######OpenITI# #META# URI: 1388SaticHusri.DirasatCanMuqaddimatIbnKhaldun.Hindawi92914940 #META# Tags: history #META# ID: 92914940 #META# Title: دراسات عن مقدمة ابن خلدون #META# AuthorID: 63685841 #META# Author: ساطع الحصري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # توطئة‏ # المدخل الأول: على هامش المقدمة‏ # جولة بين التاريخ والمؤرخين‏ # المدخل الثاني: حول مؤلف المقدمة‏ # مؤلف المقدمة‏ # أسرة ابن خلدون‏ # عصر ابن خلدون‏ # حياة ابن خلدون‏ # آثار ابن خلدون‏ # القسم الأول: نظرات وملاحظات عامة‏ # أبحاث المقدمة‏ # تاريخ كتابة المقدمة‏ # طرافة المقدمة وتأثيرها‏ # لغة المقدمة‏ # كلمة العرب‏ # القسم الثاني: مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع‏ # ابن خلدون وفلسفة التاريخ‏ # ابن خلدون وفيكو‏ # ابن خلدون ومونتسكيو‏ # ابن خلدون وعلم الاجتماع‏ # المذاهب الأساسية في علم الاجتماع‏ # مقدمة ابن خلدون في نظر علماء ~~الغرب‏ # القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته‏ # نظرة عامة إلى أساليب عرض الآراء‏ # موضوع التاريخ ومهمة المؤرخ‏ # طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم‏ # القسر الاجتماعي والتقليد‏ # التطور التدريجي في الطبيعة والمجتمعات‏ # طبائع الأمم وسجاياها‏ # نظرية العصبية‏ # الدولة وتطوراتها‏ # الحروب‏ # النفس الإنسانية‏ # التربية والتعليم‏ # التفكير والإيمان‏ # الخط والكتابة‏ # المدن والأمصار‏ # الحياة الاقتصادية‏ # التشبيهات المادية‏ # تكملة‏ # حول نسب ابن خلدون‏ # نقد كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية‏ # أخطاء في نقل وتلخيص الآراء‏ # أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون‏ # حول ابن خلدون وأوكوست كونت‏ # أسلوب المقدمة ومفرداتها اللغوية‏ # اكتشاف ابن خلدون في البلاد الأوروبية‏ # تأثير ابن خلدون في مؤرخي الأتراك ~~ومفكريهم‏ # نقد كتاب البروفسور غاستون بوتول‏ # حول فقرة في مقدمة ابن خلدون‏ # ما كتبه العرب المعاصرون عن ابن خلدون‏ # رجاء هام من باحثي المخطوطات‏ # تصنيف المباحث حسب تواريخ نشرها‏ # كلمة المؤلف‏ # توطئة‏ # المدخل الأول: على هامش المقدمة‏ # جولة بين التاريخ والمؤرخين‏ # المدخل الثاني: حول مؤلف المقدمة‏ # مؤلف المقدمة‏ # أسرة ابن خلدون‏ # عصر ابن خلدون‏ # حياة ابن خلدون‏ # آثار ابن خلدون‏ # القسم الأول: نظرات وملاحظات عامة‏ # أبحاث المقدمة‏ # تاريخ كتابة المقدمة‏ # طرافة المقدمة وتأثيرها‏ # لغة المقدمة‏ # كلمة العرب‏ # القسم الثاني: مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع‏ # ابن خلدون وفلسفة التاريخ‏ # ابن خلدون وفيكو‏ # ابن خلدون ومونتسكيو‏ # ابن خلدون وعلم الاجتماع‏ # المذاهب الأساسية في علم الاجتماع‏ # مقدمة ابن خلدون في نظر علماء ~~الغرب‏ # القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته‏ # نظرة عامة ms001 إلى أساليب عرض الآراء‏ # موضوع التاريخ ومهمة المؤرخ‏ # طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم‏ # القسر الاجتماعي والتقليد‏ # التطور التدريجي في الطبيعة والمجتمعات‏ # طبائع الأمم وسجاياها‏ # نظرية العصبية‏ # الدولة وتطوراتها‏ # الحروب‏ # النفس الإنسانية‏ # التربية والتعليم‏ # التفكير والإيمان‏ # الخط والكتابة‏ # المدن والأمصار‏ # الحياة الاقتصادية‏ # التشبيهات المادية‏ # تكملة‏ # حول نسب ابن خلدون‏ # نقد كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية‏ # أخطاء في نقل وتلخيص الآراء‏ # أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون‏ # حول ابن خلدون وأوكوست كونت‏ # أسلوب المقدمة ومفرداتها اللغوية‏ # اكتشاف ابن خلدون في البلاد الأوروبية‏ # تأثير ابن خلدون في مؤرخي الأتراك ~~ومفكريهم‏ # نقد كتاب البروفسور غاستون بوتول‏ # حول فقرة في مقدمة ابن خلدون‏ # ما كتبه العرب المعاصرون عن ابن خلدون‏ # رجاء هام من باحثي المخطوطات‏ # تصنيف المباحث حسب تواريخ نشرها‏ # | دراسات عن مقدمة ابن خلدون # | دراسات عن مقدمة ابن خلدون # تأليف # ساطع الحصري # | كلمة المؤلف # هذا الكتاب يضم بين دفتيه جميع دراساتي عن مقدمة ابن خلدون؛ ما كان ~~نشر منها سنة 1943، وما نشر سنة 1944، وما لم يسبق نشره ~~قبلا. # عندما نشرت الجزء الأول من هذه الدراسات، كنت صدرته بكلمة تشير ~~إلى ظروفها وتوضح أغراضها، رأيت من الضروري أن أعيد نشرها عينا في ~~مستهل هذا الكتاب أيضا: # إن كتابة دراسة مفصلة عن مقدمة ابن خلدون كانت من أعز ~~الأماني التي لم أنقطع عن التفكير بها، وعن العمل لإعداد ~~وسائلها منذ مدة غير يسيرة. # إنها كانت من جملة المشاريع الفكرية التي وضعتها لنفسي، بغية ~~إنجازها في الوقت الذي أتخلص فيه من أعباء الأعمال الرسمية، ~~وأتفرغ إلى الدرس والتأليف في المسائل التربوية ~~والاجتماعية. # إن ظروف السنة الأخيرة قد رفعت عن عاتقي أعباء الأعمال ~~الرسمية، فمنحتني الوقت اللازم لتحقيق هذا المشروع، غير أنها - ~~في الوقت نفسه - أبعدتني عن كتبي وأوراقي، فحرمتني من وسائل ~~تحقيق أمنيتي بالإحاطة التي كنت أستعد لها، والدقة التي كنت ~~أتوخاها. # ومع هذا، فقد رأيت أن أشغل أوقاتي بكتابة بعض الدراسات عن ~~مقدمة ابن خلدون، بقدر ما تسمح لي الذاكرة من جهة، وبقدر ما ~~تساعدني المراجع التي ms002 أستطيع الحصول عليها في ظروفي الحالية من ~~جهة أخرى، آملا أن تكون هذه الدراسات ممهدة للدراسة التامة ~~التي لا أزال أمني النفس بها. # فمن أجل ذلك أقدمت على كتابة هذه الدراسات على شكل مقالات ~~متفرقة. # ولما تجمعت لدي هذه الكمية منها رأيت أن أنشرها؛ ~~لاعتقادي بأنها ستكون مفيدة في حالتها الحاضرة أيضا. # وإذا سمحت لي الظروف - في المستقبل - لاستئناف العمل فيها، ~~وإدماجها في الدراسة التامة التي ذكرتها؛ فسأكون مغتبطا ~~بإكمال المشروع الذي كنت قد وضعت خططه منذ سنين عديدة. # وإلا فسأكون قد قدمت «بعض النماذج» و«بعض الخطط» لدراسات ~~علمية عن مقدمة ابن خلدون، يستطيع أن يستفيد منها كل من ~~يقدم على مطالعة المقدمة بإمعان، كما يستطيع أن ينسج على ~~منوالها ويقوم على إتمامها كل من يريد التوسع والتعمق في دراسة ~~هذه المقدمة الخالدة دراسة علمية شاملة. # وحسبي هذا خدمة لذكرى مؤلفها العظيم. # بيروت، 20 كانون الأول 1942 # إن الظروف التي تلت كتابة هذه الكلمة لم تسمح لي بالإقدام على ~~الدراسة التامة التي كنت أمني النفس بها، ولكنها ساعدتني على مواصلة ~~الأبحاث وكتابة الدراسات، ولو بصورة متفرقة ومتقطعة: # خلال سنة 1943 اشتغلت بالإشراف على طبع الجزء الأول من الدراسات من ~~ناحية، وبكتابة بعض الدراسات الجديدة من ناحية أخرى. # وفي سنة 1944 قدمت إلى المطبعة الدراسات التي كونت الجزء الثاني، ~~وشرعت في كتابة دراسات أخرى؛ بغية إعداد الجزء الثالث منها. # ولكن قبل الانتهاء من ذلك وجدت نفسي أمام ظروف وواجبات جديدة، ألقت ~~على عاتقي سلسلة مهام - أولا في سوريا ثم في مصر - استأثرت بكل جهودي ~~وأوقاتي، فأبعدتني عن مقدمة ابن خلدون، ولم تسمح لي بالعودة إلى ~~دراستها إلا منذ أوائل السنة الماضية. # ولما كانت نسخ الجزأين المطبوعين قبلا قد نفدت منذ مدة طويلة، ~~رأيت أن أضم تلك الدراسات إلى دراساتي الجديدة في كتاب واحد، مع ~~إعادة النظر في ترتيبها وتبويبها حسب ما يقتضيه هذا الضم ~~والتوحيد. # وفي ختام الكلمة أود أن أصرح بأن مجموعة الدراسات التي أقدمها في ~~هذا الكتاب لا تزال ms003 في حالة مقالات مستقلة، تناولت كل واحدة منها دراسة ~~المقدمة من ناحية خاصة، وهي لا تزال في حالة خطط ونماذج لدراسات علمية ~~عن مقدمة ابن خلدون، «يستطيع أن يستفيد منها كل من يقدم على دراسة ~~المقدمة بإمعان، كما يستطيع أن ينسج على منوالها ويقدم على إتمامها ~~كل من يريد التوسع والتعمق في دراسة هذه المقدمة الخالدة دراسة علمية ~~شاملة»، كما قلت ذلك عند نشر المجموعة الأولى من هذه الدراسات. # أبو خلدون # ساطع الحصري # القاهرة، 3 تشرين الثاني 1952 # اللوحة 1: ابن خلدون كما تخيله جبران خليل ~~جبران. # اللوحة 2: ابن خلدون كما تخيله رسام آخر. # الدار التي ولد فيها ابن خلدون. # تشغلها الآن المدرسة الإدارية. # اللوحة 3. # المسيد الذي درس فيه ابن خلدون عندما كان ~~صغيرا. # يعرف باسم مسيد القبة. # اللوحة 4. # | توطئة # 1 # دراسات عن مقدمة ابن خلدون! # أسطر هذه الكلمات وكأني أسمع همس معترض يعترض علي ~~قائلا: # دراسات عن مقدمة ابن خلدون؟ ولماذا اخترت هذا الموضوع المبتذل ~~المعاد؟ إن مقدمة ابن خلدون منتشرة بين أيدي جميع المتنورين من ~~الناطقين بالضاد، وقد كتب الدكتور طه حسين أطروحة عن «فلسفة ابن ~~خلدون الاجتماعية»، كما نشر الأستاذ عبد الله عنان كتابا عن «ابن ~~خلدون، حياته وتراثه الفكري»، وقد نشر عدد غير قليل من المفكرين ~~والكتاب عددا لا بأس به من البحوث والفصول والمقالات عن ابن ~~خلدون ومقدمة ابن خلدون في مختلف الكتب والجرائد والمجلات. فلا ~~نتعدى الحقيقة إذا قلنا: ما من مفكر ولا مؤرخ عربي حظي من كثرة ~~الذكر وذيوع الصيت بما حظي به ابن خلدون، فما الفائدة من العودة ~~إلى هذا الموضوع بعد جميع هذه الكتابات والنشرات؟ ألم يكن من ~~الأجدر بك ومن الأوفق لمصلحة قرائك أن تنتخب موضوعا آخر أكثر ~~جدة وطرافة من هذا الموضوع؟ # غير أني لم أسلم بوجاهة مثل هذه الاعتراضات والملاحظات؛ لأنني ~~أعتقد بأن الطرافة في الدراسات لا تتأتى من جدة الموضوع وحده، ~~بل قد تتولد من طرافة الطريقة والاتجاه أيضا. وأنا مع احترامي ~~للكتب والمقالات والدراسات التي نشرت بالعربية ms004 عن ابن خلدون ~~ومقدمة ابن خلدون أرى أنها ظلت بعيدة عن استيفاء حاجة البحث في ~~هذا الموضوع الخصب الهام من نواحيه المختلفة، فأعتقد بأن هناك ~~حاجة ماسة إلى إكمال تلك الأبحاث والدراسات وإتمامها، كما أن ~~هناك ضرورة قصوى لإعادة النظر واستئناف البحث في معظم تلك ~~الدراسات بطرق وأساليب أخرى وفق وجهات نظر جديدة. # ومما يظهر هذه الحاجة بجلاء أعظم، ويبرهن على هذه الضرورة بوضوح ~~أتم؛ أن الأبحاث والدراسات المنشورة عن ابن خلدون باللغة العربية ~~قليلة وضئيلة جدا بالنسبة إلى ما نشر عنه في اللغات الأخرى، ولا ~~سيما في اللغات الأوروبية، وهناك عدد غير قليل من الدراسات العلمية ~~القيمة عن ابن خلدون وآرائه المختلفة لا تزال غير منقولة إلى ~~العربية. # ومن الغريب أن أهم الدراسات التي كتبت بأقلام بعض الشبان العرب ~~أيضا، ظلت خارجة عن نطاق «المطبوعات العربية» إلى الآن؛ فقد نشر ~~الدكتور كامل عياد - من الشام - أطروحة باللغة الألمانية سنة 1930 ~~عن «نظرية ابن خلدون في التاريخ والاجتماع»، كما نشر الدكتور صبحي ~~المحمصاني - من بيروت - أطروحة باللغة الفرنسية سنة 1932 عن «آراء ~~ابن خلدون الاقتصادية»، وكلتا الأطروحتين بقيتا غير مترجمتين إلى ~~العربية، بالرغم من مرور اثنتي عشرة سنة على انتشار الأولى، ومرور ~~عشر سنوات على انتشار الثانية، فاستفادة متنوري العرب من الأطروحة ~~الأولى لا تزال تتوقف على معرفة الألمانية، كما أن الاستفادة من ~~الثانية لا تزال تتطلب معرفة الفرنسية. # وإنني أعتقد لذلك كل الاعتقاد بأن الجيل المثقف الحاضر مقصر في ~~أداء واجباته نحو هذا المفكر العربي العظيم تقصيرا كبيرا. ~~••• # إن هذا التقصير الكبير لا يتجلى في «ضآلة الدراسات فحسب»، بل ~~يظهر في «رداءة الطبعات» أيضا؛ فإن جميع طبعات المقدمة التي صدرت ~~عن مطابع القاهرة وبيروت وانتشرت في جميع أنحاء العالم العربي ~~مشوبة بنواقص كثيرة وأغلاط فادحة. # ذلك لأن جميع هذه الطبعات منقولة عن طبعة بولاق، التي كان قد قام ~~بأعبائها الشيخ نصر الهوريني في القاهرة قبل مدة تزيد على ثمانية ~~عقود من السنين، والشيخ المومأ إليه كان بعيدا - بطبيعة ثقافته ms005 - ~~عن إدراك المبادئ الأساسية التي يجب مراعاتها في نشر مثل هذه ~~المؤلفات القديمة. # فجميع الطبعات الشرقية تكاد تكون خالية من الشروح والتعليقات، ~~فإن الشروح القليلة المبعثرة فيها لو جمعت في محل واحد لما ملأت ~~أكثر من ثلاث صفحات، زد على ذلك أن هذه الشروح قلما تخرج عن ~~نطاق «الإيضاحات اللغوية»، فإنها لا تستهدف على الغالب شيئا غير ~~ذكر معاني بعض الكلمات، هذا مع أن الترجمة التركية موشاة ببعض ~~الإيضاحات المطولة، لا سيما والترجمة الفرنسية مملوءة بمئات ومئات ~~من الشروح والتعليقات التي تحوم حول المعلومات اللغوية والأدبية ~~والجغرافية والتاريخية الضرورية لفهم أبحاث المقدمة حق ~~الفهم. # ومما يستلفت الأنظار في هذا الصدد أن الطبعات المتداولة مشوبة ~~بعدد غير قليل من الأغلاط المطبعية، التي تارة تغير معنى ~~العبارات، وطورا تجردها من كل معنى معقول، وتارة أخرى تقلب ~~معناها رأسا على عقب. # مثلا: إن بعض الطبعات مسخت كلمة «اليقين» إلى شكل «أينين»، ~~فابتدعت هذه العبارة الغريبة: «قال كبيرهم أفلاطون إن الإلهيات لا ~~يوصل فيها إلى أينين.» كما أنها حرفت «الحقيقة المتعقلة» ~~وجعلتها «الحقيقة المتعلقة»، واستبدلت عبارة «يحلق فوقها» بعبارة ~~«يلحق فوقها»، إنها مسخت «العلوم الآلية» مسخا غريبا، حولها ~~إلى «العلوم الإلهية»، وحرفت تركيب «سن بكره» وجعلته «بين ~~نكرة»، فجردته بذلك عن كل معنى معقول، كما حولت «عالم القردة» ~~إلى «عالم القدرة»، فغيرت المعنى المقصود تغييرا هائلا. # 1 # وقد تطفلت بعض الطبعات بزيادة أداة «إلا» في جملة نافية، فقلبت ~~معناها رأسا على عقب، وبعكس ذلك قد حذفت كلمة «ليس» من عبارة ~~أخرى، فجردتها من كل معنى مفهوم، كما أنها أسقطت عدة كلمات من ~~بعض العبارات، من غير أن تنتبه إلى أن ذلك قد جعل العبارة عديمة المعنى. # 2 # ومن الأمور الغريبة أن الطبعات المصرية والشامية ناقصة من حيث ~~المتون والفصول أيضا: فإذا قارنا إحدى هذه الطبعات بطبعة باريس ~~التي كان تعهدها المستشرق «كاترمير» في نفس السنة التي كان قد ~~أتم فيها الشيخ نصر الهوريني طبعة بولاق في مصر، نجد أنه ينقص ~~منها أحد عشر فصلا ms006 كاملا من الفصول المهمة، كما ينقص منها عدد ~~غير قليل من الأبحاث والفقرات من الفصول المختلفة، وإذا أحصينا ~~مجموع صفحات هذه الفصول والفقرات الناقصة نجد أنها تزيد على ~~الستين. # ومن الغريب أن طبعات مقدمة ابن خلدون المنتشرة في العالم العربي ~~ظلت على هذه الحال من النقص المعيب منذ مدة تزيد على ثلاثة أرباع ~~القرن، ومن الأغرب أن الأبحاث والدراسات المنشورة بالعربية عن ~~مقدمة ابن خلدون لم تنتبه إلى هذا النقص، فلم تعمل على تلافيه، ولم ~~تلفت الأنظار إليه إلى الآن. # 2 # هذا وإنني أرى أن هناك قضية هامة أخرى تستحق الملاحظة والعناية ~~أكثر من جميع الأمور التي ذكرتها آنفا: # إن الذين يطالعون مقدمة ابن خلدون يقرءونها عادة كما تقرأ ~~الكتب الحديثة، وينتقدونها بوجه عام كما تنتقد المؤلفات العصرية، ~~ومعظم الذين يكتبون عن المقدمة أيضا ينحون هذا المنحى نفسه، ~~ويميلون إلى وزن الآراء الواردة فيها بموازين المكتسبات العلمية ~~الحالية، من غير أن يلتفتوا إلى عدد القرون التي تفصل بيننا وبين ~~تاريخ كتابة المقدمة المذكورة، في حين أن قيمة المؤلفات القديمة ~~ومنزلة المفكرين القدماء - في تاريخ العلوم والأفكار - لا يمكن أن ~~تقدر على هذه الطريقة. # ذلك لأن كل عالم ومفكر يشترك - بوجه عام - مع معاصريه في معظم ~~آرائهم، فيشاطرهم أكثر أخطائهم، ولا يمتاز عليهم إلا في «بعض ~~الآراء» التي يتوفق إلى ابتكارها، و«بعض المعلومات» التي يتوصل ~~إلى اكتشافها. # ولهذا السبب نرى أن منزلة الباحث والمفكر في «تاريخ العلوم ~~والأفكار» لا تتعين بملاحظة «جميع الآراء الصائبة والخاطئة» ~~المنبثة في كتاباته ومؤلفاته المختلفة، بل تتقرر بملاحظة ~~«الآراء المبتكرة» التي يسمو بها على معاصريه، و«الحقائق الجديدة» ~~التي يضيفها إلى المكتسبات الفكرية البشرية، و«الخدمات التي يقوم ~~بها» بهذه الصورة في سبيل تقدم الأفكار والعلوم، كل ذلك بقطع ~~النظر عن الآراء الخاطئة التي يبقى فيها مشتركا مع معاصريه بطبيعة ~~الحال. # إن عدم ملاحظة هذا الدستور الأساسي في دراسة المفكرين والعلماء ~~القدماء يحول دون تقدير منزلتهم العلمية حق قدرها، ومحاذير ذلك ~~تكتسب خطورة خاصة عندما يعود الأمر إلى ms007 عظماء المفكرين الذين ~~يكونون في منزلة ابن خلدون ، وإلى أمهات المؤلفات التي تكون على ~~شاكلة مقدمته المشهورة؛ لأن مقدمة ابن خلدون من المؤلفات الجامعة ~~التي تتطرق إلى عدد كبير من المسائل والمواضيع؛ إنها تتناول ~~بالبحث والنظر مسائل كثيرة ومتنوعة جدا، من الديانة إلى ~~التجارة، من النبوة إلى الطبابة، من الرؤيا إلى التربية، من ~~السياسة إلى النجامة، من أوزان الشعر إلى عمران المدن، من مبادئ ~~الموسيقى إلى أساليب الحرب، من موارد الدولة إلى أصناف العلوم. ~~وخلاصة القول: إن كل ما له علاقة بالاجتماع الإنساني والعمران ~~البشري يأخذ نصيبا من بحوث المقدمة، فلا ينتظر من مؤلفها أن يكون ~~مبتكرا ومصيبا في جميع هذه المواضيع المتنوعة، بل لا بد له من أن ~~يكون ناقلا لآراء معاصريه في معظم تلك المسائل والمواضيع. # فإذا قرأ القارئ مقدمة ابن خلدون من غير أن يراعي الدستور الآنف ~~الذكر، قد يعود بفكرة خاطئة تماما عنها وعن مؤلفها؛ لأنه قد يبقى ~~تحت تأثير مختلف الأخطاء المنبثة في صحائف الكتاب، والفكرة السيئة ~~التي تستولي على ذهنه من جراء ذلك قد تؤثر على محاكمته، فتحول دون ~~التفاته إلى الآراء القيمة المنتشرة في سائر أقسام ~~الكتاب. # إن أصول البحوث العلمية تتطلب من كل باحث يقدم على مطالعة ~~كتاب قديم أن يتأمل في كل موضوع من مواضيعه، وكل مسألة من مسائله ~~على حدة، وأن يعرف حق المعرفة بأن «خطورة الأخطاء» التي تلقى في ~~الكتب القديمة لا يجوز أن توزن بالموازين الفكرية العصرية، بل يجب ~~أن تقدر بموازين تاريخية خاصة. ولا حاجة للبيان، إن هذه ~~الموازين الخاصة لا يمكن أن تتقرر إلا بتتبع «تطورات الفكر البشري» ~~بوجه عام. # هذا مبدأ هام يجب ألا نهمله أبدا، عندما نقرأ وندرس مقدمة ابن ~~خلدون يجب علينا ألا ننسى أنه من رجال القرن الرابع عشر للميلاد، ~~كما يجب علينا أن نرجع إلى تاريخ العلوم والأفكار عندما نقرأ كل ~~فصل من فصوله، ونتأمل في كل رأي من آرائه، ونستعرض ما كان يقول به ~~المفكرون في هذا الصدد في العصر ms008 الذي عاش فيه، وفي العصور التي أتت ~~بعده . # 3 # إنني لم أقل بهذا المبدأ، ولم أضع هذا الدستور تعصبا ~~وتحزبا لابن خلدون، بل قلت بهذا المبدأ لأنني وجدته سائدا في ~~تاريخ العلوم والعلماء، وسردت هذا الدستور لأنني رأيته رائد القوم ~~على الدوام. # وأقول بلا تردد: لولا ذلك لما استطاع أحد من المفكرين والعلماء ~~السالفين أن يحتفظ بمكانته العلمية والفكرية في هذا العصر، بين ~~تطور العلوم الهائل وتقدمها المستمر. # هذا أرسطو، الذي يعد أكبر المفكرين الذين عرفتهم البشرية، والذي ~~يلقب لذلك بلقب «المعلم الأول»، هذا أرسطو نفسه قد وقع في أخطاء ~~وأغلاط كثيرة وكبيرة جدا في مؤلفاته المختلفة، فإذا أراد أحدنا ~~أن يحصيها ويجمعها لاستطاع أن يؤلف منها مجلدا ضخما. # إن بعض هذه الأخطاء والأغلاط كانت جوهرية خطيرة تتعلق بأسس ~~العلوم نفسها: # كان أرسطو يقول مثلا في ميدان علوم الطبيعة بنظرية العناصر ~~الأربعة، ويعتبر كلا من الماء والهواء والتراب والنار عنصرا من ~~عناصر الأشياء، ومن المعلوم أن علمي الفيزياء والكيمياء قد قاما ~~على إنكار هذه النظرية من أساسها. # وكان يقول في ساحة علم الحياة بنظرية «التناسل التلقائي»، ويعتقد ~~بأن الديدان والحشرات تتولد من تلقاء نفسها من الطين والجيف، ومن ~~المعلوم أن علم الحياة الحالي قد برهن على بطلان هذه النظرية ~~برهنة قاطعة. # وكان أرسطو يقول في ساحة الاجتماعيات بضرورة الرق، ويعتقد بأن ~~الاسترقاق من ضرورات الحياة الاجتماعية، وكان يعلل اعتقاده هذا ~~بقوله: «إن بعض الناس خلقوا ليكونوا أسيادا، وبعضهم خلقوا ~~ليكونوا عبيدا.» حتى إنه كان يرى أن «الغزو للحصول على العبيد» ~~مشروع بقدر «الصيد لاقتناص الحيوانات». ومن المعلوم أن تطورات ~~الحياة الاجتماعية سارت دائما على أساس إنكار هذا الرأي بوجه حاسم ~~بات. # وزيادة على ذلك، فإن بعض الآراء التي قال بها أرسطو كانت من نوع ~~السفسطات والمغالطات، فقد قال - مثلا: «إن الخط المستقيم لا يمكن ~~أن يكون كاملا بوجه من الوجوه؛ لأن هذا الخط المستقيم إذا كان غير ~~متناه كان غير كامل؛ إذ إن الكمال في الخط لا يتم إلا عندما ms009 يكون ~~له شكل مرسوم بوضوح، وأما إذا كان الخط المستقيم المذكور ~~متناهيا فلا يكون كاملا أيضا؛ لأنه يبقي في هذه الحالة ما هو ~~خارج عنه بطبيعة الأمر ...» ومن الواضح أن كل ذلك من لغو الكلام، وهو ~~يدل على المغالطة في البرهنة والبيان. # فإذا كان أرسطو لا يزال يتمتع بمنزلة ممتازة ومكانة خارقة في ~~تاريخ العلوم والأفكار، فما ذلك إلا لأن التاريخ المذكور يراعي على ~~الدوام المبدأ الذي ذكرته آنفا. # وما قلته عن أرسطو في هذا الصدد يصح في غيره من العلماء ~~والمفكرين أيضا؛ فليس بين هؤلاء - من سقراط إلى كونت، ومن بقراط ~~إلى فرويد - من يعد عظيما لأنه لم يخطئ في آرائه وكتاباته قط، ~~بل إنهم يعدون من العظماء على رغم الأخطاء التي وقعوا فيها ~~والأغلاط التي قالوا بها. # 4 # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن موقفنا - نحن الناطقين بالضاد ~~- تجاه مقدمة ابن خلدون، يختلف بطبيعته عن مواقفنا تجاه مؤلفات ~~أمثاله من الغربيين؛ ذلك لأننا لا نطلع - عادة - على آراء ~~القدماء من الغربيين إلا من خلال بعض المقتطفات والدراسات، فنتوهم ~~بأن كل ما قاله هؤلاء وكتبوه كان على ذلك الطراز، مع أن تلك ~~المقتطفات والدراسات تستهدف - بوجه عام - إظهار منزلتهم العلمية، ~~فلا تحتوي في حقيقة الأمر إلا على الجوهر الهام، والزبدة المنتقاة ~~من آرائهم وكتاباتهم الأصلية، بينما نحن نطلع على ما قاله ابن ~~خلدون من قراءة مقدمته مباشرة، ونحيط علما بكل ما جاء فيها من ~~غث وسمين. فالمقارنة التي تحدث في أذهاننا - بهذه الصورة - بين ~~ابن خلدون وبين أمثاله الغربيين تكون بعيدة عن الحق والحقيقة ~~بطبيعة الأمر. # إن مثلنا في مثل هذه المقارنات كمثل من يريد أن يقوم بمقارنة بين ~~المناجم المختلفة، فيقدم على الموازنة بين الفلز الطبيعي ~~الموجود في أحدها، وبين المعادن الصافية والجواهر اللماعة ~~المستخرجة من غيرها، من غير أن ينتبه إلى أن تلك المعادن والجواهر ~~أيضا كانت ممزوجة ومخلوطة بمواد ترابية وحجرية خسيسة، وأنها لم ~~تظهر بمظهرها الحالي إلا بعد تصفيتها من النفايات، كما أن الفلز ms010 ~~الطبيعي الموجود في المنجم الأول أيضا يحتوي على جوهر ثمين قد ~~يبهر الأبصار، مثل تلك الجواهر بل أكثر منها إذا ما عولج وصفي ~~مثلها. # من البديهي أن المقارنات يجب أن تجري تحت شروط متساوية؛ فعلينا ~~إما أن نقارن الفلز الطبيعي بالفلز الطبيعي، وإما أن نقارن المعدن ~~المستخرج والمصفى بالمعدن المستخرج والمصفى، وأما مقارنة ~~الفلز الطبيعي المستخرج من منجم ما بالمعدن المصفى المستحصل من ~~منجم آخر، فمما لا يتفق مع مقتضيات العقل والمنطق بوجه من ~~الوجوه. # فيجب علينا أن نتجنب سلوك مثل هذه الطرق في دراسة ابن خلدون، ~~ويجوز لنا أن نقارن المقدمة بكتاب من أمثالها مقارنة شاملة تامة، ~~كما يحق لنا أن نقارن الآراء الثمينة المستخرجة منها بما ~~استخرج من أمثالها، وأما المقارنة بين المقدمة بهيئتها ~~المجموعة وبين الآراء القيمة المستخرجة من الكتب المماثلة لها ~~فمما لا يجوز أبدا. ~~••• # إن المقالات التالية ترمي - قبل كل شيء - إلى تطبيق هذا المبدأ ~~في دراسة مقدمة ابن خلدون، وإظهار منزلة مؤلفها العظيم على هذا ~~الأساس القويم. # بيروت، 20 آذار سنة 1942 # تنبيه هام # من المعلوم أن طبعات المقدمة كثيرة ومتنوعة، وعدد ~~صفحاتها يختلف اختلافا كبيرا من طبعة إلى طبعة؛ ولذلك ~~رأيت من الضروري أن أصرح بأن أرقام الصفحات المذكورة في ~~هذه الدراسات تعود إلى طبعة عبد الله البستاني في بيروت، ~~وطبعة مصطفى محمد في مصر. # إنني رجحت الإشارة إلى صفحات هاتين الطبعتين مع علمي ~~بكثرة أغلاطهما ونقص أبحاثهما؛ للملاحظات التالية: # إن طبعة مصطفى محمد المصرية منقولة عن الطبعة البيروتية ~~نقلا زينكوغرافيا؛ ولهذا السبب إن مبدأ الصفحات والأسطر ~~في كلتا الطبعتين متماثل تمام المماثلة، فالرقم الذي يشير ~~إلى صفحة من الصفحات في إحداهما يوافق الأخرى أيضا تمام ~~الموافقة، ومن المعلوم أن الأولى كثيرة الانتشار في سوريا، ~~والثانية كثيرة الانتشار في مصر، ولا شك في أن نسخ هاتين ~~الطبعتين أكثر انتشارا من نسخ جميع الطبعات ~~الأخرى. # ومع هذا، بما أن هاتين الطبعتين تنقصهما بعض العبارات ~~والأبحاث، اضطررت أحيانا إلى النقل عن الطبعات الأخرى، ~~ولا سيما ms011 عن طبعة باريس، وفي مثل هذه الحالات صرحت باسم ~~الطبعة التي أشرت إلى صحائفها. # ففي كل موضع ذكرت فيه أرقام الصحائف - من غير ذكر لاسم ~~الطبعة - يجب أن يراجع إحدى الطبعتين الآنفتي ~~الذكر. # | المدخل الأول: على هامش المقدمة # | جولة بين التاريخ والمؤرخين # كثيرا ما لاحظت أن بعض الذين يتصفحون «مقدمة ابن خلدون» ~~تصفح العجلان، لا يلبثون أن يعرضوا عن قراءتها؛ بسبب الفصول ~~والأبحاث المتعلقة بالكهانة والنجامة والرؤيا والسحر التي يلقونها ~~فيها. # فقد سمعت غير واحد منهم يقول: إن ابن خلدون يعتقد بكل هذه ~~الخرافات، ويفرد لها فصولا خاصة، فكيف يجوز لنا أن نعتبره - مع ~~ذلك - عالما كبيرا، وأن نسميه مؤرخا عظيما؟ # ولقد لقيت من يقول: إن ابن خلدون ينهي كل فصل من فصول مقدمته ~~بذكر الله، وبالرجوع إلى علم الله، إنه يكتب في آخر كل بحث من ~~بحوثه تقريبا «والله أعلم بالصواب»، أو «والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون»، أو «وفوق كل ذي علم عليم»، فكيف يمكننا أن نوفق بين مثل ~~هذه العبارات وبين «نزعة الأبحاث العلمية» التي يجب ألا تستند إلى ~~شيء غير «الدلائل العقلية»؟ # أما أنا فأقول لهؤلاء ولكل من يقدم على قراءة مقدمة ابن ~~خلدون: يجب علينا ألا ننسى أبدا أن كاتب هذه المقدمة من رجال ~~القرن الرابع عشر للميلاد، فيترتب علينا أن نتساءل: إلى أية درجة ~~يحق لنا أن نؤاخذ هذا المفكر ونلومه على ما كتبه حول هذه الأمور، ~~وفي هذا الصدد قبل مدة تزيد على خمسة قرون ونصف قرن؟ # وللإجابة على هذا السؤال يجدر بنا أن نقوم بجولة سريعة بين ~~التواريخ والمؤرخين؛ لنستعرض المواقف التي كان يقفها أسلاف ابن ~~خلدون وأخلافه من المفكرين والمؤرخين تجاه هذه المسائل ~~والأمور. ~~(1) التاريخ والكهانة # إن جميع التواريخ والآثار القديمة تدل دلالة قطعية على أن ~~الإنسان قد شعر - منذ أقدم الأزمنة - برغبة شديدة لمعرفة ما ~~سيحدث في المستقبل، وأعتقد بأن هذه المعرفة من الأمور التي ~~يمكن الوصول إليها بوسائل متنوعة وطرق شتى. # واليونان أنفسهم ساهموا في هذا الاعتقاد وحافظوا عليه، حتى ms012 ~~في عهود ازدهار التفكير الفلسفي العقلاني # Rationalisme ~~، فقد اعتقدوا ~~بأن الآلهة تبين مقاصدها من حين إلى حين، تارة ردا على ~~أسئلة السائلين، وطورا من غير سؤال من أحد الآدميين، وأما ~~الوسائط التي تستخدمها لإظهار مقاصدها، وإعلان إنذاراتها بهذه ~~الصورة - على زعم اليونانيين - فقد كانت متنوعة جدا؛ ~~الكهان، والطيور، والنسور، والصواعق، كانت من أهم تلك ~~الوسائط وأعمها، فمعرفة المستقبل مما يتم بتفسير الكلمات التي ~~تصدر عن ألسنة الكهان تحت بعض الشروط ومختلف الطقوس، أو ~~بالاستدلال من صرخات الطيور وحركاتها، أو بملاحظة بعض العلائم ~~التي تظهر في أحشاء القرابين، وعلى الأخص في أكبادها. # هذه المعتقدات أدت إلى تأسيس بعض المعابد المختصة ~~بالكهانة، وكونت الكهان الاختصاصيين في استجواب الآلهة، ~~وتعبير إنذاراتها المختلفة. # إن الاعتقاد بالكهانة والكهان على هذا المنوال ساد على ~~أذهان اليونانيين بوجه عام، حتى إن معظم مفكريهم أيضا خضعوا ~~لأحكام هذا الاعتقاد؛ ولذلك نجد أن الكهانة قد لعبت دورا ~~هاما في تاريخ اليونان، حتى إن بعض المؤرخين ادعوا بأن ~~كل «تاريخ اليونان بمثابة فصل كبير من فصول تاريخ الكهانات ~~العام.» # L. de Gérin’Ricard, Histoire de ~~l’occultisme p. 74. # والمؤرخون اهتموا اهتماما كبيرا بتسجيل أخبار الكهانة منذ ~~عهد «هرودوت» الشهير، فإن التاريخ الذي خلفه لنا «أبو ~~التاريخ» - مثلا - مملوء بأخبار الكهانات التي تتخلل جميع ~~الوقائع، على صور شتى: # يبدأ هرودوت تاريخه هذا بترجمة حياة «قره زوس» # Crésus ~~، ويقص لنا أخبار ~~الكهانات التي أحاطت بحياة هذا الملك العظيم في كل صفحة من ~~صفحاته المتتالية: # كان لقره زوس ولدان؛ الأول كان ذكيا سليم الحواس، ولكن ~~الثاني كان محروما من نعمة السمع والكلام. # ولما كان الملك نائما في ليلة من الليالي زاره «الحلم» (هذا ~~تعبير هرودوت نفسه) زاره الحلم، وأنبأه بمصير ابنه الأول؛ قال ~~له «إنه سيموت مجروحا بطعنة حديدة حادة.» فلما استيقظ الملك ~~قره زوس فزع من هذا الحلم فزعا شديدا، وأسرع في اتخاذ كل ~~التدابير الممكنة لصيانة حياة ابنه الغالية على ضوء هذا النبأ ~~المخيف؛ أبعد جميع الآلات الحادة، وجميع وسائل الحرب من أبهاء ms013 ~~القصر، وأقدم على تزويج ابنه حالا، وقطعه عن أعمال ~~الحرب وقيادة الجيش، غير أن كل ذلك لم يجده نفعا، فقد ~~راجعه بعد مدة وجيزة جماعة من الفلاحين باثين له شكواهم من ~~خنزير بري أخذ يلحق بهم أضرارا فادحة، واسترحموا منه أن يوفد ~~ابنه مع جماعة من الصيادين؛ لاقتناص الخنزير وتخليصهم من ~~شروره، امتنع قره زوس عن إيفاد ابنه في بادئ الأمر بحجة زواجه ~~الجديد، ووعد القوم بإرسال أمهر الصيادين لتخليصهم من النكبة ~~التي ذكروها، غير أن الابن اعترض على والده، ورغب في الالتحاق ~~بالجماعة، فاضطر الوالد عندئذ إلى مكاشفة ابنه بقصة الرؤيا، ~~ولكن الابن حينما اطلع على تفاصيل الحلم قال له إن الحلم قد ~~أخبرك بأنني سأموت بتأثير حديدة حادة، على أن قرون الخنازير ~~ليست من الحديد، فلا محل للتخوف منها، وبعد هذه المحاورة ~~سلم قره زوس بإصابة رأي ابنه فوافق على ذهابه لاقتناص ~~الخنزير. # غير أنه خلال أعمال المطاردة طاش سهم أحد المرافقين، فأصاب ~~ابن الملك وأرداه قتيلا؛ فتحققت بذلك نبوءة الرؤيا. # وبعد موت ابنه الأول على هذا الوجه الفاجع؛ وجه قره زوس كل ~~اهتمامه إلى ابنه الثاني، بطبيعة الحال ضاعف جهوده لمعالجته ~~وتخليصه من علة البكم والصمم بكل الوسائل الممكنة، وفي الأخير ~~رأى أن يستشير الآلهة بواسطة عرافة «دلفي»، وأوفد من يسألها ~~متى سيتكلم ابنه؟ غير أن العرافة أجابت قائلة: «أيها الملك، لا ~~تتمنى أن تسمع في قصرك صوت ابنك؛ فخير ألا تسمعه أبدا، لأنه ~~سيتكلم في اليوم الذي ستبدأ فيه نكباتك.» # وقد صح - فيما بعد - ما تنبأت به العرافة تماما؛ لأن ~~ابن قره زوس لم يتكلم إلا في اليوم الذي استولى الفرس على ~~عاصمة ملكه، عندما هم جندي من جنودهم على قتل والده صاح ~~الولد لأول مرة: «أيها الجندي، لا تقتل قره زوس!» # ولكن أخبار الكهانة بالمتعلقة بهذا الملك لا تقتصر على ما ~~حدث بولديه، بل تشمل جميع صفحات الحروب التي قامت بينه وبين ~~الماديين أيضا: # كان الماديون قد توسعوا توسعا كبيرا، وأخذوا يهددون ~~بلاد اليونان، ففكر ms014 قره زوس بالتأهب لمحاربتهم، غير أنه - ~~قبل الإقدام على ذلك - رأى أن يستشير الآلهة في هذا الشأن، كما ~~أنه رأى أن يمتحن الكهان والعرافين قبل الإقدام على هذه ~~الاستشارة، فوضع خطة متقنة جدا لهذا الامتحان. # لقد أرسل قره زوس وفدا خاصا لكل معبد من معابد الكهانة ~~الموجودة يومذاك في بلاد اليونان وآسيا الصغرى وليبيا، وزود ~~الوفود بالتعليمات التالية؛ على جميع الوفود أن تغادر العاصمة ~~في يوم واحد، وأن تنتظر في المعابد التي أوفدت إليها حتى مرور ~~مائة يوم كامل على تاريخ السفر. وفي ذلك اليوم تراجع كاهن ~~المعبد، وتسأله السؤال التالي: «ماذا يعمل الآن قره زوس ملك ~~السارديين؟» ثم تدون الأجوبة التي تتلقاها، وبعد ذلك ترجع ~~قافلة لتسليم الأجوبة المكتوبة إليه. # لما عادت الوفود واجتمعت الأجوبة فتح قره زوس الكتابات ~~وقرأها، ولم يكد يطلع على جواب كاهنة دلفي إلا آمن بقدرتها ~~التامة على معرفة الغيوب؛ قالت الكاهنة، حالما دخل الوفد عليها ~~قبل أن تصغي إلى سؤاله: «أنا أعرف أبعاد البحار وعدد رمالها، ~~أنا أسمع الأبكم وأفهم من لا يتكلم، وها أنا الآن أشم رائحة ~~سلحفاة غليظة الجلد تغلي مع لحم غنم طري، تحتها شبهان، حولها ~~شبهان، وفوقها شبهان.» # وفي الواقع إن قره زوس كان قد قام بعمل غريب جدا لا يمكن ~~أن يخطر على بال أحد أبدا؛ بعد مرور مائة يوم على سفر الوفود، ~~استحضر سلحفاة وغنما، وقطعها قطعا قطعا، ثم وضعها في قدر ~~وغطى القدر، وأشعل تحته النار، والقدر الذي استعمله لهذا ~~الغرض العجيب كان من الشبهان! والكاهنة كانت عرفت كل ذلك، مع ~~أن الوفود كانت غادرت العاصمة قبل مائة يوم من ذلك التاريخ، ~~ومع أن هذه الأعمال والتفاصيل كانت في منتهى الغرابة ~~والشذوذ. # بعد أن تأكد قره زوس - على هذا المنوال - من قدرة عرافة ~~دلفي، قرر أن يستشيرها في أمر محاربة الماديين، ضحى للآلهة ~~ثلاثة آلاف رأس من جميع أجناس الحيوانات الأهلية، وهيأ مجموعة ~~كبيرة من الهدايا الثمينة، وأرسلها إلى دلفي مع وفد خاص ~~لاستشارة الآلهة بواسطة الكاهنة. ms015 # عندما سألوا الكاهنة: «هل يجب على قره زوس أن يحارب ~~الماديين؟» أجابتهم قائلة: «إذا حاربهم ستخرب دولة ~~كبيرة.» # وعندما سألوها: «هل سيكون عمر دولة قره زوس طويلا؟» أجابتهم ~~قائلة: «إن دولته ستعيش إلى أن يصبح البغل ملكا على ~~الماديين.» # لقد سر قره زوس من هذه الأجوبة سرورا كبيرا؛ لأنه قال في ~~نفسه: «إن البغل لا يمكن أن يصبح ملكا، إذن فإن دولتي ستعيش ~~على مر الأيام، في حين أن دولة الماديين الكبيرة ستنهار ~~حتما.» # وبناء على هذه الملاحظة أخذ يعد العدة لمحاربة الماديين ~~بكل اطمئنان. # غير أن الأمور جرت على خلاف ما توقعه قره زوس، والماديون ~~تغلبوا عليه وأسروه. # إن ملك الماديين أراد - في بادئ الأمر - أن يحرق قره زوس ~~بالنار، غير أنه عدل عن هذه الفكرة بعد ذلك؛ بسبب سلسلة ~~طويلة من الحوادث الغريبة المملوءة بالخوارق والمعجزات، عدل ~~ملك الماديين عن إحراق قره زوس، وأمر بفك الأصفاد والأغلال ~~التي كانوا قد كبلوه بها، عندئذ طلب قره زوس من الملك ~~المنتصر أن يترك تلك الأصفاد بغية إرسالها إلى معبد دلفي، بقصد ~~لوم الآلهة على عملها الشائن، وبعد أن حصل على الموافقة أرسل ~~الأصفاد إلى المعبد المذكور مع وفد خاص، ووجه إلى الآلهة ~~الأسئلة التالية: «هل يليق بالآلهة أن تخدع الإنسان؟ إنه لم ~~يقدم على الحرب إلا بعد أن عرف منها بأن حربه ستنتهي ~~بانقراض دولة الماديين، وبأن دولته هو ستستمر إلى أن يصبح ~~البغل ملكا على الماديين، ومع هذا فإن الأمور قد جرت على عكس ~~ذلك تماما؛ ها قد دالت دولته، كما أنه أصبح أسيرا في أيدي ~~المنتصرين عليه. ألا تحمر وجوه الآلهة خجلا من هذه النتيجة ~~الشائنة؟! هذا، وهل يليق بالآلهة أن تكون ناكرة الجميل إلى هذا ~~الحد؟ إنه كان قدم لها كل تلك الضحايا وكل تلك الهدايا، ~~وإنها - مع ذلك - قد سمحت للوقائع بأن تجرفه إلى هذا المصير ~~المؤلم؟» # ولكن أجوبة الآلهة على هذه الأسئلة بواسطة الكاهنة جاءت ~~مسكتة تماما: «لا يحق لقره زوس أن يتذمر مما حدث؛ ms016 لأن كل ما ~~حدث لم يكن مخالفا لما كانت أنبأت به الكاهنة بوجه من الوجوه؛ ~~فإن دولة كبيرة قد انهارت فعلا هي دولته هو، وذلك حدث ~~حقيقة بعد أن أصبح البغل ملكا على الماديين؛ إن البغل الذي ~~جاء ذكره في الكهانة هو الملك سرخس # Cyrus # نفسه؛ لأنه من جنسين مختلفين؛ من أم ~~نبيلة من سلالة الملوك، وأب وضيع من الرعاع، فالذنب ذنبه هو ~~لأنه أقدم على الحرب من غير أن يفهم معاني الكلمات التي قالتها ~~الكاهنة. فلا يحق لقره زوس أن يوجه اللوم إلى الآلهة ~~أبدا.» # يشرح أبو التاريخ هرودوت كل هذه الوقائع والكهانات بتفصيل ~~يشبه تفاصيل الروايات القصصية تماما. # غير أن أخبار الكهانة في تاريخ هرودوت لا تنحصر بالقسم ~~الباحث عن حياة قره زوس وحروبه وحده، بل هي تتخلل أبحاثه ~~الأخرى أيضا. # إن الكهانة لعبت دورا هاما في موقعة «ثرموبولس» الشهيرة ~~أيضا؛ على رواية هرودوت، لقد راجع الإسبارطيون كاهنة دلفي منذ ~~بدء الحرب ليعرفوا مصير الأمور، فقالت الكاهنة: «إن صدمة الفرس ~~ستكون عنيفة جدا، بحيث لا تستطيع أن تتحملها قوة الثيران أو ~~قدرة الأسود، فلا بد من حدوث أحد الأمرين التاليين؛ إما أن ~~تدمر المدينة المشهورة على يد أحفاد «برسه ثوس»، وإما أن ~~تبكي إسبارطة موت ملك منحدر من نسل هرقل.» إن «ليونيداس» # Léonidas # الشهير ضحى ~~بنفسه في تلك المعركة، بعد أن اطلع على هذه الكهانة؛ لأنه أراد ~~- بعمله هذا - أن يحقق الأمر الثاني لكيلا يترك مجالا لحدوث ~~الأمر الأول! # إن الكهانة قامت بدور هام جدا في معركة «سالاميس» أيضا؛ ~~يروي هرودوت في تاريخه المشهور بأن الأثينيين أرادوا أن ~~يستشيروا كاهنة دلفي خلال الحروب المادية، فأرسلوا وفدا لهذا ~~الغرض. إن الكلمات التي سمعها الوفد من الكاهنة - في بادئ ~~الأمر - كانت في منتهى الفظاعة؛ لأن الإله أجاب قائلا: ~~«غادروا منازلكم، أخلوا حصونكم، واهجروا بلادكم فارين إلى ~~أقاصي الأرض؛ فإن أثينا ستدمر تدميرا هائلا، وستصبح ~~طعمة للنيران. «مارس» المخيف سيأتي على عجلة سورية، ~~وسيخرب المدن والحصون. إن الآلهة تفزع من هول ms017 النكبة، والعرق ~~يتصبب على تماثيلهم، وها قد بدا يقطر من سقف حرمهم دم أسود ~~ينبئ بهول الكارثة التي تهددكم. اخرجوا أيها الأثينيون، ~~وتسلحوا بالصبر والشجاعة أمام هذه الكوارث المقدرة.» # اغتم رجال الوفد من هذه التنبؤات الفظيعة غما شديدا، ~~غير أن أحد نبلاء المدينة عندما رأى آثار الغم والكآبة التي ~~استولت عليهم نصحهم بمراجعة الكاهنة مرة ثانية، حاملين أغصان ~~الزيتون بصفتهم متضرعين. عمل الوفد بهذه النصيحة، ووجه إلى ~~«آبولون» التضرعات التالية: «أيها الإله، بحرمة أغصان الزيتون ~~التي نحملها بأيدينا، الطف بنا بحكم أكثر مساعدة لمقدرات ~~وطننا، وإلا فنحن سوف لا نخرج من حرمك أبدا، وسنبقى فيه إلى ~~أن نموت جميعا.» # أما الكاهنة الكبرى فقالت لهم عندئذ ما يلي: «إن باللاس ~~لم يتوفق إلى إقناع زفس، ومع هذا فإليكم نصيحة أخرى ستكون ~~النهائية: لقد سمح زفس لباللاس بجدار من خشب، فعندما يستولي ~~الأعداء على جميع ما في بلادكم سوف لا يستطيعون أن يستولوا ~~عليه أو أن يدمروه، فإنكم ستجدون السلامة فيه، فلا تنتظروا ~~وصول جحافل المشاة والخيالة التي ستأتي لمهاجمتكم، بل اذهبوا ~~واقلبوا لها ظهر المجن، سيأتي يوم تستطيعون فيه مقاومتها، ~~وأما أنت يا سالاميس الإلهية فستفقدين أولاد النساء.» # هذه الكلمات ظهرت للوفد أكثر ملاءمة من الأولى، فكتبوا كل ~~الكلمات التي سمعوها من الكاهنة، ثم عادوا بها إلى أثينا ~~ونقلوها إلى الشعب. # غير أن الآراء اختلفت في تأويل هذه الكلمات، ماذا قصدت ~~الآلهة من قولها «جدار من خشب»؟ بعضهم قال إن القصد من ذلك هو ~~حصن المدينة؛ لأنه كان فيما مضى مدعما بالأخشاب، وبعضهم ذهب ~~إلى أن المقصود منه هو السفن. والجميع تخوفوا من العبارة ~~الأخيرة؛ لأنها كانت تدل في ظاهرها على أنهم سينكسرون في ~~سالاميس إذا أقدموا على محاربة الأعداء بحرا، ولكن ~~«تميستوقلس» عارض الجميع، وادعى عكس ذلك تماما، وقال: ~~«إن النكبة المذكورة في العبارة الأخيرة تعود إلى الأعداء، لا ~~إلى الأثينيين، وإلا لما قالت الآلهة سالاميس الإلهية، بل ~~لقالت سالاميس التعسة.» ولهذا اقترح المشار إليه التهيؤ لحرب ~~بحرية؛ لأن الجدار ms018 الخشبي الذي جاء ذكره في أقوال الكاهنة إنما ~~يرمز إلى السفن التي تشترك في حرب بحرية. # والأثينيون عملوا في الأخير برأي تميستوقليس هذا ، فانتصروا ~~على أعدائهم في موقعة سالاميس وفق تنبؤات الكاهنة. # إنني أعتقد بأن هذه الأمثلة كافية لإعطاء فكرة واضحة عن قوة ~~إيمان هرودوت بالكهانة، وعن المكانة الخطيرة التي خصصها لها ~~بين وقائع التاريخ، كما أعتقد بأنها تغنينا عن الاستشهاد بسائر ~~مؤرخي اليونان. ~~••• # أما الرومان فإنهم أيضا اعتقدوا بالكهانة، وعملوا ~~بمقتضياتها في جميع أدوار تاريخهم الطويل، إنهم توغلوا بوجه ~~خاص في التكهنات المستندة إلى معاينة أحشاء الحيوانات ~~وأكبادها، وتتبع حركات الطيور وصرخاتها؛ ولذلك أخذوا يربون ~~بعض الطيور والحيوانات في ساحات بعض المعابد وجوارها بقصد ~~الاستفادة منها في شئون الكهانة عند مسيس الحاجة إليها، كما ~~نقلوا بعض كتب الكهانة اليونانية إلى الكابيتول، وعهدوا بمهمة ~~مراجعة تلك الكتب إلى جماعة منتخبة وفق تقاليد معينة. # وزيادة على كل ذلك فقد طبقوا «نزعة التقنين» التي امتازوا ~~بها على شئون الكهانة أيضا، وقد عينوا - تارة بالعرف ~~والتقاليد، وتارة بالأنظمة والقوانين - الأشخاص الذين «يحق ~~لهم» و«يترتب عليهم» القيام بأمور الكهانة والعرافة في كل من ~~الأسرة والمدينة والدولة. # ومعظم أباطرة الرومان كانوا يراجعون العرافين والكهان قبل ~~أن يقدموا على تقرير الأمور الخطيرة، حتى إن مجلس السناتو ~~نفسه كان يستشير «مجمع الكهان» في الكابيتول بصورة رسمية في ~~بعض الأحيان. # فقد غالى الرومان في هذا المضمار مغالاة شديدة، حتى إنهم ~~سنوا في الأخير - سنة 140ق.م. - قانونا يحتم مراجعة «مجمع ~~الكهان» في الشئون الهامة. # إن التواريخ التي كتبها مؤرخو الرومان أيضا مملوءة بأخبار ~~الكهانات. ~~••• # إن المؤرخين القدماء عند اليونان والرومان لم يكتفوا بتسجيل ~~أخبار هذا النوع من الكهانات، بل اهتموا بتسجيل بعض الحوادث ~~العجيبة الخارقة للعادة أيضا؛ وذلك لاعتقادهم بأن جميع هذه ~~الحوادث الشاذة - كحدوث الزلازل الأرضية، وثوران البراكين، ~~وظهور الكواكب المذنبة، وولادة المسوخ الإنسانية أو ~~الحيوانية - ما هي إلا إنذارات من الآلهة للإخبار بما سيحدث من ~~الأمور الهامة في المستقبل القريب. إن مهمة الكهان ~~والعرافين كانت تشمل تفسير ms019 وتأويل مثل هذه الحوادث والأحوال ~~أيضا؛ لمعرفة الغيب واستكناه المستقبل. # إن كتب الرومان مملوءة بأخبار هذا النوع من الكهانات، وقد ~~جمع المؤرخ اللاتيني «فالريوس ماكسيموس» # Valérius Maximus ~~- في كتابه «الوقائع ~~والأحوال المشهورة» - أمثلة كثيرة من ذلك. # فمنها قصة «الفرس والأرنب» خلال الحروب المادية؛ حينما أقدم ~~«كورش-سرخس» على غزو بلاد اليونان حدثت حادثة عجيبة جدا؛ فرس ~~ولدت أرنبا في اللحظة التي اجتازت جيوش الماديين جبل آتوس! إن ~~هذه الحادثة الخارقة للعادة كانت إشارة من الآلهة إلى نتائج ~~غزوة كورش، إن الملك الذي ستر البحار بأساطيله الكبيرة فاستولى ~~على البراري بجيوشه الجرارة، اضطر إلى الهروب من ساحات الحروب ~~كالأرنب الجبان. # ومنها حكاية الملك ميداس والنمل، عندما كان ميداس # Midas # ملك ليديا طفلا، حدثت له ~~حادثة غريبة جدا؛ أتت النمل على فمه خلال نومه، ووضعت بين ~~شفتيه بضعة حبوب من القمح، فقد دهش أهله من هذه الحادثة ~~الغريبة، وراجعوا العرافين لتفسير معناها، وكان الجواب الذي ~~تلقوه منهم سارا جدا؛ إذ إنهم قالوا: سيكون ميداس في ~~المستقبل أغنى الناس في العالم. إن هذا التكهن قد تحقق ~~تماما لأن ثروة الملك ميداس بلغت مبلغا هائلا فاقت مجموع ~~ثروات كل الملوك في العالم. # يقول فالريوس ماكسيموس بعد سرد هذه القصة: «غير أن قصة النمل ~~مع الملك ميداس تعتبر لا شيء بجانب حادثة النحل مع أفلاطون، ~~فإن النمل إذا بشرت عائلة ميداس بثروة فانية، فإن النحل ~~بشرت عائلة أفلاطون بسعادة سرمدية؛ لما كان أفلاطون رضيعا ~~ينام في المهد جاءت النحل ووضعت عسلها بين شفتيه الرقيقتين، ~~وحينما سمع العرافون بهذه الواقعة قالوا هذا يدل على أن ~~الكلمات التي ستصدر من فمه ستكون في منتهى الحلاوة، تفوق حلاوة ~~جميع الأشياء. ومن المعلوم أن هذه الكهانة أيضا تحققت ~~تماما. # إن أمثال هذه الأخبار والروايات كثيرة جدا في مؤلفات ~~الكثيرين من الكتاب والمؤرخين من الرومان، مثل؛ «جسيتنس»، ~~و«تيتوس ليفيوس»، و«بلينيوس». # فقد كتب مثلا المؤرخ المشهور تيتوس ليفيوس # Titus Livius # في جملة ما ~~كتبه من الأخبار: ~~«في سنة 590 من تاريخ روما ms020 تكلم ثور في مدينة فروسيتون، ~~وولد بغل ذو ثلاث أرجل في ريات، فقتل في السنة نفسها ~~«أوكتافيوس» # Octavius # حاكم سوريا على يد ليزياس معلم آنتيوخوس.» ~~«في سنة 606 من التاريخ المذكور، ولد طفل ذو ثلاث أرجل مع ~~يد واحدة في آمينتان، ففي نفس السنة ارتكب هاسدروبال # Hasdrubal # مظالم فاجعة نحو ~~أسرى الرومان خلال حصار مدينة قرطاجة، وبعد مدة قليلة استولى ~~استثيبيون ~~إميليان # Scipion Emilien # على المدينة المذكورة ودمرها ~~تدميرا.» ~~«في سنة 611 ولد طفل خنثى في لوني، ومع أن هذا الطفل ~~ألقي في البحر عقب ولادته بأمر الكهنة، فقد حدث طاعون هائل ~~في تلك المدينة حصد النفوس حصدا، ولم يترك مجالا حتى لدفن ~~الأموات، كما أن الجيش الروماني نكب بهزيمة شنيعة في السنة ~~نفسها.» # ونرى أن نذكر هنا ما كتبه الشاعر اللاتيني الشهير ~~«فيرجيليوس» # Virgilius # عن ~~الحوادث العجيبة التي حدثت قبيل موت القيصر، منذرة بهذا ~~الحدث الخطير: ~~«زلازل الأرض الشديدة، عواصف البحار الهائلة، عواء الكلاب ~~المفزعة، صياح الطيور المشئومة، ثوران البراكين المحرقة، كلها ~~كانت تنذر بقرب وقوع حادث خطير، ولقد سمعت في جرمانيا قعقعة ~~الأسلحة في كل أنحاء السماء، وحدثت زلازل شديدة في جبال الألب، ~~وسمعت أصوات هائلة في الغابات الهادئة، كما شوهدت طيوف باهتة ~~في الأمسيات. وأعجب من كل ذلك أن البهائم تكلمت، والأنهر ~~توقفت، والأرض تفجرت. وقد لوحظ في المعابد أن العاج بكى ~~متألما، والشبهان تصبب عرقا، والدماء نبعت من الآبار، وفي ~~الليالي تغلغلت في أجواء المدن عواء الذئاب، ولم تتوال ~~الصواعق في يوم من الأيام بالكثرة التي حدثت في ذلك العهد، ولم ~~تشتعل المذنبات في السماء بالشدة التي اشتعلت بها في التاريخ ~~المذكور.» # ولعل أغرب الأمثلة لمثل هذه الأخبار والكهانات هو ما رواه ~~المؤرخ الإسباني «بولس ~~أوروزيوس Paulus Orosius ~~»، الذي عاش في القرن الخامس، والذي ~~يعد من أعظم تلامذة القديس أوغسطين، فقد روى المؤرخ المذكور ~~الحادثة التالية وفسرها كما يلي: ~~«لقد تفجرت في سنة ولادة المسيح عين زيت في دكان رجل فقير ~~في مدينة روما، وسال الزيت ms021 من العين المذكورة بغزارة يوما ~~كاملا.» لا يشك المؤرخ أوروزيوس بأن هذا الحادث العجيب كان ~~يشير إلى مجيء المسيح؛ «لأن الزيت هو مادة الدهون النصرانية، ~~وأما حدوث الحادث في دكان رجل فقير فكان يدل أن كنيسة المسيح ~~ستحتضن الفقراء والأغنياء، العبيد والأسياد، على حد ~~سواء.» ~~(2) التاريخ والنجامة # إن الاعتقاد بتأثير النجوم وسائر الأجرام السماوية في ~~الحوادث الكونية والمقدرات البشرية سيطر على أذهان العوام ~~والمفكرين على حد سواء، منذ القرون الأولى حتى أواخر القرن ~~السابع عشر، وقد ظل مسيطرا على أذهان الناس في كثير من البلاد ~~الأوروبية حتى خلال القرن الثامن عشر نفسه. # إن هذا الاعتقاد القديم ولد نوعا خاصا من الكهانة ~~عرفت باسم «النجامة» أو «التنجيم»، وهي ترمي إلى الكشف «عما ~~سيحدث في المستقبل» بملاحظة حركات النجوم وأوضاعها ~~المختلفة. # فقد زعم المنجمون أن كل واحد من الكواكب الثابتة والسيارة، ~~وكل مجموعة من مجموعات النجوم المسماة باسم «البروج» يمتاز ~~بنوع خاص من التأثير على مقدرات الإنسان، ولذلك صاروا يرصدون ~~حركات النجوم، ويتتبعون حركاتها المختلفة؛ لمعرفة ما سيحدث من ~~الشئون من جهة في حياة الدول والأمم، ومن جهة أخرى في حياة ~~الأشخاص الذين يولدون في كل دقيقة وساعة من كل يوم. # نشأت النجامة وترعرعت في معابد الكلدان، ثم انتقلت بواسطتهم ~~إلى اليونان فالرومان. # وقد وجدت النجامة لنفسها أرضا خصبة جدا في ظل ~~الإمبراطورية الرومانية، والتاريخ يذكر أن معظم الأباطرة - من ~~نرون وأوكتاويوس إلى تيبريوس وماركوس أورليوس - كانوا يهتمون ~~بالنجامة اهتماما كبيرا، فكانوا يكثرون من استشارة ~~المنجمين، ويعملون بما تقتضيه تنبؤاتهم في أغلب ~~الأحيان. # حتى إن بعضا منهم لم يكتفوا باستشارة المنجمين، بل أكبوا ~~على تعلم النجامة ليشتغلوا بها بأنفسهم مباشرة. # فإن الإمبراطور «تيتوس» مثلا كان يكثر من النظر في ~~«طوالع» القواد الذين يخشى منافستهم، كما أن «دوميتيانوس» كان ~~يلجأ إلى النجامة لمعرفة الأشخاص الذين ينوون منافسته، أو ~~يطمعون في أن يكونوا خلفا له. # تذكر التواريخ الرومانية أن «سبتيموس سفريوس» # Septimius Sévérius # قبل أن يصبح إمبراطورا أخذ ينظر في طوالع الفتيات اللاتي يمكن ms022 ~~أن يخطبهن ويقترن بهن، وحينما علم من طوالع الفتاة السورية ~~«جوليا» بأنها ستصبح يوما «زوجة لملك»؛ أسرع إلى خطبتها ~~وتزوجها، مؤمنا بأن ذلك سيساعده على تحقيق أطماعه في ~~الاستيلاء على عرش الإمبراطورية الرومانية! # كما تذكر التواريخ المذكورة أن الإمبراطور «ماركوس أورليوس» ~~الذي كان من كبار المفكرين، واشتهر بكلماته الحكيمة وآرائه ~~الأخلاقية اشتهارا كبيرا، راجع منجما كلدانيا في قضية ~~متعلقة بزوجته «فائوستين»؛ فإن زوجته هذه كانت شهرت بحب عميق ~~جارف نحو أحد المصارعين، وبما أنها خشيت عواقب هذا الحب، ~~وأرادت أن تحافظ على عفافها؛ فاتحت زوجها في الأمر بكل ساذجة ~~واستقامة، والإمبراطور الحكيم استشار منجما كلدانيا، وعمل ~~بما أشار به المنجم حرفيا. # ولعل أغرب أخبار النجامة المذكورة في التواريخ الرومانية هو ~~ما حدث في عهد دوميتيانوس؛ أراد الإمبراطور المشار إليه أن ~~يختبر المنجم «آسكلاريون» # Asclarion ~~، فوجه إليه السؤال التالي: ~~«قل كيف ستكون عاقبة حياتك أنت؟» والمنجم لم يتردد لحظة في ~~الإجابة على هذا السؤال قائلا: «إن الكلاب ستنهش جثتي نهشا.» ~~عندئذ أراد الإمبراطور أن يظهر «كذب زعم المنجم» بصورة ~~فعلية، فأمر بذبحه حالا، وبإفناء جثته حرقا، فقد أخذ ~~الجلادون في تنفيذ أمر الإمبراطور: ذبحوا المنجم، وكدسوا ~~الأحطاب، ووضعوا الجثة فوقها، ثم أشعلوا النار فيها، ولكن قبل ~~أن يصل لهيب النار الموقدة إلى جثة المنجم المذبوح هبت عاصفة ~~هائلة أطفأت النيران، واضطرت الحراس والجلادين إلى التباعد عن ~~ذلك المحل، والتفرق في كل الجهات، وعندما هدأت العاصفة اجتمعت ~~الكلاب على الجثة ونهشتها قبل أن يتمكن الحراس والجلادون من ~~العودة إلى المحل لإتمام تنفيذ أمر الإمبراطور. وبهذه الصورة ~~تحققت كهانة المنجم تماما، على الرغم من الخطة الجهنمية ~~التي حاول تنفيذها ذلك الإمبراطور الجبار! # من الطبيعي أن الحوادث والوقائع كثيرا ما كانت تأتي ~~مخالفة لنبوءات المنجمين، غير أن ذلك ما كان يكفي لزعزعة ~~الاعتقاد العام بالتنجيم، والسبب في ذلك يظهر بوضوح تام مما ~~كتبه المؤرخ الروماني الشهير تاسيتوس # Tacitus # في حولياته في هذا الصدد: ~~«إذا جاءت الوقائع مخالفة للتنبؤات النجومية، فإن ذلك يجب ~~أن يعزى ms023 إلى تقصير المنجمين في التفسير والحكم، لا إلى ~~عدم صحة النجامة في حد ذاتها؛ لأن أسس النجامة من الأمور ~~اليقينية التي لا يجوز أن يشك فيها أحد، إن صحة هذه الأسس ثبتت ~~في الأزمنة القديمة كما ثبتت في زماننا هذا.» # وحينما ظهرت المسيحية عارض رجالها النجامة في بادئ الأمر؛ ~~لأنهم رأوا في الاعتقاد بها ما يخالف الاعتقاد بحكم الله ~~المطلق وقدرته الشاملة، غير أنهم لم يتمسكوا بهذا الرأي مدة ~~طويلة، فعدلوا عن معارضة النجامة محاولين التوفيق بينها وبين ~~التعاليم المسيحية بشتى التأويلات، وأفسحوا بذلك مجالا واسعا ~~لسيطرة النجامة على أذهان الناس طوال القرون الوسطى. # وأما حركة الانبعاث التي أعقبت القرون المذكورة فلم تقض ~~على النجامة، بل بعكس ذلك قوتها كما قوت كل ما يتعلق ~~بالأزمنة القديمة. # ولهذا السبب لم ينقطع علماء الفلك في أوروبا عن الاشتغال ~~بالنجامة، لا خلال القرون الوسطى فحسب، بل بعد عصر الانبعاث، ~~وخلال عصر الاكتشافات أيضا. # وقد ظلت بلاطات الملوك في الأقسام المختلفة من القارة ~~الأوروبية تستخدم - بين من تستخدمهم من الموظفين والمرافقين - ~~جماعة من المنجمين الرسميين، فقد حفظ لنا التاريخ أسماء ~~المنجمين الذين كانوا ينظرون إلى الطوالع الفلكية في خدمة ~~الملوك العظام، كما حفظ لنا أسماء الذين قاموا بمهمة التنجيم ~~عند ولادة بعض هؤلاء الملوك. فقد سجل ~~التاريخ - مثلا - أن ~~«نوستراداموس» كان منجما مشهورا، فنظر في طوالع عدة ملوك، من ~~جملتهم؛ شارل التاسع، وكاترين دومديتسي. ثم إن الملك هنري ~~الرابع استدعى لاريفيار # Lariviére # للنظر في أحكام النجوم عند ولادة ~~ابنه لويس الثالث عشر، كما أن المنجم «موران» # Morin # كان حاضرا في الغرفة المجاورة ~~لغرفة الملكة «آن ~~دوتريش» # Anne D’autriche # والدة لويس الرابع عشر؛ استعدادا ~~للنظر في الطوالع الفلكية، دقيقة ولادة المولود العظيم! # ومما يستلفت النظر في هذا الصدد أن العالم الفلكي المشهور ~~«تيخو براهه» # Tycho Braha # الذي كان أول من خرج على تعاليم بطليموس القديمة في الفلك، ~~وأول من فتح باب النهوض والتجديد في العلم المذكور في عصر ~~الانبعاث. إن تيخو براهه نفسه كان من ms024 المنجمين، فقد قام بمهمة ~~التنجيم لعدة ملوك، من جملتهم الإمبراطور رودولف الثاني. كما ~~أن «كبلر» # Képler # الذي اكتشف ~~القوانين الفلكية الأساسية المعروفة باسمه، والذي مهد السبل ~~بذلك إلى اكتشافات «نيوتن» # Newton # الخطيرة؛ إن كبلر نفسه كان يعتقد ~~بالنجامة ويشتغل بها. # حتى إن النجامة # Astrologie # صارت من العلوم التي تدرس في بعض الجامعات، كما أن كراسي ~~تدريس النجامة في بعض الجامعات الإيطالية - مثل جامعة بادووا ~~وجامعة ميلانو - ظلت قائمة وعامرة حتى أواخر القرن السادس ~~عشر. # فكان من الطبيعي أن يشترك المؤرخون في هذه الاعتقادات ~~الشائعة، وكان من الطبيعي ألا يكتفي بعضهم بالاشتراك بها فحسب، ~~بل أن يقدم على «ربط التاريخ بأحكام النجوم» أيضا. # ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جاء في مؤلفات المؤرخ المفكر ~~المشهور «جان بودن» # J. Bodin ~~، ~~الذي عاش وكتب في فرنسا في القرن السادس عشر (1530-1594)، ونحن ~~نرى من المفيد أن نستعرض الآراء التي سردها هذا المؤلف في هذا ~~الصدد بشيء من التفصيل؛ لأنه يعد من «آباء فلسفة التاريخ»، ~~ويقال عنه: «إنه أول من ألقى نظرة فلسفية إلى التاريخ» من ~~بين الفرنسيين. # لقد اشتهر «بودن» في تاريخ العلوم بكتابين نشرهما في أواسط ~~القرن السادس عشر؛ أحدهما بعنوان «الجمهورية» أو «الدولة» ~~(1567)، والثاني بعنوان «منحى التاريخ» (1557). # يتساءل بودن في الفصل الثاني من الكتاب الرابع من الجمهورية: ~~«هل من سبيل إلى التنبؤ بمستقبل الدول؟» ويجيب على هذا السؤال ~~بملاحظات شتى تستند كلها إلى أحكام النجامة. # يقول بودن في هذا الفصل: «يظن بعضهم أن الاعتقاد بتأثير ~~حركات النجوم على الأحوال البشرية مما يقلل من عظمة الله، ~~غير أن هذا الظن خطأ محض؛ لأن قدرة الله حينما تعمل أمورا ~~هامة على يد مخلوقاتها تتجلى بوضوح أعظم مما لو عملتها ~~بنفسها وبلا واسطة.» ويضيف إلى ذلك هذا الحكم البتار: «لا يوجد ~~شخص ذو عقل سليم لا يعترف بتأثير الأجرام السماوية في الحوادث ~~الطبيعية والبشرية.» # كما أنه يقول في مكان آخر من الفصل المذكور: «إن أحوال الدول ~~مثل سائر أحوال البشر، تتبع الحركات السماوية بعد ms025 مشيئة ~~الله.» # ثم يأتي بودن بأمثلة عديدة وتفاصيل كثيرة عن تأثير الأجرام ~~السماوية على سير الحوادث التاريخية، إنه يستعرض عددا كبيرا ~~من الوقائع التاريخية التي حدثت في أقطار وأعصار مختلفة، ~~ويحاول تفسيرها وتعليلها بحركات النجوم وقراناتها الكبيرة ~~والمتوسطة والصغيرة، فجميع تلك الحادثات التاريخية - من ثورة ~~إسكندر بك الألباني إلى ولادة الإمبراطور شارلكان، ومن استيلاء ~~صلاح الدين الأيوبي على القدس إلى ثورة الفلامنديين على ~~الإسبان، ومن خراب مدينة هركولانوم إلى استيلاء العثمانيين على ~~جزيرة رودس - كلها ذات علاقة وثيقة في نظر بودن بحركات النجوم ~~وقراناتها! # يعزو بودن خاصية عجيبة إلى شهر أيلول؛ يلاحظ أن عدة حوادث ~~هامة حدثت في شهر أيلول، مثل محاصرة ملك فرنسا شارل التاسع، ~~وحبس ملك السويد هنري. كما أن عدة وقائع حربية حدثت في الشهر ~~نفسه؛ منها انتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في القدس، ~~وانتصار السلطان بايزيد العثماني على أعدائه في نيكبولي. ثم إن ~~عدة ملوك ماتوا في شهر أيلول؛ منهم أوغسطس، وليون الرابع، ~~وفريدريك الثالث، وببين القصير. كما أن ولادة بعض الملوك ~~ووفاتهم أيضا حدثت في شهر أيلول؛ من هؤلاء شارلكان، وسليمان ~~القانوني. فهل من مجال للشك في «أن أسباب كل ذلك تعود إلى ~~أوضاع النجوم خلال الشهر المذكور؟» # وأما ظهور الإسلام فهو أيضا من الوقائع التاريخية ~~المربوطة بالحركات السماوية على رأي بودن؛ لقد حدث سنة 630 بعد ~~الميلاد «قران عظيم» في السماء، «اقترنت السيارات العلوية مع ~~الشمس في برج العقرب»، عندئذ «نشر العرب دين محمد، وثاروا ~~(هذا هو التعبير الذي يستعمله بودن) ثاروا ضد أباطرة ~~القسطنطينية، وغيروا الدول واللغات والأخلاق والدين في آسيا ~~الشرقية.» لا يشك بودن بأن هذه الحوادث العظيمة ذات علاقة ~~وثيقة بالقران العظيم السالف الذكر. # وأما آخر القرانات السماوية التي يذكرها بودن، فهو الذي ~~حدث سنة 1562؛ إن هذا «القران العظيم» أدى إلى حدوث حوادث ~~عجيبة جدا في مختلف أنحاء العالم؛ ملك فرنسا فوجئ بثورة ~~مسلحة، ملك السويد خلع من العرش وألقي في السجن، ملكة ~~اسكتلندا سجنت وحوكمت، ملك تونس طرد من ms026 بلاده، مغاربة ~~الأندلس من جهة وأهل الفلامند من جهة أخرى ثاروا على الملك ~~الكاثوليكي، كما أن الإنجليز ثاروا على ملكهم، والفرنسيون ~~قاموا على حكومتهم.» إن بودن يرى علاقة صريحة بين جميع هذه ~~الحوادث التاريخية وبين «اقتران السيارات العلوية بالشمس ~~وعطارد» في السنة المذكورة. # ولا يكتفي بودن بالقول - على هذه الصورة - بوجود علاقات قوية ~~بين الحوادث التاريخية وبين حركات الأجرام السماوية فحسب، بل ~~يحاول أن يبرهن على علاقة السماء بطبائع الأمم أيضا؛ إنه يبحث ~~في الكتاب الخامس من المؤلف الذي نحن بصدده عن طبائع الأمم، ~~ويتطرق إلى قضية اختلاف الطبائع باختلاف الأقاليم، ولكنه ~~يرجع تأثيرات الأقاليم إلى خواص النجوم، ويبدي حول ذلك ~~نظرية غريبة جدا. # تنقسم الأرض - في نظر بودن - إلى ثلاث مناطق؛ جنوبية، ووسطى، ~~وشمالية، ومن تتبع الكواكب السيارة وجد أن زحل يعود إلى ~~المنطقة الجنوبية، والمشتري يختص بالمنطقة الوسطى، والمريخ ~~يعود إلى المنطقة الشمالية، وأما الشمس فلا تختص بمنطقة من ~~هذه المناطق، بل تنيرها كلها على حد سواء، وأما السيارات ~~التي تأتي بعد ذلك فتختص كل واحدة منها بإحدى هذه المناطق ~~الثلاث؛ الزهرة بالمنطقة الجنوبية، العطارد بالمنطقة الوسطى، ~~والقمر بالمنطقة الشمالية. # ولهذا السبب نجد أن الأمم التي تقطن كل واحدة من المناطق ~~المذكورة آنفا تتأثر بطبيعة الكواكب السيارة التي تختص بتلك ~~المنطقة؛ فإن الأمم الشمالية تصبح ميالة إلى الحرب والقنص ~~بتأثير المريخ والقمر، والأمم الجنوبية تكون مسترسلة في ~~التأملات، ومستسلمة للشهوات بتأثير زحل والزهرة، وأما ~~الأمم التي تقطن المنطقة الوسطى فتمتاز بالإرادة والسياسة ~~بتأثير العطارد والمشتري. # ولأجل أن نفهم علل هذه الأحكام الغريبة التي يسردها بودن، ~~يجب أن نتذكر ما يلي: إن المريخ يسمى باللغات الإفرنجية باسم ~~«مارس» # Mars ~~، وهذا اسم ~~إله الحرب في الأساطير اليونانية. كما أن الزهرة تسمى باسم ~~«فينوس» # Venus ~~، وهذا اسم ~~آلهة الحب والجمال في عرف الأساطير المذكورة. وأما القمر ~~فيرمز إلى «ديانا» # Diana ~~، وهي ~~آلهة القنص في تلك الأساطير. كما أن المشتري يسمى باللغات ~~الإفرنجية باسم «جوبتر» # Jupiter ~~، وهو اسم رئيس الآلهة في الأساطير ms027 ~~القديمة. # هذه آراء ونظريات قال بها وكتبها «المؤرخ والمفكر جان بودن» ~~في النصف الأخير من القرن السادس عشر. ~~(3) التاريخ والسحر # إن الاعتقاد بالسحر والسحرة والقول بتأثير الطلاسم من جملة ~~الأمور الخرافية التي سادت على أذهان الناس عند جميع الأمم في ~~جميع أدوار التاريخ الماضية. # هذا الاعتقاد كان منتشرا بين أمم القرون الأولى - من ~~المصريين إلى اليونان فالرومان - غير أنه اكتسب خطورة خاصة ~~في أوروبا في القرون الوسطى؛ حيث امتزج بالاعتقاد بالشياطين، ~~وأودى بحياة الكثيرين من الأبرياء والمظلومين. # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن هذه المعتقدات الخرافية لم ~~تنته بانتهاء القرون الوسطى، بل استمرت بعد ذلك خلال عهد ~~الانبعاث أيضا، ولم تفقد شيئا من قوتها إلا بعد أواسط القرن ~~السابع عشر للميلاد. # كان الأوروبيون يعتقدون عندئذ بالسحر والسحرة اعتقادا ~~راسخا، ويعزون تأثير السحر إلى أعمال الشياطين، كانوا ~~يقولون بوجود الآلاف، بل الملايين من الشياطين، ويزعمون أن ~~هؤلاء الشياطين يسيطرون على بعض الناس، ولا سيما النساء، ~~ويولدون شتى الأمراض، ويسببون أنواع الشرور، ويتخذون السحرة ~~آلة وواسطة لشرورهم هذه، كانوا يظنون أن جماعات السحرة ~~يعقدون - من حين إلى حين - «اجتماعات خاصة» مع الشياطين في ~~خبايا الغابات، ويقيمون أنواعا عديدة من الطقوس الغريبة خلال ~~هذه الاجتماعات. # ولهذه الأسباب كانوا يتهمون - من وقت إلى آخر - بعض النساء ~~بعمل السحر، وبعضهن بالاستسلام إلى السحرة والاتفاق مع ~~الشياطين، فكانوا يحاكمونهن كما يحاكمون المجرمين والجناة، ~~وإذا ثبتت إدانتهن - لوجود بعض العلامات الخاصة - كانوا ~~يعدمونهن بإحراقهن بالنار؛ لتخليص النار من شرورهن وشرور ~~الشياطين الذين تملكوهن! # وكان الملوك والباباوات يشتركون مع الناس في هذه الاعتقادات، ~~ويتخذون شتى التدابير لمكافحة السحرة والساحرات. # إن حوادث «إحراق السحرة» بدأت في «نوفار» سنة 1357، غير أنها ~~كثرت بوجه خاص بعد المرسوم الذي أصدره البابا غريغوريوس التاسع ~~سنة 1374؛ لقد أمر البابا المشار إليه بمرسومه هذا استعمال ~~الشدة والصرامة في تحري السحرة ومعاقبتهم؛ ولذلك تم إحراق ~~500 ساحرة خلال ثلاثة أشهر في جنيف، كما تم إحراق 800 من ~~الأشخاص المتهمين بالسحر خلال المدة المذكورة في مقاطعة ms028 صافو ~~وحدها، ويقدر المؤرخون عدد الأشخاص الذين أحرقوا بتهمة ~~السحر خلال قرن واحد لا يقل عن ثلاثين ألفا، وأما عدد الذين ~~حوكموا من جراء تهم السحر حتى بداية القرن الثامن عشر فقد ~~بلغ المليون. # يظهر من ذلك أن وقائع إحراق السحرة لم تنقطع بانتهاء القرون ~~الوسطى، بل استمرت بشدة خلال القرن السادس عشر، كما أنها حدثت ~~من حين إلى حين خلال القرن السابع عشر، حتى إن التاريخ يسجل ~~عدة قضايا من هذا القبيل، حدثت خلال النصف الأول من القرن ~~الثامن عشر أيضا. # ففي سنة 1750 حاكم بارلمان بروفانس في فرنسا راهبا ~~يدعى جيرار بتهمة السحر، والراهب المذكور لم ينج من ~~الإحراق إلا لانقسام آراء القضاة إلى قسمين متساويين. # ولكن في السنة نفسها اتهمت الراهبة ماريا بندا بالسحر؛ ~~فجز رأسها وأحرق بدنها؛ تنفيذا للقرار الذي صدر بشأنها ~~بعد محاكمتها. # هذا وقد حدثت عدة وقائع أدت إلى قتل الأشخاص المتهمين بالسحر ~~بلا محاكمة رسمية بعد التاريخ الآنف الذكر أيضا؛ يذكرون مثلا ~~أن صيادي الأسماك في جزيرة هيلا قتلوا امرأة متهمة بالسحر ~~بإلقائها في لجة البحر؛ لمعرفة ما إذا كانت بريئة أم مجرمة، ~~وذلك سنة 1836. # ومما يستلفت النظر بوجه خاص أن عدة مؤلفين أقدموا على تأليف ~~الكتب المفصلة في السحرة والشياطين. # إن أهم وأشهر هذه المؤلفات هو الكتاب الذي نشره «اسبرنجر» # Sprenger # سنة 1489، يتألف ~~الكتاب من ثلاثة أقسام، والقسم الثالث منه يتضمن «أصول التحقيق ~~والمحاكمة» في قضايا السحر. لقد اكتسب هذا الكتاب شهرة كبيرة، ~~وأصبح دستورا لعمل الحكام مدة طويلة في مختلف الأقطار ~~الأوروبية. # ومن المؤلفات الغريبة التي صدرت في هذا الشأن، الكتاب الذي ~~طبعه «جان فيير» # Jean Vier # سنة 1568 في مدينة بازل في سويسرا، لقد أحصى المؤلف في كتابه ~~هذا عدد الشياطين، وشرح أنواعهم، وذكر أسماء بعضهم، وفصل ~~أعمالهم. يظهر مما جاء في هذا الكتاب أن عدد الشياطين - على ~~زعم المؤلف - يبلغ 7405926، منهم 172 من صنف الأمراء، والبقية ~~من الرعايا، ينقسم هؤلاء إلى 1111 فرقة، وتتألف كل فرقة منها ~~من 6666 ms029 شيطانا! ~~••• # إن الاعتقاد بالسحر سيطر على أذهان الكثيرين من العلماء ~~الذين نبغوا في القرون الوسطى، بل في عهد الانبعاث ~~أيضا. # وقد كان بينهم الرياضيون والفلاسفة والأطباء ~~والمؤرخون. # إننا لا نرى لزوما لاستعراض أسماء هؤلاء، ولكننا نرى من ~~الضروري أن نذكر من بينهم المؤرخ المفكر جان بودن بوجه خاص، إن ~~هذا المؤرخ المتفلسف - الذي سبق أن أشرنا إلى آرائه في النجامة ~~- كان من المعتقدين بالسحرة والشياطين ، ومن القائلين بوجوب ~~تعقب السحرة وإحراقهم. # فقد ذكر جان بودن في كتابه المشهور «الجمهورية» أن الموسيقى ~~تطرد الشياطين، كما ألف ونشر عدة كتب للبرهنة على صحة وقائع ~~السحر، ولتبرير محاكمات السحرة المعتادة في عصره، وذلك في ~~النصف الأخير من القرن السادس عشر للميلاد. ~~(4) التاريخ ومشيئة الله # إن معظم المؤرخين في القرون الأولى والوسطى أدخلوا «يد الله» ~~في الوقائع التاريخية كعامل ومؤثر مباشر، والتجئوا «إلى قدرته ~~ومشيئته وعنايته» في تفسير التاريخ، من غير أن يبحثوا عن العلل ~~والأسباب الطبيعية أبدا. # هذا أبو التاريخ هرودوت يذكر أعمال الآلهة بين الوقائع ~~التاريخية، ويشرح بتفصيل كيف أنهم ينصرون فئة على فئة، وكيف ~~أنهم يتخاصمون فيما بينهم أيضا في بعض الأحوال. # حينما يبدأ هرودوت قصة قره زوس، يقول: «لا شك في أن النكبات ~~التي حلت بهذا الملك كانت نقمة من الآلهة؛ لأنه كان قد ~~اغتر غرورا شديدا، وأخذ يرى نفسه أسعد خلق الله على ~~الإطلاق.» # وحينما يشرح الحروب التي حدثت بين اليونان وبين الفرس ~~يرجع معظم الوقائع إلى مداخلة الآلهة، ويزعم بأنها نصرت ~~اليونان على أعدائها في كل صفحة من صفحات الحرب التي دارت ~~رحاها بين الشعبين، فمثلا حينما يذكر العاصفة الهائلة التي ~~فاجأت الأسطول الفارسي وأتلفت قسما كبيرا من سفنه، لا ~~يتردد في القول بأن كل ذلك حدث بمساعدة الآلهة؛ لكيلا يبقى ~~الأسطول الفارسي متفوقا على الأسطول اليوناني تفوقا ~~عظيما. # إن هرودوت لم يكن منفردا في هذه النزعة الفكرية بين ~~المؤرخين القدماء، بل إن المؤرخ المشهور «فلوروس» # Florus # أيضا كان يعزو ~~كثيرا من الوقائع التاريخية إلى أعمال الآلهة ومداخلاتها، ms030 فهو ~~حينما يذكر - مثلا - تفاصيل الحروب التي نشبت بين روما وبين ~~«حنيبعل» # Annibal # لا يشك ~~في مساعدة الآلهة للرومان، فيقول: «بعد موقعة كان، لو مشى ~~حنيبعل على روما مباشرة؛ لأزالها من عالم الوجود حتما، ولكن ~~الآلهة - التي كانت تعادي القرطاجيين دائما - حملته على ~~التباعد عن عاصمة الرومان، وكذلك بعد موقعة «كابووا» أيضا، ~~حينما بدأ حنيبعل زحفه على روما، أوقفته الآلهة عن السير في ~~هذا الاتجاه للمرة الثانية ؛ فإن الأمطار سقطت بغزارة عجيبة، ~~والرياح عصفت بشدة غريبة، فلم يتمكن حنيبعل من الاستمرار في ~~الزحف، ولا شك في أن هذه العاصفة كانت قد حدثت بمشيئة الآلهة ~~التي قصدت صد العدو المهاجم عن المدينة، حتى إنه كان يخيل ~~للمرء أن هذه العاصفة لم تأت من السماء، بل تدفقت من أسوار ~~روما وأجواء الكابيتول. وعلى كل حال، فقد اضطر حنيبعل إلى ~~التباعد عن روما من جراء معاكسة هذه العواصف الخارقة ~~للعادة.» # إن المؤرخ المذكور يقول كذلك في صدد البحث عن استيلاء ~~الغاليين على روما: «أعتقد بأن النكبات التي حلت بروما ~~عندئذ، كأن الآلهة قد أرسلتها بقصد امتحان الرومان؛ لمعرفة ما ~~إذا كانوا يستحقون سلطنة العالم أم لا يستحقونها.» # إن نزعة الالتجاء إلى مشيئة الله في تعليل الوقائع التاريخية ~~سادت على أقلام مفكري المسيحية ومؤرخيها أيضا في القرون ~~الوسطى وفي عصر الانبعاث. # إن «القديس ~~أوغسطين» # Saint Augustin # الذي عاش في القرن الرابع للميلاد، ~~انتقد مؤرخي الوثنية بأسلوب لاذع متهكم من جراء نزعتهم هذه، ~~ومع هذا لم يتمكن من تخليص نفسه من النزعة المذكورة؛ فقد كتب ~~هو بدوره في كتابه «مدينة الله» ما يلي: «إن الله أعطى السلطنة ~~إلى الرومان عندما شاء، وبالعظمة التي شاء أن تكون عليها، وهو ~~الذي أعطى السلطنة قبل ذلك إلى الآثوريين، وكذلك إلى ~~الفرس.» # وأما «بوسوئه» # Bossuet # الذي نشر خطبه المشهورة في التاريخ العام سنة 1680، فقد ~~استسلم إلى هذه النزعة استسلاما، ووجه جميع جهوده إلى إظهار ~~«عمل الله» في التاريخ، فقد قال فيما قاله: «إن الله يمسك بيده ~~من فوق السماوات ms031 زمام جميع الممالك وجميع القلوب، فهو يشد ~~عليها تارة، ويرخي العنان لها طورا، وبهذه الصورة، يسوق ~~ويسير الجنس البشري بأجمعه.» # وقد عزا بوسوئه إلى معظم الأقوام القديمة رسالات خاصة لتنفيذ ~~مشيئة الله في شعبه المختار، إن شعب الله المختار حسب خطب ~~بوسوئه، هم بنو إسرائيل، إن الله استخدم البابليين والآثوريين ~~لتأديب هذا الشعب، كما استخدم الفرس لبعثه وإعادة كيانه، ~~واستخدم إسكندر الكبير وخلفاءه لحمايته، وخص الرومان بمهمة ~~الدفاع عن حريته . # إن النزعة التي نحن بصددها تتجلى بوضوح من خلال بعض ~~المؤلفات التي نشرت في القرن الثامن عشر أيضا، لعل أهم ~~النماذج لذلك هو «العلم الجديد» الذي نشر بقلم «جان باتيستا ~~فيكو» في أواسط القرن المذكور، لقد قال فيكو في كتابه ~~هذا: ~~«إن العلم الجديد لاهوت اجتماعي، يبرهن على القدرة الصمدانية ~~بالوقائع التاريخية.» # وقال أيضا: «إن العقل يأخذ نور الحقيقة الأزلية من الله، ~~فكل علم إنما يأتي من الله، ويرجع إلى الله، وهو من ~~الله.» # هذا مع العلم بأن فيكو كثيرا ما يلقب بلقب «مؤسس فلسفة ~~التاريخ». # إن نزعة الرجوع إلى الله في تعليل التاريخ تجلت حتى في بعض ~~المؤلفات التي نشرت في أوائل القرن التاسع عشر أيضا. # فقد نشأ في فرنسا - بعد الثورة الكبرى - مذهب جديد في فلسفة ~~التاريخ عرف باسم المذهب التيوقراطي # L’école théoeratique ~~. # إن رجال هذا المذهب - وأشهرهم دوبونالد # De Bonald # ودومستر # De Maistre ~~- كانوا من دعاة «الحكم الديني»، ~~فاعترضوا بشدة على جميع الفلسفات التي تعتمد على العقل ~~والحواس، وقالوا إن الإنسان لا يمكن أن يعرف الحقيقة إلا عن ~~طريق الوحي والإيمان، فحاولوا أن يستخرجوا فلسفة التاريخ من ~~الكتب المنزلة. وزعموا أن النكبات التي تحل بالبشرية ما هي ~~إلا عقوبات من الله على الزلة الأولى، كما ذهبوا إلى أن الله ~~جعل «الدماء والحروب» شرطا من شروط الغفران. # وذلك في أوائل القرن التاسع عشر للميلاد! ~~(5) موقف ابن خلدون من هذه الأمور # بعد هذه الجولة السريعة التي قمنا بها بين التواريخ ~~والمؤرخين، وهذه النظرة العامة التي ألقيناها على دور الكهانة ms032 ~~والنجامة والسحر في التاريخ، نستطيع أن نعود إلى المسألة التي ~~سردناها في مستهل هذه الأبحاث، فنتساءل مرة أخرى: هل يحق ~~لنا أن نعتبر الآراء والأبحاث التي وردت في مقدمة ابن خلدون ~~حول هذه الأمور منافية لمنزلته العلمية، وهادمة لمكانته ~~الفكرية؟ # لا شك في أن الجواب المنطقي الذي يجب أن يعطى على هذا ~~السؤال - بعد الاطلاع على التفاصيل والأمثلة التي ذكرناها ~~آنفا - سيكون «كلا» بوجه بات. # فإن أخبار الكهانات والخرافات التي ملأت تاريخ هرودوت لم ~~تحل دون اعتبار هذا المؤرخ من أعاظم البشرية، ولم تمنع ~~تلقيبه بلقب «أبو التاريخ»، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ابن ~~خلدون «منزلته العلمية» من جراء تطرقه إلى مسائل الكهانة، ~~على الرغم من عمق الآراء التي أبداها في سائر أقسام ~~المقدمة؟ # إن أبحاث «النجامة» التي شغلت حيزا خطيرا في «جمهورية ~~بودن»، لم تمنع الأوروبيين من اعتبار هذا الرجل من أكابر ~~المفكرين، ومن إدخاله في عداد «مؤسسي فلسفة التاريخ»، فكيف ~~يجوز لأحد أن يتردد في التسليم بعبقرية ابن خلدون الفكرية، ~~بحجة اعتقاده بالنجامة، على الرغم من النزعة العلمية التي ~~أظهرها في مختلف أبحاث المقدمة؟ # إن يد الله أو الآلهة التي كثيرا ما تذكر في مؤلفات ~~هرودوت وبوسوئه وفيكو وأمثالهم الكثيرين، لم تعتبر ~~«حاطة» من منزلتهم الفكرية، فكيف يجوز لأحد أن ينكر على ~~ابن خلدون مكانته العلمية، لمجرد رجوعه إلى علم الله وقدرة ~~الله في نهاية كل بحث من أبحاثه المختلفة، على الرغم من ~~توسعه في درس الحوادث الاجتماعية، وتعمقه في إظهار عواملها ~~الطبيعية؟! # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد بوجه خاص أن ابن خلدون لم ~~يمزج وقائع التاريخ بأخبار الكهانة كما فعل «أبو التاريخ»، ولم ~~يحاول تفسير التاريخ بتأثيرات النجوم كما فعل جان بودن، كما ~~أنه لم يكتف برد عوامل التاريخ إلى مشيئة الله كما فعل ~~بوسوئه، ولا حاول اتخاذ التاريخ وسيلة لإثبات قدرة الله كما ~~فعل «فيكو». مع أنه كتب ما كتبه في هذا الصدد قبل جان بودن ~~بمدة تناهز القرنين، وقبل بوسوئه بمدة تزيد على ms033 ثلاثة قرون، ~~وقبل فيكو بمدة تقرب من ثلاثة قرون ونصف قرن، ومع أن هذه ~~القرون التي أعقبت حياة ابن خلدون، كانت من أهم أدوار الانقلاب ~~وأسرع عهود التقدم في التاريخ البشري. # لا شك في أنه يحق لنا أن ننتقد ابن خلدون على ذكره الشيطان ~~والشياطين في عدة محلات من مقدمته، وعلى بحثه عن السحر بشيء من ~~التفصيل في بعض الفصول من هذه المقدمة، غير أنه يترتب علينا ~~ألا ننسى أبدا أن ابن خلدون كتب ذلك في عهد كان رجال الحكم ~~والدين في أوروبا يقدمون على إحراق المئات بل الآلاف من ~~المرضى والسحرة؛ بقصد التخلص من شرور الشياطين المستولين على ~~أبدان هؤلاء المرضى، والمسيطرين على أرواح هؤلاء السحرة، كما ~~يجب علينا أن نتذكر دائما بأن عددا غير قليل من العلماء ~~والمفكرين الأوروبيين ظلوا يعتقدون بالسحر ويحبذون إحراق ~~السحرة، ولا يحجمون عن نشر المؤلفات في هذه المواضيع، حتى بعد ~~مضي مدة تناهز القرنين على وفاة ابن خلدون! # ويجوز لنا أيضا ألا نستحسن الخطة التي سار عليها ابن خلدون ~~في الإشادة بعلم الله وقدرة الله في آخر كل فصل من فصول ~~المقدمة، غير أنه يترتب علينا ألا ننسى أبدا بأن عددا غير ~~قليل من المفكرين في أوروبا عملوا مثل ذلك، بل عملوا أكثر من ~~ذلك، حتى بعد كتابة مقدمة ابن خلدون بعدة قرون. كما يجب علينا ~~أن نلاحظ في الوقت نفسه أن ابن خلدون لم يفعل ذلك تهربا من ~~التفكير في العلل والأسباب بطرق علمية، أو تخلصا من مشاق ~~البحث عن الدلائل العقلية؛ بل إنه سار في معظم أبحاثه سيرا ~~عقلانيا # Rationaliste # تماما، ولم يلتجئ إلى ذكر علم الله وقدرة الله ومشيئة الله ~~إلا بعد إتمام استدلالاته واستقراءاته بالطرق العقلية ~~والمنطقية بوجه عام. # فنستطيع أن نقول بلا تردد: إن طرائق البحث التي اختارها ~~وسلكها ابن خلدون في هذا المضمار أكثر قربا وأشد شبها بالخطط ~~العلمية الحالية، من الطرائق التي اتبعها بعض المشاهير ~~الأوروبيين الذين جاءوا بعده، مثل؛ بودن، وبوسوئه، ~~وفيكو. # إن أسماء هؤلاء ms034 الغربيين تبدو لنا - من خلال الشذرات ~~والمقتطفات التي نعتمد عليها ونكتفي بها عادة - متحلية بهالة ~~زاهية من الجمال والكمال، عارية عن المآخذ والشوائب، غير أننا ~~إذا ما خرجنا عن نطاق تلك الشذرات المحدودة ورجعنا إلى المصادر ~~الأصلية لدرس كتابات هؤلاء دراسة تفصيلية؛ لا نلبث أن نلمح ~~النواقص والشوائب التي تستتر وراء تلك الألوان الزاهية. # ولهذه الأسباب نجد أن مكانة ابن خلدون في عالم العلم والفكر ~~تتعالى وتتعاظم كلما توسعنا في درس كتابات أمثاله، علاوة ~~على تعمقنا في درس آرائه المسطورة في مقدمته الثمينة. # مراجع هذه الجولة Paul Mongeolie-Les problémes de ~~l’histoire. 1886. # Cérin-Ricard-Histoire de ~~l’occultisme. 1939. # J. Bodin-les six livres de la ~~République. 1579. # J. B. Vico-Principes de la ~~philosophie de l’histoire, traduits de la ~~Sceinza nuova par Michelet ~~1827. # R. Flint-la philosophie de ~~l’histoire en France: Traduit par Carrau ~~1878. # Hérodote-Histiores-Clio. ~~Collection Budé. # La Grande Encyclopédie ~~Articles: Divination, Astrologie, ~~Occultisme, ~~sorcellerie. # | المدخل الثاني: حول مؤلف المقدمة # | مؤلف المقدمة # 1 # لقد اشتهر مؤلف المقدمة بين الناس وفي بيئات العلم والأدب ~~باسم «ابن خلدون»، ولكن اسمه كان عبد الرحمن، واسم والده محمد، ~~وأما تلقيبه بلقب «ابن خلدون» فكان بالنسبة إلى اسم أحد ~~أجداده القدماء، وهو الجد الذي كان دخل الأندلس مع جند ~~اليمانية، قبل ولادة مؤلف المقدمة بمدة لا تقل عن أربعة ~~قرون. # وقد عرف المؤلف نفسه في بداية المقدمة نفسها بالعبارة ~~التالية: ~~«يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه عبد الرحمن ~~بن محمد بن خلدون الحضرمي.» # وأما معاصروه فقد أضافوا إلى ذلك سلسلة طويلة من ~~الأسماء، والألقاب والنعوت، مثلا: إن الوقفية المسطورة على ~~غلاف نسخة تاريخه المهداة إلى مكتبة جامع القرويين بفاس، ذكرته ~~بالألقاب والنعوت التالية: ~~«قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام ~~أبي عبد الله محمد ابن خلدون الحضرمي المالكي.» # ولا شك في أن كنية «أبو زيد» اقترنت به بالنسبة إلى اسم ابنه ~~الأكبر، ولقب ولي الدين خلع عليه بعدما تولى منصب قاضي ~~القضاة المالكية في مصر، كما أن ms035 نعته بالمالكي كان تمييزا له ~~عن قضاة سائر المذاهب وعلمائها. # ومما يلفت النظر أنه نعت نفسه بالحضرمي، مشيرا بذلك إلى ~~اتصال نسبه بقبائل حضرموت، وأما معاصروه في مصر فكثيرا ما ~~نعتوه بالمغربي أو التونسي؛ إشارة إلى مجيئه من بلاد ~~المغرب. # وفضلا عن ذلك كله، كان اقتران اسم ابن خلدون في بعض ~~الكتابات والخطابات المعاصرة له ببعض الألقاب والنعوت الأخرى ~~حسب أنواع المناصب التي تولاها في مختلف أدوار حياته، من جملة ~~ذلك؛ الوزير، الرئيس، الحاجب، الصدر الكبير، الفقيه الجليل، ~~علامة الأمة، إمام الأئمة، جمال الإسلام والمسلمين. # غير أن هذه الأسماء والألقاب والنعوت الكثيرة والمتنوعة ~~أهملت بمرور الزمان الواحد بعد الآخر، إلى أن أصبح مؤلف ~~المقدمة يعرف ويعرف باسم «ابن خلدون»، مجردا عن سائر ~~الأسماء والنعوت. # وذلك على الرغم من أن التاريخ يذكر عددا غير قليل من الرجال ~~الذين كانوا يحملون مثله لقب «ابن خلدون»، وعلى الرغم من أن ~~بعضهم كان قد نال شهرة كبيرة في السياسة، وبعضهم الآخر في ~~العلم. # ويظهر من ذلك أن شهرة عبد الرحمن ابن خلدون فاقت شهرة جميع ~~هؤلاء على اختلاف عهودهم، فارتبط اسم ابن خلدون في الأذهان ~~بمؤلف المقدمة وحده، كما أن المقدمة نفسها صارت تعرف باسم ~~«مقدمة ابن خلدون» على وجه الاختصار. # وهذه الحالة أدت إلى توريط بعض الكتاب في أخطاء ~~فادحة: # فقد خلط بعضهم بين مؤلف المقدمة وبين أخيه الأصغر يحيى ابن ~~خلدون، ونسب إليه كتاب التاريخ المعنون بعنوان «بغية الرواد في ~~أخبار بني عبد الواد»، مع أن الكتاب المذكور من تأليف «أبو ~~زكريا يحيى»، لا «أبو زيد عبد الرحمن». # وخلط بعضهم بين مؤلف المقدمة وبين عمر بن خلدون، فذهب إلى ~~أنه حلق في العلوم الرياضية والفلك، مع أن التحليق في هذه ~~العلوم يعود إلى «عمر بن خلدون»، الذي توفي قبل ولادة مؤلف ~~المقدمة بمدة تقرب من ثلاثة قرون. # 2 # ولد ابن خلدون في تونس سنة 1332 / 732، وتوفي في القاهرة ~~سنة 1406 / 808، وعاش بهذه الصورة مدة لا تقل عن ثلاثة أرباع ~~القرن إلا سنة ms036 واحدة. # إن هذه السنوات الطويلة كانت زاخرة بنشاط خارق للعادة، ~~وحيوية محيرة للعقول. # كان نشاط ابن خلدون عديد الجوانب، شمل ميادين الإدارة ~~والسياسة، الخطابة والقضاء، الدرس والبحث، والتدريس ~~والتأليف. # وكانت حيويته عنيفة صاخبة لا تعرف معنى للهدوء، ولا تبالي ~~بالأخطار والأهوال؛ ولذلك صارت حياته سلسلة طويلة من حوادث ~~النجاح والفشل، إنه وصل إلى أعلى مناصب الحكم في عهود ملوك ~~عديدين في دول عديدة، ولكنه في الوقت نفسه تعرض إلى محن ~~ونكبات متنوعة مرات عديدة. # إنه تنعم بنعم القصور، ولكنه ذاق مرارة الاعتقال والسجن ~~أيضا، حضر حربا انتهت بانهزام الجماعة التي ينتسب إليها؛ ~~فاضطرته إلى الهيام في الصحاري مدة من الزمن، كما أنه تعرض ~~إلى غزوة جردته من كل ما كان له من أمتعة، حتى ~~الثياب. # دخل غمار الحياة العامة قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وقام ~~بمهمة سياسية خطيرة بعدما وصل إلى عتبة السبعين أيضا، وبين ~~وظيفته الأولى ومهمته الأخيرة تولى كتابة السر وخطة المظالم، ~~وصار وزيرا، وحاجبا، وسفيرا، ومدرسا، وقاضيا، وخطيبا، ~~وكل ذلك بين سلسلة من الحوادث والمشاكل، وبين ضروب من ~~المنافسات والمخاصمات. # ولم يتمتع ابن خلدون خلال عمره الطويل ب «حياة الهدوء» ~~بمعناها التام إلا نحو أربعة أعوام؛ وذلك بين أوائل سنة 1375 ~~وأواخر سنة 1378، عندما اعتزل الحياة العامة وانزوى في قلعة ~~ابن سلامة بعيدا عن شواغل المدن وبهارجها. # ولكن مما يلفت النظر أن هذه السنين القليلة التي اعتزل ~~خلالها ابن خلدون الحياة العامة، وتمتع بنعم الهدوء، كانت أثمن ~~وأخصب سني حياته، من حيث النشاط الفكري والإنتاج العلمي؛ لأن ~~المقدمة التي ضمنت له الخلود بين أعاظم رجال الفكر في العالم ~~كانت من نتاج هذه الحياة المنزوية في تلك القلعة ~~النائية. # 3 # إن مسرح حياة ابن خلدون ونشاطه لم ينحصر بمسقط رأسه تونس، ~~ومثوى رفاته القاهرة، بل شمل معظم أقطار العالم العربي ~~المترامي الأطراف. # غادر ابن خلدون مسقط رأسه تونس وهو في سن العشرين، ولم يعد ~~إليها إلا بعد ستة وعشرين عاما، تنقل خلالها بين مختلف مدن ~~المغرب الأدنى ms037 والأقصى والأندلس، لم يمكث فيها بعد هذه العودة ~~إلا أربعة أعوام، انتقل بعدها إلى مصر، وبقي فيها حتى آخر ~~حياته، إلا أنه لم ينقطع عن التنقل بتاتا خلال وجوده في مصر ~~أيضا؛ ذهب مرة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، ومرة إلى القدس ~~لزيارة المقامات المباركة، ومرة إلى دمشق للاشتراك في الدفاع ~~عن المدينة عندما أخذ تيمور يغزو بلاد الشام. # وخلاصة القول: قضى ابن خلدون 24 سنة من حياته في تونس، و26 ~~سنة منها في المغرب الأوسط والأقصى والأندلس، و24 سنة منها ~~في مصر والشام والحجاز. # ولم يبق خارج مسارح حياته ومجالات نشاطه قطرا عربيا ~~غير قلب الجزيرة العربية والعراق. # ولتقدير مبلغ اتساع هذه الأقطار التي عاش وعمل وتنقل فيها ~~ابن خلدون تقديرا صحيحا، يجب علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار ~~حالة «وسائط المواصلة» التي كان يلجأ إليها في ذلك العهد ~~للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن قطر إلى قطر. يتبين مما ~~ذكره ابن خلدون نفسه في ترجمة حياته أن رحلته من تونس إلى ~~الإسكندرية كانت استوجبت بقاءه على ظهر المركب أربعين ليلة، ~~وانتقاله من الطور إلى ينبع، خلال رحلته إلى الحجاز استغرق ~~شهرا كاملا، كما أن مجيئه من قوص إلى القاهرة - داخل القطر ~~المصري نفسه - خلال عودته من الحج تطلب مدة مماثلة ~~لذلك. # 4 # إن ظروف حياة ابن خلدون التي لخصناها آنفا ساعدت على ~~توسيع ملاحظاته وتنمية معلوماته مساعدة كبيرة، كما أنها ~~أثرت في تكوين أسلوب تفكيره تأثيرا عميقا. # إنه كتب المقدمة سنة 1377 / 779، بعد أن وصل إلى منتصف العقد ~~الخامس من العمر، وبعد أن شاهد كثيرا من الانقلابات السياسية، ~~واشترك اشتراكا فعليا في عدد غير قليل منها، ومما لا شك فيه ~~أن الأمور التي لاحظها خلال هذه السنين الطويلة في هذه الأقطار ~~المختلفة، وبين تلك الانقلابات المتتالية، كانت من أهم العوامل ~~التي أثارت تأملاته، ووجهت نظرياته عندما أقدم على كتابة ~~المقدمة. # كما أن الحياة التي عاشها ابن خلدون بعد ذلك، ولا سيما ~~المهام التي تولاها بعد انتقاله إلى مصر، لعبت ms038 دورا هاما في ~~توسيع مباحث المقدمة وتحويرها. # فيجدر بنا أن نلقي نظرات سريعة: # أولا: # على خصائص البيئة العائلية التي نشأ وترعرع ~~فيها. # ثانيا: # على أحوال العصر الذي عاش وعمل وفكر ~~خلاله. # ثالثا: # على أهم الحوادث التي تعرض إليها خلال ~~حياته العامة. # وذلك لكي نفهم جيدا أهم العوامل التي أثرت في تكوينه ~~الفكري العام من ناحية، والتي ألهمته النظريات التي دونها في ~~مقدمته المشهورة من ناحية أخرى. # | أسرة ابن خلدون # 1 # تولى ابن خلدون بنفسه كتابة ترجمة حياته، بدأها بتفصيل ~~نسبه، وذكر أسماء أجداده المعلومين، وذلك استنادا إلى ما سمعه ~~من الأخبار من ناحية، وإلى ما قرأه في كتب التاريخ والأنساب من ~~ناحية أخرى. # ويتبين من الترجمة المذكورة أن أسرة ابن خلدون كانت حضرمية ~~الأصل، يصعد نسبها إلى وائل بن حجر الذي كان من كبار الصحابة، ~~والذي تولى مهمة تعليم القرآن ونشر الإسلام في اليمن. # وكان أحد أحفاد وائل المشار إليه آنفا، رحل إلى الأندلس مع ~~جند اليمن، كان يسمى في بلده وبين أسرته خالد بن عثمان، ولكن ~~اسمه هذا تحول في الأندلس من خالد إلى خلدون، وفقا لعادات ~~المغاربة وتقاليدهم؛ ولذلك عرف بنوه وأحفاده من بعده بهذا ~~الاسم الجديد «بنو خلدون». # لا يعين ابن خلدون تاريخ دخول هذا «الجد الأعلى» إلى ~~الأندلس، ولكنه عندما يفصل نسبه يذكر بينه وبين وائل الآنف ~~الذكر ستة آباء، وذلك يدل على أن وصوله إلى الأندلس، كان بعد ~~الفتح بمدة غير يسيرة، ويحمل على الظن بأن ذلك كان في أوائل ~~القرن الثالث للهجرة. # من المؤكد أن بني خلدون نشئوا أولا في قرمونة، حيث كان نزل ~~جدهم الأكبر خلدون بن عثمان، ثم انتقلوا إلى إشبيلية وترعرعوا ~~فيها. # وقد بدءوا يظهرون على مسرح السياسة ويلعبون دورا هاما ~~فيها منذ الربيع الأخير للقرن الثالث للهجرة، إنهم كانوا من ~~جملة الثوار الذين خلعوا طاعة الخلفاء الأمويين في الأندلس في ~~أواخر القرن المذكور. # وبعد ذلك التاريخ ظل بنو خلدون يتمتعون بمكانة مرموقة في ~~ميداني العلم والسياسة. # والمؤرخ الأندلسي المشهور «ابن ms039 حيان»، الذي كان من رجال ~~القرن الحادي عشر للميلاد والخامس للهجرة، قال عنهم ما ~~يلي: ~~«بنو خلدون إلى الآن في إشبيلية نهاية النباهة، ولم تزل ~~أعلامهم بين رياسة سلطانية ورياسة علمية.» # وأما أقدم من اشتهر منهم بالسياسية - أو بالرياسة ~~السلطانية حسب تعبير «أبو حيان» - فكان كريب بن خلدون؛ كان من ~~رؤساء الثورة التي قامت على الخلفاء الأمويين، وقد اشترك مع ~~سائر زعماء الثورة في حكم إشبيلية في بادئ الأمر، ولكنه انفرد ~~بذلك الحكم بعد مدة، وظل يحكم إشبيلية حكما مطلقا، إلى أن ~~لقي حتفه في ثورة قامت عليه. # وأما أعظم من كان اشتهر من بني خلدون في ميدان العلم - أو ~~في الرياسة العلمية حسب تعبير «أبو حيان» - فكان عمر بن خلدون، ~~قال عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه عيون الأنباء في طبقات ~~الأطباء ما يلي: ~~«أبو مسلم عمر بن خلدون الحضرمي، من أشراف أهل إشبيلية، كان ~~متصرفا في علوم الفلسفة ، مشهورا بعلم الهندسة والنجوم ~~والطب، توفي في بلده سنة تسع وأربعين وأربعمائة.» # كما صرح ابن أبي أصيبعة بأن عمر بن خلدون كان من تلامذة ~~أبي القاسم مسلمة المجريطي المشهور بالعلوم الرياضية. # 2 # ظل بنو خلدون في إشبيلية إلى حين «غلب ملك الجلالقة ابن ~~أدفونش عليها»، وعندئذ جلوا عنها مع من جلى، وانتقلوا إلى ~~سبتة، ومنها إلى تونس وتوطنوا فيها. # وقد تمتع بنو خلدون في موطنهم الجديد أيضا بمكانة سامية، ~~والسبب في ذلك يعود إلى قدم علاقاتهم مع ملوك ~~إفريقية. # من المعلوم أن زكريا الحفصي الذي أسس الدولة الحفصية في تونس ~~سنة 1227 / 625، كان واليا على إشبيلية قبل أن يتولى ولاية ~~إفريقية ويستقل فيها، كما أن كلا من والده وجده أيضا كان قد ~~تولى إدارة إشبيلية مرات عديدة، وخلال هذه الولايات كانت ~~توطدت بينهم وبين بني خلدون علاقات حسنة، وهذه العلاقات ~~القديمة التي كانت توطدت بين الأسرتين منذ أجيال عديدة هي التي ~~حملت بني خلدون على اختيار تونس مهجرا لهم - ترجيحا على سائر ~~الأقطار المغربية - وهي التي ساعدتهم مساعدة كبيرة على ms040 أن ~~يحصلوا على مكانة ممتازة هناك أيضا، تحت رعاية الأسرة المالكة ~~الحفصية. # ظل بنو خلدون يتقلبون في تونس أيضا بين «رياسة علمية ~~ورياسة سلطانية»، تولوا عدة مرات أعلى مراتب الدولة، واشتركوا ~~في الكثير من حروبها دون أن يقطعوا صلاتهم بالعلم ~~والأدب. # كان الجد الثاني لمؤلف المقدمة تولى الوزارة والقيادة، ومات ~~مقتولا خلال إحدى الثورات، وكان جده الأقرب أيضا تولى ~~الوزارة عدة مرات، وكثيرا ما ناب عن السلطان خلال غيابه عن ~~عاصمة الملك، إلا أن والد ابن خلدون «آثر العلم والرباط على ~~السيف والخدمة»، وانصرف بكليته إلى العلم والأدب، ويقول عنه ~~ابن خلدون: «إنه قرأ وتفقه، وكان مقدما في صناعة العربية، ~~وله بصر بالشعر وفنونه، وعهدي بأهل الأدب يتحاكمون إليه فيه، ~~ويعرضون حوكهم عليه.» # 3 # لقد نشأ ابن خلدون وترعرع في كنف هذه الأسرة، يسمع منذ صغره ~~مناقب أجداده، ويحضر مجالس والده، ويعي أحاديث ضيوفه ~~وزواره. # وكان من شأن هذه البيئة العائلية أن تولد في نفسه نزعتين ~~قويتين؛ حب المنصب والجاه من ناحية، وحب الدرس والعلم من ناحية ~~أخرى. # إن كل واحدة من هاتين النزعتين كانت عميقة الجذور وشديدة ~~التأثير في نفسية ابن خلدون، إنهما تنازعتا السيطرة على تلك ~~النفسية مدة طويلة، وتغلبت - إلى حد ما - تارة الأولى على ~~الثانية، وطورا الثانية على الأولى، إلا أن هذه الغلبة لم ~~تصبح حاسمة في وقت من الأوقات، وظلت النزعتان تؤثران في ابن ~~خلدون طول حياته، دون أن تستطيع الواحدة منهما القضاء على ~~الأخرى قضاء مبرما. # ولذلك نجد ابن خلدون ينكب في بادئ الأمر على الدرس ~~والتحصيل بكل نهم، ولكنه بعد ذلك حالما يدخل الحياة العامة ~~ينجرف بتيار حب المنصب والجاه، ويخوض غمار الحياة السياسية بكل ~~اندفاع، ويعيش قرابة ربع قرن عيشة حافلة بشتى حوادث الطموح ~~والمغامرة، ولكنه خلال هذه الحياة السياسية المغامرة أيضا لا ~~يتخلى عن حب الدرس والعلم، بل ينتهز كل الفرص للاستزادة من ~~العلم بكل الوسائل الممكنة. # وفضلا عن ذلك يشعر من وقت إلى آخر برغبة شديدة تحدوه إلى ~~التخلص من ms041 الشواغل العامة، ليستطيع التفرغ إلى العلم ~~والدرس. # وقد حاول ابن خلدون مرارا الاستسلام إلى هذه الرغبة لتحقيق ~~تلك الأمنية، ولكن الحوادث السياسية كانت لا تلبث تجرفه في ~~تيارها من جديد، وتبعده عن حياة العلم والدرس مرة ~~أخرى. # واستمر الحال على هذا المنوال مدة طويلة بين جزر ومد، ~~إلى أن استطاع ابن خلدون - في آخر الأمر - أن يعتزل الحياة ~~العامة، ويتباعد عن مسارح السياسة منزويا في قلعة ابن ~~سلامة. # من المعلوم أن ابن خلدون كتب المقدمة خلال هذا الاعتزال ~~عندما انصرف إلى التفكير والتأليف، ولكن يجب علينا ألا ننسى أن ~~التجارب التي اكتسبها، والملاحظات التي ادخرها، والمعلومات ~~التي جمعها خلال حياته السياسية المعقدة لعبت دورا هاما في ~~هذا المضمار؛ لأنها زودته بعناصر النظريات التي دونها في ~~المقدمة بعد انزوائه في تلك القلعة النائية. # ونستطيع أن نقول لذلك: إن النزعتين المذكورتين تضافرتا على ~~تمكين ابن خلدون من تأليف المقدمة، إن حب المنصب والجاه دفعه ~~إلى خوض غمار الحياة السياسية، ولكن حب الدرس والعلم جعله ~~يتأمل في صفحات هذه الحياة تأملا نظريا، ليس ليستخرج منها ~~قواعد عملية للحكم والسياسة، بل ليستقرئ منها مبادئ عامة ~~تساعد على إبداع علم جديد هو علم الاجتماع. # 4 # بعد أن علمنا تأثير «مناقب الأسرة وتقاليدها الأساسية» في ~~نفسية ابن خلدون، يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة إلى حياته ~~العائلية أيضا: # كان جد مؤلف المقدمة لا يزال حيا عند ولادته هو، إلا أنه ~~مات عندما كان ابن خلدون لا يزال طفلا في الخامسة من ~~عمره. # وأما والده ووالدته فقد عاشا حتى بلوغه السابعة عشر من ~~العمر، وماتا معا خلال الطاعون الجارف الذي عم ~~البلاد. # وهكذا حرم ابن خلدون من الأب والأم في وقت واحد عندما كان ~~في عتبة الشباب، ولم يبق حوله من أسرته إلا أخ أكبر منه، وآخر ~~أصغر. # ونحن نعتقد أن حرمان ابن خلدون من والديه في سن مبكرة كان ~~من العوامل التي قللت ارتباطه بأسرته وبمسقط رأسه، وفتحت ~~أمامه أبواب الرحلة والتنقل على مصراعيها، وساعدته بذلك ms042 على ~~خوض غمار الحياة السياسية في تلك الأزمنة المضطربة في مختلف ~~الأقطار المغربية. # في الواقع أن ابن خلدون تزوج عندما كان في المغرب الأوسط، ~~وأنجب عدة أولاد، فأصبح بذلك رئيس عائلة. # ولكن يظهر أنه كان قد تعود التنقل والمغامرة قبل ذلك، ~~ولهذا السبب نجد أن أعباء هذه العائلة لم تؤثر في سير حياته ~~أبدا، ويتبين من ترجمة حياته أنه عندما كان ينتقل من مدينة ~~إلى أخرى، ومن قطر إلى آخر كان يفارق عائلته إلى أن يستقر - ~~إلى حد ما - في محل جديد، فيستدعيها بعد ذلك إلى هناك، ونحن ~~نعلم أن هذه الحالة تكررت مرات عديدة في تواريخ ~~مختلفة. # مثلا عندما رحل إلى الأندلس صرف زوجته مع أولاده إلى ~~أخوالها في قسنطينة، ولم يستدعها إلى غرناطة إلا بعد أن تهيأت ~~له أسباب الاستقرار هناك، ولكن من المعلوم أنه لم يمكث في ~~الأندلس - بعد وصول عائلته - أكثر من سنة، وسافر بعدها إلى ~~بجاية، وعاد مرة أخرى إلى معامع السياسة. # وكذلك عندما رحل من تونس إلى مصر، ترك عائلته في مسقط رأسه، ~~ولم يستدعها إلى القاهرة إلا بعد أن استقر فيها وصار مدرسا، ~~ولكن هذه المرة لم يتيسر له الالتقاء بها؛ لأن السفينة التي ~~كانت تقل العائلة مع أمتعتها غرقت قبل الوصول إلى ~~الإسكندرية، وأصبح ابن خلدون محروما من الأهل والعيال بكل ~~معنى الكلمة. # | عصر ابن خلدون # إن العصر الذي عاش وعمل وفكر خلاله ابن خلدون - النصف الثاني ~~من القرن الثامن للهجرة، والرابع عشر للميلاد - كان من عصور ~~التحول والانتقال في جميع أنحاء العالم المتمدين المعلوم إذ ذاك؛ ~~تحول وانتقال نحو التفكك والانحطاط في العالم العربي، وتحول ~~وانتقال نحو النهوض والانبعاث في العالم الغربي. # فيجدر بنا أن نستعرض أحوال ذلك العصر في كل واحد من هذين ~~العالمين على حدة. ~~(1) العالم العربي # كان العالم العربي ينقسم في عهد ابن خلدون بين الناس وبين ~~الكتاب إلى قسمين أساسيين؛ المغرب والمشرق. # فإن البلاد التي تمتد بين مصر وبين البحر المحيط كانت ~~تعتبر «المغرب»، في حين أن ms043 مصر وما يليها من البلاد العربية ~~كانت تعتبر «المشرق». # إن سكان المغرب لا يزالون يتمسكون بهذه الأسماء، فيعتبرون ~~أنفسهم «مغاربة»، ويسمون أهل مصر والشام والعراق والحجاز ~~«مشارقة». # وأما الأندلس فكانت مغربية بوضعها الجغرافي، وإن كانت ~~منفصلة عما يسمى «بلاد المغرب» بوجه عام. ~~(1-1) الأندلس # كانت معظم بلاد الأندلس قد خرجت من حوزة العرب ودخلت تحت ~~حكم الإسبان، بما في ذلك أهم مراكز الحضارة الأندلسية، من ~~طليطلة وقرطبة إلى إشبيلية، وكان جماعات كبيرة من سكانها ~~العرب قد جلت عنها إلى المغرب وإلى إفريقية - أي إلى ~~مراكش وتونس، ولم يبق تحت حكم العرب هناك سوى قطعة صغيرة ~~في الجنوب الغربي تكاد تنحصر بين غرناطة وبين المرية وجبل ~~الفتح. # وكان يحكم هذه البقية الباقية من الأندلس «بنو الأحمر»، ~~ولكن أمراء هذه الأسرة نفسها كثيرا ما كانوا يتنافسون على ~~الحكم ويتخاصمون عليه، وكانوا يتخاصمون في بعض الأحيان مع ~~سلاطين المغرب أيضا. # وكثيرا ما كان الأمراء والحكام الذين يفشلون في ~~ثوراتهم على سلاطينهم يلتجئون إلى المغرب إذا كانوا من ~~الأندلسيين، وإلى الأندلس إذا كانوا من المغاربة، وإذا حدث ~~خلاف بين سلطان المغرب وسلطان الأندلس - لسبب من الأسباب - ~~راح كل واحد منهما يطلق زعماء الثورة اللاجئين إلى بلاده؛ ~~بغية إحداث شغب واضطراب في بلاد خصمه. ~~«إن ابن خلدون رحل إلى الأندلس مرتين؛ في المرة الأولى ~~مكث فيها ثلاث سنوات ثم غادرها باختياره، ولكنه في المرة ~~الثانية لم يمكث فيها إلا بضعة أشهر وغادرها ~~مكرها.» ~~(1-2) المغرب العربي # وأما بلاد المغرب فكانت تجزأت - منذ انقراض دولة ~~الموحدين - إلى ثلاث دول، يحكمها ثلاث أسر حاكمة؛ بنو مرين ~~في المغرب الأقصى، بنو عبد الواد في المغرب الأوسط، ~~وبنو حفص في المغرب الأدنى الذي كان يسمى ~~«إفريقية». ~~(1) # كانت دولة بني عبد الواد أضعف هذه الدول ~~الثلاث، وأشدها تعرضا إلى الفتن والتقلبات؛ ~~لأنها كانت محصورة بين الدولتين الأخرتين، ~~فكانت مضطرة إلى توزيع قواها على الجبهتين، ~~وفضلا عن ذلك فإن عاصمتها تلمسان لم تكن ~~بعيدة عن مدينة فاس، التي كانت عاصمة بني ms044 ~~مرين الأقوياء. # ولذلك ~~كانت حدود هذه الدولة في حالة جزر ومد؛ تتوسع ~~تارة، وتتقلص طورا، وتتلاشى في بعض ~~الأحيان، فقد استولى بنو مرين على عاصمتها عدة ~~مرات، فاضطر أمراؤها إلى الانتباذ في الجبال ~~والقفار، أو الالتجاء إلى الأقطار العربية ~~الأخرى؛ انتظارا لسنوح الفرص التي تساعدهم ~~على استعادة ملكهم، واسترداد عاصمتهم من ~~المستولين عليها. # إن ~~أحوال الدولة المرينية والدولة الحفصية كانت ~~أكثر استقرارا من ذلك، إلا أن هذا الاستقرار ~~كان نسبيا؛ كان الحكم قد استقر في الأسرة ~~المرينية في فاس، والأسرة الحفصية في تونس، ~~ولكن أفراد كل واحدة من هاتين الأسرتين قلما ~~كانوا ينقطعون عن ~~التنافس ~~على الملك والسلطان، وكثيرا ما كان السلاطين ~~أنفسهم يوزعون بلادهم على أولادهم، ويقطعون ~~لكل واحد منهم إمارة يستمتع بحكمها طول ~~حياته، وقد يورثها إلى أولاده بعد مماته، ~~وكثيرا ما كان هؤلاء الأمراء يسعون إلى ~~توسيع حدود إماراتهم على الرغم من وشائج ~~القرابة القائمة بينهم وبين جيرانهم، وكثيرا ~~ما كانت تنشب حروب ومخاصمات بين أبناء العم، ~~أو بين الإخوة، وقد سجل التاريخ مخاصمات ~~وحروبا عديدة قامت بين الآباء والأبناء ~~أيضا. # وطبيعي أن حكام الأقاليم كثيرا ما كانوا ~~يستفيدون من المنافسات التي تقوم بين أفراد ~~الأسرة المالكة، ويستقلون في شئون البلاد التي ~~يحكمونها، ويوجدون بذلك دويلات شبه مستقلة لا ~~ترتبط بالدولة المركزية إلا بروابط اسمية ~~واهية. # وكثيرا ما كان بعض الوزراء ينتفضون على ~~سلاطينهم؛ يخلعونهم أو يقتلونهم، وينصبون ~~محلهم أحد الأمراء القاصرين؛ لكي يبقوا هم ~~أصحاب الأمر والنهي تحت ستار الكفالة - أي ~~الوصاية - عن السلطان الجديد. # ولا حاجة إلى البيان أن هؤلاء قلما كانوا ~~يستطيعون أن يستمتعوا بالحكم مدة طويلة ~~بعدما يتوصلون إليه بمثل هذه الوسائل؛ لأن كل ~~ثورة من هذا القبيل كانت تثير أطماح الآخرين، ~~وتفتح بابا لثورات معاكسة ومنافسة، فلا ~~تترك مجالا لاستقرار الأمور على حال من ~~الأحوال. # وهكذا كانت القلاقل والاضطرابات والانقلابات ~~تتوالى بدون انقطاع. ~~«إن ابن خلدون دخل الحياة العامة وخاض غمار ~~الحياة السياسية مدة ربع قرن، في هذا العصر ~~الذي كان يغلي ms045 بشتى أنواع الفتن والثورات، ~~ومما تجدر الإشارة إليه أنه قضى معظم سني ~~حياته السياسية في بلاد المغرب الأوسط التي ~~كانت بمثابة البؤرة الأساسية في هذه ~~التقلبات.» ~~(2) # ولإعطاء فكرة واضحة عن التقلبات السياسية ~~التي كانت تتوالى في بلاد المغرب، نرى أن ~~نستعرض هنا طائفة من الوقائع التي حدثت خلال ~~حياة ابن خلدون نفسه: ~~(أ) # إن السلطان المريني «أبو الحسن» عندما ~~تولى الملك أخذ يسعى إلى توسيع حدود ~~مملكته؛ فاستولى أولا على تلمسان، وقضى ~~على دولة بني عبد الواد، ثم واصل الحروب ~~والفتوح نحو الشرق، فاستولى على بجاية ~~التي كانت تابعة إلى إفريقية، واعتقل ~~الأمير الحفصي الذي كان يحكمها، ونقله مع ~~سائر الأمراء إلى تلمسان، وفرض على جميعهم ~~الإقامة هناك بعيدين عن بلادهم، وبعد ذلك ~~استولى على قسنطينة أيضا، وأبعد أميرها ~~الحفصي إلى فاس. # وفي الأخير واصل الزحف نحو الشرق، ~~إلى أن استولى على تونس، واستطاع بذلك أن ~~يجمع تحت حكمه بلاد المغرب - الأدنى ~~والأوسط والأقصى - من خليج قابس إلى البحر ~~المحيط. ~~«كان ابن خلدون إذ ذاك في السادسة ~~عشر من العمر.» ~~(ب) # إلا أن حكم هذا السلطان المريني على ~~تونس لم يدم أكثر من سنتين؛ لأن ~~القبائل التي كانت ساعدته على فتح تونس ~~انقلبت عليه بعد سنة وحاصرته في ~~القيروان. # وعندما وصلت أخبار واقعة القيروان ~~إلى تونس تشجع أهل المدينة، وثاروا على ~~الحكام المرينيين، وحاصروهم في القصبة، ~~وأعلنوا ولاءهم للحفصيين، وبعد مدة وجيزة ~~اقتدى بهؤلاء أهالي قسنطينة أيضا، وثاروا ~~على حكم بني مرين. # وأما السلطان أبو الحسن، فبعد أن ~~بقي محاصرا في القيروان مدة من الزمن، ~~استطاع أن يتفق مع بعض القبائل ويخترق ~~الحصار، ويخرج إلى مدينة سوسة، وينتقل ~~منها إلى تونس عن طريق البحر، وهناك ~~تغلب على الثوار، وفك الحصار عن ~~جماعته المحاصرين في القلعة، وأخضع بذلك ~~البلاد إلى حكمه مرة ثانية. # غير أنه لم يكد ينتهي من إخماد هذه ~~الثورة إلا واستخبر أن ابنه «أبو عنان» ~~الذي كان تركه في فاس نائبا عنه قد انتقض ~~عليه، وأعلن نفسه سلطانا ms046 على ~~المغرب. # ولذلك اضطر السلطان أبو الحسن إلى ~~مغادرة تونس بحرا؛ بغية إخماد ثورة ابنه ~~عليه، تاركا ابنه الآخر «أبو الفضل» في ~~تونس؛ لينوب عنه في حكم إفريقية. ~~(ج) # ولكن جماعة الحفصيين لم يتأخروا في ~~الاستفادة من هذه الحوادث للتخلص من حكم ~~المرينيين. # فإن الوزير «ابن تافراكين» - الذي ~~كان تزعم ثورة التونسيين على السلطان ~~«أبو الحسن» ثم فر إلى الإسكندرية عند ~~تغلب السلطان عليهم - أسرع في العودة ~~إلى تونس وتغلب على نائب السلطان ~~المريني وأقصاه عن إفريقية، ثم نصب على ~~العرش السلطان «أبو إسحاق الحفصي»، على أن ~~يكون تحت كفالته ووصايته. ~~«ابن خلدون دخل الحياة العامة في ~~هذا العهد؛ إذ عينه الوزير ابن تافراكين ~~كاتبا للعلامة لهذا السلطان.» ~~(د) # ولكن منصب السلطان «أبو إسحاق» تحت ~~كفالة ابن تافراكين لم يرق لصاحب ~~قسنطينة؛ لأنه كان أميرا حفصيا، فكان ~~يرى نفسه أحق بالسلطنة؛ ولذلك ثار على ~~الحكم الجديد، وزحف بجيوشه على تونس وحاصر ~~المدينة. # ولكنه خلال هذا الحصار تلقى ~~أخبارا مقلقة عن حوادث المغرب الأوسط ~~والأقصى؛ علم أن السلطان المريني عاد إلى ~~الزحف نحو الشرق، فاستولى من جديد على ~~تلمسان وعلى بجاية، وصار قريبا من ~~قسنطينة، ولذلك رأى الأمير الحفصي أن ~~يعدل عن حصار تونس، فيعود إلى مقر ~~إمارته الأصلية؛ ليدافع عنها ويحول دون ~~استيلاء المرينيين عليها. ~~«ابن خلدون حضر أول الاصطدامات التي ~~حدثت بين جماعة صاحب قسنطينة وبين جماعة ~~سلطان تونس، وغادر إفريقية إلى المغرب عقب ~~هذا الاصطدام.» ~~(ه) # وأما السلطان أبو الحسن المريني ~~الذي كان غادر تونس بحرا بغية إخماد ثورة ~~ابنه عليه - كما ذكرنا آنفا - فإنه لم ~~يستطع أن يسترد عرشه، مع أنه عانى في ~~سبيل ذلك كثيرا من المحن والمشاق؛ لأن ~~الأسطول الذي كان يقله تعرض لعاصفة ~~شديدة أدت إلى غرق السفن بأجمعها، ومع هذا ~~استطاع السلطان أن يتغلب على الأمواج ~~فيصل إلى الساحل، وانتقل من هناك إلى ~~مدينة الجزائر، حيث أخذ يدعو لنفسه، ويجمع ~~الناس حوله. # واستطاع السلطان بعد ذلك أن يصل إلى ~~مراكش عن طريق الصحراء، ms047 إلا أنه نكب ~~هناك بانهزام جيوشه في الموقعة التي دارت ~~بينها وبين جيوش ابنه، ولم يعش بعد ذلك ~~إلا بضعة أيام. # وهكذا أصبح «أبو عنان» سلطانا على ~~المغرب دون منازع. ~~(و) # وكان أبو عنان - عندما أعلن نفسه ~~سلطانا على المغرب في حياة والده - اتخذ ~~تدابير عديدة للحيلولة دون عودة ذلك ~~الوالد إلى مقر ملكه؛ وكان من جملة هذه ~~التدابير إعادة الأميرين الحفصيين - ~~المقيمين في فاس وتلمسان - إلى مركزي ~~إمارتيهما السابقتين؛ بجاية وقسنطينة، على ~~شرط أن يدافعوا عنهما ضد السلطان «أبو ~~الحسن»، فلا يتركوا مجالا لاجتيازه تلك ~~البلاد، بغية الوصول إلى المغرب ~~الأقصى. # وبديهي أن هذا التدبير كان يعني ~~التنازل عن الإمارتين اللتين كان فتحهما ~~والده قبلا. # وطبيعي أن بني عبد الواد الذين ~~كانوا يتربصون الفرص لاستعادة ملكهم، لم ~~يتأخروا في الاستفادة من هذه الحوادث التي ~~قامت بين الابن وبين الوالد، وعادوا إلى ~~عاصمتهم السابقة بدون عناء. # وبهذه الصورة عادت حدود دولة بني ~~مرين إلى ما كانت عليه قبل فتوحات السلطان ~~«أبو الحسن». # ولكن السلطان «أبو عنان» بعدما تخلص ~~من مناوأة والده، واطمأن بذلك على توطد ~~حكمه في المغرب الأقصى، أخذ يعد العدة ~~لاسترداد البلاد التي كانت خرجت عن حوزة ~~الدولة المرينية خلال الحوادث ~~الأخيرة. # وبعد إتمام استعداداته زحف على ~~تلمسان واستولى عليها، ثم واصل الزحف ~~شرقا إلى أن وصل إلى بجاية وأخضعها إلى ~~حكمه، وأبعد عنها أميرها الحفصي مرة ~~أخرى، ونقله إلى مدينة فاس. ~~«ابن خلدون اتصل بالسلطان «أبو ~~عنان» خلال زحفه هذا، ثم دخل في خدمته، ~~وكان عندئذ قد بلغ الثالثة والعشرين من ~~العمر.» ~~(ز) # السلطان أبو عنان لم يعش مدة ~~طويلة بعد الوقائع التي ذكرناها آنفا، ~~وبموته - وبتعبير أدق خلال مرض موته - ~~بدأت سلسلة جديدة من الأزمات والانقلابات ~~المعقدة، وعمت جميع أنحاء المغربين ~~الأوسط والأقصى. # خلال احتضار السلطان المشار إليه ~~قام وزيره «الحسن بن عمر» بالأمر، ونصب ~~على العرش ابنه الصغير «السلطان السعيد»، ~~معلنا نفسه وصيا عليه، ولكن سائر أمراء ~~بني مرين لم يوافقوا على هذا الإجراء، ولم ms048 ~~يعترفوا بسلطنة السعيد، بل التفوا حول ~~الأمير منصور، وحاصروا الوزير مع سلطانه ~~الصغير في البلد الجديد من مدينة ~~فاس. # وبينما كان النزاع قائما بين هاتين ~~الجماعتين حول العرش، ظهر إلى الميدان ~~مطالب ثالث زاد الأمور بلبلة ~~وتعقيدا، هذا المطالب الجديد كان ~~«أبو سالم» ابن السلطان ~~«أبو الحسن». # عندما انتفض السلطان «أبو عنان» على ~~والده، كان اعتقل إخوته ونفاهم إلى ~~الأندلس، وكان أبو سالم من جملة هؤلاء ~~المبعدين، وحينما وصله خبر موت أخيه ~~أسرع في العودة من الأندلس، وأخذ يبث ~~الدعوة لنفسه بوسائل شتى، حتى استطاع أن ~~يجمع حوله جماعة كبيرة بين المناصرين، ~~وأن يتغلب بواسطتهم على الجماعتين ~~المتنافستين - أنصار السعيد وأنصار ~~المنصور - في وقت واحد. # وهكذا أصبح أبو سالم سلطانا على ~~المغرب الأقصى. ~~«كان ابن خلدون مقيما في فاس عند ~~جريان هذه الحوادث المعقدة، إنه ناصر ~~السلطان الأخير، وبقي في خدمته مدة من ~~الزمن.» ~~(3) # ومما تجب ملاحظته في هذا المضمار أن كل صفحة ~~من صفحات الحوادث التي ذكرناها ولخصناها ~~آنفا، كانت مترافقة بسلسلة طويلة ومعقدة ~~من الاضطرابات والتقلبات المحلية والفرعية ~~التي لم نر لزوما إلى ذكرها ~~وتفصيلها. # هذا ويجب أن يلاحظ في الوقت نفسه أن كل هذه ~~الحوادث والتقلبات تعود إلى فترة قصيرة من ~~الزمان، إن تاريخ استيلاء السلطان المريني على ~~تونس كان سنة 1347 / 748، وأما تاريخ وصول ~~السلطان «أبو سالم» إلى كرسي السلطنة في فاس ~~فكان سنة 1358 / 760، وذلك يعني أن الوقائع ~~التي ذكرناها آنفا حدثت خلال إحدى عشرة ~~سنة! # ولا يظن أن هذه السنوات كانت من الأزمنة ~~الشاذة الزاخرة بالتقلبات الخارقة للعادة؛ ~~لأن الشواهد التاريخية لا تترك مجالا للشك في ~~أن الأوضاع السياسية في المغرب العربي، ~~ولا سيما في المغرب الأوسط والأقصى، كانت ~~دائمة التقلب على المنوال الذي وصفناه ~~آنفا. # وأما أهم القوى التي كانت تستند إليها ~~وتستخدمها هذه الثورات والانقلابات، فكانت ~~العشائر البدوية - العربية والبربرية - ~~المنبثة في مختلف الأقطار المغربية؛ لأنها ~~كانت بمثابة قوات مسلحة مستعدة للغزو والحرب ~~في خدمة هذا الأمير أو ذاك، وكان عملها يشبه ms049 ~~إلى حد كبير عمل «الجيوش المرتزقة» التي ~~تكونت في أوروبا، ولا سيما في إيطاليا في ~~أواخر القرون الوسطى. # هذا وكانت بعض العشائر الكبيرة بمثابة ~~دويلات مستقلة، «تجبي الإتاوات تحت اسم ~~الخفارة»، وكثيرا ما تأبى أن تدفع إلى ~~السلطان شيئا من الضرائب، وتناصر هذا السلطان ~~أو ذاك حسب سير الأحوال والظروف. # ولا حاجة إلى القول إن انضمام مثل هذه ~~العشائر القوية إلى جيوش هذا الأمير أو ذاك، ~~أو خروجها على هذا أو ذاك، كثيرا ما كان يقرر ~~مصير الحرب ويضمن النصر لهذا أو ذاك. ~~«إن ابن خلدون عاشر القبائل البدوية مدة ~~طويلة، واكتسب على البعض منها نفوذا كبيرا ~~بفضل ذكائه وجرأته، ونفوذ نظره وطلاقة لسانه، ~~وصار يؤثر في سياسة الدول المغربية تأثيرا ~~ملحوظا بفضل علاقاته بالعشائر المذكورة، ~~وسيطرته المعنوية عليها.» ~~«ولا شك في أن ما كتبه عن «تاريخ المغرب» ~~بوجه عام، وعن «العمران البدوي» بوجه خاص، كان ~~من نتائج المعلومات التي جمعها، والخبرات التي ~~اكتسبها خلال معاشرته الطويلة لمختلف القبائل ~~العربية والبربرية.» ~~(4) # ونرى من المفيد أن نستعرض صفحات حياة أحد ~~الأمراء الذين عاصروا ابن خلدون واتصلوا به ~~اتصالا وثيقا؛ وذلك لكي نعطي فكرة أوضح مما ~~سبق عن مبلغ تعقد هذه الأزمات، والتقلبات ~~السياسية المتتالية: ~~(أ) # إن الأمير الحفصي محمد بن عبد الله ~~كان يتولى إمارة بجلية تابعا لسلطان ~~إفريقية في تونس. ~~(ب) # فقد إمارته عندما أغار عليها ~~السلطان أبو الحسن المريني كما ذكرنا ذلك ~~آنفا. ~~(ج) # ولكنه عاد إلى مقر إمارته، وصار ~~يحكمها كالسابق عندما ثار السلطان أبو ~~عنان على والده، ورأى أن يعيد الأمراء ~~الحفصيين إلى إماراتهم؛ ليدافعوا عنها ~~ويحولوا دون عودة والده إلى ~~مملكته. ~~(د) # فقد إمارته مرة أخرى عندما عاد ~~السلطان أبو عنان واستولى على بجاية بعد ~~موت والده، وصار الأمير يعيش مرة أخرى ~~بعيدا عن بلاده. ~~(ه) # عندما مرض السلطان أبو عنان فكر ~~الأمير محمد بالفرار من فاس لاستعادة ~~إمارته، إلا أن السلطان علم بالأمر وأفسد ~~عليه خطته. ~~(و) # ومع هذا استطاع الأمير أن يغادر فاس ~~بعد ms050 موت السلطان المشار إليه، وأن يتوجه ~~نحو مقر إمارته، إلا أنه وجد أن عمه «أبو ~~إسحاق الحفصي» سبقه في الاستيلاء على ~~بجاية، فاضطر إلى محاصرتها، وبذل جهودا ~~جبارة لتخليصها من حكم ذلك العم. ~~(ز) # ولكنه بعدما استولى على بجاية، وأخذ ~~يوطد حكمه فيها تعرض إلى خصومة جديدة ~~وهجوم جديد؛ ابن عمه صاحب قسنطينة أراد ~~توسيع حدود إمارته، وزحف على بجاية، ~~والأمير محمد لقي حتفه خلال الاصطدام الذي ~~وقع بين جيشه وبين جيوش ابن عمه. ~~«ابن خلدون اتصل بهذا الأمير الحفصي ~~عندما كان مبعدا في فاس، وسجن من ~~أجله عندما حاول الفرار إلى بجاية، ثم صار ~~حاجبا له عندما استطاع أن يسترد ~~إمارته.» ~~(1-3) المشرق العربي # مصر كانت تحت حكم المماليك مع الديار الحجازية ~~والشامية. # وكانت الأوضاع السياسية في هذه البلاد أكثر استقرارا ~~بكثير من أوضاع البلاد المغربية. # في الواقع إن موت السلطان كثيرا ما كان يحدث أزمات ~~سياسية خطيرة، غير أن هذه الأزمات كانت تبقى - بوجه عام - ~~محصورة بين المماليك، وقلما كان يشترك فيها جماعات ~~السكان. ~~«إن ابن خلدون قد قضى أربعة وعشرين عاما من سني حياته ~~الأخيرة في البلاد المذكورة، إلا أن انتقاله إليها كان ~~تم بعد تأليف المقدمة، كما أن اشتغاله هناك انحصر في ~~التدريس والقضاء، ولم يشمل سائر الأمور السياسية.» # وأما العراق فكان في عهد ابن خلدون تحت حكم الجلائريين ~~حتى استيلاء تيمور، ولكن حكم الجلائريين لم ينحصر بالعراق ~~العربي وحده، بل كان يشمل القسم الغربي من إيران، وعلى ~~الأخص إقليم أذربيجان أيضا. # والسلاطين الجلائريون كانوا اتخذوا بغداد «العاصمة ~~الشتوية»، وتبريز «العاصمة الصيفية» لسلطنتهم المؤلفة من ~~قسم عربي وآخر إيراني. ~~«إن ابن خلدون لم يذهب إلى العراق، ولم يتصل بأحد من ~~حكام العراق ورجاله.» ~~(1-4) الوحدة الأدبية والثقافية # مما تجدر ملاحظته أن العالم العربي في عصر ابن خلدون كان ~~يتمتع بوحدة أدبية وثقافية واضحة المعالم، على الرغم من ~~تفككه السياسي الذي وصفناه آنفا. # كانت وحدة اللغة تربط مختلف أقطار العالم العربي بروابط ~~معنوية قوية، وتعمل على الدوام ms051 على تقارب الأفكار وتجاوب ~~النفوس، كما أن حركات التجارة من ناحية، وفروض الحج من ~~ناحية أخرى كانت تولد تيارات مستمرة تسهل التعارف بين ~~سكان الأقطار المختلفة، وتساعد على انتقال الأفكار ~~والأخبار بين هذه الأقطار. # كان الأدباء والفقهاء والعلماء يتصلون بعضهم ببعض ~~بالمخابرة أو بالمشافهة، وكانت ثمرات قرائحهم تنتقل من ~~قطر إلى قطر إلى آخر بسرعة وسهولة، وكانت شهرة الكبار ~~منهم تنتشر على جميع الأقطار العربية. # وربما كانت حياة ابن خلدون نفسه من أبلغ الأمثلة وأوضح ~~الأدلة على هذه الوحدة الأدبية والثقافية، التي كانت تبسط ~~أجنحتها على جميع البلاد العربية، على الرغم من اختلاف ~~أوضاعها السياسية، وعلى الرغم من منافسات حكامها ~~ومخاصماتهم المتوالية. # وهذه الوحدة الأدبية هي التي تفسر لنا سهولة انتقال ابن ~~خلدون من قطر إلى آخر، وسرعة انتشار شهرته بين هذه ~~الأقطار؛ فإننا نجده يخطب ويدرس في الجامع الكبير في ~~غرناطة، وفي جامع القرويين في فاس، وفي جامع القصبة في ~~بجاية، وفي جامع الزيتونة في تونس، كما نجده يعقد حلقات ~~التدريس في جامع الأزهر غداة وصوله إلى القاهرة، ونجده في ~~الأخير يجتمع بعلماء الشام في المدرسة العادلية ~~بدمشق. # إن بعض المخابرات المدونة في ترجمة حياة ابن خلدون ~~تعطينا أمثلة أوضح من ذلك على الوحدة الفكرية والأدبية ~~التي أشرنا إليها آنفا. # عندما كان ابن خلدون مقيما في بيسكرة - في المغرب ~~الأوسط - يتلقى كتابا من الوزير لسان الدين ابن الخطيب ~~في غرناطة، يتكلم فيه عن مؤلفاته، كما يصف له ما حدث من ~~الوقائع السياسية في الأندلس، وابن خلدون يرد عليه بكتاب ~~طويل يخبره به ما حدث في المغرب الأوسط، ثم ينقل إليه ما ~~وصل إلى علمه من حوادث مصر أيضا. # وعندما كان ابن خلدون في ينبع - خلال رحلته لأداء فريضة ~~الحج - يتلقى كتابا من ابن زمرك - كاتب سر السلطان ابن ~~الأحمر في غرناطة - يعطيه بعض الأخبار، ويرسل له بعض ~~القصائد، ويطلب منه بعض المعلومات وبعض الكتب. # وفي الوقت نفسه يتلقى كتابا آخر من علي بن حسن البني ~~- قاضي الجماعة بغرناطة - يدل ms052 على مبلغ اهتمام الطرفين ~~بأخبار بعضهم البعض من ناحية، وأخبار بلادهم من ناحية أخرى. # 1 # وخلاصة القول: إننا نستطيع أن نجزم بأن العالم العربي ~~كان لا يزال موحدا من حيث الأدب والثقافة، وإن كان في ~~غاية التفكك من حيث الحكم والسياسة. # إن حياة ابن خلدون لا يمكن أن تفهم على وجهها الصحيح ~~إلا بملاحظة هذه الحقيقة الهامة. ~~(2) العالم الإسلامي # إن العالم العربي في عهد ابن خلدون كان كثير الصلات بالبلاد ~~الإسلامية الأخرى أيضا. ~~(1) # وتلك البلاد كلها كانت في دور انتقال ~~هام: # انقراض الدولة السلجوقية من ناحية، والدولة ~~المغولية من ناحية أخرى، كان أدى إلى انقسام ~~البلاد إلى عدد كبير من الإمارات والدويلات ~~الصغيرة، ولكن بعد ذلك بدأت حركتان قويتان تعملان ~~على إزالة هذا التفكك وتوحيد تلك البلاد، إن إحدى ~~هاتين الحركتين كانت فتوحات تيمورلنك، والثانية ~~كانت قيام دولة آل عثمان. # تيمور قام بفتوحات عظيمة شملت جميع الأقطار ~~الآسيوية التي تمتد من الصين إلى العراق، ثم ~~استولى على العراق أيضا، وأخذ يتغلغل في بلاد ~~الشام من ناحية، وفي بلاد الأناضول من ناحية ~~أخرى. # ولكن الدولة التي أنشأها تيمور بهذه الفتوحات ~~السريعة لم تعش مدة طويلة؛ لأنها تجزأت عقب ~~وفاته لتقسيم أقطارها بين أولادها، ثم بين أولاد ~~أولاده. # وأما الدولة التي أنشأها آل عثمان فقد سارت في ~~طريق التوسع والفتوح ببطء كبير بالنسبة إلى سرعة ~~فتوحات تيمور، ولكن فتوحاتها هذه صارت أرسخ وأمتن، ~~وأوجدت أوضاعا سياسية دامت قرونا عديدة. # في الواقع إنها تعرضت إلى صدمة قوية وأزمة ~~خطيرة، عندما حاربها تيمور في ضواحي أنقرة؛ لأن ~~الحرب المذكورة انتهت بانهزام الجيوش العثمانية ~~وأسر سلطانهم بايزيد الأول، وذلك أدى إلى انقسام ~~المملكة بين أولاده الأربعة، ولكن السلطان محمد ~~الأول استطاع - بعد بذل جهود شاقة - أن يتغلب ~~على منافسيه، وأعاد إلى السلطنة العثمانية وحدتها ~~السابقة. # ومن المعلوم أن السلطنة المذكورة أخذت تتوسع ~~بعد هذه الأزمة بسرعة كبيرة، ولا سيما في القارة ~~الأوروبية. ~~«ابن خلدون التقى بتيمور عندما حاصر دمشق، وكانت ~~ملاقاته هذه خاتمة أعماله السياسية، ms053 وذلك قبل موته ~~بست سنوات.» ~~«ولكنه لم يلتق بأحد من سلاطين آل ~~عثمان.» ~~(2) # ابن خلدون لم يرحل إلى بلد من البلاد الإسلامية ~~الكائنة خارج العالم العربي، ولكن التاريخ الذي ~~ألفه - مع مقدمته المشهورة - ذهب إلى تلك ~~البلاد، وأثر فيها تأثيرا معنويا ~~كبيرا. # وهذا التأثير صار قويا بوجه خاص عند رجال ~~الدولة العثمانية؛ لأن اللغة العربية كانت لا تزال ~~لغة العلم في تلك البلاد، وكان العلماء العثمانيون ~~يتلقون ثقافتهم من الكتب العربية بوجه عام؛ ولذلك ~~كانوا يهتمون بتعلمها وإتقانها، حتى إن بعضهم ~~كان يكتب مؤلفاته أيضا باللغة العربية. فكان من ~~الطبيعي - والحالة هذه - أن يطلع هؤلاء العلماء ~~على تاريخ ابن خلدون ومقدمته، وأن يتأثروا منه ~~تأثرا عميقا. # ومما يجب ملاحظته في هذا المضمار أن توالي ~~الفتوحات في الدولة العثمانية - ولا سيما في ~~القارة الأوروبية - أدى بطبيعة الحال إلى ظهور ~~طائفة من المؤرخين الذين يتولون تسجيل وقائع هذه ~~الفتوحات العظيمة. # وهؤلاء المؤرخون كانوا يعتبرون التاريخ العثماني ~~بمثابة تتمة لتاريخ الإسلام العام، ولذلك كانوا ~~يعنون بمطالعة كتب التواريخ القديمة، فكان من ~~الطبيعي أن يدرسوا تاريخ ابن خلدون دراسة ~~تفصيلية، وأن يقتبسوا منه ومن مقدمته شيئا ~~كثيرا. # ولهذه الأسباب نجد أن المؤرخين العثمانيين كانوا ~~أول من اهتم بمقدمة ابن خلدون - خارج العالم ~~العربي - حتى إن اهتمام هؤلاء بالمقدمة هو الذي ~~لفت أنظار المستشرقين إليها في أوائل القرن التاسع ~~عشر. ~~(3) العالم الأوروبي # إن العالم الأوروبي خلال العصر الذي عمل وفكر فيه ابن ~~خلدون كان على وشك الوصول إلى أواخر القرون الوسطى وأوائل ~~القرون الأخيرة. # كان ابن خلدون معاصرا للمؤرخ «فرواسار» في فرنسا، وللشاعر ~~«شوسر» في إنجلترا، إنه كان ولد قبل الأول بخمس سنوات، وقبل ~~الثاني بثماني سنوات، ومات قبل الأول بأربع سنوات، وبعد الثاني ~~بست سنوات. # كما أنه كان «نصف معاصر» لبترارك وبوكاتسيو في إيطاليا؛ لأنه ~~كان وصل إلى أواسط العقد الخامس من عمره عند موت هذين الأديبين ~~الكبيرين. # ولكن ابن خلدون لم يعرف شيئا عن هؤلاء المعاصرين، كما أن ~~هؤلاء أيضا لم يسمعوا عنه ms054 شيئا. # لأن العالم الأوروبي في ذلك الزمن كان قد قطع صلاته من ~~العالم العربي الإسلامي قطعا يكاد يكون كليا، بعدما اصطدم ~~به اصطداما عنيفا ودمويا خلال الحروب الصليبية الطويلة، ~~وبعدما اقتبس منه ما اقتبس من العلوم والصناعات ~~المختلفة. # كان قد تم قبل عصر ابن خلدون إنشاء جامعات عديدة في مختلف ~~العواصم الأوروبية على غرار الجامعات العربية، كما أنه كان ~~تم ترجمة عدد كبير من المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، ~~فكان أن أصبح الأوروبيون في غنى عن المصادر العربية. # ولتقدير هذه الأوضاع حق قدرها يجب أن نلاحظ أن المدة التي ~~مضت بين موت «دانته» الشهير في إيطاليا، وبين ولادة ابن خلدون ~~في تونس؛ كانت عبارة عن إحدى عشرة سنة، كما أن المدة التي مضت ~~بين موت ابن خلدون في مصر وبين اختراع الطباعة في أوروبا كانت ~~نحو ربع قرن فقط. # في ذلك التاريخ كان فجر عصر الانبعاث أخذ يبث أشعته الأولى ~~في الآفاق، وصار يوجه الأنظار والأفكار إلى أشياء جديدة ~~ونواحي جديدة . # وخلاصة القول: في ذلك التاريخ كان الأوروبيون انقطعوا عن ~~الاهتمام بما يحدث في العالم العربي، ولا سيما بما يؤلف ~~فيه. # إن هذا الوضع التاريخي لعب دورا هاما في تقرير مقدرات ~~مقدمة ابن خلدون بالنسبة إلى العالم الغربي، إن هذه المقدمة ~~وما تضمنته من آراء طريفة وتوجيهات قويمة بقيت مجهولة ~~للأوروبيين حتى بدء عهد الدراسات الاستشراقية في القرن ~~التاسع عشر، بسبب الوضع التاريخي الذي وصفناه آنفا. # | حياة ابن خلدون # إن حياة ابن خلدون كانت من النوع الذي أسماه تيودور روزفلت ~~«الحياة الصاخبة» # La vie ~~intense ~~، أو من النوع الذي كان يعبر ~~عنه موسوليني ب «الحياة ~~المستخطرة» # Vivre dangereusement ~~. # وكان لهذه الحياة الصاخبة المستخطرة صفحات متنوعة، ومسارح ~~مختلفة، نستعرضها فيما يلي، حسب ترتيبها الزمني: ~~(1) في تونس (1332-1352) # ولد ابن خلدون في تونس في أول رمضان سنة 732 (المصادف 27 ~~أيار 1332)، ونشأ وترعرع هناك إلى أن بلغ العشرين من ~~العمر. ~~(1) # ولما كان والده من رجال العلم والأدب اعتنى ~~بتربيته عناية فائقة، تولى ms055 بنفسه تعليمه بعض ~~العلوم، وهيأ له السبل لدرس سائر العلوم على يد ~~أقدر الأساتذة الموجودين في تونس إذ ذاك. # ونشأ ابن خلدون حريصا على الدروس وشغوفا ~~بالعلم، وساعيا وراء الاستزادة منه على ~~الدوام. # قرأ القرآن الكريم واستظهره، وتمرن على تلاوته ~~على القراءات العشر، درس النحو دراسة تفصيلية، ~~قرأ كثيرا من كتب الأدب ودواوين الشعر، وحفظ ~~كثيرا من الأشعار، كما أنه درس الفقه والحديث ~~دراسة مفصلة، وفي الأخير حصل العلوم العقلية ~~أيضا. # والوقائع السياسية التي حدثت سنة 1347 / 748 ~~فتحت أمام ابن خلدون آفاقا جديدة وواسعة للدرس ~~والتعلم؛ لأن السلطان «أبو الحسن المريني» - الذي ~~استولى على تونس في السنة المذكورة - كان يهتم ~~بالعلم ويجمع حوله أكابر العلم والأدب «يلزمهم ~~شهود مجلسه، ويتجمل بمكانهم فيه»، وعندما جاء ~~إلى تونس استصحب معه طائفة من هؤلاء العلماء ~~والأدباء، ومن الطبيعي أن والد ابن خلدون اتصل بهم ~~لمكانته العلمية والأدبية، وحمل أولاده على ~~الاستفادة منهم إلى أقصى حدود الاستفادة. # ابن خلدون يذكر - في ترجمة حاله - أسماء العلماء ~~والأدباء الذين وفدوا على تونس مع السلطان؛ يدون ~~تراجم أحوالهم، ويشيد بغزارة علمهم، ويعترف بفضلهم ~~عليه. ونفهم مما كتبه عنهم أنه تأثر من اثنين منهم ~~بوجه خاص تأثرا شديدا؛ أحدهم عبد المهيمن، ~~وثانيهم محمد بن إبراهيم الآبلي. # كان عبد المهيمن «إمام المحدثين والنحاة ~~بالمغرب»، وكان كاتب السلطان وصاحب علامته، وكان ~~حضرمي الأصل مثل أبناء خلدون؛ ولذلك توطدت بينه ~~وبينهم صلاة وثيقة من الود والصداقة، حتى إنه ~~عندما ثار أهل تونس على السلطان وعلى جماعته ~~التجأ - المشار ~~إليه - إلى دار بني خلدون، واختفى عندهم مدة ثلاثة ~~أشهر. ابن خلدون «لازم» هذا العالم وأخذ عنه ~~«سماعا وإجازة؛ الأمهات الست، وكتاب الموطأ لابن ~~مالك، وكتاب السيرة لابن إسحاق، وكتاب ابن الصلاح ~~في الحديث.» # وأما الآبلي فكان «شيخ العلوم العقلية»، لازمه ~~ابن خلدون عدة سنوات، أخذ منه خلال ذلك هذه ~~العلوم؛ افتتحها بالتعاليم - أي العلوم الرياضية - ~~ثم المنطق، ثم سائر الفنون الحكمية. # يشيد ابن خلدون بغزارة علم الآبلي وبفضله عليه ~~أكثر من ms056 غيره، ويقول في الوقت نفسه: «إنه كان يشهد ~~له بالتبريز في هذه العلوم.» # ولا شك في أن ذلك يدل على أن ابن خلدون كان ~~نزوعا إلى التفكير المنطقي، كما يدل على أن ~~العلوم العقلية التي درسها على يد الآبلي ساعدت ~~كثيرا على تقوية هذه النزعة الفكرية ~~وتنميتها. # إن آثار هذه النزعة تتجلى في كثير من مباحث ~~المقدمة بوضوح تام. ~~(2) # غير أن ابن خلدون عندما بلغ السابعة عشر من ~~العمر تعرض إلى نكبة شديدة؛ كان الطاعون الكبير ~~أخذ يفتك بالناس في تونس، ومات من جراء هذا ~~الطاعون الجارف أبواه ومعظم مشايخه. # ثم قامت الثورة على السلطان المريني، انتهت ~~بانحسار حكمهم عن إفريقية، ونتج عن ذلك عودة من ~~كان بقي على قيد الحياة من العلماء والأدباء ~~الوافدين من المغرب. # تألم ابن خلدون من هذه الأحداث ألما شديدا، ~~إنه فقد أبويه فجأة مع كثيرين من أشياخه، وكان ~~أخذ يتعزى عن ذلك بطلب العلم من العلماء الباقين، ~~إلا أن عودة هؤلاء إلى بلادهم «عطله عن طلب ~~العلم»، وأوجد في نفسه «استيحاشا» من هذه الأحداث ~~والأوضاع ؛ فاعتزم اللحاق بأشياخه والسفر معهم إلى ~~المغرب، إلا أن «أخاه الأكبر محمد صده عن ~~ذلك». # ومع هذا قد وجد ابن خلدون بعد مدة وجيزة فرصة ~~جديدة لتحقيق رغبته هذه، فرحل من تونس إلى ~~المغرب، وهذه الفرصة واتته من جراء بعض الوقائع ~~السياسية: # إن الوزير ابن تافراكين - المستبد على الدولة ~~يومئذ بتونس - استدعى ابن خلدون إلى «كتابة ~~العلامة» عن سلطانه «أبو إسحاق». # وأما مهمة كاتب العلامة فكانت «وضع الحمد لله ~~والشكر لله بالقلم الغليظ مما بين البسملة وما ~~بعدها من مخاطبة أو مرسوم.» # تولى ابن خلدون هذا العمل، وأخذ يقوم بهذه ~~المهمة، مع أن عمره ما كان يزيد بعد على ~~العشرين. # وكان عندئذ أمير قسنطينة الحفصي يطالب بعرش ~~السلطنة، ويزحف نحو تونس مع جمع من العساكر ~~والقبائل، وكان الوزير ابن تافراكين أيضا يجمع ~~العساكر والقبائل لمقابلة الأمير الثائر وصده عن ~~إفريقية. # وخرج السلطان من تونس مع العساكر والقبائل التي ~~تجمعت ms057 لمناصرته والدفاع عن عرشه، وخرج ابن خلدون ~~أيضا معه بطبيعة الحال. # وعندما وصلوا إلى فحص مرماجنة، التقوا بعساكر ~~الأمير، والتحم الطرفان في حرب عنيفة، انتهت ~~بانهزام عساكر السلطان وجماعته. # وأما ابن خلدون فقد نجا بنفسه من ميدان القتال ~~إلى مدينة «أبة» عقب هذا الانهزام، ولم يعد بعد ~~ذلك إلى تونس. ~~(2) بين تونس وفاس (1352-1354) # إن ذهاب ابن خلدون من ميدان القتال إلى أبة، كان يعني ~~الافتراق عن الطرفين المتخاصمين في وقت واحد. # ويصرح ابن خلدون في ترجمة حياته أن غرضه الأصلي من قبول ~~وظيفة كتابة العلامة كان اقتناص الفرص لمغادرة تونس إلى ~~المغرب؛ لأنه كان يعرف أن السلطان كان يتهيأ إلى السفر، وأن ~~استدعاءه إلى الوظيفة كان بناء على امتناع سلفه من الخروج من ~~السلطان، وكان يعرف أن هذا السفر سييسر له وسائل الانتقال إلى ~~حيث يريد. # إذ يقول في ترجمة حياته ما يلي: «خرجت معهم وقد كنت منطويا ~~على مفارقتهم؛ لما أصابني من الاستيحاش لذهاب أشياخي وعطلتي عن ~~العلم.» كما يقول: «لما دعيت إلى هذه الوظيفة (أي إلى ~~كتابة العلامة) سارعت إلى الإجابة لتحصيل غرضي من اللحاق ~~بالمغرب، وكان كذلك.» # وانتقل ابن خلدون فعلا بعد واقعة مرماجنة إلى فاس، غير أن ~~انتقاله هذا إنما تم على مراحل عديدة، واستغرق سنتين ~~كاملتين. # تنقل خلال هذه المدة بين عدة مدن وبواد، وعاشر عدة قبائل، ~~وتعرف إلى عدة شيوخ وحكام، والتقى في الأخير بسلطان المغرب ~~ووزيره. # بعدما نجا بنفسه إلى أبة تحول منها إلى تبسة ثم إلى قفصة، ~~وهناك التقى بصاحب الزاب، وسافر معه إلى بيسكرة، وأقام فيها ~~حتى انقضاء الشتاء. # بعد ذلك رحل من هناك إلى تلمسان، حيث التقى بالسلطان «أبو ~~عنان» ووزيره «الحسن بن عمر»، ثم سافر إلى بجاية برفقة الوزير ~~المشار إليه، وقضى فصل الشتاء هناك. # وعندما عاد السلطان أبو عنان إلى مقر ملكه - بعد الاستيلاء ~~على تلمسان وبجاية - وأخذ يجمع أهل العلم والأدب «للتحليق ~~بمجلسه»، وينتقي طلبة العلم للمذاكرة في ذلك المجلس، استقدم ~~ابن خلدون إلى فاس بناء ms058 على توصية البعض ممن كانوا التقوا به ~~في تونس، وعجبوا بذكائه ومواهبه. # وبهذه الصورة وصل ابن خلدون إلى مدينة فاس. ~~(3) في فاس (1354-1362) # أقام ابن خلدون في فاس ثمانية أعوام، وجد خلالها مجالا ~~واسعا لمواصلة الدرس والاستزادة من العلم كما كان يأمله ~~ويشتهيه، اتصل في عاصمة المغرب بكثير من رجال العلم والأدب، ~~أخذ عنهم واستفاد من علمهم، وكان بعضهم ممن يقيمون في فاس، ~~وبعضهم ممن وفدوا إليها من الأندلس لمناسبات مختلفة، كما أنه ~~خلال هذه الأعوام الثمانية مارس إنشاء الرسائل ونظم الشعر، ~~وإلقاء الخطب أيضا. وخلاصة القول: إنه عاش في فاس حياة ~~فكرية وأدبية شديدة النشاط. # ولكنه خلال كل ذلك خاض غمار الحياة السياسية أيضا، وكانت ~~حياته هذه كثيرة التقلب؛ تولى وظائف عديدة في عهود أربعة ~~سلاطين ووزيرين من الوزراء المستبدين بسلاطينهم، شاهد عدة ~~انقلابات، لعب في بعضها دورا هاما، واشترك في مؤامرة فشلت ~~وأودت به إلى السجن أيضا. # عقب وصول ابن خلدون إلى فاس، نظمه السلطان أبو عنان «في أهل ~~مجلسه العلمي، وألزمه شهود الصلوات معه، ثم استعمله في كتابته ~~والتوقيع بين يديه»، وابن خلدون تولى هذه الوظيفة «على كره ~~منه»؛ لأنه كان يعتبرها غير متناسبة مع مكانة أسرته، وكان يطمح ~~بمناصب أعلى وأرفع منها. # ولا شك في أن هذا الطموح كان من جملة العوامل التي دفعته إلى ~~الاشتراك في وضع الخطة السرية التي كان ينوي اتباعها الأمير ~~الحفصي محمد بن عبد الله للفرار من فاس؛ بغية استرداد إمارته ~~في بجاية. # من المعلوم أن السلطان «أبو عنان» عندما عاد وأخضع بجاية إلى ~~الحكم المريني، كان نقل أميرها إلى فاس، وفرض عليه الإقامة ~~هناك، وعندما مرض السلطان أراد الأمير أن يغتنم فرصة هذا ~~المرض، وأخذ يبحث عن الوسائل التي تضمن له الخروج من فاس ~~والوصول إلى بجاية، وكان ابن خلدون تعارف وتصادق مع الأمير منذ ~~وصوله إلى فاس؛ بسبب العلاقات التي كانت تربط أسرته بأسرة بني ~~حفص منذ عدة أجيال، فكان من الطبيعي أن يفاتح الأمير ابن ~~خلدون بما ينتويه، ms059 وأن يطلب مساعدته في أمر تحقيق مأربه، ويظهر ~~أن ابن خلدون وعده بتهيئة الوسائل اللازمة لذلك، كما أن الأمير ~~وعده بتوليته منصب الحجابة عند استعادته الإمارة. # إلا أن السلطان علم بهذه المفاوضات والاستعدادات السرية، ~~وغضب على ابن خلدون غضبة شديدة، وأمر بسجنه وامتحنه في ~~السجن. # بقي ابن خلدون مسجونا مدة سنتين، ولم يخرج منه إلا بعد أن ~~مات أبو عنان، وقام بأمر الدولة وزيره الحسن بن عمر باسم ~~«السلطان السعيد» الصغير الذي نصبه على العرش. # والوزير المشار إليه أعاد ابن خلدون على ما كان عليه قبل ~~دخوله السجن، غير أن حكم الوزير وسلطانه لم يدم طويلا؛ إذ لم ~~يعترف بهذا الحكم جماعة من أمراء بني مرين، وثاروا عليه ~~ملتفين حول الأمير منصور بن سليمان، ثم ظهر مطالب ثالث، ~~هو الأمير «أبو سالم» الذي عاد من منفاه في الأندلس، مدعيا ~~أحقيته في تولي السلطنة. وخلال هذه البلبلة السياسية رأى ~~ابن خلدون أن ينضم إلى مناصري المطالب الأخير، وأخذ يبث ~~الدعاية له بالأساليب التي كان برع فيها، حتى إنه خرج إليه ~~وشجعه على الإسراع في التقدم نحو العاصمة، وفي الأخير دخلها ~~في ركابه. # والسلطان أبو سالم بعدما تولى العرش بهذه الصورة، قدر ~~خدمة ابن خلدون له حق قدرها واستعمله في كتابة سره، والترسيل ~~عنه والإنشاء لمخاطباته، وفي الأخير ولاه «خطة المظالم» ~~أيضا. # في عهد هذا السلطان عاش ابن خلدون مرتاحا، ثم أخذ نفسه ~~بالشعر، «فانثال عليه منه بحور - حسب تعبيره هو - توسطت بين ~~الإجادة والقصور.» # ولكن السلطان أبا سالم لم يبق على عرش السلطنة إلا مدة ~~سنتين؛ لأن وزيره عمر بن عبد الله ثار عليه مع جماعة من ~~المتذمرين وقتله، ثم نصب محله «ابن تاشفين» ليبقى هو ~~مستبدا بالأمر وراء اسم هذا السلطان الصغير. # إن الوزير عمر هذا عندما أصبح الآمر والناهي المطلق بهذه ~~الصورة، أقر ابن خلدون «على ما كان عليه، ووفر إقطاعه وزاد ~~في جرايته»، ولكن ابن خلدون كان «يسمو بطغيان الشباب إلى أرفع ~~مما كان عليه»، كما أنه كان ms060 ينتظر من هذا الوزير أن يوليه ~~منصبا أعلى من منصبه؛ بسبب وشائج المودة التي كانت قائمة ~~بينهما منذ مدة غير قصيرة، هذه المودة كانت تقوت بوجه خاص ~~عندما كانا يجتمعان في مجالس الأمير محمد - صاحب بجاية - ~~وفضلا عن ذلك فإن تعرف عمر بن عبد الله إلى السلطان «أبو ~~سالم» كان قد تم بفضل ابن خلدون، ولهذه الأسباب اعتبر ابن ~~خلدون سلوك الوزير نحوه منافيا لموجبات هذه السوابق، فرأى «أن ~~يهجره، وقعد عن دار السلطان مغاضبا له.» # ولكن الوزير لم يهتم بهذا الموقف وأعرض عنه. # عندئذ قرر ابن خلدون «الرحلة إلى بلده بإفريقية» وطلب ~~الإذن لذلك. # وفي ذلك التاريخ كان أبو حمو استرجع من المرينيين ملك بني ~~عبد الواد في تلمسان والمغرب الأوسط، فخشي الوزير أن ينضم ~~ابن خلدون إليه ويقربه؛ ولذلك لم يرض بسفره إلى ~~إفريقية. # ولكن بعد توسط بعض الأصحاب وافق الوزير في الأخير على سفر ~~ابن خلدون إلى أي محل شاء «شريطة العدول عن تلمسان». # فاختار ابن خلدون الأندلس، وصرف ولده وأمهم إلى أخوالهم ~~أولاد القائد محمد بن الحكيم بقسنطينة، وتوجه هو إلى سبتة في ~~طريقه إلى الأندلس. ~~(4) في الأندلس (1362-1365) # رحل ابن خلدون إلى الأندلس عن طريق سبتة فجبل الفتح (الذي ~~يعرف الآن باسم جبل الطارق). # وأما سبب اختياره الأندلس؛ فيعود إلى التعارف الذي حصل ~~بينه وبين سلطان غرناطة عندما كان في فاس، ولا سيما إلى أواصر ~~الصداقة والمودة التي كانت انعقدت بينه وبين الوزير لسان الدين ~~ابن الخطيب خلال إقامته هناك. # كان السلطان أبو عبد الله ثالث ملوك بني الأحمر، وكان خلع ~~خلال ثورة قامت عليه، والتجأ إلى المغرب مع وزيره لسان الدين، ~~ولكنه بعد مدة استطاع أن يعود إلى الأندلس، وأن يسترجع عرشه من ~~المستولين عليه. # كان ابن خلدون تعرف إلى السلطان والوزير معا خلال ~~إقامتهما في فاس، وساعدهما مساعدة فعلية بفضل تأثيره على ~~رجال الدولة، كما أنه كان تولى رعاية عائلة لسان الدين بعد ~~سفره مدة بقائها هناك، انتظارا إلى انتهاء الاضطرابات في ~~الأندلس. ms061 # وكانت الصداقة التي توطدت بينه وبين لسان الدين ابن الخطيب ~~عميقة الجذور، يظهر أن كل واحد منهما قدر عبقرية صاحبه حق ~~قدرها، وشعر نحوه بنوع من القرابة الفكرية والأخوة الأدبية؛ ~~فارتبط الاثنان بعضهما ببعض بروابط معنوية لا تنفصم. # ولذلك كله كان يأمل ابن خلدون أن يقابل بالترحاب من ~~السلطان ووزيره عندما يرحل إلى الأندلس. # إن الوقائع لم تخيب أمله في هذا المضمار؛ فإن السلطان ~~والوزير رحبا به ترحيبا حارا، وهيئا له منزلا فخما ~~يحتوي على وسائل الراحة والهناء. # ويقول ابن خلدون في ترجمة حياته: إن السلطان «نظمه في ~~علية أهل مجلسه، واختصه بالنجي في خلوته، والمواكبة في ~~ركوبه، والمواكلة والمطايبة والفكاهة في خلوات أنسه.» # وفي السنة التالية أوفده السلطان بالسفارة إلى ملك قشتالة؛ ~~بغية إتمام عقد الصلح بينهما، وكان الملك المذكور استولى على ~~إشبيلية واتخذها عاصمة لمملكته، فلما سافر ابن خلدون إليها ~~«عاين آثار سلفه بها»، وملك قشتالة كان قد اطلع قبلا على ~~مكانة ابن خلدون الأدبية، فاقترح عليه البقاء في خدمته ووعده ~~بإعادة أملاك أجداده إليه إذا عمل باقتراحه، ولكن ابن خلدون ~~رفض البقاء في إشبيلية، وعاد إلى غرناطة بعد إتمام مهمة ~~السفارة بنجاح تام. # وسر السلطان من نجاح ابن خلدون في إتمام عقد الصلح؛ ~~فأقطعه «قرية من أراضي السقي بمرج غرناطة». # عندئذ استقدم عائلته من قسنطينة، وتهيأت له بذلك جميع ~~وسائل الراحة والهناء. # إلا أن هذا الهناء أيضا لم يستمر مدة طويلة؛ قرر ابن ~~خلدون مغادرة الأندلس إلى بجاية. # وقد حمله على هذا القرار عاملان أساسيان: # أولا: # أخذ ابن خلدون يشعر بأن لسان الدين ابن ~~الخطيب صار يتوجس خيفة من تعاظم نفوذه لدى ~~السلطان؛ وذلك بسبب وشايات الأعداء و«أهل ~~السعايات»، وعلى الرغم من كل ما كان توثق ~~بينهما من أواصر الصداقة والاحترام، فأراد ابن ~~خلدون أن يجد وسيلة لمغادرة الأندلس قبل أن ~~يحدث ما يكدر صفو المودة القائمة بينه وبين ~~لسان الدين. # ثانيا: # إن أحداث المغرب الأوسط أعطت لابن خلدون ~~الوسيلة التي كان يبحث عنها. # ثالثا: # إن الأمير ms062 «محمد أبو عبد الله محمد» استطاع ~~أن يستولي على بجاية ويسترجع مملكته السابقة، ~~فكتب إلى ابن خلدون - حسب وعده القديم - ~~يستدعيه إلى مقر ملكه؛ لتولي منصب ~~الحجابة. # وابن خلدون عرض هذه الدعوة على سلطان غرناطة مستأذنا السفر ~~- دون أن يذكر له شيئا مما لاحظه على الوزير لسان الدين ابن ~~الخطيب - ثم غادر الأندلس بإذن من السلطان بعد مرور نحو ثلاث ~~سنوات على مجيئه إليها. ~~(5) في بجاية (1365) # عند وصول ابن خلدون إلى بجاية عن طريق البحر، احتفل السلطان ~~أبو عبد الله بقدومه احتفالا رائعا، وولاه أرفع مناصب ~~الدولة وهي الحجابة. # ومعنى الحجابة - حسب وصف ابن خلدون لها - هي: «الاستقلال ~~بالدولة، والوساطة بين السلطان وبين أهل دولته، لا يشاركه في ~~ذلك أحد.» # ويفهم من هذا الوصف أن الحاجب كان بمثابة «الصدر الأعظم» ~~في السلطنات الإسلامية الأخيرة، قبل إنشاء مجالس الوزراء ~~والبرلمانات. # ويقول ابن خلدون في ترجمة حياته عن عمله في بجاية ما ~~يلي: ~~«أمر السلطان أهل الدولة بمباركة بابي، واستقللت بحمل ملكه، ~~واستفرغت جهدي في سياسة أموره وتدبير سلطانه، وقدمني للخطابة ~~بجامع القصبة، وأنا مع ذلك عاكف - بعد انصرافي من تدبير الملك ~~غدوة - إلى تدريس العلم أثناء النهار بجامع القصبة لا أنفك عن ~~ذلك.» # ويظهر من هذه العبارات أن ابن خلدون كان مغتبطا بمنصبه ~~وبعمله كل الاغتباط. # إلا أن هذه الحالة لم تدم إلا سنة واحدة؛ لأن السلطان ~~قتل في معركة، وانهار ملكه بقتله كما يتضح من التفاصيل ~~التالية: # إن ابن عم سلطان بجاية هذا، صاحب قسنطينة، السلطان أبا ~~العباس كان ينافسه، ويختلف معه في كثير من الشئون، وكان يطمح ~~في الاستيلاء على بلاده؛ ولذلك قامت بين هذين السلطانين - على ~~الرغم مما كان بينهما من وشائج النسب والقرابة - سلسلة طويلة ~~من الفتن والمخاصمات، وفي الأخير أخذ صاحب قسنطينة يزحف على ~~بجاية على رأس عساكر وجموع غفيرة، واستطاع أن يباغت ابن عمه في ~~مخيمه وأن يقتله هناك، ثم صار يوالي الزحف نحو بجاية ~~بسرعة. # عندما وصلت أخبار هذه الوقائع إلى عاصمة السلطان المقتول ms063 ~~تبلبلت آراء الناس فيما يجب عمله؛ رأى بعضهم الاستعداد ~~لاستقبال صاحب قسنطينة، في حين أن بعضهم الآخر اقترح «البيعة ~~إلى بعض الصبيان من أبناء السلطان» السابق، ولكن ابن خلدون - ~~الذي كان لا يزال على رأس ~~الحكومة - لم يستحسن هذا الاقتراح، بل رجح تفادي الفتن ~~وتسليم أزمة الحكم إلى السلطان «أبو العباس»، وفعلا خرج إلى ~~لقائه، ومكنه من دخول بجاية دون قتال. # والسلطان المشار إليه «أكرم ابن خلدون وحباه، وأجرى الأحوال ~~كلها على معهودها.» # ولكن ابن خلدون لاحظ أن أعداءه أخذوا يكثرون من السعاية ~~فيه، ويحذرون السلطان الجديد منه؛ ولذلك رأى أن يتفادى أخطار ~~هذه الدسائس وقرر أن يتخلى عن الوظائف، وطلب الإذن من ~~السلطان بالانصراف، وغادر بجاية. ~~(6) في بيسكرة (1366-1372) # بعد الخروج من بجاية دخل ابن خلدون على بعض القبائل، وأخذ ~~يتنقل بينها، إلى أن وصل إلى بيسكرة، واتخذها مقر إقامة له ~~ولعائلته؛ وذلك بسبب الصداقة التي كانت توطدت بينه وبين صاحب ~~تلك الديار ابن المزني في أوائل حياته العامة. # أقام ابن خلدون في بيسكرة نحو ست سنوات، في الواقع إنه ~~غادرها عدة مرات لإنجاز بعض الأعمال في البوادي أو في المدن، ~~ولكنه في كل مرة عاد إليها بعد مدة قصيرة، فنستطيع أن نقول ~~لذلك إن حياته خلال هذه السنوات الست ظلت مرتكزة على ~~بيسكرة. # والحياة التي قضاها ابن خلدون هناك كانت من نوع جديد؛ إنه ~~كان سئم العواصم وفتنها، ولم يعد يستسلم إلى غواية الرتب ~~والمناصب، حتى إنه رفض تولي منصب الحجابة عندما عرضها عليه ~~«أبو حمو» سلطان تلمسان. # ولكنه - مع كل ذلك - لم ينقطع عن الأعمال السياسية بتاتا، ~~بل استمر على مزاولتها، وظل يلعب دورا هاما في سياسة الدول ~~المغربية بطريقة جديدة وأسلوب خاص؛ صار يخدم هذا السلطان أو ~~ذاك عن طريق استئلاف القبائل واستتباعها، دون أن يتولى ~~منصبا رسميا، ودون أن ينتسب إلى حكومة من الحكومات. # إنه كان اكتسب خبرة كبيرة في شئون البدو، وسيطرة معنوية ~~على العشائر، وإقامته في بيسكرة - بين أهم مجالات العشائر ~~البدوية - زادته ms064 خبرة على خبرته السابقة، وضاعفت سيطرته ~~المعنوية عليها، إنه أصبح بارعا في استمالة القبائل ~~واستئلافها واستتباعها، ولا نغالي إذا قلنا إنه أصبح بمثابة ~~الملتزم والمورد لتلك القوى المسلحة، إنه كان يوجه العشائر ~~إلى خدمة السلاطين الذين يشايعهم، حتى إنه كان يصطحبها في بعض ~~الأحيان. # إنه شايع وخدم بهذه الصورة أولا سلطان تلمسان «أبو حمو»، ثم ~~سلطان المغرب الأقصى «عبد العزيز». # كان في ذلك العهد لدول المغرب أربع عواصم أساسية؛ فاس، ~~تلمسان، قسنطينة، تونس، وكانت المنافسة والعداوة مستحكمة بوجه ~~خاص بين سلطان تلمسان وبين سلطان قسنطينة. # لأن سلطان تلمسان «أبو حمو» كان تزوج ابنة سلطان بجاية ~~«أبو عبد الله»، وعندما علم بأن صاحب قسنطينة قتل والد زوجته ~~واستولى على بجاية؛ غضب غضبة شديدة، وزحف على بجاية بغية ~~تخليصها من حكم قاتل عمه، إلا أن سلطان المغرب انتهز فرصة ~~انشغال صاحب تلمسان بشئون بجاية، وأغار على عاصمته؛ ولذلك ~~اضطر أبو حمو إلى ترك بجاية جانبا، والعودة إلى الدفاع عن ~~تلمسان. # بهذه الصورة أصبح سلطان المغرب مساعدا طبيعيا لصاحب ~~قسنطينة، ومقابل ذلك رأى صاحب تلمسان أن يوثق أواصر الصداقة ~~بينه وبين سلطان تونس؛ ليهدد به سلطان قسنطينة عند ~~الاقتضاء. # ونتج عن هذه الوقائع وضع سياسي معقد؛ خصمان واقفان وجها إلى ~~وجه، ووراء كل واحد منهما خصم متحالف مع خصمه محالفة ~~طبيعية. # ومن الطبيعي أن التنافس القائم بين هذه القوى الأساسية ~~الأربع، كان يفسح مجالا واسعا لقيام طائفة من المتنافسين ~~والمتخاصمين الثانويين الذين يزيدون الفتن اضطراما. # إن هذه الخصومات والفتن استمرت سنوات عديدة، لعب ابن خلدون ~~خلالها دورا فعالا بالطريقة التي شرحناها آنفا. # إنه شايع في بادئ الأمر سلطان تلمسان «أبو حمو»، وساعده ~~أولا؛ باستتباع القبائل وتوجيهها لمناصرته، وثانيا؛ بضمان ~~اتصال تلمسان بتونس عن طريق الصحراء، مارا ببيسكرة. # ولكن بعد ذلك عندما استولى سلطان المغرب عبد العزيز على ~~تلمسان خابر ابن خلدون وطلب مساعدته على توطيد حكمه في المغرب ~~الأوسط، وابن خلدون لبى هذا الطلب، وانصرف من مشايعة «أبو ~~حمو» إلى مشايعة عبد العزيز، ms065 وخدمه بذلك خدمة ثمينة. # ولعب ابن خلدون هذه الأدوار السياسية خلال هذه السنوات ~~العديدة بفضل المهارة التي اكتسبها في أمر إقناع القبائل ~~واستمالتها، وبفضل الزعامة المعنوية التي حصل عليها بين سكان ~~البوادي بوجه عام. # إلا أن تعاظم نفوذ ابن خلدون على العشائر بهذه الصورة أخذ ~~يثير - بعد مدة - هواجس صاحب بيسكرة، الذي كان الزعيم الرسمي ~~لمنطقة الزاب؛ إنه صار يخاف من زوال نفوذه على القبائل بتاتا؛ ~~ولهذا السبب أخذ يعمل لتبعيد ابن خلدون من بيسكرة، ووسط ~~البعض من أصحابه لحمل سلطان المغرب على استدعاء ابن خلدون إلى ~~فاس. # واضطر لذلك ابن خلدون أن يغادر بيسكرة - مع عائلته - إلى ~~فاس. ~~(7) احتضار الحياة السياسية (1372-1374) # ولكن ابن خلدون بعدما غادر بيسكرة قضى مدة سنتين مليئتين ~~بالتقلبات المتوالية والاضطرابات المتزايدة. # إن هذه المدة كانت بمثابة «دور الاحتضار» لحياته السياسية ~~الصاخبة، ونستطيع أن نقول إن الحياة السياسية التي عاشها ابن ~~خلدون منذ دخوله الحياة العامة أخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة خلال ~~هاتين السنتين؛ لأننا سنجده بعد ذلك قد فارق الحياة السياسية ~~بصورة نهائية. # لقد بدأت الأهوال والاضطرابات تنهال على ابن خلدون وهو في ~~الطريق قبل أن يصل فاس؛ فإنه عندما وصل مليانة علم أن السلطان ~~عبد العزيز قد مات، وأن ابنه «السعيد» نصب بعده للأمر، في ~~كفالة الوزير ابن غازي. # وطبيعي أن السلطان «أبو حمو» لم يترك هذه الفرصة تفلت من بين ~~يديه؛ استفاد من انشغال رجال المغرب بمعالجة الموقف الناجم عن ~~موت السلطان عبد العزيز، و«رجع من مكان انتباذه إلى تلمسان، ~~واستولى عليها وعلى سائر أعماله.» # ولما كان أبو حمو غاضبا على ابن خلدون - بسبب انقلابه عليه ~~ومشايعته لسلطان المغرب خلال الوقائع الأخيرة - أراد الانتقام ~~منه؛ فأوعز إلى بعض القبائل الموالية إليه «أن يعترضوه في حدود ~~بلادهم». # ويصف لنا ابن خلدون نفسه ما حدث عندئذ بما يلي: ~~«اعترضونا هنالك فنجا منا من نجا على خيولهم إلى جبل دبدو، ~~وانتهبوا جميع ما كان معنا، وأرجلوا الكثير من الفرسان وأنا ~~منهم، وبقيت يومين ضاحيا عاريا إلى ms066 أن خلصت إلى العمران، ~~ولحقت بأصحابي بجبل دبدو.» # وعندما وصل فاس بعد هذه المحنة، لقي من الوزير ابن غازي ~~القائم بالأمر ترحيبا حارا؛ بسبب معرفته السابقة به، إلا أن ~~الأوضاع السياسية أخذت تتطور بسرعة، وقضت على حكم هذا ~~الوزير؛ وذلك بسبب تحريكات سلطان غرناطة من جهة، وتعدد ~~المطالبين بعرش المغرب من جهة أخرى. # كان السلطان ابن الأحمر غاضبا على السلطان عبد العزيز وعلى ~~الوزير ابن غازي الذي استبد بالحكم بعده، وكان الدافع إلى ~~هذا الغضب التجاء لسان الدين ابن الخطيب إلى المغرب، وامتناع ~~السلطان أولا والوزير ثانيا من إعادته إلى الأندلس، على ~~الرغم من طلب ابن الأحمر وإلحاحه. # ولذلك أطلق ابن الأحمر سراح الأمير عبد الرحمن المريني، ~~وأجازه إلى المغرب؛ ليطالب بالملك، ويقضي بذلك على حكم الوزير ~~ابن غازي. # وأخذ هذا الأمير عقب دخوله بلاد المغرب يدعو لنفسه، ويجمع ~~حوله جماعات كبيرة من الأنصار؛ محتجا على نصب الصبي القاصر ~~على عرش السلطنة. # والوزير ابن غازي عندما استخبر ذلك، أخذ يجهز العساكر ~~ويجمع الجموع لمقابلة الأمير الثائر، ونشبت من جراء ذلك ~~اصطدامات وحروب عديدة بين جموع الوزير الكافل، وبين الأمير ~~المطالب بالعرش. # وخلال ذلك قامت جماعة أخرى أخرجت الأمير المريني أحمد من ~~السجن في طنجة وبايعته بالسلطنة، وأصبح الوزير ابن غازي بهذه ~~الصورة أمام ثورة أميرين وجماعتين. # ثم التقى الأميران المذكوران وتعاهدا على التعاون والتناصر ~~حتى النهاية، واتفقا على أن يقتسما البلاد بينهما بعدما ~~يتغلبان على الوزير وجماعته، وقررا أن تكون السلطنة والعاصمة ~~إلى أحمد، على أن يصبح قسم من البلاد ملكا لعبد ~~الرحمن. # إن هذا الاتفاق سهل - بطبيعة الحال - انتصار الثوار، ~~فاضطر الوزير ابن غازي إلى الاستسلام بعد أن بقي محاصرا مدة ~~ثلاثة أشهر. # وبهذه الصورة انتهى حكم الوزير، وصار السلطان أبو العباس ~~أحمد ملكا على المغرب. # ولكن الأمير والسلطان بعدما انتهيا من محاربة عدوهم المشترك، ~~أخذا يختلفان فيما بينهما في تفسير وتحديد ما كانوا اتفقوا ~~عليه. # وهكذا توالت الفتن والقلاقل في المغرب الأقصى بدون ~~انقطاع. # وأما ابن خلدون فكان ms067 قد كره الفتن والانقلابات، وأخذ ينشد ~~«الدعة والقرار»، وعندما تأكد أنه لا سبيل إلى الحصول على ~~ذلك في بلاد المغرب بسبب توالي الاضطرابات؛ قرر أن يرحل مرة ~~أخرى إلى الأندلس، آملا أن يجد هنالك وسائل الدعة ~~والاستقرار. # ولكنه صادف في هذا السبيل كثيرا من المشاكل والعقبات، لم ~~يستطع التغلب عليها إلا بعد جهد جهيد. # وعندما وصل إلى الأندلس التقى بالسلطان في غرناطة، ووجد منه ~~في بادئ الأمر ترحيبا حارا. # إلا أن هذه الحالة أيضا لم تدم طويلا؛ لأن حكام المغرب ~~لم يرتاحوا إلى سفر ابن خلدون إلى الأندلس، خشية أن يعمل هناك ~~ما يفصم أواصر الصداقة التي كانت توثقت بينهم وبين بني ~~الأحمر خلال أزمة السلطنة الأخيرة، وطلبوا من السلطان المشار ~~إليه إعادة ابن خلدون إلى المغرب، وأما السلطان فقد امتنع عن ~~تلبية هذا الطلب في بادئ الأمر، ولكن رجال سلطان المغرب وجدوا ~~وسيلة ناجعة لإقناعه؛ ذكروا له روابط الصداقة التي كانت تربط ~~ابن خلدون بلسان الدين ابن الخطيب منذ سنوات طويلة، وقالوا له ~~إن تلك الصداقة جعلته داعية للسان الدين المغضوب عليه؛ ولذلك ~~قرر السلطان إقصاء ابن خلدون إلى المغرب الأوسط. # وبناء على هذا القرار انتقل ابن خلدون بحرا إلى مرسى هنين، ~~وكان هذا المرسى تابعا إلى تلمسان، وكان سلطان تلمسان عند ذاك ~~أبا حمو. # إن سوابق ابن خلدون مع هذا السلطان كانت تضعه في موقف حرج ~~وخطر جدا، ولكن أبا حمو كان ينوي فتح بجاية، وصار يفكر ~~بالاستفادة من ابن خلدون في هذا الأمر؛ ولذلك تناسى الماضي، ~~وترك ابن خلدون وشأنه مدة من الزمن، ثم استدعاه وطلب منه أن ~~يسافر إلى «أوطان الدواودة» لاستئلاف تلك القبائل وحملها على ~~خدمته. # ابن خلدون لم يرتح لهذا الطلب؛ لأنه كان قرر الخروج من ~~الحياة السياسية بصورة نهائية، والتفرغ إلى الدرس والعلم ~~تفرغا كليا، غير أنه لم ير من الموافق أن يطلع السلطان ~~على ما كان ينتويه في قرارة نفسه؛ فتظاهر بتلبية الطلب، وخرج ~~من تلمسان بحجة الاتصال بالعشائر واستمالتهم إلى خدمة ms068 مآرب ~~السلطان، وعندما وصل إلى البطحاء «عدل ذات اليمين إلى منداس»، ~~ولحق بأولاد عريف. # وهؤلاء تلقوه «بالتحفي والكرامة»، وتوسطوا في إبلاغ اعتذاره ~~إلى السلطان، وفي نقل عائلته من تلمسان، وقاموا بهذه الوساطة ~~خير قيام، ثم أنزلوه وعائلته في قلعة ابن سلامة. ~~(8) في قلعة ابن سلامة (1374-1378) # إن انتقال ابن خلدون لهذه القلعة صار بمثابة نهاية النهاية ~~لحياته السياسية. # كانت القلعة شيدت في موقع استراتيجي هام على حافة طنف ~~مرتفع، يطل من عل على السهول المجاورة التي تمتد إلى الآفاق ~~البعيدة، وكانت موئلا لشيوخ أولاد عريف، منعزلة عن المدن ~~انعزالا تاما. # وكان ابن خلدون عند وصوله القلعة المذكورة بلغ الثانية ~~والأربعين من العمر، وكان قد عاش حياة سياسية طويلة زاخرة ~~بالأحداث والانقلابات المعقدة، وخلال هذه الحياة السياسية لم ~~ينقطع عن الدرس والعلم، ولكنه كان يشعر بأن السياسة تشغله عن ~~العلم، وصار يتمنى أن ينصرف عنها انصرافا كليا ليتفرغ ~~إلى العلم تفرغا تاما. إن هذه القلعة المنعزلة مع القصر ~~القائم فيها كانت أحسن مكان لتحقيق أمنيته هذه؛ ولذلك أقام ~~فيها أربعة أعوام، تفرغ خلالها إلى التأمل والتأليف بكل ~~نشاط، وشرع في تأليف التاريخ، وكتابة المقدمة خلال انزوائه عن ~~الناس في هذه القلعة النائية. # ويصف ابن خلدون ما عمله هناك في ترجمة حياته بهذه العبارات ~~الوجيزة: ~~«أقمت بها متخليا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا ~~الكتاب وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو ~~الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة.» # وبعد إتمام المقدمة أقدم على كتابة «أخبار العرب والبربر ~~وزناتة»، وكان يكتب كل ما يكتبه عن حفظه بطبيعة الحال، غير أنه ~~عندما تقدم في تدوين الأخبار، أدرك عدم إمكان العمل هناك، ~~وضرورة مراجعة بعض الكتب والمصادر التي لا توجد إلا في ~~المدن. # إنه لم يشأ أن يعود إلى مدينة من مدن المغرب الأوسط والأقصى ~~التي كانت مرسحا لحياته السياسية؛ فقرر الارتحال إلى تونس، ~~وكتب إلى سلطانها يستأذنه في ذلك. # يصف ابن خلدون قراره هذا وما نجم عن هذا القرار بالعبارات ms069 ~~التالية: ~~«حدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس والرحلة إلى ~~تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم وآثارهم وقبورهم، فبادرت إلى ~~خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة، وانتظرت فما كان ~~غير بعيد، إذا بخطابه وعهوده بالأمان والاستحثاث للقدوم، فكان ~~الخفوق للرحلة.» # بهذه الصورة غادر ابن خلدون قلعة ابن سلامة بعد الانزواء ~~فيها مدة أربعة أعوام. ~~(9) في تونس (1378-1382) # عاد ابن خلدون إلى تونس بعد أن تغرب عنها مدة ستة وعشرين ~~عاما. # وكانت شهرته وصلت إلى تونس قبله بكثير بطبيعة الحال؛ ولذلك ~~وجد هناك ترحيبا حارا من السلطان ومن الناس على حد ~~سواء. # ويصف لنا في ترجمة حياته ترحيب السلطان له بهذه ~~العبارات: ~~«وافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي، وبر مقدمي، وبالغ في ~~تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس، وأوعز ~~إلى تابعه بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية في الجراية ~~والعلوفة وجزيل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، ~~وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وحرمته، وبعثت عن الأهل ~~والولد، وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا ~~التسيار.» # يفهم من هذه العبارات أن السلطان وفر له وسائل العيشة ~~الهنيئة، فأخذ يشتغل ابن خلدون بتدريس العلوم من ناحية، ~~وبمراجعة المصادر لإتمام تاريخه من ناحية أخرى. # وأثارت دروسه إعجاب طلاب العلم من جهة، وحسد الشيوخ القدماء ~~من جهة أخرى، واشتد حسد هؤلاء عليه بوجه خاص من جراء ازدياد ~~تقربه إلى السلطان. # ويظهر أن السلطان كان مولعا بالتاريخ؛ ولذلك اهتم بمشروع ~~ابن خلدون، فشجعه على مواصلة البحث والتأليف لإتمام كتابه ~~الخطير. # وانتهى ابن خلدون من تأليفه وهو في تونس، وقدم نسخة منه ~~إلى السلطان. ويقول لنا هو في هذا الصدد ما يلي: ~~«أكملت منه أخبار البربر وزناتة، وكتبت من أخبار الدولتين ~~وما قبل الإسلام ما وصل إلي منها، وأكملت منه نسخة رفعتها ~~إلى خزانته.» # ويوم تقديم هذه النسخة إلى السلطان أنشد بين يديه قصيدة ~~امتدحه فيها، وأشار إلى الكتاب الذي قدمه إليه. # والقصيدة طويلة نقل لنا منها في ترجمة حياته ms070 مائة بيت وبيت، ~~ثمانية منها تتعلق بالكتاب، ونحن ندرج فيما يلي هذه الأبيات ~~فقط لتعلقها بموضوع دراساتنا هذه: # وإليك من سير الزمان وأهله # عبرا يدين بفضلها من يعدل # صحفا تترجم عن أحاديث الألى # غبروا، فتجمل عنهم وتفصل # تبدي التبابع والعمالق سرها # وثمود قبلهم، وعاد الأول # والقائمون بملة الإسلام من # مضر وبربرهم، إذا ما حصلوا # لخصت كتب الأولين لجمعها # وأتيت أولها بما قد أغفلوا # وألنت حوشي الكلام كأنما # شرد اللغات بها لنطقي ذلل # أهديت منه إلى علاك جواهرا # مكنونة، وكواكبا لا تأفل # وجعلته لصوان ملكك مفخرا # يبأى الندي به ويزهو المحفل ~~(القصيدة في كتاب التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، ~~ص233-244.) # بهذه الصورة انتهى ابن خلدون من عمله العظيم، وهو في ~~تونس. # ولكنه لم ينته من مجابهة مشاكل الحياة؛ لأن حساده كانوا لا ~~ينقطعون عن الوشاية به عند السلطان بمناسبات مختلفة وأساليب ~~متنوعة، والسلطان مع ذلك كان لا يزال يدنيه، حتى إنه أخذ ~~يستصحبه في سفراته. # وكان بلغ ابن خلدون عندئذ الخمسين من العمر، فأخذ يفكر في ~~أداء فريضة الحج، وصادف أن «كانت بالمرسى سفينة لتجار ~~الإسكندرية، قد شحنها التجار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى ~~الإسكندرية». وانتهز ابن خلدون فرصة وجود هذه السفينة هناك، ~~«فتطارح إلى السلطان، وتوسل إليه في تخلية سبيله لقضاء فرضه، ~~وأذن له في ذلك». وغادر ابن خلدون تونس على ظهر السفينة ~~المذكورة، بعد مرور نحو أربعة أعوام على عودته إليها. ~~(10) في مصر (1382-1406) # وصل ابن خلدون إلى مصر في طريقه إلى الحج، ولكنه أقام فيها ~~حتى آخر حياته مدة أربعة وعشرين عاما. # وصوله إلى الإسكندرية كان صادف «يوم الفطر لعشر ليال من جلوس ~~الملك الظاهر على التخت.» # أقام ابن خلدون في الإسكندرية مدة شهر؛ لتهيئة أسباب الحج، ~~ولكن ذلك لم يتيسر له عامئذ، فانتقل إلى القاهرة. # وكانت شهرته وصلت إلى مصر منذ مدة، ولذلك عندما جلس للتدريس ~~بالجامع الأزهر؛ «انثال عليه طلبة العلم»، واستطاع هو أن يخلب ~~ألباب هؤلاء بطلاقة لسانه وسحر بيانه، وزادت شهرته من جراء ms071 ذلك ~~في البلاد. # ثم اتصل بالسلطان، ونال عطفه ورعايته؛ لأنه - حسب تعبير ابن ~~خلدون - «أبر اللقاء وأنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته ~~شأنه مع أهل العلم.» # ولذلك عزم ابن خلدون على الاستقرار في مصر، وطلب أهله وولده ~~من تونس، ولكن سلطان تونس «صدهم عن السفر اغتباطا بعوده ~~إليه»، عندئذ طلب ابن خلدون من «السلطان صاحب مصر الشفاعة ~~إليه في تخلية سبيلهم»، والسلطان المشار إليه لبى طلبه وأرسل ~~خطابا مؤثرا إلى سلطان تونس، وبناء على هذا الخطاب، ~~سافرت العائلة من تونس، ~~ولكن السفينة التي كانت تقلهم غرقت في البحر، ولم يتيسر لابن ~~خلدون الالتقاء بهم. # لم يعد ابن خلدون في مصر إلى الحياة السياسية، ولم يطمع في ~~منصب غير مناصب التدريس والقضاء والمشيخة. # تولى مناصب التدريس والقضاء عدة مرات؛ عين أولا مدرسا ~~في المدرسة القمحية، ثم ولي منصب «قاضي القضاة ~~المالكية». # إن هذه المناصب كانت في ذلك العهد عرضة إلى تبديلات كثيرة؛ ~~ولذلك عزل منها، ثم أعيد إليها مرات عديدة. # إنه تولى التدريس - بعد المدرسة القمحية - في المدرسة ~~الظاهرية، ثم في مدرسة صرغتمش، وبعد ذلك تولى مشيخة خانقاه ~~البيبرسية ، وأما منصب قاضي القضاة المالكية فعزل منها ~~وأعيد إليها خمس مرات. # إن صرامة ابن خلدون في الأحكام، خلال توليه مهام القضاء، ~~أثارت إعجاب الكثيرين من جهة، ومشاغبات الكثيرين من جهة أخرى، ~~وانقسم معاصروه في مصر بين المعجبين به إعجابا شديدا، وبين ~~الناقمين عليه نقمة عنيفة. # لم ينقطع ابن خلدون خلال هذه المدة من مراجعة تأليفه أيضا، ~~إنه أضاف إلى كتابه فصولا كثيرة، ووسع بوجه خاص أبحاثه ~~المتعلقة بتاريخ المشرق، وأضاف بعض الفصول والفقرات إلى ~~المقدمة، وغير بعض فصولها تغييرا كليا، ثم قدم نسخة ~~منه إلى الملك الظاهر، وانتهز فرصة سفر وفد من السلطان المشار ~~إليه إلى سلطان المغرب، فأرسل مع الوفد المذكور نسخة منه إلى ~~خزانة الكتب في جامع القرويين بفاس، مهداة إلى «السلطان ~~أبي الفارس عبد العزيز». ~~(ومن المعلوم أن طبعة بولاق والطبعات المتفرعة منها تستند ~~إلى هذه النسخة التي عرفت ms072 باسم «الفارسية» بالنسبة إلى اسم ~~السلطان «أبو فارس عبد العزيز»). # هذا وقد غادر ابن خلدون القاهرة عدة مرات في سفرات قصيرة؛ ~~يظهر أنه كان يذهب إلى الفيوم لاستلام حصته من القمح من أوقاف ~~المدرسة القمحية، عندما كان يتولى التدريس فيها. # وسافر إلى الحجاز سنة 1387 / 789 عن طريق الطور وينبع، وعاد ~~منه عن طريق القصير وقوص. # وسافر إلى القدس سنة 1399 / 802، وزار بيت لحم والخليل، ~~وشاهد المقامات المباركة فيها. # وفي الأخير سافر إلى دمشق سنة 1400 / 803 عندما تقدم ~~تيمورلنك للاستيلاء عليها. # وهذا السفر الأخير كان مترافقا بأحداث كثيرة، رواها ابن ~~خلدون بتفصيلات وافية: # عندما استولى تيمورلنك على حلب، «وقع فيها من العبث والنهب ~~والمصادرة واستباحة الحرم ما لم يعهد الناس مثله»، وعندما وصل ~~خبر ذلك إلى مصر؛ تجهز السلطان فرج ابن الملك الظاهر إلى ~~المدافعة عن الشام، وخرج مع عساكره، كما استصحب معه الخليفة ~~والقضاة الثلاثة، واستدعى ابن خلدون أيضا لمرافقته، مع أنه ~~كان معزولا من منصب القضاء. # وصل سلطان مصر إلى دمشق عندما كان تيمور رحل من بعلبك قاصدا ~~إلى المدينة المذكورة، فاتخذ السلطان وسائل الدفاع، وقوى ~~أسوار المدينة قبل وصول تيمور إليها، وعندما وصل تيمور ظلت ~~قوات الطرفين تراقب بعضها البعض وتحارب حول المدينة مدة ~~شهر. # ولكن بعد ذلك «نمى إلى السلطان وأكابر أمرائه أن بعض الأمراء ~~المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها، فأجمع ~~رأيهم للرجوع إلى مصر؛ خشية من انتقاض الناس وراءهم واختلال ~~الدولة بذلك»، وعملوا بهذا الرأي، وتحولوا عن دمشق إلى ~~مصر. # وأصبح عندئذ أهل دمشق متحيرين في الأمر، اجتمع القضاة ~~والفقهاء بالمدرسة العادلية وابن خلدون معهم، واتفق رأيهم في ~~طلب الأمان من الأمير تيمور على بيوتهم وحرمهم، وشاوروا في ذلك ~~نائب القلعة، فأبى عليهم ذلك ونكره، فلم يوافقوه؛ فخرجوا إلى ~~تيمور متدلين من السور، وبعد أن أخذوا منه الأمان «اتفقوا معه ~~على فتح المدينة من الغد، وتصرف الناس في المعاملات، ودخول ~~أمير ينزل بمحل الإمارة منها، ويملك أمرهم بعز ولايته.» # ولكن ms073 اختلاف رأي محافظ القلعة مع آراء القضاة والفقهاء أدى ~~إلى ارتباك الأمور وتعقدها، وخلال هذه الارتباكات ذهب ابن ~~خلدون بمفرده إلى تيمور متدليا من السور، ولاقاه وتحدث إليه ~~حديثا طويلا. # ابن خلدون رجع إلى مصر بعد هذه الوقائع، وهذه كانت آخر ~~أعماله ومغامراته. # إنه دون تفاصيل ملاقاته مع تيمور في ترجمة حياته، ثم واصل ~~كتابة الترجمة حتى سنة 1405 / 807، ومات بعد ذلك في القاهرة ~~سنة 1406 / 808. # ويذكر الكتاب المعاصرون له أنه دفن في مقبرة ~~الصوفية. ~~(11) الخلاصة # يظهر من التفاصيل التي استعرضناها آنفا أن حياة ابن خلدون ~~العلمية والفكرية - بعد عهد الدراسة، ومن تاريخ دخوله الحياة ~~العامة - ينقسم إلى ثلاثة أدوار أساسية: # الدور الأول: # كان دور العمل السياسي في بلاد المغرب، ~~استمر مدة تزيد على عقدين من السنين ~~(1352-1374). # الدور الثاني: # كان دور الانزواء والتأمل والتأليف في قلعة ~~ابن سلامة عند أولاد بني عريف، استمر أربع ~~سنوات فقط (1374-1378). # الدور الثالث: # كان دور الانصراف إلى التدريس والقضاء مع ~~مراجعة التأليف، واستمر ثمانية وعشرين عاما ~~(1378-1406). # إن دور الانزواء الذي أشرنا إليه آنفا كان قصيرا جدا ~~بالنسبة إلى الدورين الآخرين، غير أنه كان نقطة تحول هامة ~~جدا في حياة ابن خلدون؛ فإنه كان قبل هذا الانزواء مجروفا ~~بتيارات السياسة وتقلباتها، وكان يعيش عيشة السياسي المغامر، ~~ولكنه بعد الانزواء في قلعة ابن سلامة لم يعد إلى حياة ~~السياسة، بل انقطع للتفكير والتأليف، مع الاشتغال بالقضاء ~~والتدريس. # إنه كان قبل الانزواء في القلعة المذكورة رجل سياسة وعمل قبل ~~كل شيء، ولكنه بعد هذا الانزواء أصبح رجل علم وتفكير بكل معنى ~~الكلمة. ~~(12) ابن خلدون في الذاكرة الشعبية # ماذا بقي من حياة ابن خلدون وأعماله في الذاكرة ~~الشعبية؟ # نستطيع أن نقول إن الذاكرة الشعبية في مصر لم تحفظ عن ذلك ~~شيئا، وقبر ابن خلدون في القاهرة غير معروف إلى الآن. # وأما الذاكرة الشعبية في تونس فإنها لم تهمله أبدا، هناك ~~يعرفه الناس ويعرفون الدار التي ولد وترعرع فيها ابن خلدون، ~~دار تقع في أحد الشوارع المهمة ms074 من المدينة القديمة، هو شارع ~~تربة الباي، تشغلها منذ عدة سنوات مدرسة الإدارة العليا، وقد ~~وضع على جانب بابها لوحة رخامية تذكيرا لمولد المفكر الكبير ~~هناك. # ويقع في آخر الشارع المذكور «كتاب» صغير تحت قبة جميلة، ~~يسمى «مسيد القبة». # 1 # ويروى أن ابن خلدون كان درس في هذا الكتاب. # وأما قلعة ابن سلامة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته ~~المشهورة، فموقعها معلوم لدى الجميع؛ إنها تقع على بعد خمس ~~كيلومترات من مدينة «فرندا» الحالية التابعة إلى مقاطعة وهران ~~في الجزائر، وأطلال القلعة شاخصة إلى الأبصار هناك. # | آثار ابن خلدون # 1 # لقد كتب لسان الدين ابن الخطيب ترجمة حياة ابن خلدون الذي ~~كان تعارف وتصادق معه، أولا في المغرب الأقصى ثم في الأندلس، ~~وذكر في هذه الترجمة مؤلفات صديقه؛ رسالة في المنطق، وأخرى في ~~الحساب، تلخيص لبعض ما كتبه ابن رشد، شرح لقصيدة البردة، تلخيص ~~كتاب فخر الرازي، شرح لرجز في أصول الفقه. # من المعلوم أن هذا الأديب الكبير كان قتل خنقا قبل انتقال ~~ابن خلدون إلى قلعة ابن سلامة؛ ولذلك لم يرد ذكر لكتاب العبر ~~ومقدمته بين هذه المؤلفات بطبيعة الحال. # ولكن من الغريب أن جميع هذه المؤلفات التي ذكرها لسان الدين ~~ابن الخطيب ليست معلومة الآن، والأغرب من ذلك أن ابن خلدون ~~نفسه لم يذكرها في ترجمة حياته. # إن ما هو معروف عن العلاقات التي كانت توثقت بين لسان ~~الدين ابن الخطيب وبين ابن خلدون لا يترك مجالا للشك في صحة ~~ما كتبه الأول عن مؤلفات الثاني. # وأما عدم ذكر ابن خلدون لهذه المؤلفات في ترجمة الحياة ~~التي كتبها بنفسه، فلا يمكن أن يفسر إلا بأنها كانت تافهة ~~في نظره، ويغلب على الظن - والحالة هذه - بأنها كانت بمثابة ~~كراسات الدرس أو التدريس العارية من الآراء المبتكرة؛ ولذلك ~~لم يتباه بها ابن خلدون، فلم يذكرها في ترجمة حاله. # وأما الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا من مؤلفات ابن خلدون، ~~فهو كتاب التاريخ الذي كان أسماه باسم طويل: ~~«كتاب العبر وديوان المبتدأ ms075 والخبر في أيام العرب والعجم ~~والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.» # إن كتاب العبر هذا مرتب على مقدمة وثلاثة كتب حسب تعبير ~~المؤلف نفسه: ~~«المقدمة: في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه والإلماع بمغالط ~~المؤرخين.» # الكتاب الأول: في العمران، وذكر ما يعرض فيه من العوارض ~~الذاتية من الملك والسلطان والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، ~~وما لذلك من العلل والأسباب. # الكتاب الثاني: في أخبار العرب وأجيالهم ودولهم منذ بدء ~~الخليقة إلى هذا العهد، وفيه الإلماع ببعض من عاصرهم من الأمم ~~المشاهير ودولهم؛ مثل النبط، والسريانيين، والفرس، وبني ~~إسرائيل، والقبط، واليونان، والروم، والترك، والإفرنجة. # الكتاب الثالث: في أخبار البربر، ومن إليهم من زناتة، وذكر ~~أوليتهم وأجيالهم، وما كان لهم بديار المغرب خاصة من الملك ~~والدول (ص6). # إن الكتاب الذي يعرف الآن باسم «مقدمة ابن خلدون» هو في ~~حقيقة الأمر «المقدمة والكتاب الأول» من كتاب العبر. # يقع هذا الكتاب في سبع مجلدات؛ الأول منها يتضمن ما عرف ~~باسم «المقدمة»، الثاني والثالث والرابع والخامس منها يؤلف ~~ما سماه ابن خلدون باسم «الكتاب الثاني»؛ ويتضمن - من حيث ~~الأساس - تاريخ العرب، وتاريخ الإسلام، وتاريخ المشرق. # وأما السادس والسابع منها، فيؤلفان ما سماه ابن خلدون باسم ~~«الكتاب الثالث»، فيتضمن أخبار البربر وتاريخ المغرب. # وينتهي المجلد السابع ب «التعريف بابن خلدون مؤلف هذا ~~الكتاب». # إن لكتاب العبر طبعة كاملة واحدة، هي طبعة بولاق القديمة، ~~ولكن لمقدمته طبعات عديدة، وللتعريف الذي ينتهي به الكتاب طبعة ~~مستقلة جديدة. # لما كانت المقدمة موضوع بحث هذه الدراسات، لا نرى لزوما ~~لذكر شيء عنها هنا، ولذلك سنحصر الكلام الآن على سائر أقسام ~~كتاب العبر، وعلى التعريف الذي يختمه. # 2 # إن قيمة الأبحاث والأخبار التاريخية المدونة في كتاب العبر ~~تختلف اختلافا كبيرا حسب أقسامها المختلفة. # إن أهم وأثمن هذه الأبحاث هي التي تتعلق بتاريخ البلاد ~~المغربية؛ لأن المعلومات المدونة في كتاب العبر عن هذا ~~القسم من التاريخ طريفة وأصيلة، ابن خلدون لم ينقلها من الكتب، ~~بل جمعها بنفسه خلال اتصاله بمختلف القبائل، وتنقله بين ~~مختلف ms076 الدول المغربية، ولذلك يعتبر المجلدان الأخيران من كتاب ~~العبر المصدر الأصلي لدراسة تاريخ البلاد المذكورة خلال ~~العصور التي مضت بين الفتح الإسلامي وبين الأزمنة الأخيرة. ~~ويقول المؤرخون والمستشرقون الذين تعمقوا في دراسة تاريخ ~~المغرب: «لولا كتاب العبر لما استطعنا أن نعرف شيئا عن تاريخ ~~البلاد والشعوب المغربية خلال العصور المذكورة.» # ولذلك نجد أن هذا القسم من تاريخ ابن خلدون هو القسم الوحيد ~~الذي ترجم إلى لغة أوروبية ترجمة كاملة، فإن ترجمة هذا القسم ~~من التاريخ إلى اللغة الفرنسية نشرت في الجزائر في مجلدين ~~سنتي 1852 و1856، كما أنها طبعت من جديد في باريس في سنتي ~~1925 و1927. # وأما القسم المتعلق بتاريخ المشرق، فهو يتألف من معلومات ~~اقتبسها وجمعها ابن خلدون من كتب معلومة، ولا يختلف عن تلك ~~الكتب إلا في كيفية التبويب والتلخيص والعرض. # ومما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أن المؤلف نفسه عندما ~~أقدم على تأليف كتابه حصر قصده بتاريخ المغرب وحده؛ لعدم ~~«اطلاعه على أحوال المشرق وأممه»، إنه أعلن قصده هذا بصراحة ~~تامة في مقدمة المقدمة، حيث قال ما نصه: ~~«أنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني به في هذا القطر المغربي، ~~لاختصاص قصدي في التأليف المغرب وأحوال أجياله وأممه وذكر ~~ممالكه ودوله دون ما سواه من الأقطار؛ لعدم اطلاعي على أحوال ~~المشرق وأممه، وإن الأخبار المتناقلة لا تفي كنه ما أريده منه» ~~(ص33). # وأما كتاب العبر الذي بين أيدينا الآن، فهو يتضمن عن أحوال ~~المشرق وتاريخه أكثر من ضعف ما يتضمنه عن أحوال المغرب ~~وتاريخه، وذلك يدل دلالة قاطعة على أن ابن خلدون قد أضاف ~~الأبحاث المذكورة إلى كتابه بعد انتقاله إلى مصر، مخالفا بذلك ~~قصده الأصلي وخطته الأولى. # ولا شك في أن ذلك إنما تم عن طريق الجمع والاقتباس من ~~الكتب المختلفة، ولهذا السبب لا نجد في هذا القسم من كتاب ~~العبر شيئا من القيمة والأصالة التي نجدهما في أقسامه ~~الأخرى. # 3 # وأما «التعريف بابن خلدون» الذي ينتهي به «كتاب العبر» في ~~طبعة بولاق فإنه ms077 يدون ترجمة حياة المؤلف حتى سنة 1395 / 797، ~~وهي السنة التي أرسل خلالها نسخة كاملة من التاريخ إلى سلطان ~~المغرب الأقصى. # ولكن ابن خلدون واصل تدوين ترجمة حياته بعد ذلك أيضا حتى ~~سنة 1405 / 807، ومن المعلوم أن السنة المذكورة تسبق تاريخ ~~وفاته عاما واحدا فقط. # ويظهر أن ابن خلدون عند مواصلة تدوين هذه الترجمة - فصلها ~~- نوعا ما - من كتاب العبر وغير عنوانها، وجعلها «التعريف ~~بابن خلدون مؤلف الكتاب، ورحلته غربا وشرقا.» # إن «التعريف» بمؤلف المقدمة بعد هذه الإضافات الأخيرة كان ~~بقي حتى السنة الماضية مخطوطا، تحتفظ ببضع نسخ منه بعض ~~المكتبات، ولكن خلال سنة 1951 طبع على نفقة لجنة النشر ~~والترجمة والتأليف في القاهرة بعد التحقيقات التي قام بها، مع ~~الحواشي التي كتبها السيد محمد بن تاويت الطنجي، وأصبح بذلك ~~«التعريف» تحت متناول أيدي القراء والباحثين مثل ~~«المقدمة». # ويتبين مما تقدم أن «كتاب» التعريف بابن خلدون يجب أن ~~يعتبر مؤلفا من قسمين حسب تاريخ كتابة وقائعه؛ القسم الأول ~~يتألف مما كان كتب قبل سنة 1395 / 797، ويشغل 278 صفحة، ~~والقسم الثاني يتألف مما كتب بعد التاريخ المذكور، ويشغل 106 ~~صفحات. # وكان القسم الأول ينتهي بالعبارات التالية بعد عبارة: «لهذا ~~العهد الفاتح سبع وتسعين»: ~~«وقد نجز الغرض مما أردت إيراده في هذا الكتاب، والله ~~الموفق لرحمته بالصواب ، والهادي إلى حسن المآب، والصلاة ~~والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله والأصحاب، والحمد لله ~~رب العالمين» (كتاب العبر، بولاق ج7، ص462). # ومن الطبيعي أن ابن خلدون حذف هذه العبارات الختامية عندما ~~واصل كتابة ترجمته، وألحق ما كتبه بعد ذلك بما كتبه ~~قبلا. # ومما يلفت النظر أن ابن خلدون في هذا القسم الأخير من ~~كتاباته عاد إلى بعض ما كان كتبه قبلا وزاده تفصيلا. # مثلا إنه كان ذكر توليته التدريس في المدرسة القمحية في ~~القسم الأول من «التعريف» دون تفصيل (ص253)، ولكنه بعدما أقدم ~~على إتمام الترجمة عاد إلى هذه الواقعة، ونقل لنا الخطبة التي ~~كان ألقاها يوم جلوسه للتدريس فيها (ص285-293)، وكذلك دون ~~الخطبة التي ms078 أنشأها في مفتتح التدريس في المدرسة الظاهرية ~~(ص286-293)، مع أنه كان تولى التدريس فيها قبل سنة ~~797 / 1395، كما أنه تكلم عن خطبة الافتتاح التي ألقاها في ~~مدرسة صلغتمش (صرغتمش)، وعاد إلى ذكر توليته منصب القضاء، ~~وتكلم عن تعيينه إلى مشيخة خانقاه بيبرس وعزله منها، وكتب ~~تفاصيل فتنة الناصري التي كانت سببا لهذا العزل، مع أن كل ذلك ~~كان حدث قبل التاريخ الذي اختتم به كتاب التعريف، عندما أرسل ~~نسخة من مؤلفه إلى سلطان المغرب. # ونستطيع أن نقول لهذه الأسباب: إن الخاتمة التي ذكرناها ~~آنفا يجب أن تعتبر بمثابة «الحد الفاصل» بين ما كتبه قبل سنة ~~797 هجرية، وبين ما كتبه بعدها، لا بين ما حدث قبل ذلك التاريخ ~~وبين ما حدث بعده. ~~••• # هذا ونحن نلاحظ أن الأبحاث المسرودة في القسم الأول أيضا لم ~~تكتب دفعة واحدة، بل كتبت في أوقات مختلفة، كما أن ~~الكتابات الجديدة لم تلحق بالقديمة حسب أوقات كتاباتها، بل ~~إنها أدخلت في بعض الأحيان بين الفقرات والمباحث المكتوبة ~~قبلا. # ولذلك نجد في «التعريف» كثيرا من الأبحاث المتكررة، ونلاحظ ~~أن المؤلف يذكر بعض الأمور في محل، ثم يعود إلى نفس الأمور ~~في محل آخر، ويكررها تارة مع تفصيل، وطورا مع تلخيص. # ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جاء في كتاب التعريف عن تراجم ~~بعض العلماء؛ فإن ابن خلدون يدون تراجم أحوال هؤلاء؛ أولا ~~عندما يذكر أسماء الأساتذة الذين درس عليهم، ثم يكرر ترجمة ~~بعضهم بتفصيل أوفى بمناسبة القصيدة التي أنشدها أحد شعراء تونس ~~في حضرة السلطان، ذاكرا فيها أسماء العلماء الذين وفدوا معه، ~~ولذلك نجد أن ترجمة الآبلي - مثلا - مذكورة أولا في ص21-22، ~~ثم في ص33-38، كما نجد ترجمة عبد المهيمن مسطورة أولا في ~~ص20، ثم في ص38-41. # إن أمثال هذه الأبحاث المكررة كثيرة في كتاب «التعريف بابن ~~خلدون». ~~••• # وأما من حيث المواضع، فنحن نلاحظ أن كتاب «التعريف بابن ~~خلدون» لا يكتفي بتدوين ترجمة حياته، بل إنه يجمع ويسجل كثيرا ~~من الوثائق والمعلومات التاريخية والأدبية أيضا، ولا نعدو ms079 ~~الحقيقة إذا قلنا إن المعلومات التاريخية والوثائق الأدبية ~~المدونة فيه تشغل حيزا أوسع بكثير من الذي تشغلها الأمور ~~المتعلقة بترجمة حال المؤلف مباشرة. # مثلا عندما يذكر ابن خلدون - في كتاب التعريف - أسماء ~~العلماء الذين درس عليهم أو التقى بهم، يكتب تراجم أحوال كل ~~واحد منهم بتفصيل، من ذكر محل تولدهم إلى تثبيت تاريخ ~~وفاتهم، حتى إنه يذكر كثيرا من الوقائع التاريخية التي تأثروا ~~منها أو أثروا فيها. # وعندما يذكر بعض الوقائع التاريخية التي اشترك فيها هو أو ~~اتصل بها بصورة من الصور يفصل تلك الوقائع تفصيلا وافيا، ~~يشمل أولياتهم البعيدة إذا لم يكن قد كتب عنها في فصل من فصول ~~كتاب العبر نفسه. # ولهذا السبب يجد الباحث بين صحائف كتاب التعريف كثيرا من ~~الأبحاث التاريخية. # وفضلا عن ذلك فإن «التعريف» يضم عددا غير قليل من الوثائق ~~الأدبية أيضا؛ لأن ابن خلدون يدون في هذا الكتاب بعض ~~الرسائل التي تلقاها من أصحابه بنصوصها الكاملة، كما يذكر ~~بمناسبات عديدة طائفة من أشعارهم وقصائدهم أيضا. # يتضمن كتاب «التعريف» نصوص عدة خطابات صادرة عن قلم لسان ~~الدين ابن الخطيب، وخطابا واردا من ابن زمرك كاتب سر السلطان ~~ابن الأحمر، وآخر من علي بن البني قاضي الجماعة في غرناطة، كما ~~أنه يتضمن بعض الخطابات الرسمية أيضا؛ منها الخطاب العام ~~الموجه من سلطان غرناطة إلى عماله لتسهيل سفر ابن خلدون خلال ~~عودته من الأندلس إلى بجاية، ومنها الخطاب الذي أرسله سلطان ~~مصر إلى سلطان تونس، ملتمسا تسفير عائلة ابن خلدون إلى ~~القاهرة. # وطبيعي أن كتاب التعريف يضم طائفة من خطابات وخطب ابن خلدون ~~نفسه؛ منها خطاب موجه إلى لسان الدين ابن الخطيب جوابا على ~~إحدى رسائله، ومنها خطاب مرفوع إلى سلطان المغرب لإخباره ما ~~جرى له مع تيمورلنك، ومنها خطب الافتتاح التي ألقاها عند ~~جلوسه للتدريس، أولا في المدرسة القمحية ثم المدرسة الظاهرية، ~~وفي الأخير في مدرسة صلغتمش. # وفضلا عن ذلك كله نجد بين صحائف «التعريف» طائفة من أشعار ~~ابن خلدون وقصائده أيضا، يبلغ مجموع أبيات ms080 هذه القصائد 380 ~~بيتا. # ولذلك نستطيع أن نقول إن كتاب التعريف يؤلف مجموعة وثائق ~~تاريخية وأدبية تستحق الدرس باهتمام. ~~••• # ومما يلفت النظر في كتاب التعريف أن ابن خلدون يهتم فيه ~~بتسجيل الوقائع وتفصيلها اهتماما كبيرا، ولكنه لا يعنى ~~بتدوين الأفكار ووصف الانفعالات. # فإن العبارات التي تدل على الانفعالات في الكتاب المذكور ~~محدودة وموجزة جدا. # مثلا يذكر ابن خلدون قضية سجنه بهذه العبارة الوجيزة: «قبض ~~علي، وامتحنني، وحبسني.» # ويذكر النكبة التي أصيب بها عند وفاة والديه بقوله: «كان ~~الطاعون الجارف، وذهب بالأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك ~~أبواي رحمهما الله.» # وأما واقعة غرق السفينة التي كانت تحمل عائلته فإنه يذكرها ~~بهذه العبارات الوجيزة: «وافق ذلك مصاب الأهل والولد، وصلوا من ~~المغرب بالسفين، فأصاب عاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود ~~والسكن والمولود، وعظم المصاب.» # ويذكر هذه الواقعة في محلين آخرين بمناسبتين مختلفتين، ويضيف ~~هناك - إلى ما تقدم - العبارات التالية: «عظم الأسف، وحسن ~~الجزاء، واختلط الفكر.» # وهذا كل ما كتبه عن مصائبه العائلية. # ونستطيع أن نقول إن ابن خلدون كتب ترجمة حياته كأنه يدون ~~وقائع تاريخية، ولم يسجل خلال هذه الترجمة انفعالاته ~~وانطباعاته إلا نادرا وبعبارات مقتضبة جدا. # إنه لا يشذ عن هذه الخطة إلا مرتين، وذلك في القسم الأخير من ~~التعريف، مرة عندما تكلم عن عمله في منصب القضاء، ومرة ~~عندما سرد لقاءه بتيمورلنك. # إنه تكلم عن توليه منصب القضاء في مصر في ست صفحات بأسلوب ~~مشبوب بالانفعال، في حين أنه ما كان خصص لذكر ما عمله خلال ~~توليه منصب الحجابة في تلمسان إلا بضعة أسطر. # إنه ذكر تفاصيل ملاقاته مع تيمورلنك في نحو اثنتي عشرة ~~صحيفة، وذلك بعد معلومات وتفصيلات تاريخية أشغلت صحائف كثيرة، ~~في حين أن ما كان ذكره عن ملاقاته بملوك آخرين لم يزد على سطر ~~أو سطرين. # أمام هذه الظاهرة يجب علينا أن نتساءل: لماذا؟ لماذا هذا ~~التفاوت في كيفية سرد الوقائع ووصف الأحوال؟ # إني أعتقد أن عوامل هذا التفاوت متعددة؛ منها تفاوت المدد ~~التي مضت بين تاريخ حدوث ms081 الواقعات وبين تاريخ ذكرها في ~~التعريف، ومنها اختلاف شدة تأثر المؤلف من الواقعات ~~المختلفة، ومنها تفاوت حالاته النفسية العامة عند اشتغاله ~~بتدوين الواقعات. # من المؤكد أن ابن خلدون كتب ما كتبه عن وقائع حياته في ~~المغرب بعد مرور مدة طويلة على حدوثها، وأما ما حدث له خلال ~~توليه منصب القضاء وخلال ملاقاته مع تيمورلنك، فإنه كتبها بعد ~~مدة وجيزة من حدوثها، وربما عقب حدوثها عندما كان تأثيرها في ~~نفسه لا يزال حيا وحادا. # وفضلا عن ذلك، إن الخطة التي سار عليها في القيام بمهمة ~~القضاء خلقت له كثيرا من المتاعب، وأثارت عليه حسد البعض ~~ومشاغبة الكثيرين، مع أنه كان وصل عندئذ إلى منتصف العقد ~~السادس من العمر، فكان من الطبيعي أن يتأثر من هذه المتاعب ~~والمشاغبات تأثرا عميقا، كما أنه كان من الطبيعي أن تنعكس ~~انفعالاته هذه على كتاباته عندما أقدم على تدوين هذه ~~الوقائع. # وأما ملاقاته مع تيمورلنك، فكانت وقعت وهو في عتبة السبعين ~~من العمر، ومجردا عن كل الشواغل، فلا شك في أنه كتبها فور ~~وقوعها، ومما يؤيد ذلك أن أبحاث «التعريف» التي تلي أخبار ~~تيمور لم تشغل إلا صحيفة واحدة. ~~••• # إني أعتقد أن ما كتبه ابن خلدون عن الأحوال التي لاحظها، ~~والمتاعب التي لاقاها، والمفاسد التي كافحها عندما تولى منصب ~~القضاء يكون وثيقة هامة تصور حالة العصر أحسن تصوير بكل ~~ما فيه من فساد وضلال وتضليل وشعوذة. # ومما يلفت النظر أن الانتقادات الشديدة التي كتبها ابن خلدون ~~بهذه المناسبة تتناول شئون الفتيا والأوقاف أيضا. # ونظرا لأهمية هذه الانتقادات رأيت من المفيد أن أنقل فيما ~~يلي نص ما كتبه ابن خلدون في هذا المضمار: ~~«خلع علي (السلطان) بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من ~~أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقمت بما ~~دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني ~~عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا يزعني عنه ~~جاه ولا سطوة، مسويا في ذلك بين الخصمين، آخذا بحق الضعيف ~~من الحكمين، معرضا ms082 عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، ~~جانحا إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين ~~لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر، ~~والطيب متلبسا بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم، متجاوزون ~~عما يظهرون عليه من هناتهم؛ لما يموهون به من الاعتصام بأهل ~~الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة في ~~الصلوات، يلبسون عليهم العدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون لهم ~~الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاء والتوسل لهم؛ فأعضل ~~داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت ~~على بعضها؛ فعاقبت فيه بموجع العقاب ومؤلم النكال، وتأدى إلي ~~العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان ~~منهم كتاب لدواوين القضاة والتوقيع في مجالسهم، قد ~~دربوا على إملاء الدعاوى وتسجيل الحكومات، واستخدموا ~~للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بأحكام كتابتها وتوثيق ~~شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاء ~~بجاههم، يدرعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك ~~بفعلاتهم. وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود المحكمة، فيوجد ~~السبيل إلى حلها بوجه فقهي أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا ~~إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصا في الأوقاف التي جاوزت حدود ~~النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه فأصبحت خافية الشهرة، ~~مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان باختلاف المذاهب المنصوبة ~~للحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعا أو تمليكا شارطوه ~~وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دونه سد الحظر ~~والمنع حماية عن التلاعب، وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق ~~الضرر في العقود والأملاك. # فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت ~~إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة؛ ~~لكثرة معارضتهم وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، إذا ~~فيهم أصاغر، ببناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون، ~~وإذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس فاقتعدوها وتناولوها ~~بالجزاف، واحتازوها من غير مثرب، ولا منتقد للأهلية ولا مرشح. ~~إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في ~~هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، ms083 يتجاذب كل الخصوم منه رسنا، ~~ويتناول من حافته شقا، يروم به الفلج على خصمه، ويستظهر به ~~لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاه أمنيته، ~~متتبعا إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم ~~الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، ~~والإنصاف متعذر، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها ~~للعامي، فلا يكاد هذا المدد ينحسر، ولا الشغب ينقطع. # فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم ~~على أعقابهم، وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون ~~بمفترق من اصطلاحات العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ ~~مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد اتخذوا الناس هزؤا، ~~وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض ومأبنة للحرم؛ فأرغمهم ذلك مني ~~وملأهم حسدا وحقدا علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان ~~الزوايا المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه ليجيروا به على ~~الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم؛ فيحكمون بما يلقي ~~الشيطان على ألسنتهم، يترخصون به للإصلاح، ولا يزعهم الدين ~~عن التعرض لأحكام الله بالجهل. فقطعت الحبل في أيديهم، ~~وأمضيت أحكام الله فيمن أجاروه، فلم يغنوا عنه من الله شيئا، ~~وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة، ~~وانطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني ~~بمختلف الإفك، وقول الزور يبثونه في الناس، ويدسون إلى ~~السلطان التظلم مني، فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب عند ~~الله ما منيت به من هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، ~~وماض على سبيل سواء من الصرامة، وقوة الشكيمة، وتحري المعدلة، ~~وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة ~~العود عن الجاه والأغراض متى غمرني لامسها. ولم يكن ذلك شأن من ~~رافقته من القضاة، فنكروه علي، ودعوني إلى تبعهم فيما ~~يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء ~~للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على ~~أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعلمون أن ~~قد تمالئوا عليه. # وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا ms084 علموا خلافها، ~~والنبي # صلى الله عليه وسلم # يقول في ذلك: «من قضيت له من حق أخيه شيئا، ~~فإنما أقضي له من النار.» # فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن ~~قلدنيها، فأصبح الجميع علي ألبا، ولمن ينادي بالتأفف مني ~~عونا ...» ~~(التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، ص254-258.) # | القسم الأول: نظرات وملاحظات عامة # | أبحاث المقدمة # (1) # إن الكتاب الذي يعرف الآن باسم «مقدمة ابن خلدون» ~~يتألف في الحقيقة من «المقدمة» و«الكتاب الأول» من ~~تاريخه المسمى «كتاب العبر». # يعنون ابن خلدون الكتاب الأول بالعنوان ~~التالي: ~~«في طبيعة العمران في الخليقة، وما يعرض فيها من ~~البدو والحضر، والتغلب، والكسب، والمعاش، والصنائع، ~~والعلوم، ونحوها، وما لذلك من العلل والأسباب» ~~(ص35). # وبعد ذلك يقسم الكتاب المذكور إلى ستة فصول رئيسية: # الأول: # في العمران البشري على الجملة، ~~وأصنافه، وقسطه من الأرض. # الثاني: # في العمران البدوي، وذكر القبائل ~~والأمم الوحشية. # الثالث: # في الدول والخلافة والملك، وذكر ~~المراتب السلطانية. # الرابع: # في العمران الحضري والبلدان ~~والأمصار. # الخامس: # في الصنائع والمعاش والكسب ~~ووجوهه. # السادس: # في العلوم واكتسابها ~~وتعلمها. ~~(2) # قد قسم ابن خلدون كل واحد من هذه الفصول الرئيسية ~~إلى عدد من المقدمات والفصول. # وبما أنه استعمل كلمة «الفصل» في التقسيمات الرئيسية ~~والتقسيمات المتفرعة منها على حد سواء، كثيرا ما يغلط ~~القراء في تحديد أقسام الكتاب ومباحثه. # ولدفع هذا المحذور لقد سمى المترجم الفرنسي ~~«البارون دو سلان» كل فصل من الفصول الرئيسية المذكورة ~~باسم «القسم»، كما سمت بعض الطبعات العربية - مثل ~~طبعة مصطفى محمد في مصر - كل واحد من هذه الفصول ~~الرئيسية باسم «الباب»، وإن لم تشر إلى أنها فعلت ~~ذلك تسهيلا لمراجعة القراء ودفعا للالتباس، ونحن ~~سنقتفي في هذه الدراسات إثر تلك الطبعات، وسنسمي ~~الفصول الأساسية باسم «الأبواب»، وعندما نضطر إلى ذكر ~~عنوان الفصل بنصه الأصلي سنضيف إليه كلمة «الرئيسي»؛ ~~تمييزا له من الفصول الفرعية. ~~(3) # أما عدد هذه المقدمات والفصول فهو كما يلي: # في الفصل الرئيسي الأول - أي في الباب الأول - ست ~~مقدمات، في الباب الثاني 29 فصلا، ms085 في الباب الثالث ~~53، في الباب الرابع 22، في الباب الخامس 33، في الباب ~~السادس 50 فصلا. # لقد ذكرنا هذه الأعداد بالنسبة إلى طبعة بيروت وطبعة ~~مصطفى محمد المصرية المشتقة منها، غير أن طبعة بولاق ~~تحتوي على فصل زائد على ذلك في الباب السادس، وكذلك ~~طبعة مصطفى فهمي. # وأما طبعة باريس التي كان تولى أمرها المستشرق ~~«كاترمير»، فتحتوي على فصل زائد في الباب الثالث، وعلى ~~عشرة فصول زائدة في الباب السادس. # وبما أن نسخ طبعة باريس نادرة وبعيدة عن متناول أيدي ~~معظم الذين يقرءون المقدمة، سندرج في ذيل هذا البحث ~~فهرستا كاملا لعناوين هذه الفصول الزائدة، كما أننا ~~سنكتب دراسة تحليلية لأحدها، وإجمالا وافيا ~~لبعضها، وسننقل بعضها بنصوصها. ~~(4) # إن بعض الطبعات المتداولة في البلاد العربية - مثل ~~طبعة مصطفى فهمي في مصر القاهرة - وضعت أرقاما بجانب ~~عناوين الفصول؛ تسهيلا للبحث والمراجعة، غير أن بعضها ~~- مثل طبعة بيروت، وطبعة مصطفى محمد في مصر - تجاوزت ~~ذلك إلى ترتيب الفصول ترتيبا عدديا، بقولها: الفصل ~~الأول، الفصل السادس، الفصل الثاني والعشرون، وهلم ~~جرا. # ومما يجب ألا يغرب على البال أن الفصول الفرعية لم ~~تكن مرقمة في أصلها، فالطابع الذي يقدم على ترقيم ~~الفصول وترتيبها بهذه الصورة يتحمل مسئولية معنوية ~~كبيرة؛ لوجود بعض الفصول في بعض النسخ دون غيرها؛ ~~مثلا الفصل القائل بأن «العلم والتعليم طبيعي في ~~العمران البشري»، يكون أول الفصول من الباب السادس في ~~النسخ التي اعتمدت عليها طبعات البلاد العربية، في حين ~~أنه يكون الفصل السادس في النسخ التي اعتمدت عليها ~~طبعة باريس. # ونحن نعتقد لذلك أن ترتيب الفصول بهذه الصورة ~~ترتيبا نهائيا - قبل درس نسخ المقدمة درسا وافيا ~~- مما يخالف الأصول العلمية، ومما يشوش الأمر على ~~القراء والباحثين. ~~(5) # ومما تجب ملاحظته هذه الفصول والأبواب، تختلف ~~اختلافا كبيرا من حيث الطول؛ فإن أطول الأبواب هو ~~الباب السادس (الباحث عن العلم والتعليم)، ثم يليه في ~~الطول الباب الثالث (الباحث عن الدول)، فالباب الأول ~~(الباحث عن العمران البشري على الجملة)، فالباب الخامس ~~(الباحث عن الصنائع والمعاش)، فالباب الرابع ms086 (الباحث ~~عن الأمصار)، فالباب الثاني (الباحث عن العمران ~~البدوي). # وإذا أحصينا عدد الصحائف المخصصة لكل واحد من ~~الأبواب الستة المذكورة، وقارنا بعضها ببعض؛ وجدنا ~~أن طول الباب السادس يقرب من سبعة أمثال الثاني، كما ~~أن طول الباب الثالث يناهز ستة أمثال الباب ~~المذكور. # وأما الفصول التي تنقسم إليها الأبواب فهي أيضا ~~تختلف اختلافا كبيرا من حيث الطول؛ إن أطول الفصول ~~هو الباحث عن جغرافية الأرض (33 صفحة)، ويليه في الطول ~~الفصل الباحث عن النبوة والكهانة (28 صفحة)، ويأتي بعد ~~ذلك الفصل الباحث عن مراتب السلطان وألقابها (22 ~~صفحة)، فالفصل الباحث عن الفاطمي المنتظر ~~(19 صفحة). # لقد انخدع بعض الكتاب والباحثين بعدد الصحائف ~~المخصصة في المقدمة لكل فصل من الفصول، وظنوا أن ابن ~~خلدون يعزو أهمية كبيرة إلى البيئة الجغرافية، كما ~~زعموا أنه يعتبر الدين من أهم عوامل الاجتماع، في حين ~~أن الحقيقة تخالف هذا الزعم مخالفة كبيرة، كما سنشرح ~~ذلك في فصول خاصة عندما نقدم على تحليل آراء ابن ~~خلدون وشرح نظرياته. # فنحن نرى أن أهمية الفصول في المقدمة لا يجوز أن ~~تقدر بعدد الصحائف المخصصة لها؛ لأن بعض المباحث ~~المسرودة في بعض الفصول ما هي إلا معلومات تمهيدية أو ~~استطرادية، يقصد منها تارة إعطاء بعض المعلومات ~~الممهدة، وطورا بعض المعلومات المتممة؛ بغية إعداد ~~الأذهان لفهم الموضوع في بعض الأحوال، وزيادة ~~المعلومات المتعلقة بالموضوع في أحوال أخرى، ولذلك نجد ~~أن أهمية المباحث المسرودة في الفصول المختلفة لا ~~تتناسب مع أطوالها بوجه من الوجوه. # إن المباحث الاستطرادية أو التمهيدية محتشدة في ~~الدرجة الأولى في الباب السادس، فالباب الأول، فالباب ~~الثالث، وأما الأبواب الثلاثة الأخرى فيقل، بل يندر ~~فيها مثل هذه المباحث التمهيدية أو ~~الاستطرادية. # مثلا الباب الأول، يقع في ثمان وسبعين صفحة، غير ~~أن أكثر من ثلاث أرباع هذه الصحائف مخصصة لمعلومات ~~استطرادية عن تقسيمات الأرض ومسألة النبوة ~~والكهانة. # والباب الثاني يقع في ثلاث وثلاثين صفحة، غير أن ~~الصحائف المذكورة تكاد تكون خالية من المباحث ~~الاستطرادية أو التمهيدية. ~~(6) # يظهر من التفاصيل ms087 الآنفة الذكر أن المباحث المدرجة ~~في المقدمة تنقسم إلى نوعين أساسيين: # الأول: # المباحث الأساسية التي تدخل في نطاق ~~أغراض المؤلف الأصلية، فتحوم حول «علم ~~العمران»، و«أسس التاريخ» مباشرة. # والثاني: # المباحث الاستطرادية التي تأتي ~~عرضا، وتستهدف سرد بعض المعلومات ~~العامة تمهيدا للأبحاث الأصلية أو ~~إتماما للفائدة. # إن أبحاث المقدمة مهمة جدا من كلتا ~~الوجهتين: # أولا من وجهة المباحث الأصلية؛ اعتبر بعض الباحثين ~~والكتاب موضوع المقدمة بمثابة «علم التاريخ» أو ~~«فلسفة التاريخ»، واعتقد بعضهم أنها بمثابة «علم ~~الاجتماع» أو فلسفة الاجتماع، «أما أنا فأرى أن كل ~~واحد من هذين الرأيين وجيه من جهة وقاصر من جهة أخرى، ~~وأعتقد بأن أحسن تعبير نستطيع أن نعبر به عن حقيقة ~~المقدمة، هو القول بأنها «مدخل اجتماعي للتاريخ» # Introduction sociologique à ~~l’histoire ~~. # وأما من وجهة المباحث الاستطرادية؛ فإن المقدمة ~~بمثابة موسوعة # Encyclopédie # ثمينة جدا، فهي تجمع كمية ~~كبيرة من المعلومات القيمة عن الجغرافية والتاريخ، ~~ورسوم الحضارة، وأصناف العلوم، وأحوال الصنائع، وأصول ~~التعليم، وعن أهم المؤلفات العلمية والأدبية، والآراء ~~السياسية والدينية والفلسفية. # إنني أعتقد بأن دراسة المقدمة دراسة علمية دقيقة ~~تتطلب تفريق مباحثها الأصلية عن مباحثها الفرعية ~~باهتمام، ودرس كل قسم منها على حدة حسب ما تتطلبه ~~طبيعتها. # إن عمل ابن خلدون في النوع الثاني من مباحث المقدمة ~~لا يتعدى حدود «النقل، والجمع، والعرض، والتلخيص، ~~والترجيح، والتسجيل»، وأما قدرته الابتكارية ~~وعبقريته الحقيقية، فلا تظهر إلا في النوع الأول من ~~مباحث المقدمة. # فجهود الباحثين يجب أن توجه - قبل كل شيء - إلى ~~تفريق هذه المباحث من غيرها، وتمييز المبتكر وتبريز ~~الطريف منها. # ذيل # الفصول المنسية والمهملة # لمقدمة ابن خلدون فصول منسية في الطبعات المصرية والبيروتية ~~المتداولة بين الأيدي. # ندرج فيما يلي عناوين هذه الفصول مع تعيين مواضعها من الفصول ~~المعلومة في الطبعات المتداولة، معتمدين في ذلك على طبعة ~~باريس: ~~(أ) # في الباب الثالث بعد الفصل الباحث عن «طروق ~~الخلل للدولة»، فصل في اتساع نطاق الدولة أولا ~~إلى نهايته، ثم تضايقه طورا بعد طور، إلى فناء ~~الدولة واضمحلالها (المجلد الثاني، ms088 ~~ص114-117). ~~(ب) # في أول الباب السادس قبل الفصل القائل بأن ~~«العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري». # فصل في الفكر الإنساني (المجلد الثاني، ~~ص364). ~~(ج) # في الباب نفسه، بعد الفصل الآنف الذكر: # فصل في أن عالم الحوادث العقلية إنما يتم ~~بالفكر. ~~(د) # بعد ذلك: # فصل في العقل التجريبي وكيفية حدوثه. ~~(ه) # بعد ذلك: # فصل في علوم البشر وعلوم الملائكة. ~~(و) # بعد ذلك: # فصل في علوم الأنبياء عليهم السلام. ~~(ز) # بعد ذلك: # فصل في أن الإنسان جاهل بالذات وعالم ~~بالكسب. ~~«إن هذه الفصول الستة تشغل 12 صفحة من المجلد ~~الثاني: 364-376.» ~~(ح) # في الباب السادس، بعد فصل علم الكلام: # فصل في كشف الغطاء عن المتشابه في الكتاب ~~والسنة، وما حدث لأجل ذلك في طوائف السنة ~~والمبتدعة من الاعتقادات (المجلد الثالث، ~~ص44-59). ~~(ط) # في الباب نفسه، بعد الفصل الذي يقرر «أن كثرة ~~التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»: # فصل في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف ~~وإلغاء ما سواها (المجلد الثالث، ~~ص241-248). ~~(ي) # في الباب المذكور، بعد الفصل القائل «إن حملة ~~العلم في الإسلام أكثرهم العجم»: # فصل في أن العجمة إذا سبقت إلى اللسان قصرت ~~بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان العربي ~~(المجلد الثالث، ص274-278). ~~(ك) # في الباب السادس أيضا، بعد الفصل القائل: «إن ~~حصول ملكة الشعر بكثرة الحفظ»: # فصل في بيان المطبوع من الكلام والمصنوع، وكيفية ~~جودة المصنوع وقصوره (المجلد الثالث، ~~ص351-357). ~~••• # هذا ومما يجب الانتباه إليه أن طبعة باريس تحتوي على فقرات ~~كثيرة - زيادة على الفصول الآنفة الذكر - لا توجد في الطبعات ~~المصرية والبيروتية. # أهم هذه الفقرات تقع في فصول الخط، والتصوف، والسيمياء، ~~واللغة. # كما أن فصل الحديث في طبعة باريس يختلف اختلافا كليا ~~عما هو معروف في الطبعات المذكورة، من حيث التفصيل من جهة، ~~ومن حيث الترتيب من جهة أخرى. # | تاريخ كتابة المقدمة # 1 # متى وأين، وكيف كتب ابن خلدون مقدمته المشهورة؟ # إن أجوبة ذلك مسطورة في بعض الفقرات التي كتبها المؤلف ~~بنفسه، أولا في آخر المقدمة، وثانيا في ترجمة ms089 حياته الملحقة ~~بالتاريخ. # قال ابن خلدون في آخر الكتاب الأول ما يلي: ~~«أتممت هذا الجزء بالوضع والتأليف، قبل التنقيح والتهذيب، في ~~مدة خمسة أشهر، آخرها منتصف عام تسعة وسبعين وسبعمائة، ثم ~~نقحته بعد ذلك وهذبته، وألحقت به تواريخ الأمم، كما ذكرت ~~في أوله، وشرحته» (ص588). # كما كتب في ترجمة حياته عندما شرح إقامته عند أولاد عريف في ~~قلعة ابن سلامة: ~~«فأقمت بها أربعة أعوام متخليا عن الشواغل، وشرعت في تأليف ~~هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على هذا النحو ~~الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب ~~الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها» ~~(التاريخ، ج7، ص445). # يفهم من ذلك بصراحة تامة أن ابن خلدون كتب المقدمة سنة ~~1377 ميلادية (779 هجرية)، عندما كان يعيش معتزلا في قلعة ابن ~~سلامة في مدة خمسة أشهر تقريبا. # في ذلك التاريخ كان قد بلغ ابن خلدون السنة الخامسة ~~والأربعين من عمره، وكان قد اعتزل الحياة السياسية قبل ثلاث ~~سنوات، بعد أن خاض غمارها أكثر من عشرين عاما. # ومن المعلوم أن الحياة السياسية التي خاض غمارها ابن خلدون ~~خلال هذه المدة الطويلة، كانت حياة عنيفة مليئة بالمغامرات؛ ~~إنه كان قد تقلب في عدة مناصب سياسية - من كتابة العلامة إلى ~~كتابة السر، فالحجابة أو الوزارة - واشترك في معظم وقائع الدول ~~المغربية، ولعب دورا هاما في عدة انقلابات سياسية، كل ذلك ~~متنقلا بين تونس، وتلمسان، وفاس، وبيسكرة، وغرناطة، في ~~إفريقية والمغرب الأقصى والأندلس. وقد ذاق خلال هذه الحياة ~~السياسية العنيفة الشيء الكثير من لذة الحكم ومرارة التغرب، ~~ومن حلاوة الفوز وخيبة الفشل، حتى إنه لم يبق غريبا عن عذاب ~~السجن أيضا. # ويظهر أن نظره الفاحص الناقد كان يشتغل بشدة خلال هذه الحياة ~~الفعالة، وذهنه الباحث الوقاد كان لا ينفك عن اختزان ~~الملاحظات تلو الملاحظات ولو بصورة لا شعورية. فعندما تهيأ ~~له شيء من هدوء البال واستقرار الحياة في قلعة ابن سلامة بين ~~أحياء بني عريف، وعندما بدأ يكتب «التاريخ»، وتقدم إلى ms090 درجة ~~ما في طريق هذا التأليف؛ تفاعلت تلك الملاحظات المخزونة ~~تفاعلا شديدا، انبثقت منه أبحاث المقدمة انبثاقا، وتدفقت ~~منه الآراء والأفكار تدفقا. # فإنني عندما أتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد أجزم ~~بأن توصله إلى مجموعة الآراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في ~~المقدمة، إنما كان حدث من جراء «تدفق فجائي»، بعد «حدس ~~باطني» و«اختمار لا شعوري»، كما لاحظ ذلك بعض علماء النفس في ~~حياة عدد غير قليل من المفكرين والفنانين، في تاريخ عدد غير ~~يسير من الابتكارات والاكتشافات، ذلك النوع من «التدفق ~~الفجائي» الذي يحمل المفكر على التعجب من نتائج تفكيره»، ~~ويوصله أحيانا إلى النظر إليها على أنها «آراء إلهامية» تصدر ~~عن «قدرة خارجة عن نفسه» كأنها تلقى إليه إلقاء. فأنا أميل ~~إلى الاعتقاد بأن ابن خلدون عندما قال: «أطلعنا الله عليه من ~~غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان.» وعندما كتب: «ونحن ألهمنا ~~الله إلى ذلك إلهاما.» ولا سيما عندما قال: «سالت فيها شآبيب ~~الكلام والمعاني على الفكر.» عندما قال وكتب ذلك وأمثال ذلك لم ~~يكن مسترسلا في طريق التشبيه والمجاز، ولا مستسلما لتداعي ~~الكلمات والتراكيب، بل كان معبرا تعبيرا صحيحا عما كان ~~يشعر به في قرارة نفسه فعلا من جراء طرافة الآراء التي قد ~~توصل إليها بصورة تكاد تكون فجائية. # أقول تكاد تكون فجائية؛ لأنني أعتقد أن تكون وتولد تلك ~~المجموعة الكبيرة من الآراء والملاحظات التي تزدحم بها المقدمة ~~في مدة قصيرة لا تتجاوز الخمسة أشهر، مما يجب أن يعتبر أقرب ~~إلى «الاندفاعات الفجائية» من «التأملات التدريجية». # وقد يتساءل بعضهم: وهل يجوز لنا أن نعتمد على ما كتبه ابن ~~خلدون في هذا الصدد؟ أما أنا فأقول - ردا على هذا السؤال: ~~إنني لا أرى في هذه المسألة ما يبرر الشك في صدق ابن خلدون، ~~فيستوجب عدم الاعتماد على تصريحاته؛ فأولا أنا لا أجد فيما ~~يقصه علينا المؤلف في هذا الصدد أمرا خارقا للعادة وشاذا ~~على وتيرة «اختمار الأفكار بصورة لا شعورية»، كما ألاحظ أن ابن ~~خلدون قد سجل على نفسه ms091 - في ترجمة حياته - تقلباته ~~السياسية العديدة بكل تفاصيلها، فلا يحق لنا - والحالة هذه - ~~أن نزعم بأنه كتب ما كتبه عن كيفية تأليف المقدمة بصورة ~~مخالفة لما وقع بقصد التمدح والتفاخر. # هذا وأزيد على ذلك فأقول: إنني ألمح في العبارات التي ذكرتها ~~آنفا آثار التحير والتعجب أكثر مما أجد فيها أداء ~~التمدح والتفاخر. # 2 # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن ابن خلدون يقيد أمر ~~«إتمام المقدمة في خمسة أشهر»، بتعبير «قبل التنقيح والتهذيب»، ~~ويعلمنا بذلك أنه قد اشتغل بتنقيحها وتهذيبها مؤخرا. # وذلك يضع أمامنا مسائل عديدة تحتاج إلى درس وحل بكل اهتمام؛ ~~ماذا كان مدى التهذيب والتنقيح الذي أشار إليه ابن خلدون في ~~عبارته المذكورة؟ وهل كان حدث ذلك مرة واحدة فقط، أم تكرر ~~عدة مرات خلال سنين مختلفة؟ وهل انحصر هذا التهذيب والتنقيح في ~~نطاق بعض الفصول، أم تناول جميع أقسام الكتاب؟ وهل اقتصر على ~~تعديل الفصول الموجودة قبلا، أم تعدى ذلك إلى إضافة فصول ~~جديدة تماما؟ # هذا ونحن نعلم بأن ابن خلدون عاش بعد تاريخ تأليف المقدمة ~~على النحو الذي ذكرناه آنفا، مدة تناهز تسعة وعشرين عاما، ~~ففي أية سنة من هذه السنوات توقفت وانتهت عملية التهذيب؟ ~~وماذا كان اتجاه التطورات التي حدثت في آرائه ومناحي بحثه ~~وتفكيره خلال هذه المدة الطويلة؟ # إننا نعلم أن ابن خلدون لم يعد إلى ممارسة السياسة ~~الفعالة بعد كتابة المقدمة، بل انكب على جمع المعلومات ~~التاريخية، كما اشتغل بتدريس الفقه في بعض المدارس، وفي الأخير ~~مارس القضاء عندما تقلد منصب قاضي قضاة المالكية في مصر ~~القاهرة، واتصل بالصوفية اتصالا وثيقا عندما تعين شيخا ~~لخانقاه بيبرس في العاصمة المصرية. فما هي الأقسام التي كتبها ~~ابن خلدون بعد انصرافه إلى الاشتغال بالأمور الفقهية والقضائية ~~على هذا المنوال؟ وما هي التطورات التي حدثت في آرائه ~~العلمية ونزعاته الفكرية بعد انضمامه إلى حلقات القضاة ~~والفقهاء، ولا سيما بعد اتصاله بمشائخ الصوفية ~~وعلمائها؟ # إن معظم مباحث المقدمة مكتوبة بنزعة علمانية وعقلانية # Rationaliste # صريحة، في حين ~~أن بعض ms092 فصولها تنم عن نزعة صوفية قوية، فهل كان الأمر كذلك ~~منذ بداية التأليف؟ أم أن ذلك كانت نتيجة «تطور حدث في طراز ~~تفكيره»، من جراء اشتغاله بتدريس الفقه وممارسة القضاء، ~~واضطراره إلى مناقشة علماء الدين والفقهاء في حياته ~~الجديدة؟ # إن هذه المسائل الخطيرة لا يمكن حلها إلا بتعيين الأقسام ~~الأصلية من المقدمة، وتمييزها من الأقسام المضافة إليها ~~مؤخرا. # وأما وسائل البحث ومناحي الاستقصاء التي يمكن أن تؤدي بنا ~~إلى معرفة ذلك، فتنقسم إلى قسمين أساسيين وفقا للخطط التي ~~يتبعها المؤرخون الباحثون في مثل هذه المسائل: ~~(أ) # طريقة النقد الداخلي. ~~(ب) # طريقة النقد الخارجي. # النقد الداخلي؛ هو البحث عن أجوبة هذه الأسئلة عن طريقة درس ~~المقدمة نفسها، ومقارنة أقسامها المختلفة، من حيث الأساليب ~~والمضامين. # وأما النقد الخارجي، فهو البحث عن أجوبة هذه الأسئلة عن ~~طريقة درس نسخ المقدمة المختلفة، وإظهار الفروق الموجودة ~~بينها، مع تحري الأسباب التي يمكن إرجاع هذه الفروق ~~إليها. # فلندرس المقدمة على كل واحدة من هاتين الطريقتين على حدة؛ ~~لنتوصل إلى حل المسائل التي سردناها آنفا. # 3 ~~(1) # عندما ندرس المقدمة بإمعان نجد فيها بعض الفقرات ~~التي لا مجال للشك في أنها كتبت قبل هجرة ابن ~~خلدون إلى مصر، وبعض الفقرات التي - بعكس ذلك - ~~يمكن الجزم بأنها كتبت بعد هجرته إلى ~~مصر. # مثلا قد جاء في الديباجة بعد ذكر أقسام ~~الكتاب: ~~«ثم كانت الرحلة إلى المشرق؛ لاجتناء أنواره ~~وقضاء الفرض والسنة في مطافه ومزاره، والوقوف على ~~آثاره في دواوينه وأسفاره؛ فزدت ما نقص من أخبار ~~ملوك العجم في تلك الديار» (ص6). # فلا مجال للشك في أن هذه الفقرة كتبت بعد ~~النزوح إلى مصر. # في حين أنه جاء في أواخر البحث الذي يشرح فضل ~~علم التاريخ: ~~«وأنا ذاكر في كتابي هذا ما أمكنني منه في هذا ~~القطر المغربي؛ لاختصاص قصدي في التأليف بالمغرب ~~وأحواله وأجياله وأممه، وذكر ممالكه ودوله دون ما ~~سواه من الأقطار؛ لعدم اطلاعي على أحوال المشرق ~~وأممه» (ص32). # ولا مجال للشك في أن هذه الفقرات مكتوبة قبل ms093 ~~الهجرة إلى مصر. # إننا نجد في مختلف فصول الكتاب بعض الفقرات ~~التي تلائم المثال الأول، وبعض الفقرات التي تنسجم ~~مع المثال الثاني. # فإننا نقرأ - مثلا - في فصل العلوم العقلية ~~وأصنافها العبارة التالية: ~~«يبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع العلوم لم تزل ~~عندهم موفورة» (ص381). # ونقرأ في الفصل القائل بأن الصنائع إنما تكمل ~~بكمال العمران الحضري العبارة التالية: ~~«كما بلغنا عن أهل مصر أن فيهم من يعلم ~~الطيور العجم والحمر الإنسية، وغير ذلك من ~~الصنائع التي لا توجد عندنا بالمغرب» ~~(ص401). # ونجد أيضا في فصل تعليم الولدان العبارات ~~التالية: ~~«أما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ~~ما يبلغنا، ولا أدري بم عنايتهم منها، والذي ~~ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن» ~~(ص538-539). # فلا مجال للشك في أن هذه العبارات كلها قد ~~كتبت قبل السفر إلى مصر؛ لأنها تذكر أحوال مصر ~~والمشرق مقرونة بتعبيرات «بلغنا، يبلغنا، ينقل ~~إلينا». # غير أننا نجد في بعض الفصول فقرات معاكسة ~~لذلك تماما، ونقرأ - مثلا - في فصل الملاحم ~~العبارة التالية: ~~«وقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربي ~~الحاتمي» (ص340). # كما نجد في موضع آخر من الفصل نفسه العبارة ~~التالية: ~~«لقد سألت أكمل الدين ابن شيخ الحنفية من العجم ~~بالديار المصرية عن هذه الملحمة وعن هذا الرجل ~~الذي تنسب إليه من الصوفية» (ص342). # وكذلك نجد في فصل العلوم العقلية العبارة ~~التالية: ~~«ولقد وقفت بمصر على تآليف متعددة لرجل من عظماء ~~هراة» (ص481). # ونحن نجزم من سياق هذه العبارات أنها كلها ~~كتبت بعد السفر إلى مصر، والاطلاع على أحوالها ~~اطلاع الشاهد العيان. # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن بعض هذه ~~العبارات المتباينة تقع في فصل واحد، فإننا نستطيع ~~أن نستدل من ذلك كله على الأمرين التاليين: # أولا: # يوجد في المقدمة التي بين أيدينا ~~الآن بعض الأقسام التي كتبت مؤخرا، ليس ~~بعد العودة إلى تونس فحسب، بل بعد الهجرة ~~إلى مصر أيضا. # ثانيا: # حينما أضاف المؤلف تلك العبارات لم ~~يصحح ويعدل العبارات الباقية حسب ما ~~تقتضيه العبارات الجديدة، بل ms094 ترك سائر ~~أقسام الفصول على حالها. # فلا نستبعد أن يكون قد حدث أمثال ذلك في سائر ~~أقسام المقدمة أيضا، فلا نعدو الحقيقة إذا ما ~~عزونا آثار التناقض التي نلمسها في بعض أقسام ~~المقدمة إلى سبب مماثل للسبب الآنف الذكر؛ وهو ~~إدخال فكرة جديدة في فصل من الفصول، أو إضافة فصل ~~جديد إلى باب من الأبواب، من غير إعادة النظر في ~~الأقسام القديمة، وتصحيحها على ضوء هذه الفكرة ~~الجديدة، وحسب مقتضيات الفصل الجديدة. ~~(2) # إذا أنعمنا النظر في بحث «حقيقة النبوة» في ~~المقدمة السادسة من الباب الأول، وجدنا فيه قرائن ~~عديدة، تدل دلالة قطعية على أنه كتب بعد إتمام ~~المقدمة بمدة غير يسيرة. # فإننا نلاحظ أولا أن البحث يبدأ بعبارة: «اعلم، ~~أرشدنا الله وإياك» (ص95)، وفي هذا ما فيه من ~~الشذوذ عن الأسلوب العام الذي يسير عليه ابن خلدون ~~في بدء الفصول والأبحاث. إذا أنعمنا النظر في ~~مداخل الفصول وجدنا أن 70 منها تبتدئ بعبارة: ~~«اعلم أن»، و67 منها تبدأ بتعبير مثل «والسبب في ~~ذلك»، أو «وسببه»، أو «ذلك أن»، والباقية منها ~~تتناول البحث مباشرة، أو بتذكير بعض المباحث ~~المتقدمة. وأما الدعاء للقارئ بتعبير مثل ~~«أرشدنا الله وإياك»، فمما لا يشاهد إلا في فصلين ~~من مجموع فصول المقدمة التي تزيد على ~~المائتين. # فيحق لنا أن نظن ظنا قويا بأن خروج ابن ~~خلدون في بدء هذا الفصل على خطته العامة، إنما نشأ ~~من أنه كتب هذا البحث بعد مرور مدة غير يسيرة على ~~كتابته سائر الفصول. # ولا يمكن أن يقال «إن ذلك قد يكون ناتجا عن ~~مقتضى الموضوع نفسه»؛ وذلك لأننا نلاحظ بأن سائر ~~الفصول التي تمت بصلة قوية إلى الأمور الدينية - ~~مثل فصول الخلافة، والإمامة، والفاطمي، والتفسير، ~~والتصوف، وعلوم الأنبياء عليهم السلام - لا تشذ عن ~~الأسلوب العام، ولا تبتدئ بالدعاء للقارئ. # وزيادة على ذلك فإننا نجد في الذهنية المسيطرة ~~على هذا الفصل أيضا ما يؤيد الظن الآنف الذكر ~~تأييدا كبيرا. # غير أننا نجد في آخر بحث «حقيقة النبوة» قرينة ~~قوية أخرى تحول ms095 ظننا هذا إلى يقين؛ لأننا نقرأ ~~في القسم الأخير من البحث العبارات ~~التالية: ~~«التناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على المجهول ~~من المعلوم الحاصل للنفس، وطريق لحصوله سيما من ~~أهل الرياضة، فإنها تفيد العقل قوة على القياس، ~~وزيادة في الفكر، وقد مر تعليل ذلك غير مرة» ~~(ص118). # إن عبارة «قد مر تعليل ذلك غير مرة» هنا تكتسب ~~أهمية خاصة؛ لأن هذا البحث يقع في الباب الأول، ~~وأما التعليل الذي يشير إليه المؤلف فلم يسبق ~~هذا البحث وهذا الباب، إنما أتى في الفصل الأخير ~~من الباب الخامس، وفي عدة فصول من الباب ~~السادس. # فيحق لنا أن نجزم بأن ابن خلدون قد كتب هذا ~~البحث بعد الانتهاء من كتابة فصول المقدمة ~~بأجمعها، كما يحق لنا أن نقول إن ذلك كان بعد مرور ~~مدة غير يسيرة على الكتابة الأولى؛ لأن هذه المدة ~~كانت قد أنسته مواضع التعليل الذي أشار إليه في ~~هذا البحث، كما أنها كانت قد قوت في ذهنه بعض ~~الاتجاهات والنزعات الجديدة. ~~(3) # وإذا أنعمنا النظر في الفصل الذي يقرر «وجه ~~الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته» (ص533)، ~~وجدنا فيه قرائن عديدة تدل دلالة قاطعة على أن ~~القسم الثاني من الفصل المذكور قد كتب بعد مرور ~~مدة غير يسيرة على كتابة القسم الأول منه. # فإن من يقرأ الفصل المذكور قراءة متأمل يجد أن ~~سلسلة الأبحاث المنسجمة فيه تنتهي في وسطه، حين ~~يقول المؤلف: «ومن المذاهب الجميلة، والطرق ~~الواجبة في التعليم ألا يخلط على المتعلم علمان ~~معا»، ويعقب على قوله هذا ببعض الشروح ~~والبراهين فينهي كلامه في هذا الصدد بقوله: «والله ~~تعالى الموفق للصواب» (ص534). # إن المؤلف يبدأ بعد ذلك بحثا جديدا تماما، ~~بأسلوب يختلف عن أسلوب الأقسام السابقة اختلافا ~~كليا، يبدأ هذا البحث بقوله: ~~«اعلم أيها المتعلم أني أتحفك بفائدة في ~~تعلمك، فإن تلقيتها بالقبول وأمسكتها بيد ~~الصناعة؛ ظفرت بكنز عظيم وذخيرة شريفة، وأقدم ~~لك مقدمة تعينك في فهمها» (ص534). # وبعد إتمام هذه المقدمة يعود إلى مخاطبة المتعلم ~~قائلا: ~~«فلا بد أيها ms096 المتعلم من مجاوزتك هذه الحجب كلها ~~إلى الفكر في مطلوبك.» # ويستمر على هذا المنوال إلى آخر الفصل: ~~«فإذا ابتليت بمثل ذلك، وعرض لك ارتباك في ~~فهمك، وتشغيب بالشبهات في ذهنك؛ فاطرح ذلك، وانتبذ ~~حجب الألفاظ، وإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار ~~الفتح من الله بالظفر بمطلوبك. فاعتبر ذلك، ~~واستمطر رحمة الله تعالى متى أعوزك فهم المسائل؛ ~~تشرق عليك أنواره بالإلهام إلى الصواب» ~~(ص535-536). # إن الفرق بين هذين القسمين من الفصل الواحد واضح ~~كل الوضوح؛ فإن القسم الأول يستعرض «طرق التعليم» ~~ويوازن بينها، متمشيا بذلك مع مقتضيات عنوان ~~الفصل، غير أن القسم الثاني يخاطب «المتعلمين»، ~~ويقدم لهم نصائح عديدة تضمن «الفهم والتعلم»، ~~مخالفا بذلك عنوان الفصل مخالفة صارخة. # كما أن القسم الأول يتضمن أبحاثا تعتمد - من ~~أولها إلى آخرها - على التفكير العلمي النظري، ~~والاستدلال العقلي المنطقي، في حين أن القسم ~~الثاني يتألف من أبحاث تعتمد - من أولها إلى ~~آخرها - على «إشراق أنوار الفتح من الله»، وعلى ~~«إشراق أنواره بالإلهام إلى الصواب»، فتنم عن ~~تفكير ديني بحت ونزعة صوفية عميقة. # فيحق لنا أن نستدل من كل ذلك على أن القسم ~~الثاني من الفصل المذكور قد كتب بعد مرور مدة ~~على كتابة المقدمة، تحت تأثير النزعة الصوفية التي ~~تقوت في نفسية ابن خلدون بمرور الزمان. ~~(4) # يكتب ابن خلدون في المقدمة الثانية من الباب ~~الأول بعض المعلومات العامة عن جغرافية الأرض، ~~ينهيها بالعبارات التالية: ~~«وقد ذكر ذلك كله بطلميوس في كتابه، والشريف في ~~كتاب روجار، وصوروا في الجغرافيا جميع ما في ~~المعمور من الجبال والبحار والأدوية، واستوفوا من ~~ذلك ما لا حاجة لنا به لطوله، ولأن عنايتنا في ~~الأكثر إنما هي بالمغرب الذي هو وطن البربر، ~~وبالأوطان التي للعرب من المشرق» (ص48). # ومع هذا فإنه يكتب تكملة للمقدمة المذكورة، ~~يقول فيها: ~~«لنرسم بعد هذا الكلام صورة الجغرافيا كما رسمها ~~صاحب كتب روجار، ثم نأخذ في تفصيل الكلام عليها ~~إلى آخره» (ص52). # ويعطينا بعد ذلك أطول فصول الكتاب. # لا شك في أن كتابة هذا الفصل ms097 الطويل عن ~~الجغرافيا مما يناقض ما جاء في الفقرة الآنفة ~~الذكر مناقضة تامة، ونحن نميل إلى الظن بأن ~~المقدمة الثانية من الباب الأول كانت تنتهي فعلا ~~بالفقرة المذكورة، وبأن المعلومات الجغرافية ~~الأخرى قد أضيفت إلى الكتاب مؤخرا، ولا يستبعد ~~بأن تكون هذه الإضافة قد حدثت من جراء ملاحظة ~~حاجة القراء إليها. # 4 # إن النقد الخارجي - للغرض الذي نحن بصدده - يجب أن يجري على ~~طريقة «المقارنة» بين نسخ المقدمة المختلفة. # وبما أنه لم يكن في استطاعتي الحصول على النسخ المخطوطة ~~ودرسها درسا مباشرا، أراني مضطرا إلى حصر بحثي في الحقائق ~~التي يمكنني الوصول إليها بمقارنة النسخ المطبوعة ~~وحدها. ~~(1) # فلنستعرض أولا الطبعات الموجودة: # إن أقدم طبعات المقدمة تعود إلى سنة 1857-1858 ~~ميلادية، حيث طبعت المقدمة لأول مرة في باريس ~~على يد المستشرق «كاترمير»، وطبعت في مصر ~~القاهرة تحت إشراف «الشيخ نصر الهوريني». # قد استند «كاترمير» في طبعته على أربع نسخ خطية؛ ~~ثلاث منها محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، ~~وإحداها في المكتبة العامة في ميونيخ، وقد أشار ~~المستشرق المومأ إليه في طبعته على النسخ الخطية ~~المذكورة بحروف # A. B. C. ~~D. ~~، وذكر الفروق الموجودة ~~بينها عملا بالخطط العلمية القويمة التي لا بد من ~~اتباعها في مثل هذه الطبعات. # وأما الشيخ نصر الهوريني فقد اعتمد على نسخة ~~مخطوطة - ذكرها عرضا باسم النسخة الفارسية - ~~ومع هذا نقل فصلا واحدا من نسخة أخرى سماها ~~باسم النسخة التونسية. # وأما سائر الطبعات التي صدرت عن مطابع ~~القاهرة فلم ترجع إلى المخطوطات، بل اعتمدت على ~~طبعة الهوريني الآنفة الذكر. # وهناك طبعة بيروتية نشرت تحت إشراف «الكاتب ~~رشيد عطية، والمعلم عبد الله البستاني»، وهي أيضا ~~قد اعتمدت على طبعة الهوريني، ولم تختلف عنها إلا ~~بتشكيل الحروف، وبحذف فصل من الباب السادس يقع في ~~22 صفحة، وبعض التفاصيل من الفصل الأخير تقع في 20 ~~صفحة. # وبعد ذلك أصدرت المكتبة التجارية بمصر طبعات ~~مشكولة جديدة، كتب على غلافها: «روجعت هذه ~~الطبعة وقوبلت على عدة نسخ بمعرفة لجنة من ~~العلماء». غير أن مقارنة ms098 هذه الطبعة بطبعة بيروت ~~الآنفة الذكر لا تترك مجالا للشك في أنها - في ~~حقيقة الأمر - لم تراجع شيئا من النسخ الخطية، ~~بل استنسخت صحائف الطبعة البيروتية استنساخا ~~زينكوغرافيا - مع جميع أغلاطها ونواقصها - ولم ~~تغير فيها شيئا غير أسماء الفصول الرئيسية ~~الستة، حيث استعاضت عن كلمة الفصل بكلمة ~~الباب. # يظهر من هذه التفاصيل أن الطبعات التي تستند إلى ~~نسخ خطية، والتي تستحق لذلك النظر والتأمل - لحل ~~المسائل التي نحن بصددها - تنحصر في طبعة كاترمير ~~الباريسية، وطبعة الهوريني المصرية. ~~(2) # ومع هذا فنحن نعتقد بأن مراجعة الترجمات أيضا ~~لا تخلو من الفائدة لهذا الغرض. # لمقدمة ابن خلدون ترجمتان كاملتان؛ إحداهما في ~~التركية، والثانية في الفرنسية. # الترجمة التركية أقدم من الطبعات العربية، فلا ~~مجال للشك في أنها اعتمدت على نسخ خطية، إنها ~~تمت على أيدي عالمين من علماء الدولة ~~العثمانية؛ فقد أقدم شيخ الإسلام: «بيري زاده ~~صاحب أفندي» (المتوفى في سنة 1749) على ترجمة ~~المقدمة، وأنجز ترجمة الفصول الرئيسية الخمسة ~~منها، ثم أتى المؤرخ جودت باشا وأتم عمل شيخ ~~الإسلام المومأ إليه، بترجمة الفصل الرئيسي السادس ~~أيضا. # إن المترجم الأخير أضاف إلى المقدمة شروحا ~~كثيرة؛ توضيحا لمقاصد المؤلف تارة، وإتماما ~~للفائدة طورا، غير أنه لم يذكر شيئا عن النسخة ~~الخطية التي اعتمد عليها، ومع هذا فإن بعض الشروح ~~التي كتبها تدل على أنه اطلع على نسخ عديدة، ولاحظ ~~ما بينها من اختلاف من حيث الزيادة والنقصان، وعلم ~~أن بعض الفقرات التي تكون على شكل حاشية في بعض ~~النسخ تدخل في المتن في غيرها. # إن مقدمة ابن خلدون تبدو في هذه الترجمة أوسع ~~نطاقا من الطبعتين الباريسية والمصرية؛ لأنها ~~تحتوي على جميع الفصول التي تنقص في الطبعة ~~المصرية بالنسبة إلى الطبعة الباريسية، كما أنها ~~تحتوي على الفصل الذي ينقص في الطبعة الباريسية ~~بالنسبة إلى الطبعة المصرية، فهي أشبه بالطبعة ~~الباريسية من حيث العموم، ومع هذا تزيد عنها بفصل ~~واحد. # وأما الترجمة الفرنسية فقد تمت على يد ~~البارون دو ~~سلان # De Slane ~~، ونشرت في باريس في ثلاثة ms099 ~~مجلدات؛ الأول في سنة 1862، والأخير في سنة 1868 ~~ميلادية. إن المومأ إليه اعتمد في الدرجة الأولى ~~على طبعة كاترمير، ومع هذا فقد رجع إلى النسخ ~~الخطية كلما شك في صحة الطبعة، كما أنه لاحظ ~~الطبعة المصرية، واستفاد من الترجمة التركية ~~أيضا. ولهذا السبب نستطيع أن نقول: إن أتم ~~المعلومات وأكثر التفاصيل عن مقدمة ابن خلدون قد ~~اجتمعت في هذه الترجمة. ~~(3) # إذا قارنا بعض هذه الطبعات ببعض - مع ملاحظات ~~الترجمات - وجدنا بينها أربعة أنواع من ~~الفروق: ~~(أ) # الفروق الجزئية التي تنحصر في بعض ~~الكلمات والعبارات. ~~(ب) # الفروق الكلية التي تلاحظ في بعض ~~الفصول. ~~(ج) # الفروق الناتجة من وجود أو عدم وجود ~~بعض الفقرات والأبحاث في بعض ~~الفصول. ~~(د) # الفروق الناتجة من وجود أو عدم وجود ~~بعض الفصول برمتها. # من البديهي أن الفروق التي من النوع الأول تنشأ ~~عن أغلاط الناسخين والطابعين، غير أن التي من ~~النوع الثاني لا يمكن أن تعلل بمثل هذه الأغلاط، ~~بل إنها تدل على أن المؤلف نفسه رأى أن يغير ~~الفصل بكامله، وأقدم على كتابته من جديد، وسبكه ~~بهذه الصورة في قالب يختلف عن قالبه الأول ~~اختلافا كبيرا. إن فصل «الحديث» في الباب السادس ~~من هذا القبيل؛ لأن هذا الفصل يظهر في الطبعة ~~الباريسية في شكل يختلف اختلافا كليا عن الشكل ~~الذي يظهر فيه في الطبعة المصرية، إن مقارنة ~~الشكلين من حيث الأسلوب والمضمون تحمل على الظن ~~بأن الشكل الأول أحدث من الشكل الثاني. # وأما الفروق التي هي من النوع الثالث فتدل على ~~إضافة بعض الفقرات والحواشي، بعد إتمام الفصل في ~~أوقات قد تكون مختلفة. إن أحسن مثال لهذا النوع ~~هو فصل «الخط والكتابة»؛ فإذا قارنا الطبعتين من ~~وجهة هذا الفصل وجدنا أن أبحاث الخط في الطبعة ~~الباريسية تزيد على ما في الطبعة المصرية في أربعة ~~مواضع مختلفة، بفقرات كاملة، تقع أقصرها في خمسة ~~أسطر، وأطولها في ثمانية وخمسين سطرا. # لقد اتخذنا الفصل المذكور موضوعا لإحدى ~~دراساتنا في هذا الكتاب؛ فيجد القارئ هناك تفاصيل ~~الفقرات الزائدة المذكورة ms100 بنصوصها الكاملة. إن ~~ملاحظة هذه الفقرات لا تترك مجالا للشك في أن عدم ~~وجودها في النسخة التي صارت أساسا للطبعة المصرية ~~لا يمكن أن يعلل بسقوطها خلال الاستنساخ، كما لا ~~يعقل أن يعزى إلى حذفها من قبل المؤلف ~~نفسه، فمن الضروري أن يستدل من ذلك على أن ~~الفقرات المذكورة أضيفت إلى الفصل المذكور إضافة، ~~خلال تهذيبه وتنقيحه، في دفعة واحدة أو في دفعات ~~عديدة على أغلب الاحتمال. # كل شيء يدل على أن ابن خلدون كان يكتب من وقت ~~إلى آخر بعض الملاحظات والمعلومات الجديدة على ~~حاشية النسخة التي بين يديه، وهذه الحواشي ~~والتعليقات كانت تدخل المتن - بعد مدة - تارة على ~~يده هو، وطورا على يد النساخ. # وعلى كل حال يحق لنا أن نحكم - والحالة هذه - ~~على أن النسخة الباريسية التي تحتوي على مثل هذه ~~الفقرات المضافة، أحدث من النسخة المصرية. # وأما الفروق التي من النوع الرابع فتشبه فروق ~~النوع الثالث من هذه الوجهة، وتدل على إضافات جرت ~~بعد مرور مدة على كتابة سائر الفصول. # وبما أن النسخة الباريسية تزيد على النسخة ~~المصرية بفصول عديدة، يحق لنا أن نحكم - من هذه ~~الوجهة أيضا - على أن أصل النسخة الباريسية أحدث ~~من أصل النسخة المصرية من حيث العموم. ~~(4) # هذا ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن النسخة ~~الباريسية تختلف عن النسخة المصرية من وجهة أخرى ~~أيضا: # إن الديباجة المسطورة في الطبعة المصرية تنتهي ~~بكلمة إتحاف طويلة (ص7-9)، يجدر بنا أن نجتزئ منها ~~العبارات التالية: ~~«أتحفت بهذه النسخة منه (أي من كتاب العبر) ~~خزانة مولانا السلطان الإمام المجاهد الفاتح ~~الماهد، أمير المؤمنين أبي فارس عبد العزيز، من ~~ملوك بني مرين الذين جددوا الدين، وبعثته إلى ~~خزانتهم الموقوفة لطلبة العلم بجامع القرويين من ~~مدينة فاس، حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم.» # إن هذا الإتحاف غير مؤرخ بتاريخ ما، ولكننا ~~إذا أخذنا بنظر الاعتبار أولا مدة سلطنة السلطان ~~عبد العزيز المشار إليه، وثانيا ما كتبه ابن ~~خلدون بنفسه في ترجمة حياته عن إرسال الهدايا إلى ~~سلطان المغرب؛ نستطيع ms101 أن نحكم على أن هذا الإتحاف ~~كتب بين سنة 797 وسنة 799 هجرية/1394-1396 ~~ميلادية. # إن الوقفية التي وجدت في أول المجلد الخامس من ~~كتاب العبر المحفوظ في خزانة كتب جامع القرويين ~~تؤيد ذلك بصورة قطعية؛ لأنها مؤرخة بتاريخ صفر ~~799، وهذا التاريخ يقابل شهر تشرين الثاني من سنة ~~1396 ميلادية تماما ~~(إننا أدرجنا صورة الوقفية في ذيل هذا ~~البحث.) # فنحن نستطيع أن نقول - بناء على ذلك - إن ~~المخطوطة التي صارت أساسا للطبعة المصرية ترينا ~~«مقدمة ابن خلدون» في الحالة التي كانت وصلت إليها ~~في التاريخ المذكور. # إن الطبعة الباريسية عارية عن هذه الكلمة ~~الإتحافية، وإذا لاحظنا كثرة الفصول والأبحاث ~~الزائدة في الطبعة المذكورة بالنسبة إلى الطبعة ~~المصرية، واستبعدنا في الوقت نفسه احتمال حذف هذه ~~الفصول والأبحاث من المقدمة عند إرسالها إلى فاس؛ ~~اضطررنا إلى الحكم بأن الفصول والأبحاث المذكورة ~~قد أضيفت إلى المقدمة بعد التاريخ المستفاد من ~~كلمة الإتحاف، أي بعد سنة 1396 ميلادية. ~~(5) # غير أنني أجد في الطبعة المصرية أمرا أهم من كل ~~ذلك، من حيث الدلالة على تاريخ كتابة أبحاث ~~المقدمة المختلفة: # لقد كتب الهوريني في ذيل كلمة الإتحاف تعليقا ~~يقع في ثمانية عشر سطرا (ص7-8)، قال فيه: «وجد ~~في نسخة بخط بعض فضلاء المغاربة زيادة قبل قوله: ~~«أتحفت»، وبعد قوله: «أدرت سياجه»»، ثم نقل نص هذه ~~الزيادة التي تدل على إتحاف النسخة إلى خزانة ~~«الخليفة أمير المؤمنين المتوكل على رب العالمين، ~~أبو العباس أحمد، من سلالة أبي الحفص والفاروق»، ~~وفي الأخير ختم التعليق المذكور بقوله: «إلا أنه ~~لم يقيد الإمامة بالفارسية»، لكن النسخة المذكورة ~~مختصرة عن هذه النسخة المنقولة من خزانة الكتب ~~الفاسية، ولم يقل فيها: «ثم كانت الرحلة إلى ~~المشرق.» # إنني أعتقد أن النسخة التونسية التي أشار إليها ~~الهوريني في تعليقه هذا بصورة عرضية، ذات أهمية ~~خاصة بالنسبة إلى تاريخ المقدمة؛ لأن كل شيء يدل ~~على أنها أقدم النسخ المعلومة على الإطلاق. # إن الشيخ نصر الهوريني لم يقدر أهمية هذه ~~النسخة؛ لأنه لم ينتبه إلى اختلاف التواريخ ms102 التي ~~تدل عليها كلمات الإتحاف، كما أنه لم يلاحظ المعنى ~~الذي ينطوي عليه وجود أو عدم وجود فقرة «ثم كانت ~~الرحلة إلى المشرق»؛ ولهذا السبب ظن أن النسخة ~~المذكورة مختصرة عن النسخة الفارسية، فأهملها ~~إهمالا كليا. # غير أن ملاحظة تواريخ سلطنة هذين الملكين تكفي ~~للبرهنة على أن النسخة التونسية أقدم من النسخة ~~الفاسية نحو أربعة عشر عاما، كما أن عدم وجود ~~فقرة «كانت الرحلة إلى المشرق» في النسخة المذكورة ~~يؤيد دلالة الإتحاف، ويبرهن على أن أصل النسخة ~~المذكورة كان كتب قبل هجرة ابن خلدون إلى ~~مصر. # هذا وإذا راجعنا التعريف الذي كتبه ابن خلدون عن ~~سيرة حياته علمنا منه بأنه كان قدم أول نسخة من ~~كتاب العبر إلى السلطان «أبو العباس الحفصي» سنة ~~784 / 1382، فاستطعنا أن نجزم - بناء على ذلك - ~~بأن أصل النسخة التي تحمل كلمة الإتحاف الآنف ~~الذكر كتب في التاريخ المذكور. # فالزعم الذي ذهب إليه الهوريني من أن النسخة ~~التونسية مختصرة عن النسخة الفاسية، يكون بمثابة ~~قلب الأمور رأسا على عقب؛ لأن الحقائق التي ~~سردناها آنفا تدل دلالة قطعية على أن الأمر على ~~العكس من ذلك تماما، فيجب أن يقال إن النسخة ~~الفاسية موسعة عن النسخة التونسية، لا أن يزعم ~~بأن النسخة التونسية مختصرة عن النسخة ~~الفاسية. # ولهذه الأسباب إني أعزو إلى النسخة التونسية ~~التي تشير إليها الطبعة المصرية أهمية كبيرة ~~جدا؛ لأننا نستطيع أن نحصل بواسطة هذه النسخة ~~على فكرة تامة وواضحة عن الطور الذي كانت وصلت ~~إليه المقدمة، قبيل هجرة ابن خلدون إلى مصر، كما ~~أننا نستطيع أن نطلع على التعديلات والتوسيعات ~~التي أدخلها المؤلف على المقدمة بعد هجرته إلى مصر ~~خلال أربعة عشر عاما، عن طريق مقارنة النسخة ~~المذكورة بالنسخة المطبوعة والمتداولة. فلا أرى ~~مجالا للشك في أن هذه المقارنة إذا ما تمت ~~بانتباه واهتمام تساعدنا على حل القسم الأعظم من ~~المسائل التي سردناها آنفا، وتفتح أمامنا مجالا ~~واسعا لتعيين التطورات التي حدثت في أسلوب ابن ~~خلدون وعقليته، ولتبرير التغيرات التي حدثت في ~~معلوماته ونزعاته ms103 خلال هذه المدة، تحت تأثير حياته ~~الجديدة وبيئته الجديدة. # غير أني أتأسف كل الأسف على أنني لم أكن الآن في ~~وضع يمكنني من الحصول على النسخة المذكورة، أو ~~الوصول إليها؛ لأتولى درسها ومقارنتها ~~بنفسي. # ولذلك أراني مضطرا للاكتفاء بتسجيل رأيي في ~~أهمية هذه النسخة وخطورة هذه المقارنة، وأدعو ~~الباحثين الذين يهتمون بأمر ابن خلدون ومقدمة ابن ~~خلدون إلى القيام بهذه المهمة على ضوء الملاحظات ~~التي سردتها آنفا. # ذيل # وقفية كتاب العبر # ندرج فيما يلي صيغة الوقفية كما هي مسطورة في المجلد المحفوظ ~~في مكتبة جامع القرويين بفاس. # إننا وجدناها مفيدة من وجوه عديدة؛ لأنها أولا: تقرر تاريخ ~~الإهداء والإتحاف بصورة أكيدة، ثانيا: تعطينا ألقاب ابن خلدون ~~كما كانت معروفة عند كتابة الوقفية، ثالثا: تعلمنا الشروط ~~التي وضعها الواقف لإخراج الكتاب من المكتبة وإعارته إلى ~~طالبيه. # يلاحظ بوجه خاص أن الوقفية تقرر بأن الانتفاع بالكتاب ~~الموقوف يكون «قراءة ومطالعة ونسخا»، كما أنها لا تسوغ ~~بقاء الكتاب عند مستعيره أكثر من شهرين؛ لأنها تعتبر هذه المدة ~~كافية لنسخ الكتاب المستعار أو مطالعته. ~~••• # بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا ~~محمد وآله وصحبه وسلامه. # وقف وحبس وسبل وأبد وحرم وتصدق سيدنا ومولانا ~~العبد الفقير إلى الله تعالى، الشيخ الإمام العالم الحافظ ~~المحقق أوحد عصره وفريد دهره قاضي القضاة، ولي الدين أبو زيد ~~عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن خلدون، ~~الحضرمي المالكي، أمتع الله المسلمين بحياته، ونفعهم بعلومه ~~وبركاته، وهو مؤلف هذا الكتاب - جميع هذا الكتاب - المسمى ~~بكتاب العبر في أخبار العرب والعجم والبربر، المشتمل على سبعة ~~أسفار هذا أحدها وقفا مرعيا وحبسا مرضيا على طلبة العلم ~~الشريف بمدينة فاس المحروسة، قاعدة بلاد المغرب الأقصى؛ ~~ينتفعون بذلك قراءة ومطالعة ونسخا، وجعل مقره بخزانة ~~الكتب التي بجامع القرويين في فاس المحروسة، بحيث لا يخرج من ~~حرمها إلا لثقة أمين، برهن وثيق لحفظ صحته، وألا يمكث عند ~~مستعيره أكثر من شهرين، وهي المدة التي تتسع لنسخ الكتاب ~~المستعار أو ms104 مطالعته، ثم يعاد إلى موضعه. وجعل النظر في ذلك ~~لمن له النظر على خزانة الكتب المذكورة. وقف لله على الوجه ~~المذكور لوجه الله الكريم، وطلب لثوابه الجسيم، يوم يجزي الله ~~المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. وأشهد عليه بذلك في اليوم ~~المبارك الحادي والعشرين لشهر صفر المبارك، عام تسعة وتسعين ~~وسبعمائة، حسبنا الله ونعم الوكيل. ~~(يلي هذا النص شهادة شخصين.) ~~(نص الأولى): أشهدني ~~(نص الثانية): أشهدني سيدنا # سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى ~~الله # ومولانا العبد الفقير إلى الله ~~تعالى # تعالى قاضي القضاة ولي الدين ~~الواقف # العالم العامل العلامة قاضي ~~القضاة # المسمى فيه أمامه لله تعالى على ~~نيته # ولي الدين الواقف المسمى ~~بأعاليه # الكريمة بما نسب إليه فيه، ونشهد # بما نسب إليه أعلاه، أمتع ~~الله # عليه به في تاريخه، وكتب أحمد # تعالى به وتشهدت عليه بذلك، # بن علي بن إسماعيل المالكي. # وكتب محمد بن محمدين أحمد أبي ~~القاسم. ~~«ويلي هاتين الشهادتين توقيع الواقف»: # الحمد لله، المنسوب لي صحيح. # وكتب عبد الرحمن بن محمد بن خلدون. # | طرافة المقدمة وتأثيرها # شعور ابن خلدون بطرافتها وخطورتها ~~(1) # يفتخر ابن خلدون فخرا شديدا بالتاريخ الذي ألفه، ~~ويعبر عن فخره هذا بأصرح العبارات، يصرح بأنه كان ~~مبتكرا ومخترعا في هذا التأليف ولم يكن مقلدا ~~لأحد، أو مقتبسا من أحد، ومع ذلك لا يدعي النجاح ~~التام في تحقيق أغراضه، ولا يستبعد النقص والقصور في ~~أبحاثه، فيطلب من أخلافه انتقاده أولا، وإتمامه ~~ثانيا. # إن ذلك يظهر بوضوح من بعض العبارات التي كتبها ابن ~~خلدون في الديباجة التي صدر بها التاريخ والمقدمة ~~معا؛ لأنه يقول هناك: ~~«أنشأت في التاريخ كتابا سلكت في ترتيبه وتبويبه ~~مسلكا غريبا، واخترعته من بين المناحي مذهبا ~~عجيبا، وطريقا مبتدعة وأسلوبا» (ص6). ثم يدعي ~~بأن الكتاب الذي وضعه «استوعب أخبار الخليقة ~~استيعابا، وذلل من الحكم النافرة صعابا ، وأعطى ~~لحوادث الدول أسبابا؛ فأصبح للحكمة صوانا، وللتاريخ ~~جرابا» (ص7). # ثم يسهب في وصف الأبحاث التي ضمنها في تأليفه ~~هذا قائلا: ~~«لم أترك شيئا في أولية الأجيال والدول، وتعاصر ~~الأمم ms105 الأول، وأسباب التصرف والحول، من القرون الخالية ~~والملل، وما يعرض في العمران من دولة وملة، ومدينة ~~وحلة، وعزة وذلة، وكثرة وقلة، وعلم وصناعة، وكسب ~~وإضاعة، وأحوال متقلبة ~~مشاعة، وبدو وحضر، ~~وواقع ومنتظر، إلا واستوعبت جمله، وأوضحت براهينه ~~وعلله؛ فجاء هذا الكتاب فذا بما ضمنته من العلوم ~~الغريبة والحكم المحجوبة القريبة» (ص7). # ولكنه بعد هذه الكلمات المملوءة بروح الزهو والإعجاب ~~يشعر بضرورة التواضع، فيقول: ~~«أنا من بعد ذلك موقن بالقصور بين أهل العصور، معترف ~~بالعجز عن المضاء في مثل هذا الفضاء، راغب من أهل اليد ~~البيضاء، والمعارف المتسعة الفضاء، في النظر بعين ~~الانتقاد لا بعين الارتضاء، والتعمد لما يعثرون عليه ~~بالإصلاح والإغضاء» (ص7). ~~(2) # ومع هذا يعود ابن خلدون إلى التفاخر في ديباجة ~~الكتاب الأول، ويسترسل فيه دون محاباة؛ لأنه يشعر ~~شعورا واضحا بأنه قام بعمل هام جدا بابتكار «علم ~~العمران»، وبتأسيس علم جديد تماما، فإنه يقول: ~~«اعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب ~~النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه ~~الغوص» (ص38). # ثم يصرح بأن البحث الذي أقدم عليه ليس من «علم ~~الخطابة»؛ لأن هذا العلم «إنما هو الأقوال المقنعة ~~النافعة لاستمالة الجمهور إلى رأي أو صدهم عنه»، ولا ~~هو أيضا من علم السياسة المدنية؛ إذ «السياسة المدنية ~~هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق ~~والحكمة.» ويؤكد أن موضوع العلم الذي أسسه «قد ~~خالف موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه»، ولا ~~يتردد في القول بأنه «علم مستنبط النشأة»، ويزيد على ~~ذلك بصيغة التأكيد البات: «لعمري لم أقف على ~~الكلام في منحاه لأحد من الخليقة.» # ومع هذا يلاحظ ابن خلدون الاحتمال التالي أيضا في ~~هذا الصدد: «ربما كان الحكماء قد كتبوا في هذا ~~الموضوع، لكن كتاباتهم فقدت بمرور الزمان.» ولذلك ~~نراه يعقب على العبارة التي ذكرناها آنفا ~~بقوله: ~~«لا أدري ألغفلتهم عن ذلك؟ وليس الظن بهم، أو لعلهم ~~كتبوا في هذا الغرض واستوفوه، ولم يصل إلينا» ~~(ص38). # وعلى كل حال يؤكد ابن خلدون أنه كتب ما كتبه ms106 في هذا ~~الصدد من غير أن يستند إلى قول أحد، ومع هذا ~~يقول: ~~«هذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه، تجد منه مسائل ~~تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من ~~جنس مسائله» (ص39). # ثم يذكر ما جاء من الكلمات المتفرقة عن هذه المسائل ~~في كتابات بعض الحكماء، وبعد ذلك يقول: ~~«وأنت إذا تأملت كلامنا في فصل الدول والملك، ~~وأعطيته حقه من التصفح والتفهم؛ عثرت في أثنائه ~~على تفسير هذه الكلمات، وتفصيل إجمالها مستوفى ~~بينا بأوعب بيان وأوضح دليل وبرهان، أطلعنا الله ~~عليه من غير تعليم أرسطو ولا إفادة موبذان» ~~(ص40). # وبعد أن يذكر ما كتبه ابن المقفع والقاضي أبو بكر ~~الطرطوشي حول هذه المسائل، يقول: «إنما هو نقل وتركيب ~~شبيه بالمواعظ، وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه، ولا ~~تحقق قصده ولا استوفى مسائله.» # وفي الأخير يعود إلى عمله هو: «ونحن ألهمنا الله إلى ~~ذلك إلهاما، وأعثرنا على علم جعلنا سن بكره، وجهينة ~~خبره» (ص40). # ثم يرجع إلى التواضع فيقول: «وإن كنت قد استوفيت ~~مسائله، وميزت عن سائر الصنائع أنحاءه وأنظاره، ~~فتوفيق من الله وهداية، وإن فاتني شيء في إحصائه، ~~واشتبهت بغيره، فللناظر المحقق إصلاحه.» # وبعد ذلك يختم كلامه قائلا: «ولي الفضل لأني نهجت ~~له السبيل، وأوضحت له الطريق، والله يهدي بنوره من ~~يشاء» (ص40). # يعود ابن خلدون إلى ذلك في آخر الكتاب الأول أيضا ~~حيث يقول: ~~«وقد كدنا نخرج عن الغرض؛ ولذلك عزمنا أن نقبض ~~العنان عن القول في هذا الكتاب الأول الذي هو طبيعة ~~العمران وما يعرض فيه، وقد استوفينا من مسائله ما ~~حسبناه كفاية.» ~~«ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم ~~مبين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا، فليس على ~~مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع ~~العلم، وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون ~~يلحقون المسائل من بعده شيئا فشيئا إلى أن يكمل» ~~(ص588). ~~(3) # يظهر من هذه العبارات بكل وضوح أن ابن خلدون كان ~~يدرك إدراكا واضحا بأنه وضع أسس علم ms107 جديد، وكان ~~يشعر شعورا تاما بأن هذا العلم سيتوسع فيه من بعده، ~~شأن جميع العلوم التي تبدأ مختصرة ومجملة، ثم تتوسع ~~وتتقدم بالتدريج؛ بسبب التحاق وانضمام المسائل ~~الجديدة إليها شيئا فشيئا. ~~••• # فقد صح ما كان تنبأ به ابن خلدون في هذا المضمار؛ فإن المسائل ~~التي عالجها في مقدمته - وبتعبير أصح في الكتاب الأول من تأليفه - ~~صارت فيما بعد موضع اهتمام المفكرين والعلماء، وكونت علمين ~~هامين: # علم التاريخ، وعلم الاجتماع. # إلا أن - من سوء حظه - لم يتم ذلك على الأسس التي كان وضعها هو، ~~ولا في داخل البناية التي كان شيدها عليها؛ لأن تلك الأسس ~~القويمة لم تجد من يقدر أهميتها ويعمل لإتمامها في حينها، ~~فأهملت لذلك، وتنوسيت بمرور الزمان. وأما العلمان ~~المذكوران فقد تأسسا وتوسعا في محلات أخرى على أسس مشابهة للتي ~~وضعها ابن خلدون، ولكن على يد غيره من المفكرين، وبعد مرور عدة ~~قرون. # والعلماء والمفكرون الذين توفقوا إلى تكوين وتأسيس هذين ~~العلمين من جديد، لم يطلعوا على الآراء التي كان ابتكرها ابن خلدون ~~في هذا الموضوع، إلا بعد مرور مدة تناهز خمسة قرون على تاريخ ~~كتابتها. # وأما السبب في ذلك فهو أن ابن خلدون نشأ في أوان انحلال الدول ~~العربية وانحطاط الثقافة العربية، فما كتبه في هذه المواضيع صار ~~بمثابة البذور التي تنثر في أرض قاحلة، أو بمثابة الفسائل التي ~~تغرس بعد فوات الموسم، فإنها لم تجد التربة الصالحة لانتعاش تلك ~~البذور، والجو الملائم لتنمية تلك الأغراس؛ ولهذا لم يجد عمل ابن ~~خلدون تلاميذ وشراحا ومعقبين، بالرغم من الإعجاب الذي أثاره ~~بين المثقفين. # ولا نغالي إذا قلنا إن العالم العربي لم ينجب مفكرا وكاتبا ~~عظيما بعد العصر الذي عاش فيه ابن خلدون، ونستطيع أن نقول: إن ~~المفكر المشار إليه كان بمثابة الوهج الذي يحدث قبيل انطفاء ~~الشعلة، حسب التشبيه الذي أبدعه هو، عندما وصف الأحوال التي تشاهد ~~في أواخر حياة الدول (ص294). ~~••• # وأما سائر أقسام العالم الإسلامي فلم تكن عندئذ أحسن حالا من ~~العالم العربي من هذه الوجهة؛ ms108 فإنها كلها كانت في حالة انحلال ~~وانحطاط، ولم يشذ عن هذا الانحلال العام إلا دولة إسلامية واحدة هي ~~الدولة العثمانية، التي كانت قد تغلبت عندئذ على مشاكل التأسيس، ~~ودخلت في طور التوسع والاستيلاء. # من المعلوم أن الدولة المذكورة كانت قامت على أنقاض الدولة ~~السلجوقية، وأخذت تتوسع بسرعة بعد صدمة تيمورلنك التي أدركها ابن ~~خلدون في أواخر حياته، وقامت بفتوحات عظيمة، خاصة في القسم ~~الجنوبي الغربي من القارة الأوروبية، في البلاد التي كانت قد ظلت ~~حتى ذلك العهد خارجة عن نطاق العالم الإسلامي، وبعيدة ~~عنه. # إن هذه الفتوحات العظيمة استلزمت - بطبيعة الحال - ظهور سلسلة من ~~المؤرخين بين رسميين وغير رسميين، وهؤلاء المؤرخون كانوا يقرءون ~~المؤلفات العربية بحكم الثقافة الإسلامية السائدة في ذلك العهد، ~~فكان من الطبيعي أن يطلعوا على مقدمة ابن خلدون، ويعجبوا بها ~~إعجابا شديدا، ويتأثروا منها تأثرا عميقا. # فلا نغالي إذا قلنا إن مقدمة ابن خلدون وجدت أكبر الصدى، وأثرت ~~أشد التأثير، في مؤلفات المؤرخين العثمانيين، فجميع هؤلاء المؤرخين ~~- من نعيما صاحب التاريخ الشهير، إلى عبد الرحمن شرف المؤرخ الرسمي ~~الأخير - كلهم استلهموا أسس التاريخ من ابن خلدون، حتى إن بعضهم ~~اعتبر «واقعة أنقرة» - التي كانت حدثت بين السلطان بايزيد رابع، ~~سلاطين آل عثمان، وبين تيمورلنك، التي انتهت بأسر السلطان المشار ~~إليه، وأحدثت الأزمة المعروفة في التواريخ العثمانية باسم «فاصلة ~~السلطنة» - اعتبروها آخر دليل على صدق نظريات ابن خلدون وإصابة ~~ملاحظاته القيمة. # إن اهتمام المؤرخين والمفكرين العثمانيين بمقدمة ابن خلدون - على ~~هذا المنوال - هو الذي حملهم على ترجمتها إلى التركية - منذ أواسط ~~القرن الثامن عشر - قبل ترجمة الأوروبيين لها، بمدة تزيد على القرن ~~الكامل. # غير أننا نستطيع أن نقول إن اهتمام المؤرخين العثمانيين بمقدمة ~~ابن خلدون كان بمثابة الاقتباس والاستلهام بوجه عام، ولم يتعد ~~ذلك إلى التوسيع والتعقيب. ~~••• # أما العالم الغربي فلم يطلع على مقدمة ابن خلدون، ولم يهتم ~~بها إلا في القرن التاسع عشر للميلاد. # والسبب الأصلي في ذلك هو - على ما نرى - تاريخ كتابة المقدمة، ~~وعهد نشأة ms109 مؤلفها. # من المعلوم أن ابن خلدون كتب المقدمة في الربع الأخير من القرن ~~الرابع عشر، وتوفي في العقد الأول من القرن الخامس عشر، في ذلك ~~الزمن كانت القرون الوسطى في أوروبا قد دخلت في طورها الأخير، وصار ~~كل شيء يبشر بدور وثوب جديد، سيؤدي إلى عهد الانبعاث بعد مدة لا ~~تزيد كثيرا على نصف القرن. # كان العهد الذي يذهب فيه مفكرو أوروبا إلى الأندلس العربية؛ ~~لانتهال مناهل العلم من جامعاتها، واستنساخ الكتب من مكتباتها، قد ~~انقضى وانصرم؛ ذلك لأن القوم كانوا قد ترجموا أهم الكتب العلمية ~~والفلسفية من العربية، خلال القرن الثاني عشر للميلاد، كما أنهم ~~كانوا قد أسسوا أهم الجامعات في أوائل القرن الثالث عشر، والمدة ~~التي مضت منذ ترجمة الكتب وتأسيس الجامعات - على هذا المنوال - ~~كانت كافية لإنهاء «عهد الاقتباس من العرب» ولإكساب الفكر ~~الأوروبي الشيء الكثير من الشخصية والاستقلال، إن مؤلفات وتعاليم ~~آلبرت الكولوني، وتوما الأكويني، وروجر بيكن الإنجليزي، # Albert Le grand, Thomas D’Aquin, Roger ~~Bacon ~~، كانت قد انتشرت في الجامعات قبل مدة ~~غير يسيرة، والمناقشات التي كانت قامت بين أنصار ابن رشد وبين ~~معارضيه، كانت قد اجتازت أدوارها الحادة. # فكان من الطبيعي ألا يعود المفكرون الأوروبيون فيفكرون ويتساءلون ~~عما قد يؤلفه العرب من جديد، في دور انحطاطهم وانحلالهم ~~الأخير. # زد على ذلك، فإن الوقائع الحربية والسياسية كانت قد أدت إلى ~~انقطاع العلاقات والصلات بين العالمين العربي والغربي، انقطاعا ~~يكاد يكون تاما؛ فإن العلاقات التي تربط العالمين المذكورين كانت ~~قد انحصرت تقريبا في نطاق بعض المعاملات التجارية، وهذه أيضا ~~كانت قد انحصرت في عدد قليل من المدن والمرافئ، فما كان من المنتظر ~~- والحالة هذه - أن يطلع الأوروبيون على كتاب يؤلفه سياسي عربي، في ~~محل ناء من إفريقية، في الدور الذي وصفنا أحواله العامة ~~آنفا. # وفي الأخير يجب علينا ألا ننسى أن مقدمة ابن خلدون كانت جزءا من ~~تاريخ ضخم، والتواريخ العربية كانت قد بقيت - بطبيعتها - خارجة عن ~~نطاق اهتمام الأوروبيين بوجه عام؛ لأن اهتمام الأوروبيين كان قد ms110 ~~توجه نحو الكتب العربية العلمية والفلسفية بوجه خاص، ولم يلتفت ~~القوم التفاتا يذكر إلى كتب التاريخ العربية، حتى في الدور ~~الذي كانوا يتهافتون فيه على درس وترجمة المؤلفات العربية على ~~اختلاف أنواعها. # هذه هي الأسباب التي أدت إلى تأخر اطلاع الأوروبيين على مقدمة ~~ابن خلدون، وانتباههم إلى قيمتها الفكرية والعلمية، حتى القرن ~~التاسع عشر. # | لغة المقدمة # نظرة تمهيدية # 1 ~~(1) # إن العلماء والمفكرين الذين دونوا طرائق البحث ~~ومناحي الاستقصاء في مسائل التاريخ اهتموا ~~اهتماما كبيرا بكيفية تفسير الوثائق التاريخية ~~والنصوص القديمة، وأفردوا فصولا خاصة لعملية ~~«النقد التفسيري»، الذي اصطلحوا على تسميته باسم ~~خاص: # Hsrméneutique ~~(من اليونانية «أرمه نيون» بمعنى الشرح ~~والإيضاح). # وقد كتب في هذا الصدد المؤرخان «شارل سنيوبوس» ~~و«لانغلوا» في الكتاب المشهور الذي اشتركا في ~~تأليفه باسم «مدخل إلى دراسة التاريخ»، ما ~~ملخصه: ~~«إن تفسير نص من النصوص يتطلب معرفة اللغة ~~معرفة متقنة بطبيعة الحال، غير أنه يجب ألا يغرب ~~عن البال أن ذلك يتطلب معرفة «تاريخ تطورات ~~اللغة» أيضا معرفة دقيقة؛ ذلك لأن مفردات اللغة ~~كثيرا ما تكون متموجة المدلول ومتحولة ~~المعنى، فالمعاني المستفادة منها قد تختلف لذلك ~~بين زمان وزمان، وبين مكان ومكان، كما أنها قد ~~تختلف بين كاتب وكاتب، حتى إنها قد تتحول - على ~~قلم كاتب واحد أيضا - من موضع إلى موضع، حسب سياق ~~الكلام، وهذه الاختلافات والتحولات قد تصل إلى ~~درجة كبيرة جدا.» # مثلا إن كلمة # vel # كانت تدل ~~في اللاتينية القديمة على «أو»، غير أنها صارت تدل ~~مؤخرا - في بعض أدوار القرون الوسطى - على «و»، ~~ولا حاجة للبيان أن الفرق بين المعنى الأول وبين ~~المعنى الثاني عظيم جدا. # وكذلك كلمة # Suffragium # كانت تدل في اللاتينية القديمة على «التصويت»، غير ~~أنها أخذت في القرون الوسطى معنى آخر هو ~~«المساعدة والإمداد»، ومن البديهي أن الفرق بين ~~المعنيين كبير جدا. # يميل المرء - عادة - ميلا غريزيا إلى تفسير ~~الكلمة الواحدة بمعنى واحد دائما، ولكن هذا ~~الميل كثيرا ما يؤدي إلى أغلاط فادحة عند قراءة ~~الكتابات القديمة والنصوص التاريخية، فيجب ms111 على ~~الباحث أن يعود نفسه مقاومة هذا الميل الغريزي ~~الذي يحمل الذهن على تفسير جميع الكلمات والعبارات ~~حسب المعاني المعروفة والمألوفة، كما يجب عليه أن ~~يضيف إلى «التفسير الصرفي والنحوي» تفسيرا ~~«لغويا تاريخيا» أدق وأعمق منه؛ وذلك مراعاة ~~للحقائق والمبادئ التالية: ~~(أ) # اللغة تتطور تطورا مستمرا، ~~فلكل دور لغة خاصة به، يختلف عن لغات سائر ~~الأدوار قليلا أو كثيرا، فيجب على ~~الباحث أن يعرف لغة العهد الذي كتبت فيه ~~الوثيقة لكي يفهم معناها حق الفهم. ~~(ب) # إن استعمال الكلمات مما يمكن أن ~~يختلف بين مكان ومكان، فعلى الباحث أن ~~ينعم النظر في لغة المحل الذي كتبت فيه ~~الوثيقة لكيلا يغلط في فهم المعنى المقصود ~~منها. ~~(ج) # إن لكل مؤلف أسلوبا خاصا في ~~استعمال الكلمات والتعبير عن الأفكار، ~~فيجب على الباحث أن يدرس لغة المؤلف ~~وأسلوبه، وأن ينتبه إلى المعاني الخاصة ~~التي ربما كان يقصدها من تلك ~~الكلمات. ~~(د) # إن الكلمة الواحدة قد تدل على معان ~~مختلفة حسب العبارة التي تدخل فيها، فيجب ~~على الباحث ألا يكتفي بملاحظة معاني كل ~~كلمة من الكلمات على وجه الانفراد، بل ~~عليه أن يسعى إلى ملاحظة العبارة التي ~~تتألف من تلك الكلمات بهيأتها المجموعة ~~أيضا. # إن هذه المبادئ والحقائق قد حملت علماء الغرب ~~على أن يضعوا «قواميس لغوية تاريخية»، تسجل ~~وتستعرض جميع المعاني المختلفة التي أخذتها كل ~~كلمة من الكلمات، خلال الأدوار المختلفة من ~~التاريخ، كما أنها اضطرتهم إلى وضع بعض القواميس ~~الخاصة بلغات بعض المؤلفين، تسجل الكلمات التي ~~استعملها، والمعاني التي قصدها منها، في إحدى ~~مؤلفاته أو في جميع كتاباته. # إن دراسة الكلمات وفقا للقواعد الآنفة الذكر، ~~تلعب دورا هاما، وتكتسب خطورة خاصة في أمر ~~«تدوين التاريخ بالاستناد إلى الوثائق القديمة»؛ ~~ذلك لأن سوء تفسير الكلمة الواحدة أو العبارة ~~الواحدة قد يؤدي إلى أغلاط كبيرة جدا. # إن المؤرخ الفرنسي المشهور «فوستل دو ~~كولانج» # Fustel de Coulange # عندما تتبع «تاريخ ~~المروفنجيين» تعمق في دراسة نحو مائة كلمة من ~~الكلمات المسطورة في الوثائق التاريخية، وتوصل ~~من ms112 دراسته هذه إلى حقائق هامة جدا، غيرت ما ~~كان يعرف عن تاريخ فرنسا في عهد الأسرة ~~المذكورة تغييرا كبيرا. ~~(2) # إن كل ما ذكرناه آنفا عن كيفية درس الوثائق ~~التاريخية يصح بحذافيره في أمر فهم الكتب القديمة ~~بوجه عام، فعلى كل من يقدم على مطالعة كتاب ~~قديم أن يقرأه بنظرة تاريخية، ولا يستسلم للنزعة ~~الطبيعية التي تحمله على تفسير عبارات الكتاب ~~وكلماته حسب معانيها الحالية. # ولهذا السبب نجد أن الغربيين عندما يطبعون ~~المؤلفات القديمة يرفقونها بحواش لغوية ~~وتاريخية إيضاحية، تبين معاني الكلمات في عهد ~~كتابتها. # مثلا إذا تصفحنا كتاب «روح القوانين» الذي ~~ألفه «مونتسكيو» - قبل نحو قرنين - باللغة ~~الفرنسية في إحدى طبعاته الحديثة؛ وجدنا فيه حواشي ~~كثيرة توضح معاني الكلمات بالنسبة إلى زمان كتابة ~~الكتاب. # نفهم من هذه الحواشي مثلا أن مونتسكيو استعمل ~~كلمة # conséquence # في عدة مواضع بمعنى «الأهمية والخطورة»، في حين أن ~~الكلمة المذكورة تعني في الحالة الحاضرة ~~«النتيجة». كما أنه قد استعمل كلمة # Succés # في عدة ~~مواضع بمعنى «النتيجة»، في حين أنها تدل في الحالة ~~الحاضرة على «النجاح والتوفيق». واستعمل كلمة # Industrie # بمعنى «المهارة»، في حين أنها تستعمل الآن ~~بمعنى «الصناعة». # إن طبعات روح القوانين مليئة بمثل هذه الشروح ~~التي تدل على مبلغ تطور الكلمات بوضوح ~~تام. # هذا وإذا رجعنا إلى ما قبل تاريخ تأليف الكتاب ~~المذكور؛ وجدنا في معاني الكلمات تغيرا ~~وتباعدا أكثر من ذلك أيضا؛ مثلا إننا نجد في ~~كتاب «الجمهورية»، الذي ألفه «جان بودن» في ~~القرن السادس عشر للميلاد، العبارة التالية: # La monarchie est une forme de ~~république ~~، وإذا أردنا أن ~~نترجم هذه العبارة وفق مدلولات الكلمات الحالية ~~يجب أن نقول: «إن الملكية شكل من أشكال ~~الجمهورية.» ومن البديهي أن هذه العبارة تكون في ~~منتهى السخافة. وأما الحقيقة في هذا الأمر فهي ~~أن كلمة # Republique # لم ~~تكن قد تخصصت في ذلك العهد بمعنى الجمهورية، بل ~~كانت تدل على «الدولة» بوجه عام. فالعبارة ~~المذكورة يجب أن تترجم لذلك كما يلي: «إن الملكية ~~شكل من أشكال الدولة.» ms113 # أعتقد أن الأمثلة التي ذكرتها كافية لإظهار ~~أهمية المبادئ الآنفة الذكر، فلا أرى لزوما ~~للتوسع في هذا الموضوع. # 2 ~~(1) # إن أسس «النقد التفسيري» التي ذكرناها آنفا ~~يجب أن تبقى نصب أعيننا على الدوام، حينما نقرأ ~~وندرس مقدمة ابن خلدون. # قد يقال مقابل ذلك أن ابن خلدون كتب التاريخ ~~والمقدمة باللغة الفصحى، والعربية الفصحى لم تتغير ~~وتتطور كما تغيرت وتطورت اللاتينية وسائر اللغات ~~الأوروبية. # غير أن ذلك لا ينطبق على الحقيقة والواقع بوجه ~~من الوجوه، إن الشيء الذي بقي ثابتا في العربية ~~الفصحى هو القواعد والأسس، لا المعاني والمفردات؛ ~~فإن كثرة المعاني التي تذكر أمام معظم الكلمات ~~في جميع القواميس تكفي للبرهنة على ذلك برهنة ~~قطعية. # ومما يجدر اعتباره أن معاني الكلمات تستدعي مزيد ~~الانتباه، بوجه خاص في المؤلفات العلمية التي تكون ~~على شاكلة مقدمة ابن خلدون، والتي تعبر عن آراء ~~وملاحظات طريفة. # إن قريحة ابن خلدون كانت قريحة خصبة ولودة، ~~أوصلته إلى مجموعة كبيرة جدا من الأفكار والآراء ~~الجديدة، فكان يستحيل عليه أن يعبر عنها جميعها ~~بكلمات مألوفة بمعانيها المعتادة، وكان من الطبيعي ~~أن يضطر إلى استحداث بعض الكلمات للتعبير عن ~~آرائه، أو إلى استعمال بعض الكلمات المألوفة ~~بمعان خاصة تختلف عن معانيها الدارجة بعض ~~الاختلاف. # ومن غريب الاتفاق أن ابن خلدون نفسه كان قد ~~عبر عن هذه الضرورة بكل وضوح عندما كتب في فصل ~~التصوف العبارات التالية: ~~«لهم، آداب مخصوصة بهم، واصطلاحات في ألفاظ تدور ~~بينهم، إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني ~~المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف؛ ~~اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه» ~~(ص469). # ولذلك نجده تارة يشتق كلمات جديدة من الأصول ~~المعروفة، وطورا يستعمل الكلمات المعروفة بمعان ~~خاصة، وتارة يسعى إلى التعبير عن آرائه بجمع ~~الكلمات وتركيبها. ففهم المعاني التي قصدها ابن ~~خلدون من تلك الكلمات والتراكيب حق الفهم، يتطلب ~~التفكير والبحث بتأمل وتعمق. ~~(2) # نذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك: # لقد سمى ابن خلدون «العلم الجديد» الذي ~~استنبطه ووضعه باسم «علم ms114 العمران». إن من يحاول أن ~~يحدد المعنى الذي قصده ابن خلدون من هذا العلم، ~~مستندا إلى المعنى المفهوم من كلمة «العمران» في ~~الحالة الحاضرة، يبقى بعيدا عن الحقيقة والواقع ~~بعدا كبيرا؛ لأن هذه الكلمة ترتبط في أذهاننا ~~- عادة - بكلمات العمارة، والمعمار، والتعمير، ~~والمعمور، والمعمورة، في حين أن ملاحظة متون ~~المقدمة تبين لنا بوضوح تام أن ابن خلدون استعمل ~~الكلمة المذكورة بمعنى «الاجتماع» بوجه عام؛ ولهذا ~~السبب كثيرا ما قرن تركيب «العمران البشري» ~~بتركيب «الاجتماع الإنساني»، كما أنه حدد المعنى ~~الذي قصده من هذه الكلمة بقوله: ~~«العمران، هو التساكن والتنازل في مصر أو حلة ~~للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات» (ص41). # ومما تجب ملاحظته أن ابن خلدون استعمل كلمة ~~«التنازل» الواردة في هذا التعريف مرادفة لكلمة ~~«التساكن، وعنى بها «المشاركة في النزول في حلة ~~واحدة»، ومن المعلوم أن هذا المعنى أيضا يختلف عن ~~المعنى المفهوم من كلمة «التنازل» في الحالة ~~الحاضرة اختلافا كليا. # هذا وقد خصص ابن خلدون فصولا وأبحاثا كثيرة ~~لدرس «العصبية»، وغني عن البيان أن من يسعى إلى ~~فهم معنى هذه الكلمة، بمراجعة معاجم اللغة أو ~~بملاحظة الاستعمالات الحالية، لا يمكن أن يتوصل ~~إلى معرفة قصد المؤلف بوجه من الوجوه. # وكذلك قد استعمل ابن خلدون كلمة «الأبنية» بمعنى ~~الخيام؛ ولذلك كتب بعض العبارات التي تبدو في ~~منتهى الغرابة لكل من يفسر الكلمة المذكورة ~~بمعناها الحالي: ~~«اقتصروا على الظهر الحامل للأثقال والأبنية» ~~(ص274)، «وكانوا يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا ~~نزلوا وضربوا أبنيتهم» (ص275). # ومقابل ذلك لقد استعمل ابن خلدون كلمة «المصانع» ~~- في عدة مواضع من المقدمة - بمعنى «الأبنية»، ~~ولهذا السبب كثيرا ما أردفها بكلمة «المباني» ~~(ص358)، وقال عن طاق كسرى بأنه من «مصانع الفرس»، ~~كما كتب العبارة التالية، حينما ذكر ترف أهل ~~المدن: «ومنهم من يتخذ القصور والمصانع العظيمة ~~الساحة، المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف ~~الكبيرة، لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعه» ~~(ص407). ~~(3) # بعد هذه الأمثلة على المعاني الخاصة التي عناها ~~ابن خلدون من بعض الكلمات لا بد لنا من أن نشير ms115 ~~إلى المعاني الخاصة التي قصدها من بعض التراكيب ~~أيضا. # إن من يقرأ المقدمة بإمعان يجد فيها بعض ~~التعابير والتراكيب التي لا يمكن أن تفهم حق ~~الفهم بمجرد ملاحظة معاني مفرداتها؛ فإن فهم مثل ~~هذه التعابير والتراكيب يتطلب - بطبيعة الحال - ~~ملاحظة فقرات عديدة، وأحيانا مطالعة فصول كثيرة، ~~حتى إنه يحتاج في بعض الحالات إلى مراجعة علوم ~~مختلفة. # مثلا يستعمل ابن خلدون في عدة مواضع التراكيب ~~التالية؛ كلمات حدثانية، وازع عصباني، تكاليف ~~إنشائية، خطط خلافية. ومن البديهي أن معاني هذه ~~التعبيرات تحتاج إلى بحث واستجلاء. # إن تعبير «الوازع العصباني» من وضع ابن خلدون ~~نفسه، ففهم المقصود منه يتوقف على ملاحظة آرائه ~~في «الوازع»، و«أنواع الوازع»، و«العصبية». # وأما تعبير «الكلمات الحدثانية» فهو من ~~مصطلحات الكهان والعرافين، ففهم المقصود منه ~~يتطلب مطالعة ما كتبه عنهم بتأمل ~~وانتباه. # وأما تعبير «التكاليف الإنشائية» فهو من ~~التعبيرات التي استعارها من علماء البيان، فإن ~~هؤلاء العلماء يقسمون الجملة إلى نوعين؛ خبرية ~~وإنشائية، ويسمون الجملة التي تستهدف «الإخبار ~~عما حدث، أو عما سيحدث» باسم الخبرية، كما يسمون ~~الجملة التي تتضمن «طلب الحدوث»، أو «الأمر ~~بالإحداث» باسم «الإنشائية». إن ابن خلدون استحدث ~~تعبير «التكاليف الإنشائية» قياسا على اصطلاح ~~علماء البيان في هذا الصدد، وأعتقد أن أحسن كلمة ~~تقابل قصد ابن خلدون من هذا التركيب هي كلمة # normatif # أو # impératif ~~. ~~(4) # ومما يجدر بالملاحظة أن بعض التعبيرات التي ~~استعملها ابن خلدون تولد التباسا في الأذهان، ~~بالنسبة إلى الاستعمال المألوف، وإن ظهرت في بادئ ~~الأمر جلية المعنى. # مثلا لقد استعمل ابن خلدون عدة مرات تعبير ~~«الخطط الدينية الخلافية»، ولا حاجة للبيان أن هذا ~~التعبير يوهم بأن المقصود منه هو «الأمور الدينية ~~المختلف فيها»، في حين أن قليلا من الانتباه إلى ~~مواضع استعمال هذا التعبير، يكفي للجزم بأن كلمة ~~الخلافية الواردة فيه منسوبة إلى «الخلافة»، لا ~~إلى «الخلاف»، وقد قصد المؤلف من هذا التعبير ~~«الخطط المتعلقة بالخلافة»، تمييزا لها عما ~~يتعلق بالسلطان والملك. # وكذلك قد استعمل ابن خلدون في عدة مواضع تعبير ~~«عجم المغرب»، ms116 كما ذكر عدة مرات «الخلافة الفارسية ~~الكريمة». إن من يفسر مثل هذه التعبيرات ~~بمدلولاتها المعتادة في الحالة الحاضرة، يتوهم ~~أن ابن خلدون يقصد الفرس، ويشير إلى خلافة ~~فارسية، ولكن الحقيقة الراهنة هي أنه قصد من «عجم ~~المغرب» البربر، كما أراد بالإمامة الفارسية إمامة ~~«أمير المؤمنين» أبي فارس عبد العزيز، ابن مولانا ~~السلطان المعظم الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم» ~~(ص8). ~~(5) # غير أني أعتقد أن أشد الالتباسات في كتابات ~~ابن خلدون، وأغرب التوهمات في مقاصده قد نشأت من ~~جراء كلمة «العرب». # وبما أن هذه القضية هامة جدا لفهم نظريات ~~المقدمة على حقيقتها، رأيت من الضروري أن أتوسع ~~في شرحها توسعا وافيا؛ ولذلك أفردت لها دراسة ~~خاصة بعد هذا البحث الذي لم أكتبه - في حقيقة ~~الحال - إلا تمهيدا لها. # | كلمة العرب # في مقدمة ابن خلدون # إن كلمة العرب في مقدمة ابن خلدون من الكلمات التي ولدت أغرب ~~الالتباسات، وأنتجت أسوأ النتائج. # ذلك لأن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة بمعنى «البدو» ~~و«الأعراب»، خلافا للمعنى الذي نفهمه منها الآن، كما يتبين من ~~الدلائل والقرائن الكثيرة المنبثة في جميع أقسام المقدمة. # إن عدم انتباه القراء والباحثين إلى هذا الاستعمال الخاص أدى ~~إلى أخطاء عظيمة في فهم مقاصد ابن خلدون؛ لأن ذلك أظهره بمظهر ~~المتحامل على العرب، وحمل بعض الشعوبيين على الاستشهاد به، كما دفع ~~بعض القوميين إلى الهجوم عليه. # إن هذه النتائج السيئة كانت قد ظهرت بأجلى مظاهرها في العراق قبل ~~مدة، حينما قام مدير المعارف العام بحملة عمياء على ابن خلدون - في ~~خطبة ألقاها على المعلمين - زاعما بأنه من الكافرين بالعروبة، ~~وقائلا بوجوب حرق كتبه ونبش قبره باسم القومية! # ولقد كنت كتبت عندئذ مقالة في الرد على تلك الحملة، داعيا إلى ~~«النظرة القومية المنورة»، ونشرت المقالة المذكورة في مجلة الأمالي ~~التي تصدر في بيروت من جهة، وفي جريدة البلاد التي تصدر في بغداد ~~من جهة أخرى. وقد بنيت الملاحظات التي سردتها فيها على المعنى ~~الخاص الذي يعنيه ابن خلدون من كلمة العرب، مستشهدا على ذلك ms117 بنصوص ~~عديدة وقرائن كثيرة. # والآن وقد أكببت على كتابة هذه الدراسات عن مقدمة ابن خلدون، ~~رأيت من الضروري أن أعود إلى بحث هذه المسألة، وأتخذها موضوعا ~~لدراسة ضافية لأهميتها الخاصة. # 1 ~~(1) # يقول علماء اللغة وواضعو المعاجم بوجوب التمييز ~~بين «العرب والعربي»، وبين «الأعراب والأعرابي»؛ ~~لأن مدلول الأعراب والأعرابي لا يشمل إلا من كان ~~بدويا، وأما مدلول العرب والعربي، فيختص بأهل ~~الأمصار على رأي بعضهم، ويشمل أهل الأمصار وسكان ~~البادية على حد سواء في رأي الآخرين. # غير أن هناك شواهد عديدة تدل دلالة قطعية على ~~أن هذا التمييز لم يكن قديما كل القدم، ولا ~~شاملا كل الشمول؛ فإن جميع معاجم اللغة تشرح ~~عبارة «تعرب الرجل» بقولها: «أقام بالبادية وصار ~~أعرابيا»، كما أنها تشرح كلمة «العربي» بقولها: ~~«البين العروبة والعروبية، والذي له نسب صحيح ~~بين العرب وإن كان ساكنا في الأمصار»، وذلك مما ~~لا يدع مجالا للشك في أن العلاقة «بين مدلول ~~العرب وبين مدلول البدو» كانت قوية جدا حتى عند ~~وضع المعاجم المذكورة وتدوينها. # يظهر من ذلك أن مدلول كلمة العرب تطور ~~تطورا كبيرا خلال أدوار التاريخ، ويمكننا أن ~~نعين اتجاه هذا التطور بالصفحات الثلاث التالية: # أولا: # كان مدلول كلمة العرب يختص بالبدو ~~وحدهم. # ثانيا: # صار يشمل هذا المدلول من يسكن المدن ~~والأمصار من غير أن يقطع صلاته بالبادية، ~~وبتعبير آخر صار يشمل كل من يحافظ على ~~نسبه بين البدو، ولو كان من سكنة ~~الأمصار. # ثالثا: # صار يشمل مدلول كلمة العرب سكنة ~~الأمصار أيضا، بقطع النظر عن صلاتهم ~~بالبادية، أو رجوع نسبهم إلى ~~البادية. # من البديهي أن التمييز بين العرب وبين الأعراب ~~هو من ثمرات الطور الثالث الذي أشرنا إليه ~~آنفا. ~~(2) # ومما تجب ملاحظته أن هذا التطور لم يكن تاما ~~ولا قاطعا؛ لأن الطور الأول لا يزال مستمرا في ~~استعمال العوام، كما أن الطور الثاني قد ترك ~~آثارا عميقة في الأدب أيضا. # فقد تعود الناس - في جميع البلاد العربية - ~~استعمال كلمة العرب بمعنى البدوي والفلاح، فكثيرا ~~ما نرى العوام يقولون: «ذهب ms118 إلى العرب» بمعنى «ذهب ~~إلى البادية»، و«كان عند العرب» بمعنى «كان بين ~~البدو»، كما نراهم يسمون الخيام التي يسكنها البدو ~~باسم «بيوت عرب»، والأبسطة التي ينسجها البدو باسم ~~«بساط عرب»، حتى إن الخواص أيضا كثيرا ما ~~يشاركون العوام في مثل هذه التسميات ~~والأقوال. # إن هذه العادة كانت قد لفتت نظري بوجه خاص في ~~العراق، حينما كنت مديرا عاما للمعارف فيها، ~~فقد لاحظت أن استعمال كلمة العرب بهذا المعنى كان ~~متفشيا حتى في المدارس نفسها، وكان مسيطرا على ~~أحاديث الطلاب والمعلمين على حد سواء؛ ولهذا السبب ~~كنت أصدرت بلاغا عاما - بتاريخ 1 كانون الثاني ~~1924 - لفت أنظار جميع المديرين والمعلمين إلى ~~هذا الأمر، وطلبت إليهم أن يبذلوا جهودهم «لإزالة ~~هذا الغلط بكل ما لديهم من قوة ونشاط.» # إن اضطراري إلى إصدار مثل هذا البلاغ العام يدل ~~دلالة واضحة على مبلغ الدهشة التي كانت قد ~~اعترتني من مشاهدة تفشي هذا الاستعمال العامي بين ~~التلاميذ والمعلمين. # ومن المعلوم أن هذه الحالة لم تكن خاصة بالعراق ~~وحده، بل هي شاملة لسائر الأقطار العربية أيضا، ~~ففي سورية مثلا كثيرا ما يقول العوام: «عربي» ~~عوضا عن «بدوي»، كما يقولون: «الكل عند العرب ~~صابون»، إشارة إلى بعض عادات الأعراب. وأما في ~~مصر فإن استعمال كلمة «العرب» بمعنى «البدو» كان ~~قد عم، حتى لغة القوانين والدواوين الرسمية ~~أيضا. ~~(3) # ومما يجب أن يسترعي الانتباه بوجه خاص، أن الكتب ~~الأدبية واللغوية نفسها لم تتخلص من آثار ~~«المعنى العامي» الذي ذكرناه آنفا تخلصا ~~تاما. # فإنها لم تتمسك بقاعدة «التمييز بين العرب ~~وبين الأعراب» تمسكا مطلقا، بل هي أيضا ~~تستعمل في بعض الأحيان كلمة العرب بمعنى البدو، ~~ولا سيما عندما تذكر «أقوال العرب» وتستشهد بما ~~«يقوله العرب»: ~~(أ) # إننا نجد في «فقه اللغة» للثعالبي - ~~مثلا - شواهد عديدة على ما قدمناه، ~~فقد عنون الثعالبي أحد فصول كتابه ~~بالعنوان التالي: «في تسمية العرب أبناءها ~~بالشنيع من الأسماء»، وقال في هذا الفصل ~~ما يلي: ~~«هي من سنن العرب، إذ تسمي أبناءها ~~بحجر، وكلب، ونمر، وذئب، ms119 وأسد، وما ~~أشبهها، وكان بعضهم إذا ولد لأحدهم ولد ~~سماه بما يراه ويسمعه مما يتفاءل به، ~~فإن رأى حجرا أو سمعه، تأول فيه الشدة ~~والصلابة والصبر والقوة، وإن رأى كلبا ~~تأول فيه الحراسة والألفة وبعد الصوت، ~~وإن رأى نمرا تأول فيه المنعة والتيه ~~والشكاسة، وإن رأى ذئبا تأول فيه ~~المهابة والقدرة والحشمة. وقال بعض ~~الشعوبية لابن الكلبي: لم سمت العرب ~~أبناءها بكلب وأوس وأسد وما شاكلها، وسمت ~~عبيدها بيسر وسعد ويمن؟ فقال وأحسن: ~~لأنها سمت أبناءها لأعدائها، وسمت عبيدها ~~لأنفسها» (فقه اللغة ص549). # ولا مجال للشك في أن المقصود من ~~كلمة العرب التي تكررت هنا عدة مرات هو ~~الأعراب البداة. ~~(ب) # وكذلك نجد في كتاب الأمالي للقالي ~~أبحاثا وفصولا كثيرة مشابهة لذلك ~~مشابهة كبيرة، مثلا نقرأ في الجزء ~~الثاني منه بحثا «عما سمع من العرب في ~~لعل من اللغات». يشرح المؤلف في هذا البحث ~~كيف أنهم يقولون «لعلي، ولعلني، ولعني، ~~ولأني، ولوني.» ولا مجال للشك في أنه يريد ~~بالعرب في هذا المقام «الأعراب بوجه خاص» ~~(الأمالي، ج2، ص134). ~~(ج) # كما أننا نجد في كتاب «القلب ~~والإبدال» لابن السكيت أيضا شواهد عديدة ~~على استعمال كلمة العرب على المنوال الذي ~~ذكرناه آنفا، مثلا إنه يقول - نقلا عن ~~أبي عبيدة: «العرب تقلب حروف المضاعف إلى ~~الياء، فيقولون تظنيت، وإنما هو تظننت» ~~(كتاب القلب والإبدال ص58). كما يقول - ~~نقلا عن الأصمعي: «العرب تزيد الميم في ~~أشياء، وقالوا رجل فسحم، إذا كان واسع ~~الصدر، وهو من الانفساح، ورجل زرقم، إذا ~~كان أزرق» (ص61). من الواضح الجلي أن ~~القصد هنا من كلمة العرب هو «أعراب ~~البادية»، لا سكنة المدن والأمصار. ~~(د) # هذا وإننا نجد في «المثل السائر في ~~أدب الكاتب والشاعر» - تأليف ضياء الدين ~~ابن الأثير - ما هو أصرح من كل ذلك، إذ قد ~~جاء في الجزء الأول من هذا الكتاب ما ~~يلي: ~~«فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك ~~طبعا وخليقة، والله فطره عليه، كما فطر ~~ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم ms120 في ~~نفس الخلقة.» ~~«فالجواب على ذلك أني أقول: إن ~~سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب ~~بالطبع والفطرة، فماذا نقول في من جاء ~~بعدهم من شاعر وخطيب، تحضروا وسكنوا ~~البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا ~~بها، وقد أجادوا في تأليف النظم ~~والشعر، وجاءوا بمعان كثيرة ما جاءت في ~~شعر العرب ولا نطقوا بها؟!» (المثل ~~السائر، ج1، ص310). # من البديهي أن هذه الفقرة - ولا ~~سيما العبارات الأخيرة منها - تدل دلالة ~~قطعية على أن المؤلف كان يميز شعر الحضر ~~من شعر البدو تمييزا صريحا، ويوازن ~~بينهما، وكان يستعمل كلمة العرب في ~~كتاباته هذه بمعنى البدو فقط. ~~(ه) # وقد كتب قدامة بن جعفر في كتابه ~~(نقد النثر) ما يلي: ~~«فأما العرب فإذا لحن الواحد منهم ~~- لقربه من الحاضرة، ونزوله على طريق ~~السابلة - سقطت عند أهل اللغة منزلته، ~~ودفعت ورفضت لغته» (نقد النثر، ~~ص123). # من الواضح أن مقصود قدامة من كلمة ~~العرب هنا هو الأعراب البدويين، بدليل ~~تعليل «لحن الواحد منهم»، و«بقربه من ~~الحاضرة، ونزوله على طريق ~~السابلة.» ~~(و) # إننا نلاحظ آثار هذا الاستعمال حتى ~~لدى لسان الدين ابن الخطيب أيضا، ينقل ~~إلينا «المقري» في «نفح الطيب» رسالة ~~وجهها لسان الدين إلى «شيخ العرب» مبارك ~~بن إبراهيم، يخاطب فيها الكاتب «شيخ ~~العرب» المذكور بقوله: «يا فارس العرب»، ~~ثم يقول: «الحمد لله الذي جعل بيتك ~~شهيرا، وجعلك على العرب أميرا»، كما ~~يعود إلى مخاطبته بقوله: «يا أمير العرب ~~وابن أمرائها»، ثم يقول: «جعل (الله) ~~خيمتك في هذا المغرب على اتساعه واختلاف ~~أشياعه مأمنا للخائف» (نفح الطيب، ج4، ~~ص131). # ومن الواضح أن المقصود من كلمات ~~العرب الواردة في هذه الرسالة هو القبائل ~~البدوية وحدها. ~~(4) # أعتقد أن الأمثلة التي ذكرتها كافية لإظهار مبلغ ~~الالتباس الذي سيطر على أقلام علماء اللغة وعظماء ~~الأدب أنفسهم في أمر كلمتي العرب ~~والأعراب. # كما أعتقد أن كل من يلاحظ هذه الاستعمالات ~~المختلفة لا يستغرب أبدا كيف أن ابن خلدون استعمل ~~كلمة العرب في مقدمته بمعنى الأعراب، كما سيتضح من ~~التفاصيل التالية. # 2 ms121 ~~(1) # لم يستعمل ابن خلدون في المقدمة كلمة الأعراب ~~والأعرابي إلا قليلا جدا، فإنه قد استعمل كلمة ~~العرب أو العربي في نحو 330 موضعا، في حين أنه لم ~~يستعمل كلمة الأعراب والأعرابي إلا في بضعة مواضع، ~~هذا مع أنه قد اهتم بالحياة البدوية اهتماما ~~كبيرا، وخص أحد أبواب المقدمة بالعمران البدوي ~~وحده، وتكلم عن القبائل والعشائر في كل باب من ~~أبوابها. # إن عدم ورود كلمة الأعراب أو الأعرابي إلا بضع ~~مرات في المقدمة - على الرغم من سعة المباحث ~~العائدة إلى الحياة البدوية، وكثرة الفصول ~~المتعلقة بالقبائل المتنقلة، وعلى الرغم من ورود ~~كلمة العرب مئات من المرات - لدليل واضح على أن ~~ابن خلدون لم يعمل بالقاعدة التي قال بها علماء ~~اللغة في وجوب تسمية البدو بالأعراب، لا ~~بالعرب. # غير أن هناك قرائن قطعية على ذلك تظهر بكل وضوح ~~وجلاء، من إنعام النظر في فصول المقدمة. ~~(2) # فلنستعرض أولا الفصول الباحثة عن العرب مباشرة، ~~تلك الفصول التي تذكر العرب في عناوينها، وتتخذ ~~أحوال العرب موضوعا لأبحاثها. ~~(أ) # لنبدأ من الفصل الذي يتضمن أقسى ~~الأحكام وأعنف الحملات على «العرب»، ~~فلنلاحظ الفصل الذي يقول فيه ابن خلدون: ~~«إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع ~~إليها الخراب»، ولننعم النظر في الأدلة ~~التي يذكرها لتعليل وتأييد رأيه ~~هذا: ~~«فغاية الأحوال العادية كلها عندهم ~~الرحلة والتقلب، وذلك مناقض للسكون الذي ~~به العمران ومناف له، فالحجر مثلا إنما ~~حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدر، فينقلونه ~~من المباني ويخربونها عليه ويعدونها لذلك. ~~والخشب أيضا إنما حاجتهم ليعمروا به ~~خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، ~~فيخربون السقف عليه لذلك» (ص149). # ومن البديهي أن مدار البحث هنا لا ~~يتعدى البدو الذين يعيشون تحت الخيام، ~~فلا مجال للشك في أن ابن خلدون عندما كتب ~~هذه العبارات وقال: «لا يحتاجون إلى الحجر ~~إلا لوضع القدور، ولا إلى الخشب إلا لنصب ~~الخيام»، لم يفكر قط بأهل دمشق أو ~~القاهرة، ولا بسكنة تونس أو فاس، بل إنما ~~قصد أعراب البادية وحدهم. ~~(ب) # ولننتقل إلى الفصل الذي يقول فيه ~~ابن ms122 خلدون: «إن جيل العرب في الخلقة ~~طبيعي.» إن عنوان الفصل وحده يدعو إلى ~~التأمل لتعيين المعنى المقصود من كلمة ~~العرب فيه، وإذا قرأنا الفصل المذكور؛ ~~وجدنا أولا بعض التفاصيل عن وسائل ~~المعيشة، وعن تأثير هذه الوسائل في الحياة ~~الاجتماعية، ثم وصلنا إلى العبارات ~~التالية: ~~«وأما من كان معاشهم من الإبل، ~~فهم أكثر ظعنا وأبعد في القفر مجالا، ~~فكانوا لذلك أشد الناس توحشا، وينزلون من ~~أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه ~~والمفترس من الحيوان العجم. وهؤلاء هم ~~العرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة ~~بالمغرب، والأكراد والتركمان والترك ~~بالمشرق، إلا أن العرب أبعد نجعة وأشد ~~بداوة؛ لأنهم مختصون بالقيام على الإبل ~~فقط» (ص121). # يفهم من هذه العبارات - ولا سيما ~~من العبارة الأخيرة - بصراحة ما بعدها ~~صراحة أن ابن خلدون استعمل كلمة العرب في ~~هذا الفصل أيضا بمعنى أعراب البادية ~~الذين يعيشون خارج المدن، ويرحلون من محل ~~إلى محل وفقا لحاجات الإبل التي يقوم ~~معاشهم عليها. # ومما يجدر بالملاحظة أن الفصلين ~~المذكورين من أقسام الباب الثاني، ومن ~~المعلوم أن الباب المذكور يبحث في ~~«العمران البدوي»، ويترك الكلام عن الدول ~~إلى الباب الثالث، وعن الأمصار إلى الباب ~~الرابع. ~~(ج) # وأما الفصول التي يقول فيها ابن ~~خلدون: «إن العرب لا يستولون إلا على ~~البسائط» (ص149)، و«إن العرب أبعد الأمم ~~عن سياسة الملك» (ص151)، و«إن العرب لا ~~يحصل لهم ملك إلا بصبغة دينية» (ص151)؛ ~~فكلها من أقسام الباب الثاني، الباب ~~الباحث «في العمران البدوي»، وفي كل واحد ~~من هذه الفصول قرائن قاطعة كثيرة على ~~استعمال كلمة العرب بمعنى «البدو»، علاوة ~~على دلالة عنوان الباب المذكور. ~~(3) # إن ابن خلدون لم يستعمل كلمة العرب بمعنى البدو ~~في فصول الباب الأول التي ذكرتها فحسب، بل ~~استعملها على نفس المنوال في فصول الأبواب الأخرى ~~أيضا، إني أذكر فيما يلي بعض النماذج الواضحة، ~~والدلائل القاطعة على هذا الاستعمال: ~~(أ) # يوجد في الباب الرابع أيضا فصل خاص ~~بالعرب، هو الفصل الذي يقرر «أن المباني ~~التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب ms123 ~~إلا في الأقل.» # يبدأ ابن خلدون هذا الفصل بالعبارة ~~التالية: «والسبب في ذلك شأن البداوة»، ثم ~~يقول في سياق الكلام: ~~«والعرب، إنما يراعون مراعي إبلهم ~~خاصة، ولا يبالون بالماء طاب أو خبث، قل ~~أو كثر، ولا يسألون عن زكاء المزارع ~~والمنابت والأهوية لانتقالهم في الأرض، ~~ونقلهم الحبوب من البلد البعيد. وأما ~~الرياح فالقفر مختلف للمهاب كلها، والظعن ~~كفيل بطيبها؛ لأن الرياح إنما تخبث مع ~~القرار والسكنى وكثرة الفضلات» ~~(ص359). # يظهر من ذلك بكل وضوح أن العرب ~~المقصودين في هذا الفصل هم البدو الذين ~~يعيشون في القفار، ولا يسكنون ويستقرون في ~~محل، بل يظعنون من مكان إلى آخر، ويفكرون ~~في مراعي إبلهم قبل كل شيء. ولا يوجد في ~~هذا الفصل كلمة واحدة تنطبق على أهل ~~الأمصار. ~~(ب) # هذا ويوجد في الباب الخامس أيضا ~~فصل خاص بالعرب، هو الفصل الذي يقول فيه ~~ابن خلدون: «إن العرب أبعد الناس عن ~~الصنائع» (ص404). # يبدأ المؤلف الكلام عن ذلك بالعبارة ~~التالية: ~~«والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو، ~~وأبعد عن العمران الحضري، وما يدعو إليه ~~من الصنائع وغيرها» (ص404). # ومن الواضح أنه يشير هنا أيضا إلى ~~البدو، ولا يقصد قط أهل الأمصار. إن هذا ~~المعنى يتجلى بوضوح أعظم من ذلك من ~~الفقرات التي تلي العبارة ~~المذكورة: ~~«والعجم من أهل المشرق، وأمم ~~النصرانية عدوة البحر الرومي، أقوم ~~عليها (أي على الصنائع)؛ لأنهم أعرق في ~~العمران الحضري، وأبعد عن البدو وعمرانه. ~~حتى إن الإبل التي أعانت العرب على ~~التوحش في القفر والإعراق في البدو ~~مفقودة لديهم بالجملة. وعجم المغرب من ~~البربر مثل العرب في ذلك؛ لرسوخهم في ~~البداوة منذ أحقاب من السنين» ~~(ص404). # إن هذه العبارات تدل دلالة صريحة ~~على أن ابن خلدون عنى بكلمة العرب في هذا ~~الفصل أيضا الأعراب البداة الذين يعيشون ~~في القفار مستعينين بالإبل، ولم يقصد ~~«العرب» بالمعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة ~~في الحالة الحاضرة. ~~(ج) # ومما يزيد الأمر وضوحا وقطعية أن ~~ابن خلدون يعود إلى القضية في بحث العلوم ~~أيضا، إذ ms124 يقول - بعد أن يشبه العلوم ~~بالصنائع: ~~«وقد كنا قدمنا أن الصنائع من ~~منتحل الحضر، وأن العرب أبعد الناس عنها، ~~وصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد العرب ~~عنها وعن سوقها» (ص544). # يلاحظ أن ابن خلدون يذكر هنا كلمة ~~العرب مرتين مقابلا لكلمة الحضر بشكل لا ~~يترك مجالا للشك في أنه يقصد البدو على ~~وجه التخصيص، ويخرج من نطاق شمولها الحضر ~~على الإطلاق. ~~(4) # إننا نجد دلائل وقرائن مماثلة لما ذكرناه آنفا ~~في كثير من الفصول التي لا تتكلم عن العرب ~~مباشرة أيضا: ~~(أ) # مثلا نقرأ في بحث «الفساطيط ~~والسياج» العبارات التالية: ~~«كان العرب لعهد الخلفاء الأولين من ~~بني أمية إنما يسكنون بيوتهم التي كانت ~~لهم خياما من الوبر والصوف، ولم تزل ~~العرب لذلك العهد بادين إلا الأقل منهم، ~~فكانت أسفارهم لغزواتهم بظعونهم وسائر ~~حللهم وأحيائهم من الأهل والولد كما هو ~~شأن العرب لهذا العهد.» ~~«وكانت عساكرهم لذلك كثير الحلل، ~~بعيدة ما بين المنازل، متفرقة الأحياء، ~~يغيب كل واحد منها عن نظر صاحبه من ~~الأخرى، كشأن العرب» (ص267). # من الواضح الجلي أن ابن خلدون عنى ~~بالعرب - في عبارة «كما هو شأن العرب لهذا ~~العهد»، و«كشأن العرب» - البدو وحدهم، ولا ~~سيما أنه حصر مفهوم «العرب لعهده» بمن كان ~~لا يزال بدويا. ~~(ب) # هذا وإذا تصفحنا الفصول الباحثة ~~في اللغة والشعر؛ وجدنا فيها أيضا أمثلة ~~صريحة، وأدلة حاسمة لما قدمناه ~~آنفا. # لنقرأ أولا الفصل المعنون بعنوان ~~«أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد» ~~(ص582). # نجد أن ابن خلدون يميز العرب من أهل ~~الأمصار في عنوان الفصل نفسه، وإذا واصلنا ~~قراءة الفصل وجدنا في مضامينه أيضا ما ~~يؤيد دلالة العنوان: ~~«كذلك الحضر أهل الأمصار، نشأت فيهم ~~لغة أخرى، خالفت لسان مضر في الإعراب، ~~وأكثر الأوضاع والتصاريف، وخالفت أيضا ~~لغة الجيل من العرب لهذا العهد» ~~(ص572). # يلاحظ أن ابن خلدون يميز في هذه ~~العبارات «لغة الحضر» من «لغة الجيل من ~~العرب» لعهده، ومن البديهي أن هذا التمييز ~~لا يمكن أن يفسر إلا باستعمال كلمة ~~العرب مقابلا لكلمة الحضر كما ms125 في الفقرات ~~التي ذكرتها آنفا. ~~(ج) # وهناك فصل آخر يؤيد كل ذلك بتعبيرات ~~وأشكال أخرى، هو الفصل الذي يقول فيه ابن ~~خلدون: «إن لغة أهل الحضر والأمصار لغة ~~قائمة بنفسها» (ص588). يبدأ الفصل المذكور ~~بالعبارات التالية : ~~«اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار ~~وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة، ولا ~~بلغة أهل الجيل، بل هي لغة قائمة بنفسها ~~بعيدة عن لغة مضر، وعن لغة هذا الجيل ~~العربي الذي لعهدنا» (ص588). # من البديهي أن كاتب هذه الفقرات ~~يترك «أهل الحضر والأمصار» خارجا عن نطاق ~~شمول تعبير «الجيل العربي» بصورة ~~قطعية. ~~(د) # هذا ولنقرأ الفصل الذي يقرر «أن ~~لغة العرب لهذا العهد مستقلة، مغايرة ~~للغة حمير ومضر» (ص557). يقول ابن خلدون ~~في هذا الفصل: «إن أفراد «الجيل العربي» ~~لعهده لا ينقطون بالقاف كما ينطق بها «أهل ~~الأمصار».» وبعد أن يوضح كيفية هذا النطق ~~يكتب ما يأتي: ~~«وصار ذلك علامة عليهم من بين ~~الأمم والأجيال مختصا بهم، لا يشاركهم ~~بها غيرهم، حتى إن من يريد التقريب ~~والانتساب إلى الجيل والدخول فيه، يحاكيهم ~~في النطق بها. وعندهم إنما يتميز العربي ~~الصريح من الدخيل بالعروبية والحضري ~~بالنطق بهذه القاف» (ص557). # إني أعتقد أن العبارة الأخيرة في ~~منتهى الصراحة من وجهة تمييز «العربي» ~~و«الحضري»، ومع هذا أجد في آخر الفصل ~~المذكور عبارة أصرح وأدل من ذلك ~~أيضا: ~~«هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم - ~~شرقا وغربا - في النطق بها، وأنها ~~الخاصية التي يتميز بها العربي من الهجين ~~والحضري» (ص558). ~~«الخاصية التي يتميز بها العربي من ~~الحضري»، لا أظن أن أحدا يستطيع أن يطلب ~~دليلا أوضح من هذه العبارة على استعمال ~~كلمة «العربي» بمعنى «البدوي»، ومقابلا ~~لكلمة «الحضري». # 3 # إذا تركنا المقدمة جانبا وراجعنا التاريخ نفسه؛ وجدنا فيه ~~أيضا قرائن كثيرة ودلائل قاطعة على أن ابن خلدون كان يستعمل ~~كلمة العرب بمعنى الأعراب. ~~(1) # إن الأبحاث التي يخصصها ابن خلدون لوصف أجيال ~~العرب وطبقاتهم تؤيد ذلك بكل وضوح: ~~«اعلم أن العرب منهم الأمة الراحلة الناجعة، أهل ~~الخيام لسكناهم، والخيل لركوبهم، ms126 والأنعام لكسبهم، ~~يقومون عليها، ويقتاتون من ألبانها، ويتخذون الدفء ~~والأثاث من أوبارها وأشعارها، ويحملون أثقالهم على ~~ظهورها، يتنازلون حللا متفرقة، ويبتغون الرزق في ~~غالب أحوالهم من القنص وتخطف الناس من السبل، ~~ويتقلبون دائما في المجالات، فرارا من ~~حمارة القيظ تارة ، وصبارة البرد أخرى، ~~وانتجاعا لمراعي غنمهم، وارتيادا لمصالح إبلهم ~~الكفيلة بمعاشهم وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم» ~~(تاريخ ابن خلدون ج1، ص22، طبعة محمد المهدي ~~الحبابي). ~~«فهذه كلها شعائرهم وسماتهم، وأغلبها عليهم ~~اتخاذ الإبل، والقيام على نتاجها، وطلب الانتجاع ~~بها لارتياد مراعيها ومفاحص توليدها، بما كان ~~معاشهم منها» (تاريخ ابن خلدون، ج1، ص23). # من الواضح الجلي أن هذه الأوصاف لا تنطبق إلا ~~على الأعراب. ~~(2) # من المعلوم أن المؤرخين كانوا يقسمون العرب ~~إلى ثلاث طبقات، يسمونها بالتتالي؛ البائدة، ~~والعاربة، والمستعربة. # وأما ابن خلدون فلا يستصوب هذا التقسيم ~~القديم، بل يقسم العرب إلى أربع طبقات، يسميها؛ ~~العاربة، المستعربة، التابعة، المستعجمة. # فإنه يوحد البائدة والعاربة في طبقة واحدة ~~يسميها العاربة، ويضيق حدود طبقة العرب ~~المستعربة؛ لأنه يذكر بعدها طبقتين من العرب، يسمي ~~إحداهما باسم التابعة، والأخرى باسم ~~المستعجمة. ~~«العرب المستعجمة»، إن من يقرأ هذا التعبير يظن ~~في الوهلة الأولى أن القصد منه هو «عرب المدن في ~~دور الاستعجام»، ولكن قليلا من التأمل في ما كتبه ~~ابن خلدون يكفي للتأكد من أن الأمر ليس كذلك؛ إن ~~المؤلف لم يقصد من قوله «العرب المستعجمة» شيئا ~~غير القبائل «البدوية» التي كانت تعيش في زمانه في ~~عهد الدول الأعجمية، ودور فساد اللغة العربية ~~واستعجامها. ~~«ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة، وانقرض ~~ما كان لهم من الدولة في الإسلام، وخالطوا العجم ~~بما كان لهم من التغلب عليهم؛ ففسدت لغة أعقابهم ~~في آماد متطاولة، وبقي خلفهم أحياء بادين في ~~القفار والرمال والخلاء من الأرض تارة، والعمران ~~تارة، وقبائل بالمشرق والمغرب والحجاز واليمن ~~وبلاد الصعيد والنوبة والحبشة وبلاد الشام والعراق ~~والبحرين وبلاد فارس والسند وكرمان وخراسان ~~...» ~~«لما كانت لغتهم مستعجمة عن اللسان المضري الذي ~~نزل به القرآن، وهو لسان سلفهم، سميناهم ms127 لذلك ~~العرب المستعجمة» (تاريخ ابن خلدون، ج1، ~~ص24). # وأما التفاصيل التي يكتبها ابن خلدون عن ~~هؤلاء، فكلها تدل دلالة صريحة على أن العرب ~~المستعجمة لم تكن في نظر ابن خلدون سوى القبائل ~~البدوية التي كانت تعيش خارجا عن المدن وحول ~~الأمصار. ~~(3) # وإذا راجعنا الأبحاث العائدة إلى العهد الإسلامي ~~من تاريخ العرب نجد فيها أيضا دلائل كثيرة على ~~ما قدمناه آنفا. # ندرج فيما يلي بعض النماذج لهذه الدلائل ~~والقرائن القاطعة: ~~(أ) # في المجلد الثالث من التاريخ يوجد ~~فصل «في نهب العرب للبصرة»، يقول فيه ~~ابن خلدون فيما يقوله: «اجتمع بنو عامر بن ~~صعصعة، وأميرهم عميرة، وقصدوا البصرة، ~~ونهبوها ورحلوا عنها» (طبعة بولاق، ج3، ~~ص540). # يفهم من هذه العبارات بصراحة أن ~~العرب الذين يذكرهم ويعنيهم ابن خلدون هنا ~~هم الأعراب الذين كانوا يعيشون في البادية ~~خارج مدينة البصرة. ~~(ب) # في المجلد الرابع بحث تحت عنوان ~~«ذكر المتغلبين بالبحرين من العرب بعد ~~القرامطة»، يقول المؤلف في هذا ~~البحث: ~~«كان بأعمال البحرين خلق من العرب، ~~وكان القرامطة يستنجدونهم على أعدائهم، ~~ويستعينون بهم في حروبهم، وكان أعظم ~~قبائلهم هناك بني تغلب، وبني عقيل، ~~وبني سليم» (ج4، ص91). # ولا مجال للشك في أن العرب ~~المقصودين هنا أيضا هم القبائل البدوية ~~فحسب. ~~(ج) # في المجلد الخامس بحث تحت عنوان: ~~«واقعة العرب بالصعيد»، يقول فيه ~~ابن خلدون: ~~«وفي أثناء هذه الفتن كثر فساد ~~العرب بالصعيد وعبثهم، وانتهبوا الزرع ~~والأموال، (مما استوجب خروج السلطان عليهم ~~لتأديبهم)؛ فهزم العرب واستلحم جموعهم، ~~وامتلأت أيدي العساكر بغنائمهم، حتى ~~استأمن بعد رجوع السلطان، فأمنه على أن ~~يمتنعوا من ركوب الخيل وحمل السلاح، ~~ويقبلوا على الفلاحة» (ج5، ~~ص450). # من البديهي أن العرب المذكورين في ~~هذا البحث هم الأعراب الذين كانوا يعيشون ~~خارج المدن في الصعيد. ~~(د) # وفي المجلد الخامس كذلك بحث آخر تحت ~~عنوان: «وفاة مهنا بن عيسى أمير العرب ~~بالشام وأخبار قومه.» يقول ابن خلدون فيما ~~يقوله في هذا الصدد: «فولي على العرب عيسى ~~بن مهنا، ولم يزل على أحياء العرب» (ج5، ~~ص438). ms128 # كما يقول في محل آخر: «كان مجاز بن ~~مهنا أمير العرب من آل فضل قد انتقض، فولي ~~السلطان على العرب معيقل» (ج5، ~~ص459). # من الواضح أن العرب المقصودين هنا ~~لم يكونوا قط من سكنة الأمصار. ~~(ه) # لقد كتب ابن خلدون في المجلد الثالث ~~من تاريخه العبارة التالية: «وقال المتنبي ~~يمدح سيف الدولة، ويعرض بذكر العرب ~~الذين أوقع بهم لما كثر عبثهم ~~وفسادهم.» # إن هذه العبارة قد تثير الاستغراب؛ ~~لأنها قد تحمل القارئ على التساؤل: «ألم ~~يكن المتنبي نفسه وسيف الدولة أيضا من ~~العرب؟» غير أن مراجعة وقائع التاريخ من ~~جهة، وديوان المتنبي من جهة أخرى، تكفي ~~لإعلامنا بأن العرب الذين يشير إليهم ابن ~~خلدون هنا، هم «بنو كلاب» الذين كانوا ~~ثاروا على سيف الدولة؛ فاضطروه إلى تجريد ~~حملة عسكرية. # إن أمثال هذه الفقرات والعبارات ~~التي تدل على استعمال كلمة العرب بمعنى ~~البدو كثيرة جدا في جميع مجلدات ~~التاريخ. # 4 ~~(1) # وقد كتب ابن خلدون في ترجمة حياته أيضا فقرات ~~عديدة تؤيد كل ما ذكرناه آنفا، ندرج فيما يلي ~~بعض تلك الفقرات: ~~«الإجازة الثانية إلى الأندلس واللحاق بأحياء ~~العرب، والمقامة عند أولاد عريف» (المجلد السابع ~~من التاريخ، ص443). ~~«أقمت بها أربعة أعوام، فظعنت عن أولاد عريف مع ~~عرب الأجص، من بادية رياح، كانوا هناك ينتجعون ~~الميرة» (ج7، ص445). ~~«فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان معه في ذلك، ~~فأذن لي بعد أن أبى، وخرجت إلى العرب، ونزلت إلى ~~يعقوب بن علي» (ج7، ص419). # إن الفقرة الأخيرة يجب أن تستوقف الأنظار بوجه ~~خاص؛ إن عبارة «خرجت إلى العرب» التي كتبها ابن ~~خلدون هنا، تشبه تمام الشبه قول الناس: «ذهبت إلى ~~العرب»، فإنها تدل دلالة قاطعة على أن ابن خلدون ~~كان يقصد من كلمة العرب «البدو» على وجه الحصر، ~~كما يفعله العوام في أكثر البلاد العربية إلى ~~الآن. ~~(2) # ومن الغريب أن المعنى الخاص الذي استعمل به ابن ~~خلدون كلمة العرب كان قد لفت أنظار المستشرقين منذ ~~مدة طويلة، حتى إن «البارون دو سلان» كان أشار ms129 إلى ~~ذلك حينما ترجم المقدمة. # فإنه نقل كلمة العرب إلى الفرنسية كما هي، ومع ~~ذلك كتب في المجلد الأول من الترجمة - في ذيل ~~الفصل القائل «إن جيل العرب في الخلقة طبيعي»: «إن ~~ابن خلدون استعمل كلمة العرب بمعنى البدو في هذا ~~الفصل، وفي الفصول التالية.» # كما أنه كتب في المجلد الثالث من الترجمة في ~~معظم الألفاظ الملحقة بها مقابل كلمة العرب، ~~العبارة الصريحة التالية: ~~«إن عرب ابن خلدون هم الأعراب.» # Les arabes d’Ibni Khaldoun, ~~sont les arabes nomads (Vol 3 page ~~488). # هذا وقبل البارون دو سلان كان المترجم التركي ~~جودت باشا أيضا قد انتبه إلى هذا المعنى الخاص، ~~وإن لم ير لزوما لذكره بصراحة؛ لأنه لم ينقل ~~كلمة «العرب» إلى التركية كما هي، بل نقلها - في ~~مواضع كثيرة - على شكل «قبائل عرب»، بمعنى «قبائل ~~العرب أو القبائل العربية». ~~(3) # ولذلك كله يؤلمني جدا أن تبقى هذه الحقيقة ~~الناصعة مجهولة بين قراء العربية وكتابها، وأن ~~يستمر على إساءة فهم مقدمة ابن خلدون - من جراء ~~ذلك - في الأحاديث والكتب والمقالات. # خاتمة # عندما أتذكر وأستعرض ما قيل وكتب، وما لا يزال يقال ~~ويكتب حول هذه المسألة، أفكر في الكلمة التي كان قد صدر ~~بها المفكر الشهير «مونتسكيو» الطبعة الثانية من كتابه «روح ~~القوانين»، إنه كان لاحظ أن بعض التعبيرات التي استعملها في ~~الطبعة الأولى قد أسيء فهمها؛ ولذلك رأى أن يوضح قصده ~~قائلا: ~~«إن أبحاثي وتأملاتي أوصلتني إلى أفكار وآراء جديدة، فكان ~~لزاما علي - حينما حاولت التعبير عن تلك الأفكار والآراء - ~~أن أستحدث بعض الكلمات الجديدة، أو أن أستعمل بعض الكلمات ~~القديمة لمعان جديدة. إن الذين لم يفهموا ذلك عزوا إلي من ~~الأقوال والآراء السخيفة ما لم يخطر ببالي أبدا.» # كان مونتسكيو قد عاش وكتب في عصر نهوض ترعرعت فيه الطباعة، ~~وتنشطت فيه الحركات الفكرية بسرعة خارقة، ولهذا السبب استطاع ~~الاطلاع على «كيفية فهم كتاباته»، فوجد سبيلا إلى تغيير بعض ~~تعبيراته، بقصد إزالة الإبهام والالتباس منها، وإلى شرح مقاصده ~~بقصد الدفاع عن آرائه. # لكن ms130 ابن خلدون - من سوء حظه - كان قد جاء في عصر انحطاط، ~~حرمه عن كل ذلك. # وأما التفكير الجدي في ما كتبه فلم يبدأ إلا بعد مرور مدة ~~تزيد على خمسة قرون، وبعد تطور معاني بعض الكلمات خلال هذه ~~القرون. # وإني لا أشك أبدا في أن ابن خلدون لو بعث حيا من مرقده، ~~واطلع على بعض ما يقال فيه الآن؛ لدهش من الآراء التي تعزى ~~إليه دهشة كبيرة. # | القسم الثاني: مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع # | ابن خلدون وفلسفة التاريخ # (1) # إن مقدمة ابن خلدون من نوع المؤلفات التي عرفت في ~~أوروبا باسم «فلسفة التاريخ» في القرن الثامن عشر، ~~وباسم «علم التاريخ»، أو «المدخل إلى التاريخ» في ~~القرن التاسع عشر. # في الواقع إنها تتضمن في الوقت نفسه آراء ومباحث ~~ونظريات اجتماعية هامة، فيجب اعتبارها من هذه الوجهة ~~من نوع المؤلفات المتعلقة ب «الفلسفة الاجتماعية»، وب ~~«علم الاجتماع» أيضا. # غير أنه يجب ألا يغرب عن البال بأنها تتألف في ~~حقيقة الأمر من «المقدمة والكتاب الأول»، من سفر ~~تاريخي كبير، وترمي - قبل كل شيء - إلى «تمييز الحق من ~~الباطل في الأخبار» عند تدوين التاريخ، وتسعى إلى ~~إيجاد «معيار صحيح يتحرى به المؤرخون طريق الصدق ~~والخطأ فيما ينقلونه من الأخبار والوقائع»، كما صرح ~~بذلك المؤلف نفسه، حينما عقب على العبارة الآنفة ~~الذكر بقوله: «هذا هو غرض هذا الكتاب الأول من ~~تأليفنا.» # ولهذا السبب يجب أن ننظر إلى مقدمة ابن خلدون - قبل ~~كل شيء - كمؤلف في فلسفة التاريخ، فيجب أن نقارنها ~~بأمثالها من المؤلفات التي حامت حول فلسفة التاريخ قبل ~~أن نقدم على مقارنتها بالكتب الباحثة عن الفلسفة ~~الاجتماعية، أو علم الاجتماع. ~~(2) # إن فلسفة التاريخ تبحث في الوقائع التاريخية بنظرة ~~فلسفية، فتسعى لاكتشاف العوامل الأساسية التي تؤثر ~~في سير الوقائع التاريخية، وتعمل على استنباط القوانين ~~العامة التي تتطور بموجبها الأمم والدول على ممر ~~القرون والأجيال. # إن تعبير «فلسفة التاريخ» هذا لم يستحدث إلا في ~~القرن الثامن عشر، غير أن «التفلسف في التاريخ» قد ms131 بدأ ~~فعلا قبل ابتكار هذا التعبير بمدة طويلة. # ونستطيع أن نقول إن البذور الأولى لفلسفة التاريخ قد ~~ظهرت في الكتب الباحثة عن «السياسة المدنية»؛ لأن كل ~~نظرية سياسية تستند بطبيعتها - ضمنا أو صراحة - إلى ~~نظرية في طبائع الأمم والدول، وفي شروط تقدمها ~~وكيفية تطورها. ~~(3) # إن تعبير «فلسفة التاريخ» انتشر كثيرا في مؤلفات ~~النصف الأول من القرن التاسع عشر، غير أن استعماله أخذ ~~يقل منذ النصف الثاني من القرن المذكور. # وأما أسباب ذلك فتعود إلى تطور معنى العلم، ~~ومفهوم الفلسفة بوجه عام. # إن البحث عن الأسباب والقوانين العامة لم يكن من ~~خصائص الفلسفة وحدها، بل هو من الغايات التي ترمي ~~إليها، وتنزع نحوها جميع العلوم التي تبحث في ~~الحادثات، طبيعية كانت أم تاريخية واجتماعية. وحينما ~~يتحرى المؤرخون الأسباب والقوانين في الوقائع ~~التاريخية يكونون قد قاموا بعمل علمي بحت، فلا محل ~~لتسمية الأبحاث التي يقومون بها في هذا السبيل باسم ~~الفلسفة، نظرا للمعاني المفهومة من كلمتي العلم ~~والفلسفة في عصرنا الحاضر. # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن مباحث «الفيزياء» ~~نفسها كانت تسمى قبل بضعة قرون باسم «الفلسفة ~~الطبيعية»، ومعظم كتب الفيزياء التي نشرت في إنجلترا ~~حافظت على هذا العنوان حتى القرن التاسع عشر، غير أن ~~عناوين مثل هذه الكتب تجردت بعد ذلك من كلمة الفلسفة ~~بوجه عام، وتركت محلها إلى اسم «علم الفيزياء»، أو ~~«الفيزياء» على وجه الإطلاق. # فكان من الطبيعي أن يتطور تعبير «فلسفة التاريخ» ~~أيضا على هذا المنوال؛ إذ إن المباحث التي نحن بصددها ~~تعد من عناصر البحث العلمي في كل «تاريخ»، فيجب أن ~~تعتبر من مواضيع «علم التاريخ». # في الواقع إن الفلسفة لم تنقطع عن التأمل في ~~الوقائع والحادثات الطبيعية والتاريخية، فهي لا تزال ~~تتناول التاريخ أيضا بالنظر والتمحيص، غير أن النظر ~~الفلسفي يمتاز عن البحث العلمي الاعتيادي بالإقدام على ~~أوسع التركيبات، وبالبحث عن أشمل القوانين وأعمق ~~الأسباب. # ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن «أشمل القوانين ~~وأعمق الأسباب» في تطور الأمم لا يمكن أن تكتشف ~~بدرس الوقائع ms132 التاريخية وحدها، بل إن اكتشاف مثل هذه ~~القوانين الشاملة والأسباب العميقة يتطلب ملاحظة ~~أحوال الأمم الحاضرة مثل ملاحظة الأمم البائدة، ودرس ~~الحادثات الاجتماعية الحالية مثل درس الحادثات ~~الماضية، ومن البديهي أن هذه الأبحاث تتعدى حدود ~~«التاريخ» البحت، وتدخل في نطاق الاجتماعيات العامة، ~~فتكون حينئذ من مواضيع «الفلسفة الاجتماعية»، أو «علم ~~الاجتماع» بوجه عام. # ولهذه الأسباب صارت المؤلفات المتعلقة بفلسفة ~~التاريخ تقل شيئا فشيئا تاركة محلها للمؤلفات التي ~~تحمل عنوان «علم التاريخ»، أو «أصول التاريخ» من جهة، ~~وللأبحاث التي تدخل في نطاق علم الاجتماع، أو الفلسفة ~~الاجتماعية من جهة أخرى. ~~(4) # إذا استعرضنا أهم المؤلفات التي تتعلق بفلسفة ~~التاريخ مباشرة، أو التي تمت بصلة قوية إلى بعض أبحاث ~~هذه الفلسفة، وحصرنا استعراضنا هذا فيما صدر منها خلال ~~القرون الأربعة التي تلت تاريخ كتابة مقدمة ابن خلدون ~~(أي من سنة 1377 إلى سنة 1777)؛ وجدنا أنها تنحصر في ~~الكتب العشرة التالية حسب تواريخ نشرها: ~~(أ) # الأمير (سنة 1520)، تأليف ماكيافللي # Machiavelli # الإيطالي. ~~(ب) # الجمهورية (سنة 1557)، تأليف ~~«جان ~~بودن» # Jean Bodin # الفرنسي. ~~(ج) # خطب في التاريخ العام (سنة 1681)، تأليف ~~«بوسسوئة» # Bossuet # الفرنسي. ~~(د) # الحكومة المدنية (سنة 1690)، تأليف «جون ~~لوك» # J. ~~Lock # الإنجليزي. ~~(ه) # العلم الجديد (سنة 1725)، تأليف ~~«جان باتيستا فيكو» # J. B. ~~Vico # الإيطالي. ~~(و) # روح القوانين (سنة 1748)، تأليف ~~«مونتسكيو» # Montesquein # الفرنسي. ~~(ز) # خطب في الصوربون (سنة 1750)، تأليف ~~«تورغو» # Turgot # الفرنسي. ~~(ح) # طبائع الأمم وفلسفة التاريخ (سنة 1756)، ~~تأليف فولتير # Voltaire # الفرنسي. ~~(ط) # تاريخ المجتمع المدني (سنة 1765)، تأليف ~~«فركوسن» # Fergusson # الإنجليزي. ~~(ي) # آراء فلسفية في تاريخ البشرية (سنة ~~1772)، تأليف «هردر» # Herder # الألماني. # وأما إذا وسعنا ساحة بحثنا وأشملناها كل ما ~~كتب قبل مقدمة ابن خلدون أيضا، فلا نجد بينها إلا ~~ثلاثة مؤلفات، تمت ببعض الصلة إلى بعض الأبحاث من ~~فلسفة التاريخ، وهي: ~~(أ) # الجمهورية، لأفلاطون Platon ~~(القرن الرابع قبل ~~الميلاد). ~~(ب) # السياسة، لأرسطو # Aristotelis ~~(القرن الرابع قبل الميلاد). ~~(ج) # مدينة الله، للقديس أوغسطين # St ~~Augustin ~~(القرن الرابع ~~بعد الميلاد). # إن تعيين منزلة مقدمة ابن خلدون في «تاريخ ms133 فلسفة ~~التاريخ»، لمما يتطلب مقارنتها بالكتب والمؤلفات ~~التي ذكرناها آنفا. ~~(5) # إن أشمل الدراسات عما كتب في فلسفة التاريخ قام ~~بها «روبرت فلينت» # R. ~~Flint ~~، الذي كان أستاذا في جامعة ~~إدينبرة، فقد نشر المومأ إليه أولا - سنة 1874 - ~~كتابا بعنوان «فلسفة التاريخ في فرنسا وألمانيا»، ~~يعتبر من أمهات الكتب في هذا الموضوع. # يبدأ فلينت فصول كتابه ببحث عن «جان بودن»، ولكنه ~~يقدم على ذلك مقدمة طويلة يستعرض فيها بذور ~~فلسفة التاريخ، مبتدئا من أفلاطون وأرسطو، ومتوسعا ~~في القديس أوغسطين. إن اسم ابن خلدون لم يذكر في ~~هذه المقدمة؛ مما يدل على أن المؤلف لم يكن قد اطلع ~~عليها بعد عندما نشر الكتاب المذكور. # غير أن روبرت فلينت واصل أبحاثه في هذا المضمار بعد ~~نشر الكتاب المذكور أيضا، إنه درس ما نشر عن فلسفة ~~التاريخ في سائر البلاد، وفي الأخير نشر مؤلفا آخر ~~تحت عنوان «تاريخ فلسفة التاريخ»، وذلك بعد مرور عشرين ~~عاما على نشر كتابه الأول. # يظهر من مطالعة مقدمة هذا الكتاب أن المؤلف كان قد ~~اطلع خلال هذه المدة على مقدمة ابن خلدون، وأعجب بها ~~إعجابا شديدا، فكتب عن ابن خلدون ما يلي: ~~«من وجهة علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، يتحلى ~~الأدب العربي باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم ~~الكلاسيكي في القرون القديمة، ولا العالم المسيحي في ~~القرون الوسطى، يستطيع أن يقدم اسما يضاهي في ~~لمعانه ذلك الاسم.» ~~«إذا نظرنا إلى ابن خلدون (1332م/1406ب.م.) كمؤرخ ~~فقط؛ وجدنا من يتفوق عليه حتى بين كتاب العرب ~~أنفسهم، وأما كواضع نظريات في التاريخ فإنه منقطع ~~النظير في كل زمان ومكان، حتى ظهور «فيكو» بعده بأكثر ~~من ثلاث مائة عام. ليس أفلاطون ولا أرسطو ولا القديس ~~أوغسطين بأنداد له، وأما البقية فلا يستحقون حتى ~~الذكر بجانبه.» ~~«إنه يستحق الإعجاب بما أظهره من روح الابتكار ~~والفراسة والتعمق والإحاطة.» ~~«كان رجلا منقطع النظير بين أهل دينه ومعاصريه في ~~موضوع الفلسفة التاريخية، كما كان «دانتي» في الشعر، ~~و«بايكن» في العلم بين أهل دينهما ومعاصريهما» (فلينت، ~~تاريخ فلسفة ms134 التاريخ، ص86). # ولهذا السبب يفرد فلينت في كتابه هذا بحثا خاصا ~~لاستعراض آراء ابن خلدون، فيقول ما يلي: ~~«إن أول كاتب بحث في التاريخ كموضوع علم خاص كان ابن ~~خلدون. أما هل يجب أن يعد أو لا يعد - لهذا ~~السبب - «مؤسس علم التاريخ»، فذلك سؤال قد يثير خلافا ~~في الآراء.» ~~«غير أن كل من يقرأ مقدمته بإخلاص ونزاهة لا يستطيع ~~إلا أن يعترف بأن حق ابن خلدون في ادعاء هذا الشرف - ~~شرف التسمية باسم مؤسس علم التاريخ وفلسفة التاريخ - ~~أقوى وأثبت من حق كل كاتب آخر سبق فيكو» (ص157 من ~~تاريخ فلسفة التاريخ). # إن المؤلف المشار إليه لا يغفل نقائص ابن خلدون ~~وأخطاءه، ولكنه يرجع جميع هذه النقائص والأخطاء إلى ~~سبب رئيسي هام، وهو قلة اطلاعه على تاريخ الغرب وعلى ~~حضارة أوروبا. فيقول لذلك: ~~«لو عرف ابن خلدون العالمين الكلاسيكي والمسيحي، ~~وبحث وعمم فيهما أيضا بعين الاستقلال الفكري ونفوذ ~~النظر؛ لجاءت رسالته من أعظم وأثمن الرسائل في الأدب ~~العالمي. وعلى كل حال، فإن الكتاب الذي تركه لنا له من ~~العظمة والأهمية ما يكفي للاحتفاظ باسمه وشهرته إلى ~~آخر الأجيال» (ص171 من الكتاب المذكور). ~~(6) # يظهر من الفقرات التي نقلناها آنفا أن روبرت فلينت ~~يعتبر ابن خلدون متفوقا تفوقا أكيدا على جميع من ~~كتب في فلسفة التاريخ، ليس قبله فحسب، بل خلال القرون ~~الثلاثة التي تلت وفاته أيضا. # ومما يستلفت النظر في هذا المضمار أن روبرت فلينت لم ~~يكن من المستشرقين الذين يحملون شغفا خاصا بالأمور ~~والمؤلفات الشرقية، بل كان من رجال الدين، وكان قد ~~أظهر نزعته الدينية الشديدة في مواضع عديدة من ~~مؤلفاته. # فإن صدور مثل هذه الكلمات التقديرية من المؤلف ~~المشار إليه بالرغم من نزعته الدينية الشديدة؛ يدل ~~دلالة واضحة على شدة إعجابه بمقدمة ابن خلدون عند ~~اطلاعه عليها، بعد انكبابه على درس جميع المؤلفات التي ~~تحوم حول فلسفة التاريخ، منذ بدء التفكير في العالم ~~القديم، حتى أواخر القرن الأخير. # إن شهادة روبرت فلينت في هذا الصدد تغنينا عن مقارنة ms135 ~~مقدمة ابن خلدون بالمؤلفات التي كتبت ونشرت قبل ~~كتاب فيكو. # ولهذا السبب رأيت أن أكتفي بتسجيل حكم الباحث المشار ~~إليه فيما يخص من سبق فيكو في هذا المضمار، وأن أتخذ ~~فيكو نفسه مبدأ لدراساتي ومقارناتي؛ لإظهار منزلة ~~ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ. # | ابن خلدون وفيكو # (1) حياة فيكو وآراؤه # 1 # ولد جواني ~~باتيستا فيكو # Giovanni Battista Vico # في نابولي سنة 1667، ~~وتوفي في المدينة نفسها سنة 1744. # كان والده كتبيا فقيرا، ومع هذا فقد بذل كل ما في ~~استطاعته ليضمن لابنه «دراسة كاملة»، بالنسبة إلى ما كان ~~معروفا في زمانه. # فقد درس فيكو - وفقا للتقاليد المتحكمة عندئذ - اللغات ~~القديمة، والفلسفة الدرسانية # Scholastique ~~، وعلم ~~اللاهوت ، وعلم الحقوق، وشغف بالحقوق شغفا شديدا، ولكنه ~~لم يمتهن القضاء أو المحاماة، بل أخذ يتوسع ويتعمق في ~~دراسة أسس الحقوق الطبيعية، وتاريخ الحقوق الرومانية بوجه ~~خاص. # ثم ذهب إلى مدينة «واتوللا» بناء على دعوة أسقف ~~«إيسكيا» لتعليم الحقوق لأحد أقاربه النبلاء، وقضى فيكو ~~هنالك تسع سنوات، وجد خلالها متسعا من الوقت لدرس الكتب ~~القديمة المحفوظة في مكتبة الدير دراسة متقنة. # وعندما عاد إلى نابولي بعد ذلك، وجد أن التدريسات في ~~جامعاتها كانت قد اتجهت اتجاها جديدا تماما، كانت فلسفة ~~«ديكارت» الحديثة قد سيطرت على الجامعة، وأبعدتها عن ~~الفلسفات القديمة، ولا سيما عن الفلسفة الأفلاطونية. # لم يرتح فيكو إلى هذا التيار الفكري الجديد، لا سيما ~~بعد أن لاحظ أن التيار المذكور لم يكتف بإهمال الفلسفة ~~القديمة، بل أخذ يهمل التاريخ والشعر والبلاغة ~~أيضا. # إنه لم يقل بلزوم البقاء تحت سلطة الفلاسفة القدماء، ~~ولكنه لم يسلم بجواز الاسترسال في التفكير الذاتي، ~~والاستسلام إليه استسلاما كليا؛ ولذلك دعا إلى اتباع ~~خطة متوسطة بين التيار القديم وبين التيار الحديث؛ لقد قال ~~بوجوب اتباع المحاكمات الذاتية، مع احترام سلطة أساطين ~~الفكر والعلم القدماء، واتبع بنفسه هذه الخطة في دروسه ~~وتأليفاته المتنوعة. # صار فيكو أستاذا للبلاغة في جامعة نابولي، وتطرق في ~~دروسه إلى مسائل متنوعة، يحوم معظمها حول الحقوق الطبيعية، ~~وتاريخ الحقوق الرومانية، واشتقاق ms136 الكلمات اللاتينية. نشر ~~طائفة من الخطب والرسائل في هذه المسائل، وأظهر في جميعها ~~نزعة مستمرة نحو ربط الأبحاث اللغوية بالمسائل الحقوقية ~~والتاريخية، وفي الأخير جمع ونظم معظم الآراء التي سردها ~~في هذا المضمار في سفر واحد أسماه «العلم ~~الجديد» # Scienza Nuava ~~. # إن شهرة فيكو العلمية قامت على هذا الكتاب، فإن الآراء ~~المدونة فيه هي التي حملت الكثيرين من المؤرخين ~~والمفكرين على تلقيبه بلقب «مؤسس فلسفة التاريخ» أولا، ~~وبلقب «مؤسس علم الاجتماع» ثانيا. # نشرت الطبعة الأولى من العلم الجديد سنة 1725، ولكن ~~نسخ هذه الطبعة نفدت خلال ثلاث سنوات، فأعيد طبع الكتاب ~~مرتين خلال حياة المؤلف، وذلك في سنة 1730، وسنة ~~1744. # خلال هذه الطبعات الجديدة أعاد فيكو النظر فيه، وأدخل ~~عليه تنقيحات وتعديلات كثيرة، غير أن هذه التعديلات لم ~~تبدل شيئا من الآراء الأساسية المدونة فيه، مع أنها ~~غيرت ترتيب مباحثه تغييرا جوهريا، بل صاغته صياغة ~~جديدة، من وجهة كيفية عرض الآراء وكيفية تبويبها. # لقد ترجمت الطبعة الثالثة من العلم الجديد إلى ~~الفرنسية، بقلم المؤرخ الشهير «جول ميشله» بعنوان «أصول ~~فلسفة التاريخ». # بين يدي الآن نسخة من هذه الترجمة المطبوعة في باريس سنة ~~1827، وأنا سأستند إلى هذه النسخة في تلخيص وعرض آراء ~~ونظريات فيكو في فلسفة التاريخ. # 2 # يتألف العلم الجديد من خمسة كتب؛ الأول في الأسس ~~والمبادئ، والثاني في الحكمة الشعرية، والثالث في اكتشاف ~~حقيقة هوميروس، والرابع في المجرى الذي يسير فيه تاريخ ~~الأمم، والخامس في عودة الانقلابات وتكررها عند انبعاث ~~الأمم بعد انقراضها. ~~(1) # يبدأ فيكو فصول الكتاب الأول ب «لوحة ~~قرونولوجية»، يستعرض فيها أهم وقائع التاريخ، ~~من خلقة العالم، إلى الحرب البونية ~~الثانية. # يعتمد المؤلف في هذا الباب على روايات ~~التوراة وتفاسيرها، فيؤرخ الوقائع بتاريخ ~~الخليقة، فيذكر مثلا أن الطوفان قد حدث سنة ~~1656 بعد الخليقة، وأن حروب طروادة نشبت سنة ~~2720 من التاريخ المذكور، كما أن مدينة روما ~~أسست سنة 3252 بعد الخليقة، وأما الحرب ~~البونية الثانية - التي تنتهي بها اللوحة ~~القرونولوجية المذكورة - فقد حدثت سنة 3749 من ~~تاريخ خلقة ms137 العالم، وسنة 552 من تاريخ تأسيس ~~روما. ~~(2) # يدعي فيكو في هذا الفصل وفي الفصول الأخرى ~~من الكتاب، أن أقدم الأمم هم العبران، ولا ~~يسلم بالقدم الذي «يعزوه المؤرخون» إلى ~~المصريين والآشوريين والصينيين. ويقول: إن ~~مزاعم المؤرخين في هذا الصدد لا تستند إلى ~~أساس قويم، في الواقع إن المصريين يذكرون في ~~تواريخهم من الوقائع ما يعود إلى زمن أقدم من ~~الأزمنة المذكورة آنفا، غير أن ذلك ليس إلا ~~من نوع الأحاديث الخرافية التي لا يجوز الركون ~~إليها بوجه من الوجوه؛ «إذ لا يوجد في دين ~~المصريين وحضارتهم ما يدل على مثل هذا القدم ~~المزعوم. يعلمنا القديس كليمانت الإسكندري بأن ~~كتبهم المقدسة كانت مملوءة بأفظع الأغلاط في ~~الفلسفة والفلك، كما أن طبهم كان نسيجا من ~~التوافه والتضليلات، وأما أخلاقهم فكانت ~~متفسخة جدا؛ لأنها كانت تسمح بالفحش، حتى ~~إنها كانت تحترمه وتقدسه أيضا في بعض ~~الأحيان، كما أن لاهوتهم كان من نوع الخرافات ~~والسحريات، حتى إن صناعتي السكب والنحت أيضا ~~كانتا عندهم في حالة الطفولة تماما. ولا عبرة ~~في هذا الباب بعظمة الأهرام؛ لأن العظمة ليست ~~من الأمور التي لا تأتلف مع البربرية.» # ولذلك كله يؤكد فيكو بأن العبران أقدم من ~~المصريين والصينيين وسائر الأمم ~~جميعا. # هذه قضية ثابتة في نظر فيكو لا يمكن تفنيدها ~~بحجة «أن التواريخ القديمة - غير المقدسة - لم ~~تذكر اسم العبرانيين إلا في وقت متأخر ~~نسبيا»؛ لأن عدم ذكرهم في تلك التواريخ قد ~~نشأ من سبب جلي تماما؛ إنهم كانوا يعيشون ~~عيشة اعتزال، ولذلك بقوا مجهولين لدى الأمم ~~المجاورة لهم مدة طويلة، فإن المؤرخ ~~الإسرائيلي يوسف كان يعترف بأن العبرانيين ~~بقوا مجهولين مدة قرون طوال، وكان يعلل ذلك ~~بقوله: «نحن لا نسكن السواحل، نحن لا نحب أن ~~نتاجر مع الأجانب؛ ولهذا السبب لم نخالط الأمم ~~الأخرى.» # كان بطلميوس فيلادلفي قد تساءل مستغربا: ~~«لماذا لم يقدم أحد من المؤرخين والشعراء ~~القدماء على ذكر قوانين موسى؟» غير أن ~~«ديميتريوس» اليهودي كان قد أزال استغرابه هذا ~~قائلا: إن الذين حاولوا نقل أخبار ms138 العبران ~~إلى الأجانب عوقبوا على محاولتهم هذه معاقبة ~~شديدة، بمعجزة من الله بصورة خارقة للعادة. ~~مثلا إن «تيودكت» حرم من نعمة البصر من ~~جراء ذلك، كما أن «تيوبومب» أضاع شعوره للسبب ~~نفسه. # إن فيكو يصدق كل هذه الروايات، ويشترك مع ~~«لاكتانس» في تعليل ذلك بقوله: «لا شك في أن ~~العناية الإلهية شاءت بذلك أن تحول دون تدنس ~~دين الله الحقيقي، باختلاط شعبه المختار مع ~~الأجانب» (ص19). ~~(3) # فلا شك في نظر فيكو بأن أقدم الأمم هم ~~العبران، ويليهم في القدم الكلدان، فالإسكيت، ~~والفينيقيون، ويلي الفينيقيين المصريون، ~~فالإغريق، فالرومان. # فالمصريون إذن هم الشعب الخامس في ترتيب ~~الشعوب من حيث القدم، فهم أحدث من العبران ~~والكلدان والفينيقيين. # ومع هذا يقول فيكو إن المصريين خدموا ~~التاريخ خدمة عظمى؛ لأنهم خلفوا لنا ~~حقيقتين تاريخيتين هامتين، لا تقلان أهمية ~~وعظمة عن أهرامهم الجبارة. # الحقيقة الهامة الأولى؛ هي أنهم كانوا ~~يقسمون تاريخهم إلى ثلاثة عهود وأدوار؛ دور ~~الآلهة، دور الأبطال، دور البشر. # وأما الحقيقة الهامة الثانية؛ فهي أنهم ~~كانوا يقولون بأن الناس تكلموا في كل دور من ~~هذه الأدوار الثلاثة بلغة خاصة به؛ اللغة ~~الهيروغليفية في دور الآلهة، واللغة الرمزية ~~في دور الأبطال، واللغة العامية في دور ~~البشر. # إن المؤرخ الروماني «فارون» كان يقسم عصور ~~التاريخ إلى ثلاثة أقسام، ويسميها على ~~التوالي؛ الدور المظلم، الدور الأسطوري، الدور ~~التاريخي. # إن الدور المظلم الذي يشير إليه فارون يقابل ~~دور الآلهة عند المصريين، كما أن الدور ~~الأسطوري الذي يذكره المؤرخ المومأ إليه يقابل ~~دور الأبطال، وأما الدور التاريخي الذي يشير ~~إليه فارون فيقابل الدور البشري الذي اصطلح ~~عليه المصريون. ~~(4) # يتمسك فيكو بأهداف هذه الآراء والروايات ~~القديمة تمسكا شديدا، ويتخذها أساسا ~~لتفلسفاته في سير التاريخ، إنه يعمم هذه ~~الأدوار الثلاثة على جميع الأمم في جميع ~~العصور، ثم يمزجها بمذهب «الدورات» # Cycles # الذي كان يقول به الفيثاغوريون، ويوجد بذلك ~~نظريته الأساسية في حياة الأمم. # يدعي فيكو بأن التاريخ العام يجتاز ثلاثة ~~أدوار؛ الدور الأول هو دور الآلهة أو الدور ~~الإلهي، وهو الدور ms139 الذي يستند فيه الحكم إلى ~~الدين مباشرة، وتجري فيه الأوامر والنواهي حسب ~~ما يعتقد بأنه مشيئة الله أو الآلهة. # الدور الثاني هو دور الأبطال أو الدور ~~البطولي؛ وهو الدور الذي يكون فيه الحكم بيد ~~أبطال أشداء ومحاربين، يعتقد الناس بأنهم من ~~طينة غير طينة الإنسان العادي. # وأما الدور الثالث فهو الدور البشري الذي ~~تتأسس فيه الحضارة بأشكالها المعلومة. # إن هذه الأدوار تتوالى على شكل دائرة تامة، ~~حيث يتصل منتهى الدور الثالث بمبدأ الدور ~~الأول، فكل أمة من الأمم تنتقل في تاريخها من ~~دور الآلهة إلى دور الأبطال فدور البشر، ~~وعندما تبلغ غايتها من الدور الأخير تعود مرة ~~أخرى إلى دور الآلهة، وتبدأ بذلك دورة جديدة ~~على هذه الدائرة الأزلية الأبدية. # قد تتوقف الأمم في ناحية من نواحي هذه ~~الدائرة في دور من هذه الأدوار، غير أنها لا ~~تستطيع أن تخرج من نطاقها أبدا. # هذه هي الدائرة الأزلية التي رسمتها القدرة ~~الصمدانية للأمم، والتي اكتشفها العلم الجديد ~~بفضل تأملات فيكو، هذه هي الدائرة التي تدور ~~عليها تواريخ جميع الأمم في جميع ~~القرون. # إن جميع المساعي التي بذلها فيكو في العلم ~~الجديد تحوم حول هذه النظرية الأساسية، وترمي ~~إلى شرح وتفصيل وتعليل هذه الأدوار الثلاثة في ~~حياة الأمم. # 3 ~~(1) # يبدأ فيكو قصة التاريخ العام من الطوفان؛ إن ~~أبناء نوح بعد الطوفان لم يسيروا على وتيرة ~~واحدة، ولم يسلكوا مسلكا متماثلا، بل إن ~~سلوك أولاد سام اختلف عن سلوك أولاد حام ويافث ~~اختلافا كليا؛ فإن أولاد سام بقوا حيث ~~كانوا، فحافظوا على لغاتهم، واعتقاداتهم، ~~وسائر خصالهم البشرية، غير أن أولاد حام ويافث ~~تشتتوا في أنحاء الأرض؛ فتباعدوا بذلك عن ~~الخصال البشرية تباعدا كليا. # كانت الأرض مستورة عندئذ بغابات كثيفة ~~جدا، فانتشر أولا حام ويافث في هذه الغابات ~~إلى جميع الجهات؛ هربا من مطاردة الحيوانات ~~المفترسة، وانتجاعا للماء والغذاء، وسعيا ~~وراء النساء اللاتي كن لا يستسلمن إلى ~~شهواتهم. وعلى هذا الوجه صاروا يعيشون عيشة ~~بهيمية، نسوا خلالها لغاتهم وأديانهم، وفقدوا ~~جميع مزاياهم البشرية، فانحطوا ms140 إلى دركة ~~البهائم تماما، حتى إن قامتهم نفسها تباعدت ~~عن القامة البشرية المألوفة، وعادت إلى ما ~~كانت عليه من الضخامة قبل الطوفان؛ فأصبح كل ~~فرد منهم عملاقا. وانقسم البشر لذلك إلى ~~قسمين أساسيين، يختلف الواحد عن الآخر من حيث ~~الأصل والنسل أيضا اختلافا جوهريا؛ القسم ~~الأول كان العبران، والقسم الثاني كان ~~العمالقة. # عاش العمالقة في الغابات منفردين متوحشين، ~~ومسترسلين في شهواتهم البهيمية، من غير أن ~~يقيدوا أنفسهم بقانون أو دين. ~~(2) # واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن جفت ~~الأرض من مياه الطوفان، فأخذت تصعد الأبخرة ~~التي تكون العواصف، وتحدث الرعد والبرق، ~~وتنزل الصواعق. إن حدوث هذه الأنواء ~~الهائلة - لأول مرة - أثر في نفوس العمالقة ~~تأثيرا عميقا، وأدهشهم دهشة شديدة: «بين ~~غيوم هذه العواصف الأولى، وعلى ضوء هذه ~~الأنواء البارقة» (ص117)، علم الإنسان وجود ~~قوة عليا، وسماها «جوبيتر». # وصار هذا مبدأ انقلابات عظيمة جدا في حياة ~~هؤلاء العمالقة، لقد تصور العمالقة هذه ~~القوة العليا عن طريق قياس النفس، وظنوا أن ~~هذه القوة الجبارة تعود إلى شخص مثلهم، يعيش ~~ويشتهي، يرضى ويغضب. إنهم كانوا يدمدمون ~~ويغمغمون - عادة - عندما يغضبون، فلما سمعوا ~~جلجلة الرعد والبرق، شبهوها بغمغمة الغضب، ~~وراحوا يتوهمون أن جوبيتر يظهر غضبه بهذه ~~الغمغمات الهائلة، ويطلب من الناس بعض الأشياء ~~والأعمال، فأخذوا يسعون وراء تفسير معاني هذه ~~الغمغمات وكشف أسرارها؛ لتفهم مقاصد الإله ~~الجبار، والعمل على استرضائه بوسائط ~~شتى. # وهذه كانت البذرة الأولى في سبيل توليد ~~«الديانة والكهانة» في وقت واحد. ~~(3) # إن الفزع الذي استولى على العمالقة من صوت ~~الرعد والبرق حملهم على الالتجاء إلى ~~المغارات، والانقطاع عن حياة التنقل ~~والتشرد، كما أنه جعلهم يتحاشون مجامعة ~~النساء تحت بصر السماء، فصار كل واحد منهم ~~يأخذ امرأة إلى مغارة، ويحتفظ بها لنفسه، ~~ويعيش معها بمفرده. وبهذه الصورة تأسس نظام ~~الزواج، ونشأت عادة العفاف. # إن معيشة رجل مع امرأة واحدة داخل مغارة على ~~هذا الوجه، أدى إلى بقاء الأولاد مرتبطين ~~بالآباء والأمهات؛ فتكونت بذلك الأسر ~~الأولى من الأب والأم والأولاد. # وعندما انقطع العمالقة ms141 عن حياة التشرد ~~بهذه الصورة، أخذ كل واحد منهم يزرع الأرض ~~القريبة من مغارته مشتركا مع أفراد عائلته، ~~وبدأت بذلك الزراعة من جهة، وملكية الأرض من ~~جهة أخرى. # إن هذه الحياة الهادئة والتربية المستقرة لم ~~تخل من التأثير على جثة العمالقة وقامتهم ~~أيضا، فإنهم أخذوا يفقدون بالتدريج ضخامة ~~الجثة، إلى أن اكتسبوا القامة الاعتيادية ~~اللائقة بالإنسان. ~~(4) # وكان من نتائج هذه الانقلابات كلها أن تكونت ~~المجتمعات البشرية الأولى على الجبال، في ~~المغاور المتفرقة في سفوحها، وكان قوام كل ~~مجتمع من هذه المجتمعات عائلة واحدة ~~مؤلفة من الأب والأم والأولاد، وكان هذا ~~المجتمع الابتدائي دويلة منعزلة، يرأسها أمير ~~واحد هو الأب، وكان الأب يتمتع بسلطة مطلقة ~~تجاه جميع أفراد العائلة، إنه كان الآمر ~~والناهي الوحيد الذي يتصرف في جميع شئونها، ~~ولكنه كان يستند في أوامره ونواهيه هذه إلى ~~تكهناته عن مقاصد الآلهة، فالأب في هذه ~~المجتمعات الابتدائية لم يكن أبا فحسب، بل ~~كان بمثابة الملك والكاهن أيضا. # إن جميع الانقلابات التي شرحناها آنفا بدأت ~~- على رأي فيكو - ببدء العواصف، ونشأت من ~~تأثير الرعد والبرق في أذهان العمالقة ~~البسطاء. ~~(5) # غير أن هذه التطورات لم تشمل جميع أبناء ~~البشر في وقت واحد، عندما كان بعض العمالقة - ~~وهم الذين كانوا على الجبال - يلجئون إلى ~~المغارات، ويتطورون التطورات التي شرحناها ~~آنفا، بقي القسم الآخر منهم - وهم الذين ~~كانوا يهيمون في السهول - على ما كانوا عليه ~~من التشرد مدة أخرى. # ولكن هذا القسم من أبناء البشر عندما شاهدوا ~~النتائج التي حصل عليها أفراد القسم الأول، ~~أخذوا يلتجئون إليهم، ويعرضون خدماتهم عليهم؛ ~~فصاروا ينضمون إلى جماعة العائلة بصفة خدام ~~وموال. فتوسع بذلك نطاق العائلات، وأصبحت كل ~~واحدة منها مؤلفة من الأب والأم والأولاد، ~~مع عدد من الخدم والموالي الملتجئين ~~إليها. # إن هؤلاء الخدام الملتجئين صاروا يشتركون في ~~زراعة الأرض من غير أن يمتلكوها، ويخضعون ~~لسلطة الأب المطلقة، مثل أفراد العائلة ~~الأصلية. وبذلك توسعت سلطة الآباء، وأخذت تشمل ~~جماعة من الناس، علاوة على الأم والأولاد، ~~فأصبح الآباء بمثابة رؤساء ms142 بكل معنى الكلمة؛ ~~ولذلك سموا باسم الأبساء. # 1 ~~(6) # إن نظرية «توسع العائلة» على هذا الوجه ~~بانضمام الخدم الملتجئين إليها لمن الأمور ~~التي يهتم بها فيكو اهتماما خاصا، إنه ~~يعتبرها من أهم الحقائق التي اهتدى إليها في ~~علمه الجديد، ويحاول أن يستنتج منها سلسلة ~~طويلة من النتائج والوقائع الهامة. # إن هؤلاء اللاجئين قاموا بالخدمة المطلوبة ~~منهم - في بادئ الأمر - عن طيبة خاطر؛ لما ~~وجدوا في هذه الحياة الجديدة من الراحة ~~والطمأنينة بالنسبة إلى حالتهم السابقة، ولما ~~اعتقدوا بأن الأبساء لم يكونوا من طينة ~~اعتيادية. # غير أنهم بعد ذلك بدءوا يتذمرون من وضعهم، ~~وأخذوا يحاولون العصيان على أسيادهم؛ عندئذ ~~اضطر الأبساء إلى الاتفاق فيما بينهم ~~ليتمكنوا من مقاومة مطاليب الخدم، وتكونت ~~بذلك «الجماعات السياسية» التي تتألف من عدة ~~عائلات؛ ألف الأبساء فيها طبقة النبلاء، ~~وألف الخدم طبقة العوام. فتحددت عندئذ سلطة ~~كل أبيس من الأبساء بسلطة مجلس النبلاء، ~~وتأسس «الحكم الأرستقراطي» على هذا ~~المنوال. # ولكن هذا التدبير - تدبير اتفاق الأبساء ~~فيما بينهم - أصبح غير كاف لكبح جماح الخدم ~~بمرور الزمن؛ إذ إن هؤلاء الخدم أيضا اتفقوا ~~فيما بينهم، وأخذوا يتقدمون ببعض المطاليب، ~~ويضطرون النبلاء إلى إجابة طلباتهم من حين إلى ~~حين. وفي الأخير حينما قوي ساعدهم شاركوا ~~النبلاء في الحكم، فتأسس بذلك «الحكم ~~الديمقراطي». # إن اشتراك الخدم والعوام في الحكم - على هذا ~~المنوال - أدى إلى تفشي الفوضى بعد مدة من ~~الزمن، عندئذ ظهر رجل قوي شديد البأس، وقبض ~~على زمام الأمور، وأعلن نفسه ملكا، وصار يسود ~~على العوام والنبلاء على حد سواء، فتأسس ~~بذلك «الحكم الفردي»، أو «الحكم ~~الملكي». ~~(7) # يسرد فيكو ويشرح هذه الآراء والنظريات ~~المختلفة في عدة محلات من كتابه، بتعبيرات ~~وأساليب متنوعة، ويقدم لبعضها أمثلة وأدلة ~~مختلفة، كلها مستقاة من أساطير اليونان ومن ~~تاريخ اليونان والرومان. # إن جميع الأمم اعتقدت ب «جوبيتر» تحت أسماء ~~مختلفة، كما اعتقدت بابن جوبيتر «هرقلس» أيضا ~~بأسماء متنوعة. والسيكلوب # Cyclopes # الذين تذكرهم ~~الأساطير اليونانية، هم - في حقيقة الأمر - ~~العمالقة الذين التجئوا إلى المغارات. # وأما الأسطورة ms143 القائلة بأن جوبيتر «صرع ~~السيكلوب» فهي ترمز إلى واقعة حقيقية؛ واقعة ~~انصعاق العمالقة من جراء الرعد والبرق، ~~والتجائهم إلى المغارات، واضطرارهم إلى تغيير ~~أساليب حياتهم تغييرا كليا. # والأسطورة القائلة بأن «جونون» زوجة جوبيتر ~~وأخته، حتمت على هرقلس أعمالا جبارة، فهي ~~أيضا ترمز إلى واقعة حقيقية؛ إنها تدل على أن ~~قدسية الزواج ربت الإنسان على الفضائل ~~العالية. # إن قصة «ديانا» أيضا تعبر عن واقعة ~~تاريخية؛ إنها تمثل حياة الطهر التي بدأت بعد ~~تأسيس نظام الزواج، إذ من المعلوم أن ديانا ~~كانت تلتجئ إلى الظلام لتقترن ب «آنديميون» ~~حسب أساطير اليونان، والظلمة المذكورة في هذه ~~الأسطورة ما هي إلا ظلمة المغارات، التي صار ~~الإنسان لا يقترن بالمرأة إلا فيها بعد التجاء ~~العمالقة إليها. # وهكذا يجد فيكو في أساطير اليونان سلسلة ~~طويلة من الدلائل على صحة آرائه ونظرياته في ~~هذا الصدد. ~~(8) # يطبق فيكو هذه الآراء على تاريخ اليونان ~~والرومان، وتاريخ القرون الوسطى أيضا. # إن دور الأبطال لم يستمر مدة طويلة عند ~~اليونان؛ ذلك لأن ظهور الفلاسفة عندهم عجل ~~أمر انتقالهم من الدور الإلهي إلى الدور ~~البشري، من غير أن يتركهم يهيمون مدة طويلة ~~في الدور البطولي. # ولكن الوقائع سارت بنظام أكثر من ذلك عند ~~الرومان؛ فطال الدور البطولي مثل الدور ~~الإلهي، وعندما وصل القوم إلى الدور البشري، ~~كانوا قد نسوا الدور الإلهي؛ ولذلك سموا الدور ~~المتقدم على الدور البطولي باسم «الدور ~~المظلم». # وأما تاريخ القرون الوسطى فهو أيضا يؤيد ~~- على زعم فيكو - نظرياته هذه؛ ففي أوائل ~~القرون الوسطى عاد الإنسان إلى بربرية جديدة ~~شبيهة بالبربرية الأولى، كما أنه اجتاز دورا ~~إلهيا جديدا، هو الدور الذي تولى فيه ~~الملوك الرتب الدينية، ووقفوا ذواتهم الملكية ~~إلى خدمة الله. وقد أعقب هذا الدور الإلهي ~~الثاني دور بطولي جديد، عندما نشأت الفروسية ~~ونشبت الحروب الصليبية، وأما دور الحضارة ~~الثانية الذي كان مستمرا في عهد فيكو، فلم ~~يبدأ إلا بعد انقضاء الدور البطولي الآنف ~~الذكر. # 4 ~~(1) # إن الآراء والنظريات التي لخصناها آنفا ~~تدل دلالة واضحة على أن فيكو ms144 لم يتبع في ~~أبحاثه طريقة استقراء الحادثات، ولم يتقيد ~~في تفكيره بقيود الواقعات. # إن ذلك نتيجة طبيعية للخطة التي وضعها، ~~والطريقة التي قررها، والنظرية التي قال بها ~~في شأن طبيعة الحوادث الاجتماعية. # من الحقائق الثابتة التي لا مجال للشك فيها ~~- على زعم فيكو - «أن العالم الاجتماعي من صنع ~~الإنسان»، فمن الممكن، بل من الضروري البحث في ~~أصول التطورات التي تحدث في عالم الاجتماع، ~~بالنظر إلى ما يحدث في النفس البشرية، «فيجب ~~أن نعجب كل العجب، من الفلاسفة الذين ~~يحاولون بكل جد أن يعرفوا عالم الطبيعة، ثم ~~هم يهملون التأمل في عالم الاجتماع، إنهم ~~يحاولون أن يعرفوا عالم الطبيعة، مع أنه من ~~صنع الله، ومع أن الله خص علم ذلك العالم ~~بنفسه الصمدانية، ويهملون التأمل في عالم ~~الاجتماع مع أنه في استطاعة الإنسان أن يعرف ~~هذا العالم؛ لأنه من صنعه» (ص67). # ولهذا نجد أن فيكو يبحث في أصول العلم ~~الجديد من غير أن يتقيد بكتب التاريخ، حتى ~~إنه يقرر - أوليات التاريخ في مصر والشرق - ~~«استنادا إلى حكم العقل وحده، من غير أن يرجع ~~إلى الأخبار الواردة في هذا الشأن» ~~(ص273). # وذلك لأنه يعتقد أن «من يتأمل في العلم ~~الجديد، يكون قد خلق موضوع بحثه بنفسه، ~~فيستطيع أن يعرف حقيقة ذلك الموضوع بصورة ~~مضبوطة تماما.» # إن «العلم الجديد» ينحو نحو الهندسة من جميع ~~الوجوه؛ من المعلوم أن المفكر الرياضي - في ~~أبحاثه الهندسية - يتصور عالم الأبعاد ~~والأشكال، ويتأمل فيه في الوقت نفسه، ~~وبتعبير آخر إنه يخلق ذلك العالم، ويبحث فيه ~~في وقت واحد. إن عمل المفكر في العلم الجديد ~~لا يختلف عن ذلك أبدا. # ولهذا السبب يخصص فيكو فصلا كبيرا من ~~فصول كتابه الأول لسرد «الحقائق الأولية ~~والبديهية» التي يستند إليها «العلم الجديد»، ~~أسوة بما يفعله الرياضيون في كتب الهندسة. ~~(2) # إن عدد الحقائق الأولية التي يذكرها فيكو - ~~ويطلب التسليم بها مقدما - تبلغ أربع عشرة ~~ومائة. # ندرج فيما يلي ثلاثة نماذج من تلك «الحقائق ~~الأولية والبديهية»؛ لكي نعطي فكرة واضحة عن ~~مناحي تفكير فيكو ms145 في هذا الصدد: # إن الله منع العبرانيين عن الكهانة، هذا ~~المنع هو أساس دينهم، في حين أن الكهانة تكون ~~أساس المجتمع عند جميع الأمم الوثنية؛ ولذلك ~~انقسم العالم القديم إلى قسمين أساسيين؛ ~~عبراني وأجنبي (رقم 24). # إن تاريخ اليونان الذي حفظ لنا كل ما نعرفه ~~عن العالم الوثني القديم - باستثناء الرومان - ~~يبدأ من عهد الطوفان ومن دور العمالقة، هذه ~~العنعنة تقسم الجسم البشري إلى نوعين ~~أصليين؛ نوع العمالقة ونوع الإنسان ذي القامة ~~الطبيعية، أي نوع الأجانب ونوع العبران. إن ~~هذا الاختلاف لا يمكن أن يتأتى إلا من تربية ~~الأولين البهيمية، وتربية الآخرين الإنسانية، ~~فيمكننا أن نستنتج من ذلك أن أصل العبرانيين ~~يختلف عن أصل غيرهم من الأمم (رقم 27). # إذا سلمنا - والعقل لا يمتنع عن التسليم ~~بذلك أبدا - إذا سلمنا أن الإنسان بعد ~~الطوفان سكن الجبال أولا، فسيكون من الطبيعي ~~عندئذ أن نقول إنهم نزلوا السهول بعد مدة من ~~الزمن، وبعد مدة طويلة جدا، وثقوا بأنفسهم ~~إلى حد الانتقال إلى سواحل البحار (رقم ~~97). # 5 ~~(1) # إن فكرة الديانة ونظرية القدرة الصمدانية ~~والعناية الإلهية تلعب دورا هاما في «العلم ~~الجديد»؛ يسخف فيكو بالفلاسفة والعلماء ~~الذين لا يعترفون بالقدرة الصمدانية، أو ~~يبحثون في الحياة الاجتماعية من غير أن يأخذوا ~~بنظر الاعتبار العناية الإلهية - أمثال ~~«بوفندورف»، و«غروتسيوس» - لأنه يعتقد أن ~~الحياة الاجتماعية لا تنفك عن الديانة، ~~ويدعي أنه لولا الدين لما وجدت الحياة ~~الاجتماعية. # ولذلك نراه يكثر من ذكر الله وعناية الله ~~في كل فصل من فصول كتابه، وفي معظم أبحاثه، ~~فإنه تارة يلتجئ إلى فكرة الألوهية لشرح ~~الوقائع التاريخية، وطورا يتخذ الوقائع ~~التاريخية برهانا على العناية ~~الإلهية. # ويقول مثلا - عندما يتكلم عن ضخامة جثة ~~العمالقة بعد الطوفان: «علينا أن نعجب ~~بالعناية الإلهية التي سمحت للإنسان الأول أن ~~يكتسب تلك الجثة؛ لكي يتمكن من التغلب على ~~الحيوانات المفترسة، فيستطيع أن يعيش في وسط ~~تلك الطبيعة القاسية.» # وعندما يشرح نشوء الوثنية يقول: «لقد سمحت ~~العناية الإلهية للإنسان الأول بأن يقع في هذا ~~الضلال، فيخاف غضب آلهة موهومة، ms146 ويعتقد ~~بالكهانات الباطلة؛ لكي يجد في ضلاله هذا مبدأ ~~سلوك ونظام، في ذلك الدور الذي كان غير قادر ~~فيه بعد على تمييز الحق من الباطل.» # وعندما يتكلم عن تكوين العائلات يقول: ~~«لقد أمرت القدرة الصمدانية بتكوين دولة ~~العائلة بواسطة سلطة الآباء، من غير أن تلتجئ ~~إلى استبداد القوانين.» # وهكذا يلتجئ فيكو في معظم مراحل تفكيره ~~وتعليله إلى فكرة العناية الإلهية، ويوصل ~~نزعته هذه إلى أقصى حدودها حينما يقول: ~~«لقد بحث الفلاسفة عن دلائل القدرة ~~الصمدانية والعناية الإلهية بين مشاهد ~~الطبيعة، وفاتهم أن تلك القدرة والعناية تتجلى ~~بأجلى مظاهرها في الحياة الاجتماعية. فالعلم ~~الجديد يسعى إلى تلافي هذا النقص بإظهار ~~وتبيين دلائل عناية الله من خلال وقائع ~~التاريخ، فهذا العلم بمثابة «لاهوت مدني»، ~~يبرهن على العناية الإلهية بالوقائع ~~التاريخية» (ص84). ~~(2) # ولكي نعطي فكرة أوضح من ذلك عن الدور الذي ~~يعزوه فيكو إلى العناية الإلهية في الوقائع ~~التاريخية، ننقل فيما يلي بعض الفقرات التي ~~كتبها في الكتاب الأخير من العلم ~~الجديد: ~~«لما نورت وقوت القدرة الإلهية حقيقة ~~المسيحية بوسائط خارقة للعادة - بفضائل ~~الشهداء ضد السلطة الرومانية، وبتعاليم الآباء ~~ومعجزات القديسين ضد حكمة اليونان الفارغة - ~~قامت أمم محاربة - البرابرة الأوروبيون في ~~الشمال، والعرب المحمديون في الجنوب - وصارت ~~تهاجم «ألوهية يسوع المسيح» في كل الجهات، ~~وقد سمح الله عندئذ أن ينشأ نظام جديد بين ~~الأمم؛ لكي تتأسس هذه الحقيقة - حقيقة ~~ألوهية يسوع المسيح - بصورة لا تتزلزل أبدا؛ ~~ولذلك أعاد الله خصال الدور الأول، وأوجد ~~خصالا جديدة مثلها، استحقت نعت «الإلهية» ~~أكثر من الأولى؛ فأخذ الملوك الكاثوليكيون - ~~حماة الدين - في كل الجهات يرتدون ملابس ~~رجال الدين، ويقفون ذواتهم الملكية على خدمة ~~الله» (ص357). ~~(3) # وقد كتب فيكو في الفصل الرابع من الكتاب ~~الأخير ما مؤداه: ~~«لقد سمحت العناية الإلهية للعوام بأن ~~يتنافسوا مع الخواص في التقوى والديانة مدة ~~طويلة، قبل أن يشتركوا معهم في الحقوق ~~المدنية. إن تمسك الشعب بالدين وتحمسه ~~للدين هو الذي أوصله إلى الاشتراك في السلطة ~~المدنية، وهو الذي فسح المجال لتكوين الحكومات ms147 ~~الشعبية، ومع هذا لما كان كل شيء في مثل هذه ~~الحكومات يستند إلى نتائج الانتخابات؛ حالت ~~العناية الإلهية دون سيطرة الصدف فيها، فأمرت ~~أن يكون حق التصويت مقيدا بمقدار من ~~الثروة، وأن يعتبر الأشخاص النشيطون ~~والمقتصدون والكرماء أليق بالحكم من الخاملين ~~والمسرفين والمعوزين، وبتعبير آخر: إنها أمرت ~~أن يعتبر الأغنياء المتصفون ببعض الفضائل أليق ~~بالحكم من الفقراء المملوئين بالمفاسد» ~~(ص380). # ولكن المواطنين لم يكتفوا بالتميز ~~بثروتهم، بل حاولوا أن يجعلوا تلك الثروة آلة ~~لزيادة سلطتهم؛ فحدثت عندئذ ثورات وحروب ~~أهلية أدت إلى فوضى عامة. ~~«على هذا الداء الاجتماعي الوبيل تستعمل ~~العناية الإلهية أحد الأدوية الثلاثة التي ~~نذكرها فيما يلي: ~~«أولا؛ يظهر من بين أفراد الشعب رجل مثل ~~أوغسطس، يؤسس الملكية، ويضع حدا ~~للفوضى.» ~~«وأما إذا لم تجد القدرة الإلهية مثل هذا ~~الدواء في الداخل، فتأتي به من الخارج؛ يأتي ~~شعب أفضل من الشعب الفاسد، ويستولي عليه بقوة ~~السلاح.» ~~«وفي الأخير إذا لم يحدث أحد هذين الأمرين، ~~واستمرت حالة الفوضى - إذا لم يتفق الشعب على ~~اتخاذ أحدهم ملكا، ولم يأت شعب أفضل ويستولي ~~على البلاد - حينئذ تطبق العناية الإلهية ~~لهذا الداء المزمن، الدواء الأخير، ألا وهو ~~الزوال»» (ص382). ~~(4) # يظهر من هذه الأمثلة بكل وضوح أن فيكو ينتهز ~~جميع الفرص التي تسنح له لذكر العناية ~~الإلهية، أو للبرهنة عليها. # وأما أقوى الدلائل التي يذكرها فيكو ~~للبرهنة على أن العناية الإلهية تدير الشئون ~~البشرية، فهي - على زعمه - الحقيقة التالية: ~~«إن الأصلح والأفضل من الأفراد هم الذين حكموا ~~ويحكمون على الدوام، في كل حكومة بلا استثناء» ~~(ص355). # وبهذه الوسيلة يتطرق فيكو إلى جمهورية ~~أفلاطون، فيقول: ~~«لقد أضاف أفلاطون إلى أشكال الحكومات ~~الثلاثة شكلا رابعا، هو شكل الحكومة التي ~~سيحكم فيه الأفضلون، إن هذه الجمهورية التي ~~كان يتخيلها أفلاطون ويدعو إليها، كانت ~~موجودة - في حقيقة الأمر - منذ أوائل ~~الاجتماع الإنساني؛ فإن في كل دور من أدوار ~~التاريخ كان الأفضلون هم الذين حكموا بنعمة ~~الله وعنايته.» # إن فيكو يحاول أن يبرهن على صحة هذا الرأي ~~في ms148 كل مناسبة، وينهي كتابه بالعبارات ~~التالية: ~~«نستطيع أن نستنتج من كل ما قلناه في ~~تأليفنا هذا أن العلم الجديد يحمل ~~معه - حتما ~~- روح التقوى، وأن الحكمة الحقيقية لا يمكن أن ~~توجد بلا ديانة.» ~~(2) مقدمة التاريخ والعلم الجديد # بعد أن استعرضنا أهم الآراء والنظريات المسرودة في «العلم ~~الجديد»، نستطيع أن نقدم على مقارنة الكتاب المذكور بمقدمة ~~ابن خلدون؛ لنتبين أوجه التفاضل بين ما كتبه المفكر العربي ~~في القرن الرابع عشر، وبين ما نشره الباحث الإيطالي في القرن ~~الثامن عشر. # 1 # إن أول ما يستوقف النظر عند مقارنة مقدمة ابن خلدون ~~بالعلم الجديد، هو الفرق العظيم والاختلاف الكلي الموجود ~~بين الكتابين، من حيث المواد والمواضيع، على الرغم من ~~اشتراكهما الظاهر في الأهداف والأغراض، فإن كليهما يرميان ~~إلى غاية واحدة هي معرفة طبائع الأمم والمجتمعات، وتعيين ~~نظام سير التاريخ العام، غير أن كل واحد منهما يحاول أن ~~يصل إلى هذه المعرفة، باحثا في ساحة معينة، مستندا إلى ~~مواد ووقائع خاصة. # إن العلم الجديد يستند - قبل كل شيء - إلى التاريخ ~~القديم، ويستمد عناصر بحثه في الدرجة الأولى من تاريخ ~~اليونان والرومان، من غير أن يعير التفاتة ما إلى تاريخ ~~العرب والإسلام، في حين أن مقدمة التاريخ - بعكس ذلك ~~تماما - تستند إلى تاريخ العرب والإسلام، من غير أن تأخذ ~~بنظر الاعتبار تاريخ اليونان والرومان. فلا نغالي إذا قلنا ~~إن كتاب فيكو بمثابة «تفلسف في تاريخ اليونان والرومان»، ~~في حين أن مقدمة ابن خلدون بمثابة «تفلسف في تاريخ العرب ~~والإسلام». # إن وجود هذا الاختلاف الكبير بين الكتابين - من وجهة ~~نطاق البحث، ومواد الإنشاء والتفكير - يجعل المقارنة ~~والمفاضلة بينهما من الصعوبة بمكان؛ ذلك لأن وجوه التفاضل ~~بينهما لا تظهر مباشرة بسبب اختلاف ميادين البحث، فإظهار ~~هذا التفاضل يتطلب إنعام النظر في الأمر، ولا يتم إلا ~~بصعوبة كبيرة. # وللتغلب على هذه الصعوبة يترتب علينا: # أولا: # أن نبحث عن المواضيع المشتركة في ~~الكتابين مهما كانت قليلة، وأن نستعرض ~~المسائل التي عالجناها في وقت واحد مهما ~~كانت محدودة. # ثانيا: # أن ms149 نقارن بين الكتابين من حيث الطريقة ~~المتبعة في معالجة الأبحاث. # ثالثا: # أن نقارن بينهما من حيث شمول النظر، ~~ومبلغ التعمق في البحث والتفكير. # وعلى هذه الصورة وحدها نستطيع أن نصل إلى حكم علمي ~~تحليلي، في أمر المفاضلة بين العلم الجديد وبين المقدمة، ~~على الرغم من اختلاف ساحات البحث ومواد التفكير في كل ~~منهما. # 2 ~~(1) # إن أبرز المسائل التي اشترك في بحثها ~~الكتابان هي مسألة العمالقة. # من المعلوم أن ضخامة جثة الإنسان الأول وطول ~~قامته، كانت من الاعتقادات المنتشرة بين الناس ~~من قديم الزمان. # ابن خلدون لا يصدق الروايات التي تحوم حول ~~العمالقة، ويفندها بصراحة وشدة في عدة فصول ~~من المقدمة. إنه يعتبر هذه الروايات من ~~«الأوهام العريقة في الكذب»، ويشرح أسباب ~~تولد هذه الأوهام؛ إن مثار هذه الأوهام هو ~~ملاحظة المباني الكبيرة، والهياكل الضخمة التي ~~تركها لنا الأولو. لقد أعجب الناس بعظمة ~~تلك الهياكل وضخامتها، وظنوا أن سبب هذه ~~الضخامة هو ضخامة جثة بناتها، في حين أن السبب ~~الحقيقي ما هو إلا عظمة الدول التي شيدت تلك ~~الهياكل، وكثرة الأيدي التي استخدمتها، وقوة ~~الآلات والمخال التي استعملتها في هذا ~~السبيل. # في حين أن فيكو صدق رواية العمالقة على ~~علاتها، ولم يكتف بتصديقها فحسب، بل اهتم بها ~~اهتماما كبيرا، وبنى عليها قسما كبيرا من ~~آرائه ونظرياته. إنه اعتبر «وجود العمالقة» من ~~الأمور التي يجب التسليم بها، ومن الحقائق ~~الأولية التي لا بد من أخذها بنظر الاعتبار، ~~عند البحث في سير التاريخ ونشوء المجتمعات ~~البشرية؛ ولذلك كرر اسم العمالقة وقصص ~~العمالقة عشرات المرات في الفصول المختلفة من ~~«العلم الجديد». ~~(2) # والمسألة الثانية التي نجدها مشتركة بين ~~الكتابين هي مسألة علاقة الاجتماع ~~بالدين: # ابن خلدون يعتبر الإنسان مدنيا بالطبع، ~~ويقول إن الاجتماع الإنساني ضروري، ولا يشترك ~~في الرأي مع القائلين بأن الاجتماع لا يقوم ~~إلا بالدين. # إنه يشير في المقدمة الأولى من الباب الأول ~~إلى آراء بعض الفلاسفة الذين «يحاولون إثبات ~~النبوة بالدليل العقلي»، فيقولون لا بد للبشر ~~من الحكم الوازع، ثم يقولون: «وذلك ms150 الحكم يكون ~~بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من ~~البشر، وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما ~~يودع الله فيه من خواص هدايته؛ ليقع التسليم ~~له، والقبول منه، حتى يتم الحكم فيهم وعليهم ~~من غير إنكار ولا تزييف.» ولكنه يفند هذه ~~الآراء قائلا: «هذه القضية للحكماء غير ~~برهانية كما تراه؛ إذ الوجود وحياة البشر قد ~~تتم من دون ذلك، بما يفرضه الحاكم لنفسه، أو ~~بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على ~~جادته» (ص43-44). # يكرر ابن خلدون رأيه في هذا الصدد في الفصل ~~الذي يقرر «أن العمران البشري لا بد له من ~~سياسة ينتظم بها أمره»، إذ يقول: ~~«إن الاجتماع للبشر ضروري، وهو معنى العمران ~~الذي نتكلم فيه»، «لا بد لهم في الاجتماع من ~~وازع وحاكم يرجعون إليه، وحكمه فيهم تارة ~~يكون مستندا إلى شرع منزل من عند الله، يوجب ~~انقيادهم إليه إيمانهم بالثواب والعقاب عليه ~~الذي جاء به مبلغه، وتارة إلى سياسة عقلية، ~~يوجب انقيادهم إليها ما يتوقعونه من ثواب ~~ذلك الحاكم» (ص303). # في حين أن فيكو يدعي بأن الحياة ~~الاجتماعية تقوم على الديانة بوجه عام، ويقول ~~بصراحة قاطعة: «لولا الدين لما وجد اجتماع ~~على الإطلاق.» # 3 # وأما من وجهة طريقة البحث والتفكير، فالاختلاف كبير ~~جدا بين الكتابين والمؤلفين: ~~(1) # ابن خلدون يستند في آرائه ونظرياته إلى ~~الوقائع بوجه عام، إنه لا يسهو عن الأغلاط ~~والأوهام التي كثيرا ما تتسرب إلى الأخبار ~~المنقولة، ولا يتأخر في البحث عن الطرائق ~~التي تضمن تمييز الخطأ من الصواب في تلك ~~الأخبار، ومع هذا فإنه يتخذ الحادثات المشهودة ~~أو المنقولة أساسا لأبحاثه على الدوام، ويسير ~~في تفكيره على «طريقة استقرائية» وفقا لما ~~تتطلبه المناحي العلمية الحديثة. # إنه يذكر في الواقع في عنوان كل فصل من فصول ~~الكتاب «القضية» التي يقول بها، ثم يأخذ في ~~سرد الأدلة التي تبرهن عليها، ولكن مما يجب أن ~~يلاحظ في هذا الصدد، أن هذه الخطة تتعلق ~~بكيفية عرض نتائج الأبحاث، أكثر مما تتعلق ~~بسير الفكر خلال ms151 البحث. إن قراءة الفصول ~~بإمعان تدل دلالة واضحة على أن ابن خلدون ~~يسير في تفكيره - في أغلب الأحوال - على طريقة ~~استقرائية صريحة. # أما فيكو فإنه لا يتقيد كثيرا بالوقائع ~~والحادثات، فيبقى بعيدا عن مناحي الأبحاث ~~الاستقرائية بوجه عام. إنه لم يتخلص في ~~تفكيره من تأثير الفلسفة الأفلاطونية، فيشبه ~~التاريخ بالهندسة، ويحاول أن يكشف سنن سير ~~التاريخ، ونظام المجتمع مستندا إلى ما يعرفه ~~عن طبيعة العقل البشري، ومعتمدا على بعض ~~القضايا التي يعتبرها من «الحقائق الأولية ~~التي يجب التسليم بها مبدئيا»، وفق الخطط ~~التي تتبع عادة في الأبحاث الرياضية ~~والهندسية. # ومن المعلوم أن الأبحاث التي تمت منذ عهد ~~فيكو دلت دلالة قاطعة على أن قوانين ~~الحوادث الاجتماعية، وأسباب الوقائع ~~التاريخية، مما لا يمكن اكتشافها إلا بملاحظة ~~تلك الحادثات، واستقراء تلك الوقائع. # وأما الفلسفة الاجتماعية التي كانت تحاول ~~اكتشاف قوانين الاجتماع عن طريقة استنتاجها من ~~المباحث النفسية، فقد أفلست إفلاسا تاما؛ ~~وذلك لأنه قد تبين لجميع الباحثين أن نفسية ~~الإنسان تتطور بتطور الحياة الاجتماعية، ~~وأن النفسية الاجتماعية تختلف عن النفسية ~~الفردية، كما أن كثيرا من الحادثات النفسية ~~التي تظهر في الوهلة الأولى كأنها فردية، لم ~~تتكون في حقيقة الأمر إلا تحت تأثير الحياة ~~الاجتماعية. ولهذا السبب ليس من سبيل إلى ~~معرفة قوانين الاجتماع وعوامل التاريخ، إلا من ~~طريق ملاحظة الحوادث الاجتماعية، ودرس الوقائع ~~التاريخية. ~~(2) # وهنالك فروق بارزة أخرى تميز «مقدمة ابن ~~خلدون» من «العلم الجديد» من وجهة النزعة ~~العامة؛ وهي الفروق الناجمة من خلط الأبحاث ~~العلمية بالمسائل الدينية، أو فصلها عنها ~~فصلا واضحا. # إن ابن خلدون - مثل فيكو - يعتقد بالله، ~~ويقول بقدرة الله وعناية الله، ويعتبر نظام ~~الكون ونظام المجتمع من سنن الله، ويظهر ~~اعتقاده هذا في كل فصل من فصول كتابه، بوسائل ~~شتى. # ومع هذا فسلوك ابن خلدون في هذا الباب يختلف ~~من سلوك فيكو اختلافا كليا؛ يسير ابن خلدون ~~في تفكيره وتعليله سيرا مستقلا عن الدين، ~~ولا يذكر الله وقدرة الله - في أكثر الأحوال - ~~إلا في نهاية البحث، بحيث لو ms152 حذفت العبارات ~~المتعلقة بالله لما تغير شيء من تسلسل ~~المعاني وقوة الدلائل بوجه عام. # في حين أن فيكو - بعكس ذلك تماما - يمزج ~~فكرة الله بأبحاثه مزجا تاما، ويلتجئ إليها ~~في كل خطوة من خطوات تفكيره تقريبا، فلو ~~حذفت العبارات المتعلقة بالله من أبحاث ~~«العلم الجديد»؛ لانقطع تسلسل الأفكار في أغلب ~~الأحوال، ولضاعت المعاني تماما في بعض ~~الأحيان. # إن ابن خلدون لم يرم في أبحاثه إلى غاية ~~دينية، فإنه يقوم بتلك الأبحاث لمعرفة الحقيقة ~~ذاتها، وأما فيكو فيرمي في أبحاثه إلى غاية ~~دينية صريحة، إنه يقوم بتلك الأبحاث بقصد ~~البرهنة على العناية الإلهية بالوقائع ~~التاريخية، كما يشرح ذلك بأصرح ~~العبارات. ~~(3) # وأما من وجهة سعة النظر، وشمول البحث، ~~وعمق التفكير، فلا شك في أن كفة المقدمة ترجح ~~على كفة العلم الجديد رجحانا كبيرا ~~جدا. # ذلك لأن ابن خلدون قد أدرك في مقدمته تعضل ~~الحوادث الاجتماعية، وتعقد الوقائع ~~التاريخية حق الإدراك، فحاول أن يلم بجميع ~~العوامل المؤثرة فيها، وبحث عنها بمقياس واسع ~~جدا، شمل بناء المجتمع وطراز المعيشة ~~أيضا. # في حين أن أبحاث فيكو لم تخرج كثيرا عن ~~نطاق الأدوار الثلاثة - المروية منذ القرون ~~الأولى - وأشكال الحكومات الثلاثة - المقررة ~~في كتب السياسة منذ عهد اليونان - ولم يلتفت ~~قط إلى بناء المجتمع، ولا إلى وسائط ~~المعاش. # 4 # يتبين من التفاصيل التي ذكرناها آنفا أن ابن خلدون ~~يتفوق على فيكو تفوقا كبيرا، من حيث شمول النظر، ~~ونزعة التعمق، وطريقة البحث والاستقراء، ويقترب من طرائق ~~الأبحاث العلمية الحديثة بوجه عام، وطرائق الأبحاث ~~التاريخية والاجتماعية بوجه خاص، اقترابا واضحا. # ومما يجدر بالملاحظة في هذا الصدد أننا قمنا بهذه ~~المقارنات من غير أن نعتبر تواريخ كتابة الكتابين، وأما ~~إذا أخذنا فرق الزمن أيضا بنظر الاعتبار، فإننا نضطر إلى ~~التسليم بأن رجحان كفة ابن خلدون في ميزان المفاضلة، يصبح ~~أكثر بروزا وأشد بداهة. # إذ من المعلوم أن مقدمة ابن خلدون كتبت سنة 1377، في ~~حين أن العلم الجديد نشر سنة 1725، وذلك يعني أن المقدمة ~~أقدم من العلم الجديد ب 348 ms153 سنة. # ومما يجب ألا يغرب عن البال أن هذه القرون الثلاثة ~~والنصف التي مرت بين كتابة الكتابين، كانت من أخصب القرون ~~في تقدم الفكر البشري، وأغناها في الانقلابات الفكرية ~~والعلمية الأساسية. # ذلك لأنه في هذه المدة حدثت «حركة الانبعاث» في أوروبا، ~~وتم اكتشاف أمريكا، واختراع الطباعة، كما تم الطواف ~~حول العالم، واختراع التلسكوب، فتوسعت بذلك آفاق معارف ~~الإنسان توسعا هائلا. وفي خلال هذه المدة نشأ «ديكارت، ~~وبيكن، وكيلر، ونيوتن»؛ فانقلبت طرائق التفكير والبحث ~~انقلابا كليا، وتعبدت طرق الأبحاث العلمية، متخلصة ~~من أوحال «التفكير الدرساني» # Schoiastique # بصورة ~~قطعية. # فمن أعظم الأمور المشرفة لابن خلدون أنه سار سيرا ~~علميا في تفكيره قبل حدوث الانقلابات الفكرية التي أشرنا ~~إليها، في حين أن فيكو ظل بعيدا عن مسالك التفكير العلمي، ~~مع أنه عاش وكتب بعد الانقلابات العظيمة التي ذكرناها ~~آنفا. ~~••• # إن روبرت فلينت كان قد قال - كما ذكرنا ذلك سابقا: «إن ~~حق ابن خلدون في ادعاء شرف التسمية باسم مؤسس علم التاريخ ~~أو فلسفة التاريخ، أثبت وأقوى من حق كل كاتب سبق ~~فيكو.» # أما أنا فلا أتردد في القول - مستندا إلى الأبحاث ~~والمقارنات الآنفة الذكر: إن حق ابن خلدون في هذا المضمار ~~أقوى وأثبت من حق فيكو نفسه أيضا؛ وذلك ليس لأنه كان ~~أقدم منه كثيرا فحسب، بل لأنه كان أقرب إلى الروح ~~العلمية الحديثة، على الرغم من هذه الأقدمية أيضا. # | ابن خلدون ومونتسكيو # (1) حياة مونتسكيو وآثاره ~~(1) # مونتسكيو # Montesquieu # من أشهر رجال الفكر ~~والقلم الذين نبغوا في فرنسا في القرن الثامن عشر. ~~ولد في قصر يقع بالقرب من مدينة «بوردو» سنة ~~1689، ومات في باريس سنة 1755. # كان والده من صنف النبلاء، فعمل كل ما يجب عمله ~~لتعليم وتثقيف ابنه وفق تقاليد النبلاء في ذلك ~~العصر. # وقد أظهر مونتسكيو شغفا شديدا بالدرس منذ ~~صباه، أكمل دراسته الكلاسيكية بنجاح، ثم أكب على ~~تعلم الحقوق، وصار عضوا في محكمة بوردو وهو في ~~الخامسة والعشرين من عمره، وبعد ذلك بسنتين أصبح ~~رئيسا للمحكمة المذكورة، إذ ورث رئاستها عن عمه، ms154 ~~كما ورث عنه - في الوقت نفسه - بارونية مونتسكيو، ~~وصار يلقب لذلك بلقب «بارون دو مونتسكيو»، بعد ~~أن كان يسمى إلى ذلك التاريخ - أي إلى سنة 1716 ~~- باسم «شارل لويس دو برده» # De ~~Bréde ~~. # إن اسم «مونتسكيو» الذي اشتهر به هذا الكاتب ~~المفكر، إنما هو مختصر من هذا اللقب ~~الجديد. ~~(2) # لقد انصرفت أولاع مونتسكيو في بادئ الأمر إلى ~~نواح مختلفة، حتى إنه اشتغل عدة سنوات بمباحث ~~طبيعية متنوعة، تحوم حول التاريخ الطبيعي، ~~والتشريح، والطب، والفيزياء، غير أن جميع أولاعه ~~تمركزت واستقرت في الأخير في السياسة ~~والحقوق. # لقد أولع مونتسكيو بالكتابة أيضا، كتب ونشر ~~مقالات كثيرة في مواضيع متنوعة، ولكن شهرته في ~~عالم الأدب لم تبدأ إلا بالرسائل ~~الفارسية # Lettres persanes # التي نشرها سنة 1721. ~~كتب هذه الرسائل على لسان رجل فارسي متخيل، أتى ~~إلى أوروبا سائحا، وأخذ يكتب إلى أحد أصدقائه ~~سلسلة رسائل يصف بها مشاهداته وملاحظاته. لقد ~~تستر مونتسكيو وراء هذه الرسائل الفارسية لنقد ~~الكثير من النظم والتقاليد السائدة عندئذ، بلسان ~~لاذع وأسلوب متهكم. # ولكنه كان يطمع في عمل أكثر جدية وأعظم أهمية ~~من ذلك بكثير، كان يمني نفسه بتأليف كتاب «حقوقي ~~سياسي» هام، فأخذ يعد نفسه لكتابة «روح ~~القوانين» # Esprit des lois ~~، وقد رأى من الضروري ~~أن يتفرغ بكليته لتحقيق أمنيته هذه، فباع رئاسة ~~المحكمة التي كانت بعهدته، # 1 # وبعد ذلك أخذ يقضي جميع أوقاته بالبحث ~~والمطالعة في قصر أسرته. # غير أن مونتسكيو أدرك بعد مدة وجيزة عدم كفاية ~~المطالعة وحدها لتحقيق أمنيته، فقام برحلة إلى ~~مختلف البلاد الأوروبية؛ بغية الاطلاع على النظم ~~السياسية السائدة فيها. استغرقت رحلته هذه ثلاث ~~سنوات - وذلك من 1728 إلى 1731 - وشملت البلاد ~~الألمانية والإيطالية المختلفة، مع المجر والنمسا ~~وسويسرا وهولاندا وإنجلترا، وقد قضى مونتسكيو معظم ~~هذه المدة في المملكة الأخيرة، وتأثر بالنظم ~~التي شاهدها هناك تأثرا كبيرا. # وحينما عاد من هذه الرحلة الطويلة لم يرغب في ~~الاستقرار بباريس، بل رجع إلى قصر أسرته، وانزوى ~~فيه، وأخذ يشتغل هنالك بالمطالعة والكتابة من جهة، ~~وبإدارة شئون ms155 أراضيه من جهة أخرى، ولم يعد يذهب ~~إلى باريس إلا من وقت إلى آخر لمدد قصيرة. ~~(3) # وقد نشر مونتسكيو سنة 1730 كتابا بعنوان: ~~«ملاحظات عن أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم». إنه ~~كان شرع في إعداد هذه الملاحظات ليجعلها فصلا من ~~تأليفه الأساسي «روح القوانين»، ولكنه حينما قطع ~~شوطا في كتابتها لاحظ أنها توسعت توسعا ~~كبيرا، فلم ير من المعقول اعتبارها فصلا من ~~كتاب، فقرر أن ينشرها على شكل كتاب ~~مستقل. # وأما كتاب روح القوانين نفسه فلم ينته ~~مونتسكيو من تأليفه ونشره إلا سنة 1748، وقد صرح ~~في المقدمة التي صدره بها أنه اشتغل بتأليفه ~~مدة لا تقل عن عشرين عاما. # لقد نال روح القوانين عقب انتشاره شهرة هائلة ~~استوجبت إعادة طبعه أكثر من عشرين مرة خلال سنة ~~ونصف السنة. # ولم يعمر مونتسكيو بعد الانتهاء من تأليف روح ~~القوانين إلا سبع سنوات، ولم ينتج خلال هذه ~~المدة شيئا غير «الدفاع عن روح القوانين»، الذي ~~خطه سنة 1850؛ ردا على بعض الناقدين. # إن كتاب روح القوانين هو الذي خلد اسم ~~مونتسكيو في تاريخ الأفكار والعلوم؛ لأنه يعتبر من ~~أمهات الكتب التي تمثل أهم المراحل التي قطعها ~~الفكر البشري في طريق تقدمه المستمر، كما ~~يعد من جملة العوامل التي قوت في النفوس ~~نزعة الحرية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر، ~~والتي حملت الناس على الثورة ضد الحكم الاستبدادي ~~ثورة عنيفة. ~~(4) # ينقسم روح القوانين إلى واحد وثلاثين كتابا؛ ~~يبحث الكتاب الأول في القوانين بوجه عام، والثاني ~~والثالث في أشكال الحكومات، والكتب الستة التي تلي ~~ذلك تبين وجوب وضع القوانين بصورة ملائمة لأشكال ~~الحكومات، ويبحث الكتابان التاسع والعاشر في علاقة ~~القوانين بالقوة الحربية، والكتابان اللذان يليان ~~ذلك في القوانين التي تنشئ الحرية السياسية، ~~ويبين الكتاب الثالث عشر علاقة الجباية بالحرية، ~~وتبحث الكتب الخمسة التي تلي ذلك في علاقة ~~القوانين بالإقليم والأرض، وأما الكتاب التاسع ~~عشر فيشرح علاقة القوانين بطبائع الأمم وسجاياها، ~~وتبحث الثلاثة التي تلي ذلك في علاقة القوانين ~~بعدد النفوس، والكتابان اللذان يليان ذلك في علاقة ms156 ~~القوانين بالأديان، وأما الكتب الستة الباقية ~~فتبحث في القوانين الرومانية والإقطاعية ~~والفرنسية، وتشرح القواعد التي تجب مراعاتها في ~~سن القوانين. # في جميع هذه الكتب يشير مونتسكيو إلى وقائع ~~تاريخية عديدة، ويذكر نبذا كثيرة من القوانين ~~القديمة والحديثة الموضوعة في البلاد المختلفة، ~~ويبدي شتى الملاحظات حول تلك الوقائع ~~والقوانين، ويسوق ملاحظاته هذه تارة في سبيل ~~التفسير والتعليل، وطورا على طريق الاستحسان ~~والاستقباح، وكثيرا ما يفرغها في قالب وصايا ~~علمية ودساتير سياسية، موجهة إلى رجال الحكم ~~والتشريع. ~~(5) # يتبين من الخلاصة الآنفة الذكر - كما يظهر من ~~عنوان المؤلف نفسه - أن الموضوع الأساسي الذي ~~يتناوله مونتسكيو بالبحث والدرس في كتابه هذا هو ~~«القوانين» و«الحقوق»، وإذا أردنا أن ننعت «روح ~~القوانين» بالتعبيرات المألوفة الآن، نستطيع أن ~~نقول إنه من نوع المؤلفات التي تعرف باسم «مدخل ~~القوانين»، أو «فلسفة الحقوق»، أو «حكمة ~~التشريع». # ومما يؤيد ذلك أن مونتسكيو نفسه قال - في ~~«الدفاع عن روح القوانين»: إنه «تأليف سياسي صرف، ~~وتشريعي خاص.» # Un onvrage ~~de pure politique et de pure ~~jurisprudence. # ومع هذا يحتوي «روح القوانين» على أبحاث كثيرة ~~تتعدى حدود «فلسفة التشريع»، وتمت بصلة قوية ~~إلى «فلسفة التاريخ». إن هذه الأبحاث هي التي ~~تحاول تعليل طبائع الأمم، وتسعى لإظهار العوامل ~~التي تؤثر في سير التاريخ. # إن أبحاث روح القوانين التي تتعلق بذلك تجتمع ~~حول نظريتين هامتين: ~~(أ) # نظرية تأثير الطبيعة والإقليم في ~~طبائع الأمم وسير التاريخ. ~~(ب) # نظرية تأثير الأحوال الاقتصادية في ~~الوقائع التاريخية. # إن مونتسكيو لم يكن مبتكرا للنظرية الأولى؛ لأن ~~«تأثير الطبيعة في الإنسان» كان صار موضوع أنظار ~~الباحثين منذ عهد بقراط، فكثيرون من مفكري اليونان ~~والرومان بحثوا فيها وكتبوا عنها، كما أن أحد ~~مواطني مونتسكيو - «جان بودن» - كان قد تناول هذه ~~القضية بالبحث والدرس في القرن السادس عشر، وسعى ~~لإظهار تأثير الطبيعة والإقليم في طبائع الأقوام، ~~ووقائع التاريخ بكل تفصيل. # وأما النظرية الثانية فيزعمون أن مونتسكيو لم ~~يكن مسبوقا فيها بأحد من الغربيين، ولهذا السبب ~~يخصصون له مقاما ممتازا في تاريخ فلسفة التاريخ ms157 ~~من وجهة هذه النظرية بوجه خاص. ~~(6) # إن كل من يريد أن يقارن بين مونتسكيو وبين ابن ~~خلدون - وبتعبير أصح بين «روح القوانين» وبين ~~«مقدمة التاريخ» - يجب أن يقدم على ذلك من ~~وجهة المباحث المتعلقة بفلسفة التاريخ، وعلى ~~الأخص، من وجهة المباحث المتعلقة بعمل الاقتصاد في ~~التاريخ، وتأثير الطبيعة في طبائع الأمم. # ذلك لأن الكتابين المذكورين يختلفان اختلافا ~~كليا من الوجوه الأخرى. # إن روح القوانين يبحث من حيث الأساس في القوانين ~~والشرائع، ولا يتطرق إلى مسائل التاريخ وفلسفة ~~التاريخ إلا من وجهة علاقتها بالقوانين والشرائع، ~~في حين أن مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، لا تلتفت إلى ~~مسائل القوانين والشرائع، بل تسعى لدرس العوامل ~~الاجتماعية، والتطورات التاريخية درسا ~~مباشرا. # وزيادة على ذلك فإن روح القوانين مشبع بغايات ~~سياسية عملية، والمسائل التي يعالجها ترمي - بوجه ~~عام - إلى تقرير «السياسة المثلى»، في حين أن ~~مقدمة ابن خلدون بعكس ذلك، تكاد تكون مجردة عن كل ~~نزعة سياسية وعملية، والمسائل التي تسعى لحلها لا ~~تخرج - عادة - عن نطاق «تقرير الواقع ~~وتعليله». # ولهذا السبب رأيت من الضروري أن أحدد بحثي في ~~روح القوانين بحدود النظريتين المذكورتين. ~~(2) التاريخ والاقتصاد ~~(1) # يشغل مونتسكيو في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم ~~التاريخ مقاما ممتازا من جراء الأهمية التي ~~يعزوها إلى العوامل الاقتصادية في تكوين طبائع ~~الأمم وتسيير وقائع التاريخ. # إن الباحث الإنجليزي «روبرت فلينت» # Flint ~~- الذي ~~وقف حياته على درس المؤلفات التي تحوم حول ~~فلسفة التاريخ - خصص لمونتسكيو فصلا كبيرا في ~~الكتاب الذي وضعه عن «فلسفة التاريخ في ~~فرنسا». # استعرض فلينت في هذا الفصل الآراء والنظريات ~~التي قال بها مونتسكيو في روح القوانين، وانتقد ~~القسم الأعظم منها انتقادا لا يخلو من ~~الشدة. # قال فلينت: «إن كل من يدرس روح القوانين دراسة ~~جدية، يضطر إلى التسليم بأن التعميمات الخاطئة ~~فيه كثيرة بقدر الصائبة، وبأن هذا الكتاب غني ~~بالحقائق، ولكنه في الوقت نفسه مملوء ~~بالأغلاط.» # والسبب في ذلك - على رأي فلينت - هو أن مونتسكيو ~~لم يهتد في تأليفه هذا إلى خطة بحث علمية، فسار ~~على ms158 طريقة مشوشة. إنه كدس الآراء فيها تكديسا ~~من غير أن يوفق إلى تنظيمها تنظيما معقولا، ~~والمعلومات الكثيرة التي جمعها في روح القوانين ~~تنم عن روح بحث قوية، ولكن الطريقة التي عرض بها ~~هذه المعلومات لا تدل على قوة تركيبية علمية، إذ ~~كثيرا ما خلط بين «الحق» وبين «الواقع»، وقلما ~~ميز بين «التفسير» وبين «التعليل». # ومع ذلك يرى فلينت أن مونتسكيو يستحق مقاما ~~ممتازا جدا في «تاريخ فلسفة التاريخ»؛ وذلك ~~بفضل المباحث التي كتبها عن الجباية والتجارة ~~والنقود والنفوس في الكتب: 13، 21، 22، 23، 24 من ~~روح القوانين. ~~«لأن الكتب المذكورة تدخل عنصر الاقتصاد في ~~التاريخ، وتؤدي بذلك خدمة عظيمة جدا.» # يؤكد فلينت أهمية هذه الخدمة، ثم يقول: ~~«من الغلط أن يعزى شرف هذه الخدمة العظيمة ~~إلى «تورغو» # Turgot ~~، أو «كوندورسه» # Condorcet ~~، أو ~~«كونت» # Comte ~~، أو «ساسيمون» # Saint-Silmon # كما فعل بعضهم، فإن شرف ذلك يعود في الدرجة الأولى ~~إلى «مونتسكيو». # لا ينكر روبرت فلينت أن معظم النظريات ~~الاقتصادية التي قال بها مونتسكيو في روح القوانين ~~بعيدة عن الصواب، ومليئة بالأغلاط، حتى إنه يعترف ~~بأن تلك الآراء لا تخلو من التناقض أيضا في بعض ~~الأحيان، ويوصي كل من يود الاطلاع على أنواع ~~الأغلاط التي تتخلل تلك الآراء والنظريات ~~بمراجعة ما كان كتبه «دستو دو تراسي» # Deslut ~~de Téracy # في هذا الصدد، ~~حينما شرح روح القوانين. # ومع كل هذا يقول روبرت فلينت: «لا يمكن لأي منصف ~~كان، أن يمتنع عن التسليم لمونتسكيو بهذا الشرف ~~العظيم، إنه كان أول من ربط علم الاقتصاد بعلم ~~التاريخ، وأول من شارك هذين العلمين في أمر تفسير ~~الحادثات الاجتماعية وتعليلها.» ~~(2) # إنني لا أشك في أن روبرت فلينت كتب ما كتبه في ~~هذا الصدد قبل أن يطلع على مقدمة ابن خلدون، ولولا ~~ذلك لما سوغ لنفسه أن يقول إن مونتسكيو كان أول ~~من أدخل عنصر الاقتصاد في التاريخ، وأول من ربط ~~علم الاقتصاد بعلم التاريخ؛ لأن ابن خلدون كان قد ~~فعل ذلك قبل مونتسكيو بمدة تناهز أربعة ~~قرون. # إن اهتمام ابن خلدون ms159 بعنصر الاقتصاد في تعليل ~~الوقائع التاريخية يظهر إلى العيان أولا من عنوان ~~الكتاب الأول نفسه؛ لأن «الكسب والمعاش والصنائع» ~~تحتل منزلة خطيرة وصريحة في هذا ~~العنوان: ~~«الكتاب الأول: في طبيعة العمران في الخليقة، ~~وما يعرض لها من البدو والحضر، والتغلب، والكسب، ~~والمعاش، والصنائع، والعلوم، ونحوها، وما لذلك من ~~العلل والأسباب» (ص35). # وأما العبارات التي تلي العنوان المذكور، ~~وتشير إلى ذلك بوضوح أعظم: ~~«اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن ~~الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض ~~لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، وما ينتحله البشر ~~بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم ~~والصنائع» (ص35). # لقد خصص ابن خلدون بابا كبيرا من أبواب ~~المقدمة الستة لأمور المعاش (وهو الباب الخامس مع ~~فصوله الفرعية البالغ عددها الثلاثة والثلاثين)، ~~كما خصص عددا غير قليل من فصول الأبواب الأخرى ~~(ولا سيما من فصول البابين الثالث والرابع) أيضا ~~لمسائل الاقتصاد. ومن غريب الاتفاق أن مسائل ~~الجباية والتجارة والنقود والنفوس - التي تكون ~~القسم الاقتصادي من روح القوانين - قد شغلت ~~أبحاثا وفصولا هامة في مقدمة ابن خلدون ~~أيضا. # وزيادة على كل ذلك فقد عالجت المقدمة في فصولها ~~المختلفة عدة مسائل اقتصادية اجتماعية أخرى، مثل ~~مستوى المعيشة، وأسعار الأشياء، وعلاقة العمران ~~بوسائل المعيشة. # في جميع هذه الفصول والأبحاث يظهر ابن خلدون ~~العلائق القوية التي تربط الأحوال الاجتماعية ~~بالحياة الاقتصادية، ويعبر عن هذا الارتباط ~~بأصرح العبارات. # يبدأ الفصل الأول من الباب الثاني بتقرير المبدأ ~~التالي: ~~«اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو ~~باختلاف نحلتهم من المعاش، فإن اجتماعهم إنما هو ~~للتعاون على تحصيله» (ص120). # يشرح ابن خلدون هذه القضية الأساسية، ويبرهن ~~عليها في فصول عديدة، كما أنه يقرر أهمية العوامل ~~الاقتصادية في تطور الدول واستفحال الحضارة ~~أيضا بعبارات صريحة جدا. # إن فصل طروق الخلل للدولة يبدأ بتقرير القضايا ~~التالية: ~~«اعلم أن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما؛ ~~فالأول الشوكة والعصبية، وهو المعبر عنه بالجند، ~~والثاني المال، الذي هو قوام أولئك الجند. ~~«والخلل إذا طرق للدولة طرقها ms160 في هذين ~~الأساسين» (ص294). # كما أنه يعزو دورا هاما إلى الأحوال ~~الاقتصادية في أمر «حدوث الهرم» أيضا. # ذلك لأن «طبيعة الملك تقتضي الترف»، والترف يؤدي ~~إلى زيادة نفقات الناس، حينئذ «لا يفي دخلهم ~~بخرجهم، فالفقير منهم يهلك، والمترف يستغرق عطاءه ~~بترفه» (ص168). # إن هذه الأحوال الاقتصادية تؤثر في الأخلاق ~~أيضا؛ لأن استفحال الحضارة والترف يقترن بوجه عام ~~بارتفاع أسعار الحاجيات، وهذا الارتفاع يزيد في ~~مشاكل المعيشة، وتلك المشاكل تؤدي إلى انحطاط ~~الأخلاق. # إن المصر الكثير السكان يختص بالغلاء في أسواقه ~~وأسعار حاجياته، ثم تزيدها المكوس غلاء؛ فتعظم ~~نفقات أهل الحضارة، ويخرج عن القصد إلى الإسراف، ~~وتذهب مكاسبهم كلها في النفقات، ويتتابعون في ~~الإملاق والخصاصة، ويغلب عليهم الفقر، ويكثر منهم ~~الفسق والشر والسفسفة، والتحيل على تحصيل المعاش ~~من وجهه ومن غير وجهه» (ص372). # إن مقدمة ابن خلدون مملوءة بمثل هذه الآراء ~~والملاحظات التي تقرر علاقة الاقتصاديات بطبائع ~~الأمم وأطوار الدول. # ولهذه الأسباب إنني أعتقد اعتقادا جازما بأن ~~القول بأن «شرف إدخال عنصر الاقتصاد في علم ~~التاريخ يعود إلى مونتسكيو»، ما هو إلا افتئات ~~صريح على الحقيقة والواقع، وأجزم بلا تردد بأن هذا ~~الشرف يعود إلى ابن خلدون الذي سبق مونتسكيو في ~~هذا المضمار مدة تزيد على ثلاثة قرون. # هذا وإني أقول - زيادة على ذلك - إن ابن خلدون ~~لا يمتاز على مونتسكيو - في هذه القضية - من ~~جراء سبقه إلى فهم «علاقة التاريخ بالاقتصاد» ~~سبقا زمانيا فحسب، بل إنه يمتاز عليه من جراء ~~عمق التفكير ودقة النظر التي أظهرها في بحث ودرس ~~هذه العلاقة أيضا. # وذلك لأن ابن خلدون ذهب في هذا المضمار إلى حدود ~~لم يصل إليها مونتسكيو أبدا. # فإن الآراء التي يبديها المفكر العربي في هذا ~~الصدد تقربه كثيرا من مبادئ المذهب الاقتصادي ~~الاجتماعي الذي عرف فيما بعد باسم «المادية ~~التاريخية» # Matérialisme Historique ~~، منذ عهد كارل ماركس ~~في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. # إن مقارنة روح القوانين بمقدمة ابن خلدون من ~~وجهة المباحث الاقتصادية تبرهن على ذلك برهنة ~~قطعية. ~~(3) # إن ms161 أول ما تجب ملاحظته عند الإقدام على الموازنة ~~بين مقدمة ابن خلدون وبين روح القوانين من وجهة ~~المباحث الاقتصادية، هو الانقلاب العظيم الذي كان ~~قد حدث في الحياة الاقتصادية خلال المدة التي مضت ~~بين عصر ابن خلدون وبين عهد مونتسكيو. إن بزوغ عصر ~~الانبعاث، واكتشاف القارات الجديدة، وتقدم وسائل ~~الملاحة البحرية، كانت من العوامل التي تضافرت على ~~توسيع نطاق العلائق الاقتصادية توسيعا هائلا، ~~وتنويع المعاملات التجارية تنويعا كبيرا. فمن ~~الطبيعي أن يكون هناك فرق عظيم بين المسائل ~~الاقتصادية التي ظهرت في العالم الغربي خلال القرن ~~الثامن عشر، وبين تلك التي كانت تسود العالم ~~الشرقي خلال القرن الرابع عشر. # إن هذا الفرق الكبير يجعل الموازنة بين مقدمة ~~ابن خلدون وبين روح القوانين من الصعوبة بمكان، ~~ومع ذلك فمن المستطاع التغلب على هذه ~~الصعوبة. # أولا: # بالبحث عن مبلغ سمو كل واحد منهما ~~على مستوى العصر الذي كتب فيه. # ثانيا: # بملاحظة المسائل الاقتصادية التي ~~اشترك الكتابان في بحثها، بقطع النظر عن ~~طول الزمان الذي يفصل بينهما. ~~(4) # إذا وازنا بين «مقدمة ابن خلدون» وبين «روح ~~القوانين» من وجهة «السمو فوق مستوى العصر»؛ وجدنا ~~أن كفة الكتاب الأول ترجح على كفة الثاني رجحانا ~~كبيرا. # ذلك لأن مونتسكيو لم يسم كثيرا على معاصريه في ~~أبحاثه الاقتصادية، وقد اعترف بذلك روبرت فلينت ~~نفسه، على الرغم من تقديره الشديد للخدمة التي ~~أداها مؤلف روح القوانين لفلسفة التاريخ بإدخال ~~عنصر الاقتصاد في تفسير التاريخ. # يقول روبرت فلينت بعدما يعلن أهمية هذا العمل: ~~«يجب علينا أن نتجنب المغالاة في تقدير ما نحن ~~مدينون به إلى مونتسكيو في هذا المضمار.» إذ يجب ~~علينا ألا ننسى أن العصر الذي كتب فيه روح ~~القوانين كان عهد نشوء وترعرع في علم الاقتصاد. إن ~~الأبحاث الاقتصادية كانت صارت موضع اهتمام ~~الكثيرين من المؤلفين والمفكرين، حتى إن جماعة من ~~معاصري مونتسكيو ومواطنيه كانوا أقدموا على تأسيس ~~المذهب «الفيزيوقراطي» المشهور في علم الاقتصاد. # 2 # من الثابت أن مونتسكيو كان قد أبدى طائفة من ~~الآراء الاقتصادية التي ثبت ms162 بطلانها بعد مدة ~~وجيزة، كما أنه أغفل كثيرا من الحقائق الاقتصادية ~~التي تم اكتشافها قبل مرور مدة طويلة؛ مما يدل ~~دلالة قطعية على أنه لم يتفوق على معاصريه ~~تفوقا كبيرا في أبحاثه الاقتصادية. # في حين أن ابن خلدون كان قد سما فوق معاصريه ~~سموا هائلا في هذا المضمار، كما أنه ظل يحلق ~~فوق مستوى الذين جاءوا بعده أيضا - في الشرق وفي ~~الغرب - مدة قرون عديدة. ~~(5) # وأما أبرز المسائل الاقتصادية التي تشترك ~~مقدمة ابن خلدون في بحثها مع روح القوانين فهي؛ ~~مسألة اشتغال الدول والأمراء بالتجارة. # يوجد في الباب الثالث من مقدمة ابن خلدون «فصل ~~في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة ~~للجباية» (ص281)، كما في الكتاب العشرين من روح ~~القوانين فصل «في أن الأمير يجب ألا يتعاطى ~~التجارة أبدا». # مما يلفت النظر - قبل كل شيء - في هذين ~~العنوانين، أن عبارة ابن خلدون تقرر الواقع، في ~~حين أن عبارة مونتسكيو تضع دستورا للعمل. # إن هذا الاختلاف يكتسب وضوحا أكثر من ذلك عند ~~مطالعة ما جاء من الأبحاث تحت العنوانين ~~المذكورين. # يقول مونتسكيو في الفصل السالف الذكر: إن ~~الإمبراطور «تيوفيل» شاهد سفينة تحمل أمتعة ~~لزوجته «تيودورا»، فأمر بإحراق السفينة قائلا ~~لها: «أنا إمبراطور، وأنت تريدين أن تجعليني رب ~~سفينة؟! كيف يستطيع الناس الفقراء أن يكتسبوا ~~أقواتهم إذا نحن زاحمناهم في مهنهم؟» ~~«كان الإمبراطور يستطيع أن يضيف إلى ذلك الأقوال ~~التالية أيضا: ومن يستطيع أن يصدنا عن ~~الاحتكار؟ ومن يستطيع أن يجبرنا على القيام ~~بتعهداتنا؟ ثم إن هذه التجارة التي نقوم بها نحن ~~قد يتعاطاها رجال حاشيتنا أيضا، وإذا أقدم هؤلاء ~~على ذلك يكونون - بطبيعة الحال - أشد طمعا وأكثر ~~ظلما منا. إن الشعب يثق بعدالتنا، ولكنه لا يثق ~~ببذخنا، إن كل الضرائب التي تؤدي إلى شقاء الشعب ~~تدل دلالة قاطعة على بذخنا.» # يواصل مونتسكيو البحث المذكور في الفصل الذي يلي ~~ذلك تحت عنوان: «استمرار الموضوع نفسه»، ويقول ~~هناك ما يلي: ~~«عندما كان البرتغاليون والقشتاليون يحكمون ~~الهند الشرقية، كان للتجارة فروع رابحة جدا؛ ms163 مما ~~حمل أمراءهم على الاستئثار بها، وذلك أدى إلى ~~تقويض مؤسساتهم في تلك البلاد.» ~~«إن نائب الملك في غوا # Goa # كان يمنح ~~بعض الأشخاص امتيازات خاصة، ومثل هؤلاء الأشخاص لا ~~يوثق بهم أبدا، فإن التجارة كانت تفقد مزية ~~الاستمرار من جراء تبدل الأشخاص الذين ~~يتولونها، ولم يكن لأحد من هؤلاء أن يهتم بمستقبل ~~التجارة التي يتولاها، ولا أن يبالي إذا أصبحت ~~كاسدة بعده حينما يتركها لخلفه، والمكاسب تبقى ~~في أيدي أشخاص محدودين، فلا تتوسع بدرجة ~~كافية.» # هذا كل ما كتبه مونتسكيو في هذا الموضوع. # وأما ابن خلدون فقد بحث الموضوع المذكور ~~بتوسع وتعمق يستلفتان الأنظار؛ يبدأ ابن خلدون ~~الفصل السالف الذكر بالبحث عن الأسباب التي تحمل ~~السلطان على تعاطي التجارة، ويستعرض جميع الوسائل ~~التي تتوسل بها الدول، حينما تحتاج إلى مزيد ~~المال والجباية، قائلا: ~~«اعلم أن الدولة قد ضاقت جبايتها - بما قدمناه ~~من الترف وكثرة العوائد والنفقات - وقصر الحاصل من ~~جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها، واحتاجت ~~إلى مزيد المال والجباية.» ~~«فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا ~~وأسواقهم، كما قدمنا ذلك في الفصل قبله، وتارة ~~بالزيادة في ألقاب المكوس، إن كان قد استحدث ~~من قبل، وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك ~~عظامهم؛ لما يرون أنهم قد حصلوا على شيء طائل من ~~أموال الجباية لا يظهره الحسبان، وتارة باستحداث ~~التجارة والفلاحة للسلطان» (ص281). # ثم يشرح ابن خلدون الأسباب والملاحظات التي تحمل ~~السلطان على التوسل بالوسيلة الأخيرة: ~~«لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد ~~والغلات مع يسارة أموالهم، وأن الأرباح تكون على ~~نسبة رءوس الأموال، فيأخذون في اكتساب الحيوان ~~والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها ~~لحوالة الأسواق، ويحسبون ذلك من إدرار الجباية ~~وتكثير الفوائد.» # وبعد ذلك يبين ابن خلدون غلط هذا الحساب، ~~ويوضح أضرار هذه الخطة قائلا: ~~«هو غلط عظيم، وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه ~~متعددة؛ فأولا مضايقة الفلاحين والتجار في شراء ~~الحيوان والبضائع وتيسير أسباب ذلك، فإن الرعايا ~~متكافئون في اليسار متقاربون، ومزاحمة بعضهم بعضا ~~تنتهي إلى غاية موجودهم أو تقرب، ms164 وإذا رافقهم ~~السلطان في ذلك، وماله أعظم كثيرا منهم؛ فلا يكاد ~~أحد منهم يحصل على غرضه في شيء من حاجاته، ويدخل ~~على النفوس من ذلك غم ونكد» (ص281). ~~«ثم إذا حصل فوائد الفلاحة (ومغلها كله من زرع ~~أو حرير أو عسل أو سكر أو غير ذلك من أنواع ~~الغلات)، وحصلت بضائع التجارة (من سائر الأنواع)، ~~فلا ينتظرون به حوالة الأسواق، ولا نفاق البياعات؛ ~~لما يدعوهم إليه تكاليف الدولة، فيكلفون أهل تلك ~~الأصناف - من تاجر أو فلاح - بشراء تلك البضائع، ~~ولا يرضون في أثمانها إلا القيم وأزيد». وأهل تلك ~~الأصناف يستوعبون في ذلك ناض أموالهم، وتبقى تلك ~~البضائع في أيديهم عروضا جامدة، ويمكثون عطلا من ~~الإدارة التي فيها كسبهم ومعاشهم، وربما تدعوهم ~~الضرورة إلى شيء من المال؛ فيبيعون تلك السلع على ~~كساد من الأسواق بأبخس ثمن، وربما يتكرر ذلك على ~~التاجر والفلاح منهم بما يذهب رأس ماله، فيقعد ~~عن سوقه، ويتعدد ذلك ويتكرر، ويدخل به على ~~الرعايا من العنت والمضايقة وفساد الأرباح ما يقبض ~~آمالهم عن السعي في ذلك جملة، ويؤدي إلى فساد ~~الجباية. فإن معظم الجباية إنما هي من الفلاحين ~~والتجار، ولا سيما بعد وضع المكوس ونمو الجباية ~~بها، وإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة، وقعد التجار ~~عن التجارة؛ ذهبت التجارة جملة، أو دخلها النقض ~~المتفاحش.» ~~«وإذا قايس السلطان بين ما يحصل له من الجباية ~~وبين هذه الأرباح القليلة؛ وجدها بالنسبة إلى ~~الجباية أقل من القليل» (ص282). # وبعد التوسع في شرح الأضرار التي تنجم عن ذلك، ~~يقرر ابن خلدون أن الطريقة المثلى في هذه ~~الأحوال هي الاعتماد على الجباية وحدها: ~~«اعلم أن السلطان لا ينمي ماله ولا يدر موجوده ~~إلا الجباية، وإدرارها إنما يكون بالعدل في أهل ~~الأموال، والنظر لهم بذلك، فبذلك تنبسط آمالهم، ~~وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها؛ ~~فتعظم منها جباية السلطان. وأما غير ذلك من ~~تجارة أو فلح، فإنما هو مضرة عاجلة للرعايا، وفساد ~~للجباية، ونقص للعمارة» (ص282). # ثم ينتقل إلى شكل آخر من التجارة التي يقدم ms165 ~~عليها الأمراء في بعض الأحوال: ~~«وقد ينتهي الحال بهؤلاء المنسلخين للتجارة ~~والفلاحة من الأمراء والمتغلبين في البلدان أنهم ~~يتعرضون لشراء الغلات والسلع من أربابها ~~الواردين على بلدهم، ويفرضون لذلك من الثمن ما ~~يشاءون، ويبيعونها في وقتها لمن تحت أيديهم من ~~الرعايا بما يفرضون من الثمن، وهذه أشد من الأولى، ~~وأقرب إلى فساد الرعية واختلال أحوالهم» ~~(ص283). # وبعد ذلك يبدي ابن خلدون بعض الملاحظات عن ~~الذين يشوقون السلطان إلى سلوك مثل هذه ~~المسالك: ~~«وربما يحمل السلطان على ذلك من يداخله من هذه ~~الأصناف - أعني التجار والفلاحين - لما هي صناعته ~~التي نشأ عليها، فيحمل السلطان على ذلك، ويضرب معه ~~بسهم لنفسه؛ ليحصل على غرضه من المال سريعا، ولا ~~سيما مع ما يحصل له من التجارة بلا مغرم ولا مكس. ~~فإنها أجدر بنمو الأموال، وأسرع في تثميره، ولا ~~يفهم ما يدخل على السلطان من الضرر بنقص جبايته» ~~(ص283). # هذا ويعود مؤلف المقدمة إلى هذه القضية في فصل ~~آخر، هو الفصل الذي يقرر فيه «أن الظلم مؤذن ~~بخراب العمران» (ص286-290). # يستعرض ابن خلدون في هذا الفصل الأضرار التي ~~تنجم من العدوان على أموال الناس، وبعد التبسط ~~في شرح هذه الأضرار، يقول: ~~«وأعظم من ذلك في الظلم وإفساد العمران والدولة؛ ~~التسلط على الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس ~~الأثمان، ثم فرض البضائع عليهم بأرفع الأثمان، على ~~وجه الغصب والإكراه في الشراء والبيع» ~~(ص289). # إن ذلك يسبب قعود التجار عن العمل: «فيتثاقل ~~الوارد من الآفاق لشراء البضائع وبيعها من أجل ~~ذلك؛ فتكسد الأسواق، ويبطل معاش الرعايا، وتنقص ~~جباية السلطان وتفسد، ويئول ذلك إلى تلاشي الدولة، ~~وفساد عمران المدينة، ويتطرق هذا الخلل على ~~التدريج، ولا يشعر به» (ص290). # يلاحظ من كل ذلك أن ابن خلدون درس هذه الحادثات ~~الاجتماعية الاقتصادية دراسة مفصلة دقيقة، كمن ~~يدرس مرضا من الأمراض، فيبحث عن أسباب تولده، ~~ويسرد التحولات التي تطرأ على البدن من جرائه، ~~ويتتبع أعراض المرض وسيره وأدواره، ويفعل كل ذلك ~~بنظر شامل متشوف مدقق ومتعمق. # حينما يقارن الباحث ما ms166 كتبه ابن خلدون في هذا ~~الصدد بما كتبه مونتسكيو الشهير؛ يضطر إلى ~~التسليم بأن الأول تفوق على الثاني - في بحث هذه ~~القضية الاقتصادية الاجتماعية - تفوقا بارزا، ~~مع أنه أتى قبله بمدة طويلة تناهز أربعة ~~قرون. ~~(6) # وهناك بحث اقتصادي اجتماعي آخر تشترك فيه مقدمة ~~ابن خلدون مع روح القوانين، وهو بحث «علاقة ظلم ~~الدولة وأحوالها بعدد النفوس». # فقد خصص مونتسكيو لهذه القضية فصلا من ~~تأليفه، كما أن ابن خلدون تطرق إلى هذه المسألة ~~في عدة فصول من مقدمته. # لقد عنون مونتسكيو الفصل الحادي عشر من الكتاب ~~الثالث والعشرين من روح القوانين بعنوان: «قساوة ~~الحكومة»، وقال فيه ما يلي: ~~«إن الأشخاص الذين لا يملكون شيئا على الإطلاق ~~- كالشحاذين - يكونون كثيري الأولاد؛ ذلك لأنهم ~~يكونون في حالة الأقوام الناشئة. فمن السهل لكل أب ~~منهم أن يعطي مهنته لولده، حتى إن الولد قد يكون ~~آلة تساعد الوالد في مهنته منذ ولادته. إن هؤلاء ~~يتكاثرون في البلاد الغنية والجاهلة؛ إذ لا أعباء ~~اجتماعية عليهم، وهم أنفسهم أعباء على ~~المجتمع.» ~~«وأما الأشخاص الذين لا يكونون فقراء إلا ~~لأنهم يعيشون في كنف دولة قاسية مستبدة، والذين ~~يعتبرون حقولهم واسطة للضريبة أكثر مما تكون ~~واسطة للمعيشة، إن هؤلاء يكونون قليلي الأولاد؛ ~~وذلك لأنهم لا يملكون ما يقتاتون به، فكيف ~~يستطيعون أن يفكروا في اقتسام أرزاقهم مع أولادهم؟ ~~كما أنهم لا يستطيعون أن يعالجوا أنفسهم من ~~الأمراض التي تنتابهم، فكيف يمكنهم أن يفكروا في ~~توليد وتنشئة مخلوقات تكون في حالة مرض دائم هي ~~الطفولة؟» ~~«وأما القول بأنه كلما كانت الرعية فقيرة، ~~كانت العائلات كثيرة الأفراد، وبأنه كلما كانت ~~الضرائب فادحة، كان الناس يعملون ما يساعدهم على ~~تأديتها، إن القول بذلك إنما يتأتى من التجوز في ~~الكلام، أو من العجز عن التفكير. إن هذين القولين ~~لمن السفسطات التي خربت الممالك، والتي ستظل ~~تخربها على الدوام.» ~~«إن قساوة الحكومة قد توصل الأمر إلى درجة إتلاف ~~العواطف الطبيعية بعواطف طبيعية مثلها؛ أما كانت ~~النساء الأمريكيات (يقصد نساء أهل أمريكا ~~الأصليين) تقبل على ms167 إسقاط أجنتهن؛ لكيلا يتركن ~~أولادهن تحت رحمة أسياد ظلمة؟» # هذا ما كتبه مونتسكيو في روح القوانين حول هذه المسألة. # 3 # وأما ابن خلدون فقد درس المسألة بمقياس أوسع، ~~ونظر أشمل، وتفكير أعمق، في فصول متعددة، ومن وجوه ~~مختلفة، فإنه لم يكتف بدرس تأثير قساوة الحكومة ~~وظلمها على الولادات وحدها، بل لاحظ تأثير ذلك على ~~الوفيات، وعلى تجمع السكان وتبعثرهم، وعلى ~~الهجرة من البلاد وإليها أيضا، وزيادة على كل ذلك ~~فإنه لاحظ تأثير استقلال الأمة واستعبادها في نشاط ~~الأفراد، وعدد النفوس، وثروة الدولة أيضا في جميع ~~تلك الحوادث والأمور. # فقد قرر في أحد فصول الباب الثالث «أن الظلم ~~مؤذن بخراب العمران»، وقال في الفصل المذكور في ~~جملة ما قاله: ~~«اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب ~~بآمالهم في تحصيلها واكتسابها؛ لما يرونه حينئذ من ~~أن غايتها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم ~~في اكتسابها وتحصيلها؛ انقبضت أيديهم عن السعي في ~~ذلك» (ص286). ~~«والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال ~~وسعي الناس في المصالح والمكاسب، ذاهبين وجائين. ~~فإذا قعد الناس عن المعاش، وانقبضت أيديهم عن ~~المكاسب؛ كسدت أسواق العمران، وانتقضت الأحوال، ~~وانذعر الناس في الآفاق من غير تلك الأيالة، في ~~طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها، فخف ساكن القطر ~~وخلت دياره، وخربت أمصاره، واختل باختلاله ~~حال الدولة والسلطان؛ لما أنها صورة للعمران، تفسد ~~بفساد مادتها ضرورة» (ص287). # يؤكد ابن خلدون أن الظلم يؤدي إلى خراب العمران، ~~ويعود على الدولة بالفساد والانتقاض، ثم ~~يقول: ~~«ولا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد ~~بالأمصار العظيمة، من الدول التي بها ولم يقع فيها ~~خراب، واعلم أن ذلك إنما جاء من قبيل المناسبة بين ~~الاعتداء وأحوال أهل المصر؛ فلما كان المصر ~~كبيرا، وعمرانه كثيرا، وأحواله متسعة بما لا ~~ينحصر، كان وقوع النقص فيه بالاعتداء والظلم ~~يسيرا؛ لأن النقص إنما يقع بالتدريج، وإذا خفي ~~بكثرة الأحوال واتساع الأعمال في المصر، لم يظهر ~~أثره إلا بعد حين.» ~~«والمراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن ms168 ~~الظلم والعدوان أمر واقع لا بد منه لما قدمناه، ~~ووباله عائد على الدول» (ص288). # هذا ويقرر ابن خلدون في فصل آخر «أن الأمة إذا ~~غلبت وصارت في ملك غيرها؛ أسرع إليها بالفناء» ~~(ص147). ويعلل ذلك قائلا: ~~«والسبب في ذلك - والله أعلم - ما حصل في النفوس ~~من التكاسل إذا ملك أمرها، وصارت بالاستعباد آلة ~~لسواها، وعالة عليهم؛ فيقصر الأمل، ويضعف ~~التناسل.» ~~«والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل، وما يحدث ~~عنه من النشاط في القوى الحيوانية، فإذا ذهب الأمل ~~بالتكاسل، وذهب ما يدعو إليه من الأحوال، وكانت ~~العصبية ذاهبة بالغلب الحاصل عليهم؛ تناقص ~~عمرانهم، وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم» (ص148). # ويرى ابن خلدون لذلك سببا آخر، ويشرح هذا السبب ~~كما يلي: ~~«إن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي ~~خلق له، والرئيس إذا غلب على رئاسته، وكبح ~~عن غاية عزه؛ تكاسل حتى عن شبع بطنه وري كبده، ~~وهذا موجود في أخلاق الأناسي، ولقد يقال مثله في ~~الحيوانات المفترسة، إنها لا تسافد إذا كانت في ~~ملكة الآدميين.» # ثم يقول: «فلا يزال هذا القبيل المملوك عليه ~~أمره في تناقض واضمحلال، إلى أن يأخذهم ~~الفناء.» # وبعد ذلك يستشهد ابن خلدون بما حدث للفرس بعد ~~استيلاء العرب عليهم، فيقول: «ولا تحسبن أن ذلك ~~لظلم نزل بهم، أو لعدوان شملهم، فملكة الإسلام في ~~العدل ما علمت، وإنما هي طبيعة في الإنسان إذا ~~غلب على أمره، وصار آلة لغيره» (ص148). # وزيادة على كل ذلك، يتطرق ابن خلدون إلى هذه ~~المسألة في فصل آخر حينما يقرر: «أن الترف يزيد ~~الدولة في أولها قوة على قوتها» (ص174)، حيث ~~يقول: «والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك ~~والترف؛ كثر التناسل والولد والعمومية؛ فكثرت ~~العصابة، واستكثروا أيضا من الموالي والصنائع، ~~وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرفه؛ ~~فازدادوا به عددا إلى عددهم وقوة إلى قوتهم» ~~(ص174). # وأبلغ مثال على ذلك هو ما وقع في الدولة العربية ~~في الإسلام، يقول ابن خلدون إن العرب زادوا بعد ~~الإسلام زيادة كبيرة، ويرد سبب هذه الزيادة إلى ms169 ~~الرفه الذي حصل عند ذاك: «واعلم أن سببه الرفه ~~والنعيم الذي حصل للدولة وربي فيه أجيالهم» ~~(ص175). # يعود ابن خلدون إلى هذه المسألة في فصل آخر، هو ~~الفصل الذي يتكلم فيه عن «وفور العمران في آخر ~~الدولة، وما يقع فيها من كثرة الموتان والمجاعات» ~~(ص301). إذ يقول في هذا الفصل: ~~«إن الدولة في أول أمرها لا بد لها من الرفق في ~~ملكتها، والاعتدال في أيالتها.» ~~«وإذا كانت الملكة رفيقة محسنة؛ انبسطت آمال ~~الرعايا، وانتشطوا للعمران وأسبابه؛ فتوفر ويكثر ~~التناسل» (ص301). # وأما في أواخر الدول فتكثر المجاعات والموتان، ~~تكثر المجاعات «لقبض الناس أيديهم عن الفلح في ~~الأكثر؛ بسبب ما يقع في آخر الدولة من العدوان في ~~الأموال والجبايات، أو الفتن الواقعة في انتقاض ~~الرعايا، وكثرة الخوارج لهرم الدولة.» # كما يكثر الموتان لأسباب عديدة من جملتها؛ «كثرة ~~المجاعات أو كثرة الفتن لاختلال الدولة»، و«كثرة ~~الهرج والقتل»، أو «وقوع الوباء» (ص302). ~~••• # بعد هذه التفاصيل والمقارنات، أنا لا أتردد في ~~القول بأنه لا بد لكل باحث منصف أن ينحني احتراما ~~وإجلالا لعبقرية ابن خلدون الذي سما على عبقرية ~~مونتسكيو في هذه المسائل والأبحاث، على الرغم من ~~قدم العصر الذي عاش فيه، وعلى الرغم من انحطاط ~~البيئة التي نشأ فيها. ~~(3) التاريخ والطبيعة ~~(1) # يعزو مونتسكيو أهمية كبرى إلى تأثير الطبيعة ~~والإقليم في سجايا الأمم ووقائع التاريخ، ويخصص ~~نحو ثمانين فصلا من فصول روح القوانين لشرح هذه ~~التأثيرات. # إنه يستهل أبحاثه في هذا المضمار بتقرير المبدأ ~~التالي: ~~«إن أوصاف العقل وانفعالات القلب تختلف كثيرا ~~باختلاف الأقاليم، فمن الطبيعي أن تختلف القوانين ~~أيضا باختلاف الأقاليم.» # وبعد ذلك يأخذ في شرح آرائه في هذا الصدد بتفصيل ~~وإسهاب، ونحن نستطيع أن نلخص هذه الآراء - من ~~حيث الأساس - بما يلي: ~~(أ) # إن شدة الحرارة تقلل القوة وتزيل ~~النشاط؛ ولذلك تصل قوة الإنسان إلى أقصى ~~درجاتها في البلاد الباردة، وتنزل إلى ~~أدنى دركاتها في البلاد الحارة. ~~(ب) # إن التأثير الذي يحصل بهذه الصورة ~~يسري إلى القوى المعنوية والفكرية أيضا؛ ~~ولهذا السبب يكون ms170 سكان البلاد الباردة ~~أكثر ثقة بأنفسهم، وأشد شعورا بتفوقهم ~~بالنسبة إلى سكنة البلاد الحارة، وهذا ~~يجعلهم أكثر نشاطا منهم وأكبر شجاعة، كما ~~يجعلهم أقل ميلا للاحتيال، وأقل رغبة في ~~الانتقام. ~~(ج) # إذا وضعنا رجلا في محل حار محصور، ~~رأينا أنه يشعر بهبوط في قوة قلبه، وذلك ~~قد يوصله إلى حالة قريبة من الإغماء، وفي ~~هذه الحالة إذا طلب منه عمل لا يشعر ~~بقابلية للقيام به؛ ولذلك نجد دائما «أن ~~سكان البلاد الحارة يكونون جبناء مثل ~~الشيوخ، في حين أن سكان البلاد الباردة ~~يكونون شجعان مثل الشبان.» ~~(د) # غير أن الحرارة تؤثر في حساسية ~~الإنسان تأثيرا معكوسا لذلك، فإن ~~الحساسية - بعكس القوة - تصل إلى أقصى ~~درجاتها في البلاد الحارة، وتهبط إلى أحط ~~درجاتها في البلاد الباردة. من المعلوم ~~«أن الأقاليم يتميز بعضها عن بعض ~~باختلاف «درجات العرض الجغرافي»». ونستطيع ~~أن نقول إنها تتميز كذلك باختلاف «درجة ~~حساسية الإنسان»؛ فإن حساسية الإنسان ~~للذة تكون ضعيفة في البلاد الباردة، ~~وأقوى من ذلك في البلاد المعتدلة، وتصل ~~إلى درجة الإفراط في البلاد الحارة. وكذلك ~~الحال في الحساسية للألم، مثلا «إن ~~الموسقوفي لا يحس شيئا من الألم إلا إذا ~~سلخ جلده.» ~~(ه) # إن الشهوة الجنسية تتبع الحساسية ~~العامة في هذا الصدد، فإنها تكون مفرطة ~~في البلاد الحارة، وضئيلة في البلاد ~~الباردة. # في البلاد الشمالية تكون ماديات ~~العشق «في منتهى الضعف»، وقوتها الضئيلة ~~«تكاد تكفي لجعلها محسوسة»، وأما في ~~البلاد الحارة فهي تتغلب على كل ~~شيء. # إن الفيزيقوط عندما هاجروا من ~~جرمانيا إلى الجنوب فانتقلوا إلى إسبانيا؛ ~~أصبحوا أكثر شهوانية من ذي قبل، وشدة ~~الشهوة التي اكتسبوها بهذه الصورة قوت ~~في نفوسهم «حس الغيرة»، كما ظهر ذلك بكل ~~وضوح في سلوك «الكونت جوليانوس الذي ضحى ~~ببلاده من جراء واقعة تتعلق بعرض ~~ابنته.» # في البلاد الشمالية تجد «ماكينة ~~البدن» ملذات كثيرة في كل ما يحرك النفس ~~- من صيد وسباحة وحرب وخمر - وأما في ~~البلاد الحارة فتكاد تنحصر ملذات الحياة ~~في العلاقات الجنسية. ~~(و) # في البلاد الحارة ينفق ms171 البدن ~~مقدارا كبيرا من الماء، فلا يحتاج إلى ~~شيء من الخمور والكحوليات، وأما في ~~البلاد الباردة فبعكس ذلك تقل الحاجة إلى ~~الماء، فتزداد الحاجة إلى الخمور ~~والكحوليات. # ولهذا السبب نجد أن إدمان الخمور ~~يزداد مع ارتفاع درجة العرض الجغرافي، ~~كلما تباعدنا من خط الاستواء نحو ~~القطب. ~~(ز) # إن الإقليم يؤثر في الأخلاق العامة ~~أيضا تأثيرا شديدا؛ فإن سكنة البلاد ~~الباردة يمتازون بكثرة الفضائل وقلة ~~المفاسد، وقوة الصراحة، وقلة الأنانية. ~~فإننا كلما تباعدنا من الشمال إلى الجنوب ~~نكون كأننا تباعدنا عن الأخلاق، فشاهدنا ~~أمما ينقص فيهم روح التشوف والإقدام ~~والكرم، ويزداد فيهم الكسل والأنانية، ~~وتتفشى بينهم المفاسد والجرائم. ~~(ح) # ولذلك كله نجد أن أمم الشمال ~~تتغلب دائما على أمم الجنوب، كما نجد ~~أن الحرية والديمقراطية لا تتأسس إلا ~~عند أمم الشمال، وأما أمم الجنوب ~~فيتصفون بالعبودية والاستسلام بوجه عام، ~~كما أن دولها لا تعرف معنى للحرية ~~والديمقراطية، بل تكون مستبدة وظالمة ~~في كل الأحوال. ~~(ط) # إن عادة حجب النساء وحجزهن أيضا من ~~التقاليد التي تتأسس في البلاد الجنوبية ~~وحدها؛ لأن شدة الشهوة في تلك البلاد ~~تستلزم اتخاذ تدابير شديدة لكبح جماحها، ~~وأما في البلاد الباردة فلا فتكون ثمة ~~حاجة لمثل هذه التدابير؛ لأن الخصال هناك ~~تكون حميدة بوجه عام، كما أن شهوات النفس ~~تكون معتدلة وهادئة في حد ذاتها؛ ولذلك ~~شيء قليل من الانضباط يكفي لتنظيم الحياة ~~الجنسية والمحافظة على العفاف؛ ولهذا ~~السبب نجد أن المرأة في البلاد الباردة ~~«تؤنس الجميع وترفه عن الجميع، على ~~الرغم من أنها تخص نفسها لملذات شخص ~~واحد.» ~~(ي) # إن تأثير الحرارة والبرودة في ~~الشجاعة لا يظهر عند مقارنة الممالك ~~الشمالية بالجنوبية فحسب، بل إنه يظهر عند ~~مقارنة المناطق الشمالية بالجنوبية في ~~المملكة الواحدة أيضا. # وهذه الحقيقة يجب أن توضع نصب ~~الأعين عند اختيار العاصمة في السلطنات ~~الكبيرة، يجب أن تكون العاصمة في القسم ~~الشمالي من المملكة؛ لأن الدولة التي تجعل ~~عاصمتها في الجنوب تتعرض إلى خسارة ~~مناطقها الشمالية، وأما الدولة التي ~~تجعل عاصمتها في الشمال ms172 فتستطيع أن تسيطر ~~على أقسامها الجنوبية بسهولة؛ وذلك بسبب ~~شجاعة الشماليين وجبن الجنوبيين. ~~(2) # إن آراء مونتسكيو في طبائع الشماليين والجنوبيين ~~يجره إلى نظرية مماثلة عن طبائع الأوروبيين ~~والآسيويين؛ لأنه يقول: # في آسيا لا توجد منطقة معتدلة الحرارة، فالبلاد ~~الحارة هناك تتصل بالبلاد الباردة اتصالا ~~مباشرا؛ ولذلك تكون الأمم القوية مجاورة للأمم ~~الضعيفة مجاورة مباشرة، وتستطيع أن تسيطر عليها ~~سيطرة قاصمة؛ وذلك يجعل الأولين سادة والأخيرين ~~عبيدا. # وأما في أوروبا فالأمر يختلف عن ذلك اختلافا ~~كليا؛ لأنه يوجد في القارة الأوروبية منطقة ~~معتدلة الحرارة واسعة النطاق، فتكون الحرارة في ~~هذه القارة متدرجة من الشمال إلى الجنوب، وكذلك ~~قوة الأمم وشجاعتها، فلا تشاهد فروق عظيمة بين ~~الأمم المتجاورة من حيث الشجاعة؛ فتتعادل القوى، ~~فلا تستطيع الواحدة منها أن تسيطر على جارتها ~~سيطرة تامة. # هذا هو السبب الأصلي - في نظر مونتسكيو - في قوة ~~أوروبا وضعف آسيا، وفي حرية أوروبا وعبودية آسيا. ~~إن روح الاستبداد من ناحية، وشيمة العبودية من ~~ناحية أخرى قد تأسست ورسخت في آسيا، ولم تفارقها ~~أبدا في دور من أدوار تاريخها الطويل. والباحث ~~المدقق لا يلمح في جميع الأمم الآسيوية «علامة ~~واحدة» تدل على روح حرة، و«لا يمكن أن يشاهد في ~~آسيا في المستقبل أيضا بطولة غير بطولة ~~العبودية.» # مونتسكيو يدعي ذلك بصيغة الجزم والتأكيد، كما ~~أنه يجيب بذلك على سؤال يحوم حول تاريخ فتوحات ~~الرومان؛ لماذا لم يتوسع الرومان في أوروبا إلا ~~بمشقات عظيمة، في حين أنهم استطاعوا أن يفتحوا ~~آسيا بسهولة خارقة؟ # وفضلا عن ذلك يحاول مونتسكيو أن يقرر ويعلل ~~خصائص الشرق والغرب أيضا على هذا الأساس. # بما أن الشمال يتفوق على الجنوب، وأوروبا ~~تتفوق على آسيا، فإن سكان شمال أوروبا - الذين ~~يجمعون في أنفسهم مزايا الشمال مع مزايا أوروبا - ~~يتفوقون على جميع أمم الأرض تفوقا ~~عظيما. # إن المنطقة الشمالية من القارة الأوروبية هي ~~مصدر الحرية المنتشرة في أوروبا، بل مصدر الحرية ~~الموجودة في العالم. كان «جورناندس» القوطي قال عن ~~شمال أوروبا إنه «معمل الجنس البشري»، ولكن ~~مونتسكيو ms173 يفضل تسمية تلك المنطقة ب «مصنع الآلات ~~التي تكسر الأغلال المصنوعة في الجنوب»؛ لأنه ~~يعتقد بأن «هناك تتكون الأمم الباسلة التي تخرج ~~من بلادها لسحق الظالمين والعبيد.» # وأما الشرق فهو عكس ذلك تماما؛ لأنه يجمع ~~خصائص الجنوب مع خصائص آسيا، وقد سبق أن قال ~~مونتسكيو إن الخصال التي يختص بها سكان الجنوب ~~وسكان آسيا هي من أردأ الخصال. ~~(3) # إن تأثير الطبيعة والإقليم يظهر في أمور الأديان ~~أيضا على رأي مونتسكيو؛ ذلك لأن بعض الأوامر ~~والنواهي الدينية تتبع أحوال الإقليم مباشرة؛ ~~مثلا قانون «تحريم الخمور» في الدين المحمدي، هو ~~من القوانين الإقليمية التي تلائم طبيعة البلاد ~~الحارة، وكذلك أمر تحريم لحم الخنزير؛ لأن هذا ~~اللحم مضر في البلاد الحارة، حيث تكثر الأمراض ~~الجلدية، غير أنه غير ضار في البلاد الباردة، بل ~~ربما كان من الأغذية الضرورية - نوعا ما - في تلك ~~البلاد. # ويقول مونتسكيو - بناء على كل ما سبق: «إن ~~الأوامر الإسلامية في هذا الصدد توافق حاجات ~~الأقاليم الحارة، وتنافي حاجات الأقاليم الباردة؛ ~~ولهذا السبب انتشر الدين الإسلامي في آسيا - وفي ~~أفريقيا التي هي في حكم آسيا - ولكنه لم يستطع أن ~~ينتشر ويستقر في أوروبا.» ~~«وأما الديانة المسيحية فبعكس ذلك، قد انتشرت ~~بسهولة في أوروبا، ولكنها لم تستطع أن تنتشر في ~~آسيا وأفريقيا، فمن الجائز أن يقال - والحالة هذه ~~- «إن الإقليم هو الذي عين وقرر الحدود ~~الفاصلة بين بلاد الديانة المسيحية، وبين بلاد ~~الديانة الإسلامية».» # هذا ويزعم مونتسكيو أن تأثير الإقليم قد تجلى ~~في تقرير الحدود الفاصلة بين فرعي المسيحية ~~أيضا؛ لأن الأمم الشمالية في أوروبا اعتنقت ~~المذهب البروتستانتي، في حين أن الأمم الجنوبية ~~حافظت على المذهب الكاثوليكي؛ والسبب في ذلك هو أن ~~الشماليين أكثر ميلا إلى الحرية والاستقلال، بحكم ~~بيئتهم الطبيعية، فكان من الطبيعي أن يصيروا أكثر ~~ترجيحا للمذهب البروتستانتي الذي لا يعترف برئيس ~~ديني مطلق، وأشد تباعدا عن المذهب الكاثوليكي ~~الذي يعترف بسلطة مطلقة لرئيس ديني. # وفي الأخير يجب أن يلاحظ أن تأثير الإقليم ~~يشمل أمور الدروشة والرهبنة أيضا؛ فإن ms174 عدد ~~التكايا والأديرة، مثل عدد الدراويش والرهبان، ~~يزداد بازدياد حرارة الأقاليم. ~~(4) # يتكلم مونتسكيو عن تأثير «طبيعة الأرض» أيضا ~~في طبائع الأمم وأنظمتها، إنه يهتم بوجه خاص في ~~شرح تأثير خصوبة الأراضي في هذا المضمار. # إن خصوبة الأرض تؤدي إلى تأسس روح العبودية؛ ~~لأن الزراع الذين يؤلفون أكثرية السكان في ~~مثل تلك البلاد لا يهتمون كثيرا بالحرية، ولا ~~يطلبون شيئا من الدولة غير ضمان الأمن والسكون؛ ~~ولهذا السبب تكون الحكومات هناك فردية ومطلقة، في ~~حين أن الأمر يكون عكس ذلك تماما في الحكومات ~~التي تنشأ على أراض قليلة الخصب وجدباء. # إن تاريخ اليونان - على زعم مونتسكيو - أبلغ ~~شاهد على ذلك؛ إن أراضي آتيكا كانت جدباء؛ وذلك ~~أدى إلى تأسس دولة ديمقراطية في أثينا، إلا أن ~~أراضي لاسه ده مونيا كانت خصبة بوجه عام؛ وذلك ~~أدى إلى تأسس دولة أرستقراطية في ~~إسبارطة. # ويذكر مونتسكيو بهذه الوسيلة ما قاله بلوتارخوس ~~في ما كتبه عن حياة صولون: انقسم الأهالي إلى ~~أحزاب حسب طبيعة الأراضي التي يقطنونها، كان أهل ~~الجبال يطلبون حكومة يديرها الشعب، في حين أن أهل ~~السهول كانوا يرغبون في حكومة يديرها الرؤساء، ~~وأما أهل السواحل فكانوا يطالبون بحكومة يشترك ~~فيها القسمان - الشعب والرؤساء ~~- على حد ~~سواء. # هذا ويعزو مونتسكيو إلى خصوبة الأرض تأثيرا في ~~الطبائع ، من جهة أخرى أيضا: إن قلة خصوبة الأرض ~~تضطر الناس إلى الجد والكد، وتعودهم الحياة ~~الخشنة؛ وذلك يجعلهم شجعان ومحاربين، ولكن خصوبة ~~الأرض تحمل سكانها على التراخي، وتزيد في نفوسهم ~~حب الحياة. # وفي الأخير يلاحظ مونتسكيو أن أهل الجبال يكونون ~~أكثر تمسكا بالحرية من أهل السهول، ويعلل ذلك ~~بقوله: السبب الأصلي في ذلك هو أن الجبال تكون أقل ~~خصوبة من السهول بوجه عام، كما أن الدفاع عنها ~~يكون أسهل بكثير من الدفاع عن السهول. ~~••• # هذه هي الخطوط الأساسية للآراء والنظريات التي ~~سردها مونتسكيو في «روح القوانين» حول مسألة ~~«تأثير الإقليم والأرض في طبائع الأمم، ونظم ~~السياسة ووقائع التاريخ». # يلاحظ أنه يغالي في تقدير هذا التأثير مغالاة ~~شديدة، ms175 ويبدي كثيرا من الآراء والنظريات التي ~~لا تستند إلى أسس علمية صحيحة، وإن ظهرت في ~~الوهلة الأولى لامعة وأخاذة، تنم عن طرافة في ~~التفكير وبراعة في التعليل. # لقد بذل مؤلف روح القوانين جهودا فكرية بارعة؛ ~~لأجل تعليل الكثير من طبائع الأمم ووقائع التاريخ ~~بتأثير «درجة الحرارة والعرض الجغرافي» بوجه خاص، ~~ولكنه خالف كثيرا من الحقائق الثابتة خلال هذه ~~التعليلات. # إن مخالفة هذه النظريات للحقائق الثابتة كانت ~~لفتت أنظار البعض من معاصريه، وحملتهم على انتقاده ~~من هذه الوجهة انتقادا عنيفا، وكان «فولتير» ~~الشهير من جملة هؤلاء المنتقدين. # وقد رد المشار إليه على ما ذهب إليه مونتسكيو ~~من «أن الأمم الشمالية تكون شجاعة ومحاربة؛ ولذلك ~~تتغلب على الأمم الجنوبية التي تكون جبانة ~~ومسالمة»، بذكر بعض الوقائع التاريخية التي تشهد ~~على عكس ذلك، فقال: «إن العرب فتحوا خلال ثمانين ~~عاما بلادا أوسع بكثير من التي دخلت تحت حكم ~~الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها، كما أن ~~الرومان أنفسهم تغلبوا على عدة أقوام من سكنة ~~البلاد الشمالية، وفي التاريخ القريب تغلب جيش ~~صغير من الإسبان الجنوبيين على جيش كبير من ~~الألمان الشماليين.» # كما أنه رد على نظرية «تأثير خصوبة الأرض في ~~تقرير نظام الحكم» قائلا: «إن تاريخ اليونان يشهد ~~- في حقيقة الحال - على عكس ما ذهب إليه مونتسكيو ~~تماما؛ لأن أثينا تنتج الآن القطن والحرير والزيت ~~والجلود، مع أنها تئن تحت نير الاستعباد، في حين ~~أن إسبارطة لا تنتج شيئا. فلا مجال للشك في أن ~~أثينا كانت أغنى من إسبارطة بكثير في قديم الزمان ~~أيضا. إن تعليل نظام الحكم بكون الأرض خصبة أو ~~قاحلة، لا يقوم على أي أساس واقعي؛ فإن السويد - ~~مثلا - ظلت مدة طويلة تحت نير الحكومة ~~الاستبدادية، في حين أن بولندا أرستقراطية على ~~الرغم من خصوبة أراضيها.» # أنا لا أرى لزوما لاستعراض جميع الانتقادات ~~المحقة التي كانت وجهت إلى آراء مونتسكيو هذه ~~في زمانه، غير أني أرى من الضروري أن أشير إلى حكم ~~العلم الحاضر على هذه الآراء. # لقد حدد مونتكسيو مفهوم ms176 «الإقليم» بحدود ضيقة؛ ~~لأنه حصره في شدة الحرارة والبرودة تقريبا، كما ~~أنه بالغ مبالغة كبيرة جدا في تأثير ذلك في ~~أحوال الأمم، وقد فاته أن الإنسان يقاوم تأثير ~~الحرارة والبرودة ب «تكيف فسلجي طبيعي» من جهة، ~~و«تكيف اجتماعي اصطناعي» من جهة أخرى. فإن النوع ~~الأول من التكيف يتم بردود الأفعال الحياتية - ~~بتقلص أو انبساط الأوعية الدموية المحيطة، وبتزايد ~~أو تناقص الإفرازات العرقية - تبعا لحالة الحرارة ~~الخارجية، وأما النوع الثاني من التكيف فيحدث ~~بتنويع وتنظيم الأغذية والملابس والمساكن، حسب ~~مقتضيات الحرارة. # فقد أخطأ مونتسكيو خطأ عظيما عندما سهى عن ~~ملاحظة الحقائق الراهنة، وتوسع كل هذا التوسع ~~في تقدير مبلغ تأثير الحرارة في طبائع الأفراد ~~والجماعات، وأوصل المغالاة في هذا المضمار إلى ~~حد الادعاء بأن «النظم الاجتماعية والسياسية، ~~والنزعات الدينية والمذهبية، وكثيرا من الأمور ~~الأخلاقية» أيضا تتبع الإقليم بوجه عام، ودرجة ~~الحرارة والبرودة بوجه خاص. # إن جميع الأبحاث التي قام بها علماء التاريخ ~~والاجتماع منذ عهد مونتسكيو إلى الآن، اتجهت ~~اتجاها يخالف المزاعم المذكورة بوجه عام؛ لأنها ~~دلت دلالة قطعية على أن تفشي الجرائم، وإدمان ~~المسكرات، وطغيان الشهوات، من الأحوال الاجتماعية ~~المعضلة التي تتبع عوامل كثيرة، فتختلف لذلك ~~اختلافا كبيرا في الإقليم الواحد بين سكان المدن ~~والأرياف، وفي المدينة الواحدة بين الطبقات الغنية ~~والفقيرة ، وفي الطبقة الواحدة بين معتنقي مختلف ~~المذاهب والديانات، كما أنها تختلف في كل ذلك بين ~~عهد وعهد، وبين قرن وقرن، فتعليل مثل هذه الأمور ~~الاجتماعية المعضلة بتأثير الإقليم والحرارة مما ~~لا يدل على فهم صحيح للحقائق الاجتماعية. # وأما تأسس نظم الاجتماع والحكم، وانتشار ~~الديانات والمذاهب، ونشوء نزعات السلم والحرب؛ فهي ~~من الحادثات التي تتبع سلسلة طويلة ومتشابكة من ~~الوقائع التاريخية، والعوامل الاقتصادية، ~~والتطورات الفكرية والاجتماعية. # إن تعليل وتفسير مثل هذه الحوادث التاريخية ~~والاجتماعية المعضلة، بالعوامل الطبيعية البسيطة - ~~مثل درجة الحرارة، والعرض الجغرافي، وخصوبة الأرض ~~- مما لا يتفق مع حقائق العلم الحديث واتجاهاته ~~أبدا. ~~••• # إذا رجعنا إلى مقدمة ابن خلدون وأنعمنا النظر ~~فيها على ضوء ما ذكرناه آنفا؛ وجدنا ms177 أنها كانت ~~أكثر فهما للحقائق الاجتماعية، وأشد تمشيا مع ~~مناحي الأبحاث العلمية. # إن ابن خلدون أيضا قال بتأثير الإقليم والطبيعة ~~في أخلاق الإنسان وطبائعه، ولكنه لم يغال في هذا ~~المضمار كما غالى مونتسكيو، فلم يقع في الأخطاء ~~التي وقع فيها هذا المفكر المشهور. # بما أننا اتخذنا آراء ابن خلدون في طبائع الأمم ~~وعوامل التاريخ موضوع دراسة خاصة، لا نرى لزوما ~~لإطالة الكلام في هذا المقام، بل نحيل القارئ إلى ~~تلك الدراسة في القسم الثالث من هذا ~~الكتاب. # إن مطالعة تلك الدراسة - ومقارنة الآراء ~~المذكورة فيها بالنظريات المسرودة آنفا - يظهر ~~بوضوح أعظم أن ابن خلدون كان أقرب إلى فهم «طبيعة ~~الحياة الاجتماعية»، وإلى إدراك «روح التاريخ ~~وفلسفته» من مونتسكيو بدرجات، على الرغم من أنه ~~كان قد عاش وفكر وكتب قبله بمدة طويلة تقرب من ~~أربعة قرون. # | ابن خلدون وعلم الاجتماع # 1 ~~(1) # يعتبر علم الاجتماع أحدث العلوم الأساسية على ~~الإطلاق؛ لأن تأسسه على أسس قويمة لم يتم إلا ~~في الربع الثاني من القرن التاسع عشر. # وأما شرف تأسيس هذا العلم فيعزى - عادة - ~~إلى المفكر الفرنسي المشهور «أوغوست كونت» # Auguste ~~Conte ~~(1798-1853)؛ لأن ~~المومأ إليه كان - على ما يعتقد - أول من اتخذ ~~«الاجتماع» موضوعا لعلم مستقل، وأول من استطاع ~~تأسيس هذا العلم على أسس علمية مثبتة، وزيادة على ~~ذلك فإنه كان أول من ابتدع واستعمل كلمة ~~«السوسيولوجيا» # La ~~Sociologie # لتسمية هذا ~~العلم الجديد. # ولقد وضع أوغوست كونت علم الاجتماع في المرتبة ~~الأخيرة والعليا من «مراتب العلوم»، التي رتبها ~~وشرحها في فلسفته الخاصة، ثم حاول أن يوضح الأسباب ~~التي استوجبت تأخر تأسس هذا العلم إلى هذا ~~الحد، على ضوء نظريته المشهورة عن مراتب العلوم ~~بوجه عام. # لقد لاحظ كونت أن العلوم يختلف بعضها عن بعض ~~اختلافا كبيرا، من حيث درجة «معضلية مواضيعها» ~~ومبلغ «عمومية مسائلها»، وقال إن العلوم التي تكون ~~بسيطة المواضيع تتأسس قبل التي تكون معضلة ~~المواضيع؛ مثلا، من الواضح أن الأفاعيل الحياتية ~~أشد إعضالا من الحادثات الكيماوية، فلا يمكن - ~~والحالة هذه - معرفة ms178 قوانين الحادثات الحياتية، ~~قبل معرفة قوانين الحادثات الكيماوية، فكان من ~~الطبيعي أن يتوصل الفكر البشري إلى اكتشاف ~~القوانين الكيماوية قبل اكتشاف القوانين الحياتية، ~~وكان من المستحيل عليه أن يؤسس علم الحياة على ~~أسس علمية مثبتة، قبل أن يؤسس علم الكيمياء على ~~مثل تلك الأسس المثبتة. # وبناء على هذه الملاحظة رتب كونت العلوم ~~الأساسية حسب درجات إعضال مواضيعها، مبتدئا من ~~الرياضيات، التي هي أقل إعضالا من جميعها؛ فتوصل ~~إلى السلسلة التالية: ~~(1) ~~الرياضيات. (2) علم الفلك. (3) علم الفيزياء. (4) ~~علم الكمياء. (5) علم الحياة. (6) علم ~~الاجتماع. # يلاحظ أن مواضيع كل حد من حدود هذه السلسلة، ~~أقل عمومية وأشد معضلية من التي قبلها، وأشد ~~عمومية وأقل معضلية من التي بعدها، فكل علم من ~~هذه العلوم يحتاج إلى التي قبله، ويمهد إلى التي ~~بعده. # ولهذا السبب كان من الطبيعي أن يتقدم علم ~~الفلك - تاريخيا - على علم الفيزياء، كما ~~يتقدم هذا العلم على علم الكيمياء، وعلم ~~الكيمياء على علم الحياة، وعلم الحياة على علم ~~الاجتماع. وكان من المستحيل أن يتأسس علم ~~الاجتماع قبل أن يتأسس علم الحياة، وسائر العلوم ~~المتقدمة عليه. # لم يكن في استطاعة أرسطو - على رأي كونت - أن ~~يتصور علم الاجتماع؛ لأن جميع العلوم الممهدة ~~للعلم المذكور كانت غير معلومة وغير مؤسسة في ~~عصره، وما كان في استطاعة مونتسكيو أيضا أن ~~يوجد علم الاجتماع - على الرغم من العبقرية ~~الفذة التي أظهرها في أبحاثه - لأن علم الحياة لم ~~يكن قد أخذ شكلا علميا بعد زمانه. # من المعلوم أن علم الحياة تأسس في أواخر القرن ~~الثامن عشر، وتقدم تقدما كبيرا في أوائل ~~القرن التاسع عشر؛ ولذلك كان قد حان - عندئذ - دور ~~تأسيس علم الاجتماع. اعتقد أوغوست كونت بذلك، فأخذ ~~على عاتقه مهمة تأسيس هذا العلم تحت تأثير هذا ~~الاعتقاد، واعتبر هذا العلم الجديد خاتمة لسلسلة ~~العلوم. ~~(2) # إن عددا غير قليل من المفكرين انتقدوا نظرية ~~كونت في هذا الصدد من وجوه عديدة. # لقد لاحظوا أولا أن هذه السلسلة لم تعط ~~موقعا ما لعلم النفس؛ لأن كونت كان قد اعتبر ms179 ~~العلم المذكور فرعا من فروع علم الحياة. إن ~~تلاميذ كونت فهموا خطأ أستاذهم في هذا الصدد، ~~واعتبروا علم النفس أيضا علما مستقلا، مثل علم ~~الحياة وعلم الاجتماع، وخصصوا له مرتبة جديدة ~~في سلسلة مراتب العلوم، تقع بين هذين ~~العلمين. # ثانيا؛ لاحظ بعض المفكرين «أن تاريخ الاكتشافات ~~من الأمور التي تتأثر من عوامل كثيرة ومتنوعة، ~~فمحاولة تفسير تاريخ العلوم وتعليله استنادا إلى ~~أمر «معضلية المواضيع» وحدها، مما لا ينطبق على ~~الحقائق الراهنة تمام الانطباق. # نحن لا نرى لزوما لمناقشة هذه النظرية من ~~وجوهها المختلفة في هذا المقام، بل نكتفي بسردها ~~لنبين رأي أوغوست كونت في تبعية علم الاجتماع لعلم ~~الحياة من جهة، وفي علة تأخر علم الاجتماع عن ~~سائر العلوم من جهة أخرى. # ومهما كان نصيب هذه النظرية من الصحة، فمما لا ~~مجال للشك فيه أن علم الاجتماع لم ينضم إلى ~~مجموعة العلوم البشرية - بشكل فعال - إلا بعد ~~الربع الأول من القرن التاسع عشر، بعد أن دخلت ~~العلوم الطبيعية بوجه عام، والعلوم الحياتية بوجه ~~خاص، في الطور العلمي المثبت، بفضل الخطط والطرائق ~~الاستقرائية والتجريبية التي أخذ الباحثون ~~يتبعونها في درس مواضيع العلوم المذكورة. ~~(3) # ولكن هذه الحقيقة لا تعني أن المفكرين لم ~~يلتفتوا إلى الحادثات الاجتماعية، فلم يدرسوا ~~شيئا منها قبل ذلك التاريخ، بل الأمر على عكس ~~ذلك؛ فإنه من الأمور الثابتة أن بعض الحادثات ~~الاجتماعية صارت موضوع أبحاث علمية، حتى إن قسما ~~من تلك الأبحاث تقدمت إلى درجة تكوين بعض العلوم ~~الخاصة قبل ذلك بمدة طويلة. # فإن المباحث العلمية التي تعرف باسم علم ~~السياسة، وعلم الأخلاق، وعلم الاقتصاد، وعلم ~~التشريع، وعلم الإحصاء، وعلم البشر، وفلسفة ~~التاريخ، وفلسفة التشريع؛ كانت تكونت قبل ~~التاريخ المذكور بمدد غير يسيرة، ومن المعلوم أن ~~مواضيع هذه العلوم تحوم حول الحياة الاجتماعية ~~البشرية، ولهذا السبب كانت تسمى باسم عام، وهو ~~«العلوم الأدبية ~~والاجتماعية» # Sciences morales et ~~sociales ~~. # غير أن جميع هذه العلوم والمباحث الخاصة كانت ~~مشوبة بنقائص جوهرية؛ كان كل واحد منها يدرس ~~نوعا واحدا من الحادثات ms180 الاجتماعية، من غير أن ~~يعتبر علاقة هذه الأنواع بعضها ببعض، وبالمجتمع ~~بوجه عام، ولا بأشكال المجتمع بوجه خاص. # وزيادة على ذلك فإن معظم مباحث هذه العلوم كانت ~~إنشائية ودستورية # Impréiatif, ~~normatif # تبحث «عما يجب أن ~~يكون»، أكثر مما تدرس «ما هو كائن»، وتسعى وراء ~~وضع «دساتير عمل»، أكثر مما تهتم باكتشاف ~~و«استجلاء الحقائق». # إن علماء الأخلاق - مثلا - كانوا يبحثون عن ~~السلوك الذي يجب أن يسلكه الإنسان، من غير أن ~~يدرسوا «سلوك الإنسان»، ومن غير أن يلاحظوا علاقة ~~هذا السلوك بأحوال المجتمع وأشكاله، وكذلك كان ~~علماء الاقتصاد يبحثون في «الثروة»، من غير أن ~~يهتموا بأحوال المجتمع الذي ينتج هذه الثروة أو ~~يستهلكها، وأما البحث في المجتمع كمجموع، ودرس ~~أحواله على هذا الأساس فكان من الأمور الخارجة عن ~~خطط العلوم المذكورة، وبعيدة عن أنظار العلماء ~~المشتغلين بها. ~~(4) # إن هذه الحالة أدت إلى حدوث مباحثات كثيرة ~~ومناقشات شديدة بين مؤسسي علم الاجتماع الذي ظهر ~~متأخرا، وبين أرباب العلوم الاجتماعية التي ~~ذكرناها آنفا؛ ماذا يجب أن تكون علاقة هذا العلم ~~الأساسي الجديد بتلك العلوم الخاصة ~~القديمة؟ # لقد انقسم المفكرون والعلماء تجاه هذا السؤال ~~إلى معسكرين متخالفين. # قالت جماعة منهم: إن العلوم الاجتماعية القديمة ~~يجب أن تحافظ على استقلالها، وتواظب على أبحاثها ~~الخاصة، وفق خططها الخاصة ومناحيها الخاصة، وأما ~~علم الاجتماع فيجب أن يقتبس ما يجب اقتباسه من ~~الحقائق التي تكتشفها تلك العلوم، ويركب تلك ~~الحقائق تركيبا فلسفيا، وبتعبير آخر: إن علاقة ~~علم الاجتماع الجديد بالعلوم الاجتماعية القديمة، ~~يجب أن تكون مثل علاقة الفلسفة بسائر ~~العلوم. # ولكن جماعة أخرى قالت بعكس ذلك تماما: إن علم ~~الاجتماع يجب أن يشمل جميع مباحث العلوم ~~الاجتماعية اشتمالا مباشرا، يجب أن تدخل كل هذه ~~العلوم في نطاق علم الاجتماع، فتعتبر فصولا أو ~~فروعا لهذا العلم الشامل؛ ذلك لأن اعتبار تلك ~~المواضيع مستقلا بعضها عن بعض، ودرسها مستقلا ~~عن المجتمع لا بد من أن يؤدي إلى أخطاء كبيرة ~~أساسية؛ فإن البحث في تلك المواضيع لا يمكن أن ~~يوصل إلى حقائق ms181 علمية مثبتة إلا عندما يتم على ضوء ~~مناحي البحث التي تتبع في علم الاجتماع. # إن المناقشات التي احتدمت بين الرأيين لم تنته ~~إلى نتيجة حاسمة تماما، ومع هذا أدت إلى عدة ~~نتائج عملية هامة. # فإن علماء الاجتماع أعادوا البحث والنظر في جميع ~~المسائل والمواضيع التي كانت تعتبر من خصائص ~~العلوم الاجتماعية الآنفة الذكر، فكونوا فروعا ~~عديدة لعلم الاجتماع عرفت بأسماء جديدة؛ مثل ~~الاجتماع السياسي، الاجتماع الاقتصادي، الاجتماع ~~التشريعي، وهلم جرا. # ولكن المتخصصين في العلوم الاجتماعية القديمة لم ~~يتنازلوا عن استقلالهم، ومع هذا اضطروا - حينما ~~لاحظوا أهمية النتائج التي توصل إليها علماء ~~الاجتماع - اضطروا إلى إعادة النظر في مباحثهم ~~على أساس ملاحظة أحوال المجتمعات - وفقا لوجهات ~~نظر علم الاجتماع - فأدخلوا بذلك روحا جديدة ~~ونظرات جديدة في علومهم القديمة. # وبهذه الصورة أصبح علم الاجتماع يسيطر على جميع ~~العلوم الاجتماعية، سواء أرضي أصحابها أم أبوا، ~~وأخذ ينفخ روحا تقدميا فيها جميعها. # 2 ~~(1) # يتبين ~~مما ذكرناه آنفا أن الذين اعتبروا أوغوست كونت ~~مؤسسا لعلم الاجتماع لم يقولوا ذلك لزعمهم أنه ~~كان أول من درس الحادثات الاجتماعية، بل إنهم ~~قالوا ذلك لزعمهم أنه كان أول من نظر إلى المجتمع ~~ككل، فاتخذه موضوعا لعلم مستقل قائم ~~بنفسه. # لكننا نعتقد - بهذا الاعتبار - أن حق ابن خلدون ~~بلقب «مؤسس علم الاجتماع» أقوى من حق كونت؛ لأنه ~~كان قد فعل كل ذلك قبل أن يؤلف كونت دروسه في ~~الفلسفة الإثباتية بمدة تزيد على أربعمائة وستين ~~عاما. # نحن نعتقد أن مقدمة ابن خلدون لم تكن تلمسا ~~بسيطا لعلم الاجتماع، ولا تحدسا غامضا عنه، ~~بل كانت محاولة ناجحة لاستحداث علم الاجتماع، ~~محاولة تستجمع جميع الشروط التي تخولنا حق ~~تلقيبه بلقب «المؤسس» لهذا العلم. ~~(2) # نحن نعلم أن لقب المؤسس لعلم من العلوم لا ~~يجوز أن يمنح لأي مفكر أو عالم كان، إلا إذا ~~تحققت في أبحاثه الشروط الجوهرية ~~التالية: ~~(أ) # يجب أن يكون العالم المذكور قد ~~تصور موضوع العلم مستقلا عن مواضيع ~~العلوم المعلومة، وأن يكون قد اقتنع بأن ~~ذلك الموضوع يحتاج ms182 إلى درس خاص. ~~(ب) # يجب أن يكون قد اعتقد أن الحادثات ~~المتعلقة بذلك الموضوع، لم تكن من الأمور ~~التابعة للأهواء والصدف، بل إنها من ~~الأمور التي تحدث وتتكون تحت تأثير ~~أسباب وعوامل معينة، والتي تتعين ~~تعينا تاما بالظروف والأسباب الموجبة ~~لها، وبتعبير أقصر: إنها من الأمور التي ~~تتبع قانون السببية # Causalité ~~، وتدخل في نطاق ~~مبدأ التعين والحتمية # Déterminisme ~~. ~~(ج) # يجب أن يكون قد درس الموضوع دراسة ~~وافية في ساحة لا بأس بها، وتوصل إلى ~~اكتشاف بعض القوانين المتعلقة بها. # لا يشترط في التأسيس دراسة الموضوع ~~بكامله، أو اكتشاف قوانينه بأجمعها؛ لأن ~~ذلك يستحيل على شخص واحد، حتى على رجال ~~قرن واحد. فلو اشترط ذلك لما أمكن ~~تسمية أي مفكر كان باسم «المؤسس»، لأي علم ~~كان؛ لأن العلوم تتكون وتتقدم شيئا ~~فشيئا بوجه عام، حتى إننا نستطيع أن نقول ~~إن بناء العلم يعلو ويتوسع دائما ولا ~~يتم أبدا. # ولهذا السبب إن تأسيس أي علم من ~~العلوم لا يعني اكتشاف جميع حقائقه، بل ~~يعني اكتشاف قسم من حقائقه بعد فهم خصوصية ~~موضوعه، وإدراك تبعية ذلك الموضوع لقانون ~~السببية، ومبدأ التعين والحتمية. ~~(3) # إذا أنعمنا النظر في مقدمة ابن خلدون على ضوء ~~هذه المبادئ والحقائق نضطر إلى التسليم بأن مؤلفها ~~المفكر يجب أن يعتبر مؤسسا لعلم ~~الاجتماع. # أولا: # لقد قال ابن خلدون بوجوب اتخاذ ~~«الاجتماع الإنساني» موضوعا لعلم مستقل، ~~وسمى هذا العلم باسم «علم العمران»، ~~وبما أنه قصد من كلمة العمران الاجتماع ~~بوجه عام، بدليل تعريفه للعمران بقوله: ~~«هو التساكن والتنازل في مصر أو حلة، ~~للأنس بالعشير واقتضاء الحاجات» (ص41)، ~~نستطيع أن نقول إنه سمى العلم المذكور ~~باسم خاص، ينطبق على موضوعه تمام ~~الانطباق. # لقد قال ابن خلدون عدة مرات بأن ~~موضوع هذا العلم هو «العمران البشري ~~والاجتماع الإنساني»، وصرح بأنه يختلف ~~من علم الخطابة ومن علم السياسة، وأكد ~~ضرورة اعتباره مستقلا عن سائر ~~العلوم. # وقد قال: «إذا كانت كل حقيقة متعقلة ~~طبيعية، يصلح أن يبحث عما يعرض لها من ~~العوارض لذاتها، وجب أن ms183 يكون باعتبار كل ~~مفهوم وحقيقة علم من العلوم يخصه» (ص38). ~~وبما أن العمران البشري، والاجتماع ~~الإنساني حقيقة قائمة بنفسها، وجب أن ~~يعتبر من خصائص علم خاص قائم ~~بنفسه. # ابن خلدون عين مبلغ شمول هذا ~~العلم بوضوح يثير الإعجاب؛ فإنه أدخل ~~«الملك والكسب والصنائع والعلوم» في نطاق ~~موضوع العمران، فاعتبرها كلها من جملة ~~مباحث علم العمران. # فإنه عندما ذكر هذا العلم في ~~الديباجة قال: ~~«الكتاب الأول: في العمران، وذكر ~~ما يعرض فيه من العوارض الذاتية، # 1 # من الملك والسلطان والكسب ~~والصنائع والعلوم، وما إلى ذلك من العلل ~~والأسباب» (ص6). # وكرر ذلك في عنوان الكتاب ~~المذكور، حيث قال: ~~«في طبيعة العمران في الخليقة، وما ~~يعرض فيها من البدو والحضر، والتغلب ~~والكسب والمعاش والصنائع والعلوم ونحوها، ~~وما لذلك من العلل والأسباب» ~~(ص35). # كما قال في سياق الكلام: ~~«ونحن الآن نبين في هذا الكتاب ما ~~يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال ~~العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع ~~بوجوه برهانية» (ص40). # يتبين من ذلك كله أن ابن خلدون ~~أدرك تمام الإدراك درجة شمول الموضوع الذي ~~تصوره لعلم العمران، أي علم ~~الاجتماع. # ثانيا: # لقد اعتقد ابن خلدون تمام الاعتقاد ~~بأن الأحوال الاجتماعية تتأتى من «علل ~~وأسباب»، وفهم أن هذه العلل والأسباب تعود ~~في الدرجة الأولى إلى «طبيعة العمران»، ~~وبتعبير آخر إلى «طبيعة الاجتماع». # إن اعتقاد ابن خلدون في ذلك يظهر ~~أولا من دلالة العبارات التي ذكرناها ~~آنفا؛ فإنه يشير فيها بصراحة إلى «العلل ~~والأسباب»، وإلى «الوجوه البرهانية»، مما ~~يدل دلالة واضحة على أنه أدرك أن ~~الحادثات الاجتماعية تابعة لعلل وأسباب، ~~وأن البحث فيها يجب أن يكون بوجوه ~~برهانية. # ولكن اعتقاد ابن خلدون في هذا الأمر ~~يظهر بوضوح أكبر من ذلك أيضا مما كتبه في ~~معظم أبحاثه. # فإنه يقول مثلا: «للعمران طبائع في ~~أحواله» (ص6)، ويبحث عن «طبيعة العمران ~~والأحوال في الاجتماع الإنساني» (ص9)، ~~ويشير إلى «معرفة طبائع ~~العمران» ~~(ص37). # كما أنه يكتب عدة مرات مثل هذه ~~العبارات: ~~«يجب أن ننظر في الاجتماع البشري ~~الذي هو العمران، ms184 ونميز ما يلحقه من ~~الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه» ~~(ص37). ~~«فإن كل حادث من الحوادث، ذاتا كان ~~أو فعلا، لا بد له من طبيعة تخصه في ~~ذاته، وفيما يعرض له من أحواله» ~~(ص35-36). # إن المؤرخ يجب أن يكون «عارفا ~~بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ~~ومقتضياتها» (ص36). ~~«حكم الملك والسلطان إنما يجري على ~~ما تقتضيه طبيعة العمران» (ص224). # حينما يتكلم ابن خلدون عن الوظائف ~~الخلافية، ويميز بينها وبين الوظائف ~~السلطانية، يقول: «نتكلم في ذلك بما ~~تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الإنساني» ~~(ص236). ~~«كلامنا في وظائف الملك والسلطان ~~ورتبته، إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ~~ووجود البشر» (ص236). # وقد استعمل ابن خلدون تعبير «طبيعة ~~الملك» في عناوين فصول عديدة: ~~«إن من طبيعة الملك الانفراد ~~بالمجد» (ص166)، «إن من طبيعة الملك ~~الترف» (ص167)، و«إن من طبيعة الملك الدعة ~~والسكون» (ص167). # كما أنه استعمل في عدة مواضع تعبير ~~«طبيعة العمران»، و«طبيعة العصبية»، حتى ~~إنه أشار إلى «طبائع الأكوان»، و«طبيعة ~~الوجود». # وزيادة على كل ذلك فقد صرح ابن ~~خلدون في عدة فصول أن الحوادث الاجتماعية ~~لم تكن نتيجة اختيار، بل إنها نتيجة ~~ضرورية لطبيعة الاجتماع. # فقد بدأ فصل انتقال الدولة من ~~البداوة إلى الحضارة بقوله: ~~«اعلم أن هذه الأطوار طبيعية للدول» ~~(ص172). # كما قرر في هذا الفصل أن «طور ~~الحضارة في الملك يتبع طور البداوة ضرورة؛ ~~لضرورة تبعية الرفه للملك» (ص172). # وقد قال في فصل «انقلاب الخلافة إلى ~~الملك»: «الملك غاية طبيعية للعصبية، وليس ~~وقوعه عنها باختيار، إنما هو بضرورة ~~الوجود وتربيته» (ص202). # كما قال في الفصل نفسه، بعد استعراض ~~ما حصل من الاختلاف في أمر الخلافة حتى ~~عهد معاوية: «ثم اقتضت طبيعة الملك ~~الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، ولم ~~يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، ~~فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها» ~~(ص205). # وقال ابن خلدون في الفصل الذي يقرر: ~~«أن الهرم إذا نزل بالدولة لا يرتفع»: «قد ~~قدمنا العوامل المؤذنة بالهرم، وأسبابه ~~واحدا بعد واحد، وبينا أنها تحدث ~~للدولة بالطبع، وأنها كلها أمور طبيعية ms185 ~~لها، وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة، ~~كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، ~~كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني، ~~والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن ~~دواؤها ولا ارتفاعها؛ لما أنه طبيعي، ~~والأمور الطبيعية لا تتبدل» ~~(ص293-294). # إن مقدمة ابن خلدون مملوءة بمثل هذه ~~الكلمات والأبحاث التي تدل دلالة قطعية ~~على تفكيره الدائم في «طبيعية الأشياء»، ~~وضرورة الوجود»، و«ترتيب الوجود»، وعلى ~~فهمه الواضح ل «طبيعة الحوادث الاجتماعية ~~وضروريتها»، وبتعبير أقصر: على قوة ~~اعتقاده بتبعية الحوادث الاجتماعية لقانون ~~السببية، ومبدأ التعين والحتمية. # كان «مونتسكيو» قد عرف «القوانين» ~~- في أواسط القرن الثامن عشر - بقوله: ~~«الروابط الضرورية التي تتأتى من طبيعة ~~الأشياء»، وتعريفه هذا كان قد نال شهرة ~~كبيرة. نحن نعتقد أن كل من ينعم النظر في ~~الأمثلة التي ذكرناها آنفا؛ يضطر إلى ~~التسليم بأن ابن خلدون كان قد فكر في ~~ذلك تفكيرا واضحا قبل كتابة التعريف ~~المذكور بقرون عديدة، كما نرى أن بعض تلك ~~العبارات مما يجوز ذكره بين أحسن الأمثلة ~~وأوضح الأدلة، على حتمية الحوادث ~~الاجتماعية. # ثالثا: # لم يمر ابن خلدون في المقدمة على ~~المبادئ والمواضيع المذكورة مرا سريعا، ~~كما أنه لم يكتبها كتابة عرضية، بل ~~إنه عمل بتلك المبادئ عملا متواصلا، ~~ودرس تلك المواضيع دراسة تفصيلية. # وإذا صرفنا النظر عن بعض الفصول ~~والأبحاث التي تأتي في المقدمة بمثابة ~~معلومات تمهيدية أو استطرادية، يمكننا أن ~~نقول: # إن الباب الأول بمثابة فصول في ~~الاجتماعيات العامة # Sociologie ~~Génerale ~~. # وإن البابين الثاني والثالث يحتويان ~~على الكثير من أبحاث الاجتماعيات ~~السياسية # Socioligie Politique ~~. # والباب الرابع بمثابة أبحاث في ~~اجتماعيات الأمصار # Sociologie ~~Urbaine ~~. # وأما الباب الخامس فهو في ~~الاجتماعيات ~~الاقتصادية # Sociologie économique ~~. # والباب السادس يحتوي على أبحاث ~~كثيرة في «الاجتماعيات ~~الأدبية» # Sociologie ~~morale ~~. ~~(4) # بناء على كل ما ذكرناه آنفا نعتقد أن ابن ~~خلدون يستحق لقب «مؤسس علم الاجتماع» كل ~~الاستحقاق. # وإذا لاحظنا أنه فكر في كل ذلك، وكتب كل ذلك ~~قبل أوغوست كونت بمدة تزيد على أربعة قرون ونصف ~~قرن، وإذا تذكرنا في الوقت نفسه بأنه ms186 كان ~~أقدم على ذلك قبل تقدم علمي الفيزياء ~~والكيمياء، فضلا عن تأسس علم الحياة في القرن ~~الرابع عشر، حين كان مفكرو أوروبا لا يزالون ~~يتيهون في فيافي التفكير الكلماني الدرساني؛ ~~اضطررنا إلى التسليم بأن عمله كان عملا جبارا، ~~ينم عن تفكير عبقري، يستحق كل تقدير ~~وإعجاب. # هذا ومما تجب ملاحظته بوجه خاص، أن ابن خلدون ~~يتلقى «علم الاجتماع» بمعناه الشامل التام؛ لأنه ~~يعتبر الحياة السياسية والاقتصادية والصناعية ~~والعلمية من مظاهر الحياة الاجتماعية، وينظر إلى ~~الأبحاث المتعلقة بها كفروع لعلم الاجتماع. # إن موقف ابن خلدون في هذه القضية يرفعه مباشرة ~~إلى مصاف علماء الاجتماع الذين نبغوا في أواخر ~~القرن التاسع عشر، وأوائل القرن الحاضر. # | المذاهب الأساسية في علم الاجتماع # 1 # إن اختلاف المفكرين والباحثين في أسس علم الاجتماع لم ينحصر ~~بمسألة علاقة هذا العلم الجديد بالعلوم الاجتماعية القديمة ~~وحدها، بل شمل مسألة علاقة علم الاجتماع بسائر العلوم ~~أيضا. # وقد حام الاختلاف - بوجه خاص - حول مناحي بحث هذا العلم، ~~وتناول مسألة علاقة هذه المناحي بمناحي أبحاث العلوم ~~الأخرى. # إن اختلاف وجهات النظر في هذه القضية أدى - منذ عهد أوغوست ~~كونت - إلى تكوين عدة مذاهب في علم الاجتماع، إننا نستطيع أن ~~نلخص أهم الفروق التي تميز بعضها من بعض بوجهات النظر ~~التالية: ~~(1) # النظرة الطبيعية والآلية في علم ~~الاجتماع # Mécanicisme ~~: # لقد نظر بعض العلماء إلى الحوادث الاجتماعية ~~نظرة طبيعية ميكانيكية، وحاولوا إرجاع قوانينها ~~إلى دساتير رياضية؛ أسوة بالقوانين ~~الطبيعية. # إن هذا التيار الفكري حمل بعض العلماء على تسمية ~~بعض الأبحاث الاجتماعية بأسماء مقتبسة من العلوم ~~الطبيعية، فإنهم سموا - مثلا - المباحث المتعلقة ~~بالنظام الاجتماعي باسم «الاستاتيكا الاجتماعية» # Statique ~~social ~~، كما ~~سموا الأبحاث المتعلقة بالتحولات الاجتماعية ~~باسم «الديناميكا ~~الاجتماعية» # Dynamique social ~~. ~~(2) # النظرة الحياتية - البيولوجية - في علم الاجتماع # Biologisme ~~: # وقد نظر ~~بعض العلماء إلى الحادثات الاجتماعية نظرة ~~«حياتية»، وهذه النظرة حملتهم على تسمية بعض ~~المباحث الاجتماعية بأسماء مقتبسة من علم الحياة؛ ~~فإنهم سموا - مثلا - الأبحاث المتعلقة ببناء ~~المجتمعات وأشكالها المختلفة باسم «المرفجة ~~الاجتماعية» # Morphologie sociale ~~، كما سموا ms187 الأبحاث ~~المتعلقة بالحوادث التي تحدث في المجتمعات، ~~والأفاعيل التي تتجلى فيها باسم «الفسلجة ~~الاجتماعية» Physiclogie sociale ~~. # وقد خطا بعض العلماء في هذا السبيل خطوات أوسع ~~من ذلك أيضا؛ لأنهم شبهوا المجتمعات البشرية ~~بالمخلوقات العضوية، وحاولوا - لذلك - أن يكتشفوا ~~بعض الحقائق الاجتماعية، عن طريق الاستعانة ~~بمكتشفات علم الحياة، وقد عرف مذهب هؤلاء باسم ~~«المذهب العضواني» في علم الاجتماع # Organicisme ~~. # هذا وقد اهتم بعض العلماء بنقل نظرية التطور ~~من ساحة الحياتيات إلى ميدان الاجتماعيات، وقد ~~عرف مذهب هؤلاء باسم «المذهب التطوري» في علم ~~الاجتماع # Transformisme ~~social ~~، أو # Sociologie ~~évolutionniste ~~. ~~(3) # النظرة النفسية - السكلجية - في علم الاجتماع Psychologisme ~~: # وقد نظر بعض العلماء إلى الحادثات الاجتماعية ~~بنظرات «علم النفس»، وحاولوا أن يدرسوا هذه ~~الحادثات عن طريق درس الحادثات النفسية التي ~~تتجلى في المجتمعات، فقالوا إن الحادثات ~~الاجتماعية ليست إلا نوعا خاصا من الحادثات ~~النفسية، وإن علم الاجتماع ليس إلا «علم التفاعلات ~~النفسية المتقابلة» # Interpsychologic ~~. ~~(4) # النظرة الاجتماعية في علم الاجتماع # Sociologisme ~~: # ولكن بعض العلماء عارضوا جميع النظرات المذكورة ~~آنفا، وقالوا إن الحادثات الاجتماعية تكون ~~صنفا خاصا من الحادثات، فيجب أن تدرس ~~وتفسر بطرائق خاصة، تختلف عن طرائق سائر ~~العلوم بأجمعها. لا النظرة الآلية، ولا النظرة ~~الحياتية، ولا النظرة النفسية، يمكن أن توصلنا إلى ~~فهم الحقائق الاجتماعية؛ فيجب علينا أن ندرس ~~الحادثات الاجتماعية «بنظرة اجتماعية» خاصة، وأن ~~نبحث عن عوامل كل نوع من الحادثات الاجتماعية من ~~بين أنواعها الأخرى. # إن هؤلاء العلماء أيضا انقسموا إلى عدة مذاهب ~~فرعية؛ إذ قال بعضهم إن أساليب المعيشة والأحوال ~~الاقتصادية، هي التي تعين اتجاه تطور ~~المجتمعات، وقال بعضهم إن بنية المجتمع - ~~ومرفجته # Morphologie ~~- هي التي تسيطر على ~~جميع التحولات. # هذه هي أهم المذاهب والنظريات في أسس علم ~~الاجتماع. # إن الفيلسوف الإنجليزي «هربرت سبنسر» # H. Spencer # كان من أقوى ممثلي المذهب العضواني، وكان المفكر ~~الفرنسي «غبريال تارد» # G. ~~Tarde # من أكبر دعاة ~~المذهب النفساني، وأما العالم الفرنسي ~~إميل ~~دوركهايم # E. Durkheim # فكان من أشد المتمسكين ~~بالمذهب الاجتماعي، كان المومأ إليه يعتبر البنية ms188 ~~والمرفجة من أهم العوامل الأساسية، حين أن ~~«كارل ماركس» # K. ~~Marx # الألماني كان يقول ~~إن أهم العوامل الاجتماعية تتمركز في الحياة ~~الاقتصادية. # إننا لا نرى لزوما - ولا مجالا - لتفصيل هذه ~~المذاهب المختلفة ومناقشتها في هذا المقام، ومع ~~هذا نرى لزاما علينا أن نصرح بأننا نميل إلى ~~«النظرات الاجتماعية»، ونقول بأن أهم العوامل ~~تتأتى من بنية المجتمعات. # ولكننا نعتقد بأن النظرات الأخرى أيضا لم ~~تخل من الفائدة بتاتا؛ لأنها أفادت علم ~~الاجتماعية بعض الإفادة؛ إذ إنها أدت إلى اكتشاف ~~في بعض الحقائق الاجتماعية الهامة. وأما أخطاء ~~تلك النظرات فقد نجمت عن المغالاة فيها، وعن ~~الاسترسال في محاولة تطبيق مكتشفات العلوم ~~المختلفة على ساحة الاجتماعيات، بلا درس الواقعات ~~الاجتماعية درسا مباشرا. # ولا شك في أن أنجع الوسائل لاكتشاف القوانين ~~الاجتماعية هي درس الحياة الاجتماعية، وحادثاتها ~~المختلفة درسا مباشرا. # 2 # إن مقدمة ابن خلدون تحتوي على بذور هامة لمختلف المذاهب ~~الاجتماعية التي ذكرناها آنفا. # يدرس ابن خلدون الحادثات الاجتماعية بنظرات اجتماعية على ~~الأكثر، ومع هذا إنه يلجأ إلى النظرات النفسانية والعضوانية ~~أيضا في بعض الأحوال، حتى إنه لا يغفل عن النظرات الطبيعية ~~والآلية في بعض الأحيان. # ندرج فيما يلي بعض الأمثلة على كل واحدة من هذه ~~النظرات: ~~(1) # يبدأ ابن خلدون الفصل الأول من الباب الثاني ~~بالعبارة التالية: ~~«إن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف ~~نحلتهم من المعاش» (ص120). # ثم يعلل هذا المبدأ في الفصل المذكور، وبعد ~~ذلك يوسعه ويفصله في فصول عديدة، ولا سيما في ~~فصول الباب الخامس. # من البديهي أن ذلك ينم عن نزعة قوية لتعليل ~~الحوادث الاجتماعية بالعوامل الاقتصادية، ويتضمن ~~بذور المذهب المعروف باسم «المادية التاريخية» على ~~رأي كارل ماركس. ~~(2) # يلاحظ ابن خلدون أهمية الأشكال الاجتماعية أحسن ~~ملاحظة عندما يقول: ~~«إن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن ~~تستحكم فيها دولة.» وبعكس ذلك: «إن الأوطان ~~الخالية من العصبيات يسهل تمهيد الدولة فيها» ~~(ص164). # ولا حاجة للبيان أن ذلك ينم عن نزعة بارزة ~~للتعليل بالأشكال الاجتماعية، وفق نظريات إميل ~~دوركهايم. ~~(3) # ينظر ابن ms189 خلدون إلى المجتمعات كعضويات، ويصرح ~~بذلك في عدة محلات، فإنه يكتب ما يأتي في الفصل ~~الذي يقرر «أن الحضارة غاية العمران ونهاية ~~لعمره»: «إن العمران كله، من بداوة وحضارة، وملك ~~وسوقة، له عمر محسوس، كما أن للشخص الواحد من ~~أشخاص المكونات عمرا محسوسا» (ص371). # ويقول في موضع آخر: «إن الدولة لها أعمار طبيعية ~~كما للأشخاص» (ص170)، «وهذا العمر للدولة بمثابة ~~عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن ~~الرجوع» (ص171). # ويقول كذلك: «إن الحضارة هي سن الوقوف لعمر ~~العالم في العمران والدولة» (ص374). # ويتكلم في عدة فصول عن هرم الدولة فيقول: «إن ~~العوارض المؤذنة بالهرم تحدث للدولة بالطبع»، ~~و«حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، كما يحدث ~~الهرم في المزاج الحيواني» (ص294). # ومما تجدر ملاحظته أن رأي ابن خلدون في هذا ~~الصدد لم يكن من قبيل التشبيه المجرد، بل هو رأي ~~مبني على الدرس والتفصيل؛ لأنه يحاول أن يبرهن على ~~ذلك باستقراء الوقائع التاريخية. # ولا حاجة للبيان أن هذا الرأي ينم عن نزعة قوية ~~نحو المذهب العضواني في علم الاجتماع، وفق نظريات ~~هربرت سبنسر، وره نه فورمس. ~~(4) # إن آثار النظريات النفسانية كثيرة جدا في ~~مقدمة ابن خلدون؛ فإن في الفصل القائل: «إن ~~المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب» (ص147)، ~~وفي الفصل الذي يقرر «أن الأمة إذا غلبت وصارت في ~~ملك غيرها أسرع إليها الفناء» (ص148)، وفي الفصل ~~القائل بأن «الملك والدولة إنما يحصلان بالقبيل ~~والعصبية» (ص154)، وفي الفصل القائل بأنه «إذا ~~استقرت الدولة وتمهدت، فقد تستغني عن العصبية» ~~(ص154)، وفي فصل الحروب (ص270-279) توجد تعليلات ~~وتفصيلات كثيرة مستندة إلى العوامل ~~النفسانية. ~~(5) # إن في مقدمة ابن خلدون آثارا بارزة لنظرات ~~طبيعية آلية أيضا. # وكان قد لاحظ ذلك الأستاذ «ره مه مونيه»، ~~وتأييدا لملاحظته هذه كان أشار إلى ما جاء في ~~الفصل الذي يقرر ابن خلدون فيه بأن «كل دولة لها ~~حصة من الأوطان لا تزيد عليها.» # في الواقع يقول ابن خلدون في الفصل المذكور ما ~~يلي: ~~«والعلة الطبيعية في ذلك هي أن ms190 القوة العصبية ~~(مثل) سائر القوى الطبيعية، وكل قوة يصدر عنها فعل ~~من الأفعال، فشأنها ذلك في فعلها، والدولة في ~~مركزها أشد ما يكون في الطرف والنطاق، وإذا انتهت ~~إلى النطاق الذي هو الغاية قصرت وعجزت عما ~~وراءه.» # ثم يؤيد قوله هذا بتشبيهين يدلان على ملاحظة ~~دقيقة في درس حوادث الطبيعة: ~~«شأن الأشعة والأنوار إذا انبعثت من ~~المراكز.» ~~«والدوائر المنفسحة على سطح الماء من النقر ~~عليه» (ص162). # إن النظرة الآلية تتجلى بوضوح تام من خلال هذه ~~الفقرات، ولكننا نجد آثار هذه النظرة في مواضع ~~أخرى أيضا. # لقد كتب ابن خلدون فصلا كاملا عن «أن آثار ~~الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها» (ص177). ~~يبدأ الفصل بشرح ذلك قائلا: ~~«والسبب في ذلك أن الآثار إنما تحدث عن القوة ~~التي بها كانت أولا، وعلى قدرها الأثر.» # ثم يقول خلال الشرح والتفصيل: «إن الآثار كلها ~~جارية على نسبة الأصل في القوة» (ص181). # ويشير ابن خلدون إلى «تنازع العصبيات»، و«تكافؤ ~~القوى»، و«انضمام القوى وتفرقها»، في الفصل الذي ~~يقرر «أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي ~~الملك» (ص139). ويقول فيما يقوله: ~~«وإن غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا؛ زادت ~~قوة في التغلب إلى قوتها، وطلبت غاية من ~~التغلب والتحكم أعلى من الغاية الأولى وأبعد، ~~وهكذا دائما حتى تكافئ بقوتها قوة الدولة في ~~هرمها» (ص140). # هذا ويتكلم ابن خلدون عن انضمام القوى ~~وانفصالها بوضوح أتم من ذلك أيضا في الفصل الذي ~~يقرر «أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها ~~قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها» ~~(ص158). إذ يقول في الفصل المذكور ما يلي: ~~«إذا حالت صيغة الدين وفسدت؛ ينتقض الأمر، ويصير ~~الغلب على نسبة العصبية وحدها، دون زيادة الدين، ~~فتغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة ~~لها، أو الزائدة القوة عليها، الذين غلبتهم ~~بمضاعفة الدين لقوتها، ولو كانوا أكثر عصبية منها ~~وأشد بداوة» (ص158). # | مقدمة ابن خلدون في نظر علماء ~~الغرب # إن مقدمة ابن خلدون لم تثر اهتمام المستشرقين إلا بعد العقد ~~الثاني ms191 من القرن التاسع عشر، ولم تخرج من ساحة الاستشراق فتدخل ~~ساحة أبحاث العلماء إلا بعد العقد السابع من القرن المذكور. # في الواقع إنها لم تبق مجهولة لدى المستشرقين حتى ذلك التاريخ؛ ~~فإن «دربلو» # D’Herbelot # في أواخر ~~القرن السابع عشر، و«سيلفستر دو ساسي» # De ~~Sacy # في أوائل القرن التاسع عشر، كانا كتبا ~~بعض المعلومات عن ابن خلدون، ونشرا بعض المقتطفات من مقدمته. غير ~~أن اسم ابن خلدون لم يبرز بروزا كافيا من بين أسماء الألوف من ~~مؤلفي العرب الذين كانت تمر أمام أنظار المستشرقين، كما أن المقدمة ~~لم تبرز البروز الذي تستحقه من بين ألوف المؤلفات العربية التي ~~كانت تسترعي دراساتهم ومطالعاتهم. فكل ما كتبه المومأ إليهما لم ~~يكف لتبريز أهمية المقدمة، ولإظهار طرافة ابن خلدون. # إن هذا «التبريز» لم يتم إلا بعد نشرات هاممر # Hammer # وشولتز # Schulz ~~. # فقد نشر «هاممر» أولا رسالة بالألمانية عن بعض النواحي من ~~تاريخ الإسلام، أشار فيها إلى بعض آراء ابن خلدون، ولقبه بلقب ~~«مونتسكيو العرب»، وبعد ذلك نشر مقالا في المجلة الآسيوية باللغة ~~الفرنسية سنة 1822، عن مقدمة ابن خلدون، استلفت به أنظار ~~المستشرقين إليها قائلا: «إن إصابة المحاكمة وسلامة النقد اللتين ~~تسودان المقدمة، تبهر أنظار كل من يطالعها.» # وأضاف إلى ذلك ما يلي: «قلما يوجد بين المؤلفات الشرقية ما ~~يستحق الترجمة - ترجمة تامة - بقدر تأليف ابن خلدون هذا.» # كان هاممر يشتغل عند ذاك بجمع الوثائق اللازمة لكتابة تاريخه ~~الكبير عن الدولة العثمانية، على أساس مقابلة المصادر الشرقية ~~بالمصادر الغربية، وكان يخالط لذلك رجال الدولة العثمانية في ~~عاصمتها، ويراجع المخطوطات المخزونة في مكتباتها، وقد لاحظ خلال ~~ذلك أن مقدمة ابن خلدون تقرأ هنالك بشغف عظيم، ولا سيما في ~~ترجمتها التركية، فكتب في مقاله المذكور ما يلي: ~~«إن مقدمة ابن خلدون من أهم المؤلفات المنتشرة والمشتهرة في ~~عاصمة السلطنة العثمانية، وهي مما يطالعه جميع رجال الدولة ~~والوزراء، وأمراء الأروام، والتراجمة المثقفين المستخدمين في ~~المصالح المختلفة.» # وتأييدا لرأيه في أهمية هذه المقدمة نشر «هاممر» عناوين الفصول ~~التي تؤلف ms192 الأبواب الخمسة الأولى منها، وأظهر أسفه الشديد على ~~عدم عثوره على بابها السادس؛ # 1 # لعلمه بأن هذا الباب كان من أهم المصادر التي استقى ~~منها «حاجي خليفة» المعلومات الكتبية التي دونها في «كشف ~~الظنون». # ولم تمض مدة طويلة على انتشار مقالة هاممر، حتى عقب عليها ~~«غارسن دو تاسي» # Garcin ~~de Tassy # بمقالة، ذكر فيها بأنه وجد في ~~المكتبة الملكية في باريس نسخة كاملة من مقدمة ابن خلدون، ونشر ~~عناوين الفصول التي تؤلف الباب السادس إتماما لما كان نشره ~~هاممر. # ثم قام شولتز - سنة 1825 - بدعاية قوية لمقدمة ابن خلدون؛ نشر في ~~المجلة الآسيوية مقالا «حول المؤلف التاريخي الانتقادي الكبير» ~~لابن خلدون، دعا فيه إلى طبع المقدمة وترجمتها بكاملها. # انتقد شولتز الخطة التي كان يسير عليها المستشرقون إذ ذاك، ~~قائلا: ~~«إنهم يهتمون بالشعراء بوجه خاص، ويهملون المؤرخين والمفكرين. إن ~~أبحاثهم توجه اهتماما متساويا نحو أسخف الآثار وأهم الأخبار، ~~فلا تميز كثيرا بين الأسطورة التي لا تفيد شيئا، وبين الفلسفة ~~التي تستحق انتباه جميع الذين ينزعون إلى التعمق ~~والتأمل.» # ثم نقل شولتز البحث إلى ~~اهتمام الأوروبيين بالأدب اللاتيني في عصر الانبعاث، فقال: «لا شك ~~في أن أجدادنا لو كانوا حصروا اهتمامهم بغزليات الأدب اللاتيني، من ~~غير أن يطلعونا على كتابات مفكريهم ومؤرخيهم؛ لظلت معرفتنا عن ~~الأدب المذكور ناقصة جدا، وفكرتنا عنه مغلوطة تماما. إن ~~موقفنا تجاه الأدب العربي الآن لا يختلف عن ذلك أبدا.» ~~«ولأجل أن نوصل الناس إلى حالة تساعدهم على تقدير عبقرية العرب ~~الخالدة، ولأجل أن نعرفهم ذهنية هذا الشعب الذي فتح العالم وحفظ ~~العلوم؛ أعتقد بأنه يجب علينا أن نعمل شيئا غير تكرار أطلال ~~المعلقات، ومبالغات المتنبي، تكرارا لا يعرف الانقطاع.» # ثم عقب شولتز على كل ذلك بالعبارة التالية: «إنني كتبت هذه ~~المطالعات والملاحظات تحت تأثير كتاب مخطوط طالعته أخيرا، وأسفت ~~جدا لأنني لم أره مطبوعا ومترجما ترجمة تامة.» # إن كتابة شولتز هذه وجدت صدى عميقا بين المستشرقين ، وحملتهم ~~على نقل وترجمة بعض فصول المقدمة. # ولكن نسخ المقدمة المخطوطة ms193 المعلومة عندئذ كانت محدودة؛ ولذلك ~~لم تنشط هذه الحركة بالسرعة الكافية، إلى أن أقدم المستشرق الفرنسي ~~كاترمير # Qatremére # على طبع ~~المقدمة في ثلاثة مجلدات سنة 1858. إن المستشرق المشار إليه بعد أن ~~أنجز طبع المقدمة، شرع في ترجمتها أيضا، ولكنه مات قبل أن يتقدم ~~فيها كثيرا، فأخذ البارون دو ~~سلان # De Slane # على عاتقه هذه المهمة، وأنجزها بسرعة؛ فطبع ~~الترجمة مع مقدمة طويلة، وشروح وتعليقات كثيرة، في ثلاثة مجلدات، ~~ظهر الأول منها سنة 1862، والأخير سنة 1868. # إن هذه الترجمة أخرجت مقدمة ابن خلدون من دائرة اطلاع المستشرقين ~~المحدودة، ووضعتها في متناول العلماء والمفكرين. # إن المقدمة لم تقدر حق قدرها إلا من جراء الأبحاث التي ~~نشرت بعد ظهور ترجمتها الفرنسية؛ لأنها كانت قد ظلت حتى ذلك ~~الحين محصورة في نطاق أبحاث المستشرقين الملمين باللغة العربية ~~إلماما تاما، وهؤلاء لم يكونوا - بطبيعة الحال - في وضع يساعدهم ~~على تقدير أهمية مباحثها حق التقدير، ولا سيما وأهم أقسام المقدمة ~~وأطرف مباحثها يتعلق بعلم الاجتماع، وهذا العلم كان عندئذ في ~~بدء تكوينه، ومسائله كانت لا تزال خارجة وبعيدة عن اطلاع ~~المستشرقين بوجه عام. ولهذا السبب نستطيع أن نقول إن البارون ~~دو سلان خدم ذكرى ابن خلدون خدمة لا تقدر بثمن، بإقدامه على ~~ترجمة المقدمة بتمامها. # إن انتشار ترجمة المقدمة أثر في العلماء والمفكرين الذين ~~اطلعوا عليها تأثيرا عميقا، وولد في نفوسهم إعجابا شديدا ~~بعبقرية هذا المفكر العربي العظيم الذي كان قد سبق الكثيرين من ~~بحاثة الغرب إلى الكثير من الآراء والنظريات القيمة، حتى إن ~~هذا الإعجاب وصل عند بعضهم إلى درجة الاندهاش. ~~••• # بعد انتشار ترجمة المقدمة صار علماء الاقتصاد والتاريخ والاجتماع ~~يطلعون على آراء ابن خلدون، ويلفتون الأنظار إلى ما يجدون بينها ~~من النظرات القيمة حول بعض المسائل التي لم يفرغوا هم من درسها ~~وبحثها إلا في المدة الأخيرة. # فقد لاحظوا بدهشة كبيرة أن المعلومات التي كانت مقررة في ~~تاريخ العلوم المذكورة تحتاج إلى تبديل وتحوير، على ضوء الحقائق ~~التي وجدوها في مقدمة ابن خلدون. # كانوا يزعمون ms194 قبلا أن «فيكو» هو أول من فكر في فلسفة التاريخ، ~~ولكنهم علموا - بعدئذ - أن ~~ابن خلدون كان قد فعل ذلك - في مقدمته - قبل «فيكو» بمدة تزيد على ~~ثلاثة قرون ونصف قرن. # وكانوا يزعمون قبلا أن «أوغوست كونت» هو الذي أسس علم ~~الاجتماع على أسس مستقلة علمية، ولكنهم علموا بعدئذ أن ابن خلدون ~~قد سبق «كونت» إلى ذلك قبل مدة تزيد على أربعة قرون ونصف ~~قرن. # وقد وجدوا أن كثيرا من الآراء والمبادئ التي قال بها علماء ~~الاقتصاد ومفكرو الاجتماع - مثل جان باتيست ساي، وكارل ماركس، ~~وباكونين - في أواسط القرن التاسع عشر، كانت مسطورة في المقدمة ~~التي كتبها ابن خلدون في القرن الرابع عشر، تارة في حالة بذور ~~وفسائل صغيرة، وطورا في حالة أغراس نامية كاملة. # ولذلك نجد أن مطالعة مقدمة ابن خلدون صارت تبهر أنظار العلماء ~~المدققين، وتحملهم على إظهار إعجابهم بها في مقالات أو رسائل أو ~~كتب ينشرونها. ~~••• # إننا نستطيع أن نقسم ما كتبه الغربيون عن ابن خلدون ومقدمة ابن ~~خلدون إلى ثلاثة أنواع أساسية: ~~(أ) # الدراسات التي تستهدف تحليل وعرض آراء ابن خلدون ~~عرضا مباشرا على شكل كتاب قائم بنفسه، أو في مقالة ~~خاصة في مجلة علمية. ~~(ب) # الأبحاث التي تخصص لابن خلدون ولمقدمة ابن خلدون في ~~الكتب الباحثة عن الفلسفة الإسلامية، أو تاريخ البلاد ~~الإسلامية، أو تاريخ العلوم عند العرب والمسلمين بوجه ~~عام. ~~(ج) # الأبحاث الواردة عن آراء ابن خلدون ونظرياته في ~~الكتب العلمية العامة، عن التاريخ أو الاقتصاد أو ~~الاجتماع، أو عن تاريخ هذه العلوم. # لا حاجة إلى البيان أن الأبحاث المدونة في النوع الأول من ~~الكتابات والتأليفات تكون أكثر أهمية من غيرها؛ لأنها تكون ~~بطبيعتها أكثر توسعا وأعمق تحليلا وأدق بحثا؛ لاختصاصها بدراسة ~~المقدمة بهيأتها المجموعة، أو من ناحية من نواحيها ~~المختلفة. # غير أن ما يكتب عن المقدمة في النوع الثالث من الكتب «يكون ~~أكثر قيمة منها كلها؛ لأنها تعين منزلة ابن خلدون في العلم ~~وتاريخ العلم بصورة أعم وأتم من غيرها.» # ونستطيع أن نقول ms195 إن ابن خلدون لا يأخذ المكانة التي يستحقها في ~~تاريخ العلوم والأفكار إلا بالدخول في مباحث هذا النوع من الكتب ~~والدراسات العامة؛ وذلك لأن مؤلفات النوع الأول لا تخرج كثيرا عن ~~نطاق مطالعات الاختصاصيين، وأما ما يكتب في النوع الثالث من ~~المؤلفات فهي التي تنتشر بين المفكرين والمثقفين بوجه عام. # إنني أعتقد أن ابن خلدون صار موضع عناية لا بأس بها في النوع ~~الأول والثاني من المؤلفات، ولكنه لم ينل بعد ما يستحقه من ~~العناية في النوع الثالث منها. ~~••• # إن أهم نماذج النوع الأول من المؤلفات المتعلقة بابن خلدون هي؛ ~~الدراسات الخاصة التي نشرها «شميث» # N. ~~Shmidt ~~، و«روزنتال» # Rosentbal ~~، و«فون ~~كريمر» # A. Von ~~Kremer ~~، و«ليفين» # Lewine ~~، و«بوتول» # G. ~~Bouthool ~~، و«غابرييه ~~لي» # Gabrieli # في اللغات الإنجليزية والألمانية والروسية ~~والفرنسية والإيطالية، ثم المقالات الخاصة التي كتبها ونشرها «ره ~~نه مونيه» # R. Maunier ~~، ~~و«كولوزيو» # Colosio ~~، ~~و«فره ره» # Ferreiro ~~، ~~و«غومبلوفيتش» # Gumplovitz # في ~~اللغات المذكورة. # وأهم نماذج النوع الثاني هو ما كتبه عن ابن خلدون«كارادوفو» # Carra de ~~Vaux # في كتابه «مفكرو الإسلام»، ~~و«دو بوير» # De Boer # في تأليفه ~~«تاريخ الفلسفة في الإسلام»، و«ريختر» # G. ~~Richter # في كتابه «مؤرخو العرب»، و«كليمان ~~هوآر» # Cl. Huart # في كتابه «الأدب ~~العربي»، و«نيكلسون» # Nicholson # في ~~«تاريخ العرب الأدبي»، و«غوتيه» # Gautier # في كتابه عن «العصور المظلمة في ~~المغرب»، و«فور-بيكه» # G. ~~Faure-Biguet # في «تاريخ أفريقيا الشرقية في عهد ~~الحكم الإسلامي». # وأما أهم نماذج النوع الثالث؛ فهو ما كتبه «فلينت» # R. Flint # في كتابه عن «تاريخ ~~فلسفة التاريخ»، و«فارد» # F. L. ~~Vard # في ~~تأليفه «علم الاجتماع النظري»، و«رابابور» # Ch. Rappaport # في كتابه «فلسفة التاريخ، كعلم ~~التطور»، و«ره نه ~~مونيه» # René Maunier # في كتابه «المدخل إلى علم الاجتماع»، ~~و«توينبي» # Toynbee # في مؤلفه ~~الكبير «دراسة في التاريخ». # أنا لا أود أن أستعرض وألخص كل ما جاء عن ابن خلدون في هذه ~~المؤلفات المتنوعة، بل أكتفي بذكر أبرز النماذج من الكلمات التي ~~كتبت في هذا الصدد في الأنواع الثلاثة الآنفة الذكر؛ لتعيين ~~منزلته في تاريخ علمي ms196 التاريخ والاجتماع. ~~••• ~~(أ) # لقد كتب العالم الاجتماعي «لودويك غومبلوفيتش» بحثا ~~هاما عن نظريات ابن خلدون بعنوان: «مفكر اجتماعي ~~عربي، في القرن الرابع عشر»، قال فيه فيما قاله - بعد ~~أن أشار إلى أن ابن خلدون لم يعرف إلا ~~قليلا: ~~«إن ابن خلدون يجوز أن يعتبر مفكرا عصريا بكل ~~معنى الكلمة من وجوه عديدة.» ~~«إنه لم يقع في الخطأ الذي وقع فيه مفكرو القرن ~~الثامن عشر في صدد تقرير منشأ الفروق التي تشاهد بين ~~الأقوام.» ~~«إنه درس الحوادث الاجتماعية بعقل هادئ رزين، وأبدى ~~في هذا الموضوع آراء عميقة جدا، ليس قبل «أوغوست ~~كونت» فحسب، بل قبل «فيكو» أيضا.» ~~«وفي الحقيقة إن ما كتبه ابن خلدون هو ما نسميه نحن ~~اليوم علم الاجتماع.» ~~(ب) # لقد نشر «استفانو كولوريو» في «مجلة العالم ~~الإسلامي» الفرنسية - سنة 1914 - دراسة عن ابن خلدون ~~قال فيها في جملة ما قاله: # 2 ~~«ليس لأحد أن ينكر أن ابن خلدون اكتشف مناطق مجهولة ~~في عالم الاجتماع؛ إنه سبق ماكيافللي، ومونتسكيو، ~~وفيكو، إلى وضع علم جديد هو النقد التاريخي.» ~~«إن مبدأ الحتمية ~~الاجتماعية # Determinisme # مما يعود الفخر في تقريره ~~إلى ابن خلدون، قبل رجال الفلسفة الإثباتية Positivisme ~~، ~~وعلماء النفس بقرون متطاولة ...» ~~«إن المؤرخ المغربي العظيم اكتشف مبادئ العدالة ~~الاجتماعية والاقتصاد السياسي قبل كونسيدران وماركس ~~وباكونين بخمسة قرون.» ~~«إذا كانت نظريات ابن خلدون في حياة المجتمع ~~المعقدة تضعه في مقدمة فلاسفة التاريخ، فإن ما يعزوه ~~من شأن كبير إلى دور العمل والملاكة والأجرة تجعله ~~إماما وسلفا لاقتصاديي هذا العصر.» ~~(ج) # يذكر كولوزيو في خلال أبحاثه هذه ما قاله المؤرخ ~~«أماري» - الذي اشتهر بدراسة تاريخ العهد العربي ~~الإسلامي في صقلية: ~~«إن ابن خلدون قد سبق أفذاذ الدنيا إلى فلسفة ~~التاريخ والكلام عليها، ولي أن أقول إنه لم يشق أحد ~~منهم له غبارا.» ~~(د) # لقد نشر «ناتانيل شميت» الأستاذ في جامعة كورنيل في ~~أمريكا - سنة 1930 - كتابا بعنوان «ابن خلدون مؤرخ ~~واجتماعي وفيلسوف»، استعرض وحلل فيه آراء ابن خلدون ~~بكل تفصيل، واشترك مع القائلين ms197 بأنه يجب أن يعتبر ~~مؤسسا لفلسفة التاريخ ولعلم الاجتماع، وقال في جملة ~~ما قاله: ~~«إن ابن خلدون اكتشف ميدان التاريخ الحقيقي وطبيعته، ~~وإنه فيلسوف مثل أوغوست كونت، وتوماس بكل، وهربرت ~~اسبنسر، وإنه تقدم في علم الاجتماع إلى حدود لم يصل ~~إليها كونت نفسه في النصف الأول من القرن التاسع ~~عشر.» # وزيادة على كل ذلك قال شميت: «إن المفكرين الذين ~~وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد، لو كانوا قد اطلعوا ~~على مقدمة ابن خلدون في حينها، فاستعانوا بالحقائق ~~التي كان قد اكتشفها، والطرائق التي كان قد أوجدها ذلك ~~العبقري العربي قبلهم بمدة طويلة؛ لاستطاعوا أن ~~يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة أعظم مما تقدموا به ~~فعلا.» ~~(ه) # لقد خصص المستشرق «كارادوفو» في المجلد الأول من ~~كتابه «مفكرو الإسلام» بحثا مطولا «لابن خلدون»، ~~نذكر منه الكلمات التالية: ~~«إن نزعة الاهتمام بالبحث - في كل شيء - عن تاريخ ~~النشوء والتطور، وأسباب الحدوث والتقدم، تضع ابن ~~خلدون - كاتب القرن الرابع عشر - في مصاف أرقى ~~العقليات في أوروبا الحالية.» ~~(و) # لقد خصص «غوتيه» الأستاذ في جامعة الجزائر فصلا ~~طويلا لابن خلدون في الكتاب الذي نشره عن «العصور ~~المظلمة في المغرب»، مع أن الأستاذ ~~المومأ إليه يظهر ~~في كتابه هذا بعض البعد عن الحياد العلمي؛ مما أدى به ~~إلى سوء فهم بعض أقسام المقدمة. إنه يعجب بابن خلدون ~~إعجابا شديدا، فيقول: ~~«المغرب الذي لم يكن غنيا بالرجال العظام، يكاد ~~يملك بضعة أسماء نستطيع أن نضعها في مصاف ابن خلدون، ~~مثل اسم حنيبعل # Annibal ~~، أو القديس أوغسطين # St. Augustin ~~.» ~~«في الحقيقة إن المكان اللائق لهذا المفكر في ذاكرة ~~البشرية هو صف أمثال هؤلاء العظام، ومع الأسف فإنه لم ~~يوضع بعد في ذلك المكان؛ لأن الذين يعرفونه لا يزالون ~~قلائل.» ~~«إن هذا المجد الدفين يجب أن يبعث على الأقل ~~عندنا نحن الفرنسيين.» ~~(ز) # لقد كتب الأستاذ «فارد» # Vard # الأمريكي في كتابه «علم ~~الاجتماع النظري»، في بحث مبدأ التعين والحتمية في ~~الحياة ~~الاجتماعية # Déterminisme sociale # العبارات التالية: ~~«كانوا يظنون أن أول ms198 من قال وبشر بمبدأ الحتمية في ~~الحياة الاجتماعية هو مونتسكيو أو فيكو، في حين أن ابن ~~خلدون كان قد قال بذلك ، وأظهر تبعية المجتمعات لقوانين ~~ثابتة قبل هؤلاء بمدة طويلة في القرن الرابع عشر، ~~حينما كان الغرب مستسلما للفلسفة الدرسانية ~~والكلمانية استسلاما تاما.» ~~(ح) # لقد كتب الأستاذ «روبرت فلينت» الإنجليزي في كتابه ~~«تاريخ فلسفة التاريخ» فصلا عن ابن خلدون، (كما ذكرنا ~~ذلك في بحثنا عن فلسفة التاريخ في الصفحة 175 من هذا ~~الكتاب)، قال فيه في جملة ما قاله: ~~«من وجهة علم التاريخ أو فلسفة التاريخ، يتحلى ~~الأدب العربي باسم من ألمع الأسماء، فلا العالم ~~الكلاسيكي في القرون القديمة، ولا العالم المسيحي في ~~القرون الوسطى، يستطيع أن يقدم اسما يضاهي في ~~لمعانه ذلك الاسم، إن أول كاتب بحث في التاريخ كموضوع ~~علم خاص، هو ابن خلدون.» ~~(ط) # خصص «دي ~~بوير» # De Boer ~~- الأستاذ بجامعة أمستردام - ~~بحثا لابن خلدون في خاتمة الكتاب الذي ألفه عن ~~«تاريخ الفلسفة في الإسلام»، وكتب في هذا الصدد ما يلي: # 3 ~~«يوجد في المقدمة الفلسفية التي كتبها ابن خلدون ~~كثير من الملاحظات النفسية والسياسية الدقيقة، وهي في ~~جملتها عمل عظيم مبتكر، على أن القدماء لم يوفوا ~~المشكلة التاريخية حقها من الدرس العميق؛ فلقد أورثونا ~~مؤلفات تاريخية ضخمة جميلة الأسلوب، ولكنهم لم ~~يورثونا التاريخ علما من العلوم يقوم على أساس فلسفي. ~~فمثلا كانوا يعللون عدم بلوغ الإنسانية منذ زمن ~~بعيد درجة أعلى مما بلغته في المدنية بالاستناد إلى ~~حوادث أولية، كالزلزال والطوفان ونحوها، ومن جهة أخرى ~~كانت الفلسفة المسيحية تعتبر التاريخ بوقائعه تحققا ~~أو تمهيدا لمملكة الله على الأرض. ثم جاء ابن خلدون ~~فكان أول من حاول أن يربط بين تطور الاجتماع ~~الإنساني وبين علله القريبة، مع حسن الإدراك لمسائل ~~البحث، وتقريرها بالأدلة المقنعة.» ~~«وابن خلدون إذ يمهد السبيل لعلم جديد، لا يشير ~~إلا لمسائله الكبرى، ولا ينوه بموضوعه ومنهجه إلا ~~بالإجمال، وهو يرجو أن يأتي من بعده فيواصلوا أبحاثه، ~~ويظهروا مسائل جديدة، معتمدين على الفكر الصحيح ms199 ~~والعلم المبين.» ~~«ولقد سارت آمال ابن خلدون في طريق التحقيق، ولكنها ~~لم تتحقق على أيدي المسلمين، وكما أنه لم يسبق إلى ~~ابتكار موضوعه، فكذلك لم يجد من يخلفه في أبحاثه، ~~ومع هذا فإن كتابه أثر في الشرق زمانا طويلا، ~~وكثير من ساسة المسلمين الذين قضوا على آمال كثيرين من ~~ملوك أوروبا وساستها، منذ القرن الخامس عشر، كانوا ممن ~~قرأ ابن خلدون، وتخرج في كتبه.» ~~(ي) # إن أحدث وأشمل الدراسات التي كتبت عن فلسفة ~~التاريخ، ربما كانت المجلدات التي نشرها «توينبي»، ~~الأستاذ في جامعة أكسفورد، بعنوان: «دراسة في ~~التاريخ». يقع هذا المؤلف في ستة مجلدات، وقد نشر ~~السادس منها سنة 1939. # يذكر توينبي في هذه المجلدات ابن خلدون عدة مرات، ~~ويشير إلى آرائه ونظرياته في أكثر من عشرة مواضع، ويخص ~~بعضها أحيانا بعدة صفحات. # يعد «توينبي» ابن خلدون من العباقرة، ويرى في مقدمته ~~دلائل ساطعة على «سعة النظر، وعمق البحث، وقوة ~~التفكير»، ويمتلئ إعجابا بها. # إنه لا يغفل عن النواقص الموجودة في المقدمة، ولا ~~سيما من وجهة انطباق أحكامها على المجتمعات الغربية، ~~وتواريخ الأمم الأوروبية. غير أنه يعزو هذه النواقص ~~إلى الظروف الخاصة التي نشأ فيها ابن خلدون، والشواهد ~~والوقائع التاريخية التي اطلع عليها في تلك الظروف، ~~ويقول تأييدا لهذا التعليل: «لو أن فيلسوفا سياسيا ~~قادرا على تفهم آراء ابن خلدون قد ظهر في العالم ~~المسيحي الغربي في أي وقت خلال القرون الأربعة الأولى ~~من تاريخنا الغربي؛ لوجد ذلك العبقري الوهمي بكل تأكيد ~~في آراء ابن خلدون، تفسيرا فلسفيا مرضيا لكل ~~الشواهد والوقائع التاريخية التي كانت في متناول ~~العقول الغربية في تلك الحقبة.» # وبعد شرح الوقائع التي كانت قد حدثت عندئذ يضيف ~~توينبي إلى ذلك ما يلي: ~~«وفي سياق هذا الكلام يجب أن نتذكر القاعدة التي ~~اتخذناها نقطة ابتداء في دراساتنا للتاريخ، هذه ~~القاعدة التي تنص على أن كل تفكير تاريخي هو حتما ~~نسبي تابع لظروف زمان ومكان المفكر. هذا هو قانون ~~الطبيعة البشرية الذي لا يمكن لأي عبقري بشري أن ~~يستثنى ms200 منه.» # وعندما يشير توينبي إلى أن ابن خلدون كتب المقدمة ~~خلال خلوته في قلعة ابن سلامة، بعد اعتزاله الحياة ~~السياسية، يلمح إلى ما يحدث في الشرانق، ~~فيقول: ~~«إن رجل الأعمال الزائل عاد إلى الظهور من عزلته، ~~وقد تغير شكله نهائيا إلى شكل الفيلسوف الخالد ~~الذي لا يزال فكره يعيش في عقل كل من يطالع ~~المقدمة.» # وفي الأخير يصدر توينبي على عمل ابن خلدون هذا الحكم ~~الثمين: ~~«إن ابن خلدون - في المقدمة التي كتبها لتاريخه ~~العام - قد أدرك وتصور وأنشأ فلسفة للتاريخ، هي بلا ~~شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان ~~ومكان.» # | القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته # | نظرة عامة إلى أساليب عرض الآراء # إن آراء ابن خلدون ونظرياته مسرودة في المقدمة بأساليب مختلفة، ~~نستطيع أن نردها إلى الأنواع الثلاثة التالية: ~~(أ) # يعالج ابن خلدون المسألة بكل تفاصيلها، ويسرد آراءه ~~فيها في فصل خاص. # ومن الطبيعي أن درس الفصل المذكور يكفي - في هذه ~~الحالة - للتعرف إلى آراء ابن خلدون في المواضيع ~~المتعلقة بتلك المسألة. ~~(ب) # يتخذ ابن خلدون المسألة الواحدة موضوعا لفصول ~~عديدة، يبحث في كل فصل منها ناحية من نواحي المسألة، ~~ويعرض آراءه فيها. # ومن الطبيعي أن التعرف إلى رأي ابن خلدون في ~~المسائل المعروضة بهذا الأسلوب، لا يمكن أن يتم ~~بدراسة فصل واحد، بل يتطلب مراجعة جميع الفصول التي ~~تتصل بالمسألة. ~~(ج) # لا يخصص ابن خلدون للمسألة فصلا ما، بل يتطرق ~~إليها بصورة عرضية، ويبحث فيها بمناسبات متنوعة في ~~فصول مختلفة. # ومن الطبيعي أن التعرف إلى آراء ابن خلدون في هذه ~~المسائل يتطلب التنقيب في عدد كبير من فصول المقدمة، ~~وكثيرا ما يستوجب استعراض جميع مباحثها. ~~••• # وتوضيحا لما سبق نذكر مثالا لكل واحد من هذه الأساليب ~~الثلاثة: ~~(أ) # إن بحث «الحرب» من أحسن الأمثلة على الأسلوب الأول؛ ~~لأن ابن خلدون عرض آراءه في ذلك في فصل خاص، هو الفصل ~~الذي عنونه بالعنوان التالي: «فصل في الحروب ومذاهب ~~الأمم في ترتيبها». إنه عالج هذا الموضوع في ms201 الفصل ~~المذكور من جميع الوجوه التي خطرت بباله؛ ولذلك يستطيع ~~الباحث أن يكون فكرة تامة عن آراء ابن خلدون في ~~الحرب بدرس هذا الفصل وحده . ~~(ب) # ونظرية «الدولة والملك» في المقدمة من أبرز الأمثلة ~~على الأسلوب الثاني؛ لأن ابن خلدون عرض آراءه في ذلك ~~في فصول كثيرة، تناول في كل منها درس القضية من ~~ناحية خاصة، تختلف عن النواحي التي بحثها في الفصول ~~الأخرى. فيترتب على الباحث أن يدرس جميع تلك الفصول؛ ~~ليتوصل إلى فكرة تامة عن نظرية ابن خلدون في «الدولة ~~وتطوراتها». ~~(ج) # وأما رأي ابن خلدون في «القسر الاجتماعي»، فهو من ~~أوضح الأمثلة على الأسلوب الثالث؛ لأن ابن خلدون لم ~~يفرد لذلك فصلا خاصا، ولكنه لاحظ هذه الظاهرة ~~الاجتماعية خلال أبحاثه المختلفة، وتكلم عنها في ~~فصول مختلفة بمناسبات شتى، فلا يستطيع الباحث أن ~~يطلع على رأي ابن خلدون فيها إلا بعد درس المقدمة ~~دراسة تفصيلية مع نظرات تركيبية. ~~••• # ولا حاجة للبيان أن أصعب الدراسات هي التي تحوم حول المواضيع ~~المعروضة بالأسلوب الثالث، وأسهلها هي المعروضة بالأسلوب ~~الأول. # إن الدراسات التالية تستعرض أهم آراء ابن خلدون ونظرياته ~~الأساسية، على اختلاف أساليب عرضها. # | موضوع التاريخ ومهمة المؤرخ # 1 ~~(1) # يقرر ابن خلدون رأيه الخاص في موضوع التاريخ ~~وحقيقته في بدء الكتاب الأول بالعبارات ~~التالية: ~~«حقيقة التاريخ: أنه خبر عن الاجتماع الإنساني ~~الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك ~~العمران من الأحوال؛ مثل التوحش، والتأنس، ~~والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، ~~وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ~~ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش ~~والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران ~~بطبيعته من الأحوال» (ص35). # يظهر من ذلك أن موضوع التاريخ في نظر ابن خلدون ~~واسع جدا، وهو لا ينحصر بما حدث من الفتوحات ~~والحروب، وما توالى من الدول والملوك في الأزمنة ~~الغابرة، بل يشمل كل ما حدث من التحول في الحياة ~~الاجتماعية - على اختلاف مظاهرها - وفي المؤسسات ~~الاجتماعية - على اختلاف أنواعها - فإن الأخبار ~~المتعلقة بالأحوال ms202 الاقتصادية والصنائع والعلوم ~~أيضا تدخل في نطاق موضوع التاريخ. # ابن خلدون يتفوق بنظرته هذه على جميع المؤرخين ~~الذين سبقوه في الشرق والغرب بوجه عام، وعلى جميع ~~الذين أتوا بعده خلال أربعة قرون على أقل تقدير. # ومن المعلوم أن هذه النظرة الشاملة والمتوسعة في ~~موضوع التاريخ، من النظرات الخاصة بما يسمى عادة ~~باسم «تاريخ الحضارة»، وهذا ما حدا ببعض الباحثين ~~إلى أن يعتبروا ابن خلدون «أول من حاول كتابة ~~تاريخ الحضارة» بمعناها الشامل. ~~(2) # يلاحظ ابن خلدون أن التاريخ مما يشغف به الخواص ~~والعوام على حد سواء؛ لأن كل الناس يتشوقون إلى ~~معرفة أخبار الماضي، ويهتمون بأبحاث التاريخ ~~ويتكلمون فيها. غير أنه يجد فرقا عظيما بين ~~مفهوم التاريخ الدارج وبين مفهومه الحقيقي، ويوضح ~~هذا الفرق في الديباجة بالعبارات التالية - ~~بالأسلوب المسجع الذي تختص به الديباجة ~~المذكورة: ~~«إن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم ~~والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو ~~إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك ~~والأقيال. # إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام ~~والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها ~~الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها ~~الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن ~~الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول ~~فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم ~~الارتحال، وحان منهم الزوال. # وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها ~~دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو ~~لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يعد في ~~علومها وخليق» (ص3-4). ~~(3) # إن النظر إلى التاريخ بهذا المنهج المدقق الشامل ~~يحتم على المؤرخ القيام بمهام وأبحاث شاقة ~~بطبيعة الحال. # إن هذه المهام تحوم - في رأي ابن خلدون - حول ما ~~يقتضيه الأمران الأساسيان التاليان؛ تمحيص ~~الأخبار، وتعليل الوقائع. # تمحيص الأخبار؛ لتمييز الحق من الباطل والصدق من ~~الكذب فيها، وللتأكد من مطابقتها للوقائع. تعليل ~~الوقائع؛ لمعرفة كيفية حدوثها، وأسباب تزاحمها ~~وتعاقبها. # إن من يهمل هاتين المهمتين مكتفيا بنقل الأخبار ~~من غير أن يهتم بتمحيصها، وبسرد الوقائع من غير ~~أن يستقصي عللها، لا يستحق ms203 أن يعتبر مؤرخا ~~بالمعنى الذي يقصده ابن خلدون. # فإن الذين يستحقون هذا الاسم - على الرغم مما في ~~مؤلفاتهم من المطعن والمغمز - قليلون جدا، إنهم ~~«لا يكادون يتجاوزون عدد الأنامل وحركات العوامل» ~~(ص4)، وأما البقية فهم من «الهمل الذين ليس ~~يعتبر لهم مقال» (ص5). # ينتقد ابن خلدون هؤلاء المؤرخين بشدة متناهية، ~~وينعتهم بأقسى النعوت مثل: «بليد الطبع والعقل» ~~(ص5). ويرى أن فن التاريخ صار على أيدي هؤلاء ~~«واهيا ومختلطا»، وأصبح «انتحاله مجهلة» ~~(ص28). # ولهذا السبب يرى ابن خلدون لزوما لسلوك مسلك ~~جديد في كتابة التاريخ، ويشرح - بفخر وزهو - الخطة ~~التي ابتكرها هو لهذا الغرض. # 2 # فأول الواجبات التي تترتب على المؤرخ - إذن - هو تمحيص ~~الأخبار التي يقرؤها في الكتب، أو يسمعها من الرواة. # ذلك لأن «الغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل» (ص4)، ولأن ~~الأخبار والحكايات «مظنة الكذب ومطية الهذر» (ص10)، ولأن ~~«الكذب متطرق للخبر بطبيعته» (ص35). # فيجب على المؤرخ أن يتجنب الغلط والوهم، وأن يميز الكذب ~~من الصدق في الأخبار. # ولكن ما السبيل الذي يجب أن يسلكه للوصول إلى هذا ~~الهدف؟ # من البديهي أن تقرير ذلك يتطلب - قبل كل شيء - تعيين أنواع ~~الأغلاط والأوهام والأكاذيب التي تتطرق عادة إلى الأخبار، ~~ثم استجلاء الأسباب الداعية إلى كل نوع منها. # ابن خلدون ينعم النظر في كل ذلك في عدة مواضع من المقدمة، ~~ويتوسع فيها بوجه خاص في مدخل الكتاب الأول، حيث يقول - بعد ~~تعيين موضوع التاريخ - ما يلي: ~~«ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته، وله أسباب ~~تقتضيه»: ~~(1) ~~«فمنها التشيعات للآراء والمذاهب؛ فإن النفس ~~إذا كانت في حالة الاعتدال في قبول الخبر؛ أعطته ~~حقه من التمحيص والنظر، حتى تتبين صدقه من كذبه. ~~وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما ~~يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل ~~والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد ~~والتمحيص؛ فتقع في قبول الكذب ونقله.» ~~(2) ~~«ومن الأسباب الداعية إلى الكذب في الأخبار ~~أيضا؛ الثقة بالناقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى ~~التعديل والتجريح.» ~~(3) ~~«ومنها الذهول عن المقاصد؛ فكثير من الناقلين لا ms204 ~~يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما ~~في ظنه وتخمينه؛ فيقع في الكذب.» ~~(4) ~~«ومنها توهم الصدق وهو كثير، وإنما يجيء في ~~الأكثر من جهة الثقة بالناقلين.» ~~(5) ~~«ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع؛ لأجل ~~ما يداخلها من التلبيس والتصنع، فينقلها المخبر ~~كما رآها، وهي بالتصنع على غير الحق في ~~نفسه.» ~~(6) ~~«ومنها تقرب الناس في الأكثر لأصحاب التجلة ~~والمراتب بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة ~~الذكر بذلك، فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقته. ~~فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى ~~الدنيا وأسبابها من جاه أو ثروة، وليسوا في الأكثر ~~براغبين في الفضائل، ولا متنافسين في ~~أهلها.» ~~(7) ~~«ومن الأسباب المقتضية له أيضا - وهي سابقة على ~~كل ما تقدم - الجهل بطبائع الأحوال في العمران؛ ~~فإن كل حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا ~~بد له من طبيعة تخصه في ذاته، وفيما يعرض له من ~~أحواله؛ فإذا كان السامع عارفا بطبيعة الحوادث ~~والأحوال في الوجود ومقتضياتها، أعانه ذلك في ~~تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ ~~في التمحيص من كل وجه يعرض» (ص35-36). ~~(يذكر ابن خلدون هذه الأسباب على التوالي من غير أن يرقمها، ~~ونحن اضطررنا إلى ترقيمها؛ تسهيلا لدرسها.) # يلاحظ أولا أن بعض الأمور التي يذكرها ابن خلدون في هذه ~~الفقرات من نوع الغلط والوهم «اللاقصدي»، وبعضها من نوع ~~التلبيس والكذب «القصدي»، بالمعنى الذي يفهم عادة من كلمة ~~الكذب، وبعضها من نوع «عدم التمييز» من جراء عدم التفكير، أو ~~الجهل، أو الانخداع. والمؤلف قد ميز هذه الأنواع بعضها من ~~بعض، غير أنه ذكرها تحت اسم عام، وهو «الكذب»، أعني أنه استعمل ~~هذا الاسم للدلالة على كل ما هو مخالف للواقع، سواء أنتجت ~~هذه المخالفة من كذب المخبر وتلبيسه، أم من توهمه وغلطه، أم ~~من جهله وانخداعه. # كما يلاحظ أن ابن خلدون قد أوضح بعض هذه القضايا توضيحا ~~تاما، وشرحها شرحا وافيا، غير أنه التزم الإجمال في بعضها ~~إجمالا يحوجها إلى الشرح والتفصيل تارة، ويعرضها للغموض ~~والالتباس طورا. # إن السبب ms205 الأول: # وهو التشيعات للآراء والمذاهب واضح تماما، ~~ومشروح شرحا جيدا، والفقرات التي تشرحه ~~تتضمن ملاحظات نفسية دقيقة، وهي تبين كيف ~~أن محاكمات المرء تتأثر من «الآراء» التي ~~تكون قد سبقت إلى ذهنه، وكيف أن الآراء ~~المنتشرة في حلقات المجتمع - على شكل نحلة أو ~~مذهب - توجه أذهان الأفراد إلى بعض ~~الاتجاهات، وتؤثر بذلك على ملاحظاتهم ~~ومحاكماتهم تأثيرا شديدا، كما أن هذه ~~الفقرات تشير - ضمنا - إلى وجوب الحياد في ~~تدوين التاريخ وانتقاده. # وأما السبب الثاني: # فبعكس ذلك، لم يكن مشروحا شرحا وافيا، ~~ومع ذلك فإن قضية «التعديل والتجريح» المذكورة ~~في هذه الفقرة تدل على أن المقصود منها هو ~~الخطأ الذي قد يقع فيه المرء من جراء ثقته ~~بالناقل والراوي؛ لأن الراوي قد يكون كاذبا ~~ودساسا فيما يرويه، فإذا وثق المرء به يكون ~~قد تلقى الكذب منه، ونقله إلى غيره، من حيث ~~لا يقصد ولا يدري. ولكي يتجنب المؤرخ مثل هذه ~~الأخطاء يجب ألا يقبل أية رواية كانت قبل أن ~~يتأكد من عدالة رواتها، وأمانتهم في القول، ~~وسلامتهم من الكذب، وذلك عن طريق البحث والنقد ~~التي سماها علماء التفسير والحديث باسم ~~«التعديل والتجريح». # والسبب الثالث: # أيضا ينطوي على ملاحظة نفسية صائبة مثل ~~السبب الأول، ومع هذا يحتاج إلى بعض التفصيل ~~والتوضيح؛ قد يكون الناقل صادقا في نقله، ومع ~~ذلك مخطئا في فهمه؛ إذ من الممكن أن يكون قد ~~نقل ما عاينه وما سمعه بكل أمانة ومن غير ~~تحريف، ولكنه قد لا يفهم ما سمعه حق الفهم، ~~وقد لا يلاحظ ما شاهده تمام الملاحظة، فقد ~~يتوهم بعض الأمور، وقد يهيم في وادي ~~التخمينات، وفي الأخير قد يخلط بين مشهوداته ~~ومسموعاته، وبين ظنونه وتخميناته، فإذا نقل ~~وروى يكون قد نقل وروى ما يخالف الواقع، مع ~~أنه لم يتقصد الخروج عن جادة الصدق والأمانة ~~في النقل على ما أداه إليه فهمه. # وأما السبب الرابع: # فهو غامض جدا، ولا سيما والفرق بينه وبين ~~السبب الثاني لم يكن واضحا أبدا؛ فإن ابن ~~خلدون ردهما كليهما إلى أمر الثقة ms206 بالناقلين، ~~ربما كان القصد من تفريقهما، وذكر كل واحد ~~منهما على حدة؛ هو الإشارة إلى الرواية ~~الاعتيادية من جهة، والرواية المتواترة من جهة ~~أخرى. ومما يقوي هذا الاحتمال أن ابن خلدون ~~يبحث في محل آخر في «التناقل » - كما سنذكره ~~فيما بعد - فلا يبعد أن يكون قد أراد بذلك ~~التنبيه إلى عدم جواز الثقة بالناقلين من جراء ~~كثرتهم فقط، وعدم جواز قبول الخبر من جراء ~~كونه متواترا فحسب. # وأما السبب الخامس: # فيحوم حول «دور التصنيع والتلبيس» في ~~الوقائع والأخبار؛ إن بعض الدساسين يتوسلون في ~~بعض الأحوال بوسائل متنوعة للتلبيس على ~~الناس ~~- بقصد الوصول إلى بعض الأغراض، والحصول على ~~بعض المنافع - ويصطنعون بعض الوقائع والأمور، ~~والأشخاص الذين يشاهدون تلك الوقائع المصطنعة، ~~ويطلعون على تلك الأمور المدسوسة، قد ~~ينخدعون بها، فلا ينتبهون إلى آثار الدس ~~والتلبيس فيها، فإذا نقلوها كما شاهدوها ~~يكونون قد نقلوا ما هو «على غير الحق في ~~نفسه»، وذلك من غير أن يقصدوا الكذب فيما ~~ينقلونه. # وأما السبب السادس: # فيشير إلى الأخبار الكاذبة التي يذيعها بعض ~~المتملقين بقصد التقرب إلى أصحاب التجلة ~~والمراتب؛ إن هؤلاء المتملقين يحاولون ~~التقرب إلى أصحاب الجاه والنفوذ بمدحهم ~~والثناء عليهم، ويسعون إلى زيادة هذا ~~التقرب بإشاعة ذكرهم بين الناس، فيشيعون ~~عنهم من الأقوال والأفعال ما يخالف الواقع ~~مخالفة كبيرة. # وأما السبب السابع والأخير: # فهو صريح ومفصل تفصيلا وافيا؛ إن ما ~~يقرره ابن خلدون في هذه الفقرة يشير إلى طريقة ~~تمحيص الأخبار بقدر ما يبين سبب تباعدها عن ~~الواقع والصواب، وهو من أهم الملاحظات التي ~~حملته على التفكير في طبائع العمران، وعلى ~~كتابة «الكتاب الأول» من التاريخ، ذلك الكتاب ~~الذي عرف فيما بعد باسم «مقدمة ابن ~~خلدون». # 3 ~~(1) # يعود ابن خلدون إلى ذكر معظم هذه الأسباب في ~~موضع آخر بوسيلة أخرى، هي قضية «الشهرة والصيت». ~~إنه يتطرق إلى هذه القضية في آخر فصل الحروب، ~~ويكتب في صددها الملاحظات التالية: ~~«الشهرة والصيت، قل أن تصادف موضعها في أحد من ~~طبقات الناس - من الملوك والعلماء والصالحين ~~والمنتحلين للفضائل ms207 على العموم - وكثير ممن اشتهر ~~بالشر وهو بخلافه، وكثير ممن تجاوزت عنه الشهرة، ~~وهو أحق بها وأهلها، وقد تصادف موضعها، فتكون ~~طبقا على صاحبها» (ص278). # لا يكتفي ابن خلدون بكتابة هذه الملاحظات، بل ~~يوضح أسباب ذلك أيضا: إن الشهرة تنشأ من الأخبار ~~التي تنشر بين الناس عن أحوال الشخص وأفعاله ~~وأخلاقه؛ ولذلك تكون عرضة لاحتمال «التباعد عن ~~الحقيقة والواقع» شأن جميع الأخبار ~~والروايات. ~~«والسبب في ذلك أن الشهرة والصيت إنما هما ~~بالأخبار، والأخبار يدخلها الذهول عن المقاصد عند ~~التناقل، ويدخلها التعصب والتشيع، ويدخلها ~~الأوهام، ~~ويدخلها الجهل بمطابقة الحكايات للأحوال؛ لخفائها ~~بالتلبيس والتصنع، أو لجهل الناقل، ويدخلها ~~التقرب لأصحاب التجلة والمراتب الدنيوية ~~بالثناء والمدح، وتحسين الأحوال، وإشاعة الذكر ~~بذلك، «وأين مطابقة الحق مع هذه كلها؟»» ~~(ص278). # يلاحظ أن ابن خلدون يشير هنا إلى معظم الأسباب ~~التي كان قد ذكرها في مدخل الكتاب الأول بتعبيرات ~~أخرى، فمن المفيد أن نضع هذه التعبيرات أيضا ~~نصب أعيننا عندما ندرس رأيه في الأخبار. ~~(2) # هذا ومما يجدر بالذكر أن ابن خلدون يشير في ~~موضعين آخرين إلى سببين آخرين، علاوة على التي ~~ذكرها في مدخل الكتاب الأول. # أولا: إنه يشير إلى «نزعة المبالغة» عند الناس ~~خلال نقل الأخبار، «ولا سيما في إحصاء الأعداد من ~~الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات» ~~(ص10). ~~«قد نجد الكافة من أهل العصر إذا أفاضوا في ~~الحديث عن عساكر الدول التي لعهدهم أو قريبا منه، ~~وتفاوضوا في الأخبار عن جيوش المسلمين أو النصارى، ~~أو أخذوا في إحصاء أموال الجبايات، وخراج السلطان، ~~ونفقات المترفين، وبضائع الأغنياء والموسرين؛ ~~توغلوا في العدد، وتجاوزوا حدود العوائد، ~~وطاوعوا وساوس الإغراب. فإذا استكشفت أصحاب ~~الدواوين عن عساكرهم، واستنبطت أحوال أهل الثروة ~~في بضائعهم وفوائدهم، واستجليت عوائد المترفين في ~~نفقاتهم، لم تجد معشار ما يعدونه. # وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب، وسهولة ~~التجاوز على اللسان» (ص11). # إن السبب الذي يسرده ابن خلدون هنا يمكن أن ~~يعتبر من فروع السبب الثالث الذي ذكرناه آنفا، ~~ومع هذا فإنه يجب أن يسترعي الانتباه ms208 بوجه خاص؛ ~~لدلالته على أن ابن خلدون قد لاحظ أن بعض ~~التوهمات يتأتى من «نزوع الذهن إلى المبالغة، ~~وولوع النفس بالغرائب.» # وقد أشار ابن خلدون إلى هذه الملاحظة نفسها في ~~موضع آخر أيضا بقوله: «كثيرا ما يعتري الناس ~~الوسواس في الزيادة عند قصد الإغراب» ~~(ص172). # هذا ونحن نرى أن نلفت الأنظار إلى تعبير ~~«التجاوز على اللسان»، الوارد في آخر الفقرة ~~السالفة الذكر؛ لأن هذا التعبير يدل دلالة واضحة ~~على أن ابن خلدون قد لاحظ أن الناس لا يتصورون ~~عادة مفاهيم الأعداد الكبيرة التي يسمعونها أو ~~يلفظونها؛ ولذلك يسترسلون في مثل هذه المبالغات من ~~غير أن ينتبهوا إلى مبلغ فداحتها، وذلك «لسهولة ~~التجاوز على اللسان» في ذكر الأعداد. ~~(3) # وأما السبب الأخير الذي يذكره ابن خلدون - من ~~جملة أسباب الخطأ في فهم الأخبار ونقلها - فهو ~~قياس الماضي على الحال قياسا مطلقا: ~~«ربما يسمع السامع كثيرا من أخبار الماضين، ولا ~~يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، ~~فيجريها لأول وهلة على ما عرف، ويقيسها بما شهد، ~~وقد يكون الفرق بينهما كثيرا؛ فيقع في مهواة من ~~الغلط» (ص29). # يرى ابن خلدون من الواجب على المؤرخ أن يستفيد ~~من «شهادة الحاضر؛ لأن الماضي أشبه بالآتي من ~~الماء بالماء» (ص10)، وعليه أن «يعتبر الحاضر ~~المشاهد والقريب المعروف» (ص11)، وأن «يقيس الغائب ~~بالشاهد والحاضر بالذاهب» (ص9). # غير أنه يلاحظ في الوقت نفسه أن «قياس الماضي ~~على الحال» لا يخلو من محاذير؛ لأن «أحوال العالم ~~والأمم لا تدوم على وتيرة واحدة»، فيترتب على ~~المؤرخ ألا يذهل «عن تبدل الأحوال في الأمم، ~~بتبدل الأعصار ومرور الأيام» (ص28). # ولهذا السبب يوصي ابن خلدون «المماثلة بين ~~الحاضر والغائب» بالبحث عما «بينهما من الوفاق أو ~~الخلاف» (ص28)، ويقرر بأن عدم الانتباه إلى ذلك قد ~~يوقع المؤرخ في «مهواة من الغلط» (ص29). # إن ما يقوله ابن خلدون في هذا الصدد ينم عن ~~ملاحظة دقيقة وتفكير قيم، ومع هذا فلا حاجة للبيان ~~أن هذا السبب أيضا مما يمكن رده إلى السبب ~~الثالث من أسباب ms209 الخطأ المذكورة في مدخل الكتاب ~~الأول من حيث الأساس. ~~(4) # إذا أردنا أن نلخص «أسباب الغلط في الأخبار ~~والحكايات» حسب ما لاحظه ابن خلدون، وحلله ~~وعلله في الفقرات الآنفة الذكر، استطعنا أن نقول ~~إنها كثيرة ومتنوعة، بعضها قصدية، وبعضها لا ~~قصدية. # الأغلاط القصدية: هي الأخبار الكاذبة التي يضعها ~~ويلفقها ويشيعها الدساسون ؛ لترويج مذهب، أو نشر ~~دعوة، أو تأمين منفعة، والوقائع المصطنعة التي ~~يسعى المحتالون إلى التلبيس بها على الناس لأغراض ~~مماثلة لذلك. # وأما الأغلاط اللاقصدية: فهي الأخبار المخالفة ~~للواقع، التي ينقلها بعض المخبرين والرواة عن حسن ~~نية؛ وذلك لعدم فهمهم، أو عدم ضبطهم لما يسمعونه ~~ويشاهدونه، أو لميلهم إلى المبالغة وولوعهم ~~بالغرائب، أو لاسترسالهم في قياس الماضي على ~~الحاضر قياسا مطلقا. # وهناك نوع ثالث من الأغلاط يختلط فيها القصدية ~~واللاقصدية، وهي التي تحدث حينما ينقل راو صادق ~~أمين، عن مخبر دساس ملفق؛ لثقته به، أو لعدم ~~قدرته على تمحيص الأخبار التي يسمعها، أو لعدم ~~إقدامه على التمحيص - على الرغم من قابليته له - ~~وذلك لموافقة الخبر للآراء التي يتشيع لها، ~~والمذاهب التي ينتحلها، أو لعدم معرفته لطبائع ~~الأشياء معرفة تساعده على التمييز بين الممكن ~~والمستحيل من الأخبار. # ومن البديهي أن هذا النوع الأخير يكتسب خطوة ~~خاصة حينما يتعدد الرواة ويتوالى النقلة، وتتزاحم ~~وتتعاقب «أسباب المخالفة للواقع» في ~~الروايات. ~~(5) # يذكر ابن خلدون أمثلة عديدة على أغلاط ~~المؤرخين في المقدمة التي خصصها لذكر «فضل علم ~~التاريخ وتحقيق مذاهبه، والإلماع لما يعرض ~~للمؤرخين من المغالط» (ص10-32) من جهة، وفي مدخل ~~الكتاب الأول (ص36-37) من جهة أخرى. # 4 ~~(1) # وأما تمحيص الأخبار، وتمييز الصحيح من الباطل ~~فيها، فيتطلب الاهتمام بالأمرين ~~التاليين: ~~(أ) # النظر في مبلغ صدق الرواة ~~وأمانتهم. ~~(ب) # التفكير في درجة إمكان الوقائع ~~المروية. # إن صدق الرواة وعدالتهم مما يتعين بالتجريح ~~والتعديل، حسب ما قرره وفصله علماء التفسير ~~ونقلة الحديث قبل ابن خلدون. # وأما درجة إمكان الوقائع المروية فمما يتعين ~~بمراجعة «علم العمران» الذي وضعه ابن خلدون، ~~وفصله في الكتاب الأول من تاريخه. ~~(2) # عندما يذكر ابن ms210 خلدون «التجريح والتعديل» لا يرى ~~لزوما لدرسه وتفصيله، بل يكتفي بالإشارة إلى ما ~~قرره علماء التفسير والحديث في صدده، ويظهر ~~بذلك العلاقة التي يلاحظها بين علم التاريخ وبين ~~علم التفسير والتحديث. # من المعلوم أن هؤلاء العلماء يستندون في أبحاثهم ~~وأحكامهم إلى ما يروى من الأفعال والأقوال عن ~~سيد المرسلين، ويستقون أخبارهم من روايات الرواة - ~~بالتسلسل - عن الصحابة والتابعين، غير أنهم لا ~~يعتمدون على أي راو كان ما لم يتأكدوا من أنه ~~متصف بالعدالة والضبط، ولهذا السبب يقولون بوجوب ~~تعديل جميع الرواة، أي بوجوب «التثبت من عدالتهم ~~وبراءتهم من الجرح والغفلة» (ص441). # فموقف هؤلاء العلماء تجاه الروايات يشبه - من ~~هذه الوجهة - موقف المؤرخين تجاه الأخبار؛ ولذلك ~~يقرنهم ابن خلدون بالمؤرخين في عبارة واحدة في بعض ~~الأحيان، فيقول مثلا: ~~«كثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل ~~من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم على ~~مجرد النقل، غثا أو سمينا» (ص9). ~~(3) # ومع كل ذلك يرى ابن خلدون اختلافا جوهريا بين ~~طريقة تمحيص الأخبار الشرعية، وبين طريقة تمحيص ~~الأخبار التاريخية، ويقول: إذا كان «التجريح ~~والتعديل» يكفي للحكم على صحة الأخبار الشرعية، ~~فإنه لا يكفي للقول بصحة الأخبار التاريخية بوجه ~~من الوجوه. # وذلك لأن الأحكام التي تترتب على الأخبار ~~الشرعية إنما هي «أحكام إنشائية»، تعين واجبات ~~المكلفين، وتأمرهم بالعمل أو الترك، وبتعبير آخر: ~~إنها تحتم عليهم القيام ببعض الأعمال، والتجنب ~~لبعض الأفعال، و«الظن بصحة الخبر» وحده يكفي ~~لتحتيم العمل بمقتضياته - حسب القواعد الشرعية - ~~من غير حاجة إلى حصول اليقين في أمره؛ ولهذا السبب ~~يقولون إن «التجريح والتعديل» وحده يكفي لتوليد ~~الظن بصحة الخبر ولتحتيم العمل بمقتضاه. # وأما الأحكام التي تنطوي عليها الأخبار ~~التاريخية فهي «أحكام خبرية» # 1 # محضة، لا تأمر شيئا، ولا تمس الأفعال ~~والتروك بشيء، إنها لا ترمي إلى غاية غير «تقرير ~~الواقع»؛ ولهذا السبب كان من الضروري أن ينظر ~~على الدوام في موافقتها أو عدم موافقتها للواقعات. ~~ولا حاجة للبيان أن ذلك لا يمكن أن يتم بالتجريح ~~والتعديل وحده - أي بالتأكد من عدالة المخبرين ms211 ~~ونباهتهم وحدها - بل يحتاج إلى نظر أوسع، وبحث ~~أعمق من ذلك. # ابن خلدون يقرر رأيه في كل ذلك في مدخل الكتاب ~~الأول، حيث يقول: ~~«إنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة ~~الأخبار الشرعية؛ لأن معظمها تكاليف إنشائية، أوجب ~~الشارع العمل بها متى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة ~~الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط.» ~~«وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها ~~وصحتها من اعتبار المطابقة (يعني المطابقة ~~للواقعات)؛ ولذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعه، ~~وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدما ~~عليه.» ~~«إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط، وفائدة الخبر ~~منه ومن الخارج بالمطابقة» (ص37). # إن رأي ابن خلدون في هذه القضية يتضح لنا بصراحة ~~أعظم من بعض الفقرات التي كتبها في الفصل الذي ~~يقرر «أن العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ~~ومذاهبها» (ص542). # يميز ابن خلدون في هذا الفصل بين «ما في ~~الذهن» وبين «ما في الخارج»، ويقول إن الأحكام ~~الشرعية أحكام ذهنية يطلب العمل بموجبها، والعمل ~~إنما هو «حدوث الشيء في الخارج» وفقا لمقتضيات ~~تلك الأحكام. يتبين من ذلك أن الأحكام الشرعية ~~لا تتقيد بما هو «موجود في الخارج»، بل بعكس ذلك ~~تتطلب «مطابقة ما في الخارج لها»، خلافا لما هو ~~الحال في العلوم العقلية التي لا تعتبر ~~أحكامها صحيحة ما لم تكن «مطابقة لما في ~~الخارج». # ولهذا السبب قال ابن خلدون إن التجريح والتعديل ~~وحده يكفي لتمحيص الأخبار الشرعية، غير أنه لا ~~يكفي لتمحيص الأخبار التاريخية. ~~(4) # يفهم من التفاصيل الآنفة الذكر أن أول ما يجب ~~عمله على المؤرخ لتمحيص خبر من الأخبار هو - في ~~رأي ابن خلدون - النظر فيما إذا كان الخبر المذكور ~~ممكنا في حد ذاته أو مستحيلا. وأما البت في ~~هذا الأمر فمما يتطلب معرفة طبائع العمران. يقول ~~ابن خلدون في هذا الصدد: ~~«تمحيصه (أي تمحيص الخبر) إنما هو بمعرفة طبائع ~~العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص ~~الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على ~~التمحيص بتعديل الرواة، ولا يرجع إلى تعديل ms212 ~~الرواة، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ~~ممتنع، وأما إذا كان مستحيلا، فلا فائدة للنظر ~~في التعديل والتجريح» (ص37). # إن الإمكان الذي يشير إليه ابن خلدون في هذه ~~الأبحاث لم يكن الإمكان العقلي المطلق، بل هو ~~الإمكان العادي الطبيعي، كما يصرح بذلك في موضع ~~آخر من المقدمة: ~~«فليرجع الإنسان إلى أصوله، وليكن مهيمنا على ~~نفسه ، ومميزا بين طبيعة الممكن والمستحيل بصريح ~~عقله ومستقيم فطرته، فما دخل في نطاق الإمكان ~~قبله، وما خرج عنه رفضه.» ~~«وليس مرادنا الإمكان العقلي المطلق، فإن نطاقه ~~أوسع شيء، فلا يفرض حدا بين الواقعات، وإنما ~~مرادنا الإمكان بحسب المادة للشيء» (ص182). ~~(وبتعبير آخر: بحسب طبيعة الأشياء، أو بالأحرى ~~بحسب طبيعة العمران.) ~~«فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار ~~بالإمكان والاستحالة، أن ننظر في الاجتماع البشري ~~الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته ~~وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضا لا يعتد به، وما ~~لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا ~~قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، ~~والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه» ~~(ص37-38). ~~(5) # لا يكتفي ابن خلدون بسرد هذه القواعد العامة، بل ~~يطبقها على بعض الأخبار، ويستعرض سلسلة من ~~الروايات والأخبار المتنوعة عن الأزمنة الماضية ~~(ص10-27، و36-37). # 5 # وأما تعليل الوقائع - بعد التأكد من صحتها - والبحث في ~~«أسباب حدوثها وتزاحمها وتعاقبها»، فابن خلدون يعتبر ذلك من ~~أهم واجبات المؤرخين، ويؤكد ضرورتها عدة مرات، غير أنه لا ~~يفكر في تدوين قواعد هذا التعليل، ولا يحاول تعيين طرقه ~~ومناهجه، ومع هذا فإنه يقدم على تعليلات كثيرة في معظم فصول ~~المقدمة، وإذا استعرضنا التعليلات المسطورة في تلك الفصول؛ ~~وجدنا أنها تسير - في الأكثر - على طريقة استقرائية؛ إنها ~~تعتمد على استقراء الوقائع والحادثات، وتشمل استقراءاتها هذه ~~إلى ما يحدث في الحال الحاضر، أو ما حدث في الماضي القريب من ~~جهة، وإلى ما حدث في الأزمنة الغابرة من جهة أخرى. # إن الدراسات التالية ستعطي نماذج عديدة على التعليلات ms213 ~~المذكورة، وستسعى إلى تعيين قيم التعليلات من الوجهة ~~العلمية. # | طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم # يقرر ابن خلدون في المقدمة الأولى من الباب الأول ثلاثة مبادئ ~~أساسية: ~~(أ) # ضرورة الاجتماع للبشر، واستحالة معيشتهم ~~منفردين. ~~(ب) # ضرورة وجود الوازع للبشر، وامتناع بقائهم بلا وازع ~~يدفع عدوان بعضهم عن بعض. ~~(ج) # عدم ضرورة وجود الشرع للبشر، وإمكان دفع العدوان ~~بسطوة الملك ولو لم يكن شرع. # يشرح ابن خلدون المبدأ الأول بتفصيل واف في المقدمة المذكورة؛ ~~ولذلك لا يرى لزوما للتوسع فيه عندما يشير إليه في الفصول ~~الأخرى. # غير أنه يعرض المبدءين الآخرين في المقدمة المذكورة على وجه ~~الإجمال، فيضطر إلى شرحهما وتوسيعهما في عدة فصول من الكتاب، ولا ~~سيما المبدأ الثاني، فإنه يعود إليه مرات عديدة في فصول كثيرة، ~~ويتناوله بالبحث والشرح والتفصيل، في كل مرة من وجوه جديدة. # فلأجل أن نحيط علما برأي ابن خلدون في «طبيعة الاجتماع ومنشأ ~~الحكم» حق الإحاطة، يجب أن نبدأ بقراءة المقدمة الأولى التي أشرنا ~~إليها، ونسعى لتحليل مضامنها بإنعام، ثم نقدم على تتبع الشروح ~~والتفاصيل الواردة عن كل منها - ولا سيما عن الثاني والثالث منها - ~~في الفصول المختلفة من الكتاب، وعلى وجه الأخص في الفصول ~~التالية: # فصل في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية، فصل في ~~حقيقة الملك وأصنافه، فصل في معنى الخلافة والإمامة، فصل في اختلاف ~~الأمة في حكم هذا المنصب. # 1 ~~(1) # يبدأ ابن خلدون أبحاثه الاجتماعية في المقدمة ~~الأولى بقوله: «إن الاجتماع الإنساني ضروري» ~~(ص40). # ويبرهن على هذه الضرورة بأمرين ~~هامين: ~~(أ) # إن الإنسان مضطر إلى التعاون مع بني ~~جنسه؛ للحصول على الغذاء الذي يحتاج ~~إليه. ~~(ب) # ومضطر إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ ~~لدفع تعدي الحيوانات عليه. # وذلك لأن «قدرة الواحد من البشر قاصرة على تحصيل ~~حاجته من الغذاء»، «فلا بد من اجتماع القدر الكثير ~~من أبناء جنسه؛ ليحصل القوت له ولهم»، كما أن ~~«الواحد من البشر لا تقاوم قدرته الواحد من ~~الحيوانات العجم، سيما المفترسة، فهو عاجز عن ~~مدافعتها وحده بالجملة». وأما ms214 الأسلحة المعدة ~~لدفع الحيوانات المفترسة فقدرة الواحد من البشر لا ~~تكفي لصنعها؛ «فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه ~~بأبناء جنسه»، وما لم يكن هذا التعاون لا يستطيع ~~الإنسان أن يحصل على الغذاء، وأن يدافع عن نفسه؛ ~~فيكون فريسة للحيوانات (ص42). # يتبين من ذلك كله «أن الاجتماع ضروري للنوع ~~الإنساني» (ص42)، وأنه «يستحيل على البشر أن ~~يعيشوا منفردين» (ص151). ~~(2) # بعد سرد هذا المبدأ، «وتقرير» طبيعية الاجتماع ~~وضروريته للإنسان، ينتقل ابن خلدون إلى المبدأ ~~الثاني، ويقرر ضرورة وجود وازع في كل اجتماع، ~~قائلا: ~~«ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر، فلا بد من ~~وازع يدفع بعضهم عن بعض؛ لما في طباعهم الحيوانية ~~من العدوان والظلم» (ص43). # إن دفع هذا العدوان لا يمكن أن يتم بالأسلحة ~~التي تستعمل لدفع عدوان الحيوانات العجم؛ لأن ~~تلك الأسلحة «موجودة لجميعهم»، فلا بد من شيء آخر ~~يدفع عدوان بعضهم عن بعض، ومن البديهي أن هذا ~~الوازع لا يمكن أن يكون من غير الإنسان، فمن ~~الضروري أن يكون «واحدا منهم، يكون له عليهم ~~الغلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل إلى ~~غيره بعدوان. وهذا هو معنى الملك» (ص43). # ابن خلدون يكرر هذا المبدأ - مبدأ عدوان البشر ~~بعضهم على بعض - ويؤكد هذه الضرورة - ضرورة وجود ~~وازع يدفع هذا العدوان، في عدة مواضع من المقدمة، ~~بعبارات متنوعة وبوضوح أعظم. # يقول في أحد الفصول: «فمن أخلاق البشر فيهم ~~الظلم والعدوان بعض على بعض، فمن امتدت عينه إلى ~~متاع أخيه، امتدت يده إلى أخذه إلى أن يصده ~~وازع.» كما قال: ~~«والظلم من شيم النفوس، فإن تجد ذا عفة فلعله لا ~~يظلم» (ص128). # كما يقول في فصل آخر: «إن البشر لا يمكن حياتهم ~~ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم ~~وضرورياتهم، وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى ~~المعاملة واقتضاء الحاجات، ومد كل واحد منهم يده ~~إلى حاجته يأخذها من صاحبه؛ لما في الطباع ~~الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ~~ويمانعه الآخر عنها بمقتضى الغضب والأنفة، ومقتضى ~~القوة البشرية في ذلك، فيقع ms215 التنازع المفضي إلى ~~المقاتلة، وهي تؤدي إلى الهرج، وسفك الدماء، ~~وإذهاب النفوس المفضي ذلك إلى انقطاع النوع؛ ولذلك ~~استحال بقاؤهم فوضى دون وازع يزع بعضهم عن بعض، ~~واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم، ~~وهو بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم» ~~(ص187). # ولهذا لا يشك ابن خلدون بأن «الآدميين بالطبيعة ~~الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم ~~يزع بعضهم عن بعض» (ص139). ~~(3) # هذا هو الأساس الذي يبني عليه ابن خلدون نظريته ~~في «الاجتماع والملك والدولة». # لا حاجة للبيان أن ابن خلدون لم يكن مبتكرا ~~لجميع أقسام هذه النظرية؛ فإن الشطر الأول منها ~~لمما كان يقول به الحكماء من قديم الزمان، كما ~~يشير إلى ذلك هو بنفسه، فإنه عندما يقول «إن ~~الاجتماع الإنساني ضروري»، يعقب على ذلك ~~بالعبارات التالية: ~~«ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني ~~بالطبع؛ أي لا بد له من الاجتماع، الذي هو المدنية ~~في اصطلاحهم، وهو معنى العمران» (ص41). # إن هذا الرأي كان قد ساد على أذهان جميع ~~المفكرين - في الشرق والغرب - منذ عهد أرسطو الذي ~~قال: «إن الإنسان حيوان سياسي، ومخلوق مدني ~~اجتماعي»، غير أن الفيلسوف الإنجليزي «هوبز» # Hobbes ~~- الذي عاش ~~وكتب في أواسط القرن السابع عشر - اعترض على رأي ~~أرسطو في «اجتماعية الإنسان»، و«طبيعية الاجتماع ~~الإنساني» اعتراضا شديدا، وادعى بأن الحالة ~~الطبيعية في الإنسان هي «الحرب والعدوان»، وتمسك ~~بالنظرية القائلة «إن الإنسان ذئب للإنسان»، وزعم ~~بأن الاجتماع ما هو إلا نتيجة من نتائج هذه الحرب ~~والعدوان. # يتبين من ذلك أن ابن خلدون اقتبس القسم الأول ~~من نظريته هذه من المفكرين الذين سبقوه، غير أنه ~~لاحظ - في الوقت نفسه - ما سيلاحظه «هوبز» بعده ~~بثلاثة قرون، ~~وبنى القسم الثاني من نظريته على مبدأ «عدوان ~~الإنسان على الإنسان»، و«التنازع الدائم بين بني ~~الإنسان». فنستطيع أن نقول - لذلك - إن نظرية ~~ابن خلدون في هذا الصدد كانت بمثابة خط واصل بين ~~نظرية أرسطو القديمة، وبين نظرية هوبز المقبلة، ~~لقد سبق ابن خلدون المفكر الإنجليزي هوبز في تقدير ~~أفعولة ms216 العدوان والتنازع في الحياة الاجتماعية، ~~كما أنه تفوق على المشار إليه؛ لعدم اعتباره ذلك ~~منافيا لاجتماعية الإنسان. # فقد اعتبر ابن خلدون «الاجتماع» أو «العمران» ~~طبيعيا في البشر، مثل «العدوان»، فربط فكرة ~~«الدولة والملك»، و«الوازع والحاكم»، بمبدأ ~~العمران من جهة، وبمبدأ العدوان من جهة أخرى، كما ~~يتجلى بكل وضوح من الفقرة التالية التي تلخص ~~ما شرحه وفصله في فصول مختلفة: ~~«الدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دون ~~الدولة والملك متعذر؛ لما في طبع البشر من ~~العدوان الداعي إلى التنازع» (ص376). # وإذا أردنا أن نعبر عن آراء ابن خلدون في هذا ~~الصدد بالتعبيرات المألوفة في زماننا هذا - دون أن ~~نخرج عن نطاق تفكيره، ومن غير أن نغير شيئا من ~~مميزات رأيه - نستطيع أن نقول: # إن الطبيعة البشرية تستلزم الحياة الاجتماعية، ~~كما أنها تحمل على التعدي، وتؤدي إلى التنازع ~~بين الأفراد. فالحياة الاجتماعية لا يمكن أن تستمر ~~إلا بوجود وازع يمنع التعدي ويرفع التنازع، وهذا ~~هو الذي يولد الحكم والملك بوجه عام، والدولة ~~بوجه خاص. # 2 ~~(1) # أما علاقة المجتمع بالشرائع الدينية، فيبدي ~~ابن خلدون رأيه فيها بوضوح؛ أولا في مقدمة الباب ~~الأول، وثانيا في فصل الخلافة. # إنه يعترض بشدة على رجال الدين الذين يزعمون بأن ~~«الحكم الوازع للإنسان يكون بشرع مفروض من عند ~~الله، يأتي به واحد من البشر، يكون متميزا عنهم ~~بما يودع الله فيه من خواص هدايته؛ ليقع التسليم ~~له والقبول منه، حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من ~~غير إنكار ولا تزييف» (ص43). # يفند ابن خلدون هذه المزاعم قائلا: «إن ~~الوجود والحياة للبشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضه ~~الحاكم لنفسه، أو بالعصبية التي يقتدر بها على ~~قهرهم وحملهم على جادته.» ويبرهن على ذلك بقوله: ~~«أهل الكتاب المتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى ~~المجوس الذين ليس لهم كتاب، فإنهم أكثر أهل ~~العالم، ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار فضلا ~~عن الحياة» (ص43-44). # يعود ابن خلدون إلى هذه المسألة في فصل الخلافة ~~والإمامة، ويكرر رأيه فيها بوضوح أكبر وأسلوب ~~أحسم: # إن ms217 القول «بأن الوازع إنما يكون بشرع من الله ~~يسلم له الكافة تسليم إيمان واعتقاد»، لا يستند ~~إلى أساس صحيح؛ «لأن الوازع قد يكون بسطوة الملك، ~~وقهر أهل الشوكة، ولو لم يكن شرع» (ص192). ~~(2) # يتبين من ذلك أن ابن خلدون يميز تمييزا ~~صريحا الوازع الباطني الذي ينشأ من الاعتقاد ~~الديني، من الوازع الخارجي الذي يستند إلى سطوة ~~الحكام وسلطتهم. # إنه يكرر هذا التمييز في عدة مواضع من ~~المقدمة، حتى إنه يسمي كلا منهما باسم خاص؛ ~~يسمي النوع الأول باسم «الوازع الديني»، كما ~~يسمي النوع الثاني باسم «الوازع السلطاني ~~والعصباني» (ص221). ويلاحظ في الوقت نفسه أن ~~الوازع الديني وازع ذاتي، وأما الوازع السلطاني ~~فأجنبي؛ بمعنى أن الوازع الديني يكون عند كل أحد ~~من أفراد المجتمع - من نفسه وفي نفسه - في حين أن ~~الوازع السلطاني يكون في خارج الفرد «أجنبيا» ~~عنه. ~~(3) # وزيادة على هذين النوعين من الوازع، قد لمح ابن ~~خلدون نوعا ثالثا؛ هو الوازع الذي ينشأ «من حكم ~~العقل»؛ لأنه كتب في فصل الإمامة والخلافة - بعد ~~الفقرة التي نقلناها آنفا - عقب قوله: «إن الوازع ~~قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة، ولو لم يكن ~~شرع»، العبارة التالية: ~~«ونقول: يكفي في رفع التنازع معرفة كل واحد ~~بتحريم الظلم عليه، بحكم العقل» (ص192). # ومن البديهي أن هذه العبارة تشير إشارة صريحة ~~إلى الوازع الذي يمكن أن يسمى «الوازع العقلي»، ~~ومما يؤيد ذلك أن ابن خلدون يذكر الأنواع الثلاثة ~~في عبارة واحدة، وإن لم يسمها بأسماء ~~خاصة: ~~«فادعاؤهم بأن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود ~~الشرع هناك، ونصب الإمام هذا غير صحيح، بل كما ~~يكون بنصب الإمام، يكون بوجود الرؤساء أهل الشوكة، ~~أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم» (ص192). # يعود ابن خلدون إلى البحث في «الوازع الديني» في ~~عدة فصول، ويتوسع في شرحه بعض التوسع، كما أنه ~~يعود إلى البحث في الوازع السلطاني والعصباني في ~~فصول كثيرة، ويتوسع في شرحه توسعا كبيرا، ~~غير أنه لا يعود إلى فكرة «الوازع العقلي»، ولا ~~يتناوله بالبحث والتفصيل بعد هذه ms218 اللمحة الواضحة ~~والإشارة الصريحة. # 3 ~~(1) # إن أنواع الوازع السلطاني والعصباني وأشكاله ~~المختلفة من المواضيع التي درسها ابن خلدون، ~~وشرحها بتفصيل واف في فصول عديدة. # لعل أهم هذه الفصول - من هذه الوجهة - هو الفصل ~~القائل «بأن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل ~~العصبية»؛ لأن ابن خلدون يستعرض في هذا الفصل ~~أنواع العدوان، ويشير إلى أهم القوى الوازعة ~~لها. # بما أنه يقسم أبناء البشر إلى صنفين أساسين؛ ~~البدو والحضر، فإنه يدرس الوسائل الوازعة في كل ~~من هذين الصنفين على حدة. # إن أهل المدن والأمصار معرضون لنوعين من ~~العدوان: ~~(أ) # العدوان الذي يحدث داخلها. ~~(ب) # والعدوان الذي يأتي من ~~خارجها. ~~«إن عدوان أهل المدن بعضهم على بعض تدفعه الحكام ~~والدولة، وأما العدوان الذي من خارج المدينة ~~فيدفعه سياج الأسوار، وذياد الحامية، وأعوان ~~الدولة» (ص127). # وأما أحياء البدو فإنهم أيضا معرضون لنوعين ~~من العدوان؛ داخلي وخارجي. # وهناك وسيلة خاصة لدفع كل واحد من هذين النوعين ~~من العدوان على حدة. ~~«أحياء البدو يزع بعضهم عن بعض مشائخهم ~~وكبراؤهم، بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار ~~والتجلة. # وأما حللهم فيذود عنها حامية الحي، من أنجادهم ~~وفتيانهم المعروفين بالشجاعة» (ص118). ~~(2) # وعلاوة على ما تقدم يتكلم ابن خلدون - في ~~فصل آخر - عن العدوان الذي يحدث بين أهل الأمصار ~~وبين أحياء البدو أيضا. # إنه يقرر في عنوان الفصل «أن البوادي من ~~القبائل والعصائب مغلوبون لأهل الأمصار»، ثم يشرح ~~حاجة البدو إلى الأمصار، وحاجة الأمصار إلى البدو، ~~ويبرهن على اضطرار البدو لإطاعة الأمصار والخضوع ~~لها، ويشرح العوامل التي تحمل هؤلاء على الطاعة ~~والخضوع: ~~«إن كان في المصر ملك كان خضوعهم وغلبهم لغلب ~~الملك، وإن لم يكن في المصر ملك، فلا بد فيه من ~~نوع رئاسة، ونوع استبداد من بعض أهله على الباقين. ~~وذلك الرئيس يحملهم على طاعته، والسعي في مصالحه، ~~إما طوعا ببذل المال لهم، وإما كرها إن ~~تمت قدرته على ذلك» (ص153). ~~(3) # إن الفقرات التي ذكرناها آنفا عن الوازع في ~~أحياء البدو وحللهم، تتضمن ملاحظة ثمينة جدا ms219 ~~من وجهة النظريات العلمية؛ لأن علماء الاجتماع ~~يقسمون «الحكم والسلطة» في الحياة الاجتماعية ~~إلى نوعين أساسيين: ~~(أ) # السلطة المنتثرة # Diffuse ~~: ~~التي لا يختص بها أشخاص معينون، ولا ~~تتعهدها هيئات منظمة. ~~(ب) # السلطة المتعضية # Organisé ~~: ~~التي يختص بها أشخاص معينون، وتتعهدها ~~هيئات متعضية وفق أنظمة معينة. # إن ما كتبه ابن خلدون عن الوازع في أحياء البدو ~~وحللهم يدل دلالة قاطعة على أنه قد لاحظ «الحكم ~~المنتثر، والسلطة المنتثرة» ملاحظة صريحة، ~~وميزها من «الحكم المتعضي والسلطة المتعضية» ~~تمييزا تاما، وإن لم يسم هذين النوعين بأسماء ~~خاصة. # فإن سلطة المشائخ والكبراء، تلك السلطة التي لا ~~تستند إلى قوة غير «ما وقر في نفوس الكافة لهم من ~~الوقار والتجلة»، تعطينا مثالا من أوضح الأمثلة ~~على «السلطة المنتثرة» التي تختلف اختلافا ~~جوهريا عن السلطة المتعضية، تلك السلطة المنظمة ~~التي تكون بيد الدولة. # كما أن مهمة الذياد التي يقوم بها «الأنجاد ~~والفتيان المعروفون بالشجاعة»، تعطينا مثالا من ~~أوضح الأمثلة على «القوة الحربية المنتثرة» التي ~~تختلف اختلافا جوهريا عن «القوة الحربية ~~المتعضية»، تلك القوة التي تتألف من حاميات ~~الدولة. ~~(4) # إن ما كتبه ابن خلدون عن الوازع في أحياء البدو ~~مهم جدا من وجهة أخرى أيضا؛ لأنه كان قد أكثر ~~الكلام عن الوازع الذي يستند إلى القهر والغلب، ~~ويعمل بالسطوة والشوكة، غير أن ما يقوله هنا ~~يصحح ويتمم ما كان قد قاله في هذا الصدد عدة ~~مرات. # إنه يعلمنا - بهذه العبارات - بأن الوازع ~~والحاكم قد يستند إلى «ما وقر في النفوس من التجلة ~~والوقار»، من غير قهر وغلب أيضا. # يكرر ابن خلدون هذه الملاحظة في عدة مواضع من ~~المقدمة، ويعبر عنها بصراحة تامة في بعض ~~الفصول. # وإذا استعرضنا ما كتبه عن الحكم وأنواعه؛ نجد ~~أنه يميز بين الرئاسة والملك تمييزا ~~دقيقا: ~~«إن الرئاسة إنما هي سؤدد، وصاحبها متبوع، وليس ~~له عليهم قهر في أحكامه، وأما الملك فهو ~~التغلب والحكم بالقهر» (ص139). # ومع هذا لا يغفل ابن خلدون العلاقة الموجودة ~~بين هذين النوعين من الحكم، إذ يصرح بأن الرئاسة ms220 ~~قد تنتهي إلى الملك: ~~«لأن الملك أمر زائد على الرئاسة، والإنسان إذا ~~بلغ إلى رتبة؛ طلب ما فوقها، وإذا بلغ رتبة السؤدد ~~والاتباع، ووجد السبيل إلى التغلب والقهر؛ لا ~~يتركه» (ص139). ~~(وأما رأي ابن خلدون في تطور الحكم، فشرحناه ~~بالتفصيل في الدراسة التي خصصناها لعرض وتحليل ~~نظرية الدولة في مقدمة ابن خلدون.) # | القسر الاجتماعي والتقليد # 1 # إن أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر كانت عهد توسع ~~كبير، وتطور وثاب في تاريخ علم الاجتماع. # وقد لعب علماء فرنسا آنئذ دورا هاما في هذا التوسع ~~والتطور؛ لأنهم أكبوا على دراسة الأحوال والحوادث ~~الاجتماعية من وجوه عديدة ومناح متنوعة، وأسسوا نظريات عامة ~~مختلفة، والمناقشات التي جرت بين أصحاب هذه النظريات حملتهم ~~على التعمق في أبحاثهم؛ فأدت بهم إلى اكتشاف قوانين ~~هامة. # لعل أهم المناقشات التي جرت عندئذ في هذا المضمار كانت تلك ~~التي احتدمت بين جبرائيل ~~تارد # Gábriel Tarde ~~، وبين إميل ~~دوركهايم # Emile Durckheim ~~. # لقد زعم الأول - تارد - أن أهم الأفاعيل في الحياة ~~الاجتماعية هي أفعولة التقليد والمحاكاة؛ لأن الابتكار ~~والاختراع - في مختلف ميادين التفكير والعمل والحياة - يتم ~~على يد بعض الأفراد، غير أن ما يبتكره هؤلاء الأفراد المعدودون ~~لا ينتشر بين سائر الأفراد، ولا يعم المجتمع إلا عن طريق ~~التقليد. وقال تارد لذلك: «إن المجتمع إنما هو نسيج، لحمته ~~الابتكار وسداه التقليد.» # وهذا الاعتقاد حمل تارد على التعمق والتوسع في درس ~~«قوانين التقليد»؛ لتأسيس نظريته الاجتماعية على هذا ~~الأساس. # ولكن «دوركهايم» زعم أن الأوصاف التي تميز الواقعات ~~الاجتماعية من الأمور الفردية، هي «القسر على الأفراد»، وأن ~~الحادث الاجتماعي هو «ما ~~يجري ويحدث تحت ضغط المجتمع وقسره»؛ ذلك لأن العوائد والمؤسسات ~~تحيط بالأفراد «إحاطة الأشياء الخارجية»، وتضغط عليهم «ضغط ~~الأشياء الخارجية»؛ فتقسرهم على «الحس والتفكير والعمل» في ~~اتجاهات خاصة، وفق أساليب معينة. # فالتشابه الذي يلاحظ بين أفراد المجتمع لا يتأتى - على ~~رأي دوركهايم - من «تقليد بعضهم لبعضهم الآخر»، كما زعم تارد، ~~بل إنما يتأتى من «ضغط المجتمع على جميع الأفراد» على وتيرة ~~واحدة ms221 وحد سواء. # إن هذا الضغط ~~الاجتماعي - أو القسر الاجتماعي - يعمل عمله علانية، وفي عنف ~~في بعض الأحوال، وفي الخفاء وبلطف في بعض الأحوال الأخرى، فهو ~~يصد الأفراد عن الأعمال المختلفة، وإذا لم يستطع صد بعضهم عن ~~مباشرة العمل فيعاقبهم على مخالفتهم بصور شتى؛ مثلا إذا خالف ~~الفرد في ملبسه العادات المتبعة في بلاده وبين أفراد صنفه ~~وطبقته؛ ضحك الناس منه، وهزئوا به، وتباعدوا عنه، ولا حاجة ~~للبيان أن ذلك يقوم مقام عقوبة «من المجتمع» على تلك المخالفة. ~~ومن المعلوم أن الأفراد يخضعون عادة للعرف والتقاليد؛ خشية ~~مثل هذه النتائج المؤلمة، بقطع النظر عما قد يصيبهم من ~~العقوبات الزاجرة مباشرة. # ولهذه الملاحظات الجوهرية اهتم إميل دوركهايم بأفعولة «القسر ~~الاجتماعي» اهتماما كبيرا، وبذل جهودا فكرية جبارة لإظهار ~~آثار هذه الأفعولة في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية. # إن الاختلاف بين هذين الرأيين يدل - في حقيقة الأمر - على ~~اختلاف جوهري في تقدير «كنه الحادثات الاجتماعية وطبيعتها»؛ ~~لأن نظرية «تارد» تعزو دورا هاما إلى «الفرد» في تسيير أمور ~~المجتمع؛ لأنها تعتبر أعمال الأفراد - من ابتكار عند بعضهم ~~وتقليد عند الآخرين - مصدرا للحوادث الاجتماعية، في حين أن ~~نظرية دوركهايم - بعكس ذلك - ~~تعتبر «المجتمع» حاكما على «الفرد»، ومسيطرا على أعمال ~~الأفراد وأفكارهم وعواطفهم. # ولهذا السبب احتدم النقاش بين الرأيين بشدة وعنف، والتزم بعض ~~المفكرين جانب تارد، وتشيع بعض العلماء لنظرية دوركهايم، ~~واستمر النقاش مدة طويلة. # وقام خلال هذه المناقشات جماعة ثالثة قالوا: «إن كلتا ~~النظريتين مشوبتان بالنقص والتطرف؛ لأن كل واحدة منهما لا ~~ترى إلا وجها واحدا من وجوه الحقيقة، وتهمل وجوهها ~~الأخرى.» # ولذلك اعتقد هؤلاء أن النظرية الأولى لا تتنافى مع النظرية ~~الثانية، وأنه من السهل التأليف بينهما. # وقد أبدى العالم الاجتماعي «رنه فورمس» # René Wormes ~~- مثلا - الرأي التالي في هذا ~~الصدد؛ إن المشابهة والمماثلة التي تشاهد بين جميع أفراد ~~المجتمع الواحد - من حيث السلوك - تتأتى في بعض الأحوال من ~~«أن الأفراد يقلد بعضهم بعضا تقليدا تلقائيا»، كما ~~تتأتى في أحوال أخرى من «أن المجتمع يضغط على ms222 جميع الأفراد ~~في وقت واحد وعلى نمط واحد، فيقسرهم على سلوك مسلك واحد». ومن ~~الطبيعي أن الحالة الأولى تنطبق على نظرية تارد، في حين أن ~~الحالة الثانية تنطبق على نظرية دوركهايم. # وكذلك كان قد قال المؤرخ المفكر «بول لاكومب» P. Lacombe ~~: «إن ~~المجتمع إنما هو جماعة من الأفراد، يقلد بعضهم بعضا، ويضغط ~~بعضهم على بعض بصورة متقابلة.» # نحن لا نرى لزوما لتفصيل هذه الآراء والنظريات والمناقشات ~~في هذا المقام، ولكننا إذا لاحظنا التطورات التي حدثت في ~~الأبحاث الاجتماعية منذ بداية هذا القرن، نستطيع أن نقول إن ~~نظرية دوركهايم كانت أكثر إنتاجا من نظرية تارد، كما أنها ~~ظهرت أكثر نفوذا إلى حقيقة الحياة الاجتماعية. ومع هذا فإن ~~آراء تارد أيضا أتت ببعض الحقائق الهامة؛ فما من عالم اجتماعي ~~- في الحالة الحاضرة - يستطيع أن يهمل «أفعولة التقليد»، أو ~~يغض النظر عن عمل «الضغط الاجتماعي» في الحياة ~~الاجتماعية. # 2 # ومن الغريب أن ابن خلدون كان قد انتبه إلى هاتين الأفعولتين ~~الهامتين، وذكرهما في مقدمته بصراحة، قبل المناقشات التي أشرنا ~~إليها آنفا، بمدة تزيد على خمسة قرون. # إن آراء ابن خلدون في ~~«التقليد» صارت موضوع أبحاث عديدة؛ لأنها مذكورة في بعض الفصول ~~بصورة مباشرة، غير أن آراءه في الضغط الاجتماعي لم تستلفت ~~أنظار الباحثين؛ لأنها لم تكن معروضة في المقدمة إلا بصورة ~~عرضية، وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك: ~~(أ) # لقد كتب ابن خلدون العبارات التالية في الفصل ~~الذي يقرر: «إن الهرم إذا نزل بالدولة لا ~~يرتفع»: ~~«فإن من أدرك مثلا أباه وأكثر أهل بيته يلبسون ~~الحرير والديباج، ويتحلون بالذهب في السلاح ~~والمراكب، ويحتجبون عن الناس في المجالس والصلوات، ~~فلا يمكنه مخالفة سلفه في ذلك إلى الخشونة في ~~اللباس والزي، والاختلاط بالناس؛ إذ العوائد حينئذ ~~تمنعه وتقبح عليه مرتكبه، ولو فعله لرمي بالجنون ~~والوسواس في الخروج عن العوائد دفعة، وخشي عليه ~~عائدة ذلك وعاقبته في سلطانه» (ص294). # نحن نرى في هذه الفقرات مثالا بارزا لفكرة ~~الضغط والقسر الاجتماعي، ونقول لذلك بلا تردد إن ~~ابن ms223 خلدون قد لاحظ آثار هذا «الضغط الاجتماعي» ~~بصراحة، وإن لم يسمه باسم خاص، ولزيادة التأكيد ~~ندرج فيما يلي فقرة مقتبسة مما كتبه إميل ~~دوركهايم نفسه، في صدد شرح القسر الاجتماعي بأمثلة ~~وشواهد حية: ~~«إذا لم آخذ بنظر الاعتبار في ملبسي - مثلا - ~~العادات المتبعة في بلادي وبين أبناء صنفي؛ ضحك ~~الناس مني، وأعرضوا عني.» # ومن غرائب الصدف أن هذا المثال الذي ذكره ~~دوركهايم في أواخر القرن التاسع عشر، لا يختلف ~~اختلافا يذكر عما كان لاحظه وكتبه ابن خلدون ~~في القرن الرابع عشر. ~~(ب) # وفي الفصل الذي يلي الفصل المذكور، عندما يشرح ~~ابن خلدون «كيفية طروق الخلل للدولة» يقول: ~~«تستغني الدولة عن العصبية بما حصل لها من ~~الصبغة في نفوس أهل أيالتها، وهي صبغة الانقياد ~~والتسليم منذ السنين الطويلة، التي لا يعقل أحد من ~~الأجيال مبدأها ولا أوليتها، فلا يعقلون إلا ~~التسليم لصاحب الدولة، فلا يكاد أحد يتصور عصيانا ~~أو خروجا إلا والجمهور منكرون عليه مخالفون له، ~~فلا يقدر على التصدي لذلك ولو جهد جهده، فلا تكاد ~~النفوس تحدث سرها بمخالفة، ولا يختلج في ضميرها ~~انحراف عن الطاعة» (ص296). # ومن الواضح أن ابن خلدون يلاحظ هنا أيضا عمل ~~الضغط الاجتماعي ملاحظة دقيقة، ويعبر عن آثار ~~هذا الضغط والقسر تعبيرا صحيحا. ~~(ج) # يكتب ابن خلدون الفقرات التالية في الفصل الذي ~~يبرهن فيه على أنه «قد يحدث لبعض أهل النصاب ~~الملكي دولة تستغني عن العصبية»: ~~«لا يطمعون في مشاركته في شيء من سلطانه، ~~تسليما لعصبيته، وانقيادا لما استحكم له ولقومه ~~من صبغة الغلب في العالم، وعقيدة إيمانية استقرت ~~في الإذعان لهم، فلو راموها معه، أو دونه؛ لزلزلت ~~الأرض زلزالها» (ص156، 157). ~~(د) # وفي الفصل الذي يقرر «أن الأمصار التي تكون ~~كراسي للملك تخرب بخراب الدولة وانقراضها»، يكتب ~~ابن خلدون الفقرات التالية: ~~«إذا صار المصر الذي كان كرسيا للملك في ملكة ~~هذه الدولة المتجددة، ونقصت أحوال الترف فيها؛ نقص ~~الترف فيمن تحت أيديها من أهل المصر؛ لأن الرعايا ~~تبع للدولة، فيرجعون إلى خلق الدولة، إما طوعا؛ ms224 ~~لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم، أو كرها؛ ~~لما يدعو إليه خلق الدولة من الانقباض عن الترف ~~في جميع الأحوال» (374). # ولا حاجة للبيان أن العبارة الأخيرة تشير بصراحة ~~إلى «الإكراه الذي يتأتى من خلق الدولة ~~وطبيعتها»، كما أن مجموع الفقرة تدل دلالة قاطعة ~~على أن ابن خلدون قد لاحظ في هذه الحوادث ~~الاجتماعية عمل «التقليد الطوعي» من جهة، وأثر ~~«التكيف القسري» من جهة أخرى. # 3 # يتكلم ابن خلدون عن التقليد في عدة فصول من المقدمة، ~~ويسميه أحيانا بأسماء أخرى، مثل؛ المحاكاة، والتشبه، ~~والاقتداء، والتلقن، ويوضح تأثير ذلك في الحياة الاجتماعية ~~بوجه عام، وفي انتشار الحضارة وفي التربية والتعليم بوجه ~~خاص. # إنه يقول: «إن الالتباس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة.» ~~(ص29) ويذكر أنواعا كثيرة للتقليد والمحاكاة؛ من تقليد ~~الأفراد للأفراد، إلى تقليد الجماعات للجماعات، تقليد الأبناء ~~للآباء، تقليد المتعلمين للمعلمين، تقليد الرعية للحكام، تقليد ~~الأخلاف للأسلاف، تقليد المغلوب للغالب، تقليد الغالب للمغلوب، ~~تقليد الأفراد والأمم لمن يخالطونهم من الأفراد ~~والأجيال. ~~(1) # يفرد ابن خلدون فصلا خاصا لشرح تقليد ~~المغلوب للغالب، فيقول في عنوان الفصل: ~~«إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في ~~شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» ~~(ص147). # كما يقول في متن الفصل: ~~«ترى المغلوب أبدا يتشبه بالغالب في ملبسه ~~ومركبه وسلاحه - في اتخاذها وأشكالها - بل وفي ~~سائر أحواله.» # ويصرح بأن «النفس تنتحل جميع مذاهب الغالب ~~وتتشبه به، وذلك هو الاقتداء.» # وأما أسباب هذا التقليد فيردها ابن خلدون إلى ~~تأثير «نزعة نفسية» يعبر عنها بقوله: «إن النفس ~~أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت ~~إليه.» # وهذا الاعتقاد النفسي يتولد - على رأي ابن ~~خلدون - من ثلاثة أسباب: ~~(أ) ~~«إما لنظره بالكمال بما وقر عندها ~~من تعظيمه.» ~~(ب) ~~«أو لما تغالط به من أن انقيادها ~~ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال ~~الغالب.» ~~(ج) ~~«أو لما تراه من أن غلب الغالب لها ~~ليس بعصبية ولا قوة بأس، إنما هو بما ~~انتحلته من العوائد والمذاهب.» # هذه الأسباب النفسية هي التي تحمل المغلوب على ~~الاقتداء بالغالب، وعلى ms225 انتحال كل ما يراه فيه من ~~العوائد والمذاهب. # ولتأييد هذا التعليل يذكر ابن خلدون تقليد ~~الأبناء للآباء: ~~«انظر ذلك في الأبناء مع آبائهم، كيف تجدهم ~~متشبهين بهم دائما، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال ~~فيهم» (ص147). # كما يذكر تقليد الناس للحامية: «وانظر إلى كل ~~قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند ~~السلطان في الأكثر؛ لأنهم الغالبون لهم.» # ويذكر كذلك سراية بعض العادات والأحوال من أمة ~~إلى من يجاورها ويخالطها: ~~«حتى إنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب ~~عليها، فيسري فيهم من هذا التشبه والاقتداء حظ ~~كبير.» # ويستشهد على ذلك بما لاحظه في الأندلس: ~~«كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة ؛ ~~فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم، ~~والكثير من عوائدهم وأحوالهم، حتى في رسم التماثيل ~~في الجدران والمصانع والبيوت.» # ويستنتج من هذه الملاحظة العاقبة المؤلمة التي ~~تنتظر أهل الأندلس: ~~«حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه ~~من علامات الاستيلاء، والأمر لله.» # ثم يقرن بكل ذلك كلمة من الكلمات الحكمية، ~~ويختم الفصل بقوله: ~~«وتأمل في هذا سر قولهم: العامة على دين ~~الملك، فإنه من بابه؛ إذ الملك غالب لمن تحت يده، ~~والرعية مقتدون به؛ لاعتقادهم الكمال فيه اعتقاد ~~الأبناء بآبائهم، والمتعلمين بمعلميهم» ~~(147). ~~(2) # يقول ابن خلدون في فصل انتقال الدولة من البداوة ~~إلى الحضارة: ~~«أهل الدول أبدا يقلدون في طور الحضارة ~~وأحوالها للدولة السابقة قبلهم، فأحوالهم يشاهدون، ~~ومنهم في الغالب يأخذون» (ص172). # ويستشهد على ذلك بما «وقع للعرب لما كان ~~الفتح، وملكوا فارس والروم، ويستعرض ما حدث في ~~المشرق والمغرب، ثم يقول: ~~«تنتقل الحضارة من الدول السابقة إلى الدول ~~الخالفة» (ص174). # ويذكر كيف انتقلت حضارة الفرس للعرب بني أمية ~~وبني العباس، وانتقلت حضارة بني أمية بالأندلس إلى ~~«ملوك المغرب من الموحدين وزنانة لهذا العهد»، ~~وانتقلت حضارة بني العباس إلى الديلم، ثم إلى ~~الترك، ثم إلى السلجوقية، ثم إلى الترك المماليك ~~بمصر والتتر بالعراقين» (ص174). ~~(3) # يكرر ابن خلدون في عدة مواضيع تقليد الرعية ~~للسلطان من جهة، ms226 وتقليد الدولة الجديدة للدولة ~~السابقة من جهة أخرى. # فنراه يقول في مقدمة الكتاب: «إن عوائد كل جيل ~~تابعة لعوائد سلطانه، كما يقال في الأمثال ~~الحكمية: الناس على دين الملك، وأهل الملك ~~والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر، فلا بد ~~أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم، ويأخذون الكثير ~~منها» (ص39). # ويقول كذلك في الفصل الذي يقرر «أن من طبيعة ~~الملك الترف»: ~~«إن الأمة إذا تغلبت وملكت ما بأيدي أهل الملك ~~قبلها؛ يذهبون إلى اتباع من قبلهم في عوائدهم ~~وأحوالهم، ويناغي خلفهم في ذلك سلفهم»، إلى أن ~~تبلغ الدولة غايتها «بحسب قوتها وعوائد من قبلها» ~~(ص167). # ويقول ابن خلدون في فصل «خراب الأمصار بخراب ~~الدولة» ما يأتي: ~~«الرعايا تبع للدولة؛ فيرجعون إلى خلق الدولة، ~~إما طوعا لما في طباع البشر من تقليد متبوعهم» ~~(ص374). # كما يقول في فصل طروق الخلل للدولة: «يقلد الآخر ~~من أهل الدولة في ذلك الأول، مع ما يكون قد نزل ~~بهم من مهلكة الترف الذي قدمناه» (ص295). # ويقول عند شرح زيادة النفقات وتعمم الإسراف: ~~«يستفحل الملك، فيدعو إلى الترف، فيكثر الإنفاق ~~بسببه، فتعظم نفقات السلطان وأهل الدولة على ~~العموم، بل يتعدى ذلك إلى أهل المصر، ثم يعظم ~~الترف فيكثر الإسراف في النفقات، وينتشر ذلك في ~~الرعية؛ لأن الناس على دين ملوكها وعوائدها» ~~(ص397). # ويشير ابن خلدون - في فصل أطوار الدولة - إلى ~~تقليد الخلف للسلف إشارة صريحة؛ لأنه - عندما ~~يشرح الطور السابع الذي يسميه باسم طور القنوع ~~والمسالمة - يقول ما يلي: ~~«يكون صاحب الدولة في هذا الطور قانعا بما بنى ~~أولوه سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله، مقلدا ~~للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ~~ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن ~~الخروج عن تقليدهم فساد أمره، وأنهم أبصر بما بنوا ~~من مجده» (ص174). ~~(4) # يلاحظ ابن خلدون عمل التقليد والمحاكاة في ~~التربية والتعليم أيضا، فإنه يعبر عن رأيه في ~~هذا الصدد بصراحة تامة في الفصل الذي يقرر «أن ~~الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في ~~التعليم»: ~~«والسبب ms227 في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم ~~وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل، ~~تارة تعليما وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا ~~بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة ~~والتلقين أشد استحكاما ورسوخا» (ص541). # يلاحظ بأن هذه الفقرة تشير بوضوح إلى مهمة ~~التقليد والمحاكاة في اكتساب المعارف من جهة، ~~واكتساب الفضائل من جهة أخرى، وبتعبير آخر في ~~التربية الفكرية من جهة، والتربية الأخلاقية من ~~جهة ثانية. # هذا ويشرح ابن خلدون في فصل «العقل التجربي» عمل ~~الزمان والتجربة في تعليم ما ينبغي للإنسان في ~~معاملة أبناء جنسه - فلا وتركا - ثم ~~يقول: ~~«وقد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك ~~في أقرب من زمن التجربة، إذا قلد فيها الآباء ~~والمشيخة والأكابر، ولقن عنهم، ووعى تعليمهم؛ ~~فيستغني عن طول المعاناة في تتبع الوقائع ~~واقتناص هذا المعنى من بينها. ومن فقد العلم في ~~ذلك والتقليد فيه، وأعرض عن حسن استماعه واتباعه؛ ~~طال عناؤه في التأديب بذلك» (إن هذا الفصل غير ~~موجود في الطبعات الشرقية، فيجب مراجعة الطبعة ~~الباريسية، ج2، ص370). # ومن الواضح الجلي أن هذه الفقرة أيضا تشير ~~بصراحة إلى أهمية التقليد في التربية وفي الحياة ~~الاجتماعية. ~~(5) # ابن خلدون يذكر عمل التقليد والمحاكاة في تعلم ~~اللغة واكتسابها أيضا. # إنه يقول في صدد الكلام عن علم النحو والبحث في ~~كلام العرب: «إن اللغة ملكة في ألسنتهم، يأخذها ~~الآخر عن الأول، كما تأخذ صبياننا لغاتنا لهذا ~~العهد» (ص546). # ويقول كذلك - في الفصل الذي يقرر «أن اللغة ~~ملكة صناعية» - ما يلي: ~~«فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة ~~العربية موجودة فيهم، يسمع كلام أهل جيله ~~وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن ~~مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في ~~معانيها فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب ~~بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك ~~يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله ~~يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ~~ويكون كأحدهم؛ هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل ~~إلى جيل، وتعلمها العجم والأطفال» ~~(ص554-555). # ويقول ابن خلدون في الفصل الذي يقرر ms228 فيه «أن لغة ~~العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر ~~وحمير»: ~~«إن هذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل، بل هي ~~متوارثة فيهم متعاقبة» (ص558). # كما يقول - بعد أن يشرح كيفية النطق بالقاف عند ~~القبائل البدوية: ~~«إن من يريد التقرب والانتساب إلى الجيل، ~~والدخول فيه، يحاكيهم بالنطق بها» (ص557). # إن رأي ابن خلدون في هذا الصدد يتكرر في جميع ~~الفصول المتعلقة باللغة وبتعلم اللغة. ~~(6) # يشرح ابن خلدون - في فصل علم الكلام - كيفية ~~تكون المعلومات عند البشر، ويتطرق خلال هذا ~~الشرح إلى معلومات العميان وتصوراتهم، ويشير إلى ~~عمل التقليد في هذا الصدد أيضا، حيث يقول: ~~«الأعمى يسقط عنده صنف المرئيات، ولولا ما ~~يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل ~~عصرهم والكافة، لما أقروا به، ولكنهم يتبعون ~~الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم ~~وطبيعة إدراكهم» (ص459). # | التطور التدريجي في الطبيعة والمجتمعات # 1 # إن مسألة «أصل الأنواع» النباتية والحيوانية من المسائل التي ~~استرعت أنظار العلماء والمفكرين، وأثارت اهتمامهم منذ عصور ~~طويلة. # وقد ظنوا في بادئ الأمر أن كل نوع من الأنواع يخلق ~~مستقلا عن غيره، وأن الأوصاف التي تميز هذه الأنواع بعضها من ~~بعض تبقى ثابتة فلا تتغير أبدا، فكل نوع من الأنواع ~~النباتية والحيوانية ينشأ على حدة، ويبقى على حاله من تاريخ ~~نشأته إلى حين انقراضه. # غير أن بعض العلماء والمفكرين ذهبوا إلى عكس ذلك تماما، ~~قالوا إن الأوصاف التي تميز الأنواع بعضها من بعض لا تدوم ~~على وتيرة واحدة، بل تتطور تطورا تدريجيا؛ يؤدي إلى ~~تكوين أنواع جديدة؛ فإن الأنواع التي تراها الآن متخالفة، ~~تنحدر في حقيقة الأمر من أصل واحد، إنها لم تصل إلى أشكالها ~~الحالية إلا بعد سلسلة طويلة من التطورات. # إن ذلك لا ينحصر بالأنواع النباتية والحيوانية وحدها، بل ~~يشمل النوع البشري أيضا، فإن الإنسان نشأ من تطور بعض ~~الأنواع الحيوانية، وهو ينحدر من أصل حيواني مع أنواع ~~القردة. # إن هذا الرأي نشأ تدريجيا، ثم كون «نظرية علمية» ~~مستندة إلى مشاهدات وملاحظات كثيرة في أواسط القرن ms229 التاسع ~~عشر، عندما نشر «داروين» # Darwin # كتابه المشهور عن «أصل ~~الأنواع». # ولذلك عرفت هذه النظرية باسم «الداروينية» # Darwinisme # بالنسبة إلى ~~اسم مؤسسها، كما عرفت باسم «نظرية التطور»، # Transformisme # أو # Evolutionnisme # بالنسبة ~~إلى موضوعها، وقد سماها بعض المترجمين باسم نظرية «النشوء ~~والارتقاء»، مع أن فكرة التطور تختلف في حد ذاتها عن فكرة ~~الارتقاء؛ لأن التطور قد يكون ارتقائيا، وقد يكون ~~انحطاطيا. # إن انتشار كتاب داروين وذيوع نظريته أوجد حركة فكرية خصبة، ~~لم تلبث أن أثرت في آراء علماء الاجتماع، وأدت إلى تطبيق ~~نظرية التطور على الحياة الاجتماعية؛ فأوجدت بذلك المذهب ~~الذي عرف باسم «مذهب التطور» في علم الاجتماع # Transformisme social, Sociologie ~~évolutionniste ~~. # إن مقدمة ابن خلدون تتضمن بعض الآراء والملاحظات التي ~~تنطبق على نظرية التطور تمام الانطباق، والباحث المدقق يجد ~~بين تلك الآراء والملاحظات ما يمكن أن يعتبر رشيما لهذه ~~النظرية على شكلها الحياتي العام # biologique # وما يجب أن ~~يعتبر تعبيرا صريحا ومكتملا لشكلها الاجتماعي ~~الخاص. # 2 # لقد كتب ابن خلدون في فصل حقيقة البنوة ما يلي: ~~«إنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة ~~من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات، واتصال الأكوان ~~بالأكوان، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض، لا تنقضي عجائبه في ~~ذلك، ولا تنتهي غاياته.» ~~«وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني أولا، عالم العناصر ~~المشاهدة، كيف يتدرج صاعدا من الأرض إلى الماء، ثم إلى ~~الهواء، ثم إلى النار، متصلا بعضها ببعض، وكل واحد منها مستعد ~~إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعدا وهابطا، ويستحيل بعض ~~الأوقات» (ص95). ~~«ثم انظر إلى عالم التكوين، كيف ابتدأ من المعادن، ثم ~~النبات، ثم الحيوان، على هيئة بديعة من التدريج؛ آخر أفق ~~المعادن متصل بأول أفق النبات، وآخر أفق النبات متصل بأول أفق ~~الحيوان، ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد ~~بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده.» ~~«واتسع عالم الحيوان، وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج ~~التكوين إلى الإنسان - صاحب ~~الفكر والروية - ترتفع إليه من عالم القردة ms230 الذي اجتمع فيه ~~الحس والإدراك، ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك ~~أول أفق من الإنسان» (ص96). # يلاحظ أن هذه الفقرات تتضمن فكرة التطور التدريجي بكل ~~صراحة، ولا سيما الفقرة الأخيرة منها؛ فإنها تمت بصلة قوية ~~إلى «النظرية الداروينية» بمعناها الخاص. # من الغريب أن الطبعات الشرقية مسخت تعبير «عالم القردة» إلى ~~شكل «عالم القدرة»، وجردت بهذه الصورة الفقرة الأخيرة ~~المذكورة من معناها الهام، كما حرمتها من كل معنى معقول، إذ ~~ليس في استطاعة أحد أن يستخرج أي معنى كان من عبارة تنص على ~~«أن أنواع الحيوان ترتفع إلى الإنسان من عالم القدرة الذي ~~اجتمع فيه الحس والإدراك، ولم تنته إلى الروية والفكر ~~بالفعل.» # هذا ومما تجب ملاحظته أن ابن خلدون تطرق إلى هذه النظرية ~~في فصل من فصول الباب السادس أيضا، يكرر ابن خلدون هناك ~~رأيه «الدارويني» بصراحة أعظم، قائلا: ~~«وقد تقدم لنا الكلام في الوحي في أول فصل المدركين للغيب، ~~وبينا هنالك أن الوجود كله، في عوالمه البسيطة والمركبة، ~~على ترتيب طبيعي، من أعلاها وأسفلها متصلة كلها اتصالا لا ~~ينخرم، وأن الذوات التي في آخر كل أفق من العوالم مستعدة لأن ~~تنقلب إلى الذات التي تجاورها، من الأسفل والأعلى، استعدادا ~~طبيعيا، كما في العناصر الجسمانية البسيطة، وكما في النخل ~~والكرم آخر أفق النبات، مع الحلزون والصدف من أفق الحيوان، ~~وكما في القردة التي استجمع فيها الكيس والإدراك، مع الإنسان ~~صاحب الفكر والروية» (طبعة كاترمير، ج2، ص373). # 3 # غير أن نظرية التطور تظهر في مقدمة ابن خلدون بوضوح أعظم ~~من ذلك، وبشكل أتم، من خلال المباحث المتعلقة بالحياة ~~الاجتماعية، والوقائع التاريخية: ~~(1) # أولا، يقول ابن خلدون في المقدمة الباحثة عن ~~فضل علم التاريخ: ~~«ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل ~~الأحوال في الأمم والأجيال، بتبدل الأعصار ومرور ~~الأيام، وهو داء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا ~~بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا ~~الآحاد من أهل الخليقة.» ~~«وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم ~~لا تدوم على ms231 وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو ~~اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى ~~حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، ~~فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول» ~~(ص28). # لا يكتفي ابن خلدون بذكر هذا التطور التدريجي، ~~بل يحاول تعليله أيضا قائلا: ~~«والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد؛ أن ~~عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه، كما يقال في ~~الأمثال الحكمية: الناس على دين الملك. وأهل الملك ~~والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر، فلا بد ~~من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم، ويأخذوا الكثير ~~منها، ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك، فيقع في ~~عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول. ~~فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم، ومزجت من عوائدهم ~~وعوائدها؛ خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى ~~أشد مخالفة. ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ~~ينتهي إلى المباينة بالجملة» (ص29). # هذه العبارات تدل دلالة صريحة على أن ابن ~~خلدون قد فهم التطور التدريجي في الحياة ~~الاجتماعية فهما واضحا. ~~(2) # يعود ابن خلدون إلى هذا المبدأ في عدة فصول، ~~ويطبقه على عدة أنواع من الحادثات الاجتماعية ~~والتاريخية. # إنه يخصص فصلا كاملا لشرح «أطوار الدولة، ~~واختلاف أحوالها، وخلق أهلها باختلاف الأطوار» ~~(ص170). # كما أنه يشرح آثار التطور التدريجي في فصول ~~عديدة؛ منها فصل «انتقال الدولة من البداوة إلى ~~الحضارة» (ص172)، ومنها «فصل انقلاب الخلافة إلى ~~الملك» (ص202)، وفصل طروق الخلل للدولة (ص294)، ~~وفصل خراب الأمصار (359)، ومنها الفصل القائل: «إن ~~رسوخ الصنائع في الأمصار، إنما هو برسوخ الحضارة ~~وطول أمدها» (ص401). ~~(3) # يلاحظ ابن خلدون أن الأمور الناتجة من طور من ~~الأطوار لا تزول تماما بمجرد زوال ذلك الطور، بل ~~تترك بعض الآثار بعد ذلك أيضا: ~~«إن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ ~~الحضارة وطول أمدها، والسبب في ذلك ظاهر وهو أن ~~هذه كلها عوائد للعمران وألوان، والعوائد إنما ~~ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد، فتستحكم صبغة ذلك ~~وترسخ في الأجيال، وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها. ~~ولهذا تجد في الأمصار التي كانت استبحرت في ~~الحضارة ms232 لما تراجع عمرانها وتناقص؛ بقيت فيها ~~آثار من هذه الصنائع ليست في غيرها من المدن ~~المستحدثة العمران، ولو بلغت مبالغها في الوفور ~~والكثرة.» ~~«وما ذاك إلا لأن أحوال تلك القديمة العمران ~~مستحكمة راسخة، بطول الأحقاب وتداول الأحوال ~~وتكرارها، وهذه لم تبلغ الغاية بعد، وهذا كالحال ~~في الأندلس لهذا العهد» (ص401-402). # وبعد ذلك يشرح ابن خلدون وفرة العمران والصنائع ~~في الأندلس، ثم يقول: ~~«ونجد صنائعها مستحكمة لديهم، فهم على حصة ~~موفورة من ذلك، وحظ متميز بين جميع الأمصار، وما ~~ذاك إلا لما قدمناه من رسوخ الحضارة فيهم، ~~فاستحكمت فيها الصنائع وكملت جميع أصنافها على ~~الاستجادة والتنميق، وبقيت صبغتها ثابتة في ذلك ~~العمران، لا تفارقه إلى أن ينتقص بالكلية، حال ~~الصبغ إذا رسخ في الثوب» (ص402). # يستشهد ابن خلدون على ذلك بأحوال تونس أيضا، ثم ~~يقول: ~~«إلا أن الصبغة إذا استحكمت فقليلا ما تحول إلا ~~بزوال محلها، وكذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ابن ~~حماد أثرا باقيا من ذلك، وإن كانت هذه كلها ~~اليوم خرابا أو في حكم الخراب، ولا يتفطن لها ~~إلا البصير من الناس، فيجد في هذه الصنائع آثارا ~~تدل على ما كان بها، كأثر الخط الممحو في الكتاب» ~~(ص403). # وكذلك يقول ابن خلدون في الفصل الذي يشرح «أن ~~الحضارة في الأمصار من قبل الدول، ترسخ باتصال ~~الدولة ورسوخها» - خلال البحث في أحوال ~~إفريقية: ~~«تغلب بدو العرب الهلاليين عليها، وخربوها، ~~وبقي أثر خفي من حضارة العمران فيها، وإلى هذا ~~العهد يؤنس فيمن سلف له بالقلعة، أو القيروان، أو ~~المهدية سلف، فتجد له من الحضارة في شئون منزله ~~وعوائد أحواله آثارا ملتبسة بغيرها، يميزها ~~الحضري البصير بها» (ص370). # إن هذه العبارات تدل دلالة صريحة على أن ابن ~~خلدون كان قد أدرك إدراكا واضحا ما يسميه ~~«التطوريون» # évolutionnistes # باسم ال ~~«التخلف» # survivance # في الحياة ~~الاجتماعية. ~~(4) # يلاحظ ابن خلدون أن أحوال الأمم تتبدل أحيانا ~~تبدلا كليا، على الرغم من التدريج الذي ~~ذكرناه آنفا، ويعبر عن هذا التبدل الكلي ~~بقوله: ~~«إذا تبدلت الأحوال جملة، فكأنما ms233 تبدل الخلق ~~من أصله، وتحول العالم بأسره، كأنه خلق جديد ~~ونشأة مستأنفة، وعالم محدث» (ص33). # يلاحظ ابن خلدون، أن أحوال الأمم والأجيال لا ~~يقع فيها «كثير انتقال ولا عظيم تغير» في بعض ~~العهود، ولكن تلك الأحوال تنقلب انقلابا كليا ~~في بعض العهود، وتتبدل بالجملة. # إن ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد يذكرنا ما ~~قاله سان ~~سيمون # Saint Simon # في «أدوار الأزمات» في ~~حياة المجتمعات. # ملاحظة # إن فكرة «التطور التدريجي في الطبيعة» لم تكن من ابتكارات ~~ابن خلدون؛ لأنها كانت موجودة عند إخوان الصفا أيضا، إلا أن ~~رأي ابن خلدون في اعتبار القردة بمثابة النوع الواصل بين ~~الإنسان وبين سائر أنواع الحيوان، أكسب هذه الفكرة طرافة ~~كبيرة، وأما رأيه في «التطور التدريجي في المجتمعات» فقد ~~زادها طرافة واتساعا، وحولها إلى نظرية هامة. # | طبائع الأمم وسجاياها # 1 # كل من يشاهد أفرادا من أمم مختلفة، ويلاحظ أفعالهم وحركاتهم ~~ولو بصورة سطحية؛ يضطر إلى القول إن الأمم يختلف بعضها عن بعض ~~ببعض الطبائع والسجايا، وإذا كان ممن يتشوقون إلى معرفة ~~العلل والأسباب، يرى من الضروري أن يتساءل: لماذا تختلف الأمم ~~بعضها عن بعض على هذه الصورة؟ كيف تتكون طبائع الأمم ~~وسجاياها؟ ما هي أنواع العوامل التي تؤثر في تكوين طبائع الأمم ~~والسجايا؟ وما هو أهم هذه العوامل؟ # إن أمثال هذه الأسئلة قامت في أذهان الكثيرين من المفكرين ~~منذ أقدم أزمنة التفكير، وحملتهم على القول بآراء متنوعة، ~~ومذاهب مختلفة في هذا الصدد. ~~(1) # إن أقدم هذه الآراء والمذاهب يستند إلى فكرة ~~«الخلقة والفطرة»؛ إن طبائع الأمم وسجاياها من ~~الأمور الفطرية التي تحدث بطبيعتها، فكل أمة ~~مجبولة على بعض الطبائع الخاصة بها، ومفطورة على ~~بعض السجايا المميزة لها، فاختلاف الأمم في ~~الطبائع والسجايا، إنما هو نتيجة طبيعية لاختلافها ~~في الخلقة والفطرة. # هذه النظرية الابتدائية عندما توسعت بعض ~~التوسع، واصطبغت بصبغة علمية - نوعا ما - ولدت ~~نظرية «العروق (الرسوس) البشرية» # Races ~~، ~~و«الفروق العرقية (الرسية)» # Racial ~~. # وهذه النظرية تتلخص بما يلي؛ ينقسم النوع ~~البشري إلى عروق (رسوس) مختلفة، يمتاز ms234 كل عرق (رس) ~~منها ببعض الخصائص الثابتة، وهذه ~~الخصائص تنتقل ~~من الآباء إلى الأولاد عن طريق الوراثة بواسطة ~~الدم؛ ولهذا السبب نجد أن تلك الخصائص تشمل الأمة ~~بأسرها، وتتجلى في جميع أفرادها. ~~(2) # غير أن تواريخ الأمم وعنعناتها تدل على أن بعض ~~الأمم تنحدر من أصل واحد، ومع هذا نجد أن هذه ~~الأمم أيضا يختلف بعضها عن بعض ببعض الخصائص ~~والفروق، على الرغم من أنها تنحدر من أصل ~~واحد. # ومن البديهي أن الوراثة العرقية وحدها لا تكفي ~~لتفسير وتعليل مثل هذه الفروق بين الأمم، فيجب أن ~~يكون هناك عامل آخر، أو عوامل أخرى عديدة غير عامل ~~الفطرة والتكوين العرقي. # والعامل الذي استلفت أنظار المفكرين - بعد ~~فكرة الفطرة والخلقة - هو الطبيعة التي تحيط ~~بالإنسان، وبتعبير آخر: البيئة الطبيعية التي تعيش ~~فيها الأمة. # إن تأثير الحرارة والبرودة في بعض الجمادات ~~والنباتات والحيوانات من الأمور التي تظهر للعيان، ~~من غير أن تحتاج إلى بحث عميق وتفكير طويل؛ فكان ~~من الطبيعي أن يقدم المفكرون على تعميم هذا ~~التأثير على حياة الإنسان ، وأن يحاولوا تفسير ~~اختلاف طبائع الأمم بتأثير الإقليم بوجه عام، كما ~~كان من الطبيعي أن يتوسع طائفة منهم في هذا ~~المضمار، وأن يبحثوا عن تأثير سائر عناصر الطبيعة ~~- من الأنهر والجبال والبحار والنباتات والحيوانات ~~والمعادن - في حياة الأمم وطبائعها. ~~(3) # إلا أن التاريخ يشهد على أن الأمة الواحدة ~~كثيرا ما تنتقل من حال إلى حال خلال الأدوار ~~والأطوار التي تتوالى عليها، فقد تكتسب بعض ~~السجايا الجديدة، حتى حينما لا يتغير شيء من ~~بيئتها الطبيعية، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن ~~هناك عوامل أخرى - غير عاملي العرق والطبيعة ~~اللذين ذكرناهما - تؤثر بدورها في طبائع الأمم ~~وسجاياها. # هذه العوامل التي استلفتت أنظار المفكرين - بعد ~~العاملين السالفين الذكر - هي الأحوال الاجتماعية، ~~والوقائع التاريخية. ~~(4) # يظهر من هذه الملاحظات السريعة أن العوامل التي ~~تؤثر في طبائع الأمم وسجاياها، يمكن أن ترد ~~إلى ثلاثة أنواع أساسية؛ العوامل العرقية، العوامل ~~الطبيعية، العوامل الاجتماعية. # فما هو أهم هذه العوامل الأساسية؟ # لقد اختلف الباحثون ms235 والمفكرون في هذا الصدد ~~اختلافا كبيرا، فقد زعم بعضهم أن العوامل ~~العرقية هي التي تلعب أهم الأدوار وتؤثر أشد ~~التأثيرات، كما ~~قال بعضهم إن البيئة الطبيعية هي التي تسيطر على ~~العوامل الأخرى بأجمعها، وادعى بعضهم أن العوامل ~~الاجتماعية تكون أشد خطورة وأقوى تأثيرا من ~~جميعها. # نحن لا نرى مجالا لتفصيل هذه المذاهب ومناقشتها ~~في هذا المقام، ومع هذا نرى من الضروري أن نقول إن ~~الأبحاث العلمية التي تمت منذ قرن وجهت ~~الأذهان - على الأخص - نحو المذهب الأخير، ~~وأيدته إلى حد كبير؛ فإن نزعة الاهتمام بالأحوال ~~والعوامل الاجتماعية، والتوسع والتعمق في ~~درسها هي التي أكسبتنا أثبت النتائج وأثمن الثمرات ~~في هذا المضمار. # لقد ظهر من الأبحاث العلمية بكل جلاء أن الصفات ~~الوراثية العرقية في الأقوام، أقل مما يظهر في ~~الوهلة الأولى، وهي أضيق نطاقا مما كان يظن ~~قبلا. # إن الأذهان تميل عادة إلى الظن، بل إلى الجزم ~~بأن جميع الصفات التي تظهر مشتركة بين الآباء ~~والأولاد تكون وراثية، كما أن جميع الخصال ~~المشتركة بين الأفراد تكون عرقية . # غير أن ذلك وإن كان صحيحا بالنسبة إلى ~~الحيوانات التي تعيش عيشة انفرادية، فإنه غير ~~صحيح البتة بالنسبة إلى الإنسان الذي يحيا حياة ~~اجتماعية؛ لأن حياة الانفراد في الحيوانات لا تفسح ~~مجالا لانتقال الأوصاف من الآباء إلى الأبناء عن ~~طريق غير طريق الوراثة، وبواسطة غير واسطة الدم، ~~فإذا شاهدنا أوصافا مشتركة بين أفراد جنس من ~~أجناس الحيوانات؛ حق لنا أن نعتبر تلك الأوصاف ~~وراثية، وساغ لنا أن ننعتها بنعت ~~«العرقية». # ولكن أحوال الإنسان تختلف عن كل ذلك اختلافا ~~جوهريا؛ لأن حياة الاجتماع عند الإنسان تفسح ~~مجالا واسعا جدا لانتقال الأوصاف من الآباء ~~إلى الأبناء من غير وساطة الدم أيضا؛ فإن الأولاد ~~ينشئون نشأة اجتماعية منذ ولادتهم، فيكتسبون من ~~آبائهم كثيرا من الخصال والصفات عن طريق ~~المعاشرة، والمحاكاة، والتعلم، والاقتباس. ولهذا ~~السبب نجد أن الأوصاف تنتقل عند الإنسان من الآباء ~~إلى الأبناء، من غير وساطة الوراثة الفسلجية ~~أيضا. # ولذلك نخطئ خطأ فظيعا إذا قسنا الإنسان ms236 ~~بالحيوان في هذا المضمار، نخطئ خطأ عظيما إذا ~~زعمنا أن جميع الأوصاف المشتركة بين الآباء ~~والأبناء تأتيهم عن طريق الوراثة، وراثة فسلجية، ~~كما نخطئ خطأ فظيعا إذا ذهبنا إلى أن جميع ~~الأوصاف المشتركة بين أفراد الأمة تكون عرقية. # فيجب علينا أن نميز بين الأوصاف التي تنتقل من ~~جيل إلى جيل عن طريق الوراثة والدم، من التي تنتقل ~~عن طريق المعاشرة والاقتباس، يجوز لنا أن نسمي هذا ~~النوع من الانتقال أيضا باسم «الوراثة»، غير أنه ~~يتحتم علينا في هذه الحالة أن نفرق بين هذا ~~النوع من الوراثة، وبين النوع الأول منها، كما ~~يترتب علينا أن نسمي الوراثة التي تتأتى من الدم ~~والولادة باسم «الوراثة الفسلجية»، والتي تتأتى ~~من الحياة الاجتماعية باسم «الوراثة ~~الاجتماعية». # ولا نرانا في حاجة إلى التدليل على أن الأوصاف ~~التي تنتقل من جيل إلى جيل بواسطة الدم وبصورة ~~فسلجية، أقل بكثير من التي تنتقل عن طريق الحياة ~~الاجتماعية. ويجب علينا أن نعلم علم اليقين أن ~~شروط الوراثة الفسلجية أشد وأعضل بكثير من شروط ~~الوراثة الاجتماعية، فإن المكتسبات الفردية لا ~~تنتقل انتقالا فسلجيا فتصبح وراثية ما لم ~~تتهيأ لها ظروف خاصة، وتتوفر فيها شروط معقدة، ~~في حين أن انتقال المكتسبات الفردية عن طريق ~~الأفاعيل والمؤثرات الاجتماعية يتم بمنتهى ~~السهولة. # ولهذا السبب نجد أن آثار النوع الأول من الوراثة ~~لا تتجلى إلا في نطاق ضيق وساحة محدودة، في حين ~~أن أفاعيل النوع الثاني من الوراثة تتجلى على ~~مقياس واسع جدا في ساحة تكاد تكون غير ~~محدودة. # هذا ونستطيع أن نقول إن السبب الأساسي في تقدم ~~النوع البشري بسرعة خارقة - بالنسبة إلى سرعة ~~تحول الحيوانات - ليس إلا ما ذكرناه آنفا: ~~سهولة انتقال المكتسبات الفردية من جيل إلى جيل، ~~بفضل الحياة الاجتماعية البشرية وأفاعيلها، بجانب ~~صعوبة انتقال تلك المكتسبات عن طريق الوراثة ~~الفسلجية وحدها. # إن عدم التمييز بين هذين النوعين من الانتقال - ~~وبتعبير آخر: بين هذين النوعين من الوراثة - ولد ~~أخطاء كبيرة في تقدير منشأ الطبائع، وحمل الناس ~~- كما حمل عددا غير ms237 قليل من العلماء - على توهم ~~«عمل الوراثة» في الكثير من الأمور التي لا تمت ~~إليها بأدنى صلة. # إن الأبحاث التي قام بها علماء الاجتماع لم تترك ~~مجالا للشك في هذه القضية بوجه من الوجوه. ~~(5) # وأما قضية تأثير العوامل الطبيعية في الطبائع ~~فهي أيضا تحتاج إلى إنعام النظر؛ إن على كل باحث ~~أن يسلم مبدئيا بتأثير الطبيعة في الإنسان، لكن ~~عليه أيضا أن ~~يلاحظ في الوقت نفسه أن علاقة الإنسان بالطبيعة لم ~~تكن علاقة «المنفعل المتأثر» فحسب، بل هي علاقة ~~«الفاعل المؤثر» أيضا، فالإنسان ينفعل ويتأثر من ~~الطبيعة من جهة، ويفعل ويؤثر فيها من جهة أخرى. ~~إنه يحاول التخلص من سيطرة الطبيعة بصور شتى، ~~وإذا لم يتمكن من التخلص منها بصورة نهائية ~~فهو يتوصل - على كل حال - إلى تخفيف تأثيراتها فيه ~~إلى حد كبير، كما أنه يحاول أن يسيطر عليها - إلى ~~درجة ما - ويسعى إلى استخدام بعض قواها في صور ~~شتى. # إن آثار ونتائج الحياة الاجتماعية التي يحياها ~~الإنسان منذ أجيال وأجيال، قد تلاحقت وتراكمت ~~وتبلورت على شكل بعض الأمور المعنوية من جهة، وعلى ~~شكل بعض الأشياء المادية من جهة أخرى. إن هذه ~~الأمور المعنوية - كالتقاليد، والمعتقدات، ~~والعلوم، والأذواق، والصناعات، والنظم الاجتماعية، ~~على اختلاف أنواعها - وهذه الأشياء المادية - ~~كالآلات، والماكينات، والبيوت، والمدن، والطرق، ~~والمرافئ، والحقول، والكتب، والتماثيل، إلى آخر ما ~~هنالك من معالم الحضارة ووسائلها - كلها تتضافر ~~لتكوين «بيئة اجتماعية» خاصة، تعمل عمل «العازل» ~~نوعا ما بين الإنسان وبين الطبيعة؛ ولهذا السبب ~~نجد أن عناصر البيئة الطبيعية لا تؤثر في أمور ~~الإنسان إلا من خلال هذه البيئة ~~الاجتماعية. # فنستطيع أن نقول لذلك إن تأثير الطبيعة في ~~الإنسان مما يتبع الأحوال الاجتماعية، ويقول ~~بتحولها. # ولهذا السبب يترتب علينا أن نضع الأحوال ~~الاجتماعية نصب أعيننا، حتى عندما نحاول ~~استكناه تأثيرات الطبيعة المحيطة بنا. ~~(6) # وإذا أردنا أن نجمل البحث في هذا الصدد، ~~استطعنا أن نقول إن تأثير البيئة الطبيعية لا يخرج ~~عن نطاق «تعين بعض الاتجاهات، وتحديد بعض ~~الإمكانيات»، غير أن السير في تلك ms238 الاتجاهات، ~~والاستفادة من تلك الإمكانيات مما لا يتم إلا ~~تبعا للأحوال والعوامل الاجتماعية، والوقائع ~~والدوافع التاريخية. # ولهذه الملاحظات الهامة زاد اهتمام علماء ~~الاجتماع بالبحث في العوامل الاجتماعية عن طريق ~~درس «البيئة الاجتماعية» من جهة، وتتبع «تواريخ ~~المؤسسات الاجتماعية» من جهة أخرى. # بعد هذا الاستعراض السريع للمذاهب المختلفة التي ~~قامت حول مسألة طبائع الأمم، نستطيع أن ننتقل إلى ~~مقدمة ابن خلدون، فنتساءل: ماذا كان موقف ابن ~~خلدون في هذه المسألة الأساسية؟ ماذا كان الاتجاه ~~الذي اتجهه لتعليل اختلاف الأمم في الطبائع ~~والسجايا؟ وإلى أي حد تعمق في درس هذه المسألة، ~~وفي تحليل العوامل المؤثرة فيها؟ # لم يعالج ابن خلدون مسألة طبائع الأمم في فصل ~~خاص، ومع هذا فقد تطرق إليها، وتأمل فيها، ~~وكتب عنها في مواضع كثيرة من فصول عديدة وبوسائل ~~شتى. # إننا نجد في فصول المقدمة عدة «آراء صريحة» حول ~~هذه القضية، وإذا جمعنا هذه الآراء؛ وجدنا أن ابن ~~خلدون كان ذا مذهب واضح تام في هذا الصدد. # 2 # يعزو ابن خلدون إلى الأقاليم والطبيعة بعض التأثير في أخلاق ~~البشر وأحوالهم، ويدون آراءه في هذا الصدد في المقدمات ~~الثالثة والرابعة والخامسة من الباب الأول. ~~(1) # إنه يشرح أولا تأثير الهواء في ألوان البشر ~~والكثير من أحوالهم. # من المعلوم أن الجغرافيين القدماء كانوا ~~يقسمون الأرض إلى سبعة أقاليم، كما يقسمون كل ~~إقليم إلى عشرة أجزاء، حسب درجة العرض الجغرافي. ~~إن ابن خلدون ينقل عنهم هذه التقسيمات، ثم يتحرى ~~كيفية توزع العمران البشري في هذه ~~الأقاليم. # تتميز الأقاليم بعضها عن بعض بدرجة الحرارة ~~والبرودة، فهذه الدرجة تكون في غاية التوسط ~~والاعتدال في الإقليم الرابع الذي يقع في وسط ~~الأقاليم السبعة تماما، وتكون أقرب إلى الاعتدال ~~في الإقليمين الثالث والخامس، اللذين يجاوران هذا ~~الإقليم المتوسط، غير أنها تكون بعيدة عن ~~الاعتدال في الإقليمين الثاني والسادس، وأبعد من ~~ذلك بكثير في الإقليمين الأول والسابع. # ولهذا يعتبر ابن خلدون الأقاليم الثلاثة ~~المتوسطة «معتدلة»، وينعت الأقاليم الباقية ب ~~«المنحرفة»؛ لإفراط الحرارة في الإقليمين الأول ~~والثاني، وإفراط البرودة ms239 في السادس ~~والسابع. # إن اعتدال الحرارة والبرودة يساعد على وفرة ~~العمران، وأما إفراط الحرارة فيتساوى مع إفراط ~~البرودة في عدم المساعدة على ذلك؛ ولهذا فإن ~~الأقاليم المتوسطة المعتدلة تختص بكثرة المدن ~~والأمصار، وتمتاز بكثرة الأمم «المنتحلين للعلوم ~~والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك» ~~(ص85). # إن ابن خلدون يعبر عن رأيه هذا بعبارات صريحة، ~~في عدة مواضع من المقدمة: ~~«أهل الأقاليم المتوسطة يمتازون بالاعتدال في ~~خلقهم وخلقهم وسيرهم، وكافة الأحوال الطبيعية ~~للاعتمار لديهم، من المعاش والمساكن والصنائع ~~والعلوم والرئاسات والملك، فكانت فيهم النبوءات ~~والملك والدول والشرائع والعلوم والبلدان والأمصار ~~والمباني والفراسة والصنائع الفائقة» ~~(ص85). # وكذلك هم «أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا ~~وأديانا، حتى النبوءات إنما توجد في الأكثر ~~فيها.» ~~«إن أهل هذه الأقاليم أكمل لوجود الاعتدال فيهم، ~~فنجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وأقواتهم ~~وصنائعهم، يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة ~~بالصناعة، ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين، ~~ويذهبون في ذلك إلى الغاية» (ص82). # وأما الأقاليم المنحرفة فهي قليلة العمران ~~بوجه عام إن أممها «ليست لهم الكثرة البالغة ~~ومدنها كذلك» (ص49). # أهل هذه الأقاليم متأخرون «في جميع أحوالهم؛ ~~فبناؤهم بالطين والقصب، وأقواتهم من الذرة والعشب، ~~وملابسهم من أوراق الشجر، أو الجلود، وأكثرهم ~~عرايا من اللباس، وأخلاقهم قريبة من خلق الحيوانات ~~العجم» (ص83). # ولا سيما الإقليم الأول؛ ففيه أقوام «يسكنون ~~الكهوف والغياض»، ويأكلون «العشب والحبوب غير ~~مهيأة، وربما يأكل بعضهم بعضا»، «يقرب أمزجتهم ~~وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم»، وهم «أقرب إلى ~~الحيوان الأعجم من الناطق، وليسوا في عداد البشر» ~~(ص54 و83). # إن أحوال أهل الأقاليم المنحرفة في الديانة ~~أيضا على غرار ذلك؛ فإنهم «لا يعرفون نبوءة ولا ~~يدينون بشريعة، إلا من قرب منهم من جوانب الاعتدال ~~وهو في الأقل النادر.» # يذكر ابن خلدون أسماء هؤلاء الأقوام النادرة، ثم ~~يقول: «من سوى هؤلاء من أهل تلك الأقاليم المنحرفة ~~جنوبا وشمالا، فالدين مجهول عندهم، والعلم مفقود ~~بينهم، وجميع أحوالهم بعيدة عن أحوال الأناسي، ~~قريبة من أحوال البهائم» (ص83). # ومما يجب ملاحظته في هذا الصدد أن ابن خلدون ms240 لا ~~يغفل عن وقوع جزيرة العرب في الأقاليم المنحرفة، ~~ويقدر الاعتراض الذي قد يخطر على البال من جراء ~~ذلك؛ فيتدارك الأمر قائلا: ~~«ولا يعترض على هذا القول بوجود اليمن وحضرموت ~~والأحقاف وبلاد الحجاز واليمامة وما يليها في ~~جزيرة العرب في الإقليم الأول والثاني؛ فإن جزيرة ~~العرب كلها أحاطت بها البحار من الجهات الثلاث - ~~كما ذكرنا - فكان لرطوبتها أثر في رطوبة هوائها؛ ~~فنقص ذلك من اليبس والانحراف الذي يقتضيه الحر، ~~وصار فيها بعض الاعتدال؛ بسبب رطوبة البحر» ~~(ص83). ~~(2) # حينما ذكر ابن خلدون اعتدال أهل الأقاليم ~~المتوسطة، كتب فيما كتبه من الفقرات التي نقلناها ~~آنفا: «إنهم أعدل ألوانا وأخلاقا»، وبهذه ~~الصورة أشار إلى تأثير الإقليم والهواء في اللون ~~والأخلاق أيضا. غير أنه لم يكتف بهذه الإشارة ~~إلى هذين النوعين من التأثير، بل إنه عاد إلى كل ~~واحد منهما، وتناولهما بالشرح والتفصيل: # فقد صرح أولا: «أن اللون تابع لمزاج الهواء»، ~~وأن «شدة الحرارة تسود جلود الناس»، في حين أن ~~إفراط البرودة يؤدي إلى «بياض اللون»، وأن هذا ~~البياض قد يصل إلى درجة «الزعورة»، كما أنه «يتبع ~~ذلك زرقة العيون ، وبرش الجلود، وصهوبة الشعور» ~~(ص84)؛ ولهذا السبب إذا سكن جماعة من السودان في ~~الأقاليم المعتدلة أو الباردة «تبيض ألوان أعقابهم ~~بالتدريج»، وبعكس ذلك إذا سكن جماعة من أهل الشمال ~~بالجنوب «تسود ألوان أعقابهم». ويستشهد ابن خلدون ~~على ذلك برأي ابن سينا، ويذكر بيتين من أرجوزته في ~~الطب، كما أنه ينتقد بشدة مزاعم بعض النسابة الذين ~~يتوهمون أن «السودان هم ولد حام بن نوح، اختصوا ~~بلون السواد؛ لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها ~~في لونه، وفيما جعل الله من الرق في عقبه». إنه ~~يعتبر ما ينقلونه في هذا الصدد من «خرافات ~~القصاص»، ويتهم هؤلاء بعدم «العلم بطبائع ~~الكائنات» (ص83)، ويقول إن هذا الزعم «من الأغاليط ~~التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات»، ~~وإن هذه كلها تتبدل في الأعقاب (ص85). ~~(3) # وأما مسألة تأثير الطبيعة في الأخلاق فيتوسع ~~فيها ابن خلدون بعض التوسع في فصل ms241 خاص - أي في ~~المقدمة الرابعة من الباب الأول - تحت عنوان «أثر ~~الهواء في أخلاق البشر». # إنه يلاحظ أن السودان متصفون «على العموم بالخفة ~~والطيش وكثرة الطرب»، وأنهم مولعون «بالرقص على كل ~~توقيع في كل قطر»، ويعلل ذلك بتأثير شدة الحرارة، ~~ويوضح هذا التعليل كما يلي: # من الأمور المقررة في الحكمة «أن طبيعة الفرح ~~والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه»، وطبيعة ~~الحزن بالعكس، هي «انقباضه وتكاثفه». ومن الأمور ~~المقررة أيضا «أن الحرارة مفشية للهواء والبخار ~~ومخلخلة له، زائدة في كميته»؛ ولهذا السبب نجد أن ~~الحرارة تؤدي إلى «تفشي الروح الحيوانية»، وتولد ~~في النفس من جراء ذلك «الفرح والسرور» ~~(ص86). # ويدعم ابن خلدون هذا الرأي بذكر مشاهدتين من ~~المشاهدات المألوفة؛ الأولى ما يحدث من الفرح ~~والسرور في سورة الخمر، والثانية ما يحدث من ~~السرور والانبساط في الحمامات. # لأن سورة الخمر «تبعث حرارة غريزية في القلب؛ ~~فيتفشى الروح»، وينتج من ذلك «من الفرح والسرور ما ~~لا يعبر عنه»، كما أن المتنعمين بالحمامات ~~يتأثرون من حرارة الهواء، فيشعرون بفرح، وربما ~~انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن ~~السرور. # ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار ؛ ~~«استولى الحر على أمزجتهم» فصارت أرواحهم «أشد ~~حرا من أرواح أهل الإقليم الرابع وأكثر ~~تفشيا»، ومن ثم كان السودان «أكثر فرحا ~~وسرورا وأكثر انبساطا»، وأما الطيش «فقد جاءهم ~~على أثر ذلك» (ص86). # يرى ابن خلدون وجها للمشابهة بين السودان وأهل ~~البلاد البحرية بهذا الاعتبار، فيقول: ~~«ويلحق بهم قليلا أهل البلاد البحرية؛ لما كان ~~هواؤها متضاعف الحرارة، بما ينعكس عليه من أضواء ~~بسيط البحر وأشعته، كانت حصتهم من توابع الحرارة ~~والفرح والخفة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال ~~الباردة» (ص86). # وفي الأخير يشبه مصر نوعا ما بالبلاد ~~الجزيرية، ويقول: ~~«اعتبر ذلك أيضا بأهل مصر؛ فإنها مثل عرض ~~البلاد الجزيرية أو قريبا منها، كيف غلب الفرح ~~عليهم، والخفة والغفلة عن العواقب، حتى إنهم لا ~~يدخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم، وعامة مأكلهم من ~~أسواقهم. ولما كانت فاس بلاد المغرب بالعكس منها ~~في التوغل ms242 التلول الباردة، كيف نرى أهلها مطرقين ~~إطراق الحزن؟ وكيف أفرطوا في نظر العواقب؟ حتى إن ~~الرجل منهم ليدخر قوت سنتين من حبوب الحنطة، ~~ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه؛ مخافة أن يرزأ ~~شيئا من مدخره» (ص86-87). # ويختم ابن خلدون بحثه هذا بقوله: «تتبع ذلك في ~~الأقاليم والبلدان؛ تجد في الأخلاق أثرا من ~~كيفيات الهواء» (ص87). ~~(4) # يفرد ابن خلدون فصلا من الباب الأول لشرح نوع ~~آخر من التأثير، هو تأثير الطبيعة في الإنسان، عن ~~طريق المواد الغذائية التي توفرها له. # من المعلوم أن الأقطار لا تتساوى في الخصب، ~~والأقوام لا تتمتع بدرجة واحدة من رغد العيش؛ لأن ~~هناك أقطارا وأقاليم توفر لأهلها «خصب العيش، ~~من الحبوب ~~والأدم والحنطة والفواكه؛ لزكاء المنابت، واعتدال ~~الطينة، ووفور العمران»، وهنالك أقطار لا توفر ذلك ~~لأهلها، فسكان تلك الأقطار يكونون في حالة «شظف من ~~العيش»، إنهم «يفقدون الحبوب والأدم جملة»، ~~ويقتاتون في الغالب «بالألبان واللحوم» ~~(ص87). # يرى ابن خلدون أن خصائص الأقوام تختلف باختلاف ~~«خصب الأراضي التي يعيشون عليها، ونوع الأغذية ~~التي يتغذون بها»؛ فإن أهل القفار «الفاقدين ~~للحبوب والأدم» يكونون بوجه عام «أحسن حالا في ~~جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في ~~العيش»، فتجد «ألوانهم أصفى، وأبدانهم أنقى، ~~وأشكالهم أتم وأحسن، وأخلاقهم أبعد من الانحراف، ~~وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات» ~~(ص88). # والسبب في ذلك «أن كثرة الأغذية وكثرة الأخلاط ~~الفاسدة العفنة ورطوباتها تولد في الجسم فضلات ~~رديئة تنشأ عنها بعد أقطارها في غير نسبة»، ~~ويتبع ذلك «انكساف الألوان وقبح الأشكال من كثرة ~~اللحم»، «وتغطي الرطوبات على الأذهان والأفكار بما ~~يصعد إلى الدماغ من أبخرتها الردية»، وينتج من ذلك ~~«البلادة والغفلة والانحراف عن الاعتدال ~~بالجملة» (88). # ولزيادة الإقناع يقارن ابن خلدون حيوانات القفار ~~بحيوانات التلول، فيقول: ~~«واعتبر ذلك في حيوان القفار ومواطن الجدب، من ~~الغزال والنعام والمها والزرافة والحمر الوحشية ~~والبقر، مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف ~~والمراعي الخصبة، كيف تجد بينها بونا بعيدا في ~~صفاء أديمها وحسن رونقها، وأشكالها، وتناسب ~~أعضائها، وحدة مداركها؛ وما ذلك إلا لأجل ms243 أن الخصب ~~في التلول فعل في أبدان هذه من الفضلات الردية ~~والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره. والجوع ~~لحيوان القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء» ~~(ص88). # ولهذه الأسباب يرى ابن خلدون أن كثرة الأغذية ~~تؤثر تأثيرا سيئا في الأجسام والأخلاق. # ومع هذا فهو لا يغفل عن حقيقة تظهر مخالفة ~~لهذا الرأي في الوهلة الأولى: «إن جسوم أهل ~~الأمصار ألطف من جسوم أهل البوادي»، وكذلك أذهانهم ~~أثقب من أذهان هؤلاء، مع أنهم أرغد عيشا منهم ~~بوجه عام. # ولكن ابن خلدون يحاول تعليل ذلك من غير أن ~~يغير رأيه الأصلي في الأمر: ~~«إن أهل الأمصار وإن كانوا مكثرين من الأدم، ~~ومخصبين في العيش، إلا أن استعمالهم إياها بعد ~~العلاج بالطبخ والتلطيف - بما يخلطون معها - فيذهب ~~لذلك غلظتها ~~ويرق قوامها؛ فتقل الرطوبات لذلك في أغذيتهم، ويخف ~~ما تؤديه إلى أجسامهم من الفضلات الردية» ~~(ص88). # ولهذا السبب تبقى جسومهم بعيدة عن الغلظة، ~~بالرغم من كثرة الأغذية التي يتناولونها. # وفي الأخير يضيف ابن خلدون إلى التأثيرات الآنفة ~~الذكر تأثيرا آخر هو الذي يظهر في حال الدين ~~والعبادة، حيث يقول: ~~«إن أثر هذا الخصب في البدن وأحواله يظهر حتى في ~~حال العبادة، فتجد المتقشفين من أهل البادية ~~والحاضرة، ممن يأخذ نفسه بالجوع والتجافي عن ~~الملاذ، أحسن دينا وإقبالا على العبادة من أهل ~~الترف والخصب، بل نجد أهل الدين قليلين في المدن ~~والأمصار؛ لما يعمها من القساوة والغفلة المتصلة ~~بالإكثار من اللحمان والأدم ولباب البر، ويختص ~~وجود العباد والزهاد لذلك بالمتقشفين في غذائهم من ~~أهل البوادي» (ص89). # 3 # أما رأي ابن خلدون في مسألة الأوصاف الفطرية والعرقية ~~(الرسية)، فمما يتطلب البحث والنظر بكل تأمل ~~وإمعان. ~~(1) # لقد زعم بعض الباحثين أن ابن خلدون يعزو أهمية ~~كبرى إلى تأثير الدم والجنس في حياة الأمم، وبنوا ~~زعمهم هذا على نظرية العصبية التي وضعها، وقالوا ~~يذهب ابن خلدون إلى أن العصبية هي العامل الأساسي ~~في الحياة السياسية، ومن المعلوم أن العصبية إنما ~~هي نتيجة طبيعية لرابطة الدم والنسب، فيظهر من ms244 ذلك ~~أنه يعزو دورا هاما إلى هذه الرابطة، شأن ~~القائلين بنظرية الأجناس، وبأهمية الأوصاف العرقية ~~(الرسية). # غير أني أعتقد أن هذا الزعم لا ينطبق على الواقع ~~انطباقا كافيا، بل يخالف روح آراء ابن خلدون ~~مخالفة كلية، إنه يعزو - في الواقع - إلى العصبية ~~أهمية كبرى، ويعتبرها نتيجة القرابة والنسب في ~~الدرجة الأولى، ولكنه لا يذهب إلى أنها مربوطة ~~بوحدة الدم ارتباطا لا محيد عنه أبدا. # فأولا: # إنه يصرح بأن «النسب وهمي (يريد ~~معنويا وذهنيا) وإن كان طبيعيا» ~~(ص184)، كما يقول «إن النسب أمر وهمي لا ~~حقيقة له» (ص129)، ويصرح أيضا: «إذا كان ~~النسب يستفاد من الخبر البعيد؛ ضعف فيه ~~الوهم وذهبت فائدته» (ص129)، كما يقول: ~~«إن النسب إذا خرج عن الوضوح، وصار من ~~قبيل العلوم؛ ذهبت فائدة الوهم فيه عن ~~النفس، وانتفت النعرة التي تحمل عليها العصبية» # 1 ~~(ص129). # يظهر من ذلك بكل وضوح أن ابن خلدون ~~لم يقل بأن وجود القرابة يكفي لتوليد ~~العصبية. # ثانيا: # عندما يشير ابن خلدون إلى منشأ ~~العصبية، يقول إنها تكون «من الالتحام ~~بالنسب أو ما في معناه»، ثم يصرح بأن ~~الولاء يعمل عمل النسب؛ «لأن اللحمة ~~الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو ~~قريبة منها» (ص129). # وفي محل آخر يصرح بذلك بوضوح أكبر: «إن المقصود ~~في العصبية من المدافعة والمغالبة، إنما يتم ~~بالنسب؛ لأجل التناصر في ذوي الأرحام والقربى، ~~والتخاذل في الأجانب والبعداء. والولاية والمخالطة ~~بالرق أو بالحلف تنزل منزلة ذلك.» وبعد ذلك يحلل ~~أسباب تكون العصبية من القرابة فيقول: «المعنى ~~الذي كان به الالتحام، إنما هو العشرة والمدافعة ~~وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع، وسائر ~~أحوال الموت والحياة» (ص184). # يتبين من ذلك أن ابن خلدون يحصر عمل «القرابة» ~~في نطاق «العشرة والصحبة والممارسة» الناشئة ~~عنها، فلا يرجع العصبية إلى وحدة الدم في حد ~~ذاتها. # حتى إنه يقول بصراحة أعظم: «يحدث بين المصطنع ~~ومن اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة، تنزل هذه المنزلة ~~وتؤكد اللحمة، فإن لم يكن نسب، فثمرات النسب ~~موجودة» (ص184). # وإذا أردنا أن نلخص ms245 الآراء المستفادة من هذه ~~العبارات، استطعنا أن نقول: إن وحدة الدم تولد ~~العصبية من جراء العشرة والصحبة والممارسة التي ~~تستتبعها؛ ولذلك نجد أن وحدة الدم والنسب إذا لم ~~تؤد إلى وحدة المربى والعشرة والصحبة، فلا ~~تولد اللحمة والعصبية، وبعكس ذلك العشرة ~~والصحبة، إذا حصلت من سبب غير النسب فإنها توصل ~~إلى نتائج مماثلة لما يحدث من قرابة الدم ~~والنسب، فالعامل الأصلي في العصبية ليس القرابة في ~~حد ذاتها. ~~(2) # إن هذه النتيجة التي وصلنا إليها، من إنعام ~~النظر في كنه نظرية العصبية، تتأيد وتتأكد ~~لدينا كلما توغلنا في درس آراء ابن خلدون الأساسية ~~في الحياة الاجتماعية. # فإننا نجده دائما يعزو أهمية كبيرة إلى ~~أفاعيل المعاشرة والممارسة والألفة والاعتياد، ~~ويبرز الأخلاق والنزعات التي تنجم عن ذلك بكل ~~توسع واهتمام. # إن الآراء المندمجة في العبارات التالية أوضح ~~دليل على ذلك وأقوى برهان: ~~«الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ~~ومزاجه» (ص125). ~~«إن تكون السجايا والطبائع إنما هو من ~~المألوفات والعوائد» (ص138). ~~«إن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها، فهو ~~ابن عوائده، لا ابن نسبه» (ص374). # 4 ~~(1) # يهتم ابن خلدون بوجه خاص بالعوامل الاجتماعية، ~~ويتوسع ويتعمق في درس تأثير هذه العوامل في ~~تكوين الطبائع والسجايا الخلقية والعقلية، فإنه ~~يرى أن خصال البأس والشجاعة، والانقياد والطاعة، ~~وجميع مذمومات الخلق ومحموداته، حتى الذكاء ~~والكياسة والفطنة والنباهة، كلها تتأثر من ~~الحياة الاجتماعية تأثرا شديدا. # ويتأتى هذا التأثير - في نظر ابن خلدون - من ~~النحلة المعاشية في الدرجة الأولى؛ فإن المؤلف ~~يفتتح الفصل الأول من الباب الثاني بتقرير المبدأ ~~التالي: ~~«إن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف ~~نحلتهم من المعاش» (ص120). # ويبرهن على المبدأ المذكور بقوله: «فإن اجتماعهم ~~إنما هو للتعاون على تحصيله» (ص12). # وأما كيفية تأثير النحلة المعاشية في ~~الطبائع والسجايا، فيوضحها ابن خلدون بفضل ~~أفعولتين نفسيتين مهمتين: # الأولى: الألفة والاعتياد، والثانية: الممارسة ~~والمران. ~~(أ) # إن أثر الألفة والاعتياد في ~~طبائع الإنسان يقرره ابن خلدون ~~بالعبارات التالية: ~~«إن النفس إذا ألفت شيئا صار من ~~جبلتها وخلقتها» (ص90). ms246 # وإذا «ألف الإنسان بعض الأحوال» ~~صار ذلك له خلقا وملكة وعادة، تنزل ~~منزلة الطبيعة والجبلة (ص125). ~~(ب) # وأما أثر الممارسة والمران في ~~زيادة قابليات الإنسان، فيقرره ابن ~~خلدون بالعبارات التالية: ~~«إن الأفعال لا بد من عود آثارها ~~على النفس» (ص399). ~~«القريحة مثل الضرع تزيد بالامتراء، ~~وتجف بالترك والإهمال» (ص575). ~~«العلوم والصنائع يحصل منها زيادة ~~عقل.» «كل صناعة يرجع منها إلى النفس أثر ~~يكسبها عقلا جديدا» (ص428). # النحلة المعاشية تولد بعض ~~الطبائع والسجايا الخاصة بفضل هاتين ~~الأفعولتين النفسيتين. # فإن الحياة الاجتماعية - ولا سيما ~~النحلة المعاشية - تحمل الأفراد على ~~القيام ببعض الأفعال والأعمال، وتكرر ~~هذه الأفعال والأعمال طول حياة الأفراد - ~~بل على مدى الأجيال والأحقاب - يؤدي إلى ~~ترسيخ بعض الاعتيادات، وتوليد بعض ~~الملكات، وتزييد بعض القابليات، وتنقيص ~~بعض القوى، وكل ذلك يعني تكوين بعض ~~الطبائع والسجايا، وتزييد بعض القوى ~~والقابليات. ~~(2) # ابن خلدون يتتبع نتائج هذه المبادئ، ويتوسع في ~~درسها، ويتعمق في تعليلها بشكل يستثير ~~الإعجاب. # ولأجل أن نحيط علما بآراء ابن خلدون في أثر ~~النحلة المعاشية في تكوين الأخلاق والطبائع ~~والسجايا حق الإحاطة، يجب علينا أولا أن نستعرض ~~أنواع النحل المعاشية التي يشير إليها. # يشرح ابن خلدون وجوه المعاش في فصل خاص، ويحصر ~~النحل المعاشية - من حيث الأساس - في الأمور ~~التالية؛ الاصطياد، الفلاحة، الصناعة، والتجارة ~~(ص383). # غير أنه يقسم الفلاحة - في فصل آخر - إلى نوعين ~~أساسيين؛ الأول تربية الحيوانات، الثاني زراعة ~~النباتات (ص120). # كما أنه يقسم الصناعة - في فصل آخر - إلى ثلاثة ~~أقسام؛ الأول ما يختص بأمر المعاش، الثاني ما يختص ~~بالأفكار، والثالث ما يختص بالسياسة (ص400). ~~ويعتبر من الأول؛ الحياكة والجزارة والنجارة ~~والحدادة وأمثالها، ومن الثاني؛ الوراقة (وهي ~~معاناة الكتب بالاستنساخ والتجليد)، والغناء ~~والشعر وتعليم العلم وأمثال ذلك، ومن الثالث؛ ~~الجندية وأمثالها (ص400). # لا يهتم ابن خلدون لنحلة الاصطياد، ولا يعود ~~إليها بعد أن يذكرها عرضا خلال بحثه عن وجوه ~~المعاش، وأما بقية النحل المعاشية، فإنه ~~يدرسها بتفصيل واف، ويقرر تأثيراتها في العقول ~~والأخلاق بتوسع وتعمق في عدة فصول. ~~(3) # وبما أن ms247 ابن خلدون يقسم البشر إلى «بدو وحضر» ~~- بالنظر إلى نوع نحلتهم المعاشية وأسلوب حياتهم ~~الاجتماعية - فإنه يتوسع بوجه خاص في إظهار ~~تأثيرات حياة البداوة والحضارة في الأخلاق ~~والعقول، ويقرر في هذا المضمار القضايا التالية: # أولا: # أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل ~~الحضر. # ثانيا: # أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل ~~الحضر. # ثالثا: # أهل الحضر أكثر ذكاء وفطنة من أهل ~~البدو. ~~(أ) # يقرر ابن خلدون القضية الأولى ~~ويعللها في فصل خاص (ص125)، حيث ~~يقول: ~~«والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا ~~جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا ~~في نعيم الترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة ~~عن أموالهم وأنفسهم إلى مواليهم، والحاكم ~~الذي يسوسهم، والحامية التي تولت ~~حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي ~~تحوطهم، والحرز الذي يحول دونهم، فلا ~~تهيجهم هيعة، ولا ينفر لهم صيد، فهم غارون ~~آمنون، قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك ~~منهم الأجيال، وتنزلوا منزلة النساء ~~والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم، ~~حتى صار ذلك لهم خلقا يتنزل منزلة ~~الطبيعة.» # إلا أن أهل البدو فهم - «لتفردهم ~~عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، ~~وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن ~~الأسوار والأبواب - قائمون بالمدافعة عن ~~أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم، ولا يثقون ~~فيها بغيرهم، دائما يحملون السلاح، ~~ويلتفتون عن كل جانب في الطرق، ويتجافون ~~عن الهجوع إلا غرارا في المجالس وعلى ~~الرحال وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبآت ~~والهيعات ، ويتفردون في القفر والبيداء، ~~مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار ~~لهم البأس خلقا، والشجاعة سجية، يرجعون ~~إليها متى دعاهم داع واستفزهم صارخ» ~~(ص125). # هذا ويلاحظ ابن خلدون - في فصل آخر ~~- أن بين البداوة وبين الحضارة درجات ~~عديدة، وأن بعض الأقوام تكون في حالة ~~انتقال من البداوة إلى الحضارة، ويقرر ~~أن الشجاعة تتناقص كلما زاد القوم اتصالا ~~بحياة الحضارة وتباعدا عن حياة ~~البداوة: ~~«لما كانت البداوة سببا في ~~الشجاعة، لا جرم كان هذا الجيل الوحشي ~~أشد شجاعة من الجيل الآخر، بل الجيل ~~الواحد تختلف أحواله في ذلك باختلاف ~~الأعصار، فكلما نزلوا الأرياف وتفنقوا ~~النعيم، وألفوا عوائد الخصب ms248 في المعاش ~~والنعيم؛ نقص من شجاعتهم بقدر ما نقص من ~~توحشهم وبداوتهم» (ص138). ~~(ب) # وأما القضية الثانية - وهي ~~القائلة «إن أهل البدو أقرب إلى الخير من ~~أهل الحضر» - فيشرحها ابن خلدون أيضا في ~~فصل خاص: ~~«وسببه؛ أن النفس إذا كانت على ~~الفطرة الأولى كانت متهيأة لقبول ما يرد ~~عليها وينطبع فيها من خير أو شر، وبقدر ما ~~سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن ~~الآخر، ويصعب عليها اكتسابه. فصاحب الخير ~~إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير، وحصلت ~~لها ملكته؛ بعد عن الشر، وصعب عليه ~~طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه ~~عوائده» (ص123). ~~«وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من ~~فنون الملاذ، وعوائد الترف، والإقبال على ~~الدنيا، والعكوف على شهواتهم منها؛ قد ~~تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق ~~والشر، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه، ~~بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهب عنهم ~~مذاهب الحشمة في أحوالهم.» # وأما أهل البدو «وإن كانوا مقبلين ~~على الدنيا مثلهم، إلا أنه في المقدار ~~الضروري، لا في الترف ولا في شيء من أسباب ~~الشهوات واللذات ودواعيها؛ فعوائدهم في ~~معاملاتها على نسبتها، وما يحصل فيهم من ~~مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى ~~أهل الحضر أقل بكثير، فهم أقرب إلى الفطرة ~~الأولى، وأبعد عما ينطبع في النفس من ~~سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة ~~وقبحها» (ص123). ~~(ج) # وأما القضية الثالثة - وهي ~~القائلة بأن أهل الحضر أكثر ذكاء وفطنة ~~من أهل البدو - فلا يفرد لها ابن خلدون ~~فصلا خاصا بها، بل يذكرها عرضا في ~~الفصل الذي يقرر «أن التعليم للعلم من ~~جملة الصنائع» (ص430-434)؛ ولهذا السبب لم ~~تستلفت هذه القضية أنظار الباحثين كثيرا، ~~مع أنها مسرودة في أواخر الفصل المذكور ~~بوضوح تام: ~~«ألا ترى إلى أهل الحضر من أهل ~~البدو؟ كيف تجد الحضري متحليا بالذكاء، ~~ممتلئا من الكيس، حتى إن البدوي ليظنه ~~أنه قد فاته في حقيقة إنسانيته وعقله، ~~وليس كذلك، وما ذاك إلا لإجادته في ملكات ~~الصنائع والآداب في العوائد والأحوال ~~الحضرية ما لا يعرفه البدوي. فلما ms249 امتلأ ~~الحضري من الصنائع وملكاتها وحسن ~~تعليماتها؛ ظن كل من قصر عن تلك الملكات ~~أنها لكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو ~~قاصرة بفطرتها وجبلتها عن فطرته، وليس ~~كذلك؛ فإنا نجد من أهل البدو من هو أعلى ~~رتبة في الفهم والكمال في عقله وفطرته، ~~إنما الذي ظهر على أهل الحضر من ذلك هو ~~رونق الصنائع والتعليم، فإن لها آثارا ~~ترجع إلى النفس كما قدمنا» ~~(ص433-434). ~~(4) # يبحث ابن خلدون في تأثير التجارة والصناعة ~~أيضا، ويظهر تأثير التجارة في الأخلاق، وتأثير ~~الصناعة في العقول. ~~(أ) # يقول في فصل خاص: «إن خلق التجار ~~نازلة عن خلق الرؤساء، وبعيدة عن ~~المروءة.» ويعلل ذلك بما يلي: ~~«إن التاجر مدفوع إلى معاناة البيع ~~والشراء، وجلب الفوائد والأرباح، ولا بد ~~في ذلك من المكايسة والمماحكة والتحذلق، ~~وممارسة الخصومات واللجاج، وهي عوارض هذه ~~الحرفة. وهذه الأوصاف نقص من الذكاء ~~والمروءة وتجرح فيها؛ لأن الأفعال لا بد ~~من عود آثارها على النفس، فأفعال الخير ~~تعود بآثار الخير والزكاء، وأفعال الشر ~~والسفسفة تعود بضد ذلك، فتتمكن وترسخ إن ~~سبقت وتكررت، وتنقص خلال الخير إذا ~~تأخرت عنها بما ينطبع من آثارها ~~المذمومة في النفس، شأن الملكات الناشئة ~~عن الأفعال.» ~~«وتتفاوت هذه الآثار بتفاوت أصناف ~~التجار في أطوارهم؛ فمن كان منهم سافل ~~الطور، محالفا لأشرار الباعة أهل الفسق ~~والخلاعة والفجور في الأثمان إقرارا ~~وإنكارا؛ كانت رداءة تلك الخلق عنده أشد، ~~وغلبت عليه السفسفة، وبعد عن المروءة ~~واكتسابها بالجملة، وإلا فلا بد له من ~~تأثير المكايسة والمماحكة في مروءته» ~~(ص399). ~~(ب) # ويقول ابن خلدون في فصل خاص: «إن ~~الصنائع تكسب صاحبها عقلا، وخصوصا ~~الكتابة والحساب» (ص428)، ويشرح ذلك ~~ويعلله بما يلي: ~~«إن النفس الناطقة للإنسان، إنما ~~توجد فيه بالقوة، وإن خروجها من القوة إلى ~~الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات ~~عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها ~~بالقوة النظرية إلى أن يصير إدراكا ~~بالفعل وعقلا محضا، فتكون ذاتا ~~روحانية، ويستكمل حينئذ وجودها، فوجب لذلك ~~أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها ~~عقلا ms250 فريدا.» ~~«والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ~~ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك ~~الملكة. فلهذا كانت الحنكة في التجربة ~~تفيد عقلا، والكتابة من بين الصنائع أكثر ~~إفادة لذلك؛ لأنها تشتمل على العلوم ~~والأنظار، بخلاف الصنائع، وبيانه أن في ~~الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى ~~الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات ~~اللفظية في الخيال إلى المعاني التي في ~~النفس، ذلك دائما. فيحصل لها ملكة ~~الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو ~~معنى النظر العقلي الذي يكسب العلوم ~~المجهولة، فيكسب بذلك ملكة من التعقل ~~تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة فطنة وكيس ~~في الأمور لما تعودوه من ذلك ~~الانتقال.» ~~«ويلحق بذلك الحساب؛ فإن في صناعة ~~الحساب نوع تصرف بالعد وبالضم والتفريق، ~~يحتاج فيه إلى استدلال كثير، فيبقى ~~متعودا للاستدلال والنظر، وهو معنى ~~العقل» (ص429). # 5 # إن التفاصيل التي ذكرناها آنفا تدلنا على رأي ابن خلدون ~~في «آثار الحضارة» في الطبائع بوجه عام، فإنه يعتقد أن وصول ~~الحضارة إلى غايتها يؤدي إلى فساد الأخلاق من جهة، وزيادة ~~العقل من جهة أخرى. # إن تأثيرات الحضارة في الأخلاق مشروحة بتفصيل واف في الفصل ~~الذي يقرر: «أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره ومؤذنة ~~بفساده» (ص371-374). # نجتزئ من الفصل المذكور بالعبارات التالية؛ لنتبين رأي ابن ~~خلدون في هذا الصدد: ~~«إن الحضارة تؤدي إلى الترف، والترف والنعمة إذا حصلا لأهل ~~العمران دعاهم بطبعه إلى مذاهب الحضارة والتخلق بعوائدها، ~~والحضارة - كما علمت - هي التفنن في الترف واستجادة أحواله، ~~والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه وسائر فنونه.» ~~«وإذا بلغ التأنق في هذه الأحوال المنزلية الغاية؛ تبعه ~~طاعة الشهوات، فتتلون النفس من تلك العوائد بألوان كثيرة» ~~(ص372). # إن استفحال الحضارة والترف يقترن بوجه عام بارتفاع أسعار ~~الحاجيات، فتزداد عندئذ مشاكل المعيشة بقدر ازدياد الحاجات ~~وارتفاع أسعارها. ~~«فتعظم نفقات أهل الحضارة، وتخرج عن القصد إلى الإسراف، ولا ~~يجدون وليجة عن ذلك لما ملكتهم من أثر العوائد وطاعتها، وتذهب ~~مكاسبهم كلها في النفقات، ويتتابعون في الإملاق والخصاصة، ~~ويغلب عليهم الفقر، ويقل المستامون للمبايع؛ فتكسد الأسواق، ms251 ~~ويفسد حال المدينة، وداعية ذلك كله إفراط الحضارة ~~والترف.» ~~«وهذه مفسدات في المدينة، وعلى العموم في الأسواق والعمران، ~~وأما فساد أهلها في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص، فمن ~~الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في ~~تحصيلها، وما يعود على النفس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون ~~آخر من ألوانها؛ ولذلك يكثر منهم الفسق والسفسفة والتحيل على ~~تحصيل المعاش من وجهه وغير وجهه، وتنصرف النفس إلى الفكر في ~~ذلك والغوص عليه، واستجماع الحيلة له (ص372). فتجدهم أجرياء ~~على الكذب والمغامرة والغش والخلابة والسرقة والفجور في ~~الأيمان والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر بطريق الفسق ~~ومذاهبه والمجاهرة به وبدواعيه، وتجدهم أيضا أبصر بالمكر ~~والخديعة يدفعون بذلك ما عساه ينالهم من القهر، وما يتوقعونه ~~من العقاب على تلك القبائح حتى يصير ذلك عادة وخلقا ~~لأكثرهم.» ~~«ويموج بحر المدينة بالسفلة من أهل الأخلاق الذميمة، ~~ويجاريهم فيها كثير من ناشئة الدولة وولدانهم» (ص373). ~~«ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها، ~~لكثرة الترف»، فيقع التفنن «في شهوات البطن من المآكل ~~والملاذ، ويتبع ذلك التفنن في شهوات الفرج بأنواع المناكح من ~~الزنا واللواط» # 2 ~~(ص374). # ولهذه الأسباب كلها يقول ابن خلدون: ~~«إن الأخلاق الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد» ~~(ص374). # وأما رأي ابن خلدون في تأثير الحضارة في زيادة العقل ~~وتقوية الذكاء، فمذكور في الفصل الذي يقرر فيه: «أن الصنائع ~~تكسب صاحبها عقلا». فإنه يقول - في هذا الفصل - بعد أن ~~يقرر أن الحنكة في التجربة تفيد عقلا: ~~«والحضارة الكاملة تفيد عقلا؛ لأنها مجتمعة من صنائع في شأن ~~تدبير المنزل ومعاشرة أبناء الجنس، وتحصيل الآداب في مخالطتهم، ~~ثم القيام بأمور الدين، واعتبار آدابها وشرائطها، وهذه كلها ~~قوانين تنتظم علوما، فيحصل منها زيادة عقل» (418). # 6 # يظهر مما تقدم كله أن ابن خلدون لا يغالي في تأثير البيئة ~~الطبيعية، ولا يهتم بالأوصاف العرقية (الرسية)، بل يعتني كل ~~الاعتناء بالبحث عن العوامل الاجتماعية، ويسعى كل السعي إلى ~~إظهار أثر النحلة المعاشية، ويعطي هذه العوامل الموقع الأول ~~في ms252 تكوين الطبائع والسجايا. # إننا نجد أن نظرية ابن خلدون في هذا الصدد ملخصة أحسن تلخيص، ~~وموضحة أتم إيضاح، في سياق مقارنة أهل المشرق بأهل المغرب، ~~في أحد فصول الباب السادس من المقدمة، وهو الفصل الذي يقرر ~~«أن التعليم للعلم من جملة الصنائع» (ص430). # فإننا نجتزئ من الفصل المذكور بالعبارات والفقرات التي ~~تتعلق بهذه النظرية: ~~«أهل المشرق على الجملة أرسخ في صناعة تعليم العلم وفي سائر ~~الصنائع، حتى إنه ليظن كثير من رحالة أهل المغرب إلى المشرق ~~في طلب العلم أن عقولهم على الجملة أكمل من عقول أهل المغرب، ~~وأنهم أشد نباهة وأعظم كيسا بفطرتهم الأولى، وأن نفوسهم ~~الناطقة أكمل بفطرتها من نفوس أهل المغرب، ويعتقدون التفاوت ~~بيننا وبينهم في حقيقة الإنسانية، ويتشيعون لذلك، ويولعون ~~به؛ لما يرون من كيسهم في العلوم والصنائع، وليس كذلك.» ~~«وليس بين قطر المشرق والمغرب تفاوت بهذا المقدار الذي هو ~~تفاوت في الحقيقة الواحدة، اللهم إلا الأقاليم المنحرفة، مثل ~~الأول والسابع؛ فالأمزجة فيها منحرفة، والنفوس على نسبتها كما ~~ترى.» ~~«وإنما الذي فضل أهل المشرق من أهل المغرب هو ما يحصل في ~~النفس من آثار الحضارة من الفعل المزيد، كما تقدم في ~~الصنائع.» ~~«ونزيده الآن تحقيقا؛ وذلك أن الحضر لهم آداب في أحوالهم - ~~في المعاش والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا، وكذا سائر ~~أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع تصرفاتهم - فلهم في ذلك ~~كله آداب يوقف عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به، من ~~أخذ وترك، حتى كأنها حدود لا تتعدى، وهي مع ذلك صنائع ~~يتلقاها الآخر عن الأول منهم. ولا شك أن كل صناعة مرتبة ~~يرجع منها إلى النفس أثر، يكسبها عقلا جديدا تستعد به ~~لقبول صناعة أخرى، ويتهيأ بها العقل بسرعة الإدراك ~~للمعارف.» ~~«ولقد بلغنا في تعليم الصنائع عن أهل مصر غايات لا تدرك؛ ~~مثل أنهم يعلمون الحمر الإنسية والحيوانات العجم - من الماشي ~~والطائر - مفردات من الكلام والأفعال يستغرب ندورها (صدورها)، ~~ويعجز أهل المغرب عن فهمها.» ~~«وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية ~~يزيد الإنسان ذكاء في ms253 عقله، وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات ~~الحاصلة للنفس؛ إذ قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما ~~يرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كيسا؛ لما يرجع إلى ~~النفس من الآثار العلمية، فيظنه العامي تفاوتا في الحقيقة ~~الإنسانية، وليس كذلك» (ص433). # بعد هذه الفقرات يقارن ابن خلدون الحضري بالبدوي من وجهة ~~العقل والذكاء، ويكتب الفقرات التي نقلناها آنفا - عندما ~~سردنا رأيه في الفروق العقلية التي تميز الحضر من البدو - ~~ويعلل هذه بتأثير الصنائع والعلوم، ثم يعود إلى مقارنة أهل ~~المشرق بأهل المغرب قائلا: ~~«وكذا أهل المشرق، لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة ~~وأعلى قدما، وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة؛ ظن المغفلون ~~في بادئ الرأي أنه لكمال في الحقيقة الإنسانية اختصوا به عن ~~أهل المغرب، وليس ذلك بصحيح» (ص334). # نحن نعتقد أن ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد ينم عن ~~ملاحظات دقيقة جدا وصائبة تماما. # | نظرية العصبية # إن نظرية العصبية من أهم وأطرف النظريات التي وضعها ابن ~~خلدون، نستطيع أن نقول إنها بمثابة المحور الذي يدور حوله معظم ~~المباحث الاجتماعية، وتتصل به جميع مباحث «الاجتماع السياسي» في ~~المقدمة. # ولا نغالي إذا قلنا - بهذا الاعتبار - إنها تؤلف «أنظومة» # Systéme # تامة التكوين في ~~الاجتماع بوجه عام، والاجتماع السياسي بوجه خاص. # لا يستطيع القارئ أن يحصل على فكرة تامة عن نظرية العصبية بقراءة ~~فصل واحد أو بضعة فصول من المقدمة؛ لأن ابن خلدون يبني هذه النظرية ~~بالتدريج، ويكون هذه الأنظومة قسما بعد قسم، شأن جميع المفكرين ~~الذين يضعون النظريات المفصلة، ويؤسسون الأنظومات ~~الكبيرة. # فلأجل أن نحصل على فكرة تامة عن هذه النظرية الاجتماعية ~~والأنظومة السياسية، يجب علينا أن نستعرض ما جاء في معظم فصول ~~البابين الثاني والثالث، وفي أحد فصول الباب الرابع، حول العصبية، ~~وعلينا أن ننعم النظر - بوجه خاص - في الفصول التالية: # من الباب الثاني: الفصل الذي يقرر «أن سكنى البدو لا يكون إلا ~~للقبائل أهل العصبية»، والفصول الخمسة التي تليه (ص127-134)، ثم ~~الفصل الذي يقرر «أن الغاية التي تجري إليها العصبية ms254 هي الملك» ~~(ص139-140). # ومن الباب الثالث: الفصل القائل «إن الملك والدولة إنما يحصلان ~~بالقبيل والعصبية»، والفصول الستة التي تليه (ص154-162)، ثم الفصل ~~الذي يقرر «أن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم ~~فيها دولة»، والفصل الذي يليه (ص164-167)، ثم «الفصل الباحث في ~~أحوال الموالي والمصطنعين في الدولة» (ص184)، وفصل حقيقة الملك ~~(ص187)، ثم فصل «كيفية طروق الخلل للدولة» (ص294). # ومن الباب الرابع: فصل «وجود العصبية في الأمصار» (ص377). # 1 ~~(1) # إن الرابطة المعنوية التي تربط ذوي القربى ~~والأرحام بعضهم ببعض من الأمور التي لم تخف على ~~أنظار العقول السليمة في العالم العربي منذ العصور ~~القديمة. ومما يدل على ذلك دلالة قوية؛ أن اللغة ~~العربية تسمي ذوي القربى باسم «العصبة»، وهذه ~~الكلمة تمت بصلة الاشتقاق إلى كلمة «العصب» بمعنى ~~الشد والربط، وكلمة «العصابة» بمعنى «الرابطة»، ~~كما أنها تسمي الخصال والأفعال الناجمة عن ذلك - ~~من تعاضد وتشيع - باسم «العصبية». # أما ابن خلدون فيتخذ رابطة العصبية موضوعا ~~لدراسة شاملة وعميقة، يستعرض أشكالها وصورها ~~المختلفة، ويتتبع الأدوار التي في حياة المجتمعات ~~بوجه عام، وفي حياة الدول بوجه خاص، بتوسع ~~يستلفت الأنظار، وتعمق يستثير الإعجاب. ~~(2) # يتكلم ابن خلدون أولا عن مصدر العصبية، ~~ويردها إلى الطبيعة البشرية، وإلى أثر القرابة ~~في الحياة الاجتماعية: ~~«إن صلة الرحم طبيعية في البشر، إلا في الأقل، ~~ومن صلتها؛ النعرة على ذوي القربى والأرحام أن ~~ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة.» ~~«فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو ~~العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من ~~المعاطب والمهالك.» ~~«نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا» (ص129). # إن هذه النزعة الطبيعية في البشر تؤدي إلى ~~«الاتحاد والالتحام» بين أفراد النسب الواحد؛ ~~لأنها تحملهم على «التعاضد والتناصر»، وتستلزم ~~«استماتة كل واحد منهم دون صاحبه» (ص154). # ولهذا السبب نجد أن أفراد النسب الواحد يشتركون ~~في «حمل الديات»، ويتعاونون على «دفع العدوان»، ~~ويتناصرون في «تحقيق المطالبات». ~~«وأما المنفردون في أنسابهم، فقل أن يصيب ~~أحدا منهم نعرة على صاحبه. فإذا أظلم الشر يوم ~~الحرب؛ ms255 تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه» ~~(ص128). # يتبين مما تقدم أن العصبية تتولد من القرابة ~~- من حيث الأساس - وهي تستند إلى وحدة النسب في ~~الدرجة الأولى. ~~(3) # غير أن القرابة والنسب من الأمور التي تحتاج إلى ~~نظر وتأمل من وجوه عديدة. # أولا: # إن للقرابة درجات ومراتب متفاوتة، ~~من التي بين أبناء الأب الواحد إلى التي ~~بين أهل القبيلة الواحدة. إذ لا شك في أن ~~القرابة التي تربط الإخوة المنحدرين من ~~صلب أب واحد، تكون أقوى من التي تربط أهل ~~البيت الواحد، كما أن هذه تكون أقوى من ~~القرابة التي تربط أهل العشير الواحد، ~~وخاصة من التي تربط بطون القبيلة ~~الواحدة. # إن قوة العصبية المتولدة من القرابة ~~تختلف باختلاف درجة هذه القرابة؛ ولذلك ~~نجد أن الالتحام المتولد من وحدة النسب ~~الخاص يكون أقوى من الالتحام المتأتي من ~~وحدة النسب العام. ~~«والنعرة تقع من أهل النسب الخاص ~~والعام» في وقت واحد، غير أنها «تكون أشد ~~في النسب الخاص» (ص131). # ثانيا: # إن رابطة النسب لا تنحصر في نطاق ~~القرابة وحدها؛ لأن الفرد قد ينفصل من ~~نسبه الأصلي، وينضم إلى نسب آخر. إن ~~انتقال الفرد من نسب إلى آخر - أو سقوطه ~~إلى نسب آخر حسب تعبير ابن خلدون - يحدث ~~لأسباب عديدة وبصور شتى، أهمها: ~~(أ) القرابة. (ب) الحلف. (ج) ~~الولاء. (د) الدخالة. ~~«من البين أن بعضا من أهل ~~الأنساب يسقط إلى نسب آخر بقرابة إليهم أو ~~حلف أو ولاء، أو لفرار من قومه بجناية ~~أصابها، فيدعي بنسب هؤلاء، ويعد منهم في ~~ثمراته من النعرة والقود وحمل الديات ~~وسائر الأحوال. وإذا وجدت ثمرات النسب ~~فكأنه وجد؛ لأنه لا معنى لكونه من هؤلاء ~~أو من هؤلاء، إلا جريان أحكامهم وأحوالهم ~~عليه، وكأنه التحم بهم. ثم إنه قد يتناسى ~~النسب الأول بطول الزمن، ويذهب أهل العلم ~~به، فيخفى على الأكثر.» ~~«وما زالت الأنساب تسقط من شعب إلى ~~شعب، ويلتحم قوم بآخرين في الجاهلية ~~والإسلام، والعرب والعجم» (ص130). # ولهذا السبب يوسع ابن خلدون مفهوم ~~«النسب» من معناه الضيق ms256 الدارج، ويشمله ~~إلى الحلف والولاء أيضا، حتى إنه لا ~~يتردد في استحداث تعبير «نسب الولاء» ~~قياسا على تعبير «نسب الولادة». ~~(4) # يفهم من ذلك كله أن العصبية في نظر ابن خلدون ~~لا تنحصر بأصحاب النسب الواحد بمعناه الدارج - أو ~~بأصحاب نسب الولادة، حسب تعبيره هو - بل يشمل ~~أصحاب نسب الولاء أيضا. # ولذلك يقول ابن خلدون في عنوان أحد الفصول: «إن ~~العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في ~~معناه» (ص128)، كما يصرح في الفصل المذكور بأن ~~«اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب، ~~أو قريبا منها» (ص129). # ولا يكتفي ابن خلدون بسرد هذه الآراء - بصورة ~~اختبارية فحسب - بل يسعى إلى تفسيرها وتعليلها ~~بصورة علمية أيضا. ~~«إن النسب أمر وهمي (أي ذهني ومعنوي) لا حقيقة ~~له» (ص129)، «وإن كان طبيعيا» (ص184). # وأما تأثير وحدة النسب في توليد الالتحام، فهو ~~نتيجة طبيعية للصحبة والعشرة التي تنجم عن تلك ~~الوحدة. # فإن «المعنى الذي كان به الالتحام، إنما هو ~~العشرة والمدافعة، وطول الممارسة والصحبة ~~بالمربى والرضاع، وسائر أحوال الموت والحياة» ~~(ص184). # ولهذا السبب نجد أن النسب إذا أصبح مجهولا بين ~~أصحابه، وخرج عن الوضوح، وصار من قبيل العلوم؛ زال ~~تأثيره، وذهبت فائدته من النفس، فلم تتولد منه ~~عصبية ما، «وانتفت النعرة التي تحمل عليها ~~العصبية» (ص129). # وأما بعكس ذلك إذا حصلت ثمرات النسب التي ~~ذكرناها آنفا من أسباب غير سبب القرابة - كالحلف ~~والولاء مثلا - تولد منها عصبية، ونتج عنها ~~نعرة ولحمة، على الرغم من عدم وجود ~~القرابة. ~~(5) # إن النسب يبقى محفوظا وصريحا في الحياة ~~البدوية، والعصبية المتولدة منه تكون قوية في تلك ~~الحياة، إلا أن النسب يفقد صراحته، والعصبية تفقد ~~قوتها في الحياة الحضرية؛ وذلك لسببين هامين: # أولا: # إن حياة البداوة تتضمن شيئا من ~~الاعتزال، فاختلاط الأنساب يكون قليلا ~~فيها بطبيعة الحال. ~~«إن القفر مكان الشظف والسغب»، ~~والعيش فيه «صار لهم إلفا وعادة، ~~وربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت ~~خلقا وجبلة، فلا يترع إليهم أحد من ~~الأمم أن يساهمهم في حالهم، ولا يأنس بهم ~~أحد ms257 من الأجيال؛ فيؤمن عليهم لأجل ذلك من ~~اختلاط أنسابهم وفسادها» (ص129). # ثانيا: # إن حالة البداوة تقتضي بطبيعتها ~~وجود عصبية قوية؛ لأن الدفاع عن الحي لا ~~يتم إلا على أيدي «أنجادهم المعروفين ~~بالشجاعة، ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا ~~إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد؛ لأنهم ~~بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم». أما ~~المنفردون في أنسابهم، «فلا يقدرون على ~~سكنى القفر»؛ لأنهم يصبحون «طعمة لمن ~~يلتهمهم من الأمم سواهم» (ص128). # غير أن الأمر يختلف عن ذلك اختلافا كليا في ~~الحياة الحضرية؛ لأن أهل الحضر يكلون «أمرهم في ~~المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم ~~الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم» ~~(ص125)، فلا يكونون بحاجة شديدة إلى ~~العصبية. ~~(6) ~~«إن مجموع الأفراد الذين يرتبطون برباط القرابة ~~والولاء، فيدخلون في نطاق عصبية واحدة، ينزلون ~~«منزلة الوحدان» بالنسبة إلى العصبيات الأخرى، ~~ويحدث بين هذه العصبيات من التناصر والتخاذل، ~~والتنازع والتغلب ما يحدث بين الأفراد» ~~(ص139). # فإن «القبيل الواحد يتألف من بيوتات متفرقة ~~وعصبيات متعددة»، ومع ذلك تكون واحدة منها - ~~عادة - أقوى من سائرها، تغلبها وتستتبعها، وتلتحم ~~جميع العصبيات فيها، وتصير كأنها عصبية واحدة كبرى ~~(ص139). # قد تكون العصبية «متألفة من عصائب كثيرة»، ~~ولكنه «لا بد من أن تكون واحدة منها هي الغالبة ~~على الكل، حتى تجمعها وتؤلفها، وتصيرها عصبية ~~واحدة شاملة لجميع العصائب، وهي موجودة في ~~ضمنها» (ص166). # يظهر من ذلك أن العصبيات التي تربط الأفراد ~~بعضهم ببعض لا تبقى منفردة ومستقلة تماما، بل ~~إنها - بدورها - تترابط وتتلاحم، فتكون نوعا ~~أكبر وأشمل من العصبيات. # وإذا أردنا أن نعبر عن رأي ابن خلدون في هذا ~~الصدد بالتعبيرات المألوفة الآن، يجب أن نسمي ~~العصائب الاعتيادية التي تتألف من التحام ~~الأفراد بعضهم ببعض باسم «العصائب البسيطة»، كما ~~نسمي تلك التي تتكون من التحام العصائب البسيطة ~~بعضها ببعض باسم «العصائب المركبة». # إن رأي ابن خلدون في هذا الصدد يظهر بوضوح أعظم ~~وجلاء أتم من فقرة كتبها في فصل «الحرب ومذاهب ~~الأمم في ترتيبها»؛ لأنه قال في الفصل المذكور ~~عندما استعرض أسباب ms258 الغلب في الحروب: ~~«إذا كان في أحد الجانبين عصبية واحدة جامعة ~~لكلهم، وفي الجانب الآخر عصائب متعددة»، فالجانب ~~الذي تكون «عصابته متعددة لا يستطيع أن يقاوم ~~الجانب الذي عصبته واحدة»؛ لأن «العصائب إذا كانت ~~متعددة؛ يقع بينها من التخاذل ما يقع في الوحدان ~~المتفرقين الفاقدين للعصبية، تنزل كل عصابة منهم ~~منزلة الواحد» (ص278). ~~(7) # رأينا مما تقدم أن ابن خلدون فسر العصبية ~~أولا برابطة القرابة والنسب، ثم وسعها إلى ~~الولاء والحلف. # غير أنه لم يكتف بذلك أيضا، بل وسع مفهوم ~~العصبية أكثر من ذلك، وشملها إلى الرق والاصطناع، ~~وقد قال: ~~«إذا اصطنع أهل العصبية قوما من غير نسبهم، أو ~~استرقوا العبدان والموالي والتحموا به؛ ضرب معهم ~~أولئك الموالي المصطنعون بنسبهم في تلك العصبية، ~~ولبسوا جلدتها كأنها عصبيتهم، وحصل لهم من ~~الانتظام في العصبية مساهمة في نسبها» ~~(ص135). # كما أنه قال: «إن المصطنعين في الدول يتفاوتون ~~بالالتحام بصاحب الدولة، يتفاوت قديمهم وحديثهم في ~~الالتحام بصاحبها، والسبب في ذلك أن المقصود من ~~العصبية من المدافعة والمغالبة إنما يتم بالنسب ~~لأجل التناصر في ذوي الأرحام والقربى، والتخاذل في ~~الأجانب البعداء كما قدمناه. والولاية والمخالطة ~~بالرق أو بالتحالف تتنزل منزلة ذلك؛ لأن أمر ~~النسب وإن كان طبيعيا فإنما هو وهمي، والمعنى ~~الذي كان به الالتحام إنما هو العشرة والمدافعة ~~وطول الممارسة والصحبة بالمربى والرضاع وسائر ~~أحوال الموت والحياة. وإذا حصل الالتحام بذلك جاءت ~~النعرة والتناصر، وهذا مشاهد بين الناس.» ~~«واعتبر مثله في الاصطناع؛ فإنه يحدث بين ~~المصطنع وبين من اصطنعه نسبة خاصة من الوصلة، ~~فتنزل هذه المنزلة وتؤكد اللحمة، وإن لم يكن نسب ~~فثمرات النسب موجودة.» ~~«فإذا كانت هذه الولاية بين القبيل وبين ~~أوليائهم قبل حصول الملك لهم، كانت عروقها أوشج، ~~وعقائدها أصح، ونسبها أصرح؛ لوجهين: # أحدهما: # أنهم قبل الملك أسوة في حالهم، فلا يتميز ~~النسب عن الولاية إلا عند الأقل منهم، فيتنزلون ~~منهم منزلة ذوي قرابتهم وأهل أرحامهم». وأما إذا ~~«اصطنعوهم بعد الملك؛ كانت مرتبة الملك مميزة ~~للسيد عن المولى، ولأهل القرابة عن أهل ms259 الولاية ~~والاصطناع؛ لما تقتضيه أحوال الرئاسة والملك من ~~تميز الرتب وتفاوتها. فتتميز حالتهم، ويتنزلون ~~منزلة الأجانب، ويكون الالتحام بينهم أضعف، ~~والتناصر لذلك أبعد، وذلك أنقص من الاصطناع قبل ~~الملك. # الوجه الثاني: # أن الاصطناع قبل الملك يبعد عهده عن أهل الدولة ~~بطول الزمان، ويخفي شأن تلك اللحمة، ويظن بها في ~~الأكثر النسب، فيقوى حال العصبية. وأما بعد ~~الملك فيقرب العهد، ويستوي في معرفته الأكثر، ~~فتتبين اللحمة، وتتميز عن النسب؛ فتضعف ~~العصبية بالنسبة إلى الولاية التي كانت قبل ~~الدولة» (ص184). ~~(8) # رأينا فيما سبق أن ابن خلدون قد اعتبر العصبية ~~من خصائص البادية، وصرح بأن الحياة الحضرية تؤدي ~~إلى دثور العصبية وتلاشيها، مع كل هذا فإنه لم ~~يغفل عن وجود العصبية في الأمصار أيضا، وعنون أحد ~~فصول الباب الرابع بالعنوان التالي: «وجود العصبية ~~في الأمصار، وتغلب بعضهم على بعض» ~~(ص377). # يبدأ هذا الفصل بالعبارة التالية: «من البين ~~أن الالتحام والاتصال موجود في طباع البشر، وإن لم ~~يكونوا أهل نسب واحد، إلا أنه - كما قدمناه - ~~أضعف مما يكون بالنسب.» # إننا نعتبر هذه العبارة مهمة جدا لتعيين مدى ~~توسع ابن خلدون في ملاحظة آثار الالتحام ~~والاتصال في الحياة الاجتماعية، ولفهم ما يقصده من ~~العصبية والنسب حق الفهم. # يقول ابن خلدون - بعد العبارة الآنفة الذكر - ما ~~يلي: ~~«أهل الأمصار كثير منهم ملتحمون بالصهر، يجذب ~~بعضهم بعضا إلى أن يكونوا لحما لحما، وقرابة ~~قرابة، وتجد بينهم من العداوة والصداقة ما يكون ~~بين القبائل والعشائر مثله؛ فيفترقون شيعا ~~وعصائب.» ~~«فإذا نزل الهرم بالدولة، وتقلص ظل الدولة عن ~~القاصية؛ احتاج أهل أمصارها إلى القيام على أمرهم، ~~والنظر في حماية بلدهم، ورجعوا إلى الشورى، ~~وتميز العلية عن السفلة، والنفوس بطباعها ~~متطاولة إلى الغلب والرئاسة، فتطمح المشيخة - ~~لخلاء الجو من السلطان والدولة القاهرة - إلى ~~الاستبداد، وينازع كل صاحبه، ويستوصلون بالأتباع ~~من الموالي والشيع والأحلاف، ويبذلون ما في أيديهم ~~للأوغاد والأوشاب؛ فيعصوصب كل لصاحبه، ويتعين ~~الغلب لبعضهم» (ص377). # وبعد أن يشرح ابن خلدون الملك الذي قد يتأسس ~~من جراء هذا الغلب، يقول: ms260 ~~«إنما دفعهم إلى ذلك تقلص ظل الدولة، والتحام ~~بعض القرابات، حتى صارت عصبية» (ص378). # 2 ~~(1) # وأما الأدوار التي تلعبها العصبية في الحياة ~~الاجتماعية فهي كثيرة ومهمة جدا في نظر ابن ~~خلدون، كما يظهر بكل وضوح من العبارات ~~التالية: ~~«العصبية تحمل الأفراد على التناصر والتعاضد في ~~المدافعة والحماية والمقاتلة.» # إنها ضرورية «في كل أمر يحمل الناس عليه من ~~نبوة أو إقامة ملك أو دعوة؛ إذ بلوغ الغرض من ~~ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه؛ لما في طباع البشر ~~من الاستعصاء، ولا بد في القتال من العصبية» ~~(ص128). ~~«الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما ~~يكون بالعصبية» (ص157). ~~«الرئاسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب إنما يكون ~~بالعصبية» (ص132). ~~«إن العصبية بها تكون الحماية والمدافعة ~~والمطالبة، وكل أمر يجتمع عليه» (ص139). ~~«كل امرئ يحمل عليه الكافة فلا بد له من ~~العصبية» (ص159). ~~«إن المطالبات كلها والمدافعات لا تتم إلا ~~بالعصبية» (ص187). # يشرح ابن خلدون هذه الأمور والتأثيرات المختلفة ~~بتفصيل واف من فصول مختلفة، ويتوسع بوجه خاص في ~~أمر تأثير العصبية في تكوين الدول. # ونحن نرى أن نتعمق في درس رأي ابن خلدون في ~~علاقة العصبية بالدولة أولا، وبالديانة ~~ثانيا. ~~(2) # تلعب العصبية دورا هاما في تأسيس الملك ~~وتكوين الدولة؛ لأن «الغاية التي تجري بها العصبية ~~هي الملك» (ص139)، «والملك إنما يحصل بالتغلب، ~~والتغلب إنما يكون بالعصبية» (ص157). # إن قوة العصبية تنزع بطبعها إلى الحكم والسيادة، ~~والتوسع في الحكم والسيادة. ~~«وصاحب العصبية إذا بلغ رتبة طلب ما فوقها، ~~فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع، ووجد السبيل إلى ~~التغلب والقهر؛ لا يتركه؛ لأنه مطلوب للنفس، ولا ~~يتم اقتدارها عليه إلا بالعصبية التي يكون بها ~~متبوعا، فالتغلب الملكي غاية للعصبية» ~~(ص139). ~~«ثم إن القبيل الواحد وإن كانت فيه بيوتات ~~متفرقة وعصبيات متعددة، فلا بد من عصبية تكون أقوى ~~من جميعها تغلبها وتستتبعها ...» ~~«ثم إذا حصل التغلب بتلك العصبية على قومها، ~~طلبت بطبيعتها التغلب على أهل عصبية أخرى بعيدة ~~عنها، فإن كافأتها أو مانعتها كانوا أقتالا ~~وأنظارا، ولكل واحدة منهما ms261 التغلب على حوزتها ~~وقومها، شأن القبائل المتفرقة في العالم، وإن ~~غلبتها واستتبعتها التحمت بها أيضا، وزادت قوة ~~في التغلب إلى قوتها، وطلبت غاية في التغلب ~~والتحكم أعلى من الغاية الأولى وأبعد.» ~~«وهكذا دائما حتى تكافئ بقوتها قوة ~~الدولة.» ~~«فإن أدركت الدولة # 1 # في هرمها، ولم يكن لها ممانع من ~~أولياء الدولة أهل العصبيات؛ استولت عليها وانتزعت ~~الأمر من يدها، وصار الملك أجمع لها.» ~~«وإن انتهت إلى قوتها ولم يقارن ذلك هرم الدولة، ~~وإنما قارن حاجتها إلى الاستظهار بأهل العصبيات؛ ~~انتظمتها الدولة في أوليائها، تستظهر بها على ما ~~بقي من مقاصدها.» # وخلاصة القول: «إن الملك هو غاية العصبية، وإنها ~~إذا بلغت غايتها حصل للقبيلة الملك، إما ~~بالاستبداد أو بالمظاهرة، حسب ما يسعه الوقت ~~المقارن لذلك، وإن عاقها عن بلوغ الغاية عوائق - ~~كما نبينه - وقفت في مقامها» (ص139-140). # إن الملك يحصل بهذه الصورة، والدولة تتأسس على ~~هذا المنوال، ولا يحصل الملك إلا بهذه الصورة، ولا ~~تتأسس الدولة إلا على هذا المنوال: ~~«لأن الملك منصب شريف ملذوذ، يشتمل جميع الخيرات ~~الدنيوية، والشهوات البدنية، والملاذ النفسانية، ~~فيقع فيه التنافس غالبا، وقل أن يسلمه أحد ~~لصاحبه إلا غلب عليه، فتقع المنازعة، وتفضي إلى ~~الحرب والقتال والمغالبة.» ومن المعلوم «أن شيئا ~~منها لا يقع إلا بالعصبية» (ص154). ~~(3) # يظهر من ذلك كله أن العصبية ضرورية لتأسيس الملك ~~والدولة. # غير أن الضرورة تنحصر في دور التأسيس والتمهيد، ~~وأما بعد ذلك - «إذا استقرت الدولة وتمهدت» ~~- فقد تستغني عن العصبية للأسباب التالية: ~~«إن الدولة العامة في أولها تكون غريبة على ~~الناس، غير مألوفة لديهم؛ ولذلك «يصعب على النفوس ~~الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب»، وذلك لا ~~يتم إلا بوجود عصبية قوية بطبيعة الحال. # ولكن الرئاسة «إذا استقرت في أهل النصاب المخصوص ~~بالملك في الدولة»، وتوارثوه واحدا بعد آخر «في ~~أعقاب كثيرين ودول متعاقبة»؛ ألف الناس ملكها ~~واعتادوه، و«نسيت النفوس شأن الأولية، واستحكمت ~~لأهل ذلك النصاب صبغة الرئاسة، ورسخ في العقائد ~~دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس على أمرهم ~~قتالهم ms262 على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ ~~في أمرهم إلى كبير عصابة، بل كأن طاعتها كتاب من ~~الله لا يبدل ولا يعلم خلافه» ~~(ص154-155). ~~«ويكون حينئذ استظهارهم على سلطانهم ودولتهم ~~المخصوصة» بالوسائط الثلاث التالية: ~~(أ) ~~«إما بالموالي والمصطنعين الذين ~~نشئوا في ظل العصبية.» ~~(ب) ~~«وإما بالعصائب الخارجين عن نسبها ~~الداخلين في ولايتها.» ~~(ج) ~~«وإما بالجند المرتزقة المستخدمين ~~بالأجرة» (ص155-156). # يبرهن ابن خلدون على رأيه هذا بعدة شواهد ~~تاريخية، وينتقد «الطرطوشي» الذي كان قد ظن «أن ~~حامية الدول بإطلاق هم الجند أهل العطاء المفروض ~~مع الأهلة»، قائلا: «إن كلامه لا يتناول تأسيس ~~الدول العامة، وإنما هو مخصوص بالدول الأخيرة، بعد ~~التمهيد واستقرار الملك في النصاب، واستحكام ~~الصبغة لأهله». فالرجل - أي الطرطوشي - إنما أدرك ~~الدولة عند هرمها وخلق جدتها، ورجوعها إلى ~~الاستظهار بالموالي والصنائع، ثم إلى المستخدمين ~~من ورائها بالأجر على المدافعة». فأطلق الطرطوشي ~~القول في ذلك مستندا إلى أحوال «دول الطوائف» ~~التي أدركها، و«لم يتفطن لكيفية الأمر منذ أول ~~الدولة» (ص156). # بعد هذا النقد والتعليل والتوجيه يؤكد ابن خلدون ~~رأيه الأصلي قائلا: ~~«إن الأمر في أول الدولة لا يتم إلا لأهل ~~العصبية، فتفطن أنت له، وافهم سر الله فيه» ~~(ص156). ~~(4) # لا يكتفي ابن خلدون بالقول «إن الملك والدولة ~~العامة إنما يحصلان بالقبيل والعصبية»، بل يذهب ~~إلى أن «اتساع الدولة يكون متناسبا مع قوة تلك ~~العصبية»، فيقول: «إن كل دولة لها حصة من الممالك ~~والأوطان لا تزيد عليها» (ص161). ويبرهن على ذلك ~~بالملاحظات التالية: ~~«إن عصابة الدولة وقومها القائمين بها ~~الممهدين لها، لا بد من توزيعهم حصصا على ~~الممالك والثغور التي تصير إليهم ويستولون عليها؛ ~~لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها - من ~~جباية وردع وغير ذلك - فإذا توزعت العصائب كلها ~~على الثغور والممالك فلا بد من نفاد عددها»، وتكون ~~الممالك قد بلغت «حينئذ إلى حد يكون ثغرا ~~للدولة، وتخما لوطنها، ونطاقا لمركز ملكها، فإذا ~~تكلفت الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها؛ بقي ~~بدون حامية، وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدو ~~والمجاور» ms263 (ص161). # ابن خلدون يواصل التعمق في التعليل ~~قائلا: ~~«والعلة الطبيعية في ذلك؛ هي أن قوة العصبية ~~(مثل) سائر القوى الطبيعية، وكل قوة يصدر عنها فعل ~~من الأفعال فشأنها ذلك في فعلها، والدولة في ~~مركزها أشد مما يكون في الطرف والنطاق، وإذا انتهت ~~إلى النطاق الذي هو الغاية؛ عجزت وأقصرت عما ~~وراءه، شأن الأشعة والأنوار إذا انبعثت من ~~المراكز، والدوائر المنفسحة على سطح الماء من ~~النقر عليه» (ص162). ~~(5) # بينما يقرر ابن خلدون - من جهة - أن العصبية ~~ضرورية لتأسيس الدولة، يلاحظ - من جهة أخرى - أنها ~~قد تعرقل تأسيس الدولة، وذلك إذا كانت متعددة ~~ومتخالفة؛ لأنه يقول في عنوان فصل من الفصول: «إن ~~الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم ~~فيها دولة» (ص164)، ويعلل ذلك بالملاحظات ~~التالية: ~~«والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن ~~وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها؛ فيكثر ~~الانتقاض على الدولة، والخروج عليها في كل وقت، ~~وإن كانت ذات عصبية؛ لأن كل عصبية ممن تحت يدها ~~تظن في نفسها منعة وقوة» (ص164). # يستشهد ابن خلدون على ذلك بما حدث في «إفريقية ~~والمغرب منذ أول الإسلام». ~~«فإن ساكن هذه الأوطان من البربر أهل قبائل ~~وعصبيات، فلم يغن فيهم الغلب الأول شيئا، ~~وعادوا بعد ذلك إلى الثورة والردة مرة بعد أخرى، ~~وعظم إثخان المسلمين فيهم. ولما استقر الدين ~~عندهم؛ عادوا إلى الثورة والخروج، والأخذ بدين ~~الخوارج مرات عديدة» (ص164). لأن قبائلهم بالمغرب ~~كانت «أكثر من أن تحصى، وكلهم بادية وأهل عصائب ~~وعشائر، وكلما هلكت قبيلة عادت الأخرى إلى مكانها، ~~وإلى دينها من الخلاف والردة، فطال أمر العرب في ~~تمهيد الدولة بوطن إفريقية والمغرب» ~~(ص165). # وذلك يدل دلالة واضحة على أن «كثرة العصائب ~~والقبائل تحمل على عدم الإذعان والانقياد للدولة» ~~(ص164). # وبعكس ذلك فإن «الأوطان الخالية من العصبيات، ~~يسهل تمهيد الدولة فيها»؛ لأن سلطانها يكون ~~«وازعا لقلة الهرج والانتقاض، ولا تحتاج الدولة ~~فيها إلى كثير من العصبية» (ص156). # ويستشهد ابن خلدون على ذلك أولا بما حدث في ~~الشام والعراق في أول ms264 الإسلام؛ لم يكن هناك عندئذ ~~قبائل وعصائب مثل ما كان في إفريقية والمغرب، «لم ~~يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة ولا الشام، ~~وإنما كانت حاميتها من فارس والروم والكافة دهماء، ~~أهل مدن وأمصار، فلما غلبهم المسلمون على الأمر، ~~وانتزعوه من أيديهم؛ لم يبق فيها ممانع ولا مشاق» ~~(ص164). # كما يستشهد بأحوال مصر والشام والأندلس في عهد ~~كتابة المقدمة: ~~«إن ملك مصر في غاية الدعة والرسوخ؛ لقلة ~~الخوارج وأهل العصائب»، و«كذا أهل الأندلس لهذا ~~العهد (ص165)؛ فإن قطر الأندلس لقلة العصائب ~~والقبائل فيه، يغني عن كثرة العصبية في التغلب ~~عليهم» (ص166). # 3 ~~(1) # يلاحظ ابن خلدون بعض العلائق الهامة بين قوة ~~العصبية وبين أمور الديانة والدعوة الدينية أيضا، ~~فإنه يقول أولا: ~~«إن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم» ~~(ص159)؛ لأن هذه الدعوة تتضمن حمل الناس على ~~السير وفق ما تقتضيه الأوامر الدينية؛ ولذلك لا ~~تخرج عن نطاق الأمور التي تحتاج إلى عصبية. ~~«إن الشرائع والديانات وكل أمر يحمل عليه ~~الجمهور، فلا بد فيه من العصبية؛ إذ المطالبة لا ~~تتم إلا بها. فالعصبية ضرورية للملة» ~~(ص202). # يضيف ابن خلدون إلى هذا التعليل العقلي تعليلا ~~نقليا أيضا، إذ يقول: «وفي الحديث: ما بعث الله ~~نبيا إلا في منعة من قومه. وإذا كان هذا في ~~الأنبياء، وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ~~ظنك بغيرهم ألا تخرق لهم العادة في الغلب بغير ~~العصبية» (ص159). # ولا يكتفي ابن خلدون بهذه الدلائل العقلية ~~والنقلية، بل يستشهد على هذه القضية بوقائع ~~تاريخية؛ من فتنة طاهر في بغداد أيام الأمين ~~والمأمون، إلى خروج التوبذري في سوس، ودعوة العباس ~~في الغمارة، في العصر الذي عاش فيه المؤلف ~~نفسه. # يعتقد ابن خلدون أن بعض هؤلاء الدعاة كانوا ~~مخلصين في قيامهم، وكانوا يقصدون حقيقة إقامة الحق ~~والنهي عن المنكر، غير أنهم لم ينجحوا في دعوتهم؛ ~~لعدم معرفتهم ما تحتاج إليه مثل هذه الدعوات من ~~العصبية. # غير أنه يرى - في الوقت نفسه - أن أكثر هؤلاء ~~الدعاة كانوا موسوسين، أو مجانين، أو ملبسين، ~~وهؤلاء ms265 الأخيرون كانوا «يطلبون بمثل هذه الدعوة ~~رئاسة امتلأت بها جوانحهم، وعجزوا عن التوصل ~~إليها بشيء من أسبابها العادية، ~~فيحسون أن هذا ~~من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك، ~~ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة، فيسرع إليهم ~~القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة ~~مكرهم» (ص161). ~~(2) # بينما يقرر ابن خلدون - من جهة - ضرورة ~~العصبية للدعوة الدينية - كما أسلفنا، يلاحظ من ~~جهة أخرى نوعا من المشابهة بين تأثير الدين، وبين ~~تأثير العصبية في الحياة الاجتماعية: # لأن الديانة تؤلف القلوب، وتوجهها إلى «وجهة ~~واحدة»، وتذهب بالتنافس والتحاسد، وتؤدي إلى اتفاق ~~الأهواء، وتحمل على التعاون والتعاضد ~~(ص157). # وإذا تذكرنا ما قاله ابن خلدون عن الدور الذي ~~تلعبه العصبية في حمل الناس على التعاون والتعاضد؛ ~~فهمنا بكل جلاء أن عمل الدين في هذا الصدد يشبه ~~عمل العصبية؛ ولهذا السبب يقول ابن خلدون بصراحة ~~تامة: ~~«إن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة ~~على العصبية التي كانت لها من عددها» ~~(ص158). # كما يقول: «إن الاجتماع الديني يضاعف قوة ~~العصبية.» # فإذا حصل «الاجتماع الديني» في قوم من الأقوام ~~ضمن لهم التغلب على من هم أوفر عددا، وأقوى ~~عصبية منهم إذا ما فقد القوم بعدئذ هذا «الاجتماع ~~الديني»، وبتعبير آخر: «إذا حالت صبغة الدين ~~وفسدت» عند هؤلاء؛ زال التغلب الذي كان قد حصل ~~بفضل ذلك الاجتماع، وبتأثير تلك الصبغة؛ عندئذ ~~«ينتقض الأمر، فيصير الغلب على نسبة العصبية وحدها ~~دون زيادة الدين»؛ فتتغلب على «الدولة من كان ~~تحت يدها من العصائب المكافئة لها، أو الزائدة ~~القوة عليها»، بعد أن كانت الدولة المذكورة قد ~~«غلبتهم بمضاعفة الدين لقوتها»، على الرغم من أنهم ~~كانوا «أكثر عصبية وأشد بداوة منها» ~~(ص158). # يستشهد ابن خلدون على ذلك بوقائع تاريخية عديدة ~~كلها مستنبطة من تاريخ الإسلام، ويذكر على الأخص ~~«ما وقع للعرب في صدر الإسلام» بالقادسية ~~واليرموك، حيث غلبت جيوش المسلمين «جموع فارس ~~وجموع هرقل»، مع أن عددهم كان بضعة وثلاثين ~~ألفا، في حين أن جموع فارس كانت نحو مائة وعشرين ms266 ~~ألفا بالقادسية، وجموع هرقل كانت - على ما قاله ~~الواقدي - أربعمائة ألف باليرموك. # كما أنه يذكر ما حدث بين المصامدة وزنانة في ~~دولة الموحدين: ~~«لما كانت زناتة أبدى من المصامدة وأشد ~~توحشا، وكان للمصامدة الدعوة الدينية باتباع ~~المهدي، فلبسوا صبغتها، وتضاعفت قوة عصبيتهم، ~~فغلبوا على زناتة أولا فاستتبعوهم، وإن كانوا من ~~حيث العصبية والبداوة أشد منهم. فلما خلوا من تلك ~~الصبغة؛ انتفضت عليهم زناتة من كل جانب، وغلبوهم ~~على الأمر، وانتزعوه منهم» (ص158). ~~(3) # يتوسع ابن خلدون بوجه خاص في شرح تأثير الدين ~~بين القبائل البدوية العربية: # إن هذه القبائل العربية «أصعب الأمم انقيادا ~~بعضهم لبعض؛ للغلظة والأنفة وبعد الهمة، ~~والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، ~~فإذا كان الدين - بالنبوة أو الولاية - كان الوازع ~~لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، ~~وسهل انقيادهم واجتماعهم، وذلك بما يشملهم من ~~الدين المذهب للغلظة والأنفة، الوازع عن ~~التحاسد والتنافس.» # ومن الطبيعي أنه «إذا تألفت كلمتهم لإظهار ~~الحق تم اجتماعهم، وحصل التغلب والملك» ~~(ص151). # يظهر من ذلك أيضا أن الدين يؤثر - في نظر ابن ~~خلدون - تأثيرا مماثلا لتأثير العصبية في جمع ~~القبائل، وتأليف كلمتهم، وحملهم على التعاضد الذي ~~يضمن الغلبة والملك. ~~(4) # يتبين من التفصيلات التي سردناها آنفا أن ~~نظرية ابن خلدون في «علاقة العصبية بالدولة»، ~~ونظريته في «علاقة العصبية بالدين» يتمم بعضهما ~~بعضا، وتنسجمان تمام الانسجام في نطاق أنظومة ~~واسعة الخطوط. # إن الملك والدولة العامة إنما يحصلان بالقبيل ~~والعصبية. # إن الدعوة الدينية أيضا لا تتم من غير ~~عصبية. # إلا أن هذه الدعوة إذا ما تمت بمساعدة القوة ~~العصبية؛ ضاعفت تلك القوة، وجعلتها أقوى بكثير مما ~~كانت عليه قبلا. # ولهذا نجد أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في ~~أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من ~~عددها. # وكل ذلك يدل على أن أقوى الدول وأوسعها إنما ~~تتكون بانضمام الدعوة الدينية إلى قوة العصبية؛ ~~ولهذا يقول ابن خلدون بصراحة: ~~«إن الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، ~~أصلها الدين، إما من نبوة أو دعوة حق» ~~(ص157). ~~(إن نظرية ابن ms267 خلدون في الدولة بصورة عامة ~~مسرودة في الدراسة التي تلي هذه الدراسة.) # 4 # بعد أن استعرضنا آراء ابن خلدون في العصبية، ولخصنا نظريته ~~فيها وفي آثارها، يجدر بنا أن نتساءل: ما هو موقع هذه الآراء ~~وهذه النظرية، من مباحث علم الاجتماع الحديث؟ # كان البارون دو سلان - عندما نقل مقدمة ابن خلدون إلى ~~الفرنسية - قد ترجم كلمة العصبية بتعبير # Esprit ~~de corps ~~، إن هذا التعبير يدل في الأصل ~~على «روح التكاتف الذي يظهر بين الأشخاص المنتسبين إلى المهنة ~~الواحدة». إن كثيرين من علماء النفس وعلماء الاجتماع اتخذوا ~~ذلك موضوع أبحاث ودراسات خاصة، وكتبوا عنه الفصول المطولة. ~~وإذا نظرنا إلى آراء ابن خلدون في العصبية على ضوء تلك البحوث؛ ~~نضطر إلى التسليم بأن الآراء المذكورة تتضمن عدة ملاحظات ~~صائبة وهامة، وتنم عن نزعة علمية قوية في استقراء الحوادث ~~والوقائع، على اختلاف أنواعها. # غير أننا نلاحظ في الوقت نفسه أن التعبير الذي ترجم به ~~البارون دو سلان كلمة العصبية قاصر عن مقابلة مقاصد ابن خلدون ~~مقابلة كافية. # ولقد كان لاحظ «غوتيه» - الأستاذ في جامعة الجزائر - هذا ~~التقصير؛ فاقترح لذلك استبدال التعبير المذكور بتعبير آخر هو: # esprit de clan ~~. إن هذا ~~التعبير يدل - في الأصل - على «روح التكاتف الذي يظهر بين ~~أفراد القبيلة الواحدة، أو الطائفة الواحدة». # نحن لا نشك في أن التعبير الذي اقترحه غوتيه أقرب إلى معنى ~~العصبية من التعبير الذي كان قد اختاره البارون دو سلان في ~~ترجمة المقدمة، ومع هذا نعتقد أن هذا التعبير أيضا قاصر عن ~~أداء المفهوم الذي قصده ابن خلدون في النظرية التي سردناها ~~ولخصناها آنفا حق الأداء. # نحن نسلم بأن العصبية في أصلها نوع من ال # esprit de clan ~~، غير أننا ~~نلاحظ في الوقت نفسه أن ابن خلدون لم يستعمل هذه الكلمة ~~بمعناها اللغوي البحت، بل استعملها بمعنى أوسع من ذلك بكثير؛ ~~لأنه أدخل في نطاق مفهوم العصبية كثيرا من أنواع الروابط ~~الاجتماعية والظواهر التكاتفية. # ولهذا السبب يحق لنا أن نقول إن نظرية ابن خلدون في ms268 العصبية ~~هي بمثابة محاولة جريئة لدرس «الرابطة الاجتماعية» # le lien social # بوجه عام، و«التكاتف ~~الاجتماعي» # isprit de corps # بوجه خاص. # لا ننكر بأن هذه النظرية مشوبة بنقائص كبيرة، بالنظر إلى ما ~~نعرفه عن أفاعيل الحياة الاجتماعية في الحالة الحاضرة، ولكننا ~~لا نشك في أنها أوسع نطاقا من مفهوم ~~ال # solidarité sociale # أو ~~ال # esprit de clan ~~. # وأما نقائص هذه النظرية فمتولدة من «محدودية ساحة نظر» ابن ~~خلدون بحدود الحالة الاجتماعية والسياسية التي شاهدها وعاش ~~فيها، وبحدود الوقائع التاريخية التي اطلع على تفاصيلها وحاول ~~شرحها وتعليلها. # فإن البيئة الاجتماعية والسياسية التي عاش فيها ابن خلدون ~~كانت بيئة خاصة، تمت بصلات وثيقة إلى الحياة البدوية من جهة، ~~والحياة الحضرية من جهة أخرى. إنها كانت بيئة تجمع بين ~~الحواضر والبوادي؛ لأنها كانت تتألف من مدن وأمصار داخلة في ~~نطاق تأثير القبائل و«العشائر الرحالة»، أو قريبة من ميادين ~~فعالياتها؛ ولذلك كانت الدول القائمة فيها تتأثر تأثرا ~~شديدا من القبائل والعشائر، حتى إنها كثيرا ما كانت تتكون ~~وتنحل، وتتوسع وتتقلص، وتقوم وتنهار من جراء تألب ~~العشائر أو تشتتها. # لذلك لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن نظرية ابن خلدون كانت ~~نظرية موفقة إلى حد كبير في إظهار أوثق أنواع «الروابط ~~الاجتماعية»، وتعيين أهم أشكال «التكاتف الاجتماعي» في مثل تلك ~~البيئات الجغرافية، وتلك العهود التاريخية، وهي تدل على تفكير ~~فاحص ونافذ، محيط ومتعمق، في درس الحوادث الاجتماعية، وتعليل ~~الوقائع التاريخية، فلا بد لكل من يريد أن يتتبع تطور ~~الآراء الاجتماعية والسياسية، ويؤرخ نظريات الرابطة الاجتماعية ~~والتكاتف الاجتماعي، أن يخصص مقاما هاما جدا لنظرية ~~العصبية التي وضعها ابن خلدون قبل مدة تقرب من ستة ~~قرون. ~~••• # هذا ونحن نود أن نشير في هذا المقام إلى أمرين فرعيين من ~~الأمور التي استوقفت أنظارنا خلال هذا الدرس ~~والتحليل: ~~(أ) # كنا ذكرنا رأي ابن خلدون في «العصبية الكبرى» ~~المؤلفة من عصبيات متعددة، وقلنا إذا أردنا أن ~~نعبر عن رأي ابن خلدون في هذا الصدد بتعبيرات ~~عصرية؛ وجب أن نسمي العصبية الكبرى باسم ms269 ~~«العصبية المركبة»، والعصبيات الأخرى باسم ~~«العصبية البسيطة»؛ لأن كل عصبية تتألف - على ~~رأي ابن خلدون - من ترابط جماعة من الأفراد، غير ~~أن العصبيات أيضا يرتبط بعضها ببعض، وتكون ~~«عصبيات مركبة» من درجة أعلى. # فنود أن نشير هنا إلى العلاقة القوية الموجودة ~~بين رأي ابن خلدون في هذا الصدد، وبين رأي ~~الاجتماعي الفرنسي الشهير «إميل دوركهايم» في ~~«المجتمعات المركبة» # sociétés composées # و«المجتمعات الحلقية» # sociétés ~~polysegmentaires ~~. ~~(ب) # لقد أشار ابن خلدون في الفصل الذي يقرر «أن ~~الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك»، إلى ~~تأثير حالة الدولة المقارنة لوصول العصبية إلى ~~غايتها من القوة، وقال: «إن انتهت إلى قوتها «ولم ~~يقارن» ذلك هرم الدولة، وإنما «قارن» حاجتها إلى ~~الاستظهار». كما قال: «حصل الملك إما بالاستبداد ~~أو بالمظاهرة حسب ما يسعه «الوقت المقارن» لذلك» ~~(140). # إن هذه الملاحظة تذكرنا برأي المفكر المؤرخ ~~«هيبوليت تين» # H. ~~Taine # في عمل ال «آن» # le moment # في ~~التاريخ؛ لأن المفكر المومأ إليه حينما استعرض ~~عوامل التاريخ - السياسي والأدبي - أضاف إلى عامل ~~العرق (الرس) والبيئة - اللذين كانا استلفتا أنظار ~~الباحثين والمفكرين منذ مدة طويلة - عاملا ثالثا ~~أسماه باسم ال # moment ~~، بمعنى ~~«آن» و«زمان»، وقصد بذلك الإشارة إلى الأحوال التي ~~تختلف من زمان إلى زمان، على الرغم من عدم تغير ~~شيء من عاملي البيئة والعرق (الرس). # إن تعبير «الوقت المقارن» الذي ابتدعه ابن خلدون ~~في المواضع التي أشرنا إليها آنفا ربما كان أحسن ~~تعبير يقابل مفهوم ال # moment # على ~~رأي هيبوليت تن في هذا الصدد. # ولذلك لا نتردد في القول بأن ابن خلدون كان قد ~~لمح هذه الحقيقة الهامة قبل تن بمدة تزيد على خمسة ~~قرون. # | الدولة وتطوراتها # الدولة من المواضيع التي اعتنى ابن خلدون ببحثها اعتناء كبيرا، ~~لقد خصص ما يقرب من ثلث المقدمة لهذا البحث؛ فإن مباحث الباب ~~الثالث كلها تحوم حول «الدولة العامة والملك والخلافة والمراتب ~~السلطانية وما يعرض في ذلك كله من الأحوال»، ومن المعلوم أن هذا ~~الباب من أطول أبواب المقدمة؛ لأنه يتألف من ثلاثة ms270 وخمسين فصلا، ~~تقع في ثمانية وثمانين ومائة صفحة، زد على ذلك أن اثني عشر فصلا ~~من فصول الباب الثاني أيضا تمت بصلة قوية إلى أمور الدولة؛ لأنها ~~تبحث في منشأ الحكم وأسس الملك. # ابن خلدون يعرض ويشرح في هذه الفصول الكثيرة آراءه في كيفية ~~تأسس الدولة، وتوسعها وتقلصها، وانقسامها، وانقراضها، ~~وتطورها، ويستقصي أحوالها في كل دور من أدوارها وكل طور من ~~أطوارها، ويتحرى العوامل التي تؤثر في كل ذلك؛ بتفصيل واف ~~وتعمق كبير. # إننا حللنا وعرضنا آراء ابن خلدون في أسس الدولة في الدراستين ~~اللتين كتبناهما «عن طبيعة الاجتماع ومنشأ الحكم»، وعن «نظرية ~~العصبية»، فنود أن نتم هذا البحث هنا بدرس رأي ابن خلدون في ~~كيفية تطور الدول. ~~(1) نظرات تمهيدية ~~(1) # لا يعرف ابن خلدون الدولة، بل يتكلم عنها ~~كأنه يعتبرها من الأمور المعلومة والمفهومة التي ~~لا تحتاج إلى تعريف، وكثيرا ما يردفها بكلمة ~~«الملك»، ويقول في مواضع كثيرة جدا «الدولة ~~والملك»، ومع هذا يستدل من بعض العبارات التي ~~يكتبها أنه لا يعتبر هاتين الكلمتين مترادفتين ~~تمام الترادف، بل يستعمل كلمة الملك في بعض ~~المواضع بمعنى أخص من معنى كلمة الدولة، فيقول ~~لذلك عن بعض الأمراء إنهم «ملوك على قومهم، يدينون ~~بطاعة الدولة»: ~~«من كان فوقه حكم غيره كان ملكه ملكا ناقصا، ~~مثل أمراء النواحي ورؤساء الجهات الذين تجمعهم ~~دولة واحدة. وكثيرا ما يوجد هذا في الدولة ~~المتسعة النطاق، أعني يوجد ملوك على قومهم في ~~النواحي القاصية يدينون بطاعة الدولة التي جمعتهم، ~~مثل صنهاجة مع العبيديين، وزنانة مع الأمويين ~~تارة، والعبيديين تارة أخرى، ومثل ملوك العجم في ~~دولة بني العباس، ومثل ملوك الطوائف من الفرس مع ~~الإسكندر وقومه اليونانيين» (ص188). # يظهر من ذلك أن الدولة في نظر ابن خلدون هي ~~«الملك التام» الذي لا يكون فوقه حكم آخر، وأنها ~~قد تجمع تحت حكم واحد عدة أقوام، وعدة ملوك على ~~تلك الأقوام؛ ولهذا السبب كثيرا ما نرى ابن خلدون ~~يضيف إلى كلمة الدولة صفة «العامة»؛ للدلالة على ~~مقصوده هذا بوضوح أتم، فيقول ms271 «الدولة العامة» في ~~مواضع كثيرة؛ تمييزا لها عن «الدولة» على وجه ~~الإطلاق. # فنستطيع أن نقول: إن مفهوم الملك - في نظر ابن ~~خلدون - ينطبق على مفهوم «الدولة» تمام الانطباق، ~~ويختلف عن مفهوم «الدولة العامة» و«الدولة المتسعة ~~النطاق» بعض الاختلاف. # وأما مفهوم «الملك» نفسه فيعرفه ابن خلدون ~~في فصل الخلافة عندما يرى لزوما لتمييزه ~~منها: ~~«الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى ~~النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع ~~المضار.» ~~«والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ~~في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها» ~~(ص191). ~~(2) # يلاحظ ابن خلدون أهمية الدولة بالنسبة إلى ~~المجتمع، ويقرر أن الحياة الاجتماعية تستلزم ~~الملك والدولة؛ لأنه يقول: ~~«الدولة والملك للعمران (أي للاجتماع) بمثابة ~~الصورة للمادة، وهو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها، ~~وقد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك ~~أحدهما عن الآخر (أي انفكاك الصورة عن المادة)، ~~فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دون ~~الدولة والملك متعذر؛ لما في طباع البشر من ~~العدوان الداعي إلى الوازع» (ص376). # يشرح ابن خلدون هذا التأثير المتقابل - بين ~~الدولة والعمران - بعض الشرح، ويستعمل خلال هذا ~~الشرح تعبيرين جديدين؛ الدولة الكلية والدولة ~~الشخصية. يقصد ابن خلدون بالدولة الكلية: الدولة ~~في عهد أمة أو أسرة بأجمعها - على اختلاف أفراد ~~الملوك - في حين أنه يقصد بالدولة الشخصية: الدولة ~~في عهد ملك واحد من ملوك القوم، أو من أفراد ~~الأسرة المالكة، إذ يقول: ~~«فإذا كان «الملك والعمران» لا ينفكان، ~~فاختلال أحدهما مؤثر في اختلال الآخر، كما أن ~~عدمه مؤثر في عدمه.» ~~«والخلل العظيم إنما يكون في خلل الدولة الكلية، ~~مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم، أو ~~بني أمية أو بني العباس كذلك، وأما الدولة ~~الشخصية - مثل دولة أنوشروان أو هرقل أو عبد الملك ~~بن مروان أو الرشيد - فأشخاصها متعاقبة على ~~العمران، حافظة لوجود بقائه، وقريبة الشبه بعضها ~~من بعض. فلا يؤثر اختلالها في العمران تأثيرا ~~كبيرا؛ لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة ~~العمران، إنما هي العصبية والشوكة، وهي مستمرة على ~~أشخاص الدولة، ms272 فإذا ذهبت تلك العصبية ودفعتها ~~عصبية أخرى مؤثرة في العمران؛ ذهب أهل الشوكة ~~بأجمعهم، وعظم الخلل» (ص371). # غير أن ابن خلدون لا يعود إلى استعمال هذين ~~التعبيرين في موضع آخر غير الموضع الذي ~~ذكرناه. ~~(3) # إن الدولة - في نظر ابن خلدون - لا تبقى طول ~~حياتها على حالة واحدة، بل إنها تتطور تطورا ~~مستمرا من نشأتها إلى انقراضها - من تمهيد أمرها ~~إلى اختلال أحوالها وزوال كيانها - إن هذا ~~التطور يشمل نواحي عديدة، ويحدث في اتجاه معين ~~وفق نظام ثابت؛ فإن كل دولة تنتقل من حالة إلى ~~حالة ومن طور إلى طور، وهذه الحالات وهذه الأطوار ~~تتوالى على وتيرة واحدة، تشمل جميع الدول في جميع ~~الأقطار وجميع الأدوار بلا استثناء. # يتبع ابن خلدون التطورات التي تطرأ على الدول ~~من ناحيتين أساسيتين: ~~(أ) # التطورات التي تحدث في الدولة من ~~ناحية الأحوال العامة والأخلاق. ~~(ب) # التطورات التي تحدث في الدولة من ~~ناحية العظم واتساع النطاق. # يقرر ابن خلدون - من الناحية الأولى - أن كل ~~دولة تنتقل في أطوار مختلفة، لا تعدو في الغالب ~~الخمسة؛ الأول: طور الظفر بالبغية، الثاني: طور ~~الانفراد بالمجد، الثالث: طور الفراغ والدعة، ~~الرابع: طور القنوع والمسالمة، والخامس: طور ~~الإسراف والتبذير. # ويقرر - من الناحية الثانية - أن كل دولة يتسع ~~نطاقها أولا إلى نهايته، ثم يأخذ هذا النطاق في ~~التقلص والتضايق طورا بعد طور، إلى فناء الدولة ~~واضمحلالها. ~~(4) # إن نظرية ابن خلدون في أطوار الدول وفي اتساع ~~نطاقها، تستند - في حقيقة الأمر - إلى نظرية أخرى ~~هي نظرية عمر الدولة، غير أن هذه النظرية أيضا ~~تستند إلى نظرية أخرى أعم منها هي «نظرية ~~الحسب». # ولذلك يجدر بنا أن ندرس هاتين النظريتين قبل أن ~~نمعن النظر في نظرية تطور الدول ~~نفسها. ~~(2) عمر الدولة ~~(1) # يقرر ابن خلدون في أحد فصول الباب الثاني «أن ~~نهاية الحسب في العقب الواحد أربعة آباء» (ص136)، ~~ويشرح هذه القضية ويعللها كما يأتي: ~~«الحسب من العوارض التي تعرض للآدميين، فهو ~~كائن فاسد لا محالة» (ص136). وبتعبير آخر: هو حادث ~~وزائل حتما، إنه يكون ms273 ثم يفسد، يحدث ثم ~~يزول. ~~«فإن كل رئاسة وشرف وحسب تسبقه - حتما - حالة ~~من الضعة والابتذال وعدم الحسب» (ص137). كما ~~أنه ينتهي في آخر الأمر إلى الضعة والابتذال ~~وعدم الحسب، وهذا الحسب يستمر عادة من أربعة ~~أجيال، وينتهي في أربعة آباء. # وذلك لأن «باني المجد عالم بما عاناه في بنائه، ~~ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه ~~وبقائه. # وابنه من بعده مباشر لأبيه، فقد سمع منه ذلك ~~وأخذه عنه، إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع ~~بالشيء عن المعاين له. # ثم إن جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد ~~خاصة، فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن ~~المباشر. # ثم إن جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة، وأضاع ~~الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها، وتوهم أن ~~ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف، وإنما هو ~~أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم، وليس ~~بعصابة ولا بخلال.» إنه يتوهم ذلك «لما يرى من ~~التجلة بين الناس»، من غير أن يعلم «كيف كان ~~حدوثها ولا سببها»، ويذهب إلى أن سبب ذلك هو ~~«النسب فقط، فيربأ بنفسه عن أهل عصبيته، ويرى ~~الفضل له عليهم؛ وثوقا بما ربي فيه من ~~استتباعهم، وجهلا بما أوجب ذلك الاستتباع من ~~الخلال»، ولا يدرك أن من تلك الخلال «التواضع لهم، ~~والأخذ بمجامع قلوبهم»؛ فيحتقرهم لذلك. ومن ~~الطبيعي أن هذا السلوك الذي يسلكه نحوهم يضطرهم ~~إلى تغيير سلوكهم نحوه، إنهم «ينغصون عليه ~~ويحتقرونه ويديلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن ~~فروعه في غير ذلك العقب»؛ وذلك إذعانا لعصبيتهم ~~«بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله»؛ ولهذا السبب ~~«تنمو فروع هذا وتذوي فروع الأول، وينهدم بناء ~~بيته» (ص137). # إن هذا القانون يشمل - على رأي ابن خلدون - جميع ~~أنواع الحسب؛ فيصح في الملوك كما يصح في بيوت ~~القبائل والأمراء وأهل العصبية أجمع، كما أنه يشمل ~~بيوت أهل الأمصار أيضا. # ومع هذا يصرح ابن خلدون أن «اشتراط الأربعة في ~~الأحساب إنما هو في الغالب، وإلا فقد يندثر البيت ~~من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم، وقد يتصل ms274 أمرها ~~إلى الخامس والسادس»، إلا أن ذلك يكون في حالة ~~«انحطاط وذهاب». # إن هذه الأجيال الأربعة بمثابة الباني، ~~والمباشر، والمقلد، والهادم (ص137). ~~(2) # بما أن ابن خلدون كان يقول بصحة نظرية الحسب هذه ~~بالنسبة إلى جميع أنواع البيوت - بما فيها البيوت ~~المالكة - وبما أنه كان يعتقد في الوقت نفسه أن ~~الدول تقوم - بوجه عام - على عواتق البيوت ~~المالكة؛ كان من الطبيعي أن يطبق أسس هذه ~~النظرية على حياة الدول أيضا. # فإنه يقرر في فصل من فصول الباب الثالث «أن ~~الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص» (ص170-171)، ~~ويذهب إلى «أن عمر الدولة لا يعدو في الغالب ثلاثة ~~أجيال»، ويشرح رأيه هذا، ويعلله كما يلي: ~~«لأن الجيل الأول لم يزالوا على خلق البداوة ~~وخشونتها ووحشتها، من شظف العيش والبسالة ~~والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك ~~سورة العصبية محفوظة فيهم، فحدهم مرهف ~~وجانبهم مرهوب والناس لهم مغلوبون.» # وأما الجيل الثاني فقد «تحول حالهم بالملك ~~والترفه من البداوة إلى الحضارة، ومن الشظف إلى ~~الترف والخصب، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد ~~الواحد وكسل الباقين عن السعي فيه، ومن عز ~~الاستطالة إلى ذل الاستكانة، فتنكسر سورة ~~العصبية بعض الشيء، وتؤنس منهم المهانة والخضوع»، ~~ومع هذا «يبقى لهم الكثير من ذلك، بما أدركوا من ~~الجيل الأول وباشروا أحوالهم وشاهدوا اعتزازهم ~~وسعيهم إلى المجد، ومراميهم في المدافعة والحماية؛ ~~فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب» ~~(ص170-171). # زد على ذلك أنهم «يكونون على رجاء من مراجعة ~~الأحوال التي كانت للجيل الأول، أو على ظن من ~~وجودها فيهم» (ص171). ~~«أما الجيل الثالث، فينسون عهد البداوة ~~والخشونة كأن لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية ~~بما هم فيه من ملكة القهر، ويبلغ فيهم الترف ~~غايته بما يتبنقوه من النعيم وغضارة العيش، ~~فيصيرون عالة على الدولة، ويفقدون «العصبية ~~بالجملة، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة». في ~~الواقع إنهم يحاولون التظاهر بمظهر القوة؛ ~~«يلبسون على الناس في الشارة والزي وركوب الخيل، ~~وحسن الثقافة، يموهون بها، وهم في الأكثر أجبن من ~~النساء على ms275 ظهورها.» ~~«فإذا جاء المطالب لهم» - أي إذا قام قائم عليهم ~~- «لم يقاوموا مدافعته»، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ ~~إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة، ويستكثر ~~بالموالي، ويصطنع من يغني عن «أهل» الدولة بعض ~~الغناء ، حتى يتأذن الله بانقراضها؛ فتذهب الدولة ~~بما حملت. ~~«هذه ثلاثة أجيال، فيها يكون هرم الدولة ~~وتخلقها؛ ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل ~~الرابع، كما مر من أن المجد والحسب إنما هو أربعة ~~آباء.» # إن عمر هذه الأجيال الثلاثة يبلغ مائة وعشرين ~~سنة على وجه التقريب، «ولا تعدو الدول في الغالب ~~هذا العمر، إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان ~~المطالب»، وفي هذه الحالة يكون الهرم حاصلا ~~ومستوليا، والطالب لم يحضرها، ولو قد جاء الطالب ~~لما وجد مدافعا، ولانقرضت الدولة وزالت من عالم ~~الوجود. # إن «هذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص، من ~~التزيد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن الرجوع؛ ولهذا ~~يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة ~~مائة سنة» (ص171). ~~(3) # لا مجال للإنكار أن الآراء التي يسردها ابن ~~خلدون في هذا الصدد - والنظرية التي يضعها على هذا ~~المنوال - طريفة وممتعة جدا، زد على ذلك أنها ~~تنطوي على نظرة فلسفية أيضا؛ لأنها تقرر أن ~~الدولة كائن حي، يتطور على الدوام وفق نظام ~~ثابت، كما تتطور جميع الكائنات الحية. # غير أن هذه النظرية - على الرغم من طرافتها - لا ~~تنطبق على الحقائق الواقعة كثيرا؛ لأنها تحصر ~~الحسب عادة في أربعة آباء، وتقول بانقراض الدولة ~~في الجيل الرابع، وتقرر أن عمر الدولة يكون في ~~الغالب مائة وعشرين سنة. ومن الواضح أن كل ذلك مما ~~لا ينطبق إلا على بعض الدويلات البدوية وملوك ~~الطوائف الصغيرة، وأما الدول الكبيرة، فتواريخها ~~لا تؤيد أبدا النتائج التي يتوصل إليها ابن ~~خلدون في نظريته هذه. # غير أننا نلاحظ أن ابن خلدون نفسه كتب في عدة ~~فصول من المقدمة ما يناقض هذه النظرية، أو ما ~~يصححها ويكملها: ~~(أ) # يقول ابن خلدون في الفصل الذي ~~يقرر أنه «إذا تحكمت طبيعة الملك من ~~الانفراد بالمجد وحصول ms276 الترف والدعة؛ ~~أقبلت الدولة على الهرم» ~~(ص168-170): ~~«ربما يحدث في الدولة إذا طرقها ~~الهرم بالترف والراحة، أن يتخير صاحب ~~الدولة أنصارا وشيعة من غير جلدتهم، ممن ~~تعود الخشونة، فيتخذهم جندا يكون أصبر ~~على الحرب وأقدر على معاناة الشدائد من ~~الجوع والشظف، ويكون ذلك دواء للدولة من ~~الهرم الذي عساه أن يطرقها» ~~(ص169). # ثم يستشهد على ذلك ببعض الأمثلة ~~التاريخية، وبعد ذلك يختتم الفصل المذكور ~~بقوله: «فتستجد الدولة بذلك عمرا ~~آخر سالما من الهرم» (ص170). # إن العبارة الأخيرة يجب أن تستوقف ~~الأنظار؛ إذ من الواضح أن «العمر الآخر» ~~إذا انضم إلى العمر الأول يؤدي إلى ~~إطالة عمر الدولة فيجعله أطول من المدة ~~المقررة في النظرية الأصلية. # نحن نلمح في هذه العبارة رأيا لابن ~~خلدون مكملا ومصححا لرأيه المسرود ~~في النظرية الآنفة الذكر. ~~(ب) # يشير ابن خلدون في أحد الفصول ~~الناقصة في طبعات البلاد العربية - وهو ~~الفصل المتعلق باتساع نطاق الدولة - إلى ~~إمكان تجديد الدولة: ~~«يضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت ~~إليه في أولها، وترجع العناية في تدبيرها ~~بنطاق دونه، إلى أن يحدث في النطاق الثاني ~~ما حدث في الأول بعينه، فيذهب القائم ~~بالدولة إلى تغيير القوانين التي كانت ~~عليها سياسة الدولة.» ~~«إن كل واحد من هؤلاء المغيرين ~~للقوانين قبلهم كأنهم منشئون دولة أخرى ~~ومجددون» (طبعة كاترمير، ج2، ~~ص155). # ومن الواضح أن «تجديد الملك» الذي ~~يكون بمثابة «إنشاء دولة أخرى» يتضمن ~~إكساب الدولة عمرا جديدا. ~~(ج) # يقول ابن خلدون في فصل طروق الخلل ~~للدولة - حينما يتكلم عن انقسام ~~الدولة: ~~«تضعف الدولة المنقسمة كلها، وربما ~~طال أمدها بعد ذلك، فتستغني عن العصبية ~~بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل ~~أيالتها، وهي صبغة الانقياد والتسليم منذ ~~السنين الطويلة التي لا يعقل أحد من ~~الأجيال مبدأها ولا أوليتها، فلا يعقلون ~~إلا التسليم لصاحب الدولة» (ص296). # يلاحظ أن ابن خلدون يقرر هنا ~~إمكان طول أمد الدولة عند استغنائها عن ~~العصبية، ويشير إلى السنين الطويلة التي ~~لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا ~~أوليتها. من البديهي ms277 أن هذه العبارات لا ~~يمكن أن تنصرف إلى المدة المقررة في فصل ~~عمر الدولة. ~~(د) # يعطينا ابن خلدون دستورا صريحا ~~لتعيين «أمد الدولة» في الفصل الذي يقرر ~~أن «عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها ~~على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة» ~~(ص163-164)، وهذا الدستور لا يتفق مع ~~المائة والعشرين سنة المذكورة في فصل عمر ~~الدولة. # يوضح ابن خلدون رأيه في هذا الصدد ~~كما يلي: ~~«أما طول أمدها أيضا فعلى تلك ~~النسبة (أي على نسبة القائمين بها في ~~القلة والكثرة)؛ لأن عمر الحادث من قوة ~~مزاجه، ومزاج الدول إنما هو بالعصبية، ~~فإذا كانت العصبية قوية؛ كان المزاج ~~تابعا لها، وكان أمد العمر طويلا. ~~والعصبية إنما هي بكثرة العدد ووفوره كما ~~قلناه» (ص163). # ثم يزيد ذلك إيضاحا وتعليلا ~~بقوله: ~~«والسبب الصحيح في ذلك أن النقص ~~إنما يبدو في الدولة من الأطراف، فإذا ~~كانت ممالكها كثيرة؛ كانت أطرافها بعيدة ~~عن مركزها وكثيرة، وكل نقص يقع لا بد له ~~من زمن. فتكثر أزمان النقص لكثرة الممالك ~~واختصاص كل واحد منها بنقص وزمان، فيكون ~~أمدها طويلا. وانظر ذلك في دولة العرب ~~الإسلامية كيف كان أمدها أطول، لا بنو ~~العباس أهل المركز، ولا بنو أمية ~~المستبدون في الأندلس، لم ينقص أمر جميعهم ~~إلا بعد الأربعمائة من الهجرة، ودولة ~~العبيدين كان أمدها قريبا من مائتين ~~وثمانين سنة، ودولة الموحدين لهذا العهد ~~تناهز مائتين وسبعين» (ص164). # وفي الأخير يكرر ابن خلدون ~~القاعدة التي وضعها في هذا الصدد بصراحة ~~تامة: ~~«وهكذا نسب الدولة في أعمارها على ~~نسبة القائمين بها، سنة الله قد خلت في ~~عباده» (ص164). # يلاحظ أن ابن خلدون يتباعد هنا عن ~~مبدأ الأجيال الثلاثة أو الأربعة، وعن مدة ~~المائة والعشرين سنة تباعدا ~~كبيرا. ~~(4) # إن الباحثين الذين درسوا نظريات ابن خلدون ~~تكلموا كثيرا عما دونه في فصل عمر الدولة، ~~ولكنهم قلما لاحظوا ما جاء حول هذا الموضوع في ~~الفصول الأخرى. # إن الفرق بين أحكام الفصل المذكور وبين مقتضيات ~~تلك الفصول كبير جدا، فيجدر بنا أن نتساءل: هل ~~يجب ms278 علينا أن نعتبر الآراء الأخيرة مناقضة ~~للأولى؟ أم يجب علينا أن نعتبرها متممة ~~ومكملة لها؟ إننا نميل إلى ترجيح الشق الثاني؛ ~~فإن النظرية التي وضعها ابن خلدون عن عمر الدولة، ~~إنما تستند إلى ملاحظاته حول تطور أحوال العصبية ~~بتوالي الأجيال. وبما أن ابن خلدون يقرر ~~مبدئيا «أن الدولة قد تستغني عن العصبية، فإن ~~الدولة التي تصل إلى طور الاستغناء عن العصبية يجب ~~أن تخرج عن مصداق نظرية العمر التي ~~ذكرناها. # فيحق لنا أن نقول: إن النظرية الأولى - أي نظرية ~~العمر - تتعلق بالدول العادية، وأما النظرية ~~الأخيرة - أي نظرية الأمد - فتحوم حول أحوال ~~«الدول العامة»، و«الدول المتسعة النطاق»، كما يحق ~~لنا أن نقول لذلك: إن ابن خلدون نفسه قد صحح ~~وكمل نظريته الأولى بنظريته الأخيرة. # ولكن هل كتب ابن خلدون هذه الفصول المختلفة منذ ~~البداية، ووضع هاتين النظريتين في وقت واحد؟ أم ~~أنه توصل إلى الأخيرة بعد مرور مدة على توصله ~~إلى الأولى؟ إننا لا نجد مجالا للإجابة على هذا ~~السؤال ما لم ندرس نسخ المقدمة ونقارنها - على ~~طريقة النقد الخارجي - وفقا للخطة التي كنا ~~رسمناها في الدراسة التي كتبناها عن تاريخ كتابة ~~المقدمة. ~~(3) أطوار الدولة # يعرض ابن خلدون نظريته في تطور الدول من وجهة الأحوال ~~العامة والأخلاق - بصورة مجملة - في فصل خاص من فصول الباب ~~الثالث؛ هو فصل «أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها ~~باختلاف الأطوار» (ص175)، ولكنه يتكلم - قبل هذا الفصل ~~الإجمالي العام - عن كل طور من تلك الأطوار، وكل حالة من تلك ~~الأحوال، في فصل خاص، أو في عدة فصول. # مثلا إن الفصل الذي يقرر «أن من طبيعة الملك الانفراد ~~بالمجد» (ص161)، إنما يشرح - في حقيقة الأمر - طورا من أطوار ~~الدولة، هو الطور الذي ينعت في الفصل الإجمالي المذكور ~~باسم «الطور الثاني». وأما الفصول الثلاثة التي تلي ذلك، ~~والتي تقرر «أن من طبيعة الملك الترف» (ص167)، وأن «من طبيعة ~~الملك الدعة والسكون» (ص167)، و«أنه إذا تحكمت طبيعة الملك ~~من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة؛ أقبلت الدولة على ~~الهرم» ms279 (ص167)؛ «فهي تشرح وتعلل الأحوال التي ترافق الطور ~~المذكور. فهذه الفصول الأربعة يجب أن تقرأ ككل، ويجب ألا ~~يغرب عن البال أن فصل الأطوار يستند - في حقيقة الأمر - إلى ~~أبحاث هذه الفصول الأربعة، ويلخصها نوعا ما. # وأما الفصول التي تقرر «أن الغاية التي تجري إليها ~~العصبية هي الملك» (ص139)، و«أن الملك والدولة العامة إنما ~~يحصلان بالقبيل والعصبية» (ص154)، و«أن من عوائق الملك حصول ~~الترف وانغماس القبيل في النعيم» (ص140)، و«أن من علامات الملك ~~التنافس في الخلال الحميدة» (ص142)؛ فكلها تشرح الطور الأول من ~~الأطوار المذكورة، وهو الطور الذي يسميه ابن خلدون باسم «طور ~~الظفر بالبغية». # وأما مباحث الفصول التي تقرر «أن الدولة لها أعمار كما ~~للأشخاص» (ص170)، و«أن الترف يزيد الدولة في أولها قوة على ~~قوتها» (ص174)، والتي تشرح كيفية «انتقال الدولة من البداوة ~~إلى الحضارة» (ص172)، و«استظهار صاحب الدولة على قومه وأهل ~~عصبيته بالموالي والمصطنعين» (ص183)؛ كلها تمت بصلة قوية ~~لهذا الموضوع، وتتمم نظرية ابن خلدون في أطوار ~~الدولة. # ثم إن مباحث الفصل الذي يقرر «أن الهرم إذا نزل بالدولة لا ~~يرتفع» (ص293)، والذي يشرح «كيفية طروق الخلل للدولة» (ص294)، ~~توضح آراء ابن خلدون في هذا الصدد تمام الإيضاح. كما أن ~~مباحث الفصل الذي يقرر «أن الدولة المستجدة إنما تستولي على ~~الدولة المستقرة بالمطاولة لا بالمناجزة» (ص297)، أيضا تمت ~~إلى موضوع أطوار الدولة بصلات قوية. ~~••• # يقرر ابن خلدون في فصل «أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق ~~أهلها باختلاف الأطوار» (ص175-177): ~~«إن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متجددة، ويكتسب ~~القائمون بها في كل طور خلقا من أحوال ذلك الطور، لا يكون ~~مثله في الطور الآخر.» # ويقول: «إن حالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة ~~أطوار.» # ثم يشرح الأحوال التي يمتاز بها كل طور من هذه الأطوار، ~~والأخلاق التي تنشأ عن طور منها. ~~(1) # الطور الأول: هو طور الظفر بالبغية؛ في هذا ~~الطور يتم تأسيس الدولة بانتزاع الملك من أيدي ~~الدولة السابقة، وبالتغلب على المدافعين عنها ~~(ص175)، ومن المعلوم أن ذلك ms280 لا يتيسر إلا بقوة ~~العصبية، وصاحب الدولة الجديدة «إنما ينال الملك ~~بمعاضدة قومه وعصابته وظهرائه على شأنه»؛ ولذلك ~~يضطر إلى محاسنتهم، ويعتد عليهم، «وبهم يقارع ~~الخوارج على دولته، ومنهم يقلد عمال مملكته ~~ووزراء دولته وجباة أمواله؛ لأنهم أعوانه على ~~الغلب، وشركاؤه في الأمر، ومساهموه في سائر ~~مهماته» (ص183). فيكون الملك في هذا الطور «أسوة ~~قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن ~~الحوزة والحماية، لا ينفرد دونهم بشيء؛ لأن ذلك هو ~~مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لم تزل ~~بعد على حالتها الأصلية» (ص175). # وخلاصة القول: يكون الحكم - في هذا الطور - ~~مشتركا نوعا ما بين الملك وبين قومه ~~وعشيرته. ~~(2) # غير أن هذا الطور لا بد أن يتبعه - بعد مدة - ~~طور ثان، هو طور «الانفراد بالمجد». # فإن صاحب الدولة بعد أن ينال الملك بمعاضدة ~~قومه، ينزع إلى الاستبداد عليهم، ويسعى إلى ~~الانفراد بالمجد دونهم: ~~«يأنف صاحب الدولة من المساهمة والمشاركة في ~~استتباع أهل العصبية، وينفرد بالحكم ما استطاع إلى ~~ذلك سبيلا، حتى لا يترك لأحد منهم من الأمر لا ~~ناقة ولا جملا، فينفرد بذلك المجد بكليته، ~~ويدفعهم من مساهمته» (ص167). ويوصل الأمر إلى درجة ~~قتل «وإهلاك من استراب به من قرابته المرشحين ~~لمنصبه» (ص292). # من الطبيعي أن ذلك لا يتم بسهولة، ولا من غير ~~منازعة؛ لأن ظهراء صاحب الدولة الذين ساهموا في ~~تأسيس الملك هم أيضا ينزعون إلى الاحتفاظ ~~بمكانتهم، إنهم يسعون إلى الاستمرار في مشاركته في ~~المجد، ومساهمته في ثمرات الملك، فيحدث بينهم ~~وبينه ما يشبه العداء. إنهم كانوا ظهراءه وكانوا ~~«يستطيبون الموت في بناء مجدهم، ويؤثرون الهلكة ~~على فساده» (ص168)، ولكن «إذا انفرد الواحد منهم ~~بالمجد وقرع عصبتهم وكبح من أعنتهم، واستأثر ~~بالأموال دونهم؛ انقطعوا عن مساعدته»، هذا إذا لم ~~يخرجوا عليه. # وصاحب الدولة لا يستطيع أن يتغلب على هذه ~~المشاكل، ويستظهر على هؤلاء الممانعين إلا ~~بالموالي والمصطنعين، فيحتاج إلى أولياء آخرين «من ~~غير جلدتهم» (ص183). «فيعنى بوجه خاص باصطناع ~~الرجال، واتخاذ الموالي، والاستكثار من ذلك لجدع ~~أنوف ms281 أهل عصبيته وعشيرته، وصدهم عن موارده، وردهم ~~على أعقابهم، وكبحهم عن التطاول للمساهمة ~~والمشاركة» (ص175)، ويعاني من مدافعتهم ومغالبتهم ~~«ما عاناه الأولون في طلب الأمر» وتأسيس الملك، بل ~~أشد من ذلك؛ «وذلك لأن الأولين دافعوا الأجانب ~~فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم»، ~~في حين أن هذا «يدافع الأقارب، ولا يظاهره على ~~مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد، فيركب صعبا من ~~الأمور» (ص176). # كان في الطور الأول أهل العصبية بأجمعهم ظهراء ~~لصاحب الدولة، وأما في الطور الجديد فتنقلب ~~الأمور رأسا على عقب؛ فإن أقارب صاحب الدولة ~~ينقبلون عليه، ويعارضون أعماله، ولا يظاهره إلا ~~الأقل من الأباعد. ~~«صار أعوانه السابقون في حقيقة الأمر من بعض ~~أعدائه، واحتاج في مدافعتهم عن الأمر وصدهم عن ~~المشاركة إلى أولياء آخرين من غير جلدتهم، يستظهر ~~بهم عليهم، ويتولاهم دونهم؛ فيكونون أقرب إليه ~~من سائرهم، وأخص به قربا واصطناعا، وأولى ~~إيثارا وجاها؛ لما أنهم يستميتون دونه في مدافعة ~~قومه عن الأمر الذي كان لهم، والرتبة التي ~~ألفوها في مشاركتهم، فيستخلصهم صاحب الدولة، ~~ويخصهم بمزيد التكرمة والإيثار، ويقسم لهم مثل ما ~~للكثير من قومه، ويقلدهم جليل الأعمال والولايات ~~من الوزارة والقيادة والجباية» (ص183). # إن أهل الدولة يحقدون عليه من جراء كل ذلك؛ ~~«فيضطغنون عليه، ويتربصون به الدوائر» ~~(ص183). # إن هذا التنازع الذي يحدث بين صاحب الدولة وبين ~~ظهرائه الأولين يستمر مدة من الزمن، إلى أن ينتصر ~~صاحب الدولة عليهم، وينفرد بالمجد دونهم. # إن ذلك «قد يتم للأول من ملوك الدولة، وقد لا ~~يتم إلا للثاني والثالث»، وذلك «على قدر ممانعة ~~العصبيات وقوتها، إلا أنه أمر لا بد منه في الدول» ~~(ص167). ~~(3) # وإذا تم تغلب صاحب الدولة على ظهرائه ~~الأولين، وانفرد بالمجد بلا مانع؛ دخلت الدولة في ~~الطور الثالث، وهو «طور الفراغ والدعة»: ~~«طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع ~~طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار ~~وبعد الصيت، فيستفرغ» صاحب الدولة «وسعه في ~~الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد ~~فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة ms282 ~~والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة، وإجازة ~~الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل، وبث المعروف ~~في أهله، هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في ~~أحوالهم بالمال والجاه، واغتراض جنوده وإدرار ~~أرزاقهم وإنصافهم في أعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر ~~أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكبهم وشاراتهم يوم ~~الزينة، فيباهي بهم الدول المسالمة، ويرهب ~~الدول المحاربة» (ص176). # يكون أهل الدولة - في هذا الطور - قد تخلصوا ~~من «المتاعب التي كانوا يتكلفونها في طلب الملك، ~~وآثروا الراحة والسكون والدعة، ورجعوا إلى تحصيل ~~ثمرات الملك من المباني والمساكن والملابس، فيبنون ~~القصور، ويجرون المياه، ويغرسون الرياض، ~~ويستمتعون بأحوال الدنيا، ويؤثرون الراحة على ~~المتاعب، ويتأنقون في أحوال الملابس والمطاعم ~~والآنية والفرش ما استطاعوا، ويألفون ذلك ويورثونه ~~«من يأتي» من بعدهم من أجيالهم» (ص167). # إن هذا الطور هو آخر أطوار الاستبداد من أصحاب ~~الدولة؛ لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون ~~بآرائهم، بانون لعزهم، موضحون الطرق لمن «يأتي» ~~بعدهم» (ص176). ~~(4) # عندئذ يبدأ الطور الرابع، وهو طور «القنوع ~~والمسالمة»: ~~«يكون صاحب الدولة في هذا الطور قانعا بما بنى ~~أولوه، سلما لأنظاره من الملوك وأقتاله، مقلدا ~~للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ~~ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن في ~~الخروج عن تقليدهم فساد أمره»، ويعتقد «أنهم أبصر ~~بما بنوا من مجده» (ص176). # فيترك التعب والكد في توسيع الصيت والمجد، ~~وينصرف إلى التنعم من نعم الحالة التي ورثها من ~~أجداده. ~~(5) # ولكن هذا الطور إذا بدأ لا بد أن يؤدي بعد مدة ~~إلى طور آخر، هو طور التبذير والإسراف: ~~«يكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع ~~أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على ~~بطانته وفي مجالسه»، إنه يقرب من يخدم شهواته، ~~ويغدق عليه العطاء، ويقلده عظائم الأمور، ويبعد ~~صنائع سلفه «حتى يضطغنوا عليه، ويتخاذلوا عن ~~نصرته». إن ما ينفقه على شهواته وملاذه يضطره إلى ~~تقليل أعطيات جنده، وكل ذلك يؤدي إلى قلة عدد ~~الجنود من جهة، وفساد حالتهم من جهة أخرى. # وخلاصة القول: إن صاحب الدولة في هذا الطور يكون ms283 ~~«مخربا لما كان سلفه يؤسسون، وهادما لما ~~كانوا يبنون.» # ولهذا السبب تحصل في الدولة في هذا الطور «طبيعة ~~الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد ~~تخلص منه، ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض» ~~(ص176). ~~(6) # من المعلوم أن ابن خلدون شبه عمر الدول بعمر ~~الأشخاص، فقال: إن ~~الدول - ~~كالأشخاص - تنتقل في حياتها من سن التزيد إلى سن ~~الوقوف، ثم إلى سن الرجوع. # وإذا نظرنا إلى الأطوار الخمسة الآنفة الذكر من ~~هذه الوجهة؛ وجدنا أن دور التزيد في الدولة ~~ينحصر في الطورين الأوليين، وأما الطور الثالث ~~فيوافق سن الوقوف، والطوران الأخيران يشبهان سن ~~الرجوع. # ومع ذلك فإن عوامل الخلل تبدأ في الظهور ~~والتأثير منذ الطور الثاني. # يدرس ابن خلدون هذه العوامل على حدة في فصل من ~~فصول الباب الثالث؛ هو فصل «كيفية طروق الخلل ~~للدولة» (ص294-297). # يبدأ الفصل المذكور بتقرير المبدأ ~~التالي: ~~«إن مبنى الملك على أساسين لا بد منهما؛ فالأول: ~~الشوكة والعصبية، وهو المعبر عنه بالجند، ~~والثاني: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ~~ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.» ~~«والخلل إذا طرق للدولة طرقها من هذين ~~الأساسين.» # وبعد تقرير هذا المبدأ يأخذ ابن خلدون في شرح ~~كيفية طروق الخلل للدولة، من كل واحد من هذين ~~الأساسين، ويذكرنا أولا بالدور الهام الذي تلعبه ~~العصبية في تمهيد الدولة وتأسيسها: ~~«إن تمهيد الدولة وتأسيسها - كما قلنا - إنما ~~يكون بالعصبية، وإنه لا بد من عصبية كبرى جامعة ~~للعصائب مستتبعة لها، وهي عصبية صاحب الدولة ~~الخاصة من عشيرة وقبيلة.» # إن هذه العصبية الأساسية تتعرض للخلل ~~والانتقاص بعد تأسس الدولة في الطور الثاني من ~~الأطوار الخمسة التي ذكرناها آنفا، وذلك لسببين ~~مهمين؛ أولا: لاستبداد صاحب الدولة عليهم، ~~وثانيا: لتأثير الترف في نفوسهم. # لأن صاحب الملك عندما ينزع إلى الانفراد بالمجد، ~~ويعمل في سبيل ذلك الانفراد، يبدأ من «جدع أنوف ~~عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك، ~~فيستبد في جدع أنوفهم أكثر من سواهم، # 1 ~~«ويأخذهم الترف أيضا أكثر من سواهم»؛ ~~لمكانهم من ms284 الملك والعز والغلب»، وهذا الترف ~~يفقدهم العصبية والمنعة؛ ولذلك «يحيط بهم ~~هادمان، وهما؛ الترف والقهر»، والقهر يؤدي - آخر ~~الأمر - إلى القتل؛ «لما يحصل من مرض قلوبهم عند ~~رسوخ الملك لصاحب الأمر، فيقلب غيرته منهم إلى ~~الخوف على ملكه؛ فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب ~~النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه؛ فيهلكون ~~لذلك ويقلون» (ص295). # وبهذه الصورة «تفسد عصبية صاحب الدولة منهم، وهي ~~العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب ~~وتستتبعها؛ فتنحل عروتها، وتضعف شكيمتها»؛ فيضطر ~~صاحب الدولة إلى الاستعاضة عنها «بالبطانة من ~~موالي النعمة وصنائع الإحسان»، ويتخذ منهم عصبية، ~~إلا أن هذه العصبية المستحدثة لا تكون في مثل «تلك ~~الشدة الشكيمية»؛ لفقدان الرحم والقرابة منها» ~~(195)، فتكون أضعف من العصبية الأولى الأصلية ~~بطبيعة الحال. # ولذلك «ينفرد صاحب الدولة عن العشير والأنصار ~~الطبيعية، ويحس بذلك أهل العصائب الأخرى فيتجاسرون ~~عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا؛ فيهلكهم صاحب ~~الدولة، ويتتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد» ~~(ص295). ~~«ويقلد الآخر من أهل الدولة في ذلك الأول، مع ~~ما يكون قد نزل بهم من مهلكة الترف الذي قدمنا، ~~فيستولي عليهم الهلاك بالترف والقتل، حتى يخرجوا ~~من صبغة تلك العصبية ويفشوا بعزتها وثورتها، ~~ويصيروا أوجز على الحماية ويقلون لذلك، فتقل ~~الحامية التي تنزل بالأطراف والثغور، فيتجاسر ~~الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف، ويبادر ~~الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم إلى تلك ~~الأطراف؛ لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة ~~أهل القاصية لهم، وأمنهم من وصول الحامية إليهم. ~~ولا يزال ذلك يتدرج، ونطاق الدولة يتضايق، حتى ~~تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة، ~~وربما انقسمت الدولة عندئذ بدولتين أو ثلاث، على ~~قدر قوتها في الأصل» (ص195). # وأما قوة الدولة فتنحصر عندئذ في الحاميات ~~المؤلفة من الجنود المرتزقة: ~~«وربما طال أمد الدولة بعد ذلك؛ فتستغني عن ~~العصبية بما حصل لها من الصبغة في نفوس أهل ~~أيالتها من صبغة الانقياد والتسليم، منذ السنين ~~الطويلة التي لا يعقل أحد من الأجيال مبدأها ولا ~~أوليتها. فلا يعقلون إلا التسليم لصاحب الدولة، ~~فيستغني بذلك عن قوة ms285 العصائب، ويكفي صاحبها - بما ~~حصل لها في تمهيد أمرها - الإجراء على الحامية من ~~جندي ومرتزق، ويعضد ذلك ما وقع في النفوس عامة من ~~التسليم.» ~~«وربما كانت الدولة في هذه الحال أسلم من ~~الخوارج والمنازعة لاستحكام صبغة التسليم ~~والانقياد لهم.» ~~«ثم لا يزال أمر الدولة كذلك، وهي تتلاشى في ~~ذاتها شأن الحرارة الغريزية في البدن العادم ~~للغذاء، إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور» ~~(ص296). # إن الخلل الذي يطرق للدولة من وجهة القوة ~~والعصبية على هذا المنوال يترافق مع خلل يطرقها من ~~جهة المال أيضا. # لأن «الدولة في أولها تكون بدوية، فيكون خلق ~~الرفق بالرعايا والقصد في النفقات والتعفف عن ~~الأموال، فتتجافى الدولة عن الإمعان في الجباية، ~~والتحذلق والكيس في جمع الأموال وحسبان العمال» ~~(ص296). ولا داعية حينئذ إلى الإسراف في النفقة، ~~فلا تحتاج الدولة إلى كثرة المال» (ص297). # ولكن الأمور لا تستمر كثيرا على هذا المنوال؛ ~~وذلك لأن «عندما يحصل الاستيلاء ويستفحل الملك» ~~يبدأ الترف «ويكثر الإنفاق بسببه؛ فتعظم نفقات ~~السلطان وأهل الدولة على العموم، بل يتعدى ذلك ~~إلى أهل المصر، ويدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات ~~الجند، وأرزاق أهل الدولة، ثم يعظم الترف، فيكثر ~~الإسراف في النفقات، وينتشر ذلك في الرعية» أيضا ~~(ص297). # تعظم نفقات الدولة بهذه الصورة يوما عن يوم؛ ~~فتزداد حاجتها إلى المال شيئا فشيئا، فيضطر ~~صاحب الدولة إلى التفنن في جمع المال بوسائل ~~وطرق شتى، حتى إنه يلجأ في آخر الأمر إلى وسائل ~~الظلم والإرهاق، وذلك يزيد الخلل، وزيادة الخلل ~~تزيد الحاجة إلى الجند وإلى المال، وهكذا يشتد ~~الخلل شيئا فشيئا إلى أن يصبح كليا، ويؤدي إلى ~~الانقراض. # يتتبع ابن خلدون سلسلة هذه التحولات باهتمام، ~~ويشرحها بتفصيل: ~~«يحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان ~~البياعات في الأسواق؛ لإدرار الجباية لما يراه من ~~ترف المدينة - الشاهد عليه بالرفه - ولما يحتاج هو ~~إليه من نفقات سلطانه وأرزاق جنده. ثم تزيد عوائد ~~الترف، فلا تفي بها المكوس، وتكون الدولة قد ~~استفحلت في الاستطالة والقهر لمن تحت يدها من ~~الرعايا، فتمتد ms286 أيديهم إلى جمع المال من أموال ~~الرعايا من مكس أو تجارة أو نقد. ويكون الجند في ~~ذلك الطور قد تجاسر على الدولة بما لحقها من الفشل ~~والهرم في العصبية، فتتوقع ذلك منهم، وتداوي ~~بسكينة العطايا وكثرة الإنفاق فيهم، وتكون جباة ~~الأموال في الدولة قد عظمت ثروتهم في هذا الطور، ~~بكثرة الجباية، وكونها بأيديهم وبما اتسع لذلك من ~~جاههم. فيتوجه إليهم باحتجان الأموال من الجباية، ~~وتفشو السعاية فيهم بعضهم من بعض للمنافسة والحقد، ~~فتعمهم النكبات والمصادرات واحدا واحدا إلى أن ~~تذهب ثروتهم وتتلاشى أحوالهم، ويفقد ما كان ~~للدولة من الأبهة والجمال بهم. وإذا اصطلمت ~~نعمتهم تجاوزتهم الدولة إلى أهل الثروة من الرعايا ~~سواهم، ويكون الوهن في هذا الطور قد لحق الشوكة ~~وضعفت عن الاستطالة والقهر؛ فتنصرف سياسة صاحب ~~الدولة حينئذ إلى مداراة الأمور ببذل المال، ويراه ~~أرفع من السيف لقلة غنائه، فتعظم حاجته إلى ~~الأموال زيادة على النفقات وأرزاق الجند، ولا ~~يغني فيما يريد. ويعظم الهرم بالدولة، ويتجاسر ~~عليها أهل النواحي، والدولة تنحل عراها في كل طور ~~من هذه إلى أن تفضي إلى الهلاك، فإن قصدها طالب ~~انتزعها من أيدي القائمين بها، وإلا بقيت وهي ~~تتلاشى إلا أن تضمحل، كالذبال في السراج إذا فني ~~زيته وطفئ» (ص297). ~~(4) اتساع نطاق الدولة # إن نظرية ابن خلدون في أمر اتساع نطاق الدولة مشروحة في ~~الفصول التالية: # فصل في أن كل دولة لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد ~~عليها (ص161)، فصل في أن عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها ~~على نسبة القائمين بها في القلة والكثرة (ص163)، فصل في انقسام ~~الدولة الواحدة بدولتين (ص292)، فصل في كيفية طروق الخلل ~~للدولة (ص294)، فصل في حدوث الدولة وتجددها كيف يقع ~~(ص298). # غير أن هذه النظرية مجملة في فصل واحد، هو من الفصول ~~الناقصة في طبعات البلاد العربية. # فصل في اتساع نطاق الدولة أولا إلى نهايته، ثم تضايقه طورا ~~بعد طور إلى فناء الدولة واضمحلالها (ص114-117، ج2، طبعة ~~كاترمير). ~~(1) # يرى ابن خلدون أن «نطاق الدولة واتساعها» ~~يتحول ms287 ويتطور وفق نظام ثابت؛ تتوسع الدولة ~~في بادئ الأمر إلى أن تصل إلى أقصى حدودها، وبعد ~~ذلك تأخذ في التقلص فتتراجع عن تلك الحدود، ~~ويتضايق نطاقها شيئا فشيئا. # إن تضايق نطاق الدولة على هذا المنوال يبدأ من ~~الأطراف، ويسير نحو المركز تدريجا، والدولة تحافظ ~~على كيانها - على الرغم من تقلص نطاقها - ما ~~بقي مركزها محفوظا، وأما إذا غلبت الدولة على ~~أمرها في مركزها، فإنها تفقد حينئذ كيانها ~~وتنقرض. # وقد تنقسم الدولة - قبل انقراضها، خلال تضايق ~~نطاقها - إلى دولتين أو ثلاث دول، غير أن كل قسم ~~من هذه الأقسام يتعرض إلى تحولات مماثلة لما ~~ذكرناه آنفا، فنطاق كل واحد منها أيضا يتضايق ~~شيئا فشيئا، إلى أن يختل أمر مركزها، وينتهي ~~بها إلى الانقراض. # إن هذه القوانين التي تعين نطاق الدولة ~~واتساعها، يقررها ابن خلدون ويشرحها ويعللها ~~واحدا فواحدا. ~~(2) # أولا: يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن كل دولة ~~لها حصة من الممالك والأوطان لا تزيد عليها» ~~(ص161). # فإن نطاق الدولة يتوسع في بادئ الأمر إلى أن ~~يبلغ حدا يكون طبيعيا بالنسبة إلى قوتها. ~~ونستطيع أن نقول لذلك: إن اتساع نطاق الدولة يكون ~~محدودا بحد طبيعي، وهذا الحد يتعين بقوة الدولة ~~نفسها. # ابن خلدون يشرح هذا القانون ويعلله كما ~~يلي: ~~«لأن عصابة الدولة وقومها القائمين بها، ~~الممهدين لها، لا بد من توزيعهم حصصا على ~~الممالك والثغور؛ لحمايتها من العدو، ولإمضاء ~~أحكام الدولة فيها» (ص161). ~~«فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور ~~والممالك، فلا بد من نفاد عددها»، وتكون الممالك ~~«قد بلغت حينئذ إلى حد يكون ثغرا للدولة وتخما ~~لوطنها، ونطاقا لمركز ملكها». وإذا «تكفلت ~~الدولة بعد ذلك زيادة على ما بيدها؛ بقي دون ~~حامية، وكان موضعا لانتهاز الفرصة من العدو ~~والمجاور» (ص161). # وبعكس ذلك «إذا كانت العصابة موفورة، ولم ينفد ~~عددها في توزيع الحصص على الثغور والنواحي؛ بقي في ~~الدولة قوة على تناول ما وراء الغاية»، فتتوسع ~~الدولة إلى أن «ينفسح نطاقها إلى غايته» ~~(ص162). # ابن خلدون يعلل ذلك بقانون طبيعي عام: ~~«والعلة ms288 الطبيعية في ذلك هي أن قوة العصبية ~~«مثل» سائر القوى الطبيعية، وكل قوة يصدر عنها فعل ~~من الأفعال، فشأنها ذلك في فعلها». إن قوة الدولة ~~في مركزها تكون أشد مما هي في الطرف والنطاق، ~~«وإذا انتهت إلى النطاق الذي هو الغاية عجزت ~~وأقصرت عما وراءه.» # ثم يوضح ذلك بتشبيه مادي دقيق: «شأن الأشعة ~~والأنوار إذا انبعثت من المراكز، والدوائر ~~المنفسحة على سطح الماء من النقر عليه» ~~(ص162). # ولذلك «على نسبة أعداد المتغلبين لأول الملك ~~يكون اتساع الدولة ونطاقها» (ص163). ~~«كل دولة على نسبة القائمين بها في القلة ~~والكثرة، وعند نفاد عددهم بالتوزيع ينقطع لهم ~~الفتح والاستيلاء» (ص162). # ولهذه الأسباب كلها نجد «أن كل دولة لها حصة من ~~الممالك والأوطان لا تزيد عليها.» ~~(3) # إن هذه الحصة لا تكون متساوية في جميع الدول، ~~بل بعكس ذلك «تكون متفاوتة ومتناسبة مع قوة ~~القائمين بها.» # يقرر ابن خلدون هذا القانون في فصل خاص ~~(ص163-164)، ويعلله بالملاحظات التالية: ~~«لأن الملك إنما يكون بالعصبية، وأهل العصبية هم ~~الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها ~~وينقسمون عليها»، فمن الطبيعي أن يكون اتساع ~~الدولة وقوتها متناسبا مع عدد القائمين بأمرها، ~~فكلما «كانت عصابة الدولة أكثر، كان ملكها أوسع» ~~(ص163). ~~(4) # إن قوة الدولة لا يمكن أن تستمر على وتيرة ~~واحدة، بل إنها تأخذ في التناقص بعد مدة؛ للأسباب ~~التي شرحناها آنفا عندما تتبعنا أطوار الدولة، ~~ودرسنا كيفية طروق الخلل إليها. # وإذا ضعفت عصابة الدولة ونقصت قوتها؛ تضايق ~~النطاق الذي تستطيع أن تحتفظ به وتدافع عنه، ~~عندئذ «يتجاسر عليها من يجاورها من الدول، أو من ~~هو تحت يديها من العصائب» (ص169)، ويستولي على قسم ~~من ممالكها. # ولهذا السبب نجد أن تناقص قوة الدولة - وضعف ~~حاميتها - يؤدي إلى تراجع حدودها وتضايق ~~نطاقها. # وحينما يأخذ نطاق الدولة في التضايق - من جراء ~~ضعف قوتها - «يبدأ التراجع عادة من أطرافها» ~~(ص162). # وذلك لأن قوة الدولة تضعف وتقل بالأطراف قبل ~~المركز، والخروج عليها بالأطراف يكون أسهل من ~~الخروج عليها في المركز، كما أن الاستيلاء على ~~أقاصي ms289 الدولة يكون أقل إشكالا من الاستيلاء على ~~مركزها؛ ولهذا السبب عندما تضعف حامية الدولة في ~~الأطراف يتجاسر عليها العدو المجاور، ويستولي على ~~قسم من بلادها، وهذا التجاسر قد يقع من رعايا ~~الدولة نفسها؛ يخرج خارج عليها، ويستقل بحكم قاصية ~~من أقاصيها، وهذا الخارج قد يكون من أقارب صاحب ~~الدولة، كما أنه قد يكون من عمال الدولة؛ وذلك ~~يؤدي إلى انقسام الدولة إلى دولتين أو إلى ثلاث ~~دول. # يوضح ابن خلدون كل ذلك بتفصيل واف في فصول ~~عظم الدولة (ص163)، وانقسام الدولة (ص392)، وخلل ~~الدولة (ص294)، ونطاق الدولة (راجعوا ذيل هذا ~~البحث). # ومما كتبه ابن خلدون حول هذه القضايا في الفصول ~~المذكورة: ~~«إن أول ما يقع من آثار الهرم في الدولة ~~انقسامها؛ وذلك أن الملك عندما يستفحل، ويستبد ~~صاحب الدولة بالمجد وينفرد به، ويصير إلى إهلاك من ~~استراب به من ذي قرابته المرشحين لمنصبه؛ فربما ~~ارتاب المساهمون له في ذلك بأنفسهم ونزعوا إلى ~~القاصية، «وانضم» إليهم من يلحق بهم «ممن له» مثل ~~حالهم من الغرور والاسترابة. ويكون نطاق الدولة قد ~~أخذ في التضايق ورجع عن القاصية؛ فيستبد ذلك ~~النازع من القرابة فيها، ولا يزال أمره يعظم ~~بتراجع نطاق الدولة، حتى يقاسم الدولة أو يكاد» ~~(ص292). ~~«وقد ينتهي الانقسام إلى أكثر من دولتين أو ~~ثلاث، وفي غير أعياص الملك من قومه» ~~(ص293). ~~«وهكذا شأن كل دولة، لا بد وأن يعرض فيها ~~عوارض الهرم بالترف والدعة وتقلص ظل الغلب، ~~فيقتسم أعياصها، أو من يغلب من رجال دولتها الأمر، ~~وتتعدد فيها الدول» (ص293). ~~«كما وقع في ملوك الطوائف بالأندلس، وملوك العجم ~~بالمشرق، وفي ملك صنهاجة بإفريقية، فقد كان - لآخر ~~دولتهم - في كل حصن من حصونه ثائر مستقل بأمره» ~~(ص293). ~~(5) # إن خروج الأقاصي والأطراف عن حكم الدولة وحوزتها ~~لا يخل بكيانها ما دام مركزها محفوظا، «ولكن إذا ~~غلب على الدولة في مركزها؛ فلا ينفعها بقاء ~~الأطراف والنطاق، بل تضمحل الدولة لوقتها؛ لأن ~~المركز كالقلب الذي تنبعث منه الروح، فإذا غلب ~~القلب وملك؛ انهزم جميع الأطراف» ms290 (ص162). ~~(6) # يظهر من هذه التفصيلات أن الدولة المستقرة «إذا ~~أخذت في الهرم والانتقاص»، قامت على أنقاضها دول ~~جديدة. # إن «نشأة هذه الدول الجديدة وبداءتها» تكون على ~~نوعين: ~~(أ) # النوع الأول هو أن يستبد ولاة ~~الأعمال في الدولة بالقاصية عندما يتقلص ~~ظلها عنهم، فيكون لكل واحد منها دولة ~~يستجدها لقومه، وما يستقر في نصابه يرثه ~~عنه أبناؤه أو مواليه، ويستفحل لهم ~~الملك بالتدريج. ~~«وربما يزدحمون على ذلك الملك ~~ويتقارعون عليه، ويتنازعون في الاستئثار ~~به، ويغلب منهم من يكون له فضل قوة على ~~صاحبه وينتزع ما في يده» (ص298). # وفي هذا النوع «لا يكون بينهم وبين ~~الدولة المستقرة (الأصلية) حرب؛ لأنهم ~~مستقرون في رياستهم، ولا يطمعون في ~~الاستيلاء على الدولة المستقرة في حرب. ~~وإنما الدولة أدركها الهرم، وتقلص ظلها ~~عن القاصية، وعجزت عن الوصول إليها» ~~(ص298). ~~(ب) # وأما النوع الثاني فهو «بأن يخرج ~~على الدولة خارج ممن يجاورها من الأمم ~~والقبائل، إما بدعوة يحمل الناس عليها - ~~كما أشرنا إليه - أو يكون صاحب شوكة ~~وعصبية، كبيرا في قومه، استفحل أمره، ~~فيسمو بهم إلى الملك، وقد حدثوا به أنفسهم ~~بما حصل لهم من الاعتزاز على الدولة ~~المستقرة، وما نزل بها من الهرم؛ فيتعين ~~له ولقومه الاستيلاء عليها، ويمارسونها ~~بالمطالبة إلى أن يظفروا بها» ~~(ص298). # وخلاصة القول: إن الدولة الحادثة ~~(المستجدة) تكون على نوعين؛ «نوع من ولاية ~~الأطراف، إذا تقلص ظل الدولة عنهم ~~وانحسر تيارها، وهؤلاء لا يقع لهم مطالبة ~~للدولة في الأكثر؛ لأن قصاراهم القنوع بما ~~في أيديهم، وهو نهاية قوتهم» ~~(ص298). ~~«والنوع الثاني نوع الدعاة والخوارج ~~على الدولة، وهؤلاء لا بد لهم من ~~المطالبة؛ لأن قوتهم وافية بها، فإن ذلك ~~إنما يكون في نصاب يكون له من العصبية ~~والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف به، فيقع ~~بينهم وبين الدولة المستقرة حروب سجال، ~~وتتصل إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر ~~بالمطلوب» (ص299). ~~(7) # لا يكتفي ابن خلدون بسرد وتعليل هذه القواعد ~~والقوانين بصورة نظرية مجردة، بل يدعم كل واحد ~~منها بعدة شواهد تاريخية. # فهو مثلا ms291 حينما يقرر أن كل دولة لها حصة من ~~الممالك والأوطان لا تزيد عليها، يقول: ~~«انظر أيضا شأن العرب أول الإسلام، لما كانت ~~عصائبهم موفورة، كيف غلبوا على ما جاورهم من الشام ~~والعراق ومصر لأسرع وقت، ثم تجاوزوا ذلك إلى ما ~~وراءه من السند والحبشة وإفريقية والمغرب، ثم إلى ~~الأندلس. فلما تفرقوا حصصا على الممالك ~~والثغور، ونزلوها حامية، ونفد عددهم في تلك ~~التوزيعات؛ أقصروا عن الفتوحات بعد، وانتهى أمر ~~الإسلام، ولم يتجاوزوا تلك الحدود، ومنها تراجعت ~~الدولة» (ص162). # وكذلك عندما يبدي ابن خلدون رأيه في النتائج ~~التي تترتب على مغلوبية الدولة في مركزها ~~يقول: ~~«انظر هذا في الدولة الفارسية؛ كان مركزها ~~المدائن، ولما غلبها المسلمون على المدائن؛ انقرض ~~أمر فارس أجمع، ولم ينفع «يزدجرد » ما بقي في يده ~~من أطراف ممالكه. وبالعكس من ذلك الدولة الرومية ~~في الشام، لما كان مركزها القسطنطينية وغلبهم ~~المسلمون بالشام؛ اتجهوا إلى مركزهم بالقسطنطينية، ~~ولم يضرهم انتزاع الشام من أيديهم، فلم يزل ملكهم ~~مستقلا بها» (ص162). # وهكذا في سائر القضايا والقوانين، فإن ابن خلدون ~~يستشهد على كل واحدة منها بعدة وقائع تاريخية، ~~تارة يشير إليها إجمالا، وطورا يسردها ~~تفصيلا. # ومما يجدر بالذكر أن جميع الشواهد التاريخية ~~التي يذكرها ابن خلدون في هذا الصدد مستمدة من ~~تاريخ العرب والإسلام. ~~(8) # إن آراء ابن خلدون في اتساع نطاق الدولة ~~مجملة أحسن إجمال في فصل خاص، غير أن هذا الفصل ~~ناقص في طبعات البلاد العربية؛ ولذلك رأينا من ~~المفيد أن نذيل هذه الدراسة بنقل الفصل المذكور ~~بنصه الكامل، مع تحليل أقسامه المختلفة وتوضيحها ~~على ضوء أبحاث الفصول الأخرى. ~~(4-1) اتساع نطاق الدولة وتضايقه # يعنون ابن خلدون أحد فصول المقدمة بالعنوان التالي: «فصل ~~في اتساع نطاق الدولة أولا إلى نهايته، ثم تضايقه طورا ~~بعد طور، إلى فناء الدولة واضمحلالها.» # هذا الفصل من أهم الفصول الموجودة في طبعة كاترمير ~~وترجمة دو سلان، والمفقودة في طبعة بولاق، وسائر طبعات مصر ~~وبيروت المتداولة بين الأيدي. # يأتي الفصل في الباب الثالث بعد فصل «طروق الخلل ms292 ~~للدولة»، والآراء الواردة فيه إنما هي بمثابة «توضيح ~~وتوسيع» للآراء المسرودة في الفصل المذكور. ~~(1) # يبدأ ابن خلدون هذا الفصل بتذكير وتلخيص ما ~~كان كتبه في أحد الفصول من الباب ~~الثالث: ~~«قد كان تقدم لنا في فصل الخلافة والملك - ~~وهو الثالث من هذه المقدمة - أن كل دولة لها ~~حصة من الممالك والعمالات لا تزيد عليها، ~~واعتبر ذلك بتوزيع عصابة الدولة على أقطارها ~~وجهاتها، فحيث نفد عددهم، فالطرف الذي انتهى ~~عنده هو الثغر، ويحيط الدولة من سائر جهاتها ~~كالنطاق.» # يلاحظ أن الفصل الذي يشير إليه هنا هو الفصل ~~الذي يقرر «أن كل دولة لها حصة من الأوطان ~~لا تزيد عليها»، والفرق بين هذا الملخص وبين ~~الفصل المذكور ينحصر فيما يلي: يستعمل ابن ~~خلدون هنا تعبير «الممالك والعمالات »، عوضا ~~عن تعبير «الممالك والأوطان» الذي كان قد ~~استعمله هناك، كما أنه يعرف هنا مفهوم ~~«الثغر» تعريفا واضحا، بعد أن كان قد ~~استعمله هناك من غير تعريف. ~~(2) # بعد هذه الفقرة التمهيدية تأتي فقرة تشير ~~إلى سعة الدولة الجديدة بالنسبة إلى ~~سابقتها: ~~«وقد تكون النهاية هي نطاق الدولة الأول، ~~وقد يكون أوسع منه إذا كان عدد العصابة أوفر ~~من الدولة فيها، وهذا كله عندما تكون الدولة ~~في شعار البداوة وخشونة البأس.» # هنا نجد تأكيدا من ابن خلدون على ما يذهب ~~إليه من أن قوة الدولة وسعتها مشروطة باتصافها ~~بشعار البداوة وخشونتها. ~~(3) # يعقب ذلك فقرتان طويلتان في كيفية اختلال ~~أحوال الدولة: ~~«فإذا استفحل العز والغلب، وتوفرت النعم ~~والأرزاق بدرور الجبايات، وزخر بحر الترف ~~والحضارة، ونشأت الأجيال على اعتياد ذلك؛ لطفت ~~أخلاق الحامية، ورقت حواشيهم، وعادت من ذلك ~~إلى نفوسهم هيأة الجبن والكسل، بما يعانونه من ~~حنث الحضارة المؤدي إلى الانسلاخ من شعائر ~~البأس والرجولية، بمفارقة البداوة وخشونتها. ~~ويأخذهم العز بالتطاول إلى الرئاسة والتنازع ~~فيها؛ فيفضي إلى قتل بعضهم بعضهم، ويكبحهم ~~السلطان عن ذلك، بما يؤدي إلى قتل أكابرهم ~~وإهلاك رؤسائهم؛ فتفقد الأمراء والكبراء، ~~ويكثر التابع والمرءوس؛ فيفل ذلك من حد ~~الدولة، ويكسر من شوكتها، ويقع الخلل الأول ms293 في ~~الدولة، وهو الذي من جهة الجند والحامية كما ~~تقدم. ~~«ويساوق ذلك السرف في النفقات، بما يعتريهم ~~من أبهة العز وتجاوز الحدود في البذخ ~~بالمناغاة في المطاعم والملابس وتشييد القصور ~~واستجادة السلاح وارتباط الخيول، فيقصر حينئذ ~~دخل الدولة من خرجها، ويطرق الخلل الثاني في ~~الدولة، وهو الذي من جهة المال ~~والجباية.» # إن ما جاء في هاتين الفقرتين بمثابة تلخيص ~~موجز لما ذكر في الفصل السابق عن كيفية طروق ~~الخلل للدولة. كان قال ابن خلدون هناك: إن ~~الخلل يأتي إما من جهة الجند والحامية، وإما ~~من جهة المال والجباية. ونراه يسمي هنا كل جهة ~~من هاتين الجهتين باسم خاص؛ ينعت الخلل ~~المتأتي من أحوال الجند الحامية باسم «الخلل ~~الأول»، كما ينعت الخلل المتأتي من جهة المال ~~والجباية باسم «الثاني». ~~(4) # بعد ذلك يشرح ابن خلدون ما يحدث من اجتماع ~~هذين الخللين: ~~«ويحصل العجز والانتقاص بوجود الخللين، وبما ~~تنافس رؤساؤهم وتنازعوا وعجزوا عن مغالبة ~~المجاورين والمنازعين ومدافعتهم، وربما اغتر ~~أهل الثغور والأطراف بما يحسون من ضعف الدولة ~~وراءهم، ويعجز صاحب الدولة عن حملهم على ~~الجادة؛ فيضيق نطاق الدولة عما كانت انتهت ~~إليه في أولها، وترجع العناية في تدبيرها ~~بنطاق دونه، إلى أن يحدث في النطاق الثاني ما ~~حدث في الأول بعينه؛ من العجز والكسل في ~~العصابة، وقلة الأموال والجباية.» ~~«فيذهب القائم بالدولة إلى تغيير القوانين ~~التي كانت عليها سياسة الدولة من قبل الجند ~~والمال والولايات؛ ليجري حالها على استقامة، ~~بتكافؤ الدخل والخرج والحامية والعمالات ~~وتوزيع الجباية على الأرزاق، ومقايسة ذلك بأول ~~الدول في سائر الأحوال.» ~~«والمفاسد مع ذلك متوقعة من كل جهة، فيحدث ~~في هذا الطور من بعد، ما حدث في الأول من قبل، ~~ويعتبر صاحب الدولة ما اعتبره الأول، ويقايس ~~بالوزان الأول أحوالها الثانية، يروم دفع ~~مفاسد الخلل الذي يتجدد في كل طور، ويأخذ من ~~كل طرف حتى يضيق نطاقها إلى نطاق دونه كذلك، ~~ويقع فيه ما وقع في الأول.» # يلاحظ أن ابن خلدون يذكر هنا «القوانين ~~التي كانت عليها سياسة الدولة»، ms294 ويشير إلى ~~تغيير تلك القوانين. # ومع ذلك فإنه لا يذهب إلى أن هذا التدبير ~~يكون علاجا شافيا تماما، مع أنه يعتبر ~~تغيير تلك القوانين بمثابة إنشاء دولة وتجديد ~~ملك: ~~«وكل واحد من هؤلاء المغيرين للقوانين قبلهم ~~كأنهم منشئون دولة أخرى، ومجددون ملكا حتى ~~تنقرض الدولة وتتطاول الأمم حولها إلى ~~التغلب عليها، وإنشاء دولة أخرى لهم، فيقع ~~في ذلك ما قدر الله وقوعه.» ~~(5) # بعد سرد هذا النظرية وشرحها على هذا المنوال ~~يستشهد ابن خلدون على صحتها بتاريخ الإسلام، ~~ويرسم لنا لوحة ممتعة للتاريخ ~~المذكور: ~~«واعتبر ذلك في الدولة الإسلامية، كيف اتسع ~~نطاقها بالفتوحات والتغلب على الأمم، تزايد ~~الحامية وتكاثر عددهم بما تخولوه من النعم ~~والأرزاق، إلى أن انقرض أمر بني أمية، وغلب ~~بنو العباس. ثم تزايد الترف، ونشأت الحضارة، ~~وطرق الخلل، وضاق النطاق من الأندلس ~~والمغرب بحدوث الدولة الأموية المروانية ~~والعلوية، واقتطعوا ذينك الثغرين من نطاقها. ~~إلى أن وقع الخلاف بين بني الرشيد، وظهر دعاة ~~العلوية في كل جانب، وتمهد لهم دول. ثم ~~قتل المتوكل، واستبد الأمراء على الخلفاء ~~وحجروهم، واستقل الولاة بالعمالات والأطراف، ~~وانقطع الخراج منها وتزايد الترف.» ~~«وجاء المعتضد فغير قوانين الدولة إلى ~~قانون آخر من السياسة؛ أقطع فيه ولاة الأطراف ~~ما غلبوا عليه مثل بني سامان وراء النهر، وبني ~~طاهر العراق وخراسان، وبني الصفار السند ~~وفارس، وبني طولون مصر، وبني الأغلب إفريقية. ~~إلى أن افترق أمر العرب وغلب العجم، واستبد ~~بنو بويه والديلم بدولة الإسلام، وحجروا ~~الخلافة، وبقي بنو سامان في استبدادهم وراء ~~النهر، وتطاول الفاطميون من المغرب إلى مصر ~~والشام فملكوه.» ~~«ثم قامت الدولة السلجوقية من الترك، ~~فاستولوا على ممالك الإسلام، وأبقوا الخلفاء ~~في حجرهم إلى أن تلاشت دولتهم.» ~~«واستبد الخلفاء منذ عهد الناصر في نطاق ~~أضيق من هالة القمر، وهو عراق العرب إلى ~~أصبهان وفارس والبحرين، وأقامت الدولة كذلك ~~بعض الشيء، إلى أن انقرض أمر الخلفاء على يد ~~هولاكو بن طولى بن دوش خان ملك التتر والمغول، ~~حين غلبوا السلجوقية وملكوا ما كان في أيديهم ~~من ms295 ممالك الإسلام.» # يلاحظ أن هذه اللوحة التاريخية أتم من ~~جميع التلخيصات التي نشاهدها في الأقسام ~~المختلفة من المقدمة ومن التاريخ نفسه. ~~(6) # بعد الانتهاء من هذا الاستعراض التاريخي، ~~يعمم ابن خلدون هذه الأحوال على جميع الدول، ~~وينهي أحكامه في هذا المضمار بهذه الأحكام ~~القطعية: ~~«وهكذا يتضايق نطاق كل دولة على نسبة نطاقها ~~الأول، ولا يزال طورا بعد طور، إلى أن تنقرض ~~الدولة.» ~~«واعتبر ذلك في كل دولة عظمت أو ~~صغرت.» # وفي الأخير يذكر ابن خلدون سنة الله في ~~الدول، وينهي الفصل بآية قرآنية وفق عادته ~~العامة: ~~«فهكذا سنة الله في الدول، إلى أن يأتي ما ~~قدر الله من الفناء على خلقه، وكل شيء هالك ~~إلا وجهه.» ~~(هذا الفصل منقول من طبعة كاترمير، ج2، ~~ص114-117.) ~~(5) قيام الدول المستجدة # يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن الدولة المستجدة» إنما ~~تستولي على الدولة المستقرة - وتظفر بمطلوبها منها - ~~«بالمطاولة لا بالمناجزة»، ويعني بذلك أن هذا الاستيلاء إنما ~~يتم بالتدريج وبمرور الزمان لا فورا. # من المعلوم أن ابن خلدون يذهب إلى أن الدول المستجدة نوعان؛ ~~النوع الأول من ولاية الأطراف، والنوع الثاني من الدعاة ~~والخوارج على الدولة. ويقول إن ولاة الأطراف حينما يستقلون ~~بالأمر يقنعون عادة بما في أيديهم، وهو نهاية قوتهم، فلا ~~يقع منهم مطالبة للدولة، ولكن «الدعاة والخوارج على الدولة لا ~~بد لهم من المطالبة؛ لأن قوتهم وافية بها. فإن ذلك إنما يكون ~~في نصاب يكون له من العصبية والاعتزاز ما هو كفاء ذلك وواف ~~به؛ فيقع بينهم وبين الدولة المستقرة حروب سجال، تتكرر وتتصل ~~إلى أن يقع لهم الاستيلاء والظفر بالمطلوب، ولا يحصل لهم ظفر ~~في الغالب بالمناجزة» (ص299). # وأما أسباب ذلك فإن ابن خلدون يشرحها بتفصيل: # إنه يذكرنا أولا بما قاله عن أسباب الغلب في الحروب: «إن ~~الظفر في الحروب إنما يقع - كما قدمناه - بأمور نفسانية ~~وهمية، وإن كان العدد والسلاح وصدق القتال كفيلا به، ولكنه ~~قاصر مع تلك الأمور الوهمية كما مر؛ ولذلك كان الخداع من أرفع ~~ما يستعمل في الحرب، ms296 وأكثر ما يقع الظفر به، وفي الحديث: ~~الحرب خدعة» (ص299). # إن الخدع التي تضمن الظفر والغلب على الدولة المستقرة لا ~~تعمل عملها دفعة، بل إنها تحتاج إلى زمان، كما يتضح من ~~التفاصيل التالية: # أولا: ~~«إن العوائد المألوفة» تصير طاعة الدولة ~~المستقرة «ضرورية واجبة»، كما تقدم في غير ~~موضع؛ «فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة ~~المستجدة». والتغلب على تلك العوائد ~~والعوائق إنما يتطلب زيادة الهمم من أتباعه ~~وأهل شوكته، ويحتاج إلى زمان. «وإن كان ~~الأقربون من بطانة صاحب الدولة المستجدة على ~~بصيرة في طاعته ومؤازرته»، إلا أن الآخرين ~~يكونون تحت تأثير «عقائد التسليم للدولة ~~المستقرة، فيحصل بعض الفتور منهم»، ولا يكاد ~~صاحب الدولة المستجدة «يقاوم صاحب الدولة المستقرة»، # 2 # ويرجع إلى الصبر والمطاولة، حتى ~~يتضح هرم الدولة المستقرة، وتضمحل عقائد ~~التسليم لها من قومه، وتنبعث منهم الهمم لصدق ~~المطالبة معه؛ فيقع الظفر والاستيلاء» ~~(ص299). # ثانيا: # إن الدولة المستقرة تكون - عادة - «كثيرة ~~الرزق بما استحكم لهم من الملك وتوسع ~~النعيم واللذات، واختصوا به دون غيرهم من ~~أموال الجباية، فيكثر عندهم ارتباط الخيول، ~~واستجادة الأسلحة، ويعظم فيهم الأبهة ~~الملكية، ويفيض العطاء بينهم من ملوكهم ~~اختيارا واضطرارا؛ فيرهبون بذلك كله ~~عدوهم»، في حين أن «أهل الدولة المستجدة بمعزل ~~عن ذلك؛ لما هم فيه من البداوة وأحوال الفقر ~~والخصاصة، فتسبق إلى قلوبهم أوهام الرعب بما ~~يبلغهم من أحوال الدولة المستقرة، ويحجمون ~~عن قتالهم من أجل ذلك؛ فيصير أمرهم إلى ~~المطاولة، حتى تأخذ المستقرة مأخذها من الهرم، ~~ويستحكم الخلل فيها من العصبية والجباية، ~~فينتهز حينئذ صاحب الدولة المستجدة فرصته في ~~الاستيلاء عليها»، وذلك بعد مرور مدة على بدء ~~المطالبة (ص299). # ثالثا: # يصعب على أهل الدولة المستجدة أن يطلعوا ~~على أحوال الدولة المستقرة اطلاعا يضمن لهم ~~إصابة الغرة؛ وذلك لأن «أهل الدولة المستجدة ~~كلهم مباينون للدولة المستقرة بأنسابهم ~~وعوائدهم وسائر مناصبهم، ثم هم مفاخرون لهم، ~~ومنابذون بما وقع من هذه المطالبة وبطمعهم في ~~الاستيلاء. فتتمكن المباعدة بين أهل ~~الدولتين سرا وجهرا، ولا يصل إلى أهل ~~الدولة المستجدة خبر ms297 عن أهل الدولة المستقرة ~~يصيبون منه غرة باطنا وظاهرا؛ لانقطاع ~~المداخلة بين الدولتين فيقيمون على المطالبة» ~~وهم في إحجام، و«ينكلون عن المناجزة» ~~(ص300). # ويستمر الحال على هذا المنوال من المطالبة إلى أن يزداد ~~الخلل في جميع جهات الدولة المستقرة، ويتضح لأهل الدولة ~~المستجدة مع الأيام ما كان يخفى عنهم من هرمها ~~وتلاشيها. # والدولة المستجدة تقتطع من الدولة المستقرة بعض أعمالها ~~وأطرافها مرة بعد أخرى، ولكل مرة تعظم قوة الدولة المستجدة ~~وتنقص قوة المستقرة بطبيعة الحال، وإذا استمرت الأمور على هذا ~~المنوال مدة من الزمن، «تنبعث همم» أهل الدولة المستجدة «يدا ~~واحدة للمناجزة، ويذهب ما كان بث في عزائمهم من ~~التوهمات، وتنتهي المطاولة إلى حدها، ويقع الاستيلاء آخرا ~~بالمعاجلة» (ص300). # بعد سرد هذه الدلائل والملاحظات العقلية يستشهد ابن خلدون ~~بسلسلة من الوقائع التاريخية، ويذكر ما حدث من أمثال ذلك في ~~الدول الإسلامية المختلفة، منذ قيام بني العباس على الدولة ~~الأموية، مشيرا إلى مطالبات وفتوحات العلويين والعبيديين ~~والسلجوقيين والمرابطين والموحدين. وبعد ذلك يقول: ~~«فهكذا حال الدولة المستجدة مع المستقرة في المطالبة ~~والمطاولة، سنة الله في عباده، ولن تجد لسنة الله تبديلا» ~~(ص301). # ولكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن هناك واقعة تاريخية ~~منافية لما قرره في هذا الصدد؛ وهي الفتوحات التي حدثت في ~~صدر الإسلام، ومع هذا إنه يبقى متمسكا بالقانون الذي قرره؛ ~~لأنه يعتقد أن تلك الفتوحات كانت من آثار المعجزات: ~~«ولا يعارض ذلك بما وقع في الفتوحات الإسلامية، وكيف كان ~~استيلاؤهم على فارس والروم لثلاث أو أربع من وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، واعلم أن ذلك إنما كان معجزة من معجزات نبينا، سرها ~~استماتة المسلمين في جهاد عدوهم؛ استبعادا بالإيمان، وما أوقع ~~الله في قلوب عدوهم من الرعب والتخاذل، فكان ذلك كله خارقا ~~للعادة المقررة في مطاولة الدول المستجدة للمستقرة. وإذا كان ~~ذلك خارقا فهو من معجزات نبينا - صلوات الله عليه - المتعارف ~~ظهورها في الملة الإسلامية، والمعجزات لا يقاس عليها الأمور ~~العادية ولا يعترض بها» (ص301). # | الحروب # يخصص ابن خلدون ms298 فصلا طويلا من فصول الباب الثالث للحروب، ~~يتكلم فيه عن منشأ الحروب، ويشرح «مذاهب الأمم في ترتيبها»، ~~ويتحرى أسباب الغلبة والظفر فيها (ص270-279). # زد على ذلك أنه يتطرق إلى مسائل الحروب والجيوش في بعض الفصول ~~الأخرى أيضا: ~~(أ) # يبحث في الأساطيل وفي قيادة الأساطيل، في فصل مراتب ~~الملك والسلطان (ص252-256). ~~(ب) # يتكلم عن تأثير الموسيقى والرايات في الحروب، في ~~بحث الآلة (ص258-270) من فصل شارات الملك ~~والسلطان. ~~(ج) # يتكلم عن الفساطيط والسياج (ص268-269) في الفصل ~~نفسه. ~~(د) # يتطرق إلى بعض قضايا الحرب في الفصل الذي يتكلم ~~فيه عن «التفاوت بين مراتب السيف والقلم» ~~(ص257). ~~(ه) # يشرح الحروب التي تنشب بين الدول المستجدة وبين ~~الدول المستقرة، في الفصل الذي يقرر «أن الدولة ~~المستجدة إنما تستولي على الدولة المستقرة بالمطاولة ~~لا بالمناجزة» (ص298-301). # إن هذه المباحث والفصول يجب أن تعتبر متممة لفصل ~~الحروب الآنف الذكر. # 1 ~~(1) # يبدأ ابن خلدون فصل «الحروب ومذاهب الأمم في ~~ترتيبها» ببيان أصل الحروب، ويقول إن الحرب أمر ~~طبيعي في البشر: ~~«اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة ~~في الخليقة منذ برأها الله.» ~~«وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ~~ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك ~~وتوافقت الطائفتان - إحداهما تطلب الانتقام ~~والأخرى تدافع - كانت الحرب، وهو أمر طبعي في ~~البشر، لا تخلو عنه أمة ولا جيل» (ص271). ~~(2) # ثم ينتقل إلى ذكر أسباب الحروب، ويردها إلى ~~أربعة أصول: ~~«وسبب هذا الانتقام في الأكثر»: ~~(أ) ~~«إما غيرة ومنافسة.» ~~(ب) ~~«وإما عدوان.» ~~(ج) ~~«وإما غضب لله ودينه.» ~~(د) ~~«وإما غضب للملك وسعي ~~لتمهيده.» ~~«فالأول أكثر ما يجارى بين القبائل المتجاورة ~~والعشائر المتناظرة.» ~~«والثاني - فهو العدوان - أكثر ما يكون من الأمم ~~الوحشية الساكنين بالقفر؛ كالعرب والتركمان ~~والأكراد وأشباههم؛ لأنهم جعلوا أرزاقهم في ~~رماحهم، ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم، ومن دافعهم عن ~~متاعه آذنوه بالحرب، ولا بغية لهم فيما وراء ذلك ~~من رتبة ولا ملك، وإنما همهم ونصب أعينهم، غلب ~~الناس على ما في أيديهم.» ~~«والثالث هو المسمى في الشريعة بالجهاد.» ms299 ~~«والرابع هو حروب الدول مع الخارجين عليها، ~~والمانعين لطاعتها.» ~~«وهذه أربعة أصناف من الحروب؛ الصنفان الأولان ~~منها حروب بغي وفتنة، والصنفان الأخيران حروب جهاد ~~وعدل» (ص271). ~~(3) # بعد تقرير غاية الحروب على هذا المنوال، يتكلم ~~ابن خلدون عن كيفية جريان الحرب، ويقسمها من هذه ~~الوجهة إلى نوعين أساسيين: ~~«وصفة الحروب الواقعة بين أهل الخليفة منذ أول ~~وجودهم على نوعين: ~~(أ) ~~«نوع بالزحف صفوفا.» ~~(ب) ~~«ونوع بالكر والفر.» ~~«أما الذي بالزحف فهو قتال العجم كلهم على ~~تعاقب أجيالهم، وأما الذي بالكر والفر فهو ~~قتال العرب والبربر من أهل المغرب»» ~~(ص271). # ثم يوازن بين هذين النوعين من الحروب من حيث ~~النجاعة، ويبين رجحان قتال الزحف على قتال الكر ~~والفر، ويشرح أسباب هذا الرجحان: ~~«قتال الزحف أوثق وأشد من قتال الكر والفر؛ وذلك ~~لأن قتال الزحف ترتب فيه الصفوف وتسوى كما ~~تسوى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم ~~إلى العدو قدما؛ فلذلك تكون أثبت عند المصارع، ~~وأصدق في القتال، وأرهب للعدو؛ لأنه كالحائط ~~الممتد والقصر المشيد لا يطمع في إزالته» ~~(ص271). # وبعد ذلك يؤيد حكمه هذا بأدلة شرعية ~~قائلا: # وفي التنزيل: # إن الله ~~يحب الذين يقاتلون في سبيله ~~صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص ~~، أي يشد بعضهم بعضا ~~بالثبات، وفي الحديث الكريم: «المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا.» ~~«ومن هنا يظهر لك حكمة إيجاب الثبات، وتحريم ~~التولي في الزحف، فإن المقصود من الصف في القتال ~~حفظ النظام كما قلناه، فمن ولى العدو ظهره فقد ~~أخل بالمصاف، وباء بإثم الهزيمة إن وقعت، وصار ~~كأنه جرها على المسلمين، وأمكن منهم عدوهم؛ فعظم ~~الذنب لعموم المفسدة، وتعديها إلى الدين بخرق ~~سياجه، فعد من الكبائر.» ~~«يظهر من هذه الأدلة أن قتال الزحف أشد عند ~~الشارع» (ص271). ~~(4) # وبعد ذلك يوضح ابن خلدون كيفية جريان قتال ~~الكر والفر: ~~«وأما قتال الكر والفر فليس فيه من الشدة ~~والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف، إلا أنهم قد ~~يتخذون وراءهم في القتال مصافا ثابتا، يلجئون ~~إليه في الكر والفر، ويقوم لهم مقام قتال الزحف ms300 ~~كما سنذكره بعد» (ص272). # وقد ذكر ذلك ابن خلدون في آخر الصفحة ~~نفسها: ~~«ومن مذاهب أهل الكر والفر في الحروب ضرب المصاف ~~وراء عسكرهم، من الجمادات والحيوانات العجم، ~~فيتخذونها ملجأ للخيالة في كرهم وفرهم، ~~يطلبون به ثبات المقاتلة؛ ليكون أدوم للحرب ~~وأقرب إلى الغلب» (ص273). ~~(5) # ثم يوضح كيفية ترتيب الجنود في الحروب، ~~ويبين أسباب وأهداف هذا الترتيب: ~~«إن الدول القديمة الكثيرة الجنود المتسعة ~~الممالك، كانوا يقسمون الجنود والعساكر أقساما ~~يسمونها كراديس، ويسوون في كل كردوس صفوفه. ~~وسبب ذلك؛ أنه ~~لما كثرت جنودهم الكثرة البالغة، وحشدوا من قاصية ~~النواحي، استدعى ذلك أن يجهل بعضهم بعضا إذا ~~اختلطوا في مجال الحرب، واعتوروا مع عدوهم الطعن ~~والضرب، فيخشى من تدافعهم فيما بينهم؛ لأجل ~~النكراء وجهل بعضهم ببعض. فلذلك كانوا يقسمون ~~العساكر جموعا، ويضمون المتعارفين بعضهم لبعض، ~~ويرتبونها قريبا من الترتيب الطبيعي في الجهات ~~الأربع، ورئيس العساكر كلها - من سلطان أو قائد - ~~في القلب، ويسمون هذا الترتيب التعبئة، وهو مذكور ~~في أخبار فارس والروم والدولتين وصدر ~~الإسلام.» ~~«فيجعلون بين يدي الملك عسكرا منفردا بصفوفه، ~~متميزا بقائده ورايته وشعاره، يسمونه المقدمة. ~~ثم عسكرا آخر من ناحية اليمين عن موقف الملك وعلى ~~سمته، يسمونه الميمنة. وعسكرا آخر من ناحية ~~الشمال يسمونه الميسرة، ثم عسكرا آخر من وراء ~~العسكر يسمونه الساقة. ويقف الملك وأصحابه في ~~الوسط بين هذه الأربع ويسمون موقفه القلب.» ~~«فإذا تم لهم هذا الترتيب المحكم، إما في ~~مدى واحد للبصر، أو على مسافة بعيدة - أكثرها ~~اليوم واليومان - بين كل عسكرين منهما، أو كيفما ~~اقتضاه حال العساكر في القلة والكثرة؛ فحينئذ يكون ~~الزحف من بعد هذه التعبئة» (ص272). # وبعد هذه التفاصيل يقول ابن خلدون إن هذا ~~الترتيب قد أهمل في زمانه، ويشرح أسباب هذا ~~الإهمال: ~~«وانظر ذلك في أخبار الفتوحات وأخبار الدولتين ~~بالمشرق، وكيف كانت العساكر لعهد عبد الملك ~~تتخلف عن رحيله لبعد المدى في التعبئة، ~~فاحتيج لمن يسوقها من خلفه، وعين لذلك الحجاج ~~بن يوسف، كما أشرنا إليه، وكما هو معروف في ~~أخباره. وكان ms301 في الدولة الأموية بالأندلس أيضا ~~كثير منه، وهو مجهول فيما لدينا؛ لأنا إنما أدركنا ~~دولا قليلة العساكر، لا تنتهي في مجال الحرب إلى ~~التناكر، بل أكثر الجيوش من الطائفتين معا يجمعهم ~~لدينا حلة أو مدينة، ويعرف كل واحد منهم قرنه، ~~ويناديه في حومة الحرب باسمه ولقبه، فاستغني عن ~~تلك التعبئة» (ص272). ~~(6) # وبعد الانتهاء من بحث التعبئة، ينتقل ابن خلدون ~~إلى طريقة «ضرب المصاف وراء المعسكر»: # هذه طريقة يلجأ إليها في كلا النوعين من الحرب ~~- أي في حرب الزحف وحرب الكر والفر - ويقصد منها ~~في كلتا الحالتين «تقوية النفوس، وشد العزائم، ~~وزيادة الوثوق خلال الحرب». # يتألف هذا المصاف عند أهل الكر والفر - من ~~الأمم البدوية الرحالة - من إبلهم والظهر الذي ~~يحمل ظعائنهم، ويتألف عند أهل الزحف من الفيلة، ~~أو من سرير الملك. # يوضح ابن خلدون كل نوع من هذه الأنواع على ~~حدة: ~~(أ) ~~«قد كان الفرس من أهل الزحف يتخذون ~~الفيلة في الحروب، ويحملون عليها أبراجا ~~من الخشب أمثال الصروح مشحونة بالمقاتلة ~~والسلاح والرايات، ويصفونها وراءهم في ~~حومة الحرب كأنها حصون، فتقوى بذلك نفوسهم ~~ويزداد وثوقهم.» ~~(ب) ~~«وأما الروم وملوك القوط بالأندلس ~~وأكثر العجم، فكانوا يتخذون لذلك ~~الأسرة، ينصبون للملك سريره في حومة ~~الحرب، يحف به من خدمه وحاشيته وجنوده من ~~هو زعيم بالاستماتة دونه. وترفع ~~الرايات في أركان السرير، ويحدق به سياج ~~آخر من الرماة والرجالة، فيعظم هيكل ~~السرير، ويصير فئة للمقاتلة وملجأ للكر ~~والفر.» ~~(ج) ~~«وأما أهل الكر والفر من العرب، ~~وأكثر الأمم البدوية الرحالة، فيصفون ~~لذلك إبلهم والظهر الذي يحمل ظعائنهم، ~~فيكون فئة لهم، ويسمونها مجبودة» ~~(ص273). ~~«وليس أمة من الأمم إلا وهي تفعل ذلك في حروبها، ~~وتراه أوثق في الجولة وآمن من الغرة ~~والهزيمة.» # يذكر ابن خلدون بهذه المناسبة ما كان قد حدث في ~~حرب القادسية، ويعلمنا أن الفرس كانوا لجئوا إلى ~~اتخاذ الفيلة ونصب السرير في وقت واحد. ~~«وانظر ما وقع من ذلك في حرب القادسية، وأن فارس ~~في اليوم الثالث اشتدوا بهم (أي بالفيلة) على ms302 ~~المسلمين، حتى اشتدت رجالات من العرب، فخالطوهم ~~وبعجوها بالسيوف على خراطيمها، فنفرت ونكصت على ~~أعقابها إلى مرابطها بالمدائن، فجفا معسكر فارس ~~لذلك وانهزموا في اليوم الرابع» (ص273). # وخلال هذه الحرب «كان رستم جالسا على سرير نصبه ~~لجلوسه، حتى اختلفت صفوف فارس وخالطه العرب في ~~سريره، فتحول عنه إلى الفرات وقتل» ~~(ص273). # ومع ذلك يخبرنا ابن خلدون بأن في عهده هذا الأمر ~~أيضا كان قد أهمل إهمالا كليا: ~~«وقد أغفلته الدول لعهدنا بالجملة، واعتاضوا عنه ~~بالظهر الحامل للأثقال والفساطيط، يجعلونها ~~ساقة من خلفهم، ولكن تلك الأشياء «لا تغني غناء ~~الفيلة والإبل»؛ ولذلك صارت العساكر عرضة ~~للهزائم، ومستشعرة للفرار في المواقف» (ص273). ~~(7) # يتوسع ابن خلدون بوجه خاص في وصف الحروب التي ~~حدثت أول الإسلام: ~~«كان الحرب أول الإسلام كله زحفا، وكان العرب ~~إنما يعرفون الكر والفر، ولكن حملهم على ذلك (أي ~~على اختيار طريقة الحرب زحفا) أمران؛ أحدهما أن ~~أعداءهم كانوا يقاتلون زحفا، فيضطرون إلى ~~مقاتلتهم بمثل قتالهم. الثاني أنهم كانوا مستميتين ~~في جهادهم؛ لما رغبوا فيه من الصبر، ولما رسخ فيهم ~~من الإيمان، والزحف إلى الاستماتة أقرب» ~~(ص273). # ومع هذا إنه يعلمنا أن أصول المصاف في الحروب ~~أهملت فيما بعد، ويذكر تاريخ ذلك: ~~«وأول من أبطل الصف في الحروب وصار إلى التعبئة ~~كراديس؛ مروان بن الحكم في قتال الضحاك الخارجي ~~والجبيري بعده. قال الطبري لما ذكر قتال الضحاك: ~~فولى الخوارج عليهم شيبان بن عبد العزيز اليشكري ~~- ويلقب بأبي الدلفاء - قاتلهم مروان بعد ذلك ~~بالكراديس، وأبطل الصف من يومئذ؛ فتنوسي قتال ~~الزحف بإبطال الصف، ثم تنوسي الصف وراء ~~المقاتلة بما داخل الدول من الترف. وذلك أنها ~~حينما كانت بدوية وسكناهم الخيام كانوا يستكثرون ~~من الإبل، وسكنى النساء والولدان معهم في الأحياء، ~~فلما حصلوا على ترف الملك وألفوا سكنى القصور ~~والحواضر، وتركوا شأن البادية والقفر؛ نسوا لذلك ~~عهد الإبل والظعائن، وصعب عليهم اتخاذها، فخلفوا ~~النساء في الأسفار، وحملهم الملك والترف على اتخاذ ~~الفساطيط والأخبية، فاقتصروا على الظهر الحامل ~~للأثقال والأبنية» (ص274). ~~«وكان ذلك ms303 صفتهم في الحرب، ولا يغني كل الغناء؛ ~~لأنه لا يدعو إلى الاستماتة كما يدعو إليها الأهل ~~والمال، فيخف الصبر من أجل ذلك، وتصرفهم الهيعات ~~وتخرم صفوفهم» (ص274). # ثم يذكر ابن خلدون الخطة التي كان قد اتخذها ~~ملوك الغرب من ضرب المصاف باستخدام جنود من طائفة ~~الإفرنج: ~~«ولما ذكرناه من ضرب المصاف وراء العساكر، ~~وتأكده في قتال الكر والفر؛ صار ملوك المغرب ~~يتخذون طائفة من الإفرنج في جندهم، واختصوا بذلك؛ ~~لأن قتال أهل وطنهم كله بالكر والفر، والسلطان ~~يتأكد في حقه ضرب المصاف ليكون ردءا للمقاتلة ~~أمامه، فلا بد من أن يكون أهل ذلك الصف من قوم ~~متعودين للثبات في الزحف، وإلا أجفلوا على طريقة ~~أهل الكر والفر؛ فانهزم السلطان والعساكر ~~بإجفالهم. فاحتاج الملوك بالمغرب أن يتخذوا جندا ~~من هذه الأمة المتعودة الثبات في الزحف وهم ~~الإفرنج، ويرتبون مصافهم المحدق بهم منها، هذا على ~~ما فيه من الاستعانة بأهل الكفر. إنهم استخفوا ذلك ~~للضرورة التي أريناكها من تخوف الإجفال على مصاف ~~السلطان، والإفرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك؛ ~~لأن عادتهم في القتال الزحف، فكانوا أقوم بذلك ~~من غيرهم. مع أن الملوك في المغرب إنما يفعلون ذلك ~~عند الحرب مع أمم العرب والبربر، وقتالهم على ~~الطاعة. وأما في الجهاد فلا يستعينون بهم حذرا ~~من ممالأتهم على المسلمين، هذا هو الواقع لهذا ~~العهد» (ص274). ~~(8) # بعد هذه التفاصيل حول طرائق الحرب في المغرب، ~~يذكر ابن خلدون ما بلغه عن طرق القتال عند أمم ~~الترك: ~~«وبلغنا أن أمم الترك لهذا العهد، قتالهم مناضلة ~~بالسهام، وأن تعبئة الحرب عندهم بالمصاف، وأنهم ~~يقسمون بثلاثة يضربون صفا وراء صف، ويترجلون ~~عن خيولهم، ويفرغون سهامهم بين أيديهم، ثم ~~يتناضلون جلوسا، وكل صف ردء للذي أمامه أن يكبسهم ~~العدو، إلى أن يتهيأ النصر لإحدى الطائفتين على ~~الأخرى، وهي تعبئة محكمة غريبة» ~~(ص274-275). ~~(9) # ثم يعود إلى طرائق الحرب العامة، ويصف طريقة ~~«حفر الخنادق على المعسكرات»، ويبين فوائد تلك ~~الخنادق وغاياتها: ~~«كان من مذاهب الأول في حروبهم حفر الخنادق ~~على معسكرهم ms304 عندما يتقاربون للزحف؛ وذلك حذرا من ~~معرة البيات والهجوم على العسكر في الليل؛ لما ~~في ظلمته ووحشته من مضاعفة الخوف، فيلوذ الجيش ~~بالفرار، وتجد النفوس في الظلمة سترا من عاره، ~~فإذا تساووا في ذلك أرجف العسكر ووقعت ~~الهزيمة.» ~~«فكانوا لذلك يحتفرون الخنادق على معسكرهم إذا ~~نزلوا وضربوا أبنيتهم، ويديرون الحفائر نطاقا من ~~جميع جهاتهم؛ حرصا أن يخالطهم العدو بالبيات ~~فيتخاذلوا» (ص275). # يلاحظ أن التعليلات التي يسردها ابن خلدون في ~~هذا الصدد تنطوي على ملاحظات نفسية قيمة؛ فإنها ~~تشير أولا إلى أثر الإجفال والإرجاف في الحروب، ~~وهو ما يعرف ~~بال # panique ~~، ~~ثم إنها تقرر تأثير الليل في نفوس الجنود؛ إن ~~ظلمة الليل تضاعف الخوف، وتحفز إلى الفرار، كما ~~أن هذه الظلمة تكون في نظر الجنود سترا من عار ~~الفرار، وتسهل عليهم الإقدام على الفرار. يظهر ~~من ذلك كله أن ابن خلدون قد انتبه إلى تأثير ~~العدوى المعشرية، وعمل الرأي العام في مقاومة ~~الجنود أو انهزامهم. ~~(10) # يعلمنا ابن خلدون بعد ذلك أن طريقة حفر الخنادق ~~أيضا أهملت في زمانه، ويعزو أسباب هذا الإهمال ~~إلى صغر الدول؛ وذلك لأن أمثال هذه الأعمال ~~العسكرية مما لا يمكن إنجازها إلا بكثرة الأيدي ~~العاملة والمحاربة: ~~«وكانت للدول في أمثال هذا قوة، وعليه اقتدار ~~باحتشاد الرجال وجمع الأيدي عليه في كل منزل من ~~منازلهم، بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة ~~الملك، فلما خرب العمران، وتبعه ضعف الدولة وقلة ~~الجنود وعدم الفعلة، نسي هذا الشأن جملة كأنه ~~لم يكن» (ص275). # ثم يذكر ابن خلدون «وصية علي - رضي الله عنه - ~~وتحريضه لأصحابه يوم صفين»؛ لأنه يجد فيها الشيء ~~الكثير «من علم الحرب»، ويقول: «لم يكن أحد أبصر ~~بها منه» (ص275). # كما أنه يذكر ما قاله الأشتر يومئذ تحريضا ~~للأزد، ثم ينقل قسما من القصيدة التي كتبها «أبو ~~بكر الصيرفي، شاعر لمتونة وأهل الأندلس»، يمدح بها ~~تاشفين بن علي بن يوسف، و«يصف ثباته في حرب ~~شهدها»؛ لأن القصيدة المذكورة تتضمن «من الوصايا ~~والتحذيرات ما يساعد على معرفة الشيء الكثير ms305 من ~~أمور الحرب، وسياسة الحرب» (ص275). # ينقل ابن خلدون من هذه القصيدة واحدا وعشرين ~~بيتا، ويقول الصيرفي في مطلع القصيدة: # يا أيها الملأ الذي ~~يتقنع # من منكم الملك الهمام ~~الأروع # ومن الذي غدر العدو به ~~دجى # فانفض كل وهو لا ~~يتزعزع # ويبدأ قسمها المتعلق بسياسة الحرب بما ~~يلي: # أهديك من أدب السياسة ما ~~به # كانت ملوك الفرس قبلك ~~تولع # لا أنني أدرى بها، ~~لكنها # ذكرى تحض المؤمنين ~~وتنفع # ومما جاء في هذا القسم من القصيدة: # خندق عليك إذا ضربت ~~محلة # سيان تتبع ظافرا أو ~~تتبع # والواد لا تعبره، وانزل ~~عنده # بين العدو وبين جيشك ~~يقطع # ينتقد ~~ابن خلدون قول الصيرفي في أحد أبيات ~~القصيدة: ~~«واصدمه أول وهلة لا تكترث»؛ لأنه يرى بأن ~~«التثاقل في الحرب أولى من الخفوف، حتى يتبين ~~حال تلك الحرب، وذلك عكس ما قاله الصيرفي، إلا ~~أن يريد أن الصدم بعد البيان، فله وجه» ~~(ص277). # 2 ~~(1) # بعد الانتهاء من شرح وتفصيل مذاهب الأمم في ~~الحروب، ينتقل ابن خلدون إلى الكلام في أسباب ~~الغلب والظفر، ويقرر أولا المبدأ ~~التالي: ~~«لا وثوق في الحرب بالظفر، وإن حصلت أسبابه من ~~العدة والعديد، وإنما الظفر فيها والغلب من ~~قبيل البخت والاتفاق» (ص277). # غير أنه لا يقصد من كلمة البخت هنا ما يقصد ~~الناس منها عادة، فلا يعني بذلك حصول الظفر بلا ~~سبب، بل يعني حصول ذلك لأسباب نجهلها نحن، إذ يقول ~~بصراحة: ~~«وقوع الأشياء عن الأسباب الخفية هو معنى البخت» ~~(ص277). ~~«كل ما يحصل بسبب خفي، فهو الذي يعبر عنه ~~بالبخت» (ص279). ~~(2) # بعد تقرير هذه القضية مبدئيا يوضح ابن خلدون ~~رأيه في هذا الأمر باستعراض أسباب الظفر في ~~الحروب: ~~«إن أسباب الغلب في الأكثر مجتمعة من أمور ~~ظاهرة، ومن أمور خفية.» # والأمور الظاهرة: هي «الجيوش ووفورها، وكمال ~~الأسلحة واستجادتها، وكثرة الشجعان، وترتيب ~~المصاف، ومنه صدق القتال وما جرى مجرى ~~ذلك.» # وأما الأمور الخفية فهي أولا: «خدع البشر ~~وحيلهم في الإرجاف والتشانيع التي يقع بها ~~التخذيل، وفي التقدم إلى الأماكن المرتفعة لتكون ms306 ~~الحرب من أعلى فيتوهم المنخفض لذلك، وفي الكمون ~~في الغياض ومطمئن الأرض، والتواري بالكدي حول ~~العدو حتى يتداولهم العسكر دفعة وقد تورطوا، ~~فيتلمسون إلى النجاة وأمثال ذلك.» # وهناك أسباب خفية من نوع آخر؛ «فهي أمور سماوية ~~لا قدرة للبشر على اكتسابها»، وهذه الأمور ~~السماوية «تلقى في القلوب؛ فيستولي الرهب ~~عليهم لأجلها، فتختل مراكزهم فتقع الهزيمة» ~~(ص277). ~~«وأكثر ما تقع الهزائم عن هذه الأسباب الخفية؛ ~~لكثرة ما يعتمل لكل واحد من الفريقين فيها حرصا ~~على الغلب، فلا بد من وقوع التأثير في ذلك على ~~أحدهما ضرورة؛ ولذلك قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «الحرب خدعة»، ~~ومن أمثال العرب: «رب حيلة أنفع من قبيلة»» ~~(ص277). # يتبين من ذلك كله «أن وقوع الغلب في الحروب - ~~غالبا - عن أسباب خفية غير ظاهرة، ووقوع الأشياء ~~عن الأسباب الخفية هو معنى البخت» (ص277). # وأما تأثير الأمور السماوية في الغلب، فهو قد ~~تجلى في فتوحات صدر الإسلام: ~~«وتفهم من وقوع الغلب على أمور سماوية كما ~~شرحناه معنى قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: نصرت «بالرعب ~~مسيرة شهر». وما وقع من غلبه للمشركين في حياته ~~بالعدد القليل، وغلب المسلمون من بعده كذلك في ~~الفتوحات. فإن الله سبحانه وتعالى تكفل لنبيه ~~بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين؛ حتى يستولي على ~~قلوبهم، فينهزموا معجزة لرسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. فكان ~~الرعب في قلوبهم سببا في ذلك للفتوحات الإسلامية ~~كلها، إلا أنه خفي عن العيون» (ص277). ~~(3) # يذكر ابن خلدون رأي الطرطوشي في أسباب الغلبة في ~~الحروب، وينتقد هذا الرأي انتقادا شديدا: ~~«وقد ذكر الطرطوشي أن من أسباب الغلب في الحروب ~~أن تفضل عدة الفرسان المشاهير من الشجعان في أحد ~~الجانبين على عدتهم في الجانب الآخر؛ مثل أن ~~يكون أحد الجانبين فيه عشرة أو عشرون من الشجعان ~~المشاهير، وفي الجانب الآخر ثمانية أو ستة عشر، ~~فالجانب الزائد ولو بواحد يكون له الغلب.» # غير أن ابن خلدون يعتقد أن ذلك «ليس بصحيح، ~~وإنما الصحيح المعتبر في الغالب حال العصبية؛ مثل ~~أن يكون في أحد الجانبين عصبية ms307 واحدة جامعة لكلهم، ~~وفي الجانب الآخر عصائب متعددة؛ لأن العصائب إذا ~~كانت متعددة يقع بينها من التخاذل ما يقع في ~~الوحدان المتفرقين الفاقدين للعصبية؛ إذ تنزل كل ~~عصابة منهم منزلة الواحد، ويكون الجانب الذي ~~عصابته متعددة لا يقاوم الجانب الذي عصابته واحدة ~~لأجل ذلك. فتفهمه واعلم أنه أصح في الاعتبار ~~مما ذهب إليه الطرطوشي.» # وأما سبب خطأ الطرطوشي في هذه القضية، فيعود ~~إلى عدم تقديره لعمل العصبية: «ولم يحمله على ذلك ~~إلا نسيان شأن العصبية في حلة وبلدة، وأنهم إنما ~~يردون ذلك الدفاع والحماية والمطالبة إلى الوحدان ~~والجماعة الناشئة عنهم، لا يعتبرون في ذلك عصبية ~~ولا نسبا» (ص278). # يلاحظ أن ابن خلدون يضيف - بملاحظاته هذه - ~~سببا جديدا إلى أسباب الغلب التي ذكرناها آنفا؛ ~~وهو «وحدة العصبية» - وبتعبير آخر «وحدة الجيش» - ~~من وجهة اتفاق الآراء والأهواء (ص164)، وتآلف ~~القلوب، وحسن التعاون والتعاضد (ص157). ~~(4) # وإذا لخصنا آراء ابن خلدون في هذا الصدد؛ ~~وجدنا أنه يقسم أسباب الغلب والظفر في الحروب ~~إلى صنفين أساسيين؛ الأسباب الظاهرة والأسباب ~~الخفية، كما أنه يقسم الأسباب الخفية إلى نوعين ~~أساسيين؛ الأسباب الطبيعية والأسباب ~~السماوية. # يحصر ابن خلدون تأثير الأسباب السماوية في عهد ~~النبوات والمعجزات؛ ولذلك يرد أسباب الغلبة في ~~الأوقات الاعتيادية إلى الأسباب الظاهرية، والخفية ~~الطبيعية. # ولكن - مما يجب الانتباه إليه - أن ما يعنيه ابن ~~خلدون من تعبيري الأسباب الظاهرة والأسباب ~~الخفية، لم يكن الأسباب المادية والأسباب المعنوية ~~كما قد يخطر على البال في الوهلة الأولى؛ وذلك ~~لأنه يذكر بين الأسباب الظاهرة صدق القتال وكثرة ~~الشجعان، كما يذكر بين الأسباب الخفية التقدم ~~إلى الأماكن المرتفعة، والتوسل إلى الخدع ~~الحربية. # وإذا تأملنا في تفاصيل الأمثلة التي يذكرها ~~ابن خلدون؛ وجدنا أن الأسباب التي يذكرها تحت اسم ~~الخفية كلها تتعلق بمعنويات العدو، إنها الأسباب ~~التي تولد في نفوس الأعداء الخوف والفزع والرعب؛ ~~فتؤدي إلى انهزامهم من جراء انكسار معنوياتهم ~~حسب التعبير المألوف في الحالة الحاضرة. # يعزو ابن خلدون إلى هذا النوع من الأسباب دورا ~~هاما في تقرير الظفر والغلب، ms308 حتى إنه يميل إلى ~~القول بأن تأثير هذه الأسباب يفوق تأثير الأسباب ~~الظاهرة أيضا. # ويقرر في الوقت نفسه أن الظفر والغلب إنما ~~يكون من نوع البخت والاتفاق؛ لكثرة الأسباب الخفية ~~التي تؤثر فيها. # كما أنه يقرر أن الفتوحات التي تمت في صدر ~~الإسلام مما لا يمكن تفسيره إلا بالمعجزات، ~~وبتعبير آخر إلا بالأسباب السماوية التي تلقي ~~الرعب والخوف في قلوب الأعداء. # 3 ~~(1) # يدون ابن خلدون - في فصل «مراتب الملك ~~والسلطان» (ص252-256) - معلومات قيمة جدا عن ~~القوى البحرية والأساطيل، ويبدي بعض الملاحظات ~~والتعليلات خلال تلك المعلومات. # فيقول أولا: إن قيادة الأساطيل «من مراتب ~~الدولة وخططها في ملك المغرب وإفريقية، ومرءوسة ~~لصاحب السيف وتحت حكمه في كثير من الأحوال». # ثم يبين أسباب اختصاص هذه الرتبة بإفريقية ~~والمغرب قائلا: ~~«إنما اختصت هذه الرتبة بملك إفريقية والمغرب؛ ~~لأنهما جميعا على ضفة البحر الرومي.» # وبعد ذلك يشرح الدور الذي لعبه البحر المذكور - ~~الذي يسمى البحر الشامي أيضا - في تكوين الأساطيل ~~وفي فتوحات الأمم: ~~«والساكنون بسيف هذا البحر وسواحله وعدوتيه ~~يعانون من أحواله ما لا تعانيه أمة من أمم ~~البحار.» ~~«إن الروم استولوا على إفريقية، والقوط على ~~المغرب بفضل أساطيلهم، وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم ~~يحارب صاحب روما، ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة ~~بالعساكر والعدد، فكانت هذه عادة لأهل هذا البحر ~~الساكنين حفافيه، معروفة في القديم والحديث» ~~(ص252). ~~(2) # بعد هذه المقدمات يتكلم ابن خلدون عن نشوء ~~الأساطيل في الدول العربية الإسلامية: # إن العرب اتصلوا بالبحر الرومي (أي الشامي) ~~عندما ملكوا مصر، ولكنهم لم يقدموا على ركوبه ~~في بادئ الأمر، بل أحجموا عن ذلك إحجاما. ~~«والسبب في ذلك أن العرب - لبداوتهم - لم يكونوا ~~مهرة في ثقافته وركوبه»، في حين «أن الروم ~~والإفرنجة - لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب ~~على أعواده - مرنوا وأحكموا الدراية بثقافته» ~~(ص253). # ولكن إحجام العرب عن ركوب البحر لم يستمر ~~طويلا؛ لأن اتصالهم بالبحر الرومي زاد وتوسع ~~توسعا كبيرا بعدما ملكوا الشام أيضا؛ ولذلك ~~أخذوا يهتمون بالسفن والأساطيل شيئا ~~فشيئا. # إن هذا الاهتمام بدأ من عهد ms309 معاوية: «لما ~~استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم ~~العجم خولا لهم وتحت أيديهم، وتقرب كل ذي صنعة ~~إليهم بمبلغ صناعته، واستخدموا من النواتية في ~~حاجاتهم البحرية أمما، وتكررت ممارستهم للبحر ~~وثقافته، واستحدثوا بصراء بها، فشرهوا إلى الجهاد ~~فيه، وأنشئوا السفن فيه والشواني، وشحنوا الأساطيل ~~بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن ~~وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا بذلك من ممالكهم ~~وثغورهم ما كان أقرب لهذا البحر وعلى حافته، مثل ~~الشام وإفريقية والمغرب والأندلس.» ~~«وأوعز الخليفة عبد الملك إلى حسان بن نعمان ~~عامل إفريقية، بإنجاز دار صناعة بتونس؛ لإنشاء ~~الآلات البحرية حرصا على مراسم الجهاد، ومنها كان ~~فتح صقلية، وقوصرة» (ص253). ~~«وكانت من بعد ذلك أساطيل إفريقية والأندلس في ~~دولة العبيدين والأمويين تتعاقب إلى بلادهما، ~~«وانتهى أسطول الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر إلى ~~مائتي مركب أو نحوها، وأسطول إفريقية كذلك مثله أو ~~قريبا منه»» (ص253). ~~(3) # ثم يشرح ابن خلدون كيفية إدارة الأساطيل في ~~الأندلس، قائلا: ~~«وكان قائد الأساطيل في الأندلس ابن رماحس، ~~ومرفأها للحط والإقلاع بجاية والمرية، وكانت ~~أساطيلها مجتمعة من سائر الممالك، من كل بلد تتخذ ~~فيه السفن أسطولا، يرجع نظره إلى قائد من ~~النواتية يدبر أمر حربه وسلاحه ومقاتلته، ورئيس ~~يدبر أمر جريه بالريح أو بالمجاذيف، وأمر إرسائه ~~في مرفئه. فإذا اجتمعت الأساطيل لغزو محتفل أو غرض ~~سلطاني مهم، عسكرت بمرفئها المعلوم، وشحنها ~~السلطان برجاله وأنجاد عساكره ومواليه، وجعلهم ~~لنظر أمير واحد من أعلى طبقات أهل مملكته، يرجعون ~~كلهم إليه، ثم يسرحهم لوجههم، وينتظرون إيابهم ~~بالفتح والغنيمة» (ص254). ~~(4) # بعد ذلك يقرر ابن خلدون أن المسلمين كانوا قد ~~سيطروا على البحر الرومي من جميع جوانبه: ~~«كان المسلمون لعهدة الدولة الإسلامية قد غلبوا ~~على هذا البحر من جميع جوانبه، وعظمت صولتهم ~~وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم النصرانية قبل ~~بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح ~~سائر أيامهم، فكانت لهم المقامات المعلومة من ~~الفتح والغنائم، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن ~~السواحل فيه؛ مثل ميورقة، ومنورقة، ويابسة ~~سردانية، وصقلية، وقوصرة، ومالطة، وأقريطش، وقبرص، ms310 ~~وسائر ممالك الروم والإفرنج. وكان أبو قاسم الشيعي ~~وأولاده يغزون أساطيلهم من المهدية جزيرة جنوة، ~~فتنقلب بالظفر والغنيمة.» ~~«والمسلمون خلال ذلك كله قد تغلبوا على كثير ~~من لجة هذا البحر، وصارت أساطيلهم فيه جائية ~~وذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في ~~الأساطيل من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها من ~~العدوة الشمالية، فتوقع بملوك الإفرنج، وتثخن ~~في ممالكهم» (ص254). ~~«وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب ~~الشمالي الشرقي منه من سواحل الإفرنجة والصقالبة ~~وجزائر الرومانية لا يعدونها، وأساطيل المسلمين قد ~~ضريت عليهم ضراء الأسد على فريسته، وقد ملأت ~~الأكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددا، واختلفت ~~في طرقه سلما وحربا، فلم تسبح للنصرانية فيه ~~ألواح» (ص254). ~~(5) # ولكن بعد ذلك انقلبت الأمور رأسا على عقب؛ ~~فالفرنجة أخذوا يسيطرون أولا على القسم الشرقي من ~~البحر الرومي، وأما القسم الغربي منه فبقي مدة ~~أخرى تحت سيطرة المسلمين، إلى أن أخذ الفرنجة ~~يتغلبون عليهم في هذا القسم أيضا. ~~«حتى إذا أدرك الدولة العبيدية الفشل والوهن ~~وطرقها الاعتلال؛ مد النصارى أيديهم إلى ~~جزائر البحر الشرقية؛ مثل صقلية، وأقريطش، ومالطة، ~~فملكوها، ثم ألحوا على سواحل الشام في تلك ~~الفترة، وملكوا طرابلس وعسقلان وصور وعكاء، ~~واستولوا على جميع الثغور بسواحل الشام.» ~~«ثم غلبوا بني خزرون على طرابلس ثم على قابس ~~وصفاقس، ووضعوا عليهم الجزية ثم ملكوا المهدية مقر ~~ملوك العبيديين» (ص254). ~~«وضعف شأن الأساطيل في دولة مصر والشام إلى أن ~~انقطع، ولم يعتنوا بشيء من أمره لهذا العهد بعد أن ~~كان لهم به في الدولة العبيدية عناية تجاوزت ~~الحد، كما هو معروف في أخبارهم، فبطل رسم هذه ~~الوظيفة (وظيفة قيادة الأساطيل)، وبقيت في إفريقية ~~والمغرب، وصارت مختصة بها» (ص255). # يشرح ابن خلدون بعد ذلك كيف أن أساطيل المسلمين ~~ظلت موفورة وقوية «في الجانب الغربي من البحر ~~الرومي» في عهد الموحدين، وكيف أنها انتهت في عهد ~~يوسف بن عبد المؤمن «في الكثرة والإجادة ما لم ~~تبلغ به من قبل ولا بعد فيما عهدناه»، وكيف أنها ~~أخذت تتراجع «لما اعتلت دولة ms311 الموحدين». ~~«ولما هلك أبو يعقوب المنصور واعتلت دولة ~~الموحدين، واستولت أمم الجلالقة على الأكثر من ~~بلاد الأندلس، وألجئوا المسلمين إلى سيف البحر، ~~وملكوا الجزائر التي بالجانب الغربي من البحر ~~الرومي؛ قويت ريحهم في بسيط هذا البر واشتدت ~~شوكتهم، وكثرت فيه أساطيلهم، وتراجعت قوة المسلمين ~~فيه إلى المساواة معهم، كما وقع لعهد السلطان ~~أبي الحسن ملك زناتة بالمغرب، فإن أساطيلهم كانت - ~~عند مرامه الجهاد - مثل النصرانية ~~وعديدهم.» ~~«ثم تراجعت عن ذلك قوة المسلمين في الأساطيل؛ ~~لضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد ~~البدوية بالمغرب، وانقطاع العوائد الأندلسية. ورجع ~~النصارى فيه إلى دينهم المعروف من الدربة فيه ~~والمران عليه والبصر بأحواله، وغلب الأمم في لجته ~~على أعواده، وصار المسلمون فيه كالأجانب، إلا ~~قليلا من أهل البلاد الساحلية لهم المران عليه» ~~(ص256). ~~(6) # يعتقد ابن خلدون أن كل ذلك من نتائج الإهمال ~~وعدم العناية، ويقول بأن الأمور قد ترجع إلى ما ~~كانت عليه لو أن الذين لهم المران على ركوب البحر ~~«وجدوا كثرة من الأنصار والأعوان، أو قوة من ~~الدولة تستجيش لهم أعوانا، وتوضح لهم في هذا ~~الغرض مسلكا» (ص256). # ويكرر ابن خلدون بعد ذلك ما كان قاله عن قيادة ~~الأساطيل: «بقيت الرتبة لهذا العهد في الدولة ~~المغربية محفوظة، والرسم في معاناة الأساطيل ~~بالإنشاء والركوب معهودا؛ لما عساه أن تدعو إليه ~~الحاجة من الأغراض السلطانية في البلاد البحرية، ~~والمسلمون يستهبون الريح على الكفر وأهله» ~~(ص256). # ويعلمنا في الأخير أن أهل المغرب كانوا يعتقدون ~~أن الإسلام سيعود إلى ما كان عليه من القوة في تلك ~~الربوع: ~~«فمن المشتهر بين أهل المغرب عن كتب الحدثان أنه ~~لا بد للمسلمين من الكرة على النصرانية وافتتاح ~~ما وراء البحر من بلاد الإفرنجة، وأن ذلك يكون في ~~الأساطيل» (ص256). # 4 ~~(1) # يتكلم ابن خلدون - في فصل من فصول الباب ~~الثالث - عن «شارات الملك والسلطان الخاصة به» ~~(258-270)، ويذكر من هذه الشارات أولا ما يسميها ~~باسم «الآلة» - ويقصد بها الرايات والآلات ~~الموسيقية - ويشرح تأثيرها في الحروب: ~~«فمن شارات الملك اتخاذ الآلة ms312 من نشر الألوية ~~والرايات، وقرع الطبول، والنفخ في الأبواق ~~والقرون.» ~~«وقد ذكر أرسطو في الكتاب المنسوب إليه في ~~السياسة أن السر في ذلك إرهاب العدو في الحرب، فإن ~~الأصوات الهائلة لها تأثير في النفوس بالروعة، ~~ولعمري أنه أمر وجداني في مواطن الحرب، يجده ~~كل واحد في نفسه، وهذا السبب الذي ذكره أرسطو - إن ~~كان ذكره # 1 ~~- فهو صحيح ببعض الاعتبارات.» ~~«وأما الحق في ذلك؛ فهو أن النفس عند سماع ~~النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك، فيصيب ~~مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب، ويستميت في ~~ذلك الوجه الذي هو فيه، وهذا موجود حتى في ~~الحيوانات العجم بانفعال الإبل بالحداء، والخيل ~~بالصفير والصريخ كما علمت.» ~~«ويزيد ذلك تأثيرا إذا كانت الأصوات متناسبة ~~كما في الغناء، وأنت تعلم ما يحدث لسامعه من مثل ~~هذا المعنى؛ لأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم ~~الآلات الموسيقية، لا طبلا ولا بوقا. فيحدق ~~المغنون بالسلطان في موكبه بآلاتهم ويغنون فيحركون ~~نفوس الشجعان بضربهم إلى الاستماتة» ~~(ص258). ~~«ولقد رأينا في حروب العرب من يتغنى أمام ~~الموكب بالشعر ويطرب، فتجيش همم الأبطال بما فيها، ~~ويسارعون إلى مجال الحرب، وينبعث كل قرن إلى ~~قرنه.» ~~«وكذلك زناتة من أمم المغرب، يتقدم الشاعر ~~عندهم أمام الصفوف ويتغنى، فيحرك بغنائه ~~الجبال الرواسي ويبعث على الاستماتة.» ~~«وأما أصل كل ذلك؛ فهو فرح يحدث في النفس؛ ~~فتنبعث عنه الشجاعة، كما تنبعث عن نشوة الخمر بما ~~حدث عنها من الفرح.» ~~«وأما تكثير الرايات وتلوينها وإطالتها، ~~فالقصد به التهويل لا أكثر، وربما تحدث في النفوس ~~من التهويل زيادة في الإقدام، وأحوال النفوس ~~وتلويناتها غريبة» (ص258). ~~(2) # بعد ذلك يشرح ابن خلدون خطط الملوك والدول في ~~أمر هذه الشارات، ويتتبع بوجه خاص تطورها في ~~الدول الإسلامية المختلفة، ويستعرض أنواعها - بهذه ~~المناسبة - من حيث العدد واللون والشكل: ~~«إن الملوك والدول يختلفون في اتخاذ هذه ~~الشارات؛ فمنهم مكثر ومنهم مقل، بحسب اتساع الدولة ~~وعظمها.» ~~«فأما الرايات فإنها شعار الحروب من عهد ~~الخليقة، ولم تزل الأمم تعقدها في مواطن الحروب ~~والغزوات ms313 لعهد النبي # صلى الله عليه وسلم # ومن بعده من ~~الخلفاء.» ~~«وأما قرع الطبول، والنفخ في الأبواق، فكان ~~المسلمون - لأول الملة - متجافين عنه؛ تنزها عن ~~غلظة الملك، ورفضا لأحواله، واحتقارا لأبهته ~~التي ليست من الحق في شيء. حتى إذا انقلبت الخلافة ~~ملكا، وتبحبحوا بزهرة الدنيا ونعيمها، ولابسهم ~~الموالي من الفرس والروم أهل الدول السالفة، ~~وأروهم ما كان أولئك ينتحلونه من مذاهب البذخ ~~والترف؛ فكان مما استحسنوه اتخاذ الآلة فأخذوها، ~~وأذنوا لعمالهم في اتخاذها تنويها بالملك وأهله» ~~(ص259). # بعد هذه النظرة العامة يتوسع ابن خلدون في ~~الكلام عن أنواع الرايات: ~~«إن رايات بني العباس كانت سودا؛ حزنا على ~~شهدائهم من بني الهاشم، ونعيا على بني أمية في ~~قتلهم؛ ولذلك سموا المسودة.» ~~«ولما افترق أمر الهاشميين، وخرج الطالبيون ~~على العباسيين من كل جهة، ذهبوا إلى مخالفتهم في ~~ذلك، فاتخذوا الرايات بيضا، وسموا المبيضة ~~لذلك سائر أيام العبيديين ومن خرج من الطالبيين ~~في ذلك العهد بالمشرق.» ~~«ولما نزع المأمون عن لبس السواد وشعاره في ~~دولته، عدل إلى لون الخضرة فجعل رايته ~~خضراء.» ~~«وأما ملوك البربر بالمغرب - من صنهاجة وغيرها ~~- فلم يختصوا بلون واحد، بل وشوها بالذهب، ~~واتخذوها من الحرير الخالص ملونة» (ص259). # وأما عدد الآلة - من رايات وبنود - فيتكلم ~~ابن خلدون عنها كما يلي: ~~«وأما الاستكثار منها فلا ينتهي إلى حد، وقد ~~كانت آلة العبيديين - لما خرج العزيز إلى فتح ~~الشام - خمسمائة من البنود وخمس مئة من ~~الأبواق.» ~~«وأما ملوك البربر بالمغرب من صنهاجة وغيرها، ~~فهم فيه بين مكثر ومقل باختلاف مذاهب الدول في ~~ذلك؛ فمنهم من يقتصر على سبعة من العدد تبركا ~~بالسبعة - كما هو في دولة الموحدين وبني الأحمر ~~بالأندلس - ومنهم من يبلغ العشرة والعشرين - كما ~~هو عند زناتة (ص259). وقد بلغت في أيام السلطان ~~أبي الحسن فيما أدركناه مائة من الطبول ومائة من ~~البنود، ملونة بالحرير، منسوجة بالذهب، ما بين ~~كبير وصغير» (ص260). # وأما رايات أصحاب الثغور وقواد الجيش، ~~فيعطينا ابن خلدون عنها المعلومات التالية: ~~«حينما بدأ الخلفاء في اتخاذ الآلة ms314 أذنوا ~~لعمالهم أيضا في اتخاذها تنويها بالملك وأهله، ~~فكثيرا ما كان العامل - صاحب الثغر أو قائد الجيش ~~- يعقد له الخليفة من العباسيين أو العبيديين ~~لواءه، ويخرج إلى بعثه أو عمله من دار الخليفة أو ~~داره في موكب من أصحاب الرايات، فلا يميز بين ~~موكب العامل والخليفة إلا بكثرة الألوية وقلتها، ~~أو ما اختص به الخليفة من الألوان لرايته» ~~(ص259). ~~«وأما ملوك البربر في المغرب - من صنهاجة ~~وغيرها - فقد استمروا على الإذن فيها لعمالهم، ~~حتى إذا جاءت دولة الموحدين ومن بعدهم من زنانة، ~~قصروا الآلة من الطبول والبنود على السلطان، ~~وحظروها على من سواه من عماله، وجعلوا لها موكبا ~~خاصا يتبع أثر السلطان في سيره يسمى الساقة» ~~(ص259). ~~«ولكنهم كانوا يأذنون للولاة والعمال في اتخاذ ~~راية واحدة صغيرة من الكتان بيضاء، وطبل صغير ~~أيام الحرب، لا يتجاوزون ذلك» (ص260). ~~(3) # يذكر ابن خلدون خطة الأتراك والجلالقة أيضا في ~~هذا الشأن: ~~«وأما دولة الترك لهذا العهد بالمشرق، فيتخذون ~~راية واحدة عظيمة، وفي رأسها خصلة كبيرة من ~~الشعر يسمونها الشالش والجتر، وهي شعار السلطان ~~عندهم، ثم تتعدد الرايات ويسمونها السناجق، ~~واحدها سنجق، وهي الراية بلسانهم. وأما الطبول ~~فيبالغون في الاستكثار منها، ويسمونها الكوسات، ~~ويبيحون لكل أمير أو قائد عسكر أن يتخذ من ذلك ما ~~يشاء إلا الجتر فإنه خاص بالسلطان.» ~~«وأما الجلالقة لهذا العهد في أمم الإفرنجة ~~بالأندلس فأكثر شأنهم اتخاذ الألوية القليلة ~~ذاهبة في الجو صعدا، ومعها قرع الأوتار من ~~الطنابير ونفخ الغيطات، فيذهبون فيها مذاهب الغناء ~~وطريقه في مواطن حروبهم، هكذا يبلغنا عنهم وعمن ~~وراءهم من ملوك العجم» (ص260). # 5 ~~(1) # يتكلم ابن خلدون في بحث الفساطيط والسياج من ~~فصل شارات الملك أيضا عن بعض الأمور المتعلقة ~~بالحروب والعساكر (ص267-269): ~~«كان العرب لعهد الخلفاء الأولين من بني أمية، ~~إنما يسكنون بيوتهم التي كانت لهم خياما من الوبر ~~والصوف، ولم يزل العرب لذلك العهد بادين إلا الأقل ~~منهم، فكانت أسفارهم لغزواتهم وحروبهم بظعونهم ~~وسائر حللهم وأحيائهم من الأهل والولد، كما هو شأن ~~العرب لهذا ms315 العهد. وكانت عساكرهم لذلك كثيرة الحلل ~~بعيدة ما بين المنازل متفرقة الأحياء، يغيب كل ~~واحدة منها عن نظر صاحبه من الأخرى كشأن العرب»؛ ~~ولذلك «كان عبد الملك يحتاج إلى ساقة تحشد الناس ~~على أثره أن يقيموا إذا ظعن. ونقل أنه استعمل في ~~ذلك الحجاج حين أشار به روح بن زنباع، وقصتهما في ~~إحراق فساطيط روح وخيامه لأول ولايته حين وجدهم ~~مقيمين في يوم رحيل عبد الملك قصة مشهورة» ~~(ص268). ~~«فلما تفننت الدولة العربية في مذاهب ~~الحضارة والبذخ، ونزلوا المدن والأمصار، وانتقلوا ~~من سكنى الخيام إلى سكنى القصور، ومن ظهر الخف ~~إلى ظهر الحافر؛ اتخذوا للسكنى في أسفارهم ثياب ~~الكتان، يستعملون منها بيوتا مختلفة الأشكال ~~مقدرة الأمثال - من القوراء والمستطيلة والمربعة ~~- ويحتفلون فيها بأبلغ مذاهب الاحتفال والزينة. ~~ويدير الأمير والقائد للعساكر على فساطيطه وفاراته ~~من بينهم سياجا من الكتان، يختص به السلطان بذلك ~~القطر لا يكون لغيره. وأما في المشرق فيتخذه ~~كل أمير وإن كان دون السلطان.» ~~«ثم جنحت الدعة بالنساء والولدان إلى المقام ~~بقصورهم ومنازلهم؛ فخف لذلك ظهرهم، وتقاربت ~~السياج بين منازل العسكر، واجتمع الجيش والسلطان ~~في معسكر واحد، يحصره البصر في بسيطة زهوا أنيقا ~~لاختلاف ألوانه. واستمر الحال على ذلك في مذاهب ~~الدول في بذخها وترفها» (ص268). # يقرر ابن خلدون أن مثل ذلك حدث في دولة ~~الموحدين وزناتة أيضا، ويختم ببيان المحاذير التي ~~تنشأ عن ذلك: ~~«العساكر به تصير عرضة للبيات؛ لاجتماعهم في ~~مكان واحد، تشملهم فيه الصيحة، وخفتهم من الأهل ~~والولد الذين تكون الاستماتة دونهم، فيحتاج في ذلك ~~إلى تحفظ آخر» (ص268-269). ~~(2) # يخصص ابن خلدون فصلا صغيرا من فصول الباب ~~الثالث لذكر «التفاوت بين أصحاب السيف والقلم في ~~الدول» (ص257). # يقرر في هذا الفصل أن مراتب السيف تكون أهم من ~~مراتب القلم في عهد تأسس الدولة وفي أواخر ~~حياتها. وبعكس ذلك؛ فإن مراتب القلم تكون أهم من ~~مراتب السيف في أواسط الدولة. وأما أسباب ذلك ~~فهو ما يلي: ~~«إن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة ~~يستعين بها على ms316 أمره، إلا أن الحاجة في أول الدولة ~~إلى السيف - ما دام أهلها في تمهيد أمرهم - أشد من ~~الحاجة إلى القلم؛ لأن القلم في تلك الحالة خادم ~~فقط، ومنفذ للحكم السلطاني، والسيف شريك في ~~المعونة. وكذلك في آخر الدولة، حيث تضعف عصبيتها ~~كما ذكرناه، ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم الذي ~~قدمناه، فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب ~~السيوف، وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة ~~والمدافعة عنها، كما كان الشأن أول الأمر في ~~تمهيدها. فيكون للسيف مزية على القلم في الحالتين، ~~ويكون أرباب السيف حينئذ أوسع جاها، وأكثر نعمة، ~~وأسنى إقطاعا.» ~~«وأما في وسط الدولة، فيستغني صاحب الدولة بعض ~~الشيء عن السيف؛ لأنه قد تمهد أمره، ولم يبق ~~همه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية والضبط، ~~ومباهاة الدول، وتنفيذ الأحكام، والقلم هو المعين ~~له في ذلك؛ فتعظم الحاجة إلى تصريفه، وتكون السيوف ~~مهملة في مضاجع أغمادها، إلا إذا أنابت نائبة، ~~أو دعيت إلى سد فرجة، وما سوى ذلك فلا حاجة ~~إليها. فيكون أرباب الأقلام في هذه الحالة أوسع ~~جاها، وأعلى رتبة، وأعظم نعمة وثروة، وأقرب من ~~السلطان مجلسا، وأكثر إليه ترددا، وفي خلواته ~~نجيا؛ لأنه حينئذ آلته التي بها يستظهر على ~~تحصيل ثمرات ملكه، والنظر إلى أعطافه، وتثقيف ~~أطرافه، والمباهاة بأحواله. ويكون الوزراء حينئذ ~~وأهل السيوف مستغنى عنهم، ومبعدين عن باطن ~~السلطان، حذرين على أنفسهم من بوادره» ~~(ص257). # 6 # ومما يجب أن يلفت الأنظار، أن تقسيم الحروب إلى نوعي الزحف ~~والكر والفر، مما لا يخلو من الانطباق على أحوال الحروب ~~الحديثة أيضا؛ فإن الحروب في زماننا هذا تكون من نوع حروب ~~الزحف من حيث الأساس، غير أن حركات الكر والفر أيضا تقوم ~~بأدوار هامة على هامش الحروب؛ فإن أعمال قطع الاستكشاف وحركات ~~كتائب التدمير تدخل في نطاق حروب الكر والفر بطبيعة ~~الحال. # وكذلك معظم أعمال الأساطيل، وجميع حركات الغواصات تشبه حروب ~~الكر والفر تماما. وأما الغارات الجوية فكلها مما ينطبق ~~عليها جميع أوصاف حروب الكر والفر التي ذكرها ابن خلدون، ولا ms317 ~~تختلف عنها إلا من جراء جريانها في الجو عوضا عن سطح ~~الأرض. # | النفس الإنسانية # 1 # لم يتخذ ابن خلدون النفس الإنسانية موضوعا لبحث خاص، غير ~~أنه تطرق إلى بعض المسائل النفسية بصورة عرضية، ~~وبمناسبات شتى؛ ولهذا السبب قد دون في ثنايا بعض الفصول ~~كثيرا من الآراء والمعلومات عن النفس وقوى النفس. # يفهم من استعراض هذه الآراء والمعلومات أن ابن خلدون كان ~~من الروحيين # Spiritualistes ~~، ~~الذين يعتقدون بوجود روح منفصل عن البدن. ~~«إن الإنسان مركب من جزءين؛ أحدهما جسماني، والآخر روحاني ~~ممتزج به، والمدرك فيهما واحد، وهو الجزء الروحاني» ~~(ص517). # وهذا الجزء الروحاني «يدرك تارة مدارك روحانية، وتارة ~~مدارك جسمانية، إلا أن المدارك الروحانية يدركها بذاته وبغير ~~واسطة، والمدارك الجسمانية يدركها بواسطة آلات الجسم، من ~~الدماغ والحواس» (ص517). # إن الجزء الروحاني من الإنسان هو ما يعرف باسم ~~«النفس»: ~~«هذه النفس الإنسانية غائبة عن العيان، وآثارها ظاهرة في ~~البدن، فكأنه وجميع أجزائه - مجتمعة ومتفرقة - آلات للنفس ~~ولقواها» (ص96). # إن الأهم من بين هذين الجزءين من الإنسان هو النفس. ~~«إن الفلاسفة كلها مدحت النفس، وزعمت أنها المدبرة للجسد، ~~والحاصلة له، والدافعة عنه، والفاعلة فيه» (ص506). # ومما يبرهن على ذلك: «أن الجسد إذا خرجت منه النفس مات وبرد، ~~ولم يقدر على الحركة والامتناع من غيره؛ لأنه لا حياة فيه ولا ~~نور» (ص506). # يظهر من ذلك أن الحياة قائمة بوجود النفس في الجسد، والموت ~~ما هو إلا نتيجة افتراق النفس عن الجسد» (ص495). # إن هذه النفس مصدر الإدراك والفكر والفعل في وقت واحد، مما ~~يدل على أنها ذات قوى عديدة ومتنوعة. # يذكر ابن خلدون في موضع «القوى الإدراكية» و«القوى ~~النزوعية»، ويتكلم في موضع آخر عن «القوة المدركة والقوة ~~المحركة والقوة المفكرة»، ويستعمل في بعض الأحيان تعابير؛ ~~«النفس المدركة، والنفس الفاعلة، والنفس الناطقة»، ويسمي ~~أحيانا القوة المحركة والفاعلة باسم «الفاعلية»، والقوة ~~المفكرة باسم «الناطقية»، ويعرف ويوضح كل واحدة من هذه ~~القوى على حدة: # إن آثار الفاعلية هي؛ «البطش باليد، والمشي بالرجل، ~~والكلام باللسان، والحركة الكلية بالبدن ms318 متدافعا» ~~(ص96). # وأما الإدراك فهو «شعور المدرك في ذاته بما هو خارج عن ~~ذاته» (طبعة كاترمير، ص364). # إن هذا الإدراك على نوعين؛ إدراك بالظاهر (أي بواسطة الحواس ~~الخمس)، وإدراك بالباطن (أي بواسطة القوى الدماغية) ~~(ص154). # الحواس الخمس هي؛ البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. ~~وأما القوى الباطنة فهي؛ الحس المشترك، والمخيلة، والواهمة، ~~والحافظة، والمفكرة. # الحس المشترك هو «جامع الحواس الظاهرة»، والنفس تدرك بواسطته ~~«المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة» ~~(ص97). # وأما المخيلة فهي «قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما ~~هو، مجردا عن المواد الخارجية» (ص97). # والواهمة قوة تدرك «المعاني المتعلقة بالشخصيات» ~~(ص97). # وأما الحافظة فهي قوة «تخزن المدركات كلها متخيلة لوقت ~~الحاجة إليها» (ص97). # إن الأصل في الإدراك إنما هو «المحسوسات بالحواس الخمس» ~~(ص186 و489). # والفكر يتناول هذه المحسوسات والمدركات بالتركيب والتحليل ~~(ص140)، ويتمثل صورا خيالية منتزعة من المدركات ~~المتعاهدة، فيتوصل بذلك إلى الكليات والمعقولات. ~~«إن المعاني الكلية تتكون في الذهن عن طريق الانتزاع ~~والتجريد من المحسوسات» (ص489). # والمعقولات الذهنية تتولد عن طريق التجريد من «الموجودات ~~الخارجية الشخصية» (ص516). ~~«الخيال ينتزع من الصور المحسوسة صورا خيالية، ثم يدفعها ~~إلى الحافظة تحفظها إلى وقت الحاجة إليها عند النظر ~~والاستدلال، وكذلك تجرد النفس منها صورا أخرى نفسانية ~~عقلية، فيترقى التجريد من المحسوس إلى المعقول» ~~(ص476). # إن إدراك الكليات والمعقولات على هذا المنوال من الأمور التي ~~يختص بها الإنسان دون سائر الحيوانات. # فإن الحيوانات تحس وتدرك مثل الإنسان، ولكن الإنسان يتميز ~~منها بإدراك المعاني الكلية، بالإضافة إلى إدراك «المحسوسات ~~الخارجية الشخصية» (ص489). ~~«إن الحيوانات إنما تدرك بالحواس، ومدركاتها خلية من ~~الربط؛ لأنه لا يكون إلا بالفكر» (طبعة كاترمير، ج2، ~~ص364). ~~«إن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس ~~والحركة والغذاء والسكن وغير ذلك، إنما تميز (الإنسان) منها ~~بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء ~~جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به ~~الأنبياء عن الله تعالى، والعمل به، واتباع صلاح أخراه، وهو ~~مفكر في ذلك كله، ms319 لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين. بل إن اختلاج ~~الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم والصنائع» ~~(ص429). ~~«وذلك لأن الفكر الإنساني تارة يكون مبدءا للأفعال ~~الإنسانية على نظام وترتيب، وتارة يكون مبدءا لعلم ما لم يكن ~~حاصلا» (ص535). # يتكلم ابن خلدون عن «الفكر الإنساني» في فصل خاص من الفصول ~~الناقصة في طبعات البلاد العربية، ومما يقوله في ذلك ~~الفصل: ~~«اعلم أن الله سبحانه وتعالى ميز البشر عن سائر الحيوانات ~~بالفكر الذي جعله مبدأ كماله ونهاية فضله وشرفه؛ وذلك أن ~~الإدراك - وهو شعور المدرك بذاته بما هو خارج عن ذاته - خاص ~~بالحيوان فقط من بين سائر الكائنات والموجودات. فالحيوانات ~~تشعر بما هو خارج عن ذاتها بما ركب الله فيها من الحواس ~~الظاهرة (السمع والبصر والشم والذوق واللمس)، ويزيد الإنسان من ~~بينها أنه يدرك الخارج عن ذاته بالفكر الذي وراء حسه، وذلك ~~بقوى جعلت له في بطون دماغه، ينتزع بها صور المحسوسات، ويجول ~~بذهنه فيها، فيجرد منها صورا أخرى. والفكر هو التصرف في تلك ~~الصور وراء الحس، وجولان الذهن فيها بالانتزاع والتركيب» ~~(طبعة كاترمير، ج2، ص364). # إن الفكر الإنساني هذا على ثلاث مراتب؛ كل مرتبة منها تدل ~~على نوع خاص من العقل؛ العقل التمييزي، والعقل التجريبي، ~~والعقل النظري. # العقل التمييزي: يدرك الأشياء الخارجية وخواصها، ويضمن جلب ~~منافعها ودفع مضارها. # والعقل التجريبي: يميز لصالح من الفاسد في معاملة أبناء ~~الجنس، ويقرر «ما يجب وما ينبغي فعلا وتركا» خلال تلك ~~المعاملات. # والعقل النظري: يفيد «العلم أو الظن بمطلوب وراء الحس، لا ~~يتعلق به عمل»، ويضمن «تصور الموجودات» على ما هي عليه ~~«غائبا وشاهدا». وأما «غاية إفادته» فهي «تصور الوجود ~~على ما هو عليه، بأجناسه وفصوله وأسبابه وعلله.» ~~«إن «الحقيقة الإنسانية» إنما تتم بهذا النوع من العقل ~~وبهذه المرتبة من الفكر» (طبعة كاترمير، ج2، ص364). # 2 # هذه هي الخطوط الأساسية لنظرية «النفس الإنسانية» التي تلوح ~~للأنظار من ثنايا الفصول المختلفة في مقدمة ابن خلدون. # يلاحظ أنها لا تخرج - من حيث ms320 الأساس - عن نطاق الآراء ~~الشائعة بين مفكري الإسلام في عهد ابن خلدون، ومن المعلوم أنها ~~تنحدر من نظرية أرسطو في النفس. # فنستطيع أن نقول إن ابن خلدون قد اقتدى بأسلافه واتبعهم في ~~هذا الأمر، وقبل كل ما كان يقول به معاصروه في هذا الصدد، ~~وكلما احتاج إلى «دليل نفسي» في أبحاثه الاجتماعية؛ رجع إلى ~~الآراء التي كانت منتشرة في زمانه، واقتبس منها ما شاء ~~اقتباسه من الحجج والبراهين. # ومع هذا كله فقد توصل ابن خلدون - بنظره الثاقب وحدسه ~~العبقري - إلى بعض الملاحظات القيمة في الحوادث النفسية، ~~ودون بعض الآراء الطريفة داخل نطاق هذه النظرية ~~القديمة. # إن طائفة من هذه الآراء تظهر منفردة ومتفرقة، غير أن بعضها ~~ينسجم في سلك نظريات عامة مبتكرة. # ولعل أطرف هذه الآراء هي النظرية التي وضعها ابن خلدون عن ~~«عمل الفكر واليد» في حياة الإنسان. # يتكلم ابن خلدون في عدة مواضع من المقدمة عن خصائص ~~الإنسان، ويمعن النظر في الفروق التي تميزه من ~~الحيوان. # إن الإنسان من «جنس الحيوان»، ولكنه يمتاز عن سائر الحيوانات ~~بعدة خصائص، منها؛ «الفكر والنطق»، و«العلوم والصنائع» (ص40)، ~~ومنها «الحاجة إلى الحكم الوازع والسلطان القاهر، ومنها السعي ~~في المعاش والاعتمال لتحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه، ومنها ~~العمران، أي التنازل والتساكن في مصر أو حلة للأنس بالعشير ~~واقتضاء الحاجات» (ص40). # يلاحظ ابن خلدون أن هذه الفروق لم تكن مطلقة كل الإطلاق؛ ~~لأن الاجتماع والحكم من الأمور التي تشاهد عند بعض الحيوانات ~~العجم أيضا؛ مثلا يوجد عند النحل والجراد نوع «من الحكم ~~والانقياد لرئيس من أشخاصها متميز عنهم في خلقه وجثمانه» ~~(ص43)، غير أن ابن خلدون يلاحظ في الوقت نفسه أن ذلك موجود ~~«لغير الإنسان بمقتضى الفطرة والهداية، لا بمقتضى الفكرة ~~والسياسة» (ص43)، وأن كل ذلك يحصل للحيوانات المذكورة «بطريق ~~إلهامي لا بفكر وروية» كما يحدث للإنسان (ص41). # ومن الواضح الجلي أن ما يقصده ابن خلدون من «الفطرة والهداية ~~والإلهام» في هذا المقام، يقابل تماما ما نسميه اليوم تارة ~~باسم «الغريزة»، وطورا باسم «سوق ms321 الطبيعة»، كما أن ما يعانيه ~~من «الفكرة والسياسة والروية» في هذا المضمار يقابل ما نسميه ~~باسم العقل والذكاء. # يظهر من ذلك أن ابن خلدون يميز العقل من الغريزة، والأفعال ~~المفكورة الإرادية من الأفعال الانسياقية الاضطرارية، فنجده ~~يقرر - لذلك - «أن أفعال الإنسان تصدر بالفكر والروية لا ~~بالطبع» (ص390)، ويرد - بهذه الصورة - الفروق التي تلاحظ بين ~~الإنسان والحيوان من جهة «الاجتماع والحكم» أيضا إلى عامل ~~«الفكر». # هذا ويقرر ابن خلدون من جهة أخرى «أن العلوم نتيجة الفكر، ~~و«أن الصنائع محصول اليد في خدمة الفكر.» # ولذلك نستطيع أن نقول إن جميع الفروق التي تميز الإنسان من ~~الحيوان ترجع - في نظر ابن خلدون - إلى هذين العاملين ~~الأساسيين؛ الفكر واليد؛ الفكر الذي يدرك الكليات ويتناولها ~~بالتحليل والتركيب، واليد التي تعمل في خدمة الفكر. # يتتبع ابن خلدون بهذه الصورة عمل الفكر واليد في حياة ~~الإنسان بكل اهتمام، ويظهر الفرق الموجود بين الإنسان ~~والحيوان بوضوح تام. # إن الحيوانات تعمل بتأثير الإلهام والهداية، وتستخدم خلال ~~أفعالها هذه جوارحها الطبيعية وحدها، ولكن الإنسان يعمل بالفكر ~~والروية، ويستخدم خلال أعماله هذه الآلات التي يصنعها بيديه، ~~عوضا عن الجوارح الطبيعية التي يستعملها الحيوان. ~~«لما كان العدوان طبيعيا في الحيوان، جعل (الله سبحانه) ~~لكل واحد منها عضوا يختص بمدافعته ما يصل ليه من عادة غيره، ~~وجعل للإنسان - عوضا عن ذلك كله - الفكر واليد. فاليد مهيئة ~~للصنائع بخدمة الفكر، والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن ~~الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع، مثل الرماح التي ~~تنوب عن القرون الناطحة، والسيوف النائبة عن المخالب الجارحة، ~~والتراس النائبة عن البشرات الجاسية، إلى غير ذلك» ~~(ص42). # إن الملاحظات التي يبديها ابن خلدون في هذا الصدد تنطوي ~~على نظرة فلسفية هامة. # في الواقع إن امتياز الإنسان بالفكر كان من الأمور التي قال ~~بها المفكرون منذ الأزمنة القديمة، كما أن اختصاص الإنسان ~~باليد كان من الحقائق التي انتبه إليها العلماء منذ عهد أرسطو، ~~غير أن الحكيم المشار إليه كان قد اعتبر «اليد» كوصف من ~~الأوصاف البدنية التي ms322 تميز نوع الإنسان عن سائر صنوف ~~الحيوان، ولم ينظر إلى «عمل اليد في الحياة النفسية ~~والاجتماعية، بمثل هذا النظر الدقيق الشامل أبدا.» # وأما ابن خلدون فقد قرن «الفكر باليد» بكل وضوح، وأظهر ~~«عمل اليد الأساسي» في خدمة الفكر، وفي صنع الآلات التي تنوب ~~عن الجوارح بكل اهتمام. # إن ملاحظات ابن خلدون في هذا المضمار ترفعه إلى مصاف مفكري ~~القرن العشرين؛ فإن البحاثة الإنجليزي «توينبي»، عندما ~~استعرض عمل اليد في الحياة - في المجلد الثالث من دراسته ~~القيمة - قد ذكر رأي الفيلسوف الشهير «برغسون» # Bergson # في هذا الصدد، ~~وقرر في الوقت نفسه أن نظرية برغسون هذه كانت مسرودة في ~~مقدمة ابن خلدون بكل وضوح (هامش الصفحة 86 من المجلد ~~الثالث). # وفي الواقع لقد كتب برغسون في الكتاب الذي نشره سنة 1932 ~~بعنوان «ينبوعا الأخلاق والدين» العبارات التالية: ~~«إن الحياة إنما هي بعض الجهد للحصول على بعض الأشياء من ~~الطبيعة الخام، والغريزة والذكاء - في حالتهما المكتملة - إنما ~~هما واسطتان تستخدمان آلة لهذا الغرض»؛ ففي الغريزة تكون ~~الآلة المستعملة جزءا من الكائن الحي، وفي الذكاء تكون الآلة ~~من الجمادات (الأجنبية على الكائن الحي)، وهذه الآلة الجامدة ~~كان لا بد من اختراعها وصنعها وتعلم استعمالها» (ص122 من ~~كتاب برغسون). # إذا قارنا هذه الفقرات التي نقلناها عن كتاب برغسون ~~بالفقرات التي أدرجناها آنفا نقلا عن مقدمة ابن خلدون؛ وجدنا ~~أن مضمون الأولى لا يختلف عن مضمون الثانية من حيث الأساس، وأن ~~كل واحدة منهما تعبر عن نظرية واحدة، ولكن بأسلوب خاص ~~بها. # وإذا تذكرنا أن برغسون كتب ما كتبه في هذا الصدد قبل ~~مدة تقل كثيرا عن نصف قرن، في حين أن ابن خلدون كتب ما كتبه ~~في هذا المضمار قبل مدة تناهز ستة قرون؛ اضطررنا إلى القول ~~بأن نظرية ابن خلدون في هذه القضية كانت من نوع «حدس العبقرية» ~~تماما. # 3 # إذا تتبعنا فصول المقدمة - من وجهة مباحثها النفسية - وجدنا ~~فيها نظرية واسعة النطاق عن «الملكات»، تتناول كيفية تكونها ~~من جهة، وعملها في حياة الإنسان ms323 العقلية والعملية من جهة ~~أخرى. ~~(1) # الملكة - التي يتكلم عنها ابن خلدون - هي ~~«الصفة الراسخة» التي تكتسبها النفس من جراء ~~التكرار والممارسة، والتي تؤدي إلى حصول الأعمال ~~الفكرية والجسدية بسرعة وسهولة، إذ تجعلها بمثابة ~~«الجبلة والفطرة». ~~«الملكة صفة راسخة في النفس، تحصل عن استعمال ~~الفكر وتكرره مرة بعد أخرى» (ص400). ~~«الصناعة ملكة في أمر عملي فكري» ~~(ص399). ~~«اللغة ملكة في اللسان. الخط صناعة ملكتها ~~في اليد.» ~~«اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة؛ إذ هي ~~ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني» ~~(ص554). ~~«إن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء ~~عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه ~~وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه على ~~أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ~~ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي غير ~~الفهم والوعي؛ لأننا نجد فهم المسألة الواحدة من ~~الفن الواحد ووعيها مشتركا بين من شدا في ذلك ~~الفن، وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العامي الذي لم ~~يعرف علما، وبين العالم النحرير. والملكة ~~إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من ~~سواهما» (ص430). ~~«المطلوب من التكاليف كلها (أي التكاليف ~~الدينية) حصول ملكة راسخة في النفس، يحصل عنها ~~علم اضطراري للنفس وهو العقيدة الإيمانية» ~~(ص361). ~~«إن ملكة الإيمان إذا استقرت؛ عسر على النفس ~~مخالفتها، شأن الملكات إذا استقرت؛ فإنها بمثابة ~~الجبلة والفطرة» (ص462). ~~(2) # إن نظرية ابن خلدون في الملكات تستند إلى ملاحظة ~~مبدأ نفسي عام؛ إن كل فعل - ماديا كان أو ~~معنويا، فكريا كان أو بدنيا - لا بد من أن ~~يترك أثرا في النفس، فإذا تكرر الفعل، وتكرر ~~أثره في النفس؛ تولد من ذلك صفة، ثم رسخت تلك ~~الصفة فكونت ملكة، والملكة التي تحدث - ~~على هذا المنوال - من جراء تكرر الفعل تنمو ~~شيئا فشيئا تبعا لهذا التكرر كأنها تتغذى ~~به. # يعبر ابن خلدون عن ذلك بعبارات واضحة ~~تماما: ~~«إن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس» ~~(ص399). ~~«إن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكرره» ~~(ص534). ~~«الملكات لا تحصل إلا بتكرار ms324 الأفعال؛ لأن الفعل ~~يقع أولا، وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون ~~حالا. ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد ~~التكرار فتكون ملكة، أي صفة راسخة» ~~(ص554). ~~«تنمو قوى الملكة بتغذيتها» (ص575). ~~«إن الملكات إذا استقرت ورسخت في محالها؛ ~~ظهرت وكأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل» ~~(ص562). ~~(3) # لا يكتفي ابن خلدون بتقرير هذه الأمور، بل ~~يعللها بردها إلى قانون نفسي عام؛ إن النفس ~~الإنسانية - وقواها المختلفة - لا تظهر دفعة، ولا ~~كاملة، بل إنها تخرج من القوة إلى الفعل شيئا ~~فشيئا، فتنمو وتنشأ تدريجا: ~~«إن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها ~~من الملكات» (ص433). ~~«إن النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه ~~بالقوة، وإن خروجها من القوة إلى الفعل إنما هو ~~بتجدد العلوم والإدراكات» (ص428). ~~«الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى ~~الفعل بالاستنباط شيئا فشيئا على التدريج حتى ~~تكمل، ولا يحصل ذلك دفعة، وإنما يحصل في أزمان ~~وأجيال. إن خروج الأشياء من القوة إلى الفعل لا ~~يكون دفعة، ولا سيما في الأمور الصناعية» ~~(ص400). ~~«إن النفس وإن كانت في جبلتها واحدة بالنوع، ~~فهي تختلف في البشر بالقوة والضعف في الإدراكات، ~~واختلافها إنما هو باختلاف ما يرد عليها من ~~الإدراكات والملكات والألوان التي تكيفها من ~~خارج؛ فبهذه يتم وجودها، وتخرج من القوة إلى ~~الفعل صورتها» (ص578). ~~(4) # يتتبع ابن خلدون كيفية تكون الملكات في شتى ~~الميادين من الأخلاق إلى العلوم والصنائع ~~والعبادات: ~~«الملكة الشعرية تنشأ بحفظ الشعر، وملكة ~~الكتابة بحفظ الأسجاع والترسيل، والعلمية بمخالطة ~~العلوم والإدراكات والأبحاث والأنظار، والفقهية ~~بمخالطة الفقه وتنظير المسائل وتفريعها وتخريج ~~الفروع على الأصول، والتصوفية الربانية ~~بالعبادات والأذكار وتعطيل الحواس الظاهرة ~~بالخلوة والانفراد عن الخلق ما استطاع» ~~(ص578). ~~(5) # يلاحظ ابن خلدون «أن الصنائع والملكات لا تزدحم » ~~(ص569)، ويعلل ذلك بما يلي: إن الملكات صفات ~~للنفس، والنفس إذا اتصفت بصفة ما؛ يصعب عليها أن ~~تتصف بصفة أخرى، ولا سيما إذا كانت هذه الصفة ~~مخالفة للأولى، وبتعبير آخر: إن النفس تتلون ~~بالملكات، فإذا تلونت بلون من الألوان؛ يصعب ~~عليها قبول ms325 لون آخر غير اللون الأول. # ويستنتج ابن خلدون من هذه الملاحظة الأساسية ~~القاعدة الجوهرية التالية: «من كان على الفطرة كان ~~أسهل لقبول الملكات، وأحسن استعدادا لحصولها» ~~(ص405). # ويقول بالاستناد إلى ذلك: «إن من سبقت له إجادة ~~في صناعة، فقل أن يجيد في أخرى، أو يستولي فيها ~~على الغاية» (ص569). # و«إن من حصلت له ملكة في صناعة، قل أن يجيد ~~بعد في ملكة أخرى» (ص405). # يخصص ابن خلدون فصلا كاملا لشرح هذه القضية ~~وتعليلها: ~~«مثال ذلك الخياط، إذا أجاد ملكة الخياطة ~~وأحكمها ورسخت في نفسه؛ فلا يجيد من بعدها ملكة ~~النجارة أو البناء، إلا أن تكون الأولى لم ~~تستحكم بعد ولم ترسخ صبغتها.» ~~«والسبب في ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان، ~~فلا تزدحم دفعة. ومن كان على الفطرة كان أسهل ~~لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها. فإذا ~~تلونت النفس بالملكة الأخرى وخرجت عن الفطرة؛ ~~ضعف فيها الاستعداد باللون الحاصل من هذه ~~الملكة، فكان قبولها للملكة أضعف. وهذا بين ~~يشهد له الوجود، فقل أن تجد صاحب صناعة ~~يحكمها، ثم يحكم من بعدها أخرى، ويكون ~~فيهما معا على رتبة واحدة من الإجادة» (ص405). # إن هذا المبدأ لا يختص بالصنائع العملية وحدها، ~~بل يشمل الأعمال الفكرية؛ ولذلك يعقب ابن خلدون ~~على العبارة الأخيرة بقوله: ~~«حتى إن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية، فهم ~~بهذه المثابة، ومن حصل منهم على ملكة علم من ~~العلوم وأجادها في الغاية، فقل أن يجيد ملكة ~~علم آخر على نسبته، بل يكون مقصرا فيه إن طلبه، ~~إلا في أقل النادر من الأحوال» (ص405). # يطبق ابن خلدون هذا المبدأ على شئون اللغة ~~والأدب أيضا، فيقرر في أحد فصول الباب السادس ~~«أن الذوق لا يحصل غالبا لمستعربين من العجم» ~~(ص562). كما يقرر في فصل آخر من الباب المذكور ~~«أن أهل الأمصار قاصرون في تحصيل ملكة اللسان ~~المضري» (ص564). وفي فصل آخر: «ولا تتفق الإجادة ~~في فني المنظوم والمنثور معا إلا للأقل» ~~(ص568). # ويقول كذلك في أحد الفصول الناقصة في طبعات ~~البلاد العربية: «إن العجمة ms326 إذا سبقت إلى اللسان ~~قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل اللسان ~~العربي» (طبعة كاترمير، ج3، ص274-287). ويستند في ~~شرح وتعليل ذلك كله إلى القاعدة التي ذكرناها ~~آنفا. # وزد على ذلك أنه يطبق المبدأ المذكور على ~~قضايا الأخلاق أيضا في بعض الأحيان: ~~«إن الأفعال لا بد من عود آثارها على النفس؛ ~~فأفعال الخير تعود بآثار الخير والذكاء، وأفعال ~~الشر تعود بضد ذلك، فتتمكن وترسخ إن سبقت ~~وتكررت، وتنقص خلال الخير إن تأخرت عنها بما ~~ينطبع من آثارها المذمومة من النفس، شأن الملكات ~~الناشئة عن الأفعال» (ص399). ~~«إن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت ~~متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من ~~خير وشر.» ~~«وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن ~~الآخر، ويصعب عليها اكتسابه؛ فصاحب الخير إذا سبقت ~~إلى نفسه عوائد الخير، وحصلت لها ملكته؛ بعد ~~عن الشر، وصعبت عليه طريقه. وكذا صاحب الشر، إذا ~~سبقت إليه أيضا عوائده» (ص123). ~~(6) # لا شك أن نظرية ابن خلدون هذه تنطوي على ملاحظات ~~صائبة وهامة جدا، غير أنها لا تنطبق على الحقائق ~~تماما إذا أطلقت إطلاقا. # ويظهر لنا أن ابن خلدون نفسه كان قد لاحظ بعض ~~الأمور التي تنافي هذه القاعدة بعض المنافاة، ~~فتستوجب تقييدها ببعض القيود. # لأنه قد قرر أن «كل صناعة مرتبة، يرجع منها ~~إلى النفس أثر يكسبها عقلا جديدا، تستعد به ~~لقبول صناعة أخرى، يتهيأ بها العقل بسرعة ~~الإدراك للمعارف» (ص433). # ولا شك أن في هذه القضية ما يقيد ويتمم ~~القاعدة الآنفة الذكر؛ إن إجادة صناعة من الصناعات ~~قد تحول دون الإجادة في الصناعات الأخرى، غير أنها ~~قد تكون مرحلة تعد النفس لقبول صناعة أخرى. ~~ومن الطبيعي أن ذلك يختلف باختلاف أنواع تلك ~~الصناعات. # هذا ولا بد لنا من أن نشير في هذا المقام إلى ما ~~يقرره ابن خلدون عن زيادة العقل من جراء كثرة ~~العلوم والصنائع: ~~«إن حسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر ~~الأحوال العادية، يزيد الإنسان ذكاء في عقله، ~~وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة ms327 للنفس؛ إذ ~~قدمنا أن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع ~~إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كيسا لما يرجع ~~إلى النفس من الآثار العلمية» (ص433). # إننا نعتقد أن هذه الملاحظة أيضا تقيد ~~وتتمم القاعدة المذكورة آنفا. # فيجب علينا أن ننظر إلى هذه الأبحاث كملاحظات ~~متممة لنظرية الملكات بوجه عام، ونظرية «عدم ~~ازدحام الملكات» بوجه خاص. # ولا نرانا في حاجة إلى القول بأن نظرية الملكات ~~التي لخصناها آنفا لهي من أهم الأسس التي يبني ~~عليها ابن خلدون آراءه في التربية ~~والتعليم. # 4 # وأما الملاحظات النفسية المتفرقة المبثوثة في مختلف فصول ~~المقدمة فكثيرة ومتنوعة؛ ولذلك رأينا أن نكتفي باستعراض أهمها، ~~كما يلي: ~~(أ) # يلاحظ ابن خلدون أن النفس تبتهج من ~~الإدراك: ~~«كل مدرك له ابتهاج بما يدركه، واعتبره بحال ~~الصبي في أول مداركه الجسمانية، كيف يبتهج بما ~~يبصره من الضوء، وبما يسمعه من الأصوات» ~~(ص517). ~~(ب) # يقرر ابن خلدون تأثير «التشيع» في المحاكمات ~~الذهنية، ويعتبر عن هذا التأثير بكل وضوح: ~~«إن النفس إذا كانت في حالة الاعتدال في قبول ~~الخبر؛ أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى تتبين ~~صدقه من كذبه. وإذا خامرها تشيع لرأي أو ~~نحلة؛ قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول ~~وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين ~~بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص» (ص35). ~~(ج) # يلاحظ ابن خلدون تأثير الأحوال النفسية في ~~الأفعال البدنية عن طريق «الإيحاء الذاتي» حسب ~~تعبير علماء النفس الحاليين: ~~«إن الماشي على حائط أو حبل منتصب إذا قوي عنده ~~توهم السقوط سقط بلا شك؛ ولذلك نجد كثيرا من ~~الناس يعودون أنفسهم ذلك، حتى يذهب عنهم هذا ~~الوهم، فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل ~~المنتصب، فلا يخافون السقوط. إن ذلك من آثار النفس ~~الإنسانية وتصورها للسقوط من أجل الوهم» ~~(ص501). # لا يغفل ابن خلدون عن حوادث «الإيحاء الخارجي» ~~أيضا؛ لأنه يتكلم في فصل السحر والطلسمات عن ~~تأثير المشعوذين في القوى المتخيلة تأثيرا يشبه ~~تأثير الإيحاء في التنويم شبها تاما. # إن أحد أنواع السحر يتأتى من تأثير الساحر في ~~القوى ms328 المتخيلة؛ «يعتمد صاحب هذا التأثير إلى ~~القوى المتخيلة، فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ~~ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة، وصورا ~~مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين ~~بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراءون كأنها في ~~الخارج، وليس هناك شيء من ذلك. كما يحكى عن بعضهم ~~أنه يرى البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء ~~من ذلك» (ص498). ~~(د) # يقرر ابن خلدون العلاقة القوية التي تربط ~~العمل بالفكر: # إن «وجود الصنائع دون الفكر ممتنع؛ لأنها ثمرته ~~وتابعة له» (ص411). ~~«الفعل الصناعي مسبوق بتصورات» (ص527). ~~«التصور والإرادات أمور نفسانية ناشئة في ~~الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا» ~~(ص458). ~~«من شروط الصناعة أبدا تصور ما يقصد إليه ~~بالصنعة، فمن الأمثال السائرة للحكماء: إن أول ~~العمل آخر الفكرة، وآخر الفكرة أول العمل» ~~(ص528). # يتكلم ابن خلدون عن هذه القضية بتفصيل أوفى في ~~فصل خاص، وهو من الفصول الناقصة في طبعات البلاد ~~العربية: ~~«فصل في أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم ~~بالفكر» (طبعة كاترمير، ج2، ص364-367). # ومما يقرره ابن خلدون في الفصل المذكور؛ أن ~~عالم الكائنات يشتمل على ذوات محضة وأفعال، ~~والأفعال البشرية تمتاز عن أفعال سائر الحيوانات ~~بكونها «منظمة ~~ومرتبة»؛ فإن ~~الفكر يدرك الترتيب الطبيعي الموجود بين الحوادث، ~~ويراعي ذلك الترتيب في أعماله، فإذا قصد المرء ~~إيجاد شيء من الأشياء تتبع سلسلة الأسباب التي ~~تؤدي إلى حدوث ذلك الشيء، وسلسلة الشروط التي ~~يتوقف عليها تكوينه، وإذا وصل إلى السبب الأخير ~~والشرط الأصلي؛ بدأ العمل منه. ~~«مثلا لو فكر في إيجاد سقف يكنه؛ انتقل بذهنه ~~إلى الحائط الذي يدعمه، ثم إلى الأساس الذي يقف ~~عليه الحائط، فهو آخر الفكر، ثم يبدأ في العمل ~~بالأساس، ثم بالحائط، ثم بالسقف وهو آخر العمل، ~~وهذا معنى قولهم: أول العمل آخر الفكرة، وأول ~~الفكرة آخر العمل» (طبعة كاترمير، ج2، ~~ص364). ~~(ه) # يميز ابن خلدون العلم النظري البحت من العلم ~~المقرون بالنزوع والدافع إلى العمل (ص461)، كما ~~يميز بين معرفة صناعة من الصنائع علما، وبين ~~إحكامها عملا ms329 (ص560). ~~«إن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه ~~الملكة ومقاييسها، وليست نفس الملكة، وإنما هي ~~بمثابة من يعرف صناعة من الصنائع علما، ولا ~~يحكمها عملا، مثل أن يقول بصير بالخياطة غير ~~محكم لملكتها في التعبير عن بعض أنواعها: ~~الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة، ثم ~~يغرزها في لفقي الثوب مجتمعين، ويخرجها من الجانب ~~الآخر بمقدار كذا، ثم يردها إلى حيث ابتدأت، ~~ويخرجها قدام منفذها الأول بمطرح ما بين ~~الثقبين الأولين، ثم يتمادى على ذلك إلى آخر ~~العمل. ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر ~~أنواع الخياطة وأعمالها، وهو إذا طولب أن يعمل ~~ذلك بيده لا يحكم منه شيئا.» ~~«وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن تفصيل الخشب ~~فيقول: هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك ~~بطرفه، وآخر قبالتك ممسك بطرفه الآخر، وتتعاقبانه ~~بينكما وأطرافه المضرسة الممددة تقطع ما مرت ~~عليه ذاهبة وجائية، إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة. ~~وهو لو طولب بهذا العمل أو شيء منه لم ~~يحكمه» (ص560). # يطبق ابن خلدون هذا المبدأ على مسائل الأخلاق ~~والسلوك، ويميز العلم من الاتصاف من هذه الوجهة ~~أيضا، ويقول: «إن الفرق بين الحال والعلم في ~~العقائد فرق ما بين العلم والاتصاف»، ويوضح ذلك ~~بما يلي: ~~«إن كثيرا من الناس يعلم أن رحمة اليتيم ~~والمسكين قربة إلى الله تعالى، مندوب إليها، ويقول ~~بذلك ويعترف به، ويذكر مأخذه من الشريعة، وهو لو ~~رأى يتيما أو مسكينا من أبناء المستضعفين لفر ~~عنه واستنكف أن يباشره، فضلا عن المسح عليه ~~للرحمة وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو ~~والصدقة. فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقام ~~العلم، ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف» ~~(ص460-461). ~~«ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف ~~بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخر ~~أعلى من الأول، وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها، ~~فمتى رأى يتيما أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه، ~~والتمس الثواب في الشفقة عليه، لا يكاد يصبر عن ~~ذلك ولو دفع عنه، ثم ms330 يتصدق عليه بما حضره من ~~ذات يده» (ص461). ~~«وليس الاتصاف بحاصل مجرد العلم، حتى يقع العمل ~~ويتكرر مرارا غير منحصرة، فترسخ الملكة، ~~ويحصل الاتصاف.» ~~«إن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى ~~والنفع، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن ~~العادة» (ص461). ~~(و) # يتكلم ابن خلدون عن كيفية تكون الطبائع ~~والسجايا من جراء الألفة والمران: ~~«الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ~~ومزاجه» (ص125). ~~«إن تكون السجايا والطبائع إنما هو من المألوف ~~والعوائد» (ص138). ~~«إن العوائد تقلب طباع الإنسان إلى مألوفها، فهو ~~ابن عوائده لا ابن نسبه» (ص384). ~~«إن النفس إذا ألفت شيئا صار من جبلتها ~~وخلقتها» (ص90). ~~«إذا ألف الإنسان بعض الأحوال صار ذلك له ~~خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة ~~والجبلة» (ص125). ~~«إن القريحة مثل الضرع؛ تزيد بالامتراء، وتجف ~~بالترك والإهمال» (ص575). ~~(ز) # يقدر ابن خلدون أهمية التجريد في الحياة ~~الفكرية، ويعتبر النظر في الكليات من أهم ميزات ~~الإنسان، ومع هذا يرى أن استرسال الذهن في ذلك، ~~واعتياده له، لا يخلو من بعض المحاذير في الأمور ~~العملية والسياسية؛ ولذلك يقرر في فصل خاص «أن ~~العلماء من بين البشر أبعد عن السياسة ومذاهبها» ~~(ص542)، ويعلل ذلك بالملاحظات التالية: ~~«والسبب في ذلك أنهم معتادون النظر الفكري، ~~والغوص على المعاني، وانتزاعها من المحسوسات، ~~وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة؛ ليحكم عليها ~~بأمر العموم، لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا ~~أمة ولا صنف من الناس. ويطبقون من بعد ذلك الكلي ~~على الخارجيات»، كما أنهم «يقيسون الأمور على ~~أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي، # 1 # ولا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في ~~الذهن، ولا تصير إلى المطابقة (أي لا تطبق على ~~الخارج المحسوس) إلا بعد الفراغ من البحث والنظر، ~~ولا تصير بالجملة إلى المطابقة، وإنما يتفرع ما ~~في الخارج عما في الذهن من ذلك، كالأحكام ~~الشرعية، فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة ~~الكتاب والسنة، فتطلب مطابقة ما في الخارج لها، ~~عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب من صحتها ~~مطابقتها ms331 لما في الخارج. فهم متعودون في سائر ~~أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية، لا ~~يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ~~ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنها ~~خفية. ولعل أن يكون فيها ما يمنع إلحاقها بشبه أو ~~مثال، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها. ولا ~~يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر، كما اشتبها ~~في أمر واحد، فلعلهما اختلفا في أمور. فيكون ~~العلماء - لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام، ~~وقياس الأمور بعضها على بعض - إذا نظروا في ~~السياسة؛ أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع ~~استدلالاتهم، فيقعون في الغلط كثيرا» ~~(ص542). ~~(ح) # يميز ابن خلدون الحوادث النفسية الاطلاعية عن ~~الانفعالية في فصل علم التصوف، ويوضح كلا ~~منها على حدة: ~~«إن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر ~~الحيوان بالإدراك، وإدراكه نوعان؛ إدراك للعلوم ~~والمعارف، من اليقين والشك والظن والوهم، وإدراك ~~للأحوال القائمة، من الفرح والحزن، والقبض والبسط، ~~والرضا والغضب، والصبر والشكر، وأمثال ذلك. فالروح ~~العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات ~~وأحوال، وهي التي يميز بها الإنسان، وبعضها ينشأ ~~من بعض، كما ينشأ العلم من الأدلة، والفرح والحزن ~~عن إدراك المؤلم والمتلذذ به، والنشاط عن الجمام ~~والكسل عن الإعياء» (ص468). ~~(ط) # يدون ابن خلدون عدة ملاحظات هامة عن «اللذة» ~~وعن «الحسن والجمال» في فصل الغناء: ~~«إن اللذة - كما تقرر في موضعه - هي إدراك ~~الملائم، والمحسوس إنما تدرك منه كيفية. فإذا كانت ~~مناسبة للمدرك وملائمة كانت ملذوذة، وإذا كانت ~~منافية له منافرة كانت مؤلمة؛ فالملائم من ~~الطعوم ما ناسبت كيفيته حاسة الذوق في ~~مزاجها، وكذا ~~الملائم في الملموسات وفي الروائح، ما ناسب مزاج ~~الروح القلبي البخاري؛ لأنه المدرك وإليه تؤديه ~~الحاسة؛ ولهذا كانت الرياحين والأزهار والعطريات ~~أحسن رائحة، وأشد ملاءمة للروح لغلبة الحرارة ~~فيها - التي هي مزاج الروح القلبي - وأما ~~المرئيات والمسموعات فالملائم فيها تناسب الأوضاع ~~في أشكالها وكيفياتها، فهو أنسب عند النفس وأشد ~~ملاءمة لها. فإذا كان المرئي متناسبا في أشكاله ~~وتخاطيطه - التي له بحسب مادته - بحيث ms332 لا تخرج ~~عما تقتضيه مادته الخاصة من كمال المناسبة ~~والوضع - وذلك هو معنى الجمال والحسن في كل مدرك - ~~كان ذلك حينئذ مناسبا للنفس المدركة؛ فتلتذ ~~بإدراك ملائمها؛ ولهذا تجد العاشقين المستهترين في ~~المحبة يعبرون عن غاية محبتهم وعشقهم بامتزاج ~~أرواحهم بروح المحبوب. وفي هذا سر تفهمه إن كنت من ~~أهله، وهو اتحاد المبدأ وإن كل ما سواك إذا نظرته ~~وتأملته رأيت بينك وبينه اتحادا في البداءة، يشهد ~~لك به اتحادكما في الكون. ومعناه من وجه آخر؛ أن ~~الوجود يشرك بين الموجودات كما تقوله الحكماء، ~~فتود أن يمتزج بما شاهدت فيه الكمال لتتحد به، بل ~~تروم النفس حينئذ الخروج عن الوهم إلى الحقيقة ~~التي هي اتحاد المبدأ والكون.» ~~«ولما كان أنسب الأشياء إلى الإنسان وأقربها ~~إلى أن يدرك الكمال في تناسب موضوعها هو شكله ~~الإنساني، كان إدراكه للجمال والحسن في تخاطيطه ~~وأصواته من المدارك التي هي أقرب إلى فطرته، فيلهج ~~كل إنسان بالحسن من المرئي أو المسموع بمقتضى ~~الفطرة. والحسن في المسموع أن تكون الأصوات ~~متناسبة لا متنافرة، وذلك أن الأصوات لها كيفيات ~~من الهمس والجهر، والرخاوة والشدة، والقلة والضغط، ~~وغير ذلك، والتناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن» ~~(ص424-425). ~~(ي) # يلمح ابن خلدون مبدأ نسبية الإدراكات، ويعبر ~~عن هذه النسبية بأصرح العبارات في فصل علم ~~الكلام: ~~«إن الوجود كله عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر ~~في مداركه، لا يعدوها، والأمر في نفسه خلاف ذلك، ~~والحق من ورائه؛ ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود ~~عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات، ويسقط من ~~الوجود عنده صنف المسموعات؟ وكذلك الأعمى أيضا ~~يسقط عنده صنف المرئيات.» ~~«ولو سئل الحيوان العجم ونطق؛ لوجدناه منكرا ~~للمعقولات، وساقطة لديه بالكلية» (ص459). # يلاحظ ابن خلدون آثار هذه النسبية حتى في أنواع ~~الرؤيا وأحلام المنام، ويصرح بها في فصل تعبير ~~الرؤيا: ~~«إن الخيال إذا ألقى إليه الروح مدركه، فإنما ~~يصوره في القوالب المعتادة للحس، وما لم يكن ~~الحس إدراكه قط، فلا يصور فيه؛ فلا يمكن من ~~ولد أعمى أن ms333 يصور له السلطان بالبحر، والعدو ~~بالحية، ولا النساء بالأواني؛ لأنه لم يدرك شيئا ~~من هذه، وإنما يصور له الخيال أمثال هذه في ~~شبهها ومناسبها من جنس مداركه، التي هي المسموعات ~~والمشمومات» (ص477). # 5 # لا يكتفي ابن خلدون بملاحظة الحوادث النفسية المتعلقة ~~بالأفراد وحدها، بل يتطرق إلى «النفسيات الاجتماعية ~~والمعشرية» أيضا في بعض الأحيان، ويسعى لتعليل الأمور ~~الاجتماعية بالنزعات النفسية في عدة فصول. # فإنه عندما يقرر: «إن الظلم مؤذن بخراب العمران» (ص286)، ~~وحينما يقول: «إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في ~~شعره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده» (ص147)، يدعم رأيه في ~~هذا الصدد ببعض الملاحظات المتعلقة بالنفس الإنسانية. # وكذلك في كثير من الفصول؛ فإنه عندما يقرر «أن البدو أقرب ~~إلى الخير من أهل الحضر» (ص123)، وأقرب إلى الشجاعة منهم ~~(125)، وأن معاناة أهل الحضارة للأحكام مفسدة للبأس فيهم، ~~وذاهبة بالمنفعة منهم (ص125)، وأن الملك والدولة العامة إنما ~~يحصلان بالقبيل والعصبية (ص154)، وحينما يقول إن الدولة إذا ~~تمهدت واستقرت فقد تستغني عن العصبية (ص154)، وعندما يشرح ~~تأثير الدين في تكوين الدولة العظيمة (ص157)، وحينما يقول «إن ~~من طبيعة الملك الترف والدعة والسكون» (ص167)؛ يستند إلى ~~ملاحظات نفسية خاصة. # وكذلك حينما يبين تأثير التجارة (ص386)، والصناعة (ص280)، ~~والحضارة (ص383) في الذكاء والأخلاق، يشرح ويعلل الآراء التي ~~يبديها في هذا الصدد بمباحث نفسية، كما أنه يدون كثيرا ~~من الملاحظات النفسية الاجتماعية في أبحاث الحروب والعصبية، ~~والتعلم والتعليم أيضا. # | التربية والتعليم # في مقدمة ابن خلدون آراء وملاحظات كثيرة عن التربية ~~والتعليم. # إن قسما من هذه الآراء مدون في فصول خاصة في الباب السادس - ~~باب العلم والتعليم - وهذه الفصول الخاصة هي التي تستلفت عادة ~~أنظار الذين يدرسون المقدمة من وجهة التربية والتعليم. فإن ~~المؤلفات الباحثة في تاريخ التربية بوجه عام، وتاريخ التربية عند ~~العرب بوجه خاص، إنما تشير إلى آراء ابن خلدون في التربية ~~والتعليم، حسب ما جاء في الفصول المذكورة وحدها. # ولكنا نلاحظ أن آراء ابن خلدون في التربية والتعليم لا تنحصر ~~فيما جاء في الفصول ms334 المذكورة، حتى إنها لا تتمثل تمثيلا كافيا ~~بمباحث هذه الفصول؛ لأن ابن خلدون قد دون كثيرا من الآراء ~~والملاحظات التربوية في ثنايا الفصول المختلفة بصورة عرضية. فإذا ~~أردنا أن نحيط علما بكل ما كتبه في التربية والتعليم، يجب علينا ~~أن نقوم بأبحاث واسعة النطاق في سائر فصول المقدمة. ~~(1) # إن الفصول التي تحوم مواضيعها حول التربية والتعليم ~~بصورة مباشرة تبلغ خمسة عشر، وهي: # فصل في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري ~~(ص426)، في وجه الصواب في تعليم العلوم وطرق إفادته ~~(ص533)، في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار ~~الإسلامية في مذاهبه (ص537)، في أن الشدة بالمتعلمين ~~مضرة بهم (ص540)، في أن كثرة التآليف في العلوم ~~عائقة عن التحصيل (ص531)، في أن كثرة الاختصارات ~~المؤلفة بالعلوم مخلة بالتعليم (ص532)، في أن العلوم ~~الآلية لا توسع فيها الأنظار، ولا تفرع المسائل ~~(ص536)، في أن التعليم للعلم من جملة الصنائع (ص430)، ~~في أن الرحلة في طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في ~~التعليم (ص541)، في تعليم اللسان المضري (ص559)، في أن ~~ملكة هذا اللسان غير صناعة العربية، ومستغنية عنها ~~في التعليم (ص560)، في صناعة الشعر ووجه تعلمه ~~(ص569)، في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ، وجودتها ~~بجودة المحفوظ (ص578)، في أن الصنائع لا بد لها من ~~التعليم (ص399)، فيمن حصلت له ملكة في صناعة، فقل ~~أن يجيد بعدها في ملكة أخرى (ص455). # وأما الفصول التي تحوي في ثناياها ملاحظات هامة ~~في التربية والتعليم، فهي أيضا كثيرة، وأهمها هو؛ فصل ~~في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلا، وخصوصا الكتابة ~~والحساب (ص447)، في أن الخط والكتابة من عداد الصنائع ~~الإنسانية (ص417)، في أن اللغة ملكة صناعية (ص554)، ~~في أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها ~~(ص403)، في تفسير الذوق في مصطلح أهل البيان (ص562)، ~~في أن أهل الأمصار على الإطلاق قاصرون في تحصيل هذه ~~الملكة (ص564)، في أنه لا تتفق الإجادة في فني ~~المنظوم والمنثور إلا للأقل (ص568)، في صناعة الغناء ~~(ص423)، في العلوم العددية (ص482)، ms335 في العلوم الهندسية ~~(ص485)، في إبطال الفلسفة (ص514). ~~(2) # إن أهم هذه الفصول - من وجهة كثرة الملاحظات ~~التربوية الواردة فيها - هو فصل «تعليم العلوم» ~~(ص533)، ثم فصل «تعليم الولدان» (ص537). # يقرر ابن خلدون في فصل تعليم العلوم بعض القواعد ~~العامة التي يجب اتباعها في التعليم بوجه عام، ويعرض ~~في فصل تعليم الولدان الطرائق المتبعة في تعليم الصغار ~~في مختلف البلدان بوجه خاص، ويقارن بين هذه الطرق ~~ويبين محسناتها ومحاذيرها. # هذا وإننا نجد من جهة أخرى أنه يتكلم في فصل تعليم ~~العلوم عن أصول التعليم، من غير أن يلتفت إلى مواد ~~التعليم، في حين أنه يبحث في فصل تعليم الولدان عن ~~مناهج الدراسة ومواد التدريس، من غير أن يتطرق إلى ~~كيفية تعليم وتدريس تلك المواد. # وفي الأخير نجد أنه يستعمل في فصل «تعليم الولدان» ~~تعبيري «التعليم الأول» (ص538)، و«التعليم الثاني» ~~(ص539)، ويقصد بالتعليم الأول ما يكون في سن الصبا قبل ~~سن البلوغ، وبالتعليم الثاني ما يتم بعد ذلك، أي بعد ~~تعليم الصبا (ص539). # ولذلك نستطيع أن نعتبر الفصلين المذكورين بمثابة ~~العمود الفقري من مباحث ابن خلدون في التربية ~~والتعليم. ~~(3) # إذا استعرضنا ما ورد في هذين الفصلين وفي الفصول ~~الأخرى من مقدمة ابن خلدون، من الآراء والمعلومات ~~المتعلقة بالتربية والتعليم؛ استطعنا أن نجمعها في ~~الأنواع والصنوف الثلاثة التالية: ~~(أ) # المعلومات النفسية التي تقوم عليها ~~وتستند إليها نظريات التربية ~~والتعليم. ~~(ب) # المعلومات التاريخية التي تبين الطرق ~~المتبعة في التربية والتعليم في البلاد ~~المختلفة. ~~(ج) # الوصايا العملية التي ترشد المعلمين ~~والمربين إلى القواعد التي يجب اتباعها في ~~التربية والتعليم، والمبادئ النظرية التي ~~تستند إليها تلك الوصايا العملية. # وبما أننا اتخذنا المباحث النفسية موضوعا لدراسة ~~خاصة (راجعوا البحث السابق لهذا)؛ فإننا سنحصر نطاق ~~بحثنا هنا في الصفنين الثاني والثالث من المواضيع ~~التربوية التي ذكرناها آنفا. # ومع هذا نود أن نشير إلى أن الدراسة الآنفة الذكر - ~~عن النفس الإنسانية - يجب أن تعتبر ممهدة ~~لهذه، فالتفاصيل الواردة في تلك الدراسة يجب أن توضع ~~نصب الأعين عند مطالعة هذه، ms336 ويجب أن يلاحظ بوجه خاص ~~أن المباحث التي تشرح «نظرية الملكات» (ص87)، والتي ~~تبين رأي ابن خلدون في وجوب تمييز العلم النظري ~~البحت من العلم المقرون بالنزوع، وفي وجوب التفريق بين ~~معرفة صناعة من الصنائع علما، وبين إحكامها عملا ~~(ص99)، مما يجب أن يعتبر جزءا من هذه الدراسة ~~بقدر ما هو جزء من تلك. ونحن نعتقد بأننا لا نعدو ~~الحقيقة إذا قلنا: إن ما يقرره ابن خلدون في هذين ~~البحثين إنما هو بمثابة «سكلجة العلم والتعليم» من ~~أبحاث «التربية والتعليم». ~~(1) نظرات عامة # 1 ~~(1) # لا يحاول ابن خلدون تعريف التربية ولا ~~التعليم، بل يتكلم عن ذلك كأنه يتكلم عن ~~أمور معلومة لا تحتاج إلى تعريف. # إنه كثيرا ما يتكلم عن التعليم وحده، ~~يتكلم عن تعليم الصنائع، أو تعليم العلوم، ~~أو تعليم اللغة، من غير أن يذكر التربية، ومع ~~هذا فإنه يتطرق في بعض الأحيان إلى مسائل ~~التربية أيضا، وإن لم يسمها باسم ~~خاص. # فإنه يقول مثلا في فصل «الرحلة في طلب ~~العلم» ما يأتي: ~~«إن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ~~ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة علما ~~وتعليما وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا ~~بالمباشرة. إلا أن حصول الملكات من المباشرة ~~والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا» ~~(ص541). # يلاحظ أن ابن خلدون - في هذه الفقرات - يقرن ~~المعارف والمذاهب بالأخلاق والفضائل، ويقرر ~~أن البشر يأخذون ذلك تارة علما وتعلما ~~وإلقاء - يعني عن طرق الفكر - وتارة محاكاة ~~وتلقينا بالمباشرة - يعني عن طرق الفعل - ~~وأنه ينظر بهذه الصورة إلى التربية والتعليم ~~نظرة شاملة جدا، نظرة تشمل العلوم ~~والأخلاق، وتتناول طرق اكتسابها من التعليم ~~إلى التلقين والمباشرة والممارسة. ~~(2) # زد على ذلك، فإن ابن خلدون حينما يتكلم عن ~~الصنائع والعلوم في بعض الفصول يبين تأثير ~~العلم في العقل، ويدخل بذلك في مباحث تشبه ~~مباحث التربية العقلية شبها كبيرا. # فإنه يقرر في فصل خاص «أن الصنائع تكسب ~~صاحبها عقلا جديدا»، ثم يوضح ذلك ~~بقوله: ~~«إن اكتساب العلوم والصنائع يؤدي إلى «زيادة ~~عقل» الإنسان، ويفيد «النفس الناطقة عقلا ~~فريدا»، والصنائع أبدا ms337 يحصل عنها وعن ملكتها ~~«قانون علمي مستفاد من تلك الملكة؛ فلهذا ~~كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا، والحضارة ~~الكاملة تفيد عقلا، «والصنائع والعلوم يحصل ~~منها زيادة عقل»» (ص428). # يشرح ابن خلدون رأيه هذا في موضع آخر بوضوح ~~أكبر، إذ يقول في الفصل الذي يقرر «أن ~~التعليم للعلم من جملة الصنائع»: ~~«كل صناعة مرتبة يرجع منها إلى النفس أثر ~~يكسبها عقلا جديدا، تستعد به لقبول صناعة ~~أخرى، ويتهيأ بها العقل بسرعة الإدراك ~~للمعارف.» ~~«حسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر ~~الأحوال العادية يزيد الإنسان ذكاء في عقله، ~~وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة ~~للنفس» (ص433). # إن ما يظهر على أهل الحضر من آثار الذكاء ~~والكمال في العقل، «إنما هو من رونق الصنائع ~~والتعليم، فإن لها آثارا ترجع إلى النفس» ~~(ص434). ~~(3) # لا يكتفي ابن خلدون بتقرير هذا المبدأ ~~العام، بل يتوسع في تطبيقه على عدة مواضيع ~~في عدة علوم: ~~(أ) # يقرر في فصل الخط والكتابة «أن ~~الكتابة أكثر إفادة لزيادة العقل وتقوية ~~ملكات الإدراك والانتقال»، ويعلل ذلك ~~بما يلي: ~~«لأنها تشمل على العلوم والأنظار، ~~بخلاف الصنائع؛ وبيانه أن في الكتابة ~~انتقالا من الحروف الخطية إلى الكلمات ~~اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية ~~في الخيال إلى المعاني التي في النفس، ذلك ~~دائما؛ فيحصل لها ملكة الانتقال من ~~الأدلة إلى المدلولات. وهو معنى النظر ~~العقلي الذي يكسب العلوم المجهولة، ~~فيكسب بذلك ملكة من ~~التعقل ~~تكون زيادة عقل، ويحصل به قوة فطنة وكيس ~~في الأمور؛ لما تعودوه من الانتقال» ~~(ص429). ~~(ب) # وفي فصل الهندسة يقرر ابن خلدون ~~أنها تفيد صاحبها «إضاءة في عقله ~~واستقامة في فكره»، ويعلل ذلك بما ~~يلي: ~~«لأن براهينها كلها بينة النظام، ~~جلية الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل في ~~أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر ~~بممارستها عن الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل ~~على ذلك المهيع» (486). ~~«وقد زعموا أنه كان مكتوبا على باب ~~أفلاطون: من لم يكن مهندسا فلا يدخلن ~~منزلنا. وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون: ~~ممارسة علم الهندسة للفكر، بمناسبة ~~الصابون للثوب الذي يغسل منه ms338 الأقذار، ~~وينقيه من الأوضار والأدران. وإنما ذلك ~~لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه» ~~(ص486). ~~(ج) # يقرر ابن خلدون فائدة الحساب ~~أيضا على هذا المنوال، ويوصي - لذلك - ~~بالبدء بالحساب في تعليم الولدان. فإنه ~~يقول في فصل العلوم العددية ما ~~يلي: ~~«هذه الصناعة (صناعة الحساب) حادثة، ~~احتيج إليها للحساب في المعاملات، وألف ~~الناس فيها كثيرا، وتداولوها في الأمصار ~~بالتعليم للولدان، ومن أحسن التعليم عندهم ~~الابتداء بها؛ لأنها معارف متضحة وبراهين ~~منتظمة، فينشأ عنها في الغالب عقل مضيء ~~درب على الصواب، وقد يقال: من أخذ نفسه ~~بتعليم الحساب أول أمره يغلب عليه الصدق؛ ~~لما في الحساب من صحة المباني، ومناقشة ~~النفس، فيصير ذلك خلقا، ويتعود الصدق ~~ويلازمه مذهبا» (ص483). ~~(د) # ويقول ابن خلدون في بحث الفلسفة - ~~بعد أن يوصي بإبطالها: ~~«ليس له في علمنا إلا ثمرة واحدة، ~~وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج؛ ~~لتحصيل ملكة الجودة والصواب في ~~البراهين. وذلك أن نظم المقاييس وتركيبها ~~على وجه الإحكام والإتقان، هو كما شرطوه ~~في صناعتهم المنطقية، وقولهم بذلك في ~~العلوم الطبيعية، وهم كثيرا ما ~~يستعملونها في علومهم الحكمية - من ~~الطبيعيات والتعاليم وما بعدها - فيستولي ~~على الناظر فيها - بكثرة استعمال البراهين ~~بشروطها - على ملكة الإتقان والصواب في ~~الحجج والاستدلالات» (ص519). ~~(4) # يتبين من كل ذلك أن ابن خلدون كان معتقدا ~~بتأثير العلم «التربوي»، وإن لم يسم ذلك ~~بتعبير خاص؛ ولذلك لا نغالي إذا قلنا إن ~~نظرياته هذه وإن حامت على الأكثر حول التعليم، ~~فإنها لا تخلو من نظرات في التربية ~~أيضا. # زد على ذلك، فإننا نفهم من هذه العبارات ~~أن ابن خلدون - خلال كلامه عن التعليم - يلاحظ ~~ما يحصل في نفس المتعلم من «الانتقال» # Transfert ~~- حسب تعبير العلم الحاضر - من جراء ~~التعلم، ويقرر أن تأثير التعلم لا ينحصر ~~في العقل وحده، بل يتعداه إلى الأخلاق ~~أيضا، وبتعبير آخر: إن «الانتقال» من ~~التعلم يكون فكريا وخلقيا في وقت ~~واحد. # 2 ~~(1) # يبحث ابن خلدون عن منشأ التعليم - بجانب ~~منشأ العلم - ويقرر «أن العلم والتعليم ~~طبيعي في العمران البشري» ms339 (ص429-430)، ويعلل ~~ذلك بما يلي: ~~«إن الإنسان تميز عن الحيوانات بالفكر ~~الذي يهتدي به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه ~~بأبناء جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون، ~~وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى، ~~والعمل به، واتباع صلاح أخراه، فهو مفكر في ~~ذلك كله دائما، لا يفتر عن الفكر فيه طرفة ~~عين، بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر، وعن ~~هذا الفكر تنشأ العلوم وما قدمناه من ~~الصنائع.» ~~«ثم من أجل هذا الفكر وما جبل عليه ~~الإنسان، بل الحيوان، من تحصيل ما تستدعيه ~~الطباع، فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس ~~عنده من الإدراكات، فيرجع إلى من سبقه بعلم، ~~أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن ~~تقدمه من الأنبياء - الذين يبلغونه لمن ~~تلقاه - فيلقن ذلك عنهم، ويحرص على أخذه ~~وعلمه» (ص429-430). ~~«ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من ~~الحقائق، وينظر ما يعرض لذاته واحدا بعد ~~الآخر، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق ~~العوارض بتلك الحقيقة ملكة له، فيكون حينئذ ~~علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما ~~مخصوصا.» ~~«وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ~~ذلك، فيفزعون إلى أهل معرفته، ويجيء التعليم ~~من هذا.» # ثم يختم ابن خلدون بحثه هذا بقوله: «فقد ~~تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في ~~البشر» (ص430). ~~(2) # يظهر من هذه الملاحظات بكل وضوح أن ابن ~~خلدون ينظر هنا إلى «التعليم» من زاوية «عمله ~~الاجتماعي»، ويقرر بأنه «أفعولة اجتماعية» ~~حسب تعبيراتنا الحالية. # من المعلوم أن المفكرين كانوا يعرفون ~~التربية والتعليم تارة حسب غاياتها، وطورا ~~حسب وسائطها، ولكنهم في آخر الأمر صاروا ~~يلاحظون أنها أفعولة اجتماعية، فأخذوا ~~يعرفونها حسب علاقاتها بالحياة الاجتماعية، ~~حتى إن المفكر الاجتماعي المشهور «إميل ~~دوركهايم» عرف التربية في أوائل القرن ~~الحالي بقوله: «التأثير الذي يجريه الجيل ~~الراشد في الجيل الناشئ.» # إن ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد - في ~~الربع الأخير من القرن الرابع عشر - يكتسب ~~خطورة خاصة من هذه الوجهة؛ لأنه يدل دلالة ~~واضحة على أنه نظر إلى القضية نظر «المفكر ~~الاجتماعي»، ولاحظ ms340 أن الجيل الناشئ يتشوق ~~إلى تلقي العلوم والمعارف من الجيل الذي ~~سبقه، فرد بذلك منشأ التعليم إلى هذا «الواقع ~~الاجتماعي». ~~(3) # يلاحظ ابن خلدون أمرا مماثلا لذلك في ~~الصناعات والآداب والتقاليد أيضا؛ لأنه يقول ~~ما يلي في الفصل الذي يقرر «أن التعليم ~~للعلم من جملة الصنائع»: ~~«إن الحضر لهم آداب في أحوالهم في المعاش ~~والمسكن والبناء وأمور الدين والدنيا، وكذا ~~سائر أعمالهم وعاداتهم ومعاملاتهم وجميع ~~تصرفاتهم، فلهم في ذلك كله آداب يوقف ~~عندها في جميع ما يتناولونه ويتلبسون به من ~~أخذ وترك، حتى كأنها حدود لا تتعدى، وهي مع ~~ذلك صنائع يتلقاها الآخر عن الأول منهم» ~~(ص433). # ومن الواضح البديهي أن قوله: «يتلقاها الآخر ~~عن الأول»، لا يختلف معنى ومدلولا عن قولنا: ~~«يتلقاها الجيل الناشئ عن الجيل الراشد.» ~~(4) # يجد ابن خلدون علاقة قوية بين العلوم وبين ~~الصنائع، ويستعمل كلمة التعليم بمعنى شامل، ~~يتناول العلوم من جهة، والصنائع من جهة ~~أخرى: # إنه يقرر في أحد فصول الباب الخامس - ~~الباحث عن أمور المعاش والصنائع - «إن الصنائع ~~لا بد لها من العلم» (ص399)، كما يقرر في ~~أحد فصول الباب السادس - الباحث عن أمور العلم ~~والتعليم - «إن التعليم للعلم من جملة ~~الصنائع» (ص430). # ويعرف ابن خلدون ماهية الصناعة بقوله: ~~«الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري» (ص399)، ~~كما أنه يوضح نظره إلى العلم بقوله: «الحذق ~~في العلم هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئ ~~ذلك العلم وقواعده» (ص430). وبما أنه يعتقد أن ~~الملكات كلها - سواء كانت في البدن أو في ~~الدماغ - تفتقر إلى التعليم، يقول: ~~«ولهذا كان السند في التعليم - في كل علم أو ~~صناعة - إلى مشاهير المعلمين فيها، ~~معتبرا في كل أفق وجيل» (ص430). # 3 ~~(1) # لا يكتفي ابن خلدون بتقرير منشأ التعليم ~~بنزعة اجتماعية - كما يفعله كل مفكر اجتماعي - ~~«بل ينظر إلى تطور التعليم ونشوئه» أيضا ~~بنزعة اجتماعية مثلها؛ فإنه يلاحظ أن التعليم ~~يتأثر بأحوال المجتمع إلى حد كبير، ~~ويتقدم ويتأخر مع تقدم أو تأخر ~~الأحوال المذكورة، وذلك في ميداني العلوم ~~والصنائع على حد سواء. ms341 # ولذلك نجده يقرر في فصل من فصول الباب ~~الخامس «أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران ~~الحضري وكثرته» (ص400)، وفي فصل آخر من الباب ~~نفسه «أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر ~~طالبها» (ص403)، كما أنه يقرر في فصل من ~~فصول الباب السادس «أن العلوم إنما تكثر حيث ~~يكثر العمران وتعظم الحضارة» (ص434). ~~(أ) # يقول ابن خلدون في فصل ~~الصنائع: ~~«والسبب في ذلك» أولا؛ «أن الناس ~~ما لم يستوف العمران الحضري، وتتمدن ~~المدينة ، فإنما همهم في الضروري من ~~المعاش، وهو تحصيل الأقوات. فإذا تمدنت ~~المدينة وتزايدت فيها الأعمال، ووفت ~~بالضروري وزادت عليه، صرف الزائد حينئذ ~~إلى الكمالات من المعاش.» # وثانيا: «أن الصنائع والعلوم إنما ~~هي للإنسان من حيث فكره الذي يتميز به ~~عن الحيوانات، والقوت له من حيث الحيوانية ~~والغذائية، فهو مقدم عليه لضروريته على ~~العلوم والصنائع، وهي متأخرة عن الضروري. ~~وعلى مقدار العمران تكون جودة الصنائع ~~للتأنق فيها حينئذ، واستجادة ما يطلب ~~منها، بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة. ~~وأما العمران البدوي أو القليل فلا ~~يحتاج من الصنائع إلا البسيط، خاصة ~~المستعمل في الضروريات. وإذا وجدت هذه ~~لا توجد فيه كاملة ولا مستجادة، وإنما ~~توجد فيها بمقدار الضرورة، إذ هي كلها ~~وسائل إلى غيرها، وليست مقصودة ~~لذاتها.» ~~«وإذا زخر بحر العمران، وطلبت فيه ~~الكمالات، كان من جملتها التأنق في ~~الصنائع واستجادتها، فكملت بجميع ~~متمماتها، وتزايدت صنائع أخرى معها، مما ~~تدعو إليه عوائد الترف وأحواله.» ~~«وقد تنتهي هذه الأصناف - إذا ~~استبحر العمران - إلى أن يوجد منها كثير ~~من الكمالات والتأنق فيها في الغاية، ~~وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها، ~~بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال؛ ~~لما يدعو إليه الترف في المدينة، مثل ~~الدهان، ومعلم الغناء والرقص، ومثل ~~الوراقين الذين يعانون صناعة انتساخ الكتب ~~وتجليدها وتصحيحها. فإن هذه الصناعة إنما ~~يدعو إليها الترف في المدينة من الاشتغال ~~بالأمور الفكرية وأمثال ذلك. وقد تخرج عن ~~الحد - إذا كان العمران خارجا عن الحد - ~~كما يبلغنا عن أهل مصر؛ إن فيهم من يعلم ~~الطيور ms342 العجم والحمر الإنسية، ويتخيل ~~أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان، ~~وتعليم الحداء والرقص، والمشي على الخيوط ~~في الهواء، ورفع الأثقال من الحيوان ~~والحجارة، وغير ذلك من الصنائع التي لا ~~توجد عندنا بالمغرب؛ لأن عمران أمصاره لم ~~يبلغ عمران مصر والقاهرة» (ص401). ~~(ب) # ويقول ابن خلدون في فصل آخر: «إن ~~الصنائع تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها»، ~~ويعلل ذلك بما يلي: ~~«والسبب في ذلك ظاهر؛ وهو أن ~~الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجانا؛ ~~لأنه كسبه ومعاشه منه، إذ لا فائدة له في ~~جميع عمره في شيء مما سواه، فلا يصرفه إلا ~~فيما له قيمة في مصره؛ ليعود عليه بالنفع. ~~وإن كانت الصناعة مطلوبة، وتوجه إليها ~~النفاق، كانت حينئذ الصناعة بمثابة السلعة ~~التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فتجتهد ~~الناس في المدينة لتعلم تلك الصناعة ~~ليكون منها معاشهم. وإذا لم تكن الصناعة ~~مطلوبة؛ لم تنفق سوقها، ولا يوجه قصد إلى ~~تعلمها، فاختصت بالترك، وفقدت ~~للإهمال» (ص403). ~~(ج) # ويقول في الفصل الذي يقرر «أن ~~العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم ~~الحضارة»: ~~«إن تعليم العلم من جملة الصنائع، ~~وقد كنا قدمنا أن الصنائع فإنما تكثر في ~~الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة ~~والقلة، والحضارة والترف تكون نسبة ~~الصنائع في الجودة والكثرة؛ لأنه أمر زائد ~~على المعاش. فمتى فضلت أعمال أهل ~~العمران عن معاشهم؛ انصرفت إلى ما وراء ~~المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي ~~العلوم والصنائع. ومن تشوف بفطرته إلى ~~العلم ممن نشأ في القرى والأمصار غير ~~المتمدنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو ~~صناعي؛ لفقدان الصنائع في أهل البدو كما ~~قدمناه، ولا بد من الرحلة في طلبه إلى ~~الأمصار المستبحرة، شأن الصنائع كلها» ~~(ص434). # ويستشهد على ذلك بأحوال المدن ~~الإسلامية الكبيرة: ~~«واعتبر ما قررناه بحال بغداد ~~وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، لما ~~كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها ~~الحضارة؛ كيف زخرت فيها بحار العلم، ~~وتفننوا في اصطلاحات التعليم. ولما ~~تناقض عمرانها وانذعر سكانها؛ انطوى ذلك ~~البساط بما عليه جملة، وفقد العلم بها ~~والتعليم» (ص434). ms343 # ويقرر ابن خلدون بعد ذلك أن ~~«العلم والتعليم» كان زاخرا في عهده في ~~مصر القاهرة، قائلا: «ونحن لهذا العهد ~~نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة ~~من بلاد مصر.» ويعزو استبحار العلم ~~والتعليم هناك لأسباب تاريخية واجتماعية ~~واقتصادية: ~~«لما أن عمرانها (أي عمران القاهرة) ~~مستبحر، وحضارتها مستحكمة منذ آلاف ~~السنين؛ فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ~~ومن جملتها تعليم العلم.» # وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه ~~العصور منذ مائتين من السنين - منذ أيام ~~صلاح الدين بن أيوب - وذلك «أن أمراء ~~الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على ~~من يتخلفونه من ذريتهم؛ لما له عليهم من ~~الرق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ~~ونكباته؛ فاستكثروا من بناء المدارس ~~والزوايا والربط، وربطوا عليها الأوقاف ~~المغلة، يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر ~~عليها أو يصيب منها، مع ما فيهم غالبا من ~~الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في ~~المقاصد والأفعال. فكثرت الأوقاف لذلك، ~~وعظمت الغلات والفوائد، وكثر طالب العلم ~~ومعلمه بكثرة جريانهم منها، وارتحل إليها ~~الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ~~ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها» ~~(ص434-435). # إننا نجد في القسم الأخير من هذه ~~الفقرات مثالا بارعا وقيما على «عمل ~~الاقتصاد في التاريخ والعلم والتعليم»، ~~وتعليلا جريئا لكثرة الأوقاف، تعليلا ~~يستند إلى إظهار الدوافع النفعية التي ~~كانت تستتر وراء الكثير من المعاملات ~~الوقفية. ~~(د) # يكرر ابن خلدون ويؤكد المبادئ ~~المقررة في هذين الفصلين في عدة فصول ~~لمناسبات شتى، أهمها ما جاء في فصول الخط ~~والكتابة (ص417)، والغناء (ص423). ~~(2) أصول التعليم # 1 # لقد خص ابن خلدون فصلا من الباب السادس لتقرير «وجه ~~الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته» (ص533-534)، وعرض في ~~الفصل المذكور عدة قواعد تربوية، استنادا إلى بعض المبادئ ~~النظرية العامة. ~~(1) # إن المبادئ الأساسية التي يستند إليها ابن ~~خلدون في تقرير قواعد التعليم، والملاحظات ~~الجوهرية التي بنى عليها القواعد المذكورة، ~~تتلخص فيما يلي: ~~(أ) # إن الاستعدادات لقبول العلم وفهمه ~~تنشأ تدريجا، ويكون المتعلم في أول ~~الأمر عاجزا عن الفهم بالجملة، إلا في ~~الأقل، ms344 وعلى سبيل التقريب والإجمال ~~والأمثلة الحسية. ~~(ب) # إن المتعلم إذا حصل على ملكة ما ~~في علم من العلوم؛ استعد بها لقبول ما ~~بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض ~~إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات ~~العلم. ~~(ج) # إذا عجز الطالب عن فهم ما يلقى ~~عليه في بادئ الأمر - من جراء سوء ترتيب ~~المباحث - حسب ذلك من صعوبة العلم في ~~نفسه؛ فكل ذهنه عنها وتكاسل عن العلم، ~~وانحرف عن قبوله، وتمادى في ~~هجرانه. # وبتعبير آخر: «أدركه الكلال وانطمس ~~فكره، ويئس من التحصيل، وهجر العلم ~~والتعليم.» ~~(د) # إن الملكات إنما تحصل بتتابع ~~الفعل وتكرره، وإذا تنوسي الفعل ~~تنوسيت الملكة الناشئة عنه. ~~(ه) # إن تقسيم البال بين مسألتين ~~مختلفتين يصعب الفهم، وبعكس ذلك، إن ~~تفرغ الفكر إلى مسألة واحدة، واقتصاره ~~عليها - قبل الانتقال إلى غيرها - يسهل ~~الفهم والتحصيل. ~~(2) # وأما القواعد الأساسية التي يقررها ابن ~~خلدون، فأولها وأهمها هي هذه القاعدة ~~الجامعة: ~~«التدرج مع التكرار، والتوسع المتمركز، ~~مراعاة لعقل المتعلم واستعداده.» # يشرح ابن خلدون هذه القاعدة بتفصيل واف، ~~ويعللها بوضوح تام: ~~«إن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون ~~مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا، ~~وقليلا قليلا.» ~~«يلقي عليه أولا مسائل من كل باب من الفن، ~~هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على ~~سبيل الإجمال، وتراعى في ذلك قوة عقله ~~واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى ~~آخر الفن؛ وعند ذلك يحصل له ملكة في العلم، ~~إلا أنها جزئية وضيقة، وغايتها أنها هيأته ~~لفهم الفن وتحصيل مسائله.» ~~«ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في ~~التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي ~~الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما ~~هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر ~~الفن؛ فتجود ملكته.» ~~«ثم يرجع به - وقد شدا - فلا يترك له عويصا ~~ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له ~~مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ~~ملكته.» ~~«وهذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت ~~إنما يحصل في ثلاث تكرارات، ms345 وقد يحصل للبعض في ~~أقل من ذلك، بحسب ما يخلق له ويتيسر عليه» ~~(ص523). # إن معظم المعلمين لا يراعون هذا المبدأ، ~~ويسلكون مسلكا يخالفه كل المخالفة. ابن خلدون ~~ينتقد مسلك هؤلاء بشدة: ~~«وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد ~~- الذي أدركنا - يجهلون طرق التعليم وإفادته، ~~ويحضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل ~~المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في ~~حلها، ويحسبون ذلك مرانا على التعليم وصوابا ~~فيه، ويكلفونه رعي ذلك وتحصيله، ويخلطون ~~عليه بما يلقون له من غايات الفنون في ~~مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها» ~~(ص533). # يؤيد ابن خلدون رأيه في القاعدة الأساسية ~~بملاحظات نفسية هامة: ~~«فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ ~~تدريجا، ويكون المتعلم أول الأمر عاجزا عن ~~الفهم بالجملة، إلا في الأقل، وعلى سبيل ~~التقريب والإجمال والأمثال الحسية، ~~ثم لا يزال ~~الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا ~~«بمخالطة» مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه، ~~[والانتقال فيها من التقريب إلى الاستيعاب ~~الذي فوقه حتى تتم الملكة في] # 1 # الاستعداد في التحصيل، ويحيط هو ~~بمسائل الفن» (ص534). # ويرى أن النتائج التي تتولد من إهمال ~~قاعدة التدريج في التعليم لا تنحصر في تصعيب ~~الفهم فقط، بل تؤدي - في الوقت نفسه - إلى ~~كلال الذهن وتكاسله، وتستوجب الانحراف عن ~~العلم وهجرانه أيضا: ~~«وإذا ألقيت عليه الغايات في البداءات - وهو ~~حينئذ عاجز عن الفهم والوعي، وبعيد عن ~~الاستعداد له - كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من ~~صعوبة العلم في نفسه؛ فتكاسل عنه وانحرف عن ~~قبوله، وتمادى في هجرانه. وإنما أتى ذلك من ~~سوء التعليم» (ص534). ~~(3) # يلاحظ أن هذه الآراء والملاحظات قيمة ~~جدا، وهي مما أقره علماء التربية في القرن ~~الأخير من حيث العموم. # ومما يستلفت النظر بوجه خاص، أن ما قرره ~~ابن خلدون في هذه القاعدة الأساسية، يشبه تمام ~~الشبه الفكرة الأساسية التي سيطرت على تنظيم ~~الدراسة الابتدائية في فرنسا وفي كثير من ~~البلدان الأوروبية منذ أوائل القرن التاسع ~~عشر. # إذ من المعلوم أن برامج التدريس - رتبت ~~في البلاد المختلفة - في القرن التاسع عشر على ~~أحد النمطين التاليين؛ ms346 نمط الدراسة المتسلسلة، ~~ونمط الدروس المتوسعة المتمركزة. # 2 # في النمط الأول تتوالى المباحث - من أول ~~الدراسة إلى آخرها - كما تتوالى الزرود في ~~سلسلة واحدة، فكل بحث يتصل بما قبله من جهة، ~~وبما بعده من جهة أخرى، شأن زرود السلسلة. ~~وأما في النمط الثاني فتترتب المباحث على ~~هيئة حلقات متحددة المركز، متدرجة الاتساع، ~~فتدخل الحلقة الأولى في الثانية، والثانية في ~~الثالثة، ويكون المركز - أي مبدأ الأقطار - ~~مشتركا في كل هذه الحلقات. # فالمباحث تتوالى - في الترتيب الأول - من ~~غير أن تتكرر، ولا أن تتوسع، في حين أنها ~~تتكرر وتتوسع في الترتيب الثاني بقدر عدد ~~الحلقات. # والدراسة الابتدائية في فرنسا مثلا لا تزال ~~مقسمة إلى ثلاث دورات؛ أولى، ومتوسطة، ~~وعليا. ففي الدورة الأولى يدرس العلم من أوله ~~إلى آخره على شكل مختصر إجمالي، مقتصرا على ~~النقاط الأساسية والبسيطة. وفي الدورة ~~المتوسطة تعاد الأبحاث كلها - من الأول إلى ~~الآخر - بمقياس أوسع مع تفصيل أزيد. وفي ~~الدورة الأخيرة والعليا تعاد المباحث للمرة ~~الثالثة على شكل أوسع وأتم من كل ما سبق. فإذا ~~استعرضنا سلسلة كتب الدراسة الابتدائية - من ~~الحساب والقواعد إلى التاريخ مثلا - نجدها ~~مؤلفة من ثلاث درجات، كل واحدة منها قائمة ~~بنفسها، ولكنها أكثر تفصيلا، وأوسع نطاقا من ~~التي تسبقها، وأشد إجمالا من التي تليها. ~~فنستطيع أن نقول في شأنها ما قاله ابن خلدون ~~في الطريقة التي اقترحها: «هذا وجه التعليم ~~المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل بثلاث ~~تكرارات» (ص534). ~~(4) # بعد هذه القاعدة الأساسية يقرر ابن خلدون ~~ثلاث قواعد عامة أخرى: # أولا: # على المعلم ألا يخلط مباحث الكتاب ~~الواحد بكتاب آخر. # ثانيا: # عليه ألا يطول الفواصل بين درس ~~ودرس. # ثالثا: # عليه ألا يخلط على المتعلم علمين ~~معا. # يشرح ابن خلدون كل واحدة من هذه القواعد على ~~حدة، ويبين الأسباب ~~الموجبة ~~لها: ~~(أ) # لا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه ~~على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه ~~بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم - ~~مبتدئا كان أو منتهيا - وألا يخلط مسائل ~~الكتاب بغيرها، حتى يعيه من ms347 أوله إلى ~~آخره، ويحصل أغراضه ويستولي منها على ~~ملكة بها ينفذ في غيره.» ~~«لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما ~~في علم من العلوم استعد بها لقبول ما ~~بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض ~~إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات العلم. ~~وإذا خلط عليه الأمر؛ عجز عن الفهم، ~~وأدركه الكلال، وانطمس فكره، ويئس من ~~التحصيل، وهجر العلم والتعليم» ~~(ص654). ~~(ب) ~~«ينبغي ألا تطول على المتعلم في فن ~~واحد بتفريق المجالس وتقطع ما بينها؛ ~~لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل ~~الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة ~~بتفريقها . وإذا كانت أوائل العلم وأواخره ~~حاضرة عند الفكرة ~~- ~~مجانبة للنسيان - كانت الملكة أيسر ~~حصولا، وأحكم ارتباطا، وأقرب صبغة؛ لأن ~~الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكرره، ~~وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة ~~الناشئة عنه» (ص534). ~~(ج) ~~«ومن الطرق الواجبة في التعليم ألا ~~يخلط على المتعلم علمان معا، فإنه حينئذ ~~قل أن يظفر بواحد منهما؛ لما فيه من ~~تقسيم البال، وانصرافه عن كل واحد منهما ~~بالخيبة. وإذا تفرغ الفكر لتعلم ما هو ~~بسبيله مقتصرا عليه؛ ربما كان ذلك أجدر ~~لتحصيله» (ص534). # 2 # إن القواعد التي يضعها، والطرائق التي يقترحها ابن خلدون ~~في التربية والتعليم، لا تنحصر في ما جاء في الفصل الأساسي ~~السالف الذكر، بل إن الفصول الأخرى أيضا تقرر قواعد ~~عديدة يراها ابن خلدون ضرورية لنجاح التعلم ~~والتعليم. ~~(1) # يتوسع ابن خلدون بعض التوسع في شرح ~~مفهوم التعليم وتعيين غايته، في الفصل الذي ~~يقرر «أن التعليم للعلم من جملة الصنائع» ~~(ص430-434). # إن التعليم لا يستهدف «الفهم والوعي» فقط، ~~فلا يتم ب «الحفظ» وحده، بل إنما يتم بتكوين ~~«ملكة التصرف في العلم والتعليم» ~~(ص442). # فيجب على الطالب أن يحذق في العلم، ويتفنن ~~فيه، ويستولي عليه (ص430)، ويصبح قادرا على ~~المفاوضة والمناظرة فيه (ص432)، وذلك إنما يتم ~~«بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئ العلم ~~وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه ~~من أصوله» (ص437). # يسمي ابن خلدون هذه الملكة باسم «الملكة ~~العلمية» (ص432)، ويقرر أنها لا تحصل بمجرد ms348 ~~حفظ مباحث العلم، حتى ولا بفهم تلك المباحث ~~ووعيها، بل إنما تحصل «بالمحاورة والمناظرة ~~والمفاوضة في مواضيع العلم»؛ فإن المحاورة ~~والمناظرة هي التي تولد «ملكة التصرف»، ~~و«ملكة استنباط الفروع من الأصول». # ولهذا السبب ينتقد ابن خلدون كثرة الحفظ، ~~ويقول بلزوم اتباع طريقة المحاورة والمناظرة ~~في العلم والتعليم: ~~«إن أيسر طرق هذه الملكة (أي ملكة ~~العلم) فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في ~~المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ~~ويحصل مرامها» (ص431). ~~«فتجد طالب العلم منهم - بعد ذهاب الكثير من ~~أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية - سكوتا ~~لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر ~~من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة ~~التصرف في العلم والتعليم. ثم بعد تحصيل من ~~يرى منهم أنه قد حصل؛ نجد ملكته قاصرة في ~~علمه إن فاوض أو ناظر أو علم، وما أتاهم ~~القصور إلا من قبيل» رداءة طريقة «التعليم ~~وانقطاع سنده، وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم ~~لشدة عنايتهم به، وظنهم أنه المقصود في ~~الملكة العلمية، وليس كذلك» (ص432). # يتبين من ذلك أن الطريقة التي تتبع في ~~التعلم والتعليم تأتي بنتائج هامة حسب ~~جودتها أو رداءتها. يستشهد ابن خلدون على ذلك ~~بمقارنة مدارس تونس بمدارس المغرب: ~~«ومما يشهد بذلك في المغرب أن المدة المعينة ~~لسكنى طلبة العلم بالمدارس عندهم ست عشرة سنة، ~~وهي بتونس خمس سنين. فطال أمدها في المغرب ~~لهذه المدة لأجل عسرها من قلة الجودة في ~~التعليم خاصة، لا مما سوى ذلك» ~~(ص432). ~~(2) # يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن الشدة على ~~المتعلمين مضرة بهم» (ص540)، ويشرح ذلك بقوله: ~~«وذلك أن إرهاف الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، ~~سيما في أصاغر الولد». ثم يعلل هذه القاعدة ~~بما يلي: # إن الشدة على المتعلم تؤدي إلى ثلاث نتائج ~~سيئة: ~~(أ) # إنها تذهب بالنشاط وتدعو إلى ~~الكسل. ~~(ب) # إنها تحمل على الكذب والخبث. ~~(ج) # إنها تعلم المكر والخديعة. # لا يحصر ابن خلدون ذلك بالمتعلمين وحدهم، بل ~~يشمل ويعم هذه القاعدة على المماليك والخدم ~~أيضا، إذ إنه يقول: ~~«من كان مرباه بالعسف ms349 والقهر - من المتعلمين ~~أو المماليك أو الخدم - سطا به القهر وضيق ~~عن النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه ~~إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث - وهو ~~التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط ~~الأيدي بالقهر عليه - وعلمه المكر والخديعة ~~لذلك، وصارت له عادة وخلقا، وفسدت معاني ~~الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن ~~وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار ~~عيالا على غيره في ذلك.» ~~«بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق ~~الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، ~~فارتكس وعاد في أسفل السافلين» (ص540). # إن هذه القاعدة تنطبق على أحوال الأمم ~~أيضا: ~~«وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر، ~~ونال منها العسف. واعتبره في كل من يملك أمره ~~عليه، ولا تكون الملكة الكافلة رفيقة به، ~~وتجد ذلك فيهم استقراء» (ص540). ~~«وانظره في اليهود، وما حصل بذلك فيهم من ~~خلق السوء، حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر ~~بالحرج، ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث ~~والكيد، وسببه ما قلناه» (ص547). # وبعد ذلك يكرر ابن خلدون القاعدة ويؤكدها ~~بقوله: «فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد ~~في ولده، ألا يستبدا عليهما في التأديب» ~~(ص540). # ثم يذكر ما قاله محمد بن أبي زيد في الكتاب ~~الذي ألفه «في حكم المعلمين والمتعلمين»: ~~«لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم - ~~إذا احتاجوا إليه - على ثلاثة أشواط ~~شيئا.» # وفي الأخير يذكر ابن خلدون وصية الرشيد ~~لمعلم ولده وينقل منها العبارة ~~التالية: ~~«لا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة ~~تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا ~~تمعن في مسامحته؛ فيستحلي الفراغ ويألفه، ~~وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن ~~أباهما، فعليك بالشدة والغلطة» ~~(ص541). # يعتبر ابن خلدون مضمون هذه الوصية «من أحسن ~~مذاهب التعليم». # ومما يجدر بالملاحظة أن هذه الوصية لا ~~تكتفي بالنهي عن الشدة، بل إنها تطلب في الوقت ~~نفسه «عدم الإمعان في المسامحة»؛ لأنها ترى أن ~~في الشدة إماتة للذهن، وفي المسامحة الزائدة ~~التعويد على الفراغ والبطالة. # هذا ويقرر ابن خلدون في فصل من ms350 فصول الباب ~~الثالث الباحث عن الدولة العامة، «أن إرهاف ~~الحد مضر بالملك، ومفسد له على الأكثر» ~~(ص188). ويبرهن بذلك على أن تأثير القهر ~~والشدة لا ينحصر في أخلاق الأفراد، بل يتعداها ~~إلى الأمم أيضا. ~~«فإن الملك إذا كان قاهرا باطشا ~~بالعقوبات، منقبا عن عورات الناس وتعديد ~~ذنوبهم؛ شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب ~~والمكر والخديعة، وتخلقوا بها وفسدت ~~بصائرهم» (ص188). ~~(3) # يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن الرحلة في ~~طلب العلم ولقاء المشيخة مزيد كمال في ~~التعليم» (ص541)، ويشرح ذلك ويعلله كما ~~يلي: ~~«لأن الرحلة في طلب العلم تمكن الطالب من ~~لقاء شيوخ كثيرين، ومن المعلوم أن لكل شيخ من ~~مشاهير الشيوخ - سيما في البلاد المختلفة - ~~اصطلاحات خاصة، ومنهجا خاصا، وطريقة خاصة ~~في البحث والنظر والتعليم. فإذا خالطهم الطالب ~~واحدا بعد آخر، وتلقن من كل واحد منهم ~~اصطلاحاته الخاصة، واطلع على الطرائق المختلفة ~~التي يتبعها هؤلاء المشايخ في أبحاثهم ~~وأنظارهم؛ حصل الطالب على ملكة علمية أقوى ~~وأتم من التي يستطيع الحصول عليها من شيخ واحد ~~في مدينة واحدة.» # زد على ذلك أن الطالب يستطيع حينئذ أن ~~يميز اصطلاحات العلوم من العلوم نفسها، ~~ويتوصل بذلك إلى مرتبة أعلى من الملكات ~~العلمية؛ ولذلك يؤكد ابن خلدون: ~~«إن الرحلة لا بد منها في طلب العلم، ~~واكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ~~ومباشرة الرجال» (ص541). ~~(4) # لا يتكلم ابن خلدون في العلوم الواجب ~~تدريسها، ولا يحاول تقرير برنامج للدروس حسب ~~مصطلحاتنا الحالية. # ومع هذا فإنه يقرر العلوم التي يجب ~~التوسع فيها، ويميزها من التي يجب ~~الاقتصار على الضروري منها، إنه يميز ~~«العلوم الآلية» من «العلوم المقصودة بالذات» ~~- وفقا لما كان متعاهدا في زمانه - ويبين ~~محاذير التوسع في العلوم الآلية، وذلك في ~~فصل خاص يعنونه بالعنوان التالي: «فصل في أن ~~العلوم الآلية لا توسع فيها الأنظار، ولا ~~تفرع المسائل» (ص537). # يقول ابن خلدون في هذا الفصل: ~~«إن العلوم المتعارفة بين أهل العمران ~~صنفان: ~~(أ) # علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من ~~التفسير، والحديث، والفقه، وعلم الكلام؛ ~~وكالطبيعيات والإلهيات من ms351 الفلسفة. ~~(ب) # وعلوم هي وسيلة آلية لهذه العلوم: ~~كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، ~~وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم ~~الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين» ~~(ص537). ~~«فإما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في ~~توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل واستكشاف ~~الأدلة والأنظار؛ فإن ذلك يزيد طالبها ~~تمكنا ~~في ملكته، وإيضاحا لمعانيها المقصودة. وأما ~~العلوم التي هي آلة لغيرها - مثل العربية ~~والمنطق وأمثالها - «فلا ينبغي أن ينظر فيها ~~إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط»، فيجب ~~الاجتناب من توسيع الكلام وتفريع المسائل بها؛ ~~وذلك للسببين التاليين: ~~(أ) ~~«لأن التوسع في العلوم الآلية ~~يخرجها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هو ~~إلا الاستفادة منها كآلة لا غير.» # إن العلوم المذكورة كثيرة الفروع ~~والمباحث، غير أن قسما كبيرا من تلك ~~المباحث مما لا حاجة إليها في العلوم ~~المقصودة، فالاشتغال بها يكون من نوع ~~اللغو.» ~~(ب) # زد على ذلك، فإن التوسع في ~~العلوم الآلية يضيع أوقات الطلاب، ولم ~~يترك أمامهم مجالا كافيا «لتحصيل العلوم ~~المقصودة بالذات، مع أن شأنها ~~أهم.» # فعلى المعلمين «أن يهتموا بالعلوم ~~المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها»، ~~فإنهم «إذا قطعوا العمر في تحصيل ~~الوسائل»؛ لا يجدون متسعا من الوقت ~~«للظفر بالمقاصد» (ص537). ~~«لأن العمر يقصر عن تحصيل جميع هذه ~~العلوم على هذه الصورة، فيكون الاشتغال ~~بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر، وشغلا ~~بما لا يغني.» # ولذلك ينتقد ابن خلدون التقاليد ~~السائدة في زمانه في هذا الصدد انتقادا ~~شديدا: ~~«هذا كما فعل المتأخرون في صناعة ~~النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه؛ لأنهم ~~أوسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من ~~التفاريع والاستدلالات بما أخرجها على ~~كونها آلة، وصيرها من المقاصد.» # ولذلك يقرر أنه «يجب على المعلمين ~~لهذه العلوم الآلية ألا يستبحروا في ~~شأنها»، وينبهوا المتعلم إلى الغرض ~~منها، ويقفوا به «عند ذلك الغرض». # يقول ابن خلدون ذلك بالنسبة إلى ~~طلبة العلم بوجه عام، ولكنه لا ينهى عن ~~التخصص في تلك العلوم، وعن التوغل في ~~فروعها لجماعة من العلماء؛ لأنه يقول بعد ~~ذلك: ~~«فمن نزعت به همته ms352 بعد ذلك إلى شيء ~~من التوغل، فليرق له ما شاء من ~~المراقي، صعبا أو سهلا» (ص537). # 3 # إن الطرائق والقواعد التي ذكرناها إلى الآن تعود إلى ~~«تعليم العلوم» بوجه عام، فلا تختص بعلم من العلوم بوجه ~~خاص. # فإن ابن خلدون لا يبحث عن القواعد الخاصة التي تجب ~~مراعاتها في تعليم كل علم على حدة، إلا في موضوع واحد هو ~~موضوع «اللسان المصري». إنه يشرح الطريقة التي يجب اتباعها ~~لتعليم «اللسان المضري» في فصل خاص (ص59)، ثم يوسع ~~ويوضح الملاحظات التي يبديها في الفصل المذكور في عدة ~~فصول أخرى: ~~(1) # إن ما نسميه نحو اليوم باسم «اللغة الفصحى» ~~كان يسميه ابن خلدون في مقدمته باسم «لسان ~~العرب»، و«اللسان العربي»، أو «لغة مضر»، أو ~~«اللسان المضري»، وقد سماه مرة «اللسان ~~المدون» (ص56) أيضا. وأما ما نسميه اليوم ~~باسم «اللغة العامية» فكان يشير إليها ابن ~~خلدون بتعبير «لغة الأمصار» بالنسبة إلى ~~الحضر، و«لغة الجيل» أو «لغة العرب لهذا ~~العهد» بالنسبة إلى البدو. # يقول ابن خلدون: «إن اللسان المدون يختلف عن ~~اللسان الدارج في الإعراب وفي كثير من ~~الموضوعات اللغوية وفي بناء الكلمات» (ص558). ~~غير أنه يقرر في الوقت نفسه أن الفارق ~~الأساسي الذي يميز الثاني من الأول إنما هو ~~وجود أو عدم وجود الإعراب في أواخر ~~الكلم. ~~(2) # ثم إنه يبين العامل الأصلي الذي استوجب ~~الاهتمام بلغة مضر، وأدى إلى تمسك الأدباء ~~والعلماء بها؛ لأن القرآن نزل بلغة مضر، ~~والحديث النبوي نقل فيه، فأصبحت معرفة هذه ~~اللغة ضرورية لفهم «كتاب الله وسنة رسوله»، ~~ومن المعلوم أنهما «أصلا الدين والملة» ~~(ص556). # إن لغة مضر هذه كانت - فيما مضى - دارجة ~~عند القوم؛ إذ إنها كانت لغة التخاطب فيما ~~بينهم. إنها كانت «ملكة في ألسنتهم، يأخذها ~~الآخر عن الأول، كما تأخذ صبياننا لهذا العهد ~~لغاتنا» (ص546). # غير أن الأحوال تبدلت بعد ظهور الإسلام ~~تبدلا كليا: ~~«لما جاء الإسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك ~~الذي كان في أيدي الأمم والدول» (ص546)، ~~واستولوا «على ممالك العراق والشام ومصر ~~والمغرب» (ص551)، وخالطوا ms353 الأمم في هذه البلاد ~~المفتوحة؛ تغيرت ملكة اللسان المضري وفسدت؛ ~~فتكونت في الأمصار والبوادي لغات جديدة ~~تختلف عن «لغة مضر» الذي نزل بها القرآن في ~~الإعراب، وفي كثير من الموضوعات «اللغوية ~~وبناء الكلمات» (ص582)؛ فأصبحت لغة مضر مما ~~لا يمكن اكتسابها بالمعاشرة والمخالطة ~~والمباشرة، وصارت مما يفتقر إلى تعليم خاص. ~~(3) # ولهذا السبب يهتم ابن خلدون باللسان المضري، ~~ويقرر الطريقة التي تضمن تعليمه. # من المعلوم أنه يعتبر اللغات بمثابة ~~«ملكات في اللسان»، ويلاحظ أن الملكات لا ~~تتكون - بوجه عام - إلا بالممارسة والتكرار ~~- [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - ~~التربية والتعليم - النفس الإنسانية] - ولذلك ~~يبني نظريته في «طريقة تعليم اللسان المضري» ~~على هذا الأساس: ~~«وجه التعليم لمن يبتغي» ملكة اللسان ~~المضري «ويروم تحصيلها؛ أن يأخذ نفسه بحفظ ~~كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن ~~والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في ~~أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضا في ~~سائر فنونهم، حتى يتنزل - لكثرة حفظه ~~لكلامهم من المنظوم والمنثور - منزلة من نشأ ~~بينهم، ولقن العبارة عن المقاصد ~~منهم.» ~~«ثم ينصرف بعد ذلك في التعبير عما في ~~ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم، وما ~~وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم؛ فتحل ~~له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ~~ويزداد بكثرتها رسوخا وقوة» (559). # ومع هذا يرى ابن خلدون أن هذا «الحفظ ~~والاستعمال» يجب أن يترافق مع «سلامة الطبع» ~~و«التفهم الحسن»، فيعقب على العبارة ~~الأخيرة بقوله: ~~«ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع والتفهم ~~الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب، ~~ومراعاة التطبيق بينها وبين مقتضيات الأحوال» ~~(ص559). ~~«ومن حصل على هذه الملكات، فقد حصل على ~~لغة مضر، وهو الناقد البصير بالبلاغة ~~فيها.» ~~«وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها» ~~(ص559). # ثم يختم الفصل قائلا: «وعلى قدر المحفوظ ~~وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع ~~نظما ونثرا.» ~~(4) # يكرر ابن خلدون هذه الملاحظات في عدة فصول ~~أخرى بوسائل شتى، ويزيدها وضوحا خلال هذا ~~التكرار. # فإنه يوضح في فصل آخر كيفية تولد هذه ~~الملكة بتشبيه مادي جذاب: ~~«إن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو ~~بكثرة ms354 الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في ~~خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم، ~~فينسج هو عليه. وينزل بذلك منزلة من نشأ معهم ~~وخالط عباراتهم في كلامهم، حتى حصلت له ~~الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على ~~نحو كلامهم» (ص561). # ثم يقرر ابن خلدون - في فصل آخر - وجوب ~~الفهم قبل الحفظ من جهة، ووجوب التفطن لخواص ~~التراكيب خلال الحفظ والاستعمال من جهة ~~أخرى. # فيقول في فصل علم الأدب: «يجب ذكر بعض من ~~أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، ~~وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار ~~العامة.» ويصرح بأن «المقصود من ذلك كله ألا ~~يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب، ~~وأساليبهم، ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه.» ~~ويعلل ذلك بقوله: «لئلا تحصل الملكة من ~~حفظه إلا بعد فهمه» (ص573). # ثم يؤكد على ذلك قائلا: «فيحتاج إلى ~~تقديم جميع ما يتوقف عليه فهمه» ~~(ص553). # ويقول ابن خلدون في فصل «تفسير الذوق»: «إن ~~هذه الملكة إنما تحصل بممارسة كلام العرب، ~~وتكرره على السمع، والتفطن لخواص تراكيبه» ~~(ص562). ~~(5) # يتبين من كل ذلك أن سبيل الحصول على ~~ملكة اللسان المضري - في نظر ابن خلدون - هو ~~«الحفظ الكثير من كلام العرب مع فهمه، وممارسة ~~ذلك الكلام مع التفطن لخواص ~~تراكيبه.» # يلاحظ أن الطريقة التي يقررها ابن خلدون ~~بهذه الصورة لتعليم اللسان المضري هي من نوع ~~«التعليم بالممارسة والمباشرة»، ومخالفة ~~لطريقة «التعليم بالقواعد والقوانين». إنه ~~يصرح بذلك في فصل آخر بتعبير أوضح، حيث ~~يقول: «إن ملكة هذا اللسان هي غير صناعة ~~العربية، ومستغنية عنها في التعليم» ~~(ص561). # إن المقصود من تعبير «صناعة العربية» ~~المذكور هنا هو «علم النحو»، كما يصرح بذلك ~~ابن خلدون في عدة مواضع. # إنه يشرح أسباب تكوين هذا العلم بإسهاب: ~~حينما أخذت ملكة اللغة المضرية تفسد شيئا ~~فشيئا، حتى خشي أهل العلوم أن تفسد تماما، ~~ويطول العهد بها فتنسى؛ «فينغلق القرآن ~~والحديث على الأفهام»؛ ولذلك قد شعروا بحاجة ~~ماسة إلى «تدوين أحكام اللسان المضري، ووضع ~~مقاييسه واستنباط قوانينه»، وأوجدوا بذلك ~~علما «ذا ms355 فصول وأبواب ومقدمات ومسائل، سماه ~~أهله بعلم النحو وبصناعة العربية» ~~(ص556). # فأصبح هذا العلم «فنا محفوظا وعلما ~~مكتوبا، وسلما إلى فهم كتاب الله وسنة ~~رسوله وافيا» (ص557). # يقرر ابن خلدون أن معرفة صناعة العربية لا ~~تضمن حصول ملكة اللسان العربي، ويعلل رأيه ~~بالملاحظات التالية: ~~«والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي ~~معرفة قوانين هذه الملكة ومقاييسها ~~خاصة.» # فإن من يتعلم هذه القوانين من غير أن يسعى ~~إلى اكتساب هذه الملكة يكون «بمثابة من يعرف ~~صناعة من الصنائع علما، ولا يحكمها ~~عملا» (ص560). وتوضيحا لرأيه هذا يشير إلى ~~الفرق «بين معرفة أصول الخياطة أو النجارة ~~نظريا، وبين إحكامها عمليا» (راجعوا ~~الصفحة 430 من هذه الدراسات). ثم يقول: ~~«وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه ~~الملكة في نفسها، فإن العلم بقوانين الإعراب ~~إنما هو علم بكيفية العمل؛ ولذلك نجد كثيرا ~~من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية ~~المحيطين علما بتلك القوانين، إذا سئل في ~~كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته، أو شكوى ~~ظلامة، أو قصد من قصوده؛ أخطأ فيها عن الصواب ~~وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك ~~والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان ~~العربي» (ص650). # وبعكس ذلك «نجد كثيرا ممن يحسن هذه ~~الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنثور، ~~وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا ~~المفعول من المجرور، ولا شيئا من قوانين ~~صناعة العربية» (ص560). ~~«فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير ~~صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة» ~~(ص560). ~~(6) # لا ينكر ابن خلدون إمكان اجتماع معرفة ~~قوانين الإعراب مع ملكة اللسان المضري، ~~ولكنه يلاحظ أن ذلك يتأتى على الأكثر من الجمع ~~بين الطريقتين، ولا سيما خلال درس كتاب ~~سيبويه. # لأن سيبويه «لم يقتصر على قوانين الإعراب ~~فقط، بل ملأ كتابه من أمثال العرب وشواهد ~~أشعارهم وعباراتهم، فكان فيه جزء صالح من ~~تعليم هذه الملكة، فنجد العاكف عليه ~~والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب، ~~واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته، ~~فتنبه به شأن الملكة، ms356 فاستوفى تعليمها؛ فكان ~~أبلغ في الإفادة.» ~~«ومن هؤلاء المخالطين لكتاب سيبويه من يغفل ~~عن التفطن لهذا، فيحصل على علم اللسان ~~صناعة، ولا يحصل عليه ملكة» (ص561). # ولكن كتب المتأخرين قد حادت عن سواء ~~السبيل، فاقتصرت على «ذكر القوانين النحوية ~~مجردة عن أشعار العرب وكلامهم»؛ ففقدت بذلك ~~إمكان الإفادة البتة. ~~«أما المخالطون لكتب المتأخرين العارية عن ~~ذلك، إلا من القوانين النحوية مجردة عن ~~أشعار العرب وكلامهم، فقل ما يشعرون لذلك ~~بأمر هذه الملكة أو ينتبهون لشأنها، فتجدهم ~~يحسبون أنهم قد حصلوا على رتبة في لسان العرب، ~~وهم أبعد الناس عنها» (ص561). ~~(7) # يوازن ابن خلدون بين طريقة أهل الأندلس وبين ~~طريقة أهالي سائر البلاد في تعليم صناعة ~~العربية، ويقرر أن طريقة الأندلسيين أكثر ~~إفادة؛ وذلك لاهتمامهم بالإكثار من الشواهد ~~والتفقه في التراكيب: ~~«أهل صناعة العربية في الأندلس ومعلموها ~~أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من ~~سواهم؛ لقيامهم فيها على شواهد العرب ~~وأمثالهم، والتفقه في الكثير من التراكيب في ~~مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من ~~الملكة أثناء التعليم؛ فتنقطع النفس لها، ~~وتستعد إلى تحصيلها وقبولها.» ~~«وأما من سواهم من أهل المغرب وإفريقية ~~وغيرهم، فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم ~~بحثا، وقطعوا النظر عن التفقه في كلام ~~العرب، إلا إن أعربوا شاهدا، أو رجحوا ~~مذهبا من جهة الاقتضاء الذهني، لا من جهة ~~محامل اللسان وتراكيبه، وأصبحت صناعة العربية ~~كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية أو ~~الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، وما ~~ذلك إلا لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان ~~وتركيبه وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ~~ذلك للمتعلم، فهو من أحسن ما تفيده الملكة ~~في اللسان. وتلك القوانين إنما هي وسائل ~~للتعليم، ولكنهم أجروها على غير ما قصد ~~بها، وأصاروها علما بحتا، وبعدوا عن ثمرتها» ~~(ص561). ~~(8) # يتبين من كل ما سبق أن ابن خلدون ينتقد ~~طريقة التعليم المستندة إلى قواعد النحو ~~انتقادا مرا، ويؤكد وجوب ترك هذه ~~الطريقة، ويقول بوجوب اتباع طريقة التعليم ~~المستندة إلى تحفيظ كلام العرب وأشعارهم، ~~والتمرين على النسج على ms357 منوالهم. # 4 # إن هذه الآراء والملاحظات الأساسية لا يحصرها ابن خلدون ~~بقواعد النحو وحدها، بل يعممها على قوانين البيان ~~والعروض، ويطبقها على فنون الأدب - من المنثور ~~والمنظوم - بوجه عام. ~~(1) # يبين ابن خلدون كيفية تكون ملكة ~~البلاغة في فصل «تفسير الذوق» (ص562-564)، ~~ويشرح كيفية تكون ملكة الشعر في فصل ~~«صناعة الشعر ووجه تعلمه» (ص569-577)، ~~ويقرر في كلا الفصلين أن ذلك لا يتم إلا ~~بكثرة الحفظ والممارسة. # وفي الواقع إن العلماء استنبطوا قوانين ~~النحو والبلاغة والعروض عن طريق النظر في ~~كلام العرب وأشعارهم، فدونوا العلوم ~~المعروفة باسم النحو والبيان والعروض. ولكن ~~ابن خلدون يعتقد أن تعلم وتعليم هذه ~~القوانين وهذه العلوم لا يضمن حصول «ملكة ~~البلاغة» ولا «ملكة الشعر»، حتى إنه يدعي ~~مرة «بأن تعليم هذه القوانين لا يفيد شيئا»، ~~ويؤكد أن هاتين الملكتين لا تحصلان إلا ~~بكثرة الحفظ من كلام العرب - بين منظوم ومنثور ~~- وبكثرة الممارسة والعمل على منوالها، فإن ~~«مخالطة كلام العرب» على هذه الصورة هي التي ~~تكون «الذوق»، وهي التي تكسب ~~«الأسلوب». # فإن اكتساب الذوق يعني الحصول على ملكة ~~البلاغة (ص564)، وأما اكتساب الأسلوب فيعني ~~الحصول على المنوال الذي تنسج عليه التراكيب، ~~أو القالب الذي يفرغ فيه الكلام ~~(ص570). # إن معرفة قوانين البلاغة والنحو لا تكفي ~~لتكوين الذوق (ص572)، كما أن معرفة قوانين ~~العروض - علاوة على قوانين النحو والبلاغة - ~~لا تكفي لتحصيل ملكة الشعر، وهذه الملكات ~~إنما تحصل بالممارسة والاعتياد والتكرار لكلام ~~العرب من منظوم ومنثور. ~~«لا تقولن إن معرفة قوانين البلاغة كافية ~~لتكوين ملكة البلاغة والذوق» (ص579). # واعلم أن «من عرف تلك الملكة من القوانين ~~المسطرة في الكتب لا يكون قد حصل عليها، إنما ~~يكون قد حصل على أحكامها فقط» (ص563). ~~(2) # يتوسع ابن خلدون في بحث ملكة الشعر، ~~ويتتبع عمل الحفظ من جهة، وعمل الممارسة من ~~جهة أخرى في تكوين هذه الملكة، فيقول إن ~~كثرة الحفظ تكون في الذهن قالبا يبنى ~~فيه، ومنوالا ينسج عليه؛ لأن الذهن ينتزع من ~~أعيان التراكيب وأشخاصها صورة ذهنية عامة ~~تصير في الخيال ms358 كالقالب أو المنوال. ومؤلف ~~الكلام إنما هو كالبناء أو النساج، ~~والصورة الذهنية العامة كالقالب الذي يبنى ~~فيه، أو المنوال الذي ينسج عليه. فعلى من يريد ~~نظم الشعر أن يحفظ الكثير من الأشعار، وأن ~~يكثر من النظم حتى تستحكم فيه ملكة ~~الشعر وترسخ. # وخلاصة القول: إن تعلم الأدب - مثل اكتساب ~~ملكة اللسان المضري بوجه عام - لا يكون ~~بتعليم قواعد البلاغة وأمثالها، بل إنما يكون ~~بالإكثار من حفظ كلام العرب وأشعارهم بممارسة ~~النسج على منوالها. # يكرر ابن خلدون هذه المبادئ والقواعد عدة ~~مرات، ويشرحها بتفصيل واف في عدة ~~محلات. ~~(3) # ونحن ننقل فيما يلي أهم الفقرات التي تشرح ~~وتؤيد رأي ابن خلدون في هذا ~~الصدد: ~~(أ) ~~«إن لفظة الذوق يتداولها المعتنون ~~بفنون البيان، ومعناها حصول ملكة ~~البلاغة للسان.» # وأما البلاغة فإنها «مطابقة ~~الكلام للمعنى من جميع وجوهه، بخواص تقع ~~للتراكيب في إفادة ذلك، فالمتكلم بلسان ~~العرب والبليغ فيه، يتحرى الهيئة ~~المفيدة لذلك، على أساليب العرب وأنحاء ~~مخاطباتهم، وينظم الكلام على ذلك الوجه ~~جهده. فإذا اتصلت مقاماته بمخالطة كلام ~~العرب؛ حصلت له الملكة في نظم الكلام ~~على ذلك الوجه، وسهل عليه أمر التركيب، ~~حتى لا يكاد ينحو فيه غير منحى البلاغة ~~التي للعرب. وإن سمع تركيبا غير جار على ~~ذلك مجه ونبا عنه سمعه بأدنى فكر، بل ~~وبغير فكر، إلا بما استفاد من حصول هذه ~~الملكة» (ص562). ~~(ب) ~~«إن الملكات إذا استقرت ورسخت ~~في محلها؛ ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك ~~المحل»؛ ولذلك «يظن كثير من المغفلين - ~~ممن لم يعرف شأن الملكات - أن الصواب ~~للعرب في لغتهم - إعرابا وبلاغة - أمر ~~طبيعي، ويقول: كانت العرب تنطق بالطبع. ~~وليس كذلك. وإنما هي ملكة لسانية في ~~نظم الكلام تمكنت ورسخت، فظهر في ~~بادئ الرأي أنها جبلة وطبع، وهذه ~~الملكة إنما تحصل بممارسة كلام العرب ~~وتكرره على السمع، والتفطن لخواص ~~تراكيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين ~~العلمية التي استنبطها أهل صناعة اللسان؛ ~~فإن هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك ~~اللسان، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في ~~محلها» (ص562). # إن «ملكة ms359 البلاغة في اللسان تهدي ~~البليغ إلى وجود النظم وحسن التركيب ~~الموافق لتراكيب العرب في لغتهم ونظم ~~كلامهم، ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا ~~عن هذه السبل المعينة، والتراكيب المخصوصة ~~لما قدر عليه، ولا وافقه عليه لسانه؛ لأنه ~~يعتاده ولا تهديه إليه ملكته الراسخة ~~عنده. وإذا عرض عليه الكلام حائدا عن ~~أسلوب العرب وبلاغتهم في نظم كلامهم؛ ~~أعرض عنه ومجه، وعلم أنه ليس من كلام ~~العرب الذين مارس كلامهم، وربما يعجز عن ~~الاحتجاج لذلك كما يفعل أهل القوانين ~~النحوية والبيانية» (ص562). ~~(ج) # يرجع في صناعة الشعر «إلى صورة ~~ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية - باعتبار ~~انطباقها على تركيب خاص - وتلك الصورة ~~ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب ~~وأشخاصها، ويصيرها في الخيال كالقالب أو ~~المنوال، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند ~~العرب - باعتبار الإعراب والبيان - ~~فيرصها فيها رصا، كما يفعله البناء ~~في القالب والنساج في المنوال» ~~(ص571). ~~(د) ~~«وهذه الأساليب التي نقررها ليست ~~من القياس في شيء، إنما هي هيئة ترسخ في ~~النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب ~~لجريانها على اللسان، حتى تستحكم صورتها، ~~فيستفيد بها العمل على مثالها، والاحتذاء ~~بها في كل تركيب من الشعر» (ص572). ~~«إن مؤلف الكلام كالبناء أو ~~النساج، والصورة الذهنية المنطبقة ~~كالقالب الذي يبنى فيه، أو المنوال الذي ~~ينسج عليه» (ص572). # إن الأساليب المستعملة في لسان ~~العرب لا يعرفها «إلا من حفظ كلامهم حتى ~~يتجرد في ذهنه من القوالب المعينة قالب ~~كلي مطلق، يحذو حذوه في التأليف، كما يحذو ~~البناء على القالب، والنساج على ~~المنوال» (ص572-573). ~~«نعم، إن مراعاة قوانين هذه العلوم ~~(أي علوم النحو والبيان والعروض) شرط فيه ~~لا يتم بدونها، فإذا تحصلت هذه الصفات ~~كلها في الكلام؛ اختص بنوع من النظر ~~لطيف في هذه القوالب التي يسمونها أساليب، ~~ولا يفيده إلا حفظ كلام العرب نظما ~~ونثرا» (ص573). ~~«إن المحصل لهذه القوالب في الذهن ~~إنما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم، وهذه ~~القوالب كما تكون في المنظوم تكون في ~~المنثور» (ص573). ~~(ه) ~~«اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته ~~شروطا؛ أولها ms360 الحفظ من جنسه - أي من جنس ~~شعر العرب - حتى تنشأ في النفس ملكة ~~ينسج على منوالها، ويتخير المحفوظ من ~~الحر النقي الكثير الأساليب، وهذا المحفوظ ~~المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من فحول ~~الإسلاميين، وأكثرها شعر كتاب الأغاني» ~~(ص574). ~~«ثم بعد الامتلاء عن الحفظ وشحذ ~~القريحة للنسج على المنوال، يقبل على ~~النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته ~~وترسخ. وربما يقال من شرطه نسيان ذلك ~~المحفوظ؛ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، ~~إذ هي صادرة عن استعمالها بعينها، فإذا ~~نسيها - وقد تكيفت النفس بها - انتقش ~~الأسلوب فيها كأنه منوال يؤخذ بالنسج عليه ~~بأمثالها من الكلمات الأخرى» ~~(ص574). ~~(و) ~~«إن حصول ملكة الشعر بكثرة الحفظ، ~~وجودتها بجودة المحفوظ. لا بد من كثرة ~~الحفظ لمن يروم تعلم اللسان العربي، ~~وعلى قدر جودة المحفوظ تكون جودة الملكة ~~الحاصلة عنه للحافظ.» ~~«وعلى مقدار المحفوظ أو المسموع ~~تكون جودة الاستعمال من بعده، ثم إجادة ~~الملكة من بعدهما. فبارتقاء المحفوظ في ~~طبقته من الكلام؛ ترتقي الملكة الحاصلة؛ ~~لأن الطبع إنما ينسج على منوالها، وتنمو ~~قوى الملكة بتغذيتها» (ص574). ~~(4) # يلاحظ أن الآراء التي يبديها ابن خلدون ~~في هذا الصدد تنطوي على ملاحظات نفسية دقيقة ~~وقيمة. # إننا نود أن نلفت الأنظار - بوجه خاص - إلى ~~الأقسام التالية منها: # أولا: # في آخر الفقرة «أ» المنقولة آنفا، ~~يصف ابن خلدون حالة من يحصل على ملكة ~~البلاغة، ويقول إنه إذا سمع تركيبا غير ~~جار على منحى البلاغة التي للعرب؛ مجه ~~بأدنى فكر، بل وبغير فكر. # ثانيا: # في آخر الفقرة «ب» المنقولة آنفا، ~~يتكلم ابن خلدون عن صاحب ملكة ~~البلاغة، ويقول إذا عرض عليه الكلام ~~حائدا عن أسلوب العرب وبلاغتهم؛ أعرض عنه ~~ومجه، مع إنه ربما يعجز عن بيان أسباب ~~ذلك. # ثالثا: # في آخر الفقرة «ه» يوضح ابن خلدون ~~عمل الحفظ في تكوين ملكة الشعر، ثم ~~يقول: «ربما يقال من شرطه نسيان ذلك ~~المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، ~~فإذا نسيها - وقد تكيفت النفس بها - ~~انتقش الأسلوب فيها، كأنه منوال يؤخذ ~~بالنسج عليه بأمثالها.» # يلاحظ أن جميع ms361 هذه العبارات تدل على ملاحظة ~~دقيقة في عمل اللاشعوريات في تكوين الملكات ~~بوجه عام، وملكة البلاغة وملكة الشعر بوجه ~~خاص. فإن ما يتم «بأدنى فكر، بل وبغير فكر»، ~~يكون مثالا جيدا على عمل اللاشعور، وعلى عمل ~~التكرار والممارسة التي تجعل الأمر لا ~~شعوريا. # وكذلك إن الحكم الذي يصدره الإنسان عن ~~أمر من الأمور، من غير أن يتمكن من تعليل ~~حكمه، ومن إقامة الحجة عليه، يكون مثالا ~~بارزا للتقدير اللاشعوري. # وفي الأخير فإن الأثر الذي يبقى في النفس من ~~جراء الحفظ - بعد نسيان المحفوظ - من أهم ~~الملاحظات النفسية التي تؤثر تأثيرا عميقا ~~في نظريات التربية والتعليم. # ولهذا السبب نحن نعد الفقرة المذكورة من ~~أهم العبارات التي تدل على نفوذ نظر ابن ~~خلدون: ~~«ربما يقال من شرطه نسيان ذلك المحفوظ ~~لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة بعد أن تكيفت ~~النفس بها.» # إن هذه الملاحظة تشير أولا إلى ما يبقى في ~~الذهن وفي النفس من الأثر اللاشعوري من جراء ~~كثرة الحفظ، حتى بعد نسيان المحفوظ، وتقرر ~~ثانيا أن ذلك أوفق لمصلحة الناظم ؛ لأن الشعر ~~الذي يبقى في البال بحروفه، قد يحمل على ~~التقليد، ويحول دون الابتكار. غير أنه إذا ~~نسي - بعد أن تكيفت النفس بها، وانتقش ~~الأسلوب فيها - يكون قد ترك أثرا «تربويا» ~~يعمل عملا ناجعا في نظم الشعر على منوال ~~المحفوظ المنسي، فيفسح بذلك ميدانا واسعا ~~للابتكار. # إن هذه الملاحظة تنطبق على الكثير من أمور ~~التربية في ساحة أوسع من ساحة الشعر، بل إنها ~~تنطبق على كل ما يتعلق بأمور الثقافة، وقد ~~عرف أحد المفكرين المعاصرين الثقافة بقوله: ~~«هي ما ينساه المرء بعد أن يتعلمه.» من ~~المعلوم أن هذا القول ينطوي على حصة كبيرة من ~~الحقيقة، على الرغم من الغرابة التي تبدو عليه ~~عند الوهلة الأولى. # فنستطيع أن نقول لذلك إن ملاحظة ابن خلدون ~~في هذه القضية كانت ملاحظة عميقة ودقيقة ~~جدا. # 5 # يتكلم ابن خلدون عن «تعليم الصنائع» أيضا في الفصل ~~القائل «إن الصنائع لا بد لها من العمل» ~~(ص399-400). # إنه يقرر في ms362 الفصل المذكور مبدءين أساسيين لهذا ~~التعليم: ~~(أ) # إن تعليم الصناعة لا يكون إلا بالمباشرة ~~والممارسة. ~~(ب) # إن تعليم الصناعة إنما يكون بالتدريج من ~~البسيط إلى المركب. # يوضح ابن خلدون كل واحد من هذين المبدءين بتفصيلات وافية: # أولا: ~~«إن الصناعة هي ملكة في أمر عملي ~~فكري، وبكونه عمليا هو جسماني محسوس، ~~والأحوال الجسمانية المحسوسة فنقلها ~~بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة ~~في الأحوال الجسمانية أتم فائدة. # والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ~~ذلك الفعل وتكرره مرة بعد أخرى، حتى ~~ترسخ صورته، وعلى نسبة الأصل تكون ~~الملكة. # ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر ~~والعلم؛ فالملكة الحاصلة [أكمل وأرسخ من ~~الملكة الحاصلة] عن الخبر، وعلى قدر ~~جودة التعليم وملكة المتعلم [يكون حذق المتعلم] # 3 # في الصناعة وحصول ملكته» ~~(ص200). # ثانيا: ~~«إن الصنائع منها البسيطة ومنها المركب، ~~والبسيط هو الذي يختص بالضروريات، والمركب ~~هو الذي يكون للكماليات، والمتقدم منها ~~في التعليم هو البسيط؛ لبساطته أولا ~~«لأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي ~~على نقله، فيكون سابقا في التعليم» ~~(ص400). ~~(3) معلومات تاريخية عن أحوال التعليم # إذا بحثنا في طيات مقدمة ابن خلدون عن المواد والمباحث ~~التي تهم «تاريخ التربية والتعليم»؛ استطعنا أن نقتطف ~~المعلومات التالية عن أمور المدارس، وأحوال التعليم في عهد ~~كتابة المقدمة: # 1 ~~(1) # إن التعليم والتدريس كان حرا، وكان لكل ~~من يجد في نفسه الكفاءة أن يزاول التعليم في ~~المحل الذي يختاره على الطريقة التي يرتئيها، ~~من غير أن يتقيد بقيد حكومي وسلطاني، غير ~~القيود التي يقررها ويفرضها العرف ~~والعادة. # وكان له أن يفعل ذلك في المساجد أيضا: ~~«للمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه، والجلوس ~~لذلك في المساجد» (ص220). # ولكن من المعلوم «أن المساجد في المدينة ~~صنفان؛ مساجد عظيمة كثيرة الغاشية، معدة ~~للصلوات المشهودة، وأخرى دونها، مختصة بقوم أو ~~محلة، وليست للصلوات العامة. فأما المساجد ~~العظيمة فأمرها راجع إلى الخليفة أو من يفوض ~~إليه من سلطان أو وزير أو قاض، وأما ~~المساجد المختصة بقوم أو محلة، فأمرها راجع ~~إلى الجيران، ولا تحتاج إلى نظر ms363 خليفة أو ~~سلطان» (ص219). # فإذا أراد المدرس التدريس في مسجد من الصنف ~~الأول من المساجد «التي للسلطان الولاية عليها ~~والنظر في أئمتها كما مر، كان لا بد من ~~استئذانه في ذلك»، ولكنه إذا أراد التدريس في ~~مسجد من الصنف الثاني «فلا يتوقف ذلك على ~~إذن» (ص220). ومع هذا يقرر ابن خلدون ~~أنه: ~~«ينبغي أن يكون لكل أحد من المفتين ~~والمدرسين زاجر من نفسه، يمنعه عن التصدي لما ~~ليس له بأهل» (ص200). ~~«ولم يكن هناك شيء يشبه المراقبة الرسمية ~~على المدرسين والمعلمين سوى ما يدخل في وظائف ~~«الحسبة»» (ص225). # من المعلوم «أن الحسبة وظيفة دينية من باب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، والموظفون ~~الذين يعهد إليهم بها «يبحثون عن المنكرات، ~~ويعزرون ويؤيدون على قدرها، ويحملون الناس على ~~المصالح العامة في المدينة.» # يعدد ابن خلدون المصالح العامة التي تدخل ~~في نطاق مراقبة الحسبة، ويذكر بينها «الضرب ~~على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها، في ~~الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين» ~~(ص225). ~~(2) # ومما يجدر بالذكر أن أصحاب الخير من ~~الأغنياء - من السلاطين والأمراء وغيرهم - ~~كانوا يشيدون بعض البنايات المختصة للتدريس، ~~ويربطون لها «الأوقاف المغلة للجراية على ~~معلميها ومتعلميها» (ص435 و437). # ومن البديهي أن صلاحية التعليم في تلك ~~المدارس كانت تتعين وفق الشروط التي يشترطها ~~الواقفون. ~~(3) # إن مدة الدراسة لم تكن معينة في المدارس، ~~كبيرة كانت أو صغيرة، غير أن المدة المعينة ~~«لسكنى طلبة العلم بالمدارس كانت محدودة؛ إنها ~~كانت «ست عشرة سنة في المغرب، وخمس سنين ~~بتونس» (ص432). ~~«وهذه المدة بالمدارس على المتعارف، هي أقل ~~مما يتأتى فيها لطالب العلم حصول مبتغاه من ~~الملكية العلمية، أو اليأس منها» ~~(ص432). # وأما طول المدة المعينة لذلك في مدارس ~~المغرب، فتأتي من رداءة طرق التعليم المتبعة ~~فيها: «طال أمدها في المغرب لهذه المدة؛ لأجل ~~عسرها من قلة الجودة في التعليم خاصة، لا من ~~سوى ذلك» (ص432). ~~(4) # إن مهنة التعليم في عهد ابن خلدون كانت من ~~مهن المستضعفين: ~~«إن التعليم لهذا العهد من جملة الصنائع ~~المعاشية البعيدة من اعتزاز ms364 أهل العصبية، ~~والمعلم مستضعف مسكين منقطع الجذم» ~~(ص29). # مع أن الأمر لم يكن كذلك في صدر الإسلام وفي ~~عهد الدولتين: ~~«ولم يكن العلم بالجملة - حينئذ - صناعة، ~~إنما كان نقلا لما سمع من الشارع، وتعليما ~~لما جهل من الدين على جهة البلاغ. فكان أهل ~~الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين ~~يعلمون كتاب الله وسنة نبيه # صلى الله عليه وسلم # على ~~معنى التبليغ الخبري، لا على وجه التعليم ~~الصناعي» (ص30). ~~«وكانوا يحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه ~~للأمة، لا تصدمهم عنه لائمة الكبر، ولا يزعهم ~~عاذل الأنفة.» ~~«ولكن حينما استقر الإسلام ووشجت عروق الملة ~~حتى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها، ~~واستحالت بمرور الأيام وأحوالها، وكثر استنباط ~~الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع ~~وتلاحقها؛ فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ، ~~وصار العلم ملكة تحتاج إلى تعلم، فأصبح ~~من جملة الصنائع والحرف.» ~~«واشتغل أهل العصبية بالقيام بالملك ~~والسلطان، فدفع العلم لمن قام به من سواهم، ~~وأصبح حرفة للمعاش، وشمخت أنوف المترفين وأهل ~~السلطان للتصدي للتعليم، واختص انتحاله ~~بالمستضعفين، وصار منتحله محتقرا عند أهل ~~العصبية والملك» (ص30). # 2 ~~(1) # إن تعليم الولدان في البلاد الإسلامية كان ~~يستهدف قبل كل شيء تمكين المتعلمين من قراءة ~~القرآن الكريم، مع حفظه قسما أو كاملا؛ ~~ولذلك اعتبر القرآن «أصل التعليم الذي ينبني ~~عليه ما يحصل بعد من الملكات» (ص537) في ~~جميع الأمصار الإسلامية، على اختلاف أقطارها ~~ومذاهبها. # والسبب في ذلك هو أن أهل الملة متفقون في ~~القول بأن القرآن يجب أن يسبق كل شيء إلى قلوب ~~المتعلمين؛ ليرسخ في نفوسهم الإيمان وعقائده، ~~كما أنهم متفقون في القول بأن ذلك مما يجب أن ~~يتم في الصغر. ~~«اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، ~~أخذته أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ ~~لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان ~~وعقائده، من آيات القرآن ومتون الأحاديث، وصار ~~القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه مما يحصل ~~بعد من الملكات؛ وسبب ذلك أن التعليم في ~~الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده؛ لأن ms365 ~~السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى ~~حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه» ~~(ص538). # ومع ذلك فقد رأوا في بعض البلاد أن يضيفوا ~~إلى تعليم القرآن؛ (أ) شيئا من الحديث ~~والفقه، (ب) ثم الخط والكتابة، (ج) ثم أصول ~~الشعر واللغة والأدب، (د) وقد أضافوا إلى كل ~~ذلك في بعض البلاد الحساب أيضا. # ولذلك اختلفت مذاهب الأمصار الإسلامية في ~~طرق تعليم الولدان. ~~(2) # يميز ابن خلدون في هذا المضمار أربعة ~~مذاهب أساسية، اختص بكل منها أحد الأقطار ~~الإسلامية؛ الأندلس، المغرب «إفريقية»، ~~والمشرق. ~~(أ) # أهل المغرب «مذهبهم في الولدان ~~الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم ~~أثناء المدارسة بالرسم ومسائله، واختلاف ~~حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في ~~شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا من ~~فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب، إلى أن ~~يحذق فيه أو ينقطع دونه. فيكون انقطاعه في ~~الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا ~~مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من ~~قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم، إلى أن ~~يجاوزوا حد البلوغ إلى سن الشبيبة. وكذا ~~في الكبر، إذا رجع إلى مدارسة القرآن بعد ~~طائفة من عمره، فهم لذلك أقوم على رسم ~~القرآن وحفظه من سواهم» (ص538). ~~(ب) # وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم ~~القرآن والكتاب حيث هو، وهذا هو الذي ~~يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان ~~القرآن أصل ذلك وأسه، ومنبع الدين ~~والعلوم، جعلوه أصلا في التعليم، فلا ~~يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في ~~تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب ~~والترسل، وأخذهم بقوانين العربية وحفظها ~~وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم ~~[في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم] # 4 # فيه بالخط أكثر من جميعها، ~~إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى ~~الشبيبة، وقد شدا بعض الشيء في العربية ~~والشعر والبصر بهما، وبرز في الخط ~~والكتابة، وتعلق بأذيال العلم على ~~الجملة» (ص538). ~~(ج) ~~«وأما أهل إفريقية فيخلطون في ~~تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في ~~الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض ~~مسائلها، إلا أن عنايتهم ms366 بالقرآن ~~و«استظهار» الولدان إياه ووقوفهم على ~~اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه، ~~وعنايتهم بالخط تبع ذلك.» ~~«وبالجملة فطريقهم في تعليم القرآن ~~أقرب إلى طريقة أهل الأندلس؛ [لأن سند ~~طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس الذين ~~أجازوا عند تغلب النصارى على شرق ~~الأندلس و] # 5 # استقروا بتونس، وعنهم أخذ ~~ولدانهم بعد ذلك» (ص538). ~~(د) ~~«وأما أهل المشرق فيخلطون في ~~التعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري ~~بم عنايتهم منها، والذي ينقل لنا أن ~~عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم ~~وقوانينه في زمن الشبيبة، ولا يخلطون ~~بتعليم الخط، بل لتعليم الخط عندهم قانون ~~ومعلمون له على انفراده، كما نتعلم سائر ~~الصنائع، ولا يتداولونها في مكاتب ~~الصبيان، وإذا كتبوا لهم الألواح فبخط ~~قاصر على الإجادة، ومن أراد تعلم الخط، ~~فعلى قدر ما يسمح له بعد ذلك من الهمة في ~~طلبه، ويبتغيه من أهل معرفته» ~~(ص529). ~~(3) # يلاحظ من هذه التفصيلات أن جميع المذاهب ~~تتفق في اعتبار القرآن أساسا للتعليم، ويضيف ~~إليها أهل المغرب الخط فقط، وأهل إفريقية ~~الحديث والخط مع شيء من قوانين العلوم، وأهل ~~الأندلس الحديث والخط والشعر والترسل ~~وقوانين العربية، وأما أهل المشرق فيضيفون ~~إلى القرآن صحف العلم وقوانينه، لا يهتمون ~~كثيرا بالخط. # لا يذكر ابن خلدون الحساب خلال وصف هذه ~~المذاهب التعليمية، ولكنه يشير إلى ضرورته في ~~فصل العلوم العددية، كما أنه يذكر الحساب في ~~الطريقة التي يقترحها القاضي أبو بكر بن ~~العربي (ص539). # يقارن ابن خلدون هذه المذاهب بعضها ببعض من ~~حيث النتائج، ويبرز تأثير هذه الطرائق ~~المختلفة في تكوين ملكة اللسان العربي. إن ~~أهل الأندلس برعوا في هذه الملكة من جراء ~~تفننهم في التعليم، واشتغالهم برواية الشعر ~~والترسل، ومدارسة العربية من أول العمر. ~~ولكن أهل المغرب بقوا قاصرين في ملكة اللسان ~~جملة؛ لاقتصارهم على تعلم القرآن في صغرهم؛ ~~لأن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة؛ ~~«لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله، فهم ~~مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه ~~والاحتذاء ~~بها». وبما أنهم لا يدرسون شيئا من كلام ~~العرب ms367 في صغرهم؛ «فلا يحصل لهم ملكة في ~~اللسان العربي»، فيكون حظهم «الجمود في ~~العبارات وقلة التصرف في الكلام». وربما كان ~~أهل إفريقية في ذلك أخف من أهل المغرب؛ لما ~~يخلطون في تعليمهم القرآن بعبارات العلوم في ~~قوانينها كما قلناه، فيقتدرون على شيء من ~~التصرف ومحاذاة المثل بالمثل، إلا أن ~~ملكتهم في ذلك قاصرة عن البلاغة» ~~(ص539). ~~(4) # يذكر ابن خلدون في نهاية فصل تعليم الولدان ~~المنهاج الذي يقترحه القاضي أبو بكر العربي في ~~كتاب رحلته (ص539). # يقول المشار إليه: إن تعليم العربية والشعر ~~يجب أن يتقدم على القرآن وسائر العلوم على ~~الإطلاق، ويجب أن يلي ذلك تعليم الحساب، ~~وأما القرآن فيجب ألا يبدأ بتعليمه إلا بعد ~~ذلك - أي بعد العربية والحساب - وفي الأخير ~~يشرع في تعليم أصول الدين، ثم أصول الفقه، ثم ~~الجدل، ثم الحديث وعلومه. # يدعم القاضي «أبو بكر بن العربي هذه ~~الاقتراحات بالملاحظات التالية؛ إن اللغة ~~فسدت، فيجب الاعتناء بتعليمها وتقديمها على ~~سائر العلوم، كما هو مذهب أهل الأندلس؛ لأن ~~الشعر ديوان العرب، زد على ذلك فإن الصغير ~~لا يستطيع أن يفهم القرآن، فيجب تأخير تعليمه ~~إلى أن تزداد قابليته للفهم ~~والتعلم». # إن القاضي المومأ إليه يعبر عن رأيه ~~الأخير بعبارة واضحة شديدة: ~~«ويا غفلة أهل بلادنا من أن يؤخذ الصبي ~~بكتاب الله في [أول أمره]، # 6 # يقرأ ما لا يفهم، وينصب في أمر ~~غيره أهم ما عليه» (ص539). # ابن خلدون يستحسن هذا المنهاج من حيث ~~الأساس، ولكنه يراه صعب التطبيق بسبب تحكم ~~العوائد؛ فإن العوائد تقضي بتقديم تعليم ~~القرآن لسببين هامين؛ أولا إيثارا للتبرك ~~والثواب، وثانيا خشية ما يعرض للولد في جنون ~~الصبا، من الآفات والقواطع التي قد تحول دون ~~تعلمه القرآن فيما بعد. # فإن الولد «ما دام في الحجر منقاد للحكم، ~~فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر؛ ~~فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل ~~البطالة» (ص540). ~~«فيغتنمون في زمان الحجر وربقة الحكم تحصيل ~~القرآن؛ لئلا يذهب خلوا منه.» ~~«ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم ~~وقبوله؛ ms368 لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي ~~أول ما أخذ به أهل المغرب والمشرق» ~~(ص540). # 3 # وأما حالة تعليم العلوم والصنائع في البلاد المختلفة، ~~فإن ابن خلدون يتطرق إليها غير مرة في فصول كثيرة، حينما ~~يتكلم عن العلوم والصنائع بوجه عام من جهة، وحينما يشرح ~~بعض الصنائع والعلوم والكتب بوجه خاص من جهة أخرى. # نحن لا نرى لزوما لاستعراض كل ما كتبه ابن خلدون في هذا ~~الصدد، ولكننا نرى أن نشير إلى ما كتبه عن حالة تعليم ~~العلوم في الأندلس والمغرب والمشرق بوجه عام. # يعلمنا ابن خلدون أن الاهتمام بالعلم والتعليم كان على ~~وشك الزوال من بلاد المغرب: ~~«فقد كاد العلم ينقطع بالكلية من المغرب» (ص422). ~~«إن سند تعليم العلم لهذا العهد كاد ينقطع عن أهل ~~المغرب» (ص430). ~~«لقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب؛ لتناقص ~~العمران فيه، وانقطاع سند العلم والتعليم» (ص436). # وكذلك الأمر في الأندلس: «أما أهل الأندلس فذهب رسم ~~التعليم من بينهم.» ~~«وذهبت عنايتهم بالعلوم؛ لتناقض عمران المسلمين بها منذ ~~مئين من السنين، ولم يبق من رسم العلم فيهم إلا فن ~~العربية والأدب، اقتصروا عليه، وانحفظ سند تعليمه بينهم ~~فانحفظ بحفظه. وأما الفقه بينهم فرسم خلو وأثر بعد عين. ~~وأما العقليات فلا أثر ولا عين.» ~~«وما ذاك إلا لانقطاع سند التعليم فيها بتناقص العمران ، ~~وتغلب العدو على عامتها إلا قليلا بسيف البحر، شغلهم ~~بمعايشهم أكثر من شغلهم بما بعدها» (ص32). # وأما المشرق فكان أرقى البلاد الإسلامية في ذلك العهد ~~من وجهة العلم والتعليم: ~~«المشرق، والظن به نفاق العلم فيه، واتصال التعليم في ~~العلوم وسائر الصنائع الضرورية والكمالية؛ لكثرة عمرانه ~~والحضارة، ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف ~~التي اتسعت بها أرزاقهم» (ص437). ~~«يبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم ~~موفورة، وخصوصا في عراق العجم وما بعده في ما وراء النهر، ~~وأنهم على أبح من العلوم العقلية؛ لتوفر عمرانهم، ~~واستحكام الحضارة فيهم» (ص481). # هذا ونرى من المفيد أن نسجل هنا ما أشار إليه ابن ~~خلدون ms369 عن حالة تعليم العلوم الفلسفية في أوروبا في ذلك ~~العهد: ~~«بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد ~~الإفرنجة - من أرض روما وما إليها من العدوة الشمالية - ~~نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها ~~متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة» ~~(ص481). ~~(4) التأليف والتعليم # يتكلم ابن خلدون عن الكتب التي يؤلفها العلماء ~~والمعلمون، ويدرسها الطلاب والمتعلمون، كلاما عاما في ثلاثة ~~فصول؛ ويقرر في أحدها «أن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن ~~التحصيل» (ص153)، وفي الثاني منها «أن كثرة الاختصارات ~~المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم» (ص532)، ويعين في ~~ثالثها «المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما ~~سواها» (من طبعة كاترمير، ج3، ص241). ~~(1) ~~«إن كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل»، ~~إن هذه القضية تبدو غريبة في الوهلة الأولى؛ ~~نظرا للمعاني التي ألفناها الآن، ولكننا إذا ~~تأملنا ما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد تأييدا ~~لقوله هذا، نجد أنه ينتقد حالة خاصة - كانت ~~متعاهدة في عصره - ونضطر إلى التسليم بأنه كان ~~مصيبا في نقده هذا؛ وذلك لأن العرف كان يحتم ~~على الطلاب درس وحفظ جميع تلك المؤلفات واحدا بعد ~~آخر. ~~«اعلم أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلوم ~~والوقوف على غاياتها كثرة التآليف، واختلاف ~~الاصطلاحات في التعاليم وتعدد طرقها، ثم مطالبة ~~المتعلم والتلميذ باستحضار ذلك، وحينئذ يسلم له ~~منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو ~~أكثرها، ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في ~~صناعة واحدة إذا تجرد لها؛ فيقع القصور ولا بد ~~دون رتبة التحصيل» (ص531). # ويذكر ابن خلدون مثالا على ذلك ما كان متعارفا ~~في شأن الفقه في المذهب المالكي، ويشير إلى «الكتب ~~المدونة مثلا، وما كتب عليها من الشروحات ~~الفقهية مثل؛ كتاب ابن يونس، واللخمي، وابن بشير، ~~والتنبيهات، والمقدمات، والبيان، والتحصيل على ~~التنبيه، وكذلك كتاب ابن الحاجب، وما كتب عليه». ~~ويعلمنا أن الطالب كان يحتاج إلى دراسة هذه ~~المؤلفات كلها، كما كان يحتاج إلى تمييز «الطريقة ~~القيروانية من القرطبية، والبغدادية والمصرية، ~~وطرق المتأخرين عنهم، والإحاطة بذلك كله»، مع ms370 أن ~~مواضيع هذه المؤلفات «كلها متكررة، والمعنى واحد». ~~والمتعلم يطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها، ~~والعمر ينقضي في واحد منها. ويقول ابن خلدون ~~لذلك: ~~«لو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل ~~المذهبية فقط؛ لكان الأمر دون ذلك بكثير، وكان ~~التعليم سهلا ومأخذه قريبا» (ص531). # ولكنه يدرك حكم التقاليد في مثل هذه الأمور، ~~فيقول: ~~«ولكنه داء لا يرتفع؛ لاستقرار العوائد عليه، ~~فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها ولا تحويلها» ~~(ص532). # ثم يذكر ابن خلدون مثالا آخر من علم ~~العربية: ~~«يمثل أيضا علم العربية من كتاب سيبويه وجميع ~~ما كتب عليه، وطرق البصريين والكوفيين، ~~والبغداديين والأندلسيين من بعدهم، وطرق المتقدمين ~~والمتأخرين؛ مثل ابن الحاجب، وابن مالك، وجميع ما ~~كتب في ذلك. كيف يطالب به المتعلم، ويقضي عمره ~~دونه، ولا يطمع أحد في الغاية منه، إلا في القليل ~~النادر» (ص533). # ولذلك كله يقول ابن خلدون: «فالظاهر أن المتعلم ~~ولو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل العلوم ~~العربية - مثلا - الذي هو آلة من الآلات ووسيلة، ~~فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة؟» ~~(ص533). ~~(2) # وأما القاعدة القائلة: «إن كثرة الاختصارات ~~المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم»، فيشرحها ~~ابن خلدون ويعللها كما يلي: ~~«ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق ~~والأنحاء في العلوم، يولعون بها ويدونون منها ~~برنامجا مختصرا في كل علم، يشتمل على حصر مسائله ~~وأدلتها، باختصار في الألفاظ، وحشو القليل منها ~~بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن؛ وصار ذلك مخلا ~~بالبلاغة، وعسرا على الفهم. وربما عمدوا إلى ~~الكتب الأمهات المطولة في الفنون - للتفسير ~~والبيان - فاختصروها تقريبا للحفظ، كما فعله ابن ~~الحاجب في الفقه، وابن مالك في العربية، والخونجي ~~في المنطق وأمثاله. وهو فساد في التعليم، وفيه ~~إخلال بالتحصيل: ~~(أ) ~~«وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ ~~بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم ~~يستعد لقبولها بعد، وهو سوء التعليم» ~~(ص532). ~~(ب) ~~«ثم فيه شغل كثير على المتعلم ~~بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم ~~بتزاحم المعاني عليها، وصعوبة استخراج ~~المسائل من بينها؛ لأن ألفاظ المختصرات ~~تجدها لذلك ms371 صعبة عويصة، فينقطع في فهمها ~~حظ صالح من الوقت» (ص532-533). ~~(ج) ~~«ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من ~~التعليم في تلك المختصرات - إذا تم على ~~سداده ولم تعقبه آفة - فهي ملكة قاصرة ~~عن الملكات التي تحصل من الموضوعات ~~البسيطة المطولة، بكثرة ما يقع في تلك من ~~التكرار والإحاطة المفيدين لحصول الملكة ~~التامة. وإذا اقتصر على التكرار قصرت ~~الملكة لقلته، كشأن هذه الموضوعات ~~المختصرة» (ص533). # ولذلك كله يرى ابن خلدون أن هذه ~~الخطة سيئة وخاطئة، فيقول: «قصدوا إلى ~~تسهيل الحفظ على المتعلمين، فأركبوهم ~~صعبا يعطلهم عن تحصيل الملكات النافعة ~~وتمكنها» (ص533). # | التفكير والإيمان # العقل والنقل # 1 # إن مقدمة ابن خلدون - بهيئتها المجموعة - تدل دلالة واضحة ~~على أن مؤلفها مؤمن قوي الإيمان؛ إنه يؤمن بالله وبالإسلام ~~إيمانا راسخا عميقا. # وآثار هذا الإيمان ودلائله بارزة للعيان في جميع فصول ~~المقدمة، ولا يوجد في تلك الفصول فقرة واحدة يمكن أن ~~تعتبر دليلا على أن ابن خلدون قد خامره شك في الله ~~والدين، ولو لحظة واحدة في مسألة واحدة. ~~(1) # يخصص ابن خلدون فصولا كثيرة لبحث بعض ~~المسائل الدينية والشرعية؛ إنه يتكلم في إحدى ~~مقدمات الباب الأول عن الوحي والنبوة (ص96-119). ~~ويخصص عدة فصول من الباب الثالث لمسائل الخلافة ~~والإمامة، والأمور المتفرعة منها (190-226). كما ~~أنه يخصص عدة فصول من الباب السادس لعلوم الدين ~~والشريعة؛ من علوم القرآن والحديث، إلى علم الفقه ~~وأصول الفقه، وعلم الكلام، والتصوف ~~(ص437-475). # إن ما يكتبه ابن خلدون في جميع هذه الفصول ~~الخاصة بالأمور الدينية والشرعية ينم عن إيمان ~~راسخ صادق. ~~(2) # زد على ذلك أن ابن خلدون يختتم كل فصل من فصول ~~المقدمة - تقريبا - بذكر الله، وبنقل آية من آيات ~~القرآن المناسبة للمقام. إنه لا يحيد ~~عن هذه الخطة ~~إلا في بضعة فصول، لا يتجاوز عددها الاثني عشر، ~~ولكنه - مقابل ذلك - يطبق هذه الخطبة في بعض ~~الفصول الطويلة بمقياس أوسع؛ إنه يختتم كل قسم من ~~أقسام الفصل أيضا بذكر الله، وبنقل شيء من كلام ~~الله. # هذه الكلمات الختامية تكون في بعض الفصول ms372 قصيرة، ~~مثل: «والله أعلم، والله الموفق، وهو على كل شيء ~~قدير.» # ولكنها تكون في بعض الفصول طويلة، مثل ~~قوله: ~~«والله يخلق ما يشاء لا شريك له. له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير. وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل، والحمد لله.» # وقوله: «والله مدبر الأمور ومصرفها بحكمته. لا ~~إله إلا هو رب الأولين والآخرين.» # وقد تكون الكلمة الختامية في بعض الفصول من قبيل ~~الدعاء إلى الله، مثل قوله: «رب زدني علما، وأنت ~~أرحم الراحمين.» ~~(3) # إن الكلمات الختامية التي يذكر ابن خلدون فيها ~~«الله»، تشير على الأكثر إلى علمه وقدرته ومشيئته ~~ووحدانيته. # ومما جاء في وحدانية الله: هو الواحد القهار، لا ~~رب سواه، لا شريك له، لا معبود سواه، لا إله إلا ~~هو، هو رب الأولين والآخرين، هو الواحد الأحد ~~القهار. # ومما يذكره حول مشيئة الله: يخلق ما يشاء ويحكم ~~ما يريد يؤتي ملكه من يشاء، يهدي من يشاء، ويضل من ~~يشاء، مصرف الأمور كيف يشاء، مولي الأمور لمن ~~يشاء، وهو الفعال لما يريد، يرزق من يشاء بغير ~~حساب. # ومما يذكره عن علم الله: والله بكل شيء عليم، ~~والله أعلم بالصواب، وما العلم إلا من عند الله، ~~وهو الحكيم الخبير، والعليم الحكيم، والخلاق ~~العليم، والله أعلم بما في القلوب ومطلع على ما في ~~الضمائر، والله علام الغيوب، عالم الغيب والشهادة، ~~وفوق كل ذي علم عليم. # ومما كتبه حول قدرة الله: والله على كل شيء ~~قدير، وعلى كل شيء رقيب، والله يحكم لا معقب له، ~~هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو القوي العزيز، ~~الواحد القهار، العزيز الجبار، والله غالب على ~~أمره، وهو رب العرش العظيم، مالك الأمور كلها، ~~بيده ملكوت كل شيء، والله يقبض ويبسط، وهو القاهر ~~فوق عباده، مقلب الليل والنهار، الخلاق العظيم، ~~مدبر الأمور ومصرفها بحكمته. ~~(4) # ونرى أن ننقل فيما يلي طائفة من الكلمات ~~الجامعة التي تنتهي بها الفصول: # والله يهدي من يشاء ويضل من يشاء إلى صراط ~~مستقيم. وهو العلي الكبير. # إنه على كل شيء قدير، وإليه الملجأ والمصير، ms373 ~~والله تعالى أعلم. # والله الموفق لما يحب ويرضاه، لا معبود ~~سواه. # والله مقدر الليل والنهار، وهو الواحد القهار، ~~لا شريك له. # والله مقلب الليل والنهار، وهو العزيز الجبار، ~~والله تعالى أعلم. # والله يهدي من يشاء بفضله وكرمه، وهو رب الأولين ~~والآخرين. # والله يرث الأرض ومن عليها، وهو خير ~~الوارثين. # والله قاهر فوق عباده، وهو الواحد ~~القهار. # والله قادر على ما يشاء، وهو بكل شيء عليم، وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل. # والله ولي المؤمنين، وهو على كل شيء ~~وكيل. # والله الملهم، وبه المستعان وعليه التكلان، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. # والله الموفق للصواب بعلمه وفضله ~~وكرمه. # والله سبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن، لا يشغله ~~شأن عن شأن. # سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. ~~(5) # يذكر ابن خلدون في متون بعض الفصول أيضا بعض ~~الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويكتب أحيانا ~~بعض العبارات التي تتجلى فيها حماسة الدين ورعشة ~~الإيمان بكل وضوح وجلاء. # ويقول مثلا في فصل علم الكلام - حينما يتكلم ~~عن الذين يحاولون معرفة حقيقة النبوة وحقائق صفات ~~الله عن طريق الفكر وحده: إنهم قد يصبحون «من ~~الضالين الهالكين». ثم يعقب على ذلك بقوله: ~~«نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين» ~~(ص458). # ويقول - حينما يتكلم عن العابد الذي يجد في ~~الصلاة منتهى لذته وقرة عينه: ~~«وأين هذا من صلاة الناس؟ «وأنى لهم بها؟» ~~فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. اللهم ~~وفقنا واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المعضوب عليهم ولا الضالين» ~~(ص461). # ويقول حينما يتكلم عن سر تحريم المخيط في ~~الحج: ~~«إن مشروعية الحج مشتملة على نبذ العلائق ~~الدنيوية كلها، والرجوع إلى الله تعالى كما خلقنا ~~أول مرة، حتى لا يعلق العبد قلبه بشيء من عوائد ~~ترفه، لا طيبا ~~ولا نساء ولا مخيطا ولا خفا، ولا يتعرض لصيد ~~ولا لشيء من عوائده التي تلوثت بها نفسه وخلقه، ~~مع أنه يفقدها بالموت ضرورة، وإنما يجيء كأنه وارد ~~إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا لربه. وكان جزاؤه ~~إن تم له إخلاصه ms374 في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه.» # ثم يعقب ابن خلدون على ذلك بالعبارة التالية: ~~«سبحانك ما أرفقك بعبادك، وأرحمك بهم في طلب ~~هدايتهم إليك!» (ص412). ~~(6) # لا نرانا في حاجة إلى القول أن هذه الكلمات ~~والعبارات كلها تدل على عقيدة راسخة، وإيمان عميق، ~~وعاطفة دينية شديدة. # ولذلك كله يحق لنا أن نقرر أن ابن خلدون كان ~~مؤمنا إيمانا صادقا، لا يشوبه شيء من الشك في ~~الله أو في الدين أبدا. # 2 ~~(1) # ومما تجدر ملاحظته أن ابن خلدون - مع هذا ~~الإيمان القوي الذي يختلج في جوانبه - لم يذهب إلى ~~ما ذهب إليه الكثيرون من رجال الدين الذين يحاولون ~~تحكيم الشريعة في كل شيء، ولا ينفكون عن السعي ~~وراء إرجاع كل الأمور إلى أحكام الدين. # وذلك لأنه يعتقد أن مقاصد الشريعة وغاياتها ~~محدودة بحدود لا تتعداها، وأن النبي # صلى الله عليه وسلم # إنما بعث ليعلمنا مسائل التوحيد والمعاد التي ~~لا سبيل إلى معرفتها بالأنظار العقلية وحدها. فيرى ~~ابن خلدون لذلك أنه من العبث أن نرجع إلى الأحكام ~~الشرعية والمصادر الدينية في الأمور التي لا تدخل ~~في نطاق هذه المقاصد والغايات. # إن رأي ابن خلدون في هذا الصدد يلوح من مباحث ~~فصول كثيرة، ولكنه يتجلى بوضوح تام من بعض ~~العبارات التي كتبها خلال بعض المباحث بوجه ~~خاص. ~~(2) # وهو مثلا حينما يتكلم عن علم الطب ينتقد بشدة ~~رأي الذين يذهبون إلى وجود «طب نبوي»، ويصرح أن ~~النبي إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث ~~لتعريف الطب أو غيره من العاديات: ~~«وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب ~~الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارثا ~~عن مشايخ الحي وعجائزه. كان عند العرب من هذا الطب ~~كثير، وكان فيهم أطباء معروفون، كالحارث بن كلدة ~~وغيره» (ص493). ~~«والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس ~~من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عاديا للعرب، ~~ووقع في ذكره أحوال النبي # صلى الله عليه وسلم # من نوع ذكر ~~أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من ms375 جهة أن ذلك ~~مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه # صلى الله عليه وسلم # إنما ~~بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ~~ولا غيره من العاديات» (ص494). # يؤيد ابن خلدون رأيه هذا بذكر حديث نبوي ورد في ~~هذا الموضوع: ~~«وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: ~~أنتم أعلم بأمور دنياكم. فلا ينبغي أن يحمل بشيء ~~من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه ~~مشروع؛ فليس هناك ما يدل عليه» (ص494). # ومع هذا يلاحظ ابن خلدون عمل الإيحاء في مثل هذه ~~الأمور، فيقول: ~~«اللهم إذا استعمل على جهة التبرك وصدق ~~العقد الإيماني، فيكون له أثر عظيم في النفع، وليس ~~ذلك من الطب المزاجي، إنما هو من آثار الكلمة ~~الإيمانية» (ص494). ~~(3) # يقرر ابن خلدون أمرا مماثلا لذلك في قضية ~~علاقة الدين بالاجتماع أيضا، فإنه يعترض بشدة على ~~الذين يقولون إن الحياة الاجتماعية لا تقوم إلا ~~بالدين، وإن السياسة لا تنهض إلا بالشرع: ~~«يقول بعض الفلاسفة: لا بد للبشر من الحكم ~~الوازع، وإن ذلك الحكم يكون بشرع مفروض من الله، ~~يأتي به واحد من البشر. غير أن الوجود وحياة البشر ~~قد تتم من دون ذلك، بما يفرضه الحاكم لنفسه أو ~~بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على ~~جادته. فأهل الكتب والمتبعون للأنبياء قليلون ~~بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب، فإنهم ~~أكثر أهل العالم، ومع ذلك فقد كانت لهم الدول ~~والآثار، فضلا عن الحياة، وكذلك هي لهم في هذا ~~العهد، في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب» ~~(ص43-44). ~~«إن الوازع قد يكون بسطوة الملك وقهر أهل الشوكة ~~لو لم يكن شرع، كما في أمم المجوس وغيرهم مما ~~ليس له كتاب، أو لم تبلغه الدعوة. أو نقول: يكفي ~~في رفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه ~~بحكم العقل. فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون ~~بوجود الشرع هناك، ولقب الإمام هنا غير صحيح، بل ~~كما يكون بنصب الإمام، يكون بوجود الرؤساء أهل ~~الشوكة، أو بامتناع الناس عن التنازع والتظلم» ~~(ص191). ms376 # إن تنظيم الحياة الاجتماعية وتصريف أمور الملك ~~يتطلب الرجوع إلى قوانين سياسية مفروضة، ~~يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها. وهذه ~~القوانين قد تكون «مفروضة من العقلاء وأكابر ~~الدولة وبصرائها»، وقد تكون مفروضة من الله بشارع ~~يقررها ويشرعها» (ص190). ~~«إن الملك السياسي هو حمل الكافة على مقتضى ~~النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع ~~المضار» (ص191). ~~«والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ~~في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها» ~~(ص191). ~~(4) # يظهر من كل ذلك بوضوح تام أن الشريعة - على رأي ~~ابن خلدون - لا تشتغل بكل شيء، فلا تستهدف جميع ~~شئون الحياة؛ فإن ساحة عملها محدودة بحدود، هي ما ~~تقتضيه المصالح الأخروية. وأما الأمور التي هي ~~خارجة عن نطاق تلك الحدود، فمتروكة إلى بحث الفكر ~~وحكم العقل. وهذا العقل إنما هو نعمة من نعم الله ~~على البشر؛ لأن «الله سبحانه وتعالى» هو الذي ~~ميز الإنسان من الحيوان بهذا العقل. والإنسان ~~يستطيع أن يستنبط سنة الله في خلقه بقوة العقل، ~~كما أنه يستطيع أن يستفيد من تلك السنن الثابتة في ~~«جلب المنافع ودفع المضار» في حياته الشخصية ~~والاجتماعية، وفي تقرير سياسة عقلية. ~~(5) # إن هذه النزعة الفكرية - بجانب ذلك الإيمان ~~الديني - هي التي تحمل ابن خلدون على السير في ~~تفكيره سيرا عقلانيا مستقلا عن أحكام ~~الدين. # فإننا إذا استثنيا الفصول التي تحوم مواضيعها ~~حول المسائل الدينية والشرعية مباشرة، نجد أن ابن ~~خلدون يستند في جميع أبحاثه وتعليلاته على الدلائل ~~العقلية والمنطقية وحدها. وأما الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية فلا يذكرها عادة إلا بعد ~~الانتهاء من التفكير والتعليل، وإذا ذكرها أحيانا ~~خلال البحث فإنما يذكرها في غالب الأحوال بقصد ~~تأييد القضايا التي كان قد توصل إليها بنظره ~~العقلي، كما يذكرها في بعض الأحيان بقصد دفع ~~الاعتراضات التي قد توجه إليه مستندا إلى ~~مضامين تلك الآيات والأحاديث. # ونحن نستطيع أن نقول بناء على كل ما سبق، إن ~~ابن خلدون كان من المفكرين الذين يعتمدون على ~~العقل ويثقون به، ويرون لزوما للاستناد ~~إليه. # 3 ~~(1) # ولكن ابن خلدون لا ms377 يسترسل في الاعتماد على العقل ~~استرسالا كليا، بل يقرر أن نطاق مدركات العقل ~~أيضا محدود بحدود طبيعية لا سبيل إلى اجتيازها ~~بالمحاكمات النظرية وحدها. فإن العقل البشري عاجز ~~عن إدراك ما يقع وراء الحس؛ من أمور التوحيد، ~~ومسائل المعاد، وحقائق صفات الله، وسائر أمور ~~الروحانيات. # إنه يقرر ذلك بعبارة صريحة تماما: «لا تثقن ~~بما يزعم لك العقل من أنه مقتدر على الإحاطة ~~بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود ~~كله» (ص459). # ويبرهن على رأيه هذا بسلسلة محاكمات ~~عقلية: # إن مدركاتنا العقلية تعتمد على حواسنا، وحواسنا ~~محدودة، فمن الطبيعي أن تكون مدركاتنا أيضا ~~محدودة. # ونحن نعلم أن الأعمى لا يدرك المبصرات، والأصم ~~لا يعرف شيئا عن المسموعات، فيجب علينا أن نسائل ~~أنفسنا - قياسا على ذلك - ألا يوجد في الكون ما ~~يبقى خارجا عن إدراك جميع حواسنا، كما تبقى ~~المبصرات خارجة عن إدراك الأعمى؟ إننا إذا أجبنا ~~على ذلك بالنفي - وأنكرنا هذا الاحتمال - نكون ~~كالأعمى الذي ينكر المبصرات لحرمانه من حاسة ~~البصر، وكالأصم الذي ينكر وجود المسموعات لحرمانه ~~من نعمة السمع. فلا يجوز لنا أن ننكر ما يقع وراء ~~الحس والإدراك، بل يجب علينا أن نعتمد في هذا ~~المضمار على الشرع وحده، وأن نؤمن بكل ما جاء به ~~في هذا الصدد من غير أن نلجأ إلى تحكيم عقولنا ~~فيه. # ابن خلدون يقرر ذلك بكل وضوح: ~~«اعلم أن الوجود عند كل مدرك - في بادئ رأيه - ~~منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه ~~بخلاف ذلك، والحق من ورائه؛ ألا ترى الأصم كيف ~~ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربعة ~~والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات؟ ~~وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات. ولولا ~~ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل ~~عصرهم والكافة لما أقروا به، لكنهم يتبعون الكافة ~~في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة ~~إدراكهم. ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه ~~منكرا للمعقولات، وساقطة لديه بالكلية. فإذا علمت ~~هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن ~~إدراكاتنا مخلوقة ومحدثة، ms378 وخلق الله أكبر من ~~خلق الناس. والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقا من ~~ذلك، والله من ورائهم محيط. فاتهم إدراكك ومدركاتك ~~في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك ~~وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بنفعك؛ لأنه من ~~طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك» ~~(ص460). ~~(2) # عندما يقرر ابن خلدون المبادئ الآنفة الذكر، ~~لا يجد فيها قدحا في العقل أو حطا من شأنه؛ فإن ~~شأن العقل في هذه القضية هو شأن الميزان؛ لأن ~~كل ميزان - ~~مهما كان صحيحا ودقيقا - لا يستطيع أن يزن إلا ~~مقدارا محدودا من الأثقال. إن عمل العقل مثل عمل ~~الميزان، محدود بحدود، فمن الضروري الرجوع إلى ~~الديانة والشريعة في كل ما يقع وراء تلك ~~الحدود. ~~«ليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ~~ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك ~~لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة ~~النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره؛ ~~فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى ~~الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به ~~الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه ~~غير صادق، ولكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره. ~~«وأنى يكون له» أن يحيط بالله وبصفاته؟ فإنه ~~ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن في هذا ~~«غلط» من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه ~~القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه» ~~(ص460). ~~(3) # يفهم من ملاحظة الآراء الأساسية التي نقلناها ~~آنفا أن ابن خلدون يقرر من جهة، أن هدف الدين ~~محدود، ويرى من جهة أخرى أن قدرة العقل محدودة؛ ~~ولذلك نجده يسعى إلى تمييز نطاق العقل من نطاق ~~الدين. # وبما أن الدين يستند إلى «النقل والسمع»، فإنه ~~يقول يترتب على الإنسان أن يرجح السمع والنقل ~~على العقل في بعض القضايا، وأن يعتمد على العقل ~~دون مراجعة النقل في بعض القضايا. # إن القضايا التي تدخل في نطاق الصنف الأول - على ~~ما يستدل من مجموع كتابات ابن خلدون - هي التي ms379 ~~تتعلق بالآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق صفات ~~الله. وأما ما سوى ذلك فيدخل في الصنف الثاني ~~بوجه عام. # ولكن من البديهي أن هذا التمييز لم يكن من السهل ~~في كل الأحوال؛ لأن الأمور الدنيوية لا تخلو من ~~الارتباط بالأمور الأخروية، والنصوص الشرعية تذكر ~~أحيانا بعض القضايا المتعلقة بحقائق الكون وبأمور ~~الدنيا. زد على ذلك أن طائفة من هذه النصوص ~~الشرعية تظهر - عند الوهلة الأولى - منافية لحكم ~~العقل فيها، فما العمل في مثل هذه الأحوال؟ # إن ابن خلدون لا يسأل هذا السؤال بصراحة؛ ولذلك ~~لا يجيب عليه جوابا مباشرا، ولكننا نستطيع أن ~~نستدل على نزعته الفكرية في هذا المضمار من السلوك ~~الذي يسلكه في معالجة مثل هذه القضايا، فإنه حينما ~~يجد في بعض النصوص ~~المذكورة ما ~~يخالف نتائج المحاكمات العقلية، يلجأ إلى تأويل ~~النصوص الشرعية وفق ما تقتضيه المحاكمات العقلية، ~~كما يتضح من الأمثلة التالية: # 4 ~~(1) # من المعلوم أن ابن خلدون توسع كثيرا في بحث ~~العصبية، وقرر أنها ضرورية لتأسيس الملك وتنظيم ~~الاجتماع، حتى إنه ذهب إلى أن الدعوة الدينية ~~أيضا تحتاج إلى عصبية. # ولكنه يعرف أن هناك بعض النصوص الشرعية التي ~~تذم العصبية، وتدعو إلى تركها، وأن هذه الأقوال ~~الشرعية تبدو مخالفة للحقائق التي توصل إليها ~~بأبحاثه النظرية ومحاكماته العقلية. تجاه هذا ~~التعارض نجد أن ابن خلدون يرجح حكم العقل، ويلجأ ~~إلى تأويل الأقوال الشرعية المذكورة بملاحظات ~~نظرية، فيقول إن الشريعة لم تذم العصبية لذاتها، ~~بل إنها ذمت توجيهها إلى الباطل، وإلا فمن ~~المؤكد أن العصبية لو بطلت؛ لبطلت معها الشرائع ~~نفسها. ~~«إن الشارع قد ذم العصبية وندب إلى تركها، وقال: # لن تنفعكم ~~أرحامكم ولا أولادكم ~~، ~~فإن مراده حيث تكون العصبية على الباطل وأحواله، ~~كما كانت في الجاهلية، وأن يكون لأحد فخر بها أو ~~حق على أحد؛ لأن ذلك كان مجان من أفعال العقلاء، ~~وغير نافع في الآخرة التي هي دار القرار. فأما ~~إذا كانت العصبية في الحق وإقامة أمر الله، فأمر ~~مطلوب، ولو بطل لبطلت الشرائع؛ إذ لا يتم قوامها ms380 ~~إلا بالعصبية كما قلناه من قبل» (ص203). ~~(2) # وكذلك الأمر في الملك، فإن ابن خلدون يقرر أنه ~~طبيعي في العمران، وأنه ضروري للبشر، ولكنه يعرف ~~في الوقت نفسه أن علماء الدين يذكرون كثيرا من ~~النصوص الشرعية الواردة في ذم الملك؛ ولذلك لا ~~يتردد في تأويل تلك النصوص أيضا وفقا لما ~~تقتضيه المحاكمات العقلية. ~~«إن الشريعة ممتلئة بذم «الملك ومذاهبه من ~~الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا»، والنعي ~~على أهله، ومرغبة في رفضه. واعلم أن الشرع لم ~~يذم الملك لذاته، ولا حظر القيام به، وإنما ذم ~~المفاسد الناشئة عنه، من القهر والظلم والتمتع ~~باللذات. ولا شك أن في هذه مفاسد محظورة، وهي من ~~توابعه. كما أثنى على العدل والنصفة، وإقامة مراسم ~~الدين والذب عنه، وأوجب بإزائها الثواب، وهي كلها ~~من توابع الملك. فإذن إنما وقع الذم للملك على صفة ~~وحال دون أخرى» (ص192). ~~«ولم يذمه (الشارع) لذاته، ولا طلب تركه - كما ~~ذم الشهوة والغضب من المكلفين - وليس مراده تركهما ~~بالكلية؛ لدعاية الضرورة إليها. وأما المراد ~~تصريفهما على مقتضى الحق» (ص192). # ويكرر ابن خلدون القول بأن الشرع «لما ذم ~~الملك لم يذم منه التغلب بالحق وقهر الكافة ~~على الدين ومراعاة المصالح، وإنما ذمه لما فيه من ~~الغلب بالباطل وتصريف الآدميين طوع الأغراض ~~والشهوات». فلو كان الملك مخلصا في غلبه للناس، ~~وأنه لله، ولحملهم على عبادة الله وجهاد عدوه، لم ~~يكن ذلك مذموما (ص203). # يذكر ابن خلدون سببا آخر لذم الملك في صدر ~~الإسلام: # في عهد الخلفاء الأولين «لم يجر ذكر للملك؛ لما ~~أنه كان مظنة للباطل، ونحلة يومئذ لأهل الكفر ~~وأعداء الدين». والصحابة كانوا يرفضون الملك ~~وأحواله؛ حذارا من التباسها بالباطل ~~(ص203). ~~(3) # يقرر ابن خلدون مبدءا عاما في مقاصد الشرع ~~في ذم بعض الأفعال البشرية أو النهي عنها، فيقول ~~إن مراد الشريعة من ذلك لم يكن ترك الأفعال ~~المذكورة بالكلية، أو اقتلاع النزعات التي تولد ~~تلك الأفعال من أصولها، بل إن مرادها من ذلك هو ~~توجيه القوى والأفعال المذكورة نحو الحق. إن كل ما ~~ورد ms381 في الشرع من ذم الغضب والشهوة والنهي عن ~~استكثار متاع الدنيا هو من هذا القبيل. ~~«ليس مراد «الشرع» فيما ينهى عنه أو يذمه من ~~أفعال البشر أو يندب إلى تركه، إهماله بالكلية، أو ~~اقتلاعه من أصله، وتعطيل القوى التي ينشأ عليها ~~بالكلية؛ إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد ~~الاستطاعة، حتى تصير المقاصد كلها حقا، وتتحد ~~الوجهة» (ص202). # إن ذم الغضب في الشرع إنما هو لهذا الغرض ~~وحده: ~~«فلم يذم الشرع الغضب، وهو يقصد نزعه من ~~الإنسان، فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه ~~الانتصار للحق، وبطل الجهاد وإعلاء كلمة الله. ~~وإنما يذم الغضب للشيطان وللأغراض الذميمة. وإذا ~~كان الغضب لذلك كان مذموما، وإذا كان الغضب لله ~~وفي الله كان ممدوحا» (ص202). # وكذا الشهوات، فإن الشارع عنى بذمها أيضا ~~معنى مماثلا لما سبق. ~~«وكذلك ذم الشهوات أيضا ليس المراد إبطالها ~~بالكلية، فإن من بطلت شهوته كان نقصا في حقه، ~~وإنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله على ~~المصالح؛ ليكون الإنسان عبدا متصرفا طور ~~الأوامر الإلهية» (ص202-203). # وكذلك الأمر في ذم الاستكثار من الدنيا ~~والاستمتاع بملذاتها. ~~«وإن كان الاستكثار من الدنيا مذموما، فإنما ~~يرجع إلى ما أشرنا إليه من الإسراف والخروج عن ~~القصد، وإذا كان حالهم قصدا، ونفقاتهم في سبيل ~~الحق ومذاهبه، كان ذلك الاستكثار عونا لهم على ~~طريق الحق، واكتساب الدار الآخرة» (ص205). # يعزز ابن خلدون رأيه في هذه القضايا كلها ~~بملاحظة جوهرية يعبر عنها بكلمة وجيزة: ~~«إن الدنيا وأحوالها كلها مطية للأخرى، ومن فقد ~~المطية فقد الوصول» (ص202). # ويظهر من ذلك أن الإنسان إذا أهمل دنياه؛ فلا ~~يمكن أن يصل إلى السعادة في أخراه. # 5 ~~(1) # وأما القضايا الشرعية البحتة، والمسائل ~~الإيمانية الصرفة - كأمور التوحيد والآخرة، وحقيقة ~~النبوة، وكنه الصفات الإلهية، وكل ما وراء طور ~~العقل - فإن ابن خلدون يسلك إزاءها مسلكا يخالف ~~المسلك الذي ذكرناه آنفا مخالفة كلية؛ إنه يمسك ~~عن التفكير في شأنها، ويقول بوجوب قبولها والعمل ~~بها مباشرة، من غير إدخال العقل في أمرها، وإشغال ~~الفكر ms382 بها؛ لأنها خارجة عن نطاق مداركنا، ولأن ~~الشارع أعرف بها منا. ~~«مقصود الشارع بالناس هو إصلاح آخرتهم» ~~(ص190). ~~«إن الشارع أعلم بمصالح الكافة، فيما هو مغيب ~~عنهم عن أمور آخرتهم. وأمور البشر كلها عائدة ~~عليهم في معادهم» (ص190). ~~«الشارع أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا؛ ~~لاطلاعه على ما وراء الحس» (ص169). ~~«إن مدارك صاحب الشريعة أوسع من مدارك الأنظار ~~العقلية؛ لاستمدادها من الأنوار الإلهية» ~~(ص194). # ولذلك يوصي ابن خلدون باتباع أوامر الشرع - في ~~الاعتقاد والعمل - من غير تردد ولا ~~تشكك. ~~«اتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك، فهو ~~أحرص على سعادتك وأعلم بنفعك؛ لأنه من طور فوق ~~إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك» ~~(ص460). # ويقول بوجوب الاستسلام إلى أحكام الشريعة ~~استسلاما مطلقا، حتى ولو لم نفهم حكمة تلك ~~الأوامر والأحكام. ~~«إن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن ~~مدارك الأنظار العقلية، فهي فوقها ومحيطة بها؛ ~~لاستمدادها من الأنوار الإلهية، فلا تدخل تحت ~~النظر الضعيف والمدارك المحاط بها. فإذا هدانا ~~الشارع إلى مدرك فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ~~ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ~~ولو عارضه، بل نعتمد ما أمرنا به اعتقادا وعلما، ~~ونسكت عما لم نفهم من ذلك، ونفوضه إلى الشارع، ~~ونعزل العقل عنه» (ص495-496). ~~(2) # في الواقع إن هناك علما يسمى علم الكلام، وهو ~~يتضمن «الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة ~~العقلية، والرد على المبتدعة، المنحرفين في ~~الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة» (ص458). ~~ولكن المقصود من هذا العلم ومن الأدلة العقلية ~~المسرودة فيه لم يكن إثبات تلك العقائد، بل هو ~~الرد على معارضيها؛ وذلك لأن العقائد المذكورة لا ~~تثبت إلا بالنقل، وأما عمل العقل في شأنها ~~فينحصر في الرد على خصومها. ~~«إن مسائل الكلام إنما هي عقائد متلقاة من ~~الشريعة كما نقلها السلف، من غير رجوع فيها إلى ~~العقل، ولا تعويل عليه، بمعنى أنها لا تثبت إلا ~~به، فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره. وما تحدث ~~فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثا عن الحق ~~فيها ms383 - فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو ~~شأن الفلسفة - بل إنما هو التماس حجة تعضد العقائد ~~الإيمانية ومذاهب السلف فيها، وتدفع شبه أهل البدع ~~عنها، وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة ~~النقلية، كما تلقاها السلف واعتقدوها» ~~(ص495). ~~(3) # يقول ابن خلدون في فصل الفلسفة، إن الفلاسفة ~~يذهبون إلى عكس ذلك تماما، فإنهم يقولون إن ~~العقائد الإيمانية لا تخرج عن نطاق مدارك العقل، ~~وإنها مما يمكن التوصل إليها بالأنظار ~~الفكرية. ~~«إن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن ~~الوجود كله - الحسي منه وما وراء الحسي - تدرك ~~ذاته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية ~~والأقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد الإيمانية ~~يكون من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض ~~من مدارك العقل» (ص514). # ولكن ابن خلدون يفند رأي هؤلاء الفلاسفة في ~~هذا الصدد، ويقول: «إن هذا الرأي الذي ذهبوا إليه ~~باطل بجميع وجوهه» (ص516)؛ لأن العقل البشري قاصر ~~عن إدراك ما يقع وراء الحس ووراء المادة. إن الرأي ~~الذي نحن بصدده كان يصح لو صح قول الطبيعيين ~~«المعتقدين أن ليس وراء الجسم في حكمة الله شيء» ~~(ص516)، ولكن طالما ثبت أن قول هؤلاء غير صحيح، ~~وأن نطاق الموجودات لا ينحصر بنطاق الماديات ~~المحسوسة، بل يتعداه إلى الروحانيات غير ~~المحسوسة، فلا مجال للشك في أن رأي هؤلاء الفلاسفة ~~باطل من أساسه. ~~«لأن من لا مادة له، لا يمكن البرهان ~~عليه.» ~~«إن الموجودات التي وراء الحس - وهي الروحانيات ~~- فإن ذواتها مجهولة رأسا، ولا يمكن التوصل ~~إليها، ولا البرهان عليها.» ~~«لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية ~~الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مدرك لنا، ونحن ~~لا ندرك الذوات الروحانيات حتى نجرد منها ماهيات ~~أخرى [محجوبة] بحجاب الحس بيننا وبينها، فلا ~~يتأتى لنا برهان عليها. ولا مدرك لنا في إثبات ~~وجوها على الجملة، إلا ما نجده بين جنبينا من أمر ~~النفس الإنسانية وأحوال مداركها» (ص516). # ومن المعلوم أن الإيمان باليوم الآخر من أمهات ~~العقائد الإيمانية، وهو يتضمن الإيمان «بنعيم جنة ~~وشقاء جهنم»، وكل ذلك مما يتعدى ms384 نطاق إدراكنا، ~~فلا سبيل لنا إلى معرفة هذه الأمور إلا بالرجوع ~~إلى ما جاء عنها في الشريعة المحمدية. ~~«إن السعادة التي وعدنا بها الشارع على امتثال ~~ما أمر به من الأعمال والأخلاق، فأمر لا تحيط به ~~مدارك المدركين.» ~~«وقد تنبه إليها زعيمهم (أي زعيم الفلاسفة) ~~أبو علي بن سينا فقال - في كتاب المبدأ والمعاد - ~~ما معناه: إن المعاد الروحاني وأحواله، هو مما ~~يتوصل إليه بالبراهين العقلية والمقاييس (أي ~~القياسات المنطقية)؛ لأنه على نسبة طبيعية محفوظة، ~~ووتيرة واحدة، فلنا في البراهين عليه سعة. وأما ~~المعاد الجسماني وأحواله فلا يمكن إدراكه ~~بالبرهان؛ لأنه ليس على نسبة واحدة، وقد بسطته لنا ~~الشريعة المحمدية الحقة، فلينظر فيها، وليرجع في ~~أحواله إليها» (ص519). ~~(4) # يشير ابن خلدون بهذه المناسبة إلى الفرق القائم ~~بين علم الكلام وبين الفلسفة، إذ يقول: «التعليل ~~بالدليل بعد أن لم يكن معلوما هو شأن الفلسفة» ~~(ص495). وأما مهمة علم الكلام فهي البحث عن حجج ~~عقلية لأمر كان قد ثبت بالأدلة النقلية، وذلك يعني ~~أن الفلسفة تسعى إلى الحصول على علم عن الشيء ~~وتعليله عن طرق عقلية. وأما علم الكلام فيتحرى ~~الحجج على شيء تم علمه بطرق نقلية، وبتعبير آخر؛ ~~إن الفيلسوف لا يقرر شيئا إلا بعد التفكير ~~بالأدلة العقلية، وأما المتكلم فإنه يقرر ~~أولا، ثم يبحث عن الدلائل المؤيدة لما قرره ~~قبلا. ~~«موضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد ~~الإيمانية، بعد فرضها صحيحة من الشرع، من حيث ~~يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية؛ فترفع ~~البدع وتزول الشكوك والشبه عن العقائد.» ~~«إن جميع علماء الكلام يتحدون في هذه الخطة، ~~كل واحد منهم يفرض العقائد صحيحة، ثم يستنهض الحجج ~~والأدلة عليها» (ص461). # ولهذه الملاحظة الأساسية يرى ابن خلدون أن علم ~~الكلام أصبح غير ضروري وإن كان مفيدا. ~~«إن علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب ~~العلم؛ إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة ~~من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، ~~والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ~~ونصروا، وأما الآن فلم يبق ms385 منها إلا كلام ~~تنزه الباري عن كثير من إيهاماته وإطلاقه. ولقد ~~سئل الجنيد عن قوم مر بهم بعض المتكلمين يفيضون ~~فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله ~~بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص. فقال: نفي ~~العيب حيث يستحيل العيب، عيب.» ~~«ولكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة ~~معتبرة؛ إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج ~~النظرية على عقائدها» (ص467). ~~(5) # يتكلم ابن خلدون عن أسباب الحوادث الكونية ~~والأفعال البشرية، ويقرر أنها تتسلسل إلى أن تصل ~~إلى مسبب الأسباب الذي هو خالق الكون. # إن كل حادث لا بد له من سبب، وهذا السبب يكون ~~عادة حادث آخر متقدم عليه، ولهذا الحادث أيضا ~~سبب متقدم عليه. وهكذا تتسلسل الأسباب بالتدريج ~~إلى أن تنتهي إلى مسبب الأسباب. ~~«إن الحوادث في عالم الكائنات - سواء كانت من ~~الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية - فلا ~~بد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر ~~العادة، وعنها يتم كونه.» ~~«وكل واحد من هذه الأسباب أيضا حادث، فلا بد له ~~من أسباب أخر، ولا تزال الأسباب مرتقية حتى ~~تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها سبحانه ~~لا إله إلا هو» (ص457). ~~«وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتصاعد ~~طولا وعرضا، ويحار العقل في إدراكها وتعديدها، ~~فإذن لا يحصرها إلا العلم المحيط، سيما الأفعال ~~البشرية والحيوانية، فإن من جملة أسبابها في ~~الشاهد القصود والإرادات؛ إذ لا يتم كون الفعل إلا ~~بإرادته والقصد إليه. والقصود والإرادات أمور ~~نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو ~~بعضها بعضا، وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل، ~~وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى. وكل ~~ما يقع في النفس من التصورات مجهول سببه، إذ لا ~~يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية ولا ~~ترتيبها، إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر يتبع ~~بعضها بعضا، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها أو ~~غاياتها، إنما يحيط علما في الغالب بالأسباب التي ~~هي طبيعة ظاهرة، ويقع في مداركها على نظام وترتيب» ~~(ص458). # يقرر ابن خلدون أن العقل يستطيع ms386 أن يتتبع ~~سلسلة هذه الأسباب، ويكتشفها واحدا بعد آخر، ولكن ~~هذا التتبع إنما يتيسر داخل نطاق العقل فقط. ~~وأما الأسباب التي تقع خارج هذا النطاق، فلا ~~سبيل إلى اكتشافها بالأنظار العقلية، فمن الضروري ~~الالتجاء إلى النقل والسمع في أمرها. ~~«فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق ~~إدراكنا ووجودنا، خرجت من أن تكون مدركة، فيضل ~~العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع.» # فإذن فإن السبيل السوي أمامنا هو «التوحيد ~~المطلق»، والاعتراف بالعجز «عن إدراك الأسباب ~~وكيفيات تأثيرها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط ~~بها؛ إذ لا فاعل غيره، وكلها ترتقي إليه، وترجع ~~إلى قدرته، وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه» ~~(ص460). ~~«وزد على ذلك، إن العقل عندما يتحرى سلسلة ~~الأسباب، قد يقف في حلقة من حلقات السلسلة فيظنها ~~منتهى الأسباب، وينكر ما وراءها، فيكون قد أنكر ~~مسبب الأسباب؛ «فيصبح من الضالين الهالكين»» ~~(ص459). # ثم يوالي ابن خلدون دلائله التحذيرية ~~قائلا: ~~«ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في ~~قدرتك واختيارك، بل هو لون يحصل للنفس، وصفة ~~تستحكم (فيها) من الخوض في الأسباب على نسبة لا ~~نعلمها، إذ لو علمناها لتحرزنا منها. فلنتحرز ~~من ذلك بقطع النظر عنها جملة» (ص459). # يرى ابن خلدون في هذه الملاحظات ما يوضح حكمة ~~تحريم النظر في الأسباب. ~~«فلذلك أمرنا الشارع بقطع النظر عنها وإلغائها ~~جملة، والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها ~~وموجدها؛ لترسخ صفة التوحيد في النفس على ما ~~علمنا الشارع، الذي هو أعرف بمصالح ديننا وطرق ~~سعادتنا؛ لاطلاعه على ما وراء الحس. قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل ~~الجنة.» فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت ~~عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر في البحث ~~عنها وعن أسبابها، فأنا الضامن له ألا يعود إلا ~~بالخيبة؛ فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب، ~~وأمرنا بالتوحيد المطلق: # قل ~~هو الله أحد * الله ~~الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له ~~كفوا أحد ~~» (ص459). ~~(6) # يلاحظ أن ابن ms387 خلدون كثيرا ما يشير في هذه ~~الفقرات إلى نهي الشارع عن النظر في الأسباب على ~~الإطلاق، ونحن نجد هنا أمرا جديرا بالبحث ~~والاعتبار. إننا نعلم أن ابن خلدون نفسه كثيرا ما ~~بحث عن الأسباب في كل فصل من فصول المقدمة، فإن ~~تعبيرات؛ «السبب في ذلك»، و«سببه»، و«أما السبب ~~في ذلك»، هي من أكثر التعبيرات المتكررة في ~~المقدمة، فكيف يدعو ابن خلدون إلى «عدم النظر في ~~الأسباب» في هذا المقام بعد كل تلك الأبحاث وبجانب ~~تلك الأبحاث؟ فهل قصد من الأسباب هنا الأسباب ~~الأصلية والبعيدة وحدها؟ أم أنه كتب هذه الفقرات - ~~وفصل علم الكلام الذي يحتويها - بعد مرور مدة ~~طويلة على كتابة سائر الفصول؟ # إننا نميل إلى القول بأن كلا الأمرين عملا ~~مشتركين في ما كتبه ابن خلدون في هذا المضمار؛ ~~فإننا نجد أن أسلوب هذا الفصل أكثر نضوجا وأشد ~~صقلا من أساليب الفصول الاعتيادية، كما أننا ~~نستدل من سياق الكلام أنه يقصد في أبحاثه المذكورة ~~- وفي فقراته الآنفة الذكر - الأسباب البعيدة ~~الأصلية، لا الأسباب القريبة الاعتيادية. ~~(7) # يتكلم ابن خلدون عن «الإيمان» أيضا، ويبدي ~~بعض الملاحظات الطريفة في هذا الشأن. # إن التكاليف الشرعية نوعان؛ قلبية وبدنية. ~~فالتكاليف القلبية هي الإيمان والاعتقادات، ~~والتكاليف البدنية هي الأعمال والعبادات. ~~«إن الشارع وصف لنا» ما يجب أن نؤمن به، «وعين ~~أمورا مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا، ~~واعتقادها في أنفسنا، مع الإقرار بألسنتنا» ~~(ص461). كما أنه عين العبادات المفروضة ~~علينا. # ولكن مقصود الشارع ومطلوبه من الإيمان لم يكن ~~الاعتقاد المجرد أو التصديق، بل هو «حصول صفة ~~تتكيف بها النفس» من جراء ذلك التصديق ~~والاعتقاد، كما أن مقصوده ومطلوبه من العبادات ~~أيضا لم يكن العمل نفسه، والعبادة للعبادة نفسها، ~~بل هو «حصول ملكة الطاعة والانقياد، وتفريغ ~~القلب من شواغل ما سوى المعبود» (ص461)، من جراء ~~المواظبة على تلك العبادات. وخلاصة القول: إن ~~المطلوب من التكاليف كلها - سواء أكانت قلبية أم ~~بدنية - إنما هو حصول ملكة راسخة في النفس. ~~والكمال - عند الشارع - في كل ما كلف به، هو ms388 ~~حصول هذه الملكة الراسخة. ~~«فقد تبين لك من جميع ما قررناه أن المطلوب ~~في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ~~يحصل منها علم اضطراري هو التوحيد، وهو العقيدة ~~الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة» ~~(ص401). # ويظهر من ذلك أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف ~~وينبوعها ذو مراتب عديدة. ~~«إن الإيمان الذي هو أصل التكاليف وينبوعها ذو ~~مراتب؛ أولها التصديق القلبي الموافق للسان، ~~وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما ~~يتبعه من العمل مستولية على القلب، فيستتبع ~~الجوارح، وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى ~~تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. ~~وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي ~~لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة؛ إذ حصول ~~الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة ~~عين» (ص461-462). # وهذه هي المرتبة العليا من الإيمان. # 6 # لقد تطرق ابن خلدون في عدة فصول من المقدمة إلى المذاهب ~~الإسلامية، ودون بعض المعلومات والملحوظات عن تاريخ نشوئها ~~وانتشارها، وقد فعل ذلك بوجه خاص في فصول الإمامة والخلافة ~~والفقه وأصول الفقه. # فقد رأينا أن ندرج فيما يلي نموذجين من الآراء التي أبداها ~~ابن خلدون في هذا الصدد؛ لنظهر خطة البحث التي سار عليها، ~~والنزعة الفكرية التي استسلم إليها في مثل هذه ~~الأمور: ~~(1) # لقد أشار ابن خلدون إلى مسألة «علي ومعاوية» في ~~فصل «انقلاب الخلافة إلى الملك». يستفاد من مطالعة ~~هذا الفصل أنه يرى أن انقلاب الخلافة إلى الملك ~~كان من الأمور الطبيعية المحتمة في الحياة ~~الاجتماعية؛ لأنه يقول: ~~«إن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولا، ثم ~~التبست معانيهما واختلطت، ثم انفرد الملك، حيث ~~افترقت عصبيته من عصبية الخلافة» (ص208). # كما أنه يعتقد أن «الفتنة» التي وقعت بين «علي ~~ومعاوية» كانت طبيعية؛ ولذلك نجده لا يتعصب ولا ~~يتشيع لأحدهما على الآخر، بل يقول كان كلاهما ~~على حق. ~~«لما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية - وهي مقتضى ~~العصبية - كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد، ولم ~~يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي، أو لإيثار باطل ~~واستشعار حقد، كما ms389 قد يتوهمه وينزع إليه ملحد. ~~وإنما اختلف اجتهادهم في الحق، وسفه كل واحد نظر ~~صاحبه باجتهاده في الحق؛ فاقتتلوا عليه. وإن كان ~~المصيب عليا، فلم يكن معاوية قائما فيها بقصد ~~الباطل، إنما قصد الحق وأخطأ، والكل كانوا في ~~مقاصدهم على حق» (ص205). ~~(2) # يتكلم ابن خلدون في فصل الفقه عن المذهب ~~المالكي، ويبين كيفية نشأة هذا المذهب وانتشاره، ~~ويعلل ذلك بعلل طبيعية واجتماعية: ~~«إن الإمام مالك بن أنس الأصبحي كان إمام دار ~~الهجرة - المدينة المنورة - وامتاز عن سائر أئمة ~~السنة بإدخال «عمل أهل المدينة» في عداد الأدلة ~~الشرعية. # إن الإمام مالك اختص بمدرك آخر للأحكام، غير ~~المدارك المعتبرة عند غيره، وهو عمل أهل المدينة؛ ~~لأنه رأى أنهم فيما ينفسون عليه من فعل أو ترك ~~متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم، وهكذا ~~إلى الجيل المباشر لفعل النبي # صلى الله عليه وسلم # الآخذين ~~عنه، وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية» ~~(ص447). ~~«وظن كثيرون أن ذلك من مسائل الإجماع، ولكن مالك ~~أنكر ذلك قائلا: إن الإجماع لا يخص أهل المدينة ~~دون سواهم، بل شامل للأمة. # واعلم أن الإجماع وهو الاتفاق على الأمر الديني ~~عن اجتهاد، ومالك رحمه الله تعالى لم يعتبر أهل ~~المدينة بهذا المعنى، وإنما اعتبره من حيث اتباع ~~الجيل بالمشاهدة للجيل، إلى أن ينتهي إلى الشارع ~~صلوات الله وسلامه عليه» (ص448). # إن مذهب الإمام مالك انتشر بوجه خاص في الأندلس ~~والمغرب؛ وذلك لأسباب جغرافية واجتماعية: أولا إن ~~أهل المغرب كانوا يخالطون أهل الحجاز أكثر مما ~~يخالطون أهل العراق، فكان من الطبيعي أن يأخذوا من ~~الحجاز أكثر مما يأخذون من العراق. ثانيا: إن ~~حالتهم الاجتماعية كانت أقرب إلى حالة أهل الحجاز ~~بسبب بداوتهم، والأحكام التي قال بها الإمام مالك ~~كانت أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم من الأحكام التي ~~وضعت في العراق. ~~«وأما مالك رحمه الله تعالى فاختص بمذهبه أهل ~~المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في غيرهم، إلا أنهم ~~لم يقلدوا غيره إلا في القليل؛ لما أن رحلتهم ~~كانت غالبا إلى الحجاز، وهو منتهى سفرهم، ms390 ~~والمدينة يومئذ دار العلم، ومنها خرج إلى العراق، ~~ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا في الأخذ عن ~~علماء المدينة، وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك، وشيوخه ~~من قبله وتلاميذه بعده. فرجع إليه أهل الأندلس ~~والمغرب، وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم ~~طريقته» (ص449). ~~«وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب ~~والأندلس، ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل ~~العراق، فكانوا إلى أهل الحجاز أميل؛ ولهذا لم يزل ~~المذهب المالكي غضا عندهم، ولم يأخذه تنقيح ~~الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب» ~~(ص449). # يتبين من هذه الفقرات أن ابن خلدون لم يظهر ~~في بحثه هذا أي تشيع للمذهب المالكي، مع أنه كان ~~مالكيا، كما أنه صار فيما بعد قاضيا للقضاة ~~المالكية في مصر. إنه لم يتشيع ولم يتعصب لهذا ~~المذهب، ولا تردد في تعليل اختصاص أهل المغرب ~~بهذا المذهب ببداوة المغرب من جهة، وبعلاقته ~~الجغرافية بالحجاز من جهة أخرى. # وتعليل ابن خلدون في هذا الصدد إنما هو بمثابة ~~«تفسير تاريخ المذاهب بتأثير العوامل الجغرافية ~~والاجتماعية». # وهكذا يتبع ابن خلدون في هذه المسألة خطة ~~عقلانية بحتة؛ مما يدل على أنه لم يعتبر مسائل ~~المذاهب وتاريخها من الأمور التي تخرج عن نطاق ~~مدارك العقل. # | الخط والكتابة # يعنون ابن خلدون أحد فصول الباب الخامس من المقدمة بالعنوان ~~التالي: «فصل في أن الخط والكتابة من عداد الصنائع الإنسانية» ~~(ص417-421). # لقد رأينا أن نتخذ الفصل المذكور موضوعا لدراسة تحليلية خاصة ~~للأسباب التالية: # أولا: إن الفصل المذكور من الفصول التي تنقصها في طبعات البلاد ~~العربية فقرات عديدة، ومباحث مهمة - بالنسبة إلى طبعة كاترمير ~~الباريسية - فالدراسة التحليلية التي سنكتبها عنه ستعطينا وسيلة ~~ومجالا لنقل الفقرات الناقصة بنصوصها الكاملة؛ بغية إتمام الفصل ~~المذكور، وإطلاع القراء على مبلغ تقصير الطبعات المصرية والبيروتية ~~المتداولة بين الأيدي. # وزيادة على ما تقدم فإن الفصل المذكور من الفصول القائمة ~~بنفسها (أي من التي تدرس الموضوع الواحد بتفصيل واف من وجوهه ~~المختلفة)، كما أنه من أحسن الفصول التي تتجلى فيه نزعة ابن ~~خلدون الفكرية، في جمع ms391 المعلومات المتعلقة بمختلف أنواع النشاط ~~البشري، وعرضها بنظرة تاريخية اجتماعية. ونحن نعتقد بأن إظهار آثار ~~هذه النزعة الفكرية الاجتماعية في موضوع ساذج كموضوع الخط - الذي ~~لا يبدو وثيق الصلة بالمسائل الاجتماعية، ولا يظهر كثير الأهمية من ~~الوجهة التاريخية - مما سيساعدنا على إعطاء فكرة واضحة تماما ~~عما لابن خلدون من شمول النظر التاريخي، وعمق التفكير ~~الاجتماعي. # 1 ~~(1) # يبدأ ابن خلدون الفصل المذكور بتعريف الخط ~~والكتابة، فيقول: ~~«وهو رسوم وأشكال حرفية، تدل على الكلمات ~~المسموعة، الدالة على ما في النفس، وهو ثاني رتبة ~~من الدلالة اللغوية» (ص471). # لا شك في أن هذا التعريف لا يخلو من التعقيد؛ ~~لأنه يحاول أن يعبر عن معان عديدة بكلمات ~~قليلة، على أن قليلا من إنعام النظر يكفل فهم ~~المعنى المقصود من هذا التعريف الموجز. # ومع ذلك لقد عبر ابن خلدون عن رأيه هذا بتفصيل ~~أوفى في مواضع أخرى من المقدمة، فقد قال - مثلا - ~~في فصل آخر - وهو الفصل الذي يقرر أن الصنائع ~~تكسب صاحبها عقلا: ~~«إن في الكتابة انتقالا من الحروف الخطية إلى ~~الكلمات اللفظية في الخيال، ومن الكلمات اللفظية ~~في الخيال إلى المعاني التي في النفس» ~~(ص429). # ومن الواضح أننا إذا اعتبرنا «الانتقال من ~~الكلمات إلى المعاني» «الرتبة الأولى من الدلالة ~~اللغوية»؛ نضطر إلى اعتبار «الانتقال من الحروف ~~الخطية إلى الكلمات اللفظية» الرتبة الثانية ~~منها. # على أن ابن خلدون قد أوضح ذلك توضيحا تاما في ~~فقرة كتبها في أحد الفصول الناقصة في طبعات البلاد ~~العربية - وهو فصل «المقاصد التي ينبغي اعتمادها ~~بالتأليف» - فقد قال في الفصل المذكور ما ~~يلي: ~~«البيان إنما يكون بالعبارة، وهو الكلام المركب ~~من الألفاظ النطقية، يتبين ضمائر المتكلمين ~~بعضهم لبعض في مخاطباتهم، وهذه رتبة أولى في ~~البيان عما في الضمائر.» ~~«بعد هذه الرتبة الأولى من البيان رتبة ثانية ~~يؤدى بها ما في الضمير لمن توارى، أو غاب شخصه، ~~أو بعد، أو لمن يأتي بعده ولم يعاصره ولا لقيه. ~~وهذا البيان منحصر في الكتابة، وهي رقوم باليد، ~~تدل أشكالها وصورها بالتواضع على ms392 الألفاظ النطقية ~~- حروفها بحروف وكلماتها بكلمات - فصار البيان ~~فيها على ما في الضمير بواسطة الكلام المنطقي؛ ~~فلهذا كانت في الرتبة الثانية» (طبعة كاترمير، ج3، ~~ص242). ~~(2) # بعد تعريف الخط والكتابة على هذا المنوال، يشرح ~~ابن خلدون أهمية الخط والكتابة في الحياة الفكرية ~~والاجتماعية قائلا: ~~«وهو صناعة شريفة؛ إذ الكتابة من خواص الإنسان ~~التي يميز بها عن الحيوان.» ~~«وأيضا فهي تطلع على ما في الضمائر، وتتأدى ~~بها الأغراض إلى البلاد البعيدة؛ فتقضى الحاجات ~~وقد دفعت مئونة المباشرة لها.» ~~«ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين ~~وما كتبوه من علومهم وأخبارهم.» ~~«فهي شريفة بهذه الوجوه والمنافع» ~~(ص417). ~~(3) # ثم يقرر ابن خلدون «تبعة الخط والكتابة ~~للأحوال الاجتماعية»: ~~«وعلى قدر الاجتماع والعمران والتناغي في ~~الكمالات والطلب لذلك؛ تكون جودة الخط في ~~المدينة.» ~~«إذ هو من جملة الصنائع، وقد قدمنا أن هذا ~~شأنها، وأنها تابعة للعمران.» ~~«ولهذا نجد أكثر البدو أميين لا يكتبون ولا ~~يقرءون، ومن قرأ منهم أو كتب، فيكون خطه قاصرا، ~~أو كتابته غير نافذة.» ~~(4) # وبعد ذلك ينتقل ابن خلدون إلى تعليم ~~الخط: ~~«ونجد تعليم الخط في الأمصار - الخارج عمرانها ~~عن الحد - أبلغ وأحسن وأسهل طريقا؛ لاستحكام ~~الصبغة فيها. كما يحكى لنا عن مصر لهذا العهد ~~أن بها معلمين منتصبين لتعليم الخط، يلقون على ~~المتعلم قوانين وأحكاما في وضع كل حرف، ويزيدون ~~إلى ذلك المباشرة بتعليم وضعه؛ فتعضد لديه رتبة ~~العلم والحس في التعليم، وتأتي ملكته على أتم ~~الوجوه، إنما هذا من كمال الصنائع ووفورها بكثرة ~~العمران وانفساح الأعمال» (ص418). ~~(5) # وبعد هذه المقدمات التمهيدية يبحث ابن خلدون في ~~تاريخ الخط العربي، ويدون معلوماته وملحوظاته ~~حول هذا التاريخ. # نفهم من مطالعة أبحاثه هذه أن مسألة منشأ الخط ~~العربي كانت مثار خلاف في زمانه؛ إذ كان هناك ~~رأيان مختلفان؛ الرأي القائل بأن الخط العربي نشأ ~~في العراق، والرأي القائل بأنه نشأ في ~~اليمن. # يستبعد ابن خلدون الرأي الأول، ويرجح عليه ~~الرأي الثاني بالاستناد إلى الملاحظات ~~التالية: # إن العرب في العراق كانوا أكثر بداوة وأقل ~~حضارة من ms393 أهل اليمن، فالقول بأن الخط العربي نشأ ~~في اليمن ثم انتقل من هناك إلى العراق، أقرب إلى ~~المعقول والممكن، وأليق من القول بعكس ~~ذلك. # لأن الكتابة - مثل الصنائع - «لا تبلغ من ~~الإحكام والإتقان والجودة» إلا حيث تتوفر ~~«الحضارة والترف»، وأما «إذا وقعت بالبدو، فلا ~~تكون محكمة المذاهب، ولا ماثلة إلى الإتقان ~~والتحقيق؛ لاستغناء البدو عنها في الأكثر.» ~~«وقد كان الخط العربي بالغا من الإحكام ~~والإتقان والجودة في دولة التبابعة؛ لما بلغت من ~~الحضارة والترف.» وكان يعرف باسم «الخط ~~الحميري» أو «المسند». # ومن حمير تعلمت مضر الكتابة العربية، إلا ~~أنهم لم يكونوا مجيدين لها. ~~«وكانت كتابة العرب بدوية، مثل كتابتهم أو ~~قريبا من كتابتهم لهذا العهد. أو نقول إن كتابتهم ~~لهذا العهد أحسن صناعة؛ لأن هؤلاء أقرب إلى ~~الحضارة ومخالطة الأمصار والدول. وأما مضر ~~فكانوا أعرق من البدو، وأبعد عن الحضر من أهل ~~اليمن وأهل العراق وأهل الشام ومصر» ~~(ص419). ~~(6) # يهتم ابن خلدون بقضية «الخط العربي لأول ~~الإسلام»، ويقول إنه «كان غير بالغ إلى الغاية من ~~الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط؛ لمكان ~~العرب من البداوة والتوحش، وبعدهم عن ~~الصنائع.» # ثم ينتقد بشدة «ما يزعمه بعض المغفلين» من أن ~~الصحابة «كانوا محكمين لصناعة الخط» قائلا: ~~«ما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها ~~للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، ~~وحسبوا أن الخط كمال، فنزهوهم عن نقصه، ونسبوا ~~إليهم الكمال في إجادته، وطلبوا تعليل ما خالف ~~الإجادة من ذلك.» على أن ابن خلدون يرى أن «ذلك ~~ليس بصحيح»؛ لأن «الخط ليس بكمال في حقهم؛ إذ إن ~~الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، كما رأيته ~~فيما مر، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال ~~مطلق؛ إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ولا في ~~الخلال، وإنما يعود إلى أسباب المعاش.» ~~(7) # وبعد هذا التأكيد عن «أن الخط العربي كان بعيدا ~~عن الإجادة والإتقان» في أوائل الإسلام ، يصرح ~~ابن خلدون بأن هذا الخط ترقى وتقدم وانتشر بعد ~~الفتوحات الإسلامية، بفضل الفتوحات ms394 ~~الإسلامية. ~~«ثم لما جاء الملك للعرب، وفتحوا الأمصار ~~وملكوا الممالك، واحتاجت الدولة إلى الكتابة، ~~استعملوا الخط وطلبوا تعلمه، وتداولوه؛ فترقت ~~الإجادة فيه، واستحكم ...» (ص420). ~~«ترقت الخطوط» في بغداد «إلى الغاية؛ لما ~~استبحرت في العمران، وكانت دار الإسلام ومركز ~~الدولة العربية.» ~~«وطما بحر العمران والحضارة في الدول الإسلامية ~~في كل قطر، وعظم الملك، ونفقت أسواق العلوم، ~~وانتسخت الكتب، وأجيد كتبها وتجليدها، وملئت ~~بها القصور والخزائن الملوكية بما لا كفاء له، ~~وتنافس أهل الأقطار في ذلك وتناغوا فيه» ~~(ص420). # هذا وإذا علمنا أن وفرة العمران وقوة الدول تؤدي ~~إلى تقدم الخط، يجب أن نعلم أيضا أن تناقص ~~العمران وانحلال الدول يؤدي - بعكس ذلك - إلى ~~انحطاطه. ~~«ثم لما انحل نظام الدول الإسلامية وتناقصت؛ ~~تناقص ذلك أجمع، ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة، ~~فانتقل شأنها من الخط والكتابة، بل والعلم إلى مصر ~~والقاهرة، فلم تزل أسواقه بها نافقة لهذا العهد، ~~وله بها معلمون يرسمون لتعليم الحروف.» ~~(8) # يتطرق ابن خلدون إلى أنواع الخطوط العربية - ~~خلال هذه المعلومات التاريخية - ويذكر بعد الخط ~~الحميري الخط الكوفي والخط البغدادي، والمشرقي، ~~والإفريقي، والأندلسي، ويتوسع بوجه خاص في ~~الخطين الأندلسي والإفريقي. # عندما «تميز ملك الأندلس بالأمويين، فتميزا ~~بأحوالهم من الحضارة والصنائع والخطوط، فتميز ~~صنف خطهم الأندلسي، كما هو معروف لهذا ~~العهد.» # وقد تقدم هذا الخط بتقدم الحضارة في ~~الأندلس، غير أنه انتقل في الأخير إلى إفريقية - ~~عندما هاجر أهل الأندلس إليها - وتغلب على الخط ~~الإفريقي الذي كان دارجا هناك. ~~«وأما أهل الأندلس فافترقوا في الأقطار عند ~~تلاشي ملك العرب بها، ومن خلفهم من البربر، ~~وتغلبت عليهم أمم النصرانية؛ فانتشروا في عدوة ~~المغرب وإفريقية من لدن الدولة اللمتونية إلى هذا ~~العهد، وشاركوا أهل العمران بما لديهم من الصنائع، ~~وتعلقوا بأذيال الدولة، فتغلب خطهم على الخط ~~الإفريقي وعفى عليه، ونسي خط القيروان والمهدية ~~بنسيان عوائدهما وصنائعهما، وصارت خطوط أهل ~~إفريقية كلها على الرسم الأندلسي بتونس وما إليها؛ ~~لتوفر أهل الأندلس بها عند الجالية من شرق ~~الأندلس. وبقي منه رسم ببلاد الجريد الذين لم ms395 ~~يخالطوا كتاب الأندلس، ولا تمرسوا بجوارهم، ~~إنما كانوا يفدون على دار الملك بتونس، فصار خط ~~أهل إفريقية من أحسن خطوط أهل الأندلس.» # غير أن حال هذا الخط أيضا فسد مؤخرا من جراء ~~تناقص العمران. ~~«حتى إذا تقلص ظل الدولة الموحدية بعض الشيء، ~~وتراجع أمر الحضارة والترف بتراجع العمران؛ نقص ~~حينئذ حال الخط وفسدت رسومه، وجهل فيه وجه ~~التعليم بفساد الحضارة وتناقص العمران.» ~~«وبقيت فيه آثار الخط الأندلسي تشهد بما كان لهم ~~من ذلك؛ لما قدمناه من أن الصنائع إذا رسخت ~~بالحضارة فيعسر محوها.» # وفي الأخير يصف ابن خلدون حالة الانحطاط التي ~~وصل إليها الخط في إفريقية والمغرب: ~~«ونسي عهد الخط فيما بعد عن سدة الملك وداره، ~~وكأنه لم يعرف، وصارت الخطوط بإفريقية والمغرب ~~مائلة إلى الرداءة، بعيدة عن الجودة، وصارت ~~الكتب إذا انتسخت فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها، ~~إلا العناء والمشقة؛ لكثرة ما يقع فيها من الفساد ~~والتصحيف وتغيير الأشكال الخطية عن الجودة، حتى لا ~~تكاد تقرأ إلا بعد عسر، ووقع فيه ما وقع في سائر ~~الصنائع بنقص الحضارة وفساد الدول» (ص421). # 2 # هذه هي أهم الآراء والمعلومات المدرجة في فصل الخط ~~والكتابة في طبعات البلاد العربية، غير أن الطبعة الباريسية من ~~المقدمة تحتوي في هذا الفصل - زيادة على ما تقدم - أربع ~~فقرات هامة، ننقلها فيما يلي بنصوصها الكاملة: ~~(أ) # في بحث «تعليم الخط» - بعد عبارة «إنما هذا من ~~كمال الصنائع ووفورها بكثرة العمران وانفساح ~~الأعمال» - تأتي فقرة قصيرة، تبين كيفية تعليم ~~الخط في الأندلس والمغرب: ~~«وليس الشأن في تعليم الخط بالأندلس والمغرب ~~كذلك في تعلم كل حرف بانفراده على قوانين يلقيها ~~المعلم للمتعلم، وإنما بمحاكاة الخط في كتابة ~~الكلمات جملة، ويكون ذلك من المتعلم ومطالعة ~~المعلم له، إلى أن يحصل له الإجادة، ويتمكن في ~~بنائه الملكة ويسمى مجيدا» (طبعة كاترمير، ج2، ~~ص339). # إن هذه الفقرة مهمة جدا من وجهة تاريخ التربية ~~والتعليم، فإننا نفهم منها أن المعلمين - في ~~الأندلس والمغرب - كانوا يتبعون في تعليم الخط ~~الطريقة التي تعرف الآن ms396 بين علماء التربية باسم ~~«الطريقة ~~المجموعية» # globale Méthode ~~، أو الطريقة ~~الجميلة. ~~(ب) # في خلال البحث عن منشأ الحروف العربية، وترجيح ~~قول القائلين بأن أهل الحيرة اقتبسوا الخط من ~~التبابعة وحمير، وعقب قوله «وهو الأليق من ~~الأقوال»؛ ينقل ابن خلدون فقرة طويلة رآها في ~~كتاب التكملة لابن الأبار: ~~«ورأيت في كتاب التكملة لابن الأبار عند التعريف ~~بابن فروخ القيرواني الفاسي الأندلسي من أصحاب ~~مالك - رضي الله عنه - واسمه عبد الله بن فروخ عن ~~عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبيه، ~~قال»: ~~«قلت لعبد الله بن عباس: يا معشر قريش، خبروني ~~عن هذا الكتاب العربي، هل كنتم تكتبونه قبل أن ~~يبعث الله محمدا # صلى الله عليه وسلم ~~، تجمعون منه ما اجتمع، ~~وتفرقون منه ما افترق، مثل الألف واللام والنون؟ ~~قال: نعم. قلت: وممن أخذتموه؟ قال: عن حرب ~~بن أمية. قلت: وممن أخذه حرب؟ قال: من عبد الله ~~بن جدعان. قلت: وممن أخذه عبد الله بن جدعان؟ قال: ~~من أهل الأنبار. قلت: وممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: ~~من طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن. قلت: وممن أخذه ~~ذلك الطارئ؟ قال: من الخلجان بن قسم، كاتب الوحي ~~لهود النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو الذي يقول: # أفي كل عام سنة ~~تحدثونها # ورأي على غير الطريق ~~يعبر؟ # وللموت خير من حياة ~~تسبنا # بها جرهم فيمن يسب ~~وحمير» ~~«انتهى ما نقله ابن الأبار في كتاب ~~التكملة.» ~~[يلي ذلك عنعنة هذه الرواية، وسلسلة أسماء ~~نقلتها، لا نرى لزوما لذكرها في هذا المقام] ~~(طبعة كاترمير، ج2، ص340). ~~(ج) # في بحث ترقي الخط في بغداد بعد قوله «لما ~~استبحرت في العمران، وكانت دار الإسلام ومركز ~~الدولة العربية»، تأتي فقرة طويلة تشرح كيفية ~~تطور الخط عند انتقاله من الكوفة إلى بغداد، ومن ~~بغداد إلى مصر، وتذكر أسماء بعض الخطاطين ~~المشهورين: ~~«وخالفت أوضاع الخط ببغداد أوضاعه بالكوفة، في ~~الميل إلى إجادة الرسوم وجمال الرونق وحسن الرواء، ~~واستحكمت هذه المخالفة في الأعصار، إلى أن رفع ~~رايتها ببغداد علي بن مقلة الوزير، ms397 ثم تلاه في ذلك ~~علي بن هلال الكاتب الشهير بابن البواب، ووقف سند ~~تعليمها عليه في المائة الثالثة وما بعدها. ~~وبعدت رسوم الخط البغدادي وأوضاعه عن الكوفة، ~~حتى انتهت إلى المباينة، ثم ازدادت المخالفة بعد ~~تلك العصور بتفنن الجهابذة في إحكام رسومه ~~وأوضاعه، حتى انتهت إلى المتأخرين مثل ياقوت ~~والولي علي العجمي، ووقف سند تعليم الخط عليهم. ~~وانتقل ذلك إلى مصر، وخالفت طريقة العراق بعض ~~الشيء، ولقنها العجم هنالك، فظهرت مخالفة لخط ~~أهل مصر أو مباينة» (طبعة كاترمير، ج2، ~~ص344). # نحن نرى في هذه الفقرة مثالا قيما ودليلا ~~جديدا على رأي ابن خلدون في «التطور التدريجي» في ~~كل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية وأحوالها ~~المختلفة. ~~(د) # بعد العبارات التي ينتهي بها فصل الخط والكتابة ~~في طبعات البلاد العربية، يذكر ابن خلدون قصيدة ~~طويلة في صناعة الخط. ~~«وللأستاذ أبي الحسن علي بن هلال الكاتب ~~البغدادي الشهير بابن البواب، قصيدة من بحر البسيط ~~على روي الراء، يذكر فيها صناعة الخط ومواردها، من ~~أحسن ما كتب في ذلك، رأيت إثباتها في هذا الباب ~~من هذا الكتاب؛ لينتفع بها من يريد تعلم هذه ~~الصناعة. وأولها: # يا من يريد إجادة ~~التحرير # ويروم حسن الخط ~~والتصوير # إن كان عزمك في الكتابة ~~صادقا # فارغب إلى مولاك في ~~التيسير # أعدد من الأقلام كل ~~مثقف # صلب يصوغ صناعة ~~التحبير # وإذا عمدت لبريه، ~~فتوخه # عند القياس بأوسط ~~التقدير # انظر إلى طرفيه، فاجعل ~~بريه # من جانب التدقيق ~~والتخصير # واجعل لجلفته قواما ~~عادلا # يخلو عن التطويل ~~والتقصير # والشق وسطه ليبقى ~~بريه # من جانبيه مشاكل ~~التقدير # حتى إذا أتقنت ذلك كله # إتقان طب بالمواد ~~خبير # فاصرف لرأي القط عزمك ~~كله # فالقط فيه جملة ~~التدبير # لا تطمعن في أن أبوح ~~بسره # إني أضن بسره ~~المستور # لكن جملة ما أقول بأنه # ما بين تحريف إلى ~~التدوير # وألق دواتك بالدخان ~~مدبرا # بالخل أو بالحصرم ~~المعصور # وأضف إليه مغرة قد ~~صولت # مع أصفر الزرنيخ ~~والكافور # حتى إذا ما خمرت فاعمد إلى ~~ال # ورق النقي الناعم ~~المخبور # فاكبسه بعد ms398 القطع بالمعصار ~~كي # ينأى عن التشعيث ~~والتغيير # ثم اجعل التمثيل دأبك ~~صابرا # ما أدرك المأمول مثل ~~صبور # ابدأ به في اللوح منتصبا ~~له # عزما تجرده عن ~~التشمير # لا تخجلن من الرديء ~~تخطه # في أول التمثيل ~~والتسطير # فالأمر يصعب ثم يرجع ~~هينا # ولرب سهل جاء بعد ~~عسير # حتى إذا أدركت ما ~~أملته # أضحيت رب مسرة ~~وحبور # فاشكر إلهك واتبع ~~رضوانه # إن الإله يجيب كل ~~شكور # وارغب لكفك أن تخط ~~بنانها # خيرا تخلفه بدار ~~غرور # فجميع فعل المرء يلقاه ~~غدا # عند التقاء كتابه ~~المنشور ~~(طبعة كاترمير، ج2، ص346) ~~(ه) # بعد هذه القصيدة يأتي بحث جديد تماما، يدون ~~فيه ابن خلدون بعض المعلومات والملحوظات عن «خطوط ~~الدواوين السلطانية»، وعن «الخطوط السرية»: ~~««واعلم» أن الخط بيان عن القول والكلام، كما أن ~~القول والكلام بيان عما في النفس والضمير من ~~المعاني، فلا بد لكل منهما أن يكون واضح ~~الدلالة. قال الله تعالى: # خلق الإنسان * ~~علمه البيان ~~. وهو يشتمل على ~~بيان الأدلة كلها، فالخط المجود كماله أن تكون ~~دلالته واضحة بإبانة حروفه المتواضعة، وإجادة ~~وضعها ورسمها كل واحد على حدة، متميز عن الآخر، ~~إلا ما اصطلح عليه الكتاب في إيصال حرف الكلمة ~~الواحدة بعضها ببعض، سوى حروف اصطلحوا على قطعها ~~مثل الألف المتقدمة في الكلمة، وكذا الراء والزاي ~~والدال والذال وغيرها، بخلاف ما إذا كانت متأخرة، ~~وهكذا إلى آخرها.» ~~«ثم إن المتأخرين من الكتاب اصطلحوا على وصل ~~كلمات بعضها ببعض، وحذف حروف معروفة عندهم، لا ~~يعرفها إلا أهل مصطلحهم، فتستعجم على غيرهم، ~~وهؤلاء كتاب دواوين السلطان وسجلات القضاة، ~~كأنهم انفردوا بهذا الاصطلاح عن غيرهم لكثرة موارد ~~الكتابة عليهم، وشهرة كتابتهم، وإحاطة كثير من ~~دونهم بمصطلحهم. فينبغي أن يعدلوا عن ذلك إلى ~~البيان ما استطاعوا، وإلا كان بمثابة الخط ~~الأعجمي؛ لأنها بمنزلة واحدة في عدم التواضع عليه. ~~وليس يعذر في هذا القدر إلا كتاب الأعمال ~~السلطانية في الأموال والجيوش؛ لأنهم مطلوبون ~~بكتمان ذلك عن الناس، فإنه من الأسرار السلطانية ~~التي يجب إخفاؤها. فيبالغون في رسم اصطلاح خاص ms399 بهم ~~يصير بمثابة المعمى، وهو الاصطلاح على العبارة ~~عن الحروف بكلمات من أسماء الطيب والفواكه والطيور ~~والأزاهر، ووضع أشكال أخرى غير أشكال الحروف ~~المتعارفة يصطلح عليها المتخاطبون؛ لتأدية ما في ~~ضمائرهم بالكتابة، وربما وضع الكتاب للعثور على ~~ذلك، وإن لم يضعوا له أولا قوانين بمقاييس، ~~استخرجوها لذلك بمداركهم، يسمونها فك المعمى. ~~وللناس في ذلك دواوين مشهورة، والله العليم ~~الحكيم» (طبعة كاترمير، ج2، ص347). # يلاحظ أن جميع هذه الفقرات والأبحاث التي ~~نقلناها عن طبعة باريس، تنسجم تمام الانسجام مع ~~أبحاث الفصل، وخطة المقدمة، وعقلية المؤلف ~~وأسلوبه، فلا نرى مجالا للشك في أنها من كتابات ~~ابن خلدون نفسه. # ونعتقد أن عدم وجود مثل هذه الفقرات والمباحث ~~الهامة في طبعات البلاد العربية، من أبرز الدلائل ~~على فداحة تقصير الطبعات المذكورة، وعظم الواجب ~~الملقى على عاتق الدوائر العلمية العربية، أمام ~~تراث هذا المفكر العربي الخالد. # 3 # هذه هي الآراء والمعلومات الواردة في فصل الخط والكتابة من ~~المقدمة، وقد سردنا أقسامها الموجودة في الطبعات المصرية ~~والبيروتية تلخيصا، ونقلنا أقسامها الخاصة بالطبعة الباريسية ~~نصا وتماما. # غير أن ابن خلدون قد تطرق إلى أمور الخط والكتابة في بعض ~~الفصول الأخرى أيضا، فإذا أردنا أن نحصل على فكرة تامة عن كل ~~ما كتبه عن الخط والكتابة، يجب علينا أن نراجع الفصول المذكورة ~~أيضا: ~~(1) # في الفصل الذي يقرر «أن الصنائع تكسب ~~صاحبها عقلا، وخصوصا الكتابة والحساب» ~~(ص427-429)، يتكلم ابن خلدون عن فائدة ~~الكتابة. ~~(2) # وفي فصل تعليم الولدان (ص537-540) يتطرق ابن ~~خلدون إلى مسألة تعليم الخط والكتابة بجانب تعليم ~~القرآن، ويذكر مذاهب أهل الأندلس والمغرب وإفريقية ~~والمشرق في هذا الصدد. ~~(3) # في فصل «المقاصد التي ينبغي اعتمادها في ~~التأليف» (وهو من الفصول الناقصة في جميع طبعات ~~البلاد العربية)، بعد تعريف الكتابة - حسب ما ~~ذكرناه آنفا - يستعرض ابن خلدون أنواع الخطوط - ~~من الحميري إلى السرياني والعبراني واللطيني - ~~ويقول فيما يقوله: ~~«الكتابة مختلفة باصطلاحات البشر في رسومها ~~وأشكالها، ويسمى ذلك قلما أو خطا.» ~~«فمنها الخط الحميري ويسمى المسند، وهو كتابة ~~حمير وأهل اليمن ms400 الأقدمين، وهو يخالف كتابة العرب ~~المتأخرين من مضر، كما يخالف لغتهم، وإن كان الكل ~~عربيا.» ~~«ومنها الخط السرياني، وهو كتابة النبط ~~والكلدانيين، وربما يزعم بعض أهل الجهل أنه الخط ~~الطبيعي لقدمه، فإنهم كانوا أقدم الأمم، وهذا وهم ~~ومذهب عامي؛ لأن الأفعال الاختيارية كلها ليس شيء ~~منها بالطبع، وإنما هو يستمر بالقدم والمران، حتى ~~يصير ملكة راسخة، فيظنها المشاهد طبيعية، كما ~~هو رأي كثير من البلداء في اللغة العربية، فيقولون ~~إن العرب كانت تعرب بالطبع، وتنطق بالطبع، وهذا ~~وهم.» ~~«ومنها الخط العبراني ... ومنها الخط اللطيني ~~...» ~~«ولكل أمة من الأمم اصطلاح في الكتاب يعزى ~~إليها، ويختص بها، مثل الترك والفرنج والهنود ~~وغيرهم.» ~~«إنما وقعت العناية بالأقلام الثلاثة ~~الأولى.» ~~«أما السرياني؛ لقدمه كما ذكرنا. أما العربي ~~والعبري؛ فلتنزل القرآن والتوراة بهما ~~بلسانهما.» ~~«وأما اللطيني فكان الروم - وهم أهل ذلك ~~اللسان - لما أخذوا بدين النصرانية وهو كله من ~~التوراة، ترجموا التوراة وكتب الأنبياء ~~الإسرائيليين إلى لغتهم؛ ليقتنصوا منها الأحكام ~~على أسهل الطرق، وصارت عنايتهم بلغتهم وكتاباتهم ~~آكد من سواها.» # وأما الخطوط الأخرى فلم تقع بها عناية، وإنما ~~هي لكل أمة حسب اصطلاحها» (طبعة كاترمير، ج3، ~~ص234). ~~(4) # في الفصل الذي يقرر «أن العجمة إذا سبقت إلى ~~اللسان قصرت بصاحبها في تحصيل العلوم عن أهل ~~اللسان العربي» (وهو من الفصول الناقصة في جميع ~~طبعات البلاد العربية)، يتطرق ابن خلدون إلى ~~الخط والكتابة خلال تكلمه عن الحجب التي تقوم ~~بين المعاني والفهم، قائلا: ~~«وأما إذا احتاج التعليم إلى الدراسة والتقييد ~~بالكتاب، ومشافهة الرسوم الخطية في الدواوين ~~بمسائل العلوم، كان هنالك حجاب آخر بين الخط ~~ورسومه في الكتاب، وبين الألفاظ المقولة في ~~الخيال؛ لأن رسوم الكتابة لها دلالة خاصة على ~~الألفاظ المقولة، وما لم تعرف تلك الدلالة ~~تعذرت معرفة العبارة، وإن عرفت بملكة قاصرة ~~كانت معرفتها أيضا قاصرة، ويزداد على الناظر ~~والمتعلم بذلك حجاب آخر بينه وبين مطلوبه من ~~تحصيل ملكات العلوم أعوص من الحجاب الأول. وإذا ~~كانت ملكته في الدلالة اللفظية والحيطة مستحكمة؛ ~~ارتفعت الحجب بينه وبين ms401 المعاني، وصار إنما يعاني ~~فهم مباحثها فقط . هذا شأن المعاني مع الألفاظ ~~والخط بالنسبة إلى كل لغة» (طبعة كاترمير، ج3، ص375). # | المدن والأمصار # يخصص ابن خلدون الباب الرابع من المقدمة إلى درس أحوال «المدن ~~والأمصار وسائر العمران»، ويدخل في الباب المذكور اثنين وعشرين ~~فصلا، هذه عناوينها: ~~«في أن الدول أقدم من المدن والأمصار، وأنها إنما توجد ثانية عن ~~الملك» (ص342). ~~«في أن الملك يدعو إلى نزول الأمصار» (ص344). ~~«في أن المدن العظيمة والهياكل المرتفعة إنما يشيدها الملك ~~الكثير» (ص344). ~~«في أن الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة» ~~(ص346). ~~«فيما تجب مراعاته في أوضاع المدن، وما يحدث لو أغفل عن ~~المراعاة» (ص347). ~~«في المساجد والبيوت العظيمة في العالم» (ص349). ~~«في أن المدن والأمصار بإفريقية والمغرب قليلة» (ص357). ~~«في أن المباني والمصانع في الملة الإسلامية قليلة بالنسبة إلى ~~قدرتها وإلى من كان قبلها من الدول» (ص358). ~~«في أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب، إلا ~~في الأقل» (ص359). ~~«في مبادئ الخراب في الأمصار» (ص359). ~~«في أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها، ونفاق ~~الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة» ~~(ص360). ~~«في أسعار المدن» (ص362). ~~«في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران» ~~(ص364). ~~«في أن الأقطار في اختلاف أحوالها بالرفه والفقر مثل الأمصار» ~~(ص365). ~~«في تأثل العقار والضياع في الأمصار وفوائدها ومستغلاتها» ~~(ص367). ~~«في حاجات المتمولين من أهل الأمصار إلى الجاه والمدافعة» ~~(ص368). ~~«في أن الحضارة في الأمصار من قبل الدول، وأنها ترسخ باتصال ~~الدولة ورسوخها» (ص368). ~~«في أن الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره، وأنها مؤذنة بفساده» ~~(ص371). ~~«في أن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب بخراب الدولة ~~وانقراضها» (ص374). ~~«في اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض» (ص376). ~~«في وجود العصبية في الأمصار وتغلب بعضهم على بعض» ~~(ص377). ~~«في لغات أهل الأمصار» (ص379). # في هذه الفصول يدرس ابن خلدون المدن والأمصار من وجوه متعددة ~~ومتنوعة؛ يظهر علاقتها بالدول من ناحية، وبالقبائل من ms402 ناحية أخرى، ~~كما يبين شروط اختطاط المدن والأمصار، ويتتبع كيفية ازدهارها ~~من ناحية، وانتقاضها من ناحية أخرى. ثم يستعرض خصائصها الاقتصادية ~~والسياسية، ولا يهمل أمر لغات أهلها أيضا. ~~(1) اختطاط المدن ~~(1) # يقرر ابن خلدون «أن اختطاط المنازل من منازع ~~الحضارة» (ص342)، ويلاحظ أن المباني القائمة في ~~المدن لا تكون كلها خاصة بالأفراد، بل إن قسما ~~منها يكون من المرافق العامة التي يشترك فيها ~~ويستفيد منها جميع السكان، وطبيعي أن هذه المرافق ~~العامة تحتاج إلى رعاية الدولة. # ولذلك يقول ابن خلدون: «لا بد في تمصير الأمصار ~~واختطاط المدن من الدولة والملك» (ص343). # كما أنه يقرر «أن الملك يدعو إلى نزول ~~الأمصار، والاستيلاء عليها» (ص344). # فإن كل دولة تقوم في قطر من الأقطار تضطر ~~إلى الاستيلاء على المدن المؤسسة قبلا، وقد لا ~~تكتفي بذلك، بل تقدم على اختطاط بعض المدن ~~الجديدة أيضا. إنها تفعل ذلك بوجه خاص عندما تقوم ~~بفتوحات كبيرة، فإنها تكون حينئذ في حاجة إلى ~~استحداث بعض المدن والثغور؛ لإيواء حامياتها، ~~وحماية حدودها من غارات الدول المجاورة ~~لها. ~~(2) # ولكن المدينة التي تختطها الدولة بهذه الصورة لا ~~يمكن أن تزدهر، ما لم تستجمع بعض الشروط التي تضمن ~~لها البقاء والاستمرار. # يشرح ابن خلدون هذه الشروط في فصل خاص يعنونه ~~بالعنوان التالي: ~~«فصل فيما يجب مراعاته في أوضاع المدن، وما يحدث ~~إذا غفل عن المراعاة.» # ويستهل هذا البحث بقوله: «اعلم أن المدن قرار ~~تتخذه الأمم عند حصول الغاية المطلوبة من الترف ~~ودواعيه، فتؤثر الدعة والسكون، وتتوجه إلى ~~اتخاذ المنازل للقرار. ولما كان ذلك القرار ~~والمأوى، وجب أن يراعى فيه دفع المضار بالحماية من ~~طوارقها، وجلب المنافع وتسهيل المرافق لها» ~~(ص347). # يقسم ابن خلدون بهذه الصورة شروط بقاء المدن ~~إلى نوعين أساسيين؛ الشروط التي تضمن الحماية من ~~المضار، والشروط التي تكفل جلب المنافع. # ثم يسرد تفاصيل هذين النوعين من الشروط: ~~(3) # الحماية من المضار تكون أولا باستكمال وسائل ~~الوقاية من غارات الأعداء، ثانيا بملاحظة وسائل ~~الوقاية من الآفات السماوية (أي الطبيعية). # وأما الحماية من غارات ms403 الأعداء فتتطلب ~~مراعاة الأمور التالية: # يجب «أن يدار على منازلها جميعا سياج الأسوار، ~~وأن يكون وضع ذلك في ممتنع من الأمكنة؛ إما على ~~هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر ~~بها، حتى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو ~~قنطرة؛ فيصعب منالها على العدو، ويتضاعف امتناعها ~~وحصنها» (ص34). ~~«وأما الوقاية من الآفات فلا يتم إلا إذا ~~روعي «طيب الهواء للسلامة من الأمراض».» ~~«وذلك «لأن الهواء إذا كان راكدا خبيثا، أو ~~مجاورا للمياه الفاسدة»، أو قريبا من «منافع ~~متعفنة أو مروج خبيثة»؛ «أسرع إليها العفن»، ~~و«أسرع المرض للحيوان الكائن فيه» كما تفشت ~~الأمراض بين السكان.» ~~«وهذا مشاهد، والمدن التي لم يراع فيها طيب ~~الهواء، كثيرة الأمراض في الغالب» (ص347). ~~(4) ~~«وأما جلب المنافع والمرافق للبلد» فيقتضي ~~استكمال «الوسائل اللازمة لضمان حاجة الناس من ~~الماء والحطب، والمزارع والمراعي»: ~~(أ) ~~«يجب أن يكون البلد على نهر أو ~~بإزائها عيون عذبة ثرة، فإن وجود الماء ~~قريبا من البلد يسهل على الساكن حاجة ~~الماء، وهي ضرورية؛ فيكون لهم في وجوده ~~مرفقة عظيمة عامة» (ص348). ~~(ب) # ويجب أن يكون في جوار المدينة ~~«مراع طيبة لسائمتهم؛ إذ صاحب كل قرار ~~لا بد له من دوجن الحيوان للنتاج والضرع ~~والركوب، ولا بد لها من المرعى، فإذا كان ~~قريبا طيبا؛ كان ذلك أرفق بحالهم؛ لما ~~يعانون من المشقة في بعده» ~~(ص347). ~~(ج) # ويجب أن تكون المدينة قريبة من ~~المزارع؛ «فإن الزروع هي الأقوات، فإذا ~~كانت مزارع البلد بالقرب منها، كان ذلك ~~أسهل في اتخاذه، وأقرب في تحصيله» ~~(ص348). ~~(د) # ويجب أن يكون بالقرب من المدينة ~~مشاجر «للحطب والبناء، فإن الحطب مما ~~تعم البلوى في اتخاذه لوقود النيران ~~للاصطلاء والطبخ. والخشب أيضا ضروري ~~لسقفهم، وكثير مما يستعمل فيه الخشب من ~~ضرورياتهم» (ص348). ~~(ه) # ويضيف ابن خلدون إلى كل ذلك شرطا ~~آخر، مع التصريح بأنه لم يكن ضروريا ~~كالشروط الآنفة الذكر: ~~«وقد يراعى أيضا قرب «المدينة» من ~~البحر؛ لتسهيل الحاجات القاصية من البلاد ~~النائية، إلا أن ذلك ليس ms404 بمثابة الأول» ~~(ص349). ~~(5) # وبعد هذه الشروط العامة التي تشمل جميع المدن ~~يبدي ابن خلدون بعض الملاحظات على «شروط اختطاط ~~المدن الساحلية» بوجه خاص. # لأن هذه المدن تكون عرضة إلى غارات تأتي من ~~البحر بواسطة الأساطيل؛ ولذلك إنها تحتاج إلى شروط ~~خاصة ، فضلا عن الشروط العامة المذكورة آنفا: ~~«إنها يجب أن تكون في جبل وعر المسالك، أو تكون ~~مجاورة لقبائل قوية تستطيع أن تلبي صريخها، ~~وتساعدها على دفع العدوان الذي قد يأتيها من ~~الخارج؛ وذلك لأن أهل المدن يكونون عادة ~~«متعودين للدعة، فيخرجون من حكم ~~المقاتلة».» # يوضح ابن خلدون رأيه في هذا الصدد كما ~~يلي: ~~«إن المدينة إذا كانت حاضرة البحر ولم يكن ~~بساحتها عمران للقبائل أهل العصبيات، ولا موضعها ~~متوعر من الجبل، كانت في غرة للبيات، وسهل على ~~عدوها طروقها في الأساطيل البحرية.» # ولكن «متى كانت القبائل والعصائب موطنين بقربها، ~~بحيث يبلغهم الصريخ والنفير، وكانت متوعرة ~~المسالك على من يرومها»، وذلك من جراء «اختطاطها ~~في هضبات الجبال وأسنمتها؛ كان لها بذلك منعة من ~~العدو»، ويئس الأعداء من طروقها «لما يكابدونه من ~~وعرها، وما يتوقعونه من إجابة صريخها» ~~(ص349). # هنا يربط ابن خلدون أحوال المدينة بأوضاع ~~القبائل المجاورة لها، ويشير إلى اشتراك تلك ~~القبائل في الدفاع عن المدينة. ~~(6) # يلاحظ ابن خلدون الدور الذي تلعبه المدن ~~المحصنة في حياة الدول؛ لأنه يرى أن الحصون تقوم ~~مقام عدد غير قليل من العساكر. ~~«والمصر يقوم مقام العساكر المتعددة؛ لما فيه من ~~الامتناع، ونكاية الحرب من وراء الجدران، من غير ~~حاجة إلى كثير عدد ولا عظيم شوكة»؛ لأن الحامية ~~تدافع عن المدينة من وراء الأسوار؛ ولذلك لا تحتاج ~~إلى كبير عصابة، فإن وجود الحصون «يفت في عضد ~~الأمة التي تروم الاستيلاء على المدينة، ويخضد ~~شوكة استيلائها» (ص344). ~~(2) ازدهار المدن وانتقاضها # لا تبقى المدن - بعدما تتأسس - جامدة على حالة واحدة، بل ~~تتطور وتنتقل من حال إلى حال؛ تارة تتوسع وتزدهر، وطورا ~~تتراجع وتسير نحو الخراب. # وابن خلدون يتتبع هذه التطورات بكل اهتمام: ~~«ثم إذا بنيت المدينة ms405 وكمل تشييدها - بحسب نظر من شيدها، ~~وبما اقتضته الأحوال السماوية والأرضية فيها - فعمر الدولة ~~حينئذ عمر لها؛ فإن كان عمر الدولة قصيرا؛ وقف الحال فيها عند ~~انتهاء الدولة، وتراجع عمرانها وخربت. وإن كان أمد الدولة ~~طويلا، ومدتها منفسحة؛ فلا تزال المصانع (أي المباني ) فيها ~~تشاد، والمنازل الرحيبة تكثر وتتعدد، ونطاق الأسواق يتباعد ~~وينفسح، إلى أن تتسع الخطة وتبعد المسافة، وينفسح ذرع المساحة، ~~كما وقع ببغداد وأمثالها» (ص343). ~~«وأما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة»، فتتغير ~~الأمور بطبيعة الحال، وهذا التغير يتبع حالة المدينة ~~وأوضاعها العامة. # فإذا كانت المدينة «كرسيا للملك»، فإنها تسير نحو الخراب ~~بخطى سريعة. # يقول ابن خلدون في عنوان أحد فصول المقدمة: «إن الأمصار التي ~~تكون كراسي للملك، تخرب بخراب الدولة وانقراضها» ~~(ص374). # ويستهل الكلام في الفصل المذكور بقوله: «الدولة إذا اختلت ~~وانتقضت فإن المصر الذي يكون كرسيا لسلطانها ينتقض عمرانه، ~~وربما ينتهي انتقاضه إلى الخراب.» # ويذكر ابن خلدون لهذا الانتقاض أسبابا عديدة، يتلخص أهمها ~~بما يلي: # إن معظم آثار العمران في أمثال هذه المدن يتأتى من كونها ~~«كراسي للملك»؛ لأن رجال الدولة ورؤساء الحامية وأتباعهم ~~الكثيرين، يجتمعون ويقطنون هناك، كما أن معظم ما تجبيه ~~الدولة من جميع الأقطار والأمصار التي تدخل في حوزتها، ينفق ~~هناك. فإذا لم تعد المدينة كرسيا للملك؛ انتفت منها جميع هذه ~~العوامل الهامة، ولذلك تراجع عمرانها، وتناقصت ثروتها. # ولكن تراجع العمران لا يقف عند هذا الحد، بل يزداد لعوامل ~~أخرى أيضا؛ لأن أعيان المصر يعتبرون «شيعة للدولة التي ~~نشئوا فيها»، و«إن لم يكونوا» شيعة لها «بالشوكة والعصبية، ~~فهم بالميل والمحبة والعقيدة»؛ ولذلك تخشى الدولة الجديدة ~~انتقاضهم عليها، مستندين إلى أتباعهم الموجودين في المدينة، ~~فترى من حسن السياسة أن تنقلهم إلى مدن أخرى كان حكمها متمكنا ~~فيها ومستقرا، ولتطمئن على رسول حكمها في المدينة التي كانت ~~كرسيا للدولة السابقة لها؛ ولذلك فإنها تنقل أعيان المدينة؛ ~~«بعضهم على نوع التغريب والحبس، وبعضهم على نوع الكرامة ~~والتلطف - بحيث لا يؤدي إلى النفرة - حتى لا يبقى في المصر ms406 ~~الكرسي (السابق) إلا الباعة والهمل من أهل الفلح والعيارة ~~وسواد العامة» (ص375-376). # ولكن المدينة تبقى مصونة من عوامل هذا التراجع إذا صارت ~~كرسيا للدولة الجديدة أيضا. يقول ابن خلدون في هذا المضمار ~~ما يلي: ~~«ربما ينزل المدينة بعد انقراض مختطيها الأولين ملك آخر ~~ودولة ثانية ، يتخذها قرارا وكرسيا، يستغني بها عن اختطاط ~~مدينة ينزل بها؛ فتحفظ تلك الدولة سياجها، وتتزايد مبانيها ~~ومصانعها بتزايد أحوال الدولة الثانية وترفها، وتستجد بعمرانها ~~عمرا آخر، كما وقع بفاس والقاهرة لهذا العهد» (ص343). # وأما إذا لم تكن المدينة كرسيا للملك، فإن تأثرها من ~~انقراض الدولة المشيدة لها يكون أخف وأقل بطبيعة الحال. # ويرى ابن خلدون أن مبلغ هذا التأثر يختلف باختلاف وسائل ~~العمران التي تحيط بالمدينة. ~~«وأما بعد انقراض الدولة المشيدة للمدينة، فإما أن ~~يكون لضواحي تلك المدينة وما قاربها من الجبال والبسائط بادية، ~~يمدها العمران دائما، فيكون ذلك حافظا لوجودها، ويستمر عمرها ~~بعد الدولة، كما تراه بفاس وبجاية من المغرب، وبعمران العجم من ~~المشرق الموجود لها العمران من الجبال؛ لأن أهل البداوة إذا ~~انتهت أحوالهم إلى غاياتها من الرفه والكسب، تدعو إلى الدعة ~~والسكون الذي في طبيعة البشر؛ فينزلون المدن والأمصار ~~ويتأهلون.» ~~«وأما إذا لم تكن لتلك المدينة المؤسسة مادة تفيدها ~~العمران بترادف الساكن من بدوها؛ فيكون انقراض الدولة خرقا ~~لسياجها؛ فيزول حفظها، ويتناقص عمرانها شيئا فشيئا، إلى أن ~~يذعر ساكنها وتخرب، كما وقع بمصر وبغداد والكوفة بالمشرق، ~~والقيروان والمهدية وقلعة ابن حماد بالمغرب وأمثالها» ~~(ص343). # ابن خلدون يشير هنا أيضا إلى علاقة المدن بالبوادي، ويلاحظ ~~أن أهل البداوة ينزعون - في بعض الأحوال - إلى نزول المدن ~~والأمصار، وأن البادية كثيرا ما تمد المدن بالسكان. ~~(7) إن تراجع عمران المدن لا يظهر في تقلص مساحتها وتناقص ~~سكانها فقط، بل يظهر في تغير أحوال مبانيها أيضا. # لأن المدن التي تكون موفورة العمران وكثيرة الأعمال والمكاسب ~~تكثر فيها المباني المشيدة بالحجر والجير، والمنمقة بشتى ~~أساليب التنمق؛ من الرخام والزليج والفسيفساء ~~والصدف. ~~«وإذا تراجع عمرانها وخف ساكنها؛ قلت الصنائع ms407 لأجل ذلك، ~~وفقدت الإجادة في البناء، والإحكام والمغالاة عليه بالتنميق. ~~ثم تقل الأعمال لعدم الساكن؛ فيقل جلب الآلات # 1 # من الحجر والرخام وغيرهما، فتفقد، ويصير بناؤهم ~~وتشييدهم من الآلات # 2 # التي في مبانيهم، فينقلونها من مصنع إلى مصنع؛ ~~لأجل خلاء أكثر المصانع والقصور والمنازل بقلة العمران وقصوره ~~عما كان أولا. ثم لا تزال تنقل من قصر إلى قصر، ومن دار ~~إلى دار، إلى أن يفقد الكثير منها جملة؛ فيعودون إلى ~~البداوة في البناء، واتخاذ الطوب عوضا عن الحجارة، والقصور عن ~~التنميق بالكلية، فيعود بناء المدينة مثل بناء القرى والمدر، ~~وتظهر عليها سيماء البداوة» (359-360). # | الحياة الاقتصادية # إن آراء ابن خلدون في «الحياة الاقتصادية» كثيرة ومتنوعة ومهمة، ~~إنها تشغل خمسين فصلا من فصول المقدمة، فإن فصول الباب الخامس ~~بأجمعها تبحث في «المعاش ووجوهه من الكسب والصنائع»، كما أن مواضيع ~~فصل من فصول الباب الثاني، وعشرة من فصول الباب الثالث، وستة من ~~فصول الباب الرابع أيضا، تحوم حول أمور الاقتصاد والمال. وفضلا ~~عن ذلك فإن عددا غير قليل من الفصول الأخرى أيضا تتضمن بعض ~~الأبحاث التي لا تخلو من صلات وثيقة بالأمور الاقتصادية. # إني كنت عرضت قسما من آراء ابن خلدون الاقتصادية في عدة دراسات ~~سابقة بمناسبات مختلفة: ~~(أ) # في [القسم الثاني: مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة ~~التاريخ وعلم الاجتماع - ابن خلدون ومونتسكيو - ~~.التاريخ والاقتصاد] ~~(ب) # في [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - طبائع ~~الأمم وسجاياها]. ~~(ج) # في [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - الدولة ~~وتطوراتها - أطوار الدولة]. ~~(د) # في [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - ~~التربية والتعليم - نظرات عامة]. # والآن أود أن أضيف إلى تلك الأبحاث بعض الأمور التي تساعد على ~~إظهار ميزات «تفكير ابن خلدون الاقتصادي» بأجلى مظاهرها. # إن الأبحاث التي تتصل بالأمور الاقتصادية - في البلاد الغربية - ~~لم تأخذ شكلا علميا إلا في النصف الأخير من القرن الثامن ~~عشر. # لأن قبل التاريخ المذكور كانت الأبحاث الاقتصادية لا تخرج عن ~~نطاق «التصورات الطوبائية، والنصائح العملية، والمناقشات الفقهية ~~الدينية»؛ كيف يجب ms408 أن توزع الأراضي والأموال بين الأهالي؟ هل يجوز ~~بيع السلع بسعر يزيد على تكاليفها الحقيقية؟ هل يتفق ذلك مع مكارم ~~الأخلاق؟ هل يسوغ أخذ «فائض» على المبالغ التي تقرض إلى الغير؟ ~~هل يتفق ذلك مع تعاليم المسيح؟ ما هي أحسن المسالك التي يجب أن ~~يسلكها الأمراء لزيادة ثروتهم وثروة بلادهم ؟ # إن كل ما كتب عن الأمور الاقتصادية في البلاد الغربية - طول ~~القرون الأولى والوسطى، وخلال عصور الانبعاث - كان بمثابة أجوبة ~~على هذه الأسئلة وأمثالها الكثيرة. # وأما الاعتقاد بأن الأمور الاقتصادية تتبع قوانين ثابتة، مثل ~~سائر الأمور الطبيعية. وأما السعي وراء اكتشاف هذه القوانين ~~وتدوينها، فإن ذلك لم يبدأ إلا في النصف الأخير من القرن الثامن ~~عشر. # ولكن ابن خلدون سبق كتاب الغرب ومفكريهم في هذا الاعتقاد مدة ~~لا تقل عن أربعة قرون. ~~••• # ومما يلفت النظر أن علم الاقتصاد تكون ونشأ قبل تولد علم ~~الاجتماع بمدة تبلغ نحو نصف قرن، وعندما شرع «كونت» في وضع أسس علم ~~الاجتماع، كان علماء الاقتصاد قد قطعوا أشواطا كبيرة في أبحاثهم ~~المختلفة. # ولكن علماء الاجتماع أخذوا يدرسون الأمور الاقتصادية بنظرات ~~جديدة، تختلف عن النظرات التي كان اعتادها علماء الاقتصاد؛ فإن ~~هؤلاء كانوا ينظرون إلى الحادثات الاقتصادية كأنها قائمة بذاتها، ~~ولكن علماء الاجتماع أخذوا ينظرون إليها كمظهر من مظاهر الحياة ~~الاجتماعية، وصاروا يتوسعون بوجه خاص في درس تفاعلاتها مع سائر ~~الشئون الاجتماعية. # ولذلك صارت الأبحاث الاقتصادية - في أواخر القرن التاسع عشر - ~~تدون في نوعين من المؤلفات: ~~(أ) # المؤلفات التي تعرف باسم «علم الاقتصاد ~~السياسي» # Economie politique ~~. ~~(ب) # المؤلفات التي تعرف باسم «الاجتماعيات الاقتصادية» # Sociologie ~~économique ~~. # إن الأبحاث الاقتصادية المدونة في مقدمة ابن خلدون تشبه النوع ~~الثاني لا النوع الأول، إنها أقرب إلى مباحث «الاجتماعيات ~~الاقتصادية» منها إلى مباحث «الاقتصاد السياسي». # ونستطيع أن نقول إن مزايا تفكير ابن خلدون في هذا المضمار تظهر - ~~أكثر ما تظهر - في بحثه الأمور الاقتصادية بنظرات الباحث ~~الاجتماعي، وفي اهتمامه بتتبع التفاعلات التي تتوالى بين الحوادث ~~الاقتصادية، وبين سائر الأمور والحوادث الاجتماعية. ms409 ~~••• # إن الأمثلة التالية تظهر هذه النزعة الفكرية بكل وضوح ~~وجلاء. # يلاحظ ابن خلدون الدور الذي يلعبه قانون العرض والطلب في الأسواق ~~والأسعار، ويصرح بأن الأسعار ترتفع عندما يزداد الطلب، وتنخفض ~~عندما يقل الطلب، ولكنه لا يكتفي بتسجيل هذا القانون الاقتصادي ~~بهذا الشكل المجرد، بل يتحرى العوامل الاجتماعية التي تؤدي إلى ~~زيادة الطلب، كما أنه يتتبع النتائج الاجتماعية التي تنجم عن ~~زيادة الطلب وارتفاع الأسعار. # إنه يقسم الأشياء والسلع - من وجهة علاقاتها بالإنسان - إلى ~~ضروريات وكماليات، ولكنه يلاحظ في الوقت نفسه أن الحدود الفاصلة ~~بين هذين الصنفين لم تكن مطلقة ولا ثابتة، بل هي نسبية ومتحولة؛ ~~فإن ما يعتبر من الكماليات بالنسبة إلى السواد الأعظم من الناس، قد ~~يصبح من الضروريات بالنسبة إلى بعض الناس، كما أنه ما يعد من ~~الكماليات في بعض المدن، قد يكون من الضروريات في المدن الأخرى؛ ~~لأن ازدياد العمران واستفحال الترف، يحول الكماليات إلى حاجيات ~~ضرورية. ~~«إن المصر الكثير العمران يكثر ترفه، وتكثر حاجيات ساكنه من أجل ~~الترف، وتعتاد تلك الحاجات؛ فتنقلب إلى ضرورات، وتصير فيه الأعمال ~~كلها مع ذلك عزيزة، والمرافق غالية، بازدحام الأغراض عليها من أجل ~~الترف» (ص365). ~~«ويعظم الغلاء في المرافق والأقوات والأعمال؛ فتكثر لذلك نفقات ~~ساكنه كثرة بالغة على نسبة عمرانه» (ص365). # ولكن النتائج التي تتولد من زيادة الطلب وازدحام الطالبين لا ~~تنحصر في ارتفاع الأسعار، بل تشمل أمورا اجتماعية أخرى أيضا، ~~أهمها؛ إقبال الناس على الصناعات التي تنتج السلع المطلوبة، ~~وازدهار تلك الصناعات واستجادتها. # يقرر ابن خلدون في فصل خاص «أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا ~~كثر طالبها». ويوضح رأيه هذا بالتفاصيل التالية: ~~«إذا كانت الصناعة مطلوبة، وتوجه إليها النفاق؛ كانت حينئذ ~~الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع؛ فيجتهد الناس ~~في المدينة لتعلم تلك الصناعة ~~ليكون منها معاشهم. وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة؛ لم تنفق سوقها، ~~ولا توجه قصد إلى تعلمها، فاختصت بالترك، وفقدت للإهمال» ~~(ص403). # ويقول ابن خلدون في فصل آخر: «إن الصنائع إنما تستجاد إذا احتيج ~~إليها ms410 وكثر طالبها، وإذا ضعفت أحوال المصر وأخذ في الهرم بانتقاض ~~عمرانه وقلة ساكنه؛ تناقص فيه الترف، ورجعوا إلى الاقتصار على ~~الضروري من أحوالهم، فتقل الصنائع التي كانت من توابع الترف» ~~(ص403). # بهذه الصورة يربط ابن خلدون مسائل العرض والطلب بالأحوال ~~الاجتماعية العامة، ويبحث في عوامل الأحوال الاقتصادية ونتائجها ~~بنظرات شاملة، لا تتوقف في حدود الاقتصاديات المحضة وحدها، بل ~~تتعداها إلى آفاق الحياة الاجتماعية بمجموعها. ~~••• # يلاحظ ابن خلدون أن «قيم الأشياء» تتبع - من حيث الأساس - ~~«العمل» الذي يبذل لإنتاجها. يقرر ذلك في عنوان الفصل الأول ~~من الباب الخامس، حيث يقول: «إن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية» ~~(ص380). # يكرر ابن خلدون رأيه هذا في عدة مواضع من المقدمة بمختلف ~~العبارات: ~~«الأعمال هي سبب الكسب» (ص365). ~~«كثرة الأعمال سبب للثروة» (ص365). ~~«إن المكاسب إنما هي قيم الأعمال» (ص360). ~~«لا بد من أعمال إنسانية في كل مكسوب ومتمول.» ~~«لا بد في الرزق من سعي وعمل، ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه» ~~(ص381). ~~«الرزق والكسب إنما هو قيم أعمال أهل العمران» (ص289). # لكن ابن خلدون لا يكتفي بتثبيت هذه الحقيقة الأساسية، بل يلاحظ ~~في الوقت نفسه أن العمل أيضا يتبع قانون العرض والطلب، وأن قيمة ~~العمل ترتفع عند زيادة الطلب؛ ولذلك تكون أجور «المتعلمين مرتفعة ~~- بوجه عام - في المدن المستبحرة في العمران.» # لأن مستوى المعيشة يكون - في تلك المدن - مرتفعا بوجه عام؛ ~~فيحتاج العامل فيها إلى نفقات أزيد من التي يستطيع أن يكتفي بها ~~أمثاله في المدن الصغيرة والأرياف. ثم إن المترفين في المدن ~~يترفعون عن خدمة أنفسهم، فيستخدمون جماعة من بني جلدتهم لقضاء ~~حاجاتهم. وفي الأخير، إن كثرة المترفين في المدن المذكورة تجعلهم ~~يتنافسون لاجتذاب العمال، ويعرضون عليهم أجورا مغرية؛ ولذلك كله ~~ترتفع أجور العمل ارتفاعا كبيرا. ~~«إن الصنائع والأعمال أيضا» تكون غالية «في الأمصار الموفورة ~~العمران»، والسبب في ذلك «أمور ثلاثة؛ الأول: كثرة الحاجة لمكان ~~الترف في المصر بكثرة عمرانه. والثاني: اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم ~~وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتها. ms411 والثالث: ~~كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم، وإلى استعمال ~~الصناع في مهنهم. فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة ~~أعمالهم، مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها، فيعتز العمال والصناع ~~وأهل الحرف، وتغلو أعمالهم» (ص363). # وإذا أردنا أن نلخص آراء ابن خلدون هذه، استطعنا أن نقول إن ~~الرزق والثروة نتيجة العمل من حيث الأساس، إلا أن قيمة الأعمال ~~تختلف باختلاف الأحوال الاجتماعية العامة. ~~••• # ولكن ملاحظات ابن خلدون «الاقتصادية-الاجتماعية» في هذه القضية ~~لا تتوقف عند هذا الحد، بل إنه يلاحظ في الوقت نفسه أن بعض ~~الظروف الاجتماعية تجعل بعض الناس يزدادون ثروة دون أن يعملوا ~~عملا؛ وذلك يحدث من جراء تملك بعض الأراضي والعقارات. # لأن الدولة عندما تأخذ في الانحطاط والانحلال؛ تقل رغبة الناس في ~~امتلاك الأراضي والضياع؛ وذلك يؤدي إلى انخفاض أسعارها؛ فيستطيع ~~عندئذ أن يشتريها بعض الأغنياء بأثمان بخسة. ولكن إذا تغيرت ~~الأحوال بعد مدة، وتوافرت للمدينة أسباب العمران؛ ارتفعت أسعار تلك ~~الأراضي والضياع، وأصبح من جراء ذلك بعض الملاك من كبار ~~الأغنياء، دون أن يكونوا قد قاموا بعمل يستوجب مثل هذا ~~الغنى. # وهذه هي النصوص الواردة في مقدمة ابن خلدون حول هذه القضية ~~الاقتصادية-الاجتماعية: ~~«إن تأثل العقار والضياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا ~~يكون دفعة واحدة، ولا في عصر واحد؛ إذ ليس يكون لأحد منهم من ~~الثروة ما يملك به الأملاك التي تخرج قيمتها عن الحد، ولو بلغت ~~أحوالهم في الرفه ما عسى أن تبلغ.» ~~«وإنما يكون ملكهم وتأثلهم تدريجا؛ إما بالوراثة من آبائه ~~وذوي رحمه حتى تتأدى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك، ~~أو يكون بحوالة الأسواق.» ~~«فإن العقار في آخر الدولة وأول الأخرى عند فناء الحامية وخرق ~~السياج وتداعي المصر إلى الخراب؛ تقل الغبطة به لقلة المنفعة فيها ~~بتلاشي الأحوال؛ فترخص قيمتها، وتتملك بالأثمان اليسيرة، وتتخطى ~~بالميراث إلى ملك آخر.» ~~«ولكن المصر إذا «استجد شبابه» بعد مدة باستفحال الدولة ~~الثانية، وانتظمت له أحوال رائقة حسنة، تحصل معها الغبطة في العقار ~~والضياع لكثرة منافعها حينئذ؛ فتعظم ms412 قيمها، ويكون لها خطر لم يكن ~~في الأول. وهذا معنى الحوالة فيها. ويصبح مالكها من أغنى أهل ~~المصر، وليس ذلك بسعيه واكتسابه» (ص367). # إن هذه الملاحظة «الاقتصادية-الاجتماعية» مهمة جدا؛ لأن «تاريخ ~~الآراء والمذاهب الاقتصادية لم يسجل ملاحظة مماثلة لها إلا في ~~أوائل القرن التاسع عشر»، حيث وضع «ريكاردو» الإنجليزي نظريته ~~المشهورة في «ريع الأرض» # Rente ~~. ~~••• # يلاحظ ابن خلدون اختلاف مستويات المعيشة بين المدن الكبيرة وبين ~~المدن الصغيرة، وبين هذه المدن وبين القرى، كما يلاحظ تطور هذه ~~المستويات بتطور الحضارة. # في الواقع إن مستوى المعيشة يختلف في المدينة الواحدة أيضا ~~باختلاف طبقات الناس، ولكن الطبقات المتماثلة في المدن المختلفة ~~تعيش في مستويات تختلف باختلاف عمران المدن المذكورة. ~~«ما كان عمرانه أكثر وأوفر، كان حال أهله في الترف أبلغ» ~~(ص361). # يبحث ابن خلدون هذه الأمور على وجه التفصيل في الفصل المعنون ~~بالعنوان التالي: ~~«في أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق لأهلها، ونفاق ~~الأسواق إنما هو تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة» (ص360). # يقرر ابن خلدون في هذا الفصل «أن الدخل والخرج يتكافئان في ~~جميع الأمصار؛ متى عظم الدخل عظم الخرج، وبالعكس، ومتى عظم الدخل ~~والخرج اتسعت أحوال الساكن» (ص362). # فإننا إذا قارنا مختلف طبقات الناس في مدينة وافرة العمران مع ~~أمثالهم الساكنين في مدينة قليلة العمران؛ وجدناهم «أوسع حالا ~~وأكثر ترفا» منهم بوجه عام. نلاحظ ذلك بكل وضوح عندما نقارن ~~«القاضي مع القاضي، والتاجر مع التاجر، والصانع مع الصانع، والسوقي ~~مع السوقي، والأمير مع الأمير، والشرطي مع الشرطي» في مختلف المدن ~~والأمصار. # يقول ابن خلدون في هذا الصدد ما نصه: ~~«واعتبر ذلك في المغرب مثلا بحال فاس مع غيرها من أمصاره، مثل ~~بجاية وتلمسان وسبتة، تجد بينهما بونا كثيرا على الجملة، ثم على ~~الخصوصيات؛ فحال القاضي بفاس أوسع من حال القاضي بتلسمان. وهكذا كل ~~صنف مع صنف أهله. وكذا أيضا حال تلمسان مع وهران أو الجزائر، وحال ~~وهران والجزائر مع ما دونهما، إلى أن تنتهي إلى المدر الذين ~~اعتمالهم في ضروريات معاشهم ms413 فقط، ويقصرون عنها.» ~~«وما ذلك إلا لتفاوت الأعمال فيها، فكأنها كلها أسواق للأعمال، ~~والخرج في كل سوق على نسبته. فالقاضي بفاس دخله كفاء خرجه، وكذا ~~القاضي بتلمسان. وحيث الدخل والخرج أكثر، تكون الأحوال أعظم. وهما ~~بفاس أكثر؛ لنفاق سوق الأعمال بما يدعو إليه الترف، فالأحوال أضخم. ~~ثم كذا حال وهران وقسنطينة والجزائر وبيسكرة، حتى تنتهي - كما ~~قلناه - إلى الأمصار التي لا توفي أعمالها بضروراتها، ولا تعد ~~في الأمصار؛ إذ هي من قبيل القرى والمدر» (ص361). # ابن خلدون يشمل ملاحظاته هذه إلى طبقة الشحاذين أيضا، حيث ~~يقول: ~~«واعتبر ذلك حتى في أحوال الفقراء والسؤال؛ فإن السائل ~~بفاس أحسن حالا من السائل بتلمسان أو وهران، ولقد شاهدت بفاس ~~السؤال يسألون أيام الأضاحي أثمان ضحاياهم، ورأيتهم يسألون ~~كثيرا من أحوال الترف واقتراح المآكل، مثل سؤال اللحم والسمن ~~وعلاج المطبخ والملابس والماعون كالغربال والآنية، ولو سأل سائل ~~مثل هذا بتلمسان أو وهران لاستنكر وعنف وزجر» ~~(ص361-362). # ثم يتكلم ابن خلدون عن مستوى المعيشة في القاهرة: ~~«ويبلغنا لهذا العهد عن أحوال القاهرة ومصر من الترف والغنى في ~~عوائدهم ما يقضى منه العجب، حتى إن كثيرا من الفقراء بالمغرب ~~ينزعون من النقلة إلى مصر لذلك؛ لما يبلغهم من أن شأن الرفه بمصر ~~أكثر من غيرها. ويعتقد العامة من الناس أن ذلك لزيادة إيثار في أهل ~~تلك الآفاق على غيرهم، أو أموال مختزنة لديهم، وأنهم أكثر صدقة ~~وإيثارا من جميع أهل الأمصار. وليس كذلك، وإنما هو لما تعرفه من ~~أن عمران مصر والقاهرة أكثر من عمران هذه الأمصار التي لديك؛ فعظمت ~~لذلك أحوالهم» (ص362). # أعتقد أن هذه الأمثلة تكفي لتبيين مبلغ نفوذ نظر ابن خلدون وسعة ~~ملاحظاته في الأمور الاقتصادية-الاجتماعية. # ومع هذا أرى أن أسجل هنا ملاحظة «اقتصادية-اجتماعية» غريبة، ~~صادفتها في فصل من فصول الباب السادس من المقدمة. # يعنون ابن خلدون هذا الفصل الطويل بالعنوان التالي: ~~«فصل في إنكار ثمرة الكيمياء، واستحالة وجودها، وما ينشأ عن ~~المفاسد في انتحالها» (ص524). # ويتكلم في هذا الفصل عن «صناعة الكيمياء» ms414 التي كانت ترمي إلى ~~تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة، و«تصيير النحاس والقصدير ~~فضة، والفضة ذهبا»، حسب تعبيره هو، ويفند آراء القائلين بإمكان ~~ذلك، ويسرد أدلة وملاحظات كثيرة للبرهنة على استحالة هذا ~~التحويل. وفي الوقت نفسه يتحرى الأسباب التي تحمل بعض المفكرين ~~على الاعتقاد بهذه الصناعة، وتدفع بعض الناس إلى الاشتغال بها، ~~فيقول في مستهل الفصل: ~~«إن كثيرا من العاجزين عن معاشهم تحملهم المطامع على انتحال هذه ~~الصنائع ، ويرون أنها أحد مذاهب المعاش ووجوهه، وأن اقتناء المال ~~منها أيسر وأسهل على مبتغيه؛ فيرتكبون فيها المتاعب والمشاق، ~~ومعاناة الصعاب، وعسف الحكام، وخسارة الأموال في النفقات» ~~(ص524). # ويقول في آخر الفصل: «وأكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة ~~وانتحالها هو - كما قلناه - العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش، ~~وابتغاؤه من غير وجوهه الطبيعية؛ كالفلاحة والنجارة والصناعة. ~~فيستصعب العاجز ابتغاءه من هذه، ويروم الحصول على الكثير من المال ~~دفعة بوجوه غير طبيعية من الكيمياء وغيرها» (ص531). # ثم يطبق ابن خلدون نظريته هذه على العلماء والمفكرين أيضا، ~~ويذكر بهذه الوسيلة ابن سينا والفارابي، حيث يقول: ~~«وأكثر من يعنى بذلك الفقراء من أهل العمران، حتى في الحكماء ~~من المتكلمين في إنكارها واستحالتها.» ~~«فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان علية الوزراء، فكان من أهل ~~الغنى والثروة. والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر، الذين ~~يعوزهم أدنى بلغة من المعاش» (ص531). # وإذا أردنا أن نعبر عن رأي ابن خلدون في هذه القضية بتعبير ~~آخر، قلنا إن ابن سينا أنكر الكيمياء وقال باستحالتها؛ لأنه كان ~~غنيا، ولكن الفارابي اعتقد بالكيماء وقال بإمكانها؛ لأنه كان ~~فقيرا ومحتاجا. # إن هذا التعليل على ما فيه من غرابة جدير بالتسجيل والتأمل؛ ~~لأنه يدل على شدة ولع ابن خلدون بالبحث عن العلل والدوافع، وهو مما ~~يمكن إلحاقه بالأمثلة الكثيرة التي يذكرها غلاة الماركسية، الذين ~~يحاولون أن يعللوا بالعوامل الاقتصادية حتى الاكتشافات العلمية ~~والتطورات الفكرية. # | التشبيهات المادية # إذا أردنا أن نستدل على عقلية ابن خلدون من دراسة مقدمته، ~~نستطيع أن نقول: إن أبرز صفات تلك ms415 العقلية هي شدة التشوف، ودقة ~~الملاحظة، ونزعة البحث والتعميم، وقدرة الاستقراء. # فإننا نجد في المقدمة كثيرا من الاستقراءات المستندة إلى ملاحظة ~~الواقعات، وقلما نعثر على آثار الاندفاع وراء المجردات، ~~والاسترسال في سبيل الاستنتاجات. # ولعل من أبرز الأدلة على استقرائية ابن خلدون ومشخصية تفكيره؛ ~~كثرة التشبيهات المادية والأمثلة الحسية المنبثة في أبحاث ~~مقدمته. # يصرح ابن خلدون بفوائد الأمثلة الحسية في الكتاب الثاني من ~~تاريخه؛ إنه يشرح الطريقة التي اختارها لعرض «الأنساب» في المقدمة ~~الثانية من الكتاب المذكور، قائلا: ~~«اخترنا - بعد الكلام على أنساب الأمة وشعوبها - أن نضع ذلك على ~~شكل شجرة، نجعل أصلها وعمود نسبها باسم الأعظم من أولئك الشعوب، ~~ومن له التقدم عليهم، فنجعل عمود نسبه أصلا لها، ونفرع الشعوب ~~الأخرى على جانبه من كل جهة، كأنها فروع لتلك الشجرة، حتى تتصل تلك ~~الأنساب عمودا أو فروعا بأصلها الجامع لها، ظاهرة للعيان في ~~صفحة واحدة، فترسم في الخيال دفعة، ويكون ذلك أعون على تصور ~~الأنساب وتشعبها.» ~~«فإن الصور الحسية أقرب إلى الارتسام في الخيال من المعاني ~~المتعلقة» (تاريخ ابن خلدون، ج1، ص21، طبعة محمد مهدي ~~الحبابي). # لم يلجأ ابن خلدون في المقدمة إلى مثل هذه الصور الحسية، لكنه ~~كثيرا ما لجأ إلى التشبيهات المادية التي تقوم مقام الصور الحسية، ~~وتكون «أعون على تصور» القضية وفهمها. # إن هذه التشبيهات المادية تدل - في نظرنا - على خصيصتين من خصائص ~~عقلية ابن خلدون؛ إنها تدل أولا على دقة الملاحظة وتنوعها، ~~وثانيا على واقعية التفكير واستقرائيته. # ولذلك نستعرض فيما يلي أهم هذه التشبيهات: ~~••• # يتكلم ابن خلدون في فصل التصوف عن «الكشف»، ويقول إنه «لا ~~يكون صحيحا كاملا إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة»، ويشبه ذلك ~~بما يحدث في المرآة، قائلا: ~~«ومثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدبة أو مقعرة، وحوذي ~~بها جهة المرئي؛ فإنه يشكل فيها معوجا على غير صورته، وإن ~~كانت مسطحة؛ تشكل فيها المرئي صحيحا.» ~~«فالاستقامة للنفس كالانبساط للمرآة، فيما ينطبع فيها من ~~الأحوال» (ص470). ~~••• # يشبه ابن خلدون قوة العصبية إلى سائر القوى ms416 الطبيعية، ويقول إن ~~أثرها في مركز الدولة أشد منه في أطرافها، ويمثل ذلك بحادثتين ~~طبيعيتين تتعلق إحداهما بقوانين التموجات، وتحوم الثانية حول ~~قوانين انتشار النور: ~~(أ) ~~«شأن الأشعة والأنوار إذا انبعثت من ~~المراكز.» ~~(ب) ~~«والدوائر المتفسحة على سطح الماء من النقر عليه» ~~(ص160). ~~••• # حينما يتكلم ابن خلدون ~~عن النبوة يلتجئ إلى تشبيه مادي يستند إلى حوادث الضوء، ~~فيقول: ~~«النبوة هي النور الأعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب، كما تخمد ~~الكواكب والسرج عند وجود الشمس » (ص101). # حينما يتكلم عن هرم الدول وانقراضها يشبه ذلك بأحوال الشعلة: ~~«وهي تتلاشى إلى أن تضمحل، كالذبال في السراج إذا فني زيته» ~~(ص297). # إنه لا يكتفي بهذا التشبيه الأولي، بل يمضي في سبيل التشبيه إلى ~~أكثر من ذلك أيضا: ~~«ربما يحدث في أواخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع عنها، ~~ويومض ذبالها إيماضة الخمود، كما يقع في الذبال المشتعل؛ فإنه عند ~~مقاربة انطفائه، يومض إيماضة توهم أنه اشتعال، وهو انطفاء» ~~(ص294). ~~••• # يلاحظ ابن خلدون الآثار التي تتركها الوقائع والأحوال الماضية، ~~ويشبه ذلك مرة بالصبغ الراسخ في الثوب، ومرة بأثر الخط الممحو ~~في الكتاب. ~~«إذا تقدمت الحضارة واستحكمت الصنائع في الأمصار؛ بقيت صبغتها ~~ثابتة هناك، حتى عندما يتراجع عمرانها ويتناقص، لا تفارقه إلى أن ~~ينتقض بالكلية حال الصبغ إذا رسخ في الثوب» (ص402). # وبعد أن يتتبع الآثار التي تبقى من عهود ازدهار سابقة على هذا ~~المنوال يقول: ~~«كذا نجد بالقيروان ومراكش وقلعة ابن حماد، أثرا باقيا من ذلك، ~~وإن كانت هذه كلها اليوم خرابا أو في حكم الخراب، ولا يتفطن ~~إليها إلا البصير من الناس، فيجد من هذه الصنائع آثارا تدله على ~~ما كان بها، كأثر الخط الممحو في الكتاب» (ص403). ~~••• # يشبه ابن خلدون - في عدة مواضع - الدولة والسلطان بالسوق، ~~والعلوم والصنائع بالسلع والبضائع، ويقول: ~~«إن الدولة والسلطان سوق للعالم، تجلب إليه بضائع العلوم ~~والصنائع.» # كما أنه يشبه الروايات والأخبار أيضا بالبضائع في بعض ~~الأحوال، حيث يقول: ~~«إذا تنزهت الدولة عن التعسف والميل والأفن والسفسفة، ms417 وسلكت ~~النهج الأمم، ولم تحد عن قصد السبيل؛ نفق في سوقها الإبريز ~~الخالص، واللجين المصفى. وإن ذهبت مع الأغراض والحقود، وماجت ~~بسماسرة البغي والباطل؛ نفق البهرج والزائف» (ص23). ~~••• # في الفصل الباحث عن صناعة النظم والنثر، حينما يتكلم ابن ~~خلدون عن عمل الألفاظ فيها، يلجأ إلى تشبيه مادي طريف: ~~«الكلام بمثابة القوالب للمعاني؛ فكما أن الأواني التي يغترف ~~بها الماء من البحر؛ منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج ~~والخزف، والماء واحد في نفسه. وتختلف الجودة في الأواني المملوءة ~~بالماء باختلاف جنسها، لا باختلاف الماء، وكذلك جودة اللغة ~~وبلاغتها» (ص577). ~~••• # يتكلم ابن خلدون في عدة محلات عن القريحة، ويشبهها بالضرع ~~قائلا: ~~«القريحة مثل الضرع، تدر بالامتراء، وتجف بالترك والإهمال» ~~(ص570). # ويكرر هذا التشبيه عندما يتكلم عن العيون أيضا: ~~«إن فور العيون إنما يكون بالإنباط والامتراء، الذي هو بالعمل ~~الإنساني، كالحال في ضروع الأنعام. فما لم يكن إنباط ولا امتراء؛ ~~نضبت وغارت بالجملة، كما يجف الضرع إذا ترك امتراؤه» ~~(ص382). # حينما يتكلم عن علاقة الحضارة بالدول يقول بوفور العمران في ~~مركز الدولة والمدن المجاورة، ويحاول توضيح رأيه هذا بتشبيه ~~مادي: ~~«ما ذلك إلا لمجاورة السلطان لهم، وفيض أمواله فيهم، كالماء ~~يخضر ما قرب منه من الأرض، إلى أن ينتهي إلى الجفوف على البعد» ~~(ص369). ~~••• # يشرح ابن خلدون كيفية توصل الذهن إلى معرفة الأسباب والمسببات ~~في الفصل الذي يقرر «أن عالم الحوادث الفعلية إنما يتم بالفكر»، ~~ويقول: ~~«فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، ومنهم من ~~لا يتجاوزها، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست، فتكون إنسانيته ~~أعلى.» # ثم يؤيد هذا الإيضاح بتشبيه مادي: «اعتبر ذلك بلاعب الشطرنج؛ ~~فإن في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات أو الخمس - التي ترتيبها ~~وضعي - ومنهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه» (طبعة كاترمير، ص367، ~~ج2). ~~••• # في الفصل الذي يقرر «أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرزق ~~لأهلها، إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة»، يشرح ابن ~~خلدون كيف «أن كثرة المكاسبة تسهل «البذل ~~والإيثار ms418 لمبتغيه»»، ثم يلجأ إلى ~~تشبيه مادي لتأييد رأيه في هذا الصدد وتقريبه إلى الأذهان، ~~قائلا: ~~«مثله بشأن الحيوانات العجم من بيوت المدينة الواحدة، كيف ~~تختلف أحوالها في هجرانها وغشيانها.» ~~«فإن بيوت أهل النعم والثروة والموائد الخصبة منها تكثر بساحتها ~~وأفنيتها، بنثر الحبوب وسواقط الفتات، فيزدحم عليها غواشي النمل ~~والخشاش، وتحلق فوقها عصائب الطيور، حتى تروح بطانا وتمتلئ ~~شبعا وريا. وبيوت أهل الخصاصة والفقراء الكاسدة أرزاقهم لا يسري ~~بساحتها دبيب، ولا يحلق بجوها طائر، ولا تأوي إلى زوايا بيوتهم ~~فأرة ولا هرة، كما قال الشاعر: # يسقط الطير حيث يلتقط الحب # وتغشى منازل الكرماء # فتأمل سر الله تعالى في ذلك، ~~واعتبر غاشية الأناسي بغاشية العجم من الحيوانات، وفتات ~~الموائد بفضلات الرزق والترف وسهولتها على من يبذلها؛ لاستغنائهم ~~عنها في الأكثر لوجود أمثالها لديهم» (ص362). ~~••• # في الفصل الذي يقرر «أن الأمصار التي تكون كراسي للملك تخرب ~~بخراب الدولة وانقراضها» (ص374)، يشرح ابن خلدون الأسباب التي تؤدي ~~إلى انحطاط العاصمة القديمة وازدهار العاصمة الجديدة، ويستعين في ~~هذا الشرح بتشبيه مادي طريف: ~~«إنما ذلك بمثابة «من له بيت على أوصاف مخصوصة، فأظهر من قدرته ~~على تغيير تلك الأوصاف»، وإعادة بنائها على ما يختاره ويقترحه، ~~فيخرب ذلك البيت، ثم يعيد بناءه ثانيا» (ص376). ~~(إن العبارات المحصورة بين قوسين وردت في طبعة كاترمير على الشكل ~~التالي: «من يملك بيتا داخله البلى، والكثير من أوضاعه في ~~مرافقه، لا توافق مقترحه وله قدرة على تغيير تلك الأوضاع») (ص214، ~~ج2). ~~••• # حينما يتكلم ابن خلدون عن صناعة الشعر يشبه الأسلوب بالقالب ~~أو المنوال قائلا: «إن الذهن ينتزع من أعيان التراكيب وأشخاصها ~~صورة ذهنية، يصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال، ثم ينتقي ~~التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصها فيه ~~كما يفعل البناء في القالب، والنساج في المنوال» ~~(ص571). # يكرر ابن خلدون هذا التشبيه عدة مرات، فيقول: ~~«إن مؤلف الكلام هو كالبناء أو النساج، والصورة الذهنية ~~المنطبقة كالقالب الذي يبنى فيه، أو المنوال الذي ينسج عليه. فإن ~~خرج عن القالب في ms419 بنائه، أو عن المنوال في نسجه؛ كان فاسدا» ~~(ص572). ~~••• # في الفصل الذي يقرر «أن العلماء من البشر أبعد عن السياسة ~~ومذاهبها»، يشرح ابن خلدون كيف أن العلماء وأهل الذكاء يعتادون ~~الأنظار الفكرية، ويطيلون التفكير في الأمور المجردة والكلية، ~~ويسترسلون في تعميم الأحكام وقياس الأمور ~~بعضها على بعض، وكيف أنهم ~~يتباعدون عن الحقائق الواقعة، في حين أن العامي المتوسط الذكاء لا ~~يبتعد كثيرا عن المواد المحسوسة. ثم يوضح رأيه هذا بتشبيه ~~مادي: ~~«العامي السليم الطبع المتوسط الكيس - لقصور فكره عن ذلك وعدم ~~اعتياده إياه - يقتصر لكل مادة ~~على حكمها، وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به، ولا ~~يعدي الحكم بقياس ولا تعميم، ولا يفارق في أكثر نظره المواد ~~المحسوسة، ولا يجاوزها في ذهنه. # كالسابح لا يفارق البر عند الموج. قال الشاعر: # فلا توغلن إذا ما سبحت # فإن السلامة في الساحل # فيكون مأمونا من النظر في سياسته، ومستقيم النظر في معاملة ~~أبناء جنسه» (ص451-543). ~~••• # في فصل علم الكلام يشبه ابن خلدون العقل بالميزان، ~~ويقول: ~~«العقل ميزان صحيح، غير أنك لا تطمح أن تزن به أمور التوحيد ~~والآخرة؛ فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان ~~الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال» (ص460). ~~••• # في الفصل الذي يقرر «أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في ~~أصلها» (ص177-182)، يتكلم ابن خلدون عن الرحالة ابن بطوطة، ~~وعما رواه عن أحوال الهند، ويحذر قراءه عن استنكار تلك ~~الروايات، وتأييدا لرأيه هذا يذكر حكاية سمعها من الوزير ~~فارس بن وردار: ~~«قال لي الوزير فارس: إياك أن تستنكر مثل هذا من أحوال الدول بما ~~أنك لم تره، فتكون كابن الوزير الناشئ في السجن؛ وذلك أن وزيرا ~~اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين، ربى فيها ابنه في ذلك المحبس، ~~فلما أدرك وعقل سأل عن اللحمان التي كان يتغذى بها، فقال له ~~أبوه: هذا لحم الغنم. فقال: وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بشياتها ~~ونعوتها، فيقول: يا أبت، تراها مثل الفأر؟ فينكر ms420 عليه ويقول: أين ~~الغنم من الفأر؟ وكذا في لحم ~~الإبل والبقر؛ إذ لم يعاين في محبسه من الحيوانات إلا الفأر، ~~فيحسبها كلها أبناء جنس الفأر» (ص182). ~~••• # إنني أعتقد أن كثرة هذه التشبيهات المادية وتنوعها تدل دلالة ~~واضحة على نزعة من النزعات التي كانت تتصف بها عقلية ابن خلدون، ~~كما ذكرناه في مستهل هذه الدراسة. # | تكملة # جولة بين الكتب والمجلات # | حول نسب ابن خلدون # لقد قلنا - في المقالة التي كتبناها عن حياة مؤلف المقدمة - إن ~~ابن خلدون ينتسب إلى أسرة عربية من حضرموت، نزحت من اليمن إلى ~~الأندلس عند الفتح، ومن الأندلس إلى تونس عند الجلاء. واستندنا في ~~قولنا هذا إلى ما كتبه هو بنفسه في ترجمة حياته الملحقة بتاريخه، ~~وإلى ما دونته جميع كتب التراجم القديمة، منذ عهد النسابة ابن ~~حزم الأندلسي. # ومن الغريب أن بعض الكتاب المعاصرين في مصر أثاروا بعض الشكوك ~~في هذا النسب، من غير أن يستندوا إلى أي دليل علمي كان. # إن أول من أثار هذه الشكوك كان الدكتور طه حسين؛ لأنه ادعى بأن ~~ابن خلدون نفسه كان يشك في صحة نسبه المتواتر. # ثم قام الأستاذ عبد الله عنان، وادعى بأن ابن خلدون ينحدر من ~~أصل بربري. # وأخذ بعد ذلك بعض الكتاب يقتدون بهذين الأستاذين، ويكررون ~~أقوالهما، ويعملون لإدامة الشكوك في نسب ابن خلدون. # ولذلك رأينا من الضروري أن نستعرض الأدلة التي أوردها المشككون ~~في هذا الصدد؛ لنتبين مبلغ حظها من الصحة والإصابة. # 1 # لقد ادعى الدكتور طه حسين في كتابه «فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية»، أن مؤلف المقدمة نفسه كان يشك في صحة نسبه، ~~واستند في ذلك إلى عبارة وردت في التعريف الذي كتبه عن ~~نفسه. # غير أن كل من يقرأ العبارة المذكورة بإنعام؛ يضطر إلى ~~التسليم بأنها لا تؤيد أبدا ما ذهب إليه الدكتور في هذا ~~الصدد. # إن الأستاذ فؤاد أفرام البستاني كان قد فند زعم الدكتور - ~~في الجزء الثالث عشر من الروائع، المنشور سنة 1927 - ~~قائلا: ~~«وهنا يجدر بي أن أزيل شبهة علقت بذهن ms421 الناقد العصري الشهير ~~الدكتور طه حسين، فذهب إلى أن ابن خلدون يشك في صحة أصله ~~العربي هذا؛ بدليل جملة أوردها في أول ترجمته. والواقع أن ابن ~~خلدون يلاحظ نقصا في سرد أسماء جدوده بينه وبين خلدون فقط، ~~ولكنه لا يتكلم عما وراء ذلك، ولا يشك قطعا في صحة نسبته ~~إلى القبيلة الحضرمية. وحسما لكل خلاف نورد كلام ابن خلدون ~~بحرفه: # قال - بعد ذكر جدوده العشرة: «لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير ~~هذه العشرة. ويغلب على الظن أنهم أكثر، وأنه سقط مثلهم عددا؛ ~~لأن خلدون هذا هو الداخل الأندلس. فإن كان أول الفتح؛ فالمدة ~~لهذا العهد سبعمائة سنة، فيكونون زهاء العشرين، ثلاثة لكل ~~مائة، كما تقدم في أول الكتاب الأول. ونسبنا في حضرموت من ~~عرب اليمن إلى وائل بن حجر من أقيال العرب معروف، وله صحبة» ~~(الروائع 13 ابن خلدون، ب). # إننا نعتقد أن هذا النقد وجيه ومصيب تماما، فإن ما كتبه ابن ~~خلدون في هذا الصدد صريح كل الصراحة، إنه لا يشك في انتسابه ~~إلى وائل بن حجر من عرب اليمن في حضرموت، إنما يصرح بأنه ~~يغلب على ظنه أن سلسلة الأجداد التي تربطه برأس الأسرة يجب أن ~~تكون أطول من العشرة المذكورين في رواية النسابة. ومن البديهي ~~أن ذلك لا يعني الشك في النسب بحد ذاته ومن أصله وأساسه. وبعكس ~~ذلك فإن العبارة الأخيرة من الفقرة المذكورة تدل دلالة قطعية ~~على أن ابن خلدون ما كان يشك أبدا في صحة انتسابه إلى عرب ~~اليمن في حضرموت. # 2 # وأما الأستاذ عبد الله عنان فقد أثار مسألة النسب مباشرة، ~~وتعدى حدود الشك أيضا؛ فإنه ادعى - في كتابه «ابن خلدون، ~~حياته وتراثه الفكري» - أن المؤرخ ينتمي إلى أصل بربري. # نشر الأستاذ عنان الكتاب المذكور سنة 1933؛ «لمناسبة انقضاء ~~ستمائة عام على مولد» هذا المفكر العظيم، شرح فيه حياة ابن ~~خلدون وتراثه الفكري والاجتماعي، وعني بتفصيل الحوادث ~~السياسية التي اشترك فيها واتصل بها، كما أنه عني «عناية ~~خاصة بحياته في مصر، وفصلها تفصيلا ms422 وافيا، وشرح علائق ~~المؤرخ بالمجتمع المصري، وما وقع بينه وبين الكتاب المصريين ~~من صنوف الخصومة والجدل شرحا ضافيا». وفي الأخير لخص وعرض ~~ما كتبه الغربيون عن ابن خلدون. # إن الكتاب المذكور هو أوسع الدراسات العامة التي ظهرت عن ابن ~~خلدون في اللغة العربية، فمؤلفه يستحق التقدير والثناء على هذه ~~الخدمة العظيمة. # غير أن تقديرنا لخدمة الأستاذ عنان في هذا المضمار لا يمنعنا ~~من انتقاده بشدة على الرأي الخاص الذي سرده في الكتاب المذكور ~~عن نسب ابن خلدون. # فلنتتبع رأي الأستاذ عنان في هذه القضية بتفصيل. # يقول الأستاذ أولا في فصل «نشأة ابن خلدون» ما يلي: ~~«يرجع ابن خلدون أصله إلى عرب اليمانية في حضرموت، ونسبه ~~إلى وائل بن حجر، ويعتمد في ذلك على رواية النسابة الأندلسي ~~ابن حزم.» ~~«فابن خلدون طبقا لهذه النسبة سليل أصل من أعرق الأصول ~~العربية اليمانية.» ~~«ولكن هناك ما يحمل على الشك في صحة هذا النسب البعيد الذي ~~يدونه ابن حزم لأول مرة في القرن الخامس الهجري، ويقوي هذا ~~الشك لدينا ما نعرفه من ظروف الخصومة والتنافس بين العرب ~~والبربر في الأندلس» (ص13). ~~«وهناك أيضا ما يبعث على التأمل في تعلق ابن خلدون بهذه ~~النسبة العربية؛ وهو أنه في مقدمته يضطرم نحو العرب بنزعة قوية ~~من الخصومة والتحامل، بينا نراه في مكان آخر من تاريخه يمتدح ~~البربر ويشيد بخلالهم وصفاتهم» (ص14). # يعود الأستاذ عنان إلى هذه القضية في الفصل الذي يتكلم فيه ~~عن «علم العمران كما يعرضه ابن خلدون»، عندما يشرح رأي ابن ~~خلدون في العرب، قائلا: ~~«ثم يحدثنا ابن خلدون عن العرب، وحديث ابن خلدون عن العرب ~~طريف شائق، رغم ما يطبعه من شدة وتحامل؛ فالعرب في نظره أمة ~~وحشية، تقوم فتوحهم على النهب والعيث، ولا يتغلبون إلا على ~~البسائط السهلة، ولا يقومون على اقتحام الجبال أو الهضبات ~~لصعوبتها، وإذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب» ~~(ص112). # وبعد إتمام هذا التلخيص على هذا المنوال يقول: ~~«إذا كان ابن خلدون يعتمد في هذه الحملة على كثير ms423 من الأدلة ~~والملاحظات الصادقة، فإنه مع ذلك يبالغ في حكمه على العرب، ~~وتعوزه الحجة في كثير من آرائه، لا يتسع هنا المقام ~~لمناقشته وتفنيد آرائه بإفاضة» (ص113). # ثم يذكر بعض الوقائع التاريخية التي تفند الآراء المذكورة، ~~وبعد ذلك يسعى إلى «تعليل حملة ابن خلدون» هذه قائلا: ~~«قد نفهم سر هذا التحامل الذي يطلق رأي ابن خلدون في العرب ~~بمثل هذه الشدة، إذ ذكرنا أنه - رغم انتسابه إلى أصل عربي - ~~ينتمي في الواقع إلى ذلك الشعب البربري الذي افتتح العرب بلاده ~~بعد مقاومة عنيفة، وفرضوا عليه دينهم ولغتهم، واضطروه بعد طول ~~النضال والمقاومة والانتقاض أن يندمج أخيرا في الكتلة ~~الإسلامية، وأن يخضع راغما لرياسة العرب في إفريقية وإسبانيا، ~~حتى تحين الفرصة لتحرره ونهوضه. والخصومة بين العرب والبربر ~~في أفريقيا وإسبانيا شهيرة في التاريخ الإسلامي، وقد ورث ~~البربر بغض العرب من بعيد. ونشأ ابن خلدون وترعرع في هذا ~~المجتمع البربري، يضطرم بمشاعره وتقاليده وذكرياته، ونشأت فيه ~~أسرته قبل ذلك بمائة عام، ونعمت برعاية الموحدين البرابرة، ~~وتقلبت في نعمهم. فليس غريبا بعد ذلك أن نسمع منه أشد ~~الأحكام وأقساها على العرب» (ص113-114). # ولهذا السبب يزعم الأستاذ عنان أن ابن خلدون «ينطق هنا بلسان ~~الوطن البربري الذي غزاه العرب، وأثخنوا فيه مدى أحقاب، وبسطوا ~~عليه سلطانهم الديني والسياسي، ولبث عصورا يقاتل في سبيل ~~حرياته واستقلاله» (ص114). # وفي الأخير يعود الأستاذ عنان إلى هذه القضية مرة أخرى في ~~فصل «كتاب العبر» أيضا. إنه يلاحظ أن ابن خلدون يفرد في تاريخ ~~البربر فصلا خاصا للتكلم على خلال البربر، فيقول: ~~«لم يعقد ابن خلدون مثل هذا الفصل للتحدث عن خلال أية أمة ~~من الأمم الأخرى، فهو هنا ينم عن هوى خاص، ونعرة بربرية ~~واضحة، وفي ذلك أيضا ما يفسر لنا صرامته في الحملة على ~~العرب، غزاة إفريقية المتغلبين عليها» (ص134). # هذه هي الآراء التي يسطرها الأستاذ عنان حول نسب ابن ~~خلدون. # 3 # يلاحظ من جميع ما تقدم أن الشك الذي يثيره الأستاذ عبد ~~الله عنان حول نسب ms424 ابن خلدون يستند إلى دليل واحد، لا يمت - في ~~حد ذاته - إلى قضية النسب نفسها بأية صلة مباشرة، هذا الدليل ~~هو تحامل ابن خلدون على العرب ومدحه للبربر. كما أن النظرية ~~التي يبديها الأستاذ في هذا الصدد لا تستند إلى دليل غير ~~هذا الدليل. # فنستطيع أن نلخص رأي الأستاذ عبد الله عنان في هذه القضية ~~بالعبارات التالية: # إن ابن خلدون يتحامل على العرب ويتشيع للبربر؛ وذلك يدل ~~على أنه ينتمي إلى الشعب البربري، وأنه لم يكن من أصل ~~عربي. # غير أنني أعتقد بأن الأستاذ عنان يتباعد عن الحقيقة حينما ~~يزعم أن ابن خلدون يتحامل على العرب، كما أنه يتباعد أكثر من ~~ذلك حينما يحاول تعليل هذا التحامل بالتشيع إلى البربر ، ~~ويتباعد عن ساحة الحق تباعدا كليا حينما يستنتج من هاتين ~~المقدمتين أن ابن خلدون ينتمي إلى الشعب البربري. # وأما مصدر هذه الأخطاء كلها، فيرجع - في نظري - إلى عدم ~~انتباه الأستاذ إلى المعنى الخاص الذي يستعمل به ابن خلدون ~~كلمة العرب في فصول مقدمته المختلفة. وبما أني شرحت المعنى ~~المقصود من كلمة العرب في المقدمة في دراسة خاصة مسطورة في هذا ~~الكتاب، وبرهنت فيها على أن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة ~~بمعنى الأعراب؛ فلا أرى لزوما للعودة إلى هذا الموضوع في هذا ~~المقام. # ومع ذلك أرى من المفيد أن أترك قضية هذه الكلمة جانبا، وأن ~~أرد على نظرية الأستاذ عنان بالدليل التالي: # إن معظم العبارات التي تتضمن التحامل على العرب في مقدمة ~~ابن خلدون - مهما كان المعنى المقصود من كلمة العرب - تشمل ~~البربر أيضا، تارة صراحة، وطورا ضمنا؛ وذلك لأن ابن خلدون ~~يشبه العرب بالبربر في عدة مواضع، ويشمل ما قاله عن العرب ~~إلى البربر أيضا بأصرح العبارات. # إنني أدرج فيما يلي طائفة من الفقرات التي تشهد على ذلك ~~شهادة قطعية: ~~(أ) # حينما يتكلم ابن خلدون عن الأمم البدوية التي ~~تعيش على رعي الإبل، يقول: إنهم يكونون «أشد الناس ~~توحشا، وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير ~~المقدور عليه والمفترس من ms425 الحيوان العجم. وهؤلاء ~~هم العرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب، ~~والأكراد والتركمان والترك بالمشرق» ~~(ص121). # يظهر من هذه العبارات بصراحة أن ابن خلدون يعزو ~~إلى ظعون البربر وإلى زناتة «التوحش والنزول ~~منزلة المفترس من الحيوان العجم» - مثل العرب - ~~فكيف يجوز لنا مع ذلك أن نتهمه بالتشيع ~~للبربر؟ ~~(ب) # وحينما يقرر ابن خلدون «أنه إذا كانت الأمة ~~وحشية؛ كان ملكها أوسع»، يعلل ذلك بقوله: ~~«لأنهم ينزلون من الأهلين منزلة المفترس من ~~الحيوانات العجم». ثم يوضح شمول كلامه هذا ~~قائلا: «وهؤلاء مثل العرب وزناتة، ومن في معناهم ~~من الأكراد والتركمان وأهل اللثام من صنهاجة». ~~ويختتم البحث بهذا القول الصريح: «وهذا شأن هذه ~~الأمم الوحشية» (ص145). # من المعلوم أن زناتة وصنهاجة هم من أقوى وأشهر ~~قبائل البربر، فكيف يجوز أن يقال مع ذلك، إن ابن ~~خلدون يتحامل على العرب تشيعا للبربر؟! ~~(ج) # حينما يقول ابن خلدون «إن العرب أبعد الناس عن ~~الصنائع»، يشمل قوله هذا إلى البربر أيضا بصراحة ~~تامة، قائلا: «وعجم المغرب من البربر مثل العرب ~~في ذلك؛ لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين» ~~(ص404). ~~(د) # وفي الفصل القائل «إن المدن والأمصار بإفريقية ~~والمغرب قليلة»، يكتب ابن خلدون عدة فقرات تؤيد ما ~~ذهبنا إليه آنفا بأصرح العبارات: ~~«والسبب في ذلك أن هذه الأقطار كانت للبربر منذ ~~آلاف السنين قبل الإسلام، وكان عمرانها كله ~~بدويا، ولم تستمر فيهم الحضارة ...» ~~«وأيضا فالصنائع بعيدة عن البربر؛ لأنهم أعرق ~~في البدو، والصنائع من توابع الحضارة ...» ~~«فلما لم يكن للبربر انتحال لها، لم يكن لهم ~~تشوق للمباني فضلا عن المدن ... وأيضا فهم أهل ~~عصبيات وأنساب، لا يخلو جمع منهم، والأنساب ~~والعصبية أجنح إلى البدو» (ص357). ~~(ه) # وزيادة على كل ذلك، فإن ابن خلدون يقرن اسم ~~العرب باسم البربر خلال بحثه عن اختلاف أحوال ~~العمران في الخصب والجوع (آخر الصفحة 87)، وفي ~~أبحاثه عن حروب الكر والفر أيضا (ص271). # والحقيقة الناصعة التي لا مجال للشك فيها في هذا ~~الصدد، أن ابن خلدون يقصد من كلمة العرب التي ms426 ~~كتبها في هذه المواضع «البدو والأعراب»؛ ولهذا ~~السبب لا يجد فرقا بينهم وبين البربر من وجهة ~~القضايا التي يشرحها، ويتحامل على البربر أيضا ~~بأقسى العبارات. # 4 # وأما وقائع عصيان البربر على العرب وانتقاضهم عليهم - تلك ~~الوقائع التي أشار إليها الأستاذ عبد الله عنان - فابن خلدون ~~يلاحظها بنزعة علمية خالصة، ويعللها بنظرة اجتماعية دقيقة. ~~إنه يذكرها في الفصل الذي يقرر «أن الأوطان الكثيرة القبائل ~~والعصائب، قل أن تستحكم فيها دولة.» # يعلل ابن خلدون هذه «القاعدة العامة» بقوله: ~~«والسبب في ذلك اختلاف الآراء والأهواء، وأن وراء كل رأي ~~منها وهوى، عصبية تدافع دونها. فيكثر الانتقاض على الدولة ~~والخروج عليها في كل وقت وإن كانت ذات عصبية؛ لأن كل عصبية ممن ~~تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة» (ص164). # ثم يستشهد على ذلك أولا بما حدث في إفريقية والمغرب ~~قائلا: ~~«انظر ما وقع من ذلك في إفريقية والمغرب منذ أوائل الإسلام ~~ولهذا العهد؛ فإن ساكني هذه الأوطان من البربر أهل قبائل ~~وعصبيات، فلم يغن فيهم الغلب الأول شيئا، وعاودوا بعد ذلك ~~إلى الثورة والردة مرة بعد أخرى، وعظم إثخان المسلمين فيهم، ~~ولما استقر فيهم الدين؛ عادوا إلى الثورة والخروج والأخذ ~~بدين الخوارج مرات عديدة.» ~~«وهذا معنى ما ينقل عن عمر أن إفريقية مفرقة لقلوب ~~أهلها، إشارة إلى ما فيها من كثرة العصائب والقبائل، الحاملة ~~لهم على عدم الإذعان والانقياد.» ~~«ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة ولا الشام، إنما كانت ~~حاميتها من فارس والروم، والكافة دهماء، أهل مدن وأمصار. ~~فلما غلبهم المسلمون على الأمر وانتزعوه من أيديهم، لم يبق ~~فيها ممانع ولا مشاق.» ~~«والبربر قبائلهم بالمغرب أكثر من أن تحصى، وكلهم بادية ~~أهل عصائب وعشائر، وكلما هلكت قبيلة عادت أخرى مكانها، وإلى ~~دينها من الخلاف والردة. فطال أمر العرب في تمهيد الدولة بوطن ~~إفريقية والمغرب» (ص164-165). # إنني أعتقد بأن هذا التحليل والتعليل مما يجوز اعتباره ~~نموذجا راقيا للتفسير الاجتماعي البحت، ذلك التفسير والتعليل ~~الذي يرد أهم العوامل الاجتماعية إلى بنية المجتمع، وفقا ~~لما ms427 ذهب إليه جماعة من علماء الاجتماع، مثل إميل دوركهايم ~~وأتباعه في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر. # يتبين من هذه العبارات ومن مجموع الفصل أن ابن خلدون ~~يعلل أمر «مقاومة البربر» بكونهم «بادية وأهل عصائب ~~وعشائر»، ويقول بصراحة تامة إن «كثرة العصائب والقبائل» هي ~~التي حملتهم على عدم الإذعان والانقياد»، ويرى فيهم مثالا من ~~أمثلة «قانون اجتماعي وتاريخي عام»، يقرره بنظرة شيئية # Objectif # بحتة. ~~••• # والقول مع ذلك أن ابن خلدون يتشيع للبربر، ويهاجم العرب ~~تشيعا للبربر، مما لا يتفق مع صراحة النصوص التي نقلناها ~~آنفا. وأما الانتقال من ذلك كله إلى الشك في نسب ابن خلدون، ~~والقول ببربريته - تعليلا لتشيعه المزعوم - فمما يخالف ~~مقتضيات الأبحاث العلمية مخالفة كلية. # | نقد كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية # كتب الدكتور طه حسين أطروحة باللغة الفرنسية عن «فلسفة ابن ~~خلدون الاجتماعية» عندما كان يدرس في باريس، ونشرها سنة 1918، وقد ~~نقلت الأطروحة المذكورة إلى العربية بقلم الأستاذ المحامي عبد ~~الله عنان، ونشرت في مصر القاهرة سنة 1926. # إن الكتاب المذكور يكاد يكون المؤلف الوحيد الذي يشرح نظريات ~~ابن خلدون في الفلسفة الاجتماعية والتاريخ، بشيء من التفصيل، ~~باللغة العربية. # في الواقع إن الأستاذ عبد الله عنان نشر مؤخرا - سنة 1933 - ~~كتابا بعنوان: «ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري»، وتوسع فيه بوجه ~~خاص في شرح صفحات حياته المختلفة، كما اهتم بنقل وتلخيص ما قيل عنه ~~في بلاد الغرب، وأدى بذلك إلى قراء العربية خدمة كبيرة، غير ~~أنه التزم جانب الاختصار فيما يتعلق بآراء ابن خلدون في التاريخ ~~والاجتماع، وحصر كلامه عن ذلك كله في فصل صغير لا يتجاوز عدد ~~صفحاته العشرة؛ لأنه رأى أن يحيل قراءه إلى كتاب الدكتور طه ~~حسين، قائلا: «يستطيع من يريد شرحا وافيا لمقدمة ابن خلدون ~~ونظرياته الفلسفية والاجتماعية أن يرجع إلى رسالة صديقي الدكتور طه ~~حسين «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية»، التي نقلتها إلى العربية» (ابن ~~خلدون حياته وتراثه الفكري، ص110). # ولهذا السبب نستطيع أن نقول إن أطروحة الدكتور طه حسين لا تزال ~~«المرجع الوحيد» لمن ms428 يريد الاطلاع على فلسفة ابن خلدون في التاريخ ~~والاجتماع من مصادر عربية. # ومما يؤسف له كل الأسف أن الدكتور طه حسين كان قد كتب ~~الأطروحة المذكورة، عندما كان حديث عهد بدراسة علم الاجتماع، فلم ~~يكن قد أحاط علما - عندئذ - بنظريات علم الاجتماع وتاريخه الإحاطة ~~الكافية. كما أنه لم يكن قد وجد متسعا من الوقت للتعمق في دراسة ~~مقدمة ابن خلدون التعمق اللازم. # ويظهر أنه كان مدفوعا - في الوقت نفسه - بروح انتقاد عنيفة، ~~حملته على نقد العلماء الغربيين الذين قد «بهرتهم طرافة ابن خلدون» ~~- حسب تعبيره - وجعلتهم يرون فيه فيلسوفا حديثا (ص100). # لقد أخذ الدكتور طه حسين على عاتقه نقد آراء هؤلاء الغربيين ~~المفتونين بابن خلدون وبمقدمة ابن خلدون. # فقد اعتقد جماعة منهم أن ابن خلدون كان «أول من أراد أن يجعل من ~~التاريخ علما»، غير أن الدكتور اندفع في الاعتراض عليهم صائحا: ~~«كلا، إن ابن خلدون لم يفكر في ذلك مطلقا.» # وكذلك «كان قد خلع جماعة منهم على ابن خلدون لقب «العالم ~~الاجتماعي»، واعتبروا عمله «باكورة لما نسميه اليوم علم ~~الاجتماع»، غير أن الدكتور انبرى للرد عليهم قائلا: «كلا، إن ذلك ~~يكون مبالغة كبيرة.» # فيجدر بنا أن نقدم على تمحيص الآراء التي أدلى بها الدكتور ~~طه حسين في كتابه الآنف الذكر بشيء من التفصيل. # 1 ~~(1) # لقد اعتقد عدد من العلماء - ما بين مستشرقين ~~وفلاسفة - أن ابن خلدون «ذلك المفكر الذي ظهر في ~~القرون الوسطى، قد سبق منذ القرن الرابع عشر ~~المذاهب الحديثة التي ترمي إلى جعل التاريخ علما ~~لا فنا أدبيا» (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ~~ص31). # غير أن الدكتور طه حسين اعترض عليهم بشدة، وزعم ~~أن طريقة ابن خلدون في التاريخ خاطئة من ~~أساسها. # وأما الأدلة التي يحاول الدكتور أن يدعم بها ~~رأيه في هذا الصدد، فيمكن أن تلخص في الأمور ~~الثلاثة التالية: ~~(أ) # أن «فررو» كان أول من اعتقد أن ابن ~~خلدون أراد أن يجعل من التاريخ علما. لا ~~ريب في أنه خدع بعبارة وردت في المقدمة ~~يسمي بها ms429 ابن خلدون التاريخ علما. وإلى ~~نفس هذا الخطأ يجب أن ينسب تقدير ~~الأستاذ فلينت الذي اعتمد على ترجمة دو ~~سلان الفرنسية (فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية، ص34). # وهذا خطأ محض؛ لأن كلمة العلم في ~~العربية لا تقابل كلمة # Science # بمعناها الغربي الحالي، بل إنها تدل على ~~«المعرفة» بوجه عام. ~~«فليس ثمة شك في تلك النقطة، وهي أن ~~ابن خلدون لم يفكر مطلقا في أن يجعل من ~~التاريخ علما بمعنى الكلمة. ويظهر ذلك ~~ظهورا كافيا من خطته، وأكثر منه في ~~مقدمته» (ص35). ~~(ب) ~~«وبعد، فما قيمة طريقة ابن خلدون ~~التاريخية؟ إن المسألة الأساسية في ~~التاريخ قد فاتته؛ فهو لا يعنى بالبحث عن ~~المصادر ولا يفحصها، مع أن ذلك أول ما يجب ~~على المؤرخ، ولا يهتم للشكل الذي يجب أن ~~يعرض به المؤرخ الوثائق المستكشفة بعد ~~استيفائها، مع ما لذلك من كبير أهمية» ~~(ص48). ~~«إن ابن خلدون يرى أن قواعد الفحص ~~والتحقيق ترجع إلى أصل واحد، وهو وجوب ~~البحث بطريقة نظرية عما إذا كانت واقعة ~~من الوقائع ممكنة في ذاتها، وعما إذا ~~لم تك مناقضة لطبائع العمران، وأما ~~أن يستكشف الأثر المادي للوقائع، ثم ~~يمتحنه ويستجوبه، فإن ابن خلدون لا يفكر ~~في ذلك، وربما لا يعتقد أن ذلك في حيز ~~الإمكان» (ص32). ~~(ج) # فهذه الخطة التي يضعها ابن خلدون لم ~~تكن ناقصة وغير وافية بالمرام فحسب، بل ~~هي خطة تنطوي على شيء من الدور الباطل ~~والتناقض المنطقي أيضا. ~~«إن التاريخ بحث اجتماعي، وتجب ~~لكتابته وفهمه معرفة المجتمع البشري. وكيف ~~يدرس المجتمع البشري، أبالتاريخ الذي هو ~~ملاحظة سطحية للوقائع؟ أم بالاستعانة بعلم ~~آخر يتكون من ملاحظتها بطريق مباشر؟ ~~يجيب ابن خلدون أن الوسيلة هي الطريقة ~~الأولى. ولكن كيف يمكن الخروج من هذا ~~الدور؟ إنه لا يحاول ذلك، ولو أنه حاول ~~لما استطاع الفوز» (ص49). # وكل ذلك يدل دلالة قطعية - على رأي ~~الدكتور طه حسين - أن طريقة ابن خلدون ~~التاريخية كانت خاطئة من أساسها. ~~(2) # فلندرس بإمعان كل واحد من هذه الأدلة التي بنى ~~عليها الدكتور ms430 طه حسين حكمه البتار في هذا ~~المضمار: ~~(أ) # لا شك في أن استعمال كلمة «العلم» ~~وحدها لا يبرر اعتبار ابن خلدون محاولا ~~لتأسيس علم التاريخ، غير أنه لا مجال للشك ~~أيضا في أن العلماء الذين يشير إليهم ~~الدكتور لم يستندوا في حكمهم لابن خلدون ~~في هذا الصدد إلى تعبير «علم التاريخ» ~~وحده؛ فقد اشتغل الأستاذ فلينت - مثلا - ~~أكثر من ربع قرن بدرس تاريخ فلسفة التاريخ ~~وعلم التاريخ، فاستعرض ونقد كل ما كتب ~~في هذا الصدد في مختلف اللغات، من عهد ~~أرسطو وأفلاطون، حتى أواخر القرن التاسع ~~عشر. فهل يعقل أن يكتب مؤرخ مفكر مثل ~~فلينت ما كتبه عن ابن خلدون مستندا إلى ~~تعبير علم التاريخ وحده، ويقول ما قاله في ~~هذا الصدد مخدوعا بكلمة العلم وحدها؟! ~~فكيف يسوغ لنا أن نزعم بأنه كان مخدوعا ~~بترجمة دو سلان الذي لم ينتبه إلى معنى ~~كلمة «العلم» العام؟ # إنني لا أشك في أن من يدرس مؤلفات ~~فلينت - من تاريخ فلسفة التاريخ في فرنسا ~~وألمانيا، إلى تاريخ فلسفة التاريخ العام ~~- ويطلع على انتقاداته المختلفة، لا ~~يتردد في القول بأن ما كتبه عن ابن ~~خلدون لا يمكن أن يكون مستندا إلى كلمة ~~واحدة، بل لا بد من أن يكون مستندا إلى ~~مجموع آراء ابن خلدون، ومجموع ما جاء في ~~مقدمته المشهورة. # فلنترك «فلينت» وما قاله جانبا، ~~ولننظر في القضية مباشرة؛ بماذا يمتاز ~~العلم عن المعرفة؟ وبتعبير آخر: ما الفرق ~~بين «المعرفة العلمية» وبين «المعرفة ~~العادية»؟ # من المعلوم أن «العلم» يتألف من ~~معارف منسقة تنسيقا يربط الأسباب ~~بالمسببات، ويظهر القوانين الترافقية ~~أو التعاقبية # 1 # Iois de ~~succession et de ~~coexistence # التي تتجلى ~~في الحادثات، والنظرة العلمية للحادثات ~~إنما هي النظرة التي لا تكتفي بملاحظة ~~الوقائع وتسجيلها، بل تسعى لاكتشاف ~~القوانين المتعلقة بتلك الوقائع، وإظهار ~~عللها الموجبة أيضا. # فلنتأمل في رأي ابن خلدون في ~~التاريخ من هذه الوجهة؛ نجد أنه يعتقد ~~بوجود علل وأسباب تؤدي إلى حدوث وقائع ~~التاريخ، كما يعتقد بوجود قوانين عامة ~~تشمل الأمم المختلفة ms431 في جميع الأقطار ~~والأعصار، ونجد أيضا أنه يحاول - في ~~مختلف فصول المقدمة - إظهار هذه القوانين ~~العامة وتبيين تلك الأسباب الموجبة. ولا ~~مجال للشك في أن كل ذلك إنما هو من الصفات ~~الأساسية التي تميز «الأبحاث العلمية» ~~من «المعارف الاعتيادية». # إن العلماء الذين قالوا إن ابن ~~خلدون أراد أن يجعل من التاريخ علما، ~~بنوا قولهم هذا على ما شاهدوه في المقدمة ~~من الملاحظات والمحاولات التي استهدفت ~~اكتشاف تلك القوانين، وبيان تلك العلل ~~والأسباب، لا على معنى واحد من معاني ~~كلمة واحدة، فمهما كان مدلول كلمة «العلم» ~~التي استعملها ابن خلدون في هذا الصدد، ~~فمما لا مجال للشك فيه أن المقدمة - ~~بهيئتها العامة - كانت محاولة صريحة ~~لبحث الوقائع التاريخية بحثا علميا، ~~مهما كان حظ هذه المحاولة من النجاح ~~والإصابة. # وهذا يبرر تماما قول القائلين ~~بأن ابن خلدون كان أول من حاول جعل ~~التاريخ علما. ~~(ب) # لا شك في أن طرائق البحث التي لجأ ~~إليها ابن خلدون كانت محدودة وناقصة، ومن ~~الثابت أنه كان زعم أن المعلومات ~~التاريخية تأتي من الأخبار - المكتوبة أو ~~المروية - وحدها، وأنه كان بقي جاهلا ~~لطريقة استنتاج التاريخ من الآثار. # غير أن كل ذلك لا ينزع صفة ~~«العلمية» عن الأبحاث التي قام بها ابن ~~خلدون، ولو كان في نطاق محدود، وبطريقة ~~غير كاملة. # ومما لا يجهله أحد أن علماء الفلك ~~يستفيدون الآن من وسائل رصد متنوعة، ~~وطرائق بحث مختلفة، ما كان يعرف أسلافهم ~~شيئا منها، بل ولا كانوا يحلمون بها؛ ~~إنهم يبحثون في السماء وفي الأجرام ~~السماوية تحت قبب مراصد مجهزة بجميع ~~الوسائط الميكانيكية والآلات الرصدية، ~~مستفيدين من التلسكوبات القوية ~~والكرونومترات الدقيقة، ومن وسائل التصوير ~~الضوئي، ومن اكتشافات التحليل الطيفي. ولا ~~شك في أن علماء الفلك القدماء الذين ~~خلدوا أسماءهم في تاريخ العلوم - مثل ~~كوبرنيكوس وكبلر - كانوا يجهلون جميع هذه ~~الطرق جهلا تاما. ولا نعدو الحقيقة ~~أبدا إذا قلنا إنهم ما كانوا يتصورون قط ~~أنه سيأتي يوم يتمكن فيه العلماء من ~~مشاهدة العوارض الموجودة على سطح القمر، ~~ويتوصل فيه ms432 البشر إلى معرفة المواد ~~الموجودة في تركيب الشمس والكواكب والسدم. ~~فهل يخطر على بال أحد أن يقول: «إن كبلر ~~كان بعيدا عن فهم الفلك فهما علميا؛ ~~لأنه كان يرى أن قواعد الفحص والبحث في ~~الفلك تنحصر في مشاهدة الأجرام السماوية ~~وتتبع حركاتها؟! وأما أن يحلل أنوار ~~الأجرام السماوية، ويمتحن تلك الأنوار ~~ويستجوبها لمعرفة المواد التي تتركب ~~منها تلك الأجرام، فإن كبلر لا يفكر في ~~ذلك أبدا، بل لم يعتقد بأن ذلك في حيز ~~الإمكان.» # ونحن نقول بلا تردد - قياسا على ~~ذلك - إن عدم توصل ابن خلدون إلى طريقة ~~معرفة التاريخ من الآثار المادية، لا تجرد ~~عمله من صبغته العلمية بوجه من ~~الوجوه. # إن الأمر الذي يترتب علينا في هذا ~~الصدد ليس أن نبحث فيما «إذا كان ابن ~~خلدون قد عرف جميع طرائق البحث في التاريخ ~~أم لم يعرفها»، بل هو أن نبحث فيما إذا ~~كان «قد سار على طريقة علمية في الساحة ~~التي لاحظها والوسائل التي اهتدى إليها، ~~أم ظل بعيدا عن الطرائق العلمية حتى في ~~تلك الساحة وتلك الوسائل نفسها.» # ونحن لا نشك في أن كل تفكير في هذا ~~الاتجاه يضطر الباحث إلى التسليم بأن ~~مقدمة ابن خلدون تستحق مكانا ممتازا ~~جدا في تاريخ علم التاريخ أو تاريخ ~~فلسفة التاريخ. ~~(ج) # وأما الدليل الثالث الذي يسرده ~~الدكتور طه حسين، فهو أهم وأخطر الدلائل ~~التي يمكن تصورها في مثل هذه الأمور؛ ~~لأنه يدعي بوجود تناقض منطقي في طريقة ~~ابن خلدون، فلو صح وجود هذا التناقض؛ ~~لنفى عن عمل ابن خلدون كل صفة علمية ~~بطبيعة الحال. # غير أن ما يزعم الدكتور في هذا ~~الصدد لا ينطبق على آراء ابن خلدون بوجه ~~من الوجوه، كما أنه يخالف الحقائق ~~التاريخية والاجتماعية أيضا من كل ~~الوجوه. # فأولا: يدعي الدكتور طه حسين بأن ~~ابن خلدون يرى أن الوسيلة لدرس المجتمع ~~البشري هي ملاحظة الوقائع التاريخية؛ ~~ولهذا السبب لا يفهم كيف يمكن الاستفادة ~~من علم العمران في درس التاريخ، ما دام ~~هذا العلم نفسه يستند إلى ms433 التاريخ! # غير أن ابن خلدون لم يقل أبدا إن ~~وسيلة دراسة علم العمران هي درس الوقائع ~~التاريخية، بل إنه قال بصراحة تامة إن ~~الوسيلة المذكورة هي درس المجتمعات ~~الحالية والوقائع المشهودة؛ لأنه تكلم ~~في عدة مواضع من الديباجة والمقدمة عن ~~شهادة الحاضر (ص10)، وعند الاستدلال ~~بالماضي المشاهد والقريب المعروف (ص11)، ~~وعن قياس الغائب بالشاهد والحاضر بالذاهب ~~(ص9)، وعن التفطن لشواهد الواقعات وأدلة ~~الأحوال (ص21). كما أنه كتب في معظم فصول ~~الكتاب الأول نفسها أبحاثا كثيرة ~~مستندة إلى ملاحظة المجتمعات الحالية ~~وتطوراتها الحديثة. # في الواقع إن ابن خلدون - خلال ~~أبحاثه المتنوعة - تطرق إلى الماضي ~~البعيد أيضا، غير أن أساس تفكيره في هذا ~~الصدد استند - قبل كل شيء - إلى ملاحظة ~~الحال المشاهد، أو الماضي القريب. # ولهذا السبب نحن نرى أن الدكتور طه ~~حسين عندما ادعى بأن ابن خلدون يستند في ~~علم العمران إلى التاريخ، قد عزا إليه ~~رأيا لم يقل به أبدا، وخطة لم يسلكها ~~قطعا، كما أنه قد تباعد عن الحقيقة ~~تباعدا كليا، عندما توصل من ذلك ~~إلى القول بأن ابن خلدون دخل في مأزق ~~فكري، ووقع في شباك دور باطل غير ~~منطقي. # ونحن نعتقد بأن رأي ابن خلدون في ~~هذه القضية يدل - بعكس ذلك - على عبقرية ~~فذة؛ لأن الرأي المذكور يرفعه إلى مصاف ~~علماء التاريخ والاجتماع الحديثين ~~مباشرة. # ذلك لأن علاقة التاريخ بعلم ~~الاجتماع من المسائل التي اهتم بها ~~العلماء والمفكرون اهتماما شديدا منذ ~~أوائل القرن الحاضر. إنها صارت مرارا ~~موضوع أبحاث هامة في مؤتمرات التاريخ من ~~جهة، وفي مؤتمرات علم الاجتماع من جهة ~~أخرى. وقد خصص لها الكثيرون من علماء ~~التاريخ والاجتماع مقالات كثيرة، وفصولا ~~كبيرة في الكتب والمجلات. نحن لا نرى ~~لزوما لاستعراض وشرح ما كتب في هذا ~~الشأن، فنكتفي بالإشارة إلى ما كتبه في ~~هذا الصدد أحد مشاهير علماء الاجتماع ~~«سيميان» # Simiand ~~، وأحد مشاهير ~~علماء التاريخ «سنيوبوس» # Seignobos ~~؛ ~~فإن الأول نشر مقالا في مجلة «التركيب ~~التاريخي» تحت عنوان «الطريقة التاريخية ~~وعلم الاجتماع»، والثاني كتب مقالا في ~~مجلة ms434 الجامعة بعنوان «علاقة علم الاجتماع ~~بالتاريخ». # هذا وقد أشار سنيوبوس إلى هذه ~~المسألة في الكتاب المشهور الذي ألفه ~~بالاشتراك مع الأستاذ «لانغلوا» # Langlois # بعنوان «مدخل إلى دراسة التاريخ» # Introduction à I’étude de L’histoirs # قائلا: «لأجل أن نتصور الشروط والظروف ~~التي حدثت تحتها وقائع الماضي، يجب أن ~~نبحث عن الشروط والظروف التي تحدث تحتها ~~الوقائع المماثلة لها في الحالة الحاضرة، ~~وذلك بدرس الأحوال البشرية ~~الحالية.» # كما قال «هانري سه» # Henri ~~Sée # في كتابه عن ~~«فلسفة التاريخ» هذا القول الصريح: ~~«إن المؤرخ لا يمكن أن يفهم الماضي ~~حق الفهم من غير أن يأخذ الحال بنظر ~~الاعتبار.» # أليس من الغريب - والحالة هذه - أن ~~يعتبر الدكتور طه حسين محاولة ابن خلدون ~~للاستفادة من علم العمران بالتاريخ ~~محاولة فاشلة، تنطوي على الدور الباطل ~~والضلال المبين؟! # هذا وأستطيع أن أذكر في هذا الصدد ~~دليلا أحسم من كل ذلك أيضا؛ إن كليات ~~التاريخ التي تنشر في فرنسا بعنوان ~~«تطور ~~البشرية» # L’évolution de I’humanitè ~~، تحت رئاسة المؤرخ ~~المفكر «هانري بر» # Henri Berr # خصصت أحد ~~مجلداتها لدرس وشرح أوائل تاريخ الشرق ~~القديم تحت عنوان «من القبائل ~~إلى السلطنات» # Des clans aux empires ~~، وقد اشترك في ~~كتابة هذا المجلد عالم اجتماعي هو الأستاذ ~~«داوي» # Davy ~~، ومؤرخ اختصاصي هو ~~الأستاذ «موره» # Moret ~~. يبدأ المجلد ~~المذكور بمدخل اجتماعي يتكلم عن خدمة ~~علم الاجتماع في فهم التاريخ، ويعطي لذلك ~~مثالا حيا من تاريخ مصر القديم، ونحن ~~نجتزئ بالعبارة التالية من المدخل ~~المذكور: ~~«إن تكون الملكية المصرية كان من ~~المسائل التي تظهر على شكل لغز غامض يصعب ~~تفسيره وتعليله، غير أن هذه المسألة ~~تنورت في السنين الأخيرة بنور كشاف، ~~بفضل المعلومات التي توصل إليها علماء ~~الاجتماع عن نظام الطوتمية # Totemisme # من دراسة المجتمعات البدائية ~~الحالية.» # أفلا يحق لنا أن نقول لذلك إن رأي ~~ابن خلدون في وجوب الاستفادة من علم ~~العمران في التاريخ كان من إلهامات ~~العبقرية، بعكس ما ذهب إليه الدكتور طه ~~حسين تماما؟ # إننا نعتقد أن ابن خلدون دل في ~~هذه القضية ms435 على بصيرة فائقة، وعبقرية ~~خارقة؛ إذ ابتدع طريقة جديدة في درس ~~التاريخ وتفسيره، طريقة لم يقدر ~~أهميتها علماء الغرب ومفكروه، إلا بعد ~~مرور مدة تقرب من ستة قرون. # 2 ~~(1) # لقد اعتقد بعض العلماء الغربيين - ما بين مؤرخين ~~واجتماعيين - أن ابن خلدون قد سبق المفكرين الذين ~~أسسوا علم الاجتماع في القرن الأخير؛ ولذلك ~~منحوه لقب «العالم الاجتماعي»، واعتبروا المقدمة ~~التي كتبها في القرن الرابع عشر باكورة لما نسميه ~~اليوم علم الاجتماع. # وأما الدكتور طه حسين فقد اعترض على آراء ~~هؤلاء أيضا بشدة وقطعية، فلم يسلم باستحقاق ابن ~~خلدون لقب العالم الاجتماعي، حتى إنه لم يوافق على ~~اعتبار مقدمة ابن خلدون باكورة لعلم الاجتماع ~~الحالي. # وأما الأدلة التي يسردها الدكتور في أطروحته ~~لدعم رأيه في هذا المضمار، فيمكننا أن نصنفها ~~ونلخصها كما يلي: ~~(أ) # نرى من قراءة المقدمة أن ابن خلدون ~~لا يشير إلا إلى شكل اجتماعي واحد، هو ~~الدولة المنظمة التي يسميها أحيانا ~~بالشعب، وأحيانا بالأمة. # فموضوع بحثه هو الدولة، وهو أضيق من ~~أن يصلح موضوعا لعلم الاجتماع، فهو جزء ~~منه، وأبعد من أن يكون كلا له (فلسفة ~~ابن خلدون الاجتماعية، ص63). ~~(ب) # يرى ابن خلدون أن الظواهر ~~الاجتماعية لا تختلف عن الظواهر الفردية، ~~وأن من الممكن دائما أن ترد إليها ~~(ص68). # وهو لأجل أن يدرس المجتمع يعتمد على ~~درس الفرد، وبالأخص على درس النظريات التي ~~جاءت بها مباحث ما وراء الطبيعة، والمباحث ~~الكلامية عن الروح البشرية (ص60). ~~(ج) # يدرس ابن خلدون المجتمع ليشرح ~~التاريخ، ولأجل أن يوصف الاجتماع بأنه ~~علم؛ يجب أن يكون مستقلا (ص60). # في الواقع إن ابن خلدون يعتبر علم ~~الاجتماع مستقلا، ومع ذلك يعترف بأنه ~~ليس تام الاستقلال؛ إذ يقول إنه ليس ثمة ~~باعث لوجوده «إلا إيضاح الوقائع التاريخية ~~وتحقيقها» (ص56). ~~(د) # إن واجب الاجتماعي هو أن يفهم ~~المجتمع في حد ذاته مستقلا عن علاقاته ~~بالزمن (ص65)، فكل الأبحاث التي تنظر إلى ~~المجتمع من خلال التاريخ - الذي يمثل ~~الأزمنة الماضية - لا يمكن أن تكون علما ~~اجتماعيا، فلا ms436 تخولنا حق منح صاحبها ~~لقب العالم الاجتماعي. ~~(2) # إن هذه الأدلة تظهر لنا مكثفة ومركزة في ~~العبارات التالية التي يلخص بها الدكتور طه حسين ~~رأيه في مقدمة ابن خلدون من وجهة علم ~~الاجتماع: ~~«المجتمع في أحد أشكاله فقط يفهم على أشد ~~الطرق سذاجة، ويدرس لأجل التاريخ، طبقا لمنهج ~~شديد الاختلال في بعض المواطن، على أنه جم البراعة ~~أيضا. هذه خلاصة ما تحتويه مقدمة ابن خلدون بصفة ~~عامة» (ص62). # يقول الدكتور طه حسين كل ذلك، على الرغم مما ~~قاله عدد كبير من علماء الغرب الذين «افتتنوا ~~بمقدمة ابن خلدون افتتانا كبيرا»، ولم يترددوا ~~في تلقيب مؤلفها بلقب «العالم الاجتماعي»، بل ~~ورأوا وجوب تلقيبه بلقب «مؤسس علم الاجتماع» ~~أيضا. ~~(3) # فعلينا أن ننعم النظر في انتقادات الدكتور طه ~~حسين؛ لنرى مبلغ حظها من الحق ~~والصواب: ~~(أ) # إن ما يدعيه الدكتور من أن موضوع ~~بحث ابن خلدون هو الدولة، ومن أنه لا يشير ~~إلا إلى شكل اجتماعي واحد هو الدولة ~~المنظمة، يخالف الواقع مخالفة ~~صريحة. # ذلك لأن أبحاث «الدولة المنظمة» في ~~مقدمة ابن خلدون تنحصر في باب واحد من ~~أبوابها، وأما الأبواب الأخرى من ~~المقدمة، فتتضمن أبحاثا كثيرة وشائقة ~~عن القبائل والعشائر، والمدن والأمصار، ~~ووسائل الرزق والمعاش، والعلم والتعليم. ~~فالقول - والحالة هذه - إن ابن خلدون لا ~~يبحث إلا عن الدولة، ولا سيما الدولة ~~المنظمة، لا ينطبق على الحقائق الراهنة ~~بوجه من الوجوه. إن نظرة منصفة إلى ~~فهرست فصول المقدمة تكفي لتفنيد هذا الزعم ~~بصورة لا تترك مجالا لأدنى ريب في هذا ~~الشأن. ~~(ب) # وكذلك الأمر فيما يدعيه الدكتور ~~من أن ابن خلدون يرى أن الظواهر ~~الاجتماعية لا تختلف عن الظواهر الفردية، ~~وأن من الممكن أن ترد إليها. # فإنني أعتقد أن هذا الادعاء أيضا ~~يخالف الواقع مخالفة صريحة؛ فإن أبرز ~~الانطباعات التي يحصل عليها علماء ~~الاجتماع عندما يدرسون مقدمة ابن خلدون، ~~هو اهتمام مؤلفها بالمظاهر الاجتماعية ~~اهتماما بارزا، وإهماله العوامل الفردية ~~إهمالا كليا. إن الدراسات التي كتبناها ~~عن آراء ابن خلدون في القسر الاجتماعي من ~~جهة، ms437 وطبائع الأمم من جهة أخرى، تبرهن على ~~ذلك بكل وضوح وجلاء. # وأما القول بأن ابن خلدون لأجل أن ~~يدرس المجتمع يعتمد على الفرد، وبالأخص ~~على درس النظريات التي جاءت بها مباحث ما ~~وراء الطبيعة والمباحث الكلامية عن الروح ~~البشرية، فهو أيضا يخالف الحقائق الراهنة ~~مخالفة كلية؛ لأن ابن خلدون لا يلتجئ إلى ~~شيء من ذلك إلا في الأبحاث المتعلقة ~~بالنبوة والخلافة والإمامة. ومن البديهي ~~أنه لا يحق لأحد أن يحكم على مجموع ~~المقدمة، قياسا على سياق تلك الأبحاث ~~التي ترتبط بالأمور الدينية والأحكام ~~الشرعية، بطبيعتها وموضوعها ارتباطا ~~مباشرا، ولا سيما بعد أن يرى في المقدمة ~~عشرات وعشرات من الأبحاث التي تسير على ~~منهج يخالف ذلك مخالفة قطعية. عشرات من ~~الأبحاث التي تحوم حول «العوائد» التي ~~تتحكم على سلوك الأفراد، و«الأطوار» ~~التي لا تتأثر بإرادات الأفراد، بل تحدث ~~بمقتضى «طبيعة العمران». # إن الدراسة التي كتبناها عن «ابن ~~خلدون وعلم الاجتماع» في هذا الكتاب تشرح ~~ذلك بتفصيل واف، وتكفي لتفنيد رأي ~~الدكتور في هذه المسألة. ~~(ج) # أما قضية تبعية أم عدم تبعية علم ~~الاجتماع للتاريخ، فمما يحتاج إلى ~~تأمل بإمعان، في الواقع إن ابن خلدون ~~فكر في «علم العمران» خلال أبحاثه ~~التاريخية، ودون مسائل هذا العلم عندما ~~تهيأ لكتابة التاريخ، غير أن ذلك لا ~~يبرر القول بأن «ابن خلدون جعل علم ~~العمران تابعا للتاريخ». فإن كل ما قاله ~~وفعله في هذا المضمار يعلمنا بسلسلة ~~الأفكار والملاحظات التي دفعته إلى دراسة ~~علم العمران، ولكنه لا يجعل علم العمران ~~تابعا للتاريخ في حد ذاته؛ لأن المؤلف ~~قد صرح بأن علم العمران مستقل بنفسه، ~~كما أنه جمع مباحث هذا العلم في كتاب خاص ~~منفصل عن مباحث التاريخ الأصلية. إن كل من ~~يدرس هذا الكتاب - الذي عرف باسم ~~المقدمة - يضطر إلى التسليم بأنه لا ~~يرتبط بالكتابين الثاني والثالث من ~~التاريخ ارتباطا فعليا، وبأن فصل ~~الكتاب الأول المذكور عن الكتابين الثاني ~~والثالث، لا يغير شيئا من وضعه ~~أبدا. # فلا يحق لأحد أن ينفي عن علم ~~العمران صفة ms438 علم الاجتماع؛ بحجة أنه يكون ~~جزءا من «كتاب العبر وديوان المبتدأ ~~والخبر»، طالما صرح واضع العلم المذكور ~~بأنه مستقل بنفسه، وطالما عالج مسائل هذا ~~العلم ومواضيعها أيضا بصورة مستقلة عن ~~مباحث التاريخ. # يلوح لنا أن الدكتور طه حسين قد ~~تأثر في هذه القضية تأثرا خاصا من ~~عبارة وردت في المقدمة عن ثمرة علم ~~العمران. قال ابن خلدون: إن ثمرة هذا ~~العلم هي تصحيح الأخبار. واستشهد الدكتور ~~بهذه العبارة عدة مرات، واستنتج منها ~~النتيجة التالية: «علم العمران في نظر ابن ~~خلدون ليس إلا واسطة لتصحيح ~~الأخبار.» # إننا نعتقد أن الدكتور طه حسين ~~تجاوز حدود الحق والحقيقة كثيرا بهذا ~~الاستنتاج؛ لأن ابن خلدون كتب العبارة ~~المذكورة خلال تكلمه عن ابتكار علم ~~العمران. لقد صرح بأنه لم «يقف على ~~الكلام في منحاه لأحد من الخليقة»، وأظهر ~~استغرابه لعدم تفكير الحكماء في مسائل هذا ~~العلم قبله، وحاول أن يعلل ذلك من وجوه ~~عديدة، فقال أولا: «لعلهم كتبوا في هذا ~~الغرض واستوفوه فلم يصل إلينا.» ثم قال ~~بعد ذلك: «لكن الحكماء لعلهم لاحظوا في ~~ذلك العناية بالثمرات، وهذا إنما ثمرته في ~~الأخبار فقط كما رأيت ، وإن كانت مسائله في ~~ذاتها واختصاصها شريفة، ولكن ثمرته تصحيح ~~الأخبار وهي ضعيفة؛ ولهذا هجروه والله ~~أعلم» (مقدمة ابن خلدون، ص38). # يظهر من مطالعة هذه الفقرة بإمعان ~~أن ابن خلدون أشار فيها إلى الفائدة ~~العملية المتوخاة من علم العمران - نقول ~~الفائدة العملية؛ لأننا نجده يستعمل كلمة ~~الثمرة بهذا المعنى في عدة مواضع من ~~المقدمة مثل هذا الموضع - وقال: إن هذه ~~الفائدة العملية هي تصحيح الأخبار ~~التاريخية، وزعم أن هذه الفائدة البسيطة ~~لم تكن كافية لحمل الحكماء على التفكير ~~في مسائل العمران والاجتماع، مع أن هذه ~~المسائل «شريفة في ذاتها ~~واختصاصها». # فكيف يمكن أن يستنتج من ذلك أن ابن ~~خلدون اعتبر علم العمران جزءا من التاريخ ~~وواسطة للتاريخ؟ # من الواضح الجلي أن مسائل العلم ~~شيء، وثمراته شيء آخر. ومن البديهي أن ~~القول بضعف الثمرة لا يستلزم القول بعدم ~~استقلال الموضوع، فما ms439 قاله ابن خلدون عن ~~أسلافه من أنهم «لاحظوا العناية ~~بالثمرات»، لا يجوز أن يتخذ حجة ~~عليه، على الرغم من اعتنائه بعلم العمران، ~~وتصريحه باستقلال هذا العلم. ~~(د) # أما زعم الدكتور طه حسين بأن ~~«واجب الاجتماعي هو أن يفهم المجتمع في حد ~~ذاته، مستقلا عن علاقاته بالزمن»، ~~فمما يعود بنا إلى مسألة «التاريخ وعلم ~~الاجتماع» التي أشرنا إليها آنفا، عندما ~~انتقدنا رأي الدكتور في طريقة ابن خلدون ~~في درس التاريخ. فنكرر القول مرة أخرى ~~بأن رأي الدكتور في هذا الصدد لا يتفق مع ~~الحقائق العلمية الاجتماعية الحديثة بوجه ~~من الوجوه. # فإن واجب العالم الاجتماعي هو عكس ~~ما يدعيه الدكتور طه حسين تماما؛ إن ~~علماء الاجتماع الحديثين لا يدرسون ~~«المجتمع» بصورة عامة مجردة من الزمان ~~والمكان، بل إنهم يدرسون «المجتمعات» ~~المختلفة كما هي موجودة الآن، وكما كانت ~~وجدت في الأزمنة الماضية المختلفة، مع ~~جميع الظروف التي تلابس كل واحد منها، ~~سواء كان من وجهة الزمان أو من وجهة ~~المكان. والمجتمع في وقت معين ومكان معين ~~تحت ظروف معينة، هو الذي يكون موضع دراسة ~~العالم الاجتماعي، وأما القوانين ~~الاجتماعية العامة - التي تشمل عددا ~~كبيرا من المجتمعات من أزمنة وأمكنة ~~مختلفة - فلا يتوصل العلماء إلى ~~اكتشافها إلا بعد دراسة المجتمعات دراسة ~~علمية تامة، على النحو الذي ذكرناه ~~آنفا. # فإذا كان ابن خلدون لم يجرد بعض ~~المجتمعات التي درسها تجريدا تاما عن ~~زمانها، فلا يسوغ لنا أن نعد ذلك منقصة ~~عليه، بل يجب علينا أن نعتبر هذه الخطة ~~مزية عقلية تزيده تقربا من ناحية ~~الأبحاث العلمية الحديثة، بعكس ما زعمه ~~الدكتور طه حسين. # 3 # إن ما قلناه عن رأي الدكتور طه حسين في هاتين القضيتين ~~الأساسيتين - في قضية «ابن خلدون وعلم التاريخ» من جهة، وقضية ~~«ابن خلدون وعلم الاجتماع» من جهة أخرى - يكشف لنا صفتين من ~~الصفات التي تتميز بها الأطروحة التي كان نشرها سنة 1918 عن ~~فلسفة ابن خلدون الاجتماعية: # أولا: # عدم التعمق في درس المقدمة درسا ~~حياديا. # ثانيا: # عدم ملاحظة تطورات علم الاجتماع ms440 ملاحظة ~~شاملة. # يظهر أن الدكتور طه حسين كان قد تمسك برأي واحد من الآراء ~~المتضاربة التي قال بها علماء الاجتماع، واعتبر كل ما يخالف ~~ذلك خارجا على العلم، ومنافيا ~~لروح علم الاجتماع، من غير ~~أن يلاحظ أن ذلك الرأي قد يكون مخالفا لآراء جماعات أخرى من ~~علماء الاجتماع الحديثين، ومن غير أن يلاحظ أن استحقاق ابن ~~خلدون لقب «العالم الاجتماعي» لا يتبع موافقته أو عدم موافقته ~~لمذهب واحد من مذاهب علم الاجتماع الحديث. # إن مقارنة بسيطة بين المفكرين الذين يلقبون عادة بلقب ~~العالم الاجتماعي - من «أوكوست كونت» الذي عمد علم الاجتماع ~~باسم السوسيولوجي، إلى «إميل دوركهايم» الذي أوصل نظرية ~~استقلال الواقعة الاجتماعية إلى أقصى حدودها، مارا ب «هربرت ~~سبنسر» الإنجليزي، «وغبرييل تارد» الفرنسي، و«هنري بر» ~~الألماني، و«جيدينس» الأمريكي، و«فيلفر دوباره تو» الإيطالي - ~~إن مقارنة بسيطة بين هؤلاء العلماء تكفي لإقناعنا بأنه لا ~~يحق لأحد أن ينكر هذا اللقب على ابن خلدون، مستندا إلى ~~الملاحظات التي أبداها الدكتور طه حسين في أطروحته. # هذا ونحن نجد في كتاب الدكتور طه حسين عن «فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية» مآخذ كثيرة مماثلة لما ذكرناها آنفا ، ولكننا ~~لا نرى لزوما لسردها وتفنيدها جميعا، بعد الانتقادات التي ~~سردناها في هاتين القضيتين الأساسيتين؛ قضية ابن خلدون وعلم ~~التاريخ من جهة، وقضية ابن خلدون وعلم الاجتماع من جهة ~~أخرى. # ومع هذا نرى من الضروري أن نقف قليلا على ما جاء في الكتاب ~~المذكور حول قضية المصادفة والمعجزة. # فقد قال الدكتور طه حسين بعد أن شرح رأي ابن خلدون في ~~المصادفة: ~~«ولئن لم يقر المصادفة فإنه يقر بمبدأ آخر، أبلغ تقويضا ~~لقانون السبب من المصادفة، ويريد بذلك التأثير الخارق للعادة» ~~(فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ص41). # صحيح أن ابن خلدون كان يعتقد بالمعجزات، وكان يقر بتأثيرها ~~«الخارق للعادة»، ولكننا - مع اعترافنا بذلك - لا نوافق ~~الدكتور على قوله: «إن إقرار هذا المبدأ هو أبلغ تقويضا ~~لقانون السبب من المصادفة.» # لأن المصادفة - حسب المعنى المفهوم منها - قد تحدث في كل ~~حين؛ ولذلك تناقض ms441 قانون السببية على خط مستقيم، ولكن المعجزة - ~~حسب المعنى المتعارف عنها - لا تحدث إلا في بعض الأدوار، وفي ~~أحوال نادرة جدا، فلا تنفي قانون السببية نفيا باتا، وإن ~~خرجت عليه وشذت عنه. # فإن القول بالمصادفات يعني إنكار وجود قانون السبب من أساسه، ~~ولكن القول بالمعجزات لا يعني إنكار هذا القانون، إنما يعني ~~وجود «شواذ» تخرج عن نطاق شموله. # فإذا راجعنا تواريخ العلوم المختلفة؛ نجد فيها أمثلة كثيرة ~~على ذلك؛ إن قانون السببية لم يتقرر - في ساحة من ساحات ~~البحث والنظر - إلا بعد استبعاد مبدأ المصادفة من تلك الساحة. ~~وأما فكرة المعجزة فقد عاشت بجانب قانون السببية في مختلف ~~ساحات الطبيعة لمدد غير يسيرة. # إذا ألقينا نظرة عامة إلى تاريخ تقدم الأفكار البشرية؛ ~~وجدنا أن المفكرين عندما قالوا بمبدأ السببية، وحاولوا أن ~~يستكشفوا قوانين الطبيعة على ضوء هذا المبدأ، لم يعتبروه ~~جاريا على كل شيء بدون أي استثناء في أي حال من الأحوال، بل ~~إنهم قرروا هذا المبدأ تدريجيا، ووسعوا ساحة شموله شيئا ~~فشيئا، حتى إن علماء الفلك أنفسهم عندما اكتشفوا قانون الجذب ~~العام، وحاولوا تعليل وتفسير حركات الأجرام السماوية بهذا ~~القانون - بعد ابن خلدون بعدة قرون - لاحظوا بعض الشذوذ في ~~حركات الأجرام السماوية، ولما لم يستطيعوا تفسير هذه الحركات ~~بمقتضيات قانون الجذب العام؛ ذهبوا إلى أن نظام العالم يسير ~~إلى الاختلال لو لم تتعهده «قدرة خارقة» تنظمه وتشده من ~~جديد من وقت إلى وقت، وبالأحرى من دهر إلى دهر، كما ننصب نحن ~~ساعاتنا ونشدها؛ لضمان سيرها بدون توقف. إن «نيوتن» العظيم ~~نفسه أبدى هذا الرأي إتماما لقانون الجذب العام الذي اكتشفه ~~بعبقريته الفذة. فهل رأى الدكتور طه حسين من يقول إن نيوتن ~~اكتشف قانون الجذب العام، غير أنه قرر نظرية تقوض هذا ~~القانون؟ # وكذلك علماء الكيمياء الذين اكتشفوا قوانين التفاعلات ~~الكيماوية، وتتبعوا علل تلك التفاعلات، ظنوا - في بادئ الأمر ~~- أن حدود تلك القوانين والعلل تقف عند عتبة الحياة، وبتعبير ~~آخر: اعتقدوا أن الحياة تخرق قوانين الكيمياء، وأن القوى ~~الحيوية لا ms442 تتقيد بقيود تلك القوانين. فهل رأينا من يقول إن ~~هؤلاء العلماء كانوا يقرون بمبدأ يقوض قانون السببية؟ # إن المفكرين والعلماء الذين اكتشفوا علل الحادثات الطبيعية ~~لم ينفوا المعجزات نفيا باتا، حتى خلال القرن التاسع عشر؛ ~~فإن «تقويض قانون السببية شيء»، وقبول مبدأ «المعجزة التي تشذ ~~عن قوانين الطبيعة في أحوال فوق العادة، بإرادة الخالق ~~ومشيئته» شيء آخر. # إنني لا أقول بوجوب قبول هذا المبدأ وهذا الرأي، غير أنني ~~أود أن أشير إلى هذه الحقيقة الراهنة؛ إن علماء الطبيعة أنفسهم ~~لم يتخلصوا من مثل هذه الاعتقادات والاستثناءات مدة قرون ~~طوال، فلا يحق لنا أن نلوم ابن خلدون على اعتقاده بالمعجزات، ~~إلى درجة اتهامه بقبول مبدأ «يقوض قانون السببية». # 4 # هذا ونرى من الواجب علينا أن نناقش كتاب الدكتور طه حسين من ~~وجهة نظره إلى أخلاق ابن خلدون السياسية أيضا. # من المعلوم أن حياة ابن خلدون السياسية حياة معقدة مليئة ~~بالمغامرات والتقلبات، والدكتور طه حسين يصف تلك الحياة ~~بتعبيرات قاسية جدا، ويمضي في هذا السبيل إلى درجة القول: ~~«إن الوطن في نظره (أي في نظر ابن خلدون) هو حيثما استطاع ~~العيش في رغد واعتبار .» # إننا نعتقد أن قياس ~~أخلاق رجال القرون الماضية - من وجهة السلوك السياسي والشعور ~~الوطني - بمقاييسنا الحالية لا يتفق مع مقتضيات البحث العلمي ~~بوجه من الوجوه؛ لأن مفهوم الوطن من المفهومات التي تطورت ~~تطورا كبيرا على مر الأزمان، تبعا لتطور الأحوال ~~السياسية والاجتماعية. فإن مفهوم الوطن في المدن اليونانية ~~مثلا كان يختلف اختلافا كليا عما صار إليه في القرون ~~الوسطى، كما أن مفهوم الوطن الحالي يختلف اختلافا جوهريا ~~عما كان عليه خلال تلك القرون، وعما كان عليه في تلك المدن ~~في وقت واحد. # ومن المفيد لنا أن نتذكر - في هذا الصدد - ما كان يحدث في ~~أوروبا نفسها خلال العصور التي عاش فيها ابن خلدون؛ من المعلوم ~~أن البلدان والأقطار كانت تنتقل عندئذ من حكم إلى حكم، ومن ~~مملكة إلى مملكة؛ من جراء زواج الملوك ومصاهرة الأمراء ~~والبيوت المالكة. وكانت ms443 المقاطعات ينضم بعضها إلى بعض، أو ~~يفترق بعضها عن بعض، كما تنضم أو تفترق الأموال المنقولة أو ~~غير المنقولة تبعا لحقوق الملوك والأمراء في الإرث من جهة ~~الآباء أو من جهة الأمهات تارة، ومن جهة الأزواج أو من جهة ~~الزوجات طورا. ومن الطبيعي أن هذه الحالة ما كانت تترك مجالا ~~لتكوين «الروح الوطنية» بالمعنى الذي نفهمه الآن؛ ولذلك كان ~~الأمراء يحاربون تحت أعلام مختلفة في خدمة ملوك مختلفين حسب ما ~~تقتضيه الظروف، فكانوا يحاربون اليوم من كانوا يدافعون عنهم ~~بالأمس، ويعادون من كانوا حاربوا تحت لوائهم قبل مدة ~~وجيزة. # إن المؤرخ المعاصر «لويس ~~هالفين» # Louis Halphen # يذكر مثالا بارزا على ذلك في سلوك ~~«الكونت دو ~~فلاندر» # Comte de Flandre ~~، ويعلمنا بأنه كان تابعا لملك ~~فرنسا، ومع هذا كان قد حارب تحت راية إمبراطور ألمانيا فردريك ~~بارباروس، كما أنه قدم يمين الطاعة إلى ابن ملك إنجلترا ~~هانري الشاب، واشترك في بعض المؤتمرات والمؤامرات مع أمراء ~~الألمان تارة، ومع أمراء الإنجليز طورا. # إن المؤرخ المومأ إليه عندما يذكر ذلك يقول: «إن في ذلك ~~العهد، ما كان لأحد أن يستفظع هذا السلوك، حتى ولا أن ~~يستغربه.» # L’essor de l’Europe, par Louis ~~Halphen, page 237. # يقول لويس هالفن ذلك ؛ لأنه يدرك أن تلك الحالة كانت من خصائص ~~عهد بأجمعه، لا من سوء خلق رجل خارج عن أخلاق عصره. # ويجدر بنا أن نذكر - كذلك - حياة مؤرخ أوروبي عاش في نفس ~~العصر الذي عاش فيه ابن خلدون، نعني بذلك «فرواسار» # Froissart # الذي يعد من ~~أشهر الإخباريين # Chroniqueur # الأوروبيين، ومن كبار الأدباء والشعراء الفرنسيين. # هناك موازاة غريبة بين حياة فرواسار وبين حياة ابن خلدون؛ ~~لقد ولد فرواسار بعد ولادة ابن خلدون بخمس سنوات (1337)، ~~ومات بعد موت ابن خلدون بأربع سنوات (1410)، وكتب «أخباره» ~~عندما كان ابن خلدون يكتب «تاريخه». أتم فرواسار الكتاب الأول ~~من «الأخبار» سنة 1378، وأتم الكتاب الرابع والأخير منها سنة ~~1390. فيحق لنا أن نقول لذلك إن فرواسار كان معاصرا لابن ~~خلدون معاصرة تامة وإن لم يتعرف إليه، ms444 حتى ولو لم يسمع ~~باسمه؛ بسبب الانفصال الكلي الذي كان قد حدث عندئذ بين العالم ~~الإسلامي والعالم الأوروبي. # فلنلق نظرة عامة على حياة هذا الشاعر الإخباري الذي عاش ~~وكتب في أوروبا، في نفس القرن الذي عاش وكتب فيه ابن خلدون في ~~أفريقيا؛ نجد أن فرواسار كان قد تقلب في خدمة عدة بلاطات، ~~وعاش تحت رعاية عدة أمراء من أجناس متحالفة ومتعادية؛ إذ كان ~~بين الملوك والأمراء الذين خطب عطفهم وتملقهم وامتدحهم ~~الإنجليزي والبافاري والبلجيكي والفرنسي. كما نجد في حياة ~~المومأ إليه ما هو أخطر من ذلك أيضا؛ إنه كتب الكتاب الأول من ~~الأخبار متشيعا للإنجليز في بادئ الأمر، ولكنه بعد خمس ~~سنوات - أي بعدما تظلل بحماية أمير «نامور»، وعلى الأخص أمير ~~«بلووا» - أعاد النظر فيها، وجعلها أكثر ملاءمة لأعداء ~~هؤلاء! # إن الذين يكتبون ذلك في حياة فرواسار، يقولون إن في ذلك ~~العهد ما كان في استطاعة أي كاتب ومفكر أن يعيش من غير أن ~~يتظلل برعاية أحد من رجال الجاه والنفوذ. # ولا حاجة للبيان أن البيئة التي عاش وعمل فيها ابن خلدون، ~~كانت أردأ بكثير من البيئة التي عاش وكتب فيها فرواسار، ولا ~~حاجة للبرهان على أن مثل تلك البيئات ما كانت تساعد على تكوين ~~شعور قومي وطني بالمعنى الذي نألفه الآن. # إن الشعور الوطني - في عهد ابن خلدون - كان ينصرف بطبيعته ~~إلى أحد الأمرين التاليين؛ الوطن الأصغر الذي ينحصر في مسقط ~~الرأس وموطن الأسرة ومسرح الصبا وحده، والوطن الأكبر الذي يشمل ~~ديار الإسلام بأجمعه. وأما مفهوم الوطن الذي يتحدد بالوحدة ~~القومية والوحدة السياسية، فما كان من الممكن أن ينشأ ويتكون ~~خلال تلك العصور؛ نظرا لكثرة الأسر المالكة وقصر أعمارها، ~~ونظرا لعدم استقرار حدود الممالك وسرعة تفكك أوصالها. # فإذ قلنا إن الوطن كان في نظر ابن خلدون «حيثما استطاع العيش ~~في رغد واعتبار»، لا نكون قد تعدينا عليه تعديا فادحا ~~فحسب، بل نكون في الوقت نفسه قد سهونا عن أهم الحقائق ~~التاريخية والاجتماعية في تطور مفهوم الوطن. # يجب علينا ألا ms445 ننسى أن البلاد التي تنقل ابن خلدون فيها ~~وتقلب بين حكوماتها، كانت كلها إسلامية عربية، فإذا وجدناه ~~لا يفرق بين هذه الحكومات المختلفة؛ فلا يجوز لنا أن نعتبر ~~ذلك دليلا على أنه ما كان يرمي إلى شيء غير العيش في رغد ~~واعتبار. # وربما كان من الضروري أن نشير في هذا الصدد إلى ما حدث له ~~عند سفره إلى إشبيلية؛ إن ملك القشتاليين طلب إليه أن يبقى في ~~خدمته، ووعده بإعادة أملاك أسرته، ولكن ابن خلدون أبى الإجابة ~~على هذا الطلب. ابن خلدون الذي لم يتردد في الانتقال من خدمة ~~أسرة إلى أخرى من فاس إلى القاهرة، أبى أن ينتقل إلى خدمة ~~ملوك قشتالة في إشبيلية، على الرغم من المنافع المادية التي ~~عرضت عليه لإغرائه. # وذلك يدل دلالة واضحة على أن الوطن في نظر ابن خلدون لم ~~يكن حيثما استطاع العيش في رغد واعتبار، وإن لم يكن أيضا ما ~~نفهمه من هذه الكلمة الآن. # 5 # يوجه الدكتور طه حسين إلى ابن خلدون تهمة خطرة جدا من ~~وجهة «الأمانة العلمية» أيضا. فيجدر بنا أن ندرس هذه التهمة ~~بإنعام، ونناقشها باهتمام: ~~(1) # لقد ذكر ابن خلدون في سيرة حياته العلوم التي ~~تلقاها والكتب التي درسها في حداثته وصباه، ولكن ~~الدكتور طه حسين يرتاب في صحة ما كتبه ابن خلدون ~~في هذا الصدد، ويعتقد «أن ابن خلدون لم يعرف من ~~بعض الكتب التي ذكرها إلا أسماءها»، ويدعي بأنه ~~إنما ذكرها بقصد التمدح والتفاخر؛ «لكيلا يبدو ~~أقل شأنا من منافسيه أساتذة الأزهر.» # يحاول الدكتور البرهنة على رأيه هذا بما جاء في ~~مقدمة ابن خلدون من جهة، وفي ترجمته من جهة أخرى ~~عن كتابين؛ أحدهما في الأدب، والثاني في ~~الفقه. # فلنقرأ أولا ما كتبه الدكتور في هذا الصدد بكل ~~إمعان: ~~«يذكر لنا (ابن خلدون) في ترجمته أن الكتب التي ~~درسها في حداثته وصباه كانت نادرة في تونس، وهذا ~~هو السبب في أن عددها بالتفصيل، لا سيما وأنه ~~كتب ترجمة حياته في القاهرة، حيث كان من المحتوم ~~عليه ms446 ألا يبدو أقل شأنا من منافسيه أساتذة ~~الأزهر. وقد أمدنا ابن خلدون نفسه بداعي ذلك ~~الريب، وهو يقرر لنا مثلا أن مختصر ابن الحاجب ~~(1175-1245) كان من بين الكتب التي يقول إنه درسها ~~في تونس، ويعده ضمن كتب الفقه المالكي في ترجمته ~~وفي مقدمته، مع أن مختصر ابن الحاجب ليس كتاب فقه، ~~بل هو كتاب في «أصول الفقه»، وهو مؤلف جم ~~الانتشار، لا يزال يدرس في الأزهر حتى يومنا ~~هذا، ومؤلفه مالكي المذهب، ولكنه لم يقتصر على ~~الكلام على الفقه المالكي، بل شرح مبادئ التشريع ~~في المذاهب كلها، وهو علم خاص ...» ~~«وفي وسعنا أن نرتاب أيضا في ما يقرره المؤلف ~~بشأن كتاب الأغاني الشهير؛ فإنه في ترجمته يزعم ~~أنه استظهر جزءا منه، وفي مقدمته يندب استحالة ~~الحصول على نسخة منه. وعلى هذا فإنا نعتقد أن ~~ابن خلدون لم يعرف منه سوى الاسم» (فلسفة ابن ~~خلدون الاجتماعية، 12). # يظهر من ذلك أن نظرية الدكتور طه حسين في هذا ~~الصدد تستند إلى القضيتين التاليتين: # أولا: # يزعم ابن خلدون أن مختصر ابن الحاجب ~~كتاب في الفقه المالكي، في حين المختصر ~~المذكور كتاب في أصول الفقه. # ثانيا: # يندب ابن خلدون في مقدمته استحالة ~~الحصول على نسخة من كتاب الأغاني، وذلك ~~يناقض ما قاله في ترجمته من أنه استظهر ~~جزءا من الكتاب المذكور. # فلنرجع إلى المقدمة لنر مبلغ وجاهة ملاحظات ~~الدكتور في هاتين القضيتين: ~~(2) # لقد كتب ابن خلدون في فصل علم الفقه من المقدمة ~~- بعد أن استعرض أمهات الكتب المتعلقة بالفقه بوجه ~~عام، وبالفقه المالكي بوجه خاص - ما يأتي: ~~«جمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل ~~والخلاف والأقوال في كتاب النوادر، فاشتمل على ~~جميع أقوال المذاهب، وفرع الأمهات كلها في ~~هذا الكتاب، ~~ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة، ~~وزخرت بحار المذهب المالكي في الأفقين إلى انقراض ~~دولة قرطبة وقيروان، ثم تمسك بها أهل المغرب بعد ~~ذلك، إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب، لخص ~~فيه طرق أهل المذهب في كل ms447 باب، وتعديد أقوالهم في ~~كل مسألة؛ فجاء كالبرنامج للمذهب.» ~~«وكانت الطريقة المالكية بقيت في مصر من لدن ~~الحارث بن مسكين وابن المبشر ...» ~~«ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب، لكنه ~~جاء بعد انقراض دولة العبيديين، وذهاب فقه أهل ~~البيت، وظهور فقهاء السنة من الشافعية والمالكية. ~~ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة؛ ~~عكف عليه الكثير من طلبة المغرب، وخصوصا أهل ~~بجاية، لما كان كبير مشيختهم أبو علي ناصر الدين ~~الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب، فإنه كان قرأ ~~على أصحابه بمصر، ونسخ مختصره ذلك فجاء به، وانتقل ~~بقطر بجاية في تلاميذه، ومنهم انتقل إلى سائر ~~الأمصار المغربية. وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد ~~يتداولون قراءته ويتدارسونه؛ لما يؤثر عن الشيخ ~~ناصر الدين من الترغيب فيه. وقد شرحه جماعة من ~~شيوخهم كابن عبد السلام، وابن رشد، وابن هارون» ~~(ص450-451). # يلاحظ من هذه الفقرات أن ابن خلدون يدون ~~تفصيلات وافية عن كتاب ابن الحاجب؛ يذكر تاريخ ~~وصول الكتاب إلى البلاد المغربية، ويشرح كيفية ~~ذيوعه فيها، حتى إنه لا يسهو عن ذكر اسم الشيخ ~~الذي أتى به من مصر وعمل على نشره في المغرب، كما ~~يذكر أسماء الذين شرحوا الكتاب المذكور من مشايخ ~~تونس. # فنحن نستبعد جدا أن يكتب ابن خلدون كل هذه ~~التفاصيل عن كتاب لم يقرأه، كما أننا نلاحظ أن ابن ~~خلدون لا يذكر الكتاب المذكور بين أمهات الكتب، بل ~~يصرح بأنه من المختصرات التي يتدارسها طلبة ~~العلم في جميع أنحاء المغرب. فلا نفهم ما هو وجه ~~«التفاخر» الذي يمكن أن يرمي إليه ابن خلدون من ~~القول بأنه «درس الفقه المالكي في كتاب مختصر ~~معروف ومتداول بين طلبة العلوم في المشرق ~~والمغرب؟!» # ولذلك نرى من الضروري أن نتعمق في درس هذه ~~القضية قبل أن نبت في نظرية الدكتور طه حسين؛ ~~فنتساءل أولا: ألم يكتب أبو عمرو بن الحاجب ~~كتابا غير هذا الكتاب الذي عرفه الدكتور، وقال ~~عنه إنه جم الانتشار بين طلبة الأزهر، وإنه لا ~~يزال يدرس حتى يومنا هذا؟ ms448 # إن هذا السؤال البسيط يلقي على القضية نورا ~~كاشفا، ويزيح عنها جميع دواعي الشكوك. # إننا نجد جوابا شافيا لهذا السؤال في فصول ~~المقدمة نفسها؛ فقد قال ابن خلدون في فصل أصول ~~الفقه، بعد أن استعرض أمهات الكتب المعلقة ~~بها: ~~«ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين ~~المتأخرين، وهما الإمام فخر الدين بن الخطيب في ~~كتابه المحصول، وسيف الدين الآمدي في كتاب ~~الإحكام.» ~~«أما كتاب الإحكام للآمدي فهو أكثر تحقيقا ~~للمسائل، فلخصه أبو عمرو بن الحاجب في كتابه ~~المعروف بالمختصر الكبير، ثم اختصره في كتاب آخر ~~تداوله طلبة العلم، وعني أهل المشرق والمغرب به، ~~وبمطالعته وشرحه» (ص455-456). # يظهر من ذلك أن ابن خلدون ذكر أبا عمرو بن ~~الحاجب مرة في عداد مؤلفي الفقه، ومرة في عداد ~~مؤلفي أصول الفقه؛ لأن المؤلف المومأ إليه ألف ~~كتابا في الفقه، وآخر في أصول الفقه! # ومما يزيد القضية وضوحا وغرابة، أن ابن خلدون ~~ذكر ابن الحاجب في المقدمة في أربعة مواضع أخرى - ~~غير الموضعين السالفي الذكر - (ص521 و532 و547 ~~و579). ومن المهم جدا أن ننعم النظر فيما قاله ~~ابن خلدون في الموضع الأخير. # يعترف ابن خلدون في فصل «ملكة الشعر» أنه «يجد ~~استصعابا في نظم الشعر متى يرومه»، مع «بصره ~~به وحفظه للجيد من الكلام في القرآن والحديث ~~وفنون من كلام العرب»، ثم يعلل ذلك بتأثير ما ~~سبق وحفظه من «الأشعار العلمية والقوانين ~~التأليفية»، ويقول في سياق كلامه: ~~«حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في ~~القراءات، وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه ~~والأصول» (ص579). # نفهم من كل ذلك بصراحة تامة أن ابن خلدون درس ~~كتابين لأبي عمرو بن الحاجب؛ أحدهما في الفقه، ~~والثاني في أصول الفقه، وقد أشار في فصل علم الفقه ~~إلى الكتاب الأول، وفي فصل أصول الفقه إلى الكتاب ~~الثاني، وحينما تكلم عن مباحث الكتاب الأول قال: ~~«لا أدري عمن أخذها ابن الحاجب.» في حين أنه ~~صرح في صدد البحث عن الكتاب الثاني بأنه ~~«ملخص من كتاب الآمدي». # إن هذه النتيجة التي وصلنا ms449 إليها من دراسة مقدمة ~~ابن خلدون نفسها تتأيد وتتأكد لدينا عندما ~~نراجع كتب التراجم وقواميس الأعلام؛ لأنها ~~تعلمنا بأن أبا عمرو بن الحاجب خلف لنا ~~كتابا في الصرف، وكتابا في النحو، وكتابا في ~~العروض، وكتابا في الفقه المالكي، وكتابا في ~~أصول الفقه، وكتابا مختصرا من الكتاب الأخير. إن ~~ابن خلدون قد أشار في مقدمته إلى أربعة من الكتب ~~المذكورة. # وأما الدكتور طه حسين فلم يلاحظ ما ورد في ~~مقدمة ابن خلدون عن أبي عمرو بن الحاجب إلا في ~~موضع واحد، ولم يفكر في احتمال وجود كتاب لابن ~~الحاجب غير «المختصر» الذي اطلع عليه هو؛ ~~فتسرع في اتهام ابن خلدون بالكذب من غير أن ~~يتعمق في درس مباحث المقدمة، ومن غير أن يتوسع ~~في البحث عن مؤلفات ابن الحاجب! ~~(3) # أما ما ذهب إليه الدكتور طه حسين في قضية كتاب ~~الأغاني، فهو أشد خطرا وأوضح خطأ من ذلك ~~أيضا. # إن مقدمة ابن خلدون تذكر الكتاب المذكور في ~~ثلاثة مواضع مختلفة. إننا لم نجد في المواضع ~~المذكورة فقرة تؤيد ما يدعيه الدكتور من «أن ~~ابن خلدون يندب استحالة الحصول على نسخة من كتاب ~~الأغاني»، ويبرر زعمه بأن ابن خلدون لم يعرف من ~~الكتاب المذكور سوى الاسم. # وللتأكد من ذلك ننقل فيما يلي كل ما كتبه ابن ~~خلدون في هذا الصدد: ~~(أ) # في فصل علم الأدب يكتب ابن خلدون ~~التفاصيل التالية عن كتاب الأغاني: ~~«وقد ألف القاضي أبو الفرج ~~الأصبهاني كتابه في الأغاني، جمع فيه ~~أخبار العرب وأشعارهم وأنسابهم وأيامهم ~~ودولهم، وجعل مبناه على الغناء في المائة ~~صوت التي اختارها المغنون للرشيد. ولعمري ~~إنه ديوان العرب، وجامع أشتات المحاسن ~~التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر ~~والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل ~~به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية ~~التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، ~~وأنى له بها؟» (ص554). ~~(ب) # في الفصل الباحث عن «الملكة ~~اللسانية التي تستفاد بالتعليم»، يشير ~~ابن خلدون إلى حال أهل المشرق لعهد الدولة ~~الأموية والعباسية، ويذكر ms450 شأنهم «في تمام ~~هذه الملكة وإجادتها»، ويستشهد على كل ~~ذلك بكتاب الأغاني قائلا: ~~«وانظر ما اشتمل عليه كتاب الأغاني ~~من نظمهم ونثرهم، فإن ذلك الكتاب ~~هو كتاب العرب وديوانهم، وفيه لغتهم، ~~وأخبارهم، وأيامهم، وملتهم العربية، ~~وسيرتهم، وآثار خلفائهم وملوكهم، ~~وأشعارهم، وغناؤهم، وسائر معانيهم له. فلا ~~كتاب أوعب منه لأحوال العرب» ~~(ص566). ~~(ج) # في فصل صنعة الشعر ووجه تعلمه، ~~يحدد ابن خلدون معنى الشعر وحقيقته، ثم ~~يتكلم عن كيفية عمله، فيقول ما ~~يلي: ~~«اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته ~~شروطا؛ أولها الحفظ من جنسه - أي من جنس ~~شعر العرب - حتى تنشأ في النفس ملكة ~~ينسج عن منوالها. # ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير ~~الأساليب، وهذا المحفوظ المختار أقل ما ~~يكفي فيه شعر شاعر من فحول الإسلاميين - ~~مثل ابن أبي ربيعة، وكثير، وذي ~~الرمة، وجرير، وأبو نواس، وحبيب، ~~والبحتري، والرضي، وأبي فراس - ~~وأكثره شعر كتاب الأغاني؛ لأنه جمع شعر ~~أهل الطبقة الإسلامية كله، والمختار من ~~شعر الجاهلية» (ص574). # يلاحظ من مطالعة هذه الفقرات بإنعام أنه لا يوجد فيها ما ~~يؤيد الزعم القائل بأن ابن خلدون يندب استحالة الحصول على نسخة ~~من كتاب الأغاني، وبأنه يتكلم عنه من غير أن يعرف منه شيئا ~~سوى الاسم. # بل بعكس ذلك، إن جميع هذه الفقرات تدل دلالة قطعية على أنه ~~كان مطلعا على كتاب الأغاني تمام الاطلاع، كما أنه كان يعلم ~~أن الكتاب المذكور كان جم الانتشار في المشرق والمغرب؛ ولولا ~~ذلك لما استطاع التوسع في وصفه كل هذا التوسع، ولما قال: «لا ~~يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه»، ولما استشهد به قائلا: ~~«وانظر ما اشتمل عليه كتاب الأغاني من نثرهم ونظمهم»، وفي ~~الأخير لما أوصى بحفظ شعر كتاب الأغاني لمن أراد إجادة الشعر ~~وإحكامه؛ إذ ليس من المعقول أن يستشهد ابن خلدون بكتاب لم ~~يقرأه هو، ولا يعرفه قراؤه، وليس من المعقول أن يوصي بحفظ ~~الأشعار المدونة في كتاب «يندب استحالة الحصول على نسخة ~~منه»! # إنني تأملت كثيرا لمعرفة السبب الذي حدا بالدكتور طه ms451 ~~حسين إلى القول بأن «ابن خلدون يندب في مقدمته استحالة الحصول ~~على نسخة من كتاب الأغاني»، وبعد إطالة النظر في الأمر؛ لاح ~~لي أن ذلك قد نشأ من سوء تفسير العبارة التي تنتهي بها الفقرة ~~الأولى «أ»: ~~«وهو الغاية التي يسمو إليها الأديب ويقف عندها، وأنى له ~~بها؟» (ص554). # ولكني اعتقدت أن مطالعة هذه الفقرة بقليل من الانتباه تكفي ~~للتأكد من أن عبارة «أنى له بها؟» لا تعني استحالة الحصول ~~على نسخة من كتاب الأغاني، إنما تعني استحالة الوصول إلى ~~الغاية التي وصل إليها كتاب الأغاني؛ لأن لفظة بها لا يمكن أن ~~تعود إلى «الكتاب»، بل تعود بصراحة إلى «الغاية». # فاستبعدت كل الاستبعاد أن يخطئ الدكتور طه حسين في فهم مضمون ~~مثل هذه الفقرات، وخطر ببالي أن أراجع الترجمة الفرنسية، ~~وعندئذ توصلت إلى معرفة ~~مصدر هذه الغلطة؛ إن المترجم الفرنسي لم يفهم معنى هذه الفقرة ~~كما يفهمها كل عربي متمرن على أساليب لغته الخاصة، فترجمها ~~كما يلي: «ولكن كيف يمكن الحصول عليه؟» # Mais cemment pourra-t-on se le ~~procurer? (vol 3. p. 331). # ومن أجل ذلك صرت أظن ظنا قويا بأن الزعم بوجود تناقض بين ~~ما جاء في مقدمة ابن خلدون، وبين ما ورد في ترجمته عن كتاب ~~الأغاني، قد بدا لأحد الغربيين الذين يدرسون المقدمة من ~~ترجمتها الفرنسية، وانتقل هذا الزعم منه إلى الدكتور طه حسين ~~حينما كان مشغولا بكتابة أطروحته. والدكتور أدخل هذا ~~الرأي في كتابه من غير أن يراجع نصوص المقدمة وينعم النظر في ~~معانيها، ومن غير أن ينتبه إلى غلطة المترجم في هذه ~~القضية. # ولذلك وجه إلى ابن خلدون هذه التهمة الجائرة، التي تخالف ~~الحق والحقيقة كل المخالفة. # ذيل # بين المعري والخيام # يثير الدكتور طه حسين في مقدمة الكتاب الذي اتخذناه موضوعا ~~لهذه الدراسة الانتقادية، مسألة استطرادية لا تمت بصلة ما ~~إلى مقدمة ابن خلدون، ولا إلى فلسفته الاجتماعية، ولا إلى ~~الفلسفة الاجتماعية بوجه عام، وهذه المسألة الاستطرادية هي ~~مسألة علاقة الخيام بالمعري. # من البديهي أن هذه المسألة خارجة ms452 عن موضوع أبحاثنا، مع هذا ~~إننا رأينا أن نقف قليلا عليها؛ لأننا وجدنا فيها مثالا ~~بارزا لأسلوب النظر الذي كثيرا ما يتجلى في كتاب «فلسفة ~~ابن خلدون الاجتماعية». # يقول الدكتور طه حسين في المقدمة القصيرة التي كتبها إلى ~~كتابه المذكور، إنه كان قد تقدم إلى الجامعة المصرية بأطروحة ~~عن المعري، إنه يقول ذلك بقصد شرح الأسباب التي حملته على ~~اختيار موضوع دراسته الجديدة، غير أنه لا يكاد يذكر اسم المعري ~~بهذه المناسبة، إلا ويسرع إلى كتابة التعليق التالي في ذيل ~~الصفحة: ~~«اعتقد بعضهم أن شعر عمر الخيام شاعر الفرس ينم عن تأثير ~~أبي العلاء، ولكن ليس ثمة من دليل يؤيد أن عمر قرأ شعر أبي ~~العلاء، هذا فضلا عن أنه بينما نجد تشاؤم الفلسفة العربية ~~مظلما، إذا تشاؤم الفرس طروب بهيج، ولئن تشابهت كتاباتهما من ~~بعض الوجوه، فإن أوجه اختلافهما واضحة، لا تسمح لنا ~~بالإفاضة في المقارنة بينهما.» # فلننظر ما هو مبلغ إصابة الرأي الذي يبديه الدكتور في ~~هذا الصدد؟ # ولنجمع أولا الحقائق الراهنة التي من شأنها أن تلقي ~~نورا كشافا على ساحة هذا البحث، وتسهل علينا حل المسألة ~~المذكورة: ~~(أ) # مات المعري سنة 1058، ومات الخيام سنة 1132، ~~فالمدة التي انقضت بين موت الأول وبين موت الثاني ~~عبارة عن 74 سنة فقط. ~~(ب) # من المؤكد أن الخيام عاش أكثر من خمسة وسبعين ~~عاما، ويظهر أنه كان في العقد الثاني من عمره عند ~~موت المعري؛ لأنه قد اشترك في لجنة إصلاح التقويم ~~سنة 1074، أي بعد مرور 16 سنة فقط على موت ~~المعري، وعلى كل حال إن شباب الخيام يقع في العهد ~~الذي كانت ذكريات المعري وصيته في أوج قوتها ~~ورفعتها. ~~(ج) # إن الشعر العربي كان شديد التأثير في الأدب ~~الفارسي، وجم الانتشار بين شعراء الفرس خلال العهد ~~الذي نشأ فيه عمر الخيام. كان شعراء الفرس يقرءون ~~الأشعار العربية ويحفظونها، ويحاولون قرض الشعر ~~على منوالها، حتى إنهم كثيرا ما كانوا يظهرون ~~براعة فائقة في «الشعر الملمع» حسب تعبيرهم؛ ~~يشطرون الأشعار العربية، ويضمنون عددا ms453 غير قليل ~~من أبياتها في قصائدهم الفارسية. ~~(د) # ومن أبرز الأدلة على هذا التأثير الشديد ~~والانتشار الكبير، أن أساطين شعراء الفرس - مثل ~~سعدي وحافظ - خلفوا دواوين شعر بالعربية، بجانب ~~دواوينهم الفارسية. ~~(ه) # من الحقائق الثابتة أن عمر الخيام كان يعرف ~~العربية ويتقنها، وقد كتب كتبه العلمية والرياضية ~~المشهورة باللغة العربية. ~~(و) # ومن الثابت أن عمر الخيام كان متمكنا من الشعر ~~العربي أيضا، وقد نقلت كتب التراجم نماذج ~~عديدة من أشعاره وقصائده العربية. # فهل من حاجة إلى إقامة الدليل - بعد تثبيت هذه الحقائق ~~الراهنة - على أن عمر الخيام قرأ المعري؟ # إذ كيف يستطيع أحد أن يدعي - بصورة معقولة - أن الخيام لم ~~يقرأ المعري بعد أن يلاحظ أنه كان يعرف العربية معرفة تامة، ~~تمكنه من الكتابة بها، ~~وقرض الشعر على منوال شعرائها؟ وبعد أن يلاحظ أنه نشأ عقب جيل ~~المعري مباشرة، في إبان انتشار أشعار ذلك الشاعر الحكيم، وذيوع ~~صيته الكبير؟ # هذا وإذا تركنا جانبا هذه «الدلائل القبلانية»، والتجأنا ~~إلى «الأبحاث البعدانية»، مستندين إلى مقارنة شعر الخيام بشعر ~~المعري، لا نلبث أن نجد فيها أيضا دلائل قطعية على هذه ~~العلاقة الوثيقة: ~~(أ) # لقد جاء في إحدى رباعيات الخيام ما ترجمته ~~حرفيا: ~~«احذر، وضع قدمك على التراب بخفة؛ لأن ذلك كان ~~حدقة عين غادة جميلة.» # يلاحظ أن مفهوم هذا البيت يمت بصلة قوية إلى ~~قول المعري: # خفف الوطء، ما أظن ~~أديم # الأرض إلا من هذه ~~الأجساد # فالفكرة التي يتضمنها المصراع الأول من البيت ~~الفارسي هي عين الفكرة الواردة في أول البيت ~~العربي، ولا نغالي إذا قلنا إنها ترجمة حرفية ~~للعبارة العربية؛ فإن عبارة «ضع قدمك على التراب ~~بخفة»، ألا تعني تماما «خفف الوطء على الأرض» ~~بالأسلوب العربي الوجيز؟ # وأما التعليل الذي يتلو ذلك في شعر الخيام فهو ~~أيضا محصول فكرة مشابهة لفكرة المعري تمام ~~الشبه، وإن اختلف عنه شكلا؛ فالتعليل عند المعري ~~تعليل متفكر متفلسف، في حين أنه عند الخيام تعليل ~~شاعر متغزل، المعري يبرر قوله «خفف الوطء على ~~الأرض» بفكرة فلسفية بحتة؛ ms454 «لأن أديم الأرض من هذه ~~الأجساد»، يقول ذلك من غير أن يلتفت إلى جمال تلك ~~الأجساد أو عدم جمالها. في حين أن الخيام يرمي إلى ~~غاية غزلية، فيقول «إنها كانت حدقة عين غادة ~~حسناء.» ولكن على الرغم من هذا الاختلاف الشكلي - ~~الناشئ من اختلاف المزاج - لا مجال للإنكار أن ~~فكرة الخيام منقولة من فكرة المعري نقلا، مع شيء ~~من الزخرفة الشعرية والغزلية. ~~(ب) # هذا وقد قال الخيام في إحدى رباعياته ما ترجمته ~~حرفيا: ~~«لو أعطيت نقدا القدح والخمر والساقي، وتجرعت ~~الصهباء بشفتي؛ لتركت لك الفردوس الموعود، لا تصغ ~~إلى قول أحد في الجنة وجهنم؛ إذ من ذهب إلى الجنة؟ ~~ومن جاء من جهنم؟» # ومن الواضح الجلي أن هذه الرباعية تشبه تمام ~~الشبه قول المعري، من حيث الفكرة والمعنى: # أتترك ها هنا الصهباء ~~نقدا # لما وعدوك من لبن ~~وخمر؟ # حياة ثم موت ثم حشر # حديث خرافة يا أم ~~عمرو # ومما يستلفت النظر أن كلمة «نقدا» موجودة في ~~شعر الخيام أيضا، بشكلها العربي التام. # فهل من حاجة إلى دليل أقوى من الأدلة والأمثلة ~~التي ذكرناها على «تأثر الخيام من المعري»؟ # لا ننكر أن شعر الخيام يختلف عن شعر المعري بعض ~~الاختلاف، من حيث النزعة الروحية، على الرغم من ~~اتفاقه معه في أسلوب التفكير، غير أننا نرى أن هذا ~~الاختلاف متولد من اختلاف المزاج، ومن اختلاف ~~النظر إلى الحياة؛ المعري يعرض عن بهارج ~~الحياة، ويدعو إلى التباعد عن الملذات، في حين أن ~~الخيام يتغنى بملذات الحياة، ويدعو إلى ~~التمتع بها. إن الفكرة الواحدة تولد نزعتين ~~مختلفتين في أشعار الشاعرين المذكورين. # ومن البديهي أن وجود مثل هذا الاختلاف في المزاج ~~لا ينفي «التأثر الفكري العميق» بوجه من ~~الوجوه. # | أخطاء في نقل وتلخيص الآراء # إن أول الواجبات التي تترتب على كل من يروم البحث في أحد ~~المؤلفات القديمة، هو ملاحظة الآراء المدونة فيه ملاحظة دقيقة، ~~والحذر من تغيير حقيقة تلك الآراء وحدودها الأصلية، خلال نقلها ~~وتلخيصها. # ولكن البعض ممن كتبوا عن مقدمة ابن خلدون لم ms455 يراعوا - مع الأسف - ~~«واجب الدقة والضبط» فيما نقلوه منها؛ ولذلك عزوا إلى ابن خلدون من ~~الآراء ما لم يقل بها هو أبدا. # إني صادفت أمثلة كثيرة على ذلك في مختلف الكتب والمجلات، ولعل ~~أبرز هذه الأمثلة كان في فقرة قرأتها في مقالة للأستاذ الدكتور ~~محمد صالح. # لقد نشر الأستاذ المشار إليه في «مجلة القانون والاقتصاد» - التي ~~تصدر في القاهرة - ثلاث مقالات عن «التفكير الاقتصادي العربي في ~~القرن الخامس عشر»، وخصص الثانية والثالثة منها إلى آراء «عبد ~~الرحمن بن خلدون». # وكان مما كتبه في المقالة الثانية ما نصه بالحرف ~~الواحد: # إن ابن خلدون «أسقط الدين من عداد عناصر الحضارة؛ لأنه عدو ~~للحضارة، يرى فيها الشر كله، وينصح الناس بالعودة إلى البداوة» ~~(مجلة القانون والاقتصاد، العدد الثالث من السنة الثالثة 1933، ~~ص330). # من الغريب أن كل ما ورد في هذه العبارات الأربع القصيرة يخالف ~~آراء ابن خلدون الحقيقية مخالفة صريحة: # أولا: # إن ابن خلدون لم يسقط الدين من عداد عناصر ~~الحضارة. # في الواقع أنه انتقد رأي القائلين بأن الحياة ~~الاجتماعية «لا تقوم إلا على الدين»، ولكنه لم ~~ينكر دور الدين في الحياة الاجتماعية، بل بعكس ~~ذلك، إنه تكلم عن دور الدين في تلك الحياة، بعدة ~~مناسبات. # إنه قال في فصل من فصول الباب الثاني: «إن العرب ~~لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية، من نبوة أو ~~ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة» ~~(ص151). # كما قال في أحد فصول الباب الثالث: «إن الدعوة ~~الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة ~~العصبية التي كانت لها من عددها» (ص158). # وفضلا عن ذلك إنه قرر في فصل «لغات أهل ~~الأمصار» أن الدين الإسلامي كان السبب الأصلي في ~~انتشار اللغة العربية في الأمصار الإسلامية، كما ~~أنه صرح بأن القرآن كان السبب في «بقاء اللغة ~~العربية المضرية» (ص153). # والقول - على الرغم من كل ذلك - بأن ابن خلدون ~~«أسقط الدين من عداد عناصر الحضارة» لا يتفق مع ~~«الحقائق الراهنة بوجه من الوجوه». # ثانيا: # إن ابن خلدون لم ms456 يقل إن الحضارة «كلها ~~شر». # في الواقع قرر أن حياة الحضارة تؤدي إلى فساد ~~الأخلاق، ولكنه قال في الوقت نفسه إن الحضارة ~~تقوي الملكات العقلية، وتساعد على استجادة ~~الصنائع واستبحار العلوم، وتكسب الإنسان «مزيد ~~عقل وذكاء». # وقد قال ابن خلدون في أحد فصول الباب السادس ما ~~نصه: ~~«ألا ترى إلى أهل الحضر مع أهل البدو؟ كيف تجد ~~الحضري متحليا بالذكاء ممتلئا من الكيس؟ حتى إن ~~البدوي ليظنه أنه قد فاقه في حقيقة إنسانيته ~~وعقله، وليس كذلك, وما ذلك إلا لإجادته في ملكات ~~الصنائع والآداب في العوائد والأحوال الحضرية ما ~~لا يعرفه البدوي» (ص433). # فإذا قلنا - مع كل ذلك - إن ابن خلدون «عدو ~~للحضارة، يرى فيها الشر كله»؛ نكون قد خرجنا عن ~~نطاق آرائه الحقيقية، وتباعدنا عنها بعدا ~~كبيرا. # ثالثا: # لم ينصح ابن خلدون الناس بالعودة إلى البداوة، ~~ولا يوجد في جميع صحائف المقدمة كلمة واحدة تدل ~~على مثل هذه النصيحة. # وذلك لأن ابن خلدون يرى - في حقيقة الأمر - أن ~~الحضارة من الأمور الطبيعية مثل البداوة، ويقرر ~~بصراحة تامة أن النزوع «إلى الدعة والسكون من ~~طبيعة البشر» (ص343)، ويرى أن نزول المدن والأمصار ~~من الأمور التي تقتضيها الطبيعة البشرية. # فالقول - والحالة هذه - إن ابن خلدون ينصح الناس ~~بالعودة إلى البداوة، يخالف أهم وأعم المبادئ ~~المقررة في المقدمة. # ويلوح لي أن الأستاذ محمد صالح كتب ما كتبه في ~~هذا الصدد متأثرا بما هو معلوم عن الرأي الذي ~~كان أبداه جان جاك روسو في أواسط القرن الثامن ~~عشر؛ إنه ادعى أن الحضارة تفسد الأخلاق؛ ولذلك ~~دعى الناس إلى تركها ومحو آثارها. # وأما ابن خلدون فإنه رأى مفاسد الحضارة، ولكنه ~~اكتفى بتسجيل ما لاحظه في هذا الصدد، دون أن يقرن ~~ملاحظاته هذه بدعوة إلى ترك الحضارة؛ لأنه كان ~~يدرك - من تأملاته الاجتماعية العامة - بأن ذلك ~~يكون مخالفا لقوانين الطبيعة. # ومن الغريب أن الدكتور محمد صالح عاد إلى هذه ~~القضية - بوسيلة أخرى - في مقالته الثالثة أيضا، ~~حيث قال: إن ابن خلدون ينصح أهل البادية بعدم ms457 ~~سكنى المدن، وإن كل من يتشوف منهم لسكنى المدن ~~«فسريعا ما يظهر عجزه ويفتضح في استيطانه، إلا من ~~تقدم منهم تأثل المال، وتحصل له منه فوق ~~الحاجة» (المجلة المذكورة، ص793). # إن العبارة التي ينقلها الدكتور عن ابن خلدون في ~~آخر هذه الفقرة موجودة في فصل المقدمة المعنون ~~بالعنوان التالي: ~~«في قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير ~~العمران» (ص365). # وكل من يقرأ الفصل المذكور بإمعان يرى أن ابن ~~خلدون يقرر فيها الأمر الواقع من غير أن ~~يقدم نصيحة ما لأحد. وفضلا عن ذلك إنه لا ~~ينكر على البدوي إمكان سكنى المصر «بعد تأثل ~~المال»، كما جاء في العبارة التي نقلها الدكتور ~~نفسه. # ومما هو جدير بالذكر والملاحظة في هذه القضية ~~أن ابن خلدون يقول - عقب تلك العبارة ~~مباشرة: ~~«ويجري إلى الغاية الطبيعية لأهل العمران من ~~الدعة والترف، فحينئذ ينتقل إلى المصر، وينتظم ~~حاله مع أحوال أهله في عوائدهم وترفهم» ~~(ص365). # فكيف يجوز أن يقال - والحالة هذه - إن ابن خلدون ~~ينصح أهل البادية بعدم سكنى المدن؟! # | أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون # إن أقسى الأحكام على مقدمة ابن خلدون قرأتها في مقالة صادرة من ~~قلم كاتب عربي ذائع الصيت؛ الأستاذ محمد فريد وجدي. # فقد نشر في مجلة المقتطف، سنة 1932، مقالة تحت عنوان «ابن خلدون ~~في الميزان»، وذلك بمناسبة مرور ستمائة عام على ولادته. # وادعى الأستاذ محمد فريد وجدي في مقالته هذه: # أولا: # أن ابن خلدون نفسه يعترف بأنه «نسج على منوال ~~المسعودي والطرطوشي وغيرهم، وأنه مسبوق بهم ~~ومقلدهم.» # ثانيا: # أن مقدمة ابن خلدون ليست من فلسفة التاريخ، ولا ~~من علم الاجتماع في شيء، بل إنما هي مجموعة ~~أخطاء. # فلننعم النظر في هذه المزاعم والمدعيات. ~~••• # قال الأستاذ محمد فريد وجدي: ~~«بعد أن ذكر ابن خلدون ما ذكره من أنه واضع هذا العلم ومؤصل ~~أصوله، وأنه لم يسبقه أحد إلى مثله، عاد فاعترف بأنه مقلد فيه ~~وناسج على منوال غيره» (المقتطف، سنة 1932، ص1238). ~~«والقارئ يفهم من هذا أن المسعودي والطرطوشي وغيرهما قد سبقوا ms458 ~~ابن خلدون إلى هذا الفرع من العلم، وبوبوا كتبهم على مثال ما فعل ~~هو، ولكنهم اقتصروا فيها على عصورهم، فجاء هو ناسجا على منوالهم، ~~وهذا كله يدل على أن ابن خلدون يعترف لغيره بالسبق، ولكنه زاد ~~عليهم في الإتقان، وبزهم في التدليل والتمحيص، فكيف يتفق هذا ~~وقوله إنه اخترعه إلهاما؟» # إني أجد في هذه الفقرات مثالا بليغا على الأخطاء التي يقع فيها ~~بعض الكتاب عندما يتكلمون عن آراء ابن خلدون من غير أن ~~يكلفوا أنفسهم مئونة إنعام النظر في مضامين العبارات التي ~~يقرءونها، فيسترسلون في ارتجال الأحكام والآراء. # فلنقرأ ما كتبه ابن خلدون عن كتاب الطرطوشي بعد أن قال عن كتابه ~~هو: «لعمري، لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من ~~الخليقة.» ~~«حوم القاضي أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك، وبوبه ~~على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، لكنه لم يصادف فيه ~~الرمية، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل، ولا أوضح الأدلة، ~~إنما يبوب الباب للمسألة، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار، وينقل ~~كلمات متفرقة لحكماء الفرس - مثل بزرجمهر والموبذان - وحكماء ~~الهند، والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة، ولا ~~يكشف عن التحقيق قناعا، ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجابا، إنما ~~هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ» (ص40). # إذن فإن ابن خلدون يقول عن كتاب الطرطوشي إنه مجموعة كلمات شبيهة ~~بالمواعظ، منقولة عن مختلف الحكماء، ومجردة عن الأدلة العقلية ~~والبراهين الطبيعية. # ولا حاجة إلى القول أن ذلك يختلف عن المنحى الذي نحاه ابن خلدون ~~في مقدمته اختلافا كليا. # أفليس من الغريب أن يعتبر الأستاذ محمد فريد وجدي كلمات ابن ~~خلدون هذه بمثابة اعتراف منه على أنه «قلد الطرطوشي ونسج على ~~منواله»؟ وأن يوصل الأمر إلى حد التساؤل: «كيف يتفق اعترافه هذا ~~مع قوله إنه اخترع علم العمران اختراعا؟!» ~~••• # وأما رأي الأستاذ المشار إليه في المقدمة نفسها فيتضح من ~~العبارات التالية: ~~«يكثر ابن خلدون من ذكر علم العمران والقوانين والعلل، ~~فيخيل للقارئ أنه يعني العلم المعروف بهذا الاسم في عصرنا ~~الراهن، ms459 أو يرمي إلى فلسفة التاريخ وإن لم يذكرها باللفظ. ولكن ~~الحقيقة أن مقدمة ابن خلدون ليست من هذين العلمين في شيء.» ~~«نعم إنه يكثر من عبارات طبيعة الاجتماع والقوانين، وهذا منه ~~حوم صريح حول فلسفة التاريخ، يستحق ابن خلدون من أجله فقط أن ~~يدعى عبقريا، ولكنه لم يوفق إلى توفية حقه، بل ولا الاتجاه ~~بأبحاثه في وجهته؛ فكل ما أتى به هو معلومات عامة، كانت ذات قيمة ~~في زمانه، ولكنها أصبحت اليوم مجموعة أخطاء لا حظ لنا منها إلا ~~كحظنا في الآثار والعاديات» (المقتطف، السنة 1932، ص1238). # لا شك في أن مقدمة ابن خلدون تتضمن كثيرا من الآراء الخاطئة ~~التي لا يقرها العلم الحاضر، شأنها في ذلك شأن جميع المؤلفات ~~القديمة، من غربية وشرقية، ولكن القول بأنها «مجموعة أخطاء» لا ~~يتفق مع حقائق الأمور بوجه من الوجوه. وأعتقد أن الأبحاث والدراسات ~~المسطورة في كتابي هذا لا تترك مجالا لأدنى شك في هذا ~~المضمار. # وأما مزاعم الأستاذ محمد فريد وجدي الأخرى فإنها تنافي ما ~~قرره أعاظم علماء الغرب منافاة صريحة. # قال الأستاذ فريد وجدي إن مقدمة ابن خلدون ليست من علم الاجتماع ~~في شيء، في حين أن البروفسور غاستون بوتول، الأستاذ في مدرسة ~~الدراسات الاجتماعية العليا في باريس، خصص عدة صحائف لابن خلدون ~~في فصل «تاريخ علم الاجتماع»، من كتابه «علم الاجتماع» المنشور سنة ~~1946. # وقال الأستاذ فريد وجدي إن مقدمة ابن خلدون ليست من فلسفة ~~التاريخ في شيء، في حين أن البروفسور «توينبي » - الذي يعد أعظم ~~فلاسفة التاريخ في العصر الحاضر - قال عنها ما يلي: ~~«إن ابن خلدون - في المقدمة التي كتبها لتاريخه العام - قد أدرك ~~وتصور وأنشأ فلسفة للتاريخ، هي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي ~~عقل في أي زمان ومكان.» ~~••• # هذا ولإظهار مبلغ تعسف الأستاذ محمد فريد وجدي على ابن خلدون ~~بوضوح أعظم، أنقل فيما يلي كلمة من مقالة نشرها المستشرق الفرنسي ~~المشهور «هنري ماسه» - في المجلة الإفريقية سنة 1939: # إن مقدمة ابن خلدون تتعدى حدود الأدب العربي، لتتبوأ ms460 ~~مكانة بين أروع الآثار الأدبية الخالدة على كل العصور ~~والدهور؛ فإن عمق التفكير وقوة المحاكمة وسعة الاطلاع ~~ورهافة حس الانتقاد ... التي تتجلى في ما كتبه هذا المؤلف ~~في القرن الرابع عشر، لهي مما يحير العقول ويثير ~~الإعجاب. # | حول ابن خلدون وأوكوست كونت # لقد قلت في بحثي عن «ابن خلدون وعلم الاجتماع» [القسم الثاني: ~~مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع - ابن خلدون ~~وعلم الاجتماع]، إن حق هذا المفكر العربي بلقب «مؤسس علم ~~الاجتماع» أقوى من حق أوكوست كونت، ولكني لم أقل: «إن كونت اقتبس ~~فكرة علم الاجتماع من ابن خلدون»؛ لعلمي بأن مقدمة ابن خلدون ظلت ~~مجهولة لعالم التفكير الغربي حتى أواسط القرن التاسع عشر. # ولكن الأستاذ لطفي جمعة المحامي ادعى - في كتابه «تاريخ فلاسفة ~~الإسلام» - أن أوكوست كونت كان قد اطلع على مقدمة ابن خلدون، وأنه ~~اقتبس منها فكرة علم الاجتماع. # وهذا نص ما كتبه في هذا الصدد في الفصل المخصص لابن خلدون في ~~الكتاب المذكور: ~~«نحن لا نرتاب في أن أوكوست كونت وقف على مؤلف هذا الحكيم، وإن ~~كان لم يذكره بكلمة واحدة في كتابه، واكتفى بذكر كوندورسه ~~ومونتسكيو، ولا يمكن أن يجهل كونت فضل ابن خلدون، وقد كتب عنه شولز ~~في المجلة الآسيوية في عام 1825، أي قبل ظهور فلسفة أوكوست كونت ~~بسبع سنين، وكان كونت إذ ذاك في السابعة والعشرين من عمره، والمجلة ~~المذكورة تنشر في باريس وطنه» (تاريخ فلاسفة الإسلام، ~~ص240). # إني لا أجد في الدلائل المسرودة هنا أية وجاهة كانت. # أولا: # إن نشر المجلة الآسيوية في باريس لا يمكن أن ~~يتخذ دليلا على اطلاع كونت عليها؛ لأنها من ~~المجلات الاختصاصية التي لا يطالعها عادة إلا ~~جماعة محدودة من المستشرقين. # ثانيا: # إن المقالة التي نشرها شولز في المجلة المذكورة ~~كانت مقالة مختصرة لا تكفي لإعطاء فكرة واضحة عن ~~مضامين مقدمة ابن خلدون، ولا شك في أن شولز نفسه ~~لم يكن قد أدرك بعد أهمية المقدمة، من وجهة «علم ~~الاجتماع» الذي كان لا يزال بعيدا ms461 عن أذهان ~~المفكرين. # ثالثا: # من المعلوم أن كونت كان قد وضع خطة دراساته في ~~رسالة نشرها سنة 1822، كما أنه قرر لنفسه - منذ ~~تلك السنة - خطة صارمة في ما أسماه «حفظ الصحة ~~العقلية»؛ قرر «الصيام عن المطالعة»؛ لكيلا ~~يتأثر بما يطالعه، ولكي يسترسل في التأمل ~~والتفكير، طليقا من كل تأثير خارجي. ولا يعقل أن ~~يقرأ في تلك المدة ما تنشره مجلة خاصة بأبحاث ~~المستشرقين. # رابعا: # من المعلوم أن كونت وضع أسس علم الاجتماع ضمن ~~«أنظومة فلسفية» واسعة النطاق، تشمل جميع العلوم ~~الأساسية، وترتبها حسب درجات إعضال مواضيعها، ~~وتعين نظام نشوئها وفقا لهذا الترتيب. وقد قال ~~كونت - عندما تكلم عن علم الاجتماع: «إنه كان من ~~المستحيل أن يتأسس هذا العلم قبل أن يتأسس علم ~~الحياة وسائر علوم الطبيعة المتقدمة عليه.» حتى ~~إنه صرح بأنه «ما كان في استطاعة مونتسكيو أن ~~يوجد علم الاجتماع - على الرغم من العبقرية ~~الفذة التي أظهرها في أبحاثه - لأن علم الحياة لم ~~يكن قد أخذ شكلا علميا بعد في زمانه.» # فلا شك في أنه لو كان اطلع على ما كان كتبه ابن ~~خلدون قبل مدة تزيد على أربعة قرون ونصف قرن - ليس ~~قبل تأسس علم الحياة فحسب، بل قبل تكون علمي ~~الفيزياء والكيمياء أيضا - لما أبدى تلك ~~النظرية، ولما تمسك بها كل ذلك التمسك. # إني أستطيع أن أقول - بناء على كل ما تقدم - إن ~~الزعم بأن أوكوست كونت اقتبس فكرة علم الاجتماع من ~~مقدمة ابن خلدون، لا يستند إلى أي دليل ~~وبرهان. # وأزيد على ذلك فأقول: إن كونت لو كان اطلع على ~~مقدمة ابن خلدون، وانتبه إلى الآراء والنظريات ~~الاجتماعية المسرودة فيها؛ لاستطاع أن يتقدم بعلم ~~الاجتماع إلى مدى أبعد بكثير من الذي أوصله إليه ~~فعلا. ~~••• # إني أعتقد أن ابن خلدون وضع أسس علم الاجتماع، وارتفع ببناء ذلك ~~العلم ارتفاعا يستحق الإعجاب، إلا أن ذلك البناء نكب بالإهمال ~~والنسيان، واندثر تحت رمال الزمان. # وعلم الاجتماع تأسس مرة أخرى في أوروبا على أسس جديدة ~~تماما، مماثلة للأسس التي كان ms462 وضعها ابن خلدون، ولكنها مستقلة ~~عنها استقلالا كليا. # | أسلوب المقدمة ومفرداتها اللغوية # إن آراء أدباء وكتاب العرب المعاصرين في أسلوب المقدمة يختلف ~~بعضها عن بعض اختلافا كبيرا؛ فبعضهم ينتقده أشد الانتقاد، في حين ~~أن بعضهم الآخر يطريه كل الإطراء. # مثلا يقول الدكتور طه حسين في كتابه «فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية» ما يلي: ~~«أسلوبه كأسلوب معاصريه، أسلوب مضمحل جدا، تكثر فيه العبارات ~~المسجعة، والاستعارات والمقارنات التي يكثر فيها التكلف، ~~والأغلاط في استعمال الكلمات، والخلط بين صحيح الألفاظ وعاميها، بل ~~توجد فيه أغلاط نحوية. فقد أفلح في التعبير عن مذهب فلسفي كامل، ~~ولكنه لم يستطع أن يسبغ على فلسفته لغة خاصة به؛ إذ كثيرا ~~ما يعالج الفكرة بإسهاب ممل جدا، أو باختصار يدنو من الغموض» ~~(ص28-29). # غير أن الأستاذ عبد الله عنان يرى في أسلوب ابن خلدون رأيا ~~يخالف ذلك كل المخالفة؛ إذ يقول في مقدمة كتابه «ابن خلدون، حياته ~~وتراثه الفكري» ما يلي: ~~«يجب أن يقرأ الشباب مقدمة ابن خلدون ويستعيدوها مرارا ~~وتكرارا؛ لا ليعجب فقط بما حوت من رائع الفكر والبحث، ولكن ~~أيضا ليستقي منها أساليب البيان والتعبير عن كثير من الآراء ~~والخواطر الاجتماعية التي تجول بذهنه، وكثيرا ما يتعثر في ~~التعبير عنها؛ ذلك أن مقدمة ابن خلدون إذا كانت ثروة لا تقدر ~~في تراث التفكير العربي، فهي أيضا ثروة لا تقدر في تراث ~~البيان العربي» (ص8). # كما أنه يقول في أحد فصول الكتاب المذكور ما يلي: ~~«لابن خلدون أسلوب خاص في العرض والتعبير ، وكما أن مقدمته تمتاز ~~بطرافة موضوعاتها، فهي أيضا تمتاز بروعة أسلوبها الأدبي الذي يجمع ~~بين البساطة وقوة التعبير، ودقة التدليل وحسن الأداء والتناسق. ~~وإذا كانت المقدمة مثلا أعلى للتفكير الناضج والابتكار الفائق، ~~فهي في نظرنا أيضا مثل أعلى لحسن البيان، والفصاحة المرسلة، ~~والعرض الشائق» (ص136). # في الواقع إن الأستاذ عنان لا ينكر أن لأسلوب المقدمة بعض ~~النواقص؛ إذ إنه يعقب على العبارات الآنفة الذكر بالقيود ~~التالية: ~~«وذلك رغم ما يطرأ أحيانا على أسلوبها من ضعف في ms463 العبارة، ~~وغرابة في التعبير، وشذوذ في اللفظ، ترجع إلى نشأة ابن خلدون ~~البربرية، وتثقفه بآداب المغرب والأندلس، ولم تكن يومئذ في أوج ~~قوتها.» # ومع هذا كله إنه لا يتردد في إنهاء بحثه في هذا الصدد ~~بالعبارات التالية: ~~«ويكتب ابن خلدون تاريخه بنفس الأسلوب القوي المرسل، وفي أحيان ~~كثيرة يرتفع إلى ذروة القوة في التعبير، ولكنه في أحيان كثيرة ~~يبالغ في الإيجاز والاتباع؛ فتبدو عبارته قاصرة عن بيان مقاصده، ~~ويعتورها الغموض واللبس، أو يعتورها نوع من الركاكة والضعف، ~~وتتخللها الألفاظ الغريبة. غير أنه دائما أستاذ موضوعه، يمتاز ~~دائما بالبيان القوي الشائق» (ص137). # إذن نحن هنا أمام رأيين مختلفين عن أسلوب ابن خلدون في الكتابين ~~العربيين المخصصين له؛ رأي الدكتور طه حسين، ورأي الأستاذ عبد الله ~~عنان، فالأول يحمل على الأسلوب حملة شديدة لا هوادة فيها، ~~والثاني يعجب بالأسلوب ويطريه، ويدعو الشبان إلى استقاء ~~أساليب التعبير والبيان منه، على الرغم من بعض النواقص التي تبدو ~~فيه. # فما هو وجه الصواب في هذه المسألة بين هذين الرأيين؟ # إني أعتقد أن آثار «التسرع في التعميم» بادية للعيان في حكم ~~الدكتور طه حسين في هذه القضية. # لأنه عندما يدعي بأن «أسلوب ابن خلدون أسلوب مضمحل جدا» ~~يبرهن على رأيه هذا - أولا - بالعبارات التالية: «تكثر فيه ~~العبارات المسجعة، والاستعارات والمقارنات التي يكثر فيها ~~التكلف.» # في حين أن كل من يتصفح المقدمة يرى بكل وضوح أن ذلك لا ينطبق ~~إلا على «الديباجة» وحدها؛ فإن هذه الديباجة مكتوبة فعلا بأسلوب ~~مسجع تماما، وهي حقيقة كثيرة الاستعارات وشديدة التكلف، يختلف ~~عدد الأسجاع المتتالية فيها من الاثنين (كما في دول وأول، أو ~~سلطانه وشيطانه، أو مشاهير وجماهير ...) إلى الاثني عشر (كما في ~~زاهد، محامد، شواهد، قلائد، ولائد، ساعد، مساعد، تالد، قواعد، ~~مصاعد، فوائد، شوارد). # ومن الطبيعي أن كثرة هذه الأسجاع التي تتوالى من أول الديباجة ~~إلى آخرها بدون انقطاع، لا تترك مجالا لتبيان المقاصد بالوضوح ~~اللازم، حتى إنها كثيرا ما تجعلها غامضة جدا، تكاد تجردها من ~~المعنى أيضا في بعض ms464 الأحيان. # غير أن هذه الديباجة تختلف من حيث الأسلوب عن سائر أقسام المقدمة ~~اختلافا كليا، والحالة التي ذكرناها لا تشمل المقدمة نفسها ~~أبدا. ويستطيع المرء أن يقرأ في المقدمة عشرات الصفحات من غير أن ~~يعثر فيها على شيء من العبارات المسجعة والمنمقة، ومن غير أن يجد ~~بين سطورها أثرا للسجع المقصود في العبارات، أو للتكلف ~~والتصنع في الأسلوب، فالحكم على أسلوب الكتاب - والحالة هذه - من ~~أسلوب الديباجة وحدها مما لا يتفق مع مقتضيات البحث العلمي بوجه من ~~الوجوه؛ ولا سيما فإن عدد صفحات الديباجة لا يزيد إلا قليلا على ~~واحد في المائة من مجموع صفحات الكتاب. # ومن الواضح الجلي أن الديباجة المذكورة كتبت بعد الكتاب مع ~~عناء لفظي ولغوي طويل، وتكلف شاق وصريح، وفقا للنزعة السائدة ~~بين الأدباء في العصر الذي عاش خلاله ابن خلدون. ومن المعلوم أن ~~الديباجات كانت تعتبر وسيلة لإظهار براعة بهلوانية في اللعب ~~على حبال الألفاظ؛ ولذلك كان يبذل فيها جهود شاقة للإكثار من ~~الاستعارات، بقصد الإشارة إلى مواضيع الكتاب ومقاصده، بأساليب تكاد ~~تكون جمبازية. # ولذلك أعتقد أن البحث في أسلوب المقدمة يتطلب التمييز بين ~~الديباجة وبين سائر أقسام الكتاب تمييزا قاطعا. # وهذا ما يجعلني أن أميل إلى رأي الأستاذ عنان في هذا الشأن، مع ~~علمي بأنه لا يخلو من المبالغة، وأعتقد أن أحسن وصف لأسلوب المقدمة ~~هو القول بأنه «يتوسط بين الإجادة والقصور»، حسب ما قال ابن ~~خلدون نفسه عن أشعاره في كتاب التعريف. # ولكني لا أشارك الأستاذ عنان في تعليله لما يطرأ أحيانا على ~~أسلوب المقدمة من ضعف، ولما يظهر فيه «من غرابة في التعبير وشذوذ ~~في اللفظ.» # لأن الأستاذ عنان يرجع أسباب ذلك في الدرجة الأولى إلى «نشأة ~~ابن خلدون البربرية»، ولكن كل ما هو معلوم وثابت عن حياة ابن خلدون ~~لا يبرر مطلقا وصف نشأته بالبربرية؛ لأنه نشأ في بيت علم، ~~هاجر من الأندلس إلى تونس، وحافظ على مكانته العلمية جيلا بعد ~~جيل. ومن المعلوم أن تونس نفسها كانت ولا تزال بعيدة ms465 عن ~~البربرية. # وأما السبب الحقيقي في ذلك فيعود - على ما أعتقد - إلى أمرين ~~مهمين؛ أولا: انحطاط الأدب في ذلك العصر بوجه عام، ثانيا - وعلى ~~الأخص: كثرة الآراء الطريفة التي كانت تتوارد على ذهن ابن خلدون ~~خلال كتابة المقدمة؛ تلك الآراء الطريفة كانت تتدفق وتتزاحم ~~وتتشابك بصورة لم يبق معها مجال - في كثير من الأحيان - لصقل ~~العبارات وتهذيبها. والتفاوت الذي يلاحظ في أسلوب بيان الفصول ~~المختلفة إنما يرجع إلى التفاوت في ماهية المواضيع نفسها من ناحية، ~~وفي مبلغ خضوع الكتابات إلى الصقل والتهذيب من ناحية أخرى. ~~••• # ولكني أعتقد أن مقدمة ابن خلدون جديرة بالبحث والاقتداء من حيث ~~المفردات والمصطلحات، أكثر مما هي جديرة بالبحث والاقتداء من حيث ~~أسلوب البيان. # لأن المقدمة غنية جدا بالمفردات والمصطلحات، فقد دون ابن ~~خلدون فيها كثيرا من الكلمات والتعابير التي كانت دارجة في ~~مختلف الصنائع والمهن، كما أنه استعمل فيها كثيرا من المشتقات من ~~غير أن يتقيد بحكم المعاجم فيها. إنه لم يتردد في استحداث ~~الكلمات والمصطلحات عن طريق القياس، كلما شعر بحاجة إلى ذلك؛ ~~للتعبير عما يفكر فيه تعبيرا واضحا ودقيقا. ~~••• # ولذلك أقول إن المفردات اللغوية والاصطلاحات العلمية الواردة في ~~مقدمة ابن خلدون جديرة بالبحث والدرس بحثا شاملا ودراسة ~~مستفيضة. # | اكتشاف ابن خلدون في البلاد الأوروبية # لقد نشر البروفسور «ناتانيل شميث» - أستاذ اللغات السامية ~~والتاريخ الشرقي في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة الأمريكية - ~~كتابا عنوانه «ابن خلدون، مؤرخ واجتماعي وفيلسوف.» # يفتتح المؤلف أبحاث هذا الكتاب - المطبوع سنة 1930 - بفصل عنوانه ~~«اكتشاف ابن خلدون »، ويستهل الكلام في هذا الفصل بالعبارات ~~التالية: ~~«أربعمائة سنة كانت قد انقضت على موت ابن خلدون عندما ظهرت إلى ~~النور ونشرت - 1806 - بعض القطع من كتاباته، مترجمة إلى اللغة ~~الفرنسية من قبل «سيلفستر دي ساسي» # De ~~Sacy ~~. خلال هذه القرون العديدة، كان أعظم ~~مؤرخي العرب يكاد يكون مجهولا في أوروبا.» # إن هذا العنوان وهذه العبارات تدل على أن المؤلف كان ينظر إلى ~~مقدمة ابن خلدون كقارة معنوية بقيت مجهولة مدة طويلة، أو ككنز ms466 ~~ثمين ظل مختفيا عن الأنظار مدة قرون عديدة؛ ولذلك رأى أن يتتبع ~~تاريخ اكتشاف تلك القارة أو ذلك الكنز بكل تفصيل. # ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن المؤلف لا يخفي أسفه الشديد ~~على تأخر هذا الاكتشاف؛ لأنه يقول في كتابه - كما ذكرنا ذلك ~~سابقا: ~~«إن المفكرين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد، لو كانوا ~~قد اطلعوا على مقدمة ابن خلدون في حينها، فاستعانوا بالحقائق ~~التي كان قد اكتشفها، والطرائق التي كان أوجدها ذلك العبقري العربي ~~قبلهم بمدة طويلة؛ لاستطاعوا أن يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة ~~أعظم مما تقدموا به فعلا.» # ولا حاجة إلى البيان أن الرأي الصريح الذي يبديه المؤلف بهذه ~~الصورة يضاعف أهمية البحث الذي قام به حول «اكتشاف ابن ~~خلدون». # ولذلك رأيت من المفيد أن أنقل فيما يلي بعض المعلومات المسرودة ~~في الفصل المذكور، إتماما وتفصيلا لما كنت ذكرته في دراسة سابقة ~~عن مقدمة ابن خلدون في نظر علماء الغرب. ~~[القسم الثاني: مكانة ابن خلدون في تاريخ فلسفة التاريخ وعلم ~~الاجتماع - مقدمة ابن خلدون في نظر علماء ~~الغرب.] ~~••• ~~(1) # يعتقد «ناتانيل شميث» بأن آثار ابن خلدون كانت ~~معلومة في إسبانيا خلال القرن الخامس عشر، ولا شك في ~~أنه مصيب في هذا الاعتقاد؛ لأن ابن خلدون سافر إلى ~~الأندلس مرتين، مكث فيها خلال سفرته الأولى عدة سنوات، ~~اتصل بعدد غير قليل من أدبائها ومفكريها اتصالا ~~مباشرا، ثم ظل يخابرهم بعد كتابة المقدمة أيضا مدة ~~لا تقل عن عشرين عاما؛ فليس من المعقول أن تبقى أروع ~~مؤلفاته مجهولة في الأندلس. # ولكن من المؤكد أنه لم ينتقل شيء من ابن خلدون إلى ~~أوروبا عن طريق إسبانيا. # ويغلب على ظن البروفسور شميث أن السبب في ذلك يعود ~~إلى إحراق الكتب العربية عند إجلاء العرب عن ~~الأندلس. # إذ من المعلوم أن الكردينال كسيمنس كان أمر بإحراق ~~الكتب العربية سنة 1499، وعملية الإحراق كانت تمت - ~~تنفيذا لهذا الأمر - في ميدان باب الرملة ~~بغرناطة. # ليس لدينا ~~معلومات موثوقة عن عدد المجلدات التي تم إحراقها ~~وإتلافها ms467 بهذه الصورة؛ لأن روايات المؤرخين الأوروبيين ~~وتقديراتهم في هذه القضية يختلف بعضها عن بعض اختلافا ~~كبيرا؛ فإن أحدهم يقول إن مجموع المجلدات التي ~~أحرقت كان يزيد على المليون، وآخر يحصر هذا العدد ~~في ثمانين ألفا، وآخر يزعم بأنه كان عبارة عن خمسة ~~آلاف. # ولكن من المؤكد أن عدد المخطوطات العربية الباقية ~~في دير إسكوريال - سنة 1583 - كان 261 فقط. ولما كان ~~من المعلوم أن دور الكتب في الأندلس خلال العهد العربي ~~كانت كثيرة وغنية جدا، فلا مجال للشك في أن ~~المخطوطات العربية التي تلفت - خلال «الجلوة الكبرى» ~~وفي أعقابها - كانت هائلة. # وهذا هو السبب في عدم انتقال أخبار ابن خلدون وآثاره ~~إلى أوروبا عن طريق الأندلس. ~~(2) # إن أول ذكر لاسم ابن خلدون في البلاد الأوروبية قد ~~جرى بواسطة كتاب أحمد بن عربشاه، المشهور باسم «عجائب ~~المقدور في أخبار تيمور»؛ فقد طبع نصه العربي سنة ~~1636 على يد غوليوس # Jacob ~~Golius ~~، ونشرت ترجمته للفرنسية ~~سنة 1658 على يد «بيار فاتيه» Pierre Vattier ~~، وترجمته إلى ~~اللاتينية سنة 1767 على يد مانجر # Samuel ~~Manger ~~. # ومن المعلوم أن أحمد بن عربشاه وصف في كتابه هذا بين ~~ما وصفه من أخبار تيمورلنك، ملاقاته مع ابن خلدون في ~~دمشق. فكان هذا الوصف أول ذكر لاسم ابن خلدون في كتاب ~~طبع ونشر في البلاد الأوروبية. # وأما الكتاب الثاني الذي نقل اسم ابن خلدون إلى ~~الغرب فهو «كشف الظنون»؛ لأن الكتاب المذكور أثار ~~اهتمام المستشرقين، فحملهم على ترجمته إلى اللاتينية ~~من جهة، وإلى الفرنسية من جهة أخرى، ومن المعلوم أنه ~~يذكر ابن خلدون مرات عديدة. # ولا حاجة إلى البيان أن ذكر اسم ابن خلدون بهذه ~~الصورة العرضية في كتابين مترجمين من اللغة ~~العربية، ما كان يكفي للفت أنظار الأوروبيين؛ ولذلك ظل ~~ابن خلدون مغمورا ومجهولا في أوروبا حتى القرن ~~التاسع عشر. ~~(3) # لقد كتب بارتلمي دربلو # D’Herbelot # مقالة ~~عن ابن خلدون في مكتبته الشرقية التي نشرت سنة 1697، ~~ولكن المقالة المذكورة كانت مليئة بالأغلاط، وفضلا ~~عن ذلك كانت بعيدة عن ms468 إظهار أهمية مؤلفات ابن ~~خلدون. # ومما يبرهن على بعد المستشرقين عن تقدير أهمية ~~ابن خلدون، أن المخطوطة رقم 769 المحفوظة في دار الكتب ~~الملكية بباريس، كانت موصوفة في فهارس الدار كما ~~يلي: ~~«كتاب أخبار لابن خلدون الإفريقي المولود في حضرموت، ~~والذي كان قاضيا في حلب عندما استولى تيمورلنك على ~~المدينة المذكورة، مات سنة 808 في سمرقند.» # يلاحظ أن كل ما جاء في هذا الوصف مغلوط تماما؛ ~~أولا: إن المخطوطة المذكورة لم تكن من مؤلفات ابن ~~خلدون، بل هي من مؤلفات شهاب الدين الفاسي المقري. ~~ثانيا: إن ابن خلدون لم يولد في حضرموت، ولم يكن ~~قاضيا في حلب، ولم يمت في سمرقند. # وأما مقدمة ابن خلدون الحقيقية - والتي كانت ~~محفوظة في الدار المذكورة تحت رقم 1015 - فلم تستلفت ~~أنظار أحد من الباحثين. # ولذلك كله نستطيع أن نؤكد أن ابن خلدون لم يكن ~~معلوما في أوروبا حتى القرن التاسع عشر. وأما ~~الإشارات المسرودة آنفا فكانت بعيدة عن تفهيم ~~الباحثين بأنها تعود «إلى مؤرخ عظيم من أعمق باحثي ~~الظواهر الاجتماعية». ~~(4) # أما أولى الترجمات عن مقدمة ابن خلدون فتعود إلى ~~سنة 1806، حيث نشر «سيلفستر دي ساسي» ترجمة فرنسية ~~لأبحاث البيعة وشارات الملك مع الفقرة الأخيرة من ~~الديباجة، وقد نشر المشار إليه بعد ذلك سنة 1810 أيضا ~~ترجمة بعض الأبحاث الأخرى، ولكن جميع تلك الأبحاث لم ~~تكن مما يظهر أهمية المقدمة إظهارا كافيا. # وأما أول من قدر أهمية المقدمة حق التقدير، ~~ولفت أنظار الباحثين إليها فكان المؤرخ المستشرق ~~النمساوي المشهور «هاممر بورشتغال». قد نشر سنة 1812 ~~رسالة باللغة الألمانية عن «اضمحلال الإسلام بعد ~~القرون الثلاثة الأولى للهجرة»، أشار فيها إلى نظريات ~~ابن خلدون، وخلع عليه لقب «مونتسكيو ~~العرب» # ein arabische Montesquieu ~~. # إن ما قاله «هاممر» عن ابن خلدون في رسالته هذه أثار ~~استغراب المستشرقين، ومع هذا حملهم على زيادة الاهتمام ~~بالمقدمة، وصارت تتوالى ترجمة المقتطفات منها، ونشر ~~الأبحاث عنها. # وقد نشر «هاممر» نفسه سنة 1822 عناوين فصول الأبواب ~~الخمسة الأولى من المقدمة، استنادا إلى ما ms469 اطلع ~~عليه في إسطنبول، وبعد ذلك بسنتين نشر «غارسن دي تاسي» ~~عناوين فصول الباب السادس أيضا، استنادا إلى ~~المخطوطة التي عثر عليها في دار الكتب الملكية ~~بباريس. # وفي سنة 1825 قام «شولتز» بدعاية قوية لمقدمة ابن ~~خلدون، وتمنى أن يراها «مترجمة ترجمة ~~كاملة». # بعد ذلك كثرت الأبحاث والترجمات عن ابن خلدون في ~~مختلف البلاد الغربية بمختلف اللغات ~~الأوروبية. # ولكن قلة «مخطوطات المقدمة» المحفوظة والمعلومة ~~حينئذ في دور الكتب الأوروبية، كانت تحول دون توسع ~~تلك الأبحاث التوسع اللازم. # ولذلك نستطيع أن نقول إن قيمة ابن خلدون ومقدمته لم ~~تظهر للأوروبيين الظهور الكافي، إلا بعد أن طبع ~~«كاترمير» نصها العربي، وجعلها بذلك تحت متناول أيدي ~~المستشرقين، ولا سيما بعد أن نشر «دو سلان» ترجمتها ~~الفرنسية، وجعلها بذلك تحت متناول جميع العلماء ~~والباحثين، ولو كانوا من غير المستشرقين. # ومن المعلوم أن طبع النص العربي ونشر الترجمة ~~الفرنسية كان تم خلال الربع الثالث من القرن التاسع ~~عشر، بين سنة 1857 وسنة 1868. ~~••• # يعطينا البروفسور شميث في فصله عن اكتشاف «ابن خلدون» تفاصيل ~~كثيرة عما تم ترجمته من تاريخ ابن خلدون ومن مقدمته، وعما ~~نشر من الأبحاث حول التاريخ والمقدمة بمختلف اللغات الغربية. # إني لا أرى لزوما إلى نقل تلك التفاصيل، إلا أني أرى من الضروري ~~أن أقول: # إن اكتشاف ابن خلدون قد تم بالصورة التي لخصتها آنفا، إلا ~~أن فرز وجرد وإظهار كل ما يضمه هذا الكنز القديم من الآراء ~~والملاحظات الثمينة لما يتم بعد، وإنه لا يزال في حاجة إلى ~~المزيد من البحوث والجهود. # ولا أراني في حاجة إلى القول بأن المساهمة في هذا الفرز والجرد ~~والبحث كانت من أهم أغراض هذه الدراسات. # | تأثير ابن خلدون في مؤرخي الأتراك ~~ومفكريهم # لقد قلت في بحث سابق «إن مقدمة ابن خلدون وجدت أكبر الصدى، ~~وأثرت أشد التأثير في مؤلفات المؤرخين العثمانيين» [القسم ~~الأول: نظرات وملاحظات عامة - طرافة المقدمة وتأثيرها]. # وقد قدم أحد أساتذة جامعة إسطنبول - وهو البروفسور فندق أوغلو ~~ضياء الدين فخري - إلى مؤتمر المستشرقين الثاني ms470 والعشرين المنعقد ~~سنة 1951 تقريرا حول هذا الموضوع، عنونه باللغة الفرنسية: # L’Ecole Ibn-Haldounienne en ~~Turquie # أي «المدرسة الابن خلدونية في تركيا»، ~~ثم نشر ترجمة التقرير إلى التركية تحت عنوان «ابن خلدون في تاريخ ~~التفكير التركي». # استهل الأستاذ ضياء الدين فخري تقريره هذا ببعض الملاحظات حول ~~مساهمة الأتراك في تكوين الثقافة الإسلامية - ردا على بعض ~~العبارات الواردة في كتاب عربي معاصر - ثم ذكر أسماء المؤلفين ~~والمؤرخين العثمانيين الذين تأثروا بابن خلدون، وقال عنهم إنهم ~~«ابن خلدونيين»، ونعت مذهبهم ب «ابن خلدونية» (ابن ~~خلدونيزم). ~~••• # ورأيت من المفيد أن أنقل فيما يلي بعض المعلومات عن هؤلاء، حسب ~~ما جاء في التقرير المذكور: ~~(أ) # إن أول من اهتم بابن خلدون وبمقدمته بين العلماء ~~الأتراك كان «مصطفى بن عبد الله» المعروف في الغرب ~~بلقب «حاجي خليفة»، وفي الشرق باسم «كاتب جلبي»، وهو ~~من رجال النصف الأول من القرن السابع عشر ~~(1609-1675). # اشتهر المشار إليه - أكثر ما اشتهر - بموسوعته ~~الضخمة «كشف الظنون في أسماء العلوم والفنون»، ومما لا ~~شك فيه أن المصدر الأساسي للموسوعة المذكورة هو الباب ~~السادس من مقدمة ابن خلدون. # وعندما يستعرض المؤلف كتب التواريخ يذكر تاريخ ابن ~~خلدون، ويقول: «وهو كبير عظيم النفع.» وعندما يعرف ~~التاريخ يقتفي أثر ابن خلدون، ولكنه يضيف إلى ذلك ما ~~يعتقده في فائدة التاريخ العملية، كما يتضح من النص ~~الوارد في كشف الظنون: ~~«وعلم التاريخ هو معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ~~ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم، ~~إلى غير ذلك، وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية، وفائدته ~~العبرة بتلك الأحوال، والنصح بها، وحصول ملكة ~~التجارب بالوقوف عن تقلبات الزمن؛ ليحترز عن أمثال ~~ما نقل من المضار.» # هذا ولمؤلف كشف الظنون ثلاثة كتب خاصة بالتاريخ؛ ~~أسمى اثنين منها «فذلكة التاريخ»، والثالث «تقويم ~~التواريخ». # يبدأ كتاب الفذلكة ببحث عن ماهية التاريخ، يقتفي ~~في ذلك أثر ابن خلدون تمام الاقتفاء. # وأما كتاب «تقويم التواريخ» فينتهي ببعض الملاحظات ~~السياسية، يقول المؤلف - في آخرها: «إن تفاصيل هذه ~~المعلومات موجودة في مقدمة ابن خلدون.» ~~(إن كشف الظنون ms471 مكتوب باللغة العربية، وكذلك الكتاب ~~الأول من فذلكة التاريخ.) ~~(ب) # مصطفى نعيما من أشهر مؤرخي الدولة العثمانية، عاش في ~~النصف الأخير من القرن السابع عشر، ومات سنة ~~1716. # وتاريخه المعروف باسم «تاريخ نعيما» مصدر بمقدمة ~~مستلهمة من ابن خلدون. # يشير نعيما إلى «التاريخ الكبير الذي ألفه ابن ~~خلدون المغربي» باسم «عنوان العبر»، ويقول: «إن مقدمة ~~هذا الكتاب وحدها» بمثابة «كنز لا قعر له، ومليء ~~بجواهر العلوم ولآلئ الحكم.» # يذكر نعيما في مقدمة تاريخه هذا نظرية ابن خلدون في ~~الأطوار الخمسة، ولكنه يقول، بعد شرح الطور الخامس: ~~«إن الرجال العظام يستطيعون أن يؤثروا في هذا الطور ~~الخامس، وأن يخلصوا الهيئة الاجتماعية من ~~الاضمحلال.» ~~(ج) # المؤرخ «أحمد بن لطف الله» الذي عرف بلقب «منجم ~~باشي (رئيس المنجمين)» كان معاصرا لنعيما السالف ~~الذكر، عاش في النصف الأخير من القرن السابع عشر، ومات ~~سنة 1702. # كتب تاريخه المشهور «جامع الدول» باللغة العربية، ~~صدره بمقدمة مستلهمة من ابن خلدون، ونقل فيها بعض ~~عباراته بنصوصها الأصلية. مثلا عندما تكلم عن أهم ~~أسباب الخطأ عند المؤرخين، قال: «هو الذهول عن طبيعة ~~العمران وأصول الاجتماع الإنساني على ما فصله ابن ~~خلدون.» ~~(د) # محمد صاحب، المعروف بلقب «بيري زاده»، عاش في الربع ~~الأخير من القرن السابع عشر، والنصف الأول من القرن ~~الثامن عشر (1674-1749). # إنه تبوأ مقام «المشيخة الإسلامية» في عهد ~~السلطانين أحمد الثالث ومحمود الأول. # كان من أشد المعجبين بمقدمة ابن خلدون، وإعجابه هذا ~~حمله على ترجمتها إلى اللغة التركية؛ «لتعم ~~الاستفادة منها». # وعندما تكلم عن مؤلف المقدمة - في هذه الترجمة - ~~قال عنه: «المؤرخ ذو الفنون، العلامة ابن خلدون، من ~~فحول المغاربة ... ولي الدين عبد الرحمن الحضرمي، أحيا ~~فن التاريخ ورفع شأنه.» # ولا حاجة إلى البيان أن هذه الترجمة ساعدت على ~~انتشار آراء ابن خلدون بين الأتراك مساعدة ~~كبيرة. # ظلت ترجمة بيري زاده مخطوطة حتى سنة 1857، حيث ~~طبعت بمطبعة بولاق. # 1 ~~(ويقول البارون دو سلان، مترجم المقدمة إلى ~~الفرنسية: إنه عندما علم بوجود نسخة مخطوطة من الترجمة ~~التركية في دار ms472 الكتب الملكية ببرلين، كلف أحد ~~أصدقائه باستنساخها. وإنه استفاد منها استفادة كبيرة، ~~على الرغم من وصولها إليه بعد إنجاز ترجمة قسم كبير من ~~المقدمة.) ~~(ه) # أحمد جودت باشا، من أرقى وأشهر علماء الأتراك ~~ومؤرخيهم الذين نبغوا خلال القرن التاسع عشر ~~(1822-1895). # كان المؤرخ الرسمي للدولة العثمانية، وكان يقول إن ~~أشد من أثروا في «تكوينه الفكري» هم: ميشله وتين ~~من الغربيين، وابن تيمية وابن خلدون من ~~الشرقيين. # ولفرط إعجابه بابن خلدون أتم الترجمة التي كان بدأها ~~بيري زاده قبل مائة وثلاثين عاما. ترجم جميع فصول ~~الباب السادس، وفضلا عن ذلك أضاف إليها كثيرا من ~~الشروح والمعلومات، يبدؤها بقوله «للمترجم»، ويختمها ~~بقوله «انتهى كلام المترجم.» # ويفهم مما ورد في آخر الكتاب أن جودت باشا أتم ~~الترجمة سنة 1858، إلا أن طبعها لم يتيسر إلا سنة ~~1860. ~~(و) # ويجب أن نضيف إلى ما سبق ذكره مؤرخين آخرين ~~كانا من رجال القرن التاسع عشر، وهما: «خير الله ~~أفندي» (1817-1866)، وعبد الله صبحي باشا ~~(1818-1886). # كان خير الله أفندي أول المؤرخين العثمانيين الذين ~~اتصلوا بالتواريخ والمصادر الغربية، سمى تاريخه ~~الضخم «مفتاح العبر»، وصدره بمقدمة تكلم فيها عن ~~آراء ابن خلدون في العصبية وفي أطوار الدول، وقال إنها ~~لا تنطبق على أحوال الدول الأوروبية، وصرح بأن الدول ~~المذكورة لم تكن سريعة الزوال مثل الدول ~~الآسيوية. # وأما صبحي باشا فقال عن تاريخ ابن خلدون إنه: «كنز ~~دقائق على كل شيء فائق»، ومع هذا رأى أنه «لا يغني من ~~يود الاطلاع على التفاصيل»؛ ولذلك إنه يحتاج إلى ~~«تكميل». وكتب تاريخه لتطمين هذا الاحتياج، وسماه ~~«تكملة العبر»، وقصد بذلك أنه كتبه «تكملة» لكتاب ~~العبر الذي كان ألفه ابن خلدون. ~~••• # وبعد هذه المعلومات التي اقتبستها عن التقرير الآنف الذكر، أرى ~~أن أضيف إلى ذلك بعض المعلومات عن تأثير مقدمة ابن خلدون في ~~كتاب الأتراك المعاصرين: ~~(1) # إن الأستاذ «عبد الرحمن شرف» - الذي صار آخر ~~المؤرخين الرسميين للدولة العثمانية - كان نشر كتابا ~~مدرسيا عنوانه «تاريخ الدولة العلية ~~العثمانية». # وفي هذا الكتاب ذكر نظرية ابن ms473 خلدون في أعمار الدول ~~- بمناسبة سرد حوادث «فاصلة السلطنة» التي أعقبت عهد ~~بايزيد الأول رابع سلاطين آل عثمان - وقال: إن اضمحلال ~~الدولة بعد السلطان الرابع، وانقسامها بين أولاده، كان ~~آخر شاهد على صحة نظرية ابن خلدون. ولكن إعادة تأسيس ~~السلطنة من جديد، واستمرارها بعد ذلك - منذ عهد مؤسسها ~~الثاني محمد جلبي - صارت أول واقعة خالفت النظرية ~~المذكورة. ~~(ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن نظرية ابن خلدون ~~في أعمار الدول وأطوارها، هي التي كانت استلفتت أنظار ~~مؤرخي الأتراك أكثر من كل شيء آخر، كما أن هؤلاء ~~المؤرخين - مثل غيرهم الكثيرين - لم ينتبهوا إلى ما ~~ورد في المقدمة نفسها عن قيود وتحديدات على هذه ~~النظرية.) ~~(2) # إن جامعة إسطنبول تهتم بابن خلدون ونظرياته اهتماما ~~بالغا؛ كليات الآداب والاقتصاد والحقوق، تخصص في ~~دروسها ومحاضراتها حصة لا بأس بها لمقدمة ~~ابن خلدون. # وقد نشر الأستاذ ضياء الدين فخري - كاتب التقرير ~~الذي أشرنا إليه آنفا - عدة كتب ورسائل ومقالات عن ~~ابن خلدون، وآراء ابن خلدون، نذكر أهمها فيما ~~يلي: # كتاب عن «ابن خلدون، حياته وآثاره»، بالاشتراك مع ~~أستاذ جامعي آخر هو البروفسور حلمي ضيائو لكن (وكان ~~الغرض من تأليف ونشر هذا الكتاب تعريف ابن خلدون إلى ~~طبقة المثقفين في البلاد). # رسالة في آراء ابن خلدون الحقوقية. # كتاب عنوانه: مفهوم التاريخ ومنهاجه عند ابن ~~خلدون. # ورسالة في نظريات المعرفة والتاريخ عند ابن ~~خلدون. # وأخرى في فلسفة ابن خلدون. ~~(3) # إن مقدمة ابن خلدون أثارت اهتمام بعض الطلاب أيضا، ~~وحملتهم على اتخاذ أبحاثها موضوعا لرسالاتهم ~~الجامعية. # وقد ناقشت كلية الآداب وقبلت سنة 1945-1946 ~~الرسالة التي قدمها «يوسف دميرقول» عن «فلسفة ~~التاريخ، عند ابن خلدون». # كما أنها ناقشت وقبلت سنة 1947-1948 الرسالة التي ~~قدمها «فخري باشر» عن «العامل الجغرافي عند أرسطو ~~وابن خلدون وراتزل». # | نقد كتاب البروفسور غاستون بوتول # إن البروفسور غاستون ~~بوتول # Gaston Bouthoule # الأستاذ في مدرسة الدراسات الاجتماعية ~~العليا بباريس، من أشد العلماء اهتماما بمقدمة ابن خلدون. # إنه نشر سنة 1930 كتابا عن «ابن خلدون، وفلسفته الاجتماعية»، ms474 ~~وكتب سنة 1934 مقدمة قيمة للطبعة الثانية من ترجمة مقدمة ابن ~~خلدون للغة الفرنسية. وعندما نشر كتابه في «علم الاجتماع» سنة ~~1946، خصص فيه لابن خلدون صحائف عديدة من فصل «تاريخ علم ~~الاجتماع»، ثم ذكره أكثر من عشر مرات في مختلف فصول الكتاب ~~بمختلف المناسبات. # وعندما نشر كتابه في «اجتماعيات الحروب» سنة 1951، أشار إلى آراء ~~ابن خلدون في الحروب خلال مختلف الأبحاث. # وعندما نشر كتيبه في «تاريخ علم الاجتماع» سنة 1950 - في كليات ~~«ماذا أعلم» الفرنسية - خصص لابن خلدون صحائف عديدة. # وبهذه الصور المختلفة ساعد على إشاعة ذكر ابن خلدون بين علماء ~~الاجتماع من ناحية، وبين هواة العلم والأدب من ناحية أخرى. # إني أعتقد - لذلك كله - أن البروفسور بوتول يستحق التقدير على ~~اهتمامه المتواصل بابن خلدون وبمقدمة ابن خلدون. # ولكن تقديري هذا لا يمنعني من انتقاده على بعض الآراء الخاطئة ~~التي أبداها في كتابه عن ابن خلدون. ~~(1) ابن خلدون والقدرية # يزعم البروفسور بوتول أن ابن خلدون كان من القدريين # Fatalistes ~~، وذلك يعني أنه ~~ممن يعتقدون أن الأمور تحدث بحكم القضاء والقدر الذي لا ~~يتغير. # إني أعتقد أن هذا الزعم يخالف حقائق الأمور مخالفة كلية؛ ~~فإن كل من يدرس «المقدمة» بنظرة منصفة ومحايدة - مجردة عن ~~النزعات والآراء القبلانية - يضطر إلى التسليم بأن نظريات ~~ابن خلدون بعيدة عن نزعة القدرية بعدا كبيرا؛ لأنه لم ~~يقل في أبحاثه «إن هذه الأمور تحدث؛ لأن ذلك كان في لوحة ~~القدر»، بل إنما يقول دائما «إن هذه الأمور تحدث على هذا ~~المنوال من جراء طبيعة الأشياء»، أو - بتعبير آخر - «بسبب ~~الترتيب الطبيعي للأشياء.» # إن موقف ابن خلدون في هذا الشأن يشبه تمام الشبه مواقف ~~العلماء والحكماء الحديثين، أمثال «هيبوليت تين»، و«إميل ~~دوركهايم». إنه يقول - مثل هؤلاء - «إن كل حادثة من الحوادث ~~إنما هي نتيجة طبيعية لعلل وأسباب معينة »، وبتعبير آخر: «إن ~~الحادثات تتعين بصورة حتمية بالحوادث والأسباب السابقة لها». ~~ومن المعلوم أن هذا الموقف الفكري والفلسفي يعرف باسم ال ~~«حتمانية» # Déterminisme ~~، ~~ويعتبر أس الأساس لجميع الأبحاث العلمية، ms475 وهو يختلف عما ~~يسمى باسم «القدرية» # Fatalisme # اختلافا جوهريا. # وإني أظن ظنا قويا أن غاستون بوتول إنما انجرف إلى هذا ~~الزعم الخاطئ متأثرا بآراء بعض المستشرقين الذين ذهبوا إلى ~~أن «فكرة السببية التي تتجلى في مقدمة ابن خلدون، إنما هي ~~مستمدة من فكرة القضاء والقدر والقسمة التي تكون أساس ~~اللاهوت الإسلامي». وأما حجة هؤلاء في حكمهم هذا فهي الآيات ~~القرآنية التي ينتهي بها كل فصل من فصول المقدمة. # ولكني أعتقد أن الدراسة المنشورة في هذا الكتاب تحت عنوان ~~«التفكير والإيمان، العقل والنقل»، تبرهن على خطأ هؤلاء ~~المستشرقين برهنة قاطعة. إن ابن خلدون لم يستخرج آراءه ~~ونظرياته من تلك الآيات القرآنية كما ذهب إليه هؤلاء ~~المستشرقون، إنما استنبطها من استقراء الوقائع والحوادث التي ~~اطلع عليها ولاحظها ملاحظة دقيقة. فإننا إذا استثنينا الفصول ~~التي تحوم مواضيعها حول المسائل الدينية والشرعية مباشرة؛ ~~وجدنا أن ابن خلدون يستند في جميع أبحاثه وتعليلاته على ~~الدلائل العقلية والمنطقية وحدها. وأما الآيات القرآنية ~~والأحاديث النبوية فإنه لا يذكرها عادة إلا بعد الانتهاء من ~~التفكير والتعليل [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - ~~التفكير والإيمان]. # ولو حذفت تلك الآيات لما انقطعت سلسلة المحاكمات المسرودة ~~في الفصل، ولما تغير شيء من نتائجها المنطقية. # ولذلك كله أقول بلا تردد: إن اتهام ابن خلدون ونظرياته ~~بالقدرية، يكون تهمة جائرة لا تستند إلى أي دليل ~~معقول. # إذا كان ابن خلدون قد قال عن كثير من الأمور الاجتماعية ~~«إنها تقع حتما»، فقد قال مثل ذلك في كثير من الأمور، كثيرون ~~من علماء الاجتماع الحديثين كما ذكرت ذلك آنفا. # إن غاستون بوتول لم يقل عن هؤلاء إنهم قدريون، فبأي حق يقول ~~عن ابن خلدون إنه كان قدريا؟! ~~(2) ابن خلدون وخرافة العمالقة # ولكن البروفسور بوتول يوجه إلى مؤلف المقدمة تهمة أخرى، ~~أشد خطرا من التهمة المذكورة آنفا. # يقول في كتابه عن «ابن خلدون وفلسفته الاجتماعية»، إنه كان ~~يعرف عن التاريخ القديم شيئا قليلا جدا، وفكرته عن التاريخ ~~المذكور كانت تلتقي أحيانا بسذاجة الخرافات الشعبية؛ لأنه كان ms476 ~~يعتقد - مثل العوام - أن الآثار الرومانية من مباني العمالقة. # 1 # يكرر بوتول رأيه هذا في الكلمة التمهيدية التي كتبها ~~لترجمة المقدمة الفرنسية، ويقول: «إن ضعف المحاكمة الذي أظهره ~~ابن خلدون في هذا الشأن، مما يدعو إلى الاستغراب. # 2 # إني أسلم بأن ابن خلدون ما كان يعرف شيئا كثيرا عن ~~التاريخ القديم بوجه عام، وعن تاريخ الرومان بوجه خاص، ولكني ~~لا أسلم أبدا بأنه كان يعتقد بأن الآثار الرومانية من مباني ~~العمالقة، وأستغرب كل الاستغراب كيف يقدم البروفسور بوتول ~~على اتهام ابن خلدون بما هو براء منه كل البراءة، في هذه ~~القضية؟ # في الواقع إن ابن خلدون ذكر الروايات الشائعة بين الناس في ~~هذا الشأن في أربعة فصول مختلفة من المقدمة، ولكنه لم يذكر تلك ~~الروايات إلا ليفندها، ويبرهن على بطلانها. إنه نعتها ~~بالأوهام الباطلة، والأخبار العريقة في الكذب، وقال عنها: «هذا ~~رأي لا وجه له إلا التحكم، وليس له علة طبيعية ولا سبب ~~برهاني» (ص178)، كما قال: «هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد ~~وثمود» (ص345). # وفضلا عن ذلك إنه تكلم عن العوامل النفسية التي أشاعت أمثال ~~هذه الأوهام في أذهان الناس، وشرح الوسائل التي ساعدت على ~~تشييد المباني العظيمة، مثل الأهرام المصرية، والقناطر ~~الرومانية، وقال بصراحة تامة: إن تلك المباني تيسر ~~تشييدها: ~~(أ) # لأن البناة استعملوا الهندام والمخال التي تضاعف ~~قوة الإنسان. ~~(ب) # ولأن قوة الدولة التي أقدمت على تشييدها كانت ~~ساعدت على حشد عدد كبير من الفعلة لإنجاز أعمال ~~البناء. ~~(ج) # ولأن أعمال الإنشاء استغرقت سنين طويلة، شملت ~~أحيانا عهود عدة ملوك، توالوا على العرش، ~~وواصلوا العمل لإنجاز ما كان بدأ به ~~أسلافهم. # إن رأي ابن خلدون في هذه الأمور صريح كل الصراحة. # ولإزالة الشكوك التي قد تثيرها كلمات البروفسور بوتول في بعض ~~الأذهان، أنقل فيما يلي بعض الفقرات من مقدمة ابن خلدون، ~~بنصوصها الأصلية: # في الفصل الذي يقرر «أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها ~~في أصلها»، يقول ابن خلدون - بعد ذكر بعض المباني والهياكل ~~العظيمة ms477 القديمة - ما يلي: ~~«واعلم أن تلك الأفعال للأقدمين إنما كانت بالهندام، واجتماع ~~الفعلة وكثرة الأيدي عليها؛ فبذلك شيدت تلك المصانع ~~والهياكل. ولا تتوهم ما تتوهمه العامة أن ذلك لعظم أجسام ~~الأقدمين عن أجسامنا في أطرافها وأقطارها، فليس بين البشر في ~~ذلك كبير بون، كما نجد بين الهياكل والآثار.» ~~«ولقد ولع القصاص بذلك وتغالوا فيه، وسطروا عن قوم عاد ~~وثمود والعمالقة في ذلك أخبارا عريقة في الكذب، من أغربها ما ~~يحكون عن عوج ابن عناق، رجل من العمالقة الذين قاتلهم بنو ~~إسرائيل في الشام، زعموا أنه لطوله كان يتناول السمك من البحر ~~ويشويه في الشمس» (ص177). ~~«وإنما مثار غلطهم في هذا أنهم استعظموا آثار الأمم، ولم ~~يفهموا حال الدول في الاجتماع والتعاون، وما يحصل بذلك ~~وبالهندام من الآثار العظيمة، فصرفوه إلى قوة الأجسام وشدتها» ~~(ص178). # وفي الفصل الذي يقرر «أن المدن العظيمة والهياكل المرتفعة ~~إنما يشيدها الملك الكثير» يقول ابن خلدون ما يلي: ~~«إن تشييد المدن إنما يحصل باجتماع الفعلة وكثرتهم وتعاونهم، ~~فإذا كانت الدولة عظيمة متسعة الممالك، حشر الفعلة من ~~أقطارها، وجمعت أيديهم على عملها، وربما استعين في ذلك في ~~أكثر الأمر بالهندام الذي يضاعف القوى والقدر في حمل أثقال ~~البناء؛ لعجز القوة البشرية وضعفها عن ذلك» (ص344). ~~«وربما يتوهم كثير من الناس إذا نظر إلى آثار الأقدمين ~~ومصانعهم العظيمة، فيتخيل لهم أجساما تناسب ذلك، ويغفل عن ~~شأن الهندام والمخال وما اقتضته في ذلك الصناعة الهندسية» ~~(ص345). ~~«وأكثر آثار الأقدمين لهذا العهد تسميها العامة عادية ~~بالنسبة إلى قوم عاد؛ لتوهمهم أن مباني عاد ومصانعهم إنما ~~عظمت لعظم أجسامهم وتضاعف قدرهم. وليس كذلك؛ فقد نجد آثارا ~~كبيرة من آثار الذين تعرف مقادير أجسامهم من الأمم، وهي في ~~مثل ذلك العظم أو أعظم.» ~~«وإنما هذا رأي ولع به القصاص عن قوم عاد وثمود والعمالقة» ~~(ص345). # وفي الفصل الذي يقرر «أن الهياكل العظيمة جدا لا تستقل ~~ببنائها الدولة الواحدة»، يكرر ابن خلدون رأيه في هذه ~~الأمور، ويقول: ~~«وقد تكون للمباني في عظمها أكثر ms478 من القدر مفردة أو مضاعفة ~~بالهندام كما قلناه، فيحتاج إلى معاودة قدر أخرى مثلها في ~~أزمنة متعاقبة إلى أن تتم. فيبتدئ الأول منهم بالبناء، ويعقبه ~~الثاني والثالث، وكل واحد منهم قد استكمل شأنه في حشر الفعلة ~~وجمع الأيدي، حتى يتم القصد من ذلك، ويكمل ويكون ماثلا ~~للعيان.» ~~«وانظر في ذلك ما نقله المؤرخون في بناء سد مأرب ... ومثل هذا ~~ما نقل في بناء قرطاجنة وقناتها الراكبة على الحنايا ~~العادية، وأكثر المباني العظيمة في الغالب هذا شأنها» ~~(ص346). # وفي فصل صناعة البناء، يقول ابن خلدون ما يلي: ~~«فإن الأجرام العظيمة إذا شيدت بالحجارة الكبيرة تعجز ~~قدر الفعلة عن رفعها إلى مكانها من الحائط؛ فيتحيل لذلك ~~بمضاعفة قوة الحبل بإدخاله المعالق من أثقاب مقدرة على نسب ~~هندسية، تصير الثقيل عند معاناة الرفع خفيفا؛ فيتم المراد ~~من ذلك بغير كلفة. وهذا إنما يتم بأصول هندسية معروفة متداولة ~~بين البشر. وبمثلها كان بناء الهياكل الماثلة لهذا العهد التي ~~يحسب أنها من بناء الجاهلية، وأن أبدانهم كانت على نسبتها في ~~العظم الجسماني، وليس كذلك، وإنما تم لهم ذلك بالحيل ~~الهندسية كما ذكرناه» (ص409). ~~••• # يلاحظ أن مضامين جميع هذه الفقرات تدل على عكس ما ذهب إليه ~~بوتول. إن ابن خلدون لم يشارك العوام في الخرافات القائلة بأن ~~الآثار الرومانية من مباني الجان، بل بعكس ذلك انتقد تلك ~~الخرافات بكل صراحة، وبشدة متناهية. # لذلك يجدر بنا أن نتساءل: كيف ولماذا ذهب البروفسور بوتول ~~إلى ما ذهب إليه في هذا الصدد، على الرغم من صراحة كتابات ابن ~~خلدون حول هذه القضية؟ # إني لا أستطيع أن أفسر ذلك إلا بما يلي؛ عندما وقع نظر ~~البروفسور بوتول على خرافة العمالقة في أحد فصول المقدمة، لم ~~يكلف نفسه عناء قراءة الفصل بكامله؛ ولذلك لم يطلع على ما ~~كتبه ابن خلدون في نقد وتجريح تلك الخرافات، فتوهم أنه كان ~~يعتقد بصحتها؛ ولهذا السبب سجل على ابن خلدون تلك التهمة ~~الباطلة، على الرغم من هذه الصراحة الصارخة. ~~(إني شرحت هذا الخطأ العظيم في ms479 بلاغ قدمته إلى «المؤتمر ~~الأممي الخامس عشر لعلم الاجتماع»، الذي انعقد صيف سنة 1952، ~~وذكرت فيه الصحائف التي تقع فيها نصوص ابن خلدون في مجلدات ~~الترجمة الفرنسية للبارون دو سلان.) ~~(3) ابن خلدون وأوروبا النصرانية # يوجد في كتاب البروفسور بوتول نقطة هامة أخرى تستوقف النظر، ~~وتستلزم البحث والنقاش. # فإنه يزعم بأن ابن خلدون لم يهتم أبدا بما يخرج عن نطاق ~~العالم الإسلامي والديانة الإسلامية، مستحقرا كل ما يعود إلى ~~أوروبا وإلى النصرانية. # يقول بوتول: «إن ابن خلدون يلتزم السكوت عن أمور أوروبا ~~والنصرانية سكوتا يكاد يكون مطلقا، وفي فقرة قصيرة من تاريخه ~~العام يتطرق إلى تشكيلات البابوية، ولكنه يعتذر على الفور عن ~~التكلم في أمر يخالف الدين الإسلامي. إنه لا يجعل هذه الأمور ~~موضوع ملاحظة أو مقارنة. وعندما يقرأ الباحث مقدمة ابن خلدون ~~يلوح له أن مؤلفها يجهل حتى وجود تلك الأمور.» # لا يرى بوتول إمكانا لتعليل هذه الحالة بجهل ابن خلدون؛ ~~لأنه يعرف أن مؤلف المقدمة كان اتصل بعالم النصرانية اتصالا ~~فعليا: «إنه مكث في مملكة نصرانية، في بلاط بطرس القاسي، حتى ~~إنه استطاع أن يحمل القوم هناك على تقدير مزاياه؛ فإن الملك ~~المشار إليه قدم له منصبا، ووعده بإعادة ما كان لأجداده من ~~أملاك في إشبيلية.» ولذلك يقول بوتول: «يتحتم علينا أن نسلم ~~بأن ابن خلدون كان يشارك سائر علماء الشرق في النزعة التي سادت ~~عليهم، والتي راحت تبرز أكثر فأكثر بمرور الأيام، هذه النزعة ~~هي عدم الاهتمام المطلق بكل مظاهر الفكر والعلم التي لا تكون ~~من نوع فكرهم وعلمهم. هذا استحقار ربما كان له ما يبرره في ~~أوائل القرون الوسطى، ولكنه دام، حتى عندما أصبح خاليا عن كل ~~أنواع المبررات» (ص18 من كتاب بوتول). # Gaston Bouthoul-Ibn Khaldoun, Sa ~~philosophie sociale, page 18. # هذا ما يذهب إليه البروفسور بوتول، ولكني أعتقد أن نصوص ~~المقدمة والتاريخ لا تؤيد هذه المزاعم بوجه من الوجوه. # لأن ابن خلدون يذكر البلاد الأوروبية والنصرانية في كثير من ~~فصول المقدمة بمناسبات متنوعة، وذكره هذا لم يكن قط ms480 مقرونا ~~باستخفاف واستحقار، بل كثيرا ما يأتي مشفوعا بإطراء وإعجاب، ~~كما يتضح من الأمثلة التالية: ~~(أ) # في فصل الجغرافيا والأقاليم يذكر ابن خلدون ~~مدينة القسطنطينية بقوله: ~~«المدينة العظيمة التي كانت كرسي القياصرة، وبها ~~من آثار البناء والفخامة ما كثرت عنه الأحاديث» ~~(ص74). ~~(ب) # وفي الفصل نفسه يقول عن روما ما يلي: ~~«مدينة روما العظمى، كرسي ملك الفرنجة ومسكن ~~البابا، بطركهم الأعظم، وفيها من المباني الضخمة، ~~والهياكل الهائلة، والكنائس العادية ما هو معروف ~~الأخبار. ومن عجائبها النهر الجاري في وسطها من ~~الشرق إلى الغرب، مفروش قعره ببلاط النحاس. وفيها ~~كنيسة بطرس وبولس من الحواريين، وهما مدفونان بها» ~~(ص73). ~~(ج) # ويقول في فصل الفلسفة ما يلي: ~~«بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد ~~الإفرنجة من أرض روما وما إليها من العدوة ~~الشمالية نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ~~ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، ~~وطلبتها متكثرة» (ص481). ~~(د) # وفي الفصل الذي يقرر «أن الأقطار في اختلاف ~~أحوالها بالرفه والفقر مثل الأمصار» يقول ما ~~يلي: ~~«اعتبر ذلك بأقطار ... وراء البحر الرومي، لما ~~كثر عمرانها، كيف كثر المال فيهم، وعظمت دولتهم، ~~وتعددت مدنهم وحواضرهم، وعظمت متاجرهم وأحوالهم. ~~فالذي نشاهده لهذا العهد من تجار الأمم النصرانية ~~الواردين على المسلمين بالمغرب في رفههم واتساع ~~أحوالهم، أكثر من أن يحيط به الوصف» ~~(ص366). ~~(ه) # وفي الفصل الذي يحوم حول الدفائن والكنوز يقول ~~ما يلي، بعد انتقاد بعض الآراء الشائعة بين الناس ~~عن مصير ثروة القدماء: ~~«فإن نقص المال في المغرب وإفريقية، فلم ينقص ~~في بلاد الصقالبة والإفرنج، وإن نقص في مصر ~~والشام، فلم ينقص في الهند والصين» (ص388). ~~(و) # وفي فصل شارات الملك والسلطان، يقول ابن خلدون ~~ما يلي: ~~«وأما الجلالقة لهذا العهد من أمم النصرانية ~~بالأندلس، فأكثر شأنهم اتخاذ الألوية القليلة، ~~ذاهبة في الجو صعدا، ومعها قرع الأوتار من ~~الطنابير ونفخ الغيطات، يذهبون فيها مذهب الغناء ~~وطريقه في مواطن حروبهم، هكذا ييلغنا عنهم وعن ما ~~ورائهم من ملوك العجم» (ص260). ~~(ز) # فصل في الحروب يقرر ms481 ابن خلدون أن قتال الفرنج ~~يكون على طريق الزحف بوجه عام، وأن أمة الفرنج ~~متعودة للثبات في الحرب، وأن ملوك المغرب صاروا ~~يتخذون طائفة من الإفرنج في جندهم؛ للاستفادة من ~~ثباتهم في الصفوف خلال القتال» (ص274). ~~(ح) # وفي فصل الأساطيل يتكلم ابن خلدون طويلا عن ~~المنافسة التي قامت بين أساطيل المسلمين وبين ~~أساطيل الأمم النصرانية، ويقرر أن أساطيل الأمم ~~المذكورة تفوقت - في آخر الأمر - على أساطيل ~~المسلمين، ويقول: «رجع النصارى إلى دينهم المعروف ~~من الدربة» في البحر، «والمران عليه، والبصر ~~بأحواله، وغلب الأمم في لجته على أعواده، وصار ~~المسلمون فيه كالأجانب» (ص253). ~~(ط) # في فصل المساجد والبيوت العظيمة في العالم ~~تفاصيل غير قليلة عن كيفية بناء كنيسة القيامة ~~وبيت لحم، منها قوله: ~~«ثم أخذ الروم بدين المسيح - عليه السلام - ~~ودانوا بتعظيمه، ثم اختلف حال ملوك الروم في الأخذ ~~بدين النصارى تارة، وتركه أخرى، إلى أن جاء ~~قسطنطين وتنصرت أمه هيلانة، وارتحلت إلى القدس ~~في طلب الخشبة التي صلب عليها المسيح بزعمهم» ~~(ص355). ~~(ي) # وفي المقدمة فصل كامل في «شرح اسم البابا ~~والبطرك في الملة النصرانية، واسم الكوهن عند ~~اليهود» (ص230-235)، وفي هذا الفصل معلومات أساسية ~~عن نشوء المذاهب المختلفة عند النصارى. # ومما تجب ملاحظته أن الفصل المذكور يأتي عقب ~~فصول الخلافة وإمارة المؤمنين، ويتضمن مقارنة ~~بين الخلافة في الإسلام، وبين رئاسة الملة عند ~~النصارى. # يبدأ الفصل بتقرير أمور تشمل جميع الأديان ~~السماوية: ~~«اعلم أن الملة لا بد لها من قائم عند غيبة ~~النبي، يحملهم على أحكامها وشرائعها، ويكون ~~كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف. ~~والنوع الإنساني - أيضا - بما تقدم من ضرورة ~~السياسة فيهم للاجتماع البشري، لا بد لهم من شخص ~~يحملهم على مصالحهم، ويزعهم عن مفاسدهم بالقهر، ~~وهو المسمى الملك» (ص230). # ثم يعقب ذلك مقارنة بين الملة الإسلامية والملل ~~الأخرى، من جهة الرياسة الدينية والرئاسة ~~السياسية؛ إن دعوة الدين الإسلامي تشمل جميع بني ~~البشر وتتطلب الجهاد؛ ولذلك ترتبط الرئاسة ~~الدينية بالرئاسة السياسية ارتباطا وثيقا، ولكن ~~الديانات الأخرى لم ms482 تفرض الجهاد؛ ولذلك لا يشتغل ~~القائم بأمر الدين فيها بشيء من أمور ~~السياسة. # وفيما يلي نص ما جاء في هذه المقارنة: ~~«والملة الإسلامية لما كان الجهاد فيها ~~مشروعا لعموم الدعوة وحمل الكافة على دين الإسلام ~~طوعا أو كرها، اتحدت فيها الخلافة والملك؛ ~~لتوجه الشوكة من القائمين بها إليهما معا. ~~وأما ما سوى الملة الإسلامية فلم تكن دعوتهم ~~عامة، ولا الجهاد عندهم مشروعا، إلا في المدافعة ~~فقط؛ فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شيء من ~~سياسة الملك. وإنما وقع الملك لمن وقع منهم ~~بالعرض ولأمر غير ديني، وهو ما اقتضته لهم ~~العصبية؛ لما فيها من الطلب للملك بالطبع كما ~~قدمناه؛ لأنهم غير مكلفين بالتغلب على الأمم ~~كما في الملة الإسلامية، وإنما هم مطلوبون بإقامة ~~دينهم في خاصتهم» (ص231). # ويأتي في الفصل المذكور بعد ذلك تفاصيل كثيرة عن ~~تطور الكنيسة المسيحية وانقسامها إلى طوائف ~~الملكية واليعقوبية والنسطورية، وتستغرق هذه ~~التفاصيل ثلاث صحائف كاملة. ~~••• # أعتقد أن النصوص التي نقلتها، والأبحاث التي أشرت إليها ~~آنفا تكفي للبرهنة على أن ما ذهب إليه البروفسور بوتول في هذا ~~الصدد لا يستند إلى أي أساس صحيح. # ومع هذا أرى من المفيد أن أتوسع قليلا في هذا البحث ~~بمراجعة مجلدات «التاريخ» نفسه أيضا؛ وذلك لأن الأبحاث ~~المتعلقة بالممالك النصرانية في تاريخ ابن خلدون، أوسع بكثير ~~مما في مقدمته، كما يتضح من الأمثلة التالية: ~~(أ) # المجلد الثاني من تاريخ ابن خلدون يضم فصلا ~~طويلا في «الخبر عن شأن عيسى ابن مريم - صلوات ~~الله عليه - في ولادته وبعثته ورفعه من الأرض، ~~والإلمام بشأن الحواريين بعده، وكتبهم الأناجيل ~~الأربعة، وديانة النصارى بملته، واجتماع الأقسة ~~على تدوين شريعته» (ص143-153). # يتتبع ابن خلدون في هذا الفصل نشوء الطائفة ~~النصرانية، ويشرح الفروق التي تميز الطوائف ~~المذكورة بعضها عن بعض، ولا يعتذر عن التكلم في ~~أمور تخالف الديانة الإسلامية خلال هذه الأبحاث ~~التي تشغل إحدى عشرة صحيفة. ~~(ب) # وفي المجلد الثاني أيضا سلسلة فصول في دولة ~~اليونان والروم واللطين والقوط، تشغل هذه الفصول ~~ثلاثا ms483 وخمسين صفحة (ص184-236). # وأرى من المفيد أن أنقل - فيما يلي - ما يقوله ~~ابن خلدون عن «الملوك القياصرة المتنصرين» في أحد ~~هذه الفصول: ~~«هؤلاء الملوك القياصرة المتنصرة من أعظم ملوك ~~العالم وأشهرهم، وكان لهم الاستيلاء على جانب ~~البحر الرومي من الأندلس إلى روما، إلى قسطنطينية، ~~إلى الشام، إلى مصر والإسكندرية، إلى إفريقية ~~والمغرب» (ص210). ~~(ج) # في المجلد الرابع فصل عنوانه «الخبر عن ملوك بني ~~أدفونش من الجلالقة، ملوك الأندلس بعد القوط ولعهد ~~المسلمين، وأخبار من جاورهم من الفرنجة والبشكنس ~~والبرتغال والإلمام ببعض أخبارهم»، يقع هذا الفصل ~~في ست صحائف (ص179-185). # يقول ابن خلدون في بداية الفصل ما يلي: ~~«والملوك لهذا العهد من النصرانية أربعة في ~~العمالات المحيطة بعمالة المسلمين، قد ظهر إعجاز ~~الملة في مقامهم معهم وراء البحر، بعدما استرجعوا ~~من أيديهم ما نظمه الفتح الإسلامي أول الأمر. ~~وأعظم هؤلاء الملوك الأربعة قشتالة، وعمالاته ~~عظيمة متسعة.» # وبعد الانتهاء من استعراض أحوال الملوك الأربعة، ~~يلاحظ التشابه في سير الأمور عندهم وعند ملوك ~~المسلمين فيقول: ~~«ثم ركبهم من الخلاف والمنافسة في أوقات ضعفهم ~~واختلاف ملوكهم كالذي ركبه المسلمون» ~~(ص184). ~~(د) # ويوجد في مختلف مجلدات التاريخ كثير من ~~المعلومات والأخبار المتعلقة بالإفرنج والنصارى، ~~مسطورة بمناسبة الحروب التي قامت بينهم وبين ~~المسلمين في مختلف الأدوار والعهود. ~~••• # ويظهر من كل ما تقدم - بكل وضوح - أن البروفسور غاستون ~~بوتول أخطأ كثيرا عندما زعم أن سكوت ابن خلدون عن أخبار ~~أوروبا والنصرانية كان سكوتا يكاد يكون مطلقا. # وأخطأ عندما قال إن ابن خلدون لم يجعل شئون البلاد النصرانية ~~موضوع ملاحظة أو مقارنة أبدا. # كما أخطأ عندما زعم أن ابن خلدون كان ممن لا يهتمون بكل ما ~~هو خارج عن العالم الإسلامي، وممن يستخفون ويستحقرون العالم ~~الأوروبي النصراني. # | حول فقرة في مقدمة ابن خلدون # إن دراستي عن «التفكير والإيمان» عند ابن خلدون قد أظهرت أنه كان ~~يسير في تفكيره سيرا عقلانيا، حتى في الأمور التي لا تخلو من ~~الصلات بالدين [القسم الثالث: آراء ابن خلدون ونظرياته - التفكير ~~والإيمان]. # مع ms484 هذا يجدر بنا أن نتساءل: هذه النزعة العلمية والشيئية ، هل ~~كانت تشمل أمور أوروبا النصرانية أيضا؟ هل كان ينظر ابن خلدون إلى ~~أحوال أوروبا النصرانية، كما ينظر إلى أحوال البلاد الإسلامية، ~~بنظرات الباحث العلمي المتجرد عن التحيز والتشيع؟ # إن آراء المستشرقين في هذه القضية لا تخلو من التضارب والاختلاف؛ ~~بعضهم يعجب بروح الحياد التي أظهرها ابن خلدون فيما كتبه عن ~~ملوك الدول النصرانية في الأندلس، وبعضهم يذهب إلى أن روح التعصب ~~الإسلامي كان مسيطرا على ابن خلدون في كل ما يتعلق بالشئون ~~الأوروبية والمسيحية. # فيجب علينا أن نبحث ما هو وجه الحقيقة بين هذه الآراء ~~المتضاربة؟ ~~••• # إني لم أجد في جميع فصول المقدمة وأبحاثها ما يدل على التعصب ~~الديني، سوى فقرة واحدة وردت في الفصل الذي يشرح «اسم البابا ~~والبطرك في الملة النصرانية». # تأتي هذه الفقرة بعد ذكر الطوائف الثلاث التي انقسم إليها ~~النصارى، وتنص على ما يلي: ~~«ولم نر أن نسخم أوراق الكتاب بذكر مذهب كفرهم، فهي على الجملة ~~معروفة، وكلها كفر كما صرح به القرآن الكريم، ولم يبق بيننا ~~وبينهم في ذلك جدال ولا استدلال، إنما هو الإسلام أو الجزية أو ~~القتل» (ص114 من طبعة بولاق، و260 من طبعة المطبعة الشرقية ~~بمصر). # وبديهي أن هذه الفقرة تنم عن تعصب ديني يخالف روح البحث العلمي ~~مخالفة صريحة. # ولكن مما لا مجال للشك فيه أيضا أن هذه الفقرة لا تنسجم مع ~~سائر أبحاث المقدمة، وتشذ عنها شذوذا صارخا. # ولذلك رأيت من الضروري أن أتوسع وأتعمق في درس هذه ~~القضية. ~~••• # إن أول ما يلفت النظر في هذا المضمار، هو أن الفقرة المذكورة ~~ليست موجودة في الطبعة البيروتية وفي طبعة مصطفى محمد المصرية ~~المستنسخة منها، ولكنها موجودة في طبعة بولاق، وفي الطبعات المصرية ~~المنقولة عنها، كما أنها موجودة في الترجمتين الفرنسية ~~والتركية. # وذلك يضعنا أمام مسألة جديرة بالبحث؛ عدم وجود الفقرة المذكورة ~~في طبعة بيروت، هل نتج من عدم وجودها في مخطوطة استندت إليها ~~الطبعة المذكورة؟ أم نتج عن حذفها من قبل ms485 الناشرين عند الطبع عن ~~قصد وتصميم؟ # إننا لسنا في وضع يخولنا الإجابة على هذا السؤال بصيغة الجزم؛ ~~لعدم علمنا بأصول الطبعات الموجودة بين أيدينا، ومع هذا لا نستبعد ~~أن تكون الفقرة المذكورة قد حذفت خلال الطبع؛ مراعاة لشعور ~~المواطنين المسيحيين. ولكن مهما يكن الأمر - وعلى فرض أنها موجودة ~~في جميع الطبعات وفي المخطوطات التي صارت أساسا لتلك الطبعات - ~~نستطيع أن نواصل بحث الأمر عن طريق «النقد الداخلي»، و«مقارنة ~~أساليب التفكير والبيان». ~~••• # فلننظر أولا: هل هي من صميم الموضوع أم دخيلة عليه؟ # إذا طالعنا الفقرات التي سبقت الفقرة المذكورة من ناحية، والتي ~~تلتها من ناحية أخرى؛ وجدنا أنها تكون فقرة استطرادية بكل معنى ~~الكلمة؛ حذفها لا يخل بسير الأبحاث، بل يجعلها أكثر ~~انسجاما. # وهذه هي الفقرات التي تسبقها: ~~«ثم اختلفت النصارى في دينهم بعد ذلك، وفيما يعتقدونه في المسيح، ~~وصاروا طوائف وفرقا، واستظهروا بملوك النصرانية كل على صاحبه. ~~فاختلف الحال في العصور في ظهور فرقة دون فرقة، إلى أن استقرت ~~لهم ثلاث طوائف هي فرقهم، ولا يلتفتون إلى غيرها، وهم: الملكية ~~واليعقوبية والنسطورية.» # وهذه هي الفقرات التي تليها: ~~«ثم اختصت كل فرقة منهم ببطرك، فبطرك روما اليوم المسمى بالبابا ~~على رأي الملكية، وروما للإفرنجة وملكهم قائم بتلك الناحية، وبطرك ~~المعاهدين بمصر على رأي اليعقوبية، وهو ساكن بين ظهرانيهم والحبشة ~~يدينون بدينهم.» # يلاحظ أن القسم الأول من هذه النصوص ينتهي بتحديد أسماء ~~الطوائف، وأما القسم الثاني فيبدأ بذكر رؤساء هذه الطوائف، ~~والانسجام بين هذين القسمين تام. ولا شك في أن دخول الفقرة الآنفة ~~الذكر بين هذين القسمين يقطع ما بينهما من ارتباط طبيعي وتسلسل ~~منطقي. # ولذلك نستطيع أن نجزم بأن الفقرة المذكورة إنما هي فقرة ~~استطرادية دخلت بين سطور البحث بعد كتابتها الأولى. ~~••• # فلنبحث بعد ذلك في أسلوب الفقرة ومعانيها، هل تتناسب مع أسلوب ~~سائر أقسام المقدمة ومعانيها؟ # لا شك في أن كل من ينعم النظر في الفقرة المذكورة ويقارنها بما ~~كتبه ابن خلدون في مواقف أخرى؛ يضطر إلى التسليم بأنها لا ms486 تتناسب ~~مع سائر فقرات المقدمة، لا من حيث أسلوب البيان ، ولا من حيث طراز ~~التفكير. ~~«لم نر أن نسخم أوراق الكتاب ...» هذه عبارة ليس لها ما يماثلها ~~في أية صحيفة من صحائف المقدمة. ~~«لم يبق بيننا وبينهم في ذلك جدال ولا استدلال، إنما هو الإسلام ~~أو الجزية أو القتل»، هذا قول لا ينسجم مع كتابات ابن خلدون ~~الأخرى، ولا مع أحوال العصر الذي عاش خلاله. # هذا القول لو كان صدر من قلم أحد الكتاب في عهود الفتوحات ~~الإسلامية؛ «لانسجم مع منطق الوقائع الجارية في تلك الأزمنة»، ولكن ~~صدوره في عهد انحسار الإسلام عن كثير من البلاد - في عهد جلاء ~~المسلمين من الأندلس إقليما بعد إقليم، واستطالة الدول النصرانية ~~على بعض المدن الإسلامية من وقت إلى آخر - يكون خروجا على أوضح ~~وأثبت مقتضيات العقل والمنطق. # ثم إن مثل هذا القول لو نسب إلى رجل غافل عن أحوال عصره؛ لما ~~أثار أي استغراب، ولكن نسبته إلى مؤرخ مفكر مثل ابن خلدون الذي ~~دون وقائع عصره - بما في ذلك الوقائع التي حدثت بين الدول ~~الإسلامية وبين الدول النصرانية - بدقة تامة وحياد فكري شديد، ~~مما يجب أن يقابل بالاستغراب، ويستبعد كل ~~الاستبعاد. ~~••• # ويجب علي أن أصرح في هذا المقام بأني بقيت مدة طويلة ~~مترددا وحائرا في أمر هذه الفقرة الغريبة، ولم أقدم على ~~تدوين رأيي فيها بهذه الصيغة الجازمة، إلا بعد أن حصلت على دليل لا ~~يترك مجالا للشك في هذا المضمار؛ لقد كتب ابن خلدون في الجزء ~~الثاني من تاريخه مذاهب كل طائفة من الطوائف النصرانية بشيء غير ~~قليل من التفصيل. # وذلك يعني أن المذاهب التي تقول فيها الفقرة المذكورة آنفا ~~«إنها لم تذكر؛ لكيلا تسخم أوراق الكتاب»، مسطورة فعلا وبتفصيل ~~تام في موضع آخر من تاريخ ابن خلدون نفسه. # وها أنا أنقل فيما يلي قسما من تلك التفاصيل؛ لكي أزيل من ~~الأذهان كل ما يمكن أن يعتريها من الشكوك في هذا المضمار: # يذكر ابن خلدون الخلافات التي أثارها بين النصارى الأسقف آريوش، ms487 ~~والمناقشات التي جرت بين الأساقفة في مجتمع نيقية، ثم ينقل نص ~~العقيدة التي تم الاتفاق عليها في المجتمع المذكور: ~~«نؤمن بالله الواحد الأحد، الأب، مالك كل شيء، وصانع ما يرى ~~وما لا يرى. وبالابن الوحيد يسوع المسيح، ابن الله، ذكر الخلائق ~~كلها، وليس بمصنوع، إله حق من جوهر أبيه، الذي بيده أتقنت ~~العوالم وكل شيء، الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا بعث العوالم وكل ~~شيء، الذي نزل من السماء وتجسد من ورح القدس وولد من مريم ~~البتول، وصلب أيام فيلاطوس، ودفن ثم قام في اليوم الثالث، وصعد ~~إلى السماء، وجلس على يمين أبيه. وهو مستعد للمجيء تارة أخرى ~~للقضاء بين الأحياء والأموات. ونؤمن بروح الواحد، روح الحق الذي ~~يخرج من أبيه، وبعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة قدسية ~~مسيحية جاثليقية، وبقيام أبداننا بالحياة الدائمة أبد الآبدين» ~~(ج2، ص150). # وبعد ذلك ينقل ابن خلدون الحديث إلى الاختلافات التي حدثت بعد ~~مجمع نيقية، وإلى المذاهب التي نشأت من هذه الاختلافات، ويذكر بين ~~ما يذكره من المذاهب قول الأسقفين تاودوس وديودوس: ~~«إن المولود من مريم هو المسيح، والمولود من الأب هو الابن ~~الأزلي، والابن الأزلي حل في المسيح المحدث. فسمي المسيح ابن ~~الله بالموهبة والكرامة، وإنما الاتحاد بالمشيئة والإرادة.» ~~«فأثبتوا لله ولدين؛ أحدهما بالجوهر، والثاني بالنعمة» (ج2، ~~ص152). # يلاحظ أن ابن خلدون كتب ونقل هذه الأمور الاعتقادية والمذهبية - ~~وكثيرا من أمثالها - من غير أن يرى في ذلك أية غضاضة. # فهل من المعقول أن يقول في موضع آخر: «لم نر أن نسخم أوراق ~~الكتاب بذكر تلك المذاهب؟!» # | ما كتبه العرب المعاصرون عن ابن خلدون # فيما يلي قائمة بأهم الكتب والرسائل والبحوث التي نشرها العرب ~~المعاصرون عن ابن خلدون؛ أولا باللغة العربية، ثانيا باللغات ~~الأوروبية. ~~(1) باللغة العربية ~~(أ) الكتب والرسائل المستقلة # الدكتور طه حسين، فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، ~~القاهرة، 1952، (ترجمها الأستاذ عبد الله عنان عن ~~أطروحة الدكتوراه المقدمة لجامعة ~~السوربون). # الأستاذ محمد عبد الله عنان، ابن خلدون، حياته ~~وتراثه الفكري، القاهرة، 1933. # الدكتور عمر فروخ، فلسفة ابن ms488 خلدون، بيروت ~~1942. # الدكتور محمد علي نشأت، رائد الاقتصاد ابن ~~خلدون، القاهرة، 1944. # الأستاذ محمد الخضر حسين، محاضرة عن ابن خلدون، ~~القاهرة. # السيد عبد القادر المغربي، ابن خلدون في المدرسة ~~العادلية، دمشق. # الأستاذ أحمد محمد الحوفي، مع ابن خلدون، ~~القاهرة، 1952. # السيد محمد بن تاويت الطنجي، التعريف بابن ~~خلدون، ورحلته شرقا وغربا، القاهرة، ~~1951. ~~(ب) المختارات المصدرة بمقدمة # الأستاذ فؤاد أفرام البستاني، ابن خلدون (3 ~~أجزاء من الروائع)، بيروت، 1928. # الدكتوران جميل صليب وكامل عياد، منتخبات من ابن ~~خلدون، دمشق، 1934. # مكتبة صادر، ابن خلدون (خمسة أجزاء من مناهل ~~الأدب)، بيروت، 1949. ~~(ج) مقالات في المجلات وفصول في الكتب # كثيرا من المقالات في مختلف المجلات، وفصولا ~~خاصة بابن خلدون في كتب تاريخ الأدب العربي، ~~وتاريخ الفلسفة الإسلامية. ~~(ذكرنا بعضها خلال الدراسات.) ~~(2) باللغات الأوروبية # الدكتور طه حسين (مصر)، فلسفة ابن خلدون ~~الاجتماعية - بالفرنسية - 1918. # Dr. Taha Hussein. La ~~philosophie sociale d’Ibn Khaldoun-paris ~~1918. # الدكتور كامل عياد (دمشق)، نظرية ابن خلدون في ~~التاريخ ~~والاجتماع ~~- بالألمانية - 1930. # Ayad, Kamil. Die ~~Geschichte und guesellschafts lehre Ibn ~~Haldhunns-Stuttgart ~~1930. # الدكتور صبحي محمصاني (بيروت)، آراء ابن خلدون ~~الاقتصادية - بالفرنسية - 1932. # Mahmasani, Sobhi. Les ~~idèes économiques d’Ibn Khaldon-Lyon ~~1932. # علي نور الدين العنسي (طرابلس الغرب)، التفكير ~~الاقتصادي عند ابن خلدون - بالإيطالية - ~~1923. # Anesi (El) Aly ~~Nureddine. Il pensiera économica di Ibn ~~Khaldoun-in ~~Rivista della colonie italiane ~~1932. # محمد عبد الله عنان (مصر)، ترجمة كتابه المذكور ~~آنفا إلى اللغة الإنجليزية، 1941. # Inen Mohammed Abd ~~Allah. Ibn Khaldoun his life and Work-Lahore ~~1941. # الدكتور عباس عمار (مصر)، مقدمة التاريخ لابن ~~خلدون - بالإنجليزية - 1941. # Ammar Abbas. Ibn ~~Khaldouns prolegomena to history-présented ~~as a thesis at the university of Cambridge ~~1941. # شارل عيساوي (فلسطين)، عبد الرحمن بن خلدون - ~~مقتطفات مترجمة للإنجليزية - 1950. # Charles Isawi. An ~~Arab philosophy of History-Sélection from ~~the prolègomena of Ibn Khaldoun of ~~Tunisie-London 1950. # الدكتور عبد العزيز عزة (مصر)، ابن خلدون وعلمه ~~الاجتماعي - بالفرنسية - 1947. # Dr Abd El Aziz Ezzat. ~~Ibn-Khaldoun, et sa science sociale-Le ~~Caire, 1947. # زاهدة حميد باشا (حلب)، ابن خلدون - العالم ~~الاجتماعي - أطروحة جامعية (لم تطبع بعد). ms489 # Zahide Hamid Pasha. ~~Ibn Khaldoun sociolagiste a fourteenthe ~~century Pioner (thèsis ~~inèdit). # | رجاء هام من باحثي المخطوطات # (1) رجاء هام من الباحثين في المخطوطات العربية # إني أشرت في بحث «تاريخ المقدمة» إلى النسخة التونسية من مقدمة ~~ابن خلدون، التي توهم الشيخ نصر الهوريني بأنها مختصرة من النسخة ~~الفاسية، فأهملها من غير أن ينتبه إلى أنها النسخة التي قدمها ~~المؤلف إلى السلطان الحفصي في تونس، قبل نزوحه إلى مصر، وقلت في ~~نهاية تلك الدراسة: «إني أدعو الباحثين الذين يهتمون بأمر ابن ~~خلدون ومقدمة ابن خلدون إلى الاهتمام بالنسخة المذكورة؛ لأن ~~مقارنتها بالنسخ المطبوعة لا بد أن توصلنا إلى معلومات هامة عن ~~تطور ابن خلدون الفكري» (ص132-134 من هذا الكتاب). # إني كنت نشرت الدراسة المذكورة في الجزء الأول من الدراسات التي ~~طبعت في بيروت سنة 1943، وكنت أظن عندئذ أن النسخة المذكورة ~~محفوظة في إحدى دور الكتب في القاهرة؛ ولذلك لم أكتف بما نشرته في ~~الكتاب، بل كتبت في الوقت نفسه إلى بعض الباحثين، راجيا منهم أن ~~يراجعوا النسخة التي أهملها الهوريني، ويزودوني ببعض المعلومات ~~عنها، ولكني علمت من الأجوبة التي تلقيتها أن أذهان الجميع كانت ~~تتوجه - على الدوام - إلى الأحدث فالأحدث من كتابات ابن خلدون، ~~والأوسع فالأوسع من أبحاثه؛ ولذلك ما كان يهتم أحد الباحثين بالنسخ ~~المختصرة، فلم ينتبه أحد منهم إلى حقيقة النسخة التي ذكرها الشيخ ~~نصر الهوريني. # بعد ذلك سافرت إلى مصر وكلي أمل بأني سأجد النسخة المذكورة ~~بسهولة، طالما كانت تحت يد الشيخ الهوريني عند طبع المقدمة، لكن ~~أملي خاب تماما؛ لأني لم أحصل عليها لا في دار الكتب المصرية، ولا ~~في المكتبة الأزهرية، ولم أصادف أحدا يستطيع أن يدلني على مصير ~~المخطوطات التي كانت يراجعها الشيخ الهوريني عند طبع ~~المقدمة. # ولذلك وجهت نظري إلى تونس، وخابرت بعض الباحثين في مخطوطات ~~المقدمة، وفي الأخير سافرت إليها فعلا سنة 1950؛ لأبحث عنها ~~بنفسي، ولكن مع الأسف الشديد لم أعثر عليها أو على ما هو مستنسخ ~~منها هناك أيضا. # إني كنت أرفض إعادة ms490 طبع الجزء الأول من الدراسات - التي كانت ~~نفدت نسخها منذ سنين عديدة - وذلك على الرغم من مراجعة ناشرين ~~عديدين؛ لأني كنت أطمح في نشرها مصحوبة بدراسة عن النسخة ~~التونسية، وبمقارنة بينها وبين النسخ المطبوعة. # ولم أقدم على إصدار هذه الطبعة الموسعة والموحدة إلا بعد ~~أن قطعت الأمل من الحصول على النسخة المذكورة. # ولكن هذا الأمل إذا كان قد انقطع بالنسبة لي - بسبب أحوالي ~~الخاصة - فإنه يجب ألا ينقطع من باحثي المخطوطات العربية ~~وهواتها. # ولذلك أتقدم إليهم مرة أخرى راجيا منهم ومن أمثالهم ألا ~~ينقطعوا عن مواصلة البحث عن نسخة المقدمة المهداة إلى السلطان ~~الحفصي في تونس، مؤكدا لهم أن اكتشاف النسخة المذكورة سيكون ذا ~~قيمة علمية وتاريخية كبيرة جدا. # | تصنيف المباحث حسب تواريخ نشرها # (1) الدراسات التي كانت نشرت سنة 1943 # توطئة (ص1-9) جولة بين التواريخ والمؤرخين: التاريخ والكهانة، ~~التاريخ والنجامة، التاريخ والسحر، التاريخ ومشيئة الله، موقف ابن ~~خلدون من هذه الأمور (12-40)، أبحاث المقدمة، الفصول المهملة ~~(100-116)، تاريخ كتابة المقدمة (117-135)، طرافة المقدمة وتأثيرها ~~(136-143)، لغة المقدمة (143-150)، كلمة العرب في المقدمة ~~(151-168)، حول نسب ابن خلدون (552-559)، ابن خلدون وفلسفة التاريخ ~~(170-177)، ابن خلدون وفيكو: حياة فيكو وآراؤه (178-193)، بين ~~مقدمة التاريخ والعلم الجديد (194-200)، ابن خلدون ومونتسكيو، حياة ~~مونتسكيو وآثاره (201-205)، التاريخ والاقتصاد (206-220)، ابن ~~خلدون وعلم الاجتماع (230-231)، مقدمة ابن خلدون في نظر علماء ~~الغرب (249-260)، موضوع التاريخ ومهمة المؤرخ (264-278)، طبيعة ~~الاجتماع ومنشأ الحكم (279-288)، القسر الاجتماعي والتقليد ~~(289-299)، طبائع الأمم وسجاياها (307-332)، نظرية العصبية ~~(333-352)، الخط والكتابة (509-522). ~~(2) الدراسات التي كانت نشرت سنة 1944 # التطور التدريجي في الطبيعة والمجتمعات (300-306)، المذاهب ~~الأساسية في علم الاجتماع (242-248)، الدولة وتطوراتها: نظرات ~~تمهيدية، عمر الدولة، أطوار الدولة، اتساع نطاق الدولة (355-389)، ~~الحروب (390-414)، النفس الإنسانية (415-436)، التربية والتعليم، ~~نظرات عامة، أصول التعليم، معلومات تاريخية عن أحوال التعليم، ~~التأليف والتعليم (447-484)، التفكير والإيمان (485-508)، ~~التشبيهات المادية (543-550)، نقد كتاب فلسفة ابن خلدون الاجتماعية ~~(561-592). ~~(3) الدراسات التي لم تنشر قبلا ms491 # مؤلف المقدمة (42-46)، أسرة ابن خلدون (47-52)، عصر ابن خلدون ~~(53-68)، حياة ابن خلدون (69-94)، ابن خلدون في الذاكرة الشعبية ~~(94-95)، آثار ابن خلدون (96-108)، التاريخ والطبيعة، «تكملة ~~لأبحاث ابن خلدون ومونتسكيو» (220-229)، أساليب عرض الآراء ~~(262-263)، المدن والأمصار (523-531)، الحياة الاقتصادية ~~(532-542)، الأخطاء في نقل وتلخيص الآراء (593-596)، أقسى الأحكام ~~على مقدمة ابن خلدون (597-600)، حول ابن خلدون وأوكوست كونت ~~(601-603)، أسلوب المقدمة ومفرداتها اللغوية (644-608)، تأثير ~~ابن خلدون في كتاب الأتراك ومؤرخيهم (615-625)، اكتشاف ابن ~~خلدون في أوروبا (609-614)، نقد كتاب البروفسور غاستون بوتول: ابن ~~خلدون والعمالقة، ابن خلدون والقدرية، ابن خلدون وأوروبا النصرانية ~~(621-633)، حول فقرة من المقدمة (634-638)، رجاء من باحثي ~~المخطوطات (644-645)، ما كتبه العرب المعاصرون عن ابن خلدون ~~(639-642). # الخريطة التي تبين مسارح حياة ابن خلدون (70)، والرسم البياني ~~الذي يقارن تواريخ ولادة أهم فلاسفة التاريخ وتواريخ وفاتهم بعد ~~ابن خلدون (173). # الألواح الأربع التي تتعلق بصور ابن خلدون، والدار التي ولد ~~فيها، والمدرسة التي درس فيها في صغره. ms492