######OpenITI# #META# URI: 1390AhmadFuadAhwani.MadarisFalsafiyya.Hindawi68585916 #META# Tags: philosophy #META# ID: 68585916 #META# Title: المدارس الفلسفية #META# AuthorID: 36160360 #META# Author: أحمد فؤاد الأهواني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفلسفة والمجتمع‏ # الفيثاغورية‏ # الأكاديمية‏ # المشائية‏ # الرواق والحديقة‏ # مدرسة الإسكندرية‏ # مدرسة أفلوطين‏ # مدرسة «جنديسابور»‏ # المدارس الفلسفية الإسلامية‏ # الفلسفة والمجتمع‏ # الفيثاغورية‏ # الأكاديمية‏ # المشائية‏ # الرواق والحديقة‏ # مدرسة الإسكندرية‏ # مدرسة أفلوطين‏ # مدرسة «جنديسابور»‏ # المدارس الفلسفية الإسلامية‏ # | المدارس الفلسفية # | المدارس الفلسفية # تأليف # أحمد فؤاد الأهواني # | الفلسفة والمجتمع # الإنسان مدني بالطبع، يعيش في مجتمع يتعاون أفراده على النهوض بحاجاته المختلفة، ولا ~~بد له من توفير بعض الحاجات الضرورية، أقلها المأكل والملبس والمسكن والدفاع عن النفس من ~~المخاطر. ومنذ أزمنة موغلة في القدم، يقدرها العلماء بما لا يقل عن عشرة آلاف عام قبل ~~الميلاد، ارتقى الإنسان سلم الحضارة مع ابتكار الأدوات التي يستخدمها في الطحن، والطهو، ~~والنسج، والطعن، والنزال. وتعقدت هذه الأدوات شيئا فشيئا، حتى ابتعد الإنسان أشواطا ~~بعيدة عن حالة الفطرة، أو الحالة الحيوانية، وأصبح لا يتيسر له أن يعيش إلا إذا تعلم ~~كيف يصنع هذه الأدوات والآلات، وكيف يستخدمها ويسخرها في تحقيق مصالحه. # ثم تناقلت الأجيال اللاحقة عن السابقة ما اكتسبته البشرية في آلاف من السنين، وأصبح ~~«التعلم» و«التعليم» الوسيلة لنقل الحضارة من جيل إلى جيل. فكان «التعلم» عن طريق ~~المحاكاة سبيلا غير مقصود لهذا الانتقال. وأضحى «التعليم» مرتبة أعلى في الحضارة يدل ~~على وعي المجتمع بأهدافه وغاياته التي يتجه إليها ويسعى إلى بلوغها. # هذا التعليم المقصود الموجه إلى غاية - لا جرم - يحتاج إلى شعور بالغايات، وإلى معرفة ~~بالطرق الموصلة إلى هذه الغايات، مع تنظيم هذه الطرق واختيار أفضلها إصابة للغرض، وأكثرها ~~استقامة إلى بلوغ الهدف. ونهض جماعة من أصحاب الغيرة على مصالح قومهم، يفكرون في أقوم ~~السبل إلى التعليم، وظهر في كل أمة أفراد يعدون منها بمنزلة القادة، كانوا يسمون ~~غالبا بالكهان أو العرافين، وأحيانا بالحكماء، يرسمون لجماعتهم طريق السلامة والصلاح ~~في السياسة والأخلاق والاقتصاد والدين والفن والعلم. # وافترق الكهان أو الحكماء عن غيرهم بأمور ثلاثة؛ التميز بالمعرفة، واحتكارها، ~~وصياغتها. # فقد شعر الكاهن أن علمه بالطب لعلاج الأبدان، والسحر لتسخير القوى الطبيعية أو تجنب ~~ضررها وتخفيفها، أكسبه سلطانا على الناس جعلهم يلجئون إليه كلما ms01 حزبهم أمر، فيمنحهم ~~التمائم والتعاويذ والأعشاب التي يتداوون بها. هذا السلطان جعله يشعر بالتميز عنهم، ~~والمنزلة فيهم، وبحث عن علة هذه المنزلة، فرأى أنها ترجع إلى المعرفة؛ فأقبل عليها، ~~واستزاد منها، واحتفظ بها سرا لنفسه حتى يظل متميزا عن غيره. # ومن هنا نشأ احتكار المعرفة. # والمعرفة النظرية طريقها وعر، محفوف بالأشواك، لا بالورود والرياحين. إنه طريق يحتاج إلى ~~الدأب والمثابرة، مع إنعام النظر وإدامة التأمل واستخلاص الفكر، واستنتاج القواعد ~~العامة من المشاهدات والتجارب، ثم تطبيق القاعدة لمعرفة صحتها، وتصحيحها إذا تبين فيها ~~خطأ، مما يحتاج إلى زمن طويل قد لا يقاس بعمر الفرد، بل بعمر أجيال وأجيال. إن ما بلغته ~~البشرية اليوم من علم ومعرفة، إنما هو ثمرة الإنسانية كلها منذ انبثاق فجر الحضارة. إنه ~~تاريخ الفكر البشري، مر - ولا يزال - بمرحلتين؛ مرحلة احتكار، ومرحلة إباحة. ففي مرحلة ~~الاحتكار يحتفظ فرد، والأغلب بضعة أفراد قليلين، بأسرار المعرفة التي إما أن يكون قد ~~حصلها بنفسه، أو أخذها عن معلمه، وحفظها عنه، ليودعها تلميذا آخر، وهكذا، بحيث تتسلسل ~~المعرفة في أسرة معينة، أو جماعة معينة، جيلا بعد جيل؛ ولذلك كان هذا الضرب من ~~«التعليم» سرا من الأسرار، وكانت مدارسه سرية، وتعاليمه «مستورة» أو «باطنية». أما ~~النوع الآخر فهو التعاليم المباحة المنشورة، والتي يسمح للناس بمعرفتها. ألا ترى إلى مباحث ~~الذرة والتفجير الذري وصنع القنبلة الذرية والهيدروجينية كيف تحتفظ بها بعض الدول في العصر ~~الحاضر سرا من الأسرار؟ بل أيسر من هذا، ألا ترى كيف تحتفظ الشركات الصناعية ب «سر ~~الصنعة»؛ حتى لا يزاحمها في السوق أحد؟ فلا عجب أن تنشأ في القديم المدارس السرية وتحتكر ~~المعرفة، وما يتبعها من نفوذ وسلطان. # ولكن المعرفة تحتاج إلى تعبير، ويحتاج التعبير عنها إلى صياغتها في ثوب من اللغة ~~والعبارات؛ حتى يمكن نقلها من شخص إلى آخر. وقد بدأ التعليم شفاها، أو بالاصطلاح الفني ~~«سماعا»؛ أي ما يسمعه التلميذ عن معلمه، أو ما يسمعه الطفل من أهله فيحاكيهم. فلما ~~اهتدى الإنسان إلى تسجيل الألفاظ والعبارات بالكتابة ms02 والتدوين؛ أمكن الاحتفاظ بما اهتدى ~~إليه من معرفة، والرجوع إليه عند الحاجة، وتأمله، والنظر إليه، ومراجعته، وتصحيحه، ~~والتقدم به خطوة خطوة إلى الأمام. وأهم من ذلك كله فيما يعنينا الآن، أنه استطاع القيام ~~بتعليم هذه الألوان من المعارف بطريق منظم، وهو الطريق المعروف بالمدارس والتدريس. وأمكن ~~أيضا أن يستقل التلميذ على البعد بالاطلاع على ما جاء في هذه الكتب، وأن يأخذ عنها بغير ~~معلم سماعا، ولو أن طريق السماع أولى وآثر وأكثر فائدة. # ويتبين من هذا الاستعراض السريع للحضارة البشرية، أن قيام المدارس إنما نشأ في عصر ~~متأخر نسبيا في تاريخ هذه الحضارة، يمكن أن يحدد - على وجه التقريب - بالقرن السادس ~~قبل الميلاد من جهة الزمان، وفي بلاد اليونان من جهة المكان. وليس معنى ذلك أنه لم تنهض ~~مدارس قبل ذلك في بقاع أخرى من الدنيا المتحضرة، وبخاصة في أرض مصر التي كانت نبراسا ~~اهتدى به اليونانيون. فنحن نعرف أن قدماء المصريين باعتراف اليونانيين أنفسهم - كما سجل ~~أرسطو في أول كتاب الميتافيزيقا قائلا: إن فلاسفة الإغريق أخذوا عن المصريين علم الهندسة - ~~كانوا أصحاب حضارة عريقة تمتد أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد. وأنهم برعوا في علوم ~~الفلك والرياضيات والطب والكيمياء، إلى جانب تقدمهم في الفنون والآداب؛ كالموسيقى ~~والتصوير والنحت والبناء. ولا نزاع في أن تقدم هذه العلوم والفنون ذلك التقدم العظيم، ~~إنما اعتمد على تعليم منظم ينقله المعلم إلى تلاميذه عن قصد ووعي، غير أن ذلك التعليم ~~نشأ في أحضان الدين، وفي أبهاء المعابد، وعلى أيدي الكهنة. وقد احتفظ الكهنة بتلك المعارف ~~لأنفسهم، وجعلوها من جملة أسرارهم. بل إن بعض العلوم التي استقلت عن الدين كالهندسة ~~والبناء، ظلت محصورة في طوائف معينة يتوارثها الأبناء عن الآباء، كما كانت الحال في سائر ~~المهن والحرف والصنائع الأخرى. ولم يخرج قدماء المصريين من معارفهم إلى النور سوى المبادئ ~~الأولية الضرورية لكل صغير؛ مثل الحساب والهندسة العملية، وبقيت المعارف الراقية العالية ~~محجوبة عن الانتشار. # وقد استطاع بعض المفكرين - من قدماء الإغريق في القرن ms03 السادس قبل الميلاد - الوصول إلى ~~تلك المعارف، والاتصال بالكهنة، فأخذوا عنهم آخر ما انتهى إليه العلم المصري، ونقلوه إلى ~~بلادهم وأذاعوه، وسموا المعرفة الجديدة التي ابتدعوها «فلسفة»؛ فكانت هذه الصناعة الفكرية ~~لفظا ومعنى بضاعة إغريقية، باعتراف الغرب والشرق على السواء، ولا يزال اسم الفلسفة ~~دليلا قاطعا على هذه النسبة. أما أولئك المفكرين الذين وفدوا إلى أرض مصر ينهلون من ~~مائها شرابا يروي الأبدان، ومن معارفها أنوارا تضيء النفوس والأرواح، وتغذو الأذهان ~~والعقول، فإنهم عدد كبير سجل لنا التاريخ بعض أسمائهم، يكفي أن نذكر منهم طاليس، ~~وفيثاغورس، وأفلاطون. وقد أنشأ كل منهم بعد عودته من رحلته مدرسة فلسفية، تختلف كل ~~منها عن الأخرى شكلا وموضوعا ومكانا، ولكل منها أثر بالغ في تاريخ الفكر من جهة، وفي ~~التأثير على المجتمع من جهة أخرى. # فقد يبدو لكثير من الناس في الوقت الحاضر أن الفلسفة، هذه الصناعة الجديدة التي ظهرت ~~مباينة للدين والعلم على السواء، مهمة بعيدة كل البعد عن الحياة الاجتماعية، وأن المشتغلين ~~بها قوم انعزلوا بأنفسهم مع أفكارهم وأوهامهم وأحلامهم، ثم طلعوا على الناس بهذه الأفكار ~~الغريبة غير المألوفة. وهذا باطل، ووهم شائع انتشر عند الجمهور في العصور المتأخرة التي ~~تدهورت فيها حال الفلسفة، وأمست بعيدة عن الحياة، منعزلة عن مطالب المجتمع. ~~••• # فإذا رجعنا إلى الماضي البعيد في القرن السادس قبل الميلاد، وهو وقت ظهور الفلسفة، رأينا ~~أن طاليس كان متصلا اتصالا وثيقا بحاجات المجتمع في عصره، وأن فلسفته قامت لخدمة مصالح ~~قومه. نشأ في مدينة ملطية أحد ثغور آسيا الصغرى، وهو أحد الحكماء السبعة، وكان يؤخذ رأيه ~~في سياسة المدينة. وقد خدمت اختراعاته الفلكية الملاحين، ويقال إنه وضع تقويما فلكيا ~~يعد أقدم ما عرف من نوعه، بين فيه أوجه القمر، وحركة الاعتدالين، والتنبؤ بحالة ~~الطقس. ولما كان معظم أهل ملطية من البحارة والتجار الذين يخرجون إلى البحر في سفنهم، ~~يطوفون بثغور البحر الأبيض للتجارة؛ فإن مثل ذلك التقويم - لا جرم - يخدم المجتمع الذي نشأ ~~فيه خدمة جليلة. ثم إن طاليس لم ms04 يكن بعيدا عن المشاركة في السياسة؛ فهو الذي نصح المدن ~~الأيونية بالاتحاد للوقوف في وجه خطر الفرس. وهكذا كانت الفلسفة في خدمة المجتمع سياسيا ~~واقتصاديا، وكان الفلاسفة على صلة وثيقة بحاجات المجتمع الذي يعيشون فيه. # وكذلك كان حال فيثاغورس الذي ازدهر بعد نصف قرن من طاليس، والذي هجر موطنه الأصلي في ~~ساموس فرارا من حكم طاغيتها بوليقراطس، وزار مدن الشرق، واستقر في مصر زمنا طويلا، ~~ينهل من معارفها، ويدرس فيها الفلك والهندسة والعقائد، وأخيرا استقر في مدينة كروتون ~~بجنوب إيطاليا، حيث أسس مدرسته المشهورة التي سنفرد لها حديثا خاصا فيما بعد. شارك في ~~السياسة التي جرفته تياراتها، وجنت على فرقته، وقضت على عدد كبير منهم. ولكن اتجاه فيثاغورس ~~ومدرسته كان إلى الدين والأخلاق أكثر منه اتجاها سياسيا، فكانت مشاركته للمجتمع وسعيه ~~إلى التقدم به عن ذلك الطريق الديني الأخلاقي. أما طاليس ومدرسته، فكانت عنايته بالعلم ~~والنظر في الطبيعة، وأثمرت مباحثه العلمية في ترقية المجتمع من هذا السبيل. وهكذا نرى أن ~~الفلسفة اتجهت منذ القديم وجهتين رئيستين، كل منهما تحاول التقدم بالبشرية؛ إحداهما ~~علمية تجريبية، والأخرى أخلاقية، والتقت الوجهتان في بعض الأحيان عند بعض الفلاسفة، وبخاصة ~~الشوامخ منهم. ويؤيد تاريخ المدارس الفلسفية ما نذهب إليه مما سيتبين عند الحديث عن ~~هذه المدارس. ولكنها على اختلافها وتعددها، إنما كانت تعكس حاجات المجتمع، وتعد مرآة ~~تصور ما يقوم عليه المجتمع من نظم وقوانين وشرائع، وما يسوده من آداب وفنون وعلوم، بحيث ~~يتسنى للمواطن أن يفهم طبيعة الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه، ويترتب على هذا الفهم ~~التمكن من الاندراج في عجلة هذه الحياة، مسهما في تسييرها لا في تعطيلها. # ولكن المدارس الفلسفية لم تقف عند تحليل النظم الاجتماعية، ومحاولة فهمها، إلا لكي ~~تعمل على رسم خطوط جديدة لمجتمع أفضل؛ بابتداع أنظمة جديدة تعمل على تطوير المجتمع ~~وترقيته. ولو أنها قنعت بمرحلة الفهم والتسجيل، ما كانت مدارس فلسفية جديرة بأن تحمل ~~هذا الاسم، وفي المدارس العادية كفاية في القيام بهذه المهمة. أما المدارس الفلسفية ms05 ~~فلأنها بحكم وظيفتها من الهداية والإرشاد، فهي تقوم بدور القيادة الفكرية التي تأخذ بيد ~~الأمة إلى الأمام. # وليس معنى ذلك أن كل المدارس الفلسفية كانت مجددة في الفكر، يتعمق أصحابها في البحث، ~~ويشاركون في الإحساس بمطالب المجتمع، ويعملون على رفاهته وتنميته؛ إذ تصاب المدارس بما ~~يصيب كل كائن حي من شيخوخة، وما يصحبها من جمود وتهدم واندفاع نحو الفناء. وقد نشأت ~~مدارس ثم ماتت، وبقى بعضها واستمر يعيش على «تعليم» كتب القدماء وشرحها أو ~~تلخيصها. ~~••• # مر بنا أن المدارس الفلسفية لم تنشأ إلا في بلاد اليونان في القرن السادس قبل ~~الميلاد، وكان بعضها يتخذ ل «التعليم» مقرا ثابتا، وينزل في دار محددة، على حين لا ~~يتقيد بعضها الآخر بمقر ثابت أو دار معروفة، وإنما يأخذ التلميذ عن أستاذه مباشرة ثمرة ~~لزومه وصحبته. وهذا النوع الأخير كان يقتصر في الأغلب على تلميذ واحد، مثل طاليس وتلميذه ~~أنكسمندريس، ثم أنكسمانس تلميذ أنكسمندريس، ويعرف هؤلاء بالمدرسة الأيونية نسبة إلى ~~أيونية، أو الملطية نسبة إلى مدينة ملطية، أو الطبيعية؛ لأنها اتجهت في بحثها إلى الطبيعة. ~~وليست هذه التلمذة تلمذة تلقين بل تلمذة صحبة، كما نقول إن الشيخ محمد عبده تلميذ جمال ~~الدين الأفغاني، نعني أنه صحبه، وأصبح صاحبه، وأعجب بتعاليمه، وصادفت هوى في نفسه، فأخذها ~~عنه وأذاعها، وقد يتطور بها ويحورها. وكانت هذه التلمذة - التي هي ثمرة الصحبة - ~~شائعة في بلاد اليونان، فكان زينون تلميذ بارمنيدس وصاحبه، كما كان أفلاطون تلميذ ~~سقراط. # ومن الواضح أن هذه المدارس التي لم تتقيد بمكان، ولا ب «تعليم» منظم وبرنامج محدد، ~~كانت موقوتة بزمان أصحابها، على حين أن المدارس التي اتخذت دورا ل «التعليم» مثل ~~الأكاديمية أو اللوقيون استمرت زمانا طويلا، وتتابع عليها التلاميذ، واستمرت تؤثر ~~في تيار الفكر المحلي والعالمي على السواء. وما بالك بمدرسة تستمر قائمة تسعة قرون من ~~الزمان، نعني المدرستين اليونانيتين الكبيرتين الأكاديمية والمشائية. ~~••• # ومن الطبيعي - والمدارس الفلسفية بهذه الوفرة - ألا يتسع لذكرها كلها هذا الكتاب ~~الصغير، وفضلا عن ذلك، فإن الإحاطة الشاملة تخرج ms06 عما قصدنا إليه، وتجعل البحث تاريخا ~~للفلسفة، وتأريخا للفكر. حقا لا يمكن لمن يرغب في الحديث عن المدارس - من حيث بناؤها ~~وفصولها والنظام الذي تجري عليه في حياتها التعليمية - إلا أن يتعرض للمذهب الفلسفي ~~الذي تنادي به هذه المدرسة أو تلك، غير أن التوسع في ذكر المذهب يبعد بنا عن ~~القصد. # لهذا كله، لن يتسع المقام إلا للحديث عن بعض المدارس، وبخاصة الكبرى منها، وما كان ذا ~~صلة وثيقة بالحضارة العربية، مع العناية بذكر المدارس الفلسفية العربية التي تعد جزءا ~~من تراثنا. # | الفيثاغورية # أعجب مدرسة فلسفية هي المدرسة التي أنشأها فيثاغورس في مدينة كروتون بجنوب إيطاليا في ~~القرن السادس قبل الميلاد؛ فهي عجيبة في تكوينها، وعجيبة في تعاليمها، وعجيبة في ~~أثرها. # وأول مظاهر العجب أنها تسمى الفيثاغورية، ولا ~~يقال مدرسة فيثاغورس. والفرق بين التسميتين كبير؛ لأن مدرسة فيثاغورس تنسب إلى شخص ~~صاحبها، وتنقضي بوفاته، أما الفيثاغورية، فإنها على الرغم من انتسابها إلى فيثاغورس، ~~إلا أنها تتجاوز شخصه إلى جماعة الفيثاغوريين؛ فالمدرسة في حقيقة أمرها تخضع لهيئة من ~~القادة على رأسهم فيثاغورس، وهذا هو السر في أن المدرسة لم تنقرض بموت رئيسها. وأيضا فإن ~~فيثاغورس نفسه تلفه غلالات من الغموض والأساطير، مما جعل كثيرا من المؤرخين يشكون ~~في وجوده. # ولسنا نغالي غلو هؤلاء المؤرخين، فلا بد أن فيثاغورس كان شخصية حقيقية، على الرغم من ~~نسيج الخرافات الذي تراكم حول سيرته. وقد كان القرن السادس كله عصر هزات واضطرابات ~~وانقلابات فكرية في شتى أنحاء العالم المعروف. إنه عصر كونفوشيوس وبوذا وزرادشت. وهو ~~العصر الذي ظهرت فيه الفلسفة اليونانية على يد حكماء اليونان. وأدت يقظة الشرق الشديدة ~~إلى الضغط على آسيا الصغرى، وعلى مصر التي احتلها قمبيز فترة قصيرة من الزمن. أما ~~بلاد اليونان، فقد انتقل مفكروها من آسيا الصغرى إلى جنوب إيطاليا، ومنهم فيثاغورس. وكان ~~الإغريق يعدون كل بلد ينزلون فيه جزءا من وطنهم؛ فالمدن التي أنشئت في جنوب إيطاليا، ~~وصقلية، وشمال أفريقيا، ومصر، كلها مدن إغريقية، يتكلم أهلها اللغة اليونانية ، ويسيرون ms07 في ~~الحكم على النظام اليوناني، فضلا عن اصطناع الشعر والتمثيل والأدب المأثور عن ~~اليونانيين. فلا غرابة أن تنشأ مدارس في معظم تلك المدن على نسق ما كان معروفا في الوطن ~~الأم. # ولكن مدرسة فيثاغورس كانت بعيدة عن الروح الإغريقية الأصيلة، غريبة عن تراث آلهة ~~أوليمبوس. وما أثر عن أربابها من حكمة ترجع إلى العقل، وغريبة عن ديونيسوس إله الخمر، وما ~~عرف عنه من اندفاع مع الهوى والعاطفة والخيال. فقد جلب فيثاغورس تعاليمه من الشرق الذي طاف ~~بأرجائه، ففيه ديانة جديدة جاءت من طراقيا مع الإله أورفيوس، وفيه نزعة إلى الزهد لا تتفق ~~مع النزعة الديونيسية بوجه خاص. # ويحيط الغموض بشخصية أورفيوس، فهو إله، أو نبي، أو شاعر، أو موسيقار يفتن بموسيقاه ~~الكائنات من شتى الأصناف. وللنحلة الأورفية رأي في أصل العالم وحقيقة الإنسان؛ ففي ~~البدء كان الزمان، ونشأ عن الزمان الأثير والعماء، وشكل الزمان بيضة في الأثير تفتحت ~~فخرج منها النور، وانفلقت نصفين أصبح أحدهما السماء والآخر الأرض. وتزوجت جايا (الأرض) ~~أورانوس (السماء)؛ فأنجبا ثلاث بنات وستة بنين. ولكن أورانوس ألقى بالأبناء في نهر تارتاروس ~~حين علم بأن أبناءه سيقضون عليه. وغضبت جايا، فأنجبت التيتان وهم مردة جبابرة، وكرونوس، ~~وريا، وأقيانوس، وتيش. # وتمضي الأسطورة فتصور لنا كيف ولد ديونيسوس من زيوس، ثم خطف التيتان الطفل وأكلوه، ~~وكيف أعاد زيوس ديونيسوس إلى الحياة مرة ثانية، وكيف سلط على التيتان البرق والرعد ~~فأحرقهم وجمع رمادهم، وخلق منهم الإنسان، فأصبح بذلك مركبا من طبيعتين؛ طبيعة التيتان ~~وهي طبيعة الشر والإثم، وطبيعة ديونيسوس وهي طبيعة إلهية سامية. # واصطنعت الفيثاغورية النحلة الأورفية، وبخاصة نظريتها في النفس ونزعتها السرية. # وحين افتتح فيثاغورس مدرسته، اجتذبت عددا كبيرا من الأتباع، قيل إن عددهم بلغ ما يقرب ~~من عشرة آلاف، وهو عدد ليس ثمرة الإحصاء، ولكنه ظن وتخمين؛ لأن العدد المثالي للمدينة ~~الإغريقية كان ذلك العدد. ومع ذلك فليس من المستغرب أن تبلغ المدرسة هذا العدد؛ لأنها كانت ~~تشمل الرجال والنساء على السواء. نقول مدرسة تجوزا؛ لأنها كانت أشبه ms08 بفرقة دينية، ونظام ~~من الإخوة، قريب من الفرق الصوفية التي انتشرت في الإسلام. # والمدرسة إلى ذلك كانت ذات وجهين؛ أحدهما رياضي، والآخر أخلاقي وديني. أما الجانب ~~الرياضي، فلم يكن يصلح لهذا العدد الكبير من الطلبة بطبيعة الحال، بل كان مقصورا على قلة ~~قليلة من الخاصة. ومعنى ذلك أن المدرسة - ولو أنها كانت كلها سرية ~~- إلا أنها كانت تقدم دروسا للخاصة في العلوم ~~الرياضية، وأخرى للجمهور في الدين والأخلاق. وقد بقي هذا التقليد سائدا في كثير من المدارس ~~الفلسفية، وسنجده عند أرسطو الذي كان يلقي دروسا للخاصة في الصباح، وأخرى للجمهور في ~~المساء. وهذه التعاليم الخاصة هي التي كانت تحجب عن الجمهور، وتسمى بالتعاليم المستورة، ~~ويسميها الغزالي: المضنون به على غير أهله. # ومن الطبيعي أن تكون الرياضيات التي علمتها الفيثاغورية في القرن السادس قبل الميلاد ~~ساذجة بدائية، تمثل أول درجة من درجات هذا «العلم». نقول «العلم» ونعني بذلك الفرق بينه ~~وبين المعرفة العملية التجريبية؛ لأن الإنسانية لم تبلغ المرحلة العلمية بمعنى الكلمة إلا ~~بعد أن مرت مئات - بل آلاف - من السنين، تقتصر على المعرفة التجريبية القائمة على الحس. ~~والرياضة من حساب وهندسة كانت أول العلوم التي اهتدى الإنسان إليها، وذلك على يد فيثاغورس ~~وشيعته. ولم يكن الحساب قد انفصل عن الهندسة؛ لأن الحساب - وهو علم العدد - كان يصور على ~~هيئة أشكال هندسية. فقد كان علماء ذلك الزمان يستخدمون «لوح المعداد»، وهو لوح يملأ بالرمل ~~ويخط عليه الأشكال المطلوبة. وبالنسبة للحساب يستخدم الحصى أو البلي، ويوضع وضعا ~~هندسيا، أي أن حصاة واحدة تدل على نقطة، واثنتان موضوعتان جنبا إلى جنب هما الخط، ~~وثلاث حصوات مثلث، وأربع مربع، وهكذا؛ ومن هنا قالوا بالأعداد المثلثة والأعداد ~~المربعة. # وقد وجدوا في الأعداد خصائص عجيبة عند جمعها وطرحها وضربها، وغير ذلك من العمليات. مثال ~~ذلك أن مجموع مربعي العددين المتواليين 3، 4 يساوي مربع العدد التالي لهما وهو 5؛ أي ~~9 + 16 = 25، وهذه الخاصية العددية هي التي طبقت في الهندسة في نظرية فيثاغورس المشهورة، ~~القائلة بأن مجموع مربعي ms09 ضلعي المثلث قائم الزاوية يساوي مربع الوتر، فإذا فرضنا أن ~~طول أحد الضلعين ثلاثة والآخر أربعة، كان طول الوتر خمسة. وليس المهم الكشف عن صحة هذه ~~النظرية، أو المسألة الهندسية بطريقة عملية، وإنما المهم «إثبات» صحتها ب «البرهان» ~~الرياضي، أي نظريا لا عمليا. وكان فيثاغورس يعلي من شأن «النظر» على العمل، وهو صاحب ~~قسمة الناس هذه القسمة المشهورة إلى نظار وجمهور، فالجمهور هم جملة الناس وجمهرتهم ~~المشتغلون بأمور الدنيا والمعاش، من زراعة وتجارة ومهن أخرى، يزاولونها بأيديهم، أما ~~«النظار» فإنهم لا يشاركون في هذه الأعمال، ولكن «ينظرون»؛ أي يتفرجون من بعيد على الذين ~~يعملون. وقد استمر هذا التقليد الذي يفصل بين النظر والعمل من جهة، ويعلي من شأن النظر ~~على العمل من جهة أخرى، في الفلسفة اليونانية كلها؛ أخذ به أفلاطون ثم أرسطو، وانتقل هذا ~~التراث إلى العرب عند نقل الفلسفة اليونانية، وأخذت به أوروبا بعد عصر النهضة والعصر ~~الحديث، ولم يبدأ يتغير هذا المبدأ الفيثاغوري إلا في هذا القرن العشرين. # ويرجع بنا الحديث إلى الرياضيات فنقول: إن ما يخيل إلينا اليوم من مسائل حسابية ~~وهندسية في غاية البساطة، ومما يدرسه الصبيان في سن متقدمة بالمدارس، كان في ذلك العهد ~~في غاية الصعوبة، ولا يقوى على فهمه وإدراكه إلا قلة قليلة جدا هم الفلاسفة. ونحن لا ~~نعرف كم كان عدد هذه الحلقة من الخاصة الملتفين بفيثاغورس؛ لطبيعة السرية التي ضربت حول ~~التعاليم الرياضية، إلى درجة أن أي واحد يفشي هذه التعاليم كان يعاقب بالطرد. # واختلفت الآراء في أمر ذلك الذي أفشى هذه التعاليم الرياضية، فقيل إنه «فيلولاوس» وكان ~~فيثاغوريا، كتب كتابا من ثلاثة أجزاء اشتراه ديون حاكم سراقوسة بصقلية حسب طلب أفلاطون؛ ~~فتيسر بذلك أن يطلع أفلاطون على آراء فيثاغورس الرياضية. ولكن هذه الرواية ينقضها ما ~~كان يعرفه سقراط من أتباع الفيثاغوريين، وبخاصة أن أفلاطون نفسه كان يعرف صلة سقراط بهؤلاء ~~الأتباع، مما نجده مدونا في أول محاورة «فيدون». والأرجح أن الذي أفشى تعاليمهم هو ~~«هيباسوس» الذي دون هذه التعاليم ms10 في كتاب ، وكان ذلك في حياة فيثاغورس نفسه، وعوقب لهذا ~~السبب بالطرد من الفرقة الفيثاغورية. # ولم تكن الفيثاغورية مدرسة بمقدار ما كانت فرقة تقوم على نظام من الأخوة، وكأنها ~~دير أو معبد. وكان جميع أفرادها يعيشون معيشة زهد وبساطة، ويلبسون زيا موحدا وهو ~~البياض، ولا ينتعلون، بل يمشون حفاة الأقدام. وقد سبقت الإشارة إلى أن سقراط كان من جملة ~~أتباعهم، فلا غرابة أن يسلك مسلكهم، فكان يمشي حافي القدمين. # والفيثاغورية أول مدرسة فتحت أبوابها لتعليم المرأة، وبذلك قررت الفيثاغورية مبدأ ~~مساواة المرأة بالرجل، قبل أن يقرره أفلاطون في جمهوريته بقرنين من الزمان. ومن الغريب ~~أن أفلاطون، على الرغم من المناداة بالمساواة بين الرجل والمرأة، لم يؤثر عنه أنه فتح ~~أبواب الأكاديمية لأي امرأة. وعلى العكس كانت هناك مدارس فلسفية في اليونان ضمت نساء إلى ~~جانب الرجال، مثل مدرسة إبيقور. # إن تحرير المرأة مرتبط ارتباطا وثيقا بتعليمها، ولم تستطع المرأة أن تظفر بالتعليم ~~العالي إلا منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل هذا القرن فقط. أما قديما، فلم تظهر ~~إلا محاولات كانت أشبه بومضات لا تكاد تبرق حتى تختفي، ولم يقدر لها الاستمرار؛ ولهذا ~~لم يذكر التاريخ امرأة كانت صاحبة مذهب فلسفي، أو عالمة بالرياضيات أو الطبيعيات، ويبدو ~~أن رأي سقراط في المرأة من جهة تعلمها الفلسفة كان سيئا؛ فقد ذهبت زوجته بصحبة أبنائهما ~~إلى السجن تزوره قبل إعدامه، ولم تكد تراه حتى أخذت تولول وتصيح، فقال لرفقائه: أخرجوا هذه ~~المرأة. ونحن نجد هذا الحديث مسجلا في أول محاورة «فيدون». # وقد اشتهرت المرأة الفيثاغورية بالعفة والفضيلة، وأنها أفضل نساء الإغريق؛ والعلة في ذلك ~~أنها تعلم الأدب وبعض مبادئ الفلسفة، كما كانت تعلم تدبير المنزل والأمومة. إن اشتراك ~~المرأة مع الرجل على هذا النطاق الواسع جعل المدرسة الفيثاغورية شيئا أشبه بمجتمع مثالي ~~أو مدينة فاضلة. وكانت المدن الفاضلة الشغل الشاغل لفلاسفة اليونان، حتى ليمكن القول إن هدف ~~الفلسفة صياغة المجتمعات المثالية أو المدن الفاضلة، كما هي الحال في جمهورية أفلاطون. ولكن ~~معظم المدن ms11 الفاضلة كانت من قبيل «الطوبيات» تصورها أصحابها في الخيال، ولم تطبق ~~عمليا بالفعل، فيما عدا بعض المدن الفاضلة القليلة، ومنها مدرسة فيثاغورس. # وإذا كانت الفيثاغورية قد قبلت هذا العدد الكبير من الأتباع والمريدين، فإن التعاليم التي ~~كانت تقدم لهم هي تلك الخاصة بالدين والأخلاق لا بالعلوم الرياضية. وقد عرفنا أن ~~النحلة التي آمنوا بها هي الأورفية. والأولى أن الفيثاغورية لم تتعصب لديانة بعينها، ~~بل أخذت من كل ديانة بطرف، وبذلك عمل فيثاغورس على التوفيق بين الأديان المختلفة؛ فأخذ من ~~طقوس بابل ومصر وتراقيا وعقائد اليونانيين إلى جانب الأورفية. وقد ظلت هذه النزعة ~~التوفيقية مصاحبة للفيثاغورية على مدى حياتها. وعندما ظهرت الفيثاغورية الجديدة ~~بالإسكندرية في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد، امتازت بهذه النزعة التوفيقية، وبخاصة ~~بعد ظهور المسيحية، حتى إذا انتقلت الفيثاغورية إلى العرب في القرن الرابع الهجري (العاشر ~~الميلادي)، لازمتها هذه السمة مما نجده واضحا في رسائل «إخوان الصفا وخلان الوفا»؛ فإن ~~أصحابها كتموا أسماءهم، وزعموا أن تعاليمهم سرية، وبدءوا رسائلهم بعلم العدد، كما دعوا ~~إلى الزهد وتطهير النفس. # إن بلوغ السعادة القصوى لا يتم إلا بتطهير النفس، ويقوم هذا التطهير على عدة مبادئ ~~ومعتقدات، على رأسها الاعتقاد في انفصال النفس عن الجسد، وسمو النفس وتعاليها على البدن، ~~وبقائها بعد فنائه، ثم الاعتقاد بتناسخ الأنفس، ثم اتباع طريق الزهد والرياضة لتصفية النفس ~~وتطهيرها. # سادت فكرة التناسخ عند الفيثاغوريين بعد انتقالها إليهم من فلسفات الهند ومن الأورفية. ~~وكان فيثاغورس - فيما يروى - مؤمنا أشد الإيمان بهذه العقيدة، ويقال إنه رأى شخصا يضرب ~~كلبا يعوي، فأوقفه عن ضربه؛ لأنه عرف من صوت الكلب أنه أحد أصدقائه الذين ماتوا وتناسخت ~~روحه في هذا الكلب. وتبعا لهذه العقيدة، فإن صاحب الأعمال الصالحة في حياته الدنيا تحل ~~نفسه عند الموت في جسد شخص صالح، وأن صاحب الأعمال الطالحة تحل نفسه في جسد حيوان؛ وهذه هي ~~السعادة والشقاوة في نظرهم. # كانت هذه الآراء شائعة في مدرسة فيثاغورس، وكشف أفلاطون عنها في محاورة «فيدون» التي ~~يتحدث فيها عن ms12 خلود النفس . وكان سقراط يدين بالفيثاغورية، ولكنه أخذ يفكر في مبلغ ما ~~في هذه الآراء من صواب، فقبل بعضها ورفض بعضها الآخر؛ قبل رأيهم - أو رأي النحلة ~~الأورفية - في أن البدن سجن للنفس، ولكن ليس على المرء أن يفر من هذا السجن بالانتحار؛ ~~لأننا أشبه بالقطيع الذي يملكه الراعي، ولا تملك الخروج على أمره. ولا بد للمرء أن يمضي ~~فترة العقوبة مسجونا في هذا البدن. غير أن سقراط رفض فكرة التناسخ، على الرغم من قبوله ~~فكرة التطهير. # إن فكرة «التطهير» التي بدأت منذ فيثاغورس ومدرسته في القرن السادس قبل الميلاد، تقلبت ~~في أدوار مختلفة، واتخذت أشكالا متباينة عند سقراط وأفلاطون وأرسطو في الزمن القديم، حتى ~~إذا بلغنا العصر الحاضر، رأينا مدرسة التحليل النفساني - ونعني بها مدرسة فرويد - تعتمد في ~~العلاج على فكرة «التطهير» # Catharsis ~~. والهدف من «التطهير» ~~الفيثاغوري هو التخلص من «عجلة الميلاد»، أي التخلص من التناسخ في بدن حيوان، وبذلك يظل ~~المرء يشقى طول مدة التناسخ، ويخرج من شقاء إلى شقاء. ولم يكتف فيثاغورس لتحقيق التطهير ~~باتباع قواعد معينة في الطعام، والقيام بعبادات منظمة معينة على أيدي الكهنة، ولكنه ~~أضاف إلى الزهد والعبادة شيئا جديدا هو ممارسة العلم الرياضي والموسيقى لتصفية النفس، كما ~~يستخدم الدواء لتصفية الجسم. ومن المعروف أن فيثاغورس رفع الموسيقى من المرتبة العملية، ~~فأصبحت علما نظريا، فأضحت علم التناسب، وأقامها على سلم يتميز بطول النغمات ~~عدديا؛ وبذلك ارتفع فيثاغورس ب «التطهير» من مجرد نزعة عملية إلى مرتبة نظرية. وقد اتبع ~~سقراط وأفلاطون هذه الطريقة في «التطهير»، فكانا يجمعان بين الزهد والسيرة الفاضلة، وبين ~~اكتساب العلوم الرياضية وبخاصة الهندسة. وكان أفلاطون يكتب على باب مدرسته: «من لم يكن ~~مهندسا فلا يدخل علينا.» واستفاد أرسطو من طريقة التطهير في الفن؛ فالتراجيديا بما فيها من ~~مواقف تبعث على الخوف والرعب والشفقة وغير ذلك، تجعل المتفرج يتقمص هذه المواقف وينفعل ~~بهذه الانفعالات، فتخرج من باطن نفسه، ويتطهر منها، وروي أن بعض المرضى العصبيين كانوا ~~يعالجون في القرن الرابع قبل الميلاد ms13 بالطريقة الفيثاغورية، وبخاصة بواسطة ~~الموسيقى. # والمدرسة الفيثاغورية عظيمة الأثر في تاريخ الفكر الفلسفي؛ ذلك أن التفسير الرياضي للكون ~~كان سائدا حتى زمان أفلاطون، الذي اشترط أن يتعلم الطالب الهندسة قبل أن يتعلم ~~الفلسفة؛ والعلة في ذلك أن الرياضيات علوم يقينية، مضبوطة، مستمدة من العقل ذاته لا من ~~الخارج، وأساسها البديهيات الفطرية في العقل، والتي لا تحتاج إلى برهان، وإنما يكفي مجرد ~~تصورها للاعتقاد فيها؛ مثال ذلك بديهية المساواة وبديهية الكبر والصغر؛ أي إن الأشياء ~~المساوية لشيء واحد متساوية، وإن الكل أعظم من الجزء. وقد بين أفلاطون في محاوراته أن ~~الخادم الذي لم يتلق أي «تعليم»، يستطيع أن يدرك هذه الحقائق البديهية من ذاته، مما ~~يدل على أنها مفطورة في العقل. وقد استمر هذا التيار الذي يعتقد في فطرية البديهيات ~~الرياضية، منذ زمان أفلاطون حتى ديكارت وكانط ورسل في الوقت الحاضر. # ولكن في نفس الوقت الذي ظهر فيه هذا التيار الرياضي عند فيثاغورس، ظهر أيضا تيار آخر ~~يفسر العالم تفسيرا طبيعيا؛ إما بمادة واحدة، كما كانت الحال عند طاليس، أو ~~أنكسيمندريس، أو أنكسمانس. وقد انتهى الأمر بهذا التيار الطبيعي عند أرسطو إلى تفسير ~~الموجودات بأنها مركبة من هيولى وصورة، إلى جانب رد العناصر إلى أربعة أساسية؛ هي النار ~~والهواء والماء والأرض. وقد سيطر التفسير الأرسطوطاليسي على العالم حوالي عشرين قرنا من ~~الزمان، إلى أن عاد العالم مرة أخرى إلى التفسير الرياضي للموجودات، لا على نحو ما كانت ~~تفسر قديما، بل بمعادلات رياضية. # إن الذي وجه الدراسات هذا التوجيه الرياضي هو فيثاغورس، ولذلك لم يكن من الغريب أن يقول ~~برتراند رسل في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية»: «إني لا أرى شخصا غير فيثاغورس كان له ~~أثر يماثله في عالم الفكر؛ لأن ما يبدو لنا أفلاطونيا، نجده في جوهره عند التحليل ~~فيثاغوريا.» # | الأكاديمية # أشهر مدرسة فلسفية في التاريخ القديم، وأطولها عمرا؛ فقد أنشئت في أثينا زمان أفلاطون ~~في القرن الرابع قبل الميلاد، وظلت تقوم بتدريس الفلسفة حتى النصف الأول من القرن السادس ~~بعد الميلاد، ms14 عندما أغلق الإمبراطور جستنيان أبوابها، ومع ذلك لم تمت بإغلاقها، بل استمرت ~~تعيش بعد أن هاجر فلاسفتها أثينا، وذهبوا إلى فارس، حيث رحب بهم كسرى أنوشروان، وأنزلهم ~~في مدينة جنديسابور. # ولا تزال الأكاديمية حية باسمها في جميع اللغات؛ فالأكاديمية عنوان على نوع خاص من ~~معاهد البحث العلمي، وهي تطلق في الأغلب على العلوم أكثر مما تطلق على الفنون والآداب. ~~والصفة من الأكاديمية، أي الأكاديمي، تدل على المفكر المتعمق في البحث، مع الجدة ~~والأصالة. # وقد تيسر للأكاديمية هذا الاستمرار المتصل على مر الزمان، بفضل النظام المحكم الذي وضعه ~~لها مؤسسها أفلاطون. # فقد كانت هناك قبل إنشاء الأكاديمية مدارس في اليونان، كما كانت هناك مدارس في الشرق ~~القديم. وقد أشرنا إلى الفيثاغورية التي ظهرت قبل ذلك بقرنين من الزمان، كما أشرنا إلى ~~مدارس الطبيعيين. وفي القرن الخامس ظهرت مدارس السفسطائيين، وكانت تلك المدارس تؤدي ~~وظيفة معينة هي «تعليم» الخطابة والبيان، فكانت بذلك تعد اليونانيين لتولي الوظائف ~~العامة التي ظهرت مع ظهور الديمقراطية. # إن المدارس لم تكن تظهر إلا لحاجة ماسة؛ فهي تخرج الحكام والساسة؛ إذ كانت مشكلة ~~الحكم هي الشغل الشاغل للأذهان، أو إنها تعد الطلاب لشغل وظائف الكهنة وخدمة المعابد، ~~وذلك بفهم أسرار الدين، ومعرفة مراميه، ووظيفته في خدمة المجتمع، أو إنها تعد الطلاب ~~لأمور الدنيا من معرفة بالحساب والتجارة والاقتصاد وغير ذلك. ولكن مدارس السفسطائيين كانت ~~مختلفة في وظيفتها عن هذه الاتجاهات الثلاثة، ولم تكن تعلم الحق بمقدار ما كانت ~~تعلم التغلب على الخصوم. ومن أجل ذلك نهض أفلاطون ينشئ الأكاديمية يعارض بها «تعليم» ~~السفسطائيين. # ومن الغريب أن سقراط الذي لم يؤثر عنه أنه كان صاحب مدرسة، قد صوره أرستوفان - الشاعر ~~الهزلي المشهور - في تمثيلية السحب، صاحب مدرسة يعلم الشباب الجدل بالحق وبالباطل، ولكن ~~هذا التصوير الكاريكاتوري لا يتفق مع الحقيقة؛ لأن سقراط أفنى حياته يطلب الحق ولا يرضى ~~بالباطل، وقدم للمحاكمة لاتهامه بإفساد الشباب، أي إنه كان يزعزع عقائدهم في القيم ~~السائدة. # فلما أعدم سقراط، حزن عليه تلميذه أفلاطون ms15 حزنا شديدا، وسخط على الديمقراطية التي كان ~~يعدها مسئولة عن محاكمته والحكم عليه، ثم رحل أفلاطون عن أثينا، وطاف بكثير من بلاد الشمس ~~ليلتقي بزملائه الفلاسفة. ذهب إلى ميجارا ومكث عند إقليدس الميجاري زمنا. ورحل إلى مصر حيث ~~التقى بكهنتها، ودرس النظم المصرية في الدين و«التعليم» والحكم والفنون، وأعجب بثبات هذه ~~النظم. # فلما قضى في مصر وطره، رحل غربا في شمال أفريقيا إلى مدينة «قورينا»، وهي مدينة أنشأها ~~اليونانيون في الجبل على مقربة من البحر. وفي القرن السادس بعد الميلاد خربتها الزلازل، ~~واندثرت حضارتها، ودفنت تحت الأنقاض، ثم كشف حديثا عن آثارها كاملة، ولكنا لا ندري أين ~~كانت تقع المدرسة القورينائية. وقد ذهب أفلاطون ليلقى هناك ثيودورس الرياضي، ويتذاكر وإياه ~~العلم الرياضي. # ثم توجه بعد ذلك إلى تارنتوم بجنوب إيطاليا، وكانت معقل الفيثاغوريين، حيث التقى بزعيم ~~المدرسة أرخيتاس الرياضي المشهور. جمع أرخيتاس بين العلم الرياضي والفلسفة والسياسة، كما ~~كان قائدا مظفرا، وقد انتخبه أهل مدينته حاكما عليهم، فكان بذلك الحاكم الفيلسوف الذي ~~لعبت صورته في خيال أفلاطون، ورأى في هذه الصورة النموذج لرئيس المدينة الفاضلة. # ولم يلبث أفلاطون أن اتجه إلى صقلية، واتصل في سراقوسة بديون شقيق زوجة ديونيسوس طاغية ~~سراقوسة، وغضب ديونيسوس على أفلاطون بسبب انتقاد الفيلسوف لسياسته، فأمر به أن يباع في ~~أسواق العبيد، وبيع فعلا في إيجينا بثلاثين ميناي، وافتداه تلاميذه، وفكوا أسره، وعاد ~~إلى أثينا سنة 387 قبل الميلاد، وقد بلغ الأربعين من العمر، فبادر بإنشاء ~~الأكاديمية. # اختار للمدرسة مكانا خارج أسوار أثينا، على مقربة من بابها الغربي، وهو عبارة عن بستان ~~كان ملكا للبطل «أكاديموس»، الذي ينسب إليه المكان؛ فقيل أكاديمية. وكان يؤدي إلى هذا ~~البستان طريق يحف به من الجانبين تماثيل عظماء اليونان، ومنهم بركليس. وكان ذلك المكان ~~أثيرا عند سقراط لنضرة زرعه، وصفاء مائه، وكثرة جداوله. وقد وصفه أفلاطون في افتتاح محاورة ~~«فيدروس»، حيث ذهب سقراط وتلميذه «فيدروس» - وكلاهما حافي القدمين - يخوضان في ماء الجدول، ~~ثم جلسا على الأرض في ظل شجرة باسقة. ms16 وإلى جانب ذلك ، كان المكان مقدسا، وهب للإلهة ~~«أثينا»، وأقيم فيه معبد لتمجيدها، تحيط به أحراج شجر الزيتون، الذي كان يمنح زيته ~~للفائزين في أعياد «الباناثيناي» أكبر أعياد أثينا. هذا فضلا عن ملعب رياضي أنشأه قائد ~~أثينا المسمى قيمون في أوائل القرن الخامس. # في هذا المكان المقدس، أو هذه الضاحية البديعة، اشترى أفلاطون البستان وقطعة الأرض التي ~~أقيم عليها بناء المدرسة. ولسنا نعرف على التحقيق على أي هيئة كان مبنى المدرسة، وأكبر ~~الظن أنها كانت تشمل معبدا لربات الفنون، وحجرات للأساتذة والطلبة، وقاعات للاجتماعات، ~~والاستماع إلى المحاضرات، وتناول الطعام مشتركين معا. وقد جرت العادة في أيام الصيف أن ~~يستمع الطلبة للمحاضرات في «مماشي» البستان، أو في ظل الرواق. وهذه العادة، مع أنها كانت ~~عامة في معظم المدارس الفلسفية في ذلك الحين، نعني أن يتلقى الطلبة الدرس وهم يمشون حول ~~الأستاذ، إلا أن المدرسة التي اختصت باسم المشائين هي مدرسة أرسطو دون غيرها من ~~المدارس. # وكانت المدرسة أشبه بفرقة دينية، فيها المعبد الموهوب لربات الفنون، والذي كان الطلبة ~~يقدمون إليها الأضحية في أوقات معلومة، وبخاصة لهرمس إله الحكمة. وكانت المعيشة بين ~~أعضاء المدرسة - رئيسا وطلبة - مشتركة في الملبس، والمأكل، والنوم، وبعض لوازم اختصت بها ~~المدرسة؛ مثل طريقة تصفيف الشعر، واتخاذ قلنسوات فوق الرأس، والاتكاء على العصا. # كان أفلاطون صاحب المدرسة، ومالك الأرض والبناء، وهو الرئيس. وقد وضع للمدرسة نظاما ~~للرئاسة بعد وفاته، هو نظام التعيين بالوصية. غير أن الرئاسة أصبحت تتم فيما بعد بالانتخاب ~~السري من جميع أعضاء المدرسة. # ولم يكن أفلاطون - على عكس السفسطائيين - يتناول أجرا على «التعليم»؛ فقد كان هناك مدارس ~~في أثينا تتقاضى أجورا فادحة مثل مدرسة «إيسقراط» التي كانت تعلم الخطابة بوجه خاص. ~~وقد امتنع أفلاطون عن أخذ الأجر على «التعليم» اتباعا لسنة سقراط الذي كان يرى أن المعرفة ~~لا تعلم؛ بل تنكشف للإنسان من باطن النفس، أو أن العلم تذكر والجهل نسيان بحسب عبارته ~~المشهورة، فكيف يتقاضى المعلم أجرا على شيء لا يملكه ولا يمنحه؟! وإذا ms17 كان سقراط على ~~فقره، لم يؤثر عنه تناول الأجر، فمن باب أولى يمتنع أفلاطون سليل الأرستقراطية والثراء. ~~وفضلا عن ذلك، فإن «ديون» دفع مبلغا كبيرا هو الذي اشترى به أفلاطون الأرض والبستان، ~~وكان الأغنياء يمنحون المدرسة هبات سخية، كما كان الطلبة الأثرياء يعينون المدرسة، كل ~~على قدر استعداده. # وحيث كانت طبيعة الدراسة تعتمد على الحوار والمناقشة، فلم يكن من المهم أن تتم الدراسة ~~داخل قاعات مجهزة بأدوات، وبخاصة الأدوات والأجهزة العلمية، التي يحتاج إليها كل من ~~الأستاذ والتلميذ لتوضيح بحثه. كان المحاضر في الأكاديمية يجلس فوق كرسي عال في الرواق، ~~ويجلس حوله التلاميذ على أرائك من الحجر. وأيضا فقد كان من المألوف أن يحاضر الأستاذ وهو ~~يمشي وحوله تلاميذه. ولم يؤثر عن أفلاطون أنه كان يحاضر من كتاب، أو حتى من مذكرات ~~مدونة. ولكن بعض تلاميذه كانوا يقيدون عنه بعض المذكرات وبخاصة محاضراته «في ~~الخير». # ومن طريف ما يروى أن أحد التلاميذ ذهب يستمع عن أفلاطون هذه المحاضرات التي ذاع صيتها عن ~~الخير، فأصيب بخيبة أمل شديدة؛ لأنه سمع محاضرات في الهندسة والفلك. # والثابت أن أفلاطون كان يرى أن الفلسفة لا تدون، وقد تأثر في ذلك بأستاذه سقراط الذي ~~أنفق حياته يناقش ويحاور، ولم يخلف شيئا مدونا. حقا ظهر قبل أفلاطون وقبل سقراط ~~جماعة من الفلاسفة دونوا فلسفتهم في كتب، وكانت تلك الكتب متداولة، وبعضها يباع بثمن ~~زهيد، وكان بعض تلك الكتب منظوما في قصائد مثل فلسفة بارمنيدس أو إنبادوقليس. ولكن أفلاطون ~~اختلف عنهم؛ لأن الحكمة الصحيحة لا تدون. وقد كتب في الخطاب السابع إلى ديون ما نصه: «إن ~~حقائق الفلسفة لا يمكن التعبير عنها بالألفاظ كما يمكن في غيرها من الموضوعات؛ ذلك أنه بعد ~~أن يتلقى المرء المعرفة من مرشد صادق في هذه الدراسات الفلسفية، وبعد الانقطاع بعض الوقت ~~إلى صحبة ذلك المرشد، إذا ببريق من الفهم يضيء النفس ... ولست أعتقد أن الكتب المؤلفة في ~~هذا الباب تفيد الناس أي فائدة، اللهم إلا بالنسبة لعدد قليل ممن يستطيع أن ms18 يكشف الحق ~~بنفسه .» # والسبب الحقيقي الذي من أجله رفض أفلاطون - كما رفض سقراط من قبل - تدوين الفلسفة، هو أن ~~وظيفتها إحياء النفوس وصقلها وتزكيتها؛ لتكشف الحقائق بنفسها من ذات نفسها، لا أن تأخذ ~~الحقائق عن الفلاسفة، وأن تتلقنها وتحفظها وترددها، كما أصبحت في العصر المدرسي، فجمدت ~~وماتت. # ولكن وصية أفلاطون لم تنفذ حرفيا؛ فإن بعض تلاميذه - وبخاصة أرسطو - روى لنا آراء ~~أستاذه، لا على سبيل الرواية التاريخية، بل ساقها في معرض النقد، كما فعل في كتاب ما بعد ~~الطبيعة، حين صور آراء أفلاطون في أن المثل أعداد، ثم نقدها. ومع ذلك فإن الاعتماد على ~~أرسطو في معرفة رأي أفلاطون خطر ولا يؤمن، كما أنه من الخطورة الاعتماد على أفلاطون في ~~معرفة آراء سقراط. # فنحن نعرف أن أفلاطون كتب عدة محاورات، بقي منها ثمان وعشرون واحدة، من أهمها الجمهورية ~~والنواميس، وأجرى فيها الحوار على لسان سقراط، مما يجعل المرء يعتقد أن ما ورد في هذه ~~المحاورات إنما هو آراء سقراط لا أفلاطون. والحق في ذلك أن بعض المحاورات يصور أفكار ~~سقراط، وهي المحاورات السقراطية، وبعضها الآخر يصور آراء أفلاطون، والمؤرخون مختلفون ~~في تحديد هذا النوع أو ذاك. هذه المحاورات، سواء منها السقراطية أم الأفلاطونية، خاطب بها ~~أفلاطون الجمهور الواسع وليس خاصة تلاميذه. وقد لقيت المحاورات نجاحا منقطع النظير، وكان ~~الناس يقرءونها بصوت عال، وكانت تمثل على خشبة المسرح زمان شيشرون. ومع أن أفلاطون ~~حذر طلابه من تدوين الفلسفة، وأعلن صراحة أن هذه المحاورات لا تعبر عن آرائه ~~الفلسفية، إلا أن المتأخرين اعتمدوا عليها في معرفة فلسفته، وبخاصة في نظرية المثل. وكانت ~~المحاورات، أو على الأقل بعضها؛ مثل فيدون، وطيماوس، والجمهورية، تدرس في الأكاديمية حتى ~~زمانها المتأخر، ويتولى الأساتذة شرحها. وكان الطلبة الذين يرحلون إلى أثينا لتعلم ~~الفلسفة، يجدون بغيتهم في هذه المحاورات وشروحها؛ ففي القرن الثالث بعد الميلاد نجد ~~فرفريوس الصوري يحضر بعض الوقت على لونجينوس في أثينا شروحه على محاورات أفلاطون. # ليس معنى ذلك أن المحاورات لم تكن في زمان ms19 أفلاطون، ووقت كتابته لها، تدرس في ~~الأكاديمية. كانت متداولة، ولكنها لم تكن أساس التدريس. كان الطلبة يطلعون عليها كأي فرد ~~من أفراد الجمهور، ولعلهم كانوا ينتقدون الأفكار التي عرضها أستاذهم فيها؛ ولذلك تعاقبت ~~المحاورات، يعدل اللاحق منها السابق، وتطورت آراؤه بفضل حرية النقد والمناقشة. وكان ~~النقد جريئا مرا لا يرحم، أطلعنا أرسطو الذي كان تلميذا بالأكاديمية على طرف منه، ~~وأرسطو هو القائل في كتاب الأخلاق: أحب أفلاطون وأحب الحق، ولكن حبي للحق أعظم. إنه يعترف ~~بصداقته لأستاذه، ومحبته له، ولكنه لا يتنازل عن التمسك بالحق في سبيل الصداقة. # ولما كان الغرض الأساسي من إنشاء الأكاديمية تخريج طائفة من الحكام والساسة، فمن ~~الطبيعي أن تكون دراسة الشرائع وأصولها وأنظمة الحكم الصالح، هي التي تكون منهج الدراسة؛ ~~ولهذا السبب لجأ إليها أهل المدن المجاورة يطلبون رأيها في التشريع، كما فعل إيبامنونداس ~~عندما طلب تشريعا لمدينة ميجالوبوليس. وإلى جانب ذلك، كانت الأكاديمية تدرس العلوم ~~الرياضية من حساب وهندسة وفلك وموسيقى. وقد مر بنا كيف كان يتوقع الذين حضروا دروسه في ~~«الخير» أن يسمعوا شيئا عن الفضائل، فإذا بهم لا يسمعون إلا فلكا وحسابا وكلاما عن ~~الواحد والمحدود وغير ذلك من الأمور الرياضية. ذلك أن الرياضة كانت عند أفلاطون مدخلا لا ~~غنى عنه إلى الفلسفة؛ ولذلك كتب على باب الأكاديمية العبارة المشهورة: «من لم يكن مهندسا ~~فلا يدخل علينا.» ومن الفروض الفلكية التي كانت سائدة في المدرسة، انتظام حركة الأجرام ~~السماوية، وعلى أساس هذا الفرض، كان علماء الأكاديمية يفسرون تحير الكواكب. # من أولئك العلماء الذين عاونوا أفلاطون، وكانوا سبب شهرة الأكاديمية رياضيا؟ من الصعب ~~معرفة أسمائهم واحدا واحدا. ثم إن التلاميذ بالنسبة لأستاذهم لم يكونوا طلبة بمقدار ما ~~كانوا أصحابا. ونحن نعلم أن أفلاطون ذهب للقاء ثيودورس الرياضي، وأرخيتاس الفيثاغوري، ~~وإقليدس الميجاري، كل في موطنه، ولم يكن بالنسبة إليهم تلميذا، كذلك كان يحضر المدرسة ~~عند أفلاطون عدد من الأصحاب يمكن أن يعدوا من علماء الأكاديمية؛ منهم ثياتيتوس، وأيدوكسس، ~~بل يذهب بعض المؤرخين إلى أنهم ms20 فعلا من تلامذة أفلاطون. # ولسنا نعلم عن ثياتيتوس إلا النزر القليل، ومع ذلك، فقد خلد أفلاطون اسمه حين جعل ~~محاورة برأسها تحمل اسمه، وكل ما نستفيده عن حياته من هذه المحاورة، أنه كان من أهل أثينا، ~~وأنه تعلم على يدي سقراط وثيودورس القورينائي، وأنه كان معاصرا لأرخيتاس وأفلاطون. ~~ويبدو أنه كان رياضيا بارعا، وصاحب كشوف جديدة في هذا العلم العجيب؛ مما حدا بأفلاطون ~~إلى أن يخلد اسمه. والمشهور أن هذه المحاورة تبحث في نظرية المعرفة وكيفية اكتسابها، أمن ~~الحس أم من العقل؟ ولكن ثياتيتوس إلى جانب ذلك، بل قبل أن يكون فيلسوفا، فهو رياضي له ~~رأي في الأعداد الصماء، والكميات الصماء - أي التي لا تخضع للقياس - ورأي في المجسمات ~~المنتظمة. # أما «يودكسس» فأصله من كنيدوس، تعلم الهندسة على يد أرخيتاس، ثم رحل إلى أثينا وهو في ~~الثالثة والعشرين من العمر، بعد افتتاح الأكاديمية بعامين (افتتحت الأكاديمية 387ق.م.) ~~وكان في صباه شديد الفقر، ولكنه اكتسب ثروة كبيرة من «التعليم»، بعد أن ذهب إلى مصر، وظفر ~~بشهرة واسعة في الفلسفة والرياضة والفلك. وقد طلع بنظرية جديدة في التناسب، واكتشف «القطاع ~~الذهبي»، أي «أجمل» قسمة لخط أو كمية، قسمة ذات وسط وطرفين. ويمكن القول إنه أنشأ علم ~~الفلك مفسرا حركات الكواكب بنظرية كرات تدور على محاورها، ومتحدة المركز. # ليس معنى ذلك أن هذين الاثنين هما وحدهما العالمان اللذان تخرجا في الأكاديمية؛ فهناك ~~أسماء تتردد أيضا؛ منها ليوداماس، ونيقوليدس، وليون. وهؤلاء الثلاثة كان لهم أثر في ~~تقدم الهندسة وتنظيم دراستها، وزيادة نظرياتها، وترتيبها ترتيبا علميا؛ فكانوا بذلك ~~أصحاب الفضل في التمهيد لظهور إقليدس صاحب الهندسة. # ومن الطبيعي أن يكون منهج البحث ملائما للعلوم الرياضية التي اشتهرت بها الأكاديمية. ~~وقد بدأت المناهج تتميز بوضوح منذ سقراط الذي اشتهر بمنهج «التهكم والتوليد». والمنهج ~~السقراطي يعتمد أساسا على الحوار؛ لأن المباحث التي خاض فيها هي العلوم الإنسانية من أدب ~~وفن ولغة وشعر ودين وأخلاق واجتماع وسياسة. وقد اتبع هذا المنهج في الأكاديمية وتصوره ~~المحاورات أجمل تصوير، وهو ms21 منهج يقوم على تعريف المعاني الكلية، وتحديد الألفاظ، ~~والاستقراء. # والأصل في المحاورة أنها مناقشة تتم بين شخصين - أو أكثر - وتسمى باللغة اليونانية ~~«ديالوج» من المقطعين «ديا» و«لوجوس»؛ أي الكلام أو القول بين اثنين. وقد تطور الحوار ~~عند سقراط إلى «الجدل» عند أفلاطون، وهو يعني باليونانية «ديالكتيك»، من المقطعين «ديا» و ~~«لكتيكون» أي كلام أو حديث. والفرق بين «الديالوج» و«الديالكتيك» أن الحوار حديث بين ~~شخصين، و«الجدل» حديث بين الشخص نفسه. فهو تفكير يدور داخل النفس، ومنه عند أفلاطون جدل ~~صاعد ومنه جدل نازل. و«الجدل» بهذا المعنى هو المنهج الفلسفي بلا منازع؛ لأن النفس تصعد إلى ~~المثل أي الحقائق، ثم تنزل من عالم المثل إلى عالم الحس، وتهبط من عالم الثبات إلى عالم ~~التغير. # أما المنهج الملائم للرياضيات، فهو التحليل والقسمة، ويقال إن أفلاطون هو الذي اخترع ~~طريقة التحليل، ثم وهب المنهج إلى تلميذه ليوداماس. والتحليل باليونانية «أنالوسيس» # Analysis ~~، وهو الذي أصبح فيما بعد أساس المنطق الأرسطي ~~في كتابيه الرئيسين أنالوطيقا الأولى وأنالوطيقا الثانية، أي القياس والبرهان. خذ مثالا ~~لذلك فكرة «المساواة» وكيف يحللها في محاورة «فيدون» من النظر إلى قطع متساوية من الخشب. ~~ويقول بروقلس في تعليقه على الكتاب الأول لإقليدس عن ليوداماس: «إن أفلاطون شرح له طريقة ~~التحليل، فكانت عونا له في الكشف عن أمور هندسية كثيرة.» # ولقد اشتهرت الأكاديمية باستخدام منهج القسمة، وبخاصة القسمة الثنائية. وفي محاورة ~~السفسطائي نموذج لهذا المنهج. والقسمة مفيدة في التصنيف والتعريف. تدور محاورة السفسطائي ~~بين ثيودورس القورينائي، وثياتيتوس الرياضي، وسقراط، وشخص رابع من إيليا. وقد حاول ~~المتحاورون - وهم كما نرى رياضيون - تحديد معاني السفسطائي، والسياسي، والفيلسوف. ~~فالسفسطائي يعالج فنا من الفنون، والفنون إما أن تكتسب وإما أن تبتدع. # والفنون المكتسبة إما أن تكون بالتعلم أو المحاكاة، وهي كالتجارة، والحرب، ~~والصيد. # والصيد أنواع؛ منه اقتناص الأحياء، ومنه اقتناص غير الحي. # وصيد الأحياء أنواع؛ مثل صيد السمك في البحار، والطيور في الهواء، والدواب على ظهر الأرض، ~~وذلك بضروب مختلفة من الشباك والفخاخ والصنانير. والسفسطائي صائد، وفنه ms22 مكتسب، وصناعته ~~اقتناص الناس من ذوي الحسب والمال، يقدم لهم علما مقابل ما يأخذه من أجر. فهذا نموذج ~~للقسمة الثنائية، ومنهج القسمة وفائدته في التعريف والتصنيف. # ولم تكن الأكاديمية مقصورة في أبحاثها على العلوم الرياضية فقط، بل كانت تبحث أيضا في ~~علوم الحياة. ولكن اتجاه المدرسة بوجه عام كان نحو الرياضيات. وقد احتفظ أحد شعراء ~~الكوميديا بصورة تحكي ما كان يجري في الأكاديمية من بحث في النبات، قال أفكراتس شاعر ~~الكوميديا في تمثيليته التي يدور فيها الحوار على النحو التالي: ~~- أخبرني عن أفلاطون، وسبيسيبوس، ومينديموس، ماذا ~~يعملون الآن؟ أي فكرة عميقة يبحثونها؟ وأي جدل شديد يدور بينهم؟ ~~- إني أعرف كل شيء وسأخبرك ببساطة. في عيد البناثيناي رأيت جماعة من الشباب في ~~ملعب الأكاديمية، وهناك سمعت أمورا بعيدة عن التصديق؛ كانوا يعرفون ويقسمون ~~العالم الطبيعي، ويميزون عادات الحيوان وطبائع الشجر وأنواع الخضر، ورأيت معهم ~~«يقطينا» كانوا يبحثون من أي نوع هو. ~~- وهل قرروا أي نبات هو، ومن أي نوع؟ أخبرني إن كنت تعرف. ~~- حسنا! لقد ظلوا جميعا أول الأمر صامتين، وانحنوا فوقها بعض الوقت ~~يتأملونها. وفجأة وهم ما زالوا يفحصونها، قال أحد التلاميذ إنها خضر مستديرة، ~~وقال آخر إنها حشيش، وثالث إنها شجرة. فلما سمع طبيب صقلي كان موجودا هناك ذلك ~~الحديث، انفجر ساخطا على الهراء الذي ينطقون به. ~~- أحسب أنهم لا بد غضبوا غضبا شديدا، وصاحوا في وجهه؛ إذ من الفظاظة أن يفعل ~~ذلك في وسط الحديث. ~~- لم أحفل بالتلاميذ، ولكن أفلاطون الذي كان موجودا أخبرهم في عطف شديد، وبغير ~~انزعاج أن يحاولوا من البدء تعريف نوعها. ثم مضوا في تعريفاتهم. # ويتضح من النص السابق أن الأكاديمية كانت تبحث في علوم الحياة. ثم إن سبيسيبوس ابن أخت ~~أفلاطون، وخليفته في رئاسة المدرسة، كتب فيما بعد مؤلفات في الحيوان والنبات، بقي منها ~~أجزاء تبحث في الأسفنج والمحار. وليس بعيدا أن الأكاديمية زمان أفلاطون كانت مجهزة ~~بالأدوات العلمية والخرائط، ولا نزاع أنها كانت مجهزة بالكتب. ولكن يمكن القول إن ~~الأكاديمية اتجهت على ms23 العموم وجهة رياضية، على حين اتخذت مدرسة أرسطو - وهي اللوقيون - ~~طابعا بيولوجيا طبيعيا. ~~••• # يتضح مما سبق أن الأكاديمية اهتمت ببحث سائر العلوم والمعارف، ولكنها قدمت بعضها ~~على بعضها الآخر، بحسب اتجاهها في الفلسفة. ويمكن تقسيم العلوم بحسب أهميتها أربعة أقسام؛ ~~هي الفلسفة، ثم العلوم الإنسانية من سياسة وأخلاق ونفس واجتماع، ثم العلوم الرياضية من حساب ~~وهندسة وفلك وموسيقى، ثم العلوم الطبيعية وعلوم الحياة. # والفلسفة تاج هذه العلوم كلها، وهي الغاية التي ينتهي إليها الطالب، بعد أن يتبحر في ~~العلوم، وبخاصة الرياضيات. وتجتمع فلسفة أفلاطون في كلمة واحدة هي «المثل». وأفلاطون هو ~~الذي ابتدع الفلسفة المثالية، ولا تزال المثاليات حتى اليوم تعتمد في نزعتها عليه. ~~«المثل» عند أفلاطون هي النماذج الثابتة الأزلية التي بها يفسر وجود الموجودات ومعرفتها. ~~ولقد كانت المشكلة التي واجهها مفكرو الإغريق والتمسوا لها الحل هي أصل هذه الموجودات ~~الكائنة، والتي تظهر إلى الوجود ثم تولي عنه، أي تفسير التغير والكثرة، أهذه الكثرة ~~حقيقية أم أنها ترتد إلى شيء واحد؟ وهل هذا التغير الذي نشاهده حقيقي، أم أنه مظهر فقط ~~يخفي وراءه ثباتا؟ # واختلفت وجهات نظر الفلاسفة اليونانيين اختلافا كبيرا منذ القرن السادس؛ بعضهم يقول ~~بمبدأ واحد مادي؛ كالماء، أو الهواء، أو النار. وبعضهم الآخر يذهب إلى القول بالعناصر ~~الأربعة مثل إنبادوقليس. وبعضهم الثالث يقول بالذرات مثل ديمقريطس ومدرسته. هذا إلى ~~الفيثاغوريين الذي فسروا الموجود بالمبدأ الرياضي، وبالشكل الهندسي. ثم ظهر بارمنيدس في ~~إيليا بجنوب إيطاليا، فقرر أن «الوجود موجود»، وأنه واحد، وأنه ثابت، وهذا هو طريق الحق. ~~أما إذا سار الإنسان في طريق «الظن»، فإنه يرى الموجود كثيرا، ومتغيرا. # والمثال الأفلاطوني جمع بين الواحد الفيثاغوري، وبين الواحد البارمنيدي. # المثال الثابت الواحد هو أصل الموجودات المحسوسة المتغيرة. # هذا هو الحل السعيد الذي اهتدى إليه أفلاطون لتفسير وجود الموجودات الكثيرة المتغيرة في ~~عالم الحس. # ولكنه فطن إلى عجز هذه النظرية وقصورها عن توضيح كثير من المشكلات التي تعرض للذهن. وقد ~~انتقد أفلاطون نفسه، وراجع فكره، كما يتضح من محاورة ms24 بارمنيدس. وتساءل عن أصل المحسوسات: ~~أهي «تشارك» في المثال، أم هي «محاكاة» للمثال؟ و«المشاركة» تفترض أن يكون المثال كلا، ~~وأن يكون كل واحد من المحسوسات جزءا من هذا الكل. و«المحاكاة» تذهب إلى أن المثال أصل، ~~ثم تتعدد المحسوسات عنه، كما تتكثر الصور في المرايا. وعندما نقلت الفلسفة اليونانية ~~إلى العرب، أعجب الغزالي بنظرية «المحاكاة» وتشبيه النفس بالمرآة التي تنعكس على صور ~~المثل، فاصطنع هذه النظرية في كثير من كتبه. # والمثال لأنه معقول فلا مادة فيه، والمحسوس لأنه مجسم مشخص فإنه مادي. فكيف نشأ ~~المحسوس المادي من المعقول اللامادي؟ هذا هو جوهر المشكلة التي اضطر أرسطو - تلميذ أفلاطون ~~- إلى حلها بقوله إن المحسوس مركب من مبدأين؛ الهيولى والصورة. والقول بأن العالم مادي، ~~وليس معنى ذلك أن فلسفة أرسطو مادية، بل تدل على تسليمه بوجود المادة إلى جانب ~~الصورة. # وتتدرج «المثل» عند أفلاطون حتى تقف عند ثلاثة هي؛ الحق والخير والجمال. ولا تزال هذه ~~القسمة الثلاثية دارجة مألوفة حتى اليوم. ~~••• # طال عمر الأكاديمية تسعة قرون؛ إذ أنشئت 327ق.م. في أثينا، وأغلق الإمبراطور جستنيان ~~أبوابها 529 بعد الميلاد. وتقلبت في أثناء عمرها المديد في عدة أطوار هي الأكاديمية ~~القديمة والوسطى والحديثة، ثم الأكاديمية بعد الميلاد. والتقسيم المذكور يرجع إلى مؤرخي ~~الفلسفة من المحدثين، وهو مصطنع بعض الشيء؛ إذ الحق في ذلك أن الطابع الذي يسود المدرسة في ~~زمن معين، إنما يرجع إلى شخصية رئيسها وتوجيهه. # تولى رئاسة المدرسة بعد موت أفلاطون أسبيسيبوس ابن أخته، الذي أتم تنظيم المدرسة في ~~شكلها الأخير. واستمر رئيسا من 347 (أي بعد موت أفلاطون) إلى 339ق.م، وخلفه زينوقراط ~~339-315ق.م، ثم بوليمون 315-270ق.م، ثم أقراطس بعد 270ق.م، وينتهي معه طور الأكاديمية ~~القديمة، التي امتازت بالسير في الطريق الذي رسمه أفلاطون. وقد لمعت في تلك الفترة أسماء ~~كثير من العلماء والفلاسفة، نذكر منهم يودقسس، وهرقليدس، وغيرهما. ويقال إن كرانتور تلميذ ~~بوليمون هو أول من وضع شروحا لمحاورات أفلاطون. # ثم تحولت الأكاديمية إلى نزعة الشك، بدأت مع الرئيس أرقليساوس، الذي يعد ms25 منشئ ~~الأكاديمية الوسطى، ثم أصبح هذا الاتجاه واضحا قويا على يد كارنيادس، وتسمى ~~الأكاديمية في عهده (213-129ق.م.) بالأكاديمية الثالثة. وقد أرسله الأثينيون في سفارة إلى ~~روما ونجح في مهمته. # وأكاديمية رابعة تحت رئاسة فيلون من أهل لاريسا، وقد وجهها وجهة رواقية. وأكاديمية ~~خامسة برئاسة أنطيوخس العسقلاني (توفي 68ق.م)، الذي وفق بين الأفلاطونية والأرسطية ~~والرواقية، وتسمى هذه الأكاديمية الخامسة عادة بالأكاديمية الجديدة. # ويمكن القول إن كارنيادس وفيلون وأنطيوخس كان لهم الفضل في نشر تعاليم الأكاديمية بعد ~~انتقالها إلى «جنديسابور» محتفظة بهذه التعاليم بفيلون وأنطيوخس واستمع إليها. # ومما يروى أن سللا عندما حاصر أثينا سنة 86ق.م. احتاج إلى خشب، فقطع أشجار الأكاديمية، ~~التي انتقلت منذ ذلك الحين داخل أسوار أثينا. ومهما يكن من شيء، فإن تاريخ الأكاديمية حتى ~~القرن الخامس بعد الميلاد غامض، وكل ما نعرفه أنها ازدهرت في القرن الخامس، وتجددت، ~~وأصبحت مركزا للأفلاطونية المحدثة، المتأثرة بالفلسفة الإسكندرانية. وقد لمعت في هذه ~~الفترة أسماء مشهورة بوجه خاص في الفلسفة العربية؛ منهم بروقلس، وفلوطارخس، وسوريانس، ~~ودومنيونس، وماريانوس، وإيزودورس، والدمشقي الذي كان آخر رئيس للمدرسة، أي من 510 إلى 529 ~~بعد الميلاد. # ويبدو أن السبب الرئيس في إغلاق الأكاديمية - كذلك «اللوقيون» - أنها كانت مهد التعاليم ~~الوثنية. وكانت المسيحية قد تغلبت وسادت، وأرادت أن تقضي على كل أثر للوثنية. وقد آثر ~~فلاسفة الأكاديمية أن يهجروا المدرسة إلى مكان آخر يمارسون فيه تعاليمهم بحرية، ورحب بهم ~~كسرى أنوشروان، وأنزلهم في «جنديسابور»، وترك لهم حرية البحث، فنقلوا معهم الفلسفة ~~والعلوم والطب. وظلت الأكاديمية في العالم الروماني، إلى أن انتقلت إلى بغداد زمان ~~العباسيين، ونقلت علومهم وفلسفتهم إلى اللغة العربية. وهكذا نرى أن المدرسة الأصلية زالت من ~~أثينا، وتغير مكانها، وكذلك لغتها، ولكن تعاليمها لم تمت، وظلت الأكاديمية حية ~~بأفكارها وفلسفتها، وقد عادت تعاليمها المثالية وفلسفتها الرياضية إلى الظهور مرة أخرى في ~~الوقت الحاضر، معدلة بطبيعة الحال مع مقتضيات العصر، والتطور الكبير الذي حدث خلال ~~عشرين قرنا من الزمان. # | المشائية # «اللوقيون أو الليسيه» # مدارس «الليسيه» معروفة بهذا ms26 الاسم، ومشهورة في مصر، وهي تلك المدارس التي تعلم الطلبة ~~حتى يظفروا بإجازة البكالوريا؛ أي المرحلة السابقة مباشرة على التعليم الجامعي. وهذا النوع ~~من «التعليم» في «الليسيه» منتشر في فرنسا، وعنها أخذنا هذا اللون من المدارس. # و«الليسيه» # Lycée # هي الاسم الفرنسي الذي أصبح يطلق على ~~الاسم اليوناني # Lyceum ~~، أو الأصح بالرسم اليوناني # Lykeum ~~، وقد عربها القدماء فقالوا: «اللوقيون»، وهي ~~المدرسة التي أنشأها أرسطو في أثينا، وكان يمارس «التعليم» فيها، وأصبحت تنافس الأكاديمية ~~والمدارس الأخرى اليونانية. ومدرسة أرسطو مدرسة فلسفية عليا، وليست ثانوية ك «الليسيه» ~~حديثا، ولذلك ينبغي عدم الخلط بينهما، والاعتقاد بأن «الليسيه» الحاضرة هي «اللوقيون» ~~قديما أو استمرار لها. # وتعرف مدرسة أرسطو باسم آخر، وبخاصة عند العرب، هي مدرسة المشائين؛ لأن المعلم ~~وتلاميذه كانوا يتعلمون وهم يمشون. وسبق أن ذكرنا أن هذه السنة لم تكن مقصورة على ~~الطلبة في مدرسة أرسطو فقط، بل كانت شائعة في جميع المدارس الفلسفية في بلاد اليونان؛ وذلك ~~لطبيعة الجو الحار الذي يسود أثينا معظم أوقات السنة، فكان الطلبة إما أن يسيروا في ~~المماشي تحت ظلال الأشجار، أو يسيروا جيئة وذهابا في «الرواق» داخل المدرسة. مهما يكن من ~~شيء، فقد اشتهرت مدرسة أرسطو باسم المشائين. # وقد ظلت «اللوقيون» باقية في أثينا تنافس الأكاديمية، وتمتاز عنها بلون خاص، إلى أن ~~أغلق الإمبراطور جستنيان أبواب المدرستين. ومع ذلك، فإن تاريخ «اللوقيون» أغمض من صاحبتها، ~~إلا أن «اللوقيون» - أو المشائية - أشهر في الزمن القديم. وكما يتصل إنشاء الأكاديمية ~~باسم صاحبها وفلسفته، كذلك يتصل «اللوقيون» باسم منشئها ومؤسسها وصاحبها أرسطو؛ فهي ثمرة ~~غرسه، ونتاج فلسفته. وإذا كان أفلاطون قد أنفق أربعين عاما يشيد صرح الأكاديمية؛ إذ ~~أنشأها سنة 387 ق.م. واستمر رئيسا لها، إلى أن توفي سنة 347ق.م، فإن أرسطو لم يستمر ~~على رأس مدرسته سوى اثني عشر عاما؛ لأنه لم يفتتحها إلا وهو في الخمسين من عمره. ولكن ~~لماذا ترك أرسطو الأكاديمية التي تعلم فيها، وكان من أبرز تلاميذها، وقرر أن ينشئ ~~مدرسة أخرى؟ والجواب عن هذا ms27 التساؤل يقتضي منا أن نشير إلى سيرة أرسطو بإيجاز. # ولد أرسطو 384ق.م. بمدينة ستاجيرا من أعمال خلقيس، ولذلك حين يقال الفيلسوف الاستاجيري ~~لا تنصرف هذه التسمية إلا إليه، أو حتى حين يقال الاستاجيري # The Stagirite # فقط. وكان أبوه نيقوماخوس من نسل أسقلبيادس طبيبا للملك ~~أمنتاس الثاني ملك مقدونيا، الذي أنجب فيليب والد الإسكندر. وكان الأطباء يورثون أبناءهم ~~صناعتهم، ومن هنا نشأ أرسطو على محبة العلوم الطبيعية وعلم الحياة، وتدرب في صباه على ~~التشريح والجراحة. ولما بلغ الثامنة عشر أوفد إلى أثينا حيث التحق بالأكاديمية، وظل ~~فيها عشرين عاما. حقا كانت هناك عدة مدارس فلسفية في أثينا، ولكن الأكاديمية كانت أفضلها ~~وأرقاها. وقد تأثر أرسطو بشخصية أفلاطون وتعاليمه إلى الأعماق، وانطبع بطابع لا يمحى، على ~~الرغم من معارضة الفيلسوف الاستاجيري لنظرية «المثل». وكان صاحب الأكاديمية يعرف في تلميذه ~~فضله وذكاءه؛ فسماه «القراء»، و«العقل»، أي عقل المدرسة. وكثيرا ما يصف أرسطو نفسه في ~~كتبه بقوله إنه أحد الأفلاطونيين، أو بنص عبارته: «نحن الأفلاطونيين»؛ مما يدل على ولائه ~~للأكاديمية. # ويذهب بعض المؤرخين من المحدثين إلى تكذيب الروايات القديمة التي تجمع على بقاء أرسطو ~~عشرين عاما تلميذا بالأكاديمية. وهم يرون أنه اختلف إلى أكثر من أستاذ، وبخاصة في ~~البلاغة، مثل إيسقراط وديموستين، وأنه كان يتردد على الأكاديمية بين حين وآخر. ولكن الذي ~~يدحض هذا التصوير، أن أرسطو كان يعارض مدرسة أيسقراط، وكذلك مدرسة ديموستين؛ لأنهما ~~يعلمان على طريقة السفسطائيين التغلب على الخصم بسحر البلاغة ورنين الألفاظ، لا بقوة ~~المنطق والتفكير السديد المحكم. ومما يروى أن أرسطو كان يلقي دروسا في الخطابة - وهو ~~طالب في الأكاديمية - على الجمهور ينافس بها دروس إيسقراط. # ويبدو أن الطابع العام لجميع المدارس الفلسفية قديما كان واحدا؛ فالمدرسة جماعة من ~~الباحثين والمفكرين يرتبطون بروح مشتركة، ويشاركون في آراء أساسية، وفي الوقت نفسه يحتفظ ~~كل واحد منهم باستقلاله في البحث. وهذا الاستقلال يفسر لنا اتجاه أرسطو منذ كان في ~~الأكاديمية إلى متابعة البحث في العلم الطبيعي، كما ذكرنا قبلا. # لم يكن ms28 أرسطو الذي سماه أفلاطون «القراء » و«العقل»، ليقبل أن يستمر في الأكاديمية ~~تحت رئاسة سبيسيبوس، الذي مضى - بعد موت أفلاطون - يوجه المدرسة نحو الرياضة، وأن يقلب ~~الفلسفة - كما يقول أرسطو - إلى رياضيات. # مهما يكن من شيء، فلسنا ندري الأسباب الحقيقية التي من أجلها هجر أرسطو الأكاديمية، ~~ورحب بدعوة زميل قديم له في تلك المدرسة هو «هرمياس»، الذي أصبح حاكم أسوس، وجمع حوله ~~حلقة صغيرة من الأفلاطونيين. وبعد ثلاث سنوات ذهب إلى ميتلين في جزيرة لسبوس، حيث لقي ~~صديقه ثاوفراسطس زميله في الأكاديمية، وخليفته فيما بعد على رئاسة «اللوقيون». وترجع مباحث ~~أرسطو ومشاهداته في العلم الطبيعي والبيولوجي إلى إقامته في أسوس وميتلين. وفي سنة 343ق.م. ~~دعاه الملك فيليب لتثقيف ابنه الإسكندر؛ فعلمه إلياذة هوميروس، ومبادئ الحكم. ولكن حقيقة ~~«التعليم» الذي تلقاه الإسكندر من معلمه غير معروف. فلما توفي فيليب 335ق.م. عاد ~~أرسطو إلى أثينا، وأنشأ «اللوقيون»، وتلقى من تلميذه الإسكندر معونات كبيرة مالية ~~وأدبية. # أنشأ «اللوقيون» مدرسة فلسفية تختلف في اتجاهها عن الأكاديمية التي عنيت بالعلوم ~~الرياضية. كانت الأكاديمية تقع خارج أسوار أثينا في الشمال الغربي من المدينة، فاختار أرسطو ~~لمدرسته موقعا في الطرف المقابل من المدينة شرقي الأسوار - أو الشمال الشرقي - على مقربة ~~من طريق مراثون، أكبر الظن بين جبل ليقابيتوس ونهر أليسوس، حيث كانت تقع أيكة مقدسة موهوبة ~~للرب أبولون لوقيوس وربات الفنون. وكانت تلك الأيكة من الأمكنة المحببة إلى سقراط، وكان ~~يرتادها كثيرا. أما لوقيوس التي منها اشتق «اللوقيون»، فهو صفة لأبولون، وتعني الذئب، ~~أو رب النهار. # ولما كان أرسطو أجنبيا، أي ليس مواطنا أثينيا، فلم يكن له الحق في امتلاك الأرض؛ ~~ولذلك استأجر بعض الأبنية وجعلها نواة مدرسته. وفي جوار ذلك المكان، كان «يتمشى» هو ~~وتلاميذه في المماشي، وتحت ظل الأشجار، ذهابا وجيئة، ولذلك سمي أتباعه بالمشائين، ولو ~~أن هذا الأسلوب في «التعليم» - كما ذكرنا من قبل - لم يكن مقصورا على أرسطو وحده، ~~والتعاليم المشائية هي المأخوذة عن مدرسة أرسطو. # ومما يروى أن أرسطو كان يلقي نوعين من ms29 الدروس؛ صباحية لخاصة تلاميذه ، وتسمى ~~«سماعية» أو «مستورة». ومسائية للجمهور الواسع، وهذه أقل صعوبة من الأولى، وتسمى ~~علانية أو «منشورة» # Exeteric ~~. ليس معنى ذلك أن أرسطو كان ~~يضفي على دروسه الصباحية صفة السرية، وأنه كان يحجبها عن الجمهور، كلا، بل الأمر أن دروس ~~الصباح كانت تهم فئة قليلة من المشتغلين بالمسائل الفلسفية العويصة؛ كالمنطق، ~~والميتافيزيقا، والعلم الطبيعي، على حين أن الدروس الأخرى كالأخلاق والسياسة، كانت تجذب ~~أسماع الجمهور ويعجب بها، ويقبل عليها. # وأكبر الظن أن أرسطو جمع في مدرسته بضع مئات من الكتب المخطوطة - ولم تكن الكتب إلا ~~مخطوطة بطبيعة الحال - فكانت أول مكتبة في التاريخ، وأصبحت نموذجا احتذت مثالها مكتبة ~~الإسكندرية وغيرها من المكتبات. وكذلك اقتنى عددا من الخرائط ومتحفا من نماذج شتى ~~لأحجار ومعادن ونباتات وحيوانات؛ ليستعين بها على توضيح محاضراته. ويقال إن الإسكندر وهبه ~~مبلغا كبيرا من المال لاقتناء هذه الأشياء، وأمر جميع الصيادين في الإمبراطورية أن ~~يقدموا له نماذج مما يصيدونه في الجو أو على ظهر الأرض أو في الماء. # ولم يكن الإسكندر وحده راعي أرسطو وحاميه، بل كذلك «أنتيباتر» الذي خلف الإسكندر في ~~مقدونيا وصيا على العرش. ونحن لا نعلم حقيقة العلاقة التي كانت تربط بين أرسطو وأنتيباتر ~~الذي يعرف عنه ميول نحو البحث الفلسفي، ولكنه كان صديق أرسطو عندما عاش في بلاط فيليب، ~~ويكفي أن هذه الصداقة بلغت من الوثاقة حدا يجعل أرسطو ينص في وصيته على تعيين أنتيباتر ~~منفذا لها. # وهكذا لقيت «اللوقيون» التأييد من أكبر ملك عرفه التاريخ، وأخلص وصي على عرش مقدونيا، فلا ~~غرابة أن تبدأ المدرسة قوية إلى الحد الذي تبرز فيه على الأكاديمية نفسها، ولم يكن ~~زينوقراط رئيسها الثالث الذي انتخب بعد موت أسبيسيبوس خليقا أن يقف في كفة واحدة مع ~~أرسطو، ولعل ذلك كان من جملة الأسباب التي دعته إلى افتتاح مدرسة جديدة؛ لأنه أنف أن يعمل ~~تحت رئاسة زينوقراط. # ونحن إذا كنا نجهل حقيقة الدروس التي كانت تلقى في الأكاديمية، ولا نعلم سوى الجانب ~~الشعبي من تعاليم ms30 أفلاطون في محاوراته التي كان يخرجها للجمهور بين حين وآخر، هذه ~~المحاورات التي لا يزال معظمها موجودا بين أيدينا حتى اليوم، فإن هذا الجانب الشعبي في ~~تعاليم أرسطو، نعني محاوراته الرائعة الأسلوب التي وصفها شيشرون بأن أسلوبها يجري كأنه نهر ~~من ذهب، أضحى مفقودا منذ فقدت هذه المحاورات، بعد أن استمرت ثلاثة قرون من الزمان، ~~يقرؤها جمهور المثقفين، جنبا إلى جنب مع محاورات أفلاطون. ولكننا لحسن الحظ نعلم تمام ~~العلم حقيقة الدروس التي كان يلقيها أرسطو في داخل المدرسة؛ لأن كتبه - ابتداء من المنطق ~~إلى الميتافيزيقا - لا تزال باقية، وسنتحدث عنها فيما بعد. # ولا بد أن الأبنية التي كانت تشغلها المدرسة كانت متعددة واسعة، يتخذ بعضها لسكنى ~~الطلبة، وبعضها الآخر حجرات للمحاضرات، وبعضها الثالث لحفظ الكتب والخرائط وما أشبه. وأحد ~~هذه الأبنية كان معبدا لربات الفنون - أو متحفا كما نقول اليوم # Museum ~~- ولفظ المتحف بالأجنبية نسبة إلى «موزايوس»؛ أي ~~ربات الفن. وأقيم في المتحف تمثال لأرسطو، يقول ثاوفراسطس إنه تمثال نصفي، وقد أوصى أن ~~يوضع في المعبد. # ولما كان أرسطو أجنبيا عن أثينا، ولم يكن له حق امتلاك الأرض كما ذكرنا، فقد وهب ~~ديمتريوس الفاليري - تلميذ ثاوفراسطس - الأرض وما عليها من أبنية لثاوفراسطس. وفي وصية ~~ثاوفراسطس التي حفظها لنا التاريخ يقول: «البستان، ~~والممشى Peripatos ~~، والمساكن الملحقة بالبستان، أهبها كلها لأصدقائنا الذين يرغبون ~~في بحث الأدب والفلسفة بحثا مشتركا، ما دام ليس من الميسور لكل الناس أن يكونوا مقيمين ~~إقامة دائمة، بشرط ألا يفسد أحد الأبنية أو يقصرها على استعماله الخاص. ولكن الشرط أن ~~يملكوا المدرسة، وكأنها معبد من الأملاك العامة، وأن يعيشوا معا معيشة لائقة على أساس من ~~الصحبة والصداقة.» # وتدل هذه الوصية على أن روح أرسطو التي زرعها في تلاميذه، كانت لا تزال ترفرف عليهم. وقد ~~وضع لهم أرسطو دستورا للمدرسة يتبعونه في الطعام والشراب والنوم. ومن دستور المدرسة أن ~~يجتمعوا مرة كل شهر حول مائدة للطعام أو الشراب، على طريقة مأدبة أفلاطون؛ رمزا للمعيشة ~~المشتركة. وفي وصية ستراتون ms31 الرئيس الذي تولى بعد ثاوفراسطس رئاسة المدرسة ، نجد قائمة ~~بالأدوات التي وهبها للرئيس الذي عهد إليه بالمدرسة من بعده، وهذه الأدوات هي الملاءات ~~الخاصة بالولائم، وكئوس الشراب، وجميع الأثاث الموجود في صالة الطعام. ويبدو أن هذه الأدوات ~~استمرت تستكمل على مر الزمن، حتى إن المدرسة تحت رئاسة ليقون الذي تولى بعد ستراتون ~~وجهت إليها كثير من الشكوى؛ لأن الطلبة الفقراء لا يستطيعون المشاركة في المآدب بسبب ما ~~فيها من ترف شديد. مهما يكن من شيء، فإن أرسطو كان قد وضع دستورا للشراب وللمآدب، كما كانت ~~الحال في الأكاديمية، وفي معظم المدارس الفلسفية التي وجدت في ذلك الحين. # ولسنا ندري شيئا عن الرسوم الدراسية، ولكن يبدو أنها كانت بحسب مقدرة كل طالب، ولعل ~~الفقراء لم يكونوا يدفعون شيئا. ولذلك كانت المدرسة تعيش على هبات الأغنياء من جهة، وعلى ~~ما يدفعه الطلبة القادرون من جهة ثانية. # ولسنا ندري عدد التلاميذ الذين كانوا يحضرون دروس أرسطو، ولكن يبدو أنهم كانوا عددا ~~وفيرا؛ فقد حدثنا ديوجينيس اللايرسي في كتابه «سيرة الفلاسفة» عند الكلام عن ثاوفراسطس، ~~أن 2000 طالب اعتادوا حضور دروسه. ولو أننا نشك في هذا العدد، فإذا كان ثاوفراسطس وهو تلميذ ~~أرسطو وأقل منه شهرة حظي بهذا العدد من التلاميذ، فلا بد أن عدد تلاميذ أرسطو كان أكثر. ~~ولم يبين ديوجينيس عددهم، ولكنه قال إنهم كثير، أبرزهم ثاوفراسطس. ولا بد أن هذا العدد ~~الكبير هو الذي كان يحضر الدروس المسائية، أما الدروس الصباحية، أو السماعية، فلم يكن ~~العدد يتجاوز بضعة عشر تلميذا. # فما هي الدروس التي كان أرسطو يلقيها عليهم؟ # يختلف أرسطو عن أستاذه أفلاطون مزاجا ومنهاجا وفلسفة؛ صاحب الأكاديمية كان يرى أن ~~الفلسفة شيء يدرك بالحدس، والرؤية الباطنة، واتصال النفس بالحقائق الأزلية، ولذلك عرف ~~الفلسفة بأنها «رؤية» الحق، وجدير بمن يبلغ الحق عن هذا الطريق، أن يحتفظ به سرا من أسرار ~~النفس؛ إذ يصعب التعبير عن الحق باللفظ واللغة. ولذلك حذر أفلاطون في أكثر من موضع من ~~محاوراته الناس أن «يدونوا» الفلسفة؛ ms32 لأنها تدرك وتحس فقط. وقد ذكرنا قبلا أن ~~محاورات أفلاطون لم يودعها فلسفته التي كان يدرسها في الأكاديمية، وإنما عرفنا تلك ~~الدروس مما ذكره بعض تلاميذه، ونقلوه عنه، وعلى رأسهم أرسطو. # كان ذلك رأي أفلاطون: إن الفلسفة حوار يدور بين عقلين، أو «جدل» يصعد في باطن النفس إلى ~~آفاق المثل الخالدة، ويهبط من سماء المثل إلى عالم المحسوسات والتغير. ولكن أرسطو كان له ~~في الفلسفة رأي آخر؛ فهي البحث عن العلل الأولى والغايات الأخيرة، وهي ضرب من البحث ~~المنظم الذي يعتمد على منهج آخر خلاف الحوار وخلاف الجدل، ذلك المنهج هو «المنطق» الذي ~~ابتكره أرسطو حتى اشتهر به، ولقبه المتأخرون وبخاصة العرب: «صاحب المنطق». # ولم يكن أرسطو يذهب إلى القول بعدم تدوين الفلسفة؛ لأن وجهة نظره نحو تفسير الموجودات ~~تختلف عن وجهة نظر أفلاطون. فالفلسفة عند أرسطو هي «العلم بالموجود من حيث هو موجود»، أي ~~إنه يقر ويعترف بالموجود المحسوس. وما دام الأمر كذلك، فالمحسوس مركب بلا نزاع من ~~«مادة»، أو بالاصطلاح اليوناني الذي دخل لغة العرب من «هيولى». أما أفلاطون فقد ضرب عن ~~المادة صفحا، وفسرها تفسيرا رياضيا، وزعم أن «المثل» هي أصل الموجودات ~~المحسوسة. # من هنا كان اتجاه أرسطو طبيعيا، وكان اتجاه أفلاطون رياضيا. ولعل هذا الخلاف في ~~الاتجاه كان من جملة الأسباب التي دعت أرسطو أن يهجر الأكاديمية، وأن يفتتح مدرسة جديدة. ~~والفلسفة الطبيعية تبحث في أمور غير تلك التي تبحث فيها الفلسفة الرياضية، فضلا عن اختلاف ~~المنهجين، واختلاف الأسلوبين، واختلاف النزعتين. # وقد خلف لنا أرسطو مؤلفات في جميع المعارف، ابتداء من المنطق بأجزائه، والطبيعة، ~~وعلوم الحياة، إلى الميتافيزيقا والأخلاق والسياسة. وكانت تلك المؤلفات متداولة في داخل ~~المدرسة حوالي ثلاثة قرون من الزمان، إلى أن رتبها أندرونيقوس الرودسي في القرن الأول قبل ~~الميلاد هذا الترتيب المعروف حتى اليوم، واكتسبت هذه المؤلفات أسماء لم تكن لها زمان ~~أرسطو. # مثال ذلك أن كتاب «الميتافيزيقا» لم يؤلفه أرسطو بهذا الاسم، بل الفن الذي يبحث فيه هو ~~إما الفلسفة الأولى، وإما ms33 الإلهيات. أما «الميتافيزيقا» فهو اسم وضعه أندرونيقوس ~~للدلالة على ترتيب الكتب التي جاءت «بعد» الكتب الطبيعية؛ لأن «ميتا» باليونانية تدل على ~~«بعد»، ولذلك قال العرب في ترجمتهم لهذا الكتاب إنه كتاب «ما بعد الطبيعة». وحقيقة أمره أنه ~~ليس كتابا واحدا، بل أربعة عشر كتابا مرتبة على حسب الحروف الأبجدية اليونانية. # والمنطق الذي تركه لنا أرسطو يتألف من ستة كتب أساسية؛ هي (1) المقولات. (2) العبارة. ~~(3) القياس. (4) البرهان. (5) الجدل. (6) السفسطة. وقد أضاف العرب فيما بعد إلى هذه الكتب ~~الستة ثلاثة أخرى؛ مدخلا يسمى «إيساغوجي»؛ أي المدخل إلى المقولات، وهو من عمل فرفريوس ~~الصوري، ثم الخطابة والشعر. والشعر بوجه خاص كتاب فني يبحث في الفن والجمال، ولا صلة له ~~بالمنطق، ولكن العرب متأثرون ببعض شراح أرسطو جعلوه ضربا من القياس. ولم يكن أرسطو ~~يعرف مصطلح «المنطق»، فهذا المصطلح من وضع شيشرون في عصر متأخر، ولكنه كان يعني - بما ~~نقول عنه «المنطق» - «التحليلات». وصناعة التحليل عنده تمر في مرحلتين أولى وثانية؛ ~~فالأولى هي القياس، والثانية هي البرهان. والمقصد من «المنطق» هو البرهان الذي يؤدي إلى ~~معرفة اليقين في الأمور العلمية؛ لأنه يعتمد على مقدمات أولى يقينية. و«المنطق» عند ~~أرسطو، وعند المشائين بوجه عام، هو أداة التفكير، هو «الأرجانون»؛ أي الآلة التي إذا أحسن ~~المرء استخدامها توصل إلى التفكير الصحيح. # وهكذا نرى أن البرهان منهج ضروري للبحث في الطبيعيات، وقد كان أرسطو مبتكرا إلى حد ~~ما لهذا المنهج الذي استخدمه منذ كان في أسوس وميتلين. وعندما افتتح «اللوقيون»، وكان يتتبع ~~الظواهر الطبيعية للوصول منها إلى القواعد الكلية السارية في العالم الطبيعي. وله من الكتب ~~في هذه الموضوعات كتاب الطبيعة، والسماء، والكون والفساد، والآثار العلوية، ثم الكتب ~~النفسية وعلى رأسها كتاب النفس، والطبيعيات الصغرى التي تشمل الحس والمحسوس، والذكر ~~والتذكر، والنوم والأرق، وغير ذلك. ثم الكتب التي تبحث في علم الحيوان، وقد اقتبس الجاحظ ~~في الحيوان كثيرا من آراء أرسطو، وذكره في أكثر من موضع. # وها هنا يمكن تقدير قيمة المساعدة التي أمر بها الإسكندر المقدوني، حين ms34 طلب من الصيادين ~~في الجو والبر والبحر أن يقدموا نماذج مما يصيدون لأرسطو، أو على أقل تقدير أن يصفوا ~~له ما لا يتيسر لهم تقديمه من أصناف الحيوان. وهذا المنهج الذي يعتمد على وصف النماذج ~~المختلفة يسميه أرسطو «التاريخ الطبيعي»، وفيما يختص بالحيوان يسميه «تاريخ الحيوان»؛ ~~يقصد بذلك تسجيل أصنافه المتعددة. ولم يتبع أرسطو هذه الطريقة فيما يختص بالبحث الطبيعي ~~فقط، بل كذلك عندما بحث الدساتير ونظم الدولة. إنه يقيم نظريته السياسية بعد التقصي ~~والاستقراء. # لم يكن أرسطو صاحب المنطق فقط، بل يمكن القول إنه صاحب كل علم، وواضع أسس معظم فروع ~~العلوم الطبيعية؛ فهو صاحب الحيوان، وهو صاحب النفس، الذي ظل كتابه في علم النفس عمدة ~~لهذا العلم عشرين قرنا من الزمان. وقد استمرت نظرية العناصر الأربعة حتى القرن الثامن ~~عشر هي النظرية السائدة في العلوم الطبيعية. وهكذا نجد أن فلاسفة العصر الوسيط سموه بحق ~~«المعلم الأول». واستمرت كتبه هي العمدة التي يعول عليها، والأصل الذي يعد أقصى ما ~~يتمناه المرء أن يقوم بشرحها؛ ولذلك قامت المشائية كمدرسة على كتب «المعلم الأول» ~~وشروحها. واشتهر الشراح في هذه المدرسة شهرة مؤسسها، ولا يمكن الفصل في هذه المدرسة ~~بين «المعلم الأول» وبين شراحه. وكيف يمكن هذا الفصل، ولم تظهر كتبه إلا بعد ثلاثة ~~قرون من الزمان، ولم يكن ترتيبها على هذا النحو الموجود بين أيدينا؟ ويبدو أن كثيرا من هذه ~~الكتب من عمل المدرسة لا من عمل أرسطو وحده. # ولما توفي أرسطو، تولى رئاسة المدرسة ثاوفراسطس ثمانية وثلاثين عاما (323-286ق.م)، ~~ويعد المؤسس الثاني لمدرسة «اللوقيون»، بخاصة أن أرسطو لم يستمر في المدرسة إلا ثلاثة ~~عشر عاما. وفد إلى أثينا من جزيرة لسبوس، وحضر على أفلاطون في الأكاديمية، وعرف أرسطو في ~~ذلك الحين، وتوطدت الصداقة بينهما. ولما هجر أرسطو أثينا قبل وفاته بعام، عهد برئاستها ~~إلى ثاوفراسطس، ووهب له في وصيته المكتبة والمذكرات التي كان يلقي منها محاضراته، والتي ~~نشرت فيما بعد على أنها مؤلفات «المعلم الأول». # وقد ذكرنا من قبل أن ms35 عدد الذين كانوا يحضرون دروسه بلغ الألفين ، ولعل هذا العدد كان ~~يحضر دروس الخطابة والأخلاق وما أشبه. والأشبه أن الرقم مبالغ فيه. وقد تابع ثاوفراسطس جهود ~~أرسطو في تأسيس المدرسة واستكمالها؛ فوسع الحديقة، ونظم الأوقات والمناهج للتدريس. ~~واشتهر بكتابه في النبات، وله في هذا الفن كتابان في الواقع هما تاريخ النبات، وعلل ~~النبات، ظلا عمدة هذا العلم في الزمن القديم والعصر الوسيط. والعرب يعرفون ثاوفراسطس ~~ويبجلونه، وترجموا كتبه. وجاء في وصيته ما فحواه أن المال الذي أودعه عند هيبارخوس ينفق ~~منه أولا على إتمام تجديد بناء المتحف، وما فيه من تماثيل الآلهة. وثانيا أن يوضع في ~~المعبد تمثال أرسطو كما كان من قبل. وثالثا تجديد بناء الرواق المجاور للمتحف، بشرط أن ~~يكون جميلا كما كان، وأن يوضع في الرواق السفلي المناضد وعليها خرائط البلاد التي اجتازها ~~الرواد المستكشفون. وأيضا يجب إصلاح المذبح وتجميله. إلى قوله: وإني أوصي بإتمام تمثال ~~نيقوماخوس في الحجم الطبيعي، وقد دفعت الأجر المتفق عليه للمثال براكستيلس ... وإني أوصي ~~أن تتألف هيئة المدرسة من هيبارخوس، ونيلوس، وسطراطون، وقالينوس، وديموتيموس، وديمارتوس، ~~وقالستينمس، وميلانتيس، وبانقريون، ونيقيبوس. # والوصية طويلة لم نذكر إلا بعضها؛ لنبين كيف كان رئيس «اللوقيون» يفكر في مصلحة ~~المدرسة حيا وميتا، وكيف كان يعنى بتجميلها، كما وضح لنا عدد الخلفاء البارزين الذين ~~كانوا يديرون أمور المدرسة. وهذه الهيئة أشبه شيء بمجلس إدارة للنظر في جميع شئون المدرسة، ~~ويعد رئيس المدرسة رئيس مجلس الإدارة. # تولى المدرسة أسطراطون من 286 إلى 268ق.م، وقد اشتهر باسم أسطراطون الطبيعي؛ بسبب ~~انقطاعه لبحث الطبيعة. وقد علم بطليموس فيلاديلفوس الذي نفحه مبلغا عظيما من المال يضاهي ~~ما أعطاه الإسكندر لأرسطو. وله مؤلفات كثيرة ذكر ديوجينيس أسماءها، كما أثبت وصيته التي ~~جاء فيها أنه يعهد برئاسة المدرسة إلى «ليقون»؛ لأن الآخرين أصبحوا إما طاعنين في السن، ~~وإما في غاية الانشغال. ويبدو من النظر في وصية رؤساء المدرسة أن الرئاسة كانت في بعض ~~الأحيان بالنص والتعيين، كالحال في تولية «ليقون»، وفي بعض الأحيان الأخرى بالانتخاب ms36 من ~~جماعة الفلاسفة الذين يديرون أمور المدرسة، ويعيشون معا معيشة مشتركة. # واستمر «ليقون» حوالي نصف قرن رئيسا للمدرسة، من 268 إلى 225ق.م، ولم يؤثر عنه ~~الاشتغال بالعلم الطبيعي، بل اتجه إلى الأخلاق والسياسة والبلاغة. ومنذ ذلك الوقت، بدأت ~~مدرسة الإسكندرية تنتزع الراية من المدارس الأثينية التي لم يعرف عنها تجديد أو ~~ابتكار. # ثم توالى الرؤساء على المدرسة، ويهمنا أن نتحدث قليلا عن الرئيس الحادي عشر، وهو ~~أندرونيقوس الرودسي. وكانت مدته من 78 إلى 47 قبل الميلاد. وترجع أهميته إلى أنه هو المسئول ~~عن ترتيب كتب أرسطو على النحو الموجود بين أيدينا الآن، أو أنه هو الذي أعد كتب أرسطو ~~للنشر على هذا النحو. ولسنا نقصد بالنشر أنه طبعها؛ فلم تكن المطبعة قد اخترعت بعد، وإنما ~~كانت الكتب تنسخ على لفائف من أوراق البردي أو رقائق الجلد. ويكفي أن تتصور «المكتبة» ~~الملحقة بالمدرسة، والأبنية التي تتسع لمثل هذه الكتب الضخمة. وقد احتذت برجامون ~~والإسكندرية في إنشاء مكتباتها حذو مكتبة أرسطو. # ولعلنا نترك حديث المدرسة بعض الوقت؛ لنتحدث عن قصة كتب أرسطو، تلك القصة التي تشبه ~~الأسطورة؛ ذلك أن ثاوفراسطس حين حضرته الوفاة، أوصى بمكتبته إلى زميله وصاحبه نيلوس، وكان ~~في تلك المكتبة الخاصة مؤلفات أرسطو. ولما كان نيلوس مواطنا من طروادة بآسيا الصغرى، ~~فقد حمل الكتب معه هناك، حيث أنشأ حلقة أفلاطونية (وكان نيلوس يدرس بالأكاديمية مع ~~ثاوفراسطس وأرسطو). وحين أراد حكام برجامون إنشاء مكتبة تنافس مكتبة الإسكندرية، خشي ~~ورثة نيلوس أن يستولى على مكتبتهم، فأسرعوا بإخفائها في كهف، وظلت حبيسة المغارة قرنا ~~ونصف قرن، إلى أن سمع بخبرها أبيليقون الضابط المرتزق في جيش ميثريادس، وكان جماعا ~~للكتب، فاشتراها بثمن بخس. وكانت الرطوبة قد محت كثيرا من الكتابات الموجودة باللفائف، ولم ~~يستطع أبيليقون أن يرتب هذه المؤلفات، وأن يصدر منها نشرة صحيحة. وأرسلت الكتب إلى ~~روما، حيث أراد تيرانيون النحوي أمين مكتبة شيشرون أن يرتب الكتب، ولم يفلح. أما ~~النشرة الصحيحة، فهي تلك التي أشرنا إليها من عمل أندرونيقوس الرودسي. ويعد ms37 عمله في هذا ~~الترتيب والنشر شرحا لمؤلفات أرسطو؛ فهو أول شارح . # احتاج أرسطو إلى شراح؛ لأن العهد كان قد بعد بين تعليمه في القرن الرابع قبل ~~الميلاد، وبين العصور الجديدة بعد ثلاثة قرون؛ أي منذ القرن الأول قبل الميلاد. وكانت ~~فلسفات جديدة قد ظهرت إلى الوجود، وأصبحت هي السائدة؛ كالرواقية، والإبيقورية، ~~والإسكندرانية، ثم الأفلاطونية المحدثة. ولما تدهورت مباحث الفلسفة، أخذ المشتغلون بها من ~~المتأخرين يخلطون بين هذه الفلسفات كلها، على الرغم من أن الأسس التي تقوم كل منها ~~عليها مختلفة. هذا إلى أن أوائل الخلفاء على مدرسة أرسطو لقرب عهدهم منه، كانوا يحسنون فهم ~~كتبه واتجاهاته، فلما انقضى ذلك الرعيل الأول، خلف من بعدهم خلف أصبحت هذه المؤلفات ~~بالنسبة إليهم أشبه بالطلاسم التي تحتاج إلى تفسير أو إلى شرح. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى ~~الشراح. # والشراح للمشائية كثيرون، وصلت بعض كتبهم إلى العرب الذين كانوا على معرفة وثيقة ~~بهم، ولكن أشهر الشراح بإطلاق بالنسبة إلى العالم العربي الإسكندر الأفروديسي في القرن ~~الثالث بعد الميلاد، وثامسطيوس في الرابع بعد الميلاد، وسمبلقيوس في القرن السادس بعد ~~الميلاد. وقد اتصل العرب بهذه الحركة؛ فكان ابن رشد من أكبر شراح أرسطو، لا تقل منزلته ~~عن الإسكندر الأفروديسي أو ثامسطيوس. وقد نقلت شروح ابن رشد إلى اللغة اللاتينية، وعرفت ~~أوروبا أرسطو والمشائية عن طريق ابن رشد. # ولا تزال مدرسة أرسطو على الرغم من أنها أغلقت نهائيا أبوابها في أثينا عندما طرد ~~الإمبراطور جستنيان الفلاسفة سنة 529 حية حتى اليوم، ونقلت أفكارها إلى جميع اللغات، ولا ~~يزال منطق أرسطو مستخدما، ولا تزال اتجاهاته الفلسفية الرئيسة باقية، وعلى رأسها أن ~~الفلسفة هي العلم بالموجود، أو هي العلم بالعلل الأولى والغايات الأخيرة. وبقيت الأرسطية ~~ولا تزال عنوانا على تفسير الموجودات بالهيولى والصورة، أي بمبدأين لا بمبدأ واحد. والقول ~~بالقوة والفعل باعتبار أن القوة تقابل المادة، والفعل يقابل الصورة، وعلى القول بنظرية ~~الوسط في الأخلاق. # | الرواق والحديقة # كانت المدارس الفلسفية في اليونان كثيرة، أشرنا إلى أبرزها وأهمها وأعظمها أثرا ms38 في تاريخ ~~الفكر البشري. وورد في أثناء ذلك ذكر بعض المدارس التي لم تلبث أن انقرضت بموت أصحابها. وفي ~~أواخر القرن الرابع وأوائل الثالث قبل الميلاد، ظهرت أربع مدارس؛ هي الكلبية والشكاك ~~والرواقية والإبيقورية، وأشهرها الرواقية والإبيقورية. فالرواقية نسبة إلى مكان التعليم في ~~الرواق، والإبيقورية نسبة إلى صاحبها إبيقور، الذي كان يعلم في الحديقة. # وعلى الرغم من زوال المدرستين منذ القرن الأول للميلاد تقريبا، إلا أن روح الرواقية لا ~~تزال سارية حتى اليوم، على حين اكتسبت الإبيقورية معنى منحرفا، وأصبح الشخص الذي يوصف ~~بأنه إبيقوري إنما يدل ذلك على انهماكه في الشهوات وإسرافه في الملذات. # نبدأ بالحديث عن الرواقية فنقول: إن الذي أسس هذه المدرسة هو زينون الرواقي، أصله من ~~مدينة أكتيوم بجزيرة قبرص، وهي مدينة يونانية استقر بها مهاجرون من فينيقيا التي تقع على ~~الشاطئ المقابل للجزيرة. ويروى أنه خرج في تجارة فغرقت السفينة على مقربة من بيرايوس ميناء ~~أثينا، فلما نجا توجه إلى أثينا، واستقر بها، ودرس فيها، وكان فيما يقال في الثلاثين ~~من عمره. فلما استقر به المقام، اشترى من وراق كتاب زينوفون عن سقراط، وهو المذكرات ~~المشهورة، فأعجب به وسأل: أين يوجد رجل مثل سقراط؟ فأشار عليه الوراق باتباع أقراطيس ~~الكلبي. وتنقل زينون عشرين عاما بين المدارس الفلسفية في أثينا، ثم أخذ يعلم الفلسفة ~~في رواق مشهور بأثينا كان محلى بنقوش بوليجبنوتس أشهر الرسامين اليونانيين في القرن ~~الخامس قبل الميلاد. وكان ذلك الرواق فيما مضى منتدى للأدباء والشعراء يلتقون فيه، وكان ~~إلى ذلك مباحا لكل طارق، فلما اتخذه زينون مكانا للتعليم، سمي وأتباعه ~~بالرواقيين. # الواقع كانت طريقة التعليم في اليونان، كما ذكرنا، تتم بين المعلم وتلاميذه؛ إما في ~~رواق، وإما على ممشى بين الأشجار؛ أي في حديقة. فالأكاديمية - وهي التي سماها العرب ~~أقاذيميا - كانت في الأصل حديقة سميت باسم البطل أكاديموس. وكان كبار السفسطائيين الذين ~~علموا في بيوت أشراف أثينا يلقون دروسهم وهم يمشون في الرواق. ذلك أن القصور كانت تبنى ~~بحيث يفسح فيها مكان لأروقة ms39 تقام على أعمدة تلقي ظلا يخفف من حرارة الجو. ولكن بعض ~~المدارس اشتهرت تاريخيا بنسبتها إلى خاصية معينة؛ مثل مدرسة المشائين، وحديقة ~~إبيقور، ورواق الرواقية. # والرواقية مذهب تغير على مر الزمن؛ فهي على يد مؤسسها زينون خلافها على يد أبكتيتوس ~~أو مرقص أوريليوس مثلا. ولكنها على الرغم من تطورها، وعلى الرغم من هجرها لاتجاهات ~~مادية أو طبيعية، فقد بقي لها طابع عام لا يزال حتى اليوم يميزها عن أي مدرسة فلسفية ~~أخرى. والرواقي صفة تطلق - وبخاصة في اللغات الأوروبية - على الشخص الذي يمتاز بثلاثة أمور ~~كلها أخلاقية؛ هي التحرر من الأهواء، وعدم الخضوع للأفراح والأحزان، والاستسلام لقانون ~~القضاء. فإذا تيسر لأحد أن يملك زمام نفسه على هذا النحو؛ فهو الحكيم الرواقي. ويمكن ~~القول بعبارة أخرى، إن الحكيم الرواقي هو الذي يصبر على أحداث الزمان، ويرضى بما يجري عليه ~~ولا حيلة له فيه من العطاء أو الحرمان، وهذا شيء ليس من اليسير أن يتقبله كل ~~إنسان. # والرواقية مدرسة عجيبة ظهرت في بلاد اليونان، ولكن مؤسسها غير يوناني، وجمعت بين السيد ~~والعبد على صعيد واحد، ولم تميز بين شرقي ولا غربي، ولم تستقر في مكان واحد أو داخل ~~جدران مدرسة واحدة، ومع ذلك انتشرت تعاليمها، ولا تزال سارية حتى الآن. وتطورت آراؤها ~~على مر العصور، ولكنها احتفظت بطابع أخلاقي يميزها عما عداها. # استمرت رسميا خمسة قرون، من الثالث قبل الميلاد، إلى الثاني بعد الميلاد. أول ممثليها ~~زينون، وآخرهم مرقص أوريليوس المتوفى 180ب.م. وتقسم المدرسة عادة إلى قديمة ووسطى ~~وحديثة؛ فالقديمة في أثينا، ويمثلها زينون وكليانتس وكريسبوس. ووسطى يمثلها بناثيوس ~~وبوزيدونيوس، وحديثة في روما يمثلها سينيكا وأبيكتيتوس ومرقص أوريليوس. ثم تسربت ~~آراؤها إلى المسيحية واستمرت في التراث الغربي حتى الوقت الحاضر. وقد كان لها أثر كبير ~~على الحكام والملوك الذين اعتنقوا هذه الفلسفة، حتى قيل إن معظم الملوك بعد الإسكندر ~~المقدوني كانوا من أتباع الرواقية. # وتقوم الرواقية على مبدأين أساسيين مع التوفيق بينهما؛ وهما الحتمية الكونية والحرية ~~الإنسانية. والأول منهما خاص بالطبيعة، والثاني ms40 بالإنسان؛ ذلك أن حوادث الكون محكومة ~~بقوانين صارمة، وليس ثمة في نظر الرواقيين صدفة أو اتفاق. وعندهم أن كل شيء في هذا العالم ~~مسوق نحو غاية ومدبر لخدمة الإنسان، وهذه هي نظرية العناية الإلهية. وعلى الإنسان أن يسعى ~~بإرادته، ومحض حريته واختياره إلى أن يتوافق مع القوانين العامة للطبيعة. فالفضيلة إذن تقوم ~~في حرية الإرادة الموافقة للطبيعة. وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن يكون الحكيم الرواقي سيد ~~نفسه، لا يهمه فقر أو غنى، ولا تصده أي قوة خارجية عن الفضيلة. # ولما كانت آراء هذه المدرسة غير منفصلة عن حياة أصحابها، فلنشرع في الحديث عن أبرزهم، ~~مبتدئين بمؤسسها. # ذكرنا أن زينون الرواقي - وهو خلاف زينون الإيلي تلميذ بارمنيدس - من أصل فينيقي. ولد في ~~قبرص بمدينة أكتيوم، وازدهر في أوائل القرن الثالث من قبل الميلاد. وكان أبوه تاجرا، ~~فاشتغل زينون في صباه بالتجارة، وركب البحر متجها إلى بلاد اليونان يبيع شحنة من ~~الأرجوان، غير أن السفينة تحطمت، فذهب إلى أثينا، وأخذ يدرس الفلسفة. ويحكى في سبب ذلك ~~أنه اختلف إلى دكان وراق (أي صاحب مكتبة)، وقرأ عنده مذكرات زينوفون التي روى فيها ~~أحاديث سقراط، فأعجب بالمحاورات إعجابا شديدا وسأل أين يمكن أن يجد شخصا مثل سقراط. ~~ولقد ظلت شخصية سقراط المثل الأعلى للرواقية في شتى عصورها؛ إذ أعجب الرواقيون بموقفه ~~في المحاكمة، ورفضه الهرب من السجن، وهدوئه في مواجهة الموت، وعلى الجملة سيرته الأخلاقية ~~الفاضلة. كما أعجب الرواقيون كذلك ببساطة سقراط في الطعام والشراب والملبس، وعدم مبالاته ~~بالحر أو البرد، وعزوفه عن الرفاهية والترف؛ من أجل ذلك اقترنت الرواقية بالزهد والأخلاق ~~الفاضلة. # عاش زينون حتى بلغ التسعين، وظفر بشهرة واسعة، وكان له تلاميذ كثيرون في المدرسة التي ~~خلفه على رئاستها كليانتس. اشتهر بأمرين؛ الأول: التمسك بأن الأرض مركز الكون؛ ولذلك يجب ~~الحكم على أرسطارخوس بالإعدام لإلحاده بسبب قوله إن الشمس مركز الكون لا الأرض. والثاني: ~~قصيدته التي نظمها في تقديس زيوس. # غير أن خليفته في المدرسة وهو كريسيبوس (280-207ق.م.) هو الذي ms41 يعزى إليه تثبيت دعائم ~~المدرسة، وتنظيم المذهب، والعناية بالمنطق ونظرية المعرفة. وكان زينون يقول إن الفلسفة ~~بستان والمنطق سوره، والطبيعة شجره، والأخلاق ثمره؛ وبذلك جعل الأخلاق لب الفلسفة، والمباحث ~~النظرية من طبيعة ومنطق تابعة لها. ولكن يبدو أن كريسبوس أفرد للدراسة النظرية مكانا ~~أوسع، وبخاصة المنطق، الذي أضحى جزءا من الفلسفة، لا كما ذهب أرسطو آلة لتحصيلها فقط. ومن ~~أقواله في الأخلاق إن الرجل الفاضل سعيد دائما، والشرير شقي أبدا، وإن النفس تبقى بعد ~~فناء البدن إلى أن يحين الاحتراق العام. # ثم انتقلت الرواقية إلى روما غربا، مع ظهور الإمبراطورية الرومانية. وتعدل المذهب ~~أولا على يد بناثيوس (توفي 110ق.م)، الذي أدخل في الرواقية عناصر أفلاطونية، وهجر مادية ~~المدرسة القديمة، وكان صديقا لشيبيو. كما أثر في شيشرون صاحب الفضل في نشر الرواقية بين ~~الرومان. وقد تعلم بوزيدونيوس من بناتيوس وخلفه. وبوزيدونيوس إغريقي من سوريا، شهد في ~~صباه نهاية الدولة السلوقية في سوريا، ودفعه ما رآه من فوضى إلى الهجرة غربا، فذهب أولا ~~إلى أثينا، حيث رضع لبان الرواقية في ظل الرواق. غرب إلى أقصى غرب الإمبراطورية ~~الرومانية في شمال أفريقيا وإسبانيا وفرنسا. وقد تعلم شيشرون على بوزيدونيوس في رودس وعنه ~~أخذ هذا المذهب. وقد اتجه وجهة رياضية موفقا بين تعاليم أفلاطون الأصلية - لا تعاليم ~~الأكاديمية التي اصطنعت مذهب الشك - وبين الأخلاق الرواقية. # ذكرنا أن الرواقية في عصرها المتأخر اشتهرت برجال ثلاثة، على رأسهم سنيكا (من 3ق.م. ~~إلى 65ب.م)، أصله إسباني، عاش أبوه في روما، تثقف ثقافة سياسية هيأته للاشتغال ~~بالسياسة، فأصبح وزيرا للإمبراطور كلاوديوس، الذي نفاه إلى كورسيكا بسبب عداوته لزوجته ~~مسالينا، ثم استدعته أجريبا زوجة الإمبراطور الثانية، وعينته معلما لابنها البالغ من ~~العمر إحدى عشرة سنة. وهذا الصبي هو الذي أصبح فيما بعد الإمبراطور نيرون. وهكذا كان سنيكا ~~معلم الإمبراطور، كما كان أرسطو معلم الإسكندر، ولكن شتان بين التلميذين، وبين ~~المعلمين. وقد لقي سنيكا من تلميذه جزاء سنمار؛ إذ غضب نيرون عليه عقب اتهامه بالتآمر ~~على حياته، ومحاولة تنصيب إمبراطور ms42 آخر على العرش. وقد سمح له أن ينفذ حكم الإعدام على ~~الطريقة الرومانية بأن ينتحر، فاختار أن يقطع شريانه. ومع أنه كان يزدري المال، إلا أنه ~~جمع ثروة كبيرة، قيل إنها بلغت مليونا من الجنيهات. # أما أبكتيتوس (60-100 بعد الميلاد) فكان عبدا إغريقيا، حرره نيرون واتخذه وزيرا. ~~عاش في روما وعلم بها حتى سنة 90، إلى أن نفاه الإمبراطور دومتيان - ولم يكن يحب أرباب ~~الفكر والنظر - مع من نفاهم من الفلاسفة. وذهب أبكتيتوس إلى نيقوبوليس في أبيروس، حيث أخذ ~~يعلم ويؤلف. # أما الإمبراطور مرقص أوريليوس (121-180) فقد عاش حياة رواقية فاضلة. تميز عصره ~~بوقوع كوارث عديدة؛ من زلازل، وأوبئة، وحروب طويلة دامية. وكان ابنه الإمبراطور كومودس من ~~أسوأ الأباطرة سيرة، ولكنه أخفى نواياه الشريرة عن أبيه مدة حياته. وقد اشتهر مرقص ~~أوريليوس بكتابه الذي نشر بعد وفاته، وهو «التأملات». وهو عبارة عن خواطر كان يدونها ~~لنفسه، ولم يكن يعدها للنشر. وقد اتهمت زوجته «فاوستينا» بفساد السيرة، ولكن زوجها لم ~~يشك في شرفها. وقد اضطهد أوريليوس المسيحيين لخروجهم على دين الدولة الذي كان يعتبره ~~ضرورة سياسية. وعلى الجملة عاش مرقص أوريليوس حسن السيرة نقي السريرة. # كانت فلسفة أبكتيتوس ومرقص أوريليوس ملائمة للعصر الذي عاشا فيه، ذلك العصر الذي تميز ~~بالقلاقل والاضطرابات والكوارث، ولم يكن ثمة أمل في تحسين تلك الأحوال التي سارت من سيئ ~~إلى أسوأ، حتى انتهى الأمر بسقوط الإمبراطورية الرومانية؛ من أجل ذلك كانت الأخلاق الرواقية ~~التي بشرا بها وسارا عليها أفضل أخلاق ملائمة لذلك الصبر؛ إذ كانت تدعو إلى الصبر على ~~الأذى، واحتمال المصائب، والرضا بالقضاء، أكثر منها رسالة أمل ورجاء. # وفلسفتهما متشابهة إلى حد كبير. ومن أقوال أبكتيتوس: إننا نعيش مساجين على الأرض، وفي ~~بدن أرضي. ومن أقوال مرقص أوريليوس: ما أنت أيها الإنسان سوى روح ضئيلة تحمل على كاهلها ~~جثة. ~~••• # وقد أصبحت حديقة إبيقور عنوانا على البحث الفلسفي في الأخلاق واعتمادها على اللذة، وعلى ~~الصحبة الفلسفية لتبادل الآراء. وقد شاع عن إبيقور أن مذهبه هو الإقبال على ms43 اللذة، والحق أن ~~أحدا لم يظلم مثلما ظلم إبيقور، إن في سيرته أو في مذهبه. وقد أشاع عنه خصومه الشائعات ~~وألصقوا به التهم جزافا. وأكبر الظن أن خصومه في الفكر هم الرواقيون أصحاب الرواق، والذين ~~كانت مدرستهم تنافس حديقته. قيل مثلا إن أمه كانت كاهنة مشعوذة، وكان يطوف معها من دار ~~إلى أخرى يرتلان الأدعية الدينية. كما كان يساعد أباه في مهنة تعليم الصبيان لقاء أجر ~~ضئيل. ولو صحت الرواية السابقة عن أمه، فيكون في ذلك السر في كراهية إبيبقور فيما بعد ~~للخرافات الدينية التي تميزت بها تعاليمه. # أبوه أثيني استقر في ساموس، وهناك أنجب ابنه إبيقور سنة 342ق.م، وفيها أمضى الصبي ~~حداثته، وشرع يدرس الفلسفة وهو في الرابعة عشر من عمره. وفي الثامنة عشر ذهب إلى أثينا يبغي ~~أن يكون مواطنا أثينيا، ولكن في ذلك الوقت طرد المستعمرون في ساموس، فلجأ مع أسرته إلى ~~آسيا الصغرى. وقد تعلم إبيقور المذهب الذري على يد ناوزيفانس أحد أتباع ديمقريطس. # بدأ يفتتح مدرسة فلسفية سنة 311 في ميتلين، ثم في لامباسكوس. # وفي سنة 307 افتتح مدرسته في أثينا، وظل يعلم بها إلى أن توفي سنة 270، فكانت بذلك ~~رابع مدرسة كبرى في أثينا بعد الأكاديمية و«اللوقيون» والرواق. وتعد حديقة إبيقور مدرسة ~~منظمة كالثلاث الأخرى، وهذا سر بقائها حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد؛ إذ تعلقت ~~بمكان ثابت، وكان لها رؤساء تولوا إدارتها بعد موت صاحبها، وهذا على عكس المدرستين ~~اللتين أشرنا إليهما في بداية هذا الفصل؛ وهما مدرسة الكلبيين ومدرسة الشكاك. # اشترى إبيقور في أثينا بيتا وحديقة هي التي كان يقوم بالتدريس فيها، ومنذ ذلك الوقت ~~أصبحت حياته هادئة لا يعكر صفوها سوى اعتلال صحته. # اشترك بالمدرسة منذ إنشائها في ميتلين إخوته الثلاثة وبعض الأصدقاء، ولكن عدد التلاميذ ~~أخذ يزداد في أثينا. ولم تقتصر المدرسة على قبول طلبة الفلسفة فقط، بل ضمت الأصدقاء ~~والأطفال والعبيد والصواحب. وكان لاشتراك المرأة في الحديقة أثره في التشنيع على المدرسة، ~~وذريعة اتخذها خصومه لاتهامه بالباطل؛ إذ لم ms44 يكن من المألوف فتح أبواب المدارس الفلسفية ~~للمرأة، فيما عدا مدرسة فيثاغورس التي كانت في واقع الأمر فرقة دينية. # والرابطة الأساسية التي كانت تجمع بين أفراد المدرسة هي الصداقة. وكانت حياة الجماعة - أو ~~الفرقة - في المدرسة بسيطة جدا، لا لأن تعاليم المدرسة كانت تنصح بالبساطة، كما هي الحال ~~في سائر المدارس الأخرى، بل لحاجتها إلى المال. وكان طعام إبيقور الخبز والماء، وكذلك باقي ~~التلاميذ، وفي ذلك كفاية لحفظ الحياة. ومن أقوال إبيقور: إن بدني لينتشي حين أعيش على الخبز ~~والماء، وإني لأبصق على اللذات المترفة، لا لذاتها، بل بسبب ما تجلبه من عواقب غير ~~حميدة. # اعتمدت المدرسة على الهبات التي كان يطلبها صاحبها من الأصدقاء ومن التلاميذ، وهذه الهبات ~~بعضها من الطعام الذي يحتفلون به في أعيادهم، وبعضها من المال. وقد جاء في إحدى الروايات ~~أنه سأل أحدهم أن يهب المدرسة جبنا يأكلونه في العيد. # وكان إبيقور سليط اللسان على أصحاب الفضل عليه في تعلم الفلسفة؛ إذ أنكر كل فضل ~~لديمقريطس ولوقيبوس صاحبي المذهب الذري، ووجه إليهما أقذع الشتائم. والمذهب الإبيقوري ~~مادي ذري من جهة النظر إلى الفلسفة الطبيعية، وداع إلى اللذة في الأخلاق. # اللذة هي الخير، وهي بدء الحياة السعيدة ونهايتها. # ومن أقواله التي حفظت في كتب المؤرخين: لست أدري كيف أتصور الخير إذا نزعت عنه لذة ~~الذوق، ومتعة المرأة، وبهجة السمع والبصر؟ # ومن أقواله أيضا: أول كل خير وأساسه لذة البطن، وحتى الحكمة والثقافة فإنهما يرجعان ~~إليها. # ومع أن اللذة هي مبدأ الحياة، إلا أن الإنسان لا ينبغي أن يقبل عليها دون نظر إلى ~~عواقبها، فإن كانت وخيمة، فلا بد من التضحية بها، بل تحمل الألم المؤقت في سبيل اللذة ~~المستقبلة. واللذة عنده هي البعد عن الألم وتجنبه أكثر منها إقبال على المتعة. وهذا هو ~~السبب في الزهد في الطعام؛ لأن عواقب التخمة وخيمة. والصلة الجنسية لا تؤدي إلى خير ~~أبدا، والسعيد السعيد من لم يصب منها بضرر. أما رأس الفضائل فهي الصداقة، وهي لا تنفصل ~~عن اللذة؛ ms45 إذ من دونها لا يعيش المرء آمنا بغير خوف. # والخوف محور آخر لفلسفة إبيقور، وتجنبه هو الذي يحقق اللذة، ومن أقواله في ذلك: لا ~~تسرف في الأكل خشية سوء الهضم، ولا في الشرب خشية ما يحدث صباح اليوم التالي. واحتقر ~~السياسة والمرأة وسائر الأعمال الشهوانية. على الجملة: عش واتق الخوف. # ومصادر الخوف أمران - في زمانه طبعا - الدين والموت، وهما متصلان؛ لأن الدين الذي كان ~~سائدا كان يعلم أن الموتى أشقياء؛ ولذلك نادى بفلسفة تستبعد من الدين ما يجعله يبعث ~~الخوف. ومذهبه أن الآلهة لا تتدخل في شئون البشر، وأن الروح تفنى بفناء البدن. إنه لا ~~ينكر وجود الآلهة، فهي موجودة، ولكنها لا تتدخل في أعمال البشر، ولا تعنى بهم، فلا حاجة ~~للخوف منها، أو إغضابها واستجلاب رضائها، أو الذهاب إلى الجحيم بعد الموت. # وفلسفته الطبيعية ذرية، وهي استمرار لفلسفة ديمقريطس؛ فالعالم مركب من ذرات وخلاء، ولكن ~~الذرات ليست خاضعة دائما لقوانين طبيعية صارمة؛ أي لفكرة الضرورة التي سادت الفلسفة ~~اليونانية وجاءت من الدين. # والذرات عند إبيقور لها ثقل؛ ومن أجل ذلك تقع باستمرار، لا نحو مركز الأرض، بل إلى «تحت». ~~وبين حين وآخر تنحرف بعض الذرات عن السقوط إلى تحت متأثرة بإرادة باطنة حرة. والنفس ~~مادية ومركبة من ذرات تتخلل سائر أجزاء البدن. ~~••• # ثم خلف إبيقور على الحديقة رؤساء يذكرهم ديوجينيس لايرتوس في تاريخه، ولكن لم يشتهر أي ~~واحد منهم، اللهم إلا لوكريتيوس الذي عاش في روما، وكتب قصيدته المشهورة «في طبيعة ~~الأشياء»، شرح فيها فلسفة إبيقور. ولم تعرف القصيدة في زمانه (عاش 99-55ق.م)، بل في عصر ~~النهضة. # | مدرسة الإسكندرية # لم تكد مدرسة الإسكندرية تظهر إلى الوجود حتى كسفت بنورها مدارس أثينا، وانتزعت منها راية ~~العلم والفلسفة، واستمرت تتزعم الحركة الفكرية زهاء ثمانية قرون، من القرن الثالث قبل ~~الميلاد عند إنشائها، إلى القرن الخامس بعد الميلاد. # تميزت المدرسة خلال هذه الفترة من الزمان بنزعتها ~~العلمية وبخاصة العلم الرياضي، ولم يؤثر عنها في عصرها الأول قبل الميلاد الاشتغال ~~بالفلسفة، ولكنها منذ ms46 القرن الأول بعد الميلاد أخذت تنظر في فلسفة الأديان بوجه خاص، بعد ~~ظهور المسيحية والصراع الفكري بينها وبين وثنية اليونان والرومان وديانة قدماء المصريين، ~~فضلا عن ديانات أخرى وافدة من الشرق؛ مثل اليهودية والزرادشتية والمانوية. وفي خضم هذه ~~التيارات الفكرية والدينية، ظهر في الإسكندرية «الفيثاغورية الجديدة»، تحاول التوفيق بين ~~الأديان، وهذه «الفيثاغورية الجديدة» هي الأصل الذي نبعث منه جماعة «إخوان الصفا وخلان ~~الوفا» في القران الرابع الهجري عند المسلمين. وظهرت كذلك «الأفلاطونية المحدثة» تحاول ~~التوفيق بين أفلاطون وأرسطو مع ميل إلى الأفلاطونية، وهذه النزعة هي التي رفع رايتها آخر ~~كبار الفلاسفة في الزمن القديم، وهو أفلوطين الذي سنفرد لمدرسته حديثا خاصا فيما ~~بعد. # لم يكن لثغر الإسكندرية وجود قبل أن ينشئ المدينة الإسكندر الأكبر عقب غزو مصر. توفي ~~الإسكندر سنة 323ق.م. بعد أن وضع حدا للثقافة الإغريقية التي كانت تتميز بالتمسك ~~بالفكر اليوناني، وقصره على نفسها، وبدأت الثقافة «الهلنستية»؛ أي تلك التي امتدت خارج ~~بلاد اليونان في سائر العالم المعروف في ذلك الزمان، والذي أخضعه الإسكندر لسلطانه يبغي ~~إنشاء «عالم واحد» وثقافة واحدة. ولكن المؤسس الحقيقي لهذه المدينة التي قدر لها أن ~~تكون مركز العلم والفلسفة والثقافة في العالم الجديد، هو بطليموس الأول، الذي حكم مصر بعد ~~موت الإسكندر، وكان صديقه ورفيق صباه، واشترك معه في حملات آسيا الصغرى، فلما أسس ~~الإسكندرية، دفن فيها رفات الإسكندر، وأنشأ بها الفنارة إحدى عجائب الدنيا السبع، وأنشأ ~~المتحف والمكتبة. استمر حكمه حتى سنة 285، فلما تولى ابنه (285-247) بطليموس ~~فيلادلفوس كان حكمه امتدادا لحكم أبيه، ثم بلغت دولة البطالسة ذروة مجدها في ظل بطليموس ~~الثالث (247-222). # كان بطليموس يعرف أن مجد الدول وارتفاع منزلتها ~~وخلود ذكرها، يرجع في المحل الأول إلى ما يسودها من علم وعرفان، وأن دولا كثيرة كانت ~~تمتاز بوفرة المال أو قوة السلطان، ومع ذلك زالت ولم يبق لها في التاريخ ذكر؛ لذلك اتجه ~~بطليموس في منافسته لأثينا بوجه خاص إلى انتزاع زعامتها الفكرية عنها؛ وذلك بإنشاء مدرسة ~~فلسفية على نسق ms47 الأكاديمية أو «اللوقيون»، فكانت مدرسة الإسكندرية أقرب إلى «اللوقيون» منها ~~إلى الأكاديمية، بحكم أن ديمتريوس وسطراطون اللذين وضعا دعائم المدرسة كانا خليفتين على ~~«اللوقيون». ولكن النظام الذي جرت عليه المدرسة لم يكن مشابها تماما لمدرسة أرسطو لأسباب ~~كثيرة؛ على رأسها أن «اللوقيون» ارتبطت باسم مؤسسها وهو أرسطو، واستمرت تبث تعاليمه ~~المشائية، ولم تتوقف مدرسة الإسكندرية على أي شخص، أو ترتبط بأي عالم أو فيلسوف، وإنما ~~كانت مؤسسة ثقافية تهيئ للباحثين فرصة البحث، وللدارسين مهمة الدارسة. إنها أشبه ~~بأكاديمية علوم أو معهد عال للأبحاث، مقره في ذلك الزمان «المتحف»، وباليونانية ~~«موزايوم»، ومنه اسم المتحف حديثا كالمتحف المصري بالقاهرة # Museum ~~، غير أن المتاحف الحديثة أصبحت مقرا للآثار ~~القديمة، فتغير بذلك معناها عن الزمن القديم. # والمتحف معبد أو هيكل لربات الفنون (موزايوس) التسع، وهن بنات زيوس ونيموسيني، وهذه ~~التسع هي ربة التاريخ، والشعر الغنائي، والكوميديا، والتراجيديا، والترانيم، والرقص ~~والموسيقى، وشعر الغزل، والفلك، والشعر الحماسي. وهذا يدل على أن اتجاه المتحف كان في ~~الأغلب نحو الشعر بأنواعه المعروفة في اليونانية، ولكن شهرة المتحف قامت على العلوم أكثر ~~منها على الآداب والشعر. # بني المتحف جزءا من القصور الملكية، له طريق عام، ورواق ذو مظلة تحفه الأرائك، ~~ينتهي إلى بيت واسع يعقد العلماء متشاركين في المتحف اجتماعاتهم في قاعته الكبيرة. وكان ~~يشغل عدة أبنية في المدينة الملكية المطلة على الميناء، وهذا الأبنية مهيأة لشتى ~~الأغراض العلمية. ويعيش أعضاء المدرسة معا، وما يملكونه فهو شركة بينهم. ويرأسهم كاهن كان ~~لملك يعينه في القديم. # والمتحف أدنى إلى أن يكون معهدا للبحوث منه إلى أن يكون جامعة أو مدرسة. وليس بين ~~يدينا من الوثائق ما يؤيد أنه مكان للتعليم. إنه تعليم بين أستاذ ومعاونيه، ولم يكن ~~ثمة إدارة أو امتحانات، أو درجات جامعية. وكان المتحف مزودا بالأدوات والأجهزة الفلكية، ~~وأدوات التشريح، وحدائق للنبات. ومن الطبيعي أن يستغرق بناء المتحف ونموه زمنا، وأن يحتاج ~~مع ذلك إلى الاستقرار، وقد كفل له ذلك كله بطليموس الأول والثاني والثالث. وكان لتجربة ~~ديمتريوس ms48 وأسطراطون الفضل في إرساء النظام الوحيد للمتحف، وكان كل منهما رئيسا لمدرسة ~~عريقة، وعالما فاضلا. تعلم أسطراطون على يد ثاوفراسطس، واستدعاه بطليموس ليعلم ابنه ~~سنة 300ق.م، واستمر يعمل حتى سنة 288، إلى أن رجع لرئاسة «اللوقيون» بعد وفاة ~~ثاوفراسطس. # ومن أشهر العلماء الذين اقترن اسمهم بمدرسة الإسكندرية في عصرها الأول إقليدس وأرشميدس، ~~وأبولونيوس، وأبولودورس. تعلم إقليدس أولا في أثينا، ودرس الرياضيات في الأكاديمية. وعقب ~~اضطراب الأمور في أثينا، ذهب إلى الإسكندرية، وعاش في ظل بطليموس الأول والثاني. وتروى عنه ~~أقاصيص كثيرة نذكر منها أن بطليموس سأله ذات مرة: أيوجد طريق أقصر إلى الهندسة من طريق ~~«الأصول»؟ فأجابه: لا يوجد طريق ملكي للهندسة. و«الأصول» هو الكتاب الذي ألفه إقليدس ~~حاويا كل شيء عن الحساب والهندسة حتى زمانه، ويعرف باسم «أصول الهندسة»، وهذه هي الترجمة ~~العربية للعنوان في عصر الترجمة. وقد ظل هذا الكتاب بترتيب نظرياته الهندسية أساسا لهذا ~~العلم حتى اليوم، نعني بالنسبة للهندسة الإقليدية. وسائر الرياضيين الذين لمعت أسماؤهم بعد ~~ذلك، إنما كانوا شراحا لإقليدس، وإذا كانت لهم إضافات في هذا الباب فهي في حل بعض ~~مسائل، أو ترتيب وتبويب يوضح هذا العلم للطلبة. وقد عرف العرب هؤلاء الرياضيين الذين ~~ظهروا في الإسكندرية في عصرها المتأخر قبل الفتح، مثل بابوس، عاش في القرن الثالث بعد ~~الميلاد، وثاون الإسكندري من القرن الرابع، وبرقلوس ومارينوس وكلاهما من القرن ~~الخامس. # ومن كبار الرياضيين في مدرسة الإسكندرية في عصرها الأول، أرشميدس، وأرسطارخوس، ~~وأبولونيوس. وأولهما أشهر من أن يذكر، ولا يزال طلبة المدارس حتى اليوم يحفظون قاعدته ~~المشهورة في علم الطبيعة عن الأجسام الطافية. # ومن أشهر علمائها في عصرها الثاني بطليموس الفلكي ~~صاحب المجسطي. عاش بالإسكندرية في القرن الثاني بعد الميلاد، ونبغ فيها، وكانت مصر قد خضعت ~~للحكم الروماني وانقرضت دولة البطالسة، ولكن الثقافة والعلم واللغة استمرت باليونانية. ~~عرف العرب كتابه الذي ترجموه بقولهم «المجسطي»، فسار هذا الكتاب بينهم سيرة «أصول» إقليدس. ~~ومن أبرز الأسس التي قام عليها النظام الفلكي في هذا الكتاب القول بأن الأرض ms49 مركز المجموعة ~~الشمسية، ويعرف هذا بالنظام البطلمي، وظل مأخوذا به إلى أن جاء كوبرنيق فأحدث ثورته ~~المشهورة في علم الفلك، قائلا إن الأرض هي التي تدور حول الشمس. # وقد حدثنا العرب عن مدارس التعليم بالإسكندرية في عصرها المتأخر، وقد حفظ لنا ~~مؤرخوهم روايات كثيرة عن تلك المدارس، ولا حيلة لنا إلا الأخذ بها. روى القفطي في ~~كتابه أخبار الحكماء أن الإسكندرانيين هم «الذين رتبوا بالإسكندرية دار العلم ومجالس ~~الدرس الطبي، وكانوا يقرءون كتب جالينوس ويرتبونها على هذا الشكل الذي تقرأ اليوم عليه، ~~وعملوا لها تفاسير وجوامع تختصر معانيها، ويسهل على القارئ حفظها وحملها في الأسفار. فأولهم ~~- على ما رتبه إسحاق بن حنين - اصطفن الإسكندراني، ثم جاسيوس، وأنقيلاؤس، ومارينوس. ~~فهؤلاء الأربعة عمدة الأطباء الإسكندرانيين، وهم الذين عملوا الجوامع والتفاسير.» # نقلنا هذا النص على طوله لنبين أن المدارس ~~الفلسفية كانت موجودة بالإسكندرية منذ أنشئت حتى الفتح العربي، ولم ينقطع «دار العلم» أو ~~«مجلس التعليم والدرس» منذ أن كان ذلك في المتحف، وظل في الأغلب مستمرا فيه إلى أن تخرب ~~في القرن الثالث وظهرت مدارس أخرى؛ إذ في أكبر الظن أن الإسكندرية كانت تحتضن أكثر من ~~مدرسة. ولا بد على كل حال في التعليم من مقر أو دار أو مجلس، بعبارة أخرى من مدرسة ثابتة ~~تشد إليها الرحال. # ولا تحسبن أننا حين قصرنا الحديث على الرياضيين ~~والفلكيين والأطباء، قد بعدنا عن موضوع المدارس الفلسفية، بل ذلك من صميم الفلسفة؛ لأن ~~الفلسفة في عصرها الذهبي كانت تعتمد على العلم، وكان الفلاسفة علماء. وحين أنشئ المتحف نهض ~~بإنشائه رئيسا «اللوقيين»، وهما اللذان وجهاه هذه الوجهة العلمية. وعندما انتقلت الفلسفة ~~إلى العرب، كان فلاسفتهم علماء أو أطباء أو رياضيين، وجمعوا بين العلم والفلسفة، مثل ابن ~~سينا وابن رشد. # لم يكن المتحف مقر مدرسة الإسكندرية وحده، وإنما ~~أنشئ معه شيء آخر لا تتم المدارس إلا به، وهذا الشيء هو المكتبة. وقد عرفت المكتبات من ~~قبل إنشاء الإسكندرية، وبخاصة في أثينا كعبة الثقافة العالمية منذ القرن الخامس قبل ms50 ~~الميلاد. ثم شرعت مدن أخرى تحذو حذوها، وتنشئ مكتبات تحتفظ فيها بمؤلفات الشعراء ~~والأدباء والعلماء والفلاسفة. ولم يشأ بطليموس الأول أن تكون عاصمة ملكه أقل شأنا من غيرها ~~من المدن؛ فأمر بإنشاء مكتبة ظفرت في المستقبل بشهرة عظيمة لكثرة ما كانت تحتوي عليه من ~~مؤلفات. # أسس المكتبة ديمتريوس الفاليري (من مدينة فاليرون ~~في أتيكا). عاش الشطر الأكبر من حياته في القرن الرابع. كان تلميذ ثاوفراسطس، واشتغل ~~بالسياسة وأصبح حاكم أثينا من سنة 317 إلى 307، ثم نفي من أثينا، فرحب به بطليموس وعهد ~~إليه بإنشاء المكتبة، التي استغرقت زمنا ورعاية وعناية لاستكمالها؛ بغية الحصول على ~~الكتب المختلفة في شتى الفنون. # كانت هيئة الكتاب مختلفة اختلافا بينا عن هيئته المألوفة لنا في الوقت الحاضر. كتاب ~~اليوم مطبوع على ورق رقيق وفي حجم دقيق، وكتاب الأمس مخطوط على ورق البردي وحجمه كبير. ~~كانت الكتب عبارة عن لفائف من ورق البردي؛ ولذلك كانت تشغل مكانا واسعا، وبخاصة إذا ~~اشتملت المكتبة على آلاف كثيرة من الكتب. وقد بلغ عدد ما في مكتبة الإسكندرية 200000 في عهد ~~مؤسسها بطليموس الأول، ونمت حتى بلغ عدد كتبها 700000 زمان يوليوس قيصر. # فكيف تسنى جمع هذا العدد الغزيز؟ لقد اتخذ ملوك البطالسة كل سبيل للحصول على الكتاب، ~~ولم يبخلوا بمال أو سلطان، ومن هذه الوسائل أن بطليموس الثالث أصدر أمره بأن يؤخذ من كل ~~وافد في البحر ما معه من كتب، فإذا لم تكن موجودة بالمكتبة، أخذت منه وأعطي بدلها نسخة ~~يقوم النساخ بإنجازها. وكان لرؤساء المكتبة الفضل الأكبر في اكتسابها هذه السمعة ~~الطيبة. وهذه قائمة بأسماء الأوائل منهم: ~~(1) ديمتريوس الفاليري # 284ق.م. ~~(2) زنودوتس الأفسوسي # 284-260 ~~(3) كاليماخوس القورينائي # 260-240 ~~(4) أبولونيوس الروديسي # 240-235 ~~(5) أراتستنس القورينائي # 235-195 ~~(6) أرستوفانس البيزنطي # 195-180 ~~(7) أبولونيوس أيدوجرانس # 180-160 ~~(8) أرسطارخس # 160-145 # ونود أن نقف بعض الشيء عند اثنين؛ كاليماخوس وأراتستينس؛ لأن الحديث عنهما يعرج بنا على ~~مدرسة فلسفية هي المدرسة القورينائية. سميت كذلك نسبة إلى «قورينا» في ليبيا، ومكانها ~~الآن مدينة شحات. أنشأ المدينة مهاجرون من جزيرة كريت ms51 في القرن السابع في الجبل، وعلى مقربة ~~من البحر، وجعلوها بما شيدوه من معبد وملعب (جمنزيزم) ومحكمة، وغير ذلك مدينة يونانية ~~تماما. وقامت بها مدرسة فلسفية أسسها أرستبوس صاحب المذهب الأخلاقي الذي اشتهر بالإقبال ~~على اللذة، وحقيقة المذهب أنه يهدي المرء إلى «فن الحياة». وفي «قورينا» عمل ثيودورس ~~الرياضي الذي تعلم في أثينا، وعاد إلى موطنه، وزاره أفلاطون في شبابه وعاش معه زمنا. ~~ويبدو أن المدرسة جمعت بين الدراسات الأدبية والفلسفية والرياضية، فكان أراتستينس من أشهر ~~الرياضيين. # ولد كاليماخوس ب «قورينا» حول سنة 300 وبها درس، ثم أكمل تعليمه في أثينا، وعين ~~رئيسا لمكتبة الإسكندرية سنة 260، وتوفي 240. وهو الذي صنف كتب المكتبة، وعمل كتالوجا ~~قسمه ثمانية أقسام بحسب المؤلفين؛ (1) شعراء الدراما. (2) شعراء الحماسة والغناء. (3) ~~المشرعون. (4) الفلاسفة. (5) المؤرخون. (6) الخطباء. (7) البلغاء. (8) منوعات. وأكبر ~~الظن أن الرياضيين والأطباء والعلماء كانوا تحت القسم الخاص بالفلاسفة. # عاش أراتستينس (276-194) في القرن الثالث، تعلم ب «قورينا» ثم درس في أثينا، واختص ~~بالرياضيات والفلك والجغرافيا. دعاه بطليموس الثالث وعينه عضوا بالمتحف، ثم رئيس المكتبة ~~سنة 235، واستمر بها إلى أن توفي، أي زهاء أربعين عاما. وقد اشتهر أراتستينس بأن ~~قياسه لمحيط الأرض كان أقرب قياس إلى الصواب؛ وذلك على أساس قياس المسافة بين الإسكندرية ~~وأسوان، وهي مسافة معروفة، واعتباره أن أسوان تقع على مدار السرطان؛ أي خط عرض 23 تقريبا. ~~وهنا يحق لنا التساؤل عن الصلة بين المتحف والمكتبة؛ فقد رأينا علماء شغلوا منصب الرئاسة ~~بالمكتبة، ولعلهم مارسوا نشاطهم العلمي بها. وأكبر الظن أن المكتبة، ولو أنها كانت مستقلة، ~~إلا أنها كانت تخدم المتحف الذي يستعين علماؤه بما فيها من مؤلفات. مهما يكن من شيء، ~~ليس بين أيدينا ما يلقي ضوءا على هذه الصلة. # مرت بالمكتبة محن كثيرة انتهت إلى زوالها، وأول محنة أصابتها عند حصار يوليوس قيصر ~~للإسكندرية، وكانت المكتبة عامرة مزدهرة، فلما أحرق قيصر الميناء، امتدت ألسنة النيران ~~إلى المكتبة. ويقال إن أنطونيو وهب كليوباترا 200000 كتاب من برجام سنة 41ق.م، تعويضا لما ~~فقد منها. # ولما ms52 بدأ ساعد المسيحية يشتد شيئا فشيئا منذ القرن الثاني، كان المسيحيون يعتقدون ~~أن المكتبة والمتحف جناحان لقلعة الكفر والإلحاد. ونحن نعلم أن المسيحية لقيت عناء شديدا ~~في مكافحة الوثنية القائمة على الفلسفة اليونانية، وكان الصراع بين المسيحية دينا، ~~والوثنية ثقافة وأدبا وفلسفة صراعا مرا لم تستطع المسيحية أن تتغلب عليها إلا في ~~القرن الرابع. وحين تنصر الأباطرة أنفسهم فأيدوا الدين بسلطان الدولة. وقد دمرت ~~المكتبة في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس، وذلك بأمر البطريق ثيوفيل بطريق الإسكندرية (385-412) ~~الذي كان معاديا للوثنية. وقد شاع أن عمر بن الخطاب هو الذي أمر عامله عمرو بن العاص بحرق ~~المكتبة، وهي قصة العرب منها براء؛ لأن المكتبة كما رأينا لم يكن لها وجود عند الفتح ~~العربي. # ومن المعروف تاريخيا أن ثمة مدارس فلسفية مسيحية نشأت في الإسكندرية، واستطاعت هذه ~~التعاليم المنظمة أن تكافح وثنية اليونان. وأقدم هذه المدارس تلك التي أنشأها ~~بنتينس Pantaenus # الذي رأس المدرسة الرواقية في ~~الإسكندرية، وكان قد تحول إلى المسيحية. ثم تولى رئاسة هذه المدرسة كليمنت الإسكندري. ~~ولد بالإسكندرية 150ق.م، وتحول إلى المسيحية بعد أن درس في عدة مدن، وأعجبه تعليم ~~بنتينس فتبعه، ورأس المدرسة سنة 200ق.م، ومن هذه المدرسة ظهر أوريجين الذي أخذ من كليمنت من ~~جهة، ومن أمونيوس سكاس من جهة أخرى. ويعد أوريجين مؤسس الأفلاطونية المحدثة في رواية، ~~كما يعد أمونيوس سكاس (175-250) هو المؤسس في رواية أخرى. ولد أمونيوس من أبوين ~~مسيحيين، ولكنه ارتد عن المسيحية إلى الفلسفة اليونانية وديانتها. وكانت تعاليمه شفوية ~~سماعية، ويقال إنه وفق بين تعاليم أفلاطون وأرسطو. # | مدرسة أفلوطين # إذا كانت بوادر الأفلاطونية المحدثة بدأت من أوريجين، فإن حامل لوائها بمعنى الكلمة هو ~~أفلوطين. وعلى الرغم من أن مدرسته كانت في روما، إلا أنه يعد من مدرسة الإسكندرية؛ فهو ~~فيلسوف إسكندراني، وأكثر من هذا فهو مصري. # ولد في ليقوبوليس - وهي أسيوط حاليا - بمصر الوسطى سنة 205، وتوفي 270 بعد الميلاد. ~~ولا ندري شيئا عن نشأته الأولى وأسرته؛ لأنه كما يقول تلميذه فرفريوس الصوري، كان ms53 يأبى أن ~~يتحدث عن آبائه وأقربائه وموطنه. وفرفريوس هو الوحيد الذي كتب سيرة أفلوطين، وهو الذي نشر ~~تاسوعاته، وسنتكلم عنه بعد حديثنا عن أفلوطين، وما نعرضه الآن عن أفلوطين مستمد مما ~~دونه فرفريوس، فلا حاجة للإشارة إلى الموضع الذي أخذنا عنه. قال فرفريوس: # على الرغم من امتناعه بوجه عام عن الحديث عن حياته الخاصة، إلا أنه روى لنا بعض ~~التفصيلات خلال أحاديثه معنا؛ ففي الثامنة والعشرين من عمره أصابته حمى الفلسفة، ~~فاتجه إلى أبرز معلميها بالإسكندرية، إلا أنه كان يعود بعد الاستماع إلى ~~محاضراتهم حزينا مهيض الجناح. فلما رأى أحد أصدقائه ما هو عليه من خيبة أمل، ~~وكان يعرف مزاجه، صحبه إلى أمونيوس الذي لم يكن قد حضر عليه بعد. وبعد أن سمع ~~أفلوطين محاضراته، قال لصاحبه متعجبا: هذا هو الرجل الذي كنت أنشده. # ومنذ ذلك اليوم استمر يتبع أمونيوس حتى بلغ من تقدمه في الفلسفة أنه رغب في الاطلاع ~~على مناهج الفرس والمذهب السائد بين حكماء الهند. وصادف أن الإمبراطور جورديان كان يعد ~~حملة يجردها على الفرس، فالتحق أفلوطين بالجيش وذهب مع الحملة، وكان عند ذلك في التاسعة ~~والثلاثين من العمر؛ إذ كان قد أمضى أحد عشر عاما في صحبة أمونيوس. وانهزم الجيش في ~~العراق، وقتل الإمبراطور، وهرب أفلوطين إلى أنطاكية، ثم ذهب إلى روما واستقر بها وهو في ~~الأربعين من العمر. # كانت روما عاصمة الإمبراطورية، وقلب العالم المتحضر في ذلك الزمان، فاجتذبت إليها عددا ~~من العلماء والفلاسفة والأدباء. في هذه العاصمة أنشأ أفلوطين مدرسته، التي ظفرت بتأييد ~~الإمبراطور، فكفاه بذلك مئونة الإنفاق على المدرسة. ولم تقتصر المدرسة على الإمبراطور ~~جاليانوس الذي حكم من 260 إلى 268، وكان أديبا فيلسوفا، بل شاركته زوجته الحضور على ~~أفلوطين. ويبدو أن المدرسة كانت تستقبل النساء كما تستقبل الرجال، وإحداهن سيدة تدعى ~~«جمانا» كان أفلوطين يسكن في دارها. ويبدو كذلك أن المدرسة كانت تفتح أبوابها لكل طالب؛ فقد ~~ذكر فرفريوس في السيرة التي كتبها عن أفلوطين، أنه كان يمتنع من الجلوس أمام المصورين أو ms54 ~~النحاتين ليرسموا صورته أو ينحتوا له تمثالا، حتى إن تلميذه أميليوس حين طلب منه أن يسمح ~~بالوقوف أمام مصور أجابه: «ألا يكفي أن نحمل هذه الصورة التي قيدتنا الطبيعة فيها؟ أتحسب ~~حقا أنني يجب أن أرضى بأن أترك لخلفي صورة للصورة؟» فلما أبى أفلوطين، عهد أميليوس ~~إلى صديق له اسمه «كاتريوس» يجيد الرسم، فأدخله إلى المدرسة يستمع إلى دروس أفلوطين، وكانت ~~الدروس مباحة لكل طالب. # كان هدف أفلوطين من المدرسة أن تكون نبراسا يهدي النفوس إلى التقوى والصلاح والخير، فكان ~~يصرف تلاميذه عن الاشتغال بأمور الدنيا، ويحملهم على حياة من الزهد توصل إلى شفاء النفس ~~بالتجرد عن جميع العلائق وإماتة سائر الشهوات. وكان هو نفسه مهملا أمر جسده محتقرا ~~إياه، ممتنعا عن أكل اللحم. وقد استهوت هذه التعاليم كثيرا من التلاميذ، حتى إن ~~«روجاتيانوس» عضو الشيوخ نزل عن أملاكه وأمواله وعبيده وألقابه، وسار في طرق الزهد حتى أصبح ~~لا يأكل إلا مرة واحدة كل يومين. وكان للناس - رجالا ونساء - فيه اعتقاد عظيم، حتى ~~إنهم عندما كانت تحضرهم الوفاة يعهدون بأبنائهم وبناتهم وما يملكون لرعايته ووصايته، فكان ~~منزله يعج بالصبيان والبنات، وكان إلى ذلك يقوم بتعليمهم الأدب والشعر، ويأخذهم بيدهم إلى ~~طريق الفلسفة، ويحتفظ بأموالهم لا يمسها حتى يبلغوا مبلغ الرجال وسن الرشد. # وكانت المدينة الفاضلة الحلم الذي راود معظم الفلاسفة اليونانيين، وعلى رأسهم أفلاطون ~~صاحب الجمهورية أو المدينة الفاضلة المثالية. وانتهز أفلوطين فرصة منزلته عند الإمبراطور ~~جاليانوس وزوجته سالونينا، تلك المنزلة التي كادت تبلغ التقديس والعبادة، فطلب منهما أن ~~يعيش هو وأتباعه في «كامبانيا» التي كانت فيما يروى مدينة للفلاسفة في قديم الزمان، ثم ~~تهدمت وخربت. ورأى أفلوطين إعادة بناء المدينة، وأن يعيش السكان في ظل القوانين التي ~~يضعها لهم، ويسمي المدينة «فلاطونوبوليس» Platonopolis ~~. ~~ومعنى بوليس Polis # باليونانية مدينة، ومنها هليوبوليس إحدى ~~ضواحي القاهرة، ومعناها مدينة الشمس. وعزم أفلوطين الإقامة مع أتباعه في تلك المدينة لولا ~~أن حساده في البلاط حالوا بين الإمبراطور وبين تنفيذ وعده. # وكان بالمدرسة تلاميذ كثيرون، ms55 إلا أن أشهرهم كان أميليوس، وكذلك طبيب من الإسكندرية ~~اسمه أسطوخيوس لزم أفلوطين في أواخر حياته إلى أن توفي، واتبع مذهب أفلوطين وأصبح فيلسوفا ~~على الحقيقة. هذا إلى جانب فرفريوس كاتب هذه السيرة، والذي عهد إليه أفلوطين بمراجعة كتابه ~~ونشره. وكان أفلوطين في التاسعة والخمسين عندما اتصل به فرفريوس قادما من أثينا. وظل ~~أفلوطين زهاء عشر سنوات لا يدون شيئا ولا يكتب فلسفته، بل يتحاور مع جماعة من الأصحاب ~~على أساس ما تعلمه من أمونيوس. ويمضي فرفريوس في روايته بعد ذلك قائلا: إنني حين أول ما ~~التقيت به، كان قد ألف خمسا وعشرين مقالة - وستسمى المقالة فيما بعد تاسوعا - حصلت ~~عليها، على الرغم من أنه لم يعطها إلا لعدد قليل جدا. الحق أنها وزعت بعناية ~~شديدة، ولم يضع أفلوطين لهذه المقالات عناوين، فاجتهد كل من حصل عليها أن يضع لها العنوان ~~المناسب. وظللت على صلة وثيقة به مدة ست سنوات، وألف بعد ذلك أربعا وعشرين مقالة ~~أخرى، ثم أرسل لي حين كنت بصقلية وقبل وفاته بمدة قصيرة أربعا أخرى، فأصبحت جملتها أربعا ~~وخمسين. وعندما نشر فرفريوس هذه المقالات قسمها ستة أجزاء، في كل جزء تسع مقالات، ومن هنا ~~جاء اسمها وهو تاسوعات أفلوطين. وقد نقل بعضها في عصر الترجمة، وسميت كتاب ~~«الربوبية»، ونسبت خطأ لأرسطو، قام بالترجمة ابن ناعمة الحمصي وصححها يعقوب ~~الكندي. # ويمضي فرفريوس قائلا: وكان لا بد من مراجعة ما كتبه؛ لأنه لم يكن يطيق إعادة قراءة ما ~~كتب، ولم تكن حالة بصره تسمح له بذلك. وكان خطه رديئا، يسيء الربط بين الألفاظ، ولا يعنى ~~بقواعد الإملاء؛ لأن عنايته الوحيدة اتجهت نحو الفكرة، وقد لزمته هذه العادات طول حياته. ~~وقد تعود أن يتصفح خطة بحثه في ذهنه من أولها إلى آخرها، حتى إذا جلس لتدوينها جرى ~~القلم على الورق بما احتفظ به في ذهنه بجرة واحدة، وكأنه ينسخ من كتاب مفتوح. وإذا عرض له ~~أن يتحدث مع شخص ما، أقبل عليه بكل حواسه مع الاحتفاظ بتسلسل فكره واضحا ms56 أمام ذهنه. حتى ~~إذا انصرف محدثه، لا يرجع أبدا إلى ما سبق أن كتبه، بل يصل ما انقطع وكأن شيئا لم يصرفه ~~عن التفكير. وهكذا كان يعيش في داخل نفسه ومع الآخرين في آن واحد. # أما في محاضراته ، فكان بارعا في العرض مع قدرة فائقة على الابتكار والفهم. وهو حين ~~يتكلم كان نور عقله يضيء وجهه بشكل واضح. وكان على استعداد أن يتلقى الاعتراضات ويجيب ~~عنها بنفس القوة التي وجهت إليه. وقد استمر فرفريوس يوجه إليه مدة ثلاثة أيام ~~أسئلة عن ارتباط النفس بالبدن، واستمر يجيب عنها بغير انقطاع. كان موجز الأسلوب، ~~مركز الفكر، معناه أوسع من لفظه، ملهما في تعبيره. وقد جمع في كتاباته بين مذاهب ~~الرواقية والمشائية، مدمجا بوجه خاص فيها ميتافيزيقا أرسطو. حصل العلم النظري بالهندسة ~~والميكانيكا والبصريات والموسيقى، غير أنه لم يكن على استعداد للمضي في دراستها دراسة ~~تامة عميقة. # وطريقته في التعليم في أثناء المحاضرات أن تقرأ رسائل المؤلفين بصوت عال، من ~~الأفلاطونيين سفيروس أو كرونيوس، أو كايوس، أو أتيكوس. ومن المشائين أسباسيوس، والإسكندر، ~~وأوراستوس وغيرهم. ولكنه لم يتبع أي واحد منهم اتباعا أعمى، بل اتخذ لنفسه وجهة نظر ~~شخصية مبتكرة، مطبقا منهج أمونيوس في فحص المسائل. # حدث ذات يوم أن حضر أوريجين في حجرة درسه، فاحمر وجه أفلوطين وأوشك أن ينهي المحاضرة، ~~فلما رغب إليه أوريجين أن يستمر أجابه: إن نار الحماسة لتخبو حين يشعر المتكلم أن ~~السامعين لن يتعلموا منه شيئا. # وإليك حكم لونجينوس - أحد فلاسفة ذلك العصر، كان يعيش ويعلم في أثينا - على أفلوطين، ~~من خطاب له أرسله إلى فرفريوس، قال: عندما كنت صبيا أفسحت رحلات والدي الطويلة لي فرصة ~~رؤية أفضل معلمي الفلسفة، وظللت على اتصال بجميع الأحياء منهم في المدن التي كنت أرحل ~~إليها. كان بعضهم يصوغ أفكاره في مؤلفات يتركها لفائدة الخلف، وكان بعضهم الآخر يقنع بأن ~~يفهم عنه السامعون. وممن لم يكتب أمونيوس وأوريجين، وقد حضرت عليهما بنفسي وأعترف ~~بامتيازهما على أقرانهما. وهناك كذلك في أثينا ثيودورس وبوبولس. ms57 وممن كتب من الأفلاطونيين ~~إقليدس وديمقريطس وبرقلينوس، ثم اثنان لا يزالان يعلمان الفلسفة في روما، وهما أفلوطين ~~وصاحبه أميليوس. وهذان وحدهما يظهر عليهما الروح الصادقة لصناعة التأليف في المسائل التي ~~يعالجانها. ويبدو أن أفلوطين يلقي على مبادئ فيثاغورس وأفلاطون ضوءا أسطع من أي فيلسوف ~~سبقه. ويحذو أميليوس عن قصد حذو أفلوطين، وقد اصطنع معظم آرائه. # يتضح من ذلك أن حياة المدرسة كانت شديدة الجدل، مع سيادة روح البحث الحر، وأن الطلبة ~~كانوا يتعلمون كتابة المقالات وإنشاء الرسائل، هذا إلى قراءة نصوص الفلاسفة وشرحها ~~والتعليق عليها. وكان الطلبة يقرءون أبحاثهم ويناقشون فيها علانية. وإلى جانب ذلك تراسلت ~~المدارس من شتى المدن فيما بينها، يتبادل الأساتذة والطلبة الأفكار، ويتحاورون على البعد، ~~كما رأينا في المراسلات بين لونجينوس وفرفريوس. وهكذا استطاع أفلوطين بأصالة تفكيره أن ~~يجدد الأفلاطونية، وأن يمزج بينها وبين المشائية والرواقية والفيثاغورية، وأن يخرج ~~بمذهب جديد، ومدرسة جديدة، تعد آخر المدارس الفلسفية اليونانية. # الجديد في هذه الفلسفة منهجها، ونظرتها إلى النفس، وتفسيرها للوجود. منهجها التأمل في ~~باطن النفس، والترقي إلى آفاق أعلى بطريق الجدل صعودا حتى تبلغ النفس منبع النور والبهاء، ~~ثم تهبط بعد ذلك وقد استفادت من الحق. وقد كان الجدل منهج أفلاطون، ولكن جدل أفلوطين مختلف ~~عنه من حيث اعتماده اعتمادا مطلقا على التأمل الباطن، واستخلاص الحقائق من النفس ذاتها، ~~على حين أن جدل أفلاطون كان يبدأ من المحسوسات ومن المباحث في الرياضة، والنظر إلى الأشكال ~~الرياضية ليصعد منها إلى المثل، إلى الصور المجردة، ثم يهبط بعد ذلك إلى العالم المحسوس، ~~بعد أن يكون الفيلسوف قد عرف المثل ليصلح من حال المدينة. لم يكن أفلاطون هاربا من عالم ~~الواقع، هائما في عالم المعقولات، كلا، كان هربه مؤقتا ليعود مرة أخرى إلى الواقع ~~يصلح من أمره، ويحقق فيه الخير والعدل. أما أفلوطين، فإن الظروف السياسية والاجتماعية ~~التي سادت العالم في زمانه، مع بداية انهيار الإمبراطورية الرومانية وانتشار الفساد، مع ~~كثرة الحروب التي خربت البلاد، جعلته يهرب من ذلك العالم الذي ms58 فقد الناس الأمل في صلاحه ~~إلى عالم آخر؛ إما بالانطواء داخل النفس، وإما بالرجاء في حياة أخرى أسعد من الحياة ~~الدنيا. وقد قال أفلوطين بالطريقين؛ أن يحصر الإنسان نفسه في داخل نفسه وينطوي عليها ويزهد ~~في مباهج الحياة الدنيا، كما رأينا من سيرته، وأن يسعى إلى السعادة في الحياة الآخرة. ~~ولا شك أن المسيحية التي كانت معاصرة لفلسفة أفلوطين قد تأثرت بتعاليمه، كما تأثر ~~مذهبه بآراء فلاسفة المسيحيين الذي ظهروا في الإسكندرية. # ويختلف الأساس الفلسفي عند أفلوطين عن الأساس الذي قامت عليه الفلسفة اليونانية من قبل ~~إلى أفلاطون وأرسطو. حاولت الفلسفة اليونانية تفسير الوجود؛ أي بيان كيفية وجود الموجودات؛ ~~فذهب بارمنيدس أن الوجود موجود؛ أي إنه حقيقة أولية لا تحتاج إلى إثبات، وعند أفلاطون أن ~~الوجود نوعان معقول ومحسوس، وأن الوجود المعقول - نعني عالم المثل - أصل الوجود المحسوس. ~~ولكن الموجودات المحسوسة التي نشهدها في هذا العالم ليست إلا ظلالا وأوهاما، أما ~~الحقيقة فهي أمثال هذه الموجودات. والمثال معقول؛ ولذلك كانت فلسفة أفلاطون مثالية. ولما ~~جاء أرسطو لم يفصل هذا الفصل في الوجود بين عالمين، بل قال إن الموجود مركب من مبدأين؛ ~~المادة والصورة. صفوة القول: الفلسفية اليونانية فلسفة وجود، وتعريف أرسطو للفلسفة الأولى - ~~أو الميتافيزيقا - أنها هي العلم بالموجود من حيث هو موجود. # أما فلسفة أفلوطين فهي فلسفة واحد. ~~«الواحد» في قمة الوجود، وأعلى منه، وعن «الواحد» يصدر العقل، وعن العقل تصدر النفس، ~~وهكذا يبدأ أفلوطين بثالوث متدرج في القيمة، على رأسه «الواحد». ومن هنا كانت فلسفته ~~مختلفة عن أفلاطون وأرسطو. أما مفهوم «الواحد» عنده فليس واضحا متميزا؛ فهو تارة ~~الله، وهو تارة أخرى الخير، وهو تارة ثالثة الأول. مهما يكن من شيء، فإن «الواحد» أعلى ~~من الوجود. # إذن كيف جاء الوجود عن «الواحد»؟ أول موجود صدر عن «الواحد» هو العقل، فاض عنه لأنه صورة ~~من «الواحد»، أو شبح له، ثم يصدر عن العقل النفس التي هي صورة أدنى من العقل. # ولكن كيف يعرف الإنسان أنه جزء من النفس الكلية؟ ms59 وكيف وصل إلى معرفة العقل ومعرفة العالم ~~الإلهي الذي هو فوق العقل؟ فلنترك أفلوطين يحدثنا عن هذه المعرفة التي تتم بطريق الجدل، ~~وذلك من الترجمة العربية القديمة التي أصلحها الكندي، قال: # إني ربما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا ، وصرت كأني جوهر متجرد بلا بدن، فأكون ~~داخلا في ذاتي، راجعا إليها، خارجا من سائر الأشياء، فأكون العلم والعالم ~~والمعلوم جميعا. فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبا ~~بهتا، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الفاضل الشريف الإلهي، ذو حياة فعالة. ~~فلما أيقنت بذلك ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي، فصرت كأني موضوع ~~فيه، متعلق به، فأكون فوق العالم العقلي كله، فأرى كأني واقف في ذلك الموقف ~~الشريف الإلهي، فأرى هناك من النور والبهاء ما لا تقدر الألسن على صفته ولا تعيه ~~الأسماع. فإذا استغرقني ذلك النور والبهاء، ولم أقو على احتماله، هبطت من العقل ~~إلى الفكرة والرؤية، فإذا صرت في عالم الفكرة والرؤية حجبت الفكرة عني ذلك النور ~~والبهاء، فأبقى متعجبا كيف انحدرت من ذلك الموضع الشامخ الإلهي، وصرت في موضع ~~الفكرة ... # لقد عرفت الفلسفة الإسلامية أفلوطين عن هذا الكتاب، ولكنه نسب خطأ إلى أرسطو، وكان ذلك ~~علة التوفيق بين الحكيمين أفلاطون وأرسطو، ابتداء من الفارابي إلى ابن سينا، فقالوا ~~بمراتب الوجود وتسلسلها عن الأول. # وبعد وفاة أفلوطين خلفه في رئاسة المدرسة بروما تلميذه وناشر التاسوعات وهو فرفريوس ~~الصوري (232-305). ولد بصور وأمضى شبابه بها، وحصل كثيرا من المعارف الدينية والفلسفية ~~في فلسطين وسوريا، ثم ذهب إلى أثينا وتعلم على لونجينوس، وانتقل إلى روما حيث التحق ~~بمدرسة أفلوطين، وتولى رئاستها بعد موته، وتمتع بشهرة واسعة وسمعة طيبة، وحضر عليه كثير ~~من الطلبة منهم «يامبليخوس» الذي يعد من أشهر الأفلاطونيين المحدثين في سوريا. # عرف فرفريوس في العالم العربي منذ عصر الترجمة، واستمر يؤثر في الفلسفة العربية ~~بكتاب له يسمى «إيساغوجي» سنعود إلى الحديث عنه بعد قليل. فإذا كان العرب قد جهلوا ~~أفلوطين بسبب ذلك الخلط الذي ms60 وقع في ترجمة كتابه، فقد عرفوا تلميذه معرفة وثيقة، وقبلوا ~~بعض آرائه ورفضوا بعضها الآخر. ومهما يكن من شيء، فإن آراء فرفريوس في جملتها امتداد لآراء ~~أستاذه، ولو أنه نحا بها نحوا آخر. ولهذه الشهرة عند العرب نطيل في عرض مذهبه بعض ~~الشيء. # له مؤلفات كثيرة منها؛ «فلسفة الكهانة»، يصور فيه العبادات الدينية في هياكل ~~الوثنيين بحسب ما كانت تمارس عند المصريين والكلدانيين والسريان. ومنها «صور الآلهة»، ~~يدافع فيه عن الوثنية ويبين أن عبادة الأصنام لا تنطوي على كفر كما يزعم المسيحيون ~~واليهود؛ لأنها رموز محسوسة تقرب إلى الإله. وله كتاب «الرد على النصارى» يبدو أنه كتبه ~~بدافع سياسي؛ لأن الإمبراطور في روما أصبح يخشى تزايد قوة المسيحيين، إلى جانب المحنة التي ~~كانت الإمبراطورية تمر بها من شيوع البؤس والفقر والخراب، وتهديد الولايات بالانفصال ~~وانقضاض البرابرة على أطراف الإمبراطورية تمر بها من شيوع البؤس والفقر والخراب الفلسفة ~~اليونانية، وهي القائمة على العقل، على الدين المستند إلى الإيمان. وله كذلك رسالة «في الرد ~~على أنابو»، وهو كاهن مصري، يرد فيه على عقائد قدماء المصريين معليا شأن الفلسفة. # كان أفلوطين قد تكلم في خلود النفس وقدم أدلة جديدة خلاف أدلة أفلاطون التي ذكرها ~~في محاورة فيدون، فقال في التاسوعات إن النفس «ليست بجرم وإنها لا تموت ولا تفسد ولا تفنى، ~~بل هي باقية دائمة»، وإن النفس النقية الطاهرة التي لم تدنس بأوساخ البدن هي التي إذا ~~فارقت تعود إلى الجوهر النفساني الأعلى، أما التي تتصل بالبدن وتخضع لشهواته، فإذا فارقت ~~لم تصل إلى عالمها إلا بتعب شديد. ومعنى ذلك أن النفس - كما ذكرنا من قبل - متوسطة ~~بين عالم العقل وعالم الهيولى، فإذا شغلت بالنظر العقلي اتصلت بعالم العقل، وإذا انغمست ~~في الشهوات هبطت إلى عالم الهيولى. وهذا هو رأي فرفريوس كذلك، إلا أنه بدلا من الحياة ~~العقلية الصرفة ينادي بممارسة العبادات والطقوس وطهارة النفس بالزهد والامتناع عن ~~الشهوات. # وكان أفلوطين مثل معظم الفلاسفة الأقدمين يميز بين العالم المحسوس والمعقول، ولكنه ~~تميز عن ms61 السابقين بمنهجه الجدلي الذي يتأمل في باطن النفس ليصعد من ذلك إلى عالم ~~العقل، وفي ذلك يقول: «إن من قدر على خلع بدنه، وتسكين حواسه ووساوسه وحركاته، قدر أيضا في ~~فكرته على الرجوع إلى ذاته، والصعود بعقله إلى العالم العقلي ...» # 1 # فأفلوطين كما نرى لا يخلط بين النفس والعقل، ولا يقول إلا بالتأمل والنظر، ~~أما فرفريوس فإنه يشترط فضائل عملية من زهد وامتناع عن أكل اللحوم، وغير ذلك؛ كي تصعد ~~النفس إلى عالم المعقولات. ويبدو أنه كان يقول «إن ذات النفس تصير هي المعقولات»، ولذلك ~~اعترض عليه ابن سينا فقال: «فهذا من جملة ما يستحيل عندي؛ فإني لست أفهم قولهم إن شيئا ~~يصير شيئا آخر، ولا أعقل أن ذلك كيف يكون ... وأكثر ما هوس الناس في هذا هو الذي صنف لهم ~~«إيساغوجي»، وكان حريصا على أن يتكلم بأقوال مخيلة شعرية صوفية يقتصر منها لنفسه ~~ولغيره على التخيل، ويدرس أهل التمييز على ذلك كتبه في العقل والمعقولات وكتبه في ~~النفس.» # والذي صنف «إيساغوجي» هو فرفريوس. و«إيساغوجي» باللغة اليونانية تعني المقدمة أو ~~المدخل. وكتابه المدخل إلى مقولات أرسطو، ألفه لتلميذه خريساريوس الذي كان يطلب العلم في ~~مدرسة أفلوطين، وهو أحد أعضاء مجلس الشيوخ في روما، قرأ مقولات أرسطو فعجز عن فهمها، فكتب ~~إلى فرفريوس وهو في صقلية يقص عليه أمره ويطلب عونه، فصنف له مدخلا إلى المقولات يشرح ~~فيه الكليات الخمس؛ وهي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام، فاشتهر الكتاب الصغير ~~حتى وصفه العرب بأنه «سار مسير الشمس حتى يومنا هذا». # ومعنى المقولة: ما يقال عن الشيء، وهذا في غاية ~~الأهمية في تعريف الشيء وتحديد ماهيته. ماذا نقول عن سقراط؟ (1) إنسان. (2) طويل. (3) أبيض. ~~(4) في الدار ... إلى آخر المقولات العشر. إنسان مقولة الجوهر، طويل مقولة الكم، أبيض مقولة ~~الكيف، وهكذا. والمقولات العشر ضرب من تصنيف الموجودات. أما الكليات الخمس؛ الجنس والنوع ~~والفصل والخاصة والعرض العام، فإنها ضرورية للتعريف والقسمة والبرهان. فأنت تقول الإنسان: ~~حيوان ناطق، وهو التعريف المشهور. فإنسان نوع، وحيوان جنس، وناطق ms62 فصل. وهذا التعريف يسمى ~~الحد التام. والقسمة تقتضي تمييز الكلي إلى أجزائه، ومنها القسمة الثنائية. وهناك تقسيم ~~للموجودات مشهور، يعرف ب «شجرة فرفريوس» نسبة إليه، وهي على النحو الآتي: # وهكذا دخل فرفريوس تاريخ الفلسفة بمدخله وشجرته. # وبموته قفلت المدرسة أبوابها، إن في روما أو الإسكندرية، وانتقلت بروحها إلى الشرق مرة ~~أخرى؛ فظهر يامبليخوس (270-330) شارح أفلاطون وأرسطو مع ميل إلى الأفلاطونية الحديثة، ثم ~~برقليس أو بروقلوس (410-485) الذي تعلم بالإسكندرية، ثم عاد إلى أثينا فرأس الأكاديمية، ~~ومزج بين الفلسفة والعلم الرياضي وحذا حذو الأفلاطونية المحدثة، واشتهر عند الإسلاميين ~~والمسيحيين على السواء في العصر الوسيط. # | مدرسة «جنديسابور» # إنها همزة الوصل بين الفلسفة اليونانية والعربية، على الرغم من أنها تقع في فارس. أما ~~كيف انتقلت الفلسفة اليونانية إليها، وبخاصة الفلسفة الإسكندرانية التي تميزت بنزعتها ~~العلمية، فلذلك قصة يجدر بنا أن نرويها. # لم ينقطع النزاع بين الفرس واليونان بعد خضوع اليونان لروما مع اتساع الدولة الرومانية؛ ~~إذا انتقل هذا النزاع فأصبح بين الفرس والرومان، وكان للرومان الغلبة دائما حين كانت ~~الإمبراطورية قوية، فلما بدأت تضعف وتتفكك انعكست الآية، وانهزمت جيوشها أمام جحافل ~~الفرس. وقد أشرنا عند الحديث عن أفلوطين أنه انخرط في جيش الإمبراطور جورديان الثالث مع ~~حملته على الفرس؛ بغية الاطلاع على مذاهب الشرق، وما فيه من حكمة، ولكن فشل الحملة، جعله ~~يعود أدراجه ويتجه إلى روما، حيث افتتح مدرسته. نشبت الحرب لأن فارس قامت بها دولة ~~الساسانيين على يد مؤسسها أردشير، حتى إذا استتب له الأمر أرسل سنة 230 إلى روما ~~يتحدى الإمبراطور ويطلب إعادة الأقاليم التي كانت تابعة للفرس مثل آسيا الصغرى وسوريا، ~~ومات أردشير سنة 241 ولما تبدأ الحرب، التي نهض بها ابنه شابور (241-272)، والتقى بجيش ~~جورديان الذي هزمه أول الأمر، ولكن مصرع جورديان سنة 244 أوقف الحرب، واتفق على أن تحكم ~~فارس أرمينيا، وروما العراق. ثم نشبت الحرب مرة أخرى سنة 258، وكان على رأس الجيش الروماني ~~الإمبراطور فاليريان، ودارت الدائرة على الإمبراطور وانهزم هزيمة ساحقة وأسر هو ms63 ~~وجيشه. # أحسن شابور معاملة الأسرى، واستطاع بما منحهم من حرية أن يستفيد منهم، وكان فيهم كثير من ~~الفنيين، أطباء ومهندسين وصناع مهرة، وهؤلاء هم الذين قاموا ببناء السد الكبير على نهر دجيل ~~عند تستر، والمعروف باسم «شاذروان تستر». وأنزل شابور - أو سابور - الأسرى في بقعة ~~قريبة من مدينة سوس، ومن مدينة تستر، فأقاموا بها معسكرا أصبح مدينة «جنديسابور»؛ أي ~~معسكر سابور. وازدهرت المدينة، وأصبحت قاعدة إقليم خوزستان أيام الساسانيين، الذين اتخذوا ~~من مدينة السوس مقرهم الشتوي، ومن «جنديسابور» مقرهم الصيفي؛ لطيب مائها واعتدال ~~هوائها. وظل ملوك الساسانيين كما يقول المسعودي في مروج الذهب حتى زمان هرمز يقيمون ب ~~«جنديسابور» في خوزستان. # وقد نعم الأسرى في ظل الحكم الفارسي بحرية دينية لم ينعموا بها في كنف الرومان، الذين ~~كانوا يضطهدون المسيحيين، مما دفعهم إلى التخفي وممارسة عباداتهم سرا. ولم يكن يعني ~~الفرس أن يحاربوا النصارى، فتركوا لهم حرية بناء الكنائس. ثم إن «جنديسابور» لم تعد تحت ~~حكم هرمز قاعدة العرش؛ ففقدت بذلك أهميتها، وأصبحت خرائب، إلى أن أعاد بناءها سابور الثاني ~~سنة 362 عقب انتصاره على الإمبراطور جوليان، ووقوع عدد من الأسرى في يديه، فأنزلهم المدينة ~~بعد تجديدها، وكانت المسيحية قد انتصرت نهائيا على الوثنية، فأصبح عبء نقل الحضارة ~~اليونانية واقعا على عاتق الكنيسة، وقام بها في الشرق نصارى السريان وكانوا من ~~النساطرة. # ولسنا ندري على التحقيق ما كان من أمر المدرسة في القرنين الرابع والخامس، ولكن المؤكد ~~أن كسرى أنوشروان (531-578) هو الذي أحاط المدرسة برعايته، وطمع أن تكون على مثال المدارس ~~الفلسفية وبخاصة مدرسة الإسكندرية التي كانت تعنى بالرياضيات والطب والفلسفة، وهو الاتجاه ~~الإسكندراني الذي تحدثنا عنه من قبل. وهو الذي رحب بفلاسفة أثينا الذين طردهم جستنيان ~~عندما أغلق أبواب الأكاديمية والمشائية. وعندئذ طبق المنهج الإسكندراني في التعليم، ~~واستعملت الكتب نفسها التي كانت تدرس في الإسكندرية، إن في الطب أو في الرياضيات. ولم ~~تكن «جنديسابور» هي المدينة الوحيدة في فارس التي كانت مقرا للعلوم والفلسفة، بل ظهرت ~~مدارس في ms64 مدن أخرى، ذكر ياقوت في معجم البلدان ما يدل على وجودها؛ إذ يقول عند الكلام عن ~~«ريشهر»، «وهي مختصر من ريو أردشير، ناحية من كورة أرجان، كان ينزلها في الفرس كشته ~~دفتران، وهم كتاب كتابة الجستق، # 1 # وهي الكتابة التي كان يكتب بها كتب الطب والنجوم والفلسفة، وليس بها اليوم أحد ~~يكتب بالفارسية ولا بالعربية.» والمقصود بالنجوم علم الفلك. # أخذ طب اليونان عن مدرستين؛ مدرسة أبقراط الذي توفي في القرن الثالث قبل الميلاد، ومدرسة ~~جالينوس (توفي 200 بعد الميلاد). وأصل جالينوس من برجام بآسيا الصغرى، ولكنه عاش معظم ~~حياته في روما، ولا بد أنه اتصل بالإسكندرية وأطبائها. واعتمدت مدرسة الإسكندرية على كتبه، ~~واختاروا منها ستة عشر كتابا لا بد لطالب الطب من حفظها، وعليها اعتمدت مدرسة ~~«جنديسابور» الطبية، ونقلتها إلى السريانية، وعن هذه الكتب المترجمة إلى السريانية نقلت ~~إلى اللغة العربية في عصر الترجمة. ومن أطباء الإسكندرية الذين تابعوا جالينوس؛ أوريباسيوس، ~~وإيتيوس، وأهرن، الذي يسميه العرب أهرن القس، وهو طبيب وكاهن يهودي عاش في الأغلب في ~~القرن الخامس، وترجم «كناشه» أي كتابه الواقع في ثلاثين مقالة إلى السريانية ثم إلى ~~العربية. ويلوح أن الذي أذاع كتب أهرن طبيب فارسي النشأة، يهودي المذهب، سرياني اللسان، ~~يسمى ماسرجويه أو ماسرجيس، تولى نقل كتاب أهرن في خلافة مروان بن الحكم (64-65ه) إلى ~~العربية. # ولكن مدرسة «جنديسابور» الطبية لم تقف عند طب بقراط وجالينوس، بل أخذت أيضا بالطب ~~الهندي الذي يعتمد على الأعشاب المعروف أثرها بالتجربة، وعلى التعاويذ والتمائم لطرد ~~الأرواح الشريرة التي كانوا يعتقدون أنها تسبب المرض. ويروى أن كسرى استدعى من الهند ~~طبيبا ليعلم الطب على الطريقة الهندية في مدرسة «جنديسابور»، وكذلك عني كسرى ~~بالأعشاب الهندية واستجلب بعضها إلى فارس وزرعها في ضواحي «جنديسابور»، ومنها «السكر» ~~الذي يصنع من قصب «السكر». ولفظة «سكر» هذه سنسكريتية، درجت في اللغة الفارسية ومنها إلى ~~العربية. وقد استخرج «السكر» من عصير القصب حوالي القرن الرابع الميلادي في الهند، فلما ~~زرع في «جنديسابور» أنشئت معاصر خاصة له. ms65 وفي ذلك الوقت كان «السكر» يستخدم في ~~العلاج، ولم يتخذ بدلا من عسل النحل وسيلة للتحلية إلا في زمان متأخر. # قلنا إن الفرس اهتموا بالطب والنجوم والفلسفة وعلم النجوم، وهو الذي نسميه علم ~~الفلك، عنوا به عناية كبيرة، ووضعوا ب «جنديسابور» مرصدا على نسق ما كان موجودا في ~~الإسكندرية. وعندما نقل العرب هذا العلم أخذوه عن الفرس؛ ولذلك نجد كثيرا من المصطلحات ~~الفارسية المعربة؛ مثل زيج، وهو لفظة من اللغة البهلوية المستخدمة زمان الساسانيين معناه ~~السدى الذي ينسج فيه لحمة النسيج، ثم أطلق على الجداول العددية لمشابهة خطوطها ~~الرأسية بخيوط السدى. وأقدم كتاب ترجم في علم الفلك هو «زيج الشاه». # وأما الفلسفة فإن كتب أرسطو ومنطقه بوجه خاص كانت على رأس الكتب الفلسفية التي نقلها ~~السريان لحاجتهم إليها في مباحثهم الدينية. # ويبدو أن اللغة الأساسية التي كانت مستخدمة في المدرسة هي السريانية، باعتبار أنها لغة ~~الأساتذة من جهة، ولغة المراجع في شتى العلوم بعد نقلها من اليونانية إلى السريانية، فكان ~~لا بد للطالب من تعلم السريانية ليتمكن من التحصيل. ولا نزاع أن الأسرى الذين نزلوا ~~«جنديسابور» كانوا يتكلمون اليونانية إلى جانب السريانية، ثم تعلموا الفارسية. ويلوح ~~أن بعض الكتب قد ترجم إلى الفارسية أيضا عن طريق السريانية، كما حدث فيما بعد حين نقلت ~~العلوم والفلسفة من السريانية إلى العربية. وهذه الكتب السريانية في طب جالينوس، ومنطق ~~أرسطو، وبعض الكتب الفلكية والرياضية، هي التي عنها نقل المترجمون في العصر العباسي، وذلك ~~بعد إنشاء بغداد التي لم تكن مسرفة البعد عن «جنديسابور»، فاجتذبت العاصمة الجديدة ~~بتشجيع الخلفاء والأمراء، وما كانوا يغدقونه على العلماء كثيرا من أطباء النساطرة ~~وعلمائهم، فجعلوا يهجرون موطنهم الأصلي في المدرسة الفارسية ليستقروا في عاصمة ~~الخلافة. # وأول خليفة استقدم طبيبا من «جنديسابور» هو المنصور العباسي؛ حين أصيب بعلة شديدة ~~ترجع إلى اضطراب الهضم، وكان ممعودا، فدعا جرجيس بن بختيشوع رئيس مدرسة «جنديسابور» ~~وبيمارستانها. وظل جرجيس في بلاط الخليفة ببغداد، من سنة 148 إلى 152 هجرية، حيث استأذن في ~~العودة ms66 إلى «جنديسابور». وفي خلافة الهادي استقدم بختيشوع بن جرجيس بن بختيشوع؛ ليكون ~~طبيب البلاط، ولكن نشأ بينه وبين أبي قريش طبيب زوجة الهادي نزاع، فرئي أن يستغنى عنه. ~~فلما تولى هارون الرشيد طلبه لمداواته من صداع مزمن، ثم استمر في خدمة الخلافة من ~~أسرة بختيشوع الابن الثالث وهو جرجيس بن بختيشوع الذي كان طبيبا لجعفر بن يحيى البرمكي، ~~ثم أصبح طبيب الرشيد ورئيس الأطباء، وخدم الأمين والمأمون، وله مؤلفات طبية باللغة ~~العربية، توفي سنة 213ه. # وأنشأ المأمون سنة 215 هجرية بيت الحكمة في بغداد، وجعله مقرا للترجمة من السريانية، ~~ومن اليونانية إلى العربية، وجعل على رأسه يوحنا بن ماسويه، وهو طبيب سرياني من مدرسة ~~«جنديسابور»، هاجر إلى بغداد وأنشأ بها بيمارستانا إلى أن قلده المأمون رئاسة بيت ~~الحكمة. وكان حنين بن إسحاق أشهر المترجمين من تلاميذه. # ورب معترض يقول إن بيت الحكمة لم يكن مدرسة فلسفية، بل دار للترجمة، وليست ترجمة الكتب ~~فلسفة، بل إن مدرسة «جنديسابور» نفسها لم تكن مدرسة فلسفية؛ لأنه لم يؤثر عنها أنه قد ~~ظهر منها فلاسفة يعرفون بهذا الوصف، وإنما الذي برز منهم أطباء يقومون بالعلاج ويديرون ~~البيمارستانات. # وهو اعتراض له وجاهته، ولكن الحق أن مدرسة الإسكندرية نفسها في عصرها المتأخر في ~~القرنين الرابع والخامس، لم تكن مدرسة فلسفية بمقدار ما كانت مدرسة علمية رياضية ~~وطبية، فيما عدا الأفلاطونية الجديدة التي أنشأها أمونيوس سكاس وأعلنها أفلوطين. وفيما عدا ~~ذلك فهل يمكن أن نسمي بطليموس صاحب المجسطي، أو منيلاوس، أو نيقوماخوس، أو بابوس وغيرهم ~~فلاسفة. وكذلك الأطباء من أمثال أوريباسيوس وأهرن. وفضلا عن ذلك، فإن هؤلاء الرياضيين ~~والأطباء لم يكونوا من الأعلام كإقليدس أو جالينوس، بل كانوا أصحاب مختصرات وشروح بغية ~~مصلحة التعليم. هذا وقد كانوا إلى جانب ذلك يعرفون مذاهب أفلاطون وأرسطو والرواقيين وغيرهم ~~من الفلاسفة، فهم وإن لم يكونوا فلاسفة، إلا أنهم كانوا مؤثرين للحكمة ومعلمين لها، إلى ~~جانب معرفتهم بالرياضيات والطبيعيات والطب. وكان ذلك حال مدرسة «جنديسابور»؛ فهي استمرار ~~للتعليم الإسكندراني وبخاصة في ms67 الطب. ولما انتقل أطباؤها إلى بغداد، كان لا بد أن ~~ينهضوا أول الأمر بحركة الترجمة، تلك الحركة التي استغرقت زهاء قرن من الزمان. # ولكن ظهر من بين هؤلاء المترجمين وفي إبان حركة النقل، فيلسوف إسلامي هو أول من سمي ~~من العرب فيلسوفا، وكان صاحب مدرسة، وهو الكندي. # | المدارس الفلسفية الإسلامية # (1) مدرسة الكندي # لم يظهر في الإسلام مدارس فلسفية منظمة تفتح أبوابها للطلبة كما كان الحال في ~~أكاديمية أفلاطون أو «لوقيون» أرسطو، أو حديقة إبيقور؛ وإنما ظهرت على معنى الصحبة ~~والأتباع وتقليد المذهب. وهذا على عكس مدارس الفقه واللغة والتفسير والحديث، التي ~~أنشئت منذ القرن الخامس الهجري، وانتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ورتب لها ~~الأساتذة والكتب والجرايات، وأقيمت لها أبنية خاصة؛ وعلة ذلك أن الفلسفة كان ينظر ~~لها بعين الارتياب، واتهم المشتغلون بها بالكفر والإلحاد، فلم يكن يتسنى للدولة أن ~~ترعاها. # ثم إن الفلاسفة الإسلاميين لم يكونوا فلاسفة فقط، بل اشتغل معظمهم بالطب أو ~~الرياضيات، ثم اتصلوا من ذلك بالفلسفة، ولم تنقطع صلتهم بالطب أو بالرياضيات، فكانوا ~~حكماء وأطباء في آن واحد. وكانت هناك مدارس طبية ملحقة بالبيمارستانات يتخرج فيها ~~الأطباء. ولكن حديثنا أساسا عن المدارس الفلسفية، فأين كانت تلك المدارس؟ الأرجح أن ~~الفلاسفة كانوا يعقدون تلك المدارس، والأصح أن يقال «المجالس» في دورهم، ولم يكن عدد ~~أتباعهم كبيرا، بل بضعة نفر. # ومن هذا القبيل مدرسة الكندي، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن ~~إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي، فيلسوف العرب، وأحد أبناء ملوكها؛ لأن كندة كانوا ~~ملوكا على اليمن. تولى إسحاق بن الصباح إمارة الكوفة في خلافة المهدي والهادي ~~والرشيد، وولد ابنه يعقوب بالكوفة سنة 185 هجرية، وبها تعلم القراءة والكتابة والنحو ~~والعربية والفقه وعلم أصول الدين، ولكنه انصرف عن علم الكلام إلى علم الطب والفلك ~~والرياضة والفلسفة، وشارك النقلة في الترجمة، وكان يصلح الكتب المترجمة بأسلوبه ~~العربي الفصيح، وفسر كثيرا من كتب أرسطو، وألف كتبا مبتكرة جعلت مؤرخي الفلسفة ~~الإسلامية يصفونه بأنه فيلسوف ms68 العرب. وقد نبغ في خلافة المأمون والمعتصم، وكان مؤدب ~~أحمد بن المعتصم بالله، وعاش زمان المتوكل، وتوفي سنة 255 هجرية. # إن الكندي فيلسوف على الحقيقة، جدير بهذا الاسم، ويعد استمرارا للتعليم ~~الإسكندراني الذي ورثه العرب بعد نقله إلى اللغة العربية، بعد أن دفع هذا التراث دفعة ~~قوية، وطعمه بالديانة الإسلامية موفقا بين الدين والفلسفة. # وقد عاصر الكندي المترجمين، حتى قيل إنه أحد أربعة من حذاقهم، والثلاثة الآخرون ~~هم: حنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، وعمر بن الفرخان الطبري. والحق أنه لم يكن مترجما ~~بمقدار ما كان مصلحا للتراجم الغثة، وكان إلى ذلك مقتبسا للفكر اليوناني يلخصه ~~ويأخذ زبدته، وكان يصطنع مترجمين من السريان ينقلون إليه ما يريد من كتب، ومن المعروف ~~أن الذي كان يترجم لحسابه يسمى «أسطاث». وكان الكندي يعرف اللغة السريانية معرفة ~~جيدة، وألف بهذه اللغة رسالة صغيرة. أما معرفته للغة اليونانية فمشكوك ~~فيها. # وله مؤلفات غزيرة بلغت زهاء مائتين وستين كتابا ورسالة في شتى فنون المعرفة؛ ~~من منطق ورياضيات وفلك وموسيقى وعلوم طبيعية وميتافيزيقا وأخلاق وسياسة وكيمياء وغير ~~ذلك؛ مما يجعلنا نقول إنه كان فيلسوف الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري. ومعظم ~~كتبه كان يوجهها إما للمعتصم، أو لأحمد بن المعتصم، أو لبعض الإخوان والتلاميذ، ~~الذين كانوا يستفسرون عن مسائل، تعد الرسالة ردا على تلك الأسئلة. ومعظم الرسائل ~~الباقية بين أيدينا تجري على هذا النحو من السؤال والجواب، مما يؤكد أن الكندي لم ~~يكن مترجما ناقلا، بل كان مفكرا أصيلا حصل المعارف السابقة وتمثلها، ثم أبدى ~~رأيه بعد ترجيح وجهة نظر على أخرى، وإضافة آراء جديدة. ونضرب مثالا لذلك برسالة يجيب ~~فيها عن ثلاث مسائل مختلفة، الأولى: لم صار البخار يجمد في الجو؟ والثانية: عن الصحو ~~والغيم. والثالثة: إذا كانت الأعداد بلا نهاية، فهل يمكن أن تكون المعدودات بلا نهاية. ~~وليس من الضروري أن يكون السائل قد تراسل فعلا مع الكندي؛ إذ لعله قد باحثه، وكانت ~~نتيجة المباحثة تقييد هذه الرسالة. وكذلك كان يفعل مع تلميذه أحمد ms69 بن المعتصم بالله، ~~ولذلك جاءت رسائله ذات هيئة تعليمية مرتبة. # ويبدو أن الكندي كان يستقبل تلاميذه في داره، حيث كان يقتني مكتبة واسعة من أكبر ~~المكتبات، حتى سميت بالمكتبة «الكندية». ولهذه المكتبة قصة جديرة بالرواية؛ إذ كان ~~محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر في أيام الخليفة المتوكل يكيدان كل من ذكر بالتقدم ~~في معرفة، فدبرا على الكندي حتى ضربه المتوكل، ووجها إلى داره فأخذا كتبه بأسرها، ~~وأفرداها في خزانة سميت «الكندية»، واسترجع الكندي مكتبته فيما بعد حين رضي عنه ~~المتوكل. # ومن تلاميذه أبو العباس أحمد بن محمد الخراساني، كان ممن ينتمي إلى الكندي، وعليه ~~قرأ، ومنه أخذ. ومنهم ابن كرنيب أبو أحمد الحسين بن أبي إسحاق بن إبراهيم الكاتب، وكان ~~يعد من جملة المتكلمين. ومنهم علي بن الجهم، وكان من الشعراء المختصين بالمتوكل. ~~وعدوا منهم كذلك جماعة باسم نفطويه، وحسنويه، وآخرون على هذا الوزن. # وطريق المعرفة عند الكندي إما حسي، وإما عقلي، أو هما معا. ولا بد مع ذلك من ~~أمور أربعة يتبعها طالب الفلسفة؛ وهي الطلب والبحث والأداة والزمان. فالطلب سعي إلى ~~غاية، والبحث تفتيش عن الخفايا، والمعرفة ثمرة البحث، والبحث نتيجة الطلب. وأدوات البحث ~~الرياضة والمنطق. والزمان داخل في كل فعل إنساني، على عكس العلم الإلهي الذي «يتم بلا ~~طلب، ولا تكلف، ولا بحث، ولا بحيلة من الرياضيات والمنطق، ولا بزمان». ويهمنا من ~~هذه الأمور الأربعة الرياضة والمنطق. # فقد ورث العرب فلسفة أفلاطون كما ورثوا فلسفة أرسطو، وكان أفلاطون يعتمد في الفلسفة ~~على المنهج الرياضي، وكان أرسطو يعتمد على المنطق. ولما كان الكندي فيلسوفا رياضيا ~~في المحل الأول، فلا عجب أن يجعل الرياضة مدخلا لا بد منه لتعلم الفلسفة. وفي ذلك ~~يقول بعد ذكر كتب أرسطو التي يحتاج الفيلسوف التام إلى اقتناء علمها، إنه يجب اقتناء ~~علم الرياضيات قبل ذلك؛ «فإنه إن عدم أحد علم الرياضيات التي هي علم العدد والهندسة ~~والتنجيم والتأليف (أي الموسيقى)»، وإن طالب الفلسفة إذا لم يحصل العلوم الرياضية ~~تحصيلا وافيا؛ فلن يتسنى له ms70 معرفة الفلسفة معرفة صحيحة. # لذلك كان العلم الرياضي، مع أنه أوسط في الطبع، إلا أنه أول في التعليم. # ولكن فلاسفة العرب بعد الكندي لأنهم اتجهوا وجهة مشائية، فقد اتخذوا من المنطق ~~أداة لتعلم الفلسفة، كما هي الحال عند الفارابي وابن سينا فيما بعد. # ويعد الكندي أول مصنف للعلوم عند العرب، وهو صاحب قسمة العلوم قسمين؛ دينية ~~وفلسفية، وتبعه في هذا التقسيم سائر الذين صنفوا العلوم ابتداء من الفارابي إلى ابن ~~خلدون. والذي دفعه إلى إضافة العلوم الدينية أن الإسلام جاء بعلوم لا غنى عنها؛ مثل ~~علم النبوة وعلم أصول الدين، وما يتصل بهما من فقه وحديث وتفسير وغير ذلك. # وقد شق الكندي طريق العلوم الرياضية من حساب وهندسة وفلك وموسيقى، وكان يعد في ~~العصر الوسيط أحد ثمانية من كبار علماء الفلك في العالم في ذلك الزمان. اشتهر في ~~أوروبا بكتبه التي ترجمت إلى اللغة اللاتينية، والتي لا يزال بعضها موجودا. # وهو صاحب أول مدرسة موسيقية في الإسلام، من الناحية النظرية. وقد وضع رسائله في ~~الموسيقى لفائدة المتعلمين، وبيان طريقة تعلمهم. يقول في إحدى رسائله عند الكلام ~~على طريقة جس الأوتار: «وهو سبيل ومدخل إلى التعليم، والألف للأصابع في التنقل على ~~الدساتين، فإن من استعمل ذلك وأحكمه وأسرع فيه، قبل أن يقصد إلى التعلم؛ كان أسرع ~~للقبول، وسهلت عليه محاكاة الأستاذ ...» # وعلى الرغم من البحث النظري في الموسيقى وأصولها وحسابها الرياضي، فإن الكندي يرى أن ~~فنون تعليم الموسيقى «موجودة عند أهل هذه الصناعة، وأخذها عنهم، وتعلمها منهم نظرا، ~~أسرع وأقرب إلى الفهم منها من الكتاب.» # وقد عني الكندي بالفنون العملية التي تشكل حضارة الأمة من الناحية المادية، ~~ولذلك اشتغل بالكيمياء، وما يتصل بالكيمياء من أصباغ وأحماض. وليس ببعيد أنه كان يجري ~~في داره تجارب كيميائية. وله رسالة في السيوف تدل على معرفة وثيقة بصناعة الحديد ~~والصلب، استمدها من الاختلاط بأرباب هذه الصناعة؛ وهذا كله يثبت أن الفلسفة في ذلك ~~العصر لم تكن منعزلة عن المجتمع وحاجاته والرغبة في العمل على رقيه ms71 ~~وتقدمه. # ويتلخص مذهبه الفلسفي في أمرين يستهدفان غرضا يريد الوصول إليه؛ أما الغرض ~~فإثبات «الواحد الحق» وهو الله سبحانه. ولما كان الإسلام يرمي إلى إثبات الوحدانية، ~~وأن الله «الواحد» مبدع العالم من عدم، وكانت الفلسفة في صميمها تبغي معرفة الإله ~~«الواحد» الحق، فلا منافاة بين الدين والفلسفة، أو بين الحكمة والشريعة. وليس الاشتغال ~~بالفلسفة كما يتهمها رجال الدين كفرا؛ إذ لا يوجد في الدين ما ينص على تحريمها ~~وكفرها. # والأمر الثاني محاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو. وقد رأينا أن ذلك التوفيق بدأ ~~بالإسكندرية، وعند أفلوطين وفرفريوس بوجه خاص. ولكن جوهر فلسفة أفلاطون التي تؤمن ~~بالمثل أصلا للموجودات، يخالف جوهر فلسفة أرسطو التي تعد فلسفة وجود قبل كل شيء، ~~وتخالف جوهر فلسفة أفلوطين التي تعتمد على «الواحد»، وتصدر عنه الموجودات بسلسلة من ~~«الفيض». ولم يستطع الكندي أن يحل هذه المشكلة، وأن يدمج فلسفة الوجود وفلسفة «الواحد» ~~في مذهب جديد يوفق بينهما. وهذا ما فعله الفارابي فيما بعد. # صفوة القول: لم يكن الكندي رئيسا لمدرسة في بغداد بالمعنى المقصود من مدرسة عبارة عن ~~بناء يشتمل على حجرات يجري فيها التعليم بطريقة منظمة؛ إذ كانت تلك المدارس لأسباب ~~تاريخية وقفا على النصارى وملحقة في الأغلب بالأديرة، بعد انتقال الفلسفة والعلوم من ~~الإسكندرية إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى حران، وإلى «جنديسابور»، ومنها إلى بغداد؛ ~~ولذلك قال الدكتور مايرهوف في بحثه عن انتقال التعليم من الإسكندرية إلى بغداد: إن ~~«الكندي الذي عاش آنئذ في بغداد، وكان أول فيلسوف مسلم، لم يكن يدير أي مدرسة، وإنما ~~كان يعطي دروسا خاصة.» # استطاع الكندي أن يبرز كفيلسوف، وأن يرتفع عن مجرد اتباع الكتب المترجمة، وأن يخلق ~~في بغداد جيلا من التلاميذ، ولم يكونوا كثيرين، أشهرهم ثلاثة هم: ابن كرنيب الذي كان ~~صاحب مدرسة في بغداد، وأحمد بن الطيب السرخسي، وأبو زيد البلخي. # أما الذي اشتهر بين العرب حتى سمي المعلم الثاني، فهو الفارابي. ~~(2) مدرسة الفارابي # أبو نصر، محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي. ولد 259 هجرية، ms72 وتوفي 339. ~~والفارابي نسبة إلى مدينة فاراب بين حدود فارس وتركيا. انتقل إلى بغداد وتعلم بها ~~الفلسفة على شخص يسمى يوحنا بن حيلان، فأتقن المنطق، وانتهى به المطاف إلى بلاط سيف ~~الدولة الحمداني، فخدمه، ولازمه، وتوفي بدمشق سنة 339 هجرية. سمي المعلم الثاني ~~في أكبر الظن؛ لأنه أدخل صناعة المنطق عند العرب، باعتبار أن أرسطو - صاحب المنطق - هو ~~المعلم الأول. وقد طعن على الكندي وقيل إنه يجهل المنطق، ولا يعرف بوجه خاص صناعة ~~التحليل، أو البرهان، وأن الذي ذلل المنطق، ويسره، وفسره، هو الفارابي. والحق أن ~~الكندي كان رائدا شق الطريق، وكان يكابد في وضع المصطلح العربي المقابل للمصطلح ~~اليوناني، وقد هجر كثيرا من المصطلحات التي وضعها، ولم تستقر في الواقع إلا زمان ~~الفارابي، الذي يعد صاحب الفضل في استقرارها. وأيضا فإن الكندي - كما ذكرنا - لم يكن ~~يؤمن بالمنطق أداة أولى لتحصيل الفلسفة، وآثر عليها الرياضيات؛ لذلك لم يكن يعنيه ~~كثيرا أن يتعمق في صناعة المنطق، على الرغم من أن ثبت مؤلفاته يدل على أنه فسر ~~معظم كتب أرسطو المنطقية. # وللفارابي كتب كثيرة معروفة؛ منها آراء أهل المدينة الفاضلة، وإحصاء العلوم، وتحصيل ~~السعادة، والتنبيه على سبيل السعادة، والجمع بين رأيي الحكيمين، وغير ذلك من الرسائل ~~المطبوعة. وله من الكتب المخطوطة الشيء الكثير، إلا أن معظمها مفقود، وكتابه الموسيقى ~~الكبير تحت الطبع في الوقت الحاضر. # ثم إنه لم يتعلم على يوحنا بن حيلان فقط، بل على أبي بشر متى بن يونس أيضا. وذكر ~~ابن خلكان كيفية اتصاله بأبي بشر، وتعلمه منه، بما يوضح كيف كان يجري التدريس، ~~قال: «ولما دخل بغداد، كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور، وهو شيخ كبير، ~~وكان يقرأ الناس عليه فن المنطق، وله إذ ذاك صيت عظيم وشهرة وافية، ويجتمع في حلقته ~~كل يوم المئون من المشتغلين بالمنطق، وهو يقرأ كتاب أرسطوطاليس في المنطق، ويملي على ~~تلامذته شرحه، ولم يكن في ذلك الوقت مثله في فنه. وكان حسن العبارة في تآليفه، لطيف ~~الإشارة، وكان يستعمل ms73 في تصانيفه البسط والتذليل، حتى قال بعض علماء هذا الفن: ما أرى ~~أبا نصر الفارابي أخذ طريق تفهيم المعاني الجزلة بالألفاظ السهلة إلا من أبي بشر. ~~وكان أبو نصر يحضر حلقته في غمار تلامذته، فأقام أبو نصر كذلك برهة، ثم ارتحل إلى مدينة ~~حران وفيها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني، فأخذ عنه طرفا من المنطق. ثم إنه قفل ~~راجعا إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة، وتناول جميع كتب أرسطوطاليس، وتمهر في ~~استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها.» من هذا يتضح أن أبا بشر متى بن يونس كان ~~رئيس مدرسة في بغداد، ولكنه لم يكن هو الذي ابتدعها، بل تعلم على غيره في سلسلة ~~متصلة من التعليم الفلسفي. # ولكي نفهم موضع الفارابي في هذه السلسلة، يحسن أن نتتبعها من بدايتها بالإسكندرية، ~~وذلك عن رواية نقلها ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء عن كلام للفارابي في ظهور ~~الفلسفة، وأنه كان زمان اليونانيين حتى أرسطو، ثم انتقل إلى الإسكندرية في حكم البطالسة ~~حتى كليوباترا، ولما استولى الرومان على مصر، استنسخوا الكتب الموجودة بالإسكندرية، ~~وأصبح للفلسفة موضعان للتعليم؛ أحدهما في روما، فلما انتصرت النصرانية زالت مدرسة ~~روما وبقيت الإسكندرية، وانتقل منها التعليم إلى أنطاكية واستمر بها إلى أن بقي ~~«معلم واحد، فتعلم منه رجلان، وخرجا ومعهما الكتب، فكان أحدهما من أهل حران، والآخر ~~من أهل مرو. فأما الذي من أهل مرو، فتعلم منه رجلان؛ أحدهما إبراهيم المروزي، ~~والآخر يوحنا بن حيلان. وتعلم من الحراني إسماعيل الأسقف، وقويري، وسارا إلى بغداد، ~~فتشاغل إسماعيل بالدين، وأخذ قويري في التعليم. وأما يوحنا بن حيلان، فإنه تشاغل ~~أيضا بدينه. وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها. وتعلم من المروزي متى بن ~~يونان (أي يونس) ... وقال أبو نصر الفارابي عن نفسه إنه تعلم من يوحنا بن حيلان إلى آخر ~~كتاب البرهان.» # وإذا كنا قد عرفنا طرفا من طريقة أبي بشر، فإن الغموض يلف شخصية يوحنا بن حيلان. ~~ويبدو أن تأثر الفارابي بأبي بشر كان أعظم. وقيل إن الفارابي كان ms74 أصغر سنا من أبي ~~بشر، ولكنه كان أحد ذهنا، وأعذب كلاما؛ وسبب ذلك أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن ~~السراج النحوي، فيأخذ عنه النحو، ويأخذ عنه ابن السراج المنطق. # ولسنا ندري إلا النزر اليسير عن طريقة الفارابي في التدريس. ويمكن استخلاص هذه ~~الطريقة من ثبت كتبه الوارد في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة؛ فقد كان الفارابي ~~قصير النفس في التأليف، وكتبه تعاليق. ويبدو أنه في التأليف كان يستغرق زمنا طويلا؛ ~~لأن كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة بدأ في تصنيفه ببغداد، «وحمله إلى الشام في آخر سنة ~~ثلاثين وثلاثمائة، وتممه بدمشق في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وحرره، ثم نظر في ~~النسخة بعد التحرير، فأثبت فيها الأبواب، ثم سأله بعض الناس أن يجعل له فصولا تدل على ~~قسمة معانيه، فعمل الفصول بمصر سنة سبع وثلاثين ...» ويهمنا في هذا الخبر أن جماعة من ~~التلاميذ سألوه أن يرتب الكتاب، ولكن من الصعب معرفة أسماء هؤلاء التلاميذ. ويبدو ~~كذلك أن الفارابي كان يضيق بالكتابة، ويستحسن الإملاء على تلاميذه، من ذلك أن له كتاب ~~«شرح كتاب البرهان لأرسطوطاليس، على طريق التعليق، أملاه على إبراهيم بن عدي، تلميذ له ~~بحلب.» ومن ذلك أيضا كتاب يسميه ابن أبي أصيبعة «كلام أملاه على سائل سأله عن معنى ~~ذات ومعنى جوهر، ومعنى طبيعة.» # وأعظم تلاميذه يحيى بن عدي المنطقي، إليه انتهت الرئاسة ومعرفة العلوم الحكمية في ~~وقته. قرأ على أبي بشر متى، وعلى أبي نصر الفارابي، وهو نصراني يعقوبي، توفي 364ه. ~~كان مترجما عن السريانية، ومعظم مؤلفاته في المنطق. وعن طريق يحيي بن عدي، تسلسلت ~~المدرسة المنطقية في بغداد، فرأسها أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار، ولد ~~331، فيلسوف وطبيب، ومنطقي، وله شروح وتعليقات على أورجانون أرسطو. ثم أبو علي عيسى بن ~~إسحاق بن زرعة، نصراني يعقوبي، له ترجمات لبعض كتب أرسطو، والإسكندرانيين. ثم عبد الله ~~ابن الطيب، تلميذ ابن الخمار، فيلسوف وطبيب، اشتغل بالبيمارستان العضدي، جمع بين الطب ~~والفلسفة، شرح ميتافيزيقا أرسطو وكتبه المنطقية، واتصل بالمراسلة مع ms75 معاصره ابن ~~سينا. # لا نود أن نحصي أسماء كل الفلاسفة الذين اشتهروا ببغداد، وأخذ بعضهم عن بعض، فهذا ~~أمر يطول، وفي القدر الذي ذكرناه كفاية لتوضيح مدرسة بغداد الفلسفية، والتي كانت تقوم ~~على منطق أرسطو وشرح كتبه المختلفة في الطبيعيات، والإلهيات، والأخلاق والسياسة، وتهذيب ~~الكتب الطبية والرياضية المأثورة عن مدرسة الإسكندرية. # ولا غرابة أن يدور المذهب الفلسفي حول آراء الفارابي، الذي اعترف له بالرئاسة في ~~الفلسفة، حتى سموه المعلم الثاني. ويمكن تلخيص هذه الآراء في أمور ثلاثة؛ المنطق، ~~وتسلسل الوجود ب «الفيض»، ونظرية الاتصال. # أما المنطق، فهو أداة الفكر، ومعيار النظر، منزلته من الفلسفة منزلة علم النحو من ~~اللغة، إلا أن النحو يعنى بالألفاظ، على حين يعنى المنطق بالمعاني. وقد أثر ~~الفارابي في الفلسفة الإسلامية من جهة المنطق ثلاثة أنواع من التأثير؛ الأول: حسن صياغة ~~العبارة المنطقية، مما يجعلها مقبولة مفهومة. والثاني: العناية بالتحليلات الثانية؛ ~~أي البرهان، بعد أن كان السابقون لا يتجاوزون التحليلات الأولى؛ أي القياس. والثالث: ~~دخول المنطق في علم الكلام، حتى أضحى بعد القرن الخامس الهجري جزءا من مباحثه. # وأما تسلسل الوجود صدورا عن «الواحد»، فإنها نظرية مزج فيها الفارابي بين ~~«الفلسفتين»؛ أي بين أفلاطون وأرسطو، وكذلك أفلوطين، فأصبحت النظرية مستقيمة لا تعتمد ~~على أساسين هما الوجود و«الواحد»، بل على أساس واحد مداره أن الوجود هو «الواحد»، وعن ~~الموجود الأول صدرت جميع الموجودات؛ «على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر.» صدر عن الموجود ~~الأول العقل الأول، ثم يصدر عنه العقل الثاني، وهكذا إلى نهاية العقول العشرة. والعقل ~~العاشر هو الذي يحكم عالم الأرض، عالم الكون والفساد، والعناصر الأربعة. وإنما كانت ~~العقول عشرة لأنها تحرك الكواكب والأفلاك، وهي بحسب علم الفلك اليوناني المتأخر ~~عشرة. # هذه النظرية مشتقة أساسا من الأفلاطونية المحدثة، وتحل مشكلة المادة القديمة عند ~~أرسطو؛ لأن الهيولى في هذا المذهب متصلة بوحدة وجود مع الموجود الأول، وهذا يتعارض ~~تماما مع الإسلام القائل بالخلق من عدم. وقد رأينا أن الكندي كان أقرب إلى روح الإسلام ~~حين نادى ms76 بالخلق، بل إنه يستعمل مصطلحا أدق من معنى الخلق، وهو الإبداع. فلما شاعت ~~فلسفة الفارابي عن طريق مدرسته، وعن طريق ابن سينا فيما بعد، لم ينقطع هجوم أهل ~~السنة على الفلاسفة، حتى رفع الغزالي لواء الحملة عليهم في تهافته. # والمقصود بنظرية الاتصال؛ اتصال عقولنا بآخر العقول المتسلسلة عن «الواحد» وهو العقل ~~العاشر. وإذا تيسر لنا الاتصال بالعقل الفعال ؛ أمكن الاطلاع على كل علم بطريق ~~«الفيض» عن الأنوار الإلهية. ويتصل الفيلسوف بهذا العقل بطريق «البحث النظري»، ويتصل ~~النبي أو الولي بطريق «المخيلة» التي تقبل الإلهامات في الرؤيا الصادقة أو في اليقظة ~~على هيئة الوحي. وبهذا المسلك وفق الفارابي بين الحكمة والشريعة؛ لأن الحقائق الدينية ~~والحقائق الفلسفية كلاهما ثمرة «الفيض» الإلهي؛ إما عن طريق المخيلة أو النظر ~~والتأمل. ~~(3) مدرسة ابن سينا # مدرسة الفارابي وهي مدرسة بغداد - وقد عرفت بهذا الاسم - كان معظمها من النصارى، ~~بدأت بأبي بشر متى ويوحنا بن حيلان، وبلغت أوجها عند الفارابي وتلميذه يحيى بن عدي، ~~وكانت تعارض مدرسة الكندي معارضة جوهرية، منهجا وموضوعا. # وإذا بمدرسة ابن سينا التي ظهرت في فارس، تعارض تلك المدرسة وتسفه آراءها ~~وتفسيراتها، وتنتقد رجالها فيما عدا الفارابي. قال ابن سينا في كتاب المباحثات # 1 # ما نصه: «والذي ذكره من اختلاف الناس في أمر النفس والعقل، وتبلدهم فيه، ~~لا سيما البله النصارى من أهل مدينة السلام.» ومدينة السلام هي بغداد. ثم تكلم بعد ~~ذلك عن خلاصة رأيه في النفس والعقل وغير ذلك من المسائل، وقال إن كتابه الشفاء قضى على ~~تلك الشكوك والتوصل إلى حلها، وإنه كان قد صنف كتابا اسمه «الإنصاف» قسم فيه ~~العلماء إلى مشرقيين - أي علماء فارس - وإلى مغربيين - يريد علماء الشام وبغداد - ~~وتقدم بالإنصاف بين الخلاف بينهما. وتكلم في ذلك الكتاب عن «أثولوجيا» أرسطو، وعن ~~سهو المفسرين، ولكن ذلك الكتاب فقد في بعض الهزائم، وكان كما يقول: «يشتمل على تلخيص ~~ضعف البغدادية وتقصيرهم وجهلهم.» ولكنه استثنى المعلم الثاني من البلاهة ~~والجهل. # وتحدث عن الفارابي وأعلن رأيه فيه، على الرغم من ms77 أنه حلقة في سلسلة المدرسة ~~البغدادية، كما رأينا من قبل. قال ابن سينا: «وأما أبو نصر الفارابي، فيجب أن يعظم ~~فيه الاعتقاد، ولا يجري مع القوم في ميدان، فيكاد أن يكون أفضل من سلف من ~~السلف.» # وقد خلف لنا ابن سينا سيرة حياته بقلمه، ثم أكملها تلميذه، أبو عبيد الجوزجاني، ~~فتيسر بذلك معرفة كثير من دقائق حياته العلمية، وطريقته في التدريس، وكيف كان ينصب ~~مجلس التعليم. وهو الشيخ الرئيس، أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن ~~سينا، ولد 370ه، وتوفي 428ه. والشيخ تدل على الأستاذية، والرئيس إما لأنه تولى ~~رئاسة الوزارة، والأغلب أنه لقب يدل على أنه رئيس الفلاسفة. أبوه من بلخ، وانتقل إلى ~~بخارى في أيام الأمير نوح بن منصور، وتعلم في بخارى وهو صبي النحو والعربية والقرآن ~~والأدب. وكان أبوه يجتمع في داره بداعي الإسماعيلية، فسمع منه حديث النفس والعقل ~~والفلسفة والهندسة، ثم تعلم حساب الهند من رجل يبيع البقل. وقرأ على الناتلي المتفلسف ~~المنطق والهندسة والفلك، وتعلم الطب بنفسه، ورجع إلى العلوم الفلسفية فقرأها على ~~نفسه، وانتهى إلى كتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، فلم يفهم منه شيئا حتى اشترى كتاب ~~الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة؛ فانفتح له مغاليق ذلك الكتاب. وعالج نوح بن ~~منصور فأعجب به، وأدخله مكتبته فاطلع على نفائسها وحفظ ما فيها عن ظهر قلب. وتنقل ~~في مدن فارس حتى بلغ جرجان حيث قصده الجوزجاني، الذي ألح عليه أن يهتم بالتصنيف، ~~ويشتغل الجوزجاني بالضبط. # وفي جرجان اشترى له أبو محمد الشيرازي دارا، وأنزله فيها، وكان الجوزجاني يختلف إليه ~~فيها، ولعله كان يستقبل غيره من الطلبة، وهناك أملى على الجوزجاني كتاب المبدأ ~~والمعاد، وأول القانون، وكثيرا من الرسائل. وانتقل إلى الري واتصل بخدمة مجد الدولة، ~~ثم خرج إلى قزوين ومنها إلى همدان، واتصل بشمس الدولة، وتقلد له الوزارة. # في هذه الفترة التي تولى فيها الوزارة، ألف كتابيه العظيمين وهما؛ الشفاء في ~~الفلسفة، والقانون في الطب. قال الجوزجاني يصف مجلسه: «فكان ms78 يجتمع كل ليلة في داره طلبة ~~العلم، وكنت أقرأ من الشفاء نوبة، وكان غيري يقرأ من القانون نوبة. فإذا فرغنا حضر ~~المغنون على اختلاف طبقاتهم، وهيئ مجلس الشراب بآلاته. وكان التدريس بالليل لعدم ~~الفراغ بالنهار خدمة للأمير.» وكان من عادة ابن سينا الإملاء في الأغلب، وفي بعض ~~الأحيان كان يكتب نسخة في الموضوع الذي يلتمسه السائل. # ولما كثر تلاميذه، وذاع صيته ، «رسم الأمير علاء الدولة ليالي الجمعات مجلس النظر ~~بين يديه، فحضره سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم، والشيخ في جملتهم، فما كان يطاق في ~~شيء من العلوم.» # ولم يذكر الجوزجاني وهو يدون سيرته أي اسم من تلاميذه، وبخاصة تلميذه أبو الحسن ~~بهمنيار الذي لازم الشيخ الرئيس في مجلس تدريسه أثناء توليه الوزارة لشمس الدولة. وقد ~~وصف لنا مجلسه وصفا أدق، قال: «حضرت أنا وجماعة من تلامذة شيخنا الرئيس بكرة سبت مجلس ~~درسه الشريف، فاتفق أن ظهر منا في ذلك اليوم فتور عن إدراك ما كان يحققه الشيخ، ~~فقال لنا: كأنكم صرفتم بارحتكم في التعطيل! فقلنا: نعم. كنا أمس مع جمع من الرفقة في ~~نزهة، فلم يتيسر لنا مطالعة الدرس، ومراجعة ما كنا فيه. فلما سمع ذلك الشيخ تنفس ~~الصعداء وفاضت عيناه بالدموع، وقال: إنما أسفي على أن اللاعب بالحبال قد يبلغ أمره ~~في لعبه الذي هو من الملكات الجسمانية إلى حيث تتحير في غرابة علمه عقول ألف ألف ~~عاقل. ولكنكم لما لم يكن عندكم للحكم والمعارف الحقة مقدار ومنزلة؛ آثرتم البطالة ~~واللهو على اكتساب العلم والفضيلة، فلم تقدروا على أن تنزلوا الملكة الروحانية من ~~أنفسكم منزلة يتحير فيها جهلة الزمان.» وتوفي بهمنيار سنة 458 هجرية، وأهم ما ~~ألفه من الكتب «التحصيل» يشرح فيه فلسفة ابن سينا. # ومن تلامذة بهمنيار، أبو العباس اللوكري، كان عالما بأجزاء علوم الحكمة، دقيقها ~~وجليلها، وعنه انتشرت علوم الحكمة في خراسان. ثم تتلمذ له أفضل الدين الغيلاني، وأخذ عن ~~الغيلاني صدر الدين السرسخي، توفي 545 هجرية، وأخذ عن السرسخي فريد الدين داماد ~~النيسابوري، وهذا الأخير أستاذ ms79 نصير الدين الطوسي، آخر تلاميذ هذه المدرسة السينوية، ~~وشارح كتاب الإشارات للشيخ الرئيس، ومجدد التعليم الفلسفي والرياضي، وصاحب حلقة جمعت ~~كثيرا من طلبة الفلسفة والعلوم الهندسية والعقلية، توفي 672 هجرية. وتمتد مدرسة ~~الطوسي حتى تبلغ ذروتها عند ميرادماد (1041ه) في أصفهان وتلامذته. # فما هي تعاليم المدرسة السينوية؟ # الحق أنها امتداد لآراء الفارابي، إلا أن ابن سينا كان أوسع عبارة وأكثر ~~شرحا. ولقد كان طبيبا أكثر منه فيلسوفا، وكان كتابه القانون في الطب المرجع في ~~أوروبا اللاتينية حتى أوائل القرن الثامن عشر. وقد تأثرت فلسفته بطبه في اصطناع ~~المنهج التجريبي الدقيق. أما في الفلسفة، فإن الشفاء يعد موسوعة فلسفية ~~تشمل المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإلهيات، بحسب ما رتبه أرسطو، أو بحسب ~~الفلسفة المشائية، فهو يحذو حذو المعلم الأول وشراحه مع التأليف بين الآراء ~~المختلفة، والتوفيق بينها. وأثره في المنطق لا ينكر، ولا شك أنه مسئول عن إذاعة ~~المنطق بحالته الراهنة في العالم العربي، حتى إن كتاب البصائر النصيرية في علم ~~المنطق، والذي حققه ونشره الأستاذ الإمام محمد عبده، وكان يقوم بتدريسه، يعد ~~تلخيصا أمينا لآراء الشيخ الرئيس. # وأثره في الإلهيات لا يقل عن أثره في المنطق. والمقصود بالإلهيات، أو العلم ~~الإلهي، ما نسميه اليوم بالميتافيزيقا. تحدث فيه عن الواجب، أو واجب الوجود، ~~وعن تسلسل الموجودات عن الواجب، وعن العلل. فواجب الوجود هو الموجود الذي متى فرض ~~غير موجود عرض منه محال. وممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود أو موجود لم يعرض ~~منه محال. وقد مر بنا أن الكندي كان يصف الله بأنه الحق، وأن الفارابي كان يصفه ~~بأنه «الواحد»، وهنا نرى نظرة ابن سينا وجودية ومنطقية؛ فالله هو واجب الوجود ~~لذاته، والواجب مفهوم منطقي يقابل المستحيل، ويتوسط الممكن بينهما. والموجود ~~هو حجر الزاوية في الفلسفة المشائية، على حين أن «الواحد» كما رأينا فوق الوجود ~~في فلسفة أفلوطين. # أي إن الفرق بين المعلم الثاني والشيخ الرئيس أن الفارابي يجنح إلى ~~الأفلاطونية، على حين يميل ابن سينا إلى المشائية. وليس هذا هو ms80 الفرق الوحيد بين ~~الحكيمين وبين المدرستين؛ لأن ابن سينا اصطنع في آخر حياته فلسفة أخرى خلاف ~~المشائية، التي بسطها في الشفاء وفي النجاة، هي التي يسميها الفلسفة المشرقية، ~~كما تتمثل في الإشارات. والفلسفة المشرقية إشراقية، صوفية، متأثرة بالمشرق في ~~فارس. # وقد فطن الغزالي (450-501 هجرية) لما في آراء ابن سينا من خطر على الإسلام، فكتب ~~«تهافت الفلاسفة» يكفرهم في عشرين مسألة، على رأسها القول بقدم العالم ، وعدم علم ~~الله بالجزئيات، ونفي المعاد. ولم يستطع ابن رشد في «تهافت التهافت» أن يقنع ~~الجمهور بعدم صحة هذه التهم، وانتهى الأمر بالفلسفة إلى الانزواء، ودخلت في مباحث ~~علم الكلام الذي أصبح يسمى علم التوحيد. ~~••• # أشرنا إلى أن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده جدد مدرسة ابن سينا، فاشتغل ~~بالمنطق ورجع إلى كتبه القديمة، كما أنه في «رسالة التوحيد» سلك مسلك الشيخ الرئيس ~~في إثبات «الواجب». ولكن محمد عبده لم يكن ملخصا لابن سينا أو شارحا لآرائه، بل ~~كان صاحب مدرسة فكرية تدعو إلى تجديد النظر الديني بالعودة إلى الإسلام في منابعه ~~الأولى، وإلى إصلاح المجتمع عن طريق إصلاح الدين والأخلاق والفكر، والخروج على ~~التقليد والجمود، وإلى تحكيم العقل والفطرة السليمة. وكان محمد عبده قد أخذ هذا ~~الاتجاه الحر الجديد من جمال الدين الأفغاني، الذي يعد بحق رئيس المدرسة. # وأخذ عن محمد عبده مصطفى عبد الرازق، الذي استطاع أن ينشر تعاليمه الفلسفية في ~~الجامعة المصرية حين عين للتدريس فيها سنة 1927م، وعندئذ أصبح تعليم الفلسفة ~~موجودا في مدرسة ثابتة ويدرس من فوق منبر جامعي. وخلاصة رأي الشيخ مصطفى ~~عبد الرازق أن المسلمين كانت لهم فلسفة أصيلة لا هي يونانية، ولا هي فارسية وهندية، ~~ويمكن التماس هذه الفلسفة في أصول الفقه. وهذه النظرية ليست جديدة مبتكرة كل ~~الابتكار؛ لأن كثيرا من المفكرين في الإسلام لم تنقطع معارضتهم للفلسفة، وبخاصة ~~للمنطق باعتبار أنه أداة البحث فيها، ولابن تيمية كتاب هام في نقد المنطق ~~اليوناني. # ولكن تيارات العصر الحديث لم تكن تسمح بالعزلة عن الأفكار المعاصرة، وعن ~~الفلسفات ms81 الأوروبية التي نشأت في أوروبا منذ القرن السابع عشر على يد ديكارت في ~~فرنسا وبيكون في إنجلترا، ثم في القرن الثامن عشر على يد كانط في ألمانيا، فكان لا ~~بد للفلسفة العربية المعاصرة أن تأخذ في الاعتبار هذه الفلسفات الوافدة من الغرب، ~~والعمل على التوفيق بينها وبين تراثنا الفلسفي الموروث. # وكاتب هذه السطور يعتز بأنه كان تلميذا لمصطفى عبد الرازق بالجامعة المصرية، ~~قرأنا عليه البصائر النصيرية في المنطق، ولباب الإشارات لابن سينا في محاضراته. ~~ولازمته بعد ذلك طول حياته، وعليه قمت بتحضير رسالتي، ثم انتقلت إلى التعليم ~~بالجامعة، متابعا روح المدرسة العقلية الحرة التي بدأها جمال الدين، ثم محمد عبده، ~~ثم مصطفى عبد الرازق. ms82