######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : أضواء على السنة المحمدية ¶ المؤلف : محمود أبوريه ¶ المحقق : ¶ الناشر : ¶ الطبعة : الطبعة الخامسة مزيدة محققة ¶ عدد الأجزاء : ¶ مصدر الكتاب : ¶ [ الكتاب ] #META# cat: كتب عامة #META# bkid: 153 #META# الكتاب: أضواء على السنة المحمدية #META# bkord: 208 #META# الطبعة: الطبعة الخامسة مزيدة محققة #META# idx: 1 #META# iso: اضواء علي السنه المحمديه #META# comp: 1 #META# bk: أضواء على السنة المحمدية #META# max: 409 #META# المؤلف: محمود أبوريه #META# digitization_comments: [ الكتاب ] #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO أضواء على السنة المحمدية # الشيخ محمود ابو ريه # --- PageV01P001 [ 5 ] # محمود أبوريه أضواء على السنة المحمدية أو دفاع عن الحديث # الطبعة الخامسة مزيدة محققة # --- PageV01P005 [ 6 ] ### || AUTO الاهداء # أي ولدي العزيز مصطفى (1) كانت سعادتي في وجودك ، وحياتي تستضئ بنورك ، ~~فلما أفل بدرك ، وغاب عن عيني شخصك ، أطبقت على الدنيا بأحزانها وبأسائها ، ~~وأصبحت غريبا فيها وإن كنت من أبنائها . فإليك يا ولدي العزيز أهدي هذا ~~الكتاب الذي ما قصدت بتأليفه إلا وجه الحق الذي فطرك الله عليه ، وكنت ~~دائما تؤثره وتسكن إليه ، وخدمة العلم الذي أخلصت له نفسك ، وأفنيت فيه ~~عمرك ، وجاهدت حق الجهاد في تحصيله ، وقضيت نحبك في سبيله . وإني والله يا ~~بني لعلى ما عهدت من حب عميق لك لم يظفر بمثله أحد غيرك ، ومكانك من قلبي ~~لا تدنو منه نفس سواك . لئن غبت عن عيني وشط بك النوى * فأنت بقلبي حاضر ~~وقريب خيالك في وهمي ، وذكرك في فمي * ومثواك في قلبي فأين تغيب ؟ أما ~~الاسى لك ، والحزن عليك ، فلا ينال منهما مرور الايام ، ولا يخففهما تطاول ~~الاعوام ، إذ لا صبر عليك ولا سلوان عنك . كيف أرجو شفاء ما بي ، وما بي * ~~دون سكناي في ثراك شفاء شطر نفسي دفنت ، والشطر باق * يتمنى ! ومن مناه ~~الفناء القاهرة - الجيزة محمود أبوريه # --- # (1) هو ولدي العزيز مصطفى صادق ، ترقبه القضاء وهو يتهيأ للخروج إلى ~~الحياة بعد إتمام دراسته الهندسية الكهربائية بجامعة القاهرة فعاجله بسهم ~~مسوم نفذ إلى (صدره) فتلقته مصحة حلوان ليعاني فيها برحاء المرض ، ويتلوى ~~من غرز الابر ثلاث سنين سويا ، ثم فاضت روحه إل بارئها ، وكان ذلك في فجر ~~يوم الخميس غرة رمضان سنة 1359 - 3 أكتوبر سنة 1940 ولما يتجاوز الثانية ~~والعشرين من عمره ، ولم يدعني القضاء أتجرع الفجيعة التي قصمت ظهري فثنى ~~بسهم آخر أصاب (كبد) أمه بعد أن ابيضت من الحزن عليه إحدى عينيها ، فخرت ~~صريعة بيني وبين أولادها . وقد أضرحت لها مع عزيزها لتأنس به ويأنس بها . ~~وغادراني بعدهما في حزن مقيم وعذاب أليم ، إلى أن يلحقني ms001 الله بهما . (*) # --- PageV01P006 [ 7 ] ### || AUTO كلمة نصير الفكر والدين والعلم العلامة الدكتور طه حسين # " ولا بأس عليه من هذه الهنات التي أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من ~~النقص والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " أضواء على السنة ~~المحمدية جهد وعبء ثقيل لا يقوم به في هذه الايام إلا القليلون هذا كتاب ~~بذل فيه مؤلفه من الجهد ما لا يبذل مثله إلا الاقلون الذين يمكن إحصاؤهم في ~~هذه الايام التي انتشر فيها الكسل العقلي ، وعم فيها إيثار الراحة والعافية ~~على الجد والمشقة والعناء . والذين يقرءون هذا الكتاب قراءة المتدبر ~~المستأنى سيلاحظون مقدار هذا الجهد العنيف الذى مكن المؤلف من أن يصبر نفسه ~~السنين الطوال على قراءة طائفة ضخمة من الكتب التي لا يكاد الباحثون يطيلون ~~النظر فيها لكثرة ما يتعرضون له من كثرة الاسانيد وتكرارها وتعدد الروايات ~~واضطرابها وإعادة الخبر الواحد مرات كثيرة في مواطن مختلفة . وأقل ما يوصف ~~به النظر في هذه الكتب أنه يعرض صاحبه لكثير من الملل والضيق ، فليس قليلا ~~أن يأخذ الانسان نفسه بقراءة المعروف من كتب السنة والموازنة بين ما روى ~~فيها من الحديث في النص وفي الاسانيد التي روى بها هذا النص والبحث بعد ذلك ~~عن الرجال الذين تتألف منهم هذه الاسانيد في الكتب المخصصة لذلك . * * * ~~ويكفي أن نذكر أن المؤلف قرأ كتاب الموطأ لمالك رحمه الله وصحيح البخاري ~~وصحيح مسلم وسنن أبي داوود وكتاب الترمذي ، وكتاب ابن ماجة ومسند أحمد ابن ~~حنبل ، ونظر مع ذلك في شروح طوال لبعض هذه الكتب وفي كتب كثيرة # --- PageV01P007 [ 8 ] # أحرى منها الطوال ومنها القصار كتبت في تفسير نصوص الحديث وفي رجال ~~الاسانيد وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الطبقات . وهو قد أثبت ~~أسماء الكتب التي قرأها والتي أطال النظر فيها أو رجع إليها في كتابه في ~~آخر الكتاب ، ويكفي أن تنظر إلى هذه الاسماء لتعرف مقدار ما أخذ المؤلف ~~نفسه من الصبر والاناة والتعمق لما قرأ . فهذا وحده يدل على جهد عنيف وعبء ~~ثقيل لا ينهض ms002 بهما في هذه الايام إلا الاقلون جدا كما قلت آنفا . وهذه هي ~~المزية الاولى التي تسجل لمؤلف هذا الكتاب ، وقد قرأته مرتين ، وأشهد أنه ~~قد ذكر في أثناء كتابه كل الكتب التي أثبتها أو أشار إليها . وإذا كانت ~~لهذا دلالة فهو يدل على أنه لم يبالغ ولم يتكثر حين أثبت هذه الكتب في ~~مراجعه وإنما انتفع بها جميعا أدق الانتفاع وأقواه . وموضوع الكتاب خطير ~~حقا وقيم حقا لا يقف الناس عنده في هذه الايام وإنما يشفقون منه أشد ~~الاشفاق يخافون أن تزل أقلامهم أو أن يثيروا سخط المحافظين الذين قرروا أن ~~هذا النحو من العلم قد أصبح شيئا مقدسا أو كالمقدس لا ينبغي التعرض له إلا ~~بالنقل والاستشهاد . فأما النقد والتعمق وإصدار الاحكام فأشياء لا يستقيم ~~الخوض فيها لاحد . فقد أضاف المؤلف إذن إلى مزية الصبر والاناة وأخذ النفس ~~بالعنف في سبيل البحث والاستقراء مزية أخرى وهي الشجاعة على البحث عن الحق ~~والجهر به متى اطمأن إليه عقله لا يخاف في ذلك لوما ولا اعتراضا . وإنما هو ~~مستعد للجدال عن آرائه والنضال عما استقر في نفسه أنه الحق . * * * الموضوع ~~إذن خطير قيم وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذي يحمل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمون إلى ما يروى لهم عن رسول ~~الله . وقد ألح المؤلف في تبيين أشياء تحمل على النبي وليست من كلامه في شئ ~~وإنما دست عليه لاغراض مختلفة بعضها دسه جماعة من اليهود أظهروا الاسلام ~~والورع واخترعوا أشياء من عند أنفسهم أضافوا بعضها إلى النبي # --- PageV01P008 [ 9 ] # وأضافوا بعضها إلى التوراة . وليست هي من كلام النبي ولا من التوراة في ~~شئ . وبعضها دس أثناء الوعظ والقصص أريد بها دعوة الناس إلى الفضائل وحب ~~الخير واجتناب الآثام فرغبوا ورهبوا ولم يتحرجوا من إضافة أشياء إلى النبي ~~يرون أن الناس يتأثرون بها أكثر مما يتأثرون بكلام الوعاظ والقصاص . وأشياء ~~أخرى دست تملقا للخلفاء ورجال الحكم والتماسا للحظوة عندهم ، وأشياء أخرى ~~اخترعها المختصمون ms003 في الكلام والفقه دفاعا عن آرائهم في هذين النوعين من ~~العلم ، وأشياء دست لنشر الدعوة لبعض الاحزاب السياسية في العصور الاولى . ~~ذلك إلى أفراد من الناس أكثروا من اختراع الحديث ليلقوا في روع العامة وبعض ~~الخاصة أنهم أصحاب علم غزير ومعرفة دقيقة بأقوال النبي وأعماله . وكان لهذا ~~كله أثر اي أثر في إفساد العقول والانحراف بآراء كثير من الناس عن ~~الاستقامة في فهم الدين وتصور النبي كما ينبغي أن يتصوره المسلمون منزها عن ~~هذا السخف الكثير الذى حمل عليه وهو منه برئ . (وكان هذا أيضا مطمعا لكثير ~~من خصوم الاسلام وأعدائه في نقد الدين والتحامل عليه وعلى الرسول الذي جاء ~~به ظلما وبهتانا) . * * * وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله واجتهدوا ما ~~استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين وتكلف ~~المتكلفين ، وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة الرجال ~~الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه . فكانوا يتتبعون كل واحد ~~من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقي السيرة صادق الايمان بالله ورسوله ~~شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة . وهو جهد ~~محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى الاخلاص ~~سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر الاشياء ~~وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس بالبحث والفحص والتنقيب عن دقائقها ، فمن ~~الممكن أن تبحث وتفحص وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق أسرارهم وما ~~تضمر قلوبهم في أعماقها وما يمعنون في الاستخفاء به من ألوان الضعف في ~~نفوسهم وفي سيرتهم أيضا . # --- PageV01P009 [ 10 ] # ولم يكن بد من أن يضاف إلى هذا الجهد جهد آخر وهو درس النص نفسه ، فقد ~~يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد ~~عندهم . ولكن الله وحده هو الذي إختص بعلم السرائر وما تخفيه القلوب أو ~~تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله ~~يقبل القضاة شهادتهم ms004 إن شهدوا عندهم ، ولكن سرائرهم مدخولة تخفي دخائلها ~~على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص الحديث الذي يرويه عن أمثاله من ~~العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذي لا يتطرق إليه الشك ولا يبلغه الريب ~~من أي جهة من جهاته لانه لم يصل إلينا من طريق الرواة أفرادا أو جماعات ~~وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية مجمعة على نقله في صورته التي نعرفها ~~. وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام ~~النبي نفسه ، وجمع في خلافة أبي بكر وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في ~~خلافة عثمان . فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة والرواية المحفوظة في الذاكرة ~~وتطابقت كلتا الروايتين دائما فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها ~~وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك . * * * وكذلك طائفة من أعمال النبي ~~لم ينقلها فرد أو جماعة وإنما تناقلتها الامة الاسلامية كلها جيلا عن جيل ~~كالصلوات الخمس المكتوبة التي أمر الله بها ولم يفصلها ففصلها النبي حين ~~صلى بأصحابه وتناقلتها الامة على نحو ما أداها النبي . وقل مثل ذلك في ~~الزكاة والحج وصيام رمضان الذي فصل الله في القرآن بعض أحكامه وفصلها النبي ~~بصيامه وتعليم أصحابه كيف يصومون ، فإذا وصل إلينا حديث عن النبي فينبغي أن ~~ندرس نص هذا الحديث ونتبين أنه لم يناقض القرآن ولم يناقض ما تواتر من ~~أعمال النبي . . فإن كان فيه مناقضة قليلة أو كثيرة رفضناه واطمأنت قلوبنا ~~إلى رفضه لان النبي إنما كان مفسرا للقرآن ومفصلا للمجمل من أحكامه . وكذلك ~~كانت عائشة رحمها الله تفعل ، فقد نقل إليها أن بعض الصحابة يقولون إن ~~النبي رأى ربه ليلة المعراج ، فقالت لمن نقل إليها ذلك : لقد قف شعري مما ~~قلت . . وقرأت الآية الكريمة " لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو ~~اللطيف الخبير " . # --- PageV01P010 [ 11 ] # ونقل إليها عن بعض أصحاب النبي أن النبي قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله ~~عليه ، فرفضت هذا الحديث ، وقرأت قول الله تعالى : " ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى " . وكان الصالحون من أصحاب النبي ms005 يتحرجون أشد التحرج من رواية الحديث ~~عن النبي ، وكان عمر رحمه الله يشتد على من أكثر الحديث عن النبي وربما ~~ضربهم بدرته كما فعل عمر مع أبي هريرة وأنذره بالنفى عن المدينة إلى أرض ~~قومه في اليمن إن عاد إلى الحديث . ويروى أن النبي نفسه نهى عن كتابة ~~أقواله وكره أن يكتب المسلمون عنه شيئا غير القرآن . وهذا كله سجله المؤلف ~~في كتابه ولكنه يبتكره من عند نفسه وإنما هو شئ كان المتقنون من علماء ~~المسلمين يقولونه ويذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ~~وغيرهما . ولكن المحدثين نسوا هذا أو أعرضوا عنه فاختلطت على الناس أمور ~~الحديث وكان فضل المؤلف في إظهارها في هذا العصر ليقرأها الذين يحبون أن ~~يصلح دينهم ويعصم من التخليط الكثير . ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه ~~في بعض المواطن ، ولست أريد أن أذكر هذه المواطن كلها تجنبا للاسراف في ~~الاطالة وإنما أكتفى بضرب الامثال . فمنها مثلا هذه المؤامرة التى دبر فيها ~~مقتل عمر بن الخطاب رحمه الله وشارك فيها كعب الاحبار وهو يهودى أسلم أيام ~~عمر . والرواة يحدثوننا بأن كعبا هذا أنبأ عمر بأنه مقتول في ثلاث ليال . ~~فلما سأله عمر عن ذلك زعم أنه يجده في التوراة ، فدهش عمر لان اسمه يذكر في ~~التوراة ، ولكن كعبا أنبأه بأنه لا يجد اسمه في التوراة وإنما يجد صفته . ~~ثم غدا عليه في اليوم الثاني لهذا الحديث . فقال له : بقى يومان . ثم غدا ~~عليه في اليوم الثالث فقال له مضى يومان وبقى يوم : وإنك مقتول من غد . ~~فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك العبد الاعجمي فطعنه وهو يسوى الصفوف ~~للصلاة ، والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل نتيجة لمؤامرة دبرها الهرمزان وشارك ~~فيها كعب ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة لا يشك فيها إلا الجهلاء . وأريد أن ~~أؤكد أنا للمؤلف أنى أنا أحد هؤلاء الجهلاء لانى أشك في هذه المؤامرة أشد ~~الشك وأقواه ولا أراها إلا وهما . فقد قتل ذلك العبد المشئوم ms006 نفسه قبل # --- PageV01P011 [ 12 ] # أن يسأل . وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن يسأل ، وعاش كعب ~~لاحبار هدا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد أو يتهمه أحد بالاشتراك ~~في هذه المؤامرة ، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان ، ثم ترك المدينة وذهب إلى ~~حمص فأقام فيها حتى مات سنة إثنتين وثلاثين للهجرة ، فمن أين استطاع المؤلف ~~أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا ومشاركة كعب فيها ثانيا مع أن المسلمين قد ~~غضبوا حين تعجل عبيدالله ابن عمر حين قتل الهرمزان جهلا عليه ولم يقدمه إلى ~~الخليفة ولم يقم عليه البينة لانه شارك من قريب أو من بعيد في قتل أبيه . ~~وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي على عثمان أن يقيم الحد على عبيد ~~الله لانه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى الامام ودون أن يثبت عليه قتل عمر ~~بالبينة . فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول الناس قتل عمر أمس ويقتل ابنه ~~اليوم . وعد الثائرون على عثمان هذا العفو أحد أغلاطه ، وكان علي حين تولى ~~الخلافة مزمعا معاقبة عبيد الله على فعلته تلك . ولكنه هرب من علي ولجأ إلى ~~معاوية فعاش في ظله وقتل في موقعة صفين . ولم يسأل عثمان كعبا عن شئ ولم ~~يتهمه أحد بشئ وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير عليها فعاش فيها ~~حتى مات فلم يسأله عن شئ ، فمن أين يأتي هذا التأكيد الذى ألح فيه المؤلف ~~حتى لعن كعبا ولم يكن له ذلك ، فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم والمعروف كذلك ~~أن لعن المسلمين غير جائز . ومثل آخر في الصفحة 154 حين زعم أن أبا هريرة ~~رحمه الله لم يصاحب النبي محبة له أو طلبا لما عنده من الدين والهدى وإنما ~~صاحبه على ملء بطنه . كان مسكينا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطعمه . ~~والمؤلف يروى لاثبات ذلك حديثا رواه أحمد بن حنبل ورواه البخاري أيضا ، ~~ولكن مسلما روى هذا الحديث نفسه عن أبى هريرة . ونص الحديث عند مسلم أصرح ~~وأوضح ms007 من نصه عند البخاري وابن حنبل فقد كان أبو هريرة يقول فيما روى مسلم ~~أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه . وفرق بين من يقول إنه كان يخدم ومن يقول ~~إنه كان يصاحب ، وحسن الظن في هذه المواطن شر من سوئه ، وما أظن أبا هريرة ~~أقبل من اليمن مع من أقبل منها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا ليؤمن به ~~ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملا بطنه عنده . هذا إسراف في التأويل وفي إساءة ~~الظن . والمؤلف شديد على أبى هريرة شدة أخشى أن يكون قد أسرف فيها شيئا . # --- PageV01P012 [ 13 ] # فنحن نعلم أن أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي وأن عمر شدد عليه في ~~ذلك وأن بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه وأنه أخذ كثيرا عن كعب الاحبار . ~~وكان المؤلف يستطيع أن يسجل هذا كله تسجيلا موضوعيا كما يقال دون أن يقحم ~~فيه غيظا أو موجدة . فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدبا فيظهر شخصيته بما ركب ~~فيها من الغضب والغيظ والموجدة وإنما يكتب عالما وعالما يتصل بالدين وأخص ~~مزايا العلماء ولا سيما في هذا العصر أنهم ينسون أنفسهم حين يكتبون العلم ~~وأنهم يبحثون ويقررون بعقولهم لا بعواطفهم . فمن الظلم لابي هريرة أن يقال ~~إنه لم يصاحب النبي إلا ليأكل من طعامه . والذى نعلمه أنه أسلم وصلى مع ~~النبي وسمع منه بعض أحاديثه . فليقل فيه المؤلف إنه لم يصاحب النبي إلا ~~ثلاث سنين وقد روى من الحديث أكثر مما روى المهاجرون الذين صحبوا النبي ~~بمكة والمدينة ، وأكثر من الانصار الذين صاحبوا النبي منذ هاجر إلى المدينة ~~حتى آثره الله بجواره . وهذا يكفى للتحفظ والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من ~~الحديث . وأخرى أريد أن أثبتها هنا وهي أن المؤلف يقول في حديثه الطويل عن ~~أبى هريرة إنه لحرصه على الاكل ورغبته في الطيبات كان يأكل عند معاوية ~~ويصلى مع على ويقول إن الاكل مع معاوية ادسم أو بعبارة أدق إن المضيرة عند ~~معاوية أدسم ، والمضيرة لون من الحلوى ، وأن الصلاة ms008 مع على أفضل . وأريد أن ~~أعرف كيف كان يجتمع لابي هريرة أن يأكل عند معاوية ويصلى مع على وقد كان ~~أحدهما في العراق والآخر في الشام أو أحدهما في المدينة والآخر في الشام ~~إلا أن يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب في صفين . وما أحسبه كان يسلم لو فعله ~~أثناء الحرب إذن لاتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس . وإنما هذا كلام قيل ~~في بعض الكتب وكان يجب على الاستاذ المؤلف أن يتحقق منه قبل أن يثبته . ~~فهذا أيسر ما يجب على العلماء . وبعد فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه ~~جماعة المسلمين من أن الاحاديث التى يرويها الافراد والآحاد كما يقول ~~المحدثون لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن وحده ، ومن أجل ذلك لا يستدل ~~المسلمون بهذه الاحاديث على أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحيانا ~~على الاحكام الفرعية في الفقه وعلى فضائل الاعمال # --- PageV01P013 [ 14 ] # ويستعان بها على الترغيب في الخير والتخويف من الشر ، وكل الاحاديث التى ~~اعتمد عليها المؤلف في المواضع التى ضربنا لها الامثال إنما هي أحاديث ~~رواها الافراد والآحاد فهى لا تفيد قطعا ولا يقينا ، فما باله يرغب عن ~~الافراط في الثقة بهذه الاحاديث ثم يستدل بها هو ليتهم الناس بأشياء لا ~~سبيل له إلى إثباتها . وملاحظة أخيرة أختم بها هذا الحديث الذى أراه على ~~طوله موجزا ، وهى أن المؤلف قد أخذ في كتابه وهو يؤمن فيما يظهر بأنه لن ~~يظفر برضى الناس عنه ولن يظفر برضى فريق من رجال الدين خاصة فعرض بهم ~~أحيانا ، واشتد عليهم أحيانا أخرى ووصفهم بالجمود حينا وبالتقليد حينا ~~وبالحشوية أحيانا فأغرى هؤلاء الناس بنفسه وسلطهم على كتابه وخيل إليهم أنه ~~يبغضهم ولا يراهم أهلا للبحث القيم والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم . ولو ~~أنه صبر حتى يخرج كتابه ويقرأه الناس ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا ~~الصبر خيرا له وأبقى عليه . وأنا بعد ذلك أجدد اعترافي للمؤلف بجهده العنيف ~~الخصب في تأليف هذا الكتاب وإخلاصه الصادق للعلم والحق في بحثه عن الحديث . ~~ولا بأس ms009 عليه من هذه الهنات التى أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص ~~والتقصير أو الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون . وصدق بشار حين قال : إذ أنت ~~لم تشرب مرارا على القذى ظمئت وأى الناس تصفو مشاربه ! طه حسين # --- PageV01P014 [ 15 ] # هذه هي الكلمة النفيسة التى تفضل الدكتور طه حسين فنشرها عن كتاب (أضواء ~~على السنة المحمدية " بعد ما قرأه . وإذا كان قد وجب على أن أقدم له أخلص ~~الشكر وأعمقه - أن أولى كتابي هذا من بالغ العناية ما جعله يقرؤه غير مرة . ~~فإن مما يسرنى - وأحمد الله عليه - أن سيادته وهو العالم الجليل ، والناقد ~~العظيم . لم يجد شيئا يتجه إليه النقد بين مختلف مواضيع الكتاب - وهي خطيرة ~~- لم يسبق أن حملها كتاب من قبل ، وأن ما بدا من نقده إنما كان " هنات لا ~~بأس على منها " كما صرح بذلك في كلمته (1) . أما هذه الهنات فإنى أضع على ~~هامشها هذا التعليق الوجيز ، وأرجو أن ينال من لدنه رضا وقبولا . كانت أولى ~~هذه الهنات أن الدكتور قد شك في مؤامرة قتل عمر ، وفي أن كعب الاحبار كان ~~ممن اشتركوا فيها ، ولقد ابتسمت عندما قرأت كلامه في ذلك ، وقلت كيف يغيب ~~علم هذا الامر عن مثله وهو العالم النقاب وارتقبت كتابه " الشيخان " لانظر ~~ما سيقول في مقتل عمر ، وما كدت أقرأ ما كتبه في ذلك حتى اطمأننت بما ذكرته ~~في كتابي وحمدت الله أن ألفيت الشك الذى كان قد إعترى الدكتور في أمر ~~مؤامرة قتل عمر قد زال والحمد لله (2) . أما الهنة الثانية فهى أنى قد ~~أسرفت في التأويل عندما قلت : إن أبا هريرة قد أسلم ليملا بطنه . وأنى لم ~~أذكر ذلك إلا لانه قد اعترف بنفسه في كتب الحديث الكثيرة ، ففى رواية ~~البخاري : صاحبت النبي على ملء بطني ، ورواية مسلم خدمت النبي على ملء بطني ~~، والاعتراف كما يقول أئمة القانون سيد الادلة ، فأنا لم أتأول ولم أسرف في ~~التأويل ، على أن تاريخ أبى هريرة يؤيد اعترافه هذا ، فقبل إسلامه يروى ابن ~~سعد عنه : أنه ms010 كان أجيرا لابن عفاف وابنة غزوان بطعام بطنه ، وبعد إسلامه ~~عندما كان نزيلا على الصفة جرى منه ما جرى مما بينه البخاري نفسه وغيره ولا ~~داعى لبيانه هنا . # --- # (1) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية الصادرة في يوم الثلاثاء 25 ~~نوفمبرسنة 1958 . (2) ص 256 و257 من كتاب (الشيخان) . 15 (*) # --- PageV01P015 [ 16 ] # أما الهنة الثالثة وهى الاخيرة فهى شك الدكتور فيما رويناه من أن أبا ~~هريرة كان يأكل المضيرة عند معاوية ويصلى خلف على - وكيف يفعل أبو هريرة . ~~ذلك ويأمن على نفسه من أن يتهمه أحد الفريقين بالنفاق والتجسس ! . وإنى قبل ~~كل شئ أقول إن هذا الخبر قد ورد في مصادر كثيرة للمؤرخين وكبار العلماء مثل ~~: شذرات الذهب للعماد الحنبلى ، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ، ~~والزمخشري في ربيع الابرار وأساس البلاغة ، وبديع الزمان الهمذانى الذى لم ~~يكن من كبار الكتاب فحسب وإنما كان كما يعلم من تاريخه ثقة في الحديث يعرف ~~الرجال والمتون ، والثعالبي في المضاف والمنسوب ، ولا نستوفي ذكر كل ~~المصادر التى حملت هذا الخبر ، على أنه إن يفعل ذلك لا يخشى ضررا لانه كان ~~معروفا بأنه لا في العير ولا في النفير ولم يكن من المحاربين بل ظل طوال ~~حياته رجلا سلما . أما ما لاحظه الدكتور على أسلوبي من الشدة ، فلو أنه عرف ~~ما قوبلت به من شتائم وسباب من يوم أن نشرت ما نشرت من فصول هذا الكتاب في ~~مجلة الرسالة قبل أن يطبع الكتاب لعذرني فيما كتبت . على أنى قد رجعت إلى ~~كل ما رأيته شديدا فيما كتبت فحذفته من هذه الطبعة وآثرت أن أدفع بالتى هي ~~أحسن وأن أتبع قول الله فأمر على كل ما ينالني مرا كريما ، وأن يكون خطابي ~~لمن يسوءني سلاما سلاما . أما الشدة على أبى هريرة التى أشار إليها الدكتور ~~فليست منا ، وإنما هي شدة الادلة التى أحاطت به . هذه سطور وجيزة عن الهنات ~~التى رآها الدكتور طه حسين في كتابي ، وإنى لمغتبط كثيرا من أن سيادته لم ~~يلاحظ شيئا على أي موضوع من مواضيع ms011 الكتاب وهى كثيرة وخطيرة لم يسبق أن ~~نشرت في كتاب جامع وأن يسمى ما وجده هنات ويقول في صراحة : " ولا بأس عليه ~~من هذه الهنات التى أشرت إلى بعضها فالذين يبرءون من النقص والتقصير أو ~~الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون " . حفظه الله . محمود أبوريه # --- PageV01P016 [ 17 ] # بسم الله الرحمن الرحيم [ والذين اجتنبوا الطاغوت (1) أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله . لهم البشرى ، فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . ~~أولئك الذين هداهم الله . وأولئك هم أولو الالباب ] (آية 17 ، 18 من سورة الزمر) ### || AUTO تعريف بالكتاب # مما لا يكاد يختلف فيه إثنان ، أو يحتاج في إثباته إلى برهان ، أن للحديث ~~المحمدى من جلال الشأن وعلو القدر ما يدعو إلى العناية الكاملة به ، والبحث ~~الدقيق عنه ، حتى يدرس ما فيه من دين وأخلاق ، وحكم وآداب ، وغير ذلك مما ~~ينفع المسلمين في دينهم ودنياهم . وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة ، ~~والمنزلة الرفيعة ، فإن العلماء والادباء لم يولوه ما يستحق من العناية ~~والدرس ، وتركوا أمره لمن يسمون رجال الحديث يتداولونه فيما بينهم . ~~ويدرسونه على طريقتهم - وطريقة هذه الفئة التى اتخذتها لنفسها قامت على ~~قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل . فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه ~~القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث - على قدر الوسع - ~~في تاريخهم . ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحا في ~~نفسه أو غير صحيح . معقولا أو غير معقول . ذلك بأنهم وقفوا بعلمهم عند ما ~~يتصل بالسند فحسب ، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شئ . ثم جاء المتأخرون ~~منهم فقعدوا وراء الحدود التي أقامها من سبقهم ، لا يتجاوزونها ولا يحيدون ~~عنها ، وبذلك جمد علم الرواية منذ القرون الاولى لا يتحرك ولا يتغير . # --- # (1) الطاغوت ما تكون عبادته وطاعته سببا للطغيان والخروج عن الحق ، من ~~مخلوق يعبد ورئيس يقلد ، وهوى يتبع - وقال ابن القيم : الطاغوت كل ما تجاوز ~~به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه ~~غير الله ورسوله ، أو ms012 يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من ~~الله ، ويطيعونه فيما يعلمون أنه طاعة لله . (*) # --- PageV01P017 [ 18 ] # ووقف هؤلاء وهؤلاء عند ظواهر الحديث كما أدت إليه الرواية مطمئنين إليها ~~، آخذين بها من غير بحث فيها ولا تمحيص لها . وعلى أنهم قد بذلوا أقصى ~~جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية بسنده حتى قيل : " إن علم الحديث ~~قد نضج واحترق " (1) . فإنهم قد أهملوا جميعا أمرا خطيرا كان يجب أن يعرف ~~قبل النظر في هذا العلم ودرس كتبه - ذلك هو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما ~~تحدث به النبي صلوات الله عليه . وهل أمر بكتابة هذا النص بلفظه عند إلقائه ~~- كما فعل بالقرآن الكريم . أو تركه ونهى عن كتابته ؟ وهل دونه الصحابة ومن ~~بعدهم ، أو انصرفوا عن تدوينه ؟ وماذا كان أمرهم - ومن تبعهم - عندما أخذوا ~~في روايته ؟ وهل ما روى منه قد جاء مطابقا لحقيقة ما نطق به النبي - لفظا ~~ومعنى - أو كان مخالفا له ؟ وما هي العوامل التي تدسست إليه من نزعات ~~أعدائه ، والمؤثرات التي أصابته من أغراض أوليائه ، حتى شيب بما ليس منه ، ~~وتسرب إليه ما هو غريب عنه ؟ ثم في أي زمن دون ما حملته الرواية منه ؟ وهل ~~اتخذ التدوين طريقة واحدة لم تتغير على مد العصور وتوالي الاجيال ؟ وفي أية ~~صورة خرج أخيرا إلى الناس في كتبه التي اعتمد عليها الجمهور ؟ وماذا كان ~~موقف علماء الامة منه ؟ وما مبلغ ثقتهم به ، ومدى اختلافهم فيه ، بعد أن ~~عراه ما عراه وتأثر بما تأثر به ؟ وما إلى ذلك من الامور المهمة التي يجب ~~أن يعرفها كل مسلم أو باحث في الدين الاسلامي قبل النظر فيه ، والاخذ بما ~~تؤدي إليه ألفاظه ومعانيه . أما هذا كله وغيره مما يتصل - بحياة الحديث ~~وتاريخه - فقد انصرف عنه العلماء والباحثون ، وتركوه أخبارا في بطون الكتب ~~مبعثرة ، وأقوالا بين ضمائر الاسفار مستترة ، لا يضم نشرهاك تاب ولا يعنى ~~بتصنيفها باحث نقاب (2) . ولقد كان يجب عليهم قبل أن يشتغلوا بعلم الحديث ~~أن يعرفوا تاريخ هذا ms013 # --- # (1) قالوا : العلوم ثلاثة : علم نضج وما احترق ، وهو علم النحو والاصول ، ~~وعلم لا نضج ولا احترق ، وهو علم البيان والتفسير ، وعلم نضج واحترق وهو ~~علم الحديث والفقه . (2) يقال رجل نقاب أي نافذ الامور . (*) # --- PageV01P018 [ 19 ] # العلم . ذلك بأن العلماء قد أوجبوا معرفة تاريخ كل علم قبل دراسته فقالوا ~~: إن تاريخ كل مادة يقع منها موقع البصر من الجسم (1) . أسباب تصنيف هذا ~~الكتاب : لما أنشأت أدرس دينى درس العقل والفكر ، بعد أن تلقيته تلقينا من ~~نواحى العاطفة والتقليد ، رأيت أن أرجع إلى مصادره الاولى وأسانيده الصحيحة ~~، ولما وصلت من دراستي إلى كتب الحديث المعتمدة لدى الجمهور ، ألفيت فيها ~~من الاحاديث ما يبعد أن يكون - في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه - من محكم ~~قوله ، وبارع منطقه صلوات الله عليه ، ومما راعني أنى أجد في معاني كثير من ~~الاحاديث ما لا يقبله عقل صريح ، ولا يثبته علم صحيح ، ولا يؤيده حس ظاهر ، ~~أو كتاب متواتر (2) . ووجدت مثل ذلك في كثير من الاحاديث التى شحنت بها كتب ~~التفسير والتأريخ وغيرها ! ومما كان يثير عجبى أنى إذا قرأت كلمة لاحد ~~أجلاف العرب أهتز لبلاغتها ، وتعروني أريحية من جزالتها ، وإذا قرأت أكثر ~~ما ينسب إلى النبي من قول لا أجد له هذه الاريحية ، ولا ذلك الاهتزاز ، ~~وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه - مثل هذا الكلام المغسول من ~~البلاغة والعارى عن الفصاحة - وهو أبلغ من نطق بالضاد ، أو يأتي منه مثل ~~تلك المعاني السقيمة وهو أحكم من دعا إلى رشاد ! ! وما كان هذا العجب إلا ~~لانى كنت أسمع من شيوخ الدين - عفا الله عنهم - أن الاحاديث التى تحملها ~~كتب السنة قد جاءت كلها على حقيقتها ، بألفاظها ومعانيها ، وأن على ~~المسلمين أن يسلموا بكل ما حملت ولو كان فيها ما فيها ! ! ولما قرأت حديث " ~~من كذب على - متعمدا - فليتبوأ مقعده من النار " غمرني الدهش لهذا القيد ~~الذى لا يمكن أن يصدر من رسول جاء بالصدق وأمر به ، ونهى عن الكذب وحذر منه ~~، إذ ليس بخاف أن الكذب ms014 هو الاخبار بالشئ # --- # (1) كتاب مناهج وتجديد للاستاذ أمين الخولى ص 88 . (2) الكتاب المتواتر ~~هو القرآن الكريم فحسب . (*) # --- PageV01P019 [ 20 ] # على خلاف ما هو عليه سواء أكان عن عمد أم غير عمد . وظللت على ذلك حتى ~~حفزني حب عرفان الحق إلى أن أبحث عن أصل الحديث وروايته ، وتاريخ حياته من ~~المصادر الصحيحة ، والاسانيد الوثيقة ، لعلى أقف على شئ يذهب بما يحيك في ~~صدري من حرج ، ويصرف ما يغمر نفسي من ضيق . وذلك لان هذا الامر الجليل - لم ~~يفرد من قبل بالتأليف الجامع الذى يشبع نهم الباحث ، ويحقق بغية الطالب . ~~ولبثت زمنا طويلا أبحث وأنقب فلا أدع كتابا يمكن أن يستفاد منه كلمة لما ~~أنا بسبيله إلا قرأته في طلبها ، لا آلو في ذلك جهدا ، ولا أطاوع النفس ~~عندما تسكن إلى الراحة ، مما يدركها من ملل أو يغشاها من تعب ، بل آخذها ~~بالصبر والاناة والمطاولة ، حتى انتهيت إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة ! ذلك ~~أنى وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحا ، أو ما ~~جعلوه حسنا - حديث - قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه ، كما نطق الرسول ~~به ، ووجدت أن الصحيح منه على اصطلاحهم إن هو إلا معان مما فهمه بعض الرواة ~~! وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الاحاديث القصيرة وذلك ~~في الفلتة والندرة ، وتبين لى أن ما يسمونه في اصطلاحهم حديثا " صحيحا " ~~إنما كانت صحته في نظر رواته ، لا أنه صحيح في ذاته ، وأن ما يقال عنه " ~~متفق عليه " ليس المراد أنه متفق على صحته في نفس الامر ، وإنما المراد أن ~~البخاري ومسلم قد اتفقا على إخراجه - وليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون ~~مقطوعا به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان والسهو على الثقة ، ومن أجل ~~ذلك جاءت الاحاديث وليس عليها من ضياء بلاغته صلوات الله عليه إلا نور خافت ~~أو شعاع ضئيل . ولا أحصى هنا كل ما انكشف لى ، لانه كثير جدا قد فصلناه في ~~كتابنا هذا تفصيلا . كان أول ما بان ms015 لى من هذه الحقائق ، أن النبي صلوات ~~الله عليه لم يجعل لحديثه كتابا يكتبونه عندما كان ينطق به كما جعل للقرآن ~~الحكيم ، وتركه ينطلق من غير قيد إلى أذهان السامعين ، تخضعه الذاكرة ~~لحكمها القاهر ، الذى لا يستطيع إنسان مهما كان أن ينكره أو ينازع فيه ، من ~~سهو أو وهم ، أو غلط أو نسيان . # --- PageV01P020 [ 21 ] # وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله عليه ~~الامر على ذلك فحسب ، بل نهى عن كتابته ، فقال فيما رواه مسلم وغيره : " لا ~~تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنى غير القرآن فليمحه . " وقد ~~استجاب أصحابه لهذا النهى فلم يكتبوا عنه غير القرآن ، ولم يقف الامر بهم ~~عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون الناس عنها ~~، ويتشددون فيما يروى لهم منها . وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الحديث من ~~الصحابي مهما بلغت منزلته عندهما ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد معه أنه قد ~~سمعه من النبي ، وكان على يستحلف الصحابي على ما يرويه له رضى الله عنهم ~~جميعا . وكان ذلك في عصر الصحابة فترى ماذا يكون الامر بعد ذلك ؟ ! رواية ~~الحديث بالمعنى : ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ، ~~وذلك في المناسبات التى تقتضي روايتها ، وقد يكون ذلك بعد مضى سنين طويلة ~~على سماعها ، ووجدوا أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه ، كما ~~نطق النبي به ، استباحوا لانفسهم أن يرووا على المعنى ، ثم سار على سبيلهم ~~كل من جاء من الرواة بعدهم ، فيتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول ~~بالمعنى ثم يؤديه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه ، وهذا أمر معلوم ~~لا يمترى فيه أحد حتى لقد قال وكيع كلمته المشهورة : " إذا لم يكن المعنى ~~واسعا فقد هلك الناس " وقال سفيان الثوري : " إن قلت إنى أحدثكم كما سمعت ~~فلا تصدقوني ! فإنما هو المعنى " . وهكذا ظلت الالفاظ تختلف والمعاني تتغير ~~بتغير الرواة . فيهم - كما قال السيوطي : الاعاجم والمولدون وغيرهم ms016 ممن ~~ليسوا بعرب ولهجتهم العربية ليست خالصة ! وكان البخاري - وهو شيخ رجال ~~الحديث ، وكتابه ، كما هو مشهور بين الجمهور - أصح كتاب بعد كتاب الله كما ~~يقولون ، يروى على المعنى ! ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى - ولا جرم - ~~ضرر كبير على الدين واللغة والادب ، كما ستراه فيما بعد . # --- PageV01P021 [ 22 ] # وكذلك أباحوا لانفسهم أن يأخذوا الحديث إذا أصابه اللحن أو اعتراه الخطأ ~~أو اختل نظمه بالتقديم والتأخير ، وأن يأخذوا ببعض الحديث ويدعوا بعضا . ~~وسيتبين ذلك كله في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله . حديث من كذب على : ~~وقد عنيت بالبحث عن حقيقة هذا الحديث حتى وصلت بعد طول السعي إلى أن كلمة " ~~متعمدا " لم تأت في روايات كبار الصحابة . ويبدو أن هذه الكلمة قد تسللت ~~إلى هذا الحديث من سبيل " الادراج " المعروف عند رجال الحديث لكى يتكئ ~~عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم من جهة الخطأ أو الوهم ، أو الغلط أو ~~سوء الفهم ، ليدرءوا بذلك عن أنفسهم إثم الكذب ، ولا يكون عليهم في الرواية ~~أي حرج ، ذلك بأن المخطئ غير مأثوم - أو أن هذه الكلمة قد وضعت ليسوغ بها ~~الذين " يضعون الاحاديث " عن غير عمد عملهم ، ليسندوا بها أقوالهم ، وليثق ~~الناس فيهم (1) . الموضوعات : لم يرزأ الاسلام بشئ في حياته كلها مثل ما ~~رزئ بتلك الموضوعات التى تولى كبرها أعداء الاسلام وأحباؤه على السواء ~~لاسباب كثيرة بيناها في موضعها ، وناهيك بالاسرائيليات التى بثها اليهود ، ~~أمثال كعب الاحبار ، ووهب بن منبه وغيرهما . وكذلك المسيحيات وغيرها مما ~~تسلل إلى الدين من الاديان والنحل غير الاسلامية وقبلها المسلمون من غير أن ~~يبحثوا فيها ، أو يفطنوا لها . أبو هريرة : ولما كان أبو هريرة أكثر ~~الصحابة رواية عن رسول الله على حين أنه لم يصاحب النبي إلا سنة واحدة ~~وتسعة أشهر ، كما حققناه في كتابنا (شيخ المضيرة) (2) ، # --- # (1) كالقصاص وغيرهم . (2) طبع هذا الكتاب مرتين ونعده الآن للطبعة ~~الثالثة إن شاء الله . (*) # --- PageV01P022 [ 23 ] # وفي رواياته ما فيها من مشكلات بقيت على وجه الدهر ، وستبقى ، فقد أفردنا ~~له ترجمة خاصة أدينا ms017 فيها حق العلم وتحرينا وجه الحق فأوردنا فيها ما له ~~وما عليه بغير أن نخشى أحدا في إظهار الحق ، أو نتحرج من شئ في بيان العلم ~~، ذلك بأن الحق أولى من أبى هريرة وأكبر من أبى هريرة . جمع القرآن وتدوينه ~~: وقد رأينا قبل تفصيل القول في تدوين الحديث أن نوطئ بفذلكة صغيرة في ~~تدوين القرآن أتينا فيها على خلاصة كاملة من أمر هذا التدوين حتى يتجلى ~~للناس كيف كانوا يتحرون الدقة التامة والتثبت الفائق في جمع القرآن ، وبذلك ~~جاء كله " متواتر " يكفر من جحد شيئا منه . ولو أن الحديث قد دون في عصر ~~النبي كما دون القرآن ، واتخذ له من وسائل التحرى والدقة مثل ما اتخذ ~~للقرآن ، لجاء كله " متواتر " كذلك ولما اختلف المسلمون فيه هذا الاختلاف ~~الشديد الذى لم يستطع أحد - على مد العصور - تلافيه . كتابة الحديث : ومما ~~كشف عنه البحث أن كتابة الحديث لم تقع إلا في القرن الثاني ، أي بعد انتقال ~~النبي إلى الرفيق الاعلى بأكثر من مائة سنة ، ولم يكن ذلك بدافع من الرواة ~~، وإنما كان بوازع من الولاة ، إذ كانوا يتحرجون من كتابته خشية أن يقعوا ~~فيما نهى النبي عنه - وقد كانت هذه الكتابة أول ما بدأت غير كاملة ثم تقلبت ~~في أطوار مختلفة ، إلى أن خرجت في صورتها الاخيرة حول منتصف القرن الثالث ~~وأوائل القرن الرابع الهجرى . ولقد كان لتأخير كتابة الحديث ضرر كبير بيناه ~~في موضعه من الكتاب . نشأة علم الحديث : ولما كان علم الحديث يتصل ببحثنا ، ~~فقد أتينا بإلمامة صالحة منه يهتدى بها من يريد معرفته . وتكلمنا عن كتب ~~الحديث المشهورة لنبين حقيقتها وما استدرك عليها وقيل فيها ، وألمعنا إلى ~~أمر الجرح والتعديل واستطردنا من ذلك إلى " عدالة الصحابة " # --- PageV01P023 [ 24 ] # وإختلاف العلماء فيها ، وإلى درجاتهم في العلم والفضل ، وخلصنا من ذلك ~~كله إلى المذهب الحق الذى يجانب ناحيتى الافراط والتفريط في هذه العدالة . ~~علماء الامة إزاء الحديث : ولان الحديث لم ينشأ تدوينه إلا في القرن الثاني ~~كما قلنا وكتبه المشهورة بين جمهور ms018 أهل السنة - وهى البخاري ، ومسلم ، وأبو ~~داود ، والترمذي ، والنسائي - لم تظهر إلا في القرنين الثالث والرابع ، وما ~~فيها من الاحاديث قد روى من طريق الآحاد الذى لا يعطى إلا الظن ، فإن علماء ~~الامة لم يتلقوا أحاديثها بمحض التسليم والاذعان ، كما تلقواما جاءهم من ~~آيات القرآن ، ولا اعتبروها من الاخبار المتواترة التى يجب الاخذ بها ، ولا ~~يجوز لاحد أن يخالف عن أمرها ، وإنما طاروا عليها بددا واختلفوا فيها طرائق ~~قددا . فالمتكلمون وعلماء الاصول - لما كان الخبر عندهم ينقسم إلى " متواتر ~~وآحاد " ، والمتواتر هو الذى يعطى العلم اليقيني ويؤخذ به في العقائد فحسب ~~، والآحاد لا يعطى إلا الظن ، والظن لا يغنى من الحق شيئا ، وببحثهم - لم ~~يجدوا في كتب الحديث خبرا ينطبق عليه حكم التواتر فتكون دلالته يقينية . ~~وإن علماء الحديث لم يعرضوا للبحث فيه لانه خارج عن علمهم . ورأوا ما يأتي ~~من طريق الآحاد - الذى هو ظنى الدلالة ولا يجوز البناء في العقائد على الظن ~~، فقد ردوا كل حديث لا يتفق مع ما ذهبوا إليه من أصول ، وما وضعوه من قواعد ~~- ومما اتفق عليه جميع النظار : أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد ~~مهما قويت أسانيدها وتعددت طرقها . وأما مقلدة المذاهب الذين يسمون أنفسهم ~~علماء الفقه فقد كبلهم التقليد فلم يعنوا بكتب الحديث التى ظهرت بعد موت ~~أئمتهم ، ولم يعطوها حقها من البحث والدرس كما أعطوا كتب شيوخهم ، ولم ~~يجعلوها من أدلتهم في أحكامهم ، وإذا وجد أحدهم من الاحاديث - حتى الواهية ~~- ما يتفق ومذهبه تشبث به ورد ما سواه وإن كان أقوى من الحديث الذى يعتمد ~~عليه ، وقد يأخذ ببعض الحديث ويدع بعضا ! أما ما يخالف مذهبه فينبذه ولا ~~يقبله ولو كان مما رواه الجماعة (1) ، وقد # --- # (1) الجماعة هم : أحمد ، والشيخان - البخاري ، ومسلم - وأبو داود ، ~~والنسائي ، والترمذي . (*) # --- PageV01P024 [ 25 ] # ساعدهم على ذلك أن دلائل الفقهاء كلها ظنية الثبوت ولا يشترط فيها ~~التواتر . ولكل إنسان أن يأخذ بما يطمئن به قلبه من الاحاديث بغير ما حرج . ~~ولو أنت رجعت إلى كتب المحققين وبخاصة ms019 كتاب " إعلام المرقعين " لابن قيم ~~الجوزية لوجدت فيه أحاديث كثيرة تبلغ المائة أو تزيد - لم يأخذ شيوخ الفقه ~~بها ، ولم يخالفوا مذاهبهم من أجلها ، وإذا سألتهم عن سبب استمساكهم بما ~~وجدوه في مذاهبهم وعدم الاخذ عن غيرها قالوا : إن أئمتهم لم يأخذوا بما ~~أخذوا من أحاديث وفتاوى من قبلهم إلا بما اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه ~~نفوسهم مما هو صحيح في رأيهم ، وجرى عليه العمل في أزمانهم ، وإن هؤلاء ~~الائمة الكبار قد كانوا لقربهم من الصحابة وكبار التابعين أوسع علما ، ~~وأعمق فقها من أصحاب كتب السنة الذين لم تشتهر كتبهم إلا بعد انقضاء القرون ~~الاولى التى هي خير القرون بنص الحديث الذى رووه في ذلك . وأما أئمة النحو ~~فإنهم لم يجعلوا الحديث من النصوص التى يستشهدون بها على قواعدهم في اللغة ~~والنحو لانهم استيقنوا أن النص الصحيح للحديث قد ضاعت معالمه ، وأن ما يروى ~~عن النبي لم يأت على حقيقة لفظه ، ولا يعلم أحد على اليقين ما هي الصورة ~~الصحيحة التى نطق النبي بها ، وبذلك لا يصح الاستشهاد بالحديث ، وعلى أنهم ~~لا يأخذون بالحديث الذي جاءهم عن نبيهم ، فإنهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب ~~الذين كانوا يبولون على أعقابهم ! كلمة عامة : لما انكشف لى ذلك كله وغيره ~~مما يحمله كتابنا - وبدت لى حياة الحديث المحمدى في صورة واضحة جلية تتراءى ~~في مرآة مصقولة ، أصبحت على بينة من أمر ما نسب إلى الرسول من أحاديث ، آخذ ~~ما آخذ منه ونفسي راضية ، وأدع ما أدع وقلبي مطمئن ، ولا على في هذا أو ذلك ~~أي حرج أو جناج . ولا يتوهمن أحد أنى بدع في ذلك ، فإن علماء (1) الامة لم ~~يأخذوا بكل حديث # --- # (1) وقد قال أبو عمر وغيره من كبار العلماء ، أجمع الناس على أن المقلد ~~ليس معدودا من أهل العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله . وقال ابن القيم ~~تعليقا على هذا القول : قد تضمن هذان الاجماعان = (*) # --- PageV01P025 [ 26 ] # نقلته إليهم كتب السنة فليسعنى ما وسعهم ، بعد ما تبين لى ما تبين لهم ، ~~وهذا أمر معلوم ms020 لذوى البصائر لا يختلف فيه عالم ، اللهم إلا الحشوية الذين ~~يؤمنون بكل ما حمله سيل الرواية سواء أكان صحيحا أم غير صحيح ، ما دام قد ~~ثبت سنده على طريقتهم ، قال ابن أبى ليلى : " لا يفقه الرجل في الحديث حتى ~~يأخذ منه ويدع " . وقال عند الرحمن بن مهدى : " لا يكون إماما في الحديث ، ~~من تتبع شواذ الحديث ، أو حدث بكل ما يسمع أو حدث عن كل أحد " . والامثلة ~~على ذلك كثيرة تجدها في مواضعها من كتابنا . وهذا البحث لم يعن به أحد من ~~قبل - كما قلنا - وكانت دراسته واجبة قبل النظر في كتب الحديث والتفسير ~~والفقه والاصول والتأريخ والنحو وكل ما إليها مما يتصل بالدين الاسلامي ، ~~وكان يجب أن يفرد بالتأليف منذ ألف سنة عند ما ظهرت كتب الحديث المعروفة ~~بعد انتشار المذاهب الفقهية بين المسلمين حتى توضع هذه الكتب في مكانها ~~الصحيح من الدين ، ويعرف الناس حقيقة ما روى فيها من أحاديث ليكونوا منها ~~في أمرهم على يقين ، ولو أننى ألفيت أمامى في المكتبة العربية على سعتها ~~كتابا قد انطوى على هذا الامر الخطير الذى يجب على كل مسلم أن يحيط به علما ~~- لا نحط عن كاهلى هذا " العبء الثقيل (1) " الذى احتملته في سبيل البحث ~~والتنقيب بين مئات الكتب والاسانيد التى أطلعت عليها ، ورجعت إليها ، ثم ~~أخذت منها ، ونقلت عنها ، ولما أنفقت ما أنفقت من سنين طوال في اقتحام هذا ~~الطريق الشاق ، الذى لم يعبد من قبل ولم يضع له أحد فيما سبق منارا يهتدى ~~به - حتى تسنى لى أن أعثر على تلك المواد الغزيرة التى مكنتني من أن أسوى ~~منها هذا الكتاب الجامع الذى يعد الاول في موضوعه ، وأن أذيعه في الناس حتى ~~يكونوا على بينة من أمر الحديث المحمدى ، يدرسونه على نور العلم ، ويفهمونه ~~بمنطق العقل . ولان هذا البحث - كما قلنا - طريف وغريب ، وقد ينبعث له من ~~يتطال إلى معارضته من بعض الحشوية والجامدين ، استكثرت فيه من بعض الادلة ، ~~التى لا يرقى الشك # --- # = اطراح المتعصب بالهوى ، والمقلد الاعمى ms021 من زمرة العلماء وأسقطوهما ~~باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الانبياء . وكان السلف يعبرون عن ~~المقلد بالجاهل لان العالم من كان مستقلا في فهمه للعلم واستدلاله على فهمه ~~، ويقولون مثل إنسان يقلد كبهيمة تقاد . (1) هذا هو وصف الدكتور طه حسين ~~لعملنا في كلمته النفيسة التى افتتحنا بها هذه الطبعة . (*) # --- PageV01P026 [ 27 ] # إليها ، وأتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها ، وقد يتكرر بعض هذه ~~الادلة بين الابواب المناسبة تقتضيها أو سبب يدعو إليها ، أو لان الكلام ~~معقود بها وسياق المعنى لا يتم بدونها ، وما يتقدمها أو يليها من الكلام ~~مفتقر إليها . وبرغمى أن أنصرف في هذا الكتاب عن النقد والتحليل ، وهى ~~الاصول التى يقوم التأليف العلمي الصحيح في هذا العصر عليها . وقد اضطررت ~~إلى ذلك لان قومنا حديثو عهد بمثل هذا البحث على أنى أرجو أن يكون قد انقضى ~~ذلك الزمن الذى لا يشيع فيه إلا النفاق العلمي والرياء الدينى ، ولا ينشر ~~فيه إلا ما يروج بين الدهماء ويرضى عنه من يزعمون للناس أنهم من المحدثين ~~أو العلماء ، وأن يكون قد أظلنا عهد لا يثبت فيه غير القول الحق ولا يستقر ~~به إلا العمل الصالح ، ولا يقبل فيه إلا العلم النافع الذى يمكث في الارض . ~~وأرجو كذلك - وقد حسرت النقاب عن وجه الحق في أمر الحديث المحمدى الذى ~~جعلوه الاصل الثاني من الادلة الشرعية ، بعد السنة العملية ، واتخذوا منه ، ~~أسانيد لتأييد الفرق الاسلامية ، ودلائل على الخرافات والاوهام ، وقالوا ~~بزعمهم إنها دينية ، وكشفت القناع عما خفى على الناس من أمره ، وعرضت لهم ~~صورة صادقة من تاريخه - أرجو أن أكون قد وفقت إلى إصابة الغرض الاول الذى ~~بذلت كل ما بذلت من أجله ، وأنفقت من عمر وتعب في سبيله ، وهو الدفاع عن ~~السنة القولية وحياطتها مما يشوبها ، وأن يصان كلام الرسول من أن يتدسس ~~إليه شئ من افتراء الكاذبين أو ينال منه كيد المنافقين وأعداء الدين ، وأن ~~تنزه ذاته الكريمة من أن يعزى إليها إلا ما يتفق وسمو مكانتها وجلال قدرها ~~، إذ لم ms022 يكن صلوات الله عليه - وهو في أعلى أفق من العلم والحكمة والبلاغة ~~- ليصدر عن جهل ، أو ينطق عن هوى . وإذا كان هذا الكتاب سيغير - ولا ريب - ~~من آراء كثير من المسلمين فيما ورثوه من عقائد ، وما درسوه من أحكام ، فإنه ~~سيقفهم إن شاء الله على حقائق كثيرة تزيدهم تبصرة وعلما بدينهم ، ويحل لهم ~~مشاكل متعددة مما تضيق به صدورهم ، ويدفع شبهات مما يتكئ عليها المخالفون ، ~~والصادون عن دينهم ، وبذلك يستقيم # --- PageV01P027 [ 28 ] # النظر لى معرفة أصول الدين ، ويعتدل الرأى في فهم أغراضه من المسلمين ، ~~وغير المسلمين . وسيبقى هذا الكتاب - إن شاء الله - منارة عالية تهدى إلى ~~معالم تاريخ الحديث المحمدى على مد التاريخ كله ما دام هذا الحديث يقرأ أو ~~يدرس بين الناس في الارض . وإنى لاتوجه بعملي هذا - بعد الله سبحانه وله ~~العزة - إلى المثقفين من المسلمين خاصة ، وإلى المهتمين بالدراسات ~~الاسلامية عامة ، ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء هم الذين يعرفون قيمته ويدركون قدره ~~. والله أدعو أن يجدوا فيه جميعا ما يرضيهم ويرضى العلم والحق معهم . ~~وأتضرع إليه سبحانه أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه ، وأن يكتب له توفيقا ~~وتأييدا من عنده ، حتى يبلغ ما أرجو له من خدمة الدين ، وإظهار الحق ، ونفع ~~الناس أجمعين إنه سميع الدعاء . عن جيزة الفسطاط في يوم السبت 5 من جمادى ~~الاولى سنة 1377 7 من ديسمبر 1957 محمود أبوريه # --- PageV01P028 [ 29 ] # بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO مقدمة الطبعة الثانية (1) " ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من ~~عباده . ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ، أولئك الذين آتيناهم ~~الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " . . (88 - 90 سورة الانعام) ~~أرى من الحق على - وأنا أقدم بين يدى هذه الطبعة الثانية من كتابي " أضواء ~~على السنة المحمدية ، أو دفاع عن الحديث " أن آتى بكلمة صريحة عن الطبعة ~~الاولى منه - وكيف قوبلت من الناس على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم . فأما كبار ~~العلماء وقادة الفكر في ms023 بلادنا وغير بلادنا ، فقد ظفر منهم - والحمد لله ~~على فضله وتوفيقه - بالرضا والتقدير ، وأثنوا عليه ثناء جميلا ، جزاهم الله ~~عنا وعن العلم خير الجزاء ، وأما أولئك الذين يكرهون التحقيق في البحث ، ~~والاجتهاد في الفهم ، والحرية في الفكر ، ولا يرون العلم إلا فيما أخذوه عن ~~شيوخهم تلقينا ، فهؤلاء جميعا قد قابلوه بما كنا نتوقعه منهم ، وغضبوا عليه ~~، وثاروا حوله من هاهنا ، وهاهنا حتى ألفوا في ذلك كتبا ، فأعرضت عنهم ~~جميعا ، ولم أعرض لهم . على أننا لم نجد في أي من هذه الكتب - على ضخامتها ~~وكثرتها - دراسة قيمة ولا نقدا موضوعيا ، يقوم على الاسلوب العلمي الحديث ، ~~الذى يظهر حقا ، أو يصحح غلطا ، أو يعدل رأيا - وكل قيمتها أنها قد أظهرت ~~أخلاق مؤلفيها ومبلغ علمهم . وإذا كان مثل هذا النقد سائغا عند بعضهم ، ~~فإنه قد أصبح # --- # (1) قد حذفنا من هذه المقدمة أكثر من سبع عشرة صفحة مما كنا قد بينا فيها ~~موقف الذين ثاروا علينا وعلى كتابنا ، وقد أثرنا أن نتبع الحسنى وندفع ~~بالحسنة السيئة فألقينا كل ما قالوه فينا من وراء ظهرنا وأن ندعو الله أن ~~يغفر لكل الذين آذونا ، وأن يهديهم سواء السبيل . (*) # --- PageV01P029 [ 30 ] # اليوم ممقوتا لا بعمد إليه إلا كل جاهل لا يعرف من أصول النقد شيئا . ذلك ~~أن النقد الصحيح في هذا العصر إنما يقوم على أصول ثابتة من العلم الكامل ، ~~والعقل الراجح والمنطق السليم ، وأن يكون الناقد قبل ذلك عف اللسان مهذب ~~الاسلوب - وبذلك كله يؤدى إلى النقد واجبه ، وإلى العلم حقه ، حتى يقع نقده ~~موقع القبول ، ويؤثر في القلوب والعقول معا . هذا هو النقد الصحيح ، أما ~~النقد المبنى على غير ذلك ولا يعمل له حساب فهذا لا يعد نقدا ! ومما لا ~~يقضى الانسان منه عجبا ، أن كل الذين ثاروا على كتابنا لم ينفذوا إلى فهم ~~الغاية منه ولم يدركوا أغراضه ، ولعل مرد ذلك إلى أنه من وراء علمهم ، ~~وموضوعه غريب عليه ، وأن بحثه يقوم على المنهج العلمي الحديث وهم لا ~~يحسنونه ، فما كاد يخرج عليهم حتى روعهم ms024 فنكروه ، وأوجسوا منه خفية فعارضوه ~~. وليتهم لما لم يفهموا كلامنا قد أراحوا الناس بسكوتهم ، واستمعوا إلى ~~نصيحة الشاعر الحكيم في قوله : ليت من لا يحسن العل * م كفانا شر علمه ! ~~وإنى بعد ذلك لاستعلن وقلبي مطمئن أي اطمئنان أنه لا ضير على كتابي هذا من ~~مثل هذا النقد الهزيل الذى زاد من قيمته ، وأعلى من شأنه . # --- PageV01P030 [ 31 ] # للحق والتاريخ هذه هي قصة كتابي مع العلماء المحققين وغير المحققين ~~أسجلها هنا للحق والتأريخ في عبارة وجيزة لتبقى على وجه الدهر شاهدة صادقة ~~يقرؤها الناس جيلا بعد جيل على مد العصور لكى يعرفوا كيف كان بعض شيوخ ~~الدين - في عصرنا هذا ، عصر النور والعرفان ، عصر الذرة - يقابلون كتب ~~العلم التى تكتب بتحقيق في البحث واجتهاد في الفهم ، وحرية في الفكر ! ! ~~وإنى هنا أرى أنه لا مناص لى من أن أذكر أمرا لاحظته واضحا في نقد ~~المنتقدين ، وذلك أن حملاتهم قد اشتدت فيما يتصل بأبى هريرة خاصة وفي عدالة ~~الصحابة عامة ، حتى بلغوا في ذلك حالة غير معقوله - ومن أجل ذلك رأيت وفاء ~~بحق التأريخ ورعاية لحرمة العلم أن أعود فأراجع كتابي كله لكى أعزز أبوابه ~~، وأدعم فصوله ، بما كنت قد أمسكت عن نشره في الطبعة الاولى - وبما أعثر ~~عليه البحث بعد صدور هذه الطبعة - من المصادر الوثيقة والاسانيد المعتبرة ~~لدى الجمهور إن في هذين الموضوعين وإن في غيرهما من سائر مواضيع الكتاب إلى ~~ما يدعو إليه إعادة النظر في كل ما يكتب لاول مرة من تهذيب وتنقيح واستيفاء ~~وزيادة وتوضيح حتى أصبح الكتاب كاملا . فأما أبو هريرة فلان له وضعا خاصا ~~به لا يشاركه فيه سواه من سائر الصحابة وليس له مثيل منهم ، لا في سيرته ، ~~ولا في تاريخه ، ولا في كثرة أحاديثه ، فقد كسرت له كتابا خاصا باسم " شيخ ~~المضيرة " وطبعناه على حدة مرتين (1) . وأما الصحابة فقد رأينا أن نعزز ما ~~كتبناه في الطبعة الاولى بنقل بعض ما جاء عنهم من أصدق كتاب يرجع إليه ~~المسلمون في مشارق الارض ومغاربها ذلكم ms025 هو القرآن الكريم ، فمن استطاع أن ~~يمترى في آية من آياته ، أو يجادل في كلمة من كلماته فليفعل ، ويكون بذلك ~~شهما شجاعا . ولعل بعضهم يقول : إن الآيات التى جاءت في وصف الصحابة قد نسخت ! # --- # (1) طبع طبعتين الاولى في مدينة صور - لبنان ، والثانية بالقاهرة . (*) # --- PageV01P031 [ 32 ] # وإن هذا كان شأنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ذلك فقد ~~أصبحوا مبرئين معصومين (1) ومن قال غير ذلك فهو زنديق . وإن إيمانه على حرف ~~(2) . وفي ختام كلمتي أقول : بأنى سأتقبل كل ما قد يوجه إلى من نقد ~~بالاغتباط والسرور . ورحم الله ابن حزم حيث يقول : من حقق النظر وراض نفسه ~~على السكون إلى الحقائق ، وإن آلمتها في أول صدمة ، كان اغتباطه بذم الناس ~~إياه ، أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه . هدانا الله جميعا إلى الصراط ~~المستقيم وتولانا بفضله ، ورضوانه إنه هو البر الرحيم . # --- # (1) مما يتكئ عليه بعضهم بأن الصحابة كلهم عدول حديث يرددونه وهو : ~~أصحابي كالنجوم . . . وهو حديث لا أصل له ، انظر كتاب المنتقى لابن تيمية ص ~~551 وغيره . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " لتجد اسم تمن قضى بهذا الحكم ~~وهو - واأسفا - أستاذ يدرس الشريعة الاسلامية بإحدى الجامعات المصرية . (*) # --- PageV01P032 [ 33 ] # بيان لا بد منه قبل أن أضع القلم من إعداد الطبعة الثانية لهذا الكتاب ~~أجد من الضرورى أن أنشر هذا البيان لاجيب فيه عن ملاحظتين دقيقتين أبدى ~~إحداهما العالم الجليل الدكتور طه حسين بعد أن قرأ الكتاب في طبعته الاولى ~~مرتين - كما صرح بذلك حفظه الله - في الفصل الممتع الذى تفضل فكتبه عن ~~كتابنا هذا ، وأثنى فيه عليه وعلى مؤلفه ثناء طيبا استحق من أجله أن أقدم ~~له أجمل الشكر وأخلص الحمد ، وقد إستخرنا الله في أن نجعل هذا الفصل مقدمة ~~لهذه الطبعة . أما الملاحظة الاولى فقد أبداها مع الدكتور بعض العلماء وهى ~~: أنى - وأنا أقص على الناس قصة الحديث ، وأبين لهم ما أصابه من فعل الرواة ~~، وما اعتراه من وضع الوضاعين وغيرهم ، وما إلى ذلك مما بينته في كتابي - ~~أعود فأستشهد ببعض ms026 الاحاديث وأجعلها من أدلتي فيما أريد من إثبات أو نفي ، ~~أو غير ذلك ! مما قد يبدو في ظاهر الامر أنه تناقض . وقد يكون لهذه ~~الملاحظة حظ من الاعتبار - إذا كنت أنا أعتقد صحة الاحاديث التى أستشهد بها ~~، وأقطع بأنها قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظها ومعانيها ! ~~ولكى أدرأ عن نفسي هذه الشبهة أقول : إن الاحاديث التى أوردها في سياق ~~كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي ، إنما أسوقها لكى نقنع من لا ~~يقتنع إلا بها ، على إعتبار أنها عنده من المسلمات التى يصدقها ولا يمارى ~~فيها . وأنا إذ أفعل ذلك لم أخرج عن أصول المنطق وأساليب الحجاج والجدل ، ~~فهناك ما يمسى " بالدليل الاقناعى " وهو أن يحتج على الخصم بما هو مسلم ~~عنده ، كأن يحتج المسلم على النصراني بما في الانجيل ، وهو في نفسه غير ~~مؤمن بما يحتج به ، أو عكس ذلك ، أو الذى يسمونه " دليل الالزام " الذى ~~يقولون فيه " ألزموهم أضواء على السنة المحمدية # --- PageV01P033 [ 34 ] # بما ألزموا به أنفسهم " وهذا أمر مشهور بين العلماء فلا نحتاج إلى إيراد ~~الادلة عليه . على أن ذلك ليس عاما في كل ما أورده من أحاديث في كتابي ، ~~فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة - كأن يكون بيانا للقرآن الكريم ، أو ~~متفقا مع العقل السليم ، أو جاء " على مقتضى الاصول التى قام عليها الدين ، ~~وإليها قامت الدعوة ، ولاجلها منحت النبوة " أو أتنور خلال معانيه شعاعا من ~~نور النبوة ، ولو كان خافتا ضئيلا - وهذا أمر أحسه بوجداني ، فما كان من ~~مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن ~~وأعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز - وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من ~~أنه من أحاديث الآحاد ، وأنه ظنى الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذى ~~يفيد اليقين ، وأن روايته قد جاءت " بالمعنى " لا بأصل اللفظ الصحيح الذى ~~نطق به النبي صلى الله عليه وسلم . ومن الاحاديث ما تقضى البداهة بصدقه ~~كحديث : " لا تكتبوا عنى شيئا ms027 غير القرآن " وهو الحديث الذى بنينا عليه ~~كتابنا هذا . ذلك بأن القرائن كلها تدل على صحته وجاء عمل الصحابة بتأييده ~~، فإنهم جميعا قد اتبعوه وامتنعوا عن كتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ثم منعوها بالنهي عنها . ومن أجل ذلك جاءت هذه الاحاديث كلها بالرواية ~~لا بالكتابة كما جاء القرآن . أما الملاحظة الثانية التى لاحظها الدكتور ~~الفاضل فكانت بلسانه فقال : إنك قد أكثرت من النقل عن السيد رشيد رضا " ~~رحمه الله " ، وهذه الملاحظة سمعتها كذلك من غيره من كبار العلماء ، وما ~~لاحظه دكتورنا - ومن معه - هو حق لا أمارى فيه ! وجوابي عن هذه الملاحظة ~~أنى لم أصنع ذلك عفوا أو فقرا من الادلة - وإنما كان ذلك مقصودا منى لاسباب ~~مهمة . منها : أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقه ~~المجتهدين عند أهل السنة # --- PageV01P034 [ 35 ] # الذين يعتد برايهم ، ويوتق بهم ، ويؤخذ عنهم ، وأنه بلا منازع شيخ محدثي ~~أهل السنة في عصرنا ، بحيث يعلم من أمر الاحاديث التى حملتها الكتب ~~المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك ، مما يتصل ~~بموضوع كتابي ، ما لم يعلم مثله سواه ، وبحسبك أن الازهر - هذا المعهد ~~العظيم - لم يخرج - في هذا العصر وفي عصور كثيرة - من يضارعه علما وبحثا ، ~~وأنا أعرف ما أقول . على أنه فوق ذلك ورث علم الاستاذ الامام محمد عبده - ~~وناهيك به علما وفضلا ، بحيث لا يختلف اثنان في أنه من كبار أئمة الدين ~~المجتهدين - فما يقوله السيد رشيد إنما أعتبره كأنه صادر عن أستاذه الامام ~~وذلك فيما أرى أنه من منهج الاستاذ الامام وأسلوبه في النظر إلى الدين (1) ~~. ولانه قد جمع كل هذه الصفات تكون أقواله وآراؤه ولا ريب - عند الجمهور - ~~حججا دامغة ، وبراهين مقنعة ، لا يستطيع أحد منهم أن يعارضها أو يمارى فيها ~~. من أجل ذلك أكثرنا من الاستشهاد في كتابنا بأقواله وآرائه ، وجعلنا ذلك ~~من الادلة القوية على ما نأتى به . والامر في هذا العالم كالامر في غيره ~~ممن نستشهد بأقوالهم كابن تيمية الذى ms028 أكثرنا كذلك من النقل عنه ، ذلك أنه ~~يلقب عند أهل السنة " بشيخ الاسلام " ، وله لدى الجمهور مقام ، أي مقام ، ~~وإذا كنا نعرف لهذين العالمين الكبيرين قدرهما ، فإنا لنعلم كذلك ما يؤخذ ~~عليهما - وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد عليه ، إلا صاحب الرسالة صلوات الله ~~عليه . وقد صنعنا ذلك لاننا على علم بما سيثور حول كتابنا من الذين يقولون ~~إنهم من أهل السنة - وذلك بما سبق أن قابلونا به عندما نشرنا من فصول هذا ~~الكتاب ما نشرنا على مجلة الرسالة قبل طبع كتابنا - طبعته الاولى - ببضع ~~سنين . قد أيد ذلك ما ابتلينا به بعد ظهور الكتاب مطبوعا . # --- # (1) قال العلامة الكبير الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخ الازهر (سابقا) رحمه ~~الله : إذا كان الشيخ محمد عبده إماما في الدين فالسيد رشيد رضا لا شك ~~صاحبه ومفسر مذهبه ومكمله ، وقد بذل منشئ المنار رحمة الله عليه مجهودا في ~~هذه الناحية ضخما حافلا بالمباحث الدينية ، والمناقشات الفقهية ، وكان لهذا ~~المجهود العظيم أثر غير ضئيل في طلاب العلوم الدينية ومناهجهم ، وفي توجيه ~~الدراسات الشرعية في البلاد الاسلامية المختلفة (ص 15 من كتاب رائد الفكر ~~المصرى) . (*) # --- PageV01P035 [ 36 ] # هذا هو جوابنا عما لاحظه الدكتور طه حسين وغيره - ونرجو أن يكون هذا ~~الجواب شافيا ومقنعا له ولسائر العلماء المثقفين - وحسبي ذلك . وهنا يتاح ~~لى أن أزيد في هذا البيان سطورا أعرض فيها لحقيقة ثابتة ضل في فهمها بعض ~~الناس . ذلك أنهم يزعمون أنى أرمى من وراء كتابي هذا إلى غاية خفية وهى ~~الصد عن السنة القولية والاكتفاء بالقرآن الكريم وحده في أخذ أمور الدين ! ~~ولست أدرى من أين جاءهم هذا الفهم الخاطئ ، ولا في أي موضع من كتابي هذا ~~ذكرت ذلك ، أو أشرت من قريب أو بعيد إليه . أما الذى صرحت به في عبارات ~~واضحة لا لبس فيه ولا غموض ، أن يتحفظ الناس في أخذ الحديث ، وأن يتحروا ~~الصحيح الثابت منه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، أما غير الصحيح والموضوع ~~فيدعونه ولا يلتفتون إليه بعد ما عراه من فعل ms029 الرواة ما عراه ، مما فصلناه ~~في كتابنا تفصيلا ، ولم أكن بدعا في ذلك فهذه سنة من قبلنا من أئمة الاسلام ~~، وما جرى عليه عمل العلماء الاعلام . هذا ما صرحت به مرارا وأكدته وأنا ~~على يقين من أن القرآن هو أصل الدين القويم وأن السنة لم تكن إلا مبينة له ~~، ولا بد أن يكون البيان صحيحا واضحا لا شبهة فيه . وعلى أن كلامي هذا واضح ~~، فقد سمعنا ما سمعنا ولكن هذا لا يهمنا ، ولا يضر بشئ من قريب أو بعيد ~~كتابنا . عن جيزة الفسطاط في يوم الجمعة 8 من محرم سنة 1383 ه 31 من مايو ~~سنة 1963 م # --- PageV01P036 [ 37 ] ### || AUTO مقدمة الطبعة الثالثة نستخير الله في أن نقدم هذه الطبعة من ~~كتابنا إلى القراء ، ونستهلها بكلمة مختصرة نبين فيها ما صنعناه لها من ~~تنقيح وزيادة على ما كانت عليه الطبعة الثانية منه . عندما عزمنا على طبع ~~كتابنا هذا للمرة الثالثة رأينا من التدبير أن نعيد النظر في الطبعة ~~الثانية ، وما إن انتهينا من قراءتها حتى بدا لنا أن بعض مواضيعها يحتاج ~~إلى مزيد من البيان والايضاح ، وقد يطول هذا البيان أو يقصر ، وذلك حسب ما ~~يقتضيه الموضوع ، وألفينا مواطن عديدة منها تستدعى شيئا من التصحيح أو ~~التنقيح ، ثم عثرنا على أغلاط مطبعية قد شاعت في كلمات كثيرة وقد نجمت هذه ~~الاغلاط من أن الكتاب قد طبع في لبنان بعيدا عنا . ولا أفصل القول في بيان ~~كل ما قمت به لتهيئة الكتاب وإخراجه للطبعة الثالثة لان ذلك يعتبر تطويلا ~~لا جداء فيه ، وإنما الذى يمكن أن أذكره عن طريق الاجمال - وأنا مطمئن - ~~أنى قد بذلت كل ما أستطيع من جهد وقوة في سبيل تقويم كل ما وجدت في الطبعة ~~الثانية بدقة وأناة حتى خرجت هذه الطبعة الحالية - والحمد لله - كاملة ~~مستوفاة . وقد جئنا في هذه الطبعة بخلاصة وجيزة من تاريخ أبى هريرة بعد أن ~~كنا قد حذفنا تاريخه من الطبعة الثانية وجعلناه في كتاب خاص مفصل جامع . ~~وإذا كنت - وأنا أقدم ms030 هذه الطبعة للناس قد أصبحت راضيا عنها مغتبطا بها - ~~فإنى أرجو مخلصا أن ينفع الله بها ، وأن يزداد رضا العلماء الكمل عنها ، ~~والحمد لله في البدء والنهاية ونسأله دوام التوفيق والهداية ، إنه سميع مجيب . # --- PageV01P037 [ 38 ] # السنة نرى من الحق علينا قبل أن نتناول أطراف الحديث الذى أخذنا على ~~أنفسنا القيام به أن نمهد بصدر صالح من القول في تعريف " السنة " لغة ~~واصطلاحا وبيان حكم القولية منها التى هي أحاديث النبي ، ومكانها من الدين ~~. ثم نمضى في سبيلنا إن شاء الله . عرفوا السنة لغة : بأنها الطريقة ~~المعبدة ، والسيرة المتبعة ، أو المثال المتبع - وجمعها سنن ، وذكروا أنها ~~مأخوذة من قولهم : سن الماء إذا والى صبه . فشبهت العرب الطريقة المستقيمة ~~بالماء المصبوب ، فإنه لتوالى جريانه على نهج واحد يكون كالشئ الواحد . قال ~~الشاعر (1) : فلا تجز عن من سيرة أنت سرتها * وأول راض سنة من يسيرها وفي ~~الاساس : سن سنة حسنة ، طرق طريقة حسنة ، واستن بسنته . وفلان متسنن ، عامل ~~بالسنة . وقال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم : السنة هي العادة وهى ~~الطريق التى تتكرر لنوع الناس مما يعدونه عبادة أو لا يعدونه عبادة . قال ~~تعالى : " قد خلت من قبلكم سنن ، فسيروا في الارض " وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم " لتتبعن سنن من كان قبلكم " والاتباع هو الاقتفاء والاستنان . ~~وسنة النبي طريقته التى كان يتحراها ، وسنة الله تعالى قد تقال لطريقة ~~حكمته وطريقة طاعته ، نحو : " سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا " " ولن تجد لسنة الله تحويلا " . وقال الجرجاني في التعريفات ~~: السنة في اللغة الطريقة مرضية كانت أو غير # --- # (1) هو خالد بن عتبة الهذلى وابن أخت أبى ذؤيب الهذلى . (*) # --- PageV01P038 [ 39 ] # مرضية ، وفي الشريعة هي الطريقة المسلوكة في الدين في غير افتراض ولا ~~وجوب ، فالسنة ما واظب النبي عليها مع الترك أحيانا ، فإن كانت المواظبة ~~المذكورة على سبيل العبادة فسنن الهدى ، وإن كانت على سبيل العادة فسنن ~~الزوائد . وسنة رسول الله هي ما كان عليه هو وخاصة أصحابه عملا وسيرة ، ~~وهذه ms031 السنة تعرف من الصحابة بالعمل والاخبار ، كنحو : من السنة كذا . ثم ~~اصطلح المحدثون على تسمية كلام الرسول " حديثا وسنة " اه أي أنه اصطلاح ~~مستحدث لا تعرفه اللغة ولا يستعمل في أدبها وقد جرينا على هذا الاصطلاح في ~~تسمية كتابنا هذا وفيما يجرى حديثنا فيه - وكان الحق أن نسميه - دفاعا عن ~~الحديث لانه وضع في الحقيقة من أجل ذلك وقد زدناها في تسمية هذه الطبعة . ~~وقالوا السنة تطلق في الاكثر على ما أضيف إلى النبي ، من قول أو فعل أو ~~تقرير . مكان السنة في الدين جعلوا السنة القولية في الدرجة الثالثة من ~~الدين ، وأنها تلى السنة العملية ، وهذه تلى القرآن في المرتبة ، ذلك بأن ~~القرآن قد جاء من طريق متواتر بحيث لا يتطرق إليه الشك ، فهو من أجل ذلك ~~مقطوع به جملة وتفصيلا . أما السنة فقد جاءت من طريق غير متواتر ، فهى ~~مظنونة في تفصيلها ، وإن كان مقطوعا بجملتها ، وأما الذى هو في الدرجة ~~الثانية من الدين فهو السنة العملية . قال الامام الشاطبي في الموافقات (1) ~~: رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار ، والدليل على ذلك أمور : أحدها ~~- أن الكتاب مقطوع به ، والسنة مظنونة ، والقطع بها إنما يصح في الجملة لا ~~في التفصيل ، بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل ، والمقطوع به ~~مقدم على المظنون ، فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة . # --- # (1) ص 3 وما بعدها ج 4 . (*) # --- PageV01P039 [ 40 ] # الثاني - أن السنة إما بيان للكتاب ، أو زيادة على ذلك ، فإن كانت بيانا ~~كانت ثانيا على المبين في الاعتبار - إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ، ~~ولا يلزم من سقوط البيان سقوط المبين - وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم ، ~~وإن لم يكن بيانا فلا يعتبر إلا بعد ألا يوجد في الكتاب ، وذلك دليل على ~~تقدم اعتبار الكتاب . الثالث - ما دل على ذلك من الاخبار والآثار كحديث ~~معاذ ، بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال ، فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول ~~الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيى (1) . وبعد ما أورد الشاطبي ms032 ~~أدلة كثيرة عن عمر وابن مسعود وابن عباس تثبت ذلك قال : والمقطوع به في ~~المسألة أن السنة ليست كالكتاب في مراتب الاعتبار . ومما قاله : " إن السنة ~~بمنزلة التفسير والشرح لمعاني أحكام الكتاب ، ودل على ذلك قوله تعالى : ~~(لتبين للناس ما نزل إليهم) ، وأن السنة راجعة في معناها إلى الكتاب ، فهى ~~تفصيل مجمله ، وبيان مشكله ، وبسط مختصره ، وذلك لانها بيان له ، وهو الذى ~~دل عليه قوله تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فلا ~~تجد في السنة (2) أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو ~~تفصيلية ، وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية الشريعة (3) وينبوع لها ~~فهو دليل على ذلك ولان الله قال : (وإنك لعلى خلق عظيم) : وفسرت عائشة ذلك ~~بأن خلقه القرآن ، - واقتصرت في خلقه على ذلك - فدل على أن قوله وفعله ~~وإقراره راجع إلى القرآن ، لان الخلق محصور في هذه الاشياء ، ولان الله جعل ~~القرآن تبيانا لكل شئ (4) ، فيلزم من ذلك أن تكون السنة حاصلة فيه في ~~الجملة ، لان الامر والنهى أول ما في الكتاب ، ومثل قوله : (ما فرطنا في ~~الكتاب من شئ (5)) وقوله : (اليوم أكملت لكم دينكم) وهو يريد بإنزال القرآن ~~- فالسنة إذن في محصول الامر بيان # --- # (1) رواه أبو داود والترمذي والدارمى . (2) أي السنة الثابتة . (3) أي ~~جامع لكليات الشريعة وأصولها . (4) قال تعالى في سورة النحل : " وأنزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . (5) أي من أمور ~~الدين وغير الدين . (*) # --- PageV01P040 [ 41 ] # لما فيه ، وذلك معنى كونها راجعة إليه ، وأيضا فالاستقراء التام دل على ~~ذلك وقد تقدم في أول كتاب الادلة أن السنة راجعة إلى الكتاب ، وإلا وجب ~~التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذا المقام " إلى أن قال : " إن السنة ~~تطاع لانها بيان للقرآن ، فطاعة الله العمل بكتابه ، وطاعة الرسول العمل ~~بما بين به كتاب الله تعالى قولا أو عملا أو حكما . ولو كان في السنة شئ لا ~~أصل له في الكتاب لم تكن بيانا له ، ولا يخرج من هذا ms033 ما في السنة - من ~~التفصيل لاحكام القرآن الاجمالية وإن كانت تتراءى أنها ليست منه كالصلاة ~~المجملة في القرآن والمفصلة في السنة ، ولكننا علمنا بهذا التفصيل أنه مراد ~~الله في الصلاة التى ذكرها في كتابه مجملة " . وقال (1) : إن السنة توضح ~~المجمل ، وتقيد المطلق ، وتخصص العموم . وقال (2) : إن السنة إنما جاءت ~~مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه . وسئل الامام أحمد عن الحديث الذى روى في أن ~~السنة قاضية على الكتاب فقال : ما أجسر على هذا أن أقوله ، ولكني أقول إن ~~السنة تفسر القرآن وتبينه (3) . وكان الامام مالك " يراعى كل المراعاة ~~العمل المستمر والاكثر ويترك ما سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث . وقال : أحب ~~الاحاديث إلى ما اجتمع الناس عليه (4) . وفي روح البيان للآلوسي أن الامام ~~الشافعي قال : جميع ما حكم به النبي فهو مما فهمه من القرآن . وقال الامام ~~الشافعي : لا تخالف سنة لرسول الله كتاب الله بحال (5) . وقال الفقيه ~~المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله : والنبى مبين للقرآن بقوله وفعله ويدخل ~~في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد ولكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه ~~أو نقض خبر من أخباره ، ولذلك كان التحقيق " أن السنة # --- # (1) ص 21 ج 1 . (2) ص 43 ج 3 أكثرنا من النقل عن هذا الكتاب لانه كما قال ~~أستاذنا الامام محمد عبده : " من الكتب النفيسة التى لم يؤلف مثلها " . (3) ~~ص 26 ج 4 الموافقات للشاطبي وص 23 - 1 تفسير القرطبى . (4) ص 66 و70 ج 3 ~~الموافقات . (5) ص 576 من الرسالة طبعة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . (*) # --- PageV01P041 [ 42 ] # لا تنسخ القرآن " . . والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة ~~الاولى والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النبي ، ~~وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة - ومن عمل بالمتفق ~~عليه كان مسلما ناجيا في الآخرة مقربا عند الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي ~~(1) . حكم كلام الرسول في الامور الدنيوية هذا ما رأينا إيراده من كلام ~~كبار الائمة من حيث بيان درجة كلام الرسول في الامور الدينية - أما ms034 كلامه ~~صلوات الله عليه في الامور الدنيوية فإنه كما قالوا من الآراء المحضة ~~ويسميه العلماء " أمر إرشاد " ، أي أن أمره صلى الله عليه وسلم في أي شئ من ~~أمور الدنيا يسمى إرشادا - وهو يقابل " أمر التكليف " . ومن القواعد ~~الاصولية أن العمل بأمر الارشاد - لا يسمى واجبا ولا مندوبا ، لانه لا يقصد ~~به القربة ولا فيه معنى التعبد . ومن المعلوم أنه : لا دليل على وجوب أو ~~ندب إلا بدليل خاص . وما ذكره العلماء في ذلك إنما هو لان الرسل غير ~~معصومين في غير التبليغ . قال السفارينى في شرح عقيدته (2) : قال ابن حمدان ~~في نهاية المبتدئين : وإنهم معصومون فيما يؤدونه عن الله تعالى وليسوا ~~بمعصومين في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر . وقال ابن عقيل في ~~الارشاد : إنهم عليهم السلام لم يعتصموا في الافعال - بل في نفس الاداء ولا ~~يجوز عليهم الكذب في الاقوال فيما يؤدونه عن الله تعالى . وهذا ينكره علماء ~~الشيعة فإنهم أجمعوا على أن الانبياء لا يخطئون ولا يعتريهم السهو والنسيان ~~- وهم مجمعون على أنهم معصومون في الكبر والصغر حتى في أمور الدنيا . وقد ~~ثبت أن النبي كان يصدق بعض ما يفتريه المنافقون ، كما وقع في غزوة # --- # (1) ص 694 ج 12 المنار وقرر الغزالي ذلك في كتابه القسطاس المستقيم . (2) ~~291 ج 2 . (*) # --- PageV01P042 [ 43 ] # تبوك وغيرها وصدق بعض أزواجه ، وتردد ، في حديث الافك وضاق صدره به زمنا ~~حتى نزل عليه آيات البراءة فكشفت له الغطاء عن الحقيقة . قال القاضى عياض ~~(1) : أما أحواله في أمور الدنيا فقد يعتقد الشئ على وجه ويظهر خلافه ، أو ~~يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع . عن رافع بن خديج (2) قال قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ ~~قالوا : كنا نصنعه ، قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، فتركوه فنفضت ، ~~فذكروا ذلك له . فقال : " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ~~وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر " . وفي رواية أنس " أنتم أعلم ms035 بأمر ~~دنياكم " وفي حديث آخر إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن . وفي حديث ابن ~~عباس في قصة الخرص (3) فقال رسول الله : " إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله ~~فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ أصيب " . وهذا على ما ~~قررنا فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، ولما نزل ~~بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا ~~أن نتقدمه أم هو الرأى والحرب والمكيدة ؟ قال : لا بل هو الرأى والحرب ~~والمكيدة . قال : فإنه ليس بمنزل ! انهض حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننزله ~~ثم نغور ما وراءه من القلب فنشرب ولا يشربون . فقال : أشرت بالرأى . وفعل ~~ما قاله . وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الانصار فلما ~~أخبروه برأيهم رجع عنه . فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التى لا مدخل ~~فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه . وقال ~~(4) وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ومعرفة ~~المحق من المبطل ، وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل ، لقوله صلى الله # --- # (1) ص 178 و179 ج 2 الشفاء . (2) هذه الاحاديث رواها مسلم في كتابه ، ~~بألفاظ مختلفة وظاهرها هو في الضابط القطعي بين ما قاله الرسول رأيا ~~وإرشادا ، وبين ما قاله تشريعا . (3) كانوا قد مروا بشجر مثمر يخرصونه ~~يجربون حدسهم ، وخرصها النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت على خلاف خرصه . (4) ~~ص 180 ج 2 من الشفاء . (*) # --- PageV01P043 [ 44 ] # عليه وسلم : " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا ~~يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار " (عن أم سلمة) . وفي رواية ~~الزهري عن عروة " فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له ~~" . وهو صلى الله عليه وسلم يجرى أحكامه على الظاهر وموجب غلبات الظن ~~بشهادة ms036 الشاهد ويمين الحالف ومراعاة الاشبه . . . إلخ . وقال (1) : فأما ما ~~تعلق منها (أي معارف الانبياء) بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الانبياء ~~العمصة من عدم معرفة الانبياء ببعضها أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه ، ~~ولا وصم عليهم فيه . وقال صلى الله عليه وسلم : إنى لا أعلم إلا ما علمني ~~ربى . وقال موسى للخضر (هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا) (2) . وقال ~~الوزير اليماني في الروض الباسم : غير خاف عمن له أنس بقواعد العلماء أن ~~أفعال النبي صلى الله عليه وسلم عند المحققين لا تدل بنفسها على الوجوب ، ~~ولا على الندب ، وإنما تدل على الاباحة - والقدر المقطوع به أنه لم يكن ~~يفعل المعاصي المحرمة ، فإن فعل شيئا من الصغائر سهوا لم يقر عليه ، وبين ~~الله تعالى ذلك - وقال المحققون : إذا فعل فعلا نظرنا ، هل دلت القرائن على ~~أنه فعل ذلك متقربا به إلى الله تعالى أولا ، فإن لم تدل القرائن على ذلك ~~لم يستحب التأسي به وكان من فعله على الاباحة ، من شاء فعله ومن شاء تركه ، ~~ومن ذلك إقراره لعمر بن الخطاب على مخالفة رأيه في قصة أسرى بدر (3) . # --- # (1) 107 ج 2 . (2) ص 109 من نفس المصدر . (3) ص 142 ج 1 . (*) # --- PageV01P044 [ 45 ] # مجرد أمر الرسول لا يقتضى الوجوب روى محمد بن الحنفية رحمه الله عن أبيه ~~أمير المؤمنين عليه السلام قال : كان قد كثر على مارية القبطية أم إبراهيم ~~في ابن عم لها قبطى كان يزورها ، ويختلف إليها ، فقال لى النبي صلى الله ~~عليه وسلم : خذ هذا السيف وانطلق ، فإن وجدته عندها فاقتله . قلت : يا رسول ~~الله ، أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة ، أمضى لما أمرتنى ، أم ~~الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال لى النبي صلى الله عليه وسلم : " بل ~~الشاهد يرى ما لا يرى الغائب " فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها ، ~~فاخترطت السيف فلما أقبلت نحوه ، عرف أنى أريده ، فأتى نخلة فرقى إليها ، ~~ثم رمى بنفسه على قفاه ، وشغر برجليه ، فإذا به أجب أمسح ، ما له مما ms037 ~~للرجال قليل ولا كثير ، قال فغمدت السيف ، ورجعت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبرته فقال : الحمد لله يصرف عنا أهل البيت . قال الشريف المرتضى في ~~تعليقه على هذا الخبر : ومما فيه من الاحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لا يقتضى الوجوب ، لانه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ~~ولا استفهامه ، وفي حسنها ووقوعها موقعها دلالة على أنها لا تقتضي ذلك (1) ~~. وفي طبقات الاطباء والحكماء لابن جلجل عن سعد بن أبى وقاص قال : مرضت ~~مرضا فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى : ائت الحارث بن كلدة ~~فإنه رجل بتطيب . فأمر رسول الله بإتيان الاطباء ومسألتهم عمابين أيديهم (2) . # --- # (1) ص 77 و78 ق 1 أمالى المرتضى . (2) ص 54 وهذا الكتاب من مطبوعات ~~المعهد العلمي الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة . (*) # --- PageV01P045 [ 46 ] # النهى عن كتابة الحديث كان رسول الله صلوات الله عليه - كما قلنا - مبينا ~~ومفسرا للقرآن بفعله وقوله ، ولكن أقواله في هذا البيان أو في غيره لم تحفظ ~~بالكتابة كما حفظ القرآن ، فقد تضافرت الادلة النقلية الوثيقة ، وتواتر ~~العمل الثابت الصحيح على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهده ~~كما كان يكتب القرآن ولا كان لها كتاب يقيدونها عند سماعها منه وتلفظه بها ~~كما كان للقرآن كتاب ومعروفون يقيدون آياته عند نزولها ، وقد جاءت أحاديث ~~صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة أحاديثه صلى الله عليه وسلم نجتزئ ~~هنا بذكر بعضها : روى أحمد ومسلم والدارمى ، والترمذي والنسائي ، عن أبى ~~سعيد الخدرى قال : قال رسول الله : " لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن فمن ~~كتب عنى غير القرآن فليمحه (1) " ، وأخرج الدارمي عن أبى سعيد كذلك : أنهم ~~أستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم . وراية ~~الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد قال : استأذنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الكتابة فلم يأذن لنا (2) . (ومن مراسيل ابن أبي مليكة) أن الصديق ~~جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول ms038 الله صلى الله عليه ~~وسلم أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول ~~الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ~~وحرموا حرامه (3) . وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقي في المدخل عن ~~عروة - أن عمر أراد # --- # (1) لهذا الحديث صيغ كلها تتفق في المعنى . والدارمى شيخ البخاري . (2) ص ~~91 ج 2 طبع الهند ، وقد أملى النبي صلى الله عليه وسلم كتبا في الشرائع ~~والاحكام جهز بها رسله وعماله في الاقطار المفتوحة بعضها في الصدقات ~~والفرائض ولا يتعدى ما كتب عن الرسول في عصره عشر صحفات في أمور يجب أن ~~تحفظ بنصوصها لكى لا يعتورها التغيير والتشويه . (3) ص 3 تذكرة الحفاظ ~~للذهبي ج 1 . (*) # --- PageV01P046 [ 47 ] # أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك - ورواية البيهقى - ~~فاستشار ، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شهرا ، ثم أصبح ~~يوما وقد عزم الله له ، فقال : إنى كنت أريد أن أكتب السنن ، وإنى ذكرت ~~قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإنى والله ~~لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا . ورواية البيهقى " لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا ~~" . وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا ~~يكتبها ثم كتب في الامصار من كان عنده شئ فليمحه (1) . وروى ابن سعد عن عبد ~~الله بن العلاء قال : سألت القاسم بن محمد أن يملى على أحاديث ، فقال : إن ~~الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب (2) فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما ~~أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب ، قال (3) فمنعني ~~الناس القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثا . ودخل زيد بن ثابت على معاوية ~~فسأله عن حديث ، وأمر إنسانا أن يكتبه فقال له زيد : " إن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه ، فمحاه . وعن عبد الله بن ~~يسار قال : سمعت عليا يخطب يقول : أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع ms039 فمحاه ~~، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم . وعن ~~الاسود بن هلال قال : أتى عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء ~~فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت . ثم قال أذكر الله رجلا يعلمها عند أحد ~~إلا أعلمني به ، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها ، بهذا هلك أهل الكتاب # --- # (1) ص 64 و65 ج 1 جامع بيان العلم وفضله وص 206 ج 1 / 3 طبقات ابن سعد ~~طبعة ليدن وما خشيه عمر قد وقع . (2) بدأت رواية الحديث تكثر في عهد عمر ~~فترى ماذا يكون الامر بعد وفاة عمر . (3) ص 140 ج 5 طبقات ابن سعد وص 52 ~~تقييد العلم للبغدادي . ولعل عمر يقصد أن يمثل ذلك بما صنعه اليهود عند ما ~~تركوا التوراة وعملوا بمجموعة الروايات الاسرائيلية وسموها " مثناة " ومن ~~مختار الصحاح عن أبى عبيدة أن الاحبار والرهبان وضعوا بعد موسى عليه السلام ~~كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله فهو " المثناة " ويرويها ~~بعضهم بالسين المهملة . وجاء في كتاب مقالة في الاسلام بالشين - المشناة . (*) # --- PageV01P047 [ 48 ] # قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ! وهناك غير ذلك ~~أخبار كثيرة يرجع إليها في كتابي جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ~~وتقييد العلم للبغدادي وغيرهما . ولئن كان هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة ~~بكتابة الاحاديث إن أحاديث النهى أصح وأقوى ، بله ما جرى عليه العمل في عهد ~~الصحابة والتابعين . وقد عقد الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله فصلا ~~قيما في التعادل والترجيح بين روايات النهى وروايات الرخصة نأتى به هنا ~~ليكون مقطع الحق في هذا الامر . قال رحمه الله (1) : إن أصح ما ورد في ~~المنع من كتابة الحديث ما رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه وابن عبد البر ~~في كتاب العلم وغيرهم عن أبى سعيد الخدرى مرفوعا : " لا تكتبوا عنى شيئا ~~إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليحمه " . وإن أصح ما ورد في الاذن حديث ~~أبى هريرة في الصحيحين وغيرهما ms040 مرفوعا : " اكتبوا لابي شاه " وهو لا يعارض ~~حديث أبى سعيد وما في معناه على قاعدتنا التى مدارها على أن نهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن كتابة حديثه مراد به ألا تتخذ دينا عاما كالقرآن ، وذلك أن ما ~~أمر بكتابته لابي شاه هو خطبة خطبها صلى الله عليه يوم فتح مكة موضوعها ~~تحريم مكة ولقطة الحرم ، وهذا من بيانه صلى الله عليه وسلم للقرآن الذى صرح ~~به يوم الفتح وصرح به في حجة الوداع وأمر بتبليغه - فهو خاص مستثنى من ~~النهى العام . قد صرح البخاري في باب اللقطة من صحيحه بأن أبا شاه اليمنى ~~طلب أن تكتب له الخطبة المذكورة فأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة طلبه . ولو ~~فرضنا أن بين أحاديث النهى عن الكتابة والاذن بها تعارضا يصح أن يكون به ~~أحدها ناسخا للآخر ، لكان لنا أن نستدل على كون النهى هو المتأخر بأمرين ~~أحدهما استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي ~~عنها ، وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وثانيهما عدم تدوين ~~الصحابة الحديث ونشره ، ولو دونوا ونشروا لتوافر ما دونوه . # --- # (1) ص 766 وما بعدها من المجلد العاشر في المنار وص 511 وما بعدها من ~~المجلد 19 من (*) # --- PageV01P048 [ 49 ] # فعزيمة على (رضى الله عنه) على من عنده كتاب أن يمحوه وقول أبى سعيد ~~الخدرى : " تريدون أن تجعلوها مصاحف " (1) وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في ~~كتابة الاحاديث أو بعدم الكتابة " لاكتاب مع كتاب الله " في الرواية الاولى ~~وقوله في الرواية الثانية بعد الاستشارة في كتابتها : " والله إنى لا أشوب ~~كتاب الله بشئ أبدا " ، وقول ابن عباس : " كنا نكتب العلم ولا نكتبه " . أي ~~لا نأذن لاحد أن يكتبه عنا - ونهيه في الرواية الاخرى عن الكتابة . . ومحو ~~زيد بن ثابت للصحيفة ثم إحراقها وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة أخرى ~~في موضع آخر ولو بعيدا أن يخبره بها ليسعى إليها ويحرقها - وقول سعيد بن ~~جبير عن ابن عمر ، إنه لو كان يعلم بأنه يكتب عنه ms041 لكان ذلك فاصلا بينهما ، ~~ومحو عبد الله بن مسعود للصحيفة التى جاءه بها عبد الرحمن بن الاسود وعلقمة ~~وقوله عند ذلك " إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره " ~~. كل هذا الذى أورده ابن عبد البر وأمثاله مما رواه غيره كإحراق أبى بكر ~~لما كتبه (2) وعدم وصول شئ من صحف الصحابة إلى التابعين وكون التابعين لم ~~يدونوا الحديث لنشره إلا بأمر الامراء - يؤيد ما ورد من أنهم كانوا يكتبون ~~الشئ لاجل حفظه ثم يمحونه . وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار ~~الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه (3) - قوى عندك ترجيح ~~كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الاحاديث (كلها) دينا عاما دائما كالقرآن . ولو ~~كانوا فهموا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يريد ذلك لكتبوا ولامروا ~~بالكتابة ، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ~~ليبلغوه ويعملوا به ، ولم يكتفوا بالقرآن # --- # (1) عن أبى نضرة قال : قلت لابي سعيد الخدرى : ألا نكتب ما نسمع منك ؟ ~~قال : أتريدون أن تجعلوها مصاحف ؟ إن نبيكم كان يحدثنا فنحفظ (ص 27 تقييد ~~العلم للخطيب البغدادي) . (2) يشير السيد رشيد بذلك إلى الخبر الذى رواه ~~الحاكم عن عائشة ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ ص 5 ج 1 الذى قالت ~~فيه : جمع أبى الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث فبات يتقلب ولما ~~أصبح قال : أي بنية هلمى الاحاديث التى عندك فجئته بها فأحرقها وقال : خشيت ~~أن أموت وهى عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ، ولم يكن كما ~~حدثنى فأكون قد تقلدت ذلك ! والسيد رشيد إذا أشار إلى خبر في مثل ذلك أو ~~استشهد بحديث فثق بأنه صحيح لا ريب فيه لانه كان من صيارفة الحديث . (3) ~~سترى ذلك كله فيما بعد . (*) # --- PageV01P049 [ 50 ] # والسنة المتبعة المعروفة للجمهور يجريان العمل بها . وبهذا يسقط قول من ~~قال : إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية ، وإذا أضفت إلى ذلك ~~كله حكم عمر بن الخطاب على أعين ms042 الصحابة بما يخالف بعض تلك الاحاديث ، ثم ~~ما جرى عليه علماء الامصار في القرن الاول والثانى من اكتفاء الواحد منهم ~~كأبى حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قل ، وعدم تعينه في جمع غيره ~~إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه - قوى عندك ذلك الترجيح . بل تجد الفقهاء - ~~بعد اتفاقهم على جعل الاحاديث أصلا من أصول الاحكام الشرعية ، وبعد تدوين ~~الحفاظ لها في الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به - لم يجتمعوا على ~~تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به ، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة ~~ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ، فيها مئات من المسائل المخالفة ~~للاحاديث المتفق على صحتها ، ولا يعد أحد منهم مخالفا لاصول الدين . أما ما ~~رووه عن أبى هريرة من قوله : إن عبد الله بن عمرو كان يكتب ولا أكتب فليس ~~حجة شرعية وهو لا يدل على أن ابن عمرو كان يكتب بأمر النبي ولا بإقراره ~~فيصلح معارضا لحديث نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة شئ عنه غير القرآن ~~- (على أن ما كتبه عبد الله بن عمرو إنما كان أدعية كما سيتبين ذلك في ~~موضعه) . وقد أورد ابن القيم في أعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا من رد ~~الفقهاء للاحاديث الصحيحة عملا بالقياس أو لغير ذلك - ومن أغربها أخذهم ~~ببعض الحديث الواحد دون باقيه - وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدا (1) . ~~وقد ذكروا أن نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة حديثه إنما كان ~~لخوفه من إختلاط الحديث بالقرآن ، وهو سبب لا يقتنع به عاقل عالم ، ولا يقبله # --- # (1) انظر فيما بعد موقف علماء الفقه من كتب الحديث . وقال رحمه الله في ص ~~288 من تفسيره السادس : " ونحن نجزم بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا صلى ~~الله عليه وسلم حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه ولكن ليس ~~منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين . (*) # --- PageV01P050 [ 51 ] # محقق دارس اللهم إلا إذا جعلنا الاحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن ~~أسلو بها ms043 في الاعجاز من أسلوبه - وهذا ما لا يقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا ~~الرأى ، إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أصولها من القواعد . هذا على أن ~~الاحاديث لو كانت قد كتبت فإنما ذلك على أنها أحاديث للنبى (صلى الله عليه ~~وسلم) ، وبين الحديث والقرآن ولا ريب فروق كثيرة يعرفها كل من له بصر ~~بالبلاغة وذوق في البيان . ومن ثم كانت تؤثر على هذه الصفة - وإذا كتبها ~~الصحابة بعد إنتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الاعلى ووزعوا منها ~~نسخا على الامصار كما فعلوا بالقرآن فيكون ذلك على أنها أحاديث ، ويتلقاها ~~المسلمون على أنها كلام النبي ، ويظل أمرها على ذلك جيلا بعد جيل فلا ~~يدخلها الشوب ، ولا يعتريها التغيير ولا ينالها الوضع . على أن هذا السبب ~~الذى يتشبثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبى بكر على ما رووه وبعد ~~أن نسخ في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الامصار وأصبح من العسير بل من ~~المستحيل أن يزيدوا على القرآن حرفا واحدا ، وما لهم يذهبون إلى اختراع ~~الاسباب وابتداع العلل وقد بين كبار الصحابة أنفسهم السبب الحق في عدم ~~كتابة الحديث كما تبين لك من قبل . وقد يكون قريبا من الصواب في حكمة نهى ~~النبي عن كتابة حديثه هو لكى لا تكثر أوامر التشريع ولا تتسع أدلة الاحكام ~~، وهو ما كان يتحاشاه (صلى الله عليه وسلم) حتى كان يكره كثرة السؤال - أو ~~يكون من أحاديث في أمور خاصة بوقتها بحيث لا يصح الاستمرار في العمل بها ~~(1) . وقبل أن نفرغ من هذا الفصل لا بد لنا أن نشير إلى حديث يروونه ~~ليجعلوا كل الاحاديث من وحى الله كالقرآن الكريم ، وهذا الحديث هو (2) : # --- # (1) ونضرب لذلك مثلا أن بعض الصحابة أو لم للنبى وبعض الصحابة وليمة ~~أكلوا فيها لحم جزور ، وبعد أن فرغوا من طعامهم خرج من أحدهم ريح وصل إلى ~~أنوف المدعويين ، فرأى النبي - لكى لا ينال من أحدث ذلك خزى - أن يقول لهم ~~جميعا : " من أكل لحم جزور فليتوضأ ms044 " . ومن الغريب أن كثيرا من الفقهاء قد ~~جعلوا هذا الحكم عاما فيأمرون بأن يتوضأ كل من أكل لحم الجمال وفاتهم أن ~~الوضوء إنما يكون من شئ يخرج من السبيلين لا مما يدخل الجوف . (2) روى هذا ~~الحديث أبو داود والدارمى وابن ماجة ولم يروه البخاري ومسلم وهو مثل القرآن ~~كما يزعمون أو شطره كما يروون ! (*) # --- PageV01P051 [ 52 ] # " ألا وإنى أوتيت الكتاب ومثله معه " وفي وراية : " إلا إنى أوتيت القرآن ~~ومثله معه " . وهذا الحديث من أغرب ما قذفته الرواية في سيلها ! لان النبي ~~إذا كان قد أوتى مثل " الكتاب " أو " مثل القرآن " فمعنى ذلك أنه قد أوتى ~~ذلك ليكون تماما على القرآن وإكمالا له لبيان دينه وشريعته - وإذا كان ~~الامر كذلك فلم لم يعن النبي بكتابة هذا " المثل " في حياته ، عندما تلقاه ~~عن ربه ، كما عنى بكتابة القرآن ؟ ولم لم يجعل له كتابا يقيدونه عند نزوله ~~، كما جعل للقرآن كتابا ؟ ولم اقتصر في النهى عن كتابة غير القرآن وأغفل ~~هذا المثل فقال : " لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن " ولم يقل - وغير ما ~~أوتيته معه وهو " مثله ! ! " . وهنا يجوز لسائل أن يسأل : هل يصح أن يدع ~~النبي نصف ما أوحاه الله إليه يغدو بين الاذهان بغير قيد ، يمسكه هذا ، ~~وينساه ذاك ، ويتزيد فيه ذلك ! مما يصيب غير المدون في كتاب محفوظ ؟ وهل ~~يكون الرسول بعمله هذا قد بلغ الرسالة على وجهها ، وأدى الامانة كاملة إلى ~~أهلها ! ! وأين كان هذا الحديث عندما قال النبي في مرضه الاخير الذى انقلب ~~بعده إلى ربه ، وبعد أن نزلت الآية : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ، ورضيت لكم الاسلام دينا " : إنى والله ما تمسكوا على بشئ ، إني لم ~~أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن (1) ، ثم أين كان هذا ~~الحديث عند ما قال أبو بكر للناس : بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ~~وحرموا حرامه ! وعندما قال عمر عندما طلب النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو ~~يحتضر أن يكتب للناس كتابا لن يضلوا بعده : حسبنا ms045 كتاب الله ! ولم لم يشفق ~~عمر من ضياع هذا " المثل " ، وهو بزعمهم نصف ما أوحى الله به إلى النبي ، ~~فيذكره لابي بكر عندما فزع إليه في أن يجمع القرآن ويكتبه بعد وقعة اليمامة ~~؟ ! ثم أين كان هذا المثل عندما أجابت عائشة في خلق النبي ، إذ كان عليها ~~أن تقول كان خلقه القرآن ومثله معه ؟ ولكنها اكتفت بقولها : كان خلقه ~~القرآن ! # --- # (1) ص 332 ج 4 سيرة ابن هشام . (*) # --- PageV01P052 [ 53 ] # وأين ذهبت عانية الصحابة بهذا " المثل " فلم يكتبوه كما كتبوا القرآن في ~~زمن أبى بكر وعند ما نسخ في عهد عثمان ووزعت نسخه على الامصار ؟ إلا إنهم ~~بإهمالهم هذا الامر الخطير إنما يكونون قد تركوا " نصف الوحى " بغير تدوين ~~، ويصبحون بذلك جميعا من الآثمين (1) . الصحابة ورواية الحديث إذا كانت ~~الآثار الصحيحة قد جاءت في نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابة حديثه ~~، والاخبار الوثيقة قد ترادفت بأن صحابته قد استمعوا إلى نهيه ، ولم يكتبوا ~~حديثه بعد موته - كما علمت مما مر بك - فإنا نجد هؤلاء الصحابة لم يقف بهم ~~الامر عند ذلك ، وإنما كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها وأنهم ~~كانوا يتشددون في قبول الاخبار تشديدا قويا . روى الذهبي في تذكرة الحفاظ ~~قال : من مراسيل ابن أبى مليكة (2) أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ~~فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد ~~اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم ~~كتاب الله فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه . وروى ابن عساكر عن محمد بن ~~إسحاق قال : أخبرني صالح بن إبراهيم # --- # (1) بعد صدور الطبعة الاولى من كتابنا هذا في سنة 1958 جاءنا كتيب من ~~الهند بعث به إلينا صديقنا العلامة عبد الحميد الخطيب رحمه الله من دمشق ~~ووصل إلينا في يوم السبت الموافق 6 فبراير سنة 1960 واسم هذا الكتيب رسالة ~~" الذب عن العرب " تأليف عبد العزيز إسماعيل الخالدي ومطبوع في بلاد الهند ~~في سنة 1368 (1948) وهى رسالة قيمة تنم عن علم مؤلفها وفضله ms046 ، بين فيها ما ~~بثه علماء الفرس في دين الاسلام انتقاما منه لما دك عروش ملوكهم وقضى على ~~دولتهم وملكهم ، وقد جعل هذا الحديث الذى تكلمنا عنه مما بثوه في الدين ~~الاسلامي (ص 14) وذلك ليفسدوا به أحكام الدين بعد أن عجزوا عن أن ينالوا من ~~القرآن الكريم . فالحمد لله على توفيقه وأن ما نفهمه في ديننا يقول به ~~علماء كبار من غير بلادنا . (2) ص 3 ج 1 - وابن أبى مليكة هو عبد الله بن ~~عبيدالله بن أبى ملكية القرشى التميمي الملكى . قاضى مكة في زمن ابن الزبير ~~كان إماما فقيها فصيحا مفوها ، اتفقوا على توثيقه ، وممن روى عنه الليث بن ~~سعد ، توفى سنة 117 ه ، وص 63 من كتاب التشريع الاسلامي للشيخ محمد الخضرى . (*) # --- PageV01P053 [ 54 ] # ابن عبد الرحمن بن عوف قال : ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب ~~رسول الله فجمعهم من الآفاق ، عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر ~~وعقبة ابن عامر ، فقال : ما هذه الاحاديث التى أفشيتم عن رسول الله في ~~الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ قال : لا ، أقيموا عندي ، لا والله لا تفارقوني ~~ما عشت فنحن أعلم ، نأخذ منكم ، ونرد عليكم ، فما فارقوه حتى مات (1) . ~~وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر حبس ~~ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري فقال : قد أكثرتم الحديث عن ~~رسول الله (2) ، وكان قد حبسهم في المدينة ثم أطلقهم عثمان (3) . وروى ابن ~~عساكر عن السائب بن يزيد قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لابي هريرة : ~~لتتركن الحديث عن رسول الله أو لالحقنك بأرض دوس (أي بلاده) . وقال لكعب ~~الاحبار : لتتركن الحديث عن الاول أو لالحقنك بأرض القردة . وكذلك فعل ~~معهما عثمان بن عفان (4) . وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد - ~~واللفظ لابن سعد قال : سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لا يحل لاحد ~~يروى حديثا لم يسمع به في عهد أبى بكر ولا في عهد عمر ، فإنه لم يمنعنى أن ~~أحدث ms047 عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابه ، إلا أنى سمعته يقول : من ~~قال على ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار . وفي جامع بيان العلم وفضله ~~(5) لحافظ المغرب ابن عبد البر عن الشعبى عن قرظة ابن كعب قال : # --- # (1) أخرجه ابن عساكر ومحمد بن إسحاق . (2) ص 7 ج 1 ، وص 123 تاريخ ~~التشريع الاسلامي للخضري ، وص 161 من كتاب تمهيد لتاريخ الفسلفة الاسلامية ~~للشيخ مصطفى عبد الرازق . (3) قال أبو بكر بن " العربي في العواصم من ~~القواصم " وهو يدافع عن عثمان فيما نسبوه إليه من المظالم والمناكير ما نصه ~~: ومن العجيب أن يأخذ عليه في أمر فعله عمر ! فقد روى أن عمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد فأطلقهم ~~عثمان ، وكان سجنهم لان القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - ص 75 و76 . (4) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " الطبعة الثالثة . (5) ص ~~120 ج 2 . (*) # --- PageV01P054 [ 55 ] # خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار (1) ثم قال لنا : أتدرون لم ~~مشيت معكم ؟ قلنا : أردت أن تشيعنا وتكرمنا ؟ قال : إن مع ذلك لحاجة خرجت ~~لها . إنكم لتأتون بلدة لاهلها دوى كدوى النحل فلا تصدوهم بالاحاديث عن ~~رسول الله وأنا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله . ~~وفي رواية أخرى : إنكم تأتون أهل قرية لها دوى بالقرآن كدوى النحل فلا ~~تصدوهم بالاحاديث لتشغلوهم . جودوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله ~~وأنا شريككم . فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا ! فقال : نهانا عمر (2) . وفي ~~الام للشافعي رواية الربيع بن سليمان : فلما قدم قرظة قالوا حدثنا ! قال : ~~نهانا عمر ! وكان عمر يقول : أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل به ~~(3) . ولا غرابة في أن يفعل عمر ذلك ، لانه كان لا يعتمد إلا على القرآن ~~والسنة العملية ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنه لما حضر رسول الله (أي ~~حضرته الوفاة) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي : هلموا أكتب ms048 ~~لكم كتابا لن تضلوا بعده ، فقال عمر : " إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن ~~فحسبنا كتاب الله " : وفي رواية : أن النبي يهجر . وروى ابن سعد في الطبقات ~~عن السائب بن يزيد أنه صحب سعد بن أبى وقاص من المدينة إلى مكة ، قال : فما ~~سمعته يحدث عن النبي حديثا حتى رجع ، وسئل عن شئ فاستعجم وقال : إنى أخاف ~~أن أحدثكم واحدا فتزيدوا عليه المائة ! وسعد هذا من كبار الصحابة ومن ~~العشرة المبشرين بالجنة (4) كما يقولون . وعن عمرو بن ميمون قال : اختلفت ~~إلى عبد الله بن مسعود سنة ، فما سمعته فيها يحدث عن رسول الله # --- # (1) صرار : بالكسر موضع قرب المدينة ، وفي رواية : خرجنا فشيعنا . (2) ~~هذه الزيادة من تذكرة الحفاظ للذهبي . وصححه الحاكم في المستدرك ص 102 ج 1 ~~. (3) أي السنة العملية ص 107 ج 8 البداية والنهاية . (4) ص 102 / 2 / 2 . (*) # --- PageV01P055 [ 56 ] # ولا يقول قال رسول الله ، إلا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه قال ~~رسول الله ! فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبينه ! ! ثم قال : إن ~~شاء الله إما فوق ذاك ، أو قريب من ذاك ، وإما دون ذاك . وفي رواية عند ابن ~~سعد عن علقمة بن قيس ، أن عبد الله بن مسعود كان يقوم قائما كل عشية خميس ~~فما سمعته في عشية منها يقول : قال رسول الله غير مرة واحدة ، فنظرت إليه ~~وهو يعتمد على عصا - فنظرت إلى العصا تزعزع . . وأخرج الدار قطني عن عبد ~~الرحمن بن كعب قال : قلت لابي قتادة ، حدثنى بشئ سمعته عن رسول الله ، قال ~~أخشى أن يزل لساني بشئ لم يقله رسول الله . وأخرج البخاري عن السائب بن ~~يزيد قال : صحبت طلحة بن عبيدالله وسعد بن أبى وقاص والمقداد بن الاسود ~~وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهم فما سمعت أحدا منهم يحدث عن رسول الله ، ~~إلا أنى سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد . وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث ، قال ~~ابن بطال وغيره كان كثير من كبار الصحابة لا يحدثون عن رسول ms049 الله خشية ~~المزيد والنقصان (1) . وأخرج أحمد وأبو يعلى عن دجين قال : قدمت المدينة ~~فلقيت أسلم مولى عمر بن الخطاب فقلت : حدثنى عن عمر . فقال : لا أستطيع ، ~~أخاف أن أزيد أو أنقص ، كنا إذا قلنا لعمر : حدثنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، قال : أخاف أن أزيد أو أنقص ، إن رسول الله قال : من كذب على ~~فهو في النار . وأخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : قلت لزيد ~~بن أرقم : حدثنا عن رسول الله ، قال : كبرنا ونسينا ، والحديث عن رسول الله ~~شديد . وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (2) : وكان كثير من جلة ~~الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبى بكر والزبير وأبى ~~عبيدة والعباس ابن عبد المطلب يقلون الرواية عنه ، بل كان بعضهم لا يكاد ~~يروى شيئا كسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهود لهم ~~بالجنة ، كما يروون . # --- # (1) ص 28 ج 6 من الفتح الباري . (2) ص 49 قال ابن تيمية عن ابن قتيبة إنه ~~كان لاهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة لانه خطيب السنة كما أن الجاحظ خطيب ~~المعتزلة ، وهذا الكلام في صفحة 121 من تفسير سورة الاخلاص . (*) # --- PageV01P056 [ 57 ] # ولو أنت نصفحت البخاري ومسلم لما وجدت فيهما حديثا واحدا لامين هذه لامة ~~أبى عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ، وليس فيهما كذلك حديث لعتبة ابن ~~غزوان وأبى كبشة مولى رسول الله وكثيرين غيرهم . والاخبار في ذلك كثيرة لا ~~يمكن استقصاؤها وإليك كلمة صغيرة نختتم بها هذا الفصل . قال ابن القيم : إن ~~الصحابة كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ويعظمونها ويقللونها - خوف ~~الزيادة والنقص - ويحدثون بالشئ الذى سمعوه من النبي مرارا . ولا يصرحون ~~بالسماع ولا يقولون : قال رسول الله (1) . تشديد الصحابة في قبول الاخبار ~~كان الخلفاء الراشدون وكبار الصحابة وأهل الفتيا منهم - كما علمت - يتقون ~~الرواية عن النبي ويهابونها بل كانوا يرغبون عنها ، إذ كانوا يعلمون أنهم ~~لا يستطيعون أن يؤدوا كل ما سمعوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ms050 على وجهه ~~الصحيح لان الذاكرة لا يمكن أن تضبط كل ما تسع ، وما تحفظه مما تسمعه لا ~~يمكن أن يبقى فيها على أصله مهما تحرى الانسان الضبط ، وكذلك لم يأمنوا من ~~يسمع منهم أن يغير فيما سمعه بالزيادة أو النقص أو الغلط أو التبديل أو ~~التحريف أو بغير ذلك ، وهم بما عرفوا من أصول الدين وفروعه كاملة عن رسول ~~الله ما كانوا ليرضوا بما رضى به بعضهم ومن جاء بعدهم من رواية الحديث " ~~بالمعنى " لانهم كانوا يعلمون أن تغيير اللفظ يغير المعنى في الغالب ، ~~وكلام الرسول ليس كغيره من الكلام ، إذ كل لفظة من كلامه صلى الله عليه ~~وسلم يكمن وراءها معنى خاص يقصده هو (صلى الله عليه وسلم) . من أجل ذلك ~~كانوا يتشددون في قبول الاخبار من إخوانهم في الصحبة مهما بلغت درجاتهم ، ~~ويحتاطون في ذلك أشد الاحتياط ، حتى كان أبو بكر لا يقبل من أحد حديثا إلا ~~بشهادة من غيره على أنه سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد وضع بعمله ~~هذا أول شروط علم الرواية وهو شرط الاسناد الصحيح . قال الذهبي في ترجمته ~~(2) : إنه أول من احتاط في قبول الاخبار . # --- # (1) ص 128 ج 4 من أعلام الموقعين . (2) ص 3 ج 1 من تذكرة الحفاظ . (*) # --- PageV01P057 [ 58 ] # روى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت أبا بكر تلتمس أن تورث فقال : ما ~~أجد لك في كتاب الله شيئا ، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئا ، ثم سأل ~~الناس فقام المغيرة فقال ، كان رسول الله يعطيها السدس فقال له : هل معك ~~أحد ؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر . هذا هو عمل أبى ~~بكر ، أما عمر فقد كان أشد من ذلك إحتياطا وتثبتا . قال ابن قتيبة في تأويل ~~مختلف الحديث (1) : " وكان عمر شديدا على من أكثر الرواية - أو أتى بخبر في ~~الحكم لا شاهد عليه ، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية - يريد بذلك أن لا ~~يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر ms051 ~~والاعرابي (2) . " وقد بلغ من شدة حرصه على صيانة الحديث أن ضرب أبا هريرة ~~على رواية الحديث وأنذره بالنفى إلى بلاده إذا هو روى . وقال الذهبي في ~~طبقات الحفاظ : " وهو الذى سنن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف ~~في خبر الواحد إذا ارتاب " . روى البخاري عن أبى سعيد الخدرى قال كنت في ~~مجلس - من مجالس الانصار - إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور ! فقال : إستأذت على ~~عمر ثلاثا ، فلم يؤذن لى فرجعت . قال عمر : ما منعك ؟ فقال إستأذنت ثلاثا ~~فلم يؤذن لى فرجعت . قال رسول الله : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ~~فليرجع " ، فقال والله لتقيمن عليه بينة - زاد مسلم - وإلا أوجعتك - وفي ~~رواية ثالثة : فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك ، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا - ~~أمنكم أحد سمعه من النبي ؟ فقال أبى بن كعب : والله لا يقوم معك إلا أصغر ~~القوم ، فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي قال ذلك . فانظر كيف ~~تشدد عمر في أمر ليس فيه حلال ولا حرام ، وقدر ماذا يكون الامر لو كان ~~الحديث في غير ذلك من أصول الدين أو فروعه ! # --- # (1) ص 48 . (2) قد وقع ماخشيه عمر بعد أن اتسع الناس في الرواية فدخلها ~~الشوب ووقع فيها التدليس والكذب . ولا حول ولا قوة إلا بالله . (*) # --- PageV01P058 [ 59 ] # وقد استند إلى هذه القصة من يقولون : إن عمر كان لا يقبل خبر الواحد ، ~~واستدل بها من قال : إن خبر العدل بمفرده لا يقبل حتى ينضم إليه غيره ، كما ~~في الشهادة ، وقال ابن بطال : يؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه ~~من السهو وغيره . وقد رأيت من قبل ما فعله مع أبى هريرة وغيره ، ولم تكثر ~~أحاديث أبى هريرة إلا بعد وفاة عمر (1) ، فقد روى عن أبى سلمة عن أبى هريرة ~~وقلت له - أكنت تحدث في زمان عمر هذا ؟ قال : لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ~~ما أحدثكم لضربني بمخفقته . الكذب على رسول الله شر الرذائل كلها الكذب - ~~لا يختلف في ذلك أحد ms052 . وليس في خلال الانسان أسوأ خلة من الافتراء ، ولا في ~~أدواء الجماعات أعضل من داء البهتان ، ولئن كان الكذب بين الافراد ~~والجماعات مما يمكن تداركه والقضاء عليه . إن بلاءه ولا ريب إنما يكون ~~عميما ، وضرره يكون عظيما ، إذا كان على مثل رسول الله ، فإن الكذب عليه ~~ليس كالكذب على غيره ، لانه رسول دين عام وصاحب شريعة للناس كافة . أخرج ~~الطبراني عن رافع بن خديج قال ، قال رسول الله : لا تكذبوا على فإنه ليس ~~كذب على ككذب على أحد (2) . وقد أتت الرسالة المحمدية بأصول في العقائد ليس ~~لانسان مهما بلغ من العلم أن يغير أصلا من أصولها ، وجاءت بأحكام في ~~العبادات لا يجوز لاحد أن يزيد فيها أو ينقص منها ، أو يبدل شيئا من صورها ~~ولا أزمانها ، ذلك بأن الاعمال الدينية مبنية على قاعدتين : إحداهما ألا ~~يعبد إلا الله ، والثانية أن يعبد بما شرعه ، وما عدا ذلك من نظم العمران ~~وقواعد الاجتماع وغيرهما ، فقد وضع له الدين أسسا عامة من العدل والرحمة ~~والخير والمصلحة والمساواة والحرية وعدم الضرر والصدق . # --- # (1) في تاريخ أبى هريرة " شيخ المضيرة " مزيد من القول في هذا الامر ~~فارجع إليه في طبعته الثالثة (2) ص 10 و11 من تحذير الخواص . (*) # --- PageV01P059 [ 60 ] # والامانة والاحسان وما إلى ذلك من أمهات الفضائل . ولما كان القرآن ~~الكريم مصونا بالتدوين والحفظ ، وأحاديث الرسول لم تدون فقد كان أشد ما ~~يخشاه صلوات الله عليه أن يكذب أحد عليه وبخاصة بعد أن نرك حديثه بغير ~~تدوين محفوظ ، وقد شدد في هذا الامر تشديدا عظيما ، حتى جعل جزاءه القتل في ~~الدنيا ، وعذاب النار في الآخرة . روى البخاري (1) عن ربعى بن خراش قال : ~~سمعت عليا يقول : قال النبي : لا تكذبوا على فإن من كذب على فليلج النار . ~~وقال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث . يؤيده رواية مسلم من طريق غندر عن ~~شعبة بلفظ " يلج النار " . وروى البخاري عن أنس وأبى هريرة بزيادة لفظ " ~~معتمدا " ، وكذلك أتت أحاديث في غير البخاري بهذه الزيادة ، ولكن من حقق ~~النظر ، وأبعد ms053 النجعة في مطارح البحث ، يجد أن الروايات الصحيحة التى جاءت ~~عن كبار الصحابة ، ومنهم ثلاثة من الخلفاء الراشدين تدل على أن هذا الحديث ~~لم تكن فيه تلك الكلمة " متعمدا " وكل ذي لب يستبعد أن يكون النبي قد نطق ~~بها ، لمنافاة ذلك للعقل والخلق اللذين كان الرسول متصفا بالكمال فيهما . ~~ذلك بأن الكذب " هو الاخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه سواء أكان عمدا أم ~~خطأ " ، ولعل هذه اللفظة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق " الادراج " ~~المعروف عند العلماء ليسوغ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حسبة من ~~غير عمد ، كما كان يفعل الصالحون من المؤمنين ويقولون " نحن نكذب له لا ~~عليه " ! أو يتكئ عليها الرواة فيما يروونه عن غيرهم على سبيل الخطأ ، أو ~~الوهم أو سوء الفهم ، لكى لا يكون عليهم حرج في ذلك لان المخطئ غير مأثوم - ~~ومن أجل ذلك وضع هؤلاء الرواة قاعدتهم المشهورة : " إنما الكذب على من ~~تعمده " . # --- # (1) أخرج هذا الحديث كذلك مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني ~~والحاكم في المدخل . (*) # --- PageV01P060 [ 61 ] # الادلة القوية الصحيحة على حقيقة حديث من كذب على وإنا نسوق هنا طائفة من ~~الادلة التى تؤيد ما ذهبنا إليه : ففى رواية لاحمد عن " عمر " مرفوعا : من ~~كذب على فهو في النار . وروى ابن سعد في طبقاته وابن عساكر عن محمود بن ~~لبيد واللفظ لابن سعد قال : سمعت عثمان بن عفان على المنبر يقول : لا يحل ~~لاحد أن يروى حديثا لم يسمع به في عهد أبى بكرو لا في عهد عمر (1) ، فإنى ~~لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون أوعى أصحابه ! إلا أنى سمعته يقول ~~: " من قال علي ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار " . وروى أحمد والدارمى ~~وابن ماجة وآخرون من حديث أبى قتادة عن النبي أنه قال : إياكم وكثرة الحديث ~~عنى ، فمن قال عنى فلا يقولن إلا حقا وصدقا ، فمن قال على ما لم أقل ~~فليتبوأ مقعده من النار " . وأقطع دليل في هذا الامر الحديث الذى رواه ~~البخاري ms054 عن عامر بن عبد الله ابن الزبير فقد قال فيه : قلت للزبير : إنى لا ~~أسمعك تحدث عن رسول الله كما يحدث فلان وفلان ! قال أما إنى لم أفارقه ~~ولكني سمعته يقول : " من كذب على فيتبوأ مقعده من النار (2) . قال ابن حجر ~~في شرح هذا الحديث وهذا الحديث أخرجه الزبير بن بكار في كتاب النصب من وجه ~~آخر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال : " عناني ذلك " ~~يعنى قلة رواية الزبير فسألته - أي عن ذلك - فقال : يا بنى كان بينى وبينه ~~(صلى الله عليه وسلم) من القرابة والرحم ما علمت . وعمته أمي ، وزوجته ~~خديجة عمتى وأمه آمنة بنت وهب ، وجدتي هالة بنت وهب ابني عبدمناف بن # --- # (1) ص 100 ج 2 ق 2 . (2) اختلاف صيغ هذا الحديث قد جاء من أنهم كانوا ~~يروون أحاديث رسول الله بالمعنى كما ستراه في هذا الكتاب إن شاء الله . (*) # --- PageV01P061 [ 62 ] # زهرة ، وعندي أمك وأختها عائشة عنده ، ولكن سمعته يقول : من كذب على ~~فليتبوأ مقعده من النار " (1) ، وأخرجه الدارمي عن عبد الله بن الزبير بلفظ ~~" من حدث عنى " كذبا ولم يذكر العمد . وهذا الحديث أخرجه كذلك أبو داود (2) ~~والنسائي وابن ماجة والدارمي والدارقطني (3) وقال : والله ما قال متعمدا " ~~، وأنتم تقولون متعمدا ، ورواية ابن قتيبة في كتاب تأويل مختلف الحديث (4) ~~: من كذب على فليتبوأ مقعده من النار ، وقال أراهم يزيدون فيها " متعمدا " ~~ووالله ما سمعته قال " متعمدا (5) " ، وفى نسخة إنهم يزيدون ! ورواية ابن ~~سعد والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا (6) ، وقد قال ابن حجر في شرح ~~هذا الحديث : " وفى تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه في اختيار قلة ~~التحديث ، دليل للاصح في أن الكذب هو الاخبار بالشئ على خلاف ما هو عليه ~~سواء أكان عمدا أم خطأ - والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالاجماع ، لكن الزبير ~~خشي من الاكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر ، لانه وإن لم يأثم بالخطأ ، ~~لكن قد يأثم بالاكثار إذ الاكثار مظنة الخطأ فحمل عنه ms055 - # --- # (1) ص 162 ج 1 فتح الباري . (2) في مختصر سنن أبى داود للحافظ المنذرى ~~ومعالم السنن لابي سليمان الخطابى وتهذيب الامام ابن القيم ص 248 ج 5 بعد ~~أن أورد هذا الحديث قال : " وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وليس في ~~حديث البخاري والنسائي " متعمدا " والمحفوظ في حديث الزبير أنه ليس فيه " ~~متعمدا " وقد روى الزبير أنه قال والله ما قال " متعمدا " وأنتم تقولون ~~متعمدا . وهذا الكتاب اشترك في تحقيقه وطبعه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله . ~~(3) الدارقطني هو الامام الحافظ الكبير قال فيه الحافظ ابن حجر : " إنه ~~حافظ عصره وهو أشهر المنتقدين على الصحيحين وأوسعهم تتبعا واستقصاء " توفى ~~سنة 385 ه . (4) ص 49 . (5) على أن رواية " متعمدا " مرجوحة وواهية وأنها ~~لم تثبت في رواية كبار الصحابة وأن العقل يدفعها ، وخلق النبي يمنعها ، فإن ~~بعض أدعياء السنة وعبيد الاسانيد في عصرنا لا يزالون يكابرون في إثباتها ~~وكأنهم أعلم بالحديث من ابن قتيبة والبخاري والنسائي والمنذري والدارقطني ~~والخطابى وابن حجر وابن القيم والسيوطي وغيرهم ، ومن إمعانهم في اللجاجة أن ~~يزعم بعضهم أن الزبير بن العوام لم يقل : " والله ما قال متعمدا وأنتم ~~تقولون متعمدا " وينسب هذه العبارة إلى أحد الذين رووا عنه في حين أن ~~الرواية صحيحة ثابتة من رواية كبار أئمة الحديث ولم يقل أحد منهم إنها ~~لغيرا بن الزبير ! ! (6) ص 74 و75 ج 2 ق 2 (*) # --- PageV01P062 [ 63 ] # وهو لا يشعر أنه خطأ - ما يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببا ~~للعمل بما لم يقله الشارع ، فمن خشى من الاكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن ~~عليه الاثم " (1) . ولعلك تمعن الفكر كثيرا في هذا الحديث وشرحه وتجعله ~~مرآة لغيره . وقال الحاكم في المدخل : " إن موعد الكاذب عليه في النار ، ~~وقد شدد في ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار ، تعمد الكذب أم لم يتعمد (2) ~~في قوله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه ابن عمر : " إن الذى يكذب على يبنى ~~له بيتا في النار " ، وقد زاد تشددا بقوله فيما رواه عثمان بن عفان : " من ms056 ~~قال على ما لم أقل " فإنه إذا نقله غير متعمد للكذب استوجب هذا الوعيد من ~~المصطفى (3) . ومن روايات هذا الحديث : " من نقل عني ما لم أقله فليتبوأ ~~مقعده من النار " . قالوا : وهذا أصعب ألفاظه وأشقها لشموله للمصحف واللحان ~~والمحرف . وهذا الامام الشافعي الذى قالوا عنه إنه عالم قريش ، والذى كان ~~أقرب إلى معين السنة الصافى من البخاري ومسلم وأصحاب السنن جميعا وأستاذا ~~للامام أحمد ، لو رجعنا إليه لنرى ما رواه في هذا الامر لوجدناه قد روى ~~أحاديث كثيرة في هذا المعنى ليس فيها كلها كلمة " متعمدا " . وإليك بعض ما ~~رواه في رسالته المشهورة (4) : عن واثلة بن الاسقع عن النبي قال : " إن ~~أفرى الفرى من قولني ما لم أقل ومن أرى عينيه ما لم تر ، ومن ادعى إلى غير ~~أبيه " . وعن ابن عمر أن النبي قال : " إن الذى يكذب على يبنى له بيتا في ~~النار " . وعن أم أسيد قالت : قلت لابي قتادة : ما لك لا تحدث عن رسول الله ~~كما يحدث الناس عنه ؟ قال : سمعت رسول الله يقول : من كذب على فليلتمس ~~لجنبيه مضجعا من النار . # --- # (1) ص 162 ج 1 شرح البخاري لابن حجر . (2) لعل هذا يكون ميسما من الخزى ~~لوجوه أدعياء العلم الذين ينشرون بين الناس أن الكذب غير المتعمد ليس ~~كالكذب المتعمد . (3) ص 26 من رسالة تحذير الخواص للسيوطي . (4) ص 395 وما ~~بعدها . (*) # --- PageV01P063 [ 64 ] # هذا بعض ما رواه الشافعي في رسالته ، وكله لم يرد فيه كلمة " متعمدا " ~~فليسمع من يعقل ! - وكذلك ليس فيما ننقله مما رواه هذه اللفظة . وقال ~~النووي في شرح حديث من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ، الذى ~~رواه مسلم ، ولا فرق في تحريم الكذب عليه (صلى الله عليه وسلم) بين ما كان ~~في الاحكام ، وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ ، وغير ذلك ، وكله ~~حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في ~~الاجماع - إلى أن قال : وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم الكذب على آحاد ~~الناس ! فكيف ms057 بمن قوله شرع ، وكلامه وحى ، والكذب عليه كذب على الله تعالى ~~(1) . وقال السيوطي : وللتحرز من ذلك كان الخلفاء الراشدون ، والصحابة ~~المنتخبون ، رضوان الله عليهم يتقون كثرة الحديث عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن ~~عوف وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود والمقداد بن الاسود وأبو أيوب ~~الانصاري وثوابان مولى رسول الله وزيد بن أرقم . . . إلخ . وكان أبو بكر ~~وعمر يطالبان من روى لهما حديثا عن رسول الله لم يسمعاه منه ، إقامة البينة ~~ويتوعدانه في ذلك ، وكان على بن أبى طالب يستحلف عليه ، وكان عبد الله بن ~~مسعود يتغير عند ذكر الحديث عن رسول الله وتنتفخ أوداجه ويسيل عرقه وتدمع ~~عيناه ويقول ، أو قريبا من هذا ، أو نحو هذا ، أو شبه هذا ، كل ذلك خوفا من ~~الزيادة والنقصان ، أو السهو والنسيان ، واحتياطا للدين وحفظا للشريعة ، ~~وحسما لطمع طامع ، أو زيغ زائغ أن يجترئ فيحكى عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) ما لم يقله ، أو يدخل في الدين ما ليس منه ، ويقتدى بهم من يسمع منهم ~~ويأخذ عنهم ، فيقفو أثرهم ويسلك طريقهم (2) . وعن مالك بن عبادة قال : إن ~~النبي عهد إلينا في حجة الوداع فقال : عليكم بالقرآن وإنكم سترجعون إلى قوم ~~يشتهون الحديث عنى ، فمن عقل شيئا # --- # (1) ص 23 تحذير الخواص . (2) راجع صفحة 28 و29 من نفس المصدر . (*) # --- PageV01P064 [ 65 ] # فليحدث به ومن افترى علي فليتبوأ مقعده في جهنم (1) . هذا ما رأينا ~~إيراده من الادلة على أن حديث الرسول " من كذب على " لم يكن فيه كلمة " ~~متعمدا " وإنك لتجد مما أوردناه أن روايات كبار الصحابة ومنهم ثلاثة من ~~الخلفاء الراشدين والزبير بن العوام حوارى رسول الله قد اتفقت كلها على أن ~~الرواية الصحيحة للحديث لم يكن فيها كلمة " متعمدا " (2) . وإن العقل ~~السليم والخلق الكريم ، لينفران من قبول رواية " متعمدا " لان الكذب هو أبو ~~الرذائل كلها سواء أكان عن عمد أم غير عمد . الكذب على النبي في حياته ~~صلوات الله ms058 عليه لعل النبي صلوات الله عليه قد حذر من الكذب عليه بعد أن ~~سمع أن بعضهم قد افترى عليه كذبا وهو حى ، فقد جاء في كتاب الاحكام في أصول ~~الاحكام لابن حزم الظاهري (3) عن عبد الله بن بريدة عن ابن الخطيب الاسلمي ~~قال : كان حى من بني ليث على ميلين من المدينة فجاءهم رجل وعليه حلة فقال : ~~إن رسول الله كسانى هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى ! ~~وكان قد خطب منهم امرأة في الجاهلية فلم يزوجوه ، فانطلق حتى نزل على تلك ~~المرأة ، فأرسلوا إلى رسول الله فقال : كذب عدو الله ، ثم أرسل رجلا فقال : ~~إن وجدته حيا - ولا أراك تجده - فاضرب عنقه وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار . ~~وأخرج ابن سعد في الطبقات والطبراني عن المقنع التميمي قال : أتيت النبي ~~بصدقة إبلنا فأمر بها فقبضت - فقلت إن فيها ناقتين هدية لك : فأمر بعزل ~~الهدية عن الصدقة ، فمكثت أياما وخاض الناس أن رسول الله باعث خالد بن ~~الوليد إلى رقيق مضر فمصدقهم ، فقلت : والله ما عند أهلنا من مال ! فأتيت ~~النبي صلى # --- # (1) ص 171 ج 1 مشكل الآثار للطحاوي . (2) قال الحافظ ابن حجر : إن الصفات ~~العلية من الرواة تقام مقام العدد أو تزيد عليه (ص 164 ج 1 فتح الباري) . ~~(3) ص 582 ج 2 . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P065 [ 66 ] # الله عليه وسلم فقلت له : إن الناس خاضوا في كذا وكذا فرفع النبي يديه ~~حتى نظرت إلى بياض إبطه وقال : اللهم لا أحل لهم أن يكذبوا على ، قال ~~المقنع فلم أحدث بحديث عن النبي إلا حديثا نطق به كتاب أو جرت به سنة (1) . ~~وهذا لمن يكذب عليه في حياته ! فكيف بعد موته ؟ - والاخبار في ذلك كثيرة . ~~الكذب على النبي بعد موته صلوات الله عليه وإذا كان قد كذب عليه في حياته ، ~~فإن الكذب قد كثر عليه وفشا بعد وفاته والصحابة متوافرون والدين غض والناس ~~ناس ، وقد استفاض هذا الكذب بعد موت عمر لانه كما علمت كان يخيف الناس حتى ms059 ~~أفزعت كثرة ما نسب إلى رسول الله من أحاديث - كبار الصحابة وأمضتهم . فقد ~~روى مسلم في مقدمة كتابه بسنده عن طاووس قال : جاء هذا إلى ابن عباس (يعنى ~~بشير (2) بن كعب) فجعل يحدثه ، فقال له ابن عباس : عد لحديث كذا وكذا ، ~~فعاد ، فقال له : عد لحديث كذا وكذا ، فعاد له ، فقال : ما أدرى ؟ أعرفت ~~حديثى كله وأنكرت هذا ؟ أم أنكرت حديثى كله وعرفت هذا ؟ فقال ابن عباس : ~~إنا كنا نحدث عن رسول الله إذ لم يكن يكذب عليه ! فلما ركب الناس الصعبة ~~والذلول تركنا الحديث عنه (3) . وجاء بشير بن كعب العدوى إلى ابن عباس فجعل ~~يحدث ويقول : قال رسول الله ، قال رسول الله : قال فجعل ابن عباس لا يأذن ~~لحديثه ولا ينظر إليه فقال : يا ابن عباس مالى أراك لا تسمع لحديثي ؟ أحدثك ~~عن رسول الله ولا تسمع ! قال # --- # (1) أي سنة عملية إذا لم تكن تعرف حينئذ إلا بذلك وفي هذا القول فوائد ~~كثيرة يدركها كل ذى لب . (2) بشير مصغر بشر مخضرم يروى عن أبى ذر وأبى ~~الدرداء وثقه ابن سعد والنسائي . وانظر فصل " الوضع في الحديث وأسبابه " ~~فيما بعد . (3) إذا كان الناس قد ركبوا الصبعة والذلول في عهد ابن عباس ، ~~فترى ماذا يكون الامر بمن جاءوا بعد هذا العهد ؟ . وفيما نقلناه لك من قول ~~أبى بكر أنهم يحدثون عن رسول الله أحاديث يختلفون فيها ! (*) # --- PageV01P066 [ 67 ] # ابن عباس : إنا كنا مدة إذا سمعنا رجلا يقول : قال رسول الله ، ابتدرته ~~أبصارنا ، واصغينا بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول لم نأخذ من ~~الناس إلا ما نعرف ! وروى عن ابن أبى مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن ~~يكتب لى كتابا ويخفى عنى ، قال : ولد ناصح ، إنى أختار له الامور اختيارا ~~وأخفى عنه قال : فدعا بقضاء على فجعل يكتب منه أشياء ويمر بالشئ فيقول ~~والله ما قضى بهذا على إلا أن يكون قد ضل ! وروى عن أبى بكر بن عياش قال : ~~سمعت المغيرة يقول : لم يكن يصدق على على في الحديث عنه ms060 إلا من أصحاب عبد ~~الله بن مسعود . نجتزئ بهذه النصوص التى تدل على أن الرسول صلوات الله عليه ~~قد كذب عليه في حياته وبعد مماته ، ولم يكن ذلك من أهل البدع والاهواء ~~وأعداء الدين فحسب ، وإنما كان كذلك من الصالحين ، كما سيتبين لك ذلك في ~~فصل " الوضاع الصالحون " من هذا الكتاب . حكم من كذب على رسول الله قال ~~السمعاني : من كذب في خبر واحد على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجب ~~إسقاط ما تقدم من حديثه (1) وقال أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدى وأبو بكر ~~الصيرفى : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ~~ذلك (2) وقال ابن حجر العسقلاني : اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) لانه من الكبائر حتى بالغ الشيخ أبو محمد ~~الجوينى فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضى أبو بكر بن العربي يميل ~~إليه ، وجهل من قال من الكرامية ، وبعض المتزهدة : إن الكذب على النبي يجوز # --- # (1) ص 14 التقريب للنووي . (2) ص 111 اختصار علوم الحديث . (*) # --- PageV01P067 [ 68 ] # فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب ، ~~واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه ، لا في الكذب له ، وهو اعتلال ~~باطل لان المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء أكان له أم عليه ، والدين ~~بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب (1) . الكذب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الكبائر أخرج ابن عساكر في تاريخه عن واثلة بن الاسقع ~~قال : سمعت رسول الله يقول : إن من الكبائر أن يقول الرجل على ما لم أقل . ~~وقال النووي في شرح مسلم ، تحريم رواية الحديث الموضوع : ولا فرق في تحريم ~~الكذب عليه (صلى الله عليه وسلم) بين ما كان في الاحكام وما لا حكم فيه ~~كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك ، وكله حرام من أكبر الكبائر ، وأقبح ~~القبائح بإجماع المسلمين إلى أن قال : وقد أجمع أهل الحل والعقد على تحريم ~~الكذب على آحاد الناس فكيف ms061 بمن قوله شرع ، وكلامه وحى ، والكذب عليه كذب ~~على الله تعالى . درجات الصحابة (2) لم يكن الصحابة طرازا واحدا في الفقه ~~والعلم ، ولا نمطا متساويا في الادراك والفهم ، وإنما كانوا في ذلك طبقات ~~متفاوتة ، ودرجات متباينة ، شأن الناس جميعا في هذه الحياة على مر الدهور : ~~سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا . قال ابن خلدون في مقدمته (3) ~~: " إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ~~وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه # --- # (1) ص 389 ج 6 فتح الباري . (2) عقدنا فيما بعد فصلا خاصا بعدالة الصحابة ~~. (3) ص 446 من طبعة بيروت . (*) # --- PageV01P068 [ 69 ] # ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو ممن سمعه منهم وعن عليتهم وكانوا يسمون لذلك (القراء) أي ~~الذين يقرءون الكتاب لان العرب كانوا أمة أمية ، فاختص من كان منهم قارئا ~~للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقى الامر كذلك صدر الملة " . وعن محمد ~~بن سهل بن أبى خيثمة عن أبيه (1) قال : كان الذين يفتون على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من المهاجرين ، وثلاثة من الانصار ، عمر ~~وعثمان وعلي ، وأبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت . وعن عبد الرحمن بن ~~القاسم عن أبيه : أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد ~~فيه مشاورة أهل الرأى ، دعا رجالا من المهاجرين والانصار ، دعا عمر وعثمان ~~وعليا ، وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبى ابن كعب وزيد بن ثابت . وكل ~~هؤلاء كان يفتى في خلافة أبى بكر وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء فمضى أبو ~~بكر على ذلك . ثم ولى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر . وفي مسلم : عن مسروق قال ~~: شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة : ~~إلى عمر وعلى وعبد الله ومعاذ (2) وأبى الدرداء وزيد ابن ثابت ، فشاممت ~~هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى على وعبد الله (3) . وروى ابن القيم في ms062 ~~إعلام الموقعين عن مسروق قال : جالست أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) ~~فكانوا كالاخاذة (4) ، الاخاذة تروى الراكب ، والاخاذة تروى الراكبين ، ~~والاخاذة لو نزل بها أهل الارض لاصدرتهم ، وإن عبد الله من تلك الاخاذة . ~~وروى البخاري ومسلم عن النبي قال : إن مثل ما بعثنى به الله من الهدى # --- # (1) ص 168 ج 4 طبقات ابن سعد . (2) رواية ابن القيم في إعلام الموقعين ، ~~وأبى بن كعب بدل معاذ . (3) هو عبد الله بن مسعود . (4) الاخاذة : الغدير . (*) # --- PageV01P069 [ 70 ] # والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية (1) قبلت الماء ~~فأنبتت الكلا والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها ~~الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب بها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ~~ماء ولا تنبت كلا . وعن عامر قال : كان علماء هذه الامة بعد نبيها ستة : ~~عمر وعبد الله وزيد ابن ثابت . فإذا قال عمر قولا وقال هذان قولا كان ~~قولهما لقوله تبعا ، وعلى وأبى بن كعب وأبو موسى الاشعري ، فأذا قال على ~~قولا كان قولهما لقوله تبعا ، وقال قضاة هذه الامة أربعة : عمر وعلى وزيد ~~وأبو موسى الاشعري . ودهاة هذه الامة أربعة : عمرو بن العاص ومعاوية بن أبى ~~سفيان والمغيرة بن شعبة وزياد . تفاوت الصحابة في صدق الرواية فبعضهم أصدق ~~من بعض صدق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له : أنت عندنا العدل الرضا - قال ~~الذهبي في شرح الخبر فأصحاب رسول الله وإن كانوا عدولا فبعضهم أعدل من بعض ~~فهاهنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن ، وفي قصة الاستئذان يقول لابي موسى ~~الاشعري : ائت بمن يشهد معك (2) . رواية الصحابة بعضهم عن بعض وروايتهم عن ~~التابعين ليس كل ما جاء من الاحاديث عن الصحابة مما رووه عن رسول الله ودون ~~في الكتب قد سمعوه كله بآذانهم من النبي صلوات الله عليه مشافهة ، ولا أخذوه # --- # (1) في رواية طائفة طيبة . ارجع في هذه الاخبار كلها إلى طبقات ابن سعد ص ~~109 و110 ج 2 ق 2 . (2) ص 48 ج 1 سير أعلام النبلاء للذهبي ، راجع صفحة ms063 58 . (*) # --- PageV01P070 [ 71 ] # عنه تلقينا ، وإنما كان يروى بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول كان ~~يأخذ ممن سمع منه (صلى الله عليه وسلم) ، وإذا رواه لغيره لم يعزه إلى ~~الصحابي الذى تلقاه عنه ، بل يرفعه إلى النبي بغير أن يذكر اسم هذا الصحابي ~~- ذلك أن مجالس الرسول كانت متعددة ، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة ، ولا ~~يمكن أن يحضر الصحابة جميعا كل مجلس من مجالسه ، فما يحضره منها بعض ~~الصحابة لا يحضره البعض الآخر . وقد ذكر الآمدي في كتاب الاحكام في أصول ~~الاحكام (1) : أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ~~ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الربا في النسيئة " وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبى حتى رمى حجر العقبة ، قال في الجزء الاول ~~لما روجع فيه ، قال : أخبرني به أسامة ابن زيد ، وفي الخبر الثاني : أخبرني ~~به أخى الفضل بن العباس . ولما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك ، فقال : ما ~~أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمدا قاله ! ثم عاد فقال : حدثنى به الفضل بن ~~العباس (2) . وروى عن البراء بن عازب قال : " ما كل ما نحدثكم به سمعناه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه " . ~~وأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار (3) . ويدل على ذلك ما روى ~~عن الاعمش أنه قال : قلت لابراهيم النخعي : إذا حدثتني فأسند (4) فقال : ~~إذا قلت لك حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى حدثنى وإذا قلت لك حدثنى # --- # (1) ص 178 - 180 ج 2 وقال ابن القيم في الوابل الصيب : إن ما سمعه ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثا ، وعن ابن معين ~~والقطان وأبى داود في السنن أنه روى تسعة أحاديث وذلك لصغر سنه ومع ذلك فقد ~~أسند له أحمد في مسنده 1696 حديثا ! (2) لهذا الحديث ms064 قصة شائقة تقرؤها في ~~تاريخ أبى هريرة الذى طبعناه باسم " شيخ المضيرة " مرتين . (3) الرواية ~~المرسلة للحديث هي التى لم يذكر فيها اسم الذى رفعه إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم . (4) الحديث المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه ، وكان التابعون ~~يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما يروون من الاحاديث التى لم يسمعوها من ~~النبي وإنما تلقوها من إخوانهم فإنهم كانوا لا يذكرون أسماء من تلقوا عنهم . (*) # --- PageV01P071 [ 72 ] # عبد الله ، فقد حدثنى جماعة عنه ، وقد قال الآمدي بعد ذلك ، ولم يزل ذلك ~~مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعا (1) اه . وكما ~~كان الصحابة يروى بعضهم عن بعض فإنهم كذلك كانوا يروون عن التابعين . وهذا ~~أمر نص عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إن شئت . وفي كلام ابن ~~الصلاح وغيره في باب " رواية الاكابر عن الاصاغر " أن ابن عباس والعبادلة ~~الثلاثة وأبا هريرة وغيرهم قد رووا عن كعب الاحبار - اليهودي الذى أسلم ~~خداعا في عهد عمر وعدوه من كبار التابعين ثم سوده بعد ذلك على المسلمين . ~~وهاك ما قاله السيوطي في ألفيته (2) . وقد روى الكبار عن صغار * في السن أو ~~في العلم والمقدار ومنه أخذ الصحب عن أتباع * وتابع عن تابع الاتباع كالبحر ~~عن كعب وكالزهري * عن مالك ويحيى الانصاري وقال شارح هذه الالفية الشيخ ~~أحمد محمد شاكر رحمه الله - ومن هذا النوع رواية الصحابة عن التابعين ~~كرواية البحر عبد الله بن عباس وسائر العبادلة وأبى هريرة ومعاوية وأنس ~~وغيرهم عن كعب الاحبار ! على أن الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن ~~التابعين لم يكونوا - كما أبنا - يذكرون أن أحاديثهم قد جاءت من سبيل ~~الرواية عن غيرهم ، بل يروون ما يروون في المناسبات التى تستدعى ذكر الحديث ~~مهما طال الزمن من غير عزو إلى من سمعوا منه ثقة بهم ويرفعونها إلى النبي ، ~~وظلوا على ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن ثم قالوا ، سموا لنا رجالكم ! قال ~~ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الاسناد ، فلما وقعت الفتنة (3) قالوا : ~~سموا لنا ms065 رجالكم . # --- # (1) ص 178 - 180 ج 2 . (2) ص 237 . (3) ذر قرن الفتنة بعد انقضاء بضع ~~سنين من خلافة عثمان رضى الله عنه - وعلى ذكر الفتنة نسوق هذا الخبر عن ~~الزهري قال : لما ولى عثمان عاش اثنتى عشرة سنة أميرا يعمل ستة سنين لا ~~ينقم الناس عليه شيئا ، وإنه لاحب إلى قريش من عمر بن الخطاب ! لان عمر كان ~~شديدا عليهم ، فلما وليهم عثمان لان لهم = (*) # --- PageV01P072 [ 73 ] # وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث ، فلما ~~وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحديث . . وفي سنن الترمذي عنه : كانوا في الزمن ~~الاول لا يسألون عن الاسناد ! فلما وقعت الفتنة ، سألوا عن الاسناد ، إن ~~الرجل ليحدثني فما أتهمه ولكن أتهم من هو فوقه . وقد روى التابعون عن " ~~تابعي التابعين " . ومن رواية التابعين عن تابعي التابعين . . رواية الزهري ~~، ويحيى بن سعيد الانصاري عن مالك وهو تلميذهما . ومن الطريف للفطن كما قال ~~السيوطي في ألفيته - أن يروى الصحابي عن تابعي ، عن صحابي آخر حديثا ، ومن ~~ذلك حديث السائب بن يزيد الصحابي عن عبد الرحمن بن عبد القارى التابعي عن ~~عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه وسلم " من نام عن حزبه أو عن شئ منه ~~فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، كتب له كأنما قرأه في الليل " ~~رواه مسلم في كتابه ، ومن ذلك حديث " لا يستوى القاعدون " . وقد جمع الحافظ ~~العراقي من ذلك عشرين حديثا . نقد الصحابة بعضهم لبعض لم يقف الامر ~~بالصحابة عند تشديدهم في قبول الاخبار من إخوانهم في الصحبة كما أسلفنا ، ~~ولكنه تجاوز ذلك إلى أن ينقد بعضهم بعضا . ولقد كان عمر وعلى وعثمان وعائشة ~~وابن عباس وغيرهم من الصحابة يتصفحون على إخوانهم في الصحبة ، ويشكون في ~~بعض ما يروونه عن الرسول ويردونه على أصحابه . عن محمود بن الربيع - وكان ~~ممن عقل عن رسول الله وهو صغير - أنه سمع # --- # = ووصلهم ، ثم توانى في أمرهم ، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست ~~الاواخر . وكتب لمروان بخمس خراج مصر وأعطى ms066 أقرباءه المال وتأول في ذلك ~~واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال : إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما ~~هو لهما وإنى أخذته فقسمته في أقربائي ! فأنكر الناس عليه ذلك (ص 34 / 2 / ~~3 طبقات ابن سعد) . وارجع إلى فصل - " كيف قامت دولة بنى أمية في كتابنا " ~~شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P073 [ 74 ] # عتبان بن مالك الانصاري وكان ممن شهد بدرا ، أن رسول الله قال : إن الله ~~حرم النار على من قال : لا إله إلا الله يبغى بها وجه الله - وكان الرسول ~~في دار عتبان فحدثها قوما فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله - فأنكرها على أبو ~~أيوب وقال : والله ما أظن رسول الله قد قال ما قلت ! وقد استدلت المرجئة ~~(1) بهذا الحديث ونحوه على مذهبهم . وردت عائشة حديث عمر وابن عمر : " إن ~~الميت يعذب ببكاء أهله عليه " ، فقالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولكن ~~السمع يخطئ والله ما حدث رسول الله أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ! ~~وقالت : حسبكم القرآن " ولا نزر وازرة وزر أخرى " . وفي رواية أنها لما ~~سمعت أن ابن عمر يحدث بهذا الحديث قالت : وهل ! إنما قال : إنه ليعذب ~~بخطيئته وذنبه ، وإن أهله ليبكون عليه " وفي رواية ثالثة : إنه لم يكذب ~~ولكنه نسى أو أخطأ وقالت مثل قوله (ابن عمر) إن رسول الله قام على القليب ~~وفيه قتلى بدر من المشركين فقال : إنهم ليسمعون ما أقول . وقالت : إنما قال ~~: إنهم الآن يعلمون أن ما كنت أقوله لهم حق ، ثم قرأت " إنك لا تسمع الموتى ~~، وما أنت بمسمع من في القبور " حين تبوءوا مقاعدهم من النار . . والحديثان ~~في البخاري ومسلم وغيرهما . وردت عائشة كذلك حديث رؤية النبي لربه ليلة ~~الاسراء الذى رواه الشيخان عن عامر بن مسروق الذى قال لعائشة : يا أمتاه . ~~هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعرى مما قلت ! أين أنت من ثلاث من حدثكم ~~فقد كذب (2) : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : " لا تدركه ~~الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير ms067 . وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب " ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت ~~: " وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا " ، ومن حدثك أنه كتم شيئا فقد كذب ، ثم ~~قرأت : " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " . # --- # (1) المرجئة فرقة من كبار الفرق الاسلامية تقول لا يضر مع الايمان معصية ~~ولا ينفع مع الكفر طاعة . (2) في مسلم : فقد أعظم على الله الفرية . ~~وأحاديث الرؤية بلغت كما ذكر ابن القيم في حادى الارواح ثلاثين حديثا ، ~~والمرفوع منها أكثر من عشرين حديثا ، دع الموقوف والآثار . (*) # --- PageV01P074 [ 75 ] # وفي مسلم وكنت متكئا فجلست فقلت : ألم يقل الله " ولقد رآه نزلة أخرى " ~~فقالت : أنا أول من سأل رسول الله عن هذا فقلت يا رسول الله ، هل رأيت ربك ~~؟ فقال : لا ، أنا رأيت جبريل منهبطا . وفي حديث أبى ذر عند مسلم أنه سأل ~~النبي عن ذلك فقال : نور أنى أراه - ولاحمد رأيت نورا (1) . وردت خبر ابن ~~عمر وأبى هريرة : أن الشؤم في ثلاث : فقالت إنما كان (2) رسول الله يحدث عن ~~أحوال الجاهلية ، وذلك لمعارضته الاصل القطعي من " أن الامر كله لله " . ~~ولما بلغها قول أبى الدرداء من أدرك الصبح فلا وتر له . قالت : لا - كذب ~~أبو الدرداء ، كان النبي يصبح فيوتر ، ولما سمعت أن ابن عمر قال : اعتمر ~~رسول الله عمرة في رجب ، قضت عليه بالسهو ، وقالت عن أنس بن مالك وأبى سعيد ~~الخدرى ، ما علم أنس بن مالك وأبى سعيد بحديث رسول الله ، وإنما كانا ~~غلامين صغيرين ! وكانت عائشة ترد كل ما روى مخالفا للقرآن - وتحمل رواية ~~الصادق من الصحابة على خطأ السمع . أو سوء الفهم (3) - وكذب عمران بن حصين ~~سمرة في حديث أن للنبى سكتين في الصلاة عند قراءته (4) . والامثلة على ذلك ~~كثيرة وقد أتينا في تاريخ أبى هريرة بطائفة من الاحاديث التى انتقدوه فيها ~~، وردوها عليه فراجعها هناك (5) . عدالة الصحابة أما الكلام عن عدالة ~~الصحابة فقد أرجأناه إلى مكانه من هذا الكتاب . # --- # (1) قال ابن حجر ms068 في فتح الباري : وقد رجح القرطبى في المفهم قول الوقف في ~~هذه المسألة وعزاه لجماعة من المحققين ، وقواه أنه ليس في الباب دليل قاطع ~~، وغياية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل - وليست ~~المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالادلة الظنية - وإنما هي من المتعقدات ~~فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعي . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " تجد ~~فيه هذه الاخبار وغيرها مبسوطة هناك . (3) جمع الامام الزركشي كتابا قيما ~~فيما استدركته عائشة على الصحابة سماء " الاجابة لايراد ما استدركته عائشة ~~على الصحابة " ، توفى الزركشي 794 ه . (4) 154 ج 2 من الاستيعاب . (5) راجع ~~كتاب " شيخ المضيرة " الطبعة الثالثة . (*) # --- PageV01P075 [ 76 ] # كيف روى الحديث ؟ بعد نهى النبي عن كتابته يحسب الذين لا خبرة لهم بالعلم ~~، ولا علم عندهم بالخبرة ، أن أحاديث الرسول التى يقرءونها في الكتب ، أو ~~يسمعونها ممن يتحدثون بها ، قد جاءت صحيحة المبنى محكمة التأليف ، وأن ~~ألفاظها قد وصلت إلى الرواة مصونة كما نطبق النبي بها ، بلا تحريف فيها ولا ~~تبديل . وكذلك يحسبون أن الصحابة ومن جاء من بعدهم ، ممن حملوا عنهم أحاديث ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى زمن التدوين ، قد نقلوا هذه الاحاديث بنصها ~~كما سمعوها ، وأدوها على وجهها كما تلقوها ، فلم ينلها تغيير ولا اعتراها ~~تبديل ، ومما وقر في أذهان الناس أن هؤلاء الرواة قد كانوا جميعا صنفا خاصا ~~بين بنى آدم في جودة الحفظ ، وكمال الضبط وقوة الذاكرة ، وأن أذهانهم قد ~~فطرت على صورة خاصة غير ما فطرت عليه أذهان البشر جميعا ، فكل ما يسمعونه ~~ينقش على ألواحها ، فلا تفلت منه كلمة ، ولا يشذ عنه حرف . ولقد كان ولا ~~جرم لهذا الفهم أثر بالغ في أفكار شيوخ الدين - إلا من عصم ربك - فاعتقدوا ~~أن هذه الاحاديث في منزلة آيات الكتاب العزيز ، من وجوب التسليم بها ، وفرض ~~الاذعان لاحكامها ، بحيث يأثم أو يرتد أو يفسق من يخالفها ، ويستتاب من ~~أنكرها أو شك فيها . من أجل ذلك رأينا أن نشبع القول في هذا الامر ، ليعلم ~~الناس وجه الحق فيه ، ويدركوا أن ms069 الاحاديث التى جاءتهم عن رسول الله صلوات ~~الله عليه قد رويت عنه بمعناها ، لما لم يستطيعوا أن يأتوا بها على حقيقة ~~مبناها ، لنسيان أصلها أو لمضى الزمن عليها في أذهانهم عندما رووها ، وأن ~~كل راو قد روى ما بقى في ذهنه من هذا المعنى بعد أن عجزت ذاكرته عن ضبط ~~ألفاظه . ولم يكونوا قد عنوا في أول الامر بتدوينه ، وعلى أن الامر قد جرى ~~على رواية الحديث بالمعنى ، حتى لم يختلف # --- PageV01P076 [ 77 ] # في ذلك أحد من العارفين (1) ، فقد وقع الاختلاف بعد ذلك بين العلماء في ~~أمر هذه الرواية ، فمنهم من منعها ومنهم من أجازها ، ولان هذا الامر مما ~~يجب بيانه لاهميته رأينا أن نذكر هنا طرفا من أدلة هؤلاء وهؤلاء ، ولم نجد ~~أحدا عرض بتحقيق شامل لهذا الامر مثل العلامة الشيخ طاهر الجزائري في كتابه ~~النفيس " توجيه النظر " وهاك ما قاله (2) : رواية الحديث بالمعنى واختلاف ~~العلماء في ذلك " اختلف العلماء في رواية الحديث بالمعنى . فذهب قوم إلى ~~عدم جواز ذلك مطلقا منهم ابن سيرين وثعلب وأبو بكر الرازي ، ويروى ذلك عن ~~ابن عمر (3) . وذهب الاكثرون إلى جواز ذلك - إذا كان الراوى عارفا بدقائق ~~الالفاظ بصيرا بمقدار التفاوت بينها ، خبيرا بما يحيل معانيها فإذا أبدل ~~اللفظ الذى بلغه بلفظ آخر مقامه بحيث يكون معناه مطابقا لمعنى اللفظ الذى ~~بلغه جاز ذلك (4) . وقد تعرض لهذه المسألة علماء الاصول - ولما كانت من ~~المسائل المهمة جدا فقد أحببت أن أروى من عباراتهم هنا ما يكون فيه الكفاية ~~: قال أبو إسحاق الشيرازي في اللمع : والاختيار في الرواية أن يروى الخبر ~~بلفظه ، لقوله صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم ~~أداها كما سمع ، # --- # (1) قال ابن الصلاح في مقدمته : كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر ~~واحد بألفاظ مختلفة ، وما ذلك إلا لان معولهم كان على المعنى دون اللفظ (ص ~~90) . (2) ص 298 وما بعدها ببعض اختصار . (3) كان من الذين يجوزون رواية ~~الحديث بالمعنى من الصحابة جماعة منهم : ابن عباس وأنس ، أما التابعون ms070 فكان ~~الذين يتشددون في رواية الحديث على لفظه محمد بن سيرين والقاسم بن محمد ~~ورجاء بن حيوة ، والذين يتساهلون في ذلك الحسن والشعبى والنخعي . (4) إن ~~معرفة دقائق الالفاظ والبصر بمقدار التفاوت بينها إنما يكون ذلك كله ولا ~~ريب عند ضبط اللفظ الاصلى للحديث ومعرفته حتى يمكن أن يغيره بلفظ آخر ، ~~ولكن رواية الحديث بالمعنى إنما تأتى من ذهاب شئ من معالم اللفظ الاصلى ~~ونسيانه مما يدعو إلى تغييره - وإذا كان اللفظ الاصلى محفوظا فليس هناك ما ~~يسوغ تغييره ، ويكون هو أولى بالرواية من سواه . (*) # --- PageV01P077 [ 78 ] # فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه (1) فإن أورد الرواية نظر ! فإن كان ممن ~~لا يعرف معنى الحديث لم يجز لانه لا يؤمن أن يغير معنى الحديث ، وإن كان ~~ممن يعرف معنى الحديث نظر ! فإن كان ذلك في خبر محتمل لم يجز أن يروى ~~بالمعنى ، لانه ربما نقله بلفظ لا يؤدى مراد الرسول فلا يجوز أن يتصرف فيه ~~، إن كان خبرا ظاهرا ففيه وجهان : من أصحابنا من قال : لا يجوز ، لانه ربما ~~كان التعبد باللفظ كتكبير الصلاة ، والثانى أنه يجوز . وهو الاظهر لانه ~~يؤدى معناه ولهذا روى عن النبي أنه قال : إذا أصبت المعنى فلا بأس . وهذا ~~الحديث قد رواه ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني في المعجم الكبير من ~~حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثى قال : قلت يا رسول الله ، إنى ~~أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمعه منك ، يزيد حرفا أو ينقص ~~حرفا ، فقال : " إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا ~~بأس " (2) فذكر للحسن فقال : لولا هذا ما حدثنا . وقد احتج من منع الرواية ~~بالمعنى بالنص والمعقول ، أما النص فقوله عليه السلام " رحم الله أمرا سمع ~~مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع " (3) قالوا : ~~وأداؤه كما سمع هو أداء اللفظ المسموع ، ونقل الفقيه إلى من هو # --- # (1) من العجيب أن هذا الحديث نفسه قد جاءت روايته بصيغ كثيرة ! وكل رواية ~~تختلف من ms071 الاخرى في اللفظ والمعنى ، ولولا خشية الاطالة لاوردناها كلها ~~فليرجع إليها في مظانها . وقد قال ابن الجوزى بعد أن أورد قول الرسول " نضر ~~الله امرأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها " : وتأدية الحديث كما يسمع لا يكاد ~~يحصل إلا من الكتابة لان الحفظ خوان . وقد كان أحمد بن حنبل رضى الله عنه ~~يحدث بالحديث فيقال له : أمله علينا : فيقول : لا بل من الكتاب . وقد قال ~~على بن المدينى أمرنى أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من الكتاب (ص 221 من ~~تلبيس إبليس) . (2) ص 50 ج 3 فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي - وهذا ~~الحديث يناقض ولا ريب حديث " رحم الله امرأ سمع مقالتي . . " ولكن لا بد ~~لكل فئة من أن تؤيد رأيها بحديث . (3) من وصية النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حجة الوداع : " ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه ~~، وفي رواية " رب مبلغ أوعى من سامع " . رواهما البخاري وغيره ، وفي معنى ~~هذا الحديث ما رواه الترمذي والضياء من حديث زيد بن ثابت مرفوعا نضر الله ~~امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ~~ورب حامل فقه ليس بفقيه - وفي معناه حديث " نضر الله امرأ سمع منا شيئا ~~فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع . رواه أحمد والترمذي وابن حبان . (*) # --- PageV01P078 [ 79 ] # أفقه منه معناه - والله أعلم - أن الافطن ربما فطن بفضل فقهه من فوائد ~~اللفظ بما لم يفطن له الراوى ، لانه ربما كان دونه في الفقه . وأما المعقول ~~فمن وجهين : الاول - إنا لما جربنا رأينا أن المتأخر ربما استنبط من فوائد ~~آية أو خبر ما لم يتنبه له أهل الاعصار السالفة من العلماء والمحققين - فلو ~~جوزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم ، مع أن الراوى يظن أن لا ~~تفاوت . الثاني - أنه لو جاز للراوى تبديل لفظ الرسول بلفظ نفسه ، كان ~~للراوى الثاني تبديل اللفظ الذى سمعه بلفظ نفسه - بل هذا أولى لان تبديل ~~لفظ الراوى أولى ms072 بالجواز من تبديل لفظ الشارع ، وإن كان ذلك في الطبقة ~~الثالثة والرابعة فذلك يفضى إلى سقوط الكلام الاول ، لان الانسان وإن اجتهد ~~في تطبيق الترجمة لكن لا ينفك عن تفاوت وإن قل ، فإذا توالت التفاوتات كان ~~التفاوت الاخير تفاوتا فاحشا بحيث لا يبقى بين الكلام الاخير وبين الاول ~~نوع مناسبة . وقال القرافى في شرح تنقيح الفصول في الاصول : ونقل الخبر ~~بالمعنى عند أبى الحسين وأبى حنيفة والشافعي جائز خلافا لابن سيرين وبعض ~~المحدثين بشروط أن لا تزيد الترجمة ولا تنقص ولا تكون أخفى ولا أجلى - لان ~~المقصود إنما هو إيصال المعاني فلا يضر فوات غيرها ، ومتى زادت عبارة ~~الراوى أو نقصت فقد زاد الشرع أو نقص ، وذلك حرام إجماعا - ومتى كانت عبارة ~~الحديث جلية فغيرها بعبارة خفية ، فقد أوقع في الحديث وهنا يوجب تقديم غيره ~~عليه بسبب خفائه ، فإن الاحاديث إذا تعارضت في الحكم الواحد ، يقدم أجلاها ~~على أخفاها فإذا كان أصل الحديث جليا فأبدله بخفى فقد أبطل منه مزية حسنة ~~تخل به عند التعارض ، وكذلك إذا كان الحديث خفى العبارة فأبدلها بأجلى منها ~~، فقد أوجب له حكم التقديم على غيره - وحكم الله أن يقدم غيره عليه عند ~~التعارض ، فقد تسبب بهذا التغيير في العبارة إلى تغيير حكم الله تعالى - ~~وذلك لا يجوز - فهذا هو مستند هذه الشروط فإذا حصلت هذه الشروط فحينئذ يجرى ~~الخلاف في الجواز ، أما عند عدمها فلا يجوز إجماعا . # --- PageV01P079 [ 80 ] # ومن حجج المانعين حديث البراء بن عازب (1) . وحجة " الجواز " أن الصحابة ~~رضى الله عنهم كانوا يسمعون الاحاديث ولا يكتبونها ولا يكررون عليها ، ثم ~~يروونها بعد السنين الكثيرة ومثل هذا يجزم الانسان فيه بأن نفس العبارة لا ~~تنضبط بل المعنى فقط ، ولان أحاديث كثيرة وقعت بعبارات مختلفة وذلك مع ~~اتحاد القصة ! وهو دليل جواز النقل بالمعنى ، ولان لفظ السنة ليس متعبدا به ~~، بخلاف لفظ القرآن ، فإذا " ضبط المعنى " (2) فلا يضر فوات ما ليس بمقصود ~~. وقال القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " (3) : رخص في سوق الحديث ~~بالمعنى دون سياقه ms073 جماعة منهم : على وابن عباس وأنس بن مالك وأبو الدرداء ~~وواثلة بن الاسقع وأبو هريرة ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم ، منهم إمام ~~الائمة حسن البصري ثم الشعبى وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة ~~. وقد اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) فمنهم من يرويه تاما ، ومنهم من يأتي بالمعنى ، ومنهم من يورده ~~مختصرا ، وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى ، ~~وكلهم لا يتعمد الكذب وجميعهم يقصد الصدق ، ومعنى ما سمع ، فلذلك وسعهم ، ~~وكانوا يقولون " إنما الكذب على من تعمده " ، وقد روى عن عمران بن مسلم قال ~~: قال رجل # --- # (1) حديث البراء بن عازب نصه ، كما رواه البخاري : قال رسول الله إذا ~~أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن وقل : اللهم أسلمت ~~وجهى إليك ، وفوضت أمرى إليك ، وألجأت ظهرى إليك ، رغبة ورهبة إليك ، ولا ~~منجا (يجوز فيها هذا الرسم) إلا إليك آمنت بكتابك الذى أنزلته وبنبيك الذى ~~أرسلته . فإن مت فأنت على الفطرة ، واجعلهن آخر ما تقول ، فقلت : أستذكرهن ~~، ورسولك الذى أرسلت . قال : لا ونبيك الذى أرسلت . وهذا الحديث قد رواه ~~كذلك مسلم والنسائي والترمذي وفي بعض رواياته : فطعن بيده في صدري ثم قال " ~~ونبيك الذى أرسلت " على أن الرسول هو نبى والنبى لا يكون رسولا . (2) إذا ~~ضبط المعنى ولكن هيهات ! (3) ص 207 ، نكتفي بهذا القدر من الادلة ، وفي ~~كتاب الجزائري أدلة أخرى كثيرة إليها من يريد التوسع في ذلك . (*) # --- PageV01P080 [ 81 ] # للحسن : يا أبا سعيد إنما تحدث بالحديث أنت أحسن له سياقا ، وأجود تحبيرا ~~، وأفصح به لسانا منه إذا حدثنا به ! فقال ، إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك ~~. وقد قال النضر بن شميل : " كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة - ~~يعنى بالاعراب - وكان النضر بن شميل نحويا وكان سفيان يقول : " إذا رأيت ~~الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس فاعلم أنه يقول : اعرفوني ! وجعل رجل ~~يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه فقال ms074 له يحيى : يا هذا ~~، ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى - قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على ~~سبعة أحرف ، فلا تشدد " (1) وروى البيهقى عن مكحول قال دخلت أنا وأبو ~~الازهر على واثلة بن الاسقع فقلنا له : حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس ~~فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان ! فقال : هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ؟ ~~فقلنا : نعم وما نحن له بحافظين جدا ، إنا نزيد الواو والالف وننقص ، فقال ~~: هذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظا ، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون ~~وتنقصون فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عسى ألا ~~يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة ؟ حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى ~~. وكان ابن أبى ليلى يروى الشئ مرة هكذا ومرة هكذا بغير إسناد - وإنما جاء ~~هذا من جهة حفظه ، لان أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون ، ومن كتب ~~منهم فإنما كان يكتب لهم بعد السماع ، وكان كثير منهم يروى بالمعنى فكثيرا ~~ما يعبر عنه بلفظ من عنده فيأتى قاصرا عن أداء المعنى بتمامه ، وكثيرا ما ~~يكون أدنى تغيير محيلا له وموجبا لوقوع الاشكال فيه - وقد أجاز الجمهور ~~الرواية بالمعنى (2) . وفى سنن الترمذي - عن مكحول عن واثلة بن الاسقع قال ~~: إذا حدتناكم على المعنى فحسبكم ، ورواية الذهبي في سير أعلام النبلاء : ~~إذا حدثتكم بالحديث # --- # (1) كانت العرب لا ترى بأسا من تغيير كلمة بكلمة ، وقد روى عن ذى الرمة ~~أنه قال لقيس ابن عمر : اكتب شعرى ، فالكتاب أحب إلى من الحفظ ، لان العربي ~~ينسى الكلمة قد سهر في طلبها ليلة فيضع في موضعها كلمة في وزنها ثم ينشدها ~~الناس (ص 180 و181 من كتاب نقض الشعر الجاهلي) للشيخ الخضر حسين . (2) ص 76 ~~توجيه النظر . (*) # --- PageV01P081 [ 82 ] # على معناه فحسبكم (1) . وقال وكيع (2) عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال : ~~إذا أصبت المعنى أجزأك ، وقال : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ، ~~وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والاتقان والتثبت عند السماع - مع أنه ms075 لم ~~يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الائمة . وقال سفيان الثوري (3) إن قلت ~~إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني فإنما هو المعنى ، وقيل له : يا أبا عبد ~~الله ، حدثنا كما سمعت . قال : والله ما إليه سبيل ، وما هو إلا المعاني . ~~ومن قوله : لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد ! ~~وقد قال الثقات من العلماء : إن الاولى هو إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف ~~فيه . ولكن أنى ذلك وقد جرى الامر على غير الاولى ! قال القاضى عياض : " ~~ينبغى سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، ~~كما وقع لكثير من الرواية قديما وحديثا والله الموفق ! ومما ذكره المحققون ~~، أن الرواية بالمعنى لا تكون فيما يتعبد فيه باللفظ كالتكبير والتشهدات . ~~على أن التشهدات قد وردت بألفاظ مختلفة وإليك أكثرها . صيغ التشهدات تشهد ~~ابن مسعود : في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : علمني رسول الله ~~التشهد وكفى بكفه كما يعلمنى السورة من القرآن : التحيات لله والصلوات ~~والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~- وكذلك رواه أصحاب السنن . وفي رواية : " ولقننيه كلمة كلمة " وفي رواية : ~~إذا قلت هذا ، أو قضيت هذا ، # --- # (1) ص 259 ج 3 . (2) وكيع بن الجراح الامام الحافظ محدث العراق قال فيه ~~أحمد بن حنبل : ما رأيت أوعى للعلم ، ولا أحفظ من وكيع . وكان ثقة متقنا ~~ورعا ، توفى سنة 197 ه . (3) سفيان الثوري سيد الحفاظ الكوفى الفقيه ، قال ~~القطان فيه : ما رأيت أحفظ منه ، وإنه فوق مالك في كل شئ . مات بالبصرة سنة ~~161 ه . (*) # --- PageV01P082 [ 83 ] # فقد قضيت صلاتك - وقد اختاره أبو حنيفة وأحمد وأصحاب الحديث وأكثر ~~العلماء . تشهد ابن عباس : روى مسلم وأصحاب السنن عن ابن عباس وكذلك روى ~~الشافعي في الام قال : كان رسول الله يعلمنا كما يعلمنا السورة من القرآن ~~فيقول ، قولوا : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها ~~النبي ms076 ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله . تشهد عمر بن الخطاب : روى مالك ~~في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدالقارى أنه ~~سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يقول ، قولوا : التحيات الزاكيات لله ، ~~الطيبات الصلوات لله . ورواية السرخسى في المبسوط : التحيات الناميات ~~الزاكيات المباركات الطيبات لله . قال مالك : أفضل التشهد تشهد عمر بن ~~الخطاب ، لان عمر قاله على المنبر بمحضر من الصحابة فلم ينكروه عليه إجماعا ~~، ورواه أبو داود وابن مردويه مرفوعا . تشهد أبى سعيد الخدرى : التحيات ~~الصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ~~. قال أبو سعيد : وكنا لا نكتب إلا القرآن والتشهد (1) ! تشهد جابر : وفي ~~حديث جابر المرفوع عند النسائي وابن ماجة والترمذي في العلل بلفظ : كان ~~رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن " باسم الله وبالله ~~التحيات إلخ وصححه الحاكم . تشهد عائشة : روى مالك في الموطأ عن عائشة زوج ~~النبي أنها كانت تقول إذا تشهدت : التحيات الطيبات الزاكيات لله . فتسقط ~~(لله) عقب التحيات والصلوات # --- # (1) ص 93 تقييد العلم للخطيب البغدادي . (*) # --- PageV01P083 [ 84 ] # بخلاف ما في حديث عمر وابن مسعود من إثباتهما ، وهى مرفوعة ، وزادت على ~~حديث عمر " وحده لا شريك له " وكذلك ثبتت هذه الزيادة في حديث أبى موسى ~~مرفوعا عند مسلم . تشهد أبى موسى الاشعري : روى مسلم وأبو داود أن التشهد ~~عند أبى موسى " التحيات الطيبات الصلوات لله " . وفيه " وحده لا شريك له " ~~(1) . تشهد سمرة بن جندب : التحيات الطيبات والصلوات والملك لله إلخ . تشهد ~~ابن عمر : روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتشهد فيقول باسم ~~الله (في أوله) التحيات لله الصلوات لله السلام على النبي بإسقاط (كاف ~~الخطاب ولفظ أيها) إلخ وقال فيه : " فإذا قضى تشهده وأراد أن يسلم قال ~~السلام على ms077 النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ~~. وهذه زيادة تكرير في التشهد . ورواية " السلام على النبي " التى جاءت في ~~هذا التشهد - قد وردت في رواية البخاري عن ابن مسعود في " باب الاستئذان " ~~فقد قال في آخره : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وهو بين ظهرانينا فلما قضى ~~(صلى الله عليه وسلم) قلنا السلام على النبي . وقد علق ابن حجر على ذلك ~~بقوله : ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضى المغايرة بين زمانه (صلى ~~الله عليه وسلم) فيقال بلفظ الخطاب وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة ، وفي ~~الاستئذان في صحيح البخاري من طريق أبى معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث ~~التشهد قال : وهو بين ظهرانينا فلما قضى قلنا السلام يعنى على النبي . وقال ~~السبكى في شرح المنهاج : إن صح هذا عن الصحابة دل على أن الخطاب في السلام ~~بعد النبي غير واجب فيقال السلام على النبي - قال الحافظ قد صح بلا ريب . # --- # (1) عن حطان بن عبد الله الرقاشى قال : صليت مع أبى موسى الاشعري وبعد ~~الصلاة قال : أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم . إن رسول الله خطبنا فبين ~~لنا سنتنا ، وعلمنا صلاتنا وذكر التشهد فإذا هو التحيات الطيبات الصلوات ~~لله السلام عليك إلخ ص 13 ج 2 مسلم . (*) # --- PageV01P084 [ 85 ] # قال عبد الرازق : أخبرنا ابن جريج أخبرنا عطاء أن الصحابة كانوا يقرءون ~~والنبى " حى " السلام عليك أيها النبي فلما مات قالوا : السلام على النبي ~~وهذا إسناد صحيح . ولهذا الاختلاف (1) قال القاضى : هذا يدل على أنه إذا ~~أسقط لفظة هي ساقطة في بعض التشهدات المروية صح التشهد ، فعلى هذا يجوز أن ~~يقال : أقل ما يجزئ في التشهد " التحيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - أو أن محمدا رسول الله " . هذه تشهدات تعسة ~~(2) وردت عن الصحابة وقد اختلفت ألفاظها ، ولو أنها كانت من الاحاديث ~~القولية التى رويت بالمعنى لقلنا عسى ! ولكنها ms078 من الاعمال المتواترة التى ~~كان يؤديها كل صحابي مرات كثيرة كل يوم وهم يعدون بعشرات الالوف ، ومما ~~يلفت النظر أن كل صاحب تشهد يقول ، إن الرسول كان يعلمه التشهد كما يعلمهم ~~القرآن ، وأن تشهد عمر قد ألقاه من فوق منبر رسول الله والصحابة جميعا ~~يسمعون فلم ينكر عليه أحد منهم ما قال ، كما ذكر مالك في الموطأ . ومما ~~يلفت النظر كذلك ، أن هذه التشهدات على تباين ألفاظها وتعدد صيغها وكثرة ~~رواتها ، قد خلت كلها من الصلاة على النبي فكأن الصحابة كانوا كما قال ~~إبراهيم النخعي يكتفون بالتشهد والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله . ولقد ~~اختلفت الائمة في وجوب الصلاة على النبي في الصلاة المفروضة فأبو حنيفة ~~وأصحابه لا يوجبونها فيها وأما الشافعي فقد جعلها شرطا ! وفي البحر الزاخر ~~لابن نجيم : وأما موجب الامر في قوله تعالى : " صلوا عليه " فهو افتراضها ~~في العمر مرة واحدة في الصلاة أو خارجها ، لان الامر لا يقتضى التكرار وهذا ~~بلا خلاف . # --- # (1) ص 575 ج 1 المغنى والشرح الكبير . (2) هذا ما أمكن إحصاؤه من ~~التشهدات ولم يتفق أئمة الفقه على تشهد واحد منها بل اختلفوا فيها فاختار ~~أبو حنيفة وأحمد تشهد ابن مسعود واختار مالك تشهد عمر بن خطاب واختار ~~الشافعي تشهد ابن عباس . (*) # --- PageV01P085 [ 86 ] # وقد قال بذلك السرخسى في المبسوط وابن همام في شرح فتح القدير والقسطلاني ~~في إرشاد السارى . وقال القاضى عياض في الشفاء ، وقد شذ الشافعي فقال من لم ~~يصل على فصلاته فاسدة ، ولا سلطان له في هذا القول ولا سنة يتبعها ، وشنع ~~عليه في ذلك جماعة منهم الطبري والقشيري ، وخالفه من أهل مذهبه الخطابى ~~فقال إنها ليست بواجبة ولا أعلم له فيها قدوة ، والتشهدات المرويات عن ~~الصحابة لم يذكر فيها ذلك أما حديث " لا صلاة لمن لم يصل على " فقد ضعفه ~~أهل الحديث ، وحديث ابن مسعود " من صلى صلاة لم يصل فيها على وعلى أهل بيتى ~~لم تقبل منه " فقد قال الدار قطني إنه من قول أبى جعفر محمد الباقر بن على ms079 ~~وبن الحسين . ونص قوله : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم (1) . . . . وكلمة التوحيد ~~وما قاله هؤلاء الائمة في الصلاة على النبي ، قد جاء مثله في كلمة التوحيد ~~(لا إله إلا الله) . قال العلامة سعيد بن حجى في رسالة " الكلام المنتقى ~~فيما يتعلق بكلمة التقوى - لا إله إلا الله " . وأما حكمها فقال " في فاكهة ~~القلوب والافواه " : " أما المؤمن بالاصالة فيجب أن يذكرها مرة في عمره ، ~~وينوى بها الوجوب " . ولا نطيل في ذلك حتى نستطرد إلى ما ليس من موضوعنا . ~~وقال الفقيه المحدث رشيد رضا رحمه الله عند كلامه على أحاديث أشراط الساعة ~~في تفسيره (2) . " لا شك في أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم ~~واتفق عليه العلماء ، ويدل عليه اختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد ~~حتى المختصر منها ، وما دخل على بعض هذه الاحاديث (في المدرجات) وهي ما ~~يدرج في اللفظ المرفوع من كلام الرواة فعلى هذا ، كان يروى كل أحد ما فهمه ~~، وربما # --- # (1) ص 55 ج 2 من الشفاء . (2) ص 506 ج 9 . (*) # --- PageV01P086 [ 87 ] # وقع في فهمه الخطأ وربما فسر بعض ما فهمه ، بألفاظ يزيدها ، إلى أن قال : ~~فهل من الغرابة أن يقع الخلط والتعارض فيما يروى عنه بالمعنى بقدر فهم ~~الرواة ؟ وسئل رحمه الله عن رأيه فيمن قال : إنه لم يثبت عن النبي إلا 12 ~~أو 14 حديثا فأجاب (1) : هذا القول غير صحيح ، ولم يقل به أحد بهذا اللفظ ، ~~وإنما قيل هذا أو ما دونه ، في الاحاديث التى تواتر لفظها . ولا بأس من أن ~~نثبت هنا كلمة لنا نشرناها في العدد 957 من مجلة الرسالة الصادر في 5 ~~نوفمبر سنة 1951 تصحيحا لما نشره الاستاذ عبد السلام هارون في كتاب البيان ~~والتبيين للجاحظ وها هي ذى : هو سماع الحديث لا سماع الغناء ! يعثر الانسان ~~أحيانا أثناء مطالعاته في الصحف على أشياء تستدعى النقد ، وتستوجب التصحيح ~~فيتجاوزها ولا يعنى بها ، لانه إذا تولى نقد ms080 أو تصحيح كل ما يعثر عليه من ~~الغلط فإنه لا يجد من الوقت ما يسعه ، ولا من هدوء البال ما يعينه ، وقد ~~ينشط أحيانا فينهض لبيان ما يجد من خطأ ، وبخاصة عندما يقف على أمر لا يصح ~~السكوت عليه أو الاغضاء عنه . ومن ذلك أنى كنت أقرأ في الجزء الثاني من ~~كتاب " البيان والتبيين " للجاحظ الذى خرج بتحقيق وشرح الاستاذ عبد السلام ~~هارون فإذا بى أجد في الصفحة 322 من هذا الجزء ما يلى : " وقال ابن عون : ~~أدركت ثلاثة يتشددون في السماع ، وثلاثة يتساهلون (في المغانى) فأما الذين ~~يتساهلون ، فالحسن والشعبى والنخعي ، وأما الذين يتشددون ، فمحمد بن سيرين ~~والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة (2) " . وقد حسب الاستاذ هارون أن السماع في ~~هذا الخبر هو سماع الاغانى ! فآثر # --- # (1) ص 260 ج 34 من مجلة المنار . (2) راجع صفحة 77 من هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P087 [ 88 ] # كلمة " المغانى " بالمعجمة التى وجدها في بعض نسخ الاصول ، على لفظها ~~بالمهملة التى جاءت بأصول أخرى ، وأخذ يفسرها على ما ظن تفسيرا لا أدرى إن ~~كان يرضى أئمة اللغة أم يغضبهم ! فقال في شرح الكلمة : " المغانى جمع مغنى ~~مصدر ميمى من غنى يغنى ! وفي التيمورية المعاني بالمهملة تحريف ، أي أن هذه ~~الكلمة قد جاءت في نسخة مكتبة كوبرلى والنسخة التيمورية بالمهملة وهو تحريف ~~. والذى قال عنه الاستاذ إنه تحريف هو الصحيح ، وإن صحة الكلمة المعاني ~~بالمهملة كما جاءت بهاتين النسختين ، والسماع هنا هو سماع الحديث النبوى ، ~~لا سماع الاغانى ! وقد جاءت عبارة ابن عون هذه ، لان نقل حديث رسول الله ~~على حقيقة لفظه أو بمعناه ، كان موضع خلاف بين الصحابة ، ثم امتد هذا ~~الخلاف إلى التابعين ومن بعدهم ، فكان من الصحابة الذين يجوزون رواية ~~الحديث بالمعنى ، كما يقولون ، على وابن عباس وأنس وجماعة معهم . وكان الذى ~~يمنع ذلك ابن عمر ، أما التابعون فكان الذين يتشددون في رواية الحديث على ~~لفظه محمد بن سيرين والقاسم ابن محمد ورجاء بن حيوة ، والذين يتساهلون في ~~ذلك الحسن والشعبى والنخعي (1) ، ومن هنا جاءت ms081 كلمة ابن عون التى رواها ~~الجاحظ وأخطأ في فهمها الاستاذ عبد السلام هارون . . . المنصورة محمود أبوريه # --- # (1) ص 80 ج 1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ، وص 308 توجيه النظر ~~، وقد ذكر لابن سيرين أن الحسن والشعبى والنخعي يروون بالمعنى فقال ، إنهم ~~لو حدثوا كما سمعوا لكان أفضل ، ص 206 من الكفاية للخطيب . (*) # --- PageV01P088 [ 89 ] # أمثلة من رواية الحديث بالمعنى حديث الاسلام والايمان روى مسلم عن طلحة ~~بن عبيدالله : جاء رجل إلى رسول الله من أهل نجد ثائر الرأس ، نسمع دوى ~~صوته ولا نفقه ما يقول ، حتى دنا من رسول الله فإذا هو يسأل عن الاسلام ، ~~فقال رسول الله : خمس صلوات في اليوم والليلة . فقال : هل على غيرهن ؟ فقال ~~: لا ، إلا أن تطوع ، وصيام شهر رمضان ، فقال : هل على غيره ؟ فقال : لا ~~إلا أن تطوع . وذكر له رسول الله الزكاة . فقال ، هل على غيرها ؟ فقال : لا ~~، إلا أن تطوع ، قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ، ولا ~~أنقص منه . فقال رسول الله أفلح إن صدق ، وفي رواية أخرى أفلح وأبيه إن صدق ~~، وفي رواية ثالثة دخل الجنة وأبيه إن صدق . وعن أبى هريرة في حديث جبريل . ~~قال رسول الله : سلونى فهابوه فجاء رجل فجلس عند ركبتيه وقال : يا رسول ~~الله ما الاسلام ؟ قال : لا تشرك بالله شيئا . وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ~~، وتصوم رمضان . قال : صدقت ، ثم قال : يا رسول الله ما الايمان ؟ قال : أن ~~تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله ، وتؤمن بالغيب ، وتؤمن بالقدر ~~كله قال : صدقت ، قال : يا رسول الله ما الاحسان ؟ قال أن تخشى الله كأنك ~~تراه ، فإنك إن لا تكن تراه فإنه يراك إلخ . وقد تكلمنا عن هذا الحديث في ~~كتابنا " شيخ المضيرة " فيرجع إليه ويقرأ ما قاله الدكتور طه حسين فيه (1) ~~. وعن أبى أيوب (2) قال : جاء رجل إلى النبي فقال : دلنى على عمل أعمله ~~يدنينى من الجنة ، ويباعدني من النار . قال : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، ~~وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ، وتصل ذا ms082 رحمك . قال رسول الله : إن تمسك بما ~~أمر به دخل الجنة . # --- # (1) ص 211 و212 مرآة الاسلام . (2) هو خالد بن زيد الانصاري ، ص 172 ج 1 ~~شرح النووي على مسلم وص 119 من كتاب المعارف لابن قتيبة . (*) # --- PageV01P089 [ 90 ] # وفي رواية ابن أبى شيبة إن تمسك به . وعن أبى هريرة : أن أعرابيا جاء إلى ~~رسول الله فقال يا رسول الله ، دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة ، قال : ~~تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدى الزكاة ~~المفروضة ، وتصوم رمضان ، قال والذى نفسي بيده ، لا أزيد على هذا شيئا ولا ~~أنقص منه . فلما ولى قال النبي : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ~~فلينظر إلى هذا . قال الامام النووي معلقا على هذه الاحاديث ما نصه (1) : " ~~اعلم أنه لم يأت في حديث طلحة - ذكر (الحج) ولا جاء ذكره في حديث جبريل من ~~رواية أبى هريرة ، وكذا غير هذه الاحاديث لم يذكر في بعضها " الصوم " ولم ~~يذكر في بعضها " الزكاة " وذكر في بعضها صلة الرحم ، وفي بعضها أداء الخمس ~~، ولم يقع في بعضها ذكر " الايمان " - فتفاوتت هذه الاحاديث في عدد خصال ~~الايمان زيادة ونقصا وإثباتا وحذفا . وقد أجاب القاضى عياض وغيره رحمهم ~~الله بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وهذبه فقال : ليس هذا باختلاف ~~صادر من رسول الله . بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط ، فمنهم من قصر ~~فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفى ولا إثبات ، وإن ~~كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه (الكل) فقد بان بما أتى به غيره من الثقات ~~أن ذلك ليس " بالكل " وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه . ألا ترى ~~حديث النعمان بن توقل الذى اختلفت الرواية في خصاله بالزيادة والنقصان ، مع ~~أن راوي الجميع راو واحد ؟ ! وهذا هو حديث النعمان بن توقل (2) : عن أبى ~~سفيان عن جابر أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) النعمان بن توقل فقال : يا ~~رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام ms083 وأحللت الحلال أأدخل الجنة ~~؟ فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : نعم . # --- # (1) ص 215 ج 1 شرح النووي لمسلم على هامش القسطلانى . (2) ص 175 ج 1 شرح ~~النووي على مسلم . (*) # --- PageV01P090 [ 91 ] # وعن الاعمش عن أبى صالح وأبى سفيان عن جابر قال : قال النعمان بن توقل : ~~يا رسول الله بمثله ، وزادا فيه ، ولم أزد على ذلك شيئا . حديث زوجتكها بما ~~معك (1) جاءت إمراة إلى النبي وأرادت أن تهب نفسها له ، فتقدم رجل فقال : ~~يا رسول الله : أنكحنيها ؟ ولم يكن معه من المهر غير بعض القرآن ، فقال له ~~النبي : أنكحتكها بما معك من القرآن ، وفي رواية : " قد زوجتكها بما معك من ~~القرآن " وفي رواية ثالثة : " زوجتكها على ما معك " وفي رواية رابعة : " قد ~~ملكتكها بما معك " ، وفي رواية خامسة : " قد ملكتكها بما معك من القرآن " ~~وفي رواية سادسة : " أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها " ، وفي رواية سابعة : ~~" أمكناكها . . " . وفى رواية ثامنة : " خذها بما معك " فهذه اختلافات ~~ثمانية - في لفظة واحدة . قال ابن دقيق العيد : هذه لفظة واحدة في قصة ~~واحدة واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث ! وقال العلائى : من المعلوم أن ~~النبي لم يقل هذه الالفاظ كلها تلك الساعة فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة ~~منها ، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى ، فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ ~~التملك ثم احتج بمجيئه في هذا الحديث ، إذا عورض ببقية الالفاظ لم ينتهض ~~احتجاجه ! فإن جزم بأنه هو الذى تلفظ به النبي - ومن قال غيره ذكره بالمعنى ~~! - قلبه عليه مخالفه وادعى ضد دعواه ، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجي . ~~وهذا الحديث ومثله كان مما دعا سيبويه وغيره إلى عدم جعلهم الحديث من ~~شواهدهم في إثبات اللغة والنحو كما ستراه في محله من هذا الكتاب . # --- # (1) لم نعرض هنا لاختلافات الفقهاء في حكم هذا الحديث بسبب اختلاف ألفاظه ~~فارجع إليها في كتبهم لترى كيف تفعل الرواية بالمعنى ، ويراجع من ص 168 إلى ~~ص 176 ج 9 فتح الباري . (*) # --- PageV01P091 [ 92 ] # حديث الصلاة في بني قريظة روى البخاري عن ابن ms084 عمر أن النبي قال يوم ~~الاحزاب : لا يصلين أحد " العصر " إلا في بني قريظة ، فأدرك بعضهم العصر في ~~الطريق ، فقال بعضهم لا نصلى حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلى ، لم يرد ~~منا ذلك ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم . قال ~~ابن حجر في شرح هذا الحديث : كذا وقع في جميع النسخ عند البخاري ووقع في ~~جميع النسخ عند مسلم " الظهر " مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ ~~واحد بإسناد واحد ، وقد وافق مسلما أبو يعلى وآخرون ، وكذا أخرجه ابن سعد ، ~~وأما أصحاب المغازى فقد اتفقوا على أنها العصر . ثم قال ابن حجر بعد ذلك : ~~إن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ كما عرف من مذهبه (1) في تجويز ذلك ~~، بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا ، ولم يجوز مثله لموافقة من وافق ~~مسلما على لفظه بخلاف البخاري . وقد بلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث ~~بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى كتب السنة . قال العراقي في شرح ألفيته : ~~إن البيهقي في السنن والمعرفة والبغوى في شرح السنة وغيرهما ، يروون الحديث ~~بألفاظهم وأسانيدهم ، ثم يعزونه إلى البخاري ومسلم مع إختلاف الالفاظ ~~والمعاني ، فهم إنما يريدون أصل الحديث لا عزو ألفاظه اه . # --- # (1) الذي قاله ابن حجر عن البخاري يؤيده ما رواه الخطيب البغدادي عن ~~البخاري قال : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ورب حديث سمعته بالشام ~~كتبته بمصر ، فقيل له يا أبا عبد الله ، بكماله . قال : فسكت (ص 11 ج 2 من ~~تاريخ الخطيب) . وقال : حيدر بن أبي جعفر والى بخارى : قال لي محمد بن ~~إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته ~~بالشام كتبته بمصر ، فقلت له : يا أبا عبد الله ، بتمامه ؟ فسكت (ص 201 ج 2 ~~هدى السارى مقدمة فتح الباري) . ويراجع الكلام عن كتاب البخاري بين كتب ~~الحديث المشهورة في الفصل الذي عقدناه لذلك في كتابنا هذا . (*) # --- PageV01P092 [ 93 ] # ومن هذا القبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه الشيخان مع ms085 ~~أن لفظ الصحيح " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى منهم إثنان " وبين ~~اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كما ترى اه . حديث تأبير النخيل روى مسلم في ~~كتابه عن موسى بن طلحة عن أبيه قال : مررت مع رسول الله بقوم على رءوس ~~النخل فقال : ما يصنع هؤلاء ؟ فقلت : يلقحونه ، يجعلون الذكر في الانثى ~~فتلقح ! فقال رسول الله : ما أظن يغنى ذلك شيئا ! قال : فأخبروا بذلك ~~فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك فقال : إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإنى ~~ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ، ~~فإنى لن أكذب على الله عزوجل . وعن رافع بن خديج قال : قدم نبى الله ~~المدينة وهم يأبرون النخل فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه ، قال : ~~لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، قال : فتركوه فنفضت ، أو قال فنقصت ، قال : ~~فذكروا ذلك له فقال : إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، ~~وإذا أمرتكم بشئ من رأيى فإنما أنا بشر . رواه مسلم والنسائي . وعن هشام بن ~~عروة عن أبيه عن عائشة وعن أنس ، أن النبي مر بقوم يلقحون فقال : لو لم ~~تفعلوا لصلح ، قال : فخرج شيصا : فمر بهم فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت ~~كذا كذا ، قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم . وفي رواية أحمد : ما كان أمر ~~دينكم فإلى ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به ، وفي رواية رويت عن ابن ~~رشد في كتاب التحصيل والبيان " ما أنا بزارع ولا صاحب نخل " . # --- PageV01P093 [ 94 ] # حديث صحيفة علي رضي الله عنه هذا الحديث رواه الجماعة أحمد والشيخان ~~وأصحاب السنن بألفاظ مختلفة . أما البخاري فقد رواه عن أبى جحيفة في كتاب ~~العلم بلفظ قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله ، أو فهما ~~أعطيه رجلا مسلما ، أو ما في هذه الصحيفة قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : ~~العقل وفكاك الاسير ، ولا يقتل مسلم بكافر . ورواية الكشميهنى " وإن لا ~~يقتل " إلخ . وفي كتاب الجهاد بلفظ : قلت لعلي هل عندكم شئ من الوحي ms086 ، إلا ~~ما في كتاب الله ؟ قال : لا والذى فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، وما أعلمه إلا ~~فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة ؟ قلت : وما في هذه ~~الصحيفة ؟ قال العقل وفكاك الاسير وأن لا يقتل مسلم بكافر . وفي باب الديات ~~: سألت عليا رضي الله عنه : هل عندكم شئ مما ليس في القرآن ؟ فقال ، والذى ~~فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في ~~كتابه ، وما في هذه الصحيفة . قلت وما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل وفكاك ~~الاسير إلخ . وفي باب حرم المدينة من كتاب الحج عن إبراهيم التيمى عن أبيه ~~بلفظ ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) " المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا ، من أحدث فيها حدثا ، أو آوى ~~محدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ~~" وقال : " ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى بغير إذن مواليه فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل " . وفي باب ~~ذمة المسلمين من كتاب الجزية بلفظ ، خطبنا على فقال : ما عندنا كتاب نقرؤه ~~إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، قالوا ، وما في هذه الصحيفة فقال ، ~~فيها الجراحات وأسنان الابل والمدينة حرام ما بين عير إلى كذا فمن أحدث # --- PageV01P094 [ 95 ] # فيها حدثا ، أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك ، وذمة ~~المسلمين واحدة ، فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك . وفي باب إثم من عاهد ثم ~~غدر بلفظ ، عن علي قال : ما كتبنا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا ~~القرآن وما في هذه الصحيفة : قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : المدينة ~~حرام ما بين عائر إلى كذا فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس ms087 أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة ~~يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~، لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل . وفي باب إثم من ~~تبرأ من مواليه بلفظ : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وغير هذه الصحيفة ~~، وأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الابل ، وفيها - المدينة ~~حرام إلخ وذكر مسألة الولاء فمسألة الذمة بمثل ما تقدم . وفي باب كراهة ~~التعمق والتنازع والغلو في الدين من كتاب الاعتصام بلفظ : خطبنا على على ~~منبر من آجر فقال : والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه ~~الصحيفة ، فنشرها فإذا فيها أسنان الابل ، وإذا فيها المدينة حرم من عير ~~إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله . . . وذمة المسلمين واحدة ~~يسعى بها أدناهم فمن أخفر فعليه . . . وإذا فيها : من والى قوما بغير إذن ~~مواليه فعليه . . . (إلا أنه قال) : لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (هذه ~~روايات البخاري) . وروايات مسلم وأصحاب السنن بمعنى روايات البخاري - وصرح ~~مسلم بحدى المدينة ، وهما عير وثور (جبلان) وقال الحافظ ابن حجر في الكلام ~~على حديث على رضى الله عنه من طريق إبراهيم التيمى عن أبيه : إن الصحيفة ~~كانت مشتملة على كل ما ورد - أي فكان يذكر كل راو منها شيئا ، إما لاقتضاء ~~الحال ذكره دون غيره ، وإما لان بعضهم لم يحفظ كل ما فيها ، أو لم يسمعه ، ~~ولا شك أنهم نقلوا ما نقلوه بالمعنى دون التزام اللفظ كله ، ولذلك وقع ~~الخلاف في ألفاظهم ، ولم يقل الرواة " إنه قرأها عليهم " برمتها فحفظوها أو ~~كتبوها عنه بل (تدل ألفاظهم) # --- PageV01P095 [ 96 ] # على أنه كان يذكر ما فيها أو بعضه من حفطه ، ومن قرأها لهم كلها أو بعضها ~~لم يكتبوها ، بل حدثوا بما حفظوا ، ومنه ما هو من لفظ الرسول (صلى الله ~~عليه وسلم) ومنه ما هو إجمال للمعنى ms088 كقوله " العقل وفكاك الاسير " فإن ~~المراد بالعقل دية القتل وسميت عقلا لان الاصل فيها أن تكون إبلا تعقل أي ~~تربط بالعقل في فناء دار المقتول أو عصبته المستحقين لها ، وقوله (أسنان ~~الابل) في بعض الروايات ، معناه ما يشترط في أسنان إبل الدية أو الصدقة إلخ ~~. . . وجملة القول : أننا لا نعلم أن أحدا كتب عن أمير المؤمنين ما كان في ~~تلك الصحيفة بنصه ، ولا أنه هو كتبها بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لانه ~~قال في رواية قتادة عن أبي حسان إنه سمع شيئا فكتبه . اه باختصار . وإذا ~~كان لنا من كلمة نعلق بها على أمر هذه الصحيفة المنسوبة إلى علي رضي الله ~~عنه - وما جاء فيها من روايات مختلفة في كتب الحديث فهى أننا لا نطمئن إلى ~~ما جاء فيها من روايات مهما كان رواتها ، وبحسبك أن تجد ابن حجر قد قال في ~~هذه الروايات ما قال . ومرد شكنا إلى أن عليا رضي الله عنه إذا كان قد أراد ~~أن يكتب عن رسول الله ما يراه نافعا للدين وللمسلمين فلا تكفيه مثل هذه ~~الصحيفة التى كان يضعها كما يقولون في قراب سيفه وإنما كان يكتب آلاف ~~الاحاديث في جميع ما يهم المسلمين وهو صادق في كل ما يكتب إذا أراد ، على ~~أننا قد أفدنا من أخبار هذه الصحيفة فائدة كبيرة إذ أثبتت لنا كيف تفعل ~~الرواية بالمعنى فعلها ، وأنها كانت ضررا على الدين وعلى اللغة والادب كما ~~سنبينه قريبا إن شاء الله . ونختم هذا الفصل بكلمة صغيرة جامعة للحافظ ابن ~~كثير جاءت في كتاب الباعث الحثيث (1) ، قال بعد أن تكلم عمن جوزوا رواية ~~الحديث بالمعنى : " ومنع الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء ~~والاصوليين ، وشددوا في ذلك آكد التشديد - وكان ينبغى أن يكون هذا هو ~~الواقع ، ولكن لم يتفق ذلك " وذلك لان الذي جرى عليه الامر ، هو رواية ~~الحديث بالمعنى ، وهو ما تجده في # --- # (1) ص 165 و166 من كتاب الباعث الحثيث . (*) # --- PageV01P096 [ 97 ] # جميع كتب الحديث بلا استثناء . وستعرف من تاريخ ms089 البخاري أنه ممن كانوا ~~يروون بالمعنى - ويراجع فصل " موقف النحاة من كتب الحديث " في موضعه من هذا ~~الكتاب . ضرر رواية الحديث بالمعنى لما كانت أحاديث النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) قد جاء نقلها بالمعنى - كما بينا من قبل - وأنهم قد أباحوا لرواتها ~~أن يزيدوا فيها ويختصروا منها ، وأن يقدموا ويؤخروا في ألفاظها - بله ما ~~سوغوه من قبول الملحون منها - لما كان الامر قد جرى على ذلك فقد نشأ من أثر ~~ذلك كله - ولا جرم وبخاصة بسبب نقل الحديث بالمعنى - ضرر عظيم . وقال ~~العلامة الجزائري في كتابه " توجيه النظر " (1) . [ بعد البحث والتتبع تبين ~~أن كثيرا ممن روى بالمعنى قد قصر في الاداء ولذلك قال بعضهم : ينبغي سد باب ~~الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع لكثير ~~من الرواة قديما وحديثا . وقد نشأ عن الرواية بالمعنى ضرر عظيم حتى عد من ~~جملة أسباب اختلاف الامة ، قال بعض المؤلفين (2) في ذلك في مقدمة كتابه : ~~إن الخلاف قد عرض للامة من " ثمانية أوجه " ، وجميع وجوه الخلاف متولدة ~~منها ، ومتفرعة عنها . " الاول " منها اشتراك الالفاظ واحتمالها للتأويلات ~~الكثيرة ، " الثاني " الحقيقة والمجاز ، " الثالث " الافراد والتركيب ، " ~~الرابع " الخصوص والعموم ، " الخامس " الرواية والنقل ، " السادس " ~~الاجتهاد فيما لا نص فيه ، " السابع " الناسخ والمنسوخ ، " الثامن " ~~الاباحة والتوسيع - وقال في باب الخلاف العارض من جهة الرواية والنقل : هذا ~~الباب لا تتم الفائدة التي قصدناها منه إلا بمعرفة العلل التي تعرض للحديث ~~فتحيل معناه ، فر بما أوهمت فيه معارضة بعضه لبعض ، وربما ولدت فيه إشكالا ~~يحوج العلماء إلى طلب التأويل البعيد . ونحن نذكر العلل كم هي ؟ # --- # (1) ص 337 وما بعدها . (2) ظللنا نبحث عن هذا المؤلف حتى وجدنا أنه أبو ~~محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى الاندلسي المتوفى سنة 521 ه وهذا ~~الكلام في كتابه " الانصاف في التنبيه على الاسباب التى أوجبت الاختلاف بين ~~المسلمين في آرائهم " ، وقد طبع في مصر سنة 1319 مصححا بقلم الشيخ أحمد عمر ~~المحمصانى الازهرى . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P097 [ 98 ms090 ] # ونذكر من كل نوع منها مثالا أو أمثلة يستدل بها على غيرها إن شاء الله ~~(1) . قال البطليوسي : اعلم أن الحديث المأثور عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) وعن أصحابه والتابعين لهم ، تعرض له " ثمانى علل " - أولاها : فساد ~~الاسناد ، (الثانية) من جهة نقل الحديث على معناه دون لفظه ، (والثالثة) من ~~جهة الجهل بالاعراب ، (والرابعة) من جهة التصحيف ، (والخامسة) من جهة إسقاط ~~شئ في الحديث لا يتم المعنى إلا به ، (والسادسة) أن ينقل المحدث الحديث ~~ويغفل نقل السبب الموجب له ، أو بسط الامر الذي جر ذكره ، (السابعة) أن ~~يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه ، (الثامنة) نقل الحديث من الصحف ~~دون المشايخ (2) . العلة الاولى وهي فساد الاسناد ، وهذه العلة أشهر العلل ~~عند الناس حتى إن كثيرا منهم يتوهم (3) أنه إذا صح الاسناد صح الحديث ! ~~وليس كذلك فإنه قد يتفق أن يكون رواة الحديث مشهورين بالعدالة ، معروفين ~~بصحة الدين والامانة ، غير مطعون عليهم ، ولا مستراب بنقلهم ، ويعرض مع ذلك ~~لاحاديثهم أعراض على وجوه شتى من غير قصد منهم إلى ذلك - والاسناد يعرض له ~~الفساد من أوجه : (منها) الارسال وعدم الاتصال ، (ومنها) أن يكون بعض رواته ~~صاحب بدعة ، أو متهما بكذب وقلة ثقة ، أو مشهورا ببله وغفلة ، أو يكون ~~متعصبا لبعض الصحابة منحرفا عن بعضهم ، فإن كان مشهورا بالتعصب ثم روى ~~حديثا في تفضيل من يتعصب له ، ولم يرد من غير طريقه ، لزم أن يستراب به ، ~~وذلك أن إفراط عصبية الانسان لمن يتعصب له وشدة محبته يحمله على افتعال ~~الحديث ، وإن لم يفتعله بدله وغير بعض حروفه . . . ومما يبعث على الاسترابة # --- # (1) وننقل هذه العلل باختصار من أصل كتاب البطليوسي . (2) قد لا يصح أن ~~يعد ذلك من علل الحديث ، فقد ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل ~~بالحديث على سماعه . وقال أبو إسحاق الاسفرائيني : الاجماع على جواز النقل ~~من الكتاب المعتمدة ، وقال الطبري : من وجد حديثا في كتاب صحيح جاز له أن ~~يرويه ويحتج به ، وكذلك قال العز بن عبد السلام . (3) ومنهم حشوية ms091 دهرنا ~~الذين يظهرون بين الناس في لباس العلماء . (*) # --- PageV01P098 [ 99 ] # بنقل الناقل أن يعلم منه حرص على الدنيا وتهافت على الاتصال بالملوك ونيل ~~المكانة والحظوة عندهم - فإن من كان بهذه الصفة لم يؤمن عليه التغيير ~~والتبديل والافتعال للحديث والكذب حرصا على مكسب يحصل عليه (1) . وقد نبه ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على نحو هذا الذى ذكرنا بقوله : إن ~~الاحاديث ستكثر بعدى كما كثرت عن الانبياء قبلي ، فما جاءكم عنى فاعرضوه ~~على كتاب الله تعالى فما وافقه كتاب الله فهو عني قلته أو لم أقله . وقد ~~روى أن قوما من الفرس واليهود (2) وغيرهم لما رأوا الاسلام قد ظهر وعم ودوخ ~~وأذل جميع الامم ، ورأوا أنه لا سبيل إلى مناصبته ، رجعوا إلى الحيلة ~~والمكيدة فأظهروا الاسلام من غير رغبة فيه ، وأخذوا أنفسهم بالتعبد والتقشف ~~، فلما حمد الناس طريقتهم ولدوا الاحاديث والمقالات ، وفرقوا الناس فرقا . ~~. . وإذا كان عمر بن الخطاب يتشدد في الحديث ويتوعد عليه والزمان زمان ، ~~والصحابة متوافرون ، والبدع لم تظهر ، والناس في القرن الذى أثنى عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فما ظنك بالحال في الازمنة التى ذمها ! وقد كثرت ~~البدع وقلت الامانة . . . العلة الثانية وهي نقل الحديث على المعنى دون ~~اللفظ بعينه - وهذا الباب يعظم الغلط فيه جدا . وقد نشأت منه بين الناس ~~شغوب شنيعة ، وذاك أن أكثر المحدثين لا يراعون ألفاظ النبي صلى الله عليه ~~وسلم التى نطق بها ، وإنما ينقلون إلى من بعدهم معنى ما أراده بألفاظ أخرى ~~، ولذلك نجد الحديث الواحد في المعنى الواحد يرد بألفاظ شتى ، ولغات مختلفة ~~، يزيد بعض ألفاظها على بعض . على أن اختلاف ألفاظ الحديث قد تعرض من أجل ~~تكرير النبي (صلى الله عليه وسلم) له في مجالس عدة مختلفة وما كان من ~~الحديث بهذه الصفة فليس # --- # (1) كما هو شأن بعضهم في عصرنا . (2) مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد ~~الله بن سلام . (*) # --- PageV01P099 [ 100 ] # كلامنا فيه ، وإنما كلامنا في اختلاف الالفاظ التى تعرض من أجل نقل ~~الحديث على المعنى . ووجه الغلط الواقع ms092 من هذه الجهة ، أن الناس يتفاضلون ~~في صورهم وألوانهم وغير ذلك من أمورهم وأحوالهم ، فربما اتفق أن يسمع ~~الراوي الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ، فيتصور معناه في ~~نفسه على غير الجهة التى أرادها ، وإذا عبر عن ذلك المعنى الذى تصور في ~~نفسه بألفاظ أخرى ، كان قد حدت بخلاف ما سمع من غير قصد منه إلى ذلك - وذلك ~~أن الكلام الواحد قد يحتمل معنيين وثلاثة ، وقد تكون فيه اللفظة المشتركة ~~التى تقع على الشئ وضده ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " قصوا الشارب واعفوا ~~اللحى " ففى مثل هذا يجوز أن يذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المعنى ~~الواحد ويذهب الراوي عنه إلى المعنى الآخر ، فإذا أدى معنى ما سمع دون لفظه ~~بعينه ، كان قد روى عنه ضد ما أراده غير عامد ، ولو أدى لفظه بعينه ، لاوشك ~~أن يفهم منه الآخر ما لم يفهم الاول ، وقد علم (صلى الله عليه وسلم) أن هذا ~~سيعرض بعده فقال محذرا من ذلك : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها ~~كما سمعها . فرب مبلغ أوعى من سامع " . . . العلة الثالثة وهي الجهل ~~بالاعراب ومباني كلام العرب ومجازاتها ، وذلك أن كثيرا من رواة الحديث قوم ~~جهال باللسان العربي لا يفرقون بين المرفوع والمنصوب والمحفوض . ولعمري لو ~~أن العرب وضعت لكل معنى لفظا يؤدى عنه لا يلتبس بغيره ، لكان لهم عذر في ~~ترك تعلم الاعراب ، ولم يكن بهم حاجة إليه في معرفة الخطأ من الصواب . ولكن ~~العرب قد تفرق بين المعنيين المتضادين بالحركات فقط ، واللفظ واحد - ألا ~~ترى أن الفاعل والمفعول ليس بينهما أكثر من الرفع والنصب - فربما حدث ~~المحدث بالحديث ، فرفع لفظة منه ينوى بها أنها فاعلة ، ونصب أخرى ينوي بها ~~أنها مفعولة ، فنقل عنه السامع ذلك الحديث فرفع ما نصب ونصب ما رفع جهلا ~~منه بما بين الامرين فانعكس المعنى إلى ضد ما أراده المحدث الاول . # --- PageV01P100 [ 101 ] # العلة الرابعة وهي التصحيف (1) ، وهي أيضا باب عظيم الفساد في الحديث جدا ~~- وذلك أن كثيرا ms093 من المحدثين لا يضبطون الحروف ، ولكنهم يرسلونها إرسالا ~~غير مقيدة ولا مثقفة اتكالا على الحفظ ، فإذا غفل المحدث عما كتب مدة من ~~زمانه ثم احتاج إلى قراءة ما كتب ، أو قرأه غيره ، فربما رفع المنصوب ، ~~ونصب المرفوع - فانقلبت المعاني إلى أضدادها ، وربما تصحف له الحرف بحرف ~~آخر لعدم الضبط فيه ، فانعكس المعنى إلى نقيض المراد به - وذلك أن هذا الخط ~~العربي شديد الاشتباه ، وربما لم يكن بين المعنيين المتضادين غير الحركة أو ~~النقطة ، كقولهم مكرم بكسر الراء إذا كان فاعلا ، ومكرم بفتح الراء إذا كان ~~مفعولا ، ورجل أفرع بالفاء إذا كان تام الشعر ، وأقرع بالقاف لا شعر في ~~رأسه . وفي الحديث - كان رسول الله أفرغ . وقد جاءت من هذا الباب أشياء ~~طريفة من المحدثين نحو ما يروى عن يزيد بن هارون أنه روى : كنا جلوسا حول ~~بشر بن معاوية وإنما هو حول بسر بن معاوية ، وكما روى عبد الرزاق : يقاتلون ~~خور كرمان ، وإنما هو خوز (بالزاي معجمة) . وهذا النوع كثير جدا وقد وضع ~~فيه الدارقطني رحمه الله كتابا مشهورا سماه " تصحيف الحفاظ " . ومن ظريف ما ~~وقع منه في كتاب مسلم ومسنده الصحيح : نحن يوم القيامة على كذا - انظر - ~~وهذا شئ لا يتحصل له معنى ، وهكذا تجده في كثير من النسخ وإنما هو " نحن ~~يوم القيامة على كوم) والكوم جمع كومة وهو المكان # --- # (1) وقال ابن الصلاح في مقدمته عن التصحيف ما يلي ، معرفة المصحف من ~~أسانيد الاحاديث ومتونها فن جليل ينهض بأعبائه الحذاق من الحفاظ ، ~~والدارقطني منهم وله فيه تصنيف مفيد ، وروينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل ~~أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ؟ وأتى ابن الصلاح بمثال للتصحيف في ~~السنن ، ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده إليه عن زيد بن ~~ثابت أن رسول الله احتجم في المسجد وإنما هو بالراء - احتجر في المسجد بخص ~~أو حصير حجرة يصلى فيها فصحفه ابن لهيعة (ص 114) . (*) # --- PageV01P101 [ 102 ] # المشرف . فصحفه بعض النقلة فكتب : نحن يوم القيامة على كذا ms094 ، فقرأ من قرأ ~~فلم يفهم ما هو ! فكتب في طرة الكتاب : انظر - يأمر قارئ الكتاب بالنطر فيه ~~وينبهه عليه ، فوجده ثالث فظنه من الكتاب فألحقه بمتنه . العلة الخامسة وهي ~~إسقاط شئ من الحديث لا يتم إلا به : وهذا النوع أيضا قد وردت منه أشياء ~~كثيرة في الحديث كنحو ما رواه قوم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن ~~ليلة الجن ، فقال : ما شهدها منا أحد - وروى عنه من طريق آخر أنه رأى قوما ~~من الزط فقال : هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن . فهذا الحديث يدل على ~~أنه شهدها - والاول يدل على أنه لم يشهدها - فالحديثان كما ترى متعارضان - ~~وإنما أوجب التعارض بينهما - إن الذى روى الحديث الاول أسقط منه كلمة رواها ~~غيره - وإنما الحديث - ما شهدها منا أحد غيري . العلة السادسة وهي أن ينقل ~~المحدث الحديث ويغفل عن نقل السبب الموجب له فيعرض من ذلك إشكال في الحديث ~~أو معارضة لحديث آخر ، كنحو ما رواه قوم من أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى بالعرنيين الذين ارتدوا عن الاسلام وأغاروا على لقاحه فأمر بقطع أيديهم ~~وأرجلهم وسمل عيونهم وتركوا بالحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا . وقد وردت ~~عنه الروايات من طرق شتى أنه نهى عن المثلة - وإنما عرض هذا التعارض من أجل ~~أن الذي روى الحديث الاول أغفل نقل سببه الذي أوجبه ، ورواه غيره فقال إنما ~~فعل بهم ذلك لانهم مثلوا برعائه فجازاهم بمثل فعلهم . . . # --- PageV01P102 [ 103 ] # العلة السابعة وهي أن يسمع المحدث بعض الحديث ويفوته سماع بعضه : كنحو ما ~~روى من أن عائشة رضى الله عنها ، أخبرت أن أبا هريرة حدث أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) قال : " إن يكن الشوءم ففي ثلاث : الدار والمرأة والفرس ~~(1) " ، وهذا الحديث معارض لقوله (صلى الله عليه وسلم) : " لا عدوى ولا ~~هامة ولا صفر ولا غول " - وقد روى في أحاديث عنه كثيرة أنه (صلى الله عليه ~~وسلم) نهى عن التطير ، فغضبت عائشة (رضى الله عنها) وقالت : والله ما قال ~~هذا ms095 رسول الله قط ، وإنما قال : " أهل الجاهلية يقولون إن يكن الشؤم ففي ~~ثلاث : الدار والمرأة والفرس " ، فدخل أبو هريرة فسمع الحديث ولم يسمع أوله ~~- وهذا غير منكر أن يعرض لان النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يذكر في مجلسه ~~الاخبار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا ولا أن يجعله أصلا في ~~دينه وشيئا يستسن به ، وذلك معلوم من فعله ، مشهور من قوله . العلة الثامنة ~~وهي نقل الحديث من الصحف دون لقاء الشيوخ والسماع عن الائمة - وهذا باب ~~عظيم البلية والضرر في الدين فإن كثير من الناس يتسامحون فيه جدا وأكثرهم ~~إنما يعول على إجازة الشيخ له دون لقائه ، والضبط عليه يأخذ بعد ذلك علمه ~~من الصحف المسودة والكتب التي لا يعلم بصحتها من سقمها . وربما كانت مخالفة ~~لرواية شيخه ، فيصحف الحروف ، ويبدل الالفاظ ، وينسب جميع ذلك إلى شيخه ~~ظالما له - وقد صار علم أكثر الناس في زماننا هذا على هذه الصفة ليس ~~بأيديهم من العلم غير أسماء الكتب اه باختصار (2) . # --- # (1) انظر القول المفصل في الحديث وأشباهه في كتابنا " شيخ المضيرة " . ~~(2) ص 100 وما بعدها . (*) # --- PageV01P103 [ 104 ] # إلى هنا ينتهى ما نقلناه من كتاب البطليوسى عن الخلاف العارض بين ~~المسلمين من جهة الرواية ، ونعود إلى العلامة الجزائري الذى وقف ينتظرنا ~~لكى يسمعنا ما بقى من كلامه عن ضرر رواية الحديث بالمعني فإذا به يقول : ~~واعلم أن الرواية بالمعنى قد أحس بضررها كثير من العلماء وشكوا منها على ~~اختلاف علومهم ، غير أن معظم ضررها كان في الحديث والفقه لعظم أمرهما . وقد ~~نسب لكثير من العلماء الاعلام أقوال بعيدة عن السداد جدا اتخذها كثير من ~~خصومهم ذريعة للطعن فيهم والازراء بهم ، ثم تبين بين البحث الشديد والتتبع ~~أنهم لم يقولوا بها ، وإنما نشأت نسبتها إليهم من أقوال رواها الراوى عنهم ~~بالمعنى ، فقصر في التعبير عما قالوه فكان من ذلك ما كان . هذا وقد تعرض ~~العلامة النحرير نجم الدين أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي للضرر الذي نشأ ~~من الرواية بالمعنى في مذهبه ms096 فقال في آخر كتاب " صفة المفتى " في باب جعله ~~لبيان عيوب التأليف وغير ذلك ليعرف المفتى كيف يتصرف في المنقول ويقف على ~~مراد القائل بما يقول ، ليصح نقله للمذهب وعزوه إلى الامام أو إلى بعض من ~~إليه ينسب . " اعلم أن أعظم المحاذير في التأليف النقلي إهمال نقل الالفاظ ~~بأعيانها والاكتفاء بنقل المعاني مع قصور الناقل عن استيفاء مراد المتكلم ~~الاول بلفظه ، وربما كانت بقية الاسباب مفرعة عنه ، لان القطع بحصول مراد ~~المتكلم بكلامه ، أو الكاتب بكتابته مع ثقة الراوي ، تتوقف على انتفاء ~~الاضمار والتخصيص والنسخ ، والتقديم والتأخير ، والاشتراك والتجوز والتقدير ~~، والنقل ، والمعارض العقلي ، فكل نقل لا يؤمن معه حصول بعض الاسباب ، لا ~~نقطع بإنتفائها نحن ولا الناقل ، ولا نظن عدمها ، ولا قرينة تنفيها ولا ~~نجزم فيه بمراد المتكلم ، بل ربما ظنناه أو توهمناه - ولو نقل لفظه بعينه ~~وقرائنه وتأريخه وأسبابه (1) انتفى هذا المحذور أو أكثره ، وهذا من حيث ~~الاجمال ، وإنما يحصل الظن به حينئذ بنقل المتحرى ، فيعذر تارة لدعوى ~~الحاجة إلى التصرف لاسباب ظاهرة ، ويكفى ذلك في الامور الظنية وأكثر ~~المسائل # --- # (1) آه لو كان كل ذلك يتحقق ! (*) # --- PageV01P104 [ 105 ] # الفروعية (1) اه . وإليك كلمات قيمة في رواية الحديث نستوفي بها هذا ~~الفصل المهم من كتابنا : قال الخطابى : ولا يبدل لفظ بأظهر منه ، إذ الشارع ~~ربما قصد باللفظ الجلى تارة ، وبالخفي أخرى ، وكذا بالعكس . وقال ابن حزم : ~~وحكم الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يورد بنص لفظه ، لا يبدل ولا ~~يغير إلا في حال واحدة - وهي أن يكون المرء قد تثبت فيه ، وعرف معناه يقينا ~~، فيسأل فيفتى بمعناه وموجبه فيقول : حكم رسول الله بكذا ، وأباح عليه ~~والسلام كذا ، ونهى عن كذا ، وحرم كذا ، والواجب في هذه القضية ما صح عن ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو كذا ، وكذلك القول فيما جاء من الحكم في ~~القرآن ولا فرق ، وجائز أن يخبر المرء بموجب الآية : ويحكيها بغير لفظها - ~~وهذا ما لا خلاف فيه من أحد في أن ذلك مباح ، وأما من حدث وأسند ms097 القول إلى ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) فلا يحل له إلا تحرى الالفاظ كما سمعها لا يبدل حرفا مكان آخر ، وإن ~~كان معناهما واحدا ، ولا يقدم حرفا ولا يؤخر آخر - وكذلك من قصد تلاوة آية ~~أو تعلمها ولا فرق . وبرهان ذلك ، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علم ~~البراء بن عازب دعاء وفيه " ونبيك " الذى أرسلت ، فلما أراد البراء أن يعرض ~~ذلك الدعاء على النبي قال وبرسولك الذى أرسلت ، فقال النبي : " لا . ونبيك ~~الذى أرسلت " (2) فأمره (صلى الله عليه وسلم) أن لا يضع لفظة " رسول " - في ~~موضع لفظة " نبى " وذلك حتى لا يحيل معنى ، وهو عليه السلام رسول دين ، ~~فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا إنه عليه السلام كان يجيز أن يوضع في ~~القرآن مكان عزيز حكيم ، غفور رحيم ، أو سميع عليم ، وهو يمنع من ذلك في ~~دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبرا عن نبيه : " ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقاء نفسي " ، ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى (3) . # --- # (1) لكلام الحرانى تفصيل دقيق نافع يمكن الرجوع إليه في كتابه أو في كتاب ~~توجيه النظر للجزائري صفحة 340 وما بعدها (2) راجع صفحة 77 . (3) ص 86 و87 ~~ج 2 من الاحكام في أصول الاحكام لابي محمد على بن حزم الاندلسي الظاهرى . (*) # --- PageV01P105 [ 106 ] # بعثت بجوامع الكلم وقال ابن حجر العسقلاني في شرح قول الرسول صلوات الله ~~عليه : " بعثت بجوامع الكلم " من فتح الباري (1) ما من الانبياء نبى إلا ~~أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا ، ~~أوحاه الله إلى ، فأرجو أنى أكثرهم تابعا يوم القيامة . معنى الحصر في قوله ~~" إنما كان الذى أوتيته " : أن القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها ، ~~لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع إلى آخر الدهر - فلما كان لا شئ ~~يقاربه فضلا عن أن يساويه ، وكان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع ، قيل : ~~يؤخذ من إيراد البخاري هذا الحديث عقب الذي قبله - أي ms098 بعثت بجوامع الكلم - ~~أن الراجح عنده أن المراد بجوامع الكلم القرآن ، وليس ذلك بلازم ، فإن دخول ~~القرآن في قوله : " بعثت بجوامع الكلم " لا شك فيه - وإنما النزاع هل يدخل ~~غيره من كلامه من غير القرآن ؟ وقد ذكروا من أمثلة جوامع الكلام في القرآن ~~قوله تعالى : " ولكم في القصاص حياة يا أولى الالباب لعلكم تتقون " ، وقوله ~~: " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " إلى غير ذلك ~~. ومن أمثلة جوامع الكلام من الاحاديث النبوية حديث عائشة : " كل عمل ليس ~~عليه أمرنا فهو رد " وحديث " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل " ، وحديث " ~~إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما إستطعتم " وحديث المقدام " ما ملا ابن آدم ~~وعاء شرا من بطنه " إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبع وإنما يسلم ذلك فيما لم ~~تتصرف الرواة في ألفاظه ، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقل مخارج الحديث وتتفق ~~ألفاظه ، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قل أن تتفق ألفاظه لتوارد أكثر ~~الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لاحدهم أنه واف به ، ~~والحاصل لاكثرهم على ذلك إنهم كانوا - لا يكتبون ويطول الزمان فيتعلق ~~المعنى بالذهن فيرتسم فيه ، ولا يستحضر اللفظ فيحدث بالمعنى لمصلحة # --- # (1) ص 210 و211 ج 13 . (*) # --- PageV01P106 [ 107 ] # التبليغ ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لم يوف بالمعنى . اه . ولكى ~~يزداد اليقين بما نجم من الضرر البالغ لعدم كتابة الحديث في حياته صلوات ~~الله عليه ، ومن أن هذا الحديث قد تغير لفظه وضاع الكثير منه - نسوق في ~~ختام هذا الفصل دليلا من أقوى الادلة على إثبات ما نقول ، وهذا الدليل ~~نأخذه مما فعلت الرواية في خطبة الوداع التى ألقاها النبي في آخر حياته - ~~وبعد ثلاث وعشرين سنة من بعثته وأجمل فيها وصاياه العظيمة وتعاليمه الجليلة ~~- وكانت هذه الخطبة في يوم مجموع له الصحابة كافة وكانوا حوال مائة وخمسين ~~ألفا فقد كان المعقول واليقين أن تأتى هذه الخطبة الجامعة محفظة بألفاظها ~~ومعانيها كما نطق النبي بها ، وأن يحرص ms099 الصحابة جد الحرص على حفظها ، وأن ~~يؤدوها إلى من بعدهم كما سمعوها ! ولكنهم برغم ذلك كله قد تركوها بغير قيد ~~كتابي أو ذهني يعبث الرواة بها . ولو أنك اطلعت على ما نشر منها متناثرا في ~~كتب الحديث المشهورة والسير الكبيرة ثم درستها دراسة لا تتأثر فيها ~~بالعاطفة فإنك تجد ألفاظها متباينة ومعانيها مختلفة ، وعباراتها غير مؤتلفة ~~، مما يثير عندك الدهش ، ويبعث العجب ! ومن عجيب أمر الذين يكابرون في أن ~~الحديث قد روى بالمعنى ما يقرع آذانهم من جميع خطباء المساجد في أيام الجمع ~~على مدار السنين من قولهم عندما يفرغون من تلاوة حديث الخطبة " أو كما قال ~~! " حتى أصبحت هذه العبارة كأنها من أصل الحديث - فلم هذا الاحتياط - ~~الواجب ؟ ضرر الرواية بالمعنى من الناحية اللغوية والبلاغية هذا بعض ما ~~قالوه في ضرر نقل الحديث بالمعنى في الامور الدينية . أما الضرر اللغوى ~~والبلاغى فقد بينه في عبارة وجيزة الاديب الاسلامي الكبير السيد مصطفى صادق ~~الرافعى رحمه الله ، وذلك عند كلامه عن البلاغة النبوية في كتابه النفيس " ~~إعجاز القرآن " قال رحمه الله (1) : إن ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال ~~خالقه ، ويصقلها # --- # (1) ص 364 من إعجاز القرآن ، ولهذا الكلام البليغ بقية من هذا الطراز ~~العالي يرجع إليه . حتى ص 422 من إعجاز القرآن . (*) # --- PageV01P107 [ 108 ] # لسان نزل عليه القرآن بحقائقه ، فهى إن لم تكن من الوحى ، فقد جاءت من ~~سبيله ، وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله . محكمة الفصول ، ~~حتى ليس فيها عروة مفصولة ، محذوفة الفضول ، حتى ليس فيها كلمة مفضولة ، ~~وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم ، وإنما هي في سموها ~~وإجادتها مظهر من خواطره صلى الله عليه وسلم " . . . إلخ (1) . وقال وهو ~~يتحدث عن نسق البلاغة النبوية : " ليس كل ما يروى على أنه حديث يكون من ~~كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) بألفاظه وعبارته ، بل من الاحاديث ما يروى ~~بالمعنى ، فتكون ألفاظه أو بعضها لمن أسندت إليه في النقل ، ولجواز الرواية ~~بالمعنى لم يستشهد سيبويه وغيره من أئمة ms100 المصرين (أي البصرة والكوفة) على ~~النحو واللغة بالحديث ، واعتمدوا في ذلك على القرآن وصحيح النقل عن العرب ، ~~ولو كان التدوين شائعا في الصدر الاول ، وتيسر لهم أن يدونوا كل ما سمعوه ~~من النبي (صلى الله عليه وسلم) ، بألفاظه وصوغه ، وبيانه ، لكان لهذه اللغة ~~شأن غير شأنها " . وقد كان الاصل عندهم أن يضبط المحدث معنى الحديث ، فأما ~~الالفاظ فمنها ما يتفق لهم بنصه ، وخاصة في الاحاديث القصار ، وفي حكمه ~~وأمثاله (صلى الله عليه وسلم) ، ومنها ما لا يتفق فيلبسه الراوية من عبارته ~~، حتى قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ، ~~إنما هو المعنى (2) . وقد ألطلنا القول في هذا الباب ، لانه من الابواب ~~المهمة في هذا الكتاب . اللحن والخطأ في الحديث بعد أن أباحوا لانفسهم ~~رواية الحديث بالمعنى ، سوغوا كذلك أن يأتي الحديث ملحونا ، ولا يرون بأسا ~~في إصلاح لحنه وخطئه . قال حافظ المغرب ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان ~~العلم وفضله " (3) : # --- # (1) ص 364 من إعجاز القرآن . (2) ص 422 من نفس المصدر . (3) ص 78 - 81 ج ~~1 . (*) # --- PageV01P108 [ 109 ] # حدث الوليد بن مسلم قال : سمعت الاوزاعي يقول : لا بأس بإصلاح اللحن ~~والخطأ في الحديث . وقال كذلك سمعت الاوزاعي يقول : اعربوا الحديث فإن ~~القوم كانوا عربا . وعن جابر قال : سألت عامرا - يعنى الشعبى - وأبا جعفر - ~~يعنى محمد بن على - والقاسم - يعنى ابن محمد - وعطاء - يعنى ابن أبى رباح - ~~عن الرجل يحدث بالحديث فيلحن ، أأحدث به كما سمعت أم أعربه ؟ قالوا : لا ، ~~بل أعربه ! وقال يحيى بن معين : لا بأس أن يقوم الرجل حديثه على العربية . ~~وقال النضر بن شميل : كان هشيم لحانا فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة - يعنى ~~بالاعراب . وحدث على بن الحسن قال : قلت لابن المبارك : يكون في الحديث لحن ~~، أقومه ؟ قال : نعم لان القوم لم يكونوا يلحنون ! اللحن منا . وقد تعرض ~~الامام ابن فارس لهذا الامر في رسالة سماها " مأخذ العلم " فقال (1) : " ~~ذهب أناس إلى أن المحدث إذا روى فلحن ، لم يجز للسامع أن يحدث عنه ms101 إلا لحنا ~~كما سمعه ، وقال آخرون : بل على السامع أن يرويه إذا كان عالما بالعربية ~~معربا صحيحا مقوما بدليل نقوله - وهو أنه معلوم أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وسلم) كان أفصح العرب وأعربها ، وقد نزهه الله عزوجل - وإذا كان كذا ~~فالوجه أن يروى كلامه مهذبا من كل لحن . وكان شيخنا أبو الحسن على بن ~~إبراهيم القطان يكتب الحديث على ما سمعه لحنا . ويكتب على حاشية كتابه . ~~(كذا) قال : يعنى الذى حدثه والصواب كذا . وهذا أحسن ما سمعت في هذا الباب ~~. وقال ابن الانباري في الانصاف في منع (أن) في خبر كاد ، وأما حديث كاد ~~الفقر أن يكون كفرا . فإنه من تغييرات الرواة لانه (صلى الله عليه وسلم) ~~أفصح من نطق بالضاد ، والامثلة في ذلك كثيرة والكلام طويل # --- # (1) ص 308 و309 توجيه النظر . (*) # --- PageV01P109 [ 110 ] # التقديم والتأخير في الحديث والزيادة والنقص وكذلك لم يروا بأسا من تقديم ~~الحديث وتأخيره . فعن أبى بكر بن أبى شيبة قال : حدثنا حفص عن أشعث عن ~~الحسن والشعبى أنهما كانا لا يريان بأسا بتقديم الحديث وتأخيره (1) . وروى ~~عن جابر بن عبد الله عن حذيفة أنه قال : إنا قوم عرب نورد الحديث فنقدم ~~ونؤخر (2) . وبلغ من صنيعهم في رواية الحديث أن يأتي أحد الرواة بزيادة في ~~الحديث لا تكون في رواية غيره ، وقد وضعوا لذلك قاعدة هي " الزيادة من ~~الحافظ مقبولة " . رواية بعض الحديث واختصاره ومما أجازوه اختصار الحديث ~~ورواية بعضه . وفي سنن الترمذي عن مجاهد : أنقص من الحديث إن شئت ولا تزد ~~فيه (3) . وقال ابن حجر في شرح النخبة : أما اختصار الحديث فالاكثرون على ~~جوازه ، بشرط أن يكون الذى يختصره عالما . وقال النووي في شرح مسلم : ~~الصحيح الذى ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث جواز رواية بعض ~~الحديث من العارف ، ثم قال : وأما تقطيع المصنفين الحديث في الابواب فهو ~~بالجواز أولى - بل يبعد طرد الخلاف فيه ، وقد استمر عليه عمل الائمة الحفاظ ~~الجلة من المحدثين وغيرهم ، من أصناف العلماء . وممن ذهب إلى جواز اختصار ~~الحديث ms102 مسلم ، وقد أشار إلى ذلك في مقدمته . # --- # (1) ص 80 ج 1 جامع بيان العلم . (2) هذا الخبر مذكور كذلك في ص 136 ج 3 ~~من عيون الاخبار . (3) ص 237 من طبعة الهند . (*) # --- PageV01P110 [ 111 ] # وقال أبو شامة في كتاب مختصر كتاب المؤمل (1) : مما يفعله شيوخ الفقه في ~~الاحاديث النبوية والآثار المروية ، كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ~~ما يذهبون إليه ، نصرة لقولهم ، وينقصون من ألفاظ الحديث وتارة يزيدون فيه ~~، وما أكثره في كتب أبى المعالى وصاحبه أبى حامد . ومن قبيح ما يأتي به ~~بعضهم أن يحتج بخبر ضعيف هو دليل خصمه عليه فيوردونه معرضين عما كانوا ~~ضعفوه . تساهلهم فيما يروى في الفضائل وضرر ذلك قال ابن مهدى : إذا روينا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والاحكام شددنا في ~~الاسانيد ، وانتقدنا الرجال ، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب ~~تساهلنا في الاسانيد ، وتسامحنا في الرجال . أخرجه البهيقى في المدخل . ~~وممن جوزوا التساهل في رواية الحديث ، إذا كان في فضائل الاعمال أحمد ابن ~~حنبل وعبد الله بن المبارك ، وقال الحاكم سمعت أبا زكريا العنبري يقول : ~~الخبر إذا لم يحرم حلالا ، ولم يحل حراما ، ولم يوجب حكما في ترغيب أو ~~ترهيب ، أغمض عنه وتسوهل في روايته . ولاحمد رأى آخر تراه فيما بعد . وقال ~~ابن عبد البر : أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يحتح به ، وقال : ~~أحاديث الفضائل تسامح العلماء قديما في روايتها عن كل ، ولم ينتقدوا فيها ~~كانتقادهم في أحاديث الاحكام (2) . وقال السيد رشيد رضا في تعليقه على ما ~~ذكره صاحب الآداب الشرعية (لابن مفلح (3) من أنه قد جاء عن الامام أحمد ما ~~يدل على أنه لا يعمل بالحديث # --- # (1) ص 21 و22 . (2) ص 45 ج 1 جامع بيان العلم . (3) ص 313 و314 من الآداب ~~الشرعية ج 2 ، لكن جاءت رواية أخرى عن أحمد بن حنبل بأن الحديث الضعيف يعمل ~~به في فضائل الاعمال . (*) # --- PageV01P111 [ 112 ] # الضعيف في الفضائل والمستحبات : " رضى الله عن أحمد ما أوسع علمه وأدق ~~فهمه ! إن القول بالعمل بالحديث الضعيف ms103 فيما ذكر ، والتساهل في روايته قد ~~فتح على الامة بابا من الغلو في الدين وتكثير العبادات المحرجة التى تنافى ~~يسر الاسلام . حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في ~~إقامة الفرائض والتزام الواجبات ، وترتب عليه ما نقله المصنف بعده عن ابن ~~تيمية في قبول الاسرائيليات والمنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات ~~والفضائل الثابتة بالقطع من الكتاب والسنة كافية للامة - ويا ليت يوجد فيها ~~كثيرون ممن لا يقصر فيها " اه . وحقا ما قاله هؤلاء الائمة وما بينوه من ~~ضرر نقل الاحاديث الضعيفة على الامة بله ما ذهب إليه بعضهم من العمل بها في ~~الفضائل . ومن أجل ذلك قال القاضى أبو بكر بن العربي المالكى : إنه لا يجوز ~~العمل بالاحاديث الضعيفة مطلقا (1) . وللكاتب الاسلامي البليغ السيد مصطفى ~~صادق الرافعى رحمه الله فصل ممتع كبير على الرواية - وذلك في كتابه النفيس ~~" تاريخ آداب العرب " نقتطف منه ما يلي : الرواية في الاسلام كان الصحابة ~~يأخذون عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أخذا علميا ليتفقهوا في الدين - ~~فكانت مجالسه (صلى الله عليه وسلم) هي الحلقات العلمية الاولى التى عرفت في ~~سلسلة التاريخ العربي كله ، كما هو (صلى الله عليه وسلم) أول من علم . . . ~~فلما قبض (صلى الله عليه وسلم) بدأ من بعده علم الرواية . إذ لم يعد من ~~سبيل إلى الاستدلال والفصل إلا بها . وكان أبو بكر لا يقبل من أحد إلا ~~بشهادة على # --- # (1) ص 129 ج 31 من المنار . (*) # --- PageV01P112 [ 113 ] # سماعه من الرسول (1) والعهد يومئذ قريب ، والصحابة متوافرون ، والمادة لم ~~تنقض بعد . . . ثم كان عمر يتثبت في النقل إذ كانت طائفة من الناس قد مردت ~~على النفاق وكانت الحاجة قد اشتدت إلى الرواية - وكان عمر وعثمان وعائشة ~~وجلة من الصحابة يتصفحون الاحاديث ، ويكذبون بعض الروايات التى تأتي ، ~~ويردونها على أصحابها ، ثم خشى عمر أن يتسع الناس في الرواية ، فيدخلها ~~الشوب ، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والاعرابي ، فكان يأمرهم ~~أن يقلوا الرواية وكان شديدا على من أكثر منها أو أتى بخبر في ms104 الحكم لا ~~شاهد له عليه ، لان المكثر وإن جاء بالصحيح فقد لا يسلم من التحريف أو ~~الزيادة أو النقصان في الرواية ، وقد سمعوه (صلى الله عليه وسلم) يقول : من ~~كذب على فليتبوأ مقعده من النار (2) . وعلى هذه الجهة من التوقى والامساك ~~في الرواية كان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة بالرسول (صلى الله عليه ~~وسلم) كأبى بكر والزبير وأبى عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية ~~عنه بل كان بعضهم لا يكاد يروى شيئا كسعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود ~~لهم بالجنة . وكان أكثر الصحابة رواية أبو هريرة وقد صحب ثلاث سنين (3) ~~وعمر بعده (صلى الله عليه وسلم) نحوا من خمسين سنة (4) ولهذا كان عمر ~~وعثمان وعائشة ينكرون عليه ويتهمونه وهو أول راوية اتهم في الاسلام وكانت ~~عائشة أشدهم إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه إذ اتوفيت قبله بسنة . . . ~~ثم كانت الفتنة أيام عثمان واضطرب من بعدها حبل الكلام في الخلافة وخاض ~~الناس في ضروب من الشك والحيرة والقلق فكان فيهم من لا يتوقى ولا يتثبت ، ~~وألف كثير من الناس أمر هؤلاء فلم يبالوا أن يتبينوا فيرجعوا في الرواية ~~إلى شهادة # --- # (1) وقال على رضى الله إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ~~نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته . ~~(2) هذه هي الرواية الصحيحة . (3) الصيحيح أنه صحب النبي عاما وتسعة أشهر ~~كما حققناه في كتابنا " شيخ المضيرة " فيرجع إليه . (4) توفى أبو هريرة سنة ~~59 هجرية . (*) # --- PageV01P113 [ 114 ] # قاطعة أو دلالة قائمة . على أن كل ما كان يقع في الحديث قبلهم من خطأ ~~فإنما كان من قبل ما يعترض المحدث من السهو والاغفال . وقد قال عمران بن ~~حصين وهو من الصحابة (1) والله إن كنت لارى أنى لو شئت لحدثت عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) يومين متتابعين ، ولكن بطأنى عن ذلك أن رجالا من ~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سمعوا كما سمعت ، وشهدوا كما شهدت ، ~~ويحدثون أحاديث ما هي ms105 كما يقولون وأخاف أن يشبه لى كما شبه لهم ، فأعلمك ~~أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون (2) . غير أن الاعلام كانت يومئذ ~~لا تزال قائمة ، والفروع لا تزال باسقة ، فكان الخطب لم يستفحل حتى إذا ~~خرجت الخوارج ، وتحزب الناس فرقا ، وجعلوا أهلها شيعا ، بدءوا يتخذون من ~~الحديث صناعة فيضعون ويصنعون ويصفون الكذب ، ثم ظهر القصاص والزنادقة ، ~~وأهل الاخبار المتقادمة (3) مما يشبه أحاديث خرافة ، فوقع الشوب والفساد في ~~الحديث من كل هذه الوجوه في عصور مختلفة ، أما القصاص فإنهم كانوا يميلون ~~وجوه القوم إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغرائب والاكاذيب من ~~الاحاديث ، ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن ~~قطر المعقول ، أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون ، وللقوم في هذه ~~الفنون الاكاذيب العريضة والاخبار المستفيضة . وأما الزنادقة فقد جعلوا ~~يحتالون للاسلام ويهجنونه بدس الاحاديث المستشنعة والمستحيلة مما يشبه ~~خرافات اليونان والرومان وأساطير الهنود والفرس ليشنعوا بذلك على أهل السنة ~~في روايتهم ما لا يصح في العقول ولا يستقيم على النظر . وأما أهل الاخبار ~~المتقادمة فقد قصدوا من ذلك إلى إثبات الخرافات الجاهلية وجعلها بسبيل من ~~الصحة للاستعانة بها على التفسير وما إليه . وأمثلة ذلك كله فاشية . # --- # (1) توفى عمران بن حصين سنة 52 هجرية . (2) انظر الكلام في قول عمران بن ~~حصين بعد هذه الكلمة . (3) كأخبار اليهود ومن إليهم . (*) # --- PageV01P114 [ 115 ] # إلى أن كان تدوين الحديث واستمر الحديث بعد الطبقة التى كان منها صغار ~~الصحابة وكبار التابعين - كطبقة ابن عباس ، على ما يعترض فيه من عوارض ~~السهو والاغفال ، وما يدخل عليه من الشبه والتأويلات - وعلى أن بعض الثقات ~~ربما أخذه عن غير الثقة حتى كانت خلافة عمر بن عبد العزيز (1) . . . فخشى ~~تزيد الناس وشيوع الكذب إذا قل الصحيح ، وكانت قد فشت في زمنه أشياء مما ~~يتعمد فيه الكذب لغير مصلحة يتأول عليها ، كالاحاديث التى كان يكذب فيها ~~عكرمة مولى ابن عباس (2) وبرد مولى سعيد بن المسيب (3) وغيرهما - خشى عمر ~~عاقبة ذلك وما أشبهه فكتب إلى أبى بكر بن ms106 حزم نائبه في الامرة والقضاء على ~~المدينة (4) أن انظر ما كان من حديث رسول الله فاكتبه فإنى خفت دروس العلم ~~وذهاب العلماء . وكان هذا أول البدء في تدوين الحديث وجمعه ولم يكن الحديث ~~يدون قبل ذلك (5) . . . إلخ ونختم هذا البحث بذكر علة خطيرة من علل الرواية ~~. علة خطيرة من علل الرواية كيف كانت رواياتهم كان لرواية الحديث عن رسول ~~الله - بعد نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن كتابته علل كثيرة ، منها أنه ~~كان لا يروى عند سماعه ، ومن أجل ذلك اضطر # --- # (1) بويع سنة 99 ه وتوفى سنة 101 ه . (2) توفى عكرمة سنة 105 ه . (3) ~~توفى سعيد سنة 94 ه . (4) توفى أبو بكر سنة 120 ه . (5) من صفحة 276 - 281 ~~من الجزء الاول من تاريخ آداب العرب المطبوع سنة 1329 ه الموفق سنة 1911 م . (*) # --- PageV01P115 [ 116 ] # الرواة إلى أن يرووا (بالمعنى) ، ومنها أنهم كانوا " يدلسون " فيروى ~~الصحابي حديث رسول الله عن صحابي آخر من غير أن يذكر اسم من روى عنه - ~~وكانوا لا يرون في ذلك بأسا ، كما ذكر ذلك ابن قتيبة ، إذ قال في كتابه " ~~تأويل مختلف الحديث " (1) وهو يتكلم عن روايات أبى هريرة التى لم يسمعها من ~~النبي : إنه كان يقول : قال رسول الله " كذا " وإنما سمعه من الثقة " عنده ~~" فحكاه ، وكذلك كان ابن عباس يفعل وغيره من الصحابة . ومثل هذه الرواية ~~يسميها رجال الحديث في علمهم " بالتدليس " وقد قال الحافظ الذهبي وهو يؤرخ ~~لابي هريرة " كان أبو هريرة يدلس " وتدليس الصحابة " كثير ولا عيب فيه " ~~(2) . وقد بينا هذه العلل من قبل في كتابنا هذا وفي كتابنا " شيخ المضيرة " ~~الذى طبعناه على حدة وأظهرنا أضرارها ، ولكن ثم علة خطيرة لم نتكلم عنها من ~~قبل كشف عنها الصحابي الكبير - عمران بن حصين (3) في كلامه الذى أقسم عليه ~~: إذ قال : " والله إن كنت لارى أنى لو شئت لحدثت عن رسول الله يومين ~~متتابعين ، ولكن بطأنى عن ذلك ، أن رجالا من أصحاب رسول الله سمعوا كما ~~سمعت ، وشهدوا كما شهدت ، ويحدثون ms107 أحاديث ما هي كما يقولون ، وأخاف أن يشبه ~~لى كما شبه لهم ، فأعلمك أنهم كانوا يغلطون - وفي رواية - يخطئون - لا أنهم ~~كانوا يتعمدون (4) . وروى ابن الجوزى في كتاب " شبهة التشبيه (5) " قال : ~~سمع الزبير (ابن العوام) رجلا يحدث ، فاستمع الزبير حتى قضى الرجل حديثه ، ~~فقال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله ؟ فقال الرجل : نعم ! ! فقال ~~الزبير : هذا وأشباهه # --- # (1) ص 50 (2) ص 437 و438 ج 2 من سير أعلام النبلاء ويرجع إلى كتاب شيخ ~~المضيرة . (3) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في ~~وقت واحد سنة سبع ، وغزا مع النبي عدة غزوات ، ولى قضاء البصرة وكان عمر ~~بعثه ليفقههم - وكان الحسن يحلف ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن ~~حصين ، توفى سنة 52 ه مسنده 180 حديثا وله في البخاري أربعة أحاديث وفي ~~مسلم 9 ص 363 - 366 ج 2 سير أعلام النبلاء . (4) ص 49 و50 تأويل مختلف ~~الحديث لابن قتيبة . (5) ص 38 . (*) # --- PageV01P116 [ 117 ] # مما يمنعاني أن أتحدث عن النبي ! قد لعمري سمعت هذا من رسول الله ، وأنا ~~يومئذ حاضر ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من أهل الكتاب ~~حديثه يومئذ فجئت أنت بعد انقضاء صدر الحديث - وذكر الرجل الذى هو من أهل ~~الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله ! ! وقال بسر بن سعيد اتقوا الله ~~وتحفظوا في الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وسلم) ويحدثنا عن كعب ، ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا ، ~~يجعل حديث رسول الله عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله (1) . هذا ما ~~ذكره عمران بن حصين ، والزبير بن العوام ، وبسر بن سعيد ، وإن على كل مسلم ~~مفكر غير مغلول العقل ، أن يتدبره ، ويطيل النظر فيه . فالصحابي عمران بن ~~حصين يقسم بالله أنه لو شاء لحدث عن رسول الله يومين متتابعين ولكنه يأبى ، ~~لانه رأى رجالا من من أصحاب رسول الله ، يحدثون أحاديث ما هي كما ms108 يقولون ، ~~وإنما يغلطون - أو يخطئون - فإذا كان هذا شأن غير المتعمدين من الصحابة ~~الصادقين - فترى ماذا يكون أمر المتعمدين ، ومن إليهم من المنافقين وأعداء ~~الدين ؟ إنها والله في الرواية لاحدى الكبر ! ومن يبصر الناس بذلك يقولون ~~عنه : إنه قد كفر . ويصف الزبير علة أخرى ، هي أن يسمع بعضهم الحديث من ~~النبي - بعد انقضاء صدر منه ثم يخرج فيروى ما سمعه - على أنه حديث كامل . ~~ثم يأتي بسر بن سعيد ، فينا شد الناس ، أن يتقوا الله في الحديث لان بعضهم ~~كان يجعل حديث رسول الله عن كعب الاحبار ويجعل حديث كعب عن رسول الله وكل ~~ذلك وغيره قد حملته بطون الكتب ، وبقى على وجه الزمن ، يرويه الخلف عن ~~السلف إلى يوم القيامة - ولا حول ولا قوة إلا بالله . وثم كلام كثير في ~~التحفظ من الحديث تجده مسطورا في كتابنا " شيخ المضيرة " فارجع إليه . # --- # (1) ص 436 ج 2 سير أعلام النبلاء للذهبي . (*) # --- PageV01P117 [ 118 ] # الوضع في الحديث وأسبابه كان من آثار تأخير تدوين الحديث وربط ألفاظه ~~بالكتابة - إلى ما بعد المائة الاولى من الهجرة وصدر كبير من المائة ~~الثانية - أن اتسعت أبواب الرواية ، وفاضت أنهار الوضع ، بغير ما ضابط ولا ~~قيد ، حتى لقد بلغ ما روى من الاحاديث الموضوعة عشرات الالوف ، لا يزال ~~أكثرها منبثا بين تضاعيف الكتب المنتشرة بين المسلمين في مشارق الارض ~~ومغاربها . نشأة الاختراع في الرواية والوضع على رسول الله (صلى الله عليه ~~وسلم) وقد أجمع الباحثون والعلماء المحققون - على أن نشأة الاختراع في ~~الرواية ووضع الحديث على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنما كان في أواخر ~~عهد عثمان وبعد الفتنة التى أودت بحياته ، ثم اشتد الاختراع واستفاض بعد ~~مبايعة على رضى الله عنه فإنه ما كاد المسلمون يبايعونه بيعة صحيحة حتى ذر ~~قرن الشيطان الاموى ليغتصب الخلافة من صاحبها ، ويجعلها حكما أمويا ! وقد ~~كان واأسفاه ! وإليك كلمة صادقة دقيقة كتبها الاستاذ الامام محمد عبده رحمه ~~الله في " مقدمات " رسالة التوحيد بعد أن تكلم عن الفتنة الكبرى التى " هوى ms109 ~~بها ركن عظيم من هيكل الخلافة ، واصطدم الاسلام وأهله صدمة زحزحتهم عن ~~الطريق التى إستقاموا عليها وبقى القرآن قائما على صراطه " . قال رضى الله ~~عنه : " توالت الاحداث بعد ذلك ونقض بعض المبايعين للخليفة الرابع (1) ما ~~عقدوا ، وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الامويين ! ~~غير أن بناء # --- # (1) أول من نقض البيعة : طلحة والزبير وأعانهما على ذلك أم المؤمنين ~~عائشة لما كان بينها وبين على رضى الله عنه من حقد وموجدة ، وطلحة والزبير ~~من العشرة الذين قالوا إن النبي صلوات الله عليه بشرهم بالجنة . (*) # --- PageV01P118 [ 119 ] # الجماعة قد انصدع ، وانفصمت عرى الوحدة بينهم ، وتفرقت بهم المذاهب في ~~الخلافة ، وأخذت الاحزاب في تأييد آرائهم ، كل ينصر رأيه على رأى خصمه ، ~~بالقول والعمل ، وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل ، وغلا كل قبيل ~~فافترق الناس . . . إلخ (1) . الحديث الموضوع والحديث الموضوع هو المختلق ~~المصنوع المنسوب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زورا وبهتانا سواء ~~أكان ذلك عمدا أم خطأ . ووضع الحديث على رسول الله كان - كما قال أحد ~~الائمة - أشد خطرا على الدين وأنكى ضررا بالمسلمين من تعصب أهل المشرقين ~~والمغربين . وإن تفرق المسلمين إلى شيع وفرق ومذاهب ونحل لهو أثر من آثار ~~الوضع في الدين . وقال المرتضى اليماني في كتابه " إيثار الحق " : إن معظم ~~ابتداع المبتدعين من أهل الاسلام إنما يرجع إلى هذين الامرين الواضح ~~بطلانهما وهما : الزيادة في الدين والنقص منه ، ومن أنواع الزيادة في الدين ~~- الكذب عليه . وقال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضى عياض : الكاذبون ~~ضربان : أحدهما - ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم أنواع : منهم من يضع ما لم يقله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصلا ~~كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج لله وقارا إما حسبة بزعمهم وتدينا كجهلة ~~المتعبدين (2) الذين وضعوا الاحاديث في الفضائل والرغائب ، وإما إغرابا ~~وسمعة كفسقة المحدثين ، وإما تعصبا واحتجاجا كدعاة المبتدعة ومتعصبي ~~المذاهب ، وإما إشباعا لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه ، وطلب الفوز لهم فيما ~~أتوه (3) . ومنهم من ms110 # --- # (1) ص 7 و8 من الطبعة الاولى من رسالة التوحيد . (2) سنتكلم في آخر الفصل ~~عن الوضاع الصالحين . (3) قالت دائرة المعارف الاسلامية : بعد وفاة محمد ~~(ص) لم تستطع الآراء والمعاملات الدينية الاصلية التى سادت في الرعيل الاول ~~أن تثبت على حالها من غير تغيير - فقد حل عهد للتطور جديد ، = (*) # --- PageV01P119 [ 120 ] # لا يضع متن الحديث ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا . ~~ومنهم من يقلب الاسانيد أو يزيد فيها ويتعمد ذلك إما للاغراب على غيره ، # --- # وبدأ العلماء يدخلون شيئا من التطور في نظام مرتب من الاعمال والعقائد ~~يتواءم والاحوال الجديدة . فقد أصبح الاسلام بعد الفتوح العظيمة يبسط ~~سيادته على مساحات شاسعة واستعير من الشعوب المغلوبة على أمرها آراء ولظم ~~جديدة وتأثرت حياة المسلمين وأفكارهم حين ذاك في كثير من النواحى لا ~~بالنصرانية والاسرائيلية وحدهما ، بل بالهلينية والزرادشتية والبوذية كذلك ~~. وعلى أية حال فإن المسلمين التزموا أيما التزام المبدأ القائل : إن سنة ~~النبي والسابقين الاولين في الاسلام هي وحدها التى يمكن أن تكون القانون ~~الخلقى للمؤمنين ، وسرعان ما أدى هذا بالضرورة إلى وضع الاحاديث فاستباح ~~الرواة لانفسهم اختراع أحاديث تتضمن القول أو الفعل ، وينسبونها إلى النبي ~~لكى تتفق وآراء العصر التالى ، وكثرت الاحاديث الموضوعة وتداولها الناس ~~منسوبة إلى النبي بحيث تجعله يقول أو يفعل شيئا مما كان بعد ذلك العصر من ~~الامور المستحسنة ، وظهرت في الحديث أقوال مأخوذة من أقوال الرسل والاناجيل ~~المنحولة ، ومن الآراء الاسرائيلية والعقائد الفلسفية اليونانية إلخ تلك ~~الآراء التى لقيت الحظوة عند فريق معين من المسلمين ، ونسبت كل هذه الاقوال ~~إلى النبي - ولم يتورع الناس عند ذاك أن يجعلوا النبي يفصل على هذا النحو ~~القصصى (حذفنا من هنا كلمة الاساطير لان قلمنا لم يطاوعنا على إثباتها) ~~التى وردت موجزة في القرآن ويدعو إلى آراء ومعتقدات جديدة إلخ بل كان كثير ~~من هذه الاحاديث الموضوعة المنسوبة إلى النبي تتناول الاحكام كالحلال ~~والحرام والطهارة وأحكام الطعام والشريعة وآداب السلوك ومكارم الاخلاق ~~والعقائد ويوم الحساب والجنة والنار إلخ . ومع مضى الزمن إزداد ms111 ما روى عن ~~النبي من قول أو فعل شيئا فشيئا في عدده وفي غزارته ، وفي القرون الاولى ~~التى تلت وفاة الرسول عظم الخلاف بين المسلمين على جملة من الآراء في مسائل ~~تختلف طبائعها أشد الاختلاف ، وعملت كل فرقة على تأييد رأيها على قدر ما ~~تستطيع بقول أو تقرير منسوب إلى النبي ، ومن استطاع أن يرد رأيه إلى أثر من ~~آثار النبي فهو على الحق من غير شك ، ولهذا كثرت الاحاديث الموضوعة ~~المتناقضة أشد التناقض في سنة محمد صلى الله عليه وآله - وفي الخلافات ~~الكبيرة التى نشأت عن العصبية جرى كل فريق على التوسل بمحمد " ص " . . ~~فمثلا أنه قد نسب إلى النبي قول يتنبأ به بقيام دولة العباسين ، وجملة ~~القول أنهم جعلوه يتنبأ على نحو تمتزج فيه الرؤية بالنبوة بما جرى بعد ذلك ~~من حوادث سياسية وحركات دينية ، بل بالظواهر الاجتماعية الجديدة التى نشأت ~~من الفتوح العظيمة " كازياد الشرف " وكان غرضهم من ذلك " تبرير " كل أولئك ~~في نظر الجماعة الاسلامية الجديدة . وهناك قسم خاص من هذه الاحاديث ~~التنبئية وضعت في صورة أقوال نسبت إلى محمد (ص) تتعلق بفضائل أما كن متعددة ~~ونواح لم يفتحها المسلمون إلا في عصر متأخر . وعلى هذا لا يمكن أن نعد ~~للكثرة من الاحاديث وصفا تاريخيا صحيحا لسنة النبي بل هي على عكس ذلك تمثل ~~آراء اعتنقها بعض أصحاب النفوذ في القرن الاولى بعد محمد " ص " ونسبت إليه ~~عند ذلك فقط (ص 330 - 335 ج 7) . يظن بعض الجهلاء أن نقلنا لمثل هذه الكلمة ~~هو لكى نجعلها من أدلتنا ويعدون ذلك من مآخذهم علينا ، ولا يدركون أننا إذ ~~نفعل ذلك إنما نبين لهم ولاخوانهم من الجاهلين أن المستشرقين يعلمون من أمر ~~ديننا ما لم يعلموا - وسبحان واهب العقول ! (*) # --- PageV01P120 [ 121 ] # وإما لرفع الجهالة عن نفسه . ومنهم من يكذب فيدعى سماع ما لم يسمع ولقاء ~~من لم يلق ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم ، ومنهم من يعمد إلى كلام الصحابة ~~وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم . هذا ms112 ، ~~وإن لوضع الحديث والكذب على رسول الله أسبابا كثيرة غير التى تكلم عنها ~~النووي من قبل بينها العلماء نأتى هنا على أهمها (1) . أحدها - وهو أهمها ~~ما وضعه الزنادقة اللابسون لباس الاسلام غشا ونفاقا وقصدهم بذلك إفساد ~~الدين وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين - قال حماد بن زيد : وضعت ~~الزنادقة أربعة آلاف حديث ، وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف ~~كذبها ، وإلا فقد نقل المحدثون أن زنديقا واحدا وضع هذا المقدار قالوا : ~~لما أخذ ابن أبى العوجاء ليضرب عنقه قال : " وضعت فيكم أربعة آلاف حديث ، ~~أحرم فيها الحلال وأحل الحرام " . ثانيها - الوضع لنصرة المذاهب في أصول ~~الدين وفروعه : فإن المسلمين لما تفرقوا شيعا ومذاهب جعل كل فريق يستفرغ ما ~~في وسعه لاثبات مذهبه لا سيما بعد ما فتح عليهم باب المجادلة والمناظرة في ~~المذاهب ، ولم يكن المقصود من ذلك إلا إفحام مناظره والظهور عليه حتى إنهم ~~جعلوا " الخلاف " علما صنفوا فيه المصنفات مع أن دينهم ما عادى شيئا كما ~~عادى الخلاف . وهذا السبب يشبه أن يكون أثرا من آثار السبب الذى قبله - وقد ~~استشهد لهذا بعض المحدثين الذين كتبوا في أسباب الوضع بقوله : تاب رجل من ~~المبتدعة فجعل يقول : انظروا عمن تأخذون هذا الحديث ، فإنا كنا إذا هوينا ~~أمرا صيرناه حديثا . وليس الوضع لنصرة المذاهب محصورا في المبتدعة وأهل ~~المذاهب في الاصول ، بل إن من أهل السنة المختلفين في الفروع من وضع أحاديث ~~كثيرة لنصرة مذهبه أو تعظيم إمامه . . . وإليك حديثا واحدا وهو " يكون في ~~أمتى رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتى من إبليس ، ويكون في أمتى رجل ~~يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى " ، قالوا : وفي إسناده وضاعان أحدهما ~~مأمون بن أحمد السلمى والآخر أحمد بن عبد الله الخونبارى . وقد رواه الخطيب ~~عن أبى هريرة مرفوعا ، واقتصر على ما ذكره في # --- # (1) راجع المجلد الثالث من مجلة المنار . (*) # --- PageV01P121 [ 122 ] # أبى حنيفة ، وقال ، موضوع وضعه محمد بن سعيد المروزى البورقى ، ثم قال : ~~هكذا حدث به في بلاد خراسان ms113 ثم حدث به في العراق وزاد فيه " وسيكون في أمتى ~~رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته أضر على أمتى من فتنة إبليس " قالوا وهذا ~~الافك لا يحتاج إلى بيان بطلانه - ومع هذا تجد الفقهاء المعتبرين يذكرون في ~~كتبهم الفقهية شق الحديث الذى يصف أبا حنيفة بأنه سراج الامة (1) ويسكنون ~~عليه ، بل يستدلون به على تعظيم إمامهم على سائر الائمة ، وهم مع هذا قدوة ~~الامة الذين يؤخذ بأقوالهم في الدين ، ويتركون لهم الكتاب والسنة لانهما ~~على قولهم يختصان بالمجتهدين . قال أبو العباس القرطبى في شرح صحيح مسلم : ~~أجاز بعض فقهاء أهل الرأى نسبة الحكم الذى دل عليه القياس الجلى إلى رسول ~~الله نسبة قولية ، فيقولون في ذلك : قال رسول الله : كذا ، ولهذا نرى كتبهم ~~مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لانها تشبه فتاوى الفقهاء ، ولا ~~تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولانهم لا يقيمون لها إسنادا . وقال أبو ~~شامة في كتابه مختصر كتابه المؤمل : مما يفعله شيوخ الفقه في الاحاديث ~~النبوية والآثار المروية كثرة استدلالهم بالاحاديث الضعيفة على ما يذهبون ~~إليه نصرة لقولهم ، وينقصون في ألفاظ الحديث وتارة يزيدون فيه ، وما أكثره ~~في كتب أبى المعالى وصاحبه أبى حامد (2) . ثالثها - الغفلة عن الحفظ ~~اشتغالا عنه بالزهد والانقطاع للعبادة : وهؤلاء العباد والصوفية يحسنون ~~الظن بالناس ويعدون الجرح من الغيبة المحرمة ، ولذلك راجت عليهم الاكاذيب ~~وحدثوا عن غير معرفة ولا بصيرة . . فيجب ألا يعتمد على الاحاديث التى حشيت ~~بها كتب الوعظ والرقائق والتصوف من غير بيان # --- # (1) اضطرت الشافعية إزاء ذلك إلى أن يرووا في إمامهم حديثا يفضلونه على ~~كل إمام وهذا نصه : قال رسول الله عليه وسلم : " أكرموا قريشا فإن عالمها ~~يملا طباق الارض علما ! " . وأنصار الامام مالك لم يلبثوا أن وضعوا في ~~إمامهم هذا الحديث : " يخرج الناس من المشرق إلى المغرب فلا يجدون أعلم من ~~عالم أهل المدينة " ثم حديث آخر عن أبى هريرة بهذا المعنى - راجع كتاب ~~الانتقاء لابن عبد البر . (2) ص 21 . (*) # --- PageV01P122 [ 123 ] # تخريجها ودرجتها ، ولا يختص هذا الحكم بالكتب ms114 التى لا يعرف لمؤلفها قدم ~~في العلم ككتاب " نزهة المجالس " المملوء بالاكاذيب في الحديث وغيره ، بل ~~إن كتب أئمة العلماء كالاحياء للغزالي لا تخلو من الموضوعات الكثيرة . ~~رابعها - قصد التقرب من الملوك والسلاطين والامراء كما نص على ذلك غير واحد ~~من الحفاظ . وكما كذب علماء السوء على الرسول صلى الله عليه وسلم لاجل ~~السلاطين ، كذبوا كذلك في وضع الاحكام والفروع الفقهية لاجلهم . ومن ~~الاحاديث الموضوعة في هذا الباب ما اشتمل على مدح السلاطين وتعظيم شأنهم ، ~~وهو ما يتملق به الجهال للملوك في هذا العصر كما تملقوا لهم فيما قبله . ~~خامسها - الخطأ والسهو : وقع هذا لقوم ومنهم من ظهر له الصواب ، ولم يرجع ~~إليه أنفة واستنكافا أن ينسب إليهم الغلط . ولم تعرف رقة دين هؤلاء وعدم ~~إخلاصهم في الاشتغال برواية الحديث إلا بعد ما وقع لهم ما وقع . سادسها - ~~التحديث عن الحفظ ممن كانت له كتب يعتمد عليها فلم يتقن الحفظ فضاعت الكتب ~~فوقع الغلط (1) . سابعها - اختلاط العقل في أواخر العمر - وقع هذا لجماعة ~~من الثقات فكانوا معذورين ، دون من سلم بكل ما نسب إليهم من غير تمييز بين ~~ما روى عنهم في طور الكمال والعقل ، وبين ما روى في طور الاختلاط والهرم . ~~ثامنها - الظهور على الخصم في المناظرة ولا سيما إذا كانت في الملا - وهو ~~غير الوضع لنصرة المذاهب ، قال ابن الجوزى : ومن أسباب الوضع ما يقع ممن لا ~~دين له عند المناظرة في المجامع ، من استدلال على ما يقوله كما يطابق هواه ~~، تنسيقا لجداله وتقويما لمقاله ، واستطالة على خصمه ، ومحبة للغلب وطلبا ~~للرياسة وفرارا من الفضيحة إذا ظهر عليه من يناظره . تاسعها - إرضاء الناس ~~وابتغاء القبول عندهم واستمالتهم لحضور مجالسهم # --- # (1) هؤلاء هم كما قال ابن عساكر في تاريخه : " تارة يرفعون المرسل ، ~~ويسندون الموقوف ، وتارة يقبلون الاسناد وتارة يدخلون حديثا في حديث " (ص ~~10 ج 2) . (*) # --- PageV01P123 [ 124 ] # الوعظية ، وتوسيع دائرة حلقاتهم ، وقد ألصق المحدثون هذا السبب بالقصص . ~~. . ولعل ابن الجوزى ما تصدى لتأليف كتابه في الموضوعات إلا بعد ما زاول ~~الوعظ ms115 واختبر ما أفسد الوعاظ من دين الناس - وقد ذكر عن نفسه : أن الاحاديث ~~كانت ترد عليه في مجلس وعظه فيردها فيحقد عليه سائر القصاص (1) . ضرر القصص ~~والقصاص : أخرج السلفي من طريق الفضل بن زياد قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول ~~: أكذب الناس السؤال والقصاص . وعن أبى قلابة قال : ما أمات العلم إلا ~~القصاص . وأخرج العقيلى عن عاصم قال : كان أبو عبد الرحمن يقول : اتقوا ~~القصاص . معاوية هو الذى أحدث القصص : أخرج الزبير بن بكار في أخبار ~~المدينة عن نافع وغيره من أهل العلم قالوا : لم يقص في زمان النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) ولا في زمان أبى بكر ولا زمان عمر ، وإنما القصص محدث ~~أحدثه معاوية حين كانت الفتنة . وأخرج ابن أبى شيبة مثل هذا الخبر عن ابن ~~عمر وكان عمر قد نهى عن القصص . عاشرها - شدة الترهيب وزيادة الترغيب لاجل ~~هداية الناس ، ولعل الذي سهل على واضعى هذا النوع من الاحاديث المكذوبة - ~~هو قول العلماء إن الاحاديث الضعيفة يعمل بها في فضائل الاعمال (2) وما في ~~معناها مما لا يتعلق بالاحكام والحقوق # --- # (1) ومنهم قوم من السؤال والمكدين يقفون في الاسواق والمساجد يضعون على ~~رسول الله أحاديث بأسانيد صحاح قد حفظوها فيذكرون الموضوعات بتلك الاسانيد ~~(ص 69 ج 1 من تفسير القرطبى) . (2) كم جلب هذا القول وأتباعه من الضرر ~~العظيم للناس في دينهم ودنياهم . (*) # --- PageV01P124 [ 125 ] # - وكأنهم رأوا أن الدين ناقص يحتاج إلى إكمال وإتمام ، والله سبحانه ~~وتعالى يقول : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الاسلام دينا " . وإن جميع البدع الدينية التى يسميها الناس " بدعا حسنة " ~~. . . هي من الزيادة في الدين ويا ليتها كانت زيادة في الاعمال فقط ولكنها ~~زيادة في العقائد أيضا - كاعتقاد وساطة بعض الصالحين " الاموات " بين الله ~~والناس في قضاء حوائجهم - إما بأن يقضوها بأنفسهم لان لهم سلطة غيبية وراء ~~الاسباب ، وإما بأن يقضيها الله تعالى لاجلهم فتكون إرادة الله تعالى تابعة ~~في ذلك لارادتهم ، كما اشتهر من قولهم " إن لله عبادا إذا أرادوا أراد " ! ~~وغير ms116 ذلك ، فإذا قلت لهم إن هذا شرع لم يأذن به الله يأتونك بأمثال ينزه ~~الله عنها ، كتشبيهه بالملوك والامراء الذين يتقرب إليهم بمن يحبون (1) ~~ليفعلوا ما لم يكونوا يفعلونه لولاهم ، وفاتهم أن إرادة الله تعالى لا ~~تتغير لاجل أحد ، لان تخصيصها وترجيحها إنما يكون بحسب العلم القديم الذى ~~لا تغيير فيه ولا تبديل . حادى عشرها - إجازة وضع الاسانيد للكلام الحسن ~~(2) ليجعل حديثا ، ذكروا هذا سببا مستقلا وهو يدخل فيما سبقه . ثانى عشرها ~~- تنفيق المدعى العلم لنفسه على من يتكلم عنده إذا عرض البحث عن حديث - ~~فيقول من في دينه رقة وفي علمه دغل ، هذا الحديث أخرجه فلان وصححه فلان ~~ويسند هذا إلى كتب يندر وجودها ، ليوهم أنه مطلع على ما لم يطلع عليه غيره ~~أو يخلق للحديث إسنادا جديدا . اه وحكى السيوطي عن ابن الجوزى أنه من وقع ~~في حديثه الموضوع " والكذب والقلب أنواع : منهم من غلب عليهم الزهد فغفلوا ~~عن الحفظ ، أو ضاعت كتبه فتحدث من حفظه فغلط ، ومنهم قوم ثقات لكن اختلطت ~~عقولهم في آخر أعمارهم ومنهم من روى الخطأ سهوا فلما رأى الصواب وأيقن به ~~لم يرجع أنفة أن ينسب إليه الغلط ، ومنهم زنادقة وضعوا قصدا إلى إفساد ~~الشريعة ، وإيقاع الشك والتلاعب بالدين . وقد كان بعض الزنادقة يتغفل الشيخ ~~فيدس في كتابه ما ليس من حديثه ، # --- # (1) مما وضعوه في ذلك هذه القاعدة (لولا الواسطة لذهب الموسوط) . (2) ~~يرجع إلى باب وضع الحديث للكلام الحسن في هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P125 [ 126 ] # ومنهم من يضع لنصرة مذهبه ، ومنهم من يضع حسبة وترغيبا ، ومنهم من أجاز ~~وضع الاسانيد بكلام حسن ، ومنهم من قصد التقرب إلى السلطان ، ومنهم القصاص ~~يروون أحاديث ترقق وتنفق (1) اه . ولان الكلام قد طال في هذا الامر فإنا ~~نكتفي بما أوردناه . أما وضاع الحديث فكانوا كثيرين لا يحصيهم العدد وقد ~~قالوا إن أشهرهم أربعة : ابن أبى يحيى في المدينة ، والواقدى في بغداد ، ~~ومقاتل بن سليمان بخراسان ، ومحمد ابن سعيد بالشام (2) . وإليك مثلا واحدا ~~من أمثلة الوضع للتقرب من الملوك والامراء ms117 : كان الرشيد يعجبه الحمام ~~واللهو به ، فأهدى إليه حمام وعنده أبوالبخترى القاضى (3) فقال : روى أبو ~~هريرة عن النبي أنه قال : لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح - فزاد جناح ، ~~وهي لفظة وضعها للرشيد ، فأعطاه جائزة سنية . ولما خرج قال الرشيد والله ~~لقد علمت أنه كذاب - وأمر بالحمام أن يذبح ، فقيل : وما ذنب الحمام ؟ قال : ~~من أجله كذب على رسول الله ! الوضع السياسي أو الوضع للسياسة ولا بد لنا ~~قبل أن نختم هذا الفصل أن نكشف عن ناحية خطيرة من نواحى الوضع في الحديث ~~كان لها أثر بعيد في الحياة الاسلامية ، ولا يزال هذا الاثر يعمل عمله في ~~الافكار العفنة والعقول المتخلفة والنفوس المتعصبة ، ذلك أن السياسة قد ~~دخلت في هذا الامر وأثرت فيه تأثيرا بالغا فسخرته ليؤيدها في حكمها ، ~~وجعلته من أقوى الدعائم لاقامة بنائها . . وقد علا موج هذا الوضع السياسي ~~وطغا ماؤه في عهد معاوية الذى أعان عليه وساعده بنفوذه وماله ، فلم يقف ~~وضاع الحديث عند بيان فضله والاشادة بذكره # --- # (1) ص 409 ج 2 كشف الخفاء . (2) ص 113 ج 2 ابن خلكان . (3) كان ~~أبوالبخترى قاضى مدينة النبي بعد بكار بن عبد الله ، ثم ولى قضاء بغداد بعد ~~أبى يوسف صاحب أبى حنيفة ، توفى سنة 200 ه في خلافة المأمون . ص 69 ج 1 ~~تفسير القرطبى . (*) # --- PageV01P126 [ 127 ] # بل أمعنوا في مناصرته ، والتعصب له حتى رفعوا مقام الشام الذى يحكمه إلى ~~درجة لم تبلغها مدينة الرسول صلوات الله عليه ، ولا البلد الحرام التى ولد ~~فيه ، وأسرفوا في ذلك إسرافا كثيرا وأكثروا حتى ألفت في ذلك مصنفات خاصة . ~~وإذا كان هذا الموضوع وحده يحتاج إلى مؤلف برأسه فإنا - في حدود هذا الكتاب ~~- سنلتزم جانب الايجاز ولا نبدى إلا علائم وشواهد قليلة . ومن أمثلة هذا ~~الوضع : مما وضعته البكرية وأخرجه ابن عساكر عن أبى هريرة : تباشرت ~~الملائكة يوم بدر ، فقالوا أما ترون الصديق مع رسول الله في العريش . وأخرج ~~الخطيب عن ابن عباس عن النبي : هبط على جبريل عليه السلام وعليه ms118 طنفسة وهو ~~يتخلل ، فقلت له يا جبريل ما هذا ؟ قال : إن الله تعالى أمر الملائكة أن ~~تتخلل في السماء كتخلل أبى بكر في الارض . وأخرج أبو يعلى عن أبى هريرة ، ~~قال رسول الله : عرج بى إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمى ~~(محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي) . وأخرج أبو يعلى كذلك عن ابن عمر ~~أن النبي قال : إن الملائكة لتستحيى من عثمان كما تستحى من الله ورسوله . ~~وفي حديث أن رسول الله قال : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر ~~الطعام . . . وفي حديث أن صورتها قد جاءت النبي في سرقة من حرير مع جبريل ~~وقال له : " هذه زوجتك في الدنيا والآخرة " ! ! وفي حديث آخر : خذوا نصف ~~دينكم عن هذه الحميراء وفي رواية " خذوا شطر دينكم . . . " إلخ . وهذا باب ~~واسع لا يمكن إحصاء كل ما فيه . معاوية والشام أما معاوية والشام الذى حكمه ~~هو وأقاربه حقبة طويلة فهاك فذلكة مما وضعوه في فضلهما . # --- PageV01P127 [ 128 ] # ومعاوية كما هو معروف أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة ، فهو بذلك من الطلقاء ، ~~وكان كذلك من المؤلفة قلوبهم الذين كانوا يأخذون ثمنا لاسلامهم ، وهو الذى ~~هدم مبدأ الخلافة الرشيدة في الاسلام فلم تقم لها من بعده إلى اليوم قائمة ~~، وقد اتخذ " دمشق " حاضرة لملكه . وإليك بعض ما وضعوه من الاحاديث في فضله ~~: أخرج الترمذي أن النبي قال لمعاوية : اللهم اجعله هاديا مهديا . وفي حديث ~~آخر أن النبي قال : اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب - وهناك زيادة في ~~هذا الحديث تقول : وأدخله الجنة . وعلى كثرة ما جاء في فضائل معاوية من ~~أحاديث لا أصل لها ، فإن إسحاق ابن راهويه وهو الامام الكبير وشيخ البخاري ~~قد قال : إنه لم يصح في فضائل معاوية شئ . وقد ذكر البخاري في باب " فضائل ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " فقال : باب ذكر معاوية رضي الله عنه (1) ~~، ولم يأت في هذا الباب بأحاديث مرفوعة إلى النبي وإنما أورد قولين عن ابن ~~عباس في وصف معاوية - قال في ms119 الاول : إنه صحب رسول الله ، وقال في الثاني : ~~إنه فقيه ! # --- # (1) قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب : " تنبيه " عبر البخاري في هذه ~~الترجمة بقوله " ذكر " ولم يقل فضيلة ، ولا منقبة لكون الفضيلة لا تؤخذ من ~~حديث الباب لان ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل ~~الكثير - وقد صنف ابن أبى عاصم جزءا في مناقبه وكذلك أبو عمر غلام ثعلب ~~وأبو بكر النقاش وأورد ابن الجوزي في الموضوعات بعض الاحاديث التى ذكروها ~~ثم ساق عن إسحاق بن راهويه أنه قال : لم يصح في فضائل معاوية شئ - فهذه ~~النكتة في عدول البخاري عن التصريح بلفظ " منقبة " اعتمادا على قول شيخه " ~~ابن راهويه " وقصة النسائي في ذلك مشهورة ، وكأنه اعتمد أيضا على قول شيخه ~~إسحاق وكذلك في قصة الحاكم ، وأخرج ابن الجوزى أيضا من طريق ابن عبد الله ~~بن أحمد بن حنبل ، سألت أبى ما تقول في على ومعاوية ؟ فأطرق ثم قال : اعلم ~~أن عليا كان كثير الاعداء ، ففتش أعداؤه له عيبا فلم يجدوا فعمدوا إلى رجل ~~قد حاربه فأطروه كيدا منهم لعلى - فأشار بهذا إلى ما اختلقوه لمعاوية من ~~الفضائل مما لا أصل له ، وقد ورد في فضائل معاوية أحاديث كثيرة لكن ليس ~~فيها ما يصح من طريق الاسناد وبذلك جزم إسحاق بن راهويه والنسائي وغيرهما ~~والله أعلم . انتهى كلام ابن حجر ص 83 ج 7 من فتح الباري . أما قصة النسائي ~~التى أشار إليها ابن حجر - وهو صاحب أحد كتب الحديث المشهورة - فقد رواها ~~الذهبي فقال : سئل النسائي وهو بدمشق عن فضائل معاوية فقال ، ألا يرضى رأسا ~~برأس ، حتى يفضل ؟ قال الذهبي فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المجلس وحمل ~~إلى الكوفة فتوفى بها رحمه الله . (*) # --- PageV01P128 [ 129 ] # أما الشام : فقد ذكروا أنها أرض المحشر والمنشر وأرض الابدال . . . وأن ~~نزول عيسى سيكون بهذه الارض ، وإليك بعض ما جاء فيه من الاحاديث الكثيرة : ~~روى أحمد وأبو داود والبغوى والطبراني وغيرهم : عليكم بالشام فإنها خيرة ~~الله من أرضه ، يجتبى إليها ms120 خيرته من عباده ، إن الله قد توكل بالشام وأهله ~~. وفي حديث آخر : الشام صفوة الله في بلاده يجتبى إليها صفوته من عباده فمن ~~خرج من الشام إلى غيرها فبسخطه ، ومن دخلها من غيرها فبرحمته . وروى ~~البيهقى في الدلائل عن أبى هريرة مرفوعا : الخلافة بالمدينة والملك بالشام ~~. وعن كعب الاحبار : أهل الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم ممن عصاه ! ~~ومن حديث : ستفتح عليكم الشام ، فإذا خيرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة ~~يقال لها " دمشق " - وهى حاضرة الامويين - فإنها معقل المسلمين في الملاحم ~~، وفسطاطها منها بأرض يقال لها الغوطة . وقد جعلوا دمشق (1) هذه - هي ~~الربوة التى ذكرت في القرآن الكريم " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " ~~وذلك في حديث مرفوع . وقد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنة في حديث رفعه إلى ~~النبي هذا نصه : أربعة مدائن من مدائن الجنة مكة والمدينة وبيت المقدس ~~ودمشق . وأما مدائن النار : فالقسطنطينية وطبرية وأنطاكية وصنعاء ! وبينما ~~يجعلون القسطنطينية هذه في هذا الحديث من مدن النار إذا بهم يروون هذا ~~الحديث في فضلها وذلك بعد أن أصبحت مطمح الانظار : لتفتحن القسطنطينية فنعم ~~الامير أميرها ونعم الجيش ذلك الجيش ، ولعل هذا الحديث قد وضع من أجل يزيد ~~بن معاوية لانه كان أمير الجيش في غزوة القسطنطينية . # --- # (1) مما روى في فضل دمشق ما أخرجه أبو داود عن أبى الدرداء أن رسول الله ~~قال : إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة ، إلى جانب مدينة يقال لها ~~دمشق من خير مدائن الشام . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P129 [ 130 ] # ولا نستقصي كل ما جاء في فضل الشام لانه يملا مصنفات كما قال ابن تيمية ~~في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (1) : وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في ~~فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا فيها من الآثار ~~المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه ~~دينهم ، وأمثل من نقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار ، وكان الشاميون قد ~~أخذوا عنه كثيرا من الاسرائيليات . أصل قرية الابدال كان ms121 مما خصوا به بلاد ~~الشام من الفضل - بعد أن وصفوها وأهلها بما وصفوا - أن جعلوا منها " ~~الابدال " ، وقد كانت هذه العقيدة من عوامل هدم الاسلام إذ اتخذها الصوفية ~~أصلا لطريقتهم ، وبنوا عليها ما بنوا من أوهامهم وخرافاتهم . روى الواقدي ~~(2) أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الحسن (سنة 41 ه) خطب ~~فقال : أيها الناس إن رسول الله قال : إنك ستلى الخلافة من بعدى ! فاختر ~~الارض المقدسة فإن فيها الابدال - وقد أخبرتكم فالعنوا أبا تراب ! - أي على ~~بن أبى طالب - فلما كان من الغد كتب كتابا ثم جمعهم فقرأه عليهم وفيه : هذا ~~كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحى الله الذى بعث محمدا نبيا وكان ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب ، فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا ، فكان الوحى ~~ينزل على محمد وأنا أكتبه وهو لا يعلم ما أكتب ، فلم يكن بينى وبين الله ~~أحد من خلقه ، فقال الحاضرون : صدقت (3) ! وما كاد معاوية يذكر أن الشام ~~أرض الابدال حتى ظهرت أحاديث مرفوعة عن هؤلاء الابدال نذكر منها ما يلى (4) ~~: 1 - الابدال في هذه الامة ثلاثون رجلا ، قلوبهم على قلب إبراهيم خليل # --- # (1) ص 208 ويراجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) ص 361 ج شرح نهج البلاغة ~~. (3) لم يكن معاوية في كتاب الوحى ولا خط بقلمه لفظة واحدة من القرآن . ~~(4) هذه الاحاديث أوردها السيوطي في الجامع الصغير . (*) # --- PageV01P130 [ 131 ] # الرحمن كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا (عن عبادة بن الصامت) . 2 - ~~الابدال في أمتى ثلاثون بهم تقوم الارض ! وبهم تنصرون وبهم تمطرون ! (عن ~~عبادة) . 3 - الابدال في أهل الشام بهم ينصرون وبهم يرزقون (عن عوف بن ~~مالك) . 4 - الابدال بالشام وهم أربعون رجلا ، كلما مات رجل أبدل الله ~~مكانه رجلا ، يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الاعداء ، ويصرف عن أهل الشام ~~بهم العذاب - (عن على) . . . 5 - الابدال أربعون رجلا وأربعون إمرأة ! كلما ~~مات رجل أبدل الله مكانه رجلا ، وكلما ماتت امرأة أبدل الله مكانها إمرأة - ~~(عن أنس بن مالك) . 6 - الابدال من ms122 الموالى - (عن عطاء بن أبى رباح) . وقد ~~رفع سؤال عن هذه الاحاديث إلى الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله ، ~~وقال السائل في سؤاله : وما معنى اختصاص الشام بهم ؟ وما معنى رفع العذاب ~~عن أهل الشام ونصرهم ورزقهم بالابدال ؟ وهل أهل الشام يرزقون وينصرون ويرفع ~~العذاب عنهم دون غيرهم من أهل الارض ؟ ! وقد أجاب السيد بجواب عالم مطلع ~~دقيق نختصره هنا فيما يلى (1) : بدأ رحمه الله جوابه بقوله : " إن هذه ~~الاحاديث باطلة رواية ودراية ، سندا ومتنا ، وإنما راجت في الامة بعناية ~~المتصوفة ، وقد ذكرها الحافظ ابن الجوزى في الموضوعات وطعن فيها واحدا بعد ~~واحد . . . وأحاديث الابدال اشترك فيها المتصوفة والشيعة (2) والباطنية ~~ورواة الاسرائيليات ككعب الاحبار وغيره من أصحاب الترهات الصحاصح ، دون أهل ~~الاحاديث الصحائح (3) - قال حكيمنا المحقق ابن خلدون في سياق # --- # (1) ص 747 - 754 ج 27 مجلة المنار . (2) ينفى الشيعة نفيا باتا أن يكونوا ~~قد اشتركوا في وضع أحاديث الابدال لانه ليس عندهم أبدال حتى يضعوا لهم ~~أحاديث ولا يعترفون بهم . (3) لسلطان العلماء العز بن عبد السلام رسالة ~~مطبوعة في حلب عن الابدال والغوث والقطب والنجباء ذكر فيها أن هذه الاسماء ~~ليس لها أصل في الدين الاسلامي وغير مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث صحيح ولا ضعيف . (*) # --- PageV01P131 [ 132 ] # كلامه في علم التصوف من مقدمة تاريخه ، بعد أن بين منشأ التصوف وحال أهله ~~في علمهم وعملهم ، ما نصه (1) : " ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة ~~المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى ~~الحلول والوحدة . وملاوا الصحف منه ، مثل الهروي وغيره وتبعهم ابن العربي ~~وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف . . . وكان سلفهم مخالطين للاسماعيلية ~~المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحاول وإلهية الائمة . مذهبا لم يعرف ~~لاولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر ، واختلط كلامهم وتشابهت ~~عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ومعناه رأس العارفين يزعمون ~~أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ، ثم يورث ~~مقامه لآخر من ms123 أهل العرفان . ثم قالوا بترتيب وجود الابدال بعد هذا القطب ، ~~كما قاله الشيعة في النقباء ، حتى إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ~~ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخليهم ، رفعوه إلى على رضى الله عنه ، وهو من هذا ~~المعنى أيضا ، وإلا فعلى رضى الله عنه لم يختص من بين الصحابة بتخلية ولا ~~طريقة في لباس ولا حال ، بل كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما أزهد الناس ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة ، ولم يختص أحد منهم في ~~الدين بشئ يؤثر عنه في الخصوص ، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد ~~والمجاهدة - ثم إن كثيرا من الفقهاء وأهل الفتيا انتدبوا للرد على هؤلاء ~~المتأخرين في هذه المقالات وأمثالها وشملوا بالنكير سائر ما وقع لهم في ~~الطريقة " . وأما أهل الحديث المحققون فقد تكلموا في أسانيد هذه الاحاديث ~~(2) فالحافظ ابن الجوزى حكم بوضعها - وتابعه شيخ الاسلام ابن تيمية - وكذلك ~~السخاوى ، وهو والسيوطي من تلاميذ الحافظ ابن حجر ، إلا أن الاول أدق وأدنى ~~إلى التحقيق وقد قال خبر الابدال له طرق بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة . وهذا ~~القول أصح من كلام ابن حجر نفسه : منها ما يصح ومنها ما لا يصح ! " وبعد أن ~~فند السيد رشيد هذه الاحاديث حديثا حديثا قال : # --- # (1) راجع صفحة 473 من المقدمة طبع بيروت . (2) أي أحاديث الابدال . (*) # --- PageV01P132 [ 133 ] # وذكر ملا على القارئ في الموضوعات عن ابن الصلاح أنه قال : أقوى ما روينا ~~في الابدال قول على : إنه بالشام يكون الابدال . هذا يوافق ما قاله ابن ~~تيمية في رسالته (1) في أهل الصفة والصوفية من جهة الرواية ، وأما ما حققه ~~شيخ الاسلام في المسألة من جهة الدراية فهو غاية الغايات . . ونذكر هنا بعض ~~جمل مما قال : قال رحمه الله تعالى : (فصل) وأما الاسماء الدائرة على ألسنة ~~كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذى يكون بمكة والاوتاد الاربعة ، ~~والاقطاب السبعة والابدال الاربعين والنجباء الثلثمائة - فهذه الاسماء ليست ~~موجودة في كتاب الله تعالى ولا هي مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإسناد ms124 صحيح ولا ضعيف محتمل ، إلا لفظ الابدال فقد روى فيهم حديث شامى ~~منقطع الاسناد عن على بن أبى طالب ، مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~أنه قال " إن فيهم - يعنى أهل الشام - الابدال أربعين رجلا كلما مات رجل ~~أبدله الله مكانه رجلا " ولا توجد هذه الاسماء في كلام السلف كما هي على ~~هذا الترتيب . . . إلخ ، ثم ذكر أن لفظ الغوث والغياث لا يستحقه إلا الله ~~تعالى - ثم تكلم شيخ الاسلام في مسألة الاوتاد والقطب بكلام معقول موافق ~~للغة ، وعاد إلى الابدال فقال " فأما الحديث المرفوع فالاشبه أنه ليس من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الايمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح ~~الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ، ثم في خلافة على قد ثبت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين تقتلهم أولى ~~الطائفتين بالحق " فكان على وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام " ~~. ثم عاد السيد رشيد رحمه الله فقال : " إن سبب ما ورد من الاثر المروى عن ~~على رضى الله عنه هو أن بعض جماعته كانوا يسبون أهل الشام ، فنهاهم عن ذلك ~~الاطلاق وقال : إن فيهم الابدال ، أي أن الله تعالى يبدل من أنصار معاوية ~~غيرهم أو ما هذا معناه ، فزاد فيه الرواة المتزلفون لبنى أمية ، ثم الصوفية ~~، ما زادوا # --- # (1) هي الرسالة الثالثة من مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية . (*) # --- PageV01P133 [ 134 ] # وجعلوه حديثا مرفوعا كما وضعوا أحاديث أخرى للامصار المشهورة من مدح وذم ~~- روى ابن عساكر أن كعب الاحبار (1) قال : الابدال ثلاثون . وقال أيضا ~~الابدال بالشام والنجباء بالكوفة ، ثم ذكر كثيرا من هذه الاقوال عن أهل ذلك ~~العصر في الابدال والنجباء النقباء والاخيار . ولفظ الابدال أشهر هذه ~~الالفاظ ولم يكن الناس يفهمون في القرن الثاني والثالث من هذا اللفظ ما ~~ادعاه الصوفية بعد ، بل قال الامام أحمد " إن الابدال هم أهل الحديث " . ~~وأما ما في هذه الروايات من أن الله تعالى ينصر أهل الشام ويرزقهم بالابدال ~~فهو من علل ms125 متونها ، ودلائل وضعها فالله تعالى قد جعل للنصر أسبابا تعرف من ~~كتابه ومن سننه في خلقه ، وقد أخل أفضل الامم بقيادة أفضل الرسل (عليهم ~~السلام) ببعض أسبابه في غزوة أحد فانكسروا بعد انتصار ، وظهر المشركون ~~عليهم ، ولما استغربوا ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ما بين له ذلك فقال (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنى هذا ~~؟ قل هو من عند أنفسكم . . .) ومن هذه الاسباب الاجتماعية ، ما بينه تعالى ~~بقوله (إن تنصروا الله ينصركم) وقوله (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) ~~ومن أسبابه الحسية ما أمر به بقوله : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) ومن ~~أسبابه الروحية المعنوية قوله تعالى : (إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا) الآية . وبعد أن بين ما كان عليه أهل الشام في سنة 1927 (2) من ~~البؤس وضيق الرزق ، والجيوش الفرنسية تدمر بلادهم ، وكثيرون منهم يهلكون ~~جوعا وعريا قال : فأين الابدال وأسرارهم ؟ ! واختتم كلامه رضى الله عنه ~~بقوله : " إن هذه الروايات قد أفسدت بأس الامة الاسلامية وصار المتصوفة ~~وأهل الطريق المتمسكون بها فتنة لنابتة المسلمين ينفرون أولى الاستقلال ~~العقلي والعلوم العصرية من الاسلام ، # --- # (1) في كل واد أثر من ثعلبة . (2) السنة التى كتبت فيها هذه الفتوى . (*) # --- PageV01P134 [ 135 ] # فيعدونه كغيره دين خرافات وأوهام ، كما أنهم عار على المسلمين أمام شعوب ~~البشر الراقين ، وقد بلغ من جهلهم وفساد دينهم وأخلاقهم أنهم صاروا أعوان ~~فرنسة في أفريقية من حدود تونس إلى ريف مراكش ، وقد آن لنا أن نعقل ونفهم ~~ديننا من القرآن لا من هذه الروايات المنكرة التى صرفتنا عن كتاب الله ~~تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله التى لا تحتمل التأويل ، ولا ينال ~~منها التضليل ، وآن لنا أن ندوس هؤلاء المضلين وكل من ينصرهم ويتأول لهم من ~~سدنة القبور المعبودة ، لاعتقاد العامة أن الرزق وسعادة الدنيا ، تطلب من ~~المدفونين فيها ، فقد صارت أمتنا بهذه الخرافات تحت أرجل جميع الامم ، ولا ~~تزال عامتها تعتقد أن الميتين ورجال الغيب هم سبب رزقها ودفع البلاء عنها ms126 " ~~اه (1) . دولة بنى العباس : وإذا كانت قد رويت أحاديث في فضل معاوية والشام ~~، فإن دولة بنى العباس قد ظفرت هي الاخرى بأحاديث تشد أزرها بعد أن أدبرت ~~دولة بنى أمية وقامت هي على أنقاضها ، وهاك بعضا منها : روى البزار : عن ~~أبى هريرة أن رسول الله قال للعباس : فيكم النبوة والمملكة . وأخرجه كذلك ~~أبو نعيم في الدلائل وابن عدى في الكامل - وابن عساكر وروايته " فيكم ~~النبوة وفيكم المملكة " . وروى الترمذي عن ابن عباس ، أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) دعا للعباس بدعاء قال فيه : واجعل الخلافة باقية في عقبه . ~~وروى الطبراني ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : الخلافة في ولد عمى ~~وصنو أبى حتى يسلموها إلى المسيح (2) . وقد امتد وضع الحديث إلى السفاح ، ~~فقد روى أحمد عن أبى سعيد الخدرى # --- # (1) فليسمع من لا يزالون يكابرون في الحقائق . (2) وقد صحت نبوءة الحديث ~~فظل الملك في بنى العباس حتى تسلمه منهم المسيح ! ! (*) # --- PageV01P135 [ 136 ] # أن رسول الله قال : يخرج رجل من أهل بيتى عند انقطاع الزمان وظهور الفتن ~~، يقال له السفاح ! ! وبمناسبة الكلام عن دولة بنى العباس نذكر ما رواه ~~السيوطي في كتابه " تاريخ الخلفاء " عن المتوكل : قال أظهر الميل إلى السنة ~~ونصر أهلها واستقدم المحدثين إلى سامراء وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن ~~يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية - وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في ~~الثناء عليه والتعظيم له - حتى قال قائلهم : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر ~~الصديق في قتل أهل الردة ، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم والمتوكل في ~~إحياء السنة وإماتة التجهم . ودولة نبى العباس هذه التى رويت لها كل هذه ~~الاحاديث ، كان من آثارها - كما قال بعض كبار المؤرخين - أن افترقت كلمة ~~الاسلام ، وسقط اسم العرب من الديوان واستولت عليها الديلم ثم الاتراك ، ~~وصارت لهم دولة عظيمة ، وانقسمت ممالك الارض عدة أقسام ! ذم الاتراك : ~~ولمناسبة ذكر الاتراك نقول : إنه لما استكثر المعتصم (1) من الاتراك حتى ~~امتلات بهم بغداد كانوا يؤذون الناس ويظلمونهم - فكره أهل بغداد مجيئهم إذ ~~كانوا في حلهم وترحالهم ms127 شؤما عليهم ، فأخذ المحدثون يروون في ذم الاتراك ~~أحاديث رفعوها إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها ، أن الترك أول من ~~يسلب أمتى ما خولوا . وعن ابن عباس : ليكونن الملك - أو الخلافة - في ولدى ~~، حتى يغلبهم على عزهم الحمر الوجوه ، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة . ~~وعن أبى هريرة : لا تقوم الساعة حتى يجئ قوم عراض الوجوه صغار الاعين ، فطس ~~الانوف ، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ دجلة ، وقد رواه أحمد في مسنده عن أبى ~~هريرة بلفظ آخر نصه : قال رسول الله : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك ~~صغار العيون حمر الوجوه ذلف الانوف كأن وجوههم المجان المطرقة . # --- # (1) كانت أم المعتصم تركية . (*) # --- PageV01P136 [ 137 ] # وقد مر بك من قبل حديث " القسطنطينية " . وإذا أردت المزيد من ذلك فارجع ~~إلى كتاب " تاريخ الخلفاء للسيوطي " . كيف استجازوا وضع الاحاديث لم يشأ ~~وضاع الحديث أن يدعوا عملهم بغير أن يسندوه بأدلة تسوغ ما يضعون فقد أخرج ~~الطحاوي في المشكل عن أبى هريرة مرفوعا : إذا حدثتم عنى حديثا تعرفونه ولا ~~تنكروبه فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ! فإنى أقول ما يعرف ولا ينكر ، وإذا ~~حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه ، فكذبوا به ، فإنى لا أقول ما ينكر ~~ولا يعرف . ويشبه هذا الحديث حديث آخر رواه أحمد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم وتلين له أبشاركم ، ~~وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم ~~وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد ، فأنا أبعدكم منه . قال ~~السيد رشيد إن إسناده جيد (1) . وقال خالد بن يزيد سمعت محمد بن سعيد ~~الدمشقي يقول : إذا كان كلام حسن ، لم أر بأسا من أن أجعل له إسنادا (2) . ~~وأخرج في الحلية عن ابن مهدى عن أبى لهيعة ، أنه سمع شيخا من الخوارج يقول ~~بعد أن تاب : إن هذه الاحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا ~~إذا هوينا أمرا صيرنا له حديثا . قال الحافظ ابن حجر : هذه والله قاصمة ~~الظهر للمحتجين بالمرسل ms128 ، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الاسلام والصحابة ~~متوافرون ، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه ~~حديثا وأشاعوه ، فربما سمع الرجل الشئ فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا ~~للظن ، فيحمله عنه غيره ويجئ الذى يحتج بالمنقطعات فيحتج به ، مع كون أصله ~~ما ذكرت ! # --- # (1) ص 228 ج 9 تفسير المنار . (2) ص 32 ج 1 النووي على مسلم . (*) # --- PageV01P137 [ 138 ] # الوضاع الصالحون لم يكن وضع الحديث على رسول الله مقصورا على أعداء الدين ~~وأصحاب الاهواء فحسب - كما بينا - وإنما كان الصالحون من المسلمين يضعون ~~كذلك أحاديث على رسول الله ، ويجعلون ذلك حسبة لله بزعمهم ، ويحسبون أنهم ~~بعملهم هذا يحسنون صنعا ، وإذا سألهم سائل . كيف تكذبون على رسول الله ، ~~قالوا : نحن نكذب له لا عليه ! وإن الكذب على من تعمده ! روى مسلم في كتابه ~~عن يحيى بن سعيد القطان قال : لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث - ~~وفي رواية - لم نر أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث ، يعنى أنه - كما ~~قال مسلم : يجرى على لسانهم ولا يتعمدون الكذب (1) . وروى مسلم عن أبى ~~الزناد قال : أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث (2) . ~~قال الحافظ ابن حجر (3) وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث الترغيب ~~والترهيب وقالوا : نحن لم نكذب عليه ، بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته ! ! وما ~~دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضى الكذب على الله لانه ~~إثبات حكم من الاحكام الشرعية ، سواء كان في الايجاب أو الندب ، وكذا ~~مقابلهما وهو الحرام والمكروه ، ولا يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية حيث ~~جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة ~~واحتج بأنه كذب له لا عليه وهو جهل باللغة العربية (4) . قال عبد الله ~~النهاوندي : قلت لغلام أحمد ، من أين لك هذه الاحاديث التى تحدث بها في ~~الرقائق ؟ فقال وضعناها لنرقق بها قلوب العامة ، قال ابن الجوزى # --- # (1) هذه من بلايا تلك الكلمة " متعمدا " التى يتشبث بها ms129 الذين يزعمون ~~أنهم من المحدثين (ص 132 ج 1 فتح الملهم) . (2) من قواعدهم : أن الورع لا ~~يقتضى صحة الرواية . (3) ص 161 ج 1 فتح الباري . (4) ليت الحشوبة يفقهون ما ~~قاله الحافظ الكبير ، ولكن أنى لهم الفقه ! أو الفهم . (*) # --- PageV01P138 [ 139 ] # عن غلام أحمد هذا : إنه كان يتزهد ويهجر شهوات الدنيا ، ويتقوت الباقلاء ~~صرفا ، وغلقت أسواق بغداد يوم موته . وكان أحمد بن محمد الفقيه المروزى - ~~من أصلب أهل زمانه في السنة ، وأكثرهم مدافعة عنها ، ويحقر كل من خالفها ، ~~وكان مع ذلك يضع الحديث ويقلبه . وأخرج البخاري في التاريخ الاوسط عن عمر ~~بن صبيح بن عمران التميمي أنه قال : أنا وضعت خطبة النبي ، وأخرج الحاكم في ~~المدخل بسنده إلى أبى عمار المروزى ، أنه قيل لابي عصمة : من أين لك عن ~~عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ ~~فقال إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبى حنيفة ، ومغازى ~~، ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة . لطيفة وقد بلغ من أمرهم أنهم يضعون ~~الحديث لاسباب تافهة ، ومن أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن سيف بن عمر ~~التميمي (1) قال : كنت عند سعد بن طريف فجاء ابنه من الكتاب يبكى ! فقال له ~~مالك ؟ قال : ضربني المعلم . قال : لاخزينهم اليوم ! حدثنا عكرمة عن ابن ~~عباس مرفوعا : " معلمو صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على ~~المساكين " والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصى الوضع بالادراج قد يأتي الوضع ~~من الراوى للحديث غير مقصود له - وعدوا ذلك من باب " الادراج " ، والحديث " ~~المدرج " ما كانت فيه زيادة ليست منه . وقال أهل الاثر إن الادراج نوعان . ~~إدراج في الاسناد وإدراج في المتن . # --- # (1) وسيف بن عمر هذا كان كذابا وكان أشهر من روى عنهم الطبري في التاريخ ~~وغيره من كتبه . (*) # --- PageV01P139 [ 140 ] # وإدراج المتن يكون في أول الحديث ، مثل حديث أبى هريرة الذى رواه الخطيب ~~أن رسول الله قال : " أسبغوا الوضوء ، ويل للاعقاب من النار " فقوله : " ~~أسبغوا الوضوء " مدرج من قول أبى هريرة . ويكون الادراج ms130 في أثناء الحديث ~~مثل حديث فضالة عند النسائي " أنا زعيم - والزعيم الحميل - لمن آمن بى ~~وأسلم وجاهد في سبيل الله ، يبيت في ربض الجنة . فقوله : والزعيم الحميل - ~~مدرج في الحديث . أما الادراج الذى في آخر الحديث ، فقد جاء في حديث الكسوف ~~- وهو في الصحيح : أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينخسفان لموت ~~أحد ولا لحياته - فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة . قال ~~الغزالي إن هذه الزيادة لم يصح نقلها فيجب تكذيب قائلها . هل يمكن معرفة ~~الموضوع ذكر المحققون أمورا كلية يعرف بها أن الحديث موضوع ، منها : ~~مخالفته لظاهر القرآن ، أو السنة المتواترة ، أو الاجماع القطعي أو القواعد ~~المقررة في الشريعة أو للبرهان العقلي أو للحس والعيان ، وسائر اليقينات أو ~~اشتمال الحديث على مجازفات في الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، أو كان ~~مناقضا لما جاءت به السنة الصريحة ، أو كان باطلا في نفسه ، أو ما تقوم ~~الشواهد الصحيحة على بطلانه ، أو لا يشبه كلام الانبياء ، أو كان بكلام ~~الاطباء أشبه ، أو يشتمل على تواريخ الايام المستقبلة ، أو يكون سمجا أو ~~يسخر منه - وغير ذلك . ومنها ، أن تقوم الشواهد الصحيحة ، أو تجارب العلم ~~الثابتة ، على بطلانه أو يكون ركيكا في معناه . وقال ابن حجر العسقلاني : ~~المراد في الركة على " المعنى " فحيثما وجدت دلت على الوضع ، لان هذا الدين ~~كله محاسن - أما ركاكة " اللفظ " فلا تدل على ذلك ، لاحتمال أن يكون الراوى ~~قد رواه بالمعنى فغير ألفاظه بغير فصيح . وقال ابن الجوزى : إن الحديث ~~المنكر ، يقشعر له جلد الطالب للعلم ، وينفر # --- PageV01P140 [ 141 ] # منه قلبه ، يعنى الممارس لالفاظ الشارع الخبير بها ، وبرونقها وبهجتها . ~~وقال : إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الاصول ~~فاعلم أنه موضوع . وقال الرببع بن خيثم : إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه ~~، وظلمة كظلمة الليل تنكره . رواه الخطيب . وأخرج أبى حاتم عن ابن مسعود : ~~إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله . وعن ابن جبير ، ما بلغني ~~حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب ms131 الله (1) . وأخرج البيهقى بسنده عن ~~ابن عباس قال : إذا حدثتكم بحديث عن رسول الله فلم تجدوا تصديقه في الكتاب ~~(2) ، أو هو حسن في أخلاق الناس ، فإنه كاذب (3) . والاحاديث الموضوعة لا ~~يمكن حصرها ، وقد جمع منها ابن الجوزى والسيوطي وغيرهما مجلدات كثيرة يمكن ~~الرجوع إليها . وقد عقد العالم القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " بابا عن ~~الحديث الموضوع ختمه بفصلين نلخصهما فيما يأتي وقد جعل عنوانهما : هل يمكن ~~معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده ؟ سئل الامام شمس الدين بن القيم : ~~هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده ؟ فقال : هذا ~~سؤال عظيم القدر ، وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة ، وخلطت ~~بلحمه ودمه وصار له فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ، ومعرفة ~~سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ، ويخبر عنه # --- # (1) ص 39 من كتاب المرقاة . (2) أي كتاب الله . (3) ص 17 من كتاب مفتاح ~~الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي . (*) # --- PageV01P141 [ 142 ] # ويدعو إليه ، ويحبه ويكرهه ، ويشرعه للامة كأنه مخالط له (صلى الله عليه ~~وسلم) . فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأفعاله وأقواله ، وما يجوز ~~أن يخبر به ، وما لا يجوز ، ما لا يعرفه غيره - وهذا شأن كل متبوع مع تابعه ~~فإن للاخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها ، والتمييز بين ~~ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ، ليس كمن لا يكون كذلك . . . إلخ . وقال ~~ابن دقيق العيد : " كثيرا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروى ~~وألفاظ الحديث ، وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم ، لكثرة محاولة ألفاظ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، هيئة نفسانية ، وملكة قوية عرفوا بها ما يجوز أن يكون ~~من ألفاظ النبوة وما لا يجوز " . للقلب السليم إشراف على معرفة الموضوع وفي ~~فصل لابي الحسن على بن عروة الحنبلى : " القلب إذا كان نقيا نظيفا زاكيا ~~كان له تمييز بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، والهدى والضلال ، ولا ~~سيما إذا كان قد حصل ms132 له إضاءة وذوق من النور النبوى ، فإنه حينئذ تظهر له ~~خبايا الامور ودسائس الاشياء والصحيح من السقيم ، ولو ركب على متن ألفاظ ~~موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو على متن صحيح إسناد ضعيف ، لميز ذلك وعرفه ~~وذاق طعمه ، وميز بين غثه وسمينه ، وصحيحه وسقيمه ، فإن ألفاظ الرسول لا ~~تخفى على عاقل ذاقها ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله (1) " رواه الترمذي من حديث أبى سعيد . وقال ~~جماعة من السلف في قوله تعالى : " إن في ذلك لآيات للتموسمين " - أي ~~للمتفرسين . وقال معاذ بن جبل : " إن للحق منارا كمنار الطريق " . هذا وإن ~~القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الافعال والاعمال فإذا # --- # (1) قال أوس بن حجر : الالمعى الذى يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا * # --- PageV01P142 [ 143 ] # سمع الحديث عرف مخرجه من أين ، وإن لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد . فمن ~~كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ، ميز بين الاشياء كذبها وصدقها . . ~~والله سبحانه وتعالى يلهم الصادق الذكى معرفة الصدق من الكذب ، كما في ~~الحديث : " الصدق طمأنينة والكذب ريبة " وقال لوابصة : " استفت قلبك " ، ~~وقد ترك النبي أمته على البيضاء ليلها كنهارها . . وكلام الرسول ولا ريب ~~عليه جلالة وفيه فحولة ليست لغيره من الناس . . وقال ابن تيمية : القلب ~~المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعى . . . فمتى ما وقع عنده ~~، وحصل في قلبه ما يظن معه أن هذا الامر ، أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله ، ~~كان ترجيحا بدليل شرعى - والذين أنكروا كون الالهام ليس طريقا إلى الحقائق ~~مطلقا ، اخطأوا . فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه ، كان ترجيحه لما ~~رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة ، فإلهام هذا دليل في حقه وهو أقوى من كثير ~~من الاقيسة الضعيفة والموهومة ، والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج ~~بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه . وقال عمر : " الحق ~~آبلج لا يخفى عن فطن " ، وقال حذيفة بن اليمان : " إن في قلب المؤمن سراجا ~~يزهر " ، وكلما قوى الايمان في القلب ms133 قوى انكشاف الامور له وعرف حقائقها من ~~بواطلها ، وكلما ضعف الايمان ضعف الكشف ، وذلك مثل السراج القوى والسراج ~~الضعيف في البيت المظلم . . وفي الصحيح عن النبي " قد كان في الامم قبلكم ~~محدثون ، فإن يكن في أمتى منهم أحد فعمر " والمحدث هو الملهم المخاطب في ~~سره ، وقد كان أبو سليمان الدارانى يسمى أحمد بن عاصم الانطاكي " جاسوس ~~القلب " لحدة فراسته . . اه ما قلناه ملخصا من هذين الفصلين (1) . ومما يجب ~~أن يكون من موازين الحديث الصحيح ألا يمجه الذوق السليم مثل حديث " الذباب ~~" ، وألا يخالف أغراض الاسلام العليا التى ترمى إلى سعادة الانسان في ~~الدينا والاخرة . # --- # (1) ص 147 - 155 باختصار . (*) # --- PageV01P143 [ 144 ] # الكاذبون وما جنوا من الافتراء على النبي صلوات الله عليه قال حماد بن ~~زيد : وضعت الزنادقة على رسول الله اثنى عشر ألف حديث . وقال المهدى : أقر ~~عندي رجل من الزنادقة أنه وضع 400 حديث ، فهى تجول في أيدى الناس . وأخرج ~~ابن عساكر عن الرشيد أنه جئ إليه بزنديق فأمر بقتله ، فقال : يا أمير ~~المؤمنين ، أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم أحرم فيها الحلال وأحل ~~فيها الحرام . ولما أخذ عبد الكريم بن أبى العوجاء بضرب عنقه قال : لقد ~~وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال ، وأحلل الحرام . وقال إسحاق ~~بن راهويه وهو شيخ البخاري أحفظ أربعة آلاف حديث مزورة . وعن سهل بن السرى ~~الحافظ قال : وضع أحمد بن عبد الله الجوبيارى ، ومحمد بن عكاشة الكرماني ، ~~ومحمد بن تميم الفارابى على رسول الله أكثر من عشرة آلاف حديث . وقال ~~البخاري : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح . والاخبار في ~~ذلك أكثر من أن تحصى ، ومن أراد أن يستزيد منها فليرجع إلى مظانها ، وبخاصة ~~كتاب تحذير الخواص للسيوطي . ونقف من نقلنا عند ذلك وهو كفاية . # --- PageV01P144 [ 145 ] # الاسرائيليات في الحديث لما قويت شوكة الدعوة المحمدية واشتد ساعدها ، ~~وتحطمت أمامها كل قوة تنازعها ، لم ير من كانوا يقفون أمامها ويصدون عن ~~سبيلها ، إلا أن يكيدوا لها من طريق الحيلة والخداع ms134 ، بعد أن عجزوا عن ~~النيل منها بعدد القوة والنزاع . ولما كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~ليهود ، لانهم بزعمهم شعب الله المختار ، فلا يعترفون لاحد غيرهم بفضل ، ~~ولا يقرون لنبى بعد موسى برسالة ، فإن رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدا - ~~وبخاصة بعد أن غلبوا على أمرهم وأخرجوا من ديارهم (1) - من أن يستعينوا ~~بالمكر ، ويتوسلوا بالدهاء ، لكى يصلوا إلى ما يبتغون ، فهداهم المكر ~~اليهودي إلى أن يتظاهروا بالاسلام ويطووا نفوسهم على دينهم ، حتى يخفى ~~كيدهم ، ويجوز على المسلمين مكرهم ، وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم ~~مكرا ، كعب الاحبار ووهب بن منبه ، وعبد الله بن سلام . ولما وجدوا أن ~~حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأن المسلمين قد سكنوا ~~إليهم ، واغتروا بهم ، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، ~~وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التى قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات ، ~~وأوهام وترهات لكى تهى هذه الاصول وتضعف . ولما عجزوا عن أن ينالوا من ~~القرآن الكريم لانه قد حفظ بالتدوين ، واستظهره آلاف من المسلمين ، وأنه قد ~~أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف - اتجهوا إلى ~~التحدث عن النبي فافتروا - ما شاءوا أن يفتروا - عليه أحاديث لم تصدر عنه ~~(2) ، وأعانهم على ذلك أن ما تحدث به النبي في حياته لم يكن محدود المعالم ~~، ولا محفوظ الاصول ، لانه لم يكتب في عهده صلوات الله عليه كما كتب القرآن ~~، ولا كتبه صحابته من بعده ، وأن في # --- # (1) أجلى عمر يهود خيبر إلى أذرعات وغيرها سنة 20 ه ، وأجلى يهود نجران ~~إلى الكوفة ، وقسم وادى القرى ونجران بين المسلمين (ص 108 ج 8 البداية ~~والنهاية لابن كثير) ، وذلك لمن لم يكن معه عهد من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . (2) قال ابن الجوزي : لما لم يستطيع أحد أن يدخل في القرآن ما ليس ~~منه أخذ أقوام يزيدون في الحديث ويضعون ما لم يقل (ص 14 ج 2 تاريخ ابن ~~عساكر) . (*) # --- PageV01P145 [ 146 ] # استطاعة كل ذى هوى ms135 أو دخلة سيئة ، أن يتدسس إليه بالافتراء ، ويسطو عليه ~~بالكذب ، ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا ~~يعلمون من أمور العالم الماضية - واليهود بما لهم من كتاب ، وما فيهم من ~~علماء ، كانوا يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الاديان السابقة ، ~~إن كانوا مخلصين صادقين . قال الحكيم بن خلدون (1) عندما تكلم عن التفسير ~~النقلي ، وأنه كان يشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود : والسبب في ~~ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، وإنما غلبت عليهم البداوة ~~والامية ، وإذا تشوفوا إلى معرفة شئ مما تتشوف إليه النفوس البشرية في ~~أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب ~~قبلهم ، ويستفيدونه منهم (2) ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من ~~النصارى ، مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه وعبد الله ابن سلام وأمثالهم ، ~~فامتلات التفاسير من المنقولات عندهم . . وتساهل المفسرون في مثل ذلك ~~وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كلها كما قلنا من التوراة ، أو ~~مما كانوا يفترون . وقال في موضع آخر من مقدمته (3) : " وكثيرا ما وقع ~~للمؤرخين والمفسرين ، وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ، ~~لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، لم يعرضوها على أصولها ، ولا ~~قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات ~~، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار ، فضلوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء ~~الوهم والغلط . وقال الدكتور أحمد أمين : اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه ~~وكعب الاحبار وعبد الله بن سلام ، # --- # (1) ص 439 و440 من المقدمة . (2) كان ابن إسحق يحمل عن اليهود والنصارى ~~ويسميهم في كتبه أهل العلم الاول - ص 8 ج 18 معجم الادباء . (3) ص 9 في ~~المقدمة . (*) # --- PageV01P146 [ 147 ] # واتصل التابعون بابن جريج - وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة ~~والانجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير المسلمون بأسا من أن يقصوها بجانب آيات ~~القرآن فكانت منبعا من منابع التضخم " اه (1) . من أجل ذلك كله أخذ أولئك ~~الاحبار يبثون في الدين الاسلامي أكاذيب وترهات ، يزعمون مرة أنها في ms136 ~~كتابهم أو من مكنون علمهم ، ويدعون أخرى أنها مما سمعوه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وهى في الحقيقة من مفترياتهم ، وأنى للصحابة أن يفطنوا لتمييز ~~الصدق من الكذب من أقوالهم وهم من ناحية لا يعرفون العبرانية (2) التى هي ~~لغة كتبهم ، ومن ناحية أخرى كانوا أقل منهم دهاء وأضعف مكرا ، وبذلك راجت ~~بينهم سوق هذه الاكاذيب ، وتلقى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء ~~الدهاة بغير نقد أو تمحيص ، مغتبرين أنه صحيح لا ريب فيه . وقبل أن نعرض ~~لبيان بعض الاسرائيليات التى إمتلات بها كتب التفسير والحديث والتاريخ ، ~~نؤرخ هنا بإيجاز لزعماء هؤلاء الاحبار : كعب ووهب ، وعبد الله بن سلام . ~~كعب الاحبار (3) هو كعب بن ماتع الحميرى من آل ذى رعين ، وقيل من ذى الكلاع ~~، ويكنى أبا إسحاق من كبار أحبار اليهود ، وعرف بكعب الاحبار وأسلم في عهد ~~عمر على التحقيق وسكن المدينة في خلافته ، وكان معه في فتح القدس ، ثم تحول ~~إلى الشام # --- # (1) ص 139 ج 2 ضحى الاسلام . (2) روى البخاري عن أبى هريرة : أن أهل ~~الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام ~~(ص 285 ج 2) . (3) كان الاستاذ سعيد الافغاني قد نشر بمجلة الرسالة مقالة ~~ذكر فيها أن الصهيوني الاول هو عبد الله بن سبأ ، فرددنا عليه بمقال مفصل ~~أثبتنا فيه أن الصهيوني الاول هو كعب الاحبار ، ونشر هذا الرد بالعدد 656 ~~من الرسالة . (*) # --- PageV01P147 [ 148 ] # في زمن عثمان فاستصفاه معاوية وجعله من مستشاريه لكثرة علمه (1) ، كما ~~كانوا يفهمون ، وهو الذى أمره أن يقص في بلاد الشام (2) وبذلك " أصبح أقدم ~~الاخباريين في موضوع الاحاديث اليهودية والاسلامية ، وبواسطة كعب وابن منبه ~~وسواهما من اليهود الذين أسلموا تسربت إلى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود ~~- الاسرائيليات - وما لبثت هذه الروايات أن أصبحت جزءا من الاخبار الدينية ~~والتاريخية . وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ إنه قدم من اليمن في دولة ~~أمير المؤمنين عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم وروى عن جماعة من التابعين ~~مرسلا مات بحمص (3) في سنة 32 أو 33 أو 38 ms137 بعد ما ملا الشام وغيرها من ~~البلاد الاسلامية اليهودية برواياته وقصصه المستمدة من الاخبار ، كما فعل ~~تميم الدارى في الاخبار النصرانية (4) . سبب إسلامه : افتجر هذا الكاهن ~~لاسلامه سببا عجيبا ليتسلل به إلى عقول المسلمين وقلوبهم ! فقد أخرج ابن ~~سعد بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال : قال العباس لكعب : ما منعك أن تسلم ~~في عهد النبي وأبى بكر ؟ فقال : إن أبى كتب لى كتابا من التوراة ، فقال ~~أعجل به ! وختم على سائر كتبه ، وأخذ # --- # (1) ص 164 من الاسلام والحضارة العربية ، وكيف لا يوصف كعب بكثرة العلم ~~وقد قال لقيس بن خرشة القيسي : ما من شبر في الارض إلا وهو مكتوب في ~~التوراة التى أنزل على نبيه موسى عليه السلام ما يكون عليه وما يخرج منه ~~إلى يوم القيامة - رواه الطبري والبيهقي في الدلائل . وص 533 ج 2 من ~~الاستيعاب لابن عبد البر . (2) ص 323 ج 5 في الاصابة . (3) على أن كعبا قد ~~مات بحمص ودفن بها فإنهم في مصر قد جعلوا له قبرا أقاموا عليه قبة عالية ~~يزورها الناس ويتبركون بها ، وهذه القبة قائمة بمسجد كبير في شارع الناصرية ~~في القاهرة تنفق عليه وزارة الاوقاف من أموالها ، وحمص التى دفن فيها كعب ~~ليست كغيرها من بلدان المسلمين فقد رووا فيها حديثا رفعوه إلى النبي صلى ~~الله عليه وآله هذا لفظه : " ليبعثن الله تعالى من مدينة بالشام يقال لها " ~~خمص " سبعين ألفا يوم القيامة ، لا حساب عليهم ولا عذاب " ، ولا ريب أن هذا ~~كله من بركات جثمان سيدنا كعب . . ومن حقه على الله ! ! ومن العجيب أنهم ~~أسندوا هذا الحديث إلى عمر ! ! (راجع الجزء الثاني من الجامع الصغير ~~للسيوطي) . وذكر ابن جبير في رحلته أن بالجيزة قبرا لكعب الاحبار ص 25 . ~~(4) ص 97 ج 2 ضحى الاسلام . (*) # --- PageV01P148 [ 149 ] # على بحق الوالد على الولد - ألا أفض الختم عنها . فلما رأيت ظهور الاسلام ~~، قلت لعل أبي غيب عنى علما ! ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته ! فجئت الآن ~~مسلما ! وروى عبد الله بن عمر (1) أن رجلا ms138 من أهل اليمن جاء إلى كعب ~~الاحبار فقال له : إن فلانا الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة ، فقال كعب : ~~هاتها ، فقال له الرجل : إنه يقول لك : ألم تكن سيدا شريفا مطاعا ! فما ~~الذى أخرجك من دينك إلى أمة محمد ؟ فقال له كعب : أتراك راجعا إليه ؟ قال : ~~نعم ، قال : فإن رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه ، لئلا يفر منك ، وقل له : يقول ~~لك : أسألك بالذى فلق البحر لموسى ، وأسألك بالله الذى ألقى الالواح إلى ~~موسى بن عمران فيها علم كل شئ ! ألست تجد في كلمات الله تعالى : أن أمة ~~محمد ثلاثة أثلاث ، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حسابا ~~يسيرا ثم يدخلون الجنة ، وثلث يدخلون الجنة بشفاعة أحمد ، فإنه سيقول لك : ~~نعم ، فقل له : يقول لك كعب : اجعلني في أي الا ثلاث شئت ! " اه . وقال ابن ~~حجر في الاصابة : إنه روى عن النبي مرسلا وروى عنه في الصحابة ابن عمر وأبو ~~هريرة وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وغيرهم (2) . وقال الذهبي في سير ~~أعلام النبلاء : وحدث عنه عبد الله بن جنظلة (3) وأسلم مولى عمر وتبيع ~~الحميرى وأبو سلام الاسود ، وروى عنه عدة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره ~~مرسلا . وقع له رواية في سنن أبى داود والترمذي والنسائي (4) . وهب بن منبه ~~ذكر المؤرخون أنه فارسي الاصل جاء جده إلى اليمن في جملة من بعثهم كسرى ~~لنجدة اليمن على الحبشة ، فأقاموا هناك وتناسلوا وصاروا يعرفون بين العرب # --- # (1) ص 266 ج 1 في حياة الحيوان . (2) ص 323 ج 5 في الاصابة ، وانظر ~~كتابنا " شيخ المضيرة " . (3) ص 218 ج 3 . (4) ص 322 في نفس المصدر . (*) # --- PageV01P149 [ 150 ] # " بالابناء " أي أبناء الفرس ، ومنهم طاوس بن كيسان التابعي المشهور . ~~وكان آباء وهب على دين الفرس (المجوسية أو الزردشتية) ، فلما أقاموا بين ~~اليهود باليمن ، أخذوا عنهم آداب اليهود وتقاليدهم فتعلموا شيئا من ~~النصرانية ، وكان يعرف اليونانية وعنده من علم أهل الكتاب شئ كثير . ولكن ~~ضعفه الفلاس (1) . أدرك عدة من الصحابة وروى عنهم ، وكذلك روى عنه كثير من ~~الصحابة منهم أبو ms139 هريرة وعبد الله بن عمرو وابن عباس وغيرهم ، وكان للعرب ~~ثقة بهم . وذكر الامام أحمد أن والده منبها فارسي أخرجه كسرى إلى اليمن ~~فأسلم ، وأن إبنه وهبا كان يختلف من بعده إلى بلاده بعد فتحها . ومن أقواله ~~: إنى قرأت من كتب الله 72 كتابا . . . وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : إنه ~~عالم أهل اليمن ولد سنة 34 ه وتوفى بصنعاء سنة 110 ه . أو بعد ذلك بسنة أو ~~أكثر ، وقيل إنه توفى سنة 116 (1) ه . عبد الله بن سلام هو أبو الحارث ~~الاسرائيلي ، أسلم بعد أن قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وهو من ~~أحبار اليهود ، حدث عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وجماعة ، وقال فيه وهب بن ~~منبه الاسرائيلي : كان أعلم أهل زمانه ، وكعب أعلم أهل زمانه ، وقد مات سنة ~~40 ه . كيف استحوذوا على عقول المسلمين اتبع هؤلاء الاحبار بدهائهم العجيب ~~طرقا غريبة لكى يستحوذوا بها على عقول المسلمين ، ويكونوا محل ثقتهم ، ~~وموضع احترامهم ، وإليك طرفا من هذه الاساليب العجيبة : * (هلمش) * (1) ص ~~171 ج 2 مقدمة فتح الباري . (*) # --- PageV01P150 [ 151 ] # أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام (1) - وهو أحد كبار اليهود الذين ~~أسلموا - أنه مكتوب في التوراة في السطر الاول : محمد رسول الله عبده ~~المختار ، مولده مكة ومهاجره طيبة ، وأخرج كذلك ، مكتوب في التوراة صفة ~~النبي وعيسى بن مريم يدفن معه . وهذا الذى أخرجه الترمذي عن ابن سلام قد ~~أحكمه الداهية كعب : فقد وى الدارمي عنه - في صفة النبي في التوراة قال : ~~في السطر الاول محمد رسول الله عبده المختار ، مولده مكة ومهاجره طيبة ~~وملكه بالشام (2) . وقد بحثنا عن السطر الثاني من هذه الاسطورة حتى وجدناه ~~في سنن الدارمي كذلك عن الداهية الاكبر كعب : فقد روى ذكوان عنه قال : في ~~السطر الاول محمد رسول الله عبده المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب ~~بالاسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته ~~بطيبة وملكه بالشام (3) . وفي السطر الثاني : محمد رسول الله أمته الحمادون ~~، يحمدون الله في السراء ms140 والضراء ، يحمدون الله في كل منزل ، ويكبرون على ~~كل شرف ، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، ~~ويأتزرون على أوساطهم ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جو السماء ~~كأصوات النحل . وهذا الكلام قد أورده ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس في ~~جواب لكعب ، وقد امتدت هذه الخرافة إلى أحد تلاميذ كعب عبد الله بن عمرو بن ~~العاص . فقد روى البخاري عن عبد الله بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو ~~بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة ، قال : أجل ، والله ~~(4) إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يأيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا # --- # (1) ص 274 ج 4 فتح الباري . (2) ممن رووا عن عبد الله بن سلام أبو هريرة ~~وأنس بن مالك . (3) تخصيص الملك بالشام في قول كعب إنما جاء لغرض سياسي ~~خطير ، مر بك شئ من خبره ، وسيأتيك نبأ عنه فيما بعد . (4) هكذا يورطه ~~أستاذه حتى يقسم بالله . ولا حول ولا قوة إلا بالله ! (*) # --- PageV01P151 [ 152 ] # ونذيرا وحرزا للاميين ، أنت عبدى ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا ~~غليظ ولا سخاب (1) في الاسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، بل يعفو ويغفر ، ~~ولا يقبضه الله حتى يقيم به المللة العوجاء بأن يقولوا : " لا إله إلا الله ~~" ويفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا . وزاد ابن كثير ، قال ابن ~~يسار ، ثم لقيت كعبا الحبر فسألته فما اختلفا في حرف . وكيف يختلفان وكعب ~~هو الذى علمه ! وروى السيوطي في الاتقان (2) ، أن كعب الاحبار قال : في ~~التوراة : يا محمد ، إنى منزل عليك توراة حديثة ، تفتح أعينا عميا ، وآذانا ~~صما ، وقلوبا غلفا . وروى الجواليقى في كتاب المغرب (3) قال : قال ابن ~~الاعرابي : ذكر عن كعب الاحبار أنه قال : أسماء النبي في الكتب السالفة : ~~محمد وأحمد وحمياط - أي حامى الحرم ! وروى القاضى عياض في الشفاء (4) أن ~~وهب بن منبه قال : قرأت في أحد وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلا ، وأفضلهم رأيا ms141 ، وفي رواية أخرى : ~~فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى ~~إنقضائها من العقل في جنب عقله (صلى الله عليه وسلم) إلا كحبة رمل من رمال ~~الدينا . كعب وعمر لما قدم كعب إلى المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه ، أخذ ~~يعمل بدهاء ومكر لما أسلم من أجله ، من إفساد الدين وافتراء الكذب على ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) . ومما أغراه بالرواية أن عمر بن الخطاب كان في ~~أول أمره يستمع إليه على اعتبار أنه قد أصبح مسلما صادق الايمان ، فتوسع في ~~الرواية الكاذبة ما شاء أن # --- # (1) سخاب بالسين لغة أثبتها الفراء وغيره ، والاشهر بالصاد . (2) ص 53 ج ~~1 . (3) ص 122 . (4) ص 55 ج 1 . (*) # --- PageV01P152 [ 153 ] # يتوسع . قال ابن كثير (1) : " لما أسلم كعب في الدولة العمرية جعل يحدث ~~عمر رضى الله عنه ، فر بما استمع له عمر ، فترخص الناس في استماع ما عنده ، ~~ونقلوا ما عنده من غث وسمين " . ولكن لم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له ~~سوء دخلته ، فنهاه عن الحديث ، وتوعده إن لم يترك الحديث عن الاول أو ~~ليلحقنه بأرض القردة (2) . وعلى أن عمر قد ظل يترقب هذا الداهية بحزمه ~~وحكمته ، وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته ، كما ترى في قصة الصخرة - ~~فإن شدة دهاء هذا اليهودي قد تغلبت على فطنة عمر وسلامة نيته ، فظل يعمل ~~بكيده في السر والعلن ، حتى انتهى الامر بقتل عمر ، وتدل القرائن كلها على ~~أن هذا القتل كان بمؤامرة من جمعية سرية ، وكان هذا الدهى من أكبر أعضائها ~~وعلى رأسها الهرمزان (3) ملك الخوزستان الذى كان قد جئ به إلى المدينة ~~أسيرا ، وعهدوا بتنفيذها إلى أبى لؤلؤة الاعجمي . قتل عمر ويد كعب فيه ذكر ~~المسور بن مخرمة (4) أن عمر لما انصرف إلى منزله بعد أن أوعده أبو لؤلؤة ~~جاء كعب الاحبار (5) فقال : يا أمير المؤمنين " اعهد " فإنك ميت في ثلاث ليال ، # --- # (1) ص 17 ج 4 تفسير . (2) ص 206 ج 8 البداية والنهاية ، ورواية الذهبي في ~~سير أعلام النبلاء ms142 " لتتركن الحديث أو لالحقنك بأرض القردة ص 433 ج 2 . (3) ~~هو صاحب تستر من أعظم قواد الفرس وكان على ميمنة جيش رستم وزير ملك فارس في ~~حرب القادسية ، ولما قتل رستم فر الهرمزان بمن بقى من جنده ، فما زال ~~المسلمون يتابعونه حتى لجأ إلى مدينة تستر وتحصن بها فحاصروه أشد حصار حتى ~~أنزلوه على حكم الفاروق ، وأتوا به إلى المدينة (سنة 17 ه) وكان المسلمون ~~يسبون أبناء فارس ويتخذونهم عبيدا . ومن كان منهم بالمدينة كانوا يختلفون ~~إلى الهرمزان ، ومن هؤلاء السبايا فيروز الملقب " بأبي لؤلؤة " وكان غلاما ~~للمغيرة بن شعبة وهو الذى طعن عمر . (4) ص 24 / 3 تاريخ ابن الاثير والجزء ~~الخامس من تاريخ الطبري . (5) كان لهذا الرجل أفانين عجيبة في اللعب بعقول ~~المسلمين ، وإليك لعبة من ألاعيبه رواها المؤرخون الثقات : قال كعب لعمر : ~~أجدك في التوراة تقتل شهيدا ! قال عمر : وأنى لى بالشهادة وأنا بجزيرة ~~العرب ؟ وعن شداد بن أوس عن كعب قال : كان في نبى إسرائيل ملك إذا ذكرناه ~~ذكرنا عمر ، = (*) # --- PageV01P153 [ 154 ] # " رواية " الطبري " ثلاثة أيام " قال : وما يدريك ؟ قال : أجده في كتاب ~~التوراة ، قال عمر : أتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ قال : اللهم لا ولكن ~~أجد حليتك وصفتك ، وأنك قد فنى أجلك ، قال ذلك وعمر لا يحس وجعا فلما كان ~~الغد ، جاءه كعب فقال : " بقى يومان " فلما كان الغد جاءه كعب فقال : مضى ~~يومان وبقى يوم - ورواية الطبري وبقى يوم وليلة - وهى لك إلى صبيحتها فلما ~~أصبح خرج عمر إلى الصلاة ، وكان يوكل بالصفوف رجالا ، فإذا استوت كبر ، ~~ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست ~~ضربات ، إحداهن تحت سرته وهي التى قتلته . وكان أبو لؤلؤة من سبى نهاوند . ~~ووقع في رواية أبى إسحاق عند ابن سعد : وأتى كعب عمر فقال : " ألم أقل لك ~~إنك لا تموت إلا شهيدا " وإنك تقول : " من أين وأنا في جزيرة العرب " (1) ؟ ~~وإليك خبرا عجيبا من أخبار هذا الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في ms143 اشتراكه ~~في هذه المؤامرة ، فقد أخرج الخطيب عن مالك ، أن عمر دخل على أم كلثوم بنت ~~علي وهى زوجته فوجدها تبكى : فقال : ما يبكيك ؟ قالت هذا اليهودي (2) أي ~~كعب الاحبار - يقول : إنك على باب من أبواب جهنم ، فقال عمر : ما شاء الله ~~! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال : يا أمير المؤمنين - لا تعجل على والذى ~~نفسي بيده ، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة ؟ فقال عمر : ما هذا ؟ مرة ~~في الجنة ، ومرة في النار ؟ ! قال كعب : يا أمير المؤمنين ، والذى نفسي ~~بيده إنا لنجدك في كتاب الله (3) على باب من أبواب جهنم تمنع الناس ان ~~يقتحموا فيها ، # --- # = وإذا ذكرنا عمر ذكرناه ، وكان إلى جنبه نبى يوحى إليه فأوحى الله إلى ~~النبي أن يقول له : اعهد عهدك واكتب إلى وصيتك ، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام ، ~~فأخبره النبي بذلك - فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء ~~إلى ربه فقال : اللهم إن كنت تعلم أنى كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت ~~الامور اتبعت هداك ، وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي ، وتربو أمتى ، ~~فأوحى الله إلى النبي أنه قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة ~~ففى ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته ، فلما طعن عمر قال كعب : لئن سأل عمر ربه ~~ليبقينه الله ، فأخبر بذلك عمر فقال : اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم ~~- من ص 90 ، 98 تاريخ الخلفاء و357 ج 2 في تاريخ الكامل لابن الاثير . (1) ~~ص 236 / 3 / 1 طبقات ابن سعد . (2) حقا إنه يهودى ماكر ، هذا الخبر في فتح ~~الباري ص 41 ج 13 وص 253 ج 3 ق 2 طبقات ابن سعد . (3) كان يعزو كل مفترياته ~~إلى كتاب الله ، وكتاب الله منه برئ . (*) # --- PageV01P154 [ 155 ] # فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة ! ولما طعن عمر جاء كعب ~~فجعل يبكى بالباب ويقول : والله لو أن أمير المؤمنين يقسم على الله أن ~~يؤخره لاخره (1) . وقد صدقت يمينه - لعنه الله - فقد ms144 قتل عمر يوم الاربعاء ~~لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 ه . ودفن يوم الاحد هلال المحرم 24 ه . ~~وهذه الادلة كلها تثبت أن قتل عمر على يد أبى لؤلؤة لم يكن إلا نتيجة لتلك ~~المؤامرة التى دبرها له الهرمزان لما كان يكنه من الحقد الموجدة للعرب ، ~~بعد أن ثلوا عرش الفرس ، ومزقوا دولتهم ، وممن اشترك فيها وكان له أثر كبير ~~في تدبيرها كعب الاحبار وهذا أمر لا يمترى فيه أحد إلا الجهلاء . حديث ~~الاستسقاء روى التاريخ أن الارض أجدبت إجدابا شديدا في خلافة عمر ، وكان ~~ذلك في عام الرمادة (2) فلم يدع كعب هذه الفرصة تفلت من غير أن يتخذ منها ~~وسيلة ليرمى الاسلام طعنة من طعناته - فقال لعمر : إن بنى إسرائيل كانوا ~~إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الانبياء . وهنا جاءت روايات بأن عمر قال ~~: هذا عم رسول الله وصنو أبيه وسيد بنى هاشم - العباس ، فمشى إليه ثم ~~استسقوا . وقال أنس (3) إن عمر قال في هذا استسقاء : إنا كنا نتوسل إليك ~~بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فتسقينا . ومما لا مراء فيه أن ~~هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس قال عليه الدين ~~الاسلامي - وهو التوحيد الخالص - ليزلقه إلى هوة التوسل # --- # (1) ص 262 ج 3 ق 2 طبقات ابن سعد . (2) ذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة ~~كان سنة 18 ه ودام تسعة أشهر ، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم ، سمى ~~العام بها من شدة الجدب فأغبرت الارض جدا من عدم المطر وهلكت الماشية وجاع ~~الناس وهلكوا حتى كانوا يستفون الرماد ويحفرون نفق اليرابيع والجرذان ~~يخرجون ما فيها 223 / 2 / 3 طبقات ابن سعد . (3) لا شك أن رواية أنس هذه أو ~~غيرها لا تنهض أمام الروايات القوية التى جاءت بخلافها . وأنس هذا من الذين ~~لا يوثق كثيرا برواياتهم ، وكان أبو حنيفة لا يثق به ولا بأبى هريرة ولا ~~بسمرة بن جندب . (*) # --- PageV01P155 [ 156 ] # الذى هو الشرك بعينه ، حتى إذا هوى فيها عمر وأثرت عنه ms145 بالعمل اتخذت سنة ~~من بعده وكان لها أثر بالغ لدى المسلمين جميعا في العقيدة الاسلامية على مد ~~العصور ، فينهدم بذلك الاساس المتين للدين ، ولكن عمر وهو في الافق من ~~البصيرة بالدين والفقه فيه قد فطن لها ولم يقع في الفخ الذى نصبه له هذا ~~الخدعة ، فلم يستسق بأحد حتى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يزد على ~~الاستغفار . قال أبو بكر بن أبى الدنيا في كتاب المطر ، وفي كتاب مجابى ~~الدعوة عن خوات بن جبير قال : خرج عمر يستسقى بهم فصلى الركعتين فقال : ~~اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك ، فما برح من مكانه حتى مطروا . وعن الشعبى قال ~~: خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع ، فقالوا يا أمير ~~المؤمنين : ما نراك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت المطر بمجاديح (1) السماء ~~التى يستنزل بها المطر ، ثم قرأ : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل ~~السماء عليكم مدرارا " ، ثم قرأ : " وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " . . ~~. الآية (2) . وعن الشعبى : خرج يستسقى فقام على المنبر فقرأ هؤلاء الآيات ~~: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا " ويقول " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه " ~~ثم نزل فقيل يا أمير المؤمنين : ما منعك أن تستسقى ؟ فقال : قد طلبت المطر ~~بمجاديح السماء التى ينزل بها القطر . وعن عبد الله بن دينار الاسلمي عن ~~أبيه قال : لما أجمع عمر على أن يستسقى ويخرج بالناس كتب إلى عماله أن ~~يخرجوا يوم كذا وكذا ، وأن يتضرعوا إلى ربهم ويطلبوا إليه أن يرفع هذا ~~المحل عنهم ، وخرج لذلك اليوم عليه برد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى ~~انتهى إلى المصلى فخطب الناس ، وتضرع وجعل الناس يلحون فما كان أكثر دعائه ~~إلا الاستغفار حتى إذا قرب أن ينصرف رفع يديه مادا وحول رداءه وجعل اليمين ~~على اليسار ، ثم اليسار على اليمين ، ثم مد يده ، وجعل يلح في الدعاء ويبكى ~~بكاء طويلا حتى اخضلت لحيته (3) . # --- # (1) في أساس البلاغة لجار الله في مادة " ج د ح " وخفق المجدح أي الدبران ~~ونوءه غزير ، يقولون أرسلت السماء مجاديح الغيث وفي ms146 حديث عمر " لقد استسقيت ~~بمجاديح السماء " أراد الاستغفار . (2) ص 92 ج 7 البداية والنهاية لابن ~~كثير . (3) ص 231 / 2 / 3 طبقات ابن سعد . (*) # --- PageV01P156 [ 157 ] # وفي المغنى والشرح الكبير ، أن عمر خرج يستسقى فلم يزد على الاستغفار ~~وقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء (1) . وقال الجاحظ : ولما صعد " عمر " ~~المنبر قابضا على يد العباس يوم الاستسقاء لم يزد على الدعاء . فقيل له إنك ~~لم تستسق وإنما تستغفر ، قال : قد استسقيت بمجاديح السماء - ذهب إلى قوله ~~تعالى : " استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا " (2) . ~~وإذا كان الامر قد وقع على هذه الصورة فلا بأس به ما داموا جميعا كانوا ~~يدعون الله ، وإنا نكاد نقطع بأن عمر لم يتوسل بأحد في الاستسقاء ولم يتخذ ~~من وسيلة فيه إلى الله غير الدعاء والاستغفار ، كما جاء في الاخبار الصحيحة ~~المؤيدة بآيات من كتاب الله العزيز . من مكر وكيد كعب في موطأ مالك أنه ~~بلغه أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الاحبار : لا ~~تخرج إليها يا أمير المؤمنين ! فإن بها تسعة أعشار السحر : فسقة الجن وبها ~~الداء العضال (3) . ما بثه كعب ووهب من الاسرائيليات ولكى تقف على بعض ما ~~بثه هذان الكاهنان من الاسرائيليات ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها عليه ~~أعداؤه ، ويضيق بها ذرعا أولياؤه ، والتى أصبحت من المشكلات التى نعاني ~~سيئاتها ، ويعسر علينا التخلص منها - نمد لك بطرف # --- # (1) 290 ج 2 . (2) ص 279 ج 4 البيان والتبيين ، وهذا الخبر رواه كذلك ابن ~~قتيبة في تاريخ يزيد بن عبيد في كتاب الشعر والشعراء ورواه الطبري في ~~التفسير . (3) ص 538 من كتاب صيانة الانسان عن وسوسة ابن دحلان . (*) # --- PageV01P157 [ 158 ] # صغير منها على سبيل المثال : قال معاوية لكعب : أنت تقول إن ذا القرنين ~~كان يربط خيله بالثريا ! فقال كعب : إن قلت ذلك فإن الله قال : وآتيناه من ~~كل شئ سببا ! ! قال ابن كثير في تفسيره (1) وهذا الذي أنكره معاوية على كعب ~~هو الصواب ، والحق مع معاوية في ذلك الانكار ، فإن معاوية كان ms147 يقول عن كعب ~~: إنا كنا لنبلو عليه الكذب ، وذكر القرطبي في تفسير سورة غافر عن خالد بن ~~معدان عن كعب أنه قال : لما خلق الله تعالى العرش قال : لم يخلق الله تعالى ~~خلقا أعظم منى ، واهتز تعاظما ، فطوقه الله بحية لها سبعون ألف جناح ، في ~~كل جناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، في كل وجه سبعون ألف ~~فم ، في كل فم سبعون ألف لسان ! يخرج من أفواهها كل يوم من التسبيح عدد قطر ~~المطر ، وعدد ورق الشجر ، وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا ، وعدد ~~الملائكة أجمعين ، والتوت الحية على العرش - فالعرش إلى نصف الحية وهي ~~ملتوية عليه ، فتواضع عند ذلك ! وفي التفسير (2) أن عبد الله بن قلابة خرج ~~في طلب إبل له فوصل إلى جنة شداد فحمل ما قدر عليه مما كان هناك ، وبلغ ~~خبره معاوية فاستحضره وقص عليه ، فبعث إلى كعب فسأله ، فقال : هي إرم ذات ~~العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال ~~. وعلى عنقه خال ، يخرج في طلب إبل له ، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : ~~هذا والله هو ذلك الرجل (3) # --- # (1) ص 101 ج 3 . (2) اللفظ هنا منقول عن تفاسير الفخر الرازي والطبري ~~وأبى السعود والنيسابوري على هامش تفسير الطبري ص 87 ج 3 . (3) من أساطيرهم ~~أنه كان لعاد ابنان ، شداد وشديد ، فملكا وقهرا البلاد ، ثم مات شديد وخلص ~~الامر لشداد ، فملك الدنيا ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى ~~مثلها . فبنى إرم في بعض صحارى عدن في 300 سنة ، وكان عمر 900 سنة ، وهي ~~مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، وفيها ~~أصناف الاشجار والانهار ، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته ، فلما كان ~~منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . . (*) # --- PageV01P158 [ 159 ] # ولا يدخل المدينة أحد بعده إلى يوم القيامة (1) . ولما فرغ كعب من كلامه ~~قال له معاوية (2) : يا أبا إسحاق ، أخبرني عن كرسى سليمان بن داود وما ms148 كان ~~عليه ومن أي هو . فأخذ ينشى من خرافاته وأساطيره ما لا نستطيع إيراده ، ~~فيرجع إليه في كتب التفسير . . . وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال : ~~الارضون السبع على صخرة ، والصخرة في كف ملك ، والملك على جناح الحوت ، ~~والحوت في الماء ، والماء على الريح ، والريح على الهواء ، ريح عقيم لا ~~تلقح ، وإن قرونها معلقة في العرش . وعن وهب بن منبه : أربعة أملاك يحملون ~~العرش على أكتافهم ، لكل واحد منهم أربعة وجوه ! وجه ثور ، ووجه أسد ، ووجه ~~نسر ، ووجه إنسان ، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة ، أما جناحان فعلى وجهه ~~ليحفظاه من أن ينظر إلى العرش فيصعق فيهفو بهما ، ليس له كلام إلا أن يقول ~~: قدوس الملك القوي ملات عظمته السموات والارض (3) . روى ابن الفقيه في ~~تاريخه : سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الارض ، سبع هي ؟ قال : نعم ~~والسموات سبع . وقرأ - " الله الذى خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن " . فقال ~~رجل : فنحن على وجه الارض الاولى ؟ قال : نعم ، وفي الثانية خلق يطيعون ، ~~ولا يعصون . وفي الثالثة خلق ، وفي الرابعة صخرة ملساء ، والخامسة ضحضاح من ~~الماء ، والسادسة سجيل وعليها عرش إبليس ، والسابعة ثور ، والثور على سمكة ~~، والسمكة على الماء ، والماء على الهواء ، والهواء على الثرى ، والثرى ~~منقطع فيه علم العلماء (4) . وقرأ معاوية آية " حتى بلغ مغرب الشمس " حتى ~~إذا بلغ " عين حمئة " قال ابن عباس إنها عين حمئة ، فجعلا كعبا بينهما ~~فأرسلوا إليه فسألوه فقال : # --- # (1) لقد أخذ الطريق على معاوية بذلك ، لان وصول غيره إليها ليبحث عنها ~~سيفضحه ويفضح رواياته وخرافاته . (2) ص 36 ج 4 تفسير ابن كثير . (3) ص 99 ~~من كتاب التنبيه في الرد على أهل الاهواء والبدع للملطى . (4) ص 51 من ~~تاريخ الادب الجغرافي العربي تأليف المستشرق أغناطيوس يوليا نوفتش تشكو ~~فسكى . (*) # --- PageV01P159 [ 160 ] # أما الشمس فإنها تغيب في " ثأط " والثأط الطين . وقال مرة أخرى : تغيب في ~~طينة سوداء . ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية ~~" في عين حمئة " وارتعفا إلى (1) كعب الاحبار في ذلك ms149 . وأخرج ابن خيثمة عن ~~قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبا يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى فقال ~~: كذب كعب ، إن الله يقول : " يمسك السموات والارض أن تزولا (2) " . وذكر ~~الحافظ ابن حجر أن كعب الاحبار روى ، أن باب السماء الذى يقال له " مصعد ~~الملائكة " يقابل بيت المقدس (3) فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في ~~الاسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ، ليحصل العروج مستويا . من غير تعويج . ~~. . وهكذا تنفذ الاسرائيليات إلى معتقداتنا ، وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك ~~الخرافة : وفيه نظر لورود أن في كل سماء بيتا معمورا ، وأن الذى في سماء ~~الدنيا حيال الكعبة ، وكان من المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت ~~المعمور بغير تعويج ! لانه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور ! ! ~~وروى كعب أن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته ، يصوغ لاهل الجنة الحلى ~~منذ خلقه الله إلى يوم القيامة ، لو أبرز قلب منها (أي سوار) لرد شعاع ~~الشمس ، كما ترد الشمس شعاع القمر . ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون ~~إليه حتى فيما هو من علمهم وبخاصة عندما قال : " ما من شئ إلا وهو مكتوب في ~~التوراة " ، أن أبا عبد الرحمن محمد ابن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال ~~لكعب - وقد ذكر الشعر - يا كعب هل تجد للشعر ذكرا في التوراة ؟ فقال كعب : ~~أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل # --- # (1) ص 112 ج 2 سنن الترمذي طبع الهند . (2) ص 323 ج 5 من الاصابة في ~~تمييز الصحابة . (3) ص 156 ج 7 فتح الباري . (*) # --- PageV01P160 [ 161 ] # أناجيلهم في صدورهم ، ينطقون بالحكمة ، ويضربون الامثال ، لا نعلمهم إلا ~~العرب (1) . وروى يزيد بن حبيب أن معاوية بن أبي سفيان سأل كعب الاحبار : ~~هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبرا ؟ قال : إي والذى فلق البحر لموسى ~~عليه السلام ، إنى لاجد في كتاب الله عزوجل : أن الله يوحى إليه في كل عام ~~مرتين . يوحى إليه عند جريه : أن الله يأمرك أن تجرى فيجرى كما كتب الله ، ~~ثم ms150 يوحى إليه بعد ذلك ، عد حميدا (2) . وروى البيهقي في الاسماء والصفات ~~بسند صحيح عن ابن عباس قال : في قوله تعالى " الذى خلق سبع سموات ومن الارض ~~مثلهن " قال سبع أرضين في كل أرض نبى كنبيكم ، وآدم كآدمكم ، ونوح كنوح ، ~~وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى - ولم يذكر لموسى مثيلا ! قال البيهقى في ~~الشعب : هو شاذ بالمرة ، قال السيوطي - هذا من البيهقى في غاية الحسن ، ~~فإنه لا يلزم من صحة الاسناد صحة المتن ، لاحتمال صحة الاسناد مع أن في ~~المتن شذوذا أو علة تمنع صحته " . وقال ابن كثير بعد عزو هذا الحديث لابن ~~جرير بلفظ " كل أرض في الخلق مثل ما في هذه من آدم كآدمكم وإبراهيم ~~كإبراهيمكم " هو محمول - إن صح عن ابن عباس - على أنه أخذه من الاسرائيات . ~~وعن مكحول ، قال كعب : أربعة من الانبياء أحياء أمان لاهل الارض ، اثنان في ~~الارض : الخضر وإلياس ، واثنان في السماء : إدريس وعيسى (3) . وفي تفسير ~~الطبري أن ابن عباس سأل كعبا عن " سدرة المنتهى " فقال : إنها على رؤوس ~~حملة العرش وإليها ينتهى علم الخلائق ، وليس لاحد وراءها علم ، ولذلك # --- # (1) ص 8 من كتاب العمدة لابن رشيق . (2) ص 33 ج 1 من النجوم الزاهرة . ~~(3) ص 337 ج 6 فتح الباري . (*) # --- PageV01P161 [ 162 ] # سميت " سدرة المنتهى " لانتهاء العلم بها ، هذا ما قاله لتلميذه الثاني . ~~أما تلميذه الاول فهو أبو هريرة ، ففى حديث له أنها شجرة يخرج من أصلها ~~أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن ، وأنهار من خمر ، وأنهار من عسل - ~~وهى شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها ، والورقة منها تغطى ~~الامة كلها - يا حفيظ ! وفي حديث المعراج أنه لما فرض الله خمسين صلاة على ~~العباد في النهار وفي الليل لم يستطع أحد من الرسل جميعا غير موسى - أن ~~يفقه استحالة أدائها على البشر ! فهو وحده الذى فطن لذلك وحمل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم على أن يراجع ربه عشر مرات في حديث ، وخمس مرات في حديث ثان ~~، وبضع مرات في حديث ثالث - وفيها ms151 كلها أنه صلوات الله عليه كلما نزل بعدد ~~منها من عند الله ، أعاده موسى إلى ربه لينقصها حتى رجعت إلى خمس صلوات . ~~وكأن الله سبحانه وتعالى لما فرض الصلاة على المسلمين ، كان لا يعلم مبلغ ~~قوة احتمال عباده على أدائها - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وكذلك لا ~~يعلم محمد الذى اصطفاه للرسالة العامة إلى الناس كافة - والله أعلم حيث ~~يجعل رسالته - لا يعلم إن كان من أرسل إليهم يستطيعون احتمال هذه العبادة ~~أو لا يستطيعون . حتى بصره موسى ! وهكذا ترى الاسرائيليات تنفذ إلى ديننا ~~وتسرى في معتقداتنا فتعمل عملها ولا تجد أحدا إلا قليلا يزيفها أو يردها ، ~~بل نرى - واأسفاه - من يصدقها ويعتقدها من حشوية آخر الزمان ، الذين يتجرون ~~بالدين ولا يهمهم أن ينسب الجهل الخاتم المرسلين ، صلوات الله عليه ، ولا ~~يزالون يذكرون اسم كعب الاحبار مقرونا بالسيادة (1) ، ونكتفى بهذه الامثلة ~~فإنها مجزئة (2) . # --- # (1) كانوا يعتبرون كعبا في الطبقة الاولى من التابعين ص 90 ج من النجوم ~~الزاهرة - ولا يزال الحشويون يعتبرونه كذلك . (2) انظر ما أوردناه من ~~الاسرائيليات التى تلقاها أبو هريرة عن استاذه كعب الاحبار وذلك في كتابنا ~~" شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P162 [ 163 ] # هل يجوز رواية الاسرائيليات جاءت الشريعة الاسلامية فنسخت ما قبلها من ~~الشرائع . وإن كانت قد أبقت على أصول العقائد وما لا يتعارض معها من الامور ~~التى أرسل الله بها جميع الرسل إلى خلقه - وقد بين القرآن الكريم أن أهل ~~الكتاب (اليهود والنصارى) قد كتبوا من عند أنفسهم كتبا ليشتروا بها ثمنا ~~قليلا . ومن أجل ذلك نهى رسول الله أن يأخذ المسلمون على أهل الكتاب أمرا ~~يخالف أصول دين الله وأحكامه وآدابه ، وكان يغضب أشد الغضب إذا رأى أحدا ~~ينقل عنهم شيئا ، فقد روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن خطاب أتى ~~النبي : بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب وقال : ~~أمهوكون فيها يابن الخطاب ؟ والذى نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن ~~يتبعني ، وفي رواية : فغضب وقال : لقد جئتكم ms152 بها بيضاء نقية ، لا تسألوا ~~أهل الكتاب عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به . وروى ~~البخاري عن أبى هريرة : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا ~~بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون . ~~وروى البخاري من حديث الزهري عن ابن عباس أنه قال : كيف تسألون أهل الكتاب ~~عن شئ ، وكتابكم الذى أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرءونه محضا لم ~~يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ، وكتبوا بأيديهم ~~الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ! ألا ينهاكم ما جاءكم ~~من العلم عن مسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذى أنزل ~~إليكم ! وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا تسألوا أهل ~~الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا ~~بباطل ! هذه هي الروايات الصحيحة التى تتفق مع الدين والعقل ، والتى كانت ~~معروفة عند المحققين . # --- PageV01P163 [ 164 ] # هذا بعض ما روى عن النبي صلوات الله عليه في النهى عن الاخذ عن أهل ~~الكتاب ، ولكن ما لبث الامر أن انقلب بعد أن اغتر بعض المسلمين بمن أسلم من ~~أحبار اليهود خدعة - فظهرت أحاديث رفعوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تبيح الاخذ وتنسخ ما نهى عنه . فقد روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص وغيرهما أن رسول الله قال : حدثوا عن بنى إسرائيل ولاحرج ، وأبو ~~هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الاحبار ، وقد جاءت الاخبار بأن ~~الثاني - وهو عبد الله بن عمرو بن العاص - أصاب يوم اليرموك - زاملتين من ~~علوم أهل الكتاب فكان يحدث منها . وزاد ابن حجر " فتجنب الاخذ عنه لذلك ~~كثير من أئمة التابعين " (2) . رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود كان من ~~أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون ، ~~ويروون عنهم ما يفترون - وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة ms153 ~~(3) وأبا هريرة (4) ومعاوية وأنس وغيرهم ، قد رووا عن كعب الاحبار وإخوانه ~~- وكان أبو هريرة أكثر الصحابة وثوقا به ، وأخذا عنه ، وانقيادا له ، كما ~~يتبين لك من تاريخه الذى نشرناه في كتاب خاص باسم (شيخ المضيرة فيرجع إليه ~~. وقد استطاع هذا اليهودي (كعب الاحبار) كما دعته السيدة الجليلة أم كلثوم ~~- بوسائله الشيطانية أن يدس من الخرافات والاوهام والاكاذيب في الدين ما ~~امتلات به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهتها وأدخلت الشك إليها ، وما ~~زالت تمدنا بأضرارها إلى ما شاء الله وقد حدثناك بشئ منها من قبل لان ~~استيعابها يحتاج إلى مصنفات مفردة . # --- # (1) ص 4 ج 1 تفسير ابن كثير . (2) ص 167 ج 1 فتح الباري . (3) العبادلة ~~الثلاثة : عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو . (4) يرجع ~~إلى كتابنا " شيخ المضيرة " ليعلم كيف اتصل أبو هريرة بكعب الاحبار وكيف ~~وقع في فخه . (*) # --- PageV01P164 [ 165 ] # تكذيب الصحابة لكعب كان الصحابة - كما علمت - يثقون بكعب أول الامر ، ~~ولكن ما لبث بعضهم أن فطن له بعد ما تبين من كذبه وانكشف من أمره ، فنزعوا ~~عنه ثوب الثقة وشكوا في أخباره ، بل كذبوه وإن كان بعضهم أمثال أبى هريرة ~~والعبادلة وغيرهم قد ظلوا على تصديقه ، والاخذ عنه حتى لقى ربه . وقد نهى ~~عمر كعبا عن الحديث وأوعده بالنفى إلى بلاده ، وقال له : لتتركن الحديث أو ~~لالحقنك بأرض القردة (1) - وكان على يقول : إنه لكذاب . وروى البخاري عن ~~الزهري أن حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش وذكر كعبا فقال ~~: إنه من أصدق (2) هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه ~~الكذب . وأخرج ابن أبى خيثمة بسند حسن عن قتادة قال : بلغ حذيفة أن كعبا ~~يقول : إن السماء تدور على قطب كالرحى ، فقال : كذب كعب ، إن الله يقول : " ~~إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا " (3) ، وقال ابن عباس لرجل مقبل من ~~الشام : من لقيت ؟ قال : كعبا ، قال : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول ~~إن السموات تدور على منكب ملك . فقال ms154 : كذب كعب . أما ترك يهوديته بعد ! ثم ~~قرأ : " إن الله يمسك السموات والارض " . . . الآية (4) . والاخبار في ذلك ~~كثيرة فنجتزئ بما قدمناه . # --- # (1) ص 106 ج 8 البداية والنهاية . (2) هناك رواية أخرى (أمثل) . (3) ص ~~323 ج 1 من الاصابة لابن حجر . (4) ص 139 من كتاب الكافي الشاف لابن حجر ~~العسقلافى . (*) # --- PageV01P165 [ 166 ] # قصة الصخرة بين عمر وكعب لما افتتحت إيليا وأرضها على يدى عمر في ربيع ~~الآخر سنة 16 ه ودخل عمر بيت المقدس دعا كعب الاحبار وقال له : أين ترى أن ~~نجعل المصلى ؟ فقال كعب الاحبار : إلى الصخرة (1) ! ! فقال له عمر : ضاهيت ~~والله اليهودية (2) يا كعب - وفي رواية - يا بن اليهودية خالطتك يهودية ~~أبنيه في صدر المسجد ؟ فإن لنا صدور المساجد - وقد رأيتك وخلعك نعليك ! ~~فقال : أحببت أن أبا شره بقدمى ! ولما أخذ في تنظيف بيت المقدس من الكناسة ~~التى كانت الروم قد دفنتها به (3) سمع التكبير من خلفه - وكان يكره سوء ~~الرعة (4) في كل شئ فقال : ما هذا ؟ فقالوا : كبر كعب وكبر الناس بتكبيره ~~فقال : على به ، فقال : يا أمير المؤمنين - إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم ~~نبى منذ خمسمائة سنة ! ! قال : وكيف ؟ قال : إن الروم أغاروا على بنى ~~إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه - إلى أن وليت فبعث الله نبيا على الكناسة ~~فقال أبشرى أورى شلم ، عليك الفاروق ينقيك مما فيك (5) ، وفي رواية أتاك ~~الفاروق في جندي المطيع ويدركون لاهلك بثأرك من الروم إلخ هذه الخرافات ~~التى افتجرها هذا الدجال الافاك . . " وقد ظللت الصخرة مكشوفة في خلافة عمر ~~وعثمان مع حكمهما على الشام ، وكذلك في خلافة على رضى الله عنه ، وإن كان ~~لم يحكم عليها ، ثم كذلك في إمارة معاوية وابنه وابن ابنه ، فلما كان في ~~زمن عبد الملك وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى كان هو الذى بنى ~~القبة على الصخرة (6) وعظم عبد الملك شأن # --- # (1) وفي رواية إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة ، أي أن تكون الصخرة قبلة . ~~(2) مضاهاة اليهودية مشابهتها في استقبال الصخرة . لما فيه من ms155 مشابهة من ~~يعتقدها قبلة باقية . (3) كان نصارى الروم قد ألقوا هذه الكناسة معاندة ~~لليهود الذين يعظمون الصخرة ، ويصلون إليها . (4) سوء التقية والورع . (5) ~~لخصنا هذا الكلام من الطبري ص 160 وما بعدها ج 4 . (6) على ذكر عبد الملك ~~بن مروان الذى بنى الصخرة نورد ما رواه عنه ابن الاثير في الصفحة 190 من ~~الجزء الرابع قال : حج عبد الملك بن مروان بالناس سنة 75 فخطب الناس ~~بالمدينة فقال : أما بعد فإنى لست الخليفة المستضعف يعنى عثمان ، ولا ~~الخليفة المداهن يعنى معاوية ، ولا الخليفة المأفون يعنى يزيد ، ألا وإنى ~~لا أداوى هذه الامة إلا بالسيف حتى تستقيم لى قناتكم ، وإنكم تحفظون أعمال ~~المهاجرين الاولين ، ولا تعملون مثل أعمالهم . وإنكم تأمروننا بتقوى الله ~~وتنسون أنفسكم والله لا يأمرن أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه . (*) # --- PageV01P166 [ 167 ] # الصخرة بما بناه عليها وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ، ليكثر ~~قصد الناس للبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد ابن الزبير - والناس على دين ~~الملوك . وظهر من ذلك الوقت من تعظيم الصخرة ما لم يكن المسلمون يعرفونه ، ~~وصار بعض الناس ينقل الاسرائيليات في تعظيمها ، حتى روى بعضهم عن كعب ~~الاحبار عند عبد الملك بن مروان - وعروة بن الزبير حاضر - أن الله قال ~~للصخرة : أنت عرشى الادنى . وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت ~~المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا من الآثار المنقولة عن أهل ~~الكتاب وعمن أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم ، وأمثل من ~~ينقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار - وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا ~~من الاسرائيليات . وفي مرآة الزمان لسبط بن الجوزى : توقفهم فيما رواه كعب ~~الاحبار عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، لانه أسلم على يد الفاروق ، وكان ~~يضربه بالدرة ويقول له : دعنا من يهوديتك (1) . الاسرائيليات - في فضل بيت ~~المقدس قال كعب : إن الله نظر إلى الارض فقال : إنى واطئ على بعضك ، ~~فاستبقت له الجبال ، وتضعضعت الصخرة ، فشكر لها ذلك ، فوضع عليها قدمه ! ~~وقال : إن ms156 العرض والحساب من بيت المقدس . وإن مقبور بيت المقدس لا يعذب . ~~وقال : هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا - وهى أرض المحشر والمنشر . ~~وقال : لا تقوم الساعة حتى يزور البيت الحرام بيت المقدس فينقادان جميعا ~~إلى الجنة وفيهما أهلوهما . وقال : إن في التوراة أنه يقول لصخرة بيت ~~المقدس : أنت عرشى الادنى ، ومنك ارتفعت إلى السماء ، ومن تحتك بسطت الارض ~~، وكل ما يسيل من ذروة # --- # (1) ص 35 ج 1 . (*) # --- PageV01P167 [ 168 ] # الجبال من تحتك - من مات فيك فكأنما مات في السماء إلخ . وعن أبى هريرة - ~~تلميذ كعب الاحبار - أن النبي قال : الانهار كلها والسحاب والبحار والرياح ~~تحت صخرة بيت المقدس . وقال كعب : قال الله عزوجل لبت المقدس : أنت جنتي ~~وقدسي وصفوتي من بلادي ، من سكنك فبرحمة منى ، ومن خرج منك فبسخط منى عليه ~~. وعن كعب : اليوم في بيت المقدس كألف يوم ، والشهر كألف شهر ، والسنة فيه ~~كألف سنة ، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ، ومن مات حوله فكأنما مات ~~فيه (1) . عن وهب بن منبه قال : أهل بيت المقدس جيران الله ، وحق الله ~~عزوجل ألا يعذب جيرانه ، ومن دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه . ~~وفي حديث أن الطائفة من أمته الظاهرين على الحق ، والذين لا يضرهم من ~~خالفهم حتى يأتيهم أمر الله ، أنهم في بيت المقدس وأكنافه . وقال العلامة ~~الاستاذ نعمة الله السلجوقي رئيس فخر المدارس (بهرات) من بلاد أفغانستان ~~وهو يقرظ كتابنا " أضواء على السنة المحمدية " في كتاب قيم بعث به إلينا . ~~أما الاحاديث المروية في فضل الشام فنحن نعترف بأن أكثرها دسائس إسرائيلية ~~. وفي ذلك ما روى في بعض الكتب أن من أهل من المسجد الاقصى للحج غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر ، فهذه الرواية - مع ما تدل على أفضلية المسجد ~~الاقصى - تؤدى إلى الالحاد وعدم المبالاة بارتكاب المعاصي وتفتح أبواب ~~الفسوق ، ومن الخرافات التى دسها اليهود وأدرجت في كتب السير وبعض التفاسير ~~: أن السموات بعضها من الفضة وبعضها من الزبرجد ، وأن السيارات مركوزة في ms157 ~~السموات على الترتيب المذكور في كتب اليونان ، مثل إن القمر مركوز بسماء ~~الدنيا ، والعطارد بالثانية ، وهكذا إلى السابعة . وهكذا أن السموات موضوعة ~~على رأس جبل محيط بالارض يقال له قاف . وأن الارض موضوعة على قرن ثور # --- # (1) ارجع إلى ص 332 ج 1 وما بعدها من نهاية الارب للنويرى فترى هذه ~~الاخبار وأعجب منها . (*) # --- PageV01P168 [ 169 ] # قائم فوق ظهر حوت يسبح في الماء . كل ذلك من غفلة العلماء ، وعدم ~~مبالاتهم بوخامة عاقبة ما دس أعداء الدين بين المسلمين . ما قيل في المسجد ~~الاقصى كانت الاحاديث الصحيحة أول الامر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول ~~الله ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الاقصى . ~~وقد روى أبو هريرة : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا ومسجد ~~الحرام ، ومسجد الاقصى . وفي رواية : يسافر إلى ثلاثة مساجد ، الكعبة ~~ومسجدي ومسجد إيليا : وروى مالك في الموطأ ومسلم في كتابه عن أبى هريرة : ~~صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام . ~~وعنه أيضا : " صلاة في مسجد رسول الله أفضل من ألف صلاة فيما سواه من ~~المساجد إلا المسجد الحرام " ، وفي رواية : كألف صلاة فيما سواه من المساجد ~~، إلا أن يكون المسجد الحرام ، وعن أبي عمر : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ~~ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام . وعن ابن عباس : أن امرأة اشتكت ~~شكوى ، فقالت : إن شفاني الله لاخرجن فلاصلين في بيت المقدس ، فبرئت ثم ~~تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة زوج النبي تسلم عليها فأخبرتها بذلك ، ~~فقالت : إجلسى ، فكلى ما صنعت وصلى في مسجد رسول الله ، فإنى سمعت رسول ~~الله يقول : صلاة فيه أفضل من ألف فيما سواه إلا مسجد الكعبة . ولو أن ~~المسجد الاقصى كان قد ورد فيه تلك الاحاديث ، لما منعت ميمونة هذه المرأة ~~من أن توفى بنذرها . # --- PageV01P169 [ 170 ] # اليد اليهودية في تفضيل الشام ذكرنا لك من قبل (1) أن إشادة كهان اليهود ~~إلى أن ملك النبي سيكون بالشام إنما هو الامر ms158 خبئ في أنفسهم ، ونبين هنا أن ~~الشام ما كان لينال من الاشادة بذكره ، والثناء عليه ، إلا لقيام دولة بنى ~~أمية فيه ، تلك الدولة التى قلبت الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض ، ~~والتى تحت كنفها وفي أيامها نشأت الفرق الاسلامية التى فتت في عضد الدولة ~~الاسلامية ومزقتها تمزيقا واستفاض فيها وضع الحديث ، فكان جديرا بكهنة ~~اليهود أن ينتهزوا هذه الفرصة وينفخوا في نار الفتنة ، ويمدوها بجيوش ~~الاكاذيب والكيد وكان من هذه الاكاذيب أن بالغوا في مدح الشام وأهله ، وأن ~~الخير كل الخير فيه ، والشر كل الشر في غيره . وعلى أنه قد مر بك ذرو مما ~~قاله هؤلاء الكهنة في أن ملك النبي سيكون بالشام ، وأن معاوية قد زعم أن ~~رسول قد قال له إنه سيلى الخلافة من بعده . وطلب منه أن يختار الارض ~~المقدسة التى فيها الابدال ، فإنا نكشف هنا عن جانب آخر من كيد الدهاء ~~اليهودي للمسلمين ودينهم وملكهم ، ذلك أنهم لم يكتفوا بما قالوه في الشام ~~مما أتينا على بعضه من قبل ، بل زادوا على ذلك بأن جعلوا الطائفة الظاهرة ~~على الحق تكون في الشام كذلك ، وحتى نزول عيسى الذى قالوا عنه سيكون بأرضه ~~. . . فقد جاء في الصحيحين : لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا ~~يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ، روى البخاري هم ~~بالشام (2) . وفي مسلم عن أبى هريرة أن النبي قال : لا يزال أهل الغرب ~~ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة . قال أحمد وغيره : هم أهل الشام . ولما ~~فتحت بلاد الاندلس جعلوها هذا الغرب المقصود ، في الحديث وأطلقوا # --- # (1) ص 151 . (2) في رواية أبى أمامة الباهلى أنهم لما سألوا النبي قال : ~~بيت المقدس وأكناف بيت المقدس . ص 333 ج 1 نهاية الارب . (*) # --- PageV01P170 [ 171 ] # الحديث على بلادهم ، ففى المعجب في تلخيص أخبار المغرب عن سعد بن أبى ~~وقاص أن رسول الله قال : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خذلهم حتى تقوم الساعة (1) . وفي كشف الخفاء أن ms159 كعب الاحبار قال : أهل ~~الشام سيف من سيوف الله ينتقم الله بهم من العصاة . ولعل العصاة هنا هم ~~الذين لا ينضوون تحت لواء معاوية ويتبعون غيره وغيره ، هو علي رضي الله عنه ~~! قال عروة بن رويم : إن رجلا لقى كعب الاحبار فسلم عليه ودعا له ، فسأله ~~كعب : ممن هو ؟ فقال : من أهل الشام ، قال : لعلك من الجند الذين يدخل ~~الجنة منهم سبعون ألفا بغير حساب ، ولا عذاب ، قال : ومن هم ، قال : أهل ~~دمشق ! فقال : لست منهم ؟ قال فلعلك من الجند الذين ينظر الله إليهم في كل ~~يوم مرتين . قال : ومن هم ؟ قال : أهل فسلطين . قال : أنا منهم ! وفي لفظ ~~قال : لعلك من الجند الذين يشفع شهيدهم بسبعين ؟ قال : ومن هم ؟ قال : أهل ~~حمص (2) . وقال كعب : أول حائط وضع على وجه الارض بعد الطوفان : حائط حران ~~ودمشق ثم بابل (3) . وعن نافع عن ابن عمر عن كعب قال : تخرج نار تحشد الناس ~~فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام (4) . وابن عمر هو أحد تلاميذ كعب . ومن ~~أحاديث الجامع الصغير للسيوطي التى أشر عليها بالصحة : الشام صفوة الله من ~~بلاده ، إليها يجتبي صفوته من عباده ، فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة ، ~~ومن دخلها فبرحمة ! طوبى للشام إن الرحمن لباسط رحمته عليه . . # --- # (1) ص 15 . (2) ص 57 ج 1 من تاريخ ابن عساكر - المخطوط - وحمص هذه هي ~~التى دفن فيها جثمانه الطاهر ! (3) ص 14 من نفس المصدر . (4) ص 69 ج 13 من ~~فتح البار . (*) # --- PageV01P171 [ 172 ] # ليبعثن الله من مدينة بالشام يقال لها " حمص " سبعين ألفا يوم القيامة ، ~~لا حساب عليهم ولا عذاب ، يبعثهم فيما بين الزيتون والحائط . . إلخ . ~~ومدينة حمص هذه يجب أن يكون لها هذا الشأن العظيم حتى في الآخرة بحيث لا ~~يدانيها في ذلك مدينة أخرى حتى مدينة النبي . . وذلك لان الكاهن اليهودي - ~~الذى يعده كثير من شيوخ المسلمين أنه من كبار التابعين - قد اتخذها مقاما ~~له ، ثم ضمت رفاته بعد موته . ولا نطيل بإيراد كل ما لدينا من هذه الاخبار ~~لان ما ms160 جئنا به فيه الكفاية . قول المحققين في الاسرائيليات ورواتها وقبل ~~أن نفرغ من الكلام عن الاسرائيليات التى منى بها الدين الاسلامي نسوق إليك ~~بعض ما قاله المحققون من أئمة المسلمين في هؤلاء الكهنة الذين أظهروا ~~الاسلام ، وفي رواياتهم المدخولة . قال ابن تيمية عن الاسرائيليات التى ~~قيلت في بيت المقدس وغيره من بقاع الشام ما يأتي : وقد صنف طائفة من الناس ~~مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام ، وذكروا ما فيها ~~من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم ، ما لا يحل للمسلمين أن ~~يبنوا عليه دينهم - وأمثل من ينقل عنه تلك الاسرائيليات كعب الاحبار . وكان ~~الشاميون قد أخذوا عنه كثيرا من الاسرائيليات ، وقد قال معاوية : ما رأينا ~~في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب ، وإن كنا لنبلو عليه الكذب ~~أحيانا ، قد ثبت في الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال : إذا ~~حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه ~~، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه (1) . # --- # (1) هذا هو الحديث الصحيح الذى يسطع منه نور النبوة ، ولكن أحد تلاميذ ~~كعب هو عبد الله بن عمرو بن العاص يأتي فيروى عن النبي هذا الحديث : " ~~بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج " ثم يخالف عن أمر النبي ~~ويغضبه فيحدث عن الزاملتين وراجع صفحة 163 و164 من هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P172 [ 173 ] # ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة (1) المحروسة ، مع هذه الامة المعصومة ~~التى لا تجتمع على ضلالة - إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) كعطاء بن أبى رباح والحسن البصري وأبى العالية ونحوهم - وهم من ~~خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين - توقف أهل العلم في مراسيلهم فمنهم ~~من يرد المراسيل مطلقا ، ومنهم من يتقبلها بشروط ، إلى أن قال : وهؤلاء ليس ~~بين أحدهم وبين النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا رجل ، أو رجلان ، أو ثلاثة ~~مثلا . وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الاوقات من الاحاديث التى ~~يذكرها ms161 صاحب الكتاب مرسلة ، فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق العلماء - فكيف ~~بما ينقله كعب الاحبار وأمثاله عن الانبياء - وبين كعب وبين النبي الذى ~~ينقل عنه ألف سنة وأكثر وأقل ، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة بل غايته أن ~~ينقل عن بعض الكتب التى كتبها شيوخ اليهود (2) ، وقد أخبر الله عن تبديلهم ~~وتحريفهم ، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئا من ذلك بمجرد هذا النقل ، بل ~~الواجب ألا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضا ، إلا بدليل على كذبه . وهكذا أمرنا ~~النبي (صلى الله عليه وسلم) . وفي هذه الاسرائيليات مما هو كذب على ~~الانبياء أو ما هو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله اه (3) . وقال ~~ابن كثير في تفسير سورة النمل ، بعد أن ذكر ما جاء في قصة ملكة سبأ مع ~~سليمان من الاسرائيليات ما يلي : " والاقرب في مثل هذه السياقات أنها ~~متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما الله ~~تعالى فيما نقلاه إلى هذه الامة من أخبار بنى إسرائيل من الاوابد والغرائب ~~والعجائب مما كان ومما لم يكن ومما حرف وبدل ونسخ ، وقد أغنانا الله بما هو ~~أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ ولله الحمد والمنة . وقد أشار الحكيم ابن خلدون ~~في مواضيع كثيرة من مقدمته إلى كعب ووهب وما جاء عنهما فليرجع إليه من أراد ~~زيادة في البيان . # --- # (1) أي الشريعة الاسلامية . (2) هذا على فرض أنهم ينقلون عن شيوخهم ، ~~ولكنهم كانوا يفترون من عند أنفسهم ! (3) ص 208 و209 من كتاب اقتضاء الصراط ~~المستقيم . (*) # --- PageV01P173 [ 174 ] # ولم نجد في هذا العصر ، بل في العصور الاخيرة من فطن لدهاء كعب ووهب ~~وكيدهما ، مثل الفقيه المحدث السيد محمد رشيد رضا رحمه الله . وإنى أنقل ~~هنا بعض ما قاله في كعب خاصة ، وفيه وفي زميله وهب عامة . قال في كعب ردا ~~على من وصفوه بأنه كان من أوعية العلم ما يلى (1) : إن ثبوت العلم الكثير ~~لا يقتضى نفى الكذب . وكان جل علمه عندهم ، ما يرويه عن التوراة ليقبل ~~وغيرها من كتب ms162 قومه وينسبه إليها ليقبل ، ولا شك أنه كان من أذكى علماء ~~اليهود قبل إسلامه وأقدرهم على غش المسلمين بروايته بعده . وقال عنه إنه ~~كان من زنادقة اليهود الذين أظهروا الاسلام والعبادة لتقبل أقوالهم في ~~الدين . وقد راجت دسيسته حتى إنخدع به بعض الصحابة ورووا عنه ، وصاروا ~~يتناقلون قوله بدون إسناد إليه ، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما ~~سمعوه عن النبي ، وأدخلها بعض المؤلفين في الموقوفات التى لها حكم المرفوع ~~كما قال الحافظ ابن كثير في مواضع من تفسيره (2) . وقال عنه : إنه كان ~~بركان الخرافات وأجزم بكذبه بل لا أثق بإيمانه (3) . وقال فيهما معا - أي ~~كعب ووهب (4) . " إن شر رواة هذه الاسرائيليات ، أو أشد تلبيسا وخداعا ~~للمسلمين هذان الرجلان . فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ ~~الاسلامي في أمور الخلق والتكوين والانبياء وأقوامهم ، والفتن والساعة ~~والآخرة ، إلا وهي منهما مضرب المثل - في كل واد أثر من ثعلبة - ولا يهولن ~~أحد انخداع بعض الصحابة والتابعين بما بثاه وغيرهما من هذه الاخبار - فإن ~~تصديق الكاذب لا يسلم منه أحد من البشر ولا المعصومين من الرسل : فإن ~~العصمة إنما تتعلق بتبليغ الرسالة والعمل بها ، فالرسل معصومون من الكذب ~~ومن الخطأ في التبليغ ومن العمل بما ينافى ما جاءوا به التشريع ، لان هذا ~~ينافى القدوة ويخل بإقامة الحجة . ولكن الرسول # --- # (1) ص 541 وما بعدها 27 مجلة المنار . (2) ص 752 ج 27 من نفس المصدر . ~~(3) ص 697 ج 27 . (4) ص 783 ج 27 من نفس المصدر . (*) # --- PageV01P174 [ 175 ] # إذا صدق الكاذب في أمر يتعلق به وبعمله ، أو بمصلحة الامة ، فإن الله ~~تعالى يبين له ذلك ومنه ما كان ، من بعض أزواجه ، الذى نزل فيه أول سورة ~~التحريم ، وعلم من قوله تعالى فيها " قالت من أنبأك هذا ؟ ؟ قال نبأنى ~~العليم الخبير " أي أنه لم يعلم المكيدة بملكة العصمة ، بل بوحى الله تعالى ~~بعد وقوعها . ومنه قوله تعالى فيما كان كذب عليه بعض المنافقين الذين ~~اعتذروا عن الخروج معه (صلى الله عليه وسلم) إلى تبوك ، " عفا ms163 الله عنك ، ~~لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . وما نقله ~~الزرقاني من رأيه : أن ما روى عن الصحابي مما لا مجال للرأى فيه موقوفا ~~عليه ، فإن له حكم المرفوع ، (وإن احتمل أخذ الصحابي له عن أهل الكتاب ~~تحسينا للظن به) فهو رأى باطل مردود عليه ، لا نتخذه قاعدة وأصلا في ديننا ~~وما علله به ظاهر البطلان ، إذ لا محل هنا لتحسين الظن ، ولا لمقابله ، فمن ~~المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة ~~قائله فيه ولا على بطلانه في نفسه ، فإذا صدق بعض الصحابة كعب الاحبار في ~~بعض مفترياته التى كان يوهمهم أنه أخذها من التوراة أو غيرها من كتب أنبياء ~~بنى إسرائيل وهو من أحبارهم ، أو في غير ذلك ، فلا يستلزم هذا إساءة الظن ~~فيهم ، وإذا كانت هذه الخرافات الاسرائيلية مما يصد عن الاسلام ويجرى ~~الالسنة والاقلام بالطعن فيه ، مع العلم بأنها مروية عمن لا تعد أقوالهم ~~ولا آراؤهم نصوصا دينية ، ولا أدلة شرعية ، وإن كانوا من أفراد علماء السلف ~~- كما هو واقع بالفعل - فكيف يكون موقفنا مع هؤلاء الطاعنين فيه من ~~الملاحدة ودعاة الاديان المعادين للاسلام ، والمسلمين من زنادقة المسلمين ~~أيضا إذا قلنا إن كل تلك الترهات والخرافات الاسرائيلية إذا كان بعض رواتها ~~من الصحابة فإنها تنتظم في سلك الاحاديث المرفوعة إلى النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) ويجب الايمان بها ؟ ألا إن هذا باب واسع في الطعن في الاسلام والصد ~~عنه ، لو فتحه علينا من هو أكبر من الزرقاني من مقلدة القرون الوسطى ~~المظلمة لاغلقناه في وجهه وقلنا له ، إن علماء الاصول قد اتفقوا على أن ~~طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها # --- PageV01P175 [ 176 ] # ثوب الاجمال فيسقط بها الاستدلال . وهذا الاحتمال أولى من ذاك أن يمنع عد ~~الموقوف مرفوعا ، وجعله دليلا شرعيا . وقال رحمه الله (1) : وإنا بعد ~~اختبارنا ثلث قرن قضيناه في معالجة الشبهات ومناظرة الملاحدة وأمثالهم من ~~خصوم الاسلام والرد عليهم قولا وكتابة ، قد ثبت ms164 عندنا أن روايات كعب ووهب ~~في كتب التفسير والقصص والتاريخ ، كانت شبهات كثيرة للمؤمنين ، لا للملاحدة ~~والمارقين وحدهم . وإن المستقلين في الرأى لا يقبلون ما قالوه : إن كل من ~~قال جمهور رجال الجرح والتعديل بعدالته فهو عدل ، وإن ظهر لمن بعدهم فيه من ~~أسباب الجرح ما لم يظهر لهم . وقال رحمه الله : رأينا الشئ الكثير في ~~رواياتهما (2) مما نقطع بكذبه ، لمخالفة ما روياه مما كانا يعز وانه ~~للتوراة وغيرها من كتب الانبياء - فجزمنا بكذبهما وهو مما لم يكن يعلمه ~~المتقدمون . لانهم لم يطلعوا على كتب أهل الكتاب ، والطعن في روايتهما يدفع ~~شبهات كثيرة عن كتب الاسلام ولا سيما تفسير كتاب الله المحشو بالخرافات . ~~وقال كذلك عن روايتهما : إن أكثرها خرافات إسرائيلية شوهت كتب التفسير ~~وغيرها من الكتب ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة أنه ~~كغيره دين خرافات وأوهام ، وما كان فيها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه ~~أكبر كالذى ذكره كعب من صفة النبي في التوراة (3) . وعلى أن الائمة ~~المحققين قد طعنوا في رواية هذين الكاهنين ، لا يزال يوجد بيننا - واأسفاه ~~- من يثق بهما ، ويصدق ما يرويانه ، ولا يقبل أي كلام فيهما . # --- # (1) ص 539 ج 27 من مجلة المنار . (2) أي كعب ووهب . (3) ص 618 ج 27 . (*) # --- PageV01P176 [ 177 ] # الكيد السياسي ولكى نستوفي القول في بيان مدى الكيد اليهودي للاسلام ~~والمسلمين - وإن كان ذلك يعد استطرادا ينحرف بنا عما نحن بسبيله - نكشف لك ~~عن جانب آخر من عمل دهاة اليهود ، ذلك هو الجانب السياسي ، فلقد كان كيدهم ~~في محاربة الاسلام يتجه إلى ضربه من ناحيتين : ناحية دينية ، وأخرى سياسية ~~، أما طعنهم في الناحية الدينية فقد حدثناك به من قبل ، وهاك ذروا صغيرا من ~~كيدهم السياسي . عبد الله بن سبأ قال رفيق العظم في أشهر مشاهير الاسلام ~~(1) : " إن بذار الفتنة بذرت في أنحاء المملكة (الاسلامية) وعواصمها ~~الكبيرة كمصر والبصرة والكوفة بدعوة سرية قام ببثها عبد الله بن سبأ ~~المعروف " بابن السوداء " وكان يهوديا من حمير أسلم على عهد عثمان بإيعاز ~~جمعية ms165 سرية تريد بهذا أحد أمرين : إما تفريق المسلمين في الدين ، أو ~~تفريقهم في السياسة . وهذا الرجل لما أسلم نزل في البصرة على حكيم بن جبلة ~~العبدى ، وإجتمع إليه نفر فأخذ يغريهم بالدعوة التى قام بها ، فقبلوا منه ، ~~وبلغ ابن عامر أمره فطرده من البصرة ، فأتى الكوفة فأخرج منها أيضا ، فأتى ~~مصر واستقر فيها ، والتف عليه ناس من أهل مصر ، منهم كنانة بن بشر ، وسودان ~~بن حمران ، وخالد بن ملجم وأشباههم فقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ~~، ويكذب أن محمدا يرجع ، فوضع لهم الرجعة فقبلت منه اه . ومن قول ابن سبأ ~~هذا : إن لكل نبى وصيا ، وعلي وصى محمد ، والرجعة بعد محمد لعلى - وهذا هو ~~متعقد الشيعة ، وإن عثمان قد أخذ حق علي . وقال عنه الدكتور أحمد أمين في ~~فجر الاسلام (2) إنه " هو الذي حرك أبا ذر # --- # (1) ص 763 . (2) ص 330 و331 . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P177 [ 178 ] # الغفاري للدعوة الاشتراكية (1) ، وكان من أكبر من ألب الامصار على عثمان ~~وأله عليا ، والذى يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم الاسلام ، وألف ~~جمعية سرية لبث تعاليمه ، واتخذ الاسلام ستارا يستر به نياته - وأشهر ~~تعاليمه الوصاية والرجعة ، وقد بدأ قوله بأن محمدا يرجع ، فكان مما قاله : ~~" العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع " . ثم تحول إلى ~~القول بأن عليا يرجع ، وقال ابن حزم ، لما قتل على قال : " لو أتيتمونا ~~بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته ، ولا يموت حتى يملا الارض عدلا كما ملئت ~~جورا . وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية ، فعندهم أن النبي " ~~إلياس " صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون ، ووجدت الفكرة في ~~النصرانية أيضا في عصورها الاولى . وصفوة القول في هؤلاء اليهود - كما قال ~~بعض الباحثين - أن سلاحهم كان الافتراء والكذب ، والمكر والدس ، وتحريف ~~الكلم ، وإثارة الشكوك والشبهات بين المسلمين وإيقاع الضغينة بينهم . وقد ~~تبين لك أن قتل عمر كان من تدبير جمعية سرية اشترك فيها كعب الاحبار ~~اليهودي . وقتل عثمان كان بعضه بتأثير دسائس ms166 عبد الله بن سبأ اليهودي ، ~~وإلى جمعية السبئيين وجمعيات الفرس ، ترجع جميع الفتن السياسية ، وأكاذيب ~~الرواية في الصدر الاول . كتبنا ذلك في الطبعة الاولى من كتابنا اعتمادا ~~على ما كتبه كبار المؤرخين ومن جاء بعدهم عن ابن سبأ ، وقد ظهر كتاب نفيس ~~اسمه " عبد الله بن سبأ " من تأليف العالم العراقى الكبير الاستاذ مرتضى ~~العسكري أثبت فيه بأدلة قوية مقنعة أن هذا الاسم لا حقيقة له ، لان المصدر ~~الاول الذى اعتمد عليه كل المؤرخين من الطبري إلى الآن في إثبات وجوده هو ~~سيف بن عمر التميمي المتوفى سنة 170 ه ، وقد طعن أئمة السنة جميعا في ~~روايته ، وقال فيه الحاكم : اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط . وإنا - ~~إنصافا للعلم والحق نقول : إن الدكتور طه حسين قد شك قبل ذلك في # --- # (1) لما لقى ابن السوداء أبا ذر في الشام قال يا أبا ذر : ألا تعجب إلى ~~معاوية يقول : المال مال الله ؟ ألا إن كل شئ لله ، كأنه يريد أن يحتجنه ~~دون المسلمين - 734 - أشهر مشاهير الاسلام . (*) # --- PageV01P178 [ 179 ] # وجود عبد الله بن سبأ هذا ، وإليك بعض ما أثبته في كباته العظيم " الفتنة ~~الكبرى " الجزء الثاني " على وبنوه " وهو يتحدث عن وقعة صفين (1) : أقل ما ~~يدل عليه إعراض المؤرخين عن السبئية وعن ابن السوداء في حرب صفين أن أمر ~~السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفا منحولا وقد اخترع بأخرة حين ~~كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الاسلامية . أراد خصوم الشيعة أن ~~يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصرا يهوديا إمعانا في الكيد لهم ، والنيل منهم ~~، ولو قد كان أمر ابن السوداء مستندا إلى أساس من الحق والتاريخ الصحيح ~~لكان من الطبيعي أن يظهر أثره وكيده في هذه الحرب المعقدة المعضلة التي ~~كانت بصفين ، ولكان من الطبيعي أن يظهر أثره حين اختلف أصحاب على في أمر ~~الحكومة ، ولكان من الطبيعي بنوع خاص أن يظهر أثره في تكوين هذا الحزب ~~الجديد ، الذى كان يكره الصلح وينفر منه ويكفر من مال إليه ، أو شارك فيه ms167 . ~~ولكنا لا نرى لا بن السوداء ذكرا في أمر الخوارج ، فكيف يمكن تعليل هذا ~~الاهمال ؟ أو كيف يمكن أن نعلل غياب ابن سبأ عن وقعة صفين وعن نشأة حزب ~~المحكمة ؟ أما أنا فلا أعلل الامرين إلا بعلة واحدة . وهى أن ابن السوداء ~~لم يكن إلا وهما وإن وجد بالفعل فلم يكن ذا خطر كالذى صوره المؤرخون وصوروا ~~نشاطه أيام عثمان وفي العام الاول من خلافة على ! وإنما هو شخص ادخره خصوم ~~الشيعة للشيعة وحدهم ولم يدخروه للخوارج . . . إلخ . وإليك مثلا من هذا ~~الكيد في أمر خطير تحول به التاريخ الاسلامي عن مجراه : كعب ومعاوية قرأت ~~فيما سبق وبيناه (2) أن عمر بن الخطاب كان قد نهى كعب الاحبار عن الحديث ~~وتوعده بالنفى إذا هو روى من إسرائيلياته أو ما يزعم أنه عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) ذلك بعد أن فطن لكيده ، وتبين له سوء دخلته ، ولم يجد كعب ~~تلقاء هذا التهديد الشديد مناصا من أن يذعن في غيظ وموجدة ، ثم أخذ يسعى في # --- # (1) ص 98 و99 . (2) ص 153 في هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P179 [ 180 ] # الخفاء لكن يحقق أغراضه التى أسلم من أجلها ، ورأى أن ذلك لا يتسنى إلا ~~بعد التخلص من هذه الصخرة العاتية التى اعترضت طريقه ، وحالت بينه وبين ما ~~يريد ، وما لبث أن أتيحت له فرصة المؤامرة التي دبرتها جمعية سرية لقتل عمر ~~فاشترك فيها ونفخ في نارها ! ولما خلا له الجو بقتله ، وأمن من خوفه ، أطلق ~~العنان لنفسه لكى يبث ما شاء الكيد اليهودي أن يبث من الخرافات ~~والاسرائيليات التى تشوه بهاء الدين يعاونه في ذلك تلاميذه الكبار أمثال : ~~عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر ، وأبو هريرة . . ولم يكفه ذلك ، ولا ~~أقنعه أن يصبح ولا معارض له فيما يريد ، وأن يجد من غفلة المسلمين ، وعون ~~الحاكمين إصغاء لكل ما يفترى وتقديرا ، بل ظل على مكره يهتبل كل فرصة لكى ~~يضرب الاسلام من ضرباته الخبيثة . ولنضرب لذلك هنا مثلا واحدا نجتزئ به ، ~~ذلك أنه لما اشتعلت نيران الفتنة ms168 في زمن عثمان واشتد زفيرها ، حتى التهمت ~~عثمان فقتلته وهو في بيته ، لم يدع هذا الكاهن الماكر هذه الفرصة تمر دون ~~أن يهتبلها بل أسرع ينفخ في نارها ويسهم بكيده اليهودي فيها ما استطاع على ~~ذلك سبيلا ، وقد كان من كيده في هذه الفتنة أن أرهص بيهوديته بأن الخلافة ~~بعد عثمان ستكون لمعاوية ! فقد روى وكيع عن الاعمش عن أبى صالح (1) أن ~~الحادى كان يحدو بعثمان (رضى الله عنه) يقول : إن الامير بعده على وفي ~~الزبير خلق رضى فقال كعب الاحبار : بل هو صاحب البغلة الشهباء ! (يعنى ~~معاوية) ، وكان يراه يركب بغلة . فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال : يا أبا ~~إسحاق ما تقول هذا ! وها هنا على والزبير وأصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) ~~! قال : أنت صاحبها . ولعله أردف ذلك بقوله : إنى وجدت ذلك في الكتاب الاول ~~! ! وقدر معاوية هذه اليد الجليلة لكعب ، وأخذ يغمره بأفضاله ، وقد عرف من تاريخ # --- # (2) ص 51 من رسالة النزاع والتخاصم فيما بين بنى أمية وبنى هاشم للمقريزى . (*) # --- PageV01P180 [ 181 ] # هذا الكاهن أنه تحول إلى الشام في عهد عثمان وعاش تحت كنف معاوية ~~فاستصفاه لنفسه وجعله من خلصائه لكى يروى من أكاذيبه وإسرائيلياته ما شاء ~~أن يروى في قصصه لتأييده ، وتثبيت قوائم دولته . وقد ذكر ابن حجر العسقلاني ~~في الاصابة بأن معاوية هو الذى أمر كعبا بأن يقص في الشام (1) ، وحسبك ما ~~وقفت عليه من قبل ، وما وصل إلينا مما رواه في تفضيل الشام وأهله (2) . ومن ~~العجيب أن هذه الاسرائيليات لا تزال تجد إلى اليوم من يصدقها بل يقدسها ، ~~وإذا بصرناهم بتخفيفها هب في وجهنا أدعياء العلم في عصرنا وبخاصة من كانوا ~~من حفدة الامويين ورمونا بالسب والشتم تعصبا لهم وحماقة . هذا مثل واحد ~~نسوقه هنا في مواقف كعب مع معاوية خاصة ، وما أصاب الاسلام من كيده ومكره ~~عامة ، ولان عليا هو ابن عم النبي صلى الله عليه وآله الذى أرصد له هؤلاء ~~الكهان كل قواهم لمحاربة شريعته ، ولو شئنا أن نستوفي كل ما أتاه هذا ~~الكاهن ms169 من كيد للاسلام وأهله لاقتضى منا ذلك أن نعقد مؤلفا خاصا كما فعلنا ~~لتلميذه الاكبر أبى هريرة (3) . ولا ننسى أن عليا رضى الله عنه كان يقول عن ~~كعب إنه لكذاب (4) . المسيحيات في الحديث حديث الجساسة - حديث طعن الشيطان ~~لكل بنى آدم إلا عيسى وأمه - ابن جريح إذا كانت الاسرائيليات قد شوهت بهاء ~~الدين الاسلامي بمفترياتها ، فإن المسيحيات كان لها كذلك نصيب مما أصاب هذا ~~الدين ، وأول من تولى كبر هذه # --- # (1) ص 323 ج 5 . (2) ص 158 وما بعدها في هذا الكتاب . (3) راجع كتاب " ~~شيخ المضيرة " . (4) صفحة 156 في هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P181 [ 182 ] # المسيحيات هو تميم بن أوس الدارى وهو من نصارى اليمن ، وكان مقامه مع ~~قبيلته في الشام في ناحية فلسطين ، وفد على النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد ~~غزوة تبوك سنة 9 ه وأسلم قال أبو نعيم : كان راهب أهل عصره ، وعابد أهل ~~فلسطين ، وهو أول من أسرج السراج وأول من قص ، وقد صحب النبي (صلى الله ~~عليه وسلم) وغزا معه ، ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان ~~(1) ، ومات في خلافة على سنة 40 . وكان يحدث بروايات وقصص عن الجساسة ~~والدجال ، وإبليس ، وملك الموت ، والجنة والنار فملا الارض بهذه الروايات ، ~~كما فعل زميلاه من قبل كعب الاحبار ووهب بن منبه ، ولا يعجب القارئ من أن ~~يدخل في الاسلام مسيحيات بعد أن دخل فيه إسرائيليات ، فإنه قد شيب بأشياء ~~من كل دين ومن كل نحلة . ولكن المجال لا يتسع لبيان كل ما دخل عليه من ~~الملل والنحل الاخرى ، لان ذلك يحتاج إلى مؤلف برأسه . حديث الجساسة : مما ~~بثه تميم الدارى من مسيحياته ، ما ذكره للنبى (صلى الله عليه وسلم) من قصة ~~الجساسة والدجال ونزول عيسى وغير ذلك . أما حديث الجساسة فقد رواه مسلم (2) ~~في كتابه من طرق يخالف بعضها بعضا . وها هو ذا من طريق فاطمة بنت قيس أخت ~~الضحاك بن قيس وكانت من المهاجرات الاول . قال رسول الله بعد أن جمع الناس ~~: إنى والله ما جمعتكم لرغبة ms170 ولا لرهبة ، ولكن # --- # (1) مما يلفت النظر ويسترعى الفكر أننا نجد هؤلاء الكهان جميعا من اليهود ~~والنصارى وذوى الهوى من المسلمين يتحولون كلهم إلى الشام بعد مقتل عثمان . ~~ويبدو أن هذا التحول لم يكن لله ، وإنما كان ذلك ليتعاونوا على نشر الفتنة ~~وليشعلوا نار البغضاء بين المسلمين ، لكى تنضج دولة الامويين ، ويتمزق شمل ~~المسلمين . ويملئوا أيديهم بعد ذلك من غنائم الامويين . (2) ص 520 ج 2 . (*) # --- PageV01P182 [ 183 ] # جمعتكم لان تميما الدارى (1) كان رجلا نصرانيا ، فجاء فبايع وأسلم ، ~~وحدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام ، فلعب بهم ~~الموج شهرا في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر (2) حتى مغرب الشمس ، ~~وأنهم دخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من ~~دبره ، فقالوا : ويلك ما أنت ؟ فقالت : أنا الحساسة ، ثم أشارت عليهم أن ~~يتطلعوا إلى رجل في الدير وأشارت إليه . فدخلوا الدير فإذا فيه أعظم إنسان ~~رأيناه خلقا ، وأشده وثاقا مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه ~~بالحديد ، ولما عرف أمرهم وأنهم من العرب سألهم جملة أسئلة ، وهم يجيبون ~~عنها إلى أن قال لهم : أخبروني عن نبى الاميين ما فعل ؟ قالوا : قد خرج من ~~مكة ونزل يثرب ، قال : أقاتله العرب ؟ قلنا : نعم . قال : كيف صنع بهم ! ~~فأخبروه بأنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه ، قال : وإنى مخبركم عنى ~~: إنى أنا المسيح وإنى أوشك (3) أن يؤذن لى في الخروج فأخرج فأسير في الارض ~~أربعين يوما فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فإنهما ~~محرمتان على كلتاهما . كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحدا منهما استقبلني ~~ملك بيده السيف مصلتا يصدني عنها ، وبعد ما ذكر ذلك ، طعن الرسول بمخصرته ~~في المنبر وقال : هذه طيبة ، هذه طيبة ، هذه طيبة ، يعنى المدينة . ولم يشأ ~~أبو هريرة أن يدع هذا الخبر بغير أن يمسه بنفحة من غرائبه ، فروى أن بين ~~قرنى الجساسة فرسخ للراكب ! وقد رأينا تعليقا على هذا الحديث للعلامة السيد ~~رشيد ms171 رضا رحمه الله نثبته هنا في محله . " حديث الجساسة الذى حدث به تميم ~~الدارى رسول الله وأخرجه مسلم في صحيحه مرفوعا من طرق يخالف بعضها بعضا في ~~متنه - فهذا الخلاف في المتن علته # --- # (1) جاء هو وأخوه نعيم المدينة سنة 9 ه وأسلما كما قلنا . (2) لعل علماء ~~الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من البحر ! ثم ~~يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التى حدثنا بها - سيدنا - تميم الدارى ~~رضى الله عنه . (3) هذا الوشك كان حوالى سنة 9 ، ونحن الآن في 1386 ولم نر ~~لهذا المسيح وجها ولا لمسنا له أثرا ! (*) # --- PageV01P183 [ 184 ] # من بعض رواة الصحيح ، ولا يظهر حمله على تعدد القصة (1) ثم إن رواية ~~الرسول له من تميم الدارى - إن سلم سندها من العلل - هل تجعل الحديث ملحقا ~~بما حدث به النبي (صلى الله عليه وسلم) من تلقاء نفسه ، فيجزم بصدق أصله ~~قياسا على إجازته (صلى الله عليه وسلم) أو تقريره للعمل ، إذ يدل حله ~~وجوازه ؟ الظاهر لنا أن هذا القياس لا محل له هنا - والنبى ما كان يعلم ~~الغيب فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق ، إذا لم تحف به شبهة ، ~~وكثيرا ما صدق المنافقين والكفار في أحاديثهم وحديث العرينيين (2) وأصحاب ~~بئر معونة مما يدل على ذلك ، وإنما كان يعرف كذب بعض الكاذبين بالوحى ، أو ~~ببعض طرق الاختبار ، أو إخبار الثقات ونحو ذلك ، من طرق العلم البشرى ، ~~وإنما يمتاز الانبياء على غيرهم بالوحى والعصمة من الكذب - وما كان الوحى ~~ينزل إلا في أمر الدين وما يتعلق بدعوته وحفظه وحفظ من جاء به ، وتصديق ~~الكاذب ليس كذبا ، وحسبك أن تتأمل في هذا الباب عتاب الله لرسوله ، إذ أذن ~~لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وما علله به وهو قوله ~~" عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " . ~~وإذا جاز على الانبياء والمرسلين أن يصدقوا الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ~~ولا يترتب عليه حكم شرعى ، ولا شئ ينافي منصب ms172 الرسالة ، أفلا يجوز على من ~~دونهم أن يصدقوا الكاذب في أي خبر لا تقوم القرينة على كذبه فيه ؟ ومن صدق ~~شيئا يجوز أن يحدث به من غير عزو إلى من سمعه منه (3) . # --- # (1) يشير رحمه الله إلى صنيع رجال الحديث عند ما يرون اختلافا في متن ~~حديث فإنهم لا يلبثون أن يقدروا تعدد القصة التى قيل فيها الحديث ، ويحسبون ~~أنهم بذلك قد حلوا عقدة التناقض . (2) حديث العرينيين : أن ناسا من عكل ~~وعرينة قدموا المدينة على النبي وأسلموا ثم قالوا : يا نبى الله إنا كنا ~~أهل ضرع ولم نكن أهل ريف ، فآونا وأطعمنا ، وكانوا قد استوخموا المدينة ، ~~فأمر لهم النبي بذود وراع ، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها ، ~~فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحيرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعى النبي ~~، واستاقوا الذود فبلغ النبي فبعث الطلب في أثارهم وأمر بهم فقطعوا أيديهم ~~وأرجلهم وتركوا في ناحية الحيرة حتى ماتوا على حالتهم - وأما أصحاب بئر ~~معونة : فإن ناسا من رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم وزعموا له أنهم قد أسلموا واستمدوه على قومهم فأمدهم بسبعين من ~~الانصار فانطلقوا بهم حتى بلغوا بئر معونة ، فغدروا بهم وقتلوهم ، فقنت ~~النبي شهرا ، يدعو على رعل وذكوان وبنى لحيان . (3) ص 99 و100 ج 19 مجلة ~~المنار . (*) # --- PageV01P184 [ 185 ] # وقال رحمه الله في أمر نزول عيسى من السماء وخروج الدجال والمهدى (1) : ~~إن الاحاديث الواردة في نزول عيسى كثيرة في الصحيحين والسنن وغيرها ، ~~وأكثرها واردة في أشراط الساعة وممزوجة بأحاديث الدجال ، وفي تلك الاشراط - ~~ولا سيما أحاديث الدجال والمهدى - اضطراب واختلاف وتعارض كثير ، والظاهر من ~~مجموعها ، أنه يظهر في اليهود دجال بل أكبر دجال عرف في تاريخ الامم فيدعى ~~أنه هو المسيح الذى تنتظره اليهود فيفتتن به خلق كثير ، وفي آخر مدته يظهر ~~المسيح الذى هو عيسى بن مريم ، ويكون نزوله في المنارة البيضاء شرقي دمشق - ~~ويلتقى بالمسيح الدجال بباب لد بفلسطين ، وهناك يقتل المسيح الصادق عيسى بن ~~مريم الدجال (2) بعد حرب طويلة تكون ms173 بين المسلمين واليهود . . فنزول عيسى ~~عقيدة أكثر النصارى وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الاسلام إلى الآن بثها ~~في المسلمين ، وممن حاولوا ذلك بإدخالها في التفسير وهب بن منبه الركن ~~الثاني بعد كعب الاحبار لتشويه تفسير القرآن بما بثه من الخرافات . حديث ~~طعن الشيطان لكل بنى آدم إلا عيسى وأمه : ومن المسيحيات في الحديث ما رواه ~~البخاري عن أبى هريرة أن النبي قال : كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبه حين ~~يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعن فطعن في الحجاب . وفي رواية : سمعت ~~رسول الله يقول : ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل ~~صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها " . وفي رواية ثالثة : كل بنى آدم قد ~~طعن الشيطان فيه حين ولد غير عيسى بن مريم وأمه ، جعل الله دون الطعنة ~~حجابا فأصاب الحجاب ولم يصبها ! وفي رواية عند مسلم " إلا نخسة الشيطان " ~~و" إلا يستهل من نخسة الشيطان " . وفقه هذا الحديث الذى سمعه الصحابي ~~الجليل من الرسول ، أن الشيطان يطعن # --- # (1) ص 756 ج 28 مجلة المنار . (2) في الباب الثاني في الرسالة الثانية ~~لبولس إلى أهل تسالو نيقى والباب التاسع عشر من المشاهدات أن عيسى سيقتل ~~الدجال ص 191 ج 2 إظهار الحق . (*) # --- PageV01P185 [ 186 ] # كل ابن آدم ، أو ينخسه إلا عيسى بن مريم وأمه ، وبذلك لم يسلم من طعن ~~الشيطان أحد غيرهما من بنى آدم أجمعين ، حتى الرسل : نوح وإبراهيم وموسى ~~وغيرهم ، وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين ، فانظر واعجب ! (1) . # --- # (1) اتكأ المسيحيون على هذا الحديث في إثبات عقيدتين من عقائدهم ، ~~أولاهما : أن البشر جميعا قد سقطوا في الخطيئة واقتراف الآثام إلا عيسى بن ~~مريم الذى ارتفع عن طبقة البشر ، والاخرى نزول عيسى بن مريم من السماء إلى ~~الارض ليحكم بين الناس ويجازيهم . قال القس إبراهيم لوقا في كتابه " ~~المسيحية في الاسلام " - بعد أن ذكر ارتفاع مقام عيسى عن طبقة البشر ، وأنه ~~وحده قد استحق العصمة والصون من الآثام : " جاء في سورة مريم ms174 : (وإن منكم ~~إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) فهذه الآية قد حكمت على جميع البشر ~~بورود جهنم والعياذ بالله ، ومعلوم أن العقاب لا يكون إلا لذنب وإلا كان ~~ظلما - وما ربك بظلام للعبيد ، فهذه الآية تدل على أن البشر جميعا معرضون ~~للوقوع في أسر الشهوات والخطايا . ثم قال : لتقرأ هذه الآية مرة أخرى ، ثم ~~لتقرأ بعدها آية سورة آل عمران : " وإنى أعيذها بك وذريتها (أي المسيح) من ~~الشيطان " . تر أن الله قد حفظ العذراء والمسيح من غواية الرجيم ، ثم لنقرأ ~~بعد هذا الحديث الذى تضمن هاتين الحقيقتين معا - سقوط البشر أجمعهم ، وعصمة ~~المسيح دون سواه وهو كما أورده البخاري : " كل ابن آدم يطعنه الشيطان في ~~جنبه بأصبعيه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعنه فطعن في الحجاب " . ~~فإقرار الاسلام بأن البشر جميعا قد زاغوا وفسدوا ، وأنهم مجردون عن العصمة ~~، معرضون لاقتراف الخطايا والآثام ، بجانب إقراره للمسيح وحده بالعصمة ، ~~وأنه مصون عن مس الشيطان ، يرفع المسيح عن طبقة البشر وبالتالي يقر بلا ~~هوته الممجد (ص 127 من الطبعة الثالثة من هذا الكتاب) ولهذا الحديث روايات ~~أخرى - راجع الجزء السادس من فتح الباري . وذكر في صحفة 135 : إن الذى روى ~~هذا الحديث هو أبو هريرة . وفي ص 149 من الكتاب قال تحت هذا العنوان " ~~دينونة المسيح " روى البخاري : " لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم ~~حكما مقسطا " فهذا الحديث ناطق بأن المسيح سيأتي ديانا عادلا ، وهذا ما ~~يعلنه الوحى الالهى في الانجيل المقدس (يو 5 : 22) قال المسيح " لان الآب ~~لا يدين أحدا بل قد أعطى كل الدينونة للابن " ، وفي ختام سفر الرؤيا (رؤيا ~~22 : 12) " وها أنا آتى سريعا وأجرتي معى لاجازي كل واحد كما يكون عمله " . ~~ومن العجيب أن يصرح أبو هريرة في حديثى البخاري بطعن الشيطان ونزول عيسى ~~أنه سمعهما من النبي ، كما صرح بسماع حديث خلق الله التربة يوم السبت - ~~وأثبت المحققون أنه قد رواه عن كعب الاحبار - وهكذا يبث راويتنا المكثار من ~~الاحاديث بين الناس ما ms175 يكون مشكلات في ديننا وحججا لتأييد عقائد غيرنا ! ~~وحديث طعن الشيطان الذى رواه البخاري قال ابن حجر في شرحه : " وقد طعن صاحب ~~الكشاف في معنى هذا الحديث وتوقف في صحته ، وكذلك طعن فيه الرازي وقال " إن ~~الحديث خبر واحد ورد على خلاف الدليل " . (*) # --- PageV01P186 [ 187 ] # ولم يقفوا عند ذلك بل كان من رواياتهم أن النبي صلوات الله عليه ولم ينج ~~من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت الطعنة إلى قلبه - وكان ذلك بعملية جراحية ~~تولتها الملائكة بآلات جراحية مصنوعة من الذهب ! ونصب هذه الروايات أن صدره ~~صلوات الله عليه قد شق وأخرجت منه العلقة السوداء ! وحظ الشيطان - كما ~~يقولون - وكأن العملية الاولى لم تنجح فأعيد شق صدره ، ووقع ذلك مرات عديدة ~~بلغت خمسا ، وأربع منها باتفاق كما يقولون ، في الثالثة من عمره ، وفي ~~العاشرة ، وعند مبعثه ، وعند الاسراء . ومرة خامسة فيها خلاف (1) وقد قالوا ~~، إن تكرار الشق إنما هو زيادة في تشريف النبي ! وإن هذه العملية الجراحية ~~لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح عليه السلام ، وهو لم يرتكب ~~ذنبا يستوجب هذا الصلب ، وإنما ذكروا ذلك لكى يغفر الله خطيئة آدم التى ~~احتملها هو وذريته من بعده إلى يوم القيامة ، وأصبحت في أعناقهم جميعا ، ~~وتنص العقيدة المسيحية أنه لا يظفر بهذا الغفران إلا من يؤمن بعقيدة الصلب ~~. ولئن قال المسلمون لاخوانهم المسيحيين : ولم يغفر الله لآدم خطيئته بغير ~~هذه الوسيلة القاسية التى أزهقت فيها روح طاهرة بريئة ، هي روح عيسى عليه ~~السلام بغير ذنب ؟ قيل لهم : ولم لم يخلق الله قلب رسوله الذى اصطفاه كما ~~خلق قلوب إخوانه من الانبياء المرسلين - والله أعلم حيث يجعل رسالته - نقيا ~~من العلقة السوداء وحظ الشيطان بغير هذه العملية الجراحية التى تمزق فيها ~~صدره وقلبه مرار عديدة ! # --- # (1) نظم بعضهم أمر شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أيا طالبا نظم ~~الفرائد في عقد * مواطن فيها شق صدر لذى رشد لقد شق صدر للنبى محمد * مرار ~~لتشريف وذا غاية المجد فأولى له التشريف فيها ms176 مؤثل * بتطهيره من مضغة في ~~بنى سعد وثانية كانت له وهو يافع * وثالثة للمبعث الطيب الند ورابعة عند ~~العروج لربه * وذا باتفاق فاستمع يا أخا الرشد وخامسة فيها خلاف تركتها * ~~لفقدان تصحيح لها عند ذى النقد ص 154 - 156 ج 1 سيرة ابن هشام ، وسبحان ~~واهب العقول للانام ! (*) # --- PageV01P187 [ 188 ] # ولا أدرى والله أين يذهبون مما جاء في سورة الحجر من الكتاب العزيز في ~~قوله تعالى : " قال رب بما أغويتني لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين . ~~إلا عبادك منهم المخلصين . قال هذا صراط على مستقيم . إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين " (1) . وكيف يدفعون الكتاب بالسنة ، ~~أو يعارضون المتواتر الذى يفيد اليقين ، بأحاديث الآحاد التى لا تفيد إلا ~~الظن ؟ ! هذا إذا كانت هذه الاحاديث صحيحة . على أن حديث نخس الشيطان هذا ~~قد طعن فيه الزمخشري في الكشاف وقال فيه فخر الدين الرازي في تفسيره (2) " ~~طعن القاضى في هذا الخبر وقال إنه خبر واحد ، ورد على خلاف الدليل فوجب رده ~~، وإنما قلنا على خلاف الدليل لوجوه ، أحدها : أن الشيطان إنما يدعو إلى ~~الشر من يعرف الخير والشر - والصبى ليس كذلك ! الثاني : أن الشيطان لو تمكن ~~من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك ، من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم . ~~الثالث : لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى عليهما السلام دون سائر الانبياء ~~عليهم السلام ؟ الرابع : أن ذلك النخس لو وجد بقى أثره ، ولو بقى أثره لدام ~~الصراخ والبكاء - فلما لم يكن ذلك علمنا بطلانه . وقال أستاذنا الامام محمد ~~عبده رضى الله عنه (3) : " والمحقق عندنا أنه ليس للشيطان سلطان على عباد ~~الله المخلصين ، وخيرهم الانبياء والمرسلون - وأما ما ورد في حديث مريم ~~وعيسى من أن الشيطان لم يمسهما ، وحديث إسلام شيطان النبي (صلى الله عليه ~~وسلم) وحديث إزالة حظ الشيطان من قلبه (صلى الله عليه وسلم) ، فهو من ~~الاخبار الظنية لانه من رواية الآحاد - # --- # (1) سورة الحجر : 39 - 41 . (2) ص 459 ج 2 . (3) ص 291 ، 392 ج 3 تفسير ~~القرآن الحكيم . (*) # --- PageV01P188 [ 189 ] # ولما ms177 كان موضعها عالم الغيب ، والايمان بالغيب من قسم العقائد ، وهى لا ~~يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى : " إن الظن لا يغنى من الحق شيئا " - كنا غير ~~مكلفين الايمان بمضمون تلك الاحاديث في عقائدنا . ابن جريج وممن كان يبث في ~~الدين الاسلامي مما يخفيه قلبه - ابن جريج الرومي ، الذى مات سنة 150 ه ~~وكان البخاري لا يوثقه وهو على حق في ذلك . قال الذهبي في تذكرة الحفاظ إنه ~~من أصل رومى فهو نصراني الاصل . ويقول عنه بعض العلماء إنه كان يضع الحديث ~~، وإنه تزوج بتسعين امرأة زواج متعة . ومن المسيحيات التى تدسست إلى ~~الاسلام ما ذكروه من إقعاد النبي (صلى الله عليه وسلم) على العرش ! ذلك ~~أنهم لما رأوا أن من عقائد المسيحيين أن عيسى عليه السلام يقعد بجوار الله ~~على العرش (1) عز عليهم ألا يعقد محمد (صلى الله عليه وسلم) هو الآخر على ~~العرش ، فرووا هذا الخبر الذى ننقله لك بنصه عن كتاب بدائع الفوائد لابن ~~القيم ص 39 و40 ج 4 . " قال القاضى : صنف المروزى كتابا في فضيلة النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) وذكر فيه " إقعاده على العرش " قال القاضى : وهو قول ~~أبى داود وأبى جعفر الدمشقي وإسحاق بن راهويه وإبراهيم الحربى وعبد الله بن ~~الامام أحمد ، والمروزي ، وبشر الحافى ، ثم ذكر أسماء أكثر من خمسة عشر ~~عالما يقولون بذلك . # --- # (1) يعتقد المسيحيون أن المسيح عليه السلام قد ارتفع بجسمه بعد صلبه وأنه ~~يجلس هناك مع أبيه . وعند الكاثوليكية الرومانية عقيدة جوهرية تقضى بأن أمه ~~مريم العذراء قد ارتفعت هي الاخرى بجسدها إلى السماء وأنها لم تمت . ومنذ ~~سبع عشرة سنة انعقد مجمع دينى مقدس برياسة البابا بيوس الثاني عشر بميدان ~~القديس بطرس اشترك فيه 35 كردينالا ونحو 500 بطريرك من جميع أنحاء العالم ~~واحتشد له مليون مسيحي وقرر هذا المجمع هذه العقيدة الدينية ، وقال إنها لا ~~تقبل الجدل أو المناقشة ومن يناقشها أو يشك فيها يعتبر من وجهة نظر الكنيسة ~~الكاثوليكية ملحدا أو كافرا (يراجع جريدة الوفد المصرى في 31 ms178 / 10 ، و1 و2 ~~و3 / 11 / 1950) والاقباط المصريون جميعا يؤمنون بهذه العقيدة وتحتفل كل ~~طوائفهم في يوم 16 مسرى من كل سنة بعيد انتقال السيدة مريم بجسدها إلى ~~السماء ، ويطلقون على هذا الاحتفال اسم " عيد العذراء الكبير " ، وليس لاحد ~~أن يعترض على هذه العقيدة أو يمارى فيها إذ ما دام المسيح عليه السلام قد ~~ارتفع إلى السماء وجلس بجوار أبيه فإنه لا مانع من أن تصعد إليه أمه من ~~بعده لتقيم وإياه مع الله في السماء ويحيون جميعا حياة طيبة في هناء وصفاء ! (*) # --- PageV01P189 [ 190 ] # قلت (أي ابن القيم) : وهو قول ابن جرير الطبري ، وإمام هؤلاء كلهم مجاهد ~~إمام التفسير ، وهو قول أبى الحسن الدار قطني ومن شعره فيه : حديث الشفاعة ~~عن أحمد * إلى أحمد المصطفى مسنده وجاء (حديث بإقعاده * على العرش) أيضا ~~فلا تجحده أمروا الحديث على ووجهه * ولا تدخلوا فيه ما يفسده ولا تنكروا ~~(أنه قاعد) * ولا تنكروا أنه يقعده (1) وإليك هذه الكلمة الصغيرة ننقلها من ~~كتاب العقيدة والشريعة للمستشرق الكبير جولد تسيهر ص 42 و43 : وهناك جمل ~~أخذت من العهد القديم والعهد الجديد ، وأقوال للربانيين ، أو مأخوذة من ~~الاناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية ، وأقوال من حكم الفرس ~~والهنود ، كل ذلك أخذ في الاسلام عن طريق " الحديث " حتى لفظ " أبونا " لم ~~يعدم مكانه في الحديث المعترف به ، وبهذا أصبحت ملكا خالصا للاسلام بطريق ~~مباشر أو غير مباشر ! وقد تسرب إلى الاسلام كنز كبير من القصص الدينية حتى ~~إذا ما نظرنا إلى المواد المعدودة في الحديث ونظرنا إلى الادب الدينى ~~اليهودي فإننا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الادب الديني الاسلامي من ~~هذه المصادر اليهودية . # --- # (1) نقلنا هذا الخبر عن ابن القيم في الطبعة الثانية ، ولكن تبين أن ابن ~~القيم هذا وهو " حنبلي " لم يكن صادقا فيما نسبه إلى ابن جرير الطبري ، فقد ~~جاء في تاريخه الذى ذكره صاحب معجم الادباء أنه لما قدم إلى بغداد من ~~طبرستان تعصب عليه قوم وسأله الحنابلة عن حديث الجلوس على العرش فقال : أما ms179 ~~حديث الجلوس على العرش فمحال ، ثم أنشد : سبحان من ليس له أنيس * ولا له في ~~عرشه جليس فلما سمع ذلك الحنابلة وأصحاب الحديث وثبوا ورموه بمحابرهم فدخل ~~داره ، فرموا داره بالحجارة حتى صار على بابه كالتل العظيم ، فركب صاحب ~~الشرطة في عشرات ألوف من الجند يمنع عنه العامة ووقف على بابه يوما إلى ~~الليل ، وأمر برفع الحجارة وكان قد كتب على بابه هذا البيت الذى أوردناه ~~آنفا فأمر صاحب الشرطة بمحوه وكتب مكانه بعض أصحاب الحديث هذه الابيات : ~~لاحمد منزل لا شك عال * إذا وافى إلى الرحمن وافد فيدنيه ويقعده كريما * ~~على رغم لهم في أنف حاسد على عرش يغلفه بطيب * على الاكباد من باغ وعاند له ~~هذا المقام الفرد حقا * كذاك رواه ليث عن مجاهد ص 57 - 59 ج 18 . (*) # --- PageV01P190 [ 191 ] # ولا نستقصي كل ما دخل الاسلام من المسيحيات . ومن شاء أن يستزيد من معرفة ~~الاسرائيليات والمسيحيات وغيرها في الدين الاسلامي ، فليرجع إلى كتب ~~التفسير والحديث والتاريخ وإلى كتب المستشرقين أمثال جلد تسيهر ، وفون ~~كريمر وغيرهما ، فقد نقلت فيهما من هذه الاسرائيليات والمسيحيات أشياء ~~كثيرة . وقبل أن نخرج من هذا الباب نتحفك بشئ مما رواه أبو هريرة في نزول ~~عيسى من السماء . عيسى بن مريم ونزوله ذكروا أن من علامات الساعة نزول ~~المسيح من السماء . وفي الصحيحين وغيرهما عن أبى هريرة قال رسول الله : " ~~والذى نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ~~ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويقتل القرد ولا يقبل إلا الاسلام " . ولا ينزل ~~بشريعة مستقلة ، ويتسلم الامر من المهدى ، ويكون المهدى من أصحابه وأتباعه ~~. وكل أعماله تشابه الاعمال التى ذكروا أن المهدى سيقوم بها . محل نزوله : ~~محل نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا ~~طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفع رأسه تحدر منه جمان كاللؤلؤ ، ويكون نزوله لست ~~ساعات مضت من النهار ويقعد على المنبر ، فيدخل المسلمون والنصارى واليهود ~~المسجد ، ويصلى بالمسلمين صلاة العصر بمسجد دمشق ، ثم يخرج بمن ms180 معه من ~~أهلها في طلب الدجال ، والارض تقبض له إلى أن يأتي بيت المقدس فيجده مغلقا ~~قد حصره الدجال . # --- PageV01P191 [ 192 ] # مقدار مدته : في حديث أبى هريرة عند الطبراني وابن عساكر عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) " يمكث عيسى في الناس أربعين سنة " ، ثم يدفنه المسلمون ~~عند نبينا (صلى الله عليه وسلم) . وعن ابن عمر مرفوعا : يتزوج ويلد ولدين ~~ذكرين أحدهما يسمى موسى والآخر محمدا ، ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت ~~ويدفن معى في قبري ، فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبى بكر وعمر ! ~~وقالوا إنه يمكث سبع سنين ، وبعد أن يقتل الدجال يذهب إلى المدينة فيزور ~~قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) ويحج البيت الحرام ويتوفى بالمدينة ! وهناك ~~أخبار من هذا القبيل كثيرة أعرضنا عنها لعدم فائدتها . ما استشكلوه : وقد ~~قالوا : الروايات ثابتة أن نزول عيسى مع الفجر على منارة دقشق الشرقية (1) ~~، ولكن كيف يقال في رواية أخرى إن النزول كان لست ساعات مضت من النهار ! ~~وكذلك المعروف عند أهل العلم أن عيسى إنما يصلى وراء المهدى صلاة الصبح لا ~~العصر ! كثرة الاحاديث المروية رأيت فيما تقدم أن الوضع كان له أسباب كثيرة ~~، وبواعث متعددة ، وأن أبوابه قد ظلت مفتحة قرونا ، يخرج منها كل يوم ألوان ~~مختلفة من الاحاديث التى يفتن الوضاع في صوغها وإسنادها إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وسلم) . ولقد كان من رواء ذلك أن كثرت الاحاديث المنسوبة إلى ~~النبي كثرة هائلة ، # --- # (1) لم جعلوا نزول عيسى على منارة دمشق الاموية ؟ (*) # --- PageV01P192 [ 193 ] # حتى بلغت مئات الالوف (1) مما جعل الحافظ الدار قطني يقول : إن الحديث ~~الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الاسود (2) . وقد ~~أفزعت هذه الكثرة العلماء فنهضوا لكشف القناع عن الاحاديث الموضوعة ، ~~ووضعوا فيها المؤلفات الكثيرة ، ومن أشهر من تجرد لذلك ابن الجوزى السيوطي ~~والصاغانى والملا على القارى وغيرهم . وقد عرض الدكتور أحمد أمين رحمه الله ~~لامر كثرة الاحاديث هذه فقال (3) : " ومن الغريب أننا لو اتخذنا رسما ~~بيانيا للحديث لكان شكل " هرم " طرفه المدبب ms181 هو عهد الرسول (صلى الله عليه ~~وسلم) ثم يأخذ في السعة على مر الزمان ، حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون ~~على عهد الرسول - مع أن المعقول كان العكس . فصحابة رسول الله أعرف الناس ~~بحديثه ، ثم يقل الحديث بموت بعضهم مع عدم الراوى عنه وهكذا ، ولكنا نرى أن ~~أحاديث العهد الاموى أكثر من أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر ~~العباسي أكثر من أحاديث العهد الاموى . # --- # (1) قال الامام أحمد في مسنده : هذا كتاب جمعته وانتقيته من 750 ألف حديث ~~: وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف ~~حديث ، وكان يحفظ 140 ألف حديث في التفسير ، واختار مالك الموطأ من مائة ~~ألف حديث ، وستري عند الكلام عن البخاري أنه اختار كتابه من 600 ألف حديث ، ~~وأن مسلما قد اختار كتابه كذلك من 600 ألف حديث ، وأن أبا داود قد كتب عن ~~رسول الله 500 ألف حديث - وعلى أنهم قد رووا عشرات الآلاف من الاحاديث في ~~التفسير فإن ابن تيمية قد ذكر في كتابه " في أصول التفسير " أن الامام أحمد ~~قد قال : ثلاثة أمور ليس لها إسناد : التفسير والملاحم والمغازى (ص 14) . ~~ولذلك قال شعبة : تسعة أعشار الحديث كذب . ونأتى هنا بكلمة قيمة من كتاب " ~~وجهة الاسلام " الذى ترجمه الاستاذ محمد عبد الهادى أبو ريدة منقولة عن ~~كتاب " روح الاسلام " الذى ألفه سيد أمير على للدفاع عن الاسلام : " إن ~~الاصلاح يجب أن يسبقه التعليم وتحرر العقل من القيود ويجب أن نطرح التمسك ~~بالظواهر تمسكا صوريا ، لانه أصبح عديم الاثر ، ويجب أن تكون أحكامنا صادرة ~~عن استعمال العقل ، وعما نستشعر أنه حق وملائم في ظرف ما . للاسلام قدرة ~~على صبغ ما عداه بصبغته وسيبقى جوهره ، وإن تغير مظهره - ولو أن الائمة ~~كانوا أحرارا في استعمال رأيهم ونبذوا بشجاعة خمسمائة ألف من الاحاديث ~~واستبقوا منها ثمانية آلاف إذا لجعلنا لانفسنا مثل هذه الحرية ، ولماذا يظن ~~إنسان أن الاسلام صار مسبوكا في قالب لا يتغير بعد الاجماع على الكتب السنة ~~؟ ص ms182 126 . (2) ص 215 من كتاب الاسلام الصحيح . (3) ص 128 و129 ج 2 ضحى ~~الاسلام . (*) # --- PageV01P193 [ 194 ] # قد يكون ضمن الاسباب الصحيحة أن الهجرة لطلب الحديث في العصر العباسي ~~وجمعه من مختلف الامصار كانت أتم وأنشط ، لكن ليس هذا كل السبب ، بل من ~~أكبر الاسباب في تضخم الحديث - الوضع - فاليهود والنصارى وغيرهم (1) من أهل ~~الديانات الاخرى أدخلوا في الاحاديث أشياء كثيرة من دياناتهم وأخبارهم ، ~~فملئت الاحاديث بما في التوراة وحواشيها ، وبعض أخبار النصرانية . . وبعض ~~تعاليم الشعوبية كالاحاديث التى تدل على فضل الفرس والروم اه . أبو هريرة ~~لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام - كالقرآن - لا يقوم إلا ~~عليها ، ولا يؤخذ إلا منها ، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها ~~، كما يتبع ما في القرآن ، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أمر أصحابه ~~أن يحفظوا هذه الاحاديث لكى تؤثر من بعده - لكان أكثر الصحابة رواية لها ، ~~أعلاهم درجة في الدين ، وأثبتهم قدما في الايمان ، وأسناهم مرتبة في العلم ~~- ولكان المقلون منهم في الرواية دون المكثرين في رتبة الدين ، ووراءهم في ~~درجة العلم والفضل ، وخلفهم في منزلة الاعتبار ، ولكنا نجد الامر - على ما ~~بدا في كتب الحديث المعروفة - قد جرى على خلاف ذلك ! ! فإن أفضل الصحابة في ~~المرتبة ، وأرفعهم في المنزلة وأوسعهم علما بالدين ، وأشدهم عناية به ، ~~وأقواهم حياطة له ، الذين نيط بهم حمل أحكام الدين بما تلقوه عن أستاذهم ~~الاكبر - كالخلفاء الراشدين والعشرة الذين قالوا إنه (صلى الله عليه وسلم) ~~قد مات وهو راض عنهم - أو بشرهم بالجنة ، وكبار المهاجرين والانصار وغيرهم ~~- كل أولئك كانوا أقل الصحابة تحديثا عنه ، وأنزرهم رواية ، حتى لقد بلغ ~~الامر ببعضهم أنه لم يرو عن الرسول حديثا واحدا ! ! ولم يقف الامر بهم عند ~~ذلك فحسب ، بل قد وجدنا كبار الصحابة يرغبون عن رواية الحديث وينهون ~~إخوانهم عنها ، ولقد أدى بهم فرط الاحتياط ألى أن كانوا # --- # (1) لم يذكر هنا الوضاع الصالحون من المسلمين وغيرهم فليرجع إلى فصل ~~الوضع في الحديث وأسبابه في هذا ms183 الكتاب ص 118 . (*) # --- PageV01P194 [ 195 ] # يحرقون ما يكتبون منها - كما علمت ذلك كله من قبل - وهذا الامر قد دعانا ~~إلى أن نفرد ترجمة خاصة لمن كان أكثر الصحابة تحديثا عن رسول الله ، ~~وأوسعهم رواية ، على حين أنه كان من عامة الصحابة ، وكان بينهم لا في العير ~~ولا في النفير ذلكم هو " أبو هريرة " . ولولا أن هذه الكثرة البالغة - بفضل ~~ثقة الجمهور بها - قد استفاضت في كتب الحديث ، وأخذت مكان الاعتبار ~~والتصديق من قلوب المسلمين ، وسيطرت على عقولهم وأفكارهم . وجعلوها من عام ~~دينهم ، على ما فيها من مشكلات تحار فيها عقول المؤمنين ، وشبهات وخرافات ~~تتخذ مطاعن على الدين ، وأسانيد يتكأ عليها في إثبات الاسرائيليات ~~والمسيحيات وغيرها من الملل والنحل - لولا ذلك كله ما جرى بهذا البحث قلمنا ~~، ولا اتجه إليه بالعناية همنا . الاختلاف في اسمه : لم يختلف الناس في اسم ~~أحد - في الجاهلية والاسلام - كما اختلفوا في اسم " أبى هريرة " فلا يعرف ~~أحد على التحقيق الاسم الذى سماه به أهله ، ليدعى بين الناس به . قال ~~النووي : اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الصحيح من ثلاثين قولا . . . ~~وقال حافظ المغرب ابن عبد البر في الاستيعاب (1) : اختلفوا في اسم أبى ~~هريرة وامم أبيه إختلافا كثيرا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والاسلام - ~~ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شئ يعتمد عليه - وقد غلبت عليه ~~كنيته ، فهو كمن لا اسم له غيرها وأولى المواضع باسمه المكنى . وقال صاحب ~~المشكاة : قد اختلف الناس في اسم أبى هريرة ونسبه اختلافا كثيرا ، وقد غلبت ~~عليه كنيته فهو كمن لا اسم له واشتهرت الكنية حتى نسى الاسم الاصلى لانه قد ~~اختلف فيه اختلافا كثيرا . # --- # (1) ص 718 ، 719 (*) # --- PageV01P195 [ 196 ] # ومما تبين لك يكون الجزم باسم خاص يطلق عليه ، من ضروب التخمين فنكتفي ~~بذكر كنيته التى التصقت به - وهذه الكنية قد بين هو نفسه سببها فقال : كنت ~~أرعى غنم أهلى - وكانت لى هرة صغيرة ، فكنت أضعها بالليل في شجرة ، وإذا ~~كان النهار ذهبت بها معى فلعبت بها ms184 فكنوني " أبا هريرة " ! ! نشأته وأصله : ~~وإذا كانوا قد اختلفوا في اسم أبى هريرة ، فإنهم كذلك لم يعرفوا شيئا عن ~~نشأته ، ولا عن تاريخه قبل إسلامه ، غير ما ذكر هو عن نفسه ، من أنه كان ~~يلعب بهرة صغيرة . وأنه كان فقيرا معدما ، يخدم الناس بطعام بطنه - وكل ما ~~يعرف عن أصله أنه من عشيرة سليم بن فهم من قبيلة أزد ثم من دوس . ومن قوله ~~في ذلك : نشأت يتيما ، وهاجرت مسكينا ، وكنت أجيرا بطعام بطني . وقال ابن ~~قتيبة في ترجمته بكتاب " المعارف " بعد أن ذكر اختلاف الناس في اسمه ، وأنه ~~من قبيلة باليمن يقال لها دوس ما نصه : " وقال أبو هريرة نشأت يتيما وهاجرت ~~مسكينا . وكنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، وعقبة رجلى ، فكنت أخدم ~~إذا نزلوا ، وأحدو إذا ركبوا ، وكنيت بأبى هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها . ~~قدومه إلى المدينة وذهابه إلى خيبر : قدم أبو هريرة بعد أن تخطى الثلاثين ~~من عمره - وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) حينئذ في غزوة خيبر ، التى وقعت ~~في سنة 7 من الهجرة : قال ابن سعد في الطبقات الكبرى : قدم الدوسيون فيهم ~~أبو هريرة ورسول الله بخيبر فكلم رسول الله أصحابه في أن يشركوا أبا هريرة ~~في الغنيمة ففعلوا - ولفقره اتخذ سبيله إلى الصفة (1) بعد ما عاد إلى ~~المدينة فعاش بها ما أقام بالمدينة ، وكان من أشهر من أمها . # --- # (1) الصفة موضع مظلل في مؤخرة مسجد النبي بالمدينة من الناحية الشمالية . ~~وأهل الصفة - كما قال أبو الفداء في تاريخه المختصر - : أناس فقراء لا ~~منازل لهم ولا عشائر ، ينامون على عهد رسول الله في المسجد ويظللون فيه ، ~~وكانت صفة المسجد مثواهم ، فنسبوا إليها - وكان إذا تعشى رسول الله يدعو ~~منهم طائفة يتعشون معه ، ويفرق منهم طائفة على الصحابة ليعشوهم . (*) # --- PageV01P196 [ 197 ] # سبب صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم : كان أبو هريرة صريحا صادقا في ~~الابانة عن سبب صحبته للنبى (صلى الله عليه وسلم) ، كما كان صريحا صادقا في ~~الكشف عن حقيقة نشأته . فلم يقل إنه صاحبه ms185 للمحبة والهداية - كما كان ~~يصاحبه غيره من سائر المسلمين - وإنما قال : " إنه قد صاحبه على ملء بطنه " ~~. ففى حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الاعرج ~~(1) قال : " سمعت أبا هريرة يقول : إنى كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله على ~~ملء بطني " . وراية مسلم : أخدم رسول الله ، وفي رواية " لشبع بطني " . وفي ~~رواية لمسلم : كنت رجلا مسكينا أخدم رسول الله على ملء بطني . وفي رواية له ~~أيضا : وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني . وسجل التاريخ أنه كان أكولا ~~نهما ، يطعم كل يوم في بيت النبي ، أو في بيت أحد أصحابه ، حتى كان بعضهم ~~ينفر منه . ومما رواه البخاري عنه أنه قال : كنت أستقرئ الرجل الآية وهى ~~معى كى ينقلب بى فيطعمني - وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب ، كان ~~ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته ، وروى الترمذي عنه : وكنت إذا سألت جعفر ~~عن آية لم يجبنى حتى يذهب إلى منزله . ومن أجل ذلك كان جعفر هذا في رأى أبى ~~هريرة أفضل الصحابة جميعا ، فقدمه على أبى بكر وعمر وعلى وعثمان وغيرهم من ~~كبار الصحابة رضى الله عنهم جميعا . فقد أخرج الترمذي والحاكم بإسناد صحيح ~~عن أبى هريرة : ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ، ولا وطئ التراب ، بعد ~~رسول الله أفضل من جعفر بن أبى طالب (2) . شيخ المضيرة : كان أبو هريرة ~~يلقب " بشيخ المضيرة " وقد نالت هذه المضيرة من عناية العلماء والكتاب ~~والشعراء ما لم ينله مثلها من أصناف الحلوى ، وظلوا يتندرون بها ، ويغمزون ~~أبا هريرة قرونا طويلة من أجلها ، وإليك بعض ما أرسلوه فيها . # --- # (1) الاعرج تلميذه وصاحبه . (2) ص 62 ج 7 فتح الباري . (*) # --- PageV01P197 [ 198 ] # قال الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب في المضاف والمنسوب " ما يلى (1) : ~~شيخ المضيرة : كان أبو هريرة رضى الله عنه على فضله واختصاصه بالنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) مزاحا أكولا ، وكان مروان بن الحكم يستخلفه على المدينة ~~فيركب حمارا قد شد عليه برذعة فيلقى الرجل فيقول : الطريق ! الطريق ! قد ~~جاء الامير ms186 . . وكان يدعى الطب . . . وبعد أن ذكر الثعالبي شيئا من طبه ~~وكله طعام يشفى داء الامعاء ، ويداوى نهم البطن ، قال : وكان يعجبه المضيرة ~~جدا فيأكل مع معاوية ، فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على رضى الله عنه ، فإذا ~~قيل له في ذلك قال : مضيرة معاوية أدسم وأطيب ، والصلاة خلف على أفضل ، ~~وكان يقال له " شيخ المضيرة " وختم الثعالبي قوله ببيتين لشاعر هجا فيهما ~~أبا هريرة أعرضنا عنهما . وعقد بديع الزمان الهمذانى مقامة خاصة - من ~~مقاماته - لهذه المضيرة ، غمز فيها أبا هريرة غمزة أليمة فقال : حدثنا عيسى ~~بن هشام قال : كنت بالبصرة ومعى أبو الفتح الاسكندرى رجل الفصاحة يدعوها ~~فتجيبه ، والبلاغة يأمرها فتطيعه ، وحضرنا معه دعوة بعض التجار ، فقدمت ~~إلينا مضيرة تثنى على الحضارة ، وتترجرج في الغضارة ، وتؤذن بالسلامة ، ~~وتشهد لمعاوية رحمه الله بالامامة . . . وقال استاذنا الامام محمد عبده في ~~شرح ذلك : " ومعاوية ادعى الخلافة بعد بيعة على بن أبى طالب رضى الله عنه ، ~~فلم يكن من يشهد له بها في حياة على إلا طلاب اللذائذ ، وبغاة الشهوات ، ~~فلو كانت هذه المضيرة من طعام معاوية لحملت آكليها على الشهادة له بالخلافة ~~، وإن كان صاحب البيعة الشرعية حيا - وإسناد الشهادة إليها لانها سببها ~~الحامل عليها . والامامة والخلافة في معنى واحد " وفي الاساس لجار الله : ~~على مع الحال المضيرة ، خير من معاوية مع المضيرة . وأخرج أبو نعيم في ~~الحلية قال : كان أبو هريرة يطوف بالبيت هو يقول : ويل لى بطني ، إذا ~~أشبعته كظنى ، وإن أجعته سبنى ، ورواية ابن كثير في البداية والنهاية : ~~أضعفني . # --- # (1) ص 86 ، 87 . (*) # --- PageV01P198 [ 199 ] # وفي خاص الخاص للثعالبي (1) : كان أبو هريرة يقول : ما شممت رائحة أطيب ~~من رائحة الخبز الحار ، وما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر . قد جعل أبو ~~هريرة الاكل من المروءة ، فقد سئل : ما المرءوة ؟ قال : تقوى الله وإصلاح ~~الصنيعة ، والغداء والعشاء بالافنية . وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لان في ~~بعضها ما يزيد في إيلام بعض الناس . حديث زر غبا تزدد حبا : قال رسول صلى ~~الله عليه وسلم ms187 لابي هريرة ذات يوم : زر غبا تزدد حبا ، وقد كان صلوات الله ~~عليه نعم المؤدب لاصحابه ، وكان دائما يتولاهم بحكمته ، ويغرس فيهم مكارم ~~أخلاقه بسيرته ، وما كان له (صلى الله عليه وسلم) أن يذر مثل أبى هريرة على ~~ما كان عليه من غشيان البيوت في كل وقت ، يقبله هذا ويصده ذاك ، من غير أن ~~يؤدبه بأدبه العالي ، وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال له : أين ~~كنت أمس يا أبا هريرة ؟ قال زرت أناسا من أهلى ، فقال يا أبا هريرة : زر ~~غبا تزدد حبا . وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتابه " الصداقة والصديق " ~~قال أبو هريرة : لقد دارت كلمة العرب " زر غبا تزدد حبا " إلى أن سمعت من ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " ولقد قالها لى " . قال العسجدى : " ليست ~~هذه الكلمة محمولة على العام ، ولكن لها مواضع يجب أن تقال فيها ، لان ~~الزائر يستحقها ! ألا ترى أنه صلوات الله عليه لا يقول ذلك لابي بكر ، ولا ~~لعلى بن أبى طالب وأشباههما ، فأما أبو هريرة فأهل ذاك ! لبعض الهنات التى ~~يلزمه أن يكون مجانبا لها ، وحائدا عنها (2) " . وهنات أبى هريرة التى ~~يغمزه بها العسجدى ، أنه كان لنهمه يغشى بيوت الصحابة في كل وقت ، وكان ~~بعضهم يزور عنه ، وينزوى منه ، فأراد الرسول أن يلقى عليه درسا في أدب ~~الزيارة وغشيان البيوت ، فذكر له المثل العربي " زر غبا تزدد حبا " . وكان ~~صلوات الله عليه لا يفتأ يتعهد أصحابه بالتأديب وتحرى حسن الخلق . # --- # (1) ص 43 . (2) ص 51 . (*) # --- PageV01P199 [ 200 ] # مزاحه وهذره : أجمع مؤرخو أبى هريرة على أنه كان مزاحا مهذارا ، يتودد ~~إلى الناس ويسليهم بكثرة الحديث ، والاغراب في القول ليشتد ميلهم إليه ، ~~ويزداد إقبالهم عليه ، وإليك بعض ما رووه في ذلك . قالت عنه عائشة ، وهى ~~أعلم الناس به لامتداد العمر بهما ، في حديث المهراس : إنه كان رجلا مهذارا ~~. التهكم به : ولقد كانوا يتهكمون برواياته ويتندرون عليها لما تفنن فيها ~~وأكثر منها . فعن أبى رافع : أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في ms188 حلة وهو ~~يتبختر فيها ، فقال يا أبا هريرة : إنك تكثر الحديث عن رسول الله ، فهل ~~سمعته يقول في حلتي هذه شيئا ؟ ! ! فقال سمعت أبا القاسم يقول : إن رجلا ~~ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة ، إذ خسف الله به الارض ، فهو يتجلجل ~~فيها حتى تقوم الساعة ، فوالله ما أدرى لعله كان من قومك أو من رهطك (1) . ~~ويبدو من سؤال هذا الرجل أنه لم يكن مستفهما وإنما كان متهكما ، إذ لم يقل ~~له : إنك تحفظ أحاديث رسول الله ! وإنما قال : تكثر الحديث عن رسول الله ، ~~وسياق الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ، ويسخر منه . كثرة أحاديثه : ~~أجمع رجال الحديث على أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثا عن رسول الله ! ~~على حين أنه لم يصاحب النبي إلا عاما وتسعة أشهر ! (2) وقد ذكر أبو محمد ~~ابن حزم أن مسند بقى بن مخلد قد احتوى من حديث أبى هريرة على 5374 روى ~~البخاري منها 446 . وقد قال هو عن نفسه - كما روى البخاري - ما من أصحاب ~~النبي صلى الله # --- # (1) ص 108 ج البداية والنهاية . (2) راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P200 [ 201 ] # عليه وسلم أحد أكثر حديثا منى ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو (1) فقد ~~كان يكتب ولا أكتب (2) ! ولو بحثنا عن كل ما رواه ابن عمرو هذا لوجدناه 700 ~~حديث عند ابن الجوزى وفي مسند أحمد 722 روى البخاري منها سبعة ومسلم 20 ، ~~وقد أفزعت كثرة رواية أبى هريرة عمر بن الخطاب فضر به بالدرة وقال له : ~~أكثرت يا أبا هريرة من الرواية ، وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله . ثم ~~هدده وأوعده إن لم يترك الحديث عن رسول الله فإنه ينفيه إلى بلاده . وقد ~~أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد : لتتركن الحديث عن رسول الله أو ~~لالحقنك بأرض دوس . ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة ، ~~إذ أصبح لا يخشى أحدا بعده . ومن قوله في ذلك : إنى أحدثكم بأحاديث لو حدثت ~~بها زمن ms189 عمر لضربني بالدرة - وفي رواية لشج رأسي . وعن الزهري عن أبى سلمة ~~: سمعت أبا هريرة يقول : ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قبض عمر ~~! ثم يقول : أفكنت محدثكم بهذه الاحاديث وعمر حى ؟ أما والله إذن لايقنت أن ~~المخفقة ستباشر ظهرى ، فإن عمر كان يقول : اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام ~~الله . وقد قال الفقيه المحدث السيد رشيد رضا رحمه الله في ذلك : لو طال ~~عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الاحاديث الكثيرة (3) ، وقال ~~عن أحاديثه المشكلة : " لا يتوقف على شئ منها إثبات أصل من أصول الدين " (4) . # --- # (1) أحد العبادلة الثلاثة الذين رووا عن كعب الاحبار وكان قد أصاب ~~زاملتين من كتب : أهل الكتاب ، كان يرويها للناس فتجنب الاخذ عنه كثير من ~~أئمة التابعين - وكان يقال له لا تحدثنا عن الزاملتين . أما صحيفته التى ~~كان يسميها " الصادقة " ويحرص عليها ، فهى أدعية وصلوات كما قال الخطيب ~~البغدادي - وقال فيها مغيرة " ما تسرني أنها لى بفلسين - ص 93 تأويل مختلف ~~الحديث) . (2) قال ابن حجر في الفتح : ثبت أن أبا هريرة لم يكن يكتب - ص ~~167 ج 2 فتح الباري . وكذلك لم يحفظ القرآن . (3) ص 851 ج 10 مجلة المنار . ~~(4) ص 100 ج 19 المنار . (*) # --- PageV01P201 [ 202 ] # كيف سوغ كثرة الرواية ! كان أبو هريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) بأنه ما دام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا ، فإنه لا بأس من ~~أن يروى . وقد أيد صنيعه هذا بأحاديث رفعها إلى النبي ، ومنها ما رواه ~~الطبراني في الكبير عن أبى هريرة أن رسول الله قال : " إذا لم تحلوا حراما ~~ولم تحرموا حلالا وأصبتم ، المعنى فلا بأس " . وقال أيضا إنه سمع النبي ~~يقول : " من حدث حديثا هو لله عزوجل رضا فأنا قلته وإن لم أكن قلته " ، روى ~~ذلك ابن عساكر في تاريخه . وأخرج الطحاوي عن أبى هريرة : " إذا حدثتم عنى ~~حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به ، قلته أم لم أقله ، فإنى أقول ما ~~يعرف ولا ينكر ، وإذا ms190 حدثتم عنى حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به ، ~~فإنى لا أقول ما ينكر ولا يعرف " (1) . روى ذلك وغيره على حين أن الثابت عن ~~النبي أنه قال : " من نقل عنى ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار " وقد ~~اضطر عمر أن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية . تدليسه : ذكر علماء ~~الحديث أن أبا هريرة كان يدلس - والتدليس كما عرفوه أن يروى عمن لقيه ما لم ~~يسمعه منه أو عمن عاصره ولم يقله ، موهما أنه سمعه منه ، والتدليس أنواع ~~كثيرة ، وحكمه أنه مذموم كله على الاطلاق (2) ، وقد كره التدليس جماعة من ~~العلماء ، وكان شعبة (3) أشد الناس إنكارا لذلك حتى قال : لان أزنى أحب إلى ~~من أن أدلس ! وقال أيضا : التدليس أخو الكذب . ومن الحفاظ من جرح من عرف ~~بهذا التدليس من الرواة فرد روايته مطلقا # --- # (1) ص 23 ج 2 الموافقات للشاطبي . (2) ص 35 من شرح ألفية السيوطي للشيخ ~~أحمد شاكر . (3) شعبة بن الحجاج إمام أهل الحديث توفى بالبصرة سنة 160 ه ~~وكان صريحا فيما يقول ومن صراحته أنه كان يقول : " والله لانا في الشعر ~~أسلم منى في الحديث ، ولو أردت الله ما خرجت لكم ولو أردتم الله ما جئتموني ~~ولكنا نحب المدح ونكره الذم " . (*) # --- PageV01P202 [ 203 ] # وإن أتى بلفظ الاتصال ، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة . كما نص على ~~ذلك الشافعي رحمه الله . وروى مسلم بن الحجاج عن بسر بن سعيد قال : اتقوا ~~الله وتحفظوا من الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وسلم) ويحدثنا عن كعب الاحبار ، ثم يقول فأسمع بعض من ~~كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ، وحديث كعب عن رسول الله ! وفي رواية ~~- يجعل ما قاله كعب عن رسول الله ، وما قاله رسول الله عن كعب ! فاتقوا ~~الله وتحفظوا في الحديث . وقال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : أبو هريرة ~~كان يدلس - أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله ، ولا يميز هذا ~~من هذا ms191 - ذكره ابن عساكر - وكأن شعبة يشير بهذا إلى حديث " من أصبح جنبا ~~فلا صيام له " ، فإنه لما حوقق عليه قال : أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول ~~الله (1) . وقال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " : (2) وكان أبو هريرة ~~يقول ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كذا وإنما سمعه من الثقة عنده ~~فحكاه . أول راوية اتهم في الاسلام : قال ابن قتيبة في تأويل متخلف الحديث ~~: " إنه لما أتى أبو هريرة من الرواية عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يأت ~~بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الاولين اتهموه وأنكروا عليه وقالوا ~~: كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضى الله عنها أشدهم ~~إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه (3) وممن اتهم أبا هريرة بالكذب ، عمر ~~وعثمان وعلى وغيرهم وبذلك كان - كما قال الكاتب الاسلامي الكبير # --- # (1) ص 109 ج 8 البداية والنهاية لابن كثير ، وفي الكتاب الخاص بأبى هريرة ~~بسط هذا القول فارجع إليه . (2) ص 50 . (3) ص 48 . (*) # --- PageV01P203 [ 204 ] # مصطفى صادق الرافعى (1) - " أول راوية اتهم في الاسلام " . ولما قالت له ~~عائشة : إنك لتحدث حديثا ما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أجابها ~~بجواب لا أدب فيه ولا وقار ، إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري وابن ~~كثير وغيرهم : شغلك عنه صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة ! وفي رواية - ~~ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب ، ولكن أرى ذلك شغلك ! ! على أنه لم ~~يلبث أن عاد فشهد بأنها أعلم منه ، وأن المرآة والمكحلة لم يشغلاها ، ذلك ~~أنه لما روى حديث " من أصبح جنبا فلا صوم عليه " أنكرت عليه عائشة هذا ~~الحديث فقالت : إن رسول الله كان يدركه الفجر وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ~~ويصوم ، وبعثت إليه بأن لا يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ، فلم يسعه إزاء ~~ذلك إلا الاذعان . وقال : إنها أعلم منى ، وأنا لم أسمعه من النبي ، وإنما ~~سمعته من الفضل بن العباس - فاستشهد ميتا وأوهم الناس أنه سمع الحديث من ~~رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ms192 كما قال (2) ابن قتيبة في تأويل مختلف ~~الحديث . وكان على رضى الله عنه سيئ الرأى فيه ، وقال عنه ألا إنه أكذب ~~الناس - أو قال : أكذب الاحياء على رسول لابو هريرة . ولما سمع أنه يقول : ~~حدثنى خليلي ! قال له : متى كان النبي خليلك ؟ ولما روى حديث : متى استيقظ ~~أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يضعها في الاناء ، فإن أحدكم لا يدرى أين ~~باتت يده - لم تأخذ به عائشة وقالت : كيف نصنع بالمهراس (3) . ولما سمع ~~الزبير أحاديثه قال : صدق ، كذب (4) . # --- # (1) ص 278 تاريخ آداب العرب ج 1 ويراجع فصل نقد الصحابة بعضهم لبعض في ~~هذا الكتاب . وفي اختصار علوم الحديث قال ابن حنبل وأبو بكر الحميدى وأبو ~~بكر الصيرفى : لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب ~~بعد ذلك ص 111 وقال السمعاني من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من ~~حديثه (ص 14 من التقريب للنووي) وقال الحافظ ابن حجر اتفق العلماء على ~~تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه من الكبائر حتى بالغ ~~الشيخ أبو محمد الجوينى فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضى أبى بكر ~~بن العربي يميل إليه . (2) ص 28 . (3) المهراس صخر ضخم منقور لا يحمله ~~الرجال ولا يحركونه ، يملاونه ماء ويتطهرون به . (4) ص 109 ج 8 البداية ~~والنهاية . . (*) # --- PageV01P204 [ 205 ] # وعن أبى حسان الاعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضى الله عنها فقالا : إن ~~أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما الطيرة في المرأة ~~والدابة والدار " ، فطارت شفقا ثم قالت : كذب والذى أنزل القرآن على أبى ~~القاسم ، من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إنما قال رسول ~~الله - كان أهل الجاهلية يقولون : إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ، ثم ~~قرأت : " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها " (1) . وأنكر عليه ابن مسعود قوله : من غسل ميتا ، ومن حمله ~~فليتوضأ - وقال فيه ms193 قولا شديدا ثم قال : يا أيها الناس لا تنجسوا من موتاكم ~~(2) . وروى محمد بن الحسن عن أبى حنيفة أنه قال : أقلد من كان من القضاة ~~المفتين من الصحابة كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى والعبادلة الثلاثة ولا ~~أستجيز خلافهم برأيى إلا ثلاثة نفر - وفي رواية - أقلد جميع الصحابة ولا ~~أستجيز خلافهم برأيى إلا ثلاثة نفر (أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب) ~~فقيل له في ذلك فقال : أما أنس فاختلط في آخر عمره وكان يستفتى فيفتى من ~~عقله ، وأنا لا أقلد عقله ، وأما أبو هريرة فكان يروى كل ما سمع من غير أن ~~يتأمل في المعنى ومن غير أن يعرف الناسخ من المنسوخ (3) " . وروى أبو يوسف ~~قال : قلت لابي حنيفة : الخبر يجيئنى عن رسول الله يخالف قياسنا ، ما نصنع ~~به ؟ فقال : إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأى . فقلت : ما ~~تقول في رواية أبى بكر وعمر ؟ قال ناهيك بهما . فقلت : وعلى وعثمان ؟ قال : ~~كذلك . فلما رأني أعد الصحابة - قال : والصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا . ~~وعد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك (4) . # --- # (1) ص 126 و127 تأويل مختلف الحديث . (2) ص 85 ج 2 جامع بيان العلم . (3) ~~ص 31 و32 من كتاب مختصر كتاب المؤمل لابي شامة . (4) هذا هو رأى أبى حنيفة ~~فيه وهو من نعلم ، والذى ولد في المائة الاولى والذى أدرك عصر الصحابة ~~ولجلال قدره سموه الامام الاعظم ولد سنة 80 ه ومات سنة 150 ه . (*) # --- PageV01P205 [ 206 ] # وعن إبراهيم النخعي قال : كان أصحابنا يدعون من حديث أبى هريرة . ورواية ~~الاعمش عنه - ما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة ! وقال الثوري عن منصور ~~عن إبراهيم : كانوا يرون في أحاديث رسول الله شيئا ، وما كانوا يأخذون بكل ~~حديث أبى هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار ، أو حث على عمل صالح ، ~~أو نهى عن شر جاء في القرآن (1) . وروى أبو شامة عن الاعمش قال : كان ~~إبراهيم صحيح الحديث (2) ، فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه ، ~~فأتيته يوما ms194 بأحاديث من حديث أبى صالح عن أبى هريرة فقال : دعني من أبى ~~هريرة ! إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه . وقال أبو جعفر الاسكافي - وأبو ~~هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضى الرواية ، ضربه عمر وقال : أكثرت من ~~الحديث وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله (3) . وقال ابن الاثير : أما ~~رواية أبى هريرة فشك فيها قوم لكثرتها (4) . وفي الاحكام للآمدي : أنكر ~~الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته وذلك الان الاكثار لا يؤمن معه اختلاط ~~الضبط الذى لا يعرض لمن قلت روايته . وجرت مسألة المصراة (5) في مجلس ~~الرشيد فتنازع القوم فيها ، وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بالحديث الذى رواه ~~أبو هريرة ، فرد بعضهم الحديث وقال : أبو هريرة متهم فيما يرويه ، ونحا ~~نحوه الرشيد . # --- # (1) ص 109 ج 8 البداية والنهاية . (2) كانوا يسمونه صيرفي الحديث . (3) ص ~~360 ج 1 شرح نهج البلاغة . (4) ص 81 من كتاب المثل السائر . (5) المصرأة هي ~~الناقة أو البقرة يجمع اللبن في ضرعها ويحبس أياما بغير حلب ، لايهام ~~المشترى أنها غزيرة اللبن - وسبب در الحنفية لحديث " المصراة " أنه مخالف ~~للاقيسة بأسرها فإن حلب اللبن تعد ، وضمان التعدي يكون بالمثل أو بالقيمة ~~والصاع من التمر ليس بواحد منها . (*) # --- PageV01P206 [ 207 ] # أخذه عن كعب الاحبار : ذكر علماء الحديث في باب " رواية الصحابة عن ~~التابعين ، أو رواية الاكابر عن الاصاغر " أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية ~~وأنس وغيرهم ، قد رووا عن كعب الاحبار اليهودي الذى أظهر الاسلام خداعا ~~وطوى قلبه على يهوديته - ويبدو أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة انخداعا به ، ~~وثقة فيه ، ورواية عنه وعن إخوانه ، كما كان أكثرهم رواية للحديث ، ويتبين ~~من الاستقراء أن كعب الاحبار قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبى هريرة لكى ~~يستحوذ عليه وينيمه ليلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الاسلامي من خرافات ~~وأوهام ، وكان له في ذلك أساليب غريبة ، وطرق عجيبة . فقد روى الذهبي في ~~طبقات الحفاظ - في ترجمة أبى هريرة - أن كعبا قال فيه - أي في أبى هريرة - ~~ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما ms195 فيها من أبى هريرة ! ! فانظر مبلغ ~~دهاء هذا الكاهن ومكره بأبى هريرة الذى يتجلى في درس تاريخه أنه كان رجلا ~~فيه غفلة وغرة ! إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة وهو لم يعرفها ، ~~ولو عرفها لما استطاع أن يقرأها (1) لانها كانت باللغة العبرية وهو لا ~~يستطيع أن يقرأ حتى لغته العربية ، إذ كان أميا لا يقرأ ولا يكتب . ومما ~~يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد ~~كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثا مرفوعا إلى النبي ما نورد لك شيئا منه ~~: روى البزار عن أبى هريرة أن النبي قال : إن الشمس والقمر ثوران في النار ~~يوم القيامة ! فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله وتقول ~~ما ذنبهما ؟ # --- # (1) روى البخاري عن أبى هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة ~~بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاهل الاسلام ، ولو كان يعرف العبرانية لقال ~~: وكنت من الذين يفسرون التوراة . (*) # --- PageV01P207 [ 208 ] # وهذا الكلام نفسه قد قاله كعب بنصه ، فقد روى أبو يعلى الموصلي ، قال كعب ~~: يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ~~يراهما من عبدهما (1) . وروى الحاكم في المستدرك والطبراني - ورجاله رجال ~~الصحيح - عن أبى هريرة : أن النبي قال : إن الله أذن لى أن أحدث عن ديك ~~رجلاه في الارض وعنقه مثبتة تحت العرش وهو يقول : سبحانك ما أعظم شأنك ! ~~قال : فيرد عليه ما يعلم ذلك من حلف بى كاذنا . وهذا الحديث من قول كعب ~~الاحبار ونصه : إن لله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الارض فإذا صاح ~~صاحت الديكة فيقول : سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره (2) . وروى أبو ~~هريرة أن رسول الله قال : النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة ، ~~وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال : أربعة أنهار الجنة وضعها الله عزوجل في ~~الدنيا فالنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة ، وسيحان ~~نهر الماء في الجنة ، وجيحان نهر اللبن في الجنة . وقال ابن كثير في ms196 تفسيره ~~إن حديث أبى هريرة في يأجوج ومأجوج ونصه كما رواه أحمد عن أبى هريرة " إن ~~يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال ~~الذين عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون . . . إلخ ، وقد روى أحمد هذا ~~الحديث عن كعب - قال ابن كثير لعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرا ~~ما كان يجالسه ويحدثه - وبين في مواضع كثيرة من تفسيره ما أخذه أبو هريرة ~~من كعب ، وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة أن الله خلق آدم على صورته - وهذا ~~الكلام قد جاء في الاصحاح الاول من التوراة (العهد القديم) ونصه هناك : ~~وخلق الله الانسان على صورته ، على صورة الله خلقه (3) . # --- # (1) ص 222 حياة الحيوان . (2) ص 220 ج 1 نهاية الارب للنويرى . (3) من ~~روايات هذا الحديث . وطوله - أي آدم - ستون ذراعا ، وفي رواية على صورة ~~الرحمن . وقد = (*) # --- PageV01P208 [ 209 ] # ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة : قال أبو هريرة في صفته صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق - وهذا هو نص كلام ~~كعب كما أوردناه من قبل . وروى مسلم عن أبى هريرة : أخذ رسول الله بيدى ! ~~فقال : خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الاحد ! وخلق ~~الشجر يوم الاثنين ! وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء ! ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس ! وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم ~~الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ~~. وقد روى هذا الحديث كذلك أحمد والنسائي عن أبى هريرة ! ! وقد قال البخاري ~~وابن كثير وغيرهما إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الاحبار لانه ~~يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والارض في ستة أيام . ومن العجيب أن ~~أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث (بسماعه) من النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~قد أخذ بيده حين حدثه به - وإنى لاتحدى الذين يزعمون أنهم على شئ من علم ~~الحديث عندنا ، وجميع ms197 من هم على شاكلتهم ، في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا ~~المشكل . إن الحديث صحيح السند على قواعدهم - لا خلاف في ذلك - وقد رواه ~~مسلم في صحيحه ولم يصرح بسماعه من النبي فقط ، بل زعم أن رسول الله قد أخذ ~~بيده وهو يحدثه به ، وقد قضى أئمة الحديث بأن هذا الحديث مأخوذ عن كعب ~~الاحبار وأنه مخالف للكتاب العزيز ، فمثل هذه الرواية تعد ولا ريب كذبا ~~صراحا ، وإفتراء على رسول الله ، فما حكم من يأتي بها ؟ وهل تدخل تحت حكم ~~حديث الرسول : من كذب على فليتبوأ مقعده من النار ؟ أم هناك مخرج لراوي هذا ~~الحديث بذاته ! إنى والله لفى حاجة إلى الانتفاع بعلمهم في هذا الحديث وحده ~~الذى يكشف ولا ريب عن روايات أبى هريرة التى يجب الاحتياط الشديد في ~~تصديقها ! # --- # = انتقد هذا الحديث من إحدى نواحيه ابن حجر في الفتح فقال ويشكل على هذا ~~من الآن - الآثار للامم السالفة كديار عاد وثمود فإن مساكنهم تدل على أن ~~قاماتهم لم تكن مفرطة في الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب الذى ذكره أبو ~~هريرة . وأنكر مالك هذا الحديث . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P209 [ 210 ] # وقد بلغ من دهاء كعب الاحبار واستغلاله لسذاجة أبى هريرة وغفلته ، أن كان ~~يلقنه ما يريد بثه في الدين الاسلامي من خرافات وترهات حتى إذا رواها أبو ~~هريرة عاد هو فصدق أبا هريرة ، وذلك ليؤكد هذه الاسرائيليات وليمكن لها في ~~عقول المسلمين - كأن الخبر قد جاء عن أبى هريرة وهو في الحقيقة عن كعب ~~الاحبار . وإليك مثلا من ذلك نختم به ما ننقله من الاحاديث التى رواها أبو ~~هريرة عن النبي ، وهى في الحقيقة من الاسرائيليات حتى لا يطول بنا القول : ~~روى الامام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله قال : إن في الجنة لشجرة يسير ~~الراكب في ظلها مائة عام ، اقرءوا إن شئتم " وظل ممدود " . ولم يكد أبو ~~هريرة يروى هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال : صدق والذى أنزل التوراة على ~~موسى ، والفرقان على محمد ، لو أن ms198 رجلا ركب حقة أو جذعة ثم دار بأعلى تلك ~~الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرما ! إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من ~~روحه ، وإن أفنانها لمن وراء أستار الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من ~~أصل هذه الشجرة . وهكذا يتعاونان على نشر مثل هذه الخرافات ، ومن العجيب أن ~~يروى هذا الخبر الغريب وهب بن منبه في أثر غريب فيرجع إليه من أراده (1) . ~~وفي فصل الاسرائيليات الذى مر بك أحاديث كثيرة من مثل ذلك . ولما روى أن ~~رسول الله قال : " لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير من أن يمتلئ شعرا " ~~قالت عائشة : لم يحفظ إنما قال : " . . من أن يمتلئ شعرا هجيت به (2) " . # --- # (1) ص 513 ، 514 ج 4 تفسير ابن كثير . (2) اتخذ الذين لا يعلمون قول أبى ~~هريرة هذا حجة على أن النبي صلوات الله عليه كان يكره الشعر ، وفشا ذلك بين ~~المسلمين وغير المسلمين ، في حين أنا نجده صلى الله عليه وسلم كان يصغى إلى ~~الشعر ويمدحه ويثيب عليه ، فقد روى أبى بن كعب أن رسول الله قال إن من ~~الشعر حكمة وأخرج أبى داود عنه صلى الله عليه وسلم = (*) # --- PageV01P210 [ 211 ] # حفظ الوعاءين : أخرج البخاري عن أبى هريرة قال : حفظت عن رسول الله ~~وعاءين (1) فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم . ~~وهذا الحديث معارض بحديث رواه الجماعة (2) بألفاظ متقاربة عن على رضى الله ~~عنه ، فقد سئل : هل عندكم كتاب ؟ فقال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه ~~رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبد ~~العزيز بن رفيع قال : دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال له شداد ، ~~أترك النبي من شئ ؟ فقال : ما ترك إلا ما بين الدفتين . ولو كان هناك شئ ~~يؤثر به النبي (صلى الله عليه وسلم) أحد خواصه ويحجبه عن سائر أصحابه ، ~~لكان على أول الناس جميعا بذلك ، ذلك بأن ربيبه وابن عمه وأول من أسلم وزوج ~~إبنته ، ولم يفارقه لا في ms199 سفر ولا في حضر ، وشهد معه المشاهد كلها - سوى ~~تبوك - ولما استخلفه النبي فيها على المدينة قال له على : أتخلفني في ~~النساء والصبيان ؟ فقال له النبي : أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من ~~موسى ؟ ! إلا أنه لا نبى بعدى ، رواه البخاري والترمذي . حقا كان على أولى ~~الناس جميعا بذلك ، فإن لم يكن على فالصديق أبو بكر أو عمر ، أو أبو عبيدة ~~أو الزبير حواريه وابن عمته أو عائشة أحب أزواجه إليه بعد خديجة ، أو ~~العاقلة الرزينة أم سلمة أو ابن مسعود الذى قال له النبي : أذنك على أن ~~ترفع الحجاب وتسمع سوادى أي سرارى ، حتى كانوا لشدة ملازمته للنبي (صلى ~~الله عليه وسلم) لا يرون إلا أنه رجل من أهل بيته صلى الله عليه وسلم ، ~~وعرف بين الصحابة جميعا بأنه صاحب السواد والوساد ، الذى لا يعرفه غيره رضى ~~الله عنهم جميعا . # --- # = " إن من البيان سحرا ، وإن من العلم جهلا ، وإن الشعر حكمة " ، ورواية ~~البخاري في الادب المفرد وأبى داود والترمذي وابن ماجة " إن من الشعر حكما ~~" ، واستشهد صلى الله عليه وآله من شعر أمية بن أبى الصلت . (1) في رواية ~~أخرى جرابين وفي ثالثة ثلاثة أجربة . (2) الجماعة أحمد والشيخان وأصحاب ~~السنن . (*) # --- PageV01P211 [ 212 ] # كان هؤلاء هم أولى الناس بأن يؤثرهم النبي بما لا يريد أن يظهره لاحد من ~~سائر أصحابه ، وإذا كان هناك أمر يريد أن يسره لاحد من خواصه . ومن هو أبو ~~هريرة حتى يؤثره النبي بشئ يخصه به ويكتمه ويخفيه عن أصفيائه وأحبابه وأقرب ~~الناس إليه ؟ ! إنه لم يكن له أي فضل يدنو به إلى النبي - ولا عد بعد ~~انتقال الرسول إلى الرفيق الاعلى من أية طبقة (1) من طبقات الصحابة ، فلا ~~هو من السابقين الاولين ولا من المهاجرين ، ولا من الانصار ، ولا من ~~المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم (2) ولا في النقباء ، ولا من العرفاء ، ولا ~~من الكملة في الجاهلية وأول الاسلام ، ولا من شعراء النبي الذين نافحوا عنه ~~ولا من المفتين ، ولا من القراء - الذين حفظوا القرآن - ولا جاء في ms200 فضله ~~حديث عن الرسول (3) ، وكل ما عرف عنه أنه كان من أهل الصفة لا أكثر ولا أقل ~~! تشيع أبى هريرة لبنى أمية : علمت مما كشفناه لك من تاريخ أبى هريرة أنه ~~لم يصاحب النبي إلا على ملء بطنه ، كما ذكر هو مرارا عن نفسه ، وأنه قد ~~اتخذ الصفة ملاذا له لفقره ، يأكل فيها كما يأكل سائر أهلها ، أو يأكل عند ~~النبي أو عند أحد أصحابه . ومن كان هذا شأنه لا يكون ولا جرم إلا من عامة ~~الصحابة لا شأن له ولا خطر ، وقد ظل على ذلك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأبى بكر وعمر - ثم أخذ يظهر في زمن عثمان بعد انزوائه ، ويبدو للناس بعد ~~خفائه . # --- # (1) قسموا الصحابة من حيث فضلهم إلى إثنتى عشرة درجة . فما وجدناه في ~~واحدة منها ! وهى (1) قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة (2) أصحاب دار ~~الندوة (3) مهاجرة الحبشة (4) أصحاب العقبة الاولى (5) أصحاب العقبة ~~الثانية (6) أول المهاجرين الذين وصلوا إلى النبي بقباء قبل أن يدخل ~~المدينة (7) أهل بدر (8) المهاجرون بين بدر والحديبية (9) أهل بيعة الرضوان ~~(10) من هاجر بين الحديبية وفتح مكة (11) مسلمة الفتح (12) صبيان - وأطفال ~~رأوا رسول الله يوم الفتح وفي حجة الوداع ، ويصح أن نعده في هذه الطبقة مع ~~الصبيان - ص 69 و70 ج 1 الروض الباسم للوزير اليماني . (2) أثبت التاريخ ~~أنه فر يوم مؤتة ولما عيروه بذلك لم يحر جوابا . (3) روى البخاري وغيره ~~أحاديث كثيرة في فضل طائفة كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر بينهم أبا هريرة . (*) # --- PageV01P212 [ 213 ] # ولما شبت نار الحزب بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وإن شئت فقل لما ~~انبعث الصراع بين الاموية والهاشمية (1) بعد أن توارى - فرقا من القوة - في ~~زمن النبي وخليفتيه أبى بكر وعمر ، وانقسم المسلمون فرقا اتجه أبو هريرة ~~إلى الناحية التى يميل إليها طبعه ، وتتفق مع هوى نفس - وهى ناحية معاوية - ~~إذ كانت تملك من أسباب السلطان والترف والمال والنعيم ما لم تملك ناحية على ~~التى ليس فيها إلا الفقر والجوع والزهد - وليس بغريب على من ms201 نشأ نشأة أبى ~~هريرة وعاش عيشته ، أن يتنكب الطريق التى تؤدى إلى على ، وأن يتخذ سبيله ~~إلى معاوية ليشبع نهمه من ألوان موائده الشهية ، ويقضى وطره من رفده وصلاته ~~وعطاياه السنية . وإذا كان قد بلغ من فاقة أبى هريرة وجوعه أن يخر مغشيا ~~عليه (2) ، فيضع الناس أرجلهم على عنقه ! فهل تراه يدع دولة بنى أمية ذات ~~السلطان العريض والاطعمة الناعمة ، وينقلت إلى على الزاهد الفقير الذى كان ~~طعامه القديد ؟ إن هذا لمما تأباه الطباع الانسانية ، ولا يتفق والغرائز ~~النفسية ! اللهم إلا من عصم ربك ، وقليل ما هم . ولقد عرف بنو أمية صنيعه ~~معهم ، وقدروا موالاته لهم ، فأغدقوا عليه من أفضالهم ، وغمروه برفدهم ~~وأعطيتهم ! فلم يلبث أن تحول حاله من ضيق إلى سعة ، ومن شظف العيش إلى دعة ~~، ومن فقر إلى ثراء ، وبعد أن كان يستر جسمه بنمرة بالية (3) صار يلبس الخز ~~والكتان الممشق (4) . ولقد كانت أول لفتة من عين الامويين إلى أبى هريرة ~~لقاء مناصرته إياهم أن # --- # (1) ارجع إلى كتابنا المطول عن أبى هريرة تجد فيه فصلا خاصا عنوانه " كيف ~~قامت دولة بنى أمية " . (2) من قول أبى هريرة - كما روى البخاري : لقد ~~رأيتنى وإنى لاخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا على ، فيجئ ~~الجائى فيضع رجله على عنقي ويرى أنى مجنون - وما بى من جنون - ما بى إلا ~~الجوع . (3) ومن قوله - كما جاء في الحلية - نزعت نمرة على ظهرى فبسطتها ~~بين يديه صلى الله عليه وآله كأنى أنظر إلى القمل يدب عليها ، وهذه النمرة ~~كان يربطها في عنقه فتبلغ ساقيه فيجمعها بيده لئلا تبدو عورته . (4) في ~~طبقات ابن سعد أن أبا هريرة كان يلبس الخز والساج المزرور بالديباج ، وروى ~~البخاري أنه كان يلبس الكتان الممشق . (*) # --- PageV01P213 [ 214 ] # ولاه بسر بن أرطأة على المدينة بعد أن بعثه معاوية إلى أهل الحجاز يفعل ~~فعلاته بهم وبأموالهم وذراريهم - وكذلك كان مروان ينيبه عنه على ولاية ~~المدينة ، ثم زادت أياديهم عليه فبنوا له قصرا بالعقيق وأقطعوه أرضا ~~بالعقيق وبذي الحليفة ، ولم يكتفوا ms202 بذلك بل زوجوه بسرة بنت غزوان أخت ~~الامير عتبة بن غزوان وهى التى كان يخدمها أيام عريه وفقره بطعام بطنه (1) ~~. ولقد استخفه أشره وزهوه ، ونم عليه أصله ونحيزته ، فخرج عن حدود الادب ~~والوقار مع هذه السيدة الكريمة ، فكان يقول بعد هذا الزواج الذى ما كان ~~ليحلم به : " إنى كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا ~~سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم - والآن تزوجتها ، فأنا الآن أركب فإذا نزلت ~~خدمتني ! " ويقول : وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت لا أريم حتى ~~تجعل لى عصيدة ! فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا أريم حتى ~~تجعلي لى عصيدة ! ومما أخرجه ابن سعد أنه قال : أكريت نفسي من ابنة غزوان ~~على طعام بطني وعقبة رجلى . . فكانت تكلفني أن أركب قائما وأورد حافيا ، ~~فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية (2) . ~~ولم يكن ما قدم أبو هريرة لمعاوية جهادا بسيفه أو بماله ، وإنما كان جهاده ~~أحاديث ينشرها بين المسلمين يخذل بها أنصار على ويطعن فيها عليه ، ويجعل ~~الناس يبرءون منه ، ويشيد بفضل معاوية ودولته . وقد كان مما رواه أحاديث في ~~فضل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن يمت بأواصر القربى إلى آل أبى العاص وسائر ~~بنى أمية . روى البيهقى عنه أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور ، استأذن في ~~الكلام ولما أذن له قال : إنى سمعت رسول الله يقول ، إنكم ستلقون بعدى فتنة ~~واختلافا ، # --- # (1) مما يدل على أن أبا هريرة قد ظل على فقره وعريه إلى أواخر عهد عمر - ~~أن عمر قال له عندما استدعاه من البحرين لما أتى أشياء استوجبت عزله وكان ~~قد ولاه عليها سنة 21 ه : هل علمت من حين أنى استعملتك على البحرين وأنت ~~بلا نعلين ! ! (2) انظر إلى هذا الكلام الذى تعرى عن كل مروءة وكرم - فتجده ~~يباهى بامتهان زوجه والتشفي منها - وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم . (*) # --- PageV01P214 [ 215 ] # فقال له قائل من الناس فمن لنا يا رسول الله ؟ . . أوما تأمرنا ms203 ؟ فقال : ~~عليكم بالامين وأصحابه ، وهو يشير إلى عثمان ، وقد أورده أحمد بسند جيد . ~~ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال (1) : أصبت ووفقت ! أشهد ~~لسمعت رسول الله يقول : إن أشد أمتى حبا لى ، قوم يأتون من بعدى يؤمنون ولم ~~يرونى ، يعملون بما جاء في الورق المعلق . . حتى رأيت المصاحف . قال فأعجب ~~ذلك عثمان ، وأمر لابي هريرة بعشرة آلاف . وهذا الحديث من غرائبه ، وهو ~~ينطق ولا ريب بأنه ابن ساعته . ومما وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه : ~~ناول النبي صلى الله عليه وسلم معاوية سهما فقال : خذ هذا السهم حتى تلقاني ~~به في الجنة . وأخرج ابن عساكر وابن عدى والخطيب البغدادي عنه : سمعت رسول ~~الله . يقول : إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية ، وفي ~~رواية أخرى (2) عن أبى هريرة مرفوعا : الامناء ثلاثة ، جبريل وأنا ومعاوية ~~. ونظر (أبو هريرة) إلى عائشة بنت طلحة وكانت مشهورة بالجمال الفائق - فقال ~~: سبحان الله ، ما أحسن ما غذاك أهلك ! والله ما رأيت وجها أحسن منك إلا ~~وجه معاوية على منبر رسول الله (3) . والاخبار في ذلك كثيرة . ولقد بلغ من ~~مناصرته لبنى أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات ، ~~ويحذرهم أن يسبوهم . قال العجاج الراجز : قال لى أبو هريرة : ممن أنت ؟ قلت ~~: من أهل العراق ، قال : يوشك أن يأتيك بقعان الشام (4) فيأخذوا صدقتك ، ~~فإذا أتوك فتلقهم بها فإذا دخلوها فكن في أقاصيها ، وخل عنهم وعنها ، وإياك ~~أن تسبهم فإنك إن سببتهم # --- # (1) ص 216 ج 7 البداية والنهاية لابن كثير (2) ص 120 ج 8 البداية ~~والنهاية لابن كثير (3) ص 109 ج 6 من العقد الفريد (4) بقعان الشام خدمهم ~~وعبيدهم ومماليكهم . (*) # --- PageV01P215 [ 216 ] # ذهب أجرك وأخذوا صدقتك وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة (1) . وضعه ~~أحاديث على على : قال أبو جعفر الاسكافي (2) إن معاوية حمل قوما من الصحابة ~~، وقوما من التابعين ، على رواية أخبار قبيحة على على تقتضي الطعن فيه ، ~~والبراءة منه ، وجعل لهم في ذلك جعلا ، فاختلقوا له ما أرضاه ms204 ، منهم أبو ~~هريرة ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير ~~. وروى الاعمش : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (3) جاء ~~إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب ~~صلعته مرارا وقال : يا أهل العراق أتزعمون أنى أكذب على الله ورسول الله ~~(4) وأحرق نفسي بالنار . والله لقد سمعت رسول الله يقول : لكل نبى حرما وإن ~~حرمى بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها . فلما بلغ ~~معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة . على أن الحق لا يعدم ~~أنصارا ، وأن الصحابة إذا كان فيهم مثل أبى هريرة ممن يستطيع معاوية أن ~~يستحوذ عليه ، فإن فيهم كثرة غالبة لا يستهويها وعد ، ولا يرهبها وعيد . ~~فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا ~~هريرة ، لما قدم الكوفة مع معاوية ، كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس ~~الناس إليه ، فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه فقال : يا أبا هريرة ، أنشدك ~~الله ، أسمعت رسول الله يقول لعلى بن أبى طالب ، اللهم وال من والاه # --- # (1) ص 572 الشعر والشعراء لابن قتيبة . (2) ص 358 ج 1 شرح نهج البلاغة . ~~(3) هو العام الذى نزل فيه الحسن رضى الله عنه عن الحكم إلى معاوية حقنا ~~لدماء المسلمين سنة 41 ه وسموه عام الجماعة وهو في الحقيقة كان عام الفرقة ~~. (4) يدل هذا القول على أن كذب أبى هريرة على النبي قد اشتهر حتى عم ~~الآفاق - لانه قال ذلك وهو بالعراق . وإن الناس جميعا كانوا يتحدثون عن هذا ~~الكذب في كل مكان . (*) # --- PageV01P216 [ 217 ] # وعاد من عاداه ؟ فقال : اللهم نعم . فقال : فأشهد بالله لقد واليت عدوه ~~وعاديت وليه ، ثم قام عنه - بعد أن لطمه هذه اللطمة الاليمة . وروى مسلم : ~~أن معاوية بن أبى سفيان قال لسعد بن أبى وقاص : ما يمنعك أن تسب أبا تراب ~~(1) ؟ فقال : أما ذكرت ms205 ثلاثا قالهن له الرسول ؟ فلن أسبه - لان تكون لى ~~واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم ! سمعت رسول الله يقول له ، لما خلفه في ~~بعض مغازيه (2) يا رسول الله : خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول ~~الله : " أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبوة ~~بعدى " وسمعته يقول يوم خيبر ، " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ~~ويحبه الله ورسوله " ، فتطاولنا لها فقال : ادعوا عليا فأتى به أرمد . فبصق ~~في عينيه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه - ولما نزلت هذه الآية " قل ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم " الآية دعا رسول الله - عليا وفاطمة وحسنا ~~وحسينا وقال : اللهم هؤلاء أهلى . ومن فضائل على أن النبي قال له : أنت منى ~~وأنا منك . وقال له : من كنت مولاه فعلي مولاه . وقال أحمد بن حنبل ما ~~بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن على . وقال هو والنسائي والنيسابوري ~~وغيرهم : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالاسانيد الجياد أكثر مما جاء فيه . ~~وأخرج مسلم عن على : والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد إلى : " أنه لا ~~يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وقد جمع النسائي في مناقبه كتاب ~~الخصائص . سيرته في ولايته : استعمل عمر أبا هريرة على البحرين حوالى سنة ~~21 ه ثم بلغه عنه أشياء تخل بأمانة الوالى العادل فعزله وولى مكانه عثمان ~~بن أبى العاص الثقفى - واستدعاه وقال # --- # (1) أبو تراب هو على رضى الله عنه - وكان مما فعله معاوية ومن جاءوا بعده ~~من ملوك بنى أمية أن طلبوا من الناس أو ألزموهم أن يسبوا عليا ويلعنوه على ~~المنابر ، وظلت هذه السنة السيئة حتى أبطلها عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ~~. (2) هي غزوة تبوك . (*) # --- PageV01P217 [ 218 ] # له : هل علمت من حين أنى استخلفتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! ثم بلغني ~~أنك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار ! ! فقال : كانت لنا أفراس ~~تناتجت وعطايا تلاحقت ! قال : قد حسبت لك رزقك ومؤونتك ، وهذا فضل فأده . ~~فقال له : ليس لك ذلك ! فأجابه ms206 عمر : بلى والله وأوجع ظهرك ، ثم قام إليه ~~بالدرة فضربه حتى أدماه . ثم قال له : إئت بها - قال : احتسبتها . فقال له ~~عمر : ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا ! أجئت من أقصى حجر بالبحرين ~~يجبى الناس لك ، لا لله ولا للمسلمين ؟ ما رجعت بك أميمة (أم أبى هريرة) ~~إلا لرعية الحمر (1) . وفي رواية عن أبى هريرة نفسه : أن عمر قال : يا عدو ~~الله وعدو كتابه ، سرقت مال الله ، من أين اجتمعت لك عشرة آلاف . ونكتفى ~~بما أوردناه ففيه بلاغ . وفاته : مات أبو هريرة سنة 59 ه عن ثمانين سنة ~~بقصره بالعقيق وحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع وصلى عليه الوليد بن عتبة بن ~~أبى سفيان ، وكان يومئذ أميرا على المدينة تكريما له . ولما كتب الوليد إلى ~~عمه معاوية ينعى له أبا هريرة أرسل إليه معاوية " انظر من ترك ، وادفع إلى ~~ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم معروفا " . وهكذا يترادف ~~رفدهم له حتى بعد وفاته . كلمة مجملة فيه : وإذ وصلنا من تاريخ أبى هريرة ~~إلى هنا ، فإنا نردف ما سقناه بكلمات للعالم الكبير المحدث السيد رشيد رضا ~~رحمه الله (1) قالها في أبى هريرة : كان إسلامه في سنة 7 ه فصحب رسول الله ~~ثلاث سنين ونيفا ، فأكثر أحاديثه لم يسمعها من النبي ، وإنما سمعها من ~~الصحابة والتابعين ، فإذا كان جميع # --- # (1) أي ما ولدتك أمك إلا لرعية الحمر . وانظر هل تجد عمر يخاطب غير أبى ~~هريرة بمثل هذه اللهجة القاسية التى تنم عن الاحتقار الشديد ، وأى احتقار ~~أبلغ من أن يصفه بأنه لا يصلح إلا لرعية الحمر . . والحقيقة أنه صحب النبي ~~عاما وتسعة أشهر (راجع كتابنا شيخ المضيرة) . (*) # --- PageV01P218 [ 219 ] # الصحابة عدولا في الرواية - كما يقول جمهور المحدثين ، فالتابعون ليسوا ~~كذلك ، وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الاحبار ، وأكثر أحاديثه عنعنة ، على ~~أنه صرح بالسماع (1) في حديث " خلق الله التربة يوم السبت " وقد جزموا بأن ~~هذا الحديث أخذه من كعب الاحبار (2) . وقال : إنه يكثر في أحاديثه الرواية ~~بالمعنى والارسال (3) لان الكثير منه ms207 قد سمعه من الصحابة وكذا بعض التابعين ~~- ورواية الحديث بالمعنى كانت مثارا لمشكلات كثيرة . وقال : إنه انفرد ~~بأحاديث كثيرة كان بعضها موضع الانكار أو مظنته لغرابة موضوعها كأحاديث ~~الفتن وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ببعض المغيبات التى تقع بعده ، ~~ويزاد على ذلك أن بعض تلك المتون غريب في نفسه ، ولو انفرد بمثله غير صحابي ~~لعد من العلل التى يتثبت بها في روايته - كما هو المعهود عند نقاد الحديث ، ~~أهل الجرح والتعديل (4) ولذلك نرى الناس ما زالوا يتكلمون في بعض روايات ~~أبى هريرة (5) . وقد أخرج البخاري لابي هريرة 446 حديثا في صحيحه وأخرج ~~لابن عباس 217 حديثا . وهذا القدر من روايتهما للاصول الموصولة من الاحاديث ~~لم ينفردا به ، وإنما شاركهما في رواية الكثير منه غيرهما ، ولو أحصينا ما ~~انفرد بروايته أبو هريرة وحده من أحاديث الاحكام الشرعية لرأيناه قليلا جدا ~~، وعلمنا أنه لو لم يروه # --- # (1) أي أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . (2) يثبت السيد رحمه ~~الله وهو المحدث الكبير بل شيخ المحدثين في هذا العصر - كما يثبت غيره أنه ~~غير صادق في إدعائه أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ~~مر بك نص هذا الحديث وقصته ص 43 ج 29 مجلة المنار . (3) الحديث المرسل الذى ~~لا يذكر فيه اسم الصحابي الذى سمعه من النبي صلى الله عليه وآله . (4) ولكن ~~أنى لانسان مهما كان أن يجرؤ على تجريح أبى هريرة وقد أوصدوا باب الجرح ~~والتعديل دون الصحابة جميعا وفتحوه على مصراعيه ليدخل فيه الناس كافة ، ولو ~~نفذ الجرح والتعديل إلى الصحابة لاستفاد الاسلام فوائد جليلة . (5) ص 97 ج ~~19 مجلة المنار . (*) # --- PageV01P219 [ 220 ] # لما نقصت كتب الاحكام شيئا كثيرا ، وأن ما عسى أن تنقصه يمكن أن يعرف ~~حكمه من قواعد الشريعة الثابتة وأصولها القطعية ، كقاعدة رفع الحرج والعسر ~~، وإثبات اليسر وترجيحه ، وقاعدة كون الاصل براءة الذمة ، وكون الاصل في كل ~~الخبائث والمضرات الحرمة ، وفى كل الطيبات الحل ، وكون الضرورات تبيح ~~المحظورات وغير ذلك (1) . وقال وهو ms208 يبين أن بطلى الاسرائيليات وينبوعي ~~الخرافات هما كعب الاحبار ووهب بن منبه : " وما يدرينا أن كل الروايات - أو ~~الموقوفة منها - ترجع إليهما ، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يذكرون ~~ما يسمع بعضهم من بعض ومن التابعين على سبيل الرواية والنقل ، بل يذكرونه ~~بالمناسبات من غير عزو غالبا ، وكثير من التابعين كذلك ، بل أكثر ما روى عن ~~أبى هريرة من الاحاديث المرفوعة لم يسمعه منه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك ~~روى أكثره عنه بالعنعنة أو بقوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقله ~~بلفظ سمعت رسول الله يقول كذا (2) ، وقد روى عن بعض الصحابة وعن بعض ~~التابعين وثبت أنه روى عن كعب الاحبار . ومن هنا نجزم بأن موقوفات الصحابة ~~التى لا مجال فيها للاجتهاد والرأى لا يكون لها قوة المرفوع - كما قال ~~المحدثون إلا إذا كانت ليست من قبيل الاسرائيليات (3) . هذه ترجمة مختصرة ~~لابي هريرة التزمنا فيها الناحية التقريرية ولم نسلك الطريقة التحليلة ~~والموضوعية ، التي لا تكمل التراجم الصحيحة إلا بها ، ولا تتم دراسة الرجال ~~والاحداث إلا باتباعها ، ذلك بأننا لم نصل بعد إلى احتمال سطوتها ، وبخاصة ~~إذا كان الامر يتصل بأحد الصحابة الذين قالوا فيهم " إنهم كلهم عدول " فلا ~~يجوز لاحد # --- # (1) ص 101 من المصدر نفسه ، ويلاحظ أن السيد قال هذا الكلام في رد له على ~~دعاة النصرانية الذين انتقدوا أبا هريرة ، ولذلك نجد فيه روح الدفاع عن أبى ~~هريرة ظاهرة . (2) ولقد علمت قيمة صحة روايته فيما قال " إنه سمعه من النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قبل في حديث خلق الله التربة يوم السبت ! (3) 476 ج ~~9 من تفسير المنار . (*) # --- PageV01P220 [ 221 ] # أن ينتقد بالعلم والبرهان والحجة أحدا منهم ، لا في روايته ولا في شهادته ~~، ولا في سيرته ، ومما قالوه في ذلك أيضا " إن بساطهم قد طوى " كأن العدالة ~~موقوفة عليهم وحدهم وكأنهم في ذلك قد ارتفعوا عن درجة الانسانية ، فلا ~~يعتريهم ما يعترى كل إنسان من سهو أو خطأ ، أو وهم أو نسيان - ولا نقول ~~الكذب والبهتان ms209 ! على أننا لو سلمنا لهم بأن كل صحابي معصوم فيما يقع فيه ~~غيره من بنى الانسان وأنه لا ينسى ولا يخطئ ولا يهم ، ولا يعتريه سوء فهم ~~أو غلط ، وأنه لم يكن في الصحابة منافقون ، ولم يرتكب أحد منهم كبيرة ولا ~~صغيرة ولا وقع بينهم ما وقع ، ولا ارتد بعضهم بعد موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، ولا غير ذلك كله مما حملته كتب التاريخ الصحيحة عنهم - فإن أمر أبى ~~هريرة يباين أمر الصحابة جميعا ، فقد جرحه كبار الصحابة ومن جاء بعدهم ~~وشكوا في روايته ، كما أبنا ذلك من قبل وبخاصة في كتابنا المطول عنه . ~~ويعجبنى قول علماء الكلام - أصحاب العقول الصريحة - في هذا الامر نفسه ، ~~فقد جاءت عنهم هذه الكلمة الحكيمة وهى " ومن عجيب شأنهم - أي رجال الحديث - ~~أنهم ينسبون (الشيخ) (1) إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون ~~- بقدح يحيى بن معين وعلى بن المدينى وأشباههما (2) ويحتجون بحديث أبى ~~هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعلى وعثمان ~~وعائشة (3) . وما بيناه من تاريخ أبى هريرة قد سقناه لك على حقيقته ، ~~وأظهرنا شخصيته كما خلقها الله ولم نأت فيها بشئ من عند أنفسنا ، بل أتينا ~~بالروايات الصحيحة فيها ، ورجعنا إلى مصادر ثابتة لا يرقى الشك إليها ، ولا ~~يدنو الريب منها وعلى أننا قد طوينا كثيرا مما أثبته التاريخ الصحيح ، لان ~~بعض الناس في دهرنا لا يزالون يخشون سطوة الحق ، ولا يحتملون قوة البرهان . ~~وأبو هريرة لم يكن له - كما قلنا - أي شأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم # --- # (1) ليس المراد به شيخا معينا ، بل المراد به أي شيخ من الاشياخ . (2) أي ~~علماء الجرح والتعديل . (3) ص 10 و11 من كتاب تأويل مختلف الحديث . (*) # --- PageV01P221 [ 222 ] # ولا في عهد الخلفاء الاربعة ، ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث واحد إلا بعد ~~قتل عمر ، ولم يجرؤ على الفتوى إلا بعد الفتنة الاولى (1) وهى قتل عثمان ~~وعلو شأن بنى أمية ، وناهيك بالبخارى فإنه لم يذكره بين الصحابة الذين جاءت ms210 ~~في فضلهم أحاديث عن رسول الله . على أنه لا يفوتنا أن نذكر أن فيما رواه ~~أحاديث يبدو منها شعاع من نور النبوة ، ينفذ إلى القلوب السليمة ، ولعلها ~~مما يكون قد سمعه (وضبطه) والحديث الصحيح له ضوء كضوء النهار . أمثلة مما ~~رواه أبو هريرة : أخرج البخاري ومسلم عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى ~~عليهما السلام فلما جاءه صكه (2) فرجع إلى ربه ! فقال : أرسلتني إلى عبد لا ~~يريد الموت ، فرد الله عليه عينيه ! وقال ارجع فقل له يضع يده على متن ثور ~~فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة ! قال : أي رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ~~، قال : فالآن فاسأل الله أن يدنيه من الارض المقدسة رمية حجر ! قال رسول ~~الله : فلو كنت ثم لاريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الاحمر ! ! وفى ~~رواية لمسلم قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها . # --- # (1) قال ابن سعد وهو يترجم لابن عباس ما يلي : عن زياد بن مينا كان ابن ~~عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الاكوع أبو واقد الليثى وعبد ~~الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتون ~~بالمدينة ويحدثون عن رسول الله من لدن توفى عثمان إلى أن توفوا ، وإذا رجعت ~~إلى من كانوا يفتون على عهد رسول الله وعهد صاحبيه أبى بكر وعمر ، فإنك لا ~~تجد أبا هريرة بينهم ، وكذلك لم نجد أحدا من الصحابة كان يرجع إليه في شئ ~~إلا بعد موت عثمان ، وكانت عائشة تفتى في خلافة أبى بكر وعمر وعثمان وعلى ~~إلى أن ماتت ، وكان الاكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن السنن . (2) ~~لما أورد الثعالبي في كتابه " ثمار القلوب " هذا الخبر تحت عنوان " لطمة ~~موسى " قال : ومن أساطير الاولين ، أن موسى سأل ربه إلخ القصة ومما قاله : ~~إن ملك الموت أعور حتى قيل فيه : يا ملك الموت لقيت منكرا * لطمة موسى ~~تركتك ms211 أعورا ! ! وختم الثعالبي قوله بهذه العبارة " وأنا برئ من عهدة هذه ~~الحكاية " . وله الحق في هذه البراءة . (*) # --- PageV01P222 [ 223 ] # وفى تاريخ الطبري عن أبى هريرة أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى ~~أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ، ومن بعد حادثة موسى - يأتي الناس خفيا اه وإن ~~رائحة الاسرائيلية لتفوح من هذا الحديث ! وأخرجا كذلك عنه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : تحاجت الجنة والنار ! فقالت النار أوثرت بالمتكبرين ~~والمتجبرين . وقالت الجنة مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطتهم ! قال ~~الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال ~~للنار : إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة ملؤها ، فأما ~~النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول قط ، قط ، فهناك ~~تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض وروى البخاري عنه " ما بين منكبي الكافر مسيرة ~~ثلاثة أيام للراكب المسرع " . وأخرج أوله مسلم عنه مرفوعا ، وزاد : وغلظ ~~جلده مسيرة ثلاثة أيام . وروى البخاري وابن ماجة عنه عن النبي : إذا وقع ~~الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن أحد جناحيه داء والآخر شفاء ~~(1) . وروى الطبرنى في الاوسط عنه عن النبي : أتانى ملك برسالة من الله ~~عزوجل ، ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والاخرى في الارض لم يرفعها . وروى ~~الترمذي عنه قال رسول الله : العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السم . وروى ~~الحاكم وابن ماجة من حديثه بسند صحيح : خمروا الآنية وأوكئوا الاسقية ~~وأجيفوا الابواب واكفتوا صبيانكم عن النساء فإن للجن انتشارا وخطفة ، ~~وأطفئوا المصابيح عند الرقاد ، فإن الفويسقة (أي الفأرة) ربما اجترت ~~الفتيلة فأحرقت أهل البيت . # --- # (1) نص هذا الحديث : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، ~~فإن في أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء . رواه البخاري وابن ماجة عن أبى ~~هريرة ، وفى رواية بزيادة " فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء . وفى رواية ~~ثالثة : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليمقله منه فإن في أحد جناحيه سما ~~وفى الآخر شفاء وأنه يقدم ms212 السم ويؤخر الشفاء . وفى رواية رابعة إذا وقع ~~الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله أو ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفى ~~الآخر داء . وفى رواية خامسة : فإنه يتقى بجناحه الذى فيه الداء فليغمسه ~~كله . (*) # --- PageV01P223 [ 224 ] # وروى مسلم عنه أن رسول الله قال : إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة سنة . وروايات أبي هريرة من هذا القبيل ، وأدهى منه تفهق الكتب بها ~~ولا نستطيع إيرادها هنا لان ذلك يحتاج إلى مجلدات برأسها . ما رواه كبار ~~الصحابة : علمت مما تقدم أن أبا هريرة روى عن رسول الله 5374 روى البخاري ~~منها 446 على حين أنه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا عاما وبضعة ~~أشهر - وبقي أن تعرف مقدار ما رواه الذين سبقوه بالايمان وكانوا أدنى منه ~~إلى رسول الله وأعلم بالدين وأبعد في الفضل والجهاد من المهاجرين والانصار ~~وغيرهم وقضوا مع الرسول سنين طويلة - لنرى كم روى كبارهم من أحاديث رسول ~~الله . ما رواه أبو بكر : فهذا أبو بكر أول الرجال إسلاما بعد على ، وشيخ ~~الصحابة جميعا وقضى مع النبي ما قضى بمكة والمدينة وكان نسابة العرب ، ترى ~~كم من حديث رواه ؟ قال النووي في تهذيبه : روى الصديق عن النبي 142 حديثا ، ~~أورد السيوطي منها في تاريخ الخلفاء 104 وله في البخاري 22 حديثا . ما رواه ~~عمر : أسلم سنة ست وظل مع النبي إلى آخر حياته (صلى الله عليه وسلم) ومن ~~قوله : كنت وجارا من الانصار نتناوب النزول على رسول الله ، ينزل يوما ، ~~وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره ، وإذا نزل فعل ~~مثل ذلك - وبرغم ذلك كله لم يصح عنه إلا حوال خمسين حديثا كما أثبت ذلك ابن ~~حزم . ما رواه على : أول من أسلم وتربى في حجر النبي وعاش تحت كنفه من قبل ~~البعثة وظل معه إلى أن انتقل النبي إلى الرفيق الاعلى لم يفارقه لا في سفر ~~ولا في حضر وهو ابن عمه وزوج # --- PageV01P224 [ 225 ] # ابنته فاطمة الزهراء ، شهد المشاهد ms213 كلها سوى تبوك فقد استخلفه النبي فيها ~~على المدينة فقال : يا رسول الله ، أتخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال رسول ~~: أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبى بعدى . هذا ~~الامام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعا في العلم - قد أسندوا له ~~كما روى السيوطي 58 حديثا ، وقال ابن جزم : لم يصح منها إلا خمسون حديثا لم ~~يرو البخاري ومسلم منها إلا من عشرين حديثا . عثمان : أما عثمان فقد روى ~~البخاري له تسعة أحاديث ومسلم خمسة . الزبير بن العوام روى له البخاري تسعة ~~أحاديث ومسلم حديث . طلحة بن عبيدالله روى له البخاري أربعة أحاديث . عبد ~~الرحمن بن عوف روى له البخاري تسعة أحاديث . أبى بن كعب له في الكتب الستة ~~ستون حديثا ونيف . زيد بن ثابت روى له البخاري ثمانية أحاديث ، واتفق ~~الشيخان على خمسة . سلمان الفارسي أخرج له البخاري 4 أحاديث ومسلم ثلاثة . ~~. . إلخ . وقد ثبت أن كثيرا من الصحابة لم يرووا عن النبي شيئا ، منهم سعيد ~~بن زيد ابن نفيل أحد العشرة وأبى بن عمارة . . . إلخ . أحاديث مشكلة قلنا ~~من قبل : إن الرواية قد حملت عن رسول الله فيما حملت أحاديث كثيرة مشكلة ~~وغريبة ، وإنا نورد هنا بعض هذه الاحاديث على طريق المثال لان استيعابها ~~يحتاج إلى أسفار . عن ابن عباس أن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفتاه ~~من ياقوتة حمراء ، قلمه نور ، وكتابه نور ، عرضه ما بين السموات والارض ~~ينظر فيه كل يوم نظرة ، أضواء على السنة المحمدية # --- PageV01P225 [ 226 ] # ويحيى ويميت ويعز ويذل ، ويفعل ما يشاء فذلك قوله " كل يوم هو في شأن " . ~~رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني والحاكم . وروى الشيخان وبعض السنن ~~والمسانيد والتفسير المأثور عن أبى ذر ، قال رسول الله لابي ذر حين غربت ~~الشمس أتدرى أين تذهب ؟ قلت الله ورسوله أعلم ! قال : فإنها تذهب حتى تسجد ~~تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن ~~فلا يؤذن لها ، فيقال لها ارجعي من ms214 حيث شئت فتطلع من مغربها ، فذلك قوله ~~تعالى : " والشمس تجرى لمستقر لها " . . . الآية . وروى مسلم في مقدمة ~~كتابه عن عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الزاملتين قال : إن في البحر ~~شياطين مسجونة أوثقها سليمان بن داود ، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا ~~. وروى البخاري في " باب الدواء بالعجوة للسحر " عن عامر بن سعد بن أبى ~~وقاص عن أبيه قال ، قال النبي : " من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ~~ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل - وفي رواية سبع تمرات عجوة - وكذا المسلم عن ~~سعد بن أبى وقاص . وعند النسائي من حديث جابر : العجوة من الجنة وهى شفاء ~~من السم . وأخرج الشيخان عن أبى هريرة إذا نودى للصلاة أدبر الشيطان وله ~~ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر ~~حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه - وقال العلماء ~~المحققون في شرح هذا الحديث : لئلا يسمع فيضطر أن يشهد له بذلك يوم القيامة ~~. . . وروى مسلم عن أبى سفيان أنه قال للنبى : يا رسول الله أعطني ثلاثا ، ~~تزوج ابنتى أم حبيبة ، وابنى معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن أقاتل الكفار ~~كما قاتلت المسلمين . . . وأم حبيبة تزوجها رسول الله وهو بالحبشة وأصدقها ~~النجاشي ، وأبو سفيان أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين . # --- PageV01P226 [ 227 ] # وروى مسلم عن عمرو بن الشريد قال : ردفت النبي (صلى الله عليه وسلم) قال ~~: هل معك من شعر أمية ؟ قلت : نعم ، فأنشدته مائة بيت ، فقال : لقد كاد ~~يسلم في شعره . وروى أحمد في مسنده عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلى ~~الله عليه وسلم) قال : صدق أمية في شئ من شعره ، وفي رواية قال رسول الله : ~~صدق أمية ابن أبى الصلت في شئ من شعره فقال : زحل وثور تحت رجل يمينه * ~~والنسر للاخرى وليث مرصد فقال رسول الله : صدق وقال : والشمس تطلع كل آخر ~~ليلة * حمراء يصبح لونها يتورد تأتي فما تطلع لنا في رسلها (1) * إلا معذبة ~~وإلا ms215 تجلد وهذا الحديث صحيح الاسناد وهو في مجمع الزوائد ، ورواه أبو يعلى ~~والطبراني ورجاله ثقات . ولما اعترض عليه في قوله : " إلا معذبة وإلا تجلد ~~" ! قال ابن عباس (2) والذى نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ~~ألف ملك فيقولون لها : اطلعي ، اطلعي ! فتقول : لا أطلع على قوم يعبدونني ~~من دون الله ! فيأتيها ملك فتشتعل لضياء بنى آدم ، فيأتيها شيطان فيريد أن ~~يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها ، وذلك قول رسول الله : ~~ما طلعت شمس إلا بين قرنى شيطان ، ولا غربت إلا بين قرنى شيطان ، وما غربت ~~الشمس قط إلا خرت ساجدة ، فيأتيها شيطان فيريد أن يصدها عن السجود فتغرب ~~بين قرنيه فيحرقه الله تحتها . وروى الطبراني عن أبى أمامة ، أن الله وكل ~~بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم ، ولولا ذلك ما أتت على شئ إلا ~~أحرقته . . وروى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك : أن رجلا سأل النبي قال : # --- # (1) رسلها ، الرسل الرفق التؤدة - ارجع إلى ص 7 ج 4 من تفسير ابن كثير . ~~(2) ابن عباس هو من كبار تلاميذ كعب الاحبار ويلقب بحبر الامة ، وقد تهكم ~~المعرى بأسلوبه اللاذع بهذا الحديث وجعله من أكاذيبهم التى يفترونها على ~~النبي صلى الله عليه وآله فقال : (*) # --- PageV01P227 [ 228 ] # متى تقوم الساعة ؟ قال : فسكت رسول الله هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه ~~من أزد شنوءة فقال : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " قال ~~أنس : ذاك الغلام من أترابي يومئذ . وقد مات أنس في سنة 93 ه على المشهور ~~وهو ترب الغلام الذى قال النبي إنه لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة ، وبذلك ~~يكون قيام الساعة قبل انقضاء القرن الاول الهجرى (1) كما نص الحديث ! فما ~~قول عباد الاسانيد ؟ ! لعل بعضهم ينبرى فيقول : وما يدريك لعل هذا الغلام ~~لم يدركه الهرم إلى الآن ! ! حديث فيم يختصم الملا الاعلى : وروى أحمد في ~~مسنده ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج عليهم ذات غداة وهو طيب ~~النفس مسفر الوجه ms216 فسئل عن السبب فقال : وما يمنعنى ! أتانى ربى عزوجل في ~~أحسن صورة قال : يا محمد قلت لبيك ربى وسعديك ! قال : فيم يختصم الملا ~~الاعلى ؟ قلت : لا أدرى أي ربى ! قال : فوضع كفيه بين كتفي فوجدت بردهما ~~بين ثديى حتى تجلى لى ما في السموات وما في الارض ! ورواية الشهرستاني : ~~لقيني ربى فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله . ~~ثورالجنة : وفي بدائع الفوائد (2) لابن القيم ثبت عن النبي أن المؤمنين ~~ينحر لهم يوم القيامة ثور الجنة الذى كان يأكل منها فيكون نزلهم ، قال ابن ~~القيم : فهذا حيوان قد كان يأكل من الجنة فينحر نزلا لاهلها . # --- # = وقد كذبوا حتى على الشمس أنها تهان إذا حان الشروق وتضرب ص 207 ج 1 من ~~اللزوميات . (1) جاءت آثار أخرى عن عمر الدنيا تراها فيما بعد . (2) ص 177 ~~ج 3 . (*) # --- PageV01P228 [ 229 ] # رؤية النبي لله 11 مرة ، والاسراء كان يقظة : قال القاضى (1) : نص أحمد ~~على أن الاسراء كان يقظة ، وحكى له أن موسى ابن عقبة قال : أحاديث الاسراء ~~منام فقال : هذا كلام الجهمية (2) - وقال أبو بكر النجار : رآه إحدى عشرة ~~مرة ! تسع مرات ليلة المعراج حينما كان يتردد بين موسى وبين ربه عزوجل ، ~~ومرتين بالكتاب . ملك من حملة العرش : في منتخب كنز العمال في سنن الاقوال ~~والافعال : عن أنس عن النبي أذن لى أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في ~~الارض السفلى وعلى قرنه العرش وبين شحمة أذنه وعاتقه خفقات الطير 700 عام ~~يقول : أنت الملك سبحانك حيث كنت . الرعد : عن ابن عباس : الرعد ملك من ~~ملائكة الله موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ~~تعالى (3) - وعنه أيضا الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير زمن بنى ~~إسرائيل - وعنه : أول ما خلق الله من شئ " القلم " ، ثم خلق النون فكبس ~~الارض على ظهر النون (4) الحجر الاسود : عن ابن عباس : الحجر الاسود يمين ~~الله تعالى في الارض يصافح بها من يشاء # --- # (1) ص 39 ج 4 من نفس المصدر ms217 (بدائع الفوائد) وفي البخاري من حديث شريك أن ~~الاسراء كان مناما . (2) ص 455 ج 2 . (3) ص 459 من نفس المصدر . (4) ص 449 ~~من نفس المصدر . والنون هو الحوت . (*) # --- PageV01P229 [ 230 ] # من خلقه (1) وفي رواية أخرى عنه أنه قال : الحجر الاسود من الجنة ، وكان ~~أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا الشرك ، وقالوا إنه يأتي يوم القيامة ، ~~وله لسان وشفتان ليشهد لمن استلمه بحق . وهذا الحديث إسرائيلى منقول عن وهب ~~بن منبه الذى قال فيه : كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون (2) . وقد استهزأ ~~الجاحظ بهذا الحديث فقال : كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا . . . فضل ~~بسم الله الرحمن الرحيم : عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله قال : ~~لما نزل بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح وهاج ~~البحر ، وأصغت البهائم بآذانها ورجمت الشياطين من السماء ، وحلف الله تعالى ~~بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شئ إلا بارك فيه (3) . أحد حملة العرش : عن ~~جابر قال رسول الله : " أذن لى أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة ~~العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام . رواه أبو داود ~~والبيهقي . جبريل له سمائة جناح : وروى الامام أحمد عن عبد الله قال : رأى ~~رسول الله جبريل في صورته له ستمائة جناح ، كل جناح منها يسد الافق ، يسقط ~~من جناحه من الدر والياقوت ، ما الله به أعلم . (إسناده قوى) # --- # (1) ص 271 من كتاب تأويل مختلف الحديث . (2) ص 368 من نفس المصدر . (3) ص ~~17 ج 1 تفسيرا بن كثير . (*) # --- PageV01P230 [ 231 ] # وعن عبد الله بن مسعود قال : رأى رسول الله جبريل في حلة خضراء وقد ملا ~~بين السماء والارض . (رواه مسلم) يكشف ربنا عن ساقه : روى الشيخان عن النبي ~~(صلى الله عليه وسلم) أن الله عزوجل يكشف عن ساقه . وفي البخاري عن أبى ~~سعيد قال : سمعت النبي يقول : يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة . ~~وقال ابن مسعود : يكشف الله عن ساقه اليمنى فيضئ من نور ساقه الارض ms218 . الشاة ~~من دواب الجنة : وفي سنن ابن ماجة من حديث ابن عمر ، أن النبي قال : الشاة ~~من دواب الجنة . قدم الجبار : في الصحيحين من حديث أنس ، أن النبي قال : لا ~~تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيزوى ~~بعضها إلى بعض . شجرة في الجنة : روى البخاري عن ابن سعيد عن النبي قال : ~~إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد ، أو المضمر السريع مائة عام ما ~~يقطعها . وفي رواية : إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا ~~يقطعها . أصدق الحديث ما عطس عنده : رواه الطبراني في الاوسط والترمذي ~~وغيرهما عن أنس . # --- PageV01P231 [ 232 ] # طوبى شجرة في الجنة : رواه أحمد وابن حبان وفي رواية ، طوبى شجرة في ~~الجنة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت بالحلى والحلل ، وإن أغصانها ~~لترى من وراء سور الجنة . والمشكلات لا يمكن حصرها ، وبحسبك أن تجد الطحاوي ~~قد ألف كتاب " مشكل الآثار " في أربعة مجلدات كبار ، ولم يستوعب فيها كل ~~المشكلات . وهذا الكتاب طبع في الهند . أحاديث المهدى : مما يبدو من مشكلات ~~الرواية تلك الاحاديث المختلفة التى جاءت في كتب السنة المشهورة عند ~~الجمهور عن " المهدى المنتظر " والتى تذكر أنه يخرج في آخر الزمان ليملا ~~الدنيا عدلا - كما ملئت جورا . وهو عند أهل السنة " محمد بن عبد الله " وفي ~~رواية : أحمد بن عبد الله - والشيعة الامامية متفقون على أنه " محمد بن ~~الحسن المهدى " من الائمة المعصومين ويلقبونه بالحجة والقائم المنتظر . ~~وتقول الكيسانية : إن المهدى هو : محمد بن الحنفية وهو حى يقيم بجبل رضوى ~~بين أسدين يحفظانه ، وعنده عينان نضاختان تفيضان ماء وعسلا ومعه أربعون . ~~والمشهور في نسبه أنه علوى فاطمي من ولد الحسن ، وعند الشيعة الامامية أنه ~~من ولد الحسين رضى الله عنهما . وقد قال الحكيم ابن خلدون (1) في مقدمته إن ~~المشهور بين الكافة من أهل الاسلام على مر الاعصار ، أنه لا بد في آخر ~~الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتبعه ms219 ~~المسلمون ، ويستولى على الممالك الاسلامية ويسمى " بالمهدي " ، ويكون خروج ~~الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره ، وأن عيسى ~~ينزل بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ~~، ويحتجون في # --- # (1) ص 311 من طبعة بيروت . (*) # --- PageV01P232 [ 233 ] # الباب بأحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المنكرون لذلك ، وربما عارضوها ~~ببعض الاخبار . . . إلخ) . وقد طعن ابن خلدون في أكثر أحاديث المهدى التى ~~جاءت في كتب السنة عند الجمهور . أما الشيعة - وبخاصة الامامية فإن لهم ~~أدلة يروونها عن أئمتهم وهم يعتمدون عليها في إثبات ظهور المهدى - ولكل قوم ~~سنة وإمامها . المهدى العباسي : وهناك عدة أحاديث مصرحة بأنه سيكون من ولد ~~العباس ، ولكثرة هذه الاحاديث نكتفي بالاشارة إليها ، ومن أراد الوقوف ~~عليها فليرجع إليها في مظانها . المهدى السفياني : وإذا كان للعلويين مهدى ~~، وللعباسيين آخر ، فلم لا يكون للامويين مهدى ثالث ! ما دام باب الوضع يسع ~~كل ما يدخل فيه ، وبخاصة بعد أن أصبحوا من القوة والسلطان بحيث يتقرب ~~الوضاعون إليهم لينالوا من عطائهم ، وقد جاءت آثار بأن لهم مهديا يسمى " ~~السفياني " لا نطيل بذكر أخباره وما جاء فيه . الخلفاء الاثنا عشر : وإليك ~~بعض ما جاء في الخلفاء الاثنى عشر ، لكى تقف على ناحية من نواحى الاختلاق ~~في رواية الحديث وهو مما يعنينا في هذا البحث أما ما وراء ذلك فليس من ~~غرضنا ولا من حقنا مناقشة الناس في معتقداتهم . جاءت أحاديث كثيرة تنبئ أن ~~الخلفاء سيكونون اثنى عشر خليفة . وإنا نورد هنا ما وقفنا عليه من مختلف ~~ألفاظها ، ولا نعرض لمعاني متونها ! روى الشيخان واللفظ للبخاري عن جابر بن ~~سمرة : يكون اثنا عشر أميرا كلهم من قريش . # --- PageV01P233 [ 234 ] # ورواية مسلم : " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا وكلهم ~~من قريش " . وفي رواية أخرى : " إن هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى له فيهم ~~اثنا عشر خليفة " . وفي رواية ثالثة : " لا يزال الاسلام عزيزا منيعا إلى ~~اثنى عشر خليفة " . ووقع عند أبى داود بلفظ : " لا يزال هذا الدين ms220 عزيزا ~~إلى اثنى عشر خليفة " . وفي حديث أبى جحيفة عند البزار والطبراني بلفظ " لا ~~يزال أمر أمتى صالحا " وأخرج أبو داود عن جابر بن سمرة نحوه وزاد (1) . " ~~فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا : ثم يكون ماذا ؟ فقال : الهرج " أي ~~الفتنة والقتال . وعند أبى داود : " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون ~~عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليهم الامة " . وعند أحمد : " لا تزال ~~هذا الامر صالحا ، ورواية أخرى عنده ، لا يزال هذا الامر مرضيا ، وأخرجه ~~الطبراني بلفظ " لا تضرهم عداوة من عاداهم " . ووقع عند أبى داود وأخرجه ~~أحمد والبزار من حديث ابن مسعود ، أنه سئل كم يملك هذه الامة من خليفة ؟ ~~قال : سألنا عنها رسول الله فقال : اثنا عشر كعدة نقباء نبى إسرائيل . ~~وأخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه : إذا ملك اثنا عشر ~~من بنى كعب بن لؤى ، كان النقف والنقاف إلى يوم القيامة . وعن كعب الاحبار ~~- ولا بد من كعب الاحبار ! ! ، وفي كل واد أثر من ثعلبة ! ! - يكون اثنا ~~عشر مهديا ثم ينزل روح الله فيقتل الدجال . وعلى أن هذه الاحاديث قد جعلت ~~الخلفاء اثنى عشر ، فقد رووا حديثا يعارض هذه الاحاديث جميعا ، وهو حديث ~~سفينة الذى أخرجه أصحاب السنن # --- # (1) يلاحط أن أكثر أحاديث المهدى التى جاءت في كتب السنة من رواية جابر ~~بن سمرة . (*) # --- PageV01P234 [ 235 ] # وصححه ابن حيان وغيره " الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " . وكذلك ~~أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود رفعه " تدور رحى الاسلام لخمس وثلاثين سنة ~~أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين ، فإن هلكوا فسبيل من هلك ، وإن يقم لهم ~~دينهم يقم لهم سبعين عاما " زاد الطبراني والخطابى : فقالوا : سوى ما مضى ؟ ~~قال : نعم . أقوال بعض العلماء في هذه الاحاديث : قال القاضى عياض : توجه ~~على هذا العدد " أي الاثنى عشر " سؤالان أحدهما أنه يعارضه ظاهر قوله صلى ~~الله عليه وسلم في حديث سفينة " الخلافة بعدى ثلاثون سنة ثم يكون ملكا " ~~لان الثلاثين سنة لم يكن فيها إلا ms221 الخلفاء الاربعة ، وأيام الحسن بن على ، ~~والثانى أنه ولى الخلافة أكثر من هذا العدد . وقال ابن الجوزى في كشف ~~المشكل : قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث ، وتطلبت مظانه ، وسألت عنه فلم ~~أقع على المقصود ، لان ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة . ~~أما السيوطي فبعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاحاديث المشكلة . خرج ~~برأى غريب نورده هنا تفكهة للقراء وهو : وعلى هذا فقد وجد من الاثنى عشر ، ~~الخلفاء الاربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز - وهؤلاء ~~ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهدى من العباسيين لانه فيهم كعمر بن عبد ~~العزيز في بنى أمية ، وكذلك الظاهر ، لما أوتيه من العدل وبقى الاثنان ~~المنتظران ! ! أحدهما المهدى ! لانه من أهل البيت محمد - ولم يبين المنتظر ~~الثاني - ورحم الله من قال في السيوطي : إنه حاطب ليل (1) . وقبل أن نختم ~~الكلام عن المهدى نثبت هنا كلمة عنه للعلامة الكبير الاستاذ مرتضى العسكري ~~من كبار علماء العراق تبين عقيدة الشيعة الامامية الاثنا عشرية في المهدى . # --- # (1) يرجع إلى ص 179 - 183 ج 13 من فتح الباري وتاريخ الخلفاء . (*) # --- PageV01P235 [ 236 ] # قال حفظه الله من جواب طويل بعث به إلينا : الشيعة الاثنا عشرية يعتقدون ~~أن الارض لم تخل من حجة لله على خلقه ولا تخلو منه كذلك ، وهو إما أن يكون ~~نبيا يوحى إليه أو من يعين من قبله على شريعته من بعده ، ويبينها لامته . ~~وهم يرون في الاحاديث الاثنى عشر التي أوردتموها في كتابكم ص 210 - 211 (1) ~~تحت عنوان " الخلفاء الاثنا عشر " بيانا لعدد الائمة الاثنى عشر الذين يلون ~~أمر الدين بعد النبي ، فإن هذا العدد لا ينطبق على الراشدين ، ولا الامويين ~~ولا غيرهم مضافا إلى مئات الاحاديث التى يروونها بطرقهم الخاصة عن رسول ~~الله مما فيه التنصيص على ذلك . وثاني عشر هؤلاء الائمة عندهم هو المهدى ~~ابن الحسن العسكري المولود بسامراء سنة 255 ه والذين يعتقدون فيه أنه لا ~~يزال حيا كحياة نوح ألف سنة إلا خمسين عاما بين قومه ms222 ، وكحياة عيسى الذى ما ~~قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم بل رفعه الله إليه . . . وهم يعتقدون بأن ~~المهدى موجود وحى بقدرة الله التى جعلت الطين طيرا لابراهيم ، والنار بردا ~~وسلاما له ، والايمان بوجوده كل هذه المدة دليل على الايمان بقدرة الله ، ~~ويعتقدون أنه موجود بين الناس ، وقد يعاينهم كأحدهم دون أن يشخصوه . ومما ~~يذكر من فوائد وجوده أنه إذا احتاج المسلمون إلى بيان رأى خفى فيه وجه ~~الصواب يقوم بإرشاد بعض العلماء إلى صواب الرأى في الامر . أما موعد ظهوره ~~فإنهم يجمعون على أنه من الغيب الذى لا يعرفه إلا الله وأن لظهوره علائم ~~منها ما هو حتمي الوقوع ، وأخرى غير حتمية على ما في الاحاديث ، وأنه يبدأ ~~ظهوره من مكة على الاشهر ، وتكون حملته الاولى من جيش عدده كعدد جيش رسول ~~الله في بدر ، وأنه يملا الارض عدلا ، وأنه يحكم بين الناس بالواقع وإن ~~خالف ذلك شهادة الشاهدين ، أما سرداب الغيبة الذى قيل عنه في الحلة أو ~~سامراء فلم أسمع بشيعي يقول بغيبة المهدى فيه ، أو بوجوده فيه ، أو بخروجه # --- # (1) أي كتابنا " الاضواء " في الطبعة الاولى . (*) # --- PageV01P236 [ 237 ] # منه ، ولعل السرداب الموجود في سامراء كان مصلى للامامين على الهادى ~~والحسن العسكري اتخذاه مصلى لهما للعبادة فقد كانوا يتخذون في بيوتهم مصلى ~~يعبدون الله فيه ، ثم بقى كذلك حتى اليوم . هذا بعض ما حضر آن عصر الجمعة 2 ~~ربيع الآخر سنة 1381 . # --- PageV01P237 [ 238 ] # الدجال (1) جاء في الدجال الذى أشار إليه ابن خلدون في كلمته عن المهدى ~~أحاديث كثيرة بعضها يصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يرى أن من ~~المحتمل ظهور الدجال في زمنه ، وأنه يكفى المسلمين شره ، وبعضها يصرح ، أنه ~~يخرج بعد فتح المسلمين لبلاد الروم والقسطنطينية ، وبعض الاحاديث تقول بأنه ~~سيكون معه جبال من خبز وأنهار من ماء وعسل ! كما رواه أحمد والبيهقي وزاد ~~مسلم جبال من لحم ! وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب " أن الدجال تلده أمه ~~بقوص من أرض مصر ، وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة ms223 . . . ! ومن أخباره أنه ~~ينزل عند باب دمشق الشرقي ثم يظهر بالمشرق فيعطى الخلافة ثم يأتي النهر ~~فيأمره أن يسيل فيسيل ، ثم يأمره أن يرجع فيرجع ، ثم يأمره أن ييبس فييبس ، ~~ثم يأمر الجبال أن تتناطح فتتناطح ، ويأمر الريح أن تثير سحابا فتمطر الارض ~~، ويخوض البحر في كل يوم ثلاث خوضات فلا يبلغ حقويه - وإحدى يديه أطول من ~~الاخرى ، فيمد الطويلة في البحر فتبلغ مقره فيخرج من الحيتان ما يريد ! وفي ~~رواية عن مسلم أنه يخرج من أصبهان - وفي حديث الجساسة عند مسلم أنه محبوس ~~بدير أو قصر في جزيرة في الشام أو بحر اليمن - وروى الحاكم وأحمد أنه يخرج ~~من خراسان ، وفي حديث النواس بن سمعان عند مسلم أنه يخرج بين الشام والعراق ~~. الدجالة في خطبة الوداع : روى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نتحدث بحجة ~~الوداع والنبى بين أظهرنا ولا ندرى ما حجة الوداع ، فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره وقال : ما بعث الله من نبى إلا أنذر ~~أمته أنذره نوح والنبيون # --- # (1) سبق لنا فيما مضى كلام آخر عن الدجال في حديث الجساسة . (*) # --- PageV01P238 [ 239 ] # من بعده ، وأنه يخرج فيكم فما خفى عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم ! إن ~~ربكم ليس على ما يخفى عليكم ثلاثا ! إن ربكم ليس بأعور ، وإنه أعور عين ~~اليمنى كأن عينه عنية طافية ، ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة ~~يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم ، قال : ~~اللهم اشهد ثلاثا ويلكم أو يحكم انظروا : لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض . وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث : ذكر الخطبة في حجة الوداع ~~جماعة من الصحابة ولم يذكر أحد منهم قصة الدجال فيها إلا ابن عمر ولعل ابن ~~حجر قد فاته أن ابن عمر هذا أحد تلاميذ كعب الاحبار . وهاك حديثا غريبا آخر ~~في الدجال . في الصحيحين من حديث أنس بن مالك عن النبي أنه ذكر الدجال فقال ~~: إلا أنه أعور ms224 وإن ربكم ليس بأعور . وقال الفخر الرازي في " أساس التقديس ~~" عند الكلام على هذا الحديث : إن هذا الخبر مشكل لان ظاهره يقضى أن النبي ~~أظهر الفرق بين الاله تعالى وبين الدجال بكون الدجال أعور ! وكون الله ~~تعالى ليس بأعور ! وذلك بعيد . وخبر الواحد إذا بلغ هذه الدرجة في ضعف ~~المعنى وجب أن يعتقد أن الكلام كان مسبوقا بمقدمة لو ذكرت لزال هذا الاشكال ~~. وهناك أحاديث أخرى عن هذا الدجال أعرضنا عن ذكرها وكلها مرفوعة إلى النبي ~~. . ولكى يمكنوا لهذه العقيدة في عقول المسلمين ، أوردوا حديثا عن النبي ~~بأن " من كذب بالمهدي فقد كفر ، ومن كذب بالدجال فقد كفر " (1) . # --- # (1) نقل هذا الحديث ابن حجر الهيثمى في كتابه الفتاوى الحديثة عن أبى ~~جعفر الاسكافي عن النبي بلفظ من كذب بالدجال فقد كفرو من كذب بالمهدي فقد ~~كفر - ص 60 من كتاب الامام المنتظر للسيد محمد الكاظمي القزويني . (*) # --- PageV01P239 [ 240 ] # عمر الدنيا في تفسير الآلوسي أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر ~~الدنيا سبعة آلاف سنة . . وذكر أن مدة هذه الامة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ ~~الزيادة خمسمائة سنة ، واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها - أي السيوطي - ~~في رسالته التى سماها " الكشف عن مجاوزة هذه الامة الالف " (1) ، وقد قال ~~الآلوسي : وإذا لم يظهر المهدى على رأس المائة التى نحن فيها ينهدم جميع ~~مانبأه فيها - كما لا يخفى وكأني بك تراه منهدما . وقد مضت المائة التى كان ~~فيها الآلوسي وهى المائة الثالثة عشرة من الهجرة ومضى بعدها ست وثمانون سنة ~~من المائة الرابعة عشرة ، ولم يظهر المهدى وبذلك ينهدم يقينا ما نبأه ~~السيوطي وخلط فيه . وذكر ابن خلدون في مقدمته قالوا : إن خروج الدجال يكون ~~سنة 743 ه (2) ، والكلام في ذلك يطول بغير طائل ، وقد أعرضنا كذلك عن إيراد ~~أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التى زخرت بها كتب السنة المعتمدة ~~بين المسلمين ، والمقدسة من شيوخ الدين ، وكذلك أهملنا هنا ذكر الاحاديث ~~الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى ms225 فوق ~~السماء السابعة وهى في البخاري وغيره ، وخلق كل شئ من نور النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبشارة الوحوش به ، وما إلى ذلك من هذه الاخبار الغريبة . ومن ~~يرد أن يقف على هذه الاخبار كلها فليرجع إلى كتب السنة وإلى ما جاء في ~~الفصل الثاني والخمسين من مقدمة ابن خلدون وهو الفصل الذى عقده على " أمر ~~الفاطمي وما يذهب إليه الناس في شأنه وكشف الغطاء عن ذلك " . # --- # (1) في حديث للشيخين أن الساعة تقوم قبل انتهاء القرن الاول الهجرى . (2) ~~ص 325 من الطبعة الشامية . ارجع إلى هذه الاحاديث في كتاب " شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P240 [ 241 ] # كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة - وأمثالها انتهى العلامة السيد رشيد ~~رضا في تفسيره ، بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأماراتها - مثل الفتن ~~والدجال والجساسة وظهور المهدى وغير ذلك - إلى هذه النتائج القيمة (1) : 1 ~~- أن النبي لم يكن يعلم الغيب " قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا ~~نذير وبشير لقوم يؤمنون " وهو معلوم من الدين بالضرورة ، وإنما أعلمه الله ~~ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه ، وهو قسمان صريح ، ومستنبط . 2 - لا ~~شك أن أكثر الاحاديث قد روى بالمعنى كما هو معلوم واتفق عليه العلماء ، ~~ويدل على ذلك إختلاف رواة الصحاح في ألفاظ الحديث الواحد حتى المختصر منها ~~، وما دخل على بعض الاحاديث من المدرجات وهو ما يدرج في اللفظ المرفوع من ~~كلام الرواة - فعلى هذا كان يروى كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ ، ~~لان هذه أمور يد غيبية وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها (2) . وإذا كان ~~النبي لم يطلعه الله تعالى على ما أطلعه عليه من هذه المغيبات بالتفصيل . ~~وكان يجتهد في بعضها ويقدر ، ويأخذ بالقرائن كما قال النووي وابن الجوزى في ~~تجويزه صلى الله عليه وسلم أن يكون ابن صياد اليهودي المعاصر له هو الدجال ~~المنتظر ، وكذا تجويزه أن يظهر في زمنه وهو حى ms226 ، فهل من الغرابة أن يقع ~~الخلط والتعارض فيما يروى عنه بالمعنى بقدر فهم الرواة . إن العابثين ~~بالاسلام ومحاولى إفساد المسلمين وإزالة ملكهم من زنادقة اليهود والفرس ~~وغيرهم من أهل الابتداع ، وأهل العصبيات العلوية والاموية والعباسية ، وقد ~~وضعوا أحاديث كثيرة افتروها وزادوا في بعض الآثار المروية دسائس دسوها ، ~~وراج كثير منها بإظهار رواتها # --- # (1) ص 504 - 507 ج 9 تفسير القرآن الحكيم . (2) راجع فصل رواية الحديث ~~بالمعنى في هذا الكتاب ص 77 . (*) # --- PageV01P241 [ 242 ] # للصلاح والتقوى ، ولم تعرف بعض الاحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى ~~الله من واضعيها . ولقد كان الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله يقول : إن ~~الاسلام الصحيح هو ما كان عليه أهل الصدر الاول قبل ظهور الفتن - وإن بعض ~~الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مؤمن صادق ، وما كانوا ~~يفرقون في الاداء بين ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ، ~~وما بلغهم عنه بمثل سمعت وحدثني - وأخبرني - ومثل - عن النبي أنه قال - أو ~~قال رسول الله - كما فعل المحدثون من بعد ، عند وضع مصطلح الحديث - وقد ثبت ~~أن الصحابة كان يروى بعضهم عن بعض (1) وعن التابعين حتى عن كعب الاحبار ~~وأمثاله - والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول (2) فلا يخل جهل ~~اسم راو منهم بصحة السند ! وهى قاعدة أغلبية لا مطردة ، فقد كان في عهد ~~النبي منافقون قال تعالى : (9 - 102) " وممن حولكم من الاعراب منافقون . ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم " مردوا عليه ، ~~أحكموه وصقلوه أو صقلوا فيه حتى لم يعد يظهر في سيماهم وفحوى كلامهم ، ~~كالذين قال الله فيهم - منهم (47 - 31) : " ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم ~~بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول " ، ولكن البلية من الرواية عن مثل كعب ~~الاحبار وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس (3) ومعظم التفسير المأثور مأخوذ ~~عنه وعن تلاميذه ، ومنهم المدلسون كقتادة وغيره من كبار المفسرين وكابن ~~جريج (4) . فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية ، أو مخالف لسنن الله ~~تعالى في الخلق ، أو ms227 لاصول الدين . أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها ~~من القضايا اليقينية ، فهو مظنة لما ذكرنا . . فمن صدق رواية مما ذكر - ولم ~~يجد فيها إشكالا فالاصل فيها الصدق ، ومن ارتاب # --- # (1) راجع فصل رواية الصحابة بعضهم عن بعض في هذا الكتاب ص 70 . (2) راجع ~~فصل عدالة الصحابة في هذا الكتاب . (3) وكذلك كان يروى عنه سائر العبادلة ~~وطائفة كبيرة من الصحابة . (4) ابن جريج كان من النصارى . (*) # --- PageV01P242 [ 243 ] # في شئ منها ، أو أورد عليه بعض المرتابين أو المشككين إشكالا في متونها ، ~~فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية ، لاحتمال كونها من دسائس ~~الاسرائيليات ، أو خطأ الرواية بالمعنى ، أو غير ذلك مما أشرنا إليه ، وإذا ~~لم يكن شئ منها ثابتا بالتواتر القطعي فلا يصح أن يجعل شبهة على صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم المعلوم بالقطع ، ولا على غير ذلك من القطعيات . نقلنا ~~هذا الكلام الجامع ليهتدى الناس إلى دراسة الحديث - لا أحاديث أشراط الساعة ~~فحسب ، بل في كل ما روى منسوبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ونختم هذا ~~الفصل بهذه الاحاديث المتناقضة : أحاديث متناقضة ولا يدرى المسلمون ، بأيها ~~يأخذون ! روى البخاري عن عمران بن حصين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: خير أمتى قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم - قال عمران : فلا ~~أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ، ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ~~، ويخونون ، ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن . وعن عبد ~~الله رضى الله عنه أن النبي قال : " خير الناس قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم ~~يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته . وقال ابن حجر العسقلاني ~~: قد سبق في صفة النبي صلى الله عليه وآله قوله : بعثت في خير قرون بنى آدم ~~- وفي رواية بريدة عند أحمد : خبر هذه الامة القرن الذى بعثت فيهم . وقد ~~ظهر أن الذى بين البعثة وآخر من مات من الصحابة 120 سنة أو دونها ، أو ~~فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبى الطفيل ، وإن اعتبر ذلك من بعد ms228 وفاته ~~صلى الله عليه وآله فيكون مائة سنة أو تسعين ، أو سبعا وتسعين ! # --- PageV01P243 [ 244 ] # وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين ، إلى ~~أن قال : واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله ، من عاش ~~حدود العشرين ومائتين ، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا ، وأطلقت ~~المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ! وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق ~~القرآن ! وتغيرت الاحوال تغيرا شديدا (1) ، ولم يزل الامر في نقص إلى الآن ~~، وظهر قوله صلى الله عليه وآله ثم يفشو الكذب ظهورا بينا (2) حتى يشمل ~~الاقوال والافعال والمعتقدات والله المستعان ! ! وقد اقتضى هذا الحديث أن ~~تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين . . وقد ~~احتج ابن عبد البر بحديث : مثل أمتى مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره ~~(3) ، وهو حديث حسن له طرق قد يرتقى بها إلى الصحة . وقد روى ابن أبى شيبة ~~من حديث عبد الرحمن بن جبر قال رسول الله ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم ~~أو خير - ثلاثا ، وروى أبو داود والترمذي من حديث أبى ثعلبة رفعه : يأتي ~~أيام للعامل فيهن أجر خمسين ، قيل : منهم أو منا يا رسول الله ؟ قال : بل ~~منكم . وهو شاهد لحديث ، مثل أمتى مثل المطر - وروى أحمد والدارمى ~~والطبراني من حديث أبى جمعة قال : قال أبو عبيدة يا رسول الله أأحد خير منا ~~! أسلمنا معك وجاهدنا معك ! قال : قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى ~~. وإسناده حسن وقد صححه الحاكم . وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن مقتضى ~~كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة وبذلك ~~صرح القرطبى ، ولكن كلام ابن عبد البر ليس على الاطلاق في حق جميع الصحابة ~~فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية ، ولابن حجر كلام كثير في ~~ذلك يرجع إليه . # --- # (1) ص 4 وما بعدها ج 7 من فتح الباري . (2) كأن الكذب لم يفش إلا في ~~القرن الثالث . . . (3) هذا الحديث رواه الترمذي وأبو يعلى ms229 والدارقطني عن ~~أنس مرفوعا ، وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك ووكذا أبو الحسن القطان في ~~العلل ، وله شاهد عن عمار بن ياسر أخرجه ابن حبان في صحيحه وفي لفظ عند ~~الطبراني الكبير : مثل أمتى كالمطر يجعل الله في أوله خيرا وفي آخره خيرا ، ~~وأخرجه البزار بسند جيد عن عمران بن حصين (وهو راوي الحديث الاول) . (*) # --- PageV01P244 [ 245 ] # ونحن نقول إن قرن النبي صلوات الله عليه وقع فيه من الاحداث الجسام ما ~~وقع مثل فتنة عثمان وما جرت على المسلمين من بلايا ، ومثل ما فعل الامويون ~~في حكمهم من تقويض قاعدة الشورى في الاسلام ! ولا نطيل بذكر ما وقع في هذا ~~القرن مما سجله التاريخ على صفحاته . ومن أجل ذلك نرجح أن الحديث الصحيح ~~الذى يتفق مع روح الرسالة المحمدية هو حديث " مثل أمتى مثل المطر لا يدرى ~~أوله خير أم آخره " . هذا والاحاديث المتناقضة كثيرة تؤلف منها كتب كتابة ~~القرآن رأينا قبل أن نعرض للكلام عن كتابة الحديث ، أن نأتى بفذلكة وجيزة ~~من تأريخ جمع القرآن وكتابته لنبين كيف كانت عناية الرسول صلى الله عليه ~~وآله وكذا صحابته من بعده بكتابة هذا الكتاب العظيم ، وكيف كانوا يبالغون ~~في التدقيق في جمعه وحفظه حتى أوفوا على الغاية من الكمال ، وخرج إلى الناس ~~في أصدق صورة بلغها كتاب على مد الزمن كله ، وبذلك استحق صفة التواتر ~~الصحيح الذى لا يمترى فيه إنسان ، ولا يختلف عليه إثنان . وتلقاه المسلمون ~~جميعا في مشارق الارض ومغاربها على اختلاف مذاهبهم بالثقة التامة واليقين ~~الكامل ، لا يشذ في ذلك منهم أحد . ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد ~~عنى بكتابة الحديث كما عنى بكتابة القرآن وعنى الصحابة من بعده بكتابته ، ~~لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في لفظها ومعناها ، ليس شئ فيها اسمه ~~صحيح ، ولا شئ اسمه حسن ، ولا شئ اسمه ضعيف ، ولا غير ذلك من الاسماء التى ~~اخترعوها مما لم يكن معروفا زمن النبي وصحابته ، وبذلك كان يرتفع الخلاف في ~~حقيقته ، وينحط عن كاهل العلماء أعباء ms230 البحث عن صحته ، ووضع المؤلفات ~~الكثيرة التى صنفت في " علوم الحديث " والبحث عن أحوال الرواة ، من حيث ~~العدالة والضبط والجرح والتعديل وغير ذلك ، وكان فقهاء الدين يسيرون على ~~نهج واحد لا اختلاف بينهم في أصله ولا تباين ، # --- PageV01P245 [ 246 ] # اللهم إلا في الفهم والادراك ، إذ تكون أدلتهم كلها متواترة كالقرآن ~~الكريم فلا يأخذون بما سموه الظن الغالب الذى فتح أبواب الخلاف ومزق صفوف ~~الامة وجعلها مذاهب وفرقا ، مما لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد ~~اليوم قائما . ثم كانت الاحاديث تصبح كذلك من أهم المصادر لعلماء النحو ~~ورجال اللغة والبلاغة . كيف كانت كتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ؟ كان النبي حينما ينزل عليه من القرآن ما ينزل يأمر كتابه بأن ~~يسارعوا إلى كتابته عند النطق به حتى لقد بلغ من حرصه على أدائه كما أوحى ~~إليه ، أن كان يحرك لسانه بما يتلقاه من الوحى حتى لا يتفلت منه شئ ، فقد ~~أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى " لا تحرك به لسانك . ~~. " الآية ، قال : كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك به ~~لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه - يريد أن يحفظه - فأنزل الله : " لا تحرك ~~به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " ويقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ~~ثم نقرأه فإذا قرأناه - إذا أنزلناه عليك " فاتبع قرآنه " فاسمع له وأنصت ، ~~ثم إن علينا بيانه أي تبيينه بلسانك . . . إلخ . وكان النبي يحض صحابته على ~~حفظه وضبطه ، والمداومة بالليل والنهار على تلاوته وكذلك كان يحث على ~~قراءته في الصلاة وفي غير الصلاة وبذلك كثر القراء " الحفاظ " وقد كان ~~بعضهم يكتب ما ينزل " ابتداء من عند أنفسهم أو بأمر النبي " ومنهم من حفظ ~~بعضه ، ومنهم من حفظ أكثره ، ومنهم من حفظه كله وهم قليل . كتاب الوحى : ~~كان كتاب الوحى - كما ذكروا - الخلفاء الاربعة وسعيد بن العاص وغيرهم ، ~~وقالوا كذلك إن أكثرهم كتابة وأشهرهم بينهم كان زيد بن ثابت وإن كان أول من ~~كتب للنبى ms231 بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذى ارتد ، ثم عاد إلى ~~الاسلام يوم الفتح ، وأول من كتب بالمدينة أبى بن كعب وزيد بن ثابت (1) . # --- # (1) كان بين نزول أول القرآن وآخره ، 20 سنة ، أو 23 ، أو 25 ، وهو مبنى ~~على الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة ، فقيل عشر وقيل 13 وقيل 15 ، ~~ولم يختلف في مدة = (*) # --- PageV01P246 [ 247 ] # وفي المواهب الفتحية (1) : إن الزبير بن العوام وجهم بن الصلت كانا ~~يكتبان أموال الصدقة ، وكان حذيفة يكتب خرص النخل ، وكان المغيرة بن شعبة ~~والحصين بن نمير ، يكتبان المداينات والمعاملات . جمع القرآن وسببه : قضى ~~رسول الله ولم يكن القرآن جمع في شئ وذلك أنه كان في الصدور ، وفيما كتب ~~متفرقا ، في عهد النبي ، ولما تولى أبو بكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير ~~من الصحابة - خشى عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة ، فدخل على أبى بكر وقال ~~له : إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار ، وإنى ~~أخشى ألا يشهدوا موطنا إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا وهم حملة القرآن (2) فيضيع ~~القرآن وينسى ، ولو جمعته وكتبته ؟ فنفر منها أبو بكر ، ولما تراجعا أرسل ~~أبو بكر إلى زيد بن ثابت وقال له : إن عمر قد دعاني إلى أمر فأبيت ، وأنت ~~كاتب الوحي فإن تكن معه اتبعتكما ، فنفر زيد كذلك ، وقال : نفعل ما لم يفعل ~~رسول الله ؟ فقال عمر : وما عليكما لو فعلتما ذلك ؟ فشرح الله صدري لذلك ، ~~ورأيت في ذلك ما رأى عمر ، ثم تتبعت القرآن أجمعه من العسب (3) واللخاف ، ~~والاكتاف وقطع # --- # = إقامته بالمدينة أنها عشر سنين - وكان القرآن ينزل بحسب الحاجة ، خمس ~~آيات ، وعشر آيات وأكثر وأقل ، وصح نزول " غير أولى الضرر " وحدها وهى بعض ~~آية - 29 من كتاب التبيان للجزائري . (1) ص 85 ج 2 . (2) مما يلفت النظر ~~البعيد ، ويسترعى العقل الرشيد ، أن عمر لما راعه تهافت الصحابة في حرب ~~اليمامة تهافت الفراش في النار - وفزع إلى أبى بكر لكى يسارع إلى جمع ~~القرآن وكتابته ، لم يقل عنهم إنهم ms232 حملة الحديث ، بل قال إنهم حملة القرآن ~~ولم يطلب جمع الحديث وكتابته ، عندما فزع إلى أبى بكر ، بل جعل همه في جمع ~~القرآن وحده وكتابته ، ولم يقف الامر عند ذلك فحسب ، بل إننا لم نجدهم وهم ~~يجمعون القرآن ويكتبونه - وكان ذلك على عين الصحابة جميعا - قد اقترح واحد ~~منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه ، بل انحصرت عنايتهم جميعا في جمع القرآن ~~فحسب ، وفي ذلك أقوى الادلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر ~~الحديث ، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ ، يبقى على وجه الدهر كالقرآن ~~الكريم . (3) العسب جمع عسيب وهو جريد النخل ، كانوا يكشطون الخوص عنه ~~ويكتبون في الطرف العريض ، واللخاف جمع لخفة بفتح وسكون ، وهى صفائح ~~الحجارة . وهذه الاشياء هي التى كانوا يكتبون فيها عند نزول القرآن . (*) # --- PageV01P247 [ 248 ] # الاديم ، وصدور الرجال (1) . . . وقد اختص أبو بكر زيدا بذلك لانه من ~~كتاب الوحى ، وكان حافظا للقرآن ، وهذا الجمع هو ضم متفرق القرآن من صحف ~~لتكون هذه الصحف في مصحف . تحريهم في جمع القرآن : لما اتفق الرأى على جمع ~~القرآن وتدوينه قام عمر في الناس وقال : من تلقى من رسول الله شيئا من ~~القرآن فليأت به . وقال أبو بكر لعمر وزيد : اقعدا على باب المسجد فمن ~~جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه ، وكان عمر - كما علمت - لا ~~يقبل من أحد حديثا عن رسول الله حتى يشهد شاهدان على أنهما قد تلقياه من ~~النبي ، وعهدوا إلى بلال أن ينادى بأنحاء المدينة ، أن من كان عنده قطعة ~~عليها شئ من كتاب الله فليأت بها إلى الجامع وليسلمها إلى الكتبة . قال أبو ~~شامة وكان غرضهم ألا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدى النبي لا من مجرد ~~الحفظ ، ولذلك قال زيد في آخر سورة التوبة لم أجدها مع غيره - أي لم أجدها ~~مكتوبة مع غيره - لانه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة . وقد روى ابن وهب ~~في موطئه عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله ابن عمر أنه ms233 قال : قد ~~جمع أبو بكر القرآن في قراطيس اه ، وبذلك يكون أبو بكر هو أول من جمع ~~القرآن في الصحف وهذا هو الجمع الاول . هذا ما أمكن نشره هنا في هذا الحيز ~~الضيق من الكلام في موضوع كتابة القرآن الكريم ، ولم نعرض لشئ من التفصيل ~~عما جاء في هذا الامر الخطير الذى تشعبت فيه الرواية ، واختلف فيها كلام ~~الرواة لان ذلك ليس من همنا ، ولا هو من موضوع كتابنا . ومن شاء أن يقف على ~~كل ما قيل في هذا الامر فليرجع إلى كتاب الاتقان للسيوطي ، وكتاب التبيان ~~للجزائري والجزء الاول من " البيان في تفسير القرآن " للعلامة المحقق ~~الكبير السيد أبو القاسم الموسوي الخوئى . وهذا الكتاب وحده كاف في بيان ~~هذا الامر لان مؤلفه الجليل قد درسه درسا # --- # (1) ارجع إلى حديث زيد بن ثابت الذين رواه البخاري في ذلك . (*) # --- PageV01P248 [ 249 ] # وافيا ، وفصل فيه القول تفصيلا بحيث لا تجد مثله في كتاب آخر حتى ليجب ~~على كل مسلم أن يقرأه ليستفيد منه علما ومعرفة . غريبة توجب الحيرة : من ~~أغرب الامور ، ومما يدعو إلى الحيرة أنهم لم يذكروا اسم على رضى الله عنه ~~فيمن عهد إليهم بجمع القرآن وكتابته ، لا في عهد أبى بكر ولا في عهد عثمان ~~! ويذكرون غيره ممن هم أقل منه درجة في العلم والفقه ! فهل كان على لا يحسن ~~شيئا من هذا الامر ؟ أو كان من غير الموثوق بهم ؟ أو ممن لا يصح استشارتهم ~~أو إشراكهم في هذا الامر ؟ اللهم إن العقل والمنطق ليقضيان بأن يكون على ~~أول من يعهد إليه بهذا الامر ، وأعظم من يشارك فيه وذلك بما أتيح له من ~~صفات ومزايا لم تهيأ لغيره من بين الصحابة جميعا - فقد رباه النبي صلى الله ~~عليه وآله على عينه ، وعاش زمنا طويلا تحت كنفه ، وشهد الوحى من أول نزوله ~~إلى يوم انقطاعه ، بحيث لم يند عنه آية من آياته ! ! فإذا لم يدع إلى هذا ~~الامر الخطير فإلى أي شئ يدعى ؟ ! وإذا كانوا قد انتحلوا معاذير ليسوغوا ~~بها تخطيهم ms234 إياه في أمر خلافة أبى بكر فلم يسألوه عنها ولم يستشيروه فيها ، ~~فبأى شئ يعتذرون من عدم دعوته لامر كتابة القرآن ؟ فبماذا نعلل ذلك ؟ ~~وبماذا يحكم القاضى العادل فيه ؟ حقا إن الامر لعجيب وما علينا إلا أن نقول ~~كلمة لا نملك غيرها وهى : لك الله يا على ! ما أنصفوك في شئ ! الجمع الثاني ~~في عهد عثمان : لبثت الصحف التى كتبت في عهد أبى بكر عنده إلى أن قضى نحبه ~~- رضى الله عنه - ثم حفظت عنه عمر مدة ولايته ، وقبل موته دفع بها إلى ~~ابنته حفصة ، وظلت عندها حتى طلبها عثمان ليراجعوا عليها المصحف الذى كتب ~~في عهده . كتابة القرآن في عهد عثمان : ما كاد عمر رضى الله عنه ينقلب إلى ~~ربه ، ويتولى عثمان الخلافة حتى أخذ أمر المسلمين يتحول ، واختلف المسلمون ~~حتى في قراءة القرآن . # --- PageV01P249 [ 250 ] # أخرج ابن أبى داود في المصاحف من طريق أبى قلابة أنه قال : لما كان في ~~خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل ، والمعلم يعلم قراءة الرجل ، ~~فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون ، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين ، حتى كفر ~~بعضهم بعضا ، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال ، أنتم عندي تختلفون فمن نأى عنى من ~~الامصار أشد اختلافا . وروى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على ~~عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمنينة وأذربيجان مع أهل العراق ، ~~فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين : أدرك ~~هذه الامة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى اه . ومما ذكره ~~حذيفة : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم ~~أخذوا القرآن عن " المقداد " ، ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من ~~قراءة غيرهم ، فإنهم قرءوا بقراءة " أبى بن كعب " ورأيت أهل الكوفة يقولون ~~مثل ذلك وأنهم قرءوا على " أبى موسى " ، ويسمون مصحفه " لباب لقلوب " . وفي ~~رواية عمارة بن غزية ذكرها ابن حجر في الفتح (ص 14 ج 9) أن حذيفة قدم من ~~غزوة فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان فقال ms235 : يا أمير المؤمنين أدرك الناس ! ~~قال : وما ذاك ؟ قال غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة " أبى ~~بن كعب " فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ~~عبد الله بن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضا . ولما ~~بلغ كل ذلك عثمان ورأى الامر قد حزب أرسل إلى حفصة (1) ابنة # --- # (1) كانت حفصة رضى الله عنها وصية من قبل أبيها عمر على أوقافه وتركته ، ~~ويبدو أن عمر كان لا يثق بابنه عبد الله فقد روى السيوطي في كتابه تاريخ ~~الخلفاء قال : أخرج النخعي أن رجلا قال لعمر : ألا تخلف عبد الله بن عمر ؟ ~~فقال له : قاتلك الله ! والله ما أردت الله بهذا ! أستخلف رجلا لم يحسن أن ~~يطلق امرأته ؟ (ص 98) وقد ثبت عنه أنه قال : لو كان سالم مولى حذيفة حيا ~~لوليته (ص 123 ج 1 سير أعلام النبلاء) . أما خبر هذا الطلاق الذى أشار إليه ~~عمر فقد رواه البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق إمرأته وهى حائض ~~على عهد رسول الله ، فقال رسول الله مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم ~~تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ، إن شاء طلق قبل أن يمس . فتلك العدة ~~التى أمر الله أن يطلق لها النساء (ص 288 ج 9 فتح الباري) . وقد ذكر ابن ~~دقيق العيدا أن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ مما فعل ابن عمر . (*) # --- PageV01P250 [ 251 ] # عمر أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ، فأرسلت بها ~~حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين ~~الثلاثة : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان ~~قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا ، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد ~~عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف ، مما نسخوا ، وأمر بما ~~سواه من القرآن في ms236 كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . قال الحافظ ابن حجر - وكان ~~ذلك في أواخر سنة 24 وأوائل سنة 25 ه . الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان : ~~قال ابن التين وغيره : الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان ، أن جمع أبى بكر ~~كان لخشية أن يذهب من القرآن شئ بذهاب حملته ، لانه لم يكن مجموعا في موضع ~~واحد ، فجمعه في صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة ، حتى قرءوا ~~بلغاتهم من اتساع اللغات ، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا ، فخشى من تفاقم ~~الامر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره واقتصر من سائر ~~اللغات على لغة قريش ، محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسع في قراءته ~~بلغة غيرهم ، رفعا للحرج والمشقة في ابداء الامر ، فرأى أن الحاجة في ذلك ~~قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة عدد المصاحف التى أرسلها عثمان إلى الآفاق : ~~اختلف في عدة المصاحف التى أمر عثمان بكتابتها ، والمشهور أنها كانت خمسة ، ~~أرسل أربعة منها إلى الآفاق وأمسك عنده واحدا منها . هذه لمعة ضئيلة مما ~~جمعناه في هذا البحث رأينا إيرادها هنا ، ولعل الله يهيئ لنا نشر البحث ~~الطويل الذى أعددناه لكتاب برأسه في هذا الموضوع الجليل لينتفع به المسلمون ~~خاصة ، والمعنيون بالمباحث الاسلامية عامة . # --- PageV01P251 [ 252 ] # وقفة قصيرة : ولا بد لى هنا من أن أقف وقفة قصيرة أستعلن فيها ما عرانى ~~من حيرة فيما أوردوه من أنباء هذا الجمع وما فيها من تناقض كثير . فنبأ ~~يقول : إن عمر هو الذى فزع إلى أبى بكر في هذا الجمع ، وخبر يقول : إن هذا ~~الجمع لم يكن في عهد أبى بكر ، وإنما هو عمر الذى تولاه ، ورواية ثالثة ~~تفيد أن عمر قد قتل قبل أن يكمل هذا الجمع ، وأن عثمان هو الذى أتمه ، وثم ~~روايات أخرى كثيرة تحمل مثل هذا التناقض ، لا نتوسع بإيرادها . ونحن لو ~~أخذنا بالاخبار المشهورة ، التى رواها البخاري ms237 ، وهى التى فزع فيها عمر إلى ~~أبى بكر لكى يجمع القرآن لما رأى القتل قد استحر في وقعة اليمامة وأنه قد ~~قتل فيها من الصحابة مئات وهم ، حملة القرآن ، وإذا استمر الامر على ذلك ~~فإن القرآن يضيع وينسى ! لو نحن أخذنا بهذا النبأ فإنه يتبين منه أن ~~الصحابة وحدهم هم الذين كانوا في هذا العهد يحملون القرآن ، فإذا ما ماتوا ~~أو قتلوا ضاع القرآن ونسى ، وأنه ليس هناك مصدر آخر يحفظ القرآن على مد ~~الزمان إذ كانوا مادته وكانوا كتابه ؟ على حين ذكروا قبل ذلك في أخبار ~~وثيقة يرضى بها العقل ويؤيدها العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب ~~كل ما ينزل عليه من قرآن وقت نزوله على العسب واللخاف وقطع الاديم وغيرها ، ~~وأنه اتخذ لذلك كتابا أحصى التاريخ أسماءهم ، فأين ذهبت هذه النسخة ، التى ~~لا يشك فيها أحد ولا يمترى فيها إنسان ؟ لانها هي التى حفظ الله بها القرآن ~~الكريم في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وفي قوله ~~تعالى " إنا علينا جمعه وقرآنه " . إن هذه النسخة الفريدة التى تحمل الصورة ~~الصحيحة للقرآن التى ستبقى على وجه الزمن خالدة لو كانت موجودة لاغنتهم عما ~~وجدوه في سبيل عملهم من عناء ، ولا صبحت هي المرجع الاول للقرآن في كل عصر ~~ومصر والتى كان يجب على عثمان أن يراجع عليها مصاحفه التى كتبها قبل أن ~~يوزعها على الامصار . # --- PageV01P252 [ 253 ] # تعقيب لا بد منه : وإذا كانوا - كما قلنا - قد أوفوا على الغاية من ~~التحقيق في كتابة القرآن الكريم وحفظه حتى لا يستطيع أحد أن يمارى في ذلك ، ~~أو يحيك بصدره شئ من الريب فيه ، فقد قامت حول هذا الامر الخطير أمور سموها ~~مشكلات نرى من الواجب أن نشير إلى بعضها حتى لا يأخذ علينا أحد أننا قد ~~أغفلنا شيئا مما يجب أن يعلمه قراء كتابنا عن الرواية وما جنت ، وهو ما ~~يتصل بموضوعنا " وفي كل واد أثر من ثعلبة " ! قال العلامة طاهر الجزائري في ~~كتابه " التبيان " (1) وهو ms238 يتكلم عن وجوب تواتر القرآن وما ورد على ذلك من ~~مشكلات : وهنا مشكلات ترد على أصل وجوب تواتر القرآن نذكرها مع الجواب عنها ~~: المشكل الاول : نقل عن ابن مسعود أنه كان ينكر سورة الفاتحة والمعوذتين ~~من القرآن وقد أنكر صحة النقل عنه كثير من العلماء ، قال النووي في شرح ~~المهذب : أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد ~~شيئا منها كفر ، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح . وقال ابن حزم في ~~كتاب القدح المعلى تتميم المحلى : هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنما صح ~~عنه قراءة عاصم عن زر عنه ، وفيها المعوذتان والفاتحة . وقال ابن حجر في ~~شرح البخاري : قد صح عن ابن مسعود إنكار ذلك فأخرج أحمد وابن حبان عنه أنه ~~كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه - وبعد أن أورد كل الروايات التى جاءت في ~~أن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من مصاحفه قال (ابن حجر) : فقول من قال إنه ~~كذب عليه مردود ، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ! ! وقال ~~ابن قتيبة في مشكل القرآن : ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن # --- # (1) ص 96 - 101 ، وكتاب التبيان هو مهذب كتاب الاتقان للسيوطي . (*) # --- PageV01P253 [ 254 ] # لانه رأى النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهما الحسن والحسين فأقام على ~~ظنه ، ولا نقول إنه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والانصار - وأما إسقاطه ~~الفاتحة من مصحفه فليس لظنه أنها ليست من القرآن ، معاذ الله ! ولكنه ذهب ~~إلى أن القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان ، والزيادة ~~والنقصان ، ورأى أن ذلك مأمون في سورة الحمد لقصرها ووجوب تعلمها على كل ~~أحد . . . ومما يشاكل ما نقل عن ابن مسعود ، ما نقل عن أبى بن كعب ، أنه ~~كتب في مصحفه سورتين تسميان سورتي الخلع والحقد ، كان يقنت بهما وهما : ~~اللهم إنا نستعينك ، ونستغفرك ونثنى عليك الخير ولا نكفرك ، ونخلع ونترك من ~~يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نخشى عذابك ~~ونرجو رحمتك إن عذابك ms239 بالكفار ملحق . وقد تعرض القاضى لذكر ذلك في الانتصار ~~فقال : إن كلام القنوت المروى أن أبى بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم الحجة ~~بأنه قرآن منزل بل هو ضرب من الدعاء ، وإنه لو كان قرآنا لنقل نقل القرآن ~~وحصل العلم بصحته ، وإنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم نسخ ~~وأبيح الدعاء به وخلط بكلام ليس بقرآن - ولم يصح ذلك عنه - وإنما روى عنه ~~أنه أثبته في مصحفه ، وقد أثبت في مصحفه ما ليس بقرآن من دعاء وتأويل . ~~المشكل الثاني : نقل عن زيد بن ثابت أنه قال في أثناء ذكره لحديث جمع ~~القرآن في المصحف - وهو الجمع الاول - وكان ذلك في عهد أبى بكر الصديق : ~~فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والاكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت ~~من سورة التوبة آيتين مع أبى خزيمة الانصاري ، لم أجدهما مع أحد غيره " لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم . . . " إلى آخرها ، ~~ونقل عنه أنه قال : لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الاحزاب ~~، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع ~~خزيمة الانصاري الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين ~~: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " ، وقد وقع هذا الجمع ~~الثاني ، وكان ذلك في عهد عثمان ، وقدا ختلف # --- PageV01P254 [ 255 ] # المتكلمون في ذلك ، فقال بعضهم : إن هذا الخبر وإن كان مخرجا في الصحيحين ~~، غير صحيح ، لاقتضائه أن الآيات الثلاث المذكورة قد ثبتت بغير طريق ~~التواتر ، وهو خلاف ما يقتضيه الدليل المذكور ، وقال بعضهم : ليس في الخبر ~~المذكور ما يقتضي ثبوت الآيات المذكورة بغير طريق التواتر ، لاحتمال أن ~~يكون زيد قد أراد بقوله : لم أجدها مع غير فلان : لم أجدها مكتوبة عند غيره ~~، وهو لا يقتضى أنه لم يجدها محفوظة عند غيره . . وقال بعضهم : إن الدليل ~~المذكور إنما يتقضى كون القرآن قد نقل على وجه يفيد العلم - وإفادة العلم ~~قد تكون بغير ms240 طريق التواتر ، فإن في أخبار الآحاد ما يفيد العلم ، وهى ~~الاخبار التى احتفت بها قرائن توجب ذلك - وعلى هذا فنحن لا نستبعد أن يكون ~~في القرآن ما نقل على هذا الوجه ، وذلك كالآيات الثلاث المذكورة ، إذ ~~المطلوب حصول العلم على أي وجه كان ، وقد حصل بهذا الوجه . وهذا القول في ~~غاية القوة والمتانة ، ولا يرد عليه شئ مما يرد على من أفرط في هذا الامر ~~أو فرط عليه . المشكل الثالث : روى البخاري عن قتادة أنه قال : سألت أنس بن ~~مالك ، من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أربعة ~~كلهم من الانصار ، أبى بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ~~قلت : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي ، وروى من طريق ثابت عن أنس أنه قال : ~~مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ، ~~ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . وفيه مخالفة لحديث قتادة من ~~وجهين : التصريح بصيغة الحصر في الاربعة ، والآخر ذكر أبا الدرداء بدل أبى ~~بن كعب ، وقد استنكر جماعة من الائمة الحصر في الاربعة . وقال المازرى : لا ~~يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم ، أن يكون الواقع في نفس الامر كذلك ، لان ~~التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه ، وإلا فكيف الاحاطة بذلك مع كثرة ~~الصحابة وتفرقهم في البلاد ، وهذا لايتم إلا إن كان لقى كل واحد منهم على ~~انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع # --- PageV01P255 [ 256 ] # القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهذا في غاية البعد في العادة ، ~~وإذا كان المرجع إلى ما في علمه ، لم يلزم أن يكون الواقع كذلك . . وأخرج ~~النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال : جمعت القرآن فقرأت به كل ~~ليلة (1) فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأه في شهر الحديث . ~~وأخرج ابن أبى داود بسند حسن عن محمد بن كعب القرظى قال : جمع القرآن على ~~عهد رسول الله صلى الله ms241 عليه وسلم خمسة من الانصار ، معاذ بن جبل ، وعبادة ~~ابن الصامت ، وأبى بن كعب ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الانصاري . وقد اعترض ~~الاسماعيلي على إخراج حديثى أنس معا في الصحيح مع اختلافهما فقال : هذان ~~الحديثان مختلفان ، ولا يجوز أن يكونا في الصحيح مع تباينهما ، بل الصحيح ~~أحدهما . وجزم البيهقى بأن ذكر أبى الدرداء وهم والصواب أبى بن كعب ، وقال ~~الداودى لا أرى ذكر أبى الدرداء محفوظا ، والصحيح هو الرواية الاولى ، وأما ~~الرواية الثانية فالظاهر أن بعض الرواة " رواها بالمعنى " فزاد فيها الحصر ~~لتوهمه أنه مراد وذهل في ذكر الاسماء ، فأبدل اسم أبى بن كعب باسم أبى ~~الدرداء ! ومن أمعن النظر في أمر الرواية بالمعنى - لم يستبعد ذلك . اه ما ~~نقلناه من كتاب التبيان . ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو ~~أخطر من ذلك حتى زعمت أن في القرآن نقصا ولحنا وغير ذلك مما أورد في كتب ~~السنة ، ولو شئنا أن نأتى به كله لطال الكلام - ولكنا نكتفي بمثالين مما ~~قالوه في نقص القرآن ، ولم نأت بهما من كتب السنة العامة بل مما حمله ~~الصحيحان ، ورواه الشيخان البخاري ومسلم . أخرج البخاري وغيره عن عمر بن ~~الخطاب أنه قال - وهو على المنبر : إن الله بعث محمدا بالحق نبيا وأنزل ~~عليه الكتاب فكان مما أنزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها . رجم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن ~~يقول قائل : ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله # --- # (1) هل هذا ممكن ؟ إن الشك ليبدو على هذا الخبر . (*) # --- PageV01P256 [ 257 ] # - والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم ~~إنا كنا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ~~أن ترغبوا عن آبائكم . وأخرج مسلم عن أبى الاسود عن أبيه قال : بعث أبو ~~موسى الاشعري ، إلى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلثمائة رجل قد قرءوا القرآن ~~فقال : أنتم خيار أهل البصرة ms242 وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم ~~كما قست قلوب من كان قبلكم - وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول ~~والشدة ببراءة فأنسيتها ، غير أنى قد حفظت منها " لو كان لابن آدم واديان ~~من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب " ، وكنا نقرأ ~~سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنى حفظت منها " يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها ~~يوم القيامة " . نجتزئ بما أوردنا وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتى ~~في الكتاب الاول للمسلمين وهو القرآن الكريم ! ولا ندرى كيف تذهب هذه ~~الروايات التى تفصح بأن القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله ~~سبحانه " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وأيهما نصدق ؟ ! اللهم إن ~~هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الالباب . أضواء على السنة # --- PageV01P257 [ 258 ] # تدوين الحديث (1) كيف نشأ تدوين الحديث : عندما شرعوا في تدوين الحديث ~~دونوه على الهيئة التى وصل بها إليهم ، فجمع كل منهم ما جمع مما رواه ~~الرواة بالاسانيد التى رووه بها ، وبعد ذلك بحثوا عن أحوال هؤلاء الرواة ~~لكى يعرفوا من تقبل روايته ومن ترد . وعلى أنهم قد بذلوا في هذه السبيل ما ~~بذلوا ، لكنهم لم يصلوا إلى الغرض المرجو منه ولا بلغوا مستقر اليقين الذى ~~تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب من أن ما دونوه هو نفس ما نطق النبي به ~~بحيث لا يدنو منه شك ، أو يعروه شبهة . وأنى لهم أن ينفذوا إلى دخائل ~~النفوس وبواطنها حتى يطلعوا على حقيقتها ؟ ومن أجل ذلك جاءت كتبهم (كلها) ~~وليس فيها مما جاء عن رسول الله - حديث يعتبر متواترا ، بل نجدها قد جمعت ~~بين ما هو صحيح في نظر الرواة وما هو موضوع لا أصل له ، ولا يخلو من ذلك ~~كتاب حتى التى سموها الصحاح وهى البخاري ومسلم لانها لم تسلم من سهام النقد ~~التى وجهها إلى كتب الحديث أئمة الحديث وعلماء الاصول وعلم الكلام . ~~وسيتبين ms243 لك كل ذلك فيما سيقابلك في مواضيعه من هذا الكتاب . وقد رأيت فيما ~~تقدم من الفصل السابق أن الصحابة في عهد أبى بكر قد جمعوا القرآن في موضع ~~واحد ، مما كان قد كتب في حياة الرسول صلوات الله عليه ، وما حفظ في الصدور ~~، وأنهم قد عنوا بذلك عناية فائقة ، أما أحاديث الرسول فإنهم لم يكتبوها ~~ولم يجمعوها لانها لم تكتب في عهد النبي كما كتب القرآن ، إذ كان # --- # (1) التدوين هو تقييد المتفرق المثبت وجمعه في ديوان أي في كتاب تجمع فيه ~~الصحف فيضم الشمل ويحفظ من الضياع ، وهو أوسع من التقييد بمعناه المحدود . ~~في تاج العروس دونه تدوينا جمعه ، وقال نقلا عن الفيروز ابادى : الديوان ~~مجمع الصحف . والتصنيف أدق من التدوين فهو ترتيب ما دون في فصول محدودة ، ~~وأبواب متميزة . قال في تاج العروس - وصنفه تصنيفا جعله أصنافا وميز بعضها ~~عن بعض ، وقال الزمشخرى ومنه تصنيف الكتاب . (*) # --- PageV01P258 [ 259 ] # النبي قد نهى عن كتابتها ، وكانت صدورهم ، هي التى تحملها ، ومن أجل ذلك ~~كانوا ينشرونها بالرواية ، إما بنفس الالفاظ التى سمعوها من النبي - إن ~~بقيت في أذهانهم وهذا نادر جدا - وإن وقع ذلك ففى بعض الاحاديث القصيرة ، ~~أو - بما يؤدى معناها إذا غابت عنهم ، وهذا كان غالب أمرهم ، ولم يروا حرجا ~~من ذلك " لان المقصود من الحديث عندهم - كما قالوا - هو المعنى ولا يتعلق ~~في الغالب حكم بالمبنى " بخلاف القرآن فإن لالفاظه مدخلا في الاعجاز ، فلا ~~يجوز إبدال لفظ بلفظ آخر ، ولو كان مرادفا له خشية النسيان مع طول الزمان ، ~~فوجب أن يقيد بالكتابة ولا يكتفى بالحفظ - وإعجازه قائم ولا جرم على تأليف ~~ألفاظه . قال الامام الخطابى في كتابه إعجاز القرآن : إنما يقوم الكلام ~~بهذه الاشياء الثلاثة : لفظ حاصل ، ومعنى قائم ، ورباط لهما ناظم . وقال ~~الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلى في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما لم ~~يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن ، ~~لان السنن انتشرت وخفى محفوظها من مدخولها ، فوكل ms244 أهلها في نقلها إلى حفظهم ~~ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة ~~والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذى أعجز الخلق عن الاتيان بمثله ~~، فكانوا في الذى جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفي حروف السنن ونقل نظم ~~الكلام نصا مختلفين ، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه (1) . وقد ظل الامر في ~~رواية الحديث على ما ذكرنا ، تفعل فيه الذاكرة ما تفعل ، لا يكتب ولا يدون ~~طوال عهد الصحابة وصدرا كبيرا من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين - على ما ~~قالوا - في آخر عهد التابعين (2) قال الهروي (3) : لم يكن الصحابة ولا ~~التابعون يكتبون الاحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها # --- # (1) ص 48 و49 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . (2) آخر عصر التابعين ~~هو حدود الخمسين ومائة . والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة 300 ~~ه . (3) ص 7 ج 1 إرشاد السارى شرح القسطلانى وص 10 ج 1 شرح الزروقانى على ~~الموطأ . (*) # --- PageV01P259 [ 260 ] # حفظا ، إلا كتاب الصدقات والشئ اليسير الذى يقف عليه الباحث بعد ~~الاستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، أمر عمر بن عبد ~~العزيز أبا بكر الحزمى (1) ، فيما كتب إليه : انظر ما كان من سنة أو حديث ~~فاكتبه . وقال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن : أن عمر بن عبد العزيز ~~كتب إلى أبى بكر بن حزم : أن انظر ما كان من حديث رسول الله ، أو سننه ~~فاكتبه لى فإنى حفت دروس العلم وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب له ما عند ~~عمرة بنت عبد الرحمن الانصارية - وكانت تلميذة عائشة رضى الله عنها - ~~والقاسم ابن محمد بن أبى بكر . أما أمر عمر بن عبد العزيز فقد كان على رأس ~~المائة الاولى (2) . ويبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز انصرف ~~ابن حزم عن كتابة الحديث ، وبخاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى ~~بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 ، ه وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبى ~~بكر وفترت حركة ms245 التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سنة 105 ه فجد في ~~هذا الامر ابن شهاب الزهري (3) ، بل قالوا إنه أكرهه على تدوين الحديث ~~لانهم كانوا يكرهون كتابته - كما سيتبين لك بعد - ولكن لم تلبث هذه ~~الكراهية أن صارت رضا ولم يلبث ابن شهاب أن صار حظيا عند هشام فحج معه ~~وجعله " معلم أولاده " إلى أن توفى قبل هشام بسنة ، وتوفى هشام سنة 125 ه ، ~~وبموته تزعزع ملك بنى أمية ودب فيه الاضطراب . # --- # (1) أبو بكر بن محمد الانصاري ، لجده صحبة وهو تابعي فقيه ، استعمله عمر ~~بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها ، قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة ~~عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر بن حزم . مات سنة 120 ه . (2) تولى ~~عمر بن عبد العزيز سنة 99 ه ومات سنة 101 ه . لعدله بلسم ، وإليك كلمة ~~بليغة للجاحظ في هذا الامام العادل . قال في كتاب فضل هاشم على عبد شمس : ~~والذى حسن أمره - يريد عمر بن عبد العزيز - وشبه على الاغبياء حاله ، أنه ~~قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسنن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما ~~عاينوا منه ألفوه عليه فجعلوه لما نقص من تلك الامور الفظيعة في عداد ~~الائمة الراشدين - ص 91 من رسائل الجاحظ جمع السندوبى ، وص 204 من كتاب ~~تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية للعلامة مصطفى عبد الرازق . (3) هو محمد بن ~~مسلم بن شهاب الزهري أحد الائمة توفى سنة 124 ه . (*) # --- PageV01P260 [ 261 ] # ثم شاع التدوين في الطبقة التى تلى طبقة الزهري ، وكان ذلك بتشجيع ~~العباسيين . وقد اعتبر ابن شهاب الزهري أول من دون الحديث ، ولعل سبب ذلك ~~أخذ بنى أمية عنه - وجاء في تذكرة الحفاظ : أن خالد بن معدان الحمصى لقى 70 ~~صحابيا . وكان يكتب الحديث وله مصنفات ، ولكن لم يأت لهذه المصنفات ذكر في ~~كتب الحديث ، ومات ابن معدان سنة 104 ه . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة ms246 فتح ~~الباري ، بعد أن بين أن آثار النبي لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة ~~في الجوامع ولا مرتبة لانهم نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم : " ثم حدث ~~في أواخر التابعين تدوين الآثار وتبويب الاخبار ، لما انتشر العلماء في ~~الامصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض . . . إلخ . وروى البخاري ~~والترمذي عن أبى هريرة أنه قال : ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد ~~أكثر حديثا منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب ~~(1) ، والمحدثون لا يعدون ما يوجد في صحيفة محدث أو عالم رواية صحيحة عنه ~~إلا إن حدث أنه سمعها من صحابها ويسمونها " الوجادة " . وقال العلامة الشيخ ~~مصطفى عبد الرازق : " مما أكد الحاجة لتدوين السنن شيوع رواية الحديث وقلة ~~الثقة ببعض الرواة وظهور الكذب في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لاسباب سياسية أو مذهبية - أما أول تدوين للسنن بالمعنى الحقيقي فيقع ما ~~بين سنة 120 ه وسنة 150 ه (2) . لم يدونوا الحديث إلا مكرهين : لما أمروا ~~بتدوين الحديث لم يستجيبوا للامر إلا مكرهين ، ذلك بأنهم كانوا يتحرجون من ~~كتابته بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم # --- # (1) ذكر البغدادي أن ما دونه عبد الله بن عمرو في صحيفته التى يسميها " ~~الصادقة " وكان يحرص عليها حرصه على نفسه إنما كانت أدعية وصلوات كان يرجع ~~إليها . يرجع إلى كتاب " شيخ المضيرة " لمعرفة ما في هذه الصحيفة . (2) ص ~~195 و198 من كتاب " تمهيد لتاريخ الفلسفة الاسلامية " . (*) # --- PageV01P261 [ 262 ] # تدوينه ، فقد حدث معمر عن الزهري قال : كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا ~~عليه (1) هؤلاء الامراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين (2) . وقال ~~الزهري كذلك : استكتبني الملوك فأكتبتهم فاستحييت الله إذ كتبها الملوك ألا ~~أكتبها لغيرهم (3) . وذلك لان المسلمين كان همهم في أول الاسلام مقصورا على ~~كتابة القرآن ، أما الحديث فقد كانوا يتناقلونه من طريق الرواية معتمدين في ~~ذلك على ذاكرتهم . لم يعتبروا التدوين في عصر بنى أمية تدوينا منسقا ms247 : لم ~~يعتبر العلماء عصر بنى أمية عصر تصنيف منسق ، لانهم لم يجدوا من آثار هذا ~~العصر كتبا جامعة مبوبة ، وإنما وجدوا أن ما صنعوه إنما كان في مجموعات لا ~~تحمل علما واحدا ، وإنما كانت تضم الحديث والفقه والنحو واللغة والخبر وما ~~إلى ذلك . قال الاستاذ العالم أحمد السكندرى في كتابه تاريخ آداب اللغة ~~العربية (4) : انقضى عصر بنى أمية ولم يدون فيه غير قواعد النحو وبعض ~~الاحاديث وأقوال فقهاء الصحابة في التفسير ، ويروى أن خالد بن يزيد (5) وضع ~~كتبا في الفلك والكيمياء وأن معاوية استقدم عبيد بن سارية (6) من صنعاء ~~فكتب له كتاب # --- # (1) قال أبو المليح : كان هشام هو الذى أكره الزهري على كتاب الحديث فكان ~~الناس يكتبون بعد ذلك ، ورواية ابن سعد في الطبقات " فرأينا ألا يمنعه أحد ~~من المسلمين " - ص 135 ج 2 ق / 2 . (2) ص 107 من تقييد العلم للخطيب ~~البغدادي . (3) ص 77 ج 1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر . (4) ص 72 . ~~(5) ذكروا أن خالد بن يزيد بن معاوية ترجم كتب الفلاسفة والنجوم والكيمياء ~~والطب والحروب وغيرها وكانت الترجمة أحيانا من لغة يونان إلى العبرانية ومن ~~العبرانية ، إلى السريانية ، ومن السريانية إلى العربية ، وهو أول من جمعت ~~له الكتب وجعلها في خزانة - توفى سنة 85 ه . (6) عبيد بن سارية وفي رواية ~~شرية الجرهمى ، استحضره معاوية من اليمن إلى الشام ليسأله عن أخبار ملوك ~~العرب والعجم ، وأمر أن يدون ما يقول وينسب إليه ، فكان ذلك أول التدوين في ~~التاريخ " الفهرست " لابن النديم طبعة ليبسك - ص 89 . وقال الجاحظ في ~~البخلاء إنه كان لا يعرف إلا ظاهر اللفظ أي أنه كان راوية فقط . (*) # --- PageV01P262 [ 263 ] # " الملوك والاخبار الماضية " وأن وهب بن منبه والزهرى وموسى بن عقبة ~~كتبوا في ذلك أيضا كتبا ، ولكن ذلك لم يقنع الباحثين في تاريخ العلوم ~~وتصنيفها أن يعتبروا عصر بنى أمية عصر تصنيف ، إذ لم تتم فيه كتب جامعة ~~حافلة مبوبة مفصلة وإنما كان كل ذلك مجموعات تدون حسب ورودها واتفاق ~~روايتها اه (1) . وقال الغزالي ms248 في الاحياء : بل الكتب والتصانيف محدثة لم ~~يكن شئ منهما في زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدث بعد سنة 120 ه وبعد ~~وفاة جميع الصحابة وجلة التابعين رضى الله عنهم ، وبعد وفاة سعيد بن المسيب ~~(توفى سنة 105 ه) والحسن (توفى سنة 110 ه) وخيار التابعين ، بل كان الاولون ~~يكرهون كتب الحديث ، وتصنيف الكتب ، لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن ~~القرآن وعن التدبر والتذكر ، وقالوا : احفظوا كما كنا نحفظ . . . (2) والذى ~~يخلص من ذلك كله أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بنى أمية وكان ~~على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير أن تقسم على أبواب وفصول ~~، ولعل هذا التدوين كان يجرى على نمط ما كان يدرس في مجالس العلم في زمنهم ~~- إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم ، وإنما كان المجلس الواحد يشتمل على ~~علوم متعددة ، قال عطاء (3) ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس ، ولا ~~أكثر فقها ولا أعظم هيبة ، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب العربية يسألونه ، ~~وأصحاب الشعر يسألونه ، فكلهم يصدر من واد فسيح ، وقال عمر بن دينار : ما ~~رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلسه (ابن عباس) الحلال والحرام وتفسير القرآن ~~والعربية والشعر . وهذا هو الطور الاول من التدوين ولم يصل إلينا منه أي كتاب . # --- # (1) ص 72 من تاريخ آداب اللغة العربية للسكندرى . (2) ص 79 ج 1 من طبعة ~~بولاق سنة 1296 ه . (3) عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه أنه قال ، كنا ~~نكتب الحلال والحرام وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع - ص 73 ج 1 جامع بيان ~~العلم . (*) # --- PageV01P263 [ 264 ] # التدوين في العصر العباسي وقال السكندرى : هب العلماء في العصر العباسي ~~إلى تهذيب ما كتب في الصحف وتدوين ما حفظ في الصدور ، ورتبوه وبوبوه وصنفوه ~~كتبا ، وكان من أقوى الاسباب في إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصر حث ~~الخليفة أبى جعفر المنصور (1) عليه وحمله الائمة الفقهاء على جمع الحديث ، ~~والفقه ، وأنه قد بذل - على بخله - في هذا السبيل ms249 أموالا طائلة ، وذكروا أن ~~عنايته بالعلم لم تقف عند تعضيد العلوم الاسلامية ، بل إنه حمل العلماء ~~والمترجمين من السريان والفرس أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية ~~واليونانية علوم الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق ~~وغيرها (2) . فكان بذلك أول حاكم ترجمت له الكتب من اللغات الاخرى إلى ~~العربية ، على أن عنايته بالحديث وجمعه وتدوينه كانت فائقة ، حتى لقد قيل ~~له : هل بقى من لذات الدنيا شئ لم تنله ؟ فقال : بقيت خصلة ، أن أقعد في ~~مصطبة وحولي أصحاب الحديث . وهو الذى أشار على مالك بن أنس أن يضع كتاب " ~~الموطأ " في بعض الروايات . وقال الصولى : كان المنصور أعلم الناس بالحديث ~~والانساب . ولا عجب في أن يكثر رجال الحديث في عهد المنصور ولا في أن يشتد ~~العلماء في طلب آثار الرسول وفي أن يرغبوا في جمعها وتدوينها ، وقد قال عمر ~~بن عبد العزيز إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها ، فإن كان ~~برا أتوه ببرهم ، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم (3) ، قال ابن تغرى بردى في ~~حوادث 143 ما يلى : قال الذهبي : وفي هذا العصر (سنة 143 ه) شرع علماء ~~الاسلام في تدوين الحديث # --- # (1) كان أبو جعفر أول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والاعجمية بالعربية ~~، وأول من أوقع الفرقة بين بنى العباس والعلويين ، بعد أن كان أمرهم واحدا ~~- تولى سنة 136 ه ومات سنة 158 ه . (2) ص 72 من كتاب تاريخ آداب اللغة ~~العربية للسكندرى . (3) هناك رواية أخرى ، أن أبا حازم الاعرج قال لسليمان ~~بن عبد الملك : إنما السلطان سوق فما ينفق عنده حمل إليه . (*) # --- PageV01P264 [ 265 ] # والفقه والتفسير فصنف ابن جريح (1) التصانيف بمكة (مات سنة 150 ه) ، وصنف ~~سعيد بن أبى عروبة (مات سنة 156) وحماد بن سلمة (مات سنة 167) وغيرهما ~~بالبصرة ، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأى بالكوفة (مات سنة 150) ، وصنف ~~الاوزاعي بالشام (مات سنة 156 أو 157) ، وصنف مالك الموطأ بالمدينة (مات ~~سنة 179) وصنف ابن إسحاق المغازى (مات سنة 151) ، وصنف معمر باليمن (مات ~~سنة 153) وصنف سفيان الثوري كتاب الجامع بالكوفة (مات سنة ms250 161) ثم بعد يسير ~~صنف هشام (2) كتبه (مات سنة 188) وصنف الليث بن سعد (سنة 175) وعبد الله بن ~~لهيعة (سنة 174) ثم ابن المبارك (سنة 181) والقاضى أبو يوسف يعقوب (سنة ~~182) وابن وهب (سنة 197) وكثر تبويب العلم وتدوينه ورتبت ودونت كتب العربية ~~واللغة والتاريخ وأيام الناس ، وقبل هذا العصر كان سائر العلماء - وفي ~~رواية (كان الائمة) - يتكلمون عن حفظهم ويروون العلم عن صحف غير مرتبة . اه ~~كلام الذهبي (3) . ولانهم في عصر واحد فإنه لا يعلم على التحقيق أيهم كان ~~الاسبق بالتدوين ، فبعضهم قال : إن أول من صنف سعيد بن أبى عروبة . وبعضهم ~~قال : ابن جريج ، وبعضهم قال : الربيع بن صبيح وبعضهم قال : حماد بن سلمة ، ~~وقال ابن حجر : أول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبى عروبة - إلى أن ~~قام كبار الطبقة (4) الثالثة فدونوا الاحكام ، فصنف مالك الموطأ وتوخى فيه ~~القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم ~~. وقال الحافظان ابن حجر والعراقي : وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم ~~أسبق ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض ~~الائمة منهم أن يفرد حديث النبي خاصة ، وذلك على رأس المائتين ، ولم يصل ~~إلينا من هذه المجموعات إلا موطأ مالك ، ووصف لبعض المجموعات الاخرى ، وكذلك # --- # (1) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي . (2) هو هشيم وكان بواسط ~~. (3) ص 351 ج 1 من النجوم الزاهرة وص 101 تاريخ الخلفاء للسيوطي . (4) ~~الطبقة في اصطلاح المحدثين عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ . (*) # --- PageV01P265 [ 266 ] # كان التدوين في هذا العصر يمزج الحديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ~~ومن بعدهم كما قال ابن حجر ، وظل على ذلك إلى تمام المائتين . وهذا هو ~~الطور الثاني من أطوار التدوين . التدوين بعد المائتين : أخذت طريقة تدوين ~~الحديث بعد المائتين صورة أخرى ، ذلك أن يفرد حديث النبي خاصة بالتدوين ، ~~بعد أن كان مشوبا بغيره مما ليس بحديث ، فصنف عبيدالله بن موسى العبسى ~~الكوفي (213) مسندا ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري (228) مسندا ms251 ، وصنف ~~الحميدى (219) مسندا وغيرهم . واقتفى الائمة بعد ذلك أثرهم كالامام أحمد ~~(241) وإسحاق بن راهويه (237) وغيرهما ، ولئن كانت هذه المسانيد قد أفردت ~~الحديث وحده بالتدوين ولم تخلط به غيره من أقوال الصحابة ولا غيرهم - إنها ~~كانت تجمع بين الصحيح وغير الصحيح . مما كان يحمله سيل الرواية في هذا ~~الزمن من الاحاديث ، إذ لم يكن قد عرف إلى هذا العصر تقسيم الحديث إلى ما ~~تعارفوا عليه من صحيح وحسن وضعيف ولذلك كانت هذه المسانيد دون كتب السنن في ~~المرتبة ولا يسوغ الاحتجاج بها مطلقا ، وسنتكلم عن هذه المسانيد فيما بعد ~~وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة . وقد استمر التدوين على هذا النمط ~~إلى أن ظهرت طبقة البخاري . ومن ثم أخذ صورة أخرى ودخل في دور جديد ، هو ~~دور التنقيح والاختيار . قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : لما رأى ~~البخاري هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها واستجلى محياها وجدها بحسب ~~الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله ~~التضعيف (1) فلا يقال لغة سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذى لا ~~يرتاب فيه أمين ، وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في ~~الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه . . قال أبو ~~عبد الله بن إسماعيل البخاري : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم # --- # (1) بل الوضع كما سيتبين لك . (*) # --- PageV01P266 [ 267 ] # كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال فوقع ذلك في ~~قلبى فأخذت في جمع الجامع الصحيح (1) . الاطوار التى تقلب فيها التدوين : ~~تبين لك فيما تقدم أن أحاديث رسول الله صلوات الله عليه لم تدون في حياته ~~ولا في عصر الصحابة وكبار تابعيهم ، وأن التدوين لم ينشأ إلا في القرن ~~الثاني للهجرة في أواخر عهد بنى أمية ، وأنه لم يتخذ طريقا واحدا بل تقلب ~~في أطوار مختلفة . فكان في أول أمره جمعا من رواية الرواة مما وعت الذاكرة ~~من أحاديث رسول الله ، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مبوب ، وكانت ms252 ~~هذه الصحف تضم مع الحديث فقها ونحوا ولغة وشعرا وما إلى ذلك ، مما تقضى به ~~طفولة التدوين ، وهذا هو " الطور الاول " من التدوين ولم يصل إلينا منه شئ ~~في كتاب خاص جامع ثم أخذ التدوين " طوره الثاني " في عصر العباسيين فهذب ~~العلماء - بما اقتبسوا من مدينة فارس - ما في هذه الصحف ورتبوه ، بعد أن ~~ضموا إليه ما زادته الرواية في هذا العصر ، وصنفوا من كل ذلك كتبا كسروها ~~على الحديث وما يتصل به من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين ولم يدخلوا فيها ~~أدبا ولا شعرا . وكان كثير من المتقدمين يطلقون اسم الحديث على ما يشمل ~~آثار الصحابة والتابعين ، وأخذ التدوين هذا النمط تبعا لارتقاء التأليف في ~~العصر العباسي ، وتميزت العلوم بعضها من بعض وجمعت مسائل كل علم على حدة ، ~~وظل التأليف يجرى على هذا السنن إلى آخر المائة الثانية ولم يصل إلينا من ~~الكتب المبوبة في هذا الطور إلا موطأ مالك رحمه الله . وبعد المائة الثانية ~~أخذ التدوين يسير في طريق أخرى دخل بها في " الطور الثالث " فأنشأ العلماء ~~يفردون كل ما روى من الاحاديث في عهدهم بالتدوين بعد أن كان من قبل مشوبا ~~بأقوال الصحابة وغيرهم - كما بينا - وصنفت في ذلك مسانيد كثيرة أشهرها مسند ~~أحمد وهو لا يزال موجودا بيننا ، وسنتحدث عنه عند # --- # (1) ص 4 من مقدمة فتح الباري لابن حجر . (*) # --- PageV01P267 [ 268 ] # الكلام على كتب الحديث ونبين منزلته من الصحة وقيمته بينها . والمسند - ~~أن يجعل جميع ما يروى عن كل صحابي - أي ما يسند إليه - في باب على حدة مهما ~~كان موضوع الحديث ، وأيا كانت درجته من الصحة إذ لم يكن قد ظهر تمييز ~~الصحيح من غير الصحيح في التأليف . ولقد كانت هذه المسانيد تحمل الاحاديث ~~الصحيحة والموضوعة كما قلنا ، وجرى العمل على هذا النهج حتى ظهر البخاري ~~وطبقته فانتقل التدوين إلى : " الطور الرابع " وهو طور " التنقيح والاختيار ~~" كما ذكرنا آنفا ، فوضعوا كتبا مختصرة في الحديث اختاروا فيها ما رأوا أنه ~~من الصحيح على طريقتهم في البحث ، كما فعل ms253 البخاري ومسلم ومن تبعهما ، ~~وسنتكلم عن هذه الكتب كلها عند الكلام على كتب الحديث ، وهذا الطور من ~~التصنيف هو الاخير ، إذ أصبحت هذه الكتب هي المعتمدة عند أهل السنة ، أما ~~الشيعة فلهم كتب في الحديث يعتمدون عليها ولا يثقون إلا بها ، ولكل قوم سنة ~~وإمامها . وبهذا يخلص لك أن التدوين المعتمد لدى الجمهور لم يقع إلا حوالى ~~منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع . . أثر تأخير التدوين : لما تركت ~~أحاديث الرسول صلوات الله عليه بغير تدوين في عهده ولم ينهض الصحابة من ~~بعده لكتابتها كما كتبوا القرآن ، اتسعت أبواب الرواية عن رسول الله لكل ذى ~~هوى زائغ ، أو دخلة سيئة ، من غير خوف من ضمير ولا وازع من دين فرووا ما ~~شاءوا أن يرووا (1) . ولو أن المسلمين الاولين أو من دخلوا في الاسلام - من ~~بعد - كانوا طبقة واحدة في الصدق ، ودرجة متساوية في العدل وكمال السيرة ، ~~أو لو أن الرواية قد وقفت على من أطلقوا عليهم اسم الصحبة الصحيحة ، وربطت ~~الكتابة ما روى في عهد الخلفاء الراشدين ، لكان عسى أن يكون النقل مقصورا ~~على ما قاله النبي صلوات الله عليه بغير زيادة ولا نقص ، ولجاءت الاحاديث ~~كلها صحيحة لا شك فيها - ومن ثم # --- # (1) راجع فصل وضع الحديث وأسبابه فيما سبق ص 118 . (*) # --- PageV01P268 [ 269 ] # كانت الامة تتلقاها بالرضا والتسليم ، كما تلقت من قبلها آيات القرآن ~~الحكيم ، ويأخذها الخلف عن السلف بألفاظها ومعانيها ولا يخالف أحد من ~~المسلمين وغير المسلمين فيها ، ثم تسير الامة على نورها وتهتدى بهديها ، من ~~غير تمذهب ولا تفرق كما هو الاصل في الدين الذى يقول كتابه " واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا - إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ ~~" ، ولكن الناس هم الناس في كل عصر ، والبشر لهم طباع لا تتغير ، وغرائز لا ~~تتبدل ، وأهواء لا تتحول ، وما كان الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم ~~من التابعين بدعا من الناس ولا هم بالمعصومين (1) ، سنة الله في خلقه ولن ~~تجد لسنة الله تدبيلا . وبحسبك أن ms254 تعرف أنه ما كاد الرسول صلوات الله عليه ~~ينتقل إلى الرفيق الاعلى ، حتى ذر قرن الخلاف بين أصحابه حتى قبل دفن ~~جثمانه الطاهر ثم ارتد كثير ممن صحب النبي ، ولولا حزم أبى بكر وصرامة عمر ~~ومن عاونهما من خيار الصحابة وصالحيهم لاندك صرح الاسلام وهو في المهد . ~~ومن أجل ذلك كان كبار الصحابة كأبى بكر وعمر وعلى لا يصدقون من يروى لهم من ~~الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إلا إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه ~~من النبي ، أو يحلف أنه تلقاه عنه ، ولو كانوا كلهم مبرئين من الخطأ والكذب ~~كما قالوا عنهم لقبلت رواية كل من يروى منهم في عهد هؤلاء الخلفاء الكبار ، ~~والدين في عنفوانه والاعلام ظاهرة - بغير شاهد أو يمين ، وبخاصة أنهم كانوا ~~هم الناس الذين تلقوا الدين مشافهة عن نبيهم - ولا يزال نور النبوة يشرق في ~~قلوبهم . إن الذى يريد أن يدرس تاريخ الاسلام على حقه إنما يجب عليه أن ~~يحيط علما بما كان عليه العرب قبل الاسلام عامة وبخاصة بين بنى هاشم وبين ~~بنى أمية في الجاهلية (2) ثم في الاسلام . وبما شجر بين الصحابة منذ عهد ~~عثمان والحروب التى وقعت بين على رضى الله عنه وبين معاوية ، وجنودهما ~~أكثرهم من الصحابة ، وما كان # --- # (1) راجع فصل عدالة الصحابة من هذا الكتاب (2) ارجع إلى كتاب النزاع ~~والتخاصم فيما بين نبى أمية وبنى هاشم للمقريزى . وإلى كتابنا " شيخ ~~المضيرة " لكى تعرف قامت دولة بنى أمية . (*) # --- PageV01P269 [ 270 ] # بعد ذلك بين الامويين والعباسيين ، وكذلك ما كان بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين اليهود - وما تكنه قلوب أهل الاديان والامم الاخرى للاسلام من ~~بغض وشنآن . حقا يجب على كل من يريد أن يقف على تاريخ الاسلام الصحيح أن ~~يحيط بذلك كله علما فتنكشف أمامه آفاق بعيدة ينبعث منها نور قوى يهدى إلى ~~تحليل الحوادث تحليلا صادقا ، وتعليل الوقائع تعليلا صحيحا ، فإن كل هذه ~~الامور كان لها ولا ريب أثر بعيد في تكوين التاريخ الاسلامي وفيما تدسس إلى ~~تفسير القرآن ms255 من أساطير ، وما نسب إلى النبي - كذبا - من أحاديث . وإن ~~التاريخ لينبئك أن رسول الله صلى الله عليه وآله ما كاد ينتقل إلى الرفيق ~~الاعلى حتى بدا ما كان يكنه بنو أمية من الموجدة لبنى هاشم مما كان قد ~~استسر بغطاء الاسلام حينا ، فحاولوا إغراء بنى هاشم بالمطالبة بالخلافة لكى ~~تقع الفتنة ، ولكن يقظة على أحبطت كيدهم فسكنوا وطووا على ما بين جوانحهم ~~حتى يهيئوا فرصة تسنح لهم إلى أن تهيأت في خلافة عثمان رضى الله عنه . ذلك ~~بأنه ما كاد يتولى الامر حتى كشف الامويون عما كانت تخفى صدورهم - وكان رضى ~~الله عنه أمويا - وأخذوا ينفذون خطتهم بدقة ومهارة حتى أصبح الامر كله في ~~عهده لهم ، وانقلب نظام الحكم كله في السنين الاخيرة من حكم عثمان من خلافة ~~عادلة ، إلى ملك تتعاوره الاهواء ، وتتداوله الاغراض . ولما انشقت العصا ~~بعد وفاة عثمان واستعرت نار الفتنة ، وانشعب الناس إلى شعب متعددة ، أخذ كل ~~فريق يؤيد حزبه بكل ما يستطيع من وسائل التأييد المادية والمعنوية والقولية ~~، فهذا يشايع الهاشميين ، وذاك يناصر الامويين ، وهكذا . وقد رأوا أن أقوى ~~أسلحة الغلب أن يستعين كل فريق بأدلة مأثورة عن النبي تشد أزر فرقته وتقوى ~~دعوتها ، من أجل ذلك أخذوا جميعا يروون أحاديث ينسبونها إلى الرسول صلوات ~~الله عليه ، وبخاصة في الفضائل ، كما رأيت ذلك في أسباب وضع الحديث من قبل ~~. وإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لانهم وجدوا أن شخص الرسول صلوات الله عليه مما ~~تعنوا له الهام ، وأن مقامه بينهم جميعا فوق كل مقام ، ولكن الغلب كتب # --- PageV01P270 [ 271 ] # لبنى أمية على بنى هاشم بما كان لهم من قوة ومكر ، وما كان في أيديهم من ~~مال وسلطان وقهر . وثم ناحية أخرى كان لها حظ كبير - في العبث بالرواية - ~~وكان عمل أصحابها دينيتا خفيتا ، وغايتها التى تسعى إليها أن تفسد عقائد ~~الدين النقية ، بأن تدخل فيها ما ليس منها وتدس إليها من التعاليم الزائفة ~~ما يشوه جمالها ، أولئك هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين أظهروا ~~الاسلام ms256 خدعة ، ثم ألقوا ما شاء لهم الكيد والهوى من الاسرائيليات ~~والمسيحيات والاكاذيب في دين العرب الجديد - كما مر بك - ومن هذا ، ومن ~~أسباب كثيرة بيناها من قبل ، أخذ الوضع والكذب يفشوان بين الناس ، واستبحرت ~~الرواية عن رسول الله حتى ركب الناس في ذلك - كما قال ابن عباس - الصعبة ~~والذلول . وإذا كان القرآن وهو الذى جعل له الرسول كتابا يقيدونه ساعة ~~الوحى وكتب مرة أخرى في عهد أبى بكر ، وكان يحفظه كثير من الصحابة ، وقضى ~~الله بحفظه في قوله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، قد ~~اختلف المسلمون في قراءته حتى كفر بعضهم بعضا ، ووقع هذا الاختلاف قبل ~~انقضاء حوالى عشر سنين على موت الرسول صلوات الله عليه حتى اضطر عثمان في ~~سنة 25 ه إلى كتابة مصاحف تحمل الصورة الصحيحة منه ، ويبعث بها إلى الامصار ~~، ويأمر بما سواها من المصاحف التى تحمل القرآن المختلف في قراءته أن يحرق ~~- إذا كان أمر القرآن هكذا ، فترى ماذا يكون أمر الحديث وهو لم يكتب في عهد ~~النبي ، ولا في عهد أبى بكر ولا في عهد عثمان وظل أمره مطلقا من قيد ~~التدوين تكتنفه تلك الاهواء المختلفة ، وتترامى به تيارات الاغراض ~~المتباينة قرنا وبعض قرن ؟ ؟ ! ! من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الاحاديث ~~الصحيحة شاقا ، والبحث عن معرفة حقيقة ضمائر الرواة أشق . وإذا علم ذلك كله ~~بدا - ولا ريب - أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ ، إذ كان سببا في اتساع ~~آفاق الرواية ، واختلاط الصحيح بالموضوع ، وتعذر التمييز بينهما على مر ~~الدهور . # --- PageV01P271 [ 272 ] # تدوين الحديث عند الشيعة : بعد أن فرغنا من الكلام على تدوين الحديث عند ~~أهل السنة رأينا أن نتم بحثنا عن تاريخ تدوينه عند الشيعة حتى نستوفي ~~الكلام في هذا الامر من كل نواحيه فنقول : إن الشيعة يقولون : إن أول من ~~جمع الحديث ورتبه على الابواب أبو رافع مولى رسول الله (1) وله كتاب السنن ~~والاحكام والقضايا ، وقالوا : فلا أقدم منه في ترتيب الحديث وجمعه في ~~الابواب (2) . وقال العالم الكبير محمد ms257 الحسين آل كاشف الغطاء النجفي في ~~كتابه " المطالعات والمراجعات والردود " (3) : إن أول من دون الحديث ابن ~~أبى رافع كاتب أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام وخازنه على بيت ~~المال ، بل الحق أن أول من دونه هو نفس أمير المؤمنين عليه السلام كما يدل ~~عليه خبر الصحيفة في الصحيحين (4) . # --- # (1) أبو رافع مولى رسول الله واسمه أسلم وكان للعباس بن عبد المطلب فوهبه ~~لرسول الله ، وهو الذى عمل منبر رسول الله من أثل الغابة ، وكانت سلمى ~~مولاة رسول الله عند أبى رافع فولدت له عبيد الله بن أبى رافع كاتب على ~~عليه السلام . (2) ص 27 ، 28 من كتاب " الشيعة وفنون الاسلام " لمؤلف السيد ~~حسن الصدر من علماء العراق - مطبعة العرفان بصيدا سنة 1331 . (3) ص 56 . ~~(4) أوردنا من قبل حديث الصحفية بين الاحاديث التى استشهدنا بها على إثبات ~~الرواية بالمعنى . (*) # --- PageV01P272 [ 273 ] # نشأة علم الحديث بينا من قبل أنه لو أن أحاديث الرسول كانت قد كتبت عندما ~~كان ينطق بها ، وحفظ ما كتب على وجه الدهر منها ، لتلقاها الناس كما تلقوا ~~كتاب الله بغير بحث في صحتها ، ولا تنقيب عن حقيقتها ، ولكن عدم تدوينها في ~~عهد صاحب الرسالة وأصحابه ، وإتيانها من ناحية الرواية قد ألزم العلماء أن ~~يبحثوا في أمرها لكى يعرفوا الصحيح والموضوع منها ، وغير ذلك من أمور هذا ~~العلم . أول من ألف علم الحديث : قال الحافظ ابن حجر (1) : أول من صنف في ~~الاصطلاح القاضى أبو محمد الرامهرامزى (2) فعمل كتاب " المحدث الفاصل بين ~~الراوى والواعى " لكنه لم يستوعب ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ~~المتوفى سنة 405 ، ولكنه لم يهذب ولم يرتب ، وتلاه أبو نعيم الاصبهاني (430 ~~م) فعمل على كتابه مستخرجا وأبقى أشياء للمنقب . . . . ثم جاء بعده الخطيب ~~البغدادي (463) إلى أن جاء الحافظ الامام تقى الدين أبو عمرو عثمان بن ~~الصلاح (643) فجمع كتابه المشهور فهذب فنونه ، ولهذا عكف الناس عليه ، ~~وساروا بسيره ، فمنهم المختصر له ، كالنووى في تقريبه والناظم له كالعراقي ~~(806) . انتهى باختصار . المراد من علم الحديث : وقال ابن خلدون في ms258 فصل " ~~علوم الحديث " من مقدمته (3) : ومن علوم الحديث النظر في الاسانيد ومعرفة ~~ما يجب العمل به من الاحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط ، لان العمل ~~إنما وجب بما يغلب على الظن صدقه # --- # (1) ص 9 من تدريب الراوى . (2) المتوفى سنة 360 هو ورامهرمز بلدة من بلاد ~~فارس وكتابه " المحدث الفاصل بين الراوى والواعى " توجد نسخة خطية منه بدار ~~الكتب المصرية . (3) ص 417 . (*) # --- PageV01P273 [ 274 ] # من أخبار رسول الله ، فيجتهد في الطريق التى تحصل ذلك الظن ، وهو معرفة ~~رواة الحديث بالعدالة والضبط . . . إلخ . وقال النووي في شرح خطبة مسلم : ~~المراد من علم الحديث (1) تحقيق معاني المتون وتحقيق علم الاسناد والمعلل ، ~~والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفى يقتضى ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة ~~منها ، وتكون العلة تارة في المتن ، وتارة في الاسناد ، وليس المراد من هذا ~~العلم مجرد السماع ولا الاسماع ولا الكتابة (2) بل الاعتناء بتحقيقه والبحث ~~عن خفى معاني المتون والاسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به ومراجعة ~~أهل المعرفة ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه (3) . سند الحديث ومتنه : " السند ~~" في اللغة ما استندت إليه من جدار وغيره ، وهو في عرف أهل الحديث طريق متن ~~الحديث ، وسمى " سندا " لاعتماد الحفاظ عليه في صحة الحديث ووضعه . وقد ~~يقال للطريق " الوجه " فيقال : هذا الحديث لا يعرف إلا من هذا الوجه . " ~~والمتن " في اللغة الظهر وما صلب من الارض وارتفع ، ثم استعمل في العرف بما ~~ينتهى إليه السند ، مثال ذلك قول يحيى : أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله ~~بن عمر أن رسول الله قال : لا يبع بعضكم على بيع بعض ، فسند الحديث ، هم ~~الرواة ومتن الحديث " لا يبع بعضكم . . . إلخ " . من يؤخذ منه الحديث : ~~اتفق علماء الحديث على أنه لا يؤخذ بالحديث إلا إذا كان رواته موصوفين ~~بهاتين الصفتين : العدالة ، والضبط . والعدالة هي الركن الاكبر في الرواية . # --- # (1) وصف هذا العلم عالم جليل فقال : إنه علم اصطلاحي محض يوعى بكد ~~الحافظة ويستنبط بقوة الذاكرة ، فلا يستلذه الفكر الغواص على حقائق ~~المعقولات ، ولا الخيال الجوال في ms259 جواء الشعريات ، ولا الروح المرفوف في ~~رياض الادب أو المحلق في سماء الالهيات - ص 10 من مقدمة كتاب قواعد التحديث ~~للقاسمى - طبعة دمشق . (2) فليسمع حشوية دهرنا الذين لم يبلغوا في علم ~~الحديث حتى أن يسمعوا أو يسمعوا ، وإنما كل علمهم أن يقرءوا بعض كتب الحديث ~~أو يطبعوها ليغنموا أثمانها . (3) ص 28 . (*) # --- PageV01P274 [ 275 ] # " والعدالة " وحدها غير كافية ، وقد اختلفوا في صفتها اختلافا شديدا حتى ~~قالوا : " إن من الصعب الوقوف على رسم العدالة فضلا عن حدها ، وخاضوا في ~~ذلك كثيرا ، ولا نطيل فيما قالوه في ذلك ، وقد عرفوا " الضابط " (1) في ~~الرواية بأنه هو الذى يقل خطؤه في الرواية - وغير الضابط هو الذى يكثر غلطه ~~(2) ووهمه ، سواء أكان ذلك لضعف استعداده ، أم لتقصيره في اجتهاده ، وقد ~~وضعوا صفات كثيرة للضابط لا نعرض لها (3) . لان كلا من العدالة والضبط له ~~مراتب عليا ووسطى ودنيا ، ويحصل من تركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة ~~في القوة والضعف (4) . و" الثقة " هو الذي يجمع بين العدالة والضبط ، وليس ~~كل ما يرويه " الحافظ المتقن " صوابا لاحتمال أن يكون قد زل في بعض المواضع ~~، وكذلك ليس كل ما يرويه " غير الحافظ المتقن " خطأ لاصابته في كثير من ~~المواضع ، والعاقل اللبيب هو الذى يعسى لمعرفة صواب كل فريق ليأخذ به . ~~الخبر وأقسامه : لما كان الحديث عبارة عن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأفعاله كما عرفوه ، وكان من لم يدرك هذه الاقوال بطريق الحس لا سبيل له ~~إلى إدراكها إلا بطريق الخبر ، اعتنى العلماء ببيان أقسام الخبر مطلقا ، ~~وجعلوا للحديث الذى هو قسم من أقسام الخبر بحثا خاصا به . وقد قسم " علماء ~~الكلام والاصول " الخبر إلى قسمين : خبر متواتر ، وخبر آحاد " فالخبر ~~المتواتر " هو خبر عن محسوس أخبر به جماعة بلغوا في الكثرة مبلغا تحيل ~~العادة تواطؤهم على الكذب فيه ، وهو مفيد للعلم بنفسه (5) لانه صحيح قطعا # --- # (1) الراوى الضابط في الحقيقة هو الذى يؤدى ما سمع إلى غيره بغير تغيير ~~ولا تبديل كما جاء في الحديث : وأداها كما سمعها لفظا ms260 ومعنى . (2) قال ابن ~~تيمية : وأما الغلط فلم يسلم منه أكثر الناس بل في الصحابة من قد يغلط ~~أحيانا وفيمن بعدهم ولهذا كان فيما صنف في الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط . ~~(3) قسموا الرواة الجامعين بين العدالة والضبط باعتبار تفاوت درجاتهم إلى ~~تسعة أنواع بينوها في كتبهم . (4) ص 407 من توجيه النظر . (5) لم يسلم ~~المتواتر من شبهة على إفادته - علم اليقين - فمن هذه الشبهة أنه يجوز أن ~~تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى ~~مثلهم بما ينقض خبرهم . = (*) # --- PageV01P275 [ 276 ] # ويجب الاخذ به من غير توقف في العقائد وهو دليلها . و" خبر الآحاد " ~~ويسمى أيضا خبر الواحد - هو الخبر الذى لم تبلغ نقلته في الكثرة مبلغ الخبر ~~المتواتر ، سواء أكان المخبر واحدا أم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة ، ~~إلى غير ذلك من الاعداد التى لا يشعر بأن الخبر دخل بها في خبر المتواتر ~~(1) . وهو يفيد الظن ويؤخذ به في العبادات والمعاملات ، ولا يؤخذ به في ~~العقائد . وفي شرح النوري على مسلم : أن الخبر ضربان ، متواتر وآحاد . ~~فالمتواتر ما نقله عدد لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم ويستوى طرفاه ~~والوسط ويخبرون عن حس غير مظنون ويحصل العلم بقولهم (2) ، والمختار الذى ~~عليه المحققون والاكثرون أن ذلك لا ينضبط بعدد مخصوص ولا يشترط في المخبرين ~~الاسلام ولا العدالة . وأما " خبر الواحد " فهو ما لم يوجد فيه شرط " ~~المتواتر " سواء كان الراوى له واحدا أو أكثر (3) اه . وفيه الصحيح ، وغير ~~الصحيح ، وكل كتب الحديث تدخل في قسم " الآحاد " . حكم المتواتر والآحاد : ~~إذا كان الخبر متواترا أفاد " العلم قطعا " ، وإذا كان خبر آحاد لم يفد ~~العلم قطعا ، وقد يوجد في أخبار الآحاد ما تسكن إليه النفس . # --- # = وقال الغزالي : إن العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر تقتضي أيالة الملك ~~وسياسته إظهاره والمخبرون من رؤساء جنود الملك ، فيتصور إجماعهم تحت ضغط ~~الايالة على الاتفاق على الكذب . والفرقة التى أنكرت إفادة المتواتر العلم ~~اليقيني قالت إن الحاصل منه هو الظن القوى الغالب ms261 . (1) ص 33 توجيه النظر . ~~(2) صرح كثير من علماء الاصول بأن المتواتر لا بد فيه من القرائن ، فلا ~~يبقى حنيئذ فرق بينه وبين خبر الآحاد الذى إن احتفت به القرائن أوجبت العلم ~~بصدقه ويكون إيجاب كل منهما العلم إنما هو بمعونة القرائن وسبب اختلافهم هو ~~غموض هذا البحث ودقته . (3) ص 169 ج 1 : ومما نورده من فكاهات أئمة الادب ~~في " أخبار الآحاد " أن الثعالبي قال عنها في ثمار القلوب " هي التى لم ~~يروها إلا الآحاد ولا يحكم بها سائر الفقهاء " ، ومن فصل للصاحب بن عباد ~~فيها : مولاى يعرف أخبار الآحاد ، وكم أهلكت من العباد ، وله كذلك : لا تع ~~ما جاءك الوشاة به * فإن هذه أخبار آحاد وعد إلى الرسم في مواصلتي * واعطف ~~على عبدك ابن عباد (*) # --- PageV01P276 [ 277 ] # وقال الجمهور : إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعا ولو كانت مخرجة في ~~البخاري ومسلم ، وإن تلقى الامة لهما بالقبول إنما يفيد العمل بما فيهما ~~بناء على أن الامة مأمورة ، بالاخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه (1) ، ولا ~~يفيد أن ما فيهما ثابت في نفس الامر قطعا . كالقاضي فإنه مأمور بالحكم ~~بشهادة من كان عدلا في الظاهر ، وكونه مأمورا بذلك لا يدل على أن شهادة ~~العدل لابد أن تكون مطابقة للواقع وثابتة في نفس الامر ، لاحتمال أن يكون ~~قد شهد بخلاف الواقع ، إما لوهم وقع له إذا كان عدلا في نفس الامر ، أو ~~لكذب لم يخرج منه إذا كان عدلا فيما يبدو للناس - هذا ما قاله الجمهور . ~~وقال كثير من العلماء في أخبار الآحاد ، إنه يعمل بها ولا يشهد أن النبي ~~قالها . وأطلق ابن عبد البر وجماعته : إنه قول جمهور أهل العلم والنظر حتى ~~قال بعضهم : ولو مع قرينة أي أنه لا يفيد العلم ولو مع قرينة . وقال الرازي ~~في تفسيره : ورواية الواحد إنما تفيد الظن . وقال في كتاب معالم أصول الدين ~~(2) ، بعد أن عدد العناصر الذاتية التى تشتمل عليها البراهين النقلية ~~المبنية على الروايات : " وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية ، وأن ms262 ~~العقلية قطعية والظن لا يعارض القطع " . المتواتر ليس من مباحث علم الاسناد ~~: قال ابن الصلاح : إن المتواتر لا يبحث عنه في علم الاثر . وقال الجزائري ~~في توجيه النظر : ما قاله ابن الصلاح من أن المتواتر لا يبحث عنه في علم ~~الاثر مما لا يمترى فيه . وقال بعض العلماء : ليس المتواتر من مذهب علم ~~الاسناد ، إذ هو (3) علم # --- # (1) ترى هل هذه القاعدة التى قرروها قد أمر الله بها ورسوله ؟ وترى هل هي ~~تخرجنا من حكم اتباع الظن الذى جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل " وما يتبع ~~أكثرهم إلا ظنا وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا - وما لهم به من علم إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا " ومثل قوله تعالى " ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن " ؟ (2) ص 9 . (3) أي علم الاسناد . (*) # --- PageV01P277 [ 278 ] # يبحث فيه عن صحة الحديث وضعفه ، من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم ، ليعمل ~~به أو يترك . وقالوا : إنه (1) يفيد " علم اليقين " وإن ورد عن غير الابرار ~~بل عن الكفار ، ولا بد في الخبر المتواتر من استواء الطرفين - وهما الطبقة ~~الاولى والطبقة الاخيرة - والوسط - وهو ما بينهما - والمراد بالاستواء في ~~الكثرة المذكورة ، لا الاستواء في العدد بأن يكون في كل طبقة مستويا فإنه ~~لا يضر الاختلاف فيه - إذا كان كل عدد منها فيها الكثرة مثل أن يكون عدد ~~الطبقة ألفا وعدد الثانية تسعمائة وعدد الثالثة ألفا وتسعمائة . ابن الصلاح ~~ومخالفوه : قال النووي في التقريب : وإذا قالوا ، صحيح متفق عليه ، أو على ~~صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ (2) أن ما روياه أو أحدهما فهو ~~مقطوع بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه ، وخالفه المحققون والاكثرون فقالوا ~~: يفيد الظن ما لم يتواتر . وقال في شرحه على مسلم : هذا الذى ذكره الشيخ ~~في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والاكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث ~~الصحيحين التى ليست بمتواترة إنما تفيد الظن فإنها آحاد ، والآحاد تفيد ~~الظن على ما تقرر ، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك . وتلقى ms263 ~~الامة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما . . ولا يلزم من إجماع (3) ~~الامة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم . وقد أنكر ابن برهان الامام على من قال بما قاله الشيخ وبالغ في ~~تغليظه - اه . وقد كثر الرادون على ابن الصلاح والمنتصرون له ، ومما قاله ~~الرادون عليه إنه # --- # (1) أي المتواتر . (2) هو ابن الصلاح . (3) إذا كانوا لم يتفقوا على ~~الاجماع في ذاته فإن هنا غير مسلم لان كثيرا من المذاهب الاسلامية كالشيعة ~~والزيدية والاباضية وغيرهم لا يلتزمون بالعمل بما في البخاري وغيره من كتب ~~السنة المعروفة لدى الجمهور وحتى أصحاب المذاهب الفقهية عند أهل السنة قد ~~استمسكوا في مذهبهم بما أخذوه عن أئمتهم ولم يعرجوا عن كتب السنة بل تراهم ~~قد خالفوا أكثر ما جاء فيها كما سيتبين لك فيما بعد . (*) # --- PageV01P278 [ 279 ] # خالف جمهور أرباب الكلام والاصول ، فإنهم ذهبوا إلى أن أخبار الآحاد لا ~~تفيد العلم وإنما تفيد الظن ، وذهب هو إلى أن أخبار الآحاد التى في ~~الصحيحين - سوى ما استثنى منهما - تفيد العلم ولو اكتفى بذلك لامكن أن يقال ~~لعله يريد بالعلم الظن القوى - فلا يكون الخلاف بينه وبينهم شديدا ، ولكنه ~~زاد فوصف العلم بكونه يقينيا ، فلم يبق وجه للصلح بينه وبينهم - ولا يخفى ~~أن مخالفة أهل الكلام والاصول ليست بالامر السهل . وهنا شئ ، وهو أن بعض ~~المحققين منهم ذهب إلى أن أخبار الآحاد قد تفيد العلم - مع القرائن - وقد ~~اختلفوا في أن القرائن ، أتدل على صدق الخبر أم لا ، فذهب النظام وإمام ~~الحرمين والغزالي إليه ، وأنكره الباقون (1) . . ليس في الحديث متواتر : ~~قال الحازمى في شروط الائمة الخمسة (2) . الحديث الواحد لا يخلو إما يكون ~~من قبيل التواتر أو من قبيل الآحاد ، وإثبات التواتر في الحديث عسر جدا ، ~~لا سيما على مذهب من لم يعتبر العدد في تحديده - وأما الآحاد فعند أكثر ~~الفقهاء توجب العمل دون العلم . وقال الامام الشاطبي في الجزء الاول من ~~الاعتصام (3) وهو يتكلم عن خبر الواحد : إن عامة التكليف ms264 مبنى عليه ، لان ~~الامر إنما يرد على المكلف من كتاب الله ، أو من سنة رسوله ، وما تفرع ~~منهما راجع إليها ، فإذا كان واردا من السنة فمعظم نقل السنة " بالآحاد " ~~بل قد أعوز أن يوجد حديث عن رسول الله متواتر . وقال ابن حبان البستى : ~~وأما الاخبار فإنها كلها أخبار الآحاد ، لانه ليس يوجد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين # --- # (1) من شاء أن يتوسع في الاطلاع على هذا البحث فليرجع إلى كتاب توجيه ~~النظر للجزائري الذى نقلنا عنه هذا الكلام . (2) ص 37 من شروط الائمة ~~الخمسة للجازمي . (3) ص 130 ج 1 . (*) # --- PageV01P279 [ 280 ] # وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهى ذلك إلى رسول الله ، فلما استحال هذا ~~وبطل ، ثبت أن الاخبار كلها أخبار الآحاد (1) . وقال النووي في التقريب . ~~المتواتر المعروف في الفقه وأصوله ولا يذكره المحدثون وهو قليل لا يكاد ~~يوجد في رواياتهم (2) ، ونفى بعضهم المتواتر اللفظى في السنة إلا حديث " من ~~كذب على " وحديث الحوض (3) وبضعة أحاديث أخرى . أحاديث الآحاد : بينا لك - ~~أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد ، ووقفناك على تعريف كل منهما وحكمه - ~~ونتم القول هنا في بيان ما اصطلح عليه أهل الحديث ، من تقسيم أحاديث الآحاد ~~وما يتعلق بذلك مما هو موضوع علم الحديث ، وما يتصل بما نحن بسبيله . إن ~~الحديث بالنظر - إلى الواقع ونفس الامر - لا يكون إلا صحيحا أو غير صحيح ، ~~فالصحيح ما ثبتت صحة نسبته إلى النبي ، وغير الصحيح ما لم تثبت صحته ، ولكن ~~المحدثين يقسمون الحديث إلى صحيح ، وحسن وضعيف (4) يريدون به الحديث المروى ~~من طريق الآحاد . وأما المتواتر فهو خارج عن مورد القسمة كما بينا . # --- # (1) ص 32 من شروط الائمة الخمسة للحازمي . (2) ص 31 . (3) نص هذا الحديث ~~: حوضى بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ~~وأكوابه عدد نجوم السماء ! ! من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها . وأول الناس ~~ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث رءوسا ، الدنس ثيابا ، الذين لا ينكحون ~~المنعمات ، ولا ms265 تفتح لهم السدود ! ! هذا مثل من المتواتر عندهم ، ولهذا ~~الحديث روايات متعددة تختلف ألفاظها ويختلف مقدار هذا الحوض اختلافا كثير ~~فيها ! ! (4) هناك أقسام أخرى للحديث لم نعرض لها لانها من مباحث فن الحديث ~~. وأول من قسم الحديث ثلاثة أقسام : صحيح وحسن وضعيف هو أبو عيسى الترمذي ~~المتوفى سنة 279 ه في جامعه ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله ، وقد بين أبو ~~عيسى مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب ولم ~~يكن شاذا وهو دون " الصحيح " الذى عرفت عدالة ناقليه وضبطهم - والضعيف الذى ~~عرف أن ناقله متهم بالكذب ردئ الحفظ - وقال ابن تيمية في فتاويه بعد ذلك . ~~أما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ولكن ~~كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف والضعيف كان عندهم نوعين : ضعيف ضعفا لا ~~يمتنع العمل به ، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي ، وضعيف ضعفا يوجب تركه ~~وهو الواهي . وكذلك تقسيم الاخبار ، ولا سيما الناسخ والمنسوخ والعام ~~والخاص ، والمحكم والمتشابه ، وعلل الحديث تقسيم فنى حديث بعد عصر الصحابة ~~والتابعين مما اصطلح عليه المصنفون في أصول الفقه بعد الشروع في تدوين ~~الحديث ولم يكن مما يدور على ألسنتهم ولا مما يروونه عن النبي وما ورد في ~~القرآن من هذه الالفاظ لم يرد كله بهذه المعاني الاصطلاحية التى حددوها . (*) # --- PageV01P280 [ 281 ] # الصحيح : الحديث الصحيح كما عرفوه هو الذى يكون متصل الاسناد من أوله إلى ~~منتهاه بنقل العدل الضابط عن مثله ، ولا يكون فيه شذوذ ولا علة . وقال ~~النووي في التقريب : هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة ~~، وإذا قيل - صحيح فهذا معناه ، لا أنه مقطوع به ، وإذا قيل غير صحيح ~~فمعناه لم يصح إسناده - والمختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الاسانيد ~~مطلقا . وإذا قالوا : صحيح متفق عليه ، أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ~~. وقد يكون أجمع تعريف له : " أنه المروى على وجه تسكن إليه النفس ، مع ~~السلامة من الشذوذ ، والعلة " . وقال الجرجاني في ms266 تعريفاته : الحديث الصحيح ~~ما سلم لفظه من ركاكة ، ومعناه من مخالفة آية أو خبر متواتر أو إجماع ، ~~وكان راويه عدلا - وفي مقابله السقيم . والصحيح تتفاوت رتبه بسبب تفاوت ~~الاوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذى ~~عليه مدار الصحة - اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الامور ~~القوية - وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط ~~وسائر الصفات التى توجب الترجيح كان أصح مما دونه - وإذا كانوا قد جعلوا ~~الاسانيد متفاوتة فإنهم كذلك قد جعلوا الرواة والبلاد درجات ، فقدموا رواة ~~المدينة على رواة البصرة ، وجعلوا رواة الشام أقل من رواة البصرة وهكذا ، ~~وللصحيح أقسام تعرف من كتبهم . الحسن : اختلف رجال الحديث في تعريف الحسن ~~اختلافا كثيرا وإليك بعض ما قالوه في تعريفه : # --- PageV01P281 [ 282 ] # قال الخطابى : هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله وعليه مدار أكثر الحديث ~~ويقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء ، وقال ابن الصلاح هو قسمان : ~~" أحدهما " ما لا يخلو إسناده من مستور لم تتحقق أهليته وليس مغفلا كثير ~~الخطأ ولا ظهر منه سبب مفسق ، ويكون الحديث معروفا برواية مثله أو نحوه من ~~وجه آخر ، " الثاني " أن يكون راويه مشهورا بالصدق والامانة ولم يبلغ درجة ~~الصحيح لقصوره في الحفظ والاتقان ، وهو مرتفع عن حال من يعد تفرده منكرا ، ~~والحسن كالصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه في القوة . الضعيف : هو ما لم ~~يجمع صفة الصحيح أو الحسن ، ويتفاوت ضعفه كصحة الصحيح . وقال النووي في شرح ~~مسلم : وأنواعه : الموضوع والمقلوب والشاذ والمنكر والمضطرب وغير ذلك مما ~~هو مبين في علم الحديث . وقال بعض العلماء إنه يعمل به في فضائل الاعمال ~~ولكن منع ذلك كبار الائمة . وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1) : وعن ~~الامام أحمد ما يدل على أنه لا يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل والمستحبات ~~. وقال الشيخ تقى الدين " ابن تيمية " عن قول العلماء في العمل بالحديث ~~الضعيف في فضائل الاعمال : العمل به بمعنى أن النفس ترجو ذلك الثواب ، أو ~~تخاف ms267 ذلك العقاب ، ومثال ذلك في الترغيب والترهيب بالاسرائيليات والمنامات ~~وكلمات السلف والعلماء ووقائع العالم وغير ذلك مما لا يجوز إثبات حكم شرعي ~~به لا استحباب ولا غيره - لكن يجوز أن يذكر في الترغيب والترهيب فيما حسنه ~~أو قبحه بأدلة الشرع ، فإن ذلك ينفع ولا يضر ، وسواء كان في نفس الامر حقا ~~أم باطلا . # --- # (1) ص 313 و314 ج 2 . (*) # --- PageV01P282 [ 283 ] # وقد علق بعض كبار العلماء على قول الامام أحمد بأن - لا يعمل بالحديث ~~الضعيف في الفضائل والمستحبات فقال : رضى الله عن أحمد ما أوسع علمه وأدق ~~فهمه ، إن القول بالعمل بالحديث الضعيف فيما ذكر ، والتساهل في روايته قد ~~فتح على الامة بابا من الغلو في الدين وتكثير العبادات المحرجة التى تنافى ~~يسر الاسلام ، حتى جعلوا بعضها من الشعائر فيه ، مع تقصير الاكثرين في ~~إقامة الفرائض والتزام الواجبات ، وترتب عليه ما نقله المصنف بعده عن تقى ~~الدين من قبول الاسرائيليات والمنامات وكذا الخرافات ، إن العبادات ~~والفضائل الثابتة بالقطع في الكتاب والسنة كافية للامة ، ويا ليت يوجد فيها ~~كثيرون ممن لا يقصرون فيها " اه . وقال القاضى أبو بكر بن العربي المالكى : ~~" إنه لا يجوز العمل بالاحاديث الضعيفة مطلقا " وهو الصواب (1) . تعدد طرق ~~الحديث لا يقويها : قال العلامة السيد رشيد رضا : يقول المحدثون في بعض ~~الاحاديث - حتى التى لم يصح لها سند ، إن تعدد طرقها يقويها - وهى قاعدة ~~للمحدثين لم يشر إليها الله في كتابه ، ولا ثبتت في سنة عن رسوله - وإنما ~~هي مسألة نظرية غير مطردة ، فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعا ~~كمسألة الغرانيق ، أو عقلا ، لا قيمة له ، لجواز اجتماع تلك الطرق على ~~الباطل . ليس من شرط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعا به في نفس الامر : قال ~~الحافظ ابن الصلاح (2) : ومتى قالوا : هذا حديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده ~~مع سائر الاوصاف # --- # (1) ص 128 ج 31 من مجلة المنار . (2) ص 6 من كتاب علوم الحديث المعروف ~~بمقدمة ابن الصلاح ويطلق عليه عند رجال الحديث اسم الشيخ توفى سنة 643 ه . (*) # --- PageV01P283 [ 284 ms268 ] # المذكورة : وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الامر ، إذ منه ما ~~ينفرد بروايته عدل واحد ، وليس من الاخبار التى أجمعت الامة على تلقيها ~~بالقبول . وكذلك إذا قالوا في حديث إنه غير صحيح ، فليس ذلك قطعا بأنه كذب ~~في نفس الامر ، إذ قد يكون صدقا في نفس الامر ، وإنما المراد أنه لم يصح ~~إسناده على الشرط المذكور . وقال في فتاويه : قالت الائمة : في الحديث ، ~~حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح ، وإسناده غير صحيح ومتنه صحيح ، أو ~~إسناده مجهول ومتنه مجهول ، أو إسناده صحيح ومتنه صحيح ، أو إسناده ضعيف ~~ومتنه ضعيف (1) . وقال الزين العراقى في ألفيته (2) المتوفى سنة 806 ه : ~~وحيث قال أهل الحديث : هذا الحديث صحيح ، فمرداهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر ~~الاسناد ، لا أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على ~~الثقة (3) ، هذا هو الصحيح الذى عليه أكثر أهل العلم خلافا لمن قال إن خبر ~~الواحد يوجب العلم الظاهر . . وكذا قولهم هذا حديث ضعيف فمرادهم ، لم تظهر ~~لنا فيه شروط الصحة لا أنه كذب في نفس الامر ، لجواز صدق الكذاب وإصابته من ~~كثير الخطأ اه ، وقال : لا يلزم من كون الشئ له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا ~~، وذكر السمعاني في القواطع : أن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط ، وإنما ~~يعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة . وقالوا : إن صحة الحديث لا ~~توجب القطع به في نفس الامر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة ، وعزاه النووي ~~في التقريب للاكثرين والمحققين وأنهم قالوا : إنه يفيد الظن ما لم يتواتر ، ~~وقال في شرح مسلم : لان ذلك شأن الآحاد ، ولا فرق في # --- # (1) ص 19 . (2) ص 12 من فتح المغيث بشرح ألفية الحديث . (3) ولنضرب لذلك ~~مثلا : الحديث الذى روى عن النبي عند رجوعه إلى المدينة من غزوة أحد بعد أن ~~أمر المسلمين أن يصطفوا خلفه واصطف الناس خلفهم والذى قال فيه : استووا حتى ~~أثنى على ربى - والذى ختمه بقوله : اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب ~~إله الحق - فهذا الحديث قد أخرجه ms269 أحمد والبخاري في الادب المفرد والنسائي ~~وغيرهم - قال الذهبي فيه : إنه على نظافة إسناده منكر ، وأخشى أن يكون ~~موضوعا . وكتب الحديث فيها كثير من مثل هذه الروايات . (*) # --- PageV01P284 [ 285 ] # ذلك بين الشيخين وغيرهما . . والمحدثون لا يعنون بغلط المتون ، ويقولون : ~~متى صح السند صح المتن . كان اهتمامهم بالسند أولا : قال الذهبي في كتابه ~~سير أعلام النبلاء وهو يؤرخ ليحيى بن سعيد القطان إن يحيى قال : " لا ~~تنظروا إلى الحديث ولكن انظروا إلى الاسناد ، فإن صح الاسناد وإلا فلا ~~تغتروا بالحديث إذا لم يصح الاسناد " . وقال الذهبي - كان السلف يزجرون عن ~~التعمق ويبدعون أهل الجدل ! وقفة هنا لا بد منها يصح لنا هنا أن نقف وقفة ~~لا نطيل فيها تلقاء ما نقلناه آنفا من أقوال ابن الصلاح والعراقي والحاكم ~~وغيرهم من أئمة الحفاظ في أمر الحديث الذى اعتبروه صحيحا . وإذا نحن ~~استعرضنا مع ذلك بعض ما بيناه في أمر الحديث عامة من قبل وما سنبينه من بعد ~~، وجدنا أمورا كثيرة تسوغ لنا هذه الوقفة بل تدفعنا إليها دفعا . وإن أول ~~ما يبدو لنا في ذلك : أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكتب حديثه في حياته ~~كما كتب القرآن حتى يأتي من بعده متواترا كما أتى القرآن - ولم يكتف بذلك ~~بل نهى عن كتابته ، واتبع أصحابه ومن تبعهم أمره فلم يكتبوه ، وكانوا ~~يكتفون بنقله بالرواية ، ولكن لا على أصل لفظه الذى نطق النبي به ، وإنما ~~كانوا يروونه بالمعنى . وظل الامر على ذلك إلى أن شرعوا في تدوينه - وكان ~~ذلك حوالى منتصف القرن الثاني الهجرى ، وقد كان لتأخير التدوين على الدين ~~واللغة ضرر أي ضرر - بله ما أدخله الوضاع والكاذبون من أعداء الدين ، ~~وأصحاب الاهواء ، حتى الصالحون من المسلمين . ولما أخذ علماء الجرح ~~والتعديل في البحث عن أحوال الرواة لكى يعرفوا من # --- PageV01P285 [ 286 ] # تقبل روايته منهم ومن ترد ، لم يستطيعوا على كثرة ما بذلوا في هذا البحث ~~من تعب أن يصلوا إلى ما كان ينبغى أن يبلغوه ، ولا تم لهم ما أرادوا أن ~~يحققوه ms270 ، لان بحثهم قد جرى على قدر وسعهم وإمكانهم الانساني ، ولم يتجاوزوا ~~الظاهر من أحوال الرواة ، ولا تثريب عليهم في ذلك ، لان الوقوف على أسرار ~~الرجال وبواطنهم محال بل مستحيل . وفي ذلك يقول الوزير اليماني في الروض ~~الباسم . نجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوى فيوثقونه مرة ~~ويضعفونه مرة ! لان دخول وهمه في حيز (الكثرة) مما لا يوزن بميزان معلوم ~~وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحرى والاجتهاد ، فصار النظر فيه كنظر الفقهاء ~~في الحوادث الظنية ، فلذا يكون لابن معين (1) في الراوى قولان ، التوثيق ~~والتضعيف ونحو ذلك - والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن ~~العدول ، بل العصمة (أي عصمة الرسول) لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ (أي ~~تبليغ الوحى) فقد وهم رسول الله أنه صلى بعض الفرائض على الكمال . . فقال ~~له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت (2) . ومن أجل ذلك جاءت كل كتب الحديث ~~تحمل الصحيح وغير الصحيح حتى ما كان موضوعا مكذوبا ، ولم يسلم من ذلك كتاب ~~حتى البخاري ومسلم اللذين سموهما بالصحيحين فقد نالهما ضربات قوية من سهام ~~الناقدين . ولما كانت هذه الكتب قد جاءت بهذه المثابة وأنها قد خلت من ~~الاحاديث المتواترة التى تعطى اليقين بل كل ما فيها أحاديث آحاد التى لا ~~تفيد غير الظن ، فإن علماء الامة من فقهاء وأصوليين وكلاميين لم ويأخذوا ~~بها ، ولا تقيدوا بما فيها . وكذلك علماء النحو ، فإنهم لم يجعلوا الحديث ~~مما يستشهدون به على اللغة والنحو بعد ما ثبت عندهم أنه لم يأت صحيح ~~متواترا كما نطق النبي به ، وإنما جاءت روايته بالمعنى ، ومن حججهم في ذلك ~~حديث زوجتها بما معك (3) فقد جاء بثمان صيغ على حين أنه كلمتان ! # --- # (1) يحيى بن معين من كبار علماء الجرح والتعديل . (2) راجع ص 81 ج 1 (3) ~~راجع قصة هذا الحديث في صفحة 91 من هذا الكتاب . (*) # --- PageV01P286 [ 287 ] # هذا ما أردنا استعراضه قبل الاخذ في نقل أقوال العلماء الذين جعلونا نقف ~~أمامها هذه الوقفة . قال ابن الصلاح : ومتى قالوا : هذا حديث صحيح فمعناه ms271 ~~أنه اتصل سنده مع سائر الاصناف المذكورة ، وليس من شرطه ، أن يكون مقطوعا ~~به في نفس الامر . وأكد ذلك العراقى في شرح ألفيته فقال : وحيث قال أهل ~~الحديث ، هذا حديث صحيح فمرادهم - فيما ظهر لنا عملا بظاهر الاسناد - لا ~~أنه مقطوع بصحته في نفس الامر ، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة . وقال ~~السمعاني في القواطع : إن الصحيح لا يعرف برواية الثقات فقط وإنما يعرف ~~بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة . وقال الحاكم : كم من حديث ليس في ~~إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه . وقال عبد الرحمن بن مهدى (1) : معرفة ~~الحديث إلهام ! فلو قلت للعالم بعلل الحديث ، من أين هذا ؟ لم يكن له حجة . ~~هذا بعض ما قاله العلماء في الحديث الذى جعلوه صحيحا فترى ماذا يكون الشأن ~~فيما نزل عن درجة الصحيح عندهم من أنواع الحديث التى بينوها في كتبهم ؟ ~~وماذا يصنع بعد ذلك كله من يريد أن يعرف الحديث الصحيح الذى يطمئن به القلب ~~وتسكن إليه النفس ؟ وأى سبيل يسلكه لكى يهتدى إلى تمييزه من غيره وهو يجد ~~تلقاءه هذه الاقوال وغيرها مما يوجب الحيرة ويدعو إلى الشك والاسترابة ! ~~وأى حديث يأخذ وأيها يدع ؟ وبخاصة بعد أن يطلع على ما نقله ابن الصلاح في ~~فتاويه عن الائمة فيما ذكروه من أصناف الحديث إذ قال : قالت الائمة : في ~~الحديث (1) حديث إسناده صحيح ومتنه غير صحيح . (2) أو إسناده غير صحيح ~~ومتنه صحيح . (3) أو إسناده مجهول ومتنه مجهول . (4) أو إسناده صحيح ومتنه ~~صحيح . (5) أو إسناده ضعيف ومتنه ضعيف ! ! # --- # (1) عبد الرحمن بن مهدى من كبار علماء الجرح والتعديل . (*) # --- PageV01P287 [ 288 ] # فهذه خمسة أصناف من الحديث يتيه الباحث بين أوديتها الغامضة ولا يدرى ~~شيئا عن منفذ فيها يخلص منه ، ذلك بأنهم لم يبينوا حدودها ولا ميزوا بين ~~أصنافها ولا وضعوا موازين لتقديرها حتى يكون الناس على علم بها . وهب ~~الطالب قد اهتدى إلى القسم الصحيح منها فإن قلبه لا يطمئن إلى الاخذ به بعد ~~أن صرحوا بأن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الامر ms272 لجواز الخطأ ~~والنسيان على الثقة ! هذه كلمة صغيرة نذكرها في وقفتنا هذه ولا نتوسع فيها ~~، وليس لنا بعدها إلا أن ندعو الله فنقول : اللهم أدركنا برحمتك وهيئ لنا ~~من أمرنا رشدا . بعض أنواع الحديث جعلوا للحديث أنواعا كثيرة ووضعوا في ذلك ~~كتبا مستفيضة ، وإذا كنا كما قلنا لا نعرض إلى الناحية الفنية من هذا العلم ~~، وإنما نكتب في تاريخ الحديث فحسب ، فقد رأينا أن نشير إلى بعض ما يفيد ~~موضوعنا من هذه الانواع ، لان ذلك مما يعين على معرفة ما أصاب الرواية من ~~تباين وإختلاف ، وما تأثرت به من تغيير وتبديل ، وهذا غير ما بيناه من قبل ~~. المضطرب : قال ابن الصلاح : المضطرب من الحديث هو الذى تختلف الرواية فيه ~~، فيرونه بعضهم على وجه ، وبعضهم على وجه آخر مخالف له . . . وقد يقع ~~الاضطراب في متن الحديث ، وقد يقع في الاسناد ، وقد يقع ذلك من راو واحد ، ~~وقد يقع من رواة له جماعة ، والاضطراب موجب ضعف الحديث لاشعاره بأنه لم ~~يضبط اه . ومثال الاضطراب في المتن حديث أبى بكر الصديق أنه قال : يا رسول ~~الله أراك شبت ! قال شيبتني هود وأخواتها ، فهذا مضطرب ، فإنه لم يرو إلا ~~من طريق أبى إسحاق السبيعى وقد اختلف عليه فيه ، فمنهم من رواه عنه مرسلا ، ومنهم # --- PageV01P288 [ 289 ] # من رواه موصولا ، ومنهم من جعله من مسند أبى بكر ، ومنهم من جعله من مسند ~~سعد ومنهم من جعله من مسند عائشة ، وقد وقع الاختلاف فيه على نحو عشرة أوجه ~~أوردها الدارقطني ، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض والجمع متعذر ~~. المحدثون لا يعنون بغلط المتون ونقدها : قال الجزائري : إن المحدثين قلما ~~يحكمون على الحديث بالاضطراب . إذا كان الاختلاف فيه واقعا في نفس المتن - ~~لان ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين ، وإنما هو من شأن المجتهدين ~~وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الاسناد ، ~~لانه من شأنهم . وقد وقع الاختلاف في الصلاة الكائنة في قصة ذى اليدين (1) ~~- فإن الراوى شك فيها مرة ms273 - ولم يدر أهى الظهر أو العصر ! وقال مرة هي إحدى ~~صلاتي العشى إما الظهر وإما العصر ، وجزم مرة بالظهر ومرة بالعصر ، وقال ~~مرة ، أكبر ظنى أنها العصر ، وقد روى النسائي ما يشهد بأن الشك فيها كان من ~~أبى هريرة ولفظه : صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشى ، قال ~~أبو هريرة ولكني نسيت (2) أنا . . . وقد حاول بعضهم الجمع فذهب إلى أن ~~القصة وقعت مرتين . وكثيرا ما يسلك بعضهم مثل ذلك في الجمع توصلا إلى تصحيح ~~كل من الروايات صونا للرواة من أن ينسب الغلط أو السهو أو النسيان إليهم ، ~~وكأن عناية هؤلاء بالرواة فوق عنايتهم بالمرويات فجمعهم كلا جمع ، لا سيما ~~إن كان مما ينبو عنه السمع (3) . وبمناسبة ما ذكره العلامة الجزائري من عدم ~~عناية المحدثين بالمتون نسوق هنا كلمة قيمة في هذا الامر للعلامة السيد ~~رشيد رضا رحمه الله . قالها وهو يتكلم عن # --- # (1) قصة ذى اليدين كما جاءت في الصحيحين عن أبى هريرة ، قال صلى بنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ، أو العصر فسلم ، فقال له ذو اليدين : ~~الصلاة يا رسول الله ، انقصت ؟ فقال النبي لاصحابه : أحق ما يقول ؟ قالوا : ~~نعم ، فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين . (2) وكيف ينسى ؟ وقد زعم أن ~~النبي أمره أن يبسط ثوبه ثم أفرغ فيه من بركاته حتى لا ينسى شيئا سمعه أبدا ~~. راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (3) ص 257 من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P289 [ 290 ] # حديث ذهاب الشمس بعد الغروب وهو من الاحاديث المشكلة التى مرت بك : إن ~~علماء الحديث قلما يعنون بغلط المتون فيما يخص معانيها وأحكامها - وإنما ~~كانت عنايتهم التامة بالاسانيد وسياق المتون وعباراتها ، والاختلاف فيها ~~والمرفوع والموقوف منها ، وما عساه يكون مدرجا فيها من كلام بعض الرواة ~~(مما) ليس من النص المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يظهر معاني ~~غلط المتون للعلماء الباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك ، ~~ولو لم يكونوا من المحدثين في الاصطلاح ، على أنهم يرجعون في ذلك إلى أصول ~~المحدثين كقولهم : إن صحة ms274 السند لا تقتضي صحة المتن في الواقع ونفس الامر ~~حتما ، وعدم صحة السند لا تقتضي وضعه في الواقع ونفس الامر حتما . وقولهم : ~~- إن من علامات وضع الحديث - وإن صح سنده - أن يكون مخالفا لنص القرآن ~~القطعي ، وفي معناه كل قطعي شرعى ، كبعض أصول العقائد ، أو الاعمال المجمع ~~عليها المعلومة من الدين بالضرورة ، بحيث يتعدر الجمع بينهما . ولهذا جزموا ~~بغلط حديث أبى هريرة عند مسلم في خلق السموات والارض في سبعة أيام . وإذا ~~كانت مخالفة القطعي سببا للحكم إما بعدم صحة الحديث لعدم الثقة برواته ، ~~وإما لغلطهم في سياق متنه ، فمن الضرورى أن تختلف الافهام في ذلك باختلاف ~~مدارك أصحابها ومعارفهم ، فالذين لا يعلمون أن الشمس لا تغيب عن الارض ولا ~~تحتجب عن جميع سكانها من البشر ساعة ولا دقيقة - لا يرون شيئا من إشكال في ~~حديث أبى ذر ، في بيان أين تكون بعد غروبها ، لانهم يظنون أن غروبها عنهم ~~غروب عن جميع العالم (1) . وقال : لو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، ~~كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الاسانيد بالنقض (2) . ~~وقال رحمه الله وهو يتكلم عن الاشكالات التى تعرض في بعض الاحاديث # --- # (1) ص 40 و41 ج 29 تفسير المنار . (2) ص 141 ج 3 تفسير المنار . (*) # --- PageV01P290 [ 291 ] # كحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس تحت العرش ما يلى : ~~إن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدى إلى تحقيق الحق فيها ، إلا ~~الذى يعطى لعقله حرية الاستقلال فيما قاله أصناف العلماء ، وقال : إن علماء ~~الاصول الاعتقادية والفقهية أعلم من المحدثين بنقد المتون وما يوافق ~~المعقول وأصول العقائد منها وما لا يوافقها . وقد اتفق الفريقان على أنه : ~~ليس كل ما صح سنده من الاحاديث المرفوعة يصح متنه ، لجواز أن يكون في بعض ~~الرواة من أخطأ في الرواية عمدا أو سهوا ، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه ~~باطلا ، بل قالوا : إن الموضوع من حيث الرواية قد يكون صحيحا في الواقع ، ~~وإن الصحيح السند قد يكون موضوعا ms275 في الواقع - وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر ~~مع مراعاة القواعد ، فما صح سنده قبلنا روايته وحكمنا قواعد الاعتقاد ~~ودلائل العقل في متنه إن كان مشكلا ، وما كان غير صحيح السند لا يجوز لنا ~~أن نسميه حديثا نبويا وإن كان معناه صحيحا (1) . ونضيف إلى ما قاله السيد ~~رشيد أن مما اتفقوا عليه كذلك : أن صحة الاسناد أو حسنه لا تقتضي صحة ~~الحديث أو حسنه . وقال الحاكم (2) : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت ~~وهو معلول واه ، فالصحيح لا يعرف برواته فقط وإنما يعرف بالفهم والحفظ ~~وكثرة السماع . وإن الدارقطني وغيره من أئمة النقد ، لم يتعرضوا لاستيفاء ~~النقد فيما يتعلق بالمتن كما تعرضوا لذلك في الاسناد - وذلك لان النقد ~~المتعلق بالاسناد دقيق غامض لا يدركه إلا أفراد من أئمة الحديث المعروفين ~~بمعرفة علله ، بخلاف النقد المتعلق (بالمتن) فإنه يدركه كثير من العلماء ~~الاعلام المشتغلين بالعلوم الشرعية ، والباحثين # --- # (1) ص 101 و102 المنار والازهر . (2) ذكر الحاكم ذلك وهو يبين النوع ~~التاسع عشر من علوم الحديث ، من كتابه " معرفة علوم الحديث " ، وقد قال في ~~هذا البيان - إن هذا النوع من هذه العلوم غير الجرح والتعديل . (*) # --- PageV01P291 [ 292 ] # عن مسائلها الاصلية والفرعية ، ككثير من المفسرين والفقهاء وأهل أصول ~~الفقه وأصول الدين . وقد تعرض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن إلا ~~أن ذلك قليل جدا بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الاسناد . فمن ذلك ~~قول الاسماعيلي بعد أن أورد الحديث الذى رواه البخاري عن أبى هريرة قال : ~~يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة - الحديث - هذا خبر ~~في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد ، فكيف يجعل ~~ما بأبيه خزيا له مع إخباره أن الله قد وعده أن لا يخزيه يوم يبعثون ، ~~وأعلمه أنه لا خلف لوعده . وقد أعل الدار قطني هذا الحديث من جهة الاسناد ~~فقال : هذا رواه إبراهيم بن طهمان عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى عن أبيه ~~عن أبى هريرة ms276 - - وأجيب عن ذلك بأن البخاري قد علق حديث إبراهيم بن طهمان ~~في التفسير فلم يهمل حكاية الخلاف فيه ، وينبغى للناظر في الصحيحين أن يبحث ~~عما انتقد عليهما من الجهتين ، فبذلك تتم له الدراية فيما يتعلق بالرواية ~~(1) . المعلل في الحديث : المعلل من الحديث هو من أجل أنواع علوم الحديث ~~وأدقها وأغمضها - ولا يقوم به إلا من كان له فهم ثاقب ، وحفظ واسع ، ومعرفة ~~تامة بالاسانيد والمتون ، وأحوال الرواة : والحديث المعلل ويسميه أهل ~~الحديث المعلول - هو الذى اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر ~~السلامة منها ، ويتطرق ذلك إلى الاسناد الذى رجاله ثقات ، الجامع شروط ~~الصحة من حيث الظاهر . وقد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الاكثر وقد تقع ~~في متنه ، ثم ما يقع في الاسناد قد يقدح في صحة الاسناد والمتن جميعا . ~~ونكتفى بإيراد مثل واحد لعلة المتن . ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من ~~اللفظ المصرح بنفى قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) فعلل قوم رواية اللفظ ~~المذكور ، # --- # (1) ص 334 من كتاب توجيه النظر . (*) # --- PageV01P292 [ 293 ] # لما رأوا الاكثرين إنما قالوا فيه ، فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله ~~رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة ، وهو الذى اتفق البخاري ومسلم على ~~إخراجه في الصحيح ، ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذى وقع ~~له . ففهم من قوله كانوا يستفتحون بالحمد ، أنهم كانوا لا يبسلمون ، فرواه ~~على ما فهم وأخطأ ، لان معناه أن السورة التى كانوا يفتتحون بها من السور ~~هي الفاتحة ، وليس فيه تعرض لذكر التسمية ، وانضم إلى ذلك أمور : منها أنه ~~ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية ، فذكر أنه لا يحفظ شيئا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . وقد يطلق اسم العلة على غير ذلك من الاسباب ~~القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف ، المانعة من ~~العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الاصل ، ولذلك نجد في كثير من كتب ~~علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب والغفلة وسوء ms277 الحفظ ، ونحو ذلك من أنواع ~~الجرح - وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات ، بأن يحدثوا له علة فيخفى ~~عليهم علمها ، فيصير الحديث معلولا ، والحجة فيه الحفظ والفهم والمعرفة لا ~~غير . وقال عبد الرحمن بن مهدى - معرفة الحديث " إلهام " فلو قلت للعالم ~~يعلل الحديث من أين هذا ؟ لم يكن له حجة . ومن أنواع الحديث : المصحف ~~والمحرف ذكرنا من قبل (1) نقلا عن العلامة البطليوسى أن من أسباب الخلاف ~~الذى عرض للامة ، التصحيف ولم نتكلم عنه هناك ، وإليك شيئا منه هنا . ~~والمصحف هو ما وقعت المخالفة فيه بتغير النقط في الكلمة مع بقاء صورة الخط ~~فيها ، ومثاله حديث : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال ، فجعلت شيئا ~~والتصحيف كما يقع في المتن ، يقع في الاسناد ، ومثال فيه تصحيف بعض ~~المحدثين ابن مراجم وهو بالراء والجيم بابن مزاحم . ويراجع ما قاله فيه ~~البطليوسى هناك . وقال ابن الصلاح : معرفة المصحف من أسانيد الاحاديث ~~ومتونها - فن جليل ينهض بأعبائه # --- # (1) ص 103 . (*) # --- PageV01P293 [ 294 ] # الحذاق من الحفاظ ، والدار قطني منهم ، وله فيه تصنيف مفيد . وروينا عز ~~أبى عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال : ومن يعرى من الخطأ والتصحيف ! ومن ~~التصحيف في " المتن " ما رواه ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده إليه ~~عن زيد بن ثابت أن رسول الله احتجم في المسجد وإنما هو (بالراء) احتجر ، في ~~المسجد بخص أو حصير ، حجرة يصلى فيها فصحفه ابن لهيعة (1) . ومن أنواع ~~الحديث المحرف : والمحرف : هو ما وقعت المخالفة فيه بتغيير الشكل في الكلمة ~~مع بقاء صورة الخط فيها ، ومثال ذلك ما وقع لبعض الاعراب . فإنه رأى في ~~كتاب من كتب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى نصبت بين يديه ~~عنزة - والعنزة الحربة (2) - فظنها بسكون النون ثم روى ذلك بالمعنى حسب ~~وهمه ، فقال : كان النبي إذا صلى نصب بين يديه شاة ! ! المقلوب : هو ما ~~وقعت فيه المخالفة بالتقديم والتأخير كما في حديث أبى هريرة عند مسلم في ~~السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظل عرشه ms278 فإن فيه " ورجل تصدق ~~بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، فهذا ما انقلب على أحد ~~الرواة - وإنما هو : حتى تعلم شماله ما تنفق يمينه - كما ورد في البخاري ~~وفي مسلم في بعض طرقه - والامثلة كثيرة في مصنفاتهم . كتب الحديث المشهورة ~~ذكرنا لك أن أقسام حديث (الآحاد) هي الصحيح ، والحسن ، والضعيف ، وأتينا لك ~~بشئ قليل من أقوالهم في الصحيح ، لان ما قالوه فيه جد كثير لا يمكن # --- # (1) ص 114 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ومن معانيها العصا . (*) # --- PageV01P294 [ 295 ] # إيراده كله هنا . وإذا كانوا قد قالوا أن الكتب المشهورة التى تحمل هذه ~~الاقسام هي : البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . فقد وجب علينا ~~أن نتكلم باختصار عن كل كتاب منها ، وإتماما للفائدة رأينا أن نتكلم كذلك ~~عن كتاب الموطأ للامام مالك لانه هو الذى بقى لنا مما دون في القرن الثاني ~~، وصاحبه ذو قدر كبير وله مذهب بين المذاهب مشهور . وكذلك سنتكلم عن مسند ~~أحمد لشهرته ولان لصاحبه كذلك مذهبا يقلده كثير من المسلمين . وسنبدأ ~~بالكلام عن الموطأ لانه أسبق هذه الكتب جميعا في الزمن والتأليف . مالك ~~وموطؤه هو الامام مالك بن أنس من ذى أصبح من حمير ، كان إماما جليلا أدرك ~~خيار التابعين ، اختلف في تاريخ مولده بين سنة 91 وسنة 93 ه أما وفاته ~~فكانت سنة 179 ه . قال عبد الرحمن بن مهدى : أئمة الناس في أزمانهم أربعة ~~سفيان الثوري بالكوفة ، ومالك بالحجاز ، والاوزاعي بالشام ، وحماد بن زيد ~~بالبصرة . ومن قول مالك : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد ~~أدركت سبعين ممن يقولون : قال رسول الله عند هذه الاساطين (1) فما أخذت ~~عنهم شيئا ، وإن أحدهم لو اؤتمن على بيت المال لكان أمينا - وكان يتكلم ~~برأيه على الاجتهاد وعلى ما أدرك عليه أهل العلم ببلده (2) . قال الشافعي : ~~أصح الكتب بعد كتاب الله ، موطأ مالك (3) ، وقال الدهلوى في حجة الله ~~البالغة : إن الطبقة الاولى من كتب الحديث منحصرة بالاستقراء في # --- # (1) عمد المسجد . (2) بلده هي المدينة " يثرب " . (3) هناك روايات ms279 أخرى ~~منها : ما على ظهر الارض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك ، ولا أعلم ~~كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك ، ما على الارض كتاب هو أقرب إلى ~~القرآن من كتاب مالك - ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ . وأطلق جماعة على ~~الموطأ اسم الصحيح ص 9 ج 1 شرح الزرقاني على الموطأ . (*) # --- PageV01P295 [ 296 ] # ثلاثة كتب : الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم ، والثانية ، كتب لم تبلغ ~~مبلغ الموطأ والصحيحين ولكنها تتلوها ، سنن أبى داوود والترمذي والنسائي . ~~والثالثة مسانيد ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم ، وفي زمانهما وبعدهما - ~~جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف ، والغريب والشاذ والمنكر والخطأ ~~والصواب ، والثابت والمقلوب - وعلى الطبقة الثانية اعتماد المحدثين . ونقل ~~السيوطي في تنوير الحوالك عن القاضى أبى بكر بن العربي : أن الموطأ هو ~~الاصل الاول والبخاري هو الاصل الثاني . وإن مالكا روى مائة ألف حديث اختار ~~منها في الموطأ عشرة آلاف ، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة (أي السنة ~~العملية) حتى رجعت إلى 500 حديث - أي الحديث المسند (1) ، ورواية ابن ~~الهباب : ثم لم يزل يعرضه على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى ~~رجعت إلى 500 حديث . وذكر ابن فرحون في الديباج المذهب في معرفة أعيان ~~المذهب (أي المالكى) قال عتيق الزبيدى : وضع مالك الموطأ على نحو من عشرة ~~آلاف حديث ، فلم يزل ينظر فيه كل سنة ويسقط منه حتى بقى هذا ، ولو بقى ~~قليلا لاسقطه كله (2) . وفي شرح الزرقاني على الموطأ : أنه ظل يخلصها عاما ~~فعاما بقدر ما يرى أنه أصلح للمسلمين وأمثل في الدين (3) . وذكر ابن الهباب ~~أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها الموطأ عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها ~~على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والاخبار حتى رجعت إلى 500 حديث . وقال ~~الكيا الهراس : موطأ مالك كان تسعة آلاف حديث ، ثم لم يزل ينتقى حتى رجعت ~~إلى 500 حديث (ص 11 من مقدمة شرح الزرقاني على موطأ مالك) . # --- # (1) " المسند " مرفوع صحابي بسنده ظاهر الاتصال - والمرسل ما سقط من سنده ms280 ~~الصحابي بأن يرويه التابعي عن رسول الله مباشرة ، والموقوف ما أضيف إلى ~~الصحابي قولا أو فعلا أو نحوه متصلا كان أو منقطعا - والمرفوع هو ما أخبر ~~فيه الصحابي عن رسول الله . (2) ص 25 . (3) ص 11 ج 1 . (*) # --- PageV01P296 [ 297 ] # وقال الابهري أبو بكر : جملة ما في موطأ مالك من الآثار عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين 1720 حديث ، المسند منها 600 والمرسل ~~222 والموقوف 613 ومن أقوال التابعين 285 . وقال السيوطي في تقريبه نقلا عن ~~ابن حزم : أحصيت ما في الموطأ وما في حديث سفيان بن عيينه فوجدت في كل واحد ~~منهما من السنن 500 ونيفا و300 مرسل ، وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك ~~نفسه العمل بها . وقال بعض العلماء : إن مالكا أول من ألف في الصحيح غير ~~أنه لم يقتصر في كتابه عليه ، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، ومن ~~بلاغاته أحاديث لا تعرف ، كما ذكره الحافظ ابن عبد البر فهو لم يجرد الصحيح ~~. اختلاف رواياته : روى عن مالك روايات مختلفة تختلف في ترتيب الابواب ، ~~وتختلف في عدد الاحاديث حتى بلغت هذه الروايات عشرين نسخة وبعضهم قال إنها ~~ثلاثون (1) . وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوى (2) في كتابه " بستان المحدثين ~~" : إن نسخ الموطأ التى توجد في بلاد العرب في هذه الايام متعددة ، عد منها ~~16 نسخة ، كل نسخة عن راو خاص . وقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي : ~~الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر ، ومعناها متقارب والمستعمل منها أربعة : ~~موطأ يحيى بن يحيى " وموطأ ابن بكر ، وموطأ أبى مصعب ، وموطأ ابن وهب ثم ~~ضعف استعمال الآخرين . وبين الروايات اختلاف كبير من تقديم وتأخير وزيادة ~~ونقص ، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبى مصعب (3) قال ابن حزم ، في ~~رواية أبى مصعب زيادة # --- # (1) ذكر مثل ذلك الزرقاني في شرحه على الموطأ ص 7 ج 1 . (2) المتوفى سنة ~~1139 ه . (3) أبو المصعب الزهري كان آخر من روى الموطأ عن مالك لصغر سنه ~~وعاش بعد مالك 63 سنة ، وموطؤه أكمل الموطأت لان ms281 فيه 590 حديثا بالمكرر ~~وبإسقاط المتكرر فيه 559 - ص 17 من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P297 [ 298 ] # على سائر الموطآت نحو مئة حديث . وقال السيوطي : في رواية محمد بن الحسن ~~أحاديث يسيرة زيادة عن سائر الموطآت ، وقد علل الدكتور أحمد أمين سبب هذا ~~الاختلاف فقال : إن مالكا لم ينته من نسخة يؤلفها ويقف عندها ، بل قد كان ~~دائم التغيير فيها ، كما روينا من أنه كان دائم المراجعة للاحاديث وحذف ما ~~لم يثبت صحته منها ، فالذين سمعوا الموطأ سمعوه من مالك في أزمان مختلفة ، ~~فكان من ذلك الاختلاف في النسخ وقد بقى من هذه النسخ بين أيدينا رواية يحيى ~~بن الليثى وهى التى شرحها الزرقاني ، ورواية محمد بن الحسن الشيباني صحاب ~~أبى حنيفة وفيها أشياء كثيرة ليست في رواية يحيى وهو يمزج ما روى عن مالك ~~بآرائه فكثيرا ما يقول " قال محمد (1) " . سبب تأليفه وزمن تأليفه (2) : ~~ألف الموطأ في أواخر عهد المنصور وكان ذلك في سنة 148 ه وكان سبب ذلك كما ~~روى الشافعي أن أبا جعفر المنصور بعث إلى مالك لما قدم المدينة وقال له : ~~إن الناس قد اختلفوا في العراق فضع للناس كتابا نجمعهم عليه ، فوضع " ~~الموطأ " . وفي رواية لغير الشافعي ، أنه قال له مع ذلك : اجتنب فيه شواذ ~~ابن عباس وتشددات ابن عمر ورخص ابن مسعود ، فقال له مالك : ما ينبغى يا ~~أمير المؤمنين أن نحمل الناس على قول رجل واحد يخطئ ويصيب . وقد كان ~~المنصور كما بينا من قبل معنيا بأمر الحديث ودراسته - وقد أخرج ابن عبد ~~البر أن أول من عمل كتابا بالمدينة على معنى الموطأ - من ذكر ما أجمع عليه ~~أهل المدينة - عبد العزيز بن عبد الله بن سلمة الماجشون المتوفى في سنة 164 ~~ه ونظر فيه مالك قبل أن يضع موطأه . # --- # (1) ص 215 ج 2 منجى الاسلام . (2) قال الحافظ ابن البر في كتاب الانتقاء ~~ص 41 أن محمد بن سعد قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لما حج أبو جعفر ~~المنصور دعاني فدخلت عليه ، فحادثته وسألني فأجبته ms282 فقال : إنى عزمت أن آمر ~~بكتبك هذه التى وضعت (يعنى الموطأ) فتنسخ نسخا ، ثم أبعث إلى كل مصر من ~~أمصار المسلمين منها نسخة ، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوها إلى ~~غيرها ! فإنى رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم ، قال ، فقلت يا ~~أمير المؤمنين : لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا ~~أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا من ~~اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهم ، وإن ردهم عما اعتقدوه ~~شديد فدع الناس وما هم عليه ، وما اختار أهل كل بلد لانفسهم ، فقال لعمري ، ~~لو طاوعتني على ذلك لامرت به . وفي روايات أخرى أن المنصور طلب منه أن يضع ~~للناس كتابا يتجنب فيه تشديدات ابن عمر ، ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود . (*) # --- PageV01P298 [ 299 ] # نقد ابن معين لمالك : قال ابن معين ، إن مالكا لم يكن صاحب حديث بل كان ~~صاحب رأى . وقال الليث بن سعد - أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة ~~لسنة الرسول . وقد اعترف مالك بذلك ، وألف الدارقطني جزءا فيما خولف فيه ~~مالك من الاحاديث في الموطأ وغيره ، وفيه أكثر من عشرين حديثا ، وهو من ~~محفوظات الظاهرية بدمشق . البخاري وكتابه البخاري هو أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل البخاري الفارسى رحمه الله . ولد ببخارى سنة 194 ه وارتحل بطلب ~~الحديث ، وتنقل في البلاد وابتدأ في تراجم أبواب كتابه بالحرم الشريف ، ~~ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة وغيرها حتى أتمه ببخارى ، ومات بخرتنك ~~قرب سمرقند سنة 256 ه . روى ابن حجر في مقدمة فتح الباري (1) أن أبا على ~~الغساني روى عنه أنه قال خرجت الصحيح من 600 ألف حديث . وروى عنه ~~الاسماعيلي أنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا (2) وما تركت من ~~الصحيح أكثر (3) وقال : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ، وأحفظ مائتي ألف حديث ~~غير صحيح (4) ولا يهولنك وجود مثل هذه المئات من آلاف الاحاديث في عصر ~~البخاري ، فقد نقل عن الامام أحمد أنه قال : صح ms283 من الحديث سبعمائة ألف وكسر ~~. . وهذا الفتى - يعنى أبا زرعة - قد حفظ سبعمائة ألف . . . وقال أبو بكر ~~محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث ، وكان ~~يحفظ مائة وأربعين ألفا في التفسير . . (ص 4 توجيه النظر) . # --- # (1) ص 4 . (2) أي عنده وفي رأيه كما أدت إليه روايته . (3) ص 4 من هدى ~~السارى مقدمة فتح الباري . (4) ص 201 ج 2 من المصدر السابق . (*) # --- PageV01P299 [ 300 ] # سبب جمع البخاري لكتابه : قال الحافظ ابن حجر في مقدمته : إن الذى حرك ~~همة البخاري لجمع الحديث الصحيح وقوى عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير ~~المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه ، ~~قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : كنا عند إسحاق بن راهويه فقال ~~: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة الله ؟ فوقع ذلك في قلبى فأخذت في جمع ~~الجامع الصحيح ، وخرجت الصحيح من ستمائة ألف حديث (1) . كان البخاري يروى ~~بالمعنى : روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أنه قال يوما عن البخاري إنه ~~قال : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته ~~بمصر ! فقيل له : يا أبا عبد الله ، بكماله ؟ فسكت (2) . وقال أحيدر بن أبى ~~جعفر والى بخارى : قال لى محمد بن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة ~~كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ! فقلت له : يا أبا عبد ~~الله بتمامه ؟ فسكت (3) . وقال محمد بن الازهر السجستاني : كنت في مجلس ~~سليمان بن حرب والبخاري معنا يسمع ولا يكتب ، فقيل لبعضهم : ما له لا يكتب ~~؟ فقال يرجع إلى بخارى ويكتب من حفظه (4) . وقال ابن حجر العسقلاني : من ~~نوادر ما وقع في البخاري ، أنه يخرج الحديث تاما بإسناد واحد بلفظين (5) . # --- # (1) ص 4 مقدمة فتح الباري . (2) ص 11 ج 2 . (3) ص 201 ج 2 من هدى السارى ~~. (4) ص 194 من المصدر السابق . (5) ص 186 ج 1 من فتح الباري . (*) # --- PageV01P300 [ 301 ] # مات البخاري قبل أن يبيض كتابه : يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض ~~كتابه ms284 ، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح ، أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد ~~المستملى قال : انتسخت كتاب البخاري من أصله الذى كان عند صاحبه محمد بن ~~يوسف الفربرى ، فرأيت فيه أشياء لم تتم ، وأشياء مبيضة ، منها تراجم لم ~~يثبت بعدها شيئا ، ومنها أحاديث لم يترجم لها ، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض . ~~قال أبو الوليد الباجى : ومما يدل على صحة هذا القول رواية أبى إسحاق ~~المستملى ، ورواية أبى محمد السرخسى ورواية أبى الهيثم الكشميهى ورواية أبى ~~زيد المروزى مختلفة بالتقديم والتأخير مع أنهم انتسخوا من أصل واحد ! وإنما ~~ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ~~ما ، فأضافه إليه ، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس ~~بينها أحاديث (1) . وقال (2) في الجزء السابع من فتح الباري (3) : لم أقف ~~في شئ من نسخ البخاري على ترجمة " عبد الرحمن بن عوف " ولا " لسعيد بن زيد ~~- " - وهما من العشرة ، وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد ابن زيد بترجمة في ~~أوائل السيرة النبوية ، وأظن أن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري ، كما ~~تقدم مرارا أنه ترك الكتاب مسودة ، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم ~~مراعاة الافضلية ولا السابقة ولا الاسنية - وهى جهات التقدم في الترتيب ، ~~فلما لم يراع واحدا منها دل ذلك على أنه كتب كل ترجمة على حدة فضم بعض ~~النقلة بعضها إلى بعض حسبما اتفق . والبخاري أول من ميز الصحيح - في نظره - ~~من غيره ، فاختار كتابه مما تبين له أنه صحيح - ذلك أن التدوين قبله كان ~~يجمع - كما بينا - كل ما روى من غير تمييز بين صحيح وغير صحيح - كما ترى ~~ذلك في مسند أحمد وغيره من المسانيد - # --- # (1) ص 5 ج 1 من نفس المصدر . (2) أي ابن حجر . (3) ص 74 . (*) # --- PageV01P301 [ 302 ] # أو يضم إلى أحاديث الرسول أقوال الصحابة وفتاوى التابعين - كما تجد ذلك ~~في موطأ مالك ، ومن أجل ذلك قالوا في كتاب البخاري : إنه أول كتاب ألف في ~~الصحيح ms285 . وقد انتقده الحفاظ في عشرة ومائة حديث منها 32 حديثا ، وافقه مسلم ~~على تخريجه ، و78 حديثا انفرد هو بتخريجه (1) . والذين انفرد البخاري ~~بالاخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضعة وثلاثون رجلا ، المتكلم فيه بالضعف ~~منهم ثمانون رجلا (2) ، والذين انفرد مسلم بالاخراج لهم دون البخاري 620 ~~رجلا المتكلم بالضعف منهم 160 رجلا . . والاحاديث التى انتقدت عليهما بلغت ~~مائتي حديث وعشرة ، اختص البخاري منها بأقل من ثمانين وباقى ذلك يختص بمسلم ~~(3) . وقال ابن حجر في الاحاديث التى انتقدها الدارقطني : إن هذه المواضع ~~متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقى ما حصل لمعظم الكتاب . في البخاري ~~إشكالات كثيرة : وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض لاحاديث المنتقدة على ~~البخاري ما يلى : وإذا قرأت ما قاله الحافظ فيها رأيتها كلها في صناعة الفن ~~. . (4) ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه " فتح الباري " رأيت له في أحاديث كثيرة ~~إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها ، مع محاولة الجمع بين المختلفات ~~وحل المشكلات # --- # (1) ص 81 ج 2 مقدمة فتح الباري . (2) هذا هو عدد الرجال المتكلم فيهم ~~بالضعف الذين أخرج لهم البخاري دون مسلم أما الذين طعن فيهم من رجال ~~البخاري فقد عقد لهم ابن حجر فصلا خاصا في الجزء الثاني من مقدمة فتح ~~الباري " سرد فيه أسماءهم ، مع حكاية ذلك الطعن والتنقيب عن سببه والقيام ~~بجوابه " كما يرى هو ، وقد بلغت هذه الاسماء نحو أربعمائة استغرقت 65 صفحة ~~من رقم 113 - 176 ، وسنذكر بعض هذه الاسماء في باب اختلافهم في الجرح ~~والتعديل . (ص 7 من مقدمة الفتح وص 111 ج 2 من نفس المصدر . وص 119 ج 2 ضحى ~~الاسلام) (3) ص 7 و8 من نفس المصدر ج 1 . (4) أي فن مصطلح الحديث أي من ~~ناحية السند أما من ناحية متون أحاديث البخاري فلم يعرض لنقدها ، ولو تجرد ~~لها عالم فقيه متحرر لوجد فيها أحاديث كثيرة تستحق النقد . (*) # --- PageV01P302 [ 303 ] # - بما يرضيك بعضه دون بعض (1) . وقال الدكتور أحمد أمين - بعد أن ذكر عدد ~~الاحاديث التى انتقدت على البخاري كما ms286 بيناها - ما يلى (2) : إن بعض الرجال ~~الذى روى لهم (3) غير ثقات ، وقد ضعف الحفاظ من رجال البخاري نحو الثمانين ~~، وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل ، فالوقوف على أسرار الرجال محال ، نعم إن ~~من زل زلة واضحة سهل الحكم عليه ، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال ؟ ثم إن ~~أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف ، فبعض يوثق رجلا وآخر يكذبه ، ~~والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان المحدثون أنفسهم يختلفون في ~~قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث المبتدع مطلقا كالخارجي ~~والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الاحاديث التى لا تتصل ببدعته ، وبعضهم ~~يقول ، إن كان داعيا لها لا تقبل روايته وإن كان غير داع قبلت ! وبعض ~~المحدثين يتشدد فلا يروى حديث من اتصلوا بالولاة ودخلوا في أمر الدنيا مهما ~~كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأسا ، متى كان عدلا صادقا ، ~~وبعضهم يتزمت فيأخذ على المحدث مزحة مزحها ، كالذى روى أن بعض مجان البصرة ~~كانوا يضعون صرر نقود في الطريق ويختفون ، فإذا انحنى المار لاخذها صاحوا ~~به فتركها خجلا وضحكوا منه ، فأفتى بعض المحدثين أن يملا صرة من زجاج مكسر ~~فإذا صاحوا به وضع صرة الزجاج وأخذ صرة الدراهم عقابا لهم وتأديبا ، فجرحه ~~بعض المحدثين من أجل ذلك ، وعدله بعضهم إذ لم ير به بأسا ، إلى غير ذلك من ~~أسباب يطول شرحها ، ومن أجل هذا اختلفوا اختلافا كثيرا في الحكم على ~~الاشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايته والاخذ عنه ، ولعل من أوضح ~~المثل في ذلك - عكرمة مولى ابن عباس وقد ملا الدنيا حديثا وتفسيرا ، فقد ~~رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأى الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الامراء ، ~~ورووا عن كذبه شيئا كثيرا ، فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه " برد " : # --- # (1) ص 41 ج 29 منار . (2) ص 117 و118 ج 2 ضحى الاسلام . (3) أي البخاري . (*) # --- PageV01P303 [ 304 ] # لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس (1) وأكذبه سعيد بن المسيب في ~~أحاديث كثيرة ، وقال القاسم : إن عكرمة كذاب يحدث غدوة بحديث يخالفه ms287 عشية ، ~~وقال ابن سعد : " كان عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه وليس يحتج ~~بحديثه " هذا على حين أن آخرين يوثقونه ويعدلونه فابن جرير الطبري يثق به ~~كل الثقة ويملا تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه ، وقد وثقه أحمد بن ~~حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى ابن معين وغيرهم من كبار المحدثين . من أجل ~~هذا كله وقف جامعو الصحيح منه مواقف مختلفة ، فالبخاري ترجح عنده صدقه فهو ~~يروى له في صحيحه كثيرا ، ومسلم ترجح عنده كذبه ، فلم يرو له إلا حديثا ~~واحدا في الحج ، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن ~~جبير في الموضوع نفسه . من هذا ترى صعوبة الحكم على مستوى الحال ، ولم يسلم ~~جامع كتاب حديث من ذلك لاختلاف الناس في الحكم على الرجال . أحاديث البخاري ~~وحكم من أنكر شيئا منها : قال السيد رشيد رضا رحمه الله في جواب عن سؤال ~~قدم له في ذلك : لا شك في أن أحاديث الجامع الصحيح للبخاري في جملتها أصح ~~في صناعة الحديث وتحرى الصحيح من كل ما جمع في الدفاتر من كتب الحديث ، ~~ويليه في ذلك صحيح مسلم ، ومما لا شك فيه أيضا أنه يوجد في غيرهما من ~~دواوين السنة أحاديث أصح من بعض ما فيهما ، وما روى من رفض البخاري وغيره ~~لمئات الالوف من الاحاديث التى كانت تروى يؤيد ذلك ، فإنما نفوا ما نفوا ~~لينتقوا الصحاح الثابتة (2) : ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري ~~المسندة بالمعنى الذي # --- # (1) ورد كذلك عن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع : لا تكذب على كما كذب ~~عكرمة على ابن عباس . وذكر ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ، أن رجلا سأل ~~سعيد بن المسبب عن آيات من القرآن ، فقال له : لا تسألني عن القرآن ، وسل ~~من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شئ ! يعنى عكرمة (ص 39) . (2) أي في رأيهم لا ~~أنها صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله . (*) # --- PageV01P304 [ 305 ] # عرفوا به الموضوع في علم الرواية - ممنوعة لا يسهل على أحد إثباتها ، ~~ولكنه لا ms288 يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدوه من ~~علامة الوضع . كحديث سحر بعضهم للنبى صلى الله عليه وسلم الذى أنكره بعض ~~العلماء كالامام الحصاص من المفسرين المتقدمين والاستاذ الامام " محمد عبده ~~" من المتأخرين لانه معارض بقوله تعالى (وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا - انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا . . هذا وإن ~~في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه ~~، فإذا تأملتم هذا وذاك علمتهم أنه ليست - لعلها " ليس " - من أصول الايمان ~~ولا من أركان الاسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن ~~موضوعه ، بل لم يشترط أحد في صحة الاسلام ولا في معرفته التفصيلية الاطلاع ~~على صحيح البخاري والاقرار بكل ما فيه - وعلمتم أيضا أن المسلم لا يمكن أن ~~ينكر حديثا من هذه الاحاديث بعد العلم به إلا بدليل يقوم عنده على عدم صحته ~~متنا أو سندا ، فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض هذه الاحاديث لم ينكروها إلا ~~بأدلة قامت عندهم قد يكون بعضها صوابا وبعضها خطأ ، ولا يعد أحدهم طاعنا في ~~دين الاسلام (1) . " وما كلف الله مسلما أن يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما ~~فيه ، وإن لم يصح عنده ، أو اعتقد أنه ينافي أصول الاسلام . سبحان الله ! ! ~~يقول ملايين المسلمين من الحنفية إن رفع اليدين عند الركوع والقيام منه ~~مكروه شرعا وقد رواه البخاري في صحيحه وغير صحيحه عن عشرات من الصحابة ~~بأسانيد كثير جدا ، ولا إثم عليهم ولا حرج لان إمامهم لم يصح عنده لانه لم ~~يطلع على أسانيد البخاري فيه ، وكل من اطلع من علماء مذهبه عليها يوقن ~~بصحتها - ثم يكفر مسلم (2) من خيار المسلمين علما وعملا ودفاعا عن # --- # (1) ص 104 و105 ج 29 المنار . (2) هذا المسلم هو الدكتور محمد توفيق صدقي ~~وكان قد طعن في حديث الذباب فكفره شيوخ الازهر بذلك كما هي عادتهم . (*) # --- PageV01P305 [ 306 ] # الاسلام ودعوة إليه ، بدليل أو شبهة على صحة حديث رواه البخاري عن رجل ~~يكاد يكون ms289 مجهولا واسمه يدل على أنه لم يكن أصيلا في الاسلام وهو عبد بن ~~حنين ، وموضوع متنه ليس من عقائد الاسلام ولا من عباداته ولا من شرائعه ، ~~ولا التزم المسلمون العمل به ، بل ما من مذهب من مذاهب المقلدة إلا وأهله ~~يتركون العمل ببعض ما صح عند البخاري وعند مسلم أيضا من أحاديث التشريع ~~المروية عن كبار أئمة الرواة لعلل اجتهادية أو لمحض التقليد . وقد أورد ~~المحقق ابن القيم أكثر من مائة شاهد على ذلك في كتابه أعلام الموقعين ، ~~وهذا المكفر للدكتور منهم . . مع هذا نقول بحق إن صحيح البخاري أصح كتاب ~~بعد كتاب الله ، ولكنه ليس معصوما هو ورواته من الخطأ . وليس كل مرتاب في ~~شئ من روايته كافرا ! ما أسهل التكفير على مقلدة أقوال المتأخرين وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل (1) . وفي الانتصار لابن الجوزى جملة أحاديث لم تأخذ بها ~~الشافعية من أحاديث الصحيحين لما ترجح عندهم مما يخالفها وكذا في بقية ~~المذاهب . البخاري وأهل الشام : ذكر الذهبي عن أبى عمرو حمدان : سألت ابن ~~عقدة أيهما أحفظ ، البخاري أم مسلم ؟ فقال كان محمد عالما ، ومسلم عالم ، ~~فأعدت عليه مرارا ، فقال : يقع لمحمد (2) الغلط في أهل الشام وذلك لانه أخذ ~~كتبهم ونظر فيها فربما ذكر الرجل بكنيته ، ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما ~~اثنين ، وأما مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل ، لانه كتب السانيد ولم يكتب ~~المقاطيع ولا المراسيل اه (3) . البخاري أدركته محنة مسألة " خلق القرآن " ~~: قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه : قدم البخاري نيسابور في سنة 250 ه ~~فأقبل عليه الناس ليسمعوا منه ، وفي أحد الايام سأله رجل عن " اللفظ ~~بالقرآن " # --- # (1) ص 51 ج 29 مجلة المنار . (2) أي البخاري . (3) ص 5 من شروط الائمة ~~الستة للمقدسي . (*) # --- PageV01P306 [ 307 ] # فقال : أفعالنا مخلوقة ، وألفاظنا من أفعالنا ، فوقع بذلك خلاف ولم يلبث ~~أن حرض الناس عليه محمد بن يحيى الذهلى وقال : من قال ذلك فهو مبتدع ، ولا ~~يجالس ولا يكلم ! ومن ذهب بعد ذلك إلى البخاري فاتهموه ، فإنه لا يحضر ~~مجلسه إلا من ms290 كان على مذهبه ! فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج ~~وأحمد بن سلمة فقال الذهلى : ألا من قال باللفظ - فلا يحل له أن يحضر ~~مجلسنا ! فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته وقام على رءوس الناس ، وبعث جميع ما ~~كان قد كتبه عنه ، وقد خشى البخاري على نفسه فسافر من نيسابور (1) اه ملخصا ~~. ومن المعلوم أن مسلما منسوب أيضا إلى اللفظ . روايات البخاري تختلف في ~~العدد : فعدد أحاديث البخاري يزيد في رواية الفربرى على عدده في رواية ~~إبراهيم ابن معقل النسفى بمائتين ، ويزيد عدد النسفى على عدد حماد بن شاكر ~~النسفى بمائة كما ذكره العراقى (2) . وقد حرر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح ~~الباري أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار 2602 ، ومن ~~المتون المعلقة المرفوعة 159 ، فمجموع ذلك 2761 ، وقال في شرح البخاري إن ~~عدته على التحرير 2513 حديث (3) . # --- # (1) ص 203 و204 ج 2 من هدى السارى . (2) 58 شروط الائمة الخمسة . (3) ص ~~70 ج 1 . (*) # --- PageV01P307 [ 308 ] # مسلم وكتابه هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى النيسابوري رحمه الله ~~ولد بنيسابور سنة 204 ه وتوفى بها سنة 268 ه جرد الصحاح ولم يتعرض ~~للاستنباط ونحوه وفاق البخاري في جمع الطرق وحسن الترتيب ، وكتابه سهل ~~التناول ، إذ جعل لكل حديث موضعا واحدا يليق به جمع فيه طرقه التى ارتضاها ~~، وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة ، وكان لا يروى بالمعنى ~~بخلاف البخاري وكان لا يخلط مع الاحاديث شيئا من أقوال الصحابة ومن بعدهم - ~~ومن مزاياه كما قال ابن حجر في مقدمة الفتح : أنه قد صنفه في بلده بحضور ~~أصوله في حياة كثير من مشايخه فكان يتحرز في الالفاظ ويتحرى في السياق ولا ~~يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الاحكام ليبوب عليها ، ولزم من ذلك ~~تقطيعه للحديث في أبوابه ، بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد واقتصر على ~~الاحاديث دون الموقوفات فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضيع على سبيل ~~الندورة تبعا لا مقصودا (1) . وقد نقل عنه أنه صنف ms291 مسنده من 300 ألف حديث ~~مسموعة أما عدد أحاديث كتابه فأربعة آلاف حديث دون المكرر . وقال النووي في ~~شرح مسلم : قول مسلم ليس كل شئ صحيحا عندي وضعته هنا " أي في كتابه " وإنما ~~وضعت هنا ما أجمعوا عليه ، فمشكل ، فقد وضع فيه أحاديث كثيرة مختلفا في ~~صحتها لانها من حديث من اختلفوا في صحة حديثه ، وكذلك قال ابن الصلاح . ~~وقال ابن تيمية في تفسير سورة الاخلاص إن الحديث الذى رواه مسلم في خلق ~~التربة يوم السبت (2) حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره ~~وقالوا إنه من قول كعب الاحبار ولهذا الحديث نظائر عند مسلم فقد روى أحاديث ~~عرف أنها غلط مثل قول أبى سفيان لما أسلم أريد أن أزوجك أم حبيبة (أي بنته) ~~ولا خلاف بين الناس أن النبي قد تزوجها قبل إسلام # --- # (1) ص 8 . (2) هذا الحديث رواه أبو هريرة وصرح فيه بسماعه من النبي . ~~راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P308 [ 309 ] # أبى سفيان ، ومثل حديث صلاة الكسوف أن النبي صلاها بثلاث ركوعات . ~~والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين اه (1) . وقد بلغت الاحاديث ~~التى انتقدت على مسلم 132 ، وعدد من انتقدوهم من رجاله 110 . وقال الحافظ ~~أبو زرعة الرازي (2) - وقد ذكر له كتاب مسلم - هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل ~~أوانه فعملوا شيئا يتسوقون به ، ألفوا كتابا لم يسبقوا إليه ، ليقيموا ~~لانفسهم رياسة قبل وقتها . وأتاه ذات يوم رجل بكتاب الصحيح من رواية مسلم ~~فجعل ينظر فيه فإذا حديث عن أسباط بن نصر . . ثم رأى في الكتاب قطن بن نسير ~~فقال : وهذا اطم من الاول ! قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ، ~~ثم نظر فقال : يروى عن أحمد بن عيسى المصرى في كتاب الصحيح ! ثم قال : ~~أيحدث عن هؤلاء ويترك محمد بن عجلان ونظراءه ويطرق لاهل البدع عليها فيجدوا ~~السبيل بأن يقولوا للحديث إذا احتج عليهم به ، ليس هذا من كتاب الصحيح . ~~وكان أبو زرعة يذم وضع هذا الكتاب . وروى مسلم عن أبى الزبير عن جابر ~~أحاديث ms292 كثيرة بالعنعنة وقد قال الحفاظ : أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس ~~المكى يدلس في حديث جابر ، وروى عن جابر وابن عمر في حجة الوداع حديثا ~~بروايتين قال ابن حزم فيهما : إحداهما كذب بلا شك . وروى حديث (خلق الله ~~التربة يوم الست) . وقال الحفاظ : إن مسلما لما وضع كتابه الصحيح عرضه على ~~أبى زرعة الرازي فأنكر عليه وتغيظ وقال : سميته الصحيح ! فجعلت سلما لاجل ~~البدع وغيرهم فإذا روى لهم المخالف حديثا يقولون : هذا ليس في صحيح مسلم . ~~ولما قدم مسلم الرى خرج إلى أبى عبد الله محمد بن مسلم بن واره فجفاه ~~وعاتبه على هذا الكتاب ، وقال له نحوا مما قال أبو زرعة ، فإعتذر إليه مسلم ~~وقال له : # --- # (1) ص 16 . (2) قال الامام أحمد عنه إنه حفظ 700 ألف حديث ، وقال أبو بكر ~~محمد بن عمر الرازي الحافظ كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ~~ألفا في التفسير - ص 4 من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P309 [ 310 ] # إنما أخرجت هذا الكتاب ، وقلت (هو صحاح) ولم أقل : إن ما لم أخرجه من ~~الحديث في هذا الكتاب ضعيف ! ولكن إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح ليكون ~~مجموعا عندي وعند من يكتبه عنى ، ولا يرتاب في صحتها ، ولم أقل إن ما سواه ~~ضعيف ، فقبل عذره وحدثه (1) اه باختصار . وأخرج مسلم أحاديث أقوام ترك ~~البخاري حديثهم لشبهة وقعت في نفسه (2) ذلك بأن أئمة النقل على إختلاف ~~مذاهبهم وتباين أحوالهم - في تعاطى اصطلاحاتهم يختلفون في أكثرها - فرب راو ~~هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان ~~وبالعكس ، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومن عندهما يتلقى معظم ~~شأن الحديث (3) . والكلام في نقد البخاري ومسلم طويل فنكتفي بما نورده هنا ~~. البخاري ومسلم - وما قيل فيهما قال الحافظ زين الدين العراقى في شرح ~~ألفيته في علوم الحديث - عندما ذكر مراتب الصحيح - قال محمد بن طاهر في ~~كتابه في شروط الائمة : شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجتمع على ثقة ~~نقلته إلى ms293 الصحابي المشهور - قال العراقى في شرح ألفيته : ليس ما قاله ابن ~~طاهر يجيد لان النسائي ضعف جماعة أخرج لهم الشيخان أو أحدهما اه . وقال ~~البدر العينى : في الصحيح جماعة جرحهم بعض المتقدمين . وفي العلم الشامخ ~~قال المقبلى : في رجال الصحيحين من صرح كثير من الائمة يجرحهم ، وتكلم فيهم ~~من تكلم بالكلام الشديد ، وإن كان لا يلزمهما إلا العمل بإجتهادهما . وقال ~~ابن الصلاح : احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح له كعكرمة # --- # (1) ص 60 - 63 شروط الائمة الخمسة للحازمي وشرحها . (2) ص 10 و11 شروط ~~الائمة الستة للقدسى . (3) 58 - 59 شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) # --- PageV01P310 [ 311 ] # مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أبى أويس وعاصم بن على ، وعمرو بن مرزوق ~~وغيرهم واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم وهكذا فعل أبو ~~داود (1) . قال الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في شرحه لالفية السيوطي : ~~وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين (2) . ومعلوم أن ~~التدليس (3) كان من أسباب الجرح . وفي شرح شروط الائمة الخمسة للشيخ محمد ~~زاهد الكوثري نقلا عن ابن الهمام (4) . وقد أخرج مسلم عن كثير ممن لم يسلم ~~من غوائل الجرح ، وكذا في البخاري جماعة تكلم فيهم ، فدار الامر في الرواية ~~على اجتهاد العلماء فيهم وكذا في الشروط حتى إن من اعتبر شرطا وألغاه آخر ، ~~يكون ما رواه الآخر مما ليس فيه هذا الشرط عنده مكافئا لمعارضة المشتمل على ~~ذلك الشرط ، وكذا فيمن ضعف راويا ووثقه الآخر . وأما الانتقاد عليهما من ~~جهة ما يتعلق بالمتون من جهة مخالفتهما للكتاب أو للسنة المتواترة ونحو ذلك ~~فلم يتصدوا له ، لان ذلك من متعلقات علماء الكلام والاصول (5) . تجافى ~~الرواية - عن أهل الرأى : قال القاسمي : تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل ~~الرأى - كالامام أبى يوسف والامام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث كما ~~ترى في ميزان الاعتدال وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما بل تقدمهما على ~~كثير من الحفاظ (6) وكذلك تجافى البخاري عن الرواية عن أئمة أهل البيت ~~النبوى ، وإليك كلمة قيمة في ms294 هذا الامر . قال العلامة عبد الحسين شرف الدين ~~في كتابه الفصول المهمة في تأليف الامة (7) # --- # (1) ص 41 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ص 36 . (3) راجع ما كتبناه عن التدلس ~~والمدليسين في كتابنا شيخ المضيرة . (4) ص 58 من شرح الشروط الخمسة . (5) ص ~~131 توجيه النظر . (6) ص 24 من كتاب الجرح والتعديل للقاسمى . (7) ص 168 ~~و169 من الطبعة الثانية . (*) # --- PageV01P311 [ 312 ] # وأنكى من هذا كله عدم احتجاج البخاري في صحيحه بأئمة أهل البيت النبوى ، ~~إذ لم يرو شيئا عن الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والزكى العسكري ~~وكان معاصرا له ، ولا روى عن الحسن بن الحسن ولا عن زيد بن على بن الحسين . ~~ولا عن يحيى بن زيد ولا عن النفس الزكية محمد بن عبد الله الكامل بن الحسن ~~الرضا بن الحسن السبط ولا عن أخيه إبراهيم بن عبد الله ولا عن الحسين الفخى ~~بن على بن الحسن بن الحسن ، ولا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ولا عن أخيه ~~إدريس ابن عبد الله ولا عن محمد بن جعفر الصادق ، ولا عن محمد بن إبراهيم ~~بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا ولا عن أخيه ~~القاسم الشرسى ، ولا عن محمد بن زيد بن على ، ولا عن محمد بن القاسم بن على ~~بن عمر الاشرف بن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري - ولا عن ~~غيرهم من أعلام العترة الطاهرة وأغصان الشجرة الزاهرة ، كعبد الله بن الحسن ~~وعلى بن جعفر العريضى وغيرهما . ولم يرو شيئا من حديث سبطه الاكبر وريحانته ~~من الدنيا أبى محمد الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة مع احتجاجه بداعية ~~الخوارج وأشدهم عداوة لاهل البيت (عمران ابن حطان) القائل في ابن ملجم ~~وضربته لامير المؤمنين عليه السلام : يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ~~ليبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لاذكره يوما فأحسبه * أوفى البرية عند الله ~~ميزانا هل أصح الاحاديث ما في الصحيحين : قال الامام كمال الدين ابن الهمام ~~في شرح الهداية : وقول من قال : أصح الاحاديث ms295 ما في الصحيحين ثم ما انفرد ~~به البخاري ، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ما اشتمل على شرطهما ، ثم ما اشتمل ~~على شرط أحدهما ، تحكم لا يجوز التقليد فيه ، إذ الاصحية ليست إلا لاشتمال ~~رواتهما على الشروط التى اعتبراها ، فإن فرض وجود تلك الشروط في رواة حديث ~~في غير الكتابين ، أفلا يكون الحكم بأصحية ما في الكتابين عين التحكم (1) ؟ . # --- # (1) ص 120 توجيه النظر وص 25 من شرح شروط الائمة الخمسة . (*) # --- PageV01P312 [ 313 ] # الاستدراك على البخاري ومسلم : قال النووي في شرح مسلم : استدرك جماعة ~~على البخاري ومسلم أحاديث أخلا بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه . ~~وقد ألف الامام الحافظ الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى (بالاستدراكات ~~والتتبع) ، وذلك في مائتي حديث مما في الكتابين ، ولابي مسعود الدمشقي ~~(صاحب الاطراف) استدراك عليهما وكذا لابي على الغساني في كتابه تقييد ~~المهمل . وقال : في أول شرح مسلم : وما يقوله الناس أن من روى له الشيخان ~~فقد جاوز القنطرة ! هذا من التجوه ولا يقوى . مثل غريب مما اتفق البخاري ~~ومسلم على روايته : روى البخاري عن ابن عمر قال النبي يوم الاحزاب : أن لا ~~يصلين أحد (العصر) إلا في بنى قريظة - قال ابن حجر : كذا وقع في جميع النسخ ~~عند البخاري ووقع في جميع النسخ عند مسلم (الظهر) مع اتفاق البخاري ومسلم ~~على روايته عن شيخ واحد بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه ! قال : ويظهر من ~~تغاير اللفظين أن عبد الله بن محمد شيخ الشيخين لما حدث به حدث فيه بلفظين ~~أو أن البخاري كتبه من حفظه ولم يراع اللفظ - كما عرف من مذهبه في تجويز ~~ذلك بخلاف مسلم فإنه يحافظ على اللفظ . وفي الصحيحين ما ينوف على مائتي ~~حديث من الغرائب وقد ألف الحافظ الضياء المقدسي في ذلك مؤلفا سماه (غرائب ~~الصحيحين) ذكر فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والافراد المخرجة في ~~الصحيحين (1) . # --- # (1) ص 31 من شرح شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) # --- PageV01P313 [ 314 ] # أصحية البخاري ومسلم وعند من تكون ؟ قال ابن أمير الحاج في ms296 شرح التحرير ~~ما معناه (1) : ثم مما ينبغى التنبه له أن أصحيتهما على ما سواهما تنزلا ~~إنما تكون بالنظر إلى من بعدهما ، لا المجتهدين المتقدمين عليهما ، فإن هذا ~~مع ظهوره قد يخفى على بعضهم ، أو يغالط به والله سبحانه أعلم . وقال الشارح ~~لهذا الكلام : يريد أن الشيخين وأصحاب السنن جماعة متعاصرون من الحفاظ أتوا ~~بعد تدوين الفقه الاسلامي ، واعتنوا بقسم من الحديث وكان الائمة المجتهدون ~~قبلهم أوفر مادة ، وأكثر حديثا ، بين أيديهم المرفوع والموقوف والمرسل ~~وفتاوى الصحابة والتابعين - ونظر المجتهد ليس بمقصور على قسم من الحديث - ~~ودونك الجوامع والمصنفات في كل باب منها تذكر هذه الانواع التى لا يستغنى ~~عنها المجتهد ، وأصحاب الجوامع والمصنفات قبل الستة من الحفاظ " أي أصحاب ~~الكتب الستة " أصحاب هؤلاء المجتهدين وأصحاب أصحابهم ، والنظر في أسانيدها ~~كان أمرا هينا عندهم لعلو طبقتهم ، لا سيما أو استدلال المجتهد بحديث تصحيح ~~له - والاحتياج إلى الستة والاحتجاج بها إنما هو بالنظر إلى من تأخر عنهم ~~فقط - ومما يلفت إليه النظر هنا أن بعض الحفاظ المتأخرين يتساهلون في عزو ~~ما يروونه إلى الاصول الستة وغيرها على اختلاف عظيم في اللفظ والمعنى . قال ~~العراقى في شرح ألفيته : إن البيهقى في السنن والمعرفة ، والبغوى في شرح ~~السنة وغيرهما يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم ثم يعزونه إلى البخاري ~~ومسلم مع اختلاف الالفاظ والمعاني ، فهم إنما يريدون أصل الحديث لا غزو ~~ألفاظه اه . ومن هذا القبيل قول النووي في حديث " الائمة من قريش " أخرجه ~~الشيخان ، مع أن لفظ الصحيح " لا يزال هذا الامر في قريش ما بقى منهم اثنان ~~" وبين اللفظين والمعنيين تفاوت عظيم كما ترى اه . وقد وضع الحافظ الرشيد ~~العطار كتابا على الاحاديث المقطوعة المخرجة في مسلم # --- # (1) ص 58 و59 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي . (*) # --- PageV01P314 [ 315 ] # سماه (الفوائد المجموعة في شأن ما وقع في مسلم من الاحاديث المقطوعة) وما ~~يقوله الناس : إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة فهو من التجوه ولا ~~يقوى ، فقد روى مسلم في كتابه عن ليث بن أبى ms297 سليم وغيره من الضعفاء . . ~~واعلم أن " أن وعن " مقتضيان للانقطاع " أي من المدلس " عند أهل الحديث ، ~~ووقع في مسلم والبخاري من هذا النوع شئ كثير ، فيقولون على سبيل التجوه : ~~ما كان من هذا النوع في غير الصحيحين فمنقطع ، وما كان في الصحيحين فمحمول ~~على الاتصال ! ! وروى مسلم في كتابه عن أبى الزبير عن جابر أحاديث كثيرة ~~بالعنعنة وقد قال الحفاظ : أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكى يدلس في ~~حديث جابر ، فما كان بصيغة العنعنة لا يقبل ذلك - وقد روى مسلم أيضا في ~~كتابه عن جابر وابن عمر في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وآله توجه ~~إلى مكة يوم النحر فطاف طواف الافاضة ثم صلى الظهر بمكة ثم رجع إلى منى ، ~~وفي الرواية الاخرى ، أنه طاف طواف الافاضة ثم رجع فصلى الظهر بمنى ~~فيتجوهون (1) ويقولون : أعادها لبيان الجواز ! وغير ذلك من التأويلات ! ! ~~قال ابن حزم في هاتين الروايتين : إحداهما كذب بلا شك . وروى مسلم أيضا ~~حديث الاسراء وفيه (ذلك قبل أن يوحى إليه) وقد تكلم الحفاظ في هذه اللفظة ~~وضعفوها - وروى مسلم أيضا حديث " خلق الله التربة يوم السبت " (2) ، وفي ~~مسلم أيضا عن أبى سفيان أنه قال للبنى " ص " لما أسلم : يا رسول الله أعطني ~~ثلاثا ، تزوج ابنتى أم حبيبة ، وابنى معاوية اجعله كاتبا ، وأمرني أن أقاتل ~~الكفار ، فأعطاه النبي ما سأل الحديث ، وفي هذا من الوهم ما لا يخفى ! فأم ~~حبيبة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وهى بالحبشة وأصدقها النجاشي ، ~~وأبو سفيان أسلم عام الفتح وبين الهجرة والفتح عدة سنين - وأما إمارة أبى ~~سفيان فقد قال الحفاظ : إنهم لا يعرفونها . . . ويذكرون عن الزبير بن بكار ~~بأسانيد ضعيفة ، أن النبي صلى الله عليه وآله أمره في بعض الغزوات ، وهذا ~~لا يعرف وما حملهم على هذا كله إلا بعض التعصب . وقد قال الحفاظ أن مسلما ~~لما وضع كتابه الصحيح عرضه على أبى زرعة الرازي ، فأنكر عليه وتغيظ وقال : ~~سميته الصحيح ، فجعلت سلما لاهل البدع # --- # (1) تجره - تعظم ms298 - تكلف الجاه وليس به ذلك . (2) ارجع في الكلام عن هذا ~~الحديث إلى كتابنا " شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P315 [ 316 ] # وغيرهم ، فإذا روى لهم المخالف حديثا يقولون ، هذا ليس في صحيح مسلم (1) ~~. وقد أوردنا من قبل كلاما غير ذلك مما قاله أبو زرعة وغيره في مسلم وكتابه ~~. قال الحازمى في شروط الائمة الخمسة تحت هذا العنوان ما يلى : (باب في ~~إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا ، إلى أن ~~يتصل الخبر بالنبي صلى الله عليه وسلم) إن هذا حكم من لم يمعن الغوص في ~~خبايا الصحيح ، ولو استقرأ الكتاب حق الاستقراء لوجد جملة من الكتاب ناقضة ~~عليه دعواه . وأما قول الحاكم : إن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن ~~عدلين إلى النبي (2) صلى الله عليه وسلم فهذا غير صحيح طردا وعكسا ، بل لو ~~عكس القضية وحكم كان أسلم له ، وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في ~~الحديث - وهو أبو حاتم محمد بن حبان البستى فقد قال : وأما الاخبار فإنها ~~كلها أخبار الآحاد لانه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية ~~عدلين روى أحدهما عن عدلين ، وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهى ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الاخبار كلها ~~أخبار الآحاد ومن اشترط ذلك فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن ~~إلا من رواية الآحاد . انتهى كلام ابن حبان . ومن سبر مطالع الاخبار عرف أن ~~ما ذكره ابن حبان أقرب إلى الصواب . انتهى (3) كلام الحازمى . هذه هي كتب ~~الطبقة الاولى من كتب الحديث أما الطبقة الثانية فهاك الكلام عنها بإيجاز ~~وهى سنن أبى داود والترمذي والنسائي (4) . # --- # (1) ص 61 و62 من هامش شروط الائمة الخمسة للحازمي ويراجع صفحة 310 من هذا ~~الكتاب . (2) أول حديث في البخاري وهو حديث إنما الاعمال بالنيات وآخر حديث ~~فيه أعنى حديث (كلمتان خفيفتان) فردان غريبان باعتبار المخرج كما نص على ~~ذلك الحفاظ البرهان البقاعي وغيره ص 31 ms299 من نفس المصدر . (3) ص 31 نفس ~~المصدر . (4) ذكر رجال الحديث أن الكتب التى تأتى درجتها بعد البخاري ومسلم ~~هي سنن أبى داود المتوفى سنة 275 ه وسنن النسائي - 303 - وجامع الترمذي - ~~279 - وقد جعلوا هذه الكتب الخمسة هي الاصول ، وزاد بعضهم عليها كتاب سنن ~~ابن ماجة - 375 وقال بعضهم إن الاحق بأن يكون الكتاب = (*) # --- PageV01P316 [ 317 ] # أبو داود هو الامام الفقيه أبو داود سليمان بن الاشعث الازدي السجستاني ~~رحمه الله ولد سنة 202 ه قدم بغداد مرارا ومات بالبصرة سنة 275 ه . قال ~~الخطابى : لم يصنف في علم الحديث مثل سنن أبى داود وهو أحسن وضعا وأكثر ~~فقها من الصحيحين ، حدث عنه الترمذي والنسائي ، وقال ابن كثير في مختصر ~~علوم الحديث : إن الروايات لسنن أبى داود كثيرة ، في بعضها ما ليس في ~~الاخرى . ومن أشهر رواة السنن عنه أبو سعيد بن الاعرابي ، وأبو علي اللؤلؤي ~~وأبو بكر بن داسه . وكانت همة أبى داود جمع الاحاديث التى استدل بها فقهاء ~~الامصار وبنوا عليها الاحكام ، فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين ~~والصالح للعمل ، ومن قوله : ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه . ~~وما كان به من حديث فيه وهن شديد فقد بينته . وقال أبو بكر بن داسه : سمعت ~~أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله 500 ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا ~~الكتاب - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث - ذكرت الصحيح وما يشبهه وما ~~يقاربه . وقد قالوا : إن سنن أبى داود تكفى المجتهد . وإنه يكفى منها لدينه ~~أربعة أحاديث " 1 " إنما الاعمال بالبيات " 2 " من حسن إسلام المرء تركه ما ~~لا يعنيه " 3 " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لاخيه ما يرضاه لنفسه " 4 " ~~الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات . وقد . فضلها بعضهم على ~~البخاري . وقد تفقه أبو داود هو والبخاري على فقهاء العراق . # --- # السادس هو سنن الدارمي المتوفى سنة 255 لان ابن ماجة قد أخرج أحاديث عن ~~رجال متهمين بالكذب وسرقة الاحاديث أما سنن الدارمي فإنه قليل ms300 الرجال ~~الضعفاء ويندر أن يكون فيه أحاديث منكرة أو شاذة وإن كانت فيه أحاديث مرسلة ~~وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه وهو حقا كما قالوا . (*) # --- PageV01P317 [ 318 ] # الترمذي هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الضرير رحمه الله ، ولد سنة ~~209 ه بترمذ وتوفى بها سنة 279 ه . قال ابن الاثير : في سنن الترمذي ما ليس ~~في غيرها من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح ~~والحسن والغريب . جمع كتابه واختصر فيه طريق الحديث اختصارا لطيفا وبين أمر ~~كل حديث من أنه صحيح أو ضعيف أو منكر . أما كتابه الجامع الصحيح له ففيه ~~أحاديث كثيرة منكرة (1) . قال الحفاظ ابن رجب في " سرح علل الترمذي " اعلم ~~أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح والحديث الحسن وهو ما نزل عن درجة ~~الصحيح وكان فيه بعض ضعف والحديث الغريب ، والغرائب التى خرجها ، فيها بعض ~~المناكير ولا سيما في كتاب الفضائل ولكنه يبين ذلك غالبا ولا يسكت عنه ، ~~ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه - حديثا بإسناد منفرد إلا ~~أنه قد يخرج حديثا مرويتا من طرق أو مختلفا في إسناده وفي بعض طرقه متهم ~~وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب ومحمد بن السائب الكلبى ، ~~نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ وعمن غلب على حديثه الوهم ، ويبين ذلك غالبا ولا ~~يسكت عنه وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت ~~على حديثهم كإسحاق ابن أبى فروة . والترمذي يخرج حديث الثقة الضابط ومن يهم ~~قليلا ومن يهم كثيرا ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه قليلا ويبين ذلك ولا ~~يسكت عنه . الترمذي أول من قسم الحديث : الترمذي هو أول من قسم الحديث صحيح ~~، وحسن ، وضعيف ، وكان قبله لا يقسم إلا إلى صحيح وغير صحيح . # --- # (1) ص 18 من كتاب اختصار علوم الحديث . (*) # --- PageV01P318 [ 319 ] # النسائي هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ولد في نسا من نيسابور ~~سنة 215 ه . قال الدار قطني خرج حاجا فامتحن ms301 بدمشق وأدرك الشهادة ، فقال ~~احملوني إلى مكة فحمل وتوفى بها ودفن بين الصفا والمروة وكانت وفاته سنة ~~303 ه . قال الذهبي : سئل بدمشق عن فضائل معاوية ، فقال : ألا يرضى رأسا ~~برأس حتى يفضل ! قال : فما زالوا يدفعونه حتى أخرج من المسجد . ثم حمل إلى ~~مكة فتوفى بها - كذا في هذه الرواية إلى (مكة) وصوابه (الرملة) - وأنه قال ~~: دخلت دمشق والمنحرف عن على بها كثير ، فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم ~~الله . وروايات النسائي تختلف اختلافا كثيرا ، والذى عد من " الاصول الخمسة ~~" - هو " المجتبى " المعروف بسنن النسائي الصغير ، رواية ابن السنى ، وأما ~~رواية ابن حيوة وابن الاحمر وابن قاسم فيقال لها النسائي الكبير . وقال ابن ~~كثير إن في سنن النسائي رجالا مجهولين إما اعتبارا وإما حالا ، وفيهم ~~المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة (1) . وهناك كتب أخرى لا نطيل ~~بذكرها ما داموا قد قالوا . إن هذه الكتب الخمسة " البخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسانى لم يفتها من أحاديث رسول الله إلا اليسير " . قال النووي ~~في التقريب (2) : " الصواب أنه لم يفت الاصول الخمسة إلا اليسير " وقد أشار ~~إلى ذلك السيوطي في ألفيته فقال : النووي - لم يفت الخمسة من * ما صح إلا ~~النزر فاقبله ودن وقال ابن خلدون بعد أن تكلم عن الموطأ وهذه هي الكتب ~~الخمسة (3) ، هذه هي المسانيد المشهورة في المللة وهى أمهات كتب الحديث في ~~السنة ، وإنها إن تعددت ترجع إلى هذه في الاغلب (4) . # --- # (1) ص 18 اختصار علوم الحديث . (2) ص 3 . (3) وأشهر الكتب المصنفة في ~~القرن الرابع : المعاجم الثلاثة للطبراني سنة 360 وسنن الدار قطني 385 ه ~~وصحيح ابن حبان البستى - 354 - وصحيح ابن خزيمة - 311 - ومصنف الطحاوي - ~~321 إلخ . (4) ص 418 من المقدمة . (*) # --- PageV01P319 [ 320 ] # وهاك كلمة للمسيو أميل درمنغهم قالها في كتاب حياة محمد : إن من المنابع ~~الاولى لسيرة محمد القرآن والسنة . فالقرآن هو أوثقها سندا ولكنه غير شامل ~~الشمول الكافي في هذا الموضوع ، وأما الحديث فبرغم جميع ما تحراه المحدثون ~~لا سيما البخاري في جمع أقوال الرسول والاحاطة بأقل ms302 إشارة من إشاراته ~~وترجمة الرجال الذين روى عنهم الحديث مسلسلا ومعنعنا لا يزال فيه كثير مما ~~هو محل للتهمة ومما هو موضوع إلخ . . . وعلق الامير شكيب أرسلان على كلام ~~درمنغهم بقوله : " . . هو غير معتقد بصحة كثير من الاحاديث حتى الوارد منها ~~في الصحيحين ، وهذا مشرب من المشارب الفكرية لا نقدر أن نؤاخذه عليه لا ~~سيما أن كثيرين من المسلمين ، ومن ذوى الحمية الاسلامية وممن لا ينقصهم شئ ~~من الايمان والايقان يشاركون المسيو " درمنغهم " في هذا الرأى . . . ولا ~~يرون من الواجب الدينى الايمان بكل ما جاء في الصحيحين وغيرهما من الاحاديث ~~لاحتمال ، أن يكون تطرق إليها التبديل والتغيير ، أو دخلها الزيادة ~~والنقصان ، إذ من المعلوم أنهم كانوا يروون الاحاديث بالمعنى . وإذا روى ~~الحديث بالمعنى لم يخل الامر من أن تتطرق إليه زيادات كثيرة قد يتغير بها ~~المعنى أو يبعد عن أصله ، إلى أن قال : والادلة التى تستظهر بها هذه الفئة ~~على وجوب عدم القطع بأكثر الاحاديث ولزوم التوقف في كثير مما يسارع الناس ~~فيه هي ما يلى : أولا : عدم إمكان رواية الاحاديث إلا النادر الاندر بدون ~~زيادة أو نقصان مما يعرفه كل إنسان من نفسه ، وذلك أنه إذا أراد أن يعيد ~~كلاما سمعه ولو بعد سماعه إياه بساعة من الزمن تعذر عليه سرده بحرفه . ~~ثانيا : كونهم يقولون إن ما لا يكاد يحصى من الاحاديث مروى بالمعنى ، ~~فيتغير فيه كثير من اللفظ . ثالثا : جواز السهو والنسيان مما لا يخلو منه ~~إنسان ولا يمكن الجدال فيه أصلا . رابعا : كون النبي صلى الله عليه وآله ~~نفسه أشار إلى وضع الاحاديث عليه في أيامه وأنه من أوثق الاحاديث قوله : ~~لقد كثرت على الكذابة ، فمن كذب على فليتبوأ مقعده من النار . # --- PageV01P320 [ 321 ] # ثم قال : ولا يزال الشك يحوم حول أحاديث كثيرة واردة في الصحاح ، وهذا ~~الشك ليس من جهة عدم الامانة في النقل - ولكن من جهة عدم استطاعة البشر إلا ~~ما ندر من رواية كل ما يسمعونه بحرفه ، أو من وصف كل حادثة كانوا فيها كما ms303 ~~وقعت بلا زيادة ولا نقصان ، وقد يكون اثنان في حادثة من الحوادث ويرويها كل ~~واحد منهما بشكل يختلف قليلا أو كثرا عن الآخر (1) . المستخرجات الاستخراج ~~أن يعمد حافظ من الحفاظ إلى البخاري مثلا فيورد أحاديثه حديثا حديثا ~~بأسانيد لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة من غير طرق البخاري إلى أن يلتقى ~~معه في شيخه أو فيمن فوقه ، لكن لا يسوغ للمخرج أن يعدل عن الطريق التى ~~يقرب فيها اجتماعه مع مصنف الاصل إلى الطريق البعيدة إلا لغرض مهم ، من علو ~~أو زيادة مهمة أو نحو ذلك - وربما ترك المستخرج أحاديث لم يجد له بها ~~إسنادا مرضيا ، وربما علقها عن بعض رواتها ، وربما ذكرها من طريق صاحب ~~الاصل . وقد اعتنى كثير من الحفاظ بالاستخراج لما فيه من الفوائد المهمة ~~وقصروا ذلك غالبا على صحيح البخاري وصحيح مسلم لكونهما العمدة في هذا العلم ~~" عند أهله " فممن استخرج على البخاري أبو بكر أحمد بن إبراهيم الاسماعيلي ~~، وأبو بكر أحمد ابن محمد البراقانى ، وممن استخرج على صحيح مسلم أبو جعفر ~~أحمد النيسابوري وأبو بكر محمد بن محمد بن رجا النيسابوري وهو ممن يشارك ~~مسلما في أكثر شيوخه وغيرهما كثير . . . ومن المستخرجين على كل منهما أبو ~~نعيم الاصفهانى وجماعة معه ، واستخرجوا كذلك على أبى داود والترمذي . . ~~وللمستخرجات فوائد كثيرة منها ما يقع فيها من زيادات في الاحاديث التى ~~يوردونها لم تكن في الاصل المستخرج عليه . وإنما وقعت لهم تلك الزيادات ~~لانهم لم يلتزموا إيراد ألفاظ ما استخرجوا عليه بل التزموا إيراد الالفاظ ~~التى وقعت لهم الرواية بها عن شيوخهم ، وكثيرا ما تكون مخالفة لها ، وقد ~~تقع المخالفة في المعنى أيضا - ومنها أن يكون مصنف الصحيح روى عمن # --- # (1) في ص 44 - 51 حاضر العالم الاسلامي ج 1 . (*) # --- PageV01P321 [ 322 ] # اختلط ، ولم يبين هل سماع ذلك الحديث في هذه الرواية قبل الاختلاط أو ~~بعده ! فيبينه المستخرج إما تصريحا ، أو بأن يرويه عنه من طريق من لم يسمع ~~منه إلا قبل الاختلاط ، ومنها أن يروى في الصحيح عن مدلس ms304 بالعنعنة فيرويه ~~المستخرج بالتصريح بالسماع . . ومنها أن يكون في الحديث مخالف لقاعدة اللغة ~~العربية فيتكلف لتوجيهه ويتمحل لتخريجه ، فيجئ في رواية المستخرج على ~~القاعدة فيعرف بأنه هو الصحيح ، وأن الذى في الصحيح قد وقع فيه الوهم من ~~الرواة (1) ! اه ببعض اختصار . وقال ابن الصلاح : الكتب المخرجة على ~~البخاري ومسلم لم يلتزم مصنفوها فيها موافقتهما في ألفاظ الحديث بعينها من ~~غير زيادة ونقصان ، لكونهم رووا تلك الاحاديث من غير جهة البخاري ومسلم ~~طلبا لعلو الاسناد ، فحصل فيها بعض التفاوت في الالفاظ - وهكذا ما أخرجه ~~المؤلفون في تصانيفهم المستقلة كالسنن الكبرى للبيهقي وشرح السنة لابي محمد ~~البغوي وغيرهما مما قالوا فيه : أخرجه البخاري أو مسلم ، فلا يستفاد من ذلك ~~أكثر من أن البخاري أو مسلما أخرج أصل ذلك الحديث مع احتمال أن يكون بينهما ~~تفاوت في اللفظ ، وربما كان تفاوتا في بعض المعنى (2) فقد وجدت في ذلك ما ~~فيه بعض التفاوت من حيث المعنى (3) . ولا نعرض لما في هذه المستخرجات من ~~تغيير في الالفاظ أو في المعاني أو في الزيادات ، فارجع إليها في كتبهم ، ~~وقد ميز الحميدى في الاكثر تلك الزيادات من ألفاظ الصحيح فيقول بعد سياق ~~الحديث (اقتصر منه البخاري على كذا) وزاد فيه البرقانى مثلا كذا ! أو نحو ~~ذلك وعدم التمييز إنما وقع في الاقل فإنه قد يسوق الحديث ناقلا له من ~~مستخرج البرقافى أو غيره ثم يقول : اختصره البخاري فأخرج طرفا منه ، ولا ~~يبين القدر الذى اقتصر عليه ، فيلتبس الامر على الواقف عليه ، ولا يزول عنه ~~اللبس إلا بالرجوع إلى أصله فارتفع عنه الملام في الاكثر (4) ، وقد مر بك ~~أنهم أعلوا أحاديث كثيرة مما رواه البخاري ومسلم ، وكذلك نجد في شرح ابن ~~حجر للبخاري # --- # (1) ص 141 و142 من توجيه النظر . (2) إلى متى تتفاوت ألفاظ الحديث ~~ومعانيها ؟ (3) ص 9 و10 من مقدمة ابن الصلاح . (4) ص 144 من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P322 [ 323 ] # والنووي لمسلم استشكالات كثيرة وألف عليها مستخرجات متعددة ، فإذا كان ~~البخاري ومسلم - وهما الصحيحان - كما يسمونهما - يجملان كل هذه العلل ms305 ~~والانتقادات وقيل فيهما كل هذا الكلام - دع ما وراء ذلك من تسرب بعض ~~الاسرائيليات وخطأ النقل بالمعنى وغير ذلك في روايتها إلى بعض كتب الاحاديث ~~ولا نقول المسانيد ! لانها في نفسها لا ثقة بها ، ولا اعتماد عليها ، لان ~~ما فيها كغثاء السيل . وقد قال فيها الائمة إنه لا يحتج بها ، ولا يركن إلى ~~ما فيها كما تراه قريبا . اللهم إنا نسألك أن تهيئ لهذا الدين القويم ، من ~~يحفظ أصوله ويصون قواعده ، فلا يغشاها ما ليس منها ، ولا يتسور عليها ذو ~~دخلة سيئة لها . مسند أحمد قد يقول القارئ ما بالنا لم نجد لمسند أحمد ذكرا ~~بين كتب الحديث التى جرى الكلام عنها وهو أوسعها رواية ، وأكثرها جمعا ، ~~حتى قيل إنه يحوى أربعين ألف حديث ! ! ومؤلفه إمام كبير وله مذهب من ~~المذاهب المتبعة تدين به طوائف كثيرة من المسلمين ؟ وإنا نقول إننا لم نعرض ~~لهذا الكتاب ولا إلى غيره من كتب المسانيد بالتفصيل - وهى كثيرة إلا لان ~~العلماء قد تكلموا فيها وقضوا بأنه لا يسوغ الاحتجاج بها ، ولا التعويل ~~عليها ، على أنا قد رأينا أن نتكلم عن مسند أحمد الذى هو أشهرها لنبين ~~للمسلمين حقيقته ، ونكشف عن درجته ، خاصة بين كتب الحديث ليقاس عليها درجة ~~سائر المسانيد . ويغنينا ذلك عن الكلام في غيره . وسنوطئ لذلك بصدر من ~~القول في بيان رتبة كتب المسانيد عامة بين كتب الحديث ، وحكم ما حملته من ~~الروايات ثم نتحدث عن مسند أحمد . # --- PageV01P323 [ 324 ] # كتب المسانيد دون الكتب الستة كتب المسانيد هي ما أفرد فيه حديث كل صحابي ~~على حدة ، من غير نظر للابواب ، وقد جرت عادة مصنفيها أن يجمعوا في مسند كل ~~صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحا كان أو سقيما ، ولذلك لا يسوغ الاحتجاج ~~بما يورد فيها مطلقا . قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته : كتب المسانيد غير ~~ملحقة بالكتب الخمسة التى هي الصحيحان وسنن أبى داود وسنن النسائي وجامع ~~الترمذي ، وما جرى مجراها في الاحتجاج بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقا ~~، كمسند أبى ms306 داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ، ومسند أحمد بن حنبل . ~~. . وأشباهها - فهذه جرت عادة مؤلفيها أن يخرجوا في سند كل صحابي ما رووه ~~من حديثه غير منقيدين بأن يكون حديثا محتجا به ، فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن ~~جلت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة ، وما التحق بها من الكتب ~~المصنفة على الابواب (1) . وقال ولى الله الدهلوى إن كتب المسانيد قد " ~~جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ ~~والصواب ، والثابت والمقلوب ، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال ~~عنها اسم النكارة المطلقة ، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ، ~~ومنه ما لم يخدمه لغوى لشرح غريب ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ~~ببيان مشكله ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله (2) . وقال النووي في تقريبه وهو ~~يتكلم عن كتب الحديث ومراتبها : وأما مسند أحمد بن حنبل وأبى داود الطيالسي ~~وغيرهما من المسانيد فلا تلتحق بالاصول الخمسة وما أشبهها ، في الاحتجاج ~~بها والركون إلى ما فيها اه (3) . # --- # (1) ص 15 من مقدمة ابن الصلاح . (2) ص 134 و135 ج 1 حجة الله البالغة . ~~(3) ص 5 . (*) # --- PageV01P324 [ 325 ] # الكلام في مسند أحمد : هذا بعض ما قالوه في رتبة كتب المسانيد عامة بين ~~كتب الحديث ، مما يكاد يكون إجماعا . أما مسند أحمد خاصة فإننا ننقل هنا ~~بعض كلام أئمة الحديث فيه مبتدئين بقول إمام الحنابلة - بعد أحمد - ابن ~~تيمية ، وليس علينا - بعد أن ننقل ما ننقل أن يغضب أحد ممن يزعمون في عصرنا ~~أنهم من رجال الحديث - لان الحق أحق أن يتبع ، وما سوينا هذا الكتاب إلا ~~لنرضى الحق وحده ، فإذا ما غضب غاضب ، فليكن غضبه من الحق لا منا . قال ابن ~~تيمية رحمه الله من كلام له عن أبى نعيم : إنه روى كثيرا من الاحاديث التى ~~هي ضعيفة بل موضوعة بإتفاق العلماء ، وهو وإن كان حافظا ثقة كثير الحديث ~~واسع الرواية لكن روى - كما هي عادة المحدثين أمثاله - يروون جميع ما في ~~الباب لاجل المعرفة بذلك ، وإن كان لا يحتج من ذلك ms307 إلا ببعضه - والناس في ~~مصنفاتهم ، منهم من لا يروى عمن يعلم أنه يكذب مثل مالك وشعبه ، وأحمد بن ~~حنبل - فإن هؤلاء لا يروون عن شخص ليس بثقة عندهم ولا يروون حديثا يعلمون ~~أنه عن كذاب من الذين يعرفون بتعمد الكذب لكن قد يتفق فيما يروونه ما يكون ~~صاحبه أخطأ فيه ، وقد يروى الامام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة ~~عندهم لاتهام رواتها بسوء الحفظ ونحو ذلك ليعتبر بها ويستشهد بها ، فإنه قد ~~يكون لذلك الحديث ما يشهد له أنه محفوظ ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ ، ~~وقد يكون صاحبه كذابا في الباطن ليس مشهورا بالكذب بل يروى كثيرا من الصدق ~~فيروى حديثه ، وكثير من المصنفين يعز عليه تمييز ذلك على وجهه بل يعجز عن ~~ذلك فيروى ما سمعه كما سمعه ، والدرك على غيره لا عليه (1) وقال رحمه الله ~~، وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروى ما رواه ~~أهل العلم ، وشرطه في المسند أن لا يروى عن (المعروفين # --- # (1) ص 15 ج 4 منهاج السنة . (*) # --- PageV01P325 [ 326 ] # بالكذب عنده) وإن كان في ذلك ما هو ضعيف . . وأما كتب الفضائل فيروى ما ~~سمعه من شيوخه سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، فإنه لم يقصد أن لا يروى في ذلك ~~إلا ما ثبت عنده ثم زاد ابن أحمد زيادات ، وزاد أبو بكر القطيعى زيادات وفي ~~زيادات القطيعى أحاديث كثيرة موضوعة (1) . وقال : إن أحمد بن حنبل كان يروى ~~ما رواه الناس وإن لم يثبت صحته . وكل من عرف العلم - يعلم : أنه ليس كل ~~حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول إنه صحيح - ولا كل حديث رواه في ~~مسنده يقول إنه صحيح ، بل أحاديث مسنده هي التى رواها الناس عمن هو معروف ~~عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه ، وقد يكون في بعضها علة تدل على أنه ضعيف ~~، بل باطل (2) . وقال يرد على من استشهد بحديث رواه أحمد وهو كذب : . . ~~وبتقدير أن يكون أحمد روى الحديث ، فمجرد رواية أحمد لا توجب أن ms308 يكون صحيحا ~~يجب العمل به ، بل الامام أحمد روى أحاديث كثيرة لتعرف ويبين للناس ضعفها ~~وهذا في كلامه وأجوبته أظهر وأكبر ، من أن يحتاج إلى بسط ، لا سيما في مثل ~~هذا الاصل العظيم - وهذا الكتاب (مسند أحمد) زاد فيه ابنه عبد الله زيادات ~~ثم إن القطيعى الذى رواه عن ابنه عبد الله زاد عن شيوخه زيادات فيها أحاديث ~~موضوعة باتفاق أهل المعرفة (3) . وقال في كتابه " قاعدة جليلة في التوسل ~~والوسيلة " : تنازع الحافظ أبو العلاء الهمداني والشيخ أبو الفرج ابن ~~الجوزى ، هل في المسند (4) حديث موضوع ؟ فأنكر الحافظ أن يكون في المسند ~~حديث موضوع وأثبت ذلك أبو الفرج ، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة ، ~~ولا منافاة بين القولين ، فإن الموضوع في اصطلاح أبو الفرج هو الذى قام ~~دليل على أنه باطل وإن # --- # (1) ص 27 ج 4 منهاج السنة . (2) ص 61 من المصدر نفسه . (3) ص 106 ج 4 ~~منهاج السنة . (4) أي مسند أحمد . (*) # --- PageV01P326 [ 327 ] # كان المتحدث لم يتعمد الكذب بل غلط فيه ، وأما الحافظ أبو السعود وأمثاله ~~فإنما يريدون بالموضوع المختلق الذى تعمد صاحبه الكذب (1) وهذا على قاعدة " ~~الكذب على من تعمد " أما رواية الكاذب غير المتعمد فلا تعد من الكذب ! ! ~~وكم جلبت هذه القاعدة على الدين من أضرار . وقال في " القاعدة " كذلك أن ~~أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الاعمال ما لم يعلم ~~أنه ثابت (2) . ومما قاله أحمد بن حنبل ووافقه عليه عبد الرحمن بن مهدى ~~وعبد الله بن المبارك (إذا روينا في الحلال والحرام شددنا ، وإذا روينا في ~~الفضائل ونحوها تساهلنا) . وفي كتاب اختصار علوم الحديث لابن كثير (3) . ~~وأما قول الحافظ أبى موسى محمد بن أبى بكر المدينى في مسند أحمد - إنه صحيح ~~، فقول ضعيف فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة كأحاديث فضائل مرو وعسقلان ~~والبرث الاحمر عند حمص وغير ذلك ، كما نبه عليه طائفة من الحفاظ ثم إن ~~الامام أحمد قد فاته في كتابه أحاديث كثيرة جدا بل قد قيل إنه لم ms309 يقع له ~~جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين . وقال العراقي : يرد ~~على من قال إن أحمد بن حنبل التزم الصحيح في مسنده : إنا لا نسلم ذلك ، ~~وأما وجود الضعيف في المسند فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة وقد جمعتها في ~~جزء ، ولعبدالله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع وحديث أنس : عسقلان ~~أحد العروسين يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفا لا حساب عليهم - ومما فيه ~~من المناكير حديث بريدة : " كونوا في بعث خراسان ثم انزلوا مدينة مرو فإنه ~~بناها ذو القرنين إلخ أما حديث برث فهو : يبعث الله منها سبعين ألفا لا ~~حساب عليهم ولا عذاب فيما بين البرث الاحمر وبين كذا ، وحديث عائشة في قصة ~~أم زرع في الصحيح ليس في مسند أحمد . وقال العلامة عبد الرحمن بن إسماعيل ~~المعروف بأبى شامة في كتابه " الباعث # --- # (1) ص 75 و76 . (2) ص 77 . (3) ص 18 و19 . (*) # --- PageV01P327 [ 328 ] # على إنكار البدع والحوادث " ، قال أبو الخطاب : أصحاب الامام أحمد يحتجون ~~بالاحاديث التى رواها في مسنده وأكثرها لا يحل الاحتجاج بها وإنما أخرجها ~~الامام أحمد حتى يعرف من أين الحديث مخرجه والمنفرد به أعدل أو مجروح ! ولا ~~يحل لمسلم عالم أن يذكر إلا ما صح لئلا يشقى في الدارين ، لما صح عن سيد ~~الثقلين أنه قال : " من حدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين " (1) ~~. وقال بعض الناظرين في مسند أحمد : الحق أن في المسند أحاديث كثيرة ضعيفة ~~وقد بلغ بعضها في الضعف إلى أن أدخلت في الموضوعات (2) . ولما أشكل قول ~~الامام أحمد : عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس في سنة عن رسول الله ~~رجع إليه (3) : أجيب عن ذلك بأن الامام أحمد شرع في جمع المسند فكتبه في ~~أوراق مفردة وفرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودة ، ثم جاء حلول ~~المنية قبل حصول الامنية فبادر بإسماعه لاولاده وأهل بيته ومات قبل تنقيحه ~~وتهذيبه ، فبقى على حاله ثم إن ابنه عبد الله ألحق به ما يشاكله وضم إليه ~~من مسموعاته ms310 ما يشابهه ويماثله ، فسمع القطيعى من كتبه من تلك النسخة . على ~~ما يظفر به منها فوقع الاختلاط من المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديما ، ~~فبقى كثير من الاحاديث في الاوراق والاجزاء لم يظفر بها ، فما لم يوجد فيه ~~من الاحاديث الصحاح من هذا القبيل (4) . ولما قال الامام أحمد : إن هذا ~~الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من 750 ألف حديث فما اختلف فيه المسلمون ~~من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه وإلا فليس ~~بحجة ، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي ، هذا القول منه على غالب الامر ~~وإلا فلنا أحاديث قوية في الصحيحين والسنن والاجزاء ما هي في المسند . وقدر ~~الله تعالى أن الامام قطع الرواية قبل تهذيب المسند # --- # (1) ص 55 . (2) ص 155 توجيه النظر . (3) في مقدمة ابن خلدون أن مسند أحمد ~~فيه 50 ألف حديث ولما أورد هذا الخبر محمد إسعاف لنشاشيبى في كتابه الاسلام ~~الصحيح ، أردفه بقوله " يالطيف . . . " وحقا يالطيف . . . (4) ص 30 و31 ج 1 ~~مقدمة مسند أحمد للشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله . (*) # --- PageV01P328 [ 329 ] # وقبل وفاته بثلاث عشرة سنة فتجد في الكتاب أشياء مكررة ودخول مسند في ~~مسند وسند في سند وهو نادر (1) وللحافظ ابن الجوزى كلمة في كتابه " صيد ~~الخاطر " بشأن المسند ننقلها بحروفها عن مقدمة الجزء الاول من المسند طبع ~~دار المعارف . فصل - كان قد سألني بعض أصحاب الحديث : هل في مسند أحمد ما ~~ليس بصحيح ؟ فقلت . نعم : فعظم ذلك جماعة ينسبون إلى المذهب ، فحملت أمرهم ~~على أنهم عوام ! وأهملت فكر ذلك ، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى فكتب فيها جماعة ~~من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمداني ، يعظمون هذا القول ويردونه ~~ويقبحون قول من قاله ! فبقيت دهشا متعجبا . وقلت في نفسي : واعجبا صار ~~المنتسبون إلى العلم عامة أيضا ! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث ولم يبحثوا ~~عن صحيحه وسقيمه ، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد ~~وليس كذلك ، فإن الامام أحمد روى المشهور والجيد والردئ ، ثم ms311 هو قد رد ~~كثيرا مما روى ولم يجعله مذهبا له . أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ ~~مجهول ! ومن نظر في كتاب العلل الذى صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة ~~كلها في المسند ، وقد طعن فيها أحمد . ونقلت من خط القاضى أبى يعلى محمد بن ~~الحسين الفراء في مسألة النبيذ قال : إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر ولم ~~يقصد الصحيح ولا السقيم ، ويدل على ذلك أن عبد الله قال : قلت لابي ، ما ~~تقول في حديث ربعى بن خراش عن حذيفة ؟ قال : الذى يرويه عبد العزيز بن أبى ~~داود ؟ قلت : نعم ، قال الاحاديث بخلافه ، قلت : فقد ذكرته في المسند ! قال ~~: قصدت في المسند المشهور ، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرو في هذا ~~المسند إلا الشئ بعد الشئ اليسير ، ولكنك يا بنى تعرف طريقتي في الحديث : ~~لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شئ يدفعه . قال القاضى : ~~وقد أخبر عن نفسه كيف طريقه في المسند ، فمن جعله أصلا للصحة فقد خالفه ~~وترك مقصده . # --- # (1) ص 31 من نفس المصدر . (*) # --- PageV01P329 [ 330 ] # قلت (أي ابن الجوزى) : قد غمني في هذا الزمان (1) أن العلماء لتقصيرهم في ~~العلم صاروا كالعامة ، وإذا مر بهم حديث موضوع . قالوا : فد روى (2) ! ~~والبكاء ينبغى أن يكون على خساسة الهمم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى ~~العظيم (3) . وقال ابن قتيبة في كتاب الاختلاف في اللفظ : قطع أحمد بن حنبل ~~رواية الحديث قبل وفاته بسنين كثيرة من سنة 228 ه على ما يذكره أبو طالب ~~المكى وغيره فدخل في الروايات عنه ما دخل من الاقوال البعيدة عن العلم ، ~~إما من سوء الضبط أو من سوء الفهم أو تعمد الكذب (4) . أحمد يروى عن صحابي ~~مرتد ! ! قال ابن حجر في فتح الباري : وقع في مسند أحمد حديث ربيعة بن أمية ~~ابن خلف الجمحى وهو ممن أسلم في الفتح وشهد مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله حجة الوداع وحدث عنه بعد موته ثم لحقه الخذلان ms312 فلحق في خلافة عمر ~~بالروم وتنصر بسبب شئ أغضبه - وإخراج حديث مثل هذا مشكل ولعل من أخرجه لم ~~يقف على قصة ارتداده (5) . هذا ما رأينا نقله مما قاله الائمة الكبار في ~~مسند أحمد وهو كاف في التعريف به وبيان قيمته في نفسه ، لا فيما هو مشهور ~~عنه ، وإنه من المصادر التى لا يعول عليها ، أو يحتج بها ، شأنه شأن سائر ~~المسانيد . # --- # (1) ولد ابن الجوزى سنة 510 ه ومات سنة 597 ه . (2) البلاء كله في كلمة ~~(قد روى) . (3) ص 56 و57 من مقدمة الجزء الاول من المسند طبع دار المعارف ، ~~التى أشرف عليها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله . (4) ص 53 . (5) ص 3 ج 7 فتح ~~الباري . (*) # --- PageV01P330 [ 331 ] # الجرح والتعديل بعد أن فرغنا من الكلام عن كتب الحديث نأخذ في الكلام عن ~~" الجرح والتعديل " فنقول : لما كان الوضع قد اقتحم على الرواية وشيبت ~~الاحاديث الصحيحة بغيرها واستساغ أهل الهوى ومن لا دين لهم ، وضع الاحاديث ~~على رسول الله إرضاء لاهوائهم ولاختلاف أحوال الرواة وما يوجد بينهم ممن لم ~~يتصف بصفتي الضبط والعدالة ، وهما الشرطان الواجبان لصحة الرواية ، نهض ~~علماء أجلاء لنقد رواة الحديث لكى يعرف الناس من الوقوف على تاريخهم ، درجة ~~ما يصدر عن رواياتهم ، وقد سموا هذا النقد " بالجرح والتعديل " . روى مسلم ~~عن محمد بن سيرين قال : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . وقال ~~: لم يكونوا يسألون عن الاسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم . ~~وقال النووي : إن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه . ~~لصيانة الشريعة المكرمة . وليس هو من الغيبة المحرمة ، بل من النصيحة لله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين . والنقد قد أمر به القرآن ودعا ~~إليه ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " ~~الآية ، وقال : " وأشهدوا ذوى عدل منكم " . وقال : " ممن ترضون من الشهداء ~~" وأثنى فقال : " نعم العبد إنه أواب " وذم فقال : " هماز مشاء بنميم ، ~~مناع للخير متعد أثيم ، عتل بعد ذلك زنيم " . ونقد الرجال واقع من ms313 عهد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سرد ابن عدى - المتوفى سنة 365 في مقدمة ~~كتاب الكامل - جماعة إلى زمنه ، فمن الصحابة ابن عباس (67) وعبادة بن ~~الصامت (34) ومن التابعين الشعبى توفى بعد المائة وابن سيرين (110) وسعيد ~~بن المسيب (190) . ويقولون إن شعبة الذى قال في الشعبى إنه أمير المؤمنين ~~في الحديث - هو أول # --- PageV01P331 [ 332 ] # من تكلم في الرجال ولد سنة 82 وتوفى 160 . وذكر كثيرا من النقاد في القرن ~~الثاني - ومما قاله في هذا القرن : إنه كان في أوائله من أوساط التابعين ~~جماعة من الضعفاء ، وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث - ~~فكانوا يرسلون كثيرا ويرفعون الموقوف - وكانت لهم أغلاط وكان أشهر النقاد ~~في آخر القرن الثاني الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان (198) وعبد ~~الرحمن بن مهدى (198) وكان للناس وثوق بهما فصار من وثقاه مقبولا ، ومن ~~جرحاه مجروحا . ومن اختلف فيه رجع الناس فيه إلى ما ترجح عندهم ، وأول من ~~جمع كلامه في الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان ، ثم تكلم من بعده ~~تلامذته مثل يحيى بن معين (233) وقد اختلفت آراؤه وعباراته في بعض الرجال ، ~~ومن تلامذة يحيى بن معين أحمد بن حنبل (241) وعلى بن المدينى (224) وغيرهم ~~. وممن تكلم كذلك في هذا الامر محمد بن سعد (230) كاتب الواقدي في طبقاته ~~وكلامه جيد مقبول . ولا نستوعب أسماء الذين تكلموا في الجرح والتعديل ، لان ~~ذلك ليس من غرضنا . أسباب الجرح والتعديل أسباب الجرح : وقال الحافظ ابن ~~حجر . أسباب الجرح مختلفة ومدارها على خمسة أشياء : البدعة ، أو المخالفة ، ~~أو الغلط ، أو جهالة الحال ، أو دعوى الانقطاع في السند ، بأن يدعى في ~~الراوى أنه كان يدلس أو يرسل (1) . # --- # (1) ص 111 ج 2 هدى السارى . (*) # --- PageV01P332 [ 333 ] # اختلافهم في الجرح والتعديل : إن علماء الجرح قد اختلفوا في الجرح ~~والتعديل باختلاف مذاهبهم وأحوالهم . قال الحازمى في " شروط الائمة الخمسة ~~" : إن أئمة النقل على اختلاف مذاهبهم وتباين أحوالهم في تعاطى اصطلاحاتهم ~~يختلفون في أكثرها ، فرب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح ~~عند يحيى ms314 بن سعيد القطان وبالعكس - وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ~~، ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث (1) . وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي : ~~قد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من أجلة أهل العلم وضعفوهم من قبل حفظهم ، ~~ووثقهم آخرون من الائمة لجلالتهم وصدقهم ، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما ~~رووا ، وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ، ثم روى عنه ، وكان ~~ابن أبى ليلى يروى الشئ مرة هكذا ، ومرة هكذا بغير إسناد ، وإنما جاء هذا ~~من قبل حفظه ، لان أكثر من مضى من أهل العلم كانوا لا يكتبون ، ومن كتب ~~منهم إنما كان يكتب لهم بعد السماع (2) . وإليك أمثلة من اختلافهم (3) ~~نوردها على سبيل ضرب المثل ، لا على سبيل الحصر ، لان ذلك يحتاج إلى مؤلف ~~برأسه : 1 - أحمد بن صالح المصرى ، أبو جعفر بن الطبري - أحد أئمة الحديث ~~الحفاظ المتقنين الجامعين بين الفقه والحديث أكثر عنه البخاري وأبو داود ~~ووثقه أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهم ، ولكن كان ~~النسائي سيئ الرأى فيه ذكره مرة فقال : ليس بثقة ولا مأمون ! 2 - أحمد بن ~~المقدام بن سليمان العجلى - وثقه أبو حاتم والنسائي وقال فيه أبو داود ، لا ~~أحدث عنه لانه كان يعلم المجان المجون . # --- # (1) ص 58 و59 . (2) ص 75 و76 توجيه النظر . (3) راجع صفحة 286 من هذا ~~الكتاب . وص 101 وما بعدها من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P333 [ 334 ] # 3 - خالد بن مخلد القطوانى الكوفى - من كبار شيوخ البخاري روى عنه وروى ~~عن واحد عنه قال العجلى ثقة فيه تشيع وقال أحمد بن حنبل له مناكير . ومن ~~إفراد البخاري له حديث من عادى لى وليا (1) . إلخ وقد عدوه من غرائب ~~البخاري وطعن الائمة في بعض رجاله - وقد خرجه أيضا من يروون الضعاف ~~والمناكير كابن أبى الدنيا والطبراني بأسانيد في كل منهما مقال . 4 - عكرمة ~~مولى ابن عباس احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم كما كذب عكرمة على ~~ابن عباس . وكذلك قال ابن سيرين لمولاه برد : لا ms315 تكذب على كما كذب عكرمة ~~على ابن عباس . 5 - الواقدي كذبه الشافعي ووثقه آخرون - وفي تهذيب التهذيب ~~: أنه لا خلاف في كونه من أعلم علماء الملة ! وتكلم الثوري في أبى حنيفة ، ~~وابن معين في الشافعي وتكلم الذهلى في البخاري . وقال صحاب العلم الشامخ : ~~قد اختلفت آراء الناس واجتهاداتهم في التعديل والترجيح ، فترى الرجل الواحد ~~تختلف فيه الاقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين وبأنه أكذب الناس ، أو قريب ~~من هاتين العبارتين . وإليك كلمة جامعة في هذا الامر للعلامة السيد رشيد ~~رضا رحمه الله . إن توثيق كل من وثقه المتقدمون وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل ~~يفتح باب الطعن في أنفسنا بنبذ الدليل ، والاخذ في مقدماته بالتقليد ، ~~ومخالفة هداية القرآن المجيد (2) . ولم يأخذ هذا العلامة بقاعدتهم في تعديل ~~الرجال على إطلاقها فقال : إن كل من قال جمهور رجال الجرح والتعديل ~~المتقدمون بعدالتهم فهو عدل وإن ظهر لمن بعدهم فيه من أسباب الجرح ما لم ~~يظهر لهم . إن المستقلين في الرأى # --- # (1) لما أورد الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد القطوانى من الميزان هذا ~~الحديث قال : إن هذا حديث غريب جدا ولولا هيبة الجامع الصحيح لعددته من ~~منكرات ابن مخلد اه . وانظر نص الحديث في كتابنا شيخ المضيرة . وهو مما ~~رواه أبو هريرة . (2) ص 615 ج 27 مجلة المنار . (*) # --- PageV01P334 [ 335 ] # لا يقبلون هذا القول ، ولهذا الكلام بقية ستراها في خاتمة الكتاب . وهذه ~~الاقوال وغيرها مما قرره هذا العلامة لم نر مثلها لاحد غيره من علماء أهل ~~السنة من المسلمين ، وكذلك لم نجد أحدا قد تعمق في دراسة الحديث ونفذ إلى ~~لبابه وفقهه في هذا العصر بل في عصور كثيرة مثله - ولا غرو فهو أكبر تلاميذ ~~الاستاذ الامام محمد عبده رحمه الله ، وصاحبه الذى نشر علمه وفسر مذهبه في ~~الدين وكمله وحفظه ودونه وكان منه كما كان أصحاب أبى حنيفة والشافعي من ~~صاحبهم كما بينا ذلك من قبل (1) . قال الوزير اليماني في الروض الباسم : ~~تجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوى فيوثقونه مرة ، ~~ويضعفونه ms316 أخرى ، وذلك لان دخول وهمه في حيز الكثرة - مما لا يوزن بميزان ~~معلوم - وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحرى والاجتهاد فصار النظر فيه كنظر ~~الفقهاء في الحوادث الظنية فلذا يكون لابن معين في الراوى قولان ! التوثيق ~~والتضعيف ونحو ذلك . . والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن ~~العدول . بل العصمة لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ (2) فقدوهم رسول الله ~~أنه صلى بعض الفرائض على الكمال فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ~~يا رسول الله ؟ والحديث في الصحيح . وقال " ص " رحم الله فلانا لقد ذكرني ~~آية كنت أنسيتها ، رواه مسلم . وفي الصحيحين عن عائشة أنها قالت في حق ابن ~~عمر : ما كذب ولكنه وهم (3) . وإليك مثلا في ذلك : أبو جعفر الرازي عيسى بن ~~ماهان - وقيل : عبد الله بن ماهان ، قال الذهبي : صالح الحديث ثم روى فيه ~~الاختلاف ، قال الحافظ عبد العظيم : قد اختلف قول ابن المدينى وابن معين ، ~~وأحمد بن حنبل ، فقال المدينى مرة : ثقة . وقال مرة : كان مخلطا ! وقال ~~أحمد مرة : ليس بقوى ، وقال # --- # (1) ص 34 . (2) أي تبليغ النبي عن الله . (3) ص 80 و81 ج 1 من الروض ~~الباسم . (*) # --- PageV01P335 [ 336 ] # مرة صالح الحديث ، وقال ابن معين مرة : ثقة ، يكتب حديثه إلا أنه يخطئ ، ~~وقال أبو زرعة الرازي يتهم كثيرا ، وقال الفلاس : سيئ الحفظ . . اضطربوا في ~~توثيقه لان معرفة حد الوهم الذى يجب معه ترك الصدوق ، دقيقة اجتهادية تكون ~~فيها للحافظ قولان كما يكون للفقيه قولان في دقيق مسائل الفقه (1) . وأكثر ~~الامام الشافعي من الرواية عن إبراهيم بن أبى يحيى الاسلمي ووثقه وخالفه ~~الاكثرون في ذلك ، وقال ابن عبد البر في تمهيده : أجمعوا على تجريح ابن ~~يحيى إلا الشافعي (2) . وإليك مثلا آخر : محمد بن إسحاق أكبر مؤرخ في حوادث ~~الاسلام الاولى قال قتادة : لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق ، ~~وقال فيه النسائي ، ليس بالقوى ، وقال سفيان : ما سمعت أحدا يتهم محمد بن ~~إسحاق ، وقال الدار قطني : لا يحتج به وبأبيه ، وقال مالك : أشهد أنه ms317 كذاب ~~(3) . الجرح مقدم على التعديل : قال ابن الصلاح : إذا اجمتع في شخص جرح ~~وتعديل فالجرح مقدم ، لان المعدل يخبر على ما ظهر من حاله والجارح يخبر عن ~~باطن خفى على المعدل ، فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى ، ~~والصحيح الذى عليه الجمهور أن الجرح أولى (4) . وقال الفيلسوف الحكيم ابن ~~خلدون وهو يتكلم عن السبب الذى حمل بعض الرواة على تقليل الرواية . وإنما ~~قلل منهم من قلل الرواية لاجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى # --- # (1) ص 135 و136 من نفس المصدر . (2) ص 163 من المصدر السابق . (3) ص 366 ~~فجر الاسلام . (4) ص 42 من مقدمة الصلاح . (*) # --- PageV01P336 [ 337 ] # تعرض في طرقها ، لا سيما أو الجرح مقدم عند الاكثر ، فيؤديه الاجتهاد إلى ~~ترك الاخذ بما يعرض مثل ذلك فيه من الاحاديث وطرق الاسانيد ، ويكثر ذلك ~~فتقل روايته لضعف في الطرق (1) . كلمة عامة ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن ~~علماء الجرح والتعديل قد بذلوا جهدا كبيرا في تمحيص ما روى من أحاديث رسول ~~الله مما يستحقون عليه الثناء الطيب والتقدير الحق . بيد أنهم على فضلهم ~~وتدقيقهم ، لم يبلغوا الغاية من عملهم ، إذ لا تزال كتب الحديث تحمل الكثير ~~من الاحاديث المشكلة ، أو التى يبدو عليها الوضع . ولم يكن ذلك عن تقصير ~~منهم - رحمهم الله - لانهم قد بذلوا كل طاقتهم في عملهم ، وإنما كان ذلك ~~لامر فوق قدرتهم البشرية ، ذلك بأن حكمهم على الرجال إنما كان (لظاهر ~~أحوالهم) وما وصل إلى علمهم من أخبارهم ، أما بواطنهم ، ودخائل نفوسهم ~~ومطويات ضمائرهم ، فهذا أمر من وراء إدراكهم لا يطلع عليه إلا علام الغيوب ~~، ورب رجل حسن السمت طيب المظهر ، إذا كشف عن دخيلته تبين لك سوء مخبره ، ~~وهذا أمر لا يمترى فيه أحد ، وقد تكلم فيه العلماء المحققون ، قال مجتهد ~~اليمن الوزير اليماني في الروض الباسم (2) : إن الاجماع منعقد على الاعتبار ~~بالظاهر دون الباطن ، ومن نجم نفاقه ، وظهر كفره يترك حديثه ومن (ظهر ~~إسلامه) وأمانته وصدقه قبل وإن كان في الباطن خلاف ما ظهر منه ، فقد ms318 عملنا ~~بما وجب علينا وبذلنا في طلب الحق جهدنا ، وقد كان رسول الله يعمل بالظاهر ~~ويتبرأ من علم الباطن ، وإلى ذلك الاشارة في هذه الآية بقوله : " لا تعلمهم ~~نحن نعلمهم " أي أنه صلى الله عليه وآله لم يمكن يعلم المنافقين وذلك في ~~الآية " 101 " من سورة التوبة ونصها : " وممن حولكم من الاعراب منافقون ، ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ~~ثم يردون إلى عذاب عظيم " . # --- # (1) ص 444 من المقدمة طبع بيروت . (2) ص 151 ج 1 . أضواء على السنة ~~المحمدية (*) # --- PageV01P337 [ 338 ] # وقال الدكتور طه حسين في كلمة قيمة (1) قرظ فيها كتابنا " الاضواء " وهو ~~يذكر ما بذله رجال الجرح والتعديل : وقد فطن المحدثون القدماء لهذا كله 8 ~~واجتهدوا ما استطاعوا في التماس الصحيح من الحديث وتنقيته من كذب الكذابين ~~وتكلف المتكلفين . وكانت طريقتهم في هذا الاجتهاد إنما هي الدرس لحياة ~~الرجال الذين نقلوا الحديث جيلا بعد جيل حتى تم تدوينه فكانوا يتتبعون كل ~~واحد من هؤلاء الرجال ويتحققون من أنه كان نقى السيرة صادق الايمان بالله ~~ورسوله . شديد الحرص على الصدق في حديثه كله وفي حديثه عن النبي خاصة ، وهو ~~جهد محمود خصب بذله المتقنون من علماء الحديث وأخلصوا فيه ما وجدوا إلى ~~الاخلاص سبيلا . ولكن هذا الجهد على شدته وخصبه لم يكن كافيا ، فمن أعسر ~~الاشياء وأشدها تعقيدا أن تتبع حياة الناس والبحث والفحص والتنقيب عن ~~دقائقها ، فمن الممكن أن تبحث وتنقب دون أن تصل إلى حقائق الناس ودقائق ~~أسرارها ، وما تضمر قلوبهم في أعماقها ، وما يمعنون في الاستخفاء به من ~~ألوان الضعف في نفوسهم ، وفي سيرتهم أيضا . ولم يكن بد إلى أن يضاف إلى هذا ~~الجهد جهد آخر ، وهو درس النص نفسه فقد يكون الرجل صادقا مأمونا في ظاهر ~~أمره بحيث يقبل القضاة شهادته إذا شهد عندهم . ولكن الله وحده هو الذى اختص ~~بعلم السرائر وما تخفيه القلوب ، أو تستره الضمائر ، وقد يكون الرجال الذين ~~روى عنهم حديثه صادقين مأمونين مثله يقبل القضاة شهادتهم إن ms319 شهدوا عندهم . ~~ولكن سرائرهم مدخولة تخفى دخائلها على الناس . فلا بد إذن من أن نتعمق نص ~~الحديث الذى يرويه عن أمثاله من العدول لنرى مقدار موافقته للقرآن الذى لا ~~يتطرق إليك الشك ولا يبلغه الريب من أي جهة من جهاته ، لانه لم يصل إلينا ~~من طريق الرواة أفرادا أو جماعات ، وإنما تناقلته أجيال الامة الاسلامية ~~مجمعة على نقله في صورته التى نعرفها . وهذه الاجيال لم تنقله بالذاكرة ~~وإنما تناقلته مكتوبا ، كتب في أيام النبي نفسه وجمع في خلافة أبى بكر ، ~~وسجل في المصاحف وأرسل إلى الاقاليم في خلافة # --- # (1) نشرت هذه الكلمة بجريدة الجمهورية المصرية الصادرة في 25 نوفبر 1958 ~~وقد افتتحنا بها هذه الطبعة من كتابنا . (*) # --- PageV01P338 [ 339 ] # عثمان ، فاجتمعت فيه الرواية المكتوبة ، والرواية المحفوظة في الذاكرة ، ~~وتطابقت كلتا الروايتين دائما ، فلا معنى للشك في نص من نصوص القرآن لانها ~~وصلت إلينا عن طريق لا يقبل فيها الشك . وإنا إذ نسوق ما سقناه من عرض ~~الحقائق على وجهها ، وإظهار وقائع التاريخ بعد تمحيصها ، لا نقصد وايم الله ~~أن ننال أحدا بسوء من عندنا ، وإنما لنبين في غير حرج أمر الصحابة على ~~حقيقته ، وأنهم أناس من الناس فيهم البر والآثم ، والصادق وغير الصادق ، ~~وأنهم كانوا يعيشون في الحياة ويستمتعون بها كما يعيش الناس ويستمتعون ، ~~وهذا كله لا يضر الاسلام في شئ وإن ضياءه ليشرق من كتابه العظيم على الناس ~~إلى يوم الدين . عدالة الصحابة إن أمر عدالة جميع الصحابة أمر خطير ، كثر ~~الكلام فيه ، وطال المراء حوله في كل العصور ، فهو من أجل ذلك يستحق ~~الاهتمام ، ويحتاج إلى العناية حتى يعتدل الرأى فيه ، ويزول الاختلاف عليه ~~. لقد اختلف المسلمون في هذه العدالة اختلافا كثيرا ، على حين أنها في ~~نفسها قضية مسلمة فصل القرآن والرسول فيها ، وهى بذلك لا تدعو إلى الخلاف ، ~~ولا تفتقر إلى جدال ، وهل يصح في قضية فصل القرآن والرسول فيها أن يدور ~~حولها خلاف أو جدال ؟ ؟ لقد غلا فيها قوم حتى قضوا بعدالتهم جميعا حتى من ~~انغمس منهم في ms320 الفتنة أو نزل الكتاب بنفاقه ، بحيث لا يجوز أن يوجه إلى ~~واحد منهم نقد ، أو تقابل روايته بشك ومن فعل ذلك فقد فسق (1) . وهذا لعمرك ~~إسراف في الثقة ، وإفراط في التقدير ، ثم هو غير ذلك يتعارض مع ما جاء في ~~الكتاب والسنة في الادلة القوية ، ولا يتفق والطبائع البشرية . إن القول ~~بعدالة جميع الصحابة ، وتقديس كتب الحديث يرجع إليهما كل ما أصاب الاسلام ~~من طعنات أعدائه ، وضيق صدور ذوى الفكر من أوليائه ! # --- # (1) ارجع إلى ردنا على العجاج وغيره بكتابنا " شيخ المضيرة " . (*) # --- PageV01P339 [ 340 ] # ذلك بأن عدالة جميع الصحابة تستلزم ولا ريب الثقة بما يروون ، وما رووه ~~قد حملته كتب الحديث بما فيه من غثاء - وهذا الغثاء هو مبعث الضرر وأصل ~~الداء . ولو نحن ذهبنا نحصى الاضرار التى أصابت المسلمين من وراء ذلك لطال ~~بنا سبيل القول - فنكتفي ببيان ضررين فحسب : أولهما : ذلك الخلاف الشديد ~~الذى ضرب في مفاصل الائمة وأعرق بين المسلمين من لدن عهد عثمان إلى اليوم ~~وما بعد اليوم ! فمزق صفوف المسلمين وجعلهم فرقا متباينة ، ونحلا متشاكسة ، ~~ومذاهب مختلفة ، إن في العقائد ، أو في العبادات ، أو في المعاملات ، وعلى ~~كثرة الاساة الذين عملوا على جمع شمل المسلمين في مئات السنين - لكى ~~يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا ، فإن سوس الخلاف لا يزال ، ولن يزال ~~ينخر في عظم الامة الاسلامية ، وهذا أمر مشهور غير منكور . وثانيهما : ما ~~يوجه كل يوم إلى الاسلام من طعنات دامية بسبب ما يوجد في كتب الحديث من ~~روايات تحمل الخرافات والجهالات ، وغير ذلك مما لا يقبله عقل صريح ، ولا ~~يؤيده علم صحيح ، حتى أطلقوا عليه اسم " دين الخرافات والاوهام " وأنه لا ~~يصلح لعصور العلم والعمران - ولا خلاف بأن الذين رووا هذه الاحاديث المشكلة ~~إنما هم الصحابة ، ثم تلقاها الرواة عنهم ودونها رجال الحديث في كتبهم . ~~فإذا نحن رفعنا صوتنا وقلنا : إن البلاء الذى يصيب الاسلام إنما يرجع إلى ~~أمرين : عدالة الصحابة المطلقة ، والثقة العمياء بكتب الحديث التى تجمع بين ~~الغث والسمين ، فإننا لا نبعد ولا ms321 نتجاوز الحقيقة . ولو نحن سلكنا السبيل ~~القويم ، والتزمنا الحجة الواضحة ، واتبعنا منطق العقل واتخذنا المنهج الذى ~~اتخذه علماء العصر في دراستهم للامور غير متأثرين بأى أثر تقليدي أو عاطفي ~~سواء في دراستنا لشخصيات الصحابة أو فيما رووه ، لبدا وجه الحق واضحا ، ~~ولظهر نور الاسلام ساطعا ، ولا عتصم المسلمون في مشارق الارض ومغاربها بحبل ~~الله متفقين غير متفرقين . # --- PageV01P340 [ 341 ] # ولان عدالة الصحابة كما قلنا أمرها خطير فقد رأينا أن نعقد هذا الفصل لكى ~~نضع هذا الامر في نصابه ، ولنبين بالادلة القوية التى لا يدنو الشك منها - ~~من كتاب الله وأحاديث رسوله ، وجه الصواب الذى يمنع من الزلل ويعصم من ~~الخطل . من هو الصحابي ؟ يجب علينا قبل أن نتكلم عن عدالة الصحابة : أن ~~نبين من هو الصحابي كما عرفوه . وأوفى تعريف له عند الجمهور ما ذكره ~~البخاري . قال البخاري في كتابه (1) : من صحب النبي صلى الله عليه وآله أو ~~رآه من المسلمين فهو صحابي (2) ! وقد شرح ابن حجر العسقلاني تعريف البخاري ~~بقوله : يعنى أن اسم صحبة النبي صلى الله عليه وآله مستحق لمن صحبه أقل ما ~~يطلق على اسم صحبة لغة وإن كان العرف يخص ذلك ببعض الملازمة ، ويطلق أيضا ~~على من رآه رؤية ولو على بعد . وهذا الذى ذكره البخاري هو الراجح ، إلا أنه ~~هل يشترط في الرائى بحيث يميز ما رآه أو يكتفى بمجرد حصول الرؤية - محل نظر ~~- وعمل من صنف في الصحابة يدل على الثاني ، فإنهم ذكروا مثل محمد بن أبى ~~بكر الصديق ، وإنما ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وأيام كما ثبت في ~~الصحيح أن أمه أسماء بنت عميس ولدته في حجة الوداع قبل أن يدخلوا مكة وذلك ~~في أواخر ذى القعدة سنة 20 ه . وقال على بن المدينى : من صحب النبي أو رآه ~~ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي . وكأنهم أيدوا تعريفهم هذا بما رووه عن ~~النبي من أنه قال : يغزو قوم فيقال : هل فيكم من رأى رسول الله فيفتح لهم . # --- # (1) ص 2 ج 3 فتح ms322 الباري . (2) قال العلامة المقبلى يرد على الذين أثبتوا ~~الصحبة لكل من رأى النبي : إنهم يصطلحون على شئ في متأخر الازمان ، ثم ~~يفسرون الكتاب والسنة باصطلاحهم المجرد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعى إنما ~~هي بحسب اللغة ، وكذلك سائر الالفاظ التى وردت فيها فضائل الصحابة ، لكن ~~المحدثين اصطلحوا وقضوا بغير دليل على أن الصحبة لكل من رآه النبي - أو رأى ~~هو النبي - ولو طفلا ! بشرط أن يكون محكوما بإسلامه ، ويشترط أن يموت على ~~ذلك ولا يرتد . . (*) # --- PageV01P341 [ 342 ] # وقال (1) في مقدمة كتاب الاصابة في تمييز الصحابة يعرف ما هو الصحابي : " ~~أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي - من لقى النبي صلى الله عليه وآله ~~مؤمنا به ومات على الاسلام ، فيدخل فيمن لقيه ومن طالت مجالسته له ، أو ~~قصرت ، ومن روى عنه ، أو لم يرو ، ومن غزا معه ، أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ~~ولو لم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعمى (2) أوجب العلماء - كما علمت في ~~الفصل السابق - البحث عن رواة الحديث ، فجرحوا من جرحوا ، وعدلوا من عدلوا ~~- وهم على حق في ذلك ، إذ لا يصح أن يؤخذ قول أي إنسان مهما كان بغير تمحيص ~~وتحقيق ونقد ، وعلى أنهم قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجبا تطبيقه على كل ~~راو مهما كان قدره - فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها ، إذ ~~اعتبروهم جميعا عدولا لا يجوز عليهم نقد ، ولا يتجه إليهم تجريح ، ومن ~~قولهم في ذلك : " إن بساطهم قد طوى " ، ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف ، ~~على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا كما بينا ~~لك - وسنبين - في هذا الكتاب . قال النووي في التقريب : الصحابة كلهم عدول ~~، من لابس الفتنة وغيرهم . وقال الذهبي في رسالته التى ألفها - في الرواة ~~الثقات (3) : ولو فتحنا هذا الباب (الجرح والتعديل) على نفوسنا لدخل فيه ~~عدة من الصحابة والتابعين والائمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بعضا - بتأويل ~~ما ! ! والله يرضى عن الكل ويغفر لهم ، فما هم بمعصومين ، وما اختلافهم ~~ومحاربتهم بالتى تلينهم عندنا ms323 . ثم قال : وأما الصحابة رضى الله عنهم ~~فبساطهم مطوى ، وإن جرى ما جرى ، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات ! ! ~~فما يكاد يسلم أحد من الغلط - ولكنه غلط نادر لا يضر أبدا ! إذ على عدالتهم ~~وقبول ما نقلوا - العمل وبه ندين الله تعالى . # --- # (1) أي ابن حجر (2) ص 4 (3) من ص 3 - 21 . (*) # --- PageV01P342 [ 343 ] # وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط وأوهام ، فمن ~~ندر غلطه في حديث ما احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له ~~أيضا ونقل حديثه وعمل به ، على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج بمن ~~هذا نعته وكثر تفرده . ومن فحش خطؤه لم يحتج بحديثه . وأما أصحاب التابعين ~~- كمالك والاوزاعي وهذا الضرب فعلى المراتب المذكورة . ووجد في عصرهم من ~~يتعمد الكذب أو من كثر غلطه فترك حديثه ، هذا مالك : هو النجم الهادى بين ~~الامة وما سلم من الكلام فيه ! ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك - فقد تكلم ~~فيه لعذر وأهين ! وكذا الاوزاعي ثقة حجة وربما انفرد ووهم وحديثه عن الزهري ~~فيه شئ ! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأى ضعيف . وحديث ضعيف - وكذا تكلم من ~~لم يفهم في الزهري لكونه خضب بالسواد ، ولبس لبس الجند ، وخدم هشام بن عبد ~~الملك - وهذا باب واسع . ومحمد بن إدريس الشافعي من سارت الركائب بفضله ~~ومعارفه وثقته وأمانته فهو حافظ متثبت نادر الغلط ، ولكن قال أبو عمر بن ~~عبد البر ، روينا عن محمد ابن وضاح قال : سألت يحيى بن معين عن الشافعي ~~فقال : ليس بثقة . وكلام ابن معين (1) في الشافعي إنما كان من فلتات اللسان ~~بالهوى والعصبية (2) ، فإن ابن معين كان من الحنفية وإن كان محدثا . وجعفر ~~بن محمد الصادق ، وثقه أبو حاتم والنسائي إلا أن البخاري لم يحتج به (3) ~~وسعيد بن أبى عروبة : ثقة إمام ساء حفظا بأخرة . وحديثه في الكتب إلا أنه ~~قدري - قاله أحمد بن حنبل . والوليد بن مسلم : عالم أهل دمشق ثقة حافظ لكنه ~~يدلس عن الضعفاء ، وحديثه في الكتب كلها ms324 . انتهى ما نقلناه من هذه الرسالة ~~باختصار . وقال الآمدي في الاحكام (4) : اتفق الجمهور من الائمة على عدالة ~~الصحابة ، وقال قوم : إن حكمهم في العدالة # --- # (1) يحيى بن معين من كبار أئمة الجرح والتعديل الذين جعلوا قولهم في ~~الرجال حجة قاطعة . (2) انظر كيف تفعل العصبية . وراجع صفحة 334 من هذا ~~الكتاب . (3) وإذا كان البخاري لا يحتج بمثل هذا العلم الشامخ فبمن يحتج ؟ ~~وانظر ما فعل البخاري بأئمة أهل البيت الذين تجافى الرواية عنهم فيما بيناه ~~لك من قبل . (4) ص 128 ج 2 . (*) # --- PageV01P343 [ 344 ] # حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الرواية ومنهم من قال : إنهم ~~لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع الاختلاف والفتن فيما بينهم ، وبعد ذلك فلا ~~بد من البحث في العدالة عن الراوى أو الشاهد منهم ، إذا لم يكن ظاهر ~~العدالة . ومنهم من قال : إن كل من قاتل عليا عالما منهم فهو فاسق مردود ~~الرواية والشهادة على الامام ، الحق ، ومنهم من قال : برد رواية الكل ~~وشهادتهم لان أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معين اه (1) . وقال ~~الغزالي في المستصفى : وزعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث . . ~~وقال قوم : حالهم العدالة في بداية الامر إلى ظهور الحرب والخصومات ثم ~~تغيرت الحال وسفكت الدماء ، فلا بد من البحث ومما يتكئ عليه من يعتقدون ~~عدالة جمع الصحابة قولهم إن رسول الله قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم ، وفي رواية فأيهم أخذتم بقوله . . . ولكن هذا الحديث باطل لا أصل ~~له . بحث قيم في الاختلاف عقد الامام المقبلى (2) في كتابه " العلم الشامخ ~~في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ " فصلا قيما عرض فيه لامر الاختلاف في ~~الدين واستطرد لامر الصحابة وعدالتهم ، نأتى به هنا ببعض اختصار لما فيه من ~~الفوائد الجزيلة والقواعد الجليلة . نوه الله سبحانه بالاختلاف في الدين ، ~~وكرر ذلك في كتابه العزيز لعلمه سبحانه وتعالى بضرره في الدنيا ، وكم كرر ~~ذلك في بنى إسرائيل قائلا : " وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم " ونحوها ، وصدق الله ms325 تعالى ، ما وجدنا الخلاف # --- # (1) قال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث قالوا : ومن عجيب شأنهم أنهم ~~ينسبون الشيخ إلى الكذب ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى ~~بن معين وعلى بن المدينى وأشباههما ، ويحتجون بحديث أبى هريرة فيما لا ~~يوافقه عليه أحد من الصحابة ، وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة - ص 10 و11 . ~~(2) هو الشيخ صالح مهدى المقبلى من علماء اليمن المجتهدين توفى سنة 1108 ه ~~كان في الاصل على مذهب الزيدية ، ثم طلب الحق بعدم التقليد فانتهى إلى ترك ~~التمذهب ، وقبول الحق الذى يقوم على الدليل ، وقد شهد له الامام الشوكاني ~~بالاجتهاد المطلق . رحمه الله ورضى عنه . (*) # --- PageV01P344 [ 345 ] # إلا في محل قد تبين الحق فيه . وقد تمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فنهى رسول الله عن مظان الخلاف ، وحذر منها كالجدل في القدر . وقال تعالى : ~~" لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم " ، وقال رسول الله : " اتركوني ما ~~تركتكم " ، وكمل الله سبحانه الدين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فلم ~~يبق شئ يقربنا إلى الجنة إلا بينه لنا ، ولا شئ يقربنا إلى النار إلا بينه ~~، وما عفا الله عنه وسكت عنه رسوله ، فلا يريد الله أن نبحث عنه بمجرد ~~عقولنا القاصرة ، فإنها إنما جعلت الدنيا في قدر محدود في علمه سبحانه ، ~~وجاءت الرسل بتتميم ما تتم به النعمة ، وتؤكد الحجة ، فما عدا ذلك فضول ~~يخاف ضرره ولا يرجى نفعه ، وقد قام بمراد الله في ذلك خير القرون فكانوا ~~يحاذرون الاختلاف أشد المحاذرة وما فرط منهم تلافوه أشد التلافى ، ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، كما كان من طلحة والزبير وعائشة رضى الله ~~عنهم ، ولقد صبر من بقى من الصحابة بعد خلافة النبوة على أمراء الجور أشد ~~الصبر ، إلى أن ظهرت البدع بسبب التنقير عما سكت الله عنه ورسوله ، ولو كان ~~لهم من ذلك خير لوقفهم الله على تلك المطالب على لسان رسوله ولم يتركهم ~~يتخبطون . ثم حدثت بين المسلمين أنفسهم نوادر كالكلام في القدر ومسألة ms326 خلق ~~القرآن والتعرض لما جرى بين الصحابة رضى الله عنهم ، واتصل بذلك المناظرة ~~عند الملوك والامراء وصارت عصبية ، والدعوى من الجانبين أن ذلك تدين ، وما ~~هو إلا أنهم لما تعدوا طورهم ولم يقفوا على حدهم ، الذى وقفهم الله ورسوله ~~صلى الله وسلم عليه ، تركهم الله وشأنهم ولبسهم شيعا ، وأذاق بعضهم بأس بعض ~~، فكان خليفة يوافق هؤلاء فيذيق مخالفيهم العذاب الاليم ، ويخلفه الآخر ~~وينقض ما فعله الاول وينكل بهؤلاء ، ويوطئ شأن هؤلاء ، حتى استحكم الشر ~~وصار الناس شيعا . تجد أحدهم ينتقل من مذهب إلى آخر بسبب شيخ ، أو دولة أو ~~غير ذلك من الاسباب الدنيوية والعصبية الطبيعية . كما رووا أن ابن عبد ~~الحكم أراد مجلس الشافعي بعد موته فقيل له ، قال الشافعي : الربيع أحق ~~بمجلسى ، فغضب وتمذهب لمالك وصنف كتابا سماه : الرد على محمد بن إدريس فيما ~~خالف فيه الكتاب والسنة . وهكذا ذكره ابن السبكى ، وقد علم الله سبحانه ~~والراسخون في العلم أن الحق لم يكن برمته عند فرقة ، والباطل عند البواقى ، ~~ولكن الحق والحمد الله # --- PageV01P345 [ 346 ] # لا يخرج عن مجموعهم ، وما الحق كله إلا عند من بقى على ما كان عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ولا بد له من الخطأ في اجتهاداته أيضا في المسائل ~~المعفو عن الخطأ فيها ، لا في المهمات . وقل لى : من ذا الذى وقف على ما ~~وقف ، وقنع بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يتمذهب ويؤثر ~~الاسلاف على الكتاب والسنة ويترك هذا الداء الدوى ، ويتمسك بالانصاف فيما ~~يأتي ويذر ؟ لا والله ما أعرف أحدا في هذه الكتب التى طبقت البسيطة إلا وقد ~~تخبط وخلط وتعسف لمذهبه وما أنصف ، ورد كتاب الله تعالى إلى عقيدته وحرف ! ~~وبعد أن تكلم عن أحوال المتكلمين ، أخذ يبين أحوال المحدثين فقال : وهؤلاء ~~المحدثون الذين يزعمون الثبوت على السنة وينهون عن الكلام (1) قد سرت فيهم ~~المفسدة أكثر منها في غيرهم ، لانهم قاعدون في طريق الشريعة ، والمفسدة ~~والحرب والفتك ، والحيات والعقارب والسموم والسباع في الجادة أعظم ضررا ~~منها ms327 في ثنيات الطريق ، مع أن داءهم جاء من الخوض في الكلام ، وصاروا أشد ~~عصبية من المتكلمين لان المتكلمين بنو أمرهم على التفتيش ، وأن لا يلام ~~الطالب على المباحثة وإيراد الاسئلة واختراع التعليلات ، بل يعدون ذلك ~~ظرافة وكمالا ، فربما انكشف للمتأخر مع تعاقب الانظار تقارب كلام الفريقين ~~ونحو ذلك ، كما انكشف لاتباع الاشعري بطلان الجبر ، ثم تشبثوا بالكسب ، ثم ~~تبين عواره ، فصاروا إلى مذهب المعتزلة من حيث المعنى كما مضى ، ، وليس ~~ثبوت الاختيار يختص بالمعتزلة حتى ينفر منه ، إنما هو دين الله وحجته . فمن ~~حقق من المتأخرين هون ما عظم سلفه ولانت عريكته ، وأما المحدثون فإنما ~~أخذوا شيئا بأول رؤية ثم لم ينقروا ، كأن ذلك بدعة وصدقوا ، ولكنه بدعة من ~~أوله إلى آخره ، فما لهم دخلوا فيه ! كأن دخولهم من غير نية ، لكن دس لهم ~~الشيطان : أنتم أهل السنة فمن يذب عنها إن تركتم هؤلاء ؟ فلا هم اقتصروا ~~على ما هم عليه ، ولا هم بلغوا إلى مقاصد القوم ليتمكنوا من الرد عليهم ! . ~~هذا الامام أحمد حفظه للسنة وتقدمه وتجريده نفسه لله سبحانه وتعالى لا يجهل ~~، لكنه لما تكلم في مسألة خلق القرآن وابتلى بسببها ، جعلها عديل التوحيد ~~أو زاد ! # --- # (1) أي علم الكلام . (*) # --- PageV01P346 [ 347 ] # حتى إنه بلغه أن محمد بن هارون قال لاسماعيل بن علية : يا بن الفاعلة ! ~~قلت القرآن مخلوق ! أو نحو هذه العبارة ! قال أحمد : لعل الله يغفر له ، ~~يعنى محمد ابن هارون ، وكان إسماعيل بن علية أحق أن يرجو له أحمد ، لانه ~~إمام مثله علما وورعا ، وإن فرض خطؤه فيما زعم أحمد ، فعفو الله أوسع ، وما ~~خطؤه فيها كمن يقعد في الخلافة خاليا عن صفاتها ويعوث (1) في الدماء ~~والاموال ! غفر الله لاحمد ، لقد بلغ في هذه المسألة ما أمكنه من التصعب ، ~~حتى صار يرد كل من خالفه فيها ولا يقبل روايته ، وهذه خيانة للسند ، فإن ~~الذى أوجب قبول خبر العدول يوجب قبول خبر هذا ، وها هو ذا يقول نروى عن ~~القدرية ، ولو فتشت البصرة وجدت ثلثهم قدرية . هكذا في ms328 تهذيب المزى وغيره . ~~وهذه المسألة لا تزيد على القدر لو كان للخلاف في المسألتين استقرار ، بل ~~زاد فصار يرد الواقف ويقول (فلان واقفى (2) مشئوم) بل غلا وزاد وقال : لا ~~أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين . مع أن أحمد ليس من ~~المتعنتين ولا من المتشددين . فمن شيوخه عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة ~~بن الزبير بن العوام ، قال فيه النسائي ليس بثقة ، وقال الدارقطني بتركه ، ~~وقال ابن معين : كذاب خبيث عدو الله ، ليس بشئ ، وقال : جن أحمد . يحدث عن ~~عامر بن صالح ؟ وقال الذهبي " واهن . لعل ما روى أحمد عن أحد أو هي منه ، ~~مع غلو الذهبي (3) في أحمد ورؤيته له بعين الرضا ، وعلى الجملة فلا يشك أن ~~رواته لم يكن فيهم بالشحيح ، إلا أن يكون من قبيل مسألة القرآن . فيا هذا ~~ما الذى عندك في القرآن والسنة ، إن القرآن ليس بمخلوق ؟ أو أنه مخلوق ؟ ~~وبحثك وبحث غيرك كلاهما بدعة ! والله وصف القرآن بأنه قرآن عربي " غير ذى ~~عوج " وقال جعلناه ونزلناه وفصلناه ولم يقل خلقناه ، ولم يقل ليس بمخلوق ، ~~فمن أين جئت بهذه السنة ، # --- # (1) يقال : عثى يعثى وعثا وفيه لغة أخرى عاث يعيث وهو أشد الفساد ص 43 من ~~كتاب " القرطين " (2) الواقف هو الذى لم يتكلم في مسألة خلق القرآن . (3) ~~وصف المقبلى الذهبي بأنه كان يتكلف الغمز في أهل البيت ويعمى عن مناقبهم ~~ويحابي بنى أمية ولا سيما المروانية . (*) # --- PageV01P347 [ 348 ] # ولما أجاب على بن المدينى الذى قال البخاري (1) : ما أستحقر نفسي عند أحد ~~إلا عنده فأجاب في المحنة فتكلموا فيه مع أنه عذر له لو أجاب في الترك كيف ~~مسألة خلق القرآن حتى تحاماه بذلك مسلم (2) مع تساهله في رجاله . وأعجب من ~~هذا أن الذابين عن على بن المدينى لم يجدوا من الذب إلا قولهم : روى عنه ~~فلان ، وروى عنه فلان أنه قال : من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر ! ومن قال ~~: إن الله لا يرى فقد كفر ! فهذا التنزيه إن صح هو الذى ينقم ms329 عليه به لانه ~~تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل ، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم ~~المؤمنين عائشة الصديقة رضى الله عنها ومن وافقها من الصحابة والتابعين في ~~نفى الرؤية - ولكن المحدثين لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام ، لانه غير ~~صنعتهم - وكل صاحب سلعة لا يعرف إلا سلعته ، فنقر عن هذا المعنى وخذ في كل ~~فن عن أئمته ، وإياك والدخيل فيه - وتراهم يكررونه فمن أرادوا تنزيهه أو ~~مدحه قالوا : من قال القرآن مخلوق فهو كافر - ذكروا هذا في جماعة ، منهم ~~ابن لهيعة وغيره بل قالوا : ترك المحاسبى ميراث أبيه وقال : أهل ملتين لا ~~يتوارث (3) لان أباه كان واقفيا . وقال يحيى بن معين أمير الجرح والتعديل : ~~كان عمرو بن عبيد دهريا ! قيل ، وما الدهرى ؟ قال ، يقول : لا شئ . . وما ~~كان عمرو هكذا . فلو طلبت أعظم المتكلمين ، بل القصاص المجازفين لا تكاد ~~تجد من يتجاسر هذا التجاسر على رجل علمه وزهده وتألهه مثل الشمس في الضحى ، ~~وقد تبعه شطر هذه البسيطة . وقال يحيى بن معين في عنبسة بن سعيد بن العاص ~~بن أمية ، ثقة - وهو جليس الحجاج ابن يوسف وكذا قال النسائي وأبو داود ~~والدارقطني ، بل روى له البخاري ومسلم ، وروى البخاري لمروان بن الحكم الذى ~~رمى طلحة وهو في جيشه ، والمتسبب في # --- # (1) من الذين تكلموا في مسألة خلق القرآن البخاري ونص قوله : أفعالنا ~~مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا . (2) مسلم بن الحجاج صاحب الكتاب المشهور . ~~(3) لعلها : يتوارثون . (*) # --- PageV01P348 [ 349 ] # خروجه على على ، وفعل كل طامة ، وقال ابن حجر العسقلاني وهو إمام في ~~المتأخرين (كامل) في ترجمة مروان : إذا ثبتت صحبته لم يؤثر الطعن فيه ! ! ~~كأن الصحبة نبوة ، أو أن الصحابي معصوم (1) ! وهو تقليد في التحقيق بعد أن ~~صارت عدالة الصحابة مسلم بها عند الجمهور . والحق أن المراد بذلك (الغلبة) ~~فقط ، فإن الثناء من الله تعالى ورسوله - وهو الدليل على عدالتهم - لم ~~يتناول الافراد بالنصوصية إنما غايته عموم ، مع أن دليل شمول الصحبة لمطلق ~~الرائى (2) . ونحوه ركيك جدا ، وليت شعرى من المخاطب الموصى ms330 ؟ وهل هو عين ~~الموصى به في نحو قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم ~~مثل أحد ذهبا لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه . فأنظر أسباب تلك الاحاديث (3) ~~هو وقوع شئ من متأخرى الاسلام في حق بعض السابقين ، كما قال لعمار رضى الله ~~عنه أيسبني هذا العبد ! وإذا أردت تعميم اسم الصحبة من الطرف الاعلى إلى ~~الادنى ، أعنى من السابقين إلى من ثبت له مطلق الرؤية ، فانظر مواقع ~~الممادح التى في الكتاب والسنة وافرق بين ما يقضي بالدرجة المنيفة التى أقل ~~أحوالها العدالة وما يقضى بنوع شرف ، مع أنه ربما جاء التفريق النبوى صريحا ~~كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض فقراء الصحابة : " هو خير من ملء الارض ~~مثل هذا " يعنى بعض الرؤساء من متأخرى الاسلام . وعلى الجملة فمن تتبع تلك ~~الموارد وسوى بين الصحابة فهو أعمى أو متعام ، فمنهم من علمنا عدالتهم ~~ضرورة وهو الكثير الطبيب ، ولذا قلنا (إنها غالبية فيهم) بحيث يسوغ ترك ~~البحث في أحوالهم ، ومن الصحابة نوادر ظهر منهم ما يخرج عن العدالة فيجب ~~إخراجه - كالشارب (4) - من العدالة لا من الصحبة ، ومنهم من أسلم خوف السيف ~~كالطلقاء (5) وغيرهم ، فمن ظهر حسن حاله فذاك ، وإلا بقى أمره * # --- # (1 ، 2) راجع تعريفهم للصحابي الذى بيناه لك من قبل بصحفة 341 . (3) قيل ~~هذا الحديث عندما تقاول عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد في بعض الغزوات ~~فأغلظ له خالد في المقال ، ولما بلغ ذلك رسول الله قال : لا تسبوا أصحابي ~~الحديث - فهو إذن في مناسبة خاصة - والحديث رواه مسلم . (4) أي شارب الخمر ~~. (5) كأبى سفيان ومعاوية . ومن معهما . (*) # --- PageV01P349 [ 350 ] # في حيز المجهول وهم في حيز الندور ، ومع هذا فالعدالة غير العصمة . وقد ~~غلا الناس فيمن ثبتت صحبته في التعنت في إثبات العدالة ، فلو سلمنا شمول ~~الصحبة ثم العدالة لم يبلغ الامر إلى الحد الذى عليه غلاة الرواة . ولو ~~نفعت الصحبة نحو بشر بن مروان على فرض الثبوت أو الوليد لتبين لنا ، أن ~~الصحبة لا يضر معها عمل غير ms331 الكفر فتكون الصحبة أعظم من الايمان ، ويكون ~~هذا أخص من مذهب مقاتل وأتباعه من المرجئة . ثم أين أحاديث (لا تدرى ماذا ~~أحدثوا بعدك) وهى متواترة المعنى ، بل لو ادعى في بعضها تواتر اللفظ لساغ ~~ذلك ، والمدعون للسنة ، ادعوا الصحبة أو ثبوتها لمن لم يقض له بها دليل ، ~~وفرعوا عليها ما ترى . ثم بنوا الدين على ذلك ألم يقل الله (إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا) في رجل متيقن صحبته (1) . ولم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة ، ~~ومنهم من شرب الخمر (2) ، وما لا يحصى مما سكت عنه رعاية لحق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، ما لم يلجئ إليه ملجئ دينى فيجب ذكره ، ومن أعظم الملجئات ~~ترتب شئ من الدين على رواية مروان والوليد بن عقبة (3) وغيرهما ، فإنها ~~أعظم خيانة لدين الله ومخالفة لصريح الآية الكريمة ، والنقم بذلك لا يعود ~~على جملة الصحابة بالنقص ، بل هو تزكية لهم فإياك والاغترار . ولا شك أن ~~البخاري من سادات المحدثين الرفعاء - فما ظنك بمن دونه ومع هذا تجنب ~~(البخاري) ما لا يحصى من الحفاظ العباد (4) ، كما تخبرك عنه كتب الجرح ~~والتعديل وعلي بن المدينى تجنبه مسلم . وقال العجلى في عمر بن سعد ابن أبى ~~وقاص تابعي ثقة روى عنه الناس . وهو الذى باشر قتل الحسين . فقل لى أي جرح ~~في الدين أكبر من هذا ! وهذا تنبيه . وإلا فهذا باب لو فتح وصنف فيه لكان ~~فنا كبيرا ، وكذلك سائر الكلام من المحدثين في مخالفيهم في العقائد فاختبره ~~، وشاهد هذه الدعوى من كتب الجرح ، فتأمل كلامهم في الموافق والمخالف ، ~~واجعله من شهادة الاعداء وأهل الاحن ، وليتهم جعلوا ذلك باطنا # --- # (1) أي أنه من الصحابة وهو الوليد بن عقبة . (2) كقدامة بن مظعون . (3) ~~هو الذى نزلت فيه الآية " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " . (4) انظر ما ~~ذكرناه من قبل في هذا الامر بصفحة 311 . (*) # --- PageV01P350 [ 351 ] # وظاهرا ، ولكن يقولون : نحن نروى عن المبتدعة ثم يعاملونهم هذه المعاملة ~~، قال يحيى بن معين - وقيل له في سعيد بن خالد البجلى حين وثقه (شيعي) قال ~~وشيعي ثقة ms332 ، وقدري ثقة ، وقال العجلى كذلك في عمران بن حطان ثقة وهو خارجي ~~مدح ابن ملجم (1) لعنه الله بقوله : يا ضربة من تقى ما أراد بها * إلا ~~ليبلغ من ذى العرش رضوانا فانظر عمن رضى بقتل على ، وعمن قتل طلحة ، وعمن ~~قتل السحين وتوثيقهم لهم ، وأما علماء الامة وحفاظها كحماد بن سلمة الامام ~~، ومكحول العالم الزاهد ، فتجنبهم مثل البخاري ومسلم أيضا ، وقد اختلفت ~~عقائد المحدثين ، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الاقوال حتى يوصف بأنه أمير ~~المؤمنين ، وبأنه أكذب الناس أو قريب من هاتين العبارتين ، وانظر الصحيحين ~~كم تحامى صاحباهما من الائمة الكبار الذين يتطلب النقم عليهم تطلبا ، ولو ~~نظر تجنب أفضلهم لاضمحل ، ولما أثر في ظن صدقهم إلا كقطرة دم في بحريم - ~~وفي رجالهما من صرح كثير من الائمة بجرحهم ، وتكلم فيهم من تكلم بالكلام ~~الشديد ، وإن كان لا يلزمهما - أعنى صاحبي الصحيحين - إلا العمل باجتهادهما ~~. وأعجب من هذا أن في رجالهما من لم يثبت تعديله ، وإنما هو في درجة ~~المجهول أو المستور . قال الذهبي في ترجمة حفص ابن بغيل : قال ابن القطان : ~~لا يعرف له حال ولا يعرف ، يعنى فهو مجهول العدالة ومجهول العين ، فجمع ~~الجهالتين قال الذهبي : لم أذكر هذا النوع في كتابي " الميزان " قال ابن ~~القطان : تكلم في كل ما لم يقل فيه إمام عاصر ذلك الرجل أو أحد ممن عاصره ~~ما يدل على عدالته وهذا شئ كثير ففى الصحيحين من هذا النمط خلق كثير ~~مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم مجاهيل ، وقال في ترجمة مالك بن الخير الزبادى ~~: في رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم . فانظر هذا ~~العجب . يروى عمن حاله ما ذكر ويترك أئمة مشاهير مصنفين ، لانهم قالوا بخلق ~~القرآن أو وقفوا أو نحو ذلك . والعجب هنا من مجاملة الذهبي بقوله : ولا هم ~~مجاهيل ، فمن لم يعلم عدالته لم تشمله أدلة قبول خبر الآحاد الخاصة بالعدول ~~، والاصطلاح على تسميته مستورا لا يدخله في العدول الذين # --- # (1) ابن ملجم هو الذى اقترف إثم ms333 قتل على رضى الله عنه . (*) # --- PageV01P351 [ 352 ] # تتناولهم أدلة قبول الآحاد ، فهذا تفريط وإفراط ! يترك أبا حنيفة ومحمد ~~بن الحسن وابن إسحاق وداود الظاهرى ، ومنهم من أذعن له الناس في المغازى ~~ومنهم من تبعه شطر أهل البسيطة ثم يروى عن مستور لا يعلم من هو ولا ما هو . ~~وليس مرادنا الحط من الصحيحين ، ولكن ليعلم أن الخلاف دخلت مفسدته في كل ~~شعب ، فهذا هو ما نحن بصدده من التنفير عن الخلاف فاعلمه (1) اه باختصار . ~~ثم قال المقبلى فيه ذيل هذا الكتاب المسمى بالاوراح النوافخ فيما شرح به ~~قوله (2) وادعوا الصحبة وأثبتوها لمن لم يقض له بها دليل : وجه هذا الكلام ~~ما كررناه أنهم يصطلحون على شئ في متأخر الازمان ثم يفسرون الكتاب والسنة ~~باصطلاحهم المجدد ، والصحبة ليس فيها لسان شرعى ، إنما هي بحسب اللغة وكذلك ~~سائر الالفاظ التى وردت بها فضائل الصحابة ، ولكن المحدثون اصطلحوا وقضوا ~~بغير دليل ، على أن الصحبة لكل من رأى النبي ، أو رأى هو النبي ولو طفلا ، ~~بشرط أن يكون محكوما بإسلامه ، ويموت على ذلك ولا يرتد ، ولا يشك منصف بل ~~عاقل أن هذه القيود أمر اصطلاحي لا تقضى اللغة بها ، لان الاشتقاق إنما هو ~~من صحب ، لا من رأى أو رئى تحقيقا أو تقديرا ، ليدخل الاعمى . وكان عليهم ~~أن يقولوا تقديرا قريبا أو نحوه ، ليخرج المعاصر الذى لم يره ، بل ليخرج كل ~~أحد ، إذ التقدير بحر واسع ، فهذا أصل الخطأ في هذه المسألة كما قد حذرناك ~~من هذه الغلطة التى وقع الناس كثيرا فيها . ثم بعد أن تم لهم تعريف الصحبة ~~ذيلوها باطراح ما وقع من مسمى الصحابي فمنهم من يتستر بدعوى الاجتهاد ، ~~دعوى تكذبها الضرورة في كثيرة من المواضع ومنهم من يطلق ! ويا عجباه من قلة ~~الحياء في ادعاء الاجتهاد لبسر بن أرطاة (3) # --- # (1) من صفحة 297 إلى صفحة 312 من كتاب العلم الشامخ . (2) ص 687 إلى 688 ~~. (3) نقل الحافظ ابن حجر في الاصابة أن معاوية وجه بسر بن أرطأة إلى اليمن ~~والحجاز وأمره أن ينظر ms334 من كان طاعة على فيوقع بهم ويقتلهم ، وهو الذى قتل ~~طفلين لعبيد الله بن عباس . ولامهما عائشة بنت المدان قصيدة في ذلك نكتفي ~~منها بهذا البيت : أنحى على ودجى ابني مرهفة * مشحوذة وكذلك الاثم يقترف ثم ~~وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر وتهيم على وجهها . (*) # --- PageV01P352 [ 353 ] # الذى انفرد بأنواع الشر لانه مأمور المجتهد معاوية ناصح الاسلام في سب ~~على بن أبى طالب وحزبه . وكذلك مروان والوليد الفاسق ، وكذلك الاجتهاد ~~الجامع للشروط في البيعة ليزيد ومن أشار بها ، وسعى فيها ، أو رضيها ، وما ~~لا يحصى . . والله ما قال قائلهم ذلك نصحا لله ولرسوله ، اللهم إلا مغفل لا ~~يدرى ما يخرج من رأسه - قد سلم مقدمات وغذا لحمه وعروقه بالهوى والتقليد ، ~~وعود جسمه ما اعتاد ، فصار بذلك غذاؤه . ثم أخذ يتجاسر في البناء على ذلك ، ~~كنظائر لها قلما يخلو منها أحد ، وإن اختلفت مكانتها في الدين . غايته أن ~~الورع يتحرز من الرضا بتلك الطوام ، فمن غاب عن المعصية ثم رضيها ، كان كمن ~~حضرها ، والعكس كما صرح به الحديث النبوى . . . اه (1) . الاخذ بعدالة جميع ~~الصحابة وإذا كان الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول ولم يقبلوا الجرح ~~والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة واعتبروهم جميعا معصومين من الخطأ ~~والسهو والنسيان فإن هناك كثيرا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة ~~(المطلقة) لجميع الصحابة وإنما # --- # (1) ممن جعلوهم من الصحابة من لمز النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات ~~ومنهم من آذاه وقال (هو أذن) ومنهم من اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا ~~بين المؤمنين ، ومنهم من كان في قلبه مرض ومنهم المعوقون ومنهم الذين ~~اعتذروا في غزوة تبوك وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، وحلفوا للنبى فقبل منهم ~~علانيتهم فنزل فيهم قوله تعالى (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون ، ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضو عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) ~~وفي هذه الغزوة هم أربعة عشر منافقا أن يفتكوا برسول الله ms335 في ظلمات الليل ~~عند عقبة هناك ولما انصرف النبي من هذه الغزوة إلى المدينة كان في الطريق ~~ماء يخرج من وشل بوادي المشقق فقال رسول الله : من سبقنا إلى ذلك الماء فلا ~~يسقين منه شيئا حتى نأتيه فسبقه إليه نفر من المنافقين واستقوا ما فيه ! ~~فلما أتاه رسول الله وقف عليه فلم ير فيه شيئا ، ولما علم النبي بأمر ~~المنافقين قال : أو لم ننههم أن يستقوا منه شيئا حتى نأتيه ثم لعنهم ودعا ~~عليهم . وبحسبك أن تجد أن في القرآن سورة ، تسمى سورة المنافقين . وسيأتيك ~~بيان مفصل عن المنافقين في غزوة تبوك . وروى البخاري عن زيد بن ثابت : لما ~~خرج النبي إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة منهم : نقتلهم ، وقالت ~~فرقة : لا نقتلهم ، نزلت الآية الكريمة : " فما لكم في المنافقين فئتين ~~والله أركسهم بما كسبوا . . . " الآية . قال الراغب في مفرداته (أركسهم أي ~~ردهم إلى كفرهم - والكلام في هذا الباب كثير جدا . أضواء على السنة (*) # --- PageV01P353 [ 354 ] # قالوا كما قال العلامة المقبلى إنها (أغلبية) لا عامة وإنه يجوز عليهم ما ~~يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو ، بل والهوى ويؤيدون رأيهم بأن ~~الصحابة إن هم إلا بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم ، مما يرجع إلى الطبيعة ~~البشرية ، وإن سيدهم الذى اصطفاه الله صلوات الله عليه " والله أعلم حيث ~~يجعل رسالته " قد قال : إنما أنا بشر أصيب وأخطئ - ويعززون حكمهم بمن كان ~~منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين والكاذبين وبأن كثيرا منهم قد ~~ارتدوا عن دينهم بعد أن انتقل إلى الرفيق الاعلى ، بله ما وقع منهم من ~~الحروب والفتن التى أهلكت الحرث والنسل ولا تزال آثارها - ولن تزال - إلى ~~اليوم وما بعد اليوم ، وكأن الرسول صلوات الله قد رأى بعينى بصيرته النافذة ~~ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الاعلى ، فقال في حجة الوداع : " ~~لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (1) " . وروى البخاري عن ابن ~~عباس عن النبي قال : (إنكم تحشرون حفاة عراة وأن أناسا من ms336 أصحابي يؤخذ بهم ~~ذات الشمال فأقول : أصحابي ! أصحابي ! فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على ~~أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم " . وروى مسلم هذا الحديث بلفظ " ليردن على ناس من أصحابي حتى إذا ~~عرفتهم اختلجوا من دوني ، فأقول : أصحابي فيقول : لا تدرى ماذا أحدثوا بعدك ~~" . وروى البخاري عن أبى هريرة عن النبي قال : بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى ~~إذا عرفتهم ، خرج رجل من بينى وبينهم قال : هلم ، قلت أين ؟ قال : إلى النار # --- # (1) سمعت أم سلمة الرسول يقول " إن من أصحابي من لا يرانى بعد أن أموت ~~أبدا . فخرج عبد الرحمن بن عوف من عندها مذعورا حتى دخل على عمر فقال : ~~اسمع ما تقول أمك ! فقام عمر حتى أتاها فدخل عليها فسألها ثم قال : أنشدك ~~الله ، أمنهم أنا ؟ قالت لا ولا أنى أبرئ أحدا بعدك . ذكر هذا الحديث في ~~مسندها من جامع المسانيد لابن الجوزى وعزاه السيوطي في الجامع الكبير إلى ~~أحمد والطبراني وسأل عمر وهو الذى فر منه الشيطان ! حذيفة هل أنا ممن عد لك ~~رسول الله من المنافقين ؟ قال : لا ولا أزكى أحدا بعدك - ص 92 من العلم ~~الشامخ للمقبلى . (*) # --- PageV01P354 [ 355 ] # والله ، قلت وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى . ~~ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم ، قال : هلم قلت : أين ~~؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال إنهم ارتدوا بعدك على ~~أدبارهم القهقرى . فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (1) . وفي رواية ~~أخرى أن النبي قال : يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلاون عن الحوض ، ~~فأقول : يا رب أصحابي . فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ~~ارتدوا على أدبارهم القهقرى . وأخرج عن سهل بن سعد قال : قال النبي : ~~ليوردن على أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بينى وبينهم ، قال أبو حازم ، ~~فسمعني النعمان بن أبى عياش فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت نعم ، فقال : ~~أشهد على أبى سعيد الخدرى لسمعته ms337 - وهو يزيد فيها - فأقول إنهم منى فيقال : ~~إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول : سحقا سحقا لمن غير بعدى . وأخرج من ~~حديث عن ابن عباس جاء فيه : وأن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال ، ~~فأقول : أصحابي ! أصحابي . . فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ~~منذ فارقتهم . . . الحديث . وأخرج البخاري أيضا في باب غزوة الحديبية عن ~~العلاء بن المسيب عن أبيه قال لقيت البراء بن عازب فقلت له : طوبى لك . ~~صحبت النبي صلى الله عليه وآله وبايعته تحت الشجرة ، فقال ؟ يا بن أخى : ~~إنك لا تدرى ما أحدثنا بعده ! وأخرج عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه ~~وآله أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول : ~~يا رب أصحابي ! فيقال : إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ، قال البخاري : تابعه ~~عاصم عن أبى وائل وقال حصين : عن أبى وائل ، عن حذيفة عن النبي صلى الله ~~عليه وآله . وأخرج عن أسماء بنت أبى بكر قالت : قال النبي صلى الله عليه ~~وآله إنى على الحوض حتى أنظر من يرد على منكم ، وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا ~~رب منى ومن أمتى ؟ # --- # (1) همل النعم الابل بلا راع أي لا يخلص منهم من النار إلا قليل . (*) # --- PageV01P355 [ 356 ] # فيقال : هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم - ~~قال البخاري فكان ابن أبى مليكه يقول : اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على ~~أعقابنا ونفتن عن ديننا . هذا بعض ما نقلناه من البخاري ومسلم وفيهما وفي ~~غيرهما كثير أعرضنا عنه خشية التطويل . المنافقون من الصحابة وما جاء عنهم ~~في سورة التوبة عن غزوة تبوك : ذكر البغوي وغيره عن ابن عباس أنه قال : لم ~~يكن رسول الله يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة وكان قبلها يعرف بعض ~~صفاتهم وأقوالهم وأفعالهم مما جاء عنهم في عدة سور نزلت قبل سورة براءة ، ~~منها سورة المنافقين والاحزاب والنساء والانفال والقتال والحشر . أما سورة ~~براءة فقد فضحتهم وكشفت جميع أنواع نفاقهم الظاهرة والباطنة ومن أجل ذلك ~~سميت ms338 (الفاضحة) والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والمثيرة ، والحافرة ~~والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب ! وإليك بيان أمورهم في غزوة تبوك ، ~~وحدها ، وأعمالهم وآيات نفاقهم ، وهتك أستارهم وعقابهم مرتبة على سياق آيات ~~سورة التوبة لا على الحروف (1) : 1 - استئذانهم في التخلف وهو لا يقع من ~~مؤمن ، وإنما يستأذن ترك الجهاد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة (467) . 2 - ~~لو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة (471) 3 - إن الله كره انبعاثهم فثبطهم ~~(471) 4 - إنهم لو خرجوا في المؤمنين لم يزيدوهم إلا خبالا ، ويبغون فتنتهم ~~(473) . # --- # (1) هذا الفصل منقول عن الجزء العاشر من تفسير القرآن الحكيم للامامين ~~محمد عبده ومحمد رشيد رضا رضى الله عنهما والارقام الموضوعة هي أرقام ~~الصفحات من هذا الجزء . (*) # --- PageV01P356 [ 357 ] # 5 - أنهم اتبعوا الفتنة من قبل تبوك في غزوة أحد ، إذ أوقعوا الشقاق في ~~المسلمين وثبطوا بعضهم (474) . 6 - أنهم قلبوا الامور للنبى من أول الامر ~~إلى أن جاء الحق بنصره وظهور أمر الله وهم كارهون لذلك (475) . 7 - أن منهم ~~من استأذن النبي في القعود معتذرا بأنه يخاف على نفسه الافتتان بجمال نساء ~~الروم فسقطوا في فتنة معصية الله ورسوله بالفعل (477) . 8 - أن كل حسنة ~~تصيب النبي تسوءهم ، وكل مصيبة تعرض له تسرهم ، ويرون أنهم أخذوا بالحزم في ~~التخلف (478) . 9 إن المؤمنين يتربصون بالمنافقين عذاب الله مباشرة أو ~~بأيديهم (479) . 10 أن صدقاتهم لا تقبل لفسوقهم ولكفرهم وإتيانهم الصلاة ~~وهم كسالى وإنفاق ما ينفقون وهم كارهون (481) . 11 تعذيبهم بأموالهم ~~وأولادهم في الدنيا وموتهم على كفرهم (485 : 474) . 12 حلفهم للمؤمنين ~~بأنهم منهم ، ووصف خيبتهم وفرقهم منهم (485) . 13 لمز بعضهم للرسول في ~~الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا ، وإلا سخطوا (487) . 14 - ايذاؤهم له صلى ~~الله عليه وآله بقولهم : هو أذن (516) . 15 - حلفهم للمؤمنين ليرضوهم دون ~~إرضاء الله ورسوله (522) . 16 - حذرهم إنزال سورة تنبئهم بما في قلوبهم ~~ووعيدهم على استهزائهم بإخراج ما يحذرون (525) . 17 - اعتذارهم عن ~~استهزائهم بأنهم كانوا يقصدون الخوض واللعب ، وكون هذا الخوض عين الكفر ، ~~ووعيدهم بتعذيب طائفة منهم بإصرارهم على إجرامهم واحتمال العفو عن طائفة ~~أخرى (528 - 532) . 18 - بيان ms339 حال المنافقين وصفاتهم العامة ذكرانا وإناثا ~~، وإيقادهم هم والكفار نار جهنم ولعنهم إلخ (533) . # --- PageV01P357 [ 358 ] # 19 - تشبيههم بمنافقى الامم الغابرة في كونهم لا حظ لهم إلا الاستماع بما ~~ذكروا في خوضهم بالباطل وحبوط أعمالهم في الدنيا والآخرة مثلهم وخسارهم ~~التام (527) وتذكيرهم بنبأ أقوام الانبياء قبلهم (539) 20 - إن المنافقين ~~هم الفاسقون . الآية (67) . 21 - قرنهم بالكفار في وجوب جهادهم والاغلاظ في ~~معاملتهم ووعيدهم (549) 22 - حلفهم على إنكار ما قالوا من كلمة الكفر ، ~~وإثبات الله لما نفوه (ولهمهم بما لم يانلوا) أي محاولة اغتياله " ص " (551 ~~- 555) . 23 - من عاهد الله منهم على الصدقة في حالة العسر وإخلافه وكذبه ~~بعد الغنى واليسر وإعقابهم ذلك نفاقا يصحبهم إلى الحشر ، وجهلهم علم الله ~~بحالهم في السر والجهر (558) . 24 - لمزهم وعيبهم للمؤمنين في الصدقات ~~وسخريتهم منهم (563) . 25 - حرمانهم الانتفاع باستنفار الرسول لهم بكفرهم ~~حتى بالله ورسوله لا يرجى اهتداؤهم بالرجوع عن قسوتهم (666) . 26 - فرح ~~المخلفون منهم بمقعدهم خلاف رسول الله وتواصيهم بعدم النفر في الحر ~~وتذكيرهم بحر جهنم (569) . 27 - كون الاجدر بهم أن يحزنوا ، ويضحكوا قليلا ~~ويبكوا كثيرا (572) . 28 - نهيه صلى الله عليه وآله عن الصلاة على موتاهم ~~وتعليله بكفرهم وموتهم عليه (573) . 29 - استئذان أغنيائهم بالتخلف عن ~~الجهاد كلما نزلت سورة تأمر بالجمع بين الايمان والجهاد (581) 30 - حال ~~الاعراب واستئذان بعضهم بالقعود عن الجهاد ، وقعود الكاذبين بغير اعتذار ~~ووعيدهم بعذاب أليم على الكفر (583) . نكتفي بذلك من صفات المنافقين في ~~غزوة تبوك التى جاءت بسورة التوبة ومن أراد المزيد من معرفة سائر أعمال ~~المنافقين فليرجع إلى سور المنافقين والاحزاب والنساء والانفال والقتال ~~والحشر . # --- PageV01P358 [ 359 ] # وفي الصحيحين من حديث الافك أن أسيد بن الخضير قال لسعد بن عبادة : إنك ~~منافق ، تجادل عن المنافقين . واختصم الفريقان فأصلح النبي بينهم - فهؤلاء ~~البدريون فيهم من قال لآخر منهم : إنك منافق ولم يكفر النبي لا هذا ولا ذاك ~~. والاخبار في ذلك كثيرة ومن شاء أن يقف على أسماء المنافقين من الخزرج ~~والاوس فيلرجع إلى الجزء الاول من أنساب الاشراف يجد أسماءهم قد ملات عشر ms340 ~~صفحات كاملة من صفحة 274 إلى 283 . يفضلون التجارة واللهو عن الصلاة : ولا ~~بأس أن نورد هنا ما صنعه الصحابة مع رسول الله وانفضاضهم من حوله إلى ~~التجارة واللهو ، وتفضيل ذلك على الصلاة وتركهم إياه قائما وحده يصلى يوم ~~الجمعة وذلك بعد أن أمرهم الله سبحانه بأن يسعوا إلى الصلاة ويتركوا البيع ~~، لان ذلك خير لهم (إن كانوا يعلمون) فخالفوا عن أمر الله ، وانصرفوا إلى ~~تجارتهم ولهوهم من حول رسول الله ! وإليك هذه الآية الكريمة التى تفضحهم ~~قال تعالى : (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، قل ما ~~عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين " 9 - 11 سورة ~~الجمعة . نفاق الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده : وإليك ~~حديثا رواه البخاري وغيره (1) عن حذيفة بن اليمان يبين فيه نفاق الصحابة ~~على عهد النبي صلى الله عليه وآله وبعده . قال حذيفة : إن المنافقين اليوم ~~شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ~~! وفي رواية أخرى للبخاري كذلك عنه : قال : إنما كان النفاق على عهد النبي ~~صلى الله عليه وآله فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الايمان وفي رواية : ~~فإنما الكفر والايمان . وأخرج البزار عن أبى وائل ، قلت لحذيفة : النفاق ~~اليوم شر أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : فضرب بيده على ~~جبهته وقال : أوه ! هو اليوم ظاهر ، # --- # (1) ص 62 و63 ج 13 فتح الباري . (*) # --- PageV01P359 [ 360 ] # إنما كانوا يستخفون على عهد رسول الله ! وأنا نعزز هذا الفصل بكلمة ~~للدكتور طه حسين في كتابه القيم (عثمان) أشار فيها إلى أمر الفتنة التى ~~وقعت في عهد عثمان وكلام المؤرخين فيها . إن الناس وقفوا من الاحداث أيام ~~عثمان ، ومن نصيب عثمان منها ، مواقف متباينة أشد التباين ، فقوم أراحوا ~~أنفسهم جملة وقالوا إن أكثر هذه الاحداث مكذوب مصنوع لم يصح وقوعه ، وإنما ~~تكلفه المتكلفون ، أراد بعضهم به الكيد للاسلام ، ودفع بعضهم إليه بما كان ~~من الخصومة العنيفة بين الاحزاب وهم ms341 من أجل ذلك يرفضون أكثر الاحداث ويرون ~~فيما يقبلون منها أنها أمور ليست بذات خطر ذهب فيها الامام مذهب الاجتهاد ، ~~فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ، وهو على كل حال لم يرد إلا الخير ، ~~ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير ، وهم يرون مثل هذا الرأى فيما ~~يقبلون من الروايات التى تتحدث ببعض ما كان بين عثمان وأصحاب النبي من ~~الخصومة - أكثر هذه الروايات عندهم مكذوب مصنوع وقليل منها يقبل على ما مضى ~~من التأويل - أي على أنه كان نتيجة الاجتهاد ، ومن اجتهد فأصاب فله أجران ~~ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد . وأكثر الذين يذهبون هذا المذهب إنما يدفعون ~~إليه ، لانهم يقدسون ذلك العصر من عصور الاسلام ، ويكرهون أن يحملوا على ~~أصحاب النبي ما يحمل عادة على الذين يستقبلون أمور الدنيا بما في نفوسهم من ~~استعداد للمنافسة والاصطراع حول أعراض وأغراض لا تلائم قوما صحبوا رسول ~~الله ، وأبلوا في سبيل الله أحسن البلاء وأسسوا الدولة بما أنفقوا في ذلك ~~من دمائهم وأموالهم وجهودهم فهم يخطئون ويصيبون ، ولكنهم يجتهدون دائما ، ~~ويسرعون إلى الخير دائما ، فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر ، ولا أن يحدثوا ~~إلا هذه الصغائر التى يغفرها الله للمحسنين من عباده ! وقليل من الذين يرون ~~هذا الرأى ، ويذهبون هذا المذهب يدفعون إلى ذلك بحكم الكسل والعقلي الذى ~~يمنعهم من البحث والدرس والاستقصاء . وقوم آخرون يريحون أنفسهم نوعا آخر من ~~الاراحة ، فيستبعدون أن تقع هذه الاحداث والفتن من أصحاب النبي ويرون أنها ~~مؤامرات دبرها الكائدون للاسلام # --- PageV01P360 [ 361 ] # - كعبد الله بن سبأ ومن لف لفه من أهل الكتاب ، وغير أهل الكتاب . وواضح ~~جدا أننا لا نستطيع أن نذهب هذا المذهب أو ذاك ، فنحن لا نحب الكسل ولا ~~نطمئن إلى الراحة ، ولا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد ، ولا نرى ~~في أصحاب النبي ما لم يكونوا يرون في أنفسهم ، فهم كانوا يرون أنهم بشر ~~فيتعرضون لما يتعرض له غيرهم من الخطايا والآثام ، وهم تقاذفوا التهم ~~الخطيرة ، وكان ms342 منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق ، فقد روى أن عمار بن ياسر ~~كان يكفر عثمان ويستحل دمه ويسميه نعثل ، وروى أن ابن مسعود كان يستحل دم ~~عثمان أيام كان في الكوفة وهو كان يخطب الناس فيقول : إن شر الامور ~~محدثاتها ، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار - يعرض في ~~ذلك بعثمان وعامله الوليد . وروى أن عبد الرحمن بن عوف . . قال لبعض أصحابه ~~في المرض الذى مات فيه : عاجلوه - أي على - قبل أن يطغى ملكه . والذين ~~ناصروا عثمان من أصحاب النبي كانوا يرون أن خصومهم قد خرجوا على الدين ~~وخالفوا عن أمره ، وهم جميعا من أجل ذلك قد استحلوا أن يقاتل بعضهم بعضا ، ~~وقاتل بعضهم بعضا بالفعل يوم الجمل ويوم صفين - إلا ما كان من سعد وأصحابه ~~القليلين . وإذا دفع أصحاب النبي أنفسهم إلى هذا الخلاف ، وتراموا بالكبائر ~~وقاتل بعضهم بعضا في سبيل الله ، فما ينبغى أن يكون رأينا فيهم أحسن من ~~رأيهم في أنفسهم ، وما ينبغى أن نذهب مذهب الذين يكذبون أكثر الاخبار التى ~~نقلت إلينا ما كان بينهم من فتنة واختلاف ، فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد عن أن ~~نكذب التاريخ الاسلامي كله منذ بعث النبي ، لان الذين رووا أخبار هذه الفتن ~~هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازى وسيرة النبي والخلفاء ، ~~فما ينبغى أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا ، وأن نكذبهم حين يروون ما لا ~~يعجبنا ، وما ينبغى أن نصدق بعض التاريخ ونكذب بعضه الآخر ، لا لشئ إلا لان ~~بعضه يرضينا وبعضه يؤذينا ، وما ينبغى كذلك أن نصدق كل ما يروى ، أو نكذب ~~كل ما يروى ، وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليه الخطأ والصواب ~~ويجوز عليهم الصدق والكذب ، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ~~ووضعوا قواعد التعديل والتجريح ، والتصديق والتكذيب ، وترجيح ما يمكن ~~ترجيحه ، وإسقاط # --- PageV01P361 [ 362 ] # ما يمكن إسقاطه ، والشك فيما يجب الشك فيه ، فليس علينا بأس من أن نسلك ~~الطريق التى سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التى عرفوها ما عرف المحدثون ms343 من ~~القواعد الجديدة التى يستعينون بها على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها . ~~والشئ الذى لا يمكن أن يتعرض للشك ، هو أن المسلمين قد اختلفوا على عثمان ، ~~وأن هذا الاختلاف قد انتهى إلى ثورة قتل فيها عثمان ، وأن هذه الثورة قد ~~فرقت المسلمين تفريقا لم يجتمعوا بعده إلى الآن . اه (1) . وختم الدكتور طه ~~حسين هذا الفصل الممتع بكلام عن القواعد التى يجب على كل دارس للتاريخ ~~الاسلامي أن يتبعها ، ويقيم بحثه على أصولها ، " ليستعينوا بها على تحقيق ~~النصوص وتحليلها وفقهها " . وأوجب كذلك على من يتصدى لدارسة هذه الاخبار ~~دراسة صحيحة أن يقف من رواة الاخبار موقف العالم بطبائع النفوس البشرية ، ~~فينظر إليهم على أنهم " ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ، ويجوز ~~عليهم الصدق والكذب " وأن يتحرى الحق والانصاف فيما يصل إليه من مروياتهم ~~فلا يصدق منها ما يصدق لمرض في قلبه ، أو يكذب ما يكذب لهوى في نفسه . وإذا ~~كانت هذه القواعد السليمة التى ساقها الدكتور طه حسين قد تغضب بعض الناس - ~~فإنها ولا ريب مما يرضى عنه ويطمئن به العلم والحق والدين جميعا . ونختم ~~هذا الفصل بكلمة نقلها الدكتور أحمد أمين رحمه الله في ضحى الاسلام (2) من ~~رسالة لبعض الزيدية وهى : " إنا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضا ، بل ~~يعلن بعضهم بعضا - ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التى لا يصح فيها ~~نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها ، لانهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا ~~(3) ، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم ، لم يروا أن ~~يمسكوا عن على ، وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصرا دون ضربه # --- # (1) ص 170 - 173 ج الفتنة الكبرى (عثمان) . (2) ص 75 و76 ج 3 . (3) ~~ومثلهم عوام أهل دهرنا وإن ظهروا بين الناس بلباس العلماء . (*) # --- PageV01P362 [ 363 ] # وضرب أصحابه بالسيف ، وكالذى روى عن عمر من أنه طعن في رواية أبى هريرة ~~(1) وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه ، وخون عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما ~~إلى سرقة مال الفئ واقتطاعه ، وقل أن يكون في الصحابة ms344 من سلم من لسانه أو ~~يده ، إلى كثير من أمثال ذلك مما رواه التاريخ - وكان التابعون يسلكون ~~بالصحابة هذا المسلك ويقولون في العصاة منهم هذا القول ، وإنما اتخذهم ~~العامة أربابا بعد ذلك . والصحابة قوم من الناس ، لهم ما للناس وعليهم ما ~~عليهم . من أساء ذممناه ، ومن أحسن منهم حمدناه ، وليس لهم على غيرهم كبير ~~فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ~~ذنوب غيرهم ، لانهم شاهدوا الاعلام والمعجزات ، فمعاصينا أخف لاننا أعذر " ~~. بعد أن فرغنا من الكلام عن عدالة الصحابة نبين كيف كان موقف علماء الامة ~~من أخبار الآحاد . موقف علماء الامة من أخبار الآحاد قال الجزائري يعقب على ~~قول ابن الصلاح (2) : إن الامة قد تلقت البخاري ومسلم بالقبول " ! إنه لم ~~يبين ماذا أراد بالامة ! ولا ماذا أراد بتلقيها إياهما بالقبول ! وقد كان ~~عليه أن يبين ذلك حتى لا تذهب العقول والافهام في ذلك كل مذهب . فإذا أراد ~~بالامة كل الامة فلا يخفى فساده لان الكتابين إنما حسنا في المئة الثالثة ~~بعد عصر البخاري وأئمة المذاهب المتبعة ، وإن أراد بعضها - وهم من وجد بعد ~~الكتابين فهم بعض الامة فلا يستقيم دليله ، وإن أراد بالامة علماءها - وهو ~~الظاهر - فإن العلماء في هذا الامر ثلاثة أقسام . المتكلمون - والفقهاء - ~~والنحويون - على أن العلماء الذين ينطبق عليهم هذا الوصف إنما هم الذين ~~جاءوا بعد ظهور هذين الكتابين ، في القرن الثالث الهجرى ، أما من قبلهم من ~~أهل القرون الاولى الذين جاء فيهم حديث رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وآله # --- # (1) يراجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) ص 125 من توجيه النظر . (*) # --- PageV01P363 [ 364 ] # بأنهم خير القرون ! فهم جميعا لم يروا هذين الكتابين حتى كان يعلم رأيهم ~~فيهما ، ولا كيف تلقوهما ! ولنعد إلى العلماء الذين جاءوا بعد هذين ~~الكتابين لنرى موقفهم منهما ، وبماذا قابلوهما : أما المتكلمون : فقد عرف ~~من حالهم أنهم يردون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ، ولو كان من الامور ~~الظنية ، فإذا أورد عليهم من ذلك حديث صحيح عند المحدثين أولوه إن ms345 وجدوا ~~تأويله قريب المأخذ ، أو ردوه مكتفين بقولهم : هذا من أخبار الآحاد وهى لا ~~تفيد غير الظن ، ولا يجوز البناء على الظن في المطالب الكلامية ، ذلك بأن ~~الاساس في علم الكلام هو دائما أن " الدلائل النقلية لا تفيد اليقين " (1) ~~، فمن ذلك حديث : تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين ~~والمتجبرين . وقالت الجنة : مالى لا يدخلنى إلا ضعفاء الناس وسقطهم ! قال ~~الله تبارك وتعالى للجنة ، أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي ! وقال ~~للنار : إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها ! ~~فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول ، قط ، قط ، قط ، فهنالك تمتلئ ~~ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله عزوجل من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن ~~الله عزوجل ينشئ لها خلقا اه . وهذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم ~~(عن أبى هريرة) عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية أخرى عند البخاري ~~- عن أبى هريرة - بلفظ : اختصمت الجنة والنار إلى ربهما - الحديث - وفيه ~~أنه ينشئ للنار خلقا وفي رواية لمسلم " حتى يضع الله رجله " وذهب المحققون ~~إلى أن الراوى أراد أن يذكر الجنة فذهل فسبق لسانه إلى النار . فهذا الحديث ~~ونظائره - وهى كثيرة - يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلا عن أن يجزم ~~بذلك ! وإذا ألجئ إلى القول بصحتها لم يأل جهدا في تأويلها ، ولو على وجه ~~لا يساعد اللفظ عليه بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن ~~، وقد نشأت بسبب ذلك عداوة شديدة بين المتكلمين والمحدثين يعرفها من نظر # --- # (1) المواقف للايجى والجرجاني ص 79 طبعة استانبول . (*) # --- PageV01P364 [ 365 ] # في كتب التاريخ حتى إن المتكلمين سموا جمهور المحدثين بالشبهة والمحدثين ~~سموهم بالمعطلة (1) . الفقهاء : وأما الفقهاء فقد عرف من حالهم أنهم يؤولون ~~كل حديث يخالف ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المتأخرين - أو ~~يعارضون الحديث بحديث آخر - ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث - والحديث ~~الذى عارضوه ثابتا في الصحيحين بل مما أخرجته الستة . ومن نظر في شروح ms346 ~~الصحيحين اتضح له الامر وقد ترك بعضهم المجاملة للمحدثين ، فصرح بأن ترجيح ~~الصحيحين على غيرهما - ترجيح من غير مرجح ، والذين جاملوا اكتفوا بدلالة ~~الحال . وقد أشار إلى ذلك العز بن عبد السلام في " كتاب القواعد " فقال : ~~ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث ~~لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من شهد الكتاب والسنة ~~والاقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تلقيد إمامه ، بل يتحيل لدفع ظواهر ~~الكتاب والسنة ويتأولها التأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده ، وقد ~~رأيناهم يجتمعون في المجالس ، فإذا ذكر لاحدهم خلاف ما وطن نفسه عليه ، ~~تعجب منه غاية العجب من غير استرواح إلى دليل ، بل لما ألفه من تقليد إمامه ~~، ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره ! فالبحث ~~مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجديها - وما رأيت ~~أحدا رجع عن مذهب # --- # (1) كذلك يسمى المتكلمون المحدثين بالحشوية ويصفونهم بأنهم أجهل الناس ~~بما يحملون وبخس الناس حظا فيما يطلبون ، وفي ذلك يقول شاعرهم : زوامل ~~للاسفار لا علم عندهم * بجيدها إلا كعلم الاباعر لعمرك ما يدرى البعير إذا ~~غدا * بأحماله أو راح - ما في الغرائر قد قنعوا من العلم برسمه ، ورضوا بأن ~~يقولوا : فلان عارف بالطرق ورواية الحديث وزهدوا في أن يقال : عالم بما كتب ~~أو عامل بما علم ! ! وهناك كلام كثير في قول بعضهم في بعض ويراجع في ذلك ~~الجزء الثاني من كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر وسيأتيك شئ في ~~ذلك في فصل (طلب الحديث بدون فقه) . (*) # --- PageV01P365 [ 366 ] # إمامه إذ ظهر له الحق في غيره ! بل يصر عليه مع علمه بضعفه وبعده . ~~فالاولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه ، قال ~~: لعل إمامى وقف على دليل لم أقف عليه ، ولم أهتد إليه ، ولا يعلم المسكين ~~أن هذا مقابل بمثله ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح ~~، فسبحان الله ما أكثر من ms347 أعمى التقليد بصره ، حتى حمله على مثل ما ذكرته ، ~~وفقنا الله لاتباع الحق أين كان وعلى لسان من ظهر . اه كلام العز . وقد ختم ~~الجزائري رحمه الله هذا البحث (بتنبيه) مهم قال فيه تعليقا على نقدهم لحديث ~~(تحاج الجنة والنار) من أن النار لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقا آخر : " ~~ومن الغريب في ذلك محاولة بعض الاغمار ممن ليس له إلمام بهذا الفن لا من ~~جهة الرواية ولا من جهة الدراية ، لنسبة الغلط إليه كأنه ظن أن النقد قد سد ~~بابه على كل أحد - أو ظن أن النقد من جهة المتن لا يسوغ لانه يخشى أن يدخل ~~منه أرباب الاهواء - ولم يدر أن النقد إذا جرى على المنهج المعروف لم ~~يستنكر وقد وقع ذلك لكثير من أئمة الحديث مثل الاسماعيلي فإنه بعد أن أورد ~~حديث (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة) وعلى وجه آزر قترة - الحديث - ~~قال وهذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد ~~فقد يجعل ما بأبيه خزيا له ، مع إخباره أن الله قد وعده بأن لا يخزيه يوم ~~يبعثون ، وعلمه بأنه لا خلف لوعده فانظر كيف أعل المتن بما ذكره . وقد قال ~~بعض علماء الاصول إن في الاحاديث ما لا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وذلك لانه لا يمكن حملها على ظاهرها لكونه على خلاف البرهان ، وغير ~~ظاهرها بعيد عن فصاحته صلى الله عليه وسلم (1) وملخصا . * (1) ص 130 ، 131 ~~، 136 ، 137 وما بعدها من كتاب توجيه النظر . (*) # --- PageV01P366 [ 367 ] # كلام مقلدة المذاهب : وبعد أن فرغنا من كلام الذين ردوا على ابن الصلاح ~~نأتى بطائفة من القول في أمر مقلدة المذاهب وموقفهم من الحديث ليكون تماما ~~على ما قاله العز بن عبد السلام آنفا . من المعروف الذى لا خلاف فيه أنك ~~تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعف في سنده ! ~~وتجد المالكى يترك الحديث لان العمل جرى على خلافه ، ويعمل به الشافعي لقوة ~~في ms348 سنده على ما رأى . وهكذا وفي مرآة الاصول وشرحها مرقاة الوصول - من أصول ~~الحنفية يرحمهم الله في بحث حال الراوى - وهو ، إن عرف بالرواية فإن كان ~~فقيها تقبل منه الرواية مطلقا ، سواء وافق القياس أو خالفه وإن لم يكن ~~فقيها ، كأبى هريرة وأنس رضى الله عنهما فترد روايته إن لم توافق الحديث ~~الذى رواه . ومن العلماء من قال : لا تقبل رواية الاخبار عن رسول الله إلا ~~إذا كانت خبر عامة عن عامة ، أو اتفق علماء الامصار على العمل بها ، وهذا ~~الطريق هو لذى يميل إليه فقهاء العراق ، أبو حنيفة وأصحابه . وقد أوضح هذا ~~الامر الامام أبو يوسف صاحب أبى حنفية في كتابه الذى ألفه عن الاوزاعي . ~~وجاء في كتاب (الام) للامام الشافعي (1) - نقل هذا القول عن أبى يوسف تلميذ ~~الشافعي - حيث قال : فعليك من الحديث بما تعرفه العامة (2) وإياك والشاذ ~~منه ، فإنه حدثنا ابن أبى كريمة عن جعفر عن رسول الله : أنه دعا اليهود ~~فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى فصعد المنبر فخطب الناس فقال : إن الحديث ~~سيفشو على فما أتاكم عنى يوافق القرآن فهو عنى ، وما أتاكم عنى يخالف ~~القرآن فليس عنى . وكان عمر فيما بلغنا لا يقبل الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله # --- # (1) ص 307 و308 ج 7 . (2) يريد بالعامة الجمهور ، لا مقابل الخاصة . (*) # --- PageV01P367 [ 368 ] # إلا بشاهدين . وكان على بن أبى طالب رضى الله عنه لا يقبل الحديث عن رسول ~~الله والرواية تزداد كثرة ويخرج منها ما لا يعرف ولا يعرفه أهل الفقه ، ولا ~~يوافق الكتاب ولا السنة فإياك وشاذ الحديث ، وعليك بما عليه الجماعة من ~~الحديث وما يعرفه الفقهاء ، وما يوافق الكتاب والسنة (1) فقس الاشياء على ~~ذلك فما خالف القرآن فليس عن رسول الله وإن جاءت به الرواية . وحدثنا الثقة ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرضه الذى مات فيه : إنى لاحرم ~~وفي رواية : لا أحرم إلا ما حرم القرآن والله لا يمسكون على بشئ (2) فاجعل ~~القرآن والسنة المعروفة لك إماما ms349 وقائدا ، واتبع ذلك ، وقس عليه ما يرد ~~عليك مما لم يوضح لك في القرآن والسنة اه . وقال الامام علم الدين الفلاني ~~المالكى في كتابه إيقاظ الهمم (3) ترى بعض الناس إذا وجدوا حديثا يوافق ~~مذهبه فرح به وانقاد له وسلم ، وإن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ ~~والمعارض مؤيدا لمذهب غير إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة ، وضرب عنه ~~الصفح والعارض ، ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح مع مخالفته للصحابة ~~والتابعين والنص الصريح . . وإن عجز عن ذلك كله أدعى النسخ (4) بلا دليل ، ~~أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل ، وإن عجز عن ~~ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروى أو جله فما ترك هذا الحديث الشريف ~~إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف فيتخذ علماء مذهبه أربابا ، ويفتح ~~لمناقبهم وكراماتهم أبوابا ، ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابا ، ~~وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوا ولو كانوا قبل ذلك أحبابا ! رأى ~~مالك وأصحابه : ورأى الامام مالك وأصحابه أنهم يقولون : تثبت السنة من ~~وجهين : أحدهما أن نجد الائمة من أصححاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ~~بما يوافقها . # --- # (1) السنة هي السنة العملية ، وما كانت تعرف عندهم إلا بذلك . (2) ارجع ~~إلى هذا الكلام من 332 ج 4 من سيرة ابن هشام . (3) ص 72 من قواعد التحديث . ~~(4) قال الزهري أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ~~ومنسوخه . (*) # --- PageV01P368 [ 369 ] # الثاني - ألا نجد الناس اختلفوا فيها . وقد كان رضى الله عنه يراعى كل ~~المراعاة العمل المستمر الاكثر ويترك ما سوى ذلك ، وإن جاء فيه أحاديث ، ~~وقال : أحب الاحاديث إلى ما اجتمع الناس عليه . ولنعد إلى ما نحن بصدده : ~~قال الشاطبي في الموافقات (1) : قال الامام مالك في حديث غسل الاناء من ~~ولوغ الكلب سبعا : جاء هذا الحديث ولا أدرى ما حقيقته ! وكان يضعفه ويقول : ~~يؤكل صيده فكيف يكره لعابه ؟ وأهمل مالك كذلك اعتبار حديث من مات وعليه صوم ~~. صام عنه وليه (2) وذلك للاصل ms350 القرآني ولا تزر وازرة وزر أخرى . وقال ابن ~~العربي : إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع ، فهل يجوز ~~العمل به أم لا ؟ قال أبو حنيفة : لا يجوز العمل به ، وقال الشافعي : يجوز ~~، وقال مالك إن الحديث إذا عضدته قاعدة قال به وإن كان وحده تركه كما في ~~حديث ولوغ الكلب - لان هذا الحديث عارض أصلين عظيمين ، أحدهما قوله تعالى : ~~" فكلوا مما أمسكن عليكم " والثانى أن علة الطهارة (الحياة) وهى قائمة ~~بالكلب ، ونهى عن صيام ست من شوال - مع ثبوت الحديث الذى أخرجه الترمذي ~~وأبو داود والنسائي ، وهو من صام رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر ~~- رد ذلك تعويلا على أصل سد الذرائع . ومذهب أبى حنيفة : أن خبر الواحد إذا ~~ورد على خلاف القياس لم يقبل ولهذا لم يقبلوا حديث المصراة . وكان الطحاوي ~~(3) إمام الحنفية مجتهدا في المذهب يخالف أبا حنيفة عند قيام الدليل ، ~~وينقد الحديث نقد معنى وإن صح السند في نظر المحدثين . # --- # (1) ص 21 وما بعدها ج 3 . (2) رواه الشيخان وأبو داود . (3) هو أبو جعفر ~~الطحاوي تفقه على خاله المزني صاحب الشافعي ، ألف معاني القرآن ومشكل ~~الآثار وغيرهما عاش من سنة 229 ه إلى سنة 321 ه . أضواء على السنة المحمدية (*) # --- PageV01P369 [ 370 ] # بين الاوزاعي وأبى حنيفة : ذكر ابن الهمام أن الاوزاعي قال : ما لكم لا ~~ترفعون الايدى عند الركوع والرفع منه ؟ فقال لاجل أنه لم يصح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيه شئ . . فقال الاوزاعي : كيف لم يصح وقد حدثنى ~~الزهري عن سالم عن أبيه ابن عمر أن رسول الله كان يرفع يديه إذا افتتح ~~الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه - فقال أبو حنيفة حدثنا حماد عن إبراهيم ~~(أي النخعي) عن علقمة ، والاسود عن عبد الله ابن مسعود أن النبي كان لا ~~يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود . فقال الاوزاعي أحدثك عن ~~الزهري عن سالم عن أبيه وتقول حدثنى حماد عن إبراهيم ! فقال أبو حنيفة - ~~كان حماد أفقه من سالم ms351 ، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه ، وإن كان لابن ~~عمر فضل صحبته فالاسود له فضل كثير . وقال حافظ المغرب في الانتقاء (1) : ~~إن كثيرا من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبى حنيفة لرده كثيرا من أخبار ~~الآحاد العدول ، لانه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من ~~الاحاديث ومعانى القرآن فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذا . وقال الثوري : كان ~~أبو حنيفة شديد الاخذ للعلم ذابا عن حرم الله أن تستحل يأخذ بما صح عنده من ~~الاحاديث التى كان يحملها الثقات ، وبالاخير من فعل رسول الله وبما أدرك ~~عليه علماء الكوفة . وكان الاوزاعي يقول : إنا لا ننقم على أبى حنيفة أنه ~~رأى (2) ، كلنا يرى ، ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيخالفه إلى غيره (3) . هذا ولا يزال أبو حنيفة إلى يوم القيامة ~~بين الائمة ، هو الامام الاعظم وأتباعه يملاون مشارق الارض ومغاربها ، ولا ~~يستطيع أحد أن يشك في إسلامهم ، أو يطعن # --- # (1) ص 149 . (2) كان أبو حنيفة إمام أهل الرأى . (3) ص 63 تأويل مختلف ~~الحديث . (*) # --- PageV01P370 [ 371 ] # في عبادتهم ، هذا وقد أحصى ابن القيم في أعلام الموقعين حوال مائة حديث ~~لم يأخذ بها مقلدة الفقهاء . وذلك من الكتب المعتبرة عن أهل السنة . وذكر ~~سبط بن الجوزى جملة أحاديث من أحاديث الصحيحين لم يأخذ بها الشافعية لما ~~ترجح عندهم مما يخالفها وكذا بقية المذاهب . وأخرج الخطيب عن أبى صالح ~~الفراء قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : رد أبو حنيفة على رسول الله ~~أربعمائة حديث أو أكثر . وأخرج عن وكيع قال وجدنا أبا حنيفة خالف مئتى حديث ~~، وأخرج أيضا عن حماد بن سلمة من طريقين قال إن أبا حنيفة استقبل الآثار ~~والسنن فردها برأيه (1) . ونختم هذا الفصل بكلمة رائعة لابي شامة . المذهب ~~دين مبدل : قال رضى الله عنه في مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الامر الاول : ~~سئل بعض العارفين عن معنى المذهب فأجاب إن معناه دين مبدل ، قال تعالى ولا ~~تكونوا من المشركين ، من الذى فرقوا ms352 دينهم وكانوا شيعا (2) . ما اختلف فيه ~~أقوال الفقهاء : مما اختلف فيه أقوال الفقهاء لاخذ كل واحد منهم بحديث مفرد ~~اتصل به ، ولم يتصل به سواه ، ما روى عن عبد الوارث (3) بن سعيد أنه قال : ~~قدمت مكة فألفيت بها أبا حنيفة ، فقلت له : ما تقول في رجل باع بيعا وشرط ~~شرطا ؟ فقال : البيع باطل والشرط باطل ! فأتيت ابن أبى ليلى فسألته عن ذلك ~~فقال : البيع جائز والشرط باطل . فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك ، فقال : ~~البيع جائز والشرط جائز ، فقلت في نفسي ، سبحان الله ، ثلاثة من فقهاء ~~العراق لا يتفتون على # --- # (1) ص 390 ج 13 . (2) ص 10 . (3) في نسخة : الليث بن سعد . (*) # --- PageV01P371 [ 372 ] # مسألة ! فعدت إلى أبى حنيفة فأخبرته بما قال صاحباه ، فقال : ما أدرى ما ~~قالا لك ، حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهى رسول الله عن بيع ~~وشرط ، فالبيع باطل والشرط باطل ، فعدت إلى ابن أبى ليلى فأخبرته بما قال ~~صاحباه ، فقال : ما أدرى ما قالا لك ، حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ~~(رض) قالت أمرنى رسول الله أن أشترى بريرة فأعتقها ، البيع جائز والشرط ~~باطل (1) . قال فعدت إلى ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه : فقال : ما ~~أدرى ما قالا لك ، حدثنى مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال : بعت ~~النبي صلى الله عليه وآله بعيرا وشرط لى حملانه إلى المدينة - البيع جائز ~~والشرط جائز (2) . ونكتفى بهذا القدر لان الادلة كثيرة تملا مجلدا برأسه . ~~علماء النحو واللغة : مر بك أن علماء الامة قد انقسموا في تلقى الحديث إلى ~~ثلاثة أقسام : المتكلمون والاصوليون - والفقهاء - والمحدثون ، ولكى نستوفي ~~هذا البحث نذكر كذلك موقف علماء النحو اللغة فإنهم لم يجعلوا الحديث من ~~شواهدهم في إثبات اللغة وقواعد النحو : ذكر السيوطي في كتابه الاقتراح في ~~أصول النحو : وأما كلامه صلى الله عليه وسلم فيستدل منه بما ثبت أنه قاله ~~على اللفظ المروى وذلك نادر جدا ، وإنما يوجد في الاحاديث القصار على قلة ~~أيضا ، فإن غالب ms353 الاحاديث مروى بالمعنى ، وقد تداولها الاعاجم والمولدون ~~قبل تدوينها فرووها بما أدت إليه عباراتهم فزادوا ونقصوا ، وقدموا وأخروا ~~وأبدلوا ألفاظ ولهذا نرى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه ~~شتى بعبارات مختلفة (3) - ومن ثم أنكر على ابن مالك إثباته القواعد النحوية ~~بالالفاظ الواردة في الحديث . ثم نقل عن أبى الحسن بن الضائع أنه قال (4) ~~في شرح الجمل : # --- # (1) الحديث رواه البخاري في باب الشروط في الولاء . (2) من كتاب الانصاف ~~للبطليوسى ص 70 و71 . (3) راجع فصل رواية الحديث بالمعنى ص 77 من هذا ~~الكتاب . (4) توفى ابن الضائع سنة 86 ه . (*) # --- PageV01P372 [ 373 ] # تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الائمة كسيبويه وغيره ~~الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث . واعتمدوا في ذلك على القرآن وصريح ~~النقل عن العرب - ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان ~~الاولى في إثبات فصيح اللغة كلام النبي صلى الله عليه وسلم لانه أفصح العرب ~~. وقد قال صاحب ثمار الصناعة " النحو علم يستنبط بالقياس والاستقراء من ~~كتاب الله تعالى وكلام فصحاء العرب . فقصره عليهما ولم يذكر الحديث . وقال ~~أبو حيان (1) في شرح التسهيل يرد على ابن مالك (2) الذى جوز الاستشهاد ~~بالحديث وهو صاحب الالفية المشهورة . قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع ~~في الاحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب ، وما رأيت أحدا من ~~المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره . على أن الواضعين الاولين لعلم ~~النحو المستقرئين للاحكام من لسان العرب كأبى عمرو بن العلاء (3) وعيسى بن ~~عمر (4) والخليل (5) وسيبويه (6) من أئمة البصريين - والكسائي (7) والفراء ~~(8) وعلى بن مبارك الاحمر (9) وهشام بن الضرير من أئمة الكوفيين - لم ~~يفعلوا ذلك - وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة ~~الاقاليم ، كنحاة بغداد وأهل الاندلس . وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض ~~المتأخرين الاذكياء فقال : إنما ترك العلماء ذلك لعدم وثوقهم بأن ذلك لفظ ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ، إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في # --- # (1) توفى سنة 740 ه . (2) توفى سنة 672 ه . (3) توفى سنة ms354 154 ه . (4) ~~توفى سنة 149 ه . (5) توفى سنة 175 ه . (6) توفى سنة 188 ه . (7) توفى سنة ~~189 ه . (8) توفى سنة 207 ه . (9) توفى سنة 194 ه . (*) # --- PageV01P373 [ 374 ] # إثبات القواعد الكلية وإنما كان ذلك لامرين : أحدهما : أن الرواة جوزوا ~~النقل بالمعنى فتجد قصة واحدة قد جرت في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم تنقل ~~بتلك الالفاظ جميعها نحو ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم " زوجتكها بما ~~معك من القرآن وملكتكها بما معك " (1) وغير ذلك من الالفاظ الواردة في هذه ~~القصة فتعلم يقينا أنه صلى الله عليه وسلم لم يلفظ بجميع هذه الالفاظ ، بل ~~لا نجزم بأنه قال بعضها إذ يحتمل أنه قال لفظا مرادفا لهذه الالفاظ غيرها ~~فأتت الرواة بالمرادف ولم تأت بلفظه ، إذ المعنى هو المطلوب ولا سيما مع ~~تقادم السماع وعدم ضبطه بالكتابة والاتكال على الحفظ والضابط منهم من ضبط ~~المعنى (2) وأما ضبط اللفظ فبعيد جدا لا سيما في الاحاديث الطوال ، وقد قال ~~سفيان الثوري : إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى ~~. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم يروون بالمعنى . ~~الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ، لان كثيرا من الرواة ~~كانوا غير عرب بالطبع ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو فوقع اللحن في ~~كلامهم وهم لا يعلمون ذلك ، وقد وقع في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان ~~العرب - ونعلم قطعا من غير شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح ~~الناس فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب وأشهرها وأجزلها . . ~~والمصنف " أي ابن مالك " قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الاثر متعقبا ~~بزعمه على النحويين - وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من له التمييز - وقد ~~قال لنا قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة - وكان ممن أخذ عن ابن مالك قلت له ~~يا سيدى : هذا الحديث رواية الاعاجم ووقع فيه من روايتهم ما يعلم أنه ليس ~~من لفظ الرسول صلى الله ms355 عليه وسلم ! فلم يجب بشئ : قال أبو حيان : وإنما ~~أمعنت الكلام في هذه المسألة لئلا يقول المبتدئ ، ما بال النحويين ، ~~يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر ولا يستدلون بما روى في الحديث ~~بنقل العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذى ~~لاجله لم يستدل النحاة بالحديث ه . # --- # (1) راجع ألفاظ هذا الحديث بصحفة 91 . (2) وبعيد جدا أن يضبط المعنى كله . (*) # --- PageV01P374 [ 375 ] # وقال ابن الانباري في الانصاف في منع (أن) في خبر كاد : وأما حديث كاد ~~الفقر أن يكون كفرا ، فإنه من تغييرات الرواة لانه صلى الله عليه وسلم أفصح ~~من نطق بالضاد ، وحديث كاد الفقر أن يكون كفرا ، ضعيف . وفي كتاب النحو ~~لابراهيم مصطفى ورد في الحديث : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~المصورون فلحن راويه (1) ، وهذا الحديث رواه مسلم . وممن رد على ابن مالك ~~كذلك أبو إسحق إبراهيم الاندلسي الشاطبي الغرناطي في شرحه على ألفية ابن ~~مالك قال (2) : وأما استدلاله (ابن مالك) بالحديث الشريف فإنه قد خالف في ~~الاستشهاد به جميع المتقدمين ، إذ لا تجد في كتاب نحو منهم استدلالا بحديث ~~منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا على وجه أذكره إن شاء الله تعالى - ~~وهم يستشهدون بكلام سفهاء العرب وأجلافهم وبأشعارهم التى فيها ذكر الحنى ~~والفحش ، بل روى أبو حاتم عن الجرمى ، أنه أتاه أبو عبيدة معمر بن المثنى ~~بشئ من كتابه في تفسير غريب القرآن الكريم قال ، فقلت له : عمن أخذت هذا يا ~~أبا عبيدة ، فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء ! ! فقال : هذا تفسير الاعراب ~~البوالين على أعقابهم ! فإن شئت فخذ وإن شئت فذر ! ويتركون الاحاديث ~~الصحيحة كما ترى ، ووجه تركهم للحديث أن يستشهدوا به في النحو واللغة ، ما ~~ثبت عندهم من جواز نقله بالمعنى عند الائمة - إذ المقصود الاعظم إنما هو ~~المعنى لتلقى الاحكام الشرعية لا اللفظ ، ولذلك تجد في الاحاديث ، اختلاف ~~الالفاظ كثيرا فترى الحديث الواحد في القصة الواحدة قد اختلفت فيه العبارات ~~اختلافا متفاوتا بين ما هو جار على ما عرف ms356 من كلام العرب وما لم يعرف ، وما ~~ذاك إلا لما ساغ لهم (أعنى الرواة) من نقله بالمعنى . وذلك خلاف ما عليه ~~الامر في نقل الشعر وكلام العرب ، فإن رواته لم ينقلوه أخذا لمعناه فقط # --- # (1) ص 65 . (2) نقلنا هذا الكلام عن كتاب المواهب الفتحية للشيخ حمزة فتح ~~الله رحمه الله ص 39 - 41 ج 1 الذى لخص فيه ما نقله العلامة أبو عبيد الله ~~الاندلسي المالكى المشهور بالراعى عن شيخ شيوخه أبي إسحق إبراهيم الاندلسي ~~. وممن تكلموا عن موقف علماء النحو من الحديث وأنهم لا يستشهدون به عبد ~~القادر البغدادي صاحب خزانة الادب فراجع ، ما قاله في الصفحتين 5 و6 من ~~الجزء الاول . (*) # --- PageV01P375 [ 376 ] # بل المعنى به عندهم اللفظ ، لما ينبئ على ذلك من الاحكام اللسانية ، ~~فاعتنى النحويون بالاستنباط مما نقل من كلام العرب عن الثقات ، وتركوا ما ~~نقل من الاحاديث لاحتمال إخراج الراوى لفظ الحديث عن القياس العربي فيكون ~~قد بنى على غير أصل - وذلك من جملة تحريهم في المحافظة على القواعد ~~اللسانية . ولو رأيت اجتهادهم في الاخذ عن العرب وكيفية التلقى عنهم لرأيت ~~العجب ، فليس بمنكر تركهم للاستشهاد بالحديث الشريف والاستنباط منه ، كيف ~~وهم بنوا على ما نقل الالفاظ . إلى أن قال : ولا أعرف له (1) من النحاة ~~سلفا إلا ابن خروف . وكأن ابن مالك - والله أعلم - بنى على القول بمنع ~~رواية الحديث بالمعنى مطلقا ، وهو قول ضعيف يرده المقطوع به من نقل القضايا ~~المتحدة بالالفاظ المختلفة غير مختصة بزمان الصحابة دون غيرهم ولا يقتصر به ~~على العرب دون من عداهم ، ومن تأمل كتب الحديث وجد فيها كثيرا من ذلك بل من ~~الالفاظ الحائدة عن كلام العرب أشياء كثيرة حتى تقع تخطئة الرواة من الائمة ~~الناقدين ، والعلماء العارفين بكلام العرب من غير نكير من غيرهم - قال ~~الشيخ أبو إسحاق الشاطبي - فالحق أن ابن مالك في هذه القاعدة غير مصيب إلخ ~~. . اه . ولعل القارئ قد لاحظ أننا قد أكثرنا من الاستشهاد بكلام أئمة ~~النحو الكبار في هذا الامر ، ولم نفعل ذلك ms357 إلا لان في كلام كل إمام منهم من ~~الفوائد ما لا يوجد في غيره ، وأن في أدلتهم جميعا ما يقنع أهل الفكر ~~والرأى ، ولا يمترى فيه إلا جهول أو متعصب . وثم طوائف أخرى وقفت من الحديث ~~مواقف مختلفة كالشيعة والزيدية والخوارج وغيرهم ولكل قوم سنة وإمامها . ~~فأما الشيعة وبخاصة الامامية فإنهم لا يعتبرون من الاحاديث إلا ما صح لهم ~~من طرق أهل البيت عن جدهم ، يعنى ما رواه الصادق " جعفر " عن أبيه الباقر ~~عن أبيه # --- # (1) أي لابن مالك . (*) # --- PageV01P376 [ 377 ] # زين العابدين عن الحسين السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله سلام ~~الله عليهم جميعا ، أما ما يرويه مثل أبى هريرة وسمرة بن جندب ومروان بن ~~الحكم وعمران بن حطان وعمرو بن العاص ونظرائهم فليس له عند الامامية من ~~الاعتبار مقدار بعوضة (1) وأما الخوارج (2) فإنهم اقتصروا من الحديث على من ~~يتولونه من الصحابة ، فالاحاديث المقبولة عندهم هي ما خرجت للناس قبل ~~الفتنة (3) ، أما ما بعدها فإنهم نابذوا الجمهور كله لانهم اتبعوا أئمة ~~الجور - بزعمهم - فلم يصبحوا بذلك أهلا لثقتهم . رأى الامام محمد عبده رحمه ~~الله : كان الاستاذ الامام محمد عبده لا يأخذ بحديث الآحاد مهما بلغت درجته ~~من الصحة في نظر المحدثين ، إذا ما خالف العقل أو القرآن أو العلم ، وإليك ~~طرفا من أقواله في ذلك : قال رحمه الله وهو يتكلم عن سحر النبي ما يلى : ~~وقال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها : إن ~~الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح (4) فليزم الاعتقاد به ، وعدم ~~التصديق من بدع المبتدعين . لانه ضرب من إنكار السحر وقد جاء القرآن بصحة ~~السحر ! ! فأنظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلدين بدعة ~~! نعوذ بالله ! يحتج بالقرآن على ثبوت السحر ! ويعرض عن القرآن في نفيه ~~السحر عنه صلى الله عليه وسلم وعده من افتراء المشركين عليه ، ويؤول في هذه ~~ولا يؤول في تلك ! مع أن الذى قصده المشركون ظاهر ، لانهم كانوا يقولون إن ~~الشيطان يلابسه ms358 عليه السلام ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ~~ضروبه ، وهو بعينه أثر السحر الذى نسب إلى لبيد (5) فإنه قد خالط عقله ~~وإدراكه في زعمهم ! # --- # (1) ص 149 من كتاب أصل الشيعة وأصولها للعلامة محمد الحسين آل كاشف ~~الغطاء - الطبعة العاشرة . (2) هم الذين خرجوا على على رضى الله عنه . (3) ~~ومن الذى يستطيع أن يميز ما خرج قبل الفتنة مما خرج بعدها . (4) حديث السحر ~~رواه أحمد والشيخان والنسائي . (5) لبيد بن الاعصم الذى قالوا بأنه سحر ~~النبي " ص " . (*) # --- PageV01P377 [ 378 ] # والذى يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به ، وأنه كتاب الله بالتواتر عن ~~المعصوم صلى الله عليه وسلم فهو الذى يجب الاعتقاد بما يثبته ، وعدم ~~الاعتقاد بما ينفيه ، وقد جاء بنفى السحر عنه عليه السلام ، حيث نسب القول ~~بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ووبخهم على زعمهم هذا ، فإذن هو ~~ليس بمسحور قطعا . حديث السحر من الآحاد : وأما الحديث - فعلى فرض صحته - ~~هو حديث آحاد ، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد ، وعصمة النبي من تأثير ~~السحر في عقله عقيدة من العقائد ، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين ، ولا ~~يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون ! على أن الحديث الذى يصل إلينا من طريق ~~الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده ، أما من قامت له الادلة على أنه غير ~~صحيح فلا تقوم به عليه حجة ، وعلى أي حال - فلنا بل علينا أن نفوض الامر في ~~الحديث - ولا نحكمه في عقيدتنا ، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل ، فإنه إذا ~~خولط النبي في عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا وهو لم ~~يبلغه ، أو أن شيئا ينزل عليه وهو لم ينزل عليه ، والامر ظاهر لا يحتاج إلى ~~بيان ، إلى أن قال رحمه الله ، ما أضر المحب الجاهل ، وما أشد خطره على من ~~يظن أنه يحبه ، نعوذ بالله من الخذلان - على أن نافى السحر بالمرة لا يجوز ~~أن يعد مبتدعا ، لان الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله " آمن ~~الرسول " الآية وفي ms359 غيرها من الآيات ، ووردت الاوامر بما يجب على المسلم أن ~~يؤمن به حتى يكون مسلما ولم يأت في شئ ذكر السحر . . وقال : ولو كان هؤلاء ~~يقدرون الكتاب قدره ، ويعرفون من اللغة ما يكفى لعاقل أن يتكلم ما هذروا ~~هذا الهذر ، ولا وصموا الاسلام بهذه الوصمة - لكن من تعود القول بالمحال ، ~~لا يمكن الكلام معه بحال ، نعوذ بالله من الخبال (1) . وسحر النبي قد نفاه ~~من المتقدمين غير الاستاذ الامام ، الجصاص في تفسيره . # --- # (1) ص 183 - 186 من تفسير جزء عم وقد أنكر صحة رواية حديث السحر بعض ~~العلماء ، ومنهم المفسر الفقيه أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن . (*) # --- PageV01P378 [ 379 ] # وقد رد الاستاذ الامام كذلك أحاديث كثيرة في أمور اعتقادية وغير اعتقادية ~~كحديث الغرانيق وحديث زينب بنت جحش وغيرهما مما لا نستطيع إيراد أقواله ~~فيها هنا . رأى السيد رشيد رضا : نختتم هذا الموضوع بكلمة قيمة للعلامة ~~السيد رشيد رضا رحمه الله : إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من تثبت ~~عنده واطمأن قلبه بها ، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها ، ولذلك لم ~~يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الاحاديث ويدعون إليها ، مع دعوتهم ~~إلى اتباع القرآن والعمل به وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا ~~من بيان السنة كصحيفة على رضى الله عنه المشتملة على بعض الاحكام كالدية ~~وفكاك الاسير وتحريم المدينة كمكة ، ولم يرض الامام مالك من الخليفتين ~~المنصور والرشيد أن يحمل الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ ، وإنما يجب ~~العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة ، وعلى من وثق برواية ~~أحد وفهمه لشئ منها أن يأخذ عنه - ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما . ومن بلغه ~~حديث وثبت عنده وجب عليه العمل به ، ومن خالف بعض الاحاديث لعدم ثبوتها ~~عنده ، أو لعدم العلم بها فهو معذور . وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في ~~العقائد ، وإنما يؤخذ بها في الاحكام الفرعية ، لان العقائد دلائلها ~~الاخبار المتواترة . وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لاجلها ~~، فهو ms360 معذور كذلك ، ولا يصح أن يقال في حقه إنه مكذب لحديث كذا . وهى تفيد ~~الظن ، والامة لم تتعبد إلا بخبر يغلب على الظن صدقه ، حتى جعلوا من ~~قواعدهم : يقع الحكم بالظن الغالب ، ولا يلزم من ظنهم صحته ، صحته في نفس ~~الامر ، ومن القواعد الجليلة المتفق عليها عند علماء الاصول : أن طروء ~~الاحتمال في المرفوع من وقائع الاحوال ، يكسوها ثوب الاجمال ، فيسقط به ~~الاستدلال (1) . # --- # (1) ص 784 ج 27 المنار . (*) # --- PageV01P379 [ 380 ] # طلب الحديث بدون فقه وما نبز به المشتغلون بالحديث بقى أمر لا يصح لنا أن ~~نغفل الكلام فيه ، ذلك هو أمر طلب الحديث في العصور المتأخرة ، لانه مما ~~يتصل بموضوع كتابنا . قال أبو عمر بن عبد البر : أما طلب الحديث على ما ~~يطلبه كثير من أهل عصرنا (1) اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه ، فمكروه ~~عند جماعة أهل العلم (2) . وقال الذهبي في كتابه (3) " بيان زغل العلم ~~والطلب عن علم الحديث " : وأما المحدثون فغالبهم لا يفهمون ، ولا همة لهم ~~في معرفة الحديث ، ولا في التدين به . . . معذور سفيان الثوري فيما يقول : ~~لو كان الحديث خيرا لذهب كما ذهب الخير ! (نص كلام سفيان : لو كان هذا ~~الحديث خيرا لنقص كما ينقص الخير لكنه شر فأراه يزيد كما يزيد الشر) صدق ~~والله ! وأى خير في حديث مخلوط صحيحه بواهيه ، أنت لا تفليه ، ولا تبحث عن ~~ناقليه ، ولا تدين الله تعالى به . . إلى أن قال : بالله خلونا فقد بقينا ~~ضحكة لاولى العقول ، ينظرون إلينا ويقولون هؤلاء هم أهل الحديث ! ! وبعد أن ~~تكلم عن سير الرواية وكبار الرواة في العصور الاولى قال : ثم تناقص هذا ~~الشأن في المائة الرابعة بالنسبة إلى المائة الثالثة . ولم يزل ينقص إلى ~~اليوم ، فأفضل من في وقتنا اليوم من المحدثين على قلتهم ، نظير صغار من كان ~~في ذلك الزمان على كثرتهم ، وكم من رجل مشهور بالفقه وبالرأي في الزمن ~~القديم أفضل في # --- # (1) توفى الحافظ بن عبد البر سنة 463 ه . (2) ص 127 ج 2 جامع بيان العلم ~~. (3) توفى الحافظ الذهبي سنة ms361 748 ه . (*) # --- PageV01P380 [ 381 ] # الحديث من المتأخرين ، وكم من رجل من متكلمي القدماء أعرف بالاثر من ~~مشيخة زماننا إلخ (1) . هذه هي أقوال أئمة الحديث فيما كانت عليه حالة ~~المحدثين في القرنين الخامس والثامن من الهجرة ، فترى ماذا تكون حال كثيرين ~~من الذين يزعمون اليوم أنهم من المحدثين ، ومبلغ علمهم أنهم قرءوا بعض كتب ~~الحديث واستظهروا عددا مما فيها وهذا وحده لا يكفى لان يكون الانسان به ~~عالما ينتفع بعلمه ، أو يطمئن الناس إلى ما يقوله أو يفتى به . ورحم الله ~~أستاذنا الامام محمد عبده حيث قال - في رجل وصفوه بأنه قد جد واجتهد ، حتى ~~بلغ ما لم يبلغه أحد - فحفظ متن البخاري كله - : " لقد زادت نسخة في البلد ~~. . " حقا والله ما قال الامام . أي أن قيمة هذا الرجل - الذى أعجب الناس ~~جميعا به لانه حفظ البخاري - لا تزيد على قيمة نسخة من كتاب البخاري لا ~~تتحرك ولا تعى ! والذهبي الذى نقلناه عنه هذا الكلام القيم هو المحدث ~~الكبير مؤرخ الاسلام قال فيه العلامة الصفدى فيه كتابه " نكت الهميان " ، ~~اجتمعت به ، وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه ولم أجد عنده جمود ~~المحدثين ولا كودنة النقلة (2) ولم يقل الصفدى ذلك إلا لما اشتهر بين الناس ~~جميعا من جمود رجال الحديث ، وقد وصفهم كذلك الاستاذ الامام بضيق العطن ~~وحرج الصدر في رسالة الاسلام والنصرانية (3) . وإذا كان الصفدى قد قال ذلك ~~في شيخه لكى يبرئه من نقيصة الجمود الذى عرف بها الذين يشتغلون بالحديث ، ~~فإن شيخه الذهبي نفسه قد قال فيهم ما ننقله من كتابه النفيس " سير أعلام ~~النبلاء " في ترجمة الفقيه المحدث شيخ الاسلام أبى بكر بن عياش : # --- # (1) ص 6 و9 و11 . (2) ص 242 . وفي لسان العرب الكودن هو الهجين ، وقيل هو ~~البغل ، ويقال للبرذون الثقيل (كودن) تشبيها بالبغل وفي الاساس أثقل من ~~البرذون . (3) ص 107 من الطبعة الرابعة . (*) # --- PageV01P381 [ 382 ] # نقلت من فوائد أبى عمرو أحمد بن محمد النيسابوري عن أبى تراب محمد بن ~~الفرج قال : سمعت خالد بن عبد الله الكوفى يقول ms362 : كان في سكة أبى بكر بن ~~عياش كلب إذا رأى صاحب محبرة " أي من الذين يكتبون الحديث " حمل عليه ، ~~فأطعمه أصحاب الحديث شيئا فقتلوه ! فخرج أبو بكر ، فلما رآه ميتا قال : إنا ~~لله ذهب الذى كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ! وقال نعيم بن حماد : كان ~~أبو بكر بن عياش يبزق في أصحاب الحديث . وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف ~~الحديث (1) : وإنا لا نخلى أكثر أهل الحديث من العذل (2) في كتبنا في تركهم ~~الاشتغال بعلم ما قد كتبوا ، والتفقه بما جمعوا ، وتهافتهم على طلب الحديث ~~من عشرة أوجه وعشرين وجها ! وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع ~~لمن أراد الله عزوجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار ~~(3) ، اتبعت الطالب ولم تنفع الوارث ! فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا ~~مضيع لحظه ، مقبل على ما كان غيره أنفع له منه . وقد لقبوهم بالحشوية ~~والنابتة (4) والمجبرة وربما قالوا : الجبرية ، وسموهم الغثاء (5) والغثر ~~(6) وهذه كلها أنباز (7) . وقال الوزير اليماني في الروض الباسم : إنما ~~سموا بالحشوية لانهم يحشون الاحاديث # --- # (1) ص 96 . (2) العذل اللوم . (3) أسفار أي كتب ، جمع سفر . (4) في أساس ~~البلاغة للزمخشري وهذا قول النابتة والنوابت وهم الحشوية . (5) الغثاء ~~بالضم والمد في الاصل ، ما يجئ فوق السبل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره ~~أطلقوه عليهم على المجاز . (6) الغثر بضم فسكون جمع أغثر أصله سفلة الناس ~~وأرذالهم . (7) أي ألقاب جمع نبز . (*) # --- PageV01P382 [ 383 ] # التى لا أصل لها في الاحاديث المروية عن رسول الله ، أي يدخلونها فيها ~~وليست منها . وقال محمد بن نشوان في كتابه " ضياء العلوم " : إن الحشوية ~~سموا بذلك لكثرة قبولهم الاخبار من غير إنكار (1) . وقال الشعبى : كره ~~الصالحون الاولون الاكثار من الحديث ، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما ~~حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث . وقال الاعمش : والله لان أتصدق بكسرة ~~أحب إلى من أن أتحدث بستين حديثا . وسأل شعبة أيوب السختيانى عن حديث فقال ~~: أنا أشك فيه . فقال : شكك أحب إلى من يقين سبعة . ومن قول شعبة ms363 بن الحجاج ~~: يا قوم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن . وقال : ما شئ أخوف عندي ~~أن يدخلنى النار من الحديث . وقال وددت أنى وقاد حمام ، ولم أعرف الحديث . ~~وقال عبيد الله بن عمرو : كنت في مجلس الاعمش فجاءه رجل فسأله مسألة فلم ~~يجبه فيها ، ونظر إلى أبى حنيفة فقال : يا نعمان قل فيها ، فقال : القول ~~فيها كذا . قال : من أين ؟ قال : من حيث حدثتناه ، فقال الاعمش ، نحن ~~الصيادلة ، وأنتم الاطباء . أي أن رجال الحديث كالصيادلة وأما الفقهاء ~~فكالاطباء . وقال شعبة : كنت إذا رأيت رجلا من أهل الحديث يجيئنى أفرح به ! ~~فصرت اليوم ليس شئ أبغض إلى من أن أرى واحدا منهم ، وكان يقول : إن هذا ~~الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟ # --- # (1) ص 120 ج 1 . (*) # --- PageV01P383 [ 384 ] # وكان الشعبى يرى أنه في الشعر أسلم منه في الحديث حتى قال لاصحابه : لو ~~أردت الله ما خرجت لكم ، ولو أردتم الله ما جئتموني ، ولكنا نحب المدح ~~ونكره الذم . وقال عمرو بن الحارث : ما رأيت علما أشرف ، ولا أهلا أسخف من ~~أهل الحديث ! ! ونظر سفيان إلى أصحاب الحديث فقال : أنتم سخنة عين ، لو ~~أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لاوجعنا ضربا (1) . وقال مغيرة الضبى : والله ~~لانا أشد خوفا منهم (أصحاب الحديث) من الفساق . وقال سفيان الثوري : إنا في ~~هذا الحديث منذ ستين سنة ، ووددت أنى خرجت منه كفافا لا على ولا لى (2) . ~~وعن محمد بن سلام قال : حدثنى يحيى بن سعيد القطان قال : رواة الشعر أعقل ~~من رواة الحديث ، لان رواة الحديث يروون مصنوعا كثيرا ، ورواة الشعر ينشدون ~~المصنوع ينتقدونه ويقولون هذا مصنوع (3) . وسئل المازنى (النحوي الكبير) عن ~~صفات أهل العلم فقال : أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف ، وأهل الحديث فيهم ~~حشو ورقاعة ، والشعراء فيهم هوج (أي طيش وتسرع) ، وأصحاب النحو فيهم ثقل ، ~~وفي رواية الاخبار الظرف كله (4) . ولو أردنا أن ننقل كل ما قيل في جمود ~~رجال الحديث ، لطال بنا نفس القول فنكتفي بذلك . ونختتم هذا الفصل بأمر ~~يؤسى له ms364 لانه يدل على مقدار ما أصاب الاسلام من داء التفرق ، فمن فرق ~~المسلمين فرقة المعتزلة وتسمى العدلية ومثلها فرقة تسمى أصحاب # --- # (1) كان عمر يضرب من كان يروى الحديث ، وممن ضربهم على ذلك أبا هريرة ~~وكعب الاحبار راجع كتابنا " شيخ المضيرة " . (2) هذه الاخبار وغيرها كثير ، ~~تجدها في الجزء الثاني من كتاب جامع العلم وفضله لحافظ المغرب ابن عبد البر ~~. (3) ص 105 من ذيل الامالى لابي على القالى . (4) ص 123 ج 7 معجم الادباء . (*) # --- PageV01P384 [ 385 ] # السنة وبينهما خلاف شديد أدى إلى أن يطعن بعضهم في بعض ونكتفى بذكر مثال ~~واحد من هذا الطعن . فمما قالته العدلية في أصحاب السنة : وجماعة سموا ~~هواهم سنة * وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى ~~فتستروا بالبلكفه (1) وقال أصحاب السنة في أعدائهم العدلية : وجماعة كفروا ~~برؤية ربهم * حقا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا : أجل * عدلوا ~~بربهم فحسبهمو سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم * إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه # --- # (1) البلكفة أي بلا كيف . (*) # --- PageV01P385 [ 386 ] # خاتمة رأينا - بعد أن فرغنا من القول في أمر الحديث المحمدى وحياته ~~وتاريخه ، أن نختم كتابنا بفصول تشتمل على مباحث تتصل بالحديث وفقهه ، وكيف ~~يسلك الطالب إلى معرفة الصحيح منه ، وعلى قواعد وأصول في الدين الاسلامي لا ~~يستغنى عنها القارئ ، وهذه الفصول - ولا ريب - لازمة للكتاب ومتممة له ، ~~وسنمهد لها بكلام ممتع لفيلسوف المؤرخين ابن خلدون في فلسفة التاريخ ~~والاجتماع . قال في مقدمته الشهيرة : إن الاخبار إذا اعتمد فيها على مجرد ~~النقل ، ولم تحكم أصول العادة ، وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال في ~~الاجتماع الانساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، ~~فربما لم يؤمن فيها من العثور ، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق ، وكثيرا ~~ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ~~لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ~~ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع ~~الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الاخبار فضلوا عن الحق وتاهوا ms365 في ~~بيداء الوهم والغلط (1) . ولما كان الكذب متطرقا للخبر بطبيعته ، وله أسباب ~~تقتضيه ، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب ، فإن النفس إذا كانت على حال ~~الاعتدال في قبول الخبر ، أعطته حقه من التمحيص والنظر ، حتى تتبين صدقه من ~~كذبه ، وإذا خامرها تشيع لرأى أو نحلة ، قبلت ما يوافقها من الاخبار لاول ~~وهلة ، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص ~~، فتقع في قبول الكذب ونقله . ومن الاسباب المقتضية للكذب في الاخبار أيضا ~~الثقة بالناقلين ، وتمحيص ذلك يرجع إلى التعديل والتجريح ، ومنها " الذهول ~~عن المقاصد " فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع ، وينقل ~~الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في # --- # (1) ص 9 . (*) # --- PageV01P386 [ 387 ] # الكذب ومنها " توهم الصدق " وهو كثير وإنما يجئ في الاكثر من جهة الثقة ~~بالناقلين ومنها " الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع " لاجل ما يداخلها من ~~التلبيس والتصنع ، فينقلها المخبر كما رآها وهى بالتصنع على غير الحق في ~~نفسه ، ومنها تقرب الناس في الاكثر لاصحاب التجلة والمراتب بالثناء والمدح ~~، وتحسين الاحوال وإشاعة الذكر بذلك فيستفيض الاخبار بها على غير حقيقة ، ~~فالنفوس مولعة بحب الثناء والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من جاه أو ~~ثروة ، وليسوا في الاكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها ، ومن ~~الاسباب المقتضية له أيضا - وهى سابقة على جميع ما تقدم - الجهل بطبائع ~~الاحوال في العمران ، فإن كل حادث من الحوادث - ذاتا كان أو فعلا لا بد من ~~طبيعة تخصه في ذاته ، وفيما يعرض له من أحواله - فإذا كان السامع عارفا ~~بطبائع الحوادث والاحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر ~~على تمييز الصدق من الكذب ، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض - وكثيرا ~~ما يعرض للسامعين قبول الاخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم (1) . تمحيص ~~الاخبار بمعرفة طبائع العمران سابق على التمحيص بتعديل الرواة : وقال : ~~وأحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الاخبار إنما هو بمعرفة طبائع العمران ~~وتمييز صدقها من كذبها . وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة ، ولا يرجع ~~إلى تعديل الرواة ms366 ، حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ، ممكن أو ممتنع ، وأما ~~إذا كان مستحيلا فلا فائدة ، للنظر في التعديل والتجريح - ولقد عد أهل ~~النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله بما لا يقبله العقل ~~، وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الاخبار الشرعية ، لان ~~معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها ، وسبيل ~~صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط اه (2) . # --- # (1) ص 35 و36 . (2) ص 37 من المقدمة . (*) # --- PageV01P387 [ 388 ] # ولما تكلم عن عمر الدنيا قال : كان المعتمد في ذلك في صدر الاسلام آثارا ~~منقولة عن الصحابة ، وخصوصا مسلمة بنى إسرائيل مثل كعب الاحبار ووهب ابن ~~منبه وأمثالهما ، وقال في حديثه عن تفسير القرآن : وقد جمع المتقدمون في ~~ذلك وأوعوا إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين ، والمقبول ~~والمردود ، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت ~~عليهم البداوة والامية ، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ ، مما تتشوق إليه النفوس ~~البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون ~~عنه أهل الكتاب قبلهم ، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ومن ~~تبع دينهم من النصارى ، وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ~~ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ، ومعظمهم من حمير ~~الذين أخذوا بدين اليهودية ، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا ~~تعلق له بالاحكام الشرعية التى يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة وما ~~يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك وهؤلاء مثل كعب الاحبار ووهب بن منبه ~~وعبد الله بن سلام وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل ~~المفسرون في مثل ذلك وملاوا كتب التفسير بهذه المنقولات . وأصلها كما قلنا ~~عن أهل التوراة فتلقيت بالقبول من يومئذ (1) . وقال في بحث علوم الحديث (2) ~~. إن الائمة المجتهدين تفاوتوا في الاكثار من هذه الصناعة والاقلال فأبو ~~حنيفة رضى الله تعالى عنه : يقال بلغت روايته إلى 17 حديثا أو نحوها ، ~~ومالك رحمه الله إنما صح عنده ms367 ما في كتاب الموطأ وغايتها 300 حديث أو نحوها ~~، وأحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده 50 ألف حديث (3) . . وإنما قلل منهم من ~~قلل الرواية لاجل المطاعن التى تعترضه فيها ، والعلل التى تعرض في طرقها ، ~~ولا سيما والجرح مقدم عند الاكثر فيؤديه الاجتهاد إلى ترك الاخذ بما يعرض ~~مثل ذلك فيه من الاحاديث # --- # (1) 439 من المقدمة . (2) 444 و445 من المقدمة . (3) راجع الكلام عن ~~الموطأ ومسند أحمد فيما مضى من القول . (*) # --- PageV01P388 [ 389 ] # وطرق الاسانيد ، ويكثر ذلك ، فتقل روايته لضعف في الطرق . . والامام أبو ~~حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل وضعف رواية الحديث ~~اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي (1) فقل حديثه . . لا أنه ترك رواية ~~الحديث متعمدا ، فحاشاه من ذلك . . وأما غيره فتوسعوا في الشروط وكثر ~~حديثهم والكل على اجتهاد . وقال (2) : إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ~~، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن ، ~~العارفين بناسخه ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالته ، بما تلقوه من ~~النبي أو ممن سمعه منهم ومن عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء ، أي الذين ~~يقرءون الكتاب لان العرب كانوا أمة أمية . أعظم ما رزئ به الاسلام : قال ~~الاستاذ الامام محمد عبده : لم يرزأ الاسلام بأعظم مما ابتدعه المنتسبون ~~إليه ، وما أحدثه الغلاة من المفتريات عليه ، فذلك مما جلب الفساد على عقول ~~المسلمين ، وأساء ظنون غيرهم فيما بنى عليه الدين . وقد فشت للكذب فاشية ~~على الدين المحمدى في قرونه الاولى حتى عرف ذلك في عهد الصحابة رضى الله ~~عنهم ، بل عهد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته . . إلا أن ~~عموم البلوى بالاكاذيب حق على الناس بلاؤه في دولة الامويين فكثر الناقلون ~~وقل الصادقون وامتنع كثير من أجلة الصحابة عن الحديث إلا لمن يثقون بحفظه ~~خوفا من التحريف فيما يؤخذ عنهم . . وروى الامام مسلم في مقدمة صحيحه قال : ~~ما رأيت أهل الخير في شئ أكذب منهم في الحديث (3) ثم اتسع شر الافتراء ، ~~وتفاقم خطب الاختلاق وامتد بامتدادات # --- # (1) أي يعرض ms368 الامر على الطبائع النفسية والبيئة الاجتماعية . (2) ص 446 ~~من أجل ذلك لم يأخذ أبو حنيفة بما جاء عن أبى هريرة وأنس بن مالك وسمرة ابن ~~جندب لاسباب بينها ولانهم لم يكونوا من أهل الفتيا راجع كتابنا " شيخ ~~المضيرة " . (3) روى مسلم هذه العبارة في مقدمة صحيحه عن يحيى بن سعيد ~~القطان بهذا اللفظ ، وبلفظ الصالحين بدل أهل الخير . (*) # --- PageV01P389 [ 390 ] # الزمان ، ومن راجع مقدمة الامام مسلم ، علم ما لحقه من التعب والعناء في ~~تصنيف صحيحه ، واطلع على ما أدخله الدخلاء في الدين وليس منه في شئ . لم ~~يخف على أهل النظر في التاريخ أن الدين الاسلامي غشى أبصار العالم بلامع ~~القوة ، وعلا رءوس الامم بسلطان السطوة وفاض في الناس فيضان السيول ~~المنحدرة ، ولاحت لهم فيه رغبات ، وتمثلت لهم منه مرهبات ، وقامت لاولى ~~الالباب عليه آيات بينات ، فكان الداخلون في الدين على هذه الاقسام : قوم ~~اعتقدوا به إذعانا لحاجته واستضاءة بنوره وأولئك الصادقون ، وقوم من ملل ~~مختلفة انتحلوا لقبه واتسموا بسمته ، إما لرغبة في مغانمه أو لرهبة من ~~سطوات أهله ، أو لتعزز بالانتساب إليه فتدثروا بدثاره ، لكنهم لم يستشعروا ~~بشعاره ، لبسوا الاسلام على ظواهر أحوالهم ، إلا أنه لم يمس أعشار قلوبهم ، ~~فهم كانوا على أديانهم في بواطنهم ، ويضارعون المسلمين في ظواهرهم . وقد ~~قال الله في قوم من أشباههم : " قالت الاعراب آمنا ! قل لم تؤمنوا ، ولكن ~~قولوا أسلمنا ، ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فمن هؤلاء من كان يبالغ في ~~الرياء حتى يظن الناس أنه من الاتقياء ، فإذا أحس من قوم ثقة بقوله أخذ ~~يروى لهم أحاديث دينه القديم مسندا لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~بعض أصحابه ، ولهذا ترى جميع الاسرائيليات وما حوته شروح التوراة قد نقل ~~إلى الكتب الاسلامية على أنه أحاديث نبوية (1) . ومنهم من تعمد وضع ~~الاحاديث التى لو رسخت معانيها في العقول أفسدت الاخلاق وحملت على التهاون ~~بالاعمال الشرعية وفترت الهمم عن الانتصار للحق ، كالاحاديث الدالة على ~~إنقضاء عمر الاسلام " والعياذ بالله أو المطمعة في عفو الله مع الانحراف ms369 عن ~~شرعه ، أو الحاملة على التسليم للقدر بترك العقل فيما يصلح الدين والدنيا . ~~كل ذلك يضعه الواضعون قصدا لافساد المسلمين وتحويلهم عن أصول دينهم . ليختل ~~نظامهم ويضعف حولهم . ومن الكاذبين قوم ظنوا أن التزيد في الاخبار والاكثار ~~من القول ، يرفع من شأن الدين ، فهذروا بما شاءوا ، يبتغون بذلك الاجر ~~والثواب ، ولن ينالهم إلا الوزر والعقاب ، وهم الذين قال فهم مسلم في صحيحه ~~ما رأيت الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث (2) ويريد " بالصالحين " أولئك ~~الذين يطيلون # --- # (1) راجع فصل الاسرائيليات من هذا الكتاب ص 145 وما بعدها . (2) راجع فصل ~~الوضاع الصالحون ص 138 . (*) # --- PageV01P390 [ 391 ] # سبالهم ويوسعون سربالهم ، ويطأطئون رؤوسهم ويخفتون من أصواتهم ، ويغدون ~~ويروحون إلى المساجد بأشباحهم ، وهم أبعد الناس عنها بأرواحهم ، يحركون ~~بالذكر شفاههم ويلحقون بها في الحركة سبحهم . . ولكنهم كما قال أمير ~~المؤمنين على بن أبى طالب جعلوا الدين من أقفال البصيرة ومغاليق العقل ، ~~فهم أغرار مرحومون يسيئون ويحسبون أنهم يحسنون . . فهؤلاء قد يخيل لهم ~~الظلم عدلا ، والغدر فضلا ، فيرون أن نسبة ما يظنون - إلى أصحاب النبي مما ~~يزيد في فضلهم ، ويعلى في النفوس منزلتهم فيصح فيهم ما قيل . عدو عاقل خير ~~من محب جاهل (1) اه ببعض اختصار . ولما عرض رحمه الله لعلم الحديث في ~~اللائحة التى وضعها لاصلاح التعليم ، وما يجب اتباعه قال : " فن الحديث على ~~شرط أن يؤخذ مفسرا للقرآن مبينا له ، مع اطراح ما يخالف نصه ، من الاحاديث ~~الضعيفة ، والاجتهاد لارجاع الاحاديث الصحيحة إليه إن كان ظاهرها يوهم ~~المخالفة (2) . وقال في خطاب لاحد إخوانه ينصحه فيه بمداومة قراءة القرآن ~~والسيرة النبوية قال : " داوم قراءة القرآن وتفهم أوامره ونواهيه ومواعظه ~~وعبره ، كما كان يتلى على المؤمنين والكافرين أيام الوحى ، وحاذر النظر إلى ~~وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ مفرد غاب عنك مراد العرب منه ، أو ارتباط مفرد ~~بآخر خفى عليك متصله ، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه ، واحمل بنفسك على ~~ما يحمل عليه ، وضم إلى ذلك مطالعة السيرة النبوية ، واقفا عند الصحيح ~~المعقول ، حاجزا عينيك عن الضعيف ms370 والمبذول (3) . وقال طيب الله ثراه ، في ~~تفسير القرآن : وفهم الدين : لا يتبع إلا الدليل القاطع لان هذا من باب ~~العقائد ، وهو مبنى على اليقين الذى لا يمكن الاخذ فيه بالظن والوهم (4) . # --- # (1) ص 347 - 49 تاريخ الاسناد للامام ج 2 . (2) ص 516 من المصدر نفسه . ~~(3) ص 559 من المصدر نفسه . (4) ص 643 من المصدر نفسه . (*) # --- PageV01P391 [ 392 ] # التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم (1) . : قال الاستاذ الامام ~~محمد عبده : يجب تصديق خبره صلى الله عليه وسلم والايمان بما جاء به ، ~~ونعنى بما جاء به ما صرح به في الكتاب العزيز ، وما تواتر الخبر به ، ~~تواترا صحيحا مستوفيا لشرائطه ، وهو ما أخبر به جماعة يستحيل تواطؤهم على ~~الكذب عادة في أمر محسوس . ومن ذلك أحوال ما بعد الموت من بعث ونعيم في جنة ~~، وعذاب في نار - وحساب على حسنات وسيئات ، وغير ذلك مما هو معروف . ويجب ~~أن يقتصر في الاعتقاد على ما هو صريح في الخبر ، ولا تجوز الزيادة على ما ~~هو قطعي بظني - وشرط صحة الاعتقاد أن لا يكون فيه شئ يمس التنزيه وعلو ~~المقام الالهى عن مشابهة المخلوقين . أما أخبار الآحاد فإنما يجب الايمان ~~بما ورد فيها على من بلغته وصدق بصحة روايتها ، وأما من لم يبلغه الخبر ، ~~أو بلغه وعرضت له شبهة في صحته ، وهو ليس من المتواتر فلا يطعن في إيمانه ~~عدم التصديق به . والاصل في جميع ذلك أن من أنكر شيئا (2) وهو يعلم أن ~~النبي حدث به أو قرره ، فقد طعن في صدق الرسالة وكذب بها ، ويلحق به من ~~أهمل العلم بما تواتر وعلم أنه من الدين بالضرورة وهو ما في الكتاب وقليل ~~من السنة في العمل (3) . # --- # (1) ص 200 - 202 رسالة التوحيد . (2) أي من أمر الدين الذى هو موضوع ~~الرسالة والتبليغ عن الله تعالى . (3) أكثر السنن المتواترة هي العملية ~~كصفة الصلاة والحج وأما الاحاديث القولية المتواترة فقيل إنها لا تبلغ أقصى ~~جمع القلة ، من تعليق السيد رشيد . (*) # --- PageV01P392 [ 393 ] # هل كل من وثقه جمهور المتقدمين يكون ثقة ms371 : كان أحد الشيوخ الازهريين قد ~~أخذ على العلامة السيد رشيد رضا أنه انتقد كعب الاحبار ووهب بن منبه ! ~~وأظهر عدم الثقة بروايتهما ، فأجاب رحمه الله برد طويل ممتع مفحم ، ننقل ~~منه ما يلى : " إذا سلمنا أن كل من وثقه جمهور المتقدمين فهو ثقة - وإن ظهر ~~خلاف ذلك بالدليل - نفتح بابا للطعن في أنفسنا بنبذ الدليل والاخذ في ~~مقدماته بالتقليد ، ومخالفة هداية القرآن المجيد " . وبعد أن بين أن نقد ~~رواة الحديث قد بحث فيه رجال الجرح والتعديل قال : أما تمحيص متون الروايات ~~وموافقتها أو مخالفتها للحق والواقع وللاصول أو الفروع الدينية القطعية أو ~~الراجحة وغيرها فليس من صناعتهم ، (أي رجال الحديث) ويقل الباحثون فيه منهم ~~، ومن تعرض له منهم - كالامام أحمد والبخاري لم - يوفه حقه ، كما تراه فيما ~~يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره ، ومنه ما ~~كان يتعذر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع كظاهر ، حديث أبى ذر عند ~~الشيخين وغيرهما (1) : أين تكون الشمس بعد غروبها ؟ فقد كان المتبادر منه ~~للمتقدمين أن الشمس تغيب عن الارض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل ! إذ ~~تكون تحت العرش تنتظر الاذن لها بالطلوع ثانية ! ! وقد صار من المعلوم ~~القطعي لمئات الملايين من البشر أن الشمس لا تغيب عن الارض في أثناء الليل ~~، وإنما تغيب عن بعض الاقطار وتطلع على غيرها ، فنهارنا ليل عند غيرنا ، ~~وليلنا نهار عندهم ، كما هو المتبادر من قوله تعالى (يكور الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل) ، وفي قوله : (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا) ، ~~فنحن - بعد # --- # (1) نص الحديث قال رسول الله لابي ذر حين غربت الشمس ، أتدرى أين تذهب ؟ ~~قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن ~~فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها . وتستأذن فلا يؤذن لها ! فيقال ~~لها : ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله (والشمس تجرى لمستقر لها ~~ذلك تقدير العزيز العليم) . هذا لفظ البخاري وقد رواه الشيخان وبعض أصحاب ~~السنن والمسانيد والتفسير المأثور والبيهقي ms372 بألفاظ متقاربة . (*) # --- PageV01P393 [ 394 ] # العلم القطعي الثابت بالحس في مثل هذه المسألة وما في حكمها - لا مندوحة ~~لنا عن أحد أمرين : إما الطعن في سند الحديث وإن صححوه - لان رواية ما ~~يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم ، وأقرب تصوير للطعن ~~فيما اشتهر رواته بالصدق والضبط أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه من ~~مثل كعب الاحبار ، ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عن كعب الاحبار ، وكان يصدقه ~~ونرى الكثير من أحاديثه عنعنة لم يصرح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم ~~- ومن القطعي أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه صلى الله عليه وسلم لتأخر ~~إسلامه فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الاحبار . ومرسل الصحابي إنما ~~يكون حجة إذا سمعه من صحابي مثله (1) ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن ~~روى عن كعب الاحبار وكان يصدقه - وإما تأويل الحديث بأنه مروى بالمعنى وأن ~~بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبر عما فهمه ، كعدم فهم راوي هذا الحديث ~~الذى ذكرنا على سبيل التمثيل - المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : إن ~~الشمس تكون ساجدة تحت العرش إلخ . فعبر عنه بما يدل على أنها تغيب عن الارض ~~كلها . . إلى أن قال : وقد أول الحديث بعض شراح الصحيحين ليوافق رأى ~~المتقدمين من علماء الفلك فكان تأويلهم متكلف يرده ظاهر الحديث ولا سيما ~~رواية مسلم المطولة . ومن هذا القبيل حكاية بعض الرواة لكعب ووهب عن كتب ~~بنى إسرائيل ، ولم يكن يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم وابنه وأمثالهم (2) ~~يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح لعدم اطلاعهم على تلك الكتب ، وعدم ظهور ~~دليل على كذب الرواة المتقنين للكذب ، فيما يعزونه إليها ، فإذا ظهر لمن ~~بعدهم في العصر أو فيما قبله ، أو فيما بعده ما لم يظهر لهم من كذب اثنين ~~أو أكثر من هؤلاء الرواة فهل يكابر حسه ويكذب نفسه ، ويصدقهم بلسانه كذبا ~~ونفاقا ؟ أو يكتم الحق عن المسلمين # --- # (1) هذا إذا جاءت الرواية بذلك ولكنها أتت بغير ذلك فلا ms373 يذكر الصحابي اسم ~~من سمع منه وبهذه الحالة تسقط حجية الحديث . (2) من شيوخ الحديث وعلماء ~~الجرح والتعديل . (*) # --- PageV01P394 [ 395 ] # لئلا يكون مخالفا لمن قبله فيما ظهر له ولم يظهر لهم ! فلم ير المنتقد ~~(1) الغيور على السنة أن الملاحدة الذين يتقى طعنهم في السنة بتعديل كعب ~~ووهب يشككون المسلمين في الاصول والمسائل القطعية حتى في نصوص القرآن ! ثم ~~إننا نعيد القول ونؤكده بأن ظهور كذب كعب ووهب لنا لا يترتب عليه خسراننا ~~لشئ من أصول ديننا ولا من فروعه ، فالعمدة في الدين هو القرآن وسنن الرسول ~~المتواترة وهى السنن العملية ، كصفة الصلاة والمناسك مثلا ، وبعض الاحاديث ~~القولية التى أخذ بها جمهور السلف ، وما عدا ذلك من أحاديث الآحاد التى هي ~~غير قطعية الدلالة ، فهى محل اجتهاد . وإننا نرى بعض الائمة المجتهدين قد ~~تركوا الاخذ بكثير من الاحاديث الصحيحة ، حتى ما رواه الشيخان (البخاري ~~ومسلم) منها . ولا يزال يتبعهم الملايين من الناس في تركها ، ولا يعدهم ~~سائر المسلمين ضالين عن دينهم . وقد أورد المحقق ابن القيم أكثر من مائة ~~شاهد من هذه الاحاديث الصحيحة التى خالفها الحنفية وغيرهم ، وهم أكثر مسلمى ~~هذا العصر . فماذا تكون قيمة روايات هذا الاسرائيلي (كعب الاحبار) وهذا ~~الفارسى (وهب بن منبه) وأكثرها خرافات إسرائيلية ، شوهت كتب تفسير كتاب ~~الله وغيرها من الكتب ، وكانت شبها على الاسلام يحتج بها أعداؤه الملاحدة ~~بأنه كغيره دين خرافات ، وأوهام ، وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة ~~فيه أكبر ، كالذى ذكره كعب من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة (2) ~~واعترف المنتقد بصحته عنه . . إلى أن قال : إن جرحنا لهما (كعب ووهب) إنما ~~كان في شئ لم يكن يعرفه رجال الجرح والتعديل المتقدمون ، وهو وجيه يتعين ~~قبوله . وإن الروايات المعروفة صحتها عنهما كافية في إثبات كذبها . وبعد ~~هذا كله أقول : إذا ثبت بما حررناه كذب الرجلين بما ذكرا ، فلا يبقى مجال ~~للشك في أنهما كانا يغشان المسلمين ، ويدخلان في كتبهم الدينية ورواياتهم ~~ما يقتضى الطعن في دينهم ، وحينئذ لا يبقى محل ms374 لاستغراب اشتراكهما في تلك ~~الجمعيات اليهودية والمجوسية ، التى كانت تكيد للاسلام والعرب (3) . # --- # (1) الذى كان قد أخذ عليه الطعن في كعب وغيره اسمه الشيخ عبد الرحمن ~~الجمجمونى . (2) راجع ص 151 وما بعدها . (3) ص 614 - 619 ج 27 منار . (*) # --- PageV01P395 [ 396 ] # نقد علماء فقه الحديث : وقال رحمه الله : إن لعلماء فقه الحديث من وراء ~~نقد أسانيد الاخبار والآثار ، نقدا آخر لمتونها من نواحى معانيها ولغتها ، ~~وحكم العقل والشرع فيها ، وتعارضها مع غيرها ، ويشاركهم في هذا النوع من ~~النقد رجال الفلسفة والادب والتاريخ ويسمونه في عصرنا " النقد التحليلي " ~~ومن ثم استشكلوا كثيرا من الاحاديث حتى الصحيحة الاسانيد ، تكلموا عليها في ~~شروحها وصنف بعضهم كتبا خاصة بها ، أشهرها كتاب " مشكل الآثار للطحاوي " ~~(1) . وعلى الجملة فقد كان هم رجال الجرح والتعديل محصورا في تمحيص رواة ~~السنة من حيث جودة الحفظ والضبط ، وعدم الشذوذ على قدر الوسع وقلما يحكمون ~~على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف واقعا في المتن - ولكن تمحيص متون ~~الروايات أو مخالفتها للحق والواقع وللاصول أو الفروع الدينية القطعية ~~الراجحة وغيرها لم يجعلوه من صناعتهم ، وقل الباحثون فيه منهم - وكم من ~~حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه فالصحيح لا يعرف برواته فقط ~~وإنما يعرف بالفهم والحفظ . جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في العصر ~~الاول : جاء في مقدمة كتاب المغنى والشرح الكبير ما يلى : يعلم من أدلة ~~المذاهب أن جل الاحاديث التى يحتج بها أهل الحديث على أهل الرأى (2) وعلى ~~القياسيين من علماء الرواية ، هي من أحاديث الآحاد التى لم # --- # (1) ص 620 ج 34 منار وقد طبع مشكل الآثار هذا في الهند في أربعة أجزاء ~~كبار وكذلك نجد مشكلات كثيرة في شرح ابن حجر للبخاري المسمى (فتح الباري) . ~~(2) انقسم الفقه عند أهل السنة إلى طريقتين طريقة أهل الرأى والقياس ، وهم ~~أهل العراق . وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز . وأهل العراق قد استكثروا ~~من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل = (*) # --- PageV01P396 [ 397 ] # تكن مستفيضة في العصر الاول ، أو نقل عن الصحابة والتابعين خلاف في ms375 ~~موضوعها ، فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام ، الذى جرى عليه عمل النبي ~~وأصحابه ، وليست مما أمر النبي أن يبلغ الشاهد فيه الغائب ، بل كانت مما ~~يرد كثيرا في استفتاء مستفت عرضت له المسألة فسأل عنها فأجيب ، ولعله لو لم ~~يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها ، ولكان خيرا له وللناس ، إذ لو ~~كانت من مهمات الدين التى أراد الله تكليف عباده إياها ، لبينها لهم من غير ~~سؤال ، فإن الله تعالى أعلم بما هو خير لهم (1) . وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يكره كثرة السؤال ونهى عنها لئلا تكون سببا لكثرة التكاليف ، ~~فتعجز الامة عن القيام بها ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم " دعوني ما ~~تركتكم ، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، ~~فإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ، ~~رواه الشيخان ورواه الدارقطني من وجه آخر ، وقال فنزل قوله تعالى : " يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم " الآية . وقال صلى ~~الله عليه وسلم : " إن الله فرض فرائض فلا تعتدوها ، وحد حدودا فلا تقربوها ~~، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا ~~تبحثوا عنها " ، رواه الدارقطني والنووي في الاربعين . وفوق كل هذا قول ~~الله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم ~~الاسلام دينا " . ومن الجهل الفاضح والجناية على الدين أن نهدم هذه القواعد ~~والاصول العظيمة بأقيسة من ظنون الرأى والقياس . ولقد ثبت أن النبي كان ~~يجيب كل مستفت بما يناسب حاله ، وأن بعض فتاواه كانت رخصا خاصة أو عامة ، ~~ومن ذلك أنه رخص لعقبة بن عامر ولابي بردة بن نيار بأن يضحى بالجذع (أو ~~العتود) من المعز وهو ما يرعى وقوى وأتى عليه # --- # = لهم " أهل الرأى " إمامهم " أبو حنيفة " وإمام أهل الحجاز ومالك ~~والشافعي بعده ، وهناك فقه آخر لمذاهب كثيرة كالشيعة الزيدية ، والشيعة ~~الامامية ، وغيرهما من فرق المسلمين - ولكل قوم سنة وإمامها . (1) وهذه ~~الاسئلة لا يعلم أحد ms376 أسبابها ولا أوقاتها ولا مناسباتها وهى أمور ضرورية ~~لفهمها . (*) # --- PageV01P397 [ 398 ] # حول ، وقال الجوهرى وخيره ما بلغ سنة - والحديث متفق عليه - والجمهور ~~ومنهم الائمة الاربعة يمنعون التضحية بالجذع والمعز (1) . هل الاحاديث التى ~~يسمونها بسنن الاقوال ، دين وشريعة عامة ؟ قال السيد رشيد رضا : هل ~~الاحاديث - ويسمونها بسنن الاقوال دين - وشريعة عامة ، وإن لم تكن سننا ~~متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف ، لا سيما في الصدر الاول ؟ إن قلنا نعم ! ~~فأكبر شبهة ترد علينا - نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة شئ عنه غير ~~القرآن ، وعدم كتابة الصحابة للحديث ! وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء ~~بالتحديث ! بل نقل عنهم الرغبة عنه . ما يرد به خبر الواحد : قال الشيرازي ~~في اللمع في (باب بيان ما يرد به خبر الواحد) . إذا روى الخبر ثقة رد بأمور ~~: " أحدها " أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لان الشرع إنما يرد ~~بمجوزات العقول (2) وأما بخلاف العقول فلا . " والثانى " أن يخالف نص كتاب ~~أو سنة متواترة ، فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ . " الثالث " أن يخالف ~~الاجماع فيستدل به على أنه منسوخ ، أو لا أصل له لانه لا يجوز أن يكون ~~صحيحا غير منسوخ وتجمع الامة على خلافه . " والرابع " أن ينفرد الواحد ~~برواية ما يجب على الكافة علمه ، فيدل ذلك على أنه لا أصل له ، لانه لا ~~يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم . " والخامس " أن ~~ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر ، فلا يقبل لانه لا يجوز ~~أن ينفرد في مثل هذا بالرواية ، فأما إذا ورد مخالفا للقياس ، أو انفرد ~~الواحد برواية ما تعم به البلوى ، لم يرد - وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى ~~عن الاعادة اه (3) . # --- # (1) ص 18 و19 ج 1 . (2) هذه القضية مسلم بها عند جميع النظار ، وقد قال ~~ابن تيمية ، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان سواء أكانا عقليين ، أم كان ~~أحدهما عقليا والآخر سمعيا . (3) ص 82 في توجيه النظر . (*) # --- PageV01P398 [ 399 ] # وقال الغزالي في المستصفى : القسم الثاني من الاخبار ما ms377 يعلم كذبه ، وهى ~~أربعة : " الاول " ما يعلم خلافه بضرورة العقل ، أو نظره ، أو الحس ~~والمشاهدة أو أخبار التواتر - وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة ، " ~~الثاني " ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الامة ، ~~فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللامة ، " الثالث " ~~ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إذا قالوا : ~~حضرنا معه في ذلك الوقت فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا ، " الرابع " ما ~~سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ، ومع ~~إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعى على نقله ولا حالة العادة ~~اختصاصه بحكايته . وقال القرافى : الدال على كذب الخبر خمسة : وهو منافاته ~~لما علم بالضرورة أو النظر أو الدليل القاطع أو فيما شأنه أن يكون متواترا ~~ولم يتواتر ، وكقواعد الشرع ، أولهما جميعا ، كالمعجزات أو طلب في صدور ~~الرواة أو كتبهم بعد استقراء الاحاديث فلم يوجد اه (1) . حال الناس في ~~الصدر الاول وبعده : قال الامام أبو زيد الدبوسي رحمه الله في تقويم الادلة ~~: كان الناس في الصدر الاول ، أعنى الصحابة والتابعين والصالحين ، يبنون ~~أمورهم على الحجة ، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة (2) ثم بأقوال من بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ما يصح بالحجة ، فكان الرجل يأخذ بقول عمر في ~~مسألة ، ثم يخالفه بقول على في مسألة أخرى . وقد ظهر من أصحاب أبى حنيفة ~~أنهم وافقوه مرة ، وخالفوه أخرى ، بحسب ما تتضح لهم الحجة ، ولم يكن المذهب ~~في الشريعة عمريا ، ولا علويا ، بل النسبة كانت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فكانوا قرونا أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالخير ~~فكانوا يرون الحجة ، لا علماءهم ، ولا نفوسهم ، فلما ذهبت التقوى عن # --- # (1) ص 82 توجيه النظر للجزائري . (2) المقصود بالسنة هنا هي السنة ~~العملية . (*) # --- PageV01P399 [ 400 ] # عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج ، جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم ، ~~فصار بعضهم حنفيا وبعضهم مالكيا وبعضهم شافعيا ، ينصرون الحجة بالرجال ، ~~ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ms378 ، ثم كل قرن بعدهم اتبع عالمه كيف ~~ما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع فضل الحق بين الهوى (1) . الفقه ~~في زمن النبي صلى الله عليه وسلم : قال ولى الله الدهلوى في رسالته " ~~الانصاف في بيان سبب الاختلاف " . لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدونا ، ~~ولم يكن البحث في الاحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء حيث يبينون بأقصى ~~جهدهم الاركان والشروط والآداب . . . ويفرضون الصور من صنائعهم ويتكلمون عن ~~تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد ، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ~~ذلك . أما رسول الله فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن ~~يبين أن هذا ركن وذلك أدب ، وكان يصلى فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلى ~~(2) وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل (3) وهذا كان غالب حاله صلى الله ~~عليه وآله ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة ، ولم يفرض أنه يحتمل أن ~~يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله ، ~~وقلما كانوا يسألونه عن هذه الاشياء . عن ابن عباس قال : ما رأيت قوما ~~كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما سألوه إلا عن ثلاث ~~عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن ، منهن : يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه ، ويسألونك عن المحيض ، قال : ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم - وقال ~~القاسم إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها ، وتنقرون عن أشياء ما كنا # --- # (1) 334 من قواعد التحديث ومن حقها أن تكون تبدلت البدع بالسنن لان الباء ~~تدخل على المتروك . (2) قال رسول الله : صلوا كما رأيتموني أصلى . متفق ~~عليه . (3) روى مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر أن رسول الله قال : خذوا ~~عنى مناسككم . (*) # --- PageV01P400 [ 401 ] # ننقر عنها فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا من الصحابة (1) . ~~وبالجملة فهذه كنت عادته الكريمة صلى الله عليه وآله فرأى كل صحابي ما يسره ~~الله من عبادته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها ، وعرف لكل شئ وجها من قبل ~~حفوف القرائن به ms379 . . ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان (2) والثلج ~~من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الاعراب يفهمون مقصود الكلام فيما ~~بينهم (3) . من وجوه الترجيح ما فيه تعارض : قال العلامة الشيخ جمال الدين ~~القاسمي في كتابه " قواعد التحديث " : إن من نظر في أحوال الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك ~~المرجوح ، وطرق الترجيح كثيرا جدا ، ومدار الترجيح على ما يزيد الناظر قوة ~~في نظره على وجه صحيح مطابق للمسالك الشرعية ، فما كان محصلا لذلك فهو مرجح ~~معتبر ، والترجيح قد يكون باعتبار الاسناد وباعتبار المتن وباعتبار المدلول ~~وباعتبار أمر خارج ، ثم ذكر وجوها كثيرة من وجوه الترجيح باعتبار الاسناد ~~نختار منها ما يلى : 1 - الترجيح بكثرة الرواة . وقال الكرخي - إنهما سواء ~~، ورب عدل يعدل # --- # (1) قول ابن عباس هذا رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ص 141 ~~ج 2) وقد ذكرها السيوطي في الاتقان فقال : إنها 12 سؤالا وأوردها الرازي ~~بلفظ 14 حرفا ، وقال : منها ثمانية في البقرة " 1 " وإذا سألك عبادي عنى " ~~2 " يسألونك عن الاهلة " 3 " ويسألونك ماذا ينفقون قل : ما أنفقتم " 4 " ~~يسألونك عن الشهر الحرام " 5 " يسألونك عن الخمر والميسر " 6 " ويسألونك عن ~~اليتامى " 7 " ويسألونك ماذا ينفقون ؟ قل العفو " 8 " ويسألونك عن المحيض " ~~9 " ويسألونك ماذا أحل لهم " 10 " يسألونك عن الانفال " 11 " يسألونك عن ~~الساعة " 12 " يسألونك عن الجبال " 13 " يسألونك عن الروح " 14 " يسألونك ~~عن ذى القرنين : والسائل عن الروح وعن ذى القرنين هم مشركو مكة واليهود - ~~كما في أسباب النزول لا الصحابة فأذن يكون الخالص 12 سؤالا - كما ذكر ~~السيوطي . (2) قال رسول الله لوابصة لما سأله عن البر : استفت قلبك البر ما ~~اطمأنت إليه النفس واطمأن له القلب ثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن ~~أفتاك الناس وأفتوك . رواه أحمد والدرامي . (3) ص 2 ، 3 من الرسالة وص 140 ~~و141 ج 1 من حجة الله لمؤلف الرسالة . (*) # --- PageV01P401 [ 402 ] # ألف رجل في الثقة - كما قيل إن شعبة بن ms380 الحجاج كان يعدل مئتين ، وقد كان ~~الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره . 2 - ترجيح رواية من كان ~~فقيها ، لانه أعرف بمدلولات الالفاظ . 3 - ترجيح رواية الاوثق والاحفظ . 4 ~~- أن يكون أحدهما من الخلفاء الاربعة دون الآخر . 5 - أن يكون أحدهما قد ~~ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد الظاهر . 6 - تقدم رواية من لم ينكر ~~عليه ، على رواية من أنكر عليه . 7 - تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة ~~والثقة من الآخر ، لان ذلك يمنع من الكذب . ومن جهة أخرى الترجيح باعتبار ~~أمور أخرى : 1 - يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر . 2 - ~~يقدم ما عمل عليه أكثر السلف ، على ما ليس كذلك لان الاكثر أولى بإصابة ~~الحق . 3 - أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الاربعة . 4 - أن يكون أشبه ~~بظاهر القرآن فإنه يقدم . اه مختصرا (1) وفي كتابه - أي القاسمي - " تنبيه ~~الطالب إلى معرفة الفرض والواجب (2) قواعد أصولية نقتطف منها ما يلى : 1 - ~~اتفقوا على أن " الوجوب " حكم من الاحكام الشرعية . وقد عرفوا الحكم بأنه : ~~خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين . " والخطاب " توجيه الكلام نحو الغير ~~للافهام . والوجوب حكم ، والحكم لا يكون إلا من حاكم ، والحاكم هو الله ~~تعالى لا غيره . 2 - في المحصول : واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى ~~استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد ~~اليقين ، سواء كانت تلك القرائن # --- # (1) 301 و304 . (2) ص 13 و14 و37 و38 . (*) # --- PageV01P402 [ 403 ] # مشاهدة أو منقولة إلينا (بالتواتر) . . لانها إن لم تكن مشاهدة ولا ~~متواترة تكون منقولة بالآحاد ، وذلك لا يفيد إلا الظن اه . من شرح مختصر ~~منهاج البيضاوى . 3 - استدل بعض الحشوية من حديث " كل أمر ذى بال " بوجوب ~~البداءة بالبسملة عنده قال : لان الحديث خبر لفظا ، إنشاء معنى - لانه ~~بمعنى الامر والامر للوجوب ، فقيل له : إن شرط دلالة الامر على الوجوب ~~أمران : الاول : أن يكون ثبوته قطعيا ، بأن يكون آية من كتاب الله أو حديثا ~~متواترا . الثاني : أن تكون دلالته على المعنى قطعية ، لا ms381 يحتمل لفظ غير ~~هذا المعنى فإن سقط أحد الامرين من الامر لم يفد الوجوب ، فبهت وكأنما ألقم ~~حجرا . 4 - لا يفتى إلا المجتهد : قاله ابن الهمام رحمه الله . وقال أبو ~~يوسف وزفر وغيرهما لا يحل لاحد أن يفتى بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا - أي ~~لانه إذا حكم بإيجاب أو تحريم يستند إلى دليل نير ، يبذل فيه قصارى جهده ، ~~وأما المقلد فلا يسوغ له طرق هذا الباب ، لانه سد على نفسه الابواب ، وأرخى ~~ما أمكنه من ستر وحجاب . وقال الغزالي في فيصل التفرقة : حق المقلد أن يسكت ~~ويسكت عنه اه ما اقتطفناه من هذا الكتاب (1) . قواعد وأصول لما أنشأت أضع ~~أصول هذا الكتاب لم أكن أظن أنه سيبلغ هذا المدى من الطول ، فاضطررت من أجل ~~ذلك إلى أن أحتجن عنه كثيرا مما أعثر البحث عليه وأن أمسك القلم عن أن يجرى ~~إلى أكثر من هذا المدى ، على أنى لم أر بدا من أن أذيله بقواعد مهمة اقتطفت ~~بعضها مما حملته أغصانه من ثمرات ، على أن يكون في مقدمة ذلك بعض آيات من ~~القرآن العظيم ، يتلوها أحاديث مما روى عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ~~، تبدو صحتها من دقة معانيها . قال تعالى : " وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " . # --- # (1) ص 47 و55 و57 . (*) # --- PageV01P403 [ 404 ] # وقال تعالى : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~" وقال تعالى : " وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون " . ~~- وقال تعالى : " كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين . ~~وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه " . - وقال ~~تعالى : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " . ~~وقال تعالى " ما فرطنا في الكتاب من شئ " (1) . - وقال تعالى : " اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " . وروى ~~الشيخان (البخاري ومسلم) أنه قيل لعبد الله بن أوفى (2) ، هل وصى رسول الله ~~؟ قال : لا ، قيل : فلم ؟ وقد كتب الوصية على الناس ms382 ، قال : وصى بكتاب الله ~~، قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث : أي التمسك به والعمل بمقتضاه ~~ولعله أشار إلى قوله صلوات الله عليه : " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم ~~تضلوا : كتاب الله ، واقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم ، ولان ~~ما فيه تبيان كل شئ إما بطريق النص أو بطريق الاستنباط ، فإذا اتبع الناس ~~ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به اه . والحديث الذى أشار إليه ابن حجر ~~رواه مسلم في سياق حجة الوداع قال : إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا . وفي رواية أخرى عن جابر لما خطب صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : " ~~تركت فيكم ما لن تضلوا بعده - إن اعتصمتم به ، كتاب الله " . وفي الموطأ : ~~" وسنتى " ، ولم تكن السنة يومئذ تعرف إلا بالسنة العملية . وفي رواية : ~~إنى تارك فيكم الثقلين ! كتاب الله ، وعترتي أهل بيتى . وقد جاء هذا الحديث ~~بروايات مختلفة والمعنى واحد في كثير من كتب السنة ، # --- # (1) أي أن القرآن محيط بكل أصول أحكام الدين وغير الدين مما خلق وذرا . ~~(2) عبد الله بن أوفى أحد الذين بايعوا تحت الشجرة في الحديبية ، وجاهد مع ~~النبي ست غزوات ، وجرح يوم حنين وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة . (*) # --- PageV01P404 [ 405 ] # وإذا أردت الوقوف على هذه الروايات فارجع إلى كتاب " المراجعات " التى ~~جرت بين العلامة شرف الدين الموسوي رحمه الله ، وبين الاستاذ الكبير الشيخ ~~سليم البشرى شيخ الازهر (سابقا) في الصفحات من 20 وما بعدها من الطبعة ~~الرابعة . * وعن أبى الدرداء مرفوعا " ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما ~~حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية ، فأقبلوا من الله عافيته ، فإن الله ~~لم يكن لينسى شيئا ، وما كان ربك نسيا " - رواه البزار وابن أبى حاتم ~~والطبراني . * ومن مراسيل ابن أبى مليكة : أن الصديق (أبا بكر) جمع الناس ~~بعد وفاة نبيهم فقال : " إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها (1) ~~والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ! فمن سألكم ~~فقولوا ms383 : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " . * لما ~~صلى رسول الله صلوات الله عليه صلاته التى صلاها في مرضه الاخير ، أقبل على ~~الناس يكلمهم ويحذرهم الفتن رافعا صوته حتى خرج من المسجد فقال : أيها ~~الناس سعرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنى والله ما تمسكون ~~على بشئ ، إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن ، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن (2) ~~. * وعندما ضلت ناقته صلوات الله عليه في غزوة تبوك ، وقال المنافقون يومئذ ~~: هو لا يعلم خبر موضع ناقته ! فكيف يعلم خبر السماء ! فقال - لما بلغه ~~قولهم هذا - إنى لا أعلم إلا ما علمني الله (3) . * ولما سئلت عائشة رضى ~~الله عنها عن خلق النبي ، قالت : إن النبي كان خلقه القرآن ، رواه أحمد ~~ومسلم وأبو داود . * وقال الاستاذ الامام محمد عبده رضى الله عنه : إن ~~المسلمين ليس لهم إمام في # --- # (1) انظر كيف بدأ الاختلاف في عهد أبى بكر وانظر كيف أن الخلاف قد اشتد ~~بعده بين الناس إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم . والناس هم الناس . (2) ص 332 ~~ج 4 سيرة ابن هشام في رواية البلاذرى في أنساب الاشراف " إنى والله لا أحل ~~لكم إلا ما أحل الله ولا أحرم عليك إلا ما حرم الله " ص 558 و59 ج 1 . (3) ~~ص 111 ج 1 الاستيعاب لابن عبد البر . (*) # --- PageV01P405 [ 406 ] # هذا العصر غير القرآن ، وأن الاسلام الصحيح هو ما كان عليه الصدر الاول ~~قبل ظهور الفتن . * وقال رحمه الله : " لا يمكن لهذه الامة أن تقوم ما دامت ~~هذه الكتب فيها (1) ولن تقوم إلا بالروح التى كانت في القرن الاول وهو ~~(القرآن) وكل ما عداه فهو حجاب قائم بينه وبين العمل والعلم " . * وقال ~~رحمه الله في تفسير سورة الفاتحة : إذا وزنا ما في أمغتنا من الاعتقاد ~~بكتاب الله تعالى من غير أن ندخلها أولا فيه ، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ~~ضالين ! وأما إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن وحشرناها فيه أولا ، فلا ~~يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال ، لاختلاط الموزون بالميزان ms384 فلا يدرى ما ~~هو الموزون من الموزون به - أريد أن يكون القرآن أصلا تحمل عليه المذاهب ~~والآراء في الدين ، لا أن تكون المذاهب أصلا والقرآن هو الذى يحمل عليها ، ~~ويرجع بالتأويل أو التحريف إليها ، كما جرى عليه المخذولون ، وياه فيه ~~الضالون اه (2) . * العبرة في العقائد بالدلالة القطعية ، وجميع العقائد ~~التى تتوقف عليها صحة الاسلام ، ثابتة بنصوص القرآن وإجماع المسلمين ، ولا ~~يوجد شئ منها يتوقف على أحاديث الآحاد التى يمكن الارتياب في بعضها - وكذلك ~~أصول العبادات كلها قطعية ثابتة بالقرآن والسنة العملية المتواترة التى لا ~~تتوقف على أخبار الآحاد ، وما ثبت من أحكام العبادات بأحاديث الآحاد ولم ~~يجمع عليه أئمة العلم فلا تتوقف عليه صحة الاسلام ، وإن كان صحيحا في نفسه ~~. * العمدة في الدين هو القرآن الحكيم وما دل عليه دلالة قطعية يجب الايمان ~~به والاذعان له علما وعملا وتركا - وما كان غير قطعي الدلالة منه ، فهو محل ~~اجتهاد للعارفين بأساليب لغته ، ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجيا . * ~~وسنن الرسول المتواترة - وهى السنن العملية - وما أجمع عليه مسلمو الصدر # --- # (1) يعنى الكتب التى تدرس في الازهر وأمثالها . (2) ص 54 . (*) # --- PageV01P406 [ 407 ] # الاول ، وكان معلوما عندهم بالضرورة - كل ذلك قعطى لا يسع أحد جحده أو ~~رفضه ، بتأويل ولا اجتهاد ، ككون الصلاة المعروفة خمسا ، وكون الفجر ركعتين ~~والمغرب ثلاثا والبواقي أربعا أربعا ، وكون كل ركعة تشتمل على قيام وقراءة ~~قرآن فيه ، وركوع وسجودين إلخ ما هو معروف " بالعمل " من عهد الرسول إلى ~~اليوم . * هذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أما إطلاقها على ما يشمل ~~الاحاديث فاصطلاح حادث . * أحاديث الآحاد التى لم يعمل بها جمهور السلف ، ~~هي محل اجتهاد في - أسانيدها ومتونها ودلالتها ، لان ما صح سنده منها يكون ~~خاصا بصاحبه . * ومن صح عنده شئ منها رواية ودلالة عمل به - ولا تجعل ~~تشريعا عاما تلزمه الامة إلزاما ، تقليدا لمن أخذ به . * الحديث الصحيح لا ~~يعرف برواته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ - وكم من حديث ليس في إسناده ~~إلا ثقة وهو معلول واه . * الاحاديث ms385 الصحيحة مفيدة لغلبة الظن الذى عليه ~~مدار الصحة عند الفقهاء ، وقال النووي في شرح مسلم : لان ذلك شأن الآحاد ، ~~الذى لا يفيد شئ منها العلم البرهانى واليقين المنطقي ، ولا فرق في ذلك بين ~~الشيخين البخاري ومسلم ، وغيرهما ، هذا هو الصحيح ، خلافا لمن قال " إن خبر ~~الواحد يوجب العلم " . * ما كل ما صح سنده يكون متنه صحيحا ، وما كل ما لم ~~يصح سنده يكون متنه غير صحيح . لا يلزم من إجماع الامة (1) على العمل بما ~~في البخاري ومسلم ، إجماعهم على القطع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ~~، ولا على أن ما فيهما مجزوم بصحة نسبته إلى النبي ، وأن تقدير ما فيهما ~~إنما كان للذين أتوا بعدهما . * لم يكن الائمة الاربعة الذين يتبعهم أكثر ~~المسلمين في الاحكام العملية # --- # (1) هذا الاجماع الذى يقول به من سموا أنفسهم أهل السنة غير مسلم فهناك ~~الشيعة والزيدية والاباضية وغيرهم ، وهم فرق كبيرة ، لا يستهان بهم ، لا ~~يلزمون أنفسهم بالعمل بما فيها ، ولكل قوم سنة وإمامها . (*) # --- PageV01P407 [ 408 ] # مطلعين على كتب الحديث ، ولا سيما الامام أبى حنيفة ، ولم يكن الحديث ~~مدونا في الاسفار فيأخذه منها - وهو مع ذلك معترف بإمامته واجتهاده عند ~~اتباعه وغيرهم من أهل السنة ، ولم يظهر البخاري ولا غيره من كتب الحديث إلا ~~بعد انقضاء خير القرون . * لم يقل أحد من سلف الامة وأئمة الفقه ، إن معرفة ~~الدين تتوقف على الاحاطة بجميع ما رواه المحدثون من الاحاديث ولا بأكثرها . ~~* اتفق علماء الاصول على هذه القاعدة " أن طروء الاحتمال في المرفوع من ~~وقائع الاحوال ، يكسوها ثوب الاجمال ، فيسقط به الاستدلال " . * يعذر من لم ~~يصدق رواية بعض الاحاديث لشبهة عنده في المتن والسند فكذب مضمونها ، أو ~~خالفها لذلك ، وإن صح ويرد عليه بالتى هي أحسن . * جعل العلماء المتقدمون " ~~أن مدار الارتداد عن الاسلام هو جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة ~~" . * الامة ما تعبدوا إلا بخبر يغلب على الظن صدقه ، لانهم إنما أمروا ~~بالاستناد إلى ما ظنوا صحته - والحكم يقع بالظن الغالب ، ولا يلزم من ظنهم ms386 ~~صحته ، صحته في نفس الامر ، وكذلك لا يلزم من الاجماع على حكم مطابقته لحكم ~~الله في نفس الامر . مضت سنة السلف الصالح في الاحاديث غير المتواترة ، بأن ~~من بلغه حديث منها بطريق يعتقد ثبوته عمل به ولم يوجبوا على أحد - ولو كان ~~منقطعا لتحصيل العلم - أن يبحث عن جميع ما روى من هذه الاحاديث ويعمل بها ، ~~كيف والصحابة لم يكتبوا الحديث ، ولم يتصدوا لجمعه وتلقينه للناس ، بل منهم ~~من نهى عن روايته . قال إمام أهل السنة أحمد بن حنبل : ثلاثة أمور ليس لها ~~إسناد ، التفسير والملاحم ، والمغازى . وقال ابن تيمية خليفة أحمد بن حنبل ~~في إمامة الحنابلة : # --- PageV01P408 [ 409 ] # والمؤدى ليست لها أصول ، أي إسناد ، لان الغالب عليها المراسيل (1) . لم ~~يجمع الصحابة السنة القولية ، ولم يتفقوا عليها ، كما جمعوا القرآن واتفقوا ~~عليه . إن أئمة المسلمين لم يتفقوا على الصحيح منها ، وما منهم من أحد إلا ~~خالف في مذهبه كثيرا منها - ولو صح عند غيره الخ . الاصل في العبادات ~~والاصل في العقود (المعاملات) : الاصل في العبادات البطلان ، حتى يقوم دليل ~~على الامر . والاصل في العقود والمعاملات الصحة ، حتى يقوم دليل على ~~البطلان والتحريم . والفرق بينهما - أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه ~~على ألسنة رسله ، فإن العبادة حقه على عباده ، وحقه الذى أحقه هو ورضى به ~~وشرعه . وأما العقود والشروط والمعاملات فهى عفو حتى يحرمها ، ولهذا نعى ~~الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الاصلين ، وهو تحريم ما لم يحرمه ، ~~والتقرب إليه بما لا يشرعه ، فالحلال ما أحله الله ، والحرام ما حرمه - وما ~~سكت عنه فهو عفو . رب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدى ومجروح عند ~~يحيى بن سعيد القطان وبالعكس ، وهما إمامان عليهما مدار النقد في النقل ومن ~~عندهما يتلقى معظم شأن الحديث . إن ما كان قطعي الدلالة في النصوص فهو " ~~الشرع العام " الذى يجب على جميع المسلمين اتباعه عملا وقضاء ، وإن ما كان ~~ظنى الدلالة ، فهو موكول إلى اجتهاد الافراد في التعبدات والمحرمات ، وإلى ~~أولى الامر في ms387 الاحكام القضائية . إن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ~~ظنية غير قطعية ، لا يجعل تشريعا عاما تطالب به كل الامة - وإنما يعمل فيه ~~كل أحد باجتهاده ، فمن فهم # --- # (1) ص 14 من مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية طبعة دمشق . (*) # --- PageV01P409 [ 410 ] # منه الدلالة على تحريم شئ امتنع منه ، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على ~~أصل الاباحة . قال الفخر الرازي في كتاب " معالم أصول الدين " إن الدلائل ~~النقلية ظنية ، وإن الفعلية قطعية - والظن لا يعارض القطع - والاساس في علم ~~الكلام هو دائما ، أن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين . كانت عائشة ترد كل ~~ما روى مخالفا للقرآن ، وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع ، أو ~~سوء الفهم . قال السيد رشيد رضا - إننى لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم ~~صحابي يخالف ظاهر القرآن ، وإن وثقوا رجاله ، فرب راو يوثق للاغترار بظاهر ~~حاله وهو سيئ الباطن ، وقال : ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها ، كما ~~تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الاسانيد بالتناقض ، ونحن نجزم ~~بأننا نسينا وأضعنا من حديث نبينا حظا عظيما لعدم كتابة علماء الصحابة كل ~~ما سمعوه ، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن ، أو من أمور الدين فإن أمور ~~الدين معروفة في القرآن ومبينة في السنة العملية ، وما دون من الاحاديث فهو ~~مزيد هداية وبيان (1) . 1 - والخلق ما كلفوا الصواب عند الله ، فإن ذلك غير ~~مقدور عليه ولا يكلف بما لا يطاق ، بل كلفوا بما يظنونه صوابا ، وقد عرف ~~الاصوليون " الاجتهاد " بأنه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظنى بحكم شرعى ~~- وإنما قالوا : تحصيل ظنى بحكم " لان الاحكام القطعية المعلومة في الدين ~~بالضرورة لا اجتهاد فيها " 2 - ومن قواعدهم المشهورة أنه لا يلزم من ظنهم ~~صحة الخبر ، صحته في نفس الامر . من قواعد الشريعة الثابتة ، وأصولها ~~القطعية . كقاعدة رفع الحرج والعسر وإثبات اليسر وترجيحه # --- # (1) ص 288 ج 6 من تفسير القرآن الكريم للامام محمد عبده والسيد رشيد رضا . (*) # --- PageV01P410 [ 411 ] # وقاعدة كون الاصل براءة ms388 الذمة وكون الاصل في كل الخبائث والمضرات الحرمة ~~وفي كل الطيبات الحل وكون الضرورات تبيح المحظورات ولا ضرر ولا ضرار (1) . ~~قال الامام أبو حنيفة : " ردى على كل رجل يحدث عن النبي بخلاف القرآن - ليس ~~ردا على النبي ولا تكذيبا له ، ولكنه رد على من يحدث عنه بالباطل ، والتهمة ~~دخلت عليه ليس على نبى الله ، وكل شئ تكلم به النبي فعلى الرأس والعين قد ~~آمنا به وشهدنا أنه كما قال ، ونشهد أنه لم يأمر بشئ يخالف أمر الله ، ولم ~~يبتدع ولم يتقول غير ما قال الله ولا كان من المتكلفين " (ص 99 من مناقب ~~أبى حنيفة) . وقال الامام أحمد بن حنبل : انظروا في أمر دينكم ، فإنى ~~التقليد لغير المعصوم مذموم ، وفيه عمى للبصيرة (2) . * * * وهنا نضع القلم ~~بعد أن قدمنا ما أعاننا الله عليه من عمل ، وما وفقنا إليه من بحث ، ~~مستعينين بالله في إخراجه إلى الناس جميعا في صورة صادقة ، مؤيدة بأقوم ~~البراهين ، وأقوى الاسانيد ، وفي سبيل الله ما أنفقنا من عمر ، في قراءة ~~مئات المصادر التى رجعنا إليها ، وما بذلنا من جهد في تناول ما يصح لكتابنا ~~منها ، ولمرضاته تعالى ما نالنا من مشقة في تهيئة مواده ، وتنسيق فصوله ، ~~وبخاصة لان هذا المصنف لم يكن له من قبل مثال نحتذيه ، ولا طريق عبده لنا ~~أحد ممن سبقنا فنتبعه ونسير عليه . وتقسيم الكتاب وتبويبه كما قالوا أكبر ~~خطوة في سبيل تأليفه . فإن يقع عملنا هذا لدى المستنيرين ، ورجال الفكر ~~المثقفين ، في مكان الرضا والقبول فهذا ما نرجوه وهو حسبنا . وإن تضق به ~~صدور بعض النفوس فهذا لا يهمنا ولا يعنينا ، إذ ليس لمثل هؤلاء خطر عندنا ~~ولا وزن في حسابنا . وإنا لنرجو أن نكون بما قدمنا قد وضعنا - كما قلنا من ~~قبل - لما روى عن # --- # (1) قال الامام الطوخى في شرح هذا الحديث إن المصلحة تقدم في المعاملات ~~على النص والاجماع . (2) ص 297 من الاسلام الصحيح . (*) # --- PageV01P411 [ 412 ] # رسول الله من أحاديث مرآة صادقة ، تبدو فيها صورتها على حقيقتها ، وآتينا ~~الذين يريدون الاهتداء ms389 إلى معرفة أصول هذه المرويات ، سراجا منيرا يكشف عن ~~الصادق وغيره من صورتها . وما دام عملنا هذا قد جعلناه خالصا لوجهه تعالى ، ~~فإنا لا نطلب عليه من غيره أجرا ، ولا نرتقب من أحد في هذه الحياة حمدا ولا ~~شكرا ، وهو سبحانه وتعالى حسبنا ونعم الوكيل ، بيده الخير ، يهدى من يشاء ~~إلى سواء السبيل ، ويجزيه من فضله الثواب الجزيل . والحمد لله في المبدأ ~~والنهاية ، ونسأله تعالى دوام التوفيق والهداية ، إنه سميع مجيب . # مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية PageV01P412 ms390