوه قد مضى، وظنوا أن جساسا قنع ~~بعزلته وانصرف عما لا يستطيعه، واطمأنت تغلب على رئيسها وبطلها، واطمأنت بكر على أمنها ~~وسلامتها، ولم يبق من ذكر الناقة إلا فكاهة عابرة تساق في مجالس السمر. # غير أن قلب جليلة كان دائم الترقب والحذر، فقد كانت تعرف أخاها وما كان يملأ قلبه من ~~الغيظ الذي ظهر لها مما سمعته منه، فكانت لا تزال تخشى الغد وما يأتي به، وتحس في قرارة ~~نفسها شعورا مبهما أن أخاها إنما كان ينتظر الفرصة السانحة والغرة الملائمة. # فكانت تجلس كل ليلة في خشوع قبل نومها، تناجي مناة وأوال وتدعوهما ليحفظا لها زوجها ~~العزيز. # وخرج كليب في صباح يوم كعادته، وكان يقصد ذلك اليوم أن يتنزه عن الحي، فذهب إلى مرعى ~~الخيل فركب فرسه الرباب، وكلبه يلهث في أثره، وسار سيرا هنيئا وقلبه ممتلئ بنشوة الصباح، ~~وكان النسيم البارد يبعث في جسمه نشاطا وفي نفسه خفة وسرورا وتملكه الطرب إلى الحياة، ~~فأخذ يغني بملء صدره، وبدت له الدنيا تفيض سعادة وجمالا، ولمح أثناء سيره شخصا جاثما عند ~~ثنية من ثنايا الوادي. فلما وقع بصر الشخص عليه أسرع ذاهبا عن طريقه، فتبينه فإذا هو عمرو ~~بن الحارث الفتى الضئيل الذي كان يراه أحيانا يجالس عبيده في مراعي الخيول، فلم يكترث به ~~ولم يحفل بوقوفه عند الثنية، ولا بإسراعه هربا عند مقدمه، فلم يكن عجيبا أن يسرع مثله ~~ليبعد عن الطريق التي يسلكها سيد ربيعة. # وذهب إلى الروضة فوقف عند مدخلها حينا يتأمل جمال منظرها، ويملأ عينيه من اخضرار ~~أشجارها ونخيلها، ونضرة أعشابها وزهورها، وقد عقد الندى قلائد منثورة على أديم الأرض ~~الزبرجدي، وانتظمت حباته في أسلاك نسج العنكبوت، فبدت كأنها درر تتلألأ في شعاع الشمس ~~المشرقة. وفيما هو واقف بفرسه سمع كلبه ينبح نباحا يخالطه انزعاج، ثم سمع من خلفه وقع ~~حوافر فرسين يقتربان، فتكبر أن ينظر وراءه لعلمه أن الراكبين إذا فطنا إلى وجوده أسرعا ~~مبتعدين، وبقي واقفا ينظر ms041 أمامه ويتملى بحسن روضته، ولكن وقع الحوافر أسرع وتقدم في تجاهه، ~~حتى صار على قيد خطوات منه، وعند ذلك سمع صوتا يناديه من ورائه: «يا كليب الرمح ~~وراءك!» # فعرف أنه صوت جساس، ولكنه لم يلتفت إليه، وقال في لهجة ساخرة: «إذا صدقت فأقبل من ~~أمامي.» # وما كاد كليب ينتهي من كلامه حتى أحس طعنة شديدة في ظهره، فارتمى عن فرسه ووقع على الأرض ~~يتشحط في دمائه. ورنت في أذنيه صيحات عالية وحشية، ونزل جساس مسرعا عن فرسه واقترب منه ~~مكشرا كابن آوي إذا وجد جيفة. # فنظر إليه كليب نظرة تمثل فيها معنى الاحتقار والحنق، واختلط فيها شعور الغيظ والضعف، ~~وهم أن يقوم إليه فلم يقو على النهوض، ففحص الأرض بقدميه وتقلب في دمائه. وما هي إلا ~~لحظة حتى لحقه دوار النزيف، واعترته غشية الموت. # وأقبل جساس ينزع الرمح من ظهره وهو يخضخضه في قسوة ويقول له: «ذق الموت أيها ~~الطاغية.» # وفهق كليب فهقات ألم ثم غشي عليه، وكان يفيق من غشيته إفاقة قصيرة، فيحاول أن يتكلم فلا ~~يستطيع إلا تمتمة خافتة لا تسمع ألفاظها، ثم اعتراه عطش شديد فقال وهو لا يدري من يخاطب: ~~«أغثني بشربة ماء.» # ولكن جساسا نظر إليه ثم ضحك ضحكة مخيفة وقال في صرخة جشاء: «لا ابتل لك ريق أيها ~~الطاغية!» ووقف يتأمل نزعه في سرور. # وكان عمرو بن الحارث في تلك الأثناء واقفا وراء جساس وهو يرتعد، وقد علته صفرة تشبه صفرة ~~الموت، فلما سكن كليب أشار إليه جساس أن يتقدم، فأتى إليه مترددا، فطلب منه أن يساعده على ~~تغطية القتيل بالحجارة حتى لا تأكله السباع. # ولما أتما وضع الحجارة عليه ركبا عائدين نحو مضارب الخيام، ولكن عمرو بن الحارث لم يجرؤ ~~على أن يواجه قومه بخبر الجريمة، فركب فرسه لا يلوي على شيء حتى دخل بيته، فقبع فيه وهو ~~يتفصد عرقا ويهذي هذيان المحموم، وركض جساس فرسه نحو خيمة أبيه مرة ليحمل إليه النبأ ~~المشئوم، ولكنه لم يملك نفسه في ركوبه فبدت ساقاه عاريتين ms042 وهو لا يتنبه إليهما مما اعتراه ~~من الذهول. # وكان الشيخ مرة جالسا في فناء بيته مع بعض بنيه وحفدته وبعض إخوته وأبناء عمومته، فرأى ~~جساسا يقبل على فرسه راكضا عاري الركبتين، فالتفت إلى من حوله وقال في فزع: «ما رأيت ~~جساسا يركب كما أراه اليوم.» # ثم صاح بابنه وقد صار على مسمع منه: «ما بك يا جساس؟» فقال جساس في صرخة مفزعة: «لقد ~~طعنته طعنة يجتمع لها بنو وائل غدا رقصا.» # فقال مرة وقد قام مذعورا: «ومن قتلت ويلك؟» # فقال جساس في وحشية: «قتلت كليبا؟» # ثم رفع رمحه فوق رأسه وجعل يلوح به في الفضاء، وقال في ضحكة جنونية: «وأدركت ثأر ~~البسوس.» # فصاح أبوه وهو يرفع يده كأنه يريد أن يضرب: أكليب في ثأر ناقة؟ # فقال جساس وهو يلوح برمحه فوق رأسه: أنا ابن مرة. أنا جساس! لست ممن يخفر جواره. # فاتجه إليه الشيخ وأخذ حفنة من الرمل فرماه بها في وجهه، وقال صارخا: «ويل لك من مشئوم ~~منكود! ماذا جلبت على قومك من الهلاك؟ اذهب عني فلست من أهلي، اذهب عني فلقد سللت نفسي من ~~جريرتك!» # فرفع جساس رمحه وهزه، وجعل يرقص في سرجه كأنه يتغنى وهو يقول: «فزع الشيخ من خوف ~~القتال!» # ثم نزل عن فرسه واقترب من أبيه قائلا: «دعني أيها الشيخ وحدي، لست أريد حمايتك، فقد عرفت ~~أنك لا تجرؤ على الدفاع عني.» # فانتفض الشيخ في غضب، ونظر نحو ابنه المخبول لحظة وهو حائر، واستغلق عليه التفكير والقول ~~فلم يجب بكلمة، بل وقف مشدوها ينظر إلى من حوله في اضطراب، وقد وقع رداؤه عن كتفيه وسقطت ~~عصاه من يده المرتعدة، وصاح بعد حين بصوته المختنق: أين همام؟ # وكان أبناؤه وحفدته قد هبوا جميعا، فوقفوا حوله في حيرة ودهشة، وتقدموا نحوه يرفع بعضهم ~~الرداء ليغطي به كتفيه، ويمد آخر يده بالعصا إليه وهم سكوت من الجزع والحزن. # فصاح بهم الشيخ في حنق: أين همام؟ أهو اليوم في لهوه؟ أين هو؟ اذهبوا إليه فليجئ! # وكان في ثورة نفسه ms043 يتحرك في اضطراب، ويتردد متجها إلى جهة ثم يرتد عائدا إلى ~~أخرى، ثم وقع نظره على شيخ كان جالسا في جواره، فرآه لا يتحرك في مكانه، فمد مرة إليه ~~يديه كأنه يستنجد به في حيرته، فقام إليه الرجل متباطئا، ثم قبض على ذراعه وانتحى به ~~جانبا، فلما صار الرجلان بحيث لا يسمع أحد حديثهما، قال مرة وهو لا يكاد يبين: «ماذا ترى ~~يا أبا عامر؟» # فقال أبو عامر في هدوء: «أترى تقدر على إعادة كليب؟ أيعود الأموات إلى الحياة؟» # فنظر مرة إليه مبهوتا ولم ينطق بلفظ، فاستمر الشيخ في كلامه هادئا: «لقد كان ما كان، ~~ولم يبق إلا النظر فيما يكون، وأنت إذا تماديت في لوم جساس خذلت بني بكر وبني شيبان إذا ~~احتجت يوما إلى نصرتهم.» # فهدأ مرة قليلا وقال: «وماذا ترى يا أبا عامر فداؤك نفسي؟» قال أبو عامر: «إن تغلب لا بد ~~غاضبون ولن يقعدوا عن طلب الثأر منك، وإن تبرأت من جريرة ولدك، فدع اللوم والجزع وأظهر ~~للقوم شدة؛ فإن ذلك أدعى أن يقتصدوا في طلب الثأر، وذمر بني بكر وحرضهم على القيام لنصرة ~~جساس.» # وسكن الرجل قليلا، ثم نظر إلى الشيخ مرة وقال له هامسا: «يا أبا همام. أما إنها لطعنة ~~حر أبي! أما تذكر كيف كان كليب يسومنا الذل ونحن لا نستطيع أن نرفع نحوه عيوننا.» # فانتفض مرة، ومد يده مسرعا فأمسك بذراع أبي عامر، وتلفت حوله حذرا، ثم قال هامسا: «أو ~~ترضى يا أبا عامر؟» # فقال الرجل: «أما وحق الآلهة جميعا، لقد وددت أن طعنة جساس قد مدت بها رماح بكر كلها. كان كليب طاغية ~~يحمي المراعي ويمنع الماء أن نرده، ويبالغ في طغيانه، فيجعل كلبه يأمر سادتنا، وما كاد أحد ~~يستطيع أن يرد عليه لفظا.» # فتنفس الشيخ مرة، وقال ولا يزال صوته هامسا: ولكنها الحرب يا أبا عامر! هي الحرب الطاحنة ~~والبلاء العظيم. # فقال أبو عامر: أراك سكنت إلى الدعة يا أبا همام! وماذا تخشى من الحرب وأنت فارس بكر ~~العتيق؟ هل ms044 تسلس ربيعة القياد لمن يكره حر الجلاد؟ # فسكت الشيخ لحظة يفكر فيما يقوله صاحبه، واستمر أبو عامر فقال: وما فضل تغلب على بكر حتى ~~يستأثروا دون بني عمهم بهذا الأمر؟ أقنعت يا مرة بأن تكون صهر العزيز؟ أقنعت يا شيخ بكر بما ~~يلقيه إليك بنو أبيك من فضلات عزهم؟ # فصر الشيخ على أضراسه، ثم سحب صاحبه من ذراعه وعاد نحو ولده، وكان أهدأ عند ذلك ~~قولا. # ولما صار عند الجمع المنتظر، قال يخاطب ولده: «نحن للحرب يا ولدي! أنت منا ولن تسلمك بكر ~~أبدا. لست أسلمك حتى أقتل دونك مع قومي، أو نشعلها نارا حامية على قوم الطاغية ~~الظالم.» # فلما سمع بنو شيبان قول شيخهم مرة، اهتزوا وعادت إليهم نفوسهم، وتصايحوا: «يا لبكر! قتل ~~الطاغية!» # واندفع جساس عند ذلك إلى أبيه فعانقه وقبل يديه، وقال في خضوع وصوته يكاد يختنق من ~~التأثر: «لا عدمتك ناصرا يا أبي!» # ثم أخذ رمحه وهزه فوق رأسه وجعل يرقص رقصة التحدي والاعتداد بالنفس، ويتغنى بأناشيد يدعو ~~فيها قومه إلى حرب الطغاة. # وصاح مرة في قومه وقد تبدلت لهجته، فقال: «يا بني شيبان سأضرب بأطراف العوالي، وأنفي الذل ~~عن قومي وشرفي، فما كانت بكر لترضى أن يخفر جوارها أو تستكين لطاغية يذلها.» # فقال أبو عامر: «يا بني شيبان، من يكون للحرب إذا لم تكونوا فرسانها؟» # فتصاعدت صيحات من القوم «سنسل السيوف وندفع الظلم! لقد هلك الطاغية! سندفع البغي، ونحمي ~~قومنا من العار.» # واختلى مرة وأبو عامر ساعة، ثم بعثا الرسل إلى قومهم في شعاب الأودية بالاستعداد للرحيل؛ ~~فقد علما أنه لم يكن لشيبان بعد مقام في جوار تغلب، وأنهم لا بد لهم من انتظار الغد وما ~~يأتي به من الأحداث. # | الفصل السابع # كان همام بن مرة مختليا بصديقه المهلهل عدي بن ربيعة كعادتهما يشربان الخمر عند ربوتهما ~~المختارة في عزلة من قومهما، وجلسا يلعبان النرد وهما يرشفان الشراب، وانتهى الدست، وكان ~~المهلهل غالبا، فمد يده إلى كأسه مرتاحا ورفعها، فنظر فيها إلى الخمر المصفاة وجعل ms045 يشمها ~~في شغف، ثم رفعها إلى فمه وهو يضحك ضحكة ماجنة، وقال ناظرا إلى صاحبه: أبشري يا أرامل ~~ربيعة! إنها جزور من خير مال همام بن مرة. # فرفع همام كأسه ليشرب منها، وقال وهو يجيب بضحكة مثل ضحكة صاحبه: ما كانت أموال همام بن ~~مرة لتباح إلا للأرامل. # ثم وضع الكأس وقال للمهلهل: دست آخر إذا شئت أن تطعم سائر أرامل تغلب. # وكان المهلهل قد شرب كأسه في جرعة، فقال وهو يمص شفتيه: مهلا يا عدي! فإن حظي اليوم ~~غالب. # ووضع الكأس، وأخذ النرد في يده فضرب به ولعب لعبته، فإذا النرد يواتيه بلعبة بارعة، فصاح ~~صيحة فرح ولعب اللعبة وهو يقول: لئن طال بنا المجلس لم أدع لك يا همام مالا. # فقال همام وهو يضحك: أرى الحظ يواتيك يا عدي منذ اليوم. # ثم رمى النرد فخرج له أخس وجوهه، فضحك الصاحبان معا، ورفعا كأسيهما فرشفا منهما، ثم لعب ~~همام لعبته وقال: أرى السعد لك خدنا يا عدي، يواتيك في لعبك كما يواتيك في حبك، هل رضيت ~~عنك سلمى؟ # فرمى المهلهل النرد وهو يقول: ما أبالي إذا هي لم ترض عني. # وكانت رمية رابحة أخرى، فضحك الصاحبان ضحكة عالية، ولعب المهلهل لعبته وهو يقول: أما قلت ~~لك إنني لن أدع لك مالا؟ أبشري يا أرامل بكر وتغلب بجزور أخرى من أموال همام! # واستمر الصاحبان يلعبان ويشربان حتى مالت الشمس للمغيب، وكان المهلهل في كل مرة غالبا ~~حتى قمر صاحبه بعشر جزر من ماله ينحرها لأرامل بكر وتغلب، ثم جلسا يتناشدان آخر ما قيل في ~~قبائل العرب من شعر، وجعل المهلهل ينشد صاحبه بعض ما قاله من الغزل في صويحباتهما اللاتي كن ~~أحيانا يرضين عنهما ويشاركنهما مجالس المجون، وأحيانا يغاضبنهما ولا يحضرن مجلسهما. وفيما ~~كان المهلهل ينشد بعض شعره رأى صاحبه يلتفت إلى ناحية من الوادي وينظر إليها في اهتمام. ~~فقال ضاحكا: أراك فاترا عن سماع الشعر يا همام، كأن شعري لا يعجبك. # فلم يجبه همام إذ كان منصرفا بنظره إلى ms046 أسفل الوادي، فالتفت المهلهل ومد عنقه ليرى أين ~~ينظر صاحبه، وقال له في مجون: هل أقبلت سلمى؟ # ولكن هماما لم يجبه، بل قام من مجلسه وسار هابطا إلى الوادي الذي تحتهما، فأتبعه ~~المهلهل ببصره فرأى جارية تشير إليه تستعجله أن يذهب إليها. # فقعد المهلهل ينتظر عودته وملأ لنفسه كأسا، وأخذ يتغنى وحده بشعره حتى رجع صاحبه وهو ~~ممتقع اللون مضطرب، يكاد يتعثر في خطاه، فقال له المهلهل ضاحكا: ماذا حملت إليك ~~الجارية؟ # فقال همام مترددا وهو يحاول الابتسام: هات لي كأسا. # وكان الصديقان قد تعاهدا على الصدق لا ينكر أحدهما من صاحبه حديثا؛ فقال له المهلهل ~~معاتبا: أراك تكتم عني سرك يا همام. # فقال همام مرتبكا: أما إنه لقول لا أصدقه. # فقال المهلهل ضاحكا: لعلها تنبئك بغدر سلمى؟ # فقال همام في وجوم: لا أبالي اليوم سلمى! # وكان المهلهل سادرا في الخلاعة لا ينصرف عن أحاديث الخمر والنساء، فقال: إذن فهي مي أو ~~أميمة. # فقال همام متكلفا الابتسام: أي زير أنت يا عدي! # فضحك المهلهل من قوله، فما كان أحب إليه أن يلقب بهذا اللفظ الماجن الذي سماه به أخوه ~~الحبيب كليب بن ربيعة. لقد سماه زير النساء فتلقف الناس عنه ذلك الاسم، فما كانوا يذكرون ~~المهلهل إلا به. ولكن المهلهل كان يحب أن يسمع اللقب الذي اختاره له الشقيق العزيز على ما ~~به من تعنيف ولوم. وماذا عليه أن يسميه الناس زيرا؟ فهذا أعذر له أن يسدر في غوايته، وأحرى ~~بأن يحمل الناس على تركه لنسائه وخمره، ولا بأس عليه منه إذا كان هو يفوز باللذات، فقال ~~لصاحبه: دع ذكر هذا، فأنت أولى بهذا الاسم مني. ولكن ماذا قالت لك الجارية؟ # فلم يكن لهمام بد من أن يصدق صاحبه، فقال جادا: لقد زعمت الجارية أن جساسا قتل ~~كليبا. # فضحك المهلهل ضحكة عالية، وقال وهو يملأ كأسين: أما إنها لفكاهة من جارية لكاع، إن جساسا ~~لا يقوى على أن ينظر إلى ظهر كليب بن ربيعة. خذ هذه الكأس. # فتناول همام الكأس ms047 وشرب منها قليلا، ونظر إلى صديقه وهو يرفع الكأس ويتجرعها، وشعر كأن ~~حملا ثقيلا ينزاح عن عاتقه، وقال له مداعبا: أترى لو صدقت الجارية، أكنت ثائرا ~~لأخيك؟ # فتجهم وجه المهلهل وقال متلعثما: وحق مناة ليس له من كفء إلا أنت. # فقال همام: أتحب أن تراني قتيلا يا عدي؟ # فتقبضت عضلات وجه المهلهل وبرقت عيناه، وهز رأسه في عنف وقال: والله ما أدري أيكما أحب ~~إلي يا همام. دع هذا الحديث فلست أحبه. # فتنفس همام في حزن، ونظر إلى صاحبه وقد مال رأسه واختلت حركته، حتى صار لا يستوي من ~~السكر، وكان الليل قد أقبل فنظر همام حوله وقال: أحس التعب يا عدي والليلة مظلمة. # فقام المهلهل وهو يترنح، وأسنده صاحبه من ذراعه حتى ركب فرسه عائدا إلى منزله، ومضى همام ~~معه حتى بلغ ثنية الوادي التي تفترق عندها الطريق إلى منزليهما، فودعه وأسرع إلى مضارب ~~قومه، فرآها خالية وقد ارتحلوا عنها؛ فهمز جواده وانطلق في أثر قومه وهو يلتفت بين حين وحين ~~إلى ورائه في الظلام، لعله يرى ضوء نار يملأ به عينيه من الديار العزيزة التي شهدت لذاته ~~ووثبات لهوه مع صديقه الخليل عدي بن ربيعة. # ولما بلغ المهلهل منازله طالعته ضجة من قبلها؛ فدار به رأسه المخمور وخيل إليه أن الضباب ~~يغطي ناظريه، ثم رأى أمامه النساء يندبن ويبكين ويشققن ملابسهن ويلطمن خدودهن، فعجب وحار ~~كأنه في حلم مزعج، ونزل عن فرسه يسألهن عما أصابهن في لسان معوج، فكان لا يسمع إلا صياحا ~~أو سبابا، ثم رأى الرجال يضطربون في الظلام ويتنادون في فزع، وقد أقبل بعضهم على سلاحه ~~يكسره، وبعضهم على خيله يعقرها، فكان ذلك كله عجبا من أمرهم لم يفهم منه شيئا إلا أن يكون ~~الخبل قد أصابهم. ومرت في خياله الفاتر صورة كليب، وتذكر قول همام إذ قال له حديث الجارية، ~~وساءل نفسه: أيكون جساس قد قتل كليبا؟ أليس هذا الذي يراه بعض أحلام الخمر ~~ووساوسها؟ # واقترب من الناس يريد أن يسألهم، فجعلوا ينظرون إليه ms048 في ازدراء ثم يصرفون عنه وجوههم، ~~وسمع قائلا منهم يقول: لم يبق لنا إلا هذا السكير الماجن، الذي لا يكاد يفيق. # ومضى في سيره حتى بلغ ساحة بيته، فصاح بمن هناك وقد عاد إليه بعض وعيه: ما بالكم تكسرون ~~السلاح؟ # فأسرعت إليه امرأته وصاحت به وهي حانقة: قتلوا كليبا وأنت منصرف إلى شرابك ولهوك! # فنظر إليها المهلهل في غضب، وقد وخزته كلماتها وثار الدم في رأسه حتى ذهب عنه أثر الخمر، ~~وقال لامرأته: ماذا تقولين يا امرأة؟ # ورفع رأسه واعتدل في وقفته، وتغير لون وجهه فصاح به القوم في غضب: قتل المنيع العزيز، فكن ~~حيث شئت. كن حيث شئت، فما نراك تبالي. # فاربد وجه المهلهل ونظر إلى قومه غاضبا، واكتسى مظهره عزما لم يعهده فيه أحد، وقال ~~كأنه يفيق من حلم: «قتل كليب؟» # ثم ذهب إلى جانب من الفناء، فجلس على صخرة ووضع ذقنه على يده، وجعل ينظر إلى القوم حينا، ~~وهم في شغل عنه بما هم فيه من اضطراب وجزع، يكسرون السيوف والرماح، ويتصايحون لكي يبعثوا ~~إلى الخيل ينحرونها؛ فاشتعل قلبه غضبا، ودبت فيه ثورة عجيبة، فوثب من مقعده، وصاح صيحة ~~ترددت أصداؤها في الليل المظلم: أيها الحمقى! ماذا تفعلون؟ # فنظر إليه القوم في عجب، ورأوه يتجه إليهم عنيفا، فوقفوا ينظرون ماذا يريد منهم ذلك ~~السكير. ووقف رافعا رأسه وعيناه تلمعان، وضوء النيران الملتهبة تتلاعب على وجهه المربد، ~~وقال لهم بصوت أجش: إنكم تسبونني منذ الليلة، وما أنتم إلا كبعض النساء، أراكم تكسرون ~~السلاح وتقتلون الخيل، وأنتم الآن أحوج ما تكونون إليها. # فنظر إليه الرجال لحظة لا يصدقون آذانهم إذ يسمعون. أهذا المهلهل الذي يكلمهم؟ واستمر ~~المهلهل فقال: دعوا الحزن للنساء، دعوهن يشققن الثياب ويصبغن الوجوه، ويصرخن ويبكين. أما ~~أنتم فاتخذوا السيوف وأعدوا الخيل وقوموا الرماح. دونكم الحرب فاستعدوا لحرب ضروس. # ثم ترك الناس وقوفا، وذهب عنهم صامتا مطرقا، يعلوه شيء من الحنق وشيء من الخزي، حتى ~~إذا ما صار في بيته ارتمى في ركن وجعل يبكي وحده، ويتمثل ms049 ما هو فاعل إذا أصبح ~~الصباح. # واجتمع نساء تغلب في تلك الليلة للنواح في بيت سيد ربيعة، وعلا صراخهن حتى ترددت أصداؤه ~~في جوانب الشعاب. # وكان في وسطهن امرأة طويلة القامة سمراء اللون، هيفاء دعجاء، قد شقت ثيابها، ونشرت شعرها ~~الأسود الطويل، وعفرت وجهها الجميل، وكانت تختلج وتهتز من شدة البكاء، وكان النساء يشرن ~~إليها ويتهامسن بين صرخاتهن: هذه جليلة ابنة مرة سبب البلاء، إنما هو أخوها جساس وقومها الجناة. # وهاجت إحداهن فصاحت في عويلها وهي تنظر نحوها: ما مقام الأعداء بين ظهرانينا؟ # فنظرت جليلة بعينيها المحمرتين، وقالت بين شهقاتها: إنما أنا المفجوعة المكلومة. # فصاحت بها أخرى في مرارة: إنما أنت وقومك سبب البلية، أخرجي عنا أيتها البكرية. # ثم تعالى الصراخ والسباب من جوانب الفناء. # فقالت جليلة وهي تنشج بالبكاء: علم الله ما أقاسي وما ألاقي! إنما المصاب مصابي. # فعلت الضجة مرة أخرى وانهالت عليها قذائف السباب: إنما أنت شامتة! إنما أنت عدوة! ابعدي عن منازلنا! لا بقيت بيننا. # فقامت جليلة غضبى، وقالت وهي لا تزال تختلج وتضطرب: كيف أبعد عن مناحة زوجي؟ إنني صاحبته، ~~وأنا التي فجعت فيه، وهذا الجنين الذي في أحشائي يتفجع معي في مصابه. ولئن كان مصابكم ~~واحدا فمصابي مضاعف: هذا زوجي قتل، وهذا أخي مطلوب بدمه؛ فنواحكن مصانعة ومجاملة ونواحي ~~تفجع وتوجع. بعض نفسي يبكي على بعض، وبعض دمي يثور ببعض، ولو شئت لسرت مع قومي، ولكني آثرت ~~البقاء في تغلب، حنينا إلى قوم صاحبي، حتى لا يولد هذا الجنين بين قومي فيكون فيهم غريبا ~~عدوا. # فضج النساء وزاد اضطرابهن، وجعلن يشتمن جليلة ويطردنها، وأقبل بعضهن نحوها يردن إخراجها ~~دفعا والإيقاع بها؛ فلم تستطع إلا أن تخرج، ولا تكاد تنظر طريقها وقد حبس الحزن لسانها. ~~وأسرع عبدها فأعد لها مطية، وسارت حتى ركبت في طريقها، وانطلقت تتبع آثار قومها وهي تقول: ~~«واحر قلباه! قتل الحبيب، وقاتله أخي! تعسا لمناة وويلا لأوال.» # ثم جعلت تنشد: # فعل جساس على وجدي به # قاطع ظهري ومدن أجلي # يا قتيلا ms050 قوض الدهر به # سقف بيتي جميعا من عل # هدم البيت الذي استحدثته # وانثنى في هدم بيتي الأول # خصني قتل كليب بلظى # من ورائي ولظى مستقبل # يشتفي المدرك بالثأر وفي # دركي ثأري ثكل المثكل # وكاد الحزن يذهب عنها لبها، وهي ثائرة وحدها تطلب آثار قومها، ولا يصاحبها في ظلام الليل ~~إلا عبدها يقود ناقتها. # وأصبح الصباح عليها وقد أدركت القوم، وسارت معهم في غمرة من حزنها، وحث الركب المطي ~~يطلبون أرض اليمن ليمتنعوا بها، ويعتصموا في جبالها من تغلب قوم كليب. # | الفصل الثامن # اجتمع بنو تغلب في ناديهم، وقد أقبل الليل وأخذ البرد يشتد ويقسو. وكانت النيران الموقدة ~~في وسط الفضاء ترسل ضوءها على الوجوه، وتتلاعب فوقها في خفوت، وتمتزج بالظلال فتبدو الملامح ~~فيها غامضة مبهمة. وكانت ظلال الأشخاص تتراقص على جوانب الكثبان المحيطة بالفضاء، كأنها ~~أشباح متحركة من الجان، تخلع على المجتمع رهبة شاملة. # وكان القوم في اجتماعهم قلقين لا يستقر بهم حديث ولا ينظمهم رأي، بل كانوا متفرقين في ~~حلقات متباعدة، وقد مالت كل جماعة إلى ناحية تتناجى في حيرة وحنق، وتهب فيهم بين حين وآخر ~~عاصفة من الهياج، فيعلو ضجيجهم ويحتدم جدلهم ثم يعودون بعد حين إلى التناجي القلق الحانق ~~والمحاورة المضطربة. # كانوا في ذلك الاجتماع ينتظرون عودة رسلهم الذين ذهبوا وراء بني عمهم بني بكر ليفاوضوهم في ~~تدارك الأمر ومداواة الجرح الذي أصابهم بقتل كليب، قبل أن يسيروا إليهم بطلب الثأر. وكان ~~يظهر من حديثهم المضطرب أنهم لم يكونوا متفقين على رأي، ولا متحدين في غاية؛ فكانت فيهم ~~طائفة غير راضية بالانتظار تنكر إرسال الوفد لمفاوضة العدو، وتأبى إلا المبادرة إلى القتال ~~في طلب الثأر، لا ترضى بهوادة ولا مسالمة. على حين كانت طائفة أخرى تشفق من الحرب وويلاتها، ~~وتنادي بالأناة والصبر مؤملة أن ينزل بنو عمهم البكريون على حكم العدل والإنصاف، فيجيبوا ~~إلى ترضية شريفة تطمئن لها نفوسهم، وتقنع بها كرامتهم. # وكانت هذه الطائفة تظهر في جدالها الحانق أنها لا تريد الحرب أنفة من زعامة ذلك ms051 السكير ~~الماجن، عدي بن ربيعة «المهلهل»، ذلك الذي عرفته تغلب كلها، لا يقطع يومه إلا على نوم من ~~أثر الخمر والنساء، ولا يقطع ليله إلا على مجلس للخمر والنساء. فهل كان مثل هذا الخليع ~~ليخلف كليبا على زعامتهم؟ وهل كانوا ليلقوا قيادهم إلى ذلك الشاب المعجب بجماله، التياه في ~~نعيمه، الذي لا يحسن إلا المناغاة والتغني، والذي جعل وكده المنادمة والغزل؟ هل كانوا ~~ليأتمنوا مثل ذلك الشاب الداعر على عز تغلب ومجدها؟ # وكان في صدر النادي فارس تغلب أبو نويرة، يجلس محتبيا بسيفه، وتكاد لحيته السوداء تلمس ~~ركبتيه وهو مطرق لا يلتفت إلى من كانوا حوله، وكان ضوء النار الملتهبة يقع على وجهه فتظهر ~~فيه أخاديده وندوبه سوداء تكاد تملأ صفحته، وكان يسمع ما يتقاذف به الشبان والشيوخ من عبارات ~~المجادلة، وهو يتغطرش فلا يدخل في شيء من أحاديثهم الحانقة. # كان أبو نويرة يفكر عند ذلك حزينا فيما تئول إليه أمور تغلب إذا هي تعجلت الحرب، فإنه لم ~~يكن إلا أبا عشيرة بين العشائر، لا يستطيع أن يقود عشيرته إلى الحرب وحدها. وقد علم أن تغلب ~~قد انفرط عقدها فلا تستطيع أن تجتمع على واحد من فرسانها، ولم يجد حوله من شبان تغلب أو ~~كهولها من يستطيع أن يلم الشمل حوله، ويقود قومه جميعا إلى النصر. # كانت تغلب قد استنامت إلى بطولة أميرها وسيدها كليب بن ربيعة الذي فجعوا فيه منذ يوم، ~~وكان كليب مستأثرا بالزعامة والقيادة والبطولة، فلم يدع لغيره مجالا إلى جواره. كانت تغلب ~~كلها رعية له تطيعه إذا أمر، وتسير وراءه إذا سار، وتتجه معه حيثما أشار، فلم ينبغ فيهم من ~~تعود الأمر والقيادة، ولم يعتد الناس أن يلتفوا حول أحد من رؤسائهم، إذ كان كليب لا يدع ~~لأحد منهم رياسة ولا سلطانا ولا جاها. كان يستأثر بالسلطان كله في غيرة؛ فلا يرى أحدا من ~~فرسان قومه يرفع رأسه إلى زعامة حتى يبطش به ويذله وينزع منه كل مطمع فيها. فلم يكن في ~~عشيرة كليب من هو ms052 جدير بأن يقود الناس في تلك الأزمة الشديدة. لم يكن له ولد، ولم يكن في ~~إخوته من يستطيع أن يسد مسده، فهذا هو أخوه عدي المهلهل لا يقطع أيامه ولياليه إلا على ~~مواعيد في مجالس اللهو والشراب. وماذا يستطيع مثل المهلهل الماجن أن يصنع إذا الحرب شمرت عن ~~ساقها، وفتحت أفواه الموت لفرسانها؟ # كان أبو نويرة يفكر حزينا في مصير تغلب. وما كان له أن يسارع إلى حرب لم يكن قومه ~~مستعدين لها، وكان يرى أن الحرب إذا وقعت لم تلبث أن تكشف عن تغلب سر العز الزائف الذي ~~أسبله عليها بطلها. كان الحزن يأخذ على أبي نويرة أسباب التفكير وهو جالس في صدر النادي ~~ينتظر عودة الرسل الذين ذهبوا لمفاوضة بني بكر في مصالحة بني عمهم وإرضائهم في مقتل ~~سيدهم. # وكان كلما سمع ضجة الشبان وسبابهم وثورة مجادلتهم تحرك في موضعه متألما، يحاذر أن ينطق ~~بحرف خوف أن تنفجر حفيظتهم فيجرفهم المهلهل معه إلى الحرب في رعونة، وهم لا يدركون ما يدركه ~~ولا يعرفون ما يعرفه. لقد عركته الحوادث في حياته وحلب الدهر أشطره، وجرب من الأمور ما لم ~~يجرب هؤلاء الأغرار - ذلك المهلهل الماجن وشبانه الذين معه - هؤلاء الألى يتحرقون إلى خوض ~~الحرب قبل استعار لهيبها، حتى إذا ما أوقدوا نيرانها كانوا أسرع الناس إلى الجزع ~~منها. # ولكنه لم يقدر على أن يبقى على صمته طويلا؛ فإن الجدال بين الشبان والشيوخ قد حمي وأوشك ~~أن يصير إلى نضال وعراك. ولم يطق المهلهل البقاء في النادي، فخرج إلى الفضاء ينتظر عودة ~~الرسل في قلق، وتبعه بعض أصحابه من شباب القوم وهم يسخطون ويسخرون. ثم نهض شاب يريد أن يتبع ~~المهلهل فقال في تهكم: ماذا تنظرون هنا أيها القوم؟ إن الوفد الذي بعثناه لكي يركع عند قدمي ~~بكر سائلا أن يمنوا علينا بالصلح لم يعد إلينا منذ ثلاث، فلنذهب إلى بيوتنا، فما نحن بأهل ~~للحروب؟ # فتحرك أبو نويرة قلقا، وحاول أن يمسك عن الجواب، ولكن قام بعده شبان يريدون الخروج ms053 وراء ~~المهلهل، وأوشك الجمع أن ينفض من حول أبي نويرة. # فأشار إليهم بيده أن يتريثوا، ثم قام يتكلم فقال: لقد علمتم يا معشر تغلب أنني أبو نويرة، ~~أول فرسانكم عند اللقاء، وآخرهم عند اقتسام الفيء. وعلمتم أنني كنت عند كليب بن ربيعة في ~~أكرم مكان، فما أصيب فيه بعد المهلهل وقومه أحد مثل مصابي. ولو كان أحد من تغلب يتحرق قلبه ~~على طلب الثأر، لكنت أنا ذلك الرجل قبل سواي، ولكن الحرب تحطم وتفتك؛ فإذا هي كشرت عن ~~أنيابها وشمرت عن ساقها جمحت فلن يملك أحد أن يكبحها. ولن يستطيعها إلا من عركها وصبر على ~~حد نابها. وإني أشفق عليكم منها إذا أنتم سارعتم إليها وراء هذا الفتى الذي عرفتم أمره؛ فهو ~~لن يلبث أن يحن إلى مجونه ويذوب شوقا إلى خمره ونسائه. والحرب لا يقوى عليها مثل ذلك ~~السادر في لهوه، الذي لا يكاد يفيق من شرابه. # فتعالت من جوانب الوادي همهمة وتجاوبت الأصوات فيها بالجدال العنيف والسباب، وهم بعض ~~الناس إلى بعض بالسيوف. # فصاح أبو نويرة غاضبا: على رسلكم أيها الفتيان! فما هذه إلا طلائع الخذلان. # فقام شاب من أقصى النادي يهز رمحه في يده وصاح: لقد حملتنا على الدنية، ورضيت لقومك ~~الذلة. هذه بكر ترفع ذيلها وتتمنع. وهل كان جديرا بنا أن نأخذهم بغير السيف؟ ما هذه ~~الثرثرة التي لا تزيدنا إلا ذلا. أما إننا سنصير في العرب مثلة أو أحدوثة؛ إذ وترنا قوم ~~في عزيزنا فبعثنا وراءهم نسألهم أن يمنوا بالسلام علينا. أي عار جلبتم على قومكم يا شيوخ ~~تغلب! # وعلا الضجيج مرة أخرى، وتزايدت ألفاظ السباب. # فقام أبو نويرة وأشار بيده حتى سكت الناس، فقال في صوت هادئ تشبه نغمته أن تكون اعتذارا: ~~لقد كان حقا علينا أن نعذر إلى بني عمنا قبل أن نبدأ حربهم. ولقد عرفتم أن العرب لا ~~ينصرون الظالم، ولا يؤازرون من اعتدى. لقد قتل جساس كليبا، وذهب إلى الناس يزعم أنه ما ثار ~~عليه إلا لطغيانه وما قتله إلا لظلمه ms054 . وذهب الناس عنه بين مصدق ومكذب. فإذا نحن عجلنا إلى ~~الحرب بادئ البدء لم نذهب إلا بكلمة مصدوعة ورأي متفرق. فإذا كنا قد آثرنا أن نرسل إليهم ~~رسلنا، فما هذا إلا لكي نعذر إليهم، فنكون بهذا قد قمنا بما يجب علينا من رعاية الحرمة، ~~وحفظ الحق الذي يوجبه الرحم بيننا وبين بني عمنا. فإذا هم أبوا أن ينزلوا على حكم الحق ~~ويرضونا بالقصاص من الكفء؛ إذا هم أبوا أن يسلموا إلينا جساسا نقتله في ثأرنا، سرنا إليهم ~~وكنا عند ذلك يدا واحدة، وسنرى قبائل العرب عند ذلك من ورائنا تشد أزرنا، وتقوي عضدنا. ~~ولعل قبائل بكر لا تجمع على الظلم، فيقعد بعضها عن حربنا، فإذا لاقتنا شيبان وحدها بعد هذا، ~~كان الحق يخذلها، ولم تجد من ورائها من العرب من ينصرها. # ولما انتهى من مقاله ارتفعت الأنظار إليه شاخصة لا تطرف، كأنها تحملق فيما وراء الأفق ~~البعيد تستشف ما وراءه. وبقي أبو نويرة صامتا يدير بصره في القوم لحظة، ثم هم أن يعود ~~إلى القول ليتم ما بدأه من الأثر، فإذا صوت يعلو من ناقة تحن وترغو في أنين متقطع عميق، ~~تحمله الريح في الليل الساكن من بعيد؛ فسكت أبو نويرة وأصغى إلى الصوت، وسكن الجمع في ~~مجالسه ينصت، فقد عرفوا أن تلك ناقة الحارث بن حي أحد الرسل الموفدين إلى بكر، وكانت الناقة ~~والدة في الحي تركت فصيلها، فما كادت تعود وتقترب من موضعه وتشم رائحته حتى ضجت له ~~بالحنين. # ومضى بعد ذلك حين خرج فيه جماعة يتلقون الوفد، وبقي آخرون ينتظرون حتى أقبل الرسل وأناخوا ~~إبلهم وأتوا إلى النادي، يحيط بهم جماعة الشبان ومعهم المهلهل مشرق الوجه متهللا. # ولما سلم القوم واطمأنوا في مجالسهم حول النار بين الكثبان قام أبو نويرة ببطء وهدوء، ~~وقال يخاطب كبير الوفد الحارث بن حي: إذا صدق الظن وأصاب الحس؛ فقد عدتم من بكر بسيوف ~~مصلتة ورماح مشرعة. # وساد الصمت لحظة، ثم رفع الحارث رأسه وتكلم بصوته العميق وهو مطرق فقال: سيعرفون غدا ms055 ~~أنهم ظلموا وما عدلوا، وستقيم تغلب حقها على حد السيف، وتنال منهم بالقسر ما أبوا ~~بالسلام. # فتحرك الشبان في مجالسهم قلقين، وهموا بالوثوب غاضبين، فقال أبو نويرة يخاطب الحارث: ~~ألم تنصف بني عمك يا أبا حي؟ # فقال الحارث في تردد: لقد أنصفنا بني عمنا فما أنصفوا، طلبنا إليهم أن يسلموا إلينا ~~جساسا نقتله في كليب فنحقن بذلك بيننا الدماء، فقال أبوه مرة: «إنه ركب فرسه وضرب في الأرض ~~وهم لا يدرون أي البلاد انطوت عليه.» فطلبنا إليهم أن يسلموا لنا أخاه هماما، فهو كفء كريم ~~نقتله بقتيلنا، فقال مرة ساخرا: «إن هماما أبو عشيرة وعم عشيرة وأخو عشيرة، كلهم بطل ~~فارس، ولن يسلموه لو أردت أن أدفعه إليكم لتقتلوه بجريرة غيره.» فقلنا للشيخ: «إذن فقد ~~رضينا بك أنت لتكون مطفئا لثأرنا.» فقال الشيخ في عناد: «والله لا أسلم نفسي قبل أن أجول في ~~الحرب جولة وأموت مناضلا.» ثم قال في كبرياء وغلظة: «ولكني أعرض عليكم غير هذا، أعطيكم ألف ~~ناقة سود المقل لتكون دية كريمة لقتيلكم!» # وسكت الحارث لحظة وقد بدا على وجهه الغيظ، وانفجر الجلوس في غضبة واحدة، فلم يستقر أحد ~~منهم جالسا، ولم يبق فيهم أحد صامتا. # وصاح المهلهل وقد كان إلى ذلك الوقت ساكنا: «وا كليباه! تقتل وأنت العزيز في ثأر ناقة ~~عجفاء، ثم لا يبذل في دمك الغالي سوى الجزر. وا كليباه! هل كنت لتباع بالنياق ليشرب القوم ~~ثمنك لبنا؟» # وعلت على أثر قوله ضجة تصم الآذان. وتصايح الشبان من جوانب النادي: «ويل لبكر! الحرب ~~والفناء لبكر!» # ثم نظروا إلى المهلهل وقد علا وجهه بريق الانتصار، فقام ليتكلم، واتجهت إليه الأنظار ~~فقال: «لقد علمتم أن كليبا كان لكم عزا ومجدا، به سدنا وبسيفه انتصرنا وعلت كلمتنا، ~~ولقد أكل الحسد قلوب أعدائكم فلم يجدوا لكم رزءا أشد عليكم من فقد كليب، ولم يعرفوا جرحا ~~أوجع فيكم من طعنة فؤاده، فهم إذا أصابوه لم يقصدوا إلا مجدكم، ولم يطمعوا من وراء مقتله ~~إلا أن يسودوكم. فوحق مناة وأوال ms056 ، وحق السيف والرمح، وحق المصاب الفاجع، والظلم الموجع ~~لنأخذن بثأر كليب حتى لا يبقى في بكر موضع ثأر، ولنأخذن بحقه كاملا، حتى لا يبقى عضو منه ~~أو جارحة لا نثأر لها، بل لنأخذن بثأر الشسع الذي كان يربط به نعله، نقتل به عزيزا منهم ~~وسريا من سراتهم.» # وكان الغضب قد بلغ منه عند ذلك مبلغ التوقد، فاحمر وجهه وتقبض، ولمعت عيناه لمعانا ~~وحشيا، وتصلبت أعضاؤه وهو يشير بيده مهددا. وسرت عدوى غضبه إلى الحاضرين، فلاحت على ~~وجوههم علائم الثورة، واكتست جباههم بظلال الدماء، ونظروا إليه وقد ملأهم العجب أن يكون هذا ~~الثائر المتوثب عدي بن ربيعة «المهلهل»، الذي كان لا يعرف إلا الخمر والتغني ~~بالنساء. # ولم يشعر القوم وهم في هذه الثورة بقدوم جماعة أقبلت عند ذلك، ووقفت عند طرف الجمع لتسمع ~~آخر مقالة المهلهل، وتشهد الغضبة الشاملة التي عمت نادي تغلب في تلك الليلة. # ولما خمدت حدة الثورة تقدم الوافدون نحو المهلهل ومدوا إليه أيديهم بالتحية، وقال كل منهم ~~له كلمة تعزية، ثم ذهبوا نحو أبي نويرة فرحب بهم وفسح لهم المجالس في صدر المكان، وعاد ~~الهدوء بعد قليل إلا همسات بين الجالسين يعرف بعضهم بعضا بهؤلاء الوافدين. # وبعد قليل وقف أبو نويرة فأشار بيده إلى الجمع أنه يريد الكلام، ثم قال كلمة رحب فيها ~~بالمقبلين، وشكر لهم سعيهم بالعزاء، وصمت لحظة، ثم أشار إلى كهل من الضيوف قائلا: «بطل بني بكر الحارث بن عباد.» # فتطلعت الأنظار إلى الرجل الذي أشار إليه أبو نويرة، وكان رجلا طويلا قد وخط الشيب ~~لحيته، ولكن قامته المعتدلة وبغاء جسمه المتين، واتزان حركاته وهدوءها كانت تنم عن أنه زعيم ~~اعتاد أن يقود وأن يغامر، وأن يأمر وأن يطاع. وبعد لحظة من السكون قال أبو نويرة يخاطب ابن ~~عباد: «إذ شئت يا أبا ضبعة.» # فوقف الحارث متكئا على رمحه، وتكلم وفي صوته رنة من الحزن فقال: «يا أبناء العم من تغلب! ~~لقد علمتم ما كان مما لا حيلة فيه. وكان فقد كليب مصابا جليلا ms057 ، عمنا معاشر بني بكر كما ~~عمكم، وأصاب أفئدتنا كما أصاب أفئدتكم، وكنا نرجو أن ينصف إخواننا بنو شيبان من أنفسهم، ~~فيحقنوا الدماء ويخمدوا نيران حرب لا يصيب فيها الرجل إلا أخاه، ولا تقطع فيها يمين المرء ~~إلا يسراه. ولكن بني شيبان لم ينصفوا ولم يعدلوا، ولجوا في العناد وأصروا على البغي، فلا ~~حاجة بنا إلى نصرتهم، ولا رغبة فينا إلى مؤازرتهم، فنحن بعد اليوم بمعزل، وإن كنا لا نملك ~~أن نحاربهم معكم، فلسنا بناصريهم عليكم؛ ولهذا عزمت على أن أكسر سهامي وأنزع الوتر عن قوسي، ~~وأسير بأهلي ومن أطاعني لأبعد عن هذه الفتنة. ولعل إخواننا يجدون بعد الغي هدى.» # ثم قعد إلى جوار أبي نويرة يبن همهمة خافتة تنم عن ارتياح وشكران. # وتعاقب بعد ذلك الخطباء من الوافدين، بعضهم من قبائل بكر الأخرى: بني عجل وحنيفة ويشكر، ~~تعلن الانفضاض عن إخوانهم بني شيبان أو الانتصار لتغلب ومؤازرتها، وبعضهم من فروع النمر بن ~~قاسط، جد بكر وتغلب الأعلى، وقد جاءوا لنصرة بني أبيهم التغلبيين على بني أبيهم البكريين ~~الذين تمادوا في البغي والظلم. # وهكذا صارت قبائل ربيعة كلها يدا واحدة تطالب بدم بطلها، وأصبحت شيبان في عزلة تستعد ~~للمقاومة وحدها، والدفاع عن جريمة ولدها الثائر الباغي جساس بن مرة. # ولما هم المجتمعون بالانصراف بعد ذلك وقف عدي بن ربيعة «المهلهل» في سكون، وأشار بيده ~~إليهم قائلا: على رسلكم يا بني أبي! # فوقف القوم ينظرون إليه، وكانوا عند ذلك أكثر إقبالا وأسلس أسماعا. فقال: «لقد علمتم ما ~~كنت عليه من ضلال وغي، وانصراف إلى اللهو والمجون. لا أنكر ذلك، ولا حاجة بي إلى نكرانه، ~~ولست أدافع عن نفسي ولا أبرئها؛ فقد كنت سادرا في ظل كليب، كفاني بشجاعته مئونة الجد، ~~وصرفني جاهه إلى اللهو في غير قصد، ولكن قتله سلبني حمايته وأفقدني جاهه. وعلي أن أقطع سائر ~~أيامي في قضاء دينه والوفاء له. وقد آليت منذ اليوم على نفسي، وعقدت بينكم موثقا، أن الخمر ~~علي حرام لا أذوقها، وأن النساء علي حمى ms058 لا أقربه، وأن الطيب لا يمس جلدي، وأن الماء لن يبل ~~جسدي حتى أثأر لكليب ثأرا تطيب له نفوسكم ...» ثم تردد قليلا وقال بعد صمت قصير: «وتطيب له نفسي.» # ثم سار مطرقا وسار القوم في إثره أجمعين، وقد تمثلت على وجوههم عزيمة الجد وطلب ~~الثأر. # | الفصل التاسع # كانت حربا عنيفة ليس فيها بقيا ولا هوادة. كانت تغلب تتعقب شيبان أينما تحل، لا تترك لها ~~متنفسا من الراحة، فإذا انتهت من وقعة وانحازت شيبان إلى منزل بعيد لتداوي جراحها وتصلح ~~سلاحها، وتجم خيولها، فاجأها بنو عمها قبل أن تطمئن في مقامها الجديد، فيوقعون فيها وقعة ~~جديدة أشد عليها وأنكأ لجراحها. وكان المهلهل لا يفتأ يذكر أخاه في ليله ونهاره، ويبكيه في ~~شعره، فلا يكاد قومه يعودون من القتال حتى يذمرهم ويحرضهم، فيثبون معه إلى حيث يمضي بهم. ~~وقد أسلموه قيادهم واتبعوه، لا يجادلونه في رأي ولا يعصونه في أمر؛ فقد وجدوا فيه قائدهم ~~الذي يسبقهم إلى الصدر، ويفرق لهم صفوف العدو؛ يضرب حانقا، ويندفع في غمار الجموع ثائرا، ~~يطحن ويمزق ولا تزيد أحقاده مع تمادي الحرب إلا اشتعالا. وألفت تغلب القتال حتى كأنهم ~~يجدون المتعة في مناظر الدماء وضجيج الهيجاء. # وتزحزحت شيبان عن منازل اليمن إلى اليمامة، ثم تزحزحت حتى بلغت أطراف القفر، تلتمس النجاة ~~من العدو الملح، لعل المهلهل يخشع عنها بعد أن نال منها ما نال في وقعاته العنيفة. وحسبت ~~أنه يستوحش من تلك الفلوات، فلجأت إليها على ما تتجشم فيه من قسوة الحياة. # ولكنها لم تلبث أن سمعت أن عدوها لا يزال يزحف إليها، ويخترق في سبيله الفدافد الوعرة ~~التي ظنوها تحميهم وراءها. # وكان يوما شديد الحر من أيام الصيف عندما سمع مرة شيخ بني شيبان أن المهلهل قادم في غزوة ~~جديدة مغيرا بقومه تغلب وحلفائه من قبائل بكر والنمر بن قاسط. وكان بنو شيبان عند ذلك ~~نازلين بآخر منزل حلوا فيه بعد هزائمهم المتكررة، فضربوا خيامهم عند عين واردات في أطراف ~~اليمامة، بعد أن هجروا رياض نجد ms059 وأوديتها الخصيبة منذ غلبهم عليها بنو عمهم في الوقائع ~~الماضية؛ وقائع النهي وعنيزة والذنائب. وكانوا لا يجدون في وادي واردات إلا أقل المراعي ~~كلأ، وأشح العيون ماء، وأشد البلاد حرا وإقفارا، ولكنهم كانوا لا يزالون يأبون النزول ~~على حكم عدوهم، وإن كان عددهم قد صار إلى القلة، واضمحل أمرهم وضاعت أموالهم في حروب تلك ~~السنين الطويلة. # ووقع نبأ الغارة الجديدة على الشيخ مرة وقع الصاعقة؛ لأنه كان يعرف قلة عدد فرسان قومه، ~~وكثرة المتألبين عليهم من فرسان القبائل الأخرى. وزاد في شدة الأمر عليه أن سنوات الحرب ~~كانت سنوات جدب ذهبت بأكثر الأموال، وأن السماء لم تسعف الشتاء المنصرم بما يحيي المراعي ~~ويسمن البهم ويدر الألبان. وجعل يقلب وجوه الرأي فيما هو صانع في تلك الغارة؛ أيقف مرة أخرى ~~لعدوه القوي، أم يستعد للنزوح إلى فيافي الدهناء المخيفة؟ وفيما هو في ذلك الهم الشاغل أقبل ~~عليه ولده جساس مسرعا، فرفع الشيخ بصره إليه صامتا وهو يعبث بلحيته البيضاء بأصابعه ~~النحيلة في شيء من الاضطراب. فوقف جساس لحظة ينظر نحوه وقد امتلأ قلبه شفقة على ذلك الشيخ ~~المتهدم، الذي ما زال يحمل هموم قومه تلك السنين الطويلة بما فيها من الهزائم والمحن، وكان ~~يحس بجريمته، إذ كان السبب في إثارة تلك الفتن وإنزال تلك الكوارث بقومه. واقترب من الشيخ ~~فجلس القرفصاء إلى جواره، وقال بصوت خافت فيه رنة الرحمة: «أبي!» # فلم يرد الشيخ أن يظهر شيئا مما كان في نفسه من الهم، فأسرع مجيبا في هدوء: «لعلك قد ~~علمت بنبأ تحرك القوم نحونا يا جساس.» # فقال جساس بصوت متردد: «هذا ما جئت أحدثك فيه.» # ومضت لحظة قصيرة عليهما في صمت، ثم قال جساس: «لقد رأيت يا أبي ما جلبت على قومي من ~~المصائب، وقد بدا لي اليوم عظم جرمي عليكم وشناعة مضرتي لكم؛ كنت شابا نزقا لم أعرف مغبة ~~عملي وعاقبة تهوري، حتى مرت بنا هذه الأحداث وتطاولت علينا مدة الحرب هذه السنين، فعلمت ~~الحق بعد أن تفلت الأمر من الأيدي ms060 ، ورأيت أنني كنت كما وصفتني يوم قتلت كليبا، جانيا ~~مشئوما منكودا. علمت أنني لم أحرز لقومي عزة بقتل كليب، بل أذهبت عنهم عزتهم، وفرقت ~~كلمتهم وأفشيت فيهم الثكل والويل.» # فلم يجب الشيخ على قوله بكلمة، بل ظل مطرقا وهو يعبث بلحيته، وساد الصمت حينا آخر، ثم ~~استمر جساس قائلا: «وقد عزمت يا أبي على أن أحمل جريرتي دونكم، وأبذل نفسي في فدائكم، لعلي ~~أنقع غلة ذلك الصديان الذي لا يرتوي من كل ما أراق من دمائنا.» # فرفع الشيخ رأسه مسرعا وقد بغته ذلك الرأي الجديد، وقال مندفعا: «ماذا تقول يا جساس؟» # فاستمر جساس يتكلم فقال: «لقد عزمت على أن أذهب إلى المهلهل وأسلم إليه نفسي، لعله يقنع ~~بي وينصرف عنكم.» # فقال الشيخ وفي صوته غضبة ثائرة: «أبعد إذ كان ما كان؟ أبعد أن قتل من ولدي وقومي من قتل ~~في سبيل الحفاظ والكرامة تسلم نفسك إليه؟ أتلحق بنا المعرة التي كرهناها، وتنزل بنا الصغار ~~الذي أبيناه؟ وما لذة الحياة بعد من ذهبوا؟ وهل يحل بنا بعد اليوم إلا مثل ما حل بقومنا ~~بالأمس؟ لقد أبينا أن نسلمك لهم ونحن أعزة، فلن نسلمك لهم ولم تبق لنا عزة نحرص عليها. ليس ~~بيننا وبين المهلهل إلا الفناء.» # وكانت العزيمة الصارمة التي في صوته لا تدع مجالا للمراجعة. # فنظر جساس إلى وجهه المجعد لحظة، وخفق قلبه حزنا إذ رأى عليه أثر الهم الذي يضمره في ~~قلبه، وأحس أنه لا يزال الابن الصغير الضعيف أمام ذلك الأب الشيخ القوي الفتي. ولم يستطع ~~إلا أن يغض بصره وأطرق إلى جواره موزع النفس كاسفا. # ومضت لحظة أخرى في صمت، ثم استأنف جساس القول، وكان في هذه المرة أكثر ترددا واضطرابا. ~~قال: «إذا كنت يا أبي قد عزمت على المضي في هذه الحرب فلا أرى لك أن تبقى ها هنا.» # فقال الشيخ في هدوء وقد نظر إليه فاترا: «وإلى أين نذهب إذا لم نقم ها هنا؟ لقد اضطررنا ~~إلى هذا المقام اضطرارا، ولم يبق لنا بعد هذا ms061 الموطن إلا الفيافي القاطعة، ولن يكون لنا ~~فيها إلا العذاب ثم الهلاك. وإذا كان ولا بد لنا من الموت فليكن على ظهور الخيل والسيوف في ~~أيدينا.» # فقال جساس وقد زاد اضطرابا وترددا: «لقد بدا لي رأي إذا أحببت أن تسمعه.» # فقال الشيخ ولا يزال فاترا: «قل ما بدا لك يا ولدي.» # قال جساس بصوت خافت: «نحمل نساءنا وأطفالنا ونتسلل في أودية اليمامة حتى نبلغ منازل تغلب ~~من وراء ظهورهم، فنتقوى بما عندهم من أموال، وإذا رجعوا إلينا بعد حين ليحموا حرمهم ~~قابلناهم وقد استرحنا وهم في جهد السفر الطويل.» # فتحرك الشيخ حركة ضجر في مجلسه وقال في لهجة قاسية: «تذهب إلى منازل تغلب؟ وماذا نجد هناك ~~سوى النساء والصبية، أو كل ضعيف من الشيوخ والمرضى؟ أتريد أن تعيد علينا معرة فوق معرة؟ ألا ~~تذكر يوم قتل (ابن غنم) المرأة التغلبية؟ ماذا جر علينا قتل المرأة غير العار الذي لا يزال ~~لاحقا بابن غنم وأهله وقومه؟ دع عنك هذا فإنك إن تنصر عدوك بمثل هذا البغي. إننا لو فعلنا ~~ذلك الذي تشير به لما زاد علينا العرب إلا غضبا، وكفانا ما جلبنا على أنفسنا من عداوة ~~الأقوام.» # ولم يطل الحديث بعد ذلك بين الأب وابنه، فقد أقبل همام بن مرة مسرعا على فرسه وهو يلوح ~~بشملته في الهواء، وفي مظهره ما ينم عن الفزع من أمر خطير. فأسرع الشيخ ليقف على قدميه وهو ~~يترنح من ضعف الشيخوخة، وساعده جساس حتى وقف، وسار بخطى متعثرة نحو ولده المقبل ينظر نحوه ~~في لهفة، وجساس إلى جواره يسنده من تحت إبطه. # ولما اقترب من همام صاح به في لهفة: هل من جديد؟ # فقال همام مسرعا: العدو وراء هذه الكثبان. # وأشار إلى الربى الصفراء التي عند الأفق، ثم قال وهو يهمز فرسه: هلم يا جساس، املأ لنفسك ~~قربة ماء والحق بي، فإني ذاهب لأنذر الناس. # ولم ينتظر همام جوابا، بل لف لثامه فوق أنفه وفمه، ليلتقي به الهواء اللافح والحر ~~المتقد، ثم وثب بفرسه نحو ms062 منازل قومه، فقال الشيخ وهو ينظر في أثره: «ولدي!» # ثم غص بريقه فسكت. ووقف ينظر نحو التلال البعيدة كأنه في حلم. # ووثب جساس إلى فرسه، فما هي إلا لحظة حتى كان في أثر أخيه، وغيبهما الغبار الثائر عن عيني ~~الشيخ الحزين. # بعد ساعة كان فرسان بني شيبان يسيرون نحو الكثبان ليلاقوا العدو المغير، وسيوفهم تبرق في ~~أيديهم، وأسنة رماحهم تلمع في ضوء الشمس الساطعة كأنها شرر منبعث من لهيب. وكانت الرياح ~~الحارة تثير الرمال، وتلفح الوجوه وتكاد تخنق الأنفاس. ونظر مرة إليهم وهم سائرون، فرآهم ~~صفوفا ضئيلة فوق خيول ضامرة، يسرعون إلى القتال وهم يعلمون أن العدو قد أقبل نحوهم في عدده ~~وعدته، يريد أن يستأصل بقيتهم بعد أن أفنى منهم الألوف في وقعة بعد وقعة. واسودت الدنيا في ~~عيني الشيخ عندما تذكر أنه لم يبق له من قومه إلا هذه الفئة القليلة، ولم يبق بيت من ~~بيوت شيبان إلا وقد فجع في زهرة شبابه وصفوة فرسانه. فرفع يده إلى عينه ومسح دمعة ترقرقت ~~فيها، وقال كأنه يحدث نفسه: «ألا ما أقلها من بقية! لقد عشت حتى أرى هذا! فيا ليتني ~~...» # ثم توقف عن إتمام قوله كأنه لم يشأ أن يدع نفسه تتمادى في هذه الخواطر اليائسة في مثل تلك ~~الساعة الخطيرة. وهز نفسه ووقف ينظر بلهفة إلى الفضاء الفسيح حيث يترجح ميزان ~~القضاء. # وسارت الكتيبة الصغيرة حتى صارت في منبسط الأرض، فوقفت تنظم صفوفها وترتب خطتها، فاختار ~~همام جماعة من الفرسان ليكونوا معه طليعة، واختار جساس جماعة أخرى ليكونوا لهم ردءا، وأرسلت ~~طائفة ثالثة مع عمرو بن السدوس إلى ثنية وادي واردات لتكمن للعدو، وتخرج عليه إذا وجدت ~~الفرصة سانحة. # واتفق قادة شيبان على أن يتقدم همام إلى العدو فيحاربه ويبارز أبطاله، حتى إذا التحم ~~الجيشان واستحر القتال، تظاهر همام بالهزيمة، فيقف جساس بمن معه في وجه العدو المتقدم، حتى ~~يتمكن همام ومن معه من العودة إلى المنبسط الفسيح دون الكثبان، ليستريحوا ويشربوا من قرب ~~ماء يضعونها في الرمال ms063 ، ثم يتظاهر جساس بالانهزام متياسرا، ويتقهقر بجماعته إلى ناحية ~~الكمين، فإذا ما أوغل العدو وراءهم في السهل وظن أنه أوقع بهم الهزيمة، وقصد إلى منازل ~~شيبان ليسبي من فيها من نساء وأطفال، ويغنم ما بقي بها من مال وأثاث خرج عليه كمين ابن ~~السدوس فجأة، وعاد همام وجساس يكران عليه بجماعتهما فيأخذونه وهو آمن مشتت، مشتغل بجمع ~~الأسلاب، ويوقعون به هزيمة محققة يستردون بها شرفهم، وينتقمون لما سبق من مصابهم. # ولما تم تدبير هذه الخطة تقدم همام وقد حمل قربة من الماء جعلها على عاتق فرسه، وقال ~~لأصحابه: «لا ينس أحدكم أن أمامه اليوم قتالا مجهدا في صحراء جرداء، فليحمل كل منكم قربته ~~فإذا صرنا عند الكثبان جعلها في موضع يعرفه، فإذا أجهده القتال قصدها فارتوى ثم عاد إلى ~~قتاله نشيطا، فاليوم لا يموت إلا العطاش.» # ثم هز فرسه فعدا به نحو الكثبان، وأصحابه وراءه يسوون سلاحهم ودروعهم، وقد امتلأت قلوبهم ~~عزيمة وأنفة. وكانت تغلب لا تزال وراء الكثبان تنتظر أمر المهلهل بالسير، وهي تملأ الفضاء ~~خيلا ورجالا. وكانوا لا يظنون أن بني شيبان يجرءون على المسير إليهم، فقد كانوا يعلمون ~~أنهم صاروا في قلة من العدد، وجهد من طول الحرب، يقيمون في أرض قاحلة، ويقاسون مرارة العيش ~~في واد قفر. وكان المهلهل يرى أن تلك الغارة لا محالة تأتي عليهم، وتقضي على من بقي منهم؛ ~~ولهذا لم يتعجل في زحفه، بل كان يؤثر المقام في مكانه حتى يفتر الحر وتميل الشمس، فيسطو ~~عليهم سطوة لا يلبثون معها أن يتفرقوا، فيقتل فيهم ما شاء حتى إذا أقبل الليل كان قد طواهم ~~في هزيمة قاضية. # كان المهلهل لا يزال في خيمته يستظل حتى تميل الشمس عن كبد السماء، فإذا كتيبة شيبان تطلع ~~من وراء الكثبان وتهبط على فرسانه كما تحل العاصفة فجأة. فاضطرب الجمع المحتشد، وتواثبوا ~~إلى خيولهم وتصايحوا يدعو بعضهم بعضا، وينادي قريبهم البعيد. فوجد همام في ذلك الاضطراب ~~فرصة فانتهزها، وأهوى بجماعته القليلة على من لقيه من أدنى القوم ms064 ، فقتل فيهم مقتلة عظيمة، ~~حتى هم سرعان بني تغلب بالانهزام، ودفع المنهزم أخاه من ورائه، وكادت المفاجأة تنتهي في ~~تغلب إلى نكبة كارثة. # وعند ذلك أقبل المهلهل من أقصى الميدان في سلاح تام ودرع ضافية، واندفع إلى عدوه كأنه سهم ~~انطلق من قوسه لا يتردد ولا يميل، وهو يضرب بالسيف تارة ويطعن بالرمح أخرى، فلا يصمد إلى ~~فارس حتى يجدله، ولا يجالد بطلا حتى يصرعه، كأن صخرة تهوي حيث هوى. وهو كلما ضرب فارسا ~~صاح بصوت يدوي: «وا كليباه!» فعرفت شيبان الضجة وعرفت أنه مهلهل بن ربيعة الذي آلى على نفسه ~~ألا يزال دهره على أهبته لا ينزع جوشنه ولا يضع درعه ولا بيضته. # ووجد بنو تغلب عند ذلك متنفسا من الوقت للاستعداد، فركبوا خيولهم سراعا واجتمعوا من ~~أطراف الفضاء خفافا، وعاد الذي كان ينهزم، واطمأن الذي كاد ينخلع وأحاطوا بكتيبة همام حتى ~~كادت لا تجد ثلمة للفرار. # ولكن بني شيبان وإن كانوا قلائل في العدد، كانوا من فرسان اعتادوا مقارعة الأبطال، وطالت ~~بهم منازلة الشجعان، فما زالوا يتلقون الضربات بالدروع، ويتواثبون فوق خيولهم كالسعالى من ~~الجن، حتى استطاعوا أن يخرجوا من حلقة العدو، وقد أوشكت أن تلتئم حولهم، وأسرعوا فوق ~~الكثبان منهزمين نحو الفضاء الفسيح الذي دونها. ولحقت بهم خيول تغلب غير مترددة، وتدفقت ~~وراءهم كأنها السيل ينحدر إلى بطن الوادي. ولكن المهلهل بقي حيث كان، فما كان مثله ليتبع ~~منهزما؛ فهو للقاء العدو المقبل، وليس لاقتفاء المنهزم المدبر. # كان جساس عند ذلك رابضا بمن معه وراء الكثبان، فلما رأى خيول تغلب تتدفق فوق الكثبان ~~أسرع إليهم فوقف في سبيلهم، فعطف المغيرون عليه وتركوا هماما ومن معه يمضون في ~~سبيلهم. # وقاتل جساس في جماعته قتال المستميت، وكان الفضاء الرحب أرفق بهم، وأطلق لحركاتهم، فكانوا ~~يفرون ثم يكرون، ويحاورون عدوهم ثم يعودون إليه، حتى خيل إلى بني تغلب أنهم يلاقون جيشا ~~خميسا وعددا عديدا. وزادت هيبة الفئة القليلة في قلوبهم فترددوا في لقائها، وتحاموا ~~بطشها وقتالها، وعلا ضجيج القتال وتجاوب ms065 الفضاء بأصوات الحديد، فسمعها المهلهل وهو في مكانه ~~يستريح مما ناله من جهد القتال الأول، فأسرع مبادرا فاعتلى الكثيب وأشرف على الفضاء، فرأى ~~كتيبة جساس تطحن قومه في قتالها العنيف، فانحدر نحوها يصيح صيحته. فما سمعت تغلب الضجة حتى ~~اشتدت عزائمها فحملت حملة شديدة. ورأى جساس أنه لن يستطيع الثبات أمام ذلك التيار الآتي، ~~فانهزم بجماعته متياسرا نحو جانب وادي «واردات» وتبعهم مهلهل يصيح: «وا كليباه!» # وسمع جساس الصيحة فعرف أن ذلك الفارس هو مهلهل المخيف، وغلى الدم في رأسه عندما تذكر من ~~قتل من إخوته ومن قومه، وكان العطش قد أجهده وطول القتال قد أجهضه، ولكن الغيظ غلب عليه، ~~فأشار إلى فارسين قريبين منه أن ينحازا بجماعتهما إلى جانب الوادي، وعاد هو نحو عدوه محنقا ~~يطلب القتال الذي لا هوادة فيه. # ووقف جساس وجها لوجه أمام عدوه الفاتك وناداه أن يقبل عليه للنزال، فأقبل مهلهل نحوه ~~كأنه يقذف بنفسه قذفا، ووقف فرسان تغلب على مسافة بينهما ليروا ما تنتهي إليه مبارزة ~~القرينين. # قال جساس صائحا صيحة وحشية «إلي يا مهلهل! أنا قاتل كليب! أنا جساس بن مرة إن أردت ~~ثأرك.» # وما سمع المهلهل اسم جساس حتى اندفع نحوه محنقا وغص بريقه من شدة الغضب، فلم يجب إلا ~~بضربة كادت تشق البيضة عن رأس جساس وتنفذ إلى دماغه. # فترنح جساس لشدة الضربة، ولكن البيضة دفعتها عنه، ثم تمالك نفسه بعد قليل وأهوى بسيفه نحو ~~رأس خصمه فضربه ضربة أودع فيها ما في قلبه من حقد وغضب، فتحول المهلهل عنها سريعا، فوقعت ~~الضربة على عنق الفرس فقدته، ووقع الفرس كأنه جلمود صخر. # ووثب المهلهل إلى الأرض حتى لا يقع تحت الفرس القتيل، ورمى سيفه عند ذلك وقبض على رمحه ~~الطويل وهزه في يده حتى ارتاح إلى قبضته، ثم سدده إلى قلب جساس وأسرع فقذفه به. # وأدهشت هذه الحركة جساسا فلم يستطع أن يأخذ رمحه في يده، ولم يقدر على أن يبلغ المهلهل ~~بسيفه وهو بعيد عنه، فلما رآه يقذف نحوه الرمح ms066 البارق تحول عن فرسه إلى الأرض كالنمر ~~الأرقط، فلم تصب الضربة إلا جانب درعه، ولكنها كانت ضربة غاضب محنق فزلزلته، وكادت تلقيه ~~صريعا. # في تلك اللحظة سمعت صيحة عالية من وراء المهلهل، فالتفت فرسان تغلب إلى جهتها، فإذا كمين ~~ابن السدوس يهوى نحوهم من جانب الوادي يريد أخذهم من وراء. وكان المهلهل على وشك أن يتبع ~~ضربته بأخرى، فلما رأى الكمين مقبلا نحوه أسرع إلى فرس قتل صاحبه، فوثب عليه واتجه مسرعا ~~نحو العدو المقبل، وهو يقول في غيظ: «لهف نفسي على فوت جساس!» # وما هو إلا قليل حتى اصطدمت الكتيبة المقبلة بمهلهل ومن معه، وقد أقبلت بعد راحة من ~~القتال، فكانت على قلة عددها ثقيلة الوطأة شديدة الضربة. # وعادت في الوقت عينه جماعة همام بعد أن رويت واستراحت، وعادت معها كتيبة جساس بعد أن ~~تنفست. # والتحم عامة جيش شيبان بعامة جيش تغلب، وعلا القتال وعم الاضطراب، واختلط الجمعان وفشا في ~~الجانبين القتل وتعالى فيهما الضجيج، وتردد النصر بينهما؛ فتارة تنحاز تغلب إلى الكثبان، ~~وتارة تنحاز شيبان إلى جانب الوادي، وتفرق المتقاتلون، فمنهزم يتبعه خصمه، وراكض يلجأ إلى ~~قومه، ومتعب يلتمس صخرة يستريح عندها، وظامئ يطلب شربة يرتوي بها، ومالت الشمس إلى الغروب ~~وميزان القتال لا يزال مترجحا، تارة يميل مع شيبان وأخرى يميل إلى تغلب. وفي أثناء ذلك ~~الهرج الشامل علت صيحة من جانب الكثيب حملتها الرياح الثائرة مع رمالها، وكان يمتزج فيها ~~رنين الفرح الوحشي بجلجلة اضطراب وفزع: «قتل همام بن مرة! قتل سيد شيبان!» # وسمع المتقاتلون تلك الصيحة وهم لا يعرفون من أين أقبلت، فوقفوا في مواضعهم حينا يتلفتون ~~في دهشة، فهل هي بعض خدع الحروب، يقذف بها أحد المتحاربين يقصد بها قصدا؟ أم هو فارس من ~~فرسان تغلب أصاب قرينا من فرسان شيبان يحسبه سيد القوم فصاح تلك الصيحة، وهو واهم قد اشتبه ~~الأمر عليه؟ أو هو رجل مدع من بني تغلب يريد أن يباهي لحظة بأنه قد هد شيبان بمقتل سيدها، ~~لكي يتحدث الناس باسمه ms067 حينا فيرضي غروره حتى يظهر الحق بعد لأي، فيكون قد أصاب من جلال ~~البطولة نصيبا مخلوسا؟ أم قد فترت تغلب عن القتال وأعياها ثبات شيبان فصاح رجالها تلك ~~الصيحة، لكي يتستر وراءها المهلهل ويأمر رجاله أن يكفوا عن القتال مكتفين ذلك اليوم بما ~~نالهم من جراح دامية في النضال العنيف؟ ترددت كل هذه الخواطر في قلوب مختلفة، وتلفت فرسان ~~شيبان وهم وقوف لعلهم يرون بطلهم هماما فيعرفونه بدرعه المعلمة وفرسه الكميت النبيل. ~~وأصاخوا بالأسماع لعلهم يسمعون صوتا يرتفع بتكذيب الصيحة الخبيثة فيطمئنوا على فارسهم ~~الباسل، ولكنهم لم يسمعوا من ذلك شيئا، بل سمعوا الصيحة الأولى تتردد مرة أخرى في قسوة ~~كأنها من صوت القضاء. # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون: من يكون ذلك الصائح؟ وهل هو ممن يعرفون من فرسان ~~تغلب؟ # وعند ذلك ترددت الصيحة، وكانت في هذه المرة صرخة رددتها صفوف العدو في فرح: «قتل سيد ~~شيبان!» # فلم تلبث شيبان أن تفرقت، ولم تلبث عزائمهم أن تضعضعت، وتردد الفرسان لحظة، ثم جرفهم خوف ~~كأنه السيل، فركضوا خيولهم يطلبون مضارب الخيام لعلهم يقدرون على حماية الحرم فيستطيعوا ~~النجاة من العدو المنتصر. # ونظرت تغلب إلى مهلهل ينتظرون ما يقول بعد سماع ذلك النبأ الخطير، فقد أجهدهم القتال، وما ~~كان مقتل مثل همام بالنصر اليسير، فهل يسير بهم المهلهل بعد هذا النبأ حتى يجهز على بني ~~شيبان وهم في دهشتهم واضطرابهم؟ أم يأمرهم بإيقاف الحرب والاكتفاء من ذلك اليوم بقتل ~~همام؟ # ووقف المهلهل صامتا لحظة بعد أن سمع الصيحة وكان لا يزال في سلاحه ودروعه كقطعة من ~~الحديد، ورآه الفرسان يركز رمحه في الركاب، ويسند عليه رأسه حينا، ثم رأوه يرفع رأسه ويشير ~~إليهم قائلا بصوت خافت: «ليهنئكم النصر أيها الفرسان، وحسبكم اليوم ما كان!» # في تلك الليلة كان مهلهل يجول في أنحاء الوادي يسير في أثر فتى ضئيل حائل اللون، حتى إذا ~~بلغ الفتى الجانب الأدنى من الكثبان، وقف وأشار إلى جسم ممدود على الأرض مائل إلى جنبه، وقد ~~اختلطت حوله الرمال ms068 بالدماء، يمد يده نحو قربة ماء في حفرة بين الرمال. # وقال الفتى في لهجة المباهاة مشيرا إلى ثنية وراء الكثيب: «هناك انتظرته حتى اشتد به ~~العطش، فأتى ليرتوي من قربته التي جعلها في جانب من الرمال، فلما جلس ليستريح ويشرب تغفلته ~~وطعنته، وكانت طعنة قاضية.» # فنظر المهلهل نظرة ساهمة إلى الجثة الممدودة وإلى وجهها المعفر، وغاب حينا في صمت ~~وتفكير، ثم اختلجت شفتاه قليلا ونظر إلى الفتى وقال: ألا تعرف فضل همام عليك يا ~~ناشرة؟ # فقال الفتى: نعم لقد أخبرتني أمي. # وكان ناشرة فتى من تغلب ولدته امرأة فقيرة أرادت أن تئده بعد ولادته خوفا من الفقر، خشية ~~ألا تجد طعاما يكفيها مع ولدها، فأحسن همام إليها وأعطاها ناقة ولودا تطعم من لبنها، وضم ~~الطفل إليه ليعيش مع أهله، حتى شب ناشرة وعرف أنه تغلبي، فذهب إلى قومه تغلب ليحارب معهم في ~~وقعة واردات. # وبعد صمت قصير أردف الفتى قائلا: لم أعرف في شيبان أكرم منه لأقتله في ثأر كليب. # فحول المهلهل بصره عن الفتى، ثم نظر إلى القتيل الطريح كأنه يريد أن يملأ منه عينيه، ثم ~~قال والدموع تجري في مآقيه: «أي همام! يا رب ليلة جمعتنا على المودة، ويا رب حديث تبادلناه على الصفاء. إن الثأر حبب ~~إلي قتلك فأنت كفء كريم، ولكن قلبي ينازعني إليك يا صديق الشباب. وإن كبدي لحرى عليك يا ~~خليل الصبا. ما قتل بعد كليب من هو أعز منك علي، وما بقي بعدكما في الحيين من يعقد الخير ~~عليه.» # ثم التفت إلى الشاب وقال في وجوم: اذهب يا ناشرة وغيب وجهك عني. # ومضى نحو معسكر الجيش، وترك الشاب مشدوها حائر الفؤاد، ولم يستطع المهلهل أن يبقى بعد ~~ذلك في واردات. # ففي تلك الليلة نفسها كان يسير في طليعة قومه عائدين إلى أرضهم، فقد هزه قتل همام فلم يدع ~~له رغبة في معاودة القتال. # | الفصل العاشر # مرت السنوات تتوالى والحرب لا تزال دائرة بين بني العم المتناضلين في الفناء، وشب الصغير ~~في أثنائها وفني ms069 الكبير، ونبغ من الفرسان جيل في إثر جيل. ولكن المهلهل لم تهدأ ثائرته ولم ~~يرتو بعد مما أسال من الدماء. # وتوالت المصائب على بني شيبان بعد وقعة واردات، كما توالت عليها قبل تلك الوقعة، فقتل ~~همام بن مرة في أثناء المعركة، ثم قتل عمرو بن السدوس وقت الهزيمة. ولم يلبث بنو شيبان إلا ~~قليلا بعد ذلك حتى روعوا بمقتل رئيسهم الجديد والبقية الباقية من قادتهم وأبطالهم، وآخر ~~أبناء مرة جساس قاتل كليب. قتل جساس ولكنه لم يقتل في ميدان الحرب، ولم تطعنه يد غريبة ~~ترصدت له، بل أحاطت بمقتله روعة خلعت عليه لونا قاتما من الفداحة، فما كان قاتله سوى ابن ~~أخته الهجرس بن كليب التغلبي. # كان الهجرس جنينا عند مقتل أبيه، ثم ولدته أمه جليلة بنت مرة وهي بين ظهراني قومها بني ~~شيبان، وشب فيهم ونما حتى أصبح فتى الفتيان وزين الشباب، فتى طويل القامة عريض المنكبين ~~جميل الوجه، ولكنه كان مثل أبيه تخالط جماله قسوة من عبسة بين عينين تلمعان لمعان فرند ~~السيف. وكان قليل الكلام فإذا تكلم عذب قوله في السمع ووقع في النفس. وكان عظيم المروءة ~~يسرع إلى النجدة ولا يبالي المخاطر، فاتخذه جده مرة أنيسا، يفيض من بهجة شبابه على شيخوخته ~~التي تطاولت به، ويرفه بمنظره عن الآلام التي توالت عليه. وجعله خاله جساس في أهله ولدا، ~~وزوجه ابنته الجميلة سعاد، يريد بذلك أن يكفر عن ماضي جريمته في قتل أبيه، وكانوا يسمونه ~~ابن جساس حتى لا تدخل الأحقاد إلى قلبه إذا عرف أنه ابن كليب. # ولكن مكان الهجرس في شيبان غشيته غشاوة من الهموم منذ قتل همام بن مرة، ذلك بأن ناشرة ~~قاتل همام كان فتى تغلبيا، أحسن همام إليه وعطف عليه، بل حفظ حياته وليدا ورعاه طفلا ~~وفتى، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال لم يذكر إلا أنه من تغلب أعداء شيبان، فقتل الرجل الذي أحسن ~~إليه، وغدر بمن كان حقه أكبر من حق الأبوة عليه. # فأخذ جماعة من الشبان يذيعون المطاعن على هجرس ms070 ، ويحرضون على إخراجه من بينهم حتى لا ~~يصيبهم بمثل ما أصابهم به ناشرة. وسمع الهجرس ما يقولون فيه، فداخلته الوساوس والشكوك، ~~واشتعلت فيه الكبرياء والأنفة، وضاق صدره بالإقامة في قوم يقول قائلهم عنه إنه ليس منهم. ~~فما زال بأمه جليلة حتى أخبرته بحقيقة أبيه، بعد أن هددها بأن يسير في الأرض فلا تدري أين ~~يقيم، ولا أي البلاد تشتمل عليه. # وما علم أن أباه كليب حتى أظلمت الدنيا في عينيه، ودارت به الأرض وخر صعقا، ولم يفق من ~~غشيته حتى كان قلبه قد استقر على أن ينتقم لأبيه، وأن يلحق بعد ذلك بأعمامه وذوي صلبه. وجعل ~~يدبر الحيل ويغتنم الفرص، حتى حقق غرضه وأنفذ قصده، فطعن خاله جساسا وأسرع هاربا فلحق ~~بعمه المهلهل في منازل تغلب. # فكان هذا الحدث تتمة الأحداث، وقاصم الظهور ولم يبق لشيبان بعده من بأس، فقد ذهب بذهاب ~~جساس آخر من بقي من أبطالها وهيض جناحها وكسرت شوكتها. # وبقي الشيخ مرة في شيبان وحيدا، قد أحنت ظهره السنون المتطاولة، وعصفت به أحداثها ~~المتعاقبة، واجتمع عليه مصاب الهزيمة، وحزن فقد الأعزاء من أبنائه ومن فرسان قومه الذين ~~قصفتهم الحروب واحدا بعد واحد، وتركتهم معفرين في الأودية تنهشهم السباع وجوارح الطير. ~~فتضعضعت نفسه وانطفأت فيه سورة الكبرياء التي كانت من قبل تدفعه وتجمح به، فلم يجد بدا من ~~أن يسعى إلى مصالحة المهلهل والتذلل له، حتى يحفظ على قومه البقية الضئيلة التي بقيت لهم من ~~ذراري المستقبل. كان لا بد له من مصالحة المهلهل، إذا شاء أن يبقى في شيبان باق من هذه ~~الصبية الصغيرة التي كان يراها تسعى حوله وليس فيهم إلا من فقد أباه أو عمه، أو أصيب في بعض ~~إخوته. لم يبق في شيبان إلا هؤلاء الضعفاء، بعد أن أفنى المهلهل في وقائعه كل من استطاع ~~الحرب من كهول وشبان. ولم يجد الشيخ مرة من يلجأ إليه إلا الحارث بن عباد سيد بني ثعلبة، ~~ذلك الذي اعتزل الحرب منذ أولها، ولم يرض أن يشارك قومه ms071 البكريين ميادينها؛ لأنه لم يرض ~~عن ظلمهم وبغيهم في قتل كليب، وإصرارهم على الظلم إذ أبوا أن يرضوا بني عمهم التغلبيين في ~~دمه الكريم. # لجأ مرة إلى الحارث وخضع له يستلين قلبه، ويستعطفه على تلك البقية الضعيفة من شيبان. وطلب ~~إليه أن يبعث إلى المهلهل فيرجوه أن يقنع بما أصاب من دماء بكر، وأن يمن عليه بالصلح فقد صار هامة ~~يومه أو غده، فهو لا يحرص على شيء إلا أن يدع لهؤلاء الصبية من شيبان فرصة الحياة، فرق له ~~الحارث ولم يشأ أن يزيد آلامه بلوم، أو أن يذكره بما مضى من بغيه وكبريائه. وخف إلى معونته ~~مبادرا، فأرسل إلى المهلهل وفدا يرجوه أن يعود إلى مسالمة بني عمه بعد أن أصاب منهم من ~~أصاب في ثأره. وأراد أن يسل بقية الحقد من قلب المهلهل، فبعث إليه مع الوفد بولده بجير ومعه ~~كتاب قال فيه: «إني مرسل إليك ولدي بجيرا وهو عندي حبيب، وفوضت إليك الأمر فيه، فإن لم تكن ~~رضيت اليوم بمن قتلت من شيبان فدونك ابني جعلت فداءك! فإما قتلته بأخيك الكريم فهو كفء له، ~~وإما أطلقته متكرما إذا رأيت أن تمن به علي، وأنا في الحالين راض ما دمت تعود بعد ذلك إلى ~~السلام، وترضى بإصلاح ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب الطويلة من كان بقاؤه خير ~~لنا ولكم.» # ومضت أيام بعد سير الوفد إلى المهلهل، وكان مرة ينتظر عودتهم في قلق ولهفة، وقد ملك عليه ~~الحزن قلبه، فلم يدع فيه مكانا لتجمل أو اطمئنان. # وكان في يوم من هذه الأيام جالسا في فناء منزله، وإلى جانبه صديق له من بني عمومته، يحاول ~~أن يعزيه ويخفف عنه، ولكن اليأس كان يملك على الشيخ كل أمره، فكان لا يتمالك نفسه من ~~البكاء. فقال له صاحبه: أما تتجمل بالصبر يا أبا همام؟ # فقال الشيخ والحسرة تغلبه: «ماذا بقي لي في الحياة يا أبا مالك حتى أتجمل وأصبر؟ إن هما ~~إلا يومان أقضيهما في البكاء ثم أمضي ms072 .» # فقال أبو مالك عاطفا: «لئن بكيت يا أبا همام لقد حق لك البكاء. ولكنا كنا نتأسى بصبرك ~~ونتثبت بثباتك، فلسنا نملك اليوم معك لا الرثاء لأنفسنا لما فقدنا من أسوتك.» # فقال مرة متنهدا: «واحر قلباه! لم يبق لي أحد من ولدي، لم يبق لي إلا هذه الصبية ~~الصغار من أبنائهم، وقد حكم الدهر علي أن أعيش لأراهم حولي أيتاما ضعافا ... واحر قلباه يا ~~همام! واحر قلباه يا جساس!» # ثم أخذ يبكي بكاء مرا، وصمت جليسه ينظر إليه في حزن عميق، وأقبلت عند ذلك امرأة تسير ~~في بطء، تتعثر بأذيال ثوبها الأسود، وتمسح عينيها بطرف خمارها الذي أسدلته على وجهها تخفي ~~تحته عبراتها. فلما صارت إلى جوار الشيخ، وقفت صامتة تنظر إليه لحظة ثم غلبتها العبرة، ~~فجعلت تنشج ووضعت كفيها على عينيها. # فتنبه الشيخ إليها عندما سمع شهقاتها، فنظر إليها بعينيه الكليلتين، وقال بصوت امتزجت فيه ~~بحة البكاء بهزة الإشفاق: جليلة؟ # فقالت المرأة من بين شهقاتها: «نعم جليلة يا أبي! جليلة الشقية يا أبي!» # فمد الشيخ إليها يديه المرتعشتين وقال بصوت متهدج: «تعالي يا ابنتي اجلسي إلى جواري، ~~وامزجي دمعك بدمعي؛ فقد أصبحت مثلك لا أستطيع إلا البكاء.» ثم جعل ينشج مثلها نشيجا ~~مرا. # فجلست جليلة إلى جنبه، ووضعت يدها على رأسه وأسندت رأسها باليد الأخرى وأخذت تشاركه في ~~البكاء، فلم يقو أبو مالك على البقاء معهما فقام عنهما، فذهب وهو يرفع يده إلى عينيه ليمسح ~~دمعة مواساة لم يستطع أن يمنعها. ومضت على الوالد وابنته ساعة في البكاء، وكأن الدمع قد ~~أزال عنهما بعض وجومهما وفك من عقدة الحديث بينهما، فالتفت مرة إلى جليلة قائلا: «كفكفي ~~دمعك يا بنيتي!» # فمسحت المرأة بكفها على ظهر أبيها وقالت: «لست أدري يا أبي ماذا أقول لك. لم أجد في نساء ~~العرب من هي أشد مني نحسا، ولا أبلغ مني شقاء، حتى وكأن الزمان لم يجد سواي ~~غرضا!» # فمد الشيخ يده إليها فأخذ يدها ولكنه لم يتكلم. # فمضت المرأة تقول ولا تزال تنشج بين ms073 كلماتها: «لم يكف هذا الزمان ما أصابني بقتل زوجي ~~وفجيعتي بإخوتي وأبناء إخوتي وأعمامي، فأبى إلا أن يجعلني دائما بين القاتل والمقتول، ويقف ~~بي أبدا بين السنان الطاعن والقلب المطعون؛ قتل زوجي وكان قاتله أخي، ثم قتل إخوتي وقومي ~~في ثأر صاحبي، فكان الانتقام له يبتر أعضائي ويقطع أوصالي، ثم حكم علي أن يكبر ولدي الهجرس ~~بين ظهراني قوم أبي، وهو يحمل في دمائه عداوتهم، ويضم بين جنبيه قلبا يطالبه بالثأر منهم، ~~حتى انتهى أمره إلى ما انتهى إليه من فجيعتي بآخر إخوتي الذي أكرمه ورباه، وزوجه بابنته ~~وواساه بنفسه. ثم سار إلى قومه ليشاركهم في حربهم على قومي، فقلبي عليه يتحرق ومنه يتمزق. ~~إن أصاب أصابني وإن أصيب أثكلني، واحر قلباه! وأين الموت مني يا أبتاه؟» # وكان لقول جليلة عند الشيخ أثر أبلغ من أثر التعزية، فجف دمعه وسكن نشيجه، وهدأت أنفاسه ~~منذ وجد مصاب ابنته أفدح من مصابه، ورآها أجدر منه بالمواساة وأحق بالرحمة. # ورفع بصره الكليل إليها ينظر في وجهها، فاعترضته سحابة من الظلمة تغشاه، ولكنه استطاع مع ~~ذلك أن يدرك ما أصاب ابنته الجميلة من تغير وتبدل، لقد ألهته الهموم كل تلك السنوات عن أن ~~يملأ عينيه منها، ولم يلحظ فعل السنين فيها، فلما رآها عند ذلك رأى امرأة نحيلة شاحبة؛ وجه ~~علته الغضون وبشرة تكمشت، وعود ضئيل ونظر كليل، وجسم متهدم، ونفس يفيض منها الحزن واليأس، ~~فنسي حزنه في لحظة وجعل يحاول التخفيف عنها، وغاض دمعه وأخذ يعمل على تخفيف دمعها. قال: ~~«لقد مضى دهر على قتل كليب ومضى بعده من الأعزاء من سلكوا سبيل الماضين قبلهم. وهل في ~~الحياة بقاء يا ابنتي؟ ولئن كان مصاب جساس حديثا يصيب القلب لقرب عهده، فإن حزني عليه ~~أذهلني عما كان يليق بي، ولم يكن الهجرس في قتله يا ابنتي إلا أحد العرب يثأر لأبيه، ولعل ~~هذا المصاب يكون آخر الدماء، ولعل ذلك الضبعان القاسي مهلهل بن ربيعة يجد في قتل جساس ما ~~يروي ظمأه ويكفيه من ثأره ms074 .» # فوقعت كلمات الشيخ في قلب جليلة موقع الدهن على قرحة الحريق. # فمسحت دموعها وخفت شدة نشيجها، وقالت وهي أقل يأسا: «وبماذا أجاب المهلهل على رسالتك يا أبي؟» # فقال الشيخ بعد صمت قصير: «لعل الرسل يعودون اليوم. لقد كان موعدهم أمس ولكنهم لم ~~يعودوا.» # وهمت جليلة أن تستمر في حديثها، ولكن أبا مالك أقبل عند ذلك مسرعا نحو الشيخ، فعلمت أنه ~~يريد التحدث إليه، فقامت ذاهبة نحو الخيام، وقد أسدلت خمارها على وجهها ولا تزال عيناها ~~تبصان. # ووقف الرجل عند الشيخ لحظة، ثم قال بعد تردد قصير: «لقد عاد رسلنا إلى الحارث بن ~~عباد.» # فرفع الشيخ رأسه بحركة سريعة، وقال بلهفة: «ما خبرهم؟» # فقال الرجل بصوت أجش مخيف: «كان رد المهلهل قتل بجير.» # فنهض الشيخ يتحامل ولا يقوى على النهوض، وأسنده صاحبه حتى وقف على رجليه مترنحا، ثم قال ~~في فزع ويأس: «قتل بجير؟ قتل بجير بن الحارث؟» # ولم ينتظر جوابا على سؤاله، بل سار مضطرب الخطوات وأبو مالك يسنده من ذراعه وقصدا نحو ~~خيام الحارث بن عباد. # | الفصل الحادي عشر # كان الحارث بن عباد في فناء خيمته عندما جاء الوفد إلى الحي عائدين من رحلتهم إلى المهلهل ~~بن ربيعة، وكانت زوجه أم الأغر ابنة ربيعة أخت كليب والمهلهل قاعدة عند أطراف الخيام، تنتظر ~~كعادتها كل يوم عودة الوفد لكي ترى ابنها الحبيب عائدا معهم؛ فإنها أحست منذ أرسله زوجها ~~أن فلذة كبدها يسير مع ذلك الوفد متعرضا للهلاك. كانت أم الأغر تعرف أخاها المهلهل، وكانت ~~تحس أن الرحم لن تلين قلبه ولن تعطفه على ولدها الحبيب؛ لأن دم كليب قد طمس على قلبه، فلم ~~يبق فيه محل لرحمة ولا مودة. ولما رأت الرسل مقبلين وحدهم، أحس قلبها بما كان، كأنها ~~شهدته بعينيها، فقامت مسرعة تسأل في لهفة عن ولدها سؤال الواله المشدوه، فأطرق الرسل ومضوا ~~في سبيلهم نحو خيمة زوجها صامتين، ولم تقو ألسنتهم على النطق أمام الأم الثكلى، فاشتعل قلب ~~المرأة وصاحت في لوعة، وولولت تنوح في حرقة، فسمعها ms075 نساء الحي فأقبلن نحوها سراعا وأجبنها ~~بالعويل حتى اشتعل الحي كله بالصياح والبكاء. # وقام الحارث مسرعا ليتعرف مبعث الضجة المنتشرة. فلما رأى الرسل عائدين وحدهم وليس فيهم ~~بجير أدرك ما كان، ولكنه ملك نفسه وكبت ما في قلبه، وذهب بين الخيام يهدد ويسب، ويؤنب ~~وينهى، واتجه إلى امرأته وقال لها عابسا بصوت كهدير الفحل: «يا أم الأغر لا أريد إحداكن ~~تبكي أو تصيح، ولا أسمعن منكن صوت نحيب أو عديد، فوحق مناة إن ابني لنعم القتيل. كافأ خاله ~~وأطفأ ثأره وأنا بقتله راض، وليس من قومي بني قيس بن ثعلبة من هو أكثر منه يمنا ولا أكرم ~~مقتلا، فإنه قد أصلح بين ابني وائل وحقن ما بقي من دمائهم.» # فخمدت الأصوات من رهبة السيد الصارم، إلا نشيج الأم الثاكل وهي تحاول كتمان صوتها طاعة ~~لزوجها، وتأبى حرارة كبدها أن تطيع، وانصرف الحارث إلى الرسل ومضى بهم إلى فنائه، ليسألهم ~~عن جواب كتابه، واتجه إلى كبير الوفد وقال هادئا: «ماذا قال المهلهل يا أبا ~~ضبيعة؟» # فوقف أبو ضبيعة حينا صامتا، وكان قصيرا دميما، فنظر إليه الحارث وقال في شيء من ~~الحنق: «قل جوابك أيها الرجل.» # فاقترب الرجل منه كأنه يريد أن يهمس في أذنه، ولكنه لم يقدر على أن يبلغ كتفه، فتردد وبقي ~~مطرقا، فعرف الحارث أنه لا يريد أن يتكلم في ملأ بني ثعلبة، فجذبه من ذراعه في شيء من ~~العنف حتى تنحى به إلى جانب وقال غاضبا: «تكلم يا جحدر، أجبني بما قال المهلهل، قل ولا ~~تخف من قوله شيئا، فإنه لن يبلغ من القسوة مثل قتل ولدي، هل رضي المهلهل بدم ~~بجير؟» # فنظر جحدر إلى الأرض وقال بصوت خافت: «ماذا أقول لك، إذا شئت إيجازا قلت لك إنه قتل ~~بجيرا ولم يرو به غلته.» # فصر الحارث على أضراسه وقال للرجل: «إذن فلتحمل إلى أذني كل ما كان منه. قل ولا تدع أمرا ~~إلا وصفته.» # فأخذ جحدر يقص عليه ما كان من المهلهل منذ ذهب الوفد إليه، وجعل يفصل ms076 له وصف ما رأى من ~~عنفه وسوء رده، حتى بلغ وصف ما كان منه عندما رأى بجيرا وسأله عن اسمه، فأغمض الحارث عينيه ~~وتنفس نفسا عميقا، وقال لجحدر: «دع ذلك الحديث ولا تطل فيه. لقد قتله!» # فنظر إليه جحدر مترددا وأمسك عن الكلام لحظة، فصاح به الحارث قلقا: «امض! امض في ~~حديثك. أليس قد قتله؟» # فقال جحدر وهو مطرق: «لقد وددت أني لم أشهد ذلك الأمر ولم أسع فيه، فإن تلك الصورة لا ~~تزال ماثلة أمام عيني لا تفارقني في سير ولا في إقامة، ولا تبعد عني في ليل ولا في نهار. ~~ولو كانت دماء تغلب تملأ البحار التي تحيط بالأرض ما حسبتها تروي غليل بني ثعلبة، لقد قتله ~~وهو يقول: بؤ بشسع نعل كليب!» # فارتد الحارث إلى الوراء خطوة، ونظر إلى محدثه وقد قلصت عضلات وجهه وزوى حاجبيه وصاح بصوت ~~أجش: «ماذا قلت؟ بشسع نعل كليب؟» # فهز جحدر رأسه ونظر إلى الأرض وهو يقول في حزن: «نعم بشسع نعل كليب.» # فصاح الحارث: «ألم يكن في تغلب رجال؟ ألم يكن في تغلب رجال؟» # فصاح جحدر: «كان امرؤ القيس بن أبان يحاول أن يرده فلم يستطع. لقد بالغ في النصح والرجاء، ~~ولكن صوته غرق في العاصفة الهوجاء.» # فرفع الحارث يده مقبوضة فوق رأسه، وعض على نواجذه وتنفس نفسا مضطربا كأنه يختنق ثم ~~قال: «ويل للداعر من غدره! يا ويل زير النساء!» ثم سار مسرعا نحو مضارب خيامه يهرول في ~~اضطراب وقلبه يحترق من الغيظ، وكان في سيره يبعث ألفاظا متقطعة كأنه يخاطب نفسه، ويتبع كل ~~لفظ منها آهة مبحوحة، وكان جحدر والوفد يسيرون وراءه، حتى إذا اقترب من منازله نظر وراءه ~~إلى جحدر وقال في صرخة مكتومة: «لقد بر الخبيث بعهده يوم قال أنه لن يدع شيئا لكليب حتى ~~ينتقم له، حتى الشسع الذي كان يربط به نعله، فكان ولدي قتيل ذلك الشسع.» # ثم ضحك ضحكة مخيفة حتى ظن جحدر أن الرجل قد جن من وقع مصابه. # فلما صار الحارث بين ms077 خيامه وقف وصاح ينادي عبدين كانا في رحبة الحي، وقال بصوت ثائر غاضب: «قربا مربط النعامة مني!» # ثم ذهب إلى خيمته وغاب لحظة، وخرج ورمحه في يده وهو يهزه هزا عنيفا، ويشمر كم ثوبه عن ~~ذراعه، وصاح بصوت يدوي: # قربا مربط النعامة مني # لقحت حرب وائل عن حيال # ثم وقف وركز رمحه في الرمال، وقد غلبه الغضب وامتزج في قلبه حقد الموتور بحزن الأب ~~المفجوع، ورأى امرأته جالسة في جانب الخيمة تبكي وتحاول إخفاء صوتها، فنظر إليها ثم نظر إلى ~~جحدر وصاح كأنه يخاطبه: # قل لأم الأغر تبك بجيرا # حيل بين الرجال والأموال # فلعمري لأبكين بجيرا # ما أتى الماء من رءوس الجبال # لهف نفسي على بجير إذا ما # جالت الخيل يوم حرب عضال # قتلوه بشسع نعل كليب # إن قتل الكريم بالشسع غال # ثم صمت قليلا كأنه غص بريقه. فانفجرت أم الأغر صائحة كأنها كانت تنتظر تلك الكلمات لكي ~~تفرج عن نفسها بالعويل والبكاء، وأسرع إليها النساء فعاودن ما كن أمسكن عنه من الندب ~~والعويل، واشتعل الحي كله بالبكاء. واستأنف الحارث قوله بعد حين وهو ينظر بعينين شاخصتين ~~نحو الأفق لا يلتفت إلى جمع بني ثعلبة المتزاحم حوله. # صاح في حزن وغيظ: # يا بجير الخيرات لا صلح حتى # تملأ البيد من رءوس الرجال # لم أكن من جناتها علم الله # وإني لحرها اليوم صال # وأطرق حينا لا يقوى على الكلام، ثم انتفض فجأة وسل سيفه وهزه فوق رأسه في عنف، وعاد إلى ~~إنشاده فصاح بصوت يشبه هدير الريح بين الصخور: # قربا مربط النعامة مني # لقحت حرب وائل عن حيال # فلعمري لأقتلن ببجير # عدد الذر والحصا والرمال # قربا مربط النعامة مني # ليس قولي يراد لا بل فعالي # ثم أغمد سيفه وألقى برمحه أمامه في وسط حلقة الرجال، وتحرك مهرولا راجعا إلى خيمته وهو ~~يهمهم ويهدر، فجعل يبحث عن سلاحه ودروعه، وأخذ قوسه التي كان قد نزع عنها وترها، وأخذ قطعة ~~من الجلد كانت في ركن من الخيمة، وخرج على قومه وهو يربط طرفها ms078 في رأس القوس، ويقول في ~~أثناء ذلك كأنه يخاطب نفسه: # قربا مربط النعامة مني # قرباها وقربا سربالي # قرباها وقربا لأمتي زغفا # دلاسا ترد حد النبال # قرباها لمرهفات حداد # لقراع الكهول يوم النزال # وأخذ يذهب إلى خيمته يجهز فيها سلاحه شيئا بعد شيء، وهو كلما جهز شيئا خرج به وأنشد ~~بيتا أو بعض أبيات، ثم يرجع إلى الخيمة فيجهز شيئا آخر يعود بعده إلى رحبة الحي مستمرا ~~في إنشاده المضطرب، حتى تجمعت في الرحبة كومة من الدروع والسلاح. # في هذه الساعة كان الشيخ مرة قد بلغ منازل الحارث، ورأى الفرسان ملتفين حول زعيمهم ~~الثائر، فانفرجت له الجموع حتى اقترب من الرجل ومد يده إليه، وقال له بصوت متهدج: «مصاب جلل ~~يا أبا بجير!» # فالتفت الحارث إليه ومد يده إليه مصافحا، وقد ملك نفسه وزال عنه اضطراب الغضب، واكتسى ~~وجهه بدل ذلك هدوءا ينم عن عزيمة ثابتة، وقال يخاطب الشيخ: «ستذوق تغلب عاقبة ~~ظلمها.» # وكانت فرسه النعامة قد جاءت إليه عند ذلك يقودها العبدان، فاقترب منها ومسح رأسها وهي ~~تصهل وتتمسح به، ثم اخترط سيفه وقبض على شعر ناصيتها فجزه، ثم قبض على شعر ذيلها الطويل ~~فقطعه، وسكنت الفرس وظهر عليها وجوم يشبه أن يكون حزنا، وقال كأنه يخاطبها: «ليس بعد اليوم ~~تدليل.» # ثم دفعها إلى العبدين الواقفين عند رأسها في صمت وخشوع، وقال: «قرباها مني فالليلة نسير ~~إلى قتلة بجير.» # ثم أخذ الشيخ مرة من تحت ذراعه وسار به إلى خيمته، وتبعهما جحدر وبعض كبار قيس بن ثعلبة، ~~وانصرف شبان الحي ليعدوا خيولهم للغزوة العاجلة في تلك الليلة. # | الفصل الثاني عشر # كان صباحا عاصف الرياح ثائر الرمال، وكان الحر على وقدته ولم تطلع الشمس بعد، تكاد ~~الأنفاس تختنق منه؛ حر يشقق الشفاه ويحرق الوجوه ويحرج الصدور. # وكان فرسان تغلب مجتمعين واجمين لما بلغهم من تحرك قبائل بكر إليهم مرة أخرى وإقبالهم ~~عليهم بالعدد الكبير والسلاح المشحوذ، والخيل المسومة، ومعهم الحارث بن عباد في قومه بني ~~قيس بن ثعلبة. # لقد تألب بنو ms079 بكر لمساعدة شيبان منذ غضب الحارث بن عباد لقتل ابنه بجير، والتف حولهم من ~~كان قعد عن نصرتهم من العشائر والبطون. وضعفت تغلب بمن انصرف عنها من حلفائها حتى لم يبق ~~معها إلا قبائل النمر بن قاسط، وذاقت في عام واحد مرارة الهزيمة الطاحنة مرة بعد مرة، وجعلت ~~ترتد من موطن إلى موطن، وتنزح من موضع بعد موضع، حتى ألقت رحالها أخيرا عند «قضة» في أطراف ~~نجد من الشمال. ولكن الحارث بن عباد لم يضع ثأره، ولم يهدئ من حقده، بل كان لا يزال يثب في ~~إثر تغلب لينتقم لقتل ابنه الحبيب بجير المظلوم. وكانت شيبان تقبل معه على الحرب تحت راية ~~الحارث بن همام بن مرة كأنها الذئاب الجائعة، لتغسل عن كرامتها ما أصابها من تغلب في طوال ~~السنين المنصرمة. # اجتمعت تغلب في ذلك الصباح القائظ في رحبة حلالها، يتشاور قادتها فيما هم فاعلون في لقاء ~~عدوهم المقبل، فقد سمعوا أنه مغير عليهم بجيش خميس، ليعيد عليهم الكرة بعد انتصاره الأخير ~~في وادي القصيبات، يقوده الحارثان: الحارث بن عباد، والحارث بن همام، الذي آلت إليه زعامة ~~شيبان. # جلس شيوخ تغلب وأصحاب الرأي فيها، وفرسانها الشجعان من الشباب، وقد لفوا اللثم على وجوههم ~~اتقاء الرياح اللافحة، وعصف الرمال يزيد نفوسهم الثائرة ضيقا. # ووقف الفارس الكهل امرؤ القيس بن أبان يتكلم، فأرهف الجلوس آذانهم لاختطاف كلماته من ~~أذيال الهواء الصاخب، فقال: «أي قوم! لا تردوا اليوم نصيحتي فقد جربتم من عواقب إغفالها ~~ما كان أولى بكم لو تجنبتموه. لقد نصحت المهلهل ألا يقتل الفتى ابن الحارث فلم يقبل نصيحتي، ~~ولقد رأيتم ماذا حل بنا من وراء بغيه. رأيتم تألب بني بكر علينا بعد أن كانوا عونا لنا، ~~فلا يمضي يوم حتى نسمع بحليف منهم ينفض من حولنا، أو نصير منهم ينطوي تحت لواء عدونا. وإذا ~~تمادى الأمر بنا بعد اليوم لم نأمن أن يحل بنا من الكوارث أمثال ما أنزلناه بآل شيبان في ~~تلك السنين. فالرأي عندي أن نرحل من هذا ms080 القفر الأجرد، وحسبنا ما لقينا فيه من هزيمة بعد ~~هزيمة. فإذا نحن عدنا إلى ديارنا ...» # وأراد امرؤ القيس أن يمضي في قوله لولا أن قام شاب وسيم من طرف الجماعة، وصاح به غاضبا: ~~«حسبك يا مرأ القيس من حقدك على المهلهل، فوحق مناة إنك لا تقول قولك هذا إلا حسدا له ~~ومنازعة لسيادته.» # وتحرك لسماع هذه الكلمات جماعة كان جلهم من شبان تغلب الذين لا يرون في المهلهل إلا بطلهم ~~المهيب، وفارسهم الذي لا يبارى، يحبون أن يسروا وراءه في كل موطن، ويطيعونه وإن مضى بهم إلى برك الغماد من أقصى ~~الأرض؛ فقد تعلقت نفوسهم به وحل الإعجاب به من قلوبهم حيث لا تبلغ النصيحة. # وارتفعت أصوات هؤلاء من جوانب الجمع يقولون: «صدقت يا هجرس! صدقت يا هجرس بن كليب! بعدا ~~للجبناء! لا نطيع غير المهلهل.» # ونظر الشيوخ حولهم مترددين، وقام بعضهم يريد الكلام فلم يقو على إغراق ضجة الشباب ~~الثائر. فلم يجد امرؤ القيس بن أبان بدا من الصمت، ومضى ذاهبا عن الجمع وهو غاضب حتى قبع ~~معتزلا في حلته. ونهض القوم بعده في اضطراب وضجيج، فانصرف الشيوخ واجمين فرادى وثناء، ~~واجتمع الشبان في صعيد واحد وقد جرفتهم الحماسة، وساروا والهجرس بن كليب في طليعتهم قاصدين ~~حلة المهلهل، يهتفون به ويجددون العهد على طاعته؛ فقد كان المهلهل في ذلك اليوم مقيما في ~~بيته، لم يحضر في ذلك الجمع من أثر جراح أصابته في آخر وقعة أصابتهم بكر فيها؛ وقعة ~~القصيبات. # كان المهلهل مستلقيا في فراشه، وكانت ابنته سلمى تمسح الدماء عن جرح عميق في أعلى ذراعه، ~~بعد أن ضمدت سائر جراحه، وكانت تحدثه عن زوجها وابن عمها الهجرس بن كليب الذي تزوجها عندما ~~لحق بعمه في بني تغلب. ولما انتهت من غسل جرحه بالماء الساخن ذرت عليه رمادا من أعواد طرفاء ~~محروقة، ولفت حوله ضمادة من الصوف. فقال لها أبوها: أما قال لك الهجرس أين خرج اليوم؟ لقد ~~بكر في الخروج قبل أن أراه. # فقالت له سلمى مترددة: «ذهب ms081 إلى الناس ليرى ماذا يصنع بهم ابن أبان.» # فتحرك المهلهل في مكانه قلقا وأراد أن يمد يده إلى سيفه، ولكنه ردها ممتعضا من الألم ~~الذي أحسه عندما حركها، ونظر إلى ابنته وقال لها في غيظ: «لقد تحرك ابن أبان منذ اليوم، أو ~~يحسب أن هذه الجراح تقعدني في كسر بيتي؟ لا وحق مناة، لا أدعه ينفث سمه. ولأسحقن رأسه قبل ~~أن يستطيع أن يبلغ مأربه.» # ثم تحامل حتى قام وقال لسلمى: «ألقي علي ردائي وشملتي، فلأذهبن إليه لأهشم أنفه قبل أن ~~يرفعه.» # فقالت سلمى: «لا يرعك ابن أبان يا أبت، فإن الهجرس هناك يرى ويسمع، ولا أظنه يدع له ~~مجالا لإفساد الناس وتفريق كلمتهم. لقد حدثني الهجرس عن أصحاب له تواعدوا على أهبة ليفسدوا ~~على ابن أبان تدبيره، وقد أخذوا السلاح وجعلوه تحت ثيابهم، فإذا لم يستطيعوا تدارك أمره ~~باللفظ حكموا بينهم وبينه السيف.» # فاطمأن المهلهل لقولها شيئا، ولكنه أطرق قليلا ثم رفع رأسه وقال: «ما ينبغي لي أن أطيل ~~احتجابي عن الناس يا سلمى، قد عرفت الناس، فهم لا يذكرون من تطول غيبته. هاتي شملتي ~~وردائي.» # فلم تستطع سلمى إلا أن تطيع، فذهبت إلى ركن من الخيمة وأخذت تلتمس لأبيها بعض ما اعتاد ~~لبسه في نوادي قومه من ثياب الديباج الأصفر، والقباطي البيضاء وبرود اليمن الموشاة. وحملت ~~من ذلك شيئا في يديها ليختار منه ما يحب، ولكنها سمعت ضجة كانت تقترب عند ذلك، فيها أصوات ~~ترتفع حينا وتخبو حينا، فوقفت في مكانها لتسمع، وأصاخ المهلهل بأذنه في شيء من الدهشة. ثم ~~اقتربت الأصوات واتضحت، فإذا هي صيحات تهتف باسم المهلهل سيد ربيعة، وميزت منها سلمى صوت ~~زوجها الحبيب الهجرس بن كليب. فتبسمت وتبسم المهلهل، وقد وقع في قلبيهما أن الهجرس قد حمل ~~معه تغلب وأفسد وحده تدبير ابن أبان. وألبست سلمى أباها ووضعت ثوبا من الديباج على كتفه، ~~فلما صار الهجرس وأصحابه في رحبة الحي خرج عليهم المهلهل هشا بشا، فما كاد جمع الشباب ~~يراه حتى علت أصواته في ms082 تحية صاخبة ترددت أصداؤها بين ثنايا الشعاب. فتبسم المهلهل وركز ~~رمحه في الرمل واتكأ عليه بيسراه، وقال بعد أن هدأت الأصوات: مرحى يا شباب تغلب! لقد أقررتم ~~عيني وأزلتم ألمي. إن جراح الحرب التي مزقت جسمي تنطق مرحبة بكم، كأن في كل منها لسانا ~~يتحرك بشكركم. لقد ثارت تغلب منذ سنين طويلة تطالب بدم بطلها الذي لم يكن في العرب له كفء، ~~وأميرها الذي عجز النساء أن يلدن مثله وإن تطاول الدهر. ولم يكن في تلك الدماء التي أريقت ~~من العدو ما يقوم بدمه أو يفي لنا بحقه. بل لقد قتل من أبطالنا في مواقعهم من لا تشفينا ~~دماء بكر جميعا من وترنا بهم. فليس بيننا وبين القوم إلا حد السيف وأسنة الرماح، لا ~~نوادعهم ولا نخيم عن لقائهم حتى نفنيهم تقتيلا ونقطع أوصالهم تقطيعا. وا كليباه! هل نرجع ~~السيوف إلى أغمادها ولا يزال في بكر شريف؟ وا تغلباه! هل ندع دماء من قتل من تغلب ولا يزال ~~لعدوكم جمع؟ ليس بيننا وبينهم إلا طعن الكلى وضرب الرقاب، وتفليق الهام وتخريق الصدور. وإذا ~~كان في تغلب من زعزعته أول الصدمات فبعدا للجبناء! ألا بعدا للجبناء! # فتلقف الجمع هذه الكلمة وصاح في حماسة: «ألا بعدا للجبناء!» وجعلوا يرددونها. # وسكت المهلهل عند ذلك فإن الضجة التي علت من صيحات الجمع المضطرب أغرقت آخر كلماته فلم ~~يستطع المضي في الحديث، وعاد السيل الثائر من ساحة المهلهل، وتفرق بين الأحياء مناديا ~~للحرب، فلم يبق في منازل تغلب من تجرأ على أن ينطق بحرف في ذكر امرئ القيس بن ~~أبان. # ودخل الهجرس إلى خيمة عمه فحدثه بما كان من قول ابن أبان وما كان من رده عليه، ثم قال: ~~ولا أحسب الأمر ينتهى يا عماه إلى حيث انتهى إليه لو طال بنا المقام. # فقال المهلهل وقد عبس عبسة عميقة: أجل يا ولدي! لن أطمئن وهذا الأرقم يتحين الفرص للوثوب، ~~ولكن هون عليك فما كان عمك ليخاف هذه الزواحف. # فقال الهجرس: إن امرأ القيس قد ذهب ms083 إلى منزله اليوم، ولا أراه يجرؤ على أمر إلا بعد أن ~~تنصره هذه الفئة من الشيوخ. # فأطرق المهلهل حينا ثم قال في غيظ: وحق آلهة وائل ما هو بمنته حتى أذيقه عضة سيفي. ولولا ~~أن يقول الناس إن المهلهل يقتل أصحابه لما أبقيت عليه منذ حين. لقد عرفته ورأيت خلافه علي ~~منذ نصحني في أمر بجير. وإنه ما قال كلمته التي قالها بقصد النصح ولا الخير، بل قالها لتسير ~~في الناس فتكون وصمة عار تلحق بي. # فقال الهجرس: «وإنه لا يزال يتحدث بها إلى الساعة، وكانت هي أولى كلماته في اجتماع ~~اليوم.» # فقال المهلهل: «ويل له من خبيث! إنه ليضلل الحمقى من قومي إذ يسمعون أنه نصحني بالعفو عن ~~الفتى المسكين ابن أختي أم الأغر فعصيته، وقتلت الفتى بغير جريرة.» # فقال الهجرس: «صدقت يا عماه، فقد رأيت أثر قوله في الناس منذ تكلم، فأخذوا يتهامسون فيما ~~بينهم عما أصاب تغلب من جراء مخالفتك وقتل الفتى.» # فصاح المهلهل: أغرار وحق أوال يا ولدي، ما بعث الحارس بولده إلي إلا وهو يأمرني بالكف عن ~~حرب قومه، فلو خالفته وأبيت إلا الحرب لما كان منه إلا أن ينصر قومه. لقد عرفت منذ تحرك ~~الحارث أنه إنما غضب لمن قتل من بكر، وأنه لا يريد إلا التماس الحيلة لإثارة الناس علي، ~~فبعث بابنه بجير حتى يظهر للعرب جميعا أنه قد أرضاني ورغب في إنصافي، ولو لم أقتل بجيرا ~~لما عدل عن الحرب، ولما انصرف عن نصرة قومه. لقد عرفت أنه عدو منذ بعث إلي رسالته، وما كان ~~ينبغي لي إلا أن أبدأ عدوي بالحرب قبل أن يبدأني. # وسكت لحظة ثم نظر إلى الهجرس وقال: دع هذا يا هجرس فليس يغني القول عنا، هي الحرب فلنمض ~~إليها. سنمضي إليها قبل أن تلتئم هذه الجراح، هلم يا ولدي فلن نطيل الحبل لابن أبان ليمضي ~~في مكره وكيده، لأحملنه على الحرب حملا. إذا لم يكن من الحزم أن ألجمه سيفي، هلم يا ولدي، ~~فالليلة نستعد للقاء عدونا ms084 . # ثم خرج وسار الهجرس إلى جواره يقصدان مجمع القوم في الطرف الآخر من المحلة. # | الفصل الثالث عشر # تجهز بنو بكر للمسير إلى وادي قضة، وقد انتعشت وعاودها الأمل بعد الانتصار، فلم تطق الصبر ~~وأرادت أن تنتهز فرصة ما أصاب تغلب من الوهن والجراح لكي تجعل الوقعة المقبلة قاصمة الظهر. ~~وزاد من حرص بكر على الإسراع إلى مواصلة الحرب ما بلغها من أنباء الخلاف بين شيوخ تغلب ~~وشبانها، فقد سارت الركبان بأحاديث ما يضمره المهلهل لامرئ القيس بن أبان، وما أحدثه الهجرس ~~بن كليب من الفرقة بين شيوخ القوم وبين ناشئتهم. فعلموا أنهم إن صدموا عدوهم صدمة عنيفة لم ~~يجدوه إلا مقسم الأهواء مشتت الآراء. فلم تقعدهم شدة الحر عن الاستعداد السريع، ولم تثنهم ~~الرياح العاصفة المحرقة عن عزيمة المسير، واجتمعوا في ناديهم في لباس الحرب يتشاورون في ~~الخطة المقبلة. وكان فيهم فرسان من شيبان وقيس بن ثعلبة وعجل وحنيفة، وفيهم الفارس الشاعر ~~الذي ما زال رغم تقادم السنين بطل الحروب؛ الفند بن سهل سيد قبائل بكر باليمامة، وقد أتى مع ~~قومه لنصرة إخوانه عندما بلغه اعتداء المهلهل بقتل بجير، وكان الحارث بن عباد في صدر ~~النادي، وقد جلس حوله شيوخ العشائر والبطون في حلقة مفرغة، وجلس سائر القوم في صفوف غير ~~منتظمة بعضها يتداخل في بعض. # ولما التأم الجمع وقف الحارث يتكلم فقال: يا فوارس بكر! قد علمتم ما عقدنا عليه النية من ~~السير إلى هؤلاء الظلمة، لا ندع لهم متنفسا من السلام حتى نذيقهم وبال ظلمهم ونقذف بهم في ~~مصارع بغيهم، ولكني أشفق أن تسيروا في وقدة هذه الحرور، فهل ترون أن نؤجل الميسر حتى تهدأ ~~هذه الريح؟ # ولما أتم قوله نظر إلى الحارث بن همام بن مرة سيد شيبان كأنه يدعوه إلى إعلان رأيه، فتحرك ~~الحارث يريد الكلام ولكن علت ضجة من الجمع لم يستطع معها أن يتكلم، فتريث وهو ينظر إلى من ~~حوله في شيء من الارتباك. فوثب جحدر بن ربيعة قائما وكان قصيرا دميما، فما كاد ms085 يقف حتى ~~زادت الضجة اشتدادا، وتقاذفت نحوه ألفاظ الدعابة والفكاهة، فلم يرهبه ذلك بل أعلى صوته ~~وقال بصوت حاد: على رسلكم حتى أقول كلمة. # وما كاد ينطق حتى رمته الرياح الثائرة بلفحة رملية اضطرته إلى أن يحول وجهه عنها، وانفجرت ~~ضحكة عالية لم يتخلف عنها أحد من الشيوخ أو الشبان، فضحك جحدر مشاركا في المرح الشامل، ~~ولكنه لم يجلس ولم يتردد، بل صاح بصوته الحاد: كأنني بهذه الريح تريد أن تعدل بي عن رأيي، ~~ولكني وحق أوال لا أنثني عنه وإن قذفتني السماء بصواعقها. لا بد أن نسير اليوم إلى ~~قضة. # فعلت ضجة استحسان صحبتها ضحكات ومداعبات، وصاح فتى من آخر الجمع: «قف يا جحدر فوق صخرة ~~حتى نراك.» # فزادت ضجة الضحك علوا، ولم يشأ جحدر أن يدع الفرصة بغير أن ينتهزها، فوثب على كتفي فتى ~~شديد قريب منه، فوقف عليهما وقال ضاحكا: «هل أغيب الآن عن عين أحد؟» # ثم نزل سريعا وهو يشارك في الضحكات العالية التي لم تفتر، وأشار بيده للقوم أن يهدءوا، ~~فسكنت الأصوات ونظرت إليه العيون، ومالت إليه الأسماع فقال جادا: نحن اليوم في جماعة لم ~~يجتمع لنا مثلها من قبل، فإذا نحن سرنا إلى العدو فاجأناه بما لا قبل له به، وكانت الموقعة ~~القاضية. # فتجاوبت الأركان بصيحات: مرحى! أحسنت! # واستمر جحدر فقال: «ولكن لي عليكم شريطة قبل أن أفرغ من قولي.» # فصاح به أفراد من جوانب الجمع: «لك ما شرطت فاحتكم.» # فقال جحدر وهو يضحك: «لقد هممت أن أشترط لنفسي نصف هذا الفيء الذي سنغنمه اليوم، ولكني ~~عدلت عن ذلك، وحسبي أن أشترط أمرا هو أهون عليكم منه؛ إذا نحن سرنا اليوم في جماعتنا هذه ~~خشيت أن يختلط علينا الأمر فلا يميز أحدنا أصحابه من أعدائه، وأخشى أن يخالطنا العدو وهو ~~قليل، فلا نجد دوننا من نضربه فيضرب بعضنا بعضا في حماسة القتال.» # فنظر الناس إليه حينا في صمت، وقد عجبوا أن يمزج هذا الرجل العجيب هزله بمثل هذا الجد ~~الجاهم، ونهض الفند بن سهل ms086 سيد بكر اليمامة فقال: أما إنها لكلمة حق صدق فيها أخي جحدر ~~ونصح، فلقد أقبلنا عليكم منذ قليل بوجوه جديدة لم يسبق لكم عهد بها، ولا بد لنا من علامة ~~نتعارف بها. # وأقبل الجمع بعضهم على بعض يتحاورون في الحديث، فقام الحارث بن عباد، وما رآه الناس حتى ~~خشعوا، وهدأت الأصوات وتحولت إليه الأبصار فقال: أيها الإخوان! لقد صدق أخي أبو ضبيعة إذ ~~قال إنه يجب علينا أن نجعل لأنفسنا علامة نتعارف بها، وأرى أن نحلق رءوسنا جميعا فتكون تلك ~~ميزتنا وسمتنا. # فوثب جحدر على قدميه وقال فجأة: «وماذا يبقى لي إذا حلقت لمتي يا أبا بجير؟» # فعلت ضجة الضحك مرة أخرى، واستمر جحدر يقول ضاحكا: أنتم ترون أن شعري نصف قامتي، وبغيره ~~يصبح لي وجه قرد أصلع، فاتركوا لي لمتي، وافعلوا ما شئتم في لممكم. # فصاح فتى من وسط الجماعة يمزح قائلا: «اشترها منا، فلن نتركها لك بغير ثمن.» # فصاح جحدر في جد: «أشتريها بأول فارس من العدو يطلع عليكم، لكم علي أن أقتل أول فارس من ~~تغلب يقبل نحوكم.» # فصاحت الجماعة: «قبلنا قبلنا.» # فأشار الحارث بن عباد للجماعة أن تنصت إليه ثم قال: «لا بأس بهذا، نبيع لجحدر لمته، وأما ~~نحن فنحلق لممنا.» # فصاح الفند بن سهل ضاحكا: «هذا إذا يوم تحلاق اللمم.» # فنظر إليه الحارث باسما وقال: «نعم هو هذا، هو يوم تحلاق اللمم.» # وسكت لحظة ثم قال: «وقد علمتم أن تغلب تقيم الآن في قضة وسط صحراء مقفرة، وسنكون نحن في ~~أرض غريبة لا نعرف موارد مياهها، ولا ندري لعل تغلب قد غورت آبارها، وطمت عيونها توقعا ~~لمسيرنا إليها، فلا بد لنا من حيلة في تدبير ما نحتاج إليه من الماء قبل أن نذهب إلى عدونا ~~في عقر داره.» # فصاح جحدر وقد وثب قائما: «نأخذ معنا من الماء ما يكفينا حتى إذا ما التحم الجيشان حمله ~~لنا النساء وسرن من خلفنا، فإذا عطشنا رجعنا إليهن لنرتوي.» # فصاح به شاب ضاحكا: «على أن لا يروي النساء إلا ms087 حليقا.» # فقال جحدر: «لك علي يا ابن أخي ألا أعود إليهن إلا معلما، وعلامتي أنني لن أعود إليهن ~~إلا حاملا لهن أسيرا.» # وكان للفند بن سهل بنتان قد وقفتا في فتيات بكر عند أطراف الجمع يستمعن إلى الحديث، وكانتا ~~فتاتين ذواتي جرأة وشهامة. # فصاحت كبراهما: «نسير وراءكم لنحمل الماء؟ هذا لا نرضى به أبدا.» # فتحولت الأنظار إليها وقال الحارث: «وماذا تريدين يا ابنة الكرام؟» # قالت الفتاة في حماسة: «تحمل كل منا إداوة ماء وهراوة غليظة، فإذا مررنا بحليق طريح أسونا ~~جرحه وسقيناه، وإذا مررنا بتغلبي صريع قضينا عليه.» # فعلت ضجة عامة من الجماعة؛ ضجة الإعجاب والأريحية، وقال الحارث ناظرا إلى الفند: «لتكن ~~ابنة الفند أول امرأة في العرب أشركت النساء في القتال!» # ثم نظر إلى الفتاة وقال: «هلمي يا فتاة، فمثلك من تلد الأبطال.» # بعد ساعة كانت قبائل بكر تتحرك سائرة نحو قضة، وهي تملأ فضاء الأرض بالخيل والرجال، ~~والمطايا من الإبل فوقها الظعائن من النساء، تليها الروايا تحمل الماء، وفي آخر القوم جاء ~~العبيد يسوقون جنائب الخيل والإبل لتحل محل ما يقتل في الحرب من الدواب. # وكان اليوم التالي صنو سابقه في الحر اللافح والريح الثائرة والشمس المحرقة والرمال ~~السافية. واجتمعت قبائل بكر كلها تحت لواء الحارثين؛ الحارث بن عباد على جناح، والحارث بن ~~همام بن مرة على جناح، وأبطال القبائل كل منهم في قومه يتساندون ويتعاونون فيما بينهم، ~~والتقى الجيشان، فكان أول من برز من بكر جحدر بن ضبيعة يلتمس ثمن شعره الذي لم يحلق، واندفع ~~إلى تغلب فجأة فاحتضن أول فارس طلع عليه، ولم يكن التغلبي على استعداد لذلك النوع من ~~المنازلة، فهي طريقة ابتكرها الحارث بن عباد وتعلمها منه في ذلك اليوم جحدر بن ضبيعة؛ أن ~~يهجم على عدوه في سرعة البرق الخاطف، فلا يضرب ولا يطعن، ولكن يحتضنه ويعدو به راجعا إلى ~~قومه. وعاد جحدر بأسيره مطروحا أمامه على ظهر الفرس وهو يحرك رجليه وذراعيه في الهواء ~~يائسا. فضحك فرسان بكر وصاحوا مرحبين، وغضب فرسان ms088 تغلب وتصايحوا يحرض بعضهم بعضا على دفع ~~الهجمة بأخرى مثلها، وما هو إلا قليل حتى التحم الجيشان في حرب عامة. # ومضى معظم النهار والقتال على استعاره، والحارث بن عباد يطعن ويضرب في تغلب، والمهلهل مع ~~جراحه يفري فريا في بكر، ودفع جحدر المسكين ثمن لمته عظيما، فإنه ما زال يحارب حتى جرح، ~~فلما مرت به فتيات بكر حسبنه تغلبيا، فطلب منهن شربة ماء فأهوين عليه بالهراوي، وهو كلما ~~صاح بهن أنه بكري حسبنه يخدعهن فزدن في ضربه شدة حتى قتلنه كما قتلن كل جريح آخر غير ~~حليق. # ولما أحست تغلب شدة وطأة عدوها عليها لجأت إلى الحيلة القديمة عند العرب، فأدبرت مستهزمة، ~~وتبعتها بكر وهي تظن أن اليوم قد انتهى إلى نصر تشتفي به من عدوها، ولكنها ما كادت تبلغ وسط ~~السهل، حتى رأت تغلب وقد وقفت فجأة عندما نادى المهلهل صائحا: «وا كليباه!» # وكانت تلك علامة فوقف الفرسان وارتدوا على بكر وهي في تفككها مستنيمة إلى توهم النصرة، ~~واهتزت بكر هزة عنيفة من الصدمة، وأقبل عليها المهلهل كالصاعقة، وحوله حلقة من الصناديد ~~يضربون كأنهم يحصدون حصدا، فتردد البكريون مليا ثم تزعزعوا، ثم لووا لجم الخيل وولوا ~~الأدبار يطلبون النجاة من سيف المهلهل ومن حوله. # وكانت فتيات بكر عند ذلك في آخر السهل يسعين سعيا حثيثا ليدركن قومهن الذين أسرعوا في ~~آثار تغلب المنهزمة. وفيما هن في سيرهن أبصرن فرسان بكر مقبلين نحوهن منهزمين، وقد تصدعت ~~صفوفهم وتشتت شملهم وخيول المهلهل في آثارهم تصيح: «وا كليباه!» # فوقفن صفا في طريق الخيول المقبلة، وخرجت ابنة الفند إلى صدر الصف، وصاحت: «إلى أين يا ~~خفاف القلوب؟» # وأخذت تنشد والفتيات ينشدن وراءها: # إن تقبلوا نعانق # ونفرش النمارق # وندهن المفارق # إن تدبروا نفارق # فراق غير وامق # عرس المولي طالق # والعار منه لاحق # فاضطر الفرسان أن يقفوا خوف أن يطئوا الفتيات بخيولهم، ثم سمعوا نشيدهن فثارت كرامتهم ~~وأحسوا الخجل من هزيمتهم، ودعا بعضهم بعضا للثبات، ووجد القواد فرصة لتثبيت القلوب ولم ~~الشعث، وثنوا أعنة الخيل ms089 إلى وجه العدو اللاحق بهم، وتقدموا إلى لقاء المهلهل ومن معه، وكان ~~أعنف اصطدام وأشد قتال. # وأدرك الحارث بن عباد قومه المنهزمين بعد لأي، وكان لم ينهزم معهم بل وقف في جماعة قليلة ~~يحارب في موضعه الأول. # وجاء الشيخ الشجاع الفند بن سهل كذلك لما رأى أن مكان الحرب قد تحول، وجعل يحرض قومه وهو ~~يحارب في طليعتهم، ورأى الحارث بن عباد المهلهل وهو لا يعرفه في وسط فرسانه لا يدنو من ~~كتيبة حتى يفرقها، ولا يقبل على جماعة حتى يشتتها، فنظر حوله وقال صائحا: «هذا صيد ~~كريم.» # ثم ركض فرسه النعامة متجها نحو الفارس المجهول، وما هو إلا قليل حتى كان عائدا وقد وضع ~~الفارس المخيف أمامه على ظهر النعامة، والبكريون يستقبلونه بصيحة فرح تملأ الفضاء. وما كادت ~~تغلب ترى المهلهل أسيرا حتى ولى فرسانها الأدبار وتعقبهم فرسان بكر يتخطفونهم ~~بالرماح. # وسار الحارث وأسيره أمامه، وإلى جواره الفند بن سهل حتى بلغوا مؤخرة الجيش فألقى الأسير ~~على الأرض ووقف يتأمله. # وكان الفارس الأسير في عدة كاملة من سلاحه ودروعه، لا يظهر منه إلا عينان تبرقان من وراء ~~المغفر. فلما ألقاه الحارث على الأرض قام مطرقا كاسفا، فسأله الحارث: «من أنت لا أم ~~لك؟» # فقال الفارس المقنع: «أنا أسيرك.» # فسأله الحارث: «ما بال رمحك طويلا؟» # فقال الفارس: «لم يغن عني طوله.» # فقال الحارث ساخرا: «رمح الجبان طويل.» # فعلت ضحكة ساخرة من حوله، واهتز الفارس من وقع الإهانة ولكنه لم يتكلم. # ولما خمدت أصوات الضحك قال الحارث: «لقد حسبتك المهلهل؟» # فقال الأسير: «وأنى لك أن تصيبه.» # فقال الحارث في غيظ: «وحق مناة لو رأيته ما نجا مني.» # فقال الأسير: «أتريد أن تراه؟» # فقال الحارث مسرعا: «من أجله سعينا إلى هنا.» # فقال الأسير: «وماذا تفعل لو دللتك عليه؟» # قال الحارث ساخرا: «أطلقك حرا.» # فقال الأسير متهكما وفي صوته اضطراب يسير: «ومن يكفل لي صدقك؟» # فظهر الغضب في وجه الحارث، ولكنه أجاب في لهفة: «سل من شئت أن يكفل لك صدقي.» # فتقدم الأسير ms090 إلى الشيخ الشجاع الفند بن سهل، وكان إلى جوار الحارث وقال: «أريد هذا ~~ضامنا.» # فنظر الشيخ إلى الحارث مترددا، فقال له الحارث: «اضمن له يا أبا مالك.» # فقال الشيخ: «ضمنت لك وفاءه، فمن أنت؟» # فلم يجبه الأسير، بل نظر إلى الحارث وقال له: «أتريد أن ترى المهلهل؟» # فقال له الحارث بحقد: «نعم، قلت لك أريد أن أراه لأضع هذا السيف في قلبه.» # فنزع الفارس بيضته عن رأسه وقال: ها أنا ذا المهلهل فاقتلني إن استطعت. # فأسرع الشيخ الفند بن سهل، ووقف دونه خشية أن يبادر الحارث إليه فيقتله وينقض عهده في ~~ضمانه، فيلحقه من ذلك عار الأبد. # وارتفعت همهمة في الجمع الملتف حول المهلهل، بين صيحة غضب وأنة أسف وآهة حقد. # ووقف الحارث بن عباد قابضا على سيفه وهو يرتعد من الغيظ، وقال في حقد: «ثكلتك أمك أيها ~~المخادع!» # فقال المهلهل ثابتا: «الحرب خدعة.» # فنظر الحارث إلى الفند بن سهل وهو واقف بينه وبين أسيره وقال: «لقد هممت لولاك يا أبا ~~مالك ...» # ثم سكت وذهب بعيدا وجلس على صخرة وهو ثائر النفس، وقد بدا على وجهه أثر الحقد والاضطراب، ~~ثم أطرق يحدث نفسه ويئن من شدة الغيظ: «وا بجيراه! هل أهدر دمك وقاتلك في يدي؟» # والتفت الفند بن سهل إلى المهلهل وجعل يتأمل وجهه ويتفرس فيه، ولم يملك نفسه من الإعجاب ~~بمنظر ذلك البطل الدموي، الذي لم يضع سلاحه كل تلك السنين، ولم يطع في ثأره الهائل نصيحة ~~ولا توسلا، وعلت وجهه برغمه ابتسامة خفيفة ثم قال له: «لا أبالي أن أنجو بحياتي كما نجوت ~~يا مهلهل.» # فطعنت هذه الكلمة قلب المهلهل، وأحس صدق تأنيب الشيخ فقال: «ولكني أطيل حياتي لأطيل فيكم ~~فتكي.» # فسمع الحارث هذه الكلمة فكأنما هو وحش رابض أغضبته، فأقبل مسرعا وقد لمعت عيناه بالشر، ~~فأسرع الشيخ الفند فاعترض سبيله وقال له محذرا: «على رسلك يا أبا بجير؛ لقد ضمنته.» # فصاح الحارث ثائرا: «وحق مناة لا ينصرف عني هكذا.» # وكان خبر أسر المهلهل قد ذاع في الجيش ms091 وانتشر حتى بلغ النساء في الحي، فعلمت به أم الأغر ~~زوجة الحارث، فأقبلت تسعى في هلع حتى وقفت إلى جوار الشيخ، ثم جعلت تتوسل إليه ~~قائلة: «بعني أخي، امنن علي به، إن قتله لا يعيد بجيرا بل يزيد قلبي جرحا.» # فتردد الحارث وهدأ قلبه قليلا وتحرك مترددا ثم قال: «إذا فليدلني على رجل من قومه ~~أقتله ببجير.» # فذهبت أم الأغر إلى المهلهل ترجوه أن يفعل ما يريد زوجها حتى لا يفتك به. وصمت المهلهل ~~لحظة وهو مطرق، ثم رفع رأسه وقد جال على وجهه ظل ابتسامة، ولكنها كانت ابتسامة غل وحقد، ~~وأشار إلى أقصى الفضاء وكان فيه بعض فرسان من أهل الحفاظ لا يزالون يتجاولون ويتحاربون، ~~وقال للحارث: «أترى ذلك الفارس صاحب العمامة الحمراء؟» # فالتفت الحارث بلهفة إلى حيث أشار المهلهل، وقال: «نعم، فمن هو، وهل هو كفء ~~لولدي؟» # فقال المهلهل: «هو امرؤ القيس بن أبان.» # فما كاد الحارث يسمع اسم الرجل حتى وثب على النعامة وقصد إليه، وما هي إلا لحظات حتى صرعه ~~وقتله، وعاد راكضا فرسه يصيح: «لا خير في تغلب بعد امرئ القيس، ولئن فاتني المهلهل بخداعه ~~فقد اشتفيت بسيد تغلب وشيخها.» # ولم يخل وجه المهلهل من دلالة الارتياح عند ذلك، فقد كفاه الحارث مئونة ابن أبان وخلافه ~~عليه ومعارضته لمشيئته في قومه. # ولما أقبل الليل كان المهلهل طليقا يسير كاسف البال، ويتبع آثار قومه الذين ارتحلوا من ~~قضة هاربين نحو الشمال، وكان كلما مر بشعب من الشعاب رأى جماعة يحملون صريعا أو يعينون على ~~السير جريحا، ويسعون في آثار قومهم بعد الموقعة الطاحنة. # ولم يخل بيت في تغلب بعد يوم تحلاق اللمم من بكاء على قتيل، أو قلق ولهفة على حياة جريح. ~~ولم يقف بهم السير في هربهم حتى بلغوا أكناف السواد من أرض العراق خوفا من غارات بني عمهم ~~المنتصرين. # | الفصل الرابع عشر # سار المهلهل من معسكر بكر بعد أن أطلقه الحارث بن عباد وهو يجر رجليه، وكان الليل البهيم ~~يلف الصحراء في ردائه الأسود ms092 ، فلا يظهر منها في ضوء النجوم الخافت إلا الأفق البعيد خطا ~~متموجا غامضا، وكان يخيل إليه أن ذلك الليل الأسحم يجثم على الأرض فيثقلها، ويهبط بها إلى ~~أسفل في الفضاء. كان رأسه يميد به وخياله يضطرب، وأعضاؤه المتعبة المثخنة بالجراح تنبض ~~بالألم كأنها تضج بالأنين. وكان قلبه أثقل على صدره من ذلك الليل يخفق في خمود وتباطؤ، كأن ~~ضرباته خبط ناقة عشواء ضالة في الظلام. # وجعلت صور حياته تتوارد على ذهنه سراعا كما تتوارد الصور على ذهن الغريق. لقد سار بقومه ~~حينا إلى النصر، وساد فيهم ما ساد حتى كاد يبلغ فيهم مكانة أخيه كليب، ومضت عليه السنون ~~وهو يحرز النصر بعد النصر، ويسفك الدم بعد الدم، ولكن ذلك كله لم يرو غلته من الانتقام، بل ~~كان كلما زاد من القتل والطعن اشتد ظمؤه إلى القتل والطعن، حتى صار القتال قصد حياته كلها، ~~فأنساه المجد والسلطان، وأغلق قلبه عن الرحمة والسلام، ولم يبق في قلبه موضعا لمودة أو ~~رحم. ولم تخمد ثورته لما اعتراه من ضعف، أو ما أصابه من هزيمة؛ فقد كان وهو يجرر رجليه بعد ~~خروجه من معسكر الحارث بن عباد لا يزال يتمثل صور الطعنات التي يدخرها، والضربات التي يعتزم ~~أن يسددها، والدماء التي يريد أن يسفكها. كان غليله الثائر لا يزال يضطرم في قلبه المكدود، ~~لم يزده الخذلان إلا عنفا، ولم تزده الهزائم إلا قسوة. # ومرت بذهنه صورة بجير بن الحارث ابن أخته المسكين، وهو يتوسل إليه بالرحم أن يدعه فلا ~~يسفك دمه بغير جريرة، وتذكر صاحبه الشجاع امرأ القيس بن أبان، وهو ينصحه ألا يمس الفتى ~~البريء بسوء وهو ابن أخته، وتذكر ما جره عليه قتل الفتى من مصائب، بعد أن ثار أبوه الحارث ~~ثورته. تذكر هذا كله ولكن قلبه كان لا يزال يشتعل بالحقد والغل، فلم يحس ندما بل علت وجهه ~~المتعب بسمة قاسية، كأن ذكرى ذلك المنظر قد بعث فيه نشوة وارتياحا. ثم تذكر امرأ القيس بن ~~أبان وهو قتيل عند قضة، وتذكر ms093 الخيانة التي زل إليها عندما أباح لحقده أن يخدعه ويملك عليه ~~زمام نفسه، فأطاع الحقد ودل عليه الحارث بن عباد واشترى بالخيانة حياته. تذكر ذلك كله ولكنه ~~لم يحس ندما، بل علت وجهه بسمة قاسية أخرى، واهتزت نفسه هزة تشبه أن تكون نشوة وارتياحا، ~~فإن امرأ القيس كان يخالفه ويعصيه وينصحه، وما كان أحب إلى نفسه أن يتذكر منظره وهو صريع ~~بيد الحارث أبي بجير. # وتنبه المهلهل إلى نفسه في فترة من فترات الصحو بين هذه الخواطر والوساوس، فعجب لقلبه كيف ~~تبدل حتى أصبح كأنه يطيع شيطانا مشئوما يسوقه في سبيله، ولكنه ما كاد يحس هذا اللين يلم ~~به حتى عادت إليه وساوسه وخواطره الدموية، وغاب في سيل من ذكريات ضرباته وطعناته. # ومرت في ضميره سانحة سريعة من الأسف والخجل عندما تذكر خدعته التي خدع بها الحارث واستطاع ~~بها أن ينجو بحياته، وتذكر ما قاله الشيخ الشجاع الفند بن سهل، إذ قال له: «ما أبالي أن ~~أنجو بحياتي كما نجوت يا مهلهل.» لقد كانت سخرية مرة فيها تأنيب وفيها ازدراء، وما كان أحراه ~~أن يربأ بنفسه عن تلك المذلة، فلا يشتري الحياة بذهاب الكرامة، ولكنه أغمض عينيه وهز رأسه ~~بعنف كأنه يريد، أن يبعد عن نفسه تلك الخاطرة المزعجة، وجعل يحمل نفسه على تأمل ما يأتي به ~~الغد القريب من وقائع جديدة يجد فيها شفاء جديدا من غليله، وفرصة أخرى ينكل فيها بعدوه، ~~ويسفك سيلا آخر من دمائه. # مضى المهلهل في صحبة هذه الهواجس المظلمة الثائرة كأنه كان يحاول أن يختفي فيها عن نفسه، ~~وأنس إلى ذلك الظلام الثقيل الذي حوله، وجعل ينتقل من موضع إلى موضع، ويفتح صدره لنفحات ~~الليل الرطيبة الباردة، لعلها تطفئ النيران الثائرة فيه. وجعل يتأمل النجوم ويحادثها، تلك ~~النجوم الأبدية التي طلعت على الأجيال جيلا بعد جيل، واطلعت على اضطراب الإنسان أبد الدهر ~~الطويل، ثم شهدت فناءه طبقة بعد طبقة، وخيل إليه أنها في لألأتها تضحك ساخرة منه، أو أنها ~~تضحك ساخرة من ذلك النصر ms094 الذي ظل يضطرب من أجله كل تلك السنين، فإذا هو ينهار كما تنهار ~~الرمال، ولكنه صرف قلبه عن ذلك كله لم يبق فيه إلا تلك الوخزة الأليمة التي كان يحسها كلما ~~تذكر أخاه البطل كليبا القتيل. نعم فإن الجرح الذي أصاب فؤاده من مقتل أخيه كان لا يزال مع ~~مر السنين جرحا داميا موجعا. # وأخذ السير يعرج به في شعاب الفلاة، حتى انتهى به أخيرا إلى شعب خفي في ثنايا واد عميق، ~~فسمع به حسا ينبعث مثل أصوات في حلم، حسا خفيا مضطربا غامضا. # فسار في حذر إلى طرف الشعب من وراء ثنية الوادي، وكان الظلام في داخل الشعب أكثف حلكة من ~~الليل، فلم يستطع أن يتبين أحدا من الجلوس. فوقف وراء صخرة خوف أن يكون هناك بعض أعدائه، ~~وأصاخ بسمعه إلى الحديث وجعل يجهد نفسه في تمييز الأصوات، وتعرف جرسها ونبراتها وخيل إليه ~~أنه يعرفها. لقد سمع تلك الأصوات من قبل، فهي بلا شك أصوات شبان من قومه، كانت ترتفع في ~~نوادي تغلب لكي تنصره وتهتف باسمه وتحيطه بضجة تشبه أن تكون من ترتيل العبادة ~~والتقديس. # واستمع إلى الحديث، وكانت الأصوات واضحة في سكون الليل يزيدها وضوحا هدوء الهواء. وما ~~كاد يقف هناك لحظات حتى كان جسمه يتفصد عرقا. كان الجدال عنيفا ولكنه لم يكن بين جانبين ~~يتنازعان، بل كان بين عصبة مجمعة على لومه والحنق عليه وإن تجادلت في تقدير جرائره. # قال أحدهم: «لقد نصحه امرؤ القيس ألا يقتل بجيرا فلم يطعه، بل قتل الفتى المسكين ظلما، ~~ولم يشفق من فجيعة أخته أم الأغر فيه.» # وقال آخر: «ولكن أدهى من ذلك أنه لم يستطع أن يقف للحارث بن عباد ولم يمنع نفسه منه. ألم ~~تروه والحارث يحمله أسيرا على فرسه ويعدو به وهو ملقى على ظهر جواده كأنه صبي؟ أي عار جلب ~~هذا الزير على قومه!» # وقال ثالث: «ولا شك في أنه هو الذي دل الحارث على ابن أبان ليقتله. لقد سمعت بعض بني بكر ~~يتحدثون بهذا وأنا ms095 مختف في الكهف عقب الهزيمة. لقد قالوا إنه دل الحارث على ابن أبان سيد ~~تغلب، وما أراد بخيانته إلا أن يشفي حقده من شيخنا الباسل الذي كان يجادله ولا يبتغي إلا ~~خيركم.» # فعلت من الجمع صيحة إنكار، وقال أحد الجلوس: أو سمعت هذا يا ابن الأجدع؟ # فقال الشاب: «سمعت هذا بأذني هاتين، وسيأتيكم مصداق قولي إذا رأيتم المهلهل غدا يسير في ~~آثاركم؛ فقد من عليه الحارث وأطلقه بعد أن خان له سيد تغلب ثمنا لحياته. نعم لقد اشترى ~~حياته بالعار والخسة.» # فعادت الضجة أعلى وأعنف، واختلطت بها الأصوات، وتطايرت في ثناياها ألفاظ الحنق، وكان اسم ~~المهلهل يتردد فيها مع أقذع السباب، ثم تجرأ أحدهم فقال: «إنه قد سفك دماءنا في سبيل دم ~~أخيه الطاغية، وسرنا وراءه كهولا وشبانا، وها هو ذا يخوننا ويدل أعداءنا علينا لكي ينجو ~~بحياته.» # فصاح الجمع مضطربا: القتل له! القتل للمهلهل! القتل للخائن الجبان! # فلم يطق المهلهل البقاء وتنحى عن موضعه مسرعا، وسار وحده وهو لا يدري ماذا يرى من أمامه. ~~كان يتعثر من الاضطراب وقلبه جائش بالألم ورأسه مضطرب بما فيه من الهموم، حتى إذا اقترب من ~~خيام قومه سار وهو يترنح إلى خيمة الهجرس ابن أخيه، وناداه في احتراس من باب الخباء، فتنبه ~~الهجرس وخرج إليه مسرعا، وعرفت سلمى زوجة الهجرس صوت أبيها المهلهل فخرجت إليه ~~متلهفة. # فلما وقع نظر المهلهل عليها أشار إلى الهجرس ليتبعه، وأشار إلى سلمى أن تدخل الخباء في ~~صمت. ثم مضى مع ابن أخيه حتى خرجا من بين الخيام وذهب إلى جانب كثيب من الكثبان القريبة، ~~فاستترا وراءه وجعلا يتحدثان. # ولم تمض بعد ذاك الاجتماع ساعة حتى كان المهلهل والهجرس يستعدان للنزوح عن قومهما، وقد ~~عزم المهلهل عزما لا يتزعزع على أن يترك جوار قوم حدث بعضهم بعضا بسبه وتنادوا بقتله، ~~وخاض جماعة منهم في عرضه وشرفه وانتقصوا منه وتآمروا عليه. ولم يصحبه في عزيمة الرحيل إلا ~~طائفة ضئيلة من أهله وعبيده. # وذاعت في حلل تغلب بعد حين ذائعة ms096 من رحيل المهلهل، فأسرع جمهور من شيوخها وكهولها إليه ~~ليردوه عن قصده، ويحاولوا الاعتذار عما أجرم بعضهم في التطاول عليه، فلم يجدهم ذلك، وأصر ~~المهلهل على المسير عنهم بأهل بيته. # وفي بكرة الصباح التالي اجتمع الناس رجالا ونساء لينظروا إلى بطلهم النظرة الأخيرة، ولم ~~يملك المهلهل وهو يلقي عليهم آخر نظراته إذ ينحدر في سيره وراء الكثبان البعيدة أن يمسح ~~دمعة غلبته، دمعة الأسى على فراق قوم طالما شاركهم وشاركوه في مخاطر الحروب وفي نشوة النصر ~~وفي كسرة الهزيمة. # | الفصل الخامس عشر # بعد عامين من ذلك اليوم كان المهلهل يسير وحيدا، لا رفيق له ولا أنيس، بعد أن قتل ابن ~~أخيه الهجرس في غزوة من غزواته، وبعد أن قتل رفاقه القلائل واحدا بعد آخر في مصادماته ~~العدة مع القبائل التي كان يمر بها. وهان أمره في القبائل حتى اضطر إلى تزويج ابنته الجميلة ~~سلمى مرغما صاغرا من غير أكفائها، ولم يستطع في ضعفه أن يعاقب خاطبها الجريء، بل أجابه ~~إلى زواجها وقلبه يتحرق، والعجز يخرس لسانه. وأخذ يضرب في الأرض بعد ذلك وحيدا إلا من ~~عبدين وراحلتين وفرسه المحبوب «المشهر» وسيفه ودروعه التي آلى على نفسه منذ أعوام طويلة ألا ~~يخلعها عن جسمه. # كان المهلهل بعد عامين من تلك الحياة المضطربة يسير وحيدا في صحبة عبديه، يريد النزول ~~إلى جوار ماء من مياه هجر، بعد أن جفت بقايا الأمطار في القفر الذي اتخذه موطنا، فمر في ~~أرض ينزل بها جماعة من بكر؛ من بني قيس بن ثعلبة قوم الحارث بن عباد. فسمع عوف بن مالك كبير ~~القوم بمروره وخشي أن يكون قد أقبل عليه مغيرا يطلب غرة فيستاق من الأموال والنعم ما يجد، ~~ثم يمضي سريعا كما كان يفعل كلما مر بقبيلة من بكر. فأرسل إليه كتيبة صغيرة ترصد له، حتى ~~إذا ما اقترب منها وقفت تعترض سبيله. فأسرع العبدان إليه خائفين وقالا وهما يرعدان من ~~الخوف: «هذه جماعة من بكر!» فنظر إليهم المهلهل كاسفا وقال كأنه يخاطب نفسه: «أين ms097 مني ~~الأحرار؟» ثم صاح بهما وقد أشرع رمحه: «تنحيا عني لا أبا لكما.» # ومضى في سبيله والعبدان يسيران خلفه في بطء، وقد انخلع قلباهما، حتى إذا ما صار عند القوم ~~أراد أن يخترق صفهم لا يلتفت إلى يمين ولا إلى يسار. وغمز فرسه المشهر فاندفع مسرعا حتى ~~خالط الصف، وأوشك أن ينفذ من بينهم، فثار البكريون لهذه الجرأة واخترطوا سيوفهم واندفعوا ~~إليه فأحاطوا به من كل جانب ولكنهم لم يمسوه؛ فقد كان أمر عوف بن مالك أن يعودوا به ~~أسيرا. # ومضى المهلهل في سبيله ورفع الرمح فأهوى به على أقرب فارس منه فطعنه في صدره فألقاه ~~صريعا، واضطربت الجماعة لحظة تمكن المهلهل في خلاها من أن يخرج من دائرتها، وأشرع الرمح ~~مرة أخرى وأهوى به على فارس آخر يقصد قلبه، فتلقى الفارس طعنته في مجنه، وأسرع الفرسان ~~فالتفوا حوله مرة أخرى وضرب أحدهم رمح المهلهل بسيفه فقصمه وصاح قائلا: «أسلم نفسك قبل أن ~~نزيل هذا الرأس الأحمق عن جسدك.» # فتكبر المهلهل أن يرد على الرجل، وأسرع كالبرق فاستل السيف وأهوى به على رأسه فأرداه عن ~~فرسه. # فاستشاط الفرسان غضبا واندفعوا نحوه من كل جانب يضربونه بسيوفهم وهو يراوغهم، ويتلقى ~~ضرباتهم ما استطاع؛ يتلقاها على سيفه تارة وعلى مجنه أو درعه أخرى، حتى ظن القوم أنه قد ~~أعجزهم، وعزموا على الفتك به فتصايحوا: «لا تبقوا على الوغد!» # ولكن المهلهل قاوم ودافع حتى كاد يأتي على آخرهم، لولا جراح أصابته نزفت منها دماؤه ~~فأضعفته عن المقاومة، ومال عن سرجه خائر القوى، ولا يزال السيف في يده يقطر من دماء بني ~~بكر. # فوجد الفرسان عند ذلك فرصة أمكنتهم منه، فأحاطوا به واستطاعوا أن يحملوه إلى عوف بن مالك ~~وهو بين الحياة والموت. # وقضى المهلهل في أسر عوف أشهرا يرسف في قيوده ولا يجد سلوة إلا في التغني برثاء أخيه، أو ~~تذكر وقعاته في بني بكر. # ولم يكن أحد يجرؤ أن يدنو من خيمته إلا امرأة الشيخ عوف بن مالك وهي من بنات خئولته ms098 اسمها ~~«جيبة ابنة المجلل». وكانت امرأة شابة جميلة حلوة العينين عذبة الحديث، عطفت على المهلهل ~~أشد العطف في محنته، بعد أن كانت تكبر بطولته في حروبه، فكانت تحمل إليه كل يوم طعامه ~~وشرابه، وتحادثه وتروح عنه. وكان المهلهل يأنس إليها حينا ويعرض عنها حينا، ويقبل منها ~~طعاما يوما ويرفضه أياما، وهي مع كل ذلك دائبة على العناية به والترفق في أمره. # وجاءه يوما رجل من أتباع عوف فدخل عليه خباءه وهو باسم كأنه قد جاءه ببشرى، وقرب منه ~~وجعل يحل وثاقه، وهو مطمئن إلى شكره وعرفانه. ولكنه ما كاد ينتهي من إطلاق يمينه من قيدها ~~حتى بادره الأسير العنيف بضربة على أم رأسه كاد الرجل يخر منها صريعا، فارتد مسرعا وهو ~~يترنح، حتى إذا ما صار على باب الخيمة صاح به حنقا: «ما الذي حملك على هذا؟ وأي جزاء ~~تجازيني على فك قيدك؟» # فرد المهلهل بصره عنه متكبرا ولم يجب. # فذهب الرجل عنه مسرعا في غيظ شديد، وبقي المهلهل صامتا ينظر إلى أثر حز الحبال المتينة ~~في معصميه. وفيما هو يتغنى حزينا يخاطب ذلك الأثر أقبلت عليه جيبة ابنة المجلل، وهي تنظر ~~نحوه نظرات موزعة بين الإنكار والترفق. # فلما صارت قريبة منه قالت في رفق: «لم ضربت الرجل وقد أتى يفك وثاقك؟» # فنظر إليها المهلهل وألان من نظرته وقال: «وما الذي حمله على فك ذلك الوثاق ولم يستأذني ~~قبل فكه؟ لئن كنت أسيرا فإنني لا أزال أملك قيدي.» # ثم جعل ينظر إلى معصميه ويحدث نفسه وينشد من شعره في بكاء كليب ... # فقالت جيبة في نغمة اعتذار: «لقد بعثه إليك ابن عمك عوف بن مالك وأمره أن يفك قيدك، وما ~~كان يحسب أن ذلك يسوءك، وما يقصد من ذلك إلا التودد إليك، لعلك تأنس إليه. وقد جاءه اليوم ~~قوم من بني عمك فأحبوا أن يأتنسوا بك.» # فتجهم وجه المهلهل وعقد ما بين عينيه وقال وقد لمع الشر في نظراته: «وهل كنت لابن عوف ~~نديما؟» # فقالت المرأة ولا تزال في نغمتها رنة ms099 الاعتذار: «لا! ولكنهم يدعونك للمؤانسة. وهل عليك ~~ضير في مجالسة قوم من بني عمك؟» # فأدار المهلهل وجهه عنها وقال مغمغما: «ليس المهلهل بمن يسعى إلى أحد.» ثم جلس في ركن ~~الخيمة، وجعل يتغنى حزينا بمراثيه في أخيه. # فرأت المرأة مراجعة القول لن تجديها شيئا، فانصرفت في صمت وبقي المهلهل يتغنى ناظرا إلى ~~أثر القيود في يديه. # بعد قليل أقبل ابن عوف ومعه ضيوفه حتى وقفوا على باب الخيمة، وتقدم شيخ كبير منهم فقال ~~باسما: «أتأذن لي يا ابن الكرام؟» # فنظر المهلهل نحوه حينا وهو لا يميزه، وغاب لحظة في تفكيره، ثم علت وجهه ابتسامة ضعيفة ~~مترددة، وقال بصوت خافت: «الفند بن سهل؟» # فقرب الرجل منه وقال وهو واقف إلى جانبه: «نعم الفند بن سهل. أبيت أن تسعى إلينا فسعينا ~~إليك.» # فاعتدل المهلهل مرتاحا إلى حديث الرجل، وصاح الفند يخاطب إخوانه الواقفين دون باب الخيمة ~~فقال: لا بأس عليكم يا قوم فقد أذن لنا المهلهل. # فدخل القوم وجلسوا في جوانب الخيمة، ودخل معهم عوف بن مالك فانتحى جانبا وهو صامت. # وتبسط المهلهل في حديثه مع الفند، ثم امتد الحديث إلى سائر الجلوس، وكأن المهلهل قد نسي ~~ما هو فيه من أسر وضيق وذل، فجعل يحدث القوم ويرحب بهم ويؤانسهم بالتحية كأنهم ضيوفه، ~~وكأنهم قد نزلوا عليه في بعض رحابه. # وبعد ساعة جاءت جفان اللحم والثريد، ووضعت السنام مشوية مع الكبد في صحفة جعلت بين يدي ~~المهلهل، وحملت الخمر فأديرت على الحاضرين في كئوس من نحاس، وأقبل الجميع على السمر في خيمة ~~المهلهل كأنهم في وليمة حافلة. # هكذا أراد الضيوف، ولم يستطع عوف بن مالك أن يضن بمطلب طلبه منه زائروه. # وأراد المهلهل أن يمتنع عن مشاركة القوم في شرابهم برا بقسمه الذي أقسمه عند قتل أخيه، ~~ولكن شيئا غلبه على امتناعه فجعله يرضى بمقاسمة القوم شرابهم. أكان ذلك ليأسه من متابعة ~~النضال؟ أم كان لاقتناعه بأنه قد أدرك ثأر كليب؟ أم كان لأنه لم يقدر على مقاومة إغراء ~~رائحة الخمر التي ms100 حرم مذاق راءوقها الصافي تلك السنين العدة بعد أن كان لا يصبر عنها يوما؟ ~~مهما يكن من ذلك فقد أقبل على الشرب وانحلت منه عقدة الهم، وعاد اللون إلى وجهه وانبسطت ~~أساريره، وكسته ابتسامة وديعة، وضرب مع الجلوس في الحديث. # وتحدر السمر وتصعد في شعاب وشجون، وكان القوم يصغون في شوق إلى أقوال المهلهل ويستملحون ~~قصصه ويستعذبون أشعاره. ثم دارت الخمر في رأسه فتدفق في إنشاده وانساب في حديثه حتى صار هو ~~وحده متكلم القوم، ولكنه لم يلبث أن نسي موضعه وحاله، وجعل يتذكر مواقعه في بكر، وينشد من ~~أشعاره مفاخرا بقومه متغنيا بمن قتل من سادات بكر وشيوخ قيس بن ثعلبة. # ثم قام في حماسة كأنه قد خيل إليه أنه واقف في صفوف تغلب يذمرهم للحرب، ويحرضهم على ~~الاستبسال في الهجوم، وأخذ يشير بيده ناظرا إلى الفضاء الفسيح الذي دون الخيمة وجعل ~~ينشد: # شفيت النفس من أبناء بكر # وحكت بركها ببني عباد # إذا ما الخيل بالأشكال جالت # وفي لباتها أسل الصواد # وثار النقع بينهم وثارت # لها أسد على أسد عواد # بضرب تشخص الأبصار منه # وطعن مثل أفواه المزاد # فنظر إليه الجلوس ووجموا، ثم نظروا إلى عوف بن مالك فإذا هو مربد الوجه محمر العينين، ~~وإذا هو يقبض على سيفه وينفث من غيظه كما تنفث الحية. # وأراد أحد الضيوف أن يخفف من وقع الأمر، فقال للمهلهل في لهجة المداعبة: «ألا تقول لنا ~~شيئا عن غزلك يا مهلهل؟» # فمضى المهلهل كأنه لم يسمع قول الرجل، وتحولت رنة صوته كأنها صيحة حرب، وقال: # رب خيل لقيتها لا أبالي # حيث ألقى كماتها مغوارا # إننا معشر إذا ما غضبنا # ضاقت الأرض نقتفي الآثارا # إن أقمنا أقامت الناس طوعا # أو أردنا الحروب سرنا جهارا # وعند ذلك لم يطق عوف بن مالك صبرا، فنهض فجأة وصرخ قائلا: «أيفخر العبد علينا في ~~ديارنا؟» # ثم خرج وهو يضطرب من الغيظ، وقد وضع يده على مقبض سيفه وسار يخطو خطوا سريعا حتى بلغ ~~خيمته، وسار القوم جميعا في أثره ms101 وتركوا المهلهل قائما ينشد ويتغنى، ويفخر بما أنزل ~~بالبكريين من ويلات. # حاول الضيوف أن يعتذروا إلى عوف مما سببوه له من الإهانة، وأرادوا أن يخففوا عنه وقع ~~أشعار المهلهل، ولكنه لم يسكن بل استمر على اضطرابه وصخبه في فناء خيمته وهو يسير ذهابا ~~وجيئة في هياج. # ثم وقف فجأة وقال: «لقد كان أولى لنا لو تركناه في قيوده، ولكن هذه الرقة التي حملتكم على ~~مجالسته قد حرضته علينا، وها أنتم هؤلاء سمعتموه يتغنى بسب قومي، وحق مناة ليموتن بأشنع ~~ميتة ماتها رجل! لا يذوقن طعاما ولا شرابا حتى يرد زبيب!» # وكان زبيب فحلا قويا من الإبل لا يرد الماء إلا كل عشرة أيام. # في الليلة الثانية بعد ذلك اليوم كانت جيبة ابنة المجلل تسير في الظلام خلسة وهي خائفة ~~والهة، حتى بلغت خيمة المهلهل، فنظرت حولها خشية أن يراها أحد، فلما لم تجد أحدا دخلت ~~مسرعة حتى جاءت إلى الأسير وجعلت تفك قيوده وتقطعها بسكين أخرجتها من طيات ثيابها. # ونظر إليها متعجبا أول الأمر، ثم سألها في دهشة: «ماذا تفعلين يا أم عمرو؟» # فقالت المرأة هامسة: «قم! أسرع! أسرع قبل أن تهلك.» # فلم يتحول المهلهل من موضعه بل سألها: «ماذا تقصدين؟» # قالت جيبة: «قم! إنك لن تذوق طعاما ولا شرابا حتى يرد زبيب. إنك هالك لا محالة؟ هكذا حلف ~~عوف بن مالك.» # ولكن المهلهل بقي في موضعه لم يتحرك، فعجبت المرأة وقبضت على ذراعه وحاولت أن ترفعه ~~وتدفعه وهي تهمس في هلع: «قم!» # فجذب المهلهل نفسه بعنف وقال: «اذهبي عني، لن أشتري حياتي بالذلة مرتين، أأهرب حتى أجعلك ~~فداء وأتستر من وراءك لكي تلاقي أنت غضب زوجك الحانق؟» # فوقفت المرأة متعجبة حينا، وأرادت أن تعاود الكرة عليه في الإلحاح، فنظر إليها المهلهل ~~واجما، وقال: «قلت لك اذهبي عني، اذهبي قبل أن أصيح في الحي منذرا بمكانك.» # فلم تجد جيبة بدا من الذهاب وخشيت افتضاح أمرها، فأسرعت راجعة إلى خيمتها وهي تترجح بين ~~الغضب والخيبة. ولم يسمح عوف بن مالك لأحد ms102 أن يذهب إلى خيمة المهلهل بطعام أو شراب إلا إذا ~~ورد زبيب بعد عشرة ليال. ثم ذهب إليه ليراه فإذا هو قد هلك من الجوع والعطش، ولم يملك نفسه ~~عندما وقعت عينه عليه من أن يخشع ويحزن كما يخشع الصائد وهو يرى الأسد صريعا. # ووقف ينظر إلى عبديه وهما ينزعان عنه دروعه لأول مرة بعد أن بقيت على جسده سنين طويلة، ~~وكانا كلما نزعا منها قطعة صحبتها قطعة من جلده الذي لصق بها. ولكنه عندما نظر إلى يديه ~~ورجليه لم يجد فيهما قيدا ولا وثاقا، فصاح بالعبدين: «من نزع القيد والوثاق عنه؟ لقد أردت ~~أن أدفنه في قيوده.» # فنظر العبدان إليه حائرين ولم يجيبا. # فرفع يده بالسيف إليهما مهددا وكاد يهوي به عليهما. # لولا أن دخلت امرأته مسرعة وهي تصرخ: «لا تفعل يا أبا عمرو! لا تفعل!» # فنظر الرجل إليها متعجبا وقال في غضب: «خلي سبيلي، مالك والعبدين!» # فقالت المرأة في هلع وهي مندفعة اندفاع اليائس: «لقد فككتها أنا! أنا التي فككت ~~قيوده.» # فصاح بها الرجل المخيف قائلا: «أنت؟ أيتها الخائنة!» # فتعلقت به المرأة باكية وقالت: «أليس ابن عمتي؟ رأيته يموت فلم يطاوعني قلبي أن أرى بطل ~~تغلب يتلوى يصارع الموت جوعا وعطشا، فحللت قيوده وتضرعت إليه أن يهرب.» # ثم سكتت لحظة وأجهشت بالبكاء وقالت في نشيجها: «ولكنه أبى وآثر الموت!» # فسكن غضب عوف قليلا ثم قال في دهشة: «لم يرض أن يهرب؟» # فقالت المرأة باكية: «لقد أبى، وقال لا أشتري الحياة بالذلة مرتين.» # فوقف عوف صامتا لحظة، ثم وضع سيفه في قرابه، ونظر إلى المهلهل نظرة طويلة، وجعل يتأمل ~~جسمه الضعيف النحيل، وجلده المقطع ودرعه التي علاها الصدأ، ثم تنفس نفسا عميقا، وقال في ~~حزن: «أبى المهلهل إلا أن يموت كريما! مات سيد ربيعة.» # ثم أمر العبدين أن يترفقا بالجسد المحطم الذي يجهزانه، وذهب إلى قومه لينعي إليهم ~~المهلهل، ويستعد لإقامة المأتم لعدوه البطل، ولم يضن عليه بدمعة حسرة وهو منصرف من باب ~~خيمته الساكنة. ms103