######OpenITI# #META# URI: 1390AhmadFuadAhwani.TarbiyaFiIslam.Hindawi40635716 #META# Tags: history #META# ID: 40635716 #META# Title: التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي #META# AuthorID: 36160360 :: 58628571 #META# Author: أحمد فؤاد الأهواني :: مصطفى عبد الرازق #تقديم# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - حياة القابسي‏ # 2 - بيئة القابسي الدينية وطريقته في التأليف‏ # 3 - تعليم الصبيان في القرن الرابع الهجري‏ # 4 - الكتاتيب في الإسلام‏ # 5 - الدين والتعليم‏ # 6 - التربية الخلقية‏ # 7 - العقاب‏ # 8 - المناهج وطرق التعليم‏ # 9 - المعلم‏ # 10 - آراء المسلمين في التربية والتعليم‏ # 11 - خاتمة‏ # الملاحق1‏ # المراجع والفهارس‏ # مقدمة‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # 1 - حياة القابسي‏ # 2 - بيئة القابسي الدينية وطريقته في التأليف‏ # 3 - تعليم الصبيان في القرن الرابع الهجري‏ # 4 - الكتاتيب في الإسلام‏ # 5 - الدين والتعليم‏ # 6 - التربية الخلقية‏ # 7 - العقاب‏ # 8 - المناهج وطرق التعليم‏ # 9 - المعلم‏ # 10 - آراء المسلمين في التربية والتعليم‏ # 11 - خاتمة‏ # الملاحق1‏ # المراجع والفهارس‏ # | التربية في الإسلام # | التربية في الإسلام # | التعليم في رأي القابسي # تأليف # أحمد فؤاد الأهواني # تقديم # مصطفى عبد الرازق # | مقدمة # | بقلم شيخ الأزهر المرحوم مصطفى عبد الرازق # موضوع التعليم ومناهجه موضوع جليل الشأن في كل العصور، وفي كل الأمم. وقد عني به ~~الباحثون من العلماء والفلاسفة، فألفوا فيه الرسائل، وكتبوا فيه الكتب، منذ عهد بعيد، ولا ~~يزال موضع اهتمام المفكرين والمصلحين. # ولا غرو فإن العلم أساس كل إصلاح، وتاج كل نهضة. والتعليم ليس إلا السبيل إلى نشر ~~العلم، وتثقيف العقول به وتهذيب النفوس. # والمسلمون لم يتخلفوا عن غيرهم في ميدان هذا البحث؛ فقد كتب في التعليم أئمتهم ومفكروهم ~~منذ القرون الأولى. وكانت لهم أنظار طريفة لم يخلق تطاول الزمن جدتها. على أن كثيرا ~~من مؤلفات القدامى ضاع فيما ضاع من آثار السلف الصالح، وكثيرا من مؤلفات القدامى ظل ~~متواريا عن الأنظار في زوايا دور الكتب، بين أكداس المخطوطات، لا يهتدي إلى مكانه إلا ~~المولعون بالبحث والتنقيب. # وهذا أثر من تلكم الآثار القيمة هو كتاب تفصيل أحوال المعلمين والمتعلمين، لأبي الحسن علي ~~بن محمد القابسي المتوفى 403 هجرية، 1012 ميلادية، ينهض لنشره الباحث المجتهد الدكتور ~~أحمد فؤاد الأهواني، وينشر معه بحثا في «التعليم في رأي القابسي من علماء القرن ~~الرابع». # ومن البحث والنص المخطوط تتألف الرسالة، التي نال بها إجازة الدكتوراه من ms001 كلية ~~الآداب. # أما كتاب القابسي فهو كتاب جليل الفائدة للباحثين في التعليم وتاريخه عند المسلمين، وهو ~~يصور حالة التعليم في عصره من نواح قلما فطن لها مؤلفو ذلك الزمان. # وقد عني الأستاذ الأهواني في بحثه القيم، بأن يترجم للقابسي ثم يعرض موضوعات كتابه عرضا ~~جديدا، فراعى فيه تنظيمها وتوضيحها، وردها إلى أصولها، وربطها بمذاهب الفقهاء، ومقالات ~~المتكلمين. # وعني الدكتور الأهواني أيضا بأن يبرز ما في آراء المؤلف من طرافة، وما هو منها عرضة ~~للنقد، وأن يوازن بين مذهب القابسي وبين المذاهب الحديثة في التربية والتعليم. # نال أحمد فؤاد الأهواني برسالته، حين قدمها إلى كلية الآداب، إجازة الدكتوراه؛ وهو إذ ينشر ~~اليوم هذه الرسالة في الناس، جدير أن ينال التشجيع كله، والثناء الجميل. # وإن كان تلميذنا الأهواني من العلماء المخلصين، لا يبتغي في سبيل العلم وخدمته جزاء ولا ~~شكورا. # | مقدمة الطبعة الثانية # تلقى الجمهور هذه الرسالة التي طبعتها عام 1945م لقاء حسنا، فنفدت الطبعة في نهاية ذلك ~~العام، وتهافت الطلب على هذا الكتاب، وبخاصة من المشتغلين بالمسائل الإسلامية وتاريخها. ~~وكنت أفتش في أوراقي، فرأيت خطابا من الدكتور سارتون أرسله إلي عام 1947م يطلب نسخة من ~~هذه الرسالة، ولم أستطع تلبية طلبه لنفاد الكتاب. وفي هذا العام تقابلت مع المستشرق الدكتور ~~كلفرلي الذي جاء يلقي محاضرات في الفلسفة والتصوف الإسلامي بالجامعة الأمريكية، ورأيت أنه ~~مهتم بالتربية في الإسلام، وجاء ذكر رسالة القابسي، وعجبت أنه لم يطلع عليها مع أهميتها. ~~وقد أرشدني إلى مقالة كتبها الأستاذ جولدزيهر في دائرة المعارف عن التربية الإسلامية، وعرض ~~فيها للقابسي، وقال إنه كان يود العثور على رسالته. ومنذ عامين التقيت في مؤتمر ابن سينا ~~بمعالي الأستاذ علي أصغر حكمت الذي كان وزير الخارجية بإيران، وتحدثنا في أهمية تعليم ~~المسلمين في الوقت الحاضر وكيف كان العرب في أوج حضارتهم يباشرون هذه المهمة وينشرونها ~~بأيسر سبيل. ورغب كذلك في الاطلاع على رسالة القابسي. # هؤلاء بعض من لقيت منهم العناية الفائقة بهذا الفن، ولمست منهم الرغبة الصادقة في ~~اقتناء كتاب ms002 القابسي عن التعليم. ومن أجل ذلك رأيت أن أدفع بالرسالة إلى المطبعة لتشهد ~~النور مرة أخرى بعد عشر سنوات. # ولم أكن قد قدمت لهذه الرسالة - وهي رسالة الدكتوراه - اكتفاء بتقديم أستاذي المغفور له ~~مصطفى عبد الرازق الذي كان له الفضل في توجيه نظري إلى أهمية هذا الموضوع، وإلى المضي في ~~بحثه. وكانت عناية مصطفى عبد الرازق بالبحوث الإسلامية في شتى نواحيها عظيمة، صرف إليها ~~جهده، وحث تلاميذه على كشف غوامضها، مع الاهتمام بنشر التراث العربي القديم، وإحياء مجد ~~العروبة والإسلام. # وقد أحدثت تعديلات طفيفة في هذه الطبعة الثانية، وأضفت في آخر الكتاب رسالة ابن سحنون ~~«آداب المعلمين»، وهي أيضا من الرسائل النادرة في التربية، نشرها الأستاذ حسن حسني عبد ~~الوهاب باشا في تونس عام 1350هجرية، ونفدت طبعتها منذ زمن طويل، ولا يعرفها إلا عدد ~~قليل. # وترجع أهمية رسالة القابسي إلى أنها الوحيدة - فيما نعلم - التي تفصل أحوال تعليم الصبيان ~~تفصيلا فنيا دقيقا، على حين أن سائر ما كتبه العرب في التربية لا يتجاوز نصائح، أو ~~مبادئ عامة، أو شذرات متناثرة في بطون الكتب الأدبية والتاريخية، لا تكفي في إلقاء الضوء ~~على هذا الجهاز عظيم الخطر في الحضارة، وهو الذي نسميه بالتربية أو التعليم؛ لهذا السبب كان ~~البحث كله، أو يكاد، دائرا حول القابسي وآرائه. # ولا نزاع في أن العرب قد بلغوا في القرون الأولى الإسلامية درجة عظيمة من الحضارة انتشرت ~~من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. ولا حضارة بغير علم، ولا علم بغير تعليم، ولا تعليم بغير ~~نظام معين يرتب الصلة بين المعلمين والتلاميذ، ويفصل المناهج وطرق التربية وسائر ما يتصل ~~بالتعليم من أدوات. # وقد انتهت الحضارة الإسلامية التي كانت مزدهرة ومنتشرة ومتفوقة على الحضارة الأوروبية إلى ~~الضعف والانحلال، وعم الجهل، وانتشرت الأمية، وأصبح الشرق في موقفه اليوم أشبه بأوروبا في ~~العصر الوسيط حين كانت تعتمد على العلوم المنتشرة عند العرب في حياتها الثقافية. ولكن الشرق ~~العربي أخذ يتنبه ويستيقظ منذ نصف قرن حتى يستعيد مجده السابق. واتجهت النهضة وجهتين: ms003 ~~الأولى تأخذ بالحضارة الأوروبية تنقلها كما هي وتعتمد عليها في ثقافتها، والثانية تلتفت إلى ~~الماضي تسعى إلى إحيائه ومعرفة الأساليب القديمة التي اتبعها أجدادنا في تثقيف ~~أبنائهم. # ونحن في حاجة إلى القديم والجديد معا؛ لأننا لا نستطيع قطع الصلة بالماضي الذي لا نزال ~~نعيش في دينه ولغته. لا يزال ديننا الإسلام، وكتابنا القرآن، ولغتنا العربية. ونحن في حاجة ~~اليوم إلى تعليم أبنائنا اللغة العربية والقرآن الكريم. ويجدر بنا أن نعرف كيف كان أجدادنا ~~منذ ألف عام يعلمونهما، فقد يفيدنا ذلك في موقفنا الحاضر، ويعيننا على حل مشكلة تعليم ~~الأطفال اليوم الكتابة والقراءة والدين، وهي مشكلة معروضة على بساط البحث، وهي موضع تفكير ~~علماء التربية. # وقد رأيت أن أضيف إلى عنوان الكتاب في طبعته الأولى عنوانا جديدا هو التربية في ~~الإسلام؛ لأن الحديث لم يقتصر على القابسي وحده، بل تجاوزه إلى غيره كذلك. # والله الموفق إلى ما فيه الخير والصواب. # أحمد فؤاد الأهواني # الفصل الأول # | حياة القابسي # (1) اسمه ولقبه # في صدر الرسالة التي يتناولها هذا البحث أن المؤلف هو: «أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعروف بالقابسي الفقيه القيرواني». # وفي وفيات الأعيان # 1 # هو: «أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القروي المعروف بابن ~~القابسي». # وذكره ابن العماد الحنبلي صاحب «شذرات الذهب، في أخبار من ذهب»: # 2 ~~«أبو الحسن القابسي علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني». # ويتفق مؤلف كتاب (معالم الإيمان، في معرفة أهل القيروان)، # 3 # مع القاضي عياض صاحب (ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب مالك)، # 4 # في أنه «أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري المعروف بابن ~~القابسي». # وترجم له السيوطي في (طبقات الحفاظ) # 5 # فقال: «القابسي الحافظ المحدث الفقيه الإمام علامة المغرب أبو الحسن علي ~~بن محمد بن خلف المعافري القروي». # ولابن فرحون في (الديباج): «علي بن محمد بن خلف المعافري أبو الحسن المعروف بابن القابسي». # 6 # وجاء في (نكت الهميان): # 7 ~~«علي بن محمد بن خلف، الإمام أبو الحسن المعافري القروي القابسي ms004 ~~المالكي». # وذكره ابن فضل الله العمري في (مسالك الأبصار): # 8 ~~«علي بن محمد بن خلف المعافري القروي القابسي أبو الحسن». # فجميع الذين ترجموا له لا يختلفون في أن اسمه هو: «أبو الحسن علي بن محمد بن خلف »، ~~ولكن الخلاف بينهم على وصفه المعروف به، أهو القابسي، أم ابن القابسي؟ وإذا كان ~~قابسيا فلماذا سمي المعافري، كما ذكره بعضهم، ولماذا ينسب إلى القيروان؟ # قال القاضي عياض: «ولم يكن أبو الحسن قابسيا، وإنما كان له عم يشد عمامته شد ~~القابسيين فسمي بذلك، وهو قيرواني الأصل.» وهذا موافق لما ذكره الصفدي أيضا إذ ~~يقول: «وسمي القابسي؛ لأن عمه كان يشد عمته شدة قابسية.» # ونقد صاحب معالم الإيمان هذا القول، فقال: «وهذا فيه نظر، وظاهر قولهم «المعروف بابن ~~القابسي.» يقتضي أن والده كان من أهل قابس، فإما أن يكون أتى القيروان وتزوج بها، وإما ~~أن يكون أتي به صغيرا.» ثم أضاف: «ولما وليت قضاء قابس، وجدت بقربها قرية خالية ~~تسمى «بالمعافريين» وفيها مسجد يقصد الناس الصلاة فيه تبركا به، يقال له مسجد ~~«سيدي علي» ولا يدرون من يكون عليا. فلما خطبت خطبة العيد، انجر في كلامي أنه ينبغي ~~للإنسان أن يكثر من زيارة قبور الصالحين، وأن يوصي بالدفن في جوارهم. ثم ذكرت الحكاية ~~الآتية وهي: أن الشيخ أبا الحسن القابسي لما دفن بالقيروان، رأى رجل في منامه كأن ~~رجلا خرج من قبره فقال: لي اليوم في العذاب أربعون سنة، فلما دفن هذا الشيخ أبو الحسن ~~عندنا غفر الله لي ولجميع من في المقبرة. فسألني بعضهم من أي بلدة هو؟ قلت: هو ينسب ~~للمعافريين. فجزموا من محبتهم في ذلك المسجد، وفرحهم بالحكاية المذكورة أنه صاحب ذلك ~~المسجد. فزاد تبركهم وصلاتهم به، وجددوا ما اختل من بنائه، وقالوا: لما كان الشيخ اسمه ~~علي، ويعرف بابن القابسي، وبلده المعافريين، وهذا المسجد بالمعافريين، وسمي ~~بالتواتر سيدي علي، فهو المراد لا غيره.» # ونقل صاحب معالم الإيمان عن القاضي عياض الرواية الآتية: «ذكر ابن سعدون أن أبا الحسن ~~لما جلس ms005 للناس، وعزم عليه في الفتوى، تأبى وسد بابه دون الناس، فقال لهم: اكسروا ~~عليه بابه؛ لأنه قد وجب عليه فرض الفتيا، هو أعلم من بقي بالقيروان.» # وقال عياض: «كان أبو الحسن من صلحاء فقهاء القيروان.» # نخرج من هذا العرض بأن نسبته إلى القيروان نسبة ولادة وإقامة وعمل؛ لأنه ولد بها وأقام ~~فيها، وأفتى. وأن أصل بلدته «المعافريين» وهي قرية بالقرب من قابس، أو قل إنها ضاحية من ~~ضواحيها. # أما القابسي فهي النسبة التي اشتهر بها في الكتب نسبة إلى بلدة قابس بالقرب من ~~القيروان، كما جاء في بعض كتب الناقلين عنه. # جاء في ترجمة عثمان بن سعيد بن عثمان الأموي المقري المعروف بابن الصيرفي أنه سمع من ~~«أبي الحسن القابسي». # 9 # وفي ترجمة علي بن مسرور الدباغ: «قال القابسي: ما رأيت أكثر حياء من أبي الحسن ~~الدباغ، ما يكلمه أحد إلا احمر لونه، ولقد كان أحيا من الأبكار.» # 10 # وبعض أصحاب التراجم لا يعرفونه إلا أنه القابسي. انظر إلى السيوطي كيف بدأ بهذا اللقب ~~أول كل شيء، ثم ترجم له بعد ذلك. # وقد وردت قصة على لسان أبي الحسن نفسه في كتاب (نكت الهميان) للصفدي، تثبت أولا ~~أنه «القابسي» لا «ابن القابسي». وتثبت ثانيا أن هذه النسبة إلى قابس مكذوبة عليه. ~~وتثبت ثالثا أنه قيرواني. وهذا نص كلام الصفدي: «قال أبو بكر الصقلي: قال أبو الحسن ~~القابسي: كذب علي وعليك، فسموني القابسي، وما أنا قابسي، وإلا فأنا قيرواني. ~~وأنت دخل أبوك مسافرا إلى صقلية فنسب إليها.» # قابس # في معجم البلدان لياقوت: «قابس إن كان عربيا فهو من أقبست # 11 # فلانا علما ونارا أو قبسته، فهو قابس بكسر الباء الموحدة: مدينة بين ~~طرابلس وصفاقس ثم المهدية، على ساحل البحر، فيها نخل وبساتين، غربي طرابلس ~~الغرب، بينها وبين طرابلس ثمانية منازل. وهي ذات مياه جارية، من أعمال إفريقية، في ~~الإقليم الرابع، وعرضها خمسة وثلاثون درجة.» # وجاء في أحسن التقاسيم لشمس الدين البشاري # 12 ~~«وتأخذ من القيروان إلى قابس، أو إلى نقطة أو ms006 إلى سبتة، أو إلى مدينة ~~القصور، أو إلى المهدية، مرحلتين مرحلتين.» # 13 # وعن ابن خلكان: والقابسي بفتح القاف وبعد الألف باء موحدة مكسورة، ثم سين مهملة، ~~هذه النسبة إلى قابس، وهي مدينة بإفريقية، بالقرب من المهدية، ولما فتحها الأمير ~~تميم بن المعز بن باديس، قال ابن محمد خطيب سوسة قصيدة طويلة أولها: # ضحك الزمان وكان يدعى عابسا # لما فتحت بحد عزمك قابسا # وفي القاموس وشرحه: «وقابس كناصر: بلد المغرب، بين طرابلس الغرب وصفاقس، منه أبو ~~الحسن علي بن محمد القابسي، صاحب الملخص وغيره.» ~~(2) مولده # ذكر ابن خلكان مولده فقال: «وكانت ولادة أبي الحسن المذكورة في يوم الاثنين لست ~~مضين من رجب سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.» # واختتم القاضي عياض ترجمته بذكر مولده «في رجب لست ليال مضين منه سنة أربع وعشرين ~~وثلاثمائة.» # أما السيوطي، وابن العماد الحنبلي، وابن فضل الله العمري، والصفدي، وعبد الرحمن، ~~فلم يعينوا يوم مولده، ولكنهم اكتفوا بذكر السنة التي ولد فيها. وهم جميعا متفقون على ~~أن العام الذي ولد فيه هو أربع وعشرون وثلاثمائة للهجرة. # ويوافق مولده بالتاريخ الميلادي سنة 935م، في الحادي والثلاثين من شهر مايو. ~~(3) رحلته # ذكر ابن خلكان رحلته إلى المشرق، ثم عودته إلى القيروان، فقال: «وحج سنة ثلاث وخمسين. ~~وسمع كتاب البخاري بمكة من أبي زيد، ورجع إلى القيروان، فوصلها غداة الأربعاء أول شعبان ~~أو ثانيه، سنة سبع وخمسين. كذا قال أبو عبد الله بن وهب.» # وفي (معالم الإيمان) ما يتفق مع ما ورد في (الوفيات)، مع ذكر إقامته بمصر، قال: «ثم ~~رحل إلى المشرق سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وحج سنة ثلاث وخمسين، ثم عاد إلى مصر، ~~فأقام بها يسمع الحديث، فسمع بالإسكندرية من أبي الحسن جعفر الثابياني ... ثم عاد إلى ~~القيروان سنة سبع وخمسين.» # وظاهر هذا القول أنه رحل قبل الحج بعام، وهو طبيعي على الأخص في تلك الأيام. كما أن ~~زيارته لمصر طبيعية؛ إذ كان لا بد لطالب الحج من المغرب إلى المشرق أن يمر بها؛ لأنها ~~في الطريق. # وذكر القاضي ms007 عياض ما يؤيد ذلك، قال: ورحل فحج وسمع بمصر ومكة من حمزة بن محمد ~~الكناني، وأبي الحسن الثابياني، وأبي الحسن بن هلال ... وكانت رحلته إلى المشرق سنة ~~اثنتين وخمسين. ~~(4) شيوخه وتلاميذه # قال القاضي عياض: «سمع من رجال إفريقية: أبي العباس الإبياني، وأبي الحسن بن مسرور ~~الدباغ، وأبي عبد الله بن مسرور العسال، وأبي محمد بن مسرور الحجاج، ودراس بن إسماعيل ~~الفاسي والسدري.» # وقال: «وعليه تفقه أبو عمر الفاسي، وأبو القاسم اللبيدي وغيرهما. وروى عنه أبو بكر ~~عتيق السوسي، وأبو القاسم بن الحساري، وابن أبي طالب العابد، وأبو عمرو ابن العتاب، ~~وأبو حفص العطار، وأبو عبد الله الخواص، وأبو عبد الله المالكي، ومكي الفاسي. وروى عنه ~~من الأندلسيين المهلب بن أبي صفرة، وحاتم بن محمد الطرابلسي، وأبو عمرو ~~المغربي.» # وجاء في (نفح الطيب): # 14 ~~«ومن الراحلين من الأندلس إلى المشرق الحافظ المقرئ الإمام الرباني أبو ~~عمرو الداني ... ورحل إلى المشرق سنة 397ه فمكث بالقيروان أربعة أشهر، ودخل مصر في شوالها ~~فمكث بها سنة، وحج ورجع إلى الأندلس في ذي القعدة 399ه ... وسمع من الإمام أبي الحسن ~~القابسي.» # قال صاحب (معالم الإيمان): «وسمع منه خلق كثير» وعدد جماعة، منهم من ذكرهم القاضي ~~عياض، ومنهم من لم يذكرهم. # والمشهور أنه أخذ عن الدباغ والكناني. جاء في (شذرات الذهب): «أخذ عن ابن مسرور ~~الدباغ، وفي الرحلة عن حمزة الكناني وطائفة.» # وننقل إليك بعض ما وقع إلينا من كلام القابسي في شيوخه. # جاء في ترجمة أبي العباس بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التونسي المعروف بالإبياني ما ~~يأتي: «وكان أبو الحسن القابسي يقول ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس. كان ~~يفصل المسائل كما يفصل الجزار الحاذق اللحم. وكان يحب المذاكرة في العلم ويقول: دعونا ~~من السماع، ألقوا المسائل.» # 15 # وقال في عبد الله أبي محمد ابن أبي زيد: «هو إمام موثوق به في ديانته وروايته.» # 16 # ورثى القابسي عبد الله أبا محمد بن إسحاق المعروف بابن التبان فقال: «رحمك ~~الله يا أبا محمد ms008 فقد كنت تغار على المذهب وتذب عن الشريعة.» # 17 ~~(5) صفاته وعلمه # عن السيوطي في (طبقات الحفاظ) أنه «كان حافظا للحديث والعلل، بصيرا بالرجال، عارفا ~~بالأصلين، رأسا في الفقه، ضريرا، زاهدا، ورعا.» # وعن ابن خلكان: «كان إماما في علم الحديث ومتونه وأسانيده، وجميع ما يتعلق به، وكان ~~للناس فيه اعتقاد كثير.» # وجاء في (شذرات الذهب): «وكان مع تقدمه في العلوم حافظا، صالحا، تقيا، ورعا، ~~حافظا للحديث وعلله منقطع القرين.» # وذكره صاحب (معالم الإيمان) قال: «كان عالما عاملا، جمع العلم والعبادة، والورع ~~والزهد، والإشفاق والخشية، ورقة القلب، ونزاهة النفس، ومحبة الفقراء. حافظا لكتاب الله ~~ومعانيه وأحكامه، عالما بعلوم السنة والفقه واختلاف الناس، سلم له أهل عصره ونظراؤه ~~في العلم والدين والفضل، كثير الصيام والتهجد بالليل والناس نيام مع كثرة التلاوة، ~~وكانت فيه خصال لم تكمل إلا فيه: منها القناعة، والرفق بأهل الذنوب، وكتمان المصائب ~~والشدائد، والصبر على الأذى، وخدمة الإخوان، والتواضع لهم، والإنفاق عليهم، وصلتهم بما ~~عنده.» # وأطال القاضي عياض في ذكر مناقبه، وقد استهل ذكره بما يأتي: «كان أبو الحسن من ~~الخائفين الورعين، المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء ~~فقهاء القيروان، المتقللين من الدنيا، البكائين المعروفين بإجابة الدعاء، وظهور ~~البراهين.» # وقال ابن فضل الله العمري في (مسالك الأبصار): «رجل نورت بصيرته، وسرت سريرته، وظهرت ~~بزيادة نور الباطن خيرته، فلم يكن ضررا عماه، ولا عادما فضل البصر ونعماه؛ ولم تزل ~~نكبات الأيام عنه ناكبة، ونوائب الحدثان على أعدائه متناوبة؛ اختلج بحرا لا تسع مثله ~~الصدور، وأخرج درا لا تولد شبهه البحور، فما تكلم إلا امتدت إليه يد الالتقاط، وضاق ~~به فسيح الفضاء والبحر في سم الخياط؛ ولم يزل على طرق العلم راصدا، ولسبل الحلم ~~قاصدا، إلى أن قطعت حباله، وغاصت أبحره الزواخر ودكت جباله.» # ثم قال: «وكان حافظا للحديث والعلل، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، رأسا في ~~الفقه. وكان ضريرا، وكتبه في نهاية الصحة، كان يضبطها له ثقات أصحابه. وكان زاهدا ~~ورعا يقظا، لم أر بالقيروان أحدا ms009 إلا معترفا بفضله.» # ونحب أن نقف قليلا عند مناقبه العلمية، فقد أجمع الذين ترجموا له على أنه كان ~~محدثا حافظا فقيها. ويؤيد ذلك أن صاحب (مسالك الأبصار) ذكره في (طبقات ~~المحدثين). وذكره السيوطي في (طبقات الحفاظ)، وفي هذا دليل على بلوغه مرتبة الحفاظ من ~~أئمة المحدثين. # وما جاء في رسالته التي بين أيدينا من الأحاديث المسندة، يبين أن القابسي كان حقا ~~من علماء الحديث. وكتابه «الملخص» دليل على رسوخ قدمه في الحديث. # وفي ابن خلكان: «وصنف في الحديث كتاب «الملخص» جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك ~~بن أنس رضي الله عنه في (كتاب الموطأ)، رواية أبي عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو على ~~صغر حجمه، جيد في بابه.» # ونختتم القول في صفاته بما شهد فيه أحد شيوخه وهو أبو العباس الإبياني كما روى صاحب ~~الديباج: «يروى أنه قال لأبي الحسن القابسي وهو يطلب عليه: والله لتضربن إليك آباط ~~الإبل من أقصى المغرب فكان كما قال.» # 18 ~~(6) مؤلفاته # من الذين أطالوا في ذكر مؤلفاته القاضي عياض، وابن فرحون، وعبد الرحمن. ذكر ابن فرحون ~~خمسة عشر كتابا، وعياض أربعة عشر، وعبد الرحمن عشرة. # واتفق المترجمون الثلاثة على تسعة كتب نذكرها كما جاءت في «ترتيب المدارك» للقاضي ~~عياض، متجاوزين عن ذكر الخلاف اليسير في نص العنوان. وهي: كتاب «الممهد في الفقه وأحكام ~~الديانة»، وكتاب «المبعد من شبه التأويل»، وكتاب «المنبه للفطن من غوائل الفتن»، و«الرسالة ~~المفصلة لأحوال المتعلمين والمعلمين»، وكتاب «الاعتقادات»، وكتاب «مناسك الحج»، وكتاب «ملخص ~~الموطأ»، و«الرسالة الناصرية في الرد على البكرية»، وكتاب «الذكر والدعاء». # وذكر الصفدي ستة من هذه الكتب فقال: «ومن تصانيفه الممهد في الفقه وأحكام الديانات، ~~والمبعد من شبه التأويل، والمنبه للفطن من غوائل الفتن، وملخص الموطأ، والمناسك ~~والاعتقادات.» # واتفق القاضي عياض وابن فرحون في خمسة كتب: «رسالة كشف المقالة في التوبة، وكتاب رتب ~~العلم وأحوال أهله، وكتاب حسن الظن بالله تعالى، رسالة تزكية الشهود وتجريحهم، رسالة في ~~الورع.» # أما الكتاب العاشر الذي جاء في (معالم الإيمان) ms010 فهو كتاب «أحمية الحصون» ذكره ابن ~~فرحون في (الديباج)، وأغفله القاضي عياض في (ترتيب المدارك). # وبحثنا عن هذه المؤلفات في (كشف الظنون)، وفي بروكلمان لنهتدي إلى الموجود ~~منها. # ولم يذكر صاحب (كشف الظنون) إلا كتاب الملخص. قال: «ملخص في الحديث لأبي الحسن علي بن ~~محمد بن خلف القابسي المعافري المالكي المتوفى سنة 403ه جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث ~~مالك في الموطأ. قال أبو عمرو الداني وهو خمسمائة حديث وعشرون حديثا. أوله: الحمد لله ~~حمدا كثيرا طيبا مباركا ... إلخ، وشرح القاضي شهاب الدين محمد بن أحمد بن محمد الخويي ~~الشافعي خمسة عشر حديثا من أوله وتوفي سنة 693ه. ولقد أجاد فيه وأبان عن مزيد علم، ~~وغزارة فضل، كما ذكره السبكي.» # 19 # وليس القاضي شهاب الدين أول من شرح (الملخص)، فقد جاء في (الديباج) عند ترجمة محمد ~~بن أحمد بن أسيد بن أبي صفرة: «وله شرح في اختصار ملخص القابسي.» # 20 # وذكر هذا المخطوط بروكلمان في الملحق صفحة 298، فقال: «ومنه نسخة ببانكي ~~بور في الهند، وأخرى بالمدينة.» # وذكر بروكلمان أيضا كتاب «المفصلة لأحكام المعلمين» المخطوط الموجود في باريس، وهو ~~موضوع بحثنا هذا. # وصف النسخة الخطية # هذه النسخة محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس برقم 4595. وهي النسخة الوحيدة في ~~العالم، على ما نعلم. وقد طلبت من دار الكتب المصرية في القاهرة أن تحضر صورة ~~شمسية لها، فأحضرتها. وهي محفوظة برقم 1592 تعليم. # وتاريخ النسخ الموضوع على المخطوطة هو سنة 706 هجرية. # وعدد ورقاتها 97، طول كل منها # سم، وعرضها 12سم. وعدد الأسطر في الصفحة 13 سطرا في ~~الغالب. # اسم الكتاب # عنوان الكتاب كما جاء في فهرست المكتبة الأهلية بباريس هو: «أحوال المتعلمين، ~~وأحكام المعلمين والمتعلمين». # والواقع أن المكتوب في صدر المخطوطة عنوان في سطرين: في السطر الأول كلمة ~~«الفضيلة» أو «المفصلة» كما سنبين فيما بعد، وفي السطر الثاني «لأحوال المتعلمين ~~وأحكام المعلمين والمتعلمين». # وقد قرأت الكلمة الأولى من العنوان على أنها «الفضيلة»، ولذلك حين أحضرت دار ~~الكتب المصرية بالقاهرة النسخة الشمسية - بناء على ms011 طلبي - سجلت عنوان الكتاب في ~~فهارسها «الفضيلة» كما ذكرت للدار. # وقراءة هذه اللفظة على النحو السابق أدخل في ذهن الناظر إليها من أول وهلة. ~~والحقيقة غير ذلك لما سنبينه من أسباب. # والواضح ألف، ثم لام ثم فاء منقوطة، ثم صاد، ثم لام، ثم هاء مربوطة ليست ~~منقوطة. # وإذ جرى الناسخ على إهمال النقط في أغلب الأحيان ، وكانت السنة التي عقبت ~~الصاد منحنية إلى أسفل، مما يوحي بأنها ياء، فقد قرأت الكلمة «الفضيلة». # واتفق صاحب (ترتيب المدارك)، وصاحب (معالم الإيمان)، وهما يترجمان لحياة أبي الحسن، أن من ضمن مؤلفاته كتابا اسمه «الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين». # وبالرجوع إلى الأصل المخطوط، تبين لنا، أنه بالرغم من أن حرف الميم ساقط من ~~اللفظة، فإن قراءتها على أنها «المفصلة» أرجح؛ لأنه هو العنوان المعروف بين ~~العلماء، المذكور في كتبهم، ولأن قراءة الكلمة «الفضيلة» يجعلنا ننقط الصاد ونضيف ~~ياء بعدها ليست موجودة. وعلى ذلك يكون عنوان الكتاب: ~~«المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين» # وفيما ذكره ابن فرحون في الديباج عن عنوان هذا الكتاب تصحيف ظاهر لا يحتاج منا ~~إلى إقامة دليل، فقد جاء في سياق مؤلفاته: «والرسالة المفصلة لأحوال المتقين وكتاب ~~المعلمين والمتعلمين.» ولا شك أن لفظة المتقين مصحفة عن المتعلمين، وأن الرسالة ~~والكتاب ليسا إلا كتابا واحدا، هو الذي نجري عليه هذا البحث. # ونشير إلى ترجمة العنوان التي وردت في فهرست المكتبة الأهلية بباريس؛ إذ فيها ~~تحريف كثير. فالترجمة تقول: «قواعد السلوك للمعلمين والمتعلمين». # Règles de Condnite pour les instituleurs et les ~~élèves ~~. # هذه الترجمة إن اتفقت مع موضوع الكتاب، فإنها لا تتفق مع حرفية العنوان، ونشير ~~كذلك إلى القراءة التي ذكرها الدكتور إبراهيم سلامة # 21 # لهذا العنوان حيث قال: «فضلة أحوال المتعلمين، وأحكام ~~المعلمين». # وليست هذه القراءة صحيحة، ولا تنطبق على ما جاء في الأصل. ~~(7) وفاته # لا خلاف بين أصحاب الكتب السابقة التي أخذنا عنها في الترجمة للقابسي أن عام وفاته هو ~~403 هجرية. # ولم يذكر القاضي عياض الشهر الذي توفي فيه، وكذلك ابن ms012 العماد الحنبلي. # وذكر السيوطي الشهر دون اليوم. # وحدد ابن خلكان ليلة وفاته قال: «وتوفي ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر سنة ~~ثلاث وأربعمائة.» # وعن (معالم الإيمان): «وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء، ودفن يوم الخميس صلاة ~~الظهر لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة.» # وقال ابن خلكان: إنه دفن يوم الأربعاء لا الخميس. قال: «ودفن يوم الأربعاء وقت العصر ~~بالقيروان، وبات عند قبره من الناس خلق كثير ، وضربت الأخبية، وأقبلت الشعراء بالمراثي، ~~رحمه الله تعالى.» # وبذلك يكون القابسي قد عمر ثمانين عاما. # وتاريخ وفاته الهجري يوافق 1012 بالتاريخ الميلادي في زمن الحاكم بأمر الله ~~الفاطمي. # الفصل الثاني # | بيئة القابسي الدينية وطريقته في التأليف # (1) المذهب السائد في شمال أفريقيا # القابسي صورة للعصر الذي عاش فيه، بل صورة للإقليم الذي أظلته سماؤه. وإذا أردنا أن ~~نفهمه، فعلينا أن نفهم البيئة التي نشأ فيها. فالإنسان متصل بالبيئة يتأثر بها ويؤثر ~~فيها. وعندنا أن تأثير البيئة في الفرد أقوى من تأثير الفرد فيها. وبعض المفكرين يسبقون ~~عصرهم وهؤلاء هم قادة الفكر، وهم قلة إلى جانب أغلبية المجتمع. وقد يمر عصر - بل عصور - ~~دون أن يجود الزمان بهؤلاء الأحرار الذين يستطيعون التخلص من سلطان المجتمع ليفكروا دون ~~تقييد أو جمود، وليحكموا عقولهم في سبيل إصدار الحكم الصحيح الخالص من أثر الأهواء ~~والتعصب للشائع المعروف. فهذا أرسطو وهو المعلم الأول، ألف في جميع العلوم، لم يسلم من ~~ربقة البيئة وسلطان المجتمع. فقد أجاز نظام الرق وعد الأرقاء أقل في الطبيعة الإنسانية ~~من غيرهم، والطبيعة البشرية واحدة في جميع الناس. # كانت البيئة السائدة في القرن الرابع بيئة دينية، إسلامية في الشرق، ومسيحية في ~~الغرب، أهم ما يميزها خضوع الناس في مناحي تفكيرهم وأحوالهم لسلطان الدين. هذه سمة ~~العصر كله. # ويحسن أن نتتبع نشأة هذه البيئة الدينية منذ ظهورها إلى أن اتخذت لونا خاصا في ~~شمال أفريقيا، وفي القيروان على وجه الخصوص، وهي المدينة التي ولد القابسي ونشأ فيها، ~~إذ كان هذا التحول لازما لفهم البيئة التي نتحدث ms013 عنها. # جاء في كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم # أن الدين الإسلامي هو الدين ~~الذي يجب اتباعه: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ~~(آل عمران: 19)، # ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~(آل عمران: 85)، ولذلك كانت ~~غاية المسلمين أن ينشروا دينهم في جميع البلاد. وكانت وسيلتهم إلى تحقيق هذه الغاية ~~الدعوة والغزو. وقد عمل النبي # صلى الله عليه وسلم # والذين آمنوا معه من العرب بهذه العقيدة الدينية ~~والسياسية؛ لأنهم كانوا يعملون في سبيل الله، ويؤمنون بما جاء على لسان رسوله. # وقد قوت هذه العقيدة عزائم المسلمين، وحفزتهم إلى دعوة الشعوب المختلفة إلى اعتناق ~~الإسلام، بل دفعتهم إلى غزو هذه الشعوب، وإلى فرض الدين الإسلامي على أهلها. ذلك أن ~~الشروط التي اتبعها الغزاة من العرب في فتوحاتهم هي قبول الإسلام أو الجزية أو القتال: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ~~(التوبة: 29). # وانتهى بذلك كثير من الشعوب المختلفة إلى الدخول إلى الإسلام. # وامتدت الفتوحات شرقا وغربا في دائرة مركزها جزيرة العرب: فسقطت دولة الفرس، وغلبت ~~الروم، وأخذت العرب فلسطين والشام. # واتجهوا غربا نحو مصر، ففتحها عمرو بن العاص. «وكان مسير عمرو إلى مصر في سنة تسع عشرة.» # 1 # ولما تم لعمرو فتح مصر، وهزم جيش الروم، وسلم له أهلها، أراد أن يتوسع في الفتح فسار ~~غربا إلى شمال أفريقيا، حتى نزل طرابلس في سنة اثنين وعشرين فقوتل، ثم افتتحها عنوة. ~~وكتب إلى عمر بن الخطاب: «إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى ~~أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوها فعل. فكتب إليه ينهاه عنها.» # 2 # ولما ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان، غزا شمال إفريقية في سنة ~~سبع وعشرين، ويقال في سنة ثمان وعشرين، ويقال في سنة تسع وعشرين. # 3 # وصالح عبد الله بن ms014 سعد بطريق إفريقية على جزية بعد أن هزم جيشه، «ورجع إلى مصر، ولم ~~يول على إفريقية أحدا، ولم يكن لها يومئذ قيروان، ولا مصر جامع.» # 4 # وقد لخص ابن خلدون ما وقع في هذا الفتح فقال: «قد ذكرنا في خلافة عثمان بن عفان شأن ~~فتح إفريقية على يد عبد الله بن أبي سرح، وكيف زحف إليها في عشرين ألفا من الصحابة وكبار ~~العرب. ففض جموع النصرانية الذين كانوا بها، من الفرنجة والروم والبربر، وهدم سبيطلة ~~قاعدة ملكهم، وخربها، واستبيحت أموالهم، وسبيت نساؤهم وبناتهم، وافترق أمرهم، وساحت ~~خيول العرب في جهات إفريقية، وأثخنوا في أهل الكفر قتلا وأسرا، حتى لقد طلب أهل ~~إفريقية من ابن أبي سرح أن يرحل عنهم بالعرب إلى بلادهم ويعطوه ثلاثمائة قنطار من ~~الذهب، ففعل. وقفل إلى مصر سنة سبع وعشرين.» # 5 # وتم فتح إفريقية في خلافة معاوية على يدي عقبة بن نافع، الذي «غزاها في عشرة آلاف من ~~المسلمين، فافتتحها واختط قيروانها ... ثم بنى، وبنى الناس معه الدور والمساكن، وبنى ~~المسجد الجامع بها.» # 6 # وكان ذلك سنة خمس وأربعين. # ولما استقل يزيد بن معاوية بالخلافة، رجع عقبة بن نافع إلى إفريقية سنة اثنتين وستين. ~~«فدخل إفريقية وقد نشأت الردة في البربر، فزحف إليهم ... وفر منه الروم والفرنجة، ~~فقاتلهم وفتح حصونهم ... ثم رحل إلى طنجة، فأطاعه يليان ملك عمارة وصاحب طنجة، وهاداه، ~~ودله على بلاد البربر وراءه بالمغرب، مثل بلاد المصامدة وبلاد السوس ... فسار عقبة وفتح ~~وغنم ... وكان كسيلة ملك أوربة والبرانس من البربر قد اضطغن عليه ... فانتهز الفرصة، وأرسل ~~البربر فاعترضوا له وقتلوه في ثلاثمائة من كبار الصحابة والتابعين، واستشهدوا كلهم ... ~~واستأمن من كان بالقيروان إلى كسيلة، فأمنهم ودخل القيروان، وأقاموا في عهده.» # 7 # ولما ولي عبد الملك بن مروان، أرسل زهير بن قيس لحرب البرابرة «فزحف من برقة سنة ~~سبع وستين، ودخل إفريقية، ولقيه كسيلة عند القيروان فهزمه زهير بعد حروب صعبة، وقتله ... ~~ثم قفل زهير إلى المشرق زاهدا في الملك.» # 8 # ثم أمر عبد ms015 الملك بن مروان حسان بن النعمان الغساني بغزو إفريقية، وأمده بالعساكر، ~~ودخل القيروان، وافتتح قرطاجنة عنوة وخربها، وفر من كان بها من الروم والفرنجة ... ~~وأمن البربر، وكتب الخراج عليهم، وعلى من معهم من الروم والفرنج. # 9 # وبذلك استقر المسلمون في تلك البلاد استقرار من يلتصق بالأرض ويتخذها له ~~وطنا. # هؤلاء هم الرعيل الأول الذي حمل الإسلام إلى أهل إفريقية، فهم الذين كانوا ينشرون ~~الدعوة، ويتخذهم الناس أئمة وقدوة. وكانوا أئمة حقا، لأن منهم من صحب النبي، أو كان ~~من كبار التابعين. كان في جيش عبد الله بن أبي سرح معبد بن العباس بن عبد المطلب، ~~ومروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية، والحارث بن الحكم وأخوه، وعبد الله بن الزبير ~~ابن العوام، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن أبي بكر ... ثم زاد البلاذري على ~~ذلك قوله: «وخرج في هذه الغزاة ممن حول المدينة من العرب خلق كثير.» # 10 # فإذا قلنا إن كبراء العرب عادوا إلى وطنهم، فإن هذا الخلق الذي خرج من المدينة ومن ~~حولها، لم يعد منهم إلا القليل، على حين مكث أغلبهم وبنى واستقر؛ ذلك أن المعيشة في ~~جزيرة العرب لا تسهل حتى على أهلها، لقلة مواردها وقسوة الجو فيها. # ولم تخل هذه الغزوات من قتلى يستشهدون في ميدان القتال، «وقبورهم تدعى قبور الشهداء.» # 11 # وبقيت أئمة المسلمين وكبار الصالحين رمزا قويا للصدر الأول من الإسلام، وتبعث في ~~الخلف روح الاستمرار على الاقتداء بالأوائل، وبث تعاليم الإسلام، والتمسك بأهداب الدين ~~القويم. # على أن استتباب الأمر، ونشر الإسلام، وتمكين الدين واللغة العربية من النفوس شغل ~~الدولة الأموية كلها. ذلك أن الثورات لم تنقطع في عهد الأمويين كما رأينا، بسبب قرب ~~العهد بالشعوب المفتوحة من تقاليدها وعاداتها الموروثة. ~~«ولى هشام كلثوم بن عياض إفريقية، فانتفض أهلها عليه، فقتل بها.» # 12 # ولم يستتب الأمر إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز، الذي ولى المغرب ~~إسماعيل بن أبي المهاجر «فسار أحسن سيرة، ودعا البربر إلى الإسلام.» # 13 # وهذا ms016 يطابق ما ذكره صاحب (البيان المغرب): «وما زال إسماعيل حريصا على دعاء البربر ~~إلى الإسلام، حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز. وهو ~~الذي علم أهل إفريقية الحلال والحرام. وبعث معه عمر رضي الله عنه عشرة من فقهاء ~~التابعين أهل علم وفضل، منهم عبد الرحمن بن نافع، وسعيد بن مسعود التجيبي وغيرهما.» # 14 # ويؤيد ما سبق ما جاء في تاريخ ابن خلدون قال: «ولما مات سليمان بن عبد الملك، استعمل ~~عمر بن عبد العزيز على إفريقية إسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، وكان حسن السيرة، وأسلم ~~جميع البربر في أيامه.» # 15 # بذلك تم إسلام البربر، وأصبحت لغتهم هي العربية، كما حدث للفرس وغيرهم من الشعوب غير ~~العربية. # وعني العباسيون بتثبيت الإسلام بعد ان انقضى نحو قرن من الزمان على الفتح، نسي خلاله ~~البربر - وهم أهل شمال إفريقية - تاريخهم ودينهم. وأقبلوا على الدين الجديد، وتشبعوا ~~منه، وأشربوا حبه وتثقفوا بثقافته، وأصبحوا ركنا من أركانه يذودون عنه باللسان والقلم ~~والسيف. # انقضى نحو قرن من الزمان منذ الفتح حتى إسلام البربر، وانقضى نحو قرن آخر تفقه فيه ~~أهل شمال إفريقية، حتى برز منهم علماء يشار إليهم ويعتد بهم، منهم علي بن زياد، وابن ~~أبي حسان، وابن غانم، وابن أشرس. # ولكن أشهر فقهاء شمال إفريقية هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون. # 16 # ولم يكن في المغرب من أئمة العلماء من يأخذ الناس عنهم. ولم تكن حلقات العلم في ~~مساجدها مما يشبع نهم طلاب التبحر في العلم. وإنما كان سبيل طلاب العلم أن يرحلوا إلى ~~مواطنه يثقفون أنفسهم، ويشبعون نهمهم، ويروون غلتهم. والطريق الطبيعي الذي لا بد لأهل ~~المغرب أن يسلكوه إذا أرادوا طلب العلم هو الرحلة إلى مصر، ومنها إلى البلاد الشرقية ~~خصوصا الحجاز، فقد كانت مصر مركزا من مراكز العلم، ظهر فيها الشافعي، وهو أحد الأئمة ~~الأربعة أصحاب المذاهب الذين يأتم بهم المسلمون، ويعتمدون عليهم في الفقه وتفسير ~~العقائد والعبادات. وانتشر أيضا مذهب ms017 مالك، وكان له في مصر تلاميذ كثيرون نذكر منهم ~~أشهب، وابن القاسم، وأصبغ بن الفرج. # أما البلاد الشرقية الأخرى التي كان المغاربة يتوجهون إليها فهي مكة والمدينة. وكانوا ~~يذهبون إليهما بحكم الضرورة: في مكة الكعبة التي يحج إليها كافة المسلمين ليؤدوا فريضة ~~الحج التي أمر الله بها، وفي المدينة قبر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، يزوره الحجاج، ويشهدون مهبط ~~الوحي، والبيئة الأولى التي ينبع منها الدين. # في مصر ومكة والمدينة من العلماء المتمكنين في العلم غنية لمن يطلب التوسع في أسرار ~~الدين، والتفقه في أحكام المعاملات والعبادات والتشريع. # لذلك كان من الطبيعي أن يتصل المغاربة وهم راحلون إلى الحج بالبيئات العلمية في مصر ~~ومكة والمدينة، فلما تفقه بعضهم ونبغوا، كانوا تلامذة لشيوخ مصر والحجاز، وثمارا من ~~شجرتهم الباسقة، وألسنة تذيع مناهجهم العقلية والنقلية في بلاد المغرب، وفي هذا يقول ~~ابن خلدون: «وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، لأن رحلتهم كانت غالبا إلى ~~الحجاز وهو منتهى سفرهم. والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج إلى العراق. ولم يكن ~~العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة. وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك ~~وشيوخه من قبله، وتلاميذه من بعده. فرجع إلى أهل المغرب والأندلس، وقلدوه دون غيرهم ممن ~~لم تصل إلينا طريقته.» # 17 # وسحنون هو الذي نشر مذهب مالك بالمغرب. # سمع سحنون من ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وسفيان بن عيينة. قال سحنون: ~~«خرجت إلى ابن القاسم وأنا ابن خمس وعشرين، وقدمت إلى إفريقية ابن ثلاثين سنة.» # وكان سحنون ثقة حافظا للعلم، اجتمعت فيه خلال قلما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، ~~والورع الصادق، والزهادة في الدنيا. # وسلم له بالإمامة أهل عصره، واجتمعوا على فضله وتقديمه. سئل أشهب عمن قدم إليكم من ~~المغرب، قال: سحنون. قال له: فأسد؟ # 18 # قال: سحنون والله أفقه منه بتسع وتسعين مرة. وقال ابن القاسم: ما قدم إلينا ~~من إفريقية مثل سحنون. وقال الشيرازي: إليه انتهت الرياسة في العلم بالمغرب، وعلى قوله ~~المعول بالمغرب. قال ms018 سحنون: كنت عند ابن القاسم وجوابات مالك ترد عليه، فقيل له: ما ~~منعك من السماع منه؟ قال: قلة الدراهم. وقال مرة أخرى: لحى الله الفقر، فلولاه لأدركت ~~مالكا. # صنف سحنون «المدونة»، وعليها يعتمد أهل القيروان، وعنه انتشر علم مالك ~~بالمغرب. # وذكر ابن خلدون رواية أخرى عن تصنيف المدونة قال: «ورحل من إفريقية أسد بن الفرات ~~فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا ثم انتقل إلى مذهب مالك، وكتب عن ابن القاسم في سائر ~~أبواب الفقه، وجاء إلى القيروان بكتابه، وسمي الأسدية، فقرأ بها سحنون على أسد. ثم ~~ارتحل سحنون إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه، وعارضه بمسائل الأسدية، فرجع عن كثير ~~منها، وكتب سحنون مسائلها ودونها، وأثبت ما رجع عنه؛ وكتب لأسد أن يأخذ بكتاب سحنون ~~فأنف من ذلك. فترك الناس كتابه، واتبعوا مدونة سحنون.» # 19 # وتوفي سحنون سنة 240 للهجرة. # وسار محمد بن سحنون # 20 # سيرة أبيه في تثبيت مذهب مالك بالقيروان والمغرب، وكان قد تفقه بأبيه، وجلس ~~في مجلسه بعد موته. # كان محمد إماما في الفقه، ثقة عالما بالذب عن مذاهب أهل المدينة، عالما بالآثار. ~~وكان الغالب عليه الفقه والمناظرة. وكان يحسن الحجة والذب عن أهل السنة ~~والمذهب. # وكان ابن سحنون إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب جامعا لخلال قلما اجتمعت في ~~غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر والجدل والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز. # على يد هؤلاء انتشر مذهب مالك في المغرب خلال القرن الثالث، وأصبح هو المذهب السائد ~~في تلك الأنحاء، واتبعه الفقهاء جيلا بعد جيل. ولهذا لم يكن من الغريب أن ينشأ القابسي ~~مالكيا؛ لأنه ولد في المغرب فتأثر بالبيئة الغالبة في عصره، وهي بيئة تبني الفقه ~~الإسلامي على أساس من القرآن والحديث، ولذلك اصطلح العلماء على تسميتهم بأهل ~~الحديث. ~~(2) منهج الفقهاء من أهل الحديث # ويسمون أيضا أصحاب الحديث، في مقابل أصحاب الرأي. وقد عدد ابن قتيبة من هؤلاء ~~وأولئك نفرا. # 21 # ولم يكن بين المسلمين في القرن الأول من الهجرة خلاف كبير على ms019 أحكام المعاملات ~~والعبادات، لبعدهم عن الحضارة، ولبساطة المعيشة بما يشبه فطرة العرب في البداوة، وقربهم ~~من عصر الرسول، وإدراكهم للصحابة الذين صحبوه وسمعوا عنه، وشهدوا أفعاله في شتى ~~المناسبات، ووعوا آثاره عن سلوك المسلم الكامل الإسلام. # فلما توغل المسلمون في الحضارة، وتفرعت مطالب الحياة، وظهرت ألوان من المعاملات لم ~~تكن معروفة في عهد النبي، تصدر الأئمة للحكم عليها من الناحية الشرعية بما يتفق مع ~~الدين، ويتأثر هدي الرسول الأمين. # هذه الأحكام الجديدة تسمى في الفقه بالاجتهاد، ويسمى الأئمة الذين يصدرونها ~~بالمجتهدين. # قال صاحب (الملل والنحل): «ثم المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين لا يعدوان ~~إلى ثالث: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي. وأصحاب الحديث وهم أهل الحجاز، هم أصحاب مالك بن ~~أنس وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي، وأصحاب سفيان الثوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب ~~داود علي بن محمد الأصفهاني. وإنما سموا أصحاب الحديث؛ لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث، ~~ونقل الأخبار، وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا ~~خبرا أو أثرا. وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهبا، ووجدتم خبرا على خلاف مذهبي، ~~فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر. ومن أصحابه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع ~~بن سليمان الجيزي ... وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادا، بل يتصرفون فيما نقل عنه ~~توجيها واستنباطا، ويصدرون عن رأيه جملة، ولا يخالفونه البتة. # أصحاب الرأي وهم أهل العراق، هم أصحاب أبي حنيفة النعمان، وإنما سموا أصحاب الرأي؛ ~~لأن عنايتهم بتحصيل وجه من القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها. ~~وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار. وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، وهو ~~أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى، ولنا ما رأيناه. وهؤلاء ربما ~~يزيدون على اجتهاده اجتهادا، ويخالفونه في الحكم الاجتهادي. وبين الفريقين اختلافات ~~كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف، وعليها مناظرات، وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون.» # 22 # وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي يتفقان في الاعتماد على الكتاب، أي القرآن؛ لأنه ms020 الأصل ~~الأول من أصول الفقه، ولا وجه للخلاف فيه لأنه تنزيل العزيز الحكيم. # ولكنهما يفترقان عند الأصل الثاني، أي السنة، فأصحاب الحديث وعلى رأسهم مالك يأخذون ~~بالحديث، وأصحاب الرأي لا يعتمدون عليه كثيرا. # قال ابن فرحون: «أما أبو حنيفة والشافعي فمسلم لهما حسن الاعتبار، وتدقيق النظر ~~والقياس، وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس لهما إمامة في الحديث، وضعفهما فيه أهل ~~الصنعة. ولهذا أهل الحديث لم يخرجوا عنهما فيه حرفا، # 23 # ولا لهما في أكثر مصنفاته ذكر، وإن كان الشافعي متبعا للحديث، ومفتشا على ~~السنن لكن بتقليد غيره.» # 24 # وهذا يطابق ما ذكره ابن خلدون قال: «واعلم أيضا أن الأئمة المجتهدين تفاوتوا في ~~الإكثار من هذه الصناعة والإقلال (يريد رواية الحديث) فأبو حنيفة يقال عنده بلغت ~~روايته إلى سبعة عشر حديثا أو نحوها، ومالك رحمه الله إنما صح عنده ما في كتاب الموطأ ~~وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها.» # 25 # ثم أضاف ابن خلدون في سبب قلة الرواية عند أبي حنيفة وكثرتها عند مالك ما يأتي: «وقد ~~تقول بعض المبغضين المتعسفين إلى أن منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، ولهذا ~~قلت روايته، ولا سبيل إلى هذا المعتقد في كبار الأئمة؛ لأن الشريعة إنما تؤخذ من ~~الكتاب والسنة. ومن كان قليل البضاعة من الحديث فيتعين عليه طلبه وروايته والجد ~~والتشمير في ذلك ليأخذ الدين عن أصوله الصحيحة، ويتلقى الأحكام عن صاحبها المبلغ لها. ~~وإنما قلل منهم من قلل الرواية لأجل المطاعن التي تعترض فيها، والعلل التي تعرض في ~~طرقها، سيما والجرح مقدم عند الأكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الأخذ بما يعرض مثل ذلك ~~فيه من الأحاديث وطرق الأسانيد؛ ويكثر ذلك فتقل روايته لضعف الطرق. هذا مع أن أهل ~~الحجاز أكثر رواية للحديث من أهل العراق؛ لأن المدينة دار الهجرة ومأوى الصحابة، ومن ~~انتقل إلى العراق كان شغلهم بالاجتهاد أكثر. والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما ~~شدد في شروط الرواية والتحمل، وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي. وقلت ~~من أجلها ms021 روايته فقل حديثه، لا أنه ترك رواية الحديث متعمدا، فحاشاه من ذلك. ويدل على ~~أنه من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه فيما بينهم والتعويل عليه واعتباره ~~ردا وقبولا.» # 26 # وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي يفترقان أكثر من ذلك في الاعتماد على الإجماع والقياس. ~~فأصحاب الرأي أكثر اعتمادا على القياس من أصحاب الحديث. عن الشهرستاني: «أصول الاجتهاد ~~وأركانه أربعة تعود إلى اثنين: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.» # 27 # يريد الشهرستاني أن يقول إن الإجماع والقياس لا بد أن يرجعا إلى أحد ~~الأصلين: الكتاب أو السنة. # قال القاضي عياض بعد ذكر الكتاب والسنة: «ثم إجماع المسلمين يترتب عليهما ، فلا يصح أن ~~يؤخذ وينعقد إلا عنهما، إما من نص عرفوه ثم تركوا نقله، أو من اجتهاد مبني عليهما على ~~القول بصحة الإجماع من صحة الاجتهاد.» # 28 # وهناك بعض الفقهاء لم يجوزوا القياس، واكتفوا بالكتاب والسنة والإجماع، وهم أهل ~~الظاهر. قال الشهرستاني: «ومن أصحاب الظاهر مثل داود الأصفهاني وغيره ممن لم يجوز ~~القياس والاجتهاد في الأحكام، وقال: الأصول هو الكتاب والسنة والإجماع فقط، ومنع أن ~~يكون القياس أصلا من الأصول ... وظن أن القياس أمر خارج عن مضمون الكتاب والسنة.» # أما مالك فلم يكن يلجأ إلى القياس إلا قليلا، والأغلب اعتماده على الكتاب والسنة ~~وعمل أهل المدينة والإجماع. ~~«قيل لمالك قولك في الكتاب الأمر المجتمع عليه، والأمر عندنا وببلدنا، وأدركت أهل ~~العلم، وسمعت بعض أهل العلم. # فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأي فلعمري ما هو برأيي، ولكن سماع من غير واحد من أهل ~~العلم والفضل والأئمة المهتدى بهم الذين أخذت عنهم. وهم الذين كانوا يتقون الله، فكثر ~~علي، فقلت رأيي. وذلك رأيي إذ كان رأيهم رأي الصحابة الذين أدركوهم عليه، وأدركتهم ~~أنا على ذلك. فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا. وما كان رأيا فهو رأي ~~جماعة ممن تقدم من الأئمة. وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه من قول ~~أهل الفقه والعلم لم يختلفوا فيه. # وما قلت الأمر عندنا، ms022 فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام، وعرفه الجاهل ~~والعالم. # وكذلك ما قلت فيه ببلدنا، وما قلت فيه بعض أهل العلم، فهو شيء استحسنته من قول ~~العلماء. # وأما ما لم أسمع منهم، فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيته، حتى وقع ذلك موقع الحق أو ~~قريبا منه، حتى لا يخرج من مذهب أهل المدينة وآرائهم. # وإن لم أسمع ذلك بعينه، فنسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه عمل ~~أهل العلم المقتدى بهم. والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله والأئمة الراشدين مع ~~من لقيت، فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره.» # 29 # فهذا كلام مالك نفسه يتضح منه مذهبه. # وقد وضح ابن خلدون الفرق بين عمل أهل المدينة والإجماع فقال: «واختص مالك بزيادة ~~مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة؛ لأنه رأى أنهم ~~فيما يتفقون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم، واقتدائهم، وهكذا إلى ~~الجيل المباشرين لفعل النبي، الآخذين ذلك عنه، وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية. ~~وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره؛ لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من ~~سواهم، بل هو شامل للأمة. واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن ~~اجتهاد. ومالك لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى، وإنما اعتبره من حيث اتباع ~~الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلوات الله عليه.» # 30 # وبعد أن استقرت المذاهب الفقهية، سرى كل مذهب في جهة من الجهات: «فغلب مذهب مالك على ~~أهل الحجاز والبصرة ومصر وما والاها من بلاد إفريقية والأندلس؛ صقلية والمغرب الأقصى ~~إلى بلاد من أسلم من السودان حتى وقتنا هذا.» أي إلى زمن ابن فرحون صاحب (الديباج) في ~~القرن الثامن. # وقال ابن خلدون: «وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس، وإن كان يوجد في ~~غيرهم، إلا أنهم لم يقلدوا غيره.» # 31 # ونشأ القابسي بالقيروان، فوجد مذهب مالك هو المذهب السائد في بيئته. وأخذه ms023 عن شيوخ ~~كلهم مالكيون. ثم رحل إلى مصر والحجاز فسمع عن المالكيين، ثم عاد فقيها محدثا ~~مالكيا متبعا لمذهب مالك، وكتابه في التعليم الذي بين أيدينا شاهد على ذلك؛ لأنه ~~يجري فيه على طريقة المالكية، يعتمد على الكتاب، ثم السنة، ثم عمل أهل المدينة، ثم ~~الإجماع ثم القياس. ~~(3) أثر المنهج السابق في التربية عند القابسي # أطلنا الكلام عن منهج أصحاب الحديث، وفصلنا القول في طريقة المالكية التي تعتمد على ~~الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة والإجماع والقياس، لما لذلك من صلة كبيرة بالموضوع الذي ~~نناقشه، وهو موضوع التعليم الذي عالجه القابسي. # وإذا أردنا أن نحكم على القابسي حكما صحيحا، فينبغي أن نبدأ أولا بالنظر في منهجه ~~الذي اتبعه في بحث موضوع التعليم، وهو المنهج الذي سار عليه فعلا، وارتضاه لنفسه؛ لأن ~~الصلة بين المنهج والموضوع صلة بالغة الأهمية في إخراج الموضوع على نحو معين. ومن ~~المسلم به أن كل علم من العلوم لا يمتاز عن غيره باختلاف موضوع العلم فقط، بل المنهج ~~الذي يتبع أيضا في دراسة هذا العلم. # فالمنهج السليم يؤدي إلى نتائج سليمة في الموضوع، والمنهج الخاطئ، يؤدي إلى نتائج ~~خاطئة. ونعني بالمنهج السليم أن يكون ملائما للموضوع. # فهل كان المنهج الذي اتبعه القابسي هو المنهج السليم الذي ينبغي اتباعه في معالجة ~~موضوع التعليم؟ # نأتي أولا بشواهد من رسالة القابسي تثبت أنه اتبع منهج أصحاب الحديث، ومنهج المالكية ~~على الخصوص، ثم تبين بعد ذلك الأثر الذي أدى إليه اتباع ذلك المنهج. # اعتمد القابسي على أدلة من الكتاب والسنة نجتزئ منها بما يأتي: ~~(أ) # وقد بين الله سبحانه في كتابه وصف قارئ القرآن، وذلك في قوله عز وجل # إن الذين يتلون كتاب الله ~~وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية يرجون تجارة لن تبور ~~(فاطر: 29) 19-أ. # 32 ~~(ب) # قال أبو الحسن: والماهر بالقرآن يؤمر بترتيله. قال الله عز وجل: # يا أيها المزمل * قم ~~الليل إلا قليلا ... # إلى قوله: # ورتل القرآن ترتيلا ~~(المزمل: 1-4) 22-أ. ~~(ج) ~~«ومن حسن رعايته لهم أن ms024 يكون بينهم رفيقا، فإنه جاء عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: اللهم من ولي من أمر ~~أمتي شيئا فرفق بهم فيه، فارفق به.» 54-أ. ~~(د) # وقال في تعليم الشعر: «وقد ثبتت الرواية عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: ~~إنما الشعر كلام، فحسنه حسن وقبيحه قبيح.» 44-ب. # وقد أوضح القابسي نفسه المنهج الذي اتبعه، فأغنانا بذلك عن محاولة الكشف عما استتر في ~~نفسه، وكيف جرى تفكيره، فقال: «فقد بينت لك ما جاء في فضل من تعلم القرآن وعلمه، كل ~~ذلك عن كتاب الله عز وجل، وعما جاء عن النبي # صلى الله عليه وسلم # تسليما.» 19-ب. # والقابسي محدث ثقة، له كتاب «ملخص الموطأ» جمع فيه ما صح إسناده من أحاديث ~~«الموطأ»؛ لهذا كان لا يروي إلا الأحاديث القوية، أما الأحاديث الضعيفة السند فلا ~~يرويها. ولا يتحرج من الشك في صحة الحديث إذا ضعفه. قال: «وسألت عما ذكر من أن القرآن ~~في صلاة خير من القرآن في غير صلاة ... فاعلم أني سمعته سماعا هكذا، ولم أقف على صحته ~~بهذا المعنى.» 23-ب. # ومن أصوله بعد الكتاب والسنة عمل أهل المدينة. قال في أجر المعلم: «عن ابن وهب في ~~موطئه عن الجبار بن عمر قال: كل من سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر ~~بأسا.» 33-ب. # وهاك مثلا يبين اعتماده على الإجماع، قال: «وأما إمساك الصبيان المصاحف وهم على غير ~~وضوء، فلا يفعلوا ذلك، وليس كالألواح. وما في نهيهم عن مس المصاحف الجامعة - وهم على ~~غير وضوء - خلاف، من مالك، ولا ممن يقول بقوله.» # وكذلك لجأ القابسي إلى القياس الشرعي، ومثال ذلك الحكم على الوالد بتعليم ابنه القرآن ~~قال: «جاء أن رسول الله مر بامرأة في محفتها فقيل لها: هذا رسول الله؛ فأخذت بعضد صبي ~~معها وقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله: نعم ولك أجر. فهل يكون لهذه المرأة أجر فيما ~~هو لصبيها حج إلا من أجل أنها أحضرته ذلك الحج. والذي يناله ms025 الصبي من تعليمه القرآن هو ~~علم يبقى له بحوزه، وهو أطول غناء.» 26-أ. # وهذا قياس آخر في تعليم الوالد لابنه: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا ~~صغيرا. أفيدع ابنه الصغير لا يعلمه الدين، وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» ~~28-أ. # والأصل في هذا القياس هو الحديث الذي ذكره القابسي وشرحه: «كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه ... فقالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ فقالوا ~~الله أعلم بما كانوا فاعلين.» 28-أ. # فإذا لم يجد القابسي نصا من القرآن، أو حديثا من السنة، أو إجماعا في الرأي، ~~أو قياسا على أصل من الأصول السابقة، فإنه يحكم في المسألة بما يرى فيه فائدة المعلم ~~والمتعلم، أو يحكم بالعرف إذا كان العرف حسنا، وإذا كان العرف سيئا لم يجزه. # وبيان المصلحة في سلوك الإنسان، يقتضي التأمل في قوانين النفس الإنسانية إذا كان ~~السلوك فرديا، والنظر إلى القوانين الاجتماعية إذا كان سلوك الإنسان متصلا بغيره من ~~الناس. # واتباع العرف، على الأخص إذا كان حسنا، من الأمور الاجتماعية التي لا يستطيع الباحث ~~أن يصرف النظر عنها. لذلك اتبع المشرعون التقاليد. قال القابسي: «وكذلك المعلمون عندي ~~في هذه العادات - إذا كانت مستحسنة في الخاصة - فانتشارها على ما وصفنا يوجبها.» ~~74-أ. # وهكذا نرى القابسي يتأمل النفس الإنسانية، ويفحص عن سلوك الناس في المجتمع، ويعتمد ~~على العرف السائد، كلما أراد أن يصدر حكما جديدا لا يستند إلى أصل من الكتاب أو السنة ~~أو الإجماع. # ومن أمثلة الحكم القائم على معرفة بالنفس ما جاء عن وجوب الرفق في معاملة الصبيان ~~وعدم العبس. «فكونه عبوسا أبدا من الفظاظة الممقوتة، ويستأنس الصبيان بها، فيجترئون ~~عليه. ولكنه إذا استعملها عند استئهالهم الأدب، صارت دلالة على وقوع الأدب بهم ويأنسوا ~~إليها.» 54-أ. وذكر في مكان آخر أنه ينبغي أن يتجنب المعلم الشتم؛ لأن «الألفاظ القبيحة ~~إنما تجري من لسان التقي إذا تمكن منه الغضب وليس هذا مكان الغضب.» # وقد يذكر حكما من غير بيان الأسباب ms026 التي تدعو إلى القول بهذه القاعدة. مثال ذلك ما ~~جاء عن الحفظ حيث قال: «ومن الاجتهاد للصبي ألا ينقله من سورة حتى يحفظها بإعرابها ~~وكتابتها.» 59-أ. # ومن المسائل التي تدل على بصر بالأمور الاجتماعية ما ذكره عن الجمع بين الجنسين في ~~التعليم، وعن الاحتراس من البالغين. فقال: «ومن صلاحهم ومن حسن النظر لهم ألا يخلط بين ~~الذكران والإناث.» وقال: «إنه لينبغي للمعلم أن يحترس بعضهم من بعض إذا كان فيهم من ~~يخشى فساده.» 57-أ. # وقد أجاز القابسي العرف في مواضع كثيرة كما جاء عند الكلام في البطالة: «وأما تخلية ~~الصبيان يوم الخميس من العصر فهو يجري أيضا عرف الناس.» 57-أ. ~~«وكذلك بطالة الأعياد على العرف المشتهر المتواطأ عليه.» 61-ب. # أما إذا كان العرف غير مستحسن فإنه ينبه على وجوب الابتعاد عنه. ومثال ذلك ما ذكره عن ~~صنيع المعلمين الذين يبعثون الصبيان في مناسبات الزواج والولادة لطلب الهدايا، إذ: «لا ~~يحل للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجرته شيئا.» 62-ب. # هذه الشواهد السابقة تبين في وضوح أن المنهج الذي اتبعه القابسي هو منهج الفقهاء، ~~وبالأخص منهج أصحاب الحديث، الذين يتلمسون الآثار، ويكرهون الابتداع. وعندنا أن اتباع ~~هذا المنهج في بحث أمور الدنيا يؤدي إلى التقييد، ويمنع حرية الرأي، وكثيرا ما ينتهي ~~إلى الجمود. أما التقييد فناشئ عن الوقوف عند آراء الفقهاء السابقين بحيث لا ينبغي أن ~~يخرج الباحث عنها. ونحن لا نتجنى على الفقهاء ولا نعتسف هذا الرأي اعتسافا نسوقه بغير ~~دليل، بل هو الواقع الذي لا سبيل إلى الشك فيه؛ لأنهم ارتضوا لأنفسهم الوقوف عند آراء ~~صاحب المذهب، وحرموا بعده الاجتهاد. قال ابن خلدون: «ولما صار مذهب كل إمام علما ~~مخصوصا عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، احتاجوا إلى تنظير ~~المسائل في الإلحاق، وتفريعها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب ~~إمامهم، وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة، ~~واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا. هذه الملكة ms027 هي علم الفقه لهذا العهد، وأهل ~~المغرب جميعا مقلدون لمالك.» # 33 # فأنت ترى أن ابن خلدون ينص على أن الفقهاء الذين جاءوا بعد الأئمة «لم يكن لهم سبيل ~~إلى الاجتهاد والقياس.» وإنما كان سبيلهم «التنظير والتفريع.» # والقابسي يجري على هذه النظرية كما يصرح بذلك قال: «فقد بينت لك وجوه جواز أخذ ~~الإجارة على تعلم القرآن، وما يجوز أن يعلم بالأجر، وما يكره من ذلك للمعلم والمتعلم، ~~وما اختلف أصحابنا فيه من كراهية له أو توسعة.» 47-ب. # أما الجمود فهو نتيجة التقييد ومنع حرية الرأي. ذلك أن المجتمع يتطور مع الزمن، ~~وتتغير عقليته، وتختلف أساليب معيشته. وهذه هي سنة الحياة: التطور والتغير والحركة. ~~إذن فلا بد من منهج عقلي يختلف عن ذلك المنهج النقلي ليلائم مظاهر الحياة الاجتماعية ~~الدائمة التغير. ولكن منهج أصحاب الحديث بما يعرضه من أصول ثابتة ينتهي إلى الوقوف عن ~~مسايرة الحياة. وهذا هو الجمود. # وينبغي ألا يغيب عن بالنا أن طريقة التعليم في الكتاتيب كما وصفها القابسي في كتابه ~~ظلت متبعة في أغلب تفاصيلها إلى عهد قريب في كثير من أقطار المسلمين، ولم يشرع المسلمون ~~في تغييرها إلا حديثا عندما اشتد الاتصال بين الشرق وأمم الحضارة الغربية. ومن يقرأ ~~كتاب (الأيام) للدكتور طه حسين، يلمح التشابه الشديد بين وصف حياة الكتاب المصري، ~~وعلاقة الصبيان بمعلم الكتاب، ووصف تلك الحياة والعلاقة كما ذكرها القابسي. ومحور تلك ~~الحياة هو الختمة أو حفظ شيء من القرآن كما هو معروف. # ونعود إلى ذكر بعض الشواهد التي تؤيد الرأي الذي نقول به، وهو أن اتباع منهج أهل ~~الحديث يؤدي إلى التقييد والجمود. وجاء عن محور الألواح: «... وحدثني موسى عن جابر بن ~~منصور، قال: كان إبراهيم النخعي يقول: من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد. ~~قال محمد: وفي هذا دليل أنه لا بأس أن يلعط الكتابة بلسانه. وكان سحنون ربما كتب الشيء ~~ثم يلعطه.» 60-أ. وفي هذا وصف لما كان يفعله أهل ذلك الزمان في محو ألواحهم. وقد أجاز ~~القابسي تلك ms028 الطريقة؛ لأنه يعتمد في أحكامه على آراء الفقهاء من شيوخه، ولا يحيد عنها ~~إلا بالتنظير والتفريع. ومحو الألواح من الأمور المتعلقة بالنظافة والقذارة لا بالنجاسة ~~والطهارة. ولا حاجة لمن يريد الاستدلال على طريقة محوها إلى الاعتماد على آثار ~~السابقين؛ إذ إنه من القذارة أن يلعط الإنسان الكتابة باللسان، وأن يقع أثر المداد على ~~أثواب الرجال، فهو مفسدة للثوب، ولا مروءة فيها؛ لأن المروءة تتعلق بالعطف على الناس ~~ومساعدتهم. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة على أنها مظهر من مظاهر العرف المألوف، فمن ~~العرف ما هو حسن، ومنه ما هو قبيح. وقد أجاز القابسي من العرف ما رآه حسنا، وقبح ما ~~استهجنه كما رأينا. # ومثال آخر لهذا التقييد مسألة تعليم المسلم النصراني أو العكس: «قال ابن وهب سمعت ~~مالكا سئل عن الذي يجعل ابنه في كتاب العجم، يعلمه به الوقف، فقال: لا. فقيل له: ~~فهل يعلم المسلم النصراني؟ فقال: لا. فقيل فيعلم أبناء المشركين الخط؟ فقال: لا.» 47-ب، ~~وفي تعليق القابسي على ما سبق أن: «الكافر نجس، ولذلك ينهى أن يعلموا الخط العربي، ~~والهجاء العربي؛ لأنهم يصلون بذلك إلى مس المصحف إذا أرادوه.» 48-أ. # هذه الآراء بدأت منذ عهد مالك أو قبله بقليل، واستمرت إلى عصر القابسي الذي قبلها ~~كما قبل آراء مالك كلها. ومع ذلك فهذه الأحكام عرضة للمناقشة والنقد. فقد قبل النبي ~~فداء بعض المشركين في غزوة بدر بأن يعلموا عشرة من أبناء المسلمين الكتابة. وظلت صناعة ~~الكتابة وتدوين الدواوين في أيدي الفرس والروم إلى أواخر الدولة الأموية. فلما تم إسلام ~~أهل البلاد المغلوبة، أصبح من الحرام أن يعلم المسلم النصراني أو يعلم النصراني المسلم. ~~ولماذا لم يكن هذا حراما قبل ذلك؟ وإذ فهمنا أن النصراني لا يعلم أبناء المسلمين خشية ~~أن يحولهم عن دينهم، فلماذا يحرم على المسلمين تعليم أبناء النصارى في سبيل نشر الدين ~~الإسلامي؟ وأغرب من ذلك النهي عن تعليم الخط العربي والهجاء العربي الذي إذا تم على ما ~~يشتهون، انقطعت الصلة بين المسلمين وبين غيرهم من ms029 أبناء الديانات الأخرى، مما هو مخالف ~~لطبيعة العمران، وما هو معروف من قوانين الاجتماع. وسلطان الحياة أقوى من سلطان الآراء. ~~وليس أبلغ في دحض حجة القابسي مما نفعله في العصر الحاضر، من الأخذ عن المستشرقين، ~~وإرسال البعوث الأزهرية إلى شتى أنحاء العالم لنشر الدين وتأليف لجنة لترجمة معاني ~~القرآن الكريم. # والموضوع الذي طرقه القابسي هو التعليم، الذي يعتبر فرعا من العلوم الاجتماعية. # 34 # إذا اعتبرنا العلوم ثلاثة أقسام: رياضية، وطبيعية، واجتماعية. # هل المنهج الذي اتبعه القابسي يصلح في كشف حقائق هذا العلم؟ هل هذا المنهج يعتبر من ~~مناهج العلوم الاجتماعية ومظاهر الحياة الإنسانية في الماضي والحاضر، سواء أكانت صادرة ~~عن شعور أم عن لا شعور؟ # التعليم هو دراسة الإنسان لا الطبيعة أو الرياضة. فهو فرع من العلوم ~~الاجتماعية. # ويتبع في بحث العلوم الاجتماعية طرق ثلاث. ~~(1) # طريقة الاستقراء التي تبدأ بالمشاهدة الخارجية وتنتهي بكشف القوانين، كما ~~نفعل في بحث العلوم الطبيعية. ~~(2) # منهج علم النفس الذي يعتمد على الاستقراء من جهة، وعلى التأمل الباطني من ~~جهة أخرى، وعلى مناهج تجريبية وإحصائية من جهة ثالثة. ~~(3) # المنهج القياسي لنستمد النتائج من المقدمات التي نحصل عليها بالطريقتين ~~السابقتين. # فلا سبيل للباحث في تربية الصبيان وتعليمهم إلا اتباع الطرق السابقة إذا شاء أن يصل ~~إلى نتائج صحيحة. لأننا لا نعلم سلوك الصبيان وأحوالهم وتدرجهم في النمو العقلي ~~والجسماني إلا بالمشاهدة، وهي الطريق الأول للمعرفة. ولا نقول إن الأقدمين كانوا لا ~~يبصرون ولا يشهدون، ولكننا نقول إنهم لم يهذبوا طريقة المشاهدة، ولم يضعوا لها القواعد ~~التي تضبطها، وجهلوا طرق التجربة التي تقرر الحقائق العامة، ولا يكون تحقيق الفروض ~~الموصلة إلى القوانين إلا بها. ولا بد لنا من موازين تضبط بها أمثل الطرق في التعليم، ~~والتجربة هي الميزان والنتائج العملية أصدق لسان وأنطق من كل برهان، وأحكم من الجدل ~~العقلي الذي لا ينتهي إلى نهاية. # أما القابسي فإنه عكس الطريق، فبدأ من حيث كان ينبغي أن ينتهي؛ لأنه يعتمد على أصول ~~ثابتة من الكتاب أو السنة أو الإجماع ms030 يفرع عليها ما يريد من أحكام، والأصح أن ينظر إلى ~~أحوال الصبيان لينتهي بعد ذلك هذه الأحكام. # ولا نلوم القابسي على سلوك هذا المنهج الخاص، وإنما اللوم على العصر كله، فمن العسير ~~أن يتخلص المرء من البيئة العقلية التي شب فيها ونشأ عليها. وقد صورنا هذه البيئة ~~لبيان طبيعة التكوين العقلي للقابسي. وكان الفكر مقيدا بالأغلال من ناحيتين: منطقيا ~~ودينيا. فمن الناحية المنطقية انصرف العلماء عن بحث الطبيعة والإنسان بالاستقراء، وهو ~~الطريق الصحيح للمعرفة. والمنهج الديني يخضع صاحبه لمبادئ لا يستطيع أن يحيد عنها، خشية ~~الخروج على تعاليم رجال الدين، وما يجره ذلك من الاتهام بالكفر والزندقة، فكان العلماء ~~يرون من السلامة لأنفسهم أن يتقيدوا بما ذكر الأوائل حرفا بحرف، فهو طريق مأمون سليم ~~العاقبة. # ونحن نرى أن القابسي لو تجرد من قيود هذا المنهج، وانطلق في حرية البحث كما فعل في ~~بعض الأجزاء اليسيرة من كتابه، لكان لبحثه شأن غير هذا الشأن. # الفصل الثالث # | تعليم الصبيان في القرن الرابع الهجري # نستطيع أن نجعل كتاب القابسي الأساس الذي نعتمد عليه في الكلام عن تعليم الصبيان في القرن ~~الرابع الهجري، دون أن يمنعنا ذلك من استقصاء آراء المسلمين الذين تقدموه أو تأخروا عنه. ~~على أن يكون المحور الذي ندور حوله ونعود إليه، هو كتاب القابسي؛ لأنه محدود وكامل، ومرآة ~~للعصر الذي عاش فيه. # توفي القابسي سنة 403 هجرية، وهي توافق سنة 1012 ميلادية. ولا نستطيع أن نعرف على وجه ~~التحقيق العام الذي ألف فيه هذا الكتاب، من بين الأعوام الثمانين التي عاشها المؤلف. ~~وأكبر الظن أنه لم يكتبه في الأعوام الأخيرة التي سبقت وفاته؛ لأننا إذا نظرنا إلى تصانيفه ~~التي ذكرها أصحاب التراجم، نجدها أربعة عشر كما جاء عن القاضي عياض، وذكر منها صاحب معالم ~~الإيمان عشرا، أكبرها كتاب «الممهد في الفقه وأحكام الديانة»، بلغ فيه إلى ستين جزءا ولم يكمله. # 1 # فقد كان في أواخر حياته مشغولا بإنجاز هذا الكتاب في الفقه، ولم يكن عنده من سعة الوقت ~~ما يجعله ms031 ينصرف إلى الاهتمام بتصنيف كتاب في تعليم الصبيان وأحكام المعلمين. على أن عام ~~وفاته لا يبتعد عن القرن الرابع الهجري إلا بثلاث سنوات، إذا تجاوزنا عنها، نستطيع أن نقول ~~إن كتابه في التعليم ألف في القرن الرابع. ثم إن عالما يولد في سنة 324ه، ويتوفى في ~~سنة 403ه، لجدير أن يعد من علماء القرن الرابع لا الخامس؛ لأن معظم حياته، وفتوة شبابه، وبأس ~~رجولته، واكتمال علمه وعقله وعمله، وقع في ذلك القرن. # وقد فطن الدكتور إبراهيم سلامة # 2 # إلى قيمة هذا الكتاب، ونبه إلى قدر المؤلف، وإلى أهمية آرائه، ولكنه اعتبر ~~وفاته 706 هجرية، وهي السنة المكتوبة في آخر المخطوط، وهي تاريخ النسخ لا تاريخ التأليف أو ~~عام وفاة المؤلف، وبذلك اعتبر القابسي من علماء القرن السابع أو الثامن الهجري. # وظهر في عالم التأليف في الإسلام من الفصول في التربية ما ترتفع قيمته من الناحية العلمية ~~والفنية، وما يجعل أصحاب هذه الآراء من رجال التربية البارزين. ونخص بالذكر ابن مسكويه، ~~المتوفى سنة 421ه، والغزالي المتوفى سنة 505ه، وابن خلدون المتوفى سنة 808ه. ولكنهم جميعا ~~متأخرون عن القابسي، ولو أنه كان متأخرا عنهم لتضاءل شأنه بالنسبة إليهم، ولاقتضاه الزمن ~~أن يأخذ عنهم، وينقل عنهم. أما وقد سبقهم فله فضل السبق ومزية التقدم. # لم يفت الدكتور سلامة أن يشير إلى أهمية القابسي، فذكر في الملحوظات التي قيدها عن ~~المراجع ما يأتي: «وقع اختيارنا من بين كتب التربية التي يمكن اعتبارها كذلك طبقا لعنوانها ~~على كتابين ذكرناهما في المجلد الخاص بالمراجع، وهما للزرنوجي والقابسي. وقد أوردنا عنهما ~~نظرة دقيقة، بل ترجمة بعض النصوص التي نعتقد أنها مهمة من ناحية التربية والمنهج، ولا تزال ~~آراؤهما في الوقت الحاضر أساسا للتربية.» # 3 # فقدم الزرنوجي (المتوفى 571ه) على القابسي؛ لأنه متقدم عليه في الزمن في رأيه الذي ~~دحضناه. # والذي نراه أن كتاب «تعليم المتعلم طريق التعلم» للزرنوجي، ليس من الكتب ذات القيمة ~~الكبيرة في التربية كما سنذكر فيما بعد. ولذلك لا يصح أن يقرن بالقابسي. ولو ms032 أن الدكتور ~~إبراهيم سلامة صحح تاريخ وفاة القابسي لرفع من شأنه أكثر مما فعل، فهو أكمل كتاب في ~~التربية والتعليم، جاء بعد كتاب «آداب المعلمين» لابن سحنون. ~~(1) كتاب ابن سحنون # 4 # وكتاب «آداب المعلمين» مما دون محمد بن سحنون المتوفى سنة 256ه عن أبيه صغير الحجم، ~~يبلغ ربع كتاب القابسي أو أقل، وهو خاص بتعليم الصبيان، اعتمد عليه القابسي كثيرا، ~~ونقل عنه، واسترشد به، وترسم خطاه. وتبلغ صفحات هذا الكتاب المطبوع 64 صفحة، منها 38 ~~صفحة مقدمة الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب في شئون التعليم. فكأن كتاب ابن سحنون نفسه ~~عبارة عن ست وعشرين صفحة لا غير من الحجم الصغير. # ونثبت فيما يلي فهرست هذا الكتاب، لتتضح لنا الموازنة بين ما تعرض له ابن سحنون وبين ~~ما كتبه القابسي: ~~(1) # ما جاء في تعليم القرآن العزيز. ~~(2) # ما جاء في العدل بين الصبيان. ~~(3) # باب ما يكره محوه من ذكر الله. ~~(4) # ما جاء في الأدب وما يجوز في ذلك وما لا يجوز. ~~(5) # ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم. ~~(6) # ما جاء في القضاء بهدية العيد. ~~(7) # ما يجب للمعلم من لزوم الصبيان. ~~(8) # ما جاء في إجارة المعلم ومتى تجب. ~~(9) # ما جاء في إجارة المصحف وكتب الفقه. # وبالرجوع إلى نص الكتاب، نجد أن ما نقله القابسي عنه يكاد يكون بلفظه في بعض المواضع، ~~وباختلاف يسير في مواضع أخرى، كحذف السند عن رأي فقيه، أو تغيير في العبارة دون إخلال ~~بالمعنى. # على أن القابسي لم يكتف بما أخذه عن كتاب «آداب المعلمين»، بل نقل عن الفقهاء الذين ~~أخذ عنهم سحنون وابنه، كابن القاسم وابن وهب وغيرهما. # فإذا كان لابن سحنون فضل الصدارة في تحرير كتاب خاص في تعليم الصبيان، فللقابسي مزية ~~التوسع في هذا الموضوع، والإفاضة في أبوابه المختلفة، والترتيب الذي يدل على استقرار ~~فكرة التعليم في الذهن والعمل على بيان السبل المختلفة المؤدية إلى تحقيق الغاية ~~المنشودة منه. فالقابسي يسجل في كتابه أحوال تعليم الصبيان في القرن الرابع، وابن سحنون ~~يدون هذه الأحوال ms033 في القرن الثالث. ~~(2) مرحلة تعليم الصبيان # يختص كتاب القابسي بالبحث في شئون التعليم المتعلقة بالصبيان فقط. ويتعرض كذلك للمكان ~~الذي يتلقون فيه العلم وهو الكتاب. ولو أن المؤلف جعل عنوانه «الرسالة المفصلة لأحوال ~~المتعلمين من الصبيان» لكان ذلك منه فضلا في الإيضاح والبيان. # وللصبي سن يبدأ عندها في دخول الكتاب، وسن ينتهي بعدها من التعلم في ذلك المكان. ~~ولكن القابسي لم يحدد سن الدخول، أو عدد السنين التي يقضيها الصبي، وهي مدة الدراسة في ~~الكتاب. ونستطيع مع ذلك أن نتلمس زمن ابتداء التعليم ووقت انتهائه فيما يختص بالصبيان ~~من ثنايا ما كتبه. # يقول الدكتور إبراهيم سلامة: «إن الطفل بعد أن يتلقى التعليم في المنزل يذهب إلى ~~الكتاب في السابعة من عمره. والحديث المتبع عند المسلمين: «علموا أولادكم الصلاة إذا ~~كانوا بني سبع، واضربوهم عليها إذا كانوا بني عشر.» ثم ذكر في الهامش ما يأتي: «كان هذا ~~هو الأغلب، وهناك حالات كان الأطفال يدفعون إلى المعلمين في سن الخامسة والسادسة - انظر ~~طبقات الأطباء، الجزء الثاني، ص99، والتبر للسخاوي، ص242.» # ويقول القابسي: «وينبغي للمعلم أن يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين ويضربهم إذا ~~كانوا بني عشر. وكذلك قال مالك.» 43-ب. # ونص الحديث كما أخرجه أبو داود: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم ~~عليها وهم أبناء عشر.» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. # ولا يستنتج من ضرب الأولاد على الصلاة إذا كانوا بني سبع سنين، أن سن التعليم تبدأ ~~منذ ذلك الوقت، وأن يرجح الباحث هذه السن دون غيرها. # والواقع أنه لم يكن هناك سن معينة يبدأ عندها الطفل في تلقي العلم، وإنما كان الأمر ~~متروكا لتقدير آباء الصبيان، فإذا وجدوا أن الطفل بدأ في التمييز والإدراك، دفعوا به ~~إلى الكتاب. عن أبي بكر ابن العربي قال: «وللقوم في التعليم سيرة بديعة وهي أن الصغير ~~منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب.» # 5 # ونحن نرجح أن هذه السن لم تكن محددة، وإنما كانت تشمل مرحلة بين الخامسة والسابعة، ms034 ~~تبعا لاختلاف نضج الصبيان وتقدمهم في الفهم والتمييز. جاء عن القابسي: «سئل مالك عن ~~تعليم الصبيان في المسجد، فقال: لا أرى ذلك يجوز؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة.» وفي ~~موضع آخر: «وإن كان صغيرا لا يقر فيه ويعبث، فلا أحب ذلك.» 67-ب. # فالطفل الذي لا يتحفظ من النجاسة ولا يستطيع الاستقرار، وهو طفل دون السابعة في ~~الغالب. # ويذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب رأيه، دون النص على المراجع التي اهتدى بها في ~~تقرير هذا الرأي، قال: «إذا بلغ الصبي الخامسة أو السادسة من العمر ساقه أبوه إلى الكتاب.» # 6 # أما السن التي ينتهي عندها تعلم الصبي في الكتاب، فلم تذكر صراحة كذلك، على أنه ~~جاء أن المعلم ينبغي أن يحذر من الصبيان إذا بلغوا الاحتلام. 56-أ. و«إنه لينبغي ~~للمعلم أن يحترس بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو تكون له ~~جرأة.» 57-أ. # والشرط السابق يدل على أن أغلبية الصبيان لا يصلون إلى مرحلة البلوغ، وأن بعضهم فقط ~~هم الذين كانوا يظلون في الكتاب حتى سن الاحتلام. وهذه السن تتراوح عند الذكور بين ~~الثالثة عشرة والخامسة عشرة. # على أن أكثر الصبيان لم يكونوا يمكثون في الكتاب حتى سن الاحتلام. وسبب ذلك أن أهم ~~ما كان يعلم هو حفظ القرآن. فإذا بدأ الصبي تعلمه في سن السادسة مثلا فإنه يحتاج إلى ~~أربع سنوات أو خمس ليتم حفظ القرآن، وهو المعروف بالختمة. # وقد روي عن كثير من النجباء أنهم ختموا القرآن في العاشرة. قال ابن عباس: «توفي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم.» 25-ب. وذكر ابن سينا يقص سيرة ~~حياته: «ثم انتقلنا إلى بخارى وأحضرت معلم القرآن ومعلم الأدب وأكملت العشر من العمر ~~وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقضي مني العجب.» # 7 # ولا نأخذ النابغين مقياسا في الحكم على العامة وأوساط الناس. فإذا قدرنا أن الممتاز ~~النابه يحفظ القرآن في العاشرة، فإن المتوسط العادي يحفظه في ms035 الثانية عشرة. وأما ~~المتأخرون فإنهم يحتاجون إلى زمن أطول، وهذا هو السر في تخلف بعض الصبيان عن الكتاتيب ~~حتى سن الاحتلام. # ولم يكن حفظ القرآن جميعه واجبا على كل الصبيان، بل جرى العرف أن من أحب استظهار ~~القرآن كله بقي مع المعلم، ومن أحب أن يترك الكتاب قبل استكمال جميع القرآن، فله ~~الحرية. عن القابسي: «وأما الصبي علم حتى تدانى من الختمة فأراد الخروج من عند المعلم ~~إلى معلم آخر أو إلى صنعة أو إلى ما أحب الانتقال.» 32-أ. # لهذا نستطيع أن نقول: إن الصبي - في الأرجح - كان يبقى في الكتاب في سن الثانية ~~عشرة أو ما دون ذلك. # فإذا اعتبرنا سن الالتحاق بالكتاب في المتوسط هي السادسة، وسن الخروج هي الحادية ~~عشرة، فإن هذه المرحلة من التعليم كانت تشغل خمس سنوات. ~~(3) مراحل التعليم # تعليم الصبي أول مرحلة من مراحل التعليم. وقد اقتصر القابسي على بحث هذه المرحلة، ولم ~~يتعرض لما بعدها. ولم تأت إشارة كذلك إلى تعليم الصبي دون السادسة؛ لأن هذا اللون من ~~التعليم، الذي أنشئت له مدارس الحضانة ورياض الأطفال، لم يلق عناية علماء النفس ~~والتربية إلا في العصر الحديث. # وقد تصدى المؤلف للنواحي المختلفة في تعليم الصبيان، فتعرض لأغراض التعليم والمناهج ~~والعقاب وطرق التدريس، وأحكام خاصة بالمعلم، وبمكان التعليم وهو المعروف ~~بالكتاب. # ومرحلة تعليم الصبيان من المراحل الثابتة في حضارات الأمم، يشاد عليها بنيان الثقافة ~~في الأمة فيما بعد. وتتغير اتجاهات التعليم التي يتلقاها الشباب والذين فاتوا دور ~~الشباب، ويظل تعليم الصبيان هو الدعامة الثابتة التي لا تتحول والأساس الذي لا ~~يتعدل. # ونبسط في إيجاز مراحل التعليم عند المسلمين، ليتضح لنا مصائر الصبيان، بعد الانتهاء ~~من الكتاب. # وقد تغيرت هذه المراحل مع تغير الحضارة الإسلامية، واختلاف العصور، وتقدم الدول ~~وتأخرها، وتباين الجهات. ونذكر هذه المراحل إجمالا، لنشهد البناء الكامل، الذي يعتبر ~~تعليم الصبيان فيه اللبنة الأولى. # في ضحى الإسلام: «أن التعليم كان مرحلة تبتدئ بالكتاب أو بالمعلمين الخاصين، وتنتهي ~~بأن تكون حلقة بالمسجد.» # 8 # قال مصعب: ms036 «كان لمالك حلقة في حياة نافع أكبر من حلقة نافع.» # 9 # وكان التعليم أحيانا في مجالس خاصة بدلا من حلقات المساجد. جاء في ترجمة ~~مالك أيضا: «وكان كالسلطان له حاجب يأذن عليه. فإذا اجتمع الناس ببابه، أمر فدعاهم ~~فحضر أولا أصحابه فإذا فرغ من يحضر، أذن للعامة، وهذا هو المشهور من سماع أصحاب مالك.» # 10 # ومن الشائع عند المسلمين أيضا الرحلة في طلب العلم. وفضل الارتحال أن العالم يطوف ~~بدول كثيرة، فيشاهد أحوال الشعوب، وتقاليد الناس وعاداتهم، واختلاف طبائعهم، ثم يتصل ~~بشيوخ بأعيانهم يأخذ عنهم ويتلقى العلم عليهم، مما يؤدي إلى كثرة الاطلاع، ووفرة ~~الثقافة، واتساع دائرة الفكر، وأفق الذهن. # وقد رأينا في ترجمة القابسي أنه رحل فحج وسمع من علماء كثيرين. # وفي ترجمة النسائي صاحب السنن أنه: «طوف وسمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام والجزيرة.» # 11 # وفي ترجمة سحنون أنه «رحل في طلب العلم في حياة مالك وهو ابن ثماني عشرة سنة.» # 12 # ثم تطور التعليم من حلقات المساجد، إلى مدارس منظمة، حبست عليها الأوقاف لضمان ~~حياتها. وبدأ ذلك التطور في القرن الرابع الهجري في زمن الفاطميين، وازدهرت المدارس في ~~عصر الدولة الأيوبية والمماليك، ثم تدهورت بعد ذلك. # قال ابن جبير في معرض الحديث عن مصر: «ومن مناقب هذا البلد، ومفاخره العائدة في ~~الحقيقة إلى سلطانه (يقصد صلاح الدين): المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد.» # 13 # وكانت كتب العلم الجليلة الشأن توقف على هذه المدارس ليستفيد منها الطلاب والمدرسون. ~~جاء في صدر مخطوط فيه تلخيص كتب أرسطوطاليس لابن رشد الفيلسوف ما يأتي: «وقف وحبس وسبل ~~وتصدق العبد الفقير صرغتمش ... على المشتغلين بالعلم الشريف، وعلى المقيمين بالمدرسة ~~الحنفية المجاورة لجامع ابن طولون.» # 14 # ويرى الأستاذ خليل طوطح أن التعليم يمر في المراحل الآتية: ~~(1) # المكتب أو الكتاب. ~~(2) # الجامع. ~~(3) # مجلس العلم أو مجلس الأدب. ~~(4) # المدرسة أو الكلية. # 15 ~~(4) تصوير حالة التعليم # يخرج المرء من قراءة كتاب القابسي بصورة واضحة عن حالة تعليم الصبيان في القرن الرابع ~~الهجري أو العاشر الميلادي. # وهي ms037 صورة واضحة، وتعتبر كثيرة الجلاء بالنسبة لما كتبه غير القابسي من المؤلفين في ~~هذا الموضوع؛ لأنه أسهب حين أوجزوا، وذكر ما لم يذكروا، وجمع شئون تعليم الصبيان في ~~كتاب واحد. # يبعث الصبي إلى الكتاب إذا عقل. هذه الكتاتيب منتشرة في أنحاء المدن والقرى، قد ~~تكون إلى جوار المساجد، وقد تكون بعيدة عنها، ولا تكون بداخلها على أي حال. # ويقوم بالتعليم في هذا الكتاب معلم، هو الذي يستأجر الكتاب، ويتخذه مكانا ~~للتعليم. وقد يشترك معلمان أو أكثر في التعليم بالكتاب إذا كان عدد الصبيان كثيرا، ~~ولكن الغالب أنه معلم واحد. وليس للحاكم سلطان على هذه الكتاتيب، فهو لا ينشئها، ولا ~~يشرف على سير التعليم فيها، ولا شأن له بها. وإنما يفتتح المعلمون الكتاتيب من تلقاء ~~أنفسهم، ويدفع إليهم الآباء بأبنائهم حسب رغبتهم، ويتلقى الصبيان التعليم في نظير أجر ~~يدفعونه إلى المعلم، قد يكون مشاهرة، # 16 # وقد يكون مساناة، # 17 # وقد يكون بمقدار ما تعلم الصبي. # وليس الكتاب دارا كبيرة فيها فصول كثيرة كما هي الحال في المدرسة الأولية المعروفة ~~الآن، وإنما هو مكان متواضع، يتسع لهذا العدد من الصبيان الذين يشرف عليهم معلم واحد، ~~قد يكون حانوتا، وقد يكون بضع حجرات في منزل. # ويذهب الصبي مبكرا إلى الكتاب، فيبدأ بحفظ القرآن، ثم يتعلم الكتابة، وعند الظهر ~~يعود إلى المنزل لتناول الغداء، ثم يرجع بعد الظهر ويظل حتى آخر النهار. # وبطالة الصبيان من بعد ظهر يوم الخميس، وسحابة يوم الجمعة، ثم يعودون صباح ~~السبت. # يتعلم الصبي مدة دراسته التي قد تستمر إلى وقت البلوغ أو بعده بقليل، القرآن والكتابة ~~والنحو والعربية. وقد يتعلم الحساب والشعر وأخبار العرب. على أن أهم ما يدرس الصبي ~~هو حفظ القرآن على الطريقة الفردية أو الجمعية؛ إذ يبدأ المعلم أو العريف بآية يرددها ~~الصبيان من بعده. ولكل صبي لوح يكتب فيه، يثبت فيه ما يريد أن يحفظه، ثم يمحوه ليكتب ~~شيئا جديدا، ولم يكن من اللازم أن يحفظ الصبي القرآن كله، إلا إذا كانت تلك رغبة ~~أبيه. ms038 # فإذا أخطأ الصبي في الكتابة والهجاء والحفظ، أو أهمل أو انصرف إلى اللعب والعبث دون ~~الدرس والعلم، أو هرب من الكتاب، عاقبه المعلم بالنصح تارة، والعزل والتهديد مرة ~~أخرى، والضرب تارة ثالثة إن لم تفلح النصائح ولم يجد التهديد. # وإذا أتم الصبي مرحلة التعليم في الكتاب، جاز امتحانا فيما حفظ من القرآن وفي ~~الكتابة. واختبار حفظ القرآن كله يعرف بالختمة. وعندئذ إما أن ينقطع عن التعليم ويتجه ~~إلى الصناعة التي يريد أن يزاولها لكسب المعاش، وإما أن ينصرف إلى مرحلة أخرى من ~~التعليم أرقى من التعليم في الكتاب. # هذه هي الصورة التي ندركها من الاطلاع على كتاب القابسي على وجه الإيجاز، وأركان هذه ~~الصورة التي تتركب منها أربعة: هي الكتاب والمعلم والصبي والقرآن. هذه العمد الأربعة ~~هي الأساس الذي يقوم عليه التعليم الأولي كما وصفه القابسي. وعلينا أن نبحث بعد ذلك ~~أهذه الصورة مستمدة من الواقع أم يصف فيها ما ينبغي أن يكون، ثم نتبين إذا كان هذا ~~النوع من التعليم إقليميا أم عاما. ~~(5) صورة واقعية أم مثالية # عنوان كتاب القابسي يرشدنا إلى الاتجاه الذي سلكه في معالجة مشكلة تعليم الصبيان، فهي ~~الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين، وأحكام المعلمين والمتعلمين، والأحوال والأحكام ~~كلاهما مستمد من الواقع لا من المثال. # فقد ينصرف الذهن إلى أن هذه الصورة المذكورة عن الصبيان وما يتلقون من مواد مختلفة، ~~وعن طريقة تعليمهم وتأديبهم وسلوكهم، وعن صلة المعلم بهم، ليست منتزعة من الواقع، بل هي ~~المثل الأعلى الذي ينشده القابسي في التعليم. # وليس غريبا أن يسلك بعض المفكرين والفلاسفة طريقة مثالية في كتابتهم عن التربية. في ~~الزمن القديم كتب أفلاطون عن التربية في (الجمهورية). وفي العصر الحديث أخرج روسو كتاب ~~(إميل) في تربية الطفل. وكلاهما مثالي لم يصف حقيقة الحال ولم يأخذ الناس بجميع آرائهما ~~بعدهما. وكثيرا ما يخرج المفكرون في مثلهم عن حدود القوانين الطبيعية والاجتماعية، ~~مما يجعل تطبيق نظرياتهم العقلية ضربا من المستحيل. فقد أراد روسو أن يعود بالإنسان ~~إلى نوع من المعيشة البدائية الفطرية ms039 لا يستقيم مع حال الحضارة ولا يتفق مع طبيعة ~~العمران. # ولم يكن القابسي مثاليا من طراز هؤلاء المربين، وإنما كان يصف الواقع، لا ما ينبغي ~~أن يكون. ثم هو لا يتعدى في أحكامه القوانين الاجتماعية. # اتخذ القابسي الواقع أساسا له فيما كتب، وصوره، ثم بين بعد ذلك الأسباب التي تجعله ~~يجيز ما كان سائدا، وكل ذلك بأحكام شرعية. وهو يصور الواقع بما لا يعدو حدود الوصف بكل ~~ما في أحوال التعليم من خير وشر وحسن وقبح. والمظاهر الاجتماعية فيها الصالح وفيها ~~الفاسد في كل زمان ومكان. أما الصالح فإن القابسي يقره، ويأمر به، ويجيزه ويستحسنه. ~~وأما الفاسد فإنه ينهى عنه، ويزجر المعلمين عن الإتيان به، ويستقبحه وينصح بالابتعاد ~~عنه. # وهو حين يحكم على شيء بأنه حسن، فهو يتبع طريقة الفقهاء التي ذكرناها، وهي الاستناد ~~إلى أصول من الكتاب والسنة والإجماع. والمصلحة التي يذكرها هي المصلحة الشرعية أو ~~الدينية. فتعليم «الأنثى القرآن والعلم حسن، ومن مصالحها.» لأن ذلك هو السبيل إلى معرفة ~~الدين وتأدية الصلاة المفروضة على المؤمنين والمؤمنات. ولم تكن هناك حاجة إلى النص على ~~وجوب فصل الجنسين، خشية ما يلحق من فساد، لولا الجمع بين الذكور والإناث في ~~الكتاتيب. # والصورة واقعية؛ لأن كثيرا من المسائل تجري مع العرف الذي أجاز القابسي أغلبه. فوجوب ~~الختمة للمعلم تكون على قدر يسر الأب وعسره، وليس في ذلك حد مؤقت، إنما هو ما يرى أنه ~~واجب في عادات الناس في مثل هذا المعلم. والعطية في العيد مستحسنة، ولم يزل ذلك ~~مستحسنا فعله في أعياد المسلمين. # ولا ننسى أن الكتاب دار على أسئلة وجهها سائل إلى القابسي، فأجاب عنها. وأسئلة ~~السائل هي وصف لأحوال التعليم في عصره، أتتفق مع مبادئ الشرع، أم لا تتفق؟ ولذلك فزع ~~إلى الفقيه يطلب رأيه فيها. ويجيب القابسي بقوله: «وأما وصفك لما جرى عندكم من صنيع ~~معلميكم إذا تزوج رجل ...» 62-ب، فيبعث المعلم صبيانه في طلب طعام وما أشبه بمناسبة ~~الزواج، ويتبطل الصبيان يوما أو بعض اليوم، فطلب الهدية ms040 على هذا النحو حرام، وينبغي أن ~~يترك المعلم هذا العمل؛ لأنه من العادات المستقبحة، والعرف المذموم. # وقد يقتضي الأمر في بحث مسألة من المسائل أن يردها إلى أصولها التاريخية، ويتتبع ~~تطورها إلى أن تبلغ زمانه. فالحاضر وليد الماضي. مثال ذلك: مسألة أجر المعلم، ففي عصر ~~القابسي كان المعلمون يتناولون الأجر على التعليم، ولم يكن الأمر كذلك في زمن الصحابة، ~~فما الحاجة التي ألجأت الناس إلى تغيير أحوالهم، والخروج على أفعال الصحابة والتابعين؟ ~~وأفعالهم كما تعلم هي الصراط المستقيم الذي ينبغي أن يسير الناس عليه من بعدهم. إنها ~~حاجة الدين، وحاجة العصر والزمان. # وهذا الذي فعله في مسألة الأجر فعله في جميع المسائل الأخرى، فهو يصف ما يجري عليه ~~المعلمون في أحوالهم، ثم يفسرها في ضوء التاريخ، لهذا رجع إلى مالك، وإلى ابن وهب وإلى ~~ابن القاسم، وإلى ابن سحنون في كتابه الذي دونه عن سحنون. ولم يتطور العالم الإسلامي ~~كثيرا في طريقة تعليم الصبيان منذ عصر سحنون إلى زمن القابسي. # الواقع إذن هو الصورة التي يدور حولها القابسي، فيؤيد ما يستحسنه ويذم ما يستقبحه ~~وما ذكره ابن خلدون في مقدمته خاصا بطريقة التعليم بإفريقية ينطبق على الوصف الذي ~~ذكره القابسي من أن الصبي يتعلم القرآن، والكتابة والخط، وبعض النحو والإعراب. على حين ~~أن الحساب والشعر والنحو والعربية والغريب، ليس تعليمها لازما إلا إذا تطوع ~~المعلم. # رأي واحد هو الذي نستطيع أن نعتبره من النظريات المثالية التي تمنى القابسي ذيوعها، ~~وهو الرأي القائل بإلزام التعليم. فقد أوجب تعليم الصبي من مال أبيه أو وصيه أو أحد ~~أقاربه أو من مال أحد المحسنين، أو يعلمه المعلم احتسابا. ولم يكن جميع صبيان المسلمين ~~يتلقون التعليم ويعرفون القراءة والكتابة، ولكنه رأي رغب القابسي في أن ينتشر، فسبق ~~بذلك عصره، ودل على بعد نظره. # من هذا كله نخرج بالنتيجة الآتية، وهو أن موضوع التعليم الذي ذكره القابسي كان ~~وصفيا يقرر فيه الواقع، ويحيطنا بلون من ألوان البيئة العقلية في أحد جوانبها، وهي ~~بيئة المعلمين في ms041 الكتاتيب. # وتختلف هذه الصورة عما كان معهودا عن حال التعليم في الصدر الأول من الإسلام، وتختلف ~~أيضا عن صورتها بعد عصر القابسي، إلى جانب اختلافها في المكان مما سنذكره فيما بعد، في ~~أن هذا اللون من التعليم الذي بين أيدينا هو تعليم إقليمي وليس عاما. وهذا التغيير في ~~الزمان طبيعي؛ لأن المجتمع لا يدوم على حال، بل يتطور وينمو ويزدهر وقد ينحط ويتدهور، ~~كما هي سنة الكائنات الحية جميعا. ولم يكن هذا التطور خافيا عن ذهن القابسي، فقد أشار ~~إليه في مناسبات عدة وذكر أن المسلمين الأوائل لم يعرفوا المعلمين المنقطعين إلى هذه ~~الصناعة التي يتناولون عليها الأجر، ويجعلونها مصدر الكسب وعماد المعاش. فإذا انتفى ~~وجود المعلمين فقد اختفت صورة التعليم المنظمة الداخلة بين جدران الكتاتيب، واختفى معها ~~أوقات الدراسة، وطرق التعليم، ومناهج العلم، وأدوات التأديب. وإنما نشأ هذا كله بعد ~~النبي وبعد عصر الصحابة. حتى إذا بلغنا القرن الرابع قدم إلينا القابسي هذه الصورة ~~التي سادت في شمال إفريقية. وتغيرت أحوال التعليم بعد القرن الرابع الهجري، ولكنه ليس ~~تغييرا عظيما يختلف عن الجوهر المألوف، بل هو تغيير شكلي. فقد انتظمت الكتاتيب نوعا ~~ما، واستقرت لعناية أولي الأمر بها، ورصد الخيرات من مال الأوقاف للصرف عليها. وبذلك ~~ضمنت البقاء والحياة. ~~(6) تعليم إقليمي أم تعليم عام # هل الوصف الذي بسطه القابسي يختص بالإقليم الذي يعيش فيه، أم هو وصف لحالة التعليم ~~والمعلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي؟ # هذه مسألة لا بد أن نرجع فيها إلى التاريخ، للموازنة بين رأي القابسي وآراء غيره. ~~والعالم الإسلامي ينقسم على وجه العموم إلى قسمين كبيرين: الشرق ويشمل بلاد العرب وفارس ~~والعراق والشام ومصر؛ والغرب ويشمل شمال إفريقية والأندلس. # وقد وصف حالة تعليم الصبيان في هذه الأقطار المختلفة ابن خلدون في مقدمته وأبو بكر ~~ابن العربي في بعض كتبه. ونجد شذرات متفرقة خلال كتب التاريخ والفقه والأدب تفيد في ~~الحكم على طريقة التعليم في المشرق والمغرب. # وهناك أمور اتفق عليها المسلمون جميعا منذ أشرق نور التعليم ms042 واهتم به أولياء الأمر. ~~هذه الأمور هي التعليم في الكتاب، وقيام معلمين مخصوصين بالتعليم يتناولون الأجر على ~~ذلك. فالثابت أن الكتاتيب انتشرت بعد الصدر الأول من الإسلام، وأصبحت المكان المخصوص ~~بتعليم الصبيان. واتخذ بعضهم التعليم صناعة عرف بها، ومنهم من برز في العلم والأدب، ~~مثل الحجاج بن يوسف الثقفي وأبيه، وعبد الحميد الكاتب # 18 # وغيرهم. والمعروف أن هؤلاء المعلمين كانوا يتناولون الأجر على ~~صناعتهم. # أما الخلاف فيقع في طريقة التعليم، أو في المنهج الذي يدرسه الصبيان، وفي ترتيب ~~العلوم التي يبدءون بتعلمها. # وقد يقع الخلاف أيضا في سياسة الصبيان وعقابهم، وفي أمور فرعية تتصل بوقت الدراسة ~~والبطالة وأشباه ذلك من الأمور الخاصة بالتعليم. ولكن الكتب التي عالجت مثل هذه ~~المواضيع لم تشمل كثيرا من التفاصيل. # عن ابن خلدون # 19 ~~(1) # أما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط ~~وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله. # 20 # واختلاف حملة القرآن فيه، # 21 # ولا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ~~ولا من فقه ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه ... ~~(2) # أما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو، وهذا هو ~~الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لما كان القرآن أصل ذلك، وأسه، ومنبع ~~الدين والعلوم، جعلوه أصلا في التعليم، فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل ~~يخلطون في تعليمهم الولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم ~~بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتابة. ولا تختص عنايتهم ~~بالقرآن دون غيره، بل عنايتهم بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد ~~من عمر البلوغ إلى الشبيبة. ~~(3) # وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في ~~الغالب ... # إلا أن أكثر عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على ~~اختلاف رواياته وقراءته مما سواه، وعنايتهم بالخط تبع لذلك. ~~(4) # وأما أهل المشرق فيخلطون في التعليم كذلك على ما يبلغنا، ولا أدري بم ~~عنايتهم منها، والذي ينقل لنا أن عنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم ~~وقوانينه في زمن الشبيبة، ولا يخلطونه بتعليم الخط، ms043 بل لتعليم الخط ~~عندهم قانون ومعلمون له على انفراد كما تتعلم سائر الصنائع، ولا ~~يتداولونها في مكاتب الصبيان. # ونخلص من هذا إلى أن جميع الأقطار تبدأ بتعليم القرآن، ثم أهل المغرب يقتصرون ~~عليه، ويخلط أهل إفريقية القرآن بالحديث والخط، ويهتم أهل الأندلس مع القرآن بعلوم ~~العربية والخط، ويخلط أهل المشرق أيضا في التعليم فيضيفون إلى القرآن بعض العلوم، ~~ولا يهتمون بالخط في الكتاتيب. # أما أبو بكر ابن العربي # فلا يصف طريقة التعليم المتبعة، ولكنه يذكر ما يرى أنه الواجب، وقد لخص ابن خلدون ~~رأيه فقال: «وقد ذهب القاضي أبو بكر ابن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في ~~وجه التعليم، وأعاد في ذلك وأبدأ، وقد قدم تعليم العربية والشعر على سائر ~~العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس ... ثم ينتقل منه إلى الحساب ... ثم ينتقل إلى درس ~~القرآن ... ثم قال: «ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره ~~يقرأ ما لا يفهم».» # 22 # وفي تعليق ابن خلدون على كلام ابن العربي ما يدل على أن هذه الطريقة غير متبعة، ~~قال: «وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه.» # قال ابن العربي في كتاب (القواصم والعواصم) يصف التعليم بالأندلس: «فصار الصبي ~~عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم علموه كتاب الله، فإذا حذقه نقلوه إلى ~~الأدب، فإذا نهض منه حفظوه الموطأ، فإذا لقنه نقلوه إلى المدونة ...» # 23 # وعن أبي بكر ابن العربي يصف التعليم بالمشرق. ~~«وللقوم في التعليم سيرة بديعة؛ وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب، ~~فإذا عبر المكتب أخذوه يتعلم الخط والحساب والعربية. فإذا حذقه كله أو حذق منه ما ~~قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله فحفظ منه كل يوم ربع حزب أو نصفه أو حزبا، ~~حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم أو تركه.» # ومنهم - وهم الأكثر - من يؤخر حفظ القرآن ويتعلم الفقه والحديث وما شاء الله. ~~فربما كان إماما وهو ms044 لا يحفظه. وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن وما رأيت فقيها ~~يحفظه إلا اثنين، ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه. # 24 # ويبدو لنا أن وصف ابن العربي حال التعليم في المشرق بعيد عن الواقع، إذا كان من ~~الضروري تعلم قدر من القرآن تصح به الصلاة، ويجوز أن يحمل كلام ابن العربي على ~~من يريد حفظ القرآن كله، وليس موضوعنا، فقد أجمع كل من كتب عن التعليم على أن ~~القرآن هو الأصل الذي يبدأ الصبيان بتعلمه، كما ذكرنا عن ابن خلدون. وذكر ابن حزم ~~ما نصه: «مات رسول الله والإسلام قد انتشر وظهر في جميع جزيرة العرب من منقطع البحر ~~المعروف ببحر القلزم مارا إلى سواحل اليمن كلها إلى بحر فارس إلى منقطعه مارا ~~إلى الفرات، ثم على ضفة الفرات إلى منقطع الشام إلى بحر القلزم، وفي هذه الجزيرة من ~~المدن والقرى ما لا يعرف عدده إلا الله كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي، وريبة ~~وقضاعة والطائف ومكة، كلهم قد أسلم وبنوا المساجد، ليس منها مدينة ولا تربة ولا حلة ~~لأعراب إلا قد قرئ فيها القرآن في الصلوات وعلمه الصبيان والرجال والنساء وكتب.» # 25 # من هذا يتضح لنا أن تعليم القرآن في المشرق كان هو المبدوء به؛ لنفعه في الصلاة ~~مع ما كان يصحبه من تعلم الكتابة. # أما الطريقة التي أرادها ابن العربي فهي طريقة مثالية وليست واقعية. # وشبيه بهذا ما أثر عن بعض رجال الفكر وقادة العرب في طريقة تعليم أبنائهم. قال ~~الحجاج لمعلم ولده: «علم ولدي السباحة قبل الكتابة.» # 26 # وعن عمر بن الخطاب: «علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخيل ~~وثبا، ورووهم ما يجمل من الشعر.» # 27 # وقال ابن التوأم: «علم ابنك الحساب قبل الكتاب، فإن الحساب أكسب من ~~الكتاب، ومئونة تعلمه أيسر، ووجوه منافعه أكثر ... وفي ما يجب على الآباء من حفظ ~~الأبناء، أن يعلمه الكتاب والحساب والسباحة.» # 28 # فهذه كلها وصايا خاصة تفصح عن مزاج أصحابها، ولكنها لا تدل على شيوع هذه المبادئ. ~~ولم ms045 يكن معلم الكتاب هو المخصوص بتعليم الرماية والسباحة، ولا يتعلم الصبي ~~الرماية في سن السادسة أو السابعة فسنه أصغر من تعلم هذه الصناعة. ولم يكن صبيان ~~العامة يؤخذون بتعلم مثل هذه الأمور، وإنما هي نوع من الترف في التعليم لا يتلقاه ~~إلا أبناء الخاصة على أيدي معلمين ومدربين خاصين بذلك. # والنتيجة التي ننتهي إليها هي أن الطريقة المذكورة في رسالة القابسي تصف التعليم ~~في شمال إفريقية. وأبرز ما في هذه الطريقة البدء بتعليم القرآن واتباع أشهر ~~المقرئين في حفظه والعناية بالخط والهجاء، ويصحب ذلك بعض النحو والعربية. أما ~~الحساب وهو من المواد المهمة اللازمة للكسب والعمران، فلم تكن العناية بدرسه ~~ضرورية، إن لم يكن مهملا. # وقد اتضح لنا من كلام ابن خلدون أنه أثبت اختلاف طريقة التعليم في الأقطار ~~المختلفة، ويشبه ما ذكره عن التعليم في إفريقية والمغرب ما نص عليه القابسي. # وإذا كان القابسي قد وصف طريقة التعليم بما جرى به العرف في بلاده ، فالغالب أن ~~بقية الأبحاث المتعلقة بالتعليم والتربية، هي التي كانت متبعة في موطنه. وإذا رجعنا ~~إلى نص المخطوط وجدنا أنه كثيرا ما يحكم بما اشتهر بين الناس، وبما جرى به العرف. ~~وهو يقصد من العرف ما جرى عليه الناس في بلاده. # لكل هذا نقول: إن التعليم الذي وصفه القابسي إقليمي وليس عاما. # الفصل الرابع # | الكتاتيب في الإسلام # نريد أن نقصر الكلام على التعليم الأولي أو التعليم في الكتاب، ولا شأن لنا بأنواع ~~التعليم الأخرى؛ لأن المؤلف لم يتناولها بالبحث. ولم يكن القابسي مشرعا في هذا الفن، ~~بل مؤرخا وصف ما انتهى إليه حال تعليم الصبيان في عصره، من قعود معلم في الكتاب يذهب إليه ~~الصبيان فيحفظون عليه القرآن، ويتعلمون القراءة والكتابة وبعض النحو والعربية والحساب. وكان ~~الحال كذلك في القرن الثالث الهجري كما وصف ابن سحنون في كتابه، وهو الكتاب الذي اعتمد عليه ~~القابسي كثيرا. # والتعليم ظاهرة اجتماعية، يخضع - كغيره من الظواهر الاجتماعية - لقوانين الحياة من النمو ~~والازدهار، والتراجع والموت. # ولم تنشأ الكتاتيب منذ ظهور ms046 الإسلام؛ فالمعروف أن بلاد العرب في عهد النبي لم يكن فيها ~~تعليم منتظم، والمشهور أن العرب أميون. ولو أن هناك أخبارا تدل على غير ذلك. # والجديد في الكتاب هو صيغته الديمقراطية التي يسرت للصبيان قاطبة قسطا من التعليم. ~~وهو بهذه الصورة لم يكن معروفا منذ ظهور الإسلام. لذلك نعود إلى الوراء لنرى متى وكيف بدأ ~~انتشار التعليم في الكتاتيب على الصورة المذكورة عند القابسي. عن ابن حزم: # 1 ~~«مات رسول الله والإسلام قد انتشر وظهر في جميع جزيرة العرب من منقطع البحر ~~المعروف ببحر القلزم مارا إلى سواحل اليمن كلها إلى بحر فارس إلى منقطعه، مارا إلى ~~الفرات ثم على ضفة الفرات إلى منقطع الشام إلى بحر القلزم. وفي هذه الجزيرة من المدن والقرى ~~ما لا يعرف عدده إلا الله كاليمن والبحرين وعمان ونجد وجبلي طي وريبة وقضاعة والطائف ومكة. ~~كلهم قد أسلم وبنوا المساجد، ليس منها مدينة ولا قرية ولا حلة لأعراب إلا قد قرئ فيها ~~القرآن في الصلوات وعلمه الصبيان والرجال والنساء وكتب.» # 2 # ثم قال بعد قليل: «ثم مات أبو بكر وولي عمر ففتحت بلاد الفرس طولا وعرضا، ~~وفتحت الشام كلها والجزيرة ومصر كلها، ولم يبق بلد إلا وبنيت فيه المساجد، ونسخت فيه ~~المصاحف وقرأ الأئمة القرآن، وعلمه البيان في المكاتب شرقا وغربا.» # 3 # في تاج العروس قصة يتضح منها أن الكتاب كان موجودا في زمن عمر بن الخطاب، قال في صدد ~~كلمة أبجد: «ويذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي أعرابيا فقال له: هل تحسن أن تقرأ ~~القرآن؟ قال: نعم. قال: فاقرأ أم القرآن. قال: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟ قال: فضربه. ~~ثم أسلمه إلى الكتاب، فمكث فيه، ثم هرب وأنشأ يقول: # أتيت مهاجرين فعلموني # ثلاثة أسطر متتابعات # كتاب الله في رق صحيح # وآيات القرآن مفصلات # فخطوا لي أبا جاد وقالوا # تعلم صعفصا وقريشات # وما أنا والكتابة والتهجي # وما حظ البنين من البنات # ونستدل من كلام ابن حزم ومن القصة السابقة على أن ms047 ظهور الكتاتيب أو المكاتب ليتعلم فيها ~~الصبيان كان في عصر الفتوحات الإسلامية العظيمة، وهي الفرس والشام ومصر وجزيرة العرب كلها. ~~أما قبل ذلك فقد كان الإسلام لا يزال يجاهد في نشر العقيدة في جزيرة العرب التي كان مركزها ~~مكة ثم المدينة. على حين كان الفرس على حضارة تخالف الحضارة الإسلامية، وأهل الشام ومصر ~~يتبعون الحضارة الرومانية. # فماذا كان حال التعليم في بلاد العرب وفي الفرس وفي الشام ومصر؟ # أما في داخل بلاد العرب فكانت معرفة الكتابة قليلة جدا. عن البلاذري في (فتوح البلدان): ~~«دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان ~~بن عفان ...» # 4 # وعن البلاذري أيضا: «كان الكتاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلا وكان بعض اليهود قد ~~علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام وفي الأوس ~~والخزرج عدة يكتبون.» # 5 # وذكر ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) قول أبي بن كعب: «لقد قرأت القرآن ~~وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب.» # 6 # كل هذا يدل على أن من يعرف الكتابة من العرب كان بضعة نفر. ثم إن النبي كان ~~أميا لا يعرف الكتابة. والثابت في كتب السيرة أن النبي افتدى أسرى بدر، فمن لم يكن له ~~فداء أمره أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين الكتابة. وفي هذا العمل إيحاء للمسلمين يبين ~~اتجاه النبي إلى محبة التعليم ونشره. # ونخلص من هذا إلى أن الإسلام حين ظهر في عهد النبي، لم تكن في بلاد العرب كتاتيب منتشرة، ~~يذهب إليها الصبيان. وأن الذين عرفوا القراءة والكتابة هم بضعة نفر من الطبقة الرفيعة، ~~تعلموا الكتابة بحكم صلتهم بغيرهم من الدول المجاورة كالفرس والروم، ولحاجتهم إليها في ~~التجارة. وذلك في مكاتب معظم الروايات تدل أنها كانت لليهود. ~~(1) المدارس في فارس # كيف يتعلم الصبيان في فارس؟ أكانوا يذهبون إلى مدارس أو كتاتيب يتلقون فيها القراءة ~~والكتابة ومبادئ العلوم حتى إذا فتح العرب بلاد الفرس وجدوا أمامهم ms048 هذه النظم فنقلوها ~~عنهم، أم أن نظام الكتاتيب نظام إسلامي ابتكره المسلمون؟ # كان الفرس أهل حضارة زاهرة يعلو مستواها بكثير عن الحضارة العربية. وكان العرب أهل ~~بداوة لا نستطيع أن نصفهم بالحضارة. لذلك لما أخضع المسلمون الفرس والروم، اضطروا إلى ~~اقتباس نظمهم في الإدارة والحضارة، فكانت الدواوين تكتب بالفارسية أو الرومية. # وظلت الدواوين تكتب بغير اللغة العربية إلى أيام هشام في الدولة الأموية. «وكان أكثر ~~كتاب خرسان إذ ذاك مجوسا، وكانت الحسابات بالفارسية، فكتب يوسف بن عمر وكان يتقلد ~~العراق في سنة أربع وعشرين ومائة إلى نسر بن سيار كتابا أنفذه مع رجل يعرف بسليمان ~~الطيار يأمره ألا يستعين بأحد من أهل الشرك في أعماله وكتابته.» # 7 # ويتضح من هذه القصة أن صناعة الكتابة ظلت بالفارسية في يد الفرس حتى الصدر ~~الأول من المائة الثانية. # وقد ظلت الدواوين بالفارسية حتى عصر عبد الملك بن مروان. عن الجهشياري: «ولم يزل ~~بالكوفة والبصرة ديوانان أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذي كان عمر قد ~~رسمه، والآخر لوجوه الأموال بالفارسية. وكان بالشام مثل ذلك أحدهما بالرومية والآخر ~~بالعربية. فجرى الأمر على ذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان.» # 8 # وليس غريبا أن تظل الدواوين في أيدي كتبة الفرس باللغة الفارسية طول هذه المدة؛ لأن ~~العرب كانوا يجهلون هذه النظم الإدارية لبداوتهم، ولا بد من فترة انتقال يتم فيها ~~تعلم العرب هذه الصناعة، وتعريب الفرس. ثم نسأل: أكانت الكتابة عامة في جميع الفرس أم ~~خاصة بطبقة معينة؟ # الواضح من التاريخ أن نظام الطبقات كان شائعا في فارس: «وكان رسم ملوك الفرس أن يلبس ~~أهل كل طبقة في خدمتهم لبسة لا يلبسها أحد ممن في غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل إلى ~~الملك عرفت بلبسته صناعته، والطبقة التي هو فيها.» # 9 # ويؤيد ما جاء عن شيوع نظام الطبقات ما نترجمه عن الأستاذ أكبر مظاهري # 10 # حيث قال: «ويتعلم الطفل مهنة أبيه إذ كان النظام الاجتماعي في إيران يقضي ~~بتوزيع الناس في طوائف فهم يتوارثون المهن ms049 عن آبائهم.» وفي ذلك يقول الفردوسي: «لم يسمع ~~أحد أن صانع أحذية أصبح كاتبا. فالطفل يتبع مهنة أبيه، فإذا كان زارعا فإنه يعلم ابنه ~~الزراعة، أو صانعا فإنه يعلمه صنعته، أو كاتبا فإنه يعلمه الكتابة والخط، والكاهن ~~يعلم ابنه المعارف المقدسة، والجندي يهيئ ابنه لمعيشة الحرب.» # 11 # أما أبناء الأشراف فيتلقون طائفة من المعارف على أيدي مرب أو اثنين ولا يذهبون إلى ~~المدرسة الأولية التي تخصص لهم، وفيها يتعلمون العلوم المقدسة والآداب والموسيقى ~~والرياضة البدنية واستعمال السيف. # وإذا كان هناك تمييز في التعليم المهني والاجتماعي، فالجميع متساوون في شيء واحد هو ~~التعليم الديني. # 12 # ويتعلم الطفل مبادئ الدين عن أبيه. فإذا لم يتسن للأب أن يعلمه لضيق الوقت، فليرسله ~~إلى أقرب معبد حيث توجد المدرسة، ليتعلم القواعد الدينية، والتاريخ المقدس، والتقويم، ~~وأسماء الشهور والأيام، والأدعية، والواجبات الدينية. # وطريقة التعليم هي أسئلة وأجوبة، وإليك نماذج منها: # أيها الطفل من تكون؟ من أين جئنا وإلى أين نذهب؟ أتنتسب إلى يزدان أم إلى أهرمن؟ ~~أإلى خالق خير أم شرير؟ ما الخير والشر؟ ... إلخ. # ويحفظ الطفل الإجابات عن هذه الأسئلة عن ظهر قلب، وتفسر هذه الإجابات شيئا فشيئا ~~بعد الاطلاع على أسرار الدين. # وتعنى الأم بطفلها حتى سن الخامسة، فتعلمه الخير والشر، # 13 # ويهتم الإيراني اهتماما كبيرا بالتربية، لذلك يعلم ابنه آداب السلوك ويبث ~~فيه بعض التعاليم الخلقية ليصبح رجلا شريفا. وحينما يكبر الطفل يعلمه حرفة. ولا يعلم ~~الأب ابنه شيئا له غرض عملي. # ونستنتج من هذا أن التعليم في فارس كان مقصورا على طبقة معينة هي طبقة الكتاب ~~والأشراف، أما عامة الشعب من زراع وصناع فعنايتهم بالمهنة. أما التعليم الديني العام، ~~فلم يكن الغرض منه التعليم لذاته، أو معرفة القراءة والكتابة، بل تلقين أسرار الدين ~~الفارسية، وهي ديانة ثنوية تخضع العالم لإلهين أحدهما للخير والثاني للشر. وكان الأطفال ~~يتلقون هذه المبادئ في داخل المعابد، ولم تكن هناك مدارس منفصلة عنها. ولم يكن الأطفال ~~يتلقون مبادئ القراءة والكتابة؛ لأنها مخصوصة بطبقة الكتاب. # لهذا لم ms050 تعرف الفرس نظام الكتاتيب. لأن الكتاب في الإسلام مكان يتعلم فيه الصبيان ~~الكتابة والقراءة إلى جانب القرآن الكريم، على حين كانت الكتابة صناعة خاصة بطبقة معينة ~~عند الفرس. والمدارس الدينية مختلفة في نوعها عن الكتاتيب لأنها ملحقة بالمعابد، وأساس ~~التعليم فيها هو معرفة الطقوس الدينية ومزاولتها. ~~(2) المدارس في الشام ومصر # وننظر الآن إلى البلاد التي كانت خاضعة للروم وهي الشام ومصر لنرى أكان فيها نظام ~~لتعليم الصبيان يشبه الكتاتيب. ونقصد بهذا النظام أنه عام لجميع أفراد الشعب، وأنه ~~منفصل عن المساجد، وأن الصبيان كانوا يتعلمون فيه القراءة والكتابة. # في الوقت الذي فتح فيه العرب هذه البلاد، كانت الحضارة السائدة فيها مضطربة منقسمة ~~على نفسها، خاضعة لتيارات مختلفة متعارضة. فإلى جانب حضارتي الرومان واليونان ~~الوثنيتين، جاهدت المسيحية للقضاء عليهما، ومع ذلك احتفظت المسيحية بكثير من تراث ~~الرومان والإغريق. # ولما تدهورت الدولة الرومانية الغربية وعاصمتها روما، غزا الجرمان روما، ولم تكن قبائل ~~الجرمان على شيء من الحضارة. فهدموا المدن، وذوت الحضارة وعفت آثارها، وأصبحت الكتب ~~نادرة، وتم التدهور تدريجيا، حتى إذا كان القرن السادس الميلادي انعدمت الثقافة وقبرت ~~المدارس الرومانية. وكانت الحاجة ماسة إلى قوم مثقفين للقيام بشئون الحكومة، فصالت ~~الكنيسة وحدها في الميدان وقامت بالتعليم، ولكنها قصرته على مقدار حاجتها منه. # 14 # ومن أبرز أسباب سقوط الحضارة الرومانية الترف الذي ساد الحاكمين بعدما أصابوا من ~~أسلاب الدول المغلوبة على أمرها، لذلك انصرفوا إلى الملاذ والاستمتاع بمباهج الدنيا. ~~وركنوا إلى حياة الكسل والترف. ومن قبل ذلك قضى الرومان على الحضارة الإغريقية بالسيف، ~~وانتقلت الثقافة اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية في القرنين الأول والثاني للميلاد، ~~وظلت زاهرة زمنا، ثم تدهورت لما أصاب العالم من انحطاط. # ووجد الناس في المسيحية الدين الذي يلتئم مع نزعات النفس الجديدة، فهو دين يدعو إلى ~~تطهير النفوس من الأدران، وإلى الزهد في الحياة المادية التي سئمها الناس. # ولكن المسيحية لما انتشرت أولا في الشرق، ثم في آسيا الصغرى والإسكندرية وأثينا، ~~اصطدم رجالها بعقول أهل الفلسفة الإغريقية الذين لا ms051 يقنعهم الإيمان المسيحي فحسب، وإنما ~~يريدون أن يفهموا الديانة فهما عقليا منظما كما يفهمون النظم الفلسفية. من أجل ذلك ~~اضطر القساوسة المسيحيون إلى التسلح بالأدلة العقلية العميقة للرد على انتقادات هؤلاء ~~القوم، وهذا هو السبب في نشأة مدرسة الإسكندرية وغيرها للبحث في أساس الديانة المسيحية. # 15 # وفي أيام المسيحية الأولى انصرف المسيحيون إلى تطهير أنفسهم من أدران العالم المليء ~~بالشرور، ولم يتصلوا بالحكومة على أي وجه، كما لم يكن بين الكنيسة والدولة صلة. فلما ~~قوي نفوذ الكنيسة وأصبحت دولة داخل الدولة، برز فيها رجال عرفوا بالدهاء السياسي فجعلوا ~~للكنيسة نفوذا مدنيا إلى جانب النفوذ الديني. # ولم تعجب هذه السياسة كثيرا من المسيحيين الزاهدين في النظر إلى الأمور الدنيوية ~~والاتصال بالعالم المملوء بالآثام والشرور. فانصرفوا إلى الصحراء والجبال والغابات، ~~واتخذوا من الكهوف والمغاور مأوى يحميهم من رذائل الناس. وتتلخص مبادئهم في المعيشة ~~الأخوية، والزهد عن العالم والفقر والعفة والطاعة وشغل البدن بأشق الأعمال حتى تصفو ~~الروح وتسمو. ويعيش الأعضاء في خلوة فلا يجتمعون إلا عند تناول الطعام والدعاء. # هذا هو بدء الرهبنة في الشرق، وانتشرت منها إلى الغرب في أوائل القرن الرابع ~~الميلادي، وبلغت الأوج في القرن الخامس. # 16 # والرهبنة هي الجانب المتطرف في الدين المسيحي. # وهي رد فعل لحياة الترف والاستمتاع التي سادت في ذلك العصر. # هذا ما كان من شأن المسيحية في الشرق، تسلح بعض رجالها بعلوم اليونان والرومان للدفاع ~~عن مبادئ العقيدة المسيحية، ونزل البعض الآخر إلى ميدان السياسة لتعليم المذهب المسيحي ~~الذي قدر له الانتصار حتى أصبح دينا رسميا للدولتين، واعتصم فريق منهم بالزهد ~~والرهبنة في الصوامع والأديرة. # ونشأ في الغرب صراع بين المسيحية وبين الشعوب المتبربرة، تغلبت فيه المسيحية كما ~~تغلبت في الشرق. ولكن الشعوب الجرمانية كانت فتية مملوءة بالحياة، طافحة بالطموح، فكيف ~~قبلت المسيحية التي تنادي بالحرمان والزهد؟ # في القرون الوسطى تناقض كبير بين الحياة الواقعية التي يقبل فيها الناس على اللذات، ~~وبين الحياة المثالية التي تصورها الأخلاق المسيحية بما فيها من تضحية وزهد وقسوة ms052 في ~~المعيشة وتقييد لأسباب الحياة. # ومع ذلك فهناك جانب في المسيحية اتفق مع مطامع المسيحيين. هو دين العامة والبسطاء ~~والفقراء. وقد سمت المسيحية بفضيلة التواضع ونشدت بسطة القلب والعقل. ولما كان الجرمان ~~شعبا في دور الطفولة فهم أهل بساطة وتواضع، وهم أيضا فقراء لأنهم كانوا يعيشون عيشة ~~البداوة، لذلك قبلوا مع السرور هذا المذهب الجديد الذي يمجد الفقر والبساطة. # وقد حارب الجرمانيون الحضارة الوثنية الرومانية كما حاربها المسيحيون. وهذا يفسر لنا ~~المودة التي توثقت عراها بين الكنيسة والمتبربرين، وكيف وجدت المسيحية أرضا خصبة بين ~~الشعوب الجرمانية. والسر في هذا يرجع إلى أن مبادئ المسيحية حققت آمالهم، ووجدوا فيها ~~الراحة الخلقية التي لم يعثروا عليها في مكان آخر. # ومن ناحية أخرى كانت أصول المسيحية ترجع إلى جذور يونانية ورومانية لم يكن من السهل ~~التخلص منها. ولا يغيب عن بالنا أن المسيحية نشأت ونمت في العالم الروماني، فحملت معها ~~- برغم إرادتها - كثيرا من حضارة الرومان ووثنيتهم. وكانت لغة المسيحيين هي اللغة ~~اللاتينية في الغرب واليونانية، ثم السريانية في الشرق. # وكانت غاية المسيحية الخلاص بالإنسان من الإثم والنجاة به من الرذيلة، وقد خشيت إقبال ~~الناس على دروس آداب الرومان واليونان وفنونهم وعلومهم، وهي ثقافة في مجموعها لا دينية ~~قد تصرف الناس عن الإيمان الصحيح. # وقد عجزت الكنيسة عن التخلص من ثقافة الرومان واليونان؛ لأن اللغة اللاتينية ~~والإغريقية هما اللغتان المقدستان اللتان صبغت بهما عقائد الدين. # وأين يتعلم الناس اللغة اللاتينية واليونانية إن لم يتجهوا نحو آداب الرومان ~~واليونان. وديانة الرومان واليونان شعائر عملية ممتزجة بالأساطير، على عكس المسيحية ~~القائمة على نظام يتركب من مجموعة من العقائد. وليس المسيحي مسيحيا لأنه يقيم بعض ~~الشعائر الدينية فحسب، بل لأنه يؤمن بعقيدة خاصة ويعتقد في آراء معينة. # وسبيل تعلم الشعائر الدينية قد يكتفى فيه بالقليل من التدريب، أما اعتناق الآراء فلا ~~يتم إلا بواسطة التعليم سواء اتجه هذا التعليم إلى العقل أو إلى القلب. لهذا السبب ~~اصطنعت المسيحية منذ نشأتها طريقة التعليم والوعظ. ولكن التعليم لا ms053 بد أن يستند إلى ~~أساس من الثقافة، ولم تكن هناك ثقافة إلا ثقافة الرومان واليونان اللاتينيين، فاضطرت ~~المسيحية إلى اصطناعهما، ثم إن المعلم أو الواعظ يحتاج إلى دلالة اللسان وسحر البيان ~~وقوة الحجة والإقناع والبصر بأحوال الناس، والمعرفة بتاريخ البشر. ولم تكن هذه المعارف ~~المختلفة موجودة إلا في آثار الأقدمين. وكانت حاجة المسيحيين شديدة إلى هذه الثقافة ~~لفهم الكتابات المقدسة فهما جيدا، فلا بد من التبحر في اللغة والتمكن منها، ولا بد من ~~معرفة التاريخ لتحديد الحوادث في سجل الزمان. وكانت الحاجة إلى البلاغة أشد لأنها سلاح ~~المؤمن الذي يدفع به أخطاء الرذيلة. # تلك هي الضرورات التي ألجأت الكنيسة إلى افتتاح المدارس لتعليم هذه الألوان المختلفة ~~من الثقافة. # ونشأت باكورة هذه المدارس في أحضان الكنائس والأديرة. وكان الطلبة ينفقون حياتهم منذ ~~الصغر في الأديرة لإعدادهم لحياة الكهنوت. وهي حياة زهد وتقشف يسودها طابع الروح ~~المسيحي. # وتمتاز هذه المعيشة المسيحية عن تصوف الهنود. فالبوذية ترمي إلى فناء الفرد ليصل إلى ~~معرفة الحقيقة الكاملة. أما المسيحي فلم يكن يسعى إلى خلاص نفسه فقط ، بل إلى خلاص ~~الإنسانية كلها. لهذا السبب لم ينصرف الرهبان في عزلتهم إلى التأمل فقط، بل كانوا ألسنة ~~تذيع العقيدة وتبشر بالدين. ولهذا السبب أيضا ظهرت المدارس في داخل الأديرة تهيئ ~~الطلبة إلى معيشة الدير. # ولم يجد المسيحيون حرجا في قبول جميع الصبيان من كل طبقة وصناعة يبثون فيهم الدين ~~والعلم. # هذه المدارس الكنسية هي الخلية الأولى التي تفرع منها بنيان التعليم في أوروبا، فنشأت ~~عنها الجامعات والكليات. ومن هذا يتضح لنا السر في احتضان الكنيسة للمدارس، وفي خضوع ~~التعليم للدين. # ولم يخل المنهج الذي كان متبعا في تلك المدارس من تناقض في نظامه، فهناك علوم مدنية ~~تدرس إلى جانب مبادئ الدين؛ لأن عنصر الدين مستمد من المسيحية، والجانب المدني مشتق من ~~الحضارة القديمة. # والجديد الذي جاء مع هذه المدارس المسيحية هو لزوم الطلبة أستاذا بعينه ومكانا ~~بعينه. ذلك أن الطالب في الأزمنة القديمة كان يتلقى العلم على مدرسين ms054 مختلفين لا رابطة ~~بينهم، فهو يذهب إلى معلم اللغة يتلقى عليه قواعد النحو والبيان، وإلى عازف القيثارة ~~يتعلم منه الموسيقى، وإلى معلم الخطابة يتعلم فن الفصاحة، وهكذا. لذلك كان الطالب يحشد ~~فنونا من المعرفة لا صلة بينها. # أما المدارس المسيحية فلأنها انتظمت في مكان ثابت واحد فإنها خضعت لتأثير واحد، ~~واتجهت وجهة خلقية واحدة. # ومما يميز هذه المدارس أيضا الصلة الدائمة بين الأستاذ وتلاميذه؛ لأن معيشة التلاميذ ~~كانت معيشة رهبنة داخل الدير. # ولما كان التلميذ في اليونان والرومان يتلقى علومه على مدرسين متباينين لا تجمعهم ~~صلة، وكان كل مدرس يقوم بالتعليم في داره على طريقته الخاصة، لهذا تنافرت المعرفة في ~~ذهن التلاميذ ولم تتجه إلى هدف واحد. فواحد يعلمه القراءة، وآخر يقوم لسانه، وثالث ~~يلقنه الموسيقى، ورابع آداب السلوك، بينما المدرسة المسيحية تتعهد التلميذ تعهدا ~~كاملا. ولم يكن التلميذ في حاجة إلى مبارحة المدرسة، فهو يجد فيها كل ما يطلب، ويقضي ~~فيها حياته، يأكل وينام ويؤدي طقوسه الدينية. وهذا النظام الداخلي من أخص مميزات هذه ~~المدارس الكنسية. بهذا خضع التلميذ لتأثير واحد وانصرف نحو تيار واحد. # وكان الغرض من التعليم قديما تزويد الأطفال بمعلومات معينة، الغاية منها أن تكون زينة ~~يتحلى بها الطفل ليرفع منزلته الشخصية بين أترابه، كما كان الحال في روما والمدن ~~الإغريقية. وكان من السهل أن يتلقى الطفل هذه المعلومات أو العادات من مدرسين مختلفين؛ ~~إذ كان الغرض أن يتزود الطفل بحلية خارجية، لا أن تطبع شخصيته في أعماقها. أما ~~المسيحية فعلى العكس من ذلك؛ فطنت إلى أن إعداد المسيحي الصحيح لا يتم بتزويده ببعض ~~الآراء أو العادات، بل بطبعه بطابع عام يصوغ العقل والإرادة فيرى العالم في ضوء هذه ~~التعاليم. فالمسيحية استعداد نفساني لا ينشأ إلا بتربية خاصة. ولا يتوصل إلى هذه ~~التربية إلا إذا عاش الأطفال في بيئة اجتماعية واحدة يلازمونها زمنا طويلا، حتى تنزل ~~منهم التعاليم المنشودة منزلة الطبع. وهذا هو السر في معيشة التلاميذ معيشة داخلية واحدة. # 17 ~~••• # ونخرج من هذا العرض بالنتائج ms055 الآتية: ~~(1) # حلت المدارس المسيحية مكان التعليم اليوناني والروماني، وذلك بعد جهاد ~~طويل. ~~(2) # كانت المدارس الكنسية ملحقة بالأديرة والكنائس والمعيشة فيها ~~داخلية. ~~(3) # الغرض من هذا التعليم هو التأثير في الشخصية، وطبعها بالطابع المسيحي، ~~وإعداد التلاميذ لحياة الرهبنة. ~~(4) # لم تكن هذه المدارس عامة لجميع أفراد الشعب، بل اقتصرت على طبقة ~~الكهنوت. # ومن الواضح أن هذا النوع من التعليم يختلف عن الكتاتيب الإسلامية؛ فالكتاتيب ~~الإسلامية عامة لجميع أفراد الشعب، ولم يكن من الضروري وجودها بالمساجد، ولم يكن يعيش ~~الصبيان فيها معيشة داخلية. ولم تكن صلة معلم الكتاب بالصبيان صلة الراهب بتلاميذه ~~يقتحم شخصياتهم ليطبعها بطابع المسيحية. ذلك أن معلم الكتاب ملقن ومرشد وليس واعظا ~~يسعى إلى بث آراء معينة، فهو يعلمهم القراءة والكتابة، ويحفظهم القرآن الكريم، وهو ~~الجزء الأساسي من تعليمه. # ولو أن المسلمين أخذوا نظام الكتاتيب عن الفرس والروم، ونقلوها عنهم، لظهرت منذ بدأت ~~الدعوة الإسلامية. ولكن الواقع يدلنا على أنها لم تظهر إلا بعد تمام الفتوحات، وبعد ~~دخول الناس في الإسلام. من أجل ذلك قلنا إنها قد نمت وتطورت مع نمو الإسلام ~~وانتشاره . # أما في عهد النبي فكان تعليم الدين الإسلامي شاملا للجميع، صبيانا ورجالا ونساء. ~~وكان الغرض منه أن يحفظ الناس شيئا من القرآن، وأن يتعلموا ما يلزمهم في العبادات ~~كالصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الفرائض الإسلامية. واتبع المسلمون كافة السبل في ~~الوصول إلى نشر دعوتهم فعملوا في دورهم، وفي المساجد، وفي كل مكان. ولم يفتهم الحث على ~~تعلم الكتابة. # ولما انقضى هذا الدور الأول في نشر الدعوة بكافة الطرق، ودخل الناس في دين الله ~~أفواجا، وكثر عدد المسلمين، وأصبحت غالبية السكان على الدين الإسلامي، انصرفوا عن نشر ~~الدين إلى النظر في أمور المعاش وإلى تنظيم الدين وضمان العبادة الصحيحة. ويقتضي النظام ~~الاجتماعي أن يكون البدء في تعليم الأجيال عن طريق تربية الأطفال حتى إذا شبوا أصبحوا ~~مطبوعين بطابع الجيل الجديد. # وقد تطوع المسلمون الأوائل بالتعليم بدافع الروح الجديد. فلما انتشر الإسلام تعذر أن ~~يقوم التعليم على التطوع، وظهرت صناعة ms056 التعليم، وتناول المعلمون الأجر، وأفتى الفقهاء ~~بجواز ذلك. # وكان بعض المعلمين يقوم بمهمته في المساجد، ولكن عبث الصبيان الصغار الذين لا يتحفظون ~~من النجاسة جعل الفقهاء يمنعون تعليم الصبيان في المسجد، فظهرت الكتاتيب منفصلة عن ~~المساجد، وخاصة بتعليم الصبيان. # الفصل الخامس # | الدين والتعليم # (1) خضوع الحياة الاجتماعية للدين # كان الصراع بين المسيحية والوثنية حادا عنيفا منذ القرن الأول للميلاد، ولقي ~~المسيحيون كثيرا من ألوان التعذيب والمحن إلى أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين الديانة ~~المسيحية وأصبحت الدين الرسمي للدولة. ومنذ القرن الرابع الميلادي وصروح الوثنية تنهار ~~وتضيق دائرتها وينتشر الإيمان بالله خالق كل شيء في أوروبا وفي غرب آسيا وفي شمال ~~إفريقية، وهي جملة العالم المعروف في ذلك الزمان. وبقيت جزيرة العرب يعبد أهلها الأوثان ~~ويسجدون للأصنام، وظلت ربوع فارس تستضيء بهياكل النار. # وشهد العالم في مستهل القرن السابع ظاهرة جديدة شيعت وثنية العرب ومجوسية الفرس إلى ~~الفناء الأخير، تلك الظاهرة هي الديانة الإسلامية بما حملت معها من هدم للآلهة المصنوعة ~~وتوحيد لله الواحد القهار. ولكن الإسلام ببساطته وروحه العملي واتجاهه الواقعي كان ~~سريع الانتشار ، فلم يمض زمن طويل حتى كانت أجزاء العالم المعروف تخضع للأديان الثلاثة: ~~الإسلام والمسيحية واليهودية. # ولم يكن من السهل أن ينتقل الناس من عهد إلى عهد دون حاجة إلى ما يثبتهم في العهد ~~الجديد، ويهدم العهد القديم. والانتقال من القديم إلى الجديد هو الثورة بعينها، تحمل ~~بين طياتها معاول الهدم وبذور البناء. وفي النفس حنين فطري إلى الماضي الذي يمثل بنيان ~~الحياة الأولى، وسلطان التقاليد هو سلطان الزمان. لهذا قضى الناس زمنا طويلا يلتفتون ~~إلى الماضي، ويعودون إلى الذكريات الغابرة فيتمثلون الآلهة في أوثانها، فينهض المؤمنون ~~لإخفات أصوات الملحدين وآراء الزنادقة الكافرين، واستعمل أهل الإيمان في حربهم سلاحين: ~~لسان الحق يزهق الباطل ويشيد بآيات اليقين، ويقيم الحجة على المخالفين وأهل العناد، ~~والسلاح الثاني سيف القوة يكمم الأفواه ويعذب الكافرين. # بذلك كان الدين في الغرب والشرق هو الشغل الشاغل للأذهان، واستمرت المسيحية والإسلام ~~في حربهما للكفر والإشادة بالإيمان طوال ms057 القرون الوسطى. # وأخذ المسلمون كما أخذ المسيحيون يلقنون أبناء الأجيال أسرار الدين وحكمة العقيدة ~~ويطبعون الناشئة على الدين الجديد عن طريق التعليم. # تلك هي البيئة الاجتماعية التي استنارت بضوء الدين، ونور الإيمان واليقين؛ فخضع الناس ~~في كل عمل من أعمالهم الظاهرة، وفي كل نزعة وكل اختلاجة باطنة لتعاليم الدين. # ما الدين الإسلامي وما عقيدته وأسراره، ودعوته وأعماله، وما الديانة المسيحية علما ~~وعملا؟ هذا هو الذي شغل أذهان المفكرين في ذلك العصر. # واختلف رجال الدين وأصحاب الرأي وقادة الفكر في النظر إلى الدين وشرح أصوله وبيان ~~مختلف مناحيه. لذلك نرى أن كل مفكر في الإسلام بدأ يعرض العقيدة الإسلامية على النحو ~~الذي يعتقد أنه الحق والصواب. فلا يخلو كتاب في الفقه أو الحديث أو التاريخ أو الآداب ~~أو الفلسفة من مقدمة تفصح عن عقيدة صاحب الكتاب، وقد تطول هذه الخطبة وقد تقصر، ولكنها ~~على أي الحالات تبدأ بالبسملة والحمد، فتذكر اسم الله الرحمن الرحيم، شهادة بالتوحيد ~~واعترافا بالإيمان والتسليم. # وهكذا بدأ القابسي بذكر اسم الله، ثم أخذ في شرح الإيمان والإسلام. # والكلام في الإيمان والإسلام هو بيان لما يفهمه القابسي عن الديانة الإسلامية، وشرح ~~للعقيدة الإسلامية على طريقة أهل السنة. وفي ضوء هذه الحدود ينبغي للصبيان أن ~~يفهموا الدين، وينبغي للمسلمين أن يقوموا بالتعليم. # ولم يكن تفصيل القول في الإيمان والإسلام أثرا من التقليد الأعمى الذي يقوم به بعض ~~الكتاب مقتفين أثر السابقين وعادة الأوائل، كما كان يفعل الشعراء في الإسلام من ~~ابتداء قصائدهم بالبكاء على الأطلال والدمن كصنيع الشعراء في الجاهلية، ولكن القابسي ~~اضطر إلى إعلان الرأي عن الإيمان والإسلام لما بين الدين والتعليم من صلة وثيقة، بل صلة ~~ضرورية، هي علاقة الأصل بالفرع والغاية بالوسيلة. # وهي صلة لم يصنعها القابسي، ولم يفرضها على التعليم فرضا، ولكنه استمدها من الحياة ~~نفسها، حيث كان الدين سائدا في عصره - كما أسلفنا القول - كل لون من ألوان الحياة ~~الاجتماعية. ~~(2) العقيدة الإسلامية عند أهل السنة # غير أن ماهية الدين كانت موضع خلاف بين المسلمين، ms058 وقد استطارت الفتن بين أهل المذاهب ~~المختلفة إلى درجة أنهم كانوا يكفر بعضهم بعضا. # وعقيدة الديانة الإسلامية كما يفهمها القابسي، وكما يريدها وكما ينبغي أن تذيع في ~~الناس عن طريق التعليم تتلخص في خمس: # الإيمان، والإسلام، والإحسان، والاستقامة، والصلاح. # فالدين عنده نظر ينتهي إلى عمل. وليس الدين هو الإيمان فقط أو الإسلام فقط، أو ~~الإحسان والاستقامة والصلاح فحسب، وإنما هو كل ذلك مجتمعا. فالشخص الذي ينتحل الإسلام ~~ينبغي أن يكون مؤمنا ومسلما ومستقيما ومحسنا وصالحا. # هذا الطريق في فهم الدين يختلف عن رأي كثير من أصحاب الفرق الإسلامية الذين نظروا إلى ~~المسلم من جانب واحد لا من هذه الجوانب مؤتلفة. وعندنا أن القابسي لم يضع العقيدة ~~الدينية أو مبادئ الدين في ناحية وأداء المسلم لها في ناحية أخرى، ولكنه مزج بينهما ~~ونظر إلى الدين في سلوك المسلم، أو نظر إلى سلوك المسلم في دينه، وهذا الاتجاه في ~~التفكير هو الذي يجعله يدمج الإيمان في الإسلام ولا يفصل بينهما. # هذه النظرة تركيبية لا تحليلية. # فهي تركيبية؛ لأنه يجعل سلوك المرء وحدة لا تتجزأ ، بل أكثر من هذا يوحد بين سلوكه ~~الخارجي الظاهر، وبين إيمانه الباطن وعقيدته الداخلية، بين التصديق بالقلب وعمل الجوارح، ~~بين الإيمان والإسلام. # أما غيره من المتكلمين والفقهاء فقد حللوا المعاني المنطوية تحتها أعمال المسلم في ~~ظاهره وباطنه، وقسموا الأعمال المختلفة إلى كبائر وصغائر فيما يختص بالمحرمات، وتجاوزوا ~~عن الصغيرة وكفروا مرتكب الكبيرة، واختلفوا فيما بينهم على هذا التقسيم اختلافا ~~كبيرا. # وعندنا أنهم بهذا التحليل قد جزءوا شخصية المسلم، وتكلموا لا عن شخص يعمل، بل عن ~~معان منفصلة لم يرتفعوا بها إلى الوحدة التركيبية الواجبة بعد التحليل الجدلي. # وكثير من فقهاء أهل السنة يميزون بين الإيمان والإسلام، وعندهم أن الإيمان هو ~~التصديق الحاصل في القلب، وأما الإسلام فهو إظهار الإيمان والإعلان به، فكل مؤمن مسلم ~~لأن من اعتقد الإيمان في الباطن فهو معلن به في الظاهر، وليس كل مسلم مؤمنا لأن ~~المنافق والزنديق يظهران الإسلام ويعتقدان الكفر، فالإسلام أعم ms059 من الإيمان. # 1 # ويهمنا أولا أن نقرر رأي أهل السنة في هذه المسألة لما لها من أثر في الموضوع ~~الذي نعالجه وهو موضوع التعليم، والغالبية عندهم أن الإيمان والإسلام والدين عبارات عن ~~معنى واحد، كما هو عند البخاري. # 2 # ثم أضاف الكرماني في شرحه لحديث الإيمان والإسلام أن قد «اضطربت أقوال ~~العلماء فيمه قديما وحديثا.» وقال محيي السنة: جعل النبي # صلى الله عليه وسلم # الإسلام اسما لما ~~ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من ~~الإيمان والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك: «تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد ~~وجماعها الدين.» # فالقابسي على هذا الرأي الذي يجعل من الدين وحدة، ومن الإيمان والإسلام جملة لشيء ~~واحد. # والإيمان والإسلام جاء بيانهما في حديث الرسول المشهور، فالإيمان أن تؤمن بالله ~~وملائكته ولقائه ورسله والبعث الآخر، والإسلام هو العبادة التي تجتمع في إقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. # على أي شكل تكون هذه العبادات؟ # إنها مفروضة على أي الحالات، ولا محل للبحث في تاركها. وإنما السؤال أيؤديها المسلم ~~كيفما اتفق، أم يقبل عليها وينفق فيها حياته؟ # يطالب القابسي أولا بإحسان عبادة الله في كل ما يتعبد الإنسان، وذلك يكون بالإخلاص ~~في هذه الأعمال، على أن يذكر الإنسان الله حين العبادة كأنه يراه، فإن لم تكن تراه أيها ~~العبد فإنه يراك. وهذا هو المقصود الصحيح من ذكر الله لا كما يفعل المسلمون في العصر ~~الحاضر في حلقات الأذكار يرددون فيها اسم الله ترديدا آليا، وينسون بعد ذلك المعنى ~~السامي من ذكر الله وهو الرقابة على الأعمال. فالغرض من الإحسان هو نوع العبادة التي ~~يؤديها المرء خالصة لله تعالى. # أما الاستقامة فهي مداومة المقام في الدين، ولا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا ~~يلتزم منه ما لا يطيقه، فالدين يسر. والقابسي يجري مع روح الإسلام الواقعي الذي ينشد ~~التوسط، ويلتزم الحدود البشرية، وللإنسان بعد ذلك أن يزيد في العبادة بما يطيق، وهذه هي ~~صفة الصالحين، وقد ms060 رتبهم القابسي درجات أدناها أن يسلم العبد من الخطايا، وأوسطها ~~الاقتصار على أداء الفرائض واجتناب المحارم مع حسن العبادة، وأرفعها أداء النوافل بعد ~~استكمال الفرائض وهؤلاء هم الأولياء. «فما سلم العبد من الخطايا فهو من الصالحين، وما ~~زاد بعد ذلك من طاعة ربه زاد خيرا.» 14-أ. # فنحن نرى أن القابسي يشرح الدين بما يلائم المجتمع بأسره، ويتفق مع الطبيعة الإنسانية ~~دون مغالاة أو إسراف. ~~(3) غلو المتكلمين والمتصوفة # وطائفة المسرفين في الدين هم أهل التصوف، وهم متفاوتون في مقالاتهم عن العبادة، ~~فالشهرستاني ينشد التصوف مع الاعتدال، مع أنه على مذهب الأشاعرة. قال: إن الإسلام هو ~~المبدأ، ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ~~ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، بمعنى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، كان مؤمنا حقا. ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق، وقرن ~~المجاهدة بالمشاهدة، وصار غيبه شهادة فهو الكمال. فكان الإسلام مبدأ وسطا، والإحسان كمالا. # 3 # فمذهب الأشاعرة يوفق بين رأي المعتزلة العقلي وبين رأي أهل السنة النقلي ، ذلك ~~أن المعتزلة في مسائل الاعتقاد لم يقبلوا ما جاء في الكتاب والسنة قبولا أعمى بل ~~أثبتوا الوحدانية والصفات لله بالعقل، ثم تكلموا في القضاء والقدر كلاما أثبتوا فيه ~~الحرية للإنسان، وأن أفعال العباد مخلوقة لهم، وهذا ما دعا الأشاعرة أن يخففوا من هذا ~~التطرف العقلي، ويقفوا من إرادة الله موقفا وسطا، وأن ما يصيب الإنسان فمن ~~الله. # ونحن نرى ألفاظا جديدة دخلت إلى الإسلام هي المجاهدة والمشاهدة والغيب والشهادة، ~~وهذه كلها من مصطلحات المتصوفة التي استحدثوها مما لم يكن للمسلمين الأوائل عهد بها. ~~وقد انتهى أمر المتصوفة فيما بعد إلى فهم الإسلام على نحو معقد بلغ من درجة تعقيده أنهم ~~أوجبوا معرفة الطريق على قطب من أقطابهم، وذلك لصعوبة الوصول من غير مرشد يأخذ بيد ~~المسلمين، ويرتفع بهم في درجات المقامات، ومختلف الأحوال. # تقدم المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة والمتصوفة إلى الشعب يعرضون بضاعتهم العقلية، ms061 ~~فوجد العامة أن ما يلائمهم منها هو بضاعة أهل السنة لسهولة فهمها، وبساطة عرضها، ~~وخلوها من التعقيد والالتواء، وملاءمتها للطبائع البشرية جميعا، ففيها العمق لمن يريد ~~التعمق، والوسط لمن يرغب في التوسط، والحث على مداومة العبادة لمن يريد الارتفاع إلى ~~درجات الصالحين. ولا ننسى إلى جانب ذلك أن شخصية الرسول حجة في تدعيم الرأي، وأن ~~الاعتقاد في الآراء يستند إلى شخصية قائلها إلى حد كبير إلى جانب ما في هذه الآراء ~~من قيمة ذاتية، فاستناد أهل السنة إلى الآيات القرآنية وإلى أحاديث الرسول قربهم من ~~أفهام العامة وعقولهم وقلوبهم. # والعمل في الحياة أسبق من الجدل، وأدعى إلى الفطرة السليمة، وأبعث إلى الشعور بلذة ~~طبيعية غير مصنوعة. # والناس في حاجة إلى العمل في الدنيا لكسب المعاش، وإلى التفكير في الآخرة التي تقرر ~~أحوال المعاد، فهم يعملون لدنياهم ودينهم. على أن الاستغراق في شئون الدنيا مما يصرف عن ~~الدين ويفقد المرء معه نعيم الآخرة. والانصراف التام إلى أمور الدين يبعد الإنسان عن ~~الدنيا فيعجز عن الكسب، بل يعجز عن الحياة. والطريقة المثلى هي الجمع بين الدين والدنيا ~~بما يحقق المصلحة في الجانبين. وسيرة الرسول نفسه خير شاهد على ذلك، فإنه إلى جانب ~~التعمق في العبادة كان يرعى الأغنام ويشتغل بالتجارة، وكذلك كان الصحابة. وفي القرآن ~~إشارة إلى هذا الجمع بين شئون الدين والدنيا في أكثر من موضع: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا ~~(القصص: 77). # وجدال المتكلمين يبلبل الأفكار، ولا ينتهي الجمهور منه إلى الاطمئنان الديني، وبعد ~~فهو جدل لا نهاية له. وطريقة أهل التصوف تدفع إلى استغراق في العبادات يصرف عن الكسب. ~~وأحوج الناس إلى تحصيل القوت هم العامة، فلا ضياع لهم ولا مال موروث. فإذا مال العامة ~~مع المتكلمين أضاعوا دينهم، وإذا تصوفوا ضيعوا دنياهم. أما مذهب أهل السنة فإنه ~~يثبتهم في العقيدة، ويقدم لهم الدين في صورة بسيطة، ويضمن لهم سلامة الدين. وهو إلى ~~جانب ذلك لا يصرفهم عن العمل بل يحثهم عليه ويرتب لهم ms062 قواعد السلوك ووجوه الكسب الحرام ~~والحلال. # ولم نذكر في هذا الصدد طائفة أخرى من المفكرين هم الفلاسفة فهؤلاء كانوا بعيدين كل ~~البعد عن عقل الجماهير، وقد انطووا على أنفسهم، وقصروا دراسة الفلسفة على فئة خاصة، ولم ~~يحاولوا إذاعتها في الناس كافة لمعرفتهم بصعوبة الآراء الفلسفية على الأفهام، ونستثني ~~من الفلاسفة إخوان الصفا الذين تقربوا إلى الجمهور برسالتهم المعروفة. # فسموا مذاهب المعتزلة العقلية، ومغالاة المتصوفين في مسالكهم الروحية، وصعوبة الآراء ~~الفلسفية، كل أولئك قرب بين أهل الحديث وبين العامة، وهي استجابة طبيعية لتأثير مذهب ~~أهل الحديث الملائم لنفوسهم. ولهذا كان تعليم الشعب في أيدي من يفهمون الشعب ويفهمون ~~عقليته ونفسيته. # وقد عني الفقهاء من أهل السنة بالتعليم ليشب العامة على معرفة الدين علما ~~وعملا؛ لأن معرفة الدين لا تتم إلا بنوع من التعليم، سواء أكان هذا التعليم صادرا من ~~الوالد إلى أبنائه بالتلقين، أم أخذا عن شيخ بعينه يتطوع لتعليم الصبيان شئون دينهم. ~~وفي كلتا الحالتين لا يتحقق نشر الدين بين الناس، لانصراف الآباء إلى أعمالهم، وقلة من ~~يتطوعون بالتعليم. لهذا أجاز الفقهاء قيام المعلمين للتعليم بالأجر. # والتعليم الذي نقصده هو تعليم الصبيان، لأننا بصدد الكلام عن تعليم الصبيان فقط. ونوع ~~التعليم هو الدين لأنه المقصود في ذلك العصر. # ولم يكن من السهل على المتكلمين المتعمقين في فهم العقيدة الإسلامية أن يقوموا بتعليم ~~الصبيان، ولم يكن جدلهم مما تستسيغه هذه العقول الناشئة، وطريق المتصوفة وعر يصعب سلوكه ~~على الرجال، وهو مستحيل على الصبيان. # لهذا انتهى تعليم الدين الصبيان إلى أيدي أهل السنة. # ولم يحاول أهل السنة تغليب مذهبهم بالقوة أو العنف، أو يفرضوه فرضا على الناس، ~~وإنما نجحوا حين أخفق غيرهم، لقرب مذهبهم من البداهة وبساطة الفطرة. # والتعليم على مذهبهم مخالف بطبيعة الحال لألوان التعليم التي صورها أصحاب المذاهب ~~الأخرى، والتي نعرض لها في فصل آخر، لنبين أن التعليم ظل للمذهب العقلي أو النقلي ~~الذي يعتقده صاحبه. # ويرجع السر في وقوع تعليم الصبيان في أيدي أهل السنة إلى أسباب كثيرة، منها ms063 أن ~~كثيرا من المفكرين في الإسلام ترفعوا عن تعليم الصبيان، وتركوا هذا الأمر لغيرهم. وقد ~~صرح بذلك أصحاب رسائل إخوان الصفا الذين بينوا طريقة التعليم مبتدئين بالشباب في سن ~~الخامسة عشرة. # وأهم هذه الأسباب هو عمق المذاهب الإسلامية الأخرى التي تدق على أفهام الصبيان. # وإذا كان جميع هؤلاء بحثوا في الدين، ونشدوا وجه الحق فيه، فإن أهل السنة جمعوا ~~بين الدين وبين الحقيقة على وجه وافقهم عليه الجمهور؛ لأنه يقع في طوق المقدور. ويتفق ~~مع هذا الرأي الغزالي الذي قال عن المعتزلة: «من أشد الناس غلوا وإسرافا طائفة من ~~المتكلمين كفروا المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد ~~الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر. فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده ~~أولا، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين.» # 4 # والغزالي يضع مقام العوام في مرتبة أدنى من مرتبة النظار، وأن الحق في هذا المقام هو: ~~«الاتباع والكف عن تغيير الظواهر رأسا ... وحسم باب السؤال رأسا، والزجر عن الخوض في ~~الكلام والبحث.» # 5 # ورأي الغزالي جزء من مذهبه في التصوف؛ لأن حد الكفر والإيمان عنده لا يتجلى للقلوب ~~المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما، بل إنما ينكشف ذلك لقلوب: «طهرت عن وسخ أوضار الدنيا ~~أولا، ثم صقلت بالرياضة الكاملة ثانيا، ثم نورت بالذكر الصافي ثالثا، ثم عذبت ~~بالفكر الصائب رابعا، ثم زينت بملازمة حدود الشرع خامسا، حتى فاض عليها النور من ~~مشكاة النبوة.» # 6 # وإذا كان الغزالي قد عاب على المتكلمين إسرافهم في مطالبة العوام بمعرفة أسرار ~~الإيمان بأدلة عقلية عميقة يصعب على أذهان العامة بلوغها لقصور أفهامهم، فإننا نعيب على ~~الغزالي وعلى المتصوفة أن يقصروا طريق الإيمان على الكشف والصفاء، مما لا يتيسر ~~للدهماء. # وقد نشأ عن وقوع تعليم الصبيان في أيدي أهل السنة نتائج كثيرة في الحياة العقلية ~~للمسلمين. # وأهم هذه النتائج أن صبيان العامة نشئوا ولا يعرفون من الدين إلا ما لقنهم إياه شيوخ ~~أهل السنة. والآثار التي يحملها الإنسان معه من الصبا ms064 تكون عزيزة عليه، ويصعب ~~محوها. وقيل في الأمثال: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر. حتى إذا شب الصبي، وخرج من ~~الكتاب، ونزل إلى معترك الحياة، واطلع على صور المنازعات العقلية الدائرة حول الأبحاث ~~الدينية، اتجه دون شعور إلى الناحية التي عرفها في صباه، وتعصب للرأي الذي صحبه مع ~~الحياة. وقد كان النزاع عنيفا حادا بين المتكلمين والفلاسفة وأهل السنة. ~~المتكلمون والفلاسفة يغلبون العقل على النقل، ويبحثون المسائل في كثير من حرية الفكر، ~~وهم على استعداد لتجريح آراء السلف إذا أثبتوا بالعقل فسادها. على أن الانتصار في حلبة ~~هذه المعارك العقلية كان يحتاج إلى سند من الجماهير، وتأييد من العامة؛ لأنهم في آخر ~~الأمر هم أداة الحياة للرأي. وقد يكون المتكلمون على حق، وقد يكون الفلاسفة كذلك، ولكن ~~الحق من غير قوة تسنده مصيره إلى الانهيار. وهذه هي طبيعة الحياة. وقد وقف العامة من ~~المتكلمين والفلاسفة، بل من كل صاحب رأي جديد حر موقفا شديدا أخاف المفكرين، وجعلهم ~~ينطوون على أنفسهم خشية غضب العامة وثورة الجماهير، والثورة تلتهم ولا تعرف رحمة ولا ~~عقلا. فإذا كنا في القرن السادس الهجري نجد تعصب الجماهير قد بلغ الأوج فأحرقت كتب ابن ~~رشد وأصيب بمحنة عظيمة. وانتصر الغزالي لأن العامة كانت من ورائه تشد أزره وتعضد رأيه ~~بالعنف والقوة. وأغرب من ذلك مهاجمة أهل السنة للمنطق لأن الفقهاء لم يعترفوا بمنطق ~~اليونان، ومن أقوالهم: «إن هذا الشافعي وأحمد وسائر أئمة الإسلام وتصانيفهم وأئمة ~~التفسير وتصانيفهم لمن نظر فيها، هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه وهل صح لهم علمهم ~~من دونه أم لا، بل هم كانوا أجل قدرا وأعظم عقولا من أن يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين.» # 7 # وبهذه الوسائل العنيفة من الهجوم والطعن، أبطل فقهاء أهل السنة ~~الاشتغال بما عدا المعروف عن الأئمة، واستمع لهم العامة والجمهور؛ لأنهم نشئوا على ~~التعاليم منذ الصغر في الكتاتيب. # فإذا شئنا أن نبحث في علة ركود الحركة العقلية عند المسلمين بعد القرن السادس بعد أن ~~ظلت هذه الحركة قوية مزدهرة ms065 منذ القرن الثاني في التأليف والترجمة في شتى العلوم ~~والمعارف، بما كان يبشر بأن يحمل المسلمون لواء العلم والحضارة في العالم أجمع، فينبغي ~~أن نتلمس أسبابها في بذورها الأولى عند الصبيان الذين انطبعت نفوسهم على طريقة خاصة في ~~فهم الدين يصعب التحول عنها. # ومن النتائج التي ترتبت على اضطلاع أهل السنة بالتعليم العام جمود التعليم ووقوفه ~~عند طريقة لا يتطور عنها، والسر في ذلك أن غايتهم القصوى هي حفظ القرآن، وغرضهم هو ~~تلقين أصول الدين، مع الابتعاد عن تعليم أي مسألة من مسائل الدنيا إلا ما قضت به ~~الضرورة. ونقول: إنه انتهى الحال في الكتاتيب بصورة عملية إلى حفظ القرآن والكتابة ~~والقراءة فقط. ولطول العهد بهذه الطريقة التي دارت مع الزمان، واتبعها الناس قرنا بعد ~~قرن، آمنوا أنها الطريقة الوحيدة التي ينبغي اتباعها. ولما كان القرآن ثابتا لا يتغير، ~~ولما كان الصبيان لا يتعلمون في الأغلب إلا القرآن، فإنك قد تدخل الكتاتيب في القرن ~~الرابع، فلا تجد فيها فارقا عن الكتاتيب في القرن الرابع عشر إلا في بعض أمور ~~شكلية. ~~(4) الغرض من التعليم # الغرض من تعليم الصبيان عند القابسي ، وعند فقهاء أهل السنة جميعا هو معرفة ~~الدين، علما وعملا. # والقابسي ينظر إلى الحياة، ولا يبتغي منها إلا وسيلة إلى الآخرة، فهو يسرف في نظرته ~~الدينية، ويجعل الإنسان يستغرق جميع أوقاته، وجميع أعماله في سبيل الدين وباسم ~~الدين. # وليس هذا الموقف غريبا عن القابسي وهو التقي الصالح، الورع الحافظ للقرآن والسنن ~~وأصول الدين وأصول الفقه. # ولم يكن القابسي في حقيقة الأمر إلا مرآة للعصر الذي عاش فيه، يصف ما يفعل الناس ~~ويثبتهم في هذا العمل الصالح. وكان العصر كله عصر دين تغلب على النزعات المادية، وكان ~~الناس قريبي العهد بالزمن الأول الذي عاش فيه الصحابة والتابعون فلم ينسوا ما كانوا ~~عليه من سيرة روحية ترمي إلى ابتغاء مرضاة الله، والعمل للدار الآخرة. # وتمييز الغرض في الذهن ضروري لتحديد وسائل العمل، وكان الغرض من التعليم واضحا في ~~ذهن القابسي، وفي ذهن من ms066 تقدموا من قبل منذ عصر النبي. كانوا يقصدون إلى تعليم ~~المسلمين الدين، مما لا يتيسر إلا بمعرفة بعض المبادئ التي تكتسب بالتعليم. # ومن هذه المبادئ القراءة والكتابة، لا على أنها غاية في ذاتها يكمل الإنسان بها نفسه، ~~بل على أنها سبيل إلى سهولة تحصيل عنصر عام من عناصر الدين وهو القرآن، ولذلك افتدى ~~النبي عشرة من أسرى بدر بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة. والقرآن هو كتاب ~~المسلمين الذي يجمع في آياته قواعد الدين، وأسرار العقيدة. وإذا كان لأصحاب الديانات ~~المختلفة كتب سماوية أو غير سماوية، فإنها لم تبلغ مبلغ القرآن في تأكيده أنه كلام الله ~~وتنزيل العزيز الحكيم، مما يجعله أكثر قداسة، وأبعد عن الشكوك والريب، وأدعى إلى ~~القبول. ومعرفة القرآن ضرورية لمعرفة الدين، حيث لا تتم الصلاة إلا بقراءة شيء من ~~القرآن فيها. والصلاة مفروضة على المسلمين لأنها ركن من أركان الدين، ولذلك يقول ~~القابسي كما يقول الفقهاء: «وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة والوضوء ~~لها.» ويقول أيضا: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا صغيرا. أفيدع ابنه ~~الصغير لا يعلمه الدين؟ وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» وهذا كله واضح الدلالة في ~~أن الغرض الأول من التعليم هو معرفة القرآن والصلاة، أي معرفة الدين علما وعملا. غير ~~أن القابسي لم يبسط الموضوع على الأساليب الحديثة، التي تقدم الأغراض ثم تسوق الوسائل ~~لخدمتها، ولكننا نتلمس الأغراض عنده من خلال ما كتب، ونقول إن تخصيصه فصلا عن الإيمان ~~والإسلام، لم يكن إلا نوعا من تحديد الغرض للتعليم. ونتلمس أيضا غرضه مما كتب عن ~~تعليم البنت، فهو يريد أن يعلمها القرآن والعبادات المختلفة لأنها فرضت على المؤمنين ~~ذكورا وإناثا. ولكنه إذ يقول إن سلامتها من تعلم الخط أنجى لها، يبين لنا أن غرضه من ~~التعليم هو الاقتصار على معرفة الدين ويضحي بتعلم القراءة والكتابة إذا خشي ~~فسادها. # ومن هنا اتصل التعليم بالدين اتصال الوسيلة بالغرض. # ومن النتائج المهمة التي ترتبت على هذه الصلة الضرورية، أن الديانة الإسلامية ms067 تسوي ~~بين العباد ولا تفضل عربيا على أعجمي إلا بالتقوى، ولا تقصر معرفة الدين على فئة دون ~~فئة؛ وقد حرص المسلمون من أول الأمر على نشر الدين، والمساواة بين الناس في مقدار ~~إنسانيتهم. فإلى جانب ما هو موجود في القرآن من النص على هذه المساواة، فإن سيرة النبي ~~والصحابة والخلفاء الراشدين تبين بطريقة عملية امتناع التفاوت بين الناس في الأقدار ~~والمنزلة الاجتماعية، على العكس من ذلك ساروا سيرة التواضع والبساطة والإقلال، مما ~~يجعلهم يقتربون من العامة لا من الخاصة أو أوساط الناس. كان النبي يخصف نعله ويرقع ~~ثوبه، وقد ثارت فئة من المسلمين على عثمان بن عفان لأنه ابتنى الدور والقصور مما لم ~~يعهد عن رسول الله، ذلك لأن حرص المسلمين كان على السبق في المنزلة الدينية. فإذا كان ~~الجميع سواء أمام الله، فأفضلهم عند الله أتقاهم. ودار الزمن وأثرى المسلمون، وأسلم ~~كثير من الأعاجم، وأقبلت عليهم الدنيا، وبقي هذا الروح الذي يعبر عنه بالاصطلاح الحديث ~~بالروح الديمقراطي قائما، لا يجرؤ أحد أن يخالفه. ومما يساعد على انتشار هذا الروح ~~ويمنع من تغيره ويعمل على بقائه وتثبيته، صلاة الجماعة التي يقف فيها الغني إلى جانب ~~الفقير، والأمراء إلى جانب السوقة. لكل هذا لم يستطع أحد من المسلمين أن يدعي احتكار ~~الدين لنفسه، يبيعه بعد ذلك لمن يريد طلبه، أو يكون واسطة بين هؤلاء الطالبين وبين ~~الله؛ ومع ذلك فقد درجت في الإسلام في عصور متقدمة ومتأخرة كثير من النظريات يبغي ~~أصحابها احتكار العلم والدين، مثل بعض فرق الشيعة، وإخوان الصفا، ومتأخري المتصوفة ~~الذين اصطنعوا نظرية الأقطاب والأولياء يتوسطون بين المريدين وبين الوصول إلى معرفة ~~الله. ولكن جميع هذه التيارات وأمثالها لا تنفي أن يتعلم الناس جميعا القرآن والعبادات ~~الشرعية المفروضة كالصلاة والزكاة، وهي مذاهب يتحول إليها المسلمون بعد مرحلة الشباب لا ~~قبلها؛ لأن فهمها يحتاج إلى سعة درك وعمق تفكير. ويبقى بعد ذلك أن الصبيان ينبغي أن ~~يتعلموا القرآن والصلاة، وأن تعليمهم هذه المبادئ لا يتسع معها الخلاف أو الجدل، ms068 وأهم ~~من هذا كله أن الإسلام يتوجه إلى الجميع فلا بد أن يتعلم الجميع. # فالديانة الإسلامية في طبيعتها النظرية من حيث العقيدة، وفي روحها الذي درج على ~~تفسيره رجال الدين في عصوره المختلفة، تدعو إلى نزعة ديمقراطية وتنحو ناحية ~~المساواة. # وقد أثرت هذه النزعة في التعليم أثرا كبيرا، إذ إن تأصل فكرة الديمقراطية ~~والمساواة الدينيتين، انتقلتا إلى التعليم أيضا. # وقد تنبه المسلمون منذ عصر النبي إلى قيمة التعليم في معرفة الدين معرفة صحيحة. وكان ~~التعليم ضروريا في ذلك العهد لحاجة النبي والخلفاء من بعده إلى نشر الإسلام بين سكان ~~جزيرة العرب الذين يدينون بالوثنية، وبين الفرس الذين يدينون بالمجوسية، وبين أهل ~~الكتاب، فلما أسلم أهل تلك البلاد المختلفة في خلال قرن أو قرنين من الزمان، لم تبطل ~~الحاجة إلى التعليم، لتفقيه الأبناء شئون دينهم المفروض عليهم. ~~(5) إلزام التعليم # وكان التعليم في بدء الأمر تطوعا في سبيل الله. ثم انتظم التعليم في الكتاتيب ~~والمدارس، وتناول المعلمون الأجر. فأصبحت المسألة التي تواجه الفقهاء هي البحث في تعليم ~~الصبيان أواجب هو أم لا؟ وإذا كان واجبا، فمن هم المكلفون بذلك؟ وما هو نوع التعليم ~~الذي ينبغي أن يكتسبه الطفل؟ إلى غير ذلك من المسائل الطارئة في الإسلام، والتي لم يحكم ~~فيها فقهاء العهد الأول في الإسلام، وهم المتبعون في الأحكام. # والمعروف أنه بعد استقرار المذاهب الأربعة في الأمصار، أصبح باب الاجتهاد عسيرا، ~~بحيث يحتاج الفقيه إلى كثير من الجرأة في الفكر والاعتدال في الرأي ليخرج على الناس ~~بحكم جديد. # وقد كان القابسي، على الرغم من اتباعه الدقيق لشيوخه الفقهاء، جريئا في مسألة من ~~المسائل الاجتماعية التي شق بها الطريق لمن جاءوا بعده؛ تلك هي مسألة إلزام التعليم ~~التي أحسن عرضها، وساقها في تطورها مع التاريخ حتى وصل بها إلى العصر الذي يعيش فيه، ~~إلى أن بسطها الفقهاء الذين خلفوه بسطا جديدا، ولكنه أحس بها إحساس من يلتمسها ~~التماسا، ويدور حولها دوران من يشعر بغموض الفكرة. # وإلزام التعليم خطاب للمجتمع بأسره لا لبعض الأفراد ms069 فيه. # فالقابسي يريد أن يعلم أبناء الشعب جميعا؛ لأنه يريد أن ينشر الدين ولا يحرم ~~أحدا. # ولم يرد في القرآن نص على وجوب التعليم، ولا يوجب الحديث مثل ذلك، ولم يعهد عن ~~الصحابة والتابعين أنهم أوجبوا على الناس تعليم أبنائهم وإرغامهم على إرسالهم إلى ~~الكتاتيب، أو استحضار المعلمين لهم، والكتاب والسنة والإجماع هي الأصول التي يرجع إليها ~~الفقهاء في أحكامهم. وليس غريبا أن نجد القرآن خلوا من نص على التعليم، فلم يكن في ~~العهد الذي نزل به القرآن كتاتيب، إلى جانب أن التعليم في الكتاتيب من الأمور الدنيوية ~~البحتة التي لا يتعرض لأمثالها القرآن وإنما يتركه لتصرف العباد. # لذلك احتال القابسي للحكم في هذه المسألة الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد. وبين ~~أيدينا كتاب ابن سحنون مما دون عن أبيه في التعليم، فلا نجد فيه ذكرا لهذا ~~الموضوع. # وأدلة القابسي قوية أخاذة تنقلك من فكرة إلى أخرى حتى ينتهي بك إلى أن تعليم جميع ~~الصبيان ضروري واجب، وأن هذا الوجوب هو الوجوب الشرعي، على طريقة الفقهاء. # ذلك أن معرفة العبادات واجبة بنص القرآن، ومعرفة القرآن واجبة أيضا لضرورتها في ~~الصلاة، وأن الوالد مكلف تعليم ابنه القرآن والصلاة لأن حكم الولد في الدين حكم أبيه. ~~فإذا لم يتيسر للوالد أن يعلم أبناءه بنفسه فعليه أن يرسلهم إلى الكتاب لتلقي العلم ~~بالأجر، فإذا لم يكن الوالد قادرا على نفقة التعليم فأقرباؤه مكلفون بذلك. فإذا عجز ~~أهله عن نفقة التعليم فالمحسنون مرغبون في ذلك، أو معلم الكتاب يعلم الفقير احتسابا ~~أو من بيت المال. # النتيجة التي يريد أن يصل إليها القابسي هي تعليم جميع أبناء المسلمين؛ أغنياء وفقراء. ~~وهذا هو التعليم الإلزامي بعينه أعلنه القابسي في القرن العاشر الميلادي أي في صميم ~~القرون الوسطى التي كان أهل أوروبا يعيشون فيها مع الجهل والظلام. # وقد تركزت هذه النظرية فيما بعد واستقرت عند فقهاء المذاهب فجعلوا طلب العلم فرضا. ~~في مقدمات ابن رشد: # 8 ~~«وطلب العلم والفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد أوجبه الله ms070 تعالى على ~~الجملة. سئل مالك عن طلب العلم أواجب هو أم لا؟ فقال: «أما على كل الناس فلا.» وروي ~~عن ابن وهب كان جالسا معه (مع مالك) فحضرت الصلاة، فقام إليها، فقال له: «ما الذي قمت ~~إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه».» قال ابن رشد: «وهذا كلام فيه نظر، كيف يكون طلب ~~العلم على أحد أوجب عليه من صلاة الفريضة؟ فالمعنى عندي إن صحت الرواية أنه أراد ما ~~الذي قمت إليه بأوجب عليك في هذا الوقت من الذي قمت عنه؛ لأن الصلاة لا تجب بأول الوقت ~~إلا وجوبا موسعا.» إلى أن قال: «وكما يجب على المتعلم التعلم، فكذلك يجب على العالم ~~التعليم. # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ~~(البقرة: ~~159).» # أما الغزالي # 9 # فقد قسم العلم إلى قسمين: فرض عين، وفرض كفاية، وهو في ذلك يرجع إلى حديث ~~الرسول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» قال: «واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على ~~كل مسلم فتفرقوا فيه أكثر من عشرين فرقة، كل فريق نزل الوجوب على العلم الذي هو بصدده، ~~فقال المتكلمون: هو علم الكلام إذ به يدرك التوحيد؛ وقال الفقهاء: هو علم الفقه إذ به ~~تعرف العبادات والحلام والحرام؛ وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة؛ وقال ~~المتصوفة: المراد به هذا العلم. أما رأي الغزالي فإنه علم المعاملة التي كلف العبد ~~العاقل البالغ العمل بها. أما العلم الآخر فهو علم المكاشفة على مذهبه في التصوف. أما ~~العلوم التي هي فرض كفاية فهي تلك التي يلزم معرفتها لكمال الدين كالنحو والعربية ~~والتفسير والقراءات والحساب. # بذلك تطورت فكرة إلزام التعليم، أو وجوب العلم، وأصبحت مما يقرره فقهاء المسلمين، ~~ويتداولونه في كتبهم. وفي ذلك يقول صاحب مفتاح السعادة: # 10 ~~«واعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة لئلا ينقطع عدد التواتر فيه، ~~فلا يتطرق إليه التبديل ولا التحريف. وتعليمه أيضا فرض كفاية، وهو من أفضل القرب.» ففي ms071 ~~الصحيح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه.» وتعلم القرآن عند الغزالي فرض كفاية أيضا، وطاش ~~كبرى زاده يأخذ هذا الرأي ويذهب هذا المذهب. # وتختلف فكرة الإلزام التي نبسطها عند القابسي عنها في الدول الحديثة؛ ووجه الخلاف ~~راجع إلى تطور النظم الاجتماعية، وتطور الفكرة عن الدولة ووظيفتها. والرأي الحديث أن ~~الدولة مكلفة تعليم جميع أبناء الشعب حتى سن معينة دون أجر، فالتعليم واجب على الدولة ~~تنفق عليه من خزائنها. ومن ناحية أخرى على الشعب واجب العلم، وهو واجب قانوني يعاقب ~~صاحبه بالغرامة إذا لم يؤده. ولم تفصل الحقوق والواجبات في العصور القديمة هذا التفصيل، ~~وإنما كانت الحقوق والواجبات كلها دينية، والعقاب عليها مستمدا من الدين، ويقوم ~~الحاكم أو الوالي بتنفيذ هذه العقوبات. أشار القابسي إلى شيء من ذلك إذ سأله سائل عن ~~حالة الوالد الذي يمتنع عن إرسال ابنه إلى الكتاب يتلقى الدين والعلم «هل للإمام أن ~~يجبره؟» فأجاب القابسي أن ليس للإمام أن يجبره، وإنما يوعظ ويؤثم. وإذن فقد عرضت ~~المسألة على بساط البحث، وأوشكت أن تتم أركان الإلزام من ناحية الدولة، لولا تردد ~~الفقهاء في الحكم؛ لأن عقاب الوالد في حالة الامتناع عن إرسال ابنه إلى الكتاب يحتاج ~~إلى دليل شرعي من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس فيها مثل هذا النص. # على أن المسألة اتجهت وجهة أخرى هي تطوع الأغنياء والأمراء بالإنفاق على الكتاتيب ~~وإجراء الأموال عليها لتستمر على الحياة، وإذا تيسر افتتاح الكتاتيب وإقامة المسلمين ~~فيها بالأجر، فليس ما يمنع الناس من إرسال أبنائهم إليها، ويحل عمل الأمراء محل الدولة. ~~هؤلاء هم المحسنون الذين أشار إليهم القابسي. وقد كانت هذه العادة متبعة فعلا بتأثير ~~حث الفقهاء الناس على طلب العلم والتعليم، والإشادة بفضل العلم. # وفي كتب التاريخ والتراجم إشارات كثيرة إلى المساعدات العظيمة التي قام بها الأمراء ~~لافتتاح الكتاتيب. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تطورت الفكرة إلى شيء أسمى من ذلك وأكثر استقرارا ~~وأشد ضمانا لحياة الكتاتيب، وفي حياتها حياة لتعليم الصبيان، تلك هي رصد الأوقاف ms072 على ~~الكتاتيب والمدارس، وبذلك تتم حلقات هذه السلسلة الطويلة في تاريخ التعليم، والجهاد في ~~سبيل نشره وإلزامه؛ إذ تبدأ بالتطوع ثم تستقر شيئا فشيئا مع الزمان حتى تنتهي إلى ~~الوقوف عند الأوقاف المرصودة على التعليم. ~~(6) تعليم الإناث # وتتم هذه الحلقة في إلزام التعليم بإشراك البنت إلى جانب الولد في هذه الفضيلة. وقد ~~أقر القابسي هذا المبدأ لها، واعترف بحقها في التعليم وهو يقرر ذلك في سبيل الدين؛ لأن ~~المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعا بنص القرآن، ولا تتيسر معرفة الدين إلا بنوع من ~~التعليم. # ولم يكن تعليم المرأة في الإسلام بدعة، فالمعروف أن كثيرا من النساء نبغن في العلم ~~والأدب والشعر، وجاء ذكرهن ونوادرهن في كتب الأدب والتاريخ، ولكن المسألة هي إلزام ~~تعليمهن لا على سبيل الزينة بل على الوجوب الديني. فإذا أفتى الفقهاء بوجوب تعليمهن ~~بأسانيد دينية، فليس ما يمنع من تعليمهن كما يتعلم الصبيان، وليس ما يمنع من ذهابهن إلى ~~الكتاتيب في الصغر. فانتشار التعليم في البنات روح جديد لم يكن معهودا في الزمن الأول ~~للإسلام. أما الذي كان معروفا في بدء الإسلام، وقبل الإسلام، فهو أن عددا قليلا يعد ~~على أصابع اليد الواحدة من النساء كن يعرفن القراءة والكتابة؛ والأمر في ذلك يشبه ~~عدد الرجال الذين كانوا يقرءون ويكتبون عندما أقبل الإسلام. # عن البلاذري: «قال النبي للشفاء بنت عبد الله العدوية من رهط عمر ابن الخطاب، ألا ~~تعلمين حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة؟» وكانت الشفاء كاتبة في الجاهلية. # ثم عدد البلاذري بعض النساء الكاتبات منهن «حفصة زوج النبي، وأم كلثوم بنت عقبة، ~~وعائشة بنت سعد التي قالت: علمني أبي الكتاب.» # 11 # هذا ما كان من شأن المتعلمات في فجر الإسلام، وقد استمرت هذه السنة متبعة جيلا بعد ~~جيل، فكان الأمراء يعلمون بناتهم في داخل القصر ويجلبون لهن المعلمين والمؤدبين. # ونستدل مما كتبه القابسي أن البنات كن يتعلمن في الكتاتيب حيث قال: «ومن صلاحهم ومن ~~حسن النظر لهم ألا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون أكره للمعلم أن ms073 يعلم ~~الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن.» 57-أ. # واختلاط الجنسين في التعليم من المسائل الشائكة التي واجهها العالم من قديم الزمان، ~~ولا يزال يواجهها حتى الآن في العصر الحاضر. والأقوال في هذه المسألة متضاربة، هل ~~نجمعهما في التعليم، أم نفصل بينهما، وأي الأوقات أنسب لفصلهما؟ # والخشية من فساد البنات لاختلاطهن بالذكور، جعلت الكثيرين يعلمونهن على حدة. قال ~~القاضي عياض في كتاب (ترتيب المدارك): «ومن سيرة عيسى بن مسكين في غير مدة قضائه أنه ~~كان إذا أصبح قرأ حزبا من القرآن ثم جلس للطلبة إلى العصر. فإذا كان بعد العصر دعا ~~بنيه وبنات أخيه يعلمهن القرآن والعلم.» # 12 # ويبقى أن الفقهاء، ومنهم القابسي قرروا تعليم البنات للضرورة الدينية. وكان ~~البنات يتعلمن فعلا إما في قصور الأغنياء، وهم القادرون على استحضار المؤدبين، وإما في ~~الكتاتيب لعامة الشعب، وبذلك ساد مبدأ إلزام التعليم. # ونقول إن الانصراف في العصور المتأخرة عن تعليم البنت يرجع إلى ما سبق أن ذكرناه من ~~الخوف من فساد البنت إذا تعلمت إلى جانب الولد، مما أدى في نهاية الأمر إلى الامتناع عن ~~تعليم البنات في الكتاتيب. والسبب الثاني هو النصح بعدم تعليم البنت الكتابة والخط خشية ~~فسادها أيضا. وفي ذلك يقول القابسي: «وسلامتها من تعلم الخط أنجى لها.» والقابسي يعبر ~~عن روح العصر الذي بدأ قبل ذلك، واستمر إلى أن قضى على المرأة بالانزواء داخل جدران ~~البيت. وقبل زمن القابسي نجد هذا الرأي منتشرا. قال الجاحظ: «لا تعلموا بناتكم ~~الكتابة، ولا ترووهن الشعر، وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.» # 13 # مما سبق يتضح لنا أن معرفة الدين هي الغاية القصوى والمطلوب الأول، وتحقيقا لهذه ~~الغاية وجب التعليم ومعرفة القراءة والكتابة، لا في دائرة ضيقة، بل في أوسع دائرة بحيث ~~تشمل جميع أفراد الأمة ذكورا وإناثا. ~~(7) مناقشة الغرض من التعليم # ولم يذكر القابسي من الأغراض التي يبتغيها الإنسان حين يتعلم إلا الغرض ~~الديني. # وقد ذكر خليل طوطح # 14 # أن التعليم عند المسلمين كان يرمي إلى أربعة أغراض: غرض ms074 ديني، وغرض ~~اجتماعي، والتلذذ العقلي، وغرض مادي. # وقسمت السيدة أسماء فهمي أغراض التعليم إلى ثلاثة أقسام: غرض ديني، وغرض عقلي وثقافي، ~~وغرض نفسي. # 15 # وكلاهما يأخذ هذه الأغراض من شتى المؤلفات العربية، مثل تعليم المتعلم للزرنوجي، ~~وجامع بيان العلم لابن عبد البر، وإحياء العلوم للغزالي، وكشف الظنون لحاج خليفة، ~~ومفتاح السعادة لطاش كبري زادة، ورسائل إخوان الصفا. # والرأي عندنا أنه لا يوجد أغراض للتربية عند العرب تعمهم على وجه الإطلاق، وإنما ~~الصواب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب. فطريقة ~~التعليم مستمدة من مذهب صاحبها. # والغرض من التعليم عند القابسي، وهو من فقهاء أهل السنة، غرض ديني يقصد منه إلى ~~تعلم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة. # وقد أوجزنا القول في فصل آخر عن التربية عند العرب، وعرضنا هذه المذاهب المختلفة، ~~لنبين أن الاختلاف في أغراض التعليم ووسائله عند المسلمين إنما يرجع إلى اختلاف هذه ~~المذاهب العقلية. # على أن القول بأن من أغراض التعليم عند العرب كسب المنزلة الاجتماعية قول جريء يحتاج ~~إلى دليل. # وقد اعتمد خليل طوطح على ما ذكره ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم»: «اطلبوا ~~العلم، فإن كنتم ملوكا برزتم، وإن كنتم سوقة عشتم.» وهذا نص عن ابن المقفع، وهو القائل ~~بعد ذلك: «إذا أكرمك الناس بمال أو سلطان فلا يعجبك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالها، ~~ولكن ليعجبك إذا أكرموك لعلم أو دين.» # 16 # وقد عقد ابن عبد البر فصلا في مكان آخر قال فيه: «وقد تبين بما ذكرنا أن حب المال ~~والرياسة والحرص عليهما يفسد دين المرء ...» إلى أن قال: «واعلم أن النفس تحب الرفعة ~~والعلو على أبناء جنسها، ومن هذا نشأ الكبر والحسد، ولكن العاقل ينافس في العلو الدائم ~~الباقي الذي فيه رضوان الله وقربه وجواره.» # 17 # والدين والدنيا يجتمعان ويفترقان، فمن طلب الدنيا ذهبت منه الآخرة، ومن عمل للآخرة ~~أقبلت عليه الدنيا أيضا. وفي ذلك يقول ابن عبد البر: «وبكل حال فطلب شرف الآخرة يحصل ~~معه شرف في ms075 الدنيا وإن لم يرده صاحبه ولم يطلبه. وطلب شرف الدنيا لا يجامع شرف الآخرة ~~ولا يجتمع معه. والسعيد من آثر الباقي على الفاني.» # 18 # ولا نريد أن نستقصي جميع كتاب المسلمين لتصحيح ما أخذه عنهم الباحثون في التربية، ~~والرأي عندنا أنهم جميعا جعلوا الغاية من التعليم غاية دينية، وأكدوا هذه الغاية ~~تأكيدا لا يقبل الشك، وإذا كان بعضهم وجد أن التعليم يحقق أغراضا اجتماعية أو عقلية ~~أو مادية، فإن هذه الغايات الأخيرة تأتي في المرتبة بعد الغاية الدينية، وليست مقصودة ~~لذاتها، ولم يفتهم النص على إيثار الدين على الدنيا في جميع الأحوال. # هذا إلى أن البحث في التعليم عموما يختلف عن البحث في تعليم الصبيان، والغرض من ~~تعليم الصبيان هو معرفة الدين قبل كل شيء. ولذلك أوجبوا تعليمهم. # وإذا نظرنا إلى المواد التي كان يتعلمها الصبيان في الكتاتيب تبين لنا أن الغاية التي ~~حددت هذه العلوم هي الغاية الدينية، وأول هذه العلوم هو القرآن الذي يحفظه الصبي قراءة ~~وكتابة، فالكتابة ليست مقصودة لذاتها من حيث فائدتها الاجتماعية أو العقلية أو المادية، ~~بل لسهولة حفظ القرآن وتقييده، للرجوع إلى المكتوب المقيد في أي وقت يشاء الصبي، والنحو ~~والعربية الغرض منهما قراءة القرآن على الوجه الصحيح وحسن فهمه. وقد نص القابسي على أن ~~تعليم الحساب ليس بلازم إلا إذا اشترط عليه. وقد بحث الفقهاء بعد هذا العصر في تعليم ~~الحساب، والتمسوا له علة دينية هي الفائدة في معرفة المواريث وقسمتها كما هو وارد في ~~الشرع، فإذا كانت هناك ضرورة لتعلم الحساب فهي إذن ضرورة شرعية لا اجتماعية أو ~~مادية. # لقد بدأ القابسي كتابه بفصل عن الإيمان والإسلام، واختتمه بفصل في القراءات والكلام ~~عن فضل المقرئين، وبهذا يبدأ الصبي مؤمنا مسلما وينتهي قارئا للقرآن. # الفصل السادس # | التربية الخلقية # (1) الدين أصل من أصول الأخلاق # الدين والأخلاق حقيقتان لا تنفصلان في الديانة الإسلامية، كما تتلازمان في جميع ~~الأديان، وهناك أديان سادت في شعوب مختلفة وتبعها الناس زمانا بعد زمان وجيلا بعد ~~جيل، وليس فيها من ms076 أصول الدين إلا نزر يسير لا يلقى إليه بال، إلى جانب ما فيها من حكمة ~~خلقية وفضائل نفسية. مثال ذلك ديانة الصين وهي الكونفوشيوسية، وهي مجموعة فضائل بثها ~~حكيم الصين لخير الإنسانية، ولم تنزل إليه وحيا من الله. فالأمة التي ينتشر فيها ~~الفساد يذهب ريحها وتمحى من صفحة التاريخ هي ودينها إن كانت تدين بدين. # ولم يكن القابسي في حاجة إلى النص على أنه يريد من التعليم تهذيب الخلق، لأن تعليم ~~الدين يحمل في طياته هذا التهذيب. # فالإسلام يفصل الكلام في المسائل الأخلاقية الرئيسة التي تناولها القدامى والمحدثون: ~~فيه بيان عن الأصل الأخلاقي للسلوك الإنساني، وفيه بيان عن البواعث الخلقية، كما ينظر ~~في الحكم الأخلاقي، وفي الغاية من الفعل الخلقي. # وجماع هذه المبادئ الأربعة نجدها في القرآن، فهي مبسوطة وافية، ولكنها متناثرة في شتى ~~آياته على الطريقة القرآنية، وهي ظاهرة لكل من ألم بالكتاب، ونظر فيه نظر أولي ~~الألباب. # ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~(الأنعام: ~~38). # لهذا جعل المسلمون القرآن حجتهم ومرجعهم، ولهذا السبب ألزموا تعليمه ومعرفته. ~~والفقهاء يعتبرون القرآن الأصل الأول من أصول الدين، ويعتبرون السنة مكملة للكتاب. قال ~~القابسي: «ومشتهر عند المسلمين أنه جاء عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: تركت فيكم أمرين لن ~~تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي؛ فهو شيء لا بد من تعلمه.» 31-ب. # والأخلاق من العلوم المعيارية التي تبسط للناس مثلا عليا ينبغي اتباعها، وتختلف ~~عما يكون عليه الإنسان في الواقع. # ويرجع الأصل في الاختلاف بين الواقع والواجب إلى ظهور الدين والعرف، وكلاهما سلطتان ~~قاهرتان خارجتان عن الفرد، ويخضع لهما الفرد. # وظل الإنسان زمنا طويلا لا يميز بين السلطتين؛ سلطة نفسه وسلطة الدين والعرف، ~~الخارجتين عنه. والطفل لا يميز بينهما لقصور عقله؛ والعامة من الناس كذلك لا يفرقون بين ~~هذه الذاتية وبين السلطة الخارجية، وذلك لجهلهم، وبعدهم عن التفكير في أنفسهم. # وأقدم الحضارات التي بينت في وضوح سلطة الدين على الأخلاق هي حضارة قدماء المصريين، ~~التي آمنت بخلود الروح، والبعث والحساب ms077 والعقاب. وإنك لتجد في أوراق البردي، والكتابات ~~المسجلة على جدران المعابد كثيرا من قواعد السلوك تعتبر هداية إلى الخير، وميزانا للعمل ~~الصالح. لهذا السبب ارتقى العمران عند قدماء المصريين، واستمرت حضارتهم أحقابا ~~طويلة. # ويعتبر المؤلفون الأوروبيون أن سقراط هو أول من تكلم في علم الأخلاق كلاما له ~~قيمته، بل يعتبرون سقراط واضع علم الأخلاق. وقد صرح بأن الحياة الخلقية تعتمد على ~~أصلين: قوانين الدولة المكتوبة، والقوانين الإلهية غير المكتوبة. ولكن سقراط قد أحس في ~~الوقت نفسه بتدهور الحياة الخلقية التي كان يحياها معاصروه فحاول أن يكشف عن المبادئ ~~العامة الخلقية المسلم بصحتها، وانتهى إلى أن الفضيلة وليدة المعرفة؛ أي أنها أمور ~~يمكن تعليمها وتعلمها. # 1 # أما أفلاطون فيقابل بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ولا يجد الخير إلا في العالم ~~العلوي المعقول، حيث نجد المثل تتدرج نحو الإله الخير الصانع. وقد أعجبت الأفلاطونية ~~المسيحيين لما فيها من روحانية تتفق مع روح المسيحية. وتعتمد المسيحية على مبادئ ثلاثة: ~~فكرة الذنب الموروث، والدعوة إلى محبة الناس كافة، والاعتقاد في الثواب والعقاب في ~~الآخرة. # فالأخلاق إلى عهد المسيحية كانت تسلك طريقين: الأول محاولة الرقي بالإنسان نحو ~~الكمال، والثاني التسليم بأن المعصية موروثة، وأن الخلاص منها بيد الله. # وكلا الطريقين يستند إلى وجود الله، ويعتبر أنه تعالى الأصل في الأخلاق. # ونظر الفلاسفة المحدثون إلى مشاكل العالم والإنسان بالعقل الحر الطليق من جميع الآراء ~~السابقة، وقد وجدوا أن وجود الله ضرورة من ضرورات هذا العالم. فديكارت والمدرسة ~~الديكارتية تصل بين الأخلاق وبين ما بعد الطبيعة، وتجعل الله، وهو الكمال المطلق، أصل ~~الأخلاق. # وهوبز الفيلسوف الإنجليزي ممن يعتبرون الدين وهو سلطة خارجية مصدر التشريع الخلقي، ~~وأن الفعل الخلقي يعتبر خيرا لأن الله يريده، وبذلك يتفق مع الإرادة الإلهية. # فإذا كنا في العصر الحديث لا نزال نفسح المكان للجانب الإلهي الذي يصدر عنه الخلق ~~والخلق بل كل شيء، وعلى الرغم مما يسود العالم من حرية رأي، وجرأة فكر، وفلسفة مادية ~~ملحدة تحاول تفسير كل شيء، فليس من الغريب ms078 أن نجد فقهاء المسلمين، ومن بينهم القابسي، ~~يردون كل شيء إلى الله، ويجعلون الواحد القهار الرحمن الرحيم، أصل الأخلاق، ومصدر ~~الأعمال، وهو القائل في كتابه: # والله خلقكم وما ~~تعملون ~~(الصافات: 96). # كانت البيئة دينية؛ التفكير الديني يسود فيها كل شأن من شئون الحياة. ~~(2) القرآن أصل الأخلاق الإسلامية # الأخلاق نظرية وعملية. ولم ينص الإسلام على أخلاق نظرية منفصلة، يتبعها السلوك ~~العملي، ويستمد قوته من تلك النظريات المقررة. وإنما رسم للناس قواعد العمل الصالح الذي ~~ينبغي أن يسيروا عليه. ومرجع المسلمين في ذلك هو القرآن أولا، ثم السنة المكملة ~~للكتاب. # والقرآن زاخر بهذه القواعد العملية التي تتناول أغلب أحوال الناس في معاشهم، وفي ~~صلاتهم بغيرهم من الناس، ومعاملتهم بعضهم بعضا. # والإسلام دين السلام؛ سلام بين المرء ونفسه، وبين المرء وغيره. # وهو أول دين يحمل الخير للإنسانية كافة، لا يقتصر على شعب دون شعب، أو يؤثر أمة على ~~أمة، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. # فهو شريعة الله لنفع العباد: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ~~. # أما الأديان الأخرى فإنها تنسب لأصحابها من الأنبياء والرسل والحكماء. # فالمسيحية تستمد اسمها من المسيح، وكذلك اليهودية والبوذية. # 2 # ويفسر القابسي الإسلام تفسيرا يؤكد به العمل المفروض على الناس من الله، على طريقة ~~النظار من أهل السنة، لا على طريقة المتأخرين، فالإسلام هو: «عمل الجوارح بما افترض ~~عليها؛ لأنه يدل على استسلام من قال: أسلمت لله.» 5-ب. وإذا لم يقترن الإسلام بالإيمان ~~فهو النفاق. # فالإسلام هو الإيمان بالله، يضاف إليه العمل الصالح. # ويفسر بعض المعتزلة الآية السابقة تفسيرا أعمق، وأقرب إلى طريقتهم ومذهبهم، فالإسلام ~~هو: «العدل والتوحيد. وهو الدين عند الله وما عداه فليس عنده في شيء من الدين.» # 3 # ويقترب من هذا التفسير ما يراه أمير علي؛ إذ يقول: «إن لفظ الإسلام مشتق من السلام، ~~والتحية، والأمن، والإخلاص. ولا يدل هذا اللفظ، كما هو مشهور، على الاستسلام المطلق ~~لإرادة الله، ولكنه على العكس يدل على الجهاد في سبيل الحق والعدل.» # 4 # هذا التفسير يتلاءم مع مبادئ الأخلاق؛ ms079 لأنه يجعل الإنسان مسئولا عن أعماله، ويؤكد ~~حرية إرادته، وسنرى كيف يوفق القابسي بين الإرادتين: إرادة الله وإرادة الإنسان فيما ~~بعد. # أما مبادئ الإسلام فهي ثابتة مقررة في القرآن. # وإذا نظرنا إلى القرآن نظر الباحث الذي يريد تحليل ما جاء فيه، وجدنا أنه ينقسم إلى ~~أربعة أقسام: قسم للعقائد وما يتصل بها، وقسم للتشريع وثالث للأخلاق، ورابع ~~للقصص. # وقسم التوحيد يدعو الناس إلى الإيمان بالله الواحد القهار، وذلك بأدلة كثيرة منها ما ~~هو عقلي يدعو إلى التفكير والنظر، ومنها ما هو وجداني يثير العواطف المختلفة، ويبعث ~~الرغبة والرهبة، فيقع المرء تحت تأثير العاطفة ويسهل عليه الانقياد. ويتصل بهذا القسم ~~القول في الوحي والآخرة والجنة والنار، وأشباه هذه المسائل التي تعتبر جزءا من العقائد، ~~وتندرج تحت ما وراء الطبيعة. ويتبع هذا القسم أيضا العبادات المختلفة، وأولها الصلاة ~~وهي ذكر الله؛ لأن معرفة الله لا تتم بالنظر، وإنما تستكمل بالعبادة والقرب ودوام ~~الذكر. # وقسم التشريع يبسط القوانين التي ينبغي اتباعها وتطبيقها في المعاملات المختلفة. ~~وبهذا يحل القرآن كثيرا من المشاكل الدنيوية وهي مشاكل خاصة بعلاقة الإنسان بالإنسان، ~~وبحياته الاجتماعية والسياسية، وصلته بأسرته وزوجته وما ينشأ عن ذلك من طلاق وميراث. ~~ويشرع القرآن أيضا تشريعا يتصل بتوزيع الثروة، فيحل مشكلة رأس المال والعمل؛ تلك ~~المشكلة العويصة التي برزت في العصر الحاضر بروزا واضحا، ونشأت عنها نظرية الشيوعية ~~والاشتراكية. # والغرض من القصص هو ضرب الأمثال للناس للعبرة والقدوة كما قال تعالى: # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل ~~مثل ~~(الكهف: 54). ومخاطبة الخيال أوقع في النفس وأشد تأثيرا. وبذلك جمع ~~القرآن بين خطاب العقل والعاطفة والخيال، فملك على الناس مناحي تفكيرهم، وسلب أفئدتهم، ~~وكسب قلوبهم، وأثر في نفوسهم. # والقسم الخاص بالأخلاق ينظم أفعال المرء مع نفسه، وأفعال المرء مع غيره أي المجتمع. ~~فهي أخلاق شخصية واجتماعية. على أن هناك بعض المذاهب تعتبر أن الأخلاق جميعا اجتماعية، ~~وحتى الشخصية منها مرجعها إلى المجتمع. # وقد نصح الله الإنسان في أخلاقه الشخصية أن يقتصد في المال كما ms080 يقتصد في تناول ~~الطعام، لصلاح جسده وصلاح شأنه. # ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~(الإسراء: 29). وقال: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ~~(الأعراف: 31)، ~~هذه فضيلة الوسط بين الإفراط والتفريط، التي تتلاءم مع طبيعة الحياة الواقعية. # وفي أخلاق الأسرة كثير من الآيات. فالقرآن يحث على الزواج، وينفر من الزنا، وينظم ~~العلاقة بين الزوج وزوجته على أساس خلقي من المودة والرحمة، كما يأمر الأولاد بالإحسان ~~إلى الوالدين، والآباء أن ينظروا في خير أبنائهم. # وجماع الأخلاق الاجتماعية، أو الأخلاق الفاضلة على وجه العموم يلتقي في التفسير الذي ~~بسطه القابسي للاستقامة والصلاح بعد حديث الإسلام والإحسان. # أما الاستقامة فهي: «القيام بما أمر الله به» 11-أ. # أما الصلاح: «فما تقدم وصفه (أي الإيمان والإسلام والإحسان والاستقامة) من وفى بجميعه ~~وفاء حسنا، فقد استكمل صفة الصالحين.» 13-ب. # وقد أمر الله المسلمين بالإيمان به، وأداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، كما جاء في ~~حديث الإيمان والإسلام. # ومن أراد أن يحيط بجميع أوامر الله، فعليه أن يرجع إلى القرآن. # وخلاصة هذه الأوامر تجتمع في أول سورة البقرة، ثانية سور القرآن بعد فاتحة ~~الكتاب. # الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون ~~. ~~(البقرة: 1-5) # اعتقاد بالله، والآخرة، والوحي، ثم الصلاة والزكاة. # وفي ذلك يقول محمد علي: # 5 ~~«إن مبادئ الإسلام الأساسية خمسة؛ ثلاثة نظرية، واثنان عمليان. فالنظرية ~~الاعتقاد في الله والوحي والآخرة، والعملية الصلاة والزكاة.» # والإنفاق مما ملكت اليد هو الصدقة بأوسع معانيها، أي العمل الصالح للناس جميعا. ذلك ~~أن الله لم يهب للإنسان المال وحده، بل وهب له كذلك عافيته وملكاته. # وقد جمع الله بين الصلاة والزكاة في غير آية من الكتاب، مما يدل على الصلة الوثيقة ~~بينهما. فالصلاة تهيئ الإنسان لخدمة الإنسانية. # والاعتقاد في الله هو النواة التي يدور حولها الإسلام: ومن هذه النواة يتصل الإنسان ~~بالله عن ms081 طريق الصلاة. ولا خير في الصلاة إذا لم تؤد إلى فعل الخير، كما قال تعالى في ~~سورة الماعون: # فويل للمصلين * ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم ~~يراءون * ويمنعون الماعون ~~(الماعون: ~~4-7). # ورد في القرآن في مناسبات شتى الحث على الإنفاق، والصدقة والزكاة؛ كما يؤكد كثيرا من ~~أفعال الخير كعتق العبيد، وإطعام المسكين، والعناية باليتيم. # وفي سورة البلد: # فك رقبة * أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة ~~* أو مسكينا ذا متربة ~~(البلد: ~~13-16). # والصدقة الظاهرة أو الخفية لها جزاؤها. في سورة البقرة: # إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم ~~والله بما تعملون خبير ~~(البقرة: 271). # ويرى جولدزيهر: «أنه إذا أردنا الإنصاف، فينبغي أن نؤمن بأن في مذهب الإسلام قوة ~~صالحة توجه الإنسان نحو الخير، وأن الحياة المتفقة مع التعاليم الإسلامية حياة أخلاقية ~~لا غبار عليها؛ ذلك أنها تتطلب الرحمة نحو جميع مخلوقات الله، والوفاء بالعهود، والمحبة ~~والإخلاص وكف غرائز الأنانية، إلى هذه الفضائل التي أخذها الإسلام من الديانات التي ~~اعترف لأصحابها بالرسالة. المسلم الصالح هو ذلك الذي يحيا حياة يحقق فيها مطالب خلقية قاسية.» # 6 # في بعض آيات القرآن دعوة إلى الابتعاد عن الدنيا وإيثار الآخرة: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى ~~(الأعلى: 16-17) وفي سورة النازعات: # فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما ~~من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * ~~فإن الجنة هي المأوى ~~. (النازعات: 37-41). # والحقيقة أن دائرة الإسلام لا تشمل الآخرة وحدها، بل الدنيا أيضا، كما قال تعالى: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا ~~تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ~~(القصص: 77). # والروح الصحيح للإسلام لا يتطلب الشدة، ولا يفرض القسوة على النفس. فالاستقامة في ~~الدين كما يقول القابسي: «هو مداومة المقام فيه، لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا ~~يلتزم منه ما لا يطيقه.» ثم ذكر من ms082 أحاديث الرسول. «اكفلوا من الأعمال ما تطيقون.» وفي ~~حديث آخر: «إن الدين يسر.» # والرأي عند محمد علي: «أن الإسلام يهتم أولا بهذه الدنيا، وأن الإنسان إذا عاش معيشة ~~صالحة في هذه الدنيا، فإنه يبلغ درجة رفيعة في الآخرة. ولهذا اشتمل القرآن على كثير من ~~المسائل الدنيوية المنوعة.» # 7 # من هذا نرى أن القرآن أكبر مرجع للمسلمين، وأول أصل من أصول الدين؛ والجانب الخلقي في ~~القرآن عظيم. # لهذا كانت معرفة الدين عند القابسي لا تتم إلا بتعلم القرآن. ولعل القابسي لم يلزم ~~الأمة ذكورا وإناثا بالتعليم، إلا ليتعلموا القرآن. وهو ينص على ذلك في صراحة إذ ~~يقول: «إن حكم الولد في الدين حكم والده ما دام طفلا صغيرا: أفيدع ابنه الصغير لا ~~يعلمه الدين؟ وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين.» 28-أ. ~~(3) الضمير والأخلاق # تبين لنا أن الأصل في الأخلاق الإسلامية على مذهب أهل السنة يرجع إلى سلطة خارجية ~~قاهرة هي سلطة الدين. وأساس هذا الدين القرآن الواجب تعليمه وتعلمه. والصلة بين الدين ~~الإسلامي والأخلاق عظيمة تبلغ حد التوحيد بينهما. فالدين وسيلة لتكوين الخلق، والأخلاق ~~مستمدة من الدين. ولا غنى لصاحب الأخلاق عن عقيدة تسمو على مطالب هذه الحياة الدنيا. ~~إلى هذه العقيدة تتطلع النفوس وتذهب نحو الكمال. # ولعل الذي يجعل الإنسان يتطلع في أفق هذا العالم إلى شيء بعيد يتلمسه ويرقبه ويستمد ~~منه العون، ويركن إليه في ساعات اليأس والمتاعب والنازلات هو امتياز الإنسان ~~بالشعور. # والشعور النفساني هو المرآة التي تنعكس عليها أعمال المرء، فيرى فيها تقدير هذه ~~الأعمال ويتسنى له أن يحكم عليها بالخير أو الشر. # هذا الشعور النفساني هو الذي يعبرون عنه في علم الأخلاق بالضمير؛ ذلك الذي يقف من ~~المرء موقف الرقيب، يحثه على أداء الصالح، وينهاه عن فعل الضار؛ ويعاوده بعد أداء ~~الأعمال، فيؤديه مستنكرا ما أساء، ويجزيه براحة الضمير أحسن الجزاء. # ولا أخلاق بلا ضمير، سواء اعتبرنا أصل الأخلاق سلطة خارجية دينية أو اجتماعية أو ~~قانونية، أو اعتبرنا أصل الأخلاق هو هذه السلطة النفسية الصادرة عن ms083 النزعات الذاتية ~~والأفكار الباطنة. # فالشعور بالواجب الخلقي هو الذي يدفعنا إلى الأعمال الصالحة. # والضمير هو الحد الفاصل بين الرغبات المطلوبة، والواجبات المفروضة في الطبائع ~~الإنسانية يدركها صاحبها بالبديهة. وبعضهم يرجع بالضمير إلى الكسب والخبرة، وبذلك ينشأ ~~الضمير فينا بالتعليم والتطور الاجتماعي. # ومن الواضح أن القابسي لا يقول بفطرة الضمير؛ لأنه أحال الأعمال الخلقية إلى سلطة ~~خارجية هي السلطة الدينية. # والضمير على رأيه مكتسب مستمد من الدين. # والقابسي من الموفقين يؤلفون بين شتى المذاهب، ويلائمون بينها. فهو يثبت أن الله ~~يعلم ما في السرائر، ويعرف خبايا النفوس، وهو الذي يراقب العباد، وفي الوقت نفسه يثبت ~~أن الإنسان يعرف ما يعمل، وهو الذي يراقب نفسه؛ ثم يوفق بين مراقبة الله للأعمال وبين ~~مراقبة صاحبها لها. # والسبيل إلى ذلك هو إحلال الضمير الديني محل الضمير الخلقي، بأن يستمد الضمير الخلقي ~~وجوده من الدين، وبذلك يتوحد الضميران. # ويعتمد القابسي في هذا التأليف على حديث الرسول؛ سئل النبي: ما الإحسان؟ قال: «أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.» # وقد ضرب القابسي في تفسير هذا الحديث المثل بالسيد والعبد الذي يجهد نفسه في حضرة ~~سيده ليرضيه بحسن طاعته، فإذا خلا العبد من معاينة سيده له، فإنه قد يقصر. وقياس حال ~~الإنسان مع الله على حال العبد مع سيده قياس مع الفارق العظيم؛ لأن دائرة المشاهدة عند ~~السيد محدودة ويخفى عنه الكثير، وبذلك يتسنى للعبد أن يستغفله. أما العباد فإنما ~~يستغفلون أنفسهم إذا أرادوا الاستخفاء من الله. # فالله يعلم كل كبيرة وصغيرة، ولا يخفى عليه شيء. # وقد دار الجدل بين المسلمين في علم الله، أيعلم الكليات والجزئيات أم الكليات فقط؟ ~~قال ابن الجوزي: «وقد ذهب أكثر الفلاسفة إلى أن الله تعالى لا يعلم شيئا وإنما يعلم ~~نفسه ... وقد خالفهم ابن سينا في هذا فقال: بل يعلم نفسه، ويعلم الأشياء الكلية ولا يعلم ~~الجزئيات. وتلقف هذا المذهب منهم المعتزلة.» # 8 # والقابسي يمثل مذهب أهل السنة، وهو أن الله يعلم الكليات والجزئيات، لهذا ساق ~~آيات ms084 كثيرة من الكتاب لتأكيد هذه المسألة، نذكر منها: # وما ~~يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ~~(يونس: 61). # واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه ~~(البقرة: 235). # ولقد ~~خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~(ق: 16). # وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون ~~بصير ~~(الحديد: 4). # والأصل أن الضمير هو الذي يطلع على خافية الأنفس؛ لأن الإنسان كساكن الدار لا يعلم ما ~~يجري فيها على وجه التحقيق إلا صاحبها. # والقابسي يسلم للضمير بهذه القوة وهذه الوظيفة: قوة الحفز على العمل الصالح، والنهي ~~عن ارتكاب السيئات، ووظيفة الاطلاع والرقابة على الأعمال. ولكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن ~~الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم السر والجهر، فهو رقيب على ~~الرقيب من نفس الإنسان، بل هو ضمير لضمير الإنسان والإنسانية. # ولا خير في الضمير إن لم يكن حيا يقظا يؤدي وظيفته على وجهها الصحيح من الرقابة ~~الصادقة والاطلاع الدقيق. فكثيرا ما يتبلد الضمير مع الإلف والاعتياد، فيقع في سبات لا ~~يقوى معه على الشعور بالحسن والقبيح. وإن شعر فإنه لا يقوى على شحذ الهمة إلى أداء ~~الفضائل، أو حفز النخوة إلى الابتعاد عن الرذائل. # لذلك قالوا عن صاحب الضمير الميت : إنه شخص بلا ضمير. # ولا أخلاق مع انعدام الضمير، والشرط أن يكون الضمير يقظا مع الأخلاق. # والرأي عند القابسي في إحياء الضمير يكون بوسيلتين تتفرعان عن أصل واحد. فالأصل هو ~~الإيمان الخالص بالله القوي العليم الغفور، والسبيل الأول: «أن تعبد الله كأنك تراه، ~~وأن هذا يلتزمه العبد لله في أحوال متقلبه ومثواه ... لأنه يجدد للمؤمن إيمانه كلما ذكره.» ~~13-ب. # والسبيل الثاني الاعتصام بالله؛ لأن الانزلاق الخلقي مرجعه اتباع الشهوات، ولا عاصم ~~للإنسان من نفسه الأمارة بالسوء إلا الله ... «فإن هم به الشيطان أن يلبس عليه شيئا، ~~فاستغاث ربه، واستعاذ به منه، فكفاه عدوه، وأعانه عليه ... وإنما المعصوم من عصمه الله جل ~~وعز.» 14-أ. # الإيمان بالله، والتزام عبادته، ms085 والاعتصام به تعالى، هي الوسائل المؤدية إلى حياة ~~الضمير، فتستقيم الأخلاق. وهذه أمور لا يعرفها الإنسان ويعمل بها بالبديهة والفطرة، ~~وإنما تكتسب بالتعلم. # فالمعلم مكلف بتلقين الصبيان الإيمان الصحيح، والعبادات المختلفة والدعاء. وتمام ~~يقظة الضمير، ومراقبة المرء لنفسه، ترفعه إلى مرتبة الصالحين، تلك المرتبة التي لخصها ~~القابسي فقال: «إن كمال ذلك كله في قول الله عز وجل: # وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ~~(البينة: 5)» 15-أ. # ذلك أن العبادة ليست عبثا في الدين، فالصلاة وهي الركن الركين في الإسلام عبادة ~~الغرض منها معرفة الله، وذكره في كل وقت، ودوام الذكر هو السبيل إلى يقظة الضمير. لهذا ~~السبب نص الفقهاء على وجوب انصراف المرء في الصلاة إلى ذكر الله مع عدم الاشتغال بأي ~~أمر من أمور الدنيا. والصلاة المفروضة على المسلمين يؤدونها في خمسة أوقات متفرقة من كل ~~يوم لدوام الذكر. وقد طلب إلى المسلمين أن يأمروا أولادهم بتأديتها وهم بنو سبع ~~ليسكنوا إليها ويألفوها ويتطبعوا بها، حتى إذا تأصلت فيهم هذه العبادة، انطبعت شخصيتهم ~~بها، فأصبح المحور الذي تدور حوله الشخصية، ومنه تستمد حياتها وكيانها، هو المحور ~~الديني. # قد تزيد هذه الشخصية الدينية قوة مع قوة الشعور بوجود الله ومعرفته والإقرار برقابته، ~~بشرط أداء العبادة أداء صحيحا. # وقد تضعف هذه الشخصية إذا كان صاحبها يردد العبادات ترديدا آليا ينعدم معه الشعور ~~بوجود الله، فتنعدم الرقابة الدينية، ولكنها لا تمحى تماما. ~~(4) البواعث الخلقية # هل الباعث على الأعمال الخلقية هو العقل أم الوجدان؟ # قبل أن نبحث حقيقة هذه البواعث الخلقية عند القابسي، لا بد أن نرى رأيه في حرية ~~الإرادة. ذلك أن الباعث إن لم ينطلق عن اختيار فلا سبيل إلى الحكم الأخلاقي، ولا موضع ~~للمسئولية أو التكليف. # ومشكلة حرية الإرادة من المشاكل الدقيقة التي جرى البحث فيها في شتى العصور. ولم يصل ~~المسلمون حتى الآن إلى حل سليم يتبعونه فيها، مع ما لهذه المشكلة من آثار اجتماعية ~~بعيدة الشأن في حياة المسلمين. ms086 # والأصل في هذه المشكلة يرجع إلى التوفيق بين حرية الإنسان والإرادة الإلهية؛ ولا بد ~~من حل هذه المشكلة الدقيقة الشائكة ليستقيم أمر الأخلاق. فقد يستسلم الناس إلى أمر الله ~~استسلاما أعمى فيركنون إلى التواكل، ويلجئون إلى التكاسل. ويذهب بعض الناس إلى حد ~~ارتكاب المعاصي قائلين إن كل شيء بأمر الله، أو هذا ما كتبه الله على العباد. # قال ابن الجوزي: «وقد تشبث القاعدون عن التكسب بتعللات قبيحة، منها أنهم قالوا: لا بد ~~أن يصل إلينا رزقنا؛ وهذا في غاية القبح. فإن الإنسان لو ترك الطاعة وقال: لا أقدر ~~بطاعتي أن أغير ما قضى الله علي، فإن كنت من أهل الجنة فأنا إلى الجنة، أو من أهل ~~النار، فأنا من أهل النار، قلنا له: هذا يرد الأوامر كلها. ومعلوم أننا مطالبون بالأمر ~~لا بالقدر.» # 9 ~~«قالت المجبرة: لا قدرة للآدمي، بل هو كالجماد مسلوب الاختيار والفعل.» # 10 # وينتقد أهل السنة الذين يثبتون الحرية والإرادة للإنسان، بأن في خلق العباد ~~لأفعال أنفسهم سلبا للقدرة الإلهية. وفي ذلك يقول صاحب الإنصاف في تعليقه على تفسير ~~الكشاف: «ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة الله في مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم ~~ما شاءوا من الأفعال على خلاف مشيئة ربهم، محادة ومعاندة لله في ملكه، ثم يتسترون بعد ~~ذلك بتسمية أنفسهم: أهل العدل والتوحيد والله أعلم بمن اتقى. ولجبر خير من إشراك؛ إن ~~كان أهل السنة مجبرة فأنا أول المجبرين.» # ولم يذكر القابسي حلا صريحا لهذه المشكلة؛ لأن كتابه لم يتعرض لبحث المسائل ~~الكلامية. وأهل السنة على وجه العموم لا يخوضون في بحث هذه المسائل الشائكة التي ~~تدعو في نظرهم إلى الانزلاق نحو الكفر، وإنما يقبلون ما فيها من تعارض بإيمان العقيدة، ~~لا بيقين العقل، كما كان يفعل السلف. # وقد أراد الأشاعرة أن يحلوا هذه المشكلة فما زادوها إلا تعقيدا؛ ورأيهم في الكسب ~~دقيق، ولذلك يضرب به المثل، فيقال: هذا أدق من كسب الأشعري. # والرأي عندهم: «أن الأفعال مخلوقة لله مكتسبة للعبد، فجمعوا بين الأمرين وقالوا: إن ~~الأفعال ms087 واقعة بقدرة الله وكسب العبد. فالله تعالى يخلق الفعل والقدرة عليه بإجراء ~~العادة. ولهذا جاز إضافة الفعل إلى العبد وصح التكليف والمدح والذم والوعد. فإنا لو لم ~~نقل بالكسب، لزم أحد الأمرين إما الميل إلى الاعتزال، وإما القول بالجبر، وكلاهما باطل.» # 11 # أما أهل السنة فقد كفوا أنفسهم مئونة هذا التحايل على التوفيق، وقالوا إن الناس ~~مطالبون بالأمر لا بالقدر. # فالقابسي يثبت القدرة الإلهية، كما يثبت الإرادة الإنسانية، ويضيف إلى الإنسان ~~الاختيار وبذلك يكون مسئولا عن أعماله، محاسبا عن أفعاله. # والباعث إلى تحريك الإرادة نحو جهة معينة باعث ديني. # فإن قلت كيف يكون الباعث دينيا، والبواعث تصدر من باطن الإنسان وهي التي ~~تحركه؟ # قلنا: إن هذه المسألة ينطبق عليها ما ذكرنا في الضمير. فكما توحد الضميران الخلقي ~~والديني، كذلك تتوحد البواعث الإنسانية والدينية؛ ونقصد بالبواعث تلك الأوامر والنواهي ~~التي وردت في القرآن، وطلب إلى الناس فعلها. فالزواج باعث إنساني لا شك في ذلك؛ لأنه ~~يرجع إلى الغريزة الجنسية. وهو باعث ديني أيضا لأن الله أمر بالزواج. والباعث إلى ~~الامتناع عن الربا يكون باعثا اجتماعيا ودينيا، فهو اجتماعي لما فيه من أضرار تحل ~~بالمجتمع، وهو ديني لأن الله نهى عنه. # والقابسي يرى أن البواعث يجب أن تكون دينية، أي أن يتبع المرء ما جاء عن الله ~~والرسول . # فإذا كان الأمر كذلك، فالتعليم واجب لأنه يبصر المسلمين بأسباب الدوافع المحركة ~~للإرادة على اختيار الأفعال. ولا بد أن ينتهي الأمر بالمرء إذا استغرق في الحياة ~~الدينية، أن يتصور منازعه صادرة عن الدين، وأن يوزع أعماله بين الحلال والحرام. # فإذا بدأ الصبي الصغير في حفظ القرآن ومعرفة تعاليم الدين، اختلطت هذه التعاليم ~~بشخصيته كلما نما وبلغ مبلغ الرجولة، فتتحد البواعث الدينية في نفسه مع الزمن مع ~~البواعث الشخصية. # فمرجع البواعث إلى الدين، وإلى القرآن. # والقرآن كما ذكرنا يخاطب العقل والوجدان؛ لأن الطبيعة الإنسانية فيها التفكير ~~والتدبير، وفيها المحبة والكراهية؛ ويعمل الإنسان بدافع من الرأي والنظر كما يتحرك بقوة ~~الخوف والغضب. # ومذهب العقليين في الأخلاق ms088 - والفلسفة القديمة أغلبها على هذا المذهب - تهمل جانب ~~الوجدان. وأصحاب هذه المذاهب يغلبون الحكمة والعقل على أهواء النفس، ويرون في العقل ~~أساس اختيار الفضائل. # وسقراط وأفلاطون وأرسطو والرواقيون، وديكارت وليبنتز وكانط، وغيرهم كثيرون على هذا ~~المذهب العقلي. # وعند المسيحيين أن الباعث الأساسي إلى أفعال الخير هو الشعور بالمحبة. ويميل أغلب ~~المحدثين - على الأخص علماء النفس - إلى اعتبار الوجدان أساس الإرادة، ويعتبرون العاطفة ~~أساس الاختيار الإرادي، وليس العقل. # وقد مالت طائفة من المسلمين وهم المعتزلة إلى ناحية العقليين، ومالت طائفة أخرى إلى ~~جانب الوجدانيين وهم المتصوفة. قال الجنيد: «المحبة ميل القلوب، معناه أن يميل قلبه إلى ~~الله، وإلى ما لله في غير تكلف.» # 12 # وبعض المفسرين يفسرون الآية الآتية من سورة الإنسان: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ~~(الإنسان: 8)، أي محبة الله. # ولكن أهل السنة يأخذون بالجانبين جميعا، بالبواعث العقلية والوجدانية. # مثال ذلك ما جاء عن تعليم اليتيم الذي ليس له مال، فإن المعلم قد يعلمه احتسابا لله ~~عز وجل، فهذا باعث وجداني يرجع إلى العاطفة الدينية. # وجاء في تعليم الأنثى أنها: «تعلم ما يرجى لها صلاحه، ويؤمن عليها من فتنته.» فالباعث ~~إلى تعليمها عقلي؛ لأن القابسي ينظر في مصلحتها، ولو أنه يقصد بالمصلحة المصلحة الدينية ~~بطبيعة الحال. # ولا نريد استقصاء جميع الأمثلة التعليمية الواردة في كتاب القابسي، فكلها على هذا ~~النمط من الجمع في البواعث بين العقل والوجدان. ~~(5) الغاية الخلقية # يختلف المفكرون اختلافا كبيرا في تحديد الغاية من الأفعال الخلقية. وعندنا أن مرجع ~~الخلاف هو إلى تباين الطبائع البشرية في المزاج والتفكير والإدراك والسلوك ~~والشخصية. # جعل القورينائيون في الفلسفة القديمة اللذة الحسية غاية الأعمال الخلقية. وأنصار هذا ~~المذهب قليلون؛ لأن الأخذ باللذات الحسية يؤدي إلى آلام كثيرة، كما يتعارض مع تقدم ~~الإنسانية، إلى جانب وجود لذات أشرف من اللذات الحسية. # ومذهب السعادة أدنى إلى القبول؛ وسقراط وأفلاطون وأرسطو على هذا المذهب. وفي السعادة ~~راحة النفس والضمير، وسرور الفرد وغبطة المجتمع. وإذا كانت السعادة أشرف من اللذة ~~الحسية لأنها فضيلة ms089 الحكمة واختيار الوسط العدل بين الإفراط والتفريط، ففي الإمكان ~~التوفيق بين الارتياح الذي يشعر به الفرد وبين السعادة العامة. بينما يصعب التوفيق بين ~~اللذة الشخصية وبين اللذة العامة التي يحس بها الناس جميعا؛ لأن تحقيق اللذة عند الغير ~~يكون على حساب الفرد، بينما الاشتراك في إسعاد الآخرين لا يتنافى مع سعادة ~~المجتمع. # وهناك مذاهب أخرى تنشد غايات خارجية موضوعية، منها الكمال؛ فالذي يفعل الخير إنما ~~يريد أن يصل إلى الكمال. # والذين يقولون بالتطور يرون أن تاريخ الإنسانية صراع دائم نحو التقدم والرقي، وأن ~~وجود هذه الغاية الأخلاقية، هو الذي يجتذب الإنسان مع الخير إلى التقدم دوما. # ويعترضون على المذهبين السابقين بأن الصفات الخلقية هي نفسها الكمال أو التطور، ~~وهاتان الغايتان خاضعتان لغاية أخرى. # قالوا: إن الطبيعة هي الغاية الخلقية. فالحياة الموافقة للطبيعة هي الحياة الخيرة ~~التي تجلب اللذة والسعادة، وروسو في المذاهب الحديثة عنوان على هذه الفلسفة ~~الطبيعية. # وهناك مذهب المنفعة الذي راج في الفلسفة الإنجليزية رواجا كبيرا. والمنفعة العامة ~~إذا كانت رائد الأعمال الخلقية، والغاية منها، حققت الخير لأكبر عدد من الناس. # وقد تجنب بعض الفلاسفة الاعتراضات على المذاهب السابقة فقالوا بأن الخير واجب لذاته، ~~يفعله المرء لأنه واجب. فالواجب الخلقي هو الغاية، لا الكمال أو التطور أو الطبيعة أو ~~المنفعة. وكانط من أنصار مذهب الواجب في الأخلاق. # ومذهب أهل السنة لا يرى رأي هؤلاء جميعا؛ لأنه خرج بالغايات الخلقية من ميدان ~~الدنيا إلى ميدان الآخرة. # وبذلك يلتقي الناس جميعا في غاية واحدة، تتسع لهم جميعا، ولا يقع عليها خلاف، هي ~~التمتع بنعيم الجنة في الآخرة. # وقد وصف الله الجنة في أكثر من آية من القرآن؛ ليكون الناس على بصر بما يلقون من ~~جزاء. # وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها ~~راضية * في جنة عالية * لا ~~تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب ~~موضوعة ~~(الغاشية: 8-14). # إن للمتقين مفازا * حدائق ~~وأعنابا * وكواعب أترابا * ~~وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا ~~(النبأ: 31-36). # إن ms090 المتقين في ظلال وعيون * ~~وفواكه مما يشتهون * كلوا واشربوا هنيئا ~~بما كنتم تعملون * إنا كذلك نجزي ~~المحسنين ~~(المرسلات: 41-44). # من هذا الوصف للجنة يتبين لنا أن الله وعد المتقين في الدار الآخرة متاعا من اللذة ~~الحسية والسعادة، فجمع بينهما. وإذا كانت الجنة غاية خارجية، ففيها تحقيق للغايات ~~النفسية. # وفي الوقت نفسه أوعد الله المفسدين الذين يؤثرون أنفسهم، بنار الجحيم، وفي ذلك يقول: # إلا أصحاب اليمين * في جنات ~~يتساءلون * عن المجرمين * ما ~~سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين ~~* ولم نك نطعم المسكين ~~(المدثر: 39- ~~44). # والمنفعة من الغايات الأخلاقية الدنيوية، التي تخضع لغاية أسمى هي الفوز بالدار ~~الآخرة # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا ~~إنما نحن مصلحون ~~(البقرة: 11). # والمسلم مطالب بالمعيشة وفق الطبيعة، والتمتع بالطعام والشراب والزوج. كل ما في الأمر ~~أن تكون هذه المعيشة الطبيعية ملائمة لمطالب الفرد ومطالب المجتمع، لا إسراف فيها، كما ~~تحقق صلاحه وصلاح المجتمع وخيره. # وهناك مصالح رفعها الله إلى مرتبة الواجبات، وفرضها على الناس، كالصلاة والزكاة. ~~فالذي يؤدي الزكاة إنما يؤديها لأنها واجب ديني، وهي في الوقت نفسه واجب خلقي. وبذلك ~~تتوحد الواجبات الدينية والخلقية، كما رأينا في التوحيد بين الضمير الديني ~~والخلقي. # والواجب الخلقي في الإسلام يختلف عن الواجب عند كانط؛ لأن الواجبات الإسلامية ليست ~~غايات في أنفسها، تطلب لذاتها، ولكن من ورائها الجنة تنتظر من أحسن أداءها. أما ~~الواجب الكانطي فهو غاية لذاته. # وبذلك تجتمع الغايات المختلفة التي نظر إليها المفكرون تحت راية واحدة، وغاية أسمى ~~وأعلى هي الغاية الدينية. ولا يمنع السعي إلى الآخرة من التعلق بأهداب الدنيا، إذ لا ~~تعارض بينهما. # والقابسي ينشد من الأخلاق الغاية الدينية، والسعادة في الدار الآخرة، وهو في الوقت ~~نفسه لا يرى بأسا في طلب غايات دينوية؛ لأن الدين أقرها. # من الغايات الدنيوية التي يحققها الوالد من تعليم ابنه، أن يكون به سعيدا، أو كما ~~يقول القابسي: «فمن رغب إلى ربه أن يجعل له من ذريته قرة عين، لم يبخل على ولده بما ~~ينفق ms091 عليه في تعليمه القرآن.» 28-أ. # أما الغاية الأصلية فهي رضا الله: «فلعل الوالد إذا أنفق ماله عليه في تعليمه القرآن، ~~أن يكون من السابقين بالخيرات بإذن الله.» 25-أ. # والذي يعلم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه، فقد عمل في ولده عملا حسنا، ~~يرجى له من تضعيف الأجر فيه. كما قال الله: # من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~(البقرة: 245) 25-ب. # وصفة الصالحين عند القابسي هي حسن العبادة، وأداء الفرائض واجتناب المحارم، كما قال ~~تعالى: # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا ~~(النساء: 124) 13-أ. # ويتعلق بالغاية مذهب آخر، هو القول بأن الخير هل يلحق الفرد أو الجماعة؟ # والإسلام على مذهب الجمعيين؛ لأنه ينشد خير المجتمع، بل الإنسانية كافة. وقد رأينا في ~~سورة القيامة كيف دخل المجرم النار لأنه لا يطعم المسكين. # ويؤثر القابسي خير الجماعة على خير الفرد، ويحض باستمرار على المصلحة العامة. # مثال ذلك ما جاء عن المعلم الذي يعلم الصبي الفقير احتسابا: «فإذا آثره على نفسه، ~~استأهل - إن شاء الله - حظا وافرا من أجور المؤثرين على أنفسهم.» ~~(6) شخصية الصبيان الخلقية # تصل أعمال المرء بعد زمن إلى درجة من الثبات والآلية، فتكون هذه الأعمال عنوانا ~~عليه، وتنسب إلى شخصه، ويعبر عنها بالشخصية. وجزء من هذه الشخصية يكون خلقيا، ~~كالأمانة والصدق إذا عرفت عن شخص معين. # ومرجع الصفات الخلقية في تكوين الشخصية إلى المجتمع؛ لأن الإنسان على أي الحالات كائن ~~اجتماعي قبل كل شيء. # والمدرسة جزء من المجتمع، بل هي عنصر مهم، وعامل من أكبر العوامل في التأثير ~~الاجتماعي، خصوصا في المراحل الأولى من تربية الصبيان. وأول تأثير يتلقاه الطفل في ~~حياته هو تأثير الأشخاص الذين يحيطونه، وهم والده وأهله في المنزل؛ فإذا شب قليلا ~~واشتد ساعده، فإنه يختلط بغيره من الناس في ذلك المحيط الضيق الذي يعيش فيه قريبا من ~~المنزل. ومنذ سن الخامسة أو السادسة أو السابعة، ينتقل الطفل إلى بيئة جديدة هي ~~الكتاب، حيث يبقى ms092 فيه إلى أن يتم حفظ القرآن بأكمله، أو يحفظ جزءا منه، إلى جانب ~~تعلمه القراءة والكتابة، وبعض النحو والعربية، وشيئا من الحساب، وما إلى ذلك من الأمور ~~التي كانوا يعتبرونها وسائل للإحاطة بالدين. # في هذه البيئة يتصل الطفل بغيره من الصبيان ممن هم في مثل سنه، أو ممن يكبرونه ~~قليلا، ويتصل أيضا بالمعلم الذي يقوم بتعليم الصبيان وتأديبهم. # وأكبر الظن أن الصبي في مثل هذه السن الصغيرة لا يزن الأمور، ولا يقدر مرامي الأعمال، ~~وإنما يتصرف ويسلك تحت وحي من المحاكاة الفطرية في النفس. ومحاكاة الحركات والأعمال ~~أسبق من محاكاة المعاني والآراء. # والشخصية الجديدة التي يتأثر بها ويحاكيها لأنها أعظم الشخصيات بالنسبة للصبي ~~وبالنسبة لجميع الصبيان، هي شخصية المعلم. فهم لا يجدون أمامهم إلا هو، يتعهدهم منذ ~~الصباح الباكر سحابة النهار، وهو الذي يعلمهم أو يلقنهم هذه المبادئ المختلفة، وهو الذي ~~يرشدهم إذا أخطئوا سواء السبيل. وهو الذي يؤمهم في الصلاة إذا حضر وقتها؛ وله عليهم ~~سيطرة شديدة تسمح له أن يضربهم في بعض الأحيان؛ فهو منهم بمنزلة القائد. والصبيان في ~~هذه السن الصغيرة اللينة يكونون كالعجينة التي يسهل تشكيلها. لهذا نجد الصبيان يحاكون ~~المعلم في كل شيء. # ومن هنا تنطبع شخصية الصبيان بطابع المعلم إلى جانب انطباعها بشخصية زملائهم في ~~الكتاب، بتأثير القرآن الذي يتعلمونه. # على أن تصرف المعلم لا يكون إلا في حدود هذه المعاني القرآنية. وقد يشذ بعض المعلمين ~~عن تعاليم القرآن الصحيحة، ولكنهم قلة لا يعمل لها حساب. # فالمرجع في سلوك الصبي يكون لتأثير المعلم، وتأثير الصبيان الذين يختلط بهم، وتأثير ~~آبائه في المنزل، والمرجع لهؤلاء جميعا هو القرآن في تلك البيئة الإسلامية. ومن صفات ~~القرآن أنه كلام الله، لا مبدل لكلماته. وهو صريح في كثير من المسائل الأساسية في سلوك ~~الإنسان صراحة لا تحتمل التأويل. # أما الخلاف بين الفرق الإسلامية، فهو خلاف في تأويل بعض النظريات العميقة في الإسلام. ~~ولا يستطيع الصبيان لقصور عقولهم أن يفهموا مدى هذا الخلاف، أو ينزلوا إلى معتركه. على ~~أن ms093 أهل السنة يأخذون الأمور على ظاهرها، ويتعمقون في التأويل إلى الدرجة التي ~~تبعدهم عن الروح البسيط الموجود في القرآن. لذلك كان أهل السنة قريبين من قلوب ~~العامة وأفهامهم، وقريبين من قلوب الصبيان وعقولهم أيضا. # فالسيرة الخلقية التي ينتهجها الصبي، والشخصية التي يتركب منها في الفترة التي يقضيها ~~في الكتاب، ترجع في نهاية الأمر إلى شيء واحد هو القرآن، بالتفسير الذي يقدمه ~~المعلم على مذهب أهل السنة. # وفي القرآن، إلى جانب النص على أخلاق عملية معينة، أسس خلقية تعد عمادا للأخلاق ~~الحسنة أو الفضيلة. والأخلاق في خلاصتها مجموعة من الفضائل ترمي إلى الخير. والفضيلة ~~والرذيلة، أو الخير والشر، طرفان متناقضان لا يجتمعان؛ لأن الفضيلة هي الكمال، والرذيلة ~~هي النقص. والإنسان يحس نقصه، وهو حين يرتكب الرذائل المختلفة إنما يثبت على نفسه هذا ~~النقص. ولكن الإنسان يحاول التخلص من النقص، ويتطلع نحو الكمال. هذا التطلع هو الرقي ~~بنفسه. والحياة كلها ترمي إلى الرقي والكمال، وقد يصل الإنسان إلى شيء من هذا، ولكنه ~~لا يبلغ النهاية ولا يصل إلى الذروة، لأن الكمال لله وحده؛ ولذة الإنسان في هذا السعي، ~~وفي هذا الرقي لتحقيق المثل العليا. # ولا يتيسر الوصول إلى الفضيلة إلا بأمرين: التعليم والقدوة. # وسيرة الرسول هي قدوة المسلمين كما قال تعالى: # وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~(الحشر: 7)، ~~وقال: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~(الأحزاب: 21). لذلك كان ~~تعليم سيرة الرسول ذا فائدة خلقية عظيمة؛ لأنه يضرب الأمثال للصبيان في الأخلاق ~~الفاضلة. وكذلك تاريخ العرب وهو المعروف بأيام العرب وأخبارها، والذي نص عليه القابسي ~~وغير القابسي من المربين مع المواد التي يتعلمها الصبيان، إنما الغرض منه سوق العبر ~~الفاضلة، والعظات الخلقية التي يقتدي بها الصبيان. # وإذا كانت هذه السيرة بعيدة عن أنظار الصبيان، لا يتم التأثر بها إلا بمقدار، فالمعلم ~~ينبغي أن يكون هو نفسه مثلا حيا للسيرة الفاضلة، ليكون عنوانا على الفضيلة. لهذا ~~أوجب القابسي أن تكون صفات المعلم حميدة ليتأثر ms094 بها الصبيان، وتتم بها الفائدة في ~~التربية الخلقية. # وهذا جانب من الطريقة السقراطية في الأخلاق؛ لأنه هو نفسه كان مثلا حيا ~~للفضيلة. # والأمر الثاني المفيد في كسب الفضائل هو معرفتها أو العلم بها. فالإنسان يحب أن يخضع ~~لما يعقل، أو لما له سبب، فهو لا يذهب مذهبا خلقيا إلا بعد الإيمان بأنه مشروع. ~~والإنسان يكون واثقا من نفسه إذا سار على هدى من المعقولات، لا بدافع من النزوات. لذلك ~~نجد المجرم يبرر جريمته، ويقنع نفسه بأن ما يعمله مشروع. # لذلك كانت الأخلاق تحمل في طياتها جراثيم التعليم، سواء أكان تعليمها أو العلم بها ~~صادرا من الشخص إلى نفسه، أم من شخص آخر إليه؛ والبيئة التي تريد أن تنشر الفضيلة، لا ~~بد لها من تعليمها وبيان العلة فيها. وقد أشار القابسي إلى هذا التعليم الواجب للفضيلة ~~قبل الأمر بها، وقبل إنزال العقاب على مخالفيها. قبل أن يلجأ المعلم إلى الضرب، ينبغي ~~أن ينبه الصبي مرة بعد مرة إلى خطته. وقال في موضع آخر: «ويأخذ عليهم ألا يؤذي بعضهم ~~بعضا.» وحين تكلم عن التبايع الذي يحصل بين الصبيان أوجب على المعلم: «أن يشدد عليهم ~~في الأخذ ألا يعودوا إلى التبايع فيما بينهم، ويعرفهم وجه الربا فيما صنعوا على ذلك، ~~يخبره بعيبه ويقبحه عنده ...» # فنحن نرى القابسي يطلب العلم بالفضائل أولا، أو المعرفة بها، على أن يكون هذا العلم ~~مستمدا من القرآن والسنة بطبيعة الحال. والقرآن غني بالفضائل وأسبابها، زاخر ~~بالتوجيهات الخلقية، والدوافع إلى الخير. # وتلك هي الطريقة السقراطية في جانبها الثاني، وهو العلم بالفضيلة، بل إن سقراط وحد ~~بين العلم والفضيلة، فجعل العلم شرطا للفضيلة لا تتحقق إلا به، وجعل الذي يعمل الفضيلة ~~عالما بها. # وسبيل الوصول إلى الفضيلة عند سقراط هو الاستقراء والنظر إلى النفس، وفي ذلك يقول ~~الحكمة المأثورة: «اعرف نفسك بنفسك.» وفي القرآن إشارة إلى ذلك حيث قال تعالى: # وفي الأرض آيات للموقنين * وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون ~~(الذاريات: 20-21) كما حث الله العباد ~~على وجوب النظر والاستدلال. # ولكن الصبي ms095 الصغير لا يستطيع أن ينعطف على نفسه ليستخرج منها هذه المعاني الخلقية ~~بنفسه. لهذا اكتفى القابسي بما يفعله المعلم من توجيه نظره وتفهيمه ما يجب عليه. هذا ~~التفهيم مستمد من القرآن والسنة. وقد أشار القابسي إلى ذلك عندما أراد معالجة الولد ~~العاق لوالديه فقال: «فاقرأ على ولده القرآن، وفهمه ما عليه لوالده في لين ورفق لعله ~~يتذكر أو يخشى.» # بذلك يكون الدين نفسه هو المحور الذي يدور عليه التعليم، والذي تدور حوله التربية ~~الخلقية. والنظريات الحديثة في التعليم والتربية تجعل الطفل نفسه هو المحور الذي يدور ~~عليه التعليم. هذا الانقلاب في وجهة النظر التعليمية لم يتم إلا في عصر متأخر، أما في ~~العصر الذي نتحدث عنه فكان الدين مستغرقا حياة الناس العقلية والخلقية والاجتماعية. ~~ولهذا السبب كان أول شيء يعرفه الطفل ويتعلمه هو القرآن، فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان ~~في حياته، كما قال تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من ~~شيء ~~. (الأنعام: 38). ~~(7) الفصائل والرذائل # الفضائل حلية الإنسان. وهي حسنة إذا عمل بها صاحبها؛ أما العلم بها دون عمل، فلا فرق ~~بين إنسان يحملها، أو كتاب يحويها. # وقيل إن الإنسان مجموعة من العادات. وأغلب أعمال الإنسان عادات وهي توفر الوقت ~~والمجهود، وتؤدي إلى الإتقان والسهولة، وتجعل صاحبها يتفرغ لأعمال جديدة يفكر فيها. ~~فإذا كان الأمر كذلك فمن الخير للإنسان المبادرة بتكوين العادات الفاضلة حتى تتأصل منه، ~~وتنزل منزلة الطبع، ولأن الإقلاع عن العادات المرذولة، إذا تمكنت، يكون شاقا ~~عسيرا. # لهذا كان من الواجب على القائمين بتربية النشء أن يزرعوا في أنفسهم الصفات الخلقية ~~الحميدة منذ الصغر؛ ليشبوا عليها، ويألفوها مع الزمن. # وقد فطن القابسي لهذه النتائج المترتبة على تكوين العادة فقال بصدد تعليم الصلاة: ~~«وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة والوضوء لها، ويدربوهم عليها، ويؤدبوهم ~~بها، ليسكنوا إليها ويألفوها، فتخف عليهم إذا انتهوا إلى وجوبها عليهم.» 27-أ. # وهناك فضائل أوحى القابسي بتوجيه الصبيان إليها، كما أن هناك رذائل نص عليها، ونبه ~~المعلم إلى وجوب الحذر منها، وإبعادها عن طريق الصبيان. ms096 والنص على رذائل خاصة، وذنوب ~~بعينها، يدل على ما كان يجري في ذلك العصر، وينبئ عن أسرار تلك البيئة ~~الاجتماعية. # من هذه الصفات الخلقية التي ينبغي أن يتحلى بها الصبيان: الطاعة. وليست الطاعة واجبا ~~على الصبيان نحو المعلم فقط، بل هي واجب المسلمين كافة لأوامر الله والرسول، كما جاء في ~~القرآن: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ~~(النساء: 59). وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الطاعة بل ~~تأمر بها، فقد أمر الله المرأة أن تطيع زوجها، والابن أن يطيع أباه. وبذلك نجد الإسلام ~~يضع الناس في درجات من السيطرة والخضوع، والأمر والانقياد. وفي قمة هذه الدرجات الله ~~تعالى الذي أمر العباد بعبادته وتسبيحه وحمده، كما أمرهم بأنواع كثيرة من السلوك بينهم ~~وبين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم. ويلي طاعة الله طاعة الرسول وأولي الأمر، كل ذلك بنص ~~في الدين. والوالد هو الولي الشرعي لأبنائه، لذلك وجبت طاعة الأبناء للآباء بأمر الدين. ~~والمعلم يحل محل الوالد، ومنزلته هي نفس منزلته، وفي ذلك يقول القابسي: «فإنما هو لهم ~~عوض من آبائهم.» وبذلك تجب طاعة الصبيان للمعلم. # هذه الطاعة إنما أوجبها الشرع على الناس لحكمة؛ ذلك أن خير المجتمع ومصلحته إنما ~~تكون في الألفة بين الأفراد، والتعاون بينهم. وتتحقق مصلحة الصبيان بما يمليه عليهم ~~أولياء أمورهم، الذين قد سمت عقولهم، واتسعت مداركهم، وكثرت خبرتهم، وعرفوا الشرع ~~والدين والحياة حق المعرفة. فلا يتم تعليم الدين، بل تعليم أي أمر من الأمور، إلا ~~بالتلقين الصادر من الكبار إلى الصغار؛ ولا يتحقق هذا التلقين إلا بالطاعة. # المعلم وهو يلقن الصبي إنما يقدم إليه خلاصة ما بلغت إليه الحضارة في أجيال متلاحقة. ~~ولو تركت الطفل يحصل بمفرده حقائق الحياة وأسرار الوجود، لوجب أن يطول عمره آلافا من ~~السنين ليبلغ ما وصلت إليه المدنية الحاضرة. # وعلى الصبي حين يكبر أن يضيف إلى خبرة الأجيال الماضية خبرة جديدة. # ومن الصفات الخلقية التي ينبغي أن يتعودها: النظام. والنظام والطاعة صنوان، فإذا كان ~~خير المجتمع في الطاعة، فإنها تستوجب النظام، حيث كانت ms097 الفوضى مفسدة للمجتمع، ومضيعة ~~للتعاون الضروري للحياة الإنسانية؛ ولا دولة مع الفوضى. # هذا النظام مطلوب من الصبيان في حضورهم إلى الكتاب، وفي انصرافهم عنه، وفي استماعهم ~~للدرس، وفي أعمالهم المدرسية. # والعبادات في الإسلام تحمل في طياتها إلى جانب الطاعة والنظام كثيرا من الصفات ~~الخلقية الحميدة. # فالصلاة عماد الدين. وتأديتها في أوقاتها يعلم النظام والدقة في حفظ المواعيد، حتى ~~إذا شب الطفل على إقامة الصلاة مع المحافظة عليها تعود الإقبال على العمل في الوقت ~~المناسب، والمبادرة إلى انتهاز الفرصة قبل ضياعها، وابتعد عن التثاقل، وامتنع عن ~~التكاسل. # وفي الصوم من النتائج النفسية والخلقية مثل ما للصلاة؛ لأن التعود على الإفطار في ~~ساعة معينة هو النظام الدقيق، الذي يطبع المسلمين بطابع الإحساس بالوقت، وحسن الاستفادة ~~منه. # ولا تصح الصلاة بغير وضوء؛ لأنه شرط للصلاة. والوضوء غسل وطهارة ونظافة. والنظافة من ~~الفضائل الشخصية العظيمة الأثر في الصحة، كما تنتقل فائدتها إلى النفس فتطهرها. ذلك أن ~~الشعور بالنظافة الظاهرة، يهيئ الإنسان إلى النظر في المعاني بنفس الأسلوب، فيعف اللسان ~~ويطهر الفكر. # فالطفل مطالب بطهارة الجسم، كما هو مطالب بطهارة القلب والنفس. ولذلك ينبغي أن يكون ~~صادقا، عفيفا، أمينا، حافظا للعهد. # والمعلم مكلف تعليم الصبيان الوضوء، والصلاة مع تأديتها في أوقاتها؛ وهو في هذا ~~التعليم الديني لهذه العبادة، إنما يلقنهم في نفس الوقت الطاعة والنظام والنظافة والعفة ~~والطهارة. # ومن الدواعي التي تبعث الصبي على الانصراف عن المعلم والعلم: اللعب. ومن طبيعة ~~الأطفال اللعب، ففي هذه السن الصغيرة تشتد حيويتهم، وتكثر حركتهم ويقبلون على اللعب ~~بدافع من الفطرة، وقد نص القابسي على أن اللعب من الذنوب التي تستوجب العقاب. فاللعب ~~عنده من الرذائل. # والمعلم معذور إذا حاول أن يزجر الصبيان عن اللعب؛ لأنه يريد الهدوء وينشد النظام ~~المؤدي لحسن سير الدرس والتحصيل، ولم تكن الدراسات النفسية للأطفال قد بلغت في ذلك ~~الزمان مبلغ ما وصلت إليه الآن. # لذلك كانوا يعتبرون الطفل رجلا صغيرا يعامل معاملة الرجال، أما التربية الحديثة ~~فإنها تنظر إلى حياة الطفل نظرة تختلف ms098 عن الكبار. لهذا سايرت التربية الحديثة ميول ~~الطفل وغرائزه، فاستغلت اللعب في مصلحة التعليم. وبذلك وفقت بين طبيعة الطفل وحاجة ~~المجتمع. فقامت المدارس الخاصة بالأطفال على اللعب في الظاهر، بينما الغاية المقصودة هي ~~تعليم الأطفال. وعندئذ تتحقق المصلحتان، مصلحة الطفل في الترويح عن نفسه، واستغراق ~~الحيوية الفائضة في كيانه المتدفق نشاطا في هذه السن الصغيرة، كما تتحقق مصلحة المجتمع ~~من تثقيف الصغار على الوجه المطلوب القائد إلى التقدم والرقي. # هذا الجهل بطبيعة الطفل، واعتبار ميله إلى اللعب، ونزوعه إلى الحركة، من الرذائل التي ~~ينبغي أن تحارب، أدت إلى كراهية الصبيان للكتاب. ومن شأن الإنسان إذا أحب شيئا أن ~~يقبل عليه، وإذا كره شيئا أن ينصرف عنه، ويبتعد منه. فليس غريبا أن نرى الصبيان في ~~ذلك العصر يتحولون عن المكان الذي يكرهونه، ولا يجدون فيه المجال الواسع للحركة واللعب، ~~وهو الكتاب، لهذا السبب كان الصبيان يهربون من الكتاب بل يديمون الهرب منه، كما ~~ينبئنا القابسي في صراحة: «فإن اكتسب الصبي جرما من أذى، ولعب، وهروب من الكتاب ~~وإدمان البطالة ...» مما يفصح عن عادة تأصلت في نفوس بعض الصبيان. وكان المعلمون في ذلك ~~الزمان يعانون مشقة هذه الرذيلة، ويحاولون علاجها، ولكنهم لم يفطنوا إلى أصل العلة وهو ~~منع الطفل من اللعب. # إلى جانب هذه الرذائل وهي اللعب، والهروب من الكتاب، وإدمان البطالة نجد رذائل أخرى ~~تشيع في الواقع في كل جو مدرسي أو في كل بيئة اجتماعية يشترك فيها عدد من الصبيان أو ~~الشباب، وهم الذين لم تتأصل في نفوسهم بعد مشاعر احترام الغير، وضبط النفس، وكبح ~~الأهواء الجامحة والنزوات الطائشة. فالصلة بين الصبيان تؤدي إلى التنافس فيما بينهم، ~~ومحاولة ظهور بعضهم على بعض، وسيطرة أحدهم على غيره. # والسيطرة والظهور من أقوى الطبائع المحركة للهمم الباعثة على العمل، ولا تتهذب ~~طريقة السيطرة، ولا يسمو الإنسان بالميل إلى الظهور، إلا بعد تعلم طويل، وثقافة عريضة، ~~بل العامة، وأهل الشعوب المتأخرة، يظل فيهم الميل إلى الظهور والسيطرة على الصورة ~~الأولية من البطش والقوة والاعتداء ms099 البدني، والغلبة الجسمية لا العقلية. فليس غريبا أن ~~تبدو على الأطفال هذه النزعات الفطرية التي لم تهذبها الحضارة وتحولها الثقافة نحو ~~الخير والسمو. بل ينبغي أن تظهر لأنها عنوان الحيوية ودليل النشاط والقوة. # ومهمة المعلم أن ينظم مثل هذه النزعات، وأن يمهد لها الطريق السوي المؤدي إلى التقدم ~~والرقي. لذلك كانت مهمة المعلم شاقة، تحتاج إلى كثير من الحكمة والبصر النافذ في أخلاق ~~الناس عموما، وطبائع الأطفال بوجه خاص. وقد سجل القابسي فيما ذكر من طبائع الصبيان: ~~إيذاء بعضهم بعضا، وشكاية بعضهم أذى بعض، بل واستفاضة الأذى في بعض الأحيان. وعندنا أن ~~هذه الرذيلة التي عدها القابسي كذلك هي من فضائل الحياة، بل لا ينبغي اعتبارها رذيلة ~~أو فضيلة؛ لأنها طبيعة الطفولة ومظهر الفتوة، ودليل التوثب. وكان الواجب أن نعالج هذه ~~الطبيعة نحو الخير والنفع بتوجيه قوى الطفل في أمور تستغرق نشاطه، ويبدو فيها الميل إلى ~~التفوق العلمي والغلبة العقلية. وهذه هي الطريقة السليمة، وقد نصح بها القابسي وأجازها ~~في بعض الحالات، كما نذكر عند الكلام على طرق التعليم. # وأشار القابسي أيضا إلى نقيصة خلقية كثيرا ما كانت تقع بين الصبيان وهي التبايع ~~فيما بينهم، كأن يبيع بعضهم من بعض: «كسرة بزبيب، أو زبيبا برمان، أو تفاحا بقثاء.» ~~وهذه الظاهرة ملحوظة في تلاميذ المدارس من كل جيل وفي كل شعب، فهي طبيعة الناس إذا ~~اجتمعوا. وقد نظر القابسي إلى هذه المسألة نظرا دينيا فحرمها لما فيها من ربا، وطلب ~~إلى المعلم أن ينهاهم عن هذا التبايع. والحقيقة أنه إلى جانب الربا المذكور في كتب ~~الفقه، فإن التبايع بين الصبيان صرف لهم عن طلب العلم، وشغل لأذهانهم عن التحصيل، ~~فضلا عن إشاعة الفوضى وسوء النظام، وظهور الحقد والغضب والحسد والبغضاء، مما يؤدي إلى ~~إيذاء بعضهم بعضا رغبة في الانتقام، وشفاء للنفس مما أصابها من الغل والحسد. # ومن الرذائل الفاشية في كل مجتمع، وخاصة بين الشباب، ما ذكره القابسي في هذه الجملة: ~~«وإنه لينبغي للمعلم أن يحترس بعضهم من بعض إذا كان ms100 فيهم من يخشى فساده، يناهز ~~الاحتلام، أو يكون له جرأة.» وهو تعبير وجيز العبارة، لطيف الإشارة، يدل على عفة في نفس ~~المؤلف، تحمله على الابتعاد عن الإطالة في مواطن الفحشاء والمنكر. وهذا الإيجاز لا يحل ~~هذه المشكلة الخطيرة؛ فهي المشكلة الجنسية التي اجتهد الناس أجيالا في إخفائها، ووضع ~~الرقابة الاجتماعية والخلقية والدينية في سبيلها، إلى أن تبين لعالم النفس «فرويد» أنها ~~أساس السلوك عند الإنسان في كل ناحية من نواحي الحياة، بل إنها أصل الشذوذ والأمراض ~~العصبية والنفسية. # وترجع هذه المشكلة إلى أن الرغبة الجنسية إذا ظهرت في أكمل صورها عند الاحتلام، فلا ~~بد لهذه القوة الغريزية من الانسياب. ولكن الدين يقف عقبة في سبيل تحقيقها، وكذلك ~~المجتمع. فإذا استمع الشاب لوازع الدين، وأوامر التقاليد، تراجعت الغريزة في نفسه، ~~وانحبست هذه القوة، مما قد يؤدي إلى انفجارها بعد زمن. والغالب أن دافع الغريزة يكون ~~أقوى من رادع الدين ووازع الضمير، فيحقق نداء الطبيعة، ويلبي صوت الغريزة ويحمله تيار ~~الفطرة الجارف إلى هذه الألوان من الفساد الجنسي. # والحل الطبيعي الذي يتفق مع أوامر الدين ونواهيه، واصطلاح العرف والتقاليد الحسنة هو ~~الزواج؛ وهو الحل الوحيد. وفي ذلك يقول القرآن: # وليستعفف ~~الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ~~(النور: 33). # ولكن زواج طفل حديث البلوغ لا يتيسر لأسباب صحية واقتصادية واجتماعية. # وعندئذ تظل المشكلة قائمة، وكل علاج يوصف لها ليس إلا من قبيل الملطفات الوقتية، وما ~~يدرينا ما يجري في الخفاء بين هؤلاء الصبيان، أو بين الصبي ونفسه. ولم يكن للقابسي من ~~حيلة إلا أنه نصح المعلم باتخاذ الحذر والاحتراس، ليكون يقظا لما عساه يحدث ~~بينهم. # ولو أن القابسي أطال الكلام في هذا الموضوع، لحدثنا عن أثر الفضيلة التي اكتسبها ~~الصبي بالتلقين والعادة في صراع الرذيلة. # فالطفل الذي يحفظ القرآن إنما يحفظ آيات الخير؛ لأنه كتاب لا ريب فيه هدى ~~للمتقين. # والطفل الذي يؤدي الصلاة، إنما يذكر الله ويعبده، ويتقرب إليه، ويقف بين يديه ويستعين ~~به على صراع الشر. # الفصل السابع # | العقاب ms101 # (1) العقوبة مشروعة في الإسلام # لا يفصل القابسي في العقاب بين الطفل والبالغ، أو بين الصبي والمعلم، أو بين الرجل ~~والمرأة. كلهم أفراد من البشر وإن اختلفت صفاتهم وتباينت أعمارهم. فالصبي في الكتاب ~~يوقع عليه العقاب إذا استحق العقاب، ويعاقب المعلم إذا أهمل في أداء عمله. والولد ~~العاق يستأهل التأديب من والده، وللزوج على زوجته حق التأديب الذي يصل إلى حد ~~الضرب. # فهؤلاء جميعا قد ضمهم العقاب، وجمعتهم الذنوب التي تصدر عنهم. # والإنسان في شتى مراحل حياته طفلا ويافعا، ورجلا وكهلا، وذكرا وأنثى، عرضة ~~لارتكاب الشر، والوقوع في الإثم، والانزلاق في الخطأ والذنب. # إنما الكمال لله وحده، فهو الموجود الواحد الكامل. والخلائق بعد ذلك تندرج في مراتب ~~تنحدر من الكمال إلى النقص، ومن الخير إلى الشر، ومن الطهر والتقوى إلى الدنس والفجور. ~~والنبي عند المسلمين في أعلى مراتب البشر وأقرب الدرجات إلى صفات الكمال، فهو كما وصفه ~~الله في كتابه: # وإنك لعلى خلق عظيم ~~(القلم: ~~4). ولا مطمع لإنسان أن يرتقي إلى درجة الألوهية والكمال إلا إذا فقد الصفات البشرية ~~وما فيها من نقص الخلال، والطبيعة البشرية تحمل في ثناياها بذور النقص والهوى وسوء ~~الخصال. # والحياة صراع بين الخير والشر. # وكل جماعة من الناس تتصور الخير على نحو من الأنحاء، وتريد أن تنشئ عليه الناشئة، ~~وتطبع عليه أجيال المستقبل. # والجماعة الإسلامية كغيرها من المجتمعات التي نشأت وازدهرت، وكغيرها من المجتمعات ~~التي لا تزال تعمر الأرض، لها مثلها العليا وعندها تعاليم الخير. وقرآن المسلمين ~~تنزيل من رب العالمين، ليكون هدى للمتقين، فصلت فيه آيات تدعو إلى الخير وتنهى عن ~~الشر، وفيه تفصيل طويل لكثير من أحكام السلوك، وبيان للناس عن أحوال المعاملات الواجبة ~~فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين غيرهم. وفي الفصل السابق تفصيل للمبادئ ~~الخلقية الداعية إلى الفضيلة عند المسلمين، وعلى الناس أن يأخذوا بهذه الأحكام لخير ~~أنفسهم وخير المجتمع. # فإذا أصر المخالفون على اتباع غير طريق المؤمنين الصالحين، واستمروا في عنادهم، ~~وآثروا الاستماع إلى هوى نفوسهم، متنكبين السبيل التي أمر ms102 الله باتباعها، فلا بد من ~~إنزال العقاب، ومحاسبة مثل هؤلاء القوم أشد الحساب، حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويرعووا عن ~~غيهم. # قال تعالى: # ولكم في القصاص حياة ~~(البقرة: ~~179) وهذه هي بلاغة الإيجاز، والغاية في الإعجاز. ولا غرو فقد جمعت الآية بين الموت ~~والحياة، وأخرجت الحي من الميت. وليس هذا بغريب عن عالم الطبيعة كما هو مشاهد ومعروف، ~~فلا غرابة أن تكون حياة المجتمع وقفا على موت بعض الأفراد، والتضحية بعناصر الفساد؛ ~~وليس وراء القتل وإهدار الحياة عقاب، جزاء وفاقا لمن يستحق العقاب. # فالإسلام يشرع مبدأ العقاب، ويبسط ألوان العقوبات المختلفة باختلاف الجرائم. فجزاء ~~القتل القتل، وجزاء السرقة قطع اليد، وحد شارب الخمر الجلد. وهكذا نجد لكل جريمة عقابا ~~مقررا ينبغي تنفيذه دون شفقة، كما قال تعالى في الزانية والزاني: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~(النور: 2). # وقد جاء الإسلام في عالم سادت فيه المسيحية. والديانة المسيحية تذهب في التسامح أبعد ~~الحدود، والمسيح عليه السلام هو القائل لتلاميذه يعلمهم: «سمعتم أنه عين بعين، وسن بسن. ~~وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ~~ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا.» # 1 # فنحن نرى إذن إقرار العقوبة ليس من الأمور المتفق عليها عقلا أو شرعا؛ لأن ~~التقابل بين العقاب والتسامح هو تقابل الأضداد، بينهما غاية البعاد. # وأنصار التسامح لهم وجهة نظرهم، وعندهم كثير من الحجج على صحة مبدئهم. وليس مجالنا أن ~~نبسط آرائهم، ولكننا نقول إنهم يبغون من وراء ذلك الخير الأسمى. والقائلون بالعقاب ~~يرمون إلى غاية بعيدة هي الخير أيضا. وعندئذ يلتقي أصحاب التسامح وأنصار العقاب عند ~~الغاية، وإن بعدت الوسيلتان، فقصدهما هو الخير لبني الإنسان. # ونعود إلى القول إن مبدأ العقاب كما يقرره الإسلام ينطبق على جميع الأفراد، والصبيان، ~~يدخلون تحت راية هذا المبدأ فتشملهم العقوبة كما تشمل غيرهم من الناس. # والقابسي يفرض العقوبة على الصبيان، ويبين حدودها، ويفصل مراتبها ms103 كما هو مقرر في ~~الإسلام، مما هو ثابت في كلام الله، وأحاديث الرسول. ~~(2) الرفق بالصبيان # ومع أن الإسلام شرع العقاب، فقد نصح الله العباد بالعفو عند المقدرة. وفي القرآن عدة ~~ألفاظ تعتبر من قبيل المترادفات للعفو: كالصفح والرحمة والمغفرة. # والصبر مطية العفو. # والعفو والصفح والمغفرة تختلف عن التسامح المسيحي؛ ذلك أن التسامح لا يرد أذى بأذى، ~~بل هو قبول الأذى، والتجاوز عنه، والصبر عليه. أما العفو فهو اعتراف بوجود الأذى، ووجوب ~~رده، ثم التفضل بالصفح. وفي ذلك يقول الله: # وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين ~~(النحل: 126). وهو القائل: # وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين ~~(الشورى: 40). # فالعدالة في الإسلام تقتضي رد الأذى، وعقاب الجريمة. والعفو عنها إنما هو قدر زائد ~~على العدالة. # ثم ينصح الله عباده بالمغفرة والصفح لعلة سامية. فالله الذي خلق الإنسان أعرف ~~بطبيعته، وهو أعلم بدوافع الفطرة التي تحمل على الهوى وتزين الشر، وفي هذا قال تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور ~~رحيم ~~(التغابن: 14). # فالعلة في ارتكاب الشر هي الاستماع إلى أهواء النفس، وهي أهواء فطرية يعبر عنها علماء ~~النفس المحدثون بالغرائز. لهذا صحت نسبة الشر إلى الإنسان، لأن غرائزه تحمله على سوء ~~الهوى، فهو مضطر إلى ذلك اضطرارا. ولهذا السبب أفاض الله الرحمة والغفران، # وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفو عن كثير ~~(الشورى: 30). # والعفو وسيلة إلى غاية عليا هي اجتذاب القلوب، وولاء النفوس، والألفة بين الناس، وكل ~~أولئك داعية إلى الاجتماع والعمران والصلاح. لقد أوذي النبي في دعواه أذى شديدا، وهو ~~اعتداء يقتضي الحزم في رده، ولكن الله أمر نبيه بالرحمة والصبر، ودرء السيئة بالحسنة، ~~والدعوة بالتي هي أحسن فإذا الذين بينهم وبينه عداوة كأنهم أولياء. ولو كان النبي فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حوله. على أن للصبر نهاية، وللعفو أمدا وغاية. وإن الله ليملي ~~للظالم حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. فالعفو ms104 أسبق من العقاب، والصبر مقدمة الحساب. # أخذ القابسي بهذه القاعدة فأمر المعلمين بالرفق مع الصبيان. وإذا كان العفو مع ~~المذنبين من الكبار محبوبا، أغرى به الله وحث عليه، فهو مع الصبيان واجب لصغر سنهم، ~~وطيش أعمالهم، وضيق عقولهم، وقلة مداركهم. وعلى المعلم أن يلجأ مع الصبيان الذين ~~يرتكبون الذنوب إلى الرفق، كما جاء في وصيته للمعلم قائلا: «ومن حسن رعايته لهم أن ~~يكون بهم رفيقا.» 54-أ. ويعتمد القابسي في هذه النصيحة على المأثور من سيرة الرسول، ~~وعلى الحديث: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.» ~~54-أ. # والأطفال: «تدخل في هذه الوصية المتقدمة.» 54-أ. # فنحن نرى أن القابسي ينزل الصبيان منزلة الكبار البالغين المكلفين يشملهم العفو ~~والرفق، كما يجري عليهم الحساب والعقاب. على أن القابسي ينظر إلى الصبيان نظرة خاصة ~~تلائم طفولتهم. واستعمال لفظ الرفق بدل العفو دليل الشعور بما بين الأطفال والبالغين من ~~فروق. فالرفق عكس التشديد. والعفو في مقابل العقاب. وقد يجتمع الرفق والعقاب، ولا يجتمع ~~العفو والعقاب. # والغرض من الرفق إلى جانب اتباع أمر الرسول في الحديث السابق، هو حسن السياسة، ونفع ~~الرياضة. # والطفل لا يملك من أمره شيئا. ولهذا رفع التكليف عن الصغير دون البلوغ، كما رفع عن ~~المجنون والمريض. والعلة في هذه ظاهرة، وهي نقص الإدراك والعقل الذي هو: «مادة يتأتى به ~~درك العلوم، والدليل على ذلك قوله الله: # وما يذكر إلا ~~أولوا الألباب ~~(البقرة: 269)، و: # إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون ~~(النحل: 12).» # 2 # والقابسي ينزل المعلم من الصبيان منزلة الوالد، فهو المأخوذ بأدبهم القائم على ~~زجرهم، وهو الذي يوجههم إلى ما فيه مصلحة أنفسهم. وهذا التوجيه يحتاج إلى سياسة ورياضة؛ ~~حتى يصل المعلم بالطفل مع الزمن إلى معرفة طريق الخير، وهي طريق لا تدرك بالبديهة بل ~~بالرياضة والتعليم. # وكلما أخطأ الصبي متنكبا الطريق السوي، راضه المعلم مبينا له السبيل التي ينبغي ~~سلوكها، وأول سبل الرياضة الإفهام والتنبيه؛ لأن الطفل مهما يكن من شيء فهو عاقل يمتاز ~~عن الحيوان بالنطق ms105 والإدراك، ومعرفة العلل والأسباب، ولو أن إدراكه لا يزال قاصرا لا ~~يصل إلى حد الكمال. # هذه السياسة القائمة على الرفق في المعاملة، والعناية ببيان أسباب السلوك وإفهامه ~~للصبيان، من شأنها أن تجعل الصبي يكبر على العمل الصالح من تلقاء نفسه، دون حاجة إلى ~~عصا تسوقه، فتثمر الرياضة في نفسه ثمرة صالحة. ثم إن الشدة الدائمة، كأن يكون المعلم ~~عبوسا أبدا: «من الفظاظة الممقوتة ويستأنس الصبيان بها فيجترئون عليه.» 54-ب. # فالقابسي يقصد من الرفق العدالة في العقاب، وعدم التشديد فيه، والابتعاد من المغالاة ~~في الضرب أو أي وسيلة أخرى من وسائل الرياضة والتأديب؛ وعلة ذلك نفسانية؛ لأن معنى ~~استئناس الصبيان هو الاعتياد الناشئ عن التكرار، ومن أثر العادة إماتة الشعور، وبذلك ~~ينعدم التأثير المطلوب من العقاب، فضلا عن ذهاب سلطة المعلم وعدم هيبة الصبيان من ~~سطوته عليهم. # ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا استأهل الطفل ذلك، وإنما ينبه الطفل مرة ~~بعد مرة، فإذا لم يستمع لهذا التنبيه، ولم يأخذ بهذا التوجيه، لجأ المعلم إلى وسائل ~~العقاب المنصوص عليها. # حرمان الأطفال الطعام والشراب عقوبة معروفة مشهورة؛ وهي عقوبة شديدة الأثر في نفس ~~الطفل؛ لأن همه في الحياة تناول الطعام واللعب. ولا صبر له على الجوع حتى يشبع، فإذا ~~شبع لعب، ولا زاجر له عن اللعب حتى يتحرك. وحرمان الطعام واللعب عقوبتان معيبتان، ~~وحرمان الطعام أشد عيبا لأن في ذلك ضررا بصحة الطفل، وكبتا لأقوى غريزة وأولها عند ~~الإنسان، فينشأ الطفل على الشره في مستقبل حياته، وقد تمتد يده إلى السرقة لإشباع حاجة ~~نفسه مما يحرمه عليه أهله والقائمون بأمر تعليمه من ألوان الطعام. # لهذا نص القابسي على أن من الرفق بالصبيان الإذن لهم بالانصراف إلى تناول الغداء، ~~وعدم منعهم من الطعام والشراب. ذلك أن العادة كانت جارية في ذلك الزمان أن ينصرف ~~الصبيان مع الظهر إلى دورهم لتناول الغداء ثم يعودون بعد ذلك إلى الكتاب. ~~(3) النهي عن عقوبة الانتقام # العقوبة على أربعة مذاهب حسب الغاية منها، فهي انتقامية أو رادعة ms106 أو واعظة أو ~~مصلحة. # وأول أنواع العقوبات ما كان الغرض منه الانتقام من صاحب الذنب. والانتقام فطري في ~~الإنسان؛ لأنه يتصل بغريزة الغضب. والمعروف أن الإنسان إذا اعتدي عليه غضب وثار وحاول ~~أن يرد الاعتداء. وفي سورة الغضب يحطم الإنسان كل شيء، ويعتدي على كل شيء؛ لأن المحرك ~~له قوة الكفاح والمقاتلة، لا ميزان الحكمة وتقدير العقل والمصلحة. والمتوحشون على هذه ~~الصورة الأولية من الاندفاع وراء الانتقام، وشفاء غليل النفس مما تشعر به من ~~الثورة. # وقد أخذت الحضارة بيد الإنسان في طريق الخير، وهذبت ميوله الفطرية وغرائزه الحيوانية، ~~ناظرة في ذلك إلى نفع المجتمع بأسره. هذا التهذيب يقتضي ضبط النفس عند ظهور النوازع ~~الفطرية، ليرى صاحبها: أمن المصلحة أن يستجيب لنداء هذه الدوافع أم يكفها وينهاها؟ على ~~أي الحالات ينبغي أن يسيطر الإنسان على نفسه فيوجه أمره على ضوء العقل، فلا يخضع لكل ~~دافع، أو ينساق وراء كل نازع. # وكثيرا ما يفقد الإنسان الحكمة والبصيرة، ويعود إلى الطور الحيواني من الاندفاع ~~الأعمى، ويكون ذلك في أحوال الغضب الشديد، وما يصحبه من غيظ وكمد. # ولكن المرء لا يكمل معاني الإنسانية الذاهبة نحو السمو، إلا إذا استطاع ضبط النفس، ~~وحبس الغيظ. وفي القرآن إشارة إلى هذه الفضيلة الواجبة حيث قال تعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين ~~(آل عمران: 134). # وإذا كان كظم الغيظ والعفو عن الناس مرغوبا فيه مع الكبار، فهو أوجب مع الصبيان ~~الذين يقعون من المعلم موقع الولد من الوالد. وهم إلى ذلك في مجال التهذيب والتأديب لا ~~في مجال التشفي والانتقام. # لهذا كله نهى القابسي المعلم أن يضرب الصبيان وهو في ساعة الغضب، حتى لا يكون «ضرب ~~أولاد المسلمين لراحة نفسه، وهذا ليس من العدل.» 55-ب. # القصة التي ذكرها القابسي عن عمر بن عبد العزيز الذي أمر بضرب إنسان، ثم قال اتركوه ~~بعد أن أقيم للضرب؛ لأنه كره أن يضربه وهو غضبان، في هذه القصة دليل آخر على أن العقوبة ~~في الإسلام لا ينبغي أن تكون انتقامية. ms107 # والتربية وعلم النفس الحديثان لا يقرران جديدا يختلف عما قرره القابسي، وما هو ثابت ~~عند فقهاء المسلمين. وقد جاء وصف آثار الغضب النفسية والجسمية، وما يؤدي إليه من شهوة ~~الانتقام في كثير من الكتب الفقهية. ونثبت ما ذكره الغزالي في ذلك، فهو يفصله تفصيلا ~~لا يحتاج بعده إلى جديد. # قال بعد كلام يصف ما يصيب ملامح الوجه وحالة الجسم في ساعة الغضب «فيحمر الوجه ~~والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما ~~فيها. وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه. فإن صدر الغضب على ~~من فوقه كان معه يأس من الانتقام ... وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب، ومعناها غليان ~~دم القلب بطلب الانتقام. وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل ~~وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة، وفيه لذتها، ولا ~~تسكن إلا به.» # 3 # ثم قال عن أثر الغضب الخارجي: «وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام ~~الذي يستحيي منه ذو العقل، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب ... وأما أثره على الأعضاء ~~فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة ...» # 4 # هذه المشاهدات النفسية الصحيحة لآثار الغضب التي تلحق بالإنسان، سبق إلى ملاحظتها ~~القابسي فأثبتها في صدد غضب المعلم، وما يصدر عنه من كلام بذيء في حق الصبيان وشتمهم ~~وسب أعراضهم. كل ذلك لأنه: «إنما تجري الألفاظ القبيحة من لسان التقي إذا تمكن الغضب من ~~نفسه، وليس هذا مكان الغضب.» 54-أ. # فالغاية التي يريد أن يصل القابسي إليها هي رياضة الصبيان، ولا بأس بالعقاب بشرط ألا ~~يكون انتقاما، ولا يكون الانتقام إلا إذا ثار الغضب في النفس، وتمكن منها. وليس هذا ~~موضع الغضب والانتقام، وإنما هو موضع التأديب والتهذيب. ~~(4) الخوف وأثره في التهذيب # أما الأغراض الأخرى من العقاب وهي الإصلاح والوعظ والزجر، فهي وسائل تؤدي إلى غاية ~~مطلوبة هي صلاح المذنب أو صلاح المذنبين وخير المجتمع. # وأول هذه الأغراض هو ms108 إصلاح المذنب، ويعبرون عن هذا الإصلاح عادة بالتهذيب، ووسيلته ~~الرياضة والتأديب. ويكون هذا الإصلاح بالترغيب والترهيب، والرجاء والخوف، والنصيحة ~~والتهذيب. # والطفل مهما يكن من شيء فهو حدث صغير، لا يعرف ما ينفعه ولا يميز ما يضره، ولا ~~يستطيع أن ينظر إلى مصلحته البعيدة في المستقبل. وما دام الأمر كذلك، فإن الأطفال يظلون ~~أمانة في عنق آبائهم ومربيهم يطبعونهم على ما يريدون. لهذا كانت إشارة القابسي إلى واجب ~~الآباء إشارة سديدة صحيحة؛ حيث قال بصدد تعليم الصبيان القرآن: «وعلى ذلك يربونهم وبه ~~يبتدونهم، وهم أطفال لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا يعلمون إلا ما علمهم ~~آباؤهم.» # والطفل الصغير لا يفهم معاني القرآن، ولا يدري لماذا يكلف حفظه، فإذا انصرف عن ~~درسه وآثر اللعب بدافع الفطرة المطبوع عليها، فليس لنا أن نعجب، وإنما نعجب إذا رضي أن ~~يقيد في الكتاب طول النهار، وأن يديم النظر إلى هذه الحروف التي يسطرها في ~~الألواح. # فنحن نريد للطفل شيئا، وهو يريد لنفسه شيئا آخر. # ولا سبيل إلى فرض إرادة المجتمع على الطفل إلا بوسائل الرياضة وألوان العقاب؛ ~~ويعتبرون أن انصراف الطفل من تنفيذ رغبة المجتمع ذنب. فإذا كان المجتمع الإسلامي يريد ~~من الطفل أن يحفظ القرآن وأن يقيم الصلاة، ثم رفض الطفل، فهو في نظر المعلم ~~مذنب. # والطريقة التي نجتذب بها الصبيان إلى تأدية ما نريد هي الترغيب والترهيب . # والخوف يكون أحيانا من أقوى المؤثرات التي تمنع الإنسان عن أداء الأعمال التي يخاف ~~منها. والخوف فطري في النفس، يصحبه الهرب مما يثير الخوف، والابتعاد عن مصدره. وكل فطرة ~~في النفس فهي من الطبائع الموروثة التي لا أمل في اقتلاعها، وإنما يراعى فيها حسن ~~التوجيه نحو الخير المقصود. ولو أنك جنبت الطفل كل مصادر الخوف، وحطته بالأمن والرعاية ~~فإنه ينشأ مدللا لا شجاعا. فإذا صادف في الحياة عقبة أو شرا اعتقد أنه مهول وانقلب ~~الخوف في نفسه رعبا، والتدليل خورا وجبنا. # والذين ينصحون بعدم إخافة الصبيان، يعودون إلى القول بضرورة تعريضهم للمخاوف الطبيعية ~~لينشأ الصبي ms109 صلب العود قوي العزيمة صادق الإرادة على مجابهة الأخطار، والوقوف أمام ~~الصعاب. # وأصحاب المذاهب الحديثة في التربية يقصدون من هذا اللون من ألوان التربية أن يكثر ~~الأطفال من الرياضة البدنية كالسباحة، ولعب كرة القدم، وتسلق الجبال، وركوب الخيل وما ~~إلى ذلك من أنواع الرياضة البدنية التي يتدرب فيها الصبيان والشباب على مواجهة الأخطار، ~~والتغلب على المخاوف الطبيعية. وغرضهم من ذلك أن يتعلموا بأنفسهم من ظروف الحياة، وأن ~~تؤدبهم صروفها. والمعروف أن الشعب الإنجليزي ينحو هذا النحو في التربية؛ وقد أخذ عنهم ~~هذه الطريقة كثير من الشعوب في العصر الحاضر. # ومع ذلك فهذا الأسلوب في التربية والتأديب لا يعتبر حديثا، وإنما هو عود إلى القديم؛ ~~إذ المعروف أن اليونان والرومان كانوا يعنون عناية كبيرة بالرياضة البدنية. وقد عني ~~العرب كذلك بالرياضة البدنية والفروسية كالسباحة وركوب الخيل مما هو ثابت في وصايا ~~الخلفاء والأمراء لمؤدبي أبنائهم. # وجاء في كتاب (تهذيب الأخلاق) لابن مسكويه إشارة إلى تعليم الصبيان الرياضة حيث قال: ~~«ويعود الصبي المشي والحركة والركوب والرياضة.» وقد نقل ابن مسكويه هذا الفصل الخاص ~~بتأديب الأحداث عن «بروسن»، وهي رسالة معروفة عند العرب، ذكرها الغزالي في كتبه. # ولكن عناية القابسي اتجهت إلى التربية في الكتاب، لا إلى التربية عموما في ~~الكتاب وفي خارج الكتاب. ولا ننسى أن الذين كانوا يزاولون الرياضة البدنية في ~~العصور القديمة هم طبقة النبلاء الذين يصطفون لأبنائهم المؤدبين والمربين، ولهم من فراغ ~~الوقت وسعة العيش ما ييسر لهم توجيه أبنائهم على ما يشتهون. على حين أن القابسي وصف ~~طريقة تأديب أبناء الشعب، وأغلبهم من العامة الذين لا يستطيعون أن يتفرغوا لتربية ~~أطفالهم بطريق الرياضة البدنية. # وسواء أكان الأطفال من أبناء النبلاء أم من أبناء الدهماء. فهل نأخذهم بالشدة أم ~~باللين، وهل نعاقبهم بالتخويف أم ننصرف عن هذا الطريق؟ # عقد ابن خلدون فصلا في الشدة على المتعلمين مضرة بهم جاء فيه: «إن من كان مرباه ~~بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق على النفس في ms110 ~~انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما ~~في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه ... فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ~~ولده ألا يستبدوا عليهم في التأديب.» # 5 # وجاء في وصية سحنون الفقيه لمعلم ابنه: «لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، وليس هو ~~ممن يؤدب بالضرب والتعنيف.» # فنحن نرى أن المربين في الإسلام كرهوا التشديد على الصبيان، ونصحوا بالرفق ~~واللين. # وقد وقف القابسي بالسؤال الذي أجاب عنه ابن خلدون وسحنون، وأجاب عنه بمثل ما أجابوا ~~فقال: «فقولك هل يستحب للمعلم التشديد على الصبيان أو ترى أن يرفق بهم ... فهو يسوسهم في ~~كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجه ذلك من حسن رفقه بهم، ولا من رحمته إياهم، فإنما هو لهم ~~عوض عن آبائهم.» 54-أ. # وقد فصلنا الكلام عن الرفق والعفو السابقين على العقاب فلا نعود إليه. # أما الطريقة العملية في سياسة الصبيان التي يصحبها الرفق، البعيدة عن الشدة، فهي ~~الثناء على أفعالهم المحمودة، وذم أعمالهم المكروهة. # وجميع المربين في الإسلام يتبعون هذه القاعدة. # كتب شمس الدين الإنباني - وهو من المتأخرين - في سياسة الصبيان ما يأتي: «ثم مهما ظهر ~~منه خلق جميل، وفعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح به ~~بين الناس. # فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة، فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره؛ فإن ~~إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة. # فعند ذلك إن عاد ثانيا ينبغي أن يعاقبه سرا، ويعظم الأمر فيه، ويقول له إياك أن ~~تعود بعد ذلك لمثل هذا فتفتضح بين الناس. ولا يكثر عليه الملامة في كل وقت فإنه يهون ~~عليه سماع الملامة وركوب القبائح. # فإذا عاد، أدبه بما يليق من توبيخه.» # 6 # وهذا ما نصح به القابسي إذ لفت نظر المعلم إلى أن يغبط الصبي بإحسانه إذا أحسن في غير ~~انبساط إليه، ولا منافرة له، ليعرف وجه الحسن من القبح، وإذا أخطأ الصبي أخبره بهذا ~~الخطأ، ثم «يقبحه ms111 عنده، ويتواعده بشدة العقوبة عليه إن هو عاوده ليتدرج على مجانبة ~~الخطأ.» 58-ب. # أما إذا نبه الصبي مرة بعد مرة، ولم ينتج التنبيه فائدة، فعلى المعلم أن يلجأ إلى ~~العذل والتقريع بالكلام من غير شتم. والعذل والتقريع بالكلام من العقوبات التي ترمي إلى ~~استغلال الخوف الأدبي ليحفظ المرء كرامته بين أفراد المجتمع. # والدافع إلى حفظ الكرامة دافع فطري، فطن إليه الأقدمون، فكتبوا عنه إجمالا كما ~~رأينا، وفصله المحدثون تفصيلا طويلا، وكتب فيه زعيم من هؤلاء المحدثين هو عالم ~~التحليل النفساني «أدلر» الذي يعتبر أن المحرك لأعمال الإنسان منذ أن يولد طفلا إلى أن ~~يشب رجلا؛ أي خلال حياته كلها، هو النزعة إلى السيطرة والتطلع إلى السلطان، ويقابل ذلك، ~~إذا فشل المرء في تحقيق ما يتطلع إليه، الشعور بالضعة والقلة والمذلة والصغار. # وميزان ذلك كله المجتمع الذي يعيش فيه الطفل، فإذا تسنى له أن يحقق مطمعه من الشوق ~~إلى التسلط والسيطرة رضيت نفسه وامتلأت بالغبطة والسعادة، وإذا صدمته قوى غيره من ~~الأطفال والكبار الذين يحتك بهم كوالديه ومعلميه، وفشل في تحقيق مطعمه هبط تحت مستوى ~~المجتمع. # فهذان اتجاهان متقابلان أحدهما إلى فوق والآخر إلى تحت، والارتفاع فوق هامات المجتمع ~~هو التسلط والسيطرة، والانخفاض تحت أقدام الناس هو الضعة والصغار. ~~«وكثير من الأطفال يشبون وهم في خوف دائم من السخرية بهم.» # 7 # والعذل والتهديد والتقريع من العقوبات التي تؤدي إلى هبوط مركز الطفل، وهي تثير في ~~نفسه الخوف من هذا الضياع، وتهيب به أن يتجنب ما يدعو إلى تحقيق إخافته وإيلامه. وهذه ~~الوسيلة الأولى من وسائل العقاب تجمع بين الخوف والرجاء، وتنير أمام الصبي طريق الكرامة ~~والاعتزاز والسلطان. # فهو إذا أحسن لقي الجزاء بالإحسان، وإذا أساء أدبه المعلم بالتعنيف والتشهير. ولا ~~تقبل الطبائع البشرية أن تنزل درجتها في المجتمع وهي راضية، وعندئذ يجري الطفل وراء ما ~~يحقق له شوقه إلى السلطان، وذلك بالامتناع عما يسيء، والابتعاد عما يضر، والإقبال على ~~أداء ما هو مطلوب منه حتى إذا خالف هواه، فيتم تهذيب الطفل ms112 بأيسر الوسائل، وهذه هي أفضل ~~الرياضات المؤدية إلى الإصلاح. ~~(5) عقوبة الضرب # إذا لم تفلح العقوبة السابقة وهي الإخافة الأدبية والتهديد والعذل والنصح والتقريع، ~~لجأ المعلم إلى نوع أعنف وأقوى من هذه العقوبات. هذه العقوبة الجديدة القوية ليست ~~مصلحة فحسب، وإنما هي عقوبة رادعة زاجرة، لأنها تترك ألما مباشرا في نفس المذنب ~~فيرتدع عن ارتكاب الذنب. # هذه العقوبة تكون عادة بدنية. # وفي الإسلام ألوان كثيرة من العقوبات البدنية تناسب شتى الجرائم، فجزاء القتل القتل، ~~وجزاء السرقة قطع اليد، وحد شارب الخمر الجلد. # فمبدأ العقوبة البدنية مقرر بنص من القرآن. لهذا لا يتنازع الفقهاء في بحث هذا الأصل، ~~وإنما يطبقونه بما يلائم الأحوال والظروف؛ فلا نستطيع أن نلغي القتل في القصاص، أو قطع ~~اليد في السرقة، وإلا اعتبر هذا تهاونا بل خروجا في تنفيذ ما أمر به الشرع. وإذا كنا ~~الآن في البيئات الإسلامية - ما عدا الأقطار الحجازية - لا نطبق عقوبة قطع اليد في ~~السرقة؛ فذلك لأن الشريعة الإسلامية غير سارية، وحل محلها القانون الأهلي. # والحالة في عقاب الصبيان لا تصل بطبيعة الحال إلى حد القتل وقطع اليد؛ لأن الصبيان لا ~~يزالون قاصرين غير مكلفين، والعقوبة التي توقع عليهم هي الضرب ضربا غير مبرح لمصلحتهم ~~وسياستهم ورياضتهم. # وقد جاء الأمر بضربهم صريحا في المأثور عن النبي، وكما ذكر القابسي، أنه ينبغي أن ~~يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر. # هذا يدلنا على أن الطفل قبل سن عشر سنوات لا يجوز ضربه لصغر سنه وما يتبع ذلك من ~~انعدام مسئوليته. # والأصل في ضرب الصبيان في الدين لحملهم على أداء فريضة هي ركن من أركان الإسلام وهي ~~الصلاة؛ ليأنس إليها الصبيان ويتطبعوا بها وتنزل منهم منزلة العادة. # وإذا كان الفقهاء قد أجازوا الضرب في حالة ترك الصلاة، بل أمروا بالضرب، فقد أمروا ~~بالضرب أيضا في جميع الحالات التي يحتاج الوالد أو المعلم إليها في تأديب الصبيان، وهي ~~عدم حفظ القرآن، واللعب والأذى، والهرب من الكتاب، وما إلى ذلك من ms113 أنواع الذنوب ~~الخلقية والمدرسية التي سبق أن ذكرناها تفصيلا. # ولم يكن الفقهاء في حاجة إلى التفكير؛ هل الضرب مشروع أو غير مشروع، وهل هذه العقوبة ~~البدنية مما يصح أن يوقعها أولياء الأمور على من يستحقونها أم لا؟ ذلك أن الله في كتابه ~~العزيز جعل الزوج يعاقب زوجته بعد الوعظ والهجر في المضاجع بالضرب. فالضرب مشروع ~~بالنسبة للرجال والنساء بنص من الدين. وقد أجازه مالك كما رأينا بالنسبة ~~للصبيان. # سئل القابسي هل يؤدب الرجل امرأته؟ فأجاب: إن أدبه إياها مأخوذ من كتاب الله، ثم ~~أورد الآية: # واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن ~~(النساء: 34). # ذلك أن القابسي فقيه قبل أن يكون مربيا. وهو يستمد مبادئ التربية من أصول الفقه، ~~ومن معين الدين، ومن كلام الله الذي يقيس عليه المسائل المختلفة التي تعرض له. # فالزوج يؤدب الزوجة، والوالد يؤدب الولد، والمعلم يؤدب الصبي. # والزوج والوالد والمعلم مأمورون بالتأديب؛ لأن مصلحة الزوجة والولد والصبي في عنقهم، ~~وهم القوامون عليهم. # والغرض من التأديب في الأحوال الثلاث واحد، وهو المصلحة. فالزوج يؤدب زوجته: «كأدب ~~المعلم لصبيانه سالما من العطب والحمية؛ لأنه إنما يؤدبها لمصلحتها له ولنفسها.» ~~93-ب. # على أن القابسي وغيره من الفقهاء قرروا الضرب عقوبة، ثم أحاطوا هذه العقوبة بسياج من ~~الشروط، حتى لا يخرج الضرب من الزجر والإصلاح إلى التشفي والانتقام. # ونلخص الشروط التي ذكرها القابسي فيما يلي: ~~(1) # ألا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب. ~~(2) # أن يوقع المعلم ضرب «بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم.» ~~(3) # أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن القائم بأمر الصبي في الزيادة ~~إلى عشر ضربات. ~~(4) # أن يزاد على العشر ضربات إذا كان الصبي «يناهز الاحتلام، سيئ الرعية، ~~غليظ الخلق، لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه.» ~~(5) # أن يقوم المعلم بضرب الصبيان بنفسه، ولا يترك هذا الأمر لأحد من الصبيان ~~«الذين تجري بينهم الحمية والمنازعة.» ~~(6) # أن صفة الضرب ما يؤلم ولا يتعدى الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن ~~المضر. ~~(7) # أن مكان الضرب في الرجلين «فهو آمن وأحمل للألم ms114 في سلامة.» وليتجنب رأس ~~الصبي أو وجهه، إذ قد يوهن الدماغ أو تطرف العين. ~~(8) # أن آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، «وينبغي أن يكون عود الدرة ~~رطبا مأمونا.» # فهذه الشروط كلها تحيط الضرب بسياج من الأمن حتى لا يحدث للصبي ضرر، ولا يخرج الضرب ~~عن معنى التأديب الموضوع له. # وفي هذه الشروط المقيدة للضرب مراعاة لمصلحة الصبي إلى أقصى الحدود، واقتصاد شديد في ~~هذه العقوبة البدنية المرذولة. فالمعلم لا يلجأ إلى الضرب إلا بعد أن يستنفد جميع وسائل ~~الوعظ والتنبيه والتهديد والتخويف. فإذا استحق الصبي الضرب بعد ذلك كله فلا بأس من ~~الضرب. وإذا زاد على ثلاث ضربات فلا بد من استئذان ولي أمر الصبي. # هذه هي العدالة، ولكنها إلى الرفق أميل منها إلى الشدة. # ويلاحظ في هذه العقوبة التدرج من الرفق إلى الشدة. فقد أحيط الضرب بسياج من القيود ~~تمنع أذى الصبي، ولا توقع به إلا الألم المقصود من التأديب. # هذا كله يبين لنا أن الضرب لم يكن يوقع على جميع الصبيان، وإنما على من يستحقه ~~منهم. وهؤلاء هم الذين لا تجدي معهم وسائل التأديب الخلقية، وألوان الوعظ ~~والإرشاد. # عقوبة الضرب التي ذكرناها عن القابسي لا تختلف في شيء عند غيره من المفكرين في ~~الإسلام، لا قبل زمانه، ولا بعد عصره. فجميع المربين في الإسلام يقرون الضرب كما قرره ~~القابسي، ويحيطونه بنفس القيود التي تخفف من وطأته . ولا غرابة في هذا فجميعهم - وهم ~~المربون الفقهاء فقط - ينهلون من نبع واحد هو الحديث الوارد في ضرب الأولاد على ~~الصلاة. # وقد أراد ابن خلدون أن يتحرر من مبدأ الضرب، فعاب الشدة على المتعلمين كما رأينا، ~~ولكنه عاد في آخر الفصل الذي عقده فأجاز الضرب حيث نقل عن محمد بن أبي زيد في كتابه ~~الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين: «لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا ~~احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا ... ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ~~ولده الأمين ... وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن ms115 أباها فعليك بالشدة ~~والغلظة.» # ونذكر ما نص عليه أحد الفقهاء وهو شمس الدين الإنبابي في وصف الضرب لترى معي أن ~~الصورة لم تتغير عند المتأخرين عما كانت عليه عند المتقدمين. قال في كيفية ضرب الصبي: ~~«أن يكون مفرقا لا مجموعا في محل واحد. وأن يكون في غير وجه ومقتل، وأن يكون بين ~~الضربتين زمن يخف به ألم الأولى. وأن يرفع الضارب ذراعه لينقل السوط لا عضده حتى يرى ~~بياض إبطه، فلا يرفعه لئلا يعظم ألمه، ولا يضعه عليه وضعا لا يتألم به.» # ويجب في السوط أن يكون معتدل الحجم، فيكون بين القضيب والعصا؛ وأن يكون معتدل ~~الرطوبة، فلا يكون رطبا يشق الجلد لثقله، ولا شديد اليبوسة فلا يؤلم لخفته. ولا يتعين ~~لذلك نوع بل يجوز بسوط وهي سيور تلوى، وبعود، وخشبة، ونعل، وطرف ثوب بعد فتله حتى ~~يشتد.» # ويميل الإنبابي إلى الشدة والزيادة على العشر ضربات، فقال: «ولا يجوز له أن يبلغ ~~بالضرب أربعين في الحر وعشرين في غيره، بل يلزمه النقص عن ذلك. وأما خبر الصحيحين «لا ~~يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى.» فهو محمول على ما هو الأولى غالبا ~~وإلا فقبح الذنب يقتضي الزيادة.» # 8 # والجديد في هذا الكلام هو في بعض التفاصيل، وأما مبدأ الضرب وعدد الضربات فهو ثابت ~~منذ زمن القابسي بل وقبل زمنه. # ولا يرى ابن سينا - وهو من الفلاسفة - بالضرب بأسا، وفي ذلك يقول بصدد سياسة الرجل ~~ولده: «فإن احتاج إلى الاستعانة باليد لم يحجم عنه. وليكن أول الضرب قليلا موجعا كما ~~أشار به الحكماء بعد الإرهاب الشديد. فإن الضربة الأولى إذا كانت موجعة ساء ظن الصبي ~~بما بعدها واشتد منها خوفه. وإذا كانت الأولى خفيفة غير مؤلمة حسن ظنه بالباقي فلم يحفل به.» # 9 # وهنا نسمع كلاما جديدا يختلف عما درجنا على سماعه من القابسي، الذي يرى على العكس ~~التدرج بالضرب من الرفق إلى الشدة، على حين أن ابن سينا يريد أن يبدأ بالشدة ليقوى ~~الأثر. # والعلة في ms116 الضرب التي لجأ إليها الفقهاء كما لجأ إليها الفلاسفة والحكماء، هي ما يصحب ~~الضرب من ألم، وما يصحب ذلك من خوف الألم. وفي ذلك يقول الغزالي: «والأصلح للبهيمية أن ~~لا تخلو عن سوط وكذا الصبي، ولكن ذلك لا يدل على أن المبالغة في الضرب محمودة.» # 10 # وبيان أثر الضرب في لغة علم النفس الحديث أن ضربة العصا تؤلم الصبي، فتؤدي إلى ~~امتناعه عما يفعل حتى لا يقع عليه الضرب مرة ثانية. والإنسان بطبيعته مفطور على الإقبال ~~على ما يسره والابتعاد عما يؤلمه. والذاكرة تلعب دورا مهما إذ يستعيد الصبي سبب ~~أوجاعه، ويستحضر في ذاكرته الموقف الذي ضرب فيه، فيعمل على إبعاد كل ذلك، وبهذا يستقيم، ~~وبهذا تؤثر التربية أثرها، ويتم التدريب المنشود في عالم الصبيان وفي عالم الحيوان كما ~~هو معرف، وكما ذكر الغزالي. أما المبالغة في الضرب فغير محمودة لأنها تؤدي إلى ~~البلادة، وانعدام الألم الذي به يتم الانصراف عن الأفعال القبيحة؛ ذلك أن الزيادة في ~~الضرب لا تتناسب تناسبا رياضيا مع الزيادة في الألم كما هو معروف في علم ~~النفس. # وحقيقة الأمر أن الضرب المبالغ فيه لا ينشأ إلا إذا خرج المعلم عن طوره، وأراد ~~الانتقام والتشفي، وذلك في الأحوال التي يتملكه فيها الغضب. وقد نهى القابسي كما نهى ~~غيره من الفقهاء أن يكون الضرب للانتقام. وعن القابسي أن الرسول عليه السلام قد نهى أن ~~يقضي القاضي وهو غضبان . فإذا كان الأمر كذلك بين القاضي والمذنبين في حالة الغضب فالأمر ~~أوجب لابتعاد المعلم في حالة الغضب عن ضرب الصبيان، وهم الأحداث الصغار الذين لم ~~يستكملوا العقل والحكمة والتجربة. # ونخص من الفقهاء محمد بن سحنون الذي استقى منه القابسي وذكر عنه ونقل منه. جاء في ~~كتاب (آداب المعلمين) لمحمد بن سحنون: «وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «أشرار أمتي ~~معلمو صبيانهم أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين.» قال محمد (أي ابن سحنون) وإنما ~~ذلك لأنه يضربهم إذا غضب، وليس على منافعهم؛ ولا بأس أن يضربهم على منافعهم، ولا ms117 يجاوز ~~بالأدب ثلاثا، إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك إذا آذى أحدا. ويؤدبهم على اللعب ~~والبطالة، ولا يجاوز بالأدب عشرة.» # 11 # من هنا يتبين أن الضرب لمنفعة الصبي، وأن يكون فيه من الرفق ما يؤدي إلى التأديب ولا ~~يتعداه إلى غير ذلك، فيتم الزجر المطلوب من العقاب وينتهي الأمر بعد ذلك إلى ~~الصلاح. ~~(6) العقوبة الواعظة # من أغراض العقوبة في الإسلام عظة الغير، وقيل في المثل السائر: «السعيد من اتعظ ~~بغيره.» ومعنى ذلك أن الضرب الذي يوقع على الصبي، يكون عظة وعبرة لغيره من الصبيان، إلى ~~جانب ما في عقوبة الضرب من زجر للصبي المضروب. # والإسلام يقرر هذا المبدأ في العقوبة حيث قال تعالى: # وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ~~(النور: 2). ~~والغرض من هذه المشاهدة مزدوج؛ هو التشهير بالمذنب من جهة، وضرب المثل للغير من جهة ~~أخرى. # أما الأثر الذي يلحق المجرم حين يعذب أمام طائفة من الناس فهو الفضيحة بينهم. ~~وسبق أن ذكرنا أن حب التسلط والسيطرة فطرة في الإنسان، ولا شك أن العقاب الذي يقع ~~بالمرء في مواجهة غيره، يذهب بمنزلته ويسقط من قدره. والمرء يحب الاحتفاظ بسلطانه، ~~وتأكيد احترامه. # أما المشاهدون لهذه العقوبة، فالتأثير فيهم لا يقل عن الأثر الذي يلحق بالمذنب. ذلك ~~أن الألم ينتقل إلى الناس كالعدوى بدافع المشاركة الوجدانية أو التعاطف، وهو من النزعات ~~الفطرية في الإنسان. ويلعب التصور والخيال دورا كبيرا في هذه المسألة. ذلك أن مشاهد ~~العذاب يتصور في خياله ما ينزل به إذا كان هو الواقع تحت العذاب. فهو يتألم كما لو كان ~~التأثير حقيقيا لا وهميا، وهو يخشى العقاب ويرهبه خشية المذنب، ورهبة ~~المعاقب. # لم ينص القابسي على هذا النوع من العقوبة، وهي عقوبة الوعظ والعبرة، ولم يتكلم عن ~~أثرها في الصبيان، ولكنه في الوقت نفسه لم ينصح بعقاب الصبيان كل واحد على حدة. على ~~العكس من ذلك نجد أن في مناسبات كثيرة يحث المعلم على عقاب الصبيان جملة، ليتم تأديبهم ~~جميعا. ذلك أن سلوك المعلم مع الصبيان في الكتاب ms118 يحمل روح التأديب. فالعبوس نوع من ~~العقاب اليسير الذي تكلم عنه القابسي؛ والعبوس مظهر من مظاهر الغضب، وعنوان الأمر ~~والشدة، وهذا المظهر يسبق عادة العزم على الضرب والاعتداء. ويتأثر الصبيان بهذا ~~المظهر، فيتجنبون ما يغضب المعلم خشية ما يعقب العبوس من ضرب. لهذا يخضع الصبيان ~~وينكمشون عند عبوس المعلم. # قال القابسي: «فكونه عبوسا أبدا، من الفظاظة الممقوتة ويستأنس بها الصبيان.» ~~54-ب. # فالمعلم يعبس لصبي واحد لأنه ارتكب جرما يستأهل هذا اللون من العقاب. ولكن باقي ~~الصبيان يشهدون دون شك هذا المظهر ويتأثرون به عن طريق العظة والعبرة. والقابسي يخشى ~~إذا أدام المعلم العبوس أن يستأنس الصبيان بهذا السلوك فلا يتأثرون منه. والأمر كذلك في ~~جميع أنواع العقاب، فالمبالغة في التهديد أو العذل أو الضرب يعتادها الصبيان فلا تفيد ~~الأثر المطلوب في التأديب. # ثم عقوبة التقريع بالكلام من العقوبات التي لا تؤثر أثرها إلا إذا وقعها المعلم على ~~الصبي في مواجهة غيره من الصبيان. ذلك أن الغرض من التقريع إذلال الصبي، وإسقاط منزلته، ~~واحتقار شأنه. ولا يذل الصبي إلا بالنسبة إلى غيره من الرفقاء، ولا تسقط منزلته إلا ~~بالإضافة إلى غيره من الزملاء. واحتقار شأنه المقصود منه خفض منزلته عن مستوى أقرانه لا ~~مستوى معلمه، حيث كانت سلطة المعلم وقدره فوق مرتقى الصبي بطبيعة الحال. وفي هذا ~~التقريع عظة لجميع الصبيان الحاضرين في الكتاب المشاهدين لهذا التعريض، فهم يخشون أن ~~يقع بهم مثل ما يقع بمن يوجه إليه التشهير. # إلى جانب ذلك نجد القابسي يلجأ إلى استشارة والد الصبي إذا استحق العقاب زيادة عن ~~ثلاث ضربات. وإذا بلغ الأمر حد إخبار آباء الصبيان واستشارتهم، فإن المسألة لن يحوطها ~~الكتمان، وإنما تخرج إلى العلانية فيعلم بها جميع الصبيان. وفي هذا عظة لهم لأنهم يخشون ~~عقاب الآباء أكثر من خشيتهم عقاب المعلم. # واستئذان آباء الصبيان في العقاب يحمل فائدة تهذيبية كبيرة. فهو دليل على التعاون بين ~~البيت والمدرسة، وبين الوالد والمعلم؛ لأن كليهما يقول بتأديب الصبي، ويرمي إلى رياضته ~~وتهذيبه. والمعلم - كما يقول ms119 القابسي - في منزلة الوالد. ولا يخفى أن سلطان الوالد على ولده ~~أقوى وأشد من سلطان المعلم على الصبي؛ لأن الوالد هو الذي يقوم بالنفقة على ابنه، وهو ~~الذي يتعهده بالتربية منذ الصغر حتى يبلغ السن التي يذهب فيها إلى الكتاب. وهو الذي ~~يرعاه في الصباح الباكر قبل الانصراف إلى العلم، كما يرعاه مع الضحى حين أوبته من ~~الكتاب. فالوالد يلازم ابنه ملازمة تجعل الابن يشعر بحاجته الدائمة في معاشه وفي ~~منزلته الاجتماعية. لذلك كان سلطان الأب طبيعيا على ابنه، ويتبع ذلك خشية الابن من ~~سطوة أبيه عليه، وخوفه من غضبه وعقابه. فالصبي يخاف أن يعلم والده بما يرتكب من ذنوب في ~~الكتاب، ولذلك يحاول جهده تجنب ارتكاب هذه الذنوب. # ومما يدل على أن القابسي لا يرى بالعقوبة العلانية بأسا، أنه يرخص للمعلم أن يعهد ~~إلى أحد الصبيان بالضرب إن أمن المعلم ألا يتجاوز الصبي في ضربه الحدود الموضوعة، ~~وكان للمعلم عذر في تخلفه عن الضرب. # على أن القابسي نقل عن سحنون ووافقه في ذلك، أن الأصل هو قيام المعلم بنفسه بتوقيع ~~العقوبة على الصبيان. ثم عاد القابسي فذكر عن سحنون إباحة تأديب الصبيان بعضهم ~~بعضا. # ونحن نحبذ رأي القابسي الذي بدأ به، وهو قصر توقيع العقاب بواسطة المعلم وحده، ~~والتنبيه على عدم إباحته للصبيان الذين: «تجري بينهم الحمية والمنازعة، فقد يتجاوز ~~الصبي المطبق فيما يؤلم المضروب.» 56-ب. # ولا ندري لماذا عاد القابسي فأباح العقاب لأحد الصبيان بعد ذكر هذه الأسباب الوجيهة ~~المانعة لولاية الصبي الضرب مما يخالف مبادئ التربية. # وعندنا أن هذه المسألة كانت تجري على عرف الناس في الكتاتيب، فأجازها سحنون كما ~~أجازها القابسي مع التقييد والحيطة. # هذه خلاصة ما ذكره القابسي في العقاب، متمشيا مع روح الإسلام في مبادئه وأصوله، حيث ~~يبدأ بالرفق وينتهي بالشدة، ويضع الأمور موضعها فيقرر العقوبة الملائمة للذنب، ويأخذ ~~الصبيان بالشدة في رفق، وينصح بالحزم في غير قسوة، مع مراعاة الروح الإنساني وعاطفة ~~الرحمة. # وغرضه من العقاب الإصلاح والزجر والوعظ لا التشفي والانتقام. وإننا ms120 لنرى روح العدل ~~ممتزجة بالشفقة تطل من وراء هذه المبادئ التي قررها في التهذيب والتأديب. # الفصل الثامن # | المناهج وطرق التعليم # (1) المنهج صورة لأحوال المجتمع # إذا شئنا أن نعرف العلة التي من أجلها وضع القابسي منهج التعليم للصبيان في الكتاتيب ~~أو أقره على النحو المذكور في رسالته، فينبغي أن ننظر إلى حالة المجتمع في ذلك العصر، ~~لنرى مبلغ حاجاته ومطالبه. وعندئذ يتبين لنا السر الذي دفع المربين في الإسلام إلى ~~تعليم الصبيان علوما معينة، منها يتألف ما نسميه المنهج الدراسي على الاصطلاح الحديث ~~المعروف الآن. # وقد يكون المنهج واقعيا، وقد يكون مثاليا، في الحالين يستمد وجوده من المجتمع. ~~فالمنهج الواقعي، وهو ما يدرس بالفعل، يستقي كيانه من المجتمع القائم، بينما المنهج ~~المثالي، وهو ما يطالب به المفكرون والمصلحون يلائم صورة المجتمع المثالية التي يتخيلها ~~هؤلاء المفكرون في مدنهم الفاضلة. ومنهج القابسي في التعليم واقعي كما سبقت الإشارة إلى ~~ذلك. فهو يصف ما كان متبعا فعلا في الكتاتيب الإسلامية في شمال أفريقيا. وهذا المنهج ~~المتبع في عصره هو أثر البيئة الاجتماعية. # يقول بيتس: «على المجتمع يقع عبء تعليم الأجيال الجديدة، والمجتمع هو الذي يهيئ ~~البيئة الصالحة لنمو الأفراد. وعلى الأفراد أن يحملوا عبء المسئولية فيستجيبوا لنداء ~~التعليم بحسن التعلم.» # 1 # وقد أورد المؤلف تعريفين للتعليم؛ الأول يرمي إلى تنبيه مواهب الفرد، ~~والثاني إعداد الفرد للحياة الاجتماعية. والمقصود بمواهب الفرد القوى العقلية ~~المختلفة كالذاكرة والابتكار والذكاء والملاحظة وما إلى ذلك. # 2 # ويقول ألبير مالو أستاذ التربية بجامعة السوربون: «الآراء متفقة في جميع الشعوب ~~الحديثة على أن التعليم يجب أن يعد الفرد للحياة الاجتماعية أكثر مما هو حاصل الآن.» # 3 # والرأي عندنا أن التعليم إعداد للحياة الاجتماعية، ولا ننكر أنه يأخذ بيد الفرد في ~~طريق التقدم، وبذلك يهيئه في نهاية الأمر للحياة الاجتماعية. # ولا نستطيع أن نفهم الخلاف في مناهج التعليم خلال العصور المتعاقبة، وفي الأمم ~~المختلفة التي تعيش في عصر واحد، إلا نتيجة اختلاف البيئات جميعا. # فإذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا أن اليونان ms121 كانوا يعنون بتعليم الصبيان الرياضة ~~البدنية بألوانها والموسيقى والأدب والقراءة والكتابة. وكانت عناية الإسبرطيين بالرياضة ~~البدنية الشاقة شديدة، بينما اتجهت أنظار الأثينيين إلى الموسيقى والأدب. ومناهج ~~التعليم في الدولة الرومانية كانت تشبه إلى حد كبير ما عند اليونان؛ لأن الدولة ~~الرومانية ورثت حضارة اليونان وثقافتها. هذه المناهج كانت تلائم البيئة الاجتماعية في ~~ذلك العصر. وهي مناهج تلائم الطبقة الأرستقراطية، وتتفق مع انقسام الدولتين إلى طبقات ~~فيها الأشراف والعامة. أما العامة فكانوا بعيدين عن التعليم لا يلحقهم نوره، أما أبناء ~~الأشراف فكانوا يهيئون لهذه الحياة الخاصة بما فيها من لهو وترف وزينة ومتاع. ولم تكن ~~هناك مدارس بالمعنى الصحيح، بل كان الغالب اتصال الطفل بمعلم خاص. # وإلى عهد المسيحية الأولى كانت جميع المدارس لا دينية. وكان الأطفال يعلمون القراءة ~~في كتب مملوءة بالميثولوجيا. لذلك كان من الخطر على أبناء المسيحيين أن يتأثروا بما في ~~تلك الكتب من آراء تخالف الدين. واستمر الصراع بين المسيحية والوثنية شديدا، وتأثرت ~~البرامج الدراسية بالنظام الروماني وبالكنيسة معا. فقد كانت المعرفة باللاتينية ضرورية ~~لفهم الإنجيل في الترجمة المقبولة التي قام بها سانت جيروم. ثم أصبحت المعرفة ~~باليونانية ضرورية أيضا. # 4 # ولما انتصرت المسيحية كان الأطفال يلحقون بالمدارس الكنسية، يتعلمون فيها ~~القراءة والكتابة والموسيقى الكنسية وبعض الحساب. # 5 # فالخلاف في البرامج الدراسية عند المسيحيين عما كان عند الرومانيين ناشئ عن ~~الخلاف في الحياة الاجتماعية؛ حيث اتخذ الدين مكان الوثنية. # ووظيفة المنهج تحقيق أغراض التعليم . وللمنهج وظائف ثلاث: ~~(1) # إبراز القيم الاجتماعية في شعور الفرد. ~~(2) # حفز المواهب الفردية إلى النمو. ~~(3) # إعداد الفرد للحياة الاجتماعية. # 6 # وهذه الوظائف كلها ترمي إلى نتيجة واحدة هي إعداد الفرد للحياة الاجتماعية. # فإذا ألقينا نظرة سريعة على المنهج الذي وضعه القابسي لتعليم الصبيان، نجد أنه متأثر ~~بالبيئة الاجتماعية للمسلمين في ذلك العصر، وأنه يهيئ الصبيان للحياة الاجتماعية ~~المستقبلة، وذلك ببيان قيمة العلوم والواجب معرفتها إلى نظر الصبيان، وإبراز وجه ~~أهميتها وضرورتها في عقولهم، ثم تنمية المواهب الفردية التي تلائم المطالب ~~الاجتماعية. # والبيئة الاجتماعية في ms122 عصر القابسي كانت بيئة دينية خالصة. لذلك نجد المنهج الدراسي ~~يدور حول محور الدين، ويهيئ الصبيان لهذه الحياة الدينية. # وينقسم المنهج الذي ذكره القابسي إلى قسمين: إجباري واختياري. فالعلوم الإجبارية هي: ~~القرآن، والصلاة، والدعاء، وبعض النحو والعربية والقراءة والكتابة. والعلوم الاختيارية ~~هي: الحساب، وجميع النحو والعربية، والشعر، وأيام العرب وأخبارها. # هذا المنهج المتبع في القرن الرابع الهجري هو الذي كان متبعا في القرن الثالث أيضا ~~كما جاء في كتاب محمد بن سحنون. ولا حاجة بنا إلى بيان أن المنهج على هذا النحو هو الذي ~~كان متبعا في الكتاتيب الإسلامية منذ نشأتها. وأنه ظل متبعا إلى عهد قريب جدا في ~~الكتاتيب في شتى الأقطار الإسلامية. بل تستطيع أن تجزم إذا وجدت كتابا في أي قطر ~~إسلامي أن ما يدرسه الصبيان في هذا الكتاب لا يختلف اليوم عما كان يدرس منذ ألف ~~عام. # أما الخلاف الذي ذكره ابن خلدون في طريقة التعليم فهو خلاف في المظهر لا الجوهر. فبعض ~~الأقطار كان يقدم تعليم الخط على تعليم القرآن، والبعض الآخر كان يبدأ بتحفيظ القرآن، ~~يصحبه تعليم الخط أو يتأخر عنه قليلا. أما الجوهر الثابت الذي لم يلحقه التغيير منذ ~~ظهور الكتاتيب حتى عصور متأخرة، بل حتى العصر الحاضر، فهو تعليم القرآن والصلاة، وما ~~يصحب ذلك من معرفة القراءة والكتابة وبعض النحو والعربية. # ففي القرن الثامن الهجري، نجد الحافظ ابن رجب البغدادي يصف المنهج على النحو الآتي: ~~«فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ~~ذلك بالمأثور عن الصحابة وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم في مسائل ~~الحلال والحرام والزهد، والرقائق والمعارف وغير ذلك.» # 7 # ولا نزال في العصر الحاضر، في مصر وفي الأقطار العربية الأخرى، نشهد هذا اللون من ~~التعليم في الكتاتيب. وقد سجل الدكتور طه حسين في كتابه (الأيام) صورة واضحة لحياة ~~الكتاب في العصر الحاضر لا نعتقد أنها تختلف عن تلك التي كانت جارية في عصر ~~القابسي. # والمشاهد الآن # 8 # في مصر وجود ms123 نوعين من التعليم الأولي، يسيران جنبا إلى جنب: النوع القديم ~~الذي يعتمد على تعليم القرآن والكتابة في الكتاتيب، والنوع الحديث الذي يضيف إلى جانب ~~ذلك مبادئ الحساب ومبادئ العلوم. # وسينتهي الأمر بالكتاتيب القديمة إلى الزوال عندما يطبق التعليم الإلزامي عن طريق ~~الدولة، فيزول آخر مظهر من مظاهر القديم. # هذا التحول الجديد دليل على تغير الحياة الاجتماعية، ودليل على مسايرة الشرق للحضارة ~~الحديثة، والتقدم العالمي السريع. # على أن ثبات المنهج الدراسي هذه الفترة الطويلة من الزمان يحتاج منا إلى تفسير؛ ~~فالعلة في هذا الثبات ترجع إلى سلطان التقاليد على المنهج، والخضوع للتراث الموروث. ~~وتأثير التقاليد الميل بالمنهج إلى المحافظة، والنصوص الثابتة هي التي تحفظ المنهج. # 9 # والقرآن نص المسلمين الثابت، وكتاب الله لا مبدل لكلماته. # وستبقى برامج تعليم الصبيان عند المسلمين ثابتة، ما دام المسلمون متمسكين بدينهم ~~وكتابهم، إلا إذا اكتفى الناس بقدر يسير من الدين، حتى يفسح المجال لدرس العلوم الحديثة ~~كما هو واقع الآن. # أما القابسي فإنه لا يقبل التهاون في تعليم القرآن، ويستعيذ بالله: «أن يتفق المسلمون ~~على ترك القيام به، ولو كان كذلك لكانت الهلكة المبيرة، فأعوذ بالله من غضبه، ومن أن ~~ينتزع كتابه من صدور المؤمنين.» 31-ب. # هذه البيئة الدينية المستغرقة في الشعور الديني قد تغيرت الآن حتى بلغت حد التقابل في ~~بعض الممالك الغربية، التي خلعت رداء الدين، وعادت بالمدارس إلى اللا دينية المطلقة. ~~وهذا الاتجاه الحديث يحمل روح الثورة على التقاليد، فلا ندري أتفلح هذه الثورة فيلغى ~~الدين، أم تنتصر المبادئ الروحية على الموجة المادية الطاغية فيعود الدين إلى ~~مكانته. # وإننا نسوق هذه المشاهدات والوقائع من الماضي البعيد إلى الحاضر القريب، لنبين أن ~~مناهج التعليم تستمد وجودها من التيارات الفكرية التي تسود المجتمع. # وقد كانت البيئة الاجتماعية في عصر القابسي بيئة دينية بعيدة عن الروح المادي والنزعة ~~الإلحادية، ولهذا ليس من الغريب أن يكون القرآن والصلاة وما يتصل بالقرآن من علوم ~~ضرورية لفهمه، أول ما يتجه الناس إلى تعليمه لأبنائهم. والقابسي يؤيد هذه الطريقة ms124 ~~ويقرها ويطالب بدوام الاستمرار عليها. ~~(2) العلوم الإجبارية في المنهج # القرآن هو أول العلوم التي ينبغي أن يدرسها الصبيان، بل هو المحور الذي يدور عليه ~~التعليم في الكتاتيب. # ووجه الضرورة في تعليم القرآن عند القابسي، وعند غيره من الفقهاء، ترجع إلى أسباب ~~كثيرة: القرآن كلام الله، وقد حث الله العباد على تلاوته على غير آية، ذكر بعضها ~~القابسي، مثل: # إن الذين يتلون كتاب الله ~~وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~يرجون تجارة لن تبور ~~(فاطر: 29). وهنا نرى الجمع بين تلاوة ~~القرآن وإقامة الصلاة، والإحسان، وهي أهم واجبات المسلم. # والقرآن مرجع المسلمين في معرفة العبادات والمعاملات، ولا سبيل إلى معرفة الحدود ~~الشرعية الصحيحة للديانة إلا بمعرفة الأصل الأول من أصول الدين، وهو القرآن. # إلى جانب ذلك، فإن الصلاة، وهي ركن مهم من أركان الدين، لا تتم إلا بقراءة شيء من ~~القرآن فيها، فمعرفة القرآن ضرورية لأداء الصلاة المفروضة. وأقل جزء من القرآن تصح به ~~الصلاة عند المالكية هو الفاتحة. # قال الدردير في (شرح مختصر خليل في فقه المالكية): «وإن كانت الفاتحة من فرائض ~~الصلاة، فيجب على كل مكلف تعلمها إن أمكن بأن قبل التعلم، ولو في أزمنة طويلة ~~وأيام كثيرة. ويجب عليه بذلك وسعه في تعلمها إن كان عسير الحفظ في كل الأوقات إلا أوقات ~~الضرورة، ووجد معلما ولو بأجرة.» # 10 # وللقرآن فضائل كثيرة، وللنبي أحاديث تفيض بهذا الفضل، مثل: «خيركم من تعلم القرآن ~~وعلمه.» وفي ذلك حث على تعلمه وتعليمه. وقد أطال فقهاء المسلمين الذين كتبوا في ~~التربية في ذكر فضائل القرآن، وألف بعضهم كتبا منفصلة ورسائل خاصة في هذا ~~الموضوع. # وقد انتهى الأمر بالفقهاء إلى فرض تعليم القرآن، فقال صاحب (مفتاح دار السعادة): ~~«اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة لئلا ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه ~~التبديل ولا التحريف. وتعليمه أيضا فرض؛ وهو من أفضل القرب؛ ففي الصحيح: «خيركم من ~~تعلم القرآن وعلمه».» # 11 # والقابسي وبعض من الفقهاء يبدءون في المنهج بتعليم القرآن، وكانت هذه هي ms125 العادة ~~المتبعة. وقد أراد أحد العلماء وهو أبو بكر بن العربي أن يؤخر تعليم القرآن، وأن يبدأ ~~الصبي بتعلم الشعر والعربية ثم الحساب، فأنكر عليه ابن خلدون ذلك قائلا: «وهو لعمري ~~مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه، وهي أملك بالأحوال. ووجه ما اختصت به العوائد ~~من تقديم دراسة القرآن إيثار التبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبا من ~~الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن.» # 12 # وقد جرت العادة أن يتعلم الصبيان جميع القرآن، ويعرف هذا بالختمة. على أن ختم القرآن ~~لم يكن واجبا، فقد يكتفى بثلاثة أرباع أو ثلثي أو نصف أو ثلث أو ربع القرآن، حسب طاقة ~~الصبي والظروف الخارجية الأخرى. # ويشترط القابسي في تعليم القرآن: حسن الترتيل، وجودة القراءة، وحسن الوقف، والأخذ عن ~~مقرئ حسن؛ وهو ينصح بقراءة نافع. # أما تعليم الصلاة فهو فرض عين على جميع المسلمين، كما ذكر الفقهاء الذين قسموا الفرض ~~قسمين: فرض عين وفرض كفاية. ولذلك قال القابسي: ينبغي للمعلم أن يعلمهم الصلاة إذا ~~كانوا بني سبع، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر. ويلزمه أن يعلمهم الوضوء للصلاة، وعدد ~~ركوعها وسجودها، والقراءة فيها، والتكبير والإحرام، والسلام. والقابسي لا يكتفي بتعليم ~~الصلاة المفروضة، وإنما يذكر أنه: «ينبغي أن يعلمهم سنن الصلاة حتى يعلمهم دينهم، الذي ~~هو تعبدهم الله عز وجل وسنة نبيهم.» # فالصلاة هي الواجب الديني المفروض على الذكور والإناث. وقد سمى النبي عليه السلام ~~الصلاة عماد الدين، وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة . # 13 # ولا عذر في التخلف عن الصلاة. وفي ذلك يقول الإنبابي: «وأن لا يسامح (أي الصبي) في ~~ترك الطهارة والصلاة ونحوهما.» # ومن الأمور التي يرى القابسي وجوب تعليمها الدعاء: «ليرغبوا إلى الله عز وجل، ويعرفهم ~~عظمته وجلاله، ليكبروا على ذلك.» # والصلاة مع أنها عبادة فيها ركوع وسجود لا تخلو من الدعاء، وقد جمع الله بين العبادة ~~والدعاء في فاتحة الكتاب قائلا: # إياك نعبد وإياك ~~نستعين ~~(الفاتحة: 5). فالجمع بين وجوب تعليم الصلاة والدعاء والقرآن ~~ليس غريبا؛ لأن ms126 هذه الأمور الثلاثة تجمع بين الفكر والوجدان والعمل، وترمي إلى غرض ~~واحد هو معرفة الله معرفة صحيحة كاملة، والإيمان به إيمانا صادقا، ولا يتم ذلك إلا ~~بالعبادة والحمد والشكر والتسبيح، والالتجاء إليه بطلب الهدى والحرمة، وكشف المصيبة ~~والغمة. # وحفظ القرآن يزيد في معرفة الإنسان لله، لما جاء فيه من آيات دالة على الوحدانية، ~~دافعة إلى الإيمان الصحيح، وما فيه من وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، ووصف للجنة والنار، ~~وما فيهما من نعيم وعذاب. # وفي الأثر أن الرسول كان يقرأ في الصلاة سورا طويلة بأكملها، كالبقرة وآل عمران ~~والنساء؛ وعلى ذلك جرى الصحابة والتابعون. وقد كان القابسي أمينا على هذه السنة فقرر ~~أن القرآن في الصلاة خير من القرآن في غير صلاة. لهذا لم يكن من الغريب أن يسعى الناس ~~إلى تحفيظ أبنائهم القرآن بأكمله، تبركا به كما يقول ابن خلدون، وزيادة في القرب من ~~الله على رأي القابسي. # على أن المعرفة الصحيحة للقرآن تستلزم العلم بالنحو لإعراب الكلمات إعرابا صحيحا، ~~والعلم باللغة العربية لفهم معاني القرآن، والعلم بالهجاء والخط لكتابته والنطق به ~~صحيحا. # والإعراب يميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين. # 14 # وذكر القابسي عن ابن وهب: «أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويصلح بها ~~منطقه؟ قال: نعم فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك.» 46-أ. # وقد نص الله في أول سورة نزلت على فضل القلم والكتابة فقال: # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان ~~من علق * اقرأ وربك الأكرم * ~~الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم ~~(العلق: 1-5). فنبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع ~~العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار ~~الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. ولولا هي لما استقامت أمور ~~الدين والدنيا. # 15 # فالنحو والعربية والخط من «معاني التقوية على القرآن.» 43-أ. وتعليمها واجب على المعلم ~~كما نقل القابسي عن ابن سحنون: «فإنه ينبغي أن يعلمهم إعراب القرآن، ذلك لازم له، ~~والشكل ms127 والهجاء والخط الحسن.» # والاهتمام بحسن الخط كان عادة جارية في بلاد المغرب، وهو يدل على تذوق الجمال، ~~والعناية بالكمال والإتقان. ولا ننسى أن المسلمين كرهوا بل حرموا تصوير ذي الروح لما ~~فيه من تشبيه بالوثنية، ولهذا السبب اتجه الروح الفني عندهم إلى الزخرفة الهندسية، ~~والبراعة في رسم الخط على أشكال مختلفة جميلة. والآيات القرآنية المسطورة على جدران ~~المساجد شاهد على الإبداع في الفن. لهذا حلت العناية بحسن الخط في برامج الدراسة ~~الإسلامية محل الرسم والتصوير عند غير المسلمين. # ويرى ابن خلدون أن حسن الخط يتصل بالحضارة، ورداءته بالبداوة: «لذلك كان الخط العربي ~~لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط، لمكان ~~العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع.» ثم ترقت الخطوط لما استبحر الإسلام في ~~العمران ... «وكان الخط البغدادي معروف الرسم، وتبعه الإفريقي ويقرب من أوضاع الخط ~~المشرقي، وتميز صنف الخط الأندلسي.» # 16 # والإجادة في الخط، والحذق في رسم الحروف طبقا لقوانين وأشكال متعارفة، مما يؤدي إلى ~~ضبط القراءة والبعد عن التحريف. ولا تخفى أهمية ذلك في قراءة القرآن خاصة؛ لأن التبديل ~~في كلمات القرآن مما يأباه الدين وينهى عنه. فإذا صارت الخطوط مائلة إلى الرداءة، بعيدة ~~عن الجودة «صارت الكتب إذا انتسخت؛ فلا فائدة تحصل لمتصفحها منها إلا العناء والمشقة، ~~لكثرة ما يقع فيها من الفساد والتصحيف.» # 17 # وقال صاحب (الإتقان): «يستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها.» # 18 # ونذكر لهذه المناسبة أن: «أهل المشرق لا يعلمون الصبيان الخط في المكاتب بل لتعليم ~~الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراد، كما تتعلم سائر الصنائع. وإذا كتبوا لهم ~~الألواح فبخط قاصر عن الإجادة.» # 19 # من الطبيعي إذن أن ينص المنهج الإجباري على تعليم القرآن والصلاة والدعاء والكتابة ~~والنحو وبعض العربية، فكلها ترمي إلى غاية واحدة هي معرفة الدين والعبادات مما هو مفروض ~~على المسلمين كافة. ~~(3) العلوم الاختيارية في المنهج # العلوم الاختيارية هي الحساب، والشعر، وأيام العرب وأخبارها، وجميع النحو ~~والعربية. # ومن الواضح أن هذه العلوم ms128 تختلف عن سابقتها في بعدها عن الصفة الدينية؛ وإذا كان بعض ~~النحو والعربية مما يجب درسه، فإن هذا البعض ضروري لفهم الدين. أما جميع النحو وجميع ~~العربية، فمما يعتبر خروجا على الغاية الدينية إلى غاية أخرى. # ولذلك كره أحمد (وهو الإمام أحمد بن حنبل) التوسع في معرفة اللغة وغريبها وأنكر على ~~أبي عبيدة توسعه في ذلك، وقال: هو يشغل عما هو أهم منه. # 20 # وفي الحديث: «تعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله ثم انتهوا.» # 21 # ومن الطبيعي الاقتصار في المنهج على قدر من العلوم دون القدر الآخر، واختيار علوم ~~معينة وإهمال باقي العلوم، إذ لا يخفى أن الأمم التي تضرب في الحضارة وترتفع في ~~المدنية، تتعدد عندها المعارف والصنائع، ولا يستطيع الفرد الواحد الإحاطة بها جميعا. ~~واختيار المنهج المناسب للطفل من بين هذا الحشد من المعرفة النظرية والعملية يتوقف على ~~الغاية من التعليم، وعلى حاجة المجتمع، وعلى طبيعة الطفل. # ولكن المبدأ المسلم به عند جميع علماء التربية، هو الاقتصار في المنهج على بعض ~~العلوم دون البعض الآخر. # قال المأمون يصف العلوم ويحث على التخصص: «ولو قلت إن العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر ~~قعره، ولا تبلغ غايته، ولا يستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا ~~كان الأمر كذلك فابدءوا بالأهم فالمهم، وابدءوا بالفرض قبل النفل.» # 22 # وأهمية العلوم مسألة اعتبارية، تتوقف على الغرض المنشود والمطالب الاجتماعية، ونوع ~~الإعداد المطلوب. # فعلم الملوك: النسب والخبر وجمل الفقه. وعلم التجار: الحساب والكتاب. وعلم أصحاب ~~الحرب: درس كتب المغازي وكتب السير. # 23 # ولكن القابسي لا يريد أن يعلم ملوكا أو تجارا، أو قادة حرب وساسة دول، إنما يريد أن ~~يعلم أبناء المسلمين لينشئوا على الإسلام، ولا يعنيه ماذا يصيرون فيما بعد. # فالمنهج الذي يذكره يخص جميع الصبيان في السن التي تسبق التخصص، سواء استكمل الصبي ~~التعليم، أو انقطع عنه وتوجه إلى احتراف صناعة يكسب منها معاشه. # وقد يتطرق إلى الذهن أن تعليم الحساب لا صلة له بالدين. فعلماء التربية ms129 في العصر ~~الحاضر ينصون على تعليم الحساب، إما لفائدته العملية في الحياة، وإما لقيمته في التدريب ~~على التفكير الصحيح؛ لأن الرياضة علم العلاقات الضرورية المضبوطة. # أما فقهاء المسلمين فقد نظروا إلى الحساب من وجهة نظر دينية، وعندهم أن الحساب فرض ~~كفاية، فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها؛ وأما ما يعد فضيلة لا ~~فريضة: «فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه، ولكنه يفيد ~~زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.» # 24 # ويذهب ابن رجب البغدادي مذهب الغزالي فيقول: «كذلك الحساب يحتاج منه إلى ما يعرف به ~~قسمة الفرائض والوصايا والأموال التي تقسم بين المستحقين لها. والزائد على ذلك مما لا ~~ينتفع به إلا في مجرد رياضة الأذهان وصقلها لا حاجة إليه، ويشغل عما هو أهم منه.» # 25 # فالغزالي وغيره يرون في معرفة الحساب مصلحة دينية. أما الجاحظ فإنه يرمي من معرفته ~~إلى النفع الاجتماعي وضبط الحضارة والعمران. وفي ذلك يقول: «وأما القول في العقد وهو ~~الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته، وعظم قدر الانتفاع به قول الله عز وجل: # هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ~~(يونس: ~~5). والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة. وفي عدم اللفظ، وفساد الخط، والجهل ~~بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله عز وجل لنا ~~قواما ومصلحة ونظاما.» # 26 # ولا ندري أأراد القابسي من تعليم الحساب المصلحة الدينية أم الاجتماعية أم كليهما ~~معا. وأكبر الظن أنه يرمي إلى نفع الحساب في كمال المعرفة الدينية الصحيحة على مذهب ~~الفقهاء وهو في ذلك يقول: «ينبغي أن يعلمهم (أي المعلم) الحساب، وليس ذلك بلازم له، إلا ~~أنه يشترط عليه.» 44-أ. # وهذا يؤيد وجهة نظرنا القائلة بأن الغرض من تعليم الحساب عند القابسي هو المصلحة ~~الدينية لا الاجتماعية. ولو كان الأمر غير ذلك لألزم تعليمه على الإطلاق، دون التعليق ~~بشرط رضا الآباء. # وتعليم الشعر موضع جدل بين الفقهاء. وقد عرض القابسي هذا الجدال ms130 بين الأنصار ~~والمعارضين، ثم رجح تعليمه على وجه الاختيار. فمالك وسحنون يأبيان تعليم الشعر بالأجر ~~إذا لم يكن القصد تعليم القرآن والكتابة. وابن حبيب لا يرى بتعليم الشعر بأسا إلا ~~أنه يكره من الشعر: «ما فيه ذكر الحمية والخنا أو قبح الهجاء.» # وقد اعتمد القابسي في تعليم الشعر على أحاديث للرسول: منها: «إنما الشعر كلام فحسنه حسن ~~وقبحه قبيح.» ومنها: «إن من الشعر لحكمة.» وقد شك القابسي في رواية الحديث الأول، ثم ~~أثبت حديثا ثالثا لم يشك في نسبته إلى النبي، وهو: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له ~~من أن يمتلئ شعرا.» وقد فسر القابسي هذا الحديث بأن يكون الشعر غالبا على الإنسان ~~حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن. # ومن الفوائد التي يجنيها من يحفظ شيئا من الشعر أنه: «يقيم لسانه ويفصحه ويأنس ~~إليه في بعض الأوقات، ويستشهد به فيما يريد بيانه.» 45-ب. # وقد عابوا على العرب إهمال الفنون في مناهج التعليم، وها نحن نرى القابسي يطلب تعليم ~~الشعر، وهو لون من ألوان الفن. ولم يغب عن نظر القابسي قيمة الشعر الفنية وأثرها في ~~النفس الإنسانية. ذلك أن الإحساس بالجمال، وتذوق الفن، من عوامل الراحة النفسية، أو ~~الأنس على حد قول القابسي. وقد رأينا هذه النزعة المتجهة نحو الفنون الجميلة بادية في ~~العناية بحسن الخط، ونحن نراها الآن في تعليم الشعر، وهو نوع من الأدب، وفرع من ~~الفن. # وقد دار مثل هذا الجدل في العصر الحاضر حول قيمة الفن في التعليم، وفي الحياة، وهل ~~الأهم العلوم الطبيعية أو الأدبية أو الفنية، وأثر كل ذلك في تربية الأطفال . # ويرى دوركهيم # 27 # أن حب الفنون الجميلة وتذوق الجمال، مما يؤدي إلى تحرر المرء من نفسه، ~~فيخفف عنه عبء الحياة. فالفن سبيل إلى الراحة النفسية لأنه يخفي عن العين مشاغل الحياة ~~اليومية. # ولكن ميدان الفن هو الخيال لا الحقيقة. وجمال الآثار الفنية مستمد من إحساس الفنان لا ~~من حقائق الأشياء. ولذة الفن ناشئة عن تأثيره في الخيال لا في الحواس والعقل. ms131 ويحرك ~~الفن الخيال إلى العمل، والخيال أكثر العمليات النفسية مرونة وأقلها جمودا. لهذا كان ~~ميدان الفن بعيدا عن عالم الحقيقة بينما عالم الأخلاق هو الحقيقة نفسها. وهنا ينتهي ~~دوركهيم إلى هذه النتيجة وهي أن الفن والأدب لا يصلحان أساسا للسلوك والعمل. # وقد انتهى سبنسر إلى نفس هذه النتيجة، ولهذا يجعل أساس السلوك في الحياة تعليم العلوم ~~الطبيعية؛ لأنها تعرفنا حقائق الأشياء على الوجه الصحيح. # 28 # وقد أشار القرآن إلى ابتعاد الشعر عن عالم الحقيقة قائلا: # والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر ~~أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ~~ما لا يفعلون ~~(الشعراء: 224-226). # ومع ذلك فالتمييز الحاد بين الفن والعلم، والحقيقة والخيال «فيه كثير من الافتعال؛ ~~لأن الحقيقة والخيال قطعة واحدة في عقل الإنسان؛ والفن جهد للتعبير بطريقته الخاصة عن ~~أغوار الحقيقة وما فيها من أعماق.» # 29 # وقديما وحد أفلاطون بين الحق والخير والجمال في المثال الأول. # وقد كان الغرض الأول الذي يرمي إليه القابسي هو تهيئة الأطفال إلى معرفة الخير أولا ~~وقبل كل شيء، وذلك عن طريق الفن. ولا بأس عنده بقدر من الفن الجميل إذا كان هذا القدر ~~لا يتعارض مع معرفة الخير والعمل به. # ولهذا لم يقف القابسي في سبيل تعليم الشعر، بل نصح منه بمقدار. # ومن العلوم الاختيارية التي لا يرى القابسي ما يمنع تعليمها: «أيام العرب وما أشبه ~~ذلك من علم الرجال وذوي المروءات.» 44-ب. # هذه المادة تعرف في المناهج الحديثة بعلم التاريخ السياسي. # وبعض علماء التربية يقدمون علم التاريخ في الأهمية بالنسبة للطفل على العلوم ~~الطبيعية؛ لأنه أكثر مساسا بمشاعر الأطفال، وألصق بخيالهم، وأنفع في المعرفة بالماضي ~~وما له من صلة وثيقة بالحاضر. # والطفل جزء من الحياة يتحرك في العالم الخارجي المحيط به، وسلوكه في هذا العالم ~~استجابة للمؤثرات الخارجية؛ وهذه الاستجابة نتيجة فهم العالم وإدراك الأشياء. والعالم ~~الخارجي بالنسبة إلى الطفل هو عالم الأشياء وعالم الإنسان. ولا بد لمن يعيش في هذه ~~الحياة من إدراك الأشياء وحقائقها، ومعرفة الإنسان وطبائعه. # روسو وسبنسر وغيرهما ممن ms132 يبدءون بتعليم الأطفال العلوم الطبيعية يجعلون تاريخ الإنسان ~~في المحل الثاني. # فدراسة التاريخ على أي الحالات من العلوم اللازمة لتثقيف الطفل. # والقابسي يريد من تعليم التاريخ أن يكون محركا لهمم الأطفال نحو أعمال البطولة، ~~وباعثا لهم على أفعال الخير. والغرض من علم الرجال التشبه بالأبطال، والتشبه بالرجال ~~من الكمال. والغاية من سير ذوي المروءات القدوة في السبق إلى الخيرات. # والمحاكاة فطرة نفسية تدفع الأطفال إلى تقليد الأعمال من غير قصد أو شعور. # وذكر الإنبابي «أن تعلم الطفل القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم، ~~لينغرس في نفسه حب الصالحين.» وهذا المؤلف يقصر فائدة التاريخ على ناحية واحدة هي ناحية ~~الصلاح والخير. # وتعليم السير وحكايات الأبرار وأيام العرب وأخبارها، زيادة فضل على ما جاء في القرآن ~~من قصص الأمم السالفة وأخبار الأولين، ففيه من تاريخ الغابرين الشيء الكثير. وقصص ~~القرآن يرمي إلى غاية دينية وخلقية، فالظلم والفساد مما يؤدي إلى الهلاك، والله هو الذي ~~يصب على المفسدين أسواط العذاب، إن ربك لبالمرصاد. ~~(4) نقد منهج القابسي # إذا نظرنا إلى المنهج الذي وضعه القابسي في ضوء التربية الحديثة، أخذنا عليه أمرين: ~~الأول أنه يغفل نفسية الطفل ومراعاة مراحل نموه، والثاني إهمال العلوم الطبيعية ~~والرياضة البدنية. # ولا يعاب القابسي إذا كان قد أغفل اعتبار الحياة النفسية للأطفال، فهو عيب العصر كله ~~في الشرق والغرب. ذلك أن علم النفس الحديث لم يتحرر من الفلسفة إلا في عصر متأخر جدا، ~~فقد انصرف العلماء إلى البحث عن النفس لا عن مظاهرها، ولم يعنوا بتقييد الأحوال ~~النفسية تقييدا كاملا صحيحا يكون أساسا لتفسير سلوك الإنسان. وإلى جانب ذلك أخطأ ~~جميع الأقدمين في نظرهم إلى الأطفال نظرهم إلى الكبار. ويرجع الفضل في تصحيح الموقف من ~~الطفل، وبيان أن حياته النفسية تختلف عن حياة البالغين، إلى روسو في القرن الثامن عشر؛ ~~ويعتبر كتابه (إميل) نقطة التحول في التربية الحديثة. # ومع ذلك فاحترام ميول الطفل ونزعاته عند وضع المنهج الدراسي، مما يصعب تنفيذه. فالطفل ~~إلى سن السادسة بل السابعة يميل إلى اللعب ms133 والحركة، فهل نتركه في لهوه الحر لا نعلمه ~~القراءة والكتابة؟ ومن من الأطفال يحب التقيد أمام الألواح والأوراق ليخط الحروف ~~ويركب الكلمات؟ فالمجتمع يريد من الطفل حين يكبر أن يكون قد تعلم الكتابة حتى يفرغ إلى ~~معرفة باقي العلوم التي اتسعت دائرتها إلى حد كبير مع تقدم الحضارة السريع. # أما القول بتعليم الأطفال الكتابة والقراءة عن طريق اللعب والتشويق كما هو الحال في ~~رياض الأطفال، فهو قول ينصب على الطريقة لا على المنهج الدراسي. # ومهما يكن من شيء فالطفل لا يدرك، ولا يستطيع أن يعرف قيمة هذه العلوم المختلفة التي ~~يلقنها، حتى نقول إن قيمة الشيء هي التي تجتذبه إلى الإقبال عليه بالرغم من تعارضها مع ~~ميوله. فهو إذن يدرس العلوم المختلفة رغم أنفه. # إننا نقدم العلوم إلى الطفل كما نقدم إليه الدواء، فهو لا يحب الدواء ولا يدرك نفعه ~~في الشفاء، وقيمته في جلب الصحة والعافية، وإنما يدرك شيئا واحدا هو أنه لا يميل إلى ~~الدواء ولا يريد تناوله. ويصطنع الآباء الحيلة في تقديم الدواء، بدسه مع الحلوى، أو ~~الوعد بعمل شيء مما يميل إليه الطفل، أو إرغامه في آخر الأمر على شرب الدواء ~~بالعنف. # ورياض الأطفال كالحلوى من الدواء. # فالطفل يريد شيئا، والمجتمع يريد له شيئا آخر. والمجتمع هو الذي ينتصر آخر الأمر، ~~فيهيئ للطفل ما ينبغي أن يتعلمه، والدليل على ذلك اختلاف المناهج باختلاف الأمم. # وكانت إرادة المجتمع في عصر القابسي أن يتعلم الطفل القرآن وما يمت إلى القرآن بصلة. ~~وكم يفرح الأب عندما يختم ابنه القرآن، فيقدم إلى معلم الكتاب الهدايا جزاء الختمة، ~~حتى لقد أصبح أجر الختمة واجبا على الآباء. فالآباء أنفسهم (أو الشعب على الاصطلاح ~~الحديث) كان يطالب بتعليم القرآن، ولا يغتفر التهاون في ذلك. # ولم يكن تعليم القرآن رأي الشعب ونصيحة الفقهاء من علماء التربية فحسب، وإنما كان رأي ~~الفلاسفة أيضا. فهذا ابن سينا يقول: «فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه، وتهيأ ~~للتلقين، أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم ms134 الدين، وإذا فرغ الصبي من ~~تعلم القرآن وحفظ أصول اللغة نظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجه لطريقه.» # 30 # وليس لنا أن نعجب من رأي ابن سينا فهو القائل في سيرة حياته: إنه ختم القرآن، وأتى ~~على كثير من الأدب، وهو ابن عشر سنين. # ولم تبدأ دراسة العلوم الطبيعية إلا من عصر النهضة. وقد درج الأقدمون على احتقار ~~الصناعة لأنها مخصوصة بالعبيد، أما الأشراف فلا يليق بهم إلا الاشتغال بالأعمال ~~العقلية. كانت الحال كذلك عند اليونان كما كانت عند العرب. ثم إن تجارب المعامل وهي ~~الأساس في كشف العلوم الطبيعية كانت تحوطها الأسرار ويغمرها السحر والشعوذة، ويهاجمها ~~الجمهور باعتبار أن أصحابها يشتغلون بالكيمياء مما يرادف السحر في ذلك الزمان. لهذا ~~انصرف العلماء عن البحوث التجريبية خشية التعرض لغضب الجمهور، واحتقار المجتمع، وامتهان ~~الكرامة الشخصية. # وظهر «بيكون» في القرن السابع عشر فشق طريق التجريب أمام العلماء، ووصف طريقة ~~الاستقراء، ونصح بالنظر في كتاب الطبيعة. ونادى روسو بنفس المبدأ وهو القراءة في كتاب ~~الطبيعة المفتوح، لا في بطون الكتب المحبرة على الأوراق. # وهذه دعوى جديدة تطالب أولا بمعرفة الأشياء الخارجية المحيطة بالإنسان أو عالم ~~الطبيعة، وتطالب ثانيا أن تكون الطريقة لهذه المعرفة المشاهدة والاستقراء ~~والتجريب. # ثم استقرت المناهج الحديثة وعلى رأسها دراسة العلوم الطبيعية. # هذا التحول في المناهج ناشئ عن التطور الذي لحق المجتمع، وأهم ما يمتاز به هذا التحول ~~الانصراف إلى عالم المادة، والنظر في سفر الطبيعة، لتسخير القوى الكامنة في أرجاء الأرض ~~لمصلحة الإنسان. # ولم ينه القرآن عن النظر إلى الطبيعة، بل حث الإنسان على التأمل في المخلوقات في ~~أكثر من آية، حتى يصل الإنسان من معرفة أمور الطبيعة إلى عظمة الخالق ووجوده. ولكن ~~المسلمين لشدة غيرتهم على الدين، وخوفهم من التحول عنه، وجدوا من السلامة الابتعاد عن ~~البحث في الطبيعة حتى لا يصرفهم ذلك عن الإيمان والعبادة. # ومن الذين هاجموا العلوم الطبيعية هجوما عنيفا، وصرفوا الناس عن دراستها الغزالي؛ ~~للعلة التي ذكرناها قال: «الطبيعيات بعضها مخالف ms135 للشرع والدين والحق، فهو جهل وليس بعلم ~~حتى يورد في أقسام العلوم. وبعضها بحث عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها ~~وتغيرها وهو شبيه بنظر الأطباء ... وأما علومهم في الطبيعيات فلا حاجة إليها. فإذن ~~الكلام كان من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية، حراسة لقلوب العوام عن تخييلات ~~المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع.» # 31 # فإذا كان القابسي لم يوجه الاهتمام إلى العلوم الطبيعية بل أهملها الإهمال التام؛ ~~فذلك لأن حفظ القرآن وتعلم الكتابة والنحو والعربية يستغرق كل وقت الصبيان فلا يتسع ~~بعد ذلك لأي نوع من الدراسة. يضاف إلى ذلك أن الفقهاء كانوا ينظرون بعين الريبة إلى ~~العلوم الطبيعية، والجمهور على هذا الرأي أيضا. # فإذا التمسنا العذر في نقص المنهج من درس الطبيعة، فلا عذر عن التخلف بالاهتمام ~~بالرياضة البدنية. وإننا لنجد السلف في صدر الإسلام يعنون بألوان الرياضة التي تطبع ~~الأطفال على الحركة وتبعث فيهم القوة والحياة والصحة؛ والنصائح كثيرة تدعو إلى الاهتمام ~~بالرماية والسباحة وركوب الخيل. # وإهمال مثل هذا التدريب في الكتاتيب يرجع إلى أسباب: منها أن معلم الكتاب فقيه تخصص ~~في العلوم الدينية، ويعمل على تحفيظ الصبيان القرآن والكتابة وليست صناعته الرماية ~~والسباحة. # ولا يخفى أن الكتاب كان مكانا متواضعا لا يزيد على حجرة أو حانوت في داره، يجلس ~~للتعليم فيه معلم واحد في الغالب. فلم تكن هناك مدرسة خاصة، ذات بناء مما تمتاز به ~~المدارس، وفيها فناء يلعب فيه الصبيان ويتسع لهذه الحركات الرياضية المطلوب ~~تعلمها. # وكانت الغاية القصوى من طلب العلم معرفة الله، والتطبع على الدين القويم والأخلاق ~~الفاضلة، فصرفت الغاية الدينية أنظار الفقهاء عن الغايات الدنيوية. # وصحة الأبدان لازمة على كل حال، ولكن الرياضة البدنية لا ترمي إلى صحة البدن فحسب، بل ~~إلى قوته وجماله ورشاقته، وهذه الغايات مما لا يدخل عند الفقهاء في حساب. ~~(5) اليوم المدرسي والأسبوع الدراسي # أحوال الدراسة في الكتاتيب، واختيار الصبيان، وتوزيع المنهج على اليوم المدرسي وبطالة ~~الصبيان، كل ذلك مستمد من الغاية من التعليم، وطبيعة المنهج، والحالة ~~الاجتماعية. # فالأسبوع الدراسي ms136 يبدأ في صباح السبت، وينتهي في عصر الخميس. وبذلك يكون يوم الجمعة ~~بطوله من أيام العطلة. «فدراسة الصبيان أحزابهم وعرضهم إياها على معلميهم في عشي ~~الأربعاء وغدو الخميس إلى وقت الكتابة. والتخاير إلى قبل انقلابهم نصف النهار، ثم ~~يعودون بعد صلاة الظهر إلى الكتاب، والخيار إلى العصر، ثم ينصرفون إلى يوم السبت ~~يبكرون فيه إلى معلميهم.» 60-ب. # من هنا يتضح أن القابسي كان يعتبر الأسبوع وحدة تعليم، يراقب فيها المعلم أعمال ~~الصبيان، ويقف عند آخر الأسبوع وقفة قصيرة ليرى مبلغ ما حصلوا. # ويدرس الصبي خلال هذا الأسبوع القرآن والكتابة وسائر العلوم الأخرى المذكورة في ~~المنهج. # وتوزيع هذه العلوم على اليوم المدرسي يجري كالنظام الآتي: ~~(1) # يدرس الصبيان القرآن من أول النهار في وقت مبكر حتى الضحى. ~~(2) # يتعلمون الكتابة من الضحى إلى الظهر. ~~(3) # ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغذاء ويعودون بعد صلاة الظهر. ~~(4) # تدرس بقية العلوم كالنحو والعربية والشعر وأيام العرب والحساب، من بعد ~~الظهر إلى آخر النهار. # فأول شيء يبدأ الصبي بدراسته القرآن؛ لأنه أهم العلوم، وأكثرها قيمة في المنهج، وهو ~~المقصود من التعليم. # وكانت العادة أن ينصرف الصبيان إلى بيوتهم لتناول الغذاء. ذلك أن الكتاب مكان ~~متواضع لا يشبه مدارس الدول الحديثة التي تقوم بالإنفاق على التعليم، وتنشئ أبنية ~~مخصوصة للمدارس مجهزة بالمطاعم، وتعنى بإطعام التلاميذ. # والغالب أن الكتاب كان يقع قريبا من بيوت الصبيان، حيث كانت المدن صغيرة الحجم لا ~~تبلغ من الاتساع ما هي عليه الآن. # وقد أوصى القابسي المعلمين بعدم حرمان الصبي الانصراف إلى بيته لتناول الطعام، مع ~~التنبيه عليه بسرعة العودة. ونستطيع اعتبار فترة الظهر راحة من التعليم. # وبطالة يوم الجمعة الغرض منها راحة الصبيان؛ ويوم الجمعة معظم عند المسلمين كما ~~جرت به العادة. # وبطالة الأعياد تجري حسب العرف أيضا، فقد تكون يوما واحدا في عيد الفطر، وقد تبلغ ~~ثلاثة أيام في عيد الأضحى، وقد تصل إلى خمسة. وكذلك الشأن في باقي الأعياد التي اصطلح ~~الناس على البطالة فيها. # ويؤذن في بطالة الصبيان من أجل الختم ms137 يوما أو بعض يوم، إجلالا لهذا الحادث المبارك ~~في تاريخ الصبي، حيث يصبح بعده من حملة كتاب الله. # وقد نبه الفقهاء إلى وجوب الراحة في التعليم وأثر ذلك في الصبي، كما قال الإنبابي: ~~«وإلا كان متسببا في موت قلبه وإبطال ذكائه، وتنغيص عيشه حتى يطلب الحيلة في الخلاص ~~منه رأسا.» # 32 # والتربية الحديثة تهتم بأوقات الراحة. ولكن هذه الأوقات ومدتها وموضعها من اليوم ~~المدرسي تستند إلى التجارب العلمية التي أجريت على التعب في علم النفس. ~~(6) الفصل بين الذكور والإناث في التعليم # وقد اقتصرت الكتاتيب على الذكور دون الإناث، وفي ذلك يقول سحنون: «أكره للمعلم أن ~~يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن.» 57-أ. # وهذه القضية قديمة وحديثة. وقد استقر الرأي الآن في دول الغرب بعد البحث الطويل ~~والمشاهدات الاجتماعية المستندة إلى الواقع على الجمع بين الجنسين في رياض الأطفال ~~والمدارس الابتدائية، ثم الفصل بينهما في مرحلة التعليم الثانوي. ويعود الاختلاط في ~~الجامعة. # ومرحلة التعليم الابتدائي تصل إلى سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة أي قبل البلوغ، ~~خصوصا في دول الغرب التي تتأخر فيها سن البلوغ لبرودة الجو والفصل بين الجنسين بعد هذه ~~المرحلة، في العصر الحديث الذي بلغت فيه حرية المرأة حدا لم تصل إليه من قبل، يدل على ~~ما يتم بينهما من فساد إذا تركت الصلة بينهما مطلقة من غير رقابة. # وفي عصر القابسي كان بعض الصبيان يستمرون في الكتاب إلى سن الاحتلام، ولهذا خشي ~~على الإناث الفساد. # ولم يكن الخوف مقصورا على إفساد الإناث مما دعا إلى إبعادهن من الكتاب، بل شمل ~~الخوف الغلمان أيضا، ولهذا نص على الحذر من إفساد الغلمان بعضهم بعضا: «إذا كان فيهم ~~من يناهز الاحتلام.» 57-أ، مما يخشى معه الفساد. # وقد أشار القابسي إلى الرذائل الجنسية إشارة خاطفة دون التعمق في وصف العلاج الواجب ~~في مثل هذه الأحوال، تاركا للمعلم حرية التصرف بحكمته وطريقته الخاصة في ~~معالجتها. # على أن النهي عن تعليم البنت في الكتاب لا يعني أنها لا تتعلم. فقد ms138 ألزم القابسي من ~~قبل تعليمها لضرورة معرفتها الدين والعبادات. وقد جرت العادة على تعليم البنات داخل ~~الدور، والنساء الكاتبات والشاعرات اللاتي نجد ذكرهن في كتب الأدب أكبر دليل على ~~انتشار التعليم بين النساء. فالعلة في منع البنات عن الذهاب إلى الكتاتيب ترجع إلى ~~الغيرة على الأخلاق وحفظ الدين. ~~(7) النهي عن تعليم غير المسلمين في الكتاتيب الإسلامية # ومما يلفت النظر النص على عدم تعليم أبناء النصارى في الكتاتيب، وكذلك تعليم أبناء ~~المسلمين في المدارس النصرانية. فقد كره مالك أن يطرح المسلم ولده في كتاب النصارى، ~~ووافقه في ذلك ابن وهب وسحنون وابن حبيب. سئل مالك: «هل يعلم المسلم النصراني؟ فقال: ~~لا. وقال: لا أرى أن يترك أحد من اليهود أو النصارى يعلم المسلمين القرآن.» ~~47-ب. # وتعليل القابسي لذلك يرجع إلى الآية الكريمة: # إنه لقرآن ~~كريم * في كتاب مكنون * لا ~~يمسه إلا المطهرون ~~(الواقعة: 77-79). فالكافر نجس، ولذلك ~~ينهون أن يعلموا الخط العربي والهجاء حتى لا يمسوا المصحف.» 48-أ. # هذه هي القاعدة الفقهية التي حكم بها مالك وأعلام مذهبه من بعده، وتبعهم القابسي على ~~هذا الرأي وهو تحريم تعليم النصارى في كتاتيب المسلمين، وتحريم تعليم أبناء المسلمين في ~~كتاتيب النصارى. # وليس لنا أن نعجب لهذين الحكمين، إذا أنزلنا الروح الديني الذي كان مسيطرا على ~~المجتمع في ذلك العصر منزلة الاعتبار. فقد كان الدين شديد السلطان على النفوس، والقرآن ~~محترما احتراما شديدا. # ونحن إذا رجعنا إلى المسلمين الأوائل نجد أن النبي هو الذي افتدى أسرى بدر بتعليم ~~عشرة من أبناء المسلمين الكتابة، وهؤلاء الذين افتدوا أنفسهم بالتعليم من المشركين. ~~وإذن فالنبي نفسه لم ير بتعليم المشركين أبناء المسلمين بأسا لحاجته إلى نشر ~~الكتابة. ولما استقر الإسلام، ودخل الفرس والروم تحت راية المسلمين، لم يتحولوا إلى ~~الإسلام دفعة واحدة. والمعروف أن كثيرا من المفكرين في صدر الإسلام أسلموا في الظاهر، ~~وكانوا يحملون في باطن أنفسهم عقائدهم السالفة. وبعضهم ظل على النصرانية أو اليهودية أو ~~المجوسية؛ وهؤلاء عرفوا القرآن ومنهم من كان يحفظه، والمؤكد أنهم ms139 عرفوا الخط العربي ~~واللغة العربية، خصوصا عندما تم تعريب الأعاجم في آخر الدولة الأموية. # فمما لا شك فيه أن المسلمين في القرن الأول والثاني كانوا يقومون بتعليم هؤلاء القوم ~~القرآن والكتابة في سبيل الدعوة الإسلامية، التي لا يمكن أن تتم إلا بالتعليم ~~والتعلم. # والظاهر أن الدعوة لنشر الإسلام ركدت بعد القرن الثاني، واكتفى المسلمون بما وصلوا ~~إليه من فتوحات، وما صحبها من انتشار الدين، ثم انعكفوا على تثبيت العقائد من الزيغ ~~والزندقة، التي حاول اليهود على الخصوص أن يدسوها على المسلمين. # لهذا وجد الفقهاء من السلامة أن يقفوا في وجه النصارى واليهود، وأن يقيموا بينهم وبين ~~الإسلام سدا منيعا يحول دون النيل منه بشر أو سوء، أو تغيير وتبديل، أو تحريف ~~وتحويل. # هذا الموقف الجديد يختلف عن موقف المسلمين في صدر الإسلام؛ فهو موقف دفاع لا موقف ~~هجوم. ذلك أنه بعد أن اقتحم المسلمون الأوائل قلوب النصارى وغزوا عقائدهم، واجتذبوا ~~عقولهم ونفوسهم إلى الإسلام، إذا بالمسلمين في القرن الثالث والرابع يقفون موقف الدفاع ~~عن أنفسهم وأبنائهم من هجمات النصارى واليهود وطعناتهم المسددة إلى العقائد ~~الإسلامية. # واستمرت حالة المسلمين في هذا الموقف الدفاعي العاجز حتى العصر الحاضر، إذ بدأ الأزهر ~~في مصر - وهو قلب الإسلام النابض - ينفض عن نفسه غبار الضعف، ويزيل آثار الضعة والخوف، ~~وأخذ يشق الطريق من جديد لينشر الإسلام في دول بعيدة أشد البعد عن مصر كاليابان، وأرسل ~~البعوث الأزهرية إلى شتى الدول التي تحتاج إلى أنوار الدين منافسا في ذلك ~~المسيحية. # ودار البحث في ترجمة معاني القرآن. وترجم القرآن فعلا إلى كثير من اللغات الأجنبية، ~~وهي ترجمات موجودة بين أيدينا على الرغم من عدم اعتراف بعض المسلمين بها. # ثم كان من أهم آثار النهضة الأوروبية الحديثة أن اهتم الغربيون بدرس العلوم الإسلامية ~~فظهر المستشرقون، وألفوا الكتب الحديثة في شتى المعارف الإسلامية؛ ومنهم من يختص في ~~علوم قرآنية صميمة كالقراءات والتفسير. وهؤلاء المستشرقون على الديانة النصرانية أو ~~اليهودية؛ ومع ذلك فهم يمسون المصاحف، ويدرسونها ويتعمقون في بحثها، وينشرون ms140 خلاصة ~~أبحاثهم على العالم، ويستقي الشرقيون من هذه البحوث ويأخذون منها في علمهم. # ولكننا لا نقول اليوم إن الكافر نجس لا ينبغي أن يعلم الخط العربي والهجاء حتى لا ~~يمس المصحف كما يقول القابسي. # وتفسير هذا التحول الذي يذهب إلى النقيض يرجع إلى اختلاف الروح الاجتماعي؛ فالمجتمع ~~الإسلامي الحاضر لا ينظر إلى غير المسلمين كما كان ينظر إليهم القدماء. ~~(8) الاستظهار # الطريقة في تعليم المنهج السابق لا بد أن تعتمد على الحفظ والاستظهار، وتعرف هذه ~~الطريقة في علم التربية الحديثة بالتعليم اللفظي. وهذه الطريقة تختلف عن التعليم ~~التجريبي المعتمد على التجارب والمشاهدات كما هي الحال في دروس العلوم الطبيعية، أو ~~التعليم المهني الذي يوجه التلاميذ إلى تعلم الصناعات المختلفة. # ولم يكن معلم الكتاب مخصوصا بتعليم المهن أو درس الطبيعة. # وإنما كانت وظيفة المعلم القيام بتعليم القرآن والكتابة والنحو والعربية والشعر ~~والحساب وأيام العرب. وهذه كلها علوم لفظية، يقرأ التلاميذ ألفاظها ويسمعونها من ~~المعلم، وعليهم استيعابها وحفظها. # فالمنهج بطبيعته يتجه إلى التعليم اللفظي، ويعتمد على الذاكرة، على الأخص إذا عرفنا ~~أن القرآن وهو أهم العلوم يجب حفظه بألفاظه دون تحريف أو تبديل. لهذا السبب كانت الطرق ~~التعليمية التي أوصى بها القابسي لا تخرج عن الطرق الموصلة إلى جودة الحفظ، وعدم ~~النسيان فيما يختص بالقرآن. # وعنده أن طرق الحفظ ثلاث: التكرار والميل والفهم. # وقد جاء ذكر التكرار في حديث عن الرسول يختص بحفظ القرآن. قال: «مثل القرآن كمثل ~~الإبل المعقلة، إذا عاهد صاحبها على عقلها أمسكها، وإذا أطلقها ذهبت. إذا قام صاحب ~~القرآن بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه.» ويعلق القابسي على هذا الحديث ~~قائلا: «وقد بين في هذا الحديث كيف المعاهدة التي يثبت بها حفظ القرآن ويقوى على الحفظ ~~حتى لا يتلعثم فيه.» 21-ب. # والقابسي يذكر هنا مراحل الذاكرة الثلاث الأساسية وهي: الحفظ والوعي والاسترجاع. وما ~~نصطلح على تسميته الآن الوعي يطلق عليه التثبيت، وسهولة الاسترجاع هي عدم ~~التلعثم. # والميل هو محبة القرآن، فيؤدي إلى الإقبال على تلاوته، وعدم الانصراف عنه ms141 إلى شيء ~~آخر، بل يكون القرآن شاغلا للذهن على الدوام. «قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري: كيف ~~تقرأ القرآن؟ قال: قائما وقاعدا، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقا.» 22-ب. # أما الفهم فناشئ عن الترتيل. وقد فسر القابسي معنى قوله تعالى: # أشد وطئا ~~(المزمل: 6) ... أي موطأة للقرآن بسمعك وبصرك أي فهمك. وقال ~~في فائدة الترتيل: «إن الترتيل في القراءة يحيي الفهم للعالم فيستعين به على التدبر ~~الذي له أنزل القرآن.» # ويرى الفقهاء الذين ألفوا في علوم القرآن هذا الرأي من النصح بقراءة التحقيق والترتيل ~~لفائدتهما في التعليم. فالتحقيق في القراءة: «يكون لرياضة الألسن وتقويم الألفاظ ويستحب ~~الأخذ به على المتعلمين.» وذكر بعضهم: «أن التحقيق يكون للرياضة والتعليم والتمرين، ~~والترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط». # 33 # وفي (البرهان) للزركشي: «كمال الترتيل تفخيم ألفاظه، والإبانة عن حروفه، وأن لا يدغم ~~حرف في حرف، وقيل هذا أقله. وأكمله أن يقرأه على منازله فإن قرأ تهديدا لفظ به لفظ ~~التهديد، أو تعظيما لفظ به لفظ التعظيم.» # 34 ~~«وقالوا إن قراءة التدبر والتفهم هي المقصود الأعظم والمطلوب الأهم. وصفة ذلك أن يشغل ~~قلبه بالتفكر في معنى ما يلفظ به، فيعرف كل آية، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك.» # 35 # فالإجماع على قراءة القرآن بالترتيل حسب أمر الله وسنة الرسول، مما يدعو دون شك إلى ~~الفهم. وقد أيدت التجارب الحديثة في علم النفس أن الحفظ مع الفهم أسرع وأثبت، وأدعى إلى ~~عدم النسيان، وأقوى على الاسترجاع. # وكانوا ينصحون المتعلمين بهذه الطريقة. # ونحن لا ندري هل يستطيع الصبي الصغير أن يفهم معاني القرآن وأوامره ونواهيه، وما جاء ~~فيه من وعد ووعيد، ودعاء وتضرع، وطلب وتعوذ واستغفار؛ إذ لا شك أن هذه المعاني أعلى من ~~مستوى عقول الصبيان، مما دعا أبا بكر بن العربي إلى النصيحة بتأخير حفظ القرآن إلى سن ~~متأخرة، ووافقه ابن خلدون على هذه الطريقة، ولكنه آثر اتباع التقاليد فأوصى مع العرف ~~بالبدء بتعليم القرآن. # ولا يفوتنا أن نذكر أن الإعراب من دواعي فهم المعنى، وكذلك الهجاء والكتابة. ms142 وكانت ~~الطريقة هي حفظ السورة بإعرابها وحسن قراءتها، مع الترتيل المؤدي إلى التدبر والتفكر. ~~وهذا كله ينتهي دون شك إلى كمال الفهم. # ثم أضاف القابسي أنه: «من الاجتهاد للصبي أن لا ينقله من سورة حتى يحفظها بإعرابها ~~وكتابتها.» 59-أ. # ولا يفوتنا أن نذكر أن وسائل الحفظ مع الاستفادة من جميع الحواس أفضل من استعمال حاسة ~~واحدة، على الأخص إذا عرفنا أن بعض الناس بصريون وبعضهم سمعيون وبعضهم حركيون. فهناك ~~من يحفظ عن طريق البصر بالقراءة الظاهرة الصامتة؛ وهناك من يستفيد عن طريق السمع ~~بالقراءة جهرا بصوت عال؛ وهناك من يستفيد بالحركة عن طريق الكتابة. وهذه الوسائل ~~كلها كانت متبعة في تعليم الصبيان؛ فالعين تستفيد من القراءة، واليد من الكتابة، والأذن ~~من الاستماع. # وكانت العادة أن يقرأ الصبيان أحزابهم وهم جماعة، ويستمع المعلم إليهم، وعليه أن يأخذ ~~باله من كل واحد منهم؛ لأن: «اجتماعهم في القراءة يخفي عنه قوي الحفظ من الضعيف.» 69-أ. ~~وإذا اتخذ الصبيان من هذه القراءة أداة للهو والخفة، فعليه أن يعالجهم باختبار كل واحد ~~منهم على حدة، فينصرفوا إلى الجد. ~~«والجهر أفضل لأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد ~~النوم ويزيد في النشاط.» # 36 # فإذا تعاونت هذه الوسائل كلها من التكرار والإقبال والفهم فلا شك أن يصل الصبي إلى ~~حفظ القرآن. ولا علة له إذا نسي، ولا علة لأحد في نسيان القرآن بعد حفظه؛ لأن هذا دليل ~~على التشاغل عنه، أو لأن صاحب القرآن: «تغلب عليه غية تصرفه عنه، وإما لأنه يتعمد ~~التشاغل عنه بعمل من أعمال الدنيا أو من أعمال السفهاء.» وعندئذ ينسيه الله القرآن: ~~«عقوبة لاشتغاله بسوء الاكتساب، ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث: «ما لأحدكم يقول نسيت آية ~~كيت وكيت بل هو نسي.» معناه أن الله أنساه ما نسي.» 19-ب. # وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ما هو أبعد من ذلك، فاعتبروا نسيان القرآن من الكبائر: «صرح ~~به النووي في (الروضة) وغيرها، لحديث أبي داود (عرضت علي ذنوب أمتي فلم ms143 أر ذنبا أعظم ~~من سورة أو آية أوتيها رجل ثم نسيها.» # 37 # والاختبار هو الوسيلة التي يعرف بها المعلم أأجاد الصبي الحفظ أم لا. # وأول درجات الإجادة والامتياز أن: «يستظهر الصبي القرآن حفظا من أوله إلى آخره، مع ~~ضبط الشكل والإعراب والفهم وحسن الخط.» 70-ب. # ويقل عن هذا درجة من «يقرأ القرآن نظرا في المصحف مع ضبط الشكل والهجاء.» ~~71-أ. # وآخر درجات الإجادة: «أن يملى على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها، ولا ~~يستمر في قراءتها.» 71-ب. # ومن الصبيان من يبلغ درجة البلاهة. ومقياس ذلك عند القابسي أن يختبر: «فوجد لذلك لا ~~يحفظ ما علم، ولا يضبط ما فهم.» 72-أ. # ونحن نرى أن موازين الاختبار لا تعتمد على الذاكرة وحدها، بل على الفهم أيضا. فهي ~~اختبار للذاكرة والذكاء معا. # ولا يجب أن نأخذ الفهم الذي ذكره القابسي على أنه مرادف للذكاء، بل هو يستند إلى ~~الذاكرة؛ لأن إعراب الكلمات، ومعرفة المعاني القرآنية مما يتلقاه الصبيان من أفواه ~~المعلمين ويحفظونه عنهم، ولا يصلون إليه من تلقاء أنفسهم. # ومن هنا يتضح لنا أن التربية العقلية عند القابسي تنتهي إلى كسب معلومات معينة، وتلعب ~~الذاكرة الدور الأول في هذا الكسب، وتخص بالذات الذاكرة اللفظية؛ ومهمة الصبيان أن ~~يحفظوا عن الكتب أو عن المعلم، وأن يعيدوا ما حفظوا دون تلعثم. والصبي الممتاز هو ذلك ~~الذي يجيد حفظ كل ما لقن كلمة بكلمة، وحرفا بحرف. # ولسنا في حاجة إلى بيان فساد هذه الطريقة التي تعتمد على الاستظهار والتسميع؛ وقد ~~هاجم «موتيني» هذه الطريقة في شدة، ومما يؤثر عنه قوله: «لا معرفة مع الاستظهار.» # 38 # وقد انتهى بعض العلماء إلى ازدراء الحفظ، والعمل على الحد من الغلو في التذكر اللفظي، ~~فنظروا إلى الحفظ كأنه من العمليات العقلية الوضيعة، مؤيدين وجهة نظرهم بأن كثيرا من ~~البلهاء وضعاف العقول ينعمون بذاكرة قوية، بينما بعض الأذكياء ذاكرتهم ضعيفة. # 39 # ولكن ازدراء الذاكرة والنظر إليها هذه النظرة القليلة الأهمية، فيه بعد عن الحقائق ~~النفسية. وتدل نتائج البحث في الأمراض ms144 النفسية على أن فقدان الذاكرة يؤدي إلى اضطراب ~~الحياة العقلية وفساد السلوك. # ومما لا شك فيه أن الذاكرة الجيدة تخدم علماء الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان؛ ~~لأنهم في حاجة إلى استظهار كثير من القوانين الرياضية والمعادلات الكيميائية التي ~~تتألف منها مبادئ المعرفة الصحيحة الضرورية. # ولا يستطيع الإنسان إجادة اللغة دون معرفة كثير من الألفاظ وقواعد النحو ~~والصرف. # وقد ظن كثير من علماء النفس والتربية أن هناك تعارضا بين الذكاء والذاكرة، والحقيقة ~~على خلاف ذلك؛ لأن موهبة الذكاء وحسن التفكير مما يخدم الذاكرة في سرعة التحصيل، وجودة ~~الحفظ، وسهولة الاسترجاع. وفي ذلك يقول وليم جيمس: «إن فن التذكر هو فن التفكير.» # 40 # والخلاصة أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الذاكرة كما كان ينظر علم النفس القديم باعتبار ~~أنها ملكة مستقلة من ملكات العقل؛ إذ الواقع أن الحياة العقلية كلها وحدة متماسكة، ~~تتعاون فيها جميع المواهب النفسية على العمل. # قال الأستاذ بييرون: «ومكانة الذاكرة في حياة الإنسان عظيمة القدر. ومن جهة أخرى ~~فالشخص المثقف، المضطر إلى مسايرة تقدم المعرفة على مر العصور، وهي معرفة لا تنفك عن ~~الاتساع والانتشار بالرغم من وسائل التبسيط، هذا الشخص في حاة دائمة إلى الذاكرة. ~~والمجتمع يزن أقدار الطلاب العقلية إذا تقدموا للوظائف بميزان ما حصلوه من الحفظ. وقد ~~نتج عن ذلك ضرورة عملية هي بذل جهد عظيم تحمله الذاكرة.» # 41 # فالحياة العقلية للفرد لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية بل هي جزء منها. والطريق الذي ~~تسلكه الحياة العقلية يستضيء بهدي المجتمع، ويتأثر به، وفي الوقت نفسه تتشكل الحياة ~~العقلية بحيث تلائم المجتمع. # وقد كان المجتمع في عصر القابسي يريد معرفة القرآن وما يتصل به من علوم تعين على فهمه ~~والتمكن منه، ولا يرغب في غير ذلك من علوم طبيعية أو خلافها. # ومن الطبيعي أن تكون الطريقة الملائمة لتحصيل القرآن هي الحفظ والتذكر. ~~(9) تكوين الشخصية # كتبت مدام منتسوري تقول: «إن أهم ما يميز التربية الحديثة هو احترام شخصية الطفل إلى ~~حد لم يبلغه من قبل.» # 42 # ونحن لا نتفق ms145 مع هذه المربية في الحكم على الماضي، فقد يكون هذا الرأي صحيحا بالنسبة ~~إلى التعليم في أوروبا، ولكنه غير صحيح على إطلاقه عن التعليم في الكتاتيب؛ ذلك أن ~~شخصية الطفل كانت محترمة إلى حد كبير في الكتاتيب الإسلامية كما يتضح في رسالة ~~القابسي. # ونحب أن نوضح معنى الشخصية قبل الاستطراد في الكلام عن أثر التربية الإسلامية في ~~تكوينها، نظرا إلى ما يلابس هذا الاصطلاح من غموض. # فالشخصية على المعنى النفساني نسبة إلى شخص، ولهذا كان كل فرد صاحب شخصية. ولكنهم ~~يقصدون عادة من الشخصية ما كانت قوية لا ضعيفة، وما كانت صالحة للحياة مؤثرة في ~~المجتمع، لا تلك التي تعجز عن العمل، وتنساق في تيار المجتمع وإلى دوافع الفطرة دون ~~إرادة وتمييز أو قصد وشعور. # والغرض من التربية هو تكوين الشخصية القوية الصالحة. ولا يتنافى هذا الغرض مع ما سبق ~~ذكره من أهداف للتربية، مثل تنمية مواهب الطفل، أو إعداده للحياة الاجتماعية، أو دفعه ~~في سبيل التقدم والرقي؛ لأن صاحب الشخصية هو ذلك الذي شحذت مواهبه، وامتلأت جعبته ~~بأسلحة الكفاح في الحياة الاجتماعية، وتهيأ للتقدم المطرد والرقي المستمر. والتقدم هو ~~سنة الوجود، ودليل الحياة الصحيحة. # وكمال الشخصية في العلم والعمل، والفكر والإرادة. والسلوك هو الغاية الأخيرة التي ~~نقصدها من التربية، بل من الحياة كلها. أما تثقيف العقل، وحسن التفكير ومعرفة العلم ~~فكلها وسائل إلى السلوك المطلوب، حتى يستند إلى أساس من المعرفة الصحيحة. # وكان المطلوب في عصر القابسي تكوين الشخصية الدينية، يؤمن صاحبها بالله، ويعتقد ~~بوجوده، ويعبده آناء الليل وأطراف النهار، ويذكره في كل عمل من الأعمال ليميز بين ~~الحلال والحرام. # وقد اختلفت أهداف التربية الحديثة في الممالك المختلفة، ففي أمريكا يرمون إلى تعلم ~~المهنة التي يكسب منها الإنسان معاشه. وفي إنجلترا يهيئون الفرد ليكون مهذبا رشيقا أو ~~على حد تعبيرهم (جنتلمان). وفي فرنسا يقصدون من التربية الثقافة العقلية وكسب المعارف النظرية. # 43 # وتختلف شخصية الأفراد في البلاد المختلفة تبعا لاختلاف الحياة الاجتماعية وما تطلبه ~~هذه المجتمعات من أبنائها. # ومهما ms146 يكن من شيء، فالشخص الذي يريد أن يشق طريقه في المجتمع، فلا بد له من إعداد ~~نفسه للنزول إلى معترك الحياة. وفي هذه الحال يشعر بنفسه مستقلا عن غيره، فيعمل على ~~الاستجابة للتأثيرات الاجتماعية، ثم ينصرف بما يلائم مصلحته الخاصة ومصلحة ~~المجتمع. # وشعور الإنسان نفسه هو المحور الذي تدور عليه الشخصية، والذي به يتم التأثير المقصود ~~الصادر عن الشعور. وعندما يشعر بشخصه، ويحس بكيانه كفرد مستقل، يدرك ألا سبيل له إلى ~~السلوك الصحيح إلا بكسب المعرفة والتزيد من العلم. # والغرض من التربية والتعليم هو تزويد الأفراد خلاصة الحضارة السائدة في المجتمع في ~~وقت وجيز، حتى إذا كبر الطفل كان على استعداد لمواجهة مطالب الحياة الاجتماعية. # وفي زمن الطفولة يكون الصبي عبئا على أهله في كل شيء. وليس هذا من مصلحته أو مصلحة ~~المجتمع. ومصلحة الطفل أن يعتمد على نفسه، أو أن يتعلم الاعتماد على النفس حتى يستمد ~~أسباب القوة المعينة على التقدم والنجاح. ومصلحة المجتمع في وجود أفراد من أصحاب ~~الشخصيات القوية حتى يرتقي المجتمع. أما العاجزون فهم عبء ثقيل يسوق المجتمع إلى التأخر ~~والضعف والانحلال. # ولم ينس القابسي وهو يقوم على تربية الأطفال أن يمهد لهم سبيل تكوين الشخصية القوية ~~التي يعتمد صاحبها على نفسه، ويستطيع أن ينهض بما تتطلبه حاجة البيئة ومطالب المجتمع. ~~وعنده أنه لا بأس أن يقوم الصبيان بأعمال لها فائدة في تخريجهم. # منها أن يكتب الصبي للناس. سئل القابسي: «هل يؤذن للصبي أن يكتب لأحد كتابا؟ فقال: ~~لا بأس، وهذا مما يخرج الصبي إذا كتب الرسائل.» 63-أ. # ومنها أن يعلم بعضهم بعضا: «ولا يحل له (أي المعلم) أن يأمر أحدا أن يعلم أحدا ~~منهم إلا أن يكون فيما فيه منفعة للصبي في تخريجه .» 63-ب. # ومنها أن يملي بعضهم على بعض، وذلك في الأوقات التي يستغني فيها الصبيان عن المعلم: ~~«مثل أن يصيروا إلى الكتابة، وأملى بعضهم على بعض، إذا كان في ذلك منفعة لهم؛ فإن هذا ~~قد سهل فيه بعض أصحابنا.» 64-أ. فمن المنفعة لهم ms147 أن يملي بعضهم على بعض، وعلى المعلم «أن ~~يتفقد إملاءهم.» 63-أ. # ومنها أن يجعل على الصبيان عريفا. والعريف هو الصبي البارز في العلم يقوم بتعليم ~~الصبيان إذا كان في ذلك منفعة في تكوينه. وقد أجاز الفقهاء هذه الطريقة في التعليم. ~~سئل مالك عن المعلم يجعل للصبيان عريفا فقال: «إن كان مثله في نفاذه.» 63-ب. وعن ~~سحنون: «وأحب للمعلم أن يجعل لهم عريفا منهم، إلا أن يكون الصبي الذي قدمهم وعرف ~~القرآن، وهو مستغن عن التعليم، فلا بأس أن يعينه، فإن ذلك منفعة للصبي.» 63-ب. # وهذا كله يتعارض مع قول مدام منتسوري من أن التربية القديمة لم تكن تحترم شخصية ~~الطفل. ذلك أن تكليف الصبيان بهذه الأعمال كلها، مثل كتابة الرسائل للجمهور، وإملاء ~~بعضهم على بعض، واصطناع العريف يعلم غيره من الصبيان ممن هم أصغر منه سنا وأقل علما، ~~دليل على احترام شخصية الصبي ورفع قدره والسمو بمنزلته، إذ إنه يتخذ مركز المعلم ~~نفسه. # ولم تكن شخصية الصبي محترمة في العلم فقط، بل في شئون الدين أيضا، فقد أجاز القابسي ~~أن يؤم الصبي، إذا بلغ سن الاحتلام وصلح للإمامة، غيره من الصبيان في صلاة الجماعة: «لكي ~~يتدرجوا على معرفة صلاة الجماعة.» 70-أ. # هذه حياة كلها جد، وكلها تشبه بالرجولة؛ لأن الطفل الصغير ينظر إليه كأنه رجل ~~كبير، فيكلف أعمال الرجال. # وكانت التربية القديمة تضحي بمرحلة الطفولة في سبيل الإعداد للرجولة. وكانوا يرغمون ~~الطفل على سلوك مسلك الرجال وتعلم أعمالهم، وإلا وقع عليه العقاب. # ومن الخطأ الاعتقاد أن سعادة الرجولة تشترى على حساب الطفولة. # حقا إن الحياة الاجتماعية فيها كثير من القسوة وتحتاج إلى كثير من الجد، ولهذا ~~ينبغي أن يهيأ الطفل لحياة الجد حتى لا يصدم بما فيها من صعاب وعقبات في المستقبل. ~~ولكن الجد لا يستلزم العبوس الدائم، والشدة المستمرة. وقد نهى القابسي عن العبوس في غير ~~حاجة إليه. كما أن اللهو لا يعني المرح المتلاحق، أو اللعب الذي لا انقطاع فيه. # على أن حياة الطفولة ينبغي أن تنصرف إلى ms148 اللعب أكثر منها إلى الجد، وأن يكون قسط ~~المرح والسرور فيها كبيرا. ذلك أن شقاء الطفولة يترك في النفس آثارا لا تمحى وذكريات ~~أليمة تلقي على الرجل ظلا كثيفا من الكآبة والتشاؤم من الحياة. # لهذا كان من الخطأ أن نحمل الطفل في وقت مبكر متاعب الحياة وآلام العيش. إننا ~~نخاطر بإضعاف القوى الكامنة في الفرد، بتحميلها فوق ما تطيق، فتنوء في المستقبل بأعباء ~~الحياة الجسام. وقد أوضح روسو في كتابه (إميل) أن واجب المربين إسعاد الطفل على قدرة ~~الاستطاعة حتى يحس الإحساس الصادق بالحياة، ويتذوق لذة الوجود. # من هذه الناحية نستطيع أن نلوم القابسي، مع التربية القديمة كلها؛ لأنه كان يأخذ ~~الصبيان بحياة الجد، وينهى عن اللهو واللعب. # ثم إن نمو شخصية الطفل لا يتطلب المحافظة على مواهبه من الضمور والانحلال فقط، وإنما ~~يتطلب شق الطريق أمام هذه المواهب لتتفتح وتقوى. ولا ينبغي الوقوف في سبيل الطفل، بل لا ~~بد له من حرية العمل ليكون المجال أمامه فسيحا للظهور. # وقد رأينا كيف ترك القابسي الحرية للصبيان لأن يقوموا بكثير من الأعمال التي تصلح ~~لتخريجهم، وبذلك تنمو فيهم المواهب الملائمة لمطالب المجتمع. # ولكن القابسي كان مقيدا بعصره، ولم يعمل على سبق الزمان وتهيئة الأجيال القادمة ~~للتقدم والرقي، فاكتفى بإعداد الصبيان لحياة الحاضر، بل لحياة شبيهة بالماضي، فهو يدعو ~~إلى معرفة ثقافة السلف، ويطلب التمسك بها، والنسج على منوالها، وعدم التحول ~~عنها. # لهذا عجزت شخصية المتعلمين عن مسايرة التقدم في الحياة، إلى أن تغيرت البيئة ~~الاجتماعية في العصور الأخيرة، لأن تكوين الشخصية على الطريقة التي يريدها القابسي مقيد ~~بالمجتمع الذي كان يعيش فيه. وكان همه الأكبر أن يصنع شخصية دينية وخلقية. # أما الشخصية الدينية فإن تعلم القرآن والقيام على الصلاة في أوقاتها مما يكفل طبعها ~~على ذكر الله. # والشخصية الخلقية مطلوبة على كل حال، ولو اضطرنا ذلك إلى إرغام الأطفال؛ إذ مما لا شك ~~فيه أن الإنسان ينبغي أن يلتزم حدود نفسه، فلا يتعدى على غيره باغتصاب أو إيذاء أو ضرب ~~أو ms149 سرقة أو أي شيء من ضروب الرذائل التي ترجع في النهاية إلى الاعتداء على شخص الغير أو ~~ملكه، ولا يتسنى هذا كله إلا إذا ميز الإنسان نفسه، وشعر بوجود شخصه واعتقد في حريته، ~~ومسئوليته عن أعماله. # ولا بد للإنسان إلى جانب ذلك من تكوين عادات صالحة يصبح معها من ذوي الخلق المستقيم، ~~كالصدق والأمانة والشجاعة وحب النظام والنظافة إلى آخر هذه العادات المختلفة، مما ~~ذكرناه عند الكلام في التربية الخلقية. # ولا يتم تكوين الشخصية الخلقية، بتشييد العادات الفاضلة، وتهذيب الضمير، إلا بالتعليم ~~والتربية. # ويرى وليم جيمس أن التربية هي تنظيم العادات والنزعات التي ترمي إلى السلوك الحسن. # 44 # وقد فطن القابسي إلى أثر العادة في طبع الشخصية، فنصح بالمبادرة إلى تكون ~~العادات الخلقية الفاضلة ليألفها الصبيان. # ومما لا شك فيه أن الكتاب الإسلامي كان له أثر كبير في خلق الشخصية القوية الملائمة ~~للمجتمع في القرن الرابع الهجري. فالصبي بعد ذهابه إلى الكتاب يصلح لإمامة الناس في ~~الصلاة، فضلا عن معرفة أسرار الفروض والنوافل، مما يرفع قدره ويسمو بمنزلته. وكما ~~يتقدم إليه العامة فيكتب إليهم الكتب والرسائل. وبعض الصبيان قد يختم القرآن وهو أهم ~~أنواع المعرفة وأوجبها، فضلا عن معرفة العربية وأيام العرب والشعر، وبذلك يتهيأ له ~~السبيل إلى بلوغ مراتب العلماء. # الفصل التاسع # | المعلم # (1) شخصية المعلم وأثرها في المتعلم # شخصية المعلم لها أثر عظيم في عقول التلاميذ ونفوسهم، إذ يتأثرون وهم في تلك السن ~~الصغيرة بمظهره وشكله، وحركاته وسكناته، وإشاراته وإيماءاته، وألفاظه التي تصدر عنه، ~~وسلوكه الذي يبدو منه. والطفل أشد تأثرا بغيره من الناس من الشاب، وأسرع في كسب الكلام ~~والحركات والتقاطها عن الذين يتصل بهم من الكبار، الذين نمت عقولهم، وصلب عودهم، ~~وأصبحوا أقدر على التمييز والنقد والاختيار. # والوقت الذي يقضيه الطفل في الكتاب يستغرق معظم النهار، فهو يذهب إليه مع الصباح ~~الباكر، ولا ينصرف إلى آخر اليوم. # فالصبي يتصل بالمعلم، إلى جانب صلته بغيره من الصبيان، أكثر من الصلة بآبائه وأهله. ~~ومن الطبيعي أن يكون تأثير المعلم ms150 في نفوس الصبيان أقوى وأشد وأعمق من تأثير أهله، فهو ~~الذي يقدم إليهم الغذاء العقلي والديني، وهو الذي يطبعهم على العادات، ويثبت فيهم آداب ~~السلوك، وما يترتب على ذلك من نشوء الصبيان وهم يحملون في أنفسهم الآراء التي طبعوا ~~عليها في صباهم، ويصعب فيما بعد التحول عنها. # ومما يؤيد تأثر الصبيان بشخصية المعلمين ما رواه الجاحظ # 1 # من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قال: ~~«ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن ~~عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت.» # كما فطن إخوان الصفا إلى تأثير المعلم التأثير الشديد في صبيان المسلمين. # وقد سادت في المعلمين شخصية علمية وخلقية عرفت عنهم واشتهروا بها، وسرت منهم إلى ~~الصبيان بطريق الإيحاء والمحاكاة مما هو فطري في النفس الإنسانية؛ فالإيحاء التأثير ~~الذي ينتهي إلى قبول الآراء واعتقادها والعمل بها، والمحاكاة التشبه بغيره في الحركات ~~والإشارات والسلوك على وجه العموم. # ولم تكن شخصية المعلم بارزة في العلم بحيث تسمو به إلى مرتبة الأدباء أو الشعراء أو ~~النحاة أو الفقهاء. فهو يحفظ القرآن، وما يتصل بالقرآن من العلوم الضرورية لفهمه وحسن ~~نطقه. # ولو بلغ معلم الكتاب منزلة علمية سامية، مع سعة الذهن، ونفاذ الفكر، وقوة العارضة، ~~لتطلع إلى مرتبة اجتماعية أسمى من مرتبة المعلمين في الكتاتيب. فقد كان الحجاج بن يوسف ~~على ما هو مشهور معلما في الطائف، ثم أصبح من الحكام البارزين، والخطباء المفوهين، ~~وترك صناعة التعليم في الكتاب إلى غيرها. # والمعلمون على ما ذكر الجاحظ على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم العامة إلى تعليم ~~أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد الملوك أنفسهم ~~المرشحين للخلافة. فكيف نستطيع أن نزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المستنير ~~الذي يقال له قطرب وأشباه هؤلاء الرجال يقال لهم حمقى، ولا يجوز هذا القول على ~~هؤلاء، ولا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية ms151 ~~وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم. # 2 # لم يتكلم القابسي في رسالته على معلمي الخاصة، بل قصر الكتابة والنصيحة والحكم على ~~معلمي الكتاتيب الذين يتصلون بأولاد العامة. وهؤلاء هم الذين ذاع عنهم الحمق فقيل في ~~أمثال العامة: «أحمق من معلم كتاب.» وفي قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما.» # 3 # وقد انتصر الجاحظ لمعلمي الخاصة، ويعرفون بالمؤدبين، فهؤلاء منزلتهم غير منكورة ثم ~~أنصف بعد ذلك معلمي الكتاتيب فأبعد عنهم ذلك الوهم الذائع عنهم والحمق اللاصق ~~بأغلبيتهم. # وقد اعتمد الأستاذ خليل طوطح على هذا الجانب السيئ الذي ذكره الجاحظ عن المعلم، فحكم ~~على معلمي الصبيان جميعا بالحمق وقلة العقل، وأرجع السبب في ذلك: «إلى احتقار العرب ~~للمهن التي لا تظهر فيها أعمال الرجولة كالفروسية، وإلى ما أظهره بعض المعلمين من صغر ~~النفس والمسكنة وسخافة العقل والغطرسة على الصغار وضربهم بالعصا وإذاقتهم آلام الفلقة.» # 4 # ولما كان وصف المعلمين هذا الوصف غير صحيح، فالتعليل المذكور لا أساس له. وإلى جانب ~~ذلك فليس صحيحا أن العرب احتقروا جميع المهن التي لا تظهر فيها أعمال الرجولة ~~كالفروسية؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكان الفقهاء والأدباء والشعراء وأصحاب المهن العقلية ~~والدينية محتقرين عند العرب، والواقع يخالف ذلك. # أما ارتكاب المعلمين ما يخل بالكرامة، ففي كل طائفة، كما يقول الجاحظ، أشرافها وسفلتها، ~~فلا يدفعنا ذلك إلى إطلاق الحكم على الطائفة بأسرها بسوء الخلق، وصغار النفس ~~والحمق. # ويتصل الحمق بالعقل كما يتصل بالسلوك، بل هو بالعقل والتدبير، والرأي والتفكير، أشد ~~التصاقا، وأكثر صلة. ذلك أن العمل يرجع في الغالب إلى اضطراب الرأي وعمى البصيرة، ووضع ~~الشيء في غير موضعه الصحيح، وفساد التطبيق. # وقد يحفظ المرء القرآن، ويردده حرفا بحرف، ولفظا بلفظ، وآية بآية، ومع ذلك لا يجيد ~~التصرف والتمييز، ويخلو من الحكمة والسداد. # ليست شخصية المعلم العقلية إذن في حفظ القرآن، بل في العمل بما جاء فيه، وفهم ~~أسراره ومعانيه بمعرفة العلوم التي تعين على هذا الفهم. # وقد عقد القابسي الموازنة بين معلم ومعلم، وفاضل بينهما في ms152 العلم، ورفع الأكثر علما ~~على صاحبه في الكسب إذا اشتركا في التعليم. # فالاختلاف القريب لا يوجد التفاضل في الجعل. مثل: «أن أحدهما يكون رفيع الخط والآخر ~~ليس كذلك.» # ويقع التفاضل إذا كان أحدهما لا يحسن إلا القرآن والكتابة، والآخر يعرف إلى جانب ذلك ~~الشكل والهجاء وعلم العربية والنحو والشعر، 69-أ. # ومن هذا نرى أن المعلمين في عصر القابسي كانوا على ضربين: بعض لا يعرف إلا القرآن ~~والكتابة، وبعض آخر تتسع ثقافته لمعرفة علوم أخرى غير القرآن، فترتفع منزلته العلمية، ~~وإذا وضع في ميزان المادة الصحيح عند أصحاب الفلسفة المادية، كان أوفر أجرا وأكثر ~~جعلا. # فالميزان الذي تقاس به الشخصية العلمية عند القابسي هو معرفة القرآن ومعرفة النحو ~~والعربية وأيام العرب والشعر. # ولكن القابسي لم يذكر الطريقة التي نحكم بها على معرفة المعلم وثقافته، بحيث نجيز له ~~التعليم. # ولم تكن هناك إجازة يشترط أن يحصل المعلم عليها ليكون صالحا للتعليم حتى يرخص له ~~بمزاولة المهنة. «فمن علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد. وعلى ذلك ~~السلف الأولون، والصدر الصالح. وكذلك في كل علم، وفي الإقراء والإفتاء، خلافا لما ~~يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا. وإنما اصطلح الناس على الإجازة لأن أهلية الشخص ~~لا يعلمها غالبا من يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم لقصور مقامهم عن ذلك.» # 5 # أما اشتراط حصول المعلم على إجازة لتعليم القرآن، فإنما جاء بعد العصر الذي عاش فيه ~~القابسي، أي بعد القرن الرابع، وهو دليل على شعور المجتمع بوجود كثير من المعلمين غير ~~أهل للقيام بالتدريس. # ثم تطورت الأحوال إلى ما هو أبعد من ذلك، نعني: «اعتياد مشايخ القراء من امتناعهم عن ~~الإجازة إلا بأخذ مال في مقابلها، وهذا لا يجوز إجماعا ... وليست الإجازة مما يقابل ~~بالمال ، فلا يجوز أخذه عنها ولا الأجرة عليها.» # 6 # فالشخصية العلمية على النحو الذي ذكره القابسي، أقلها أن يكون صاحبها حافظا للقرآن ~~عارفا بالخط والكتابة، وترتفع شخصيته مع تزود المعلم بعلوم العربية والنحو ~~والشعر. # وشخصية المعلم الدينية ms153 لا شك فيها؛ لأنه يحمل القرآن وهو أصل الدين. والمعلم يقيم ~~الصلاة ويعلمها الصبيان، وهو على مذهب أهل السنة، ولا مطعن في دينه من هذه الناحية ~~خصوصا من جهة الجمهور. # وشخصية المعلم الخلقية مستمدة إلى حد كبير من شخصيته الدينية؛ لأن من يحفظ القرآن ~~ويقيم شعائر الدين أقرب من غيره إلى العمل الصالح. ~~(2) عيوب المعلمين # على أن القابسي لم ينص على رذائل في أخلاق المعلمين طالب بإصلاحها. إنما ذكر الواجب ~~على المعلم، وضرورة انصرافه إلى عمله، وعدم الانشغال عن تعليم الصبيان بأي شيء من ~~الأشياء؛ لأنه يتناول أجرا عن عمله، فلا بد له من وفاء ما استؤجر عليه. ومن واجب ~~المعلم أيضا ألا يطلب فوق أجرته من الصبيان شيئا كهدية أو طعام. # وسنفصل الأحوال المختلفة التي ذكرها القابسي عن المعلمين في انشغالهم عن التعليم، وفي ~~طلبهم الهدايا، ومنها يتبين أن النقائص الخلقية التي قد تقع من بعض المعلمين إنما ترجع ~~لأسباب مادية. # والقابسي يعتبرها من النقائص؛ لأنه قرر أن يتناول المعلم الأجر على التعليم، فالتطلع ~~إلى ما هو أكثر من الأجر المشترط عليه إسراف في الطمع، وإخلال بالعقد. # وقد نهى سحنون أن يطلب بعض المعلمين هدايا من الصبيان؛ لأنه: «لا يحل للمعلم أن يكلف ~~الصبيان فوق أجرته شيئا من هدية أو غير ذلك، فإن أهدوا إليه على ذلك فهو حرام، إلا أن ~~يهدوا إليه من غير مسألة.» 62-أ. # ومن العادات المذمومة أن يبعث المعلمون صبيانهم إذا تزوج رجل أو ولد له «فيصيحون ~~عند بابه ويقولون: أستاذنا ... بصوت عال. فيعطون ما أحبوا من طعام أو غير ذلك، فيأتون ~~معلمهم، فيأذن لهم يتبطلون بذلك نصف يوم أو ربع يوم بغير أمر الآباء. وهذا شديد ~~الكراهية، لعل صاحب التزويج أو أبا المولود لا يعطي ما يعطي إلا تقية من أذى المعلم أو ~~أذى صبيانه، أو من تقريع بعض الجهال، فيصير المعلم من ذلك إلى أكل السحت، ولا يفعل هذا ~~إلا معلم جاهل.» 62-أ. # وقال في موضع آخر: «ولا يحل للمعلمين أن يأمروا الصبيان ms154 أو يكلفوهم إحضار طعام أو ~~غيره، وإن قل قدره، كالحطب وغيره، من بيوت آبائهم.» 66-أ. # ومن الوصف السابق يتضح لنا سلطان المعلم على الصبيان، وقوة شخصيته وخضوع الصبيان ~~لأمره، إلى درجة أن القابسي يعد صبيان المعلم جزءا منه، إذا وقع منهم الأذى فهو ~~المسئول عنهم. # ومن هذا الوصف لسلوك المعلم تتضح لنا صفحة من صفحات التاريخ، وجزء من التقاليد التي ~~سادت في القرن الرابع. # ولا نحب أن نسوغ هذه الأفعال للمعلمين، ولكننا نقول: إن الشعب مسئول عن إفسادهم في ~~هذه الناحية، إذا اعتبرنا الطلب نوعا من الفساد الخلقي. ذلك أن عادة الطلب والسؤال ~~جاءت من جهتين: الأولى العطية على الختمة، والثانية عطية الأعياد. وقد جرت عادة الناس ~~أن يعطوا في الحالتين: فرحا بختم أولادهم القرآن وابتهاجا بقدوم الأعياد. # روي أن سحنون قضى بسبعة دنانير في ختمة البقرة. # 7 # وحكى ابن الدباغ أن عبد الله بن غانم الرعيني - قاضي القيروان عام 171 - دخل عليه ~~يوما ولد صغير له من المكتب فسأله عن سورته فقال: حولني المعلم من سورة الحمد. فقال له ~~اقرأها، فقرأها. فقال له تهجها، فتهجاها. فقال له أبوه: ارفع ذلك المقعد فرفعه، فإذا ~~تحته دنانير دون العشرين وفوق العشرة، فقال له: ارفعها إلى معلمك، فرفعها إليه فأنكرها ~~المعلم على الولد، وظن بعض الظن، وحملها إلى عبد الله بن غانم. فقال له عبد الله ~~كالمعتذر: لعلك رددتها استقلالا لها! فقال المعلم: ما أتيت لهذا، وإنما ظننت ظنا. ~~فقال له القاضي: أتدري ما علمته يا معلم؟ كل حرف منها خير من الدنيا وما فيها. # 8 # وقد أجاز الفقهاء أيضا العطية في الأعياد. قال القابسي: «عطية العيد لا يقضى بها ~~إلا أن يتطوعوا، من شاء منهم فعل، ومن شاء لم يفعل.» 73-ب. ويقول ابن حبيب الفقيه ~~المالكي: «وفعل ذلك حسن من فعله، وتكرم من آباء الصبيان لمعلميهم، ولم يزل ذلك ~~مستحسنا في أعياد المسلمين.» 73-ب. # ثم أوجب الفقهاء العطية في العيدين، نزولا على العرف السائد؛ فالأصل في الحكم عدم ~~القضاء بالعطية في ms155 العيد إلا إذا تطوع الآباء. ولكن للعادات حكم آخر، لذلك أوجب القابسي ~~العطية في الأعياد. أو كما يقول: «وكذلك المسلمون عندي في هذه العادات، إذا كانت ~~مستحسنة في الخاصة، فانتشارها على وصفنا يوجبها.» 74-أ. # وروى المالكي: «أن الأمراء من بني الأغلب كانوا يأتون جامع القيروان ليلة نصف شعبان ~~وليلة نصف رمضان، ويعطون فيها من الصدقات كثيرا ثم يخرجون في حشمهم وأهل بيتهم وخدمتهم ~~من الجامع إلى المدينة، فيزورون دور العباد والعلماء والكتاتيب والمدارس، فيوزعون ~~عليهم الأموال والعطايا الجسيمة.» # 9 # فالخاصة كما نرى هم الذين بدءوا بتقديم العطايا إلى المعلمين، وتبعهم في ذلك العامة، ~~وما زال الأمر كذلك إلى أن أصبح من العادات الثابتة في المجتمع، التي يحترمها المشرعون ~~ويأخذون بها في أحكامهم. # فإذا رأى المعلمون أن يطلبوا الهدايا في مناسبات أخرى غير الأعياد كالزواج والميلاد ~~وغير ذلك، فالجمهور هو الذي شق لهم طريق العطية في العيدين، بل في: «رمضان وفي القدوم ~~من سفر.» 74-أ. وأجاز القابسي كل ذلك. # ومما يعاب على المعلم أن ينصرف عن التعليم، فيشغل نفسه، أو يشغل الصبيان بغير طلب ~~العلم. وقد أفاض القابسي القول في ذكر هذه الأحوال الشاغلة للمعلم. # فلا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في حوائجه. سئل سحنون هل يرسل الصبيان بعضهم في طلب ~~بعض، فقال: «لا أرى ذلك إلا أن يأذن له أولياء الصبيان في ذلك، أو يكون الموضع قريبا ~~لا يشغل الصبيان في ذلك.» 63-أ. # وعن سحنون: «ولا يجوز للمعلم أن يشتغل عن الصبيان، إلا أن يكونوا في وقت لا يعرضهم ~~فيه، فلا بأس أن يتحدث وهو في هذا ينظر إليهم، ويتفقدهم.» 63-ب. # ولا بأس أن ينظر المعلم في كتب العلم في الأوقات التي يستغني الصبيان عنه، مثل أن ~~يصيروا إلى الكتابة، وأملى بعضهم على بعض 64-أ. # ولا يجوز له الصلاة على الجنائز إلا ما لا بد منه؛ لأنه أجير لا يدع عمله ويتتبع ~~الجنائز والمرضى. # وشهود النكاحات وشهادة البياعات لا تجوز، هي مثل شهود الجنازة وعيادة المريض أو أشد ~~65-ب. # وإن ms156 كانت عنده شهادة والسلطان عنه بعيد، في سيره إليه شغل عن صبيانه فله عذر في تخلفه ~~عن أدائها. وإن سافر سفرا بعيدا أو خيف بعد الغريب لما يعرض في الأسفار من الحوادث ~~فلا يصلح له ذلك. # وإذا غلب النوم على المعلم، فيغالبه إن استطاع في وقت التعليم. # فهذه كلها صفات خلقية تتصل بالعمل في الكتاب ووجوب الانصراف إلى التعليم. # وجماع هذه الصفات يندرج تحت عنوان واحد هو واجب المعلم نحو عمله. # هذا الواجب - الذي ينبغي أن يكون - شيء والواقع شيء آخر. # قال صاحب (مفتاح السعادة): «ينبغي أن يكون تعليمه (أي المعلم) لوجه الله تعالى، ولا ~~يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا رسما ولا عادة، ولا زيادة جاه ولا حرمة، وإنما يريد ~~ابتغاء مرضاة الله، والامتثال لأوامره، والاجتناب عن نواهيه، ويريد نشر العلم، وتكثير ~~الفقهاء، وتقليل الجهلة، وإرشاد عباد الله إلى الحق، ودلالتهم على ما يصلحهم في ~~النشأتين، وإظهار دين الله، وإقامة سنة رسول الله، وتشييد قواعد الإسلام، والتفريق بين ~~الحلال والحرام، ويكون مخلصا في ذلك راغبا في الآخرة.» # 10 # وعن شيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري في بيان شروط تعليم العلوم وتعلمها: «أن يقصد به ~~ما وضع ذلك العلم له، فلا يقصد به غير ذلك كاكتساب مال أو جاه أو مغالبة خصم أو مكابرة.» # 11 # وفي مقدمات ابن رشد: «يجب على طالب العلم ألا يريد بتعلمه الرياء والسمعة ولا غرضا ~~من أغراض الدنيا.» # 12 # وقد فصل الغزالي في (الإحياء) و(ميزان العمل) وظائف المعلم بما لا يخرج عن ذلك. وقد ~~ذكر كثير من الفقهاء قبل ذلك ما ينبغي أن يكون عليه المعلم، وكلهم مجمعون على أن المعلم ~~لا ينبغي أن يطلب سمعة أو جاها أو مالا أو مصلحة. # أما الواقع فيختلف عما ينبغي أن يكون؛ ذلك أن المعلم في القرن الرابع كان يطلب المال ~~ليعيش، أو السمعة ليرتفع قدره، لهذا كان يشتغل عن التعليم بالنظر في كتب العلم، وكتابة ~~الرسائل للناس، وشهود النكاحات والبياعات والصلاة وراء الجنائز وما إلى ذلك. # ولم يكن ms157 الحال كذلك في الصدر الأول للإسلام؛ لأن الروح الديني الصادق كان متغلغلا في ~~الصدور، فتيا في القلوب، حتى إذا تقدمت العصور بالمسلمين شغلوا كثيرا بالأمور ~~الدنيوية. # وقد أشار السيوطي كما سبق أن ذكرنا إلى امتناع بعض المشايخ من إعطاء الإجازة إلا ~~بالمال. ولم تقرر هذه العادة إلا في عصر متأخر عن عصر القابسي. # فشخصية العلم الخلقية كانت متصلة إذن اتصالا وثيقا بالحالة الاقتصادية السائدة في ~~المجتمع. واختلال الميزان الاقتصادي بين الطبقات الرفيعة والدنيا، هو الذي أدى مع الزمن ~~إلى تحول المعلمين وغيرهم من أصحاب الصناعات الدينية والعقلية إلى البحث عن المادة، ~~والانصراف عن العلم الصحيح، والروح الديني الحق. # ولم يكن القابسي مغاليا في التطلع نحو المثل العليا البعيدة التحقيق، بل أجاز الأجر ~~للمعلم، ووافق على قبوله العطية في الأعياد كما جرت به العادة. # ولكنه لم يقبل أن تمتد يد المعلم إلى غير أجره المشترط عليه. ولذلك وضع قواعد الجزاء ~~على اشتغال المعلم عن التعليم. # أما الاشتغال الخفيف الذي لا يؤثر في مصلحة الصبيان فقد أجازه: «مثل الذي يكون في ~~حديثه في مجلسه ... فهذا وما أشبهه يقل خطبه، ويخف قدره، فيتحلل من آباء الصبيان مما أصاب ~~ذلك إن كان الأجر من أموالهم.» # وإن كان الأجر من أموال الصبيان، فلا بأس أن يعوضهم من وقت عادة راحته ما يجبر لهم ما ~~نقصهم من حظوظهم باشتغالهم ذلك. # وإن مرض أو عليه شغل: «فهو يستأجر لهم من يكون فيهم بمثل كفايته لهم، إذا لم تطل ~~مدة ذلك. كذلك إن سافر سفرا قريبا؛ اليوم واليومين وما أشبههما، يقيم من يوفيهم ~~كفايته لهم. وكذلك إذا لم يستطع مغالبة النوم، فليقم فيهم من يخلفه عليهم.» 65-أ، ~~66-أ. # هذا التعويض ملحوظ فيه مصلحة الصبيان، وتقديم المقابل المادي الذي يتناسب مع إخلال ~~المعلم بواجبه. وميزان المادة أصدق الموازين. وملحوظ فيه الرفق بالمعلم إذا كان عنده ~~عذر في تخلفه عن التعليم، ولا يخلو إنسان عن الأعذار الطارئة والظروف العارضة كالمرض ~~وغيره. وملحوظ فيه احترام شخصية المعلم، بوضع الأمور في موضعها ms158 الصحيح، حتى يكون قدر ~~المعلم محفوظا مهيبا. # بهذا تستقيم شخصية المعلم العلمية والدينية والخلقية وتخلو من الشوائب، فلا تؤثر ~~أثرا سيئا في نفوس الصبيان الذين يتصل بهم. وصلاح المعلم فيه صلاح الصبيان؛ لأنه ~~القدوة لهم والمثل الأعلى بالنسبة إليهم. # الحقيقة أن شخصية المعلم في القرن الرابع كانت قوية تبسط ظلها على المجتمع بأسره، ~~خصوصا في القرى والأقاليم النائية عن العواصم، حيث يعتبره أهل الجهة التي يقوم فيها ~~بالتعليم أكثرهم ثقافة، وأسماهم منزلة، وأشدهم معرفة بالدين. # وسلطة المعلم على الصبيان ظل لشخصيته. # وقد كانت سلطة المعلم عظيمة القدر كبيرة الأثر، أجازها القابسي للمعلمين واعترف بها ~~لهم. # والمعلم يستمد هذه السلطة من الوالد، إذ يقوم مقامه، ويحل محله في تربية الأبناء ~~وتثقيفهم: «لأنه هو المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يصلح لهم، والقائم ~~بإكراههم على مثل منافعهم، فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن ~~رفقه بهم، ولا من رحمته إياهم، فإنما هو لهم عوض من آبائهم.» 54-أ. # وجميع المربين في الإسلام ينظرون إلى المعلم هذه النظرة الروحية. قال صاحب (مفتاح ~~السعادة) عند الكلام على الوظيفة الثانية للمعلم: «أن يجري المتعلم منه مجرى بنيه.» # 13 # والوظيفة الأولى للمعلم المرشد عند الغزالي هي الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه. # 14 # فإذا تقررت السلطة للمعلم فهو مسئول عن الصبيان؛ لأنه لا مسئولية لمن لا سلطة له، ~~فالمعلم صاحب سلطة وصاحب مسئولية، ويجب عليه حسن رعاية الصبيان لأن: «نظره فيمن التزم ~~النظر له من الصبيان رعاية يدخل بها في قول الرسول: «كلكم راع وكل راع مسئول عن ~~رعيته».» 53-أ. # والقابسي حين يقرر للمعلم هذه السلطة العظيمة التي تساوي في مقدارها سلطة الوالد، ~~إنما يرمي إلى فائدة الصبيان أنفسهم، من جهة ثقافتهم العقلية، ورياضتهم الخلقية؛ لأن ~~المعلم إذا شعر بنقص في سلطته عجز عن حكم الصبيان، وخرجوا على طاعته، وامتنع عليه أن ~~يدفعهم إلى الامتثال لأمره. أما إذا باشر السلطة الكاملة التامة فإنه يأمر فيطاع، وينصح ~~فيسمع. # ولا يستطيع المعلم ms159 أن يعتذر عن فساد النتيجة في التعليم والتأديب بنقص سلطته، فهو ~~مسئول عن صبيانه في تحصيلهم للدرس وسلوكهم المهذب. # ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على أعماله لأنه يتحمل المسئولية المستمدة من ~~السلطة. # فإذا نقص حذق الصبي حتى ينتهي إلى ما يسمى تعلما، في إجادته ومعرفته بالشكل والهجاء ~~والنظر في المصحف، ويملي على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها ولا يستمر في ~~قراءتها، فإن هذا المعلم يعتبر مفرطا إذا كان يحسن التعليم، ومغررا إذا كان لا يحسن ~~التعليم. # وهو مسئول سواء فرط أو غرر. # ثم ذكر القابسي آراء العلماء في مثل هذا المعلم فقال: «إنه يستأهل الأدب لتفريطه فيما ~~وليه، وتهاونه بما التزمه، وأن يمنع من التعليم. وهو صواب إذا كان شأنه التفريط أو ~~الغرور بتعليمه وهو لا يحسن.» # ورأي بعضهم «أن مثل هذا المعلم يستأهل اللوم والتعنيف والغلظة والتأنيب من الإمام ~~العدل.» 72-أ. # فالقابسي لا يتهاون مع المعلم المقصر في أداء واجباته، ويفرض عليه جزاء أدبيا ~~وماديا، قد يصل من الشدة إلى درجة منع المعلم من التعليم. والجزاء المادي يتصل بنقص ~~أجر المعلم المتفق عليه أو عدم دفعه، فإذا أخرج الصبي من عند معلم إلى معلم آخر ولم ينل ~~عند الأول «من التعليم شيئا له منفعة.» فالجعل كله للثاني، وقل ما يناله ~~الأول. # ومسئولية المعلم ظاهرة أيضا في العقوبات التي يوقعها على الصبيان إذا خرجت على ~~الحدود المشروعة. # فهو مسئول عن الألفاظ القبيحة التي تصدر عنه في ساعة الغضب، ويجب عليه الاستغفار عنها ~~والاستعاذة منها. # وإذا تعدى المعلم في ضربه: «فهذا إنما يقع من المعلم الجافي الجاهل.» وفي وصف المعلم ~~بالجفاء والجهل كفاية في عقابه على قسوته وخروجه على الحدود. # ومسئولية المعلم شديدة إذا أدى الضرب إلى إلحاق الضرر بالصبي، وقد نظر الفقهاء في مثل ~~هذه الأحوال، ووضعوا العقوبة التي تفرض على المعلم في كل حالة منها. # سئل مالك عن معلم لو ضرب صبيا ففقأ عينه أو كسر يده، فقال: إن ضربه بالدرة على ~~الأدب، وأصابه بعودها فكسر يده ms160 أو فقأ عينه، فالدية على العاقلة إذا فعل ما ~~يجوز. # فإن مات الصبي فالدية على العاقلة بالقسامة، وعليه الكفارة. # فإن ضربه باللوح أو بعصا فقتله، فعليه القصاص؛ لأنه لم يؤذن له أن يضربه بعصا ولا ~~بلوح. # فسلطة المعلم تبسط على الصبيان في تعليمهم وفي تأديبهم. وهو مسئول عن حسن تعليمهم ~~وكمال تأديبهم؛ لهذا منح المعلم حرية، إلا تكن مطلقة، فهي حرية واسعة. # وتقييد حرية المعلم ينشأ من جهات كثيرة. # فهو مقيد بالمناهج الموضوعة لا يستطيع أن يتركها إلى غيرها. بل لقد نص الفقهاء على ~~إبعاد بعض المواد من المنهج والنهي عن تدريسها، كالشعر الذي يكون فيه الهجاء أو ~~العزل. # وهو مقيد في التأديب بشروط إذا تجاوزها أصبح مسئولا، ويحاسب على ذلك حسابا أدبيا ~~وماديا. # فليس له أن يضرب إلا بالدرة لتكون رطبة مأمونة، فإذا ضرب بعصا أو بغير ذلك كان ~~مسئولا. وحد الضرب ثلاث ضربات، وإذا أراد أن يزيد عليها فعليه أن يستشير ولي أمر الصبي ~~وأن يستأذنه في زيادة الضرب. # والقيد الشديد هو استشارة أولياء أمور الصبيان والرجوع إليهم. ذلك أن المعلم يستمد ~~سلطته من آباء الصبيان، ولهؤلاء أن يستردوا هذه السلطة إذا شاءوا. وقد أوجب القابسي على ~~المعلم أن يرجع إلى ولي أمر الصبي في أمور كثيرة تخص عمله وحضوره إلى الكتاب وغيابه ~~عنه، وإدمانه البطالة، وعقابه، إلى غير ذلك من الشئون التي تعرض للصبيان في ~~الكتاتيب. # واستشارة أولياء الأمور، وإبلاغهم أحوال أبنائهم في دراستهم وأخلاقهم يدل على التعاون ~~الواجب بين البيت والمدرسة، وفي هذا التعاون فوائد كثيرة تعود على التلميذ ~~بالخير. # مثال ذلك أن الصبي إذا هرب من الكتاب وتعود البطالة، فإن المعلم إذا سأله عن علة ~~غيابه أخبره أنه في البيت، على حين يعتقد أبوه أنه موجود في الكتاب، والحقيقة أنه لا ~~يوجد في البيت، ولا في الكتاب، بل يلهو ويعبث ويلعب في الأزقة والشوارع. فإذا بادر ~~المعلم بإخبار الآباء عن غياب أبنائهم عرف هؤلاء ما يعمل الصبيان فيعاقبونهم ويردعونهم ~~ويعملون على التزامهم الذهاب إلى الكتاب. ms161 # وفي حالة الصبي الأبله الذي لا يستفيد من الدرس «ولا يحفظ ما علم، ولا يضبط ما ~~فهم.» على المعلم أن يعرف الآباء بمكان هذا الصبي من فقد الفهم. فإذا رضي الوالد ~~أن يترك ابنه في الكتاب، فإنه يدفع الأجر على حيازته لا على تعليمه. # ولا شك أن الصبيان في حاجة إلى الرقابة؛ لأن سنهم الصغيرة لا تسمح بالحرية المطلقة ~~التي يشعر فيها الإنسان بالمسئولية ويحمل تبعاتها. والرقابة الدقيقة يجب أن تصدر عن ~~البيت والكتاب معا، حتى لا يجد الصبي ثغرة ينفذ منها إلى الإهمال في الحفظ، والإقبال ~~على العبث، فتضيع الفائدة المنشودة. # فالمعلم مسئول عن التلاميذ أمام أولياء أمورهم. # وتقع عليه هذه المسئولية لأنه يتناول أجرا على قيامه بالتعليم، فينبغي أن يوفي عمله ~~مقابل ما يأخذ من أجر. ~~(3) أجر المعلم # وقضية أجر المعلم من القضايا التي دار حولها النزاع خلال العصور المتعاقبة، واختلف ~~المفكرون والفلاسفة وأهل الرأي في قبول المعلم الأجر أو عدم قبوله. # وأشهر من امتنع عن تناول الأجر سقراط الفيلسوف اليوناني. # عاش سقراط في عصر السفسطائيين، وهم طائفة من المعلمين كانوا يعلمون الشباب البلاغة ~~والبيان والجدل والفلسفة ويتناولون أجورا على دروسهم؛ وخالفهم سقراط فكان يعلم الشباب ~~ولا يأخذ أجرا. وكان يعلم في كل مكان وجد فيه، في الأروقة والشوارع والميادين ~~والطرقات. # وهناك أسباب فلسفية على أساسها امتنع سقراط عن أخذ الأجر، ذلك أن الفضيلة يستمدها ~~صاحبها من النفس، ويستطيع أن يصل إلى ذلك العلم بالتأمل، ولا يمكن أن تعلم الفضائل، فلا ~~يستحق المعلم بناء على ذلك أجرا. # ولا شك أن سلطان المعلم على تلميذه يكون أقوى وأكثر إيحاء، ويكون التلميذ أدنى إلى ~~قبول آراء المعلم إذا عف عن أخذ الأجر؛ إذ تكون الصلة بينهما روحية معنوية، لا تدخل ~~المادة في علاقة بعضها ببعض فتفسدها. # ومن المعروف أن تعليم القرآن والدين في صدر الإسلام كان تطوعا، وهكذا ذكر القابسي في ~~رسالته. ولما انتشر الإسلام، وأصبح من العسير وجود من يعلم للمسلمين أولادهم «ويحبس ~~نفسه عليهم ويترك التماس معايشه.» «صلح ms162 للمسلمين أن يستأجروا من يكفيهم تعليم أولادهم، ~~ويلازمهم لهم.» # فالأجر إذن ضروري في نظر القابسي، ووجه الضرورة: «أنه لو اعتمد الناس على التطوع، لضاع ~~كثير من الصبيان ولما تعلم القرآن كثير من الناس، فتكون هي الضرورة القائدة إلى السقوط ~~في فقد القرآن من الصدور، والداعية التي تثبت أطفال المسلمين على الجهالة.» 33-أ. # والروح الذي دفع المسلمين في صدر الإسلام إلى القيام بتعليم القرآن والكتابة تطوعا، ~~هو ذلك الروح الديني الذي استغرق النفوس، فملأ القلوب وعمرها بالإيمان، مما أدى إلى هذه ~~الفتوحات العظيمة في التاريخ، والتي لا يمكن تفسيرها إلا بقوة الإيمان وشدة ~~اليقين. # فلما استقر المسلمون في الممالك التي فتحوها وتحول أهلها إلى الإسلام، واطمأنت النظم ~~الإسلامية، وركد الروح الأول الدافع إلى الفتح والغزو ونشر الدين وتحويل الأمم إلى ~~الإسلام، اضطر المسلمون إلى تنظيم أمر التعليم الذي يخص أبناءهم فنشأت الكتاتيب، وظهرت ~~مع ظهورها الحاجة إلى تحديد العلاقة بين المعلم والتلميذ، وبين المعلم والنظام المدرسي ~~والعلوم التي يقوم بتدريسها. # وأهم هذه العلوم: القرآن، فهو المحور الذي يدور عليه التعليم في الكتاب، وهو السبيل ~~في ظهور الكتاتيب، وهو همزة الوصل بين المعلم والتلميذ. # ثم برزت مشكلتان: الأولى أخذ الأجر على تعليم القرآن، وهل يجوز ذلك أو لا يجوز. ~~والثانية قبول المعلم الأجر على علوم أخرى غير القرآن. # وهنا نرى أن قضية أجر المعلم عند المسلمين تختلف عن مثلها عند سقراط؛ فقد آثر سقراط ~~الامتناع عن تناول الأجر لغاية خلقية وإنسانية وروحية، فعنده أن الوصول إلى الحقيقة، ثم ~~نشرها وإذاعتها بين الناس لا يتم على الوجه الصحيح الذي نصل فيه إلى الحقيقة الخالصة، ~~إلا إذا ابتعد المعلمون عن شوائب المادة. # أما المسلمون فلم يكن همهم الوصول إلى الحقيقة والبحث عنها؛ لأن القرآن كتاب الله ~~المنزل على عباده فيه جماع الحقائق وغاية المعارف. ومن أراد الوصول إلى الحق فليحفظ ~~القرآن ويع ما فيه. فهل يؤجر من يعلم القرآن؟ # فمسألة الأجر نشأت عن علة دينية وعن تعليم القرآن بالذات. # وقد اختلف الفقهاء فيما بينهم ms163 على أخذ الأجر على تعليم القرآن. ولكل فقيه وجهة نظر ~~يعتمد عليها في الحكم. وقد كانت هذه المسألة موضع خلاف شديد؛ لأنها تمس القرآن وهو أقدس ~~الأشياء عند المسلمين، ولهذا السبب أفاض القابسي في عرض وجهات النظر المختلفة وانتهى ~~إلى ترجيح رأي القائلين بجواز أجر المعلم. # والذين يكرهون أخذ الأجر على تعليم القرآن يعتمدون على حجج ثلاث: # الأولى: ~~«أن القرآن يعلم لله، فلا ينبغي أن يؤخذ عنه عوض.» وهذه الحجة ~~دينية تطالب المعلمين أن يعلموا في سبيل الله. # والثانية: ~~«أن أئمة المسلمين في صدر الأمة، ما فيهم إلا من قد نظر في جميع ~~أمور المسلمين بما يصلحهم في الخاصة والعامة، فلم يبلغنا أن أحدا منهم ~~أقام معلمين يعلمون للناس أولادهم من صغرهم في الكتاتيب، ويجعلون لهم ~~على ذلك نصيبا من مال الله.» 32-ب. # وهذه حجة تعتمد على التقاليد الموروثة، وعلى العادات التي كانت تصدر ~~عن السلف الصالح. وأعمال أئمة المسلمين حجة على غيرهم وأصل من أصول ~~الدين. # وعلى هاتين الحجتين اعتمد الغزالي في تحريم الأجر حيث قال في الوظيفة ~~الثانية للمعلم المرشد: «أن يقتدي بصاحب الشرع # صلى الله عليه وسلم # فلا يطلب على ~~إفادة العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا، بل يعلم لوجه الله ~~تعالى وطلبا للتقرب إليه، ولا يرى لنفسه منة عليهم، وإن كانت المنة ~~لازمة لهم.» إلى أن قال: «فانظر كيف انتهى أمر الدين إلى قوم يزعمون أن ~~مقصودهم التقرب إلى الله تعالى بما هم فيه من علم الفقه والكلام، ~~والتدريس فيهما وفي غيرهما، فإنهم يبذلون المال والجاه ويتحملون صفات ~~الذل في خدمة السلاطين لاستطلاق الجرايات ... فأخسس بعالم يرضى لنفسه ~~بهذه المنزلة، ثم يفرح بها، ثم لا يستحي من أن يقول غرضي من التدريس ~~نشر العلم تقربا إلى الله تعالى ونصرة لدينه.» # 15 # والحجة الثالثة: # حديث القوس الذي ينسب إلى الرسول عليه السلام. وسنة الرسول هي الأصل ~~الثاني من أصول الفقه بعد كتاب الله. # ونذكر هذا الحديث لأهميته كما جاء في رسالة القابسي: «عن عبادة بن ms164 الصامت: علمت ناسا ~~من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى لي رجل منهم قوسا. فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في ~~سبيل الله. لآتين رسول الله فلأسألنه. فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى لي قوسا ممن ~~كنت أعلمه الكتاب؛ القرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: إن كنت تحب أن ~~تكون طوقا من النار فاقبلها.» 39-أ. # ويعلق ابن حبيب على هذا الحديث بقوله: «وتأويل هذا النهي أن ذلك كان في مبتدأ ~~الإسلام، وحين كان القرآن قليلا في صدور الرجال، غير فاش ولا مستفيض في الناس. وكان ~~الأخذ على تعليمه يومئذ، وفي تلك الحال، إنما كان ثمنا للقرآن. أما بعد أن صار فاشيا ~~في الناس، قد أثبتوه في المصاحب، وصارت المصاحف وما فيها مباحة للجاهل والعالم، وللقارئ ~~وغير القارئ، غير محجوبة ولا ممنوعة، ولا مطلوبة إلى قوم دون قوم، ولا مخصوص بها قوم ~~دون غيرهم، فإنما الإجارة على تعليمه إجارة البدن المشتغل بذلك، وليس ثمنا للقرآن.» ~~39-ب. # وبهذا أخرج ابن حبيب المسألة من الأجر على القرآن إلى الأجر على الاشتغال بالتعليم، ~~فتحلل من القرآن بأن يكون الأجر ثمنا للقرآن. # وهذا تحليل غريب في بابه؛ لأنه مع افتراض أن الأجر الذي يتناوله المعلم إنما يأخذه ~~عوضا عن الوقت الذي يشغله، والمجهود الذي يبذله، فإن هذا لا يعني أن الشيء الذي يعلمه ~~هو القرآن، وأنه هو الأصل في التعليم. # أما القابسي فإنه يجعل لحيازة الصبي في الكتاب أجرا، ولتعليمه أجرا آخر، وذلك كما ~~قال عن المعلم الذي يحفظ الصبي الأبله الذي لا يستفيد، ويأخذ أجرا على حوزه لا على ~~تعليمه. فإجارة البدن المشتغل بالتعليم من الأمور المتفق عليها، ويبقى أجر القرآن ~~والتعليم. # وقد وقف القابسي من حديث القوس موقفا يختلف عن موقف ابن حبيب، ذلك أنه لم يقبل ~~الحديث ويعمل على تخريجه وتأويله ذلك التخريج الغريب الذي رأيناه، ولكنه شك في صحة ~~الحديث فقال: «ولو ثبتت صحة نقل حديث القوس على ما ذكر.» 39-أ. # وشك القرطبي أيضا في حديث القوس فقال: «وأما ms165 حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من ~~حديث المغيرة بن زيادة الموصلي عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة عنه؛ والمغيرة ~~معروف بحمل العلم، ولكن له مناكير هذا منها. قاله أبو عمر عبد البر. ثم قال: وأما حديث ~~القوس فمعروف عند أهل العلم، لكنه عن عبادة من وجهين؛ وروي عن أبي بن كعب من حديث ~~موسى بن علي عن أبيه عن أبي، وهو منقطع، وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل.» # 16 # والذين يجيزون الأجر يعتمدون على أحاديث الرسول أيضا. منها حديث «أحق ما أخذتم عليه ~~أجرا كتاب الله.» وفي حديث الرقية: «أن بعض أصحاب النبي رقوا ملدوغا بالقرآن واشترطوا ~~جعلا، وسألوا النبي في ذلك فقال: «اقسموا واضربوا لي معكم سهما.» فالحديث يجيز أخذ ~~الإجارة على كتاب الله ممن ينتفع به.» 360-ب. # إنما الأجر المعيب أن يكون للتكسب بالقرآن كما في الحديث: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا ~~به ولا تراءوا به، ولا تسمعوا به.» # هذا ولا يرى أئمة المسلمين بأسا بأخذ الإجارة على التعليم. وقد جرى المسلمون على ذلك ~~وأجازوه، «وذكروا ذلك عن عطاء بن رباح، وعن الحسن البصري، وعن غير واحد من الأئمة ~~الصالحين.» 34-ب. # وهذا يدحض حجة القائلين بعدم جواز أخذ الأجر اعتمادا على ما كان يعمل السلف ~~الصالح. # عن مالك: «كل من أدركت من أهل العلم لا يرى بأجر المعلمين - معلمي الكتاب - بأسا.» # وعن ابن وهب في موطئه: «سمعت مالكا يقول: لا بأس بأخذ الأجر على تعليم القرآن ~~والكتابة.» ~~«وفي المدونة أن سعد بن أبي وقاص قدم برجل من أهل العراق، وكان يعلم أبناءهم الكتابة ~~والقرآن بالمدينة، ويعطونه على ذلك الأجرة.» # وعن مالك: «لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن، وإن اشتراط شيئا كان حلالا له ~~جائزا.» # وبذلك حل القابسي مشكلة أخذ الأجر على تعليم القرآن، وأجاز ذلك كما أجازه جميع أئمة ~~المذهب المالكي. # وبقيت المشكلة الثانية وهي أخذ الأجرة على تعليم غير القرآن؛ فهي موضع خلاف بين فقهاء ~~المالكية. # ذلك أن ms166 مالكا لا يجيز الأجر على غير القرآن والكتابة، حيث أجاب عن أجر الشعر كما ~~يأتي: «أما الاستئجار على تعليم الشعر لولده فقال فيه ابن القاسم، قال مالك: لا ~~يعجبني هذا.» 43-أ. # وسحنون من رأي مالك وابن القاسم 44-ب. # أما ابن حبيب فقال: «لا بأس بإجارة المعلم على تعليم الشعر والنحو والرسائل وأيام ~~العرب وما أشبه ذلك من علم الرجال وذوي المروءات.» 44-ب. # وإذا علمنا أن ابن حبيب كان فقيه الأندلس، فليس لنا أن نعجب إذا أجاز تعليم الشعر ~~وأخذ الأجرة عليه، فالأندلس بيئة الجمال والفن والشعر. # ويرى القابسي أن وجه الخلاف في الأجر عند الفقهاء: «إنما هو في إفراد المعلم بالإجارة ~~على غير القرآن والكتابة. فأما ما كان من معاني التقوية على القرآن من الكتابة والخط ~~فما اختلفوا فيه.» 43-أ. # وهذا يدلنا على حقيقتين: الأولى الحث على تعليم القرآن ولهذا أجازوا الأجر، والثانية ~~منع تعليم شيء غير القرآن، حتى لا ينصرف الناس إلى هذه العلوم عن القرآن نفسه. ولهذا ~~السبب نصح القابسي بالاقتصاد في تعليم الشعر حتى: «لا يغلب الشعر على الإنسان فيصده ~~عن ذكر الله والقرآن.» 46-أ. # فالقرآن هو الهدف الأول والأخير من التعليم، وفي سبيل تعليمه ونشره أجازوا أخذ ~~الأجرة. # وقد لخص السيوطي في (الإتقان) الكلام في الأجر فقال: «أما أخذ الأجرة على التعليم ~~فجائز. ففي البخاري: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله».» وقيل إن تعين لم ~~يجز، واختاره الحليمي. وقيل لا يجوز مطلقا لحديث أبي داود عن عبادة بن الصامت أنه: ~~علم رجلا من أهل الصفة القرآن فأهدى له قوسا، فقال له النبي إن سرك أن تطوق به طوقا ~~من نار فاقبلها. # وفي (البستان) لأبي الليث: «التعليم على ثلاثة أوجه، أحدها للحسبة ولا يأخذ به ~~عوضا؛ والثاني أن يعلم بالأجرة؛ والثالث أن يعلم بغير شرط فإن أهدي إليه قبل. ~~فالأول مأجور وعليه عمل الأنبياء، والثاني مختلف فيه والأرجح الجواز، والثالث يجوز ~~إجماعا لأن النبي كان معلما للخلق وكان يقبل الهدية.» # 17 # ولخص طاش كبري زاده ms167 آراء الفقهاء الذين أجازوا أخذ الأجرة على التعليم، ثم قال: «وقيل ~~لا يجوز مطلقا وهو مذهب أبي حنيفة. إلا أن المتأخرين من أصحابه قالوا لا بأس في أخذ ~~الأجرة على تعليم القرآن وللتدريس، لظهور التواني والتكاسل في هذا الزمان. ولو منع ذلك ~~لانسد الباب.» # 18 # وهذا هو رأي القابسي في جواز أخذ الأجرة على التعليم لضرورة تعليم القرآن، حتى لا ~~يضيع من الصدور فينشأ أبناء المسلمين على الجهالة. # ويرى خليل طوطح: «أن كبار الأئمة أجازوا أخذ الأجر على تعليم القرآن. وإن أجازوه على ~~تعليم القرآن، فلا ريب أنهم لم يحرموا على تعليم بقية المواضيع المدرسية.» # 19 # وقد كان الأجر على غير القرآن موضع خلاف بين الفقهاء كما رأينا، ولذلك كان إطلاق ~~القضية على النحو الذي ذكره طوطح في كتابه غير صحيح. # وقد وضع القابسي قواعد الشرط بين المعلم وآباء الصبيان على الأجر، حتى لا يقع الخلاف ~~بينهم. # ويختلف الشرط على التعليم باختلاف البلاد وعاداتها. وقد أجاز الفقهاء جميع الأحوال ~~الخاصة بالشرط على الأجر، فقد يكون مشاهرة أو مساناة أو بأجل معين. # وقد تكون الأجرة على أجزاء القرآن التي يستكمل الصبي حفظها، وذلك حسب عادة البلد، ~~واشتهار أداء الناس في ذلك، مثل الجعل في # لم يكن الذين ~~كفروا ~~(البينة) وفي # عم يتساءلون ~~(النبأ) و # تبارك ~~(الملك) و # إنا ~~فتحنا ~~(الفتح) و«الصافات» و«الكهف» 73-أ. # ولا بأس بالأجر عن سورة واحدة. «جاء رجل إلى مالك قال: علمت رجلا سورة بالأجر. قال: ~~لا بأس.» 71-أ. # وإذا كان الأجر المتفق عليه بحذقة جزءا معينا من القرآن، فلا يجوز التوقيت بأجل ~~مسمى؛ «إذ يخشى أن يوقت وقتا ضيقا لا يبلغ الصبي حذقة ما اشترط تعلمه.» # فإذا انتهى الأجل ولم يكن الصبي قد استكمل الحذقة: «فيكون له أجر مثله فيما علمه في ~~تلك السنة.» 51-ب. # ويأخذ المعلم أجر الختمة زيادة على أجر التعليم المشترط عليه. والختمة في الأصل أن ~~يستكمل الصبي حفظ القرآن. وقد جرت العادة بدفع أجر الختم. قال مالك: «وحق الختمة واجب؛ ~~اشترطها المعلم أو ms168 لم يشترطها، وعلى ذلك أهل العلم ببلدنا.» 47-أ. # ومقاربة الختمة عند سحنون إذا بلغ الثلثين أو جاوز ذلك. وقيل عند الثلاثة أرباع أبين: ~~«وعنده أنه إذا لم يبلغ إلا لسورة يونس أنه لا يقضى له بشيء.» 75-أ. # وتجب الختمة في حالتين، ولا يقضى بها في حالة: ~~(1) # أن يستظهر الصبي القرآن حفظا من أوله إلى آخره، وقدر ما فهمه والصبي مما ~~علمه المعلم 70-أ. ~~(2) # أن يكون الصبي استكمل قراءة القرآن في المصحف نظرا، لا يخفى عليه شيء من ~~حروفه مع ما فهمه الصبي مما ينضاف إلى ذلك من ضبط الهجاء والشكل وحسن الخط ~~71-أ. ~~(3) # إن كان الصبي لم يتعلم، يملى عليه فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها ~~فلا يستحق المعلم شيئا إلا إذا كان الصبي أبله. # وإذا تعلم الصبي عند معلم بعض القرآن، ثم خرج من عنده إلى معلم آخر يستكمل عنده ~~الختمة، فالأجر يكون بينهما بمقدار ما علم كل منهما نصفا ونصفا، أو ثلثا وثلثين، أو ~~ربعا وثلاثة أرباع. # فإذا كان المعلم الأول قد بلغ من تعليم الصبي إلى مقاربة الختمة نظرا أو استظهارا، ~~حتى بلغ من الحذقة في ذلك إلى الاستغناء عن المعلم، وكان خروجه إلى الثاني لا يريد ~~علما في تعليمه إلا أن يكون له شيء في إمساكه وحياطته للصبي، فالجعل كله للأول أو ينقص ~~منه قليل 85-أ. # أما إذا تعلم الصبي عند الأول، ثم أخرج من عنده، ولم ينل من التعليم شيئا له فيه ~~منفعة، لعوج قراءته في سورة يسيرة تعلمها، ولا خط ولا هجاء، فالجعل كله للثاني، وقل ما ~~يناله الأول ... 85-ب. # وأما سحنون فقال: «إن علمه الأول إلى يونس فالختمة للثاني، وإن جاوز ذلك إلى ثلثين أو ~~زاد على ثلثين لم يقض للثاني بشيء.» # وتفسخ الإجارة إن مات المعلم أو مات الصبي أو مات أبو الصبي. # فإن مات المعلم، فهو يستأجر من ماله من يعلم مكانه، وله من الإجارة بحسب ما علم ~~من الأجل 78-أ. # وإذا مات الصبي، فللمعلم من الإجارة بحسب ما علم. # وإن ms169 مات الصبي، يأخذ المعلم من تركة الميت إن كان للصبي مال ورثه، وإن لم يكن له مال، ~~فللمعلم أن يفسخ الإجارة إلا أن يشاء أن يتطوع 87-ب. # وإذا نزل بقوم ما يضطرهم إلى الرحيل، فرحل بعضهم إلى مكان وبعضهم إلى مكان آخر، أو ~~رحل بعضهم وثبت بعضهم في البلدة فالحكم في الأجر يكون كما يأتي: ~~(1) # إذا كان قد عاقدهم على المشاهرة شهرا بشهر أو سنة بسنة، فالحكم فيه أن ~~يتركوه متى شاءوا، ويترك تعليمهم متى شاء. والحكم بينهم فيما قد علم ~~لهم. ~~(2) # إن كان قد عاقدهم على سنة بعينها أو أشهر بأعيانها، ورحلوا مضطرين فليس ~~عليه أن يتبعهم في السفر، بل ينتظر عودتهم ويكمل باقي مدة التعليم ~~88-ب. ~~(3) # إن كان رحيلهم طوعا، فليس لهم أن ينقصوا إجارته 76-ب. # وشركة المعلمين أو أكثر جائزة، إذا كانوا في مكان واحد لسببين: # الأول: «لأن لهم في ذلك ترافقا وتعاونا.» والثاني: «أن يمرض بعضهم، فيكون السالم ~~مكانه حتى يفيق.» 68-أ. # ويشترط مالك في شركة المعلمين أن يستوي علمهما، فلا يكون لأحدهما فضل على صاحبه في ~~علمه. فإن كان أحدهما أعلم من صاحبه، فإنه يتناول أجرا أكثر من الأقل علما. # ولا تصح الشركة على مذهب ابن القاسم، إذا استؤجر أحدهما لتعليم النحو والشعر ~~والحساب وما أشبه واستؤجر الآخر لتعليم القرآن والكتابة. وهذا هو مذهب من يكره ~~الإجارة على تعليم غير القرآن والكتابة 69-أ. # والمعلم هو الذي يستأجر مكان الكتاب، بيتا كان أو حانوتا. # أما إذا استؤجر المعلم على صبيان معلومين سنة معلومة، فعلى أولياء الصبيان كراء موضع ~~المعلم لأنهم هم أتوا بالمعلم إليهم وأقعدوه لصبيانهم 66-ب. # وإذا أراد المعلم الانتقال بالكتاب إلى موضع آخر، فإن كان المكان الجديد لا مضرة فيه ~~على الآتين منه، ولا مشقة ولا خوف على الصبيان، فلا مانع من الانتقال. # فإن كان فيه مضرة على واحد منهم فليس للمعلم أن ينتقل من مكان على التعليم فيه وقعت ~~الإجارة 87-أ. # بهذا نرى أن القابسي فصل الأحوال المختلفة التي تعرض لعلاقة المعلم بالتلميذ ms170 من ~~ناحية الأجر، وحكم في كل منها حكما يستند إلى الحق والشرع والمصلحة، حتى يسوى النزاع ~~بين المعلمين وآباء الصبيان، لتستقر الأمور وتجري في مجراها السليم. # وفي الحكم بالأجر إنصاف للمعلمين، وإنصاف للجمهور، وإنصاف للتعليم نفسه. # فالقابسي ينظر إلى الواقع، ولا يتطلب المثل العليا العسيرة المثال. # فهو يريد معلما ورعا تقيا، مخلصا في عمله وفي دينه وفي سلوكه، يقوم من التلاميذ ~~مقام الوالد من الولد، فيأخذ الصبيان بالشفقة والرحمة، والسياسة والحكمة، ويبصرهم أحوال ~~دينهم، ويحفظهم كتاب الله وسنة رسوله، حفظا للدين من الضياع. ولم يضن القابسي على ~~المعلم في سبيل ذلك بالأجر لحفظ المعاش، والكسب الضروري للحياة. # الفصل العاشر # | آراء المسلمين في التربية والتعليم # سنعرض في هذا الفصل طائفة من آراء المسلمين في التربية والتعليم، ونخص بالذكر أصحاب ~~الآراء الخاصة التي اشتهرت في تاريخ الفكر الإسلامي. ونحن نرمي من هذا الغرض أن نبين أمورا ~~ثلاثة: # الأول: # أن المستشرقين الذين كتبوا في التربية الإسلامية، ومن تبعهم من المؤلفين ~~في الشرق، درجوا على تقرير آراء معينة في التعليم قالوا عنها إنها آراء ~~المسلمين أو العرب فيما يختص بأغراض التعليم، ومناهجه، وطرقه، وأحواله. ~~وهذا التعميم خطأ؛ لأن أمور التعليم اختلفت باختلاف الأقاليم، واختلاف ~~أشخاص القائلين بها. وقد نجد اتفاقا على بعض الأمور، ولكنهم اختلفوا في ~~أمور أخرى كثيرة مما جعلنا نفرد لكل مفكر منهم كلمة خاصة تجمع رأيه، وتبين ~~ما امتاز به. # والثاني: # أن الآراء التعليمية لمفكر ما وحدة متماسكة في ذهن صاحبها، فقد يذكر ~~منهجا خاصا يلائم الغرض من التعليم الذي يذهب إليه، وكذلك طريقة التعليم ~~التي سلكها في تحقيق ذلك المنهج، فلا يصح أن ننقل جزءا من مذهب مفكر في ~~التعليم ونترك سائر ما ذكره في هذا الصدد # والثالث: # أننا نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقول: إن مذهب المفكر في التعليم جزء أو صدى ~~لمذهبه العام في الحياة أو فلسفته، إذا كانت الفلسفة هي النظر الشامل ~~للحياة. وقد التزمنا هذا المنهج في بحثنا، فبدأنا بذكر مذهب القابسي، وهو ~~مذهب أهل السنة، ms171 ثم بينا أن طريقته في التعليم تلائم هذا المذهب. ~~وجمهور الفقهاء كانوا على مذهب أهل السنة، وهذا هو السبب في التشابه ~~الشديد في الرأي بين المتقدمين والمتأخرين فيما ذكروا من فصول متناثرة خلال ~~كتب الفقه، وكتب القرآن التي تعرضت لموضوعات التعليم. وإلى جانب هؤلاء ظهر ~~في البيئة الإسلامية طوائف أخرى تفكر بطريقة مختلفة عن جمهور أهل ~~السنة، كالمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة وغيرهم؛ وسنرى في هذا الفصل أن ~~ما نذكره من مسائل التعليم المستندة إلى صاحبها هي صدى لمذهبه ~~العام. # لهذا كله آثرنا أن نجمع أشهر آراء المسلمين في التربية، أو آراء أشهر المربين في الإسلام ~~في مكان واحد، لتكون الموازنة بينهم وبين القابسي الذي يمثل فريق الفقهاء بارزة ~~جلية. ~~(1) إخوان الصفا والتعليم # أما إخوان الصفا وهم فريق من الفلاسفة، ألفوا جماعة سرية، واعتنقوا مذهبا سياسيا، ~~ويقال إنهم من الباطنية، فطنوا إلى أهمية التعليم في طبع النفوس على العقيدة فأشاروا ~~إلى هذا بقولهم: «واعلم أن مثل أفكار النفوس قبل أن يحصل فيها علم من العلوم واعتقاد ~~من الآراء، كمثل ورق أبيض نقي لم يكتب فيه شيء، فإذا كتب فيه شيء، حقا كان أو باطلا، ~~فقد شغل المكان، ومنع أن يكتب فيه شيء آخر، ويصعب حكه ومحوه.» # 1 # وقد نظروا إلى التعليم والتربية نظرا عقليا لا عمليا. # عرفوا العلم بأنه: «صورة المعلوم في نفس العالم، وضده الجهل وهو: عدم تلك الصورة من النفس.» # 2 # وعندهم أن طريق اكتساب المعلومات يكون بثلاثة طرق: الأول الحواس الخمس التي بها يدرك ~~الأمور الحاضرة في الزمان والمكان. والثاني استماع الأخبار التي ينفرد بها الإنسان دون ~~سائر الحيوان، يفهم بها الأمور الغائبة عنه بالزمان والمكان جميعا. والثالث طريق ~~الكتابة والقراءة يفهم بها الإنسان معاني الكلمات واللغات والأقاويل بالنظر فيها. # 3 # والمعرفة كلها مكتسبة وليست فطرية. وأصل المعرفة هي الحواس. «والمعقولات التي هي في ~~أوائل العقول ليست شيئا سوى رسوم المحسوسات الجزئيات الملتقطة بطريق الحواس. والدليل ~~على ذلك قوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~(النحل: ms172 78).» # 4 # والمقصود بالمعقولات الموجودة في أوائل العقول، المعرفة البديهية مثل: الكل أعظم من ~~الجزء. وهذه الأوليات مكتسبة. وقد رد إخوان الصفا على القائلين بأنها «مركوزة» اعتمادا ~~على رأي أفلاطون بما يأتي: «وليس الأمر كما ظنوا، وإنما أراد أفلاطون بقوله إن العلم ~~تذكر أن النفس علامة بالقوة فتحتاج إلى التعليم حتى تصير علامة بالفعل، فسمي العلم ~~تذكرا ثم إن طريق التعاليم هي الحواس ثم العقل ثم البرهان.» # 5 # وأصحاب (رسائل إخوان الصفا) مخطئون في فهم أفلاطون؛ لأن معنى رأيه «العلم تذكر والجهل ~~نسيان.» أن النفس كانت تعيش مع الآلهة في عالم المثل فعندها معرفة بكل شيء، ولما اتصلت ~~بالجسد نسيت، فإذا انكشف عنها ستار المعرفة، فإنها لا تكسب شيئا جديدا، بل تتذكر ما ~~كانت تعرفه في عالم المثل قبل اتصالها بالجسد. # ومذهب إخوان الصفا شبيه بمذهب لوك الذي يعتبر أن أصل المعرفة هو الحواس، وأنه لا شيء ~~في العقل لم يكن قبل ذلك في الحواس. # فإذا كانت المعرفة مكتسبة، فكيف الطريق إلى تحصيلها؟ # الطريق إليها بالاعتياد الذي يستند إلى المداومة والنظر. وفي ذلك يقولون: «واعلم بأن ~~العادات الجارية بالمداومة فيها تقوي الأخلاق المشاكلة لها، كما أن النظر في العلوم ~~والمداومة على البحث عنها، والدرس لها، والمذاكرة فيها، يقوي الحذق بها، والرسوخ فيها ...» # 6 # والمحاكاة الناشئة عن الاختلاط من وسائل نقل الأفكار، وطبع المعتقدات في النفوس: ~~«والمثال في ذلك أن كثيرا من الصبيان إذا نشئوا مع الشجعان والفرسان وأصحاب السلاح ~~وتربوا معهم، تطبعوا بأخلاقهم، وصاروا مثلهم. وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق ~~والسجايا التي يتطبع عليها الصبيان منذ الصغر، إما بأخلاق الآباء والأمهات ... والمعلمين ~~والأساتذة المخالطين لهم في تصاريف أحوالهم.» # 7 # والمحاكاة تسير من الكبير إلى الصغير، ومن العالم إلى الجاهل، ولذلك كانت للخواص ~~والعلماء تقليدا وقولا، أو كإقرار الصبيان للآباء والمعلمين تعليما وتلقينا. # 8 # ومن طرق كسب المعرفة أن تؤخذ عن معلم؛ لأن للمعرفة شرائط: «ليس في وسع كل إنسان ~~معرفتها في أول مرئياته. ومن أجل هذا يحتاج كل إنسان ms173 إلى معلم أو مؤدب أو أستاذ، في ~~تعلمه وتخلقه وأقاويله واعتقاده وأعماله وصنائعه.» # 9 # فطن إخوان الصفا إلى قيمة المعلم وضرورته في تلقين العلوم والمعارف. ولكنهم اشترطوا ~~في المعلم شروطا تتلاءم مع مذهبهم، وتخدم أغراضهم السياسية، وتتفق مع الغاية من نشر ~~دعوتهم، فقالوا: «واعلم أيها الأخ أن من سعادتك أيضا أن يتفق لك معلم ذكي، جيد الطبع، ~~حسن الخلق، صافي الذهن، محب للعلم، طالب للحق، غير متعصب لمذهب من المذاهب.» # 10 # ولا تتفق هذه الشروط إلا في جماعتهم، كما صرحوا بذلك قائلين: «ثم اعلم أن أصحاب ~~الناموس هم المعلمون والمؤدبون والأساتذة للبشر كلهم، ومعلمو أصحاب النواميس هم ~~الملائكة، ومعلم الملائكة هو النفس الكلية، ومعلمها العقل الفعال والله تعالى معلم الكل.» # 11 # وأصحاب الناموس في الرتبة الثالثة من جماعة إخوان الصفا. ذلك أنهم رتبوا أنفسهم مراتب ~~أربع بعضها فوق بعض: ~~(1) # الأبرار والرحماء، يشترط فيهم صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول، سنهم خمس ~~عشرة سنة. ~~(2) # مرتبة الرؤساء وذوي الرياسات، عمرهم ثلاثون سنة، يشترط فيهم مراعاة ~~الإخوان وسخاء النفس. ~~(3) # رتبة الملوك وذوي السلطان، وهي القوة الناموسية الواردة بعد ملوك الجسد ~~بأربعين سنة. ~~(4) # الرتبة الرابعة «وهي التي ندعو إليها إخواننا كلهم في أي مرتبة كانوا، ~~وهي التسليم وقبول التأييد، ومشاهدة الحق عيانا، وهي القوة الملكية ~~الواردة بعد خمسين سنة من مولد الجسد.» # 12 # وقد نبه إخوان الصفا في غير موضع إلى أهمية التربية والتعليم والمحافظة في طبع النفوس ~~بالآراء والسجايا، مما يصعب محوه بعد ذلك. ولكنهم أغفلوا مع ذلك حلقة أولى في التعليم، ~~تعتبر من بنيانه كالأساس، وهي مرحلة تعليم الصبيان حتى سن الخامسة عشرة. # ولعلهم تركوا الصبيان وشأنهم يتعلمون في الكتاتيب؛ لأن تعليمهم يتم بالتحفيظ لا ~~بالتفهيم. فهم يحفظون مبادئ العلوم التي لا يستغنى عنها فيما بعد، وفي ذلك يقولون: «كما ~~أن الصبي إذا أحكم ما يراد منه في المكتب استغنى عن حمل اللوح والدواة والمداد والقلم ~~وسواده. لأنه كان يكتب به ، ويقرأ منه ويمحو، ليحصل العلم في نفسه محفوظا، من القرآن، ~~والأخبار، والأشعار، ms174 والنحو، واللغة، وما شاكلها مما يحفظ الصبيان في المكتب.» # 13 # وفي هذا النص إشارة إلى منهج تعليم الصبيان في المشرق، وليس فيه خلاف عن المنهج ~~المتبع في المغرب. ~~(2) ابن مسكويه # وتكلم أحمد بن محمد بن مسكويه عن تعليم الصبيان في كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير ~~الأعراق». وقد درج في هذا الكلام على طريقة الفلاسفة، ولكنه كأغلب الفلاسفة المسلمين، ~~أخذ عن الفلسفة اليونانية دون أن يتبع فيلسوفا بعينه، ولكنه أخذ من كل مذهب ما أعجبه، ~~ومزج الآراء بعضها ببعض. # ويتضح تأثره الشديد بالفلسفة لا بالدين، مما ذكره من الغرض من الأخلاق والطريق الموصل ~~إلى ذلك الغرض، فقال: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر بها عنا الأفعال ~~كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا، لا كلفة فيها ولا مشقة. يكون ذلك بصناعة وعلى ~~ترتيب تعليمي. والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ما هي؟ وأي شيء هي؟ ولأي شيء أوجدت؟» # 14 # وإذا انتهى الصبي من كمال التمييز يسمى عاقلا: «إلى أن ينتهي إلى الغاية الأخيرة، ~~وهي التي لا تراد لغاية أخرى، وهو الخير المطلق.» # 15 # ثم إن الفضائل التي يتعود عليها الصبيان، وينشئون عليها: «تسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية.» # 16 # الحق والخير والجمال هي الغايات التي يتطلع إليها الإنسان. وهذه الثلاثة هي بذاتها ~~مثل أفلاطون الأخيرة. # والنفس جوهر مخالف للجسد؛ لأن: «النفس تقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من ~~المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال ... ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض ~~وتخرج في العلوم والآداب. فليس النفس إذن جسما.» # 17 # وتنقسم النفس إلى ثلاث قوى: النفس الناطقة، والغضبية، والشهوانية. والناطقة هي القوة ~~التي بها يكون التفكير والنظر في حقائق الأمور، والغضبية هي التي يكون بها النجدة ~~والإقدام على الأحوال، والشهوانية يكون بها طلب الغذاء والملاذ. # وفضيلة النفس الناطقة الحكمة، وآلاتها: الذكاء وهو سرعة انقداح النتائج وسهولتها على ~~النفس؛ والذكر وهو ثبات ما يخلصه العقل أو الوهم من الأمور؛ والتعقل وهو موافقة بحث ~~النفس عن الأشياء الموضوعة بقدر ما هي عليه؛ ms175 وصفاء الذهن وهو استعداد النفس لاستخراج ~~المطلوب؛ وجودة الذهن وهو استعداد النفس لاستخراج المطلوب؛ وجودة الذهن وهو تأمل النفس ~~لما قد لزم من المقدم؛ وسهولة التعلم وهي قوة للنفس وحدة للفهم بها تدرك الأمور النظرية. # 18 # والمعلومات بعضها مكتسب، وبعضها فطري. ~~«فإن النفس وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس، فلها من نفسها مبادئ ~~أخر، وأفعال لا تؤخذ عن الحواس البتة. وهي المبادئ الشريفة العالية التي تنبني عليها ~~القياسات الصحيحة. # وبالجملة فإن النفس إذا علمت أن الحس صدق أو كذب، فليست تأخذ هذا العلم من الحس ... ~~وهذا العلم من ذاتها وجوهرها أعني العقل.» # 19 # وإذا أردنا التعبير عن هذا الرأي بأسلوب آخر، نقول إن مادة المعلومات مكتسبة، أما ~~صورتها ففطرية. # والأحوال الخلقية بعضها مكتسب وبعضها فطري، «فمنها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج، ~~ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر ~~عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة واختيارا.» ~~«ولهذا اختلف القدماء فقالوا من كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه، وقال أخرون ليس شيء ~~من الأخلاق طبيعيا.» # وقد اختار ابن مسكويه المذهب الثاني وهو أننا: «ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعا ~~وإما بطيئا. ولأن الرأي الأول يؤدي إلى إبطال قوة التمييز والعقل، وإلى رفض السياسات ~~كلها، وترك الناس همجا مهملين، وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه ~~بغير سياسة ولا تعليم، وهذا ظاهر الشناعة جدا.» # فالصبي قابل للتعليم والتأديب. # ثم وصف بن مسكويه العلوم والفضائل التي يأخذ الناس بها أنفسهم منذ الصبا. ~~«فمن اتفق له في الصبا أن يربى على أدب الشريعة، ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى ~~يتعودها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه ~~بالبراهين، ثم ينظر في الحساب والهندسة حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان، ثم يتدرج في ~~منازل العلوم، فهو السعيد الكامل.» # 20 # في هذا المنهج نجد ابن مسكويه يمزج بين الدين والفضيلة والعلم على الأخص علم الحساب ~~والهندسة، وهذا شبيه بالفيثاغوريين. ms176 # ثم ذكر ابن مسكويه فصلا في تأديب الأحداث والصبيان خاصة، نقل أكثره من كتاب بروسن. # 21 # وأكبر الظن أن بروسن هذا نقل عن فلوطرخس، ويقول العرب عنها إنها رسالة أفلاطون في ~~آداب الصبيان؛ والتأديب في هذه الرسالة ينصرف إلى أبناء الأشراف الذين: «لا يربون ~~أولادهم بين حشمهم وخدامهم خوفا عليهم من الأحوال التي ذكرناها.» # 22 # والكلام في هذا الفصل ينصب على التربية والتأديب، لا على كسب العلوم. وقد كانت عناية ~~الروم والفرس متجهة في الغالب إلى تهذيب الخلق وتعليم الأدب. # ولا ننسى أن الروم كانت دولة أرستقراطية انعزلت فيها الطبقات بعضها عن بعض، على عكس ~~الإسلام الذي سوى بين الناس في الحقوق، ومحا فوارق الطبقات. # قال ابن مسكويه نقلا عن هذا الكتاب: وأحوج الصبيان إلى هذا الأدب أولاد الأغنياء ~~والمترفين. # لذلك كانت آداب السلوك التي ذكرها بأهل الطبقة الرفيعة أليق. # ونفس الصبي ساذجة لن تنتقش بعد بصورة، ولا لها رأي وعزيمة تمليها من شيء إلى شيء. ~~فإذا نقشت بصورة قبلتها نشأ عليها واعتادها. وهذا يطابق الرأي الذي ذهب إليه من قبل، ~~وقد ساد هذا الرأي بنصه عند أغلب المفكرين في الإسلام. # وأولى الآداب بالتقديم أدب المطاعم، التي تراد للصحة لا للذة، ولدفع الجوع وحفظ صحة ~~البدن. ولا يرغب الصبي في الألوان الكثيرة، وإذا جلس مع غيره فلا يبادر إلى الطعام، ولا ~~يحدق إليه شديدا، ولا يسرع في الأكل. # أما الحلوى والفاكهة فينبغي أن يمتنع عنها البتة إن أمكن، وإلا فيتناول أقل ما يمكن، ~~فإنها تستحيل في بدنه وتكثر انحلاله. ونقول إن هذا الرأي لا يتفق ومبادئ الطب ~~الحديث. ~~«فأما النبيذ وأصناف الأشربة المسكرة فإياه وإياها، فإنها تضره في بدنه ونفسه، وتحمله ~~على سرعة الغضب والتهور والإقدام على القبائح. ولا يحضر مجالس أهل الشرب إلا أن يكون ~~أهل المجلس أدباء.» وهذا الرأي أجنبي لا إسلامي؛ إذ المعلم ينهى عن الخمر لأن الدين ~~حرمها، ولا ينصح البتة بحضور مجالس الشراب. ثم إن هذه المجالس يجتمع فيها الخاصة لا ~~العوام، وهذا يطابق ما ms177 ذكرناه من أن هذا الفصل يعالج تأديب الصبيان في الطبقة ~~الرفيعة. # ويمنع الصبي من النوم الكثير؛ فإنه يقبحه ويغلظ ذهنه. ولا يتعود النوم بالنهار ~~ألبتة، ويعود الحركة والمشي والرياضة. # فالغاية من هذه الآداب كلها هي أن يتعود الخشونة ويصلب بدنه. ولذلك: «يؤاخذ باشتهائه ~~المآكل والمشارب والملابس الفاخرة. ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة ~~النساء اللاتي يتزين للرجال، وأن الأحسن بأهل النبل والشرف من اللباس البياض.» # وأبلغ مما سبق في التعود على الخشونة والرجولة: «أنه ينبغي إذا ضربه المعلم ألا يصرخ ~~وألا يستشفع بأحد، فإن هذا فعل المماليك، ومن هو خوار ضعيف.» # ومع ذلك فالصبي «يؤذن له في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب ~~الأدب.» # ومما يجري مجرى الرجولة والأدب أن يحفظ الأخبار والأشعار التي تعوده الأدب: «ويحذر ~~النظر في الأشعار السخيفة، وما فيها من ذكر العشق وأهله، وما يوهمه أصحابها أنه ضرب من ~~الظرف، ورقة الطبع. فإن هذا الباب مفسدة للأحداث جدا.» # وطريقة التأديب إذا وقع من الصبي مخالفات هي التغافل أولا، ثم التوبيخ، ثم الضرب؛ ~~«لأنك إن عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة.» ويمدح بكل ما يظهر منه من خلق ~~جميل. # هذه هي خلاصة ما ذكره ابن مسكويه في التعليم والتأديب. ومن الواضح أنه تأثر في آرائه ~~بالفلسفة، فأخذ عن أفلاطون، وعن أرسطو، وعن الفيثاغوريين، وعن الفرس، وجعل من كل ذلك ~~مذهبا جديدا في الأخلاق، مؤتلفا إلى حد كبير. # فهو يرمي إلى السعادة بالترقي إلى الحق والخير والجمال «مع حسن الحال في الدنيا، وطيب ~~المعيشة، وجميل الأحدوثة.» # 23 # وهذا الرقي يقبله المرء بالتأديب. ~~(3) ابن سينا # عرض ابن سينا في كتاب (السياسة) # 24 # لواجب الرجل نحو ولده، فبسط أحوال تعليمه وتأديبه بكلام يدل على نفاذ ~~الفكر وصدق النظر، مما هو جدير بمقام فيلسوف الإسلام الشيخ الرئيس ابن سينا. # وآراؤه تدل على حرية شديدة في التفكير، على العكس من ابن مسكويه الذي تقيد بآراء ~~أفلاطون وأرسطو، وأراد أن يطبقها على البيئة الإسلامية، فخرجت لذلك مغايرة لطبيعة ms178 ~~المسلمين. أما ابن سينا فينظر إلى البيئة الإسلامية، ويتحرى الأساليب الملائمة لها في ~~التعليم والتهذيب، بما يتفق مع العقل السليم. ~~«إذا فطم الصبي عن الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق ~~اللئيمة؛ فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق، فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع ~~له مفارقة.» # هذه هي نظرية تكوين العادة وصعوبة الإقلاع عنها، وأغلب المسلمين على هذا الرأي، ولهم ~~في ذلك حكم مأثورة مشهورة مثل: «التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.» إلى غير ذلك. # وقد رأينا القابسي أيضا ينصح بتكوين العادات الحسنة منذ الصغر، ومنها المبادرة ~~بتعليم الصبي الصلاة. ~~«فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه، وتهيأ للتلقين، ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن ~~وصور له حروف الهجاء، ولقن معالم الدين.» # وابن سينا هنا يرجع بالذاكرة إلى نفسه حين كان صبيا صغيرا، فأحضر معلم القرآن، ولم ~~يبلغ العاشرة من عمره حتى أتى على القرآن وعلى كثير من الأدب، كما ذكر في سيرة ~~حياته. # فهو يريد أن ينشئ أبناء المسلمين على الصورة التي نشأ هو عليها، ولا يجد في ذلك حرجا ~~أو مطعنا، ولهذا أقر هذه الطريقة التي تبدأ بتعليم القرآن والكتابة، كما جرت العادة في ~~الكتاتيب. # ويرى ابن سينا: «أن يروى الصبي الرجز ثم القصيد.» وهذا الاهتمام الشديد بالشعر ~~والنص عليه، دليل على عناية ابن سينا بالفن وأثره في النفس، وقد كان ابن سينا شاعرا نظم ~~القصيدة العينية في النفس، وله قصيدة في المنطق. وأرجوزة في الطب، وعدة قصائد في الزهد ~~وغير ذلك، فلا غرابة أن يحث على تعليم الشعر. # ومن رأي ابن سينا أن يكون التعليم جميعا في المكتب، لا فرديا على مؤدب خاص. وكانت ~~عادة الأغنياء والأشراف اتخاذ المؤدبين لأولادهم. ~~«لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما.» «ولأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه ~~آخذ وبه آنس.» # ووجود الصبي مع غيره من الصبيان «أدعى إلى التعلم والتخرج فإنه يباهي الصبيان مرة ~~ويغبطهم مرة ويأنف عن القصور عن شأوهم مرة. ثم إنهم يترافقون ms179 ويتعاوضون الزيارة ~~ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهلة والمساجلة والمحاكاة، ~~وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم وتمرين لعاداتهم.» # وليس في هذا الكلام جديد عما ذكر القابسي الذي حبذ المخايرة بين الصبيان، وأجاز اتخاذ ~~العريف لما في ذلك من فائدة في تخريج الصبيان. # وإنما الجديد النصيحة لأبناء الطبقة الرفيعة أن يتصلوا بأبناء الشعب في الكتاتيب مما ~~يدل على تأصل الروح الديموقراطي في قلب ابن سينا. ولم يكن ابن مسكويه على هذا الرأي؛ ~~لأن رسالة تأديب الأحداث التي نقلها في كتابه إنما تصف تعليم صبيان الخاصة فقط، وينصرف ~~الرأي فيها إلى المؤدب وتلميذه، لا المعلم وصبيانه.» # وقيمة المعلم عند ابن سينا في خلقه وسيرته، لذلك ينبغي أن يكون: «عاقلا، ذا دين، ~~بصيرا برياضة الأخلاق، حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، ~~قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي.» # ورأي ابن سينا في العقوبة لا يخرج عما هو معروف عند فقهاء المسلمين، وعما ذكر ~~القابسي، فهو ينصح بالترهيب والترغيب، والإيناس والإيحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة ~~أخرى، والضرب بعد الإرهاب الشديد. # ونحب أن نقف قليلا عند رأي جديد لابن سينا لم يسبقه إليه أحد في الإسلام، وهو من ~~الآراء الحديثة في التربية وعلم النفس. ذلك هو مسايرة ميول الصبي، ثم توجيه الصبي إلى ~~الصناعة أو المهنة التي تتفق مع ميوله. # ذلك أنه: «ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مواتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه، وأنه ~~لو كانت الآداب والصناعات تجيب، وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملائمة، إذن ~~ما كان أحد غفلا من الأدب، وعاريا من صناعته، وإذن لأجمع الناس كلهم على اختيار ~~أشرف وأرفع الصناعات.» ~~«وينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولا طبع الصبي، ويسبر قريحته، ~~ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعات بحسب ذلك.» # ولكن ابن سينا لم يوضح لنا طريقة اختبار الذكاء، وميزان الطبع والقريحة؛ ولعله ترك ذلك ~~لفراسة المعلم ورأيه. بينما الجديد في علم النفس الحديث هو ابتكار اختبارات الذكاء، ~~واختبارات الشخصية. ~~(4) الغزالي # ذكرنا التربية عند ms180 إخوان الصفا، وعند ابن مسكويه، وعند ابن سينا، لنبين ما يراه بعض ~~الفلاسفة في تعليم الصبيان. # ونذكر الآن رأي المتصوفة، وسنتخذ الغزالي ممثلا لهم؛ لأنه أوفى من كتب في هذا ~~الموضوع، ولأن آراءه أوسع انتشارا من غيره. # يرى أبو حامد الغزالي المتوفى عام 505 هجرية، أن قيمة المعلم كبيرة في انتشار المذاهب ~~المختلفة، ونشوء الناس عليها. والمذهب: «هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب ~~أهل البلد فيه النشء، وذلك يختلف باختلاف البلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين.» # 25 # وليس غريبا أن ينبه الغزالي على قيمة التعليم والمعلمين، وهو الذي كان معلما في ~~إحدى مدارس بغداد، ثم اعتزل التعليم وصناعته ليكون معلما للناس كافة عن طريق كتبه التي ~~ألفها، وأكبرها «إحياء علوم الدين». # وبعد أن طاف الغزالي بجميع المذاهب في الكلام والفلسفة، انصرف عنها، وطعن عليها، ~~وآثر طريق التصوف. # ولكنه اعتنق هذا المذهب عن روية وتفكير، لا عن اتباع وتقليد. # وجانب العمل متفق عليه من الصوفية، فهو محو الصفات الرديئة، وتطهير النفس من الأخلاق ~~السيئة، ولكن جانب العلم مختلف فيه. فإن الصوفية لم يحرصوا على تحصيل العلوم ودراستها، ~~وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، بل قالوا الطريق المجاهدة بمحو ~~الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل همة على الله. وأما النظار فلم ~~ينكروا وجود هذا الطريق وإفضاءه إلى المقصد، ولكن استوعروا هذا الطريق ... فالاشتغال ~~بتحصيل العلوم أولى؛ فإنه يسوق إلى المقصود سياقة موثوقا بها. # 26 # وأفضل المعلومات وأعلاها، وأشرفها هو الله الصانع المبدع الحق الواحد؛ وهذا العلم ~~ضروري واجب تحصيله على جميع العقلاء كما قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» ~~وهذا العلم لا ينفي سائر العلوم، بل لا يحصل إلا بمقدمات كثيرة، وتلك المقدمات لا تنتظم ~~إلا من علوم شتى. # 27 # وهذه المقدمات التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو. ومن الآلات ~~علم كتابة الخط. # 28 # وإلى جانب ذلك فالعلم فضيلة في ذاته وعلى الإطلاق من غير إضافة، فإنه وصف كمال الله ~~سبحانه. وتعرف ms181 فضيلة العلم بثمرته، وهي القرب من الله تعالى. أما في الدنيا فالعز، ~~والوقار، ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع. # 29 # والعلم الذي هو فرض عين على كل مسلم: اعتقاد وفعل وترك؛ أي اعتقاد بالله، وفعل بما ~~أمر الله، وترك لما نهى عنه. # والعلم الذي هو فرض كفاية: فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذ ~~هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، والحساب فإنه ضروري للمعاملات وقسمة الوصايا والمواريث. # 30 # وهنا نرى أن الغزالي يقترب من رأي القابسي وهو رأي أهل السنة، الذين يجعلون علم ~~القرآن والصلاة وبعض النحو والخط من العلوم الضرورية، أما الحساب فليس بلازم على المعلم ~~إلا أن يشترط عليه. # أما الطريق إلى تحصيل العلوم فهو على وجهين: ~~(1) # التعلم الإنساني وهو التحصيل بالتعلم من خارج. ~~(2) # التعليم الرباني وهو الاشتغال بالتفكر من داخل. # والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي، والنفس الكلي أشد تأثيرا وأقوى تعليما من ~~جميع العلماء والفضلاء # 31 # إلى أن قال: «والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض، ~~والتعلم هو إخراجه من القوة إلى الفعل.» وليس ما يقوله الغزالي مبتكرا، فهذا مذهب ابن ~~سينا والفارابي من قبل، وكلاهما أخذ عن الأفلاطونية الحديثة. # وقد مزج الغزالي هذه الآراء الفلسفية بما يقوله المتصوفة، وما لا يخرج عن ذلك وإنما ~~بأسلوب آخر. «وقال قوم من المتصوفة: إن للقلب عينا كما للجسد، فيرى الظواهر بالعين ~~الظاهرة، ويرى الحقائق بعين العقل.» # 32 # والإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء: الجزئيات والكليات، وجميع العلوم؛ بل يتعلم ~~شيئا، ويستخرج بالتفكر من العلوم شيئا، وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية ~~طريق التفكر، وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب. # 33 # وهذا المذهب في اكتساب المعرفة عن طريق الحس أولا ثم بالفكر والقياس والحدس، هو مذهب ~~ابن سينا، كما هو مذكور في (النجاة) وغيره من الكتب. # أما التعليم الرباني فعلى وجهين: إلقاء الوحي بأن يقبل الله تعالى على تلك النفس ~~إقبالا كليا، وينظر إليها نظرا إلهيا، ويصير العقل ms182 الكلي كالمعلم، والنفس القدسية ~~كالمتعلم، فيحصل جميع العلوم لتلك النفس من غير تعلم وتفكر. # والإلهام تنبيه النفس الكلية للنفس الجزئية الإنسانية على قدر صفائها وقبولها وقوة ~~استعدادها، والعلم الذي يحصل على الإلهام يسمى علما لدنيا، ويكون لأهل النبوة والولاية. # 34 # ويحصل العلم اللدني باتباع الطرق الآتية: ~~(1) # تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر منها. ~~(2) # الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة. ~~(3) # التفكر، فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم، ثم تفكرت في معلوماتها ~~بشروط التفكر، ينفتح عليها باب الغيب. # 35 # فخلاصة مذهب الغزالي أن: «الأولى أن يقدم طريق التعليم فيحصل من العلوم البرهانية ما ~~للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعليم ... فإذا حصل ذلك على قدر إمكانه ... فلا بأس بعده أن ~~يؤثر الاعتزال عن هذه الخلق، الإعراض عن الدنيا، والتجرد لله.» # 36 # وهذا الرأي هو صورة من حياة الغزالي؛ لأنه لم يتصوف إلا في آخر حياته، بعد أن اشتغل ~~بتحصيل العلوم. # ونعود إلى الكلام عن تعليم الصبيان. # وينبغي أن نعلمهم منذ الصغر؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر. # 37 # والطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها. وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ~~ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش. # 38 # ثم نقل الغزالي في هذا الفصل الخاص برياضة الصبيان في أول نشوئهم ووجه تأديبهم ما ~~ذكره ابن مسكويه في كتاب «تهذيب الأخلاق» نقلا عن بروسن، وذلك بنفس الترتيب في الآراء، ~~وبألفاظه في أكثر المواضع؛ وكل ما في الأمر أن الغزالي حذف منه الأغراض الفلسفية التي ~~شرحناها سابقا، ووضع أغراضا جديدة تتلاءم مع مذهبه في التصوف. قال في بيان الغرض من ~~تأديب الصبيان: «وإنما المقصود منها أن يقوى بها على طاعة الله ... وإن الكيس العاقل من ~~تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى.» # 39 # وذكر الغزالي في مكان آخر الشروط التي ينبغي أن يأخذ بها المتعلم # 40 # وهي: ~~(1) # تقديم طهارة النفس على رذائل الأخلاق؛ إذ لا تصلح عبادة القلب بالعلم إلا ~~بعد طهارته عن خبائث الأخلاق. ~~(2) # أن يقلل علائقه من الاشتغال ms183 بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن. ~~(3) # ألا يتكبر على العلم، ولا يتأمر على المعلم، بل يلقي إليه زمام أمره ~~بالكلية. ~~(4) # أن يحذر الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ~~ذلك يدهش عقله، ويحير ذهنه، ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع. ~~(5) # ألا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة، ولا نوعا من أنواعه، إلا ~~وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته ... فإن العلوم متعاونة، وبعضها ~~مرتبط ببعض. ~~(6) # ألا يخوض في فن من فنون العلم دفعة، بل يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم، فإن ~~العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا، فالحزم أن يأخذ من كل شيء ~~أحسنه. ~~(7) # ألا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ~~ضروريا، وبعضها طريق إلى بعض. ~~(8) # أن يعرف السبب الذي به يدرك الشرف في العلوم، فإن ثمرة علم الطب الحياة ~~الدنيوية، وثمرة الدين الحياة الأخرى، فيكون علم الدين أشرف. ~~(9) # أن يكون قصد المتعلم في الحال تحلية باطنه وتجميله بالفضائل، وفي المآل ~~القرب من الله ... ولا يقصد به الرياسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ~~ومباهاة الأقران. ولا ينبغي أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم التي هي ~~فرض كفاية. ~~(10) # أن يعلم نسبة العلوم إلى المقصد، كما يؤثر الرفيع القريب على البعيد، ~~والمهم على غيره. # أما واجبات المعلم فهي: ~~(1) # الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه. ~~(2) # ألا يطلب على العلم أجرا، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا. ~~(3) # ألا يدع من نصح المتعلم شيئا، وأن ينبه أن الغرض من طلب العلوم القرب من ~~الله دون الرياسة والمنافسة والمباهاة. ~~(4) # أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق ~~الرحمة لا بطريق التوبيخ. ~~(5) # ألا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، كمعلم اللغة إذ عادته تقبيح ~~علم الفقه. ~~(6) # أن يقتصر المتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله. ~~(7) # أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقي إليه الجلي اللائق به، ولا يذكر له أن ~~وراء هذا تدقيقا وهو يدخره عنه؛ فإن ms184 ذلك يفتر رغبته في الجلي، ويشوش عليه ~~قلبه. ~~(8) # أن يكون المعلم عاملا بعلمه، فلا يكذب قوله فعله . # في القواعد السابقة بعض المبادئ في التعليم تعتبر من أسمى ما وصل إليه علماء التربية. ~~وأهمها الترابط بين العلوم، والبدء بالأهم فالمهم، وبالواضح قبل الغامض، وبالأسبق في ~~الترتيب. # ونأخذ على الغزالي ما يعيبه على المعلم من أخذ الأجر على التعليم، فهذا من الآراء ~~المثالية التي لا تتفق مع الواقع. وهذا يختلف عن رأي القابسي. # ولكن الغزالي بسط هذه المبادئ العامة في إيجاز دون أن يخوض في تفصيل شئون التعليم ~~والتربية. فلم يتكلم عن المنهج، أو مكان التعليم، أو اليوم المدرسي؛ أو العقاب، أو ~~اختيار الصبيان إلى آخر ما جاء في رسالة القابسي. # وبعد فإننا نرى أن رأي الغزالي في التعليم جزء من مذهبه في التصوف، وهو مخالف بعض ~~الشيء لمذهب أهل السنة. # فهو يتفق معهم في الغرض وهو معرفة الله تعالى، ومعرفة العبادات التي أمرنا بها، ~~وأنواع الأفعال التي نهانا عنها. # ولكن الطريقة مختلفة، فهو ينصح بطريق الصوفية وهو مجاهدة النفس ورياضتها للوصول إلى ~~قرب من الله. وقد جرح الغزالي الفقهاء والمتكلمين كما جرح الفلاسفة، فقال: «فكن ~~حريصا على معرفة ذلك السر الخارج عن بضاعة الفقهاء والمتكلمين.» # 41 ~~(5) الزرنوجي # ومن الكتب الذائعة الذكر عند العرب «تعليم المتعلم طريق التعلم» لبرهان الدين ~~الزرنوجي المتوفى سنة 591ه. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية. # ويعده الدكتور إبراهيم سلامة، إلى جانب كتاب القابسي، أهم كتابين في التربية، وقد ~~ترجم عناوين فصوله، ثم عرض بعض آرائه في إيجاز. # 42 # وعندنا أن السر في شهرة هذا الكتاب راجع إلى عنوانه من جهة، وإلى أنه كتاب خاص ~~بالتربية والتعليم فقط، ومثل هذه التآليف الخاصة قليلة عند المسلمين. # والرأي عندي أن قيمة هذا الكتيب ضئيلة الشأن. # فهو صغير الحجم لا يكاد يبلغ فصلا من الفصول المؤلفة في التربية في كتب ~~الفقه. # ولم يأت صاحبه بجديد، وإنما ذكر ما هو معروف متداول، ومزج الآراء بالحكايات وبعض ~~الأشعار والأمثال. # وكثيرا ما ينزل ms185 إلى مستوى العامة في الاعتقاد بأوهام لا تستند إلى أساس علمي. قال ~~فيما يمنع الرزق كلاما لا ينبغي أن يقوله العلماء منه: «كنس البيت في الليل، وحرق قش ~~البصل والثوم، والامتشاط بمشط منكسر، والتعمم قاعدا، والتبول قائما.» # 43 # وهو يجري في هذا الكتاب مجرى أهل السنة المائلين إلى التصوف، كما اشترط لطالب ~~العلم أن: «يشتغل بالشكر باللسان والجنان، ويرى الفهم والعلم والتوفيق من الله، ويطلب ~~الهداية من الله بالدعاء منه والتضرع إليه، فأهل الحق وهم أهل السنة والجماعة طلبوا ~~الحق من الله تعالى.» # 44 # وكان الغزالي من قبل متصوفا، ولكنه كما ذكر عن نفسه أنه من فريق النظار، أي أهل ~~النظر العلمي. ولذلك أوجب الغزالي معرفة العلوم في أول العمر، وهي التي تحصل بالدأب ~~والاجتهاد، ثم ينقطع الإنسان إلى التصوف في آخر العمر بعد تحصيل العلوم. أما الزرنوجي ~~فإنه بعد أن نصح طالب العلم بالمذاكرة والمناظرة والمطارحة والتأني والتأمل، عاد فذكر ~~أشياء لا توصل إلى العلم، وإنما تصلح لغايات أخرى. «قال أبو حنيفة: إنما أدركت العلم ~~بالحمد والشكر.» # 45 # والحمد والشكر يأتيان بعد تحصيل العلم، وليس الحمد والشكر من أسباب تحصيله. ~~ثم قال «ولا يعتمد على نفسه وعقله، بل يتوكل على الله ويطلب الحق منه.» # 46 # وهذه النصائح وأمثالها هي التي بثت في المسلمين روح التواكل والكسل وعدم الاعتماد على ~~النفس. # وبدأ الزرنوجي ببيان أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وهو علم الحال كالصلاة والزكاة ~~وما إلى ذلك، وبعد ذلك ينتقل إلى علم المآل. # وينبغي لطالب العلم أن يصبر على أستاذ بعينه، ولا يشتغل بفن قبل أن يتقن الأول، وأن ~~يعظم أستاذه ويوقره، وأن يجود الكتابة ولا يقرمط، «وينبغي ألا يكون في الكتاب شيء من ~~الحمرة، فإنها صنيع الفلاسفة لا صنيع السلف.» # 47 # وهذا منتهى الغاية في الجمود، والتعسف في الرأي دون علة معقولة؛ إذ أي عيب في الكتابة ~~بالمداد الأحمر. # ولذة العلم من دواعي تحصيل العلم. أما الكسل والنسيان فعلاجهما تقليل الطعام. وينبغي ~~أن يبدأ المتعلم بما هو ms186 أقرب إلى فهمه، ولا يحفظ إلا بعد الفهم. # أما التكرار فيتبع فيه الطريقة الآتية: وهي خمس مرات أول يوم، ثم أربع مرات في اليوم ~~الثاني ، وثلاث مرات في اليوم الثالث، ومرتان في اليوم الرابع، ومرة في اليوم الخامس. ~~فهذا أدعى إلى الحفظ. # 48 # وقد ضبط علماء التربية الحديثة طريقة التكرار بالتجارب، فوجدوا أن التكرار الموزع على ~~أيام كثيرة، أفضل من التكرار المستمر. وهذا يشبه ما قاله الزرنوجي، ولكنه لا يعتمد فيه ~~على التجارب. ~~(6) ابن عبد البر # ونعرض قبل أن نختم هذا الفصل بما ذكره ابن خلدون، لكتاب آخر في التعليم هو (جامع بيان ~~العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله) لابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة ~~463ه. # وصاحب هذا الكتاب من أهل الحديث، ويتبع منهجهم في التأليف والتفكير، فهو لا يجادل ولا ~~يسوق البراهين والأدلة، وإنما يتلمس آثار السلف، وقد ذكر المؤلف هذا المنهج في المقدمة، ~~فقال بعد ذكر الموضوعات التي سيعرض لها ثم يجيب عنها: «مما روي عن سلف هذه الأمة، ~~لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم، وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك.» # 49 # والجزء الثاني من الكتاب دفاع عن طريقة أصحاب الحديث، وفي وجوب الأخذ بالحديث في ~~إقامة العلم، واتباع السلف، وأن الرأي سبب في الوقوع في البدع. # فطريقة ابن عبد البر تماثل طريقة القابسي في التأليف، إلا أن القابسي أكثر حرية؛ لأنه ~~يرجح آراء الفقهاء إذا اختلفت، ويسلك في الرواية السبيل التي تتفق مع العقل وتلائم ~~طبيعة الأشياء، أما ابن عبد البر فيذكر الرأي ونقيضه بما ورد من أحاديث وآثار دون أن ~~يرجح أحدهما على الآخر، مثال ذلك ما جاء في ذكر النهي عن كتابة العلم، ثم ما جاء عن ~~الرخصة في كتابة العلم. # 50 # وبدأ المؤلف بالكلام عن وجوب طلب العلم معتمدا على الحديث: «طلب العلم فريضة على كل ~~مسلم.» بعد أن خرج هذا الحديث من عدة طرق؛ ثم بين أن العلم فرض عين، ومنه فرض ~~كفاية، وأن الأول هو معرفة أصول الإسلام، كالاعتقاد بوجود الله، والصلاة، ms187 والزكاة، ~~والحج. # ثم استطرد إلى الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، كالصبر والزهد في الطعام ~~والمال والرياسة. # ونصح المؤلف أن يكون طلب العلم في الصغر؛ لأن من تعلم العلم وهو شاب كان كوشم في ~~حجر، ومن تعلم العلم بعد ما يدخل في السن كان كالكاتب على ظهر الماء. # 51 ~~(7) ابن خلدون # واتبع ابن خلدون - المتوفى عام 808ه - مذهبا مخالفا للفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة ~~وأهل السنة، وهو المذهب الذي ابتدعه وسبق به عصره، نعني المذهب الاجتماعي. # ذلك أن الإنسان حيوان مفكر اجتماعي، خاضع في صلة بعضه ببعض لقوانين اجتماعية، في جميع ~~أمور معاشه وعمرانه. # ويمتاز الإنسان عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء ~~جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون. «وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.» «فيكون الفكر ~~راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات، فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه ~~بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيتلقى ذلك عنهم.» # 52 # فالتعليم ضروري وطبيعي في البشر لحاجة الإنسان إلى معرفة العلوم المختلفة التي لا ~~تتيسر بالفهم والوعي فقط، بل بملكة خاصة. «والحصول على هذه الملكة في العلم أو الفن ~~يكون بالتعليم. ولهذا كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين ~~فيها معتبرا عند أهل كل أفق وجيل.» # 53 # وانتشار التعليم، وتقدم العلم، متوقفان على الحضارة، «والمثال في ذلك أن القيروان ~~وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس، واستبحر عمرانهما، وكان فيهما للعلوم والصنائع ~~أسواق نافقة، ورسخ فيهما التعليم، فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا.» # 54 # والتفاوت بين الناس ناشئ عن حصول الملكات بواسطة التعليم، على عكس ما يظنه بعض الناس ~~من أن هذا التفاوت راجع إلى اختلاف في حقيقة الإنسانية. # 55 # والعلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين؛ علوم مقصودة بالذات كالعلوم الشرعية ~~والطبيعية والإلهية؛ وعلوم آلية ووسيلة لهذه العلوم، كالعربية والحساب وغيرهما ~~للشرعيات، والمنطق للفلسفة. وينبغي أن يوجه الاهتمام إلى علوم المقاصد أكثر من ms188 وسائلها، ~~ولهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها. # 56 # والقرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي؛ لأن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعار ~~الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من ~~رسوخ الإيمان ... وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل به بعض من ~~الملكات. ~~«وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده.» # 57 # وهذا مما أخذ به جميع المفكرين في الإسلام. # ثم ذكر ابن خلدون بعد ذلك اختلاف الأمصار في الشرق والغرب في طريقة التعليم وما ~~يبدءون به الصبي من العلوم المختلفة كما ذكرنا من قبل. # 58 # وعقد ابن خلدون فصلا عن ضرر الشدة بالمتعلمين، يدل على بصر شديد بعلم النفس، لأن: ~~«من كان مرباه بالعسف والقهر، سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب ~~بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا ~~من انبساط الأيدي بالقهر عليه.» وهذا شبيه بما يذكره علماء التحليل النفساني المحدثون ~~في وجود عقدة نفسية كامنة في اللا شعور هي التي تحرك أفعال المرء. # والعسف يفسد في الصبي معاني الإنسانية، فيفقد الحمية المدافعة عن نفسه، ويصير عيالا ~~على غيره. # لذلك ينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده، ألا يستبدوا عليهم في التأديب. # على أنه إذا استحق الضرب، «فلا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا ~~إليه على ثلاثة أسواط شيئا.» # 59 # وهذا هو رأي القابسي. ~~••• # والذين ألفوا في التعليم من المتأخرين عن ذلك، لم يفعلوا أكثر من تلخيص آراء ~~المتقدمين دون ذكر المراجع التي رجعوا إليها، كما هي الحال في أغلب الكتب المؤلفة في ~~العصور المتأخرة في جميع العلوم الإسلامية. # ومن هذه الكتب (رسالة في رياضة الصبيان) لشمس الدين الإنبابي، و(اللؤلؤ النظيم في ~~روم التعلم والتعليم) لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، و(تحرير المقال) لابن ~~حجر الهيثمي، وفضل علم السلف على الخلف لابن رجب البغدادي. # وكل من ms189 رجع إلى هذه الكتب، يستطيع أن يعثر بسهولة على الأصل الذي استمد منه أصحابها ~~آراءهم. فهي إما لابن مسكويه كما فعل الإنبابي في نقل «رسالة تأديب الصبيان»، أو ~~الغزالي كما فعل الأنصاري في نقل شروط المعلم والمتعلم ، أو مما هو معروف في كتب الفقه ~~والأدب. # الفصل الحادي عشر # | خاتمة # كتب الأستاذ كارا دي فو في كتابه «مذهب الإسلام»: «لا يجد الإنسان في الشرق الإسلامي ذلك ~~الذوق الفطري للتعليم، ولا الميل للبحث عن المناهج العقلية، ولا الرغبة في التقدم في أمثال ~~هذه المسائل. # ولم يهتم الإسلام بأمر الطفل، وكذلك لم تحفل به المسيحية. والطفولة عند المسلمين بسيطة، ~~ويبدو أنها سعيدة. ولا نجد في القرآن إلا آيات قليلة جدا تتعرض لهذا الموضوع. فالكتاب ~~المنزل لا يشمل إلا بعض الآيات الخاصة بالواجب نحو اليتامى وحمايتهم. هذا والسير ~~التاريخية المتعلقة بالطفولة نادرة في الأدب الإسلامي. وقد ألفت رسائل جليلة في التربية ~~باللغة العربية خلال القرون الوسطى، ولكن المؤلفين لها من المسيحيين العرب. وقد أهمل ~~المفكرون المسلمون هذا الموضوع بعض الشيء. وأثر الابتكار فيما أضافوه ضئيل. وقد عرفوا ~~الآثار التي ألفها المسيحيون، أو التي درسها المسيحيون، مثل الكتاب المؤلف في التربية ~~والمنسوب إلى أفلاطون، والغالب أن يكون من مدرسة فلوطرخس، وهو الكتاب الذي قام بترجمته أحد المسيحيين.» # 1 # والأستاذ كارا دي فو من المستشرقين الذين تعد كتبهم الفلسفية عمدة في البحث. ولعل له ~~عذرا في الحكم على المسلمين بإهمال شأن تربية الأطفال وتعليمهم؛ لأنه لم يقع على كتب ~~إسلامية توضح معالم هذا الفن عند المسلمين. # ولو وقع الأستاذ كارا دي فو على رسالة القابسي المخطوطة لغير من رأيه، وخفف هذا الحكم ~~الذي ينسب إلى المسلمين الجهل بموضوع التربية، خصوصا تربية الأحداث والصبيان، ثم الاعتماد ~~التام على المسيحيين من العرب، وما قاموا بترجمته في هذا الفن عن اليونانية وغيرها. # وقد تبين لنا أن المسلمين ألفوا في التربية كتبا مستقلة، منها كتاب ابن سحنون ويرجع ~~تاريخه إلى القرن الثالث الهجري، ومنها كتب متأخرة عن هذا التاريخ بعضها ms190 مطبوع وبعضها لا ~~يزال مخطوطا، وقد أشرنا إلى هذه الكتب في الفصل السابق الخاص بآراء العرب في التربية ~~والتعليم؛ وإلى جانب ذلك نجد فصولا كثيرة متناثرة خلال مؤلفات الفقه، وكتب الفلسفة ~~وموسوعات الأدب، تتحدث عن تعليم الصبيان، وتصف أحوالهم، وتبين أحكام التعليم. # وهذه الكتب والرسائل والشذرات أغلبها إسلامي بحت، يغلب عليه الروح الإسلامي، وعلى الأخص ~~ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه. # ورسالة القابسي تزيل الوهم الذي علق بالأذهان من أن المسلمين لم يعنوا بتعليم الصبيان، ~~وتثبت أن المسلمين ابتكروا في التربية آراء جديدة لم يصطنعوها عن العرب المسيحيين، أو ~~ينقلوها عن التراجم اليونانية واللاتينية التي قام النقلة من المترجمين بتقديمها إلى العالم ~~العربي. # وهذه الرسالة دليل على تأصل الميل إلى فن التعليم، والاهتمام بالطفل، والاشتغال بالبحث ~~والتنقيب، والتفكير في المسائل من جميع أطرافها وزواياها، رغبة في التقدم والرقي. # فإذا نظرنا إلى رسالة القابسي في أحكام المتعلمين، وأحوال المعلمين والمتعلمين، من جهة ما ~~جاء فيها من آراء مفصلة وحل للمشكلات المعضلة، وتسجيل لجميع الأمور التي تخص التعليم ~~والتأديب، فالرسالة عظيمة القدر بالغة الأهمية. # وإذا نظرنا إلى القابسي كأحد المربين في الإسلام، فهو صاحب رأي، وصاحب رسالة ترفع اسمه ~~إلى قائمة قادة التربية، ولا سيما إذا عرفنا أنه عاش في القرن الرابع الهجري، أي في صميم ~~القرون الوسطى، التي يعدها المؤرخون من عصور الظلام والتأخر في حياة العالم. # ذلك أن الميزان الذي يقاس به قاعدة الفكر وزعماء الرأي هو سبقهم للزمان، والتقدم في سبيل ~~الرقي لبني الإنسان. وطريق الرقي هو الطريق الذي يميز عالما عن آخر، ويرفع المفكرين إلى ~~قوائم المجد والتخليد. # ومن الآراء التي تجعلنا نضع القابسي في سجل المبرزين، المناداة بالتعليم الإلزامي، فهذا ~~الرأي من أدلة التقدم، ولم تأخذ به الحضارة الحديثة إلا في عصور متأخرة، ولا تزال الدول ~~تنادي به عاملة على نشر التعليم بجميع الوسائل، ليتزود من نور المعرفة جميع أفراد ~~الأمة. # والذين قصروا التعليم على طبقة معينة، وحرموا أغلب الشعب من نعمة المعرفة إنما كانوا ~~ينظرون إلى ms191 مصلحة طبقتهم؛ لينعموا بالسلطان والثروة والجاه، لأن العلم يفتق الأذهان، ويبصر ~~الإنسان بحقوقه وواجباته، ويدفعه إلى المطالبة بهما. # وهذه هي الأنانية المتأصلة في النفوس. # وقد برزت إلى العالم أفكار جديدة، تحمل في طياتها روح الإيثار والخير للإنسانية كافة ، ~~ليشارك الناس في الحقوق وليتمتعوا بالحرية والإخاء والمساواة. # إن حرمان فريق من الناس التعليم، هو القتل الأدبي. لأنك تقبر العقول، وتطمس الأذهان، ولعل ~~هذه العقول إذا زالت عنها غشاوة الجهل أن تتفتق عن الخير والحق، والعمل الصالح للإنسانية ~~بما لا يستطيع أن يفعله أبناء الأغنياء. # وقد عادت الدول الإسلامية إلى نوع من الأرستقراطية الحادة، خصوصا في العصور المتأخرة، ~~حيث انطوت الطبقة الرفيعة على نفسها، وعلت على العامة علوا كبيرا. ولم يكن الحال كذلك في ~~صدر الإسلام، ولا تتفق هذه النزعة مع الروح الصحيح للإسلام. والدليل على هذه الأرستقراطية ~~هو اتخاذ الأمراء ومن شاكلهم المؤدبين لأبنائهم حتى لا يختلطوا بأبناء العامة في الكتاتيب، ~~وقد أشار إلى ذلك الجاحظ في (البيان والتبيين) كما ذكرنا عند تقسيمه المعلمين قسمين؛ قسما ~~يعلم أبناء الملوك والأمراء، وقسما يعلم أبناء السوقة. وأشار ابن سينا في (كتاب السياسة) ~~إلى هذه النزعة أيضا، فلم يقرها، وآثر لمصلحة التعليم وفائدة الطفل أن يشترك مع غيره من ~~الصبيان. # أما القابسي فإنه خاطب الجمهور، وفكر في مصلحته، ونظر في فائدة أبنائه، وأهمل الكلام على ~~الأمراء والأشراف، فلا نجد إشارة إلى هؤلاء المؤدبين الذين يصحبون أولاد الملوك لتعليمهم ~~وتأديبهم. # ونحن نميل إلى الاعتقاد أن القابسي أهمل الحديث عن المؤدب الخاص قصدا؛ لأنه لا ينزله ~~منزلة الاعتبار، ولا يريد أن يعترف له بالوجود، حتى يتعلم أبناء المسلمين جميعا في مكان ~~واحد، ويتلقوا المعرفة عن معلم واحد، فلا تتسع الهوة بين الطبقات، وتسود النزعة الإسلامية ~~الصحيحة. # ومما يدل على صحة الرأي الذي ننسبه إلى القابسي، ما ذكره عند الكلام على أجر المعلم من أن ~~بعض الصبيان يدفع أجرا أكثر من غيره، وأن بعض الصبيان يقدم للمعلم هدايا لا يستطيع غيرهم ~~أن يقدمها، وأن هذا الاختلاف في ms192 الجعل ينبغي ألا يترتب عليه اختلاف في التعليم، بل على ~~العكس ينبغي أن تكون معاملة المعلم للصبيان على قدم المساواة. ومن الطبيعي أن هؤلاء الذين ~~يدفعون أجورا عالية، إنما هم من أبناء الأغنياء لا الفقراء، وفي هذا الدليل على افتتاح ~~أبواب الكتاتيب لجميع الصبيان على السواء، من غير اختصاص الموسرين بالمؤدبين على ~~انفراد. # فالقابسي حين يطالب بتعليم أبناء المسلمين جميعا، القادر منهم وغير القادر، والموسر ~~والمعسر، بل المعدم، وحين يقدم إليهم لونا واحدا وثقافة واحدة لا يخص بها أحدا دون أحد، ~~إنما يجري في طريق التقدم العقلي، ويشرف على الإنسانية من سماء العدل والحق والخير. # وهذه هي الديموقراطية في التعليم. فكما أن هناك ديموقراطية سياسية تتناول الحقوق ~~والواجبات، وتفسح المجال للحرية والمساواة، فكذلك هنالك ديموقراطية عقلية تفتح الأبواب ~~لجميع الناس لينهلوا من بحور العلم التي لا تغيض. وقد كان مذهب أهل السنة مذهب الجمهور، ~~فكان أنسب المذاهب إلى عقولهم، وأقربها إلى الديموقراطية. # وقد أشارت السيدة أسماء فهمي، وكذلك خليل طوطح، في رسالتيهما إلى الروح الديموقراطي ~~البارز في التعليم عند العرب. # هذه الديموقراطية هي التي أوحت إلى القابسي أن يقرر تعليم البنات، بالرغم مما يعترض ~~تعليمهن من عقبات ناشئة عن المجتمع الإسلامي وشدته، في النظر إلى علاقة الرجل بالمرأة، ~~وغيرة المسلمين على العرض، وما جاء في القرآن من عقاب شديد للزاني والزانية. ولا ننسى أن ~~روح المحافظة على المرأة هي التي أدت إلى الحجاب الشديد في أواخر عصور المسلمين. # والفرق بين التعليم الإلزامي كما يقرر القابسي وبين التعليم الإلزامي الذي ساد الدول التي ~~أقرته منذ القرن التاسع عشر الميلادي، هو أن الدولة الحديثة مكلفة بالتعليم، وملزمة بافتتاح ~~المدارس التي تسمح بتعليم جميع أفراد الدولة ذكورا وإناثا. فالتعليم واجب على الدولة، ومن ~~جهة أخرى فهو حق من حقوق الأفراد، عليهم أن يطالبوا به، وأن يقدموا أبناءهم لتلقي التعليم ~~في المدارس التي تنشئها الدولة. وإذا امتنع أحد عن تعليم أبنائه، حل به العقاب لمخالفته هذا ~~الواجب. على حين أن إلزام القابسي للتعليم إلزام ms193 ديني أدبي لا إلزام قانوني، لهذا لم يضع ~~القابسي عقابا لمن يترك ابنه دون تعليم، بل ترك هذا الوالد لعقاب الله وضميره وجزاء ~~المجتمع فقال: «لو ظهر على أحد أنه ترك أن يعلم ولده القرآن تهاونا وبذلك لجهل وقبح ~~ونقص حاله، ووضع عن حال أهل القناعة والرضا.» # وقد سئل القابسي عن «رجل امتنع أن يجعل ولده في الكتاب هل للإمام أن يجبره؟ وكيف إن ~~كان له أب وله مال ولا يبالي ذلك، فهل للإمام أن يسجنه أو يضربه على ذلك أم ليس ذلك؟» وفي ~~هذا شعور أهل ذلك الزمان بمسئولية إهمال الطفل، ومحاولة تقرير قاعدة العقوبة لمن يتخلف عن ~~أداء هذا الواجب. ولكن القابسي لم يستطع فيما أجاب به السائل، أن يقرر هذه العقوبة؛ لأن ~~منهجه الفقهي لا يبيح أن يقرر أمرا ليس له نص في الدين. # وإذا كانت الحكومات الحديثة تنفق من مال الدولة الشيء الكثير على التعليم بإقرار نواب ~~الأمة الممثلين لها لفائدة الأمة، فقد نصح القابسي بتعليم أبناء المسلمين غير القادرين على ~~الإنفاق على التعليم، ودفع أجر المعلم، بأن يقوم بيت مال المسلمين بالإنفاق عليهم. # وقد تطورت الفكرة فيما بعد إلى نظام الأوقاف التي يحبسها الموسرون على المدارس ضمانا ~~لحياتها، واستمرارا لوجود التعليم. # وليست فكرة التعليم العام، أو تعليم البنات هما الفكرتان الوحيدتان الموجودتان عند ~~القابسي، مما يجعلنا ننظر إليه باعتبار أنه مفكر ينشد الرقي والتقدم، بل هناك آراء أخرى ~~كثيرة ترفع القابسي إلى درجات المفكرين البارزين، وتسمو به إلى منزلة المصلحين. # من ذلك رأيه في طرق الحفظ التي ينبغي أن يصحبها الفهم، وهو من الآراء الصائبة الصحيحة. ثم ~~التثبت مما يحفظ الصبي فلا ينقله المعلم من سورة إلى سورة حتى يحفظها بإعرابها ~~وكتابتها. # وفي طرق التربية والتأديب، نجد كثيرا من الإشارات الدالة على البصر بشئون الصبيان وحسن ~~سياستهم. # من ذلك الحذر من الصبيان إذا بلغوا سن الاحتلام، وعدم الجمع بين الذكور والإناث بعد سن ~~الطفولة. # ومن ذلك اتخاذ العريف ليعاون المعلم، مما يفيد الصبي في حياته ms194 من جهة الاعتماد على النفس، ~~وتكوين الشخصية، ويتصل بذلك أن يقوم الصبي بأعمال تفيده في تخريجه مثل كتابة الرسائل للناس، ~~وإملاء الصبيان بعضهم على بعض. # وقد فصلنا هذا كله عند الكلام على صلة الدين بالتعليم وعلى التربية الخلقية والعقاب وطرق ~~التعليم، فلا نعود إليه. # وإنما نحب أن نعلل هذه الآراء لبيان المصادر التي استقى منها القابسي أحكامه في التعليم، ~~لنرى أكان مبتكرا لم يسبقه أحد، أم ملخصا لمن تقدمه، أم ناقلا عن شيوخه، مقلدا ~~لهم؟ # والقابسي قد فصل القول في موضوع التعليم من جميع نواحيه، فكتب عن التلميذ والمعلم، ~~والمناهج التي يتلقاها الصبي، وطرق التعليم والتأديب، ومكان التعليم، وهذا التفصيل يصف ~~أحوال تعليم الصبيان في القرن الرابع الهجري في شمال إفريقية. # ولا نستطيع أن نتخذ هذا الوصف عنوانا على التربية الإسلامية في جميع العصور، وعند جميع ~~المفكرين المسلمين. وقد اتضح لنا عند الكلام في الفصل السابق عن التربية عند المسلمين ~~اختلاف آراء المفكرين فيما يختص بأغراض ووسائل التعليم. فالغزالي يختلف عن ابن مسكويه، وابن ~~سينا يختلف عن ابن خلدون، وهؤلاء يختلفون عن إخوان الصفاء، وهكذا. # وقد نجد بعض الآراء المشتركة العامة عند المسلمين جميعا، أخذوا بها في جميع العصور، مثل ~~البدء بتعليم القرآن، والنص على تعلم القراءة والكتابة، وأخذ المتعلمين بالشفقة لا ~~بالشدة. # ومع ذلك فهناك اختلاف في طريقة التعليم في المشرق والمغرب، كما ذكر ابن خلدون في مقدمته، ~~وهو خلاف على هذه المسائل العامة الأولية المختصة بتعليم الصبيان. # وإذا نزلنا إلى ميدان التفاصيل المتعلقة بالتعليم، فإننا نجد الخلاف كبيرا بين أصحاب ~~المذاهب. فابن مسكويه يرى أن الغرض من التعليم هو الوصول إلى الحق والخير والجمال؛ وإخوان ~~الصفا يرغبون في تنشئة الناس على مذهبهم الفلسفي وعقيدتهم السياسية؛ والغزالي يمهد إلى ~~معرفة الله بطريق التصوف، ومجاهدة النفس ورياضتها. # والأمثلة كثيرة على هذه الاختلافات الجزئية، وعلى الأغراض العامة. # لهذا كان من الخطأ أن ينظر الباحثون في التربية الإسلامية جملة، دون تحديد الجهة التي ~~تقوم بالتعليم وتعمل عليه، ودون تحديد العصر الذي ساد ms195 فيه هذا اللون من التعليم. # وجميع الذين كتبوا عن التربية الإسلامية لم ينتبهوا إلى هذا التمييز الواجب في الآراء، من ~~حيث تحديدها في الزمان، وصلتها بالأشخاص. # وأهم هؤلاء الباحثين المتأخرين، ونذكرهم بحسب ترتيب أبحاثهم في الزمن، هم: خليل طوطح، ~~والسيدة أسماء فهمي، والدكتور إبراهيم سلامة، والدكتور أحمد شلبي. # وإحدى رسائل هؤلاء الباحثين لا تزال مطبوعة على الآلة الكاتبة، ولم تنشرها صاحبتها وهي ~~السيدة أسماء فهمي. # 2 # وقد أشرنا إلى بعض آرائها في كتابنا هذا كما سبق. # وجميع هؤلاء الباحثين ينظرون إلى المسائل في تطورها التاريخي، ولكنهم لا ينتقلون من مرحلة ~~الوصف إلى المرحلة التالية من مراحل العلم وهي مرحلة التفسير. # والتفسير الصحيح للآراء الإسلامية المختلفة في التعليم هو أن نردها إلى المذاهب العقلية ~~التي كان أصحاب هذه الآراء التعليمية يعتنقونها من جهة، ثم ملاءمة هذه الآراء لحالة المجتمع ~~من جهة أخرى. # أي أن التفسير ينصرف إلى ناحيتين: ناحية عقلية، وناحية اجتماعية. # وعلى هذا الأساس الجديد الذي نطالب به، والذي لم يسبقنا إليه أحد من الذين عالجوا الكتابة ~~عن التربية عند المسلمين، تستقيم النظريات التعليمية وترد إلى أصولها الصحيحة، ويتضح لنا ~~السر في اختلاف مذاهب التعليم والتأديب في الممالك الإسلامية المختلفة في الشرق والغرب، وفي ~~العصور المختلفة، وفي عقول المفكرين. # وخلاصة هذا الرأي الجديد الذي نقول به: أن أهل السنة كانت لهم طريقة خاصة في التعليم، ~~وللفلاسفة طريقة أخرى، وللمتصوفة طريقة ثالثة، بل أكثر من هذا أن كل مفكر له طريقة خاصة في ~~التعليم تتلاءم مع مذهبه، وتتفق مع مجموع آرائه. # وليس هذا غريبا في شيء؛ لأن التربية تعتبر جزءا من المذهب الفلسفي النظري أو العملي ~~الذي يتصوره ويعتقده المرء في الحياة. ومن الطبيعي أن يعمل أصحاب المذاهب المختلفة على نشر ~~مذاهبهم وإذاعتها في الناس، وتنشئة الأجيال الجديدة عليها، بطريقة من طرق التعليم؛ لأن من ~~طبيعة الإنسان إذا اعتقد الحق أن يذيعه في الناس، ويحملهم على المشاركة فيه. # وهذا ما فعله أفلاطون قديما، حين تكلم في جمهوريته عن التربية ليطبع الناس ms196 على آرائه، ~~ويصلح المجتمع. # وهذا ما فعله روسو، وسبنسر وغيرهما. # أي أن صاحب الفكر الجديد إذا أراد أن يضمن لآرائه الذيوع بين الناس، بطريقة عملية تحمل ~~الناس على اعتناق آرائه، فإنه يصف طريقة التعليم الملائمة لهذه الآراء. # والتعليم الذي يذكره القابسي في رسالته، جزء من مذهب أهل السنة وعقيدتهم الإسلامية، ~~والرسالة تبين الطريقة التي رأى أهل السنة أن يتبعوها في التريبة، لتعليم الأجيال ~~الناشئة على مذهبهم، حتى يشبوا على اعتقاد آراء أصحاب الحديث، وأهل السنة. # وكان القابسي فقيها محدثا، ثقة في علوم الحديث، فهو يمثل هذا المذهب. # هذه الصلة بين القابسي وبين مذهب أهل السنة من ناحية، وبين مذهب أهل السنة وطريقة ~~التعليم من ناحية أخرى، هي السر الذي نستطيع أن نفسر به الآراء المذكورة في رسالته. # وقد درجنا على هذا المنهج خلال ما قدمنا من بحث، والتزمنا هذه الطريقة في كل ما عالجناه، ~~وبذلك تيسر لنا أن نفهم السر في اختلاف آراء المفكرين فيما يتصل بالتعليم. # ولما كان المعلمون في الكتاتيب هم من أهل السنة، شب الناس بالفعل على طريقتهم وتشبعت ~~بها عقولهم، وتطبعت نفوسهم، وصعب الانصراف عنها، وأصبح المسلمون ينظرون إلى الحياة من خلال ~~هذا المنظار. وبذلك ساد مذهب أهل السنة، وأصبح هو صاحب الغلبة في أغلب الأقطار ~~الإسلامية. # أما الناحية الثانية التي بها تفسر الآراء التعليمية فهي نسبتها إلى المجتمع الذي ظهرت ~~فيه هذه الآراء، ما دام التعليم مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية. # وهذا يقتضي منا أن ننظر هل كانت الآراء التعليمية واقعية أم مثالية؟ فإذا كانت واقعية ~~فإنها تصف ما هو كائن فعلا في المجتمع، وتعد في هذه الحالة ظلا للحياة الاجتماعية. وإذا ~~كانت مثالية، فإنها لا تتعدى عقول الذين نادوا بها، ولا تمثل حقيقة المظهر ~~الاجتماعي. # وقد كان القابسي واقعيا يصف ما كان يجري في المجتمع الإسلامي في القرن الرابع ~~الهجري. # ولم يكن الحال كذلك في الآراء التي بسطها كثير من المفكرين في الإسلام، ونضرب في هذا ~~الصدد المثل بما ذكره الغزالي عند الكلام على ms197 الأجرة فقد نصح بالتعفف عن تناول الأجر تشبها ~~بالرسول، وبما ينبغي أن يكون، ولم يكن هذا هو الواقع، حيث كان المعلمون يأخذون الأجور على ~~التعليم، ولم يتحقق رأي الغزالي لمخالفته طبائع الأشياء، وإغراقه في التطلع إلى الغايات ~~الروحية. # لهذا كان من الخطأ أن يذكر الباحث الرأي التعليمي على أنه يمثل التربية عند العرب، دون أن ~~يحدد هل أخذ الناس بهذا الرأي واتبعوه، أو بقي مسطورا في بطون الكتب. # ولما كان القابسي واقعيا، فإننا نستطيع اتخاذ رسالته في التعليم مرآة صادقة، تصور ناحية ~~مهمة من النواحي الاجتماعية للمسلمين في القرن الرابع، وهي تعليم الصبيان، وحياة المعلم في ~~الكتاب، ومناهج التعليم والطرق التي كان يتبعها. # والنظر إلى المجتمع يفسر لنا كثيرا من الاتجاهات في التربية، ويفسر لنا التطور الذي حدث ~~في التعليم منذ صدر الإسلام حتى الآن. # كان التعليم في فجر الإسلام تطوعا لقوة الروح الديني، وتغلبه على النزعات المادية، فلما ~~فترت هذه الروح أخذ المعلمون الأجور، ولما فسد المجتمع تطلع المعلم إلى ما هو أكثر من ~~الأجر، وقد رأينا كيف أجاز القابسي أن يتناول المعلم الهدايا في المواسم والأعياد كما جرت ~~به العادة. فالقابسي يخضع لروح المجتمع، وينزل على أحكامه. # كذلك كانت بطالة الصبيان تجري على عادة الناس. # فالتفسير الصحيح لشئون التربية والتعليم يقتضي الرجوع إلى المجتمع الذي يشكل حالة ~~التعليم، تبعا للتيارات التي تسوده وتوجهه. # فإذا كان المعلم في الكتاب ينصرف إلى حفظ القرآن حتى يبلغ بالصبي الختمة، فلم يكن هذا ~~العمل من إيحاء قادة الفكر، أو من رغبة المعلم نفسه، بل هو اتجاه الجمهور وتيار المجتمع. ~~وقد بلغ من فرح الآباء بحفظ أبنائهم القرآن، أنهم كانوا يدفعون فوق أجر المعلم أجرا آخر ~~للختمة احتفالا بهذه المناسبة السعيدة. # ولم يمتنع المسلمون عن تعليم الحساب، وأجاز القابسي تعليم الحساب، ولكن أولياء الصبيان لم ~~يطالبوا بتعليم أبنائهم الحساب، بل وضعوا نصب أعينهم شيئا واحدا هو أن يحفظ أبناؤهم ~~القرآن. # ولا شك أن تقدم المجتمع وتطوره يرجع إلى حد كبير إلى الآراء الجديدة ms198 التي يطلع بها ~~المفكرون على الناس. فإذا أثرت هذه الآراء أثرها خرج المجتمع على التقاليد الموروثة، وخلعها ~~عنه، وسار في الطريق الجديد. فالجمود هو المحافظة على التقاليد، والتجديد هو التحول إلى شيء ~~جديد. # فإذا اتخذنا عصر القابسي وآراءه في التعليم أساسا لما كان يجري في القرن الرابع الهجري، ~~فإننا نستطيع أن نشرف على القرون التي سبقته، وعلى القرون التي جاءت بعده، فنرى كيف تقدم ~~التعليم إلى ذلك العهد، وكيف سار بعد ذلك. # ولا شك أن التعليم سجل منذ القرن الأول في الإسلام حتى القرن الرابع تقدما ~~كبيرا. # ففي حياة النبي كان التعليم نادرا في الجزيرة العربية، وفي الفرس والشام ومصر نفسها. ~~وكان عدد الذين يعرفون الكتابة والقراءة قليلا جدا، ثم بدأت الكتابة تنتشر بإيحاء النبي ~~وتشجيعه. ثم ظهرت الكتاتيب فكانت مظهرا للحياة الاجتماعية عند المسلمين، ثم احتاج الناس ~~إلى تنظيم العلاقة بين المعلم والصبي، بما يتفق مع الشريعة الإسلامية المطبقة في العالم ~~الإسلامي؛ فأدلى الفقهاء بالأحكام الشرعية التي تفصل فيما قد ينشأ من نزاع بين المعلم وآباء ~~الصبيان على الأجر، وما قد يصيب الصبي من أشرار إذا وقع المعلم العقاب عليه، والفقهاء هم ~~المختصون بالتشريع في المسائل الجزئية التي لم يرد فيها نص في القرآن. واجتمع كثير من هذه ~~الأحكام على مر الأيام؛ جمعها ولخصها وضمها في كتاب واحد أبو الحسن القابسي، الذي ألف رسالته ~~في نهاية القرن الرابع. وبذلك تمثل هذه الرسالة أحوال التعليم في ذلك القرن، وتمثل التطور ~~الذي حدث في هذا الفن منذ صدر الإسلام حتى ذلك الوقت؛ لأن القابسي نفسه تتبع ذلك التطور في ~~أبحاثه، كما يتضح لنا من النظر في رسالته. # وقد لحق تعليم الصبيان في الكتاتيب بعد القرن الرابع كثير من التغيير، لم يكن في سبيل ~~التقدم، بل في سبيل الجمود. # وأهم المظاهر التي استحدثت على الكتاتيب هي اعتماد أكثرها على أوقاف الموسرين. وفيما عدا ~~ذلك بقي المنهج ثابتا وهو تعليم القرآن والكتابة. وبقيت الألواح في أيدي الصبيان للكتابة ~~فيها، وبقيت العصا أداة التأديب ms199 في يد المعلم. # والخلاصة أن تفسير حالة التعليم في عصر من العصور يقتضي النظر إلى آراء المربين، وصلة ~~آرائهم بالمذاهب العقلية التي يعتنقونها، ويقتضي النظر إلى حالة المجتمع الذي تفرع عنه ~~التعليم كمظهر من الحياة العقلية. # فإذا طبقنا هذين المبدأين على الغرض التعليمي كما جاء عند القابسي، باعتبار أن الغرض من ~~التعليم هو النقطة التي تلتقي عندها جميع شئون التربية، ومنها تتفرع أحواله المختلفة، فإننا ~~نجد أن القابسي كان يقصد إلى غرض ديني، وكذلك كان المجتمع يريد. لهذا اقتصر التعليم في ~~الكتاب على القرآن والكتابة في الغالب. # وقد يتبع هذا الغرض الديني غرض آخر، أو أغراض أخرى، ولكنها تابعة بالضرورة لهذا الغرض ~~الديني. # فإذا قلنا إن القابسي يطلب تهذيب الأخلاق، فتعليم الدين يحمل في طياته التهذيب الخلقي، ~~وإذا قلنا إنه يطلب نشر العلم، فالديانة الإسلامية تتوجه إلى الجميع؛ وفي سبيل تعليم الدين ~~وخصوصا الصلاة وهي عماد الدين، وجب التعليم وحفظ القرآن. # ولم يكن المجتمع يطلب من الغايات إلا الغاية الدينية، ولهذا السبب اهتم الآباء اهتماما ~~شديدا أن يختم أبناؤهم القرآن، وكان أغلب الصبيان ينصرفون، بعد حياة الكتاب، إلى تعلم ~~حرفة أو صناعة لكسب المعاش. # هذا هو الغرض الذي نتلمسه من رسالة القابسي التي تصف حالة التعليم في الكتاتيب في القرن ~~الرابع. # وقد لخص خليل طوطح أغراض التربية في أربعة: الأول ديني؛ والثاني اجتماعي، لأن العلم: يرفع ~~صاحبه كما قال صاحب «جامع بيان العلم»: اطلبوا العلم فإن كنتم ملوكا برزتم، وإن كنتم سوقة ~~عشتم؛ والثالث التلذذ العقلي، كما قال صاحب «كشف الظنون»: من تعلم علما للاحتراف، لم ~~يأت عالما، إنما جاء شبيها بالعلماء. والعلوم ليس الغرض منها الاكتساب بل الاطلاع على ~~الحقائق وتهذيب الأخلاق؛ والرابع غرض مادي. # 3 # واعتمدت السيدة أسماء فهمي على ما جاء في كتب الزرنوجي وابن عبد البر والغزالي وطاش كبري ~~زاده وخلافهم، وقسمت أغراض التربية عند المسلمين إلى ثلاثة أقسام: الأول ديني، والثاني ~~ثقافي، والثالث نفسي. # 4 # ولو اتبع هذان المؤلفان الطريقة التي آثرنا اتباعها في تفسير ms200 التربية وهي نسبة الآراء إلى ~~أصحابها، ثم النظر إلى صلتها بالمذهب العقلي، وعلاقة الآراء بالمجتمع الواقعي لغيرا من ~~تفسيراتهما. # ولم تكن الأغراض من التعليم واحدة في جميع العصور الإسلامية، فغاية التعليم في القرن ~~الأول تختلف عنها في القرن الرابع، عنها بعد ذلك. # ولم يكن المسلمون يقصدون إلى غرض نفسي أو مادي أو عقلي في صدر الإسلام، بل كان كل همهم ~~خدمة الدين والعمل على إذاعته وتثبيته في القلوب. # والقابسي في القرن الرابع يريد أن يكون وفيا للسلف الصالح، متبعا لآثارهم، مقتفيا ~~خطواتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فهو يريد أن يعلم أبناء المسلمين القرآن والكتابة لمعرفة ~~الدين، وإذا كان قد اضطر إلى التعديل من طريقة السلف، فهو تعديل يتلاءم مع أحوال المجتمع ~~المتغيرة؛ ولهذا أوصى بأجر المعلم، بتعليم النحو والعربية والشعر. # ولا شك أن آراء القابسي كانت مناسبة للعصر الذي عاش فيه، وقد تكون متقدمة على عصر ~~أيضا. # ولهذا السبب لا نستطيع أن نحكم على رسالة القابسي في ضوء علم التربية الحديث؛ لأن العلوم ~~الحديثة كلها لم تبعث إلا بعد عصر النهضة، بعد أن اتخذ العقل منهجا جديدا في التفكير. هذه ~~المناهج الجديدة هي التي شق طريقها «بيكون» و«ديكارت» في القرنين السادس عشر والسابع عشر ~~الميلاديين؛ و«بيكون» صاحب المنهج التجريبي، و«ديكارت» رسول المنهج العقلي الرياضي، الذي يبني ~~الحقائق بعد الشك في القديم، فلا يقيم إلا ما كان واضحا جليا لا سبيل إلى الشك ~~فيه. # وقد أصبحت العلوم الطبيعية والاجتماعية تعتمد في البحث على المشاهدة والتجربة، وابتعدت عن ~~ميدان الاعتقادات الموروثة. ثم وضع العلماء طرق التجريب الواجب اتباعها كما بسطها جون ~~ستيوارت مل. # وبدأ علماء النفس والتربية والاجتماع يطبقون هذه المناهج التجريبية - التي ثبت أنها الطرق ~~الوحيدة الموصلة إلى العلوم الطبيعية - على الأبحاث النفسية والاجتماعية والتعليمية. ولم ~~يتم إخضاع هذه العلوم للتجارب إلا حديثا جدا، ولا يزال العلماء في أول مراحل هذه ~~التجارب. # وفي ذلك يقول جول بايوه في كتابه «سقوط التعليم» الذي تعرض فيه للأسباب التي تعمل على فشل ~~التعليم ms201 في فرنسا: إن أول هذه الأسباب هو عدم اتباع التجارب؛ وقد عقد في ذلك الفصل الأول من ~~الكتاب، جاء فيه أن القرون الوسطى حاربت التجارب، وأن «روجر بيكون» الذي سار في طريق التجريب ~~واستحدث اكتشافات كيميائية اتهم بالسحر ، ثم عذب وقبض عليه مرتين، مما دعا إلى عدم ~~التشجيع في ميدان التجارب. # وتبع ذلك في فجر النهضة حتى القرن التاسع عشر روح تجريب قوي، أدى إلى انتصار العلوم ~~التجريبية، واستقرار العلوم الطبيعية على أساس صحيح. # إلى أن قال: «ولكن في غمار هذه الحركة العظيمة الباهرة، لم تتأثر مناهج التعليم. ولا تزال ~~التربية في الوقت الحاضر في مثل هذه الحالة التي كان الطب عليها قبل تقدمه.» # 5 # فإذا كان هذا المؤلف ينتقد نظم التعليم في فرنسا في الوقت الحاضر؛ لأنها لا تستند إلى ~~التجارب العلمية، فالقابسي معذور إذا لم يتبع هذه التجارب منذ ألف عام، وهو الذي عاش في ~~صميم القرون الوسطى التي حقرت التجريب كل الاحتقار. # وقد سجلت النهضة الحديثة في التعليم ظهور مدارس جديدة، أساسها الاعتماد على نفسية الطفل ~~ونموه ومراعاة ميوله وغرائزه واستعداده؛ فمدارس «منتسوري» تعطي الطفل الحرية في التنقل لأن ~~السكون مضر بهم، كما تعمل على تدريب حواسهم، وتربي الطفل عن طريق اللعب. وطريقة «دالتون» تلقي ~~جانبا كبيرا من المسئولية على التلميذ، فهو الذي يحصل ويدرس، ووظيفة المدرس الإرشاد ~~والتوجيه فقط، حيث يقوم بتفسير ما يشكل على التلاميذ، ويكسب المدرسة جو دراسة. وطريقة ~~المشروع، والتعليم عن طريق النشاط، وهذه الألوان الجديدة من المدارس، الغرض منها إعداد ~~الفرد للكفاح في المجتمع، بتكوين شخصيته تكوينا يجعله يعتمد على نفسه في تحصيل المعاش، ~~وذلك بما يتفق مع صبغة المجتمعات الحديثة التي طغت عليها موجة المادية، وأصبح الناس ~~يتهالكون على تحسين معيشتهم المادية. # ومراعاة ميول الطفل من الاتجاهات الحديثة في التربية، خصوصا بعد أن نادى روسو في كتاب ~~«إميل» بالنظر إلى حياة الطفل نظرا يختلف عن النظر إلى حياة الرجل. # أما الاتجاه الآخر الحديث، فهو إعداد الطفل ليعيش في المجتمع عيشة تلائم ms202 مطالب المجتمع. ~~لهذا السبب تختلف الدول في طرق تعليمها تبعا لاختلاف غاياتها في الحياة. وكثيرا ما يضحي ~~المربون بالميول النفسية في سبيل تحقيق أغراض الدولة ومطالب المجتمع. فالدولة التي ترغب في ~~الحرب تعد الطفل من صغره، لحياة النظام والطاعة والخضوع، والخشونة والشدة والصبر ~~والجهاد. # فإذا رجعنا إلى القابسي ونظرنا إلى آرائه التعليمية، فإننا نجد أنه يراعي المجتمع، ويعد ~~الصبيان إلى حياة تلائم البيئة التي عاش فيها، ولكنه لا يراعي ميول الصبيان النفسية. # فإذا كان القابسي قد أهمل النظر إلى الحياة النفسية للطفل، فالعيب يقع على العصر بأسره، ~~لا على القابسي وحده. # ومن هذه العيوب منع الصبيان من اللعب، مع أن اللعب ضروري لنموهم # ومن هذه العيوب إهمال التربية الجسمية إهمالا تاما، وهي ناحية لم يرجع لها المربون إلا ~~في العصور الحديثة، حيث وجهوا الاهتمام إلى تربية الجسم بالألعاب الرياضية المختلفة ~~المناسبة لكل مرحلة من مراحل نمو الطفل. # وقد كانت أمة اليونان قديما تعنى بالرياضة البدنية عناية عظيمة. ولم يغب عن نظر ~~المسلمين قيمة الرياضة البدنية فحثوا على تعلم السباحة وركوب الخيل وغير ذلك من الرياضيات ~~التي تنشئ الأطفال على الرجولة والفروسية. ولكن معلم الكتاب لم يكن مخصوصا بمثل هذه ~~التربية، واختص بتعليم القرآن وتهذيب العقل والخلق. # على أن القابسي وضع أسس التربية بحيث تلائم المجتمع وحاجة العصر الذي كان يعيش فيه. وقد ~~ساد في ذلك العصر الروح الديني، فجاءت طريقة القابسي في التعليم موافقة لهذه البيئة كل ~~الموافقة، حيث يتعلم الصبيان المسلمون القرآن والكتابة والنحو والعربية والشعر، ويتعودون ~~القيام بالعبادات الإسلامية المختلفة، فيترك الصبي الكتاب وهو عارف بالديانة الإسلامية ~~علما وعملا. # | الملاحق1 # (1) الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين ~~[جاء في ظاهر النسخة الخطية عبارتان بقلمين مختلفين، الأولى: الحمد لله وحده من عوادي ~~الزمان، وهو المعان على عفو ربه الكريم الغفار. # 2 # علي بن أحمد بن محمد البيطار. غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين. ~~آمين. # والثانية: الجزء الأول والثاني والثالث من الفضيلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين ~~والمتعلمين. الحمد لله وحده. ms203 طالع هذا الكتاب المبارك العبد الفقير إلى الله تعالى، ~~المعترف بذنبه محمد بن حسن. غفر الله له ولوالديه ولمن ترحم عليه ولجميع المسلمين ~~آمين. # الخط يبقى زمانا بعد كاتبه # وكاتب الخط تحت الترب مدفون # يا رب فاغفر لعبد كان كاتبه # يا قارئ الخط قل يا ربي # 3 # آمين # تمت. يا قارئ الخط ترحم على من كتبه]. # الجزء الأول # بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي # قال أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعروف # 4 # القابسي الفقيه القيرواني: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا ~~شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ماكثين ~~فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا * ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا ~~(الكهف: 1-5) و # تبارك الذي نزل ~~الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ملك السموات والأرض ولم ~~يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل ~~شيء فقدره تقديرا ~~(الفرقان: 1-2). والحمد لله الذي لم يزل ~~واحدا، أحدا، حيا، قيوما، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ليس [2-1] ~~كمثله شيء، وهو السميع البصير. تكلم بالقرآن، وأنزله على محمد خير الأنام، للرحمة ~~والتبيان، بالنور والبرهان، والحكمة والفرقان، # ليثبت ~~الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ~~(النحل: 102) ~~وقال جل ثناؤه: # طه * ما أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلا ~~* الرحمن على العرش استوى * ~~له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى * الله لا إله إلا هو له ~~الأسماء الحسنى ~~(طه: 1-8). أحمده، وأؤمن به، وأستعينه، وأتوكل ~~عليه وأبرأ من الحول والقوة إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن ~~محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون، فقام بالرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، # عزيز عليه ms204 ما عنتم [2-ب] حريص عليكم بالمؤمنين ~~رءوف رحيم ~~(التوبة: 128). فسبحان الله الذي سبح له ما في السماوات ~~وما في الأرض # الملك القدوس العزيز الحكيم ~~* هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~* وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو ~~العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم ~~(الجمعة: 1-4). والحمد لله ~~الذي هدانا للإيمان، وعلمنا القرآن، ومن علينا باتباع نبيه محمد عليه السلام. ~~اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. اللهم وعلمنا ما بعثت ~~به إلينا نبينا محمدا خاتم النبيين، من كتاب وحكمة، وما تلا من آياتك، وزكنا ~~إنك أنت العزيز الحكيم. [3- أ] اللهم وألهمنا شكر نعمتك به علينا، فإنك قلت: # ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون * كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ~~يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~(البقرة: 150-151). اللهم وأعنا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك، فإنك قلت: # فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون ~~(البقرة: 152) وأيدنا على طاعتك، بأن نستعين عليها كما ~~أمرتنا، فإنك قلت: # يا أيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ~~(البقرة: 153). أنت الحق، ووعدك الحق، لا إله إلا أنت، الملك الحق المبين. إياك ~~نعبد، وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأنلنا حسن مرافقتهم ~~بفضلك ورحمتك، فأنت أرحم الراحمين، وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وأنت مولانا، فنعم ~~المولى ونعم النصير [3-ب] فانصرنا بحسن الخلاص فيما أوليتنا وفيما ابتليتنا، برحمتك ~~في عبادك الصالحين، الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. ~~••• # قال أبو الحسن: قد سألني سائل، وألح علي أن أجيبه عن مسائل، كتبها، وشرط ~~فيها شروطا، واعتذر من إلحاحه علي، أنه مضطر إليها وراغب في ms205 فهم ما تعذر عليه ~~من فهمها، إذ هي تحل عليه، وتنزل به فيرهبها، ويخشى القدوم عليها، ويخاف ضيق ~~الإمساك عنها، لبعده ممن يصلح أن يستعان به فيها، فعذرته بعذره، وأشفقت من ~~التوقف عنه، على وجل مني في مجاوبته عن كل ما سأل عنه، فتراخيت عن سرعة ~~مجاوبته طويلا، وهو مقيم على حفزي فيما أراد مني، حتى ألقى الله عز وجل في قلبي ~~الانقياد إلى مجاوبته. فأعوذ بالله أن [4-أ] أكون من المتكلفين، وأسأل الله الكريم ~~العصمة بالحق فيما ابتلاني به من المقالة في الدين، وأن يهديني إلى أحسن القول ~~فأتبعه بهدي من عنده، فهو هادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم. # ذكر سؤاله عن تفسير الإيمان والإسلام والإحسان وعن الاستقامة ما هي وكيف صفة ~~الصلاح # قال أبو الحسن: أما تفسير الإيمان والإسلام فقد بين ذلك في الصحيح. # 5 # قال أبو هريرة: كان النبي # صلى الله عليه وسلم # بارزا يوما للناس، فأتاه رجل ~~فقال: ما الإيمان؟ قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن ~~بالبعث الآخر. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به وتقيم ~~الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال أن تعبد ~~الله [4-ب] كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما ~~المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ~~ربتها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البينان، في خمس لا يعلمهن إلا ~~الله، ثم تلا النبي # صلى الله عليه وسلم # إن الله عنده علم ~~الساعة ... ~~(لقمان: 34) الآية، ثم أدبر، فقال: ردوه، فلم يروا ~~شيئا، فقال: هذا جبريل، جاء يعلم الناس دينهم. # قال أبو الحسن: فبين # صلى الله عليه وسلم # أن جميع ما جرى في نص الحديث دين للناس، ويدل ~~أيضا ما في هذا الحديث، أنه كان قبل نزول فرض الحج، لأن الحج أيضا من عمل ~~الأبدان، وبه كمل العمل الذي هو الإسلام. يبين ذلك ما جاء في الصحيح من حديث ~~طارق بن شهاب، عن ms206 عمر بن الخطاب، أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين ~~آية في كتابكم تقرءونها [5-أ] لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم ~~عيدا، قال: أي آية؟ قال: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~(المائدة: 3). قال: فقال عمر: قد عرفنا ذلك ~~اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو قائم بعرفة، يوم جمعة. ~~قال أبو الحسن؛ فبين له عمر رضي الله عنه، أن اليوم الذي نزلت فيه هذه ~~الآية في الإسلام، معظم على مر الدهر، هو عيد في سائر أمصار المسلمين كلما ~~تكرر يوم الجمعة، والمكان الذي أنزلت فيه هو مكان الحج المفترض على جميع ~~المسلمين. فقد تم التعظيم لذلك اليوم، ولذلك المكان الذي أنزلت فيه، والحمد ~~لله رب العالمين. # والذي سماه الرسول عليه السلام، في هذا الحديث، إيمانا، هو الإقرار بما قد ~~سماه # صلى الله عليه وسلم ~~. والذي [5-ب] سماه إسلاما، هو عمل الجوارح بما افترض عليها؛ ~~لأنه هو الذي يدل على استسلام من قال: أسلمت لله؛ ومن قال: آمنت بالله، ~~وملائكته وبلقائه، ورسله، وآمنت بالبعث بعد الموت، فإنما هو مخبر عن تصديقه لما ~~جاء به الرسول عليه السلام. ومحل صحته التصديق فيما عقد عليه القلب واطمأن ~~إليه. وكذلك هو في الإيمان بجميع ما جاءت به الرسل. قوله: آمنت بذلك، إنما هو ~~إخبار عن قلبه، أنه قبل ذلك، واطمأن به، وفي ذلك إيمانه بفرض الصلاة ~~والزكاة، وصيام رمضان، والحج المفترض على المسلمين مع سائر ما افترض عليهم من ~~الحقوق كلها. فتصديقه بذلك كله - أن الله عز وجل فرضه، وأنه هو الحق الذي لا شك ~~فيه - كل هذا هو إيمان، القول يعبر عنه، ولا يعلم صحة ما وراء القول من هذا ~~[6-أ] المخبر عن نفسه بالإيمان، إلا الله عز وجل، فإذا أقام الصلاة، وآتى ~~الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت إذا استطاعه، وفعل بجوارحه جميع ما أمر به ~~أنه واجب عليه، فقد استسلم، وصدق باستسلامه هذا قوله: إني آمنت به، ms207 عند من ~~ظهر له ذلك منه، وهو عند الله جل وعز على ما علمه من صحة اعتقاده، وصدقه ~~فيما صدق به. وقول الرسول عليه السلام، حين فسر الإسلام: تعبد الله لا تشرك ~~به، معناه: بذلك يصح لهذا العمل المذكور أن يكون إسلامه، كما قال الله عز وجل: # فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل ~~عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~(الكهف: 110). والإيمان هو القبول من الرسول ما جاء به، يصححه لقائله اعتقاد ~~قلبه بتصديقه. والإسلام: هو العمل بما أمر به، ودعا إليه، والانتهاء عما نهى ~~عنه، يصححه اعتقاد قلب [6-ب] عامله أن الله عز وجل أمر به على لسان رسوله عليه ~~السلام. فإذا كان كذلك كان ها هنا الإسلام هو الإيمان، لقول الله جل وعز: # إن الدين عند الله الإسلام ~~(آل عمران: 19). وقوله تعالى: # ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين * كيف يهدي الله قوما كفروا ~~بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~(آل عمران: ~~85-86). وقال جل ذكره: # ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ~~(المائدة: 5). فبين أن المبتغي غير الإسلام كافر بالإيمان. وتبين بذلك أن ~~الإيمان على الحقيقة إسلام، والإسلام على الحقيقة إيمان. ويزيدك بيانا ما جاء ~~في قصة آل لوط عليه السلام قوله: # فأخرجنا من كان ~~فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها ~~غير بيت من المسلمين ~~(الذاريات: 35-36). وإذا لم يكن ~~الإيمان من قائله على الحقيقة، كان إظهار ذلك ممن أقر به نفاقا [7-أ] كما ~~قال الله جل وعز: # يا أيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ~~(المائدة: 41)، وكذلك ~~من أظهر الإقرار بالإيمان، وعمل فيما أظهر بما أمره به، وانتهى فيما يرى ~~منه عما نهي عنه، وقلبه غير مؤمن بذلك أنه من عند الله، فليس هو إسلاما على ~~الحقيقة. وهو كما قال الله جل وعز: # قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم ms208 ~~(الحجرات: 14) فنبأهم أن ~~الإيمان، الذي هو التصديق في القول والعمل، لم يدخل قلوبهم، ولكن عملوا عملا ~~هو إسلام، أي استسلموا وألقوا السلم مداراة لمن قهرهم، يحمون بذلك ~~أنفسهم وأهليهم وأموالهم، مما يلقاه الصابئون بالكفر. وقد قال الله عز وجل: # وممن حولكم من الأعراب [7-ب] ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق ~~(التوبة : 101) وقال: # الأعراب ~~أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما ~~أنزل الله على رسوله ~~(التوبة: 97) وقال جل وعز: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون ~~(الأنعام: 125). ~~فبين أيضا أن الإسلام هو ما انشرح الصدر إليه؛ وأما ما ضاق الصدر عن قبوله، ~~ونفر منه عند سماعه، فصاحبه غير مؤمن. فقامت كلمة الإيمان مقام كلمة ~~الإسلام. وكذلك قوله: # أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ~~(الزمر: 22). # قال أبو الحسن: فافهم فقد بينت لك أن تفسير الإيمان أنه التصديق. [8-أ] وقال ~~الله جل ذكره يصف رسوله عليه السلام: # يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ~~(التوبة: 61). أي يصدق المؤمنين. وأمره ~~أن يقول لمن اعتذر عن تخلفه من المنافقين: # لن نؤمن ~~لكم # أي لن نصدقكم # قد نبأنا الله ~~من أخباركم ... # الآية (التوبة: 94). وأمره أيضا أن يقول ~~لهم: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~(التوبة: 105). وبينت لك أن تفسير الإسلام، إذا لم يكن من قائله على الحقيقة ~~أنه هو الاستسلام - وذلك بأنه يلقي السلم إظهارا لطاعة من قهره - فيكون من ~~فاعله نفاقا. قال الله عز وجل: # فما لكم في ~~المنافقين فئتين ~~(النساء: 87) إلى قوله: # فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا * ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ~~ويأمنوا قومهم كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا ~~فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ~~ويكفوا أيديهم ... ~~(النساء: 90-91). فبينت لك ms209 وجه ما يكون ~~به الإيمان إسلاما، وما يكون به الإسلام إيمانا، بما فيه الكفاية إن شاء الله ~~تعالى. # وأما قول الرسول عليه السلام في تفسير الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك، فمعناه: أن هذا هو إحسان عبادة الله في كل ما تعبد، ~~من الشهادة له بالألوهية وحده ، ومن كل ما أمر به من عمل بطاعته، أن يكون العامل ~~بذلك يعمل لله - وهو يعلم أن الله يراه - فيما يؤديه إليه من طاعته، ولا يخفى ~~عنه ما في سره من ذلك. وكذلك فيما تعبده به، من الانتهاء عما نهاه عنه، يكون في ~~ذلك يعلم أن الله جل وعز يراه، ويعلم ما في سره، من الانتهاء عن ذلك مما # 6 # أراد به، لتخلص عبادة العبد لله [9-أ] على الحقيقة، سالم # 7 # من كل خلط ينزغ به الشيطان، ويميل إليه سوء الهوى. وقد عرف ~~الناس فيما بينهم، أن عبد الرجل إذا عمل ما أمره به سيده بحضرة سيده - وهو ~~يراه - أن العبد يجهد نفسه في ذلك العمل، ليرضي سيده بحسن طاعته، فإن كان سيده ~~سلطانا كان أشد لاجتهاد العبد في نصيحة سيده، وإذا خلا العبد من معاينة سيده ~~له، أو استغفله، قصر، فهذه صفة العبد مع من يغفل ويشغله شأن عن شأن. فأما ~~عبد الله يؤدي طاعته إليه، فلا يغفل عن مراقبة ربه فيما يطيعه به في السر ~~والعلانية، فإنك أيها العبد، إن لم تكن ترى ربك بعينك في حين عبادتك إياه، فقد ~~أيقنت أنت أنه يراك، ولا يخفى عنه ما تسر وتعلن. فأخلص العمل له والتزم ~~مراقبته، فإنه يقول عز وجل: # وما تكون في شأن ~~وما تتلو منه من قرآن [9-ب] ولا تعملون من عمل ~~إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب ~~عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين ~~(يونس: 61) وقال عز وجل: # واعلموا ~~أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا ms210 أن ~~الله غفور حليم ~~(البقرة: 235) وقال: # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به ~~نفسه ~~(ق: 16). في آي كثير يحذر فيهن العبد من غفلة نفسه. وقال ~~عز وجل: # واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ~~ولا تكن من الغافلين ~~(الأعراف: 205)، وقال تعالى: # إن الذين عند ربك لا يستكبرون ~~عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ~~(الأعراف: ~~206) فوصف عبادة الملائكة. وقال في موضع آخر يصف عبادة الملائكة: # يسبحون الليل والنهار لا يفترون ~~(الأنبياء: 20). وأنتم عباد الله إنما أمركم أن تتقوا الله؛ ما # 8 ~~[10-أ] الموقن بهذا تعبد ربك كأنك تراه، وأنت قد أيقنت بعد أنه ~~يراك. قال الله جل وعز: # وهو الله في السموات ~~وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون ~~(الأنعام: 3)، وقال تعالى: # وهو ~~معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ~~(الحديد: 4)، وقال تعالى: # إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن ~~عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ~~(المائدة: 12)، فبين عز وجل لمن عمل ~~بطاعته، أن يعمل ذلك عملا حسنا. وكذلك قوله عز وجل: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~(الكهف: 30)، ~~و # إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين ~~(التوبة: 120). وما كان يمثل هذا كله، فمعنى ذلك ~~إحسانهم ما عملوه لله عز وجل. وتفسير هذا الإحسان هو الذي جرى بين جبريل ~~ورسول الله [10-ب] # صلى الله عليه وسلم ~~، من قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: أن تعبد الله كأنك تراه ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ثم أخبر أصحابه # صلى الله عليه وسلم # عن ~~السائل، أنه جبريل يعلم الناس دينهم. فبين أن مراقبة العبيد ربهم في ~~عبادتهم إياه، أن ذلك من دينهم ليحافظوا عليه. فافهم؛ فقد طولت لك، ليرتفع ~~الإشكال عنك فيما فسرت لك، والله ولي التوفيق. # وأما سؤالك عن الاستقامة ما هي؟ فاعلم أن وصفها قد مر فيما تقدم من هذا ~~الباب. وقال الله عز وجل لنبيه عليه السلام: # فاستقم ~~كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ms211 إنه بما ~~تعملون بصير ~~(هود: 112)، فالاستقامة هي القيام بما أمر ~~الله به، وفي الذي قدمنا قول الله جل وعز: # أفمن ~~يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن [10-أ] ~~هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب ~~(الرعد: ~~19). وفي وصف أولي الألباب، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، فتلك ~~الأوصاف كلها، من وفى بها فهو المستقيم كما أمر. وإن مما يزيدك بيانا لما ~~وصفت لك قول الله جل وعز: # فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~(النساء: 65)، ثم قال: # ولو أنا كتبنا عليهم ~~أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ~~* ولهديناهم صراطا مستقيما ~~(النساء: 66-68)، ثم قال: # ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا [11-ب] - إلى قوله - وكفى بالله عليما ~~(النساء: 69-70) وقد أمر الله عز وجل في فاتحة الكتاب المؤمنين أن يقولوا: # اهدنا الصراط المستقيم * ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين ~~(الفاتحة: 6-7) وفسر عز وجل لهم في سورة ~~النساء، من الذين أنعم الله عليهم، وذلك بما هداهم له من طاعته وطاعة رسوله، ~~وقبولهم لما جاء عنهما، ففعلوا ما يوعظون به، ذلك الفضل من الله وكفى بالله ~~عليما. والاستقامة في الدين هي مداومة المقام فيه، على استوائه واعتداله، لا ~~ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتزم منه ما لا يطيقه. قالت عائشة رضي ~~الله عنها: كان أحب العمل إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذي يدوم عليه صاحبه. ~~وقالت أيضا: سئل النبي # صلى الله عليه وسلم ~~[12-أ] أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومه ~~وإن قل. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. وقال أبو هريرة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد # 9 # إلا ms212 غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة ~~وشيء من الدلجة. فافهم؛ فقد بينت لك من وصف الاستقامة ما لا يدع إن شاء الله ~~عليك إشكالا. فاستعن بالله واقتصد، فإن ابن عباس رضي الله عنه قال: القصد ~~والتؤدة وحسن السمت، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة، وهذه الثلاث ~~الخصال، تجتمع لمن ائتمر لأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وانتهى لنهيه، وتأسى به # صلى الله عليه وسلم # في هديه. قال الله جل وعز: # لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم [12-ب] بعضا قد ~~يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم ~~(النور: 63) وقال تعالى: # وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ~~(الحشر: 7) وقال: # لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا ~~(الأحزاب: 21) وقال: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ~~(آل عمران: 31). قال حذيفة بن اليمان: يا معشر القرى إن تستقيموا، فقد سبقتم سبقا ~~بعيدا، وإن أخذتم # 10 # يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا. قال أبو الحسن: يريد ~~حذيفة - رحمة الله عليه - بقوله هذا من لم يدرك النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، يأمرهم [13-أ] ~~أن يستقيموا في متابعة أصحاب النبي عليه السلام، لأن أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، هم ~~المتبعون على السبيل التي # 11 # دعا إليها الرسول # صلى الله عليه وسلم # قال الله عز وجل لنبيه عليه السلام: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني ~~(يوسف: 108). وقال جل من قائل: ~~... ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ~~(النساء: 115). والصحابة هم الذين قال الله عز وجل فيهم: # محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم ... # إلى آخر السورة (الفتح: 28-29). وقد قال ~~ابن مسعود: أرى أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور ~~محدثاتها، وإن ms213 ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين. # وأما قولك: كيف صفة الصلاح، فصفة الصلاح هي ما تقدم وصفه في هذا الباب [13-ب] ~~من أوله إلى آخره، فمن وفى بجميعه وفاء حسنا، فقد استكمل صفة الصالحين، ومن ~~عجز عن شيء منه، فبمقدار ذلك الذي عجز عنه - إذا كان عن تفريط فيه - يكون نزوله ~~عن وصف من استكمل ذلك كله. قال الله عز وجل: # من عمل ~~صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون ~~(النحل: 97). فقد بينت لك ما عندي في تفسير الإحسان، ~~وقول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: أن تعبد الله كأنك تراه، وأن هذا يلتزمه العبد لله في ~~أحوال متقلبه ومثواه؛ وهو سهل على من يسره الله له، وبركته عظيمة؛ لأنه ~~يجدد للمؤمن إيمانه كلما ذكره، وذلك أنه إذا أخذ في طاعة ربه، وهو ذاكر ~~مشاهدة ربه [14-أ] له في ذلك الشأن، قوي اعتصامه بربه، فإن هم به الشيطان ~~أن يلبس عليه شيئا، فاستغاث ربه، واستعاذ به منه، كفاه عدوه، وأعانه عليه، ~~فلم يجد إليه سبيلا كما يجده إلى من كان في شأنه غافلا في غمرة الوسواس ~~والشهوات، وإنما المعصوم من عصمه الله عز وجل. وإن اقتصر العبد الحسن ~~العبادة على أداء الفرائض، واجتناب المحارم، ولم يزد، فهو أيضا من الصالحين، ~~قال الله عز وجل: # ومن يعمل من الصالحات من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون نقيرا ~~(النساء: 124). فما سلم العبد من ~~الخطايا فهو من الصالحين، وما زاد بعد ذلك من طاعة ربه زاده خيرا. وأتى في ~~الصحيح من حديث أبي هريرة، قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الله قال: من عادى لي ~~وليا فقد آذنته [14-ب] بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما ~~افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته، فكنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي به. ولئن ~~سألني لأعطينه، ولئن ms214 استعاذ بي لأعيذنه. قال أبو الحسن: وهذا حديث حسن التبيان، ~~بالغ في الموعظة والبشرى، لمن أخذ بما فيه، اقتصر على أداء الفرائض، أو زاد بعد ~~استكمالها من النوافل؛ لأن النوافل إنما تكون من بعد استكمال الفرائض، والفرائض ~~جارية في أعمال البر التي أمر الله بها، والنوافل كذلك هي جارية في سائر ~~الطاعات التي ندب الله إليها، ورغب فيها رسوله. وقوله في هذا الحديث : فكنت ~~سمعه إلى آخر هذا الوصف، معناه: كنت [15-أ] حافظا له، أحمي سمعه الذي يسمع به ~~أن يسمع مأثما، وكذلك بصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي ~~يمشي بها، فلا يستعمل أشياء من هذه الجوارح في مأثم، ولا يصل إليه مكروه، مع ~~الحفظ الذي استأهله بتقربه ذلك. فقد شرحت لك وصف ما إذا اقتصر عليه المؤمن كان ~~به من الصالحين، وما إذا زاد منه زاد رفعة وقربا، وكمال ذلك كله في قول الله ~~جل وعز: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا ~~الزكاة وذلك دين القيمة ~~(البينة: 5)، وقال عز وجل: # ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا إن الله غفور شكور ~~(الشورى: 23). وأحسن الأعمال ~~ما عهد صاحبها فيه على أن يؤديه، وهو كأنه يراه، كما بينه الرسول عليه ~~السلام، وجرى [15-ب] فيما بين عليه السلام، أن جبريل عليه السلام جاء يعلم ~~الناس دينهم، قوله: متى الساعة؟ وقول الرسول عليه السلام ما المسئول بأعلم من ~~السائل، إلى قوله: في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا عليه السلام: إن الله ~~عنده علم الساعة ... الآية ... يخبرهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، أن هذه الخمس لا يعلم ~~أحد ما فيهن إلا الله، كما قال عز وجل: # قل لا يعلم ~~من في السموات والأرض الغيب إلا الله ~~(النمل: ~~65)، وقال: # وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو ~~(الأنعام: 59)، وإنما يعلم الخلق منها ما ~~أظهره الله إليهم بعد ظهوره عند المشاهدة لحلول ذلك، أي فقد علمت ما ليس لكم أن ~~تتكلفوا السؤال عنه. و[ليس] ms215 للساعة أشراط # 12 # قبلها تدل على قربها، فاستدلوا واحذروا، فإن الله عز وجل يقول: # لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت ~~[16-أ] في السموات والأرض لا تأتيكم إلا ~~بغتة ~~(الأعراف: 187)، وفي آية أخرى: # يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ~~لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا ~~(الأنعام: 158)، وجاء في الصحيح قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، ~~وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها، ثم قرأ الآية. # 13 # ذكر سؤاله عما جاء في فضائل القرآن، وما لمن تعلمه وعلمه وما يصحب به ~~القرآن، وعن آداب حامله، ومن ضيعه حتى نسيه، وما لمن علمه ولده، وهل ذلك في ~~الصغير واجب على أبيه أو على غيره، ومن يعلم الإناث # قال أبو الحسن: أما سؤالك أن نبدأ لك بشيء، من فضائل القرآن فيكفيك من فضل ~~القرآن، معرفتك [16-ب] أن القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله غير مخلوق، ثم ~~ثناء الله على هذا القرآن في غير موضع منه. قال الله عز وجل: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ~~ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من ~~هاد ~~(الزمر: 23)، وقوله تعالى: # الر تلك ~~آيات الكتاب المبين * إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن ~~نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ~~(يوسف: 1-3)، # الم * ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه هدى للمتقين ~~(البقرة: 1-2)، # المص * كتاب أنزل إليك فلا ~~يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين ~~(الأعراف: 1-2)، وكل ما جرى في أوائل السور من ~~هذا، فهو تعظيم [17-أ] للقرآن، وتعريف للمؤمنين بفضله، وكذلك قوله عز وجل: # يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا ~~(النساء: ~~174)، وقوله تعالى: # قد جاءكم من الله نور ~~وكتاب مبين ms216 * يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ~~(المائدة: 15-16)، وقوله سبحانه لنبيه # صلى الله عليه وسلم ~~: # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~(المائدة: 48) # وإنه لكتاب عزيز * لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل ~~من حكيم حميد ~~(فصلت: 41-42)، # إن ~~هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا ~~كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما ~~(الإسراء: ~~9-10)، # وهذا كتاب أنزلناه مبارك ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ~~[الأنعام: 155) ~~ومن هذا المعنى [17-ب] في القرآن كثير معروف تتبع ذكره في هذا الكتاب ~~يطيله، وهو شيء بين في القرآن يغني عن كل كتاب، والحمد لله رب ~~العالمين. # وأما ما لمن تعلمه أو علمه من الفضل، ففيه حديث مشهور ومنشور، وهو حديث سعد ~~بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه.» # 14 # قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمارة عثمان حتى كان الحجاج. قال: ~~وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. # 15 # قال أبو الحسن، قال: فأبو عبد الرحمن هو القائل: «وذاك الذي أقعدني ~~مقعدي هذا.» يريد أن حديث عثمان رضي الله عنه، عن النبي # صلى الله عليه وسلم # في فضل من ~~تعلم القرآن أو علمه، هو الذي أقعده لتعليم الناس القرآن يقرئهم [18-أ] إياه. ~~وقد قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا يحيى عن ~~شعبة وسفيان، قال: حدثنا علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال شعبة: خيركم من تعلم القرآن أو علمه. وقال سفيان: أفضلكم ~~من تعلم القرآن وعلمه. وقال النسائي أيضا: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد ~~الرحمن، قال حدثني عبد الرحمن بن بديل بن ميسرة، عن أنس بن مالك قال: قال ~~رسول الله ms217 # صلى الله عليه وسلم ~~: إن لله أهلين من خلقه، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ~~أهل القرآن هم أهل الله وخاصته. وقد بين الله سبحانه مراتب أهل القرآن، وذلك ~~قوله عز وجل: # ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم [18-ب] لنفسه ~~ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ~~ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن ~~يدخلونها ~~... إلى قوله: # لا يمسنا ~~فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ~~(فاطر: 32-35). وفي ~~الصحيح من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي موسى، عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: ~~المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، كالأترجة طعمها وريحها طيب، والمؤمن الذي لا ~~يقرأ القرآن ويعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ ~~القرآن، كالريحانة ريحها طيب، وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، ~~كالحنظلة طعمها مر أو خبيث، وريحها مر. # 16 # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: لا حسد ~~إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه ~~[19-أ] جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل ~~آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي ~~فعملت مثل ما يعمل. # 17 # وقد بين الله سبحانه في كتابه وصف قارئ القرآن، وذلك قوله عز وجل: # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ~~يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم ~~أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور * والذي أوحينا إليك من الكتاب هو ~~الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ~~لخبير بصير ~~(فاطر: 29-31). # قال أبو الحسن: فقد بينت لك ما جاء في فضل من تعلم القرآن وعلمه، وبينت لك ~~من وصف حامل القرآن ما يكفيك عن سؤالك عما يصحب به القرآن وعن آداب حامله، كل ~~ذلك من كتاب الله عز وجل، [19-ب] ومما جاء عن النبي # صلى الله ms218 عليه وسلم # تسليما. # وأما سؤالك عمن تعلم القرآن ثم ضيعه حتى نسيه، فإن كان تضييعه إياه، زهادة ~~فيه - ليس بغالب عليه عمل # 18 # يقوم له به عذر - فهو الذي أخشى عليه من شيء قد جاء فيمن تعلم ~~القرآن ثم نسيه؛ فهي نعمة كفرها. وإنما يكون ذلك فيمن تعمد التشاغل به عنه. فإن ~~كان تشاغله عنه بعمل من أعمال السفهاء، كان أشد. وما يدريك أن ذلك النسيان إنما ~~أصابه عقوبة لاشتغاله عنه بسوء الاكتساب، فكان اكتسابه السوء ذنبا منه عجلت ~~له عقوبته بأن نسي القرآن بعدما حفظه. إن في الصحيح من حديث سمرة بن جندب عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال لهم ذات غداة: أتاني الليلة اثنان، وإنما ابتعثاني، ~~وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت [20-أ] معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع، ~~وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، فيتدهده ~~هذا الحجر ها هنا، فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم ~~يعود عليه، فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت لهما سبحان الله ما ~~هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، وذكر الحديث إلى قوله، فقلت لهما: فإني رأيت منذ ~~الليلة عجبا! فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: إنا سنخبرك: أما الرجل الأول ~~الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن ~~الصلاة المكتوبة. # 19 # قال أبو الحسن: ولقد أمر من نسي شيئا من القرآن ألا يقول نسيته، ~~كما في الصحيح من حديث سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما لأحدهم يقول: نسيت [20-ب] آية كيت وكيت، بل هو نسي، # 20 # واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. # 21 # قال أبو الحسن: فانظر كيف عاب عليه السلام على أحدهم أن يقول نسيت ~~آية كيت وكيت. وقال عليه السلام «بل هو نسي»، معناه أن الله أنساه ما نسي. ~~فها هنا ينظر ms219 العبد فيما شغله عن القرآن حتى نسي منه ما نسي، هل له في ذلك عذر ~~أم لا عذر له، فيحسن الإنابة إلى ربه مما لا عذر له فيه. وقد قال الله عز وجل ~~لنبيه: # سنقرئك فلا تنسى * ~~إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ~~(الأعلى: 6-7). وقد وصى الرسول عليه [21-أ] السلام أهل القرآن بالمحافظة على ~~استذكاره، وأخبرهم أنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم. وفي حديث أبي ~~موسى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا ~~من الإبل في عقلها. # 22 # وأما ابن عمر فذكر من حديث مالك وغيره، أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن ~~أطلقها ذهبت. # 23 # واعلم أن صاحب الإبل المعقلة، إن تعمد إطلاقها إطلاقا يتلفها، فإنه # 24 # ارتكب النهي الذي جاء عن رسول الله عليه السلام، أنه نهى عن إضاعة ~~المال؛ وإن أطلقها بعذر يجيز له إطلاقها خلص من ركوب النهب، وفقد نفعها. ~~فمثل صاحب القرآن إن ترك [21-ب] تعاهد استذكاره بصاحب هذه الإبل. وقد ~~قال النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال أخبرنا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن ~~نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: إنما مثل القرآن كمثل الإبل ~~المعقلة، إذا عاهد صاحبها على عقلها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، وإذا قام صاحب ~~القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه. قال أبو الحسن: قد ~~بين في هذا الحديث كيف المعاهدة التي يثبت بها حفظ القرآن ويقوى على الحفظ ~~حتى لا يتعلثم فيه. وقد قال النسائي: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: حدثنا معاذ ~~بن هشام، قال حدثني أبي عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام، عن ~~عائشة، عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: مثل الذي [22-أ] يقرأ القرآن وهو ماهر به مع ~~السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه ms220 شاق فله أجران. قال أبو الحسن ~~والماهر بالقرآن يؤمر بترتيله، قال الله عز وجل: # يا ~~أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا ~~* نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطئا ~~وأقوم قيلا ~~(المزمل: 1-6). قيل معنى هذا أشد وطأ، أي ~~مواطأة للقرآن بسمعك وبصرك، أي فهمك، فالقراءة على هذه الصفة أقوم قيلا. ذكرت ~~حفصة أم المؤمنين عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون ~~أطول من أطول منها. وقال النسائي: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد ~~الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي ذر عن عبد الله بن عمر، قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق [22-ب] ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، ~~فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها. قال أبو الحسن: إن الترتيل في القراءة يحيي ~~الفهم للعالم، فيستعين به على التدبر الذي له أنزل القرآن قال الله عز وجل: # كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ~~(ص: ~~29) وأهل حفظ القرآن أيضا، فيختلفون في القوة على دراسته. قال معاذ بن جبل ~~لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائما وقاعدا، وعلى راحلتي، ~~وأتفوقه تفوقا. قال: أما أنا فأنام وأقوم وأحتسب نومي كما أحتسب قومتي. فأخبر ~~كل واحد منهما عن نفسه بما يطيق. # وأما سؤالك عن الماشي هل يقرأ القرآن، أو الراكب، أو الواقف، أو من في ~~السوق، أو من في الحمام، تريد في غير الصلاة، فإن هذا للمتصرف في حاجاته في ~~الأسواق [23-أ] وغير ذلك من أزقة الحضر، والصانع على صنعته، فلم يستحب مالك من ~~ذلك شيئا. وإنما يخفف من ذلك ما كان من فاعله من وجه التحفيظ للمتعلمين ليقوى ~~حفظه بدراسته. فأما ما كان على وجه التبرز، # 25 # قال مالك فإنما يقرأ القرآن في المساجد، وفي الصلاة، وعلى حال ~~التفرد بقراءته؛ أو في السفر، فيقرأه ماشيا وراكبا في سفره؛ إلا أنه ms221 إن مر ~~بسجدة تلاوة، لم يقم بها الراكب، ولكن ينزل فيسجدها إذا كان على طهارة، وفي ~~وقت يجوز أن يسجد فيه، إلا أن يكون في سفر تقصر في مثله الصلاة، فيومئ ~~الراكب بسجودها إيماء. وأما الحمام، فقال مالك: يقرأ الرجل القرآن إن شاء في ~~الحمام، والحمام بيت من البيوت، وذكر عنه الإباء منه في ~~الحمام. # وأما قولك هل على المعلم أو المتعلم إذا قرءوا سجدة أن يسجدوا [23-ب] في كل ~~مرة أو في أول مرة، فقد خفف مالك عنهما، واستحب لهما أيضا أن يسجدا في أول مرة ~~إذا تكررت السجدة بعينها. وأما المعلم فيكثر ذلك عليه على قدر كثرة أصحاب الأحزاب، # 26 # فأكثر القول التخفيف عنه من ذلك، فإن سجد في أول مرة فحسن. ولقد ~~قال مالك: ولو كان على من تعلم إذا مر بسجدة يسجد، لسجد الرجل سجودا كثيرا، ~~فليس التعليم كغيره. قال أبو الحسن: فافهم؛ فقد بينت لك من مسائلك التي جرت في ~~هذا المعنى بيانا حسنا. # وسألت عما ذكر من أن القرآن في صلاة خير من القرآن في غير صلاة، والقرآن في ~~غير صلاة خير من الذكر، والذكر خير من الصدقة، هل هذا ثابت أم لا؟ فاعلم أني قد ~~سمعته سماعا هكذا ولم أقف على صحته بهذا النص. ولكن قول الرسول [24-أ] عليه ~~السلام إن المصلي يناجي ربه فلينظر ما يناجيه به. فقد تبين لك أنه قد جاء في ~~المصلي ما لم يأت في غير المصلي، وهو زيادة فضل. وأما فضل قراءة غير المصلي ~~على سائر الذكر، فقول الله عز وجل: # الله نزل أحسن ~~الحديث ~~(الزمر: 23) بين أن القرآن أحسن القول، مع سائر ما جاء ~~في القرآن من حسن الثناء على القرآن وما لقارئه فيه من اتساع الفوائد. وأما ~~الذكر فخير من الصدقة، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة، قالوا: يا رسول الله ذهب ~~أهل الدثور # 27 # بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك؟ قال: صلوا كما صلينا، ~~وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال. ms222 قال: أفلا ~~أخبركم بأمر تدركون من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ~~ما جئتم به إلا من جاء بمثله: تسبحون في دبر كل صلاة عشرا [24-ب] وتحمدون ~~عشرا، وتكبرون عشرا. # 28 # قال أبو الحسن: الإقبال على ذكر الله عز وجل يورث القلوب الإشفاق ~~من خشية الله، ويدخلها التذكار لعظمة الله، فهي مع ذلك تستلين لربها وتتضرع. ~~والصدقة عطاء يفعله المرء - إذا كان متطوعا - لله جل وعز، لا يكاد يحيط بصحته ~~له علما، مع ما يدخل في ذلك من وسواس الشيطان، والله أعلم. وذكر الله حرز من ~~الشيطان، وحسن الظن بالله أولى على كل حال، والله ولي التوفيق. # وأما سؤالك عما لمن علم القرآن لولده، فيكفيك منه قول الرسول عليه السلام: ~~خيركم من تعلم القرآن وعلمه. # 29 # والذي يعلم القرآن لولده داخل في ذلك الفضل. فإن قلت: إنه لا يلي تعليمه ~~بنفسه، ولكنه يستأجر له من يعلمه، فاعلم أنه هو [25-أ] الذي يعلم ولده، إذا ~~أنفق ماله عليه في تعليمه القرآن، فلعله أن يكون بما علمه من ذلك، من السابقين ~~بالخيرات بإذن الله تعالى، وتكون هذه الدرجة هي نية هذا الوالد في تعليم ولده ~~القرآن. وما زال المسلمون وهم يرغبون في تعليم أولادهم القرآن، وعلى ذلك ~~يربونهم، وبه يبتدونهم وهم أطفال لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا ~~يعلمون إلا ما علمهم آباؤهم. فقد جاء في الصحيح، من حديث هشام، عن أبي بشر، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس: جمعنا المحكم في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقلت له: ~~وما المحكم؟ قال: المفصل. وفي حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أن ~~الذي تدعونه المفصل هو المحكم. # 30 # وقال ابن عباس: توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، [25-ب] وأنا ابن عشر سنين ~~وقد قرأت المحكم. # 31 # وقد قال أبو موسى: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أيما رجل كانت عنده ~~وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها ms223 وتزوجها فله ~~أجران؛ وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي، فله أجران؛ وأيما مملوك ~~أدى حق مواليه، وحق ربه، فله أجران. # 32 # فإذا كان لمن علم وليدة فأحسن تعليمها، وصنع فيها ما قال في هذا ~~الحديث يكون له أجران، فالذي يعلم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدبه فيحسن تأديبه، ~~فقد عمل في ولده عملا حسنا، يرجى له من تضعيف الأجر فيه، كما قال الله جل ~~وعز: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~(البقرة: 245). وقد جاء ~~أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مر بامرأة في محفتها، فقيل لها : هذا رسول [26-أ] الله، ~~فأخذت بعضد صبي معها، وقالت: ألهذا حج؟ فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نعم ولك أجر. # 33 # فهل يكون لهذه المرأة أجر فيما هو لصبيها حج، إلا من أجل أنها ~~أحضرته ذلك الحج، ووليت القيام به فيه. وإنما له من ذلك الحج بركة شهوده ~~الخير، ودعوة المسلمين. والذي يناله الصبي من تعليمه القرآن هو علم يبقى له ~~بحوزه؛ وهو أطول غناء، وأكثر نفقة. وهذا أبين من أن يطال فيه بأكثر من هذا. وقد ~~قال رجل لابن سحنون رحمة الله عليه، ممن يطلب ابنه العلم عنده: إني أتولى العمل ~~بنفسي، ولا أشغله عما هو فيه، فقال له: أعلمت أن أجرك في ذلك أعظم من الحج ~~والرباط والجهاد. # وأما سؤالك عن رجل امتنع أن يجعل ولده في الكتاب هل للإمام أن يجبره؟ وهل ~~الذكر والأنثى في ذلك [26-ب] سواء؟ فإن قلت لا يجبره فقل يوعظ ويؤثم. وكيف إن ~~لم يكن له والد وله وصي، فهل يلزم ذلك بالجبر؟ فإن لم يكن وصي فهل ذلك للولي أو ~~للإمام؟ فإن كان لا أحد لهذا الولد فهل للمسلمين أن يفعلوا ذلك من ماله؟ فإن لم ~~يكن له مال فهل على المسلمين أن يؤدوا عنه، أو يكون في الكتاب ولا يكلفه ~~المعلم إجارة؟ وكيف إن كان له أب وله مال ولا يبالي ذلك، فهل للإمام أن يسجنه، ~~أو ms224 يضربه على ذلك أم ليس ذلك عليه؟ وكيف إن كان هذا في بلد لا سلطان يكرههم على ~~الواجبات، وينهاهم عن المنكرات، فهل # 34 # نبيح لجماعة من المسلمين المرضين دينهم، أن يقوموا مقام السلطان، ~~أم ليس يجوز ذلك؟ # الجزء الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد # قال أبو الحسن: إن الذي قدمت لك مما يرجى للوالد في تعليم ولده القرآن، إنما هو ~~على وجه الترغيب للوالد في تعليم ولده الطفل، الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ~~ولا يميز لنفسه ما يأخذ لها، وما يدفعه عنها، وليس له ملجأ إلا لوالده، الذي تجب ~~عليه نفقته لمعيشته. فما زاده بعد ذلك الواجب، فهو إحسان من الوالد للولد، كما لو ~~أحسن للأجنبيين، أو لمن لا يلزمه نفقته ولكن يرجى له فيما أحسن به إلى ولده المحتاج ~~إليه ما هو أفضل، إذ ليس يشركه فيه غيره، ولا حيلة للطفل يستعين بها فيستغني بنفسه ~~فيها عن نظر والده له فيها. وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة، والوضوء ~~لها، ويدربوهم عليها، ويؤدبوهم بها ليسكنوا إليها ويألفوها، فتخف [27-ب] عليهم إذا ~~انتهوا إلى وجوبها عليهم. وهم لا بد لهم إذا علموهم الصلاة، أن يعلموهم من القرآن ~~ما يقرءونه فيها. وقد مضى أمر المسلمين أنهم يعلمون أولادهم القرآن، ويأتونهم ~~بالمعلمين، ويجتهدون في ذلك، وهذا مما لا يمتنع منه الوالد لولده وهو يجد إليه ~~سبيلا، إلا مداركة شح نفسه، فذلك لا حجة له. قال الله سبحانه: # وأحضرت الأنفس الشح ~~(النساء: 128)، وقال تعالى: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون ~~(التغابن: 16). ولا يدع أيضا هذا والد واحد تهاونا ~~واستخفافا لتركه، إلا والد جاف لا رغبة له في الخير. إن الله سبحانه وصف في كتابه ~~عباده فقال سبحانه: # وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا ... # إلى قوله عز وجل: # والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا ~~وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما ~~(الفرقان: 63-74). فمن رغب إلى ربه أن يجعل له [28-أ] من ~~ذريته قرة عين، لم يبخل ms225 على ولده بما ينفق عليه في تعليمه القرآن. قال الله جل ~~ذكره: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء ~~(الطور: 21) أي وما نقصناهم من عملهم من شيء؛ ~~فما يدع الرغبة في تعليم أهله وولده الخير شحا على الإنفاق أو تهاونا به يفقدهم ~~ذلك الخير، إلا جاف أو بخيل. إن حكم الولد في الدين حكم والده، ما دام طفلا ~~صغيرا، أفيدع ابنه الصغير لا يعلمه الدين، وتعليمه القرآن يؤكد له معرفة الدين؟ ~~ألم يسمع قول الرسول عليه السلام: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء، هل تحسن من جدعاء، فقالوا يا رسول الله: ~~أفرأيت من يموت وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين. # 35 # فأخبر بما يدرك الولد من أبويه مما يعلمانه. فمن [28-ب] مات قبل أن ~~يبلغ أن يعلم، رد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمره، إلى علم الله بهم ما كانوا عاملين لو ~~عاشوا. فإذا كان ولد الكافرين يدركهم الضرر من قبل آبائهم، انبغى أن يدرك ~~أولاد المؤمنين النفع في الدين من قبل آبائهم. ولقد استغنى سلف المؤمنين أن ~~يتكلفوا الاحتجاج في مثل هذا، واكتفوا بما جعل الله في قلوبهم من الرغبة في ذلك ~~فعملوا به، وأبقوا ذلك سنة ينقلها الخلف عن السلف ما احتسب في ذلك على أحد من ~~الآباء، ولا تبين على أحد من الآباء أنه ترك ذلك رغبة عنه ولا تهاونا به، وليس ~~هذا من صفة المؤمن المسلم. ولو ظهر على أحد أنه ترك أن يعلم ولده القرآن تهاونا ~~بذلك، لجهل وقبح ونقص حاله، ووضع عن حال أهل القناعة والرضا. ولكن ~~قد يخلف الآباء عن ذلك قلة ذات اليد، فيكون معذورا حسب ما يتبين من صحة ~~عذره. ~~[29-أ] وأما إن كان للولد مال، فلا يدعه أبوه أو وصيه - إن كان قد مات أبوه - وليدخل الكتاب، ويؤاجر المعلم على تعليمه القرآن من ماله حسب ما يجب. فإن لم يكن ~~لليتيم ms226 وصي نظر في أمره حاكم المسلمين، وسار في تعليمه سيرة أبيه أو وصيه. وإن ~~كان ببلد لا حاكم فيه، نظر له في مثل هذا، لو اجتمع صالحو ذلك البلد على النظر ~~في مصالح أهله؛ فالنظر في هذا اليتيم من تلك المصالح. وإن لم يكن لليتيم مال، فأمه ~~أو أولياؤه الأقرب فالأقرب به، هم المرغبون في القيام به في تعليم القرآن. فإن تطوع ~~غيرهم بحمل ذلك عنهم، فله أجره. وإن لم يكن لليتيم من أهله من يعنى به في ذلك، ~~فمن عني به من المسلمين فله أجره؛ وإن احتسب فيه المعلم فعلمه لله عز وجل، وصبر ~~على ذلك ، فأجره إن شاء الله يضعف في ذلك، إذ هي صنعته التي [29-ب] يقوم منها ~~معاشه، فإذا آثره على نفسه استأهل - إن شاء الله - حظا وافرا من أجور المؤثرين ~~على أنفسهم، ويكفيك من البيان عما وصفت لك من ثواب من رغب في ذلك وسارع إليه، الذي ~~تقدم عن الرسول عليه السلام، إذ قال للمرأة: نعم، ولك أجر. # وأما تعليم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ومن مصالحها. فأما أن تعلم الترسل ~~والشعر وما أشبهه، فهو مخوف عليها. وإنما تعلم ما يرجى لها صلاحه، ويؤمن عليها ~~من فتنته؛ وسلامتها من تعلم الخط أنجى لها. ولما أذن النبي # صلى الله عليه وسلم # للنساء في شهود ~~العيد أمرهن أن يخرجن العواتق ذوات الخدور أو العواتق وذوات الخدور، وأمر ~~الحائض أن تعتزل مصلى الناس، وقال: يشهدن الخير ودعوة المسلمين. فعلى مثل هذا يقبل ~~في تعليمهن الخير الذي يؤمن عليهن [30-أ] فيه، وما خيف عليهن منه، فصرفه عنهن أفضل ~~لهن، وأوجب على متولي أمرهن. فافهم ما بينت لك، واستهد الله يهد، وكفى به هاديا ~~ونصيرا. # واعلم أن الله جل وعز قد أخذ على المؤمنات فيما عليهن، كما أخذ على المؤمنين فيما ~~عليهم، وذلك في قوله جل وعز: # وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ... # الآية (الأحزاب: ~~36) وقوله: # والمؤمنون والمؤمنات ... # الآية ~~(التوبة: 71)، وجمعها في حسن الجزاء في غير ms227 آية من كتابه، وفي قوله تعالى: # وعد الله المؤمنين والمؤمنات ... # الآية (التوبة 72)، وأمر ~~أزواج نبيه عليه السلام أن يذكرن ما سمعن منه # صلى الله عليه وسلم # فقال: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة ~~(الأحزاب: 34) فكيف لا يعلمن الخير، وما يعين عليه، ~~ويصرف عنهن القائم عليهن ما يحذر عليهن منه؛ إذ هو الراعي فيهن والمسئول عنهن، ~~والفضل [30-ب] بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. # ذكر ما أراد أن يبين له فيما يأخذه المعلمون على المتعلمين # وسنة ذلك، وما يصلح أن يعلم للصبيان مع القرآن، وما على المعلم أن يعلمهم ~~إياه من سائر مصالحهم، وما لا ينبغي له أن يأخذ منهم عليه أجرا إن هو علمهم ~~إياه على الانفراد. وهل يعلم المسلم النصراني، أو يترك النصارى يعلمون ~~المسلمين؟ وهل يشترط المعلم للحذقة أجلا معلوما؟ # قال أبو الحسن: قدمت فوق هذا الباب ما جاء لمن علم القرآن، وبينت ما يؤكد ~~تعليمه، والحرص عليه، ويحذر مما يشغل عنه لئلا ينساه من حفظه، بما فيه ~~الكفاية وفي قول الله عز وجل لنبيه عليه السلام: # قل ~~أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم ~~وأوحي إلي [31-أ] هذا القرآن لأنذركم به ومن ~~بلغ ~~(الأنعام: 19) ما يلزم القيام بتعلم القرآن حتى يقوم له ~~من يبلغه إلى يوم القيامة. وكذلك قوله عز وجل: # ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ~~(القمر: ~~17). وهو ميسر للذكر إلى يوم القيامة، وما اختلف المسلمون أن القرآن هو حجة ~~الله على عباده إلى يوم القيامة، وأن على المسلمين القيام به، والدعوة إليه ~~إلى يوم القيامة. وفي الصحيح لطلحة بن مطرف قال: سألت عبد الله بن أبي ~~أوفى: هل أوصى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فقال: لا، فقلت: كيف كتب على الناس الوصية، أو أمر ~~بها، ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله. # 36 # ومشتهر عند المسلمين أنه جاء عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: تركت فيكم ~~أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي. ms228 فهو شيء لا بد من تعلمه، ~~ولكن من قام به فله أجره، ومن لم يقم [31-ب] به ترك حظه، وأعوذ بالله أن ~~يتفق المسلمون على ترك القيام به، ولو كان كذلك لكانت الهلكة المبيرة، فأعوذ ~~بالله من غضبه ومن أن ينتزع كتابه من صدور المؤمنين. وأسأله أن يثبت ~~القرآن في قلوب المؤمنين، وأن يشرح صدورهم له، وأن يقبلوا بقلوبهم على استذكاره ~~وحسن تدبره حتى يفقههم فيه على ما بينه لهم الرسول المبين، محمد خاتم ~~النبيين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، فيهديهم بذلك صراطه ~~المستقيم، وسبيله المستبين، الذي درج عليه صالحو سلف المؤمنين. فإنه عز وجل ~~قال: # ووصينا الإنسان بوالديه حملته ~~أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا [32- أ] واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون ~~(لقمان: 14-15). وأعوذ بالله من مضلات الفتن ~~التي حذر منها ومن كونها في آخر الزمان الرسول عليه السلام، وأسأل الله الكريم ~~أن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين، المعتصمين به المنصورين، فإنه قد جاء عن ~~الرسول عليه السلام أنه قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم ~~من خالفهم حتى يأتي أمر الله. وأهل الحق لا يزالون يستشيرون القرآن، ويهتدون ~~في استبانته بما بينه الرسول عليه السلام، مقتدين في ذلك بما عرفه أئمة الدين ~~من سالف الأمة المرضيين. # ثم اعلم أن أئمة المسلمين في صدر هذه الأمة، ما منهم إلا من قد نظر في جميع ~~أمور المسلمين بما يصلحهم في الخاصة والعامة، فلم يبلغنا أن أحدا منهم أقام ~~معلمين يعلمون للناس أولادهم [32-ب] من صغرهم في الكتاتيب، ويجعلون لهم على ذلك ~~نصيبا من مال الله جل وعز، كما قد صنعوا لمن كلفوه القيام للمسلمين، في النظر ~~بينهم في أحكامهم، والأذان لصلاتهم في مساجدهم، مع سائر ما جعلوه حفظا لأمور ~~المسلمين، وحيطة ms229 عليهم، وما يمكن أن يكونوا أغفلوا شأن معلم الصبيان، ولكنهم - ~~والله أعلم - رأوا أنه شيء مما يختص أمره كل إنسان في نفسه، إذ كان ما يعلمه ~~المرء لولده، فهو من صلاح نفسه المختص به، فأبقوه عملا من عمل الآباء، الذي ~~يكون لا ينبغي أن يحمله عنهم غيرهم إذا كانوا مطيقيه. ولما ترك أئمة المسلمين ~~النظر في هذا الأمر، وكان مما لا بد منه للمسلمين أن يفعلوه في أولادهم، ولا ~~تطيب أنفسهم إلا على ذلك، واتخذوا لأولادهم معلما يختص بهم، ويداومهم، ويرعاهم ~~حسب ما يرعى المعلم صبيانهم، وبعد [33-أ] أن يمكن أن يوجد من الناس من يتطوع ~~للمسلمين فيعلم لهم أولادهم ويحبس نفسه عليهم، ويترك التماس معايشه، وتصرفه في ~~مكاسبه وفي سائر حاجياته، صلح للمسلمين أن يستأجروا من يكفيهم تعليم ~~أولادهم، ويلازمهم لهم، ويكتفي بذلك عن تشاغله بغيره. ويكون هذا المعلم قد حمل ~~عن آباء الصبيان مئونة تأديبهم، ويبصرهم استقامة أحوالهم، وما ينمي لهم في ~~الخير أفهامهم، ويبعد عن الشر ما لهم، وهذه عناية لا يكثر المتطوعون بها. ~~ولو انتظر من يتطوع بمعالجة تعليم الصبيان القرآن، لضاع كثير من الصبيان، ~~ولما تعلم القرآن كثير من الناس، فتكون هي الضرورة القائدة إلى السقوط في فقد ~~القرآن من الصدور، والداعية التي تثبت أطفال المسلمين على الجهل، فلا وجه ~~لتضييق ما لم يأت فيه ضيق، ولا ثبت [33-ب] فيه عن الرسول عليه السلام ما يدل ~~على التنزيه عنه. # ولقد ذكر الحارث بن مسكين في تاريخ سنة ثلاث وسبعين، أخبرنا ابن وهب قال: ~~سمعت مالكا يقول: كل من أدركت من أهل العلم لا يرى بأجر المعلمين - معلمي ~~الكتاب - بأسا. ولابن وهب أيضا في موطئه عن عبد الجبار بن عمر قال: كل من ~~سألت بالمدينة لا يرى لتعليم المعلمين بالأجر بأسا. وللحارث عن ابن وهب قال: ~~وسئل مالك عن الرجل يجعل للرجل عشرين دينارا، يعلم ابنه الكتب، والقرآن حتى ~~يحذقه، فقال: لا بأس بذلك، وإن لم يضرب أجلا. ثم قال: والقرآن أحق ما ~~يعلم، أو قال ms230 علم. وقال ابن وهب في موطئه: سمعت مالكا يقول: لا بأس ~~بأخذ الأجر على تعليم القرآن والكتاب. قال: فقلت لمالك: أفرأيت إذا شرط من ماله ~~من الأجر في ذلك شيئا مسمى كل فطر أو أضحى؟ [34-أ] قال لا بأس بذلك. قال، قال ~~أبو الحسن: ولقد مرت بي حكاية تذكر عن ابن وهب أنه قال: كنت جالسا عند مالك ~~فأقبل إليه معلم الكتاب، فقال له: يا أبا عبد الله، إني رجل مؤدب الصبيان، ~~وإنه بلغني شيء، فكرهت أن أشارط، وقد امتنع الناس علي، وليس يعطونني كما ~~كانوا يعطون، وقد اضطررت بعيالي وليس لي حيلة إلى التعليم. فقال له مالك اذهب ~~وشارط. فانصرف الرجل. فقال له بعض جلسائه: يا أبا عبد الله، تأمره أن يشترط على ~~التعليم؟ فقال لهم مالك: نعم. فمن يمحط # 37 # لنا صبياننا؟ ومن يؤدبهم لنا؟ لولا المعلمون، أي شيء كنا نكون ~~نحن؟ ويشد ما في هذه الحكاية عن مالك ما ذكره ابن سحنون قال: حدثونا عن سفيان ~~الثوري، عن العلاء بن السائب، قال: قال ابن مسعود: ثلاث لا بد للناس منهم؛ من ~~أمير يحكم [34-ب] بينهم، ولولا ذلك لأكل بعضهم بعضا؛ ولا بد للناس من شراء ~~المصاحف وبيعها، ولولا ذلك لبطل كتاب الله؛ ولا بد للناس من معلم يعلم أولادهم، ~~ويأخذ على ذلك أجرا، ولولا ذلك كان الناس أميين. يريد لولا المصاحف لنسي ~~القرآن. وكل هذا يشد لك قولي: فتكون هي الضرورة القائدة إلى السقوط في فقد ~~القرآن من الصدور. # وقد احتج كثير من علمائنا في جواز أخذ الإجارة، بشرط كانت أو بغير شرط أن ~~الناس قد عملوا به، وأجازوه، وذكروا ذلك عن عطاء بن أبي رباح، وعن الحسن ~~البصري، وعن غير واحد من الأئمة والصالحين، فمن زعم أنه يكره الشرط فيه، ~~ويجيزه بغير شرط، لم فرق بينهما؟ هل هو يكرهه إذا اشترط إلا من قبل أنه أخذ ~~عوضا عن تعليمه القرآن؟ وإنما يجب أن يعلم لله. أفليس هكذا إذا أخذه بغير ~~شرط؟ ومن علم أنه سيعطى [35-أ] ms231 أليس هو كالشرط؟ وإذا كان مقام التعليم مقام ~~الصدقات التي إنما يراد بها وجه الله، كيف يصلح أن يؤخذ عليها عوض؟ # 38 # هذا ما لا ينبغي ولكن ما يؤخذ على تعليم القرآن، ليس معناه أن يؤخذ ~~معارضة هكذا، لعلة ما فهم المعلم من القرآن، وإنما هو عوض من العناية ~~بالتعليم، والقيام لرياضته حسب ما تقدم من أول. وما كان إنما يعمل لله، لا ~~يجوز أن يعمل لغير ذلك من الأعواض التي تنال في الدنيا، إلا على معنى غير ~~المعاوضة من العمل نفسه الذي لا يكون إلا لله. وذكر في الصحيح من حديث أبي سعيد ~~الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في سفرة سافروها، حتى نزلوا ~~على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم؛ فلدغ سيد ذلك الحي، ~~فسعوا إليه بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء [35-ب] الرهط ~~الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم بعض شيء. فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط، إن ~~سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال ~~بعضهم: نعم والله إني لأرقي. ولكن والله لقد استضفناكم، فلم تضيفونا، فما أنا ~~براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا؛ فصالحهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ~~ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال، فانقلب يمشي وما به قلبة. ~~فقال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا. قال الذي رقى: لا ~~تفعلوا حتى نأتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. ~~فقدموا على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فذكروا له فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ~~ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما [36-أ]، وضحك النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # 39 # قال البخاري: وقال ابن عباس، قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: أحق ما أخذتم عليه أجرا ~~كتاب الله. # 40 # قال، وقال الحكم: لم أسمع أحدا كره أجر المعلم. وقال الشعبي: لا ms232 ~~يشترط المعلم إلا أن يعطى شيئا فيقبله، وأعطى الحسن عشرة دراهم. وأما النسائي ~~فقال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن عبد ~~الله بن أبي السقر، عن الشعبي، عن خارجة بن الصلت، عن عمه قال: أقبلنا من عند ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأتينا على حي من العرب، فقالوا: هل عندكم دواء أو رقية، فإن ~~عندنا معتوها في القيود. فجاءوا بمعتوه في القيود، فقرأت عليه فاتحة الكتاب ~~ثلاثة أيام غدوة وعشية، أجمع بزاقي وأتفل، فكأنما نشط من عقال. فأعطوني ~~جعلا، فقلت: لا. فقالوا: سل النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. فسألته، فقال: كل، فلعمري من أكل ~~برقية باطل ، فلقد أكلت برقية حق. وقال أبو داود السجستاني: حدثنا عبد الله ~~بن معاذ، قال: حدثنا شعبة بإسناده عن خارجة بن الصلت عن عبد الله، أنه مر بقوم ~~فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير فارق لنا هذا الرجل، فأتوه برجل ~~معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع ~~بزاقه ثم تفل، فكأنما أنشط من عقال، فأعطوه شيئا. فأتى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فذكر ~~له. فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: كل؛ فلعمري فلمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية ~~حق. قال أبو الحسن. فهذا الحديث موافق للذي تقدم ذكره عن الصحيح يصدق بعضه ~~بعضا، في إجازة أخذ الإجارة على كتاب الله ممن ينتفع به. وقد بين في حديث ~~أبي سعيد الخدري، أن الراقي يشترط عليهم [37-أ] الجعل على رقيته وهو [إتفاله] # 41 # في ذلك العناء الذي عني بالملدوغ حتى شفاه الله بكتابه. وفيه قال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # واضربوا لي معكم بسهم. فذهب عن هذا الكسب الذم كله، ولا إعافة ~~فيه، ولا فيما مغناه مغنى. وفي حديث خارجة بن الصلت، عن عمه، أن أهل المعتوه ~~أعطوه، ولم يكن شرط. فذكر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # إباحته له، وإن كان لم يشترط. وبين ~~في حديث النسائي أنه ms233 أبى أن يأخذ، فقالوا له: سل النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي هذا بيان ~~أنه رقى، ولم يكن في نفسه أخذ شيء، فلم يمنع من قبوله. وما في حديث أبي داود ~~أنه أخذ ما أعطوه، وإذا كان لم يأخذ ما أعطي حتى سأل، فيحتمل أن قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- إن صح الحديث كل إلى آخره - معناه الإذن له - فيما يستقبل - أن يفعل ~~ذلك، ليأخذ عليه الأجر [37-ب] ولا يتأثم منه. وما في نص حديث خارجة، ما يدل على ~~أنه أخذ من هذا المعتوه شيئا بعد إذن النبي # صلى الله عليه وسلم # له في ذلك. وكذا يحتمل ~~أنه ما فعل لأنه قصده في أول رقياه، إنما كان لله عز وجل احتسابا، والاحتساب ~~لا يصلح أخذ العوض عنه. فإن قيل: فقد قال ابن وهب أخبرني عروة بن الحارث، ~~والليث بن سعد، عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن أبي عبد الرحمن، أنه بلغه ~~أن رجلا من الأنصار جاء النبي # صلى الله عليه وسلم # ومعه قوس، فأبصرها النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: من أين لك هذه القوس؟ فقال: أعطانيها رجل ممن يستقرئني. فقال: ارددها ~~وإلا فقوس من نار. وقال: اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تراءوا به، ولا ~~تسمعوا به. قال أبو الحسن: هذا يوضح لك أن في الصحيح له أصل، كما بحديث ~~خارجة بن الصلت الذي [38-أ] قدمناه. فأما قوله اقرءوا القرآن إلى آخر الحديث، ~~فمعناه ليس من معنى الإجارة على تعليم القرآن والرقية به في شيء. إنما معنى ما ~~صح نقله من هذا، عيب من لا يقرأ القرآن إلا ليأكل به، أي من أجل أنه يقرأ ~~القرآن يطعم، فيقرأ هو القرآن لهذه العلة. وقارئه للرقية وللتعليم، إنما يريد ~~به نفع المرقي والمعلم بالعوض ليس من قراءته القرآن، إنما هو من عنايته ~~بالمرقي والمعلم. والأجر المعيب إنما يطعم لقراءته، وللإطعام قرأ، لا لينفع ~~بقراءته أحدا. ألا ترى كيف قيل: ولا تراءوا به ولا تسمعوا به. وقصد هذين # 42 ms234 # الثناء عليهما بما أظهرا من ذلك، كما قصد الآخر أن يأكل به لا ~~منفعة في ذلك لأحد. وأما قصة القوس فقد قال فيها أبو داود: حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن مغيرة [38-ب] بن ~~زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، قال: علمت ~~ناسا من أهل الصفة # 43 # الكتاب والقرآن، فأهدى لي رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال، وأرمي ~~عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلأسألنه. فأتيته، فقلت: يا ~~رسول الله، رجل أهدى لي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي ~~عليها في سبيل الله. فقال: إن كنت تحب أن تكون طوقا من النار فاقبلها. وقال: ~~حدثنا عمر بن عثمان، وكثير بن عبيد، قالا: حدثنا معبد، قال: حدثني بشر بن عبد ~~الله بن بشار. قال عمرو: قال حدثني عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن ~~عبادة بن الصامت بنحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله؟ ~~فقال: جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها. قال أبو الحسن: هذه الأسانيد ليس ~~بمثلها [39-أ] تضيق ما دلت الأسانيد الصحيحة على جوازه وسعته، ولو ثبت نقل ~~حديث هذا القوس على ما ذكر، لتوجه إلى معان: منها أن هذا المعلم إنما كان ~~يعلمه لله، لا يرجو على ذلك من المتعلم أخذ شيء من الدنيا، فيمكن أن يكون هذا ~~المتعلم ممن لا يصلح أن يقبل منه تطوع عطائه؛ ورأى هذا المعلم أن القوس ليست ~~مالا كما قال، وإنما هي آلة يستعان بها في الحرب. ولعل معطيها لا يصلح لشهود ~~الحرب، فرأى المعلم أن أخذه إياها ليقاتل بها في سبيل الله يتسع له، فأخذها ~~ليستشير فيها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، كما نص في حديث أبي داود هذا له، فقال له: إن ~~كنت تحب أن تطوق طوقا من النار فاقبلها. فمثل له العقوبة في أخذها بما جاء من ms235 ~~العقوبة في أكل أموال اليتامى ظلما، # إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا ~~(النساء: 10)، والقوس ليست تؤكل [39-ب] ~~إنما توضع على العنق وبين الأكتاف، لأنها تتقلد؛ إذ رأى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن ~~أخذه إياها من الظلم لدافعها؛ إذ ليس ذلك واجبا عليه، إذ كان تعليمه من وجه ~~الصدقة عليه، وهو ممن لا يصلح له أن يعطي. ويمكن أن يكون هذا كما قال ابن حبيب ~~على أثر روايته لقصة القوس: إنما تأويل هذا النهي، ومعنى هذا الحديث، أن ذلك ~~كان في مبتدأ الإسلام، وحين كان القرآن قليلا في صدور الرجال، غير فاش ولا ~~مستفيض في الناس، وكان الأخذ على تعليمه يومئذ، وفي تلك الحال، إنما ثمنا ~~للقرآن. وأما بعد أن صار فاشيا في الناس، قد أثبتوه في المصاحف، وصارت المصاحف ~~وما فيها مباحة للجاهل والعالم، وللقارئ وغير القارئ، غير محجوبة ولا ممنوعة، ~~ولا مطلوبة إلى قوم [40-أ] دون قوم، ولا مخصوص بها قوم دون غيرهم، فإنما ~~الإجارة على تعليمه، إجارة البدن المشتغل بذلك، وليس ثمنا للقرآن، كما أن بيع ~~المصاحف إنما هو بيع للرقوق والخط والصنعة، وليس بيعا لما فيها؛ لأن الذي فيها ~~موجود غير مطلوب إلى أحد، ولا محجوب عن أحد، ولا ممنوع من أحد، ولا مخصوص به ~~بائع المصحف دون مشتريه. وكذلك تعليم ما في المصاحف إنما هو ثمن وإجارة للمعلم ~~في اشتغاله بمن علمه، وانفراده بمن علمه، وشغل نفسه بمن قعد لتعليمه. وقد علم ~~الكتاب والقرآن رجال من أئمة هذا الدين، لم يروا به لأنفسهم بأسا ولم ير ~~لهم به بأس. # قال أبو الحسن: يريد ابن حبيب بقوله: وصارت المصاحف مباحة غير محجوبة ولا ~~ممنوعة، أي من أراد شراءها أو اكتتابها، وجد ذلك ممكنا؛ فإذا كان كذلك ~~[40-ب] وكذلك أيضا من أراد أن يتعلم القرآن من عند المعلمين يجده كثيرا غير ~~محجوب ولا ممنوع، إذا أعطى عليه الإجارة، كما يعطي الثمن في المصاحف ليشتري ~~منها ما يجوز شراؤه، كذلك يؤاجر من المعلم ما يجوز إجارته من اشتغاله ms236 به، ~~وحركاته في تعليمه. وهذا كله حسب ما قدمت لك من البيان، كله يؤكد بعضه بعضا، ~~ويجيز إجارة المعلم على تعليم القرآن، ويجيز للمعلم أن يأخذ الأجر على ذلك، ولا ~~يضره أخذ الأجر شيئا إذا وفى بشروط التعليم، وقد قدمت لك قول مالك عن كل ~~من أدرك أنهم يجيزون إجارة المعلمين. وقد قال سحنون: قال ابن وهب: قال مالك: ~~لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن، وإن اشترط شيئا كان له حلالا ~~جائزا، ولا بأس [41-أ] بالاشتراك في ذلك، وحق الختمة له واجب، اشترطها أو لم ~~يشترطها، وعلى ذلك أهل العلم ببلدنا. # الحارث عن ابن وهب، قال: سئل مالك عن الغلام يدفع إلى المعلم يعلمه ثلث ~~القرآن، ويشترط ذلك عليه بشيء مسمى، فقال: لا أرى بذلك بأسا. قال أبو الحسن: ~~ولقد مرت بي حكاية لموسى بن معاوية عن معن بن عيسى، قال: جاء رجل إلى مالك قال: ~~علمت رجلا سورة بالأجر، قال: لا بأس به. قال أبو الحسن: وتعليم سورة على ~~المعلم، في حفظ المتعلم لها عناء وشغل، فيمكن أخذ الأجر على ذلك. وحكاية أخرى ~~عن علي بن أبي طالب قال: لا بأس أن يأخذ الرجل من الرجل الأجر على تعليم ~~القرآن، ولا يجوز له إن قال له: أفتني هذا الحرف [41-ب] بجعل، أن يأخذ منه عليه ~~جعلا لأن الحرف أمر يسير؛ أو هو مثل رجل يريد الإسلام فيقول للرجل: علمني ~~الإسلام، فيقول له: فأعطني على تعليمي إياك جعلا، فإن هذا أيضا لا يجوز مع ما ~~فيه من القبح. قال أبو الحسن: فهذا يبين لك أن ما لم يكن على المعلم في تعليمه ~~من الخير مئونة كلفة وتشاغل، أن عليه أن يعلمه لمن لا يعلمه إذا كان لا بد من ~~تعليمه في الوقت. ومثل هذا لو أن أحدا من أهل الكفر أتى لمسلم، فسأله أن ~~يعلمه الإسلام لوجب عليه أن يعلمه ذلك، ولا يسأله عليه أجرا. وإذا علمه ~~الإسلام فليعلمه ما يكون به مسلما: من الشهادة، وصفة الفروض، يخبره ms237 أن عليه ~~خمس صلوات يصليهن على طهارة في كل يوم وليلة، ويوقفه على عدد ركوع كل صلاة، ~~ويريه كيف [42-أ] الركوع، وكيف الصلاة، وإن لم يجد من يعلمه القرآن وجب على ~~هذا الذي ابتلي به أن يعلمه أم القرآن ليصلي بها، ولا يأخذ منه على شيء من ذلك ~~أجرا. ثم يذهب هذا الداخل في الإسلام فيتعلم ما يحتاج إليه من زيادة على ما ~~يجب عليه في يومه، ويصير إلى حال الواجدين للتعليم بالأجرة، والذي أجاز أهل ~~العلم أخذ الإجارة على تعليمه القرآن والكتاب، ليس بين من يجيز الإجارة على ~~التعليم اختلاف في ذلك. # فأما تعليم الفقه والفرائض، يستأجر الرجل من يعلم ولده ذلك، فسئل ابن القاسم ~~عنه فقال: ما سمعت - يعني من مالك - فيه شيئا، إلا أنه كره بيع كتب الفقه، ~~فإنا نرى الإجارة على تعليم ذلك لا تعجبني، والشرط على تعليمها أشر. وأما ابن سحنون فذكر في كتابه، قال: [42-ب] قال مالك لا أرى أن يجوز إجارة من يعلم الفقه ~~والفرائض. وقال لابنه: روى بعض أهل الأندلس أنه لا بأس بالإجارة على تعليم ~~الفقه والفرائض والشعر والنحو، وهو مثل القرآن، فقال: كره ذلك مالك وأصحابنا، ~~وكيف يشبه القرآن، والقرآن له غاية ينتهي إليها، وما ذكرت ليس له غاية ينتهي ~~إليها، فهذا مجهول، والفقه والعلم أمر قد اختلف فيه، والقرآن هو الحق الذي لا ~~شك فيه، والفقه لا يستظهر مثل القرآن، وهو لا يشبهه، ولا غاية له، ولا أمد ~~ينتهي إليه. قال ابن حبيب: قلت لأصبغ: فكيف جوزتم الشرط على تعليم الشعر ~~والنحو والرسائل، إذا لم تسموا لذلك أجلا، وهو مما ليس له منتهى ينتهي منه إلى ~~حد معروف؟ فقال لي: هو عندنا معروف بمنزلة الحناطة والخبز، وقد أجاز ~~مالك الشرط على [43-أ] تعليم الحناطة والخبز، وما أشبه ذلك من الصناعات، ~~فإذا بلغ من ذلك مبلغ أهل العلم به من الناس، وجب في ذلك حقه. # قال أبو الحسن: أما الاستئجار على تعليم الشعر لولده: فقال فيه ابن القاسم: ~~قال مالك: ms238 لا يعجبني هذا. والذي اختلف فيه من قدمنا ذكره، إنما في إفراد العلم ~~بالإجارة على غير القرآن والكتابة، فأما ما كان من معاني التقوية على القرآن: ~~من الكتابة والخط، فما اختلفوا فيه. ولقد ذكر ابن سحنون أنه ينبغي أن يعلمهم ~~إعراب القرآن، ذلك لازم له، والشكل والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة ~~بالتوقيف والترتيل، يلزمه ذلك، ويلزمه أن يعلمهم ما علم من المقارئ الحسنة وهو ~~مقرأ نافع، ولا بأس إن أقرأهم بغيره إذا لم يكن مستشنعا # 44 ~~[43-ب]؛ ولا بأس أن يعلمهم الخطب إن أرادوا. قال: ويعلمهم الأدب، ~~فإنه من الواجب لله عليه، وهو من النصيحة لهم، وحفظهم ورعايتهم. وينبغي للمعلم ~~أن يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر. ~~وكذلك قال مالك؛ أخبرنا عنه عبد الرحمن وقال: قال مالك: يضربوا عليها بنو عشر، ~~ويفرق بينهم في المضاجع. قلت: الذكور والإناث؟ قال: نعم. قال: ويلزمه أن يعلمهم ~~الوضوء والصلاة لأن ذلك من دينهم، وعدد ركوعها وسجودها، والقراءة فيها ~~والتكبير، وكيف الجلوس، والإحرام، والسلام، وجميع التكبير، وما يلزمهم في ~~الصلاة، والتشهد والقنوت في الصبح؛ فإنه من سنة الصلاة، ومن واجب حقها. ~~وليعلمهم الصلاة على الجنائز، والدعاء عليها، فإنه من دينهم؛ وينبغي [44-أ] له ~~أن يعلمهم سنن الصلاة، مثل ركعتي الفجر، والوتر، وصلاة العيدين، والاستسقاء، ~~والخسوف، حتى يعلمهم دينهم الذي تعبدهم الله عز وجل، وسنة نبيهم # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وليتعاهدهم بتعليم الدعاء ليرغبوا إلى الله عز وجل، ويعرفهم عظمته وجلاله، ~~ليكبروا على ذلك؛ وإذا أجدب الناس، فاستسقى بهم الإمام، فأحب للمعلم أن يخرج ~~منهم بمن يعرف ليبتهلوا إلى الله عز وجل ويرغبوا إليه، فإنه بلغني أن قوم يونس ~~عليه السلام لما عاينوا العذاب خرجوا بصبيانهم يتضرعون إلى الله تبارك وتعالى ~~بهم معهم، فرفع عنهم. وينبغي له أن يعلمهم الحساب، وليس ذلك بلازم له إلا أن ~~يشترط عليه ذلك. وكذلك الشعر، والغريب، والعربية، وجميع النحو، هو في ذلك ~~متطوع. ولا بأس أن يعلمهم الشعر مما لا يكون فيه ms239 [44-ب] فحش، ومن كلام العرب ~~وأخبارها، وليس ذلك بواجب عليه؛ كل هذا عند سحنون لا بأس أن يعلمه الذي يعلم ~~القرآن والكتاب، يتطوع به، أو يشترط عليه. فأما إقراره بالإجارة على تعليم هذه ~~الأشياء. ولم يكن القصد إلى تعليم القرآن والكتاب، فسحنون يأباه، كما تقدم عنه ~~كل ذلك، لقول مالك في الإجارة على تعليم الشعر: لا يعجبني. وأما ابن حبيب ~~فقال: لا بأس بإجارة المعلم على تعليم الشعر والنحو والرسائل وأيام العرب، ~~وما أشبه ذلك من علم الرجال وذوي المروءات، لا بأس بالإجارة على ذلك كله. إلا ~~أني أكره من تعليم الشعر وتعلمه وروايته الكبير والصغير، ما فيه ذكر الحمية ~~والخنا، أو قبح الهجاء. قال: وقد ثبتت الرواية عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~[45-أ] ~~أنه قال: إنما الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. # 45 # وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إن من الشعر حكمة. # 46 # قال أبو الحسن: فثبتت الرواية عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بقوله: إن من ~~الشعر لحكمة. فأما، إنما الشعر كلام، فما أدري، ولكن ثبت عن الرسول عليه ~~السلام قوله: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا. # 47 # معناه - وثبت أيضا قوله: لأن يمتلئ جوف رجل قيحا - فيما ~~قال بعض العلماء: أن يكون الشعر غالبا على الإنسان حتى يصده عن ذكر الله عز ~~وجل والعلم والقرآن. وثبت أيضا أن الرسول عليه السلام قال: أصدق كلمة قالها ~~شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم. # 48 # معناه لما في شعره من الثناء على الله، فلم ينفعه ذلك إذا مات ولم ~~يجب إلى الإسلام. وأما لبيد، فقد أجاب إلى الإسلام. ويقال إنه كف في الإسلام ~~عن قول الشعر تعظيما للقرآن والله أعلم. وليس يعد [45-ب] شاعرا من جرى له ~~في بعض الأوقات كلام موزون، ولا سيما إذا كانت الفصاحة من طبعه، كما قال جندب: ~~بينما النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: يمشي ms240 إذا أصابه حجر فعثر، فدميت إصبعه، فقال: هل أنت إلا ~~إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت. ولا يعد راويه شاعرا. ومن كان حفظ ~~منه شيئا يقيم لسانه ويفصحه، ويأنس إليه في بعض الأوقات، ويستشهد به فيما يريد ~~بيانه، لا بأس. فقد قال ابن وهب، قال الليث: سألت ربيعة عن تعليم النحو لإعراب ~~القرآن، فقال: وددت لو أني أحسنه. وقال ابن وهب أيضا: حدثني حماد بن زيد، عن ~~يحيى بن عتيق قال: قلت للحسن: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه، ~~ويصلح بها منطقه؟ قال: نعم، فليتعلمها فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيا [46-أ] ~~بوجهها فيهلك. وإنما قصد ابن حبيب إلى جواز الإجارة على تعلم الشعر وما ذكره ~~معه دون تعلم القرآن والكتاب، وهو الذي خالف فيه قول سحنون، ولكن إذا اشترط ذلك ~~على المعلم للقرآن فما بينهما في جوازه خلاف إن شاء الله؛ وكذلك ذكر ابن حبيب ~~يعلمه من الشعر ما يخالف فيه سحنون. ولسحنون: لا بأس بأن يستأجر من يعلم ~~ولده الخط والهجاء. وقال في المدونة ابن وهب: وأخبرني حفص بن عمر، عن يونس، عن ~~ابن شهاب أن سعد بن أبي وقاص قدم برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ~~ويعطونه على ذلك الأجرة. وكذا هو في موطأ ابن وهب من روايتنا عن أبي الحسن ابن مسرور # 49 # عن أبي سليمان عن سحنون، عن ابن وهب أخبرني حفص بن عمر، عن يونس بن ~~[46-ب] يزيد، ثم كما قال في المدونة. وقال ابن حبيب فيه: حدثني أصبغ، عن ابن ~~وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أن سعد بن أبي وقاص قدم برجل من أهل العراق وكان ~~يعلم أبناءهم الكتاب والقرآن بالمدينة، ويعطونه على ذلك الأجر. فأسقط من ~~الإسناد حفص بن عمر وزاد مع تعلمهم الكتاب والقرآن، فالله أعلم. وقال محمد: ~~سمعت سحنون يقول: لا أرى للمعلم أن يعلم أبا جاد؛ # 50 # وأرى أن يتقدم إلى المعلمين في ذلك. وقد سمعت حفص بن غياث يحدث: أن ~~أبا جاد أسماء الشياطين ألقوها ms241 على ألسنة العرب في الجاهلية فكتبوها. قال محمد: ~~وسمعت بعض أهل العلم يزعم أنها اسم ولد سابور ملك فارس، أمر العرب الذين كانوا ~~في طاعته أن يكتبوها، فلا أرى لأحد أن يكتبها [47-أ] فإن ذلك حرام. قال أخبرني ~~سحنون بن سعيد، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ~~ابن عباس، قال: قوم ينظرون في النجوم، يكتبون أبا جاد أولئك لا خلاق لهم. ~~ولسحنون قال: ولا أرى أن يعلمهم ألحان القرآن؛ لأن مالكا قال: لا يجوز أن يقرأ ~~القرآن بألحان. ولا أرى أن يعلمهم التغبير؛ # 51 # لأن ذلك داعية إلى الغناء، وهو مكروه. وأرى أن ينهى عن ذلك بأشد ~~النهي. قال: ولقد سئل مالك عن هذه المجالس التي يجتمعون فيها للقراءة، فقال: ~~بدعة. وأرى للوالي أن ينهاهم عن ذلك، ويحسن أدبهم. وقال أبو الحسن: نهى مالك عن ~~الاجتماع في المجالس لاستماع القراءة بالألحان وما يصحبه من تغبير، وغير ذلك ~~مشهور. فكل ما نهى عنه سحنون المعلم والمتعلم في هذا الباب، كله صحيح [47-ب] ~~الموافقة لمذهب مالك، على ما جرى من تشديد أو كراهية. # فافهم، فقد بينت لك وجوه جواز أخذ الإجارة على تعلم القرآن، وما يجوز أن يعلم ~~بالأجر، وما يكره من ذلك للمعلم والمتعلم، وما اختلف أصحابنا فيه من كراهية له ~~أو توسعة، ليستبين طالب الحلال ما يصفو له به الحال في أجرة التعليم، وما ينزه ~~منه ذو الورع من ذلك. وبينت لك ما ينبغي للمسلم أن يتعلمه أو يعلمه لولده وما ~~يختلف من ذلك. # ومن ذلك أيضا قال ابن وهب: سمعت مالكا سئل عن الذي يجعل ابنه في كتاب ~~العجم، يعلمه به الوقف، فقال: لا. فقيل له: فهل يعلم المسلم النصراني؟ فقال: ~~لا. فقيل له: فيعلم أبناء المشركين الخط؟ فقال: لا. ولابن وهب أيضا في تاريخ ~~سنة ثلاثة وسبعين قال: وقال مالك: لا أرى أن يترك أحد من اليهود والنصارى يعلم ~~المسلمين القرآن [48-أ]. قال أبو الحسن: إن كان معنى هذا ms242 القرآن الذي أنزل على ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # ن فيمكن النهي عن ذلك، والمسلم ينهى أن يعلم الكافر القرآن. قال ~~الله سبحانه وتعالى: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون ~~(الواقعة: 77-79) فالكافر نجس، ولذلك ينهى ~~أن يعلموا الخط العربي، والهجاء العربي؛ لأنهم يصلون بذلك إلى مس المصحف إذا ~~أرادوه. وإن كان إنما أراد مالك لا يتركوا أن يعلموا كتابهم المسلمين، فيصح ~~أيضا منعهم من ذلك، لأنهم غير مأمونين على كتابهم. قد جاء كعب الأحبار إلى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، فقام بين يديه، فاستخرج من تحت يده مصحفا قد تشرمت ~~حواشيه، فقال: يا أمير المؤمنين في هذه التوراة، أفأقرؤها؟ فسكت عمر طويلا، ~~فأعاد عليه كعب مرتين أو ثلاثا، فقال [48-ب] عمر: إن كنت تعلم أنها التوراة ~~التي أنزلت على موسى بن عمران يوم طور سيناء، فاقرأها آناء الليل وآناء النهار، ~~وإلا فلا. فراجعه كعب، فلم يزده عمر على هذا. وكعب قد بان فضله في الإسلام في ~~فقهه في الدين، فلم يطلق له عمر ما سأله فيه، إنما رد الأمر في ذلك إليه، ثم لم ~~يذكر عن كعب أنه دام على دراسة ذلك المصحف. # 52 # والله أعلم ما صنع ذلك. وأما المقيم على كفره فهو بعيد من أن ~~يؤمن على كتاب الله، أو على أولاد المسلمين، ليعلمهم شيئا ما، أو يخالط ~~صبيان المسلمين صبيان الكافرين في تعليم كل ما قدمنا؛ عن ابن وهب عن مالك يمنع ~~من ذلك. وفي الموازية: # 53 # وكره مالك أن يطرح المسلم ولده في كتاب النصارى؛ ولسحنون قال: ~~ولا يجوز للمعلم [49-أ] أن يعلم أولاد النصارى الكتاب ولا القرآن. وقال ابن ~~حبيب قيل لمالك: أيعلم أبناء المشركين الخط دون القرآن؟ فقال: لا، وعظم فيه ~~الكراهية. وقال ابن حبيب: وكل من لقيت يكرهون ذلك، ويرون للإمام العدل أن ~~يغير ذلك ويعاقب عليه، ومن فعله من جهال المعلمين فذلك طارح شهادته، موجب ~~لسخطته، لمسهم لكلام الله وكتابه وهم أنجاس. # والذي وصفت لك أيضا ms243 في هذا الفصل صواب كله. وقد وصفت لك فيما تقدم احتجاج ~~سحنون في الإباء من تحذير الإجارة على تعليم الفقه والفرائض وغير ذلك مما فرق ~~بينه وبين الإجارة على تعليم القرآن؛ فافهمه، إذا مررت به، فإنه حسن، أخبر فيه ~~أن القرآن لتعلمه غاية ينتهى إليها، والفقه وغيره من العلوم ليس له غاية. ~~يريد أن القرآن [49-ب] إنما يتعلم استظهاره، وهو شيء مجموع، إن يشرط ~~استكماله، فله غاية وهو ما حواه المصحف المجتمع عليه من سور القرآن المعدودة. ~~والفقه إنما التعلم به الفهم فيه، وهو شيء لا يحاط به، ولا يعرف من الفهم جزء ~~مقتصر عليه. والنحو مثله. وكل شيء يحتاج إلى الاستنباط منهم بالفهم فيه، فهذه ~~سبيله؛ وقد يرى الفهم فيه شيئا ثم ينتقل عنه بعد ذلك لمعنى يحدث عند المتفهم ~~فتبعد الغاية فيه، ويختلف عليه. وأما ما # 54 # طريقه حفظه، كالشعر وما أشبهه من مقالات العرب يستأجره ليحفظ ذلك ~~ظاهرا، فوجه الكراهية فيه أنه إنما يراد ليفهم منهم ما يستعان به، والتفهم فيه ~~أيضا لا غاية له، واستظهاره لغير التفهم أي فائدة فيه؟ وأي أجر يؤجر عليه؟ ~~وليس هو كالقرآن. فإن [50-أ] قلت ليستظهر حفظ حروفه خاصة، ثم ينظر في تفهمه ~~بعد استظهاره بغير أجر على يدي غير هذا المعلم، فاعلم أن الباب المكروه، لا وجه ~~إلى أن يستثنى منه شيء إلا بتوقيف، ولا يحمى الباب إلا بمنع جميعه، وإن دخل ~~فيه ما لا تقوى حجته إلا لإحماء الباب؛ # 55 # ولذلك جرى فيه الاختلاف الذي وصفناه. على أن القاصد إلى حفظ حروف ~~ذلك ليفهم فيه بعد ذلك، قد لا ينتهي إلى التفهم، فيحصل بما يحفظ على غير فائدة ~~تفيده في دينه. والقرآن من استكمل حفظه انتفع به، وإن حفظ منه حرفا انتفع به ~~في دينه، فخالف القرآن كل شيء يحفظ من كلام الناس خلافا بينا، لا إشكال ~~فيه. ولذلك أجازوا إجارة التعليم على أجزائه واستكماله، فقد تقدم من ذلك في صدر ~~الباب فضل. # وأزيدك [50-ب] ها هنا منه ما ms244 يكون عونا لك في استبانته. قيل لابن القاسم: إن ~~استأجرت رجلا يعلم لي ولدي القرآن، يحذقه القرآن بكذا وكذا درهما، قال مالك: ~~لا بأس بذلك. وقال ابن القاسم: ولا بأس بالسدس أيضا مثل قول مالك في الجميع. ~~وقال ابن القاسم: لا بأس أن يقدم إلى معلم الكتاب حقه، قبل أن يدخل الصبي. وعند ~~ابن سحنون قال مالك: لا بأس أن يستأجر الرجل المعلم على أن يعلم ولده القرآن ~~بأجر معلوم، إلى أجل معلوم أو كل شهر، وكذلك نصف القرآن، وربعه، وما سمي ~~منه. قال أبو الحسن: أما قوله أو كل شهر، فقد قيل لابن القاسم أن يستأجره على ~~تعليم ولده القرآن كل شهر بدرهم، أو كل سنة بدرهم. قال: قال مالك: لا بأس بذلك، ~~قيل إن [51-أ] استأجره على أن يعلم ولده الكتابة كل شهر بدرهم؟ قال: قال: لا ~~بأس بذلك. قيل - وهو قول مالك - قال: قال مالك في إجارة المعلمين سنة بسنة: لا ~~بأس بذلك. والذي يستأجره يعلم ولده الكتابة وحدها، لا بأس بذلك، مثل قول مالك ~~في إجارة المعلمين سنة بسنة. قال أبو الحسن: وأما قوله إلى أجل معلوم، فإن كان ~~يريد أن يكون يعلمه القرآن كله إلى أجل معلوم، فإن ابن المواز ذكر في قول ~~مالك، لو اشترط أن يعلمه سنة أو سنتين كان ذلك لازما. قال محمد بن إبراهيم: ~~جائز، ما لم يقل له: تعلمه في سنة أو سنتين. قال أبو الحسن: قول مالك في سماع ~~ابن القاسم، وابن وهب، كما حكاه محمد، ورواه مطرف عن مالك، قال: وجميع علمائنا ~~بالمدينة. وفسره محمد أنه لم يشترط استكمال القرآن في هذا [51-ب] الأجل، وتفسيره ~~جار على الأصول في سائر الإجارات. ولكن قال ابن حبيب: قد أجاز مالك أن يشارط ~~المعلم في الغلام على الحذقة ظاهرا أو نظرا، سميا في ذلك أجلا أو لم ~~يسميا. ولقد قلت لأصبغ: كيف أجاز مالك الشرط على الحذقة إذا سميا لها أجلا، ~~أرأيت إذا انقضى الأجل ولم يحذقه، ما يكون له؟ قال: ms245 يكون له أجرة مثله فيما ~~علمه في تلك السنة، وليس على حساب الأجرة الأولى. قلت: ولا ترى هذا من شرطين ~~في شرط؟ قال: لا، وإنما كان يدخله شرطان في شرط، لو كان عاقده على هذا اللفظ ~~بديا، فأما إذا عاقده على أن يحذقه في سنة فإنما هو على شرط واحد، حتى يحدث ~~بينهما الذي وصفنا من تقصيره عما شرط عليه، فيرد إلى أجرة مثله على تحذيقه إياه ~~في أكثر من السنة، لأن أبا [52-أ] الغلام إنما كان رضي بالأجرة الأولى على أن ~~يحذق ولده في سنة، فلما جاوز المعلم توقيت ما وقت له، لم يكن له أن يأخذ ~~على التأخير ما سمي له على التعجيل، وكان ذلك مظلمة على أبي الغلام، إن أخذ ~~ذلك منه. وإنما الذي لا يجوز فيه التوقيت مع الحذقة، أن يوقت وقتا ضيقا يرى ~~ويخشى أنه لا يبلغ ذلك فيه لضيقه، فالعذر والخطر يدخله. قال أبو الحسن: وفرق ~~أصبغ في هذا الجواب بين معلم الكتاب وبين الخياط يشترط الفراغ في أجل ~~معلوم، فأجراه مجاري الإجارة الداخلة في معاني البيوع على ما استحسن، إذا كان ~~الأجل المؤقت يمكن الفراغ مما اشترط عليه فيه قبل ذهاب الوقت، فلا باس به؛ كذا ~~قال في المعلم والخياط. وقضيته للمعلم، إذا تم الأجل قبل تمام الحذقة بأجرة ~~مثله ليس على حساب ما استؤجر [52-ب]، صواب مستقيم. # ذكر ما أراد بيانه من سياسة معلم الصبيان # وقيامه عليهم، وعدله فيهم، ورفقه بهم، وهل يستعين بهم فيما بينهم، أو لنفسه، ~~وهل يوليهم غيره إن احتاج إلى ذلك؟ وهل يشتغل مع غيره معهم أو يشتغل له؟ وكيف ~~يرتب لهم أوقاتهم لدرسهم، وكتابتهم، وكيف محوهم ألواحهم، وأكتافهم، وأوقات ~~بطالتهم لراحتهم، وحد أدبه إياهم، وعلى من الآلة التي بها يؤدبهم، والمكان ~~الذي فيه يعلمهم؟ وهل يكون ذلك في مسجد؟ وهل يشترك معلمان أو أكثر؟ وهل يدرس ~~الصبيان في حزب واحد مجتمعين؟ وهل يمسون المصحف وهم على غير طهر، ويعلمون ~~الوضوء لمس المصحف، ويصلون في جماعة يؤمهم أحدهم؟ ms246 # قال أبو الحسن: قد تقدم من بيان [53-أ] ما يخبره # 56 # الشرط لمعلم الصبيان على آبائهم من إجارتهم، وما على المعلمين أن ~~يعلموه الصبيان، وما لا ينبغي أن يعلموه لهم ما فيه الكفاية. فالواجب على ~~المعلم الاجتهاد حتى يوفي ما يجب عليه للصبيان، فإن وفى ذلك يطيب له ~~ما يأخذه على التعليم بشرط. وليعلم أنه إن فرط في وفاء ما عليه، أنه لا يجب ~~له ولا يطيب له ما يأخذ من ذلك؛ لأن الذين أجازوا له شرط الإجارة، بينوا له ما ~~يجب عليه، فإن خالف ما بينوا له لم يطيبوا له ما أخذ بشرطه. فليس يجد إلى من ~~يستند من العلماء في جواز ما فعل من التفريط، لما في الأخذ على تعليم القرآن من ~~الخلاف الذي قدمنا التعريض به. وبعد ، فإن التزامه لما التزم من هذا يدخل في ~~العقود التي أمر الله سبحانه بوفائها، ونظره فيمن التزم النظر له من الصبيان ~~رعاية يدخل بها في قول الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: [53-ب] كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته. # 57 # وليعلم أنه إن قام فيهم بالواجب عليه لهم ونصح لهم، ووفاهم كما ~~ينبغي أنه يدخل في معنى قول الرسول عليه السلام: أيما مملوك أدى حق مواليه، وحق ~~ربه، فله أجران. # 58 # لأن المملوك استأهل ذلك بما وفى به، مما وجب عليه لمالكه. هذا ~~وليعلم الملتزم الصبيان إنما استأهل ذلك بما وفى به ما وجب لهم عليه، بشرطه ~~أخذ الإجارة عليهم، قد ملكوا منافعه وتصرفاته حتى يستوفوا واجبهم، وكان لمن ~~وفاهم ذلك تأدية لحقهم الواجب لهم عليه، ولحق ربه فيما أمره به من أداء ما ~~عليه لهم، في المعنى الذي استأهل به المملوك أجرين. وكذلك كل أجير ملكت عليه ~~منافعه؛ لأن المؤدي لما عليه طيبة بذلك نفسه من المحسنين. وقال الله سبحانه ~~وتعالى: # إنا لا نضيع أجر من [54-أ] أحسن ~~عملا ~~(الكهف: 30). # ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا، فإنه قد جاء عن عائشة أم المؤمنين ~~رضي الله عنها، أن ms247 رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، قال: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا ~~فرفق بهم فيه فارفق به. # 59 # وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الله يحب الرفق في الأمر كله، ~~وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. # 60 # قال أبو الحسن: فقولك هل يستحب للمعلم التشديد على الصبيان، أو ترى أن يرفق ~~بهم ولا يكون عبوسا، لأن الأطفال كما علمت تدخل في هذه الوصية المتقدمة؛ ولكن ~~إذا أحسن المعلم القيام، وعني بالرعاية، وضع الأمور مواضعها، لأنه هو ~~المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يصلح لهم، والقائم بإكرامهم على مثل ~~منافعهم، فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن رفقه بهم، ~~ولا من رحمته إياهم [54-ب] فإنما هو لهم عوض من آبائهم. فكونه عبوسا أبدا من ~~الفظاظة الممقوتة، ويستأنس الصبيان بها فيجترئون عليه، ولكنه إذا استعملها عند ~~استئهالهم الأدب، صارت دلالة على وقوع الأدب بهم، فلم يأنسوا إليها، فيكون فيها ~~إذا استعملت أدبا لهم في بعض الأحايين دون الضرب، وفي بعض الأحايين، يوقع ~~الضرب معها، بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم. ولكن ينبغي له ألا ينبسط ~~إليهم تبسط الاستئناس في غير تقبض موحش في كل الأحايين، ولا يضاحك أحدا منهم ~~على حال، ولا يبتسم في وجهه، وإن أرضاه وأرجاه # 61 # على ما يجب، ولكنه لا يغضب عليه فيوحشه إذا كان محسنا. # وإذا استأهل الضرب، فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا ~~يزيد في [55-أ] رتبة فوق استئهال. وهذا هو أدبه إذا فرط، فتثاقل عن الإقبال على ~~المعلم، فتباطأ في حفظه، أو كثر الخطأ في حزبه، أو في كتابة لوحه، من نقص ~~حروفه، وسوء تهجيه، وقبح شكله، وغلطه في نقطه، فنبه مرة بعد مرة، فأكثر التغافل ~~ولم يغن فيه العذل، والتقريع بالكلام، الذي فيه التواعد من غير شتم ولا سب ~~لعرض، كقول من لا يعرف لأطفال المؤمنين حقا فيقول: يا مسخ، يا قرد. فلا ~~يفعل هذا ولا ما كان مثله ms248 في القبح، فإن قلت له واحدة، فلتستغفر الله منها ~~ولتنته عن معاودتها. وإنما تجري الألفاظ القبيحة من لسان التقي لتمكن الغضب من ~~نفسه، وليس هذا مكان الغضب. وقد نهى الرسول عليه السلام أن يقضي القاضي وهو ~~غضبان. وأمر عمر بن عبد العزيز - [55-ب] رحمة الله عليه - بضرب إنسان، فلما ~~أقيم للضرب قال: اتركوه. فقيل له في ذلك فقال: وجدت في نفسي عليه غضبا، فكرهت ~~أن أضربه وأنا غضبان. قال أبو الحسن: كذا ينبغي لمعلم الأطفال أن يراعي منهم ~~حتى يخلص أدبهم لمنافعهم، وليس لمعلهم في ذلك شفاء من غضبه، ولا شيء يريح قلبه ~~من غيظه، فإن ذلك إن أصابه فإنما ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه، وهذا ليس من ~~العدل، فإن اكتسب الصبي جرما من أذى، ولعب، وهروب من الكتاب، وإدمان ~~البطالة، فينبغي للمعلم أن يستشير أباه، أو وصيه إن كان يتيما، ويعلمه بجرمه ~~إذا كان يستأهل من الأدب فوق الثلاث، فتكون الزيادة على ما يوجبه التقصير في ~~التعليم عن إذن من القائم بأمر [56-ب] هذا الصبي؛ ثم يزاد على الثلاث ما بينه ~~وبين العشر، إذا كان الصبي يطيق ذلك. وصفة الضرب هو ما يؤلم ولا يتعدى الألم ~~إلى التأثير المشنع، أو الوهن المضر. وربما كان من صبيان المعلم من يناهز ~~الاحتلام، ويكون سيئ الرعية، # 62 # غليظ الخلق، لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه، ويرى للزيادة عليه ~~مكانا، وفيه محتمل مأمون، فلا بأس - إن شاء الله - من الزيادة على العشر ~~ضربات، والله يعلم المفسد من المصلح. وإنما هي أعراض المسلمين وأبشارهم فلا ~~يتهاون بنيلها بغير الحق الواجب؛ وليل أدبهم بنفسه، فقد أحب سحنون ألا يولي ~~أحدا من الصبيان الضرب. قال أبو الحسن: ونعم ما أحب سحنون من ذلك، من ~~قبل أن الصبيان تجري بينهم الحمية والمنازعة، فقد [56-ب] يتجاوز الصبي ~~المطيق فيما يؤلم المضروب، فإن أمن المعلم التقي من ذلك، وعلم أن المتولي للضرب ~~لا يتجاوز فيه، وسعه ذلك إن كان له عذر في تخلفه عن ولاية ذلك بنفسه. وليجتنب ~~أن ms249 يضرب رأس الصبي أو وجهه، فإن سحنون قال فيه: لا يجوز أن يضربه فيهما، وضرر ~~الضرب فيهما بين، قد يوهن الدماغ، أو تطرف العين أو يؤثر أثرا قبيحا، ~~فليجتنبا. فالضرب في الرجلين آمن، وأحمل للألم في سلامة. # ومن رفقه بالصبيان أن الصبي إذا أرسل وراءه ليتغدى فيأذن له ولا يمنعه من ~~طعامه وشرابه، ويأخذ عليه في سرعة الرجوع إذا فرغ من طعامه. # ومن حقهم عليه أن يعدل بينهم في التعليم، ولا يفضل بعضهم على بعض، وإن ~~تفاضلوا في الجعل، وإن كان بعضهم يكرمه بالهدايا والأرفاق، إلا أن [57-أ] يفضل ~~من أحب تفضيله في ساعة راحاته، بعد تفرغه من العدل بينهم. وذلك من قبل أن ~~القليل الجعل إنما رضي أن يؤدي أداءه ذلك على إتمام تعليم ولده، كما شرط الرفيع ~~الجعل. إلا أن يبين المعلم لآباء الصبيان أنه يفاضل بينهم على قدر ما يصل إليه ~~من العطاء من كل واحد منهم، فيرضوا له بذلك، فيجوز له، وعليه أن يفي بما التزم ~~من قدر ذلك. # ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم، ألا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال ~~سحنون: أكره للمعلم أن يعلم الجواري، ويخلطهن مع الغلمان، لأن ذلك فساد ~~لهن. # قال أبو الحسن: وإنه لينبغي للمعلم أن يحترس الصبيان بعضهم من بعض إذا كان ~~فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو يكون له جرأة. # وعليه كما قال سحنون: أن يتفقدهم بالتعليم [57-ب] والعرض، ويجعل لعرض القرآن ~~وقتا معلوما، مثل عشية الأربعاء يوم الخميس. قال: فينبغي له أن يجعل لهم ~~وقتا من النهار يعلمهم فيه الكتاب، ويجعلهم يتخايرون؛ # 63 # لأن ذلك مما يصلحهم، ويخرجهم ويبيح لهم أدب بعضهم بعضا، ولا يجاوز ~~ثلاثا. ويجعل الكتاب، يعني في كل يوم من الضحى إلى وقت الانقلاب. # ويأخذ عليهم ألا يؤذي بعضهم بعضا، فإن شكا بعضهم أذى بعض، فقد سئل سحنون ~~عن المعلم يأخذ الصبيان بقول بعضهم على بعض في الأذى. قال: ما أرى هذا من ناحية ~~الحكم، وإنما على المعلم أن يؤدبهم إذا آذى بعضهم ms250 بعضا. وذلك عندي إذا استفاض ~~على الإيذاء من الجماعة منهم، أو كان الاعتراف، إلا أن يكونوا صبيانا قد عرفهم ~~بالصدق فيقبل قولهم، ويعاقب على ذلك، ولا يجوز # 64 # في الأدب [58-أ] كما أعلمتك. قال أبو الحسن: يريد كما تقدم من واحد ~~إلى ثلاث؛ فإن استأهلوا الزيادة للأذى، فعلى قدر شدة ذلك، يريد من الثلاث إلى ~~العشر، ويأمرهم بالكف عن الأذى، ويرد ما أخذ بعضهم لبعض، وليس هو من ناحية ~~القضية، وكذلك سمعت من غير واحد من أصحابنا. وقد أجيزت شهادة الصبيان في القتل ~~والجراح، فكيف هذا؟ والله أعلم. قال أبو الحسن: وما يوجد في هذا الفصل الذي ~~تقدم أسعد # 65 # به من كلام سحنون، هذا وتعلم به أن على المعلم أن يتعاهدهم، ويتحفظ ~~منهم، وينهاهم عن الربا، فإن باع بعضهم من بعض كسرة بزبيب أو زبيبا برمان، ~~أو تفاحا بقثاء، كما ذكرت، فإن أدرك ذلك بأيديهم، رد كل واحد ما كان له، وإن ~~أفاتوه، أعلم آبائهم بما صنعوا من ذلك فيكون غرم [58-ب] ما صار إلى كل واحد من ~~الصبيان من صاحبه، في ماله إن كان له مال، أو يتبعه به إن لم يكن له مال، إذا ~~وقع الاستقصاء في ذلك. وإن كان إنما أسلم بعضهم إلى بعض طعاما في طعام، فيغرم ~~القابض مثل ما قبض، أو قيمته إن لم يكن له مثل إن كان له مال. وإلا فليتبع بما ~~وجب عليه من ذلك، ويفسخ ما كان بينهما؛ ثم يأخذ عليهم المعلم، ويشدد عليهم في ~~الأخذ ألا يعودوا إلى التبايع فيما بينهم، لا فيما يحل بين الأكابر، ولا فيما ~~لا يحل. ويعرفهم وجه الربا فيما صنعوا في ذلك: يخبره بعينه، ويقبحه عنده، ويتواعده ~~بشدة العقوبة عليه إن هو عاوده، ليتدرج على مجانبة الخطأ؛ وإذا هو أحسن، يغبطه ~~بإحسانه في غير انبساط إليه، ولا منافرة له، ليعرف وجه الحسن من القبح، فيتدرج ~~على اختيار الحسن [59-أ] وهذا ما يدل الاجتهاد. والله يزكي من يشاء، وهو السميع ~~العليم. # ومن الاجتهاد للصبي ألا ms251 ينقله من سورة حتى يحفظها بإعرابها وكتابتها. قال ~~سحنون: إلا أن يسهل لهم الآباء، فإن لم يكن لهم آباء وكان لهم أولياء أو وصي، ~~فإن كان دفع أجر المعلم من غير مال الصبي إنما هو من عندهم، فلهم أن يسهلوا كما ~~للأب؛ وإن كان من مال الصبي الأجر، لم يجز لهم أن يسهلوا حتى يحفظها كما ~~أعلمتك. قال: وكذلك إذا كان الأب يعطي من مال الصبي. قال: وأرى ما يلزم الصبي ~~من مئونة المعلم في ماله إن كان له مال بمنزلة كسوته ونفقته. # قال أبو الحسن: صواب. ولكن قوله إن كان يأخذ المعلم من غير مال الصبي، أنى ~~لأبيه أو من قام له أن يسهل للمعلم في نقله من السورة قبل [59-ب] تمامها، ما ~~أدري ما وجه العطاء للمعلم على الصبي، إنما كان على حسن العناية بالصبي فقد صار ~~الحق للصبي، فمن أين لأحد أن يسهل فيه، إلا أن يكون مراد سحنون - رحمه الله - ~~أن للصبي التسهيل في ذلك وقع عند عقد الإجارة، فيكون صوابا في الجواب، ~~والأحسن ما هو أتم للصبي. # وأما ما يصنعه الصبيان من محو ألواحهم وأكتافهم، فذكر ابن سحنون فيه عن أنس ~~بن مالك بإسناد ليس هو من رواية سحنون، قال: إذا محت صبية الكتاب تنزيل رب ~~العالمين بأرجلهم، نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره، ثم لم يبال حين يلقى الله على ~~ما يلقاه عليه. قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي رضوان الله عليهم؟ قال أنس: كان المؤدب له إنجانة # 66 # وكل صبي يجيء كل يوم بنوبته ماء [60-أ] طاهرا فيصبه فيها، فيمحون ~~به ألواحهم. قال أنس: ثم يحفرون له حفرة في الأرض، فيصبون ذلك الماء فينشف، قال ~~محمد: قلت لسحنون فترى أن يلعط؟ قال: لا بأس به، ولا يمسح بالرجل، ويمسح ~~بالمنديل وما أشبه. قلت له: فما تقول فيما يكتب الصبيان في الكتف من الرسائل؟ ~~فقال: أما ما كان من ذكر الله تعالى، فلا يمحه برجله، ولا بأس أن ms252 يمحى غير ذلك ~~مما ليس من القرآن. وقال محمد: وحدثني موسى عن جابر بن منصور، قال: كان إبراهيم ~~النخعي يقول: من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد. قال محمد: وفي هذا ~~دليل أنه لا بأس أن يلعط الكتاب بلسانه. وكان سحنون ربما كتب الشيء ثم يلعطه. ~~وهذا الوصف يكفيك فيما سألت عنه من هذا المعنى، فإنه وصف حسن. وما جاء فيه عن ~~أنس من التغليظ، فينبغي [60-ب] أن يحذر منه فإنه تغليظ شديد على المعلم، إن هو ~~ترك الصبيان يمحون القرآن بأرجلهم. # وأما بطالة الصبيان يوم الجمعة؛ فقال سحنون: يأذن في يوم الجمعة، وذلك سنة ~~المعلمين منذ كانوا، لم يعب ذلك عليهم. وذكر أن محمد بن عبد الله بن عبد ~~الحكم قال في المعلم يستأجر شهرا، له أن يتبطل يوم الجمعة؛ وما كان الناس قد ~~عملوا به، وجروا عليه فهو كالشرط. وأما تخلية الصبيان يوم الخميس من العصر فهو ~~أيضا يجري على عرف الناس، إن كان قد عرف ذلك من شأن المعلمين، فهو كما عرف من ~~شأنهم في يوم الجمعة. فأما بطالتهم يوم الخميس كله، فهذا بعيد، إنما دراسة ~~الصبيان أحزابهم وعرضهم إياها على معلميهم في عشي يوم الأربعاء، وغدو يوم ~~الخميس، إلى وقت الكتابة، والتخابر إلى قبل انقلابهم نصف [61-أ] النهار، ثم ~~يعودون بعد صلاة الظهر للكتاب، والخيار إلى صلاة العصر، ثم ينصرفون إلى يوم ~~السبت يبكرون فيه إلى معلميهم. وهذا حسن نافع رفيق بالصبيان وبالمعلمين لا شطط ~~فيه. وكذلك بطالة الأعياد أيضا على العرف المشتهر المتواطأ عليه. وقال ابن ~~سحنون لأبيه: كم ترى أن يأذن لهم في الأعياد؟ فقال: الفطر يوما واحدا، ولا ~~بأس أن يأذن لهم ثلاثة أيام؛ والأضحى ثلاثة أيام، ولا بأس أن يأذنهم خمسة أيام. ~~قال أبو الحسن: يريد ثلاثة أيام في الفطر، يوما قبل العيد، ويوم العيد، فيوم ~~ثانيه. وخمسة أيام في الأضحى: يوم قبل يوم النحر، وثلاثة أيام النحر، واليوم ~~الرابع وهو آخر أيام التشريق، ثم يعودون إلى معلميهم في اليوم ms253 الخامس من أيام ~~النحر؛ وهذا وسط في الرفق. # وأما بطالة [61-ب] الصبيان من أجل الختم، فقيل لسحنون أيضا: أترى للمعلم في ~~إذنه للصبيان اليوم ونحوه؟ قال: ما زال ذلك من عمل الناس مثل اليوم وبعضه، ولا ~~يجوز له أن يأذن لهم أكثر من ذلك إلا بإذن آبائهم كلهم؛ لأنه أجير لهم. قيل له: ~~ربما أهدى الصبي إلى المعلم أو أعطاه شيئا، فيأذن لهم على ذلك؟ فقال: إنما ~~الإذن في الختم اليوم ونحوه، وفي الأعياد، وأما في غير ذلك فلا يجوز إلا بإذن ~~الآباء. قال: ومن ها هنا أسقطت شهادة أكثر المعلمين؛ لأنهم غير مؤدين لما يجب ~~عليهم إلا من عصم الله. # الجزء الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو الحسن: وهذا إذا كان المعلم بأجر معلوم كل شهر، أو كل سنة. وأما إن كان ~~على غير شرط، [62-أ] وما أعطي قبل، وما لم يعط لم يسأل، فله أن يفعل ما شاء ~~إذا كان أولياء الصبيان يعلمون بتضييعه، فهم إن شاءوا أعطوا على ذلك، وإن شاءوا لم ~~يعطوه. وهذا الوصف يكفيك مما سألت عنه، وفيه بطالتهم عند الختمة؛ فإن كان بلد قد ~~عرف فيه العطاء عند النصف، أو الثلث، أو الربع حتى صار ثابتا، فالمطالبة فيه على ~~حسب ما عرف عنه، وتووطئ عليه. # وأما وصفك لما جرى عندكم من صنيع معلميكم إذا تزوج رجل، أو ولد له، فيبعثون ~~صبيانهم، فيصيحون عند بابه، ويقولون: أستاذنا، بصوت عال فيعطون ما أحبوا من طعام، ~~أو غير ذلك، فيأتون به معلمهم، فيأذن لهم يتبطلون بذلك نصف يوم أو ربع يوم، بغير ~~أمر الآباء، يكفيك ما سألت عنه قول سحنون: ولا يحل للمعلم أن يكلف الصبيان فوق ~~أجرته شيئا من هدية أو غير ذلك، ويسألهم [62-ب] في ذلك، فإن أهدوا إليه على ذلك، ~~فهو حرام، إلا أن يهدوا إليه من غير مسألة، إلا أن تكون المسألة منه على وجه ~~المعروف فإن فعلوا لم يضرهم في ذلك. وأما إن كان يهددهم أو يخليهم إذا أهدوا إليه، ~~فلا ms254 يحل له ذلك؛ لأن التخلية داعية إلى الهدية وهو مكروه. فإذا كان هذا كما وصف ~~سحنون فيما يأتي به الصبيان، فالذي سألت أنت عنه أشد وأكره: لعل صاحب التزويج، أو ~~أبا المولود، لا يعطي ما يعطي، إلا تقية أذى المعلم أو أذى صبيانه، أو من تقريع ~~بعض الجهال، فيصير المعلم من ذلك إلى أكل السحت، ولا يفعل هذا إلا معلم جاهل. ~~فليوعظ فيه ولينه عنه ويزجر، حتى يترك العمل الذي وصفت، فإنه من عمل الشيطان، ~~وليس من عمل أهل القرآن. # وأما [63-أ] سؤالك عما يصرف المعلم الصبيان فيه، ويكلفهم إياه، وهل يتشاغل هو ~~عنهم بشيء، فإن سحنون قال: سئل مالك عن المعلم يجعل للصبيان عريفا. فقال: إن كان ~~مثله في نفاذه، فقد سهل في ذلك، إذا كان للصبي في ذلك منفعة. قال سحنون: ولا بأس أن ~~يجعلهم يملي بعضهم على بعض؛ لأن في ذلك منفعة لهم. وليتفقد إملاءهم. قيل له: فيأذن ~~للصبي أن يكتب لأحد كتابا؟ فقال: لا بأس به، وهذا مما يخرج الصبي، إذا كتب ~~الرسائل. قال: ولا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في حوائجه. قيل له: فيرسل الصبيان ~~بعضهم في طلب بعض؟ فقال: لا أرى ذلك له إلا أن يأذن أولياء الصبيان في ذلك، أو يكون ~~الموضع قريبا لا يشغل الصبيان في ذلك. وليتعاهد الصبيان هو بنفسه في وقت انقلاب ~~[63-ب] الصبيان، يخبر أولياءهم أنهم لم يجيئوا. قال: وأحب للمعلم ألا يولي أحدا من ~~الصبيان الضرب، ولا يجعل لهم عريفا منهم، إلا أن يكون الصبي الذي قد ختم وعرف ~~القرآن، وهو مستغن عن التعليم، فلا بأس أن يعينه فإن في ذلك منفعة للصبي. قال: ولا ~~يحل له أن يأمر أحدا أن يعلم أحدا منهم، إلا أن يكون فيما فيه منفعة للصبي في ~~تخريجه، أو يأذن والده في ذلك. وليل ذلك هو بنفسه، أو يستأجر هو من يعينه، إذا كان ~~في مثل كفايته. قال: ولا يجوز للمعلم أن يشتغل عن الصبيان إلا أن يكونوا في وقت لا ~~يعرضهم فيه ms255 بأس بأن يتحدث، وهو في ذلك ينظر إليهم يتفقدهم. قال: ولا بأس للمعلم ~~أن يشتري ما يصلحه لنفسه من حوائجه، إذا لم يجد من يكفيه. قال: ولا بأس أن ينظر ~~[64-أ] في العلم في الأوقات التي يستغني [فيها] الصبيان عنه، مثل أن يصيروا إلى ~~الكتابة وأملى بعضهم بعضا، إذا كان في ذلك منفعة لهم، فإن هذا قد سهل فيه بعض ~~أصحابنا. قال: وليلزم المعلم الاجتهاد، وليتفرغ لهم. # ولا يجوز له الصلاة على الجنائز إلا ما لا بد له منه، ممن يلزمه النظر في أمره؛ ~~لأنه أجير لا يدع عمله ويتبع الجنائز وعيادة المرضى. # قيل: فهل ترى للمعلم أن يكتب كتب العلم له أو للناس؟ فقال: أما في وقت فراغه من ~~الصبيان، فلا بأس أن يكتب لنفسه وللناس، مثل أن يأذن لهم في الانقلاب. وأما ما ~~داموا حوله، فلا أراه يجوز له ذلك. وكيف يجوز له أن يخرج مما يلزمه النظر فيه إلى ~~ما لا يلزمه؟ ألا ترى أنه لا يجوز له أن يوكل تعليم بعضهم [64-ب] إلى بعض، فكيف ~~يشتغل بغيرهم! قال أبو الحسن: كل ما جرى في هذا الفصل صواب حسن. وما قال فيه: إلا ~~أن يأذن في ذلك أبوه أو وليه، فمعناه: إذا كان أجر المعلم من غير مال الصبي الذي ~~يجوز إذنهم في ذلك من أموالهم، دفعوا الإجارة عن الصبي. وقد تقدم مثله، وأن معناه: ~~أنه كان في الشرط عند عقد الإجارة، قبل أن يجب الحق للصبيان، وهو وجه القول عندي. ~~والله أعلم. # وقد أتى ما وصفه سحنون على مسائلك وأكثر منها. # وأما قولك: هل للمعلم إذا غلب عليه النوم أن ينام عندهم، أم يغالب ذلك عن نفسه؟ ~~فإنه إن كان في وقت تعليمه إياهم، وحضورهم عنده، فليغالبه إن استطاع. وإن غلب فليقم ~~فيهم من يخلفه عليهم، إذا كان في مثل كفايته، بإجارة [65-أ] يستأجره، أو يتطوع له ~~إذا كان من غير الصبيان. وإن كان من الصبيان أنفسهم فقد تقدم من الشرائط في ~~ذلك. # وكذلك إن مرض، ms256 أو [كان] عليه شغل، فهو يستأجر لهم من يكون فيهم بمثل كفايته ~~لهم، إذا لم تطل مدة ذلك. فإن طالت فلآباء الصبيان في ذلك نظر ومتكلم من قبل أنه هو ~~المستأجر بعينه، فلا يصلح أن يقيم عوضا منه إلا فيما قرب، فيستخف إذا كانت ~~الإجارة واجبة عليه. # كذلك إن هو سافر فأقام من يوفيهم كفايته لهم، إن كان سفرا لا بد منه، قريبا ~~اليوم واليومين وما أشبههما فيستخف ذلك إن شاء الله. وأما إن بعد أو خيف بعد ~~القريب، لما يعرض في الأسفار من الحوادث، فلا يصلح له ذلك. # وأما شهود النكاحات، وشهادات [65-ب] البياعات، فليس له ذلك؛ هو في هذا مثل شهود ~~الجنازة، وعيادة المريض، أو أشد. وأما إن كانت عنده شهادة، والسلطان عنه بعيد، في ~~سيره إليه شغل عن صبيانه، فهو له عذر في تخلفه عن أداء الشهادة ؛ ولكن إن لم يوجد ~~منه بد، أودع شهادته عند من ينقلها عنه، وله في ذلك عذر، ويقبلها الحاكم ممن ~~نقلها إليه، ويعذره بعذره الذي لزمه. فافهم، فقد بينت لك جميع ما سألت عنه من هذا ~~المعنى. # فأما قولك: فإن فعل، يريد ما نهى عنه، وتشاغل عن الصبيان، ماذا عليه؟ فاعلم أنه ~~يكون من الاشتغال الخفيف، الذي يكون في مثل حديثه في مجلسه، فيشغله من الصبيان ~~شيئا، فهذا وما اشبهه يقل خطبه، ويخف قدره، فيتحلل من آباء الصبيان مما أصاب من ~~ذلك، إن كان الأجر من أموالهم. وإن كان من [66-أ] أموال الصبيان فلا بأس به عندي أن ~~يعوضهم من وقت عادة راحته، ما يجبر لهم به من نقصهم من حظوظهم باشتغاله ذلك؛ وإن ~~كان غائبا اليوم أو أكثر اليوم، فهذا كثير. فإن كانت إجارته أجلا معلوما، وقد ~~عطلهم، ولم يقم لهم عوضا منه، فيضع من أجره ما ينوب ذلك اليوم الذي عطله. وإن كانت ~~الإجارة مطلقة، وفي كل شهر بما علم فيه: وليس له أن يعتاد التشاغل، حتى يلجئه ~~إلى العوض؛ لأن ذلك يضر بالصبيان. # وأما سؤالك عما يكلفه المعلم ms257 الصبيان أن يأتوه به من بيوت آبائهم، يريد بغير إذن ~~آبائهم، أو حمله الصبيان بغير تكليف من المعلم، وكان ذلك من الطعام أو غير الطعام، ~~وإن قل قدره من حطب أو غير ذلك، فهذا لا يحل للمعلمين أن يأمروا به، ولا أن يقبلوه ~~إن أتي به [66-ب] إليهم، وإن لم يأمروا به، إلا بإذن الآباء، ويسلم أيضا من أن ~~يكون ما أذن الآباء في ذلك على وجه الحياء وتقية اللائمة. وقد تقدم من قول سحنون في ~~فصل ما يجوز من بطالتهم ما فيه الكفاية من سؤالك هذا. فافهم. # وشراء الدرة # 67 # والفلقة على المعلم، ليس على الصبيان. وكذلك كراء الحانوت لمجلس ~~التعليم، على المعلم أن يكون. كل ذلك لسحنون، وهو صواب. # وقال: إذا استؤجر المعلم على صبيان معلومين سنة معلومة، فعلى أولياء الصبيان كراء ~~موضع المعلم. قال أبو الحسن: وهذا صواب أيضا؛ لأنهم هم أتوا بالمعلم إليهم وأقعدوه ~~لصبيانهم، وعلى هذا يعتدل الجواب. # وقال سحنون: إذا استأجر الرجل معلما على صبيان معلومين، جاز للمعلمين أن يعلم ~~[67-أ] معهم غيرهم، إذا كان لا يشغله ذلك عن تعليم هؤلاء الذين استؤجر لهم. ومعنى ~~هذا: إذا كان لم يشترط على المعلم أنه لا يزيد على العدة المذكورة له شيئا، فأما ~~أن يشترطوا عليه أن لا يزيد على العدة المذكورة له، أو شرطوا عليه أن لا يخلط مع ~~صبيانهم غيرهم، فليس له ذلك. وهذا هو جواب سؤالك عندي له. # وأما تعليم الصبيان في المسجد، فإن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الرجل يأتي ~~بالصبي إلى المسجد، أتستحب ذلك؟ قال: إن كان قد بلغ موضع الأدب، وعرف ذلك، ولا يعبث ~~في المسجد فلا أرى بأسا. وإن كان صغيرا، لا يقر فيه ويعبث، فلا أحب ذلك، ولابن وهب عن مالك مثل معنى هذا. وأما سحنون فقال: سئل مالك عن تعليم الصبيان في المسجد ~~فقال: [67-ب] لا أرى ذلك يجوز؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة، ولم ينصب المسجد ~~للتعليم. قال أبو الحسن: جواب صحيح، وتكسب الدنيا في ms258 المسجد لا يصلح. ألم تسمع ~~قول عطاء بن يسار للذي أراد أن يبيع سلعة في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا ~~سوق الآخرة. فلا يترك لمعلم الصبيان أن يجلس بهم في المجسد، وإن اضطر إلى ذلك ~~بانهدام مكانه، فليتخذ مكانا يعلم فيه إلى أن يصلح ما انهدم له، إن أحب. # واتخاذ المكان عليه، كان بيتا أو حانوتا، إلا أن يدعى إلى صبيان بأعيانهم، فقد ~~تقدم قول سحنون في كراء ذلك أنه على الصبيان. فإذا كان بيت المعلم لهم - إذ هم ~~بأعيانهم - فبناؤه عليهم، أو يتخذوا مكانا غيره؛ وليس على المعلم من ذلك شيء. إنما ~~على المعلم المكان، إذا كان يعلم لعامة الناس. [68-أ] وأما شركة المعلمين والثلاثة ~~والأربعة، فهي جائزة إلا إذا كانوا في مكان واحد، وإن كان بعضهم أجود تعليما من ~~بعض؛ لأن لهم في ذلك ترافقا وتعاونا، ويمرض بعضهم فيكون السالم مكانه حتى يفيق. ~~وإن كان بعضهم عربي القراءة، يحسن التقويم، والآخر ليس كذلك، ولكنه ليس يلحن، فلا ~~بأس بذلك. قلت: ذلك على ما جاء عن مالك، وعن ابن القاسم في معلمين اشتركا. وقد ~~روي عن مالك أن ذلك لا يصلح حتى يستوي علمهما، فلا يكون لأحدهما فضل على صاحبه في ~~علمه. فإن كان أحدهما أعلم من صاحبه، لم يصلح، إلا أن يكون لأعلمهما فضل من الكسب ~~يقدر عليه على صاحبه، وإلا لم يصلح. قال أبو الحسن: أما إذا لم يكن بين المعلمين من ~~الاختلاف إلا أن أحدهما يعرب قراءته، والآخر لا يعربها، إلا أنه [68-ب] لا يلحن، ~~فما في هذا ما يوجب عندي التفاضل بين أجرتيهما إذا اشتركا. وكذلك يكون أحدهما رفيع ~~الخط، والآخر ليس بذلك، إلا أن يكتب ويتهجى. والاختلاف في هذا وشبهه متقارب في ~~الشركة. وكذلك هذا في الصنائع وفي التجارة يكون أحدهما أعلى من الآخر فيما يحسن من ~~ذلك، فليس لهذا فضل على الآخر في الإجارة إذا كانا شريكين، ولكن إذا كان أحد ~~المعلمين يقوم بالشكل والهجاء، وعلم العربية، والشعر، والنحو، والحساب، والأشياء ~~التي ms259 لو انفرد معلم القرآن بجمع علومها لجاز أن يشترط عليه تعليمها مع تعليم ~~القرآن، من قبل أنها مما يعين على ضبط القرآن، وحسن المعرفة، فهذا إن شارك من لا ~~يحسن إلا قراءة القرآن والكتاب، فهو الذي تكون الإجارة [69-أ] بينهما متفاضلة على ~~هذه الرواية، على قدر علم كل واحد منهما. وأما لو أن أحدهما يستأجر ليعلم النحو ~~والشعر والحساب وما أشبه ذلك، والآخر يستأجر على تعليم القرآن والكتاب، ما صلحت ~~هذه الشركة، على مذهب ابن القاسم، وعلى قول من يكره الإجارة على تعليم غير القرآن ~~والكتاب. [فافهم، فقد] بينت لك ذلك ليردع عنه من يحب أن يأكل حلالا ~~طيبا. # وسألت هل للصبيان الصغار، أو الكبار البالغين، أن يقرءوا في سورة واحدة وهم جماعة ~~على وجه التعليم؟ فإن كنت تريد يفعلون ذلك عند المعلم، فينبغي على المعلم أن ينظر ~~فيما هو أصلح لتعلمهم، ليأمرهم به، ويأخذ عليهم فيه؛ لأن اجتماعهم في القراءة ~~بحضرته يخفي عنه قوي الحفظ من الضعيف. ولكن إن كان على الصبيان من ذلك خفة، فيخبرهم ~~[69-ب] أنه سيعرض كل واحد منهم في حزبه، فيؤدبه على ما كان من تقصير، تهديدا ~~يتهددهم، ولا يوقع الضرب لأدب، إلا عن ذنب يتبين حسب ما تقدم قبل هذا. # وأما إمساك الصبيان المصاحف، وهم على غير وضوء، فلا يفعلوا ذلك؛ وليس كالألواح. ~~وما في نهيهم عن مس المصاحف الجامعة - وهم على غير وضوء - خلاف من مالك، ولا ممن ~~يقول بقوله. ورأى سحنون أن على المعلم أن يأمرهم ألا يمسوا المصحف إلا وهم على ~~وضوء، حتى يعلموه. وهو حسن صواب، كما قال سحنون؛ لأن معلمهم يعلمهم مصالح ~~دينهم. # قد سئل مالك عن صبيان الكتاب يصلي بهم صبي لم يحتلم، قال: ما زال ذلك من شأن ~~الصبيان وخففه. قال أبو الحسن: يريد الذين يصلون معه لم يحتلموا، ولو كان [70-أ] في ~~صبيان الكتاب محتلم، فإن صلح للإمامة قدم، وإن لم يصلح للإمامة فلا يصلى خلف ~~من لم يحتلم، ولا يقطع عن صبيان الكتاب عادتهم، لكي ms260 يتدرجوا على معرفة صلاة ~~الجماعة، وليعرفوا فضلها حتى يكبروا على الرغبة فيها، والله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين. # ذكر سؤاله عما تكون فيه الأحكام بين المعلمين والصبيان وعن أدب الرجل زوجته ~~وولده وعبده وشكواه ولده الكبير # قال أبو الحسن: قد قدمت لك من وصف ما يطيب للمعلمين، يأخذونه من المتعلمين، ~~ومن وصف ما ليس لهم أخذه، وما يكون نزاهة لأهل الورع منهم، ما فيه الكفاية ~~والبيان لما سألت عنه، وفيه ما يوجب لهم في شرطهم، فإن أراد منهم أحد ترك ما ~~دخل فيه، أو اختلفوا في [70-ب] أمر، وسعتهم الأحكام. # وسألت عن الختمة متى تجب للمعلم، وعلى أي وجه تجب له، وكيف يكون حال الصبي ~~في حفظه، وقراءته، وإجارته، فيستوجبها المعلم؟ قال: ووجوب الختمة للمعلم فيما ~~سألت عنه على وجهين: # أحدهما أن يستظهر القرآن حفظا من أوله إلى آخره، فهذا الذي تجب له الختمة ~~على نظر حاكم المسلمين، المأمون على النظر في ذلك. وتكون على قدر يسر الأب ~~وعسره؛ وقدر ما فهمه الصبي، مما علمه المعلم، مع استظهاره للقرآن؛ وليس في ذلك ~~حد موقت، إنما هو ما يرى أنه هو الواجب في عادات الناس في مثل هذا المعلم، ~~بمثل هذا الصبي، وفي حال أبيه. والوجه الآخر أن يكون الصبي استكمل قراءة ~~القرآن في المصحف نظرا، لا يخفى عليه شيء من حروفه، [71-أ] مع ما فهمه الصبي ~~مما ينضاف إلى ذلك، من ضبط الهجاء، والشكل، وحسن الخط، فيكون الاجتهاد في ~~الواجب لمعلم هذا الصبي أيضا، على قدر عادات الناس في أحوالهم، إلا أن ~~المستظهر للحفظ مع ما صاحبه من حسن خط، وضبط شكل، وهجاء، وإعراب قراءة، ~~يكون في الاجتهاد أفضل جعلا ممن لم يستظهر الحفظ، إنما قوي على تلاوة القرآن ~~نظرا؛ وما نقص تعلم كل واحد منهما عما وصفت لك، كان الاجتهاد له فيما يجب من ~~الجعل دون من استكمل ذلك. فعلى هذين الوجهين، يحمل ما يجب للمعلم على ~~المتعلم إذا هو استكمل ختم القرآن. وهذا إذا لم يكن شرط المعلم ms261 للختمة جعلا ~~مسمى. فأما إن شرط ذلك كان له ما شرط إذا حذق الصبي الوجه الذي علم من ~~ظاهر أو نظر [71-ب] فإن نقص تعلم الصبي مما علم به، نقص من الأجر المسمى بمقدار ~~ما نقص من تعلم الصبي، حتى ينتهي من نقص التعليم إلى أقل ما ينفعه، فيكون له ~~بمقدار المنفعة التي له فيه. وإن كان لم يشترط للختمة شيئا مسمى، حتى يكون ~~للمعلم فيها إذا أحذقها الصبي الاجتهاد، فنقص حذق الصبي حتى ينتهي إلى ما لا ~~يسمى تعلما، في إجادته، ومعرفته بالهجاء والشكل، والنظر في المصحف، فبأي ~~شيء ختم هذا؟ ما لهذا ختمة: يملى على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا ~~يضبطها، ولا يستمر في قراءتها. معلم هذا قد فرط فيه، إن كان يحسن التعليم، وإن ~~كان لا يحسن التعليم، فقد غرر. ورأي العلماء أن مثل هذا المعلم يستأهل الأدب ~~لتفريطه فيما وليه، وتهاونه بما التزمه، وأن يمنع من التعليم؛ وهو صواب، إذا ~~كان شأنه التفريط أو الغرور بتعليمه وهو لا يحسن. ورأي [72-أ] بعضهم أن مثل هذا ~~المعلم لا يستأهل الإلزام، بل يستأهل اللوم، والتعنيف والغلظة والتأنيب من ~~الإمام العدل. فإن اعتذر المعلم ببله الصبي، واختبر الصبي فوجد لذلك لا ~~يحفظ ما علم، ولا يضبط ما فهم، فلم يحصل لهذا المعلم إلا إجارة حوزه ~~وتأديبه، لا إجارة التعليم، إذا لم يعرف آباءه بمكانه من فقد الفهم. لأنه ~~لو عرف أباه، فرضي له بشيء لزمه، فإذا لم يعرفه فقد غره. والمغرر لا يستأهل ~~على تغريره جعلا ولا إحسانا. وأما الصبي علم حتى تدانى من الختمة فأراد ~~الخروج من عند المعلم إلى معلم آخر، أو إلى صنعة، أو إلى ما أحب من الانتقال، ~~أو مات الصبي قبل استكمال الختمة، وهو لم يسم لها جعلا مسمى، فهو عندي ~~أصل واحد، كأن الذي بقي عليه من استكمال الختمة الثلث، أو الربع، أو أقل من ~~ذلك [72-ب] أو أقل من السدس، فإنه يكون للمعلم عندي على أبي الصبي مما يجب على ~~مثله ms262 في جعل ختمة ابنه، بمقدار ما انتهى؛ ثلاثة أرباع ذلك، أو خمسة أسداسه، أو ~~أكثر، أو أقل من ذلك. ولو كان إنما علمه نصف القرآن، لوجب له حساب ذلك. وكذلك ~~يجب عندي في الوقت للمعلم ما اشتهرت عادة وجوبه له في البلد الذي يعلم فيه مثل ~~الجعل في # لم يكن الذين كفروا ~~[البينة] ~~إذا بلغها الصبي وفي # عم يتساءلون ~~[النبأ] ~~وفي # تبارك ~~[الملك] وفي # إنا فتحنا ~~[الفتح] و(الصافات) وفي سورة (الكهف) لاشتهار ~~أداء الناس في ذلك؛ وجلوس المعلمين ورغبتهم في التعليم إنما هو لذلك. وإذا كانت ~~الإجارة على تعلم القرآن جائزة، والأخذ على ذلك بالشرط إنما هو إجارة لم يصلح ~~أن يجري إلا مجاري الإجارات [73-أ] إلا فيما اتفق على تجويزه من ترك شرط تسمية ~~الجعل. وكذلك الجعل في ختمة القرآن على من أدى الختمة المسماة، لوجوبها عليه ~~في عادة البلد، يكون أخف من الجعل في الختمة على من لا # 68 # يؤدي في الختمة المسماة شيئا. وما معنى قول سحنون: عندي أنه لا ~~تلزم ختمة غير القرآن كله، لا نصف، ولا ثلث، ولا ربع، إلا أن يتطوعوا بذلك، ~~إلا أنه لم يكن في عادة عامة الناس الأداء في ذلك، وإنما كان يفعله الأقل ~~إكراما للمعلم ومسرة للصبيان، وهذا هو سبيل التكرم الذي لا يجب به حكم. # ولما كانت الختمة في تعلم القرآن كاملا إنما وجبت على من أدى منهم # 69 # من قبل عادة العامة، فحملت على عادتهم في ذلك على وجه الوجوب، ~~وإن لم يشترط لها جعلا مسمى، وجب ذلك في كل ما فشا في العامة والتزمته ~~[73-ب] حتى صار عندها في الوجوب كمن ختم جميع القرآن. وكذلك عندي قوله، إذا ~~قيل له: فعطية العيد يقضي بها؟ قال: لا، ولا أعرف ما هي إلا أن يتطوعوا. وكذلك ~~قول ابن حبيب: ولا يجب للمعلم الحكم بالأخطار # 70 # الذي يأخذونه من الصبيان في الأعياد، ذلك تطوع، من شاء منهم ~~فعل، ومن شاء لم يفعل. وفعل ذلك حسن ممن فعله، وتكرم من آباء ms263 الصبيان ~~لمعلميهم، ولم يزل ذلك مستحسنا فعله في أعياد المسلمين. فقول سحنون وابن حبيب ~~عندي في هذا، إذا كان ذلك ليس في عامة الناس أداؤه، يرونه مما لا بد منه. فأما ~~إذا فشا في عامة الناس، وصار عند العامة مما يرونه واجبا، وعلى ذلك جلس ~~المعلمون، وإن لم يشترطوه، للعادة المنتشرة في عامة الناس في المعاوضات، واجبة، # 71 # كالهبة للمكافآت [74-أ] إذا نال الموهوب الهبة وأفاتها وجب عليه ~~قيمتها، وذلك ما أفات منها، وجب عليه العوض منه. وكذلك المعلمون عندي في هذه ~~العادات، إذا كانت مستحسنة في الخاصة، فانتشارها على ما وصفنا يوجبها. # وصواب قول ابن حبيب، ومكروه عليه أن يفعل من ذلك شيئا، في أعياد النصارى ~~مثل النيروز والمهرجان، لا يحل لمن فعله ولا لمن يقبله من المعلمين، بل ذلك ~~تعظيم للشرك، وإعظام لأيام أهل الكفر بالله. قال: وحدثني أسد بن موسى عن الحسن بن دينار عن الحسن البصري، أنه كان يكره أن يعطى المعلم في النيروز # 72 # والمهرجان. # 73 # وقال: كان المسلمون يعرفون حق معلميهم، إذا جاء العيدان، أو دخل ~~رمضان، أو قدم غائب من سفره، أعطوه. قال أبو الحسن: ما انتشر في عامة الناس، ~~ولا قصد المعلمون إلى الجلوس عليه، من هذا الذي [74-ب] سماه الحسن رحمه الله، ~~إلا العيدين. فأما رمضان، والقدوم من السفر، فهو باق لفعل الخاصة، وعاشوراء ~~مثل ذلك. # وكذلك المذموم أن يؤخذ في أعياد أهل الكفر، يدخل فيها أيضا الميلاد، والفصح، ~~والانبداس عندنا، والغبطة بالأندلس، والغطاس بمصر، كل هذا من أعياد الكفرة، لا ~~يجب أن يطلب معلم المسلمين فيه شيئا، وإن أتي إليه بشيء في ذلك لا يقبله ~~وإن أطاعوا له به. ولا ينبغي للمسلمين أن يتطوعوا بذلك ولا يتزينوا له بشيء من ~~الزي، ولا يتهيئوا له بشيء من التهيئة، ولا يفرح الصبيان كعمل القباب في ~~الانبداس، والقصوفات # 74 # في الميلاد. كل ذلك لا يصلح من عمل المسلمين، وينهون عنه، ويأبى ~~المعلم من قبول الإكرام منهم فيه، ليعلم جاهلهم أن هذا خطأ فينتهي، ms264 ويخجل ~~مستخفهم له فيترك ذلك؛ والمؤمن للمؤمن كالبنيان [75-أ] يشد بعضه بعضا، كذا قال ~~الرسول عليه السلام. # وأما قول سحنون فيمن أخرج ولده من عند المعلم، وقال له: لا يحضر ولدي عندك ~~وقد قارب الختمة، وكانت الإجارة كل شهر. فقال: أقضي عليه بالختمة، ثم لا أبالي ~~به أخرجه أو تركه. ومقاربة الختمة عند سحنون، إذا بلغ الثلثين أو جاوز ذلك. ~~وقيل عنه: والثلاثة أرباع أبين. وعنده إذا لم يبلغ إلا لسورة يونس، أنه لا يقضي ~~له بشيء. وقال ابن حبيب: وإذا لم يشترطها المعلم، ولم يشترط أبو الغلام سقوطها ~~عنه، فأراد أن يخرجه قبل فراغه منها، كأن كانت الختمة قد تدانت بالأمر اليسير ~~مثل السور القليلة تكون بقيت عليه، فالحذقة واجبة للمعلم كلها إذا كان الغلام ~~يحفظ كما وصفت لك. وإن كان الذي بقي من الحذقة الشيء الذي له بال [75-ب] مثل ~~السدس وأقل من ذلك، أخرجه إذا شاء، ولم يكن عليه من الحذقة شيء لا جميعها، ولا ~~على حسابها. قال أبو الحسن: أما حكمها للمعلم بجميع الختمة على من قاربها، ~~فهو يعتدل فيمن حذق، وتم حذقه في المعرفة والنفاذ، واستغنى مما عنده من الخط ~~والهجاء والإجادة والإعراب، حتى صار لا يحتاج فيما بقي عليه إلى المعلم، فهذا ~~إذا خرج عند مقاربة الختمة، فلم يبق من استكماله إياها ما على المعلم فيه ~~عناء، بل تماديه مع المعلم نفع للمعلم. وأما إسقاطهما الجعل عمن لم يبلغ مقاربة ~~الختمة، وقد حذق وفهم، ولا عنت في تعليمه، فما أعرف له وجها، ولا من أين أخذه. ~~إنما ذكر سحنون أن المغيرة وابن دينار اجتمعا على أن الصبي إذا أخذ عند المعلم ~~من الثلث إلى سورة البقرة، أن الختمة واجبة إذا عرف أن يقرأه كما وصفت لك، ولا ~~يسأل [76-أ] عن غير ذلك مما لم يكن أخذه عنده؛ وقول المغيرة وابن دينار في ~~مبتدئ انتهى إلى الثلث يحسن، من قبل أن المبتدئ لا يحقق مما علم النفاذ المرفق ~~في مقدار بلوغ الثلث، هو يعد في ms265 تعلم الصغير البعيد من الميز، فصار من ~~علمه الثلثين الباقيين، هو الذي لقي التعب به ولم تضع عنه عناية الأول من ~~العناء ما يرفقه، هذا الغالب في عامة الناس. وإنما العمل في هذه الأشياء على ~~الغالب المستفيض في وصف الناس. ولم يذكر عن المغيرة وابن دينار في الذي علمه ~~الثلث الأول شيئا. وقد قال: تنازع المغيرة وابن دينار - وكلاهما من علماء أهل ~~الحجاز - في الصبي يختم القرآن عند المعلم، فيقول الأب إنه لا يحفظ، فقال ~~المغيرة: إذا كان أخذ القرآن عنده كله، وقرأه الصبي كله نظرا في المصحف، وأقام ~~[76-ب] حروفه، وإن أخطأ منه اليسير الذي لا بد منه مثل الحروف ونحوها، فقد وجبت ~~للمعلم الختمة؛ وهي على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وهو الذي أحفظ من قول ~~مالك. وقال ابن دينار: قد سمعت مالكا يقول: تجب للمعلم الختمة على قدر يسر ~~الرجل وعسره، يجتهد في ذلك ولي النظر للمسلمين. وأرى أنه إذا تنازع المعلم ~~والأب في الصبي: أنه لا يعلم القرآن، فإذا قرأ منه نظرا من الموضع الذي لو ~~كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة قضيت له بها، ولا أبالي ألا يقرأ غير ذلك، ~~لأنه لو لم يأخذه عنده لم يسأل هذا المعلم. قال أبو الحسن: فهذا سحنون ذكر ما ~~تنازع فيه المغيرة وابن دينار فوصف أن المغيرة جعل للمعلم الختمة إذا لم يبق ~~على الصبي إلا الحروف اليسيرة. ولم يصف عنه فيه إن بقيت عليه حروف كثيرة ~~[77-أ] ما يكون الحكم فيه. ووصف ما رآه ابن دينار إذا قرأ الصبي، نظرا من ~~الموضع الذي لو كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة، قضى له بها، ولا يبالي ~~ألا يقرأ غير ذلك، قال: لأنه لو لم يأخذه عنده لم يسأل هذا المعلم. فأين تصريح ~~التنازع بينهما ها هنا؟ إذا كانا وصفا ما يجب به الجعل للمعلم، ولم يصفا ما ~~يسقط به جهل المعلم، ولا وصفه واحد منهما. وقد اتفق المغيرة وابن دينار في هذا ~~الوصف أن مالكا جعل ms266 للمعلم الختمة على قدر يسر الأب وعسره، ولم يصف عنهما ~~سحنون أنهما قالا عن مالك فيمن علم ما دون الختمة شيئا. وإن كان قول المغيرة ~~في الذي يبقى عليه الحروف اليسيرة يدخل فيما حفظ عن مالك فهو حسن، إنما الطلب ~~أن يوجد لمالك إسقاط جعل المعلم فيما دون الختمة. وقال سحنون أيضا: قال [77-ب] ~~أصحابنا جميعا، مالك والمغيرة وغيرهما: تجب للمعلم الختمة، وإن استؤجر شهرا ~~شهرا، أو على تعليم القرآن بأجر معلوم، ولا يجب له غير ذلك. قال أبو الحسن: ~~وليس يظهر في قولهم ولا يجب له غير ذلك، إلا أنه إنما يجب له جعله في الختمة، ~~ليس له مع ذلك إلا ما خورج عليه في المشاهرة، إذا كان المعروف في ذلك الوقت ~~وعليه يقعد المعلم، إلا من أكرمه في الأعياد، وما أشبه ذلك من الأرفاق، التي ~~لا يقضي بها، إذ ليست معتادة فيعمل عليها، ومن حمل هذه الكلفة على أنهم أرادوا ~~أنه ليس له فيما دون الختمة شيء، فما لقوله هذا بيان. # وقال ابن حبيب: الحذقة على الحفظ لازمة لأبيه، إلا أن يكون أبوه اشترط على ~~المعلم ألا حذقة عليه سوى إخراجه، فيسقطها الشرط عنه، فأما إذا سكتا [78-أ] ~~عنهما، فهي تجب كما فسرت لك، اشترطها المعلم أو لم يشترطها؛ وإنما يختلف الحكم ~~في اشتراطها أو غير اشتراطها، إذا أراد الرجل أن يخرج ولده قبل الحذقة. فإنه ~~إذا اشترطها المعلم، مثل أن يقول: أعلمه على درهم في كل شهر، أو في كل شهرين، ~~وعلى أن لي في الحذقة كذا وكذا، كان للأب أن يخرجه إن شاء، وكان عليه من الحذقة ~~على قدر ما قرأ منها، ولو لم يقرأ منها إلا الثلث أو الربع، كان عليه منها ~~بحساب ذلك، لاشتراطه فيها ما سمي مع خراجه؛ ولو كان شارطه على أن يحذقه ولو كذا ~~وكذا، لم يكن لأب الغلام أن يخرجه حتى يتم حذقته. # قال أبو الحسن: ففرق في وصف هذا بين ما جمع الشرط فيه بشرط الحذقة وتسمية ~~الجعل عليها، ms267 أو المخارجة في كل شهر وبين شهر الحذقة [78-ب] وتسمية الجعل ~~عليها. ولم يكن مع ذلك خراج مشاهرة فيما إذا أراد أبو الصبي إخراجه قبل تمام ~~الحذقة، ولم يذكر حجة لتفرقته، ولم يكن لمن شرط وسمى لها جعلا وزاد مع الجعل ~~درهما في كل شهر، إلى أن يتم الحذقة أن يخرج ابنه قبل تمامها، ويسقط للمعلم ~~بقية شرطه مما سمي له من الجعل في جميع الحذقة، وهو لو لم يسم الخراج في ~~كل شهر لمنع أبو الصبي أن يخرجه قبل تمام الحذقة؛ لأن العقد قد أوجب على ~~المعلم قبل تمام الحذقة، وأوجب على أبي الصبي الجعل المسمى، فليس له أن ينقصه ~~منه بإخراجه ابنه قبل التمام. فإن كان زيادة الخراج في المشاهرة بشرط إلزام شرط ~~الحذقة رجع ذلك إلى حكم من لم يشترط الحذقة. فهذا الذي أردت بيانه إذ جعل على ~~أبي الصبي حصة من جعل الحذقة ، إذا أخرجه قبل [79-أ] تمامها، وهو صواب من القول. ~~فلم جعل لمن يشترط الحذقة فأخرج ابنه قبل مقاربتها، أنه لا يغرم شيئا من ~~جعل الحذقة؟ فإن قيل لأنها لم تشترط، ولم يسم لها جعلا مسمى، قلت: فإذا ~~كمل هذا الختمة، ولم تكن اشترطت، ولا سمي لها جعل، وقد كان يؤدي مشاهرة أو ~~مساناة خراجا فلم جعل عليه حق الختمة وهو لم يسم ولم يشترط؟ ولم يكتفيا ~~من ذلك بما كان يؤدى من المشاهرة؟ فإن قيل: لأن العادة قد جرت في الناس بأداء ~~الختمة إذا كملت وتجعل بالاجتهاد على قدر أحوال أبي الصبي، وقدر ما انتهى ~~إليه حذق الصبي من معرفة ما حفظ، قيل # 75 # فهذا الذي يوجبه الحكم، ولا كراهية فيه، ولا إباء منه، مقامه ومقام ~~شرط التسمية سواء. إذا أخرج الصبي أبوه قبل تمام الختمة، يجب عليه ما يوجبه ~~الاجتهاد في الختمة، لو كانت حصته بقدر ما تعلم من الختمة، كما يجب في التسمية ~~التي له أن يخرج إليه قبل تمامها. [79-ب] هذا وجه القياس فيما عندي والله أعلم. ~~وكذلك قول ابن ms268 حبيب أيضا: ولا يجوز للمعلم إذا اشترط الحذقة مع الخراج إلا أن ~~يسمي لها شيئا معلوما. فأما أن يقول أعلمه كل شهر بدرهم، على أن الحذقة لي ~~واجبة، وسكت عن تسميتها، فلا يجوز ذلك إذا اشترطها، فلا بد لها من تسمية. قال ~~أبو الحسن: هو يجعل لأبي الصبي في هذه المسألة يخرجه متى شاء قبل الختمة، كأنه ~~لم يلتزم الحذقة، ثم يمنع من أن يشترط حتى يسمى لها جعل مسمى. وإذا كان لأبي ~~الصبي أن يسقط ما سمى له جعلا من هذا، لم لم يكن إدخال هذا الشرط فيها من ~~التغرير بالمعلم؟ وإذا جاز هذا بالغرر # 76 # الذي فيه لم لم يجز، إذا لم يسم الخراج، ما هو حتى يبينه الاجتهاد ~~فيه، عند الحاجة إليه: التغرير فيهما واحد [80-أ] والله أعلم. واعلم أني ما ~~ذهبت إلى أن يجعل للمعلم حصة مما يوجب الاجتهاد في الختمة إذا كملت، إذا أخرج ~~الصبي أبوه، ولم يستكملها وقد تعلم منها شيئا؛ لأني رأيته من وجه الإجارة ~~التي لم يشترط لها غاية، فما نيل منها كان عليه الواجب فيه، ولم يبطل عناء ~~الأجير، وكذلك المجاعلة على الشيء الذي لم يشترط كماله إلزاما، فعمل فيه ~~العامل ما شاء ثم ترك. فإن كان لرب العمل فيما عمل منفعة ينتفع بها، وأدى ~~حصتها من الجعالة، فلم لا يكون لمعلم الصبي لم يستكمل تعليم الختمة هكذا؟ وهو ~~لو علم سورة واحدة لانتفع بها المتعلم، والمعلم لم يعلمه حسبة، وإني لأرى ~~رأيي بمنصوص قول مالك. قلت: في ذلك قال مالك في الذي يعلم الصبيان إنه إذا ~~اشترط سنة أو سنتين فذلك له لازم، وإن لم يكن شرط مسمى، فأراد أن [80-أ] ~~يخرج أو يخرج عنه الصبي فله بقدره ما علم. وكذا روى ابن القاسم وابن وهب عن ~~مالك في سماعيهما، وفي موطأ ابن وهب. وقال ابن حبيب: سمعت مطرفا يقول: قال ~~مالك وجميع علمائنا بالمدينة: لا بأس بأخذ الأجر على تعليم الصبيان الكتاب ~~والقرآن، والاشتراط على ذلك سنة أو سنتين. ms269 فإذا كان ذلك، لم يكن لأب الغلام أن ~~يخرجه حتى يستوفي الشرط، وإذا لم يكن شرط مسمى، فلا بأس أن يخرجه إذا شاء، ~~وعليه قدر ما علمه. فهذه الروايات قد اجتمعت على أن للمعلم حصته بمقدار ما ~~علم. وما ذكر في هذه الروايات من شرط تمام حذقة، ولا تسمية جعلها، وإنما منع ~~أبو الصبي من إخراجه في هذه الروايات إذا كانت الإجارة فيه أجلا معلوما، بشرط ~~سنة أو سنتين [81-أ] فإذا لم يكن شرط أجل مسمى، لم يكن لإخراج الصبي مانع. ~~وكذلك المعلم إن أراد الترك. هذا ما في هذه الروايات عن مالك بين لا إشكال ~~فيه. والذي قدمناه من رواية مطرف هو عند ابن حبيب، ولكنه لم يستعمله في جميع ~~وجوه المسألة. قال: ونحن نوجب للمعلم الحذقة، ونرى أن يحكم له بها في النظر ~~والظاهر على قدر الغلام، وقدر درايته، وقدر حفظه في حذقة الظاهر، وقدر معرفته ~~بالهجاء والخط في حذقة النظر؛ وليس لها قدر معلوم، وليس كل الناس فيها سواء، ~~وليس ذو الفقر من الآباء كغيره من الغني، وإنما رأينا أن يحكم بها لأنها ~~مكارمة جرى الناس عليها فيما بينهم وبين معلمي صبيانهم بمنزلة هدية العرس. ونحن ~~نرى أن يحكم بها على قدر الرجل، وقدر المرأة، وليس لها قدر معلوم. وكذلك ~~الحذقة. وقد كاشفت [81-ب] عن ذلك أصبغ بن الفرج وغيره من أهل العلم والفقه، ~~فأوضحوا لي من ذلك ما أوضحت لك، وأسقطوا ذلك عن المعلم في حذقة الظاهر، إذا لم ~~يستظهر الغلام فيها شيئا، أو يستظهر فيها اليسير وفاته الكبير. فأما أن يخطئ ~~في السورة الحرف والأحرف اليسيرة وهو مستمر في القراءة، إلا أنه يخطئ، ويعثر، فليلقن، # 77 # فهو عندي حفظ يجب للمعلم به أن يكافأ. وليس الذي يخطئ كالذي لا ~~يخطئ في قدر ما يعطي. فانتظر كيف جعل جعل المعلم في الحذقة، إنما هو مكافأة ~~على وجه التكارم. وكذلك قال في حذقة النظر إنما يجب للمعلم فيها أن يكارم ~~ويكافأ، إذا كان الغلام يتهجى تهجيا حسنا، ms270 ويخط خطا جميلا، ويكتب ما يملى ~~عليه، ويقرأ نظرا ما أمر بقراءته. فأما إذا لم يحسن الهجاء ولم يحكم الخط، ولم ~~يقرأ شيئا نظرا [82-أ] فلا يجب للمعلم في ذلك شيء، بل يجب عليه ما وصفنا فوق ~~هذا من التأنيب والتعنيف. # قال أبو الحسن: أما صبي هذا وصف ما تعلم، فما تعلم شيئا، وقد قدمنا أن هذا ~~لا يجب للمعلم فيما علمه جعل، وفسرنا الواجب عليه قبل هذا عند ~~العلماء. # وأما قول ابن حبيب: إن الحكم بها عنده بمنزلة هدية العرس، قال: ونحن نرى أن ~~يحكم بها، فاعلم أن هدية العرس قد قيل لمالك: فهدية العرس إذا طلبتها المرأة ~~وأبى الزوج، قال مالك: لا أرى لها فيه حقا، ثم قال: قال الله عز وجل: # وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ~~(النساء: ~~4) فليس الهدية من الصداق، ولا أرى فيه حقا، ولا أرى ما نحلها عند اختلائه ~~يلزمه. فقيل لمالك: فإن الذي عندنا في هدية العرس، مما يعمل به جل الناس، حتى ~~إنه ليكون في ذلك الخصومات، أفترى أن يقضي به؟ فقال: إذا كان [82-ب] قد عرف من ~~شأنهم وهو عملهم، لم أر أن يطرح ذلك عنه، إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه ~~أمرا قد جروا عليه. قال ابن القاسم: وقد قال مالك مثل هذا: لا أرى لهم ذلك إلا ~~أن يشترطوه، وهو أحب قوليه إلي. قال أبو الحسن: فانظر كيف وقع جواب مالك ~~رحمه الله، أولا في هدية العرس واحتجاجه على ذلك بما في كتاب الله، فلما وصفوا ~~له ما جرى في أكثر الناس قال: إذا كان قد عرف ذلك من شأنهم، وهو عملهم، لم أر ~~أن يطرح ذلك عنه، إلا أن يتقدم فيه السلطان؛ لأني أراه أمرا قد جروا عليه؛ ~~فبين مالك رحمة الله عليه أن ما اشتهر الناس وجروا عليه من ذلك، أن الزوج مأخوذ ~~به، لأنه عليه قدم. وهكذا يجب أن يكون العمل في المعلمين، ما جرى في الناس سنة ~~لهم جائزة، أن آباء الصبيان [83-أ] مأخوذون به لهم، ms271 إذا على ذلك جاء الآباء ~~بأبنائهم، وعليه قعد المعلمون لصبيانهم؛ على أن هدية العرس إنما هي شيء يقدم ~~للمرأة عند الدخول بها، لتدخل به، فالانتفاع بالمرأة مستقبل، وانتفاع الصبيان ~~بالمعلم قد نالوه في القدر الذي علمهم إياه، فبأي وجه يطرح ذلك عن آباء ~~الصبيان، وهم مأخوذون بجميعه، إذا استكملوا الختمة على شرطهم من ظاهر أو نظر؟ ~~إنما استحب ابن القاسم الأخذ في هدية العرس بالأول من قول مالك، من قبل أن عقد ~~النكاح قد وجب، واستحلال الفرج قد ثبت بالصداق المسمى، لا خيار للمرأة بعد في ~~التمادي على ذلك. والمعلم ما لزمه ذلك، إذا لم يشترط عليه. وكذلك آباء الصبيان ~~إذا لم يكن عليهم شرط يمنعهم من إخراج أبنائهم، لم يلزمهم التمادي، فليس لهم من ~~ذلك مثل ما للزوج [83-ب] والزوج أيضا لو اختار الفراق قبل البناء، وجب عليه ~~نصف الصداق، وهو ما انتفع منها بشيء، وإن كان لم يفرض لها شيئا قبل الطلاق، لم ~~يفرض لها بالطلاق شيء، وصار أمرها إلى المتعة التي لا يحكم بها، إذ هي حق على ~~المحسنين، وعلى المتقين، فيمن دخل بها، فلأن اسم التكارم مما لا يحكم به. فأما ~~ما يوجب الحكم، فالتكارم فيه لمن يريد، على الواجب عليه، وإنما المتعة عوض ~~للزوجات من أشياء منه كن يؤملنها. وأخذ المعلم إنما هو عن شيء عمله، فهو بما ~~شبهناه من الجعالة، ومن مكافأة الهبة للثواب أشبه، وفي بابها أدخل. وقد أجروا ~~مسائل منه على معاني البيوع. # قال سحنون: وقد سئل بعض علماء أهل الحجاز منهم ابن دينار وغيره، أن يستأجر ~~المعلم جماعة، وأن يقرض على كل واحد ما ينوبه [84-أ] فقال: يجوز إذا تراضى بذلك ~~الآباء؛ لأن هذا ضرورة، ولا بد للناس منه، وهو أشبه. وقال: هو بمنزلة ما لو ~~استأجر رجل عبدين من رجلين، لكل واحد عبد، وإنما ذلك بمنزلة البيع، في كتاب ابن ~~سحنون؛ وابن القاسم لا يجيز هذه الإجارة؛ لأنه لا يجيز ذلك في البيع، والله ~~أعلم. # قال أبو الحسن: نعم قد ms272 منع ابن القاسم من جوازه في البيع، وفي الإجارات، إذا ~~لم يكن معلوما؛ ومنع أيضا أن يجمع في النكاح بعقد واحد وصداق واحد، على ~~امرأتين أو أكثر، إذا لم يسم لكل واحدة صداقها على حدته. وما عقد هذا المعلم ~~على الصبيان الذين آباؤهم شتى، إلا من هذا الباب، يجري فيه كله الاختلاف؛ وليس ~~هذا موضع التكارم الذي بنى عليه ابن حبيب، وذكر أنه كاشف عن ذلك أصبغ وغيره من ~~أهل العلم والفقه، ونكب عن اسم مطرف وابن الماجشون. ولو كان عنده منهما لبدأ ~~بهما وبمن عنده عنه [84-ب] من ذلك شيء منهما، أو بعبد الله بن عبد الحكم لو كان ~~عنده منه شيء. وقد تقدم ما عنده من رواية مطرف، عن مالك وغيره من علماء أهل ~~المدينة، وهو مخالف لما بنى عليه حسب ما بينا. والله أعلم، وهو ولي ~~المتقين. # وما أرى سحنون قصد لما قاله: فمن لم يقارب الختمة ، ممن لم يشترط، فأخرجه ~~أبوه، أنه لا شيء عليه، إلا أنه كان هو المفهوم عنده من قول المغيرة وابن دينار ~~الذي قد تقدم، والله أعلم. وقد قدمت البيان عن ذلك وجواب مسائلك في هذا المعنى، ~~قد أتى عليه جميع ما وصفنا، واضح لا إشكال فيه عليك ولا على غيرك، إن شاء ~~الله. # ومسألتك في الذي علمه معلم بعض القرآن، ثم خرج من عنده إلى معلم آخر ~~استكمل عنده الختمة، يجري على ما بينت لك: يكون للمعلم الأول بمقدار ما علم ~~نصفا ونصفا، أو ثلثا وثلثين، أو ربعا وثلاثة أرباع، ينظر الحاكم فيما يجب ~~[85-أ] على أبي هذا الصبي في الختمة كلها، على قدر يسره وعسره، وما انتهى إليه ~~ولده من الفهم فيما تعلم. فإذا عرف منتهى ذلك الجعل، غرمه أبو الصبي، ~~واقتسمه المعلمان، على قدر عناء كل واحد منهما، وما وصل إلى الصبي من نفع ~~تعليمه، يجتهد في ذلك. وربما جعل للأول جميع ذلك، أو ينقص منه قليل، فيعطي ~~للثاني، وذلك إذا كان الأول قد بلغ من تعليم الصبي إلى ms273 مقاربة الختمة نظرا أو ~~استظهارا، حتى بلغ من الحذق في ذلك إلى الاستغناء عن المعلم، فكان خروجه إلى ~~الثاني لا يزيد علما في تعليمه، فأي شيء يكون لهذا؟ إلا أن يكون له شيء في ~~إمساكه وحياطته للصبي، فذلك ليس على الأول منه شيء، وقد يكون له في كتابة ما ~~بقي عليه، وإن كانت سورة البقرة، زيادة قوة غرض ينتفع به، فهذا يجتهد له فيما ~~يعطي من ذلك الجعل؛ وقد يكون الجعل يجب للثاني كله، وقل ما ينال منه الأول، ~~وذلك أن يبتدئ في تعليم الصبي، فقل ما لبث عنده، حتى أخرج عنه ولم [85-ب] ينل ~~من التعلم شيئا له فيه منفعة، لعوج قراءته في سور يسيرة تعلمها، ولا خط ولا ~~هجاء، فأي شيء يستأهل هذا في التعليم؟ ولو كان قد نال الصبي من فهم ما علم ~~شيئا، وعرف ما هو، لأخذ المعلم بمقدار ذلك. فإن كان فيه مرفق للمعلم الثاني ~~بما نبه منه المعلم الأول، وخروجه فيه، نقص ما يصيب ذلك القدر من جعل الختمة، ~~فيأخذ الأول، ويدفع سائر الجعل إلى الثاني. وإن تبين أن ليس للثاني مرفق على ~~حال بما علمه الأول، لم ينقص من الجعل شيئا، وكان ذلك على أبي الصبي؛ لأنه ~~باختياره نزعه من عند الأول. وكل هذا مفاد قول مالك الذي ذهب إليه. # وأما سحنون فقال: إن علمه الأول إلى يونس، فالختمة للثاني. وإن جاوز الأول ~~ذلك إلى ثلثين أو زاد على ثلثين في معنى ما قال، لم يقض للثاني بشيء. قال: ~~وأستحسن أن يرضخ له بشيء استحسانا، وليس بالقياس. وهذا على أصل الذي قدمت لك ~~وصفه، وعرفتك [86-أ] وجه مذهبي فيه. # وأما سؤالك عن معلم قوم نزل بهم ما اضطرهم إلى الرحيل، فرحلوا: بعضهم إلى ~~مكان وبعضهم إلى مكان آخر، أو رحل بعضهم، وثبت بعضهم في البلدة. ما يصنع هذا ~~المعلم؟ فالجواب أن ينظر إلى ما عاقدهم هذا المعلم عليه، فإن كان إنما جلس على ~~المشاهرة شهرا بشهر، أو سنة بسنة، فالحكم فيه أن يترك ms274 تعليمهم متى شاء، ~~ويتركوه متى شاءوا، والحكم بينهم فيما قد علم لهم، على ما قد بينا قبل هذا، في ~~الذي له أن يخرج ولده. ولا يلتفت في هذا العقد إلى خروجهم كان بغلبة أو بغير ~~غلبة. إنما للمعلم بقدر ما علم، رحلوا عنه، أو رحل عنهم. ولو كان عقد معهم على ~~سنة بعينها، أو أشهر بأعيانها، نظر فيما نزل بالقوم، فإن كان ما لا يجدون معه ~~ثباتا، ولا بد لهم من الرحيل عنه، لما نزل بهم من بلاء لا يطيقونه بفتنة أو ~~مجاعة، فهم في رحيلهم معذورون، وليس عليه أن يتبعهم في الأسفار، لم يستأجروا ~~على [86-ب] ذلك. فإن رجعوا في بقية من المدة، رجع إليهم في تلك البقية، وسقط ~~عنهم من الأجر بحساب الأيام التي حيل فيها بينه وبينهم؛ لأنهم لم يمنعوه من ~~السير معهم، ولا مسكوا أولادهم عنه طوعا، وليس عليهم أن يستكملوا له الأجر، ~~وهو لم يستكمل عمل الأجل، ولو كان قد حاسبهم عند رحيلهم وفاسخهم، لم يلزمه إن ~~رجعوا بقية من المدة، أن يرجع إليهم؛ وإن كان رحيلهم طوعا، فليس لهم أن ينقصوا ~~إجارته. فإن أحبوا الرحيل بأولادهم دفعوا إليه أجره كاملا، وصنعوا ما شاءوا. ~~فإن رحل بعضهم مقطوعين، وثبت بعضهم، فالحكم بينه وبين الراحلين كما تقدم في ~~رحيل جميعهم متطوعين، ويلزمه وفاء الأجل للثابتين، ولو لم يثبت منهم إلا واحد؛ ~~لأنه يأخذ أجره كاملا، وتخف عنه مئونة من غاب عنه ما دام غائبا. وأما إن كان ~~رحيل من رحل عن قهرة غلبته على ذلك فذهب بولده، فهو عندي عذر تنفسخ به الإجارة ~~بينه وبين الراحلين، ويحاسبهم، ثم ينظر فيمن بقي ممن لم يرحل، فإن كانوا هم ~~الأكثر، ولم ينتقص عليه ما يضربه، فهو يوفي الثابتين أجلهم. وإن وجد من يعلمهم ~~مكان الراحلين كان له ذلك، إذ لا مضرة على المقيمين في ذلك. وأما إن كان ~~الراحلون هم الأكثر ولم يبق من المقيمين إلا من عليه في الثبات معهم المضرة ~~البينة، فهو عندي عذر له، إن ms275 شاء أن يفاسخهم فعل، وإن شاء أن يثبت معهم فعل، ~~وله إن وجد عوضا من الراحلين فيعلمهم، ولا يمنع من ذلك أيضا. # وأما سؤالك عن معلم أراد أن يحول كتابه من موضع إلى موضع قريب أو بعيد، ~~فأبى بعضهم، ورضي بعض، فهذا أيضا إنما ينظر فيه [87-أ] إذا كان شرط المعلم ~~لازما ليس له أن يخرج منه، فإذا كان كذلك، فإن كان # 78 # المكان الذي صار إليه لا مضرة فيه على الآتين منه، ولا مشقة، ولا ~~خوف، وقد يكون الصغير من الصبيان أن يعنته ذلك أو يكلف أهله مئونة تضر بهم ~~وتشغلهم، فإن لم يكن من ذلك، لم يمنعوا من انتقال من هذه صفته، فإن كان فيه ~~مضرة على واحد منهم ممن أبى منه، لم يكن له التحول عن مكان على التعليم فيه ~~وقعت الإجارة، يرفق من كان له الرفق فيه واجبا، وإلى مكان يضر به وهو ... # 79 # وأما إن مات المعلم فالإجارة منفسخة، لا يستأجر من ماله من يعلم مكانه، وله ~~من الإجارة بحساب ما علم من الأجل، ومن جعل الختمة بمقدار ما علم من القرآن ~~حسب ما تقدم [87-ب] تفسيره؛ وكذلك إذا مات الصبي سواء، إنما للمعلم من الإجارة ~~بحساب ما علم، وكذلك من جعل الختمة. # وأما إذا مات أبو الصبي فلا تنفسخ الإجارة، ولكن إن كان لم يقبض المعلم شيئا ~~فهو يأخذ من تركة الميت حساب ما مضى، وما بقي من الأجل فيما ينوبه، يؤخذ من مال ~~الصبي إن كان له مال ورثه من أبيه، أو من غير ذلك، وإن كان لم يكن للصبي مال، ~~فللمعلم أن يفسخ الإجارة، إلا أن يشاء أن يتطوع للصبي بذلك، ولا يتبعه بشيء ~~رجاء أن يتيسر. هذا لا يلزم الصبي، وإن أبى المعلم من التطوع، فتطوع غيره ~~من أولياء الصبي، أو من غيرهم، بأن يدفع ذلك للمعلم، ثبتت الإجارة ولم تفسخ، ~~والله ولي التوفيق. # وأما سؤالك عن صبي أدخله أبوه الكتاب بغير شرط، هل يلزمه ما يلزم صبيان ~~الكتاب؟ وربما [88-أ] ms276 كان الشرط يختلف؛ وعن يتيم رمى نفسه في الكتاب، فهل ~~يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من غيره؟ قال أبو الحسن: إن كان لليتيم مال لزمه في ~~ماله مثل ما يؤدي من هو مثله، وكذلك الأب يؤدي عن ابنه مثل ما يؤدي مثله، ~~وذلك هو إجارة المثل، اختلف الشرط أو لم يختلف. إنما يحتاج إلى ذكر اختلاف ~~الشرط عن إسلام الصبي للكتاب، فيقال له: نؤدي إليك كما تأخذ من غيرنا في ~~الشهر. فهنالك ينبغي ألا يعقد على هذا الإجارة، حتى يبين كيف أخذه من الصبيان ~~على اختلافه. وأما إن كان ليس لليتيم مال، فعلمه المعلم، فليس له عليه أجر، هو ~~متطوع في ذلك، ليس له أن يتبعه به. وأما إن أتت بالصبي أمه إلى المعلم أو غيرها ~~من الناس، فسأله تعليمه، فهو المطلوب [88-ب] بإجارة التعليم إن كان ليس لليتيم ~~مال، إلا أن يبين الذي جاء به المعلم أنه ليس له مال، ولا له من يؤدي عنه، ~~فحينئذ ليس للمعلم أن يطلب منهم إجارة. # وأما قولك في المعلم: كيف يشارطهم؟ فقد تقدم في نصوص المسائل شرح ذلك عن مالك ~~وعن غيره؛ وشرطكم الذي ذكرت أنه يقع على الغنم، فإذا كانت الغنم مؤجرة لم يجز ~~إلا أن تكون مضمونة، على صفة معلومة، إلى أجل معلوم، يجوز في مثله السلم، مثل ~~ما إذا أوجر نفسه بها في خدمة، وشرع في العمل؛ وكذلك المعلم إذا شرع في ~~التعليم، أو كانت إجارته أجلا معلوما، فإذا حل أجل الغنم، جاز أن يقبض من ~~المعز ضأنا، ومن الضأن معزا، وأما إذا لم يحل الأجل، لم يصلح أن يأخذ غير ~~شرطه، كما لا يصلح في البيوع. وكذلك لو استأجر [89-أ] نفسه بطعام مضمون، أو ~~بطعام بعينه على الكيل، لم يجز له أن يبيع شيئا من ذلك حتى يستوفيه. # وأما سؤالك عما يتعدى به المعلم في ضرب الصبي، فترقى إلى ما هو أكثر من ~~الضربة، فهذا إنما يقع من المعلم الجافي الجاهل، وقد قدمت لك نهي المعلم عن ضرب ms277 ~~الصبي وهو غضبان. والضرب على التعليم إنما هو لخطأ الصبيان، فما يصلح أن يضربهم ~~به إنما هي الدرة، وتكون أيضا رطبة مأمونة، لئلا تؤثر أثر سوء. وقد ~~أعلمت أنه يجتنب ضرب الرأس والوجه، فما لهذا يضرب بالعصا واللوح. قال في كتاب ~~ابن سحنون: سئل مالك عن معلم لو ضرب صبيا ففقأ عينه، أو كسر يده، فقال: إن ~~ضربه بالدرة على الأدب، وأصابه بعودها فكسر يده، أو فقأ عينه، فالدية على العاقلة، # 80 # إذا فعل ما يجوز. [89-ب] فإن مات الصبي فالدية على العاقلة ~~بالقسامة، وعليه الكفارة. فإن ضربه باللوح أو بعصا فقتله، فعليه القصاص؛ لأنه ~~لم يؤذن له أن يضربه بعصا، ولا بلوح. قال أبو الحسن: إنما كانت الدية على ~~العاقلة في الذي أصاب الصبي بعود الدرة، من قبل أن ضربه بالدرة للصبي ~~جائز، فمصادفة عود الدرة الصبي لم يقصد إليه المعلم، وكان خطأ، وكانت فيه ~~القسامة إن مات، من قبل أنه إنما يعلم بإقرار المعلم على أحد الأقاويل، ولو ~~حضره شاهدان، ومات في مقامه، ما كانت فيه قسامة، وكانت الدية على العاقلة. وأما ~~العصا واللوح فقصد إلى ضرب الصبي بهما تعد منه فليس له عذر أكثر من أنه غضب ~~فتعدى الواجب، فاستأهل القود، وهو مأخوذ بإقراره في ذلك [90-أ] فلا قسامة ~~فيه. وقد قال سحنون: إذا ضرب المعلم الصبي ما يجوز له أن يضربه، إذا كان مثله ~~يقوى على مثل ذلك، فمات أو أصابه منه بلاء، لم يكن على المعلم شيء غير الكفارة ~~إن مات؛ وإن جاوز، ضمن الدية في ماله مع الأدب؛ وقد قيل على العاقلة مع ~~الكفارة. فإن جاوز الأدب فمرض الصبي من ذلك فمات، فإن كان جاوز بما يعلم أنه ~~أراد به القتل أقسموا، وقتلوه به الأولياء. وإن كان لم يجاوز بما يرى أنه أراد ~~به إلا على وجه الأدب، إلا أنه جهل الأدب أقسم الأولياء، واستحقوا الدية قبل ~~العاقلة، وعليه هو الكفارة. قال أبو الحسن: تفسير حسن. وقوله فيما يصيب الصبي ~~مما للمعلم أن يوجبه ms278 به: لا شيء على المعلم غير الكفارة إن مات، [90-ب] معناه ~~أن المعلم ضرب الصبي ثلاثا بالدرة، أو أكثر من ذلك، لاستئهاله إياه، ~~وطاقته عليه، ولم يتجاوز الواجب في صفة الضرب. فمن أجل ذلك لم يكن فيه غرم، ~~كالذي يموت من جلد وجب عليه في حد فهو هدر قتيل الحق. وأما إذا جاوز أدبه ~~الواجب من الأدب عن غلط بين، كان هو الذي تحمله العاقلة. وإن كان في مجاوزته ~~إشكال، فالدية في ماله، ويحتمل أن تكون على العاقلة، إذ كل شيء يستطاع القود # 81 # منه، فيمنع منه مانع، وهو حاظر في الفاعل، فالدية فيه على العاقلة، ~~كالمأمومة والجائفة إذا تعمدتا. وما الوجه فيما أشكل من زيادة المعلم إلا أن ~~يكون في ماله. والله أعلم. # قال سحنون: وإن كان المعلم لم يل الفعل [91-أ] وإنما وليه # 82 # غيره بأمره، كان الأمر على المعلم كما فسرت لك، ولا شيء على ~~المأمور. فإن كان - يعني المأمور - بالغا، فمن أصحابنا من رأى الدية على ~~عاقلة الفاعل، وعليه # 83 # الكفارة، يعني على الفاعل. ومنهم من رأى الدية على عاقلة المعلم، ~~وعلى الفاعل الكفارة. والله أعلم. # وأما سؤالك عما وجب في ذلك من الدية على العاقلة كيف الأمر فيها، وليس بجارية ~~عندنا، ولم تبين لم لم تكن جارية عندكم، فإن كنت ترى أنه ليس لكم عواقل مضبوطة، ~~ولا تقدرون أن تحيطوا بذلك، ولا تعرفوه، فإن القول فيمن لا عاقلة له، أن ~~جنايته في بيت مال المسلمين، وعلى الجاني في قتل الخطأ عتق رقبة. # وإن كنت تريد أن الحكم بها ضيع عندكم، وأما العواقل فمعروفة، فاعلم أن ~~المعاقلة إنما كان أصلها في العرب [91-ب] لحملها فخذ الجاني إن أطاقوا ذلك، وإن ~~لم يطيقوه ضم إليهم أقرب الأفخاذ إليهم، ثم الأقرب إليه، فإن فرغت القبيلة، ولم ~~تطق حمل الدية فتضم إلى القبيلة أقرب القبائل منها. وكذلك جرى في الإسلام ~~أمرهم. وإنما تضم إلى هذه العاقلة من يحمل معها ممن وصفنا، من كان إقليمه ~~الإقليم الذي فيه الجاني لأن ms279 ديوانهم واحد، ليس بضم المصري إلى الشامي، ولا إلى ~~الإفريقي. فإن ضبطتم عواقلكم، وصحت عندكم، وثبتت لديكم، فهكذا يكون انضمام ~~الأفخاذ والقبائل في حمل العاقل، ليس بضم إلى فخذ الجاني ولا إلى قبيلته من هو ~~في جواره، إذا كان نسبه غير نسبه. وكذلك لا يضم إليه من كان من نسبه إذا كان ~~إقليمه من غير إقليمه. فافهم ما وصفت لك، واستعن بالله. # وأما قولك: [92-أ] وهل ينبغي للرجل أن يؤدي ما وجب عليه، يعني من الدية إلى ~~أولياء المقتول، ويكون بها بريئا في الدنيا والآخرة، فإن الرجل الذي يفعل هذا ~~منصف من نفسه، ولا يلزمه إلا ذلك، لو ودت # 84 # العاقلة. ولزومه أيضا إياه مع العاقلة مؤجلا في ثلاث سنين. فإذا ~~نجزه وجعله ذهبا إن كان من أهل الذهب، أو ورقا إن كان من أهل الورق، أو عرضا ~~من العروض يفي بالذي عليه أو أكثر منه قيمة أو أقل، فذلك جائز إذا عجل العروض ~~ولم يؤخرها. فإن قبل ذلك منه برئ، وإن أبى من له قبوله، فإن أراد تركه له، ~~وتخيلته منه، فلا بأس إذا أسقط قدره عن بقية العاقلة؛ وإن كان إباؤه من قبوله ~~جهلا يريد أن يأخذ منه ما على غيره، فليس على هذا المتطوع أكثر من بذل ما ~~عليه، فإن لم يؤخذ منه، أوقف الواجب عليه عند أمين. وإن أحب ألا يخرجه إلى ~~أمين، أو يضره إمساكه [92-ب] لأنه إن تلف عند الأمين لم يبرأ منه، ولكن لو ~~أوقفه حاكم من حكام المسلمين أمين مأمون عند عدل مأمون، فإن كان دفع ذلك إلى ~~العدل كما وجب عليه العين نفسها، على ثلاث نجوم، # 85 # كلما حل نجم دفع ثلث الواجب عليه، فهو يراه له. وإن أبى من هذا ~~كله، بأن أحب أن يتصدق بالواجب عليه من الذي يستأهله بالميراث، وإن أحب صنع به ~~ما شاء. فإن هو قبله متى ما طلب به أخذ منه. وهذا كله إذا استوى أن للجاني ~~عواقل على ما وصفنا تحتمل ذلك، فإن لم ms280 يثبت ذلك، وصار وجوب هذه الدية على بيت ~~المال، فليس على هذا الرجل شيء، ولا على غيره، من قرابة الجاني. فافهم. فقد ~~فسرت لك جميع ما سألت عنه حسب ما أمكنني، لضيق الوقت. # وسألت هل يؤدب الرجل امرأته؟ فاعلم: أن أدبه إياها [93-أ] مأخوذ من كتاب ~~الله. وذلك قوله عز وجل # واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ~~إن الله كان عليا كبيرا ~~(النساء: 34). فكذلك كل شيء ~~يجب عليها أن تطيعه فيه، إذا كان هو مؤديا إليها حقوقها، وسالما من ظلمها، ~~فله أن يؤدبها عليه. وأدبه إياها يكون بقدر استئهالها. وكذلك قال فيه العلماء. ~~فإن ضربها على وجه التأديب لها ففقأ عينها، أو أعنتها، إن ذلك من الخطأ، تحمل ~~العاقلة ما بلغ الثلث منه فصاعدا، وإن أنكرته ما ادعاه قبلها من خلافه، فهذا ~~لا ينتهي منها إلى ما يوجب من ضربها وإلا ولا بد أن يسمع في الأهلين والجيران؛ ~~لأن أدبه إياها ليس يقع في أول مرة، فإن ادعى عليها ما لم يسمع منها، وما لم ~~يعرف به عند أحد من الأهلين ولا الجيران [93-ب] وظاهرها الصحة والسلامة، لم ~~يقبل قوله عليها. وينبغي له إذا كانت هذه صفتها، أن يطلع - على ما ينسبه ~~إليها - من يوثق به من الأهل والجيران، قبل أن يظهر عليه بسط يده إليها. فإن ~~لم يمكنه أن يظهر عليها ما ينسبه إليها، فقد ابتلى، فإن شاء تماسك بها على ما ~~يرى، ويؤدبها إن حق له أدب مأمورا عليها، ولا يتجاوز فيه أدبه لها، كأدب ~~المعلم لصبيانه، سالما من العطب والحمية، لأنه إنما يؤدبها لمصلحها له ~~ولنفسها. # وأدبه لابنه الصغير هو مأمور فيه حتى يظهر منه الجفاء وسوء الخلق، فيزجر عنه. ~~إنما السبيل في أدب من يريد صلاحه، أن يؤدبه في غير عطب ولا حمية، إذ هو ليس ~~على باب العداوة. وكذلك عبده وأمته، إليه أدبهما [94-أ] فيؤدب كل واحد منهما ~~على قدر جرمه أدبا عدلا ليس لعدده حد يقتصر ms281 عليه، حتى يظهر منه الظلم لعبده ~~والعتو عليه فيرد عنه وينهى، كما جاء «إن الله يحب الرفق في الأمر كله.» # 86 # قال الرسول عليه السلام: «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم ~~فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم.» # 87 # وسألت عن الوالد يشكو ولده الكبير، ويذكر عنه أنه يعقه، ويعق أمه، فاعلم - رحمك الله - أن الولد إذا احتلم، وملك أمره، فقد ارتفع عنه نظر والده، وبقي على ~~الولد حق الوالدين، فعليه أن يوفيهما أو من كان معه منهما ما ألزمه الله عز ~~وجل منهما. فإنه عز وجل يقول: # وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [94-ب] إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ~~وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ~~(الإسراء: 23-24). فإذا رأيت والدا يشكو ولده، فاقرأ على ولده القرآن وفهمه ما عليه ~~لوالده، في لين ورفق، لعله يتذكر أو يخشى، وحذره عقوق والديه، فإن الرسول عليه ~~السلام عد عقوق الوالدين مع الكبائر التي تدخل النار. فأما أن يؤخذ بقول ~~والده، أو يحكم بذلك عليه، فلا. ولكن إن كان والده من أهل الصلاح، ويؤمن منه أن ~~يكون فيه انحراف لولد غيره، أو إلى زوجة له غير أمه، فيعرف الولد أن أباه لا ~~يتهم عندنا بالكذب، ولا سبيل إلى سوء الظن به فيك. وهو إن لم تجر عليك الأحكام ~~[95-أ] بقوله، فإن قوله فيك السوء يزري بك، ويمقتك، وينفر عنك القلوب، وترى ~~بعين الجهالة والسفه. فإن كان هذا الولد من أهل المروءة والقناعة، فيستنهى ~~ويتأبخ ويستشعر الصبر على والديه. وإن كان من أهل السفه والجهالة والمرادة، نظر ~~فيه حاكم المسلمين العدل بحسن النظر، وزجره عما لم تقم به عليه بينة، إلا شكوى ~~الأب، بعض الزجر. ورب والد يكون السفه صفته وله الولد الحليم، فيعتو عليه والده ~~بسفهه، فلا يقبل منه، ولا يطاع فيه، ويزجر عنه حتى يكف أذاه. ms282 ولك في هذا الوصف ~~مقنع مما سألت عنه إن شاء الله. # ذكر سؤاله عن قول الرسول عليه السلام نزل القرآن على سبعة أحرف # 88 # وسألت عن تفسير: أنزل القرآن على سبعة أحرف. فاعلم أن المراد منه مفهوم في ~~نصه، كما جاء عن عمر بن الخطاب [95-ب] رضي الله عنه، قال سمعت هشام بن حكيم ~~يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أقرأنيها، ~~فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما ~~أقرأتنيها. فقال له رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: اقرأ. فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. ~~فقال # صلى الله عليه وسلم # هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت. فقال: هكذا أنزلت، إن هذا ~~القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه. فبين # صلى الله عليه وسلم # بقوله، ~~فاقرءوا ما تيسر منه أنها [96-أ] سبع قراءات، في كل واحدة منها ألفاظ مخالفة ~~لما في الأخرى، فليقرأ كل امرئ بما تيسر منه من هذه السبعة. وقد تختلف الألفاظ ~~في القراءة في كلمة والمعنى فيها واحد. وقد تختلف المعاني فيها باختلاف الألفاظ ~~في قراءتها. والقراءتان المشهورتان الثابتتان عن من نسبتا إليه، ممن وجبت ~~إمامته، وصحت ثقته، بمنزلة الآيتين عند حذاق المقرئين، تفسر إحداهما الأخرى، أو ~~يخالف معناها فتكون إحداهما ناسخة للأخرى؛ فلينشرح صدرك إلى ما قرأ به أئمة ~~المسلمين المشهورون، الذين سلم لهم أهل الأمصار الجامعة ما تقلدوه، ووثقوا ~~بهم فيما رووه، فما منهم إلا من قراءته حسنة [69-ب] مسلم بها ويحتج بها، ~~ونكب عن غيرهم، فإنه ليس لما جاء به قوة كقوتهم. وهؤلاء الأئمة هم: نافع بن عبد ~~الرحمن بن أبي نعيم، إمام القراء بالمدينة؛ وعبد الله بن كثير إمام القراء ~~بمكة؛ وعبد الله بن عامر إمام القراء بالشام؛ وأبو عمرو بن العلاء إمام القراء ~~بالبصرة. وثلاثة منهم بالكوفة، وهم ms283 عاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب الزيات، ~~وعلي بن حمزة الكسائي؛ وليس هو حمزة المقرئ. فقد عرفتك بأسمائهم وبلدانهم ~~لئلا يشتكل عليهم غيرهم بهم، ومع هذا فأنت بطرف بعيد فلا تقبلن غير ما تعرف ~~إلا من المأمونين. وقد قال مالك رحمه الله: قراءة نافع حسنة ولم يضيق غيرها ~~[97-أ] ولا كره خلافها، إلا ما شذ، وخرج على المتواطأ عليه. وقد قدمت لك ما في ~~كتاب سحنون من استحسان قراءة نافع، والتوسعة في غيرها، ما لم يكن مستبشعا. ~~فافهم. واستمسك بهدي المتقين. عصمنا الله وإياك من الفتنة في الدين، وأعاذنا من ~~شر الفاتنين والمفتونين، وختم لنا بما يرضيه عنا، ليميتنا عليه، فيدخلنا برحمته ~~في عباده الصالحين آمين رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # تم الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، بتاريخ ثامن عشر ~~ذي القعدة سنة ست وسبعمائة. # تم الجزء الأول والثاني والثالث من المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين ~~والمتعلمين، [لأبي الحسن القابسي] رحمه الله، ودعا لصاحبه بالمغفرة ولجميع ~~المسلمين. # ذكر لنا بعض أصحابنا أنه سئل الفقيه أبو عمران الفاسي رحمه الله عن حذقات ~~القرآن. فأجاب في ذلك بأن قال: لولا أنه أمر لم يسبقني إليه أحد لجعلت في آخر ~~كل سورة حذقة. ~~(2) آداب المعلمين لابن سحنون # ما جاء في تعليم القرآن العزيز # قال أبو عبد الله محمد بن سحنون: حدثني أبي سحنون، عن عبد الله بن وهب، عن سفيان ~~الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان رضي الله ~~تعالى عنه أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه. # محمد عن أبي طاهر، عن يحيى بن حسان، عن عبد الواحد بن زيادة، عن عبد الرحمن بن ~~إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خيركم من تعلم القرآن وعلمه. # محمد عن يعقوب بن كاسب عن يوسف بن أبي سلمة، عن أبيه، ms284 عن عبد الرحمن ابن هرمز، عن ~~عبد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: ~~يرفع الله بالقرآن أقواما. # عن سحنون، عن عبد الله بن عبد الله بن نافع قال: حدثني حسين، عن عبد الله بن حمزة ~~عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: عليكم بالقرآن فإنه ~~ينفي النفاق كما تنفي النار خبث الحديد. # موسى عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الرحمن بن نوفل، عن أبيه، عن أنس بن مالك، ~~قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: إن لله أهلين من الناس. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ~~هم حملة القرآن، هم أهل الله وخاصته. # عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ، عن عمر ~~بن الخطاب قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا ما ~~تيسر منه. # قال حدثني موسى بن معاوية الصمادحي، عن سفيان، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة، عن ~~حذيفة، قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: من قرأ القرآن بإعراب فله أجر شهيد. # وحدثني عن الزهري أحمد بن أبي بكر، عن محمد بن طلحة، عن سعيد بن سعيد المغربي، عن ~~أبي هريرة، قال: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: من تعلم القرآن في شبيبته اختلط القرآن ~~بلحمه ودمه، ومن تعلم في كبره وهو يتفلت منه ولا يتركه، فله أجره مرتين. # وحدثني أبو موسى، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أسد ابن وداعة، عن عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه في قول الله تبارك وتعالى: # ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~(فاطر: ~~32) قال: كل من تعلم القرآن وعلمه فهو ممن اصطفاه الله من بني آدم. # وحدثونا عن سفيان الثوري، عن العلاء بن السائب قال: قال ابن مسعود: ثلاث لا بد ~~للناس منهم، لا بد للناس ms285 من أمير يحكم بينهم ولولا ذلك لأكل بعضهم بعضا؛ ولا بد ~~للناس من شراء المصاحف وبيعها ولولا ذلك لقل كتاب الله؛ ولا بد للناس من معلم يعلم ~~أولادهم ويأخذ على ذلك أجرا ولولا ذلك لكان الناس أميين. # ابن وهب عن عمر بن قيس، عن عطاء: أنه كان يعلم الكتاب على عهد معاوية ويشترط. ابن ~~وهب عن ابن جريج قال: قلت لعطاء أآخذ الأجر على تعليم الكتاب؟ قال: أعلمت أن أحدا ~~كرهه؟ قال: لا. ابن وهب عن حفص بن ميسرة، عن يونس، عن ابن شهاب: أن سعدا بن أبي وقاص ~~قدم برجل من العراق يعلم أبناءهم الكتاب بالمدينة ويعطونه الأجر. قال ابن وهب، وقال ~~مالك: لا بأس بما يأخذ المعلم على تعليم القرآن، وإن اشترط شيئا كان حلالا ~~جائزا؛ ولا بأس بالاشتراط في ذلك وحق الختمة له واجب، اشترطها أو لم يشترطها، وعلى ~~ذلك أهل العلم ببلدنا في المعلمين. # ما جاء في العدل بين الصبيان # حدثني محمد بن عبد الكريم البرقي، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم العمري، قال: ~~حدثنا آدم بن بهرام بن إياس، عن الربيع، عن صبيح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية، ~~فقيرهم مع غنيهم، وغنيهم مع فقيرهم، حشر يوم القيامة مع الخائنين. # عن موسى، عن فضيل بن عياض، عن ليث، عن الحسن قال: إذا قوطع المعلم على الأجرة ~~فلم يعدل بينهم - يعني الصبيان - كتب من الظلمة. # باب ما يكره محوه من ذكر الله تعالى وما ينبغي أن يفعل من ذلك # حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود، عن زيد بن ربيع، عن بشر بن حكيم، عن سعيد بن هارون، عن أنس بن مالك قال: إذا محت صبية الكتاب # تنزيل من رب العالمين ~~(الواقعة: 80) من ~~ألواحهم بأرجلهم، نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره، ثم لم يبال حين يلقى الله على ~~ما يلقاه عليه. # قيل لأنس: كيف كان المؤدبون على عهد ms286 الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي ~~الله تعالى عنهم؟ قال أنس: كان المؤدب له إجانة، وكل صبي يأتي كل يوم بنوبته ~~ماء طاهرا فيصبونه فيها، فيمحون به ألواحهم؛ قال أنس: ثم يحفرون حفرة في ~~الأرض، فيصبون ذلك الماء فيها فينشف. # قلت: أفترى أن يلعط؟ قال: لا بأس به، ولا يمسح بالرجل، ويمسح بالمنديل ~~وما أشبهه. قلت: فما ترى فيما يكتب الصبيان في الكتاب من المسائل؟ قال: أما ~~ما كان من ذكر الله فلا يمحه برجله، ولا بأس أن يمحى غير ذلك مما ليس من ~~القرآن. # وحدثنا عن موسى عن جويبر بن منصور قال: كان إبراهيم النخعي يقول: من المروءة ~~أن يرى في ثوب الرجل وشفته مداد؛ قال: وفي هذا دليل أنه لا بأس أن يلعطه، يعني ~~يلعقه. # ما جاء في الأدب وما يجوز من ذلك وما لا يجوز # قال: وحدثنا عن عبد الرحمن: عن عبيد بن إسحاق، عن يوسف بن محمد، قال: كنت ~~جالسا عند سعد الخفاف فجاءه ابنه يبكي فقال : يا بني ما يبكيك؟ قال: ضربني ~~المعلم. قال: أما والله لأحدثنكم اليوم: حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: شرار أمتي معلمو صبيانهم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على ~~المسكين. # قال محمد: وإنما ذلك لأنه يضربهم إذا غضب، وليس على منافعهم؛ ولا بأس أن ~~يضربهم على منافعهم، ولا يجاوز بالأدب ثلاثا، إلا أن يأذن الأب في أكثر من ذلك ~~إذا آذى أحدا. ويؤدبهم على اللعب والبطالة ولا يجاوز بالأدب عشرا، وأما على ~~قراءة القرآن فلا يجاوز أدبه ثلاثا. # قلت: لم وقت عشرا في أكثر الأدب في غير القرآن، وفي القرآن ثلاثة؟ فقال: ~~لأن عشرة غاية الأدب؛ وكذلك سمعت مالكا يقول: وقد قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: لا ~~يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد. # قال محمد: وحدثنا يعقوب بن حميد، عن وكيع، عن هشام بن أبي عبد الله بن أبي بكر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: لا ms287 يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يضرب فوق ~~عشرة أسواط إلا في حد. # حدثنا رباح، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: ~~بلغني أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: أدب الصبي ثلاث درر، فما زاد عليه قوصص به ~~يوم القيامة؛ وأدب المسلم في غير الحد عشرة إلى خمس عشرة فما زاد عنه إلى ~~العشرين يضرب به يوم القيامة. # قال محمد: وكذلك أرى ألا يضرب أحد عبده أكثر من عشرة، فما زاد على ذلك قوصص ~~به يوم القيامة إلا في حد، إلا إذا تكاثرت عليه الذنوب، فلا بأس أن تضربه ~~أكثر من عشرة، وذلك إذا كان لم يعف عما تقدم؛ وقد أذن النبي # صلى الله عليه وسلم # في ~~أدب النساء. وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما ضرب امرأته. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق. وقد قال بعض أهل العلم: إن الأدب على قدر ~~الذنب، وربما جاوز الأدب الحد، منهم سعيد بن المسيب وغيره. # ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم # وسألته متى تجب الختمة فقال: إذا قاربها وجاوز الثلثين؛ فسألته عن ختمة ~~النصف، فقال: لا أرى ذلك يلزم. قال سحنون: ولا يلزم ختمة غير القرآن كله لا نصف ~~ولا ثلث ولا ربع، إلا أن يتطوعوا بذلك. # قال محمد: وحضرت لسحنون قضى بالختمة على رجل؛ وإنما ذلك على قدر يسر الرجل ~~وعسره. وقيل له: أترى للمعلم سعة في إذنه للصبيان اليوم ونحوه؟ قال: ما زال ذلك ~~من عمل الناس مثل اليوم وبعضه، ولا يجوز له أن يأذن لهم أكثر من ذلك إلا بإذن ~~آبائهم كلهم؛ لأنه أجير لهم. # قلت: وما أهدى الصبي للمعلم أو أعطاه شيئا فيأذن له في ذلك؟ فقال: لا، إنما ~~الإذن في الختم اليوم ونحوه، وفي الأعياد، وأما في غير ذلك فلا يجوز له إلا ~~بإذن الآباء، قال: ومن هنا سقطت شهادة أكثر المعلمين؛ لأنهم غير مؤدين لما يجب ms288 ~~عليهم، إلا من عصم الله. # قال لي: هذا إذا كان المعلم يعلم بأجر معلوم كل شهر أو كل سنة، وأما إن كان ~~على غير شرط فما أعطي قبل، وما لم يعط لم يسأل شيئا، فله أن يفعل ما ~~شاء، إذا كان أولياء الصبيان يعلمون تضييعه فإن شاءوا أعطوه على ذلك، وإن شاءوا ~~لم يعطوه. # ما جاء في القضاء بعطية العيد # قلت: فعطية العيد يقضي بها؟ قال: لا، ولا أعرف ما هي إلا أن يتطوعوا بها. ~~قال: ولا يحل للمعلم أن يكلف الصبيان فوق أجرته شيئا من هدية وغير ذلك، ولا ~~يسألهم في ذلك، فإن أهدوا إليه على ذلك، فهو حرام، إلا أن يهدوا إليه من غير ~~مسألة، إلا أن تكون المسألة منه على وجه المعروف، فإن لم يفعلوا فلا يضربهم في ~~ذلك، وأما إن كان يهددهم في ذلك، فلا يحل له ذلك؛ أو يخليهم إذا أهدوا له، فلا ~~يحل له ذلك؛ لأن التخلية داعية إلى الهدية، وهو مكروه. # ما ينبغي أن يخلي الصبيان فيه # قلت له: فكم ترى أن يأذن لهم في الأعياد؟ قال: الفطر يوما واحدا ولا بأس أن ~~يأذن لهم ثلاثة أيام، والأضحى ثلاثة أيام، ولا بأس أن يأذن لهم خمسة ~~أيام. # قلت: أفيرسل الصبيان بعضهم في طلب بعض؟ قال: لا أرى ذلك يجوز له إلا أن يأذن ~~له آباؤهم أو أولياء الصبيان في ذلك، أو تكون المواضع قريبة لا يشتغل الصبي في ~~ذلك. وليتعاهد الصبيان هو بنفسه في وقت انقلاب الصبيان ويخبر أولياءهم أنهم لم ~~يجيئوا. # قال: وأحب للمعلم ألا يولي أحدا من الصبيان الضرب، ولا يجعل لهم عريفا منهم ~~إلا أن يكون الصبي الذي قد ختم وعرف القرآن، وهو مستغن عن التعليم، فلا بأس ~~بذلك، وأن يعينه فإن ذلك منفعة للصبي في تخريجه، أو يأذن والده في ذلك، وليل ~~هو ذلك بنفسه، أو يستأجر من يعينه، إذا كان في مثل كفايته. # ما يجب على المعلم من لزوم الصبيان # ولا يحل للمعلم أن يشتغل عن الصبيان، إلا ms289 أن يكون في وقت لا يعرضهم فيه، فلا ~~بأس أن يتحدث وهو في ذلك ينظر إليهم ويتفقدهم. # قلت: فما يعمل الناس من «الأفلام» # 89 # عند الختم، ومن الفاكهة يرمى بها على الناس هل يحل؟ قال: لا يحل ~~لأنه نهبة، وقد نهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن أكل طعام النهبة. # قال وليلزم المعلم الاجتهاد وليتفرغ لهم، ولا يجوز له الصلاة على الجنائز، ~~إلا فيما لا بد له منه ممن يلزمه النظر في أمره؛ لأنه أجير لا يدع عمله ولا ~~يتبع الجنائز ولا عيادة المرضى. # وينبغي له أن يجعل لهم وقتا يعلمهم فيه الكتاب، ويجعلهم يتجاوزون # 90 # لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم؛ ويبيح لهم أدب بعضهم بعضا، ولا يجاوز ~~ثلاثا، ولا يجوز له أن يضرب رأس الصبي ولا وجهه، ولا يجوز له أن يمنعه من ~~طعامه وشرابه إذا أرسل وراءه. # قلت: فهل ترى للمعلم أن يكتب لنفسه كتب الفقه أو لغيره؟ قال: أما في وقت ~~فراغه من الصبيان فلا بأس أن يكتب لنفسه وللناس ، مثل أن يأذن لهم في الانقلاب، ~~وأما ما داموا حوله فلا، ولا يجوز له ذلك؛ وكيف يجوز له أن يخرج مما يلزمه ~~النظر فيه لما لا يلزمه؟ ألا ترى أنه لا يجوز له أن يوكل تعليم بعضهم إلى بعض، ~~فكيف يشتغل بغيرهم؟ # قلت: فيأذن للصبي أن يكتب إلى أحد كتابا؟ قال: لا بأس به، وهذا مما يخرج ~~الصبي إذا كتب الرسائل. وينبغي أن يعلمهم الحساب، وليس ذلك بلازم له إلا أن ~~يشترط ذلك عليه، وكذلك الشعر، والغريب، والعربية، والخط وجميع النحو؛ وهو في ~~ذلك متطوع. # وينبغي له أن يعلمهم إعراب القرآن وذلك لازم له، والشكل، والهجاء والخط ~~الحسن، والقراءة الحسنة، والتوقيف، والترتيل، يلزمه ذلك. ولا بأس أن يعلمهم ~~الشعر مما لا يكون فيه فحش من كلام العرب وأخبارها، وليس ذلك بواجب ~~عليه. # ويلزمه أن يعلمهم ما علم من القراءة الحسنة وهو مقرأ نافع، ولا بأس إن ~~أقرأهم لغيره إذا لم يكن مستبشعا مثل «يبشرك» و«ولده» و«حزم ms290 على ~~قرية» ولكن يقرئها «يبشرك» و«ولده» و«حرام على قرية» وما أشبه ~~هذا، وكل ما قرأ به أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وعلى المعلم أن يكسب الدرة والفلقة، وليس ذلك على الصبيان. وعليه كراء ~~الحانوت وليس ذلك على الصبيان. وعليه أن يتفقدهم بالتعليم والعرض ويجعل لعرض ~~القرآن وقتا معلوما مثل يوم الخميس وعشية الأربعاء، ويأذن لهم في يوم الجمعة، ~~وذلك سنة المعلمين منذ كانوا لم يعب ذلك عليهم. # ولا بأس أن يعلمهم الخطب إن أرادوا، ولا أرى أن يعلمهم ألحان القرآن؛ لأن ~~مالكا قال: لا يجوز أن يقرأ القرآن بالألحان، ولا أرى أن يعلمهم التحبير؛ # 91 # لأن ذلك داعية إلى الغناء وهو مكروه وأن ينهى عن ذلك بأشد النهي. ~~قال: وقال سحنون: ولقد سئل مالك عن هذه المجالس التي يجتمع فيها للقراءة، فقال ~~بدعة، وأرى للوالي أن يناههم عن ذلك ويحسن أدبهم. # وليعلمهم الأدب فإنه من الواجب لله عليه النصيحة وحفظهم ورعايتهم. # وليجعل الكتاب من الضحى إلى وقت الانقلاب. ولا بأس أن يجعلهم يملي بعضهم على ~~بعض؛ لأن ذلك منفعة لهم، وليتفقد إملاءهم. ولا يجوز أن ينقلهم من سورة إلى ~~سورة، حتى يحفظوها بإعرابها وكتابتها، إلا أن يسهل له الآباء. فإن لم يكن لهم ~~آباء وكان لهم أولياء أو وصي، فإن كان دفع أجر المعلم من غير مال الصبي إنما ~~هو من عنده، فله أن يسهل للمعلم كما للأب، وإن كان من مال الصبي يعطي الأجرة، ~~لم يجز أن يسهل للمعلم أن يخرجه من السورة حتى يحفظها كما علمت، وكذلك إن كان ~~الأب يعطي من مال الصبي؛ قال وأرى ما يلزم الصبي من مؤنة المعلم في ماله إن كان ~~له مال بمنزلة كسوته ونفقته. # قلت: فالصبي يدخل عند المعلم وقد قارب الختمة هل له أن يقضي له بالختمة وقد ~~ترك الأول أن يطالبه؟ فقال: إن كان أخذ عنه من الموضع الذي لا يلزمه الختمة ~~للأول أو لو قام مثل أكثر من الثلث من «يونس» و«هود» ونحو ذلك فالختمة لازمة ms291 ~~له؛ لأن الأول حينئذ لو قام لم يقض له بشيء، وأما إن كان دخوله عنده في وقت ~~لو قام عليه الأول لزمته الختمة لم يقض للداخل عنده بشيء؛ لأن الأول كأنه ~~إنما تركها لأبيه أو للصبي إلا أن يتطوع لهذا بشيء، وأستحسن إن تطوع لهذا ~~بشيء استحسانا، وليس بقياس. # قلت: أرأيت لو أن والده أخرجه وقال: لا يختم عندك وقد قارب الختمة، وإنما ~~كانت الأجرة على شهر؟ فقال: أقضي عليه بالختمة ثم لا أبالي أأخرجه أم تركه. ~~قلت: فما يقول إن قال: ابني لا يعلم القرآن، هل تجب عليه الختمة؟ فقال: إن قرأ ~~الصبي القرآن في المصحف وعرف حروفه وأقام إعرابه، وجبت للمعلم الختمة، وإن لم ~~يقرأه ظاهرا، لأنه قل صبي يستظهر القرآن أول مرة. قلت: فإن كان أخطأ في ~~قراءة المصحف؟ فقال: إن كان الشيء اليسير، والغالب عليه المعرفة، فلا ~~بأس. # قال سحنون: ولا يجوز للمعلم أن يرسل الصبيان في حوائجه، وينبغي للمعلم أن ~~يأمرهم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين، ويضربهم عليها إذا كانوا بني عشر. ~~وكذلك قال مالك: حدثنا عنه عبد الرحمن قال: قال مالك: يضربون عليها بنو عشر ~~ويفرق بينهم في المضاجع؛ قلت: الذكور والإناث؟ قال: نعم. # قال سحنون: ويلزمه أن يعلمهم الوضوء والصلاة؛ لأن ذلك دينهم، وعدد ركوعها ~~وسجودها والقراءة فيها والتكبير وكيف الجلوس والإحرام والسلام، وما يلزمهم في ~~الصلاة والتشهد والقنوت في الصبح، فإن من سنة الصلاة ومن واجب حقها الذي لم يزل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عليها، حتى قبضه الله تعالى صلوات الله عليه ورحمته ~~وبركاته. ثم الأئمة بعده على ذلك لم يعلم أحد منهم ترك القنوت في الفجر ~~رغبة عنه، وهم الراشدون والمهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كلهم على ذلك، ~~ومن تبعهم رضي الله عنهم أجمعين. # وليتعاهدهم بتعليم الدعاء ليرغبوا إلى الله، ويعرفهم عظمته، وجلاله، ~~ليكبروا على ذلك. وإذا أجدب الناس واستسقى بهم الإمام، فأحب للمعلم أن يخرج بهم ~~من يعرف الصلاة منهم، وليبتهلوا إلى الله بالدعاء، ويرغبوا إليه، ms292 فإنه بلغني ~~أن قوم يونس صلى الله على نبينا وعليه، لما عاينوا العذاب خرجوا بصبيانهم ~~فتضرعوا إلى الله بهم. # وينبغي أن يعلمهم سنن الصلاة مثل ركعتي الفجر والوتر وصلاة العيدين ~~والاستسقاء والخسوف، حتى يعلمهم دينهم الذي تعبد الله به، وسنة نبيهم # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~قال: ولا يجوز للمعلم أن يعلم أولاد النصارى القرآن ولا الكتاب. # قال: وقال مالك: ولا بأس أن يكتب المعلم الكتاب على غير وضوء؛ ولا بأس على ~~الصبي إذا لم يبلغ الحلم، أن يقرأ في اللوح على غير وضوء، إذا كان يتعلم، وكذلك ~~المعلم. ولا يمس الصبي المصحف إلا على وضوء، وليأمرهم بذلك حتى يتعلموه. قال: ~~وليتعلموا الصلاة على الجنائز والدعاء عليها فإنه من دينهم، وليجعلهم بالسواء ~~في التعليم، الشريف والوضيع، وإلا كان خائنا. وسئل مالك عن تعليم الصبيان في ~~المسجد. قال: لا أرى ذلك يجوز؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة ولم ينصب المسجد ~~للتعليم. قال مالك: ولا أرى أن ينام في المسجد ولا يؤكل فيه إلا من ضرورة، ولا ~~يجد بدا منه مثل: الغريب والمسافر والمحتاج الذي لا يجد موضعا. # قال محمد: وحدثني سحنون، عن عبد الله بن نافع، قال سمعت مالكا يقول: لا أرى ~~لأحد أن يقرأ القرآن وهو مار على الطريق، إلا أن يكون متعلما. ولا أرى أن ~~يقرأ في الحمام. # قال مالك: وإذا مر المعلم بسجدة وهو يقرؤها عليه الصبي، فليس عليه أن يسجد؛ ~~لأن الصبي ليس بإمام، إلا أن يكون بالغا، فلا بأس أن يسجدها، فإن تركها فلا ~~شيء عليه لأنها ليست بواجبة. وكذلك إذا قرأها هو، فإن شاء سجد، وإن شاء ترك: ~~ألا ترى أن عمرا قرأها مرة على المنبر، فنزل فسجد، ثم قرأها مرة أخرى، فلم ~~يسجد وقال: إنها لم تكتب علينا. # قال مالك: وكذلك المرأة إذا قرأت السجدة على الرجل، لم يسجد الرجل معها؛ ~~لأنها ليست بإمام. وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # للذي قرأ عليه: كنت إماما، فلو ~~سجدت سجدت معك. # قال سحنون: وأكره للمعلم أن ms293 يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد ~~لهم. # وسئل سحنون عن المعلم: أيأخذ الصبيان بقول بعضهم على بعض في الأذى؟ فقال: ما ~~أرى هذا من ناحية الحكم، وإنما على المؤدب أن يؤدبهم إذا آذى بعضهم بعضا، وذلك ~~عندي إذا استفاض علم الأذى من الجماعة منهم، أو كان الاعتراف، إلا أن يكون ~~صبيانا قد عرفهم بالصدق فيقبل قولهم ويعاقب على ذلك، ولا يجاوز في الأدب كما ~~أعلمتك، ويأمرهم بالكف عن الأذى، ويرد ما أخذ بعضهم لبعض، وليس هو من ناحية ~~القضاء. وكذلك سمعت من غير واحد من أصحابنا، وقد أجيزت شهادتهم في القتل ~~والجراح فكيف بهذا؟ والله أعلم. # ما جاء في إجارة المعلم ومتى تجب # قال محمد: وكتب شجرة بن عيسى إلى سحنون يسأله عن المعلم يستأجر على الصبيان ~~يعلمهم، فيمرض أحد الصبيان أو يريد أبوه أن يخرج به إلى سفر أو غيره. فقال: إذا ~~استؤجر سنة معلومة فقد لزمت آباءهم الإجارة خرجوا أو أقاموا. وإنما تكون ~~الإجارة ها هنا تقضي على حال الصبيان لأن منهم الخفيف والثقيل، وقد يكون الصبي ~~له المؤنة في تعليمه ومنهم من لا مؤنة على المعلم فيه، ففي هذا ينظر. # قال: وقال سحنون: انتقض ما ينوب أباه من إجارة في باقي الشرط ولا يلزمه ذلك، ~~وكذلك إن مات الأب انتقض ما بقي من الإجارة وكان ما بقي في مال الصبي، قال ~~محمد: مثل الرضاع إذا استأجر الرجل لولده من يرضعه ثم مات الأب أو الصبي، فإن ~~عبد الرحمن روى عن مالك: أن الإجارة تنتقض، ويكون ما بقي في مال الصبي إن كان ~~له مال، ويكون ذلك موروثا عن الميت، وإن مات الصبي أخذ الأب باقي الإجارة، ~~وروى أشهب عن مالك أن تلك العطية نفذت للصبي، فإن مات الأب كانت للصبي، وإن مات ~~الصبي كان ما بقي موروثا عن الصبي كأنه ماله، وكذلك أجرة المعلم مثل هذا، ~~والله أعلم. قال محمد: وهذا قولي، وهو القياس. # قال سحنون: وقد سئل بعض علماء الحجاز - منهم ابن دينار وغيره ms294 - أن يستأجر ~~المعلم الجماعة وأن يفرض على كل ولد ما ينوبه، فقال: يجوز إذا تراضى بذلك ~~الآباء؛ لأن هذا ضرورة ولا بد للناس منه، وهو أشبه. وقال: وهو بمنزلة ما لو ~~استأجر رجل عبدين من رجلين، لكل واحد عبد، وإنما ذلك بمنزلة البيع؛ وعبد الرحمن ~~لا يجوز هذه الإجارة؛ لأنه لا يجوز ذلك في البيع. والله أعلم. # قال: ولا بأس للمعلم أن يشتري لنفسه ما يصلحه من حوائجه إذا لم يجد من ~~يكفيه. ولا بأس أن ينظر في العلم في الأوقات التي يستغني الصبيان عنه، مثل أن ~~يصيروا إلى الكتاب وإملاء بعضهم على بعض، إذا كان ذلك منفعة لهم، فإن هذا قد ~~سهل فيه بعض أصحابنا. # وسئل مالك عن المعلم يجعل للصبيان عريفا، فقال: إن كان مثله في نفاذه، فقد ~~سهل في ذلك إذا كان للصبي في ذلك منفعة. وسمعته يقول: تنازع المغيرة بن شعبة ~~وابن دينار - وكلاهما من علماء الحجاز - عن صبي يختم القرآن عند المعلم فيقول ~~الأب: إنه لا يحفظ، فقال المغيرة: إذا كان أخذ القرآن كله عنده وقرأه الصبي كله ~~نظرا في المصحف وأقام حروفه، فإن أخطأ منه اليسير الذي لا بد منه مثل الحروف ~~ونحوها، فقد وجبت للمعلم الختمة، وهو على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وهو ~~الذي أحفظ من قول مالك. # وقال ابن دينار: سمعت مالكا يقول: تجب للمعلم الختمة على قدر يسر الرجل ~~وعسره، يجتهد في ذلك ولي النظر للمسلمين. # وأرى أنه إذا تنازع الأب والمعلم في الصبي، أنه لا يعلم القرآن، فإنه إذا قرأ ~~منه نظرا من الموضع الذي لو كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة، قضيت له ~~بها، ولا أبالي ألا يقرأ غير ذلك؛ لأنه لو لم يأخذه عنده، لم يسأل هذا المعلم ~~عنه. وأجمعوا جميعا على أنه إذا أخذ عنده الثلث إلى سورة البقرة أن الختمة ~~واجبة، إذا عرف أن يقرأه كما وصفت لك، ولا يسأل عن غير ذلك مما لم يكن أخذه ~~عنده. # وسئل عن المعلم يستأجر على تعليم ms295 الصبيان فيموت، فقال: إذا مات انفسخت ~~الإجارة، وكذلك إذا مات أحد الصبيان انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من إجارة مثل ~~الصبي، وقد قيل إن الإجارة لا تنفسخ وأن على المعلم فيما له مقاصة في التعليم، ~~وعلى أبي الصبي أن يأتي بمن يعلمه تمام السنة، وإلا كانت له الإجارة ~~كاملة. # قال محمد: الأول كلام عبد الرحمن وعليه العمل، وإنما ذلك بمنزلة الراحلة ~~بعينها، إذا هلكت انفسخ الكراء، ولا يجوز أن يأتي بمثلها، ولا يشترط عليه ذلك. ~~والله أعلم. # وسمعته يقول: قال أصحابنا جميعا - مالك والمغيرة وغيرهما: تجب للمعلم ~~الختمة ولو استؤجر شهرا شهرا، أو على تعليم القرآن بأجر معلوم، ولا يجب له ~~غير ذلك. وقالوا: إذا استظهر الصبي القرآن كله كان له أكثر في العطية للمعلم ~~ممن إذا قرأه نظرا، وإذا لم يتهج الصبي ما يملى عليه، ولا يفهم حروف ~~القرآن، لم يعط المعلم شيئا، وأدب المعلم ومنع من التعليم إذا عرف ~~بهذا، وظهر تفريطه. # ما جاء في إجارة المصحف وكتب الفقه وما شابهها # قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت المصحف أيصح أن يستأجر ليقرأ فيه؟ فقال: ~~لا بأس به لأن مالكا قال: لا بأس ببيعه. ابن وهب عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب ~~عن عمارة بن عرفة عن ربيعة قال: لا بأس ببيع المصحف، وإنما يباع الحبر والورق ~~والعمل. # ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر أن ابن مصيح كان يكتب المصاحف في ذلك الزمان ~~ويبيعها. أحسبه قال في زمان عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ولا ينكر عليه ~~أحد؛ ولا رأيت أحدا بالمدينة ينكر ذلك. قال: وكلهم لا يرون به بأسا. # قال: ولا أرى أن تجوز إجارة كتب الفقه؛ لأن مالكا كره بيعها، لأن فيه اختلف ~~العلماء؛ قوم يجيزون ما يبطل قوم. قلت: فقد أجزتم إجارة الحر وهو لا يحل بيعه، ~~فكيف لا تجيزون إجارة كتب الفقه؟ فقال: لأن الإجارة في الحر معلومة؛ خدمته ~~تملك. وإنما في كتب الفقه القراءة، والقراءة لا تملك. # قال محمد: لا أرى ms296 بأسا بإجارتها وبيعها إذا علم من استأجرها ~~واشتراها. # قال محمد: لا بأس أن يستأجر الرجل المعلم على أن يعلم أولاده القرآن بأجرة ~~إلى أجل معلوم، أو كل شهر. وكذلك نصف القرآن أو ربعه أو ما سميا منه. قال: ~~وإذا استأجر الرجل معلما على صبيان معلومين، جاز للمعلم أن يعلم معهم غيرهم ~~إذا كان لا يشغله ذلك عن تعليم هؤلاء الذين استؤجر لهم. قال: وإذا استؤجر ~~المعلم على صبيان معلومين سنة، فعلى أولياء الصبيان كراء موضع المعلم. قال: وإذا ~~قيل للمعلم علم هذا الوصيف ولك نصفه لم يجز ذلك. قال: وإذا أدب المعلم ~~الصبي الذي يجوز له فأخطأ ففقأ عينه، أو أصابه فقتله، كانت على المعلم الكفارة ~~في القتل، والدية على العاقلة إذا جاوز الأدب، وإذا لم يجاوز الأدب، وفعل ما ~~يجوز له، فلا دية عليه، وإنما يضمن العاقلة من ذلك ما يبلغ الثلث، وما لم يبلغ ~~الثلث ففي ماله. # قال: ولا بأس بالرجل يستأجر الرجل أن يعلم ولده الخط والهجاء ، وقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يفادي بالرجل يعلم الخط. قال: ولا أرى أن يجوز بيع كتب الشعر ولا ~~النحو ولا أشباه ذلك، ولا يجوز إجارة من يعلم ذلك. قال مالك: ولا أرى إجارة ~~من يعلم الفقه والفرائض. قال: وقال سحنون: وإذا ضرب المعلم الصبي بما يجوز له ~~أن يضربه إذا كان مثله يقوى على مثل ذلك فمات أو أصابه بلاء، لم يكن على المعلم ~~شيء غير الكفارة إن مات، وإن جاوز الأدب ضمن الدية في ماله مع الأدب، وقد قيل ~~على العاقلة مع الكفارة. فإن جاوز الأدب فمرض الصبي من ذلك فمات، فإن كان جاوز ~~ما يعلم أنه أراد به القتل أقسم وقتله به الأولياء، وإن كان لم يجاوز ما ~~يرى أنه أراد به القتل إلا على وجه الأدب، إلا أنه جهل الأدب، أقسم واستحقوا ~~الدية قبل العاقلة، وعليه هو الكفارة. فإن كان المعلم لم يل الفعل وإنما ~~وليه غيره، كان الأمر على ما فسرت لك، ولا شيء ms297 على المأمور؛ وإن كان بالغا، ~~فمن أصحابنا من رأى الدية على عاقلة الفاعل وعليه الكفارة، ومنهم من رأى ~~الدية على عاقلة المعلم، وعلى الفاعل الكفارة، والله أعلم. قال: وسمعت سحنون ~~يقول: لا أرى للمعلم أن يعلم أبا جاد وأرى أن يتقدم للمعلمين في ذلك؛ وقد سمعت ~~حفص بن غياث يحدث أن أبا جاد أسماء الشياطين ألقوها على ألسنة العرب في ~~الجاهلية فكتبوها؛ قال: وسمعت بعض أهل العلم يزعم أنها أسماء ولد سابور ملك ~~فارس أمر العرب الذين كانوا في طاعته أن يكتبوها، فلا أرى لأحد أن يكتبها، فإن ~~ذلك حرام. وقد أخبرني سحنون بن سعيد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ~~عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قوم ينظرون في ~~النجوم يكتبون «أبا جاد» أولئك لا خلاق لهم. # قال: وسئل مالك عن معلم ضرب صبيا ففقأ عينه، أو كسر يده. فقال: إن ضرب ~~بالدرة على الأدب وأصابه بعودها فكسر يده، أو فقأ عينه، فالدية على العاقلة ~~إذا عمل ما يجوز له، فإن مات الصبي فالدية على العاقلة بقسامة وعليه الكفارة. ~~وإن ضربه باللوح أو بعصا قتله فعليه القصاص؛ لأنه لم يؤذن له أن يضربه بعصا ولا ~~بلوح. # قلت: روى بعض أهل الأندلس أنه لا بأس بالإجارة على تعليم الفقه والفرائض ~~والشعر والنحو وهو مثل القرآن، فقال: كره ذلك مالك وأصحابنا. وكيف يشبه ~~القرآن والقرآن له غاية ينتهي إليها، وما ذكرت ليس له غاية ينتهي إليها، فهذا ~~مجهول، والفقه والعلم أمر قد اختلف فيه، والقرآن هو الحق الذي لا شك فيه. ~~والفقه لا يستظهر مثل القرآن فهو لا يشبهه، ولا غاية له، ولا أمد ينتهي ~~إليه. # كمل كتاب «آداب المعلمين» محمد بن سحنون عن أبيه رضي الله عنهما. # كتبه لنفسه عبيد الله، الراجي سعة فضل الله ورحمته محمد بن محمد بن محمد بن ~~أحمد البري المرادي غفر الله له ولوالديه. # | المراجع والفهارس # التراجم ~~(1) # أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، لشمس الدين ms298 البشاري. ~~(2) # ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب الإمام مالك، للقاضي ~~عياض، مخطوط رقم 2293 بدار الكتب الملكية بالقاهرة. ~~(3) # الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون. ~~(4) # خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله ~~الخزرجي الأنصاري، المطبعة الخيرية - الطبعة الأولى - 1322 هجرية. ~~(5) # شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، مخطوط رقم 1112 ~~بدار الكتب الملكية بالقاهرة. ~~(6) # عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، الطبعة الأولى، ~~المطبعة الوهبية، الجزء الأول 328 صفحة؛ الجزء الثاني 264 صفحة. ~~(7) # طبقات الحفاظ للسيوطي، مخطوط رقم 525 تاريخ، القاهرة. ~~(8) # كشف الظنون، لحاجي خليفة. ~~(9) # مسالك الأبصار، لابن فضل الله العمري، مخطوط بدار الكتب المصرية، رقم 2568 ~~تاريخ. ~~(10) # معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، للشيخ عبد الرحمن عبد الله بن ~~ناجي. ~~(11) # معجم البلدان، لياقوت. ~~(12) # نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، لأبي العباس أحمد بن محمد المقري، ~~ليدن، جزآن. ~~(13) # نكت الهيمان في نكت العميان، صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، المطبعة ~~الجمالية. ~~(14) # وفيات الأعيان، لابن خلكان . # فقه وحديث ~~(15) # إنجيل متى: العهد الجديد. ~~(16) # تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التنزيل، ~~للزمخشري، جزآن. المطبعة الشرقية. ~~(17) # تفسير ابن كثير: أربعة أجزاء، طبع مصطفى محمد بالقاهرة، سنة 1937م. ~~(18) # تفسير النسفي، المطبعة الأميرية ثلاثة أجزاء الأول 1936م، الثاني 1939م، ~~الثالث 1942م. ~~(19) # شرح الدردير على مختصر خليل في فقه مالك. ~~(20) # صحيح البخاري، شرح الكرماني. ~~(21) # صحيح مسلم. ~~(22) # المستصفى من علم الأصول، للغزالي، جزآن، المطبعة الأميرية 1322ه. ~~(23) # مدخل الشرع الشريف على المذاهب، لأبي عبد الله محمد بن محمد العبدري ~~الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج، أربعة أجزاء، المطبعة المصرية ~~بالأزهر، 1929م. ~~(24) # موطأ مالك، مطبعة الحلبي. # علوم القرآن ~~(25) # الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي. جزآن، الطبعة الثالثة، مطبعة حجازي ~~سنة 1941م. ~~(26) # أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي. جزآن، مطبعة السعادة 1331 ~~هجرية. ~~(27) # سراج القارئ المبتدئ وتذكار القارئ، شرح الإمام أبي القاصح على ~~الشاطبية. ~~(28) # نهاية القول المفيد في علم التجويد، للشيخ محمد مكي. ~~(29) # التذكار في أفضل الأذكار، ms299 لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المفسر ~~المتوفى سنة 671ه، المطبعة الأولى 1255ه الخانجي. # تاريخ الحضارة الإسلامية ~~(30) # تاريخ آداب اللغة العربية: جزآن، مصطفى صادق الرافعي. ~~(31) # تاريخ التمدن الإسلامي: أربعة أجزاء، جورجي زيدان. ~~(32) # تاريخ الفلسفة في الإسلام، تأليف دي بور، ترجمة عبد الهادي أبو ريدة، ~~مطبعة لجنة التأليف 1938م، القاهرة. ~~(33) # حياة اللغة العربية: حفني بك ناصف. ~~(34) # ضحى الإسلام: ثلاثة أجزاء، أحمد أمين بك، مطبعة لجنة التأليف. ~~(35) # فجر الإسلام، أحمد أمين. الطبعة الثانية 1934م، مطبعة الاعتماد. ~~(36) # العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، عبد الرحمن ~~بن خلدون، مطبعة بولاق. ~~(37) # المقدمة ... لكتاب العبر لابن خلدون، المطبعة البهية بالأزهر. # فتوحات ورحلات ~~(38) # فتوح البلدان، البلاذري، المطبعة المصرية 1932م، 460 صفحة. ~~(39) # رحلة ابن جبير، المطبعة العربية ببغداد 1937م، 292 صفحة. # الأدب ~~(40) # البيان المغرب، لابن العذاري. ~~(41) # المعارف، لابن قتيبة الدينوري، المطبعة الإسلامية بالأزهر، ~~1934م. ~~(42) # البيان والتبيين، للجاحظ، ثلاثة أجزاء، طبع مصطفى محمد، 1932م، تحقيق ~~السندوبي، الطبعة الثانية، أربعة أجزاء، طبع عبد السلام هارون. ~~(43) # الكامل، للمبرد. ~~(44) # الوزراء والكتاب، للجهشياري. مطبعة الحلبي 1938م. # فلسفة وتصوف وأخلاق ~~(45) # إحياء علوم الدين، الغزالي، أربعة أجزاء، المطبعة العثمانية المصرية، ~~1933م. ~~(46) # التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي، الخانجي 1933م. ~~(47) # تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، لابن مسكويه، المطبعة الخيرية ~~1322ه-1933م. ~~(48) # الجواهر الغوالي من رسائل الإمام الغزالي، مطبعة السعادة مصر 1934م عشر ~~رسائل، منها الرسالة اللدنية ورسالة أيها الولد. ~~(49) # رسائل إخوان الصفا، أربعة أجزاء، المطبعة العربية، سنة 1928م. ~~(50) # الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية، لمحمد بن حسن، طبع ~~الهند. ~~(51) # الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، خمسة أجزاء، طبعة عبد الرحمن ~~خليفة، 1347 هجرية. ~~(52) # الملل والنحل، الشهرستاني (بهامش الفصل لابن حزم). ~~(53) # المدخل إلى الفلسفة تأليف كوليه، ترجمة أبو العلا عفيفي، مطبعة لجنة ~~التأليف والترجمة والنشر، 1942م. ~~(54) # مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن قيم الجوزية، ~~المطبعة الثانية الأزهر، 1939م. ~~(55) # مفتاح السعادة ومصباح السيادة، طاش كبري زاده، حيدر أباد الدكن ~~جزآن. ~~(56) # مقالات فلسفية قديمة نشرها الأب لويس شيخو، بيروت، 1911م. ~~(57) # ميزان العمل، الغزالي. المطبعة العربية، ms300 1342ه. ~~(58) # نقد العلم والعلماء أو تلبيس إبليس، للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي، مطبعة ~~السعادة، 1340ه. # التربية ~~(59) # آداب المعلمين مما دون محمد بن سحنون عن أبيه، نشره الأستاذ حسن حسني عبد ~~الوهاب، طبع تونس، 64 صفحة، سنة 1348 هجرية. ~~(60) # أصول التربية وفن التدريس، أمين مرسي قنديل، الجزء الأول 376 صفحة، سنة 1937م، ~~الطبعة الرابعة، الجزء الثاني 246 صفحة، سنة 1931م، لجنة التأليف. ~~(61) # تاريخ التربية، مصطفى أمين، مطبعة المعارف، 1925م، الطبعة الأولى. ~~(62) # تاريخ التريبة الإسلامية، الدكتور أحمد شلبي، دار الكشاف ~~بيروت،1954م. ~~(63) # تحرير المقال في آداب وأحكام ما يحتاج إليه مؤدبو الأطفال، لأحمد بن حجر ~~الهيتمي، مخطوط رقم 65 تعليم. ~~(64) # التربية عند العرب، خليل طوطح. ~~(65) # تعليم المتعلم طريق التعلم، الزرنوجي، المطبعة الرحمانية، سنة 1931م، 79 ~~صفحة. ~~(66) # جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، لابن عبد البر النمري ~~القرطبي، جزآن. ~~(67) # رسالة في التربية والتسليك، برهان الدين الأقصرائي، مخطوط بدار الكتب ~~المصرية. ~~(68) # فضل علم السلف على الخلف، للإمام الحافظ أبي الفرج زين الدين الشهير بابن ~~رجب البغدادي الحنبلي، المطبعة المنيرية بالأزهر. ~~(69) # كتاب الدراري في ذكر الذراري، لابن العديم الحلبي، طبع القسطنطينية، مطبعة ~~الجوائب 1298ه. ~~(70) # اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم، للأنصاري، مخطوط بدار الكتب ~~المصرية. ~~(71) # مبادئ التربية الإسلامية، أسماء فهمي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر 1947م. ~~(1) # Adamson, A Short History of ~~Education. ~~(2) # Adler-Understanding Human Nature-London ~~1937. ~~(3) # A. H. Fahmy, The Educational Ideas of the Muslims in the ~~Middle Ages. ~~(4) # Aly Akbar Mazahéri, La famille Iranienne aux temps ~~antiislamiques. ~~(5) # Ameer Ali, The Spirit of Islam. ~~(6) # Betts, Social Principles of ~~Education. ~~(7) # Binet, Les Idées modernes sur les ~~enfants. ~~(8) # Carra de Vaux, Le Doctrine de l’Islam-Paris ~~1909. ~~(9) # Cole, History of Education. ~~(10) # Cubberly, History of Education. ~~(11) # Dewey, Schools of Tomorrow. ~~(12) # Dumas, Nouveau Traité de Psychologie. ~~(13) # Durkheim, L’évolution Pédagogique en France. 2 ~~volumes. ~~(14) # Durkheim, Education morale. ~~(15) # Emile Boutroux, Morale et Religion. ~~(16) # Goldziher, Le Dogme et la loi de ~~l’Islam-Paris1920. ~~(17) # Greaves, History of Education. ~~(18) # Ibrahim Salama, Bibliographie analytique et critique ~~touchant ms301 la question de l’enseignement en Egypte depuis les périodes des ~~Mameluks jusqu’à nos jours. Le Caire 1938. ~~(19) # Ibrahim Salama, L’enseignement Islamique en Egypte aux ~~temps des mameluks jusqu’ à nos jours. ~~(20) # Jules Payot, La Faillite de l’Eqseignement, Paris ~~1937. ~~(21) # Liard, Logique. ~~(22) # Millot, Les grandes tendances de la pédagogie ~~contem-poraine. ~~(23) # Mohamed Ali, the Religion of Islam-Lahore ~~1936. ~~(24) # Montessori-L’enfant-Traduit ar Georgette Bernard-Paris ~~1933. ~~(25) # Nunn, Education, its data and first ~~principles. ~~(26) # spencer-Education. ~~(27) # Willam James-Talks on Psychology and life’s ~~Ideals. ~~(28) # Encyclopaedia of Islam. ms302