######OpenITI# #META# URI: 1389CisamDinHifniNasif.YahudiyyaFiCaqidaWaTarikh.Hindawi96081727 #META# Tags: religions :: philosophy #META# ID: 96081727 #META# Title: اليهودية في العقيدة والتاريخ #META# AuthorID: 40351848 #META# Author: عصام الدين حفني ناصف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # نشوء العقيدة الدينية‏ # قصة الخلق‏ # قصة الطوفان‏ # برج بابل‏ # نشوء العقيدة الدينية‏ # قصة الخلق‏ # قصة الطوفان‏ # برج بابل‏ # | اليهودية في العقيدة والتاريخ # | اليهودية في العقيدة والتاريخ # تأليف # عصام الدين حفني ناصف # | نشوء العقيدة الدينية # (1) حيرة الإنسان البدائي # جاوز الإنسان البدائي أولى مراحل تطوره، وسار فيه شوطا آخر ~~نمت خلاله مقدرته على التفكير والتعبير، فجعل يرقب ما بين يديه من ~~ظواهر الطبيعة. وقد انتشر عليه رأيه من جراء ما يعتور هذه ~~الظواهر من تغيرات راتبة دورية أو عنيفة فجائية، فجعل يسائل ~~نفسه عن مولد اليوم ومماته: كيف ينتشر ضوء الفجر بعد السحر ~~اللجيني ثم يمتد الصبح حتى يصير نهارا بينا ويرتفع الضحى ~~وتحم الظهيرة، ثم يأخذ صهدان الشمس يفتر رويدا رويدا حتى ~~المغيب فيبين الشفق العسجدي؟ وهذا القمر يتسق بدرا ثم لا ~~ينفك يتضاءل أمام ناظريه حتى يستخفي محاقا؟ وهذه النجوم ~~الزاهرة المنتثرة، والشهب المندثرة، والكسوف والخسوف؟ وهذه ~~الفصول الأربعة تتخالف ألوانها وتتميز خصائصها؟ وهذه السحب ~~المدفوعة وما تسحه من أمطار؟ وقوس قزح، تلك التي تتراءى في اليوم ~~المطير؟ وهذا السيل الجارف والجدول المنساب يترقرق ماؤه زلالا، ~~والبركة الساجية لا يغشى الموج صفحتها، فهي تعكس طلعة الناظر ~~الدهش، وهذا البحر لا يدرك الطرف مداه، والمد والجزر؟ # وهذه الأزهار ذات الأرج المنعش، والغابات الكثيفة تصوت فيها ~~فيرتد إليك رجع الصدى؟ والريح العصوف تقتلع الأشجار ~~وتقلقل الأحجار، وجلمود الصخر يحطه السيل من عل؟ والبروق ~~الملعلعة والرعود المدوية يصم هزيمها الأسماع؟ وهذه الجبال ~~المكللة قللها بالجليد الناصع تندلع من فوهاتها ألسنة ~~النيران؟ كل شيء من ذلك يبدو له وكأنما تضطرب فيه قوى وتأثيرات ~~هي وإن لم تدركها الحواس حقائق ماثلة. # وبعد هذا كله أعجوبة الولادة وغموض سر الموت؟ ورؤى المنام؟ ~~يرى البدائي إذا غشيه النعاس أنه يجول ويصول في غابته المحبوبة ~~ويصرع حيوانا مكتنزا فيمتلئ ~~شبعا وريا من لحمه الشهي، ثم يهب من نومه فإذا هو لم يزل، ~~حيث رقد، يتضور من أوار العطش وسعار الجوع. # كانت تلك كلها أمورا غامضة تخفى عليه؛ فقد ms01 استترت عنه طبائع ~~الأشياء، واستبهمت لديه الأسباب والنتائج، ولم يتوافر له من العلم ~~ما يصل به بين العلة والمعلول في عالم المنظور. # وأهل جزائر ماليزيا يدعون القوة الغامضة غير الشخصية ~~«مانا» # Mana ~~، فإذا وفق ~~امرؤ في القتال، فإنما يرجع الفضل في تفوقه إلى «مانا» روح أحد ~~الموتى الشجعان، وإذا أصاب امرؤ نجاحا مرموقا في زراعته أو في ~~تربية ماشيته، فذلك أيضا من المانا الكامنة في بعض الأحجار أو في ~~التمائم المناطة بعنقه أو في خصلة أوراق النبات التي يزين بها ~~حزامه. ويتحدث أهل مراكش عن «البركة» فهناك أشياء: آبار وينابيع ~~ومغارات لها خاصة تبث الخصب في الأرض أو تهب لورادها ~~وحجاجها البرء من الأسقام. وقد كان سلاطين مراكش يمنون على ~~رعاياهم ببركتهم. وكان الإنجليز إلى عهد قريب يعزون إلى ~~ملوكهم قوة سحرية؛ فهم يستطيعون بلمسة اليد أن يبرءوا ~~المصابين بالداء الخنزيري المسمى داء الملوك، # 1 # وما زال الفلاحون في البلدان الكاثوليكية كإيطاليا ~~وبعض أقاليم فرنسا يؤمنون بأن للقساوسة سلطانا على الرياح ~~والأمطار والفيضانات والأوبئة والحرائق، وبأن للبابا مقدرة غامضة ~~على غفران الخطايا والآثام وعلى إصدار المنشورات المعصومة والتشفع ~~إلى الله. والناس أشد تعلقا بأذيال الأباطيل والترهات حيث ~~الطبيعة صاخبة والحياة غير مستقرة تفتقر إلى أسباب الأمن ~~والطمأنينة؛ ومن ثم كان أقل تغير عن الحالة المألوفة لدى ~~الملاحين والبدو الرحل يورثهم الفزع والهلع. ورب رهبة ~~عرت الناس فأوحت إليهم الإيمان بقوة شيء أو مكان ما مثل بيت إيل # 2 # حيث بات يعقوب ليلة هربه من أخيه عيسو في طريقه إلى ~~خاله لابان الآرامي. # كانت الرهبة تستبد بالإنسان البدائي ويملك عليه الوجل لبه ~~فيخيل إليه أن لكل شيء مما يكتنفه ذكاء، وأن هذه الظواهر ~~الطبيعية إنما تحدثها كائنات موفورة الفطنة واسعة المقدرة، تبغي ~~بصنيعها إنجاز أغراض خاصة لا نعلمها. إن الطفل يحسب دميته ذات ~~حياة حين تتحرك آليا، فهو يتحدث إليها. وقد كان الإنسان البدائي ~~في طفولة البشرية يفكر على هذا النحو؛ ومن ثم خلع مخه ~~البدائي على قوى الطبيعة المحيطة به ms02 مثل ما للبشر من ذكاء ~~وإرادة، وجعل يتوهم أحيانا أن لها هيئة كهيئة البشر، كما حباها ~~بالروح، ولكأنما هي من البشر. وقد هيمنت هذه العقيدة على حياته، ~~وما زال أثرها في عقولنا باقيا لم يزل؛ فلقد يتعثر المرء منا في ~~كرسي فإذا هو قد ركله. وبيننا من يعرض للأحداث السعيدة التي ~~تتمخض عنها نواميس الطبيعة فيذكرها على أنها عناية ربانية ~~ومرحمة إلهية. ~~(2) الروح # فسر الإنسان البدائي بعض ما يخفى عليه أمره من هذه الظاهرات ~~بأن له روحا؛ أي جسما لطيفا حالا بجسده، ولكنه مستقل عنه ~~قابل لأن يزايله في أية لحظة ويمارس نشاطه في أماكن أخرى. وهذه ~~النظرة «الروحانية» هي أساس الدين. # لقد كان يقرن بين النسمة والنسمة، ويرى أن «الريح» إن هي إلا «روح» # 3 # كبيرة، ترضى فتكون نسيما بليلا ينفح، أو تسخط ~~فتكون ريحا سموما تلفح. وعنده أن المرء إذا تراءى له في نومه ~~صديقا فهو إنما رأى روح ذلك الصديق لا شخصه. # وقد فطن إلى أن الموتى لا يتنفسون فتوهم أن «النفس» (بفتح ~~الفاء) هو «النفس» (بتسكين الفاء)؛ أي الروح، ثم خيل إليه أن ~~من ينم نوما عميقا ينقطع تنفسه كذلك فتوهم أن روحه ~~تفارقه بعض الوقت ثم تئوب إليه؟ فهو قمين بألا يوقظه فجأة لئلا ~~تلقى الروح عنتا في العودة إليه، ثم قال في نفسه: لئن كانت الروح ~~ترتد إلى النائم إنها لحرية أن ترتد إلى الميت. وهكذا لاحت ~~في ذهنه فكرة البعث، وجعل - تبعا لذلك - يعنى بدفن موتاه وإيداع ~~قبورهم ما قد يحتاجون إليه من أغذية وأكسية وآنية، واشتط بعض ذوي ~~الثراء في ذلك فجعلوا يقتلون نساء من مات من أقربائهم وجياده ~~وكلابه ويدفنونها معه لعله يفتقدها عند قيامته من الموت. # وقد كان يغلب عنده أن يكون موطن الروح في الرأس وأن يكون ~~مخرجها عند الموت من الأنف أو الفم # 4 # في أثناء التنفس، كما حدث لراحيل # 5 # امرأة يعقوب، وأن يكون مدخلها منهما إلى الجسم إذا ~~ارتدت إليه الحياة كما حدث لابن الأرملة التي ms03 كانت تعول ~~إيليا. ~~«فسمع الرب لصوت إيليا فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش» (1 ملوك ~~17: 22). # وهو شبيه بما حدث للرجل الطيني: ~~«ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية» # 6 ~~(تكوين 2: 7). # وبما حدث في الطوفان: «كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما ~~في اليابسة مات» (تكوين 7: 22). # وعند البدائي أن العطاس أذان بأن الروح تعالج دخول الجسم أو ~~الخروج منه؛ ومن ثم كان عطاس المريض نذيرا بدنو أجله، أو ~~بشيرا بأن العافية تثوب إليه # 7 # كما حدث عندما رد أليشع الحياة إلى ابن المرأة صاحبة ~~مثواه: ~~«ودخل أليشع البيت وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره. فدخل ~~وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلى إلى الرب. ثم صعد واضطجع فوق ~~الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدد ~~عليه فسخن جسم الولد. ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هنا ~~وتارة إلى هناك، وصعد وتمدد عليه فعطس الصبي سبع مرات، ثم فتح ~~الصبي عينيه» (2 ملوك 4: 32-35). # وكان البدائي إذا حضرته الثؤباء يضع يده على فمه متخذا منها ~~حاجزا يحول دون خروج الروح من جسده أو دخول عدو روحي إليه. # 8 # لقد ذهبت به أوهامه إلى ما يعرف الآن باسم ~~المذهب الحيوي # animism # أو ~~مذهب حيوية المادة القائل بأن لكل شيء في الكون، حتى الكون عينه، ~~روحا هي المبدأ الحيوي المنظم له. وقد صور له هذا ~~المذهب: ~~(1) # أن له جسدا وروحا. ~~(2) # أن لكل شيء مما حوله روحا كروحه. ~~(3) # أن من هذه الأرواح ما يبغيه الخير ومنها ما يتربص ~~به الشر. # وإلى هذه الأرواح غير المرئية التي تزخر بها بيئته كان يعزو ~~مختلف الظواهر؛ فما وميض البرق وهزيم الرعد وهبوب الريح واندفاق ~~المطر وزلزلة الأرض عنده إلا أفاعيل آلهة غضبى وشياطين ناقمة. # 9 # وكان يعتقد أن الروح تظل في الجسم ما ظل الجسم صحيحا متماسكا، ~~فإذا دب إليه التحلل والفساد زايلته الروح. # 10 # وكان يعتقد أن الروح بعد مباينتها للجسد تحوم حوله زمنا ما؛ ~~ولذلك كان ms04 أهل الميت يتنكرون بلبس ثياب الحداد، وبتغيير معالم ~~الأثاث في البيت، وبتعفير وجوههم وحلق شعورهم وتجليل رءوسهم ~~بالرماد؛ لينبهم الأمر على روح الميت المتحررة من جثمانه، ثم ~~«يصوتون» صوات المكروبين ليذعروا الروح ويروعوها فترحل، وما ~~فتئ المحافظون (على التقاليد القديمة) من اليهود إلى اليوم ~~يغيرون اسم مريضهم إذا تبلغت به العلة؛ ليبعثوا الحيرة ~~والارتباك في الروح الشريرة التي أورثته الوصب. # وهذه العادات والتقاليد التي كان يمارسها العبريون القدماء ما ~~زالت حتى اليوم باقية لم يعف عليها الزمن؛ غير أن معانيها لم ~~تعد واضحة في الأذهان؛ فالناس يمارسونها خالفا عن سالف دون ~~تفكير وتمحيص. ~~(3) الطوطم والتابو # كان البدائي يعتقد: ~~(1) # أن الروح بعد بينونتها عن صاحبها تبدو في زيه ~~(هيئته)؛ وبذلك وجدت الثنائية # dualism # من الجسد والروح. ~~(2) # وأنها قد تنقلب صورتها إلى صورة حيوان ما؛ ومن ~~هنا نشأت أساطير المخلوقات التي كانت أناسي ثم مسخت ~~حيوانات. ~~(3) # أن اللحم يحتوي مادة الروح التي ينطوي عليها ~~الحيوان، فراح يتوهم أن المرء يكتسب خصائص الحيوانات ~~التي يغتذي بلحومها، وكان ذلك من أسباب تحريم لحم ~~الخنزير عند اليهود. # وكان كل امرئ يؤثر برعايته حيوانا ما ويعده حارسا له ~~ويحس بصلة وثيقة تربط بينهما حتى ليستحرم قتله ويرى أكل لحمه ~~ضربا من أكل لحم البشر. ومن هذا المعتقد تولدت الطوطمية وهي ضرب ~~من عبادة الإنسان البدائي لحيوان (أو نبات) يحسب أن بينهما آصرة ~~رحم وقربى. # ومن الطوطمية نشأت عقيدة تقمص الأرواح، ويبدو أنه كان لكل ~~قبيلة في تلك العهود الموغلة في القدم طوطم # 11 # حيواني واحد على الأقل تقدسه وتنظر إليه على أنه ~~الروح الحارسة لها، وأنه منبع قوتها، ومصدر البركة الحالة ~~بها، وترى الإقامة في جواره من صالح الأعمال. وكان هذا الطوطم كأنه ~~رمز للقبيلة، وشعار يوحد بين أفرادها إذ يتوهمون أنهم ~~منحدرون من سلالته أو أنهم على الأقل تربطهم به آصرة قربى. # 12 # كان الطوطم يعد مقدسا ونجسا في آن واحد، وكانت تحميه ~~شريعة ال تابو # 13 # أي شريعة التحريم؛ فمن المحرم عليهم قتله وأكل ms05 ~~لحمه، وهذا منشأ التابو الغذائي. # وقد بقيت فكرة الإضراب عن أكل بعض الطواطم سائدة في بعض ~~المجتمعات؛ فالبقرة تابو عند الهنود، والخنزير تابو عند اليهود؛ ~~وإنما يضرب اليهودي الورع عن أكل لحم الخنزير لأن أسلافه الأقدمين ~~منذ خمسة آلاف سنة أو ستة آلاف كانوا يتخذون الحلوف # 14 # البري طوطما لهم. ولا صلة لهذا الإضراب بما يحتج به ~~حاخامو اليهود المحدثون من أسباب صحية؛ فإن الكتاب المقدس لم ~~يذكر أية حادثة فشا فيها وباء أو نجم فيها مرض من جراء أكل ~~لحم غير طاهر، ولا غرو في ذلك؛ فهو ينظر إلى المرض على أنه رجس ~~من عمل الأرواح والشياطين. # وقد كان الحمل طوطما لإحدى القبائل الكنعانية، وكان عيد الفصح ~~عند الكنعانيين عيدا يقربون فيه حملا لإله من الآلهة ~~المحليين، ثم أصبح هذا الطوطم بعد ذلك «حمل بسكال» في الدين ~~المسيحي. ~~(4) التمائم والأوثان # كان البدائيون إذا طاف بأحدهم طائف من مرض أو حل به الموت ~~عزوا ذلك إلى الأرواح الماثلة في كل ما يكتنفهم؛ ولهذا كانت تلك ~~الأرواح حرية بأن تسترضى. # وازدادت الآراء الدينية على الزمن تعقدا واعتياصا، وغدت ~~الأرواح عسيرة المأتى، فبدت الحاجة إلى انقطاع فئة من الناس ~~لمباشرة هذه الأمور والتعمق في اكتناه أسرارها. وبدأ التخصص فلم ~~يبق كل امرئ كاهن نفسه بل أخذ آباء الأسر الكبيرة ورؤساء ~~العشائر الصغيرة على عواتقهم تصريف أمور الشعائر والاحتفالات ~~الدينية، وغدوا بذلك ملوكا وكهنة معا، وما فتئت الأفكار ~~الدينية تزداد زخرفا حتى غدا الكاهن الملك هو المثوى الذي تحل ~~به روح القبيلة؛ ولهذا كان قمينا أن يعبد إلها؛ وهكذا - في أغلب ~~الظن - نشأ الحق الإلهي للملوك. وكان من أثر هذه العقيدة في ~~بعض الشعوب أن درجوا على قتل الملك إذا ما علت به السن ووهن ~~منه العظم ليفسحوا للإله أن يثوي في جسد شاب، موفور الفتوة، ~~جم النشاط، حديد العزم، عظيم الهمة. وكان الملك في بعض الأحيان ~~يفتدي نفسه بابنه فيقتلون ابن الملك ويقولون: إنهم قتلوا ابن ~~الإله. # وفي خلال ذلك تخلقت في ms06 بطء فئة من الناس تجردت لمعالجة ~~الأمور الروحية، كانوا يتلقون تدريبا طويلا ويلقن كل منهم ~~ابنه ما أوتي من حكمة . وخبر هؤلاء الكهنة البدائيون عنت الحمية ~~عن الطعام في أوقات الجدب، وعلموا أن المخمصة تورث الخبال ~~وتطلق الحناجر بالهذيان، وبلوا كذلك فعل المخدرات في إطلاق ~~الأعنة للأخيلة والأوهام، فاستعانوا بها وبالصوم على التجلي، ~~فكانت تعتريهم نوبات من الدروشة وتنطلق ألسنتهم بأصوات غريبة ~~وألفاظ غير ذات معنى، فيتوهم من حولهم من السذج أن الأرواح ~~قد حلت بهم، وأنها هي التي تنطق بألسنتهم # 15 # فيسري الرعب في أوصالهم، # 16 # فيبذلون بعض ما يملكون؛ ليشتروا به أمنهم ~~وسلامتهم. # كان البدائي يتوسل إلى دفع الأرواح الشريرة بتلاوة الأدعية، ~~وإقامة الصلوات، وحمل الخرز، وعد حبات السبح، وإناطة التمائم، وهي ~~شيء تثوي فيه روح صديقة ذات بأس ونشاط، فإذا ما حمل المرء ~~التميمة «حجبت» عنه أذى الأرواح الشريرة، وما «الحجاب» الذي ينوطه ~~المرء عليه في وقتنا هذا إلا صورة متأخرة من التميمة. ولا تزال ~~كثيرات من نساء أوروبا يلبسن المدليات والتمائم لاستدرار ~~المعونة مما وراء الطبيعة ولاتقاء ما عسى أن يكون مخبوءا لهن في ~~عالم الغيب. ولا يزال كثير من رجال الشرق يحملون السبح لأسباب ~~هي في بعض الأحيان قريبة من ذلك. # وقد أضفت صناعة التمائم ~~قدسية على الذين انفردوا بصنعها وهم الكهنة. واستغل الكهنة الدين ~~لأغراضهم الخاصة، وعملوا على استدامة الخرافات بين شعوبهم لتظل ~~قابعة في غيابة الجهل فيسهل عليهم خداعها وإخضاعها وابتزاز ~~أموالها. وقد أيقظت الخرافات في الناس المطامع الحمقاء وأثارت فيهم ~~النزعات الهوجاء وسيرت موكب البشرية أحقابا مديدة مسخرا في ~~أشغال شاقة لا خير فيها ولا جدوى منها. ولو أن أولئك الناس بذلوا ~~في سبيل البشر ما بذلوه في سبيل آلهتهم تلك لكنا الآن نتفيأ ~~ظلال حضارة خير من حضارتنا وأرقى. # وما لبث الناس أن انتقلوا من تميمة الفرد خاصة إلى تميمة القبيلة ~~عامة، وكانت بادئ بدء تتخذ من الروح الباسق والجلاميد الضخام؛ ~~تلك هي الأوثان # idols # في أبسط ~~أشكالها. وعندما اتخذ الناس ms07 الأوثان أربابا يتوسلون بها إلى ما ~~فيه صلاحهم بدأ «الدين». وقد نجمت الأديان الأولى من الاتحاد بين ~~العقيدة والمنسك. # ولما ارتقى القوم شيئا ما عمدوا إلى مسح أوثانهم هذه بالزيت # 17 # ثم خطوا خطوة أخرى فأصبحوا يخضبونها بالدم لتطيب ~~الأرواح التي تسكنها بذلك نفسا فتظل حالة بها لا تريم، ثم ~~تفتقت أذهانهم عن خطة جديدة فغدوا يقتلون الإنسان وينحرون ~~الحيوان ويقربونهما لأوثانهم، وبذلك نشأ منسك التضحية، # 18 # وكان أهم المناسك الدينية طرا عند جميع الشعوب في ~~تلك الأعصر السحيقة في القدم، وبه فسر أول حادث قتل في العالم ~~إذ فتك هابيل بقايين (قابيل)؛ لأن يهوه تقبل قربان قايين، وكان ~~من اللحم، وأشاح عن قربان هابيل وكان من النبات. # كان الفينيقيون والقرطاجنيون # 19 # ومن إليهما من الشعوب السامية يقدمون القرابين البشرية ~~للإله ملخ (بضم الميم) - أي الملك - وعندما حصرت مدينة قرطاجنة ~~سنة 307ق.م حرق أهلها على مذبح هذا الإله مائتي غلام من أبناء ~~السراة. وكانوا في سورية إذا ما حزبهم أمر يحرقون بعض ~~الأطفال، ثم أصبحوا يكتفون بختنهم أو ببذل قدر من المال ~~قربانا لبعل أو عشتورت. # لقد رتع الآلهة في لحوم البشر ردحا من الدهر. فلما ارتفعت ~~الحضارة وغدا الناس يبدون امتعاضهم من التضحية بأفلاذ أكبادهم ~~انصرف الآلهة عن لحم الإنسان إلى لحم الحيوان؛ ونرى صورة لذلك في ~~قصة إبراهيم حين يمسك عن ذبح ابنه إسحاق ويفتديه بكبش. ~~(5) الآلهة # وما عتم الناس أن آثروا الاقتصاد في الوقت واليسر في ~~العبادة؛ فانتهجوا طريقة الأعمال الكبيرة، وذهبوا إلى أن هناك ~~إلها أعظم يهيمن على الآلهة الصغار. كان كهنة سوريا يعترفون ~~بالإله الأعظم «ألو» (المشابه لألوهيم اليهود) في الوقت الذي كانوا ~~يعبدون فيه الإله «بعل»، وكانوا في بابل في عصر بختنصر ومن قبله ~~ينادون بأن «مردك» (بضم الدال) هو الإله الخالق دون أن يمحو ذلك ~~عبادة سائر الآلهة، فالاعتراف بالإله الخالق ليس هو الإقرار ~~بالوحدانية. # وأخلت أديان الآلهة المتعددة والأصنام الكثيرة الطريق آخر ~~الأمر للإيمان بإله واحد لا يجشم الخلق عناء الحج إليه ms08 في ~~موطن بعينه، بل يجدونه أينما ولوا وجوههم؛ لأنه حال بكل ~~مكان. وزعم كل شعب أن إلههم هذا هو الذي أنزل عليهم شريعتهم؛ ~~فالإله «شمش» إله الشمس هو واضع قانون حمورابي ملك بابل، ~~و«أهورا-مزدا» هو الذي حبا زرادشت بالناموس في فارس حين راح هذا ~~يصلي فوق جبل شاهق، و«زيوس» هو الذي أعطى الملك منيوس فوق جبل ~~دكتا (بكسر الدال) الشريعة التي حكمت بمقتضاها جزيرة كريت ... ~~وهلم جرا. ~~(6) السحر عند الوثنيين # الآن، وقد اكتسب الذكاء الإنساني حدة وازدادت المعرفة البشرية ~~سعة، أصبحنا نعلم عن يقين أنه ما من صلة بين سلوك الإنسان وظواهر ~~الطبيعة؛ فمهما بلغ امرؤ أو شعب من سوء السيرة ولؤم السريرة، ومهما ~~أتى هذا المرء أو هذا الشعب من المناكر وطالح الأفاعيل # 20 # فلن يحدث ذلك زلزالا أو يعقب طوفانا أو يحبس ~~السماء فتجدب الأرض؛ ونعلم كذلك أن الصاعقة قد تنقض على الطيب ~~والخبيث بدرجة سواء؛ فالطبيعة لا ترمي إلى هدف معلوم، وإنما هي ~~تنتج بلا غرض وتحطم بلا سبب. # وقد كان البدائيون على غير بصر بما نعرفه اليوم من بواعث المرض؛ ~~فالأمراض كلها ترجع عندهم إلى ما وراء الطبيعة ولا دواء لها غير ~~السحر. لقد كانوا لا يعرفون حدا تقف عنده قوى الروح في إيلاء ~~الشر وإيتاء الخير؛ ولذا عملوا على تألفها بالابتهال إليها؛ ومن ~~هنا نشأت صلاة الوثنيين وسائر شعائرهم واحتفالاتهم الدينية وفشت ~~عبادة الأرواح وإزلاف القرابين لها والتفنن في إقناع الأرواح ~~الخيرة بمديد المعونة إليهم، وذلك أصل السحر؛ وهو فن الاستعانة ~~بقوى وطاقات من وراء الطبيعة غير منظورة؛ وذلك لبلوغ أغراض مخصوصة ~~يتعاصى بلوغها بالوسائل الطبيعية المألوفة والأساليب المنطقية ~~المعروفة، ويتم ذلك بإتيان حركات معلومة وترديد كلمات ~~مرسومة. # ويقوم السحر على مبدأين أساسيين يكونان معا ما يمكن تسميته ب ~~السحر ~~العاطفي # sympathetic magic # وهذان المبدآن هما: ~~(1) # السحر بأشباه ~~الأشياء # homoeopathic magic # ينتج الشيء ما يشبهه، وتأتي ~~النتائج من جنس المقدمات، فإذا عرف الساحر المحنك ~~بخبرته أن المطر وشيك الانهمار شرع يستسقي للقوم؛ ~~وذلك بأن يسكب ms09 بعض الماء على الثرى ويقعقع # 21 # قارورة فيها حصى؛ فيحدث ذلك صوتا ~~يحاكي ما يصحب المطر من هزيم. # ولقد كانوا في إنجلترا إلى عهد قريب يعالجون الرمد ~~بنبات الفراسيون # eyebright # لأن ~~زهرته تشبه العين، وكانوا في ألمانيا يعالجون اليرقان ~~بأشياء صفراء فاقع لونها كالذهب والزعفران. ~~(2) # السحر بما بين الأشياء التي ينفصل أحدها عن الآخر من ~~صلة غير ~~مقطوعة # contact magic ~~. # إن الأشياء التي كانت مرة موصولا بعضها ببعض تحتفظ ~~بقوة تفاعل بينهما حتى بعد أن تنفصم تلك الصلة؛ ولهذا ~~يتخذ «أثر» الشخص وسيلة للكيد له والنيل ~~منه. ~~(7) السحر عند العبريين # سار العبريون فيما يتصل بأوهامهم ووساوسهم الدينية على النهج ~~الذي سارت عليه سائر العشائر البدائية؛ فبدءوا بتعاطي السحر. وقد ~~رووا وقائع كثيرة أنجز فيها السحر ما أريد منه، وخلفوا «وصفات» ~~شتى لكيفية قتل امرئ أو إيذائه بالسحر ولطريقة اجتذاب المحبوبة ~~إلى من يهواها وحملها على أن تطارحه الهيام. # والكتاب المقدس حافل بالشواهد على إيمان اليهود بالسحر. # فعندما احتشدت جحافل الفلسطينيين لذود الغزاة من بني إسرائيل ~~وطفق الكهنة يكيدون شاول ويزعمون له أن الرب حال عن مودته وكف ~~عن نصرته؛ تلبد الجو في وجهه وأعيت عليه معالجة الخطر الخارجي ~~والداخلي في آن، وأراد أن يستخير # 22 # ربه فإذا هو قد تجمدت قريحته وتبلدت مخيلته ~~حتى استعصى عليه أن يرى رؤيا يفسرها بما تشاء له وساوسه ~~وأوهامه، ولم يجد بدا من الانصراف إلى الجان عوضا عن الآلهة، ~~واللواذ بالسحرة بدلا من الأنبياء: ~~«فقال شاول لعبيده: فتشوا لي على امرأة صاحبة جان فأذهب ~~إليها وأسألها. فقال له عبيده: هو ذا امرأة صاحبة جان في عين ~~دور. فتنكر شاول ولبس ثيابا أخرى وذهب ... فقالت المرأة: من ~~أصعد لك؟ فقال: أصعدي لي صموئيل، # 23 # فلما رأت المرأة صموئيل صرخت بصوت عظيم. وكلمت ~~المرأة شاول قائلة: لماذا خدعتني وأنت شاول؟ # 24 # فقال لها الملك: لا تخافي # 25 # فماذا رأيت؟ فقالت المرأة لشاول: رأيت آلهة # 26 # يصعدون من الأرض. فقال لها: ما هي صورته؟ فقالت: رجل ~~شيخ ms10 صاعد وهو مغطى بجبة. فعلم شاول أنه صموئيل فخر على ~~وجهه إلى الأرض وسجد. فقال صموئيل لشاول: لماذا أقلقتني بإصعادك ~~إياي. فقال شاول: قد ضاق بي الأمر جدا ... فقال صموئيل: ولماذا ~~تسألني والرب قد فارقك وصار عدوك ، وقد فعل الرب لنفسه كما تكلم ~~عن يدي، وقد شق المملكة من يدك وأعطاها لقريبك # 27 # داود» (1 صموئيل 28: 5-17). # وليست تعزب عنا تلك المباراة التي قامت بمشهد من فرعون بين سحرة ~~مصر وبين النبيين اليهوديين الوافدين من مدين في إحالة العصي حيات ~~وثعابين، ولنا أن نعد من هذه البابة ما حدث في برية سينا حين ~~أبدى بنو إسرائيل الآبقون # 28 # من مصر تذمرهم من التيه الطويل في تلك المفاوز # 29 # الوعرة التي مكثوا يضربون فيها أعواما دون أن يجدوا ~~سبيلا منها إلى خروج واستبشاعهم الطعام المسيخ # 30 # الذي كتب عليهم أن يتجرعوه وهم لا يكادون يسيغونه # 31 # وتأذيهم من الحيات التي وقعوا بين أنيابها فما ~~انفكت تثخنهم لدغا حتى بدا لموسى أن يجتزئ بما أصابهم وأن ~~يكف عنهم هذا الأذى: ~~«فصنع موسى حية من نحاس ووضعها على الراية، فكان متى لدغت حية ~~إنسانا ونظر إلى حية النحاس يحيا» (عدد 21: 9). # وقد سحق هذه الحية بعد 8 قرون حزقيا بن آحاز ملك يهوذا بين ما ~~حطمه من أصنام وأنصاب: ~~«هو أزال المرتفعات وكسر ~~التماثيل وقطع السواري وسحق حية الناس التي عملها موسى لأن بني ~~إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ودعوها نحشتان» (2 ملوك ~~18: 4). # هذا وقد فصلت الأسطر الأولى من سفر التكوين كيف سلك الله في خلق ~~الكون نهجا يذكرنا بصنع السحرة: ~~«وقال الله: ليكن نور فكان نور» (تكوين 1: 3). # ويغنينا عن المزيد من الاستشهاد أن يهوه نفسه قال صريحا: «لا ~~تدع ساحرة تعيش» (خروج 22: 18). # وهي الآية الكريمة التي أزهقت بمقتضاها حياة الألوف من البشر ~~متهمين بجرائم لم يكن في طوقهم أن يقارفوها. # وقد ظل السحر عالي الشأن عميق الأثر حتى القرون الوسطى. وكان ~~الأقدمون يؤمنون أن ممارسة السحر عمل اختصت به النساء دون ms11 الرجال ~~أو أن الغلبة لهن في ممارسته؛ ولهذا كانت كثيرة المتهمين بممارسته ~~من النساء، والنساء في نظر الإكليروس مفطورات على الشر. # 32 # والساحرة في صورتها المحدثة امرأة وثيقة الصلة بالشيطان لها ~~مقدرة على إتيان الخوارق تحلق بين آن وآخر في الهواء فيما بين ~~الجمعة والسبت من ليالي الأسبوع ~~ممتطية مكنسة ذات عصا، فتؤم ندوات مختلفة تتنادى فيها الساحرات ~~فوق قنن الجبال الشاهقة لتجديد البيعة للشيطان وإظهار الولاء له، ~~وتخرج الساحرة إلى رحلتها هذه لا جهرة من باب البيت بل خفية من ~~ثقب المفتاح أو من مدخنة المدفأة، ويرقد في فراشها في أثناء غيبتها ~~شيطان من الشياطين الصغيرة الشأن متخذا زيها، ويحضر الندوة شيخ ~~الشياطين في هيئة جدي ذي رأسين، فيمضين إليه يلثمنه، ويرقص لفيف ~~منهن عاريات بين يديه، ثم يقبلن جميعا على الطعام والشراب على ~~حين يجوس هو خلالهن متفحصا باحثا عن العلامة التي كان قد وسمهن ~~بها. # وكان على من تقرف بممارسة السحر أن تعترف بجريرتها، فإن لم ~~تفعل طوعا أجبرت على ذلك كرها، فإذا تجنت على نفسها استنجاء ~~من سوء العذاب لم يكف الزبانية عن تعذيبها؛ إذ إن الاعتراف ~~المطلوب منها لا يصح أن يقتصر على ما يتصل بشخصها بل يجب أن يتناول ~~كذلك كل من تعرف (المتهمة) أنهن حلائف الشيطان؛ ومن ثم ~~كانوا يستأنفون تعذيبها ولا يمسكون عن إذاقتها أنكى ضروب التعذيب ~~حتى تدلي بأسماء من شهدت في ندوة السواحر من أهل القرية (أو ~~الحي) أو بصفاتهن، فيشد عليهن وتستنطق كل منهن بالطريقة ~~عينها، فتعترف على نفسها ثم تدلي بما يعن لها من أسماء ... ~~وهلم جرا. وكان يقال للزوج وهو يعلم أن زوجته لم تفارق ~~فراشه، إن ضجيعته في تلك لم تكن حليلته حقا بل كانت شيطانا ~~يتزيا بزيها. وكان المألوف أن يخنقوا الساحرات بأيديهم فيمتن ~~دون أن تهرق دماؤهن، ثم يحرقوا جثثهن فينبعث منها قتار # 33 # كذلك الذي ينبعث من محرقات اليهود. # وقد عبد الساحر الطريق أمام الحبر # 34 # اليهودي، وليس ذلك بالأمر الذي يعسر فهمه، ms12 فهما صنوان ~~ولدا معا وشبا وترعرعا معا ولبثا معا يعيشان على خرافات ما ~~وراء الطبيعة ويمارسان وظيفتهما بإقامة شعائر ومناسك خاصة بكل ~~منهما؛ فالساحر يستعين الرقى والعزائم على إخضاع القوى التي تعلو ~~قوة البشر وإملاء إرادته عليها، على حين يتوسل رجل الكهنوت إلى هذه ~~القوى بدعوته إياها بألفاظ مهذبة . وهذا الفرق بين الأسلوبين وليد ~~التباين العقلي والثقافي بين الساحر ورجل الدين، وكذلك بين جمهور ~~هذا وجمهور ذاك، وثم في بعض الأحيان ما يشبه أن يكون تعاونا بين ~~الطائفتين؛ إذ إن بين رجال الكهنوت من يدللون على صدق مزاعمهم ~~حول عالم ما وراء الطبيعة وخلود أرواح البشر وصدق المعجزات ~~المنسوبة إلى أنبياء بني إسرائيل (كوقف الشمس والقمر عن الدوران) ~~بما يروجه السحرة ومحضرو الأرواح المحدثون من الأضاليل وما ~~يدعون إتيانه من الخوارق والأعاجيب، وكذلك بين المشعوذين من ~~يستشهدون على صحة دعاواهم في فعل السحر وتسخير الجان قديما ~~وحديثا بما ورد في هذا المعنى من آي الكتاب المقدس. # وقد نشأ الدين اليهودي مشوبا بالوساوس والأوهام التي كانت تهيمن ~~على أولئك البدو البدائيين، ولم يكن في أول مراحله غير أمشاج # 35 # من الأساطير والوصايا؛ أي التابوات المؤسسة على ~~المذهب الحيوي والسحر العاطفي؛ ولهذا كان يتضمن أوامر ونواهي تغمض ~~حكمتها على القارئ ما لم يكن على بصر بما كان للإيمان بالسحر من ~~دخل في تحبير هذه الأقوال: ~~«لا تزرع حقلك صنفين لئلا يتقدس الملء الزرع الذي تزرع ومحصول ~~الحقل. لا تحرث على ثور وحمار معا ... لا تلبس ثوبا مختلطا صوفا ~~وكتانا معا» (تثنية 22: 9-11). # ولهذا جرت جمهرة القراء على أن تغضي عنها وتجاوزها إلى ما ~~يليها. # انظر - مثلا - إلى ما يتصل بالإحصاء الذي أجراه داود: ~~«وعاد فحمي غضب الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلا: امض ~~وأحص إسرائيل ويهوذا ... فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس ~~مستل السيف، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل # 36 # وضرب داود قلبه بعدما عد الشعب، فقال داود للرب: لقد ~~أخطأت جدا في ما فعلت. والآن يا رب أزل إثم ms13 عبدك لأني انحمقت ~~جدا ... فجعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد فمات من ~~الشعب من دان إلى بئر سبع سبعون ألف رجل» (2 صموئيل 24: ~~1-15). ~~(1) # فلم احتاج الإحصاء إلى «إهاجة» داود؟ ~~(2) # ولماذا استحمق داود نفسه بعدما عد الشعب؟ ولماذا عرض ~~له أنه أغضب الرب (أي الكهنة)؟ ~~(3) # ولماذا استبد به الفزع حتى لدم # 37 # صدره؟ ~~(4) # وما هو هذا الإثم الذي سأل الرب أن يزيله، والذي وجب ~~أن تكون تحلته 70000 رجل؟ # ألا إنها لأمور يعجز العقل المنطقي المتحضر عن استكناه ~~أسبابها ويعييه الاهتداء إلى سرها؛ لأن مفتاحها إنما هو فيما ~~يزعمونه من التفاعلات السحرية العاطفية كما سنرى من بعد. # هذا وفي مناسك العبريين، غير ما تقدم، أمور كثيرة يعيا بها ~~الفهم ويكل عنها النظر إلا أن يهتدي إلى جذورها في ألفاف # 38 # الأساطير، ومن ذلك اتخاذ الطلاسم والعوذات استجلابا ~~لليمن، وإناطة التمائم تحرزا من قوى الشر، والابتهال والصلاة ~~والجثو على الركبتين والصيام عن تناول بعض الأطعمة ... إلخ ~~إلخ. ~~(8) التابو وليد الإيمان بالسحر # تكشف لنا أساطير # 39 # العهد القديم «وأقاصيصه» # 40 # عن كثير من معتقدات الإسرائيليين الغابرين، ومنها ~~نتبين فرط تخبط أولئك القوم في دياجير الجهالة؛ ولنضرب لذلك ~~مثلا قصة يونان # 41 # وهو الذي يعرفه العرب باسم يونس: ~~«وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى # 42 # المدينة العظيمة وناد عليها؛ لأنه قد صعد شرهم ~~أمامي. فقام يونان ليهرب إلى ترشيش # 43 # من وجه الرب، فنزل إلى يافا، ووجد سفينة ذاهبة إلى ~~ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب # 44 # فأرسل الرب ريحا شديدة إلى البحر فحدث نوء # 45 # عظيم في البحر حتى كادت السفينة تنكسر. فخاف الملاحون ~~وصرخوا كل واحد إلى إلهه ... وقال بعضهم لبعض: هلم نلقي قرعا ~~لنعرف بسبب من هذه البلية. فألقوا قرعا فوقعت القرعة على ~~يونان. ~~... فقالوا له: ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟ لأن البحر كان يزداد ~~اضطرابا. فقال لهم: خذوني واطرحوني في البحر فيسكن البحر ms14 عنكم؛ ~~لأنني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم. # 46 ~~... ثم أخذوا يونان وطرحوه في البحر فوقف البحر عن هيجانه، فخاف ~~الرجال من الرب خوفا عظيما وذبحوا ذبيحة للرب ونذروا نذورا. ~~وأما الرب فأعد حوتا # 47 # عظيما ليبتلع يونان، فكان يونان في جوف الحوت ثلاثة ~~أيام وثلاث ليال» (يونان 1: 1-17). # هذا، وقد سجل «العهد» في طياته غير قليل من المعتقدات ~~المؤسسة على المذهب الحيوي والسحر العاطفي، ارتضاها أحبار بني ~~إسرائيل وأدمجوها في أسفارهم المقدسة: ~~(1) # فالابن يرث من أبيه آثامه كما يرث منه قسمات وجهه؛ ~~ومن ثم كان الابن يؤخذ بجريرة أبيه. # 48 ~~(2) # ومن الميسور أن تنقل الآثام كما تنقل الأثقال من ~~كاهل إلى كاهل؛ ومن هنا نشأ منسك نقل الذنوب من بني ~~الإنسان إلى تيس يطلقه الكاهن في القفر. # 49 ~~«ويضع هارون يديه على رأس التيس الحي ويقر عليه بكل ~~ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها ~~على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه إلى البرية؛ ~~ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة فيطلق ~~التيس في البرية» (لاويون 16: 21-22). ~~(3) # قد يولد الطفل وبجسده علامة شبيهة بشيء وقع عليه ~~بصر الأم في أثناء حملها به، وفي استطاعة الحامل أن ~~تكسب الجنين الذي في أحشائها شبه شيء ما وذلك بأن ترنو # 50 # إليه طويلا. # ويمكن إحداث هذه الظاهرة في الحيوانات أيضا. ومن ~~ذلك أن يعقوب عندما حان له أن يفصل # 51 # عن بيت خاله وحميه لابان سأله أن ~~يوفيه أجر خدمته إياه، وعرض عليه أن يكون جعله ما ~~يولد من الغنم وبه رقشة # 52 # أو تفويف. # 53 ~~«فأخذ يعقوب لنفسه قضبانا خضراء من لبنى # 54 # ولوز ودلب، # 55 # وقشر فيها خطوطا بيضاء كاشطا عن البياض ~~الذي على القضبان. وأوقف القضبان التي قشرها في ~~الأجران في مساقي الماء حيث كانت الغنم تجيء لتشرب. فتوحمت # 56 # الغنم عند القضبان، وولدت الغنم مخططات ورقطا # 57 # وبلقا» # 58 ~~(تكوين 30: 37-39). ~~(4) # إذا أغلي اللبن أصيبت البقرة التي أدرته بجفاف ~~ضرعها، فثم صلة بين أنثى ms15 الحيوان ولبنها تظل قائمة ~~بعد أن تدره. # 59 # ولهذا نجد أخرى الوصايا الموسوية العشر (في صيغتها ~~القديمة) تنهى عن الجمع بين اللحم واللبن على مائدة ~~واحدة: ~~«لا تطبخ جديا بلبن أمه» (خروج 34: 36). # ويحافظ المسيحيون المتزمتون على هذه الوصية اللهمة ~~فيطهون اللحم بالزيت لا بالزبد. ~~(5) # ومن الميسور إنجاز عمل مرغوب فيه بصنع ما يحاكيه؛ ~~فيسدد المرء خنجرا أو شظبة حادة من العظم نحو العدو ~~مع صب اللعنة عليه في أثناء ذلك، ويطلق ألوانا من ~~الطيب نحو الحبيب الذي تهفو إليه النفس وتود ~~اجتذابه، مع مناغاته خلال ذلك بألفاظ التحبب والتدليل، ~~ويؤدي بفمه حركات امتصاص لاستخراج السموم من أجسام ~~الأصدقاء ولإبرائهم من الأمراض. ~~(6) # ويواري المرء منهم قلامة ظفره وقصاصة شعره وما إلى ~~ذلك مكانا خفيا؛ حتى لا تحرق أو تسحق أو تمزق ~~فيلحقه ما لحق ذلك «الأثر». ~~(7) # وينطوي تمثال المرء على شطر من روحه؛ فمن لقي بين ~~يديه تمثالا تسنى له التوسل به إلى إيذاء النموذج ~~الذي نحت التمثال على قوامه أو صيغ على غراره، # 60 # ومن ثم جاءت الوصية الثانية تنهى عن ~~صنع التماثيل، ولم تكتف بنص واحد جلي قاطع، بل ~~كررت النهي في ألفاظ منتقاة، وفصلت القول في بيان ~~جامع مانع: ~~«لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في ~~السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من ~~تحت الأرض» ... (خروج 20: 4). # وكان العبرانيون في وقت ما يتحامون التلفظ بكلمة ~~«تمثال»؛ إذ غدت التماثيل عند أولئك الجهلة الموسوسين # 61 ~~«تابو»؛ وذلك من خشيتهم أن تنشأ صلة ~~عاطفية بين التماثيل والأشياء التي هي صورة لها. # 62 # وكان كليمنس الإسكندري يرى في تطلع المرأة إلى ~~خيالها في المرآة انتهاكا للوصية الثانية؛ إذ إنها ~~بعملها هذا تصنع لنفسها تمثالا. # ويهم بعض الناس أن من يحم مرآة يتبدد جده وسعده ~~كما يتبدد شبهه مع كسارها المتناثر؛ وإلى هذا الاعتقاد ~~ترجع عادة حجب المرايا أو إدارتها إلى الخلف عندما ~~يموت أحد سكان البيت حتى لا يختطف شبح الميت، وهو يجوس ~~خلال ms16 الدار أو حواليها، الروح التي تبرز من أحد أهل ~~البيت في المرآة. ~~(8) # وكذلك يكون اسم الشخص جزءا من روحه، والمرء لا ~~يحرز روحه قبل أن يحرز اسمه # 63 # فعلى المرء أن يخفي اسمه مخشاة أن يصاب ~~عن طريقه بما يلقي به إلى التهلكة وأن يحمله الاسم ~~المعلن على المعاطب وينغص عليه عيشه. # 64 # وفي ميسور المرء إذا عثر به الجد أن ~~يغير حظه بتغيير اسمه. ويمسك اليهودي عن إطلاق أسماء ~~من ماتوا من أطفاله على من يولدون له من بعد؛ إذ إن ~~عزرائيل متى جهل اسم طفل تعذر عليه أن يقبض روحه. ~~وما فتئ بعض اليهود إلى اليوم يطلقون على مرضاهم أسماء ~~جديدة حتى يخطئهم ملك الموت، وتراهم إذا ذكر لهم اسم ~~أحد الموتى يستعيذون من روحه بقولهم: «أفاشولم»؛ أي ~~فلترقد روحه بسلام. # وهذا التابو هو الذي يمنع اليهود من ذكر الاسم ~~السري لإلههم # 65 # بزعم أنهم بذلك يدرءون عن العالم وقوع ~~كارثة تطيح به. وعندهم أن ذلك الإله قد خلق العالم بأن ~~جعل فمه ينطلق باسمه فإذا العالم قد وجد بعد أن لم ~~يكن. ويعتقد المسيحيون أن العالم قد خلق بما لبعض ~~الكلمات من قوة سحرية: ~~«في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان ~~الكلمة الله» (يوحنا 1: 1). # ويشتمل الكتاب المقدس على أسماء ذات قوة سحرية، ~~فمن عرف خواص تركيب الحروف استطاع تسخيرها في الإتيان ~~بالعجائب والتسلط على قوى الشر غير المرئية. وقد أصبح ~~العرافون والكهنة والسحرة، لمعرفتهم التركيب السري ~~للأسماء الإلهية، على صلة بالسماء؛ تسنى لهم ربط ~~القوى السماوية بما يقع لبني الإنسان من أحداث. # وفي الكتاب المقدس شواهد كثيرة على ما لاسم الله ~~من قوة سحرية: ~~«فيجعلون اسمي على بني إسرائيل وأنا أباركهم.» # 66 # ومن المتواتر عند اليهود أنه حدث في القرون الوسطى ~~أن بدا لحاخام من القبليين # sefer ~~yezirah # وهم فرقة صوفية النزعة، ~~أن يرفع المظالم عن بني جنسه ويقتص لهم مما أنزله بهم ~~أعداؤهم، فخلق من الطين «جولم» # golem # وهو صنم ضخم الجرم موثق # 67 ms17 # التجاليد # 68 # غير أنه لا قبل له بالكلام، ونقش على ~~جبهته اسم الله، فدبت فيه الحياة ونشط يدمر ما ~~أمامه ويجتاح ما في طريقه، فنظر الحاخام من ذلك وبدر ~~إلى محو الاسم من فوق جبهة الصنم فإذا الصنم قد انهار ~~ترابا. # ولأسماء الملائكة قوة سحرية؛ جاء في المعلمة (أي ~~دائرة المعارف) اليهودية أن هانيل عم أرميا استحضر ~~الملائكة عندما حاصر بختنصر بيت المقدس، واستعداها ~~على البابليين فمدت له يد المعونة وأوقعت في قلوبهم ~~الرعب فولوا فرارا، كما أنه استخدم الاسم الذي لا ~~يمحى ورفع بذلك بيت المقدس في أجواز # 69 # الفضاء ليجعلها بمنجاة من أذى الأعداء. ~~بيد أن يهوه كان قد اقتضت مشيئته أن يدع المدينة ~~تسقط في أيديهم؛ ولهذا أعادها أدراجها وبدل الملائكة ~~فاستعصى على هانيل إحضارهم إليه مرة أخرى. # وتستخدم أسماء بعض شخوص الكتاب المقدس في الوصول ~~إلى نتائج سحرية: دانيال للسلامة من الحيوانات ~~الضارية، وموسى لاتقاء النيران # 70 # ويوسف لدرء الاحتلام وللعصمة من الغواية ... ~~وهلم جرا. # وثم آيات تتلى لأغراض خاصة؛ فهم يتلون لتلطيف ~~أوجاع الولادة: ~~«وافتقد الرب سارة كما قال، وفعل الرب لسارة كما ~~تكلم، فحبلت وولدت لإبراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت ~~الذي تكلم الله عنه» (تكوين 21: 1-2). # ويتلون لاتقاء شرة الكلب العقور: ~~«ولكن جميع بني إسرائيل لا يستن # 71 # كلب لسانه إليهم؛ لا إلى الناس ولا إلى ~~البهائم؛ لكي تعلموا أن الرب يميز بين المصريين # 72 # وإسرائيل» (خروج 11: 7). ~~(9) # هذا وقد يمس المرء غيره بخطر مبهم غامض دون أن ~~يتوسل إلى ذلك بتمثاله أو باسمه أو بشيء من مخلفاته؛ ~~وذلك بتشهي إحراز شيء من ممتلكاته أو من الاتصاف ~~بشيء مما يتحلى به من المزايا؛ فإن الحسد ينفي عن ~~المحسود ما يكتنفه من خيرات فلا يلبث أن ينضب ماله ~~وتنفق ماشيته وكأنما غصبه حاسده ما كان في حوزته. ~~وكم من رجل حسده حاسد فخرع # 73 # بدنه و«ربطت» أعضاؤه التناسلية فإذا هو ~~مخرس إزاء نداء الجنس لا قبل له بإشباع رغبة أو ~~خليلة. وموجز القول أن الحسد ms18 لا يعدو أن يكون ضربا من ~~السحر آلته العين الخبيثة. # ولا ضير في أن يحسد العبري امرءا من «الأمميين»؛ ~~فقد أباح يهوه لشعبه المختار أرواح أهل الأمم الأخرى، ~~وجعل أموالهم غنيمة للإسرائيليين في الحرب والسلم على السواء. # 74 # وأجاز للإسرائيلي أن يقرضهم المال بالربا ~~الفاحش: ~~«للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا» ~~(تثنية 23: 20). # وأن يطعمهم جيف الحيوانات النافقة: ~~«لا تأكلوا جثة ما. تعطيها للغريب الذي في أبوابك ~~فيأكلها أو يبيعها لأجنبي» (تثنية 14: 21). # أما في داخل نطاق بني إسرائيل فقد حرمت هذه الموبقات # 75 # تحريما قاطعا، وحظر على اليهودي أن ~~يحسد قريبه؛ أي ابن قبيلته، وأخاه في العقيدة الدينية؛ ~~لأن فشو هذه الآفة في أسباط # 76 # اليهود يعرضها لخطر هو خفي ولكنه ~~مقيم يرفرف على أعضائها جميعا؛ ولهذا جعل اشتهاء ~~ممتلكات هؤلاء الأقرباء انتهاكا لتابو، فمن فعل ذلك ~~أوشك أن يلحق الأذى بجماعته؛ ومن ثم حق لها أن ~~توقع به أوبل عقاب: ~~«ويل للمفتكرين بالبطل # 77 # والصانعين الشر على مضاجعهم. في نور ~~الصباح يفعلونه لأنه في قدرة يدهم؛ فإنهم يشتهون ~~الحقول ويغتصبونها والبيوت ويأخذونها ويظلمون الرجل ~~وبيته والإنسان وميراثه؛ لذلك هكذا قال الرب: ها أنا ~~ذا أفتكر على هذه العشيرة بشر لا تزيلون منه ~~أعناقكم ولا تسلكون بالتشامخ لأنه زمان رديء» (ميخا 2: ~~1-3). # وقد أبانت الوصية العاشرة تفصيلات الاشتهاء فيما ~~يأتي: ~~«لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ~~ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك» # 78 ~~(خروج 20: 17). # وكانت هناك ألفاظ خاصة يحرص اليهود على التفوه بها ~~وحركات معلومة يلوحون بها استعاذة لأنفسهم ~~ولأقربائهم من شر الحاسدين وتحرزا من كيد الأرواح ~~الشريرة التي توشك أن تدهمهم بما يورثهم وهن الجسم ~~وضعف العقل ويفقدهم الجمال وينبو بهم عن التوفيق في ~~أعمالهم، فكانوا يدرءون عن أطفالهم شر الحسد بأن يضعوا ~~في جيوبهم كسرة من الفطير غير الخمير وشيئا يسيرا ~~من الملح. وكانوا إذا طاب لأحدهم أن يعبر عن إعجابهم ~~بامرئ قدم لذلك بكلمة تبطل أثر الحسد، فيقول ms19 ~~مثلا: «كننهور» # kenanhore # يا له من طفل جميل موفور العافية! # 79 # وإن هذا ليذكرنا بحادثة وقعت ذات مرة في ~~إحدى المحاكم الأمريكية؛ إذ سأل القاضي شاهدا ~~يهوديا عن عمره فلم يحر جوابا، ونبه أحدهم ~~القاضي إلى أن هنالك تابو يحرم على اليهودي إحصاء ما ~~عنده من أناس أو ماشية أو دواجن أو غيرها، # 80 # ويحظر عليه الإجابة عن الأسئلة التي تتصل ~~بذلك ما لم يكن السؤال مسبوقا بكلمة مأثورة معينة. ~~فأعاد القاضي السؤال مسبوقا بتلك الكلمة فقال ~~أمبشرين # umbeshrien # كم أتى لك من العمر؟ فباح ~~اليهودي بسنه. ~~(10) # إذا سرق امرؤ أحد موطنيه # 81 # ولم يمسك بجريرته، وصب المسروق - ~~بنفسه أو بوساطة كاهن - لعنته على السارق وهو لا ~~يعرفه، حلت اللعنة به ونالت منه. وقد نجم عن ذلك أنه ~~إذا سرق امرؤ شيئا ثم عرض له عارض من مرض توهم أن ~~ذلك ألم به من جراء إصابته، فلا يملك إلا الإقرار ~~بجرمه ورد المتاع المسروق إلى صاحبه أو تعويضه منه ~~حتى لا تظل اللعنة آخذة بمخنقه؛ # 82 # ومن هنا جاءت الوصية الثامنة تحرم ~~السرقة. ~~(11) # وعندهم أن دم الإنسان أو الحيوان هو حياته، أو - على ~~الأقل - أن روحه تكمن في دمه؛ ومن هنا نشأ تحريم أكل ~~الدم عند اليهود. ~~«لكن احترز ألا تأكل الدم؛ لأن الدم هو النفس، فلا تأكل النفس ~~مع اللحم» # 83 ~~(تثنية 12: 23). # لقد اختص يهوه نفسه بالدم كله فهو على الأنام حرام: ~~«فتذبح الكبش وتأخذ دمه وترشه على المذبح من كل ناحية» (خروج 29: ~~16). ~~«ويذبح العجل أمام الرب ويقرب بنو هارون الكهنة الدم ويرشون ~~الدم مستديرا على المذبح لدى باب خيمة الاجتماع» (لاويون 1: ~~5). ~~«فذبحه وأخذ موسى الدم وجعل على قرون المذبح مستديرا بإصبعه، ~~وطهر المذبح ثم صب الدم إلى أسفل المذبح وقدسه تكفيرا عنه» ~~(لاويون 8: 15). # أما نصيب الإنسان من الذبائح فهو اللحم: ~~«وقال شاول تفرقوا بين الشعب وقولوا لهم أن يقدموا إلى كل واحد ~~ثوره وكل واحد شاته، واذبحوا ها هنا وكلوا ولا تخطئوا إلى الرب ~~بأكلكم مع الدم» (1 ms20 صموئيل 14: 34). # واليهود المتزمتون # 84 # لا يمتنعون من أكل الدم الخالص # 85 # فحسب، بل إنهم يتورعون كذلك عن أكل اللحم ما لم ~~يستصف تماما من الدم، وذلك بنقعه في الماء وتمليحه ثم تجفيفه ~~ونزع الأوعية الدموية منه مع تلاوة دعاء خاص عند ذبح الحيوان ~~تكفيرا عن سفك دمه. # وإذا سفك امرؤ دم آخر خرجت روح القتيل من جثمانه مع الدم ولم ~~تنفك تجأر بالشكوى: ~~«صوت دم أخيك صارخ إلي من الأرض» (تكوين 4: 10). # وكان العرب يزعمون أن القتيل المطلول الدم؛ أي الذي لم يقتص ~~له، يظهر عند قبره طائر ليلي صغير يقال له: الهامة. وقد يسمى ~~الصدى، ولا ينفك يصرخ قائلا: اسقوني. حتى يؤخذ بثأره. ومن ذلك قول ~~ذي الإصبع العدواني: # يا عمرو إلا تدع شتمي ~~ومنقصتي # أضربك حيث تقول الهامة ~~اسقوني # ولا تزال بالقاتل حتى تواريه في رمسه. # 86 # ومن هنا نشأ تحريم سفك الدم ووجوب تطهر الجنود بعد القتال من ~~إهراق دم العدو ومن لمسه؛ حتى لا ينقلوا ذلك الدم إلى عشيرتهم ~~فتنتقل معه أرواح القتلى من الأعداء فيتاح لها الاقتصاص من قتلة ~~أصحابها؛ ومصداق ذلك قول موسى لجنوده وقد عادوا بعدما أعملوا السيف ~~في رقاب أهل مدين: ~~«وأما أنتم فانزلوا خارج المحلة سبعة أيام، وتطهروا كل من ~~قتل نفسا، وكل من مس قتيلا في اليوم الثالث، وفي السابع ~~أنتم وسبيكم وكل متاع من جلد، وكل مصنوع من شعر معز، وكل ~~متاع من خشب تطهرونه» (عدد 31: 19-20). # وهم يستشعرون التنجس من سيلان الإفرازات المنوية عند مباشرة القربان # 87 # كما يستشعرون التنجس من سيل الدم عند القتل؛ ومن ثم ~~وجب التطهر من هذا كما وجب التطهر من ذاك: ~~«إذا حدث من رجل اضطجاع زرع يرحض كل جسده بماء، ويكون نجسا إلى ~~المساء. وكل ثوب وكل جلد يكون عليه اضطجاع زرع يغسل بماء، ~~ويكون نجسا إلى المساء» (لاويون 15: 16-17). # وقد فرض عليهم أن يتطهروا بعد الاحتلام أيضا: ~~«إذا خرجت في جيش على أعدائك فاحترز من كل شيء رديء. إن كان ~~فيك رجل ms21 غير طاهر من عارض الليل يخرج إلى خارج المحلة، لا يدخل ~~إلى داخل المحلة. ونحو إقبال المساء يغتسل بماء، وعند غروب الشمس ~~يدخل إلى داخل المحلة» (تثنية 23: 9-11). # وعندهم أنه إذا باضع # 88 # الرجل زوجته في أثناء نشوب الحرب زايلته المقدرة على ~~أن يصرع عدوه، فإذا أصيب هو بجرح أودى الجرح بحياته؛ ولهذا أبى ~~أوريا الحثي أن يمتثل لما رسمه # 89 # له الملك داود من الرجوع إلى بيته ليغشى امرأته ~~«بتشبع»: ~~«فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر، فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ ~~فقال أوريا لداود إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام ~~وسيدي يوآب # 90 # وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي ~~لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي» # 91 ~~(2 صموئيل 11: 10-11). # وثم صلة عاطفية بين الزوجة وزوجها كتلك التي بين البقرة وما ~~تدره من اللبن؛ فإذا أقدمت المرأة على الزنا ركب ذلك زوجها ~~بالأذى؛ ولهذا أصبح الزنا «تابو» سجلته الوصية السابعة في قولها: ~~«لا تزن» (خروج 20: 14). # هذه الوصية لم تصدر عن إحساس خلقي ولا هي تمت إلى القيم ~~الخلقية المعروفة في هذا العصر؛ فإن قواعد الأخلاق # ethics # لم تكن قد ارتقت في الزمن الذي ~~كتبت فيه الوصايا العشر إلى مستوى يعد فيه الزنا عملا ينطوي ~~على سوء الخلق، وإنما كان النهي عن الزنا مجرد وصية تسجل تابو. وقد ~~يكفي للدلالة على ذلك أن الكتاب المقدس ردد كلمة «الزنا» ~~ومشتقاتها ما يربي على خمسمائة مرة على حين أن كلمة «الخلق» # moral # لم يرد لها ذكر فيه ~~البتة. ~~(9) الوصايا العشر # ينوه الكهنة بالوصايا العشر ويحفونها بهالة من القدسية ~~زاعمين أنها أول شريعة أخرجت للناس وأنا أس الفضائل، وهو زعم ~~لا ينهض على أساس من العلم ولا يدعمه سند من التاريخ؛ فقد سبق ~~المصريون العبريين في سن التشريعات ورعاية الآداب، وكذلك سبقتهم ~~شعوب قديمة أخرى. # وقد أسفر التحليل العلمي لهذه الوصايا عن: ~~(1) # أنها خاصة بمن يسمونهم شعب الله المختار وحدهم، ~~وهذا واضح من مقدمتها. ~~«أنا الرب إلهك الذي أخرجك ms22 من أرض مصر من بيت ~~العبودية» (خروج 20: 2). ~~(2) # أنها تفتقر إلى الوضوح والتحديد. # فالوصية السادسة - مثلا - «لا تقتل» لا تبين لنا ~~هل هي تحرم قتل الإنسان وحده أو قتل الحيوان أيضا؟ ~~وهل هذا التحريم يشمل القتل دفاعا عن النفس من شرة ~~إنسان أو ضراوة حيوان؟ وهل هي تحرم قتل الحيوان ~~للاغتذاء بلحمه؟ وهل هي تحرم على الجلاد إنفاذ حكم ~~القتل في المحكوم عليهم به؟ # والوصية الثامنة «لا تسرق» ليس من الواضح هل هي خاصة ~~بسرقة الممتلكات المادية وحدها أو هي تنطبق كذلك على ~~من يسرق من أحد أصدقائه خطيبته، وعلى من يستولي على ~~دراجة غيره ليتنزه بها ساعة ثم يعيدها مكانها؟ وهل هي ~~تنطبق على تزوير الصكوك وتزييف النقود، وهما أمران لم ~~يكن للناس بهما عهد في العصر الجاهلي إبان ظهور ~~التوراة؟ ~~(3) # إنها تناقض أمورا أخرى أوصى بها «العهد ~~القديم». # فمن ذلك أنها تنهى عن القتل على حين أن موسى أمر ~~بالقتل الجماعي دون رحمة وبلا تمييز بين الرجال ~~والنساء والأطفال؛ فقد حدث أنه أرسل جيشه لإبادة شعب ~~مدين، فأعمل الجيش سيوفه في رقاب الرجال ثم أشعل ~~النيران في مساكنهم فذهبت ربوعهم وقراهم طعمة ~~للحريق، وأقفل الجيش راجعا يدق طبول النصر معتزا ~~بما جلب من السبايا وما غنم من الماشية وما نهب من ~~المتاع، وعلل قواده أنفسهم بما سيلقاهم به موسى من ~~الحفاوة والبشر، فإذا بكليم الله قد تمعر وجهه ~~وصب عليهم جام # 92 # غضبه معربا عن فرط سخطه لأنهم ~~استحيوا النساء والأطفال، وما كان ينبغي لهم، وأمرهم ~~بأن يبادروا فيستأصلوا شأفة الأسرى جميعا لا يستبقون ~~منهم إلا العذارى: ~~«فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت ~~رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها» (عدد 31: 17). # ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن السرقة على حين أن موسى ~~حرض بني إسرائيل على أن يسرقوا المصريين قبل أن يبرحوا ~~بلادهم: ~~«فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين، بل تطلب ~~كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة ~~وأمتعة ذهب وثيابا وتضعونها على بنيكم وبناتكم ~~فتسلبون ms23 المصريين» (خروج 43: 21-22). ~~(4) # ولم يكن المقصود بها هو الحث على الفضيلة والنهي عن ~~الرذيلة على حسب المعنى المفهوم في هذه الأيام، بل كان ~~للتحذير من بعض أمور يعتقد أنها تولد أخطارا جسيمة ~~وتعقب نتائج وخيمة لا يقتصر أذاها على الذين ظلموا ~~منهم خاصة بل يعم الجماعة كلها إذ هي متضامنة في ~~السراء والضراء. # 93 # لهذا جاءت أغلب الوصايا العشر في صيغة النفي؛ فهي لا تقول: كن ~~مسالما، كن نزيها، كن عفيفا، بل تقول: لا تقتل، لا تسرق، لا ~~تزن، لا تشهد على قريبك شهادة زور. # 94 # ويتضح مما تقدم أن هذه الوصايا بنيت على أوهام العبريين القدماء ~~ووساوسهم المؤسسة على المذهب الحيوي والسحر العاطفي وإن غايتها ~~القصوى هي توكيد سريان بعض التابوات التي فرضت عليهم منذ أقدم ~~عصور جاهليتهم وتجنيبهم عقبى اللعنات الفتاكة التي هي قمينة أن ~~تعصف بهم إذا انتهكت تلك التابوات. ~~(10) جهالة العبريين # وهذا الذي أثبتناه فيما يتصل بالوصايا العشر يصدق كذلك على ~~«العهد القديم» كله؛ فهو سجل لإيمان العبريين بالسحر يبين عن ~~قصور معارفهم، لا فيما استحدث بعدهم من المعلومات فحسب (كدوران ~~الأرض، ونظام كوبرنكس، وقوانين كبلر، وجاذبية الثقل، وعدم قابلية ~~المادة لأن تستحدث وأن تفنى) بل كذلك في الأمور التي كان يعرفها ~~معاصروهم وأسلاف معاصريهم من الشعوب العريقة في الحضارة والمدنية؛ ~~فقد كان الصينيون - مثلا - يفقهون الشيء الكثير من سبح الأجرام ~~السماوية في مسالكها، وكانوا يحسبون آجال الكسوف والخسوف، حتى لقد ~~حاكموا في سنة 2169ق.م عالمين فلكيين يدعيان «هو» و«هي»؛ ~~لأنهما غفلا عن تنبيه القوم مقدما إلى كسوف للشمس كان وشيك ~~الوقوع. # لم يكن العبريون في زمن «العهد القديم» إلا ألفافا من أشباه ~~الإنسان؛ لا يحسنون غير السلب والنهب. وقد لبثوا إلى نهاية ~~دويلتيهم الهزيلتين وهدم بيت المقدس سنة 70م مرتطمين في حمأة ~~الجهالة. ومن اليسير علينا أن نستخلص من العهد القديم بيانا ~~بطائفة من المعلومات لم ترق إلى معرفتها أذهانهم، فكان جهلهم بها ~~مبعث أخطاء جسام تفشت بذلك الكتاب. ويمكننا القول بوجه عام إن ~~أولئك ms24 العبريين لم يكونوا قادرين على تصور الأبعاد الشاسعة سواء ~~ما يتصل بالزمان والمكان. لقد كانوا على غير بصر بأن الكائنات ~~الحية تعمر الأرض منذ مئات الملايين من السنين؛ ولهذا زعموا أن ~~الكون خلق سنة 4004ق.م، ولم يدر في أخلادهم أن النجم المسمى ~~بالشعرى اليمانية # Sirus # يكبر ~~عن شمسنا في الجرم 2688 ضعفا وأن النجم القطبي الذي يهتدي به ~~الملاحون والسارون في الصحراء يبعد عنا 292000000000 ميل وأن ~~الضوء النافذ الذي يتأدى إلينا من بعض النجوم بسرعة 85000 ميل في ~~الثانية يقطع ما بيننا وبينها في 5000000 سنة؛ فالحياة في وهمهم ~~غير موغلة في القدم، والأرض في ظنهم تشمل الشرق الأوسط وما يصاقبه # 95 # من الأصقاع ليس غير، والكون عندهم يتألف من شيئين ~~متقابلين متكافئين هما السموات والأرض: ~~«في البدء خلق الله السموات والأرض» (تكوين 1: 1). # وهم يرون الشقة بينهما غير شاسعة، أما ما يسمونه «الجلد» ~~ويسميه العرب «الرقيع »؛ أي قبة السماء، فهو في حسبانهم جسم صلب ~~أشبه شيء بلوح من زجاج يعلو علينا مئات من الأمتار هو مرفوع على ~~عمد: ~~«أسس السماء ارتعدت وارتجفت لأنه غضب» (2 صموئيل 22: ~~8). ~~«أعمدة السماء ترتعد وترتاع من زجره» (أيوب 26: 11). # وهذا الجسم الصلب مرصع من باطنه بأجرام سماوية مضيئة على النحو ~~الذي نرى به المصابيح والثريات في السقوف والجدران. # وبما أن الشمس والقمر في حسابهم لا يزيدان في الحجم كثيرا على ~~المقدار الذي يبدوان به؛ فقد كان من الهين اليسير على نبي مثل ~~يشوع بن نون أن يعبث بهما: ~~«حينئذ كلم يشوع الرب يوم أسلم الأموريين أمام بني إسرائيل وقال ~~أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون ويا قمر على وادي أيلون. ~~فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا ~~مكتوبا في سفر ياشر؟ # 96 # فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل» # 97 ~~(يشوع 10: 12-14). # لقد كان مؤلف هذا السفر جاهلا بأصول الفلك كما كان جاهلا ~~بمشاعر الرحمة؛ كان يجهل أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وأن ms25 ما ~~يبدو وقوفا للشمس والقمر لو صح أنه حدث ما كان إلا وقوفا للأرض ~~عن الدوران حول محورها، وهو أمر لو تحققت لأعقبت فجاءته ~~حرارة صاعقة، وهكذا يستهان بإفساد نواميس الكون كيما يتسنى ~~لقبيلة من الهمج أن تنتصر على قبيلة أخرى في ذلك اليوم نفسه بدلا ~~من إرجاء الانتصار إلى اليوم التالي، # 98 # ولم يكن العبث بنواميس الكون يقف في مخيلة هؤلاء القوم ~~عند حد؛ فقد طالعونا بمعجزة أخرى أعقبت معجزة يشوع بثمانية قرون ~~وبزتها في روعتها؛ فقد ابتلي حزقيا بن آحاز ملك يهوذا بالقروح ~~فجأر إلى إلهه بالدعاء، فاستجاب له يهوه. وأراد النبي الذي يعاصره، ~~أشعيا بن آموص، أن يطمئن ذلك الملك بأنه سيبرأ من قروحه فأظهره على ~~ما أوحى إليه. ~~«قد سمعت صلاتك. قد رأيت دموعك. ها أنا ذا أشفيك. في اليوم ~~الثالث تصعد إلى بيت الرب. وأزيد على أيامك خمس عشرة سنة» (2 ملوك ~~20: 5-6). # ولم يقنع الملك بكلام النبي، وطلب برهانا على صحة نبوءته، ~~فاجترح النبي معجزته الباهرة، وفيها لم يكتف بوقف الأرض عن ~~الدوران بل تمادى فركسها فانقلبت تدور في الاتجاه العكسي. # 99 # كان العبريون يذهبون إلى أن الله يقيم فوق الجلد متواريا في ~~الظلام: ~~«حينئذ تكلم سليمان. قال الرب إنه يسكن في الضباب» # 100 ~~(1 ملوك 8: 12). ~~«وجعل الظلمة ستره حوله، مظلته ضباب المياه وظلام الغمام» ~~(مزمور 18: 11). # وأنه كان ينزل بين الحين والحين من فوق الجلد إلى الأرض لبعض ~~شأنه ثم يعود أدراجه: ~~«فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونها» ~~(تكوين 11: 5). # وأنه كان يقيم معه فوق الجلد أبناؤه، أولئك الذين هبطوا الأرض ~~فراقتهم بنات الناس وخلبن ألبابهم فتزوجوا بعضهن ورزقوا منهن ~~أولادا يمتازون ببسطة الجسم ووفرة القوة وشدة النهم: ~~«وبعد ذلك أيضا إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم ~~أولادا. هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم» (تكوين 6: ~~4). # وأنه كانت تقيم معه الملائكة أيضا وتنتقل جيئة وذهوبا بين ~~الأرض والسماء، وذلك ما شاهده يعقوب في رؤيا له: ~~«وإذا سلم ms26 منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، وهو ذا ~~ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها، وهو ذا الرب واقف عليها فقال أنا ~~الرب» (تكوين 28: 12-13). ~~«فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: حقا إن الرب في هذا المكان وأنا ~~لم أعلم! وخاف وقال: ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله وهذا ~~باب السماء» (تكوين 28: 16-17). # وأنه كان يقيم معه كذلك بعض المقربين إليه من البشر: # منهم أخنوخ المعروف عند العرب باسم إدريس: ~~«وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» (تكوين 5: ~~24). # ومنهم إيليا التشبي، المعروف باسم إلياس. وقد كان يسير ذات مرة ~~هو وتابعه أليشع: ~~«وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار، وخيل من نار، ~~ففصلت بينهما. فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء» # 101 ~~(2 ملوك 2: 11). # وأنى لأولئك العبريين الجهلاء أن يعلموا أنه لو صعد امرؤ بجسده ~~في السماء لهرأه البرد فمات خصرا # 102 # ولما يقطع من الطريق شوطا طويلا، وناهيك افتقاره ~~إلى التنفس والاغتذاء. # وفي وهمهم أن الأرض كانت أول أمرها لا شكل لها: «وكانت الأرض ~~خربة» (تكوين 1: 2). # وصواب الترجمة: وكانت الأرض بلا شكل. # أما كيف يكون جرم ما بغير شكل فأمر يدق على الأفهام. ~~بيد أن الأرض لم تبق طويلا على هذا اللاشكل؛ فسرعان ما أصبحت ~~ذات تربيع: ~~«وبعد هذا رأيت أربعة ~~ملائكة واقفين على أربعة زوايا الأرض # 103 # ممسكين أربع رياح الأرض لكي لا تهب ريح على الأرض ~~ولا على البحر ولا على شجرة ما» (رؤيا يوحنا 7: 1). # فهي إذن رقعة مفلطحة غير كروية وغير متحركة. وهي أيضا - كالسماء ~~- مرفوعة على عمد: ~~«لأن للرب أعمدة الأرض وقد وضع عليها المسكونة» (صموئيل 2: ~~8). ~~«المؤسس الأرض على قواعد فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد» (مزمور ~~104: 5). # وهي مركز الكون، وكل ما في الكون إنما خلق من أجل الأرض وسخر ~~لساكنيها؛ فالشمس تنير لهم نهارا والقمر يضيء لهم ليلا، ~~والنجوم تهدي المدلجين # 104 # من البدو مصحرين؛ # 105 # والمقلعين # 106 # من النواتي مبحرين. أما النجوم فقد بلغ من هوان شأنها ~~عند كتاب التوراة أنهم لم ms27 يفردوا لذكرها في قصة الخلق غير ~~كلمة واحدة: ~~«فعمل الله النورين العظيمين؛ النور الأكبر لحكم النهار والنور ~~الأصغر لحكم الليل والنجوم» (تكوين 1: 16). # لقد جهل القوم كيف تكونت البحار وكانوا، فيما يبدو، يخالونها ~~أسبق من اليابسة وجودا. ونحن نعلم الآن أن بخار الماء ظل يكتنف ~~الكرة الأرضية دهرا طويلا فلما بردت قشرتها استحال البخار ماء ~~وغشي الماء وجه الأرض. وحدثت بعد ذلك تكرشات في أديم الغبراء ~~فارتفعت أجزاء منه فكانت الجبال وتجمع الماء في القيعان # 107 # بقوة الجاذبية فكانت البحار والمحيطات. ولكن كتاب ~~الوحي الذين دونوا سفر التكوين كانوا يجهلون كل ما يتصل بجاذبية ~~الثقل، فلم يجدوا بدا من الاستظهار بالقوة العظمى لحسر المياه ~~التي تغمر البسيطة وجمعها في القيعان: ~~«وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر ~~اليابسة. وكان كذلك» (تكوين 1: 9). ~~(11) الأساطير # كان من جراء هذا الجهل المطبق أن تقبل العبريون الأساطير ~~التي كانت ذائعة بين الشعوب المجاورة وانتحلوا الكثير منها وبخاصة ~~الأساطير البابلية، # 108 # فقد كانت قبائل العبريين ضاربة أطنابها # 109 # على تخوم الكلدان، وكلا الشعبين سامي # 110 # الجنس حيوي (أنيمي) العقيدة يقبض على ناصية # 111 # شئونه الدينية كهنة ينطقون بالوحي. # فما الأساطير؟ # هي قصص ابتكرها البدائيون لتفسير ما يغم عليهم من ظواهر الطبيعة ~~وأحداث الكون، وليس عجبا أن تكون تلك القصص بدائية كالأذهان التي ~~تفتقت عنها. وقد ذاعت تلك الأساطير وشاعت على ترادف الأزمنة ~~وتخالف الأمكنة. وهي تتشابه تشابها وثيقا على ما بين البلاد التي ~~ذاعت فيها من بعد الشقة. # والأساطير ضروب شتى؛ فمنها: ~~(1) # أساطير تكشف عن أصل الإنسان وتبين كيف وفد الموت ~~على العالم وتوضح كيف تعددت اللغات، كالأساطير التي ~~حاكتها بعض الشعوب حول خلق الوجود في ستة أيام ومعصية ~~آدم وبناء برج بابل. ~~(2) # أساطير تتعلق بحوادث طبيعية وتفسر بعض الظواهر ~~الطبيعية، كأسطورة اكتساح الطوفان للكرة الأرضية كلها ~~مما يعللون به ما يعثرون عليه من الأصداف المتخلفة ~~من الحيوانات الرخوة في أحجار الجبال البعيدة عن ~~البحار. ~~(3) # أساطير تعلل ما استرعى الانتباه من أشياء غير ~~مألوفة، ms28 كأسطورة مسخ امرأة لوط عمودا من الملح، مما ~~يعللون به مصادفتهم بعض صخور تشبه الإنسان في ~~هيئته. ~~(4) # أساطير تتعلق بتاريخ شخص حقيقي كالأسطورة القائلة ~~بأن الناس كافة منحدرون من أرومة نوح. ~~(5) # أساطير تتعلق بتاريخ شخص حقيقي (كالملك سليمان) أو ~~موهوم (كالملك آرثر، وفلهلم تل). # 112 # ومن ذلك أسطورة الصراع بين الله ويعقوب، ~~وهي تعلل لنا لم استبدل يعقوب هذا باسمه فتسمى ~~«إسرائيل»، ولم أسمى البقعة التي اصطرعا فيها ~~«فينيئيل»؛ أي وجه الله. ~~(6) # أساطير تبين الأصل المنسي لبعض العادات والمناسك ~~والاحتفالات؛ فأسطورة الصراع بين الله ويعقوب السالفة ~~الذكر تجلو لنا لم يعزف اليهود عن أكل حق الفخذ، ~~وأسطورة استير تبين لنا لم يحتفل اليهود بعيد ~~البوريم، وكذلك أسطورة افتداء أفجينيا بغزال # 113 # تبين لنا مصدر المنسك الخاص بالتضحية ~~في العيد بحيوان والإقلاع عما جرى عليه البدائيون في ~~القرون الأوالي من التضحية بأبنائهم على مذابح آلهتهم، ~~ومما لا ريب فيه أن هذه الأساطير قد تبدلت معالمها ~~بكثرة تداولها، وأن الشعوب والقبائل حشدت فيها من ~~التغني بمحامدها والتنويه بمآثرها ما يجعلها محببة ~~إلى نفوس أبنائها. # وقد كان أعضاء الأسر الكبيرة في الزمان الخالي ينصتون إلى هذه ~~الأساطير في رهبة وخشوع، فلما درس ذلك النظام ونشأت طائفة الأطباء ~~السحرة وأصبحوا هم الذين يصرفون أمور قبائلهم استأثر هؤلاء ~~برواية أساطير الآلهة، وكانوا يضنون بروايتها فلا يفعلون ذلك إلا ~~في مناسبات خاصة. وقد رفع هذا الصمت الذي أحاط بها من شأنها وأسبغ ~~عليها ثوبا من القدسية، فأصبحت لا يتراقى إليها الشك ولا يباح ~~فيها الفحص ولا يخاض فيها بالحجاج واللجاج. فأما الأساطير ~~التي تحولت إلى غوامض # 114 # والتي هي أجل من ذلك خطرا فقد كانوا يحبسونها عن ~~التداول ليلقنوها خلفاءهم، وهذا ما نلمسه عندما نقرأ كيف وضع ~~الكتاب المقدس. ~~(12) أنبياء بني إسرائيل # شاع احتراف النبوة بين بني إسرائيل، وإن «العهد القديم» ~~ليطالعنا بصورة لل «نبييم» تباين تلك التي تطوف بأذهان كثير ~~منا؛ فهم - في الجملة - أشبه الخلق بمن نعرف من أولياء الله الذين ~~يجوبون قرانا الريفية ms29 ويرتادون موالدنا الدينية، ولا عجب في ذلك؛ ~~فإن كلمة «نبي» العبرية تعني هاذيا أو مخبولا. # كانت هذه المهنة تدر لمحترفيها أخلاف # 115 # الرزق، إلى أنها كانت تصادف هوى في أفئدتهم؛ فقد ~~كانوا بطبيعتهم أفاقين # 116 # تطيب نفوسهم بالتجوال بين القرى والدساكر، وتنشرح ~~صدورهم إذ يقرعون الأسماع، ويغلظون للجماهير في القول، ويرمون ~~الناس بأبشع التهم، وينبزونهم بأفحش الألقاب. # وإنا لنتعرف الكثير من أحوال أولئك الأنبياء عندما نقرأ سيرة ~~أخآب وولده يهورام من ملوك إسرائيل في القرن التاسع ق.م. كان أخاب ~~ملكا مظفرا، وبدا له ف «اتخذ إيزابل ابنة أثبعل ملك الصيدونين ~~امرأة وسار وعبد البعل وسجد له. وأقام مذبحا للبعل في بيت البعل ~~الذي بناه في السامرة. وعمل أخاب سواري وزاد أخاب في العمل لإغاظة ~~الرب إله إسرائيل أكثر من جميع ملوك إسرائيل الذين كانوا قبله» (1 ~~ملوك 16: 31-33). # فتصدى له النبي إيليا (إلياس) وطلب إليه على جهة التحدي أن يحضر ~~أنبياءه الذين يطاوعونه على هواه وسدنة الآلهة المنافسين ليهوه إله ~~إسرائيل: ~~«فالآن أرسل وأجمع إلى كل إسرائيل إلى جبل الكرمل وأنبياء ~~السواري أربع المائة الذين يأكلون على مائدة إيزابل» (1 ملوك 18: ~~19). # فلما احتشد أنبياء الفريقين أتى إيليا بمعجزة بارعة كان ولا ريب ~~قد أحسن الإعداد لها؛ إذ جاء بثور فذبحه وقطع لحمه وصففه على ~~الحطب ثم تغمغم # 117 # أمام القوم ببضع كلمات، فما لبث الحطب أن اتقد على ~~الملأ طوعا للخطة الموضوعة، وأخذ أنبياء البعل بهذه الأعجوبة ~~الإسرائيلية التي لم يكن لهم بمثلها سالف عهد: ~~«فسقطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب ولحست ~~المياه التي في القناة. فلما رأى جميع الشعب ذلك سقطوا على وجوههم ~~وقالوا: الرب هو الله. الرب هو الله. # 118 # فقال لهم إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم ~~رجل. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر قيشون وذبحهم هناك» (1 ملوك ~~18: 38-40). # وشخص يهوشافاط ملك يهوذا ذات يوم إلى أخاب ملك إسرائيل يسأله ~~العون في شن حرب على آرام (أي سورية) لينتزع منطقة راموت جلعاد، ~~ووجد ms30 أخاب أنه لم يكن ينبغي له أن يحسم الرأي في أمر جلل كهذا ~~دون أن يستطلع رأي الرب: ~~«فجمع ملك إسرائيل الأنبياء نحو أربعمائة وقال لهم: أأذهب إلى ~~راموت جلعاد للقتال أم أمتنع؟ فقالوا: اصعد فيها فيدفعها السيد ليد ~~الملك» (1 ملوك 22: 6). # واحتمس القوم للقتال: ~~«وعمل صدقيا بن كنعنة لنفسه قرني حديد وقال هكذا قال الرب: ~~بهذه تنطح الآراميين حتى يفنوا» (1 ملوك 22: 11). # وكان ثم نبي مغضوب عليه يدعى ميخا بن يملة فاستدعاه الملك ~~إليه وسأله في هذه المشكلة الخطيرة فأبدى التشاؤم على النقيض من ~~أنداده الأنبياء: ~~«وقال: فاسمع إذا كلام الرب. قد رأيت الرب جالسا على كرسيه وكل ~~جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال الرب: من يغوي ~~أخاب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد؟ فقال هذا هكذا وقال ذاك هكذا، ثم ~~خرج الروح ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه. وقال له الرب: بماذا؟ ~~فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه ~~وتقتدر فاخرج وافعل هكذا. والآن هو ذا قد جعل الرب روح كذب في ~~أفواه جميع أنبيائك هؤلاء، والرب تكلم عليك بشر. فتقدم صدقيا ~~بن كنعنة وضرب ميخا على الفك وقال: من أين عبر روح الرب مني ~~ليكلمك» (1 ملوك 22: 19-24). # وضرب ملك إسرائيل بنبوءة النبي ميخا عرض الحائط وأقدم على ~~المغامرة الحربية مطمئنا إلى مزاعم جمهرة أنبيائه فكانت عقباه ~~الموت الزؤام، # 119 # ومن الطبيعي أن استرسال الكثير من الأنبياء في ~~التكهن بالأحداث المقبلة طالما أفضى إلى خيبة وضيعة سؤل وفوت ~~أمل؛ ولهذا عمد أصحاب الأسفار المتأخرة إلى التحفظ والحيطة ~~فقالوا: ~~«فإذا ضل النبي وتكلم كلاما فأنا الرب قد أضللت ذلك النبي وسأمد ~~يدي عليه وأبيده من وسط شعبي إسرائيل» (حزقيال 14: 9). # ونذكر على سبيل المثال أن الملك الإسرائيلي أخاب كان يأخذ ~~جزية من ملك مؤاب، فلما مات أخاب أمسك ملك مؤاب عما كان يفعل فلم ~~يؤد الجزية إلى يهورام الذي خلف أباه على عرش إسرائيل، فأشخص ~~يهورام ملك إسرائيل إلى يهوشافاط ملك يهوذا ms31 يستنفره إلى مؤازرته في ~~قتال المؤابيين، فما ونى هذا أن خف إليه يؤيده وأصبحت الحرب ~~وشيكة. وأراد يهورام قبل أن يرمي بنفسه في حومة الوغى أن يطمئن إلى ~~أن إلهه يهوه سيظاهره في هذا العدوان فأرسل إلى النبي أليشع # 120 # يستنبئه ما يكون: ~~«فقال أليشع لملك إسرائيل: ما لي ولك! اذهب إلى أنبياء أبيك وإلى ~~أنبياء أمك ... لولا أني رافع وجه يهوشافاط ملك يهوذا لما كنت أنظر ~~إليك ولا أراك. والآن فأتوني بعواد. ولما ضرب العواد كانت ~~عليه يد الرب. فقال: هكذا قال الرب» (2 ملوك 3: 13-16). # وأفضى إليه برأيه. # ولم يمض على ذلك طويل وقت حتى تقدم # 121 # أليشع إلى أحد صبيانه بأن يخلع الملك يهورام ويبيد ~~أسرته وينصب ملكا آخر مكانه: ~~«ودعا أليشع النبي واحدا من بني الأنبياء وقال له: شد حقويك # 122 # وخذ قنينة الدهن هذه بيدك واذهب إلى راموت جلعاد. ~~وإذا وصلت إلى هناك فانظر هناك ياهو بن يهوشافاط بن نمشي، وادخل ~~وأقمه من وسط إخوته وادخل به إلى مخدع داخل مخدع. ثم خذ قنينة ~~الدهن وصب على رأسه وقل: هكذا قال الرب: قد مسحتك ملكا على ~~إسرائيل. ثم افتح الباب واهرب ولا تنتظر. فانطلق الغلام؛ أي الغلام ~~النبي، إلى راموت جلعاد» (2 ملوك 9: 1-4). # وامتثل ياهو، بعد مسحه بالدهن، أمر الغلام النبي ويمم شطر الملك ~~يهورام: ~~«فلما رأى يهورام ياهو قال: أسلام يا ياهو؟ فقال: أي سلام ما ~~دام زنا إيزابل أمك وسحرها الكثير ... وضرب يهورام بين ذراعيه ~~فخرج السهم من قلبه فسقط في مركبته» (2 ملوك 9: 22-24). ~~«وكان لأخاب والد يهورام سبعون ابنا في السامرة. فكتب ياهو ~~رسائل وأرسلها ... فلما وصلت الرسالة إليهم أخذوا بني الملك وقتلوا ~~سبعين رجلا ووضعوا رءوسهم في سلال ... وقتل ياهو كل الذين بقوا لبيت ~~أخاب في يزرعيل وكل عظمائه ومعارفه وكهنته حتى لم يتبق له ~~شاردا» (2 ملوك 10: 1-11). # ويؤخذ مما تقدم: ~~(1) # أن أناسا كثيرين أقبلوا على احتراف مهنة النبوة لما ~~لها من مزايا جمة فكثر عدد الأنبياء كثرة ms32 لا تناسب ~~قلة عدد السكان في البلاد. ~~(2) # وكان لبعض أولئك الأنبياء من قوة الشوكة ما ~~يحبوهم بسلطان يعلو على سلطان الملوك على النحو ~~الذي بلوناه في القرون الوسطى من المتربعين على كرسي ~~البابوية؛ إذ كانوا يؤرثون الفتن، ويشعلون الحروب ~~ويخلعون الملوك وينصبون غيرهم. ~~(3) # وكان بعض أولئك الأنبياء كلما رغبوا في تلقي الوحي ~~هيئوا أنفسهم لذلك بتحريك رءوسهم حركة راتبة على ~~الإيقاع الموسيقي كفعل الدراويش في حلقات الأذكار، ~~وصنيع الوسطاء الروحانيين في بعض الأحيان. ~~(4) # وقد ظهر الأنبياء أيضا في الدويلات المتاخمة ~~لإسرائيل ويهوذا؛ إذ كانت تسودها أحوال وملابسات كالتي ~~مهدت لظهور تلك الطائفة في تينك المملكتين، ولم ~~يكن ثم من فرق سوى أن اليهود المنتزحين عن الفيافي ~~والقفار كانوا يدعون إلى عبادة الإله الجبلي المحارب ~~يهوه على حين أن سكان تلك الدويلات وجلهم من ~~المزارعين الودعاء كانوا يدعون إلى عبادة البعل وهو ~~إله متحضر مسالم. وقد ذاع صيت نبي بني مؤاب ~~الوثنيين أعدى أعداء اليهود، ذلك المدعو بلعام بن بعور ~~المعروف باسم لقمان الحكيم (بلع = لقم) وقد اشتهر ~~بالحوار الطريف الذي دار بينه وبين حماره (العدد ~~22). ~~(5) # وثم قصة عجيبة تبين لنا كيف كان الوحي يتنزل ~~على الناس في ذلك الزمان. # فقد ظل بنو إسرائيل بعد موسى ما ينيف على أربعة قرون يحكمهم من ~~يلقبون بالقضاة، وضاقوا آخر الأمر بهذا الحكم وازداد برمهم ~~به في أعقاب عهد الرائي (أي النبي) صموئيل: ~~«وكان لما شاخ صموئيل أنه جعل بنيه قضاة لإسرائيل ... ولم يسلك ~~ابناه في طريقه بل مالا وراء المكسب وأخذا رشوة وعوجا القضاء» (1 ~~صموئيل 8: 1-3). # واستشرى الفساد فاستغلظ التذمر وتنادى القوم بأن يملكوا عليهم ~~ملكا فأنكر صموئيل ذلك عليهم قائلا إنه لا ملك إلا يهوه: ~~«قلتم لي بل يملك علينا ملك. والرب إلهكم ملككم» (1 صموئيل 12: ~~12). # ويترتب على هذه السفسطة أن يكون صموئيل هو الذي يفصح عن مشيئة ~~الرب، وما الرب إلا صموئيل، وفي سنة 1025ق.م هتف الشعب بشاول ~~ملكا عليه، فلم يغفر صموئيل لشاول أنه غصب منه صولجان الحكم، ~~وزاده ms33 سخطا على شاول أن هذا الملك عد نفسه مدينا بسلطانه للشعب ~~وأنه لم يمض إلى آخر الشوط في تلبية ما للكهان من رغائب وإنفاذ ما ~~لهم من مطالب ولهذا عدوه مارقا من الدين وأبلغوه أن الرب غير ~~رأيه فيه وأصبح شانئا له لا يريد به يسرا: ~~«وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا: ندمت على أني قد جعلت شاول ~~ملكا لأنه رجع من ورائي ولم يقم لكلامي» (1 صموئيل 15: ~~1-11). # واختار صموئيل داود ليحل محل مسيح الله شاول بعد التخلص منه، ~~ومسحه بالدهن ليوليه ملكا على إسرائيل: ~~«فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه في وسط إخوته وحل روح الرب على ~~داود من ذلك اليوم فصاعدا» (1 صموئيل 16: 13). # وجعل صموئيل يسخر داود في الكيد لشاول، وقلب المرشح # 123 # للملك والنبوة ظهر المجن لمليكه العتيد، # 124 # وأحس شاول بما يبيته له داود من مكايد فأرسل الجند ~~لاعتقاله، ولكن صموئيل أظله بحمايته. لقد نشب الخلاف بين السلطة ~~الروحية والسلطة الزمنية، وآثر الجند جانب النبي على جانب الملك ~~فشملهم شيخ الأنبياء بعطفه وأدخلهم في زمرة المتنبئين: ~~«فأرسل شاول رسلا لأخذ داود. ولما رأوا جماعة الأنبياء يتنبئون ~~وصموئيل واقفا رئيسا عليهم كان روح الله على رسل شاول فتنبئوا ~~هم أيضا. وأخبروا شاول فأرسل رسلا آخرين فتنبئوا هم أيضا. ثم ~~عاد شاول فأرسل ثالثة فتنبئوا هم أيضا» (1 صموئيل 19: ~~20-21). # كان قدامى الإسرائيليين يتلظون بنار الحسد من البلدان المتاخمة ~~ذات الحضارة المتقدمة لوفرة ما ترتع فيه من خصب وما يفاض عليها من ~~رخاء، وكان الأنبياء اليهود - بوجه عام - ينفطون ضغنا وسخيمة؛ ~~فهم يتوجهون إلى إلههم بمثل هذا الدعاء على بابل: ~~«طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة» (مزمور 137: 9). # إنهم ينشدون الآن هذا في كنائسهم على أنغام الأرغن. # وقد نشط أولئك الأنبياء المتعصبون ينثرون التكهنات التي يتوقعون ~~فيها أن تحل النكبات بالبلدان المصاقبة لهم، وبديه أن تلك ~~التكهنات لم تكن أكثر من تعبيرات شعرية عن آمال بني إسرائيل ~~القومية في استعباد الأمم المجاورة ونهب بلادهم وإخرابها: ~~«لأن الأمة والمملكة ms34 التي لا تخدمك تبيد. وخرابا تخرب الأمم» ~~(أشعيا 60: 12). # لقد تكهن النبي حزقيال بخراب مدينة صور، وبما أن اليهود كانوا ~~أهون من أن ينجزوا ذلك فقد تكهن ذلك النبي بأن إخرابها سيتم على ~~يد ملك أجنبي قوي الشوكة هو ملك بابل، وقد أسهب في تكهنه هذا حتى ~~استغرقت تفصيلاته ثلاثة إصحاحات بتمامها؛ فمن ذلك قوله: ~~«لأنه هكذا قال السيد ها أنا ذا أجلب على صور نبوخذراصر ملك بابل ~~من الشمال ملك الملوك بخيل وبمركبات وبفرسان وجماعة وشعب كثير. ~~فيقتل بناتك في الحقل بالسيف ... بحوافر خيله يدوس كل شوارعك. يقتل ~~شعبك بالسيف فتسقط إلى الأرض أنصاب عزك. وينهبون ثروتك ويغنمون ~~تجارتك ويهدون أسوارك ويهدمون بيوتك البهيجة ويضعون حجارتك وخشبك ~~وترابك في وسط المياه» (حزقيال 26: 7-12). # ولكن نبوخذراصر لم يهدم مدينة صور بل هدمها الإسكندر بعد زمن ~~نبوخذراصر ب 240 سنة ثم أعيد بناؤها ولم تزل منذ ذلك الحين عامرة ~~بالألوف من أهلها. # وكان النبي أشعيا يتمنى أن: ~~«تصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم ~~وعمورة. لا تعمر إلى الأبد ولا تسكن إلى دور فدور ... ويملأ البوم ~~بيوتهم» (أشعيا 13: 19-21). # ولكن أمنيته لم تتحقق، وما زالت تلك المدينة باقية حتى الآن ~~يعرفها الناس باسم «الحلة». # وكذلك لم تتحقق أمنيته بصدد دمشق، وقد أفصح عنها في قوله: ~~«وحي من جهة دمشق. هو ذا دمشق تزال من بين المدن وتكون رجمة ~~ردم» ... (أشعيا 17: 1). # كما لم تتحقق أمنية معاصره وزميله أرميا حيث يقول: ~~«ارتخت دمشق والتفتت للهرب. أمسكتها الرعدة وأخذها الضيق ~~والأوجاع كماخض ... لذلك تسقط شبانها في شوارعها وتهلك كل رجال ~~الحرب في ذلك اليوم يقول رب الجنود. وأشعل نارا في سور دمشق فتآكل ~~قصور بنهدد» (أرميا 49: 24-27). # وقد مر على دمشق بعد ذلك زهاء 26 قرنا دون أن تلتهمها النيران ~~وتحولها كومات من الأنقاض، وقد كانت غوطة # 125 # دمشق وما برحت واحدة من منازه الدنيا المعدودة فهي ~~جنة فيحاء يتفيأ ظلالها قرابة 700000 من النسم. # وكان أولئك الأنبياء أشد ما يكونون حقدا ms35 على مصر، فهم لا يفتئون ~~يدعون عليها بالخراب والثبور # 126 # ويتوقعون لها - أو بالأحرى يتمنون لها - أن تذل ~~وتصبح هدفا لشماتة الأعداء: ~~«وأشتت المصريين بين الأمم وأذريهم في الأراضي، وأشدد ذراع ~~ملك بابل وأجعل سيفي في يده. وأكسر ذراعي فرعون فيئن قدامه ~~أنين الجراح» (حزقيال 30: 23-24). ~~«ويأتي سيف على مصر ... من مجدل إلى أسوان يسقطون فيها بالسيف ... ~~إني أبيد ثروة مصر بيد نبوخذراصر ملك بابل ... وأضرم نارا في مصر ... ~~وأشتت المصريين بين الأمم وأذريهم في الأراضي» (حزقيال 30: ~~4-33). # وقد خاب فأل حزقيال في ذلك كله، فلم يتشتت المصريون بل كان ~~الشتات مصير اليهود، وكذلك خاب فأل أشعيا حيث قال: ~~«وأهيج مصريين على مصريين فيحاربون كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه. ~~وتنشف المياه من البحر ويجف النهر وييبس. وتنتن الأنهار وتضعف وتجف ~~سواقي مصر ... في ذلك اليوم تكون كالنساء فترتعد وترجف من هزة يد ~~رب الجنود التي يهزها عليها وتكون أرض يهوذا رعبا لمصر» (أشعيا ~~19: 1-17). # لقد أفقد الحقد على مصر أولئك الأنبياء اتزانهم حتى طوعت لأشعيا ~~نفسه أن ينضو عنه ثيابه ويمشي عاريا في الأسواق كاشفا عن سوأته ~~يدعو إلهه أن يسلط أشور ذات البأس والجبروت على أهل مصر، فتلحق ~~بهم هزيمة ماحقة، وتسوقهم إلى بلادها يرسفون في أغلال الأسر وهم ~~عراة حفاة على النحو الذي يعرضه أشعيا على يهوه متخذا من نفسه ~~وسيلة إيضاح: ~~«في ذلك الوقت تكلم الرب عن يد أشعيا بن آموص قائلا: اذهب وحل ~~المسح عن حقويك واخلع حذاءك عن رجليك. ففعل هكذا ومشى معرى وحافيا # 127 # فقال الرب: كما مشى عبدي أشعيا معرى وحافيا ثلاث ~~سنين آية وأعجوبة على مصر وعلى كوش # 128 # هكذا يسوق ملك أشور سبي مصر وجلاء كوش الفتيان والشيوخ ~~عراة وحفاة مكشوفي الأستاه خزيا لمصر» # 129 ~~(أشعيا 20: 2-4). # أجل، لقد كان أولئك الأنبياء كثيرا ما يعوزهم الاتزان فيأتون ~~من السخافات أشكالا وألوانا. انظر إلى حزقيال وهو يبدي استياءه ~~من الأحوال التي تسود البلاد معلنا في أسلوب فج # 130 # أنه سيخبز خبزه ms36 على الغائط الذي يخرج من الناس: ~~«وتأكل كعكا من الشعير. على الجزء الذي يخرج من الإنسان تخبزه ~~أمام عيونهم» (حزقيال 4: 12). # وانظر إلى هوشع يبدي مسوغات زواجه إحدى المومسات: ~~«قال الرب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى. لأن ~~الأرض قد زنت زنى تاركة الرب» (هوشع 1: 2). # ولا عجب في أن يتزوج نبي من بني إسرائيل بمومس بعد أن افترع ~~النبي الإسرائيلي لوط ابنتيه: ~~«فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة. ودخلت البكر واضطجعت مع ~~أبيها ... فحبلت ابنتا لوط من أبيهما» (تكوين 19: 33-36). # وبعد أن تخلى أبو أنبيائهم إبراهيم عن امرأته سارة لفرعون ~~وأصاب من جراء ذلك ثروة وافرة: ~~«وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال.» # ثم تخلى عنها مرة أخرى لآخر من ملوك الممالك المجاورة. # 131 ~~«وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرار ~~وأخذ سارة» (تكوين 20: 2). # وبعد أن سار ابنه إسحاق أبو إسرائيل على خطاه: ~~«وسأله أهل المكان عن امرأته. فقال: هي أختي. لأنه خاف أن يقول ~~امرأتي لعل أهل المكان يقتلونني من أجل رفقة؛ لأنها كانت حسنة ~~المنظر» (تكوين 26: 7). ~~(13) يهوه # مر العبريون بمختلف المراحل العقائدية التي مر بها غيرهم من ~~العشائر البدائية، فانتقلوا من المذهب الطبيعي (ناتورزم) إلى ~~المذهب الحيوي (أنيمزم). وعبدوا قوى الطبيعة كالشمس والقمر ~~والكواكب والأشجار والأحجار، وعرفوا الآلهة المتعددين ذوي ~~الاختصاصات المحدودة، ولبثوا يعبدونها دهرا قبل أن يتجهوا صوب ~~الإله الواحد. # وكان من أسماء آلهتهم القدامى «إيل » أم؛ ومن ثم فإن يعقوب ~~«إسرائيل» ... ~~«أقام هناك مذبحا ودعاه إيل إله إسرائيل» (تكوين 33: ~~20). # وقد عبدوا «أنات» ملكة السموات، وهي إلهة سامية قديمة: ~~«بل سنعمل كل أمر خرج من فمنا فنبخر لملكة السموات ونسكب لها ~~سكائب كما فعلنا نحن وآباؤنا وملوكنا ورؤساؤنا في أرض يهوذا وفي ~~شوارع أورشليم فشبعنا خبزا وكنا بخير ولم نر شيئا» (أرميا 44: ~~17). # وعبدوا كذلك «أشيما» إله النار والأوبئة عند البابليين. # وقد كان «يهوه» أيضا إلها للنار؛ وذلك ما جعله يتراءى لموسى في ~~شجيرة مشتعلة: ~~«وظهر له ملاك الرب بلهيب نار ms37 من وسط عليقة. فنظر وإذا ~~العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق» (خروج 3: ~~2). # كما أنه كان إلها للأوبئة: ~~«قدامه ذهب الوبا وعند رجليه خرجت الحمى» (جبقوق 3: ~~5). # ويعتقد بعض الباحثين أن يهوه هو مولك # Moleck # الذي كانوا يحرقون أطفالهم تضحية له والذي ~~بنى له الملك سليمان «مرتفعة» يعبدونه فيها: ~~«حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس المؤابيين على الجبل الذي ~~تجاه أورشليم ولمولك رجس بني عمون» (1 ملوك 11: 7). # ومولك معناها ملك. وقد كان «ملك» من ألقاب يهوه المعروفة. ويبدو ~~أن كلا من يهوه ومولك قد عبد في صورة العجل. # كان يهوه أول أمره إلها من آلهة الطبيعة، كان إلها للجبال ثم ~~أصبح إلها قبليا مقاتلا؛ لأن رجال القبيلة التي عبدته كانوا ~~مقاتلين مظفرين ذوي شوكة وبأس، وظل هذا شأنه حتى السبي البابلي، ~~ثم شملته حركة الترقيات فأصبح عميدا للآلهة في فلسطين على مثال ~~مردخ # Merodach # في بابل ~~وزيوس # Zeus # في اليونان؛ ولهذا ~~نرى سفري التثنية ويشوع يصوران يهوه في صورة الطاغية الذي يهيمن ~~على سائر الآلهة: ~~«إله الآلهة الرب، إله الآلهة الرب، هو يعلم» (يشوع 22: ~~22). # ولسنا نعرف متى ظهر اسم يهوه أول مرة، والأرجح أن ذلك كان بعد أن ~~استوطن اليهود كنعان. وكان النطق بهذا الاسم محظورا إلا في مقامات ~~خاصة: ~~«لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا؛ لأن الرب لا يبرئ من ينطق باسمه ~~باطلا» ... (خروج 20: 7). # وكانوا يكتبون اسم يهوه بالأحرف الأربعة ي. ه. و. ه. # J. H. V. H # دون أن يدعم بأحرف ~~العلة؛ أي دون أن يضبط بعلامات الشكل لخلو اللغة العبرية منها إذ ~~ذاك، وهكذا ورد اسمه في «الماصورا» # 132 # ومن ثم كان من الممكن أن يقرأ الاسم «يهوه» أو ~~«ياهو» وقد ظهر الاسم الأخير مضافا أو مضافا إليه في بعض أسماء ~~الأعلام الذين ورد ذكرهم في الكتاب المقدس مثل «إيلياهو» ومعناه ~~ربي هو ياهو و«ياهوملك» ومعناه ياهو ملك. # ولما ابتكرت علامات ضبط الحروف العبرية في القرن السابع ~~الميلادي كان رجال المقارئ في السيناجوج (المعبد) يتورعون عن ~~النطق باسم ms38 الله؛ إذ كان ذلك محرما على اليهود كما هو محرم ~~على بعض الشعوب البدائية الأخرى؛ ولهذا جعلوا يستخدمون بدلا من ~~«لفظ الجلالة» كلمة «أدوناي» أو «أدونا»؛ أي ربي. وقد أثرت هذه ~~الوساوس والشكوك في أصحاب الترجمة السبعينية # 133 # فكانوا يتحامون ذكر اسم الله إلا فيما ندر، وأدرجوا ~~بدلا منه كلمة «هوكوريوس»؛ أي الرب. وركب اليهود آخر الأمر لكلمة ~~يهوه أحرف العلة التي بكلمة إدونا # Edona # فأصبح الاسم يكتب على وزانها # Je Ho Va H # وينطق # Jahweh # يهوه. # ومعنى هذا الاسم سر مجهول، وقد يكون معناه «أنا الذي (هو) أنا» ~~أو «الخالد». وفي كتاب الفرس المقدس يقول أهورا مزدا لزرادشت: ~~«أنا الذي هو أنا»، وفي «كتاب الموتى» يرمز قدماء المصريين إلى ~~الحياة بكلمة «عنخ» ومعناها «ذاك الذي يعيش». # وقد انتابت دين اليهود تغيرات تترى لم تقتصر على أن ~~استبدلت: # باسم إبرام مؤسس هذا الدين اسم إبراهيم وباسم الجماعة القومي ~~«إسرائيليون» اسم يهود بل شملت كذلك اسم الله، فكان: # ألوهيم في قصة نوح. # الشداي في قصة إبرام. # يهوه في قصة يعقوب. # وكان هذا الإله في بادئ الأمر يلقب نفسه ب «إله إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب»: ~~«وقال الله أيضا لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله ~~إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم» (خروج 3: 15). # ثم أصبح يلقب نفسه ب «إله العبرانيين»: ~~«تدخل أنت وشيوخ بني إسرائيل إلى ملك مصر وتقولون له الرب إله ~~العبرانيين التقانا» (خروج 3: 18). # ثم بإله إسرائيل: ~~«وبعد ذلك دخل موسى وهارون وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله ~~إسرائيل أطلق شعبي ليعيدوا لي في البرية» (خروج 5: 1). # ولم يدع قط أنه إله البشر أجمعين، بل هو على النقيض من ذلك ~~أقر بأن ثمة آلهة آخرين وأبدى غيرته منهم؛ فقد كانت السماء في ~~ذلك الوقت تغص بالآلهة، منهم عشتورت إلهة الصيدويين وكموش إله ~~المؤابيين وملكم إله العمونيين ... وهلم جرا. ولم يكن إله ~~العبرانيين إلا واحدا من أولئك الآلهة القبليين الذين كانوا ~~يعبدون في عهد البداوة. وقد جعل أولى وصاياه العشر «لا يكن لك ~~آلهة ms39 أخرى أمامي» ... (خروج 20: 3). # وكرر هذا المعنى غير مرة: ~~«فالآن اخشوا الرب واعبدوه بكل أمانة وانزعوا الآلهة الذين ~~عبدهم آباؤكم في عبر النهر وفي مصر وأعبدوا الرب» ... (يشوع 24: ~~14). ~~«من ذبح لآلهة غير الرب وحده يهلك» ... (خروج 22: 20). # ونرى من حديث يفتاح الجلعادي إلى ملك بني عمون في أمر كموش إله ~~المؤابيين أن يفتاح كان يعد كموش إلها حقا مثل يهوه: ~~«والآن الرب إله الإسرائيليين قد طرد الأموريين من أمام شعبه ~~إسرائيل أفأنت تمتلكه. أليس ما يملكك إياه كموش تمتلك، وجميع ~~الذين طردهم الرب إلهنا من أمامنا فإياهم نمتلك» ... (قضاة 11: ~~23-24). # كان عباد يهوه يعتقدون أنه الإله الواحد عندهم، ولكنهم لم ~~يكونوا يعتقدون أنه الإله الوحيد في العالم كله، وكانوا يتحدثون ~~عنه بقولهم: «ربنا»؛ أي رب بني إسرائيل وحدهم، وكانوا يفاخرون به ~~الشعوب والقبائل المتاخمة التي تعبد آلهة يراها اليهود دون يهوه ~~شأنا: ~~«لا مثل لك بين الآلهة يا رب» (مزمور 86: 8). ~~«لأني عرفت أن الرب عظيم وربنا فوق جميع الآلهة» ... (مزمور 135: ~~5). ~~«وسقط أخزيا من الكوة التي في عليته التي في السامرة ~~فمرض وأرسل رسلا وقال لهم: اذهبوا اسألوا بعل زبوب إله عقرون إن ~~كنت أبرأ من المرض. فقال ملاك الرب لإيليا التشبي. قم اصعد للقاء ~~ملك السامرة وقل لهم أليس لأنه لا يوجد في إسرائيل إله تذهبون ~~لتسألوا بعل زبوب إله عقرون» (2 ملوك 1: 2-3). ~~«أيها الرب إله إسرائيل. ليس إله مثلك في السماء من فوق ولا على ~~الأرض من تحت» (1 ملوك 8: 23). ~~(14) صفات يهوه # كان لبعض الفرق اليهودية آلهة محليون بقي طرف من آثار ~~عبادتهم حتى زمن أرميا عندما غزا البابليون يهوذا: ~~«لأنه بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا» ... (أرميا 11: 13). # أجل كانت عبادة بني إسرائيل للآلهة المحليين قد اضمحلت بوجه ~~عام عندما توثقت عرا الوحدة السياسية في أيام داود وسليمان ~~وتركزت العبادة في الهيكل الذي بناه سليمان (970-936ق.م) في ~~أورشليم، لولا أن تلك الوحدة ما نشبت أن انفرط عقدها إذ انقسمت ~~مملكة اليهود عقب موت سليمان إلى مملكتين صغيرتين: ~~(1) # إسرائيل في الشمال، ms40 وحاضرتها السامرة. وقد دمرها ~~الأشوريون سنة 722ق.م بقيادة سرجون الثاني ووضعوا ~~نهاية لتلك المملكة. ~~(2) # يهوذا في الجنوب، وحاضرتها أورشليم # 134 # وقد أخربها البابليون بقيادة ملكهم بختنصر # 135 # سنة 586ق.م. وسبوا عددا غفيرا من ~~أهلها ساقوهم إلى بابل حيث عاشوا عبيدا مسخرين إلى ~~أن غزا الملك الفارسي كيروش «قورش» الكبير بابل سنة ~~538ق.م. وأطلق من بها من اليهود وقد أشربوا حضارة ~~أعرق من حضارة العبريين وأرقى، وخبروا ما كان ~~للبابليين من مناسك واحتفالات تعبدية وقصص دينية، ~~فلما قفلوا إلى إسرائيل إذا هم يجدون من بقوا فيها من ~~الطغام قد لابسوا من حولهم من الشعوب وتطبعوا ~~بطباعهم وعبدوا آلهتهم، فلم يجد الكهنة بدا من ~~التنديد بأولئك الآلهة الأجناب. وكان من أثر الذلة ~~التي ضربت على بني إسرائيل في الأسر زهاء نصف قرن أن ~~عمدوا إلى التشبه بإلههم القومي والازورار عن ~~منافسيه. ولكن ذلك لم يكن هو التوحيد بالمعنى العلمي ~~للكلمة. # وقد فند و. روبرتسن سميث القول بأن اليهود أسهموا في إدخال ~~التوحيد على العقائد الدينية، وأوضح أن ما يسمونه الاتجاه نحو ~~الوحدانية إن هو إلا الاتحاد بين الدين والحكم الملكي. # ونحن حين نتحدث عن وحدانية الله نتحدث ضمنا عن البعث في يوم ~~الدينونة ومجازاة المسيء بالعقوبة والمحسن بالمثوبة، فذلك من ~~متممات معنى الألوهية ووحدانيتها، وبغيره يكون الإيمان بالوحدانية ~~ناقصا غير تام. بيد أن اليهود لم يكونوا يؤمنون بالبعث والجزاء ~~بعده، ولم يكن يدور في أخلادهم شيء عن النعيم والجحيم في الدار ~~الأخرى، ولم يعرفوا شيئا من أمر الملائكة المجنحين إلا بعد أن ~~شاهدوا صورها في الآثار البابلية مدة سبيهم في بابل؛ ولهذا عد ~~النقاد ذكر الملائكة في الآية: ~~«وسمعت صوت إنسان بين أولاي فنادى وقال يا جبرائيل فهم هذا ~~الرجل الرؤيا» ... (دانيال 8: 16). # دليلا قاطعا على أن سفر دانيال لم تخطه يراعة النبي ~~دانيال عند سقوط بابل في يدي قورش سنة 538ق.م بل كتبه آخرون بعد ~~ذلك بثلاثة قرون أو أربعة حول سنة 164ق.م. # أجل، كان اليهود يعتقدون أن من أثم منهم لقي ms41 عقابه في ~~العاجلة، فرتبوا على ذلك أنه إذا أصاب امرءا منهم أذى في نفسه ~~أو في عياله أو ماله كان ذلك دليلا على أنه سلف له اقتراف إثم ~~كبير يطلقون مخيلاتهم في تصوره ويلصقونه به. # ولما برهنت المشاهد المتكررة على فقدان الارتباط بين ما يأتيه ~~الإنسان من خير أو شر وما يلقاه في حياته من هناءة أو شقاوة # 136 # لم يكن هناك مناص من القول بأن العقاب والثواب يحدثان ~~في حياة أخرى بعد الموت. وقد وردت أول إشارة في العهد القديم إلى ~~يوم كيوم البعث في سفر أشعيا. وقد عاش أشعيا في نحو القرن الثالث ~~ق.م. # إن القول بأن فكرة الوحدانية طرقت أذهان العبريين في سيناء خطأ ~~لا يقل في جسامته عن القول بأن لغات البشر كان منشؤها عند برج ~~بابل. لقد كانت أمخاخ العبريين الذين نحلهم أحفادهم ابتكار ~~الوحدانية لا تسمو كثيرا على مخ الإنسان الشبيه بالقرد، فلم يكن ~~في طوقهم أن يتصوروا صورة ثقافية كهذه. وكل ما حدث هو أن موجة من ~~التعصب القومي غمرت اليهود في زمن متأخر إثر عودتهم من السبي ~~البابلي، وأن رجال الكهنوت آنسوا في هذا الاتجاه كسبا أدبيا ~~ومغنما ماديا لهم فعاضدوه وناصروه. # 137 # ومن ثم أمسك يهوه عن الشرك بنفسه وانثنى ينادي بأنه الإله ~~الأوحد لا إله غيره: ~~«أنا الرب وليس آخر. لا إله سواي» ... (أشعيا 45: 5). # وأقبل يزعم أنه هو الذي فطر السموات والأرض وبرأ الخليقة طرا ~~وأنه هو الذي يحفظ على الكون كيانه ويصرف أموره ويزجي السحب ~~لتهمي أفاويقها # 138 # على شعبه المختار فتخرج الأرض لهم ثمارا يقتاتونها ~~وتنبت لماشيتهم كلأ تعتلفه. # وهكذا كملت صورة الإله الواحد يهوه، الذي لم يخلق اليهود بل كان ~~اليهود هم الذين خلقوه فجاء على صورتهم وفي مستواهم العقلي # 139 # وناهيك: ~~«وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» ... (تكوين 1: ~~26). # والمقصود بالشبه هنا هو الشبه في شكل الجسم. وفي الحق إنه لمن ~~العسير أن يتصور المرء إلها ذا شخصية # 140 # على هيئة حصان أو عصفور أو ما ms42 إلى ذلك، فمن المألوف ~~ذهنا أن يقترن الشكل بالمقدرة العقلية. وقد وصف بعضهم الله بأنه ~~«روح» فلم تنقل هذه الكلمة إلينا معنى واضحا. إن محاولة تجريد ~~الله من الشكل تنتهي بنا إلى مذهب وحدة الوجود القائل بأن الله ~~حال بكل شيء. # ويوصف يهوه بأنه مشاكل للإنسان # 141 # في شكله وعواطفه وأسلوب معاشه؛ فهو يسكن في ~~بيت: ~~«حينئذ تكلم سليمان. قال الرب إنه في الضباب. إني قد بنيت لك ~~بيت سكنى مكانا لسكناك إلى الأبد» (1 ملوك 8: 12-13). ~~«ومن حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه» ... (متى 23: ~~21). # وهو يفرض على عابديه فرائض من حيوانات ... ~~«صحيحة لا عيب فيها» عدد 19: 20. # ويطلب إليهم إتحافه بالبواكير من ثمار الموسم، ويسلط السباع ~~الضارية والحيات اللوادغ والأوبئة الفتاكة على من يعصيه ويخالف عن ~~أمره. # وله مثل ما لنا من جوارح: ~~«ثم أعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي ~~الشهادة: لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله» ... (خروج 31: ~~18). # وله حواس كحواسنا، ومن ذلك أنه شم ريح القتر مما شواه له نوح ~~من اللحم بعدما رست به سفينته على البر عند انحسار الطوفان: ~~«فتنسم الرب رائحة الرضا» (تكوين 8: 21). # وتنتابه انفعالات كانفعالاتنا؛ فهو مستشيط غضبا ثم يبوخ # 142 # غضبه فيمسك عن الاسترسال فيه: ~~«فحمي غضب الرب على موسى» ... (خروج 4: 14). ~~«وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها، فندم الرب عن الشر وقال ~~للملاك المهلك الشعب كفى. الآن رد يدك» (صموئيل 24: 16). # وهو يغار من الآلهة الآخرين: ~~«فإنك لا تسجد لإله آخر؛ لأن الرب اسمه غيور، إله غيور هو» # 143 ~~(خروج 34: 14). # ويغار من مخلوقاته؛ فقد طرد آدم من جنة عدن لأنه هدي النجدين # 144 # وميز بين السبيلين سبيل الخير، وسبيل الشر عندما أكل ~~من ثمار شجرة معرفة الخير والشر، وكانت المعرفة بهما حتى ذلك العهد ~~مما انفرد به الآلهة دون البشر: ~~«وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير ~~والشر» (تكوين 3: 22). # وقد أغرق الخلق بالطوفان، لم يستثن منهم غير نوح وذريته، ثم ~~أثار الفرقة بين تلك الذرية ms43 لكيلا يتسنى لهم بناء مدينة في ~~أرض شنعار، وهي المدينة التي كفوا عن ابتنائها وأسميت ~~بابل: ~~«وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم ~~بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ~~ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من ~~هناك على وجه كل الأرض. فكفوا عن بنيان المدينة» (تكوين 11: ~~6-8). # لقد جعل الإسرائيليون إلههم صورة منهم. وقد رسم الكهنة هذه ~~الصورة بمداد من الدم فإذا هو إله راعب يلتذ الأنين ~~والتنهدات، يظل الإنسان ما عاش يرتجف بين يديه من الهلع، غير السمع ~~والطاعة فليس له. ولقد عزوا إلى هذا الإله أقوالا من بنات ~~أفكارهم ونحلوه أعمالا من تلفيق مخيلاتهم، ووصفوه: بأنه وحش ~~مفترس: ~~«فأني أنا أفترس وأمضي آخذ ولا منقذ» (هوشع 5: 14). ~~«أصدمهم كدبة مثكل وأشق شغاف قلبهم وآكلهم هناك كلبوة، ~~يمزقهم وحش البرية» (هوشع 13: 8). # وبأنه غشاش مخادع: ~~«فقلت: آه يا سيد الرب، حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب ~~وأورشليم قائلا يكون لكم سلام، وقد بلغ السيف النفس» (أرميا 4: ~~10). ~~«قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت علي فغلبت» # 145 ~~(أرميا 20: 7). # وبأنه ولوع بالخمر: ~~«فقالت الأشجار للكرمة: تعالي واملكي علينا. فقالت لها الكرمة: ~~أأترك مسطاري الذي يفرح الله والناس وأذهب لكي أملك على ~~الأشجار» (قضاة 9: 12-13). # وبأنه أكول منهوم؛ زار خليله إبراهيم ذات يوم وتناول الطعام ~~عنده هو واثنان من ملائكته فأكرم إبراهيم وفادتهم وأحسن ~~قراهم: ~~«ثم أخذ زبدا ولبنا والعجل الذي عمله ووضعها قدامهم. وإذ ~~كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا» (تكوين 18: 8). # وأولم له نوح وليمة شواء عقب انحسار الطوفان، كما سلف، فعفا عن ~~البشر وآلى على نفسه ألا يغرقهم بالطوفان مرة أخرى: ~~«وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات ~~على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه لا أعود ~~ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان» (تكوين 8: 20-21). # ورموه بالعجز: ~~«وكان الرب مع يهوذا فملك الجبل، ولكن لم يطرد سكان الوادي لأن ~~لهم ms44 مركبات حديد» (قضاة 1: 19). # وهي ترجمة تفتقر إلى الأمانة وصوابها: # ولكنه (الرب) لم يقو على دحر سكان الوادي ... إن صورة هذا الإله ~~الغضوب الذي يشير إلينا بإصبعه متهددا وهو يصرخ في وجوهنا: لا ~~تفعلوا كذا، وإياكم وكذا، وويل لمن يفعل كذا، هي أكبر عثرة في سبيل ~~الإنسانية الساعية إلى تحرير نفسها من الخوف والجهل وإلى تطهير ~~ذهنها من أساطير الهمج البدائيين. ~~(15) الضحايا البشرية # كان يهوه: كغيره من آلهة الشعوب المنحطة، يتطلب من بني الإنسان ~~أضاحي بشرية: ~~«لا تؤخر ملء بيدرك وقطر معصرتك، وأبكار بنيك تعطيني» (خروج ~~22: 29). # وهذه الترجمة تعوزها الدقة. والترجمة الصحيحة هي: ~~«لا تتوان في تقديم باكورة ما ينضج من ثمرك وما تعصر من خمرك، ~~وهب لي البكر من ولدك.» # فإذا نذر امرؤ ابنه للرب في لحظة من لحظات الضعف النفسي ~~والتهوس الديني لم يكن له أن يعدل عن ذلك وأن يفتدي ابنه ~~بالمال، وعليه أن يسوق بنفسه فلذة كبده إلى حيث يجد كأس ~~المنون: ~~«كل محرم يحرمه إنسان للرب من كل ماله من الناس والبهائم ومن ~~حقول ملكه فلا يباع ولا يفك. إن محرم يحرم من الناس لا ~~يفدى. يقتل قتلا» (لاويون 27: 28-29). ~~«وكان جوع في أيام داود ثلاث سنين، سنة بعد سنة. فطلب داود وجه ~~الرب. فقال الرب: هو لأجل شاول ولأجل بيت الدماء لأنه قتل ~~الجبعونيين. فلنعط سبعة رجال من بنيه فنصلبهم للرب في جبعة شاول ~~مختار الرب. فقال الملك أنا أعطي ... فأخذ الملك ابني رصفة ابني أية ~~اللذين ولدتهما لشاول أرموني ومفيبوشت وبنى شاول الخمسة الذين ~~ولدتهم لعدريئيل ابن برزلاي المحولي. وسلمهم إلى يد الجبعونيين ~~فصلبوهم على الجبال أمام الرب» # 146 ~~(2 صموئيل 21: 1-94). # وتبلغ التضحية بالبشر ذروتها في قصة يفتاح بن جلعاد، وهي قصة ~~يرمز بها إلى التضحية بإلهة عذراء: # 147 ~~«ونذر يفتاح نذرا للرب قائلا: إن دفعت بني عمون ليدي فالخارج ~~الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني ~~عمون؛ يكون للرب وأصعده محرقة ... ثم أتى يفتاح إلى المصفاة إلى ms45 ~~بيته، وإذا بابنته خارجة للقائه بدفوف ورقص. وهي وحيدة، لم يكن له ~~ابن ولا ابنة غيرها ... وكان لما رآها أنه مزق ثيابه وقال: آه يا ~~ابنتي قد أحزنتني حزنا وصرت بين مكدري لأني قد فتحت فمي إلى الرب ~~ولا يمكنني الرجوع. فقالت له: يا أبي هل فتحت فاك إلى الرب؟ فافعل ~~بي كما خرج من فيك بما أن الرب قد انتقم لك من أعدائك بني عمون. ثم ~~قالت لأبيها: فليفعل لي هذا الأمر؛ اتركني شهرين فأذهب وأنزل على ~~الجبال وأبكي عذراويتي أنا وصاحباتي. فقال اذهبي. وأرسلها إلى ~~شهرين. فذهبت هي وصاحباتها وبكت عذراويتها على الجبال، وكان عند ~~نهاية الشهرين أنها رجعت إلى أبيها ففعل بها نذره الذي نذر وهي لم ~~تعرف رجلا. فصارت عادة في إسرائيل أن بنات إسرائيل يذهبن من سنة ~~إلى سنة لينحن على بنت يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة» ~~(قضاة 11: 30-40). # ويبدو مما كتبه ميخا نحو سنة 700ق.م، وما كتبه حزقيال بعد ذلك ~~بسنوات أن اليهود لم ينفكوا يحرقون بنيهم وبناتهم قرابين ليهوه، ~~حتى عصر متأخر غدت فيه التضحية ببني الإنسان أمرا يبعث على ~~النفور ويثير الحنق، فاعتاض القوم من الأضحيات البشرية أضحيات من ~~الخراف وما إليها، كما نرى في قصة إبراهيم وولده إسحاق. وأنكر ~~الأنبياء المتأخرون هذه التضحية فقالوا على لسان يهوه: ~~«هل أعطي بكري عن معصيتي، ثمرة جسدي عن خطية نفسي.» ~~«وبنوا مرتفعات توفة التي في وادي ابن هنوم # 148 # ليحرقوا بنيهم وبناتهم بالنار، الذي لم آمر به ولا ~~صعد على قلبي» (أرميا 7: 31). # ولكن يهوه ليس بمستطيع أن يتنصل مما أسلف من أوامر، وأن يبهت من ~~خلوا من أنبيائه في وجوههم ويجبههم بالتكذيب، فكان عليه أن ~~يلتمس لنفسه عذرا من إصداره تلك الأوامر التي جاء اليوم ينسخها ~~ويبرر فرضها عليهم فيما مضى: ~~«تمرد علي بيت إسرائيل في البرية. لم يسلكوا في فرائضي ~~ورفضوا أحكامي التي إن عملها إنسان يحيا بها، ونجسوا سبوتي ~~كثيرا. فقلت إني أسكب رجزي # 149 # عليهم في البرية لإفنائهم ... ورفعت يدي ms46 لهم في البرية ~~لأفرقهم في الأمم وأذريهم في الأراضي ... وأعطيتهم أيضا فرائض ~~غير صالحة وأحكاما لا يحيون بها. ونجستهم بعطاياهم إذ أجازوا في ~~النار كل فاتح رحم لأبيدهم حتى يعلموا أني أنا الرب» (حزقيال 20: ~~13-26). # يعني أنه أنزل عليهم هذه الشريعة الفاسدة على عمد وفرض عليهم ~~التضحية بأفلاذ أكبادهم بغية إيذائهم والتنكيل بهم ليعلموا أنه ~~الرب. # لقد كان يهوه دائما طلوبا للقرابين، ولطالما عمرت مائدته ~~بألوان من لحوم الأطفال والرجال والأبقار والأغنام، وكان آخر أضحية ~~قدمت له هو ابنه الوحيد يسوع، فما إن ارتوى بدمه المسفوح حتى فكه ~~وطابت نفسه وأصبح يؤثر المال الصامت، الذهب والفضة، على صنوف ~~اللحوم جمعاء، فمضى يحض الخلق على افتداء بنيهم وأداء مال الفدية ~~إليه: ~~«وكل بكر إنسان من أولادك تفديه» (خروج 13: 12). ~~«كل بكر من بنيك تفديه» (خروج 34: 20). ~~«غير أنك تقبل فداء بكر الإنسان وبكر البهيمة النجسة تقبل ~~فداءه» (عدد 18: 15). ~~(16) إله في صندوق # وأمر يهوه - القادر على كل شيء، الحال بكل مكان - بأن يصنعوا ~~له صندوقا يقبع فيه، وبين أوصافه، وحدد مقاييسه، وعين اسم ~~النجار الذي يعهد إليه في صنعه، ونوع الخشب الذي يتخذ منه، وصور ~~التماثيل التي يحلى بها غطاؤه، وأسهب في ذلك غاية الإسهاب؛ ومن ~~ذلك قوله: ~~«وتصنع غطاء من ذهب نقي، طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، ~~وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة، تصنعهما على طرفي الغطاء # 150 # فاصنع كروبا # 151 # واحدا على الطرف من هنا وكروبا آخر على الطرف من ~~هناك ... وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين ~~الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني ~~إسرائيل» (خروج 25: 10-22). # وقد كان هذا الإله الثاوي في الصندوق محرم الرؤية واللمس على ~~الناس باستثناء الكهنة وحدهم، فمن انتهك هذا التابو فجزاؤه الموت ~~الزؤام: ~~«وضرب أهل بيتشمس لأنهم نظروا إلى تابوت الرب وضرب من الشعب ~~خمسين ألف رجل وسبعين رجلا» (1 صموئيل 6: 19). # والراجح أن فكرة الصندوق أو التابوت هذه مستعارة من قدماء ~~المصريين؛ فقد كانت توابيتهم تحمل ms47 بتلك الطريقة، وهذا ~~بيانها: ~~«وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع. على ~~جانبه الواحد حلقتان، وعلى جانبه الثاني حلقتان. وتصنع عصوين من ~~خشب السنط وتغشيهما بذهب. وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي ~~التابوت ليحمل التابوت بينهما» (خروج 25: 12-14). # وهكذا نجد أن العبريين لم يستعيروا من المصريين حلي الذهب ~~والفضة فحسب بل استعاروا منهم نظام التوابيت كذلك. # وقد لاحظ بعضهم أن توابيت المصريين كانت تحتوي رمز الحياة ~~ودوامها، فدار بأخلادهم أن العصا والحجرين وهي ما وضعه موسى في ~~الصندوق، قد تكون رمز الذكورة، وما التابوت نفسه إلا رمز الأنثوية. ~~ولا غرو أن تكون عبادة عضو الذكورة من الدعائم التي يقوم عليها ~~دين اليهود؛ فإن هذا الدين مقتبس من شعبين وثيقي الإيمان بهذه ~~العقيدة، وهما الشعبان البابلي والمصري. # كان الأقدمون يبدون غاية الإعجاب بأعضاء التناسل ويعربون عن ~~تجلتهم لما تنطوي عليه من قوة خلاقة وما لها من قدرة ~~معجزة على الإخصاب، وكانوا يربطون بين إخصاب النساء وإخصاب الأرض؛ ~~ولهذا جعلت بعض القبائل، تنتخب ملكا وملكة للربيع يباشران ~~الاتصال الجنسي على الملأ ليشيع الخصب في الأرض فتفشو غلتها، ~~وكانوا في بعض البلاد يحتفلون في أيام البذر فيلابس أفراد ~~الجنسين بعضهم بعضا ويتناكحون ما طاب لهم فيسفر ذلك عن إخصاب ~~النساء ذوات الأزواج العقماء. # وكانوا يعتقدون أن في عملهم هذا إيحاء للأرض بأن تخرج في الربيع ~~عن التحفظ الذي تلتزمه في الشتاء. وقد عرفت هذه الاحتفالات في ~~اليونان وعند الرومان، كما أنها شوهدت خلال العصور الوسطى في فرنسا ~~وإنجلترا. ولا يزال شيء من هذه الإباحة الجنسية ملحوظا في حفلات ~~اللهو التنكرية التهريجية (الكرنفالات) ببلاد الغرب، وفي الموالد ~~الدينية ببلاد الشرق. # ولما نزح العبرانيون من البراري المقفرة إلى كنعان ألان ~~يهوه من طباعه الحوشية # 152 # ليلائم موطنه الجديد الذي يفيض لبنا وعسلا، واقتبس ~~الكثير من خلال «بعل» إله الخصب والتناسل في كنعان؛ فكان العبري لا ~~يجد غضاضة عليه # 153 # في أن يقبض عضوه التناسلي حين يقسم أغلظ الأيمان، ~~وكأنما هو يقول: إن ms48 حنثت في هذه اليمين فلتزايلني المقدرة على ~~استعمال هذا العضو الحيوي. # 154 ~~«وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له: ضع ~~يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض ألا تأخذ ~~زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم ... فوضع العبد ~~يده تحت فخذ إبراهيم مولاه وحلف له على هذا الأمر» (تكوين 24: ~~2-9). # وقد استجاب بنو إسرائيل رجالا ونساء لدواعي اللذة الجنسية وسدروا # 155 # ينطلقون في ميادينها نشطين خالعي العذار. # 156 ~~«وبنوا هم أيضا لأنفسهم مرتفعات وأنصابا وسواري على كل تل ~~مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. وكان أيضا مأبونون في الأرض» (1 ملوك ~~14: 23-24). # كان هذا الإله الثاوي في الصندوق يتخذ - كغيره من الأوثان - ~~للعرافة، وكانت رؤيته ولمسه محرمين على الناس باستثناء الكهنة ~~وحدهم، فمن انتهك حرمته من غير هؤلاء فجزاؤه الهلك. # وقد تولى هذا الإله قيادة بني إسرائيل في مهامه سيناء أربعين ~~عاما في رحلة كانت خليقة ألا تستغرق 40 يوما. وهم ينسبون إلى ~~هذا التابوت، كما يطلقون عليه، الفضل في تمكنهم من عبور نهر ~~الأردن: ~~«فعند إتيان حاملي التابوت إلى الأردن وانغماس أرجل الكهنة حاملي ~~التابوت في ضفة المياه. والأردن ممتلئ إلى جميع شطوطه كل أيام ~~الحصاد. وقفت المياه المنحدرة من فوق وقامت ندا واحدا بعيدا ~~جدا عن «أدام» المدينة التي إلى جانب صرتان. والمنحدرة إلى بحر ~~العربة بحر الملح # 157 # انقطعت تماما وعبر الشعب مقابل أريحا. فوقف الكهنة ~~حاملو تابوت عهد الرب على اليابسة في وسط أردن راسخين وجميع ~~إسرائيل عابرون على اليابسة حتى انتهى جميع الشعب من عبور الأردن» # 158 ~~(يشوع 3: 15-17). # وكانوا يعتمدون على هذا التابوت في دحر الأعداء. وقد باءوا مرة ~~بالهزيمة فعللوا ذلك بأن التابوت لم يكن في معيتهم؛ إذ إن ~~المقاتلين كانوا قد «صعدوا إلى رأس الجبل، وأما تابوت عهد الرب ~~وموسى فلم يبرحا من وسط المحلة فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون ~~في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم» (عدد 14: 44-45). # وقد صد اليهود عن التابوت ولووا كشحهم عنه لما ms49 ألفوه ~~قد استنفدت قواه، وحدث بعد ذلك أن منوا بالهزيمة في قتالهم ~~للفلسطينيين دون أن يكون التابوت معهم، فقر رأيهم أن يعيدوا ~~التابوت إليهم وأن يمنحوا يهوه الهرم فرصة أخرى. ~~(17) مضي اليهود في عبادة الأوثان # وفي الحق أن اليهود لم يؤمنوا بالوحدانية تمام الإيمان ولم ~~يخلصوا لإلههم يهوه حاق # 159 # الإخلاص، بل ظلوا إلى عهد غير موغل في القدم يشوب ~~عقيدتهم الجنوح إلى الأخذ بتعدد الآلهة. # لقد كان إله الأسفار الأولى من «العهد القديم» يعيش عاليا في ~~السماء مع كائنات أخرى أقل شأنا تسمى هي أيضا «ألوهيم». # 160 # وفي التوراة آيات شتى تشير إلى إيمان اليهود بالآلهة ~~المتعددين؛ فمن ذلك: ~~«وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تكوين 1: ~~26). ~~«وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير ~~والشر» (تكوين 3: 24). # وهم لم يقتصروا على أن آمنوا بالآلهة الأجانب: ~~«من مثلك بين الآلهة يا رب» (خروج 15: 11). # بل لقد عبدوها كذلك ضاربين بالوصية الأولى عرض الحائط، وفي ذلك ~~يقول يهوه: ~~«لأنهم تركوني وسجدوا لعشتورت إلاهة الصيدونيين، ولكموش إله ~~المؤابيين، ولملكوم إله بني عمون، ولم يسلكوا في طرقي ليعملوا ~~المستقيم في عيني» (1 ملوك 11: 33). # وقال داود في شبابه يشكو موطنيه إلى مليكه شاول ويحملهم تبعة ~~لجوئه إلى الفلسطينيين أعداء وطنه ودينه: ~~«إنهم قد طردوني اليوم من الانضمام إلى نصيب الرب قائلين: اذهب ~~اعبد آلهة أخرى» (1 صموئيل 26: 29). # ومفاد القول أن عبادة يهوه محدودة بتخوم بني إسرائيل؛ ولهذا فإن ~~المدعو نعمان قائد جيش آرام «سورية» سأل النبي أليشع، عندما أبرأه ~~من البرص، أن يطرفه بقدر من ثرى بلاد إسرائيل ليعبد فوقه إله ~~إسرائيل ويذبح عليه الأضحيات التي يقربها له: ~~«فقال نعمان: أما يعطى لعبدك حمل بغلين من التراب؛ لأنه لا ~~يقرب عبدك محرقة ولا ذبيحة لآلهة أخرى بل للرب» (2 ملوك 5: ~~71). # وقد عبد اليهود كل ما عبده غيرهم من الشعوب البدائية في عصور ~~الجاهلية، عبدوا الأوثان وعبدوا العجل الذهب. وقد أشار «العهد ~~القديم» إلى عبادتهم للعجول في غير موضع؛ ومن ذلك أن ms50 الملك يربعام ~~الذي خلف سليمان أمر بصنع عجلين من ذهب: ~~«فاستشار الملك وعمل عجلي ذهب وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا ~~إلى أورشليم. هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ~~ووضع واحدا في بيت إيل وجعل الآخر في دان» (1 ملوك 12: ~~28-29). # وذاعت عبادة العجول # 161 # في مملكة يهوذا وعاصمتها السامرة: ~~«زنخ عجلك يا سامرة» (هوشع 8: 5). # وكان يهوه يعبد في بقاع إسرائيلية شتى في صورة عجل ذهب، وكان ~~أنبياء القرن الثامن ق.م ينظرون إلى عبادة العجل على أنها ضرب من ~~عبادة يهوه وإن كانوا يرونه ضربا غير مستحب. وقد احتوى هيكل ~~أورشليم نفسه على رموز لعبادة العجل. وبارك يربعام ملك يهوذا هذه ~~العبادة فلم يكن لإيليا وأليشع قبل بالاعتراض عليها؛ ولهذا قصرا ~~حملاتهما على عبادة الآلهة الأجانب مثل بعل الفينيقي وكانت عبادته ~~قد تطرقت إلى مملكة اليهود مع الملكة إيزابل عند زفافها إلى ~~أخاب. # لقد عبدوا العجول رمز القوة والإخصاب قبل أن يعبروا نهر الأردن ~~إلى كنعان، فلما عبروه عبدوا البعليم وغيره من آلهة الوثنيين. ~~وفي «العهد القديم» أن سليمان زين الهيكل بالصور والتماثيل، وأنه ~~انكفأ يعبد أصنام الشعوب المجاورة ولم يمسك عن ذلك طوال ~~حياته: ~~«وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري. ~~فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن ~~قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود ~~أبيه. فذهب سليمان وراء عشتورت إلاهة الصيدونيين وملكوم رجس ~~العمونيين. وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما ~~كداود أبيه. حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس المؤابيين على ~~الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون» # 162 ~~(1 ملوك 11: 3-7). # وعندما تربع حزقيا بن آحاز على عرش مملكة يهوذا حوالي سنة 720ق.م ~~وجد القوم ما زالوا عاكفين على عبادة الأوثان فتسخطه ذلك: ~~«وهو أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس ~~التي عملها موسى # 163 # لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها» (2 ms51 ~~ملوك 18: 4). # ورفعوا الترافيم # 164 # إلى منزلة الآلهة وهي أصنام تحمل وتنقل، فعندما ظعن ~~يعقوب بأغنامه المخططة والرقطاء من عند حميه لابان الآرامي (أي ~~الشامي) ميمما شطر أبيه إسحاق في كنعان عمدت راحيل ابنة لابان، ~~إحدى الشقيقتين اللتين بنى بهما يعقوب في أسبوع واحد، إلى سرقة ~~أصنام أبيها: ~~«وأما لابان فكان قد مضى ليجز غنمه. فسرقت راحيل أصنام أبيها. ~~وخدع يعقوب قلب لابان الآرامي إذ لم يخبره أنه هارب» (تكوين 31: ~~19-20). # وكان داود أيضا يقتني الترافيم. فلما بحث عنه الجند ذات يوم ~~لينفذوا فيه أمر الملك شاول بقتله هربته امرأته ميكال بنت ~~شاول: ~~«فأنزلت ميكال داود من الكوة. فذهب هاربا فأخذت ميكال ~~الترافيم ووضعته في الفراش ووضعت لبدة المعزى تحت رأسه وغطته بثوب» ~~(1 صموئيل 19: 12-13). # وبعد ذلك بزهاء ثلاثة قرون؛ أي في القرن الثامن ق.م كان النبي ~~هوشع يعد الترافيم شيئا لا غناء عنه في العبادة؛ فهو يتحدث إلى ~~العاهرة التي اشتراها بخمسة عشر شاقلا من الفضة منبئا إياها أن ~~البلاد أوغلت في الإثم ولجت في المعصية، فكتب عليها يهوه أن تمر ~~بها أوقات عصيبة يبلغ من هول المحنة فيها أن تزول منها ~~الترافيم: ~~«وقلت لها تقعدين أياما كثيرة لا تزني ولا تكوني لرجل، وأنا ~~كذلك لك؛ لأن بني إسرائيل سيقعدون أياما كثيرة بلا ملك وبلا رئيس ~~وبلا ذبيحة وبلا تمثال وبلا أفود وترافيم.» # وعبدوا الإنسان. ~~«وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، فشدد الرب ~~عجلون ملك موآب على إسرائيل، لأنهم عملوا الشر في عيني ~~الرب. # فجمع إليه بني عمون وعماليق، وسار وضرب إسرائيل، وامتلكوا مدينة ~~النخل. # فعبد بنو إسرائيل عجلون ملك موآب ثماني عشرة سنة» (قضاة 3: ~~12-14). ~~(18) في سبيل التوحيد # كان العبريون منذ زمن سحيق يعبدون يهوه مجسما في صورة أسطوانة ~~من الحجر، أو هم - بتعبير آخر - كانوا قد نحلوا معبودهم الحجري ~~هذا صفة الألوهية وأطلقوا عليه اسم يهوه، فكيف أصبح هذا العمود ~~القومي المقدس إلها قادرا على كل شيء، وكيف صارت بهم الحال إلى ~~الوحدانية؟ # ألا إنما ms52 يرجع الفضل في ذلك إلى أمرين: ~~(1) # الوضع الاجتماعي والسياسي لأسباط بني إسرائيل خلال ~~المدة التي تبدأ بالقرن التاسع ق.م وتنتهي بالقرن ~~الخامس ق.م. ~~(2) # نزعة خاصة في عقول الساميين إلى التوحيد، ومن بدوات # 165 # أرنست رنان اللامعة قوله إن العقل السامي ~~مفطور على التوحيد. لقد مر الساميون بطور عبادة الآلهة ~~المتعددين ثم جرت منهم محاولة للتوفيق بين شتيت الآلهة ~~فأسبغوا على كل منهم ما للآخرين من خصائص وصفات، ~~فنصلت الألوان المميزة لكل منهم والفارقة بين بعضهم ~~وبعض حتى التبس الأمر في شأنهم وقد حدث شيء من ذلك في ~~بلدان غير سامية مثل مصر واليونان ولكن الأمر لم يبلغ ~~فيها شأوا بعيدا. # فقد كان إله العبرانيين مخبوءا في ظلمة تابوت أو ~~متواريا في غبش داخل خيمة، وكان العبرانيون يجفلون ~~عند رؤيته ويتحرجون من النطق باسمه، فبقيت آلهتهم ~~دون أشكال واضحة أو ملامح محددة. # وبخلاف مصر ذات الجو الجاف الذي يدرأ العطب والفساد ~~عن المومياوات والأصنام والمقابر والمعابد، كانت ~~البلاد التي استوطنها العبريون تتعاورها أطوار جوية ~~عنيفة من أمطار تنهمر ورياح تتناوح # 166 # وتبعا لذلك تتأثر المومياوات والآثار ~~المقدسة فيسرع إليها التفتت والبلى. وهكذا تقوضت ~~هذه الأشياء؛ فاندرست عبادة الأسلاف، واغتصب الآلهة ~~ذوو الخطر مكان الرجل التاريخي، وسمي الآلهة ~~القدامى بأسماء جديدة متطفلة عليهم فأصبح ملكرت بعل ~~مدينة صور يعبد في زمن متأخر على وهم أنه الإله ~~الإغريقي هرقل. وكان ببلوس صنمان يعبدان على أنهما ~~الإلهان السوريان أدونيس وعشترت، ثم دار الزمن فأصبحا ~~يعبدان باعتبارهما الإلهين المصريين أوزيريس وإيزيس. # 167 # وقد كان هذا الازدياد في الشبه بين مختلف الآلهة ~~ورغبة القوم في التوفيق بينهم مما عبد الطريق في ~~سبيل المناداة بالوحدانية فيما بعد، وساعد على ذلك أن ~~التصورات الدينية عند الساميين كانت مشوبة بشيء من ~~الإبهام مرده إلى: ~~(1) # خلو حضارة الساميين من الفنون؛ ~~فقلما دار بخلد أحد منهم أن ينقش ~~صورة لإلهه. ~~(2) # الخصائص المتأصلة فيهم والتي نرى الآن ~~نموذجا لها في العرب وما ركب في ~~طبائعهم من كآبة وكبرياء وحذر واسترسال في ~~التخيل ms53 واستغراق في التأمل. # هذا ومن الخير أن نلاحظ: ~~(1) # أن يهوه كان منظورا إليه دوما على أنه ~~إله بني إسرائيل القومي. ~~(2) # وأنه كان إلههم الأعظم على غرار زيوس في ~~اليونان وجوبتر في روما. ~~(3) # وقد أعلى مكانه في أعينهم وجعله يزعم ~~على سائر الآلهة المحليين، بوصفه الإله ~~القومي، أن بني إسرائيل كانوا يقيمون في ~~فلسطين على قلق، وكانوا جاليات متناثرة ~~يحدق بها الأعداء، وكانت الحرب سجالا بين ~~الفريقين. ~~(4) # وكانت عبادة يهوه هي الرباط القومي الذي ~~يوثق بين الأسباط المتناثرة المتنافرة، ~~فهم يحملونه معهم في المعارك ليقاتل إلى ~~جانبهم. وهذا التضامن بين الإله والقبيلة ~~هو ظاهرة واضحة من ظواهر العبادة عند ~~الساميين. # وقد ازداد بنو إسرائيل إدراكا لذلك بعد ~~ما التأم شملهم على عهد داود وغدوا ~~شعبا واحدا اتخذ من أورشليم عاصمة ~~له. ~~(5) # ويرجع الفضل في صيرورة يهوه إلها للجنس ~~الإسرائيلي برمته # 168 # إلى ما قام به داود من إحضاره ~~يهوه إلى أورشليم وما نهض به سليمان من ~~بناء هيكل له، حتى إذا ما انقسمت المملكة ~~إثر موت سليمان أصبح يهوه هو الإله الأعظم ~~للمملكة الجنوبية «يهوذا» على ~~الأقل. ~~(6) # وقد انتفع يهوه بما هو مذكور من أمره في ~~مبتدأ الوصايا العشر من أنه «إله غيور»؛ ~~أي إنه لا يطيق أن يشركه في هيكله إله ~~آخر، فإن ذلك جعل «داجون» إله الفلسطينيين ~~يخر على وجهه بين يديه ولا يقوى على ~~البقاء في حضرته: ~~«وإذا بداجون ساقط على وجهه إلى الأرض ~~أمام تابوت الرب ورأس داجون ويداه مقطوعة ~~على العتبة. بقي بدن السمكة فقط» ... (1 ~~صموئيل 5: 4). # وهكذا فرض سدنة يهوه على الذين يتعبدون ~~له أن ينصرفوا انصرافا تاما عن الآلهة ~~الآخرين، وجعلوا ينظرون إلى أولئك الآلهة ~~على أنهم أوثان، فغدا يهوه هو الإله الحي ~~الواحد، على الأقل في أرض إسرائيل. ~~(7) # وكان رجال الكهنوت قد حظروا صنع تماثيل ~~ليهوه اكتفاء بالحجر المقدس الذي أودعوه ~~التابوت، فكان القوم يولون وجوههم شطر ~~«شيلوه» ثم شطر «أورشليم» متخذين منها ~~قبلة تدعم الوحدة القومية. ~~(8) # وكان رجال الكهنوت قد حظروا صنع ms54 تماثيل ~~ليهوه الدبلوماسي ما يحفظ عليهما ~~استقلالهما المزعزع وسط إمبراطوريات قوية ~~في مصر والعراق. بيد أن المملكة ~~الشمالية ما عتمت أن تلقت في القرن ~~الثامن ق.م ضربة قاصمة إذ أغار عليها ~~الأشوريون واجتاحوا عاصمتها السامرة في ~~سنة 722ق.م فطغى التحمس على عباد يهوه ~~في ذلك العصر الذي نستطيع أن نسميه عصر ~~النبوات والذي أبرز لنا تلك الشذرات ~~الأدبية العبرية في المقاومة السلبية ~~ومكافحة الغزاة بغير سلاح ومناصرة يهوه ~~للعبريين في قتال أعدائهم قتالا فت في ~~أعضادهم فلم تغن عنهم أفراسهم ومركباتهم ~~الحربية، فإذا قصر الإسرائيليون عليه ~~عبادتهم ونبذوا سائر الآلهة فسيعصف بأشور ~~ويجعلها موطئا لأقدامهم. تلك هي اللغة ~~التي كان يتحدث بها أشعيا ومن ~~إليه. # ومن عجب أن الحزب اليهوي؟ تلك الفترة التي كان ~~الكيان القومي كله معرضا فيها للانهيار كي يقوم ~~بالإصلاح الديني الشامل. # كان الكهنة في ذلك الوقت هم وحدهم على شيء من العلم، ~~وكانوا يكتبون الأسفار الدينية ويلقنون الناس أنها ~~موحى بها، ويتخذون من ذلك برهان صحتها، لا أنها ~~صحيحة ومن ثم تكون موحى بها. # وتوفر حلقيا رئيس الكهنة في أورشليم على وضع سفر ~~جلا فيه الشريعة مدونة على نمط جديد منقحة حسبما كانت ~~تقتضي الأحوال والملابسات المستجدة إذ ذاك، ثم شخص إلى ~~يوشيا ملك يهوذا (حوالي سنة 621ق.م) وزعم له أنه سقط ~~له من أوابد # 169 # الهيكل سفر كان بديدا # 170 # بين سجلات الهيكل يتضمن معلومات تاريخية ~~وأحكاما خلقية وتشريعية أدلى بها موسى فيما غبر وهي ~~لا تدع وجها من أوجه الخلاف فيما يعرض من المسائل إلا ~~حسمته. وأفلح الكهنة في ضم الملك يوشيا إلى جانبهم، ~~فما ونى أن دعا كبار القوم إلى الهيكل حيث أمر فتلى ~~عليهم سفر الشريعة وفرض عليهم بسلطانه الإصلاح الديني ~~المنشود: ~~«وأمر الملك حلقيا الكاهن العظيم وكهنة الفرقة ~~الثانية وحراس الباب أن يخرجوا من هيكل الرب جميع ~~الآنية المصنوعة للبعل وللسارية ولكل أجناد السماء، ~~وأحرقها خارج أورشليم في حقول قدرون وحمل رمادها إلى ~~بيت إيل، وهدم بيوت المأبونين التي عند بيت ms55 الرب ... ~~وذبح جميع كهنة المرتفعات التي هناك على المذابح وأحرق ~~عظام الناس عليها، ثم رجع إلى أورشليم ... وكذلك السحرة ~~والعرافون والترافيم والأصنام وجميع الرجاسات التي ~~رئيت في أرض يهوذا وفي أورشليم أبادها يوشيا ليقيم ~~كلام الشريعة المكتوب في السفر الذي وجده حلقيا الكاهن ~~في بيت الرب» (2 ملوك 23: 4-24). # ولم يقيض ليوشيا أن يعمر بعد ذلك طويلا ليسهر ~~بنفسه على ذلك الإصلاح الديني الكبير؛ فقد زحف «نخاو» ~~ملك مصر على أشور مخترقا مملكة يهوذا، وانبرى يوشيا ~~لصد هذا الزحف في مجدو ففتك نخاو به وبجيشه في ~~مجدو. # وانصرمت بعد ذلك سنون وإذا بختنصر وقد انقض على ~~نخاو وظهر عليه في قرقميش واستولى على يهوذا ودخل ~~حاضرتها أورشليم سنة 586ق.م وأباحها لجيشه ثم أخربها ~~وقوض مرابعها وعاد منها إلى بلاده بألوف الأسرى ~~والسبايا، وبذلك أصبحت مملكة يهوذا ولاية تابعة لبابل ~~وكفت دهرا عن أن يكون لها وجود مستقل. # وقد أغفل المؤرخون ما صار إليه العمود الحجر الذي هو ~~يهوه، وما يدرينا لعل الغزاة فعلوا به ما فعله يوشيا ~~بالسارية التي «أحرقها ... ودقها إلى أن صارت غبارا» (2 ~~ملوك 23: 6). # ومهما يكن من أمر فقد انقطع ذكر يهوه - بوصفه شيئا ~~ماديا - منذ تلك الحقبة، فلم نعد نسمع نبأ يتعلق به ~~وبالتابوت الذي كان يثوي فيه. # ومن عجب أن اختفاءه التام هذا من صحيفة التاريخ ~~بوصفه إلها محسوسا ملموسا لم يكن سببا لاضمحلال ~~عبادته وخمودها في بلاد اليهود، بل كان مؤذنا ~~بتحولها إلى عبادة روحية توحيدية منتشرة في مختلف ~~أرجاء العالم؛ ذلك أن هذا الاختفاء حدث بعد أن أوشك ~~دين يهوه على استيفاء تطوره، فإن الأنبياء ومن ... كانوا ~~- حتى قبل السبي البابلي - قد شرعوا في تحسين فكرتهم ~~في يهوه وقدسيته وسموه على البشر وقدرته على كل شيء، ~~فلما كان السبي اتسع هذا الفهم الروحاني وجعل العبريون ~~ندرا في منفاهم يتصورون يهوه حاكما رفيع الذرى يسكن ~~السماء غير مقيد بقيود المادة ولا تراه العيون ولا ~~تقام له التماثيل أو يرمز إليه بشيء. # وبدأت الوحدانية تغزو ms56 قلوب العبريين أول مرة في ~~بابل، وما هي إلا أن أصبحت عقيدة لهم؛ فقد وقع في ~~وهمهم أن كل ما حل بهم من الغوائل إنما يرجع إلى هجرهم ~~يهوه ومخالفتهم عن أوامره؛ ومن ثم جعلوا يزدادون ~~التصاقا بهذا الإله الذي يمثل وجودهم ووحدتهم ~~القومية. # وحدث في سنة 538ق.م أن قورش الكبير عاهل فارس غزا ~~بابل من بها من اليهود الذين اجتلبهم إليها بختنصر ~~منذ نصف قرن ورد لهم آنية الذهب والفضة التي كان ~~بختنصر قد غنمها من هيكل سليمان، ويسر العاهل ~~الفارسي لهم إقامة معبد لربهم في أورشليم عوضا عن ~~هيكل سليمان الذي كان البابليون قد أتوا عليه: ~~«هكذا قال كورش ملك فارس: جميع ممالك الأرض دفعها لي ~~الرب إله السماء، وهو أوصاني أن أبني له بيتا في ~~أورشليم التي في يهوذا» (عزرا 1: 2). # وعاد الأسرى والسبايا من بابل إلى يهوذا وهم على ثقة ~~بأن صلاحهم وفلاحهم متوقفان على تجديد دينهم، ولم يكن ~~بين أولئك الذين آبوا أخيرا إلى أورشليم غير نفر ~~قليل، إن كان قد آب منهم أحد على الإطلاق، ممن سبق لهم ~~أن عرفوا هذا الإله الحجر الذي كان ثاويا في التابوت. ~~لقد تبوأ يهوه مكانه في السماء بين النجوم الزهر، أما ~~الهيكل الذي بناه القوم له بعد عودتهم من السبي فإنه ~~لم يقم فيه بشخصه ولم يصر «بيت الله» بالمعنى ~~الحرفي للكلمة كما كان سلفه هيكل سليمان الذي قوضه ~~بختنصر. # وطوى الموت قورش فخلفه على عرش فارس عاهل إثر ~~عاهل، نذكر منهم ارتحشستا وفي عهده رجع عزرا بن ... بن ... ~~بن ... بن هارون الكاهن - شقيق موسى - من بابل إلى ~~أورشليم وناط به الملك إصلاح الشريعة اليهودية وخوله ~~في ذلك سلطانا كبيرا، فسار عزرا على نهج جده حلقيا ~~وقام بالحركة الإصلاحية الثانية مبتدعا شريعة جديدة ~~نسبها إلى موسى: ~~«اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب ~~الماء وقالوا لعزرا الكاتب أن يأتي بسفر شريعة موسى ~~التي أمر بها الرب إسرائيل فأتى عزرا الكاتب بالشريعة ~~أمام الجماعة من الرجال ms57 والنساء وكل فاهم ما يسمع ... ~~وأجاب جميع الشعب: آمين آمين، رافعين أيديهم وخروا ~~وسجدوا للرب على وجوههم إلى الأرض. واللاويون أفهموا ~~الشعب الشريعة والشعب في أماكنهم، وقرءوا في السفر في ~~شريعة الله ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة» ~~(نحميا 8: 1-8). # وظفر يهوه بالنصر بفضل فقدانه لخصائصه المميزة ~~واقتصاره على الاتصاف بالصفات العامة للألوهية، وهو ما ~~أكسب الوحدانية قوة عظيمة وسنى لها أن تشق طريقها ~~في كل مكان؛ فالوحدانية هي الدين مختزلا إلى عنصره ~~المركزي البسيط. # وقد تركت الأفكار الجديدة أثرا عميقا في مناحي ~~العقيدة اليهودية، فأقبل أولو الأمر يدونون الأخبار ~~التاريخية جميعها في صورة يهوية؛ وبذلك لبست التوراة ~~والأسفار التاريخية الثوب الذي ترتديه الآن، وتغير ~~مفهوم القوم عن يهوه؛ فبعد أن كانوا، حتى القرن السادس ~~ق.م، يعدونه الإله القومي لإسرائيل جعلوا الآن ~~ينظرون إليه على أنه إله العالم كله على النحو الذي ~~يعرفه الإسلام عن الله والذي تعرفه المسيحية عن الآب ~~في الوقت الحاضر. بيد أن ذلك لم يحل دون بقائه ~~على ارتباط وثيق باليهود، وكان هؤلاء يرجون أن تعرف ~~الأمم مجده وعظمته من طريقهم، وظل الأمر كذلك خمسة ~~قرون في انتظار المناداة به خارج إسرائيل، وعقد ~~الاتحاد بينه وبين شتى القوميات، وكان الفضل في ذلك ~~لبولس الطرسوسي. ~~(19) نشأة الوحدانية في مصر # وأيا ما كان الأمر فقد سبق المصريون اليهود في القول بوحدانية ~~الله؛ فقد كان أمنحتب الرابع آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة عند ~~استوائه على العرش يؤمن بأن إلها واحدا هو الإله الحق وما عداه ~~باطل وزور. وكانت الصورة المرئية لهذا الإله هي الشمس «آتون»؛ فهي ~~أم الكائنات جميعا، وما وجدت الخليقة كلها إلا بكلمة من فيها، ~~وما صدف الناس عن عبادتها إلا ضلالة وعماية # 171 # وقد حزم الملك أمره، وعاونته زوجته الحسناء نفرتيتي، ~~على أن يبث الدعوة لهذه العبادة وأن يصطنع الشدة والحزم في نشرها. ~~وأوجب على أتباع «آتون-رع» أن يستمسكوا بعبادة الشمس وأن يجحدوا ~~سائر العبادات، وغير هو اسمه تمجيدا للشمس فجعله «أخناتون»؛ أي ~~عظمة الشمس وبهاءها. # ولم ms58 تتوافر لهذا المصلح العظيم، خلال الإحدى عشرة سنة التي ولي ~~فيها الملك، مواءمة العوامل السياسية والاقتصادية ومؤازرة القوة ~~الثقافية في البيئة؛ فقد تصدت السلطة الدينية القومية في مدينة ~~«طيبة» لهذه الديانة الجديدة التي تتهدد عبادتهم للإله «آمون» ~~بالاضمحلال والزوال، ولم تزل تكافحها حتى قضت عليها. # 172 ~~••• # وفي التوراة نفسها دليل على قدم التوحيد في مصر؛ فقد قرب ~~فرعون إليه العبد العبراني يوسف وأبدى إعجابه به: ~~«فقال فرعون لعبيده: هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله» (تكوين ~~41: 38). # وهو كلام بين الدلالة على أن فرعون وحاشيته كانوا يعرفون الله ~~ويكرمون القانتين # 173 # له وذلك في زمن يوسف وهو - تأسيسا على ما جاء في ~~التوراة - يسبق زمن موسى بنحو 215 سنة. # 174 # ولم تكن الوحدانية هي كل ما نقله أحبار اليهود عن عقائد ~~المصريين؛ فقد كان كهنة المصريين يلقنون الناس أصول ديانتهم قبل ~~أن تطالعهم التوراة بقولها: ~~«في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر # 175 # ظلمة وروح الله يرف # 176 # على وجه المياه. وقال الله: ليكن نور فكان نور» (تكوين ~~1: 1-3). # وكان مما يلقنونهم إياه: ~~(1) # أن ثم إلها خلق المادة الأولى، وكان الكون قبل ~~ذلك خواء. # 177 ~~(2) # ثم صاغها في صورة ما. ~~(3) # أن نفس أحد الآلهة هب فوق وجه الغمر. ~~(4) # أن الله برأ الخلق في سهولة ويسر بقوله: ~~كن. ~~(5) # أن النور خلق قبل الشمس. # 178 # وكذلك عن مصر نقل وضعة التوراة الأجزاء الأساسية في قصصها، ~~وعدلوا ما نقلوه حتى أصبح يلائم الأساطير الشائعة بين قومهم. وهم ~~لا يمتازون من غيرهم من واضعي الكتب المقدسة الأخرى في مختلف ~~أرجاء المعمورة إلا بأنهم لم يمتد حديثهم فيتناول الحياة ~~المستقبلة وبأنهم لم يعدوا بالجنة ويتوعدوا بجهنم؛ فقد كان يهوه ~~يقتصر في السيطرة على عباده بما يجزيهم به في هذا العالم من مثوبة ~~طيبة وما ينزله بهم فيه من عقوبة رادعة. أما حكاية النعيم والجحيم ~~فهي إضافات حديثة العهد نسبيا. # | قصة الخلق # كانت أرجاء المعمورة في الأزمنة الغابرة تتجاوب فيها أساطير ms59 شتى، ~~تنطوي على أجوبة غير صائبة عما يخوض فيه الناس من أسئلة واستفسارات ~~يتصل بمبدأ الخليقة، ومنشأ الجنس البشري، وبوفود الموت على هذا العالم، ~~وما إلى ذلك من معميات الوجود. ولم تكن تلك الأساطير التي يتناقلها ~~البدائيون عامرة بالتصورات الشعرية والتأملات الفلسفية كأساطير من ~~تلاهم من الشعوب التي نهلت من حضارة، بل كانت تدور حول محور واحد هو سن ~~المناسك الدينية. وقد اكتسبت تلك الأساطير ما لها من جلالة الشأن بما ~~أحدثت في حياة الأجيال اللاحقة من آثار عميقة لم تندرس حتى ~~الآن. # وعاد العبريون إلى أورشليم من موطن سخرتهم في بابل. وقد احتقبوا قصة ~~تتعلق بخلق الدنيا ما لبثوا أن أحدثوا فيها من التعديلات ما يجعلها ~~تلائم فكرتهم في الوحدانية وتؤيد منسك العطلة في اليوم السابع من أيام ~~الأسبوع: ~~«لأن في سنة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها ~~واستراح في اليوم السابع؛ لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه» # 1 ~~(خروج 20: 11). # وقد وضعت هذه القصة لتعليل انتفاء الخلود عن الناس؛ فقد كان الناس ~~أبد الدهر تواقين إلى أن يقهروا الموت ويظلوا أحياء. # وكان البدائيون يرون الحيات والأورال والحشرات (في بعض أطوارها) ~~تنسلخ من جلودها فيعتقدون أنها بذلك تستديم الحياة، وكان يخيل إليهم ~~أن الطيور تنسل عنها ريشها فتجدد بذلك شبابها: ~~«فيتجدد مثل النسر شبابك» (مزمور 103: 5). # وما زال الأهلون في بعض الجهات (غينيا الجديدة والهند الصينية وجزائر ~~أميرال وسلبيز إلخ) يعتقدون أن الناس كانوا ذات يوم يستديمون حياتهم ~~بتغيير جلودهم أو بدفن موتاهم في ظل شجرة معينة تعيد إليهم الحياة بعد ~~فترة من الزمن. # وفي قصة خطيئة آدم ما يوحي بأن الإنسان خلق بادئ الرأي ليكون من ~~المخلدين لولا ذلك الحادث الذي دفع منه فأفقده هذه المزية وألقى به ~~فريسة أبدية للمرض والموت. # تقول القصة إن في الجنة شجرتين تمتازان من سائر أشجارها بما لهما من ~~خصائص هامة؛ هما: ~~«شجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر» (تكوين 2: ~~9). # وقد خول الله الإنسان، بل هو أوصاه، أن يجتني ms60 ما طاب له من ثمار ~~أشجار الجنة ما خلا شجرة واحدة هي شجرة معرفة الخير والشر: ~~«وأوصى الرب الإله آدم قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل أكلا. وأما ~~شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها» (تكوين 2: 16-17). # وإذن لم تكن ثمار شجرة الحياة حراما على آدم. وقد كان حريا أن ~~يأكل منها لولا أن الحية صرفت انتباهه عنها إلى الثمرة المحرمة فكتبت ~~بذلك الموت عليه وعلى بنيه أبد الآبدين. # ورثنا هذه الأسطورة عن اليهود، ثم سارت الكنيسة بها شوطا إلى ~~الأمام؛ إذ فسر القديس بولس النكبة التي كان مسرحها جنة عدن على نحو ~~يتفق ومذهب الفداء وييسر عودة الإنسان إلى الفردوس المفقود. # وتشبه قصة العبرانيين في خلق الكون ما دونه البابليون من ذلك في ~~سجلاتهم الطينية وما سجله المصريون على آثارهم الضخمة والهنود في ~~معابدهم المعتمة. والصورة اليهودية لهذه القصة، وإن تكن أحدث عهدا، ~~تقل عن نظائرها من الصور الغوابر بهاء وسموا، وليست لها حظها من ~~البساطة واليسر؛ وذلك ما نراه في جلاء عندما نوازن بين قصة التوراة ~~والقصة الهندية التي هي أقدم منها بأربعين قرنا، وهي تقول: # خلق الكائن الأعلى آدم وثنى بحواء، وأسكنهما جزيرة سيلان الفاتنة ~~ليستمتعا في مخارفها # 2 # بأوقات لذيذة يزجيانها # 3 # في الحب والغزل؛ فقد اقتضت مشيئته أن يكون الزواج أبدا ~~مسبوقا بالحب. ولما أظلهما الحب ربط الكائن الأعلى بينهما برباط ~~الزواج وأوصاهما ألا يبرحا تلك الجزيرة، وكانت ذات رونق وبهاء، تكسو ~~أديمها أعشاب نضرة تزفزفها # 4 # الرياح المتناوحة # 5 # فتعزف أنغاما تبذ أنغام القيثارة رقة وعذوبة تمتزج ~~بتغريد البلابل الصادحة والطيور الشادية على الأفنان المتمايدة. # 6 # وتاق آدم أن يلقي نظرة على ما حوله فدلف إلى طرف الجزيرة الشمالي ~~وكان ثم معبر ضيق يصل الجزيرة بالقارة. ومد الشيطان في ناحية القارة ~~سرابا رقراقا # 7 # صور لباصرتي آدم منظرا أخاذا رأى فيه قلل الجبال ~~وقد جللتها الثلوج النواصع وتدفقت منها السيول لتتكسر على الجنادل ~~فيجيش منها الزبد، ورأى تحت سفوحها الأودية الخضراء قد انبسطت رقاعها ms61 ~~وانسابت فيها الجداول الصافية، وقد أنضرت على ضفافها الأشجار وأينعت ~~الثمار. وراقه ما شهد فآب إلى حليلته يزين لها أن تصحبه إلى القارة، ~~ولم يزل بها حتى تبعته على هواه. بيد أنهما ما إن اجتازا ذلك ~~العنق الضيق من الأرض حتى انهار في اليم فانقطع دونهما خط الرجوع، ~~وانقشع السراب فإذا هما لا يجدان بين أيديهما غير فياف قفراء وصخور ~~صماء لا بهجة فيها ولا رواء. # هذا، ومن الملاحظ فيما يتصل بالزمن الذي أدمجت فيه هذه القصة في ~~سفر التكوين أنه لم ترد إشارة إليها في أي سفر آخر من أسفار اليهود ~~المقدسة، إلا كلمة عارضة في الوصية الموسوية الرابعة الخاصة بتحريم ~~العمل أيام السبت، وقد ذكرناها قبل، وهي وصية لا يتأتى أن يكون ~~اليهود قد أوصوا بها إبان بداوتهم، حين كانوا يلبثون بياض النهار ~~قاعدين عن كثب من أغنامهم، بل يغلب أن يكون ذلك قد حدث بعد أن ~~استقروا فترة طويلة في مدن وأبنية وراء أسوار. ومهما يكن من أمر ~~فمن الثابت أن هذه القصة لم تقرع مسامع اليهود إلا بعد السبي البابلي # 8 # فقد كان علم بدء الخليقة # 9 # قائما عند البابليين قبل أن يكتب سفر التكوين بأزمان ~~مديدة، بل قبل العصر الذي يفرض أن موسى عاش فيه. وقد اشتمل هذا العلم ~~على جميع الدعائم الأساسية التي تقوم عليها قصة الخلق العبرانية وعلى ~~رأسها خلق العالم في ستة أيام وإغراء حواء وغواية آدم وهم يسمونه ~~«أدمي» وهي الصيغة الأشورية لاسم آدم ويسيمه العبرانيون «أدمة» وهو اسم ~~مشتق من فعل معناه «يحمر» # 10 # وقد يكون مرد ذلك إلى ثرى فلسطين الأحمر. # وإذا رجعنا إلى اللغة الأكدية (وهي التي سبقت البابلية والتي كتب بها ~~الأشوريون والعبريون في بادئ الأمر جانبا من كتاباتهم في علم بدء ~~الخليقة) ألفينا أن لفظ «أد» معناه أب وأن لفظ «دم» معناه أم، وبذلك ~~يدل اسم آدم على إنسان يجمع بين الأبوة والأمومة أو بين التذكير ~~والتأنيث. أما اسم حواء فمعناه حية أو حياة. # 11 # وتذكر ms62 القصص الفارسية وقصص التلمود أن الله خلق بادئ الرأي امرءا ~~يجمع بين ذكر وأنثى ظهراهما ملتصقان ثم فصل بين الذكر والأنثى. وورد ~~هذا المعنى في التوراة أيضا فهي تقول: «يوم خلق الله الإنسان على شبه ~~الله عمله ذكرا وأنثى، خلقه وباركه ودعا اسمه آدم» (تكوين 5: ~~2). # أي إن آدم كان ذكرا وأنثى في وقت معا # 12 # وبما أن دم خلق على مثال خالقه: ~~«خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى ~~خلقهم» (تكوين 1: 27). # فإن الله - عندهم - يجمع أيضا بين خصائص الجنسين. هذا وقد سردت ~~أساطير الفرس قصة الخطيئة الأصلية على النحو الآتي: # كان الزوجان الأولان من البشر «مشيا» و«مشيانة» يعيشان بادئ بدء عيش ~~الطهر والبراءة، وقد عاهدهما أرمزد، خالق كل ما هو خير، على أن يديم ~~عليهما السعادة ما استمسكا بعرى الفضيلة. بيد أن أهريمان، أس ~~الرذيلة ومصدر الأذى، دس عليهما شيطانا تراءى لهما في صورة حية ~~وعاطاهما من ثمار شجرة بهية المنظر من خصائصها أن تضفي الخلود على ~~الأحياء وترد الحياة إلى الموتى، فتطرقت إلى قلبيهما نوازع الشر، ~~وزايلهما ما كانا يتحليان به من خلق رفيع، ثم ما لبث أهريمان أن سعى ~~إليهما بنفسه في صورة الحية نفسها، ولم يزل يغرر بهما ويغريهما حتى ~~اعترفا به - دون أرمزد - خالقا لكل ما هو خير، وبذلك خسرا ما كان قد ~~اعتد لهما من نعيم مقيم. # وفي أساطير المصريين القدماء أن إيزيس وأوزيريس كانا يعيشان معا في ~~الفردوس تظللهما السعادة وتحف بهما الهناءة، وما فتئا في تلك الحال ~~إلى أن استبدت بإيزيس الرغبة في أن تستقي، من ماء الخلود، فمضى ~~أوزيريس يطلبه فكانت تلك عثرته. # وقد فشت أساطير كهذه في مختلف الشعوب، وكلها مجمع على أن المرأة ~~الأولى اقترفت الخطيئة الأولى انقيادا للإغراء. وما يزال الناس في ~~الشعوب المتمدنة يقولون: «فتش عن المرأة.» وإنه ليسر الرجل أن ~~يلقي على المرأة تبعة أخطائه، والويل للضعيف. # وقد سردت لنا التوراة قصة الخلق مرتين، أو بالحرى، سردت لنا قصتين ~~في خلق الكون تستقل ms63 إحداهما عن الأخرى. وقد ألصقت كل من القصتين ~~بالأخرى في غير لباقة. وتستوعب الأولى منها الإصحاح الأول من سفر ~~التكوين والآيات الثلاث الأولى من الإصحاح الثاني. وقد أطلق على ~~«الله» فيها لفظ «ألوهيم» بصيغة الجمع، ويبدو الله في تلك القصة إلى ~~حد بعيد كأنه مجرد فكرة لشيء معنوي ليس له وجود حسي؛ فهو قادر ~~على أن يخلق ما يريد مكتفيا بأن يقول: «كن.» وهذه القصة خلاء من ~~أية إشارة إلى جنة عدن وما جرى فيها. وقد وضع الكهنة - بعد عودتهم من ~~بابل - هذه القصة على غرار الأسطورة السامية التي سمعوها هناك. أما ~~القصة الثانية وهي أقدم عهدا وأوغل بدائية، فهي تبدأ بالآية ~~الرابعة من الإصحاح الثاني وتنتهي بنهاية ذلك الإصحاح، # 13 # وقد صور الله فيها مشاكلا للإنسان في سمته وسلوكه. ~~وقد أفاضت هذه القصة في حديث الجنة وحددت موضعها جغرافيا على ~~الأرض: ~~«وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة. ومن هناك ينقسم فيصير أربعة ~~رءوس، اسم الواحد فيشون؛ وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. وذهب ~~تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون، هو ~~المحيط بجميع أرض كوش. # 14 # واسم النهر الثالث حداقل، # 15 # وهو الجاري شرقي أشور. والنهر الرابع الفرات» # 16 ~~(تكوين 2: 10-14). # وتختلف القصتان فيما يتصل بالمادة التي جبل الله منها الخليقة؛ ~~ففي القصة الأولى نجد الماء هو العنصر الأول. # 17 ~~«وروح الله يرف على وجه المياه» (تكوين 1: 2). # أي إن الله خلق من الماء كل شيء حي: ~~«وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية وليطر طير فوق ~~الأرض وعلى وجه جلد السماء. فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس ~~الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه» ~~(تكوين 1: 20-21). # أما القصة الثانية فنجد فيها أن الله خلق كل شيء من طين: ~~«وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء» ~~(تكوين 2: 19). # وتتباين القصتان كذلك فيما يتصل بالترتيب الذي اتخذه الكائن الأعلى ~~في خلق الكون خلال ستة أيام ms64 كما هو مبين فيما يلي: # في اليوم # في القصة الأولى وهي التي كتبها الكهنة بعد السبي ~~البابلي # في القصة الثانية وهي أقدم عهدا # 1 # خلق السموات والأرض والنور والظلمة. # خلق السموات والأرض. # 2 # خلق الجلد وجعل بعض المياه فوقه وبعضها تحته. # كان ينبثق من الأرض ضباب يسقي أديمها. # 3 # اجتمعت المياه التي تحت الجلد في البحار فظهرت اليابسة ~~ونبتت الأعشاب والأشجار المثمرة. # خلق من التراب إنسانا أسماه آدم. # 4 # خلق الشمس والقمر والنجوم. # غرس جنة في عدن شرقا وأسكن آدم إياها. # 5 # خلق الزحافات (يقصد الأسماك) والطيور والتنانين (يقصد ~~الحيتان). # خلق حيوانات البرية والطيور. # 6 # خلق الوحوش والبهائم وجميع دبابات الأرض ثم خلق آدم ~~وحواء. # خلق المرأة من إحدى ضلوع الرجل. # أما تناقض القصتين فيما يتصل بخلق الجنس البشري فيمكن إجماله فيما ~~يلي: # في القصة الأولى # في القصة الثانية # أولا # كان آدم وحواء آخر ما برأ الله من الخليقة. # خلق الله آدم قبل حيوان البر وقبل الطير. # ثانيا # خلق الله الإنسان على صورته. # لم يرد ذكر لذلك. # ثالثا # خلق الله الإنسان ذكرا وأنثى دفعة واحدة. # لاحظ الله ليومين من خلق آدم أنه في حاجة إلى امرأة ~~تؤنسه. بيد أنه لم يخف إلى خلقها بل انصرف عن ذلك ~~إلى خلق شتى الحيوانات وعرضها على آدم. وبعد ذلك خلق ~~حواء. # رابعا # بارك الله الناس «وقال لهم أثمروا واكثروا واملئوا ~~الأرض.» # لم يفعل ذلك بل إنه جعل الحمل والولادة لعنة على ~~المرأة «وقال للمرأة تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع ~~تلدين أولادا.» # خامسا # ذكر الإنسان من بادئ الأمر على أنه مبعوث لإخضاع ~~الأرض. ولم يرد ذكر البتة لجنة عدن التي حدثت فيها ~~مأساة الخطيئة. # وضع آدم في عدن ثم زف إليه حواء، ولكنها لم تحمل ولم ~~تلد إلا بعد نفيهما من الجنة. # تزعم قصة الخلق الموسوية أن الخالق كان قبل يعيش بلا خليقة، وفي يوم أحد # 18 # من سنة 4004ق.م # 19 # عن له أن يخلق الكون فاستحدثه من العدم، ودأب يعمل في ~~ذلك ستة ms65 أيام ثم استراح في اليوم السابع: ~~«وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم ~~السابع من جميع عمله الذي عمل» # 20 ~~(تكوين 2: 2). # وخلق الله كل ما في الكون بترتيب عجيب، فكان الضوء يشيع في الأفق قبل ~~أن تخلق الشمس. لقد كانوا يجهلون - فيما يجهلون - أن تعاقب الليل ~~والنهار إنما يولده تبدل موقع القارات من الشمس نتيجة لدوران الأرض ~~حول محورها؛ ولهذا جعلوا النور يخلق في اليوم الأول: ~~«وقال الله: ليكن نور، فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله ~~بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا. ~~وكان مساء وكان صباح يوما واحدا» (تكوين 1: 3-5). # ولكن كيف فصل الله بين النور والظلمة، وكيف كانا مختلطين من ~~قبل؟ # ليس النور بشيء له وجود إيجابي، وإنما هو ظاهرة تحدث طوعا لسنن ~~معروفة في علم الفلك وعلم البصريات، أما الظلمة فليست بشيء مادي يمكن ~~أن يمزج بالنور ويدمج فيه ثم يفصل منه، وإنما هي مقدار سلبي؛ هي ~~احتجاب النور. # لقد كانوا يتوهمون أن الظلمة شكل من أشكال المادة؛ ولذا قالوا في ~~قصة الضربات البشعة التي أنحى بها موسى على مصر: إن الظلام قد اشتدت ~~حلكته في مصر بأمر موسى: ~~«حتى يلمس الظلام» (خروج 10: 21). # لقد قدموا المعلول على العلة فجعلوا الأرض تخلق في اليوم الأول ~~على حين أن أمها الشمس لم تخلق إلا في اليوم الرابع. وجعلوا أديم ~~الأرض يكتسي بالخضرة في اليوم الثالث: ~~«فأخرجت الأرض عشبا وبقلا» (تكوين 1: 2). # قبل أن تتجلى ذكاء (الشمس) في اليوم الرابع فترسل ضوءها العسجدي، وهو ~~لا غناء عنه للنبات في التمثيل الكلوروفيلي الذي هو سبب اخضرار لون ~~النبات ومصدر هام لاغتذائه. # وجعلوا الحيوانات تخلق بترتيب يباين ترتيب رتبها وفصائلها؛ فقد ~~خلقت الحيتان عندهم قبل الثدييات وما الحيتان إلا طور متأخر ~~منها: ~~«فخلق الله التنانين العظام # 21 # وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه ~~كأجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية ~~كجنسها بهائم ودبابات ms66 # 22 # ووحوش أرض كأجناسها وكان كذلك» (تكوين 1: 24). # وجعلوا الوحوش تطعم العشب: ~~«ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء وكل دبابة على الأرض فيها نفس حية ~~أعطيت كل عشب أخضر طعاما» (تكوين 1: 30). # وعندهم أن الله خلق الحيوانات زوجين زوجين # 23 # ذكرا وأنثى، إلا الرجل فقد خلقه الله وترا لا ~~شفعا: ~~«وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة # 24 # فصار آدم نفسا حية» # 25 ~~(تكوين 2: 7). # وأسكن الله آدم جنة؛ أي حديقة، في بقعة اسمها «عدن» ثم عرض عليه ~~الحيوانات كلها، فنشط آدم يضع لكل منها اسمه العلمي، # 26 # وهو عمل ضخم لا ينهض بمثله في الوقت الحاضر أقل من مجمع ~~علمي كامل. بيد أن آدم كان في غضون ذلك معنيا بالبحث عن شريكة ~~لحياته: ~~«فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية. ~~وأما لنفسه فلم يجد معينا نظيره» (تكوين 2: 20). # ولاحظ الله أن آدم وحيد فريد، يفتقر إلى امرأة توفر له أنسه ~~وتحفظ عليه جنسه، فعقد العزم على أن يطرفه بما يشتهي؛ غير أنه - ولا ~~ندري لماذا - لم يخلق المرأة من العدم الأصلي الذي خلق منه الكون، أو ~~التراب الذي خلق آدم، بل أوقع على الرجل سباتا وانتزع ضلعا من ضلوعه # 27 # صاغ منها امرأة فارهة # 28 # زفها إليه، وبلغهما أنه أباح لهما كل شيء ما عدا شيئا ~~واحدا نهاهما أن يقرباه، وكان من الطبيعي أن يقربا هذا الشيء ~~المدفوع عنه وأن يذوقا الفاكهة المحرمة. # 29 # ولسنا ندري ما هذه الشجرة العجيبة ذات القوى السحرية، شجرة معرفة ~~الخير والشر؟ ولم أنبت الله هذه الشجرة في وسط الجنة ولم يجعلها في ~~مكان ناء قصي؟ ولم نهى عن الأكل من ثمرها وعد تمييز الإنسان ~~بين الخير والشر عملا عدائيا نحوه. # 30 # إن تمييز الإنسان بين الخير والشر هو بدء إدراكه الخلقي ومستهل ~~مقدرته على توجيه مصيره، وهو ارتقاء لا انحطاط، فلم وجد يهوه في ~~أكل الإنسان من ثمر هذه الشجرة كارثة حلت بشخصه؟ ولم ترتب على أكل ~~الإنسان منها ms67 إقصاؤه عن الجنة: ~~«قال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفا الخير ~~والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى ~~الأبد» (تكوين 3: 22). # ومن هم أولاء الذين أشار الله إليهم بقوله: «كواحد منا»؟ هل هم آلهة ~~آخرون؟ # وما تلك الشجرة الأخرى ذات القوة السحرية التي تورث ثمارها الآكلين ~~خلود الأبد؟ # ولم ينكر يهوه على الإنسان أن يخلد على حين أنه لم ينكر ذلك ~~على الكائنات الأخرى التي عناها بقوله: «كواحد منا»؟ # وقد امتثلت حواء لأمر يهوه ردحا من الدهر، ثم دلفت إلى الجنة حية # 31 # لا ندري من أي أرض أقبلت، ولا نعرف كيف تسنى لها أن ~~تلج الجنة، ولكنا نعرف أنها: ~~«أحيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب» (تكوين 3: 1). # ولبثت الحية ترصد حواء حتى ألفتها على مبعدة من آدم وعلى ~~مقربة من شجرة معرفة الخير والشر فتراءت لها وتحدثت إليها، ولا ندري ~~متى حذقت هذه الحية اللغة العبرية؟ ولا كيف ظلت حواء ساكنة لا يبدو ~~عليها شيء من الدهش وهي ترى حية عجماء تطارحها الحديث؟ # وزينت لها الحية أن تذوق هذه الفاكهة ذاكرة أنها تؤتي آكلها الحكمة ~~والسداد. # كان الله قد حذر آدم وحواء من ثمر هذه الشجرة قائلا: ~~«لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا، فقالت الحية للمرأة لن ~~تموتا» (تكوين 3: 3-4). # ولكنهما أكلا ولم يموتا بل امتد العمر بآدم 930 سنة. # 32 ~~«فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسعمائة وثلاثين سنة ومات» (تكوين 5: ~~5). # وليس في القصة ما يدل على أنه كان قبل مخلدا لا يموت كما تقول المسيحية # 33 # ولكن فيها ما يدل على أنه طرد من الجنة # 34 # حتى لا ... ~~«يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد» (تكوين ~~3: 22). # وهكذا لم يقع لآدم وحواء ما أنذرهما به يهوه من حلول الموت الزؤام ~~به ولكن حدث ما أنبأتهما به الحية من أنه: ~~«يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر» ~~(تكوين 3: 5). # فقد انفتحت أعينهما حقا ms68 فعلما أنهما عاريان. ~~«فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان ...» (تكوين 3: 7). # ولولا أنهما عصيا أمر يهوه لكنا نحن أيضا ما نزال إلى اليوم عراة لا ~~يستر سوآتنا حجاب: ~~«... فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر» # 35 ~~(تكوين 3: 7). # ولسنا نعلم متى تعلما الخياطة ولا من أين أتيا بالمخيط. # ومع أن الله موجود في كل مكان فرضا فقد قدم إلى الجنة من خارجها، ~~ومع أنه ليس بذي رجلين فقد سمع الزوجان العاصيان خفق # 36 # نعليه: ~~«وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار» (تكوين ~~3: 8). # فتواريا وسط شجر الجنة من الإله الذي هو في كل مكان والذي هو عالم ~~بكل شيء. # وبدأ يهوه يستجوب المتهمين، فألقى البطل التبعة على زوجته وألقتها هي ~~على الحية: ~~«فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت. # 37 # فقال الرب الإله للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: ~~الحية غرتني فأكلت» (تكوين 3: 12-13). # وتم الاستجواب، ونطق يهوه بالحكم، وهو يقضي على الحية الجارمة، وعلى ~~جميع الحيات غير المجرمات، وعلى ذراريها من بعدها، بأن يكون سعيها في ~~الأرض زحفا على البطون وأن يكون غذاؤها التراب وأن تجد نفسها إلى ~~الأبد عرضة لسحق رءوسها: ~~«فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ~~ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. # 38 # وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق ~~رأسك وأنت تسحقين عقبه» (تكوين 3: 14-15). # ويفهم من ذلك: ~~(1) # أن الحيات كانت، قبل أن تجترم إحداها هذا الذنب في ~~الجنة، تمشي منتصبة. ~~(2) # وأنها كانت تتغذى بغذاء كالذي يتغذى به غيرها من ضروب ~~الحيوان. ~~(3) # وأنها غدت الآن تستف التراب. ~~(4) # وأن التراب، وهو خليط من مواد غير عضوية، يصلح أن يتخذ ~~غذاء للحيوان يتمثله الجسم الحيواني. # لقد خلق الله آدم بعيدا عن الكمال وما انفك يراقبه حتى وقع في ~~المصيدة، ثم أوقع العقاب بالكائنات طرا، فلعن الحيات كلها من جريرة ~~تلك الحية التي كان قد فسح لها مكانا في جنته، ms69 ثم لعن النساء جميعا ~~في شخص أمهن حواء. # 39 ~~«تكثيرا أكثر أتعاب حبلك. بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك يكون ~~اشتياقك، وهو يسود عليك» (تكوين 3: 16). # فأما أوجاع الحمل والولادة فهي من معقبات المدنية والترف، ويزداد ~~شعور الناس بها على قدر ازدياد حظهم من رفاهة العيش ورفاهة الشعور، على ~~حين لا يشعر بها المتوحشون إلا هونا ما. ويلاحظ مثل هذا التباين بين ~~الحيوانات الوحشية والمستأنسة. أما سيادة الذكر على الأنثى فهي القانون ~~الساري في عالم الحيوان باستثناء أنواع قليلة مثل النحل. وقد لعن الله ~~الأرض التي جبل منها آدم من جراء ما أتاه فوق ظهر أرض الجنة: ~~«ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك» (تكوين 3: ~~17). # وهكذا أصبح الجنس البشري كله آثما بإثم آدم وحواء، وحقت عليه ~~كله اللعنة من أجل ثمرة واحدة من ثمار الفاكهة أكلت وكان آكلاها على ~~غير خبر بالخير والشر، فإلى فضولهما مرد الخطيئة الأولى في العالم. # 40 # لقد أودى بنا نحن المساكين العاثري الجد تشهي حواء ~~الفاكهة. هي أكلتها ونحن أصبنا بآلام المعدة، وسيظل ألوف الملايين من ~~البشر يتلوون من الألم جيلا إثر جيل لأن حواء ذاقت ثمرة من ثمار ~~تلك الشجرة. # وقد جوزي آدم وحواء على أكلتهما هذه بإخراجهما من الجنة، ولو أن ~~آدم لم يستجب لدعوة زوجه لطردت هي وحدها وبقي هو في الجنة فردا عزبا ~~لا أنيس له ولما كان ثم سبيل إلى مجيئنا نحن إلى هذا العالم غير ~~التلقيح الصناعي. # وخشي يهوه أن يعود آدم إلى الجنة ويأكل من ثمار شجرة الحياة فيخلد، ~~فأقام على باب الجنة سرية من الملائكة يذودون عنه ذلك المتطفل ~~إن طوعت له نفسه أن يرجع، ونصب عند الباب سيفا ينفث نارا ولا يني ~~يضرب في الهواء عن اليمين وعن الشمال ويغير اتجاهاته من تلقاء نفسه ~~ليقطع خط الرجعة على آدم إذ كان من الجنة غير بعيد: ~~«أقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة ~~الحياة» (تكوين 3: 24). # وليته كان قد اتخذ هذه الحيطة لمنع تسلل ms70 الحية إلى الجنة بدلا من ~~إيصاده باب الإصطبل بعد فرار الحصان. ولسنا ندري ماذا كان من أمر السيف ~~المتأجج المتوهج؟ فلعل مياه الطوفان أخمدت لهيبه! # ولسنا ندري ما الذي آل إليه أمر الحية؟ هل طردت هي الأخرى من الجنة ~~أو هي ما تزال فيها؟ هناك من يزعم أن الحية لم تكن هي نفسها التي أغرت ~~حواء، بل كان الشيطان هو الذي فعل ذلك متقمصا إياها، فإذا كان ذلك ~~كذلك فلم لعن الله الحيات وجعلها تستف التراب؟ # هذا، ويبدو أن الرب لم يرقه المئزران اللذان خاطهما آدم وحواء ~~لنفسيهما من ورق التين؛ ولذا: ~~«صنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما» (تكوين 3: ~~21). # فمن أين جاء بالجلد الذي صنع منه الأقمصة؟ هل عمد إلى بعض حيوان ~~الجنة فذبحه وسلخه ودبغ جلده، ثم خاطه؟ وهل كان، جل جلاله، جزارا ~~وسلاخا (بشكيرجي) ودباغا وخياطا؟ # لقد ضن يهوه على الإنسان الأول بثمرة من شجرة، فلما أكلها ضاعف ~~للنساء آلام الحمل والولادة، وقسر الحيوان على سف التراب، وأغرق ~~العالم كله بالطوفان، ثم انتحر صالبا نفسه على فلقة من خشب. # يتضح مما تقدم أن هذه الأقاصيص: ~~(1) # قصة خلق الكون في 6 أيام. ~~(2) # قصة الرجل الطين والمرأة الضلع. ~~(3) # قصة خطيئة الإنسان ونفيه من الجنة. # هذه الأقاصيص جميعا: ~~(1) # منتحلة من أساطير عالمية أقدم من التوراة عهدا. ~~(2) # ليست مطردة النسق بل هي تناقض نفسها في مواطن ~~شتى. ~~(3) # ليست مطابقة للحقائق العلمية المعروفة بل هي تصطدم ~~بها. # ولهذا عمد الذين نشروا «الكتاب المقدس للأحداث» في الولايات ~~الأمريكية المتحدة إلى حذف هذه الأقاصيص منه. وقد التمس المفسرون ~~منجاة من الحرج بتحميل ألفاظ الكتاب من المعاني ما لا ~~تحتمل. ~~(1) # فزعموا أن الأيام الستة التي خلق الله فيها خليقته ليست ~~كهذه الأيام ذات الساعات الأربع والعشرين، بل إن كلا ~~منها دهر طويل يقاس بألوف السنين. وإنه لزعم سقيم لا يتفق ~~وقوله: «وكان مساء وكان صباح» (تكوين 1: 5، 8، 13، 19، ~~23، 31). # ولا سيما فيما يتصل بما بعد خلق الشمس في اليوم ~~الرابع. # وإذا صدق تأويلهم هذا فماذا من ms71 أمر اليوم السابع؟ وهل ~~يبقى بعد ذلك مبرر لتقديس يوم السبت؟ ثم ماذا عسى أن ~~تكون جدوى الأعشاب والأشجار التي برأها الله في اليوم ~~الثالث: ~~«فأخرجت الأرض عشبا وبقلا وبزرا كجنسه وشجرا يعمل ~~ثمرا بزره فيه كجنسه. ورأى الله ذلك أنه حسن وكان مساء ~~وكان صباح يوما ثالثا» (تكوين 1: 12-13). # ولم يكن في تلك النباتات غناء لأحد، وهو لم يكن قد اعتزم ~~أن يخلق البهائم وما إليها إلا في اليوم الخامس؛ أي بعد ~~ألوف السنين. # وكيف قضى آدم في عزوبته ألوف السنين التي مرت بين اليوم ~~الثالث الذي برأه الله فيه ثم أسكنه الجنة حسبما ورد في ~~القصة الثانية (تكوين 12: 15). # واليوم السادس الذي خلق فيه حواء من إحدى ضلوعه؟ ~~(تكوين 2: 21-22). # هل كان خلال تلك الحقب الطويلة يداعب الحيوانات ولا يصنع ~~شيئا آخر؟ # ثم كيف يكون آدم قد عاش تلك الألوف من السنين على حين ~~أنه. ~~«كانت كل أيام آدم التي عاشها تسعمائة وثلاثين سنة ومات» ~~(تكوين 5: 5). ~~(2) # وقالوا إن الجلد المذكور في قوله: ~~«فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد ~~والمياه التي فوق الجلد وكانت كذلك. ودعا الله الجلد سماء» ~~(تكوين 1: 7-8). # والسماء هي الفضاء الواسع الذي يحيط بالأرض فكيف يفصل ~~بين مياه فوقه ومياه تحته؟ ~~(3) # وقالوا إن قوله: ~~«خلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا ~~وأنثى خلقهم» (تكوين 1: 27). # يفيد أنه خلقه على صورته في الطهر، وهو تفسير داحض ~~يبطله أن آدم وحواء لم يكونا طاهرين؛ فإن الجنس البشري ~~كله ما يزال يرزح تحت وقر خطيئتهما، وإن أبناءهما كذلك لم ~~يكونوا أطهارا؛ فقد فتك أحدهم بأخيه وهو أشد ما يكون ~~حاجة إلى عونه في تلك الوحدة التي تبعث الرهبة في النفس، ~~كما أن حفدتهما الأدنين بلغوا من الفساد مبلغا جعل ~~الله يندم على أن براهم: ~~«فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه» ~~(تكوين 6: 6). # ولم يجد وسيلة يستدرك بها خطأه هذا غير إغراق الأرض بما ~~عليها. ~~(4) # وقالوا إن الله حين قال: ~~«هو ذا ms72 الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر» ~~(تكوين 3: 22). # إنما كان يتحدث عن الأقنومين الآخرين من أقانيم ~~الثالوث، وهو تأويل واضح البطلان. ~~(5) # وقالوا إن المعنيين بأبناء الله الذين افتتنوا ببنات ~~الناس وتزوجوا منهن: ~~«وبعد ذلك أيضا ~~إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم أولادا ...» ~~(تكوين 6: 4). # ليسوا سوى أبناء شيث بن آدم، وأما بنات الناس فما هن سوى ~~بنات قايين قاتل أخيه هابيل. # وهنالك كثير من هذه التفسيرات المضللة لا تتصل بهذا المبحث، ~~منها: ~~(1) # أن مصارعة يعقوب لله في فنيئيل (تلك المصارعة التي انتهت ~~بخلع حق فخذ يعقوب والتي كوفئ يعقوب على فوزه بتغيير اسمه ~~وجعله إسرائيل) هي مصارعة في الصلاة. ~~(2) # أن القطعة الخليعة المعروفة باسم نشيد الإنشاد إنما تصف ~~الحب المتبادل بين المسيح وكنيسته، وأن ما ورد فيها عن ~~ثديي المرأة وفخذها وبطنها إنما هي رموز لاتحاد يهوه ~~والسيناجوح. # | قصة الطوفان # عرض القرآن الكريم لطوفان نوح غير مرة، فعندما استغلظ أمر المشركين ~~ولقي الرسول منهم عنتا فادحا نزلت آيات من القرآن تترى تنذرهم ~~بوخامة عاقبتهم وتبصرهم بما حل بأقوام قبلهم بغوا على أنبيائهم ~~فأهلكهم الله بوسائل شتى. # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ~~* وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية ~~(الحاقة: 5-6). # وأما قوم نوح فأهلكوا بالطوفان (الذاريات: 41-46). وليست قصة قوم ~~نوح في القرآن بمختلفة في الأهمية كثيرا عن قصص عاد وثمود وغيرهم بل ~~هم سواء، # ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا ~~لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ~~(إبراهيم: 9). # ويلاحظ أن مسرح الأحداث في كل قصة لم يكن يتجاوز قرية واحدة أو بضع ~~قرى متجاورات. وليس يشذ الأمر عن ذلك فيما يتصل بقوم نوح؛ فقد أهلك ~~الله قريتهم بالطوفان؛ أي بفيضان عارم من دجلة والفرات كان عنيفا ~~مخيفا كذلك الذي دهم أهل العراق في أبريل من سنة 1839م؛ إذ طمت أمواه ~~الرافدين فطغت في شوارع ms73 بغداد وما إليها حتى ناهزت مترين وركبت البلاد ~~حتى كانت السفن تمخر فيها، وكان المرء لا يبصر أينما ضرب ببصره غير ~~لجة لا يدرك الطرف مداها ولا يبرز منها غير ذرى المآذن وشطب ~~النخيل (وهو سعفها الأخضر). # وإذ كان إبرام وصحبه مؤسسو فلسطين من تلك النواحي فمن الممكن القول ~~بأن مخيلتهم كان قد انطبع فيها ذكرى فيضان من هذا القبيل. # ولكن صناع التوراة لم يرقهم أن يكون شأن نبيهم العبري نوح ~~هينا كشأن النبي العربي صالح، ولم يرضهم أن ينحصر طوفان نبيهم ~~وراء حدوده المحلية، ولم يقنعوا بأقل من إغراق الكوكب الأرضي من ~~أكنافه الأربعة، ورأوا ألا تكون قصة الطوفان قصة مستقلة قائمة بنفسها ~~فوصلوها بغيرها؛ ليجعلوا منها فصلا هاما في ملحمة صهيونية يهودية ~~طويلة مفادها أن الله اختبر عباده، فأبدى بنو آدم من بادئ الأمر كثيرا ~~من سوء السيرة وخبث السريرة، وما فتئت ذرية آدم تزداد على الزمن ~~ارتداغا في الأوحال وإيغالا في الآثام حتى أصبحت لا تطاق فلم يجد ~~خالق الأرض مندوحة عن إغراقها: ما عليها ومن عليها، لم يستحي من ~~بني آدم كلهم غير نوح وبني نوح وزوجاتهم؛ فجماع البشرية في الوقت ~~الحاضر هم بنو نوح كما أنهم بنو آدم. # على أن الطوفان الذي أغرق الناس لم يغرق الشيطان الذي يوسوس في صدور ~~الناس من الجنة والناس؛ ومن ثم لم يبرح الناس سادرين في مهاوي ~~الغواية لا ينبو عنهم في ذلك سوى بني إسرائيل، فاتخذهم الله شعبا ~~مختارا له، وارتضى لهم الصهيونية شعارا، وإبادة جيرانهم العرب ~~مذهبا، وواثقهم على أن يقطعهم أخصب الأودية المعروفة في ذلك ~~الزمان وسائر البقعة الوسيطة من الأرض المترامية بين النيل ~~والفرات: ~~«في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا لنسلك أعطي هذه ~~الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (تكوين 25: 18). # وقد أراد كتاب التوراة أن يسوغوا اعتداء الإسرائيليين على ~~البلاد التي يغزونها فادعوا أن أهل تلك البلاد قد منوا بلعنة من ~~البطارقة الكبار أمثال نوح وإبرام وإسحاق، وأن الله ms74 فضل بني إسرائيل ~~على كل من عداهم، وأحل لهم - من ثم - سفك دماء سائر الناس ~~واستلاب أموالهم والإجحاف بحقوقهم. ولما كلت قرائحهم البليدة عن تبيان ~~ما اختص إله اليهود به شعبه المختار من عظيم الخلال وما أتاه هذا الشعب ~~من مجيد المكرمات التي تسبغ عليهم الفضل المزعوم، لجئوا إلى ~~محاولة إسقاط مروءة الشعوب المعروفة لهم؛ فألصقوا بها وبزعمائها من ~~المخازي ما يسف بهم إلى دركات أحط من درك اليهود، وأقاموا في سفر ~~التكوين سلسلة من المصافي، تحجز كل مصفاة منها شعبا من الشعوب بعد ~~أن يحمله الأحبار المؤلفون من ضخام الأوزار ما تضيق إزاءه ثقوب ~~المصفاة عن إمراره. ~~(1) # وكان طوفان نوح هو المصفاة الأولى وقد سدت الطريق في ~~وجوه بني آدم ليقتصر المرور على بني نوح وهم طلائع بني ~~إسرائيل. ~~(2) # وقد أسهبت التوراة في وصف رحلة نوح على متن سفينته، ثم ~~افتنت في تبيان ألوان الأطعمة التي قربها نوح على مذبح ~~إلهه بعد انحسار الطوفان، ثم سكتت فلم تذكر من أمره بعد ~~ذلك سوى حادثة واحدة بادية التفاهة كانت هي المصفاة ~~الثانية التي ضاقت ثقوبها عن أن تسمح بمرور حام بن نوح، ~~فأقصته هو وابنه كنعان من زمرة الأخيار الذين بارك فيهم ~~آباؤهم، وبذلك لم يظفر بالمرور من الإخوة الثلاثة سوى سام ~~مؤسس الجنس السامي الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل. # فقد ذكرت أن نوحا أخلد إلى حياة الأسرة وعاش زوجا ~~ورب بيت يجمع حوله أولاده وحفدته. وشرع وهو في مستهل ~~القرن السابع من عمره يغرس بستانا من الكروم حتى إذا ما ~~أينع العنب عصره خمرا وشرب منها وأفرط في الشرب فغاب عن ~~وعيه وانكشفت سوأته: ~~«فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجا ... ~~فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال: ~~ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب ~~إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن ~~في مساكن سام. وليكن كنعان عبدا لهم» (تكوين 9: ~~22-27). # وإنا لا نرى في وقوع نظر ms75 حام على عورة أبيه وتحدثه ~~في ذلك إلى إخوته ما يستتبع تلك النتائج الخطيرة التي ~~ترتبت على وشاية أخويه به إذ صب أبوه الموحى إليه لعنته ~~على كنعان بن حام. ولسنا ندري لم تخطى نوح بلعنته ~~المستجابة حاما إلى كنعان ابنه، إلا أن تكون القصة كلها ~~قد وضعت لتبرير المذابح البشعة التي أحدثها الإسرائيليون ~~في فلسطين وما زالوا يحدثونها هناك ولتسويغ سفك دماء ~~العرب الكنعانيين التي ضرجوا بها ثرى تلك البلاد . # أجل، لقد استطاع كاتبو التوراة بهذه الفرية أن يضربوا ~~بحجر واحد عصفورين معا: ~~(أ) # حث اليهود على استعباد شعوب وادي النيل من ~~مصريين وسودانيين وحبش بزعم أن جدهم حاما باء ~~بلعنة من أبيه نوح. ~~(ب) # تحريضهم على اصطلام العرب أصحاب فلسطين بزعم ~~أن جدهم كنعان باء بلعنة من جده نوح، وهؤلاء ~~العرب الكنعانيون هم الذين نافحوا عن الوطن ~~الفلسطيني ما يربي على 4 قرون واستعصى على ~~اليهود تدويخهم حتى زمن الملك داود. ~~(3) # ولما استتب الأمر ~~للساميين بدت الحاجة ماسة إلى مصفاة ثالثة لتنحية لوط عن ~~منافسة عمه إبرام، فذكروا أن لوطا استطاب المقام في ربوع ~~سدوم وعمورة؛ ذلك الماخور الذي تمارس فيه متعة الجنس في ~~مختلف ألوانها، ثم انتهى به الأمر إلى أن نزا وهو مخمور ~~على ابنتيه فافترعهما في ليلتين متتاليتين، وأولد إحداهما ~~ولدا أسماه مؤاب وأولد الأخرى ولدا أسماه بن عمي، وبذلك ~~لوثوا شرف المؤابيين والعمونيين - ألد خصوم الإسرائيليين ~~وأشد محاربيهم صلابة وشجاعة - وزعموا أن مجيئهم إلى ~~العالم كان وليد عمل من أعمال العهر والفجور، فهم أولاد ~~زنية؛ وتلك أكبر مثلبة يرمى بها امرؤ في ذلك ~~العصر. ~~(4) # وهكذا خلا الجو لإبرام، أبي اليهود وأبي الأنبياء. وقد ~~رزقه إلهه ولدين فوجب أن تكون هناك مصفاة تمرر أحدهما ~~وتحول دون مرور الآخر. # وقد فصلت التوراة قصتهما فذكرت أن ساراي امرأة إبرام، ~~وكانت عجوزا عقيما، أشفقت أن يموت زوجها غير معقب وتلك ~~سبة عند العبريين، فاقترحت عليه أن يدخل بجاريتها ~~المصرية هاجر فيكون له منها ولد. وبنى إبرام بهاجر فولدت ms76 ~~له إسماعيل، ثم وفد عليه نفر من الملائكة وأصابوا عنده من ~~الطعام الذي جهزته امرأته ساراي ما طابت به أنفسهم فبشروها ~~بأنها ستحمل وتلد، وتحققت البشرى فولدت له إسحاق وهو عبري ~~خالص غير مهجن، وبذلك لم يبق من حاجة إلى الأمة وابن ~~الأمة، فطردت سارة جارتها هاجر وابنها إسماعيل وأصبح ~~إسحاق هو الذبيح الذي فداه الله بذبح عظيم. ~~(5) # ورزق إسحاق ولدين توأمين كان أولهما إبصارا للنور هو ~~عيسو وتلاه يعقوب، فوجب إقصاء أحدهما من الميدان، ومن ~~الطبيعي أن يقصي عيسو «العيص» وأن يستبقي يعقوب؛ لأن ~~يعقوب هو إسرائيل أبو بني إسرائيل رؤساء الأسباط (أي ~~القبائل) اليهودية. وقد كتب الفوز لإسرائيل على أخيه عيسو ~~بفضل مكيدة حاكتها أمه؛ إذ ألبسته ثياب أخيه في غيبته ومضت ~~به إلى أبيه الكليل الطرف وقدمت له طعاما طيبا زعمت ~~أنه من صيد ابنه عيسو، فخدع الرجل بابنه الأصغر يعقوب ~~فباركه وهو يحسب أنه الابن البكر عيسو: ~~«فشم رائحة ثيابه وباركه وقال ... ليستعبد لك شعوب وتسجد ~~لك قبائل. كن سيدا لإخوتك وليسجد لك بنو أمك. ليكن لاعنوك ~~ملعونين ومباركوك مباركين» (تكوين 27: 27-29). # ويلاحظ أن إسحاق لم يذكر في مباركته هذه اسم ابنه الذي ~~فاضت عليه بركته ولا اسم ابنه الآخر الذي حلت عليه ~~لعنته، على نحو ما فعل نوح حين قال: ~~«ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب ~~إله سام، وليكن كنعان عبدا لهم» (تكوين 9: 25-26). # فقد كان الحديث كله مفصلا على قد الغرض النهائي الذي يسعى إليه ~~أحبار اليهود وهو إصدار مرسوم (فرمان) يخول بني إسرائيل الحق في أن ~~ينهبوا العالم طرا. # وقد عاش نوح بعد الحقبة التي ذكرنا أخباره فيها 350 سنة طواه فيها ~~النسيان؛ إذ إن كتاب التوراة أغفلوا أمره فيها كما أغفلوا قبل ذلك ~~ما كان من أمر آدم وحواء بعد طردهما من الجنة فلم نعرف كيف عاشا فوق ~~ظهر الأرض ولا أين طواهما بطنها. # وإنما أغفل كتاب التوراة بقية سيرة نوح لأن الإفاضة فيها لا ينال ~~بها الغرض الوحيد ms77 الذي وضعوه نصب أعينهم وهم يحبرونها ألا وهو ~~الدعاوة للصهيونية ودعوة بني قومهم إلى الإغارة على البلاد العربية ~~المجاورة ذات الخصب والثراء، وحثهم على اجتثاث أهلها والحلول محلهم ~~في مرابعهم، واستعباد من بقي منهم في قيد الحياة واستذلالهم وممارسة ~~النخاسة فيهم. # وفي سبيل هذه الغاية لم يبال صناع التوراة أن يفسدوا قصة ~~الطوفان إفسادا شاملا، وقد أسهبوا في تفصيل ما تسرد من أحداث وتحديد ~~ما تبين من أوصاف وغلوا في تضخيم ما تشتمل عليه من إحصاء، فإذا تلك ~~الأحداث ليست مستحيلة الحدوث فحسب، بل هي كذلك تستعصي على التصور، لقد ~~خيل إليهم خبالهم أنه بما أن الله قادر على كل شيء فمن الميسور أن ~~يعزى إليه فعل أي شيء وإن تكن فيه لسنن الطبيعة مجافاة، ولأحكام ~~العقل والمنطق منافاة، ولمكارم الأخلاق مجانبة، ومن الميسور أن يزعموا ~~أن صدره قد وغر عليه من جراء مسلك أناس نكرات في ركن قرية نائية، ~~فما عتم أن غمر بالطوفان وجه البسيطة فإذا الكرة الأرضية قد استحالت ~~كرة مائية، ولم يبق ثم غير خضم لجب لا شاطئ له، تطفو فوق ~~صفحته المتلاطمة جثث الخلائق الأبرياء ومن بينها جثث الذين عاونوا ~~نوحا في بناء سفينته. # يا لهول الآلام المروعة التي عاناها أولئك المساكين وهم يشهدون ~~المياه المتفجرة من أسفل تعلو حثاثا وتبتلعهم فريقا إثر فريق، ~~فيهرولون إلى التلال ويصعدون في الجبال في عجلة محمومة علها أن ~~تعصمهم من الكارثة. وقد مد الفتيان أيدي المعونة إلى الفتيات واحتضنت ~~الأمهات أولادهن ليدرأن عنهم غائلة الردى، ولكن ما جدوى أن يرحم ~~الهالكون بعضهم بعضا وقد طردهم الرحمن الرحيم جميعا من واسع رحمته؟! ~~وما لبث المتسلقون أن تهاووا بين اللجج وما أبطأ السابحون أن ~~خذلتهم سواعدهم، فأخرست الصرخات اللاهفة، وأطبق على العالم صمت الموت ~~الرهيب ... حتى إذا ما انحسر الطوفان بعد عام وبعض عام برز سطح الأرض ~~أجرد من النبت لا يكسوه إلا جثث المغرقين. # إن اللغة التي كتبت بها هذه القصة في التوراة لا تدع مجالا ~~للشك في أنها ms78 تتحدث عن طوفان عالمي غمر الأرض من أقصاها إلى ~~أقصاها؛ فقد برح الأسى بالرب؛ لأنه برأ الجنس البشري، فحزم أمره ~~على أن يزهق نفوس الناس جميعا، ويأتي على جميع مظاهر الحياة في ~~الأرض، وأنفذ مشيئته: ~~«فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. خمس عشرة ذراعا في ~~الارتفاع تعاظمت المياه. فتغطت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدب على ~~الأرض» (تكوين 7: 19-21). # وفي هذه القصة من الشطط ما جعل بعض المبرزين من كتاب المسيحية ~~يتحرجون من إقرارها، ويلتمسون المهرب من ذلك في الزعم بأنها إنما ~~تصف طوفانا بحريا محليا اقتصر أذاه على تلك البقعة من الشرق ~~الأوسط. بيد أن سهل العراق ليس بالذي يلائم حدوث طوفان بحري يغمر ~~رقعته؛ فهو يرتفع عن سطح البحر في الشمال قرابة 180 مترا ويهبط ~~تدريجا في اتجاه الجنوب على امتداد 500 كيلومتر أو 600 كيلومتر حتى ~~يدرك البحر. # ولو أن الطوفان كان مقصورا على المنطقة الممتدة إلى جبال أراراط ~~لبرز لنا سؤال محير هو كيف يمكن أن ينتصب جدار من الماء يربي سمكه ~~على 4 كيلومترات وأن يظل سنة كاملة متماسكا دون أن ينهار فيغمر ~~الماء الأراضي المتاخمة. # لقد غالى كتاب التوراة في تضخيم طوفان نبيهم حتى أصبح يصطدم مع ~~كل معلوماتنا الحديثة ومع تذكيرنا المنطقي السديد، فإذا قرأ المرء هذه ~~القصة في صورتها اليهودية دارت بباله طائفة من الأسئلة: ~~(1) # لماذا خلق الله آدم ثم أباد بني آدم كلهم باستثناء نوح ~~وبنيه وزوجاتهم؟ لماذا لم يوفر على الناس ما جشمهم من ~~عناء وعنت، بأن خلق نوحا وزوجته بادئ بدء تاركا آدم ~~وحواء وأبناءهما طي التراب الذي جبل منه آدم؟ ما جدوى ~~تلك التجربة المخفقة التي دامت 1656 سنة وقد كان جل ~~جلاله في غنى عنها لسابق علمه بالنتيجة التي ستنتهي ~~إليها؟ ~~(2) # لماذا ندم الرب على أنه برأ الحيوان: «فقال الرب: أمحو ~~عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته. الإنسان مع بهائم ~~ودبابات وطيور السماء لأني حزنت أني عملتهم» (تكوين 6: 7)، ~~مع أن الحيوان لم يأكل من ms79 الفاكهة المحرمة ولم يطمح ~~ببصره إلى أن يطعم من شجرة الحياة؟ ~~(3) # ولماذا أقحم تلك الحيوانات الطاهرة البريئة في تلك ~~المحنة المروعة وحملها تلك الآلام الوبيلة؟ # في هذه القصة، كما هو الشأن في سائر قصص «العهد القديم» ~~يشاطر الحيوان الإنسان حظه؛ فقد حرى بنو إسرائيل على أن ~~يقتلوا كل من يلقونه - في البلاد التي يغزونها - من ~~الرجال والنساء والأطفال ومن الحيوان كذلك. # ومن المعقول أن تكون هذه هي عدالة بني إسرائيل، ولكن من ~~غير المعقول ومن غير المقبول أن تكون هي عدالة ~~الله. ~~(4) # كيف وصلت الحيوانات التي أقلتها سفينة نوح إليها ~~وأكثرها يقيم في أصقاع نازحة؛ فالكنجرو - مثلا - يعيش في ~~أستراليا دون غيرها، والحيوان الكسلان لا يعيش خارج أمريكا ~~الجنوبية، والزرافة لا تستوطن إلا أفريقيا، وقرد الأورانج ~~أوتان (إنسان الغاب) لا يسكن في غير جزيرتي بورنيو ~~وسومطرة؟ # هل طاف نوح بسفينته على القارات الست في غضون المدة ~~التي أمهله إياها يهوه لإدخال الحيوانات في السفينة وقدرها ~~أسبوع واحد، أو كانت الحيوانات هي التي قدمت بنفسها إلى ~~السفينة؟ # وكيف قفزت الحيوانات التي لا تحسن السباحة من قارة إلى ~~أخرى، وكيف كانت الحيوانات تحصل على قوتها في ~~الطريق؟ # وكم سنة أمضاها الحيوان الكسلان في مسيرة ما يربي على ~~10000 كيلومتر من أمريكا الجنوبية إلى العراق وهو لا ~~يستطيع أن يقطع أكثر من 15 مترا في اليوم؟ # وكيف تسنى لنوح أن يودع السفينة كل هذا الحشد الضخم ~~من الحيوانات في أسبوع واحد. ~~(5) # ما عدد الحيوانات التي استصحبها نوح من كل نوع حتى يحتفظ ~~بمختلف الأنواع؟ 2 أم 7 أم 14؟ # إننا نجد بادئ الرأي أمرا صريحا إلى نوح بأن يسلك ~~السفينة من كل زوجين اثنين: ~~«من كل ذي جسد اثنين. من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها ~~معك. تكون ذكرا وأنثى» (تكوين 6: 19). # ثم نجد بعد ذلك أمرا مخالفا لما تقدم يقول: «من جميع ~~البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن ~~البهائم التي ليست بطاهرة اثنين ذكرا وأنثى. ومن طيور ~~السماء أيضا سبعة سبعة ذكرا ms80 وأنثى» (تكوين 7: ~~2-3). # إذا أخذنا بالنص القائل بأن نوحا حمل معه 14 أنموذجا ~~من كل نوع من أنواع البهائم والطيور ألفينا أن ذلك يزيد في ~~عدد الحيوانات التي أقلتها السفينة بحيث يجعلها بحاجة ~~إلى سفينة مترامية الأطراف تبدو إزاءها سفينة نوح بأبعادها ~~المعروفة أشبه شيء بقوارب النجاة، وإذا قبلنا النص القائل ~~بأنه لم يأخذ معه سوى زوجين (أي اثنين) من كل نوع ارتطمنا ~~في المحظور عندما يصعد نوح محرقاته عقب انحسار ~~الطوفان: ~~«وبنى نوح مذبحا للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن ~~كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح فتنسم الرب ~~رائحة الرضا» (تكوين 8: 20-21). ~~(6) # كم يوما لبث تدفق الطوفان؟ ~~«كان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة» (تكوين ~~7: 12). # ولم تزل المياه المنهمرة تطمو حتى غمرت الأرض كلها وحجبت ~~قمة أفرست الشاهقة بجبال هيمالايا (ويبلغ ارتفاعها عن سطح ~~البحر 8840 مترا). وكانت المياه تعلو بمعدل 225 مترا في ~~اليوم؛ أي ما يذرف على 10 أمتار في الساعة. # لقد خلق الله الكون كله في 6 أيام ولكنه استنفذ في إغراق ~~الكوكب الأرضي وحده 40 يوما. # وبقيت المياه محتفظة بمنسوبها المرتفع زمنا غير ~~قليل: ~~«وبعد مائة وخمسين يوما نقصت المياه» (تكوين 8: ~~3). # وهذا يفيد أن الطوفان انتهى بعد 5 أشهر، وإنها لفترة ~~كافية لاستئصال شأفة الجنس البشري وشأفة سائر الحيوان. ~~بيد أننا نجد عند متابعتنا القراءة أن الكارثة دامت 337 ~~يوما وإن لم نتبين وجه الحكمة في إطالة هذا المشهد ~~الفاجع. ~~(7) # كيف استطاعت هذه السفينة الساذجة البناء المحدودة ~~السعة أن تضم جميع النماذج الحيوانية المتكررة مع عظم ~~عددها؟ إن ما نعرفه من أنواع الحشرات وحدها يربي على نصف ~~مليون نوع، وبين الحيوانات المنقرضة ما كان يتسم بضخامة ~~الجرم. # وعلى أي أساس انتخب نوح النموذجين أو النماذج المتعددة ~~للأنواع الحيوانية التي أقلتها سفينته؟ هل اختار أقوى ~~الحيوانات أو أجملها أو هو التقطها كيفما اتفق؟ وهل كان ~~ثم حيوانات أخرى لم يقع عليها لاختيار في تلك المباراة ~~للجمال وكمال الأجسام؟ # وهل عادت تلك الحيوانات إلى ms81 أوطانها في مختلف الأصقاع ~~القطبية والاستوائية وما بينها أو هي هلكت ~~بالطوفان؟ # وهل قدر نوح أن تكون الإناث غير حوامل حتى لا تورثه ~~دوارا وتسبب لسفينته متاعب هي في غنى عنها؟ # وكيف استطاع، ولم يكن مجهزا بمجهر، أن يميز بين ~~الذكر والأنثى من الحشرات وما في حكمها؟ ~~(8) # لئن كانت السفينة لا تتسع لمئات الألوف من الحيوانات ~~إنها لأحرى ألا تتسع لما يكفيها من طعام وشراب طوال مكثها ~~فيها، وإن الحيوان ليحتاج من العلف والماء في العام إلى ما ~~يزن أكثر من عشرة أمثاله. # وجدير بنا أن نلاحظ فوق ذلك تعدد ألوان العلوفة ~~اللازمة لمختلف الحيوانات ؛ فالعواشب تتقوت بالعشب. ~~واللواحم من السباع تفترس آكلات العشب. ومن الطيور الجارحة ~~ما يأكل البغاث وما إليه من صغار الطير، ومن الطير ما ~~يلتهم السمك والديدان والحشرات وما إلى ذلك، والحرباء تأكل ~~الذباب، وأسد النمل يزدرد النمل، والنحلة تتغذى برحيق ~~الأزهار، أما الزواحف العملاقة فقد كانت تستنفد في غذائها ~~غابات بأكملها. ~~(9) # لقد حمل نوح معه نماذج حيوانية ولكنه نسي أن يحمل معه ~~نماذج نباتية، فكيف وجدت الحيوانات بعد انحسار الطوفان ما ~~تقتاته وقد أهلك الطوفان نبات الأرض وحيوانها؟ وهل كان من ~~الممكن أن تبقى الأشجار متأصلة في مغارسها وقد أذاب الماء ~~الثرى من حول جذورها؟ وهل كان من الممكن أن تحتمل الأشجار ~~وقر كيلومترات من الماء لا يقل ضغطها عن 8000 طن على كل ~~متر مربع؟ # لسنا ندري كيف ثابت الحياة إلى عالم النبات، ولكنا نفرض ~~أن الأمر استلزم سنة حتى تنبت الأرض ما يكفي لعلف آكلات ~~العشب من حيوانات السفينة، ومعنى ذلك أنه كان على نوح أن ~~يحمل مع تلك الحيوانات ما يقوم بأودها سنتين لا سنة واحدة، ~~وهذا يعدل وزنها 20 مرة أو 30. # إنا لنرثي لنوح وأولاده وزوجاتهم فقد كان عليهم أن ~~يقوموا بأعمال سواس للدواب ومروضين للوحوش وحواة ~~للثعابين، وأن يؤلفوا بين الحيوانات المتعادية بفطرتها ~~(كالذئب والكلب). وكان عليهم أن يكسحوا أرواث الحيوانات ~~وأبوالها ويلقوا بها من النافذة الضيقة التي ليس ثم ms82 ~~غيرها في السفينة ذات الطبقات الثلاث. ولا ريب أن ~~الروائح الخبيثة كانت تنبعث بقوة في ذلك الإصطبل الطافي ~~فوق العباب فتزكم آناف نوح وعترته، ولعله كان عليهم ~~أيضا أن يقوموا بتكييف الهواء على نحو ما ليهيئوا لمختلف ~~الحيوانات ما يلائمها من الأجواء. ~~(10) # ما الذي كان من أمر ~~الحيوانات التي لا تطول آجالها أكثر من بضعة أسابيع أو ~~بضعة ايام؟ إن الذباب يعيش في طور الحشرة الكاملة أقل من ~~شهر، وتستغرق دورته الكاملة ما دون الشهرين، فهل ماتت ~~الذبابتان اللتان اصطفاهما نوح قبل أن تريا البر؟ # وهل أنتجتا قبل ~~موتهما 500 ذبابة جديدة تبيض كل مما فيها من الإناث 500 ~~بويضة تخرج منها 500 ذبابة أخرى، وهكذا دواليك فلا ينتهي ~~الطوفان بعد سنة وبضعة أيام حتى تكون السفينة قد أصبحت تعج ~~بالذباب. ~~(11) # ما الذي صار إليه أمر السمك والحيوانات البحرية التي ~~تعيش في الماء العذب الفرات وتلك التي تعيش في الماء الملح ~~الأجاج بعد أن امتزجت مياه البحار بثمانية أمثالها من ~~مياه الأمطار لكي تحجب قنن الجبال؟ أغلب الظن أن كثرة من ~~ذلك السمك قد هلكت وهلكت معها سائر الحيوانات البحرية بعد ~~أن أصبحت المياه التي تحتويها غير ملائمة لحياتها. ~~(12) # من أين انسابت كل تلك المياه التي غمرت الكوكب الأرضي ~~والتي بلغ سمكها 9 كيلومترات: ~~«انفجرت كل ينابيع الغمر وانفتحت طاقات السماء» (تكوين ~~7: 11). # ترى أين هذه الينابيع؟ # يتوهم الكاتب الموحى إليه أن في قيعان البحار ينابيع ~~في طاقتها أن تفيض بمقادير غير محدودة من الماء مدخرة ~~في مستودع مركزي بباطن الأرض. ولكن كيف تنبثق المياه من ~~الينابيع إلى الأعلى؟ إن العلم ينكر هذه الينابيع ويقول ~~بأنه إذا صح أن في باطن الأرض مستودعا مركزيا لمادة ما ~~فإنما تفعمه ... السائلة لا المياه. # ويتوهم الكاتب الموحى إليه كذلك أن ثم مقادير هائلة ~~من الماء مودعة فوق ذلك الجسم الصلب الذي يدعونه الجلد ~~يعنون به قبة السماء: ~~«وقال الله ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين ~~مياه ومياه. فعمل الله الجلد وفصل بين ms83 المياه التي تحت ~~الجلد والمياه التي فوق الجلد. وكان كذلك ودعا الله الجلد ~~سماء» (تكوين 1: 6-8). # وهذه المياه العليا هي التي تهطل عندما يمطر الناس، ~~فإذا رضي الله عن عباده الصالحين تفرج لهم عن قدر من هذه ~~المياه تروي غلتهم وتنمي غلتهم. # ولما حزم الله رأيه على إغراق الأرض فتح النوافذ التي في ~~الجلد على مصاريعها فانشعب الماء منها بقوة عارمة وارتفعت ~~مياه البحر حتى طمت على كل طود عظيم. # إننا نعلم اليوم أن الأمطار إنما يسحها السحاب، ~~وأن السحاب إن هو إلا بخار المياه المتصاعد من متون ~~البحار، فإذا ما مطرت السماء ارتدت المياه إلى البحار ثم ~~تكرر صعود البخار وهطول الأمطار دون أن يرفع ذلك من مستوى ~~سطح البحر قلامة ظفر، وهو أمر كان الشاعر العربي على بصر ~~به حيث قال: # كالبحر يمطره السحاب وما له # فضل عليه لأنه من مائه # ولكن كتاب التوراة كانوا يجهلون قوانين ~~التبخر. ~~(13) # ومهما يكن من أمر المنبع الذي مج تلك الأمطار الدافقة ~~فأين ترى تسربت تلك المقادير الهائلة من المياه عندما ~~انحسر الطوفان عن اليابسة؟ إن تصوب تلك المياه أي نزولها ~~من عل أمر يمكن للعقل تصوره وإن كان العلم ينكره، أما ~~تصعدها إلى عل فأمر يجل عن التصور. ~~(14) # وقد هامت السفينة على وجه الماء شهورا طوالا ثم غاص ~~الماء واستقرت السفينة على جبال أراراط بأرمينيا (على ~~مقربة من حيث ينبع الفرات). # ولم يتبين نوح أحسر الماء عن اليابسة أم هو ما فتئ ~~يغمرها؛ ولهذا أطلق بعض الطيور تستجلي له ذلك، بادئا ~~بالغراب النوحي: ~~«وعاد فأرسل الحمامة من الفلك فأتت إليه الحمامة عند ~~المساء وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح أن المياه ~~قد قلت عن الأرض فلبث أيضا سبعة أيام أخر وأرسل ~~الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا» (تكوين 8: ~~10-12). # وشجرة الزيتون التي أتت الحمامة نوحا بورقة منها، كيف ~~تأتى لها أن تبقى سليمة وقد ظلت أكثر من سنة تحت مياه ~~سمكها كيلومترات تضغطها ضغطا ماحقا مع ما نعرفه من ms84 ~~رقة شجر الزيتون تحمله؟ ~~(15) # كيف رجعت الحيوانات من جبال أراراط المجللة بالثلوج ~~(لأنها فوق خط الثلج الدائم إذ إنها تعلو مستوى سطح ~~البحر بأكثر من 4 كيلومترات) إلى مواطنها الأول في ~~متباين القارات؟ وكيف اهتدت إلى تلك المواطن حيث كانت ~~تعيش بنات أجناسها؟ وكم سنة استغرقتها الحيوانات الوئيدة ~~السير في مآبها آلاف الكيلومترات والباقي من عمرها لا ~~يفي بذلك؟ ~~••• # من العسير أن يجيب المرء عن أي من هذه الأسئلة بإجابة مقنعة؛ فقصة ~~الطوفان اليهودية لا تقبل دفاعا ولا يسلم بصحتها في الوقت الحاضر ~~إلا رجل يفكر في القرن العشرين بعد الميلاد تفكير الذين كانوا يعيشون ~~في القرن العشرين قبل الميلاد؛ رجل يتمتع بعقل كعقول الأطفال وتصديق ~~ساذج كتصديق العجائز. # | برج بابل # كان الناس، والبشرية في طفولتها، يشعرون بتقاصر أنفسهم بين أيدي ~~الآلهة وتحاقرها إليهم. وقد عبروا عن تلك المشاعر في مواطن شتى ~~بأساطير مختلفة تقص أنباء جبابرة عصاة طمحوا إلى مشاركة الآلهة في ~~السماء أو نفيهم منها، فابتلى الآلهة أولئك الجبابرة التاعسين ببلبلة ~~ألسنتهم عقابا لهم على ما اجترحوا من إثم، ومن ذلك ما يرويه أهل ~~المكسيك نقلا عن أسلافهم الأقدمين من أن أحد الذين نجوا من غائلة ~~الطوفان بنى هرما ليبلغ به أسباب السماء، فأوغرت جرأته صدور الآلهة، ~~فرموا البناء بشعلة من نار فأتت النار عليه وأصبحت كل أسرة من بناة ~~الهرم تنطق لسانا خاصا بها. # 1 # وليست أسطورة برج بابل التي يتناقلها اليهود في هذا المعنى بعبرية ~~الأصل، بل هي - كالكثير من أساطير التوراة - مستعارة بحذافيرها من ~~الكلدانيين؛ فقد روى الكاهن الكلداني بروزس أن الرعيل الأول ممن عمروا ~~الأرض، وقد كانوا ضخام الأجسام موثقي القوة، حقروا الآلهة واستسخروا ~~منهم وأقاموا برجا يبلغ رأسه عنان السماء، وما عتمت الرياح أن ساعفت ~~الآلهة فأطاحت بالبرج، # 2 # وأحدث الآلهة بلبلة في ألسنة الناس وكانوا قبل يتكلمون ~~لسانا واحدا. ومن المحتمل أن تكون هذه القصة مما كان الكلدانيون ~~يتذاكرونه عن معبد بلوس الشهير الذي لم يتم بناؤه وهو من روائع ~~العمارة. # يذكر ms85 الكتاب المقدس أن ذرية نوح كلها. وقد كثر عددها بعد الطوفان، ~~ارتحلت ميممة صوب المشرق إلى أن حطت رحالها في أرض شنعار؛ أي في ~~بابل، فأقاموا بها بعض الوقت ثم: ~~«قال بعضهم لبعض هلم نصنع لبنا ونشوه شيا. فكان لهم ~~اللبن مكان الحجر. وكان لهم الخمر مكان الطين» (تكوين 11: 3). # ويؤخذ من ذلك أن أولئك القوم توصلوا إلى اختراع الآجر دفعة ~~واحدة دون أن يتدرجوا في صناعة مواد البناء فيبدءوا بصنع اللبن المجفف ~~في أوار الشمس ويشيدوا به منازلهم ردحا من الدهر ثم ينتقلوا ~~خطوة تالية فيشووه في النار. # ثم تجاذبوا أطراف الحديث و: ~~«قالوا هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء ونصنع ~~لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض» (تكوين 11: 4). # فكيف جال بأذهانهم أن يقوموا بالدعاوة لأنفسهم في عالم ليس فيه ~~غيرهم، وأن يكونوا فيه معلمين؟ وكيف يحول اشتهار اسمهم وذيوع صيتهم دون ~~تشتتهم في مختلف أقطار المعمورة؟ وكيف دار في أخلادهم أن يبنوا ~~مدينة وهم لم يروا مدينة من قبل؟ إن المدن تبنى في قرون، والمثل ~~الإنجليزي يقول: إن روما لم تبن في يوم واحد. # ولسنا ندري ما الذي آلت إليه فكرة بناء المدينة؛ ولهذا نقتصر على قصة ~~البرج. # زعم حاخامو اليهود أن ذلك البرج جاوز في ارتفاعه مائة كيلومتر، ومن ~~السهل بناء القصور في الهواء، أما نحن فلا يخالجنا شك في أنه، على فرض ~~صحة القصة، كان دون مائة متر. # وقد عزا المؤرخ اليهودي يوسفس بناء البرج إلى أن «نمرود» بن كوش بن ~~حام بن نوح (تكوين 10: 8-10). # أعلن قومه بأنه سيقتص من الله إذا بدأ له أن يغرق العالم مرة ~~أخرى، وأنهى إليهم أنه سيبني برجا لا ترقى إلى ذروته المياه ييسر ~~له أن يثأر من الله لأجداده المغرقين. # ويستفاد من هذه القصة أن القوم لم يثقوا بما عاهدهم الله عليه هم ~~والبهائم حين: ~~«كلم الله نوحا وبنيه معه قائلا: وها أنا مقيم ميثاقي معكم ومع ~~نسلكم من بعدكم، ومع كل ذوات الأنفس الحية التي معكم. ms86 الطيور والبهائم ~~وكل وحوش الأرض التي معكم من جميع الخارجين من الفلك حتى كل حيوان ~~الأرض. أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضا بمياه الطوفان. ولا ~~يكون أيضا طوفان ليخرب الأرض» (تكوين 9: 8-11). # كان بناة البرج يحلمون بأن يعتلوا متن القبة الزرقاء، وكانوا ~~يخالونها جسما صلبا ألصقت بباطنه الشمس والقمر والنجوم، ويحسبونها ~~لا تعلو كثيرا على مستوى السحب. # إن الذين أوتوا حظا من العلم يضحكون من هذا الحلم؛ لأنهم يعلمون ~~أن بناء برج يصل إلى القمر، وهو أقرب الأجرام السماوية منها ~~وتعد الشقة بيننا وبينه كقفزة البرغوت بالقياس إلى ما بيننا ~~وبين الأجرام السماوية الأخرى، يقتضي أن تنبسط قاعدة هذا البرج حتى ~~تغطي وجه الكرة الأرضية كله وأن تستعمل في بنائه مواد تماثل المواد ~~التي في كتلة الكرة الأرضية خمسين ضعفا. # لقد كشف الذين دونوا هذه القصة عن جهالة عمياء، وحاشا لله جل جلاله ~~أن يكون على غرارهم في الجهالة فيذعره ما أجمع القوم عليه من غزوه في ~~علياء سمائه حتى إنه لم يلبث أن: ~~«نزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما» (تكوين ~~11: 5). # من أين نزل؟ أليس هو في كل مكان؟ وفيم نزوله؟ هل كان كليل الطرف ~~وكان يعوزه منظار مقرب فلم تتسن له الرؤية من بعد؟ # وهل اعتقد أن القوم قادرون حقا على إمضاء ما بيتوا النية ~~عليه؟ ~~«وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد. لجميعهم وهذا ابتداؤهم ~~بالفعل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعلموه. هلم ننزل ونبلبل ~~هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض» (تكوين 11: 6-8). # لقد عنى نفسه عناء ما كان أغناه عنه؛ فهل نسي قانون الجاذبية؟ هل ~~جهل مهندس الكون قواعد البناء؟ هل غاب عن وعيه أن بناء قاعدته ذات ~~سطح معين لا يمكن أن يعلو فوق ارتفاع معين؟ ألا إنه لو ترك القوم ~~يتمادون في البناء لانقلب (البناء) على رءوسهم، فما باله سبحانه قد ~~اضطرب وعظم بلباله؟ # السبب هو أن هذا الرب لم يكن إلا ms87 يهوه، إله قبيلة من الهمج لا يعلم ~~أكثر مما يعلم عابدوه. ~~••• # وقد أدلى الكتاب المقدس في ~~هذه القصة بسبب لاختلاف اللغات وتعدد اللهجات على وجه المعمورة لا يرى ~~فيه علم الموازنة بين اللغات إلا أوهاما لا تمت إلى الحقيقة بنسب؛ ~~فقد زعم: ~~(1) # أن الجنس البشري كان إلى ما بعد الطوفان بفترة من الزمن ~~وإلى قبيل مولد إبراهام ينطق كله لسانا واحدا. ~~(2) # وأن الحال كانت على أن تظل كذلك لولا تلك المحاولة لبناء ~~البرج. ~~(3) # وأن جميع لغات الأرض ولدت في بابل من اللغة الأم - وهي ~~العبرية - ولادة خارقة للعادة بمعجزة. ~~(4) # وأنه ليس بين لغات الأرض جميعا لغة تبلغ من العمر خمسة ~~آلاف سنة غير اللغة العبرية. # وليست هذه المزاعم بعجيبة من قوم يجهلون سنن التطور وينكرون نظرية ~~النشوء والارتقاء. وإنها لتجافي الحقائق العلمية المسلمة، ومنها أن ~~لغات أمريكا الأصلية، على ما بين إحداهما والأخرى من وثوق أواصر ~~القربى، مبتوتة الصلة بلغات العالم القديم، وليس ثم ما يدل على أنها ~~موروثة عن العبريين أو الفينيقيين أو الكاتيين أو غيرهم. # ليست اللغة شيئا تصنعه الآلهة وتبثه في أذهان الناس وإنما هي تنشأ ~~وترتقي تدريجا في بطء خلال أزمنة طويلة، فإن القبائل والشعوب قد ~~عضتها خطوب وحكتها محن وتجارب مختلفة، وشعرت باحتياجات متباينة، ~~واكتنفتها بيئات غير متماثلة، وعلقت بأذهانها انطباعات مما رأت وسمعت ~~وشمت وذاقت ولمست؛ ومن ثم اختلفت لغاتها وتباينت تصوراتها الدينية ~~ونظمها السياسية وعاداتها الاجتماعية. وتتركب لغات الهمج من أصوات ~~قليلة لا يستطاع التعبير بها عن شيء غير أفكار أو حالات عقلية محدودة ~~كالحب والاشتهاء والخوف والكره والازدراء، أما اللغات التي تصلح ~~للإفصاح عن أفكار مركبة فلا بد لنموها من قرون كثيرة. # وقد جاء في الإصحاح الثاني من سفر التكوين أن الله عرض جميع أنواع ~~الحيوان بين يدي آدم، وأن آدم جعل يطلق على كل منها اسما من عنده، ~~فمن أين جاء آدم بهذه الأسماء وهو ما يزال حديث العهد بالخروج من ~~التراب غرا خلوا من التجارب والانطباعات؟! # وكيف حدث أن أصبح ms88 هو وحواء والحية يتكلمون لسانا واحدا؟! لقد ~~زعموا أن آدم كان يتكلم العبرية في جنة عدن! ~~«ودعا آدم اسم امرأته حواء؛ لأنها أم كل حي» (تكوين 3: 20). # وأن حواء تكلمت بها بعد خروجها من الجنة: ~~«وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين وقالت: اقتنيت رجلا من ~~عند الرب» (تكوين 4: 1). ~~«وعرف آدم امرأته أيضا، فولدت ابنا ودعت اسمه شيثا، قائلة: لأن ~~الله قد وضع لي نسلا آخر عوضها عن هابيل» # 3 ~~(تكوين 4: 35). # وإن لامك بن متوشالح تكلم بها قبل الطوفان بستة قرون: ~~«ودعا اسمه نوحا، قائلا: هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل ~~الأرض التي لعنها الرب» (تكوين 5: 29). وكانت أسماء البطارقة العشرة ~~السابقين للطوفان كلها عبرية. # من الخطل أن يأخذ المرء بما يفهم ضمنا من الكتاب المقدس من أن ~~اللغة العبرية هي لغة العالم الأصلية؛ إذ إنها ليست سوى لهجة من ~~اللهجات السامية، شأنها في ذلك شأن اللغة العربية واللغة الآرامية. ~~وليس ثمة وشيجة قربى تربط اللغات السامية باللغات الآرية: ~~«هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم ~~حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض» (تكوين 11: 7). # ولكن كيف بلبل الله ألسنتهم وشوش لغاتهم؟ هل أفقدهم حافظتهم؟ هل ~~شل جزءا من أمخاخهم؟ هل ضرب على أعضاء النطق عندهم حتى لا تؤدي ~~النبرات والأصوات التي في اللغة القديمة؟ # ولم أفضى تبلبل ألسنتهم إلى أن: ~~«بددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض فكفوا عن بنيان المدينة»؟ ~~(تكوين 11: 8). # ولماذا لم يتلبثوا إلى أن يفهم بعضهم بعضا بوسيلة من الوسائل؟ إن ما ~~كانوا عليه من الضعف والعجز قمين أن يجعل كلا منهم يحس الحاجة إلى ~~عون أخيه، وكان الاستمرار في بناء البرج أيسر من الهجرة إلى غير ~~غاية: ~~«لذلك دعي اسمها بابل؛ لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض» (تكوين ~~11: 9). # فيا له من تخريج عجيب! # إن كلمة «بابل» لا تتصل البتة بكلمة «بلال» العبرية التي تعني شوش ~~أو خلط، # 4 # وتدل الشواهد على أن هذا الاسم أصله «باب إيل»؛ أي باب ~~الرب. # وكم من أسطورة من أساطير العبريين وغيرهم ms89 مبعثها اشتقاق لغوي ~~خاطئ. ms90