######OpenITI# #META# URI: 1387MuhammadFaridAbuHadid.SalahDinAyyubi.Hindawi13950286 #META# Tags: history #META# ID: 13950286 #META# Title: صلاح الدين الأيوبي وعصره #META# AuthorID: 41796395 #META# Author: محمد فريد أبو حديد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المؤلف‏ # الكتاب الأول: مباحث تمهيدية لتاريخ صلاح الدين الأيوبي‏ # الكتاب الثاني: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي‏ # مقدمة المؤلف‏ # الكتاب الأول: مباحث تمهيدية لتاريخ صلاح الدين الأيوبي‏ # الكتاب الثاني: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي‏ # | صلاح الدين الأيوبي وعصره # | صلاح الدين الأيوبي وعصره # تأليف # محمد فريد أبو حديد # | مقدمة المؤلف # قد رأت لجنة التأليف والترجمة والنشر أن تبدأ بسلسلة من المؤلفات في مختلف الموضوعات، ~~وأسعدني الحظ أن اشتركت في تلك السلسلة بوضع كتاب في تاريخ «صلاح الدين الأيوبي ~~وعصره». # وقد حاولت أن يكون قولي في ذلك الرجل العظيم جامعا ما كان له من الأعمال وما امتاز به من ~~الصفات، مراعيا أن أجمع إلى دقة التاريخ بساطة الأسلوب، وألا أغلو في التفصيل غلوا ~~يذهب بملامح الصورة التي قصدت إلى رسمها من صلاح الدين وعصره، ولم أقتصر في النظر على وجهة ~~واحدة بل جمعت بين وجهتي نظر مؤرخي المسلمين ومؤرخي الفرنج؛ حتى لا يكون هناك ميل ~~في الحكم إلا بمقدار ما تستوجبه عقيدتي التاريخية الخاصة؛ فلست أعتقد أن واجب المؤرخ ~~السرد والحكاية، وإنما عليه واجب آخر هو المناقشة وإظهار ما يعن له من رأي. # وكان اختياري للكتابة عن حياة صلاح الدين؛ لأنه مؤسس دولة مصرية عظيمة يمكننا أن ~~نعدها أولى الدول المصرية العظمى التي لا شبهة في مصريتها؛ فإن الدول التي سبقتها لم ~~تكن دولا مصرية بحتة؛ وذلك أن دولة الطولونيين والإخشيديين لم تكن دولة بالمعنى الصحيح، ~~بل كانت محاولات أولية، ولم تكن الدولة الفاطمية بمصر دولة وطنية بالمعنى التام؛ إذ جاء ~~الفاطميون فاتحين بعد أن تأسست دولتهم في شمال أفريقيا، وحتى بعد أن أصبحت مصر مركزا ~~لدولتهم كان المذهب الشيعي حائلا بينها وبين المصريين من أن يندمج بعضهم في بعض كل ~~الاندماج ويكونوا حكومة وطنية صحيحة؛ فكانت دولة صلاح الدين بمصر أول الدول الوطنية ~~العظمى التي جعلت لمصر مكانها العالي بين دول العالم في القرون الوسطى. # على أن لصلاح الدين مكانة فوق هذه؛ وذلك أنه كان ms001 البطل العظيم الذي أحرز الشرق على يديه ~~النصر على الغرب في ذلك النضال الهائل الذي اهتز له جميع العالم، وهو النضال الديني ~~المعروف بالحروب الصليبية، وقد كان صلاح الدين فوق كل هذا من أعظم الأفذاذ الذين ذكرهم ~~التاريخ، وأن حياة العظماء أجدر أبواب التاريخ بالبحث؛ لما فيها من مواعظ وعبر، ولما ~~يتخللها من مواقف جليلة. # وإنه ليسرني أكبر السرور أن اختارت اللجنة كتابي ليكون من رسائلها الأولى، وإني مدين ~~لها في مراجعة الكتاب، وقد استفدت فائدة كبرى من ملاحظات لجنتها الفنية. وكذلك يجب علي ~~أن أشكر إبراهيم أفندي جمعة الطالب بمدرسة المعلمين العليا؛ لقيامه برسم الخرائط التي ~~وضعتها لإيضاح الموضوع. # ولا يفوتني أن أشكر حضرة الفاضل محمد أفندي نديم ملاحظ مطبعة دار الكتب المصرية على ~~إظهار الكتاب بهذا النظام الجميل الذي يدل على ما حازه فن الطباعة على يديه من التقدم ~~الباهر. # والله أسأل أن يسدد خطانا في سبيل خدمة العلم والقيام بواجبنا في هذا السبيل نحو ~~الوطن. # محمد فريد أبو حديد # | الكتاب الأول: مباحث تمهيدية لتاريخ صلاح الدين الأيوبي # (1) دعوة الإسلام ونضاله مع الأمم # قام دين الإسلام في صحراء العرب، ثم نما وزاد حتى شمل كل الجزيرة في حياة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، وجعل ينشر جناحيه كي يظل بهما ما يليه من أمم الأرض من قبل ~~المشرق والمغرب؛ فإن دخلوا تحته راضين كانوا إخوانا، وإن هم أبوا ذلك جاهدهم حتى ~~يدخلهم في حوزة العقيدة والإيمان أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وكان الإسلام ~~يرضى بتلك الخطة الأخيرة عالما أنها الخطة العملية لإدخال الناس في حظيرته على طول ~~الزمن إذا هم قاوموا الصدمة الأولى، علما منه بأن دفع الجزية والخضوع سيدفعان بعد حين ~~إلى الدخول في الدين عندما تهدأ ثورة الإباء. # وقد وجد الإسلام من العرب عدة واستعدادا، فجعل سيلهم يتدفق على ما جاوره من ~~البلاد؛ فاجتاح فارس وهبط على ما يليه من بلاد الروم حتى أقام دولة فتية لم يشهد ~~مثلها التاريخ إلا قليلا، فبلغت في نحو تسعين ms002 سنة اتساعا لم تبلغه دولة الروم في ~~قرون طويلة، وكان من أسباب انتصار هذه الدولة الفتية تلك الحماسة الدينية العجيبة ~~التي لم يذكر مثلها التاريخ لشعب آخر من الشعوب، حماسة قائمة على عقيدة كالصخر، لا ~~يدخل إليها شك ولا يضعف من سورتها ظلم، بل كانت عقيدة حرة ثابتة، فشهد ~~العالم نوعا جديدا من أنواع الدولة يقوم على الجهاد في سبيل العقيدة الدينية، فلا ~~تقوى دولة من دول الأرض على الوقوف في وجهها، وكان ذلك أول عهد جديد طلع على العالم ~~المعروف. # وسارت دولة الإسلام بعد ذلك قدما في سبيلها، فهدأ تيار الفتح بعد حين، وجعلت ~~أمورها تستقر، وأخذت تلتمس المدنية من وجوهها، فنقلت ما نقلت عن دول سبقتها مثل فارس ~~ومصر، وأنشأت لنفسها فوق ذلك مدنية طريفة صبغتها بصبغتها، حتى إذا كانت أواخر القرن ~~السابع بعد الميلاد (النصف الأخير من القرن الأول للهجرة) صارت دولة الإسلام (دولة بني ~~أمية) هي دولة العالم الكبرى، وكان إلى جوارها في أوروبا دولة الروم الشرقية من قبل ~~آسيا الصغرى. # وكانت أوروبا في هذا الوقت قد طرأ عليها تغير كبير من حوادث ذات بال وقعت بها منذ ~~أواخر القرن الخامس للميلاد - قبل الهجرة بنحو قرن ونصف؛ وذلك أن دولة الروم العظيمة ~~الغربية بلغت شيخوختها وضعفت وجعلت أمم من المتوحشين تغير عليها من سهوب الشرق ~~المجاورة لبحر قزوين وما إليه، فما زالت تلك القبائل الهمجية تصدعها حتى تصدعت ~~وتفككت وسقطت، وآلت رومة العظيمة عاصمة العالم إلى يد الفاتحين من قبائل القوط، ومن ~~ذلك الوقت ضاع أمر دولة الروم الغربية، وتقسمت أرضها بين المغيرين، فأخذت قبائل ~~الفرنج (الفرنك) بلاد غالة (فرنسا الحالية)، وهبط «الواندال» ثم قبائل القوط الغربية في ~~إسبانيا حيث ظل حكمهم أكثر من قرنين، إلى أن أتى العرب فقاموا على أنقاض دولتهم هناك، ~~ثم استقرت دولة القوط الشرقية في إيطاليا، وبذلك صارت مدنية الدولة الرومانية إلى تلك ~~الأيدي الخشنة، فما لبثت أن ذهب رواؤها وأصبحت أثرا بعد عين. # على أن العالم الغربي قد كسب شيئا ms003 وإن فقد مدنية الرومان؛ وذلك أن الشعب الروماني ~~القديم كان قد بلغ مرتبة الشيخوخة والضعف وكان لا بد له من الفناء في نضال البقاء، فلما ~~غلبت عليه تلك القبائل المتوحشة واختلطت به دخلت في دين المسيح وأدخلت على شيخوخة ~~الشعب الروماني فتوتها وخشونتها وبداوتها، فدخل دم الشباب من هذه القبائل إلى الشعب ~~القديم، وعادت إليه قوة حيوية كبرى، وبقيت المدنية القديمة محلا للتقديس ولو أنها ~~كانت غير مفهومة ولا مدركة، وكان الدين المسيحي الذي اشترك فيه الشعبان: القديم ~~والحديث علاقة متينة زالت بواسطتها الفوارق تدريجا، حتى إذا ما أتى القرن الثامن بعد ~~الميلاد (القرن الثاني للهجرة) كانت عوامل الاختلاط قد أتت بنتائجها وأصبح الشعب القديم ~~غير ظاهر وحده، بل صار الناس خليطا من الشعب القديم والشعوب الهمجية، وبدأت كل جهة ~~تمتاز عن الأخرى لهجة وعادات وطبائع بحسب السنة الطبيعية لاختلاف البيئات ولهجات ~~القبائل المختلفة، وبذلك وضع أساس أمم أوروبا الجديدة. # عظمت بعد ذلك دولة العرب في مدة العباسيين حتى صارت أعظم دولة في العالم مجدا ~~ومدنية وقوة، ولكن انفصلت عنها أجزاء قامت منها دول فتية أخرى؛ أكبرها دولة الأمويين ~~بالأندلس يحكمها أبناء عبد الرحمن الأموي، الذي هرب من العباسيين إلى الغرب وعبر البحر ~~وكون دولة مستقلة في شبه جزيرة الأندلس ينافس بها أعداء أسرته العباسيين، وعلى هذا ~~كان للعالم المسيحي في القرن الثامن للميلاد جبهتان يتقابل فيهما بدول الإسلام: # الجبهة الأولى: # الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها في القسطنطينية، وهي تتاخم دولة ~~العباسيين عند آسيا الصغرى. # والجبهة الأخرى: # حطام الدولة الرومانية الغربية التي استولى الهمج على أنحائها ~~وكونوا فيها الدول الجديدة البدوية، وكانت الدولة الإسلامية القريبة ~~من تلك الجبهة دولة الأندلس. # على أنه قد بدأت في أوروبا في القرن الثامن للميلاد حركة ترمي إلى توحيد الدول ~~المسيحية وإعادة إنشاء دولة واحدة عظيمة شبيهة بدولة الروم الغربية القديمة. # وكان قوام تلك الدولة الجديدة شعب الفرنج تقوده أسرة من نسل البطل الفرنجي الكبير ~~شارل مارتل صاحب الانتصار على العرب في وقعة «تور» سنة 732 ms004 بعد الميلاد، وهو الذي ~~تعده أوروبا الغربية حاميا لها من سيل العرب الجارف الذي كان يهددها من ~~الأندلس. # بلغت تلك الدولة شأوا كبيرا في أيام الملك شارلمان أو شارل الكبير حفيد شارل مارتل، ~~ويمكن أن تعتبر دولته إعادة لسيرة الدولة الرومانية القديمة، مع فارق عظيم يجب ألا ~~ينسى وهو أن تلك الدولة الجديدة كانت - في الواقع - دولة فرنجية؛ أي إن قوامها كان ~~من الفرنج سلالة الهمج الذين اشتركوا في هدم الدولة الرومانية الغربية منذ ثلاثة قرون، ~~فكانت دولة متسعة على رأسها حكومة واحدة ويحاول ملكها العظيم أن يجعلها شبيهة بالدولة ~~الجليلة القديمة في نظامها، وإن كان لا يستطيع أن يعيد ذلك النور الذي انطفأ على يد ~~أجداده الغزاة الأوائل. # فبعد قرون ثلاثة من سقوط رومة استقر العالم على حال جديدة، وأصبح فيه دول ثلاث أو ~~أربع؛ ألا وهي دولة المسلمين، ودولة الفرنجة (الإمبراطورية الغربية)، والدولة الرومانية ~~الشرقية. # نقول: دول ثلاث أو أربع؛ لأن دولة المسلمين في ذلك الوقت كانت - كما قدمنا - غير ~~متحدة؛ فقد انفصلت بعض أطرافها فكانت دولا مستقلة أكبرها دولة الأندلس؛ ولهذا كانت ~~دولة المسلمين في الواقع دولتين كبيرتين: دولة العباسيين المشارقة، ودولة المغاربة بني ~~أمية بالأندلس. ~~(2) علاقة الإسلام بأمم أوروبا منذ القرن التاسع # استقرت تلك الدول بعد ذلك الاضطراب الطويل الذي غير وجه العالم، وصارت لها فيما ~~بينها علاقات وروابط، وتبدلت وجهة ما بينها من العلاقة إلى ما يكون عادة بين ~~المتجاورين من علاقات معاملة ومنافسة ومنازعة، ولعل من أكبر ما يسترعي النظر في حروب ~~المسلمين مع من جاورهم أن لفظ الجهاد كان لا يزال مستعملا؛ فلا نزال نسمع اسم ذلك ~~(الجهاد) يعبر به المؤرخ الإسلامي عن حروب العباسيين أمثال هارون الرشيد والمعتصم مع ~~الدولة الرومانية الشرقية، وكذلك يتردد ذلك الاسم - وهو الجهاد - في وصف حروب عبد ~~الرحمن الأوسط مع جيرانه ملوك الفرنج وأمراء القوط بجبال الأندلس. # والحق أن ذلك اللفظ - وهو الجهاد - يجب أن يقصر على العصر الأول من غزوات المسلمين؛ ~~أيام كان القصد الأول من ms005 الحروب بث الدعوة الإسلامية في أنحاء الأرض؛ فقد كان ~~المسلمون إذ ذاك أصحاب مبدأ جديد وفكرة يريدون أن تسود العالم؛ فكان أول شيء في نظرهم ~~إبلاغ الناس ما عندهم من الدعوة، والعمل على أخذهم بها ولو كلفهم ذلك مهجهم؛ فما ~~كانوا يعبئون أيحاربون في صحاري قاحلة أم في وديان خصبة، ولا يبالون أنالهم بأس ~~البرد أم حر القيظ في سبيل ما يدعون إليه. وكان العدو بعد الانتصار يصير صاحبا؛ له ~~ما لهم وعليه ما عليهم إذا هو قبل دعوتهم. # وما كان لهؤلاء المجاهدين الأولين أن يفرقوا بين جنس وجنس أو بين لون من الناس ~~ولون، بل إنهم كانوا يغلبون العدو وهم يرون أنهم يؤدون له أكبر خدمة بإبلاغه الدعوة ~~وتمهيد السبيل أمامه إلى السعادة الأخروية. فكان شأنهم في ذلك شأن كل أصحاب الدعوات ~~والمبادئ، ولكن لقد كان للجهاد عصره ثم انقضت الروح التي كانت تدفع إليه. ثم دخلت دولة ~~الإسلام في دور حياة مدنية، وحلت في بلاد ذات مجد قديم، وسارت في مواطئ أقدام الأمم ~~الغابرة، وأخذت بمدنياتها تدريجا، وتكونت فيها حكومات منظمة سلكت في معاملاتها مع ~~جيرانها سلوك من تقدمها من الدول؛ فحلت العلاقات السياسية محل الحماسة إلى ~~الدعوة الإسلامية؛ حتى لنجد هارون الرشيد - خليفة المسلمين - يراسل إمبراطور دولة ~~الفرنج ويهاديه، ولعل ذلك كان التماسا لصداقته نكاية للدولة المتاخمة لدولته؛ نعني ~~دولة الروم الشرقية، على حين نجد عبد الرحمن الأوسط بالأندلس يراسل إمبراطور الدولة ~~الرومانية الشرقية ويهاديه؛ التماسا لصداقته ونكاية للدولة المتاخمة له وهي دولة ~~الفرنجة. فهل إذا حارب الرشيد دولة الروم الشرقية أمكن أن نصف تلك الحرب بأنها جهاد ~~من أجل فكرة دينية؟! وهل إذا حارب عبد الرحمن الأوسط دولة الفرنجة أمكن أن نعد ذلك ~~جهادا بالمعنى الصحيح؛ ونعني به نشر دعوة الإسلام؟! # الحق أن الدول الإسلامية عندما تكونت واستقرت أصبحت في تعاملها مع من يجاورها من ~~الدول دولة دنيوية لها علاقات ودية في جانب وعدائية في جانب آخر بحسب ما تقضي ~~به مصلحتها، وأصبحت فكرة الجهاد المجرد ms006 غير حقيقية، وإنما أبقي اسم الجهاد ~~مستعملا في وصف الحروب مع العالم المسيحي؛ سيرا على التقاليد الأولى وإعلاء من شأن ~~الدولة بوضعها في مكان السائر على سنن أهل الدعوة الأوائل الأجلاء، وتبريرا للحرب ~~واستنهاضا لهمة الناس؛ كي يبذلوا ما يرغب منهم بذله راضين شاكرين. أما من جهة ~~المسيحيين فإنهم كانوا في حروبهم مع المسلمين إلى القرن العاشر لا يحاربون لأجل نشر ~~مبدأ ديني، بل كانوا أصحاب بلاد يحاولون الدفاع عنها، وعلى ذلك لا يمكن أن تسمى ~~حروبهم إلى ذلك الوقت حروبا دينية؛ إذ لم يكن لهم قصد من بث دعوة دينية. حقا لقد ~~كان الفرنجة المسيحيون أحيانا يقومون بحروب دينية. ومثل تلك الحروب ما شنه شارل ~~الكبير على ما جاور بلاده من سكسونيا الوثنية في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع ~~للميلاد، ولكن تلك الحروب كانت محلية قليلة الشأن، ويمكن أن نقول - بوجه الإجمال: إن ~~العالم المسيحي قبل القرن الحادي عشر لم يعرف الحرب الدينية بالمعنى الصحيح، أو بقول ~~آخر: لم يقم بحروب صليبية لبث دعوة المسيح في أنحاء الأرض بثا منظما في دائرة ~~واسعة كما فعل العالم الإسلامي أيام الجهاد الأول، فإذا نحن جئنا بعد ذلك إلى القرن ~~الحادي عشر ورأينا اسم الجهاد يتردد في أنحاء العالم الإسلامي من نهر دجلة في العراق ~~إلى نهر دورو في الأندلس، وإلى جانب ذلك يتردد اسم الصليب على طول خط الحدود الفاصلة ~~بين العالمين؛ العالم الإسلامي والعالم المسيحي. إذا رأينا هذا عرفنا أن هناك شيئا ~~جديدا، وأن عاصفة قد ثارت فأعادت اسم الجهاد يهتف به من جانب المسلمين، وأثارت اسم ~~الحرب الصليبية يهتف به من جانب المسيحيين، فما الذي أثار تلك العاصفة؟ ~~(3) صريخ القسطنطينية # في أواخر القرن الحادي عشر وجه إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية دعوة إلى ~~البابا؛ ليدعو أمم الغرب من فرنجة وألمان وإنجليز إلى نصرة الصليب وتخليص بيت المقدس من ~~أعدائه المسلمين، فوجه البابا دعوته إلى أوروبا فسارت في الشعوب كما تسير النيران في ~~الهشيم، وقامت أوروبا كرجل واحد إلى الغرض الذي ms007 دعا إليه البابا؛ فكانت حروب دموية ~~بين الشرق والغرب استمرت ثائرة مدة قرن، ثم خبا لهيبها تدريجا بعد ذلك ولو لم تنطفئ ~~ناره جملة، فما الذي جعل إمبراطور القسطنطينية يرسل تلك الدعوة؟ وما الذي جعل البابا ~~يقبلها رغم الحفيظة التي كانت في قلبه على الكنيسة الشرقية؟ وما الذي جعل أوروبا تجيب ~~دعوة البابا بهذه الحماسة العجيبة التي بدت منها؟ # لقد كان بين القسطنطينية ورومة - منذ قرون - ~~منافسة ومشاحنة، # 1 # وها نحن نجد القسطنطينية تتناسى تلك الإحن القديمة، وها نحن نرى أوروبا ~~تدوس تلك المنافسة تحت أقدامها وسنابك خيولها، ويتصافح المسيحيون من الشرق والغرب ~~ويتحالفون على الإسلام. # لقد كان الخلاف الذي بين شقي العالم المسيحي خلافا يكاد يمس أساس العقيدة، فكان ~~المسيحيون في الشرق يعتبرون المذهب الغربي خرافة، على حين كان الخليفة القديس بطرس في ~~رومة (البابا) ينظر إلى الشرق أنه منشق عنه خارج عليه، ولكم كان بين الاثنين مواقف ~~عاصفة وتراشق بالألقاب، بل لقد كان بينهما تنافس حربي. ومثل ذلك أن بوهمند «بيمند» بن ~~روبير جيكار الملك النرماندي على جنوب إيطاليا وصقلية عبر البحر الأدرياتي وجعل يغزو ~~أرض الدولة الشرقية بتحريض سيده البابا صاحب ولائه. # ولكن تلك الفروق وتلك المنازعات لم تقف أمام التيار الجارف الذي اجتاح أوروبا فنسيت ~~كل العداوات القديمة، وسويت الحزون، وتعانق أبناء المذهبين، حتى إن بوهمند - ذلك ~~الأمير الذي غزا أرض الدولة الرومانية الشرقية - صار أحد القواد الكبار الذين ذهبوا إلى ~~القسطنطينية لنصرة كلمة المسيح. # أما هذا الانقلاب الذي طرأ على سياسة الدولة الشرقية وجعلها تطلب مساعدة البابا فيمكن ~~كشفه من تتبع علاقة تلك الدولة بالدول الإسلامية إجمالا منذ القرن الثامن للميلاد؛ ~~فقد كانت الدولة العباسية في القرن الثامن للميلاد في عنفوانها، فسلبت جارتها ~~الرومانية كثيرا من أملاكها، فلما انشغل العباسيون في مشاغلهم الداخلية أمكن دولة ~~الروم أن تبقى ثابتة الحدود عند شرق آسيا الصغرى، ثم مضت قوة الدولة العباسية وذهب ~~أمثال المهدي والرشيد والمأمون، وتلا ذلك استبداد جنود الأتراك بالخلافة العباسية؛ ~~فأخذت الدولة تضعف في ms008 نضالها الخارجي ، وزادها ضعفا أن انفصل عنها كثير من البلاد التي ~~بدأت تستقل كالأغالبة والأدارسة في أفريقية، وأخيرا جاءت الضربة القاسية وهي استبداد ~~بني بويه الشيعيين بأمر الخلافة، فأصبحوا وزراء في الاسم ولكنهم كانوا المسيطرين على ~~الأمر كله، وكان الخليفة أحيانا يحاول أن يثبت لنفسه أمرا فكان يحدث من وراء ذلك ~~تشاحن وتنازع بينه وبين الوزير، فاضطربت أمور الدولة الإسلامية وتفرقت كلمتها ~~وانفجر جثمانها، فصار أجزاء متناثرة من إمارات في فارس وخراسان وأخرى في الشام وسواها ~~في مصر. وهكذا وجدت الدولة الرومانية دونها فرصة سانحة فانتهزتها، وأثار أباطرتها ~~حربا طاحنة لا سيما أيام نقفور «نيقفراس فوكاس» و«حنازيمس» «جون سيميسز» بين عامي ~~960-975 بعد ميلاد المسيح، فلم يستطع أمراء الحمدانيين - الذين كانوا على حدود دولة ~~الروم - أن يثبتوا في ذلك النضال، بل أخذتهم كتائب الدولة الرومانية بما لا قبل لهم ~~له، ثم فتحت سواحل الشام وعبرت جنود الروم نهر الفرات، وكانت على طريق بغداد، وذعر ~~الخليفة المطيع حتى لقد باع عليه الأمير البويهي أثاث قصره ليستعد بثمنه للحرب، ولكن ~~لحسن حظ دولة الإسلام رجعت عند ذلك جيوش الروم وانقضت تلك الموجة ولم تحطمها. كان هذا ~~في القرن العاشر، ثم طلع القرن الحادي عشر بحظ غير هذا، وكان الأمر ككفتي ميزان إذا ~~رجحت كفة شالت الأخرى. # في القرن الحادي عشر استولى على بغداد قوم من الترك، وهم السلاجقة، وكان أميرهم طغرل ~~بك رجلا من أهل السنة شجاعا غير مأخوذ بالألقاب كما كان ملوك البويهيين؛ فحفظ على ~~الخليفة جلاله وهيبته ظاهرا، وأخذ في يده أمر الدنيا يتحكم فيها بسيفه وإرادته ~~فعلا. وباستيلاء السلاجقة على بغداد سنة 1055 بعد الميلاد/447 للهجرة دخلت الدولة ~~الإسلامية في دور غير ذلك الدور الذي مر بها في أواخر القرن العاشر. # فقد استعادت على يدهم قوة شبابها، أو إن لم يكن ذلك فقد عاد جيشها - على الأقل - إلى ~~سيرة الفتح والانتصار الذي نسيته الدولة في آخر أيام بني بويه، وقد توالى على أمر ~~الدولة العباسية ملوك ثلاثة عظام من ms009 السلاجقة وهم: طغرل بك وألب أرسلان وملك شاه ما بين ~~سنتي: 1055 و1092م/447-485 هجرية. وكانوا في سياستهم الداخلية مع الخلافة قانعين ~~بالسلطان الدنيوي الفعلي تاركين كل مظاهر الرياسة والسيادة الاسمية للخلفاء من البيت ~~المبجل الذي له المكانة السامية في قلوب المسلمين وهو بيت بني العباس. # وأما في سياستهم الخارجية مع من جاورهم - ولا سيما دولة الروم الشرقية - فقد كانوا ~~لا يقنعون بسوى السيطرة والغلبة، فبدأت جيوشهم من جبال طوروس وأرضروم، وما زالت تنحدر ~~إلى الغرب في وديان آسيا الصغرى وهضابها، وهناك شهدت مدينة قيصرية جيوشهم الغالبة، ثم ~~خضعت بلاد أرمينية والقوقاز بعد دفاع لم تستطع الثبات عليه، ثم كانت بعد ذلك موقعة ~~«ملاذ كرد» بين أرضروم و«وان» سنة 1072، وكان هناك الانتصار الذي لا يزال يذكر ~~للسلطان ألب أرسلان، وأخذ الإمبراطور الشرقي «رومانوس» أسيرا وهو جريح بعد دفاع ~~بطل مستميت، وقد سار ملك شاه بن ألب أرسلان على سنة أبيه بعد مقتله، وزاد على الحرب ~~مع الروم حروبا أخرى مع ما يليه من البلاد، وكان من بينها بلاد الشام التي كانت لا ~~تزال فيها بقية من حكم الفواطم. وما كان عام 1090م حتى كان ملك شاه يطأ بحدوده الشرقية ~~أكتاف الصين ويدوس بحدوده الغربية عواصم الفواطم والرومان من قبل الشام وآسيا الصغرى، ~~وتكونت دولة للسلاجقة في أحشاء هضبة الأناضول، وأملى ملك شاه إرادته على من يليه، ~~وكان من بين من يرتجفون من خوفه الإمبراطور ألكسيوس إمبراطور الدولة الرومانية ~~الشرقية. # وكانت تلك الحروب - ولا شك - حروبا لا يقصد بها سوى مد السلطان والغلبة؛ فإن ~~السلاجقة كانوا قوما محاربين أتوا من أواسط آسيا، فما زالوا يحاربون بعد ذلك من أجل ~~فتح سائر ما يليهم من الأقاليم، وكانت تلك الأقاليم التي تليهم في أيدي الرومان على ~~الأكثر، ولو أنها كانت في أيدي سواهم لحاربوهم ولو كانوا من أمراء المسلمين. # خريطة حدود دولة ملك شاه. # وقد سببت تلك الحروب - كما تسبب الحروب في كل عصر - عداوة بين الجانبين ~~المتحاربين، فحدثت حوادث لا يخلو من مثلها ms010 وقت مضطرب مثل ذاك الوقت ، وما كانت تلك ~~العداوة وما نشأ عنها من الحوادث لتأخذ صورة خاصة في التاريخ لولا ما وقع بعدها من ~~الحوادث الجليلة التي هزت العالم أجمع. # بينما كان ألكسيوس يفكر في طريق يخرجه من حرج موقفه أمام ملك شاه إذا بالموت عدا ~~على عدوه المخيف وتمزقت بموته دولة السلاجقة التي بناها ثلاثة من ملوكهم العظام، ~~وهناك تنفس الإمبراطور، وكان رجلا من رجال الدهاء والاحتيال؛ فرأى أن ينتهز فرصة ~~انثلام ذلك الهيكل العظيم الذي إلى شرق بلاده فيحطمه ليأمن غائلته، فأرسل إلى فتية في ~~أوروبا معودين الحرب؛ كي يأتوا ليعيدوا له ما فقدته دولته، متناسيا ما كان بين الغرب ~~والشرق في العالم المسيحي من منافسة وخلاف، وكانت الظروف مساعدة له فرأى أن يلبس ~~الحقائق لباسا يجعله يستفيد منها. # فصور المسلمين أنهم قوم أتوا إلى بلاده لا يقصدون إلا حربا دينية يهدمون بها ديانة ~~المسيح، وعزا ما ارتكبه الجنود السلاجقة من الاعتداء على المسيحيين في الشام وآسيا ~~الصغرى إلى رغبة كمينة في نفوسهم في أذى النصارى، وساعد على إذاعة أمثال هذه المزاعم ~~جماعة من المتحمسين أمثال بطرس الراهب الذي ثارت نفسه عندما رأى قبر المسيح في يد ~~السلاجقة الظافرين وهم حديثو العهد بظفرهم. وهكذا سمعت أوروبا نغمة لم تطرق أذنها من ~~قبل: دعوة إلى نصرة المسيح على المعتدين المسلمين، وما هو إلا أن صرخ ألكسيوس حتى ~~أجيبت الدعوة بثورة هزت أرجاء العالم؛ فلقد أرسل إلى البابا «أربانوس الثاني» - وهو ~~في مجلس ديني في «كليرمون» سنة 1095 - يدعوه إلى نصرة المسيح واسترداد بيت المقدس من ~~السلاجقة، فما انفض ذلك المجلس حتى نادى البابا نداءه التاريخي الذي دوى في أنحاء ~~أوروبا. وانطلق المتحمسون في أنحاء البلاد يصورون الإسلام ظالما عاتيا مغيرا، ~~ولم تكن حكاياتهم خالية من الحقيقة، ولكنها - كما قدمنا - كانت حوادث طبيعية في عصر ~~ثارت فيه ثائرة الحروب بين متنافسين قديمين. على أنه لم يكن أحد ليمحص تلك الحجج ~~التي أوردها أمثال بطرس الراهب؛ فثارت العاصفة هوجاء تخبط خبط ms011 عشواء. ~~(4) لماذا لبت أوروبا الدعوة؟ # إذا كان ألكسيوس قد تناسى ما كان بين دولته وبين الغربيين، فأعجب من ذلك أن يأتي ~~الغرب إلى مساعدته بتلك الحماسة العظيمة؛ فالحق أن أوروبا في هذا الوقت كانت مستعدة ~~أعظم استعداد لإيقاد النيران، وكان البابا والكنيسة هما الطريقان الوحيدان إلى إثارة ~~تلك النيران، وقد عرف ألكسيوس أن يلمس المكان الذي فيه سر الانفجار. # كان الدين في القرن الحادي عشر سيد أوروبا، وكان رجال الدين - وعلى رأسهم البابا في ~~ذلك القرن - أصحاب عواطف أهل أوروبا، وكان في أوروبا في ذلك الوقت رجال يحبون الحرب ~~ويعيشون له ولا يسعهم إلا تلبية الداعي إليه، ولا سيما إذا كان لنصرة الدين، وذلك كله ~~يرجع إلى أسباب لا بد من بيانها موجزة في الفقرتين الآتيتين: # الانقلاب في نظام أوروبا # حدث انقلاب عظيم في نظام الدولة الفرنجية في أواخر القرن التاسع للميلاد؛ وذلك ~~أن شارل الكبير كان قد أقام دولة عظمى تشمل أكثر بلاد الدولة الرومانية القديمة، ~~ثم خلع البابا عليه لقب الأباطرة، وأصبح لقبه إمبراطور الدولة الرومانية الغربية، ~~وقد حاول شارل أن يجعل دولته على نظام شبيه بنظام الدولة الرومانية القديمة، وأكبر ~~ما يرمي إليه جعلها دولة واحدة وأن يكون هو على رأسها ومركزها، ولقد كان تحته ~~طائفة من الحكام والرؤساء ولكنه عمل على أن يكونوا عمالا له مؤتمرين بأمر ~~الحكومة المركزية، ثم سار ابنه «لويس التقي» على مثل ذلك بما استطاع، لكنه لم يكن ~~كأبيه دراية وكياسة وقوة، فما هو إلا أن مات لويس حتى تقسمت الدولة الرومانية ~~الغربية إلى أقسام ثلاثة بين أولاده، وبدأت بذلك أول حلقة من سلسلة تقسم لبث ~~يحطم تلك الدولة إلى آخر القرن التاسع للميلاد. # وقد كانت أوروبا في ذلك القرن التاسع مهددة بأخطار جسيمة من تجدد إغارات ~~القبائل المتوحشة وأكبرها عند ذلك قبائل النرمانديين والمجريين، زيادة على ما كان ~~يصيبها من غزو العرب في الأندلس وصقلية وجنوب إيطاليا برا وبحرا، وقد كان لهذه ~~الغزوات أثر بعيد المدى. # كان النرمانديون يغيرون على الدولة ms012 الرومانية في خفاف السفن من مصبات ~~الأنهار؛ لأنهم كانوا قوما من بلاد الشمال وشواطئ البحار، لهم جراءة على المحيط ~~ودراية بتسيير السفن، وكانت إغاراتهم للسلب والتدمير، ولا تستطيع دولة الرومان ~~الغربية أن تدفعهم عن نفسها؛ إذ لم يكن فيها مدن حصينة ولا كتائب سريعة، وكان ~~المجريون في إغاراتهم فرسانا يجتاحون البلاد ثم يعودون بعد أن يسلبوا ما شاءوا ولا ~~تردهم حصون ولا أسوار، ولم يكن دونهم عند الفرنج كتائب ذات دراية بحركات الفرسان؛ ~~ولهذا استقر رأي أمراء الدولة الرومانية الغربية على أن يعنوا بأمرين لا غنى ~~للدولة عنهما إذا شاءت حماية نفسها من أعدائها؛ وذانك هما: بناء الحصون الكثيرة ~~والأسوار على المدائن من جهة، ومن جهة أخرى تكوين كتائب للفرسان معودة الكر والفر ~~على أسلوب سريع؛ كي يستطيعوا دفع عادية المغيرين السريعين، وبذلك وجد أمراء الدولة ~~أنفسهم - بعد حين - ولهم حصون وأسوار تحميها كتائب من الفرسان مدربة خاضعة، فكان ~~لكل منهم بذلك دائرة خاصة به عليه حمايتها وله بطبيعة الأمر إدارتها، فنما نظام ~~جديد عرف فيما بعد في القرن العاشر وما يليه بنظام الإقطاع. # أحدث نظام الإقطاع نقضا في أساس الحكومة القديمة التي كانت في أوروبا منذ أيام ~~الدولة الرومانية الأولى؛ وذلك أن الحكومة المركزية أصبحت صورة لا حقيقة، وأصبح ~~الأمراء هم أصحاب الحكم في جميع الأنحاء، وصارت العلاقة الجديدة بين طبقات المجتمع ~~قائمة على أساس السلطة والسيادة؛ يعني أنه أصبح بين الأمراء من جانب وبين الحكومة ~~المركزية من جانب آخر عقد يتعهد فيه كلا الجانبين تعهدات يقوم بأدائها نظير ~~حقوق يكتسبها، وكانت أكبر واجبات الأمراء الاشتراك في حروب الدولة بأنفسهم ~~وفرسانهم، وإمداد الحكومة المركزية بشيء من الأموال، وكانت أكبر حقوقهم أن يكونوا ~~حكاما يخضع لهم من دونهم من الأمراء ويدفعون لهم الضرائب، ويشتركون فيما ~~يكلفهم به صاحب ولائهم من الأعمال، وكان كبار الأمراء متعاقدين مع صغارهم على ~~شروط شبيهة بتلك. وهكذا كان هؤلاء مع من يليهم، فكان نظام الإقطاع أشبه شيء ~~بالهرم: رأسه الحكومة المركزية وقاعدته صغار الأمراء والفرسان ms013 ثم الشعب، وكان الشعب ~~العام مرتبطا بواجبات نحو الأمير الذي يحكم بلاده فيدفع الأموال إليه ويخضع ~~لقضائه، ويهب له مقدارا معينا من العمل في أرضه في نظير حماية الأمير له من ~~اعتداء الغير وصد غارات المتوحشين عنه. # على هذا تقسمت أوروبا إلى أقسام صغيرة من الإقطاعات، وكانت الحكومات المركزية - ~~في الواقع - لا علاقة لها بالأفراد، بل كانت علاقتها بكبار الأمراء تارة على سلم ~~وتارة على حرب. # مضى القرن العاشر وفي أوروبا دول ثلاث كبرى، كل منها مقسم بحسب ذلك النظام ~~الإقطاعي، وتلك هي ألمانيا ويحكمها حكام من أمرائها بعد انقراض أسرة الفرنجة من نسل ~~شارلمان، وكانت دولتهم مكونة من ألمانيا وإيطاليا واسمها الدولة الرومانية ~~المقدسة، ثم فرنسا ثم إنجلترة. # ولم تكن تلك الدول دولا بالمعنى الحقيقي؛ إذ كان الحكام السياسيون لا يتعدى ~~حكمهم إقطاعاتهم، وكثيرا ما كان الأمير إذا لم يجد ميدانا للحرب يصد فيه غارات ~~الأجانب أو المتوحشين يغير على من يليه من جيرانه؛ ولهذا كانت أوروبا في ذلك ~~الوقت وما بعده مجالا لحروب لا عد لها ولا حصر بين الأمراء وبعض، ولم تخل ~~الحكومات المركزية من مناوأة أمرائها، بل كانت تدخل في ميادين حروبهم مؤلبة جماعة ~~على أخرى تنتصر تارة وتنهزم أخرى. # وهكذا عاد نظام الإقطاع على أوروبا بمنافع وأضرار؛ فقد رد عنها غارات المجر ~~والنرمان وأضرابهم، ولكنه نزع أمنها واطمئنانها في الداخل وجعلها بؤرة حروب ~~دائمة. # في ذلك الوقت أتت دعوة الدولة الشرقية، فما كان أسرع أمراء أوروبا وفرسانها إلى ~~إجابة ملتمسين هناك ميدانا جديدا للحروب. # روح العصر في أوروبا # صورة محارب في القرون الوسطى (عن كتاب ستانلي لين بول). # كان عهد الإقطاع بطبيعة ظروفه عهد الفروسية وما يتبع هذه الصفة من مميزات؛ فكان ~~الأمير - بحكم تعاقده - حاميا لمن في كنفه يرى نفسه سيدهم المسئول عن سلامتهم ولو ~~كلفه ذلك بذل نفسه، وقد جرت العادة مدة طوال السنين على تقاليد صارت على مضي ~~الزمن مبادئ يجب على الشريف أن يسير على مقتضاها، فكان من مجموع ذلك قانون ms014 به ~~تفاصيل ما يحل للشريف أن يعمل وما يحرم عليه، وكانت تلك المبادئ ترمي إلى حماية ~~الضعفاء ونصرة الدين وإجلال الجمال والوداعة وسوى ذلك من صفات الحسن الذي يتجلى ~~في المرأة، فكانت الشجاعة أولى صفات الشريف لا تقوم عنها صفة أخرى، وكان استخدام ~~السيف من أول ما يجب عليه إتقانه إلى جانب المهارة في ركوب الخيل وأمل الرماية ~~بالقوس والسهام فكانت مما يترك للمحاربين في المحل الأدنى. # وقد شهد القرن العاشر تغيرا جديرا بالذكر في عقول أوروبا؛ إذ قد مضت أظلم ~~القرون مع القرن التاسع، وبدأت حياة جديدة تدب إلى النفوس ولو أنها لم تكن تلك ~~الحياة الفياضة التي تمشت في العروق منذ القرن الثالث عشر، وقد بدأ دبيب تلك ~~الحياة يظهر بشيء من الجلاء في القرن الحادي عشر، وكانت أولى علاماتها تلوح هنا ~~وهناك إما في بلاط ملك وإما في حنايا دير. # بدأت الأمم الفتية تتطلع إلى الماضي ~~وترى أنفسها حفدة الرومان أصحاب المدنية القديمة، فجعلت تلتمس العلم من بقايا ~~مخلفاتها، ووجدت معلمين لها من رجال الدين الذين كانوا لا يزالون يحتفظون ببعض علم ~~القدماء، فانصبغت تلك النهضة الصغيرة بصبغة رجال الدين، ولما تفتحت العقول أول ~~تفتح للمعارف وجدت الميدان الذي فتح دونها مصبوغا بصبغة الدين، فكانت حماستها ~~- الشبيهة بحماسة الطفولة - تدفعها إلى الاهتمام بكل ما يمس الدين، حتى لقد ظهر أثر ~~هذا في آداب العصر الذي يتكون من قصص العهد القديم والحديث ممثلة في قالب ~~روائي، وكان الممثلون في الغالب من القسوس. # ولعل ذلك العصر كان قصارى ما وصلت إليه الكنيسة من التسلط على قلوب الناس، ولما ~~يحرفهم عن عقيدتهم شيء من زيغ العلم أو شك الفلسفة، حتى لكان أكبر عقاب يقع على ~~الفرد حرمانه من الكنيسة وإخراجه من دائرة الإيمان والمؤمنين، وهو عقاب أذل أكبر ~~رأس في العالم إذ ذاك وهو الإمبراطور نفسه، وكان ذلك الحرمان إذا وقع على إقليم ~~تعطلت شعائر الدين فيه فلم يجد الناس من يأخذ اعتراف الميت ولا من يقرأ عليه ~~الصلوات التي ms015 توصله إلى الآخرة، وكان مثل ذلك العقاب كافيا لإرغام أكثر الأمراء ~~عنادا وإذلال أحدهم شوكة، وكانت الكنيسة إذا فرضت على الناس فرضا يكفرون به ~~عن ذنوبهم لم يسعهم إلا الإذعان، فيصوم الفرد أو يضرب أو يذل نفسه بالسؤال أو ~~يشهر به ويخرج من بلده في زي النادم «قبعة خاصة وعصا طويلة وأقدام عارية» ~~فيذهب إلى بيت المقدس أو إلى رومة ليمحو ذنوبه. # وقد كانت الكنيسة عاملا من العوامل الفعالة طول القرون الوسطى، # 2 # وزاد نفوذها في العصر الإقطاعي؛ إذ كانت هي المحكمة في منازعات ~~المتنازعين؛ ترأب الصدوع وتداوي الجروح وتجعل للناس قواعد لحرامهم وحلالهم في ~~الحرب؛ تحاول بذلك تخفيف ويلاتها. وكانت سلطتها لا تقف عند حد إقطاعي ولا دولة ~~معينة، بل تشمل جميع أتباع المسيح المؤمنين بها في وقت لم يكن هناك مركز سياسي ~~قوي؛ لانفراد كل أمير بإقطاعته مستقلا بأمره، وعلى ذلك كان سلطان الكنيسة هو ~~السلطان العام الوحيد الذي يشمل جميع أنحاء أوروبا. # وقد اتفق في أواخر القرن الحادي عشر حدوث نضال كبير بين الإمبراطورية (السلطة ~~الدنيوية) وبين الكنيسة (السلطة الدينية) وكانت نتيجة ذلك النضال انتصارا باهرا ~~للبابا، وذهب الإمبراطور العظيم - وهو إذ ذاك «هنري الرابع» - إلى البابا «جريجوار ~~السابع» في قرية «كانوسا» بإيطاليا، وهناك وقف حاكم الدنيا أياما ثلاثة عند باب ~~رئيس الكنيسة عاري الرأس حافي الأقدام يطلب العفو والصلح. # وعقب ذلك بسنين قليلة كان البابا «أربانوس» ~~في مجمع من رجال الكنيسة في «كلرمون»، فأتاه صريخ إمبراطور الدولة الشرقية يدعوه ~~للمساعدة في حرب المسلمين، فما انفض ذلك المجلس سنة 1095م حتى كان البابا قد أعلن ~~حربا لنصرة المسيح والصليب على المسلمين واستنقاذ بيت المقدس منهم، فأية صيحة تكون ~~صيحة البابا في مثل هذا العصر؟ لقد كانت صيحة ترددت كالرعد القاصف وسارع إلى ~~تلبيتها شعب مؤمن مطيع على رأسه طائفة من الأمراء الذين لهم دراية بالحروب وبهم ~~غيرة على الدين ورغبة في نصرته. ~~(5) انتصار الصليبيين # صورة خيالية لفتح أنطاكية. # بدأت الحرب الصليبية فذهبت جموع بعد جموع في سنة ms016 1096م/489 هجرية، ولكنها لم تتم ~~شيئا، ثم تبعتها جموع أخرى في سنة 1097م بقيادة أربعة من كبار أمراء أوروبا وهم: ~~«جودفري» حاكم بولوني، و«ريمون» كونت كولوشه، و«بالدوين» أخو «جودفري»، و«بوهمند» ابن ~~«روبير جيكار» النرماندي حاكم جنوب إيطاليا وصقلية. وكان يساعدهم آخرون من الأشراف ~~والفرسان، فلما بلغت الحملة القسطنطينية استوثق الإمبراطور ألكسيوس من حلفائه أنهم ~~يردون إليه ما سلبه الإسلام من بلاده، ثم سمح لهم أن يجتازوا بأرضه، فساروا وعبروا ~~المضائق وهزموا المسلمين في الأناضول، وكانوا أشتاتا بعد ذهاب ملوكهم الكبار، وكان ~~أكبر انتصار للصليبيين عند «دوريليوم» أو «إسكيشير» في غرب آسيا الصغرى، ثم ما زال ~~النصر لهم إلى أن أتموا السير وبلغوا الشام، وأقاموا دولا أربعة اقتطعوها من أرض ~~الإسلام وهي «الرها» و«أنطاكية» و«طرابلس» و«بيت المقدس»، وجعلوا الملك في يد حاكم ~~بيت المقدس وهو «جودفري»، وقنع الباقون من الأمراء بالولاء له حسب النظام الإقطاعي في ~~أوروبا، وجعلوا نظام الحكم في تلك البلاد على الأسلوب الإقطاعي، وتم ما أرادته ~~أوروبا، وردت موجة الفتح الإسلامي عن أسوار القسطنطينية بتلك الضربة الشديدة، ولن ~~تعود الدول الإسلامية إلى محاولة فتحها من جديد إلا بعد أن تفيق منها، وذلك بعد نيف ~~وثلاثة قرون على يد الأتراك العثمانيين. ~~(6) العالم الإسلامي يستجمع قوته للدفاع # خريطة الإمارات الصليبية. # كان العالم الإسلامي في ذلك العصر؛ أي أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني ~~عشر، يشمل أقساما ثلاثة كبرى ولكل منها فروع وأجزاء؛ ففي طرفه الغربي كانت دولة ~~الأندلس، وقد عبرت إليها جموع المرابطين من أفريقيا فهزمت المسيحيين الأندلسيين وأعادت ~~إليها شيئا يشبه ما كانت عليه من القوة أيام دولة بني أمية، وبعد المرابطين يأتي إليها ~~الموحدون من أفريقيا فيرفعون علمها إلى أواخر القرن الثاني عشر، ثم تتحطم تلك الدولة ~~حتى لا يبقى منها إلا غرناطة لتشهد تاريخ القرون التالية. # وكان في أفريقيا الشمالية من الغرب دول يرتبط تاريخها بتاريخ دولتي المرابطين ~~والموحدين. وأما في الشرق فكانت دولة العبيديين أو الفاطميين، وقد بقيت هناك إلى أواخر ~~القرن الثاني عشر حتى ms017 قضى عليها البطل الكبير يوسف بن أيوب صلاح الدين كما سيأتي، ~~وكان في شرق هذه البلاد رقعة الدولة العباسية مقسمة بين أمراء السلاجقة بعضهم من نسل ~~ملك شاه وبعضهم من نسل قواده ورجاله، وكان للخلافة على هؤلاء سيادة اسمية لا تكاد تعدو ~~السكة (النقود) والخطبة في المساجد، ولم تكن بين دول الإسلام رابطة متينة، بل إن اثنتين ~~منهما كانت على خلاف ومنافسة بل على عداء، وهاتان هما: الدولة العباسية والدولة ~~الفاطمية؛ فإن الأولى كانت دولة سنية والأخيرة كانت شيعية، ولكل من الدولتين ~~خليفة يرى نفسه أحق بأن يدعى له على المنابر جميعها، فكان من الطبيعي أن العالم ~~الإسلامي عندما صدمته الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر لم يكن متماسكا بل ~~كان مقسما إلى دول متنافسة، ولم تكن الدولة العباسية في ذاتها دولة بالمعنى الصحيح، ~~بل كانت مقسمة إلى إمارات كل منها مستقل بأمره، لا تربط بينها إلا جامعة اسمية لا ~~حقيقة لها، وكانت الدولة العباسية هي التي قابلت الصدمة فلم تقو على احتمالها ثابتة ~~بل تصدعت وتداعت، وخيل للناس أن قد هوت وضاع أمرها ولم تجد لها نصيرا، لا من ~~داخلها؛ إذ كانت كلمتها مفرقة، ولا من خارجها؛ إذ كان الفواطم أقرب إلى الشماتة بها، ~~وكان أهل أفريقيا والأندلس في شغل بأمرهم عن أن يمدوا مساعدة لأحد آخر، وزد على ~~ذلك بعد الشقة وقلة الارتباط، ولكن ذلك التصدع لم يكن ظاهرا؛ فإن الدولة ~~الإسلامية مالت أمام الموجة القوية ولم تكن هزيمتها انكسارا، بل إن العقيدة لم تتزعزع ~~في وقت من أوقات تلك المحنة، ولم يكن في الناس شك من أمرهم، بل ظل في نفوسهم إيمان ~~صادق أن مآل تلك الموجة التي أتت من وراء البحر إلى الضعف، وأنه لا بد من الانتصار ~~عليها وردها من حيث جاءت بعد حين، وقد ظهرت هذه العقيدة في كثير من الوجوه، فما كادت ~~الأمة تفيق من الصدمة الأولى حتى أخذ رجالها يعملون على إظهار تلك العقيدة الكامنة، ~~وكان أول من أظهرها أتابك عماد ms018 الدين زنكي صاحب الموصل # 3 # إذ استولى على إمارة الرها في عام 1144م/539ه بعد أن هزم ~~الصليبيين. # فزعت أوروبا عند ذلك وجردت الكتائب لاسترداد ما فقده الصليب، ولكن الذي ينعم ~~النظر في تلك الحرب الثانية لا يسعه إلا أن يلاحظ أن الحماسة الدينية قد خبت قليلا ~~في قلوب أهل أوروبا. وقد عجزت كتائب المسيحيين عن استرداد الرها مع اشتراك اثنين من ~~كبار الملوك المسيحيين في الحرب وهما: الإمبراطور كنراد الثالث عاهل الدولة الرومانية ~~المقدسة، ولويس السابع ملك فرنسا، وقد استمرت الدولة الإسلامية على محاولتها الأولى ~~تسعى للخلاص من الأغراب الذين أخذوا بعض بلادها إلى أن ظهر رجل الجهاد الأكبر وهو نور ~~الدين محمود بن عماد الدين زنكي، فجعل حياته لإظهار عقيدة الأمة الإسلامية في النصر ~~ظهورا واضحا. # 4 # وكان صلاح الدين يوسف بن أيوب أحد رجال هذا الأمير العظيم وسيفا من سيوفه، وليس ~~بعجيب في التاريخ أن ينشأ رجل تابعا لعظيم ثم يعلو شأنه ويظهر أمره حتى يغطي ذكره ~~على ذكر سيده ويصبح المجد والعظمة للتابع دون المتبوع. ~~(7) الدول الإسلامية بالشام والجزيرة ومصر # الشام والجزيرة # قتل عماد الدين زنكي وهو في ميدان الحرب، وبعد مقتله تقسمت دولته بين ابنيه: ~~وأولهما سيف الدين غازي الذي استولى على الشرق وجعل مقره الموصل، وثانيهما نور ~~الدين محمود الذي استولى على الغرب وجعل مقره حلب. على أن نور الدين هو الذي سار ~~على سنة أبيه، وقد عاش مدة أطول من أخيه؛ ولهذا تمكن من بسط سلطانه على ~~البلاد التي ورثها أبوه الشهيد عماد الدين، واستولى على غيرها مما فتحه من أملاك ~~المسلمين المستقلين أمثال دمشق وبعلبك، ومما فتحه من أملاك المسيحيين بعد أن فشلوا ~~في حملتهم الثانية التي اشترك فيها كنراد الثالث إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة ~~ولويس السابع ملك فرنسا. # خريطة دولة نور الدين وما جاورها. # وقد كانت سياسة نور الدين في فتح البلاد التي بيد أمراء من المسلمين: أن يقنع ~~بدخول الإقليم في دائرة دولته، لا يريد من وراء ذلك زيادة في الملك ms019 والثروة، بل ~~كان كل قصده أن يجعل تحت سلطته دولة قوية يستطيع أن يصدم بها الصليبيين صدمة قوية ~~تصدع أركان دولتهم، فإنه قد جعل قصد حياته الجهاد وإخراج المسيحيين من بلاد الشام، ~~وكان قوي الإيمان بما هو فيه من عمل ينظر إلى حروبه نظرة شبيهة بنظرة المسلمين ~~السابقين في أول الإسلام إلى حروبهم مع أعدائهم، ولا أدل على ذلك من أن أخا له ~~فقد عينا له في موقعة إذ أصابه فيها سهم، فقال له معزيا: «لو كشف لك عن ~~الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى.» فكان ذلك الرجل المجاهد لا يتطلع إلا ~~إلى جمع الدولة الإسلامية تحت يده لتكون له قوة على الجهاد؛ فكان إذا فتح حصنا ~~إسلاميا سلك أحد مسلكين: فإما أقر عليها حاكمه الأول إذا اطمأن إليه وعرف أنه ~~يقدر على الدفاع عنه والبقاء إلى جانبه، وإما أن يقطع ذلك الحاكم أرضا بدلا ~~عن حصنه ويضمه إلى بلاده. وقد كان إذا أعطى بدلا أجزل في عطائه كيما يرضي ~~المحروم؛ وأمثلة هذا كثيرة؛ منها أنه عندما استولى على قلعة «جعبر» - وهي حصن منيع ~~على الشاطئ الشرقي للفرات الأعلى - أعطى صاحبها شهاب الدين العقيلي إقطاعا عظيما ~~بدلها قرب «حلب» ومقدارا من المال (نحو عشرين ألف دينار)، وما كان في تلك القلعة ~~من غنى ينتظره أو مال يحصله إلا أنها موقع حربي ينفعه في غرضه. ويمكن أن نصف ~~دولة نور الدين بأنها كانت دولة إقطاعية على نسق الإقطاع في أوروبا؛ فقد كان العصر ~~عصر إقطاع في الشرق والغرب على السواء، وكان هو رئيس تلك الدولة الأعلى، وتحت أمره ~~عدد كبير من الأمراء، كل في جهته يحكم مستقلا على أن يكون هو وجنوده في حروبه. ~~ومما يسترعي النظر في تلك الدولة كثرة القلاع الحصينة والقصور المنيعة المبعثرة في ~~السهل وعلى قمم الجبال؛ ولعل الأسباب التي دعت إلى بناء تلك القلاع في الغرب في ~~أوروبا هي نفسها التي دعت إلى بناء مثلها في الشرق الإسلامي؛ فقد كانت الحكومات ~~المركزية في ذلك الوقت ms020 مزعزعة، وكانت الإغارات كثيرة لا حصر لها ؛ بين ترك ~~يغيرون من الشرق، ومسيحيين يغيرون من الغرب، وفرق دينية (كالشيعة الإسماعيلية) # 5 # تهبط بين حين وحين كالعاصفة المخربة؛ ولهذا كانت حاجة الشرق إلى ~~القلاع والفرسان مثل حاجة الغرب على السواء، ونشأ من هذه الحاجة نظام إقطاعي كما ~~نشأ في أوروبا لنفس الأسباب. # مصر # أما في مصر فكانت دولة أخرى تخالف ما في الشام والجزيرة في وجوه كثيرة؛ فقد كانت ~~دولة الفواطم - وهم شيعة علويون - لهم خليفة غير خليفة السنيين وحكومة مستقلة ~~موحدة، ومدنية تالدة خلفها مؤسسو الدولة منذ قرنين. # وكانت مصر في القرن الثاني عشر ميدانا لحوادث عظيمة كان لها أثر كبير في مصير ~~العالم الإسلامي؛ كان شعب مصر الهادئ المنصرف إلى أعماله تاركا الحكم إلى حكامه ~~الذين استولوا على البلاد عنوة منذ أيام المعز لدين الله في أواخر القرن العاشر ~~للميلاد، وكان المصريون من أهل السنة، ولكنهم خضعوا لتلك الدولة الشيعية ~~وانصرفوا إلى أعمالهم لا يهتمون بشيء من أمر الدولة؛ إذ كانت الحكومة - على وجه ~~الإجمال - لا تتداخل كثيرا في عقائدهم. # وقد حدث على مر الأيام شيء عظيم من التفاهم بين الحاكم والمحكوم، حتى كادت ~~الشيعية المصرية تكون سنية إلا في بعض المظاهر والرسوم، ولكن هدوء تلك البلاد ~~لم يبق كما كان، بل حدث تغير في القرن الثاني عشر عندما ذهبت أجيال الخلفاء ~~العظام من الفواطم ووقع الأمر إلى سلسلة متأخرة من خلفاء لا حول لهم ولا قوة، فصار ~~الحكم إلى قواد الجيش والوزراء من عز منهم غلب واستولى على الخليفة. وكان ~~الخليفة في العادة يختار طفلا من البيت الفاطمي، فكان بعضهم لا يعدو سن ~~الرابعة؛ كالفائز بنصر الله الذي حكم بين سنتي 1154-1160م من الميلاد/549-555ه، ~~وجاء بعده العاضد لدين الله وكان في التاسعة من عمره عندما صار خليفة بمصر. # في أثناء ذلك العصر كان نور الدين قد هزم الفرنج ووحد دولة عظيمة في الشام ~~والجزيرة، وكان من بين الوزراء بمصر من طمع أن يجعل صلة بين دولة نور الدين ms021 وبين ~~مصر، وذلك هو الرجل العاقل الصالح ابن رزيك ، لولا أن اختلاف المذهب الديني كان ~~حائلا لا يمكن تجاوزه. # وكان الصليبيون يعرفون أن مصر بلاد غنية وأنها أسهل فتحا من قلاع الشام وليس بها ~~أمثال نور الدين وجنوده، وكانوا يتطلعون إلى أن يقيموا ضعفهم بضمها إلى ملكهم، ~~ولولا خشية نور الدين أن يهوي على بلادهم في أثناء محاولتهم ذلك الفتح، لبدءوا به ~~منذ أخفقوا في الاستيلاء على دمشق واسترجاع الرها في حربهم الثانية في منتصف ~~القرن الثاني عشر. # ولقد جرت بمصر حوادث وأراد القائمون بها الانتفاع بالموقف السياسي الذي حولهم، ~~فكانت النتيجة الطبيعية تنافسا بين الدولتين المجاورتين على أيهما تدخل تلك البلاد ~~وتسود فيها، وتانك الدولتان هما: دولة نور الدين ودولة الصليبيين. # ساد على مصر في سنة 1164م/561ه رجل من العرب اسمه شاور، واستبد بأمرها بعد أن ~~قتل العادل رزيك ابن الصالح رزيك الوزير الكبير، وقد نازعه في الأمر أمير عربي آخر ~~من قبيلة لخم من بلاد الصعيد واسمه ضرغام، وكان آخر النضال بين الزعيمين أن هرب ~~شاور يلتمس مساعدة من الخارج على خصمه؛ فذهب إلى نور الدين وعرض عليه شروطا مغرية ~~إذا هو أعانه على استرجاع أمره بمصر، وكان نور الدين يتطلع إلى التدخل في تلك ~~البلاد، فسنحت له تلك الفرصة، وكانت شروط شاور أن يعطي لنور الدين نفقات الحملة ~~وثلث إيراد مصر جزية سنوية. وقد ساعدت الظروف على أن يسرع نور الدين بإجابة شاور ~~إلى ما سأل؛ لأن ضرغام منذ أحس بسعي شاور أخذ هو من جانبه طريقا آخر يزعم فيه ~~سلامته، فأرسل يستعين بالدولة الأخرى - دولة الفرنج بالشام، فلم يتردد نور الدين ~~بعد ذلك بل أرسل جيشا مع شاور وجعل عليه مقدم جيشه أسد الدين شيركوه بن شادي، ~~وجعل معه الشاب الممتاز يوسف ابن أخيه أيوب بن شادي. # | الكتاب الثاني: السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي # (1) منشؤه وشبابه # يحيط جو من الإبهام حول نشأة يوسف بن أيوب ونسبه؛ وذلك شأن كل رجل ينبغ من صفوف ms022 ~~العامة فيبلغ أقصى ذرى العظمة، وقد حاول بعض من كتبوا عنه أن ينسبوه إلى أسرة عريقة ~~وعرق شريف، ولا يسع الإنسان إلا أن يبتسم عندما يرى أمثال هؤلاء المتحمسين من ~~الكتاب يوصلون نسبه إلى معد بن عدنان بل إلى آدم - عليه السلام. # على أنه لا يغض من قدره أننا لا نستطيع أن نتعدى في نسبته الجد الأول؛ فهو يوسف بن ~~أيوب بن شادي، وليس بعد شادي من الأسماء ما نقدر على التثبت منه. # صورة صلاح الدين الأيوبي (خيالية). # كان أبوه وأهله من قرية «دوين» في شرق أذربيجان، وهم من بطن «الروادية» من قبيلة ~~«الهذانية»، وهي قبيلة كبيرة من قبائل الأكراد. ويظهر أن جده شادي نزح بولديه - أيوب ~~«نجم الدين» وشيركوه «أسد الدين» - إلى بغداد، ثم نزل بتكريت حيث مات شادي، وقد نشأ ~~الأخوان بعد ذلك والتحقا في خدمة متولي الشحنة بالعراق «مجاهد الدين بهروز» الذي كان ~~متوليا من قبل السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملك شاه السلجوقي. ثم انتقل نجم ~~الدين أيوب إلى خدمة عماد الدين زنكي صاحب الموصل أول أبطال دول الأسلال الجديدة، وصار ~~حافظ قلعة بعلبك أو «دزدارها»، فلما قتل زنكي انتقل نجم الدين إلى خدمة صاحب دمشق، ~~والتحق أسد الدين أخوه بخدمة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وهو إذ ذاك صاحب حلب؛ ~~ورثها حظه من دولة أبيه بعد موته، وكان له أخ ورث نصيبه الموصل وما يليها وهو سيف الدين ~~غازي بن زنكي، وفي أثناء تلك الحوادث ولد لنجم الدين ولد سماه يوسف، ولعل ولادته ~~كانت في ليلة خروج أبيه من تكريت إلى خدمة عماد الدين زنكي، وذلك حوالي 1138 ~~للميلاد/532ه، وقد نشأ في كنف أبيه بدمشق، وظل أبوه هناك إلى أن أوغل نور الدين بفتوحه ~~إلى الجنوب واستولى على دمشق فانضم إلى خدمته، وكان إذ ذاك يوسف قد ترعرع وصار فتى في ~~السادسة عشرة من عمره، فدخل في خدمة نور الدين مع أبيه وعمه، وكانت مخايل النجابة ظاهرة ~~عليه، فكان نور الدين ms023 يؤثره ويقربه، ويلوح أن الفتى كان حاد الذكاء له عقل ناقد ، ~~فأدرك ما في طبع سيده من كرم وعلو وشهامة، وجعل يأخذ نفسه بما أعجبه من صفاته. # على أننا لا ننكر أننا لسنا نقدر أن نعرف عن شباب صلاح الدين شيئا كثيرا، ولا غرابة ~~في ذلك؛ فقد كان أحد صغار الملحقين بالجيش، فلم يكن دونه مجال للعمل والظهور إلى جانب ~~الكبار من قواد الجيش وشجعانه، وكان جيش نور الدين في هذا الوقت يحوي جماعة كبيرة من ~~المبرزين الشجعان، وليس يذكر لنا صلاح الدين شيئا عن شبابه إلا أنه كان يترحم عليه ~~ويحن إليه، وذلك أمر طبيعي لكل كبير السن إذا نظر إلى الشيب وعجزه. وأما غير ذلك فلا ~~نسمع السلطان فيما بعد يذكر عن أعماله شيئا في وقت صغره، ويمكن أن نعزو هذا إلى حسن ~~بصره وتواضعه؛ فأكبر الظن أنه يأبى أن يذكر لنفسه شيئا في وقت كان فيه صغيرا بين كبار ~~يجلهم ويعرف لهم فضلهم، وأول ما يذكره التاريخ عن شباب يوسف بن أيوب وقت اشتراكه في ~~الحملة على مصر مع عمه أسد الدين شيركوه. # ولا نملك النفس عن ذكر حقيقة نراها قد تساعد على أن تظهر إلينا صورة ذلك الرجل ~~قريبة من الوضوح؛ وذلك أنه قد كان في شبابه يسيم سرح اللهو حيث يسيم أمثاله من ~~الفتيان؛ فإنه تاب عن الخمر وغير ذلك من اللهو - وهو في مصر - بعد أن حمل عبء الوزارة ~~وصار من رجال الأمر، فخلع عنه ما لا يليق به في مكانته الجديدة، وهل من الغريب ألا يكون ~~الشباب معصوما؟! وهل ينقص من الرجل أنه كان يتذوق اللهو حلوا في جهله وسورة شبابه ~~فإذا هو شعر بالواجب وثقله رمى عن نفسه لهوها وفرغ إلى واجبه يتذوق حلاوة القيام به ~~بنفس الهزة التي كان يشعر بها في لهوه؟! على أنه بقي إلى آخر حياته محتفظا بالميل ~~إلى لذات أخرى لا عار من أن يلذها الرجل؛ فقد كان منذ شبابه مغرما بالصيد: صيد ~~الظباء في الصحراء، وسماع ms024 الأدب الطريف في المجالس الحافلة بالأصدقاء أو بالعلماء وأهل ~~الفضل. # وكان أول عهده بالعمل الجدي خروجه إلى مصر في صحبة عمه أسد الدين شيركوه في سنة ~~1164 للميلاد/559ه وسنه نحو ست وعشرين سنة. ~~(2) الحملات إلى مصر # ذهبت الحملة الأولى إلى مصر لمساعدة شاور في أبريل سنة 1164م/559ه، وهزم الجنود ~~الأتراك الذين مع شيركوه جيش ضرغام عند بلبيس، وسارت الجنود المنصورة إلى القاهرة، ~~وهناك وجد ضرغام نفسه مخذولا وليس حوله من يثق به أو يركن إليه، وتخلى عنه الخليفة ~~الذي كان لا يثبت في جانب وزير مقهور، وله في ذلك العذر؛ إذ لقد كان الوزراء أيام ~~قدرتهم لا يرعون له حقا بل يجعلونه أشبه شيء بالأسير في قصره، وكانت آخرة ضرغام على ~~يد شعب القاهرة؛ إذ ثار به فاحتز رأسه قرب مشهد السيدة نفيسة، وتم النصر لشاور ~~منافسه. # على أن شاور بعد ذلك رأى الأمر قد تم كما أحب، فلم تعد به حاجة إلى حلفائه: ~~شيركوه ومن معه، وكان قد احتاط لنفسه فجعل جيش شيركوه خارج القاهرة قرب النيل، ولم ~~يتحرك إلى الوفاء بما كان قد تعهد به لنور الدين؛ فبدأت مشادة بينه وبين حلفائه ~~السابقين أدت إلى أن أنفذ شيركوه ابن أخيه صلاح الدين إلى بلبيس كي ينزعها لتكون هي ~~وإقليم الشرقية في يده رهنا، فأرسل شاور إلى «أمري» ملك بيت المقدس «أملريك» يطلب ~~مساعدته على جيش نور الدين، وكان «أمري» لا يستطيع أن يرفض ذلك الطلب؛ إذ كان يتطلع ~~إلى امتلاك مصر، لا يمنعه إلا خوف نور الدين، فلما بلغته دعوة شاور ضمن أن يكون ~~المصريون إلى جانبه فأقدم. وهكذا كان شاور يلعب بالنار التي ستحرقه. # بقي الجيشان الأجنبيان يتطاحنان قرب بلبيس، وكان نور الدين في أثناء ذلك يهوي بجنوده ~~على أملاك الصليبيين بالشام؛ ففتح قلعة «حارم» إلى غرب «حلب» وبهذا صارت أنطاكية ~~مهددة بإغاراته، ثم جد في حصار حصن «بانياس» بقرب دمشق، فكان على «أملريك» أن يعود ~~قبل أن يتسع الخرق، وكان شيركوه لا يعلم بذلك الانتصار الذي ms025 أحرزه نور الدين، وكانت ~~جيوشه تحارب على قلة من المئونة ولم يكن له عند بلبيس حلفاء يساعدونه ولا حصن يمتنع ~~فيه؛ ولهذا سره أن يفاتحه الفرنج بالصلح على أن يخرج هو وهم جميعا من مصر، وكان منظر ~~خروج جيش شيركوه من بلبيس في أكتوبر سنة 1164م/559ه أشبه شيء بالنصر؛ وذلك أن الجيش سار ~~عن بلبيس وجاء في آخره أسد الدين شيركوه يحمل في يده لتا من حديد يحمي ساقتهم، ووقف ~~حول الجيش جمع من مسلمي مصر ومن الفرنج ينظرون إليه وهو يخرج عن البلاد، فقال له أحد ~~الفرنج: «أما تخاف أن يغدر بك هؤلاء المصرية والفرنج وقد أحاطوا بك وبأصحابك حتى لا ~~تبقى لك بقية؟» فأجاب شيركوه: «يا ليتهم فعلوا حتى كنت ترى ما أفعل؛ كنت والله أضع ~~السيف فلا يقتل منا رجل حتى يقتل منهم رجالا، وحينئذ يقصدهم الملك العادل نور الدين ~~فلا يبقي منهم أحدا.» # في مثل هذه الحال وفي مثل ذلك الجو المعنوي بدأ صلاح الدين أول جولة جدية له في ~~غمار الحياة العملية. # مضى بعد ذلك أكثر من عامين كان فيهما شاور سيد الدولة بمصر، وكان شيركوه في ~~أثنائهما يردد أمله في العودة إلى مصر لامتلاكها، وكان يحرض نور الدين بكل وسائل ~~التحريض وهو يعلم أن أقرب الحجج إلى نفسه أن مصر تساعده على جهاده مع أعدائه الفرنج، ~~وكان يسهل فتحها قائلا: «إنها دولة بغير رجال.» ولكن يجب ألا ننسى أن ثروة مصر أيضا ~~كانت من أكبر حجج شيركوه أمام نفسه وأمام سيده، وكان الخليفة العباسي عندما علم بما ~~يقصده شيركوه يساعد على غزو مصر بتحريضه ودعواته؛ فإن بيت بني العباس لم ينس أن بيت ~~فاطمة في مصر كان منافسا خطيرا وأن الشيعة العلوية بدعة يجب أن تزول فلا يبقى على ~~الأرض إلا السنة وأتباعها. # وقد كان نور الدين يتردد في إنفاذ تلك الحملة التي يحرضه شيركوه على إرسالها، ~~ولكنه علم أن الصليبيين على نية غزو مصر فجعله ذلك يعزم، وما كان أقل جيشه عددا؛ فقد ms026 ~~كان نصف عدد أول فرقة أنفذها عمر بن الخطاب إلى مصر؛ إذ كانوا لا يزيدون على ألفي رجل ~~على الأصح، ولو أن الفرنج يبالغون في عدد ذلك الجيش. على أنهم كانوا ألفين من فرسان ~~أبطال، وكان صلاح الدين مع عمه هذه المرة أيضا. # سارت الكتيبة في أوائل سنة 1167م/562ه إلى شرق النيل عند أطفيح وعبرت إلى البر ~~الغربي من هناك، فأقبل «أمري» بجيش كبير من الشام فانضم إلى جيش شاور، وكان عدد جنوده ~~من الفرنج والمصريين معا أكثر بكثير من عدد جيش شيركوه، ولو أن الفرنج يدعون أنهم لم ~~يكونوا في كثرة. # بعد حين كان الجيشان أحدهما عند الفسطاط، وهو جيش مصر وحلفائها الفرنج، والآخر، وهو ~~جيش الأتراك (شيركوه)، عند الجيزة في البر الغربي، ومضت فترة انتظار كان فيها الصليبيون ~~يستوثقون لأنفسهم بمعاهدة أمضاها الخليفة العاضد بنفسه، وحلف عليها على أن يعطي الفرنج ~~مائتي ألف دينار معجلة ومثلها مؤجلة ثمنا لمساعدتهم. # 1 # بعد ذلك عبر جيش الفرنج والمصريين إلى الغرب على غرة من شيركوه، فاضطر هذا أن ~~يتقهقر إلى الجنوب حتى بلغ «البابين» في جنوب المنيا، وهناك على حافة السهل الغربية من ~~قبل الصحراء وقف شيركوه بأصحابه واستعد للحرب رغم نصح بعض قواده ألا يفعل، وبدأت ~~الموقعة العظيمة في 18 أبريل سنة 1167م، وكانت خطة شيركوه أن يجعل صلاح الدين في القلب، ~~فيظن أعداؤه أنه هو شيركوه الذي في القلب حسب العادة المتبعة؛ إذ كان القلب عادة يوضع ~~تحت قيادة رئيس الجيش، وتوقع شيركوه بذلك أن يكون القلب أول ما يتعرض لهجوم العدو. ~~وأما هو فقد اختار جماعة من أبطاله المجربين وجعل منهم الجناح الأيمن، وأمر صلاح الدين ~~إذا هو هوجم أن يتقهقر في نظام ولا يثبت ثبوتا جديا حتى يغتر الفرنج ويتبعوه ~~وهكذا كان ما توقع؛ فإن كتلة جيش مصر والفرنج صدمت القلب صدمة قوية فتقهقر صلاح ~~الدين بنظام وثبات، فتبعه الفرنج، وعند ذلك هبط شيركوه بالجناح الأيمن على جيش المصريين ~~فحطمه حتى إذا ما عاد الفرنج من تتبع ms027 القلب وجدوا حلفاءهم منهزمين فاتبعوهم منهزمين ~~كذلك. على أن شيركوه لم يتبع أعداءه؛ ولعل ذلك راجع إلى قلة عدد جيشه، فآثر أن يذهب ~~إلى الإسكندرية، وقد تمكن من أخذها بمساعدة أهلها، وترك بها صلاح الدين بنصف الجيش، ~~وعاد هو إلى الصعيد يجبي أمواله. # صورة لموقعة البابين. # وهناك في الإسكندرية ظهر غناء صلاح الدين ~~وتكشفت مواهبه في الحرب وكيدها، وبدا منه ذلك الثبات وذلك السلطان على النفوس وتلك ~~القوة التي ميزت خلقه في حياته المقبلة. # عاد المصريون والفرنج - بعد أن جمعوا أمرهم وأصلحوا ما أفسدته الهزيمة - إلى ~~الإسكندرية فحاصروها من جهة البر، على حين كان أسطول الصليبيين يهاجم المدينة من جهة ~~البحر، وقد استمر الحصار نحو شهرين ونصف شهر ونفدت الأقوات، ولم يكن بالناس من ~~اطمئنان على تلك الحال من الحصار، وكان صلاح الدين في قلة من الجنود لا يستطيع غير أن ~~يبث ما في نفسه من ثبات في قلوب من في المدينة من تجار وصناع وعامة؛ فكان حينا ~~يعدهم بقدوم شيركوه بالزاد والثروة، وحينا يخيفهم إيقاع الإفرنج وقسوتهم، وحينا ~~يرغبهم بالصبر والثبات في سبيل نصر الدين على أعداء ملة محمد، وكان في الوقت نفسه ~~ينفذ الرسل إلى عمه يشكو إليه ما هو فيه من مشقة وعناء من أعدائه وأصحابه على ~~السواء، وأخيرا جاءت البشرى بقدوم أسد الدين من الصعيد إلى القاهرة وحصاره لها. وعند ~~ذلك رأى «أمري» أن النصر غير ممكن فاتفق مع شيركوه على أن تخلى الإسكندرية وأن يخرج ~~الجيشان جميعا من مصر، وأن يأخذ شيركوه كل ما استولى عليه من الأموال ويزيد عليه خمسين ~~ألف دينار. وهكذا انتهى دور الحرب الثاني على بقاء مصر خالصة لشاور، ولعله تبسم إذ ~~ذاك وفرك يديه مهنئا نفسه عندما رأى نجاح لعبه بالقوتين العظيمتين؛ قوة الصليبيين ~~وقوة الأتراك، وبقائه سالما بين تنافسهما، ولكن مثل هذا السلاح - سلاح الخداع والحيلة ~~- قد يرتد على من يستعمله فيقتله، ولا شك أن صلاح الدين حمل لشاور في تلك المرة ~~كثيرا من الكره ممزوجا بالاحتقار إذ أدرك ms028 حقيقته. # لم يقم الفرنج بما تعهدوا به؛ فأبقوا منهم حراسا على أبواب القاهرة، وضربوا على ~~مصر جزية نحو مائة ألف دينار كل عام، وكانوا يطمعون في أكثر من هذا؛ أي إنهم كانوا لا ~~يرضون بأقل من ملك مصر بعد أن عرفوا من ضعفها أكثر مما عرفه شيركوه. # وقد عادت جيوشهم بعد نحو عام من معاهدتهم لغزو مصر، وكان عزمهم هذه المرة عزم من لا ~~يريد هوادة، غير أن شاور أظهر من المقاومة ما لم يكن منتظرا منه؛ فأحرق الفسطاط حتى ~~لا تكون غنيمة لأعدائه الذين كانوا حلفاءه بالأمس، ومنذ ذاك الوقت ذهبت أول عاصمة ~~إسلامية لمصر ولم يرجع إليها بعد ذلك شيء من روائها القديم؛ إذ ظلت النيران تأكلها أكثر ~~من خمسين يوما. # وكان جماعة من المصريين - الذين حول الخليفة العاضد والذين كانوا أعداء شاور - ~~يراسلون نور الدين لكي يأتي لمساعدة مصر على أعدائها، وكان نور الدين يميل إلى التدخل ~~بطبيعة الأمر، فما هو إلا أن أرسل إليه العاضد يستنجد به حتى أخذ يعد جيشا لغزو مصر، ~~وكانت الشروط التي وعد بها العاضد شروطا لا تبررها إلا الضرورة القصوى التي كانت بها ~~مصر؛ فقد وعد نور الدين بثلث أرض مصر وإبقاء جيش احتلال مع شيركوه فيها، وأن يقطع ~~الجنود أرضا خارجة عن ثلث البلاد الموعود به لنور الدين. # أما شاور فإنه لم ينس أن يلجأ إلى الحيلة منذ رأى نفسه بين عدوين لا حظ له مع ~~أيهما، فأحب أن يعمل على صرف الفرنج عن البلاد بالمال، فجعل يفاوضهم حتى اتفق معهم على ~~ألف ألف دينار يعطيها لهم ليرحلوا عنه، وعجل لهم منها مائة ألف، ولكنه لم يستطع أن ~~يحمل إليهم سائر المال. # وبينما هو كذلك إزاء أعدائه الفرنج كان نور الدين وشيركوه يسرعان في الاستعداد حتى ~~أتماه، وسار جيش من ستة آلاف بينهم كثيرون من الأمراء النابهين وفيهم صلاح الدين الذي ~~سار مع الجيش على كره بعد إلحاح عمه وتكرر طلب نور الدين، ويظهر أن صلاح الدين كان ~~غير راض ms029 عن الاشتراك في غزو هذه المرة؛ لما شهده في الحرب الماضية من الشدة لا سيما في ~~الإسكندرية، ولكنه على أي حال، سار مع الجيش. وكان الجميع في مصر في أوائل يناير سنة ~~1169م/564ه، وكان «أمري» ملك الفرنج عند وصول جيش نور الدين واقفا يستنجز شاور وعده ~~في المال المتفق عليه، فلما أتى جيش نور الدين ورأى «أمري» موقفه الحرج وهو بين شاور ~~من جهة والجيش الإسلامي المغير من جهة أخرى لم يستطع البقاء، فعاد إلى الشام بغير أن ~~يصطدم بالجيش القادم، وبقي شيركوه وحده بمصر، وكان الخليفة العاضد ظاهر الفرح به، ~~فأكرمه وخلع عليه. وأما شاور فلم يكن راضيا عن وجود ذلك الجيش القوي على كثب منه، غير ~~أنه بلع غيظه العظيم، ولم يظهر شيئا منه خوفا وعجزا، وجعل يماطل في إنفاذ الشروط ~~التي اتفق عليها العاضد ونور الدين، وجعل يظهر اللين لكي يخلص من عبء ذلك التعهد ~~الثقيل، وكان يريد أن يستميل شيركوه بالملق والمداهنة، بل لعله كان يفكر في أن يوقع ~~به لولا مقاومة ابنه لذلك الرأي. # رأى شيركوه مماطلته، ويلوح أنه كان يميل إلى التساهل قليلا، ولكن كان هناك من يكره ~~ذلك الرجل المخادع ويحتقره ويستشف الخيانة من وراء لين ظاهره؛ وذلك هو صلاح الدين. ~~ففاتح عمه في القبض على ذلك الثعبان فلم يرض شيركوه، فعزم هو على أن يأخذ الأمر في ~~يده. وفي ذات يوم خرج شاور على عادته إلى معسكر الجيش التركي خارج القاهرة فلم يجد ~~شيركوه. وقيل له: إنه خرج لزيارة قبر الإمام الشافعي، فرأى شاور أن يذهب إليه هناك، وفي ~~أثناء سيره قرب منه صلاح الدين ومعه عز الدين جورديك - أحد أمراء الجند - وقبضا عليه ~~فأنزلاه إلى الأرض وقيداه، وانهزم أصحابه عنه ووضع في خيمة وحده، وما هو إلا أن ~~بلغ نبأ القبض عليه لخليفته العاضد حتى أرسل يلح في طلب رأسه، فأطيع أمر الخليفة. ~~وهكذا ذهب رجل كان يلعب بأمر مصر نيفا وست سنين، وانتهى كل مكره الذي كان يدل ~~به بدخول ms030 جيش نور الدين واستيلائه على البلاد. # وقد كان من الممكن أن نمر على هذا الموقف مرورا سريعا، فليس به ما يستحق أن نقف ~~عنده لعبرة أو مناقشة، ولكن حرصنا على إظهار حقيقة نفس صلاح الدين كما هي يجعلنا ~~نسائل النفس: هل هناك في عمله بشأن شاور ما يؤخذ عليه؟ لقد قبض على الرجل وقيده حتى ~~جاء أمر الخليفة العاضد بقتله، ولعله كان ذا يد في إنفاذ أمر العاضد، أو لعله - على ~~الأقل - حبذ ذلك الأمر وسر له. # ألم يكن ذلك غدرا من صلاح الدين في أوله وقسوة في آخره؟ إنا لا نستطيع أن ننسى ~~شخص شاور إذا أردنا مناقشة هذا الرأي؛ فقد كان صلاح الدين يحمل في نفسه عنه رأيا سيئا ~~منذ الحملتين الأولى والثانية؛ إذ عرف لين ملمسه وخبث نيته وضعف نفسه الذي يغطي عليه ~~بمكره، وقد انكشف له جشعه الذي كان يحاول إقناعه مضحيا بالدماء الغزيرة من أصحابه ~~ومنافسيه على السواء، فهل عجيب مع ذلك أن يكره صلاح الدين مثل هذا الرجل ويسعى في تطهير ~~مصر منه؟ أليس من الطبيعي أن تخزه تلك البسمات التي كان يراها على وجهه المخادع وهو ~~يعلم ما انطوى تحتها؟ وإذا هو رأى مماطلته ومداهنته أليس من المتوقع أن تثور نفسه ~~الحرة الصريحة التي غذاها هواء الجبال والصحراء ولم تعرف إلا الحقيقة الجاهمة في ~~ميادين الموت التي كان يخوضها؟ وإذا هو سمع الإشاعات عن نية ذلك الرجل الغدر بعمه أسد ~~الدين، أما كان واجبه أن يتخذ الحيطة منه وهو من يعرف عنه الخبث والغدر؟ حقا لقد ~~احتقر شيركوه أن يؤاخذ شاور بما يشاع عنه، وتكبر أن يأبه بالخطر الذي كان يهدده ~~من ناحيته، فكان في ذلك مثله مثل من يرى الحية تريد أن تنهشه فلا يرضى لها إلا عقب ~~نعله يدفع به عن نفسه أمامها، ولكن شجاعة شيركوه وكبره شيء وعدالة موقف صلاح الدين ~~شيء آخر؛ فقد أخذته الحفيظة فعزم على أن يوقف ذلك المرائي عند حده، فأسره مع جماعة ~~من إخوانه ولكنه ms031 لم يقتله، فإذا كان قتله ذنبا فالذنب إذن على الخليفة العاضد الذي ~~ألح في قتله وأمر به غير مرة . على أن صلاح الدين لو قتله لما كان آثما ولا معتديا؛ ~~فإن شاور رجل قل أن تجد في التاريخ من استحق القتل مثله، ولا من يكون قاتله أشد ~~رضاء عن نفسه وأسلم من تأنيب الضمير والندم؛ فهو رجل أثار حربا من أجل الوزارة بمصر، ~~وبعد أن نصره جيش قتل من قتل من رجاله وأبطاله رجع يغدر به ويستنصر عليه ~~بعدوه. وقد كان من الممكن أن يرضى الإنسان عن خطة شاور لو أنه اتخذ لنفسه جانبا وسار ~~مخلصا فيه إلى غايته، ولكنه كان مثل اللاعب فوق الحبل يميل تارة ههنا وتارة ههنا يحاول ~~أن يحفظ نفسه فوق مكانه الدقيق، فإذا نحن أردنا الحكم عليه وعلى خطته كان لا بد لنا أن ~~نقر له بالمهارة في الانتفاع بمن حوله ومقدرته على التقلب مع الظروف والأحوال، ولكن ~~ذلك كل ما يمكننا أن نقوله معه؛ فقد كان مثلا للسوء في تعامله وتعهده ونيته، ولقد ~~كان صلاح الدين - باشتراكه في أسره - آلة من آلات العدالة الإلهية. # وقد اختار الخليفة العاضد - بعد قتل شاور - أسد الدين شيركوه ليكون وزيرا محله، ~~وبالغ في إكرامه وخلع عليه وسماه الملك المنصور، وجعله قائد قواده وأمير جيوشه، غير ~~أن الأجل لم يمهله ليتمتع بفقاعة مجد الدنيا أكثر من شهرين وخمسة أيام، وقد كان جديرا ~~بمصر وملكها؛ لأنه في الواقع أكبر من دفع على غزوها وإليه أكبر الفضل في فتحها. وقد ~~قيل: مات من الخناق من وراء تخمة؛ إذ كان كثير الأكل، وهو أقرب الآراء إلى التصديق. ~~وقيل: مات من حلة مسمومة، وما أحرانا أن نلحق ذلك القول الأخير بأمثاله في أقاصيص ~~الشرق، فما زال الخيال الشرقي ميالا إلى أن يحيط أبطاله بالأسرار والخفايا. # وعند موت شيركوه كان في الجيش جماعة من كبار الأمراء، وكان المتوقع أن يختار أحدهم ~~وزيرا بعد شيركوه؛ فما كان من الممكن أن يتجاهل الخليفة العاضد وجود ذلك ms032 الجيش المحتل ~~في بلاده. وكانت المظاهر كلها تدل على أن خليفة مصر ورجاله يحبون الإبقاء على مساعدة ~~جيش نور الدين خوفا من تدخل الصليبيين؛ فقد كانوا يرون أنه إذا كان لا بد من احتلال ~~أجنبي فليكن ذلك الجيش من المسلمين؛ ولهذا كان المنتظر أن يختار العاضد وزيرا له من ~~كبار أمراء الجيش النوري، ولكن حدث ما لم يكن منتظرا؛ فإن السياسة المصرية إذ ذاك كانت ~~لا تنسى أن تلجأ إلى الدهاء في مقابلة المصاعب الكثيرة التي كانت غير قادرة على حلها في ~~ميدان الصراحة والقوة؛ ولهذا عمد الخليفة العاضد إلى حيلة يحسبها تضمن له مساعدة جيش ~~نور الدين مع أمن شره واتقاء استبداده، فجرى على عادة المصريين في تفضيل الأصاغر لكي ~~يكونوا أسهل قيادا، فتخطى الأمراء الكبار في الجيش واختار للوزارة ذلك الشاب الذي كان ~~مظنة اللين والسهولة وهو صلاح الدين؛ فقد رأى الخليفة فيه ما ظنه ضعفا واستكانة؛ ~~لما كان عليه من الحياء والاعتزال وقلة التظاهر، ولو كان الخليفة ورجاله أنفذ نظرا ~~وأعمق فكرا لعرفوا أن تلك المظاهر إنما تخفي نفسا كبيرة تواقة؛ إذ إنه لم يكن سوى ~~ذلك الجندي الذي أبلى بلاءه في موقعة البابين، وذلك القائد القادر الذي دافع عن ~~الإسكندرية دفاعه المجيد مع حداثة سنه وشدة الظروف التي حوله. على أن الأمور جرت ~~بقدر، وكان خطأ الخليفة العاضد ورجاله من حسن حظ مصر والإسلام، فأصبح صلاح الدين وزيرا ~~لمصر وأميرا لجيوشها. ~~(3) وزارة صلاح الدين # لم تكن بصلاح الدين رغبة في الوزارة؛ فقد كان يرى حرج موقفه فيها، ويعلم أنه لا بد ~~يلقى فيها متاعب ومصاعب، فدونه أمور سياسة الدولة، وأي دولة! إنها مصر التي يتطاحن ~~عليها جماعة من المستوزرين من الداخل يريدون السلطة، وجماعة من الصليبيين من الخارج لا ~~يدعونها سالمة، وكان كذلك يستشف كراهة الأمراء الكبار لتوليته، ولم تكن نفسه من تلك ~~النفوس الجشعة التي إذا لوح لها بالمجد طارت إليه طائشة، بل لعله كان يرى من نفسه ~~غنى عن ذلك المجد بما يشعر به ms033 في نفسه من عظمة. # ولهذا نعلم أنه تردد كثيرا حتى رضي - بعد لأي - أن يكون عند اختيار الخليفة، ~~فذهب إلى القصر وخلعت عليه الوزارة «من جبة وعمامة وغيرهما» ولقب بالملك ~~الناصر. # ولسنا نجد غرابة في أنه قبل الوزارة بعد امتناع؛ فإنه فكر في نفسه وفي من حوله ~~فلم يشعر بما يجعله يظن في غيره قوة ليست عنده، ورأى أمورا معوجة طمع أن يكون له فضل ~~إصلاحها، ولعل آمالا أشرقت في نفسه عندما رأى صغر نفوس رجال الدولة التي أمامه، فأقدم ~~وهو يشعر بثقل الأمانة وصعوبة المرتقى. # كان اختياره مغضبا لكبار الأمراء كما توقع؛ فلم يأبهوا به واعتزلوه، حتى سعى بينه ~~وبينهم رجل من رجال الدين والسيف معا؛ وهو البطل الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري، ~~فأقنعهم بأن يظلوا على الولاء له، حتى قبلوا جميعا إلا جماعة؛ أكبرهم عين الدولة ~~الياروقي؛ فإنه خالف وعاد مع جماعته إلى الشام. وبقي صلاح الدين بمصر ليقابل أمورها ~~واحدا فواحدا، ولسنا نسمع بعد ذلك عن خلاف بينه وبين الأمراء الذين رضوا بالخضوع له، ~~فلم يظن أحد منهم أنه خضع لغير شريف، أو أذل في ذلك الخضوع، وقد رضي نور الدين عن ذلك ~~الاختيار وفرح به، وصار يرسل إليه في مخاطباته: «إلى الأمير الأسفهسلار»؛ وذلك لقب ~~معناه «الأمير الحاكم» كان يطلق في ذلك الوقت على كبار القواد. # ولكن إذا كان صلاح الدين قد أمن جانب من معه من الأمراء فإنه لم يأمن جانب ~~الياروقي ومن معه في الشام وهم يرقبون منافسهم الفتى عن بعد. # غير صلاح الدين من نفسه بعد أن صارت له الوزارة، فامتنع عن اللهو والخمر واستشعر ~~الجد في كل أعماله، وأخذ جوهره يظهر صافيا خالصا، وكان من أكبر الصفات التي ظهرت فيه ~~كرمه في البذل لمن معه وتعففه عن أن ينال لنفسه شيئا. # ولعله شعر أنه محتاج إلى أمناء أوفياء لا يداخله شك في أمرهم، فأرسل يطلب من نور ~~الدين أن يبعث إليه أباه وإخوته، فأرسلهم إليه بعد أن استوثق منهم أن يطيعوه، ولم ms034 يدر ~~نور الدين أن ذلك الفتى الناشئ لم يكن في حاجة إلى ذلك الاستيثاق؛ فقد كان له من عظمة ~~نفسه ما يجعل من معه يخضع له راضيا. وهكذا كان، فلم تمض على وزارته سنة وأشهر حتى ~~كان كل من معه من الأمراء والأهل خاضعا محبا لسيادته في آن واحد. # ولعله من المفيد أن نقول: إن سنه وقت أن تولى الوزارة لم تكن بأزيد من واحد ~~وثلاثين عاما. # وكانت الأمور التي شغلته منذ تولى الحكم بعضها في الداخل وبعضها من الخارج، وكان ~~الداخل أول ما استوجب منه العمل؛ وذلك أنه بعد وزارته بأربعة شهور شعر رجال القصر أنهم ~~بإزاء رجل ذي بأس وليس كما ظنوه ضعيفا، فأخذوا يدسون له، وكان رئيسهم خصيا أسود ~~(مؤتمن الدولة)، فبدءوا يراسلون الفرنج سائرين على سنة شاور، فعلم صلاح الدين بالأمر ~~وكتمه حتى رأى فرصة في مؤتمر الدولة فقبض عليه وقتله، فتعصب له الجند السودان حراس ~~القصر وثاروا بصلاح الدين، ولكنه كان مستعدا فأوقع بهم بين القصرين ولم ينج منهم إلا ~~القليل الشريد، ومنذ ذلك الحين جعل على القصر خصيا أبيض من رجاله وهو بهاء الدين ~~«قراقوش». # لم يمض زمن طويل بعد تلك الثورة حتى واجهته أخطار من وراء البحر، فجاءت أساطيل ~~الدولة الرومانية الشرقية والفرنج لحصار دمياط في عدة كبيرة؛ إذ بلغت سفنهم نيفا ~~ومائتين، ولعلهم حسبوا أن خلو مصر من شيركوه يجعلها سهلة الفتح، فأظهر صلاح الدين أنه ~~يقدر على كثير في غير جلبة، فأرسل العسكر والذخيرة إلى دمياط بالنيل ومكنها بذلك ~~من مقاومة هجمات المغيرين العنيفة، وأرسل في الوقت عينه إلى نور الدين يذكر له الحال ~~ويطلب منه المعونة، ثم لم يتوان في الأمر فذهب في جيش دمياط ليشغل المحاصرين عن فتح ~~المدينة، وقد أسعفه نور الدين كعادته إذا جد الجد، فأرسل إليه البعوث أرسالا يتلو ~~بعضها بعضا، ثم أهوى هو في الشام إلى بلاد الفرنج فنهب فيها وخرب، فاضطر المهاجمون ~~الصليبيون أن يرفعوا حصار دمياط ويعودوا إلى الشام ليحموه من هجمات نور ms035 الدين بعد خمسين ~~يوما من الحصار. وكانت سياسة صلاح الدين الداخلية عاملا من عوامل الاطمئنان والوفاق ~~في مصر؛ حتى إن الخليفة العاضد لم يضق به كما كان يضيق بمن سبقه من الوزراء، ولم ~~يفرح بهجوم الصليبيين هذه المرة ولم يستعن بهم، بل أرسل إلى صلاح الدين كثيرا من المال ~~والذخيرة، حتى لقد قدر صلاح الدين نفسه ما أرسله العاضد إليه بمقدار مليون من ~~الدنانير المصرية؛ نذكر ذلك تشريفا لآخر خلفاء الفاطميين في مصر. ~~(4) انقراض الدولة العلوية الفاطمية بمصر # بقيت الدولة الفاطمية بمصر نحو قرنين وهي تحاول بسط سلطانها على ما جاورها من البلاد، ~~وكان امتداد ملكها إنقاصا من سلطان دولة العباسيين. # وظلت الدولتان متنافستين تعلو كفة العباسية مرة وكفة الفاطمية مرة، إلى أن جاءت ~~الدولة السلجوقية - كما سبق القول - وكانت الدولة الفاطمية قد اضمحل أمرها منذ أن مضى ~~أوائلها العظام. # على أننا لا نستطيع أن نعرف على وجه البت: هل كان لوجود هذه الدولة العلوية في مصر ~~قرنين أثر في عقائد أهلها؟ فإن كل الظواهر تدل على أنه لم تكن هناك رسوم دينية خاصة ~~تخالف أساس ما اعتاد أهل السنة في عباداتهم ومعاملاتهم؛ فإنه إن كان ثمة شيء من ذلك ~~فهو من الزخرف والزينة والأبهة في رسوم الدين، ولم يكن على ما يظهر اختلاف في أساس ~~العقيدة؛ فلم يكن خلفاء دولة الفاطميين من غلاة الشيعة، ولم تكن لهم تلك العقائد ~~الغريبة السرية التي تميز الشيعة في الأقاليم الأخرى. أما الزخرف الذي ذكرناه في ~~رسم الدين بمصر فلم ينكره أحد، وقديما كانت مصر تميل إلى الزخارف في رسوم الدين، وليس ~~بأس من ذلك ما دام لا يمس العقيدة، ولعل طبيعة أرض مصر الوادعة وطبيعة أهلها الميالين ~~إلى المرح والبسطة والسهولة الذين يقدرون الجمال ويحبونه؛ لعل كل ذلك حبب إلى ~~نفوسهم ما كان للدولة من تكلف في الدين وأبهة وزينة في الحفلات. وأما العبادات ~~والمعاملات بحسب القانون الديني فإننا لا نجد ما يدل على أن دولة الفاطميين قد أحدثت ~~فيهما تغييرا يذكر. ms036 # ولم يكن بالمصريين كره للدولة الفاطمية. على أنه لم يكن بهم كذلك ميل إلى التضحية ~~بشيء في سبيلها كما هي عادة الدولة إذا كان حكمها في يد طائفة معينة دون جمهور الشعب. ~~وكان الشعب المصري يرى في كثير من الأحيان - لا سيما في الأيام الأخيرة - ظلما وضعفا ~~من جانب الدولة، ولكنه كان دائما يميز بين الوزارة صاحبة القوة فيحقد عليها وبين ~~الخلافة صاحبة الأمر الأعلى ويعلم أنها لا حول لها ولا قوة؛ ولهذا كان يعطف عليها؛ ~~فعندما أبصر الشعب صلاح الدين على الوزارة ورأى كرمه في البذل وتصرفه في الدفاع ~~وقوته في الحرب أعجب به وأحبه والتف حوله. وكان صلاح الدين منذ أخذ الوزارة في ~~يده يسعى لتوطيد أمره بأن يجعل الشعب يثق به ويلتف حوله، ولكنه آثر ألا يصدمه بتغيير ~~فجائي، فبدأ ينشئ المدارس السنية على مذهب الإمام الشافعي، وعارض سيده نور الدين ~~في أمر القضاء على الحكم الشيعي من أول الأمر؛ إذ كان نور الدين يحب أن يبدأ بإزالة ~~الخلافة الفاطمية عند أول دخول جيشه مصر، فراجعه صلاح الدين مظهرا ما قد ينتج عن مثل ~~هذا الانقلاب الفجائي. # إلا أن إلحاح نور الدين في قطع الخطبة العلوية بمصر جعله يفكر كيف يعمل، فاستشار ~~أصحابه فانقسموا في الرأي بين محبذ ومنكر، واتفق بعد ذلك أن مرض العاضد واحتجب ~~في قصره فرأى الوزير الفرصة ممكنة، فجرب قطع الخطبة من أحد المساجد، وقام بالخطبة ~~للخليفة العباسي رجل أعجمي يعرف «بالأمير العالم» فلم يحدث استنكار من جانب الناس، ~~فأمر صلاح الدين الخطباء جميعا أن يقطعوا خطبة العاضد ففعلوا، وتم الانقلاب بدون ~~حدوث شيء. وقد أول جماعة تردد صلاح الدين بأنه كان يرغب في بقاء الخطبة للعاضد ~~خوفا من نور الدين. ولا حاجة بنا إلى الوقوف هنا لرد هذا الزعم؛ إذ لا نجد حجة هذه ~~الجماعة جديرة بالتفنيد؛ فإن الحكمة السياسية وحدها كانت تقضي عليه بسلوك ما سلك من ~~طريق التريث. # أرسلت البشائر إلى نور الدين وبغداد وازينت عاصمة الخلافة العباسية، ~~وأرسلت الخلع ms037 من الخليفة العباسي إلى نور الدين وصلاح الدين، وأصبح في الشرق كله ~~خليفة واحد من بني العباس لا ينازعه أحد ينتمي إلى ذلك البيت الجليل: بيت بني ~~هاشم. # وقد حدث أن العاضد في أثناء مرضه أرسل يستدعي صلاح الدين، فخاف صلاح الدين أن يلبي، ~~وظنها خدعة ومؤامرة على عادة المصريين، ولكنه عرف - فيما بعد - أن العاضد كان مخلصا ~~في طلبه فندم على ذلك؛ إذ كان لا يرى من ذلك الشاب الخليفة إلا كل ما يرضيه من حب ~~ومساعدة وإخلاص، وقد كان من حسن حظ العاضد أنه لم يعرف ما حدث من الانقلاب؛ فقد توفي ~~من مرضه في سبتمبر سنة 1171م/567ه، ولم يعلمه أحد بأن الخلافة نزعت عنه بعد أن ~~لبثت أكثر من قرنين ونصف قرن في بيته منذ كان في شمال أفريقية قبل هبوطه مصر. # وهنا فلنسكت عما كان في قصر الخليفة من تحف ثمينة وآثار قيمة وكتب نفيسة وآلاف ~~العبيد والإماء والثروة الطائلة، ولنكتف بأن نقول: إن صلاح الدين لم يرزأ من كل ذلك ~~شيئا لنفسه، بل ذهب كله لرجال الجيش والأمراء الذين معه، حتى القصر نفسه، وبقي الوزير ~~العظيم مقيما حيث كان في خشونة من العيش وسذاجة من الحياة تقرب من حياة ~~الزاهد. ~~(5) الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين # نحن مضطرون أن نقف قليلا نناقش تهمة يوجهها كثير من المؤرخين إلى صلاح الدين؛ وهي ~~أنه منذ شعر بثبات مكانه بمصر أثار وحشة بينه وبين سيده، وعزم على الخروج عليه ~~ومحاربته إذا دعا الأمر، وما كان للإنسان أن يتهم حتى يكون عنده الدليل القاطع، ~~واتهام صلاح الدين بالخروج على نور الدين وإثارة الوحشة بينه وبين سيده - الذي يجله ~~والذي كان له عليه فضل التربية والعناية والتشجيع - اتهام خطير يجب على من يسوقه أن ~~يكون من أشد الناس احتراسا في قوله؛ ولهذا نؤثر أن نذكر تهم المؤرخين ثم نرى مقدار ~~قوتها على ضوء المنطق ودلالة التاريخ، وهذه هي التهم التي تساق: ~~(1) # بعد القضاء على الدولة الفاطمية سار صلاح الدين سنة ms038 1171م/567ه راغبا في ~~حرب الفرنج، فحاصر حصن الشوبك بفلسطين على مسيرة يوم من الكرك، فعلم نور ~~الدين بذلك الحرب، فرغب في مساعدة صلاح الدين، فسار من دمشق نحوه، وكان ~~صلاح الدين قد أوشك أن يأخذ الحصن من الفرنج، فلما علم بمسير نور الدين ~~تركه ورجع إلى مصر، وكتب إلى نور الدين يعتذر له باختلال الأمور في مصر، ~~فلم يقبل نور الدين ذلك الاعتذار وعزم على المسير إلى مصر وإخراج ذلك ~~المتمرد عنها، فجمع صلاح الدين أهله وفيهم أبوه وخاله ومعهم سائر الأمراء ~~واستشارهم، فقال قائل: نمتنع عليه ونحاربه، فقام نجم الدين أيوب أبو صلاح ~~الدين وقال قولا معناه أنه لا يوافق وأنه أول من يطيع نور الدين ويعصي ~~ابنه إذا خرج عليه. وانفض المجلس على نصيحة أيوب أن يرسل صلاح الدين إلى ~~نور الدين يستميله ويطلب عفوه ويذعن له ويظهر الخضوع، ثم لما خلا أيوب ~~بابنه قال له: «ما كان ينبغي أن تصنع ما صنعت؛ فإن الأخبار لا شك تبلغ نور ~~الدين»، ثم قال له: «ألا فاعلم أننا لا نسلم البلاد له، ولو أراد قصبة ~~من قصب السكر لحاربناه عليها.» ~~(2) # بناء على المفاوضة بين صلاح الدين ونور الدين استقر الأمر أخيرا على ~~أن يقصد الاثنان حصن الكرك ويحاربا هناك معا، فلما كانت السنة التالية ~~(أوائل سنة 1173) ذهب صلاح الدين وحصر الحصن، فلما بلغه مجيء نور الدين رجع ~~ورفع الحصار وعاد إلى مصر، وأرسل الفقيه عيسى الهكاري يعتذر لنور الدين ~~بأنه ترك أباه على مصر فمرض، وأنه يخشى أن يموت فتخرج البلاد من أيديهم، ~~وأرسل مع الفقيه من الهدايا والتحف ما يجل عن الوصف، فلم يقتنع نور ~~الدين بذلك الاعتذار واستوحش باطنا ولكنه لم يظهر شيئا من ~~تأثره. ~~(3) # ما بين غزوة الشوبك سنة 1171م/567ه، وغزوة الكرك في أوائل سنة 1173م/569ه ~~قد أرسل صلاح الدين أخاه الأكبر شمس الدولة توران شاه ليفتح النوبة؛ لكي ~~تكون لهم موئلا يلجئون إليه إذا أجلاهم نور الدين عن مصر، ولكن تلك الحملة ~~لم تنجح؛ لأنها وجدت ms039 البلاد صحراء لا تغني. ~~(4) # بعد غزوة الكرك في سنة 1173م/569ه لما رأى صلاح الدين أن النوبة لا ~~تغني أحب فتح ملجأ آخر، فأرسل يستأذن نور الدين في فتح اليمن «فأذن له ~~نور الدين»، فذهب أخوه شمس الدين توران شاه إليها وفتحها ونظم أحوالها ~~وأصلح شئونها، واستقام أمر الأيوبيين بها نحو خمسين سنة. # هكذا يصور كثير من المؤرخين موقف صلاح الدين بإزاء سيده، وحقا إن في الحوادث التي ~~يذكرونها كثيرا من الحقيقة، ولكن تأويلهم - في ظننا - تأويل لا تبرره الظروف ولا ~~يقبله العقل، وما كان لنا أن نكذب تأويلهم لولا أننا نرى أن الأدلة كلها تشير إلى أن ~~ذلك التأويل صادر عن الخيال لا عن الحقيقة، فهناك الأدلة المادية التي تظهر تأويلا ~~غير هذا، وهناك ما نعلمه من صلاح الدين وخلقه ما ينفي أن الأمر كان كذلك. # هنا أمر يستوقف النظر: وهو أن المؤرخين الذين يذكرون تلك الأمور يتفقون في إيرادها، ~~وفي كثير من الأحيان تتفق ألفاظهم مع اختلاف في الإيجاز والإطناب، وهذا ما يجعلنا نظن ~~أن مصدر القصة واحد أخذ عنه الجميع، ولا يبعد أن يكون ذلك المصدر من جانب الشام أو جانب ~~من كان مع نور الدين من الأمراء الحاقدين على صلاح الدين أمثال الياروقي. أما نحن ~~فنرى لكل تلك الحوادث تفسيرا آخر نعتقد أنه أكثر اتفاقا مع الأحوال والأشخاص. ~~(1) فرجوع صلاح الدين عن الشوبك سنة 1171م وعن الكرك سنة 1173م كان أمرا طبيعيا، ~~ولولا تلك القصة التي يذكرونها عن اجتماعاته بأمرائه وما يعزونه إليهم من الأقوال ~~لما كان هناك ما يستغرب في عمل صلاح الدين؛ فالشوبك والكرك حصنان من أمنع الحصون في ~~فلسطين، وكان فتحهما من أكبر الفتوح التي تغنى بها الإسلام - فيما بعد - بعد جهود ~~عظيمة ومحاولات متكررة أخفقت مرارا، وكان يحميها جماعة من المحاربين المستبسلين الذين ~~يقاومون حتى لا يكون دونهم ما يقاومون به من مال أو دم، وكان صلاح الدين في سنة 1171م ~~خارجا من إحداث انقلاب بمصر وإزالة دولة لها في البلاد أصل ثابت ms040 من قرنين، وكان لها ~~أتباع وأنصار يفكرون في الدفاع وإرجاع الأمر إلى ما كان عليه، ولا سيما أنه كان إذ ذاك ~~حديث عهد بثورة السودانيين، ولا يأمن أن يترك مصر إلا قليلا؛ ففي سنة 1171م عندما حصر ~~الشوبك رأى أن الحصن لن يسلم إلا بعد أمد قد يطول، وأن نور الدين قد يشترك في الحرب ~~فيجعلها واسعة الدائرة فينتقل من ميدان إلى آخر، وهو الرجل الذي يحب الجهاد ويجعل حياته ~~له، فآثر الرجوع وأرجأ فتح ذلك الحصن إلى وقت آخر، ولو كان يخشى الاقتراب من نور الدين، ~~فما كان الذي دعاه أن يفكر مبتدئا في غزو فلسطين؟ أما كان يؤثر من أول الأمر إبقاء ~~الصليبيين بينه وبين من يخافه؟ ~~(2) وأما في سنة 1173م فقد كان صلاح الدين يشم خطرا في الجو لا تفوته حركة من ~~حركات صديقه وعدوه على السواء، فلما دعاه نور إلى حصار الكرك لم يستطع أن يمتنع حتى ~~لا يسيء سيده به الظن، فذهب إلى هناك في شوال، وكان هو السابق، وظل على الحصار وحده ~~مدة شهرين، ثم أقبل نور الدين بعد ذلك متأخرا في ذي الحجة. # ورأى صلاح الدين أثناء ذلك امتناع الحصن عليه، ولعل نور الدين لو كان اشترك معه من ~~أول الأمر لكان الحصن قد سلم أو لكان على الأقل هناك تساو في المجهود يبعث نور ~~الدين على الاكتفاء وترك الحرب إلى حين، فتأخر نور الدين كان معناه أن غياب صلاح ~~الدين عن مصر سيستمر إلى مدة أطول، ولا سيما وأن جيش نور الدين كان لا يزال جديد الهمة ~~وهو يعرف أن نور الدين إذا بدأ الحرب فلن ينتهي منه إلا بعد أن يبلي بلاء ويعذر، ~~ولعله ينتقل من ميدان إلى آخر، ولن يستطيع صلاح الدين أن يترك الحرب إذا هو بدأ فيه إلى ~~جانبه؛ لئلا يكون ذلك تخذيلا، فآثر أن يتبع - من أول الأمر - ما تمليه الرجولة ~~ويوجبه الحذر، فأرسل في أدب معتذرا وأظهر خضوعه بما أرسل من هدايا، وأنفذ رسوله رجلا ~~يعرف ms041 ما كان عليه من صفات ولا يطعن أحد في إخلاصه؛ وهو الفقيه عيسى الهكاري، وكان رجلا ~~شجاعا دينا، فلو وجد شيئا على صلاح الدين من الخيانة لسيده لكان يفضي بذلك إلى ~~نور الدين؛ إذ كان يعتقد أنه المجاهد في سبيل الله المخلص في غزواته القائم في عبادته ~~الزاهد في دنياه، ولم يكن نور الدين في قلوب الناس - ولا سيما الفقهاء - بأقل مما كان ~~صلاح الدين، بل إن الناس جميعا كانوا أميل إلى الخضوع له واتباعه مما كانوا يميلون ~~إلى الفتى الناشئ، ولكن الفقيه لم يذكر إلا كل خير، ولم نسمع عن نور الدين أنه قال إلا ~~جوابا مرضيا. # ولكن كان حول نور الدين جماعة من أمثال الياروقي الذين كانوا يرون صلاح الدين قد ~~سلبهم ملك مصر، ولا بد أن هؤلاء كانوا يحاولون ما استطاعوا أن يظهروا لنور الدين ~~سوء نية منافسهم لعله يحقد عليه ويخلعه، فيكون ذلك انتقاما لهم منه، فجعلوا يفسرون ~~حركات صلاح الدين بما شاءت لهم نفوسهم المغضبة. # ولا يبعد أبدا - بل نرى - أن تفسير حركات صلاح الدين بعدم رغبته في مقابلة نور الدين ~~من وحي هؤلاء وإشاعاتهم. # أما قصة المجلس الذي جمعه صلاح الدين بعد رجوعه عن الشوبك فإنها تشبه القصص التي ~~نسمعها في المؤلفات الخيالية، حتى إنها لتورد الألفاظ التي قالها أيوب لابنه في خلوة ~~وهو ينصحه ألا يقول شيئا في العلن إلا الخضوع لنور الدين، ويؤكد له في نفس الوقت أنه ~~لو أراد نور الدين قصبة من مصر لحاربه عليها، وأن نجم الدين الحريص ليكون ممن ينصح ~~بشيء ويخالفه، ويعلم وهو محتاج إلى التعلم لو كان أسمع أحدا ما قاله لابنه إذ ذاك في ~~خلوته؛ وإلا أفليس من المضحك أن يعرف مؤرخ ما قاله نجم الدين لابنه في خلوة ولا يعرف ~~ذلك نور الدين نفسه؟! # على أن هناك ما يفيد أن سيرة ذلك المجلس وما وقع فيه لم تكن إلا خيالا؛ فإن ابن شداد ~~- وهو القاضي بهاء الدين - مؤلف سيرة صلاح الدين وصاحبه في مسيره ms042 وحروبه لم يذكر ~~شيئا عن ذلك المجلس، ولم يذكر والد صلاح الدين ولا نصيحته، ولكنه نقل إلينا وهو مصدق ~~فيما يقول سمعته قال: سمعت صلاح الدين نفسه يقول: «كان بلغنا أن نور الدين يقصدنا ~~بالديار المصرية، وكانت جماعة أصحابنا يشيرون بأن نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره ~~بمصاف نرده إذا تحقق قصده، وكنت وحدي أخالفهم وأقول: لا يجوز أن يقال شيء من ~~ذلك.» # فالحقيقة هي إذن أن نور الدين تغير على صلاح الدين وأساء الظن به؛ لأنه حمل على ~~أن يؤول حركاته وأعماله بغير ما قصده، وعزم على السير إليه وصلاح الدين صابر لا ينوي ~~مقاومة ولا يظهر إلا الخضوع ولا يبطن إلا الإخلاص. ~~(3)، (4) وأبلغ من كل ذلك ذكر فتح النوبة والقول بأن ذلك كان مقصودا به فتح أرض ~~تكون ملجأ من نور الدين، والواقع أن تلك الحملة لم تكن إلا لتطهير جنوب مصر من بقايا ~~الحرس السوداني الذي كان لا يزال منه بقية ثائرة بالصعيد حتى تكون مصر كلها مطمئنة له ~~من البحر إلى أقصى حدودها الجنوبية. وأما فتح اليمن فمن الغريب أن يستأذن صلاح الدين ~~نور الدين لو كان عنده نية المخالفة، ومن الغريب أن نور الدين يأذن له بإرسال الجيش إلى ~~هناك لو كان حقيقة يعتقد أن ذلك الرجل يخون. # فالواقع الذي نراه هو أن سوء ظن نور الدين لم يبدأ منذ سنة 1171م، بل إنه قد بدأ ~~يتجسم له من بعد موقعة الكرك، وبعد السماح بحملة اليمن سنة 1173م، وأن ذلك الظن لم ~~يتجسم إلا من سعي أعداء صلاح الدين ومنافسيه، وأن صلاح الدين ظل إلى نهاية الأمر ~~لا يتأثر بما يشاع عن تغير نور الدين عليه. وأما أبوه نجم الدين - رحمه الله - فلم ~~يكن له من أمر ذلك المجلس المزعوم شيء، بل نعتقد أنه عندما مات بمصر - أثناء المدة التي ~~كان فيها صلاح الدين عند الكرك أو عائدا منها سنة 1173م - كان لا يفكر تفكيرا جديا ~~في أن هناك سوء ظن بين ابنه وبين سيده. ms043 ~~(6) ثورة المصريين # لعل صلاح الدين لم يكن في حياته كلها في خطر أعظم مما كان فيه في سنة 1173م/599ه وسنة ~~1174م/570ه؛ فإن عوامل كثيرة اجتمعت على عداوته، ولما لم تجد فرصة تمكنها منه علنا في ~~ميادين النضال عمدت إلى الدسائس والمؤامرات، فكان في مصر حزب موال للشيعة العلوية ~~أصحاب الخلافة المنقرضة، كان في جيش صلاح الدين جماعة من الجند لم ينالوا ما يرضيهم ~~فكرهوا حكمه، وكان بقية من الجند السودانيين الذين يكرهون صلاح الدين لا يزالون بمصر، ~~وكان هناك الإسماعيلية الفدائيون الذين كانوا يميلون إلى الفتك بمن قضى على دولة علوية ~~مذهبها الديني مثل مذهبهم، وكان صلاح الدين صاحب ذكاء متوقد وحذر لا تفوته فائتة، ~~فأدرك أن بالجو أمورا تنذر بالخطر؛ ولهذا لم يأمن أن يبقى خارج مصر طويلا فرأيناه ~~يعود من الكرك سنة 1173م قبل أن يتم فتحها، ولم ينتظر لكي يشترك في الحرب مع نور ~~الدين كما مر، وقد حسب أعداؤه أن الفرصة سانحة لبعد جزء كبير من الجيش في حرب ~~اليمن سنة 1173-1174م فأحكموا أمرهم ودبروا الوثوب به. ولا يسعنا إلا أن نبصر ما ~~ارتكبه صلاح الدين من الخطأ بتسيير حملة في ذلك الوقت مع توقعه الخطر، ولا نجد مبررا ~~لإنفاذ تلك الحملة إلى ذلك القطر البعيد إلا رغبته في أن يملك طرف البحر الأحمر من ~~الجنوب كما ملك ثغر أيلة على رأسه من الشمال؛ ليمنع الخطر الذي كان في ذلك الوقت يهدد ~~البلاد المقدسة من ناحية المسيحيين؛ إذ كانوا يفكرون في حشد أساطيل عظيمة في ذلك البحر ~~لغرض الإغارة على الحجاز وقبر النبي. ولكن لحسن حظه علم بأمر المؤامرة قبل أن تنفذ ~~خطتهم، وذلك بسعي زين العابدين علي بن نجا الواعظ، فقبض على رؤساء المتآمرين فصلبهم بعد ~~أن حاكمهم وأقروا، وبذلك قضى على النار قبل أن تشب، ولكنه إذا كان قد قضى على رأس ~~الحية فقد خلف ذنبها، وسيجد - فيما بعد - صعوبة في تحطيم ذلك الذنب كما ~~سيأتي. # وكان أكبر من صلبهم من رؤساء المؤامرة عمارة ms044 اليمني الشاعر، وهو الذي حسن إلى ~~شمس الدولة أخي صلاح الدين فتح اليمن، وكان يباهي بأنه هو الذي أفسح السبيل للمتآمرين ~~بأن حمل شمس الدولة على الإقدام على حملة اليمن، وبذلك أبعد جزءا كبيرا من الجيش عن ~~مصر، وكان لعمارة أشعار في الفاطميين منها: # يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة # لك الملامة إن أقصرت في عذلي # بالله زر ساحة القصرين وابك معي # عليهما لا على صفين والجمل # وقل لأهلهما والله لا التحمت # فيكم جروحي ولا قرحي بمندمل # وقد أظهر صلاح الدين - كعادته - حكمة عظيمة في أنواع العقاب؛ فإنه بعد أن صلب ~~القادة الكبار اكتفى بأن نفى من اشترك في المؤامرة من أجناد مصر إلى أقاصي الصعيد، ~~واحتيط على من بالقصر من سلالة الفاطميين. وأما الذين نافقوا عليه من جنده فلم ~~يتعرض لهم ولم يعلمهم أنه علم باشتراكهم وآثر أن يستميلهم بإزالة ما يشكون منه، وحدث ~~ذلك كله في أبريل سنة 1174م/رمضان سنة 569ه. # ولكن الفرنج لم يعلموا أن المؤامرة قد كشفت وقضي عليها؛ ولهذا جاءوا من البحر ~~إلى الإسكندرية في يوليو سنة 1174م/ذي الحجة سنة 569ه يحسبون أنهم سيضربون جبهة صلاح ~~الدين يصدعونها على حين يخرج أحلافهم الخونة من خلفه فيجهزون عليه، ولكن خاب ما ~~أملوا. ~~(7) وفاة نور الدين # بعد القضاء على تلك المؤامرة بنحو شهر ونصف أتى إلى صلاح الدين نعي نور الدين العظيم، ~~وإنا لا نستطيع إلا أن نذكر بالإعجاب ذلك البطل «نور الدين» الذي جعل كل حياته وقفا ~~على الدفاع أمام قوم أغاروا على بلاد ليست لهم وأتوا ما أتوا من المظالم في شعب يرى ~~نفسه حاميا له وملزما بالدفاع عنه. وقد كانت حياته سلسلة حروب لا بأس من أن نسميها ~~جهادا. وقد كان نجاحه فيما قصد إليه نجاحا كبيرا؛ فكون دولة عظيمة ورد تيار ~~الانتصار نهائيا من جانب الصليبيين فأصبح في جانب دولة الإسلام، وكان يدعى له على ~~منابر مصر والشام إلى الموصل واليمن. على أن دولته كانت على النظام الإقطاعي؛ يحكم كل ~~إقليم منها حاكم ms045 شبه مستقل يدين له بالدعوة ويرسل إليه العسكر والمال كلما لزم له ~~حرب. وكان نور الدين في خلقه مثلا من الأمثلة العليا في الزهد في غير مرارة، والتدين ~~في غير تعصب، والعدالة في غير تشدد. وكان هو نفسه في مقدمة المحاربين لا يتأخر، بل ~~يحارب بنفسه غير خائف أن يصاب، ولا يطيع من ينصحه بالاحتراس؛ ولا أدل على روحه من أن ~~نورد ما قاله مرة وقد نصحه ناصح أن يدع الحرب خوف أن يصاب فيكون في إصابته هلاك ~~المسلمين، فقال: «ومن محمود حتى يقال له هذا؟ إن من قبلي من حفظ البلاد ~~والإسلام؛ وذلك هو الله.» # ولا ندري كيف كان وقع نبأ موته على صلاح الدين، وأكبر ظننا أنه أساءه أيما إساءة ~~وأحزنه أعظم حزن. # 2 # على أننا لا نقدر أن نتناسى أن موته أخرج صلاح الدين من خطر عظيم؛ وذلك أن ~~الخلاف الذي دب بينه وبينه بعد سنة 1173م كان لا بد يصل إلى حد بعيد لو بقي نور ~~الدين حيا، ومن يدري هل كان صلاح الدين يحتفظ إلى آخر الأمر بما سار عليه إلى ذلك ~~الوقت من الحفاظ والاعتدال؟ ~~(8) بدء العصر الثاني من حياة صلاح الدين # بعد أن مات نور الدين تركت الدولة الإسلامية الكبرى لابنه الملك الصالح إسماعيل ~~وهو صبي يبلغ من العمر نحو إحدى عشرة سنة، وجعل مقامه بدمشق، وحلف له الأمراء الكبار، ~~وضربت النقود باسمه في كل جهة من أول مصر إلى أطراف الشام. وكان في البلاد الشامية ~~والجزيرة عواصم ثلاث أخذت القيادة في حوادث تلك الأيام؛ وهي دمشق وحلب والموصل، وكان ~~أول صوت أذن بالاضطراب في دولة نور الدين آتيا من نحو الموصل؛ إذ إن سيف الدين غازي ~~ابن أخي نور الدين (أي ابن عم الملك الصالح) أسرع إلى الاستقلال بما يليه من البلاد ~~وأعلن نفسه أميرا على الجزيرة، وكان حوله من أمرائه من يحسن له أن يذهب إلى الشام ~~ويستولي عليها؛ فليس بها من مانع، ولكنه آثر أن يقنع بالجزيرة، وبقيت الشام في ms046 أيدي ~~الملك الصالح أو بقول أدق: بقيت في أيدي الأمراء الذين استولوا على الملك الصالح تحت ~~اسم الوصاية عليه وتولي تربيته، فكان الأمر في الواقع في يد شمس الدين محمد بن عبد ~~الملك المشهور بابن المقدم بدمشق، وشمس الدين علي ابن الداية؛ وهو أكبر الأمراء ~~النورية، وكان في حلب. وقد شهد الفرنج ما أصاب دولة نور الدين من الصدع بعد موته؛ فإن ~~مصر صارت مستقلة ولو أن صلاح الدين كان خاضعا في الظاهر للملك الصالح داعيا باسمه على ~~منابره، وكانت الجزيرة في يد سيف الدين غازي، وحلب في يد شمس الدين ابن الداية، ودمشق ~~والملك الصالح بها في يد شمس الدين محمد ابن المقدم، وكان بين هؤلاء جميعا تنافس على ~~أيهم يسود، وكل منهم ينظر إلى الآخر مترقبا حذرا أن يثب به إذا هو لقي منه ~~غرة. فانتهز الفرنج الفرصة وألقوا بفرسانهم إلى دمشق وما جاورها، ولم يستطع شمس ~~الدين ابن المقدم أن يقاوم هجماتهم، أو لعله كان يستطيع ولكنه آثر أن يذل لهم ~~زعما منه؛ لأن الأمراء في الموصل وحلب وصلاح الدين في مصر إذا رأوه منشغلا في حرب ~~الفرنج ينتهزون فرصة انشغاله فيهبطون على ما في يده فيسلبون طعمته. وهكذا يضمحل أمر ~~الدول إذا هوى في أيدي قوم لا يتطلعون إلى أبعد من أنوفهم ولا يدركون إلا ما تقدره ~~نفوسهم الصغيرة. # فصالح شمس الدولة ابن المقدم الفرنج على مال يعطيه لهم وأسرى يطلقهم ممن كانوا ~~عند المسلمين منذ حروب نور الدين. # وأعقب ذلك بالشام تنافس شديد بين أمير حلب وأمير دمشق على أيهما يستولي على الملك ~~الصالح، وأدى ذلك إلى أخذ الملك الصالح إلى حلب ثم إلى مفاوضة مع سيف الدين صاحب الموصل ~~أن يأتي إلى الشام لكي ينجي دولة نور الدين من سفه أمرائه المتنافسين، ولكن سيف الدين ~~أبى أن يتدخل في ذلك، فارتدت المفاوضة إلى جهة مصر، وبلغت الدعوة صلاح الدين ليأتي ~~إلى الشام، وكان قد فرغ من إصلاح أمر مصر وتثبيت قواعد دولته فيها، فلبى ms047 الدعوة وسار ~~نحو دمشق، وبذلك بدأ أول خطوة في سبيل التدخل في أمر حكام الأنحاء الأخرى من الدولة ~~الإسلامية، ولن ينتهي السير به في ذلك السبيل دون توحيد جميع الدولة في يده فتكون قوة ~~واحدة للجهاد كما كانت في يد نور الدين، وقد وقع ذلك ما بين سنتي 1174-1186م. ~~(9) الإفرنج أمام الإسكندرية # كان موت نور الدين - كما قدمنا - مؤذنا بسعي الفرنج من جديد لكي يستردوا ما أخذه ~~منهم ذلك الملك العظيم، فثاروا بالشام وذهبوا إلى قرب دمشق، وكان أبناء نور الدين ~~ووزراؤهم على غير ما عهد الفرنج من أبيهم العظيم، وكذلك ظن الفرنج الذين اشتركوا في ~~التآمر على صلاح الدين - كما أسلفنا - أنهم يستطيعون عند ذلك أن يضربوا ضربتهم لتكون ~~قاتلة. فاجتمع لهم سفن كثيرة من الشام وصقلية بلغت عدتها نحو 282 سفينة، وجاءوا إلى ~~الإسكندرية ونصبوا المجانيق والدبابات عليها في يوليو سنة 1174م، ولكن شتان بين ما ~~لقيهم به صلاح الدين من العدة وبين ما لقيهم به وزير الملك الصالح بدمشق؛ فقد كان أهل ~~مصر واثقين بقائدهم وحاكمهم؛ ولهذا أبدى أهل الإسكندرية من الشجاعة ما أدهش المهاجمين، ~~ثم وصلتهم نجدات العسكر فزادهم ذلك صبرا في الحرب، ثم بلغ الأمر إلى صلاح الدين فأسرع ~~بجيش إلى الإسكندرية وبالغ في الاحتياط، فأرسل جيشا آخر إلى دمياط، فلما عرف المدافعون ~~مسيره إليهم دبت فيهم حماسة عظيمة وأبلوا بلاء حسنا، فهزم الفرنج وغرقت لهم سفن ~~كثيرة وفشلت حملتهم فشلا تاما. ولسنا ندري ماذا كان يحدث لو وقع الهجوم من أربعة ~~شهور قبل أن يقضي صلاح الدين على رءوس المتآمرين في داخل البلاد؟ ~~(10) استتباب الأمر لصلاح الدين في مصر # دخل صلاح الدين مصر أول مرة مع عمه سنة 1164م، ودخلها آخر مرة مع عمه أيضا سنة ~~1169م، ثم أقام بها وزيرا للعاضد إلى سنة 1171م، ومن ذلك الوقت صار فيها شبه ملك ~~مستقل خاضع لنور الدين على الأسلوب الإقطاعي، وقابل مشاكل مصر العديدة منتصرا في كل ~~موقف بغير أن يحدث زعجة أو يثير ضجة، ms048 بل لقد وقف - وهو وزير - بين نور الدين ~~السني المجاهد وبين العاضد الفاطمي، واستطاع بكياسته وحسن اختياره أن يحفظ توازنه ~~ويسير الأمور سيرا ناعما، فلم يحقد عليه العاضد بل ظل على تقديره والإخلاص إليه ~~حتى مات، وليس أدل على ذلك من طلبه رؤيته وهو في أشد حال من مرضه قبل وفاته. وكذلك لم ~~يجد نور الدين في سلوكه ما يجعله يندم على إقرار أمره والموافقة على تقديمه أمام ~~الجلة من كبار أمرائه. ثم أصبح - بعد موت العاضد - ملكا على مصر فعلا مع بقائه على ~~الخضوع لنور الدين، وبدأ يشترك في أمور الدولة الإسلامية العامة في حين ضبطه لمصر في ~~داخلها وخارجها، فإذا قلنا: إن سياسته كانت تامة النجاح لم يكن في ذلك شيء من المبالغة؛ ~~إذ ما أتى آخر عام 1174م حتى كان قد أسس دولة فتية على رأسها جيش واثق برئيسه ~~وتدعمها سياسة اقتصادية حكيمة ملأت خزائن الدولة بغير أن تنسى الإصلاح والتعمير، وإذا ~~كان لرأي الشعب في تلك العصور قيمة فقد أدرك الشعب المصري أن فوقه رجلا ولا كالرجال، ~~بل هو القائد الفذ والمصلح الذي لم يعهد مثله؛ فهدأت أحوال مصر وسارت في سبيل ~~الاطمئنان الذي سيعدها لاستقبال عصرها المجيد أيام دولة بني أيوب ومن جاء بعدهم من ~~السلاطين المماليك، فلا نسمع بعد بثورة إلا كان القضاء عليها أمرا لا يحتاج لأكثر من ~~أيام كثورة قامت بها البقية القليلة من أعداء دولة صلاح الدين وكانت في الصعيد بقيادة ~~رجل يعرف بالكنز، فلم تلبث أن قضي عليها قضاء يدل على أن أساس الدولة قد صار ~~راسيا متينا. # باب زويلة (مثل من بناء سور القاهرة). # ولم ينس صلاح الدين أن يجعل لمصر حصنا كما كان لبلاد الشام حصون، ولم يرض عن سور ~~القاهرة ولا عن حصنها فصعد في الجبل واختار أقرب رأس منه مشرف على القاهرة، وفكر في ~~أن يبني عليها قلعة، ولا نقدر إلا أن نرى في عزمه هذا أثرا من آثار العصر وروحه؛ فإن ~~المحاربين عند ذلك كانوا ms049 لا يثقون إلا في القلاع سواء في ذلك الفرنج والمسلمون، وكان ~~الشرق من الشام إلى فارس لا يرى العز والمنعة إلا في القلاع في تلك العصور المضطربة، ~~وكانت مصر بلادا سهلة؛ فمن ملك ناصية الجبل المطل على عاصمتها استطاع أن يمتنع على ~~المغير الأجنبي إذا غزا أرباض القاهرة، وكذلك يستطيع من يملكها أن يظهر لكل ذي ~~عينين في تلك العاصمة أن هناك قوة كبيرة ماثلة أمامه يقبض عليها رأس الدولة ويقدر أن ~~يقذف بها على من يخالفه. # ولكن مشاكل الدولة الإسلامية بعد موت نور الدين دعت صلاح الدين إلى أن يترك مصر ~~وأمورها إلى حين؛ ولهذا لم يبدأ بناء القلعة والسور الذي عزم على إقامته بينها وبين ~~والقاهرة، بل أجل ذلك حتى يقابل الأخطار التي كانت تهدد دولة نور الدين؛ فأسرع إلى ~~الثغرة ليسدها؛ لأنه شعر أنه وارث العبء بعد وفاة العميد الأول (نور الدين)، وأن عليه ~~واجبا كبيرا: وهو جمع الأزمة في قبضة واحدة ليتم عمل السابقين في جهاد أعداء ~~الدولة الإسلامية. ~~(11) حروب الشام الأولى # كانت رحلة صلاح الدين الأولى أشبه شيء برحلة زيارة؛ إذ إنه لم يعد عدة الحرب ~~ولم يظهر بمظهر الفاتح، وإنما ذهب إجابة لدعوة توجهت إليه، ووجد في البلاد التي ~~دعته استعدادا للانضمام تحت لوائه وسرورا بالاتحاد مع دولته المصرية ~~العظيمة. # سار في نحو سبعمائة فارس في أواخر عام 1174م/570ه حتى بلغ دمشق، ولم يجد حربا لا من ~~أصحاب البلاد المسلمين ولا من المسيحيين الذين على جانب طريقه، فخرج إليه أهل دمشق ~~وعسكرها ورحبوا به، وأعلن أنه إنما جاء في خدمة الملك الصالح ونصرته، وسلمت له ~~القلعة بدمشق، وحدث الانقلاب بغير سفك دماء، ثم سار إلى الشمال نحو حمص وحماة وهو ~~يردد إعلان أمره، وأنه إنما جاء في سبيل نصرة الملك الصالح ليمنع عنه جوار ابن عمه ~~سيف الدين غازي من جهة، واستبداد أمرائه من جهة أخرى، واعتداء الفرنج على بلاده من جهة ~~ثالثة، وقد قاومته قلعة حمص حينا إلى ما بعد حصار حلب ثم ms050 سلمت إليه. ولكن انضم ~~إليه صديقه القديم «جورديك» وكان حاكما على قلعة حماة وسارا معا إلى حلب، وكان ~~الأمراء الذين مع الملك الصالح يفزعون من أن يستولي صلاح الدين على حلب خوفا من أن ~~يكون الملك الصالح في يده دونهم، فقاوموا وجعلوا الملك يستثير حمية أهل حلب للدفاع ~~عنه حتى ساعدوه مستبسلين وخرجوا إلى حرب صلاح الدين، وقد بذل أمراء حلب في ذلك الوقت ~~همة في الدفاع عن أنفسهم لم يكن صلاح الدين يتوقع مثلها منهم؛ فقد كان الأمر أمر ~~حياة أو موت لهم؛ ولهذا أرسلوا باسم الملك الصالح يستنجدون بمن يتوقعون منهم ~~المساعدة؛ لا يبالون بشيء إلا بأن يخلصوا من خطر صلاح الدين؛ فأرسلوا إلى الفرنج يطلبون ~~مساعدتهم، وكان كبيرهم «الكونت ريمون» - حاكم طرابلس - ويسميه العرب القمص ريمند، وكان ~~إذ ذاك أكبر أمراء ملك الفرنج المجذوم «بلدوين الرابع»، وكذلك أرسلوا إلى سنان مقدم ~~طائفة الباطنية الفدائيين الإسماعيلية لكي يرسلوا فتاكهم يغتالون الرجل المخيف الذي ~~قد يعجزون هم وحلفاؤهم عن مقاومته صراحة في ميدان النضال الشريف، وأرسلوا إلى جهة ~~ثالثة غير مؤملين منها مساعدة - وهي الموصل - حيث كان سيف الدين غازي. # فكان صلاح الدين يحاصر المدينة ويقابل دفاع أهلها الشجعان، في حين كان القمص ريمند ~~يتحرك عليه ليأتي إليه من الجنوب فيقطع عليه خط الاتصال مع قاعدة ملكه، وفي الوقت ~~نفسه أرسل رئيس الإسماعيلية جماعة من رجاله فوثبوا بصلاح الدين ولكنهم لم يقدروا أن ~~يصلوا إليه. فرأى صلاح الدين أن قوته أقل من مقابلة كل هذه المقاومة التي ما كان ~~يتوقعها، وخشي من حركة الفرنج في جنوبه فرفع الحصار عن حلب وعاد إلى حمص ليقابل ~~الفرنج، ولكنهم عادوا ولم يخاطروا بمحاربته عندما رأوه يتحرك ضدهم. وأما هو فاغتنم ~~الفرصة لكي لا يجعل من ورائه قلعة تهدد ظهره فاستولى على قلعة حمص التي كانت إلى ذلك ~~الحين تقاوم، واستولى كذلك على بعلبك ثم عاد إلى حلب بعد أن جمع من مصر إمدادا لجيشه، ~~وأعد العدة للنضال والحرب الذي لم يكن في ms051 نيته أول الأمر. # وقد كانت العداوة التي أظهرها أمراء الملك الصالح ومقاومتهم تلك التي استعانوا فيها ~~بالفرنج والإسماعيلية ونزولهم إلى وسائل يأباها النضال الشرعي؛ لقد كان ذلك سببا في أن ~~يقطع صلاح الدين اسم الملك الصالح وأن يعلن في خطبته استقلاله منذ سنة 1175م، وقد خلع ~~عليه الخليفة العباسي ولقبه سلطانا وأصبح له مكان شرعي فوق قوته الفعلية، فلما عاد ~~إلى حلب كما تقدم وجد جنود سيف الدين غازي قد وصلت؛ لأن ذلك الأمير قد تغلب عليه ~~الخوف من صلاح الدين، فبعد أن كان حذرا لا يريد التدخل في أمور الشام رأى أن يساعد ~~الملك الصالح حتى لا يدع ملك صلاح الدين يقوى ويصبح خطرا على استقلاله في الجزيرة، ~~فقابل صلاح الدين جنود الموصل عند «قرون حماة» فهزمهم، ثم عاد إلى حلب فحاصرها حتى ~~اشتد الأمر على من بها، ففاوضوه في الصلح على أن يبقي كل من الجانبين ما في ~~يده من البلاد، وبهذا أصبح ملك صلاح الدين ممتدا من مصر إلى حماة، وجعل ينظم دولته ~~الجديدة فولى على إقطاعها أمراء من أهله وممن يثق بهم. # غير أن الصلح بين الجانبين لم يدم طويلا، وكان نقضه على يد سيف الدين غازي صاحب ~~الموصل؛ إذ عاد بعد عام إلى حلب، وكان صلاح الدين مطمئنا إلى المعاهدة التي أبرمها ~~معه في العام الماضي فأرسل جنوده إلى مصر، وكانت تلك غرة منه لو عرف أعداؤه أن ~~ينتهزوها، ولكنهم - لحسن حظه - تباطئوا، ولعل ذكر النصر الماضي الذي أحرزه صلاح الدين ~~هو سبب ذلك التباطؤ الذي نشأ عن مبالغة أعدائه في الحذر منه؛ فوجد صلاح الدين زمنا ~~كافيا لجمع الجنود والسير إلى أعدائه والراحة بعد جهود السير السريع، وكان لقاء جيش ~~سيف الدين قرب حلب عند «تل السلطان»، وهناك كان اسم صلاح الدين وعدم ثقة جنود سيف الدين ~~بقوادهم سببين داعيين إلى الانهزام بغير مصاف، وهرب سيف الدين عائدا في خوف إلى ~~الموصل تاركا جيشه تحت أخيه عز الدين. وتبع صلاح الدين المنهزمين إلى حلب ms052 وبعث بعوثه ~~إلى الحصون المجاورة مثل منبج وأعزاز ففتحهما، وحدث له في حصار أعزاز حادث يستحق أن ~~يذكر؛ وذلك أن فتاكي الإسماعيلية عادوا مرة أخرى إلى الوثوب به، حتى إن أحدهم وصل ~~إليه بيده وضربه في رأسه بسكين ولولا المغفر لقتله، فأمسك صلاح الدين بيده ولكنه لم ~~يقدر على منعه من الضرب، فكان يضربه في عنقه ضربات ضعيفة لم تؤثر فيه؛ إذ كان عليه ~~الكزاغند يحميه، واستمر الفاتك يحاول التخلص من قبضته ويضربه حتى أدركه بعض أمرائه ~~فقتلوا ذلك الفتاك، فهجم آخر عليه، ثم ثالث، فقتلا دونه ونجا صلاح الدين نجاة ~~عجيبة، ولكنه مع ذاك بقي على حصار قلعة أعزاز حتى فتحها، فأصبحت حلب معزولة وسط أملاكه، ~~ورأى من بها ضعف موقفهم ففاوضوا في الصلح مرة أخرى. ومن العجيب أن صلاح الدين مع ~~انتصاره ومع ما شهده من دناءة أعدائه في التجائهم إلى النذالة في الكيد له ونقضهم العهد ~~معه، نقول: من العجيب أنه قبل مفاوضتهم ولم يشتط عليهم في الشرط، بل ترك لهم حلب ~~ونزل عن أعزاز إكراما لابنة صغيرة لسيده نور الدين، وكانوا أخرجوها إليه فطلبت تلك ~~القلعة التي كاد يهلك في أثناء فتحها، فأجابها إلى ذلك وأضاف هدايا ذات قيمة مراعاة ~~لذكرى أبيها، واتفق الجميع في آخر يوليو سنة 1176م على أن يكونوا يدا واحدة على من ~~ينقض العهد. # ولنترك هذا التصرف بغير تعليق لعله ينبئ بشيء مما كان عليه صلاح الدين، أو لعل فيه ~~ردا بليغا على من يتهمه بقلة الوفاء. ~~(12) موقف صلاح الدين أمام أسرة نور الدين محمود # لا يضير الرجل العظيم أن يذكر له عيب، ومتى كان الإنسان كاملا؟! وهكذا أمر صلاح ~~الدين؛ فليس يضيره أن يقول قائل: قد كان به نقص ولو كان ذلك النقص خلقيا؛ فكثيرا ما ~~يعمد رجال الدولة - ولا سيما رجال السيف - إلى وسائل تأباها الأخلاق ولكن تبررها الحاجة ~~العملية، فيمر عليها التاريخ متساهلا كأنما يهز رأسه مستسلما لطبيعة الأشياء، ولكنا ~~مع ذلك لا نرى من يطعن على صلاح الدين ms053 في موقفه أمام أسرة نور الدين ويتهمه بقلة ~~الوفاء والجحود؛ فإنا نرى الوقائع كلها تدل دلالة لا شك فيها على أن صلاح الدين كان ~~دائما يؤثر أن يخسر شيئا من الدنيا في سبيل الأخلاق والقلب، وما كان هو ممن يتخطون ~~الفضائل في سبيل شيء من الأشياء ولو كان مما يكبر في الأعين. حقا لقد سار صلاح الدين ~~إلى الشام واستولى على دمشق ثم وقف بعد ذلك وحارب جنودا اسمها جنود الملك الصالح ~~إسماعيل بن نور الدين. وهكذا يقول بعض القائلين: لقد كان صلاح الدين رجل طمع في ~~الدنيا فضحى من أجلها بما كان يجب أن يرعى من ذمة في بيت له عليه فضل النعمة ~~والتربية. # لسنا ندري ماذا كان هؤلاء يريدون؟ استولى الملك الصالح اسما، وتنافس على اسمه أمراء ~~أيهم يسود فيستعمل رقية ذلك الاسم في النفوذ إلى غرضه؟ وكان من وراء ذلك التنافس أن ~~أصبحت الدولة الإسلامية واهنة محطمة تمد يدا سفلى إلى أعدائها الفرنج بعد أن كانت ~~تملي عليهم إرادتها أيام نور الدين. وقد كان صلاح الدين شريكا في إقامة تلك الدولة ~~العظيمة، وشهد من نصرها ما كان يجعله يدرك مرارة الموقف الجديد من الخذلان، ثم رأى ~~الأمراء المتنافسين وهم يتهافتون على أشياء لا يقيم هو لها وزنا، وما كان نور الدين ~~العظيم ليرضى عن ابنه ومن استولوا عليه لو أنه شهد ما صنعوا؛ ولهذا نرى أن صلاح الدين ~~كان يخطئ أفحش خطأ لو هو رضي بما وقع ولم يحرك يدا لمنع الصرح المجيد من أن يهوي إلى ~~الأرض محطما. # وكان من حسن حظ دول الإسلام أنه اتبع ما أملاه عليه قلبه العظيم، ولم يخش تهمة يتهمه ~~بها جانب من الجوانب ما دام هو يحس من نفسه شرف ما هو صانع وخلاص نيته في القصد إلى ~~المصلحة. ~~(13) فترة السلام # إذا قلنا: إن صلاح الدين أقبل منذ 1176م/572ه على فترة سلام دام نحو ست سنين إلى سنة ~~1181م/577ه فليس معنى هذا أنه لم يحارب طول تلك المدة؛ إذ إنه ms054 لم يخل عام من حياته من ~~حرب منذ دخل ميدان العمل. وقد كان عصره عصر كفاح مستمر وعصر اضطراب وثوران في داخل ~~النفوس، واضطراب وثوران في العالم الخارجي، وقد كان هو نفسه نتيجة ذلك الاضطراب إلى حد ~~عظيم. وإذن فمعنى أن هذه الفترة كانت فترة سلام ينصرف إلى علاقاته بالدول الإسلامية؛ ~~فإنه يظهر في هذه السنين الست بمظهر المصلح الداخلي الذي يريد أن يقيم دولته على قواعد ~~ثابتة من القوة الحقيقية: قوة الثروة والقانون؛ فكان يتردد بين مصر والشام؛ يصلح من ~~أمر مصر بحسب ما تقتضيه حاجاتها الزراعية، ويحاول أن يحصنها تحصينا يمنع إقليمها ~~السهل أن يكون طعمة للمغيرين، ولم ينس أن طبيعتها تستلزم حكومة موحدة قوية المركز ~~فقلل من الأقطاع فيها، وجعل أمراء الأقطاع الذين فيها لا استقلال لهم ولا تصرف إلى ~~جانب الحكومة المركزية، وجعل يقيم فيها المدارس والمستشفيات وأمثالها من مستلزمات ~~المدنية المستقرة، على حين كان يصلح من أمر بلاد الشام بحسب ما يقتضيه موقعها؛ إذ كان ~~ذلك القطر جبهة الإسلام وميدان النضال بينه وبين القوة المسيحية المغيرة، فكان من ~~الطبيعي له أن تغلب عليه الصفة الحربية، فأقطع بلاده لأمرائه وجعلهم أشباه مستقلين تحت ~~زعامته لا يطمع منهم في أكثر من أن يتبعوه إلى الحرب ويظلوا معه حتى يعطيهم الدستور ~~فيعودوا إلى بلادهم، وكان في كثير من الأحوال يداري هؤلاء الأمراء ويقنع منهم بأن ~~يخضعوا راغبين تحاشيا لكثرة الاحتكاك معهم، وهم قوم قد جرأتهم كثرة الحروب وضراهم ~~النضال المستمر، فلم يكن نضالهم بالهين ولا شوكتهم باللينة. # ولعل انصراف صلاح الدين إلى إصلاح دولته قد جعل جيرانه المسيحيين يشعرون بخفة وطأة ~~الدولة الإسلامية، أو لعل ظروف أوروبا ووجود حركة جديدة بها ترمي إلى تعزيز كلمة المسيح ~~في الشام وتجديد قوة الصليبيين التي حطمها نور الدين، أو لعل كلا السببين عملا معا ~~على أن يتجرأ الصليبيون ويغيروا على ما يليهم من البلاد الإسلامية التي أخذت منهم ~~في مدة السنين الماضية؛ ولهذا تجد أن صلاح الدين في هذه السنوات الست ms055 لم يكن في سلام ~~تام، ولكن أكثر الحروب التي خاضها كانت مع المسيحيين، ولم يكن هو البادئ بها بل كان في ~~أغلبها مدافعا. # على أنه كان بين حين وحين يدخل في نضال هين مع بعض الأمراء المسلمين إما لخروج أمير ~~من أمراء أقطاعه عليه وإما لتمنع جار عن أداء واجب تعهد به . # كان أول عمل اهتم له السلطان - بعد صلح سنة 1176م - محاولته القضاء على ~~الإسماعيلية؛ لتكرر اعتداء فتاكيهم عليه، وكان لهم قلاع بالشام أكبرها «مصيات» فذهب ~~إليها ونهب عسكره منها غنائم كثيرة واكتفى بهذا المقدار ورجع عنهم بشفاعة خاله. # وبعد ذلك بدأت أول حلقة من سلسلة مواقعه مع الفرنج، وكان الحرب بين الطرفين سجالا، ~~ولكن صلاح الدين ابتدأ حروبه بانهزام عظيم سنة 1177م/573ه عند الرملة، وكان ذلك ~~الانهزام نتيجة نقص في الاحتراس وتراخ في النظام عندما كان جيشه يعبر نهرا، وقد ~~قتل في تلك الواقعة جماعة من أهله وأسر غيرهم، وكان من أعز الأسرى عليه الفقيه ~~المحارب عيسى الهكاري صديقه القديم الذي كان له يد كبرى في منع خروج الأمراء عليه عندما ~~تولى الوزارة بعد موت عمه شيركوه، وقد افتداه السلطان بستين ألف دينار، وكانت كسرة ~~الرملة ذات أثر كبير في نفسه، حتى إنه ذكرها لأخيه شمس الدولة تورانشاه في خطاب قال ~~فيه: # ذكرتك والخطي يخطر بيننا # وقد نهلت منا المثقفة السمر # ويقول أيضا: «لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة، ~~وما أنجانا الله إلا لأمر يريده سبحانه.» # وقد أطمعت واقعة الرملة المسيحيين فساروا إلى حماة، وكان صاحبها خال صلاح الدين «شهاب ~~الدين الحارمي»، ولكن حظ الإفرنج كان هذه المرة أقل سعدا فانهزموا بعد أيام أربعة، ~~وساروا إلى قلعة حارم (بقرب حلب) - وهي داخلة في دولة الملك الصالح - فلم يقدروا على ~~أخذها كذلك، وأغاروا على حمص فاكتفوا بنهب ما وصلت إليه أيديهم. # وكان صلاح الدين قد عاد إلى مصر بعد كسرة الرملة ليصلح ما أفسدته تلك الهزيمة، ~~ولم يطل مكثه بها بل عاد إلى الشام، وكانت عودته في الوقت المناسب؛ ms056 لأن الصليبيين ~~كانوا يسيرون بين حلب ودمشق في جرأة لم تعهد منهم منذ نصف قرن. ومنذ عودته إلى الشام ~~رجحت كفة المسلمين فهزموا أعداءهم مرة قرب دمشق سنة 1178م/574ه، وسار صلاح الدين بعد ~~ذلك إلى حصن كان الفرنج بنوه بقرب دمشق واسمه مخاضة الأحزان، وهناك كانت موقعة كبرى ~~سنة 1179م/575ه هزم فيها الفرنج وأسر كثيرا من أبطال الصليبيين مثل مقدم ~~الداوية (رئيس فرقة التمبل أو المعبد) # 3 # ومقدم الاستبارية (رئيس فرقة القديس يوحنا) # 4 # و(هيو) صاحب طبرية. وما زال صلاح الدين بعد ذلك النصر حتى فتح الحصن (مخاضة ~~الأحزان) ودمره وألحقه بالأرض. ومنذ ذلك الحين استمر الرجحان إلى جانب الدولة ~~الإسلامية وأخذ صلاح الدين خطة الهجوم، وكان يده اليمنى في هذه الحروب الأمير عز الدين ~~«فرخشاه» ابن أخيه «شاهنشاه»، وكان بطلا أظهر مقدرة كبرى في موقعة دمشق سنة 1178م ~~وموقعة مخاضة الأحزان سنة 1179م، وقد جعله صلاح الدين أميرا على بعلبك، ومن هناك جعل ~~يهوي على ما جاوره من بلاد الفرنج مثل الكرك سنة 1881م، وكان من أمنع حصون الفرنج ~~وصاحبها البرنس أرناط «رجنالد دي شاتيون» وهو من أشجع أمراء الفرنج كما كان من أقساهم ~~وأكثرهم غدرا. # وكان صلاح الدين في أثناء هذه الحروب غير خالص من المتاعب مع جيرانه المسلمين، ولكن ~~يجب أن نذكر أن الملك الصالح وسيف الدين غازي (الثاني) بقيا على عهدهما إلى أن لحقا ~~بربهما، وسواء أكان برا بالعهد أم خوفا من النضال الذي لا أمل للانتصار فيه فإن ~~صلاح الدين لم يذم جوارهما بعد صلح سنة 1176م، وكان أكبر نضاله مع صاحب قونية وهو ~~«قلج أرسلان»، ولا حاجة بنا أن نقول: إن قلج رأى بعد قليل أن الحكمة في أن ينثني أمام ~~قوة جاره العظيم. ~~(14) أعمال صلاح الدين بمصر بين سنة 1176-1181م/572-577ه # كان صلاح الدين يتردد إلى مصر بين حين وحين عندما يرى يده خالية من أعمال الحرب في ~~الشام وما يليها، وكان ينتهز فرصة وجوده في تلك البلاد لكي يقيم فيها المدنية التي هي ms057 ~~جديرة بها؛ فقد كان يحس أن مصر هي الإقليم الذي يليق للمدنية بحكم ثروته وطبيعة موقعه؛ ~~فإن ذلك الوادي الخصب منعزل عن العالم الخارجي بصحاري تكنفه من الشرق والغرب، وحدوده من ~~الشمال طبيعية لا يسهل على المغير اختراقها لا سيما في تلك الأزمنة، فلا بد أن تكون منه ~~دولة وأن تكون دولة عظيمة إذا وجدت من يسير دفتها تسيير حكيم خبير. وقد أدرك ~~صلاح الدين بعينه الثاقبة وذكائه المتوقد أن عظمة تلك البلاد في الماضي آية على أنها ~~من أصلح أراضي العالم للمدنية لو عرف أهل الحكم فيها كيف يصلون إلى إقامتها من قواعدها ~~الصحيحة. ولكن الحرب عدو للاطمئنان والاستقرار، والمدنية لا تنبت إلا في جو من ~~الطمأنينة التامة؛ ولهذا رأى أن يجنب ذلك القطر شرور الاضطراب بقدر ما تسمح به ~~الظروف، فعمل ما في وسعه لتحصين بلاد الشمال من إغارة الفرنج بعد أن علم من سبقت لهم ~~إغارة عليها أن حربه تكلفهم كثيرا. ثم رأى أن الوقت لائق لتحصين الداخل ببناء ~~القلعة التي سبق له التفكير فيها وبناء سور حول العاصمة يقيها العدو إذا هو هبط ~~إليها. # برج في القلعة. # فبدأ في بناء القلعة بعد عوده من الشام سنة 1176م بعد أن انتهى من الصلح مع الملك ~~الصالح وسيف الدين غازي (الثاني)، وبعد أن فرغ من نهب بلد الإسماعيلية كما تقدم، ~~ولكنه لم يستطع إتمام كل البناء في حياته؛ لأن الحرب لم تلبث أن دعته مرة أخرى إلى ~~ترك ما في يده من الأعمال الوادعة وخوض غمار الدماء بعد سنة 1181م، وسيظل في ميدان ~~القتال بعد ذلك إلى وفاته. # وليست القلعة الحالية التي نراها بالقاهرة هي قلعة صلاح الدين بعينها؛ فقد دخل عليها ~~من التغيير شيء كثير في مدة من جاء بعده من أسرته أولا ثم من دولة المماليك بعد ذلك. ~~والذي تم بناؤه من القلعة في حياة صلاح الدين هو هيكلها وبئر الحلزون الذي حفر في ~~الصخر إلى عمق نحو تسعين مترا، وكذلك السور بين القلعة والقاهرة على ms058 حافة الجبل الشرقي ~~في المكان الذي به (باب الوزير). وأما سائر القلعة فلم يتم إلا في مدة الملك الكامل ابن ~~أخيه بعد نحو ثلاثين سنة من وفاته. وقد أقام صلاح الدين سورا آخر على حافة الصحراء ~~الغربية بالجيزة تحصينا للقاهرة من الغرب، ولكن ذلك العمل كان في مدة متأخرة بعد عام ~~سنة 1181م. وبناء القلعة والسور ليس مثل بناء سور القاهرة القديم ولا مثل السور الذي ~~جدده بدر الجمالي في دولة الفاطميين؛ فإن مباني القاهرة كانت - في الغالب - على النمط ~~البوزنطي منقولة عن مباني القسطنطينية والدولة الرومانية الشرقية. # باب في قلعة صلاح الدين. # وأما مباني قلعة صلاح الدين فكانت على النمط الفرنجي، وليس ذلك بغريب؛ فقد نشأ صلاح ~~الدين في الشام وحارب فيها وعرف أساليب دفاع الفرنج في حصونهم، فكان ذلك النمط أقرب إلى ~~نفسه. ولعله كذلك كان أوفى بغرضه من النمط البوزنطي، وكان يجعل عماله في بناء القلعة ~~جماعات من الأسرى المسيحيين الذين كان يأسرهم في حروبه. # لكن نظر صلاح الدين إلى الإصلاح لم يكن مقصورا على التحصين، بل إنه كان يرى أن أساس ~~عظمة الدولة لا بد أن يكون الشعب فانصرف إلى العناية به. # ولقد كان صلاح الدين بطبعه رجل سلام ومدنية، ولو أنه كان ملكا في غير تلك العصور ~~لكان كالمأمون وأمثاله، ولكنه اضطر - بحكم عصره - أن يجعل حياته للكفاح والنضال؛ ولذلك ~~نجد أعمال السلم قليلة إلى جانب حروبه العظيمة. # فبينما كان يطهر الترع القديمة ويقوي جسور النيل وينظم الضرائب بمساعدة رجال ~~أفاضل مثل القاضي الفاضل والعماد الكاتب كان لا ينسى الوجهة الأدبية؛ فأدخل نظاما ~~جديدا في التعليم لم يكن من قبل موجودا بمصر؛ وذلك هو نظام المدارس. # صورة باب في سور القاهرة على الشكل البوزنطي. # لقد كان من قبل في مصر مدارس كبرى مثل دار الحكمة والأزهر وجامع عمرو، ولكن الأول ~~والثاني كانا خاصين بتعليم أسرار الشيعة والباطنية، فكان التعليم بهما مصبوغا بصبغة ~~الدعوة الفاطمية. وأما جامع عمرو فكان في الواقع مدرسة صغيرة لا تفي بغرض ms059 التعليم ~~العام؛ ولهذا بدأ صلاح الدين بإدخال نظام المدارس العامة التي يسمح فيها بالعلم لكل ~~من شاء، وبدأ في ذلك منذ صار في مصر وزيرا للعاضد الفاطمي. وما زال بعد ذلك يزيد في ~~هذه المدارس حتى صار منها كثير في أنحاء القاهرة مبعثرة من قرافة الإمام الشافعي في ~~الجنوب إلى سوق السلاح في الشمال، ولعل عظمة الأزهر - بصفته مدرسة للعلم - لم تبدأ إلا ~~منذ ذلك الوقت. ولكن لم يكن في تلك المدارس ما سمي باسم صلاح الدين، ولعل ذلك كان ~~ناشئا من خلقه المتواضع، فلا نعرف إلا قليلا من أعماله ما أطلق عليه اسم نفسه ~~قصدا. # على أننا لا نستطيع أن نقول: إن صلاح الدين أدخل التعليم بالمعنى الحديث وإلا كان ذلك ~~إنكارا منا لروح العصر؛ فإن التعليم الدنيوي - أي تعليم الناس كيف يعرفون الحياة ~~ويعملون فيها - لم يكن القصد من المدارس في ذلك الوقت؛ فإن أكبر ما كان يدرس فيها هو ~~القانون أو الشريعة على المذاهب الأربعة. وأما التعليم الصناعي وغير ذلك من فروع العلم ~~المتعلقة بالحياة المادية فلم يكن ذا شأن في تلك المدارس، بل كان متروكا إلى أهل ~~الصناعة أنفسهم، كل طائفة تسير على خطتها فيه، ويتعلم الصغار بالممارسة طريقة الكبار ~~الذين سبقوهم في الصناعة. # وأما التعليم الحربي فكان في داخل الجيش نفسه، وكان كل ما يتعلق بآلاته واستعمالها ~~يتعلمه الأفراد ممن نبغوا في الفن. وكان رجال الجيش كلهم - أو على الأقل جلهم - من ~~الأتراك والأكراد الذين في خدمة الأمراء، فكان التعليم مقصورا على طائفتهم، فيدخل ~~الصغير الخدمة ولا يزال بها يتقلب على أنواع الأعمال ويتعلم أثناء ذلك تدريجا ما ~~يؤهله للجندية، واستمر هذا إلى أن زاد الأمر زيادة كبرى في هذا السبيل عندما صار الجيش ~~من المماليك بعد عصر صلاح الدين وصدر الدولة الأيوبية. # وإذا قلنا: إن التعليم في ذلك العصر كان ناقصا من هذه الجهة فليس معنى ذلك أنه كان ~~ناقصا إذا قسناه بما كان في العالم إذ ذاك؛ فإن الواقع كان غير ذلك؛ لأن ms060 الدولة ~~الإسلامية كانت في ذلك العصر هي الدولة المستنيرة ذات العلم والصناعة والمدنية الموروثة ~~عن القرون الماضية من مدنيات الدول الإسلامية السابقة، في حين كان العالم الغربي ~~لا يزال ناشئا يفتح عينيه لأول أشعة النور الضئيلة. # وكان للإصلاح الذي أدخله صلاح الدين أثر عظيم في مصر بنوع خاص؛ وذلك أن مصر بقيت بعد ~~ذلك دولة محصنة قاومت الهجمات العنيفة التي صدمت العالم الإسلامي بعد ذلك بقليل عند ~~هجوم التتار ذلك السيل الجارف المخرب، واحتفظت مصر لهذا بكنز من العلم الأدبي ودراسة ~~القانون الإسلامي، فلم ينحط مستوى الحياة الأدبية في الشرق عامة وفي مصر خاصة إلى ~~المستوى الذي هبط إليه في القرون الوسطى والعصور المظلمة في أوروبا، بل بقي الشرع ~~عاليا أمام الناس؛ يحفظه كثير من أهل البلاد، وتعلو أصواتهم بالاحتجاج على من يعبث ~~بالناس ويخرق القانون، فقلل ذلك من سوء الحال أيام الاستبداد الذي هوى إليه العالم ~~الإسلامي في القرون التي تلت القرن الثالث عشر. # 5 # ولعل هذا هو السر في أن الشعب الإسلامي - ولا سيما المصري - لم ينحط إلى ~~درك العبودية أو شبه الرق الذي كان فيه شعب أوروبا في عصر جهالته؛ فقد كان من حفظة ~~الشرع من ينشر على الناس أحكام القانون ويعلمهم ما يجب عليهم وما يحق لهم، ومن ~~يرفع منار القانون عاليا أمام الحاكم حتى لا تضل أحكامهم ضلالا بعيدا أو تجرفهم ~~فوضى الحروب إلى الاستهانة بالحريات؛ ولهذا كان الشعب دائما محتفظا بكثير من كرامته ~~وحقوقه. وأما ما نسمعه عن مظالم العصور التي أتت بعد القرن الثالث عشر فكان أكثرها ~~مظالم مالية لا شخصية، وكانت أكثر المظالم الشخصية واقعة على الأمراء والجنود، وهؤلاء ~~منعزلون تمام الانعزال عن الشعب؛ فقد كان الأمراء يوقعون بعضهم ببعض ويخترقون القانون ~~في أثناء نضالهم ويرتكبون الفظائع، ولكن ذلك لم يتعد كثيرا إلى الأهالي الذين كان ~~العلماء على رأسهم حماة للحريات الشخصية، # 6 # واستمر هذا الأثر طول مدة استقلال مصر إلى أن تغير الحال بعد فتح الأتراك ~~العثمانيين لها. ~~(15) استئناف الحروب بالشام ms061 والجزيرة # لم يستطع صلاح الدين أن يبقي على أعمال الإصلاح رغم ميله للسلم؛ فإن الظروف ~~دعته أن يترك العيشة العملية السلمية ويقبض على السيف مرة أخرى؛ فإنه في مدة الفترة ~~التي سبق الكلام عليها في الفقرة السابقة توفي صاحب الموصل سيف الدين غازي (الثاني) ~~أحد المشتركين في صلح سنة 1176م، وتولى بعده أخوه عز الدين؛ إذ لم يكن له إلا ولد صبي ~~صغير، ورأى قواد الدولة أن تولية ذلك الصغير ذات خطر خوفا من أن ينتهز صلاح الدين تلك ~~الفرصة فيضم بلاد الجزيرة والموصل إلى دولته. # ثم مات الملك الصالح أيضا سنة 1181م وأوصى أن ~~تسلم حلب إلى ابن عمه عز الدين نفسه صاحب الموصل حتى لا يتمكن صلاح الدين من أخذها. ~~وهكذا كان بيت عماد الدين زنكي يخشى كل الخشية أن يذهب ملكه إلى صلاح الدين. ومن أجل ~~هذه الخشية كان عز الدين ومن معه من الأمراء يجتهدون في إثارة المصاعب أمام منافسهم ~~القوي حتى لا يفرغ لهم. ولكنهم دلوا بذلك على أنهم لم يفهموا ما انطوت عليه نفس ذلك ~~الرجل. # فإنهم لو سكتوا عنه لكان أغلب الظن أنه يدعهم حيث هم؛ فقد كان يقنع بأن يكون آمنا ~~من ورائه، بل إنه كان يكتفي من فتوحه في البلاد التي يحكمها حاكم مسلم بأن يخضع له ذلك ~~الحاكم فيقره على حكمه ولا ينقص من سلطته شيئا، أما وقد حاول هؤلاء أن يخونوه بإثارة ~~المتاعب أمامه وتحريض أعدائه الفرنج عليه فقد رأى أنه لن يستطيع التفرغ لعمله آمنا ~~إلا بعد أن يأمن ناحية الشمال من قبل حلب والجزيرة، وعلى ذلك نراه ابتدأ - بعد موت ~~الملك الصالح - بأن يضرب الضربة الفاصلة عند حدود دولته الشمالية. # وقد كانت الظروف مساعدة له؛ لأن خلافا نشأ بين عز الدين وبين أخيه عماد الدين زنكي ~~(الثاني) على اقتسام تلك الدولة الشمالية، واستقر بينهما الأمر أخيرا على أن تكون ~~حلب لعماد الدين والموصل والجزيرة لعز الدين، وبهذا كان أمام صلاح الدين قوتان منقسمتان ~~بدل دولة موحدة تقف ms062 في سبيله. # خرج صلاح الدين من القاهرة في مايو سنة 1182م/578ه، وكان ذلك آخر عهده بها؛ فقد بقي ~~في الشام في حربه وجهاده إلى أن مات سنة 1193م/589ه، وقد حدث أثناء وداعه حادث اتفق ~~صدقه؛ فإنه كان مجلس وداع ينتظر اجتماع الجيش ليسير وكان بين الحاضرين معلم لبعض ~~أولاده فأخرج رأسه من الحاضرين كأنه يودع السلطان، وقال البيت المشهور: # تمتع من شميم عرار مجد # فما بعد العشية من عرار # فتطير صلاح الدين منه وتنكد المجلس، وقد صدق ذلك الفأل فلم يعد صلاح الدين بعد ~~ذلك إلى القاهرة حتى مات. # ذهب صلاح الدين إلى الشام وبدأ بإغارات صغيرة على بلاد الفرنج، وحاصر بيروت حصارا ~~قصيرا بمساعدة الأسطول المصري الذي أصبح عند ذلك قوة يعتد بها في حروبه، غير أنه لم ~~يلبث في هذه المناوشات طويلا بل قصد إلى غرضه الأول وهو حرب الجزيرة، فعبر الفرات سنة ~~1182م وساعده جماعة من أمراء عز الدين الموصلي؛ ولهذا تمكن من امتلاك كثير من البلاد ~~بغير حرب أو بحرب يسيرة، وكان عز الدين قد أوعز إلى الفرنج أن يهاجموا دمشق ليفرجوا ~~عنه، إلا أن صلابة صلاح الدين تغلبت، فبقي على حربه وحصر الموصل. على أن مناعة ~~المدينة جعلته يرفع حصارها ويذهب إلى بلاد أقل منها مناعة مثل سنجار، فملكها وبذلك صار ~~له أغلب بلاد الجزيرة وأصبحت الموصل معزولة عن حلب، وصار يستطيع أن يهبط إلى كل منهما ~~على حدة، فالتمس عز الدين مساعدة جيرانه من الأمراء مثل شاه الأرمن (وهو أمير مسلم)، ~~ولكن ذلك لم يجده كثيرا فتفرق عنه حلفاؤه بعد قليل. # واستمر صلاح الدين على تملك البلاد الجزرية وشمال الشام مثل آمد وتل خالد وعينتاب، ~~وكان انتصاره فيها - كما سبق القول - سهلا في أغلب الأحوال؛ لميل الأمراء إلى الانضواء ~~تحت لوائه المنصور وترك جانب عز الدين. # وفي أثناء هذه الانتصارات على أمراء الجزيرة وشمال الشام كانت الأساطيل المصرية في ~~البحر الأبيض والبحر الأحمر تحرز الانتصارات الباهرة على الفرنج حلفاء عز الدين؛ ففي ~~سنة 1182م ms063 انتصر حسام الدين لؤلؤ القائد البحري المصري عند أيلة على رأس خليج العقبة، ~~ثم عند ساحل الجوزاء في شمال الحجاز على جماعة من الفرنج أرسلهم البرنس أرناط «رجنالد ~~دي شاتيون» صاحب الكرك؛ ليوقعوا بالمسلمين الذاهبين إلى الحج، وقد أخذ لؤلؤ جماعة من ~~أسرى الفرنج وأرسلهم إلى «منى» لينحروا بها، فكان ذلك جوابا قاسيا على محاولة ~~أرناط الفتك بالحجاج المسلمين، وكان الأسطول المصري بالبحر يتربص بالفرنج إذا هم ~~قربوا من سواحله، وكان كثيرا ما ينقض على سفنهم فيأسر ويغنم، حتى اضطر المسيحيون ~~إلى عقد هدنة مع صلاح الدين لمدة أربع سنوات تنتهي سنة 1188م/584ه. # وقد توجت انتصارات صلاح الدين أخيرا بملك حلب سنة 1183م وأخذها من عماد الدين ~~زنكي الثاني صاحبها. على أن يعطيه بدلها بعض بلاد الجزيرة، وبذلك أصبح آمنا على حدوده ~~الشمالية، وصار عماد الدين الضعيف حاكما على غرب بلاد الجزيرة - وهي بلاد يسهل عليه ~~فتحها إذا أراد، وأصبحت بلاد عماد الدين مانعا من الاصطدام بينه وبين الأمير القوي ~~الشجاع عز الدين صاحب الموصل. # لم يجد صلاح الدين بعد ذلك صعوبة في أخذ سائر القلاع الشمالية من الشام مثل حارم، ~~وكان يقنع من أصحابها الأمراء المسلمين بالخضوع ويصالحهم على إقرارهم على ما في ~~أيديهم بشرط أن يكون إقطاعا لهم وأن يكونوا هم وعسكرهم معه إذا دعاهم إلى ~~الجهاد. ~~(16) آخر النضال مع الموصل # هل كان صلاح الدين ليقنع بدولته هذه ويرجع إلى مصر ليضع أساس ملك ثابت الأركان؟ أو ~~كان لا بد له من الاستمرار على الحرب إلى نهايته المرة؟ لا حاجة بنا لأن نقف طويلا ~~مترددين عند هذا السؤال؛ فقد كان صلاح الدين وارث دولة نور الدين، وكان عليه عبء ~~الاستمرار على جهاده مع الفرنج، وما كان يقدر أن يخرج على روح العصر وينتحي وادعا ~~مسالما، ولا يزال الخلاف بين الشرق والغرب على أشد ما يكون ولم تخب ثائرته، ولو أنه ~~استطاع ذلك وقعد عن الحرب لاضطر إلى الدفاع عن دولته بعد قليل؛ لأن الفرنج كانوا إذا ~~شعروا بهدوء ms064 في هجوم المسلمين قاموا إلى تحقيق حلمهم القديم وهو تكوين دولة مسيحية ~~عظيمة في أحشاء الشرق الأدنى، فكان صلاح الدين مرغما على أن يحارب؛ ولهذا رأى بعينه ~~الثاقبة أنه لا بد أن يستعد للنضال الذي جعله قصد حياته. # ولم يبق أمام صلاح الدين بعد ذلك إلا خطوة واحدة حتى يصبح سيد كل الدول الإسلامية ~~بالشام والجزيرة؛ فيقدر أن يهوي بتلك القوة العظيمة على الصليبيين فيضربهم الضربة التي ~~كان يستعد لها طول تلك المدة. على أنه لم ينس أن يجس المسيحيين بين حين وآخر، وكان ~~موضع جسه حصن الكرك وفيه ذلك الفارس الشجاع «أرناط». على أنه كان كلما حاصره عرف عجزه ~~عن أخذه مع خوفه من جانب الموصل، وكان موقنا أنه إذا اشتبك مع المسيحيين كان النضال ~~نضال حياة أو موت، فلا يفارق أحد الجانبين عنق الآخر إلا بموت واحد منهما؛ ولهذا آثر أن ~~يبدأ بعلاج البثرة التي في جانبه قبل أن يلج باب النضال الهائل مع أعدائه المسيحيين. ~~وهكذا ذهب إلى ميدان الموصل وقضى فيه ما بين سنة 1185-1186م/581-582ه بين حصار لتلك ~~المدينة وانصراف عنها ثم عودة إليها، وكان جماعة من أمراء الجزيرة يصحبونه، فلما قرب من ~~الموصل أول مرة سنة 1185م أرسل إليه عز الدين يطلب الصلح على يد جماعة من الأمراء، ~~وأرسل معهم والدته وابنة عمه نور الدين محمود؛ سيد صلاح الدين، وغيرهما من النساء ~~النبيلات، وهناك كان كل الناس يعتقدون أن صلاح الدين لا بد أن يجيب طلب هذه الوفود؛ لما ~~كان معروفا عنه من رقة الخلق ولا سيما مع النساء، ولما كان مشهورا عنه من إجلاله ~~لبيت سيده نور الدين. ولكنه هذه المرة لم يعمل بما يوحيه إليه قلبه، بل رأى الأمر أمر ~~دولة يجب ألا يدخل فيه اعتبار العواطف، فجمع أمراءه فأشاروا عليه برفض الرجاء. وهكذا ~~كان، وارتكب صلاح الدين برفض طلب هذه الوفود خطأين: أحدهما خلقي والآخر سياسي، وإذا ~~كان الخطأ الخلقي لا يعني أهل السياسة فإنه على كل حال يعني من يدرس حياة ms065 ~~صلاح الدين الذي لا يكاد المدقق يرى شائبة في خلقه من قسوة أو نقص في المروءة ~~والشهامة. على أنه قد يغفر له الخطأ لو اعتبرنا الظروف التي كانت تحيط به، ورأي كبار ~~أمرائه الذين أكدوا له أن أمر الدولة يجب ألا يدخل في تدبيره ضعف الرحمة أو ~~الحفاظ. # وهكذا استقر الأموأما الخطأ السياسي فذلك أنه رفض الصلح وهو غير عارف تمام المعرفة ~~بحال خصمه، وكثيرا ما يطلب الخصم الصلح وهو قوي حتى يخلص من ويلات الحرب، أو لعل الخصم ~~يتظاهر بحب السلام لكي يضع خصمه أمام الناس موضع المعتدي الظالم فيكسب عطف العالم. وعلى ~~كل حال فقد لقي صلاح الدين جزاء تلك الغلطة سريعا، ويدلنا على حسن رأيه أنه عرف خطأه ~~بعد قليل، فعاد يلوم من أشاروا عليه بسلوك سبيل المخاشنة، وتحمل لوم من لامه ~~وقبح فعله مثل القاضي الفاضل مساعده الكبير بمصر. وقد نجح عز الدين بسلوكه ذلك في ~~استنهاض همم الناس معه، فساعده عامة أهل الموصل وحاربوا مع جنوده مستبسلين؛ ولهذا لم ~~يقدر صلاح الدين على أخذ المدينة، وانصرف عنها مدة قضاها في بلاد الأرمن الإسلامية ~~التي فسد أمرها بعد موت صاحبها «شاه أرمن»، فاستولى على ميافارقين أكبر بلادها ~~وحصونها، وأقر أمراءها عليها بشرط أن يكونوا تبعا له على حسب عادته كلما فتح بلدا ~~إسلاميا، ثم رجع إلى الموصل فاستمر على حصارها، وترددت الرسل بينه وبين عز الدين ~~بالصلح، فقبل أخيرا على أن يكون عز الدين تابعا له ويخطب له على منابر بلاده ويكتب ~~اسمه على السكة وينزل له عن كل ما وراء نهر الزاب من بلاد الجزيرة. # وهكذا استقر الأمر أخيرا بين صلاح الدين وجاره الشجاع عز الدين الذي يمثل البيت ~~المجيد: بيت عماد الدين زنكي، وقد حدثت في أثناء المفاوضة حادثة تستحق أن تذكر؛ وذلك ~~أن صلاح الدين مرض حتى أشرف على الهلاك، وكان ابن عمه محمد بن شيركوه قريبا منه، ~~وكانت له أقطاع حمص والرحبة، فسار إلى حمص وجعل يمهد السبيل إلى تملك الملك لو ms066 مات ~~صلاح الدين، ولكن صلاح الدين عوفي وعرف الخبر، فلم يمض غير قليل حتى مات ابن شيركوه ~~على أثر ليلة شرب فيها كثيرا من الخمر، وتقول ألسنة السوء: إن صلاح الدين دس إليه ~~من قتله بالسم وهو ينادمه. والحق أن المؤرخين يظهرون في هذه القصة كثيرا من ~~الاحتراس فيقولون دائما: «والعهدة على من يقول ذلك»؛ لأنهم شاعرون أن مثل هذا العمل ~~لا يتفق وما عرف عن صلاح الدين من الزهد في الدنيا والتغاضي عن الإساءات؛ فقد كان ~~يعرف من عدوه الغدر ثم إذا رأى نفسه قدر عليه عفا عنه ولم يحرجه، بل لقد كان يحسن ~~إلى عدوه ويتغاضى عن ماضي إساءته، فهل كان مثل هذا الرجل ليسم ابن عمه لأنه سمع عنه ~~خبر عزم على أن يملك البلاد لو مات، ولم يفكر في الخروج عليه ولا إضرام نار ~~ثورة؟! # وهل كان صلاح الدين يخشى أن يجرد ابن عمه من أقطاعه لو صح عنده العزم على عقابه؟! ~~إنه كان على رأس الدولة؛ يطيعه أمراؤه جميعا، ويحبه أهل البلاد والعسكر على السواء، ~~فما كان من العسير عليه أن يعاقب ابن عمه بأية عقوبة لو رآه مستحقا لهذا. ولئن كان ~~خشي من إثارة ثورة بين أمرائه أو بين أفراد أسرته لو أوقع بابن عمه؛ أما كان يخشى أن ~~يثير ثورة أكبر بمثل هذا الغدر وتلك الخيانة؟! على أن صلاح الدين أثبت أقطاع محمد بن ~~شيركوه لابنه الصغير، ولو كان الأمر قد بلغ حد أن يسقي الأب السم لما كان يرعى حقه ~~في ابنه. وقد قال ذلك الابن علنا مرة في حضرة صلاح الدين قولا يفيد أنه يتهمه ~~بالاستيلاء على شيء من ميراثه؛ لأن صلاح الدين كان قد أخذ للدولة أكثر آلاته وخيله ~~وأمواله، ولو كان هناك شك في أن صلاح الدين شريك في قتل أبيه لما كان تردد - وله تلك ~~الصراحة - أن يتهمه بذلك علنا. إن الظنون تذهب في الخطأ بعيدا في العادة، فما بالك ~~وقد اتفق موت الرجل المتهم بعد جنايته فجأة؟ ms067 إنه من الطبيعي أن يظن الناس في الأمر ~~شيئا من الأسرار؛ ولا سيما وقد كان ذلك العصر عصر أسرار خفية كثيرة. # على أن هذه القصة تلوح لنا محض رواية خيالية فيما يتعلق بابن عمه محمد بن شيركوه، ~~ولعل هناك خلطا بين الحوادث؛ فقد ورد ذكر مثلها عن تقي الدين ابن أخي صلاح الدين وكان ~~بمصر؛ وذلك أنه أثناء مرض صلاح الدين جرى من تقي الدين حركات تدل على عزمه على ~~الاستبداد بالملك إذا مات السلطان، فلما عوفي بلغه الأمر فأرسل إليه صديقه الفقيه عيسى ~~الهكاري وكان مطاعا في الجند وأمره بإخراج تقي الدين من مصر، وأرسل في نفس الوقت إلى ~~تقي الدين يدعوه إلى الحضور إلى الشام، فعصى تقي الدين أولا وعزم على الخروج إلى برقة، ~~وكان مملوكه «قراقوش» قد ملكها ولكنه عدل أخيرا وذهب إلى الشام، فأحسن إليه صلاح ~~الدين وأقطعه حماة وبلادا كثيرة غيرها بالشام وأرمينيا، ولم يعاقبه على شيء مما بدر ~~منه، بل إنه «لم يظهر له شيئا مما كان». # فإذا كان هذا سلوكه مع من خالف وحاول العصيان أيكون غدارا قاتلا مع من نوى أن ~~يستقل ولم يتعد عمله النية؟! ~~(17) الجهاد الأعظم (عرض عام) # دانت جميع البلاد لصلاح الدين من آخر حدود النوبة جنوبا وبرقة غربا إلى بلاد الأرمن ~~شمالا وبلاد الجزيرة والموصل شرقا. هذا عدا تفضيل الخليفة له واعترافه بسلطانه، وذلك ~~ليس بالأمر القليل. وقد كان في ذلك مقنع لنفس ذلك الرجل لو كان يريد ملكا ونعمة، ~~ولكنه كان ينظر إلى تلك الدولة نظرة الحارس إلى ما في حراسته لا يرزأ منها إلا مقدار ~~أجره، ويرى أن الملك إنما هو واجب عليه يؤديه بما تقتضي نفسه ويحتم شعوره بالأمانة؛ ~~ولهذا كان أقل الناس تنعما بما في يده من متاع. ولو كان صلاح الدين في غير ذلك ~~العصر الذي وجد فيه لأنشأ مدنية عظيمة في مصر والشام وحواشيهما، ولتنكب ما يعوق ~~التقدم السلمي بما استطاع؛ فقد كان لا يحب سفك الدماء، وكان يكره أن يرى من ms068 يحب سفك ~~الدماء. ومما يذكر في ذلك أن بعض صغار أولاده طلب منه مرة بعض الأسرى ليقتله؛ فلم ~~يرض وزجره، فقيل له في ذلك فقال إنه يخشى على الولد أن يضرى على سفك الدماء وهو لا ~~يميز بعد بين المقام الذي يستلزم القتل وغيره. # وكانت الحرب عنده شرا لا بد منه، وقد اضطر إلى أن يقضي أكثر عمره في حروب ودماء؛ ~~وذلك لأن روح العصر كانت تقضي عليه أن يكون محاربا طول عمره؛ فإن الصليبيين أتوا من ~~وراء البحار - تدفعهم حماسة شبيهة بحماسة الطفولة - إلى فتح بيت المقدس والقضاء على ~~الإسلام، وقد نجحت صدمتهم الأولى في تكوين دولة مسيحية ولكنها لم تكن دولة بالمعنى ~~الصحيح؛ إذ كان أساسها فوق السطح غير راس على شعب في البلاد، بل عماده جماعات تأتي بين ~~حين وحين من وراء البحار من متحمسي الدين. ولكن الحماسة تخبو كما تخبو النار بعد ~~شدتها، ولكل عصر مشاغل وآراء، والمشاغل والآراء تتغير؛ ولهذا بدأت الموجة تضمحل على طول ~~القرن الثاني عشر، وفي أثناء ذلك كان المسلمون يرون أنفسهم أهل بلاد أغار عليهم قوم من ~~الأغراب يريدون سلب بيت يقدسونه هم كما يقدسه أولئك الأغراب، وثارت عزة المسلمين ~~من تذكر هزيمتهم أمام قوم كانوا يرونهم أقل مدنية وأدنى مكانة، وهم الذين تعودوا ~~- في تاريخهم الماضي - أن ينتصروا على سواهم من مسيحيين وغير مسيحيين في أكثر مواقفهم. ~~وكان عصر صلاح الدين لا يزال على هذه العقيدة التي دفعت زنكي ونور الدين إلى الجهاد، ~~فكان محتوما على مثله أن يقود الدولة الإسلامية التي أقامها إلى حيث تحرز انتصارا ~~جديدا. # وكان الوقت ملائما لانتصار صلاح الدين في جهاده أكثر مما كان في مدة من سبقه؛ فإن ~~زنكي كان أميرا صغيرا يحاول صدم قوة المسيحيين في عنفوانها، وكان نور الدين يحارب ~~المسيحيين وهم لا يزالون محتفظين بكثير من قوتهم، وزادوا عليها في النصف الأول من ~~القرن الثاني عشر أن كونوا فرقتي الفرسان الرهبان وهما الداوية (فرقة المعبد أو ~~التمبل) والاسبتارية (فرقة الهسبتاليين أو ms069 القديس يوحنا). وكان فرسان هاتين الفرقتين من ~~أكثر المحاربين شجاعة في الحرب وحماسة للدين؛ ولهذا كانوا شديدي الوطأة في حروب ~~المسلمين. # فلما أتى عصر صلاح الدين في أواخر القرن الثاني عشر كان المسيحيون قد أنهكهم طول ~~الحرب مع المسلمين نحو نصف قرن أو يزيد، وكان من يأتي من وراء البحار - لإمداد ~~الصليبيين بالشام - لا يعوض من يفقد منهم، أو على الأقل لم يكن الجديد مثل القديم ~~نجدة ودربة. وزيادة على ذلك قد دب الفساد في داخل الحكم وأصبح ملك بيت المقدس مثل ~~أي ملك آخر إذا تقادم العهد على من بنوه؛ تتنازعه الدسائس والأغراض، وكانت بقية بيت ~~الملك في أيام صلاح الدين الأخيرة محصورة في «بلدوين الرابع» أولا و«بلدوين الخامس» ~~ثانيا، وكان الأول مصابا بداء الجذام ضعيفا لا يستطيع شيئا، وكان الثاني في يد ~~أم لم يشهد التاريخ كثيرا مثلها غلظة ولا دناءة. وتشاحن الأمراء على الوصاية، وكان ~~أجدر هؤلاء الأمراء وأشجعهم «ريمون» صاحب طرابلس، إلا أنه بعد وصايته مدة عزل ~~وتولى بعده رجل أحبته الملكة أم بلدوين الخامس، واسمه عند العرب «كي» وهو «جي دي ~~لوسنيان»، ولم يلبث الطفل بلدوين أن مات ويقال: إن أمه قتلته. # ومن ذلك الوقت بدأ التنافس يتخذ شكلا جديدا؛ فإن «كي» كان من أجمل الناس ظاهرا ~~وأدنئهم حقيقة، حتى إن أخاه قال مرة: «إذا كان هذا ملكا فما أجدرني أن أكون إلها!» ~~وكان من الطبيعي أن كبار الأمراء بالشام يحقدون عليه، وأكبرهم «ريمون» الطرابلسي. ~~والحقد يدفع إلى شيء كثير، حتى إلى الخيانة؛ ولهذا يلوح لنا أن ريمون بدأ يراسل ~~المسلمين وكانت له يد في انهزام المسيحيين. # إلى جانب ريمون كان أرناط «رجنالد أو أرنولد دي شاتيون» صاحب الكرك، وهو رجل من أشجع ~~فرسان المسيحيين ولكنه كان غرا متهورا غدارا؛ فإذا كانت خيانة ريمون ساعدت ~~المسلمين بتوطئة سبيل النصر لهم فإن غدر أرناط وتهوره قد ساعدا صلاح الدين؛ إذ جعلا ~~الحق إلى جانبه، وقديما كان الحق قوة للمعتدى عليه ولو بعد حين. ~~(18) اتقاد النيران (موقعة ms070 حطين) # إذا كان صلاح الدين قد فرغ من مشاغل دولته ودانت له الإمارات الإسلامية جميعا، فجمع ~~كل تلك القوة الهائلة بين يديه واستعد ليقذف بها الصليبيين فيرميهم وراء البحر الذي ~~أتوا منه؛ فإن الصليبيين في الناحية الأخرى كانوا على قلق كبير يريدون أن يقوضوا ذلك ~~البناء المخيف الذي علا إلى جانبهم يهدد وجودهم بالشام، وكان جماعة من أمرائهم يدفعهم ~~الخطر الداهم إلى الاستبسال والاستماتة في النضال، وكان من هؤلاء: البرنس أرناط صاحب ~~الكرك. # وإلى جانب أرناط كان فرسان الداوية والاسبتارية يتحرقون شوقا إلى لقاء المسلمين ~~لعلهم يستطيعون بهجماتهم العنيفة صدع دولة صلاح الدين، فكان بذلك المسلمون والمسيحيون ~~على السواء متحفزين للوثوب بحماسة متشابهة، وكان ما بينهما جو من التحدي مملوء ~~بالمادة الملتهبة تنتظر أول شرارة؛ ليندلع لهيبها فيلتهم كل شيء، ولنذكر أن هدنة سنة ~~1184م التي كان أجلها إلى سنة 1188م كانت لا تزال قائمة في سنة 1187م. # لم يكن أرناط حديث عهد بعداوة المسلمين؛ فقد كانت جنوده تهوي على الحاج والتاجر، ~~وأساطيله تسير في البحر الأحمر تلتمس الفريسة الإسلامية، ولكنا رأينا أنه لم يجد في ~~تصيده إلا ما لا يصاد من ذي شوكة حادة أو ناب قاطع، وكأن هدنة سنة 1184م طالت به ~~فدفعه تهوره إلى خرقها، وكان صلاح الدين لا ينتظر إلا ذلك الغدر منه ليبدأ بجهاده الذي ~~استعد له. # سارت قافلة قيل إن فيها ابنة السلطان وشيئا كثيرا من المال، وكانت القوافل تجتاز ~~بقلعته غير خائفة، واثقة من العهد الذي بينه وبين السلطان. فأهوى أرناط إلى تلك القافلة ~~وغنم منها وقتل وأسر، فلما بلغ خبر ذلك إلى صلاح الدين ثار ثورة مشروعة ولم ~~يرضه أرناط كما كان ينبغي، فنذر السلطان أن يقتله بيده لو ظفر به، وكانت تلك الحادثة ~~هي الشرارة أشعلت نار الحرب التي لن تنتهي إلا بعد ست سنوات؛ كانت أعلام صلاح الدين ~~تخفق بعدها على القدس وجميع بلاد الشام إلا بضعة بلاد على الساحل. # أرسل صلاح الدين يجمع الجيوش في ربيع سنة 1187م، وجعل ms071 مركز القيادة العليا دمشق، ~~فأتته الجنود من أطراف دولته وكان أول بعوثه اثنين؛ جعل أحدهما إلى الكرك بقيادته هو ~~للانتقام ومنع أرناط من مهاجمة الحاج والوقوف في سبيل العسكر المصري القادم إليه، ~~وأرسل الآخر إلى عكا لكي يشغل الداوية والاسبتارية عن مساعدة الكرك، وقد نجح في إحراز ~~غرضه من هذين البعثين نجاحا تاما، ومما يجدر بالذكر أن ريمون لم يتحرك أثناء هذا ~~للمساعدة. # فلما تكامل الجيش الإسلامي في الصيف كان أمام صلاح الدين خطتان: الأولى أن يقف أمام ~~الصليبيين في معركة فاصلة. والثانية أن يتابع الخطة القديمة من إغارات متكررة ونهب ~~وسبي بغير معركة فاصلة حتى يضعف أعداؤه أولا ثم يضرب الضربة القاضية أخيرا، ~~ولكنه فضل الخطة الأولى، ولعل أكبر ما دفعه إلى اختيارها شدة حماسته؛ فقد قال مرة: ~~«إن الأمور لا تجري بحكم الإنسان، ولا نعلم قدر الباقي من أعمارنا، ولا ينبغي أن نفرق ~~هذا الجمع إلا بعد الجد بالجهاد.» # وهكذا سار إلى طبرية في يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الآخر سنة 583ه الموافق 4 ~~يوليو سنة 1187م، وكان يتخير لغزواته أيام الجمعة؛ «لتقع حروبه في وقت تكثر فيه ~~الدعوات والصلوات»، ثم خلف طبرية وراء ظهره وسار إلى غربها عندما علم أن الجموع ~~الصليبية جاءت ووقفت له عند جبل طبرية من جهة الغرب. ولكن الصليبيين لم يبرزوا له ~~وتحصنوا في مواقفهم، فأراد أن يحرضهم على لقائه فجعل يهبط إلى طبرية فيخرب فيها ~~ويغنم ويحرق. وكان قصده من مهاجمة المدينة أن ينفر الجيش الصليبي لمساعدتها فيخرج من ~~أماكنه فيلقاه صلاح الدين في ميدان مفتوح، وقد نجح في ذلك نجاحا تاما؛ فإن الصليبيين ~~تحركوا لنجدة طبرية، فعاد صلاح الدين مسرعا عنها وجعل جيشه على الماء، وأفنى ما ~~أمامه من ماء الصهاريج، وكان الوقت قيظ الصيف، فلما أقبل المسيحيون لم يقدروا على بلوغ ~~الماء الذي وراء المسلمين ولم يجدوا في الصهاريج التي دونهم ماء، فكانوا يحاربون على ~~شدة الجهد من العطش والحر، ولم يستطيعوا الرجوع إلى حيث كانوا خوفا من جيش ms072 المسلمين، ~~فكان هذا انتصارا لصلاح الدين قبل أن يضرب ضربة واحدة، وعلت نفس جنود المسلمين ~~ووثقوا بالنصر قبل اللقاء، فباتوا الليلة في تكبير وتهليل بينما كان قائدهم المدرب ~~الذكي الحذر يراقب نظام جيشه ويوقف كل جماعة في مكانها استعدادا للمصاف في ~~الغد. # وحاول المسيحيون في اليوم التالي بلوغ الماء كلفهم ذلك ما كلفهم، فمنعهم صلاح الدين ~~من ذلك إذ أدرك قصدهم، وجعل يدور بهم حتى حصرهم حصرا تاما، ولم يتمكن أحد من ~~الخروج من تلك الدائرة إلا «القمص ريمون» في جماعة قليلة، وكان خروجهم من دائرة الحصار ~~مكيدة دبرها ابن أخي صلاح الدين؛ وذلك أنه رأى أن قتال «ريمون» وجنوده قتال المستميت، ~~فأفسح لهم حتى أخرجهم من الدائرة، فخرجوا وهم يحسبون ذلك نصرا، ثم ما لبثت دائرة ~~الحصار بعد ذلك أن التأمت فلم يجد ريمون أمامه غير ترك الميدان والذهاب عن الحرب ~~جملة، وضعفت صفوف الصليبيين بذلك النقص في صفوف المحاربين. # وبدأت منذ ذلك الحين الهزيمة، غير أن المحصورين احتلوا تلا عند حطين وتحصنوا به ~~مع ملكهم «كي» وأبلوا بلاء عظيما في الدفاع عن أنفسهم، وكان المسلمون يكرون عليهم ~~بين حين وآخر فتعود الجنود منحدرة عن التل وهي تحمل من الأسرى والأسلاب شيئا كثيرا، ~~وكان من بين ما غنموه صليب الصلبوت. وكان السلطان يبعث ما في نفسه من حماسة وثبات إلى ~~قلوب المحاربين، فكانوا - تحت عينيه - يأتون بالعجائب من أعمال الشجاعة والإقدام؛ ومثل ~~ذلك أن واحدا من صغار مماليكه أخذته الحماسة عند رؤية سيده وقائده - وهو صبي لم يبلغ ~~حد الرجولة - فحمل حملة منكرة على الفرنج وهو وحده فأوقع فيهم، حتى تكاثروا عليه ~~وقتلوه، فلما رآه المسلمون يفعل ذلك أخذتهم الحفيظة لقتله وثاروا ثورة فصدموا جيش ~~الفرنج صدمة زعزعته. وبعد استمرار الهجمات العنيفة حينا هوت خيمة الملك بعد كرات ~~ثلاث واستأسر من بقي من الفرسان، وكان النصر تاما لصلاح الدين وجنده، وسجد شكرا ~~لله وبكى من السرور. وكان بين الأسرى الكثيرين في هذه الموقعة الملك «كي» والبرنس ~~«أرناط». ~~«وكان من ms073 يرى الأسرى لكثرتهم لا يظن هناك قتلى، فإذا رأى القتلى حسب أنه لم يكن ~~هناك أسرى.» # وقد أكرم صلاح الدين الملك وقدم إليه ماء مثلجا بعدما وجد من جهد العطش والدفاع، ~~فشرب الملك وأعطى فضلة للبرنس أرناط، فقال صلاح الدين عند ذلك: «إن هذا لم يشرب الماء ~~بإذني.» يريد أنه لم يصر آمنا من عقابه. وكان إكرامه للملك لا يعادله شيء إلا تقريعه ~~للأمير الذي أثار تلك النيران وهو «أرناط» الغادر؛ فقال له: «ها أنا أنتصر لمحمد.» وكان ~~ذلك ردا على سب «أرناط» لمحمد ودينه فيما سبق. ثم عرض عليه الإسلام فكان ذلك سخرا ~~بليغا، ولكن الرجل أبى؛ فسل صلاح الدين النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه ~~من حضر، وبذلك أوفى بنذره الذي سبق أن نذره إذا هو ظفر بعدوه أن يقتله بيده عقابا ~~لما قدم من نقض العهد. وقد اشتد خوف الملك عند ذلك وعظم اضطرابه فأمنه صلاح ~~الدين وسكن جأشه قائلا: «لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه ~~تجاوز حده فجرى ما جرى.» يشير بذلك إلى أرناط. وأما ريمون صاحب طرابلس فقد عاد بعد ~~انهزامه من الموقعة إلى صور ثم إلى طرابلس حيث مات بعد أيام قلائل. ~~(19) توالي الفتوح بعد انتصار حطين (فتح القدس) # بعد موقعة حطين - التي دامت يومين - لم يبق صلاح الدين في مكانه، بل هبط إلى ~~طبرية في اليوم الثالث، وهناك سلمت له القلعة، وفي أثناء ذلك كان يبعث بمن يريد ~~الإبقاء عليهم من الأسرى إلى دمشق ويفتك بمن يريد الفتك بهم، وكانت يده شديدة على طوائف ~~الفرسان الرهبان «الداوية والاسبتارية»؛ وذلك لما كانوا يبذلون من نفوسهم في سبيل نصر ~~المسيح بشدة تدعمها حماسة عظيمة وإيمان قوي في عقيدتهم. ولم يلبث صلاح الدين طويلا عند ~~طبرية بل سار إلى الغرب نحو عكا فلم يبق أمامها إلا قليلا حتى سلمت. وهكذا كان ~~انتصار حطين يسبق صلاح الدين إلى المدن فتسلم واحدة فواحدة وهي قوية على ~~المقاومة. ومما يسترعي النظر أن صلاح الدين ms074 أعطى كل ما للداوية في عكا لرجل من أصحابه ~~كان على طريقة الفرسان المحاربين إذ كان فقيها محاربا، وذلك هو الفقيه عيسى الهكاري ~~صديقه القديم. وكانت غنائم عكا عظيمة أفادت جنود صلاح الدين، ولو أن السلطان نفسه لم ~~يرزأ منها شيئا؛ دأبه في ما كان يغنمه في انتصاراته دائما. # وبعد أخذ عكا اندفع تيار النصر بإزاء الساحل، فأخذ المسلمون كثيرا من مدنها من يافا ~~إلى ما بعد بيروت، واجتمعت فلول الجيوش الصليبية وجند الحصون الساحلية جميعها إلى صور، ~~وهناك تحصنوا ووقفوا على أقدامهم مرة ثانية بعد أن جرفهم سيل الهزيمة، وأتى إليهم ~~أمداد من وراء البحر بقيادة من يسميه العرب «المركيش» وهو «كنراد دي منتفرات» فقوى ~~ذلك عزمهم على الدفاع. # وكان صلاح الدين قد عقد النية على أخذ عاصمة الصليبيين «بيت المقدس»، فبعد أن رأى ~~ألوية النصر تخفق له على السواحل ورأى الثغور تتفتح لجيوشه بلا مقاومة، غير مدينة صور ~~التي بدأت تتحصن وتتجهز؛ سار إلى قلب فلسطين، وأخذ كل ما كان بين بيت المقدس والساحل ~~من حصون الداوية وأوقف على البحر رجلا من كبار قواده على رأس أسطول؛ لكي يمنع إتيان ~~الفرنج إلى الساحل قبالة القدس، وذلك القائد البحري هو حسام الدين لؤلؤ المعروف ~~بالشجاعة ويمن النقيبة. فلما أمن هذه الناحية من البحر ألقى الحصار على العاصمة وعرض ~~على أهلها الصلح على أن يسلموا إليه المدينة نظير تعويضهم أرضا يزرعونها، ولكنهم ~~أبوا ذلك، فاستعد لأخذ المدينة عنوة، وجعل يلتمس في أسوارها نقطة ضعف يهاجمها حتى ~~وجدها بعد فحص دقيق قضى فيه خمسة أيام؛ وكانت نقطة الضعف التي اختارها جهة الشمال عند ~~المكان المعروف بباب كنيسة صهيون، وكانت الجموع في بيت المقدس كبيرة والحماسة للدفاع ~~ثائرة، فآثر صلاح الدين الاستعداد بما معه من قوة لأخذ المدينة سريعا قبل أن يفيق ~~عدوه من الضربات التي توالت عليه منذ وقعة حطين وقبل أن يأتي إمداد متوقع من ~~وراء البحر، فنصب المنجنيقات ونظم الرماة، فوصلت جنوده إلى الأسوار ونقبوا فيها ثغرات، ~~وكانوا يظهرون ms075 في هجومهم من البسالة ما لا يعادله شيء غير بسالة المحصورين أنفسهم؛ ~~إذ كانوا يخرجون كل يوم على خيلهم يقاتلون مستبسلين. وكان الأمراء في جيشي المسلمين ~~والفرنج سواء في الإقدام يحاربون في أول الصفوف ويبعثون في الناس الحماسة بمثلهم ~~الحسن. وكان مقتل أحد الأمراء يدعو دائما إلى ثورة في نفوس الجند يتردد لها صدى ~~قوي في اشتداد لهيب الحرب، غير أن ذلك التصادم لم يدم أكثر من أسبوع واحد، ورأى ~~المحصورون أن لا أمل لهم في النجاة؛ فأرسلوا إلى صلاح الدين يفاوضونه في شروط التسليم، ~~فتمنع أولا وقال إنه لن يرضى بغير أخذ المدينة عنوة ليفعل بالفرنج نظير ما فعلوه ~~بالمسلمين يوم أن استولوا على القدس منذ نحو قرن، ولكنه عاد فرضي بالصلح بعد أخذ ورد ~~طويلين، واتفق على شروط التسليم؛ وأكبرها: أن يدفع المسيحيون ضريبة عشرة دنانير عن ~~الرجل وخمسة عن المرأة واثنين عن الطفل، فمن أدى ذلك في مدة أربعين يوما خرج ونجا، ~~ومن لم يؤده صار أسيرا مملوكا. على أنه سمح لليونان وأهل الشام من المسيحيين أن ~~يبقوا حيث هم بين رعاياه، وكذلك أباح للفرنج أن يقيموا في فلسطين إذا شاءوا، وبدأ تسليم ~~المدينة وخروج من يريد منها في أكتوبر سنة 1187م. على أن صلاح الدين لم يصب مالا ~~كثيرا من وراء فداء أسرى بيت المقدس؛ فقد ذهب أكثره لأمراء الجند الذين وقفوا على ~~الأبواب يراقبون دفع الضريبة ممن يخرج. وقد أطلق صلاح الدين عددا كبيرا من أهل ~~المدينة بغير فداء، ومن على نحو ثمانية عشر ألف رجل نظير ثلاثين ألف دينار وزنها ~~عنهم أمير من أمراء المسيحيين، وبقي بعد ذلك عدد عظيم لا يستطيع أن يعطي شيئا وكانوا ~~نحو ستة عشر ألفا، فتسامح صلاح الدين تسامحا كبيرا في أمرهم، وكان كثير العفو عن ~~نساء الفرنج وشيوخهم وأطفالهم خاصة، فأطلق لملكة بيت المقدس مالها وحشمها لم ينل من ~~ذلك شيئا، وكذلك فعل بغيرها من كبيرات الفرنج ومن بينهن امرأة «أرناط» نفسه، وأكرم ~~رجال الدين فخرج كبيرهم مع ms076 أمواله وتحف الكنائس وكنوز ذات قيمة عظيمة، فلم يرض أن ~~يتعرض له بل أخذ منه العشرة الدنانير المفروضة، وسير مع الجميع من يحميهم إلى ~~مدينة صور. # وقد بلغ عدد من دفع عنهم صلاح الدين الفداء نحو عشرة آلاف نفس عدا من أطلقهم أخوه ~~سيف الدين الكريم، ورأى جماعة من المسيحيين وهم خارجون يحملون على أكتافهم من يعجز ~~عن السير لسنه أو ضعفه؛ ففرق فيهم مقدارا عظيما من المال، وحمل بعضهم على دواب من ~~عنده. وقد أظهر صلاح الدين من التكرم ورقة القلب في هذا الفتح ما يجعلنا نرى حقيقة ~~نفسه واضحة، فإنه أبى أن يغدر بأحد من فرنج بيت المقدس ولو عظم الداعي إلى الغدر، وكان ~~لا يعميه تعصب للإسلام عن الرحمة بمن كانوا في صفوف أعدائه، بل كان يرحم المتألم ~~وتأخذه الشفقة بالضعيف من امرأة أو طفل تجمعه به روابط الإنسانية. # ولهذا يظهر لنا في ذلك الموقف بطلا ينصر جانبا مظلوما على من اعتدى عليه، ولم يكن ~~بالقائد الأعمى المندفع إلى القتل والعداوة بغريزة القسوة والحقد، فكان في ذلك نقيضا ~~واضحا لما كان عليه الصليبيون عند فتح بيت المقدس سنة 1097م. # وبعد أن انتهى خروج من أراد الخروج من المدينة دخل بجيشه إليها منصورا، وكان ذلك ~~يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة 582ه، وجعل يصلح ما أفسده الحرب والحصار، ~~وبدأ فيها الإصلاح بأنواعه؛ فأعاد الأبنية إلى أصلها بعد أن كان الصليبيون حوروا فيها ~~بحسب أذواقهم وحاجات تعبدهم، وأقبل على المسجد الأقصى فأرجعه إلى حاله الأولى وجعل ~~فيه منبرا كان قد أعده نور الدين محمود بعناية كبرى لينصب بالبيت المقدس إذا ~~فتحه، «فكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة»، ثم جعل يحسن المسجد وينمق ~~فيه بأنواع النقوش والفرش بالرخام الثمين والتمويه بالذهب، ثم أقبل على الإصلاح ~~الاجتماعي جاعلا المدارس محل الأساس من البناء سيرا على سنته التي اتبعها في مصر، ~~وبعد أن قضى زمنا يسيرا في الأعمال السلمية والإصلاح ذهب إلى إتمام عمله في الحرب ~~فقصد ms077 إلى صور. ~~(20) حصار صور ورفعه وفتوح سنة 1188م/584ه # كانت صور حصينة بموضعها، وزادها منعة ما قام به المركيش «كنراد» من حفر الخندق ~~حولها حتى أصبحت كالجزيرة، وكانت مثل الكف أو الرأس بارزة في البحر ويصلها بالساحل طريق ~~كالعنق أو كالساعد، وكانت الحرب عند ذلك العنق المتصل بالساحل من أشق الأمور على ~~المسلمين؛ إذ كانت الجنود تحاربهم من المدينة أمامهم والسفن تحاربهم من البحر من جانبي ~~العنق، فرأى صلاح الدين أنه لا يستطيع أخذ المدينة إلا بمساعدة الأسطول، فأرسل إلى ~~أسطوله المصري لذلك الغرض، ولكن قلة عدد السفن التي أتت مكنت الصليبيين من هزيمة ~~المهاجمين، وبذلك رأى صلاح الدين أن يترك حصارها، وكان هذا الخذلان مشددا لعزائم ~~الفرنج بعد انهزامهم الكبير عقب حطين. وقد قضى الشتاء من عام 1187م في راحة من ~~الحرب، فلما بدأ الربيع من عام سنة 1188م كان عليه أن يعود إلى الحرب وقد تنفس عدوه ~~راحة مدة طويلة. # وفي أوائل سنة 1188م/584ه قام ببعض غزوات انتصر فيها انتصارات صغيرة، وكانت نتيجتها ~~زيادة تمكنه من الساحل ودخوله إلى الإقليم التابع لأنطاكية، وكذلك زيادة تمكنه من ~~الإقليم الواقع بين بيت المقدس والبحر، وكان لا يزال به بقايا حصون الداوية والاسبتارية ~~أبطال الصليبيين. وقد انتهى حرب أول سنة 1188م بهدنة مع أمير أنطاكية «بوهمند» وهو أكبر ~~الأمراء الباقين من دولة الصليبيين. وكان شرط الهدنة لمدة ثمانية شهور نظير أن يطلق ~~بوهمند من عنده من الأسرى. وكان غرض «بوهمند» أن تأتي إليه بعد تلك الفترة مساعدة من ~~أوروبا كما كان غرض صلاح الدين التفرغ للميدان الجنوبي، فذهب توا إليه لمساعدة ~~الجيوش المحاصرة لقلاعه وفتح أكبر ما بقي من تلك القلاع؛ وهي الكرك والشوبك وصفد ~~وكوكب. وكان صلاح الدين كلما فتح بلدا من تلك البلاد تسليما بغير حرب أذن لأصحابها ~~بالرحيل عنها، وكانوا جميعا يختارون مدينة صور، وقد لام كثيرون تلك السياسة وقالوا ~~إنها كانت غلطة من صلاح الدين وقصرا في النظر؛ إذ مهد السبيل إلى جمع عدد عظيم من ~~المحاربين في ms078 مدينة صور، وبذلك خلق لنفسه قلعة حصينة معادية له على الساحل تستطيع ~~مقاومته بمن رحل إليها، ولكنا يجب ألا ننسى أنه عندما أوسع صدره لكل من يسلم وأباح ~~ذهاب من أحب إلى صور، قد شجع أعداءه على التسليم بغير حرب وقلل بذلك من ضحايا ~~القتال. # وكذلك يجب ألا ننسى أنه كسب بسياسته شيئا كبيرا وهو تطهير الداخل من أعدائه وحشدهم ~~جميعا في جهة واحدة على الساحل، والحصون الداخلة في البلاد - لا شك - أشد خطرا لو ~~بقيت على المقاومة من حصون الساحل؛ لأن الأولى تتخلل دولته وتهدد كل حركاته. وأما ~~حصون الساحل فيمكن الوقوف دونها ومنع من فيها من ولوج البلاد مع شيء من المراقبة ~~الدقيقة، ولا يستطيع قوم البقاء في الساحل إلا مع استمرار الأمداد وتوالي النجدات من ~~الخارج، وهذا أمر لا يمكن بقاؤه إلى الأبد؛ إذ إن حماسة القوم لا بد تخبو متى أدركوا أن ~~موقفهم غير طبيعي ولا ينتظر منه نجاح. فكأنه كان واثقا أن دفاع صور لن يدوم، بل لا بد ~~من سقوطها متى طال عليها الزمن وانقطع عنها ما يكفيها من الأقوات والأمداد من الخارج، ~~ولعل هذا يبرر خطته التي يلوح على ظاهرها أنها كانت غير سديدة. ~~(21) الحملة الصليبية الثالثة # لقد مر نحو قرن على الهزة العظيمة التي اهتزتها أوروبا أيام البابا «أربانوس ~~الثاني»، وذهبت أجيال من الناس بعد من سمعوا خطابات الناسك بطرس يستفز إلى تخليص بيت ~~المقدس من المسلمين ونصرة الصليب. وقد أتى ذلك القرن الذي مر منذ تلك الأيام بتغير ~~عظيم في أوروبا، فكانت الحياة الجديدة تتمشى في شعوبها، وكانت فوضى نظام الإقطاع تكاد ~~تنجلي غبرتها عن حكومات جديدة، وكانت عقول أهلها تستقبل العلم القديم الذي اندثر ~~ودفن قرونا عدة وهي تحسبه شيئا جديدا، فأخذت تتذوق لذته. ولكن مع كل هذا ~~التغيير بقي في أوروبا شيء كبير من الدافع الأول إلى نصرة الدين، ونشأت منه حملة جديدة ~~وهي المعروفة بالحملة الصليبية الثالثة. وإنا لنلمح فيها أثر التغير الذي طرأ على ~~أوروبا، ولو أن ms079 الظواهر كلها تخدع وتفهم الناظر السطحي أن هزة أوروبا في أواخر القرن ~~الثاني عشر هي نفسها الهزة التي اهتزتها من قبل في أواخر القرن الحادي عشر. # ما كانت تنقضي سنة من القرن الثاني عشر منذ سنة 1100م بغير أن ترد إلى الشام وفود ~~من الحجاج المتحمسين بعضهم رجل مسن أو امرأة عجوز أو طفل صغير، وبعضهم شاب أو كهل يلتهب ~~شوقا أن يجد الشهادة في البلاد الطاهرة وهو يقتل المسلمين، غير أن تلك الوفود ما كانت ~~في العادة تأتي للحرب قصدا، بل كانت إذا وجدت حربا اشترك من يقدر من رجالها وشبانها ~~فيها ، وكانت الحروب لا تفتر سنة واحدة لا سيما بعد أن نبغ عماد الدين زنكي أتابك ~~الموصل، وبدأ سيرة جهاد طويل استمر فيه ابنه نور الدين محمود وتلقى من بعدهما سيف ~~الجهاد صلاح الدين. # غير أن بعض الحوادث كانت تثير في أوروبا حماسة فوق المعتادة؛ فعند أخذ الشهيد عماد ~~الدين مدينة «الرها» ثارت في أوروبا ثورة أججها بعض نوابغ رجال الدين مثل القديس ~~«سان برنار»، وكانت نتيجتها حملة عظيمة يعدها التاريخ (الحملة الثانية) متجاهلا ما ~~كان بين الحملة الأولى وبينها من وفود الحجاج والأمداد العسكرية التي كانت - كما ~~قدمنا - تفد بين حين وحين إلى الشام. وكذلك ما حدث في أواخر القرن الثاني عشر؛ فقد ~~كانت الجنود تتوالى في مجيئها إلى الشام نصرة لجنود المسيح بالشام أو للإغارة على مصر ~~بعد أن أصبحت قاعدة دولة صلاح الدين، ولكن التاريخ لا يسمي هذه الحملات والأمداد بل ~~يمر بها لا يعدها. # فلما سقط بيت المقدس في يد صلاح الدين بعد وقعة حطين وما تلا ذلك من الانتصار على ~~الساحل وفي الداخل؛ قامت قيامة من عويل واستصراخ في أوروبا، وأجج رجال الدين النيران، ~~كما كانت العادة دائما؛ إذ كانوا أكثر الناس تحمسا للحرب وتخليص بيت المقدس من ~~أعداء المسيح، وبالغوا في استنهاض الهمم وإثارة النفوس حتى غضب للدين مئات الآلاف وقام ~~على رأسهم أمراء وملوك، وكانت على أثر هذا حرب عظيمة يسميها ms080 التاريخ الحرب الثالثة. ~~ويحسن بنا أن نمر مرا سريعا على ذكر الوفود الكثيرة التي بادرت للنجدة آتية من ~~بلاد مختلفة من بلاد البحر الأبيض المتوسط في الجنوب إلى بلاد الدانمارك والفلندر في ~~شمال أوروبا. # ولكن لا بد لنا من شيء من الإطالة عند ذكر ملوك ثلاثة جاءوا متأخرين بعد هذه الوفود ~~يلبون دعوة المستصرخين وهم: الإمبراطور «فردريك» المعروف بلقب «برباروسا» إمبراطور ~~الدولة الرومانية المقدسة ويسميه العرب ملك الألمان، والملك ريكارد «قلب الأسد» ملك ~~إنجلترة ويطلق عليه العرب اسم «الإنكتير أو الإنكتار أو الإنكلتار» و«فيليب أوجوست» ~~ملك فرنسا ويطلق عليه العرب اسم «الفرنسيس ». أما فردريك فقد كان إمبراطورا على دولة ~~عظيمة تشمل ولايات ألمانيا من الشمال وبلاد نهر الرين من الغرب وإيطاليا من الجنوب، ~~وكانت في بلاده مشاغل كثيرة أكبرها مسألتان عظيمتان: الأولى نضاله مع أمرائه ~~الإقطاعيين، والثانية نضاله مع الرئيس الديني وهو البابا. وقد نجح فردريك نجاحا لا بأس ~~به مع أمراء ألمانيا الذين كان نفوذهم - قبل توليته - زاد زيادة تضاءل إلى جانبها سلطان ~~الإمبراطور، وبعد نضال دام سنين طويلة أمكنه أن يعلي اسم الحكومة المركزية ودان له أكبر ~~أمراء الدولة. ولكنه لم يلق مثل هذا النجاح في نضاله مع البابا؛ فقد أدى النضال إلى ~~حرب كان سجالا بين الجانبين، وانتهى أمره بأن سوى الأمر وتصالح الرئيس الديني مع ~~الرئيس الدنيوي، وكان من شروط الصلح أن يتفق الاثنان على من يعاديهما. # صورة الإنكتار (ريكارد ملك إنجلترة). # ولعل أكبر من كان عدوا في نظر البابا ونظر هذا العصر هو الإسلام حيث كان سواء في ~~الشرق أو في الغرب، فكان الإمبراطور يحب أن يقوم إلى حرب المسلمين؛ لكي يعلي من شأن ~~نفسه ويزيد من هيبته وسلطانه، وكان البابا كذلك يحب أن تنصرف قوة الإمبراطورية إلى حرب ~~دينية يصدر الناس ويردون فيها عن كلمته هو إذ كان لا يدفع ولا ينازع في رئاسة ~~الدين. # صورة الفرنسيس (فيليب ملك فرنسا). # ألا يلمح الإنسان في هذه الحرب الصليبية دافعا غير الدين والحماسة له والإخلاص ~~للجهاد ms081 في سبيل المسيح؟ إنا لا نستطيع أن نتجاهل الفرق العظيم بين الحالة النفسية في ~~عصري الحملة الأولى والحملة الثالثة؛ فقد قامت الحملة الأولى تلبية لدعوة ألكسيوس ~~إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية، وهو مخالف لغرب أوروبا في الدين، ولكن حماسة العصر ~~وفكرة الدين غلبت كل شيء في سبيلها. # وأما الحرب الثالثة فلم تكن بنت حماسة مثل الحماسة الأولى بل دخلتها عناصر دنيوية ~~أخرى. # وها نحن نرى للبابا غرضا من تشجيعها وللإمبراطور كذلك غرضا غير وجه الدين والدفاع ~~عنه. # وأما «الإنكتار» ريكارد فقد كان ملك إنجلترة ولو أنه لم يقم في تلك البلاد، ويسميه ~~قومه بالملك الغائب، وكان من سلالة امتزج فيها دمان: الأول دم النرمان أبناء وليم ~~الفاتح الذي غزا إنجلترة في القرن الحادي عشر، والثاني دم الفرنسيين أمراء إنجو. # وكان هناك في ذلك الوقت نضال كبير بين ملوك إنجلترة وملوك فرنسا على كثير من ولايات ~~فرنسا؛ كل منهما يدعي فيها حقا، ولكن في مدة «فيليب أوجست» وريكارد بدأت كفة ~~فرنسا ترجح، وجعلت إنجلترة تسير في أول طريق نموها الطبيعي وهو تكوين قومية منعزلة في ~~جزائرها وإنماء نظامها الدستوري تدريجا على يد أمرائها الذين بدءوا يعدون إنجلترة ~~بلادهم بعد أن كانت نظرتهم إلى فرنسا أولا أنها منشؤهم ووطنهم، وكان ريكارد من أشجع ~~الناس على أنه كان من أغلظهم كبدا، ولم يكن بالقديس ولا الذي يعبأ بأمر الدين كثيرا، ~~فذهب إلى الحرب الصليبية محاربا بيده (بلطته) أو رمحه ومعه رماته وفرسانه وهم يلتمسون ~~جميعا في الشام النصر والمجد الذي التمسه أجدادهم في ميادين أخرى. ولكن ميدان ذلك ~~الوقت كان مع المسلمين في الشام. # وأما «الفرنسيس» (فيليب أوجست) فقد كان من سلالة الأسرة الفرنسية الكبيرة التي أولها ~~«هيوكابيه»، وقامت في فرنسا على أنقاض دولة أبناء «شارلمان»، وكانت مدة أسرة «هيوكابيه» ~~يشغلها نضال دموي بين الأمراء الإقطاعيين وبين بيت الملك، وكان الانتصار في أول الأمر ~~للأمراء حتى لم يكن للأوائل من بيت «كابيه» إلا ملك اسمي، ولكن بدأت الكفة ترجح ~~إلى جانب الحكومة المركزية، وأخذ ms082 الملوك يزيدون من نفوذهم وملكهم حتى جاء فيليب أوجست ~~فكان من أكبر من عملوا على إضعاف شوكة الأمراء وزيادة نفوذ الملك. وكان انتصاره على ~~أمرائه بفرنسا وعلى منازعيه ملوك إنجلترة مما جعله من أكبر ملوك أوروبا الذين توجه ~~إليهم الدعوات إذا أزمة أزمت؛ ولهذا قام فيليب إلى نصرة الصليبيين بالشام بعد أن هدأ له ~~الأمر في داخل بلاده، غير أنه ما كان ينظر إلى الحرب إلا نظرة ملك عظيم يجب عليه ألا ~~يتخلف عن مهمة تحرك لها غيره من العظماء، ولن يلبث أن يعود إلى بلاده التي كانت في ~~نظره محل أداء واجبه وليس بلاد الشام. # كل ذلك يظهر لنا أن الذين كانوا زعماء الحرب الصليبية الثالثة لم يهبوا هبة ~~مضطربة صاخبة مثل هبة الحرب الأولى، بل ساروا لغرض مدبر وقصد معين، كل يرمي ~~من ناحيته إلى هدف يبغي أن يصيبه. # على أننا لا نقدر أن نقول: إن الحماسة كانت غير متأججة في نفوس المحاربين؛ فإن ~~الحماسة بين عامة الجند كانت عظيمة ثائرة للجرح الجديد وهو الاستيلاء على بيت المقدس ~~وسواه من البلاد التي كانت للمسيحيين مدة قرن ثم استولى المسلمون عليها، لكن تلك ~~الحماسة لم تكن بها شدة الحماسة الأولى ولا مرارتها. # ولا يسعنا إذا رأينا ما تخلل تلك الحرب الثالثة من المداعبات بين المسلمين ~~والمسيحيين ومن المزاح أحيانا، وما كان بين ملوك هؤلاء وأولئك من التقدير والتفاهم ~~أحيانا والإجلال المتبادل؛ نقول لا يسعنا إذا رأينا ذلك إلا أن نعد تلك الحرب ~~ميدانا للمسابقة بين الشرق والغرب، كل يريد أن يظهر صلاحه وقوته، فلم تكن كلمة ~~اليوم بها مثل كلمة اليوم في الحرب الأولى: # ليس بيني وبين قيس عتاب # غير طعن الكلى وضرب الرقاب ~~(22) أمام عكا # اجتمع من اجتمع من الفرنج في صور، وأوقف صلاح الدين تجاههم جماعة من رجاله يراقبونهم، ~~وكان يعرف أنه قد ارتكب شرا بسماحه للفرنج أن يذهبوا إلى صور من كل جانب. # ولكنه في الوقت ذاته كان مضطرا إلى ذلك بحكم السياسة، فكان ذلك في ms083 نظره أهون ~~الشرين، وما كان مخيرا إلا بين هذا وبين أن يستبسل له كل حصن ويضيع عليه الوقت في ~~حصارات لا عد لها. وعلى أي حال لقد أصبحت صور مجتمع بقية فرسان الصليبيين، وزادهم ~~قوة من انضم إليهم من وراء البحر، ولما شعروا بقوة عددهم وأن صلاح الدين لا يستطيع ~~حصار مدينتهم جعلوا يخرجون بين حين وحين إلى ما جاورهم من البلاد، وكان صلاح الدين ~~يدبر لهم الكمائن والبعوث تمنعهم من أن يفسدوا شيئا من بلاده، وأخيرا استقر رأيهم ~~على أن يذهبوا إلى عكا لاسترجاعها فيكون بذلك لهم مدينتان عظيمتان على الساحل ~~الأوسط. # كان صلاح الدين عند حصن الشقيف في الجبل ينتظر أن يأخذه، فبلغه خبر سير الفرنج من صور ~~نحو عكا، فظن ذلك خديعة منهم يريدون صرفه عن الحصن الذي هو دونه، فتريث حتى عرف ~~أنهم جادون في السير نحو عكا، فأسرع بمكاتبة الأمراء ليأتوا إليه، فاجتمع إليه جيش ~~عظيم، وجمع مجلسا حربيا ليختار طريق السير، أيساير الفرنج على الساحل ويقاتلهم قبل ~~بلوغ عكا؟ أم يلقاهم هناك على المدينة بعد أن يسلك طريقا في الداخل مارا بطبرية؟ ~~فاختار أمراؤه الخطة الأخيرة فهي أهون، وكان هو غير راض عنها؛ لأن الفرنج متى تركوا ~~آمنين حتى يصلوا إلى عكا أمكنهم اختيار المكان اللائق والتحصن حولها، فيصعب بعد ذلك ~~حربهم، ولكنه على كل حال اتبع ما أقره المجلس على حسب عادته فقد كان رأي أمرائه أكبر من ~~أن يهمله، وكانت نتيجة إرغامهم على سلوك خطة معينة أخطر من أن يجربها ذلك السلطان ~~العاقل؛ فالحق أن سلطته كانت قائمة على قوة شخصه ونفوذه في أمرائه أكثر مما كانت ~~قائمة على سلطان دولة مركزية قوية. # وكان أول هم صلاح الدين عند بلوغه عكا أن يرسل إليها الأمداد بعثا وراء بعث قبل أن ~~يستفحل أمر حصار الفرنج لها. # وأصبحت المدينة - بعد زمن قصير - محصورة بالفرنج تحت ملكهم «كي» والأمير الكبير ~~المركيش «كنراد»، ونزل حول الفرنج من الخارج جيش صلاح الدين، وكان البحر مفتوحا يمد ~~الفرنج ms084 من جهة بما يأتي مع أساطيلهم، ويمد المدينة خفية؛ لأن أسطول الفرنج في البحر كان ~~عند ذلك أقوى من أسطول المسلمين. # وهكذا اجتمعت كل قوة الفرنج وكل قوة الدولة الإسلامية عند عكا في أغسطس سنة 1189م ~~شعبان 585ه، فكان ما حولها ميدانا واسعا في البر والبحر ظهرت فيه من الجانبين آيات ~~باهرة من الشجاعة والتضحية، وأتى الأفراد في كلا الجيشين أجل أعمال البطولة الخارقة ~~للعادة. حقا لقد كان سباقا عظيما بين الشرق والغرب، وقد ظهر فيه كلاهما بمظهره ~~الأسمى كل بحسب طبعه، وكان كلا الجانبين المتسابقين من جانبه جليلا. # واستمر النضال هناك عامين حدث في خلالهما معارك كثيرة بعضها كبير وبعضها صغير، إلى ~~أن جاء فيليب ثم ريكارد في ربيع سنة 1191م/587ه، فأصبحت قوة الفرنج أكبر من أن يغلبها ~~صلاح الدين، فآثر ترك المدينة إليهم، فسلمت بعد قليل في يوليو سنة 1191م/17 جمادى ~~الآخرة 587ه، وقد تقلب ذلك النضال بين المتحاربين وحدثت فيه فترات؛ ولهذا يحسن تقسيمه ~~إلى أدوار ثلاثة: الأول من أول الحصار إلى هجوم شتاء سنة 1189م/585ه، والثاني من ربيع ~~سنة 1190م/586ه إلى أول شتاء سنة 1190م، والثالث من ربيع سنة 1191م/587ه إلى سقوط ~~المدينة. ~~(23) الدور الأول للحصار # حدث ما توقعه صلاح الدين؛ فعندما ذهب إلى عكا كان الفرنج قد اختاروا مكانهم وحصروا ~~المدينة حصارا تاما، وكان عددهم ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، فكان هم صلاح الدين ~~الأول أن يجعل في الحصار ثغرة يستطيع أن يصل بها إلى المدينة بالجنود والأقوات حتى تقدر ~~على المقاومة. وانفتح الطريق أخيرا إلى المدينة بعد أن لقي صلاح الدين مشقة عظيمة من ~~مقاومة الفرنج له، وكان كثير الاهتمام أثناء هذا حتى لقد بقي ثلاثة أيام بغير أكل إلا ~~شيئا يسيرا. ولكن الفرنج جعلوا يعاودون الكرات حتى يتموا الحصار مرة أخرى، ~~فكانت المعارك تحدث كل يوم حول الأسوار، وهنا نلاحظ أمرا يمكن أن ندرك منه روح الحرب ~~بين الطائفتين؛ فقد جعل الحرب بين المسلمين والفرنج شبه تعارف ومودة - وما أغرب ذلك - ~~فكانوا بين ms085 الهجمات العنيفة يضعون السلاح ويتحدث الجماعة من المسيحيين إلى الأخرى من ~~المسلمين، وقد يغني البعض ويرقص البعض، بل لقد كانوا يمزحون؛ كما فعلوا مرة إذ أتوا ~~بصبيين أحدهما مسلم والآخر مسيحي، ووقف الجانبان ينظران إلى نضالهما حتى تغلب ~~المسلم وقبض على أسيره المسيحي، فافتداه بعض الفرنج المازحين بدينارين. وهكذا كان الناس ~~من الطائفتين يقطعون بعض وقتهم في فترات الحرب، أحقا كان في هذه الحرب مرارة الجهاد ~~وتجهم الحقد المتأصل في النفوس وعبوس العداء الذي كانت تمتاز به الحرب الصليبية ~~الأولى؟ # لسنا مبالغين إذا قلنا: إن عصر الحرب الصليبية الحقيقية كان قد انقضى منذ أوائل القرن ~~الثاني عشر، ولم يبق إلا نضال دنيوي يدافع فيه المسلمون عن بلادهم ويحاول الفرنج أن ~~يبقوها في يدهم إباء وأنفة أن يكونوا مخذولين وحذرا من معرة الهزيمة. وقد بلغ ~~النضال أشده في هذا الدور من الحصار بعد نحو شهر ونصف من البدء فيه، فدارت رحى أشد ~~معركة شهدتها أسوار عكا، وتقلب فيها الحظ بين الجانبين، ولكن ثبات السلطان وإخلاص أهل ~~بيته وشجاعتهم وانقياد أمرائه لأوامره، كل ذلك جعل النصر للمسلمين بعد أن قتل من ~~الجانبين عدد عظيم، ولكن قتلى الفرنج كانوا آلافا؛ قيل: سبعة. # وبعد هذه الموقعة جمع السلطان مجلسا حربيا كعادته، وكان يرى أن هذه الصدمة الأولى ~~لا بد تؤثر في نفوس أعدائه، فإذا تابع الهجوم كان رفع الحصار عن عكا محققا، ولكن ~~أمراءه رأوا تفضيل الراحة بعد وقوفهم عند عكا نحو خمسين يوما فنزل على رأيهم، وكان هذا ~~من غلطاته؛ لأن الراحة أفادت الصليبيين أضعاف ما أفادت المسلمين. ولم يستأنف بعد تلك ~~الراحة قتال جدي في هذا العام لدخول الشتاء، فاكتفى صلاح الدين بإدخال المؤن ~~والرجال إلى عكا، وسرح جنوده لمدة الشتاء الذي تكثر فيه الأمطار وتتعذر الحركات، ~~وتراجع بباقي الجيش إلى الخروبة تخلصا من عفونة الميدان الذي حول عكا؛ لما كان به من ~~جثث القتلى. ولم يكن خالي البال في أثناء راحته؛ لأنه كان يتوقع مجيء الإمداد إلى ~~عدوه من أوروبا، وكان ms086 كل يوم يتطاول به الحرب يزيد من توقع العجز عن رفع ~~الحصار. # وكان أكثر ما يرد إليه من أخبار الفرنج يدل على مسير ملك الألمان «فردريك برباروسا» ~~في جيش عظيم لنصرة الصليبيين. ~~(24) الدور الثاني للحصار # بعد انقضاء الشتاء أرسل صلاح الدين إلى أطراف دولته الواسعة يدعو أمراءه لاستئناف ~~القتال في الربيع من سنة 1190م/586ه فأتت إليه الكتائب يلي بعضها بعضا، وجاءته مساعدات ~~من الخليفة ببغداد، وقد استعد هذه المرة بالنفاطين والزراقين الذين يرمون النيران ~~والنفط على آلات الحصار. وقد أبلى في ذلك بلاء حسنا شاب من صناع دمشق، فإنه أدخل ~~من التحسين على صناعة النار ما جعلها تحرق آلات الحصار المنيعة التي كان الفرنج ~~يطلونها بطلاء يمنع تعلق النار بها، وكان أشد الآلات على المدينة الدبابات؛ وهي أبراج ~~عالية ذات طبقات يركبها الجنود وتسير على عجل وفي مقدمتها حديد قوي؛ فتصطدم بالأسوار ~~فتصدعها، ثم يعمل الجنود المجتمعون بها في الأسوار فيهدمونها. # وقد تمكن ذلك الشاب المجتهد من إحراقها باختراع سائل يرميه أولا في قدور على هذه ~~الدبابات المدرعة، ثم يقذف بعد ذلك النار فيلتهب ذلك السائل ولا يقاوم ناره ~~شيء. # وقد تأخر وصول الأسطول المصري إلى ما بعد أن استؤنف القتال؛ ولهذا وجد صعوبة في ~~الوصول إلى الميناء، ولم يصل إليه إلا بعد أن قام صلاح الدين بهجوم عام من الخارج في ~~البر؛ ليشغل جنود الفرنج فيخفف بذلك الضغط عن البحر، فدارت معركة برية بحرية في وقت ~~واحد وانتهت بانتصار عظيم، ودخل الأسطول المصري إلى عكا محملا بالمؤن والمحاربين، ~~وكان صلاح الدين يجد في الحرب خاشيا من وصول ملك الألمان بالمساعدة المنتظرة، ولكن ~~لحسن حظه كانت حملة ملك الألمان غير موفقة. # فقد سار فردريك بارباروسا عن طريق البر من ألمانيا مخترقا بلاد المجر إلى البلقان ~~والقسطنطينية. وكانت تلك الخطة في الواقع خطة غير ممكنة؛ لأن سير جيش عظيم في البر لا ~~بد يؤدي إلى احتكاك كثير مع الأهالي، ولا سيما في الدول التي يوجد فرق بين مذهبها ~~الديني وبين مذهب ms087 الغربيين، وهذه عامة أمم البلقان. # فما زال الجيش يجد صعوبة بعد صعوبة حتى وصل أخيرا إلى القسطنطينية، وكان ملك ~~القسطنطينية هذه المرة غير محتاج إلى الصليبيين، بل لقد كان يخشى زيادة أعدادهم عنده ~~ويكره أن يجوسوا خلال بلاده، ولم يكن سلوك الجيش الألماني سلوكا يطمئنه على سلامة ~~بلاده؛ فقد أوقعوا شيئا من النهب فيها وطلبوا منه كثيرا من الأموال كأنهم في بلاد ~~معادية. وكان عند «فردريك» نفسه سوء ظن بالإمبراطور الشرقي، وهذا ما جعله يطلب منه ~~الرهائن على حسن نيته، ولعل هذا يفسر لنا الخطاب الذي أنفذه إمبراطور القسطسنطينية ~~«إيساكوس» إلى صلاح الدين يذكر له كرهه للألمان وولاءه له. نعم لقد تغيرت الأحوال منذ ~~تلك الأيام التي كانت القسطنطينية تطلب مساعدة غرب أوروبا على المسلمين أيام أثار ~~«ألكسيوس» نيران الحرب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر. # وبعد صعاب جمة عبر «فردريك» المضائق إلى آسيا الصغرى، وهناك لقي أشد الصعاب من ~~التعب والجوع من جهة ومن المرض من جهة أخرى ومقاتلة فرسان مملكة الروم الإسلامية وملكها ~~«قلج أرسلان». وقد جاءت الضربة القاضية لذلك الجيش أخيرا؛ إذ مات عميده الإمبراطور ~~«فردريك» في نهر شرق آسيا الصغرى. قال جماعة: مات غرقا، ويقول متحمسو المسلمين: إنه ~~غرق في ماء لا يتجاوز علوه نصف علو الرجل لإظهار يد الله في الأمر، ويقول جماعة آخرون: ~~بل مات إذ نزل إلى ماء النهر - وكان شديد البرد - ليستحم فيه عقيب تعب عظيم، فمرض من ~~ذلك وقضى المرض عليه. # سمع صلاح الدين أولا بالأخبار المريعة - وهي اقتراب جيوش فردريك من بلاده عند وصولهم ~~إلى شرق آسيا الصغرى وبلاد الأرمن - فاتخذ الحيطة - وهو القائد الحذر - فأرسل جماعة ~~كبيرة من أمراء جيشه ليرابطوا على منافذ الشام من الشمال، وحاول أن يهدئ الناس مما ~~نالهم من الفزع لهذه الأخبار، ولكنه حاول عبثا، فبدءوا يخزنون الأقوات ويستعدون ~~للشدائد، ولكن ما لبث أن أتته أخبار الضعف الذي انتاب ذلك الجيش العظيم، فتنفس ~~الصعداء وفرح الناس بذلك، وما زالت الأخبار ترده كل يوم بزيادة الضعف ms088 إلى أن عرف ~~أخيرا أن فلول ذلك الجيش قد لجأت إلى أنطاكية، وكانت البقية من الجيش العظيم ليست مما ~~يحسب له حساب كبير. # وقد شعر الفرنج الذين حول عكا بنقص جنود صلاح الدين عندما أرسل بعض أمرائه إلى الشمال ~~لحمايته من جيش «فردريك» فأحبوا أن ينتهزوا الفرصة وهاجموا الجهة التي نقصت جنودها ~~نقصا كبيرا وهي ميمنة جيش صلاح الدين، وكان عليها أخوه الملك العادل، فدارت هناك ~~معركة عظيمة تعرف باسمه وهي المعركة العادلية. # واستمر النضال أكثر النهار، واشترك فيه المحصورون في المدينة؛ فإنهم خرجوا على ~~الفرنج من ورائهم أثناء المعركة، فتم النصر بذلك لصلاح الدين، وقتل من الفرنج عدد ~~عظيم يقدره المسلمون بنحو ثمانية آلاف، فكان هذا النصر من جهة وأخبار ضعف الجيش ~~الألماني وتشتته من جهة أخرى عاملين على فرح عام في جيش المسلمين زادت له الروح ~~المعنوية في عكا، مع أن الحصار كان قد أثر في رخائها تأثيرا كبيرا. وهذه الموقعة ~~العادلية أكبر مواقع الدور الثاني للحصار، ولكن الفرنج قد لحقتهم هذه الهزيمة فإنهم ~~احتفظوا بكثير من ثباتهم بقية الصيف، ولا سيما وقد جاءتهم أولى مساعدات الصليبيين من ~~غرب أوروبا بقيادة من يسميه العرب «الكند هري» أو «الكونت هري» وهو «هنري دي شمبانيا» ~~قريب ملكي فرنسا وإنجلترة في آن واحد، فما كاد صلاح الدين يفيق من الحلم المزعج بالخطر ~~الذي كان يتهدده من قبل الألمان من الشمال حتى أتته طلائع الإمداد العظيم الذي ~~أرسلته أوروبا مجتمعة. # وبدأ الحصار يشتد مرة أخرى بعد وصول هذه الإمدادات، وجعل الفرنج يقذفون أسوار المدينة ~~بالمجانيق بقوة لم يسبق عهد بها، غير أن شجاعة المدينة لم تفل أمام هذه الهجمات ~~العنيفة، فقد كان «بهاء الدين قراقوش» و«حسام أبو الهيجاء» بين العسكر يوقدون فيهم ~~الشجاعة بأعمالهما وقدوتهما، فكان المدافعون يخرجون بين حين وآخر فيوقعون بالمحاصرين ~~وقعات ذات شأن بين أسر وقتل ونهب، وكان الزراقون والنفاطون دائبين على الدفاع ~~بالنيران بهمة تعادل همة المحاصرين في قذف المدينة من الخارج. # وقد ظهرت شجاعة الجانبين جليا في ms089 آخر ذلك الدور، وإذا كان لا بد من التمييز بين ~~الجانبين فلا بد من تمييز المحصورين؛ لما بذلوه - في شدتهم - من التفاني في الدفاع ~~والصبر، وكان من الأفراد من يبذل جهدا خارقا للعادة في أدء واجبه، فكان بعضهم يعوم ~~من المدينة مخترقا صفوف السفن الفرنجية إلى أن ينفذ إلى صلاح الدين فيحمل إليه الأخبار ~~ويعود بعد ذلك يحمل ما يراد منه أن يحمله من رسائل أو من أموال يشدها حول جسمه ليمد ~~بها المحاربين. وإذا كان بين عامة الأفراد أبطال لا يسميهم التاريخ فقد سمى التاريخ ~~بطلا من عامة أهل عكا أبلى بلاء عظيما في أثناء ذلك الدور حتى قضى نحبه وهو يؤدي ~~واجبه؛ وذلك هو عيسى العوام، واشتد الحصار بعد ذلك اشتدادا أعظم حتى صار التراسل غير ~~ممكن إلا بالحمام الزاجل بين المدينة وجيش صلاح الدين، ولكن مع هذا أمكن السلطان أن ~~ينفذ إلى المدينة بعض السفن بين حين وآخر محملة بالمؤن التي أصبحت المدينة في أشد ~~الحاجة إليها، ولكن كان دخولها المدينة بعد مشقة عظيمة؛ إذ كانت قوة الفرنج في البحر ~~قد زادت بما انضم إليها من إمداد أوروبا. ولعل الذي كان يمكن سفن المسلمين من دخول ~~الميناء أنه كان هناك عند مدخلها برج عظيم اسمه برج الذباب مبني على الصخر يحرس ~~الميناء، فإذا عبرته المراكب أمنت غائلة العدو، فلما رأى الفرنج قيمته الحربية جعلوه ~~همهم، ودارت حوله معركة عظيمة بذل فيها الجانبان مجهودا كبيرا، ولكن الفرنج عجزوا ~~عن أخذه. وفي أثناء حصار برج الذباب وصلت بقية جيش الألمان بقيادة «المركيش» صاحب صور ~~و«دوق سوابيا» ابن ملك الألمان، فزاد القتال شدة، واستمر هذا النضال بعد ذلك شهرين ~~طويلين ظهرت فيهما نفس صلاح الدين وثباته رغم مرضه بحمى صفراوية، وقد تفشى المرض في ~~الجيش للوخم الذي أصاب الهواء بقرب عكا من كثرة القتلى، ولكن عزيمة صلاح الدين كانت لا ~~تفل، وقد نصحه ناصح أن يترك الميدان لما فيه من الخطر ثم يعود إليه بعد ذلك، فتذكر ~~السلطان الحازم خطأه ms090 السابق إذ انصرف عن العدو في الدور الأول، وقال لناصحه: «إذا كان ~~لا بد من الموت فليكن؛ فهو علي وعلى أعدائي.» # ثم تمثل وقال: «اقتلاني ومالكا واقتلا مالكا معي.» # وجعل صلاح الدين يحتال على عدوه بتدبير الكمائن والهبوط عليه بين حين وآخر، ولكن لم ~~يجده ذلك، وهجم الشتاء قبل أن يستطيع رفع الحصار عن المدينة. وهكذا اضطر أن ينصرف ~~بقلب ثقيل عن المدينة، وجعل يصرف جنوده للراحة مدة الشتاء وهو يشعر بأن المدينة قد حان ~~أجل تسليمها. وقبل الرحيل انتهز فرصة هياج البحر وذهاب أكثر سفن الفرنج من تجاه ~~ميناء عكا لاجئة إلى الشاطئ، فأدخل إلى المدينة جماعة من الجنود والأمراء بدل من ~~فيها ممن طال عليهم الدفاع واشتد التعب، وأدخل معهم ما تيسر من المؤن والذخائر، ولكن ~~لم يكن الإقبال على دخول البلد كثيرا؛ ولهذا لم يدخل من الأمراء والجنود عدد يعادل ~~من خرج منها. # ولسوء حظ المدينة لم تستطع السفن الآتية من مصر بالمؤن أن تدخل إليها؛ وذلك لشدة هياج ~~البحر، فغرقت وتكسرت وكان لذلك أثر كبير في نفوس من في المدينة، وسيكون أثر هذا أعظم ~~بعد انقضاء الشتاء وعودة القتال واشتداد الحصار؛ فإن المدينة ستدخل على الدور الثالث من ~~الحصار وليس بها من المدافعين ولا من المؤن ما يقيمها أمام هجمات عدوها ~~العنيفة. ~~(25) الدور الثالث للحصار # مضى على حصار عكا صيفان وشتاءان، وجاء الربيع من سنة 1191م (وسنة 587ه) فأخذت جيوش ~~صلاح الدين تجتمع إليه من كل أنحاء الدولة كما بدأ الفرنج يجددون إغاراتهم على ~~المدينة ويشددون حصارها. # ولكن المدينة في هذا الربيع لم تكن على مناعتها في الدورين السابقين إذ كان الأقوات ~~فيها قليلة، وكان المدافعون عنها أقل عددا وحماسة ممن كان فيها من قبل. وقد زاد الأمر ~~شدة على المدينة مجيء أسطول فرنسي وآخر إنجليزي يحملان جنود فيليب أوجست (الفرنسيس) ~~وريكارد (الإنكتار). # وقد جاء ريكارد متأخرا قليلا عن جيش الفرنسيس بعد أن أخذ في سبيله جزيرة قبرص، وكان ~~معه خمس وعشرون قطعة كبارا من السفن. ms091 # وقد اجتهد الفرنج منذ أول هذا الدور في طم الخندق الذي حول عكا، ولكن أهل المدينة ~~صبروا على المقاومة صبرا حميدا، فكانت جماعاتهم يخرجون ما يلقى في الخندق ويلقونه ~~في البحر تحت حراسة إخوانهم، ويجدون في ذلك مع المشقة العظيمة، وكان صلاح الدين في ~~الوقت عينه يجد مشقة كبرى في الهجوم على الفرنج لتحصنهم في خنادقهم؛ ولهذا أمكن الفرنج ~~أن يضيقوا الحصار على المدينة وصار من أشق الأمور إيصال شيء إليها من المئونة. # ولكن لا بد من ذكر أحد البعوث البحرية التي أرسلها صلاح الدين إمدادا إلى عكا، وكان ~~معها ستمائة وخمسون رجلا ومقدار عظيم من المؤن والأسلحة؛ فإن المهارة الحربية في البحر ~~التي امتاز بها الإنجليز كانت أكبر مما عهده جنود المسلمين من الفرنج، فأحاط الإنجليز ~~بالسفن الإسلامية حتى كان لا مناص من استيلائهم عليها، ولكن من فيها آثروا الموت ~~فأهووا على جوانب السفينة بالمعاول حتى ثقبوها وغرقت وغرق كل ما بها ومن بها، وكان ~~قائد هذه البعثة يعقوب الحلبي؛ نذكره فخرا وإعجابا. # وقد بدأ ملك الإنجليز بإرسال الرسل إلى السلطان منذ أول مجيئه يفاوضه في قواعد الصلح، ~~ولكن شروطه كانت أشد مما يقبله السلطان؛ فإن الضعف إذا كان قد دب في عكا فإن دولة ~~صلاح الدين كانت راسية الأساس متينة لا يستطيع مهاجم أن ينال منها شيئا؛ ولهذا لم تنجح ~~المفاوضات الأولى بل أصر السلطان على أن يظل على الحرب حتى يخضع له عدوه في ~~النهاية. # ولم يخل هذا الدور الثالث من ظهور آيات جديدة تدل على ما كان عليه صلاح الدين من ~~الخلق، ولنذكر قصة الرضيع مثلا لهذا؛ وذلك أنه حدث في بعض إغارات المسلمين أن استولى ~~مسلم على طفل رضيع؛ فطار عقل الأم وراء ابنها وخرجت إلى معسكر المسلمين حتى وصل أمرها ~~إلى السلطان. فلما وقفت أمامه وعرف قصتها بكى رحمة لها وأمر برد ابنها إليها، ~~فالتمس حتى وجد بعد أن كان قد بيع في السوق، فدفع السلطان ثمنه إلى المشتري ~~وسلمه إلى أمه وحملها على ms092 فرس وأعادها إلى معسكر الفرنج. # على أن الفرنج - وإن زاد عددهم - لم يكونوا على وفاق؛ فقد كان فيهم رؤساء عدة، كل ~~منهم يحسد الآخر ويغار منه، فكان هناك الملك القديم «جي دي لوسنيان» أو «كي» كما يسميه ~~العرب، وكان معهم المركيش صاحب صور، وجاء بعد ذلك فيليب وريكارد. # وكان أول من ثار من هؤلاء الرؤساء المركيش، فإنه هرب من صفوف إخوانه عائدا إلى ~~صور، وهناك تنحى عن الميدان حتى قتل كما سنذكر بعد. # وكان صلاح الدين في هذه المدة كثير الألم؛ لما يراه من الضيق الذي أحاط بالمدينة حتى ~~كان لا يأكل إلا قليلا لهمه وغمه، وبدأت ترد إليه رسائل من المدينة يشكو من ~~فيها الضيق والشدة، وذلك بعد نحو شهرين من بدء الحرب في هذا الدور؛ إذ كان الفرنج قد ~~نجحوا في أخذ الخنادق التي حول المدينة وعملوا تلا مستطيلا من التراب يحتمون وراءه، ~~وجعلوا يقربون من أسوار المدينة حتى أصبحوا بجوارها، ولم يقدر السلطان على مساعدة ~~المدينة مساعدة كبرى مع محاولته ذلك بكل ما استطاع، فلم يجد من في المدينة بدا من ~~مفاوضة الفرنج في التسليم بعد نحو ثلاثة أشهر من تجدد الحرب، وكانت شروط الصلح أن ~~تسلم المدينة للفرنج بما فيها من الآلات والعدد والمراكب، وأن تدفع نظير الأسرى ~~المسلمين مائتي ألف دينار، وتطلق ألفا وخمسمائة فارس من مجاهيل الأسرى الفرنج ومائة ~~فارس معينين، وأن يرد صليب الصلبوت، وأن يخرج جميع من في المدينة سالمين بما معهم ~~من الأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم، ولكن تلك الشروط لم تنفذ كلها كما ~~سيأتي. # وهكذا سلمت المدينة للفرنج في 12 يوليو سنة 1191م/17 جمادى الآخرة سنة 587ه بين ~~حزن الجنود الواقفة في الخارج وألم السلطان الذي كان أشد الناس شعورا بتلك الصدمة، ~~وتهليل الفرنج لما نالوا من نصر بعد عامين قضوهما في حرب مهلكة عند أسوار تلك ~~المدينة. ~~(26) عدم إنفاذ المعاهدة وقتل المسلمين بعكا # كان ميعاد بذل المال فداء الأسرى شهرين، فبعد أن سلمت المدينة كان هناك جانبان ~~كل منهما ms093 يشك في نية الآخر؛ فالفرنج - وقد أخذهم زهو النصر - لا يريدون أن يسلموا ~~شيئا من أسراهم حتى يتأكدوا من المال، والمسلمون وقد وخزهم الانهزام يريدون ألا يزيدوا ~~عدوهم قوة بالمال المشروط إلا إذا تأكدوا من أنهم يطلقون الأسرى المسلمين. وهكذا ~~بدأ الصليبيون بالاحتياط فحبسوا المسلمين الذين في عكا ممن يجب فداؤهم. # وأما المسلمون فبدءوا في تحصيل المال، وعرضوا أخيرا أن يسلموا منه النصف بشرط أن ~~يضمن الداوية (فرسان المعبد أو التمبل) إطلاق الأسرى عند تمام دفع المال؛ لأنهم كانوا ~~أهل دين ومحافظة على العهد يعرفهم المسلمون بذلك، فأبى الداوية أن يضمنوا، وقال الفرنج: ~~إنهم يصرون على دفع المال كله، ولهم بعد وصوله أن يطلقوا من شاءوا ويحفظوا من ~~شاءوا، فشك صلاح الدين في نيتهم وأنهم يريدون وصول المال ليتقووا به، ثم يطلقوا ~~الفقراء والصغار ويحتفظوا بالأمراء والأغنياء؛ ليصيبوا من وراء ذلك غنما جديدا ~~يتقوون به؛ ولهذا أبى أن يسلم المال الذي جمعه. # ثم استمر القتال بين الفريقين بعد أخذ الفرنج عكا، وما كان أشد دهشة المسلمين عندما ~~رأوا بعد القتال جثث أسرى عكا وقد قتلهم الفرنج، وكان عددهم نحو ثلاثة آلاف رجل، وذلك ~~في أغسطس سنة 1191م، ولم يبق من الأسرى إلا الأمراء والأغنياء، وعلى ذلك لم يرسل ~~السلطان المال ولا الأسرى الفرنج ولا الصليب. # وإنا لا نقدر أن نشدد النكير في اللوم على الفرنج على ما أتوه؛ فلا نستطيع أن ~~ننسب ذلك إلى التعصب والكره والحقد كما يذهب جماعة من المؤرخين، بل نرى ذلك نتيجة لسوء ~~في التفاهم بين الجانبين في وقت كانت العداوة ثائرة والنفوس متألمة بعد قتال عنيف ~~استمر سنتين عند أسوار المدينة، وكان ذلك النصر بعد الهزائم المتكررة دافعا بطبيعة ~~الأمر إلى ارتكاب ذلك الشطط. # على أننا لا نتمالك الإعجاب بصلاح الدين واعتداله وحكمه لنفسه إذ أرجع أسرى الفرنج ~~إلى دمشق سالمين مع شدة غضبه وحنقه على من نقضوا العهد ولم يأخذهم بجريرة ~~إخوانهم. ~~(27) الحرب الأولى بعد أخذ عكا # قد كان لأخذ عكا أثر أدبي كبير ms094 فوق ما كان له من أثر مادي في تقوية الفرنج وتخذيل ~~المسلمين؛ فإن الصليبيين ساروا بعد أخذها منتصرين، وخشي المسلمون بأسهم فكانوا يفرون ~~في أكثر مواقف اللقاء، ولولا ثبات صلاح الدين نفسه وأخيه العادل وبعض كبار الأمراء لكان ~~الخطب أعظم، وكان قائد الفرنج - بعد أخذ عكا - في أكثر الوقت ريكارد؛ وذلك لأن فيليب ~~ملك فرنسا عاد إلى بلاده عقيب أخذ تلك المدينة، ولعل من أسباب عودته ما كان بينه وبين ~~ريكارد من الخلاف والمنافسة. # سار ريكارد إلى الجنوب على رأس الجيوش الصليبية قاصدا أخذ بلاد الساحل، ثم إذا ~~اطمأن له ذلك نفذ إلى الداخل ليستولي على بيت المقدس. # وسار صلاح الدين وأمراؤه بإزائهم، ولكن المسلمين كانوا يسبقون إلى الجنوب مسرعين على ~~حين كان الفرنج يتريثون في سيرهم إما لانتظار المدد من وراء البحر وإما للخوف من ~~الكمائن. ولم يحدث قتال يستحق الذكر إلا عند أرسوف 1 سبتمبر سنة 1191م شعبان 587ه، ~~وهناك انهزم المسلمون هزيمة كبرى، ولولا ثبات صلاح الدين في القلب مع جماعة قليلة، ~~ولولا أثره الشخصي في تحميس الجنود أو إشعارهم الخجل من فرارهم لكانت موقعة أرسوف نكبة ~~من أكبر نكبات هذه الحرب. ولم يستفد الفرنج من انتصارهم عند أرسوف؛ إذ كانوا دائما ~~يحسبون فرار المسلمين خديعة ويحسبونهم قد أكمنوا لهم الكمائن، وزاد فيهم هذا الاعتقاد ~~عندما رأوا في القلب جماعة ثابتة والكئوس تضرب وسطها، وهي الجماعة الملتفة حول ~~السلطان. # ولما رأى صلاح الدين ضعف الحالة المعنوية في جيشه جمع أمراءه عقب الموقعة ليروا رأيا ~~في الخطة التي يجب اتباعها، فقرروا أن يتركوا الساحل للفرنج ولا يحاولوا المدافعة في ~~مدينة من مدنه، ولكنهم قرروا تخريب المدن الجنوبية القريبة من حدود مصر حتى لا ~~يتحصن الفرنج بها إذا أخذوها فيكونوا خطرا على المواصلة بين مصر وبين ميدان الشام، ~~وتقرر البدء بتخريب عسقلان. وقد تألم صلاح الدين أكبر ألم لذلك؛ إذ قال لأحد ثقاته: ~~«والله لأن أفقد أولادي بأسرهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا واحدا، ولكن إذا ~~قضى ms095 الله ذلك لحفظ مصلحة المسلمين كان.» # وقد بدأ هدم المدينة بعد قليل وسط آلام الناس جميعا، وكان صلاح الدين يسرع بتدميرها ~~قبل أن يعلم الفرنج بأمرها خوف أن يسرعوا إليها فيأخذوها قبل إتمام الغرض ويعيدوا ~~حصونها فتكون لهم بها قوة ومنعة. # وكانت تلك الخطة في الحقيقة خير ما يمكن في تلك الظروف إذا نظرنا إلى ما كانت عليه ~~النفوس في جيش صلاح الدين بعد صدمتي عكا وأرسوف. وقد اتبع صلاح الدين خطة التدمير ~~والهدم نفسها في اللد وقلعة الرملة، وذهب في أثناء ذلك إلى القدس يزيد من تحصينه وتجديد ~~أسواره، فكان غرضه ظاهرا من أعماله: وهو أن يدع الساحل للفرنج ويقوي الداخل عالما ~~أن أعداءه أقوياء قرب البحر وأن فرصته إنما تكون إذا هم بعدوا عنه متوغلين في ~~الداخل. # واستولى الفرنج فعلا بعد قليل على كل مدن الساحل، وحاولوا أن يعيدوا حصون عسقلان ~~وسواها مما خربه السلطان، وبدءوا يفكرون في غزو الداخل، ولكن في هذه الأثناء دب ~~خلاف جديد بين المركيش «كنراد دي منفرات» وبين الإنكتار «ريكارد»، وجعلت رسل كل ~~منهما تفد إلى صلاح الدين أو إلى أخيه الوديع الملك العادل تطلب الصلح، وقد أدرك ~~«ريكارد» أن الاستمرار في الحرب غير ممكن، وأنه إن أحرز نصرا مرة أو مرتين فلن يقدر ~~على طول النضال؛ ولهذا أراد أن ينتهز فرصة ضعف الروح في الجيش الإسلامي ليفوز بشروط ~~رابحة، فكانت رسل المركيش تأتي عارضة شروطا للصلح، ورسل الإنكتار تأتي عارضة شروطا ~~أخرى كما يفعل المتنافسان، وكان الملك العادل هو السفير في المفاوضات في أكثر ~~الأحيان. # وكانت شروط المركيش أن يكون له صيدا وبيروت على أن يكون حليفا للمسلمين ضد ~~الفرنج. # ولكن صلاح الدين كان غير واثق من صدق نيته، فاشترط عليه أن يبدأ بحرب الفرنج ومهاجمة ~~عكا قبل أن يصالحه. # وأما شروط الإنكتار فقد كانت الاستيلاء على القدس وإرجاع الصليب وأخذ البلاد التي بين ~~نهر الأردن والساحل، وأن يكون تحالف بين الدولة الإسلامية والصليبيين، ويتزوج الملك ~~العادل بأخت الإنكتار، ويكونا معا حاكمين ms096 على الدولة الجديدة بمقتضى المعاهدة، ولكن ~~تلك الشروط لم ترق أحدا من الجانبين. # والظاهر أن الجنود الإسلامية بدأت تسترجع قواها بعد شهرين من سقوط عكا، وبدأت تقف ~~ثابتة وتحرز بعض النصر في مواقف الحرب، وبدأ الإنكتار يرى الحقيقة التي كان انتصار عكا ~~أخفاها عن عينه: وهي أنه ليس من الطبيعي أن ينتصر في بلاد بينها وبين مقر دولته سفر ~~طويل في البحر، ويكون النصر على قوم في وسط بلادهم تتجدد قوتهم بعد حين إذا ضعفت، ~~وتأتي إلى ميدان النضال فيها كتائب تحل محل من قتل ومن أسر؛ ولهذا بدأت ~~المفاوضة من جديد وكانت الشروط هذه المرة ألين وأهون. ومما يسترعي النظر أن المفاوضة ~~بين الجانبين كانت تتخللها فكاهات ومداعبات وهدايا ومجاملة، فيحمل الملك العادل من ~~طعام المسلمين وتحفهم إلى الإنكتار، ويحمل الإنكتار من طعام الإنجليز وتحفهم. حتى إذا ~~ما اجتمع الاثنان تجاذبا أطراف الحديث من سمر ودعابة وفكاهة ينسى الإنسان معها أن هذه ~~مفاوضة في حرب مرة ثار لهيبها طول قرن لم يخب ولم ينطفئ، حتى لقد نشأت شبه محبة ~~بين العادل وريكارد، واستمرت إلى أن انتهى الأمر بالصلح أخيرا. # وكان صلاح الدين في أثناء كل هذا لا يرغب رغبة حقيقية في الصلح على تلك الشروط، فكان ~~لا يرضى بدون خروج الفرنج من جميع البلاد، ولكنه كان يرضى بدخول أخيه في المفاوضة؛ لكي ~~يضرب جانب المركيش بجانب الإنكتار ويحدث له من وراء ذلك الربح والفوز، ولعله كان أميل ~~إلى المعاهدة مع المركيش؛ لأنه كان يرى أن شروطه أهون شرا، وأنه إذا بقي في بلاد ~~الساحل فلن يكون شديد الخطر بل يسهل طرده منها بعد حين، ولكن الأمراء رأوا أن الصلح مع ~~الملك (الإنكتار) أتم وأضمن للسلم لقوته وشجاعته. # وقد دخل شتاء سنة 1191م بغير أن يتم صلح مع أحد الجانبين، فرجع صلاح الدين إلى ~~الداخل، وعاد الإنكتار إلى عكا. على أن المفاوضات لم تنقطع بين المسلمين وطائفتي ~~المركيش من جهة والإنكتار من جهة أخرى. وقد أراد صلاح الدين أخيرا أن ms097 يبرم الأمر ~~على ما يراه هو، وأن يصالح المركيش إذ رأى أن الصلح معه يضعف الفرنج، فإذا تم له ~~النصر أخيرا على الإنكتار سهل عليه أمر المركيش، ولكن ما لبث أن سمع بنبأ قتل ~~المركيش في صور: قتله اثنان من أصحابه على قول جماعة، ويقول آخرون: بل قتله اثنان من ~~الفدائيين من طائفة الباطنية الإسماعيلية، ويعتقد الجميع أن قتله كان بدس من أعدائه، ~~ولكن هناك خلافا؛ فتقول طائفة: إنه قتل بإيعاز صلاح الدين، ويقول آخرون: بل قتل ~~بإيعاز الإنكتار، ولكن مهما يكن من الأمر فإن صلاح الدين لم يدس على المركيش من ~~قتله؛ وذلك لعدة أسباب يكفي أحدها أن يكون برهانا قاطعا؛ فإن صلاح الدين لم يكن رجل ~~الدسيسة والغدر . حقا كان يجاهد ويحارب ولكنه كان يحارب في الميدان المفتوح واثقا من ~~النصر؛ إذ كان يرى الحق معه، ولم تكن في حياته شبهة من غدر أو خيانة. وكذلك لم يكن صلاح ~~الدين على وفاق مع الإسماعيلية، بل إنه كان موتورا منهم لسابق اعتدائهم عليه. ولئن كان ~~لصلاح الدين غرض في الغدر فكان الأولى به أن يغدر بعدوه الأكبر ريكارد، وكانت فرص ~~الغدر به كثيرة لو شاء، وما كان أقرب إليه إذا كان رجل غدر أن يدس على «ريكارد» من ~~يقتله أثناء اجتماعه بأخيه للمفاوضة، أو يدس له السم في الطعام الذي كان يأكله من يد ~~المسلمين آمنا، وهل يتهم صلاح الدين - وهو الرجل الذي كان يرسل لعدوه الدواء وهو ~~مريض - بأنه يدس على عدو آخر من يقتله؟! # وقد رأينا أن صلاح الدين كان أميل إلى مصالحة المركيش، وأنه كان يرى المصلحة في ~~الاتفاق معه ليكون مساعدا له على الصليبيين، فكان من مصلحته أن يبقى حيا وليس أن ~~يدس عليه من يقتله في الوقت الذي كان قد استقر رأيه فيه على مصالحته وتفضيل ~~التعاهد معه على مصالحة ملك الإنجليز. # فيلوح لنا أن الحقيقة هي أن «ريكارد» صاحب الدسيسة كما أقر القاتلان نفساهما. وأن ~~قتله كان على يد اثنين: إما من المسيحيين ms098 المتحمسين، وإما أنه استأجر اثنين من ~~الإسماعيلية، وقد تنكرا في زي المسيحيين لهذا الغرض. ومن السهل أن نتصور الباعث على ~~قتله؛ فإن المركيش كان في نظر الصليبيين خائنا خارجا على الدين مواليا لأعداء المسيح ~~ثائرا على أوليائه. ~~(28) الميدان الأخير # دخل ربيع سنة 1192م/588ه فاجتمع الجنود المسلمون إلى صلاح الدين ولم يجتمع إلى ريكارد ~~إلا فلول جيشه القديم، وقد خبت ثورة النصر الذي أحرزوه في العام المنصرم، إلا أنه ~~كان لا يزال على عزمه في خطته الأولى: وهي أن يدخل إلى بيت المقدس بعد الاستيلاء على ~~الساحل الجنوبي، فلما تم له أخذ الساحل في العام الماضي جعل غرضه من حرب هذا العام ~~الاستيلاء على بيت المقدس، فما زال يسير من منزلة إلى منزلة وجنود صلاح الدين بإزائه، ~~وكان السلطان قد حصن بيت المقدس وقسم أسوارها على أمرائه مصمما أنه لن يترك عدوه ~~يستولي على تلك العاصمة كما استولى على عكا؛ ولهذا أخذ أمر الدفاع عنها في يده. ووصل ~~الفرنج أخيرا عند موضع اسمه بيت نوبه على مرحلة من بيت المقدس، وهناك بدءوا يترددون ~~ثم وقفوا. ولم يحدث في وقوفهم هناك أكثر من نهب قافلة عظيمة كانت آتية من مصر بالذخيرة، ~~ويقال: إن عدد جمالها كان سبعة آلاف جمل، فاستولى الفرنج على ثلث منها وتشتت منها ثلث ~~في البرية ووصل الثلث الأخير إلى الكرك محتميا بها. # ولكن هذه الخسارة لم توقع الرعب في قلب صلاح الدين بل زادته تصميما على الدفاع ~~وإعدادا لعدته، فبالغ في تحصين بيت المقدس وأفسد الماء الذي في ظاهر المدينة، وكان ~~في هذه الأثناء شديد الوجد كثير الدعاء لله بالنجدة يتخلل دعاءه البكاء، وما كان أشد ~~دهشة المسلمين بعد هذا كله؛ إذ سمعوا بعودة الفرنج إلى الساحل. ولعل سبب رجوعهم ما ~~سمعوه من استعداد صلاح الدين لهم، وكان عدد جنودهم غير كاف لإتمام حصار المدينة من كل ~~جانب لا سيما والمدينة يحيط بها واد منخفض من أكثر جهاتها، وهذا يدعو إلى تشتيت القوة ~~المحاصرة. # وكان الفرنج يخشون التشتت ms099 لعلمهم بأن المسلمين إذا هبطوا على جماعة وحدها قضوا عليها ~~ثم عادوا إلى الأخرى وهكذا. # وقد فرح المسلمون أشد فرح بعودة الفرنج عنهم، وتشددت عزائمهم، وبدأت أحاديث الصلح ~~بعد ذلك تتردد، وكانت شروط ملك الإنجليز هذه المرة صالحة لأن تكون أساس المفاوضة، وهي ~~أن يترك ريكارد البلاد الساحلية لابن أخته الكند هري «الكونت هنري دي شمبانيا» على أن ~~يكون تحت حكم صلاح الدين، وأن يأخذ الفرنج كنيسة في بيت المقدس. # فرضي صلاح الدين بإعطاء كنيسة القيامة بالقدس وإبقاء مدن الساحل في يد الفرنج إلا ~~عسقلان وما وراءها فتكون خرابا ليس لأحد من الجانبين، وأن تكون كل القلاع الجبلية ~~للمسلمين، وجعلت المفاوضة تسير بين الطرفين سيرا مترددا طول مدة الصيف، ويختلف ~~الطرفان على تفاصيل قليلة الخطر. # وتخللها انقطاع وحرب، وكان ميدان ذلك الحرب عند يافا، فأخذها صلاح الدين بعد حصار ~~قصير. وكان ريكارد في هذه الأثناء ذاهبا إلى الشمال نحو بيروت، فلما سمع بحصارها عاد ~~مسرعا إليها في البحر، وهناك ظهرت شجاعته العظيمة التي كان لها أكبر أثر في نفوس ~~المسلمين، فإنه لم يكن معه إلا عدد قليل ولكنه مع ذلك استطاع تنجية القلعة، وهرب من ~~اسمه الجيش الكبير الذي كان في يافا. وقد تحدى ملك الإنجليز في اليوم التالي كل جيش ~~المسلمين آخذا رمحه حاملا من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة، فلم يتعرض أحد له حتى ~~غضب صلاح الدين وأعرض عن القتال وانصرف عن يافا إلى الرملة مع أن ريكارد لم يكن في أكثر ~~من ثلاثمائة مقاتل. # خريطة دولة صلاح الدين. # وقد مرض ريكارد بعد ذلك مرضا شديدا واشتهى الكمثرى والخوخ والثلج، فكان صلاح الدين ~~ينفذ إليه بما يطلب من ذلك. ولعل ذلك من أكبر ما يقوم دليلا على تقدير البطل للبطل ~~ولو كان عدوه. # وعزم الجنود الفرنسيون عند ذلك على العودة إلى بلادهم؛ ليلحقوا بملكهم الذي سبق ~~رحيله، فاشتدت رغبة ريكارد في الصلح، وكانت عقدة الاتفاق عسقلان؛ فإن ملك الإنجليز كان ~~مصرا على أخذها محافظة على كرامته في الصلح، ms100 وكان صلاح الدين يأباها عليه إباء ~~شديدا؛ خوفا على مصر منها ومحافظة على كرامته في الصلح أيضا؛ إذ كان أخذها عنوانا ~~للنصر في تلك الحرب التي لا يستطيع جانب فيها أن يدعي النصر غير مدافع. # وأخيرا تم الصلح - صلح الرملة - في 3 سبتمبر سنة 1192م/22 شعبان سنة 588ه وحلف ~~عليه من الفرنج جماعة الأمراء والملك الذي سيتخلف بالشام وهو «الكند هري»، ولم يحلف ~~الملك «ريكارد» قائلا: إن الملوك لا يحلفون ولكن كلمتهم تكفي. وحلف من المسلمين الملك ~~العادل أخو صلاح الدين والملك الأفضل والملك الظاهر ابناه وجماعة من أمرائه الكبار، ~~وكانت شروط الصلح أن يحتفظ الفرنج بالساحل من عكا إلى يافا، وأن يسمح للحجاج أن ~~يزوروا بيت المقدس، وأن تخرب عسقلان ويكون الساحل من أولها إلى الجنوب لصلاح ~~الدين. # ودخل في ذلك الصلح أميرا طرابلس وأنطاكية على أن يحلفا للمسلمين؛ فإن لم يفعلا لم ~~يدخلا في الصلح. # وهكذا تم الصلح ووفدت وفود الحجاج المتحمسين إلى القدس، فأكرمهم صلاح الدين ~~إكراما عظيما، وعاد ريكارد إلى بلاده، وانصرفت الجنود الإسلامية عائدة إلى أوطانها ~~المختلفة بعد تلك الحرب الضروس التي لم يخب لهيبها مدة قرن، فمات فيه من مات من ~~الفرنج في سبيل غرض دفعتهم إلى قصده حماسة غير موفقة، وساقهم إلى تلك الحماسة جماعة ~~كان أكثرهم يسر حسوا في ارتغاء، # 7 # ومات من مات من المسلمين في دفاعهم المجيد عن أوطانهم يقودهم شيوخ من ~~كرامهم رأوا ذلك الجهاد خير ما يقضى فيه عمر الأحياء، وما الحياة؟ أليست تلك الأنفاس ~~التي تتردد في تلك الفترة المحتومة ما بين واجب الميلاد وواجب الموت؟ ألا إنها لفترة ~~مملة مسئمة إذا لم يكن بها ما يهز النفوس، ولئن كان هذا كذلك فلقد اختار مسلمو ذلك ~~العهد ذلك الجهاد سلوة يقطعون عليها حياتهم، ولقد كانت سلوة جديرة بكرام الرجال. # وأما عمل صلاح الدين في ذلك فإنه قد جمع الدول الإسلامية بين يديه، وكانت عندما دخل ~~الميدان لا تعدو عاصمتين من عواصم الشام والجزيرة وما بينهما من الأرض، ms101 وكان ما عدا ذلك ~~في يد الفرنج أو الفواطم. # فلما مات كانت دولة واحدة من الدجلة إلى النوبة إلى برقة، وما زال بالفرنج حتى حصرهم ~~على الساحل في الرقعة الضيقة بين عكا ويافا. وإذا قلنا: إن ذلك عمل صلاح الدين فما ذلك ~~إلا لأنه لولاه لما تم ولظلت دولة الفرنج قوية بل لزادت قوة. ~~(29) آخر حياة صلاح الدين # أقام صلاح الدين بالقدس حينا بعد الصلح؛ لكي يصلح من أمرها على حسب سنته، وأقام ~~بها المدارس والمستشفيات، ثم خلف بها صديقه القديم عز الدين جورديك، وسار يتفقد ~~أحوال البلاد الشمالية ويقابل الأمراء لا يفرق بين صاحب أنطاكية المسيحي وأصحاب نابلس ~~وطبرية وصفد المسلمين، ثم دخل دمشق وكان دخوله إليها دخول المنصور الموفق، واستقبلته ~~تلك المدينة المحبوبة استقبالا عظيما جمعت فيه تقدير عظمته وحب كرمه وخلقه العظيم، ~~وجاءت إليه وفود الناس من أهل دنيا وأهل دين، واجتمع له الشعراء والأدباء يقصدونه ~~بالمدح، فكان وجوده بالمدينة سلسلة من الأعياد والأفراح، ووافاه هناك أخوه وأولاده، ~~وكان يقصد أن يعود إلى مصر من هناك، ولعله كان يقصد أن يجعلها مركز دولته الجديدة، ~~ويأخذ في تنظيمها وإعلاء شأنها، ولكن جماعة يقولون إنه إنما كان يقصد الراحة قليلا ثم ~~يعود إلى القتال في آسيا الصغرى وبلاد فارس. على أنه قد بقي في دمشق أطول مما كان ~~عازما عليه في أول الأمر؛ فقد كانت دمشق مهد صباه الأول، وكانت أحب البلاد إليه، وقد ~~استهواه فيها الصيد فخرج يقضي منه وطره وينعم بلذة الرجولة فيه، ويتفرج في أرض الظباء ~~في سهوبها مدة الشتاء، وكان يجلس في أكثر أوقات الفراغ في وسط أولاده الصغار وأصدقائه ~~المقربين، وقد رفعت عنهم الكلفة وسادت المباسطة، وفي أثناء تلك الراحة حدث له كسل ~~فكان لا يكثر من الخروج إلى العمل الرسمي بل يؤثر البقاء في خلوته. # صورة قبر صلاح الدين. # ولكنه لما رجع الحجاج خرج إلى لقائهم، وعند ذلك اجتمع الناس لرؤيته، وكان في لباس ~~بسيط ليس عليه درع ولا وقاء، وكان يرغب في ms102 الحج ولا يجد فرصة لذلك وسط حروبه ومشاغله، ~~فكان لذلك تأثره عظيما عندما رأى المقبلين منه، ثم عاد بعد ذلك إلى دمشق سائرا بين ~~البساتين ليتحاشى الجموع الكثيرة المصطفة لرؤيته، ولعل ذلك كان برأي الذين حوله؛ إذ ~~خشوا عليه من شر يحدث له في وسط الجموع وليس عليه ما يقيه. # ومرض بعد عودته إلى دمشق بحمى صفراوية، وانتابه أرق شديد في الليل ولزم الفراش نحو ~~أحد عشر يوما، ومات في الثاني عشر من مرضه، وكان ذلك في السابع والعشرين من صفر لعام ~~تسع وثمانين وخمسمائة، ويوافق ذلك 4 مارس سنة 1193 ميلادية. # وكان حزن الناس لموته لا يوصف؛ فقد كان العامة يرون فيه السلطان العادل، والجند ~~يعرفونه القائد المنصور، والقادة يعرفون فيه الرجل العظيم، والعلماء يعرفون فيه التقوى ~~والوداعة والإيمان، والأدباء يذكرون ما نالهم من بره وتقديره لمواهبهم. فكان يوم ~~موته مأتما عاما لا مراءاة فيه ولا مجاملة، بل كانت موجة الحزن تجتاح البلاد قوية ~~ثائرة. قال أحد كبار رجاله - وهو القاضي بهاء الدين بن شداد: «وبالله لقد كنت أسمع من ~~بعض الناس أنهم يتمنون فداءه بنفوسهم، فظننت هذا على ضرب من التجوز والترخص إلا في ~~ذلك اليوم، فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدى بالنفس.» وقد مات صلاح ~~الدين عن نحو سبع وخمسين سنة بعد أن ملك مصر نحو أربع وعشرين سنة وملك الشام نحو تسع ~~عشرة سنة، وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا وبنتا واحدة تزوجت فيما بعد بابن عمها الملك ~~الكامل صاحب مصر، وكان أكبر أولاده الذكور: الملك الأفضل نور الدين علي والذي يليه ~~العزيز عثمان والثالث الظاهر. ~~(30) كلمة عن الرجل # ما هي العظمة؟ وما هو الرجل العظيم؟ هذان ~~سؤالان يصعب أن يجيب الإنسان عليهما، ولكن لا بد من أن يلتمس الإنسان ذلك السر إذا أراد ~~أن يدرك شيئا عن حقيقة صلاح الدين. # لقد كان في العالم عظماء كثيرون من رجال السيف ومن رجال الفكر، وقد ترك هؤلاء آثارا ~~في وقتهم، وظلت آثارهم إلى ms103 ما بعد موتهم. # ولكن المرء يدرك أنهم كانوا كبارا في الرجال، فإذا ما حاول أن يعرف سر عظمتهم خانه ~~البحث أو ضلله المنطق، حتى لقد قال الكثيرون: إن العظمة سر خفي في المرء يرى أثره ~~ولا يعرف كنهه. # ويكتفي هؤلاء بأن يفسروها بألفاظ غامضة إذ لا يقدرون على تبسيطها، ولكنا نخاطر ~~ونحاول بالاستقراء أن نقول في هذا الشأن كلمة نصوغها بأبسط لغة عالمين بوعورة ما ~~نتجشم. # الجسم في نفسه - وهو تلك المجموعة من اللحم والعظم وسائر المكونات - ليس إلا آلة ~~تطيع وأداة تنفذ ما يريده نظام أعلى وهو الروح وما يلحق به من مجموعة عصبية، ولعلنا ~~إذا أردنا معرفة سر عظمة الفرد لا نقدر أن نجده في الغلاف الخارجي، بل لا بد أن يكون في ~~تلك المجموعة العصبية المسيطرة. ~~(أ) # كان كل عظماء الرجال ذوي أعصاب متينة؛ تحس فتؤدي إحساسها على أتم وجه ~~وأدقه، ثم تحرك الجسم ما شاءت من حركات لا يتطرق إليها الخلل ولا ~~يخرج عن سلطانها عضو من الأعضاء. # يتلقى العظماء من الصدمات أعظمها ويحسون بعظم الصدمة، بل إن إحساسهم ~~بها يكون - في الغالب - أكثر من إحساس عامة الناس، ولكنهم لا يذهلون للصدمة ~~ولو اشتدت، ومثل هذا ما نسمعه من نابليون إذ قال عن نفسه: «كأن الأقدار ~~كانت عالمة بما خبأته لي من صدمات فجعلت لي أعصابا من حديد.» # وقد كان لصلاح الدين قسط كبير من هذه الصفة؛ فكان لا يذهل عند صدمة بل ~~يحس بها ويقف ويحكم ويريد وينفذ في ثبات ودقة؛ ففي حصار عكا كان يرى العدو ~~يزيد عدده يوما بعد يوم وهو يتخذ لكل طارئ عدته أو يحاول ذلك، ولم يجزع ~~ولم تخر عزيمته. وفي موقعة أرسوف وقف وحده في وسط جمع قليل وقد انهزم ~~جيشه، وبقي على ثباته حتى بعث شيئا مما في نفسه من قوة الجنان إلى رجاله ~~فثبتوا، ومنع بذلك كارثة كادت تكون قاضية. وكم حدث أن بلغه نعي أبنائه أو ~~أهله من أعز الناس عليه فيملك نفسه والحزن يحرق قلبه، ms104 فإذا كان في وليمة لا ~~يفسدها بل يستمر على إحيائها إلى أن تنتهي، ثم يترك بعد ذلك العنان لنفسه ~~الحساسة فيفيض جواها وحزنها بعد أن كبحها ما شاء. ولو شئنا أن نضاعف ~~الأمثلة الدالة على ذلك لوجدنا في كل يوم من حياته المليئة مثلا بل ~~أمثالا. ~~(ب) # هذا وقد نبيح لأنفسنا أن نستعير لغة ما وراء الطبيعة فنقول: إن القوة ~~العصبية نوع من القوة ولها كما يقولون أشعة، ولعل تلك الأشعة تحدث في ~~الخارج أثرا، ولعل هذا هو سر ما يشعر به الناس من هيبة ممزوجة باحترام وحب ~~إذا هم اقتربوا من العظيم، وما ذلك الشعور - كما يقول أصحاب ما وراء ~~الطبيعة - إلا نتيجة تأثير نفس العظيم في نفوس من حوله، وذلك شبيه بأثر ~~المنوم في التنويم المغناطيسي. وقد كان عظماء الرجال جميعا متصفين بتلك ~~الصفة، فلا نسمع عن عظيم إلا ونعرف أن المتقرب إليه كان يشعر بشيء من ~~الشعور القوي نحوه. # وقد قال من اقترب من صلاح الدين مثل هذا، ومن ذلك ما حكاه عبد اللطيف ~~البغدادي عنه إذ قال: «إن المتقرب منه لا يستطيع إلا أن يحس بحب له ~~ممزوج بهيبة.» # 8 ~~(ج) # هذا عن تلك القوة المبهمة التي يمتاز بها الرجل العظيم، ولكنا نقدر بعد ~~ذلك أن نتكلم كلاما أقل إبهاما؛ فإن من أكبر مميزات العظيم نظرته في ~~الحياة إلى نفسه وإلى الناس. # إن الطفل ينظر إلى العالم نظرة سطحية فيرى كل ما فيها معقدا منفصلا ~~عن غيره غير مفهوم، فإذا ما كبر أخذ يخترق السطح فيعرف طبائع الأشياء فيقل ~~تعقدها في نظره، حتى إذا عرف العالم وخبره أمكنه أن يسند كل شيء إلى ~~أصوله، وأن يرى الأمور بسيطة إلى حد أكبر مما كان يراه من قبل. وهكذا ~~الناس فمنهم الأبله الذي يأخذ العالم كما هو ويظن كل شيء وحدة قائمة بذاتها ~~فيخيل إليه أن العالم مركب معقد على غير نظام، ويليه من هو أكثر ~~منه نباهة، حتى الذكي الفهم فإنه يرى العالم أبسط بكثير مما يراه ms105 الأقل ~~فهما. فإذا ما بلغ الرجل إلى مستوى العظمة أمكنه أن يخترق الحجب السطحية ~~وأن يتغلغل إلى الحقائق المجردة من التمويه والأعراض؛ ولهذا كان عظماء ~~الرجال دائما ممتازين ببساطة التفكير وبساطة الخطط وبساطة النظرة إلى ~~الحياة، فينظرون إلى أنفسهم وإلى الناس أنهم جميعا خلق متشابهون في كثير، ~~ويختلف بعضهم عن بعض بحسب طباعهم لا بحسب الاصطلاح والوضع. وهكذا كان صلاح ~~الدين بسيطا في كل شيء: في نظرته إلى الحياة، في تفكيره في سلوكه، في ~~معاملاته، في حياته، في نظرته إلى نفسه وإلى الناس. # كان لا يظهر بأنه سيد الدولة الإسلامية، بل يقف أمام أمرائه الكبار وأحقر ~~خدمه على السواء بصفته رجلا أمام رجال؛ لا يفرق بين أحد والآخر إلا بمقدار ~~حظه من الرجولة، ولعله كان واثقا - أو كان واثقا بطبعه بغير تفكير - من ~~أنه أقوى من كل من دونه من الرجال بغير حاجة إلى أن يرتكز على مساعدة ~~أبهة الملك وهيبة السلطان. وكان أمراؤه مع ما يعطيهم من الحرية وما كان ~~لهم في عصرهم ذاك من القوة والنفوذ، كانوا يتضاءلون أمامه ولا يجسر أحد أن ~~يعصي إذا أمره، لا خوفا من قوته المادية ولكن طاعة لا بد منها لشخصه ~~القوي. # فلم يكن يحرك على أمير جنودا، بل يكلمه الكلمة الوديعة ثم يتركه، ~~فإذا هو خاضع ولو كان ممن لا يأسرهم الإحسان. # وإلى جانب هذا كان لا يرى فرقا كبيرا بينه وبين أقل خدمه، بل يتجاوز ~~ويحكم بطبعه بغير تكلف؛ فقد رمى أحد الخدم آخر بحذاء فتجاوز حتى وصل إليه ~~هو، فأدار وجهه للناحية الأخرى حتى لا يحرج ذلك الخادم. وكان إذا عرضت ~~عليه القصص يزدحم الناس عليه حتى لقد يطئون طراحته وهو لا يتأثر. # 9 # وطلب في قضية خصما فجلس في مجلس القضاء ولم يتكبر مع أن الحق كان ~~معه. وأراد مملوك مرة أن يوقع منه على ورقة فاعتذر له بالضجر وطلب إليه ~~أن يؤجل ذلك، فألح فقال له: إن الدواة غير حاضرة، فأشار المملوك إلى دواة ~~كانت على مسافة ms106 منه، فنظر صلاح الدين فوجدها، فمال ببساطة نحوها مرتكزا ~~على يده حتى بلغها بمشقة، ثم وقع له بما شاء ولم ير في ذلك ~~شيئا. # وكان إذا مرض أحد أتباعه أرسل يسأل عنه مرارا ولو كان هو نفسه مريضا. ~~وكان كثير الوداعة في دائرة أسرته، يجالس أولاده ويباسطهم ويضاحكهم لا سيما ~~الصغار منهم. وكان معروفا دائما بالعطف على كل ضعيف لا سيما الشيوخ ~~والنساء والأطفال، # 10 # فلا غرابة لمن كان مثل ذلك إذا كانت طاعة الناس له طاعة طبيعية ~~يغتصبها بشخصه القوي، وتبذل له حبا بالطبع بغير تكلف. ~~(د) # والرجل العظيم شديد الإحساس دائما، ولو أن إحساسه لا يخرج أعماله عن ~~إرادته وسيطرته، وكل ما يرد في سير العظماء يدل على أنهم كانوا من ~~أشد الناس عاطفة، ولو أنهم كانوا يملكون ناصية تلك العواطف. وقد كان صلاح ~~الدين شديد العاطفة؛ يزيد به الفرح إذا لقي صديقا حتى يبكي، ويزيد به ~~الوجد إذا اهتم لأمر حتى لا يأكل ولا ينام، بل يقضي كل وقته في عمل ~~مستمر، ويملكه السرور أحيانا فتهون عنده الدنيا وما بها، وتهزه الأريحية ~~فيهب كل ماله، وتستهويه ملاهي الرجولة فيقضي في الصيد أياما يشعر بلذة ~~أي لذة في أن يسرح بين المروج ويتردد في وديان الفلاة الفسيحة، ثم ~~يستثيره الطرب الحلال إلى الجمال فيهتز لقول الشاعر إذ يقول أمثال: # وزارني طيف من أهوى على حذر # من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا # فكدت أوقظ من حولي به فرحا # وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا # ثم انتبهت وآمالي تخيل لي # نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا # فالحق أن الذي لا تهزه العواطف الوثابة يكون أثقل مادة من أن ينهض ~~إلى الآفاق العالية. ~~(ه) # هذا من جهة الشخصية، ولكن إلى جانب هذا يمتاز العظيم دائما بقوة العقل ~~والذكاء. والواقع أن قوة العقل والذكاء ما هي إلا نتيجة لازمة للقوة ~~العصبية، وقد كان صلاح الدين على أكبر ما بلغه الإنسان من قوة العقل. إنه ~~لم يكن عالما بالمعنى الأكبر ولو أنه كان على ms107 شيء كثير من الاطلاع في ~~الحديث وشيء من الفقه والأدب ولا سيما أنساب العرب ووقائعهم وسيرهم، ~~فنعرف مثلا أنه قرأ فيما قرأ كتابا في الفقه من تصنيف الرازي، وكان في ~~الصباح يقرأ بعد الصلاة شيئا من الحديث أو الفقه مع بعض الأشياخ مثل ~~القاضي بهاء الدين بن شداد. ولكن ذكاءه القوي كان يسد ما في علمه من نقص؛ ~~ولهذا كان أكبر مدرسي عصره يحسبون لعلمه حسابا إذا ما أحاطوا به في مجلسه ~~الحافل بكبار أهل العلم في عصره. وكانت وجوه مناقشته ونقده تدل على مقدار ~~فهمه، وإذا وصفناه بالفهم فإنا نقصد بالطبع أنه كان من أهل السنة ~~المتشددين في مسألة العقيدة، وإذا كانت المغالاة في ذلك عيبا فقد كان ~~مغاليا في التشدد، ويعرف عنه أنه قتل جماعة ممن كان يشك في صدق ~~إيمانهم. ولعل روح العصر تشفع له إذا كان هناك من يميل إلى مؤاخذته في ~~ذلك. # ولكن صلاح الدين كان رجل سياسة وحرب ولم يكن برجل العلم؛ ولهذا كان ذكاؤه ~~أظهر ما يكون في أمور الدولة والحروب؛ فقد كان بعيد النظر يتوقع الأمر ~~قبل حدوثه من أول بوادره، وكثيرا ما كان رأيه في أمور الدولة خيرا من رأي ~~أجمع عليه أمراؤه كلهم. وكان في إصلاح أمور بلاده يضع يده دائما على مواضع ~~الخلل والضعف، وكانت له قدرة عظيمة على القيام بتفاصيل الأمور؛ فكان في وقت ~~واحد يدبر الحرب ويرسم الخطط ويرسل إلى الأقاليم المختلفة التي في دولته ~~يرسم خطط الإصلاح الداخلي ويملي إرادته في الإدارة المحلية، ويقوم في ~~أثناء هذا وذاك على مراقبة كل ما يجري في القضاء في بلاده على يد القضاة، ~~وما يجري من الأمور في جيشه الكبير، حتى لقد كان كل جندي يظن أن عين صلاح ~~الدين واقعة عليه، وكانت حماسة جنوده ناشئة من اعتقادهم أنه يعرف ما يعملون ~~ويجازي الإحسان ويعاقب الإساءة على طريقته في الجزاء والعقاب. ~~(و) # على أن صلاح الدين يمتاز فوق كل هذا بميزة قل أن توجد في غيره من ~~العظماء؛ فقد ms108 ذكر التاريخ كثيرين ممن جمعوا قوة الشخصية وقوة العقل، ~~وأحدثوا في العالم بهذه الميزات آثارا كبرى، ولكن قل أن نجد من هؤلاء ~~العظماء من كان في نفس الوقت عظيما وقديسا. بل إن كثيرا منهم كانت ~~لهم سقطات في خلقه: إما من قسوة، وإما من عدم تردد أمام الوسائل لبلوغ ~~غاياتهم، وإما من تجاوز لحدود الأخلاق الفاضلة. بل إن كثيرين من العظماء ~~يرون الفضائل دون قدرهم، ويظنون أنها قيود وضعت للدهماء الذين هم في ~~مستوى دون مستواهم، ولكن صلاح الدين كان من القلائل الذين جمعوا الخلق ~~الكريم والعقل القوي والشخصية المسيطرة. # فكان متدينا منذ أول حياته، ولكنه كان مخطئا بعض الخطأ في صباه، حتى ~~إذا ما دخل ميدان العمل في أول رجولته ترك اللهو وتاب عما حرمه الله. ولكن ~~عقيدته لم يتدخل إليها خلل في وقت من أوقات حياته، وكان حريصا على أن ~~تكون عقيدة أبنائه قائمة على صخرة، فكان يعلمهم بنفسه أول قواعد ~~الدين. # وأما فروض الدين من الصلاة فكان مواظبا عليها ويصلي نوافل فوقها ~~كثيرة، ولم يترك الصلاة إلا عندما اشتد عليه مرض الموت وتغيب ذهنه في ~~الأيام الثلاثة الأخيرة. وكان يؤدي الزكاة عن ماله القليل ولو أنه لم يكن ~~في وقت من حياته كثير المال؛ لكرمه وكثرة نفقته في وجوه الخير؛ وليس أدل ~~على ذلك من أنه لم يترك عند وفاته في خزائنه أكثر من سبعة وأربعين درهما ~~وجرما واحدا ذهبا، ولم يخلف ملكا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ~~ولا مزرعة. # وأما الصوم فقد كان يشتد عليه؛ ولا سيما في ميدان الحرب وأيام المرض، ~~وكان ضعيف الجسم؛ فلهذا كان يتأخر عليه فوائت، وحاول أن يقضيها بعد أن ~~انتهى من حروبه ولكنه مات وعليه بعضها. # ولم يستطع الحج مع عزمه عليه وشدة شوقه إليه؛ إذ لم يمهله الأجل بعد أن ~~فرغ من الجهاد ليتم تلك الفريضة. ومن العجيب أن نعرف أنه في العام الوحيد ~~الذي خلا من الجهاد في آخر حياته لم يستطع الحج «لخلو اليد عما يليق ms109 ~~بأمثاله». # وكان رقيق النفس يهتز اهتزازا شديدا لسماع القرآن والحديث، وكان كثير ~~الثقة بالله إلى درجة قد يعدها البعض خرافة، ولكن الحقيقة أن ثبات نفسه ~~كان يدفعه إلى الاطمئنان إلى ما يجري به القضاء واثقا بأنه قد بذل ما في ~~وسعه، وأن الحيلة بعد ذلك في تصريف القضاء ليست في يده. # ولكن التدين وحده ليس كل ما اتصف به ذلك الرجل الفذ؛ فقد كان خلقه مما ~~يزين أبعد الناس عن الدين فيقربه إلى نفوس المتدينين. فكان لا يرى الغاية ~~تبرر الوسيلة؛ ولهذا لم ينزل في جهاده - مع حماسته وشدة إيمانه - لقصده ~~إلى سلوك سبيل تأباها المكارم؛ فلم يغدر مرة ولم يقل كلمة إلا وفى بها ~~ولم يعد حتى يكون قصده الوفاء، وكان في هذا يسوي بين صديقه وعدوه، ~~فكان يأبى مع أعدائه إلا أن يكون منازلا شريفا، فلم تحفظ عليه هنة، ~~ولم يعرف عنه نقض لعهد ولا سعي دنيء في الخفاء، وقد انتصر في حطين ~~وفتح القدس نصرا عظيما، فلم يبطره ذلك ولم يدر رأسه فيدفع به إلى ~~انتقام أو قسوة، بل تجلت شفقته على الضعيف وبره بالوعد ورحمته بالإنسان ~~ولو كان من غير جنسه ودينه، بل لو كان من أشد أعدائه. # ولم يكن في نفسه حقد ولا حب انتقام، ويتجلى ذلك من وصيته لابنه إذ قال: ~~«وأحذرك من الدماء والدخول فيها؛ فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب ~~الرعية والنظر في أحوالهم ... ولا تحقد على أحد؛ فإن الموت لا يبقي على ~~أحد، واحذر ما بينك وبين الناس فإنه لا يغفر إلا برضاهم. وأما ما بينك ~~وبين الله فإنه يغفره بالتوبة إليه فإنه كريم.» وكان غضبه إذا غضب للمكارم ~~والشرف، فقتله لأرناط الغادر صاحب الكرك لا يذمه أحد وإيقاعه بشاور الوزير ~~المصري لا يجد مؤرخ غبارا عليه؛ إذ كان في كل ذلك غاضبا للشرف والرجولة ~~والعهد. وكان عادلا عدالة لا قيد عليها ولو كان على أهله ونفسه، فكان يأخذ ~~من أبناء إخوته وأبنائه ومن نفسه إذا قام دليل على أن ms110 القانون يحكم عليهم ~~أو عليه. على أن كل ما يذكر من مواقفه أمام القضاء يدل على أنه كان على ~~الحق. فكان إذا تبرأ أمام القانون مما طلبه خصمه تكرم على ذلك الخصم ~~فوهبه ما يسمح به كرمه علما منه أن ذلك الخصم ما اندفع إلى ما اندفع إليه ~~إلا لحاجة قامت به. # وكان كريما ينفق ما في يده وأكثر مما في يده في سبيل الخير والإحسان، ~~ولم يترك ميراثا من ذهب أو فضة أو ملك لهذا السبب، ذلك وهو صاحب الدولة ~~العظيمة التي ألبست فرعون وكسرى ذهبا، وجعلت لهما أهراما وإيوانا، فكان ~~أحيانا يذكر المال قائلا: «يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال ~~كما ينظر إلى التراب.» ولعله كان يريد بذلك نفسه. # وكان بعد ذلك حسن العشرة لطيف المعاملة طيب الفكاهة. وكان مجلسه طاهرا ~~من الرجس لا يذكر بين يديه إلا خير؛ إذ كان لا يحب أن يسمع إلا خيرا. ~~ولم يشتم أحدا ولم يعل صوته في تأنيب أحد من خدمه إلا مراجعة لطيفة ولو ~~اشتد موجب التأنيب؛ ومثل من ذلك ما حدث أيام مرضه: وذلك أنه أدخل ~~الحمام فوجد الماء حارا فطلب ماء باردا فأحضره الذي يخدمه، فسقط من ~~الماء شيء على الأرض فناله منه شيء فتألم له لضعفه، ثم طلب الماء البارد ~~أيضا فأحضر، فلما قاربه سقطت الطاسة على الأرض فوقع الماء جميعه عليه ~~فكاد يهلك، فلم يزد على أن قال للغلام: «إن كنت تريد قتلي فعرفني.» ثم ~~سكت عنه. # وكان في حياته الداخلية هادئا محبوبا، يودع أبناءه بأن يقبلهم ~~ويمسح على رءوسهم، وكان يصحب أولاده وإخوته في الصيد، وكان يداعب أبناءه ~~الصغار ويعيش في داخل بيته غير متكلف، وكان يطلب أحيانا أكلا بسيطا ~~كأرز بلبن وأمثاله، فيأكل مع من حضر من رجاله الأخصاء وأولاده كما يفعل ~~أي عامل من أوساط الناس. # على مثل هذا كان صلاح الدين في حياته، وقد خلا العالم بوفاته من نور ~~أشرق عليه حينا إلا ذكرا نردده عنه لعل فيه أسوة ms111 ومنار هدى. ms112