######OpenITI# #META# المؤلف: السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم #META# الناشر: مؤسسة البعثة #META# الطبعة: ٠ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ٠ هـ.ق #META# الصفحات: ٤٠٧ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم # ( @QUR@09 والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ( ~~@QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ) ( @QUR@019 فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( @QUR@023 إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) ( @QUR@014 ~~ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم ) # القرآن الكريم PageV01P026 ### ||| * نهضة الحسين (ع) # كان المغزى الوحيد لشهيد الدين ، وحامية الإسلام الحسين بن أمير المؤمنين ~~(ع) إبطال احدوثة الامويين ، ودحض المعرات عن قدس الشريعة ، ولفت الأنظار ~~إلى براءتها وبراءة الصادع بها عما ألصقوه بدينه ؛ من شية العار ، والبدع ~~المخزية ، والفجور الظاهرة ، والسياسة القاسية (1). فنال سيد الشهداء ~~(عليه السلام) مبتغاه بنهضته الكريمة ، وأوحى إلى الملأ الديني ما هنالك من ~~مجون فاضح ، وعرف الناس (بيزيد المخازي) ومن لاث به من قادة الشر وجراثيم ~~الفتن ، فمجتهم الأسماع ، ولم يبق في المسلمين إلا من يرميهم بنظرة شزراء ~~حتى توقدت عليهم العزائم ، واحتدمت الحمية الدينية من اناس ونزعات من آخرين ~~، فاستحال الجدال جلادا ، وأعقبت بلهنية عيشهم حروبا دامية أجهزت على ~~حياتهم ، ودمرت ملكهم المؤسس على أنقاض الخلافة الإسلامية من دون أية حنكة ~~أو جدارة ، فأصاب هذا الفاتح الحسين (ع) شاكلة الغرض بذكره السائر ، وصيته ~~الطائر ، ومجده المؤثل ، وشرفه المعلى ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ). # لا أجدك أيها القارىء وأنت تسبر التاريخ ، وتتحرى الحقائق بنظر التحليل ، ~~إلا وقد تجلت لك نفسية (أبي الضيم) الشريفة ، ومغزاه المقدس ونواياه ~~الصالحة ، وغاياته الكريمة في حله ومرتحله ، وفي إقدامه وإحجامه في دعواه ~~ودعوته ، ولا أحسبك في حاجة إلى التعريف بتفاصيل تلكم الجمل بعد أن PageV01P027 # عرفت أن شهيد العظمة من هو؟ وما هي أعماله؟ وبطبع الحال تعرف قبل كل شيء ~~موقف مناوئه ، وما شيبت به نفسيته من المخازي. # نحن لو ms001 تجردنا عما نرتئيه (لحسين الصلاح) من الإمامة والحق الواضح الذي ~~يقصر عنه في وقته أي ابن انثى لم تدع لنا النصفة مساغا لاحتمال مباراته في ~~سيرة طاغية عصره ، أو أنه ينافسه على شيء من المفاخر. فإن سيد شباب أهل ~~الجنة متى كان يرى له شيئا من الكفاءة حتى يتنازل إلى مجاراته؟ ولقد كان ~~(ع) يربأ بنفسه الكريمة حتى عن مقابلة أسلافه. # أترى أن الحسين يقابل أبا سفيان بالنبي الكريم ، أو معاوية بأمير ~~المؤمنين ، أو آكلة الأكباد بأم المؤمنين خديجة رضوان الله تعالى عليها ، ~~أو ميسون بسيدة العالمين ، أو خلاعة الجاهلية بوحي الإسلام ، أو الجهل ~~المطبق بعلمه المتدفق ، أو الشره المخزي بنزاهة نفسه المقدسة؟! إلى غيرها ~~مما يكل عنه القلم ، ويضيق به الفم. # لقد كانت بين الله سبحانه وتعالى ، وبين اوليائه المخلصين أسرار غامضة ~~تنبو عنها بصائر غيرهم ، وتنحسر أفكار القاصرين حتى أعمتهم العصبية؛ فتجرؤا ~~على قدس المنقذ الأكبر ، وأبوا إلا الركون إلى التعصب الشائن ، فقالوا : إن ~~الحسين قتل بسيف جده ؛ لأنه خرج على إمام زمانه (يزيد) بعد أن تمت البيعة ~~له ، وكملت شروط الخلافة باجماع أهل الحل والعقد ، ولم يظهر منه ما يشينه ~~ويزري به!! (1). # والعجب من التزامه بصحة خلافة يزيد وهو يقرأ حديث النبي (ص) لا يزال أمر ~~امتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني امية يقال له يزيد ، ~~رواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 5 ص 241 عن مسند أبي يعلى والبزاز وفي ~~الصواعق المحرقة ص 132 عن مسند الروياني عن أبي الدرداء عنه (ص): أول من ~~يبدل سنتي رجل من بني امية يقال له يزيد وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري ~~باب قول النبي (ص): هلاك امتي على يدي اغيلمة من امتي عن أبي هريرة قال : ~~سمعت رسول الله (ص) يقول : هلكة امتي على يدي غلمة من قريش ، قال ابن حجر ~~في شرح الحديث من فتح الباري ج 13 ص 7 : كان أبو هريرة يمشي في السوق ويقول ~~: اللهم لا تدركني سنة ms002 ستين ولا أمارة الصبيان قال ابن حجر : أشار بذلك إلى ~~خلافة يزيد فإنها في سنة ستين ولم يتعقبه. PageV01P028 # وقد غفل هذا القائل عن أن ابن ميسون لم يكن له يوم صلاح حتى يشينه ما ~~يبدو منه! وليس لطاماته ومخازيه قبل وبعد وقد ارتضع در ثدي (الكلبية) ~~المزيج بالشهوات ، وتربى في حجر من لعن على لسان الرسول الأقدس (1)، وأمر ~~الامة بقتله متى شاهدته متسنما صهوة منبره! (2). ولو امتثلث الامة الأمر ~~الواجب ؛ لأمنت العذاب الواصب ، المطل عليها من نافذة بدع الطاغية ، ومن ~~جراء قسوته المبيدة لها ، لكنها كفرت بأنعم الله ، فطفقت تستمرء ذلك المورد ~~الوبيء ذعافا ممقرا ؛ فألبسها الله لباس الخوف ، وتركها ترزح تحت نير ~~الاضطهاد ، وترسف في قيود الذل والاستعباد ، ونصب عينها استهتار الماجنين ~~وتهتك المنهمكين بالشهوات! وكلما تنضح به الآنية الاموية الممقوتة شب (يزيد ~~الاهواء) بين هاتيك النواجم من مظاهر الخلاعة. # ولقد أعرب عن كل ما أضمره من النوايا السيئة على الإسلام ، والصادع به ~~جذلا بخلاء الجو له ، فيقول العلامة الآلوسي : # من يقول إن يزيد لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه ، فينبغي أن ينتظم في سلسلة ~~أنصار يزيد ، وأنا أقول : إن الخبيث لم يكن مصدقا برسالة النبي (ص)، وإن ~~مجموع ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيه (ص) وعترته الطيبين الطاهرين ~~في الحياة وبعد الممات ، وما صدر منه من المخازي ، ليس بأضعف دلالة على عدم ~~تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر! ، ولا أظن أن أمره كان ~~خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك ، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين ، ولم يسعهم ~~إلا الصبر. ولو سلم أن الخبيث كان مسلما ، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط PageV01P029 # به نطاق البيان. وانا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ، ولو لم يتصور ~~أن يكون له مثل من الفاسقين. والظاهر أنه لم يتب ، واحتمال توبته أضعف من ~~إيمانه. # ويلحق به ابن زياد ، وابن سعد وجماعة ، فلعنة الله عليهم وعلى أنصارهم ~~وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ، ما دمعت ms003 عين على أبي عبد ~~الله الحسين (ع). # ويعجبني قول شاعر العصر ، ذي الفضل الجلي ، عبد الباقي افندي العمري ~~الموصلي ، وقد سئل عن لعن يزيد ، فقال : # يزيد على لعني عريض جنابه %~% فاغدو به طول المدى العن اللعنا # ومن يخشى القيل والقال من التصريح بلعن ذلك الضليل ، فليقل : لعن الله عز ~~وجل من رضي بقتل الحسين (ع)، ومن آذى عترة النبي (ص) بغير حق ، ومن غصبهم ~~حقهم ، فإنه يكون لاعنا له ؛ لدخوله تحت العموم دخولا اوليا في نفس الأمر. ~~ولا يخالف أحدا في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها ، سوى ابن العربي المار ~~ذكره وموافقيه ، فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم ، لا يجوزون لعن من رضي بقتل ~~الحسين (عليه السلام)! وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ~~ضلال يزيد!. # ثم قال : نقل البرزنجي في (الاشاعة)، والهيثمي في (الصواعق المحرقة)، ~~أن الإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن لعن يزيد قال : كيف لا يلعن من ~~لعنه الله في كتابه! فقال عبد الله : قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه ~~لعن يزيد! فقال الإمام : إن الله يقول : ( @QUR@015 فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله )، وأي فساد ~~وقطيعة أشد مما فعله يزيد!. # وقد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعة من العلماء ، منهم : القاضي أبو يعلى ، ~~والحافظ ابن الجوزي ، وقال التفتازاني : لا نتوقف في شأنه ، بل في إيمانه ، ~~لعنة الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره ، وصرح بلعنه جلال الدين السيوطي. # وفي تاريخ ابن الوردي ، والوافي بالوفيات : لما وردت على يزيد نساء ~~الحسين وأطفاله ، والرؤوس على الرماح ، وقد أشرف على ثنية جيرون ونعب ~~الغراب ، قال : # لما بدت تلك الحمول وأشرقت %~% تلك الشموس على ربى جيرون نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل %~% فلقد قضيت من النبي ديوني PageV01P030 # يعني : أنه قتل بمن قتله رسول الله (ص) يوم بدر ؛ كجده عتبة وخاله ولد ~~عتبة وغيرهما ، وهذا كفر صريح ، فاذا صح عنه ، فقد كفر به. ومثله تمثله ~~بقول عبد الله بن الزبعرى ms004 قبل إسلامه ب (ليت أشياخي ببدر ...) الأبيات (1) ~~، إلى كثير من موبقاته وإلحاده ، فاستحق بذلك اللعن من الله وملائكته ~~وأنبيائه ، ومن دان بهم من المؤمنين إلى يوم الدين. ولم يتوقف في ذلك إلا ~~من حرم ريح الإيمان ، وأعمته العصبية عن السلوك في جادة الحق ؛ فأخذ يتردد ~~في سيره ، حيران لا يهتدي إلى طريق ، ولا يخرج من مضيق. # ولم يتوقف المحققون من العلماء في كفره وزندقته ، فيقول ابن خلدون : غلط ~~القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي ، إذ قال في كتابه (العواصم والقواصم): ~~إن الحسين قتل بسيف شرعه ، غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة ~~الإسلامية! ومن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل ~~الآراء!؟. وفي الصفحة نفسها ذكر الاجماع على فسق يزيد ، ومعه لا يكون صالحا ~~للإمامة ، ومن أجله كان الحسين (ع) يرى من المتعين الخروج عليه ، وقعود ~~الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله ، بل لأنهم يرون عدم ~~جواز اراقة الدماء ، فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين ، بل قتله من فعلات ~~يزيد المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد (2). # ويقول ابن مفلح الحنبلي : جوز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام ~~غير العادل ، بدليل خروج الحسين على يزيد ؛ لاقامة الحق. وذكره ابن الجوزي ~~في كتابه (السر المصون) من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من ~~المنتسبين إلى السنة ، إنهم قالوا : كان يزيد على الصواب ، والحسين مخطئ في ~~الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت البيعة له والزم الناس ~~بها ، ولقد فعل مع الناس في ذلك كل قبيح ، ثم لو قدرنا صحة خلافته ، فقد ~~بدرت منه بوادر وظهرت منه أمور ، كل منها يوجب فسخ ذلك العقد ؛ من نهب ~~المدينة ، ورمي الكعبة بالمنجنيق ، وقتل الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) ~~وضربه على ثناياه بالقضيب ، وحمل PageV01P031 # رأسه على خشبة ، وإنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة ، عامي المذهب ، يظن ~~أنه يغيظ بذلك الرافضة (1). # وقال التفتازاني : الحق إن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به ، واهانته ~~أهل بيت النبي (ص)، مما تواتر معناه ms005 وان كان تفاصيله آحاد. فنحن لا نتوقف ~~في شأنه ، بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه (2). # وقال ابن حزم : قيام يزيد بن معاوية ؛ لغرض دنيا فقط ، فلا تاويل له. وهو ~~بغي مجرد (3). ويقول الشوكاني : لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا : بأن ~~الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه ، باغ على الخمير السكير ، الهاتك لحرمة ~~الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية! لعنهم الله. فيا للعجب من مقالات تقشعر ~~منها الجلود ، ويتصدع من سماعها كل جلمود!! (4). # وقال الجاحظ : المنكرات التي اقترفها يزيد ؛ من قتل الحسين ، وحمله بنات ~~رسول الله (ص) سبايا ، وقرعه ثنايا الحسين بالعود ، واخافته أهل المدينة ، ~~وهدم الكعبة ، تدل على القسوة والغلظة والنصب ، وسوء الرأي والحقد والبغضاء ~~، والنفاق والخروج عن الايمان. فالفاسق ملعون ، ومن نهى عن شتم الملعون ~~فملعون (5). # ويحدث البرهان الحلبي ، إن الاستاذ الشيخ محمد البكري تبعا لوالده كان ~~يلعن يزيد ويقول : زاده الله خزيا وضعه وفي أسفل سجين وضعه (6) كما لعنه ~~أبو الحسن علي بن محمد الكياهراسي ، وقال : لو مددت ببياض لمددت العنان في ~~مخازي الرجل (7). وحكى ابن العماد عنه ، أنه سئل عن يزيد بن معاوية ، فقال ~~: لم يكن من الصحابة ؛ لأنه ولد أيام عمر بن الخطاب. ولأحمد فيه قولان ؛ ~~تلويح وتصريح. ولمالك قولان ؛ تلويح وتصريح. ولأبي حنيفة قولان ؛ تلويح ~~وتصريح. ولنا قول واحد PageV01P032 # تصريح دون تلويح ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد ، ومدمن الخمر ، ~~وشعره في الخمر معلوم (1). ويقول الدكتور علي ابراهيم حسن : كان يزيد من ~~المتصفين بشرب الخمر واللهو والصيد (2). # وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : كان يزيد بن معاوية ناصبيا فظا ، ~~غليظا جلفا ، يتناول المسكر ويفعل المنكر ، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين ~~، وختمها بوقعة الحرة ؛ فمقته الناس ولم يبارك في عمره (3). # وقال الشيخ محمد عبده : اذا وجدت في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع ، ~~وحكومة جائرة تعطله ، وجب على كل مسلم نصر الاولى. ثم قال : ومن هذا الباب ~~خروج الإمام الحسين سبط الرسول (ص) على إمام الجور والبغي ، الذي ولي أمر ~~المسلمين بالقوة والمكر ، يزيد ms006 بن معاوية ، خذله الله وخذل من انتصر له من ~~الكرامية والنواصب (4). وقال ابن تغربردي الحنفي : كان يزيد فاسقا ، مدمن ~~الخمر (5)، وقال : أخذت فتاوى العلماء بتعزير عمر بن عبد العزيز القزويني ~~؛ إذ قال أمير المؤمنين يزيد ، ثم اخرج من بغداد إلى قزوين (6). وقال أبو ~~شامة : دخل بغداد أحمد بن اسماعيل بن يوسف القزويني فوعظ بالنظامية ، وفي ~~يوم عاشوراء قيل له : إلعن يزيد بن معاوية. قال : ذلك إمام مجتهد. ففاجأه ~~أحدهم فكاد يقتل ، وسقط عن المنبر. ثم أخرجوه إلى قزوين ، ومات بها سنة ~~(590) ه (7). # وقال سبط ابن الجوزي : سئل ابن الجوزي عن لعن يزيد فقال : أجاز أحمد لعنه ~~، ونحن نقول لا نحبه ؛ لما فعل بابن بنت نبينا ، وحمله آل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال ، وتجريه على آل رسول ~~الله ، فإن رضيتم بهذه المصالحة بقولنا لا نحبه ، وإلا رجعنا إلى أصل ~~الدعوى جواز لعنته (8). PageV01P033 # وذكر أبو القاسم الزجاجي باسناده عن عمر بن الضحاك ، قال : كان يزيد بن ~~معاوية ينادم (قردا)، فأخذه يوما وحمله على إتان وحشي وشد عليها رباطا ، ~~وأرسل الخيل في أثرها حتى حسرتها الخيل فماتت الأتان ، فقال يزيد : # تمسك أبا قيس بفضل عنانها %~% فليس علينا أن هلكت ضمان كما فعل الشيخ الذي سبقت به %~% زيادا أمير المؤمنين إتان (1) # وما ذكره ابن الأثير عن أبي يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد ~~بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أنه قال : أنا لا اكفر ~~يزيد ؛ لقول النبي (ص): «سألت الله تعالى أن لا يسلط على بني من غيرهم ، ~~فأعطاني ذلك» (2). لا يتابع عليه ؛ لأن شرف أبي يعلى وجلالته وثقته ، تبعد ~~صدور هذه الكلمة الجافة عنه ، وإن سبقه إليها الرافعي في التدوين في علماء ~~قزوين (3). وعلى فرض صدورها منه ، فمن المقطوع به صدورها منه تقية. وقد ~~بالغ الميرزا عبد الله افندي تلميذ المجلسي في إنكارها (4)؛ لأن كل من ~~ترجم له من علماء الرجال مدحه واطراه بالجميل ، ولم يذكر ms007 ذلك عنه ، ولو كان ~~لصدورها عنه عين أو أثر لمقتوه من أجلها. وقد ترحم عليه الشيخ الصدوق في ~~كتبه وترضى عنه ؛ لأنه من مشائخه. وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ~~حدثه بقم سنة (339) ه عما كتبه إليه علي بن إبراهيم بن هاشم سنة (309) ه ، ~~عن ياسر الخادم عن الرضا (ع).... الخ حتى أن الخطيب البغدادي مع تعصبه ~~ترجم له ، ولم يذكر عنه هذه الكلمة النابية (5)، فهذه الكلمة من زيادات ~~الرافعي وابن الأثير ، الغير المقرونة بأصل وثيق. # وبعد مقت أعلام الامة ليزيد ، نحاسب عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي ~~عن الاصول الصحيحة التي استقى منها كتابه ، الذي صنفه في فضائل يزيد (6)! ~~وأي مأثرة صحيحة وجدها له حتى سجلها في كتابه؟! وهل حياته كلها إلا مخاز ~~وتهجمات على قدس الشريعة؟ ؛ لذلك لم يعبأ العلماء بهذا الكتاب. فيقول : PageV01P034 # ابن العماد : أتى فيه بالموضوعات. ويقول ابن كثير : رد عليه ابن الجوزي ~~فأجاد وأصاب. وفي كامل ابن الأثير ، وعليه المسعودي في مروج الذهب : أتى ~~فيه بالعجائب (3). وقال ابن رجب في طبقاته : صنف ابن الجوزي في الرد عليه ~~كتابا أسماه : الرد على المتعصب العنيد ، المانع من لعن يزيد. # ومن الغريب ما أفتى به عبد الغني المقدسي ، حين سئل عن يزيد فقال : ~~خلافته صحيحة ؛ لأن ستين صحابيا بايعه ، منهم : ابن عمر. ومن لم يحبه لا ~~ينكر عليه ؛ لأنه ليس من الصحابة ، وإنما يمنع من لعنه ؛ خوفا من التسلق ~~إلى أبيه ، وسدا لباب الفتنة (1)!!. وأغرب من هذا ، إنكار ابن حجر الهيثمي ~~رضا يزيد بقتل الحسين (ع)، أو أنه أمر به (2) مع تواتر الخبر برضاه ، ولم ~~ينكره إلا من أنكر ضوء الشمس!!. # قال ابن جرير والسيوطي : لما قتل الحسين سر يزيد بمقتله ، وحسنت حال ابن ~~زياد عنده ، ثم بعد ذلك ندم (3). وقال الخوارزمي : قال يزيد للنعمان بن ~~بشير : الحمد لله الذي قتل الحسين (4). وقد احتفظوا بمنكراته كاحتفاظهم ~~ببغي أبيه معاوية ، ومعاندته لقوانين صاحب الدعوة الإلهية ، أليس هو القائل ~~لأبيه صخر لما أظهر الإسلام فرقا من بوارق المسلمين : # يا ms008 صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا %~% بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا لا تركنن إلى أمر تقلدنا %~% والراقصات بنعمان به الحرقا (5) فالموت أهون من قيل الصباة لنا %~% خيل ابن هند عن العزى كذا فرقا فان أبيت أبينا ما تريد ولا %~% تدع عن اللات والعزى اذا اعتنقا (6) # ويقول ابن أبي الحديد : طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية ، وقالوا : ~~إنه كان ملحدا لا يعتقد بالنبوة. ونقلوا عنه في فلتات كلامه ما يدل عليه (7). PageV01P035 # وجده صخر ، هو القائل للعباس يوم الفتح : إن هذه ملوكية. فقال العباس : ~~ويلك إنها نبوة (1). وفي معاوية ، يقول أحمد بن الحسين البيهقي : خرج ~~معاوية من الكفر إلى النفاق في زمن الرسول (ص)، وبعده رجع إلى كفره الأصلي (2). # فابن ميسون عصارة تلكم المنكرات ، فمتى كان يصلح لشيء من الملك فضلا عن ~~الخلافة الإلهية ، وفي الامة ريحانة الرسول وسيد شباب أهل الجنة؟!. أبوه من ~~قام الدين بجهاده ، وامه سيدة نساء العالمين ، وهو الخامس لأصحاب الكساء ، ~~وعدل الكتاب المجيد في (حديث الثقلين)، يتفجر العلم من جوانبه ، ويزدهي ~~الخلق العظيم معه أينما يتوجه ، وعبق النبوة بين أعطافه ، وألق الإمامة في ~~أسارير وجهه. والى هذا يشير (ع) لما عرض الوليد البيعة ، فقال : # «أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، بنا ~~فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحترمة ، ~~معلن بالفسق. ومثلي لا يبايع مثله» (3). # وبعد هذا ، فلنسأل هذا المتحذلق عن قوله : (خرج الحسين بعد انعقاد البيعة ~~ليزيد)، متى انعقدت هاتيك البيعة الغاشمة؟ ومتى اجتمع عليها أهل الحل ~~والعقد؟ أيوم كان يأخذها أبوه تحت بوارق الإرهاب؟! أم يوم إسعاف الصلات ~~لرواد الشره رضيخة يتلمظون بها؟! (4) أم يوم عرضها عمال يزيد على الناس ، ~~فتسلل عنها ابن الرسول ومعه الهاشميون ، وفر ابن الزبير إلى مكة وتخفى ابن ~~عمر في بيته؟ (5). وكان عبد الرحمن ابن أبي بكر يجاهر بأنها هرقلية ؛ كلما ~~مات هرقل قام هرقل مكانه (6)، وكان يقول : إنها بيعة قوقية ، وقوق هو اسم ~~قيصر (7) فأرسل له معاوية مئة ألف درهم يستعطفه ms009 بها ، فردها وقال : لا أبيع ~~ديني بدنياي (8)، وقال PageV01P036 # عبد الله بن عمرو بن العاص لعابس بن سعيد ، الذي حثه على البيعة ليزيد : ~~أنا أعرف به منك ، وقد بعت دينك بدنياك (1). وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل العدوي للشامي الذي أرسله مروان بن الحكم ليبايع ليزيد : يأمرني مروان ~~أن أبايع لقوم ضربتهم بسيفي حتى أسلموا! والله ما أسلموا ولكن استسلموا (2) ~~. وقال زياد بن أبيه لعبيد بن كعب النميري : كتب إلي معاوية في البيعة ~~ليزيد ، وضمان أمر الإسلام عظيم ؛ إن يزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما اولع به ~~من الصيد ، فأخبر معاوية عني ، وأخبره عن تهاون يزيد بأمر الدين وفعلاته ~~المنكرة (3). # وقد أنكر على معاوية سعيد بن عثمان بن عفان ، وفيما كتب إليه : إن أبي ~~خير من أب يزيد ، وأمي خير من امه ، وأنا خير منه (4). وكان الأحنف بن قيس ~~منكرا لها ، وكتب إليه يعرفه الخطأ فيما قصده من البيعة لابنه يزيد ، ~~وتقديمه على الحسن والحسين مع ما هما عليه من الفضل والى من ينتميان ، ~~وذكره بالشروط التي أعطاها الحسن ، وكان فيها أن لا يقدم عليه أحدا ، وإن ~~أهل العراق لم يبغضوا الحسنين منذ أحبوهما ، والقلوب التي أبغضوه بها بين ~~جوانحهم (5). # وحرص أبي الضيم سيد الشهداء على نصح معاوية وارشاده إلى لاحب الطريق ، ~~وتعريفه منكرات يزيد ، وإن له الفضل عليه بكل جهاته ، وفيما قال له : «إن ~~امي خير من امه ، وأبي خير من أبيه». فقال معاوية : أما امك ، فهي ابنة ~~رسول الله (ص)، فهي خير من امرأة من كلب. وأما حبي يزيد ، فلو اعطيت به ~~ملء الغوطة لما رضيت. وأما أبوك وأبوه ، فقد تحاكما إلى الله تعالى فحكم ~~لأبيه على أبيك (6). # إلى هنا سكت أبو عبد الله الحسين (ع)؛ لأنه عرف ألا مقنع لابن آكلة ~~الأكباد بالحقيقة ، وإنما لم يقل معاوية (إن أباه أفضل من أبيك)؛ لعلمه ~~بعدم سماع أحد منه ذلك ، ولشهرة سبق علي (ع) إلى الإسلام واجتماع المحامد PageV01P037 # فيه ، وتقدمه على غيره في الفضائل جمعاء ؛ لذلك عدل معاوية ms010 إلى الإيهام ~~بايجاد شبهة المنافرة والمحاكمة ، وهذا ما يسميه علماء البلاغة بالاستدراج. # ومرة اخرى ، قال له سيد الشهداء أبو عبد الله (عليه السلام): «لقد فهمت ~~ما ذكرته عن يزيد من اكتماله سياسته لامة محمد (ص)، تريد أن توهم على ~~الناس كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما احتويته بعلم خاص ، وقد ~~دل يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد من استقرائه الكلاب المهارسة ~~(1)، والحمام السبق ، والقينات ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده ناصرا ، ~~ودع ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت فيه ، ~~فوالله ما برحت تقدم باطلا في جور ، وحنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية ، وما ~~بينك وبين الموت إلا غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود ، ولات حين ~~مناص» (2). # وكتب (عليه السلام) إليه مرة ثالثة : «إعلم إن لله عز وجل كتابا لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها ، وليس الله تعالى بناس أخذك بالظنة ، وقتلك ~~اولياءه على التهم ، ونفيك لهم عن دورهم إلى دار الغربة. أولست قاتل حجر ~~أخي كندة والمصلين العابدين ؛ الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ~~ولا يخافون في الله تعالى لومة لائم؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول ~~الله (ص)، العبد الصالح الذي أبلته العبادة؛ فنحل جسمه ، واصفر لونه بعدما ~~آمنته وأعطيته من عهود الله عز وجل ، ولو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس ~~جبل ؛ جرأة منك على ربك ، واستخفافا بذلك العهد؟ أولست المدعي (ابن سمية) ~~المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه من أبيك وقد قال رسول الله (ص): ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر ، فتركت سنة رسول الله (ص) تعمدا ، واتبعت هواك ~~بغير هدى من الله تعالى ، ثم سلطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين ، ~~ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل. كأنك لست من هذه الامة وليسوا ~~منك!؟ أولست الكاتب لزياد أن يقتل كل من كان على دين علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)؛ فقتلهم ومثل بهم بأمرك. ودين علي (ع) هو دين الله عز وجل الذي ms011 به ~~ضرب أباك وضربك ، وبه جلست مجلسك الذي جلست؟ PageV01P038 # وإن أخذك الناس ببيعة ابنك يزيد ، وهو غلام حدث يشرب الخمر ، ويلعب ~~بالكلاب ؛ فقد خسرت نفسك ، وبترت دينك وأخرجت أمانتك» (1). # وكتب إليه مرة رابعة يعدد عليه بوائقه ؛ وذلك لما قتل زياد ابن أبيه مسلم ~~بن زيمر ، وعبد الله بن نجي الحضرميين ، وصلبهما على أبواب دورهما بالكوفة ~~أياما ، وكانا من شيعة علي أمير المؤمنين (عليه السلام). وفيما كتب إليه : ~~«ألست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب إليك ابن سمية أنهما على دين علي ~~(عليه السلام) ورأيه. فكتبت إليه : من كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل ~~به ، فقتلهما ومثل بامرك بهما؟ ودين علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه ~~أباك ، ويضربه عليه أبوك ، جلست مجلسك الذي أنت فيه. ولولا ذلك ، كان أفضل ~~شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين اللتين بنا من الله عليك بوضعها عنكم .....» # في كلام طويل يوبخه فيه بادعائه زيادا ، وتوليته على العراقين (2). ولم ~~تجد هذه النصائح من ابن الرسول (ص) في دحض باطل معاوية ، بعد أن سدت بوارق ~~الإرهاب ، وبواعث الطمع طريق الحق. لكن معاوية بدهائه المعلوم لم يرقه أن ~~يمس الحسين (ع) سوء ؛ خشية سوء الفتنة وانتكاث الأمر ، لما يعلمه أن (أبي ~~الضيم) لا يتنازل إلى الدنية إلى نفس يلفظه ، وأن شيعته يومئذ غيرهم بالأمس ~~على عهد أخيه الإمام المجتبى ، فإنهم ما زالوا يتذمرون من عمال معاوية ؛ ~~للتنكيل الذريع بهم حتى بلغ الحال ، أن الرجل منهم يستهين أن يقال له : ~~زنديق ، ولا يقال له (ترابي)!. # وكم من مرة واجهوا الإمام المجتبى (ع) بكلام أمر من الحنظل مع اعترافهم ~~له بالإمامة ، وإذعانهم بأن ما صدر منه عن صلاح إلهي ، وأمر ربوبي. وحتى ~~أنهم استنهضوا الحسين (ع) غير مرة فلم ينهض معهم ؛ رعاية للميثاق ، وإرجاء ~~الأمر إلى وقته المعلوم لديه من جده (ص)، وأبيه الوصي (ع). # فمعاوية يعلم أنه لو اصيب الحسين (ع) بسوء والحالة هذه تلتف الشيعة حوله ~~؛ فيستفحل الخطب بينه وبين معاوية. PageV01P039 # وللعلة هذه بعينها ؛ أوصى ولده يزيد بالمسالمة ms012 مع الحسين إن استبد بالأمر ~~، ومهما يجد من أبي الضيم مخاشنة وشدة. فقال له : إن أهل العراق لن يدعوا ~~الحسين حتى يخرجوه ، فإن خرج عليك وظفرت به ، فاصفح عنه ، فإن له رحما ماسة ~~، وحقا عظيما (1). # لكن (يزيد الجهل)؛ لغروره المردي لم يكترث بتلك الوصية ، فتعاورت عليه ~~بوادره ، وانتكث فتله. ولئن سر (يزيد الخزاية) الفتح العاجل ، فقد أعقب ~~فشلا قريبا ، وكاشفه الناس بالسباب المقذع ، وأكثروا باللائمة عليه حتى ممن ~~لم ينتحل دين الإسلام. # وحديث رسول ملك الروم مع يزيد في المجلس ، حين شاهد الرأس الأزهر بين ~~يديه يقرعه بالعود! أحدث هزة في المجلس ، وعرف يزيد أنه لم تجد فيهم ~~التمويهات. وكيف تجدي وقد سمع من حضر المجلس صوتا عاليا من الرأس المقدس ، ~~لما أمر يزيد بقتل ذلك الرسول «لا حول ولا قوة إلا بالله» (2)؟ # وأي أحد رأى أو سمع قبل يوم الحسين (عليه السلام) رأسا مفصولا عن الجسد ~~ينطق بالكلام الفصيح؟ وهل يقدر ابن ميسون أن يقاوم أسرار الله ، أو يطفئ ~~نوره الأقدس؟ ... كلا. # ولقد فشا الإنكار عليه من حريمه وحامته حتى أن زوجته هند (3) لما أبصرت # (الصورة الاولى) في مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 151 ط النجف ، بالاسناد ~~إلى يحيى بن عبد الله بن بشير الباهلي ، قال : كانت هند بنت سهيل بن عمرو ~~عند عبد الله بن عامر بن كريز ، وكان عامل معاوية على البصرة. فاقطعه خراج ~~البصرة على أن يتنازل عن زوجته هند ؛ لرغبة يزيد فيها. وبعد انتهاء العدة ~~أرسل معاوية أبا هريرة ومعه ألف دينار مهرا لها ، وفي المدينة ذكر أبو ~~هريرة القصة للحسين بن علي (عليه السلام)، فقال : «اذكرني لهند». ففعل أبو ~~هريرة ، واختارت الحسين فتزوجها ، ولما بلغه رغبة عبد الله بن عامر فيها ، ~~طلقها وقال له : «نعم المحلل كنت لكما». وفي اسناده يحيى بن عبد الله بن ~~بشير الباهلي عن ابن المبارك وهو مجهول عند علماء الرجال. # (الصورة الثانية) في المصدر نفسه / 150 مسندا عن الهذلي عن ابن سيرين : ~~إن عبد الرحمن بن عناب بن اسيد كان ms013 أبا عذرتها ، طلقها وتزوجها عبد الله بن ~~عامر بن كريز. وذكر كما في الصورة الاولى PageV01P040 # الرأس مصلوبا على باب دارها ، والأنوار العلوية تتصاعد إلى عنان السماء ، ~~وشاهدت الدم يتقاطر ، ويشم منه رائحة طيبة ، عظم (1) مصابه في قلبها ؛ فلم ~~تتماسك دون أن دخلت عليه مجلسه مهتوكة الحجاب وهي تصيح : رأس ابن بنت رسول ~~الله (ص) مصلوب على دارنا؟!. وقام إليها وغطاها ، وقال لها : اعولي على ~~الحسين ، فإنه صريخة بني هاشم ، عجل عليه ابن زياد (2). # (الصورة الثالثة) في نهاية الارب 6 / 180 : كانت زينب عند عبد الله بن ~~سلام عامل معاوية على العراق ، فطلب منه معاوية طلاق زوجته ؛ لرغبة يزيد ~~فيها على أن يزوجه من ابنته. فلما طلقها لم توافق ابنة معاوية على التزويج ~~منه ، فأرسل معاوية أبا هريرة وأبا الدرداء إلى العراق ليخطبا زينب بنت ~~اسحاق ليزيد. فقدما الكوفة ، وكان بها الحسين بن علي (ع)، فذكرا له القصة ~~، فقال لهما : «اذكراني». فاختارت الحسين (ع) وتزوجها ، ولما عرف رغبة عبد ~~الله بن سلام فيها طلقها ؛ ليحلها لزوجها الاول. # وهذه القصة المطولة ، التي أرسلها النويري في نهاية الأرب من دون إسناد ، ~~ارسلها ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون ص 172 سنة 1330 ، واسماها (ارينب) ~~بالراء المهملة. والحسين (ع) لم يرد إلى الكوفة بعد ارتحالهم منها!. # (الصورة الرابعة) في الامثال للميداني 1 / 274 حرف الراء عنوان (رب ساع ~~لقاعد) روي مرسلا : إن معاوية سأل يزيد عن رغباته ، فذكر له رغبة في ~~التزويج من (سلمى ام خالد)، زوجة عبد الله بن عامر بن كريز. فاستقدمه ~~معاوية ، وسأله طلاق امرأته على أن يعطيه خراج فارس خمس سنين ، فطلقها. ~~فكتب معاوية إلى واليه على المدينة (الوليد بن عتبة) أن يعلم ام خالد ~~بطلاقها. وبعد انقضاء العدة ، أرسل معاوية أبا هريرة ومعه ستون ألفا ؛ ~~عشرون ألف دينار مهرها ، وعشرون ألفا كرامتها ، وعشرون ألفا هديتها. وفي ~~المدينة حكى القصة لأبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال ~~لأبي هريرة : «اذكرني». وقال له الحسين : «اذكرني لها». وقال عبيد ms014 الله بن ~~العباس بن عبد المطلب : اذكرني. وقال عبد الله بن جعفر الطيار : اذكرني. ~~وقال عبد الله بن الزبير : اذكرني. وقال عبد الله بن مطيع بن الاسود : ~~اذكرني. ولما دخل عليها أبو هريرة ، حكى لها ما أراده معاوية ، ثم ذكر رغبة ~~الجماعة فيها. فقالت له : اختر لي أنت؟ فاختار لها الحسن بن علي (ع) وزوجها ~~منه ، وانصرف إلى معاوية بالمال. ولما بلغت معاوية القصة ، عتب على أبي ~~هريرة ، فرد عليه : المستشار مؤتمن. # هذا كل ما في عيبة المؤرخين الامناء على تسجيل الحقائق كما وقعت ومن ~~المؤسف عدم تحفظهم عن الطعن بكرامة المسلمين والتأمل في هذه الاسطورة لا ~~يعدوه الاذعان بأن الغاية منها هو النيل من ابني رسول الله صلى الله عليه ~~وآله ، الإمامين على الامة «إن قاما وإن قعدا» ؛ لعل من يبصر الأشياء على ~~علاتها من دون تمحيص وقد وجد من انطلت عليه هذه الاكذوبة ، فرمى أب محمد ~~الحسن (ع) بما تسيخ منه الجبال ، بالاعتذار عن كثرة الزوجات للحسن أن ~~الطلاق بالثلاث شائع ، وأنهم لم يجدوا محللا صادقا بأن يتزوج المرأة على ~~الدوام ثم يطلقها إلا الحسن (ع) وما أدري بما يعتذر يوم يقول له (أبو محمد) ~~(ع): على أي استناد وثيق هتكتني ، ولم تتبصر؟. PageV01P041 # قصدا منه تعمية الأمر ، وتبعيد السبة عنه بالقاء الجريمة على العامل ، ~~لكن الثابت لا يزول. وهذا هو السر في انشائه الكتاب الصغير ، الذي وصفه ~~المؤرخون بأنه (اذن فارة)، أرفقه مع كتابه الكبير إلى واليه على المدينة ~~الوليد بن عتبة؛ بأخذ البيعة من أهلها عامة. وفي هذا الكتاب الصغير ، إلزام ~~الحسين بها (1)، وإن أبى فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه؟!. # وليس الغرض من هذا ، إلا أن يزيد لما كان عالما بأن بيعته لم يتفق عليها ~~صلحاء الوقت ، وأشراف الامة ، وما صدر من الموافقة منهم يوم أرادها أبوه ~~معاوية إنما هو بالوعيد والتهديد! أراد ان يخلي رسمياته عن الأمر بقتل ~~الحسين (عليه السلام)، بحيث لو صدر ذلك من عامله ولامه الناس وخطؤوه ؛ ~~تذرع بنسبة القتل إلى العامل. فان ms015 كتابه الذي يأمره فيه بأخذ البيعة من أهل ~~المدينة عامة ، خال من هذه الجرأة ؛ فيكون له المجال في إلقاء التبعة بذلك ~~على عاتق العامل!. كما انه في الوقت نفسه تذرع بهذا العذر ، وانطلى على بعض ~~المؤرخين! وهل ينفعه هذا؟. # لبسوا بما صنعوا ثياب خزاية %~% سودا تولى صبغهن العار ### ||| * الأنبياء مع الحسين # لقد كان حديث مقتل الحسين (عليه السلام) من أسرار الخليقة وودائع النبوات ~~، فكان هذا النبأ العظيم مألكة (2) أفواه النبيين ، دائرة بين أشداق ~~الوصيين وحملة الأسرار؛ ليعرفهم المولى سبحانه وتعالى عظمة هذا الناهض ~~الكريم ، ومنته على الجميع بحفظ الشريعة الخاتمة التي جاؤوا لتمهيد أمرها ، ~~وتوطيد الطريق إليها ، وتمرين النفوس لها. فيثيبهم بحزنهم واستيائهم ؛ لتلك ~~الفاجعة المؤلمة! فبكاه آدم والخليل وموسى ، ولعن عيسى قاتله ، وأمر بني ~~اسرائيل بلعنه ، وقال : «من أدرك أيامه ، فليقاتل معه ، فإنه كالشهيد مع ~~الأنبياء ، مقبلا غير مدبر. وكأني أنظر إلى بقعته ، وما من نبي إلا PageV01P042 # وزارها ، وقال : إنك لبقعة كثيرة الخير ، فيك يدفن القمر الزاهر» (1). # وشاء إسماعيل صادق الوعد الأسوة به ؛ لما انبأ بشهادته ، فيكون الآخذ ~~بثأره الإمام المنتظر عجل الله فرجه (2). # واختار يحيى أن يطاف برأسه %~% وله التأسي بالحسين يكون # وحديث مقتل الحسين (ع) أبكى الرسول الأقدس وأشجاه (3) وهو حي ، فكيف به ~~لو رآه صريعا بكربلاء في عصابة من آله كأنهم مصابيح الدجى ، وقد حلؤوه ومن ~~معه عن الورد المباح لعامة الحيوانات؟!. # نعم ، شهد نبي الرحمة (ص) فلذة كبده بتلك الحالة التي تنفطر لها السموات ~~، ورأى ذلك الجمع المغمور بالاضاليل ، متألبا على استئصال آله من جديد ~~الأرض ، فشاهده بعض من حضر ينظر الجمع مرة والسماء اخرى ، مسلما للقضاء (4). # ولما مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بكربلاء في مسيره إلى صفين ، نزل ~~فيها واومأ بيده إلى موضع منها ، فقال : «ههنا موضع رحالهم ، ومناخ ركابهم» ~~، ثم أشار إلى موضع آخر وقال : «ههنا مهراق دمائهم. ثقل لآل محمد ينزل ~~ههنا» ، ثم قال : «واها لك يا تربة! ليحشرن منك أقوام يدخلون الجنة بغير ~~حساب» (5) وأرسل عبرته ، وبكى من معه ؛ لبكائه. وأعلم ms016 الخواص من صحبه ، بأن ~~ولده الحسين (ع) يقتل ههنا في عصابة من أهل بيته وصحبه ، هم سادة الشهداء ، ~~لا يسبقهم سابق ، ولا يلحقهم لاحق (6). # وفي حديثه الآخر ، بعد الإخبار بأن في موضع كربلاء تقتل فتية من آل محمد ~~(ص)، قال : «تبكي عليهم السماء والأرض (7). بأبي من لا ناصر له إلا الله» ~~(8). ثم قال : «لا يزال PageV01P043 # بنو امية يمعنون في سجل ضلالتهم حتى يهريقوا الدم الحرام في الشهر الحرام ~~، ولكأني أنظر إلى غرنوقا من قريش يتشحط في دمه ، فإذا فعلوا ذلك ، لم يبق ~~لهم في الأرض عاذر ، ولم يبق ملك لهم» (1). # ومر سلمان الفارسي بكربلاء حين مجيئه إلى المدائن ، فقال : هذه مصارع ~~إخواني ، وهذا موضع مناخهم ، ومهراق دمائهم. يقتل بها ابن خير الأولين ~~والآخرين (2). ومر عيسى بن مريم (ع) بأرض كربلاء ، فرأى ظباء ترعى هناك ، ~~فكلمته بأنها ترعى هنا ؛ شوقا إلى تربة الفرخ المبارك ، فرخ الرسول أحمد ~~(ص)، وأنها آمنة في هذه الأرض. ثم أخذ المسيح (ع) من أبعارها وشمه ، وقال ~~: «اللهم ، أبقه حتى يشمها أبوه ، فتكون له عزاء وسلوة». فبقيت الأبعار إلى ~~مجيء أمير المؤمنين (ع) بكربلاء ، وقد اصفرت ؛ لطول المدة. فأخذها وشمها ~~وبكى ، ثم دفعها إلى ابن عباس ، وقال : «إحتفظ بها ، فاذا رأيتها تفور دما ~~، فاعلم إن الحسين قد قتل». وفي يوم عاشوراء بعد الظهر رآها تفور دما (3). ### ||| * الإقدام على القتل ### ||| ** تمهيد # من الضروري احتياج المجتمع البشري إلى مصلح يسد خلته ، ويسدد زلته ، ~~ويكمل اعوازه ، ويقوم إوده لتوفر دواعي الفساد فيه. فلو لم يكن في الامة من ~~يكبح جماح النفوس الشريرة ؛ للعبت الأهواء بهم ، وفرقتهم أيدي سبا ، وبات ~~حميم لا يأمن حميه ، وأصبحت أفراد البشر ضحايا المطامع. # وهذا المصلح يختاره المولى سبحانه من بين عباده ؛ لأنه العارف بطهارة ~~النفوس ونزاهتها عما لا يرضى به رب العالمين. ويكون الواجب ، عصمته مما في ~~العباد من الرذائل والسجايا الذميمة حتى لا يشاركهم فيها ، فيزداد الطين ~~بلة ، ويفوته التعريف والإرشاد إلى مناهج الاصلاح ومساقط الهلكة!. # وقد برأ الله تعالى ذات النبي الأعظم (ص) ms017 من نور قدسه ، وحباه بأكمل ~~الصفات الحميدة حتى بذ العالم ، وفاق من في الوجود ، فكان محلا PageV01P044 # للتجليات الإلهية ، وممنوحا بالوحي العزيز. وإن اليراع ليقف مترددا عن ~~تحديد تلك الشخصية الفذة ، التي أنبأ عنها النبي (ص) بقوله لأمير المؤمنين ~~(ع): «لا يعرف الله إلا أنا وأنت ، ولا يعرفني إلا الله وأنت ، ولا يعرفك ~~إلا الله وأنا» (1). # وحيث إن عمر النبي (ص) غير باق إلى الأبد ؛ لأنه لم يخرج عما عليه الناس ~~في مدة الاجل. وجملة من تعاليمه لا تخلو من أن تكون كليات لم تأت أزمنة ~~تطبيقها على الخارج ، كان الواجب في شريعة الحق الداعية إلى إصلاح الامة : ~~إقامة خليفة مقامه ، يحذو حذوه في نفسياته واخلاصه وعصمته ؛ لأن السرائر ~~الكامنة بين الجوانح لا يعلمها إلا خالقها. ولو اوكل معرفتها إلى الامة ~~لتعذر عليها التمييز؛ لعدم الاهتداء إلى تلك المزايا الخاصة في الإمام! ~~فتحصل الفوضى ، وينتشر الفساد ، ويعود النزاع والتخاصم. وهو خلاف اللطف ~~الواجب على المولى سبحانه ( @QUR@09 وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة ) (2) ( @QUR@024 وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (3). # فالخلافة منصب إلهي يقيض الله تعالى رجلا ينوؤ بأثقال النبوة ، فيبلغ ~~الدعوة لمن تبلغه ، ويدعو إلى تفاصيل الشريعة التي جاء بها المنقذ الأكبر ~~(ص)، فيرشد الجاهل ، وينبه الغافل ، ويؤدب المتعدي ، ويبين ما أجمله النبي ~~(صلى الله عليه وآله)؛ لضرب من المصلحة أو أهمله لعدم السعة في زمانه بعد ~~انقضاء أمد الرسالة. # في شخصية أمير المؤمنين ثم ابنه الحسن ، وبعده أخوه سيد الشهداء الحسين ، ~~فابنه زين العابدين علي ، ثم ابنه الباقر محمد ، فابنه الصادق جعفر ، فابنه ~~الكاظم موسى ، فابنه الرضا علي ، فابنه الجواد محمد ، فابنه الهادي علي ، ~~فابنه الحسن العسكري ، ثم ابنه المنتظر أبو القاسم محمد عجل الله فرجه. # كما أفاد المتواتر من الاحاديث : بأن الله عز شأنه اودع في الإمام ~~المنصوب حجة العباد ، ومنار يهتدي به الضالون قوة قدسية نورية ، يتمكن ~~بوساطتها ms018 من PageV01P045 # استعلام الكائنات ، وما يقع في الوجود من حوادث وملاحم. فيقول الحديث ~~الصحيح : «اذا ولد المولود منا ، رفع له عمود نور يرى به أعمال العباد ، ~~وما يحدث في البلدان» (1). # والتعبير بذلك ، إشارة إلى القوة القدسية المفاضة من ساحة (الحق) سبحانه ~~؛ ليكتشف بها جميع الحقائق على ما هي عليه ؛ من قول او عمل او غيرهما من ~~اجزاء الكيان الملكي والملكوتي. وبتلك القوة القدسية يرتفع سدول الجهل ~~واستتار الغفلة ، فلا تدع لهم شيئا إلا وهو حاضر بذاته عند ذواتهم القدسية ~~، كما أن النور يجلو ما اسدلته غياهب الظلمة ، فيجد المبصر ما حجبه الحلك ~~الدامس نصب عينيه ، وقد انبأ أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) عما حباهم ~~به المولى جل شأنه من الوقوف على أمر الاولين والآخرين ، وما في السماوات ~~والارضين ، وما كان ويكون حتى كأن الأشياء كلها حاضرة لديهم (2). # ثم يسجل التدليل عليه بقوله : «كلما كان لرسول الله (ص) فلنا مثله ، إلا ~~النبوة والأزواج» (3). # ولا غلو في ذلك بعد قابلية تلك الذوات المطهرة بنص الذكر الحميد : ( ~~@QUR@010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (4) ~~، لتحمل الفيض الأقدس وعدم الشح في (المبدأ الأعلى) تعالت آلاؤه. والمغالاة ~~في شخص عبارة عن إثبات صفة له ، إما أن يحملها العقل ، أو لعدم القابلية ~~لها ، والعقل لا يمنع الكرم الالهي. كيف والجليل عز لطفه يدر النعم على ~~المتمادين في الطغيان ، المتمردين على قدس جلاله حتى كأن المنة لهم عليه! ~~فلم يمنعه ذلك من الرحمة بهم والإحسان إليهم والتفضل عليهم ، لا تنفذ ~~خزائنه ولا يفوته من طلبه ، وهذا من القضايا التي قياساتها معها. وإذا كان ~~حال المهيمن سبحانه كما وصفناه مع اولئك |ولو أن برد المصطفى إذ لبسته||يظن لظن البرد أنك صاحبه| |وقال وقد اعطيته ولبسته||نعم هذه اعطافه ومناكبه| # الآثار النبوية لاحمد تيمور باشا / 13. PageV01P046 # الطغاة ، فكيف به عز وجل مع من اشتقهم من الحقيقة الأحمدية التي هي من ~~(الشعاع الأقدس) جل شأنه ، فالتقى مبدأ فياض ، وذوات قابلة للافاضة؟ فلا ~~بدع في كل ما ورد ms019 في حقهم (ع) من علم الغيب ، والوقوف على أعمال العباد ، ~~وما يحدث في البلدان مما كان ويكون. # فالغيب المدعى فيهم (عليهم السلام)، غير المختص بالباري تعالى ؛ ليستحيل ~~في حقهم (عليهم السلام)، فإنه فيه تعالى شأنه ذاتي ، وأما في الأئمة (ع)، ~~فمجعول من الله سبحانه وتعالى. فبوساطة فيضه ولطفه ، كانوا يتمكنون من ~~استعلام خواص الطبائع والحوادث. # فاذا الغيب على قسمين : منه ما هو عين واجب الوجود ؛ بحيث لم يكن صادرا ~~عن علة غير ذات فاطر السماوات والأرضين ، ومنه ما كان صادرا عن علة ، ~~ومتوقفا على وجود الفيض الالهي ، وهو ما كان موجودا في الأنبياء والاوصياء ~~(عليهم السلام). وإلى هذا الذي قررناه تنبه العلامة الآلوسي المفسر ، فإنه ~~عند قوله تعالى : ( @QUR@010 قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله ) قال : لعل الحق أن يقال : إن علم الغيب للنفي عن غيره جل وعلا هو ما ~~كان للشخص بذاته ، أي بلا وساطة في ثبوته له. وما وقع للخواص ليس من هذا ~~العلم المنفي في شيء ، وإنما هو من الواجب عز وجل ، إفاضة منه عليهم بوجه ~~من الوجوه ، فلا يقال : إنهم علموا الغيب بذلك المعنى ، فإنه كفر. بل يقال ~~: إنهم اظهروا واطلعوا على الغيب (1). # ويشهد له ما جاء عن أبي جعفر الجواد (ع)، فإنه لما أخبر ام الفضل بنت ~~المأمون بما فاجأها مما يعتري النساء عند العادة ، قالت له : لا يعلم الغيب ~~إلا الله ، قال (ع): «وأنا أعلمه من علم الله تعالى» (2). # فالائمة (عليهم السلام) محتاجون في جميع الأوقات إلى الفضل الإلهي ؛ بحيث ~~لولا دوام الاتصال وتتابع الفيوضات ، لنفد ما عندهم على حد تعبير الإمام ~~أبي عبد الله الصادق (ع)، فإنه قال : «لولا أنا نزداد في كل ليلة جمعة ، ~~لنفد ما عندنا» (3). ومراده : التعريف PageV01P047 # بأن علمهم مجعول من الباري تعالى ، وأنهم في حاجة إلى استمرار ذلك الفيض ~~الأقدس ، وتتابع الرحمات السبحانية. والتخصيص بليلة الجمعة ، هو من جهة ~~بركتها بنزول الألطاف الربانية فيها من أول الليل إلى آخره ، على العكس من ~~سائر الليالي. وإلى هذا ms020 يرجع قول الامام الرضا (ع): «يبسط لنا العلم فنعلم ~~، ويقبض عنا فلا نعلم» (1). # وهل يشك من يقرأ في سورة الجن : ( @QUR@013 عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا * إلا من ارتضى من رسول ) إن من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى ، هو ~~خاتم الأنبياء ، الرسول المصطفى (ص)؛ لأنه لم يفضله أحد من الخلق. وكان ~~الإمام أبو جعفر الباقر (ع) يقول : «كان والله محمد ممن ارتضاه» (2)، ولم ~~يبعد الله الخلفاء عن هذه المنزلة بعد اشتقاقهم من النور المحمدي ، ويشهد ~~له جواب الرضا (ع) لعمرو بن هداب ، فإنه لما نفى عن الأئمة (عليهم السلام) ~~علم الغيب محتجا بهذه الآية ، قال له : «إن رسول الله هو المرتضى عند الله ~~، ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على غيبه ، فعلمنا ما كان ويكون ~~إلى يوم القيامة» (3). وكيف لا يكون حبيب الله هو ذلك الرسول المرتضى ، ~~وقد شرفه الباري سبحانه وتعالى بمخاطبته إياه بلا وسيط ملك؟!. # روي عن زرارة بن أعين ، أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الغشية التي كانت ~~تأخذ رسول الله (ص)، أهي عند الوحي؟. قال (ع): «لا ، فإنها تعتريه عند ~~مخاطبته الله عز وجل إياه بلا وساطة أحد ، وأما جبرئيل ، فإنه لم يدخل عليه ~~إلا مستأذنا ، فاذا دخل ، جلس بين يدي رسول الله (ص) جلسة العبد» (4). ~~واذا كان رسول الله (ص) على حال لا ينبغي أن يؤذن له ، أقام في مكانه إلى ~~أن يخرج الإذن ، والمكان الذي يقف فيه حيال الميزاب (5). # وقد اذعن بالوحي بلا وساطة PageV01P048 # ملك : برهان الدين الحلبي (1)، والسهيلي (2)، وابن سيد الناس (3)، ~~والسيوطي (4)، والزرقاني (5). # وعلى طبق هذه الأحاديث المعربة عن مقام الرسول الاعظم (ص) من المولى ~~تعالت آلاؤه ؛ سجل الشيخ الصدوق اعتقاده في الوحي والغشية (6)، كما لم ~~يتباعد عنه الشيخ المفيد فيقول : الوحي ، منه ما يسمعه النبي (ص) من غير ~~وساطة ، ومنه ما يسمعه بوساطة الملائكة (7). واقتص أثره الحجة الشيخ محمد ~~تقي الاصفهاني ، المعروف ب (آقا نجفي)، مع زيادة علم النبي (ص) بالقرآن ، ~~وبما حواه من المعارف والفنون ، وما ms021 اشتمل عليه من أسرار الطبائع وخواص ~~الأشياء قبل أن يوحى به إليه ، غاية الأمر عرفه المولى جل شأنه ألا يفيض ~~هذا العلم قبل أن يوحي به إليه ، فقال سبحانه : ( @QUR@09 ولا تعجل بالقرآن ~~من قبل أن يقضى إليك وحيه ) (8)، ولولا وقوف النبي (ص) على ما حواه الكتاب ~~المجيد من الأسرار والمعارف ، لما كان للنهي عن بيان ما فيه معنى. فظهر أن ~~علم النبي (ص) بالحوادث الكائنة والتي كانت وتكون ، لم يتوقف على نزول ~~جبرئيل عليه ؛ لأن المنحة الالهية المباركة أوقفته على جمع الحقائق قبل خلق ~~جبرئيل. # ومن هنا تتجلى ظاهرة اخرى لم يدركها من لم يفقه ما تحلت به هذه الشخصيات ~~من مراتب الجلال والجمال ؛ وهي معرفة الرسول الاعظم بالقراءة والكتابة على ~~اختلاف انحاء اللغات ، وتباين الخطوط قبل البعثة وبعدها ؛ لبلوغه اسمى ~~درجات الكمال ، فلا تفوته هذه الصفة ، مع أن اللازم من عدم معرفته بها ؛ ~~رجوعه إلى غيره فيما يحتاج اليه من كتابة وقراءة ، فيكون مفضولا بالنسبة ~~اليه ، مع أنه الفاضل في المحامد كلها. وبهذا الذي قلناه اذعن المحققون من ~~الاعلام (9) وآية PageV01P049 # ( @QUR@03 لا تخطه بيمينك ) لا تنفي معرفته بالكتابة على اطوارها ، فإنها ~~غاية ما تثبته عدم كتابته (ص)، ولا ربط لها بعدم المعرفة للكتابة ، فهو ~~صلى الله عليه وآله عارف بالكتابة ولكنه لم يكتب ، والعلة في نفي كتابته ؛ ~~ارتياب المبطلين كما صرح به القرآن. # والمتحصل مما قررناه : إن الله عز وجل منح الائمة من ذرية الرسول (ص) ~~جميع ما حبا به جدهم الاقدس ، من المآثر والفضائل عدا النبوة والازواج ؛ ~~لأنه صلوات الله عليه وعلى آله خاتم الأنبياء ، وقد اختص في التزويج دائما ~~بأكثر من أربعة. # ومن لم يعرف المراد من علم الغيب المدعى لهؤلاء الأفذاذ ، استعظمه ~~فأنكره. وحكم من لا يفقه الشرع والشريعة بكفر معتقده!. حدث الشيخ زاده ~~الحنفي : أن قاسم الصفار أفتى بكفر من تزوج على شهادة الله تعالى ورسول ~~الله (ص)، مدعيا بأنه يقتضي اعتقاده في علم النبي بالغيب! ولكن صاحب ~~التتارخانية نفى الكفر عنه ؛ لأن بعض الاشياء تعرض ms022 على روح النبي (ص) ~~الطاهرة فيعرف بعض الغيب ، وقد قال الله تعالى : ( @QUR@013 عالم الغيب فلا ~~يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول ) (1)، وكلاهما لم يفقها معنى ~~الغيب المراد اثباته ، ولا ادركا كنه خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله ، ~~فقالا بما شاء لهما إداركهما. # وبعد أن أوضحنا المراد منه ، لم يبق للقارئ النابه مجال التردد والتشكيك. ~~نعم ، لا ينكر أن للباري سبحانه علما استأثر به خاصة ، ولم يطلع عليه أحدا ~~ومنه العلم بالساعة. # وبه صرح الشهاب الخفاجي في شرح الشفا 2 / 398 في فصل اسمائه من الباب ~~الثالث ، وفي ص 514 فصل إعجازه ، وفي روح المعاني للالوسي 21 / 4 عند قوله ~~: (ولا تخطه بيمينك)، ذكر جماعة قالوا بمعرفته الكتابة ثم نقل عن صحيح ~~البخاري : انه (ص) كتب عهد الصلح. وحمل الاستاذ عبد العظيم الزرقاني في ~~مناهل العرفان / 260 الاخبار النافية على أوليات امره ، والمثبتة للكتابة ~~على اخريات امره ، وفي تهذيب تاريخ ابن عساكر 6 / 249 كتب أبو الوليد ~~الباجي رسالة في كتابة النبي (ص)، وانتصر له أحمد بن محمد اللخمي وسجعفر ~~بن عبد الجبار مع جماعة آخرين. PageV01P050 # وأما ما ورد عنهم (عليهم السلام) من نفي علمهم بالغيب ، كقول أبي عبد ~~الله (ع): «يا عجبا لأقوام يزعمون إنا نعلم الغيب! ما يعلم الغيب إلا ~~الله. لقد هممت بضرب جاريتي فهربت مني ، ماعلمت في أي بيوت الدار» (1)، ~~فمحمول على التقية ؛ لحضور المجلس داود الرقي ويحيى البزاز وأبي بصير ، ولم ~~تكن لهم قابلية تحمل غامض علم أهل البيت (عليهم السلام)، فأراد أبو عبد ~~الله بنفي علم الغيب عنهم ؛ تثبيتا لعقيدة هؤلاء. ويؤيده أن سديرا الراوي ~~لهذا الحديث ، دخل عليه في وقت آخر ، وذكر له استغراب ما سمعه منه من نفي ~~علم الغيب ، فطمأنه بأنه يعلم ما هو ارقى من ذلك ، وهو العلم بالكتاب كله ~~وما حواه من فنون المعارف وأسرارها ، على أن هذا الحديث لم يعبأ به المجلسي ~~في مرآة العقول لجهالة رواته. ويحتمل أن يريد بنفي العلم بمكان الجارية ، ~~الرؤية البصرية ms023 لا الانكشاف الواقعي. فقوله (ع): «ما علمت» ، أي ما رأيتها ~~بعيني في أي بيت دخلت ، وإلا فمن يقول في صفة علمه : «لم يفتني ما سبقني ، ~~ولم يعزب عني ما غاب عني» لا يخفى عليه أمر الجارية!. # ولما طرق (مبشر) الباب على الباقر (ع) وخرجت الجارية تفتحه ، قبض على ~~كفها ، فصاح به أبو جعفر (ع) من داخل الدار : «ادخل ، لا أبا لك» ، فدخل ~~مبشر معتذرا بأنه لم يرد السوء ، وإنما أراد الازدياد ، فقال له الامام (ع) ~~: «لو كانت الجدران تحجبنا كما تحجبكم ، لكنا وانتم سواء» (2). وقال ~~الامام (ع) لمحمد بن مسلم : «لو لم نعلم ما انتم فيه وعليه ، ما كان لنا ~~على الناس فضل» ، ثم استدل عليه بما وقع في الربذة بينه وبين زميله في أمر ~~الإمامة (3). # وأما الحكاية عن النبي (ص): ( @QUR@07 لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير )، فلا تفيد إلا كونه مفتقرا إلى الله تعالى في التعليم ، وأنه لم ~~يكن عالما بالغيب من تلقاء نفسه. وهذا لا ريب فيه ، فإن المعتقد : إن الله ~~تعالى هو المتلطف على النبي وأبنائه (عليهم السلام) بالملكة القدسية ، التي ~~تمكنوا بواسطتها من استكشاف ما في الكون (4). PageV01P051 # وسؤال الامام الصادق (ع) عن وجود العين عليهم يوم كان في الحجر ومعه ~~أصحابه ، فعرفوه بعدم العين ، فقال : «ورب هذه البنية ثلاثا لو كنت بين ~~موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ، ولانبأتهما بما ليس في ايديهما. ~~أنهما اعطيا علم ما كان ويكون وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، وقد ورثناه ~~من رسول الله صلى الله عليه وآله» (1). فبعد التسليم بصحة الحديث ، وعدم ~~ضعف إبراهيم بن إسحاق الأحمر ، نقول : بعدم منافاته لعلمه الواسع ؛ لما ورد ~~عنهم أنهم غير مكلفين باظهار ما يعلمونه ، بل لابد من العمل بما توجبه ~~التقية ظاهرا. أو لأنه كان يراعي حال بعض أصحابه في ظنه بوجود العين عليهم ~~، وهذا نظير قوله الآخر : «إني أعلم ما في السموات والأرضين ، وأعلم ما في ~~الجنة والنار ، وأعلم ما كان ويكون» ، فلما رأى عظم ذلك وخاف على من ms024 عنده ، ~~قال (ع): «إني علمت ذلك من كتاب الله ، إن الله تعالى يقول : (فيه تبيان ~~كل شيء)» (2)، فالإمام (ع) راعى حال أصحابه ، فاستدل لهم بما يقنعهم. # وهكذا الأئمة (عليهم السلام) فيما يعلمونه من المصالح الوقتية ، والأحوال ~~الشخصية. وقوله (ع) في حق موسى والخضر (عليهما السلام): «أنهما أعطيا علم ~~ما كان» لا ينافي علم الخضر بمستقبل أمر الغلام ، فإنه من القضايا التي ~~أطلعه الله عليها لمصلحة وقتية. وأما ما ورد عنهم (عليهم السلام): «إن ~~الإمام أذا أراد أن يعلم شيئا ، أعلمه الله» (3)، فليس فيه دلالة على ~~تحديد علمهم في وقت خاص ؛ بل الحديث يدل على أن إعمال تلك القوة القدسية ، ~~الثابتة لديهم عند الولادة موقوف على إرادتهم المتوقفة على وجود المصلحة في ~~إبراز الحقائق المستورة ، وإظهار ما عندهم من مكنون العلم. على أن هذا ~~المضمون ورد في أحاديث ثلاثة ردها المجلسي في مرآة العقول بضعف بعضها ، ~~وجهالة الآخرين. # فالمتحصل من جميع ما ذكرناه : إن الله تعالى أفاض على خلفائه الأطهار ~~ملكة نورية ، تمكنوا بوساطتها من استعلام ما يقع من الحوادث ، وما في ~~الكائنات من PageV01P052 # خواص الطبائع ، وأسرار الموجودات ، وما يحدث في الكون من خير وشر. ولا ~~غلو فيه بعد قابلية ذواتهم لهذا الفيض الأقدس ، وعدم الشح في عطاء الرب ~~سبحانه ؛ فإنه يهب ما يشاء لمن يشاء. وصارح الأئمة (عليهم السلام) بهذه ~~الحبوة الإلهية ، وأنهم في جميع الآنات محتاجون إلى تتابع الآلاء منه جل ~~شأنه ، ولولاها لنفد ما عندهم من مواد العلم. وهذا غير بعيد فيمن تجرد ~~لطاعة الله تعالى ، وعجنت طينته بماء النزاهة من الأولياء والصديقين ، فضلا ~~عمن قيضهم الباري تعالى امناء شرعه. وقد صادق على ذلك المحققون من الأعلام ~~، كما حكاه الشيخ المفيد في المقالات / 77 ، والمجلسي في مرآة العقول 1 / ~~187 ، ومشى على ضوئهم المحقق الآشتياني في حاشيته على رسائل الشيخ الأنصاري ~~2 / 60. # وقال ابن حجر الهيثمي : لا منافاة بين قوله تعالى : ( @QUR@010 قل لا ~~يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله )، وقوله : ( @QUR@07 عالم ~~الغيب فلا يظهر على غيبه ms025 أحدا )، وبين علم الأنبياء والاولياء بجزئيات من ~~الغيب ، فإن علمهم : إنما هو بإعلام من الله تعالى ، وهذا غير علمه الذي ~~تفرد به تعالى شأنه من صفاته القديمة الأزلية ، الدائمة الأبدية ، المنزهة ~~عن التغيير ، وهذا العلم الذاتي هو الذي تمدح به ، وأخبر في الآيتين بأنه ~~لا يشاركه أحد فيه. وأما من سواه ، فإنما يعلم بجزئيات الغيب ، فبإعلامه ~~تعالى وإعلامه للأنبياء والأولياء ببعض الغيوب ، ممكن لا يستلزم محالا بوجه ~~، فإنكار وقوعه عناد. ومن البداهة أنه لا يؤدي إلى مشاركتهم له تعالى فيما ~~تفرد به من العلم الذي تمدح به ، واتصف به من الأزل ، وعلى هذا مشى النووي ~~في فتاواه (3). # فاتضح بهذا البيان ، أن ابن حجر لم يتباعد عن القول بعلم الأولياء بالغيب ~~، وإنما لم يوافق الشيعة على ما يعتقدونه في أئمتهم (عليهم السلام) من ~~قدرتهم على العلم بالحوادث الكائنة ، والتي تكون إلى يوم القيامة ؛ ~~لاعتقاده أن هذه السعة مختصة بالباري جل شأنه. ولكن الملاك الذي قرره ~~لمعرفة الأولياء ببعض الغيب وهو تمكين المولى سبحانه لهم من الوقوف على ~~الغيب يقيد ما تعتقده الشيعة ، فإن الميزان للوقوف على المغيبات إذا كان ~~بإقدار الله تعالى ، وجعله الملكة النورية في هذه الذوات الخاصة من آل ~~الرسول (ص)، فمن الممكن أن PageV01P053 # تكون تلك القوة بالغة اقصى مداها ، فلا يتوقف من افيضت عليه عن جميع ~~المغيبات حتى كأن الأشياء كلها حاضرة لديه على حد تعبير الإمام الصادق (ع) ~~، اللهم إلا الأشياء التي استأثر بها الله تعالى وحده ، فلا وقوف لأحد ~~عليها مهما ترقى إلى فوق ذروة الكمال. # وعلى هذا الذي قرره ابن حجر سجل اعتقاده النيسابوري صاحب التفسير فقال : ~~إن امتناع الكرامة من الأولياء ، إما لأن الله ليس أهلا لأن يعطي المؤمن ما ~~يريد ، وإما لأن المؤمن ليس أهلا لذلك ، وكل منهما بعيد. فإن توفيق المؤمن ~~لمعرفته لمن أشرف المواهب منه تعالى لعبده ، فاذا لم يبخل الفياض بالأشرف ، ~~فلأن لا يبخل بالدون أولى (1). وقال ابن أبي الحديد : إنا لا ننكر أن يكون ~~في نوع من البشر أشخاص ms026 يخبرون عن الغيوب ، وكله مستند إلى الباري جل شأنه ~~بإقداره ، وتمكينه ، وتهيئة أسبابه (2). وقال لا منافاة بين قوله تعالى : ~~( @QUR@06 وما تدري نفس ماذا تكسب غدا )، وبين علمه (ص) بفتح مكة ، وما ~~سيكون من قتال الناكثين والقاسطين والمارقين ، فإن الآية غاية ما تدل عليه ~~: هو نفي العلم بما يكون في الغد. وأما إذا كان بإعلام الله عز وجل ، فلا ؛ ~~لأنه يجوز أن يعلم الله نبيه بما يكون (3). ### ||| * آية التهلكة # مما قررناه تجلى لنا : أنه لم يعزب عن الأئمة (ع) العلم بالشهادة على يد ~~من تكون ، وفي أي وقت تقع ، وفي أي شيء ؛ إقدارا من الله تعالى لهم بما ~~أودعه فيهم من مواد العلم التي بها استكشفوا الحوادث ، مضافا إلى ما ~~يقرؤونه في الصحيفة النازلة من السماء على جدهم المنقذ الاكبر (ص). # وليس في إقدامهم على الشهادة إعانة على إزهاق نفوسهم القدسية ، وإلقاؤها ~~في التهلكة الممنوع منها بنص الذكر المجيد ، فإن الإبقاء على النفس ، ~~والحذر عن إيرادها مورد الهلكة ، إنما يجب إذا كان مقدورا لصاحبها ، أو لم ~~يقابل بمصلحة أهم PageV01P054 # من حفظها. وأما إذا وجدت هنالك مصلحة تكافئ تعريض النفس للهلاك كما في ~~الجهاد ، والدفاع عن النفس مع العلم بتسرب القتل إلى شرذمة من المجاهدين ، ~~وقد أمر الله الأنبياء والمرسلين والمؤمنين فمشوا إليه قدما ، موطنين ~~أنفسهم على القتل ، وكم فيهم سعداء ، وكم من نبي قتل في سبيل دعوته ، ولم ~~يبارح قوله دعوته حتى أزهقت نفسه الطاهرة. وقد تعبد الله طائفة من بني ~~اسرائيل بقتل أنفسهم ، فقال جل شأنه : ( @QUR@05 فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم ) (1)، على أن الاقتصار على ما يقتضيه السياق يخرج الآية عما نحن ~~فيه من ورودها للتحذير عما فيه الهلكة ، فإنها أعقبت آية الاعتداء في ~~الأشهر الحرم على المسلمين. قال الله تعالى ( @QUR@036 الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ~~واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ). # فيكون النهي عن ms027 الإلقاء في التهلكة خاصا بما إذا اعتدى المشركون على ~~المسلمين في الأشهر الحرم ، ولم تكن للمسلمين قوة على مقاتلتهم. والألتزام ~~بعموم النهي لكل ما فيه هلكة ، لا يجعل حرمة إيراد النفس مورد الهلكة من ~~المستقلات العقلية التي لا تقبل التخصيص ، بل هي من الأحكام المختصة بما ~~إذا لم توجد مصلحة أقوى من مفسدة الإقدام على التلف ، ومع وجود المصلحة ~~اللازمة لا يتأتى الحكم بالحرمة أصلا ، كما في الدفاع عن بيضة الإسلام. # وقد أثنى سبحانه وتعالى على المؤمنين في إقدامهم على القتل ، والمجاهدة ~~في سبيل تأييد الدعوة الإلهية ، فقال تعالى : ( @QUR@016 إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون )، وقال تعالى : ( @QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون )، وقال PageV01P055 # تعالى : ( @QUR@08 ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ). # وبمثل هذا صارح الرسول (ص) في تعاليمه الثمينة أمته ، فقال (ص): «أفضل ~~الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله» (1). # ولم يتباعد عن هذه التعاليم محمد بن الحسن الشيباني ، فينفي البأس عن رجل ~~يحمل على الألف مع النجاة او النكاية ، ثم قال : ولا بأس بمن يفقد النجاة ~~أو النكاية إذا كان إقدامه على الألف مما يرهب العدو ، ويقلق الجيش ، معللا ~~: بأن هذا الأقدام أفضل من النكاية ؛ لأن فيه منفعة للمسلمين (2). # ويقول ابن العربي المالكي : جوز بعض العلماء أن يحمل الرجل على الجيش ~~العظيم طالبا للشهادة ، ولا يكون هذا من الإلقاء بالتهلكة ؛ لأن الله تعالى ~~يقول : ( @QUR@06 من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله )، خصوصا إذا أوجب ~~الأقدام ، تأكد عزم المسلمين حين يرون واحدا منهم قابل الالوف (3). # لقد اختص الله سبحانه امناء شرعه ، والخلفاء على الامة من أبناء نبيه ~~الكريم (ص) بأحكام ناشئة عن مصالح خاصة بهم ، لا تدرك أكثرهم أحلام البشر ، ~~وتنحسر عن كنهها العقول. وفي جملتها ، الزامهم بالتضحية في سبيل مرضاته عز ~~وجل ، وبذل كل ما يحوونه من مال وجاه وحرمات ، فتراهم في أعماق السجون طورا ms028 ~~، وفي خلل المنفى تارة ، وفي ربقة التسفير آونة ، وفي مقاساة الخوف ~~والشدائد ردحا ، والاصاخة إلى قوارص الكلم اويقات حتى شارفوا مناياهم. ~~والمسوغ لهم في كل ذلك ، ما علموه من جدهم الأعظم (ص)، المخبر عن وحي ~~السماء من المزايا والمصالح التي تحفظ بها الجامعة الإسلامية ، بحيث لولا ~~التوطين على هذا الإقدام لذهب الدين إدراج المنكرات والأضاليل ، ولا سبيل ~~إلى معارضتهم فيما اطلعهم الله عليه من السر المكنون ، وعرفهم تلك الأهمية ~~الملحوظة لديه عز شأنه ، على اختلاف فيهم. فمنهم من أمره بالصبر دون الحرب ~~والجهاد ، ومنهم من أمره بالقتل ، ومنهم PageV01P056 # من أمره بتناول السم ، وكان السر في هذا الإختلاف في التكليف ما يراه ~~المولى سبحانه من المصالح ، حسب الوقت والزمان. # فلم يكن إقدامهم على القتل ، وتناول السم جهلا منهم بما صنعه سلطان الجور ~~وقدمه إليهم ، بل هم على يقين من ذلك ، فلم يفتهم العلم بالقاتل ، وما ~~يقتلون به ، واليوم والساعة ؛ طاعة منهم لامر بارئهم تعالى ، وانقيادا ~~للحكم الإلهي الخاص بهم. وليسوا في هذا الحال إلا كحالهم في أمتثال جميع ~~أوامر المولى سبحانه وتعالى ، الموجهة إليهم من واجبات ومستحبات ، والعقل ~~حاكم بلزوم انقياد العبيد لأوامر المولى ، والإنزجار عن نهيه من دون إلزام ~~بمعرفة المصلحة ، أو المفسدة الباعثة على الحكم. وأما إذا كان المولى حكيما ~~في أفعاله ( @QUR@06 لا يسأل عما يفعل وهم يسألون )، فبالأحرى يكون الخضوع ~~له من دون فحص عن أسباب أحكامه. # والى هذا الذي ارتأيناه ، نظر المحققون من العلماء الاعلام ، وإن خبط ~~الباحثون في قضية إقدام أهل البيت (ع) على ما فيه من إزهاق نفوسهم المقدسة ~~؛ فأخذوا ذات اليمين والشمال ، فلم يأتوا بما فيه نجعة المرتاد ، ولا نهلة ~~الصادي ؛ لكونها تخيلات لا تتفق مع القواعد والطريقة المثلى. # لقد دلت الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة (ع) على أنهم إذا عرفوا من ~~أعدائهم العزم على الفتك بهم ، أو اشتد عليهم ألم القيود ، ووضح لديهم تأخر ~~القضاء ، عملوا كل وسيلة من دعاء غير مردود ، أو شكوى إلى جدهم النبي (ص)؛ ~~ليدفع عنهم هذه الأضرار ms029 والحوادث. فيقول أبو جعفر الباقر (ع): «نحن أهل ~~بيت ، إذا أكربنا أمر ، وتخوفنا من شر السلطان ، قلنا : يا كائنا قبل كل ~~شيء ، ويا ملكوت كل شيء ، صل على محمد وأهل بيته وافعل بي كذا وكذا» (1). # ولما احتدم المنصور على أبي عبد الله الصادق (ع)، وعزم على الفتك به ، ~~دعا ربه تعالى أن يفرج عنه ؛ فانجلت بسببه غمائم الفتك به حتى إذا وقع نظره ~~على الصادق (ع)، قام إليه فرحا مستبشرا وعانقه. وكان المنصور يحدث بعد ذلك ~~عن سبب نقض عزمه : إن رسول الله (ص) تمثل له باسطا كفيه ، حاسرا عن ذراعيه ، وقد PageV01P057 # عبس وقطب حتى حال بينه وبين الإمام (ع)، مشيرا إليه أن لو أساء إلى أبي ~~عبد الله (ع) أهلكه. فلم ير المنصور بدا من العفو والإكبار لجلال الإمامة. ~~ثم سيره إلى مدينة جده (ص) مبجلا (1). # ولما طال الحبس بموسى بن جعفر (ع)، وضاق صدره مما كان يلاقيه ، توسل إلى ~~الله تعالى في الخلاص منه ، وقال في دعائه : «يا مخلص الشجر من بين رمل ~~وماء ، ويا مخلص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلص الولد من بين مشيمة ورحم ~~، ويا مخلص النار من بين الحديد والحجر ، ويا مخلص الروح من بين الأحشاء ~~والأمعاء ، خلصني من يد هارون» (2)، فنجا ببركة هذا الدعا من ظلمات الحبس ~~وألم القيود. # ولما قدم إليه الرشيد الرطب المسموم ، إنتقى غير المسموم فأكله وألقى ~~المسموم إلى كلبة الرشيد فماتت (3). ولم يقصد بقتلها إلا إعلام الطاغية ~~بأن ما يدور في خلده من اغتياله ، والفتك به في هذا الحين لم يقرب وقته. ~~ولذا لما دنا الأجل ، ودعاه الله تعالى إليه أكل الرطب المسموم الذي قدمه ~~إليه الرشيد مع العلم به ، ورفع يديه بالدعاء قائلا : «يا رب ، إنك تعلم ~~أني لو أكلت قبل اليوم لكنت قد أعنت على نفسي» ، فأكل منه وجرى القضاء (4). # وعلى هذا الأساس يأمر الإمام أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) أبا ~~هاشم الجعفري أن يبعث رجلا إلى (الحائر الحسيني) الأطهر ؛ يدعو له بالشفاء ~~مما نزل ms030 به من المرض ، وعلله : بأن الله تعالى أحب أن يدعى في هذا المكان ~~(5). فإن غرضه ، التعريف بأنه لم يجب في شريعة التكوين إلا جري الامور على ~~مجاريها العادية وأسبابها الطبيعية ، أو إنه أراد التنبيه على فوائد ~~الابتهال إلى الله حينما تتوارد الكوارث على العبد ، وتحيط به المحن. كما ~~يرشد إليه احتفاظ الربيع مولى المنصور الدوانيقي بالكنز المذخور ، الذي دعا ~~به الإمام الصادق (ع) يوم PageV01P058 # دخل على المنصور وقد سخط عليه وأراد التنكيل به ، فشاهد الربيع احتفاء ~~المنصور بالإمام وتكريمه (1). # وعلى هذا كان الإمام المجتبى ، الحسن بن أمير المؤمنين (ع) يستشفي بتربة ~~جده تارة ، ويعمل بقول الطبيب اخرى ، ويأخذ بقول أهل التجربة ثالثة (2)، ~~مع علمه بأن ذلك المرض لا يقضي عليه ، وللأجل حد معلوم. ولكنه أراد إرشاد ~~الناس إلى أن مكافحة العلل تكون بالأسباب العادية ، فلا غناء عنها حتى ~~يساير هذه الاسباب. لكنه لما حان الأجل المحتوم ، لم يعمل شيئا ؛ تسليما ~~للقضاء ، وذلك عندما قدمت إليه جعدة بنت الأشعث اللبن المسموم ، وكان الوقت ~~حارا ، والحسن صائما (3)، فرفع رأسه إلى السماء قائلا : «إنا لله وإنا ~~إليه راجعون. الحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين ، وأبي سيد الوصيين ، ~~وامي سيدة نساء العالمين ، وعمي جعفر الطيار في الجنة ، وحمزة سيد الشهداء» ~~(4) ثم شرب اللبن وقال لها : «لقد غرك ، وسخر منك ، فالله يخزيك ويخزيه» ~~(5) وهي تضطرب كالسعفة. # وقد أعلم الرضا (ع) أصحابه بأن منيته تكون على يد المأمون ، ولابد من ~~الصبر حتى يبلغ الكتاب أجله (6). وقال أبو جعفر الجواد (ع) لاسماعيل بن ~~مهران لما رآه قلقا من إشخاص المأمون له : «إنه لم يكن صاحبي ، وسأعود من ~~هذه السفرة» ، ولما أشخصه المرة الثانية ، قال (عليه السلام) لاسماعيل بن ~~مهران : «في هذه الدفعة يجري القضاء المحتوم» ، وأمره بالرجوع إلى ابنه ~~الهادي ، فإنه إمام الامة بعده (7). # ولما دفعت إليه ام الفضل المنديل المسموم ، لم يمتنع من استعماله ؛ ~~تسليما للقضاء ، وطاعة لأمر المولى سبحانه ، نعم قال لها : «إبتلاك الله ~~بعقر لا ينجبر ، وبلاء لا ينستر» ، فاصيبت بعلة في أغمض ms031 الجوارح من بدنها. # وإخبار أمير المؤمنين (ع) بأن ابن ملجم قاتله ، لم يختلف فيه اثنان. ولما أتى PageV01P059 # ابن ملجم يبايع أمير المؤمنين ، وولى ، قال (عليه السلام): «من أراد أن ~~ينظر إلى قاتلي ، فلينظر إلى هذا» ، فقيل له : ألا تقتله؟ قال : «وآعجبا! ~~تريدون أن اقتل قاتلي» (1)، يشير بذلك إلى : أن قتله لما كان أمرا مبرما ، ~~وقضاء محتوما ، وأن قاتله ابن ملجم قضاء لا خلف فيه ، فكيف يقدر أن ينقض ~~الإرادة الإلهية ، ويحل ما ابرم من التقدير؟!. وإلى هذا يشير الصادق (عليه ~~السلام) بقوله لعقبة الاسدي : «لو أن الأئمة «عليهم السلام» ألحوا على الله ~~في هلاك الطواغيت ؛ لأجابهم سبحانه وتعالى ، وكان عليه أهون من سلك فيه خرز ~~إنقطع فذهب ، ولكن لا نريد غير ما أراده الله تعالى» (2). ### ||| ** الخلاصة # لقد ارتفع بتلك البراهين القويمة ، الستر المرخى على الحقيقة ، فظهرت ~~بأجلى مظاهرها ، وبرزت للباحث النيقد ، محفوفة بصدق ويقين ، فهو اذا جد ~~عليم بأن أئمة الهدى كانوا على علم بمجاري القدر النازل ، والقضاء الذي لا ~~يرد بما انتابهم من الكوارث ؛ لإنهم قيد إشارة المولى الجليل عز شأنه ، بكل ~~ما يستقبلهم من سراء وضراء. ولم يبارحهم هذا العلم المفاض عليهم من (مبدأ ~~الوجود) جلت آلاؤه أولا ، وإعلام النبي (ص) به ثانيا ، ووقوفهم على ~~(الصحيفة النازلة) على جدهم ثالثا. وحيث إن الله تعالى أعد لهم منازل ، ~~وشرفا خالدا لا ينالونه إلا بالشهادة ، وازهاق تلك النفوس المقدسة ؛ لذلك ~~ضحوا بحياتهم الثمينة ، بخوعا لأمر الله تعالى ، وجريا مع المصالح الواقعية ~~التي لا تدركها أحلام البشر ، ولا يعرف دقيقها غير علام الغيوب. ولا يلزمنا ~~معرفة وجه الصلاح والفساد في جميع التكاليف الشرعية ، وانما الذي يوجبه ~~العقل ، طاعة المولى الجليل عز شأنه في أوامره ونواهيه. # وإني لأعجب ممن أصاخ لهتاف الأحاديث الصحيحة مسلما مذعنا : بأن الأئمة من ~~آل محمد (ص) يعلمون ما كان ويكون ، وعندهم علم المنايا والبلايا ، كيف خفي ~~عليه ضوء الكثير من الأحاديث المصرحة ، بأن ما صدر منهم من كلام أو سكوت أو ~~قيام أو قعود ، إنما هو أمر ms032 موجه إليهم خاصة من الله سبحانه على لسان رسوله ~~الأمين على الوحي الإلهي ، ولم يعزب عنهم صغير ولا كبير ، ولم يجهلوا PageV01P060 # شيئا من ذلك حتى ساعة الموت؟!. ومما يشهد لذلك قول الإمام أبي جعفر ~~الباقر (عليه السلام): # «إني لأعجب من قوم يتولونا ويجعلونا أئمة ، ويصفون أن طاعتنا مفترضة ~~كطاعة رسول الله (ص)، ثم يكسرون حجتهم! ويخصون أنفسهم ؛ لضعف قلوبهم ، ~~فينقصونا حقنا! ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسليم ~~لأمرنا! أترون الله تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يخفي عليهم ~~أخبار السماء ، ويقطع عنهم مواد العلم فيما يرد عليهم مما فيه قوام ~~دينهم؟!». # فقال له حمران : يابن رسول الله ، أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين ~~والحسن والحسين (عليهم السلام)، وخروجهم وقيامهم وما اصيبوا به من قبل ~~الطواغيت والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا؟. # فقال له أبو جعفر (ع): «يا حمران ، إن الله تبارك وتعالى قدر ذلك عليهم ~~، وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ، ثم أجراه عليهم. فبتقدم علم ~~إليهم من رسول الله قام علي والحسن والحسين ، ويعلم منه صمت من صمت منا ، ~~ولو أرادوا أن يدفع الله تعالى عنهم ، وألحوا عليه في إزالة ملك الطواغيت ؛ ~~لكان ذلك أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدد! وما أصابهم ليس لذنب اقترفوه ، ~~ولا لمعصية خالفوا الله فيها ؛ ولكن لمنازل وكرامة من الله أراد أن يبلغهم ~~إياها ، فلا تذهبن بك المذاهب يا حمران!» (1). # ومن إشعاعات هذا الحديث الشريف تظهر أسرار غامضة ، وحكم إلهية اختص الله ~~بها أولياءه ، خزان وحيه ، وبها ميزهم عن سائر البشر ، وهي : # أعلمهم بكل شيء ، وعدم انقطاع أخبار السماء عنهم. وعمومه شامل للموضوعات ~~بأسرها. # ب إن ما جرى عليهم من الأخطار ، وقهر أرباب الجور ناشئ عن مصالح لا ~~يعلمها إلا المهيمن جل شأنه. # ج إن ما صدر منهم ؛ من الحرب والجهاد ، والقتل في سبيل الدعوة الإلهية ، PageV01P061 # والسكوت عما يفعله أئمة الضلال ، ومشاهدتهم تمادي الامة في الطغيان ، ~~وإقدامهم على ما فيه استئصال حياتهم القدسية ؛ طاعة لأوامر المولى الخاصة ~~بهم ، وانقيادا ms033 لتكليفه بلا إلجاء من الله لهم في شيء من ذلك ، وإنما هم ~~مختارون فيه ، كاختيار غيرهم في جميع التكاليف. # د التسليم للقضاء المحتوم والأجل المبرم ، وعدم التوسل إلى الباري تعالى ~~في إزاحة العلة ؛ لينالوا بالشهادة التي هي أشرف الموت الدرجات الرفيعة ، ~~والمنازل العالية التي لا تحصل إلا بهذا النوع من إزهاق النفس. # وفي نفس هذه العلة أجاب أبو الحسن الرضا (ع) من سأله عن جواز تعريض أمير ~~المؤمنين (ع) نفسه للقتل ، مع علمه بالساعة والقاتل ، فقال (عليه السلام): ~~«لقد كان كل ذلك ، ولكنه خير تلك الليلة ؛ لتمضي المقادير» (1)، فدلنا هذا ~~وأمثاله على أن إقدام أهل البيت (عليهم السلام) على ما فيه التهلكة ، إنما ~~هو من باب الطاعة ، وامتثال التكليف الموجه إليهم خاصة ، فلا يتطرق إلى ~~ساحة علمهم نقص. ولا أن إقدامهم على ما فيه الهلكة مما يأباه العقل. وإليه ~~ذهب المحققون من أعلام الإمامية. # فيقول الشيخ المفيد في جواب المسائل العكبرية : لسنا نمنع أن يعلم الإمام ~~أعيان ما يحدث على التفصيل والتمييز ، ويكون بإعلام الله تعالى. كما لا ~~نمنع أن يتعبد الله أمير المؤمنين بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل ؛ ~~فيبلغه بذلك علو الدرجة ما لا يبلغه إلا به ، فيطيعه في ذلك طاعة لو كلفها ~~سواه لم يردها. ولا يكون أمير المؤمنين ملقيا بيده إلى التهلكة ، ولا معينا ~~على نفسه معونة تستقبح في العقول ، ولا يلزم فيه ما يظنه المعترضون. كما لا ~~نمنع أن يكون الحسين (ع) عالما بموضع الماء وأنه قريب منه بقدر ذراع ، فلو ~~حفر لنبع له الماء. فامتناعه من الحفر لا يكون فيه إعانة على نفسه ؛ بعد أن ~~يكون متعبدا بترك السعي في طلب الماء حيث يكون ممنوعا منه ، ولا يستبعد ~~العقل ذلك ولا يقبحه. وكذلك في علم الحسن (ع) بعاقبة موادعة معاوية ، فقد ~~جاء الخبر بعلمه به ، وكان شاهد الحال يقضي به ، غير أنه دفع به عن تعجيل ~~قتله وتسليم أصحابه إلى معاوية ؛ وكان في ذلك لطف في بقائه إلى PageV01P062 # حال مضيه ، ولطف لبقاء كثير من شيعته ms034 وأهله وولده. ودفع فساد في الدين ~~أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته. وكان (عليه السلام) عالما بما صنع ، ~~ولكن الله تعالى تعبده بذلك (1). # ويقول العلامة الحلي في جواب من سأله عن تعريض أمير المؤمنين نفسه للقتل ~~: بأنه يحتمل أن يكون قد اخبر بوقوع القتل في تلك الليلة وفي أي مكان يقتل ~~، وأن تكليفه مغاير لتكليفنا ، فجاز أن يكون بذل مهجته في ذات الله واجبا ، ~~كما يجب الثبات على المجاهد وإن كان ثباته يفضي إلى القتل (2). # ويقول الشيخ الجليل يوسف البحراني : إن رضاهم بما ينزل بهم من القتل ~~بالسيف أو السم ، وكذا ما يقع بهم من الهوان على أيدي أعدائهم الظالمين ، ~~مع كونهم عالمين قادرين على دفعه ، إنما هو لما علموه من كونه مرضيا له ~~سبحانه وتعالى ، ومختارا بالنسبة إليهم ، وموجبا للقرب من حضرة قدسه. فلا ~~يكون من قبيل الإلقاء باليد إلى التهلكة الذي حرمته الآية ، إذ هو ما اقترن ~~بالنهي من الشارع نهي تحريم ، وهذا مما علم رضاه به واختياره له ، فهو على ~~النقيض من ذلك. إلا أنه ربما ينزل بهم شيء من تلك المحذورات قبل الوقت ~~المعدود والأجل المحدود ، فلا يصل إليهم منه شيء من الضر ولا يتعقبه ~~المحذور والخطر. فربما امتنعوا منه ظاهرا ، وربما احتجبوا منه باطنا ، ~~وربما دعوا الله في رفعه عنهم حيث علموا أنه غير مراد الله سبحانه في حقهم ~~ولا مقدر عليهم حتما. وبالجملة : أنهم (عليهم السلام) يدورون مدار ما علموه ~~من الأقضية والأقدار ، وما اختاره لهم القادر القهار المختار (3). وعلى ~~هذا مشى العلامة المجلسي والمحقق الكركي والحسن بن سليمان الحلي من تلامذة ~~الشهيد الأول وغيرهم. ### ||| * علم الحسين بالشهادة # لقد تجلى بما بيناه تحبيذ العقل والشرع الإقدام على الهلكة إذا تحققت ~~هناك مصلحة تقاوم مفسدة الهلكة ؛ من إبقاء دين وشريعة أو إبراز حقيقة لا ~~تظهر إلا به PageV01P063 # كما في أمر الحسين (ع) يوم وقف ذلك الموقف المدهش ، فتلا على الملأ صحيفة ~~بيضاء رتلتها الحقب والأعوام. # فلقد عرف صلوات الله عليه بنهضته المقدسة الامم الحاضرة ms035 والمتعاقبة أعمال ~~الامويين ، ومن سن لهم خرق نواميس الشريعة والتعدي على قداسة قوانينها ، ~~وقد استفادت الامم من إقدام أبي الضيم (ع) على الموت ، وبذله كل ما لديه من ~~جاه وحرمات في سبيل تأييد الدعوة المحمدية دروسا عالية ، وعرفوا كيفية ~~الثبات على المبدأ ، وأنه يستهان في تحرير النفوس عن الجور ، وانقاذها من ~~مخالب الظلم كل غال ورخيص. # وإذا كان محمد بن الحسن الشيباني ينفي البأس عن رجل يحمل على الألف ، مع ~~فقد احتمال النجاة أو النكاية بالعدو ، ولا يكون هذا الإقدام منه إلقاء ~~بالتهلكة ؛ لأن فيه نفع المسلمين ، وتقوية عزائمهم ، وبعث روح النشاط ~~للدفاع عن المبدأ والموت تحت راية العز (1)، فأبو عبد الله الحسين (ع) ~~يفضل كل أحد. فإنه بإقدامه على أولئك الجمع المغمور بالاضاليل وإن أزهق ~~نفسه المقدسة ونفوس الأزكياء من أهل بيته وصحبه ، وعرض حرم رسول الله (ص) ~~للسلب والأسر ، إلا أنه سجل أسطرا نورية على جبهة الدهر في أحقية نهضته ، ~~وبطلان تمويهات عدوه الحائد عن سنن الحق المتمرد في الطغيان ، فهو الفاتح ~~المنصور ، وإن المتجهر عليه راسب في بحر الضلال ، هاتك لحرمات الله تعالى ، ~~متعد على نظم الإسلام التي قررها صاحب الدعوة الإلهية. # وإني لأعجب ممن يذهب إلى أن الحسين (ع) كان يظن موافقة الكوفيين له وقد ~~تخلف ظنه! ، فإنا لو تنزلنا وقلنا : بأن الحسين (ع) لم يكن عنده العلم ~~العام لما كان ويكون وما هو كائن ، ولكن أين يذهب عنه العلم بما يقع من ~~الحوادث بواسطة إخبار جده وأبيه الوصي ، بأنه مقتول بأرض كربلاء ، ممنوع من ~~الورود ومعه ذووه وصحبه قضاء محتوما؟. أليس هو الذي أعلم ام سلمة بقتله حين ~~أبدت له خوفها من سفره هذا ؛ لأن الصادق المصدق الذي لا ينطق عن الهوى (ص) أعلمها PageV01P064 # بقتله بأرض كربلاء ممنوعا عن الورود؟. # وفيما قال لها : «إني أعلم اليوم الذي اقتل فيه ، والساعة التي اقتل فيها ~~، وأعلم من يقتل من أهل بيتي وأصحابي. أتظنين أنك علمت ما لم أعلمه؟ وهل من ~~الموت بد! فإن لم أذهب اليوم ذهبت ms036 غدا». # وقال لأخيه عمر الأطرف : «إن أبي أخبرني بأن تربتي تكون إلى جنب تربته ، ~~أتظن أنك تعلم ما لم أعلمه؟». وقال لأخيه محمد بن الحنفية : «شاء الله أن ~~يراني قتيلا ، ويرى النساء سبايا». # وقال لابن الزبير : «لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لا ستخرجوني حتى ~~يقضوا في حاجتهم». وقال لعبد الله بن جعفر : «إني رأيت رسول الله في المنام ~~، وأمرني بأمر أنا ماض له». وفي بطن العقبة قال لمن معه : «ما أراني إلا ~~مقتولا ، فإني رأيت في المنام كلابا تنهشني ، وأشدها علي كلب أبقع». ولما ~~أشار عليه عمرو بن لوذان بالإنصراف عن الكوفة إلى أن ينظر ما يكون عليه حال ~~الناس ، قال (ع): «ليس يخفى علي الرأي ، ولكن لا يغلب على أمر الله. وإنهم ~~لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي». # إلى غير ذلك من تصريحاته وتلويحاته في المدينة ومكة والطريق إلى الكوفة ~~كما ستقرؤها بتمامها فإنها شاهدة على أنه (عليه السلام) كان على علم ويقين ~~بأنه مقتول في اليوم الموعود به بأرض كربلاء. ثم هل يتردد أحد في هذا وهو ~~يقرأ خطبته بمكة حين أراد السفر منها إلى العراق ، التي يقول فيها : «كأني ~~بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكراشا ~~جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم»؟. فدلت هذه الأجوبة من ~~الحسين (ع) لمن طلب منه التريث في السفر أو الذهاب في أرض الله العريضة على ~~وقوف سيد الشهداء على أمره ، ولم تخف عليه نوايا الكوفيين. ولكنه سر إلهي ~~تعلق به خاصة ؛ ولأجل إلقاء الحجة على هذا الخلق المتعوس كانت استغاثاته ~~وانتصاراته يوم الطف قبل نشوب الحرب وبعده. # وإنما لم يصارح بما عنده من العلم لكل من رغب في إعراضه عن السفر إلى PageV01P065 # الكوفة ؛ لعلمه بأن الحقائق لا تفاض لأي متطلب بعد اختلاف الأوعية ، سعة ~~وضيقا ، وتباين المرامي قربا وبعدا ؛ فلذلك كان (ع) يجيب كل أحد بما يسعه ~~ظرفه ، وتتحمله معرفته وعقليته. فإن علم أهل البيت (عليهم السلام) صعب ~~مستصعب ms037 ، لا يتحمله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه ~~بالإيمان. ### ||| * الحسين فاتح # كان الحسين (ع) يعتقد في نهضته أنه فاتح منصور ؛ لما في شهادته من إحياء ~~دين رسول الله (ص)، وإماتة البدعة ، وتفظيع أعمال المناوئين ، وتفهيم ~~الامة أنهم أحق بالخلافة من غيرهم. وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم : «من ~~لحق بنا منكم استشهد ، ومن تخلف لم يبلغ الفتح» (1). # فإنه لم يرد بالفتح إلا ما يترتب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال ~~، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهرة ، وإقامة أركان العدل ~~والتوحيد ، وأن الواجب على الامة القيام في وجه المنكر. # وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدين (ع) لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله ، ~~لما قال له حين رجوعه إلى المدينة : من الغالب؟ فقال السجاد (ع): «إذا دخل ~~وقت الصلاة ، فأذن وأقم ، تعرف الغالب» (2). # فإنه يشير إلى تحقق الغاية التي ضحى سيد الشهداء (ع) بنفسه القدسية ~~لأجلها ، وفشل يزيد بما سعى له من إطفاء نور الله تعالى ، وما أراده أبوه ~~من نقض مساعي الرسول (ص)، وإماتة الشهادة له بالرسالة بعد أن كان الواجب ~~على الامة في الأوقات الخمس الإعلان بالشهادة لنبي الإسلام ؛ ذلك الذي هدم ~~صروح الشرك ، وأبطل العبادة للاصنام. كما وجب على الامة الصلاة على النبي ~~وآله الطاهرين في التشهدين ، وأن الصلاة عليه بدون الصلاة على آله ، بتراء (3). PageV01P066 # كما أن العقيلة ابنة أمير المؤمنين (عليها السلام)، أشارت إلى هذا الفتح ~~بقولها ليزيد : فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ~~، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا يرحض عنك عارها وشنارها. # إن المتأمل في حادثة الطف يتجلى له ؛ أن هذه الشهادة أعظم من يوم بدر ، ~~وإن كان هو أول فتح إسلامي ؛ لأن المسلمين يومئذ خاضوا غمرات الموت تحت ~~راية النبوة ، وقد احتف بهم ثلاثة آلاف من الملائكة مسومين ، وهتاف النبي ~~(ص) بالنصر والظهور على العدو ملء مسامعهم ، فقابلوا طواغيت قريش مطمئنين ~~بالغلبة. # وأما مشهد الطف ، فالمقاسات فيه أصعب ، والكرب أشد. وقد التطمت ms038 فيه أمواج ~~الحتوف ، وكشرت الحرب عن نابها ، وأخذ بنو امية على سبط النبي أقطار الأرض ~~، وآفاق السماء. # عشية أنهضها بغيها %~% فجاءته تركب طغيانها بجمع من الأرض سد الفروج %~% وغطى النجود وغيطانها وطا الوحش إذ لم يجد مهربا %~% ولا زمت الطير أوكانه # لكن عصبة الحق لم يثن من عزمهم شيء ، فقابلوا تلك الأخطار من غير مدد ~~يأملونه ، أو نصرة يرقبونها. وقد انقطعت عنهم خطوط الوسائل الحيوية حتى ~~الماء الذي هو أوفر الأشياء ، والناس فيه شرع سواء ، وضوضاء الحرم من الشر ~~المقبل ، وصراخ الأطفال من الاوام المبرح في مسامعهم ، إلا أنهم تلقوا جبال ~~الحديد بكل صدر رحيب ، وجنان طامن. ولم تسل تلك النفوس الطاهرة إلا على فتل ~~امية المنقوض ، ولا اريقت دماؤهم الزاكية إلا على حبلهم المنتكث ؛ فكان ملك ~~آل حرب كلعقة الكلب أنفه حتى اكتسحت معرتهم عن أديم الأرض. # ولقد أجاد شاعر أهل البيت (عليهم السلام) بقوله : # لو لم تكن جمعت كل العلا فينا %~% لكان ما كان يوم الطف يكفينا يوم نهضنا كأمثال الاسود به %~% وأقبلت كالدبا زحفا أعادينا جاؤوا بسبعين ألفا سل بقيتهم %~% هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا (1) PageV01P067 # فيوم الطف فتح أسلامي بعد الجاهلية المستردة من جراء أعمال الامويين ، ~~ولفيفهم الذين لم يستضيئوا بذلك الألق الساطع ؛ نور التوحيد وشعاع النبوة. # إن الحسين لم يكن قاصدا في خروجه محض السلطنة ، والرئاسة ، وخفقان ~~الرايات. فإنه لو كان هذا غرضه ؛ لاتخذ الوسائل الموصلة إليه وهو أعرف بها ~~، ولم يذع إلى من كان معه من الأعراب قتله ، وهلاك من معه ، واستسلام ~~عائلته للأسر ؛ فيتفرق جيشه ، وتتضاءل قواه الصورية. لكن نفسه المقدسة ~~وهكذا الأحرار أبت كتمان الأمر وإيهام الحال حتى أختبرهم بالإذن في ~~المفارقة ، فذهب عنه من كان همه الطمع ، وأبى أولئك الصفوة إلا مواساته ~~ونصرته. فلا الجبن يطرق ساحتهم ، ولا الانكسار يبين في مجاليهم ؛ لأن ذلك ~~شأن الآيس من غايته ، والقوم كانوا على يقين من الظفر بالأمنية ، كما تنم ~~عنه كلماتهم التي أجابوا الحسين (ع) بها لما أنبأهم ليلة عاشوراء بحراجة ~~الموقف ، ورفع عنهم ms039 البيعة ، وخلى لهم السبيل. # فقالوا : الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك. ولو كانت الدنيا باقية ، وكنا ~~فيها مخلدين ؛ لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها. فوجدهم (عليه السلام) ~~متفانين في الجهاد معه ، والذب عن قدس الشريعة. وتلا على الملأ سطرا من ~~صحيفتهم البيضاء بقوله : «إني لا أجد أصحابا أوفى من أصحابي ، ولا أهل بيت ~~أبر وأوصل من أهل بيتي» (1). # وإني لأعجب من الرواة وحملة التاريخ ، حيث توسعوا في النقل ، فقذفوا ~~اولئك الأطهار بما يندى منه وجه الإنسانية ، ويأباه الوجدان الصادق ، فقيل ~~: كان القوم بحالة ترتعد فرائصهم ، وتتغير ألوانهم كلما اشتد الحال إلا ~~الحسين ، فإن أسرة وجهه تشرق كالبدر المنير!! (2). وهذا بعد أن أعوزتهم ~~الوقيعة في شهيد العز والإباء ، فلم يجدوا للغمز فيه نصيبا ؛ فمالوا على ~~صحبه وأهل بيته! وليس هذا إلا من الداء الدفين ، بين أضالع قوم دافوا السم ~~في الدسم إلى سذج حسبوه حقيقة راهنة ، فشوهوا وجه التاريخ PageV01P068 # غير أن البصير الناقد لا تخفى عليه نفسية القوم ، ولا ما جاؤوا به. # وأعجب من ذلك ، قول زجر بن قيس الجعفي ليزيد : إنا أحطنا بهم ، وهم ~~يلوذون عنا بالآكام والحفر ، لواذ الحمام من الصقر!! (1). # بفيك الكثكث أيها القائل ، كأنك لم تشاهد ذلك الموقف الرهيب ، فترى ما ~~للقوم من بسالة وإقدام ، ومفاداة دون الدين الحنيف حتى أغفل يومهم مع ابن ~~المصطفى أيام صفين وما شاكلها من حروب دامية ، وحتى أخذت أندية الكوفة لا ~~تتحدث إلا بشجاعتهم. # أجل ، إن تلك الأحوال أدهشتك فلم تدر ما تقول! أو أن الشقة بعدت عليك ~~فنسيت ما كان. ولكن هل غاب عن سمعك صراخ الأيتام ، وعويل الأيامى في دور ~~الكوفة حتى طبق أرجاءها من جراء ما أوقعه أولئك الصفوة بأعداء الله وأعداء ~~رسوله بسيوفهم الماضية؟!. والعذر لك إنك أدركت ساعة العافية ، فطفقت تشوه ~~مقامهم المشكور ؛ طلبا لمرضاة (يزيد الخمور). # ولقد صرح عن صدق نياتهم عدوهم الألد ، عمرو بن الحجاج ، محرضا قومه : ~~أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر ، وقوما مستميتين لا ~~يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه ms040 على قلتهم. والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة ~~لقتلتموهم (2). # وقيل لرجل شهد الطف مع ابن سعد : ويحك أقتلتم ذرية الرسول؟! فقال : عضضت ~~بالجندل ، إنك لو شهدت ما شهدنا ؛ لفعلت ما فعلنا. ثارت علينا عصابة ، ~~أيديها على مقابض سيوفها كالاسود الضارية ، تحطم الفرسان يمينا وشمالا ، ~~تلقي نفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل ~~بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك. فلو كففنا عنها رويدا ؛ لأتت ~~على نفوس العسكر بحذافيرها ، فما كنا فاعلين لا ام لك؟! (3). # وشهد لهم بذلك كعب بن جابر ، فانه لما قتل بريرا ؛ عتبت عليه زوجته PageV01P069 # وقالت : أعنت على ابن فاطمة! وقتلت سيد القراء! لقد أتيت عظيما من الأمر! ~~والله لا اكلمك من رأسي كلمة واحدة. فقال يخاطبها من أبيات. # ولم تر عيني مثلهم في زمانهم %~% ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى %~% ألا كل من يحمي الذمار مقارع وقد صبروا للضرب والطعن حسرا %~% وقد نازلوا لو أن ذلك نافع (1) # ثم أي فرد منهم أقلقه الحال حتى ارتعدت فرائصه؟ أهو زهير بن القين الذي ~~وضع يده على منكب الحسين ، وقال مستأذنا : # أقدم هديت هاديا مهديا %~% فاليوم ألقى جدك النبيا # أم ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسين (ع)، وهو في آخر رمق ~~من الحياة ، فكأنه لم يقنعه في المفاداة ، كل ما لاقاه من جهد وبلاء؟. # أم أبو ثمامة الصائدي الذي لم يهمه في سبيل السير إلى ربه تعالى ، كل ما ~~هنالك من فوادح وآلام ، إلا الصلاة التي دنا وقتها؟. # أم سعيد الحنفي الذي استهدف لهم عند الصلاة حتى سقط ؛ لكثرة نزف الدم ، ~~فيقول للحسين (ع): أوفيت يابن رسول الله؟. # أم ابن شبيب الشاكري الذي يلقي جميع لامته ؛ لتقرب منه الرجال فيموت ، في ~~حين نرى الكماة الأبطال المعروفين بالشجاعة والإقدام ، يتدرعون للحرب ؛ ~~كيلا يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم؟. # أم جون الذي يأذن له الحسين (ع) في الإنصراف ، فيقع على قدميه يقبلهما ، ~~وهو يبكي ويقول : إن لوني لأسود ms041 ، وحسبي لئيم ، وريحي منتن ، فتنفس علي ~~بالجنة ؛ ليبيض لوني ، ويشرف حسبي ، ويطيب ريحي؟. # وإذا تأملنا قول أبي جعفر الباقر (ع): «إن أصحاب جدي الحسين لم يجدوا ~~ألم مس الحديد» (2). # وضح ما عليه أولئك الأطايب من الثبات ، وأنهم غير مكترثين بما لاقوه من PageV01P070 # ألم الجراح ؛ ولعا منهم بالغاية ، وشوقا إلى جوار المصطفى (ص). # ولا تستغرب هذا ، فمن يعرف حالة العاشق ، وأنه عند توجه مشاعره نحو ~~المحبوب لا يشعر بما يلاقيه من عناء ونكد. ولقد حكى المؤرخون : أن كثيرا ~~الشاعر (1) كان في خبائة يبري سهاما له ، فلما دخلت عليه عزة ونظر إليها ~~أدهشه الحال ، فأخذ يبري أصابعه ، وسالت الدماء وهو لا يحس بالألم (2). # ويتحدث الرواة : أن شابا من الأنصار استقبل امرأة فأعجبته فأتبعها النظر ~~؛ فدخلت في زقاق وهو خلفها ينظر إليها ، فاعترضت وجهه زجاجة في حائط ؛ فشقت ~~وجهه وهو لا يشعر ، فلما مضت المرأة رأى الدماء تسيل على ثوبه وصدره ، فأتى ~~رسول الله (ص) وحكى له ، فنزل قوله تعالى : ( @QUR@05 قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ) (3). # ويحدث النبي (ص)، بأن الشهيد المقتول في سبيل الدعوة الإلهية لا يجد من ~~مس القتل ، إلا كما يجد الإنسان من مس القرصة (4). # وأما رشيد الهجري (5)، فإنه لما دعاه ابن زياد ، وسأله عما أخبره أمير ~~المؤمنين علي (عليه السلام)، قال : بلى ، دخلت عليه يوما وعنده أصحابه ، ~~وكان في بستان ، فدعا PageV01P071 # برطب من نخلة ، فقلت له : يا أمير المؤمنين أطيب هذا الرطب؟ فعرفه (عليه ~~السلام) بأن الدعي عبيد الله سيحمله على البراءة منه ؛ وإلا فيقطع يديه ~~ورجليه ولسانه ويصلبه على جذع من هذه النخلة. فقال رشيد : آخر ذلك إلى ~~الجنة؟ قال (ع): «أنت معي في الدنيا والآخرة» ، قال : إذا والله لا أتبرأ منك. # فكان رشيد يختلف إلى تلك النخلة في النهار ويسقيها الماء ، ويقول : لك ~~غذيت ولي نبت! وما دارت الأيام حتى تولى ابن زياد الكوفة ؛ فدعاه وسأله عما ~~أخبره به أمير المؤمنين ، قال : أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة منه ~~فلا أبرأ أبدا ؛ فتقطع يدي ورجلي ولساني. قال ابن ms042 زياد : لأكذبن قوله. ثم ~~أمر به فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه ، وحمل إلى أهله ؛ فاجتمع عليه ~~الناس وهو يحدثهم بما أطلعه أمير المؤمنين من علم المنايا والبلايا وفضل ~~أهل البيت ، ثم قال : أيها الناس ، سلوني إن للقوم عندي طلبة لم يقضوها. ~~فأسرع رجل إلى ابن زياد وقال : ما صنعت! قطعت يديه ورجليه وهو يحدث الناس ~~بالعظائم! فأمر به بأن يقطع لسانه ؛ فمات من ليلته ، ثم صلب (1) على باب ~~دار عمرو بن حريث (2). # تقول ابنته قنواء : سألت أبي عما يجده من الآلام ، فقال : يا بنية ، لا ~~أجد إلا كالزحام بين الناس (3). واستفاد رشيد الهجري من صحبة أمير ~~المؤمنين (ع) علم المنايا والبلايا (4)، وكان يخبر الرجل بما يجري عليه ؛ ~~فسماه أمير المؤمنين (ع) راشدا (5). # وهذا الحال يفيد المتأمل بصيرة ؛ بأن كل من اتجهت مشاعره نحو المولى ~~سبحانه وتعالى ، وتجلت له المظاهر الربوبية ، وشاهد ما أعد له من النعيم ~~الخالد في سبيل دعوة الدين ؛ هان عليه ألم الجراح. ويؤكد ما قلنا من ذهول ~~العاشق عندما يشاهد محبوبه عن كل ما يرد عليه من الأذى ؛ غفلة النسوة عن ~~ألم قطع المدية أيديهن ؛ PageV01P072 # لمحض مشاهدة جمال الصديق يوسف (عليه السلام) كما حكاه جل شأنه ( @QUR@016 ~~فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم ). وإذا لم تشعر النسوة (1) بمضض الجراح ، فليس من الغريب ألا يجد ~~أصحاب الحسين (ع) وهم زبدة العالم كله ألم مس الحديد عند نهاية عشقهم ~~لمظاهر الجمال الإلهي ، ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة بعد ~~التكهرب بولاء سيد الشهداء (ع): # بأبي افدي وجوها منهم %~% صافحوا في كربلا فيها الصفاحا أوجها يشرقن بشرا كلما %~% كلح العام ويقطرن سماحا تتجلى تحت ظلماء الوغى %~% كالمصابيح إلتماعا وإلتماحا أرخصوا دون ابن بنت المصطفى %~% أنفسا تاقت إلى الله رواحا فقضوا صبرا ومن أعطافهم %~% أرج العز بثوب الدهر فاحا لم تذق ماءا سوى منبعث %~% من دم القلب به غصت جراحا أنهلت من دمها لو أنه %~% كان من ظامي الحشا يطفى التياحا ms043 اعريت فهي على أن ترتدي %~% بنسيج الترب تمتاح الرياحا (2) ### ||| * الحسين مع أصحابه ### ||| ** تمهيد : # إن الشريعة المقدسة أوجبت على الناس النهضة ؛ لسد باب المنكر ، والردع عن ~~الفساد. وألزمت الامة بمتابعة الإمام في رد عادية الباغين على الخليفة ~~المنصوب علما للعباد ؛ بعد أن يدعوهم إلى التوبة عما هم فيه من معاندة الحق ~~، والرجوع إلى ساحة الشرع الأعظم ، كما في قوله تعالى : # ( @QUR@011 وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على PageV01P073 # @QUR@09 الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله )، وقد نهض ~~أمير المؤمنين (ع) أيام خلافته ؛ للدفاع عن قدس الشريعة ، وتنبيه الامة عن ~~رقدة الجهل. وكان الواجب على الناس الفيء إليه ؛ لأنه إمام الحق ، المفروضة ~~طاعته. وقد اعترف جمهور المسلمين بتمامية البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (ع)، وحكموا بأن قتاله لمن خرج عليه حق ، وهذه كلماتهم التي سجلوها ~~في صحفهم ، شواهد متقنة على هذه الدعوى المدعومة بالعقل والنقل. # فهذا أبو حنيفة يقول : ما قاتل أحد عليا إلا وعلي أولى بالحق منه. ولولا ~~ما سار علي (ع) فيهم ، لما علم أحد كيف السيرة في المسلمين. ولا شك أن عليا ~~(ع) إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار علي ~~(ع) فيهم بالعدل وهو أعلم المسلمين ، فكانت السنة في قتال أهل البغي (1). # واقتفاه تلميذه محمد بن الحسن الشيباني ، المتوفى سنة (187) فقال : لو لم ~~يقاتل معاوية عليا (ع) ظالما له متعديا باغيا ؛ كنا لا نهتدي لقتال أهل ~~البغي (2). # وقال سفيان الثوري : ما قاتل علي (ع) أحدا إلا كان علي أولى بالحق منه (3). # وقال الشافعي : السكوت عن قتلى صفين حسن ؛ وإن كان علي (ع) أولى بالحق من ~~كل من قاتله (4). # وقال أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص ، المتوفى سنة (370): كان علي ~~محقا في قتال الفئة الباغية ، لم يخالف فيه أحد. وكان معه من كبراء الصحابة ~~وأهل بدر من قد علم مكانهم (5). # وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ، المتوفى سنة (546): كان علي إماما ؛ ~~لأنهم اجتمعوا عليه. ولم يمكنه ms044 ترك الناس ؛ لأنه أحقهم بالبيعة ، فقبلها ~~حوطة على الامة أن لا تسفك دماؤها بالتهارج فيتخرق الأمر. وربما تغير الدين ~~، وانقض عمود PageV01P074 # الإسلام ، وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان ، فقال لهم علي (ع) ~~: «ادخلوا في البيعة ، واطلبوا الحق تصلوا إليه». وكان علي (ع) أسدهم رأيا ~~وأصوبهم قولا ، لأنه لو تعاطى القود ؛ لتعصبت لهم قبائلهم فتكون حربا ثالثة ~~، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامة ، ثم ينظر في مجلس ~~الحكم ويجري القضاء. ولا خلاف بين الامة : أنه يجوز للإمام تأخير القصاص ، ~~إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة. # وحينئذ فكل من خرج على علي (ع) فهو باغ ، وقتال الباغي واجب حتى يفيء إلى ~~الحق وينقاد إلى الصلح. وإن قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ~~، وأهل الجمل والنهروان الذين خلعوا بيعته حق ، وكان حق الجميع أن يصلوا ~~إليه ، ويجلسوا بين يديه ويطالبوه بما رأوا ، فلما تركوا ذلك بأجمعهم ، ~~صاروا بغاة ، فتناولهم قوله تعالى : ( @QUR@08 فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ~~إلى أمر الله ). # ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وقاص (1)، بعدم مشاركته في قتال علي (ع) ~~؛ فرد عليه سعد : بأني ندمت على تأخيري عن قتال الفئة الباغية ، يعني ~~معاوية ومن تابعه (2). # وقال أبو بكر محمد الباقلاني ، المتوفى سنة (403) ه بعد ذكر جملة من ~~فضائل أمير المؤمنين (ع): إن عليا يصلح للخلافة ببعض هذه الخصال ، ودون ~~هذه الفضائل ، ويستحق الإمامة. فهو حقيق بما نظر فيه وتولاه ؛ فوجب ~~الإنقياد له بعقد |أتطمع في الذي أعطى عليا||على ما قد طمعت به العفاء| |ليوم منه خير منك حيا||وميتا أنت للمرء الفداء| |فأما أمر عثمان فدعه||فإن الرأي أذهبه البلاء| PageV01P075 # من عقدها له من وجوه المهاجرين والأنصار ، عشية اليوم الثالث من مقتل ~~عثمان بعد إمتناعه عليهم وإصرارهم عليه ؛ لأنه أعلم من بقي ، وأفضلهم ~~وأولاهم بهذا الأمر. وناشدوه الله تعالى في حفظ بقية الامة ، وصيانة دار ~~الهجرة ، فبايعوه قبل حضور طلحة والزبير ومبايعتهما له ؛ تبعا لغيرهما بعد ~~وجوبها عليهما ، ولو تأخرا عن ms045 الإنقياد لكانا مأثومين. وقولهما له : ~~بايعناك مكرهين (1) لا يضر بإمامة علي (عليه السلام)؛ لأن البيعة له تمت ~~قبل مبايعتهما ، وطلبهما منه قتل قتلة عثمان خطأ ، لأن عقد الإمامة لرجل ~~على أن يقتل الجماعة بالواحد لا يصح ؛ بعد أن كان الإمام متعبدا باجتهاده ، ~~فقد يؤدي إلى أنه لا يجوز قتل الجماعة بالواحد ، وإن أدى إليه اجتهاده فقد ~~يجتهد ثانيا إلى عدمه ، ولو ثبت أن عليا (ع) يرى جواز قتل الجماعة بالواحد ~~، لم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان ؛ إلا بعد أن تقوم البينة على القتلة ~~بأعيانهم ، وأن يحضر أولياء الدم مجلسه ويطالبون بدم أبيهم ووليهم ، وأن لا ~~يؤدي القتل إلى هرج عظيم وفساد شديد ، قد يكون مثل قتلة عثمان أو أعظم منه. ~~وتأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه أولى وأصلح للامة وأنفى للفساد (2). # وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري ، ~~المتوفى سنة (405): الأخبار الواردة في بيعة أمير المؤمنين كلها صحيحة ~~مجمع عليها ، وفيها يقول خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر : # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا %~% أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس إنه %~% أطب قريش بالكتاب وبالسنن وإن قريشا ما تشق غباره %~% إذا ما جرى يوما على الضمر البدن وفيه الذي فيهم من الخير كله %~% وما فيهم كل الذي فيه من حسن # وساق الذهبي جميعه في تلخيص المستدرك ولم يتعقبه (3)، ثم حكى الحاكم |وصي رسول الله من دون أهله||وفارسه قد كان في سالف الزمن| |وأول من صلى من الناس كلهم||سوى خيرة النسوان والله ذو المنن| |وصاحب كبش القوم في كل وقعة||يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن| |فذاك الذي تثنى الخناصر باسمه||إمامهم حتى اغيب في الكفن| PageV01P076 # عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال : ما وجدت في نفسي من شيء من أمر ~~هذه الآية : ( @QUR@08 فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) إلا ~~أني لم اقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى (1). # وحكى الحاكم النيسابوري عن أبي ms046 بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أنه قال : ~~عهدت مشايخنا يقولون : إنا نشهد بأن كل من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب في خلافته ، فهو باغ. وبه قال ابن ادريس (2). # وقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي ، المتوفى سنة (429): أجمع أهل الحق ~~على صحة إمامة علي (ع) وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ، وأنه كان محقا ~~مصيبا في التحكيم ، وفي قتال أصحاب الجمل ، وأصحاب معاوية بصفين (3). # وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروز آبادي ، المتوفى سنة ~~(476): إذا خرجت على الإمام طائفة من المسلمين ، ورأت خلعه بتأويل ، أو ~~منعت حقا توجه عليها بتأويل ، وخرجت عن قبضة الإمام ، وامتنعت عليه بمنعة ، ~~قاتلها الإمام ؛ لقوله عز وجل : ( @QUR@08 فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي )؛ ولأن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة ، وقاتل علي أهل ~~البصرة يوم الجمل ، وقاتل معاوية بصفين ، وقاتل الخوارج بالنهروان (4). ~~وظاهره أن قتال علي (ع) لهؤلاء بحق ؛ لأنه إمام حق وجبت بيعته في أعناقهم ، ~~وخروجهم عن طاعته وإن كان بتأويل لا يبرر عملهم. # وقال إمام الحرمين الجويني ، المتوفى سنة (478): كان علي بن أبي طالب ~~إماما حقا في توليته ، ومقاتلوه بغاة (5). # وقال علاء الدين الكاساني الحنفي ، المتوفى سنة (587): قاتل سيدنا علي ~~أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة ؛ تصديقا لقوله (ص) لسيدنا علي (ع): ~~«إنك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل» ، والقتال على التأويل هو PageV01P077 # القتال مع الخوارج. ودل الحديث على إمامة سيدنا علي ؛ لأن النبي (ص) شبه ~~قتال سيدنا علي بقتاله على التنزيل ، وكان رسول الله (ص) محقا في قتاله على ~~التنزيل ، فلزم أن يكون سيدنا علي محقا في قتاله بالتأويل. فلو لم يكن إمام ~~حق لما كان محقا في قتاله إياهم ؛ لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار ~~الإسلام ومن المسلمين ، ويجب على كل من دعاه إلى قتالهم أن يجيبه إلى ذلك ، ~~ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنى وقدرة ؛ لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية ~~فرض ، فكيف فيما هو طاعة؟ وما روي عن أبي حنيفة : إذا وقعت الفتنة ms047 بين ~~المسلمين ، فينبغي للرجل أن يلزم بيته ، محمول على وقت خاص ؛ وهو ألا يكون ~~إمام يدعوه إلى قتال ، وأما إذا كان ، فدعاؤه يفترض عليه الإجابة لما ذكرنا (1). # وقال يحيى بن شرف النووي الشافعي ، المتوفى سنة (677): كان علي هو المحق ~~المصيب في تلك الحروب. وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام : ~~يجب نصر المحق في الفتن ، والقيام معه بمقاتلة الباغين. قال الله تعالى : ( ~~@QUR@03 فقاتلوا التي تبغي )، وهذا هو الصحيح (2). # وقال ابن همام الحنفي ، المتوفى سنة (681): كان علي (ع) على الحق في ~~قتال الجمل وقتال معاوية بصفين ، وقول النبي (ص) لعمار : «تقتلك الفئة ~~الباغية» وقد قتله أصحاب معاوية ، صريح بأنهم بغاة. ولقد أظهرت عائشة الندم ~~كما ذكره أبو عمرو في الإستيعاب وقالت لعبد الله بن عمر : يا أبا عبد ~~الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال لها : رأيت رجلا قد غلبك ، يعني ~~ابن الزبير. فقالت : أما لو نهيتني ، ما خرجت (3). # وقال ابن تيمية ، المتوفى سنة (728): لما قتل عثمان ، بايعوا أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وهو أحق بالخلافة حينئذ وأفضل من بقي ، لكن ~~كانت القلوب متفرقة ، ونار الفتنة موقدة ؛ فلم تتفق الكلمة ولم تنتظم ~~الجماعة ، ولم يتمكن الخليفة PageV01P078 # وخيار الامة من كل ما يرون من الخير ، إلى أن ظهرت الحرورية المارقة ، ~~فقاتلوا أمير المؤمنين عليا ومن معه ، فقتلهم بأمر الله تعالى ورسول الله ~~(ص)؛ طاعة لقول النبي (ص): إن الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلى ~~الحق ، فكان علي بن أبي طالب ومن معه هم الذين قاتلوهم ؛ فدل كلام النبي ~~(ص) على أنهم أدنى إلى الحق من معاوية ومن معه (1). # وقال : كل فرقة من المتشيعين مقرة بأن معاوية ليس كفؤا لعلي (ع) بالخلافة ~~، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي (ع)؛ فإن فضل علي وسابقته ~~وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله ، كانت عنده ظاهرة معروفة ، ولم يكن بقي ~~من أهل الشورى غيره وغير سعد ، وقد ترك سعد هذا الأمر ، وتوفي عثمان فلم ~~يبق لها معين إلا علي (2). # وقال الزيلعي ، المتوفى ms048 سنة (762): كان الحق بيد علي (ع) في نوبته ، ~~فالدليل عليه ؛ قول النبي (ص) لعمار : «تقتلك الفئة الباغية» ، ولا خلاف ~~أنه كان مع علي (ع) وقتله أصحاب معاوية. ثم قال : أجمعوا على أن عليا كان ~~مصيبا في قتال أهل الجمل ؛ وهم طلحة والزبير وعائشة ومن معهم ، وأهل صفين ؛ ~~وهم معاوية وعسكره. ثم قال : لما ولي علي (ع) الخلافة ، وكان معاوية بالشام ~~قال : لا ألي له شيئا ، ولا ابايعه ، ولا أقدم عليه (3). # وقال ابن القيم الجوزية ، المتوفى سنة (751): كان علي في وقته سابق ~~الامة وأفضلها ، ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه (4). # وقال أبو عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي ، المتوفى سنة (763): كان ~~علي (ع) أقرب إلى الحق من معاوية ، وأكثر المنصفين في قتال أهل البغي يرى ~~القتال من ناحية علي (ع)، ومنهم من يرى الإمساك. وقال ابن هبيرة في حديث ~~أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة ، أي في قتل عثمان : فأما ما جرى بعده ، ~~فلم يكن لأحد من المسلمين التخلف عن علي (ع)، ولما تخلف عنه سعد وابن عمر ~~واسامة ومحمد PageV01P079 # ابن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا. وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت : ~~إني أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة ، إلا تخلفي عن علي (ع). وكذا روي عن ~~مسروق وغيره ؛ بسبب تخلفهم (1). # وقال ابن حجر العسقلاني ، المتوفى سنة (852): كان الإمام علي بن أبي ~~طالب على الحق والصواب في قتال من قاتله في حروبه : الجمل وصفين وغيرهما (2). # ويحكي محمود العيني ، المتوفى سنة (855) عن الجمهور : أنهم صرحوا بأن ~~عليا (ع) وأشياعه كانوا مصيبين ؛ إذ كان علي (ع) أحق الناس بالخلافة ، ~~وأفضل من على وجه الدنيا حينئذ (3). # وقال ابن حجر الهيثمي ، المتوفى سنة (974): إن أهل الجمل وصفين رموا ~~عليا (ع) بالمواطاة مع قتلة عثمان ، وهو بريء من ذلك وحاشاه (4). ثم قال : ~~ويجب على الإمام قتال البغاة ؛ لإجماع الصحابة عليه ، ولا يقاتلهم حتى يبعث ~~إليهم أمينا عدلا فطنا ناصحا يسألهم عما ينقمونه على الإمام ؛ تأسيا بعلي ~~(ع) في بعثه |فأما ms049 علي فاستغاث ببيته||فلا آمر فيها ولم يك ناهيا| # ولابن أبي الحديد كلمة في شرح النهج 1 / 112 تدل على فقهه بالحوادث فقال ~~: كان معاوية شديد الإنحراف عن علي (ع)؛ لأنه يوم بدر قتل أخاه حنظلة ، ~~وخاله الوليد ، وشرك في جده عتبة أو عمه شيبة ، وقتل من أعيان بني عبد شمس ~~وأمثالهم نفرا كثيرا ؛ فمن هناك أشاع نسبة قتل عثمان إليه أو انضواء القتلة ~~إليه. وفي الكامل للمبرد 2 / 240 كان عروة بن الزبير يقول : كان علي (ع) ~~أتقى لله من أن يعين على قتل عثمان. PageV01P080 # ابن عباس إلى الخوارج بالنهروان فرجع بعضهم إلى الطاعة (1). # وحديث مناظرة ابن عباس مع الخوارج مذكور في آخر خصائص أمير المؤمنين ~~للنسائي / 48. # وقال الشهاب الخفاجي ، المتوفى سنة (1100) ه : حديث النبي (ص): «تقتل ~~عمار الفئة الباغية» ، وقد قتله أصحاب معاوية وكان مع علي (ع) بصفين ، وهو ~~صريح في أن الخليفة هو علي (ع)، وأن معاوية مخطئ في اجتهاده. والباغية من ~~البغي : وهو الخروج بغير حق على الإمام. وفي الحديث عنه (صلى الله عليه ~~وآله): «إذا اختلف الناس ، كان ابن سمية مع الحق». وابن سمية : هو عمار ، ~~كان مع علي (ع). وهذا هو الذي ندين الله به ، وهو أن عليا كرم الله وجهه ~~على الحق ، ومجتهد مصيب في عدم تسليم قتلة عثمان (2). # وقال الشوكاني ، المتوفى سنة (1255) ه : في حديث أبي سعيد عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله): «تكون امتي فرقتين ، يخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم ~~أولاهما بالحق» دلالة على أن عليا (ع) ومن معه هم المحقون ، ومعاوية ومن ~~معه هم المبطلون (3). # وحكى أبو الثناء الآلوسي المفسر عن بعض الحنابلة : التصريح بوجوب قتال ~~الباغين ؛ لأن عليا (ع) اشتغل في زمان خلافته بقتال الباغين دون الجهاد ، ~~فهو إذا أفضل من الجهاد. ثم ذكر ندم عبد الله بن عمر على تركه المشاركة مع ~~علي (ع) في قتال الباغين ، ولم يتعقبه الآلوسي بشيء (4). وقال محمد كرد ~~علي : ما خالف علي في البراءة من قتلة عثمان ، وقد كان قتلته من ms050 أكثر ~~القبائل ، وكانوا عددا ضخما لا طاقة لعلي عليهم. ومن المتعذر عليه أن ~~يسلمهم أو بعضهم ؛ وهم عضده ولو كان يعرفهم بأعيانهم. وقد وقعت المسألة على ~~غير رضاه ، وليس من مصلحته أن يستهدف لغضب عشائر كثيرة تقوم بنصرته اليوم. ~~وكان علي (ع) يحلف بالله أن بني امية لو أرادوا منه أن يأتيهم بخمسين PageV01P081 # غلاما من بني هاشم يحلفون بالله أنه ما قتل عثمان ولا مالأ عليه (1). # هذه نصوص علماء السنة في أحقية علي (ع) بالخلافة من غيره ، وأن الخارج ~~عليه باغ يستحق القتال حتى يثوب إلى الحق ؛ ولذا كان خيار الصحابة ~~والتابعين معه ، ومنهم اويس القرني ، فإنه كان في الرجالة يوم صفين (2). # وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : ما وجدت في نفسي من شيء ؛ مثل ما ~~وجدت أني لم اقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى. وكان يحدث بما ~~أخبر به النبي (ص): أن أبن سمية عمارا تقتله الفئة الباغية ، وأن البغاة ~~على الإمام علي (ع) هم : معاوية وأصحابه. ولما سئل عن المشاركة مع علي بن ~~أبي طالب يوم صفين ؛ اعتذر بما لا يجديه يوم فصل الخطاب ، فقال : إني لم ~~أضرب بالسيف ، ولم أطعن بالرمح ، ولكن رسول الله (ص) قال : «أطع أباك» ~~فأطعته (3). # هذا هو التمويه والخداع! كيف يسوغ التذرع عن مخالفة الحق بحمل كلام النبي ~~(ص) على غير حقيقته؟ أتجوز الشريعة حمل الحديث على وجوب طاعة الأب حتى إذا ~~استلزمت ترك الفرائض ، أو ارتكاب المحرمات؟ كلا ، إن طاعة الإمام الذي تمت ~~له البيعة ، كانت مفروضة في أعناق المسلمين ، لا مناص للامة حينئذ إلا ~~الخضوع له ، ووجوب امتثال أمره فيما يدعوهم إليه. ولا طاعة للأبوين في قبال ~~طاعة الإمام (ع)؛ ولعل قوله تعالى : ( @QUR@013 وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) شامل لذلك ، فإن المراد من الشرك المنهي عنه ~~: الكناية عن ترك الإنقياد لله سبحانه ، ويدخل فيه الإعراض عن طاعة النبي ~~(ص) والإمام الذي تمت له البيعة في أعناق المسلمين ؛ ولذلك كانت ms051 عائشة تتم ~~في سفرها إلى البصرة في قتال علي (ع)، فإن القصر عندها إنما يكون في سفر ~~طاعة (4). # إن الشريعة المقدسة أوجبت على إمام الامة إقامة الحجة على كل من عانده ، PageV01P082 # وخرج عن طاعته ، بتذكير آلاء الله تعالى المتتابعة على العباد مع ما هم ~~عليه من التمرد والطغيان. # ثم يعرفهم بأن الدنيا الزائلة لا تعود على المنهمك فيها إلا بالخسران ، ~~إذ لعل بالمواعظ القدسية ، وتلاوة الآيات المحكمة ، يستنير من أعمته ~~الشهوات ؛ فيبصر سبيل الرشاد ، ويلمس الحقيقة الناصعة. # ولقد سار أمير المؤمنين (ع) على هذه الخطة التي سنها قانون الإسلام في ~~أيامه الثلاثة ، بعد الهتاف بأصحابه ألا يتعدوا مقررات الشريعة ، ومنها : ~~عدم الأستعجال في القتال حتى تكون الفرقة المقابلة لهم هي العادية بقتال ~~المؤمنين ؛ لتثبت الحجة على البادي بالظلم (1). # وقد أكثر سلام الله عليه وعلى أبنائه المعصومين ، من وعظ أهل الجمل وصفين ~~والنهروان ؛ كي لا يبقى لأحد عذر يوم نشر الصحف ، وتدحض حجة كل من بلغته ~~دعوته وأصر على الخلاف والعناد ، فاستضاء بأنوار إرشاداته من هداه الله إلى ~~الإيمان ، وضل من ضل عن سبيل الحق. ### ||| * الحسين يوم الطف # وعلى هذه السنن مشى أبو عبد الله الحسين (ع) يوم الطف ، فلم يبدأ القوم ~~بقتال مهما رأى من أعدائه التكاتف على الضلال ، والمقابلة له بكل ما لديهم ~~من حول وطول حتى منعوه وعياله وصحبه من الماء ، الذي لم يزل صاحب الشريعة ~~(ص) يجاهر بأن الناس في الماء والكلأ شرع سواء ؛ لأنه (ع) أراد إقامة الحجة ~~عليهم. فوقف في ذلك الملأ المغمور بالأضاليل ، ونادى بحيث يعي الجماهير ~~حجته ، فعرفهم أولا ، خسارة هذه الدنيا الفانية لمن تقلب فيها ، فلا تعود ~~عليهم إلا بالخيبة. ثم تراجع ثانية إلى التعريف بمنزلته من نبي الإسلام ، ~~وشهادته له ولأخيه المجتبى (عليهما السلام) بأنهما سيدا شباب أهل الجنة. ~~وناهيك بشهادة من لا ينطق عن الهوى ، وكان محبوا بالوحي الإلهي أن تؤخذ ~~ميزانا للتمييز بين الحق والباطل. وفي الثالثة ، عرفهم أنه يؤدي كل ما لهم ~~عنده من مال وحرمات. وفي الرابعة ms052 ، نشر المصحف PageV01P083 # الكريم على رأسه ، ودعاهم إلى حكمه. وحتى إذا لم تجد هذه النصائح القيمة ~~فيهم ، ووضح لديه إصرارهم على الغي والعناد لله تعالى ولرسوله (ص)، كشف ~~الستار عن الإباء العلوي ، الذي انحنت عليه أضالعه ، ورفع الحجاب عن الأنفة ~~التي كان أبناء علي (ع) يتدارسونها ليلا ونهارا ، وتلهج بباب أنديتهم ، ~~فقال صلوات الله عليه : # «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلة ، وهيهات ~~منا الذلة. يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، وانوف ~~حمية ، ونفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا وإني زاحف ~~بهذه الاسرة على قلة العدد ، وخذلان الناصر». # كيف يلوي على الدنية جيدا %~% لسوى الله ما لواه الخضوع ولديه جأش أرد من الدرع %~% لظمأى القنا وهن شروع وبه يرجع الحفاظ لصدر %~% ضاقت الأرض وهي فيه تضيع فأبى أن يعيش إلا عزيزا %~% أو تجلى الكفاح وهو صريع (1) # هذه وصايا الشريعة المطهرة ، وأحكامها الباتة في الدعوة إلى الحق ، ~~والنهضة لسد باب الباطل. وكما ألزمت جهاد المضلين المشركين أباحت ترك ~~الجهاد للصبي ، والمقعد ، والأعمى ، والشيخ الكبير ، والمرأة ، والبالغ ~~الذي لم يأذن له أبواه. لكن مشهد (الطف) خرق ناموسها الأكبر ، وجاز تلك ~~المقررات جريا على المصالح والأسرار التي قصرت عنها أحلام البشر ، وقد ~~تلقاها أبي الضيم (عليه السلام) من جده المنقذ الأكبر ، وأبيه الوصي ~~المقدم. # فالحسين (ع) لم يشرع سنة اخرى في الجهاد ، وإنما هو درس إلهي أثبته اللوح ~~الأقدس في عالم الإبداع ، محدد الظرف والمكان ، تلقاه الأمين جبرئيل (ع) ~~وأفاضه على حبيب الله وصفيه محمد (ص)، فأودعه صاحب الدعوة الإلهية عند ~~ولده سيد الشهداء (ع). # فكل ما يشاهد في ذلك المشهد الدامي من الغرائب التي تنحسر عن الوصول إلى ~~كنهها عقول الرجال ؛ فهو مما آثر المولى سبحانه به وليه وحجته أبا عبد الله ~~الحسين (ع). PageV01P084 # وعلى هذه السنن مشى شهيد الكوفة مسلم بن عقيل ، المميز في العلم والعمل ، ~~ووفور العقل ، والملكات القدسية ، كما يقتضيها تأهله للولاية والنيابة عن ~~الإمام الحجة (ع). ms053 وقد كابد من شدة الظمأ ما يجوز له شرب النجس ، ولكن ابن ~~عقيل كقمر الهاشميين رضيعا لبن واحد ، وخريجا مدرسة الإمامة والعصمة ، ~~فحازا أرقى شهادة في الإخلاص بالمفاداة دون الدين الحنيف ، من أئمة معصومين ~~جعلتهما القدوة في الأعمال الصالحة. فكما أن مسلما لم يذق الماء حتى لفظ ~~نفسه الأخير ، لم تسمح نفس أبي الفضل في الورود ، حين زلزل الصفوف عن ~~مراكزها حتى ملك الماء وحده ، وقد علم بعطش سيد الشهداء (ع)، وحرائر ~~المصطفى (ص)، والصبية الفاطمية. فلم تجوز له الشريعة التي تلقاها من أبيه ~~الوصي ، وأخويه الإمامين «إن قاما وإن قعدا» (1) على حد تعبير النبي (ص)، ~~الري من ذلك المعين ؛ تداركا لنفس حجة الوقت ولو في آن يسير. غير أن ~~المحتوم عاقه عن بلوغ الامنية : # لم يذق الفرات اسوة به %~% ميمما بمائه نحو الخبا لم ير في الدين يبل غلة %~% وصنوه فيه الظما قد ألهبا لذاك قد أسنده لدينه %~% وعن يقين فيه لن يضطربا هذا من الشرع يرى فعلته %~% ومن صراط أحمد ما ارتكبا ومثله الحسين لما ملك ال %~% ماء فقيل رحله قد نهبا أم الخيام نافضا لمائه %~% إذ عظم الأمر به واعصوصبا فكان للعباس فيه اسوة %~% إذ فاض شهما غير مفلول الشبا (2) |||||| # لقد نهض أبو عبد الله الحسين (ع) بذلك الجمع النزر ، المؤلف من شيوخ ~~وصبية ورضع ونساء ، مع العلم بأن مقابليه لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة. ~~قادمين على استئصال شأفة النبي (ص) في أهله وذويه ، لكن سياسة (شهيد الطف) ~~التي لا يدرك مداها ، وتنحسر العقول عن تفسير مغزاها عرفت الأجيال الواقفين ~~على هذه الملحمة التي لم يأت الدهر بمثلها بأعمال هؤلاء الجبابرة ، الذين ~~لم يسلم أسلافهم حين أظهروه إلا فرقا من سيف الإسلام. وقد أصاب أبو عبد ~~الله (ع) PageV01P085 # شاكلة الغرض يوم تقشعت سحب الأوهام بأنوار نهضته الوضيئة ، وهتاف حرمه ~~الذي بلبل الأفكار ، وأقلق الأدمغة حتى راحت الأندية تلهج بما احتقبه هؤلاء ~~الطغاة ومن قبلهم ، من الشنار والعار. ### ||| * الرخصة في المفارقة # وعلى هذا النهج القويم تكون مصارحة ms054 سيد الشهداء بكلمته الثمينة ، البعيدة ~~المغزى ، الحكيمة الأساس ، المتضمنة تجويزه لأهل بيته وصحبته بمفارقته. # ونص ما يتحدث به المؤرخون عن ذلك ؛ قوله (عليه السلام) لأهل بيته وصحبه ~~عشية التاسع من المحرم : «إني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيرا من أصحابي ، ~~ولا أهل بيت أبر وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني جميعا. ألا وإني أظن ~~يومنا من هؤلاء غدا ، وإني قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم مني ~~ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من ~~أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعا خيرا. وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم ؛ فإن ~~القوم إنما يطلبوني ، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري» (1). # ما أجل مغزاك يا أبي الضيم! وما أسمى ما ترمي إليه يا سيد الشهداء! وما ~~أحكم أقوالك وأفعالك يا روح النبوة! بلى إن هذه الجملة الذهبية كتبت بأحرف ~~نورية على جبهة الدهر : إن اولئك الصفوة الميامين الذين وصفهم أمير ~~المؤمنين (ع) بأنهم سادة الشهداء ، وأنهم لم يسبقهم سابق ، ولا يلحقهم لاحق ~~(2) زبدة العالم ، ونخبة الكون. وقد استضأنا من تلك الإشعاعات طوايا نياتهم ~~؛ من الحزم والثبات ، والإخلاص في المفاداة ، والتضحية القدسية ، وفي كل ~~ذلك دروس راقية لمن يريد اقتصاص أثر اولئك الاباة في الترفع عن الدنايا ، ~~والموت تحت راية العزم ، وعدم الخضوع للسلطة الغاشمة ، إما ظفر بالأمنية ، ~~أو فوز بالشهادة والسعادة. # ولولا تلك الرخصة بالمفارقة الصادرة من أمين الشرع والشريعة ، وتلك PageV01P086 # الكلمات التي أباحتها نفوسهم الطاهرة ، لما أمكن للأجيال معرفة مبلغهم من ~~العلم واليقين ، وتفاضلهم في الملكات ، وطموحهم إلى أبعد الغايات السامية ، ~~والثبات على المبدأ بإخلاص وبصيرة. # فسيد الشهداء أراد بذلك اختبار نفوسهم والإختبار من الحكيم العالم بما ~~كان ويكون ، لا يحط من علمه ووقوفه على الخفايا بعد أن كانت الغاية ~~الملحوظة له ثمينة ، والمقصد سام. وهو الذي أشرنا إليه من التعريف بملكات ~~أصحابه ، وأهل بيته (عليهم السلام) ولا غرابة في هذا الإختيار بعد أن صدر ~~مثله من (فاطر الأكوان) جل شأنه ، الذي لا يغادر علمه صغيرا ms055 ولا كبيرا ؛ ~~فيأمر خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وهو لا يريده ، مع العلم بطاعة ~~رسوله الخليل ، وثبات نبيه إسماعيل ، لولا المصلحة التي يعلمها رب العالمين ~~وإن انحسرت عن إدراكها العقول. وقصة الأقرع ، والأبرص ، والأعمى تشهد بأن ~~الله تعالى إنما أراد بالإنعام عليهم ؛ التعريف لمن يقف على قصتهم بلزوم ~~الشكر على الإنعام ، وإن الكفران عاقبته الخسران (1). # وأبو عبد الله (ع) أراد بهذا الإختبار ؛ تعريف الأجيال مبوأ أهل بيته ~~وصحبه من الشرف ، والعز ، وطهارة أعراقهم ، وخضوعهم لما فيه مرضاة الله ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم). # إن العلم بمبلغ أي رجل في العالم من الطهارة ، والثبات على المبدأ ، ~~والطاعة للأصلح المرضي للمولى تعالى ، لا يحصل إلا بأقواله المشفوعة بالعمل ~~الصحيح ، أو بشهادة من له الوقوف على حركاته وسكناته. ولم يخف على كل أحد ~~قصور التأريخ الذي بأيدينا ، عن كثير من أعمال الرجال الصالحين ، الذين ~~بذلوا كل ما لديهم من جاه وحرمات في سبيل تأييد الشريعة الحقة ، ولم يحمل ~~التأريخ شيئا من أعمال اولئك الصفوة (شهداء كربلاء)؛ لنتشوف منه قداسة ~~ضمائرهم ، وخلوص نياتهم ، وتزكية تفوسهم ، غير ذلك المشهد الدامي. ولولا ~~تلك الأقوال التي صارح بها أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته ، حينما ~~أبدى لهم الرخصة في مفارقته ، وأباح لهم تخليهم عنه مع القوم الذين تجمهروا ~~عليه ، لما عرفنا تفاضلهم في الملكات ، وتفاوتهم في النظرات البعيدة الغور ~~، والفضيلة التي لم يستوفها البشر PageV01P087 # والعلم نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده ، مع التفاوت شدة وضعفا. # فهذا مسلم بن عوسجة الأسدي ، لم يكشف التأريخ عن أعماله الخالدة ، ~~ومزاياه الصالحة بقليل ولا كثير ، غير كلمة شبث بن ربعي : أنه غزا مع ~~المسلمين (آذربيجان) وقتل ستة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين. وما عسى ~~أن يعرف منها القارئ إلا مدى ولائه الأكيد لخلفاء النبي (ص)، وعدم تغيره ~~بتطور الزمن وملابسات الأحوال ، ولكن قوله للحسين (ع): أنحن نخلي عنك ولما ~~نعذر إلى الله تعالى في أداء حقك؟ أما والله لا افارقك حتى أكسر في صدورهم ~~رمحي ms056 ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح اقابلهم به ~~لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك. # أفادنا بصيرة بثبات الرجل على المبدأ في آخر مرحلة من مراحل الوجود ، ~~وأنه لا يهمه في سبيل مرضاة الله تعالى ورسوله كل ما يلاقيه من آلام وجروح ~~دامية. وقد شفع هذا القول بالجهود في العمل حين استقبل السيوف والرماح ~~بصدره ونحره ، كما لم يقتنع بهذا حتى أوصى حبيب بن مظاهر الأسدي ذلك الذي ~~استفاد علم المنايا والملاحم من أمير المؤمنين (ع) بنصرة الحسين (عليه ~~السلام)؛ ولأنه لا يعذر عند رسول الله (ص) بالتقصير في حقه وهو في آخر رمق ~~من الحياة ، وفاضت نفسه الغالية على هذه العقيدة والطاعة (1). # وتابعه في إخلاص الولاء والمفاداة سعيد بن عبد الله الحنفي ، إذ يقول : ~~والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله (ص) فيك ، والله ~~لو علمت أني اقتل ثم احيا ثم احرق حيا ثم أذرى ، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما ~~فارقتك حتى ألقى حمامي دونك. فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ، ثم ~~الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا؟!. # فوقف دون أبي عبد الله (ع)، ونصح في الذب عنه ، ولم يقنعه ما أصابه من ~~الجروح الدامية ، حين استهدف لأعداء الله تعالى دون الحسين (عليه السلام) وهو PageV01P088 # يصلي الظهر في حومة الميدان حتى استفهم من أبي الضيم : أنه أدى أجر ~~الرسالة ، ووفي بما أوجبه الله عليه ؛ فيموت جذلا برضى الرب تعالى ، أم هو ~~التقصير فالخيبة والخسران؟ فطمأنه أبو عبد الله (ع) بنيل السعادة بالشهادة ~~، ولقاء الرسول (ص) قبله. # وما إن فرغ من خطابه حتى قام زهير بن القين البجلي ، يتلو على مسامع ~~الأجيال تعاليم راقية في الدعوة إلى الدين ، أعقبت له الخلود إلى الأبد. ~~فيقول للحسين (ع): والله لوددت أني قتلت ، ثم نشرت ، ثم قتلت حتى اقتل على ~~هذه ألف مرة ، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتية ~~من أهل بيتك. # لا شك قي قبول الطاعة ms057 من العبد لو كان ما يأتي به من الأعمال بلحاظ الربح ~~يوم الخلود ، ولكن هناك ما هو أبعد غورا وأسمى قصدا ، وهو طاعة أهل اليقين ~~الذين لا يهمهم في أداء ما وجب عليهم ؛ إلا كون المولى سبحانه أهلا ~~للعبادة. وزهير هذا هو وعاء اليقين والإيمان الخالص ، أقرأنا في هذا الموقف ~~نظراته البعيدة ، وعقائده الحقة ، وغاياته السامية من حفظ شخص الإمامة ~~الواجبة من قبل الله تعالى ، والنفوس العزيزة لرسول الله (ص). وإنه لا يريد ~~بعبادته لله تعالى في جهاد أعدائه ، ثواب الآخرة ، والمجازات على الجهود ~~يوم تقسم الاجور على الصالحات ، وإنما أراد بهذه العبادة دفع اليد العادية ~~عما يسوء شخص الرسالة الممتزجة بشخصية حجة الوقت على حد تعبير النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عنها. # «حسين مني ، وأنا من حسين» (1). فإن صاحب الشريعة لم يرد بهذا التعبير ~~تعريف الامة بكون شهيد الطف بضعة منه ؛ لما فيه من الركاكة التي يأباها ~~كلام سيد البلغاء ، لإن كل ولد بضعة من أبيه فلا امتياز للحسين (ع)، ولكنه ~~أراد (ص) بهذه الجملة الذهبية ، الإشارة إلى ما ينوء به سيد الشهداء من ~~توطيد اسس PageV01P089 # الإسلام ، وكسح أشواك الباطل عن صراط شريعة العدل ، وتنبيه الامم على ~~جرائم أعمال من يعبث بقداسة الدين. فكما أن النبي (ص) أول ناهض لنشر الدعوة ~~الإلهية ، يكون الحسين آخر ناهض لتثبيت دعامتها : # قد أصبح الدين منه شاكيا سقما %~% وما إلى أحد غير الحسين شكا فما رأى السبط للدين الحنيف شفا %~% إلا إذا دمه في كربلا سفكا وما سمعنا عليلا لا دواء له %~% إلا بنفس مداويه إذا هلكا بقتله فاح للإسلام نشر هدى %~% فكلما ذكرته المسلمون ذكا (1) # ولولا هذه المصارحة من (ابن القين)، لما أمكننا استطلاع ما اختبأ بين ~~جوانحه من الولاء الأكيد لمن وجبت لهم العصمة من المهيمن سبحانه ، وقيضهم ~~أعلاما لعباده وحفظة لشرعه ، مع أن التاريخ لم يسجل له غير الموالاة ~~(لعثمان بن عفان)، ومقت ابن الرسول الأطهر (ع). # أما موقف عابس بن أبي شبيب الشاكري يوم البيعة لمسلم بن عقيل ms058 بالكوفة ، ~~ويوم الطف ، فيفسر فضله الكثير ، وعقيدته الراسخة بمحبة أهل البيت (عليهم ~~السلام)، وإنه لا يهمه في سبيل حفظ الإمام (ع) ولو في بعض الأناة إزهاق ~~نفسه ، وبذل كل ما لديه من نفيس. فيقول لمسلم بن عقيل حينما شاهد تلك ~~النفوس الخائنة متداكة على البيعة له : إني لا اخبرك عن الناس ، ولا أعلم ~~ما في نفوسهم وما أغرك منهم. ووالله إني احدثك عما أنا موطن نفسي عليه ؛ ~~والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولاقاتلن معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ~~ألقى الله ، لا اريد بذلك إلا ما عند الله (2). # ففسر بهذه الكلمة الموجزة نوايا القوم وخور عزائمهم ، وأنهم مجبولون على ~~الغدر والنفاق ومتابعة الأهواء ، وأنهم لم يرقهم المكاشفة في الميل عنه ؛ ~~لئلا يعود ذلك فتا في عضد البيعة الواهية ، ومثارا للإحن. فأجملوا القول ~~وهم ينتظرون نواجم العاقبة ، وإلا فلم لم يحصل لمسلم بن عقيل الواحد من ~~هؤلاء الآلاف من يدله على الطريق يوم اظلمت عليه الآفاق ، فلم يدر إلى أين ~~يتوجه؟!. PageV01P090 # ثم يقول ابن أبي شبيب للحسين (ع) يوم الطف : ما أمسى على ظهر الأرض قريب ~~ولا بعيد أعز علي منك ، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعز علي من نفسي ~~لفعلت (1). # بلى يابن أبي شبيب ، إن الرجال المخلصين لله تعالى ، المتفانين في خدمته ~~لا يرون الوجود إلا متلاشي الأطراف ، والبقاء الأبدي بنصرة الإمام علة ~~الكائنات ومدار الموجودات. # ثم يقوم نافع بن هلال فيقول : والله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا ~~لقاء ربنا ، إنا على نياتنا وبصائرنا ؛ نوالي من والاك ونعادي من عاداك. ~~ويتكلم أصحابه بما يشبه ذلك. # ولما أذن (عليه السلام) لأهل بيته بالإنصراف قالوا بأجمعهم بصوت واحد : ~~أنفعل ذلك لنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا ، ثم التفت إلى بني عقيل ~~وقال : «حسبكم من القتل بمسلم ، قد أذنت لكم». فانطلقت ألسنتهم تعبر عما ~~أضمر في جوانحهم من النصرة للدين ، والذب عن شخص الإمام الحجة (ع)، فقالوا ~~: إذن ما نقول للناس؟! إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ms059 ، ~~ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن برمح ، ولم نضرب بسيف؟ لا والله لا نفعل ، ~~ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ؛ نقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح ~~الله العيش بعدك. # إن هذه المفاداة في ذلك المأزق الحرج ، الذي تقطعت فيه خطوط المدد ، وسد ~~دونهم باب الورود المباح للحيوانات ، تكشف عن بلوغهم أسمى صفات الكمال ، ~~وتجردهم عن عوارض الدنيا الفانية. ولو كانوا يحملون أقل شيء من الرغبة في ~~البقاء والتبلغ في هذا الوجود ؛ لاتخذوا الإذن بالمفارقة ذريعة يتذرعون بها ~~يوم الحساب ، ولكن هذه النفوس التي فطرها رب العالمين من طينة القداسة ، ~~وامتزجت بنور اليقين لا ترغب في البقاء إلا أن تحق الحق ، أو تبطل الباطل. ~~وهل تستمرئ العيش وهي تعلم ما يلاقيه فلذة كبد الرسول (ص)، ومهجة الإسلام ~~من الجروح الدامية ، والأوام المبرح : PageV01P091 نفوس أبت إلا ترات أبيهم %~% فهم بين موتور لذاك وواتر لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى %~% كما أنست أقدامهم بالمنابر (1) # وفي هذا الحين انهي إلى محمد بن بشير الحضرمي خبر أسر ابنه بثغر الري ، ~~فقال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما احب أن يؤسر وأبقى بعده. فلما سمع ~~الحسين (ع) هذا منه أذن له بالمفارقة ، وحل عقد البيعة ؛ ليعمل في فكاك ~~ابنه. فلما سمع ذلك من سيد الشهداء ثارت به حمية الدين ، وحفزه الولاء ~~الصادق إلى إظهار عقيدته الراسخة في التفاني دون شخص الإمام (ع)، فقال : ~~يا أبا عبد الله ، أكلتني السباع حيا إن فارقتك. # إن الإيمان الثابت ، والطاعة لله تعالى وللرسول (ص) يرفعان من تمكنا فيه ~~إلى أوج العظمة ، وفوق مستوى الفضيلة. ولو كان ابن بشير متزلزل العقيدة ؛ ~~لاغتنم فرصة الإذن بالإنصراف عذرا عند المولى سبحانه وعند الناس. # إن (الشهامة الحسينية) لم تترك لصاحبها منتدحا دون المجاهرة بالإفراج عن ~~العبد الأسود (جون مولى أبي ذر الغفاري)؛ لئلا يقيده الحياء عن الفرار. ~~ولكن سيد الشهداء (ع)، بعد أن عرف صبره ، وثباته عند الهزاهز أراد ~~بامتحانه ؛ تعريف المتجمهرين عليه ، ومن يأتي من الامم نفسية هذا العبد ~~الأسود ، ومبلغ موقفه في الذب عن الشريعة ms060 التي تلاعبت بها أيدي الخائنين ~~مهما تفاقم الخطب ، وتراكمت الأهوال. فأباح له حل العهد والنجاة بنفسه ، ~~فقال له : «يا جون ، إنما تبعتنا طلبا للعافية ، فلا تبتل بطريقتنا». ~~فعندها تسابقت دموعه ؛ خوفا من عدم التوفيق لنيل السعادة الخالدة ، وقد ~~مزجها بقوله الذي لم يزل رجع صداه في مسامع الأجيال ، معرفا بنجاح الصابر ~~عند الهزاهز (وإنما الراحة بعد العنا). # فقال : أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة أخذلكم! إن ريحي لنتن ، ~~وحسبي لئيم ، ولوني أسود فتنفس علي بالجنة ؛ ليطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ~~ويبيض لوني. لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم (2). # ولولا هذه المصارحة من الحسين (ع)، لما تسنى لكل أحد الوقوف على PageV01P092 # طهارة ضمير هذا العبد ونواياه الحسنة. وإن ثباته على القتل ، بعد الإفراج ~~والإذن بالمفارقة يخبر عن عقيدة راسخة. ### ||| ** الخلاصة # إن حفظ شخص الإمام (ع) كحفظ شخص النبي (ص) مما يلزم به العقل والشرع ، ~~ولا يسع كل أحد التخلف عنه وتركه ومن يريد استئصاله ، بل الواجب بذل النفس ~~والنفيس دونه ؛ ليدرأ بذلك العدوان عن نفس الإمام الذي هو حياة الوجود ~~وبقاء الكون. كما يجب على الإمام (ع) الدعوة إلى نصرته والدفاع عنه ، مع ~~العلم بأن الموافق له قادم على إزهاق نفسه القدسية ، وأنه لا ندحة له عن ~~دفع الموت ، فيجوز له عدم إلزام أي أحد بالدفاع عنه ؛ لخلوه عن الفائدة. # والحسين (ع) كان عالما بما يجري عليه من أعدائه ، وعد لا خلف فيه ، وقضاء ~~غير مردود ، كما أنبأ ام سلمة بقوله : «إن لم أخرج اليوم خرجت في غد ، وإن ~~لم أخرج في غد فبعد غد. وهل من الموت بد! أتظنين أنك تعلمين ما لم أعلمه؟». # إذا فلا يجب عليه إلزام الغير بالدفاع عنه. نعم ، لا يسقط التكليف عمن ~~فقد العلم بالمقدرات الإلهية من البشر في القيام بالدفاع عن شخص الإمام ~~الحجة ، ولا يعذر من يبصر حصار القوم لمن أهله الله تعالى خليفة على العباد ~~، وقطعهم خطوط المدد عنه ، وسد باب الورود عليه ، فلم ينهض لرد العادية ms061 عنه ~~؛ كي لا يخلص إليه ما يزهق نفسه القدسية. ولا يقبل الله تعالى حجة من ينظر ~~هذا الحال ، ثم يتقاعس عن النصرة وإن اعصوصب الأمر وتفاقم الخطب ، أللهم ~~إلا أن يأذن حجة الزمن بمفارقته ، وتخليته مع أعدائه ؛ لكونه العالم ~~بالمصالح تعليما من لدن حكيم عليم ، تعالى شأنه. وحينئذ لا يلزم العقل ، ~~ولا الشرع بالبقاء معه والدفاع عنه ، ولا يكون من يفارقه متعديا على مقررات ~~الشريعة ، ويصح له العذر يوم نشر الصحف بترخيص الإمام (ع) في ترك نصرته. ~~ولا يكون الإمام مجازفا لو أباح للغير إفراده وأعداءه ، وحل عقدة العهد ، ~~بعد التسليم بأنه لا يتخطى المصالح الواقعية قيد شعرة. هذا ما يقتضيه تكليف ~~الإمام. وأما تكليف المأذون بالإنصراف ، فإنه إذا لم يشاهد استغاثة الإمام ~~واستنصاره ، فلا تبعة عليه ولا مسؤولية. وأما مع مشاهدته حيرة الإمام ، ~~وتتابع استغاثته ، فلا يسوغ له ترك النصرة ؛ للقطع بأنه في هذا الحال PageV01P093 # بحاجة ماسة إلى الذب عنه ، فلا يقبل منه العذر يوم الحساب. # وإن كلمة أبي عبد الله (ع) لعبيد الله بن الحر الجعفي ، يوم اجتمع معه في ~~قصر بني مقاتل لما استنصره فأبى عليه ، قال له الحسين (ع): «إني أنصحك إن ~~استطعت أن لا تسمع واعيتنا وصراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل ؛ فوالله لا ~~يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم» ، تؤيد ~~ما سجلناه من دحض حجة من يسمع استغاثة الإمام ثم لا ينصره. وأما من لم يسمع ~~الواعية ، وقد أباح له المفارقة ، فهو معذور. # فالضحاك بن عبد الله المشرقي لا يعذر يوم الحساب ؛ لأن استنصار الحسين ~~(ع) في مسامعه ، ويراه مكثورا ، فالواجب عليه الدفاع إلى آخر نفس يلفظه. # وهذا الرجل جاء إلى الحسين (ع) قبل اشتباك الحرب ، وقال له : إني اقاتل ~~معك ما رأيت معك مقاتلا ، فإذا لم أر أحدا ، فأنا في حل؟. فقال له الحسين ~~(ع): «نعم». فخبأ فرسه في بعض الأبنية لما رأى خيل أصحاب الحسين (ع) تعقر ~~، وصار يقاتل راجلا. ولما بقي الحسين (ع) وحده قال ms062 له الضحاك : إني على ~~الشرط؟ ، قال : «نعم ، أنت في حل إن قدرت على النجاة». فأخرج فرسه من ~~الفسطاط وركبها وغار على القوم فأفرجوا له ، وتبعه خمسة عشر رجلا ، فانتهى ~~إلى (شفية)، ولحقه القوم وعرفه أيوب بن مشرح الخيواني ، وكثير بن عبد الله ~~الشعبي ، وقيس بن عبد الله الصائدي ، وقالوا لإخوانهم : هذا ابن عمنا ، ~~ننشدكم الله لما كففتم عنه ، فنجا منهم (2). وقول الحسين (ع): «أنت في ~~حل» لا يكون عذرا له يوم الحساب ؛ لأن أبا عبد الله (ع) لا يسعه أن يقول له ~~: إصبر على القتل ، وهو يعرف مقام الإصرار على الذهاب. والمولى سبحانه لا ~~يعذره يوم الحشر ؛ لأنه يسمع استنصار (أبي الضيم)، ومن يسمع الاستغاثة ولا ~~ينصره ، أكبه الله على وجهه في النار. ### ||| * بقاء الشريعة بالحسين # لقد كانت نهضة الحسين (ع) الجزء الأخير من العلة التامة لاستحكام عروش PageV01P094 # الدين ؛ حيث إنها فرقت بين دعوة الحق والباطل ، وميزت أحد الفريقين عن ~~الآخر حتى قيل : إن الإسلام بدؤه محمدي وبقاءه حسيني ؛ ولذلك لم يجد أئمة ~~الهدى وسيلة لنشر أمرهم في الإصلاح ، ونفوذ كلمتهم في إحياء شرع جدهم ~~الأقدس (ص) إلا لفت الأنظار إلى هذه النهضة الكريمة ، لما اشتملت عليه من ~~فجائع تفطر الصخر الأصم ، ويشيب لها فود الطفل ، ويذوب الفؤاد. فطفقوا ~~(عليهم السلام) يحثون الامة على تأييدها ، والقيام بذكر ما لاقاه شهيد ~~الإصلاح من القسوة والإضطهاد ، وإعلام الامة بما حدث في تلكم المشاهد ~~الدموية من مظلومية الحسين وأهله وذويه (ع)؛ لأنهم صلوات الله عليهم علموا ~~أن في إظهار مظلوميته مجلبة للعواطف ، واسترقاقا للأفئدة. فبطبع الحال ، ~~يتحرى السامع لتلكم الفجائع الوقوف على مكانة هذا المضطهد ، وأسباب ما ~~ارتكب منه من أعمال قاسية. # وطبعا يعلم أن سبط النبوة إمام عدل لم يرضخ للدنايا ، ولم يصخ إلى دعوة ~~المبطلين ، وأن إمامته موروثة له من جده (ص) وأبيه (الوصي) (ع)، وأن من ~~ناواه لا يملك من منصة الخلافة موضع قدمه ، وكذا كل من حذا حذوه وذهب على ~~شاكلته. # وإذا عرف السامع هذا ، وعلم أن الحق كله ms063 في جانب الحسين ومن خلفه من أئمة ~~الدين (عليهم السلام)، لم تدع له عقليته إلا السير معهم ، واعتناق طريقتهم ~~المثلى ؛ وبذلك تتوطد اسس السلام والوئام. # لقد أقعدت السلطة الغاشمة من بني امية وبني العباس أهل البيت (عليهم ~~السلام) في دورهم ، وأوصدت عليهم أبواب الإجتماع بشيعتهم ، فلاقوا منهم ~~ضروب الأذى والتنكيل ؛ فآثروا العزلة على الخروج بالسيف في وجه دعاة الباطل ~~، مع ما يشاهدونه من تمادي اولئك في الطغيان ، وظلم شيعة أمير المؤمنين (ع) ~~وأبنائه ، وتتبعهم تحت كل حجر ومدر ، وإبادتهم العلويين من جديد الأرض. ~~وكان بمرأى منهم بناء المنصور والرشيد الإسطوانات على ذرية فاطمة (عليها ~~السلام)، ظلما وعدوانا (1). # ولكن لم يفتهم الجهاد الأكبر بتحريض شيعتهم على عقد المحافل (2) لذكر PageV01P095 # حادثة الطف الخالدة وتواصل الإستياء ؛ لما هنالك من فجائع ومصائب ، ~~وإسبال الدموع لكارثتها المؤلمة. وأكثروا من بيان فضل ذلك إلى حد بعيد ؛ ~~لأنهم علموا أن هذا هو العامل القوي في إبقاء الرابطة الدينية ، التي ~~لأجلها لاقى أمير المؤمنين (ع) ما لاقاه ، وأصاب ولده الحسن (ع) ما أصابه. ~~ومصاب الحسين (ع) يدكدك الجبال الرواسي. # فكان أهل البيت (عليهم السلام) يتحرون أساليب مختلفة من البيان ، توجب ~~توجيه النفوس نحو التذكارات الحسينية ؛ لما لها من العلاقة التامة لحفظ ~~المذهب عن الإندراس ، فعبروا عنها بالعموم تارة ، وبالخصوص اخرى. يقول ~~الإمام الصادق (ع): «رحم الله عبدا اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا ، فإن ~~ثالثهما ملك يستغفر لهما. وما اجتمع إثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما ~~الملائكة ، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر ، فإن في اجتماعكم ومذاكرتكم ~~احياءنا ، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ، ودعا إلى ذكرنا». # ويقول (ع) للفضيل بن يسار : «تجلسون وتحدثون؟» قال : نعم ، جعلت فداك. ~~قال (ع): «إن تلك المجالس احبها ، فأحيوا أمرنا يا فضيل ، فرحم الله من ~~أحيا أمرنا». ويقول (ع) أيضا «من جلس مجلسا يحيا فيه أمرنا ، لم يمت قلبه ~~يوم تموت القلوب». # فالأئمة (عليهم السلام) أرادوا بهذا النحو من البيان حمل الامة على ~~الإعتقاد بإمامتهم ، وما أوجبه المولى سبحانه من عصمتهم ، وما ms064 أهلهم له من ~~الفضائل والفواضل ، وأن الدعوة إليهم ملازمة لاعتقاد خلافتهم دون من اغتصب ~~ذلك المنصب الإلهي. # إن التذكارات الحسينية على اختلاف صورها ؛ من عقد العزاء والمآتم (1) PageV01P096 # واللطم (1) في الدور والشوارع أوجبت تقدم الطائفة ، وكان عمل الشبيه أوضح ~~المصاديق والحجج على القساوة التي جاء بها الامويون ولفيفهم من تلاوة ~~الشعر. وإن ذكر المصاب ؛ لتسرب ذلك بوضوح إلى أدمغة الأطفال والعامة ، ~~الذين لا يفهمون ما يشتمل عليه القريض والكتب من دقائق الحادثة ، هو أحكم ~~وآكد في تأثر النفوس ، واحتدام القلوب في حفظ الروابط المذهبية بين الأئمة ~~(عليهم السلام) ومواليهم ، وله نصيب وافر في رسوخ العقيدة. # ولقد قلد الشيعة في تمثيل فاجعة الطف غيرهم من الهنود وبعض فرق الإسلام ، ~~وهم في الهند أكثر رواجا من جميع الممالك الإسلامية (2). # فكان لفت الأنظار نحو هذه التذكارات ، والإعتناق بها أمس في إحياء أمر ~~المعصومين (ع)، المحبوب لديهم التحدث والتذاكر فيه. ولعل جملة من هذه ~~الفوائد لا تفهم الامة منها النكتة المهمة ، بل غاية ما يتصورون من فائدة ~~عملهم ، هو الثواب عليه في الآخرة فقط ، ولكن الواقف على أسرار أهل البيت ~~(عليهم السلام)، والمستشرف لمغازي أقوالهم وأفعالهم يتجلى له ما ألمعوا ~~إليه من هذه النوادي والمجتمعات ، وحثوا شيعتهم عليه بمزيد لطفهم وواسع علمهم. ### ||| * البكاء على الحسين # من تلك الفوائد ، ما ورد من الحث الكثير البالغ حد التواتر على البكاء ~~لما أصاب سيد الشهداء (ع) حتى جاء في ثواب من خرج من عينه كجناح ذبابة ، ~~أنه يطفئ حر جهنم. فإن الغرض ليس إلا أن الدمعة لا تفاض إلا عند انفعال ~~النفس ، وتأثرها مما يصيبها ، أو يصيب من تمت به بنحو من أسباب الصلة. ولا PageV01P097 # شك إنا نرى النفس عند تأثرها بذلك تكون متأثرة بشيء آخر ، وهو العداء ~~والبغض لكل من أوقع الفوادح والآلام. فالأئمة ، حيث إنهم أعرف الناس ~~بمقتضيات الأحوال والملابسات التي تؤكد دعوتهم ، كانوا يتحرون التوصل إلى ~~أغراضهم بكل صورة ، وكان من الوسائل التي توجب انحراف الامة عن أعداء الله ~~ورسوله (ص) أمرهم بالبكاء على مصاب ms065 الحسين (ع)؛ لما فيه من استلزام تذكر ~~تلك القساوة انفعال النفس وانقباضها عما لا يلائم خطتهم ، وهذا هو المغزى ~~لقول الحسين (عليه السلام): «أنا قتيل العبرة ، لا يذكرني مؤمن إلا ~~استعبر» (1). فالمؤمن حيث يمت إلى الحسين (ع) بالولاء والمشايعة ، كان ذلك ~~موجبا لتأثر نفسه ، واحتدام قلبه على كل من يوجه إليه الأضرار والأخطار ، ~~ويشتد هذا التأثر عند تناهي تلك الفوادح. # (وبالجملة) لم يقصد سيد الشهداء بهذه الجملة «أنا قتيل العبرة» خصوص ~~التعريف بأن قتله كان لأجل أن يبكى عليه ؛ فيستحق به الأجر في الآخرة ، ~~بحيث لا يكون هناك أثر آخر يترتب عليه قتله سوى البكاء عليه. كيف؟ وهنالك ~~آثار اخرى ، أهمها : إحياء شريعة الحق ، وتقويم ما اعوج من علم الهداية ، ~~ونشر الإصلاح بين الامة ، وتعريف الملأ ما عليه امراء الجور من السير وراء ~~المطامع. # ولكن الوجه في هذه الإضافة هو تأكد الصلة بين ذكر مقتله ، وبين البكاء ~~عليه ، فإن لوعة المصاب به لا تطفأ ، ومضض الإستياء له لا تنفد ؛ لاجتماع ~~الكوارث عليه ، وملاقاته لها بصدر رحيب ، وصبر تعجبت منه ملائكة السماء. ~~فأول ما يتأثر به السامع لها أن تستدر دموعه ، فلا يذكر الحسين (ع) إلا ~~والعبرة تسبق الذكر ، أضف إلى ذلك المودة الكامنة له في قلوب أحبائه ؛ بحيث ~~إذا انضمت إلى تلك ، كانت أدعى لتأكد الصلة بين ذكره ، وبين البكاء عليه. ~~فمن هنا استحق إضافة القتل إليه ، فقال : «أنا قتيل العبرة». # وعلى هذا سار العرب في كلامهم ، فإنهم إذا رأوا بين الإنسان ، وبين بعض ~~حالاته وصفاته صلة أكيدة ، أضافوه إلى ذلك الحال ، فقالوا : (مضر الحمراء) ~~، و (ربيعة الخيل)، و (زيد النار)، و (صبية النار)، و (مسمة الأزواج)؛ فإن ~~ربيعة ومضر لم يتخليا عن PageV01P098 # كل صفة حميدة سوى اللواء والخيل ، ولا زيد ابن الامام موسى بن جعفر (ع) ~~لم يتصف بشيء حسن ، أو قبيح إلا حرقه دور بني العباس بالبصرة ، ولا أن ~~أولاد ابن أبي معيط لم يحصلوا على نعت من نعوت الإنسانية إلا النار ، التي ~~أضافها لهم رسول الله (ص) ms066 يوم أمر بقتل عقبة بن أبي معيط ، وكان كافرا ، ~~فقال : ي محمد ، من للصبية؟. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لهم النار». # ولا أن جعدة بنت الأشعث لم تتصف بالرذائل إلا السم ، الذي ناولته أب محمد ~~الحسن السبط (ع)، ولكن لما كانت هذه الآثار هي الظاهرة بين الناس ؛ قيل ~~لمضر : (الحمراء)، ولربيعة (الخيل)، ولزيد (النار)، ولجعدة (مسمة ~~الأزواج). # فقول الحسين (ع): «أنا قتيل العبرة» ، وقول الصادق (ع): «بأبي قتيل ~~العبرة» من هذا القبيل ، وهو ما ذكرناه من تأكد الصلة بين ذكر مقتله ، وبين ~~استدرار الدموع. ### ||| * التباكي # لقد راق أئمة الهدى (عليهم السلام) أن تبقى تلك الذكريات الخالدة مدى ~~الدهر ، تتحدث بها الأجيال المتعاقبة ؛ علما منهم ببقاء الدين غضا طريا ، ~~ما دامت الامة تتذاكر تلك الفاجعة العظمى. ولم يقتصروا على لازمها ، وهو ~~البكاء حتى رغبوا إلى التباكي ، وهو : التشبيه بالباكي من دون أن يخرج منه ~~دمع. فيقول الإمام الصادق : «من تباكى ، فله الجنة» (1). # ومعلوم أن التباكي إنما يتصور فيمن تتعسر عليه الدمعة ، لكنه لم يفقد ~~التأثر لأجل المصاب ، كما يشاهد في كثير من الناس. فالتأثر النفساني بتصور ~~ما ورد على المحبوب من آلام وفوادح ، يستلزم قهرا النفرة عمن أورد ذلك ~~العدوان. # وفي الحديث عن النبي (ص)، أنه قرأ آخر الزمر : ( @QUR@06 وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا ) على جماعة من الأنصار ، فبكوا إلا شابا منهم ، قال : ~~لم تقطر من عيني قطرة ، وإني تباكيت. قال (ص): «من تباكى ، فله الجنة» (2). PageV01P099 # وروى جرير عنه (ص) أنه (صلى الله عليه وآله) قال : «إني قارئ علكيم ~~(ألهاكم التكاثر)، من بكى فله الجنة ، ومن تباكى فله الجنة» (1). # وحدث أبو ذر الغفاري عن النبي (ص)، أنه قال : «إذا استطاع أحدكم أن يبكي ~~، فليبك ، ومن لم يستطع ، فليستشعر قلبه الحزن وليتباك ، فإن القلب القاسي ~~بعيد من الله» (2). # وهذه الأحاديث تدلنا على أن التباكي منبعث عن حزن القلب ، وتأثر النفس ~~كالبكاء ، لكن في باب الرهبة منه سبحانه وتعالى يكون الحزن والتأثر ؛ لأجل ~~تصور ما يترتب على مخالفة المولى من الخزي ms067 في الآخرة ، فيتباعد عنه ، ويعمل ~~ما يقربه من المولى زلفة. وفي باب تذكر مصائب آل الرسول (ص)، يستوجب بغض ~~من ناوأهم ، وأوقع بهم ، وأساء إليهم. # ولعل ما أشرنا إليه ، هو مراد الشيخ محمد عبده ، فإنه قال : التباكي : ~~تكلف البكاء لا عن رياء (3). # ويقول الشريف الجرجاني : باب التفاعل أكثره إظهار صفة غير موجودة ، ~~كالتغافل والتجاهل والتواجد. وقد أنكره قوم ؛ لما فيه من التكلف والتصنع ، ~~وأجازه قوم لمن يقصد به تحصيل الصفة. والأصل فيه ، قوله (صلى الله عليه ~~وآله): «إن لم تبكوا فتباكوا» ، أراد به : التباكي ممن هو مستعد للبكاء ، ~~لا تباكي الغافل اللاهي (4). # فالباكي والمتباكي مشتركان في احتراق القلب ، وتأثر النفس ؛ لأجل تصور ما ~~ورد من الظلم على أهل البيت (ع)، ومشتركان في لازمه ، وهو النفرة والتباعد ~~عن كل من دفعهم عن مقامهم. # ومن لا يفقه مغازي كلام المعصومين (عليهم السلام)، يحكم بالرياء على ~~المتباكي. وبعدما أوضحنا من السر تعرف قيمة البلاغة وقدر البلغاء. # وكم لأهل البيت (عليهم السلام) من أسرار غامضة ، لا يقف عليها إلا من PageV01P100 # مارس كلامهم ، ودرس مقتضيات الأحوال ، فإنهم لم يزالوا يتحرون الوسائل ~~الدقيقة لتوجيه النفوس نحوهم ، وتعريف ما لهم من حق مغصوب. # فمن ذلك ما أوصى به الإمام الباقر (عليه السلام) باعطاء ثمانمئة درهم ~~لنوادب يندبنه بمنى أيام الموسم (1). # فإنك إذا عرفت أن الناس من مختلف الأقطار والمذاهب يجتمعون في منى أيام ~~الحج ، وقد أحلوا من كل ما حرم عليهم إلا النساء ، وأنها أيام عيد وتزاور ، ~~فتعقد هنالك حفلات المسرة ونوادي التهاني. # تعرف النكتة الدقيقة التي لاحظها الإمام (ع) باختياره أيام منى على عرفات ~~والمشعر ؛ لاشتغال الناس بالعبادة والإبتهال إلى المولى سبحانه في هذين ~~الموقفين مع قصر الزمان. # نعم ، في أيام منى حيث إنها ثلاثة : وهي أيام عيد وفرح وسرور ، لا حزن ~~وبكاء ، وطبعا أن السامع للبكاء في أيام المسرات ، يستفز إلى الأسباب ~~الموجبة له ، ويتساءل عمن يندبنه ، وما هي دعوته وأعماله ، ويسأل عمن ناوأه ~~ودافعه عن حقه ، وبهذا الفحص يتجلى له الحق والطريقة المثلى ؛ لأن ms068 نور الله ~~لا يطفى ، والدعوة إليه جلية البرهان. # وهذا النبأ يتناقله الناس إلى من كان نائيا عن هذه المواقف عند الإياب ~~إلى مقرهم ، فيصل إلى الغائبين بهذا الطريق ، وبه تتم الحجة ، فلا يسع كل ~~أحد أن يتذرع بعذر عدم الوصول إلى المدينة ، التي هي موطن (حجة الله (ع» ، ~~ولا من أبلغه خبره ، ولا عرفت دعوة الإمام وضلال مناوئه ، فلا يبقى حينئد ~~جاهل قاصر على الأغلب. # ومن هنا نفهم السبب في إعراض الإمام (ع) عن الوصية للنوادب يندبنه بمكة ، ~~أو في المدينة أيام الحج ؛ فإنه في البلدين لا تكون الندبة إلا في الدور ، ~~فمن أين يقف الرجال عليهن؟ وكيف يكون هذا البكاء مشعرا بالغرض المطلوب؟. PageV01P101 # ودعوى كون صوت المرأة عورة ، ويحرم على الأجانب سماعه مردودة ، بما رواه ~~الكليني في الكافي : أن ام خالد دخلت على الإمام الصادق (ع)، وكانت عاقلة ~~عارفة ، وعنده أبو بصير. فقال (عليه السلام) لأبي بصير : «أتحب أن تسمع ~~كلامها؟» ، ثم أجلسها معه على الطنفسة ، وتكلمت ام خالد فإذا هي امرأة ~~بليغة عاقلة (1)، فلو كان سماع صوت المرأة محرما على الأجانب ، لما أجاز ~~الإمام ذلك لأبي بصير. # على أن وصية الإمام الباقر (ع) بالمال للنوادب بمنى تفيد الجواز ؛ لأن ~~سماع الرجال أصواتهن لا ينكر ، وإلا لأمر بالبكاء عليه في دور المدينة ومكة ~~، بل النكتة الملحوظة للإمام (ع) لا تحصل إلا بسماع الرجال أصواتهن ، وما ~~يدعون إليه. وفي حديث حماد الكوفي ، أن الصادق (ع) قال له : «بلغني أن ~~اناسا من أهل الكوفة يأتون قبر أبي عبد الله (ع) في النصف من شعبان» ، فبين ~~من يقرأ ويقص إلى أن قال : «ونساء يندبنه» ، قال حماد : قد شهدت بعض ما تصف ~~، فقال : «الحمد لله الذي جعل في شيعتنا من يفد إلينا ، ويمدحنا ويرثي لنا» ~~(2). ولا ينكر أن ندبة النساء عند القبر يلزمها سماع الأجانب أصواتهن ، ~~ولو كان محرما ، لما استحسنه الإمام الحجة ، ودعا لهم بالرحمة. # وأما كون صوت المرأة عورة ، فلم تشهد به رواية. وما ورد من منع الرجال ~~محادثة الأجنبية ، أو ms069 المبيت معها في بيت واحد ، فليس من جهة كون صوتها ~~عورة ؛ بل للحذر عن الوقوع فيما لا يحمد عقباه. وما ذكره العلامة الحلي في ~~كتابه التحرير ، أول النكاح ، المسألة التاسعة : لا يجوز للأعمى سماع صوت ~~الأجنبية ، فلعله لذلك ، لا لأنه عورة. نعم ، صرح في كتابه التذكرة ، أول ~~النكاح : إن صوتها عورة ، يحرم استماعه مع خوف الفتنة لا بدونه. وللشافعية ~~قولان ، في كونه عورة أو لا. ورد صاحب الجواهر على المحقق بالسيرة ~~المتواترة في الأعصار ، فقد كانت النساء تخاطب الأئمة (عليهم السلام)، ~~وخطبة الزهراء (عليها السلام) وبناتها معلومة. # والفقه السني لم يمنع منه ، ففي الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 167 ، صوت ~~المرأة ليس بعورة ، لأن نساء النبي (ص) كن يتكلمن مع الصحابة PageV01P102 # ويستمعون منهن أحكام الدين. وقال الشيباني الحنبلي : صوت المرأة لم يكن ~~عورة ولكن يحرم التلذذ بصوتها. وهو مختار ابن حجر في كف الرعاع على هامش ~~الزواجر 1 / 27. نعم ، ذهب بعض أهل السنة إلى كونه عورة ، ولم يستصحه ابن ~~حجر. وفي البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 1 / 270 ، ذكر المصنف في الكافي : ~~إن المرأة لا تلبي جهرا ؛ لأن صوتها عورة. وعليه صاحب المحيط في باب ~~الأذان. وفي فتح القدير على هذا ، لو قيل : إذا جهرت في الصلاة ، فسدت كان ~~متجها. وفي شرح المنية : الأشبه أن صوتها ليس بعورة ، وإنما يؤدي إلى ~~الفتنة. كما علل به صاحب الهداية وغيره في مسألة التلبية. وفي النوازل : ~~نغمة المرأة عورة. وبنى عليه تعلمها القرآن من المرأة أحب من تعلمها من ~~الأعمى. انتهى البحر الرائق. وقال ابن نجيم في أحكام الخنثى : صوتها عورة ~~في قول. وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي 3 / 12 ، قال : لا يحرم سماع صوتها ~~على الأصح ؛ لأنه ليس بعورة. وفي عمدة القاري للعيني على شرح البخاري 4 / ~~12 ، آخر باب الأمر باتباع الجنائز : يجب على المرأة رد سلام الرجل ، ولا ~~ترفع صوتها ؛ لأنه عورة. وفي طرح التثريب لزين الدين العراقي 1 / 250 : عند ~~ابن عبد البر في الاستذكار عدم كونه عورة ، وهو ms070 الصحيح عند الشافعية. وفي ~~المصدر نفسه 7 / 45 في النكاح : صوتها ليس بعورة. وفي شرح المجموع للنووي 7 ~~/ 249 ط 2 ، صرح الدارمي والقاضي أبو الطيب : إن رفع صوتها بالتلبية غير ~~حرام. وفي نيل الأوطار للشوكاني 4 / 274 باب التلبية : عند الروياني وابن ~~الرفعة : لا يحرم رفع صوتها بالتلبية ؛ لأنه ليس بعورة. ### ||| * السجود على التربة # من الأساليب التي اتخذها الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) للتعريف ~~بمظلومية الحسين (ع)، وابتعاد من ناوأه عن سنن الحق ، وأن نهضته أحكمت ~~دعوة الرسول (ص) وعبدت الطريق إليها ، أمرهم بالسجود على التربة. فإن من ~~أهم أسرارها تذكر المصلي في أوقاته الخمسة حينما يضع جبهته عليها ، تضحية ~~(روح النبي (ص» ، وأهل بيته البهاليل ، وصحبه المناجيد في سبيل تركيز ~~المبدأ الصحيح ، وما قاساه سيد الشهداء (ع) من فجائع الصخر الأصم ، وقابلها ~~بالصبر الذي تعجبت منه PageV01P103 # ملائكة السماوات كما جاء في زيارته ، ثم يتذكر أن هذه التربة امتزج بها ~~(دم المظلوم (ع» ، ودماء الأزكياء من أهل بيته وصحبه (عليهم السلام)، ~~الذين وصفهم أمير المؤمنين (ع) ب «أنهم سادة الشهداء ، لا يسبقهم سابق ، ~~ولا يلحقهم لاحق» كامل الزيارات / 270 الباب 88. وبالطبع يحتدم قلب الموالي ~~لهم ، وتهمل عينه ، ويحترق فؤاده ، ويتباعد عن كل من أورد عليهم العدوان ، ~~ومن سار على إثره ومن أسس له. ويتجلى له أن هذه النهضة الجبارة حطمت هياكل ~~الجور. كما عرفت الأجيال المتعاقبة استهانة أهم الذخائر ، وأعز الأنفس في ~~تأييد العقيدة. ومثل الأمر بالسجود على التربة الحسينية أمرهم (عليهم ~~السلام) بالتسبيح في خرز معمولة منها ؛ تحقيقا لتلك الغاية الثمينة ، وهذه ~~الغايات ألمع إليها أهل البيت (ع) وإن لم تفهم الامة أسرارها الدقيقة. # وتجاهل غيرنا علينا بالابتداع والضلال ناشئ عن الجهل بهذه الأسرار ~~الحكيمة ، وعدم فهم حديث وحي السماء «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». وهذه ~~القطعة المعدة للسجود عليها تراب مزج بالماء فجمد ، فهي من مصاديق الحديث ~~المتفق عليه. ### ||| * تشريع الزيارة # إن مجتمعات الزيارة كمواسم جاء الحث عليها ؛ حيث إن المزور دعامة من ~~دعائم الدين ومنار ms071 هداه ، ومنه تؤخذ التعاليم ، وتدرس المعارف. فإذا ازدلف ~~الزائرون إلى قبره من شتى النواحي ، وتعرف كل بالآخر ، وشاهد كل منهم ذلك ~~الزحام المعجب ، والتهافت المتواصل ، والتهالك دون ذلك المقصد الشريف بما ~~أن صاحب المشهد صاحب دعوة إلهية ، وداعية إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة # عظم في عينه الشخص المزور ونزعته ودعوته ، وثلج صدره بذلك المنظر المبهج ~~، ورق له قلبه ، وثبت به يقينه. وبطبع الحال ينجذب إلى تتبع تعاليمه ، ودرس ~~أحواله ، واقتصاص أثره ، وتعرف مظلوميته ، إلى ما هنالك من فوائد لا تحصى. ~~وهناك معنى آخر ، وهو أن الزيارة تحكم رابطة الاخوة بين المؤمنين ، التي ~~دعا إليها الكتاب المجيد ( @QUR@03 إنما المؤمنون إخوة )، فإن الزائرين ~~باجتماعهم عند القبر ، وفي الطريق إليه يتبادلون المعروف والمكافاة عليه ، ~~ويتفاهمون في التوجيه نحو الدين الصحيح ؛ PageV01P104 # فينكشف الخطأ في اعتقاد الطوائف الاخرى وشذوذها ، وتصبح الرابطة بينهما ~~حكيمة الأساس. # هذه هي الحقيقة في زيارة أئمة الهدى أجمع ، فإنهم الطريق المهيع ، ~~والسبيل الجديد إلى كل هدى متبع ، وناموس مصلح ، وطقس مهذب ، ورشد هاد ، ~~ومعرفة كاملة. كما أنه يجب أن يعتقد فيهم ذلك بعد الوقوف على فضلهم الظاهر ~~، وعلومهم الجمة ، وورعهم الموصوف ، ومعاجزهم الخارجة عن حد الاحصاء. ولا ~~شك أن في المثول حول مشاهدهم المقدسة بداعي الزلفى للمولى سبحانه ، مزيدا ~~لهاتيك العقيدة ورسوخها. # هذا هو السبب الوحيد لتشريع الزيارة. أما تخصيص سيد الشهداء بزيارات خاصة ~~في أيام السنة زائدا على ما جاء في الحث المتأكد على زيارته المطلقة دون ~~سائر الأئمة ، بل لم يخصص سيد المرسلين (ص) بزيارة خاصة فيتصور لذلك علل ~~وأسباب : # أهمها : إن النزعة الاموية لم تزل تنجم وتخبو في الفينة بعد الفينة ، ~~تتعاوى بها ذوو أغراض مستهدفة وإن أصبح الامويون رمما بالية ، ولم يبق منهم ~~إلا شية العار ، وسبة عند كل ذكر. لكن بما أنها إلحادية يتحراها لفيفهم ، ~~ومن انضوى إليهم من كل الأجيال ، فكان هم أهل البيت (ع) إخمادها ، ولفت ~~الأنظار إلى ما فيها من المروق عما جاء به المنقذ الأكبر (ص)، الذي لاقى ~~المتاعب في سبيل ms072 نشر دعوته واحيائها. ومن الطرق الموجبة لتوجيه النفوس ~~نحوها ، وتعريف مظلوميتهم ، ودفعهم عن الحق الإلهي المجعول لهم من المشرع ~~الأعظم ذكر قضية سيد الشهداء (ع)؛ لاحتفافها بمصائب يرق لها قلب العدو ~~الألد ، فضلا عن الموالي المشايع لهم ، المعترف بما لهم من خلافة مغتصبة. # فأراد الأئمة (عليهم السلام) أن تكون شيعتهم على طول السنة ، ومر الأيام ~~غير غافلين عما عليه السلطة الغاشمة من الإبتعاد عن النهج القويم ؛ فحملوهم ~~على المثول حول مرقد سيد شباب أهل الجنة (ع) في مواسم خاصة وغيرها ، فإن ~~طبع الحال قاض بأنهم في هذا المجتمع يتذاكرون تلك القساوة التي استعملها ~~الامويون ؛ من ذبح الأطفال ، وتسفير حرم الرسالة من بلد لآخر : PageV01P105 مغلولة الأيدي إلى الأعناق %~% تسبى على عجف من النياق حاسرة الوجه بغير برقع %~% لا ستر غير ساعد وأذرع (1) # وإن الحمية والشهامة تأبى لكل أحد أن يخضع لمن أتى بهذا الفعل الشنيع مع ~~كل أحد ، فضلا عن آل الرسول الأقدس (ص)؛ فتحتدم إذ ذاك النفوس ، وتثور ~~العاطفة ، ويحكم على هؤلاء الأرجاس بالمروق عن دين الإسلام. وطبعا هذا ~~الداعي في سيد الشهداء (ع) ألزم من غيره من الأئمة (عليهم السلام)؛ ~~لاشتمال قضيته على ما يرقق القلوب ، ومن هنا اتخذه المعصومون (ع) حجة ~~يصولون بها على أعدائهم ، فأمروا شيعتهم بالبكاء تارة ، والإحتفال بأمره ~~بأي نوع كان تارة اخرى ، وزيارته ثالثة ، إلى غير ذلك ؛ مما ترك الامة ~~حسينية الذكر كما أنها حسينية المبدأ ، ولا تلفظ نفسها الأخير إلا وهي ~~حسينية المنتهى. # وإن دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) في سجوده ، الذي يرويه معاوية بن ~~وهب مما يبعث إلى القلوب نورا ، وللعقيدة رسوخا ، وللنفوس ارتياحا ، ~~ويوقفنا على أسرار غامضة مما تأتي بها الامة من هذه الأعمال. # قال (عليه السلام) وهو ساجد : # «اللهم ، يا من خصنا بالكرامة ، ووعدنا بالشفاعة ، وخصنا بالوصية ، ~~وأعطانا علم ما مضى وعلم ما بقي ، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا ، اغفر ~~لي ولإخواني وزوار قبر جدي الحسين ، الذين أنفقوا أموالهم ، وأشخصوا ~~أبدانهم رغبة في برنا ، ورجاء لما عندك في صلتنا ms073 ، وسرورا أدخلوه على نبيك ~~، وإجابة منهم لأمرنا ، وغيظا أدخلوه على عدونا ؛ أرادوا بذلك رضاك فكافئهم ~~عنا بالرضوان ، واكلأهم بالليل والنهار ، وأخلف على أهاليهم وأولادهم الذين ~~خلفوا بأحسن الخلف ، وأصحبهم ، واكفهم شر كل جبار عنيد ، وكل ضعيف من خلقك ~~وشديد ، وشر شياطين الإنس والجن ، وأعطهم أفضل ما أملوه في غربتهم عن ~~أوطانهم ، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم. PageV01P106 # اللهم ، إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص ~~إلينا ؛ خلافا منهم على ما خالفنا. # اللهم ، ارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس. # وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله الحسين. # وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا. # وارحم تلك القلوب التي جزعت ، واحترقت لنا. # وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهم ، إني استودعك تلك الأنفس ~~والأبدان حتى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر». # ولما استكثر معاوية بن وهب هذا لزوار الحسين ، قال له الإمام الصادق (ع) ~~: «إن من يدعو لزوار الحسين في السماء ، أكثر ممن يدعو لهم في الأرض» (1). # وهذا الدعاء من إمام الامة اشتمل على أحكام جليلة ، ومزايا لا يقف عليها ~~إلا من استضاء بنورهم ، واعتصم بحبل ولايتهم. فمن ذلك ؛ رجحان البكاء ، ~~والجزع والصراخ لما أصاب المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام). والصرخة ~~كما نص عليها علماء اللغة : هي الصيحة الشديدة عند الفزع والمصيبة (2). ~~وحيث لم تخص في الدعاء بما إذا وقعت في الدور ، كان الاطلاق شاملا ~~لمحبوبيتها في كل حال ؛ سواء وقعت في الشوارع ، أو المشاهد ، أو غيرهما من ~~رجال أو نساء. # ومنها مسح الخدود على القبر الأطهر ، ولا يقتضي التخصيص بقبر الحسين ~~(عليه السلام)، فإن رواية الشيخ الطوسي في الصلاة على القبور ، عن محمد بن ~~عبد الله الحميري قال : كتبت إلى الفقيه أسأله عن الرجل يزور القبور ، إلى ~~أن قال في التوقيع : أما السجود على القبر ، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ، ~~بل يضع خده الأيمن على القبر. وعمومه شامل لرجحان وضع الخد عند كل قبر من ~~قبور المعصومين (عليهم السلام). PageV01P107 ### ||| * إيثارهم ms074 (عليهم السلام) # ومما أرشدنا إليه هذا الدعاء ، محبوبية ما تفعله الشيعة من بذل الأموال ؛ ~~لإحياء أمر أئمتهم (عليهم السلام) في العزاء والمواليد وغيرهما ، وإيثارهم ~~بذلك على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم. # وغير بعيد عنك معنى الإيثار ، فإنه : ترجيح الغير على النفس ، إما بسد ~~خلته ، أو لتأييده في بلوغ امنيته ، أو لتكريمه. وهو من الخصال الحميدة ~~المنبعثة عن كرم الطباع ، ودماثة الأخلاق ، وطيب العنصر. وقد مدح سبحانه ~~وتعالى المتصفين به ، فقال : (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، ~~وهي الحاجة والفقر وسوء الحال (1). # ولا إشكال في أن من اريد إيثاره ، إذا كان جامعا لموجباته يكون الإيثار ~~فيه آكد ، وأنت إذا أمعنت البصيرة في ذوي الفضائل ، لا تجد من هو أحق ~~بالإيثار من (عترة الوحي)؛ لما منحهم الباري سبحانه من المرتبة الفاضلة ، ~~ومبوءا من الرفعة لا يسامى ، وأياد على الامة لابد أن تكافأ ، وحقوقا واجبة ~~لا محيص عن أدائها. # فأي موال لهم لا يؤثرهم على نفسه وأهله وقرباه ، وهو يذعن بأن الأئمة ~~أسباب الفيوض الإلهية ، وهم المعلمون بالشريعة ، وكل ما في السعادة للإنسان ~~، وفوزه بالرقي من أخلاق فاضلة ، وسياسة حقه ، وأحكام اجتماعية ، وتعاليم ~~كافلة للنجاح. # مع ما لأئمة الدين من جهود جبارة ، دون انتشال الامة إلى ساحل النجاة ، ~~وإنقاذها من غمرات الهلكة حتى أنهم (عليهم السلام) آثروا ذلك بالحياة ~~السعيدة ، فضحوا بنفوسهم ؛ لتقف الامة على المحجة ، أو ليدرأ عنها العذاب. # كما في حديث الإمام موسى بن جعفر (ع) أنه وقى بنفسه دون شيعته (2) مع PageV01P108 # حبهم المتواصل لشيعتهم حتى كانوا يترحمون عليهم كل صباح ومساء ، ويفرحون ~~عند فرحهم ، كما يحزنون عند حزنهم ، لأنهم من فاضل طينتهم ، وهم أوراق تلك ~~الدوحة الطيبة ، التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. # وقد ورد في دعاء الحجة عجل الله فرجه : # «اللهم ، إن شيعتنا خلقوا من شعاع أنوارنا ، وبقية طينتنا ، وقد فعلوا ~~ذنوبا كثيرة ؛ إتكالا على حبنا وولايتنا. فإن كانت ذنوبهم فيما بينك وبينهم ~~، فاصفح عنهم ، فقد رضينا. وما كان منها فيما بينهم ، فاصلح بينهم ، وقاص ~~بها عن خمسنا ، وأدخلهم الجنة ms075 ، وزحزحهم عن النار ، ولا تجمع بينهم وبين ~~أعدائنا في سخطك» (1). # وإني لا أراك والحالة هذه تجد في شريعة الحقوق ، أو يلتاح لك في منهج ~~الوفاء ، أو يجوز لك دافع المروءة أن تتقاعس عن مواساة آل الرسالة بإيثارهم ~~على نفسك وأهلك في كل غال ورخيص ، إلا أن تسف إلى هوة الضعة ، وتدعها رمية ~~لنبال اللوم من ناحية العقل مرة ، ومن صوب الشريعة اخرى ، ومن جهة الشهامة ثالثة. # ولا ريب في رغبة الإمام الصادق (ع) بالإيثار ؛ لإحياء أمرهم أجمع. نعرف ~~ذلك من الالتفات الذي استعمله الإمام في الدعاء ، فإنه بعد أن دعا لزوار ~~الحسين (ع) بعطاء أفضل ما يأملونه ، قال (ع): «وما آثرونا به». فلو أراد ~~الإيثار في خصوص زيارة سيد الشهداء ، لقال : وما آثروه ، فحيث عدل عن ~~المفرد إلى الجمع ، علم أن مراده بيان محبوبية الإيثار فيما يعود إليهم أجمع. # وإن كان الإيثار لزيارة قبر المظلوم (ع) أشمل ؛ لما فيه من التذكير ~~بهاتيك النهضة المقدسة. فكأن الماثل أمام الضريح الأطهر يشاهد نفسه واقعا ~~بين الصفين ؛ PageV01P109 # جحفل القداسة (حسين الهداية ورهطه)، وخميس الظلال (يزيد وأشياعه)، ~~فيبصر موقف هؤلاء من الحق والنزاهة ، ومبوأ اولئك من الباطل والرجاسة ، ~~فتحتدم بين أضالعه الخصلتان : الولاية والبراءة. # وغير خاف على البصير النيقد المراد من قول أبي عبد الله في دعائه المتقدم ~~: «اللهم ، إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص ~~إلينا ؛ خلافا منهم على من خالفنا». # فإنه (عليه السلام) أراد تنشيط الشيعة في الدأب على مواساتهم ؛ بتعظيم ~~شعائرهم ، وإقامة آثارهم ، ونشر مآثرهم. وإن ما يقاسونه في هذا السبيل من ~~الأرزاء كله بعين الله تعالى ، ورضا أوليائه الأطهار ، وما يضرهم وهم على ~~الحق هزء المستهزئين. ولقد سخر اليهود بالأذان ، كما سخر المشركون بالسجود ~~، فلم يثن من عزم المسلمين شيئا ، فمشوا على ذلك النهج القويم ، غير مبالين ~~بعثرات غيرهم. وما يضر المزدلفين إلى قبر أبي عبد الله الحسين (ع)، ~~والمتزاحمين على إقامة الشعائر الحسينية سخرية الجاهلين ، الذين يقول فيهم ~~الإمام الصادق (عليه السلام): «والله ، لحظهم أخطؤوا ms076 ، وعن ثواب الله ~~زاغوا ، وعن جوار محمد تباعدوا». # ولما قال له ذريح المحاربي : إني إذا ذكرت فضل زيارة أبي عبد الله (ع)، ~~هزأ بي ولدي وأقاربي. قال (ع): «يا ذريح ، دع الناس يذهبون حيث شاؤوا ، ~~وكن معنا» (1). # وقال (عليه السلام) لحماد : «بلغني أن اناسا من أهل الكوفة ، وقوما آخرين ~~من نواحيها يأتون قبر أبي عبد الله في النصف من شعبان ، فبين قارئ يقرأ ~~القرآن ، وقاص يقص ، ومادح لنا ، ونساء يندبنه». # فقال حماد : قد شهدت بعض ما تصف. # فقال (ع): «الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا ~~، وجعل عدونا يطعن عليهم ، ويقبحون ما يصنعون» (2). # إذا فسخرية المتباعدين عن أهل البيت (ع)، المائلين عن إقامة هذه الشعائر لا PageV01P110 # يحط من كرامة الآثار الموجبة لإحياء أمر الأئمة (ع)، المحبوبة لهم. وقد ~~استفادت منها الامة آثارا دنيوية واخروية. # وفي الحديث عن رسول الله (ص)، قال لأمير المؤمنين (ع): «إن حثالة من ~~الناس يعيرون زوار قبوركم كما تعير الزانية بزناها ، اولئك شرار امتي ، لا ~~أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة» (1). ### ||| * قول الشعر فيهم # من الواضح الذي لا يرتاب فيه ، إن نظم الشعر في أي أحد تعريف به ، وإحياء ~~لذكره ، وإقامة لأمره. فإن آثار الرجال مهما كبرت في النفوس ، وعظم أمرها ~~قد يخمل ذكرها بمرور الزمن وتباعد العهد ؛ فيغفل عن تلك المآثر ، ويتناسى ~~ما لها من أهمية كبرى. ولما كان القول المنظوم أسرع تأثيرا في الإصاخة ؛ ~~لرغبة الطباع إليه ، فتسير به الناس ، وتلوكه الألسنة ، وتتحفظ به القلوب ، ~~وتتلقاه جيلا بعد جيل ، وتأخذه امة بعد امة ، حفظ الأدب العربي كثيرا من ~~قضايا الامم وسيرها وحروبها في الجاهلية والإسلام. # فمما قاله دعبل الخزاعي في بقاء الشعر مدى الأزمان : # إني إذا قلت بيتا مات قائله %~% ومن يقال له والبيت لم يمت # وقال عروة بن اذينة : # نبئت أن رجالا خاف بعضهم %~% شتمي وما كنت للأقوام شتاما فإن يكونوا براء لا تطف بهم %~% منه شكاة ولا أسمعهم ذاما وإن يجيئوا أقل قولا له أثر %~% باق يعنى قراطيسا ms077 وأقلاما (2) # وبما أن ذكرى أهل البيت (عليهم السلام) قوام الدين ، وروح الإصلاح ، وبها ~~تدرس تعاليمهم ، ويقتفى أثرهم ، طفق الأئمة المعصومون (ع) يحثون مواليهم ~~بنشر ما لهم PageV01P111 # من فضل كثير ، وما جرى عليهم من المصائب ، ولا قوه في سبيل إحياء الدين ~~من كوارث ومحن ؛ لأن فيه حياة أمرهم. ورحم الله من أحيا أمرهم ، ودعا إلى ذكرهم. # وقد تواتر الحث من الأئمة (ع) على نظم الشعر فيهم ، مدحا ورثاء ؛ بحيث عد ~~من أفضل الطاعات. وفي ذلك قالوا (عليهم السلام): «من قال فينا بيتا من ~~الشعر ، بنى الله تعالى له بيتا في الجنة». وفي آخر : «حتى يؤيد بروح ~~القدس». وفي ثالث : «بنى الله له في الجنة مدينة ، يزوره فيها كل ملك مقرب ~~، ونبي مرسل» (1). # وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) للكميت لما أنشده قصيدته : (من لقلب ~~متيم مستهام): «لا تزال مؤيدا بروح القدس» (2). # واستأذن الكميت على الامام الصادق (ع) في أيام التشريق ينشده قصيدته ، ~~فكبر على الإمام أن يتذاكروا الشعر في الأيام العظام ، ولما قال له الكميت ~~: إنها فيكم ، أنس أبو عبد الله (ع)، حيث إنه من الذكر اللازم ؛ لأن فيه ~~إحياء أمرهم. ثم دعا بعض أهله فقرب ، ثم أنشده الكميت فكثر البكاء ، ولما ~~أتى على قوله : # يصيب به الرامون عن قوس غيرهم %~% فيا آخرا أسدى له الغي أول # رفع الإمام الصادق (ع) يديه ، وقال : «اللهم ، اغفر للكميت ما قدم وأخر ، ~~وما أسر وأعلن ، واعطه حتى يرضى» (3). # وأذن أبو جعفر الجواد (ع) لعبد الله بن الصلت أن يندبه ، ويندب أباه ~~الرضا (ع). وكتب إليه أبو طالب أبياتا يستأذنه فيها في رثاء أبيه الرضا (ع) ~~، فقطع أبو جعفر (ع) الأبيات عنده ، وكتب إليه : «أحسنت ، وجزاك الله خيرا» ~~(4). وقال أبو عبد الله الصادق (ع) لسفيان بن مصعب : «أنشدني في الحسين». ~~وأمر بتقريب ام فروة وعياله ، فلما حضرن ، قال سفيان : (فرو جودي بدمعك ~~المسكوب) PageV01P112 # فصاحت ام فروة وصحن النساء. فقال أبو عبد الله (ع): «الباب الباب». ~~واجتمع أهل المدينة ، فأرسل إليهم أبو عبد الله صبيا غشي ms078 عليه! (1). وهذا ~~من محاسن التورية ، فلقد غشي على أطفالهم يوم الطف ، وما أدري من عنى ~~بالصبي!؟ أهو عبد الله الرضيع؟ أم عبد الله الأصغر ابن الإمام الحسين (ع)، ~~المذبوح بالسهم في حجر الحسين (ع)؟ أم محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب؟. # ودخل جعفر بن عفان (2) على الامام الصادق (ع)، فقال له : «إنك تقول ~~الشعر في الحسين وتجيده؟». قال : «نعم». فاستنشده ، فلما قرأ عليه ، بكى ~~حتى جرت دموعه على خديه ولحيته ، وقال له : «لقد شهدت ملائكة الله المقربون ~~قولك في الحسين ، وإنهم بكوا كما بكينا ، ولقد اوجب الله لك الجنة». ثم قال ~~(ع): «من قال في الحسين شعرا ، فبكى وأبكى غفر الله له ، ووجبت له الجنة» (3). # وجعفر هذا من رجال الشيعة المخلصين ، أطراه علماء الرجال ووثقوه ، وهو ~~الذي رد على مروان بن أبي حفصة ، القائل : # خلوا الطريق لمعشر عاداتهم %~% حطم المناكب كل يوم زحام ارضوا بما قسم الأله لكم به %~% ودعوا وراثة كل أصيد حام أنى يكون وليس ذاك بكائن %~% لبني البنات وراثة الأعمام (4) # فقال جعفر بن عفان : # لم لا يكون وأن ذاك لكائن %~% لبني البنات وراثة الأعمام للبنت نصف كامل من ماله %~% والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما %~% صلى الطليق مخافة الصمصام (5) # ودخل جماعة على الإمام الرضا (ع) فرأوه متغيرا ، فسألوه عن ذلك. قال : ~~«بت ليلتي ساهرا متفكرا في قول مروان بن أبي حفصة» ، وذكر البيت المتقدم. PageV01P113 # قال : «ثم نمت فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول» : # أنى يكون وليس ذاك بكائن %~% للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم من جدهم %~% والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما %~% سجد الطليق مخالفة الصمصام قد كان أخبرك القران بفضله %~% فمضى القضاء به من الحكام إن ابن فاطمة المنوه باسمه %~% حاز الوراثة عن بني الأعمام وبقى ابن نثلة واقفا مترددا %~% يبكي ويسعده ذوو الأرحام (1) # ومروان سرق المعنى مما قاله مولى لتمام بن معبد بن العباس بن عبد المطلب ~~، معرضا بعبيد الله بن أبي رافع مولى رسول ms079 الله (ص)، فإنه أتى الحسن بن ~~علي (ع)، وقال : أنا مولاك. وكان قديما يكتب لعلي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، فقال مولى تمام : # جحدت بني العباس حق أبيهم %~% فما كنت في الدعوى كريم العواقب متى كان أولاد النبي كوارث %~% يحوز ويدعى والدا في المناسب (2) # ومروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة كان يهوديا ، أسلم على يد مروان بن ~~الحكم. وقيل : من سبي اصطخر ، اشتراه عثمان بن عفان ، وولاؤه لمروان. شهد ~~يوم الدار مع مروان ، ولما اصيب مروان بن الحكم ، حمله مولاه ابن أبي حفصة ~~على عاتقه ، وهو يجره ومروان يتأوه ، فيقول له : اسكت ، إن علموا بك قتلت. ~~فأدخله بيت امرأة من عنزة ، وداواه حتى برئ ، فأعتقه مروان ، وشهد معه يوم ~~الجمل ، ومرج راهط (3). وغضب صالح بن عطية الأضجم من بيت مروان (أنى يكون ~~وليس ذاك بكائن)، فاتصل به يخدمه مدة حتى أنس به هو وأهله. حتى إذا مرض ~~ابن أبي حفصة ، كان صالح ممرضا له ، فلما خف من عنده ، وبقي صالح وحده ، ~~وضع يده على حلقه فخنقه حتى مات ومضى عنه ، ولم يشك أهله به (4). PageV01P114 # وحسب الشاعر أن تترتب على عمله البار هاتيك المثوبات الجزيلة ، التي تشف ~~عن أن ما يصفه بعين الله سبحانه حتى يبوئه لجليل سبحانه من الخلد حيث يشاء ~~، وتزدان به غرف الجنان ، ولا بدع ، فإنه بهتافه هذا معدود من أهل الدعوة ~~الإلهية ، المعلنين بكلمة الحق وتأييد الدين ؛ فهو بقوله الحق يرفع دعامة ~~الأصلاح ، وتشيد مبانيه ، ويطأ نزعة الباطل بأخمص الهدى ، ويقلع أشواكه ~~المتكدسة أمام سير المذهب ، ويلحب طريقه الواضح. # ولم يعهد من الأئمة (عليهم السلام) مع تحفظهم على التقية ، وإلزام شيعتهم ~~بها تثبيط الشعراء عن المكاشفة في حقهم ، وإظهار باطل المناوئين مع أن في ~~الشعراء من لا يقر له قرار ، ولا يؤويه مكان ؛ فرقا من أعداء أهل البيت ~~(عليهم السلام) لمحض مجاهرتهم بالولاء ، والدعوة إلى طريقة آل الرسول (ص)؛ ~~كالكميت ودعبل الخزاعي ونظرائهما ، بل كانوا (عليهم السلام) يؤكدون ذلك ~~بالتحبيذ ، وإدرار المال عليهم ، وإجزال الهبات ms080 لهم ، وذكر المثوبات على ~~عملهم هذا. # وليس ذاك ؛ إلا لعلمهم بأن المكاشفة في أمرهم أدخل في توطيد اسس الولاية ~~، وعامل قوي لنشر الخلافة الإلهية حتى لا يبقى سمع إلا وقد طرقه الحق ~~الصراح ، ثم تتلقاه الأجيال الآتية ، كل ذلك ؛ حفظا للدين عن الإندراس ؛ ~~ولئلا تذهب تضحية امناء الوحي في سبيله إدراج التمويهات. # ولولا نهضة اولئك الأفذاذ من رجالات الشيعة للذب عن قدس الدين بتعريض ~~أنفسهم للقتل ؛ كحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، وميثم التمار ، وأمثالهم ~~بما نال أهل البيت من أعدائهم ، لما عرفت الأجيال المتعاقبة موقف الأئمة ~~(عليهم السلام) من الدين ، ولا ما قصده أعداؤهم من نشر الجور والضلال. # ( @QUR@018 أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون ). ### ||| * مشكلة الخروج بالعيال # إن الكلمة الناضجة في وجه حمل الحسين (ع) عياله إلى العراق ، مع علمه بما ~~يقدم عليه ومن معه على القتل ، هي : أنه (ع) لما علم بأن قتلته سوف تذهب ~~ضياعا لو لم PageV01P115 # يتعقبها لسان ذرب ، وجنان ثابت يعرفان الامة ضلال ابن ميسون ، وطغيان ابن ~~مرجانة باعتدائهما على الذرية الطاهرة ، الثائرة في وجه المنكر ، ودحض ما ~~ابتدعوه في الشريعة المقدسة. # كما عرف (أبي الضيم) خوف رجال الدين من التظاهر بالإنكار ، وخضوع الكل ~~للسلطة الغاشمة ، ورسوف الكثير منهم بقيود الجور ؛ بحيث لا يمكن لأكبر رجل ~~الإعلان بفظاعة أعمالهم. وما جرى على ابن عفيف الأزدي ، يؤكد هذه الدعوى ~~المدعومة بالوجدان الصحيح. # وعرف سيد الشهداء من حرائر الرسالة الصبر على المكاره ، وملاقاة الخطوب ~~والدواهي بقلوب أرسى من الجبال ؛ فلا يفوتهن تعريف الملأ ، المغمور ~~بالترهات والأضاليل نتائج أعمال هؤلاء المضلين ، وما يقصدونه من هدم الدين ~~، وأن الشهداء أرادوا بنهضتهم مع إمامهم (ع) قتيل الحنيفية إحياء شريعة جده (ص). # والعقائل من آل الرسول (ص)، وإن استعرت أكبادهن بنار المصاب ، وتفاقم ~~الخطب عليهن ، وأشجاهن الأسى ، لكنهن على جانب عظيم من الأخذ بالثأر ، ~~والدفاع عن قدس الدين. # وفيهن (العقيلة) ابنة أمير المؤمنين سلام الله عليها ، التي لم يرعها ms081 ~~الأسر وذل المنفى ، وفقد الأعزاء وشماتة العدو ، وعويل الأيامى وصراخ ~~الأطفال وأنين المريض ، فكانت تلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة ، أو ~~فقل بين المخلب والناب غير متلعثمة ، وتقذفها كالصواعق على مجتمع خصومها. ~~فوقفت أمام ابن مرجانة ، ذلك الألد ، وهي امرأة عزلاء ليس معها من حماتها ~~حمي ، ولا من رجالها ولي غير الإمام الذي أنهكته العلة ، ونسوة مكتنفة بها ~~، بين شاكية وباكية ، وطفل كظه العطش ، إلى اخرى أقلقها الوجل ، وأمامها ~~رأس علة الكائنات ورؤوس صحبه وذويه ، وقد تركت تلك الأشلاء المقطعة في ~~البيداء تصهرها الشمس ، والواحدة من هذه تهد القوى ، وتبلبل الفكر. # لكن (ابنة حيدرة) كانت على جانب عظيم من الثبات والطمأنينة ، فأفرغت عن ~~لسان أبيها بكلام أنفذ من السهم ، وألقمت ابن مرجانة حجرا ، إذ قالت له : ~~«هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل ؛ فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك ~~وبينهم ، فتحاج وتخاصم ، فانظر لمن الفلج. ثكلتك امك يابن مرجانة!». PageV01P116 # وأوضحت للملأ المتغافل خبثه ولؤمه ، وأنه لن يرحض عنه عارها وشنارها ، ~~كما أنها أدهشت العقول وحيرت الفكر في خطبتها بكناسة الكوفة ، والناس يومئذ ~~حيارى يبكون ، لا يدرون ما يصنعون ، وأنى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل ~~النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيد شباب أهل الجنة؟ وقد خاب السعي ، وتبت ~~الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وباؤوا بغضب من الله وخزي في الآخرة ، ولعذاب الله ~~أكبر لو كانوا يعلمون. # وبعد أن فرغت من خطابها اندفعت فاطمة ابنة الحسين (ع) بالقول الجزل ، مع ~~ثبات جأش وهدوء بال ، فكان خطابها كوخز السنان في القلوب ، ولم يتمالك ~~الناس دون أن ارتفعت أصواتهم بالبكاء ، وعرفوا عظيم الجناية والشقاء ، ~~فقالوا لها : حسبك يا ابنة الطاهرين ، فقد احرقت قلوبنا وانضجعت نحورنا. # وما سكتت حتى ابتدرت ام كلثوم ، زينب بنت علي بن أبي طالب (ع)، فعرفت ~~الحاضرين عظيم ما اقترفوه ، فولول الجمع وكثر الصراخ ، ولم ير إذ ذاك أكثر ~~باك وباكية (1). # فهل يا ترى يمكنك الجزم بأن أحدا يستطيع في ذلك الموقف الرهيب ، الذي ~~تحفه سيوف الجور أن يتكلم بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في ms082 عشيرته؟ وهل ~~يقدر أحد أن يعلن بموبقات ابن هند وابن مرجانة غير بنات أمير المؤمنين (ع)؟ كلا. # إن على الألسن أوكية ، والأيدي مغلولة ، والقلوب مشفقة. # على أن هذا ، إنما يقبح ويستهجن إذا لم يترتب عليه إلا فوائد دنيوية ~~مثارها رغبات النفس الأمارة ، وأما إذا ترتبت عليه فوائد دينية ، أهمها : ~~تنزيه دين الرسول (ص) عما ألصقوه بساحته من الباطل ، فلا قبح فيه عقلا ، ~~ولا يستهجنه العرف ، ويساعد عليه الشرع. # والمرأة ، وإن وضع الله عنها الجهاد ومكافحة الأعداء ، وأمرها سبحانه ~~وتعالى أن تقر في بيتها ؛ فذاك فيما إذا قام بتلك المكافحة غيرها من ~~الرجال. وأما إذا توقف إقامة الحق عليها فقط ؛ بحيث لولا قيامها لدرست اسس ~~الشريعة ، وذهبت PageV01P117 # تضحية اولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات ، كان الواجب عليها القيام به. # ولذلك نهضت سيدة نساء العالمين الزهراء (عليها السلام) للدفاع عن خلافة ~~الله الكبرى ؛ حين اخذ العهد على سيد الأوصياء بالقعود ، فخطبت في مسجد ~~النبي (ص) الخطبة البليغة في محتشد من المهاجرين والأنصار. # على أن الحسين (ع) كان على علم بإخبار جده الأمين (ص)؛ بأن القوم وإن ~~بلغوا الغاية ، وتناهوا في الخروج عن سبيل الحمية ، لا يمدون إلى النساء يد ~~السوء ، كما أنبأ عنه سلام الله عليه بقوله لهن ساعة الوداع الأخيرة : ~~«البسوا أزركم ، واستعدوا للبلاء ، واعلموا أن الله حاميكم وحافظكم ، ~~وسينجيكم من شر الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذب أعاديكم ~~بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة. فلا تشكوا ~~ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم». # هذا كله لو لم نقل بالإمامة لسيد الشهداء (ع). وأما مع الخضوع لناموس علم ~~الإمام الشامل لما كان ويكون ، وسيره حسب المصالح الواقعية ، وعصمته في ~~أقواله وأفعاله ، كما هو الحق الذي لا محيص عنه ، فكان المحتم علينا ~~الإذعان بأن ما صدر منه ناشئ عن حكم ربانية ، ومصالح إلهية لا يتطرق إليها ~~الشك ، وليس الواجب علينا إلا التصديق بجميع أفعاله ، من دون أن يلزمنا ~~العقل بمعرفة المصالح الباعثة على تلك الأفعال الصادرة منه. وهكذا الحال ms083 في ~~كل ما وجب على المكلفين ، فإنه لم يجب على العباد إلا التسليم والخضوع ~~للمولى ، من دون أن تعرف الأغراض الباعثة عليها. وهكذا الحال في العبيد مع ~~مواليهم ، فإن العقل لا يلزم العبد بأكثر من طاعة سيده ومولاه حينما يأمره ~~وينهاه. ### ||| * نهضات العلويين # لقد كان من نتائج تلك النهضة المقدسة ومن ولائد ذلك (الفتح المبين) تطور ~~في نظر العلويين نسبا أو مذهبا أو من أخذ لدعوته لونا من الانتماء إلى آل ~~محمد ، وإن كان مضمرا غير ما يتظاهر به ، وكل من هؤلاء لم يعدم التشييد ~~لدعوة الحق ، والوهن في دولة الباطل ، وتعريف الامة بأن لآل محمد حقا ~~مغتصبا ، PageV01P118 # والواجب عليهم النهوض لقطع اليد العادية. # فكانت تلكم الثورات المتتابعة باعثة إلى الأفئدة دواعي تحفزها إلى تحري ~~الرشد حتى تقف على صراح الحقيقة. # كانت الامة تعتقد أنه ليس من المستطاع النهوض في وجه المستحوذين على أمر ~~الامة وإمرة المسلمين لقوة سلطانهم ، وإن القيام أمام السلطة القاسية لا ~~يعقب إلا فشلا ، بل إن المحظور في الشريعة القاء النفس في التهلكة من غير ~~ما جدوى هنالك. # لكن سيد الإباء والحمية وسيد شباب أهل الجنة أوحى إلى الملأ الديني ~~بصرخته في مشهد الطف التي لم يزل دوي صداها في مسامع القرون والأجيال : إن ~~الواجب في الشريعة الثورة أمام كل باطل ، إذا لم يكن ما يدحره غيرها. # وإن في مستوى اليقين بلوغ الغاية المتوخاة لمن يجعل طلب الحق عنوان نهضته ~~، فإنه إما أن يفوز الناهض بالظفر أو من يتلوه في نهضته حتى تتجسد الأماني ~~بالفتح المبين. # وهذا ما نراه من تعاقب النهضات تجاه عبث الامويين بالشريعة المطهرة ، ~~فكانت دعوة المختار هي ثارات لآل محمد. # وقام زيد بن علي بن الحسين (ع) وولده يحيى داعيين إلى الرضا من آل محمد ، ~~وأظهر بقية الهاشميين التذمر من خلفاء الجور ووثبوا لسد سيل الضلال الجارف. # وإن التأمل في سير المعصومين من آل الرسول ، وما قيضهم المولى سبحانه له ~~من كسح أشواك المنكر وإرشاد العباد إلى الطريقة المثلى تتجلى له رغبتهم ms084 ~~(عليهم السلام) في هاتيك المحتشدات الدامية ، لأن الغاية المتوخاة لهم إنما ~~هي تعريف الامة أحقيتهم بمنصب الرسول الأقدس ، وإن الدافع لهم عن هذا الحق ~~المجعول لهم من الباري عز اسمه مائل عن النهج القويم ، وهذا المعنى إنما ~~يتسرب إلى الأدمغة وتلوكه الأشداق ؛ بسبب هاتيك الثورات في مختلف الاصقاع ~~لتتم الحجة على الامة ، فلا يسع أحدا الاعتذار بالجهل بالإمام المنصوص عليه ~~من النبي الأعظم. PageV01P119 # وإنما نشاهد من بعض أئمة الهدى الإنكار والتبري من العلويين وغيرهم ~~الخارجين على خلفاء الجور ، فإنما هو للتقية من السلطة الغاشمة ؛ كيلا تنسب ~~إليهم الثورة فينالهم مالا يحمد عقباه. # نعم كان في الثائرين اناس اتخذوا مظلومية أهل البيت فخا يصطادون به ~~البسطاء. فابن الزبير الذي كان يشيد بذكر الحسين (ع) والظلم الذي جرى عليه ~~، لما حسب أنه ملك الأمر تركه ، فكان أشد المناوئين لأهل البيت (عليهم ~~السلام) وأظهر ما انحنت عليه جوانحه. # فترك الصلاة على النبي (ص) أربعين جمعة فقيل له في ذلك ، قال : # إن له أهل بيت سوء ، إذا ذكرته ، اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك ، فلا ~~احب أن اقر أعينهم (1). # ولقد جرأه على ذلك معاوية بن أبي سفيان الذي يقول لما سمع المؤذن يشهد ~~بالرسالة : (... وإن أخا هاشم يصرخ باسمه في كل يوم خمس مرات : أشهد أن ~~محمدا رسول الله (ص)، فأي عمل يبقى مع هذا لا ام لك ، والله إلا دفنا ~~دفنا) (2). # ولما سمع المأمون بهذا الحديث كتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر فأعظم ~~الناس ذلك وأكبروه واضطربت العامة فاشير عليه بالترك فأعرض عما كان عليه (3). # وأعطف عليه بني العباس الذين ملأوا الجو هتافا بالاستياء لما أصاب آل ~~محمد يوم الطف ، ولما حصلوا على الامنية ، قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم عن ~~جديد الأرض ، وكان موسى بن عيسى العباسي ، صاحب الوقعة (بفخ) يقول : لو ~~نازعنا النبي (ص) هذا الأمر لضربنا خيشومه بالسيف (4). PageV01P120 # فهؤلاء إلى أمثالهم برئت منهم الذمة وانقطعت العصمة وإن استفادت الامة ~~بنهضتهم من ناحية استئصال شأفة أعدائها من آل حرب وامية : # طمعت ابناء حرب ms085 ان ترى %~% فيه للضيم انعطافا وانكسارا حاولت تصطاد منه اجدلا %~% نفض الذل على الوكر وطارا ورجت للخسف أن تجذبه %~% ارقما قد ألف العز وجارا كيف يعطي بيد الهون إلى %~% طاعة الرجس عن الموت حذارا فأبى إلا التي إن ذكرت %~% هزت الكون اندهاشا وانذعارا فأتى من بأسه في جحفل %~% زحفه سد على الباغي القفارا وليوث من بني عمرو العلى %~% لبسوا الصبر على الطعن دثارا أشعروا ضربا بهيجاء غدا %~% لهم في ضنكها الموت شعارا فقضوا حق المعالي ومضوا %~% طاهري الأعراض لم يدنس عارا بذلوها أنفسا غالية %~% كبرت بالعز أن ترضى الصغارا (1) PageV01P121 ### ||| * حديث كربلاء PageV01P123 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| ** قال رسول الله (ص): ### |||| ** «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا» # مستدرك الوسائل ج 2 ص 217. PageV01P124 ### ||| * هل المحرم هل المحرم فاستهل مكبرا %~% وانثر به درر الدموع على الثرى وانظر بغرته الهلال إذا انجلى %~% مسترجعا متفجعا متفكرا واخلع شعار الصبر منك وزر من %~% خلع السقام عليك ثوبا أصفرا فثياب ذي الأشجان ألقيها به %~% ما كان من حمر الثياب مزررا شهر بحكم الدهر فيه تحكمت %~% شر الكلاب السود في اسد الشرى لله أي مصيبة نزلت به %~% بكت السماء له نجيعا أحمرا خطب دهى الإسلام عند وقوعه %~% لبست عليه حدادها (ام القرى) أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من %~% زفراته الجمرات أن تتسعرا (وأبا قبيس) في حشاه تصاعدت %~% قبسات وجد حرها يصلي (حرا) علم (الحطيم) به فحطمه الأسى %~% ودرى (الصفا) بمصابه فتكدرا واستشعرت منه المشاعر بالبلا %~% وعفا (محسرها) جوى وتحسرا قتل الحسين فيا لها من نكبة %~% أضحى لها الإسلام منهدم الذرى (1) ### ||| * شهر المحرم محرم فيه الهنا محرم %~% والحزن فرض والبكا محتم شهر به الإيمان ثل عرشه %~% والكفر بالإسلام بان بطشه والدين في سهم الحتوف والردى %~% والدين في سهم الحتوف والردى قد كان عند الكفر والإسلام %~% فيه القتال أعظم الآثام PageV01P125 وآل حرب حاربوا رب السما %~% فيه وحللوا الدم المحرما وانتهكوا حرمة سادات الحرم %~% وارتكبوا ما أمطر السماء دم يا آل حرب لا لقيتم سلما %~% ولا وقيتم ms086 من لسان ذما لعنتم في الأرض والسماء %~% على لسان جملة الأحياء بشراكم بالويل والثبور %~% وبالعذاب يوم نفخ الصور كم حرة للمصطفى هتكتم %~% وكم دم لولده سفكتم يا امة الخذلان والكفران %~% وعصبة الضلال والشيطان بأي عين تبصرون جده %~% وقد فعلتم ما فعلتم بعده جزرتم جزر الأضاحي نسله %~% وسقتم سوق الاماء أهله نسيتم احسان يوم الفتح %~% نسيتم فيه جميل الصفح قد كنتم لولا بدور هاشم %~% سرا يضيع في ضلوع كاتم بهم تسنمتم ذرى المنابر %~% كما علوتم صهوة المفاخر (1) ### ||| * يزيد بعد معاوية # لما هلك معاوية بدمشق للنصف من رجب سنة ستين هجرية ، كان ابنه يزيد في ~~حوران ، فأخذ الضحاك بن قيس أكفانه ورقى المنبر ، فقال بعد الحمد لله ~~والثناء عليه : كان معاوية سور العرب وعونهم وجدهم ، قطع الله به الفتنة ~~وملكه على العباد وفتح به البلاد ، إلا أنه قد مات وهذه أكفانه فنحن مدرجوه ~~فيها ، ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة ~~، فمن كان منكم يريد أن يشهد فليحضر. # ثم صلى عليه الضحاك ، ودفنه بمقابر باب الصغير وأرسل البريد إلى يزيد ~~يعزيه بأبيه ، والإسراع في القدوم ؛ ليأخذ بيعة مجددة من الناس (2)، وكتب ~~في أسفل الكتاب (3): PageV01P126 مضى ابن أبي سفيان فردا لشأنه %~% وخلفت فانظر بعده كيف تصنع أقمنا على المنهاج واركب محجة %~% سدادا فأنت المرتجى حين نفزع # فلما قرأ يزيد الكتاب أنشأ يقول (1): # جاء البريد بقرطاس يخب به %~% فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم %~% قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا %~% كأن ما عز من أركانها انقلعا من لم تزل نفسه توفي على وجل %~% توشك مقادير تلك النفس أن تقعا لما وردت وباب القصر منطبق %~% لصوت رملة هد القلب فانصدعا # وسار إلى دمشق ، فوصلها بعد ثلاثة أيام من دفن معاوية (2)، وخرج الضحاك ~~في جماعة لاستقباله ، فلما وافاهم يزيد جاء به الضحاك أولا إلى قبر أبيه ، ~~فصلى عند القبر. # ثم دخل البلد ورقى المنبر ، وقال : أيها الناس ، كان معاوية عبدا ms087 من عبيد ~~الله ، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه. وهو خير من بعده ودون من قبله. ولا ~~أزكيه على الله عز وجل ؛ فإنه أعلم به ، إن عفا عنه فبرحمته ، وإن عاقبه ~~فبذنبه. وقد وليت الأمر من بعده ، ولست آسى على طلب ، ولا أعتذر من تفريط ، ~~وإذا أراد الله شيئا كان. ولقد كان معاوية يغزو بكم في البحر ، وإني لست ~~حاملا أحدا من المسلمين في البحر. وكان يشتيكم بأرض الروم ، ولست مشتيا ~~أحدا بأرض الروم. وكان يخرج عطاءكم أثلاثا ، وأنا أجمعه كله لكم (3). # فلم يقدم أحد على تعزيته حتى دخل عليه عبد الله بن همام السلولي ، فقال : ~~يا أمير المؤمنين ، آجرك الله على الرزية ، وبارك لك في العطية ، وأعانك ~~على الرعية ، فقد رزئت عظيما واعطيت جسيما ، فاشكر الله على ما اعطيت ، ~~واصبر على ما رزئت. فقد فقدت خليفة الله واعطيت خلافة الله ، ففارقت جليلا ~~ووهبت جزيلا ، إذ قضى PageV01P127 # معاوية نحبه ، ووليت الرياسة واعطيت السياسة ، فاورده الله موارد السرور ~~ووفقك لصالح الامور ، ثم أنشأ : # إصبر يزيد فقد فارقت ذا كرم %~% واشكر حباء الذي بالملك أصفاك لا رزء أصبح في الأقوام قد علموا %~% كما رزئت ولا عقبى كعقباك أصبحت راعي أهل الدين كلهم %~% فأنت ترعاهم والله يرعاك وفي معاوية الباقي لنا خلف %~% إذا نعيت ولا نسمع بمنعاك # فانفتح بذلك للخطباء (1)، وقال له رجل من ثقيف : السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، إنك قد فجعت بخير الآباء ، واعطيت جميع ~~الأشياء ، فاصبر على الرزية ، واحمد الله على حسن العطية ، فلا أحد اعطي ~~كما اعطيت ولا رزئ كما رزئت. وأقبل الناس عليه يهنئونه ويعزونه فقال يزيد : ~~نحن أنصار الحق وأنصار الدين ، وأبشروا يا أهل الشام ، فإن الخير لم يزل ~~فيكم وستكون بيني وبين أهل العراق ملحمة ؛ وذلك إني رأيت في منامي منذ ثلاث ~~ليال كأن بيني وبين أهل العراق نهرا يطرد بالدم جريا شديدا ، وجعلت أجهد ~~نفسي لأجوزه فلم أقدر حتى جازه بين يدي عبيد الله بن زياد وأنا أنظر إليه!. # فصاح أهل الشام ms088 إمض بنا حيث شئت ، معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق في ~~صفين ، فجزاهم خيرا وفرق فيهم أموالا جزيلة. # وكتب إلى العمال في البلدان يخبرهم بهلاك أبيه ، وأقرهم على عملهم ، وضم ~~العراقين إلى عبيد الله بن زياد بعد أن أشار عليه بذلك سرجون مولى معاوية ، ~~وكتب إلى الوليد بن عتبة وكان على المدينة : # أما بعد ، فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه واستخلصه ومكن له ، ثم ~~قبضه إلى روحه وريحانه ورحمته وعقابه ، عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عهد ~~إلي وأوصاني بالحذر من آل أبي تراب ؛ لجرأتهم على سفك الدماء ، وقد علمت يا ~~وليد أن الله تبارك وتعالى منتقم للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛ لأنهم ~~أنصار الحق وطلاب العدل ، فإذا ورد عليك كتابي هذا ، فخذ البيعة على أهل ~~المدينة. PageV01P128 # ثم أرفق الكتاب بصحيفة صغيرة فيها : خذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد ~~الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ، ومن أبى فاضرب ~~عنقه ، وابعث إلي برأسه (1)! # وقام العامل بهذه المهمة ، فبعث على الحسين وابن الزبير نصف الليل ، رجاء ~~أن يغتنم الفرصة بمبايعتهما قبل الناس ، فوجدهما رسوله عبد الرحمن بن عمرو ~~بن عثمان بن عفان (2) في مسجد النبي (ص)، فارتاب ابن الزبير من هذه الدعوة ~~التي لم تكن في الوقت الذي يجلس فيه للناس (3)، لكن حجة الوقت (حسين ~~الإصلاح) أوقفه على أمر غيبي ، وهو هلاك معاوية ، وأنه يطلب منهم البيعة ~~ليزيد وأيده (ع) بما رآه في المنام من اشتعال النيران في دار معاوية ، وإن ~~منبره منكوس (4). # ورام ابن ميسون على الدين امرة %~% فعاثت بدين الله جهرا جرائمه فقام مغيثا شرعة الدين شبل من %~% بصمصامه بدءا اقيمت دعائمه وحف به (إذ محص الناس) معشر %~% نمته إلى اوج المعالي مكارمه فمن اشوس ينميه للطعن (حيدر) %~% وينميه جد في قرى الطير (هاشمه) ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن %~% لقلته بين الجموع عزائمه إلى أن قضوا دون الشريعة صرعا %~% كما صرعت دون العرين ضراغمه أراد ابن هند خاب مسعاه أن ms089 يرى %~% (حسينا) بأيدي الضيم تلوى شكائمه ولكن أبى المجد المؤثل والإبا %~% له الذل ثوبا والحسام ينادمه أبوه علي وابنة الطهر امه %~% وطه له جد وجبريل خادمه إلى ابن سمي وابن ميسون ينثني %~% يمد يدا والسيف في اليد قائمه PageV01P129 فصال عليهم صولة الليث مغضبا %~% وعسا له خصم النفوس وصارمه فحكم في أعناقهم نافذ القضا %~% صقيلا فلا يستأنف الحكم حاكمه الى أن أعاد الدين غضا ولم يكن %~% بغير دماء السبط تسقى معالمه (1) # ووضح لابن الزبير ما عزم عليه الحسين من ملاقاة الوالي في ذلك الوقت ، ~~فأشار عليه بالترك حذار الغيلة ، فعرفه الحسين (ع) القدرة على الامتناع (2) ~~. وصار إليه الحسين في ثلاثين (3) من مواليه وأهل بيته وشيعته ، شاكين ~~بالسلاح ، ليكونوا على الباب فيمنعونه إذا علا صوته (4) وبيده قضيب رسول ~~الله (ص). ولما استقر المجلس بأبي عبد الله (ع)، نعى الوليد إليه معاوية ، ~~ثم عرض عليه البيعة ليزيد ، فقال (ع): «مثلي لا يبايع سرا ، فإذا دعوت ~~الناس إلى البيعة دعوتنا معهم ، فكان أمرا واحدا» (5). # فاقتنع الوليد منه ، لكن مروان ابتدر قائلا : إن فارقك الساعة ولم يبايع ~~، لم تقدر منه على مثلها حتى تكثر القتلى بينكم ، ولكن احبس الرجل حتى ~~يبايع أو تضرب عنقه. # فقال الحسين : «يابن الزرقاء (6) أنت تقتلني أم هو؟! كذبت وأثمت» (7). # وفي تاريخ الطبري 8 / 16 ، كان مروان بن محمد بن الأشعث يقول : لم يزل ~~بنو مروان يعيرون بالزرقاء وان بني العاص من أهل (صفورية). # غير خفي أن أدب الشريعة وإن حرج على المؤمن التنابز بالالقاب والطعن في ~~الأنساب ، ومن تستفاد منه الحكم والآداب الإلهية أحرى بالأخذ بها ، إلا أن ~~إمام الامة والحجة على الخليفة العارف بالملابسات لا يتعدى هذه المقررات ، ~~وابتعادنا عن مقتضيات أحوال ذلك الزمن يلزمنا بالتسليم للإمام المعصوم (ع) ~~في كل ما يصدر منه خصوصا مع مطابقته للقرآن العزيز الذي هو مصدر الأحكام ، ~~والتعيير الصادر من الحسين لمروان صدر مثله من الجليل عز شأنه مع الوليد بن ~~المغيرة المخزومي إذ يقول في سورة القلم 13 : ( عتل بعد ذلك زنيم ms090 ) والزنيم ، في PageV01P130 # ثم أقبل (ع) على الوليد وقال : «أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ، ~~ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم. ويزيد رجل شارب ~~الخمور ، وقاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن ~~نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة» (1). # فأغلظ الوليد في كلامه ، وارتفعت الأصوات ، فهجم تسعة عشر رجلا قد انتضوا ~~خناجرهم وأخرجوا الحسين إلى منزله قهرا (2). # فقال مروان للوليد : عصيتني ، فولله لا يمكنك على مثلها. قال الوليد : ~~وبخ غيرك يا مروان! اخترت لي ما فيه هلاك ديني ، أقتل حسينا أن قال لا ~~ابايع! والله لا أظن امرءا يحاسب بدم الحسين إلا خفيف الميزان يوم القيامة ~~(3)، ولا ينظر الله إليه ، ولا يزكيه ، وله عذاب أليم (4). # وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، امرأة الوليد عليه ؛ لما ~~جرى منه مع الحسين ، فاعتذر بأنه بدأه بالسب ، قالت : أتسبه وتسب أباه إن ~~سبك! فقال : لا أفعل أبدا (5). # وفي هذه الليلة زار الحسين قبر جده (ص)، فسطع له نور من القبر (6) فقال ~~: «السلام عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك ، ~~وسبطك الذي خلفتني في امتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم خذلوني ولم PageV01P131 # يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك» ، ولم يزل راكعا وساجدا حتى الصباح (1). # وأرسل الوليد من يتعرف له خبر الحسين ، وحيث لم يصبه الرسول في منزله ، ~~اعتقد أنه خارج من المدينة ، فحمد الله على عدم ابتلائه به. # وعند الصباح لقي مروان أبا عبد الله (ع)، فعرفه النصيحة التي يدخرها # ولما سأل ابن الحاجب شيخنا المفيد عن معنى حضور الوافدين الى هذه ~~الضرائح؟ حينئذ أجابه الشيخ المفيد بأنه انما جاء العباد الى محال قبورهم ~~وان لم يكونوا فيها اكبارا لهم وتقديسا للمواضع التي حلوا فيها ثم ارتفعوا ~~عنها وهذا مثل تبعد الله العباد بالسعي الى بيته الحرام مع انه سبحانه لا ~~يحويه مكان وانما ذلك ذلك تعظيم له وتجليل لمقامه جل شأنه. # وفي الفتاوى الحديثية لابن حجر في 213 عن ابن العربي ms091 ان الأنبياء ترد ~~اليهم أرواحهم في القبور ويؤذن لهم في الخروج والتصرف في الملكوت العلوي أو ~~السفلي فلا مانع من أن يرى النبي (صلى الله عليه وآله) الكثيرون لانه ~~كالشمس. وفي وفاء الوفاء للسمهودي ج 2 ص 407 الفصل الثاني في بنية المزارات ~~روى عنه انه (صلى الله عليه وآله) قال : ما من نبي دفن الا وقد رفع بعد ~~ثلاث غيري فاني سألت الله تعالى أن أكون بينكم إلى يوم القيامة وروى عبد ~~الرزاق ان سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون على النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فقال : ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين ... وفي روح المعاني للآلوسي ج ~~2 ص 37 سورة الاحزاب آية ( ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ) أحاديث عن أنس ~~قال (صلى الله عليه وآله) ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا. ~~وعن سعيد بن المسيب وأبي المقدم ثابت بن هرمز ما مكث نبي في الأرض أكثر من ~~أربعين يوما .. ومن الأخبار ما ذكره امام الحرمين في النهاية والرافعي في ~~الشرح ان النبي قال : أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث .. زاد ~~امام الحرمين وروى أكثر من يومين ونقل عن القاضي ابن العربي والروض : ان ~~الأنبياء ترد اليهم أرواحهم بعد ما قبضوا ويؤذن لهم في الخروج من قبورهم ~~والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ، ثم ذكر رأيه. PageV01P132 # لأمثاله ، وهي البيعة ليزيد ؛ فإن فيها خير الدين والدنيا ، فاسترجع ~~الحسين وقال : «على الإسلام السلام ؛ إذا بليت الامة براع مثل يزيد ، ولقد ~~سمعت جدي رسول الله (ص) يقول : الخلافة محرمة على آل أبي سفيان (1)، فاذا ~~رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه ، وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم ~~يبقروا فابتلاهم الله بيزيد الفاسق» ، وطال الحديث بينهما حتى انصرف مروان ~~مغضبا (2). # وفي الليلة الثانية جاء الحسين إلى قبر جده ، وصلى ركعات ثم قال : «اللهم ~~، إن هذا قبر نبيك محمد (ص) وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد ~~علمت ، اللهم ms092 إني احب المعروف وانكر المنكر ، وأسألك يا ذا الجلال والإكرام ~~بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى» ، وبكى. # ولما كان قريبا من الصبح وضع رأسه على القبر فغفا ، فرأى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه ، فضم ~~الحسين إلى صدره وقبل ما بين عينيه ، وقال : حبيبي يا حسين ، كأني أراك عن ~~قريب مرملا بدمائك ، مذبوحا بأرض كربلا بين عصابة من امتي ، وأنت مع ذلك ~~عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم بعد ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم ~~الله شفاعتي يوم القيامة! حبيبي يا حسين ، إن أباك وامك وأخاك قدموا علي ~~وهم مشتاقون إليك. فبكى الحسين وسأل جده أن يأخذه معه ويدخله في قبره. # ولكن الرسول الأقدس أبى إلا أن يمضي ولده على حال أربى في نيل الجزاء ~~وآثر عند الجليل سبحانه يوم الخصام فقال (ص): لابد أن ترزق الشهادة ؛ ~~ليكون لك ما كتب الله فيها من الثواب العظيم ، فانك وأباك وعمك وعم أبيك ~~تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة. # فانتبه الحسين وقص رؤياه على أهل بيته فاشتد حزنهم وكثر بكاؤهم (3) PageV01P133 # وعلموا قرب الموعد الذي كان رسول الله يخبر به ، ولحرصهم على نور النبوة ~~أن لا يحجب عنهم ولا يفقدوا تلك الهبات العلوية اجتمعوا عليه ، وطلبوا منه ~~الموافقة ليزيد أو الابتعاد عن هذه البلاد. ### ||| * جماعة يتخوفون على الحسين ### ||| * 1 رأي عمر الأطرف # فقال له عمر الأطرف بن أمير المؤمنين (1): حدثني أبو محمد الحسن عن أبيه ~~أمير المؤمنين ، أنك مقتول ، فلو بايعت لكان خيرا لك. قال الحسين : «حدثني ~~أبي أن رسول الله أخبره بقتله وقتلي ، وإن تربته تكون بالقرب من تربتي ، ~~أتظن أنك علمت ما لم أعلمه؟ ، وإني لا أعطي الدنية من نفسي أبدا ، ولتلقين ~~فاطمة أباها شاكية مما لقيت ذريتها من امته ، ولا يدخل الجنة من آذاها في ~~ذريتها» (2). # وجاء عمر بن علي بن أبي طالب إلى المختار حينما نهض بالكوفة فقال له ~~المختار ms093 : هل معك محمد بن الحنفية؟ فقال : لا. فطرده عنه. فسار إلى مصعب ~~حتى حضر الوقعة وقتل فيمن قتل من الناس (3). # لا بد أن ترد القيامة فاطم %~% وقميصها بدم الحسين ملطخ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه %~% والصور في يوم القيامة ينفخ (4) ### ||| * 2 رأي ابن الحنفية # وقال محمد بن الحنفية (5): يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي PageV01P134 # ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك وأنت أحق بها ، تنح ببيعتك عن ~~يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث برسلك إلى الناس ، فإن ~~بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ~~ولا عقلك ، ولم تذهب مروءتك ولا فضلك ، وإني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه ~~الأمصار فيختلف الناس بينهم فطائفة معك واخرى عليك فيقتتلون ، فتكون لأول ~~الأسنة غرضا ، فإذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا واما ، أضيعها دما ، ~~وأذلها أهلا. # فقال الحسين : «فأين أذهب؟» ، قال : تنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار ، وإلا ~~لحقت بالرمال وشعب الجبال وخرجت من بلد إلى آخر حتى تنظر ما يصير إليه أمر ~~الناس ، فإنك أصوب ما تكون رأيا وأحزمه عملا حتى تستقبل الامور استقبالا ~~ولا تكون الأمور أبدا أشكل عليك منها حين تستدبرها استدبارا (1). # فقال الحسين : «يا أخي ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى ، لما بايعت ~~يزيد ابن معاوية» ، # فقطع محمد كلامه بالبكاء. # فقال الحسين : «يا أخي ، جزاك الله خيرا ، لقد نصحت وأشرت بالصواب ، وأنا ~~عازم على الخروج إلى مكة ، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي ~~أمرهم أمري ورأيهم رأيي ، وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة ، فتكون لي ~~عينا عليهم لا تخفي عني شيئا من امورهم» (2). # وقام من عند ابن الحنفية ودخل المسجد ، وهو ينشد : # لا ذعرت السوام في فلق الصبح %~% مغيرا ولا دعيت يزيدا (3) يوم أعطي مخالفة الموت ضيم %~% والمنايا يرصدنني أن احيدا (4) PageV01P135 # وسمعه أبو سعيد المقبري فعرف أنه يريد أمرا عظيما (1). ### ||| * 3 رأي ام سلمة # وقالت ام سلمة : لا تحزنني بخروجك إلى ms094 العراق ، فإني سمعت جدك رسول الله ~~يقول : «يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا» ، وعندي ~~تربتك في قارورة دفعها إلي النبي (ص). # فقال الحسين : «يا اماه ، وأنا أعلم أني مقتول مذبوح ظلما وعدوانا ، وقد ~~شاء عز وجل أن يرى حرمي ورهطي مشردين ، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيدين ، ~~وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا». # قالت ام سلمة : وآعجبا! فأنى تذهب وأنت مقتول؟!. # قال (ع): «يا اماه ، إن لم أذهب اليوم ذهبت غدا ، وإن لم أذهب في غد ~~ذهبت بعد غد ، وما من الموت والله بد ، واني لأعرف اليوم الذي اقتل فيه ~~والساعة التي اقتل فيها والحفرة التي ادفن فيها ، كما أعرفك ، وأنظر إليها ~~كما أنظر إليك ، وإن أحببت يا اماه أن أريك مضجعي ومكان أصحابي» ، فطلبت ~~منه ذلك ، فأراها تربة أصحابه (2)، ثم أعطاها من تلك التربة ، وأمرها أن ~~تحتفظ بها في قارورة ، فإذا رأتها تفور دما تيقنت قتله. وفي اليوم العاشر ~~بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دما (3). PageV01P136 ### ||| * الهاشميات : # وكبر خروجه على نساء بني عبد المطلب فاجتمعن ؛ للنياحة ، فمشى إليهن ~~الحسين وسكتهن وقال : «انشدكن الله أن تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله» ~~، فقلن : ولمن نستبقي النياحة والبكاء؟! فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله ~~وعلي وفاطمة والحسن وزينب وام كلثوم ، فننشدك الله جعلنا الله فداك من ~~الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور. وأخبرته بعض عماته أنها سمعت هاتفا ~~يقول (1): # (واختلفوا في قائلها) ففي كامل ابن الأثير ج 4 ص 37 انها للتيمي تيم مرة ~~وكان منقطعا لبني هاشم ، وفي الاصابة ج 4 ص 74 ومقالات الاسلاميين انها ~~لأبي رمح الخزاعي وهي رواية ابن نما عن المرزباني ، وفي شرح التبريزي على ~~الحماسة ج 3 ص 13 انها لأبي رمج الخزاعي بالجيم المعجمة وفي الاستيعاب انها ~~لأبي زميج الخزاعي وسماه البكري في المعجم مما استعجم ج 3 ص 891 ابن رمح ~~الخزاعي ولم يذكر الا هذا البيت الذي في روايته (اذل رقاب المسلمين فذلت). # وفي تهذيب كامل المبردج (2) ص ms095 235 واعيان الشيعة ج 35 ص 136 ونسب قريش ~~لمصعب الزبيري ص 41 سليمان بن قته ويضيف اليه ابو تمام في الحماسة (العدوي) ~~وفي شرح التبريزي منسوب الى عدي وفي وفي الحماسة البصرية لصدر الدين بن أبي ~~الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة 659 ه ج 1 ص 200 رقم 10 قال سليمان ابن ~~قته العدوي مولى عمر بن عبد الله التيمي : |مررت على أبيات آل محمد||فلم أرها أمثالها يوم يوم حلت| # وكتب المعلق عليه انها خمسة ولم يذكرها وقال مثلها في الاستيعاب. وفي ~~تذكرة الخواص ص 154 ط. ايران مر سليمان بن قته فنظر الى مصارع القوم فبكى ~~ثم قال : وان قتيل الطف ... الى أربعة أبيات. # وفي مقاتل أبي الفرج ص 49 والبداية لابن كثير ج 8 ص 211 سليمان بن ~~(قتيبة) بالتاء المثناة من فوق بعد القاف ثم الياء المثناة من تحت بعدها ~~باء موحدة ملحقه بهاء ، وفي مثير الاحزان لابن نما ان سليمان بن قتيبة ~~العدوي مولى بني تميم مر بكربلا بعد قتل الحسين بثلاث فنظر الى مصارعهم ~~فاتكأ على قوس له عربية وانشأ الأبيات وفي اللهوف لابن طاووس ص 119 ط صيدا ~~ولقد احسن ابن قتيبة رحمه الله ، وفي معجم البلدان ج 6 ص 52 انها لأبي دهبل ~~الجمحي ، ووافقه في تاج العروس بمادة الطف مع الاقتصار على نفس البيت (وابو PageV01P137 وإن قتيل الطف من آل هاشم %~% أذل رقابا من قريش فذلت # فصبرها الحسين وعرفها أنه أمر جار وقضاء محتوم. ### ||| * 4 رأي عبد الله بن عمر # وطلب منه عبد الله بن عمر بن الخطاب البقاء في المدينة فأبى الحسين وقال ~~: «يا عبد الله ، إن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا يهدى ~~إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، وأن رأسي يهدى إلى بغي من بغايا بني امية ، ~~أما علمت أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبيا ثم ~~يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا؟! فلم يعجل الله عليهم بل ms096 أخذهم بعد ذلك ~~أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام» (1). # ولما عرف ابن عمر من الحسين العزم على مغادرة المدينة والنهضة في وجه ~~أتباع الضلال وقمع المنكرات وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المقدسة ، ~~قال له : يا أبا عبد الله أكشف لي عن الموضع الذي لم يزل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقبله منك ، فكشف له عن سرته ، فقبلها ثلاثا وبكى (2). # فقال له : «اتق الله يا أبا عبد الرحمن ، ولا تدعن نصرتي» (3). |فان الأولى بالطف من آل هاشم||تآسوا فسنوا للكرام التآسيا| # وفي طبقات القراء لابن الجزري ج 1 ص 314 سليمان بن قتة بفتح القاف ~~والمثناة من فوق المشددة ، وقته امه ، التيمي مولاهم البصري ثقة عرض على ~~ابن عباس ثلاث عرضات وعرض عليه عاصم الجحدري. # (ويمضي) على الألسن ان التي سمعت الهاتف أم هاني ولا يصح لانها ماتت أما ~~في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) كما في مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 110 ~~أو أيام معاوية كما في تقريب التهذيب لابن حجر ص 620 ط لكنهو. (1) ابن نما ~~واللهوف. PageV01P138 ### ||| * الوصية # وكتب الحسين قبل خروجه من المدينة وصية قال فيها : # «بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحسين بن علي (ع) إلى أخيه ~~محمد بن الحنفية ، إن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ~~وأن محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده ، وأن الجنة حق والنار حق ، ~~والساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور. # وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب ~~الإصلاح في امة جدي (ص)، اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير ~~بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ~~ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين. # وهذه وصيتي إليك يا أخي. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب ، ~~ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى أخيه محمد» ms097 (1). # رافع راية الهدى بمهجته %~% كاشف ظلمة العمى ببهجته به استقامت هذه الشريعة %~% به علت أركانها الرفيعة بنى المعالي بمعالي هممه %~% ما اخضر عود الدين إلا بدمه بنفسه اشترى حياة الدين %~% فيا لها من ثمن ثمين أحيا معالم الهدى بروحه %~% داوى جروح الدين من جروحه جفت رياض العلم بالسموم %~% لم يروها إلا دم المظلوم فأصبحت مورقة الأشجار %~% يانعة زاكية الثمار أقعد كل قائم بنهضته %~% حتى أقام الدين بعد كبوته قامت به قواعد التوحيد %~% مذ لجأت بركنها الشديد PageV01P139 غدت به سامية القباب %~% معاهد السنة والكتاب أفاض كالحيا على الوراد %~% ماء الحياة وهو ظام صادي وكظه الظما وفي طي الحشا %~% ري الورى والله يقضي ما يشا والتهبت أحشاؤه من الظما %~% فأمطرت سحائب القدس دما (1) ### ||| * الخروج من المدينة # وخرج الحسين من المدينة متوجها نحو مكة ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب ~~ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته (2)، وهو يقرأ : ( @QUR@010 ~~فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ). # ولزم الطريق الأعظم ، فقيل له : لو تنكبت الطريق كما فعل ابن الزبير ؛ ~~كيلا يلحقك الطلب ، قال : «لا والله ، لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض». # ودخل مكة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ : # ( @QUR@011 ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) (3). # فنزل دار العباس بن عبد المطلب (4) واختلف إليه أهل مكة ومن بها من ~~المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير ملازم جانب الكعبة ، ويأتي إلى الحسين ~~فيمن يأتيه وكان ثقيلا عليه دخول الحسين مكة ؛ لكونه أجل منه وأطوع في ~~الناس ، فلا يبايع له ما دام الحسين فيها. # وخرج (ع) في بعض الأيام إلى زيارة قبر جدته خديجة ، فصلى هناك وابتهل إلى ~~الله كثيرا (5). PageV01P140 أفدي الاولى للعلى أسرى بهم ظعن %~% وراء حاد من الأقدار يزعجه ركب على جنة الماوى معرسه %~% لكن على محن البلوى معرجه مثل الحسين تضيق الأرض فيه فلا %~% يدري إلى أين ماواه ومولجه ويطلب الأمن بالبطحا وخوف بني %~% سفيان يقلقه منها ويخرجه وهو الذي شرف البيت ms098 الحرام به %~% ولاح بعد العمى للناس منهجه يا حائرا لا وحاشا نور عزمته %~% بمن سواك الهدى قد شع مسرجه وواسع الحلم والدنيا تضيق به %~% سواك ان ضاق خطب من يفرجه ويا مليكا رعاياه عليه طغت %~% وبالخلافة باريه متوجه (1) ### |||| * في مكة # وفي مكة كتب الحسين (ع) نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة وهم ؛ مالك ~~بن مسمع البكري (2)، والأحنف بن قيس ، والمنذر بن الجارود (3)، ومسعود بن ~~عمرو ، وقيس بن الهيثم ، وعمرو بن عبيد بن معمر. وأرسله مع مولى له يقال له ~~سليمان (4) وفيه : «أما بعد ، فإن الله اصطفى محمدا (ص) من خلقه وأكرمه ~~بنبوته واختاره لرسالته ، ثم قبضه إليه ، وقد نصح لعباده وبلغ ما ارسل به ~~(ص) وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا ~~قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنا أحق بذلك ~~الحق المستحق علينا ممن تولاه ، وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا ~~أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ، فإن السنة قد اميتت والبدعة قد احييت ، فإن PageV01P141 # تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد». # فسلم المنذر بن الجارود العبدي رسول الحسين إلى ابن زياد فصلبه عشية ~~الليلة التي خرج في صبيحتها إلى الكوفة ؛ ليسبق الحسين إليها (1). وكانت ~~ابنة المنذر ، بحرية زوجة ابن زياد فزعم أن يكون الرسول دسيسا من ابن زياد ~~، فأما الأحنف فإنه كتب إلى الحسين (ع): أما بعد ، فاصبر إن وعد الله حق ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (2). # وأما يزيد بن مسعود (3) فإنه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد ، فلما ~~حضروا قال : يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم؟ قالوا : بخ بخ! ~~أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطا وتقدمت فيه فرطا ، ~~قال : فإني قد جمعتكم لأمر أريد أن اشاوركم فيه وأستعين بكم عليه ، فقالوا ~~: إنا والله نمنحك النصيحة ، ونجد لك الرأي ، فقل حتى نسمع. # فقال : إن معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا ، إلا وأنه قد انكسر ~~باب الجور والإثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وكان قد ms099 أحدث بيعة عقد بها أمرا ~~ظن أنه قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل ، وقد ~~قام يزيد شارب الخمور ورأس الفجور يدعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمر ~~عليهم بغير رضى منهم مع قصر حلم وقلة علم ، لا يعرف من الحق موطأ قدميه ، ~~فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين ، وهذا ~~الحسين بن علي وابن رسول الله (ص) ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا ~~يوصف وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر ؛ لسابقته وسنه وقدمه وقرابته ، ~~يعطف على الصغير ويحسن إلى الكبير ، فأكرم به راعي رعية وإمام قوم وجبت لله ~~به الحجة ، وبلغت به الموعظة ، فلا تعشوا عن نور الحق ، ولا تسكعوا في وهد ~~الباطل ، فقد كان PageV01P142 # صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل ، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ~~(ص) ونصرته ، والله لا يقصر أحدكم عن نصرته ، إلا أورثه الله تعالى الذل في ~~ولده والقلة في عشيرته ، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها وادرعت لها ~~بدرعها ، من لم يقتل يمت ، ومن يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله رد ~~الجواب. # فقالت بنو حنظلة : يا أبا خالد ، نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك ، إن رميت ~~بنا أصبت وإن غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها ، ولا تلقى ~~والله شدة إلا لقيناها ، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت. # وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا : يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، ~~لا نرضى إن غضبت ، ولا نبقى إن ظعنت ، والأمر إليك فادعنا إذا شئت. # وقالت بنو سعد بن زيد : أبا خالد ، إن أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج ~~عن رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل ، فحمدنا ما ~~أمرنا وبقى عزنا فينا ، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا. فقال لهم : ~~لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا ، ولا زال سيفكم فيكم. # ثم كتب إلى الحسين (ع): أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك ، وفهمت ما ندبتني ~~إليه ودعوتني له من الأخذ ms100 بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإن الله ~~لم يخل الأرض قط من عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة ، وأنتم حجة الله ~~على خلقه ووديعته في أرضه ، تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها ~~، فأقدم سعدت بأسعد طائر ، فقد ذللت لك أعناق بني تميم ، وتركتهم أشد ~~تتابعا في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها ، وقد ذللت لك رقاب ~~بني سعد ، وغسلت درن قلوبها بماء سحاب مزن حين استهل برقها فلمع. # فلما قرأ الحسين (ع) كتابه ، قال : «مالك ، آمنك الله من الخوف وأعزك ~~وأرواك يوم العطش الأكبر». # ولما تجهز ابن مسعود إلى المسير ، بلغه قتل الحسين (ع) فاشتد جزعه ، وكثر PageV01P143 # أسفه لفوات الأمنية من السعادة بالشهادة (1). # وكانت مارية ابنة سعد أو منقذ أيما ، وهي من الشيعة المخلصين ، ودارها ~~مألف لهم يتحدثون فيه فضل أهل البيت ، فقال يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس ~~لأولاده وهم عشرة : أيكم يخرج معي؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله. ~~وقال له أصحابه في بيت تلك المرأة : نخاف عليك أصحاب ابن زياد ، قال : ~~والله لو استوت اخفافها بالجدد لهان علي طلب من طلبني (2)، وصحبه مولاه ~~عامر وسيف بن مالك والأدهم بن امية (3) فوافوا الحسين بمكة ، وضموا رحالهم ~~إلى رحله حتى وردوا كربلا ، وقتلوا معه. ### ||| * كتب الكوفيين # وفي مكة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة ، ~~يسألونه القدوم عليهم ؛ لأنهم بغير إمام ، ولم يجتمعوا مع النعمان بن بشير ~~في جمعة ولا جماعة ، وتكاثرت عليه الكتب حتى ورد عليه في يوم واحد ستمئة ~~كتاب ، واجتمع عنده من نوب متفرقة إثنا عشر ألف كتاب وفي كل ذلك يشددون ~~الطلب وهو لا يجيبهم. وآخر كتاب ورد عليه من شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، ~~ويزيد بن الحارث (4)، وعزرة بن قيس ، وعمرو بن الحجاج ، ومحمد بن عمير ابن ~~عطارد وفيه : إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل يابن رسول ~~الله فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار. فأقدم ~~إذا ms101 شئت ، فإنما تقدم على جند لك مجندة (5). # بعثت بزور الكتب سر واقدم إلى %~% نحو العراق بمكرها ودهاتها PageV01P144 هذي الخلافة لا ولي لها ولا %~% كفؤ وإنك من خياركفاتها فأتى يزج اليعملات بمعشر %~% كالأسد والاشطان منغاباتها وحصان ذيل كالأهلة اوجها %~% بسنائها وبهائها وصفاتها ما زال يخترق الفلا حتى أتى %~% أرض الطفوف وحل في عرصاتها وإذا به وقف الجواد فقال يا %~% قوم اخبروني عن صدوق رواتها ما الأرض قالوا ذي معالم كربلا %~% ما بال طرفك حاد عن طرقاتها قال انزلوا فالحكم في أجداثنا %~% ان لا تشق سوى على جنباتها حط الرحال وقال يصلح عضبه %~% الماضي لقطع البيض في قماتها بينا يجيل الطرف إذ دارت به %~% زمر يلوح الغدر من راياتها ما خلت أن بدور تم بالعرا %~% تمسي (بنو الزرقاء) من هالاتها (1) ### ||| * جواب الحسين # ولما اجتمع عند الحسين ما ملأ خرجين ، كتب إليهم كتابا واحدا دفعه إلى ~~هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكانا آخر الرسل ، وصورته : ~~«بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين ~~والمسلمين أما بعد ، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم وكانا آخر من قدم ~~علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي قصصتم وذكرتم ، ومقالة جلكم أنه ليس علينا ~~إمام فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق ، وقد بعثت إليكم أخي وابن ~~عمي وثقتي من أهل بيتي ، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن ~~كتب أنه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به ~~رسلكم وقرأت في كتبكم ، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام ~~إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله ~~، والسلام» (2). ثم دفع الكتاب إلى مسلم بن عقيل ، وقال له : «إني موجهك ~~إلى أهل الكوفة ، وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى ، وأنا أرجو أن أكون ~~أنا وأنت في PageV01P145 # درجة الشهداء فامض ببركة الله وعونه ، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها» (1). ### ||| * سفر مسلم # وبعث مع مسلم بن ms102 عقيل (ع) قيس بن مسهر الصيداوي ، وعمارة بن عبد الله ~~السلولي ، وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي وأمره بتقوى الله والنظر فيما ~~اجتمع عليه أهل الكوفة ، فإن رأى الناس مجتمعين مستوثقين عجل إليه بكتاب (2). # فخرج مسلم من مكة للنصف من شهر رمضان (3) على طريق المدينة ، فدخلها وصلى ~~في مسجد النبي (ص) وودع أهله (4)، ثم استأجر رجلين من قيس ليدلاه على ~~الطريق ، فضلا ذات ليلة وأصبحا تائهين ، وقد اشتد بهما العطش والحر ، فقالا ~~لمسلم (ع) وقد بان لهما سنن الطريق : عليك بهذا السمت فالزمه لعلك تنجو ، ~~فتركهما ومضى على الوصف ومات الدليلان عطشا (5)، ولم يسعه حملهما ؛ لأنهما ~~على وشك الهلاك ، وغاية ما وضح للدليلين العلائم المفضية إلى الطريق ، لا ~~الطريق نفسه. ولم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة ، وليس لهما طاقة ~~على الركوب بأنفسهما ولا مردفين مع آخر ، وبقاء مسلم (ع) معهما إلى منتهى ~~الأمر يفضي إلى هلاكه ومن معه ، فكان الواجب الأهم التحفظ على النفوس ~~المحترمة بالمسير لإدراك الماء ؛ فلذلك تركهما في المكان. # ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا إلى الطريق ووردوا ~~الماء فأقام فيه. # وكتب إلى الحسين (ع) مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره بموت ~~الدليلين وما لاقاه من الجهد وإنه مقيم بمنزله ، وهو المضيق من بطن الخبت ~~حتى يعرف ما عنده من الرأي ، فسار الرسول ووافى الحسين بمكة وأعطاه الكتاب PageV01P146 # فكتب الحسين (ع) يأمره بالمسير إلى الكوفة ولا يتأخر. # ولما قرأ مسلم الكتاب سار من وقته ، ومر بماء لطي فنزل عليه ثم ارتحل ، ~~فإذا رجل يرمي ظبيا حين أشرف له فصرعه ، فتفأل بقتل عدوه (1). # دخول الكوفة # ولخمس خلون من شوال دخل الكوفة (2)، فنزل دار المختار بن أبي عبيد ~~الثقفي (3)، وكان شريفا في قومه ، كريما عالي الهمة مقداما مجربا قوي ~~النفس ، شديدا على أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، له عقل وافر ورأي مصيب ~~، خصوصا بقواعد الحرب والغلبة على العدو ، كأنه مارس التجارب فحنكته ، أو ~~لابس الخطوب فهذبته ، انقطع إلى آل الرسول الأقدس فاستفاد ms103 منهم أدبا جما ~~وأخلاقا فاضلة ، وناصح لهم في السر والعلانية. ### ||| * البيعة # ووافت الشيعة مسلما في دار المختار بالترحيب وأظهروا له من الطاعة ~~والانقياد ما زاد في سروره وابتهاجه ، فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين ، قام ~~عابس ابن شبيب الشاكري وقال : إني لا أخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما في ~~نفوسهم ، ولا أغرك بهم ، والله إني احدثك عما أنا موطن عليه نفسي ، والله ~~لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولاقاتلن معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم حتى ألقى ~~الله لا اريد بذلك إلا ما عند الله. # وقال حبيب بن مظاهر : قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك ، وأنا والله ~~الذي لا إله إلا هو ، على مثل ما أنت عليه. # وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما (4). PageV01P147 # وأقبلت الشيعة يبايعونه حتى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفا (1)، وقيل بلغ ~~خمسا وعشرين ألفا (2)، وفي حديث الشعبي بلغ من بايعه أربعين ألفا (3)، ~~فكتب مسلم إلى الحسين مع عابس بن شبيب الشاكري ، يخبره باجتماع أهل الكوفة ~~على طاعته وانتظارهم لقدومه وفيه يقول : الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني ~~من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفا فعجل الإقبال حين يأتيك كتابي (4). # وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة (5)، وانظم إليه كتاب أهل ~~الكوفة وفيه : عجل القدوم يابن رسول الله ، فان لك بالكوفة مئة ألف سيف فلا ~~تتأخر (6). # فساء هذا جماعة ممن لهم هوى في بني امية منهم ؛ عمر بن سعد بن أبي وقاص ، ~~وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي ، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ، فكتبوا ~~إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه وأن النعمان ~~بن بشير لا طاقة له على المقاومة (7). # فأرسل يزيد على سرجون (8) مولاه يستشيره وكان كاتبه وأنيسه فقال سرجون : ~~عليك بعبيد الله بن زياد ، قال : إنه لا خير عنده ، فقال سرجون : لو كان ~~معاوية حيا وأشار عليك به أكنت توليه؟ قال : نعم ، فقال : هذا عهد معاوية ~~إليه بخاتمه ولم يمنعني أن أعلمك به إلا معرفتي ببغضك له ، فانفذه إليه. ~~وعزل النعمان ms104 بن بشير ، وكتب إليه : أما بعد فإن الممدوح مسبوب يوما ، وإن ~~المسبوب يوما ممدوح ، وقد سمي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأول. PageV01P148 رفعت وجاوزت السحاب وفوقه %~% فمالك الا مرقب الشمس مقعد (1) # وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة ؛ ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو ~~يقتله أو ينفيه (2). # فتعجل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن ~~الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمئة رجل انتخبهم ~~من أهل البصرة ، فجد في السير وكان لا يلوي على أحد يسقط من أصحابه حتى أن ~~شريك بن الأعور سقط أثناء الطريق ، وسقط عبد الله بن الحارث ؛ رجاء أن ~~يتأخر ابن زياد من أجلهم فلم يلتفت ابن زياد إليهم ؛ مخافة أن يسبقه الحسين ~~إلى الكوفة. ولما ورد القادسية سقط مولاه مهران فقال له ابن زياد : إن ~~أمسكت على هذا الحال فتنظر القصر فلك مئة ألف ، فقال : والله لا أستطيع ، ~~فتركه عبيد الله ولبس ثيابا يمانية وعمامة سوداء وانحدر وحده ، وكلما مر ~~بالمحارس ظنوا أنه الحسين (ع) فقالوا : مرحبا بابن رسول الله ، وهو ساكت ، ~~فدخل الكوفة مما يلي النجف (3). # واستقبله الناس بهتاف واحد : مرحبا بابن رسول الله ، فساءه هذا الحال ~~وانتهى إلى قصر الامارة ، فلم يفتح النعمان باب القصر ، وأشرف عليه من أعلى ~~القصر يقول : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله ، فقال له ابن زياد ~~(4): افتح PageV01P149 # فقد طال ليلك! فسمعها رجل وعرفه ، فقال للناس : انه ابن زياد ورب الكعبة (1). # فتفرقوا إلى منازلهم ، وعند الصباح جمع ابن زياد الناس في الجامع الأعظم ~~، وخطبهم وحذرهم ومناهم العطية وقال : أيما عريف وجد عنده أحد من بغية أمير ~~المؤمنين ولم يرفعه إلينا ، صلب على باب داره (2). # وذكر ابن حجر في (تعجيل المنفعة / 271 طبعة حيدر آباد): أن عبيد الله بن ~~زياد ولد سنة 32 (أو سنة 33 ه) فيكون له يوم الطف الواقع أول عام (61 ) سبع ~~وعشرون سنة أو ثمان وعشرون سنة. # وعلى كل ، كانت امه مرجانة مجوسية ، وعند ms105 ابن كثير في البداية 8 / 383 ، ~~وعند العيني في (عمدة القاري شرح البخاري 7 / 656 كتاب الفضائل في مناقب ~~الحسنين): أنها سبية من اصفهان وقيل مجوسية. # وفي تاريخ الطبري 7 / 6 : قالت مرجانة لما قتل الحسين لعبيد الله : ويلك! ~~ماذا صنعت؟ وماذا ركبت؟ وفي كامل ابن الاثير 4 / 103 في مقتل ابن زياد ، ~~قالت مرجانة لعبيد الله : يا خبيث ، قتلت ابن رسول الله؟! والله لا ترى ~~الجنة أبدا وفي سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 359 قالت له امه مرجانة : ~~قتلت ابن رسول الله! لا ترى الجنة ، ونحو هذا ، ويذكر بعض المؤرخين أنها ~~قالت له : وددت أنك حيظة ولم تأت إلى الحسين ما أتيت وفي تاريخ الطبري 6 / ~~268 ، وكامل ابن الاثير 4 / 34 عليه مروج الذهب قال له أخوه عثمان : وددت ~~في أنف كل رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وأن الحسين لم يقتل ، فلم ~~يرد عليه عبيد الله ، وكيف يرد عليه؟! وقد شاهد حيطان قصر الامارة تسيل دما ~~حينما ادخل الرأس المقدس عليه ، كما في الصواعق المحرقة / 116 ، وتاريخ ابن ~~عساكر 4 / 339. # وفي أنساب الاشراف للبلاذري 4 / 77 : كان عبيد الله بن زياد جميلا أرقطا. ~~وفي صفحة 81 : كان مملوا شرا ، وهو أول من وضع المثالب ؛ ليعارض بها الناس ~~بمثل ما يقولون فيه. وفي صفحة 86 : كان أكولا لا يشبع ، يأكل في اليوم أكثر ~~من خمسين أكلة وفي المعارف لابن قتيبة / 256 : كان طويلا جدا لا يرى ماشيا ~~إلا ظنوه راكبا وفي البيان والتبيين للجاحظ 1 / 75 الطبعة الثانية : كان ~~ألكنا ، يقلب الحاء هاء قال لهارون بن قبيصة : (اهروري) يريد (احروري)، ~~ويقلب القاف كافا يقول (كلت له) يريد (قلت له)، وفيه 2 / 167 : جاءته ~~اللكنة من الأساورة ؛ فإن زيادا تزوج (مرجانة) من شيرويه الاسواري ، وكان ~~عبيد الله معها فنشأ بين الأساورة ؛ تغلبت عليه لغتهم وفي أنساب الأشراف 5 ~~/ 84 : كان ابن زياد إذا غضب على أحد ، ألقاه من فوق قصر الامارة واطمار كل ~~مرتفع وفي صفحة 82 ms106 : تزوج عبيد الله هندا بنت أسماء بن خارجة ، فعاب عليه ~~محمد بن عمير بن عطارد ومحمد بن الاشعث وعمرو بن حريث ، فتزوج عبيد الله ام ~~النعمان بنت محمد بن الاشعث ، وزوج أخاه عثمان ابنة عمير بن عطارد ، وزوج ~~أخاه عبد الله ابنة عمرو بن حريث. وفي النقود القديمة الإسلامية للتبريزي / ~~50 ، ضمن مجموعة النقود العربية ، جمع انستاس الكرملي : أن أول من غش ~~الدراهم وضربها زيوفا عبيد الله بن زياد ، حين فر من البصرة سنة (64 ) ثم ~~فشت بالأمصار. ومثله جاء في إغاثة الامة بكشف الغمة للمقريزي / 61 ، ~~والنقود الإسلامية القديمة للمقريزي / 50 ، وفي مآثر الاناقة للقلقشندي 1 / ~~185 : في خلافة المهدي انه رد نسب زياد بن أبيه إلى عبيد الله الرومي. PageV01P150 ### ||| * موقف مسلم # ولما بلغ مسلم بن عقيل خطبة ابن زياد ووعيده وظهر له حال الناس ، خاف أن ~~يؤخذ غيلة ، فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هاني بن عروة المذحجي ~~، وكان شديد التشيع (1)، ومن أشراف الكوفة (2)، وقرائها (3)، وشيخ مراد ~~وزعيمها ، يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، فإذا تلاها أحلافها ~~من كندة ركب في ثلاثين ألفا (4)، وكان من خواص أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (5)، حضر حروبه الثلاثة (6)، وأدرك النبي (ص)، وتشرف بصحبته ، وكان ~~له يوم قتله بضع وتسعون سنة (7). # ونزل مع مسلم بن عقيل شريك (8) بن عبد الله (9) الأعور الحارثي |أيشتمني معاوية بن حرب||وسيفي صارم ومعي لساني| # وفي صفحة 397 وما بعدها : رجال سعد العشيرة يسمون مذحجا ، وهو مالك بن ~~أدد ، ومن رجالهم عبد المدان ، وبيت عبد المدان أحد بيوتات العرب الثلاثة ؛ ~~بيت زرارة بن عدس في بني تميم ، وبيت خذيفة بن بدر في فزارة ، وبيت عبد ~~المدان في بني الحارث ، ومن رجالهم شريك بن الأعور الذي خاطب معاوية وله ~~معه حديث. والمحاورة التي جرت بين معاوية وشريك ذكرها الهمداني في (الاكليل ~~2 / 229 طبعة مصر سنة 1386 )، وذكر فيها أربعة أبيات لشريك. وذكرها ~~الابشيهي في (المستطرف 1 / 55 الباب الثامن) في الأجوبة المسكتة ، وذكر ms107 ~~ثلاثة أبيات. وذكرها ابن حجة في (ثمرات الأوراق) على هامش المستطرف 1 / 45 ~~، وذكر الأجوبة الهاشمية ولم يذكر الشعر ، وذكر ستة أبيات فقط في (الحماسة ~~البصرية 1 / 70). وفي مادة (عوى) من تاج العروس الاشارة إلى هذه المحاورة. ~~وفي (ربيع الابرار) للزمخشري باب الأجوبة المسكتة ذكر المحاورة وأبياتا ~~أربعة. ومما يستأنس لمذحجيته ، PageV01P151 # الهمداني البصري ، وكان من كبار شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~بالبصرة ، جليل القدر في أصحابنا (1)، شهد صفين وقاتل مع عمار بن ياسر (2) ~~. ولشرفه وجاهه ولاه عبيد الله بن زياد من قبل معاوية كرمان (3)، وكانت له ~~مواصلة وصحبة مع هاني ابن عروة. فمرض مرضا شديدا عاده فيه ابن زياد ، وقبل ~~مجيئه قال شريك لمسلم (ع): إن غايتك وغاية شيعتك هلاكه ، فأقم في الخزانة ~~حتى إذا اطمأن عندي ، اخرج إليه واقتله ، وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع ~~العافية (4). # وبينا هم على هذا إذ قيل الأمير على الباب ، فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد ~~الله على شريك ، ولما استبطأ شريك خروج مسلم ، جعل يأخذ عمامته من على رأسه ~~ويضعها على الأرض ثم يضعها على رأسه فعل ذلك مرارا ، ونادى بصوت عال يسمع ~~مسلما : # ما تنظرون بسلمى لا تحيوها %~% حيوا سليمى وحيوا من يحييها هل شربة عذبة أسقى على ظمأ %~% ولو تلفت وكانت منيتي فيها وان تخشيت من سلمى مراقبة %~% فلست تأمن يوما من دواهيها # ولم يزل يكرره وعينه رامقة إلى الخزانة ، ثم صاح بصوت رفيع يسمع مسلما : ~~اسقونيها ولو كان فيها حتفي (5). # فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال : ابن عمك يخلط في علته ، فقال هاني : إن ~~شريكا يهجر منذ وقع في علته ، وانه ليتكلم بما لا يعلم (6). # فقال شريك لمسلم : ما منعك منه؟ قال خلتان ؛ الاولى : حديث علي (ع) عن PageV01P152 # رسول الله (ص): «إن الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن» (1). # والثانية : امرأة هاني ، فإنها تعلقت بي وأقسمت علي بالله أن لا أفعل هذا ~~في دارها ، وبكت في وجهي فقال هاني : يا ويلها! قتلتني وقتلت نفسها ، والذي ~~فرت منه وقعت فيه (2). # ولبث شريك بعد ذلك ms108 ثلاثة أيام ومات فصلى عليه ابن زياد (3)، ودفن ~~بالثوبة ، ولما وضح لابن زياد أن شريكا كان يحرض على قتله ، قال : والله لا ~~اصلي على جنازة عراقي أبدا ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا (4). # وأخذت اليشعة تختلف إلى مسلم بن عقيل في دار هاني على تستر واستخفاء من ~~ابن زياد وتواصوا بالكتمان ؛ فخفي على ابن زياد موضع مسلم ، فدعا معقلا ~~مولاه ، وأعطاه ثلاثة آلاف ، وأمره أن يلقى الشيعة ويعرفهم أنه من أهل ~~الشام مولى لذي الكلاع ، وقد أنعم الله عليه بحب أهل بيت رسوله ، وبلغه ~~قدوم رجل منهم إلى هذا المصر داعية للحسين ، وعنده مال يريد أن يلقاه ويوصله # وهناك سر دقيق ومغزى آخر نظر إليه (شهيد القصر) لمسناه جوهرة فريدة من ~~قول عمه أمير المؤمنين في جواب من قال له : ألا تقتل ابن ملجم؟ فقال (ع): ~~«إذن فمن يقتلني؟» ، ومن قول الحسين لام سلمة : «إذا لم أمض إلى كربلا فمن ~~يقتلني؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي؟ وبماذا يختبرون؟!» ، فإن مفاد ذلك عدم ~~قدرة أحد على تغيير المقادير الإلهية المحتمة ، وقد أجرى الله القضاء ~~بشهادة أمير المؤمنين والحسين على يد ابن ملجم ويزيد. # وإذا كان من الجائز أن يطلع أمير المؤمنين الخواص من أصحابه كميثم وحبيب ~~ورشيد وكميل على كيفية قتلهم وعلى يد من يكون ، فمن القريب جدا أن يوقف سيد ~~الشهداء (ع) مسمل بن عقيل على ما يجري عليه حرفا حرفا ؛ لأن ابن عقيل في ~~السنام الأعلى من اليقين والبصيرة النافذة ، ولكن الظرف لم يساعده على ~~إظهار هذه الأسرار ، فإن سر آل محمد مستصعب ، فأخذ يجمل في البيان ، وعليك ~~بمراجعة كتابنا (الشهيد مسلم / 134) فقد تبسطنا في إيضاح ذلك تحت عنوان ~~(مسلم لا يغدر). PageV01P153 # إليه ، فدخل معقل الجامع الأعظم ورأى مسلم بن عوسجة الأسدي يصلي ، فلما ~~فرغ دنا منه وقص عليه حاله ، فدعا له مسلم بالخير والتوفيق ، وأدخله على ~~ابن عقيل ، فدفع إليه المال وبايعه (1) وسلمه إلى أبي ثمامة الصائدي ، وكان ~~بصيرا شجاعا ومن وجوه الشيعة عينه مسلم لقبض ما ms109 يرد عليه من الأموال ؛ ~~ليشتري به سلاحا. # فكان ذلك الرجل يختلف إلى مسلم كل يوم فلا يحجب عنه ويتعرف الأخبار ، ~~ويرفعها إلى ابن زياد عند المساء (2). ### ||| * موقف هاني # ولما وضح الأمر لابن زياد وعرف أن مسلما مختبئ في دار هاني بن عروة ، دعا ~~أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وسألهم عن انقطاع هاني عنه ~~، قالوا : الشكوى تمنعه ، فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه ~~على باب داره كل عشية ، فركب هؤلاء الجماعة إليه وسألوه المسير إلى السلطان ~~فإن الجفاء لا يحتمله وألحوا عليه ، فركب بغلته ، ولما طلع عليه قال ابن ~~زياد : أتتك بخائن رجلاه (3)، والتفت إلى شريح القاضي وقال (4): # اريد حباءه ويريد قتلي %~% عذيرك من خليلك من مراد |اريد حباءه ويريد قتلي||عذيرك من خليلك من مراد| # فكتب إليه عبد الله : |وكيف يريد ذاك وأنت منه||بمنزلة النياط من الفؤاد| |وكيف يريد ذاك وأنت منه||وزندك حين يقدح من زنادي| |وكيف يريد ذاك وأنت منه||وأنت لهاشم رأس وهاد| PageV01P154 # ثم التفت إلى هاني وقال : أتيت بابن عقيل إلى دارك ، وجمعت له السلاح؟! ~~فأنكر عليه هاني وإذ كثر الجدال ، دعا ابن زياد معقلا ، ففهم هاني أن الخبر ~~أتاه من جهته ، فقال لابن زياد : إن لأبيك عندي بلاء حسنا وأنا احب مكافأته ~~، فهل لك في خير؟ تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم ؛ فإنه جاء ~~من هو أحق بالأمر منك ومن صاحبك (1)، فقال ابن زياد : وتحت الرغوة اللبن ~~الصريح (2). # فقال ابن زياد : والله لا تفارقني حتى تأتيني به ، قال : والله لو كان ~~تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، فأغلظ له ابن زياد وهدده بالقتل فقال هاني : إذا ~~تكثر البارقة حولك ، وهو يظن أن مرادا تمعنه ، فأخذ ابن زياد بظفيرتيه وقنع ~~وجهه بالسيف حتى كسر أنفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته وحبسه عنده (3). # وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانيا قتل وكانت اخته روعة تحت هاني ، وهي ام ~~يحيى بن هاني فأقبل في جمع من مذحج ، وأحاط بالقصر ms110 فلما علم به ابن زياد ، ~~أمر شريح القاضي (4) أن يدخل على هاني ويعلمهم بحياته ، قال شريح : لما ~~رآني هاني صاح بصوت رفيع : يا للمسلمين! إن دخل علي عشرة أنقذوني. فلو لم ~~يكن معي حميد بن أبي بكر الأحمري وهو شرطي ، لأبلغت أصحابه مقالته ولكن قلت ~~: إنه حي ، فحمد الله عمرو بن الحجاج وانصرف بقومه (5). ### ||| * نهضة مسلم # ولما بلغ مسلما خبر هاني ، خاف أن يؤخذ غيلة فتعجل الخروج قبل الأجل الذي ~~بينه وبين الناس ، وأمر عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه ، وقد ملأ بهم PageV01P155 # الدور حوله فاجتمع إليه أربعة آلاف ينادون بشعار المسلمين يوم بدر : (يا ~~منصور أمت). # ثم عقد لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة ، وقال : ~~سر أمامي على الخيل. وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد ، وقال ~~: انزل في الرجال. وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان. وعقد ~~للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة. # وأقبلوا نحو القصر فتحرز ابن زياد فيه وغلق الأبواب ولم يستطع المقاومة ؛ ~~لأنه لم يكن معه إلا ثلاثون رجلا من الشرطة وعشرون رجلا من الأشراف ومواليه ~~، لكن نفاق الكوفة وما جبلوا عليه من الغدر لم يدع لهم علما يخفق ، فلم يبق ~~من الأربعة آلاف إلا ثلاثمئة (1). # وقد وصفهم الأحنف بن قيس بالمومسة تريد كل يوم بعلا (2). # ولما صاح من في القصر يا أهل الكوفة اتقوا لله ولا توردوا على أنفسكم ~~خيول الشام ، فقد ذقتموهم وجربتموهم ، فتفرق هؤلاء الثلثمئة حتى أن الرجل ~~يأتي ابنه وأخاه وابن عمه فيقول له : انصرف ، والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به ~~حتى يرجع (3). # فصلى مسلم (عليه السلام) العشاء بالمسجد ومعه ثلاثون رجلا ثم انصرف نحو ~~كنده (4) ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلا وإذا لم يشاهد من يدله على الطريق ~~(6)، فنزل عن فرسه ومشى متلددا في أزقة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجه (5). # ولما تفرق الناس عن مسلم وسكن لغطهم ولم يسمع ابن زياد أصوات PageV01P156 # الرجال ، أمر من معه في القصر أن ms111 يشرفوا على ظلال المسجد لينظروا هل ~~كمنوا فيها ، فكانوا يدلون القناديل ، ويشعلون النار في القصب ويدلونها ~~بالحبال إلى أن تصل إلى صحن الجامع فلم يروا أحدا ، فأعلموا ابن زياد ، ~~وأمر مناديه أن ينادي في الناس ؛ ليجتمعوا في المسجد ، ولما امتلأ المسجد ~~بهم ، رقى المنبر وقال : إن ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلاف والشقاق ~~، فبرأت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته ، فاتقواء الله ~~عباد الله ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا. # ثم أمر صاحب شرطته ، الحصين بن تميم أن يفتش الدور والسكك ، وحذره بالفتك ~~به إن أفلت مسلم وخرج من الكوفة (1). # فوضع الحصين الحرس على أفواه السكك ، وتتبع الأشراف الناهضين مع مسلم ، ~~فقبض على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي وعمارة بن صلخب الأزدي ، فحبسهما ثم ~~قتلهما ، وحبس جماعة من الوجوه ؛ استيحاشا منهم ، وفيهم الأصبغ بن نباته ، ~~والحارث الأعور الهمداني (2). ### ||| ** حبس المختار # وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تدعى (خطوانية) (3)، فجاء ~~بمواليه يحمل راية خضراء ، ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء ، وركز ~~المختار راية على باب عمرو بن حريث وقال : أردت أن أمنع عمرا (4)، ووضح ~~لهما قتل مسلم وهاني واشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو بن ~~حريث ففعلا وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل ، فأمر ابن زياد ~~بحبسهما بعد أن شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه (5)، وبقيا في ~~السجن إلى أن PageV01P157 # قتل الحسين (عليه السلام) (1). # وأمر ابن زياد محمد بن الأشعث (2)، وشبث بن ربعي ، والقعقاع بن شور ~~الذهلي (3)، وحجار بن أبجر (4)، وشمر بن ذي الجوشن ، وعمرو بن حريث أن ~~يرفعوا راية الأمان ويخذلوا الناس (5)، فأجاب جماعة ممن خيم عليهم الفرق ، ~~وآخرون جرهم الطمع الموهوم ، واختفى الذين طهرت ظمائرهم وكانوا يترقبون فتح ~~الأبواب للحملة على صولة الباطل. ### ||| ** مسلم في بيت طوعة # وانتهى بابن عقيل السير إلى دور بني جبلة من كندة ، ووقف على باب امرأة ~~يقال لها طوعة ام ولد كانت للأشعث بن قيس أعتقها ، وتزوجها ms112 أسيد الحضرمي ~~فولدت له بلالا ، كان مع الناس ، وامه واقفة على الباب تنتظره ، فاستسقاها ~~مسلم فسقته ، واستضافها فأضافته ، بعد أن عرفها أنه ليس له في المصر أهل ~~ولا عشيرة ، وأنه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب ، وهو مسلم بن عقيل ~~فأدخلته بيتا غير الذي ياوي إليه ابنها ، وعرضت عليه الطعام فأبى ، وأنكر ~~ابنها كثرة الدخول والخروج لذلك البيت ، فاستخبرها فلم تخبره إلا بعد أن ~~حلف لها كتمان الأمر. # وعند الصباح أعلم ابن زياد بمكان مسلم ، فأرسل ابن الأشعث في سبعين من ~~قيس ليقبض عليه ، ولما سمع مسلم وقع حوافر الخيل ، عرف أنه قد اتي (6) فعجل ~~دعاءه الذي كان مشغولا به بعد صلاة الصبح ، ثم لبس لامته وقال لطوعة : قد ~~أديت ما عليك من البر ، وأخذت نصيبك من شفاعة رسول الله ، ولقد رأيت ~~البارحة عمي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي : أنت معي غدا (7). PageV01P158 # وخرج إليهم مصلتا سيفه ، وقد اقتحموا عليه الدار فأخرجهم منها ، ثم عادوا ~~إليه وأخرجهم وهو يقول : # هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع %~% فأنت بكأس الموت لا شك جارع فصبرا لأمر الله جل جلاله %~% فحكم قضاء الله في الخلق ذايع # فقتل منهم واحدا وأربعين رجلا (1)، وكان من قوته يأخذ الرجل بيده ويرمي ~~به فوق البيت (2). # وأنفذ ابن الأشعث إلى ابن زياد يستمده الرجال ، فبعث إليه اللائمة ، ~~فأرسل إليه : أتظن أنك أرسلتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من ~~جرامقة الحيرة (3) وإنما أرسلتني إلى سيف من أسياف محمد بن عبد الله ، فمده ~~بالعسكر (4). # واشتد القتال فاختلف مسلم وبكير بن حمران الأحمري بضربتين ، ضرب بكير فم ~~مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السيف إلى السفلى ونصلت لها ثنيتان ، وضربه ~~مسلم على رأسه ضربة منكرة واخرى على حبل العاتق حتى كادت أن تطلع إلى جوفه ~~، فمات (5). # ثم أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان ~~القصب (6) ويلقونها عليه ، فشد عليهم يقاتلهم في السكة ، وهو يرتجز بأبيات ~~حمران بن مالك : # أقسمت لا اقتل إلا حرا ms113 %~% وان رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا %~% ويخلط البارد سخنا مرا PageV01P159 رد شعاع النفس فاستقر %~% اخاف ان أكذب او اغرا (1) # وأثخنته الجراحات ، وأعياه نزف الدم ، فاستند إلى جنب تلك الدار ، ~~فتحاملوا عليه يرمونه بالسهام والحجارة ، فقال : مالكم ترموني بالحجارة كما ~~ترمى الكفار ، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، ألا ترعون حق رسول الله ~~في عترته؟ # فقال له ابن الأشعث : لا تقتل نفسك وأنت في ذمتي ، قال مسلم : أاوسر وبي ~~طاقة؟! لا والله لا يكون ذلك أبدا ، وحمل على ابن الأشعث فهرب منه ، ثم ~~حملوا عيه من كل جانب وقد اشتد به العطش ، فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى ~~الأرض واسر (2). # وقيل : إنهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب ، ثم انكشفوا بين يديه حتى ~~إذا وقع فيها أسروه (3). # ولما انتزعوه سيفه ، دمعت عينه فتعجب عمرو بن عبيد الله السلمي من بكائه. ### ||| ** مسلم وابن زياد # وجيء به إلى ابن زياد ، فرأى على باب القصر قلة مبردة فقال : اسقوني من |أقسمت لا اقتل إلا حرا||إني رأيت الموت شيئا نكرا| # أكره أن اخدع أو اغرا |ويل حمران أخا مظنه||أوفى على الخير ولم يمنه| |والطاعن النجلاء مرثعنه||عائدها مثل وكيف الشنه| PageV01P160 # هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي (1): لا تذوق منها قطرة حتى ~~تذوق الحميم في نار جهنم ، قال مسلم (ع): من أنت؟ قال : أنا من عرف الحق ~~إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته ، فقال له ابن عقيل : لامك الثكل ، ما ~~أقساك وأفظك ، أنت ابن باهلة أولى بالحميم ، ثم جلس وتساند إلى حائط القصر (2). # فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلاما له يدعى قيسا (3) فأتاه بالماء ، ~~وكلما أراد أن يشرب ، امتلأ القدح دما ، وفي الثالثة ذهب ليشرب فامتلأ ~~القدح دما وسقطت فيه ثناياه فتركه وقال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته. # وخرج غلام ابن زياد فأدخله عليه ، فلم يسلم ، فقال له الحرسي : ألا تسلم ~~على الأمير؟ قال له : اسكت إنه ليس لي بأمير (4)، ويقال أنه قال : السلام ~~على من ms114 اتبع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى ، فضحك ابن زياد ~~وقال : سلمت أو لم تسلم إنك مقتول (5)، فقال مسلم : إن قتلتني فلقد قتل من ~~هو شر منك من هو خيرا مني ، وبعد فإنك لا تدع سوء القتلة ولا قبح المثلة ~~وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك. # فقال ابن زياد : لقد خرجت على إمامك ، وشققت عصا المسلمين ، والقحت ~~الفتنة ، قال مسلم : كذبت إنما شق العصا معاوية وابنه يزيد ، والفتنة ~~ألقحها أبوك ، وأنا أرجوا أن يرزقني الله الشهادة على يد شر بريته (6). # ثم طلب مسلم أن يوصي إلى بعض قومه فأذن له ونظر إلى الجلساء فرأى عمر بن ~~سعد ، فقال له : إن بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، ويجب عليك نجح ~~حاجتي وهي سر. فأبى أن يمكنه من ذكرها ، فقال ابن زياد : لا تمتنع أن تنظر ~~في حاجة ابن عمك ، فقام معه بحيث يراهما ابن زياد ، فأوصاه مسلم أن PageV01P161 # يقضي من ثمن سيفه ودرعه دينا استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمئة درهم (1) ~~، وأن يستوهب جثته من ابن زياد ويدفنها ، وأن يكتب إلى الحسين بخبره. فقام ~~عمر بن سعد إلى ابن زياد وأفشى كل ما أسره إليه فقال ابن زياد : لا يخونك ~~الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن (2). # ثم التفت ابن زياد إلى مسلم وقال : أيها يابن عقيل ، أتيت الناس وهم جمع ~~ففرقتهم ، قال : كلا ، لست أتيت لذلك ، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل ~~خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل ~~وندعوا إلى حكم الكتاب. # قال ابن زياد : ما أنت وذاك أو لم نكن نعمل فيهم بالعدل؟ فقال مسلم : إن ~~الله ليعلم إنك غير صادق ، وإنك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن ، فشمته # ثم انه لم تخف على شهيد القصر مسلم (عليه السلام) نفسية عمر بن سعد ولم ~~يجهل دنس أصله ولكنه أراد ان يعرف الكوفيين مبلغه من المروءة والحفاظ كي لا ~~يغتر به احد ، وهناك سر آخر وهو ارشاد الملأ الكوفي إلى أن أهل البيت ms115 ~~(عليهم السلام) وولاتهم لم يقصدوا الا الاصلاح ونشر الدعوة الإلهية وهذا ~~الوالي من قبلهم لم يمد يده الى بيت المال وكان له ان يتصرف فيه كيف شاء ~~غير انه قضى أيامه البالغة أربعا وستين بالاستدانة وهكذا ينبغي أن تسير ~~الولاة فلا يتخذون مال الفقراء مغنما ... ولقد ذكرني هذا (الخائن) بقصة ~~خالد القسري على كتمان السر لأنه من شيم العرب واخلاق الاسلام مع ما يحمله ~~من المباينة لنبي الاسلام (صلى الله عليه وآله) وشتم سيد الأوصياء على ~~المنابر وقوله فيه ما لا يسوغ لليراع ان يذكره وذلك أن الوليد بن عبد الملك ~~أراد الحج فعزم جماعة على اغتياله وطلبوا من خالد المشاركة معه فأبى ، ~~فقالوا له اكتم علينا ، فأتى خالد الوليد وقال له دع الحج هذا العام فاني ~~خائف عليك قال الوليد من الذين تخافهم علي؟ سمهم لي ، فامتنع أن يسمهم وقال ~~: اني نصحتك ولن اسمهم لك فقال اني ابعث بك الى عدوك يوسف بن عمر قال : وان ~~فعلت فلن اسمهم فبعث به الى يوسف فعذبه ولم يسمهم فسجنه ثم وضع على صدره ~~المضرسة فقتل سنة 126 ه عن ستين سنة ودفن بناحية ، وعقر عامر بن سهل ~~الأشعري فرسه على قبره فضربه يوسف سبعمائة سوط ولم يرثه احد من العرب على ~~كثرة أياديه عندهم الا ابا الشغب العبسي قال : |ألا ان خير الناس حيا وها||لكا أسير سقيف عندهم في السلاسل| |لعمري لقد عمرتم السجن خالدا||وأوطأتموه وطأة المتثاقل| |فان تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه||ولا تسجنوا معروفه في القبائل| # تهذيب ابن عساكر ج 5 ص 79. PageV01P162 # ابن زياد وشتم عليا وعقيلا والحسين (1)، فقال مسلم : أنت وأبوك أحق ~~بالشتم ، فاقض ما أنت قاض يا عدو الله (2). # فأمر ابن زياد رجلا شاميا (3) أن يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه ، ~~ويرمي رأسه وجسده إلى الأرض ، فأصعده إلى أعلى القصر ، وهو يسبح الله ~~ويهلله ويكبره (4) ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا ~~وكذبونا ، وتوجه نحو المدينة وسلم على الحسين (5). # وأشرف به الشامي على ms116 موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى الأرض ~~(6)، ونزل مذعورا ، فقال له ابن زياد : ما شأنك؟ قال : رأيت ساعة قتله ~~رجلا أسود سيء الوجه حذائي عاضا على إصبعه ، ففزعت منه فقال ابن زياد : ~~لعلك دهشت (7). # ثم أخرج هاني إلى مكان من السوق يباع فيه الغنم وهو مكتوف ، فجعل يصيح ~~وآمذحجاه! ولا مذحج لي اليوم ، وآمذحجاه! وأين مني مذحج؟ فلما رأى أن أحدا ~~لا ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال : أما من عصا أو سكين أو حجر أو ~~عظم يدافع رجل عن نفسه؟ ووثبوا عليه وأوثقوه كتافا وقيل له : مد عنقك ، ~~فقال : ما أنا بها سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي ، فضربه بالسيف مولى ~~لعبيد الله ابن زياد تركي يقال له رشيد ، فلم يصنع فيه شيئا فقال هاني : ~~إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ، ثم ضربه اخرى فقتله. وهذا العبد ~~قتله عبد الرحمن بن الحصين المرادي رآه مع عبيد الله ب (الخازر) (8). # وأمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني بالحبال من أرجلهما في الأسواق (9) PageV01P163 # وصلبهما بالكناسة منكوسين (1)، وأنفذ الرأسين إلى يزيد ، فنصبهما في درب ~~من دمشق (2). # وكتب إلى يزيد : أما بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقه ~~وكفاه مؤنة عدوه ، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أن مسلم بن عقيل لجأ إلى ~~دار هاني بن عروة المرادي ، وإني جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال ~~وكدتهما حتى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما فضربت أعناقهما ، وبعثت إليك ~~برأسيهما مع هاني بن أبي حية الوادعي الهمداني ، والزبير بن الاروح التميمي ~~، وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة ، فليسألهما أمير المؤمنين عما أحب ، ~~فإن عندهما علما وصدقا وفهما وورعا ، والسلام. # وكتب يزيد إلى ابن زياد : أما بعد ، فإنك لم تعد أن كنت كما احب ، عملت ~~عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظني ~~بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما ، فوجدتهما في رأيهما ~~وفضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيرا ، وإنه قد بلغني أن الحسين بن علي قد ~~توجه نحو العراق ms117 ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظن ، وخذ على ~~التهمة (3)، وهذا الحسين قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلادك من بين ~~البلدان ، وابتليت # وفي مضمار الحقائق لصاحب حماة محمد بن تقي الدين الأيوبي / 12 : أن بعضهم ~~قطع اذنه وذلك في 15 ذي القعدة سنة (575 ه). PageV01P164 # به من بين العمال ، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما تعبد العبيد (1) فأما ~~أن تحاربه أو تحمله إلي (2). # سقتك دما يا ابن عم الحسين %~% مدامع شيعتك السافحة ولا برحت هاطلات العيون %~% تحييك غادية رائحة لانك لم ترو من شربة %~% ثناياك فيها غدت طائحة رموك من القصر إذ اوثقوك %~% فهل سلمت فيك من جارحة وسحبا تجر بأسواقهم %~% ألست أميرهم البارحة أتقضي ولم تبكك الباكيات %~% أمالك في المصر من نائحة لئن تقض نحبا فكم في زرود %~% عليك العشية من صائحة (3) ### ||| * السفر إلى العراق # لما بلغ الحسين إن يزيد انفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر ، وأمره على ~~الحاج ، وولاه أمر الموسم ، وأوصاه بالفتك بالحسين أينما وجد (4)، عزم على ~~الخروج من مكة قبل إتمام الحج ، واقتصر على العمرة ؛ كراهية أن تستباح به ~~حرمة البيت (5). PageV01P165 ### ||| ** خطبته (ع) في مكة # وقبل أن يخرج قام خطيبا فقال : «الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا ~~بالله وصلى الله على رسوله ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد ~~الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا ~~لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلاء ، فيملأن ~~مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضى الله رضانا ~~أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين. لن تشذ عن رسول الله ~~لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقر بهم عينه وينجز بهم وعده. ~~ألا من كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فإني ~~راحل مصبحا إن شاء الله تعالى» (1). # وكان خروجه (ع) من مكة لثمان مضين من ذي الحجة ، ومعه أهل بيته ومواليه ~~وشيعته من ms118 أهل الحجاز والبصرة والكوفة الذين انضموا إليه أيام إقامته بمكة ~~وأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير وجملا يحمل عليه زاده (2). ### ||| ** محاولات لصرفه عن السفر # وسأله جماعة من أهل بيته وغيرهم التريث عن هذا السفر حتى يستبين له حال ~~الناس ؛ خوفا من غدر الكوفيين وانقلاب الأمر عليه ، ولكن (أبي الضيم) لم ~~تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لكل من قابله ؛ لأن الحقائق ~~كما هي لا تفاض لأي متطلب بعد تفاوت المراتب واختلاف الأوعية سعة وضيقا ، ~~فكان (عليه السلام) يجيب كل واحد بما يسعه ظرفه وتتحمله معرفته. # فيقول لابن الزبير : «إن أبي حدثني أن بمكة كبشا به تستحل حرمتها ، فما ~~احب أن أكون ذلك الكبش ، ولئن اقتل خارجا منها بشبر أحب إلي من أن اقتل ~~فيها (3)، وأيم الله لو كنت في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى ~~يقضوا في حاجتهم ، والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت». PageV01P166 # ولما خرج من عنده ابن الزبير قال الحسين (ع) لمن حضر عنده : «إن هذا ليس ~~شيء من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز ، وقد علم أن الناس لا ~~يعدلونه بي ، فود أني خرجت حتى يخلو له» (1). # وأتاه محمد بن الحنفية في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها إلى العراق ~~وقال : عرفت غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك ، وإني أخاف أن يكون حالك حال من ~~مضى ، فأقم هنا فإنك أعز من في الحرم وأمنعه فقال الحسين (ع): «أخاف أن ~~يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت» ، ~~فأشار عليه ابن الحنفية بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ، فوعده أبو ~~عبد الله في النظر في هذا الرأي. # وفي سحر تلك الليلة ارتحل الحسين (ع)، فأتاه ابن الحنفية وأخذ بزمام ~~ناقته وقد ركبها وقال : ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال : «بلى ، ولكن بعد ~~ما فارقتك أتاني رسول الله (ص) وقال : يا حسين اخرج ، فإن الله تعالى شاء ~~أن يراك قتيلا» ، فاسترجع محمد ، وحينما لم يعرف الوجه في ms119 حمل العيال معه ، ~~وهو على مثل هذا الحال قال له الحسين (ع): «قد شاء الله تعالى أن يراهن ~~سبايا» (2). # وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيار مع ابنيه عون ومحمد : أما بعد ، فإني ~~أسألك الله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فإني مشفق عليك من هذا الوجه ~~أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إن هلكت اليوم ، اطفئ نور الأرض ، ~~فإنك علم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير ، فإني في أثر كتابي ~~، والسلام. # ثم أخذ عبد الله كتابا من عامل يزيد على مكة عمرو بن سعيد بن العاص فيه ~~أمان للحسين وجاء به إلى الحسين ومعه يحيى بن سعيد بن العاص وجهد أن يصرف ~~الحسين عن الوجه الذي أراده فلم يقبل أبو عبد الله (ع) وعرفه أنه رأى رسول ~~الله في المنام وأمره بأمر لابد من انفاذه ، فسأله عن الرؤيا ، فقال : «ما ~~حدثت بها أحدا ، وما أنا محدث بها حتى ألقى ربي عز وجل» (3). PageV01P167 # وقال له ابن عباس : يابن العم ، إني أتصبر وما أصبر ، وأتخوف عليك في هذا ~~الوجه الهلاك والاستئصال. إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم. أقم في هذا ~~البلد فإنك سيد أهل الحجاز ، وأهل العراق إن كانوا يريدونك كما زعموا ~~فلينفوا عاملهم وعدوهم ثم اقدم عليهم ، فإن أبيت إلا أن تخرج ، فسر إلى ~~اليمن ، فإن بها حصونا وشعابا وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك فيها شيعة وأنت ~~عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك ، فإني أرجو أن يأتيك ~~عند ذلك الذي تحب في عافية. # فقال الحسين (ع): «يابن العم ، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق ، وقد ~~أزمعت على المسير». # فقال ابن عباس : إن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فإني لخائف أن ~~تقتل وهم ينظرون إليك ، فقال الحسين : «والله ، لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه ~~العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل ~~من فرام المرأة» (1). ### ||| ** توجيه لدواعي السفر # هذه غاية ما وصل إليه إدراك من رغب في تريث الحسين ms120 (ع) عن السفر إلى ~~العراق ، وأبو عبد الله لم تخف عليه نفسيات الكوفيين وما شيبت به من الغدر ~~والنفاق ، ولكن ماذا يصنع بعد إظهارهم الولاء والانقياد له والطاعة لأمره؟ ~~وهل يعذر أمام الامة في ترك ما يطلبونه من الإرشاد والإنقاذ من مخالب ~~الضلال وتوجيههم إلى الأصلح المرضي لرب العالمين؟ مع أنه لم يظهر منهم الشقاق |وجدتك فيها كام الغلام||متى ما تجد فارما تفترم| PageV01P168 # والخلاف ، واعتذاره (ع) عن المصير إليهم بما جبلوا عليه من الخيانة كما ~~فعلوا مع أبيه وأخيه يسبب إثارة اللوم من كل من يبصر ظواهر الأشياء ، ~~والإمام المقيض لهداية البشر أجل من أن يعمل عملا يكون للامة الحجة عليه ، ~~والبلاد التي أشار بها ابن عباس (1) وغيره لا منعة فيها ، وما جرى من بسر ~~بن أرطاة مع أهل اليمن تؤكد وهنهم في المقاومة والضعف عن رد الباغي. # وعلى هذا فابن عباس وغيره أقل رتبة من هؤلاء الافذاذ ومن شهداء الطف ، ~~مهما نعترف له بالموالاة الصادقة لأمير المؤمنين وولده الاطهار. فان حديثه ~~مع ميثم التمار يرشدنا الى عدم بلوغه تلكم المنازل العالية التي حواها ميثم ~~وأمثاله ... ففي رجال الكشي ص 54أن ابن عباس اجتمع مع ميثم بالمدنية ، فقال ~~ميثم سل يا ابن عباس ما شئت من تفسير القرآن فلقد قرأت تنزيله على امير ~~المؤمنين (ع) فعلمني تأويله ، فاخذ ابن عباس القرطاس ليكتب فقال له ميثم ~~كيف بك لو رأيتني مصلوبا على خشبة تاسع تسعة أقربهم من المطهرة فتعجب ابن ~~عباس من هذا العبد الاسدود المخبر عن الغيب ، فرمى القرطاس وقال انك تكهن ~~علي ، فقال ميثم يا ابن عباس احتفظ بما سمعت مني فان يكن حقا امسكته وان ~~يكن باطلا خرقته فكتب ابن عباس عن ميثم ما وعاه عن أمير المؤمنين من تفسير ~~القرآن. # وعلى هذا فما يتحدث بن ابن الابار في تكملة الصلة ج 2 ص 600 طبع ثاني من ~~أن ابن عباس كان يقول له فسرت (الحمد الله رب العالمين) على كنهم ما حملت ~~ابل الأرض كتب تفسيرها ms121 لا نصيب له من الصحة وهو من موضوعات دعاة بني العباس ~~، أرادوا به المقابلة لقول سيد الاوصياء المروي في احياء العلوم للغزالي ج ~~1 ص 260 (فصل القرآن الباب الرابع) في التفسير بالرأي ، وعلم القلوب لابي ~~طالب المكي ص 72 والاتقان للسيوطي ج 2 ص 186 النوع 28 فيما يرجع الى تفسير ~~القرآن ، والمحجة البيضاء للفيض الكاشاني ج 1 ص 251 في التفسير بالرأي : أن ~~أمير المؤمنين قال لو شئت لا وقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب. # وفي سعد السعود لابن طاووس ص 286 نقلا عن العلم اللدني للغزالي : انه (ع) ~~قال : لو اذن الله لي ورسوله لشرحت ألف الفاتحة حتى يبلغ أربعين جملا! ~~وحكاه في البحار ج 9 ص 277 وص 463 طبع كمبني ولا غرابة ممن هو النقطة تحت ~~باء البسملة! ففي مقدمة تفسير القرآن للشيخ محمد حسين الاصفهاني روى عن ~~أمير المؤمنين (ع) أنه قال : كل ما في القرآن في الحمد وكل ما في الحمد في ~~البسملة وما في البسملة في الباء وما في الباء في النقطة ، وانا النقطة ~~تحتها .. وفي العنايات الرضوية تكلم في شرحه ص 119 .. PageV01P169 # وبهذا يصرح الشيخ الشوشتري أعلى الله مقامه فإنه قال : كان للحسين ~~تكليفان واقعي وظاهري : # أأما الواقعي الذي دعاه للإقدام على الموت وتعريض عياله للأسر وأطفاله ~~للذبح مع علمه بذلك ، فالوجه فيه : أن عتاة بني امية قد اعتقدوا أنهم على ~~الحق وأن عليا وأولاده وشيعتهم على الباطل حتى جعلوا سبه من أجزاء صلاة ~~الجمعة ، وبلغ الحال ببعضهم أنه نسي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في ~~السفر فقضاه. وبنوا مسجدا سموه (مسجد الذكر)، فلو بايع الحسين يزيد وسلم ~~الأمر إليه ، لم يبق من الحق أثر ، فإن كثيرا من الناس يعتقد بأن المحالفة ~~لبني امية دليل استصواب رأيهم وحسن سيرتهم ، وأما بعد محاربة الحسين لهم ~~وتعريض نفسه المقدسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ، فقد تبين ~~لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقيته بالأمر وضلال من بغى عليه. # ب وأما التكليف الظاهري ms122 : فلأنه (ع) سعى في حفظ نفسه وعياله بكل وجه ، ~~فلم يتيسر له وقد ضيقوا عليه الأقطار حتى كتب يزيد إلى عامله على المدينة ~~أن يقتله فيها ، فخرج منها خائفا يترقب فلاذ بحرم الله الذي هو امن الخائف ~~وكهف المستجير ، فجدوا في إلقاء القبض عليه أو قتله غيلة ولو وجد متعلقا ~~بأستار الكعبة ، فالتزم بأن يجعل احرامه عمرة مفردة وترك التمتع بالحج ، ~~فتوجه إلى الكوفة ؛ لأنهم كاتبوه وبايعوه وأكدوا المصير إليهم ؛ لإنقاذهم ~~من شرور الامويين ، فألزمه التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماما ~~للحجة عليهم ؛ لئلا يعتذروا يوم الحساب بأنهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ~~ظلم الجائرين ، فاتهمهم بالشقاق ولم يغثهم ، مع أنه لو لم يرجع إليهم فإلى ~~أين يتوجه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت؟ وهو معنى قوله (ع) لابن الحنفية : ~~«لو دخلت في جحر هامة من هذه الهوام ، لاستخرجوني حتى يقتلوني». # وقال (ع) لأبي هرة الأسدي : «إن بني امية أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي ~~فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت» (1). PageV01P170 # ولم يبق بمكة أحد إلا حزن لمسيره ، ولما أكثروا القول عليه أنشد أبيات ~~أخي الأوس لما حذره ابن عمه من الجهاد مع رسول الله (ص). # سأمضي فما بالموت عار على الفتى %~% إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه %~% وفارق مثبورا وخالف مجرما # ثم قرأ : ( @QUR@05 وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (1). # وسامته أن ينقاد للسلم ضارعا %~% لديها ويأبى العز أن يضرع الحر فقال ردي يا نفس من سورة الردى %~% فعند ورود الضيم يستعذب المر وحفت به من آله خير فتية %~% لها ينتمي المجد المؤثل والفخر إذا هي سارت في دجي الليل أزهرت %~% وباهت سواري النجم اوجهها الزهر بكل كمي فوق اجرد سابح %~% يتيه به في مشيه الدل والكبر إذا خف في الهيجاء وقر بمتنه %~% بنجدة بأس فاطمأن له ظهر ويلطم خد الأرض لكن وجهها %~% بنضح دم الأعداء لا اللطم يحمر هم القوم من عليا لوي وغالب %~% بهم تكشف الجلى ويستدفع الضر يحيون هندي السيوف باوجه %~% وحد المواضي باسم الغر يفتر ms123 يلفون آحاد الالوف بمثلها %~% تهلل من لئلاء طلعتها البشر بيوم به وجه المنون مقطب %~% إذا حل من معقود راياتها نشر إذا اسود يوم النقع اشرقن بابها %~% لهم اوجه والشوس ألوانها صفر وما وقفوا في الحرب إلا ليعبروا %~% إلى الموت والخطي من دونه جسر يكرون والأبطال نكصا تقاعست %~% من الخوف والآساد شيمتها الكر الى أن ثووا تحت العجاج بمعرك %~% هو الحشر لا بل دون موقفه الحشر وماتوا كراما تشهد الحرب انهم %~% أباة إذا ألوى بهم حادث نكر علهيم من الهندي بيض عصائب %~% تروق ومن وشي الدما حلل حمر وعاد أبي الضيم بين عداته %~% وناصره البتار والارن المهر فغبر في يوم الكفاح باوجه %~% الكتائب والآفاق شاحبة غبر PageV01P171 إذا نظمت حب القلوب قناته %~% فللسيف في أعناق أعدائه نثر فلا الوتر وتر حين تقترع الظبى %~% ولا الشفع شفع حين تشتبك السمر ولو شاء أن يفني الاعادي لزلزل %~% الوجود بهم لكنما قضي الأمر وآثر أن يسعى إلى الموت صابرا %~% ونفس أبي الضيم شيمتها الصبر فأضحى على الرمضاء شلوا تناهبت %~% حشاه العوالي والمهندة البتر قضى بين أطراف الأسنة ظاميا %~% بحر حشى من دون غلتها الجمر فلهفي عليه فوق صالية الثرى %~% على جسمه تجري المسومة الضمر أبا حسن شكوى اليك وانها %~% لواعج أشجان يجيش بها الصدر أتدري بما لاقت من الكرب والبلا %~% وما واجهت بالطف أبناؤك الغر أعزيك فيهم انهم وردوا الردى %~% بأفئدة ما بل غلتها قطر وثاوين في حر الهجيرة بالعرا %~% عليهم سوافي الريح بالترب تنجر متى أيها الموتور تبعث غارة %~% تعيد العدى والبر من دمهم بحر أتغضي وأنت المدرك الثار عن دم %~% برغم الهدى أضحى وليس له وتر وتلك بجنب الطف فتيان هاشم %~% ثوت تحت أطراف القنا دمها هدر فلا صبر حتى ترفعوها ذوابلا %~% من الخط لا يلوي بخرصانها كسر وتقتدحوها بالصوارم جذوة %~% من الحرب يصلى جمرها الجحفحل المجر وتبتعثوها في المغار صوأهلا %~% من الخيل مقرونا بأعرافها النصر فكم نكأت منكم أمية قرحة %~% إلى الحشر لا يأتي على جرحها السبر فمن صبية قد ارضعتها أمية ms124 %~% ضروع المنايا والدماء لها در فها هي صرعى والسهام عواطف %~% حنوا عليها والرمال لها حجر ومن حرة بعد المقاصير أصبحت %~% بمقفرة كالجمر يوقدها الحر وزاكية لم تلف في النوح مسعدا %~% سوى انها بالسوط يزجرها زجر ومذعورة أضحت وخفاق قلبها %~% تكاد شظاياه يطير بها الذعر ومذهولة من دهشة الخيل ابرزت %~% عشية لا كهف لديها ولا خدر تجاذبها أيدي العدو خمارها %~% فتستر بالايدي اذا أعوز الستر سرت تتراماها العداة سوافرا %~% يروح بها مصر ويغدو بها مصر ربيبات خدر أين منهن خطة %~% الموامي ولا يدرين ما السهل والوعر PageV01P172 تطوف بها الأعداء في كل مهمه %~% فيجذبها قفر ويقذفها قفر (1) ### ||| * التنعيم # وسار الحسين من مكة ومر بالتنعيم (2)، فلقى عيرا عليها ورس وحلل أرسلها ~~إلى يزيد بن معاوية واليه على اليمن ، بحير بن يسار الحميري ، فأخذها ~~الحسين (ع) وقال لأصحاب الإبل : «من أحب منكم أن ينصرف معنا إلى العراق ~~أوفينا كراءه وأحسنا صحبته ، ومن أحب المفارقة أعطيناه من الكراء على ما ~~قطع من الأرض» ، ففارقه بعضهم ومضى من أحب صحبته (3). # وكان الحسين (ع) يرى أن هذا ماله الذي جعله الله تعالى له يتصرف فيه كيف ~~شاء ؛ لأنه إمام على الامة منصوب من المهيمن سبحانه ، وقد اغتصب يزيد وأبوه ~~حقه وحق المسلمين ، فكان من الواجب عليه أن يحتوي على فيء المسلمين لينعش ~~المحاويج منهم ، وقد أفاض على الأعراب الذين صحبوه في الطريق ورفعوا إليه ~~ما مسهم من مضض الفقر ، غير أن محتوم القضاء لم يمكن سيد شباب أهل الجنة من ~~استرداد ما اغتصبه الجائرون من أموال امة النبي الأعظم (ص) وإن ارتفعت ~~بتضحيته المقدسة عن البصائر حجب التمويه ، وعرفوا ضلال المستعدين على ~~الخلافة الإلهية. PageV01P173 ### ||| * الصفاح # وفي الصفاح لقي الحسين (ع) الفرزدق بن غالب الشاعر ، فسأله عن خبر الناس ~~خلفه ، فقال الفرزدق : قلوبهم معك والسيوف مع بني امية ، والقضاء ينزل من ~~السماء. فقال أبو عبد الله (ع): «صدقت لله الأمر ، والله يفعل ما يشاء ، ~~وكل يوم ربنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ms125 وهو ~~المستعان على أداء الشكر ، وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق ~~نيته والتقوى سريرته» ، ثم سأله الفرزدق عن نذور ومناسك ، وافترقا (1). # ويروى عن الفرزدق أنه قال : خرجت من البصرة اريد العمرة فرأيت عسكرا في ~~البرية ، فقلت : عسكر من؟ قالوا عسكر حسين بن علي ، فقلت : لأقضين حق رسول ~~الله (ص) فأتيته وسلمت عليه ، فقال : «من الرجل؟» قلت : الفرزدق بن غالب ، ~~فقال : هذا نسب قصير ، قلت : أنت أقصر مني نسبا أنت ابن بنت رسول الله (2). ### ||| * ذات عرق # وسار أبو عبد الله (ع) لا يلوي على أحد ، فلقي في ذات عرق (3) بشر PageV01P174 # ابن غالب وسأله عن أهل الكوفة قال : السيوف مع بني امية والقلوب معك قال ~~(ع): «صدقت» (1). # وحدث الرياشي عمن اجتمع مع الحسين (ع) في أثناء الطريق إلى الكوفة يقول ~~الراوي : بعد أن حججت انطلقت أتعسف الطريق وحدي ، فبينا أسير إذ رفعت طرفي ~~إلى أخبية وفساطيط فانطلقت نحوها فقلت : لمن هذه الأخبية؟ قالوا : للحسين ~~بن علي ، وابن فاطمة (عليهم السلام) وانطلقت نحوه فإذا هو متكئ على باب ~~الفسطاط يقرأ كتابا بين يديه فقلت : يابن رسول الله (ص) بأبي أنت وامي ، ما ~~أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة؟ قال (عليه السلام) ~~: «إن هؤلاء أخافوني ، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك ولم ~~يدعوا لله محرما إلا انتهكوه ، بعث الله إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من ~~فرام الأمة» (2). ### ||| * الحاجر # ولما بلغ الحاجر (3) من بطن الرمة كتب إلى أهل الكوفة جواب كتاب مسلم ابن ~~عقيل وبعثه مع قيس بن مسهر الصيداوي (4) وفيه : «أما بعد ، فقد ورد علي PageV01P175 # كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بحقنا ، فسألت الله ~~أن يحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكة يوم ~~الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة ، فإذا قدم عليكم رسولي ، فانكمشوا في ~~أمركم ، فإني قادم في أيامي هذه». ### ||| * بعض العيون # وسار من الحاجر ، وكان لا يمر بماء من مياه ms126 العرب إلا اتبعوه (1)، ~~فانتهى إلى ماء من مياه العرب عليه عبد الله بن مطيع العدوي ، ولما عرف أن ~~الحسين قاصد للعراق قال له : اذكرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أن ~~تنتهك ، انشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني امية ~~ليقتلوك ، ولئن قتلوك لا يهابوا أحدا بعدك. فأبى الحسين إلا أن يمضي (2). ### ||| * الخزيمية # وأقام (عليه السلام) في الخزيمية (3) يوما وليلة فلما أصبح أقبلت إليه ~~اخته زينب (عليها السلام) وقالت : إني سمعت هاتفا يقول : # ألا يا عين فاحتفلي بجهد %~% فمن يبكي على الشهداء بعدي على قوم تسوقهم المنايا %~% بمقدار إلى انجاز وعد # فقال يا اختاه كل الذي قضي فهو كائن (4). PageV01P176 ### ||| * زرود # ولما نزل الحسين في زرود (1) نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي (2)، ~~وكان غير مشايع له ، ويكره النزول معه ، لكن الماء جمعهم في المكان. وبينا ~~زهير وجماعة على طعام صنع لهم إذ أقبل رسول الحسين يدعو زهيرا إلى سيده أبي ~~عبد الله (ع)، فتوقف زهير عن الإجابة غير أن امرأته دلهم بنت عمرو حثته ~~على المسير إليه وسماع كلامه (3). # فمشى زهير إلى الحسين (ع)، وما أسرع أن عاد إلى أصحابه فرحا قد أسفر ~~وجهه وأمر بفسطاطه وثقله فحول إلى جهة سيد شباب أهل الجنة ، وقال لامرأته : ~~الحقي بأهلك ، فإني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير. ثم قال لمن معه : من ~~أحب منكم نصرة ابن الرسول (ص) وإلا فهو آخر العهد. # ثم حدثهم بما أوعز به سلمان الفارسي من هذه الواقعة فقال : غزونا بلنجر ~~(4) ففتحنا وأصبنا الغنائم ، وفرحنا بذلك ، ولما رأى سلمان الفارسي (5) ما ~~نحن فيه من السرور قال : إذا أدركتم سيد شباب آل محمد (صلى الله عليه وآله) فكونوا PageV01P177 # أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم. فأما أنا فأستودعكم الله (1). # فقالت زوجته : خار الله لك وأسألك أن تذكرني يوم القيامة عند جد الحسين ~~(عليه السلام) (2). # وفي زرود اخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، فاسترجع كثيرا وترحم ~~عليهما مرارا (3) وبكى ، وبكى معه ms127 الهاشميون وكثر صراخ النساء حتى ارتج ~~الموضع لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع كل مسيل (4). # فقال له عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديان : ننشدك الله يابن ~~رسول الله ألا انصرفت من مكانك هذا ؛ فإنه ليس لك بالكوفة ناصر. # فقام آل عقيل وقالوا : لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا ، ~~فنظر إليهم الحسين وقال : «لا خير في العيش بعد هؤلاء» (5). # فيا ابن عقيل فدتك النفو %~% س لعظم رزيتك الفادحة لنبك لها بمذاب القلو %~% ب فما قدر ادمعنا المالحة وكم طفلة لك قد اعولت %~% وجمرتها في الحشا قادحة يعززها السبط في حجره %~% لتغدو في قربه فارحة (6) تقول : مضى عم مني أبي %~% فمن ليتيمته النائحة (7) ثكول تبيت بليل اللسيع %~% تعج وعن دارها نازحة وكم من كمي بأحشائه %~% تركت زناد الاسى قادحه PageV01P178 دربت ابن عمك يوم الطفو %~% ف نعاك باسرته الناصحة تحف به منهم فتية %~% صباح واحسابهم واضحة بكاك بماضي الشبا والوغى %~% وجوه المنايا بها كالحة أقام بضرب الطلى مأتما %~% عليك وبيض الظبى نائحة ونادى عشيرتك الاقربين %~% خذي الثأر يا اسرة الفاتحة وخاض بهم في غمار الحتو %~% ف ولكنها بالظبى طائحة وقال لها : يا نزار النزال %~% فحربك في جدها مازحة (1) ### ||| * الثعلبية # وفي الثعلبية أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى : ( @QUR@05 يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم ) فقال (عليه السلام): «إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه ، وإمام ~~دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها ، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، وهو قوله ~~تعالى : ( @QUR@06 فريق في الجنة وفريق في السعير ) (2). # وفي هذا المكان اجتمع به رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين : «أما والله ~~، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل في دارنا ونزوله بالوحي على جدي. يا ~~أخا أهل الكوفة ، من عندنا مستقى العلم ، أفعلموا وجهلنا؟! هذا مما لا ~~يكون» (3). وحديث بجير من أهل الثعلبية ، قال مر الحسين بنا وأنا غلام ~~فقال له أخي : يابن بنت رسول الله أراك في قلة من الناس ، فأشار بالسوط إلى ~~حقيبة لرجل وقال : «هذه مملوءة كتبا» (4). PageV01P179 ### ||| * الشقوق # وفي الشقوق ms128 (1) رأى الحسين رجلا (2) مقبلا من الكوفة فسأله عن أهل العراق ~~فأخبره أنهم مجتمعون عليه فقال (عليه السلام): «إن الأمر لله ، يفعل ما ~~يشاء ، وربنا تبارك هو كل يوم في شأن» ، ثم أنشد. # فإن تكن الدنيا تعد نفيسة %~% فدار ثواب الله أعلى وانبل وإن تكن الأموال للترك جمعها %~% فما بال متروك به المرء يبخل وإن تكن الأرزاق قسما مقدرا %~% فقلة حرص المرء في الكسب أجمل وإن تكن الأبدان للموت أنشئت %~% فقتل امرىء بالسيف في الله أفضل عليكم سلام الله يا آل أحمد %~% فاني أراني عنكم سوف أرحل (3) ### ||| * زبالة # وفي زبالة اخبر بقتل عبد الله بن يقطر الذي أرسله الحسين من الطريق إلى ~~مسلم بن عقيل ، فقبض عليه الحصين بن نمير في القادسية وسرحه إلى عبيد الله ~~بن زياد ، فأمره أن يصعد المنبر ويلعن الكذاب ابن الكذاب ، ولما أشرف على ~~الناس قال : أيها الناس أنا رسول الحسين بن فاطمة ؛ لتنصروه وتؤازروه على ~~ابن مرجانة ، فأمر به عبيد الله فالقي من فوق القصر ، فتكسرت عظامه وبقي به ~~رمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فلما عيب عليه ~~قال : إنما أردت أن اريحه ، وقيل الذي ذبحه رجل طوال يشبه عبد الملك بن ~~عمير .. فأعلم بذلك الناس وأذن لهم بالانصراف ، فتفرقوا عنه يمينا وشمالا ، ~~وبقي في أصحابه الذين جاؤا معه من مكة وإنما تبعه خلق كثير من الأعراب ؛ ~~لظنهم أنه يأتي بلدا أطاعه أهله ، فكره (عليه السلام) أن يسيروا معه إلا ~~على علم بما يقدمون PageV01P180 # عليه ، وقد علم أنه إذا أذن لهم بالانصراف لم يصحبه إلا من يريد مواساته ~~على الموت (1). ### ||| * بطن العقبة # وسار من زبالة حتى نزل بطن العقبة وفيها قال لأصحابه : «ما أراني إلا ~~مقتولا ، فإني رأيت في المنام كلابا تنهشني ، وأشدها علي كلب أبقع» (2). # وأشار عليه عمرو بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة ؛ لما عليه ~~أهل الكوفة من الغدر والخيانة ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «ليس ~~يخفى علي الرأي ، وإن الله لا يغلب على أمره» ms129 (3). # ثم قال (عليه السلام): «إنهم لن يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ~~، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الامم» (4). ### ||| * شراف # وسار من بطن العقبة حتى نزل شراف (5)، وعند السحر أمر فتيانه أن يستقوا ~~من الماء ويكثروا ، وفي نصف النهار سمع رجلا من أصحابه يكبر فقال الحسين : ~~«لم كبرت؟» قال : رأيت النخل فأنكر من معه أن يكون بهذا الموضع نخل ، وإنما PageV01P181 # هو أسنة الرماح وآذان الخيل ، فقال الحسين : «وأنا أراه ذلك» ، ثم سألهم ~~عن ملجأ يلجأون إليه ، فقالوا : هذا (ذو حسم) (1) عن يسارك فهو كما تريد ، ~~فسبق إليه الحسين وضرب أبنيته. # وطلع عليهم الحر الرياحي (2) مع ألف فارس بعثه ابن زياد ؛ ليحبس الحسين ~~عن الرجوع إلى المدينة أينما يجده أو يقدم به الكوفة ، فوقف الحر وأصحابه ~~مقابل الحسين في حر الظهيرة (3). # فلما رأى سيد الشهداء ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أن يسقوهم ويرشفوا ~~الخيل ، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم ، ثم أخذوا يملأون القصاع والطساس ~~ويدنونها من الفرس فإذا عب فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت ، وسقي آخر ~~حتى سقوا الخيل كلها (4). # وكان علي بن الطعان المحاربي مع الحر فجاء آخرهم وقد أضر به العطش فقال ~~الحسين : «أنخ الراوية» وهي الجمل بلغة الحجاز فلم يفهم مراده فقال له : ~~«أنخ الجمل» ولما أراد أن يشرب جعل الماء يسيل من السقاء ، فقال له ريحانة ~~الرسول : «أخنث السقاء» ، فلم يدر ما يصنع لشدة العطش ، فقام (ع) بنفسه ~~وعطف السقاء حتى ارتوى وسقى فرسه. # وهذا لطف وحنان من أبي الضيم على هؤلاء الجمع في تلك البيداء المقفرة ~~التي تعز فيها الجرعة الواحدة وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء ، وإن ~~غدا دونه تسيل النفوس ، ولكن العنصر النبوي والكرم العلوي لم يتركا صاحبهما ~~إلا أن يحوز الفضل. # أحشاشة الزهراء بل يا مهجة %~% الكرار يا روح النبي الهادي PageV01P182 عجبا لهذا الخلق هلا أقبلوا %~% كل إليك بروحه لك فادي لكنهم ما وازنوك نفاسة %~% أنى يقاس الذر بالاطواد عجبا لحلم الله جل جلاله ms130 %~% هتكوا حجابك وهو بالمرصاد عجبا لآل الله صاروا مغنما %~% لبني يزيد هدية وزياد (1) # ثم إن الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه وقال : «إنها معذرة إلى الله ~~عز وجل وإليكم ، وإني لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت بها علي رسلكم أن اقدم ~~علينا فإنه ليس لنا إمام ولعل الله أن يجمعنا بك على الهدى ، فإن كنتم على ~~ذلك فقد جئتكم ، فاعطوني ما أطمئن به من عهودكم ومواثيقكم ، وإن كنتم ~~لمقدمي كارهين ، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم». فسكتوا جميعا. # وأذن الحجاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر ، فقال الحسين للحر : «أتصلي ~~بأصحابك؟» ، قال : لا ، بل نصلي جميعا بصلاتك ، فصلى بهم الحسين. # وبعد أن فرغ من الصلاة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ~~محمد وقال : # «أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن ~~أهل بيت محمد (ص) أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ~~والسائرين بالجور والعدوان ، وإن أبيتم إلا الكراهية لنا والجهل بحقنا وكان ~~رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم ، انصرفت عنكم». # فقال الحر : ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها ، فأمر الحسين عقبة بن ~~سمعان فأخرج خرجين مملوأين كتبا. |سقيت عداك الماء منك تحننا||بأرض فلاة حيث لا يوجد الماء| |فكيف إذا تلقى محبيك في غد||عطاشى من الاجداث في دهشة جاؤا| PageV01P183 # قال الحر : إني لست من هؤلاء ، وإني امرت أن لا افارقك إذا لقيتك حتى ~~أقدمك الكوفة على ابن زياد. # فقال الحسين : «الموت أدنى إليك من ذلك» ، وأمر أصحابه بالركوب ، وركبت ~~النساء ، فحال بينهم وبين الانصراف إلى المدينة فقال الحسين للحر : «ثكلتك ~~امك ما تريد منا؟». # قال الحر : أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال ، ما ~~تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان ، والله ما لي إلى ذكر امك من سبيل إلا ~~بأحسن ما نقدر عليه. # ولكن خذ طريقا نصفا بيننا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة حتى أكتب ms131 ~~إلى ابن زياد ؛ فلعل الله أن يرزقني العافية ، ولا يبتليني بشيء من أمرك. # ثم قال للحسين : إني اذكرك الله في نفسك ، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن ، ~~فقال الحسين : «أفبالموت تخوفني؟! وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول ~~ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله» (2): # سأمضي وما بالموت عار على الفتى %~% إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه %~% وفارق مثبورا وخالف مجرما فان عشت لم اندم وان مت لم ألم %~% كفى بك ذلا ان تعيش وترغما # فلما سمع الحر هذا منه ، تنحى عنه. فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية ~~والحر ومن معه في ناحية (3). ### ||| * البيضة # وفي البيضة (3) خطب أصحاب الحر فقال بعد الحمد لله والثناء عليه : «أيها |اقدم نفسي لا اريد بقاءها||لتلقى خميسا في الهياج عرمرما| PageV01P184 # الناس إن رسول الله قال : من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرام الله ، ~~ناكثا عهده ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، ~~فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقا على الله أن يدخله مدخله ، ألا وإن ~~هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطلوا ~~الحدود واستأثروا بالفيء ، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق ممن ~~غير ، وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم أنكم لا تسلموني ولا ~~تخذلوني فإن أتممتم علي بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحسين بن علي ، وابن ~~فاطمة بنت رسول الله ، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم في اسوة ، وإن ~~لم تفعلوا ونقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلعمري ما هي لكم بنكر ، ~~لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، فالمغرور من اغتر بكم فحظكم أخطأتم ~~ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم ، والسلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته» (1). ### ||| * الرهيمة # وفي الرهيمة (2) لقيه رجل من أهالي الكوفة يقال له أبو هرم فقال : يابن ~~رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم جدك؟ فقال : يا أبا هرم إن بني امية شتموا ~~عرضي فصبرت ، وأخذوا ms132 مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيم الله ليقتلوني ~~فيلبسهم الله ذلا شاملا وسيفا قاطعا ويسلط عليهم من يذلهم (3) حتى يكونوا ~~أذل من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم» (4). ### ||| * القادسية # وفي القادسية قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسهر الصيداوي رسول ~~الحسين إلى أهل الكوفة ، وكان ابن زياد أمره أن ينظم الخيل ما PageV01P185 # بين القادسية إلى خفان ومنها إلى القطقطانة (1)، ولما أراد أن يفتشه ~~أخرج قيس الكتاب وخرقه وجيء به إلى ابن زياد ، فقال له : لماذا خرقت ~~الكتاب؟ قال : لئلا تطلع عليه ، فأصر ابن زياد على أن يخبره بما فيه ، فأبى ~~قيس ، فقال : إذا اصعد المنبر وسب الحسين وأباه وأخاه وإلا قطعتك إربا ، ~~فصعد قيس المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله وأكثر من الترحم ~~على أمير المؤمنين والحسن والحسين ، ولعن عبيد الله بن زياد وأباه وبني ~~امية ، ثم قال : أيها الناس أنا رسول الحسين إليكم ، وقد خلفته في موضع كذا ~~، فأجيبوه. فأمر ابن زياد أن يرمى من أعلى القصر ، فرمي وتكسرت عظامه ومات ~~(2)، ويقال كان به رمق فذبحه عبد الملك بن عمير اللخمي ، فعيب عليه قال : ~~أردت أن اريحه (3). ### ||| * العذيب # وفي عذيب الهجانات (4) وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة على رواحلهم ~~ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له (الكامل) وهم ؛ عمرو بن خالد الصيداوي ~~، وسعد مولاه ، ومجمع بن عبد الله المذحجي ، ونافع بن هلال ، ودليلهم ~~الطرماح بن عدي الطائي يقول : # يا ناقتي لا تذعري من زجري %~% وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر %~% حتى تحلى بكريم النجر الماجد الحر رحيب الصدر %~% أتى به الله لخير أمر # ثمت أبقاه بقاء الدهر (5) PageV01P186 # فلما انتهوا إلى الحسين (عليه السلام) أنشدوه الأبيات ، فقال (عليه ~~السلام): «أما والله ، إني لأرجوا أن يكون خيرا ما أراد الله بنا قتلنا أم ~~ظفرنا». # وسألهم الحسين عن رأي الناس ، فأخبروه بأن الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب ~~سائر الناس معك والسيوف عليك ، ثم أخبروه عن قتل قيس بن مسهر الصيداوي ، ~~فقال (عليه السلام): ms133 ( @QUR@010 فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا ). اللهم اجعل لنا ولهم الجنة ، واجمع بيننا وبينهم في مستقر ~~من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك». # وقال له الطرماح : رأيت الناس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر الكوفة ~~فسألت عنهم ، قيل : إنهم يعرضون ثم يسرحون إلى الحسين ، فانشدك الله أن لا ~~تقدم عليهم ، فإني لا أرى معك أحدا ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ~~ملازميك لكفى ، ولكن سر معنا لتنزل جبلنا الذي يدعى (أجا) فقد امتنعنا به ~~من ملوك غسان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر ، فوالله ~~لا يأتي عليك عشرة أيام حتى تأتيك طيء رجالا وركبانا وأنا زعيم لك بعشرين ~~ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم إلى أن يستبين لك ما أنت صانع. # فجزاه الحسين وقومه خيرا وقال : «إن بيننا وبين القوم عهدا وميثاقا ولسنا ~~نقدر على الانصراف حتى تتصرف بنا وبهم الامور في عاقبة». # فاستأذنه الطرماح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ، ويعجل المجيء لنصرته. ~~فأذن له وصحبه الباقون. # فأوصل الطرماح الميرة إلى أهله ورجع مسرعا ، فلما بلغ عذيب الهجانات ، ~~بلغه خبر قتل الحسين (عليه السلام) فرجع إلى أهله (1). PageV01P187 ### ||| * قصر بني مقاتل # وسار من عذيب الهجانات حتى نزل قصر بني مقاتل (1)، فرأى فسطاطا مضروبا ~~ورمحا مركوزا وفرسا واقفا ، فسأل عنه ، فقيل : هو لعبيد الله بن الحر ~~الجعفي (2). فبعث إليه الحجاج بن مسروق الجعفي ، فسأله ابن الحر عما وراءه ~~قال : هدية إليك وكرامة إن قبلتها ، هذا الحسين يدعوك إلى نصرته فإن قاتلت ~~بين يديه اجرت ، وإن قتلت استشهدت فقال ابن الحر : والله ، ما خرجت من ~~الكوفة ؛ إلا لكثرة ما رأيته خارجا لمحاربته وخذلان شيعته ، فعلمت أنه ~~مقتول ولا أقدر على PageV01P188 # نصره ، ولست أحب أن يراني وأراه (1). # فأعاد الحجاج كلامه على الحسين ، فقام صلوات الله عليه ومشى إليه في ~~جماعة من أهل بيته وصحبه ، فدخل عليه الفسطاط ، فوسع له عن صدر المجلس ، ~~يقول ابن الحر : ما رأيت أحدا قط أحسن من الحسين ولا أملأ للعين منه ، ولا ms134 ~~رققت على أحد قط رقتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حوله ، ونظرت إلى لحيته ~~فرأيتها كأنها جناح غراب ، فقلت له أسواد أم خضاب؟ قال : «يابن الحر عجل ~~علي الشيب». فعرفت أنه خضاب (2). # ولما استقر المجلس بأبي عبد الله ، حمد الله وأثنى عليه وقال : «يابن ~~الحر إن أهل مصركم كتبوا إلي أنهم مجتمعون على نصرتي ، وسألوني القدوم ~~عليهم ، وليس الأمر على ما زعموا (3)، وإن عليك ذنوبا كثيرة ، فهل لك من ~~توبة تمحو بها ذنوبك؟» # قال : وما هي يابن رسول الله؟ فقال : «تنصر ابن بنت نبيك وتقاتل معه» (4). # فقال ابن الحر : والله ، إني لأعلم إن من شايعك كان السعيد في الآخرة ، ~~ولكن ما عسى أن أغني عنك ، ولم اخلف لك بالكوفة ناصرا ، فانشدك الله أن ~~تحملني على هذه الخطة ، فإن نفسي لا تسمح بالموت ، ولكن فرسي هذه (الملحقة) ~~والله ، ما طلبت عليها شيئا قط إلا لحقته ، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلا ~~سبقته ، فخذها فهي لك. # قال الحسين : «أما إذا رغبت بنفسك عنا ، فلا حاجة لنا في فرسك (5) ولا ~~فيك ، وما كنت متخذ المضلين عضدا (6)، وإني أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت ~~أن لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل. فوالله ، لا يسمع واعيتنا أحد ~~ولا ينصرنا PageV01P189 # إلا أكبه الله في نار جهنم» (1). # وندم ابن الحر على ما فاته من نصرة الحسين (ع)، فأنشأ : # أيا لك حسرة ما دمت حيا %~% تردد بين صدري والتراقي غداة يقول لي بالقصر قولا %~% أتتركنا وتعزم بالفراق حسين حين يطلب بذل نصري %~% على أهل العداوة والشقاق فلو فلق التلهف قلب حر %~% لهم اليوم قلبي بانفلاق ولو واسيته يوما بنفسي %~% لنلت كرامة يوم التلاق مع ابن محمد تفديه نفسي %~% فودع ثم أسرع بانطلاق لقد فاز الأولى نصروا حسينا %~% وخاب الآخرون ذووا النفاق (2) # وفي هذا الموضع اجتمع به عمرو بن قيس المشرفي وابن عمه فقال لهما الحسين ~~: «جئتما لنصرتي؟» قالا له : إنا كثيروا العيال ، وفي أيدينا بضائع للناس ~~ولم ندر ماذا يكون ، ونكره أن نضيع الأمانة. # فقال لهما (عليه السلام): ms135 «انطلقا ، فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي ~~سوادا ؛ فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا أو يغثنا ، كان حقا ~~على الله عز وجل أن يكبه على منخريه في النار» (3). ### ||| * قرى الطف # ولما كان آخر الليل ، أمر فتيانه بالاستقاء والرحيل من قصر بني مقاتل وبينا |فما أنسى غداة يقول حزنا||اتتركنا وتزمع لانطلاق| PageV01P190 # يسيرون إذ سمع الحسين يقول : «إنا لله وإنا إليه راجعون ، والحمد لله رب ~~العالمين» وكرره. فسأله علي الأكبر عن استرجاعه ، فقال : «إني خفقت برأسي ، ~~فعن لي فارس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمت أنها ~~أنفسنا نعيت إلينا». فقال علي الأكبر : لا أراك الله سوءا ، ألسنا على ~~الحق؟ قال : «بلى والذي إليه مرجع العباد» ، فقال : يا أبت ، إذن لا نبالي ~~أن نموت محقين. فقال (ع): «جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده» (1). # ولم يزل الحسين يتياسر إلى أن انتهى إلى نينوى (2) وإذا راكب على نجيب ~~وعليه السلاح فانتظروه ، وإذا هو رسول ابن زياد إلى الحر ، معه كتاب يقول ~~فيه : جعجع (3) بالحسين حين تقرأ كتابي ، ولا تنزله إلا بالعراء على غير ~~ماء وغير حصن. # فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال له : «دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو ~~شفية». فقال الحر : لا أستطيع فإن الرجل عين علي (4). # قال زهير بن القين : يابن رسول الله إن قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من ~~يأتينا من بعدهم ، فلعمري ليأتينا ما لا قبل لنا به ، فقال الحسين : «ما ~~كنت أبدأهم بقتال». ثم قال زهير : ههنا قرية بالقرب منا على شط الفرات وهي ~~في عاقول حصينة ، والفرات يحدق بها إلا من وجه واحد قال الحسين : «ما ~~اسمها؟» فقال : # وفي مقتل العوالم / 48 : إن الحسين نام القيلولة بالعذيب فرأى في منامه ~~قائلا يقول : تسرعون السير والمنايا تسرع بكم إلى الجنة. وفي مقتل ~~الخوارزمي 1 / 226 : نزل الحسين الثعلبية ، ونام وقت الظهيرة ، فانتبه ~~باكيا فسأله ابنه علي الأكبر عن بكائه فقال : «يا بني إنها ساعة لا تكذب ~~فيها الرؤيا ms136 ، وإني خفقت برأسي ...». PageV01P191 # تسمى (العقر) (1) فقال (ع): «نعوذ بالله من العقر». # والتفت الحسين إلى الحر وقال : سر بنا قليلا فساروا جميعا حتى إذا وصلوا ~~أرض كربلاء وقف الحر وأصحابه أمام الحسين (ع) ومنعوه عن المسير وقالوا : إن ~~هذا المكان قريب من الفرات. ويقال : بيناهم يسيرون إذ وقف جواد الحسين ولم ~~يتحرك ، كما أوقف الله ناقة النبي (ص) عند الحديبية (2) فعندها سأل الحسين ~~عن الأرض. قال له زهير : سر راشدا ولا تسأل عن شيء حتى يأذن الله بالفرج ، ~~إن هذه الأرض تسمى الطف. فقال (عليه السلام): «فهل لها اسم غيره؟» قال : ~~تعرف كربلاء. فدمعت عيناه (3) وقال : «اللهم ، أعوذ بك من الكرب والبلاء ~~(4)، ههنا محط ركابنا وسفك دمائنا ومحل قبورنا ، بهذا حدثني جدي رسول ~~الله» (5). # تالله لا أنسى وإن نسي الورى %~% بالطف وقفة مهره المتسرع أجواده هل قيدتك يد الردى %~% حتى وقفت به وقوف تمنع قد كنت أسرع من وميض سحابة %~% نزل البلا اسرعت ام لم تسرع هلا تنكبت الطريق وحدت عن %~% ذاك المضيق إلى الفضاء الأوسع # وهناك آثار قلعة تعرف بقلعة بني أسد. وأما شفية : فهي بئر لبني أسد. ~~والعقر : كانت به منازل بخت نصر. ويوم العقر : قتل به يزيد بن المهلب سنة ~~102 ، وهذه قرى متقاربة. وقال البكري في المعجم مما استعجم 3 / 95 : كانوا ~~يقولون ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر ، ~~يعنون قتل الحسين بكربلاء وقتل يزيد بن المهلب بالعقر. وفي تاريخ الموصل ~~لابن إياس المتوفى سنة 334 ص 16 قال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي : فتك ~~والله بالكرم يوم فتك بآل المهلب. وفي ص 16 : أن الفرزدق رثى يزيد ابن ~~المهلب بأبيات منها : |ولا حملت انثى ولا وضعت||بعد الاغر اصيب بالعقر| PageV01P192 كيف اقتحمت به المهالك لا أبا %~% لك كيف ذلك كيف لم تتمنع أعظم بها من وقفة قامت بعر %~% صتها قيامة أهل ذاك المجمع اعظم بها من وقفة قد ضعضعت %~% أركان عرش الله أي تضعضع هي وقفة ليزيد منها وقفة %~% يوما ms137 يقال لأحمد : قم واشفع هي وقفة قد أعقبتها وقعة %~% قد جرعتنا غصة لم تجرع هي وقفة قعدت بآل محمد %~% احزانها حتى يقوم المدعي (1) ### ||| * كربلاء # وكان نزوله في كربلاء في الثاني من المحرم سنة إحدى وستين (2)، فجمع (ع) ~~ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال : «اللهم ، إنا عترة نبيك محمد ~~قد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا ، وتعدت بنو امية علينا ، اللهم فخذ ~~لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين». # وأقبل على أصحابه فقال : # «الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت معائشهم ، ~~فإذا محصوا بالبلاء ، قل الديانون» (3). PageV01P193 # ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وآله وقال : # «أما بعد ، فقد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت ، ~~وأدبر معروفها ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى ~~الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟! ليرغب ~~المؤمن في لقاء الله. فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا ~~برما» (1). # فقام زهير وقال : سمعنا يابن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا ~~باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها. # وقال بريد : يابن رسول الله ، لقد من الله بك علينا ؛ أن نقاتل بين يديك ~~، تقطع فيك أعضاؤنا ، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة (2). # وقال نافع بن هلال : أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس ~~محبته ، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب ، وقد كان منهم منافقون يعدونه ~~بالنصر ويضمرون له الغدر ، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمر من الحنظل ~~حتى قبضه الله إليه ، وإن أباك عليا كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على ~~نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى ~~رحمة الله ورضوانه ، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ~~وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه والله مغن عنه ، فسر بنا راشدا معافى مشرقا إن شئت أو # كما ان سيد الشهداء (عليه ms138 السلام) لم يكن في تعوذه من الكرب والبلاء ~~عندما سمع باسم كربلاء متطيرا ، فان المتطير لا يعلم ما يرد عليه وإنما ~~يستكشف ذلك من الاشياء المعروفة عند العرب انها سبب للشر ، والحسين (عليه ~~السلام) على يقين مما ينزل به في أرض الطف من قضاء الله ، فهو عالم بالكرب ~~الذي يحل به وباهل بيته وصحبه كما انبأ عنه غير مرة. PageV01P194 # مغربا ، فوالله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا وإنا على ~~نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك (1). # بأبي من شروا لقاء الحسين %~% بفراق النفوس والأرواح وقفوا يدرأون سمر العوالي %~% عنه والنبل وقفة الأشباح فوقوه بيض الظبى بالنحور ال %~% بيض والنبل بالوجوه الصباح فئة ان تعاور النقع ليلا %~% أطلعوا في سماه شهب الرماح وإذا غنت السيوف وطافت %~% أكؤس الموت وانتشى كل صاح باعدوا بين قربهم والمواضي %~% وجسوم الأعداء والأرواح أدركوا بالحسين أكبر عيد %~% فغدوا في منى الطفوف أضاحي لست أنسى من بعدهم طود عز %~% وأعاديه مثل سيل البطاح وهو يحمي دين النبي بعضب %~% بسناه لظلمة الشرك ماحي فتطير القلوب منه ارتياعا %~% كلما شد راكبا ذا الجناح ثم لما نال الظما منه والشمس %~% ونزف الدما وثقل السلاح اوقف الطرف يستريح قليلا %~% فرماه القضا بسهم متاح فهوى العرش للثرى وادلهمت %~% برماد المصاب منها النواحي حر قلبي لزينب إذ رأته %~% ترب الجسم مثخنا بالجراح أخرس الخطب نطقها فدعته %~% بدموع بما تجن فصاح يا منار الظلال والليل داج %~% وظلال الرميض واليوم ضاحي كنت لي يوم كنت كهفا منيعا %~% سجسج الظل خافق الأرواح أترى القوم إذ عليك مررنا %~% منعونا من البكا والنياح إن يكن هينا عليك هواني %~% واغترابي مع العدى وانتزاحي ومسيري أسيرة للأعادي %~% وركوبي على النياق الطلاح فبرغمي أني أراك مقيما %~% بين سمر القنا وبيض الصفاح لك جسم على الرمال ورأس %~% رفعوه على رؤوس الرماح بأبي الواردون حوض المنايا %~% يوم ذيدوا عن الفرات المباح بأبي اللابسون حمر ثياب %~% طرزتهن سافيات الرياح (2) PageV01P195 # ثم إنه (عليه السلام) اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل ms139 نينوى ~~والغاضرية بستين ألف درهم وتصدق بها عليهم ، واشترط عليهم أن يرشدوا إلى ~~قبره ويضيفوا من زاره ثلاثة أيام ، وكان حرم الحسين (ع) الذي اشتراه أربعة ~~أميال في أربعة أميال ، فهو حلال لولده ولمواليه وحرام على غيرهم ممن ~~خالفهم وفيه البركة ، وفي الحديث عن الصادق (ع): «إنهم لم يفوا بالشرط» (1). # ولما نزل الحسين (ع) كربلاء كتب إلى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم : ~~«أما بعد ، فكأن الدنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل ، والسلام» (2). ### ||| * ابن زياد مع الحسين # وبعث الحر إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين في كربلاء فكتب ابن زياد إلى ~~الحسين : أما بعد ، يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء ، وقد كتب إلي أمير ~~المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير ، ولا أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف ~~الخبير ، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد ، والسلام. # ولما قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال : «لا أفلح قوم اشتروا مرضاة ~~المخلوق بسخط الخالق!». وطالبه الرسول بالجواب ، فقال : «ما له عندي جواب ؛ ~~لأنه حقت عليه كلمة العذاب». # وسامته يركب إحدى اثنتين %~% وقد صرت الحرب أسنانها PageV01P196 فإما يرى مذعنا او تموت %~% نفس أبي العز إذعانها فقال لها اعتصمي بالابا %~% فنفس الأبي وما زانها إذا لم تجد غير لبس الهوان %~% فبالموت تنزع جثمانها يرى القتل صبرا شعار الكرام %~% وفخرا يزين لها شأنها فشمر للحرب عن معرك %~% به عرك الموت فرسانها وأضرمها لعنان السماء %~% حمراء تلفح نيرانها ركين وللأرض تحت الكماة %~% رجيف يزلزل ثهلانها (1) # وأخبر الرسول ابن زياد بما قاله أبو عبد الله (ع) فاشتد غضبه (2)، وأمر ~~عمر بن سعد بالخروج إلى كربلاء ، وكان معسكرا (بحمام أعين) في أربعة آلاف ~~ليسير بهم إلى دستبى ؛ لأن الديلم قد غلبوا عليها (3)، وكتب له ابن زياد ~~عهدا بولاية الري وثغر دستبى والديلم (4) فاستعفاه ابن سعد ، ولما استرد ~~منه العهد استمهله ليلته ، وجمع عمر بن سعد نصحاءه فنهوه عن المسير لحرب ~~الحسين ، وقال له ابن اخته حمزة بن المغيرة بن شعبة : انشدك الله أن لا ~~تسير لحرب الحسين ، فتقطع ms140 رحمك وتأثم بربك ، فوالله لئن تخرج من دنياك ~~ومالك وسلطان الأرض كله لو كان لك لكان خيرا لك من أن تلقى الله بدم الحسين (5). # فقال ابن سعد : أفعل إن شاء الله. وبات ليلته مفكرا في أمره وسمع يقول : # أأترك ملك الري والري رغبتي %~% أم أرجع مذموما بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها %~% حجاب وملك الري قرة عيني (6) PageV01P197 # وعند الصباح أتى ابن زياد وقال : إنك وليتني هذا العمل وسمع به الناس ، ~~فأنفذني له وابعث إلى الحسين من لست أغنى في الحرب منه. وسمى له اناسا من ~~أشراف الكوفة. # فقال ابن زياد : لست استأمرك فيمن أريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا ، وإلا ~~فابعث إلينا عهدنا ، فلما رآه ملحا قال : إني سائر (1)، فأقبل في أربعة ~~آلاف وانضم إليه الحر فيمن معه. ودعا عمر بن سعد عزرة بن قيس الأحمسي ، ~~وأمره أن يلقى الحسين ويسأله عما جاء به فاستحيا عزرة ؛ لأنه ممن كاتبه ، ~~فسأل من معه من الرؤساء أن يلقوه فأبوا ؛ لأنهم كاتبوه. # فقام كثير بن عبد الله الشعبي وكان جريئا فاتكا وقال : أنا له ، وإن شئت ~~أن أفتك به لفعلت. قال : لا ، ولكن سله ما الذي جاء به؟ فأقبل كثير وعرفه ~~أبو ثمامة الصائدي فقام في وجهه ، وقال : ضع سيفك وادخل على الحسين ، فأبى ~~واستأبى ثم انصرف. # فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي ليسأل الحسين ، ولما أبلغه رسالة ابن ~~سعد : قال أبو عبد الله «إن أهل مصركم كتبوا إلي أن اقدم علينا ، فأما إذا ~~كرهتموني انصرفت عنكم». # فرجع بذلك إلى ابن سعد ، وكتب إلى ابن زياد بما يقول الحسين ، فأتاه ~~جوابه : أما بعد ، فاعرض على الحسين وأصحابه البيعة ليزيد ، فإن فعل رأينا ~~رأينا (2). ### ||| * خطبة ابن زياد # وجمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة فقال : أيها الناس إنكم بلوتم آل أبي PageV01P198 # سفيان فوجدتموهم كما تحبون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه ، حسن ~~السيرة ، محمود الطريقة محسنا إلى الرعية ، يعطي العطاء في حقه ، وقد أمنت ~~السبل على عهده وكذلك كان أبوه ms141 معاوية في عصره ، وهذا ابنه يزيد يكرم ~~العباد ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة ، وأمرني أن ~~أوفرها عليكم ، وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين ، فاسمعوا له وأطيعوا. # ثم نزل ووفر العطاء ، وخرج إلى النخيلة (1) وعسكر فيها. وبعث على الحصين ~~بن نمير التميمي ، وحجار بن أبجر ، وشمر بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي ~~وأمرهم بمعاونة ابن سعد. فاعتل شبث بالمرض (2)، فأرسل إليه : أن رسولي ~~يخبرني بتمارضك وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن ، فإن كنت في ~~طاعتنا فأقبل مسرعا ، فأتاه بعد العشاء ؛ لئلا ينظر إلى وجهه فلم يجد عليه ~~أثر العلة ، ووافقه على ما يريد (3). # وجعل عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس ، ~~وأمره أن يقيم بجسر الصراة يمنع من يخرج من الكوفة يريد الحسين (ع)، فمر ~~به عامر بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدالاني فقال له زجر : قد عرفت ~~حيث تريد فارجع ، فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى ، وليس أحد منهم يطمع ~~في الدنو منه ، فوصل كربلاء ولحق بالحسين (عليه السلام) حتى قتل معه ، وكان ~~قد شهد المشاهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (4). ### ||| * الحسين عند الكوفيين # ولم تزل الكراهية ظاهرة على الناس في قتال الحسين لانه ابن الرسول PageV01P199 # الأقدس وسيد شباب أهل الجنة ولم تغب عن أذهانهم مصارحات النبي (ص) وأبيه ~~الوصي فيه وفي أخيه المجتبى ، وقد عرفوا فضله يوم أجدبت الكوفة وقحط الناس ~~، ففزعوا إلى أبي الحسن ، فأخرج السبط الشهيد للاستسقاء ، وببركات نفسه ~~القدسية ونوره المتكون من الحقيقة المحمد ية استجاب الله تعالى له وأرسل ~~المطر حتى أعشبت الأرض بعد جدبها. وهو الذي ملك المشرعة يوم صفين فسقى ~~المسلمين بعد أن جهدهم العطش (1)، ولنبأ سقيه الحر وألف فارس معه في تلك ~~الأرض القاحلة حتى أرواهم وخيولهم ، دوي في أرجاء الكوفة. # فهل يستطيع أحد والحالة هذه على مقابلته ومحاربته؟! لولا غلبة الهوى ms142 ~~والتناهي في الطغيان وضعف النفوس ؛ ولذلك كان الجمع الكثير يتسلل إذا وصل ~~كربلاء ، ولم يبق إلا القليل ، فلما عرف ابن زياد ذلك بعث سويد بن عبد ~~الرحمن المنقري في خيل وأمره أن يطوف في سكك الكوفة وأحياء العرب ويعلن ~~بالخروج إلى حرب الحسين ، ومن تخلف جاء به إليه ، فوجد رجلا من أهل الشام ~~قدم الكوفة في طلب ميراث له فقبض عليه وجاء به إلى ابن زياد فأمر بضرب عنقه ~~، فلما رأى الناس الشر منه خرجوا جميعا (2). ### ||| * الجيوش # فخرج الشمر (3) في أربعة آلاف ، ويزيد بن الركاب في ألفين ، والحصين بن ~~نمير التميمي في أربعة آلاف ، وشبث بن ربعي في ألف ، وكعب بن طلحة في ثلاثة ~~آلاف ، وحجار بن أبجر في ألف ، ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف ، ~~ونصر بن حرشة في ألفين (4)، فتكامل عند ابن سعد لست خلون من المحرم عشرون ~~ألفا (5)، ولم يزل ابن زياد يرسل العساكر إلى ابن سعد حتى تكامل عنده ~~ثلاثون ألفا. PageV01P200 # روى أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «إن الحسين دخل على أخيه الحسن ~~في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى ما به بكى ، فقال له الحسن : ما يبكيك يا ~~أبا عبد الله؟ قال : أبكي لما صنع بك ، فقال الحسن (عليه السلام): إن الذي ~~اوتي إلي سم اقتل به ، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ازدلف إليك ~~ثلاثون ألفا يدعون أنهم من امة جدنا محمد وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون ~~على قتلك وسفك دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك ، فعندها ~~تحل ببني امية اللعنة ، وتمطر السماء رمادا ودما ، ويبكي عليك كل شيء حتى ~~الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار» (1). # وكتب ابن زياد إلى ابن سعد : إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال ، ~~فانظر لا تمسي ولا تصبح إلا وخبرك عندي غدوة وعشية. وكان يستحثه على الحرب ~~لست خلون من المحرم (2). # حشدت كتائبها على ابن محمد %~% بالطف حيث تذكرت آباءها الله أكبر يا رواسي هذه الأ %~% رض البسيطة زايلي ارجاءها ms143 يلقى ابن منتجع الصلاح كتائبا %~% عقد ابن منتجع السفاح لواءها ما كان أوقحها صبيحة قابلت %~% بالبيض جبهته تريق دماءها ### ||| * المشرعة ما بل أوجهها الحيا ولو أنه %~% قطع الصفا بل الحيا ملساءها من أين تنجل أوجه اموية %~% سكبت بلذات الفجور حياءها قهرت بني الزهراء في سلطانها %~% واستأصلت بصفاحها امراءها ملكت عليها الأمر حتى حرمت %~% في الأرض مطرح جنبها وثواءها PageV01P201 ضاقت بها الدنيا فحيث توجهت %~% رأت الحتوف امامها ووراءها فاستوطأت ظهر الحمام وحولت %~% للعز عن ظهر الهوان وطاءها طلعت ثنيات الحتوف بعصبة %~% كان السيوف قضاءها ومضاءها لقلبوبها امتحن الإله بموقف %~% محضته فيه صبرها وبلاءها كانت سواعد آل بيت محمد %~% وسيوف نجدتها على من ساءها كره الحمام لقاءها في ضنكه %~% لكن أحب الله فيه لقاءها فثوت بأفئدة صواد لم تجد %~% ريا يبل سوى الردى أحشاءها وأراك تنشىء يا غمام على الورى %~% ظلا وتروي من حياك ظماءها وقلوب أبناء النبي تفطرت %~% عطشا بقفر ارمضت أشلاءها وامض ما جرعت من الغصص التي %~% قدحت بجانحة الهدى ايراءها هتك الطغاة على بنات محمد %~% حجب النبوة خدرها وخباءها فتنازعت احشاءها حرق الجوى %~% وتجاذبت أيدي العدو رداءها عجبا لحلم الله وهي بعينه %~% برزت تطيل عويلها وبكاءها ويرى من الزفرات تجمع قلبها %~% بيد وتدفع في يد اعداءها ما كان اوجعها لمهجة (أحمد) %~% وامض في كبد (البتولة) داءها (1) # وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيد ~~الشهداء ، ولم يجد أصحاب الحسين طريقا إلى الماء حتى أضر بهم العطش ، فأخذ ~~الحسين فأسا وخطا وراء خيمة النساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة وحفر فنبعت له ~~عين ماء عذب ، فشربوا ثم غارت العين ولم ير لها أثر ، فأرسل ابن زياد إلى ~~ابن سعد : بلغني أن الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر ~~إذا ورد عليك كتابي ، فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيق عليهم غاية ~~التضييق. فبعث في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمئة فارس ونزلوا على الشريعة ~~(2)، وذلك قبل مقتل الحسين بثلاثة أيام (3). PageV01P202 ### ||| * اليوم السابع # وفي اليوم ms144 السابع اشتد الحصار على سيد الشهداء ومن معه ، وسد عنهم باب ~~الورود ونفد ما عندهم من الماء ، فعاد كل واحد يعالج لهب العطش. وبطبع ~~الحال كان العيال بين أنة وحنة وتضور ونشيج ومتطلب للماء إلى متحر له بما ~~يبل غلته وكل ذلك بعين أبي علي والغيارى من آله والأكارم من صحبه ، وماعسى ~~أن يجدوا لهم شيئا وبينهم وبين الماء رماح مشرعة وسيوف مرهفة ، لكن ساقي ~~العطاشى لم يتطامن على تحمل تلك الحالة. # أو تشتكي العطش الفواطم عنده %~% وبصدر صعدته الفرات المفعم ولو استقى نهر المجرة لارتقى %~% وطويل ذابله إليها سلم لو سد ذو القرنين دون وروده %~% نسفته همته بما هو أعظم في كفه اليسرى السقاء يقله %~% وبكفه اليمنى الحسام المخذم مثل السحابة للفواطم صوبه %~% فيصيب حاصبه العدو فيرجم (1) # هنا قيض أخاه العباس لهذه المهمة ، في حين أن نفسه الكريمة تنازعه إليه ~~قبل المطلب ، فأمره أن يستقي للحرائر والصبية ، وضم إليه عشرين راجلا مع ~~عشرين قربة ، وقصدوا الفرات بالليل غير مبالين بمن وكل بحفظ الشريعة ؛ ~~لأنهم محتفون بأسد آل محمد وتقدم نافع بن هلال الجملي باللواء ، فصاح عمرو ~~بن الحجاج : من الرجل؟ قال : جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه. ~~فقال : اشرب هنيئا ولا تحمل إلى الحسين منه. قال نافع : لا والله ، لا أشرب ~~منه قطرة والحسين ومن معه من آله وصحبه عطاشى. # وصاح نافع بأصحابه : املأوا أسقيتكم. فشد عليهم أصحاب ابن الحجاج فكان ~~بعض القوم يملأ القرب وبعض يقاتل وحاميهم ابن بجدتها المتربي في حجر ~~البسالة الحيدرية أبو الفضل ، فجاؤا بالماء. وليس في أعدائهم من تحدثه PageV01P203 # نفسه بالدنو منهم فرقا من ذلك البطل المغوار ، فبلت غلة الحرائر والصبية ~~الطيبة من ذلك الماء (1). # ولكن لا يفوتنا أن تلك الكمية القليلة من الماء ما عسى أن تجدي اولئك ~~الجمع الذي هو أكثر من مئة وخمسين رجالا ونساء وأطفالا أو أنهم ينيفون على ~~المئتين ، ومن المقطوع به أنه لم ترو أكبادهم إلا مرة واحدة فسرعان أن عاد ~~إليهم الظما ، وإلى الله ورسوله ms145 المشتكى. # إذا كان ساقي الحوض في الحشر حيدر %~% فساقي عطاشي كربلاء أبو الفضل على أن الناس في الحشر قلبه %~% مريع وهذا بالظلما قلبه يغلي وقفت على ماء الفرات ولم أزل %~% أقول له والقول يحسنه مثلي علامك تجري لا جريت لوارد %~% وأدركت يوما بعض عارك بالغسل أما نشفت أكباد آل محمد %~% لهيبا ولا ابتلت بعل ولا نهل من الحق أن تذوي غصونك ذبلا %~% أسى وحياء من شفاههم الذبل فقال استمع للقول إن كنت سامعا %~% وكن قابلا عذري ولا تكثرن عذلي ألا إن ذا دمعي الذي أنت ناظر %~% غداى جعلت النوح بعدهم شغلي برغمي أرى مائي يلذ سواهم %~% به وهم صرعي على عطش حولي جزى الله عنهم في المواساة عمهم %~% أبا الفضل خيرا لو شهدت أبا الفضل لقد كان سيفا صاغه بيمينه %~% علي فلم يحتج شباه إلى الصقل إذا عد ابناء النبي محمد %~% رآه أخاهم من رآه بلا فضل ولم أر ظام (2) حوله الماء قبله %~% ولم يرو منه وهو ذو مهجة تغلي وما خطبه إلا الوفاء وقل ما %~% يرى هكذا خلا وفيا مع الخل يمينا بيمناك القطيعة والتي %~% تسمى شمالا وهي جامعة الشمل بصبرك دون ابن النبي بكربلا %~% على الهول امر لا يحيط به عقلي ووافاك لا يدري افقدك راعه %~% أم العرش غالته المقادير بالثل PageV01P204 أخي كنت لي درعا ونصلا كلاهما %~% فقدت فلا درعي لدي ولا نصلي (1) ### ||| * غرور ابن سعد # وأرسل الحسين عمرو بن قرظة الأنصاري إلى ابن سعد يطلب الاجتماع معه ليلا ~~بين المعسكرين ، فخرج كل منهما في عشرين فارسا ، وأمر الحسين من معه أن ~~يتأخر إلا العباس وابنه عليا الأكبر ، وفعل ابن سعد كذلك وبقي معه ابنه حفص ~~وغلامه. # فقال الحسين : «يابن سعد أتقاتلني؟ أما تتقي الله الذي إليه معادك؟! فأنا ~~ابن من قد علمت! ألا تكون معي وتدع هؤلاء فإنه أقرب إلى الله تعالى؟» # قال عمر : أخاف أن تهدم داري. قال الحسين : «أنا أبنيها لك». فقال : أخاف ~~أن تؤخذ ضيعتي. قال (عليه السلام): «أنا أخلف عليك خيرا منها من ms146 مالي ~~بالحجاز» (2)، ويروى أنه قال لعمر : «أعطيك البغيبغة» ، وكانت عظيمة فيها ~~نخل وزرع كثير ، دفع معاوية فيها ألف ألف دينار فلم يبعها منه (3). فقال ~~ابن سعد : إن لي بالكوفة عيالا وأخاف عليهم من ابن زياد القتل. # ولما أيس منه الحسين قام وهو يقول : «مالك ، ذبحك الله على فراشك عاجلا ، ~~ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلا ~~يسيرا». قال ابن سعد مستهزءا : في الشعير كفاية (4). # وأول ما شاهده من غضب الله عليه ذهاب ولاية الري ، فإنه لما رجع من ~~كربلاء طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولاية الري ، فادعى ابن سعد ~~ضياعه ، فشدد عليه باحضاره ، فقال له ابن سعد : تركته يقرأ على عجائز قريش ~~اعتذارا منهن ، أما والله لقد نصحتك بالحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعدا كنت ~~قد أديت حقه. فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله : صدق ، وددت أن في أنف كل PageV01P205 # رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وإن الحسين لم يقتل (1). # وكان من صنع المختار معه أنه لما أعطاه الأمان ، استأجر نساء يبكين على ~~الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد ، وكان هذا الفعل يلفت نظر المارة ~~إلى أن صاحب هذا الدار قاتل سيد شباب أهل الجنة ، فضجر ابن سعد من ذلك وكلم ~~المختار في رفعهن عن باب داره ، فقال المختار : ألا يستحق الحسين البكاء ~~عليه (2). ولما أراد أهل الكوفة أن يؤمروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد ~~بن معاوية ؛ لينظروا في أمرهم ، جاءت نساء همدان وربيعة ، إلى الجامع ~~الأعظم صارخات يقلن : ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتى أراد أن يتأمر. فبكى ~~الناس وأعرضوا عنه (3). ### ||| * افتراء ابن سعد # وافتعل ابن سعد علي أبي الضيم ما لم يقله ، وكتب إلى ابن زياد زعما منه ~~أن فيه صلاح الامة وجمال النظام فقال في كتابه : أما بعد فإن الله أطفأ ~~النائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الامة ، وهذا حسين أعطاني أن يرجع إلى ~~المكان الذي منه أتى ، أو أن يسير ms147 إلى ثغر من الثغور ، فيكون رجلا من ~~المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع ~~يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا رضى لكم وللامة صلاح (4). # وهيهات أن يكون ذلك الأبي ومن علم الناس الصبر على المكاره وملاقاة ~~الحتوف طوع ابن مرجانة ومنقادا لابن آكلة الأكباد! أليس هو القائل لأخيه ~~الأطرف : «والله لا أعطي الدنية من نفسي». ويقول لابن الحنفية : «لو لم يكن ~~ملجأ لما بايعت يزيد». وقال لزرارة بن صالح : «إني أعلم علما يقينا أن هناك ~~مصرعي ومصارع أصحابي ، ولا ينجو منهم إلا ولدي علي». وقال لجعفر بن PageV01P206 # سليمان الضبعي : «إنهم لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي». وآخر ~~قوله يوم الطف : «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة ~~والذلة وهيهات منا الذلة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت ~~وطهرت وانوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام». # وإن حديث عقبة بن سمعان يفسر الحال التي كان عليها أبو عبد الله (عليه ~~السلام)، قال : صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومنها إلى مكة ومنها إلى ~~العراق ولم افارقه حتى قتل ، وقد سمعت جميع كلامه فما سمعت منه ما يتذاكر ~~فيه الناس من أن يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيره إلى ثغر من الثغور لا في ~~المدينة ولا في مكة ولا في الطريق ولا في العراق ولا في عسكره إلى حين قتله ~~، نعم سمعته يقول : «دعوني أذهب إلى هذه الأرض العريضة» (1). ### ||| * طغيان الشمر # ولما قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه. ~~وأراد أن يجيبه ، فقام الشمر (2)، وقال : أتقبل هذا منه بعد أن نزل بأرضك؟ ~~والله ، |(إني زعيم لاخي بأهلة||بطعنة ان لم امت عاجلة| |وضربة تحت الوغى فاصلة||شبيهة بالقتل أو قاتله) | # فحمل على أدهم وهو ثابت فطعنه فوقع عن فرسه وحمله أصحابه فانصرف شمر ... # وفي نفح الطيب للمقريزي ج 2 ص ms148 143 مطبعة 1 عيسى البابي مطبوعات دار ~~المأمون ان الصميل بن حاتم بن الشمر بن ذي الجوشن كان رأس المضرية متحاملا ~~على اليمانية (وهذه العبارة واردة في طبعة بيروت ج 1 ص 222 PageV01P207 # لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة وتكون أولى ~~بالضعف والوهن ، فاستصوب رأيه وكتب إلى ابن سعد : أما بعد ، إني لم أبعثك ~~إلى الحسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة ولا لتكون له عندي ~~شفيعا ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي ، فابعث بهم إلي سلما. وإن ~~أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ؛ فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل ~~حسين فاوطىء الخيل صدره وظهره ، ولست أرى أنه يضر بعد الموت ، ولكن على قول ~~قلته : لو قتلته لفعلت هذا به. فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع ~~المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين ~~العسكر ، فإنا قد أمرناه بذلك (1). # فلما جاء الشمر بالكتاب ، قال له ابن سعد : ويلك لا قرب الله دارك ، وقبح ~~الله ما جئت به ، وإني لأظن أنك الذي نهيته وافسدت علينا أمرا رجونا أن ~~يصلح ، والله لا يستسلم حسين فان نفس أبيه بين جنبيه. # فقال الشمر : أخبرني ما أنت صانع ، أتمضي لأمر أميرك؟ وإلا فخل بيني وبين ~~العسكر. قال له عمر : أنا أتولي ذلك ، ولا كرامة لك ، ولكن كن أنت على ~~الرجالة (2). # وفي حاشية الكتاب ، كان حاتم بن الشمر مع أبيه في الكوفة ولما قتل ~~المختار شمر بن ذي الجوشن هرب ابنه الى قنسرين. وفي ص 145 ذكر ان الصميل ~~كان واليا على سر قسطة ثم فارقها وتولى على طليطلة. وفي كتاب الحلة السيراء ~~لابن الأبار ج 1 ص 67 لما ظهر المختار بالكوفة فر الشمر بن ذي الجوشن قاتل ~~الحسين بن علي الى الشام بأهله وولده ، فاقام بها في عز ومنعة ، وقيل قتله ~~المختار وفر ولده إلى ان خرج كلثوم بن عياض القشيري غازيا الى المغرب ، ~~فكان الصميل ممن ضرب عليه ms149 البعث في اشراف أهل الشام ودخل الأندلس في طاعة ~~بلج بن بشر وهو الذي قام بأمر المضرية في الاندلس عندما أظهر أبو الخطار ~~الحسام بن ضرار الكلبي العصبية لليمانية ومات الصميل في سجن عبد الرحمن بن ~~معاوية سنة 142 وكان شاعرا. وفي تاريخ علماء الاندلس لابن الفوطي ج 1 ص 234 ~~باب الشين ، شمر بن ذي الجوشن الكلاعي من أهل الكوفة هو الذي قدم برأس ~~الحسين (عليه السلام) على يزيد بن معاوية ولما ظهر المختار هرب بعياله منه ~~ثم خرج كلثوم بن عياض غازيا المغرب ودخل الى الاندلس في طالعة بلج ، وهو جد ~~الصميل بن حاتم بن شمر القيسي صاحب الفهرى اه والاصح ما ذكره الدينوري في ~~الأخبار الطوال 296 ان شمر بن ذي الجوشن قتله أصحاب المختار بالمذار وبعث ~~برأسه الى محمد ابن الحنفية وفي الاعلاق النفيسة لابن رسته ص 222 كان الشمر ~~بن ذي الجوشن ابرص وفي تاريخ الطبري ج 7 ص 122 وكامل ابن الاثير ج 4 ص 92 ~~حوادث سنة 65 كان الشمر ابرص يرى بياض برصه على كشحه. PageV01P208 ### ||| * الأمان # وصاح الشمر بأعلى صوته : أين بنو اختنا (1)؟ أين العباس وإخوته؟ ، ~~فأعرضوا عنه ، فقال الحسين : «أجيبوه ولو كان فاسقا» ، قالوا : ما شأنك وما ~~تريد؟ قال : يا بني اختي أنتم آمنون ، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين ، ~~والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال العباس : لعنك الله ولعن أمانك ، ~~أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له (2)، وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء ~~وأولاد اللعناء (3). # أيظن هذا الجلف الجافي أن يستهوي رجل الغيرة والحمية إلى الخسف والهوان ، ~~فيستبدل أبو الفضل الظلمة بالنور ، ويدع علم النبوة وينضوي إلى راية ابن ~~ميسون؟! كلا. # ولما رجع العباس ، قام إليه زهير بن القين وقال : احدثك بحديث وعيته؟ قال ~~: بلى ، فقال : لما أراد أبوك أن يتزوج ، طلب من أخيه عقيل وكان عارفا ~~بأنساب العرب أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب ؛ ليتزوجها فتلد ~~غلاما شجاعا ينصر الحسين بكربلاء ، وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا ms150 ~~تقصر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك. # فقال العباس : أتشجعني يا زهير في مثل هذا اليوم؟! والله لأرينك شيئا ما ~~رأيته (4)، فجدل أبطالا ونكس رايات في حالة لم يكن من همه القتال ولا ~~مجالدة الأبطال ، بل همه إيصال الماء إلى عيال أخيه. PageV01P209 يمثل الكرار في كراته %~% بل في المعاني الغر من صفاته ليس يد الله سوى أبيه %~% وقدرة الله تجلت فيه فهو يد الله وهذا ساعده %~% تغنيك عن إثباته مشاهده صولته عند النزال صولته %~% لولا الغلو قلت جلت قدرته (1) ### ||| * بنو أسد # واستأذن حبيب بن مظاهر من الحسين أن يأتي بني أسد وكانوا نزولا بالقرب ~~منهم فأذن له ، ولما أتاهم وانتسب لهم عرفوه ، فطلب منهم نصرة ابن بنت رسول ~~الله فإن معه شرف الدنيا والآخرة ، فأجابه تسعون رجلا ، وخرج من الحي رجل ~~أخبر ابن سعد بما صاروا إليه ، فضم إلى الأزرق أربعمئة رجل وعارضوا النفر ~~في الطريق واقتتلوا ، فقتل جماعة من بني أسد وفر من سلم منهم إلى الحي ~~فارتحلوا جميعا في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبغتهم ، ورجع حبيب إلى ~~الحسين وأخبره ، فقال : «لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم» (2). ### ||| * اليوم التاسع # ونهض ابن سعد عشية الخميس لتسع خلون من المحرم ، ونادى في عسكره بالزحف ~~نحو الحسين ، وكان (عليه السلام) جالسا أمام بيته محتبيا بسيفه ، وخفق ~~برأسه فرأى رسول الله يقول : انك صائر إلينا عن قريب. وسمعت زينب أصوات ~~الرجال وقالت لأخيها : قد اقترب العدو منا. # فقال لأخيه العباس : «اركب بنفسي أنت (3) حتى تلقاهم ، واسألهم عما # غير خاف ما في هذه الكلمة الذهبية من مغزى دقيق ، ترى الفكر يسف عن مداه ~~وأنى له أن يحلق إلى ذروة الحقيقة من ذات طاهرة تفتدى بنفس الإمام علة ~~الكائنات والفيض الأقدس للممكنات. PageV01P210 # جاءهم وما الذي يريدون؟» ، فركب العباس في عشرين فارسا فيهم زهير وحبيب ، ~~وسألهم عن ذلك قالوا : جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم النزول على حكمه ، أو ~~ننازلكم الحرب. # فانصرف العباس (ع) يخبر الحسين بذلك ، ووقف أصحابه يعظون القوم. فقال لهم ms151 ~~حبيب بن مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غدا ، قوم يقدمون عليه وقد ~~قتلوا ذرية نبيه وعترته وأهل بيته وعباد أهل هذا المصر المتهجدين بالأسحار ~~الذاكرين الله كثيرا. فقال له عزرة بن قيس : إنك لتزكي نفسك ما استطعت. # فقال زهير : يا عزرة ، إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة ، فإني ~~لك من الناصحين ، انشدك الله يا عزرة أن لا تكون ممن يعين أهل الضلالة على ~~قتل النفوس الزكية. # ثم قال عزرة : يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنما كنت ~~على غير رأيهم. قال زهير : أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم ، أما والله ما ~~كتبت إليه كتابا قط ، ولا أرسلت إليه رسولا ، ولا وعدته نصرتي ولكن الطريق ~~جمع بيني وبينه ، فلما رأيته ذكرت به رسول الله ومكانه منه ، وعرفت ما يقدم ~~عليه عدوه ، فرأيت أن أنصره وأن أكون من حزبه وأجعل نفسي دون نفسه ؛ لما ~~ضيعتم من حق رسوله. # وأعلم العباس أخاه أباعبد الله بما عليه القوم فقال (ع): «ارجع إليهم ، ~~واستمهلهم هذه العشية إلى غد ، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو # نعم ، عرفها البصير الناقد بعد أن جربها بمحك النزاهة فوجدها مشبوبة ~~بجنسها ثم أطلق عليها تلك الكلمة الغالية ، ولا يعرف الفضل إلا أهله. # ولا يذهب بك الوهم أيها القارئ إلى القول بعدم الأهمية في هذه الكلمة بعد ~~قول الإمام (ع) في زيارة الشهداء من زيارة وارث : «بأبي أنتم وامي ، طبتم ~~وطابت الأرض التي فيها دفنتم» ؛ لأن الإمام (ع) في هذه الزيارة لم يكن هو ~~المخاطب لهم وانما هو (عليه السلام) في مقام تعليم صفوان الجمال عند ~~زيارتهم أن يخاطبهم بذلك ، فإن الرواية تنص كما في مصباح المتهجد للشيخ ~~الطوسي أن صفوان استأذن الصادق في زيارة الحسين وأن يعرفه ما يقوله ويعمل ~~عليه فقال له : «يا صفوان ، صم قبل خروجك ثلاثة أيام إلى أن قال : ثم إذا ~~أتيت الحائر فقل : الله أكبر ثم ساق الزيارة إلى أن قال : ثم اخرج من الباب ms152 ~~الذي يلي رجلي علي بن الحسين وتوجه إلى الشهداء وقل : السلام عليكم يا ~~أولياء الله ...» إلى آخرها. # فالإمام الصادق (ع) في مقام تعليم صفوان أن يقول في السلام على الشهداء ~~ذلك ، وليس في الرواية ما يدل على أنه (عليه السلام) كيف يقول لو أراد ~~السلام على الشهداء. PageV01P211 # يعلم أني احب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار». # فرجع العباس واستمهلهم العشية. فتوقف ابن سعد وسأل من الناس فقال عمرو بن ~~الحجاج : سبحان الله! لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أن ~~تجيبهم إليه. وقال قيس بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ، فلعمري ليستقبلك ~~بالقتال غدوة. فقال ابن سعد : والله لو أعلم أنه يفعل ما أخرتهم العشية. ثم ~~بعث إلى الحسين : إنا أجلناكم إلى غد ، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى الأمير ~~ابن زياد ، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم (1). # ضلت امية ماتر %~% يد غداة مقترع النصول رامت تسوق المصعب %~% الهدار مستاق الذليل ويروح طوع يمينها %~% قود الجنيب أبو الشبول رامت لعمرو ابن النبي %~% الطهر ممتنع الحصول وتيممت قصد المحال %~% فما رعت غير المحول ورنت على السغب السرا %~% ب بأعين في المجد حول وغوى بها جهل بها %~% والبغي من خلق الجهول (2) ### ||| * الضمائر الحرة # وجمع الحسين أصحابه قرب المساء قبل مقتله بليلة (3) فقال : «اثني على ~~الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن ~~أكرمتنا بالنبوة ، وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا ~~وأبصارا وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين. أما بعد ، فإني لا أعلم أصحابا ~~أولى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم ~~الله عني جميعا (4). PageV01P212 # وقد أخبرني جدي رسول الله (ص) بأني ساساق إلى العراق فأنزل أرضا يقال لها ~~عمورا وكربلاء ، وفيها استشهد. وقد قرب الموعد. (1) # ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا. وإني قد أذنت لكم فأنطلقوا ~~جميعا في حل ليس عليكم مني ذمام. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، ~~وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ms153 ، فجزاكم الله جميعا خيرا! وتفرقوا ~~في سوادكم ومدائنكم ، فإن القوم إنما يطلبونني ، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري». # فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : لم نفعل ذلك؟ ~~لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبدا. بدأهم بهذا القول العباس بن علي ~~وتابعه الهاشميون. # والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال : «حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا قد ~~أذنت لكم». فقالوا : إذا ما يقول الناس ، وما نقول لهم؟ أنا تركنا شيخنا ~~وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام؟! ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن برمح ولم ~~نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا؟! لا والله لا نفعل ، ولكن نفيدك بأنفسنا ~~وأموالنا وأهلينا ، نقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك (2). # نفوس أبت إلا تراب أبيهم %~% فهم بين موتور لذاك وواتر لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى %~% كما أنست أقدامهم بالمنابر (3) # وقال مسلم بن عوسجة : أنحن نخلي عنك؟ وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ ~~أما والله ، لا افارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه ~~بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك. # وقال سعيد بن عبدالله الحنفي : والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد PageV01P213 # حفظنا غيبة رسوله فيك ، أما والله لو علمت أني اقتل ثم احيا ثم احرق حيا ~~ثم اذرى ، يفعل بي ذلك سبعين مرة ، لما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، وكيف ~~لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا؟! # وقال زهير بن القين : والله وددت أني قتلت ثم قتلت حتى اقتل كذا ألف مرة ~~، وإن الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. # وتكلم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه بعضا فجزاهم الحسين خيرا (1). # وفي هذا الحال قيل لمحمد بن بشير الحضرمي قد اسر ابنك بثغر الري فقال : ~~ما احب أن يؤسر وأنا أبقى بعده حيا فقال له الحسين : «أنت في حل من بيعتي ، ~~فاعمل في فكاك ms154 ولدك» ، قال : لا والله لا أفعل ذلك ، أكلتني السباع حيا إن ~~فارقتك. فقال (عليه السلام): «إذا اعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل في ~~فكاك أخيه» وكان قيمتها ألف دينار (2). # وتناديت للذب عنه عصبة %~% ورثوا المعالي اشيبا وشبابا من ينتدبهم للكريهة ينتدب %~% منهم ضراغمة الاسود غضابا خفوا لداعي الحرب حين دعاهم %~% ورسوا بعرصة كربلاء هضابا اسد قد اتخذوا الصوارم حلية %~% وتسربلوا حلق الدروع ثيابا تخذت عيونهم القساطل كحلها %~% واكفهم فيض النجيع خضابا يتمايلون كأنما غنى لهم %~% وقع الظبي وسقاهم اكوابا برقت سيوفهم فأمطرت الطلي %~% بدمائها والنقع ثار سحابا وكأنهم مستقبلون كواعبا %~% مستقبلين أسنة وكعابا وجدوا الردى من دون آل محمد %~% عذبا وبعدهم الحياة عذابا (3) # ولما عرف الحسين منهم صدق النية والإخلاص في المفاداة دونه ، أوقفهم على ~~غامض القضاء فقال : «إني غدا اقتل وكلكم تقتلون معي ولا يبقى منكم أحد (4) PageV01P214 # حتى القاسم وعبد الله الرضيع ، إلا ولدي عليا زين العابدين ؛ لأن الله لم ~~يقطع نسلي منه وهو أبو أئمة ثمانية» (1). # فقالوا بأجمعهم الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرفنا بالقتل معك ، أولا ~~نرضى أن نكون معك في درجتك يابن رسول الله؟ ، فدعا لهم بالخير (2)، وكشف ~~عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان وعرفهم منازلهم فيها (3)، ~~وليس ذلك في القدرة الإلهية بعزيز ، ولا في تصرفات الإمام بغريب ، فإن سحرة ~~فرعون لما آمنوا بموسى (ع) وأراد فرعون قتلهم أراهم النبي موسى منازلهم في ~~الجنة (4). # وفي حديث أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال لأصحابه : «أبشروا بالجنة ، ~~فوالله إنا نمكث ماشاء الله بعد ما يجري علينا ثم يخرجنا الله وإياكم حتى ~~يظهر قائمنا فينتقم من الظالمين ، وأنا وأنتم نشاهدهم في السلاسل والأغلال ~~وأنواع العذاب» فقيل له : من قائمكم يابن رسول الله؟ قال : «السابع من ولد ~~ابني محمد بن علي الباقر وهو الحجة ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن ~~موسى بن جعفر بن محمد بن علي ، ابني وهو الذي يغيب مدة طويلة ثم يظهر ويملأ ~~الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا» (5). ### ||| * ليلة ms155 عاشوراء # كانت ليلة عاشوراء أشد ليلة مرت على أهل بيت الرسالة ، حفت بالمكاره ~~والمحن وأعقبت الشر وآذنت بالخطر وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني امية ~~وأتباعهم كل الوسائل الحيوية وهناك ولولة النساء وصارخ الاطفال من العطش ~~المبرح والهم المدلهم. # إذا فما حال رجال المجد من الأصحاب وسروات الشرف من بني هاشم PageV01P215 # بين هذه الكوارث ، فهل أبقت لهم مهجة ينهضون بها أو أنفسا تعالج الحياة ~~والحرب في غد؟! # نعم كانت ضراغمة آل عبد المطلب والصفوة من الأصحاب عندئذ في أبهج حالة ~~وأثبت جأش ، فرحين بما يلاقونه من نعيم وحبور ، وكلما اشتد المأزق الحرج ~~أعقب فيهم انشراحا بين ابتسامة ومداعبة إلى فرح ونشاط. # ومذ أخذت في نينوى منهم النوى %~% ولاح بها للغدر بعض العلائم غدا ضاحكا هذا وذا متبسما %~% سرورا وما ثغر المنون بباسم # هازل برير عبد الرحمن الأنصاري ، فقال له عبد الرحمن : ما هذه ساعة باطل؟ ~~فقال برير : لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا ، ولكني مستبشر ~~بما نحن لا قون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء ~~بأسيافهم ، ولوددت أنهم مالوا علينا الساعة (1). # وخرج حبيب بن مظاهر يضحك ، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني : ما هذه ~~ساعة ضحك. قال حبيب : وأي موضع أحق بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل ~~علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور (2). # تجري الطلاقة في بهاء وجوههم %~% أن قطبت فرقا وجوه كماتها وتطلعت بدجى القتام أهلة %~% لكن ظهور الخيل من هالاتها فتدافعت مشي النزيف إلى الردى %~% حتى كأن الموت من نشواتها وتعانقت هي والسيوف وبعد ذا %~% ملكت عناق الحور في جناتها (3) # فكأنهم نشطوا من عقال ، بين مباشرة للعبادة ، وتأهب للقتال ، لهم دوي ~~كدوي النحل ، بين قائم وقاعد وراكع وساجد. # قال الضحاك بن عبد الله المشرقي : مرت علينا خيل ابن سعد فسمع رجل منهم ~~الحسين (ع) يقرأ ( @QUR@032 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين * ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ms156 ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ). PageV01P216 # فقال الرجل نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا منكم. # قال له برير : يا فاسق ، أنت يجعلك الله في الطيبين؟! هلم إلينا وتب من ~~ذنوبك العظام ، فوالله لنحن الطيبون وأنتم الخبيثون. فقال الرجل مستهزئا : ~~وأنا على ذلك من الشاهدين (1). # ويقال : أنه في هذه الليلة انضاف إلى أصحاب الحسين من عسكر ابن سعد اثنان ~~وثلاثون رجلا (2) حين رأوهم متبتلين متهجدين عليهم سيماء الطاعة والخضوع ~~لله تعالى. # قال علي بن الحسين : «سمعت أبي في الليلة التي قتل في صبيحتها يقول ، وهو ~~يصلح سيفه : # يا دهر اف لك من خليل %~% كم لك بالاشراق والأصيل من صاحب وطالب قتيل %~% والدهر لا يقنع بالبديل وانما الأمر إلى الجليل %~% وكل حي سالك سبيل # فأعادها مرتين أو ثلاثا ، ففهمتها وعرفت ما أراد وخنقتني العبرة ، ولزمت ~~السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل. # وأما عمتي زينب لما سمعت ذلك وثبت تجر ذيلها حتى انتهت إليه وقالت : ~~وآثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت امي فاطمة وأبي علي وأخي ~~الحسن (3)، يا خليفة الماضي وثمال الباقي! فعزاها الحسين وصبرها وفيما قال ~~: يا اختاه تعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لا ~~يبقون وكل شيء هالك إلا وجهه ، ولي ولكل مسلم برسول الله اسوة حسنة. # فقالت (عليها السلام): افتغصب نفسك اغتصابا ، فذاك أقرح لقلبي وأشد على ~~نفسي (4). PageV01P217 # وبكت النسوة معها ولطمن الخدود ، وصاحت ام كلثوم : وآ محمداه! وآ علياه! ~~وآ اماه! وآ حسيناه! وآ ضيعتنا بعدك! # فقال الحسين : يا اختاه يا ام كلثوم ، يا فاطمة ، يا رباب ، انظرن اذا ~~قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن وجها ولا تقلن هجرا» (1). ثم إن الحسين ~~أوصى اخته زينب بأخذ الأحكام من علي بن الحسين (ع) وإلقائها إلى الشيعة ~~سترا عليه. وبذلك يحدث أحمد بن إبراهيم قال : دخلت على حكيمة بنت محمد بن ~~علي الرضا ، اخت أبي الحسن العسكري (ع) سنة 282 بالمدينة ، وكلمتها من وراء ~~حجاب وسألتها عن دينها ، فسمت من تأتم بهم ، وقالت : فلان ms157 بن الحسن. قلت : ~~معاينة أو خبرا؟ قالت : خبر عن أبي محمد (ع) كتب به إلى امه. قلت لها : ~~أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟! قالت : اقتداء بالحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ~~فإنه أوصى إلى اخته زينب في الظاهر ، فكان ما يخرج من علي بن الحسين (ع) من ~~علم ينسب إلى زينب ؛ سترا على علي بن الحسين (ع). ثم قالت : إنكم قوم أخبار ~~، أما رويتم أن التاسع من ولد الحسين يقسم ميراثه في الحياة؟. إكمال الدين ~~للصدوق ص 275 ، باب 49 ، طبع حجر أول. # ثم إنه (عليه السلام) أمر أصحابه أن يقاربوا البيوت بعضها من بعض ؛ ~~ليستقبلوا القوم من وجه واحد. وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه ~~الحطب ويلقى عليه النار إذا قاتلهم العدو ؛ كيلا تقتحمه الخيل ، فيكون ~~القتال من وجه واحد (2). # وخرج (عليه السلام) في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات ~~، فتبعه نافع بن هلال الجملي ، فسأله الحسين عما أخرجه قال : يابن رسول ~~الله أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي ، فقال الحسين : «إني خرجت ~~أتفقد التلاع والروابي ؛ مخافة أن تكون مكمنا لهجوم الخيل يوم تحملون ~~ويحملون». ثم رجع (عليه السلام) وهو قابض على يد نافع ويقول : «هي هي والله ~~، وعد لا خلف فيه». # ثم قال له : «ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟» PageV01P218 # فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول : ثكلتني امي ، إن سيفي بألف وفرسي ~~مثله ، فوالله الذي من بك علي ، لا فارقتك حتى يكلا عن فري وجري. # ثم دخل الحسين (ع) خيمة زينب ، ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره فسمع زينب ~~تقول له : هل استعلمت من أصحابك نياتهم؟ فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة. # فقال لها : «والله ، لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس ، ~~يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب امه». # قال نافع : فلما سمعت هذا منه ، بكيت وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت ~~منه ومن اخته زينب. # قال حبيب : والله ، لو لا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه ms158 الليلة. قلت : ~~إني خلفته عند اخته وأظن النساء أفقن وشاركنها في الحسرة ، فهل لك أن تجمع ~~أصحابك وتواجهوهن بكلام يطيب قلوبهن؟ فقام حبيب ونادى : يا أصحاب الحمية ~~وليوث الكريهة. فتطالعوا من مضاربهم كالاسود الضارية ، فقال لبني هاشم : ~~ارجعوا إلى مقركم لا سهرت عيونكم. # ثم التفت إلى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع ، فقالوا بأجمعهم : ~~والله الذي من علينا هذا الموقف ، لو لا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا ~~الساعة ، فطب نفسا وقر عينا. فجزاهم خيرا. # وقال هلموا معي لنواجه النسوة ونطيب خاطرهن ، فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح ~~: يا معشر حرائر رسول الله ، هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلا في ~~رقاب من يريد السوء فيكم ، وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في ~~صدور من يفرق ناديكم. # فخرجن النساء إليهم ببكاء وعويل وقلن : أيها الطيبون حاموا عن بنات رسول ~~الله وحرائر أمير المؤمنين. # فضج القوم بالبكاء حتى كأن الأرض تميد بهم (1). PageV01P219 # وفي السحر من هذه الليلة خفق الحسين خفقة ثم استيقظ وأخبر أصحابه بأنه ~~رأى في منامه كلابا شدت عليه تنهشه وأشدها عليه كلب أبقع ، وإن الذي يتولى ~~قتله من هؤلاء رجل أبرص. # وإنه رأى رسول الله (ص) بعد ذلك ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له : «أنت ~~شهيد هذه الامة ، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى وليكن ~~افطارك عندي الليلة عجل ولا تؤخر ، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في ~~قارورة خضراء» (1). # وانصاع حامية الشريعة ظامئا %~% ما بل غلته بعذب فراتها أضحى وقد جعلته آل امية %~% شبح السهام رمية لرماتها حتى قضى عطشا بمعترك الوغى %~% والسمر تصدر منه في نهلاتها وجرت خيول الشرك فوق ضلوعه %~% عدوا تجول عليه في حلباتها ومخدرات من عقائل أحمد %~% هجمت عليها الخيل في أبياتها من ثاكل حرى الفؤاد مروعة %~% أضحت تجاذبها العدى حبراتها ويتمية فزعت لجسم كفيلها %~% حسرى القناع تعج في أصواتها أهوت على جسم الحسين وقلبها %~% المصدوع كاد يذوب من حسراتها وقعت عليه تشم موضع %~% نحره وعيونها تنهل في عبراتها ms159 ترتاع من ضرب السياط فتنثني %~% تدعو سرايا قومها وحماتها أين الحفاظ وفي الطفوف دماؤكم %~% سفكت بسيف امية وقناتها أين الحفاظ وهذه أشلاؤكم %~% بقيت ثلاثا في هجير فلاتها أين الحفاظ وهذه أبناؤكم %~% ذبحت عطاشى في ثرى عرصاتها أين الحفاظ وهذه فتياتكم %~% حملت على الأقتاب بين عداتها حملت برغم الدين وهي ثواكل %~% عبرى تردد بالشجى زفراتها فمن المعزي بعد أحمد فاطما %~% في قتل أبناها وسبي بناتها (2) PageV01P220 ### ||| ** يوم عاشوراء ### |||| ** «إني لا أرى الموت إلا سعادة ### |||| ** والحياة مع الظالمين إلا برما» ||أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) | PageV01P221 ### ||| * يوم عاشوراء لو كان يدري يوم عاشوراء %~% ما كان يجري فيه من بلاء ما لاح فجره ولا استنارا %~% ولا أضاءت شمسه نهارا سود حزنا أوجه الأيام %~% وأوجه الشهور والأعوام الله ما أعظمه من يوم %~% أزال صبري وأطار نومي اليوم أهل آية التطهير %~% بين صريع فيه أو عفير اليوم قد مات الحفاظ والوفا %~% اليوم كاد الدين يقضي أسفا اليوم نامت أعين الأعداء %~% وسهدت عيون ذي الولاء ويلي وهل يجدي حزينا %~% ويل لأضلع تدوسهن الخيل وارؤس على الرماح ترفع %~% وجثث على الصعيد توضع وثاكل تبدو من الخدور %~% تعج بالويل وبالثبور ومرضع ترنو إلى رضيع %~% على التراب فاحص صريع ونسوة تسبى على النياق %~% حسرى تعاني ألم الفراق أهم شيء لذوي الولاء %~% أن يجلسوا للنوح والعزاء فيه تقام سنن المصاب %~% والترك للطعام والشراب (1) # لقد مر هذا اليوم على آل محمد (صلى الله عليه وآله) وكله شجاء مترامي ~~الأطراف ، أثرت فجائعه في القلوب فأذابتها وفي المدامع فأدمتها ، فلا تسمع ~~فيه إلا صرخة فاقد وزفرة ثاكل وحنة محزون ، ولا تبصر إلا كل أشعث قد أنهكه ~~ألم المصاب ، ومغبر يذري على رأسه التراب ، إلى لادم صدرا وصاك جبهته وقابض ~~على فؤاد وصافق بيده الاخرى ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ؛ لكن لوعة ~~المصاب أليمة وكوارثه عظيمة. ولو يكشف لك عن الملأ الأعلى لسمعت لعالم ~~الملكوت صرخة وحنة ، وللحور في غرف الجنان نشيجا ونحيبا ولأئمة الهدى بكاءا ~~وعويلا. # ولا بدع ؛ فالفقيد فيه عبق الرسالة وألق ms160 الخلافة وإكليل تاج الإمامة ، ~~وهو سبط المصطفى وبضعة فاطمة الزهراء وفلذة كبد الوصي المرتضى وشقيق السبط PageV01P222 # المجتبى وحجة الله على الورى ، نعم هو الآية المخزونة والرحمة الموصولة ~~والأمانة المحفوظه والباب المبتلى به الناس. # فمصابه يقل فيه البكاء ، ويعز عنه العزاء. فلو تطايرت شظايا القلوب وزهقت ~~النفوس جزعا لذلك الحادث الجلل لكان دون واجبه. أو ترى للحياة قيمة والمؤدى ~~به هو ذلك العنصر الحيوي الزاكي. وما قدر الدمع المراق والموتور ثار الله ~~في الأرض؟ أو يهدأ الكون والذاهب مرساه ومنجاه في مسراه؟ وهل ترقأ العين ~~وهي ترنو بالبصيرة إلى ضحايا آل محمد مجزرين على وجه الصعيد مبضعة أجسادهم ~~بين ضريبة للسيوف ودرية للرماح ورمية للنبال؟ وقد قضوا وهم رواء الكون ظماء ~~على ضفة الفرات الجاري ، تلغ فيه الكلاب وتشرب منه وحش الفلا ، غير أن آل ~~محمد (ص) محلأون عنه؟ وللمذاكي عقرن فلا يلوى لهن لجام ، تجوال على تلك ~~الصدور الزواكي ولصدر الحسين حديثه الشجي : # وأعظم خطب أن شمرا له على %~% جناجن صدر ابن النبي مقاعد فشلت يداه حين يفري بسيفه %~% مقلد من تلقى إليه المقالد وأى فتى أضحت خيول امية %~% تعادى على جثمانه وتطارد فلهفي له والخيل منهن صادر %~% خضيب الحوافي في دماه ووارد (1) # فاللازم على الموالي المتأسي بالنبي الأعظم الباكي على ولده بمجرد تذكر ~~مصابه (2) أن يقيم المأتم على سيد الشهداء ، ويأمر من في داره بالبكاء عليه ~~، وليعز بعضهم بعضا بالحسين ، فيقول كما في حديث الباقر (ع): «عظم الله ~~اجورنا واجوركم بمصابنا بالحسين ، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه ~~المهدي من آل محمد (عليهم السلام)» (3). # دخل عبد الله بن سنان على أبي عبد الله الصادق (عليهم السلام) في يوم ~~عاشوراء ، فرآه كاسف اللون ظاهر الحزن ودموعه تنحدر على خديه كاللؤلؤ فقال ~~له : مم بكاؤك يابن رسول الله؟ قال عليه السلام : «أوفي غفلة أنت؟! أما ~~علمت أن الحسين اصيب في هذا اليوم؟» ، ثم أمره أن يكون كهيئة أرباب المصائب ، يحلل PageV01P223 # أزراره ويكشف عن ذراعيه ويكون حاسرا ، ولا يصوم يوما كاملا ms161 ، وليكن ~~الافطار بعد العصر بساعة على شربة من ماء ؛ ففي ذلك الوقت تجلت الهيجاء عن ~~آل محمد. ثم قال (عليه السلام): «لو كان رسول الله حيا لكان هو المعزى به» (1). # وأما الإمام الكاظم (ع) فلم ير ضاحكا أيام العشرة وكانت الكآبه غالبة ~~عليه ، ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته. # ويقول الرضا (عليه السلام): «فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، إن يوم ~~الحسين أقرح جفوننا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء». # وفي زيارة الناحية يقول حجة آل محمد عجل الله فرجه : «فلأندبنك صباحا ~~ومساء ، ولأبكين عليك بدل الدموع دما». # وبعد هذا فهلا يجب علينا أن نخرق ثوب الانس ونتجلبب بجلباب الحزن والبكاء ~~ونعرف كيف يجب أن نعظم شعائر الله بإقامة المأتم للشهيد العطشان في العاشر ~~من المحرم؟! # اليوم دين الهدى خرت دعائمه %~% وملة الحق جدت في تداعيها اليوم ضل طريق العرف طالبه %~% وسد باب الرجا في وجه راجيها اليوم عادت بنو الآمال متربة %~% اليوم بان العفا في وجه عافيها اليوم شق عليه المجد حلته %~% اليوم جزت له العليا نواصيها اليوم عقد المعالي أرفض جوهره %~% اليوم قد أصبحت عطل معاليها اليوم أظلم نادي العز من مضر %~% اليوم صرف الردى أرسى بواديها اليوم قامت به الزهراء نادبة %~% اليوم آسية وافت تواسيها اليوم عادت لدين الكفر دولته %~% اليوم نالت بنو هند أمانيها ما عذر ارجاس هند يوم موقفه %~% والمصطفى خصمهم والله قاضيها ما عذرها ودما ابنائه جعلت %~% خضاب أعيادها في راح ناديها (2) # * * * * PageV01P224 ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### |||| * الحسين (ع) ### |||| * يوم عاشوراء # قال ابن قولويه والمسعودي (1): لما أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلى ~~بأصحابه صلاة الصبح ، قام خطيبا فيهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : «إن ~~الله تعالى أذن في قتلكم وقتلي في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال». ثم ~~صفهم للحرب وكانوا اثنين وثمانين فارسا وراجلا ، فجعل زهير بن القين في ~~الميمنة ، وحبيب بن مظاهر في الميسرة ، وثبت هو (عليه السلام) وأهل بيته في ~~القلب (2)، وأعطى رايته أخاه العباس (3)؛ لأنه وجد قمر الهاشميين أكفأ ~~ممن معه لحملها ، وأحفظهم لذمامه وأرأفهم ms162 به ، وأدعاهم إلى مبدئه وأوصلهم ~~لرحمه ، وأحماهم لجواره وأثبتهم للطعان ، وأربطهم جأشا وأشدهم مراسا (4). # وأقبل عمر بن سعد نحو الحسين (عليه السلام) في ثلاثين ألفا وكان رؤساء # الثاني : إنهم إثنان وثمانون راجلا ، نسبه في الدمعة الساكبة / 327 إلى ~~الرواية وهو المختار. # الثالث : ستون راجلا ، ذكره الدميري في حياة الحيوان في خلافة يزيد 1 / 73. # الرابع : ثلاثة وسبعون رجلا ، ذكره الشريشي في شرح مقامات الحريري 1 / 193. # الخامس : خمسة وأربعون فارسا ونحو مئة راجل ذكره ابن عساكر كما في تهذيب ~~تاريخ الشام 4 / 337. # السادس : إثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا ، ذكره الخوارزمي في المقتل 2 / 4. # السابع : واحد وستون رجلا ، ذكره المسعودي في إثبات الوصية / 35 ، طبع ~~المطبعة الحيدرية. PageV01P225 # الأرباع بالكوفة يومئذ : عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي على ربع أهل ~~المدينة ، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد ، وقيس بن ~~الأشعث على ربع ربيعة وكندة ، والحر بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان ~~(1)، وكلهم اشتركوا في حرب الحسين إلا الحر الرياحي. # وجعل ابن سعد على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى الميسرة شمر بن ~~ذي الجوشن العامري ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجالة شبث بن ~~ربعي ، والراية مع مولاه ذويد (2). # وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النار تضطرم في الخندق ، فنادى شمر ~~بأعلى صوته : يا حسين ، تعجلت بالنار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين (ع): ~~«من هذا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن» ، قيل نعم فقال (عليه السلام): «يابن ~~راعية المعزى ، أنت أولى بها مني صليا». ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم ~~، فمنعه الحسين وقال : «أكره أن أبدأهم بقتال» (3). ### ||| * دعاء الحسين # ولما نظر الحسين (ع) إلى جمعهم كأنه السيل ، رفع يديه بالدعاء وقال : # «اللهم ، أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل ~~بي ثقة وعدة ، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ~~ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك فكشفته ~~وفرجته ، فأنت ولي ms163 كل نعمة ومنتهى كل رغبة» (4). # الثامن : خمسة وأربعون فارسا ومئة راجل ذكره ابن نما في مثير الأحزان / ~~28 ، وفي اللهوف / 56 : أنه المروي عن الباقر (عليه السلام). # التاسع : إثنان وسبعون رجلا ، ذكره الشبراوي في الإتحاف بحب الأشراف / 17. # العاشر : ما في مختصر تاريخ دول الإسلام للذهبي 1 / 31 : أنه (عليه ~~السلام) سار في سبعين فارسا من المدينة. PageV01P226 ### ||| * الخطبة الاولى # ثم دعا براحلته فركبها ، ونادى بصوت عال يسمعه جلهم : # «أيها الناس اسمعوا قولي ، ولا تعجلوا حتى أعظكم بما هو حق لكم علي ، ~~وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني ~~النصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم علي سبيل. وإن لم تقبلوا ~~مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب ~~وهو يتولى الصالحين». # فلما سمعن النساء هذا منه صحن وبكين وارتفعت أصواتهن ، فأرسل إليهن أخاه ~~العباس وابنه عليا الأكبر وقال لهما : «سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن». # ولما سكتن ، حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وعلى الملائكة والأنبياء ~~وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده أبلغ منه في ~~منطقه (1)، ثم قال : «عباد الله ، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ؛ ~~فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء ~~وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء ، غير أن الله خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بال ~~ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر ، والمنزل تلعة والدار قلعة ، فتزودوا فإن خير ~~الزاد التقوى ، واتقوا الله لعلكم تفلحون (2). # أيها الناس إن الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة ~~بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرته والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه ~~الدنيا ، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيب طمع من طمع فيها. وأراكم قد ~~اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحل ~~بكم نقمته ، فنعم الرب ربنا وبئس العبيد ms164 أنتم ؛ أقررتم بالطاعة وآمنتم ~~بالرسول محمد (ص)، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم ، لقد ~~استحوذ عليكم PageV01P227 # الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبا لكم ولما تريدون. إنا لله وإنا ~~إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين (1). # أيها الناس أنسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل ~~لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول ~~المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد ~~الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي ، أو لم يبلغكم قول رسول الله لي ~~ولأخي : هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق والله ~~ما تعمدت الكذب منذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه وإن ~~كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله ~~الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس ~~بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما في ~~هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!» # فقال الشمر : هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول. # فقال له حبيب بن مظاهر : والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفا ، وأنا ~~أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك. # ثم قال الحسين (ع): «فإن كنتم في شك من هذا القول ، أفتشكون أني ابن بنت ~~نبيكم ، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ~~، ويحكم اتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟! أو مال لكم استهلكته؟! أو بقصاص ~~جراحة؟!» ، فأخذوا لا يكلمونه! # فنادى : «يا شبث بن ربعي ، ويا حجار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا ~~زيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن اقدم قد أينعت الثمار واخضر الجناب ، ~~وإنما تقدم على جند لك مجندة؟» # فقالو : لم نفعل. # قال : «سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم». ثم قال : «أيها الناس ، إذا ~~كرهتموني PageV01P228 # فدعوني ms165 أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض». فقال له قيس بن الأشعث : أولا ~~تنزل على حكم بني عمك؟ فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه. # فقال الحسين (عليه السلام): «أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم ~~أكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر ~~فرار العبيد (1)، عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، أعوذ بربي ~~وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب». # ثم أناخ وأمر عقبة بن سمعان فعقلها (2). # وقام لسان الله يخطب واعظا %~% فصموا لما عن قدس أنواره عموا وقال انسبوني من أنا اليوم وانظروا %~% حلال لكم مني دمي أم محرم فما وجدوا إلا السهام بنحره %~% تراش جوابا والعوالي تقوم ومذ أيقن السبط انمحى دين جده %~% ولم يبق بين الناس في الأرض مسلم فدى نفسه في نصرة الدين خائضا %~% عن المسلمين الغامرات ليسلموا وقال خذيني يا حتوف وهاك يا %~% سيوف فأوصالي لك اليوم مغنم وهيهات أن أغدو على الضيم جاثما %~% ولو لا على جمر الأسنة مجثم وكر وقد ضاق الفضا وجرى القضا %~% وسال بوادي الكفر سيل عرمرم ومذ خر بالتعظيم لله ساجدا %~% له كبروا بين السيوف وعظموا وجاء إليه الشمر يرفع رأسه %~% فقام به عنه السنان المقوم وزعزع عرش الله وانحط نوره %~% فأشرق وجه الأرض والكون مظلم |||||| PageV01P229 ومذ مال قطب الكون مال وأوشك %~% انقلابا يميل الكائنات ويعدم وحين ثوى في الأرض قر قرارها %~% وعادت ومن أوج السما وهي أعظم فلهفي له فردا عليه تزاحمت %~% جموع العدى تزداد جهلا فيحلم ولهفي له ظام يجود وحوله %~% الفرات جرى طام وعنه يحرم ولهفي له ملقى وللخيل حافر %~% يجول على تلك الضلوع وينسم ولهفي على أعضاك يابن محمد %~% توزع في أسيافهم وتسهم فجسمك ما بين السيوف موزع %~% ورحلك ما بين الأعادي مقسم فلهفي على ريحانة الطر جسمه %~% لكل رجيم بالحجارة يرجم (1) ### ||| * كرامة وهداية # وأقبل القوم يزحفون نحوه ، وكان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي (2) فصاح ~~: أفيكم حسين؟ وفي الثالثة قال ms166 أصحاب الحسين : هذا الحسين فما تريد منه؟ ~~قال : يا حسين ، أبشر بالنار ، قال الحسين : «كذبت ، بل أقدم على رب غفور ~~كريم مطاع شفيع. فمن أنت؟» قال : أنا ابن حوزة. فرفع الحسين يديه حتى بان ~~بياض ابطيه وقال : «اللهم ، حزه إلى النار ، فغضب ابن حوزة وأقحم الفرس ~~إليه وكان بينهما نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب ، وجالت به الفرس ~~وانقطعت قدمه وساقه وفخذه ، وبقي جانبه الآخر معلقا بالركاب ، وأخذت الفرس ~~تضرب به كل حجر وشجر (3)، وألقته في النار المشتعلة في الخندق فاحترق بها ~~ومات. فخر الحسين (ع) ساجدا شاكرا حامدا على إجابة دعائه ، ثم إنه رفع صوته ~~يقول : «اللهم ، إنا أهل بيت نبيك وذريته وقرابته ، فاقصم من ظلمنا وغصبنا ~~حقنا إنك سميع قريب» فقال له : محمد بن الأشعث أي قرابة بينك وبين محمد؟ ~~فقال الحسين : «اللهم إن PageV01P230 # محمد بن الأشعث يقول : ليس بيني وبين محمد قرابة. اللهم أرني فيه هذا ~~اليوم ذلا عاجلا» ، فاستجاب الله دعاءه ، فخرج محمد بن الأشعث من العسكر ، ~~ونزل عن فرسه لحاجته ، وإذا بعقرب أسود يضربه ضربة تركته متلوثا في ثيابه ~~مما به (1) ومات بادي العورة (2). # قال مسروق بن وائل الحضرمي : كنت في أول الخيل التي تقدمت لحرب الحسين ؛ ~~لعلي أن اصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد ، فلما رأيت ما صنع بابن ~~حوزة عرفت أن لأهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله ، وتركت الناس وقلت : لا ~~اقاتلهم فأكون في النار (3). ### ||| * خطبة زهير بن القين # وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب وهو شاك في السلاح فقال : يا أهل ~~الكوفة ، نذار لكم من عذاب الله إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ~~ونحن حتى الآن إخوة على دين واحد ، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم ~~للنصيحة منا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة ، وكنا امة وأنتم امة ، إن ~~الله ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد (ص)؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون. إنا ~~ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد ، فإنكم لا ~~تدركون ms167 منهما إلا سوء عمر سلطانهما ، يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ~~ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال ~~حجر بن عدي وأصحابه ، وهاني بن عروة وأشباهه. فسبوه وأثنوا على عبيد الله ~~بن زياد ودعوا له وقالوا : لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به ~~وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلما. # فقال زهير : عباد الله إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فإن لم PageV01P231 # تنصروهم ، فاعيذكم بالله أن تقتلوهم ، فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، ~~فلعمري إنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (ع). # فرماه الشمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك. # فقال زهير : يابن البوال على عقبيه ، ما إياك اخاطب ، إنما أنت بهيمة ~~والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب ~~الأليم. # فقال الشمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. # فقال زهير : أفبالموت تخوفني؟ فوالله للموت معه أحب إلي من الخلد معكم. ~~ثم أقبل على القوم رافعا صوته وقال : # عباد الله ، لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فوالله لا ~~تنال شفاعة محمد (ص) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته ، وقتلوا من نصرهم ~~وذب عن حريمهم. # فناداه رجل من أصحابه ، إن أبا عبد الله يقول لك : «أقبل ، فلعمري لئن ~~كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحت هؤلاء وأبلغت لو ~~نفع النصح والإبلاغ» (1). ### ||| * خطبة برير # واستأذن الحسين برير بن خضير (2) في أن يكلم القوم ، فأذن له وكان شيخا ~~تابعيا ناسكا قارئا للقرآن ومن شيوخ القراء في جامع الكوفة ، وله في ~~الهمدانيين شرف وقدر # فوقف قريبا منهم ونادى : يا معشر الناس ، إن الله بعث محمدا بشيرا ونذيرا ~~وداعيا إلى الله وسراجا منيرا ، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه PageV01P232 # وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله ، أفجزاء محمد هذا؟! (1). # فقالوا : يا برير ، قد أكثرت الكلام ، فاكفف عنا ، فوالله ليعطش الحسين ~~كما عطش من كان قبله. # قال : يا قوم ، إن ثقل ms168 محمد قد أصبح بين أظهركم ، وهؤلاء ذريته وعترته ~~وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟ فقالوا : ~~نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد الله بن زياد ، فيرى فيهم رأيه. # قال : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه؟ ويلكم يا ~~أهل الكوفة ، أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ~~وعليكم؟! أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا ~~أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات؟ بئسما خلفتم نبيكم ~~في ذريته! ما لكم؟ لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم! # فقال له نفر منهم : يا هذا ، ما ندري ما تقول؟ # قال : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ، اللهم إني أبرأ إليك من فعال ~~هؤلاء القوم ، اللهم الق بأسهم بينهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان. # فجعل القوم يرمونه بالسهام ، فتقهقر (2). ### ||| * خطبة الحسين الثانية # ثم إن الحسين (ع) ركب فرسه ، وأخذ مصحفا ونشره على رأسه ، ووقف بإزاء ~~القوم وقال : «يا قوم ، إن بيني وبينكم كتاب الله وسنة جدي رسول الله (ص)» (3). # ثم استشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبي (ص) ولامته PageV01P233 # وعمامته فأجأبوه بالتصديق. فسألهم عما أخذهم على قتله؟ قالوا : طاعة ~~للأمير عبيد الله بن زياد ، فقال (عليه السلام): # «تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم ~~موجفين ، سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم وحششتم علينا نارا اقتدحناها على ~~عدونا وعدوكم ، فأصبحتم إلبا لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ~~ولا أمل أصبح لكم فيهم. فهلا لكم الويلات! تركتمونا والسيف مشيم والجأش ~~طامن والرأي لما يستحصف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة (1) الدبا وتداعيتم ~~عليها كتهافت الفراش ، ثم نقضتموها ، فسحقا لكم يا عبيد الأمة وشذاذ ~~الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئي ~~السنن! ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنا تتخاذلون! أجل والله غدر فيكم قديم وشجت ~~عليه اصولكم وتأزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة ، شجى للناظر وأكلة للغاصب! # ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلة والذلة ms169 ، وهيهات ~~منا الذلة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وانوف ~~حمية ونفوس أبية ، من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع الكرام ، ألا وإني زاحف ~~بهذه الاسرة على قلة العدد وخذلان الناصر». ثم أنشد أبيات فروة بن مسيك ~~المرادي (2). # وفد فروة بن مسيك (بالتصغير) على النبي (ص) سنة تسع مع مذحج ، واستعمله ~~النبي على مراد ومذحج وزبيد. وفي الاستيعاب : سكن الكوفة أيام عمر. وذكر ~~ابن هشام في السيرة بهامش الروض الانف 2 / 344 : لما كانت الوقعة بين مراد ~~وهمدان ، أنشأ أبياتا تسعة ولم يكن فيها البيت الثالث والرابع. وفي اللهوف ~~ذكر سبعة مع البيتين. وفي الأغاني 19 / 49 : نسب الفرزدق إلى خاله العلاء ~~بن قرظة قوله : |إذا ما الدهر جر على اناس||بكلكله أناخ بآخرينا| # فقل للشامتين ... الخ # وذكر ابن عساكر في تاريخ الشام 4 / 334 ، والخوارزمي في المقتل 2 / 7 ، ~~الأول والثاني ولم ينسباهما إلى أحد. # ونسبهما المرتضى في الأمالي 1 / 181 إلى ذي الإصبع العدواني. وفي عيون ~~الأخبار لابن قتيبة 3 / 114 ، وشرح الحماسة للتبريزي 3 / 191 : أنها ~~للفرزدق. # وفي الحماسة البصرية / 30 : أنهما من قصيدة فروة بن مسيك ، ويرويان لعمر ~~بن قعاس. PageV01P234 فإن نهزم فهزامون قدما %~% وإن نهزم فغير مهزمينا وما أن طبنا (1) جبن ولكن %~% منايانا ودولة آخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا %~% سيلقى الشامتون كما لقينا إذا مات الموت رفع عن اناس %~% بكلكله أناخ بآخرينا # أما والله ، لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور ~~الرحى وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله ، فاجمعوا ~~أمركم وشركاءكم ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على ~~صراط المستقيم» (2). # ثم رفع يديه نحو السماء وقال : «اللهم ، احبس عنهم قطر السماء ، وابعث ~~عليهم سنين كسني يوسف ، وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة ، فإنهم ~~كذبونا وخذلونا ، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك المصير ms170 (3). والله لا يدع ~~أحدا منهم إلا انتقم لي منه ، قتلة بقتلة وضربة بضربة ، وإنه لينتصر لي ~~ولأهل بيتي وأشياعي» (4). ### ||| * ضلال ابن سعد # واستدعى الحسين (ع) عمر بن سعد ، فدعي له وكان كارها لا يحب أن يأتيه ~~فقال (ع): «أي عمر ، أتزعم أنك تقتلني ويوليك الدعي بلاد الري وجرجان؟ ~~والله لا تتهنأ بذلك ، عهد معهود فاصنع ما أنت صانع ، فإنك لا تفرح بعدي ~~بدنيا ولا آخرة ، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتخذونه ~~غرضا بينهم» ، فصرف بوجهه عنه مغضبا (5). PageV01P235 ### ||| * توبة الحر # ولما سمع الحر بن يزيد الرياحي كلامه واستغاثته ، أقبل على عمر بن سعد ~~وقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال : إي والله ، قتالا أيسره أن تسقط فيه ~~الرؤوس وتطيح الأيدي. قال : ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال؟ فقال : لو ~~كان الأمر إلي لقبلت ، ولكن أميرك أبى ذلك. فتركه ووقف مع الناس ، وكان إلى ~~جنبه قرة بن قيس فقال لقرة : هل سقيت فرسك اليوم؟ قال : لا ، قال : فهل ~~تريد أن تسقيه؟ فظن قرة من ذلك أنه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده ، فتركه ~~فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلا ، فقال له المهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل؟ ~~فسكت وأخذته الرعدة ، فارتاب المهاجر من هذا الحال وقال له : لو قيل لي : ~~من أشجع أهل الكوفة؟ لما عدوتك ، فما هذا الذي أراه منك؟ فقال الحر : إني ~~اخير نفسي بين الجنة والنار ، والله لا أختار على الجنة شيئا ولو احرقت. ثم ~~ضرب جواده نحو الحسين (1) منكسا رمحه قالبا ترسه (2) وقد طأطأ برأسه ؛ حياء ~~من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ ، ~~رافعا صوته : # اللهم إليك انيب فتب علي ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك. يا أبا ~~عبدالله إني تائب ، فهل لي من توبة؟ # فقال الحسين (ع): «نعم يتوب الله عليك» (3). فسره قوله وتيقن الحياة ~~الأبدية والنعيم الدائم ، ووضح له قول الهاتف لما خرج من الكوفة ، فحدث ~~الحسين (ع) بحديث قال فيه : لما خرجت من الكوفة ms171 نوديت : أبشر يا حر بالجنة. ~~فقلت : ويل للحر PageV01P236 # يبشر بالجنة وهو يسير إلى حرب ابن بنت رسول الله؟! (1). # فقال له الحسين (ع): «لقد أصبت خيرا وأجرا» (2). وكان معه غلام تركي (3). ### ||| * نصيحة الحر لأهل الكوفة # ثم استأذن الحسين (ع) في أن يكلم القوم فأذن له ، فنادى بأعلى صوته : يا ~~أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر ؛ إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل ~~جانب فمنعتموه التوجه إلى بلاد الله العريضة حتى يأمن وأهل بيته ، وأصبح ~~كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، وحلأتموه ونساءه وصبيته ~~وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود والنصارى والمجوس ، وتمرغ ~~فيه خنازير السواد وكلابه. وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمدا في ~~ذريته! لا سقاكم الله يوم الظمأ! فحملت عليه رجالة ترميه بالنبل ، فتقهقر ~~حتى وقف أمام الحسين (4). ### ||| * الحملة الاولى # وتقدم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير ~~إني أول من رمى. ثم رمى الناس (5)، فلم يبق من أصحاب الحسين أحد إلا أصابه ~~من سهامهم (6)، فقال (عليه السلام) لأصحابه : «قوموا رحمكم الله إلى الموت ~~الذي لا بد منه ، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم». فحمل أصحابه حملة واحدة ~~(7) واقتتلوا ساعة ، فما انجلت الغبرة إلا عن خمسين صريعا (8). PageV01P237 سطت ورحى الهيجاء تطحن شوسها %~% ووجه الضحى في نقعها متنقب تهلل بشرا بالقراع وجوهها %~% وكم وجه ضرغام هناك مقطب وتلتذ أن جاءت لها السمر تلتوي %~% وللبيض ان سلت لدى الضرب تطرب أعزاء لا تلوي الرقاب لفادح %~% ولا من الوف في الكريهة ترهب فما لسوى العلياء تاقت نفوسهم %~% ولم تك في شيء سوى العز ترغب فلو أن مجدا في الثريا لحلقت %~% إليه وشأن الشهم للمجد يطلب فأسيافهم يوم الوغى تمطر الدما %~% وأيديهم من جودها الدهر مخضب وما برحت تقري المواضي لحومها %~% ومن دمها السمر العواسل تشرب إلى أن تهاوت كالكواكب في الثرى %~% وما بعدهم يا ليت لا لاح كوكب (1) إتهاووا فقل زهر النجوم تهافتت %~% وأهووا فقل شم الجبال تهدم (2) |||||| # وخرج يسار ms172 مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فطلبا البراز ، فوثب ~~حبيب وبرير ، فلم يأذن لهما الحسين (ع). فقام عبد الله بن عمير الكلبي ، من ~~بني عليم ، وكنيته أبو وهب ، وكان طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين ~~المنكبين ، شريفا في قومه شجاعا مجربا ، فأذن له وقال : «أحسبه للأقران ~~قتالا». فقالا له : من أنت؟ فانتسب لهما ، فقالا : لا نعرفك ليخرج إلينا ~~زهير أو حبيب أو برير ، وكان يسار قريبا منه فقال له : يابن الزانية أوبك ~~رغبة عن مبارزتي؟ ثم شد عليه بسيفه يضربه ، وبينا هو مشتغل به إذ شد عليه ~~سالم ، فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به ، فضربه سالم بالسيف فاتقاها ~~عبد الله بيده اليسرى فأطار أصابعه ، ومال عليه عبد الله فقتله. وأقبل إلى ~~الحسين يرتجز وقد قتلهما. # وأخذت زوجته ام وهب بنت عبد الله بن النمر بن قاسط ، عمودا ، وأقبلت نحوه ~~تقول له : فداك أبي وامي قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وأله ~~وسلم. فأراد أن يردها إلى الخيمة ، فلم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول : ~~لن أدعك دون أن أموت معك. فناداها الحسين (ع): «جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيرا ، PageV01P238 # ارجعي إلى الخيمة ، فإنه ليس على النساء قتال». فرجعت (1). ### ||| * مبارزة الاثنين والاربعة # ولما نظر من بقي من أصحاب الحسين إلى كثرة من قتل منهم ، أخذ الرجلان ~~والثلاثة والأربعة يستأذنون الحسين في الذب عنه والدفع عن حرمه ، وكل يحمي ~~الآخر من كيد عدوه. فخرج الجابريان وهما : سيف بن الحارث بن سريع ، ومالك ~~بن عبد بن سريع ، وهما ابنا عم وأخوان لام ، وهما يبكيان قال الحسين (ع): ~~«ما يبكيكما؟ إني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين». قالا : جعلنا الله ~~فداك ، ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ؛ نراك قد احيط بك ولا نقدر أن ~~ننفعك. فجزاهما الحسين خيرا. فقاتلا قريبا منه حتى قتلا (2). # وجاء عبد الله وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريان فقالا : قد حازنا الناس ~~إليك. فجعلا يقاتلان بين يديه حتى قتلا. # وخرج عمرو بن خالد الصيداوي ms173 وسعد مولاه وجابر بن الحارث السلماني ومجمع ~~بن عبد الله العائذي (3)، وشدوا جميعا على أهل الكوفة فلما أوغلوا فيهم ، ~~عطف عليهم الناس وقطعوهم عن أصحابهم ، فندب إليهم الحسين أخاه العباس ~~فاستنقذهم بسيفه ، وقد جرحوا بأجمعهم ، وفي أثناء الطريق اقترب منهم العدو ~~فشدوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح ، وقاتلوا حتى قتلوا في مكان واحد (4). ### ||| * استغاثة وهداية # ولما نظر الحسين إلى كثرة من قتل من أصحابه ، قبض على شيبته المقدسة وقال ~~: «اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا ، واشتد غضبه على النصارى إذ ~~جعلوه ثالث ثلاثة ، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس PageV01P239 # والقمر دونه ، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم. ~~أما والله ، لا اجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضب بدمي ، ~~ثم صاح : أما من مغيث يغيثنا! أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله!» (1) فبكت ~~النساء وكثر صراخهن. # وسمع الأنصاريان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين (ع) ~~واستغاثته وبكاء عياله وكانا مع ابن سعد فمالا بسيفيهما على أعداء الحسين ~~(ع) وقاتلا حتى قتلا (2). ### ||| * ثبات الميمنة # وأخذ أصحاب الحسين (ع) بعد أن قل عددهم وبان النقص فيهم يبرز الرجل بعد ~~الرجل فأكثروا القتل في أهل الكوفة. فصاح عمرو بن الحجاج لأصحابه : أتدرون ~~من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر وقوما مستميتين ، لا يبرز ~~إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم ، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة ~~لقتلتموهم. فقال عمر بن سعد : صدقت ، الرأي ما رأيت ، ارسل في الناس من ~~يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم ، ولو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم (3). # ثم حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة الحسين (ع)، فثبتوا له وجثوا على الركب ~~وأشرعوا الرماح ، فلم تقدم الخيل. فلما ذهبت الخيل لترجع ، رشقهم أصحاب ~~الحسين (ع) بالنبل فصرعوا رجالا وجرحوا آخرين (4). # وكان عمرو بن الحجاج يقول لأصحابه : قاتلوا من مرق عن الدين وفارق ~~الجماعة. فصاح الحسين (ع): «ويحك يا عمرو! أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا ms174 من PageV01P240 # الدين وأنت تقيم عليه؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي ~~النار» (1). ### ||| * مسلم بن عوسجة # ثم حمل عمرو بن الحجاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة ، وفيها قاتل مسلم بن ~~عوسجة ، فشد عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، ~~وثارت لشدة الجلاد غبرة شديدة وما انجلت الغبرة إلا ومسلم صريع وبه رمق. ~~فمشى إليه الحسين (ع) ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين (ع): ( @QUR@014 ~~رحمك الله يا مسلم! فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ). ~~ودنا منه حبيب وقال : عز علي مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنة. فقال بصوت ضعيف ~~: بشرك الله بخير. قال حبيب : لو لم أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي ~~بما أهمك. فقال مسلم : اوصيك بهذا وأشار إلى الحسين (ع) أن تموت دونه. قال ~~: أفعل ورب الكعبة. وفاضت روحه بينهما. وصاحت جارية له : وآ مسلماه! يا ~~سيداه! يابن عوسجتاه! فتنادى أصحاب ابن الحجاج : قتلنا مسلما. # فقال شبث بن ربعي لمن حوله : ثكلتكم امهاتكم! أيقتل مثل مسلم وتفرحون! ~~لرب موقف له كريم في المسلمين رأيته يوم آذربيجان ، وقد قتل ستة من ~~المشركين قبل تتام خيول المسلمين (2). ### ||| * الميسرة # وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين (ع) فثبتوا لهم حتى ~~كشفوهم ، وفيها قاتل عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارسا واثني ~~عشر راجلا ، وشد عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى (3)، وقطع بكر ~~بن حي ساقه. PageV01P241 # فاخذ أسيرا وقتل صبرا (1)، فمشت إليه زوجته ام وهب وجلست عند رأسه تمسح ~~الدم عنه وتقول : هنيئا لك الجنة أسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك. ~~فقال الشمر لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود ، فشدخه وماتت مكانها ، وهي ~~أول امرأة قتلت من أصحاب الحسين (ع) (2). # وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته امه ومسحت الدم عنه ، ثم أخذت ~~عمود خيمة وبرزت إلى الأعداء فردها الحسين (ع) وقال : «ارجعي رحمك الله فقد ~~وضع عنك الجهاد». فرجعت وهي تقول : اللهم ، لا ms175 تقطع رجائي. فقال الحسين (ع) ~~: «لا يقطع الله رجاءك» (3). # وحمل الشمر حتى طعن فسطاط الحسين (ع) بالرمح وقال : علي بالنار لاحرقه ~~على أهله. فتصايحت النساء وخرجن من الفسطاط ، وناداه الحسين (ع): «يابن ذي ~~الجوشن ، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي؟! أحرقك الله بالنار». وقال ~~له شبث بن ربعي : أمرعبا للنساء صرت؟ ما رأيت مقالا أسوأ من مقالك ، وموقفا ~~أقبح من موقفك. فاستحى وانصرف. # وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من أصحابه حتى كشفوهم عن البيوت (4). ### ||| * عزرة يستمد الرجال # ولما رأى عزرة بن قيس وهو على الخيل الوهن في أصحابه والفشل كلما يحملون ~~، بعث إلى عمر بن سعد يستمده الرجال ، فقال ابن سعد لشبث بن ربعي : ألا ~~تقدم إليهم؟ قال : يا سبحان الله! تكلف شيخ المصر ، وعندك من يجزي عنه. ولم ~~يزل شبث بن ربعي كارها لقتال الحسين ، وقد سمع يقول : قاتلنا مع علي بن PageV01P242 # أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ، ثم عدونا على ولده ~~وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ، ضلال يا لك من ~~ضلال! والله لا يعطي الله أهل هذا المصر خيرا أبدا ، ولا يسددهم لرشد (1). ~~فمده بالحصين بن نمير في خمسمئة من الرماة ، واشتد القتال ، وأكثر أصحاب ~~الحسين (ع) فيهم الجراح حتى عقروا خيولهم وأرجلوهم (2)، ولم يقدروا أن ~~يأتوهم من وجه واحد ؛ لتقارب أبنيتهم. فأرسل ابن سعد الرجال ليقوضوها عن ~~أيمانهم وعن شمائلهم ؛ ليحيطوا بهم. فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين ~~(ع) يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب ~~فيعقرونه. # فقال ابن سعد : احرقوها بالنار فأضرموا فيها النار. فصاحت النساء ودهشت ~~الأطفال ، فقال الحسين (ع): «دعوهم يحرقونها ، فإنهم إذا فعلوا ذلك لم ~~يجوزوا إليكم». فكان كما قال (3). ### ||| * أبو الشعثاء # وكان أبو الشعثاء الكندي وهو يزيد بن زياد مع ابن سعد ، فلما ردوا الشروط ~~على الحسين (ع) صار معه ، وكان راميا فجثا على ركبتيه بين يدي الحسين ورمى ~~بمئة سهم والحسين (ع) ms176 يقول : «اللهم سدد رميته ، واجعل ثوابه الجنة». فلما ~~نفدت سهامه قام وهو يقول : لقد تبين لي أني قتلت منهم خمسة (5). ثم حمل ~~على القوم فقتل تسعة نفر وقتل (4). ### ||| * الزوال # والتفت أبو ثمامة الصائدي (6) إلى الشمس قد زالت ، فقال للحسين (ع): نفسي PageV01P243 # لك الفداء ، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، لا والله لا تقتل حتى اقتل ~~دونك ، واحب أن ألقى الله وقد صليت هذه الصلاة التي دنا وقتها. فرفع الحسين ~~(ع) رأسه إلى السماء وقال : «ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلين الذاكرين ~~، نعم هذا أول وقتها ، سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي». فقال الحصين : إنها ~~لا تقبل (1). ### ||| * حبيب بن مظاهر # فقال حبيب بن مظاهر : زعمت أنها لا تقبل من آل الرسول وتقبل منك يا ~~حمار؟! فحمل عليه الحصين فضرب حبيب وجه فرسه بالسيف ، فشبت به ووقع عنه ~~واستنقذه أصحابه فحملوه (2)، وقاتلهم حبيب قتالا شديدا ، فقتل على كبره ~~اثنين وستين رجلا ، وحمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه ، وطعنه آخر من ~~تميم برمحه فسقط إلى الأرض ، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه بالسيف على رأسه ~~فسقط لوجهه ، ونزل إليه التميمي واحتز رأسه فهد مقتله الحسين (ع) فقال : ~~«عند الله احتسب نفسي وحماة أصحابي» (3)، واسترجع كثيرا. ### ||| * الحر الرياحي # وخرج من بعده الحر بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين يحمي ظهره فكان ~~إذا شد أحدهما واستلحم شد الآخر واستنقذه ، ففعلا ساعة (4) وإن فرس الحر ~~لمضروب على اذنيه وحاجبيه والدماء تسيل منه ، وهو يتمثل بقول عنترة : PageV01P244 ما زلت ارميهم بثغرة نحره %~% ولبانه حتى تسربل بالدم # فقال الحصين ليزيد بن سفيان : هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله؟ قال : نعم. ~~وخرج إليه يطلب المبارزة فما أسرع أن قتله الحر ، ثم رمى أيوب بن مشرح ~~الخيواني فرس الحر بسهم فعقره ، وشب به الفرس فوثب عنه كأنه ليث (1) وبيده ~~السيف ، وجعل يقاتل راجلا حتى قتل نيفا وأربعين (2)، ثم شدت عليه الرجالة ~~فصرعته. وحمله أصحاب الحسين (ع) ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه ~~وهكذا يؤتى بكل قتيل إلى هذا الفسطاط ms177 والحسين (ع) يقول : «قتلة مثل قتلة ~~النبيين وآل النبيين» (3) ثم التفت إلى الحر وكان به رمق فقال له ، وهو ~~يمسح الدم عنه : «أنت الحر كما سمتك امك ، وأنت الحر في الدنيا والآخرة». ~~ورثاه رجل من أصحاب الحسين ، وقيل : علي بن الحسين (4) وقيل : إنها من ~~إنشاء الحسين خاصة (5) # لنعم الحر حر بني رياح %~% صبور عند مشتبك الرماح ونعم الحر إذ فادى حسينا %~% وجاد بنفسه عند الصباح ### ||| * الصلاة # وقام الحسين إلى الصلاة ، فقيل إنه صلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف ، ~~وتقدم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من أصحابه (6) ~~، ويقال إنه صلى ، وأصحابه فرادى بالإيماء (7): PageV01P245 وصلاة الخوف حاشاها فما %~% روعت والموت منها كان قابا ما لواها الموقف الدامي وما %~% صدها الجيش ابتعادا واقترابا زحفت ظامئة والشمس من %~% حرها تلتهب الأرض التهابا هزت الجيش وقد ضاقت به %~% عرصة الطف سهولا وهضابا سائل الميدان عنها سترى %~% كيف أرضته طعانا وضرابا كيف حامت حرم الله فما %~% خدشت عزا ولا ولت جنابا كيف دون الله راحت تدري %~% بهواديها سهاما وكعابا (1) # ولما اثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهم العنهم لعن عاد ~~وثمود وابلغ نبيك مني السلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإني أردت ~~بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك (صلى الله عليه وآله وسلم) (2)، والتفت إلى ~~الحسين (ع) قائلا : أوفيت يابن رسول الله؟ قال : «نعم ، أنت أمامي في ~~الجنة» (3)، وقضى نحبه فوجد فيه ثلاثة عشر سهما غير الضرب والطعن (4). # ولما فرغ الحسين (ع) من الصلاة قال لأصحابه : «يا كرام ، هذه الجنة قد ~~فتحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وهذا رسول الله والشهداء ~~الذين قتلوا في سبيل الله يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين ~~الله ودين نبيه ، وذبوا عن حرم الرسول». فقالوا : نفوسنا لنفسك الفداء ، ~~ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا عرق يضرب (5). ### ||| * الخيل تعقر # ثم إن عمر بن سعد وجه عمرو بن سعيد في جماعة من الرماة فرموا أصحاب ~~الحسين وعقروا ms178 خيولهم (6) ولم يبق مع الحسين فارس إلا الضحاك بن PageV01P246 # عبد الله المشرقي يقول : لما رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلت بفرسي وأدخلتها ~~فسطاطا لأصحابنا. واقتتلوا أشد القتال (1). وكان كل من أراد الخروج ودع ~~الحسين (ع) بقوله : السلام عليك يابن رسول الله. فيجيبه الحسين (ع): ~~«وعليك السلام ، ونحن خلفك» ، ثم يقرأ (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ~~وما بدلوا تبديلا) (2). ### ||| * أبو ثمامة # وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتى اثخن بالجراح ، وكان مع عمر بن سعد ابن ~~عم له ، يقال له قيس بن عبد الله بينهما عداوة ، فشد عليه وقتله. ### ||| * زهير وابن مضارب # وخرج سلمان بن مضارب البجلي وكان ابن عم زهير بن القين فقاتل حتى قتل. ~~وخرج بعده زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذنا : # أقدم هديت هاديا مهديا %~% فاليوم القى جدك النبيا وحسنا والمرتضى عليا %~% وذا الجناحين الفتى الكميا # وأسد الله الشهيد الحي # فقال الحسين (ع): «وأنا ألقاهما على أثرك». وفي حملاته يقول : # أنا زهير وأنا ابن القين %~% أذودكم بالسيف عن حسين # فقتل مئة وعشرين ، ثم عطف عليه كثير بن عبد الله الصعبي والمهاجر بن أوس ~~فقتلاه. فوقف الحسين (ع) وقال : «لا يبعدنك الله يا زهير ، ولعن قاتليك لعن ~~الذين مسخوا قردة وخنازير» (3). PageV01P247 ### ||| * عمرو بن قرظة # وجاء عمرو بن قرظة الأنصاري (1) ووقف أمام الحسين (ع) يقيه من العدو ~~ويتلقى السهام بصدره وجبهته فلم يصل إلى الحسين (ع) سوء ، ولما كثر فيه ~~الجراح التفت إلى أبي عبد الله وقال : أوفيت يابن رسول الله؟ قال : «نعم ، ~~أنت أمامي في الجنة ، فاقرأ رسول الله مني السلام ، وأعلمه أني في الأثر». ~~وخر ميتا (2). # فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد : يا حسين ، يا كذاب ، غررت أخي حتى ~~قتلته؟ فقال عليه السلام : «إني لم أغر أخاك ، ولكن الله هداه وأضلك». فقال ~~: قتلني الله إن لم أقتلك. ثم حمل على الحسين ليطعنه ، فاعترضه نافع بن ~~هلال الجملي فطعنه حتى صرعه ، فحمله أصحابه وعالجوه وبرئ (3). ### ||| * نافع الجملي # ورمى نافع بن هلال الجملي المذحجي بنبال ms179 مسمومة ، كتب اسمه عليها (4) وهو ~~يقول (5). # أرمي بها معلمة أفواقها %~% مسمومة تجري بها اخفاقها ليملأن ارضها رشاقها %~% والنفس لا ينفعها اشفاقها # فقتل اثنى عشر رجلا سوى من جرح ، ولما فنيت نباله جرد سيفه يضرب فيهم ، ~~فأحاطوا به يرمونه بالحجارة والنصال حتى كسروا عضديه وأخذوه أسيرا (6) PageV01P248 # فأمسكه الشمر ومعه أصحابه يسوقونه ، فقال له ابن سعد : ما حملك على ما ~~صنعت بنفسك؟ قال : إن ربي يعلم ما أردت. فقال له رجل وقد نظر إلى الدماء ~~تسيل على وجهه ولحيته : أما ترى ما بك؟ فقال : والله لقد قتلت منكم اثني ~~عشر رجلا سوى من جرحت ، وما ألوم نفسي على الجهد ، ولو بقيت لي عضد ما ~~أسرتموني (1). وجرد الشمر سيفه فقال له نافع : والله يا شمر لو كنت من ~~المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي جعل منايانا ~~على يدي شرار خلقه. ثم قدمه الشمر وضرب عنقه (2). ### ||| * واضح وأسلم # ولما صرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي استغاث بالحسين (ع)، فأتاه أبو ~~عبد الله واعتنقه ، فقال : من مثلي وابن رسول الله (ص) واضع خده على خدي! ~~ثم فاضت نفسه الطاهرة (3). # ومشى الحسين إلى أسلم مولاه ، واعتنقه وكان به رمق فتبسم وافتخر بذلك ~~ومات (4)! ### ||| * برير بن خضير # ونادى يزيد بن معقل (5): يا برير كيف ترى صنع الله بك؟ فقال : صنع الله ~~بي خيرا ، وصنع بك شرا. فقال يزيد : كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا ، أتذكر ~~يوم كنت اماشيك في بني لوذان (6) وأنت تقول : كان معاوية ضالا وإن إمام PageV01P249 # الهدى علي بن أبي طالب؟ قال برير : بلى ، أشهد إن هذا رأيي. فقال يزيد : ~~وأنا أشهد إنك من الضالين. فدعاه برير إلى المباهلة فرفعا أيديهما إلى الله ~~سبحانه يدعوانه أن يلعن الكاذب ويقتله ، ثم تضاربا فضربه برير على رأسه قدت ~~المغفر والدماغ ، فخر كأنما هوى من شاهق ، وسيف برير ثابت في رأسه. وبينا ~~هو يريد أن يخرجه إذ حمل عليه رضي بن منقذ العبدي واعتنق بريرا واعتركا ~~فصرعه برير وجلس على صدره ، فاستغاث رضي بأصحابه ms180 ، فذهب كعب بن جابر بن ~~عمرو الأزدي ليحمل على برير ، فصاح به عفيف بن زهير بن أبي الأخنس : هذا ~~برير بن خضير القارئ الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة ، فلم يلتفت ~~إليه وطعن بريرا في ظهره ، فبرك برير على رضي وعض وجهه وقطع طرف أنفه ، ~~وألقاه كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله. # وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال : لقد أنعمت علي يا أخا الأزد ~~نعمة لا أنساها أبدا. # ولما رجع كعب بن جابر إلى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت : أعنت على ~~ابن فاطمة وقتلت سيد القراء ، لقد أتيت عظيما من الأمر ، والله لا اكلمك من ~~رأسي كلمة أبدا. فقال : # سلي تخبري عني وانت ذميمة %~% غداة حسين والرماح شوارع ألم آت اقصى ما كرهت ولم يخل %~% علي غداة الروع ما أنا صانع معي يزني لم تخنه كعوبه %~% وأبيض مخشوب الغرارين قاطع فجردته في عصبة ليس دينهم %~% بديني وإني بابن حرب لقانع ولم تر عيني مثلهم في زمانهم %~% ولا قبلهم في الناس إذ أنا يافع أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى %~% ألا كل من يحمي الذمار مقارع وقد صبروا للضرب والطعن حسرا %~% وقد نازلوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيد الله أما لقيته %~% بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم حملت نعمة %~% ابا منقذ لما دعا من يماصع # فرد عليه رضي بن منقذ العبدي بقوله : # ولو شاء ربي ما شهدت قتالهم %~% ولا جعل النعماء عندي ابن جابر لقد كان ذاك اليوم عارا وسبة %~% تعيره الابناء بعد المعاشر PageV01P250 فيا ليت إني كنت من قبل قتله %~% ويوم حسين كنت في رمس قابر (1) ### ||| * حنظلة الشبامي # ونادى حنظلة بن سعد الشبامي : يا قوم ، إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ~~مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلما للعباد. ~~يا قوم ، إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من ~~عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد. يا قوم ، لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله ~~بعذاب ms181 وقد خاب من افترى. # فجزاه الحسين (ع) خيرا وقال : «رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ~~ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك ، فكيف ~~بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين». قال : صدقت يابن رسول الله أفلا نروح ~~إلى الآخرة؟ فأذن له ، فسلم على الحسين (ع) وتقدم حتى قتل (2). ### ||| * عابس # وأقبل عابس بن شبيب الشاكري على شوذب (3) مولى شاكر وكان شوذب من الرجال ~~المخلصين وداره مألف للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت # فقال : يا شوذب ، ما في نفسك أن تصنع؟ قال : اقاتل معك حتى اقتل. فجزاه ~~خيرا وقال له : تقدم بين يدي أبي عبد الله (ع) حتى يحتسبك كما احتسب غيرك ~~وحتى أحتسبك فإن هذا يوم نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه. فسلم شوذب على ~~الحسين ، وقاتل حتى قتل. # فوقف عابس أمام أبي عبد الله (ع) وقال : ما أمسى على ظهر الأرض PageV01P251 # قريب ولا بعيد أعز علي منك ، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعز علي من ~~نفسي لفعلت ، السلام عليك ، أشهد أني على هداك وهدى أبيك. ومشى نحو القوم ~~مصلتا سيفه وبه ضربة على جبينه فنادى : ألا رجل؟ فأحجموا عنه ؛ لأنهم عرفوه ~~أشجع الناس. فصاح عمر بن سعد : أرضخوه بالحجارة. فرمي بها ، فلما رأى ذلك ~~ألقى درعه ومغفره وشد على الناس وإنه ليطرد أكثر من مئتين ، ثم تعطفوا عليه ~~من كل جانب فقتل. فتنازع ذووا عدة في رأسه ، فقال ابن سعد : هذا لم يقتله ~~واحد. وفرق بينهم بذلك (1). ### ||| * جون # ووقف جون (2) مولى أبي ذر الغفاري أمام الحسين يستأذنه فقال (عليه ~~السلام): «يا جون إنما تبعتنا طلبا للعافية ، فأنت في إذن مني». فوقع على ~~قدميه يقبلهما ويقول : أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة أخذلكم ، إن ~~ريحي لنتن ، وحسبي للئيم ، ولوني لأسود ، فتنفس علي بالجنة ؛ ليطيب ريحي ~~ويشرف حسبي ويبيض لوني ، لا والله لا افارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع ~~دمائكم. فأذن له الحسين (3)، فقتل خمسا وعشرين وقتل. فوقف عليه الحسين (ع) ~~وقال : «اللهم ms182 بيض وجهه وطيب ريحه ، واحشره مع محمد (ص) وعرف بينه وبين آل ~~محمد (ص)». # فكان من يمر بالمعركة يشم منه رائحة طيبة أذكى من المسك (4). ### ||| * أنس الكاهلي # وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخا كبيرا صحابيا ، رأى النبي PageV01P252 # وسمع حديثه وشهد معه بدرا وحنينا ، فاستأذن الحسين (ع) وبرز شادا وسطه ~~بالعمامة رافعا حاجبيه بالعصابة ، ولما نظر إليه الحسين (ع) بهذه الهيئة ~~بكى وقال : «شكر الله لك يا شيخ». فقتل على كبره ثمانية عشر رجلا وقتل (1). ### ||| * عمرو بن جنادة # وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أن قتل أبوه وهو ابن إحدى عشرة سنة ~~يستأذن الحسين (ع) فأبى وقال : «هذا غلام قتل أبوه في الحملة الاولى ، ولعل ~~امه تكره ذلك». قال الغلام : إن امي أمرتني. فأذن له فما أسرع أن قتل ورمي ~~برأسه إلى جهة الحسين (ع) فأخذته امه ومسحت الدم عنه ، وضربت به رجلا قريبا ~~منها فمات (2) وعادت إلى المخيم فأخذت عمودا وقيل سيفا وأنشأت : # إني عجوز في النسا ضعيفة %~% خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة %~% دون بني فاطمة الشريفة # فردها الحسين (ع) إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلين (3). ### ||| * الحجاج الجعفي # وقاتل الحجاج بن مسروق الجعفي حتى خضب بالدماء ، فرجع إلى الحسين (ع) يقول : |يا فخذ لن تراعي||إن معي ذراعي| # أحمي بها كراعي # وقال ابن الأثير في الكامل 2 / 140 : قطع رجل من أصحاب مسيلمة رجل ثابت ~~بن قيس فأخذها ثابت وضرب بها الرجل فقتله. PageV01P253 اليوم ألقى جدك النبيا %~% ثم أباك ذا الندى عليا # ذاك الذي نعرفه الوصيا # فقال الحسين : «وأنا ألقاهما على أثرك». فرجع يقاتل حتى قتل (1). ### ||| * سوار # وقاتل سوار بن أبي حمير من ولد فهم بن جابر بن عبد الله بن قادم الفهمي ~~الهمداني قتالا شديدا حتى ارتث بالجراح (2) واخذ أسيرا ، فأراد ابن سعد ~~قتله وتشفع فيه قومه ، وبقي عندهم جريحا إلى أن توفي على رأس ستة أشهر (3). # وفي زيارة الناحية المقدسة : «السلام على الجريح المأسور ، سوار بن أبي ~~حمير الفهمي الهمداني ، وعلى المرتث معه عمر ms183 بن عبد الله الجندعي». ### ||| * سويد # ولما اثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه ، وظن أنه قتل ، ~~فلما قتل الحسين (ع) وسمعهم يقولون : قتل الحسين. أخرج سكينة كانت معه ~~فقاتل بها ، وتعطفوا عليه فقتلوه ، وكان آخر من قتل من الأصحاب بعد الحسين ~~(عليه السلام). # هم عصمة اللاجي إذا هو يختشي %~% وهم ديمة الراجي اذا هو يجتدي إذا ما خبت نار الوغى شعشعوا %~% لها سيوفهم جمرا وقالوا توقدي ثقال الخطا لكن يخفون للوغى %~% سراعا بخرصان الوشيج المسدد إذا أشرعوا سمر الرماح حسبتها %~% كواكب في ليل من النقع أسود أو اصطدمت تحت العجاج كتائب %~% جرى أصيد منهم لها اثر أصيد يكرون والابطال طائشة الخطى %~% وشخص المنايا بالعجاجة مرتدي PageV01P254 لووا جانبا عن مورد الضيم فانثنوا %~% على الأرض صرعى سيدا بعد سيد هووا للثرى نهب السيوف جسومهم %~% عوار ولكن بالمكارم ترتدي وأضحى يدير السبط عينيه لا يرى %~% سوى جثث منهم على الترب ركد أحاطت به سبعون ألفا فردها %~% شوارد امثال النعام المشرد وقام عديم النصر بين جموعهم %~% وحيدا يحامى عن شريعة أحمد إلى أن هوى للأرض شلوا مبضعا %~% ولم يرو من حر الظما قلبه الصدي هوى فهوى التوحيد وانطمس الهدى %~% وحلت عرى الدين الحنيف المشيد له الله مقطور الفؤاد من الظما %~% صريعا على وجه الثرى المتوقد ثوى في هجير الشمس وهو %~% معفر تظلله سمر القنا المتقصد وأضحت عوادي الخيل من فوق صدره %~% تروح إلى كر الطراد وتغتدي وهاتفة من جانب الخدر ثاكل %~% بدت وهي حسرى تلطم الخد باليد يؤلمها قرع السياط فتنثني %~% تحن فيشجي صوتها كل جلمد وسيقت على عجف المطايا أسيرة %~% يطاف بها في مشهد بعد مشهد سرت تتهاداها علوج امية %~% فمن ملحد تهدى إلى شر ملحد (1) ### ||| * شهادة أهل البيت (ع) ### |||| * علي الأكبر # ولما لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته ، عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد ~~وحفاظ مر ونفوس أبية ، وأقبل بعضهم يودع بعضا (2) وأول من تقدم أبو الحسن ~~(3) علي الأكبر (4) وعمره سبع وعشرون سنة ؛ فإنه ولد في الحادي عشر ms184 من ~~شعبان سنة PageV01P255 # ثلاث وثلاثين من الهجرة (1)، وكان مرآة الجمال النبوي ومثال خلقه السامي ~~وانموذجا من منطقه البليغ ، وإذا كان شاعر رسول الله (ص) يقول فيه : # وأحسن منك لم تر قط عيني %~% وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرءا من كل عيب %~% كأنك قد خلقت كما تشاء # فمادح الأكبر يقول (2): # لم تر عين نظرت مثله %~% من محتف يمشي ومن ناعل يغلي نهيء اللحم حتى اذا %~% انضج لم يغل على الآكل (3) كان اذا شبت له ناره %~% اوقدها بالشرف القابل (4) كيما يراها بائس مرمل %~% او فرد حي ليس بالآهل لا يؤثر الدنيا على دينه %~% ولايبيع الحق بالباطل أعني ابن ليلى ذا الندى والسدى %~% أعني ابن بنت الحسب الفاضل (5) # فعلي الأكبر هو المتفرع من الشجرة النبوية ، الوارث للمآثر الطيبة ، وكان ~~حريا بمقام الخلافة لولا أنها منصوصة من إله السماء. وقد سجل سبحانه ~~أسماءهم في الصحيفة النازل بها جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). # ورث الصفات الغر وهي تراثه %~% من كل غطريف وشهم أصيد أعني ابن ليلى ذا الندى والسدى %~% أعني ابن بنت الحسب الفاضل (5) # في بأس حمزة في شجاعة حيدر بإبا الحسين وفي مهابة أحمد |ولقد أتيت البيت يخشى أهله||بعد الهدو وبعدما سقط الندى| # أتراه سقط من الأرض إلى السماء؟! PageV01P256 وتراه في خلق وطيب خلائق %~% وبليغ نطق كالنبي محمد (1) # ولما يمم الحرب ، عز فراقه على مخدرات الإمامة ؛ لأنه عماد أخبيتهن وحمى ~~أمنهن ومعقد آمالهن بعد الحسين. فكانت هذه ترى هتاف الرسالة في وشك ~~الانقطاع عن سمعها ، وتلك تجد شمس النبوة في شفا الكسوف ، واخرى تشاهد ~~الخلق المحمدي قد آذن بالرحيل ، فأحطن به وتعلقن بأطرافه وقلن : ارحم ~~غربتنا ، لا طاقة لنا على فراقك. فلم يعبأ بهن ؛ لأنه يرى حجة الوقت مكثورا ~~قد اجتمع أعداؤه على إراقة دمه الطاهر ، فاستأذن أباه وبرز على فرس للحسين ~~تسمى لاحقا (2). # ومن جهة أن ليلى ام الأكبر بنت ميمونة ابنة أبي سفيان (3) صاح رجل من ~~القوم : يا علي إن لك رحما بأمير المؤمنين يزيد ms185 ، ونريد أن نرعى الرحم ، ~~فإن شئت آمناك. قال (عليه السلام): إن قرابة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أحق أن ترعى (4). ثم شد يرتجز معرفا بنفسه القدسية وغايته السامية : # أنا علي بن الحسين بن علي %~% نحن ورب البيت أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي (5) %~% أضرب بالسيف احامي عن أبي # ضرب غلام هاشمي قرشي (6) # ولم يتمالك الحسين (عليه السلام) دون أن أرخى عينيه بالدموع (7) وصاح ~~بعمر بن سعد : «مالك؟ قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلط عليك من يذبحك على فراشك» (8). ~~ثم رفع شيبته المقدسة نحو السماء وقال : «اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم PageV01P257 # أشبه الناس برسولك محمد خلقا وخلقا ومنطقا (1)، وكنا إذا اشتقنا إلى ~~رؤية نبيك نظرنا إليه ، اللهم فامنعهم بركات الأرض ، وفرقهم تفريقا ، ~~ومزقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فإنهم ~~دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلونا» ، ثم تلا قوله تعالى : ( ~~@QUR@019 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ~~ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) (2). # ولم يزل يحمل على الميمنة ويعيدها على الميسرة ويغوص في الأوساط ، فلم ~~يقابله جحفل إلا رده ، ولا برز إليه شجاع إلا قتله : # يرمي الكتائب والفلا غصت بها %~% في مثلها من بأسه المتوقد فيردها قسرا على أعقابها %~% في بأس عريس العرينة ملبد # فقتل مئة وعشرين فارسا. وقد اشتد به العطش فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما ~~أجهده من العطش (3) فبكى الحسين (ع) وقال : «وآ غوثاه! ما أسرع الملتقى ~~بجدك فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها» وأخذ لسانه فمصه ودفع إليه خاتمه ~~ليضعه في فيه (4). # ويؤوب للتوديع وهو مكابد %~% لظما الفؤاد وللحديد المجهد صادي الحشا وحسامه ريان من %~% ماء الطلا وغليله لم يبرد يشكو لخير أب ظماه وما اشتكي %~% ظمأ الحشا إلا إلى الظامي الصدي كل حشاشته كصالية الغضا %~% ولسانه ظمأ كشقة مبرد فانصاع يؤثره عليه بريقه %~% لو كان ثمة ريقه لم يجمد ومذ انثنى ms186 يلقى الكريهة باسما %~% والموت منه بمسمع وبمشهد PageV01P258 لف الوغى وأجالها جول الرحى %~% بمثقف من بأسه ومهند يلقى ذوابلها بذابل معطف %~% ويشيم أنصلها بجيد أجيد حتى إذا ما غاص في اوساطهم %~% بمطهم قب الاياطل اجرد عثر الزمان به فغودر جسمه %~% نهب القواضب والقنا المتقصد # ورجع علي إلى الميدان مبتهجا بالبشارة الصادرة من الإمام الحجة (عليه ~~السلام) بملاقاة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) فزحف فيهم زحفة ~~العلوي السابق ، وغبر في وجوه القوم ولم يشعروا أهو الأكبر يطرد الجماهير ~~من أعدائه أم أن الوصي (عليه السلام) يزأر في الميدان؟ أم أن الصواعق تترى ~~في بريق سيفه فأكثر القتلى في أهل الكوفة حتى أكمل المئتين؟ (1). # فقال مرة بن منقذ العبدي (2): علي آثام العرب إن لم أثكل أباه به (3). ~~فطعنه بالرمح في ظهره (4) وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته ، واعتنق فرسه ~~فاحتمله إلى معسكر الأعداء ، وأحاطوا به حتى قطعوه بسيوفهم إربا إربا (5). # ومحا الردى يا قاتل الله الردى %~% منه هلال دجى وغرة فرقد يا نجعة الحيين هاشم والندى %~% وحمى الذمارين العلى والسؤدد كيف ارتقت همم الردى لك صعدة %~% مطرورة الكعبين لم تتأود أفديه من ريحانة ريانة %~% جفت بحر طما وحر مهند بكر الذبول على نضارة غصنه %~% إن الذبول لآفة الغصن الندي لله بدر من مراق نجيعه %~% مزج الحسام لجينه بالعسجد ماء الصبا ودم الوريد تجاريا %~% فيه ولاهب قلبه لم يخمد لم أنسه متعمما بشباالظبى %~% بين الكماة بالاسنة مرتدي خضبت ولكن من دم وفراته %~% فاخضر ريحان العذار الأسود PageV01P259 # ونادى رافعا صوته : عليك مني السلام أبا عبد الله (1)، هذا جدي قد سقاني ~~بكأسه شربة لا أظمأ بعدها ، وهو يقول : إن لك كأسا مذخورة (2). فأتاه ~~الحسين (عليه السلام) وانكب عليه واضعا خده على خده (3) وهو يقول : «على ~~الدنيا بعدك العفا ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول (4)، ~~يعز على جدك وأبيك أن تدعوهم فلا يجيبونك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك» (5). # ثم أخذ بكفه من دمه الطاهر ورمى به نحو السماء فلم يسقط منه قطرة وفي هذا ms187 ~~جاءت زيارته : «بأبي أنت وامي من مذبوح ومقتول من غير جرم ، بأبي أنت وامي ~~دمك المرتقى به إلى حبيب الله ، بأبي أنت وامي من مقدم بين يدي أبيك يحتسبك ~~ويبكي عليك محترقا عليك قلبه ، يرفع دمك إلى عنان السماء لا يرجع منه قطرة ~~، ولا تسكن عليك من أبيك زفرة» (6). # وأمر فتيانه أن يحملوه إلى الخيمة ، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون ~~أمامه. (7) # وحرائر بيت الوحي ينظرن إليه محمولا قد جللته الدماء بمطارف العز حمراء ~~وقد وزع جثمانه الضرب والطعن ، فاستقبلنه بصدور دامية وشعور منشورة وعولة ~~تصك سمع الملكوت وأمامهن عقيلة بني هاشم زينب الكبرى ابنة فاطمة بنت رسول ~~الله (ص) (8) صارخة نادبة فألقت بنفسها عليه تضم إليها جمام PageV01P260 # نفسها الذاهب ، وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم (1). # لهفي على عقائل الرسالة %~% لما رأينه بتلك الحالة علا نحيبهن والصياح %~% فاندهش العقول والأرواح ناحت على كفيلها العقائل %~% والمكرمات الغر والفضائل لهفي لها إذ تندب الرسولا %~% فكادت الجبال أن تزولا لهفي لها مذ فقدت عميدها %~% وهل يوازي أحد فقيدها ومن يوازي شرفا وجاها %~% مثال ياسين شبيه طاها يا ساعد الله أباه مذ خبا %~% نيره الأكبر في ظل الظبي رأى الخليل في منى الطفوف %~% ذبيحه ضريبة السيوف بكاه ما يرى وما ليس يرى %~% من ذروة العرش إلى تحت الثرى بكاه حزنا رب أرباب النهى %~% ومن هو المبدأ وهو المنتهى ومن بكاه سيد البرايا %~% فرزؤه من أعظم الرزايا بكته عين الرشد والهداية %~% ومن هو المنصوص بالوصاية (2) # ولسان حال أبيه يقول : # بني اقتطعتك من مهجتي %~% علام قطعت جميل الوصال بني عراك خسوف الردى %~% وشأن الخسوف قبيل الكمال بني حرام علي الرقاد %~% وأنت عفير بحر الرمال بني أبيت سوى القاصرات %~% وخلفت عندي سمر العوالي بني بكتك عيون الرجال %~% ليوم النزيل ويوم النزال بكتك بني صفات الكمال %~% وغض الشباب وذات الجمال عجلت لحوض أبيك النبي %~% وسارعت بعد الظما للزلال سيرثيك مني لسان السنان %~% بنظم قلوب عيون الرجال (3) PageV01P261 ### ||| * عبد الله بن مسلم # وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن ms188 عقيل بن أبي طالب ، وامه رقية الكبرى ~~بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) (1)، وهو يقول : # اليوم ألقى مسلما وهو أبي %~% وعصبة بادوا على دين النبي # فقتل جماعة بثلاث حملات (2). ورماه يزيد بن الرقاد الجهني (3)، فاتقاه ~~بيده فسمرها إلى جبهته ، فما استطاع أن يزيلها عن جبهته (4) فقال : اللهم ~~انهم استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا. وبينا هو على هذا إذ حمل عليه ~~رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات (5). فجاء إليه يزيد بن الرقاد وأخرج سهمه ~~من جبهته وبقي النصل فيها وهو ميت (6). ### ||| * حملة آل أبي طالب # ولما قتل عبد الله بن مسلم ، حمل آل أبي طالب حملة واحدة ، فصاح بهم ~~الحسين (عليه السلام): «صبرا على الموت يا بني عمومتي ، والله لا رأيتم ~~هوانا بعد هذا اليوم» (7)، فوقع فيهم عون بن عبد الله بن جعفر الطيار ، ~~وامه العقيلة زينب ، وأخوه محمد ، وامه الخوصاء ، وعبد الرحمن بن عقيل بن ~~أبي طالب (8)، وأخوه جعفر PageV01P262 # ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل (1). # وأصابت الحسين المثنى ابن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) ثمانية عشر ~~جراحة وقطعت يده اليمنى ولم يستشهد. # وخرج أبو بكر ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) واسمه محمد (3) قتله ~~زحر بن بدر النخعي (4). # وخرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتى اثخن بالجراح وسقط إلى ~~الأرض ، فجاء إليه عثمان بن خالد التميمي فقتله. # ما العرب إلا سماء للعلاء وما %~% أبناء عمرو العلى إلا دراريها فللنبوة تاج في مفارقها %~% وللإمامة عقد في تراقيها حليان ليس سواها تحتلي بهما %~% شتان عاطل أجياد وحاليها من شيبة الحمد شبان مشت مرحا %~% لنصرة الدين لا كبرا ولا تيها بسامة الثغر والأبطال عابسة %~% تفتر منها الثنايا عن لئاليها جرت بطوفان حرب في بواخرها %~% وما بواخرها إلا مذاكيها لو لم يكن همها نيل السعادة ما %~% أبقت على الأرض شخصا من أعاديها ليست تبالي وللأسياف صلصلة %~% مطبق سعة الغبراء داويها وللرماح اصطكاك في أسنتها %~% وللسهام اختلاف في مراميها وللرؤوس انتثار عن كواهلها %~% وللصدور انتظام في مجانيها (5) PageV01P263 ### ||| * القاسم وأخوه # وخرج أبو بكر بن ms189 الحسن بن أمير المؤمنين (ع)، وهو عبد الله الأكبر ، ~~وامه ام ولد (1) يقال لها رملة (2)، فقاتل حتى قتل (3). # وخرج من بعده أخوه لامه وأبيه القاسم (4)، وهو غلام لم يبلغ الحلم ، ~~فلما نظر إليه الحسين (عليه السلام) اعتنقه وبكى (5) ثم أذن له ، فبرز كأن ~~وجهه شقة قمر (6) وبيده السيف وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان ، فمشى ~~يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله اليسرى (7) وأنف ابن النبي الأعظم (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أن يحتفي في الميدان فوقف يشد شسع نعله (8) وهو لا يزن ~~الحرب إلا بمثله غير |أشد قبال نعلي أن يراني||عدوي للحوادث مستكينا| PageV01P264 # مكترث بالجمع ولا مبال بالالوف. # أهوى يشد حذاءه %~% والحرب مشرعة لأجله ليسومها ما إن غلت %~% هيجاؤها بشراك نعله متقلدا صمصامه %~% متفيئا بظلال نصله لا تعجبن لفعله %~% فالفرع مرتهن بأصله السحب يخلفها الحيا %~% والليث منظور بشبله (1) # وبينا هو على هذا إذ شد عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي ، فقال له حميد ~~بن مسلم : وما تريد من هذا الغلام؟ يكفيك هؤلاء الذين تراهم احتوشوه. فقال ~~: والله لأشدن عليه. فما ولى حتى ضرب رأسه بالسيف ، فوقع الغلام لوجهه فقال ~~: يا عماه! فأتاه الحسين كالليث الغضبان ، فضرب عمرا بالسيف فاتقاه بالساعد ~~فأطنها (2) من المرفق ، فصاح صيحة عظيمة سمعها العسكر ، فحملت خيل ابن سعد ~~لتستنقذه ، فاستقبلته بصدرها ووطأته بحوافرها فمات. # وانجلت الغبرة وإذا الحسين (ع) قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه. ~~والحسين (ع) يقول : «بعدا لقوم قتلوك! خصمهم بوم القيامة جدك». # ثم قال : «عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك ثم لا ينفعك ، ~~صوت والله كثر واتره وقل ناصره». ثم احتمله وكان صدره على صدر الحسين (ع) ~~ورجلاه يخطان في الأرض ، فألقاه مع علي الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته (3) ~~، ورفع طرفه إلى السماء وقال : «اللهم أحصهم عددا ، ولا تغادر منهم أحدا ، ~~ولا تغفر لهم أبدا ، صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي ، لا رأيتم ~~هوانا بعد هذا اليوم أبدا» (4). # ناهيك بالقاسم بن المجتبى حسن %~% مزاول ms190 الحرب لم يعبأ بما فيها كأن بيض مواضيها تكلمه %~% غيد تغازله منها غوانيها كأن سمر عواليها كؤوس طلا %~% تزفها راح ساقيها لحاسيها PageV01P265 لو كان يحذر بأسا أو يخاف وغي %~% ما انصاع يصلح نعلا وهو صاليها أمامه من أعاديه رمال ثرى %~% من فوق أسفلها ينهال عاليها ما عممت بارقات البيض هامته %~% فاحمر بالأبيض الهندي هاميها إلا غداة رأته وهو في سنة %~% عن الكفاح غفول النفس ساهيها وتلك غفوة ليث غير مكترث %~% ما ناله السيف إلا وهو غافيها فخر يدعو ، فلبى السبط دعوته %~% فكان ما كان منه عند داعيها فقل به الأشهب البازي بين قطا %~% قد لف اولها فتكا بتاليها جنى ولكن رؤوس الشوس يانعة %~% وما سوى سيفه البتار جانيها حتى إذا غص بالبتار أرحبها %~% وفاض من علق البتار واديها تقشعت ظلمات الخيل ناكصة %~% فرسانها عنه وانجابت غواشيها وإذ به حاضن في صدره قمرا %~% يزين طلعته الغراء داميها وافى به حاملا نحو المخيم والآ %~% ماق في وجهه حمر مجانيها تخط رجلاه في لوح الثرى صحفا %~% الدمع منقطها والقلب تاليها آه على ذلك البدر المنير محا %~% بالخسف غرته الغراء ماحيها |||||| ### ||| * إخوة العباس (ع) # ولما رأى العباس (عليه السلام) كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من امه ~~وأبيه ، عبد الله وعثمان وجعفر : تقدموا يا بني امي حتى أراكم نصحتم لله ~~ولرسوله. والتفت إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال : تقدم يا أخي ~~حتى أراك قتيلا وأحتسبك (1). فقاتلوا بين يدي أبي الفضل حتى قتلوا ~~بأجمعهم. # نعما قرابين الأله %~% مجزرين على الفرات خير الهداية أن يكون %~% الهدي من زمر الهداة من بعد ما قضوا الصلاة %~% قضوا فداءا للصلاة (2) PageV01P266 ### ||| * شهادة العباس (ع) # ولم يستطع العباس صبرا على البقاء بعد أن فني صحبه وأهل بيته ، ويرى حجة ~~الوقت مكثورا قد انقطع عنه المدد ، وملأ مسامعه عويل النساء وصراخ الأطفال ~~من العطش ، فطلب من أخيه الرخصة ، ولما كان العباس (ع) أنفس الذخائر عند ~~السبط الشهيد (ع)؛ لأن الأعداء تحذر صولته وترهب إقدامه ، والحرم مطمئنة ~~بوجوده مهما تنظر ms191 اللواء مرفوعا ، فلم تسمح نفس أبي الضيم القدسية بمفارقته ~~فقال له : «يا أخي أنت صاحب لوائي» (1). # قال العباس : قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واريد أن آخذ ثأري منهم ، ~~فأمره الحسين (ع) أن يطلب الماء للأطفال ، فذهب العباس إلى القوم ووعظهم ~~وحذرهم غضب الجبار ، فلم ينفع. فنادى بصوت عال : يا عمر بن سعد ، هذا ~~الحسين ابن بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ، وهؤلاء عياله ~~وأولاده عطاشى ، فاسقوهم من الماء قد أحرق الظما قلوبهم ، وهو مع ذلك يقول ~~: دعوني أذهب إلى الروم أو الهند واخلي لكم الحجاز والعراق. فأثر كلامه في ~~نفوس القوم حتى بكى بعضهم ، ولكن الشمر صاح بأعلى صوته : يابن أبي تراب ، ~~لو كان وجه الأرض كله ماء وهو تحت أيدينا ، لما سقيناكم منه قطرة ، إلا أن ~~تدخلوا في بيعة يزيد. # فرجع إلى أخيه يخبره ، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش (2) فلم تتطامن ~~نفسه على هذا الحال ، وثارت به الحمية الهاشمية : # يوم أبو الفضل تدعو الظاميات به %~% والماء تحت شبا الهندية الخذم والخيل تصطك والزغف الدلاص على %~% فرسانها قد غدت نارا على علم وأقبل الليث لا يلويه خوف ردى %~% بادي البشاشة كالمدعو للنعم يبدو فيغدو صميم الجمع منقسما %~% نصفين ما بين مطروح ومنهزم (3) PageV01P267 # ثم إنه ركب جواده وأخذ القربة ، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنبال فلم ~~ترعه كثرتهم ، وأخذ يطرد اولئك الجماهير وحده ولواء الحمد يرف على رأسه ، ~~ولم يشعر القوم أهو العباس يجدل الأبطال أم أن الوصي يزأر في الميدان؟! فلم ~~تثبت له الرجال ، ونزل إلى الفرات مطمئنا غير مبال بذلك الجمع. # ودمدم ليث الغاب يعطو بسالة %~% إلى الماء لم يكبر عليه ازدحامها وخاض بها بحرا يرف عبابه %~% ضبا ويد الأقدار جالت سهامها ألمت به سوداء يحطف برقها %~% البصائر من رعب ويعلو قتامها جلاها بمشحوذ الغرارين أبلج %~% يدب به للدارعين حمامها فحلأها عن جانب النهر عنوة %~% وولت هواديها يصل لجامها ثنى رجله عن صهوة المهر وامتطى %~% قرى النهر واحتل السقاء همامها وهب إلى نحو الخيام مشمرا %~% لري ms192 عطاشى قد طواها اوامها (1) # ولما اغترف من الماء ليشرب ، تذكر عطش الحسين ومن معه ، فرمى الماء (2) وقال : # يا نفس من بعد الحسين هوني %~% وبعده لا كنت أن تكوني هذا الحسين وارد المنون %~% وتشربين بارد المعين # تالله ما هذا فعال ديني (3) # ثم ملأ القربة وركب جواده وتوجه نحو المخيم ، فقطع عليه الطريق ، وجعل ~~يضرب حتى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق وهو يقول : # لا أرهب الموت إذا الموت زقا (4) %~% حتى اوارى في المصاليت لقى |فإن تلك بهراة تزقو||فقد ازقبت بالمردين هاما| # وسمعت العالم الفاضل الشيخ كاظم سبتي رحمه الله يقول : أتاني بعض العلماء ~~الثقات وقال : أنا رسول العباس (ع) إليك ، رأيته في المنام يعتب عليك ويقول ~~: لم يذكر مصيبتي شيخ كاظم سبتي ، فقلت له : يا PageV01P268 نفسي لسبط المصطفى الطهر وقى %~% إني أنا العباس أغدو بالسقا # ولا أخاف الشر يوم الملتقى # فكمن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل ~~السنبسي ، فضربه على يمينه فبرأها فقال (عليه السلام): # والله إن قطعتم يميني %~% إني أحامي ابدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين %~% نجل النبي الطاهر الأمين # فلم يعبأ بيمينه بعد أن كان همه إيصال الماء إلى أطفال الحسين (ع) وعياله ~~، ولكن حكيم بن الطفيل كمن له من وراء نخلة فلما مر به ضربه على شماله ~~فقطعها (1) وتكاثروا عليه ، وأتته السهام كالمطر ، فأصاب القربة سهم واريق ~~ماؤها ، وسهم أصاب صدره (2)، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته. # وهوى بجنب العلقمي فليته %~% للشاربين به يداف العلقم # وسقط على الأرض ينادي : عليك مني السلام أبا عبد الله. فأتاه الحسين (ع) ~~(3) وليتني علمت بماذا أتاه أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل أم بجاذب ~~من الاخوة إلى مصرع صنوه المحبوب؟! # نعم حصل الحسين (ع) عنده وهو يبصر قربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته ~~الدماء وجللته النبال ، فلا يمين تبطش ولا منطق يرتجز ولا صولة ترهب ولا ~~عين تبصر ، ومرتكز الدماغ على الأرض مبدد. # أصحيح أن الحسين (ع) ينظر إلى هذه الفجائع ومعه حياة ms193 ينهض بها؟ لم يبق ~~الحسين (ع) بعد أبي الفضل إلا هيكلا شاخصا معرى عن لوازم الحياة ، وقد أعرب PageV01P269 # سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله : «الآن انكسر ظهري ، وقلت حيلتي» (1). # وبان الانكسار في جبينه %~% فاندكت الجبال من حنينه وكيف لا وهو جمال بهجته %~% وفي محياه سرور مهجته كافل أهله وساقي صبيته %~% وحامل اللوا بعالي همته (2) # وتركه في مكانه ؛ لسر مكنون أظهرته الأيام ، وهو أن يدفن في موضعه منحازا ~~عن الشهداء ؛ ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات ، وبقعة يزدلف إليها ~~الناس ، وتتزلف إلى المولى سبحانه تحت قبته التي ضاهت السماء رفعة وسناء ، ~~فتظهر هنالك الكرامات الباهرة وتعرف الامة مكانته السامية ومنزلته عند الله ~~تعالى ، فتؤدي ما وجب عليهم من الحب المتأكد والزيارات المتواصلة ، ويكون ~~(عليه السلام) حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى. فشاء حجة الوقت أبو ~~عبد الله (ع) كما شاء المهيمن سبحانه أن تكون منزلة أبي الفضل الظاهرية ~~شبيهة بالمنزلة المعنوية الاخروية ، فكان كما شاءا وأحبا. # ورجع الحسين (ع) إلى المخيم منكسرا حزينا باكيا يكفكف دموعه بكمه ، وقد ~~تدافعت الرجال على مخيمه فنادى : «أما من مغيث يغيثنا؟ أما من مجير يجيرنا؟ ~~أما من طالب حق ينصرنا؟ أما من خائف من النار فيذب عنا؟» (3) فأتته سكينة ~~وسألته عن عمها ، فأخبرها بقتله. وسمعته زينب فصاحت : وآ أخاه! وآ عباساه! ~~وآ ضيعتنا بعدك! وبكين النسوة وبكى الحسين معهن وقال : «وآ ضيعتنا بعدك!» # نادى وقد ملأ البوادي صيحة %~% صم الصخور لهولها تتألم أاخي من يحمي بنات محمد %~% إذ صرن يسترحمن من لا يرحم ما خلت بعدك أن تشل سواعدي %~% وتكف باصرتي وظهري يقصم لسواك يلطم بالأكف وهذه %~% بيض الظبى لك في جبيني تلطم ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي %~% إلا كما أدعوك قبل وتنعم هذا حسامك من يذل به العدى %~% ولواك هذا من به يتقدم PageV01P270 هونت يابن أبي مصارع فتيتي %~% والجراح يسكنه الذي هو أألم فأكب منحنيا عليه ودمعه %~% صبغ البسيط كأنما هو عندم قد رام يلثمه فلم ير موضعا %~% لم يدمه عض السلاح ms194 فيلثم (1) ### ||| * سيد الشهداء (ع) في الميدان # ولما قتل العباس التفت الحسين (ع)، فلم ير أحدا ينصره ، ونظر إلى أهله ~~وصحبه مجزرين كالأضاحي ، وهو إذ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال صاح ~~بأعلى صوته : «هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل ~~من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟» فارتفعت أصوات النساء بالبكاء (2). # ونهض السجاد (ع) يتوكأ على عصا ويجر سيفه ؛ لأنه مريض لا يستطيع الحركة. ~~فصاح الحسين بام كلثوم : «احبسيه ؛ لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد». ~~فأرجعته إلى فراشه (3). # ثم إنه (عليه السلام) أمر عياله بالسكوت وودعهم ، وكان عليه جبة خز دكناء ~~(4) وعمامة موردة أرخى لها ذوابتين ، والتحف ببردة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وتقلد بسيفه (5). # وطلب ثوبا لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه ؛ لئلا يجرد منه فإنه مقتول ~~مسلوب ، فأتوه بتبان (6) فلم يرغب فيه ؛ لأنه من لباس الذلة (7)، وأخذ ~~ثوبا خلقا PageV01P271 # وخرقه وجعله تحت ثيابه (1)، ودعا بسراويل حبرة ، ففزرها ولبسها ؛ لئلا ~~يسلبها (2). ### ||| * الرضيع # ودعا بولده الرضيع يودعه ، فأتته زينب بابنه عبد الله (3) وامه الرباب ~~فأجلسه في حجره يقبله (4) ويقول : «بعدا لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى ~~خصمهم» (5). ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء ، فرماه حرملة بن كاهل ~~الأسدي بسهم فذبحه ، فتلقى الحسين (ع) الدم بكفه ، ورمى به نحو السماء. # قال أبو جعفر الباقر (ع): «فلم تسقط منه قطرة» (6). وفيه يقول حجة آل ~~محمد (عجل الله فرجه): «السلام على عبد الله الرضيع ، المرمي الصريع ~~المتشحط دما ، والمصعد بدمه إلى السماء ، المذبوح بالسهم في حجر أبيه ، لعن ~~الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه» (7). # أعزز علي وأنت تحمل طفل %~% ك الظامي وحر أوامه لا يبرد قد بح من لفح الهجيرة صوته %~% بمرنة منها يذوب الجلمد وقصدت نحو القوم تطلب منهم %~% وردا ولكن أين منك المورد PageV01P272 والقوس طوق نحره فكأنه %~% خيط الهلال يحل فيه الفرقد وعلى الربية في الخيام نوائح %~% تومي لطفلك بالشجى وتردد ورب رضيع أرضعته قسيهم %~% من النبل ثديا دره ms195 الثر فاطمه فلهفي له مذ طوق السهم جيده %~% كما زينته قبل ذاك تمائمه هفا لعناق السبط مبتسهم اللمى %~% وداعا وهل غير العناق يلائمه ولهفي على ام الرضيع وقد دجى %~% عليها الدجى والدوح نادت حمائمه تسلل في الظلماء ترتاد طفلها %~% وقد نجمت بين الضحايا علائمه فمذ لاح سهم النحر ودت لو أنها %~% تشاطره سهم الردى وتساهمه أقلته بالكفين ترشف ثغره %~% وتلثم نحرا قبلها السهم لاثمه وأدنته للنهدين ولهى فتارة %~% تناغيه ألطافا واخرى تكالمه بني أفق من سكرة الموت وارتضع %~% بثدييك عل القلب يهدأ هائمه بني فقد درا وقد كضك الظما %~% فعله يطفي من غليلك ضارمه بني لقد كنت الأنيس لو حشتي %~% وسلواي إذ يسطو من الهم غاشمه (1) # ثم قال الحسين (ع): «هون ما نزل بي أنه بعين الله تعالى (2)، اللهم لا ~~يكون أهون عليك من فصيل ، إلهي إن كنت حبست عنا النصر فاجعله لما هو خير ~~منه ، وانتقم لنا من الظالمين (3) واجعل ما حل بنا في العاجل ذخيرة لنا في ~~الآجل (4) اللهم أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد (صلى ~~الله عليه وآله)» (5)، وسمع (عليه السلام) قائلا يقول : دعه يا حسين ، فإن ~~له مرضعا في الجنة (6). ثم نزل (عليه السلام) عن فرسه وحفر له بجفن سيفه ~~ودفنه مرملا بدمه وصلى عليه (7)، ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته (8). PageV01P273 لهفي على أبيه إذ رآه %~% غارت لشدة الظما عيناه ولم يجد شربة ماء للصبي %~% فساقه التقدير نحو الطلب وهو على الأبي أعظم الكرب %~% فكيف بالحرمان من بعد الطلب من دمه الزاكي رمي نحو السما %~% فما أجل لطفه وأعظما لو كان لم يرم به إليها %~% لساخت الأرض بمن عليها فاحمرت السماء من فيض دمه %~% ويل من الله لهم من نقمه وكيف حال امه حيث ترى %~% رضيعها جرى عليه ما جرى غادرها كالدرة البيضاء %~% وعاد كالياقوتة الحمراء حنت عليه حنة الفصيل %~% بكته بالإشراق والأصيل لهفي لها إذ تندب الرضيعا %~% ندبا يحاكي قلبها الوجيعا تقول يا بني يا مؤملي %~% يا منتهى قصدي وأقصى أملي جف ms196 الرضاع حين عز الماء %~% أصبحت لا ماء ولا كلاء فساقك الظما إلى ري الردى %~% كأنما ريك في سهم العدى يا ماء عيني وحياة قلبي %~% من لبلائي وعظيم كربي رجوت أن تكون لي نعم الخلف %~% وسلوة لي عن مصابي بالسلف ما خلت أن السهم للفطام %~% حتى أرتني جهرة أيامي (1) |||||| # وتقدم الحسين (ع) نحو القوم مصلتا سيفه ، آيسا من الحياة ، ودعا الناس ~~إلى البراز ، فلم يزل يقتل كل من برز إليه حتى قتل جمعا كثيرا (2) ثم حمل ~~على الميمنة وهو يقول : # الموت أولى من ركوب العار %~% والعار أولى من دخول النار (3) # وحمل على الميسرة وهو يقول : # أنا الحسين بن علي %~% آليت أن لا أنثني |والله من هذا||وهذا جار| PageV01P274 أحمي عيالات أبي %~% أمضي على دين النبي # قال عبد الله بن عمار بن يغوث : ما رأيت مكثورا قط ، قد قتل ولده وأهل ~~بيته وصحبه ، أربط جأشا منه ولا أمضى جنانا ولا أجرأ مقدما ، ولقد كان ~~الرجال تنكشف بين يديه إذا شد فيها ولم يثبت له أحد (1). # فصاح عمر بن سعد بالجمع : هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتال العرب ، ~~احملوا عليه من كل جانب. فأتته أربعة آلاف نبلة (2)، وحال الرجال بينه ~~وبين رحله ، فصاح بهم : «يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم ~~ولا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن ~~كنتم عربا ، كما تزعمون». # فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة؟ قال : «أنا الذي اقاتلكم ، والنساء ليس ~~عليهن جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا». # قال اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي %~% قد حان حيني وقد لاحت لوائحه # فقال الشمر : لك ذلك. # وقصده القوم واشتد القتال وقد اشتد به العطش (3)، فحمل من نحو الفرات ~~على عمرو بن الحجاج ، وكان في أربعة آلاف ، فكشفهم عن الماء وأقحم الفرس ~~الماء فلما هم الفرس ليشرب قال الحسين (ع): «أنت عطشان وأنا عطشان ، فلا ~~أشرب حتى تشرب». فرفع الفرس رأسه كأنه فهم الكلام ، ولما مد الحسين (ع) يده ~~ليشرب ناداه رجل ms197 : أتلتذ بالماء وقد هتكت حرمك؟! فرمى الماء ولم يشرب ، ~~وقصد الخيمة (4). # أقول : إني لا أضمن صحة هذا الحديث المتضمن ؛ لامتناع الفرس من الشرب ، ~~ولرمي الحسين (ع) الماء من يده لمجرد قول الأعداء ، وهو العالم بأنه مكيدة ~~، لكن خصائص هذا اليوم المختصة بسيد الشهداء ومن معه على أن يقضوا عطاشى ~~خارجة عما نعرفه ، ولا سبيل لنا إلا التسليم بعد أن كان الإمام (عليه ~~السلام) حكيما في أفعاله وأقواله لا PageV01P275 يروي الثرى بدمائهم وحشاه من %~% ظمأ تطاير شعلة قطعاتها لو قلبت من فوق غلة قلبه %~% صم الصفا ذابت عليه صفاتها تبكي السماء له دما أفلا بكت %~% ماء لغلة قلبه قطراتها وآ حر قلبي يابن بنت محمد %~% لك والعدى بك أنجحت طلباتها منعتك من نيل الفرات فلا هنا %~% للناس بعدك نيلها وفراتها (1) ### ||| * الوداع الثاني # ثم إنه (عليه السلام) ودع عياله ثانيا ، وأمرهم بالصبر ولبس الأزر وقال : ~~«استعدوا للبلاء ، واعلموا أن الله تعالى حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شر ~~الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب ، ~~ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ، فلا تشكوا ولا تقولوا ~~بألسنتكم ما ينقص من قدركم» (2). # حقا لو قيل بأن هذا الموقف من أعظم ما لا قاه سيد الشهداء في هذا اليوم ~~(3)؛ فإن عقائل النبوة تشاهد عماد أخبيتها وسياج صونها وحمى عزها ومعقد ~~شرفها مؤذنا بفراق لا رجوع بعده ، فلا يدرين بمن يعتصمن من عادية الأعداء ، وبمن # وهناك شيء آخر لاحظه سيد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه ، وهو حماية ~~الحرم بأنفس الذخائر ، وأبو عبد الله سيد العرب وابن سيدها فلا تفوته هذه ~~الخصلة التي يستهلك دونها النفس والنفيس. ولما ناداه الرجل هتكت الحرم لم ~~يشرب الماء ؛ إعلاما للجمع بما يحمله من الغيرة على حرمه ، ولو لم يبال ~~بالنداء لتيقن الناس فقدانه الحمية العربية ولا يقدم عليه أبي الضيم حتى لو ~~علم بكذب النداء ، وفعل سيد الإباة من عدم شرب الماء ولو في آن يسير هو ~~غاية ما يمدح به الرجل. PageV01P276 # العزاء بعد فقده. فلا غرو إذا ms198 اجتمعن عليه وأحطن به وتعلقن بأطرافه ، بين ~~صبي يئن ، ووالهة أذهلها المصاب ، وطفلة تطلب الأمن ، واخرى تنشد الماء. ~~إذا فما حال سيد الغيارى ومثال الحنان وهو ينظر بعلمه الواسع إلى ودائع ~~الرسالة وحرائر بيت العصمة ، وهن لا يعرفن إلا سجف العز وحجب الجلال ، كيف ~~يتراكضن في هذه البيداء المقفرة بعولة مشجية ، وهتاف يفطر الصخر الأصم ~~وزفرات متصاعدة من أفئدة حرى ، فإن فررن فعن السلب ، وإن تباعدن فمن الضرب. ~~ولا محام لهن غير الإمام الذي أنهكته العلة # فلو أن أيوبا رأى بعض ما رأى %~% لقال بلى هذا العظيمة بلواه # أما عقيلة بني هاشم زينب الكبرى فإنها تبصر هذا وذاك فتجد عروة الدين ~~الوثقى عرضة للانفصام ، وحبل النبوة آيلا إلى الانصرام ، ومنار الشريعة إلى ~~الخمود ، وشجرة الإمامة إلى الذبول. # تنعى ليوث البأس من فتيانها %~% وغيوثها إن عمت البأساء تبكيهم بدم فقل بالمهجة الحرا %~% تسيل العبرة الحمراء حنت ولكن الحنين بكا وقد %~% ناحت ولكن نوحها ايماء (1) # والتفت الحسين (ع) إلى ابنته سكينة ، التي يصفها للحسن المثنى بأن ~~الاستغراق مع الله غالب عليها ، فرآها منحازة عن النساء باكية نادبة ، فوقف ~~عليها مصبرا ومسليا ، ولسان حاله يقول : # هذا الوادع عزيزتيوالملتقى %~% يوم القيامة عند حوضالكوثر فدعي البكاء وللأسار تهيأي %~% واستشعري الصبر الجميل وبادري وإذا رأيتيني على وجه الثرى %~% دامي الوريد مبضعا فتصبري (2) # فقال عمر بن سعد : ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولا بنفسه وحرمه ، والله ~~إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم. فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتى ~~تخالفت السهام بين أطناب المخيم وشك سهم بعض ازر النساء ، فدهشن وارعبن ~~وصحن ودخلن الخيمة ، ينظرن إلى الحسين (ع) كيف يصنع ، فحمل عليهم PageV01P277 # كالليث الغضبان فلا يلحق أحدا إلا بعجه بسيفه فقتله ، والسهام تأخذه من ~~كل ناحية وهو يتقيها بصدره ونحره (1). # ورجع إلى مركزه يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم (2). وطلب ~~في هذه الحال ماءا فقال الشمر : لا تذوقه حتى ترد النار. وناداه رجل : ~~ياحسين ألا ترى الفرات كأنه بطون الحيات؟ فلا تشرب منه ms199 حتى تموت عطشا فقال ~~الحسين (ع): «اللهم أمته عطشا». فكان ذلك الرجل يطلب الماء فيؤتى به فيشرب ~~حتى يخرج من فيه ، وما زال كذلك إلى ان مات عطشا (3). # ورماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته فنزعه وسالت الدماء على وجه فقال ~~: «اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ، اللهم أحصهم عددا ~~واقتلهم بددا ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا». ~~وصاح بصوت عال : «يا امة السوء ، بئسما خلفتم محمدا في عترته ، أما إنكم لا ~~تقتلون رجلا بعدي فتهابون قتله ، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إياي. وأيم ~~الله ، إني لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا ~~تشعرون». # فقال الحصين : وبماذا ينتقم لك منا يابن فاطمة؟ قال (ع): «يلقي بأسكم ~~بينكم ، ويسفك دماءكم ، ثم يصب عليكم العذاب صبا» (4). # ولما ضعف عن القتال ، وقف يستريح ، فرماه رجل بحجر على جبهته ، فسال الدم ~~على وجهه ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه ، رماه آخر بسهم محدد له ثلاث ~~شعب وقع على قلبه فقال (ع): «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله» ورفع ~~رأسه إلى السماء وقال : «إلهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ~~ابن بنت نبي غيري». PageV01P278 # ثم أخرج السهم من قفاه وانبعث الدم كالميزاب (1)، فوضع يده تحت الجرح ~~فلما امتلأت رمى به نحو السماء وقال : «هون علي ما نزل بي ، أنه بعين ~~الله». فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض. (2). ثم وضعها ثانيا فلما ~~امتلأت ، لطخ به رأسه ووجهه ولحيته وقال : «هكذا أكون حتى ألقى الله وجدي ~~رسول الله (ص) وأنا مخضب بدمي ، واقول : يا جدي قتلني فلان وفلان» (3). # فهوى بضاحية الهجير ضريبة %~% تحت السيوف لحدها المسنون وقفت له الأفلاك حين هويه %~% وتبدلت حركاتها بسكون وبها نعاه الروح يهتف منشدا %~% عن قلب والهة بصوت حزين أضمير غيب الله كيف لك القنا %~% نفذت وراء حجابه المخزون وتصك جبهتك السيوف وإنها %~% لو لا يمينك لم تكن ليمين ما كنت ms200 حين صرعت مضعوف القوى %~% فاقول لم ترفد بنصر معين أما وشيبتك الخضيبة إنها %~% لأبر كل إلية ويمين لو كنت تستام الحياة لا رخصت %~% منها لك الأقدار كل ثمين أو شئت محو عداك حتى لا يرى %~% منهم على الغبراء شخص قطين لاخذت آفاق البلاد عليهم %~% وشحنت قطريها بجيش منون حتى بها لم تبق نافخ ضرمة %~% منهم بكل مفاوز وحصون لكن دعتك لبذل نفسك عصبة %~% حان انتشار ضلالها المدفون فرأيت أن لقاء ربك باذلا %~% للنفس أفضل من بقاء ضنين فصبرت نفسك حيث تلتهب الظبى %~% ضربا يذيب فؤاد كل رزين والحرب تطحن شوسها برحاتها %~% والرعب يلهم حلم كل رصين والسمر كالاضلاع فوقك تنحني %~% والبيض تنطبق انطباق جفون وقضيت نحبك بين اظهر معشر %~% حملوا بأخبث اظهر وبطون (4) # وأعياه نزف الدم فجلس على الأرض ينوء برقبته ، فانتهى إليه في هذا الحال ~~مالك بن النسر فشتمه ، ثم ضربه بالسيف على رأسه ، وكان عليه برنس فامتلأ PageV01P279 # البرنس دما فقال الحسين (ع): «لا أكلت بيمينك ولا شربت ، وحشرك الله مع ~~الظالمين». ثم ألقى البرنس واعتم على القلنسوة (1). ### ||| * محمد بن أبي سعيد # قال هاني بن ثبيت الحضرمي : إني لواقف عاشر عشرة لما صرع الحسين ، إذ ~~نظرت إلى غلام من آل الحسين عليه إزار وقميص وفي اذنيه درتان ، وبيده عمود ~~من تلك الأبنية ، وهو مذعور يتلفت يمينا وشمالا ، فأقبل رجل يركض حتى إذا ~~دنا منه مال عن فرسه وعلاه بالسيف فقتله ، فلما عيب عليه ، كنى عن نفسه (2). # وذلك الغلام هو محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب (3) وكانت امه تنظر ~~إليه وهي مدهوشة (4). ### ||| * عبد الله بن الحسن # ثم إنهم لبثوا هنيئة وعادوا إلى الحسين (ع) وأحاطوا به ، وهو جالس على ~~الأرض لا يستطيع النهوض فنظر عبد الله بن الحسن السبط (ع) وله إحدى عشرة ~~سنة إلى عمه وقد أحدق به القوم ، فأقبل يشتد نحو عمه ، وأرادت زينب حبسه ~~فأفلت منها وجاء إلى عمه ، وأهوى بحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين (ع) فصاح ~~الغلام : يابن الخبيثة أتضرب عمي؟ فضربه ms201 واتقاها الغلام بيده فأطنها إلى ~~الجلد ، فإذا هي معلقة فصاح الغلام : يا عماه! ووقع في حجر الحسين (ع) فضمه ~~إليه وقال : «يابن أخي اصبر على ما نزل بك ، واحتسب في ذلك الخير ، فإن ~~الله تعالى يلحقك بآبائك الصالحين». ورفع يديه قائلا : «اللهم ان متعتهم ~~إلى حين ففرقهم PageV01P280 # تفريقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فإنهم دعونا ~~لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلونا» (1). # ورمى الغلام حرملة بن كاهل بسهم فذبحه ، وهو في حجر عمه (2). # وبقي الحسين (ع) مطروحا مليا ولو شاؤوا أن يقتلوه لفعلوا ، إلا أن كل ~~قبيلة تتكل على غيرها وتكره الإقدام (3). # وأصبح مشتجرا للرماح %~% تحلي الدما منه مرانها عفيرا متى عاينته الكماة %~% يختطف الرعب ألوانها فما أجلت الحرب عن مثله %~% صريعا يجبن شجعانها تريب المحيا تظن السما %~% بأن على الأرض كيوانها غريبا أرى يا غريب الطفوف %~% توسد خديك كثبانها وقتلك صبرا بأيد أبوك %~% ثناها وكسر أوثانها أتقضي فداك حشا العالمين %~% خميص الحشاشة ظمآنها (4) # فصاح الشمر : ما وقوفكم؟ وما تنتظرون بالرجل ، وقد أثخنته السهام ~~والرماح؟ احملوا عليه (5). # وآ أسفاه حملوا عليه %~% من كل جانب أتوا إليه قد ضربوا عاتقه المطهرا %~% بضربة كبا لها على الثرى (6) # وضربه زرعة بن شريك على كتفه الأيسر ، ورماه الحصين في حلقه (7)، وضربه ~~آخر على عاتقه ، وطعنه سنان بن أنس في ترقوته ، ثم في بواني صدره ، ثم رماه ~~بسهم في نحره (8)، وطعنه صالح بن وهب في جنبه (9). PageV01P281 # قال هلال بن نافع كنت واقفا نحو الحسين وهو يجود بنفسه ، فوالله ما رأيت ~~قتيلا قط مضمخا بدمه أحسن منه وجها ولا أنور ، ولقد شغلني نور وجهه عن ~~الفكرة في قتله. فاستقى في هذه الحال ماء فأبوا ان يسقوه. # وقال له رجل : لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها. فقال ~~(عليه السلام): «أنا أرد الحامية؟! وإنما أرد على جدي رسول الله وأسكن معه ~~في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأشكو إليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بي». ~~فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في ms202 قلب أحدهم من الرحمة شيئا (1). # فلو أن أحمد قد رآك على الثرى %~% لفرشن منه لجسمك الاحشاء أو بالطفوف رأت ظماك سقتك من %~% ماء المدامع امك الزهراء يا ليت لا عذب الفرات لوارد %~% وقلوب ابناء النبي ظماء كم حرة نهب العدى أبياتها %~% وتقاسمت أحشاءها الأرزاء تعدو فان عادت عليها بالعدى %~% عدو العوادي الجرد والأعداء هتفت تثير كفيلها وكفيلها %~% قد ارمضته في الثرى الرمضاء (2) ### ||| * الدعاء # ولما اشتد به الحال رفع طرفه إلى السماء وقال : «اللهم متعال المكان عظيم ~~الجبروت ، شديد المحال غني عن الخلائق ، عريض الكبرياء قادر على ما تشاء ، ~~قريب الرحمة صادق الوعد سابغ النعمة ، حسن البلاء قريب إذا دعيت محيط بما ~~خلقت ، قابل التوبة لمن تاب إليك ، قادر على ما أردت تدرك ما طلبت ، شكور ~~إذا شكرت ذكور إذا ذكرت ، أدعوك محتاجا وأرغب إليك فقيرا ، وأفزع إليك ~~خائفا وأبكي مكروبا ، واستعين بك ضعيفا وأتوكل عليك كافيا ، اللهم احكم ~~بيننا وبين قومنا فإنهم غرونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا ، ونحن عترة نبيك ~~وولد حبيبك محمد (ص) الذي اصطفيته بالرسالة وائتمنته على الوحي ، فاجعل لنا ~~من أمرنا فرجا ومخرجا ، يا أرحم الراحمين» (3). PageV01P282 # «صبرا على قضائك يا رب ، لا إله سواك يا غياث المستغيثين (1)، مالي رب ~~سواك ولا معبود غيرك ، صبرا على حكمك ، يا غياث من لا غياث له يا دائما لا ~~نفاد له ، يا محيي الموتى ، يا قائما على كل نفس بما كسبت ، احكم بيني ~~وبينهم وأنت خير الحاكمين» (2). # فإن يك إسماعيل أسلم نفسه %~% إلى الذبح في حجر الذي هو راحمه فعاد ذبيح الله حقا ولم تكن %~% تصافحه بيض الظبي وتسالمه فان حسينا أسلم النفس صابرا %~% على الذبح في سيف الذي هو ظالمه ومن دون دين الله جاد بنفسه %~% وكل نفيس كي تشاد دعائمه ورضت قراه العاديات وصدره %~% وسيقت على عجف المطايا كرائمه (3) ### ||| * الجواد # وأقبل الفرس يدور حوله ويلطخ ناصيته بدمه (4) فصاح ابن سعد : دونكم الفرس ~~؛ فإنه من جياد خيل رسول الله (ص). فأحاطت به الخيل ، فجعل يرمح برجليه حتى ~~قتل أربعين رجلا ms203 وعشرة أفراس. فقال ابن سعد : دعوه لننظر ما يصنع. فلما أمن ~~الطلب أقبل نحو الحسين (ع) يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلا عاليا (5)، ~~قال أبو جعفر الباقر (ع): «كان يقول : الظليمة ، الظليمة ، من امة قتلت ~~ابن بنت نبيها». وتوجه نحو المخيم بذلك الصهيل (6)، فلما نظرن النساء إلى ~~الجواد مخزيا والسرج عليه ملويا خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود ~~لاطمات وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات ، وإلى مصرع ~~الحسين (ع) مبادرات (7). # فواحدة تحنو عليه تضمه %~% واخرى عليه بالرداء تظلل PageV01P283 واخرى بفيض النحر تصبغ وجهها %~% واخرى تفديه واخرى تقبل واخرى على خوف تلوذ بجنبه %~% واخرى لما قد نالها ليس تعقل (1) # ونادت ام كلثوم زينب العقيلة : وآ محمداه! وآ أبتاه! وآ علياه! وآ ~~جعفراه! وآ حمزتاه! هذا حسين بالعراء صريع بكربلاء (2). ثم نادت : ليت ~~السماء اطبقت على الأرض (3)! وليت الجبال تدكدكت على السهل (4)! وانتهت ~~نحو الحسين (ع) وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه ، والحسين يجود ~~بنفسه. فصاحت : أي عمر ، أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فصرف بوجهه ~~عنها ودموعه تسيل على لحيته (5). # فقالت : ويحكم أما فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحد (6). ثم صاح ابن سعد ~~بالناس : انزلوا إليه وأريحوه. فبدر إليه شمر فرفسه برجله ، وجلس على صدره ~~وقبض على شيبته المقدسة وضربه بالسيف اثنتى عشرة ضربة (7) واحتز رأسه ~~المقدس. ### ||| * سلبه # وأقبل القوم على سلبه ؛ فأخذ إسحاق بن حوية قميصه ، وأخذ الأخنس بن مرثد ~~بن علقمة الحضرمي عمامته ، وأخذ الأسود بن خالد نعليه ، وأخذ سيفه جميع بن ~~الخلق الأودي ، ويقال رجل من بني تميم اسمه الأسود بن حنظلة. # وجاء بجدل فرأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع اصبعه وأخذ الخاتم ، ~~وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته (8)، وكان يجلس عليها فسمي قيس قطيفة (9)، ~~وأخذ ثوبه الخلق جعونة بن حوية الحضرمي ، وأخذ القوس والحلل الرحيل بن PageV01P284 # خيثمة الجعفي وهاني بن شبيب الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي (1)، وأراد ~~رجل منهم أخذ تكة سرواله وكان لها قيمة وذلك بعدما سلبه الناس يقول : أردت ms204 ~~أن أنزع التكة فوضع يده اليمنى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعت يمينه ، ~~فوضع يده اليسرى عليها فلم أقدر على رفعها فقطعتها ، وهممت بنزع السروال ~~فسمعت زلزة ، فخفت وتركته وغشي علي ، وفي هذه الحال رأيت النبي وعليا وفاطة ~~والحسن ، وفاطمة تقول : «يا بني قتلوك؟! قتلهم الله ، فقال لها : يا ام قطع ~~يدي هذا النائم». فدعت علي وقالت : «قطع الله يديك ورجليك وأعمى بصرك ~~وأدخلك النار». فذهب بصري وسقطت يداي ورجلاي فلم يبق من دعائها إلا النار (2). # وآ صريعا عالج الموت بلا %~% شد لحيين ولا مد ردا غسلوه بدم الطعن وما %~% كفنوه غير بوغاء الثرى قتلوه بعد علم منهم %~% أنه خامس أصحاب الكسا يا رسول الله يا فاطمة %~% يا أمير الؤمنين المرتضى عظم الله لك الأجر بمن %~% كض أحشاه الظما حتى قضى ضاربا في كربلا خيمته %~% ثم ما خيم حتى قوضا ميت تبكي له فاطمة %~% وأبوها وعلي ذو العلا لو رسول الله يحيا بعده %~% قعد اليوم عليه للعزا حملوا رأسا يصلون على %~% جده الأكرم طوعا وإبا يتهادى بينهم لم ينقضوا %~% عمم الهام ولا حلوا الحبا يا رسول الله لو عاينتهم %~% وهم ما بين قتل وسبا من رميض يمنع الظل ومن %~% عاطش يسقى انأبيب القنا ومسوق عاثر يسعى به %~% هاف محمول على غير وطا لرأت عينك منهم منظرا %~% للحشا شجوا وللعين قذى ليس هذا لرسول الله يا %~% امة الطغيان والبغي جزا جزروا حزر الاضاحي نسله %~% ثم ساقوا أهله سوق الاما هاتفات برسول الله في %~% بهر السير وعثرات الخطا (3) |||||| PageV01P285 ### ||| * حوادث بعد الشهادة # يا أهل الكوفة أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي ~~كريمة له أبرزتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ أفعجبتم أن مطرت السماء دما! ولعذاب ~~الآخرة أخزى وهم لا ينصرون!. # العقيلة ام كلثوم (زينب) PageV01P287 ### ||| * الليلة الحادية عشرة # يا لها من ليلة مرت على بنات رسول الله (ص)! بعد ذلك العز الشامخ الذي لم ~~يفارقهن منذ أوجد الله كيانهن ، فلقد كن بالأمس في سرادق العظمة وأخيبة ~~الجلالة تشع نهارها بشمس ms205 النبوة ويضيء ليلها بكواكب الخلافة ومصابيح أنوار ~~القداسة ، وبقين في هذه الليلة في حلك دامس من فقد تلك الأنوار الساطعة بين ~~رحل منتهب ، وخباء محترق ، وفرق سائد ، وحماة صرعى ولا محام لهن ولا كفيل ، ~~لا يدرين من يدفع عنهن إذا دهمهن داهم؟ ومن الذي يرد عادية المرجفين؟ ومن ~~يسكن فورة الفاقدات ويخفف من وجدهن؟ نعم ، كان بينهن صراخ الصبية وأنين ~~الفتيات ونشيج الوالهات ، فام طفل فطمته السهام ، وشقيق مستشهد ، وفاقدة ~~ولد ، وباكية على حميم ، وإلى جنبهن أشلاء مبضعة وأعضاء مقطعة ونحور دامية ~~، وهن في فلاة من الأرض جرداء. وعلى مطلع الأكمة جحفل الغدر تهزهم نشوة ~~الفتح طيش الظفر ولؤم الغلبة. وعلى هذا كله لا يدرين بماذا يندلع لسان ~~الصباح؟ وبماذا ترتفع عقيرة المنادي؟ أبالقتل أم بالأسر؟! ولا من يدفع عنهن ~~غير الإمام العليل الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع ضرا ، وهو على خطر من القتل! # ومرضعة هبت بها لرضيعها %~% عواطف ام اثكلت طفلها صبرا رأت مهده بالحزن يطفح بعده %~% وقد كان فيه قبل يطفح بالبشرى وأثقل ثدييها من الدر خالص %~% على طفلها فيه تعودت الدرا فخفت إلى مثوى الرضيع لعلها %~% ترى رمقا فيه يغذي بما درا فلم تر إلا جثة فوق مذبح %~% بها علق السهم الذي ذبح النحرا فحنت وأحنت فوقه من تعطف %~% أضالعها ظلا تقيه به الحرا وضمته مذبوح الوريد لصدرها %~% ومن دمعه المسفوح خضبت الصدرا وودت ومن أوداجه تنضح الدما %~% لو ان بذاك السهم أوداجها تفرى وأضحت على مثواه تفرغ قلبها %~% حنينا فترثيه بما يفضل الشعرا فطورا تناغيه وطورا بلهفة %~% تعانق جيدا منه قد زين الدرا وتعطف طورا فوقه فتشمه %~% بمنحره الدامي وتلثمه اخرى فيا لك من ثكلى بكت بزفيرها %~% وأدمعها الخنساء حين بكت صخرا PageV01P289 ولم يبق منها وجدها وحنينها %~% سوى قفص للخلد طائره فرا (1) # لقد عم الاستياء في هذه الليلة عالم الملك والملكوت ، وللحور في غرف ~~الجنان صراخ وعويل ، وللملائكة بين أطباق السماوات نشيج ونحيب ، وندبته ~~الجن في مكانها (2). # يقول ابن أبي الحديد : بنى عبيد الله ms206 بن زياد بالبصرة أربعة مساجد ، تقوم ~~على بغض علي بن أبي طالب (ع) (3). # ليس هذا لرسول الله يا %~% امة الطغيان والبغي جزا لو رسول الله يحيا بعده %~% قعد اليوم عليه للعزا # رأت رسول الله (ص) ام سلمة (4) في المنام ، أشعث مغبرا وعلى رأسه التراب ~~، فقالت له : يا رسول الله ما لي أراك أشعث مغبرا؟ قال (ص): «قتل ولدي ~~الحسين ، وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه» (5)، فانتبهت فزعة ونظرت إلى ~~القارورة التي PageV01P290 # فيها تراب أرض كربلاء فإذا به يفور دما (1) وهو الذي دفعه النبي (ص) ~~إليها وأمرها أن تحتفظ به ، وزاد على ذلك سماعها في جوف الليل هاتفا ينعى ~~الحسين (ع) فيقول : # أيها القاتلون جهلا حسينا %~% أبشروا بالعذاب والتنكيل قد لعنتم على لسان ابن داود %~% وموسى وصاحب الإنجيل (2) كل أهل السماء يدعو عليكم %~% من نبي ومرسل وقتيل (3) # وكانت تسمع في جوف الليل أصوات نعي الحسين (ع) ولم تر أحدا ، فمن ذلك : # ألا يا عين فاحتفلي بجهد %~% ومن يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا %~% إلى متجبر في ملك عبد (4) # ولما سمع ابن عباس بكاءها ، أسرع إليها يسألها الخبر ، فأعلمته بأن ما في ~~القارورتين يفور دما (5). # وفي يوم عاشوراء رأى ابن عباس رسول الله صلى الله عليه وآله أشعث مغبرا ~~وبيده قارورة فيها دم فقال له : بأبي أنت وامي ما هذا؟ قال : «هذا دم ~~الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم» (6). # ولأجل بقاء الحسين عاريا على وجه الصعيد ثلاثا ، وهو علة الكائنات ؛ PageV01P291 # لاشتقاقه من النبي (ص) الذي هو علة العلل المتفرع من الشعاع الإلهي ~~الأقدس ؛ أظلمت الدنيا ثلاثة أيام (1) واسودت سوادا عظيما (2) حتى ظن الناس ~~أن القيامة قامت (3) وبدت الكواكب نصف النهار (4) وأخذ بعضها يضرب بعضا (5) ~~، ولم ير نور الشمس (6)، ودامت الدنيا على هذا ثلاثة أيام (7) ولا غرابة ~~في اضمحلال نور الشمس في المدة التي كان فيها سيد شباب أهل الجنة عاريا على ~~وجه الصعيد ، إذ هو العلة في مجرى الكون لما عرفت من اشتقاقه من الحقيقة ~~المحمدية التي هي علة ms207 العلل والعقل الأول ، وحديث عرض الولاية على ~~الموجودات فمن قبل عمت فائدته ، ومن أبى عرى عن الفائدة يؤكد ذلك. # وإذا صح الحديث بتغير الكون لأجل إبراز عظم نبي من الأنبياء حتى غامت ~~السماء ومطرت حين استقى به أحد علماء النصارى في سر من رأى (8) مع أنه لم ~~يكشف عن جسد ذلك النبي ولا كانت أعضاؤه مقطعة ، فاذا كيف لا يتغير الكون ~~ولا يمحى نور الشمس والقمر وقد ترك سيد شباب أهل الجنة على وجه الصعيد ~~مجردا ومثلوا بذلك الهيكل القدسي كل مثلة؟! # ما للسماء غداة اردي لم تمر %~% والأرض يوم اصيب لم تتصدع PageV01P292 إني لأعذر بعده الدجى %~% لو لم يلح والشمس لو لم تطلع والشهب لو أفلت وهذي السحب لو %~% هي أقلعت والوحش لو لم ترتع والماء لو لم يصف والأشجار لو %~% لم تزه والأطيار لو لم تسجع والريح عند هبوبها لو أنها %~% جاءت عواصفها بريح زعزع وحرمت شرب الماء إن أنا عنده %~% لم الف مكتئبا ولم استرجع رمت العدى قلبي بسهم الغدر إن %~% لم يشجني رفع الكريم الأرفع وحملت فوق أجب عار ظالع %~% إن أنس حمل بنيه فوق الظلع (1) # بلى ، لقد تغيرت أوضاع الموجودات ، واختلفت الكائنات ، فبكته الوحوش وجرت ~~دموعها رحمة له. قال أمير المؤمنين (ع): «بأبي وامي الحسين المقتول بظهر ~~الكوفة ، والله كأني أنظر إلى الوحوش مادة أعناقها على قبره تبكيه ليلا حتى ~~الصباح» (2). ومطرت السماء دما (3) فأصبحت الحباب والجرار وكل شيء ملآن ~~دما (4) وحتى بقي أثره على البيوت والجدران مدة (5)، ولم يرفع حجر إلا وجد ~~تحته دم عبيط (6) حتى في بيت المقدس (7). ولما دخل الرأس المقدس إلى قصر ~~الإمارة سالت الحيطان دما (8)، وخرجت نار من بعض جدران قصر الإمارة وقصدت PageV01P293 # عبيد الله بن زياد فقال لمن حضر عنده : اكتمه (1). وولى هاربا منها. ~~فتكلم الرأس الشريف بصوت جهوري : «إلى أين تهرب يا ملعون؟ فإن لم تنلك في ~~الدنيا فهي في الآخرة مثواك». ولم يسكت الرأس حتى ذهبت النار فادهش من في ~~القصر (2). ومكث الناس شهرين أو ثلاثة يرون ms208 الجدران ملطخة بالدم ساعة تطلع ~~الشمس وعند غروبها (3). وحديث الغراب المتلطخ بدم الحسين (ع) وقد طار إلى ~~المدينة ووقع على جدران فاطمة ابنة الحسين الصغرى ، ومنه استعلمت قتل أبيها ~~(ع)، ولما نعته إلى أهل المدينة قالوا : جاءت بسحر بني عبد المطلب. وما ~~أسرع أن جاء الخبر بشهادته يرويه الموفق أخطب خوارزم أحمد بن مكي المتوفى ~~سنة (568) في مقتل الحسين 2 / 92. ولا غرابة فيه بعد المصادقة على وجود ~~ابنة للحسين غير فاطمة وسكينة فإن شهادته (ع) حفلت بالكثير من خوارق ~~العادة. أراد الجليل عز شأنه إعلام الامة الحاضرة والأجيال المتعاقبة ~~الواقفين على هذه الملحمة التي لم يأت الدهر بمثلها بالقساوة التي استعملها ~~الامويون مع أبي عبد الله المستشهد في سبيل الدعوة الإلهية ، وفي ذلك توجيه ~~الأنظار إلى كرامة الحسين عند الله وأن قتله سوف يكون مدحرة للأضاليل ~~وإحياء للدين الذي أراد بقاءه رب العالمين إلى يوم يبعثون. # ويحدث دعبل الخزاعي عن جده : أن امه سعدى بنت مالك الخزاعية أدركت الشجرة ~~التي كانت عند ام معبد الخزاعية وهي يابسة وببركات وضوء النبي (ص) في ~~أسفلها أورقت وأثمرت ، كثيرا. ولما قبض النبي (ص) قل ثمرها ، ولما قتل أمير ~~المؤمنين (ع) تساقط ثمرها ، وكانوا يتداوون بورقها ، وبعد برهة نظروا إليها ~~وإذا ساقها ينبع دما ، فأفزعهم هذا الحادث الذي لم يشاهد مثله ، ولما اظلم ~~الليل سمعوا بكاء وعويلا ولم يروا أحدا ، وقائل يقول : # يابن الشهيد ويا شهيدا عمه %~% خير العمومة جعفر الطيار عجبا لمصقول أصابك حده %~% في الوجه منك وقد علاك غبار PageV01P294 # وبعد ذلك جاء الخبر بقتل الحسين (ع) في الوقت الذي شاهدوا منها هذه ~~الغريبة. وقدم دعبل الخزاعي ثلاثة أبيات لهذين البيتين فقال : # زر خير قبر بالعراق يزار %~% واعص الحمار فمن نهاك حمار لم لا ازورك يا حسين لك الفدى %~% قومي ومن عطفت عليه نزار ولك المودة في قلوب ذوي النهى %~% وعلى عدوك مقتة ودمار (1) # ومعنى البيت الثاني من البيتين أخذه بعض شعراء الشيعة الأقدمين فنظمه في ~~ثلاثة أبيات فقال : # عجبا لمصقول علاك فرنده ms209 %~% يوم الهياج وقد علاك غبار ولأسهم نفذتك دون حرائر %~% يدعون جدك والدموع غزار هلا تكسرت السهام وعاقها %~% عن جسمك الاجلال والاكبار (2) # ولم يمس أحد من الزعفران الذي نهبوه إلا احترق البدن ، وعاد الورس رمادا ~~، والإبل المنهوبة صار لحمها مثل العلقم وكانوا يرون النار تخرج منها (3). # ولم تعرف الحمرة في السماء إلا يوم قتل الحسين (ع) (4). قال ابن الجوزي ~~: كل واحد من الناس إذا غضب أثر الغضب في وجهه. ولما تنزه الحق جل شأنه على ~~الجسمية أظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين (ع) بحمرة الأفق ؛ إظهارا لعظيم ~~الجناية. ثم قال : لقد منع النبي (ص) من النوم أنين عمه العباس بن عبد ~~المطلب لما اسر يوم بدر ، وأوثق كتافا ، فكيف به لو يسمع أنين الحسين (عليه ~~السلام)؟ ولما أسلم وحشي ، قاتل حمزة ، قال له النبي (ص): «غيب وجهك عني ؛ ~~فإني لا أحب أن أرى قاتل الأحبة». مع أن الإسلام يجب ما قبله ، فكيف به لو ~~يرى من ذبح ولده وحمل أهله على أقتاب الجمال (5). PageV01P295 # بلى ، لقد حضر رسول الله (ص) المعركة ، وشاهد ذلك الجمع المتألب على ~~استئصال أهله من جديد الأرض ، وبمرأى منه عويل الأيامى ونشيج الفاقدات ~~وصراخ الصبية من الظمأ. وقد سمع العسكر صوتا هائلا : ويلكم يا أهل الكوفة ~~إني أرى رسول الله (ص) ينظر إلى جمعكم مرة وإلى السماء اخرى ، وهو قابض على ~~لحيته المقدسة. لكن الهوى والضلال المستحكم في نفوس ذلك الجمع المعمور ~~بالأطماع أوحى إليهم : إنه صوت مجنون. فصاح الجمع لا يهولنكم ذلك. وكان أبو ~~عبد الله الصادق (ع) يقول : «لا أراه إلا جبرئيل» (1). # وصاح بعض الملائكة : ألا أيتها الامة المتحيرة الضالة بعد نبيها ، لا ~~وفقكم الله لأضحى ولا فطر! قال الإمام الصادق (ع): «لا جرم والله ، ما ~~وفقوا ولا يوفقون حتى يثور ثائر الحسين (ع)» (2). # وهب دم يحيى قد غلا قبل في الثرى %~% فإن حسينا في القلوب غلا دمه وإن قر قدما مذ دعا بخت نصر %~% بثارات يحيي واستردت مظالمه فليست دماء السبط تهدأ قبل أن ms210 %~% يقوم بإذن الله للثأر قائمه (3) # وحدث الشيخ البهائي أن أباه الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي دخل مسجد ~~الكوفة فوجد فص عقيق مكتوب عليه : # أنا در من السما نثروني %~% يوم تزويج والد السبطين كنت أصفى من اللجين بياضا %~% صبغتني دماء نحر الحسين (4) PageV01P296 ### ||| * الليلة الحادية عشرة عند الحسين (ع) # إن من الراجح المؤكد على من يشايع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ~~المبيت في الليلة الحادية عشرة عند قبر المظلوم (ع) وعليه ملامح الاستياء ~~وشعار الحزن على ذلك الفادح الجلل بين أنة وحنة وصراخ وعولة كأنه ينظر من ~~كثب إلى ضحايا آل محمد مضرجين بالدماء تسفي عليهم الريح بوغاء الثرى وهي ~~أشلاء مقطعة قد طعمتها سمر الرماح ونهلت من دمائها بيض الصفاح وطحنتها ~~سنابك الخيل العادية. # ويرنو من أمم إلى عقائل بيت الوحي نذرف الدمع على تلك الجثث الزواكي ، ~~فمن نادبة إلى صارخة ، ومن ناشجة إلى لاطمة صدرها وناشرة شعرها (1)، ~~فيواسيها المتصور ببكائه المتواصل ، وعقيرته المرتفعة ، وعبرته الغزيرة. # ومن المقطوع به أن في هذه الحالة صلة للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ~~(عليها السلام) ومواساة لها وفيها جلب رغبات أئمة الهدى (عليهم السلام) على ~~ما يستأنس به من الآثار الواردة في أمثال هذا في سائر الأحوال. # وهناك أحاديث ربما يستفيد المتأمل منها هذه النظرية ؛ ففي الحديث عن مالك ~~الجهني عن أبي جعفر (ع): «من زار الحسين (ع) يوم عاشوراء حتى يظل عنده ~~باكيا ، لقى الله يوم القيامة بثواب ألفي ألف حجة ، وألفي ألف عمرة ، وألفي ~~ألف غزوة مع رسول الله والأئمة الراشدين» (2). # وقد أفاد علماء العربية أن (ظل) تستعمل فيمن أقام في المكان نهارا إلى ~~الليل (3) والإقامة إلى الليل ، إن لم يستلزم المبيت في الليلة المتعقبة ~~للنهار ، إلا أن # وفي شرح الكفاية ، للرضي ص 278 ، مبحث الأفعال الناقصة : معنى (ظل زيد ~~متفكرا) كان في جميع النهار كذلك ، فاقترن مضمون الجملة وهو تفكر زيد بجميع ~~النهار مستغرقا له ، ومعنى بات زيد مهموما أنه في جميع الليل كذلك. # وفي شرح الصمدية ، للسيد علي خان ص 59 ، طبعة ms211 ايران : تفيد (ظل) و (بات) ~~ثبوت الخبر للاسم في جميع النهار والليل ، وعلى ذلك جرى الزمخشري في المفصل ~~ص 267 ، طبعة مصر : وقد يستعملان بمعنى صار مع القرينة. PageV01P297 # حديث جابر الجعفي عن أبي عبد الله (ع) ربما يساعد عليه فإنه قال : «من ~~زار الحسين (ع) يوم عاشوراء وبات عنده ، كان كمن استشهد بين يديه» (1). ~~فإن الظاهر منه إرادة المبيت المتعقب لليوم لا السابق عليه وإلا لقال (عليه ~~السلام) (من بات ليلة عاشوراء عند الحسين (ع) وزار يومه وظل باكيا كان له ~~كذا وكذا). # على أن الاعتبار يساعد على أن المقيم عند قبر الذبيح العطشان في تمام ~~اليوم أن لا يرتحل عنه في هذه الليلة التي لم يمر مثلها على بنات رسول الله ~~وودائع الخلافة ، وهن في تلك الفلاة الجرداء قد فقدن البدور النيرة والاباة ~~الصفوة ، وإلى جنبهن الأشلاء المقطعة بسيوف البغي والضلال ، وهن في فرق ~~سائد لا يدرين ماذا يصدر عليهن من أعداء الله وأعداء رسوله ، فيكون الموالي ~~لهم البائت تلك الليلة عند قبره مشعرا بحزنه وبكائه إلى أسفه بتأخره عن ~~الحضور بالفوز الأكبر فيكثر من قول : يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما ~~(2). ويواسي سيدة النساء الباكية على مهجتها الممنوع من الورود. ولقد ~~رأتها في المنام ذرة النائحة واقفة على قبر الحسين (ع) تبكي ، وأمرتها أن تنشد : # أيها العينان فيضا %~% واستهلا لا تغيضا وابكيا بالطف ميتا %~% ترك الجسم رضيضا لم امرضه قتيلا %~% لا ولا كان مريضا (3) # ويحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي عن أبيه : أن أبا الحسن ~~الكاتب كان يسأل عن ابن النائح ، فلم يعرفه من كان في المجلس من أهل الكرخ ~~غيري ، فقلت له : ما القصة؟ قال أبو الحسن الكاتب : عندي جارية كثيرة ~~الصيام والتهجد ، وهي لا تقيم كلمة عربية صحيحة فضلا عن أن تروي شعرا ~~والغالب على لسانها النبطية ، انتبهت البارحة فزعة ترتعد ومرقدها قريب من ~~موضعي ، فصاحت بي : يا أبا الحسن الحقني! قلت : ما أصابك؟ قالت : إني صليت ~~وردي ونمت ، فرأيت كأني في درب ms212 من دروب الكرخ وإذا بحجرة نظيفة PageV01P298 # بيضاء مليحة الساج مفتوحة الباب ، ونساء وقوف عليه ، قلت لهم : من مات؟ ~~أو ، ما الخبر؟ فأومأوا إلى داخل الدار ، فدخلت فإذا بدار نظيفة في نهاية ~~الحسن ، وفي صحنها امرأة شابة لم أر قط أحسن منها ولا أبهى ولا أجمل ، ~~وعليها ثياب حسنة ، وملتحفة بإزار أبيض ، وفي حجرها رأس رجل يشخب دما ، ~~فقلت : من أنت؟ قالت : لا عليك ، أنا فاطمة بنت رسول الله (ص)، وهذا رأس ~~ابني الحسين (ع)، قولي لابن أصدق عني أن ينوح : # لم امرضه فأسلو %~% لا ولا كان مريضا # فانتبهت فزعة ، وقالت العجوز : لم امرطه (بالطاء المهملة ؛ لأنها لا ~~تتمكن من إقامة الضاد) فسكنتها حتى نامت. # فقال أبوالحسن الكاتب لعلي التنوخي : يا أبا القاسم ، مع معرفتك بابن ~~أصدق قد حملتك الأمانة وألزمتك أن تبلغها له. فقال التنوخي : سمعا وطاعة ~~لأمر سيدة نساء العالمين (عليها السلام). # وكان هذا في شهر شعبان والناس يومئذ يلاقون جهدا جهيدا من الحنابلة إذا ~~أرادوا الخروج إلى الحائر فلم أزل اتلطف إليهم حتى خرجت فكنت في الحائر ~~ليلة النصف من شعبان ، فسألت عن ابن أصدق حتى رأيته وقلت له : إن فاطمة ~~(عليها السلام) تأمرك أن تنوح بالقصيدة : # لم امرضه فأسلو %~% لا ولا كان مريضا # وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك ، فانزعج من هذا ، فقصصت عليه وعلى من حضر ~~الحديث ، فأجهشوا بالبكاء ، وما ناح تلك الليلة إلا بهذه القصيدة ، وأولها : # أيها العينان فيضا %~% واستهلا لا تغيضا # وهي لبعض الشعراء الكوفيين. وعدت إلى أبي الحسن فأخبرته الخبر (1). ### ||| * السلب أبا حسن يا خير حام لجاره %~% أبث لك الشكوى بدمع مرقرق PageV01P299 وناهيك في رزء تفاقم وقعه %~% فأصبح فيه الدمع من بعض منطقي اتغضي ومنك اليوم آل امية %~% شفت كل ذحل في حشاها مؤرق وكم لك في أرض الطفوف نوادب %~% ينحن بها نوح الحمام المطوق وكم طفلة قد أرهبوها بقسوة %~% وما عودت من قبل غير الترقرق وطفل يحلي جيده طوق عسجد %~% فطوق مذعورا بسهم مفوق وكم حرة حسرى بدت من خبا لها %~% وليس ms213 لديها ساتر غير مرفق هنالك لو شاهدتها تنفث الشجى %~% بقلب من الوجد المبرح محرق لعز أمير المؤمنين خروجها %~% عليك بحال أحزنت كل مشفق فمن مبلغ الزهراء عن أسر زينب %~% وتسييرها بين الأعادي لجلق وليس لها بين العدى من يصونها %~% حمى غير مضنى بالحبال مربق أفاطم سمعا علني في تزفري %~% أبثك أشجانا أخذن بمخنق فإن الاولى حلوا بعرصة كربلا %~% هووا في ثراها مشرقا بعد مشرق قضوا وجلال العز يعلو وجوههم %~% وماتوا كراما مالووا جيد مطرق فلا عذر حتى تلفظي القلب حسرة %~% بفيض دم من ماء عينيك مهرق (1) |||||| # لما قتل أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) مال الناس على ثقله ومتاعه ~~وانتهبوا ما في الخيام (2)، وأضرموا النار فيها ، وتسابق القوم على سلب ~~حرائر الرسول (ص)، ففررن بنات الزهراء (ع) حواسر مسلبات باكيات (3) وإن ~~المرأة لتسلب مقنعتها من رأسها ، وخاتمها من إصبعها ، وقرطها من اذنها ، ~~والخلخال من رجلها (4). أخذ رجل قرطين لام كلثوم وخرم اذنها (5). # وجاء آخر إلى فاطمة ابنة الحسين (ع) فانتزع خلخالها ، وهو يبكي قالت له : ~~مالك؟ فقال : كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟! قالت له : دعني ، قال ~~: أخاف أن يأخذه غيري (6). # ورأت رجلا يسوق النساء بكعب رمحه ، وهن يلذن بعضهن ببعض ، وقد أخذ PageV01P300 # ما عليهن من أخمرة وأسورة ، ولما بصر بها قصدها ، ففرت منه ، فأتبعها ~~رمحه فسقطت لوجهها مغشيا عليها ، ولما أفاقت رأت عمتها ام كلثوم عند رأسها ~~تبكي (1). # أزعجت من خدرها حاسرة %~% كالقطا روع من بعد هجود تندب الصون الذي قد فقدت %~% صبرها فيه إلى خير فقيد فقدت خير عماد فدعت %~% من بني عمرو العلى كل عميد لبدور بدماها شرقت %~% وبها أشرق مغبر الصعيد بين محزوز وريد وزعت %~% جسمه البيض ومقطوع زنود قد تواروا بقنا الخط فهل %~% قصد الخطي غابا للاسود تصدع الظلماء اوضاح لهم %~% كمصأبيح على الترب ركود (2) # ونظرت امرأة من آل بكر بن وائل كانت مع زوجها إلى بنات رسول الله بهذه ~~الحال فصاحت : يا آل بكر بن وائل ، أتسلب بنات رسول الله! لا حكم ms214 إلا لله ، ~~يا لثارات رسول الله! فردها زوجها إلى رحله (3). # وانتهى القوم إلى علي بن الحسين (ع)، وهو مريض (4) على فراشه لا يستطيع ~~النهوض ، فقائل يقول : لا تدعوا منهم صغيرا ولا كبيرا. وآخر يقول : لا ~~تعجلوا حتى نستشير الأمير عمر بن سعد (5). وجرد الشمر سيفه يريد قتله ، ~~فقال له حميد بن مسلم : يا سبحان الله! أتقتل الصبيان؟! إنما هو صبي مريض ~~(6). فقال : إن ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين. وبالغ ابن سعد في منعه ~~(7)، خصوصا لما سمع العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين تقول : لا يقتل حتى ~~اقتل دونه. فكفوا عنه (8). PageV01P301 كانت عيادته منهم سياطهم %~% وفي كعوب القنا قالوا : البقاء لكا جروه فانتهبوا النطع المعد له %~% وأوطأوا جسمه السعدان والحسكا # وأقبل ابن سعد إلى النساء ، فلما رأينه بكين في وجهه ، فمنع القوم عنهن ، ~~وقد أخذوا ما عليهن ولم يردوا شيئا (1)، فوكل جماعة بحفظهن ، وعاد إلى ~~خيمته : # وحائرات أطار القوم أعينها %~% رعبا غداة عليه خدرها هجموا كانت بحيث عليها قومها ضربت %~% سرادقا ارضه من عزهم حرم يكاد من هيبة أن لا تطوف به %~% حتى الملائك لولا انهم خدم فغودرت بي أيدي القوم حاسرة %~% تسبى وليس لها من فيه تعتصم نعم لوت جيدها بالعتب هاتفة %~% بقومها وحشاها ملؤه ضرم عجت بهم مذ على ابرادها اختلفت %~% ايدي العدو ولكن من لها بهم (2) ### ||| * الخيل # ونادى ابن سعد : ألا من ينتدب إلى الحسين فيوطىء الخيل صدره وظهره. فقام ~~عشرة (3) منهم ؛ إسحاق بن حوية (4)، والأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلمة ~~الحضرمي ، وحكيم بن الطفيل السنبسي ، وعمرو بن صبيح الصيداوي ، ورجاء بن ~~منقذ العبدي ، وسالم بن خيثمة الجعفي ، وصالح بن وهب الجعفي ، وواخط بن # وأنت إذا عرفت أن زين العابدين (ع) مع ما به من المرض هو الكفيل والمحامي ~~لحرم رسول الله (ص)، فلا يمكن الله تعالى أحدا منه فيغيبه عن عياله ~~الفواقد ، كيف يكون حالهن إذا فقدن المحامي والمصبر لهن؟ مع أن أحدا من ~~المؤرخين لم يذكره حتى على الاحتمال البعيد ، لكن الزبيري أراد أن يسود ms215 ~~صحيفته بالمفتريات. PageV01P302 # غانم ، وهاني بن ثبيت الحضرمي ، وأسيد بن مالك ، فداسوا بخيولهم جسد ~~ريحانة الرسول ، وأقبل هؤلاء العشرة إلى ابن زياد يقدمهم اسيد بن مالك ~~يرتجز : # نحن رضضنا الصدر بعد الظهر %~% بكل يعبوب شديد الأسر # فأمر لهم بجائزة يسيرة (1). # وأي شهيد أصلت الشمس جسمه %~% ومشهدها من أصله متولد وأي ذبيح داست الخيل صدره %~% وفرسانها من ذكره تتجمد ألم تك تدري أن روح محمد %~% كقرآنه في سبطه متجسد فلو علمت تلك الخيول كاهلها %~% بأن الذي تحت السنابك احمد لثارت على فرسانها وتمردت %~% كما انهم ثاروا بها وتمردوا (2) # قال البيروني : لقد فعلوا بالحسين ما لم يفعل في جميع الامم بأشرار الخلق ~~؛ من القتل بالسيف ، والرمح ، والحجارة ، وإجراء الخيول (3)، وقد وصل بعض ~~هذه الخيول إلى مصر ، فقلعت نعالها وسمرت على أبواب الدور تبركا ، وجرت ~~بذلك السنة عنده ، فصار أكثرهم يعمل نظيرها ويعلق على أبواب الدور (4). # فليت أكفا حاربتك تقطعت %~% وأرجل بغي جاولتك جذام وخيلا غدت تردى عليك جواريا %~% عقرن فلا يلوى لهن لجام ورضت قراك الخيل من بعد ما غدت %~% اولوا الخيل صرعى منك فهي رمام اصبت فلا يوم المسرات نير %~% ولا قمر في ليلهن تمام (5) ### ||| * الرؤوس # وأمر ابن سعد بالرؤوس فقطعت واقتسمتها القبائل ؛ لتتقرب إلى ابن زياد ، |حتى عصينا الله رب الأمر||بعضها مع الحسين الطهر| PageV01P303 # فجائت كندة بثلاثة عشر وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن باثني عشر ~~وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن ، وجاءت تميم بسبعة عشر ، وبنو أسد بستة عشر ، ~~ومذحج بسبعة ، وجاء آخرون بباقي الرؤوس (1)، ومنعت عشيرة الحر الرياحي من ~~قطع رأسه ورض جسده (2). # وسرح ابن سعد في اليوم العاشر رأس الحسين (ع) مع خولى بن يزيد الأصبحي ~~وحميد بن مسلم الأزدي ، وسرح رؤوس أهل بيته وصحبه مع الشمر وقيس بن الأشعث ~~وعمرو بن الحجاج (3). # وكان منزل خولي على فرسخ من الكوفة ، فأخفى الرأس عن زوجته الأنصارية ؛ ~~لما يعهده من موالاتها لأهل البيت (عليهم السلام) إلا أنها لما رأت من ~~التنور نورا راعها ذلك ؛ إذ لم تعهد فيه شيئا ، فلما ms216 قربت منه سمعت أصوات ~~نساء يندبن الحسين (ع) بأشجى ندبة ، فحدثت زوجها وخرجت باكية (4) ولم تكتحل ~~ولم تتطيب حزنا على الحسين (ع) وكان اسمها العيوف (5). # وعند الصباح غدا بالرأس إلى قصر الإمارة ، وقد رجع ابن زياد في ليلته من ~~معسكره بالنخيلة فوضع الرأس بين يديه وهو يقول : # إملأ ركابي فضة أو ذهبا %~% إني قتلت السيد المحجبا وخيرهم من يذكرون النسبا %~% قتلت خير الناس اما وأبا # فساء ابن زياد قوله أمام الجمع فقال له : إذا علمت إنه كذلك فلم قتلته؟ ~~والله لا نلت مني شيئا (6). PageV01P304 ### ||| * السفر من كربلاء # لما سير ابن سعد الرؤوس إلى الكوفة ، أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم ~~الحادي عشر ، فجمع قتلاه وصلى عليهم ودفنهم ، وترك سيد شباب أهل الجنة ~~وريحانة الرسول الأكرم ومن معه من أهل بيته وصحبه بلا غسل ولا كفن ولا دفن ~~(1)، تسفي عليه الصبا ، ويزورهم وحش الفلا. # فإن يمس فوق الترب عريان لم تقم %~% له مأتما تبكيه فيه محارمه فأي حشا لم يمس قبرا لجسمه %~% وفي أي قلب ما اقيمت مآتمه (2) # وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسين (ع) وصبيته وجواريه ~~وعيالات الأصحاب وكن عشرين امرأة (3) وسيروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء ~~كما يساق سبي الترك والروم وهن ودائع خير الأنبياء ومعهن السجاد علي بن ~~الحسين (ع) وعمره ثلاث وعشرون سنة (4)، وهو على بعير ظالع بغير وطاء وقد ~~أنهكته العلة (5) ومعه ولده الباقر (ع) (6) وله سنتان وشهور (7)، ومن ~~أولاد الإمام الحسن # وأنت إذا عرفت إن الشمر هو قاتل الحسين (ع) كما في زيارة الناحية وعليه ~~جماعة من المؤرخين ، تعرف أنه المنشد لها ؛ إذ من البعيد أن يقتله ويأخذ ~~الرأس غيره فيفوته التقرب عند ابن زياد ، وإنما ذكرنا القصة عن خولي مماشاة ~~مع أهل المقاتل. وفي المعجم مما استعجم 2 / 865 ، ووفاء الوفاء للمسعودي 2 ~~/ 232 ، عند ذكر حمي ضريه ، قال : ضريه من مياه الضباب في الجاهلية لذي ~~الجوشن الضبابي والد الشمر قاتل الحسين بن علي (ع). PageV01P305 # المجتبى (ع) زيد وعمرو والحسن المثنى ms217 ، فإنه أخذ أسيرا بعد أن قتل سبعة ~~عشر رجلا ، وأصابته ثمان عشرة جراحة وقطعت يده اليمنى ، فانتزعه أسماء بن ~~خارجة الفزاري ؛ لأن ام المثنى فزارية ، فتركه ابن سعد له (1). وكان معهم ~~عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الحسين (ع)، ولما أخبر ابن زياد بأنه مولى ~~للرباب خلى سبيله ، وأخبر ابن زياد بأن المرقع بن ثمامة الأسدي نثر نبله ~~وقاتل ، فآمنه قومه وأخذوه فأمر بنفيه إلى الزارة (2). # أترى كيف أمست الخفرات %~% بعد غلب دون المخيم ماتوا أتراهم للأسر قد أسلموها %~% أم على الرغم فارقتها الحماة فارقوها من بعد ما ثلم العضب %~% ودقت من الطعان القناة وبنوا في دم الشهادة عرشا %~% لم قبلهم بنته البناة أدهشتها من بعدهم هجمة الخي %~% ل عليها وأين عنها الاباة فتصارخن يستغثن بصرعي %~% هومت غفوة بهم وسباة وترامت بجنب كل أبي %~% حرة تستثيره وفتاة يشتكين السياط قد ألمتهن %~% وهل حفزت بصرخى شكاة يتساقطن عن متون المطايا %~% كلما أزعج النياق الحدادة (3) # فقلن النسوة : بالله عليكم إلا ما مررتم بنا على القتلى. ولما نظرن إليهم # فيظهر من ذلك أن الزارة موضع في عمان. وفي الأخبار الطوال / 256 ، سير ~~ابن زياد المرقع بن ثمامة الأسدي إلى الزبدة ، فلم يزل بها حتى هلك يزيد ~~وهرب ابن زياد إلى الشام ، فانصرف المرقع إلى الكوفة. وفي نشوار المحاضرة 8 ~~/ 9 : إن أبا محمد المهلبي أحدر محمد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي إلى ~~عمان في زورق طبقه عليه ؛ لأمر نقمه عليه. PageV01P306 # مقطعي الأوصال ، قد طعمتهم سمر الرماح ، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح ، ~~وطحنتهم الخيل بسنابكها ، صحن ولطمن الوجوه (1) وصاحت زينب : يا محمداه! ~~هذا حسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريتك ~~مقتلة. فأبكت كل عدو وصديق (2) حتى جرت دموع الخيل على حوافرها (3). # ثم بسطت يديها تحت بدنه المقدس ورفعته نحو السماء ، وقالت : إلهي تقبل ~~منا هذا القربان (4). وهذا الموقف يدلنا على تبوئها عرش الجلالة ، وقد اخذ ~~عليها العهد والميثاق بتلك النهضة المقدسة كأخيها الحسين (ع) وإن كان ~~التفاوت بينهما محفوظا ، فلما خرج ms218 الحسين (ع) عن العهدة بإزهاق نفسه ~~القدسية ، نهضت العقيلة زينب بما وجب عليها ، ومنه تقديم الذبيح إلى ساحة ~~الجلال الربوي والتعريف به ، ثم طفقت (سلام الله عليها) ببقية الشؤون ، ولا ~~استبعاد في ذلك بعد وحدة النور وتفرد العنصر. # وتشاطرت هي والحسين بدعوة %~% حتم القضاء عليهما أن يندبا هذا بمشتبك النصول وهذه %~% في حيث معترك المكاره في السبا (5) # واعتنقت سكينة (6) جسد أبيها الحسين (ع) فكانت تحدث أنها سمعته يقول : # شيعتي ما أن شربتم %~% عذب ماء فاذكروني PageV01P307 أو سمعتم بغريب %~% او شهيد فاندبوني (1) # ولم يستطع أحد أن ينحيها عنه حتى اجتمع عليها عدة وجروها بالقهر (2). # ومذعورة باليتم قد ربع قلبها %~% كطير عليه الصقر قد هجم الوكرا أهابت بها من هجمة الخيل صرخة %~% على ثكلها باليتم فاضطربت ذعرا وفرت إلى الثاوي على جمرة الثرى %~% وقد أرسلت من جفنها فوقه نهرا وأهوت على جسم الحسين فضمها %~% إلى صدره ما بين يمناه واليسرى تلوذ به حسرى القناع مروعة %~% وعز عليه أن يشاهدها حسرى فما تركتها تستجير سياطهم %~% بجسم أبيها حينما انتزعت قسرى (3) # وأما علي بن الحسين (ع) فإنه لما نظر إلى أهله مجزرين ، وبينهم مهجة ~~الزهراء (عليها السلام) بحالة تنفطر لها السماوات وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا ، عظم ذلك عليه واشتد قلقه فلما تبينت ذلك منه زينب الكبرى بن علي (ع) ~~(4) أهمها أمر الإمام فأخذت تسليه وتصبره وهو الذي لا توازن الجبال بصبره ، ~~وفيما قالت له : # ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ، فوالله إن هذا لعهد من ~~الله إلى جدك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق اناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ~~، وهم معروفون في أهل السماوات ، إنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم ~~المضرجة ، فيوارونها وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس ~~أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع ~~الضلال في محوه وتطميسه ، فلا يزداد أثره إلا علوا (5). # لله صبر زينب العقيلة %~% كم صابرت مصائبا مهولة PageV01P308 رأت من الخطوب والرزايا %~% أمرا تهون دونه المنايا ms219 رأت كرام قومها الأماجد %~% مجزرين في صعيد واحد تسفي على جسومها الرياح %~% وهي لذؤبان الفلا تباح رأت عزيز قومها صريعا %~% قد وزعوه بالظبى توزيعا رأت رؤوسا بالقنا تشال %~% وجثثا أكفانها الرمال رأت رضيعا بالسهام يفطم %~% وصبية بعد أبيهم أيتموا رأت شماتة العدو فيها %~% وصنعه ما شاء في أخيها (1) # وأتاهن زجر بن قيس وصاح بهن فلم يقمن ، فأخذ يضربهن بالسوط واجتمع عليهن ~~الناس حتى أركبوهن على الجمال (2). # وركبت العقيلة زينب ناقتها ، فتذكرت ذلك العز الشامخ والحرم المنيع الذي ~~تحوطه الليوث الضواري الاباة من آل عبد المطلب وتحفه السيوف المرهفة ~~والرماح المثقفة ، والأملاك تخدمها فيه ، فلا يدخلون إلا مستأذنين : # فلا مثل عز كان في الصبح عزها %~% ولا مثل حال كان في العصر حالها إلى أين مسراها وأين مصيرها %~% ومن هو مأواها ومن ذا مآلها ومن ذا ثمال الظعن إن هي سيرت %~% يضيق فمي إن ابن سعد ثمالها على أي كتف تتكي حين ركبت %~% وجمالها زجر وشمر جمالها أمخمد ضوء البيت عن شخص زينب %~% لكيلا يرى في الليل حتى خيالها تمنيت يوم الطف عينك أبصرت %~% بناتك حين ابتز منها حجالها قروما تراها جزرا وأراملا %~% تحن كنيب فارقتها فصالها له الله من ثكل وقد مات بغتة %~% لدى بعض يوم عزها ورجالها وما هان ثكل عندها غير انه %~% أمض مصابا هتكها وابتذالها وأمسين في أمر يهدد غبه %~% تقف إهابا حين يطريه بالها (3) ### ||| * في الكوفة # ولما ادخلت بنات أمير المؤمنين إلى الكوفة ، اجتمع أهلها للنظر إليهم PageV01P309 # فصاحت ام كلثوم : يا أهل الكوفة ، أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا ~~إلى حرم النبي (ص)؟ (1). # وأشرفت عليهن امرأة من الكوفيات ورأتهن على تلك الحال التي تشجي العدو ~~الألد فقالت : من أي الاسارى أنتم؟ قلن : نحن اسارى آل محمد (2). # وأخذ أهل الكوفة يناولون الأطفال التمر والجوز والخبز ، فصاحت ام كلثوم ~~وهي زينب الكبرى : إن الصدقة علينا حرام. ثم رمت به إلى الأرض (3). # أبا حسن تغضي وتلتذ بالكرى %~% وبالكف أمست تستر الوجه زينب أبا حسن ترضى صفاياك في السبا %~% ونسوة ms220 حرب بالمقاصير تحجب وتلوي للين الفرش جنبا وهذه %~% بناتك فوق العيس للشام تجلب ويهنيك عيش والعقائل حسر %~% إذا ما بكت بالأصبحية تضرب تشرق فيها تارة عصب الخنا %~% وطورا بها نحو الشئام تغرب بلا كافل تطوي المهامه لغبا %~% ويسمعها ما يشعب القب غيهب فأصواتها بحت وذابت قلوبها %~% وأنفاسها كادت من الحزن تذهب عجبت ومن في الدهر سرح طرفه %~% وفكر فيه لم يزل يتعجب يزيد الخنا في دسته متقلب %~% ويمسي حسين في الثرى يتقلب ويحمل منه الرأس في الرمح جهرة %~% وفي التاج رأس ابن الدعية يعصب ويبقى ثلاثا عاريا ويزيدها %~% على جسمه يغدر الدمقس المذهب (4) ### ||| * خطبة زينب # ولقد أوضحت ابنة أمير المؤمنين (ع) للناس خبث ابن زياد ولؤمه في خطبتها ~~بعد أن أومأت إلى ذلك الجمع المتراكم ، فهدأوا حتى كأن على رؤوسهم PageV01P310 # الطير. وليس في وسع العدد الكثير أن يسكن ذلك اللغط أو يرد تلك الضوضاء ~~لولا الهيبة الإلهية والبهاء المحمدي الذي جلل عقيلة آل محمد (ص). # فيقول الراوي : لما أومأت زينب ابنة علي (ع) إلى الناس ، فسكنت الأنفاس ~~والأجراس ، فعندها اندفعت بخطابها مع طمأنينة نفس وثبات جأش ، وشجاعة ~~حيدرية ، فقالت (صلوات الله عليها): # الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار. أما بعد ، يا أهل ~~الكوفة ، يا أهل الختل والغدر ، أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنة ~~، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم ، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف (1) والعجب والكذب والشنف (2) ~~وملق الإماء (3)، وغمز الأعداء (4)؟! أو كمرعى على دمنة (5) أو كقصة على ~~ملحودة (6)، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب ~~أنتم خالدون. PageV01P311 # أتبكون وتنتحبون؟! إي والله فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ؛ فلقد ذهبتم ~~بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبدا ، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم ~~النبوة ومعدن الرسالة ، ومدرة حجتكم ومنارمحجتكم ، وملاذ خيرتكم ومفزع ~~نازلتكم ، وسيد شباب أهل الجنة ، ألا ساء ما تزرون. # فتعسا ونكسا وبعدا لكم وسحقا ، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي ، وخسرت ~~الصفقة ، وبؤتم بغضب ms221 من الله ورسوله ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة. # ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له ~~أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد ~~السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدا. # ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض (1) وملء السماء. أفعجبتم أن ~~مطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ، فلا يستخفنكم المهل ، ~~فإنه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار ، وإن ربكم لبالمرصاد (2). PageV01P312 # فقال لها الإمام السجاد (ع): «اسكتي يا عمة ، فأنت بحمد الله عالمة غير ~~معلمة ، وفهمة غير مفهمة» (1). # فقطعت العقيلة الكلام ، وأدهشت ذلك الجمع المغمور بالتمويهات والمطامع ، ~~وأحدث كلامها إيقاظا في الأفئدة ولفتة في البصائر ، وأخذت خطبتها من القلوب ~~مأخذا عظيما ، وعرفوا عظيم الجناية ، فلا يدرون ما يصنعون. # فعن الوصي بلاغة خصت بها %~% أعيت برونقها البليغ الاخطبا ما استرسلت إلا وتحسب أنها %~% تستل من غرر الخطابة مقضبا أو أنها اليزني في يد باسل %~% أخلى به ظهرا وأوهى منكبا أو أنها تقتاد منها فيلقا %~% وتسوق من زمر الحقائق موكبا أو أن في غاب الإمامة لبوة %~% لزئيرها عنت الوجوه تهيبا أو أنها البحر الخضم تلاطمت %~% أمواجه علما حجى بأسا إبا أو أن من غضب الإله صواعقا %~% لم تلف عنها آل حرب مهربا أو أن حيدرة على صهواتها %~% يفني كراديس الضلال ثبا ثبا أو أنه ضمته ذروة منبر %~% فأنار نهجا للشريعة ألحبا أو أن في اللأوى عقيلة هاشم %~% قد فرقت شمل العمى ايدي سبا (2) ### ||| * خطبة فاطمة بنت الحسين # وخطبت فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) (3) فقالت : # وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ج 12 ص 442 روت الحديث عن أبيها وأخيها زين ~~العابدين وعمتها زينب وابن عباس وأسماء بنت عميس وروى عنها أولادها عبد ~~الله وابراهيم وحسين وام جعفر بنو الحسن المثنى وروى عنها ابو المقدام ~~بوساطة امه وروى عنها زهير بن معاوية بوساطة أمه وفي خلاصة تذهيب الكمال ص ~~425 خرج أصحاب السنن أحاديثها منهم : الترمذي وأبو داود والنسائي ms222 في مسند ~~علي وابن ماجة القزويني وقال ابن حجر العسقلاني وقع ذكرها في كتاب الجنائز ~~من صحيح البخاري ووثقها ابن حبان. ونص على وفاتها PageV01P313 # الحمدلله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده واؤمن به ~~وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله ، وأن أولاده ذبحوا بشط الفرات ، من غير ذحل ولا ترات. # اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ ~~العهود والوصية لعلي بن أبي طالب المغلوب حقه ، المقتول من غير ذنب كما قتل ~~ولده بالأمس ، في بيت من بيوت الله تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعسا ~~لرؤوسهم ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضه الله تعالى ~~إليه محمود النقيبة طيب العريكة ، معروف المناقب مشهور المذاهب ، لم تأخذه ~~في الله سبحانه لومة لائم ولا عذل عاذل ، هديته اللهم للإسلام صغيرا ، ~~وحمدت مناقبه كبيرا ، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك ، زاهدا في الدنيا غير حريص ~~عليها ، راغبا في الآخرة ، مجاهدا لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى ~~صراط مستقيم. # أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنا أهل بيت ~~ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا. فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا ~~وفهمه لدنيا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجته على الأرض في ~~بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمد (صلى الله عليه ~~وآله) على كثير ممن خلق الله تفضيلا. # فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا ، كأننا ~~أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل ~~البيت لحقد متقدم ، قرت لذلك عيونكم ، وفرحت قلبوكم افتراء على الله ومكرا مكرتم PageV01P314 # والله خير الماكرين ، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ~~، ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا ~~العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير ؛ لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله ms223 لا يحب كل مختال فخور. # تبا لكم فانظروا اللعنة والعذاب ، فكأن قد حل بكم وتواترت من السماء ~~نقمات ، فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تخلدون في العذاب الأليم ~~يوم القيامة ؛ بما ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين. # ويلكم! أتدرون أية يد طاعنتنا منكم؟ وأية نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأية ~~رجل مشيتم إلينا؟ تبغون محاربتنا ، قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع الله على ~~أفئدتكم ، وختم على سمعكم وبصركم وسول لكم الشيطان وأملى لكم ، وجعل على ~~بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون. # تبا لكم يا أهل الكوفة ، أي ترات لرسول الله قبلكم ، وذحول له لديكم؟ بما ~~عندتم بأخيه على بن أبي الطالب جدي وبنيه وعترته الطيبين الأخيار ، وافتخر ~~بذلك مفتخركم. # نحن قتلنا عليا وبني علي %~% بسيوف هندية ورماح وسبينا نساءهم سبي ترك %~% ونطحناهم فأي نطاح # بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب (1) افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم ~~وأذهب عنهم الرجس فأكضم وأقع كما أقعى أبوك فإنما لكل امرىء ما اكتسب وما ~~قدمت يداه. # حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا الله تعالى ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذوالفضل العظيم. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. # فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب وقالوا : حسبك يا ابنة الطاهرين فقد ~~حرقت قلوبنا وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا ، فسكتت. PageV01P315 ### ||| * خطبة ام كلثوم (1) # وقالت ام كلثوم : صه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم ، ~~فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب. # يا أهل الكوفة ، سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه وانتهبتم أمواله ~~، وسبيتم نساءه ونكبتموه؟! فتبا لكم وسحقا. # ويلكم! أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهوركم حملتم؟ وأي دماء سفكتم؟ ~~وأي كريمة أصبتموها؟ وأي صبية أسلمتموها؟ وأي أموال انتهبتموها؟ قتلتم خير ~~الرجالات بعد النبي ، ونزعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون ، وحزب الشيطان هم الخاسرون. # فضج الناس بالبكاء ، ونشرن النساء الشعور ، وخمشن الوجوه ولطمن الخدود ، ~~ودعون بالويل والثبور. فلم ير ذلك اليوم أكثر باك. ### ||| * خطبة السجاد (ع) # وجيء بعلي الحسين (ع) ms224 على بعير ضالع ، والجامعة في عنقه ، ويداه مغلولتان ~~إلى عنقه ، وأوداجه تخشب دما فكان يقول : # يا امية السوء لا سقيا لربعكم %~% يا امة لم تراع جدنا فينا لو أننا ورسول الله يجمعنا %~% يوم القيامة ما كنتم تقولونا تسيرونا على الأقتاب عارية %~% كأننا لم نشيد فيكم دينا # وأومأ إلى الناس أن اسكتوا ، فلما سكتوا ، حمد الله وأثنى عليه وذكر ~~النبي فصلى عليه ، ثم قال : «أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم ~~يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهكت حرمته ، ~~وسلبت نعمته وانتهب ماله ، PageV01P316 # وسبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن ~~من قتل صبرا ، وكفى بذلك فخرا. # أيها الناس ناشدتكم الله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه ~~وأعطيتموه من أنفسكم العهود والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه؟ فتبا لكم لما ~~قدمتم لأنفسكم ، وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله؟ إذ يقول ~~لكم : قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من امتي». # فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا : هلكتم وما تعلمون. # ثم قال (عليه السلام): «رحم الله امرءا قبل نصيحتي ، وحفظ وصيتي في الله ~~وفي رسوله وأهل بيته ، فإن لنا في رسول الله اسوة حسنة». # فقالوا بأجمعهم : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير ~~زاهدين فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنا حرب لحربك ، ~~وسلم لسلمك ، نبرأ ممن ظلمك وظلمنا. # فقال (عليه السلام): «هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة ، حيل بينكم وبين ~~شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى أبي من قبل؟ كلا ورب ~~الراقصات ، فإن الجرح لما يندمل ، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ، ولم ينس ثكل ~~رسول الله وثكل أبي وبني أبي ، إن وجده والله لبين لهاتي ومرارته بين ~~حناجري وحلقي ، وغصته تجري في فراش صدري» (1) # مهلا بني حرب فما قد نالنا %~% فبعين جبار السما لم يكتم فكأنني يوم الحساب بأحمد %~% بالرسل يقدم حاسرا عن معصم ويقول ويلكم هتكتم حرمتي %~% وتركتم الأسياف تنطف من دمي تدرون أي ms225 دم أرقتم في الثرى %~% أم أي خود سقتم في المغنم أمن العدالة صونكم فتياتكم %~% وحرائري تسبى كسبي الديلم والماء تورده يعافير الفلا %~% وكبود أطفالي ظماء تضرم تالله لو ظفرت سراة الكفر في %~% رهطي لما ارتكبوا لذاك المعظم يا ليت شعر محمد ما فاتكم %~% طعن الحناجر بعد حز الغلصم PageV01P317 هذا جزائي منكم فلقرب ما %~% ضيعتموا عهدي ببنتي وابنم (1) ### ||| * الدفن # ذكر أهل التاريخ أن سيد الشهداء (ع) أفرد خيمة في حومة الميدان (2)، ~~وكان يأمر بحمل من قتل من صحبه وأهل بيته إليها ، وكلما يؤتى بشهيد يقول ~~(عليه السلام): «قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيين» (3). # إلا أخاه أبا الفضل العباس (عليه السلام) تركه في محل سقوطه قريبا من شط ~~الفرات (4). # ولما ارتحل عمر بن سعد بحرم الرسالة إلى الكوفة ترك اولئك الذين وصفهم ~~أمير المؤمنين (ع) بأنهم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة ، لم يسبقهم سابق ~~ولا يلحقهم لاحق (5) على وجه الصعيد تصهرهم الشمس ويزورهم وحش الفلا. # قد غير الطعن منهم كل جارحة %~% إلا المكارم في أمن من الغير # وبينهم سيد شباب أهل الجنة بحالة تفطر الصخر الأصم ، غير أن الأنوار ~~الإلهية تسطع من جوانبه ، والأرواح العطرة تفوح من نواحيه. # ومجرح ما غيرت منه القنا %~% حسنا ولا أخلقن منه جديدا قد كان بدرا فاغتدى شمس الضحى %~% مذ ألبسته يد الدماء لبودا تحمي اشعته العيون فكلما %~% حاولن نهجا خلنه مسدودا وتظله شجر القنا حتى أبت %~% ارسال هاجرة اليه بريدا (6) # وحدث رجل من بني أسد : أنه أتى المعركة بعد ارتحال العسكر ، فشاهد من PageV01P318 # تلك الجسوم المضرجة أنوارا ساطعة ، وأرواحا طيبة ، ورأى أسدا هائل المنظر ~~يتخطى تلك الأشلاء المقطعة حتى إذا وصل إلى هيكل القداسة وقربان الهداية ، ~~تمرغ بدمه ولاذ بجسده ، وله همهمة وصياح ، فأدهشه الحال إذ لم يعهد مثل ~~الحيوان المفترس يترك ما هو طعمة أمثاله فاختفى في بعض الأكم ؛ لينظر ما ~~يصنع فلم يظهر له غير ذلك الحال. # ومما زاد في بعض تحيره وتعجبه أنه عند انتصاف الليل رأى شموعا مسرجة ملأت ~~الأرض بكاءا وعويلا ms226 مفجعا (1). # وفي اليوم الثالث عشر من المحرم أقبل زين العابدين (ع) لدفن أبيه الشهيد ~~(عليه السلام)؛ لأن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله (2). # يشهد له مناظرة الرضا (ع) مع علي بن أبي حمزة فإن أبا الحسن (ع) قال له : ~~«اخبرني عن الحسين بن علي كان إماما؟» قال : بلى ، فقال الرضا (ع): «فمن ~~ولي أمره؟» قال ابن أبي حمزة : تولاه علي بن الحسين السجاد. فقال الرضا (ع) ~~: «فأين كان علي بن الحسين؟» قال ابن أبي حمزة : كان محبوسا بالكوفة عند ~~ابن زياد ، ولكنه خرج وهم لا يعلمون به حتى ولي أمر أبيه ، ثم انصرف إلى السجن. # فقال الرضا (ع): «إن من مكن علي بن الحسين أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه ~~ثم ينصرف ، يمكن صاحب هذا الأمر أن ياتي بغداد فيلي أمر أبيه وليس هو في ~~حبس ولا إسار». # لم تكشف الاحاديث هذا السر المصون ، ولعل النكتة فيه ان جثمان المعصوم ~~عند سيره الى المبدإ الأعلى بانتهاء امد الفيض الالهي يختص بآثار منها : ان ~~لا يقرب منه من لم يكن من أهل هذه المرتبة اذ هو مقام قاب قوسين او أدنى ، ~~ذلك المقام الذي تقهقر عنه الروح الامين وعام النبي (صلى الله عليه وآله) ~~وحده في سبحات الملكوت وليست هذه الدعوى في الأئمة بغريبة بعد ان تكونوا من ~~الحقيقة المحمدية وشاركوا جدهم في المآثر كلها إلا النبوة والأزواج كما في ~~المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص 22 طبع النجف وهذه اسرار لا تصل اليها ~~افكار البشر ولا سبيل لنا الى الانكار بمجرد بعدنا عن ادراكها ما لم تبلغ ~~حد الاستحالة وقد نطقت الآثار الصحيحة بأن للأئمة احوالا غريبة ليس لسائر ~~الخلق الشركة معهم كإحيائهم الأموات بالأجساد الأصلية ورؤية بعضهم بعضا ~~وصعود أجسادهم الى السماء وسماعهم سلام الزائرين لهم وقد صادق على ذلك ~~شيخنا المفيد في المقالات ص 84 ط طهران والكراجكي في كنز الفوائد والمجلسي ~~في مرآة العقول ج 1 ص 373 وكاشف الغطاء في منهج الرشاد ص 51 ، والنوري ms227 في ~~دار السلام ج 1 ص 289. PageV01P319 # ولما أقبل السجاد (ع) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى ، متحيرين لا يدرون ~~ما يصنعون ، ولم يهتدوا إلى معرفتهم ؛ وقد فرق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم ~~وربما يسألون من أهلهم وعشيرتهم. # فأخبرهم (عليه السلام) عما جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة ، ~~وأوقفهم على أسمائهم ، كما عرفهم بالهاشميين من الأصحاب ، فارتفع البكاء ~~والعويل ، وسالت الدموع منهم كل مسيل ، ونشرت الأسديات الشعور ولطمن ~~الخدود. # ثم مشى الإمام زين العابدين (ع) إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءا عاليا ، ~~وأتى إلى موضع القبر ، ورفع قليلا من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق ، ~~فبسط كفيه تحت ظهره وقال : «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ، ~~صدق الله ورسوله ، ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم». # وأنزله وحده ، لم يشاركه بنو أسد فيه ، وقال (ع) لهم : «إن معي من ~~يعينني». ولما أقره في لحده ، وضع خده على منحره الشريف قائلا : # «طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر ، فإن الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك ~~مشرقة ، أما الليل فمسهد والحزن سرمد ، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي ~~أنت بها مقيم ، وعليك مني السلام يابن رسول الله ورحمة الله وبركاته». # وكتب على القبر : «هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشانا ~~غريبا». # ثم مشى إلى عمه العباس (عليه السلام) فرآه بتلك الحالة التي أدهشت ~~الملائكة بين أطباق السماء وأبكت الحور في غرف الجنان ووقع عليه يلثم نحره ~~المقدس قائلا : «على الدنيا بعدك العفا يا قمر هاشم ، وعليك مني السلام من ~~شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته». # وشق له ضريحا وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد ، وقال لبني أسد : «إن ~~معي من يعينني». # نعم ، ترك مساغا لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء ، وعين لهم موضعين PageV01P320 # وأمرهم أن يحفروا حفرتين ، ووضع في الاولى بني هاشم ، وفي الثانية ~~الأصحاب (1). # وأما الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن وقيل : أن امه كانت ~~حاضرة فلما رأت ما يصنع بالأجساد ، حملت الحر ms228 إلى هذا المكان (2). # وكان أقرب الشهداء إلى الحسين ولده الأكبر (عليه السلام)، وفي ذلك يقول ~~الإمام الصادق (ع) لحماد البصري : «قتل أبو عبد الله غريبا بأرض غربة ، ~~يبكيه من زاره ، ويحزن له من لم يزره ، ويحترق له من لم يشهده ، ويرحمه من ~~نظر إلى قبر ابنه عند رجليه في أرض فلاة ولا حميم قربه ، ثم منع الحق ~~وتوازر عليه أهل الردة حتى قتلوه وضيعوه وعرضوه للسباع ومنعوه شرب ماء ~~الفرات الذي يشربه الكلاب وضيعوا حق رسول الله (ص) ووصيته به وبأهل بيته ، ~~فأمسى مجفوا في حفرته صريعا بين قرابته وشيعته ، قد اوحش قربه في الوحدة ~~والبعد عن جده والمنزل الذي لا يأتيه إلا من امتحن الله قلبه للإيمان وعرف حقنا». # ولقد حدثني أبي : أنه لم يخل مكانه منذ قتل من مصل عليه من الملائكة أو ~~من الجن والإنس أو من الوحش ، وما من أحد إلا ويغبط زائره ويتمسح ويرجو في ~~النظر إليه الخير لنظره إلى قبره. # وإن الله تعالى ليباهي الملائكة بزائريه. # وأما ما له عندنا فالترحم عليه كل صباح ومساء. # ولقد بلغني أن قوما من أهل الكوفة وناسا غيرهم من نواحيها يأتونه في |أشر للحر من قرب وبعد||فإن الحر تكفيه الاشاره| |زر الحر الشهيد ولا تؤخر||زيارته على الشهداء قدم| |ولا تسمع مقالة من ينادي||أشر للحر من بعد وسلم| PageV01P321 # النصف من شعبان ، فبين قارئ يقرأ وقاص يقص ونادب يندب ، ونساء يندبنه ، ~~وقائل يقول المراثي! # فقال حماد : قد شهدت بعض ما تصف. # قال (عليه السلام): «الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ~~ويرثي لنا ، وجعل عدونا من يطعن عليهم ويهددونهم ويقبح ما يصنعون» (1). # ثوى اليوم احماها عن الضيم جانبا %~% واصدقها عند الحفيظة مخبرا واطعمها للوحش من جثث العدى %~% واخضبها للطير ظفرا ومنسرا قضى بعد ما رد السيوف على القنا %~% ومرهفه فيها وفي الموت اثرا ومات كريم العهد عند شبا القنا %~% يواريه منها ما عليه تكسرا فإن يمس مغبر الجبين فطالما %~% ضحى الحرب في وجه الكتيبة ms229 غبرا وإن يقض ظمآنا تفطر قلبه %~% فقد راع قلب الموت حتى تفطرا وألقحها شعواء تشقى بها العدى %~% ولود المنايا ترضع الحتف ممقرا فظاهر فيها بين درعين نثرة %~% وصبر ودرع الصبر اقواهما عرى سطا وهو أحمى من يصون كريمة %~% وأشجع من يقتاد للحرب عسكرا فرافده في حرمة الضرب مرهف %~% على قلة الأنصار فيه تكثرا تعثر حتى مات في إلهام حده %~% وقائمه في كفه ما تعثرا كأن أخاه السيف اعطي صبره %~% فلم يبرح الهيجاء حتى تكسرا له الله مفطورا من الصبر قلبه %~% ولو كان من صم الصفا لتفطرا ومنعطف أهوى لتقبيل طفله %~% فقبل منه قلبه السهم منحرا لقد ولدا في ساعة هو والردى %~% ومن قبله في نحره السهم كبرا وفي السبى مما يصطفي الخد نسوة %~% يعز على فتيانها أن تسيرا حمت خدرها تقضي وودت بنومها %~% ترد عليها جفنها لا على الكرى مشى الدهر يوم الطف أعمى فلم يدع %~% عمادا لها إلا وفيه تعثرا وجشمها المسرى ببيداء فقرة %~% ولم تدر قبل الطف ما البيد والسرى ولم تر حتى عينها ظل شخصها %~% إلى أن بدت في الغاضرية حسرا (2) PageV01P322 ### ||| * في قصر الإمارة (1) # لما رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل قصر الإمارة (2) ووضع أمامه ~~الرأس المقدس ، سالت الحيطان دما (3) وخرجت نار من بعض نواحي القصر وقصدت ~~سرير ابن زياد (4) فولى هاربا منها ودخل بعض بيوت القصر فتكلم الرأس الأزهر ~~بصوت جهوري سمعه ابن زيد وبعض من حضر : # «إلى أين تهرب فإن لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك» ، ولم يسكت ~~حتى ذهبت النار. وادهش من في القصر لهذا الحادث الذي لم يشاهد مثله (5) ولم ~~يرتدع ابن زياد لهذا الحادث بل أذن للناس إذنا عاما ، وأمر بإدخال السبايا ~~مجلسه ، فادخلت عليه حرم رسول الله بحالة تقشعر لها الجلود (6). # أبرزت حاسرة لكن على %~% حالة لم تبق للجلد اصطبارا لا خمار يستر الوجه وهل %~% لكريمات الهدى أبقوا خمارا لا من ألبسها من نوره %~% أزرا مذ سلبوا عنها الازارا لم تدع يا شلت الأيدي لها %~% من حجاب فيه ms230 عنهم تتوارى (7) # ووضع رأس الحسين (عليه السلام) بين يديه ، وجعل ينكت بالقضيب ثناياه PageV01P323 # ساعة ، فقال له زيد بن أرقم : ارفع القضيب عن هاتين الشفتين ؛ فوالله ~~الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبلهما. ثم ~~بكى ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت ~~وذهب عقلك لضربت عنقك. فخرج زيد من المجلس وهو يقول : ملك عبد عبدا فاتخذهم ~~تلدا ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمرتم ~~ابن مرجانة ، يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضي ~~بالذل (1). # وانحازت زينب ابنة أمير المؤمنين (ع) عن النساء وهي متنكرة ، لكن جلال ~~النبوة وبهاء الإمامة المنسدل عليها استلفت نظر ابن زياد فقال : من هذه ~~المتنكرة؟ # قيل له : ابنة أمير المؤمنين زينب العقيلة. # فأراد أن يحرق قلبها بأكثر مما جاء إليهم فقال متشمتا : الحمد لله الذي ~~فضحكم ، وقتلكم وأكذب احدوثتكم. # فقالت (عليها السلام): الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد وطهرنا من ~~الرجس تطهيرا ، إنما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا. # قال ابن زياد : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ قالت (عليها السلام): ما ~~رأيت إلا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، ~~وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم (2) فانظر لمن الفلج يومئذ ، ثكلتك ~~امك يابن مرجانة (3). # فغضب ابن زياد ، واستشاط من كلامها معه في ذلك المحتشد وهم بها. # فقال له عمرو بن حريث : إنها امرأة ، وهل تؤاخذ بشيء من منطقها ، ولا ~~تلام على خطل. PageV01P324 # فالتفت إليها ابن زياد وقال : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة ~~المردة من أهل بيتك. # فرقت العقيلة وقالت : لعمري لقد قتلت كهلي ، وابرزت أهلي ، وقطعت فرعي ، ~~واجتثثت أصلي ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت (1). # والتفت إلى علي بن الحسين (ع) وقال له : ما اسمك؟ قال : «أنا علي بن ~~الحسين». فقال له : أولم يقتل الله عليا؟ # فقال السجاد (ع): «كان لي أخ أكبر مني (2) يسمى عليا قتله الناس». فرد ~~عليه ابن زياد بأن ms231 الله قتله. # قال السجاد (ع): «الله يتوفى الأنفس حين موتها ، وما كان لنفس أن تموت ~~إلا بإذن الله». # فكبر على ابن زياد أن يرد عليه ، فأمر أن تضرب عنقه. # لكن عمته العقيلة اعتنقته وقالت : حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت ، ~~وهل أبقيت أحدا (3) غير هذا؟ فإن أردت قتله ، فاقتلني معه. # فقال السجاد (ع): «أما علمت أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا من الله ~~الشهادة؟!» (4) فنظر ابن زياد إليهما وقال : دعوه لها ، عجبا للرحم! ودت ~~أنها تقتل معه (5). # وأخذت الرباب زوجة الحسين (ع) الرأس ووضعته في حجرها وقبلته وقالت : PageV01P325 وا حسينا فلا نسيت حسينا %~% اقصدته أسنة الاعداء غادروه بكربلاء صريعا %~% لا سقى الله جانبي كربلاء (1) # ولما وضح لابن زياد ولولة الناس ولغط أهل المجلس خصوصا لما تكلمت معه ~~زينب العقيلة خاف هياج الناس فأمر الشرطة بحبس الاسارى في دار إلى جنب ~~المسجد الأعظم (2) قال حاجب ابن زياد : كنت معهم حين أمر بهم إلى السجن ~~فرأيت الرجال والنساء مجتمعين يبكون ويلطمون وجوههم (3). # فصاحت زينب بالناس : لا تدخل علينا إلا مملوكة أو ام ولد ؛ فإنهن سبين ~~كما سبينا (4). تشير الحوراء العقيلة إلى أن المسبية تعرف مضض عناء الذل ~~فلا يصدر منها غير المحمود من شماتة وغيرها ، وهذا شيء معروف لا ينكر ، فقد ~~ورد أن جساس بن مرة لما قتل كليب بن ربيعة ، وكانت اخت جساس زوجة كليب ، ~~واجتمع نساء الحي للمأتم على كليب ، قلن لأخت كليب : رحلي جليلة عن مأتمك ؛ ~~فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب فإنك اخت واترنا وقاتلنا ، ~~فخرجت وهي تجر أذيالها ولما رحلت قالت اخت كليب : رحلة المعتدي وفراق ~~الشامت (5). # ودعا بهم ابن زياد مرة اخرى فلما ادخلوا عليه ، رأين النسوة رأس الحسين ~~(ع) بين يديه والأنوار الإلهية تتصاعد من أساريره إلى عنان السماء ، فلم ~~تتمالك الرباب زوجة الحسين (ع) دون أن وقعت عليه تقبله ، وقالت : # إن الذي كان نورا يستضاء به %~% بكربلاء قتيل غير مدفون سبط النبي جزاك الله صالحة %~% عنا وجنبت خسران الموازين قد كنت لي ms232 جبلا صعبا ألوذ به %~% وكنت تصحبنا بالرحم والدين من لليتامى ومن للسائلين ومن %~% يعنى ويأوى إليه كل مسكين PageV01P326 والله لا ابتغي صهرا بصهركم %~% حتى أغيب بين الماء والطين (1) ### ||| * ابن عفيف # قال حميد بن مسلم : أمر ابن زياد أن ينادى الصلاة جامعة ، فاجتمعوا في ~~الجامع الأعظم ، ورقى ابن زياد المنبر فقال : الحمد لله الذي أظهر الحق ~~وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن ~~علي وشيعته (2). # فلم ينكر عليه أحد من اولئك الجمع الذي غمره الضلال إلا عبد الله بن عفيف ~~الأزدي ثم الغامدي أحد بني والبة فإنه قام إليه وقال : # يابن مرجانة ، الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه ، يابن ~~مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين؟! (3) فقال ابن زياد ~~: من هذا المتكلم؟ # قال ابن عفيف : أنا المتكلم يا عدو الله! تقتلون الذرية الطاهرة التي ~~أذهب الله عنهم الرجس ، وتزعم أنك على دين الإسلام؟! وا غوثاه! أين أولاد ~~المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد ~~رسول رب العالمين. # فازداد غضب ابن زياد وقال : علي به. فقامت إليه (4) الشرطة. # فنادى ابن عفيف بشعار الازد : (يا مبرور). فوثب إليه عدد كثير ممن حضر من ~~الأزد وانتزعوه وأتوا به أهله. # وقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي : ويح غيرك لقد أهلكت نفسك وعشيرتك (5). PageV01P327 # ثم أمر ابن زياد بحبس جماعة من الأزد ، فيهم عبد الرحمن بن مخنف الأزدي ~~(1) وفي الليل ذهب جماعة من قبل ابن زياد إلى منزله ؛ ليأتوه به ، فلما بلغ ~~الأزد ذلك تجمعوا وانضم إليهم أحلافهم من اليمن ، وبلغ ابن زياد تجمعهم ~~فأرسل مضر مع محمد بن الأشعث (2)، فاقتتلوا أشد قتال وقتل من الفريقين ~~جماعة ، ووصل ابن الأشعث إلى دار ابن عفيف واقتحموا الدار ، فصاحت ابنته : ~~أتاك القوم. # قال لها : لا عليك ، ناوليني سيفي. فجعل يذب به عن نفسه ، ويقول : # إن ابن ذي الفضل العفيف الطاهر %~% عفيف شيخي وابن ام عامر كم دارع من جمعكم وحاسر %~% وبطل جدلته مغادر # وابنته تقول له : ليتني ms233 كنت رجلا ، أذب بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي ~~العترة البررة. # ولم يقدر أحد منهم أن يدنو منه فإن ابنته تقول له : أتاك القوم من جهة ~~كذا. ولما أحاطوا به صاحت : وا ذلاه! يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به. ~~وهو يدور بسيفه ويقول : # أقسم لو يفسح لي عن بصري %~% ضاق عليكم موردي ومصدري # وبعد أن تكاثروا عليه ، أخذوه وأتوا به إلى ابن زياد فقال له : الحمد لله ~~الذي أخزاك. قال ابن عفيف : وبماذا أخزاني؟ # والله لو فرج لي عن بصري %~% ضاق عليكم موردي ومصدري # قال ابن زياد : يا عدو الله ما تقول في عثمان؟ # فشتمه ابن عفيف وقال : ما أنت وعثمان؟ أساء أم أحسن ، أصلح أم أفسد ، وإن ~~الله تبارك وتعالى ولي خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق ، ولكن سلني PageV01P328 # عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه. # فقال ابن زياد : لا سألتك عن شيء ولتذوق الموت غصة بعد غصة. # قال ابن عفيف : الحمد لله رب العالمين أما إني كنت أسأل ربي أن يرزقني ~~الشهادة من قبل أن تلدك امك ، وسألت الله أن يجعلها على يدي العن خلقه ~~وأبغضهم إليه ولما كف بصري يئست من الشهادة ، أما الآن والحمد لله الذي ~~رزقنيها بعد اليأس منه ، وعرفني الإجابة في قديم دعائي. فأمر ابن زياد بضرب ~~عنقه ، وصلبه في السبخة (1). # ودعا ابن زياد بجندب بن عبد الله الأزدي ، وكان شيخا كبيرا ، فقال له : ~~يا عدو الله ألست صاحب أبي تراب في صفين؟ قال : نعم ، وإني لاحبه وأفتخر به ~~، وأمقتك وأباك سيما الآن ، وقد قتلت سبط الرسول وصحبه وأهله ، ولم تخف من ~~العزيز الجبار المنتقم. فقال ابن زياد : إنك لأقل حياء من ذلك الأعمى وإني ~~ما أراني إلا متقربا إلى الله بدمك. فقال ابن جندب : إذا لا يقربك الله. ~~وخاف ابن زياد من نهوض عشيرته فتركه وقال : إنه شيخ ذهب عقله وخرف. وخلي ~~سبيله (2). ### ||| * المختار الثقفي # لما أحضر ابن زياد السبايا في مجلسه ، أمر بإحضار المختار ، وكان محبوسا ~~عنده من يوم قتل مسلم بن ms234 عقيل ، فلما رأى المختار هيئة منكرة زفر زفرة ~~شديدة وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار فغضب ابن زياد وارجعه ~~إلى الحبس (3) ويقال ضربه بالسوط على عينه فذهبت (4). # وبعد قتل ابن عفيف كان المختار بن أبي عبيد الثقفي مطلق السراح بشفاعة ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب عند يزيد ؛ فإنه زوج اخته صفية بنت أبي PageV01P329 # عبيد الثقفي ، ولكن ابن زياد أجله في الكوفة ثلاثا ، ولما خطب ابن زياد ~~بعد قتل ابن عفيف ونال من أمير المؤمنين (ع)، ثار المختار في وجهه وشتمه ~~وقال : كذبت يا عدو الله وعدو رسوله ، بل الحمد لله الذي أعز الحسين (ع) ~~وجيشه بالجنة والمغفرة وأذلك وأذل يزيد وجيشه بالنار والخزي. فحذفه ابن ~~زياد بعمود حديد فكسر جبهته ، وأمر به إلى السجن ولكن الناس عرفوه بأن عمر ~~بن سعد صهره على اخته وصهره الآخر عبد الله بن عمر وذكروا ارتفاع نسبه ، ~~فعدل عن قتله وأبقاه في السجن. ثم تشفع فيه ثانيا عبد الله بن عمر عند يزيد ~~، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بإطلاقه (1). ثم أخذ المختار يخبر الشيعة ~~بما علمه من خواص أصحاب أمير المؤمنين (ع) من نهضته بثأر الحسين (ع) وقتله ~~ابن زياد والذين تألبوا على الحسين (ع) (2). # ومن ذلك إنه كان في حبس ابن زياد ، ومعه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن ~~عبد المطلب ، وميثم التمار. فطلب عبد الله بن الحارث حديدة يزيل بها شعر ~~بدنه وقال : لا آمن من ابن زياد القتل فأكون قد ألقيت ما على بدني من الشعر ~~، فقال له المختار : والله لا يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلا القليل ~~حتى تلي البصرة ، وميثم يسمع كلامهما فقال للمختار : وأنت تخرج ثائرا بدم ~~الحسين (ع) وتقتل هذا الذي يريد قتلنا وتطأ بقدميك على وجنتيه (3). فكان ~~الأمر كما قالا. خرج عبد الله بن الحارث بالبصرة بعد هلاك يزيد ، وأمره أهل ~~البصرة ، وبقي على هذا سنة ، وخرج المختار طالبا بدم الحسين (ع) فقتل ابن ~~زياد ، وحرملة بن كاهل ، وشمر ms235 بن ذي الجوشن إلى العدد الكثير من أهل الكوفة ~~الخارجين على الحسين (ع)، فبلغ من قتلهم ثمانية عشر ألفا كما يحدث به ابن ~~نما الحلي وهرب منهم إلى مصعب الزبيري زهاء عشرة آلاف (4) فيهم شبث بن ربعي ~~جاء راكبا بغلة قد قطع اذنها وذنبها في قباء مشقوق وهو ينادي : وا غوثاه! ~~سر بنا إلى محاربة هذا الفاسق الذي هدم دورنا وقتل أشرافنا (5). PageV01P330 ### ||| * كلام الرأس المقدس لهفي لرأسك فوق مسلوب القنا %~% يكسوه من أنواره جلبابا يتلو الكتاب على السنان وإنما %~% رفعوا به فوق السنان كتابا (1) # لم يزل السبط الشهيد حليف القرآن منذ أنشأ كيانه ؛ لأنهما ثقلا رسول الله ~~وخليفتاه على امته. وقد نص الرسول الأعظم (ص) بأنهما لن يفترقا حتى يردا ~~عليه الحوض ، فبذلك كان الحسين (ع) غير مبارح تلاوته طيلة حياته في تهذيبه ~~وإرشاده وتبليغه في حله ومرتحله حتى في موقفه يوم الطف بين ظهراني اولئك ~~المتجمهرين عليه ليتم عليهم الحجة ويوضح لهم المحجة. هكذا كان ابن رسول ~~الله يسير إلى غايته المقدسة سيرا حثيثا حتى طفق يتلو القرآن رأسه المطهر ~~فوق عامل السنان ؛ عسى أن يحصل في القوم من يكهربه نور الحق ، غير أن داعية ~~الهدى لم يصادف إلا قصورا في الإدراك وطبعا في القلوب وصمما في الآذان ( ~~@QUR@09 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ). # ولا يستغرب هذا من يفقه الأسرار الالهية ، فإن المولى سبحانه بعد أن أوجب ~~على سيد الشهداء النهضة لسد أبواب الضلال بذلك الشكل المحدد الظرف والمكان ~~والكيفية لمصالح أدركها الجليل جل شأنه ، فأوحى إلى نبيه الأقدس أن يقرأ ~~هذه الصفحة الخالصة على ولده الحسين (ع)، فلا سبيل إلا التسليم والخضوع ~~للأصلح المرضي لرب العالمين ( @QUR@06 لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ). ~~وحيث أراد المهيمن تعالى بهذه النهضة المقدسة تعريف الامة الحاضرة والأجيال ~~المتعاقبة ضلال الملتوين عن الصراط السوي العابثين بقداسة الشريعة ، أحب ~~الإتيان بكل ما فيه توطيد اسس هذه الشهادة التي كتبت بدمها الطاهر صحائف ~~نيرة من أعمال الثائرين في وجه المنكر ، فكانت هذه ms236 محفوفة بغرائب لا تصل ~~إليها الأفهام ، ومنها استشهاد الرأس المعظم بالآيات الكريمة ، والكلام من ~~رأس مقطوع أبلغ في إتمام الحجة على من أعمته الشهوات عن إبصار الحقائق ، ~~وفيه تركيز العقائد على أحقية دعوته التي لم يقصد بها إلا الطاعة لرب ~~العالمين ووخامة عاقبة من مد عليه يد السوء والعدوان ، كما نبه الامة على ~~ضلال من جرأهم على PageV01P331 # الطغيان. ولا بدع القدرة الإلهية إذا مكنت رأس الحسين (ع) من الكلام ~~للمصالح التي نقصر عن الوصول إلى كنهها بعد أن اودعت في الشجرة (1) قوة ~~الكلام مع نبي الله موسى بن عمران (عليه السلام) عند المناجاة ، وهل تقاس ~~الشجرة برأس المنحور في طاعة الرحمن سبحانه؟ ... كلا. # قال زيد بن أرقم : كنت في غرفة لي فمروا علي بالرأس وهو يقرأ ( @QUR@010 ~~أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) فوقف شعري وقلت : ~~والله يابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب (2). # ولما نصب الرأس الأقدس في موضع الصيارفة وهناك لغط المارة وضوضاء ~~المتعاملين ، فأراد سيد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا بليغ عظاته ، ~~فتنحنح الرأس تنحنحا عاليا فاتجهت إليه الناس واعترتهم الدهشة ؛ حيث لم ~~يسمعوا رأسا مقطوعا يتنحنح قبل يوم الحسين (ع)، فعندها قرأ سورة الكهف إلى ~~قوله تعالى : ( @QUR@06 إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ). # وصلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع ، فأخذ يقرأ ( ~~@QUR@06 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (3). # قال هلال بن معاوية : رأيت رجلا يحمل رأس الحسين (ع) والرأس يخاطبه : ~~فرقت بين رأسي وبدني فرق الله بين لحمك وعظمك وجعلك آية ونكالا للعالمين ~~فرفع السوط واخذ يضرب الرأس حتى سكت (4). # وسمع سليمة بن كهيل الرأس يقرأ وهو على القناة ( @QUR@05 فسيكفيكهم الله ~~وهو السميع العليم ) (5). PageV01P332 # ويحدث ابن وكيدة أنه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف ، فشك في أنه صوته أو ~~غيره فترك (عليه السلام) القراءة والتفت إليه يخاطبه : «يابن وكيدة أما ~~علمت أنا معشر الأئمة أحياء عند ربهم يرزقون؟». # فعزم على أن يسرق الرأس ويدفنه. وإذا الخطاب من الرأس الأزهر : «يابن ~~وكيدة ، ليس ms237 إلى ذلك من سبيل ، إن سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على ~~الرمح ، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون» (1). # قال المنهال بن عمرو : رأيت رأس الحسين (ع) بدمشق على رمح وأمامه رجل ~~يقرأ سورة الكهف حتى إذا بلغ إلى قوله تعالى : ( @QUR@010 أم حسبت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ) # نطق الرأس بلسان فصيح : «أعجب من أصحاب الكهف ، قتلي وحملي» (2). # ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث أنكر عليه فعلته نطق الرأس بصوت ~~رفيع : «لا حول ولا قوة إلا بالله» (3). # أروحك ام روح النبوة تصعد %~% من الأرض للفردوس والحور سجد ورأسك أم رأس الرسول على القنا %~% بآيه أهل الكهف راح يردد وصدرك أم مستودع العلم والحجى %~% لتحطيمه جيش من الجهل يعمد وامك أم ام الكتاب تنهدت %~% فذاب نشيجا قلبها المتنهد وشاطرت الأرض السماء بشجوها %~% فواحدة تنعى واخرى تعدد وقد نصب الوحي العزاء ببيته %~% عليك حدادا والمعزى محمد يلوح له الثقلان ثقل ممزق %~% بسهم وثقل بالسيوف مقدد فعترته بالسيف والسهم بعضها %~% شهيد وبعض بالفلاة مشرد وأي شهيد أصلت الشمس جسمه %~% ومشهدها من أصله متولد وأي ذبيح داست الخيل صدره %~% وفرسانها من ذكره تتجمد PageV01P333 ألم تك تدري أن روح محمد %~% كقرآنه في سبطه متجسد فلو علمت تلك الخيلول كاهلها %~% بأن الذي تحت السنابك أحمد لثارت على فرسانها وتمردت %~% عليهم كما ثاروا بها وتمردوا فرى الغي نحرا يغبط البدر نوره %~% وفي كل عرق منه للحق فرقد وهشم أضلاعا بها العطف مودع %~% وقطع أنفاسابها اللطف موجد وأعظم ما يشجي النفوس حرائر %~% تضام وحاميها الوحيد مقيد فمن موثق يشكو التشدد من يد %~% وموثقة تبكي فتلطمها اليد كأن رسول الله قال لقومه %~% خذوا وتركم من عترتي وتشددوا (1) ### ||| * طغيان الأشدق # قال ابن جرير : أرسل ابن زياد عبد الملك بن الحارث السلمي إلى المدينة ~~ليبشر عمرو بن سعيد الأشدق (2) بقتل الحسين ، فاعتذر بالمرض ، فلم يقبل منه ~~، وكان ابن زياد شديد الوطأة لا يصطلى بناره ، وأمره أن يجد السير ، فإن ~~قامت به الراحلة ms238 يشتري غيرها ، ولا يسبقه الخبر من غيره ، فسار مجدا حتى ~~إذا وصل المدينة لقيه رجل من قريش وسأله عما عنده فقال له : الخبر عند ~~الأمير. ولما أعلم ابن سعيد بقتل الحسين ، فرح واهتز بشرا وشماتة. # وأمر المنادي أن يعلن بقتله في أزقة المدينة ، فلم يسمع ذلك اليوم واعية ~~مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على سيد شباب أهل الجنة واتصلت الصيحة ~~بدار الأشدق فضحك وتمثل بقول عمرو بن معد يكرب : # عجت نساء بني زياد عجة %~% كعجيج نسوتنا غداة الأرنب # ثم قال : واعية بواعية عثمان (3). PageV01P334 # والتفت إلى قبر رسول الله وقال : يوم بيوم بدر يا رسول الله. فأنكر عليه ~~قوم من الأنصار (1). # ثم رقى المنبر وقال : أيها الناس ، إنها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة ، كم ~~خطبة بعد خطبة حكمة بالغة فما تغني النذر ، لقد كان يسبنا ونمدحه ، ويقطعنا ~~ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه علينا يريد قتلنا إلا ~~أن ندفعه عن أنفسنا. # فقام إليه عبد الله بن السائب وقال : لو كانت فاطمة حية ورأت رأس الحسين ~~لبكت عليه. # فزجره عمرو بن سعيد وقال : نحن أحق بفاطمة منك ؛ أبوها عمنا وزوجها أخونا ~~وامها ابنتنا ، ولو كانت فاطمة حية لبكت عينها وما لامت من قتله ودفعه عن ~~نفسه (2). # وكان عمرو فظا غليظا قاسيا ، أمر صاحب شرطته على المدينة عمرو بن الزبير ~~بن العوام (3) بعد قتل الحسين (ع) أن يهدم دور بني هاشم ، ففعل وبلغ منهم ~~كل مبلغ وهدم دار ابن مطيع ، وضرب الناس ضربا شديدا ، فهربوا منه إلى ابن ~~الزبير (4). وسمي بالأشدق ؛ لأنه أصابه اعوجاج في حلقه إلى الجانب الآخر ؛ ~~لإغراقه في شتم علي بن أبي طالب (ع) (5)، وعاقبه الله شر عقوبة حيث حمل ~~إلى عبد الملك بن مروان مقيدا بالحديد ، وبعد أن أكثر من عتابه أمر به فقتل (6). # وخرجت بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نساء قومها حتى انتهت إلى قبر ~~النبي (ص)، فلاذت به وشهقت عنده ، ثم التفتت إلى المهاجرين والأنصار تقول : PageV01P335 ماذا تقولون إن قال ms239 النبي لكم %~% يوم الحساب وصدق القول مسموع خذلتموا عترتي أو كنتم غيبا %~% والحق عند ولي الأمر مجموع اسلمتموهم بأيدي الظالمين فما %~% منكم له اليوم عند الله مشفوع ما كان عند غداة الطف إذ حضروا %~% تلك المنايا ولا عنهن مدفوع # فأبكت من حضر ، ولم ير باك وباكية أكثر من ذلك اليوم (1). وكانت اختها ~~زينب تندب الحسين (ع) بأشجى ندبة وتقول : # ماذا تقولون إذ قال النبي لكم %~% ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي %~% منهم اسارى ومنهم ضرجوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم %~% أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي (2) ### ||| * ام البنين # لم أعثر على نص ، يوثق به يدل على حياة ام البنين يوم الطف ، وما |ضيعتم حقنا والله أوجبه||وقد رعى الفيل حق البيت والحرم| # ونسب ابن شهر اشوب في المناقب الى زينب بنت امير المؤمنين (عليه السلام) ~~انها انشأت الابيات الثلاثة بعد خطبتها بالكوفة. وفي تذكرة الخواص لسبط ابن ~~الجوزي ص 151 : ان زينب بنت عقيل بن أبي طالب قالت قالت ، وذكر اربعة ابيات ~~وكان الرابع في روايته |ذريتي وبنو عمي بمضيعة||منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم| |أقول وزادني حنقا وغيظا||ازال الله ملك بني زياد| |وأبعدهم كما بعدوا وخانوا||كما بعدت ثمود وقوم عاد| |ولا رجعت ركائبهم إليهم||اذا وقفت الى يوم التناد| PageV01P336 # يذكر لحياتها في ذلك اليوم مرده أقوال ثلاثة : # الأول : قول العلامة محمد حسن القزويني في رياض الأحزان / 60 : اقيم ~~العزاء والمصيبة في دار ام البنين زوجة أمير المؤمنين وام العباس وإخوته. # الثاني : قول السماوي في إبصار العين / 31 الطبعة الأولى : وأنا أسترق ~~جدا من رثاء امه فاطمة ام البنين الذي أنشده أبو الحسن الأخفش في شرح ~~الكامل ، وقد كانت تخرج إلى البقيع كل يوم ترثيه وتحمل ولده عبد الله ، ~~فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة ، وفيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجي ~~الندبة (اه). # الثالث : رواية أبي الفرج في مقاتل الطالبيين في مقتل العباس : عن محمد ~~بن علي بن حمزة عن النوفلي عن حماد ms240 بن عيسى الجهني عن معاوية بن عمار عن ~~جعفر : أن ام البنين ام الإخوة الأربعة القتلى تخرج إلى البقيع تندب بنيها ~~أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع الناس إليها ليسمعوا منها ، وكان مروان يجيء ~~فيمن يجيء لذلك ، فلا يزال يسمع ندبتها (اه). # هذا كل ما وجدناه مما يمكن أن يكون مصدرا لحياتها يوم الطف ، فالأول لا ~~دلالة فيه فإن غايته أن العزاء اقيم في دار ام البنين ، وأما كونها موجودة ~~، فلا صراحة فيه على أنه لا يعدو الحكاية التي سجلها أبو الفرج وأخذها قليل ~~التفكير في التنقيب. والثاني : واضح الدلالة على استقائه من أبي الفرج فإن ~~نص (إبصار العين للسماوي) مثل ما في مقاتل الطالبيين ، واذا فلا يعد رأيا ~~ثانيا ... # وشرح الكامل المنسوب للأخفش لم أجد واحدا من أرباب التراجم ناصا عليه مع ~~فحصي الكثير لتراجم كل من سمي بالأخفش. وأما الشيخ السماوي فكثيرا ما سألته ~~عن مصدر هذا الشرح فلم أجد منه إلا السكوت ، وقد صارحته بمعتقدي في كون ~~(الأبيات) له وأراد تمشية الكلام بهذا البيان ، فعلى المولى سبحانه أجره ... # ومثله المجلسي في البحار 10 / 201 ، حاكيا عن أبي الفرج ، وحديث أبي ~~الفرج في هذه القصة فيه امور : PageV01P337 # 1 إن رجال إسناده لا يعبأ بهم ، فإن النوفلي وهو يزيد بن المغيرة بن نوفل ~~بن الحرث بن عبد المطلب بن هاشم ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 11 / 347 ، ~~وحكي عن أحمد : إن عنده مناكير ، وعند أبي زرعة ، ضعيف الحديث ، وعامة ما ~~يرويه غير محفوظ ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث جدا ، وقال النسائي : متروك ~~الحديث ... # ومعاوية بن عمار بن أبي معاوية في تهذيب التهذيب 10 / 214 ، قال أبو حاتم ~~: لا يحتج بحديثه ، وإن اريد غير هذا فمجهول. # 2 إن ام البنين اقتبست من سيد الأوصياء ومن سيدي شباب أهل الجنة المعارف ~~الإلهية والآداب المحمدية ما يأخذ بها إلى أسمى درجة من اليقين ، فلا يصدر ~~منها ما لا يتفق مع قانون الشريعة الناهي عن تعرض المرأة للأجانب تحريما أو ~~تنزيها ، إذا لم تكن ms241 ضرورة هناك ، ومن البديهي أن اللازم للمرأة عند ندبة ~~فقيدها الجلوس في بيتها والتحصن به عن رؤية الأجانب لها ، وسماع صوتها الذي ~~لم تدع الضرورة إليه ، وإذا كان السجاد (عليه السلام) يقول لأبي خالد ~~الكابلي حينما تعجب من فتح باب الدار : «يا أبا خالد ، إن جارة لنا خرجت ~~ولا علم لها بالتواء الباب ، ولا يجوز لبنات رسول الله أن يخرجن فيصفقن ~~الباب» (1). # وإذا من تربى في بيتهم وتأدب بآدابهم لا يمرق عن طريقتهم. ولا يمكن ~~التشكيك في تجاوز ام البنين الحدود الالهية التي وضعتها الشريعة في أعناق ~~النساء. # وأما الصديقة الزهراء (عليها السلام) فقد ألجأها شيوخ المدينة على الخروج ~~إلى البقيع لندبة أبيها (ص) فصنع لها أميرالمؤمنين بيتا من جريد النخل ~~تتحصن به من الأجانب سماه (بيت الأحزان) (2)، ولم ينقل المؤرخون إن الناس يحضرون PageV01P338 # لسماع ندبتها ، فيبكون على افول شمس النبوة وانقطاع وحي السماء ، وطموس ~~النصائح الالهية. # 3 إن المرأة إنما تبكي فقيدها في الجبانة إذا كان مقبورا هناك. ولم ينقل ~~أحد خروج المرأة إلى المقبرة على حميمها وهو مدفون في غيرها والعادة ~~متساوية في جميع العصور ... ونسبة (أبي الفرج) خروج ام البنين إلى البقيع ~~فرية واضحة ؛ إذ لا شاهد عليها ، وغايته التعريف بأن مروان بن الحكم رقيق ~~القلب ، فاستدرار الدمعة إنما يتسبب من انفعال النفس بتصور العدوان الوارد ~~على من يمت بحميمه بنحو من أسباب الصلة فيحتدم القلب وتهيج العاطفة فسريع ~~الدمعة تهمل عينه وعصيها تجيش نفسه بالبكاء ، ومروان بن الحكم هو المتشفي ~~بقتل الحسين (ع) وقد أظهر الفرح والشماتة بقوله لما نظر إلى رأس الحسين (ع): # يا حبذا بردك في اليدين %~% ولونك الأحمر في الخدين كأنه بات بعسجدين %~% شفيت نفسي من دم الحسين # 4 إن أبا الفرج في (المقاتل) ناقض نفسه حيث قال في مقتل العباس (ع): ~~وكان آخر من قتل من إخوته من امه وأبيه فحاز مواريثهم (اه). # وروايته هذه توافق النص الذي سجله مصعب الزبيري في نسب قريش / 43 فإنه ~~قال : ورث العباس إخوته إذ لم ms242 يكن لهم ولد ، وورث العباس ابنه عبيد الله ، ~~وكان محمد وعمر حيين فسلم محمد لعبيد الله ميراث عمومته وامتنع عمر حتى ~~صولح ورضي من حقه (اه). وقال أبو نصر البخاري في سر السلسلة العلوية / 89 ~~المطبعة الحيدرية بالنجف : لما كان يوم الطف قدم الحسين (ع) إخوة العباس ~~جعفرا وعثمان وعبد الله فقتلوا جميعا ، فورثهم العباس ، ثم قتل العباس ~~فورثهم جميعا ابنه عبيد الله بن العباس ، وهذا يفيدنا وثوقا بوفاة ام ~~البنين يوم الطف فإنها لو كانت موجودة لكان ميراث إخوة العباس مختصا بها ؛ ~~لكونها امهم ، ولا يرثهم العباس حتى ينتقل إلى ولده عبيد الله وعدم منازعة ~~(محمد بن الحنفية) لعبيد الله في ميراث عمومته على وفق الشريعة ؛ لأن ~~العباس يتصل بإخوته الشهداء بسببين : الأب والام ، ومحمد يتصل بهم من جهة ~~الأب ، وذو السببين يقدم في الميراث ، ولم يفقه عمر الأطرف وجه المسألة ، ~~وهو ابن علي باب مدينة العلم ، وكان عليه أن يراجع إمام الامة زين العابدين ~~(ع) كي لا يقع في PageV01P339 # الهلكة ، إن كان ما ينسب إليه من المنازعة صحيحا ولعل ما يذكر في عمدة ~~الطالب طبعة النجف يؤيد هذه النسبة وذلك : إنه خرج إلى الناس في ثياب ~~معصفرة يقول : أنا الرجل الحازم ، حيث لم أخرج فاقتل. وقد وضح التناقض في ~~كلام أبي الفرج فإن تسجيل خروج (ام البنين) إلى البقيع وندبتها أولادها يدل ~~على حياتها يوم الطف ، ثم نصه على ميراث العباس لإخوته يشهد بوفاتها ذلك ~~اليوم ... وكم له من هفوات! ### ||| * عبد الله بن جعفر # قال ابن جرير : لما ورد نعي الحسين (ع) جلس عبد الله بن جعفر للعزاء ، ~~وأقبل الناس يعزونه فقال مولاه (أبو اللسلاس) (1): هذا ما لقيناه من ~~الحسين. فحذفه بنعله وقال : يابن اللخناء أللحسين تقول ذلك؟! والله لو ~~شهدته لأحببت أن لا افارقه حتى اقتل معه ، والله إنه لمما يسخى بنفسه عن ~~ولدي ويهون علي المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين ~~معه. ثم أقبل على جلسائه وقال : الحمد لله لقد عز ms243 علي المصاب بمصرع الحسين ~~(ع) أن لا أكون واسيته بنفسي ، فلقد واساه ولداي (2)... ومن عجب التاريخ ~~حديث البلاذري (3) والمحسن التنوخي (4) وفود عبد الله بن جعفر على (يزيد) ~~وإكرامه إياه بأكثر مما يكرمه أبوه معاوية. # إن من يدرس نفسية ابن جعفر يتجلى له كذب القصة التي أرسلها المدائني ~~واستند إليها البلاذري والتنوخي. فإن الواقف على الرجال الموتورين لا يعدون ~~الجزم بالتهاب قلوبهم نارا على واترهم ويترقبون الفرص للأخذ بالثأر. يشهد ~~له حديث عبد الله بن ابي بن سلول مع النبي ، وذلك إن ابيا لما صدر منه ما ~~حكاه الكتاب العزيز ( @QUR@08 لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل ) فجاء عبد الله إلى نبي الإسلام وقال : لقد بلغتك هذه الكلمة من أبي PageV01P340 # قال (ص): «نعم» فقال : إنك تعلم ما أحد بار بأبيه مثلي ، فإن أردت قتله ~~فأمرني به ؛ لأني أخاف أن تأمر غيري ولا احب أن أنظر إلى قاتل أبي فأعدو ~~عليه فأقتله وأكون في النار (1)... وهذه القصة تعطينا صورة نيرة عما عليه ~~البشر من احتدام أولياء المقتول على القاتل وتربصهم الفرص للأخذ بالثأر منه ~~، ولو كان القتل من جهة الشرك ... ولهذه الغريزة المطبوعة عليها جبلة الناس ~~كان عمر بن الخطاب يقول لسعيد بن العاص وقد اجتمع عنده في بعض الليالي هو ~~وعثمان وعلي وابن عباس : ما لك معرضا عني كأني قتلت أباك! إني لم أقتله ~~ولكن أبا حسن قتله ، فقال أمير المؤمنين : «اللهم غفرا ذهب الشرك بما فيه ، ~~ومحا الإسلام ما قبله ، فلماذا تهيج القلوب يا عمر؟» فقال سعيد : لقد قتله ~~كفؤ كريم ، وهو أحب إلي من أن يقتله من ليس من عبد مناف (2). # لم يكن من الهين على سعيد قتل أبيه وإن كان كافرا وقتل بسيف الدعوة ~~المحمدية ، والقاتل شريف جم المناقب ولم يحفزه على إراقة دمه إلا نداء الرب ~~جل وعلا الموحى به إلى رسول السماء ، غير أن الخوف من صارم العدل حتم عليه ~~التظاهر بالرضا مع انحناء أضالعه على أحر من جمر الغضا مرتقبا الفرصة في ~~الأخذ بثاره ms244 ، وقد ظهرت نار البغض على لسان ولده عمرو بن سعيد الأشدق يوم ~~تولى المدينة من قبل يزيد فلقد واجه ضريح النبي (ص) بلسان طويل مجاهر بقوله ~~: يوم بيوم بدر يا رسول الله. ولما سمع صراخ نساء بني هاشم على سيد شباب ~~أهل الجنة قال : واعية بواعية عثمان (3). # فعبد الله بن جعفر يتقد قلبه نارا على ابن ميسون ويود لو تمكنه الفرصة ~~وتأخذ المقادير إلى تدميره والقضاء عليه وعلى أهله وذويه ، ومهما يكن ناسيا ~~للأشياء فلا ينسى قتله أبي الضيم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب والبهاليل ~~من صحبه ، ثم نكته بالقضيب ثنايا ريحانة رسول الله (ص)، وهل يستطيع ابن ~~جعفر والحالة هذه أن يبصر يزيد وسيفه يقطر من دمائهم وقد صك سمعه إظهاره ~~الشماتة بنبي الإسلام : PageV01P341 قد قتلنا القرم من ساداتهم %~% وعدلنا ميل بدر فاعتدل # ثم إلى إنكاره الرسالة : # لعبت هاشم بالملك فلا %~% خبر جاء ولا وحي نزل # وهل ينسى ابن جعفر ليله ونهاره وقوف حرائر النبوة بحالة يتصفح وجوهها ~~القريب والبعيد وأهل المنأهل والمعاقل .. والذي يهون الأمر أن المرسل ~~للحديث هو المدائني الاموي النزعة والولاء ، وكتابه مملوء بالأحاديث ~~الرافعة للبيت الاموي والواضعة من كرامة البيت العلوي ، لا يلتفت إليها إلا ~~العارف بأخبار الرجال وشخصيات الرواة. ### ||| * عبد الله بن عباس # لما بلغ يزيد امتناع عبد الله بن عباس عن البيعة لابن الزبير ، كتب إليه ~~: أما بعد ، فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته والدخول في ~~طاعته لتكون على الباطل ظهيرا وفي المآثم شريكا ، فامتنعت عليه وانقبضت عنه ~~؛ لما عرفك الله في نفسك من حقنا أهل البيت ، فجزاك أفضل ما جزى الواصلين ~~عن أرحامهم الموفين بعهودهم ، ومهما أنسى من الأشياء فلا أنسى وصلك وحسن ~~جائزتك التي أنت أهلها في الطاعة والشرف والقرابة من رسول الله (ص)، فانظر ~~من قبلك من قومك ، ومن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممن يسحره ابن الزبير ~~بلسانه وزخرف قوله ، فاجذبهم عنه فإنهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للملحد ~~المارق ، والسلام. # فكتب إليه ابن عباس ms245 : أما بعد ، فقد جاء في كتابك تذكر فيه دعاء ابن ~~الزبير إياي إلى بيعته وأني امتنعت عليه معرفة لحقك ، فإن يكن ذلك كذلك ~~فلست أرجو بذلك برك ، ولكن الله بما أنوي عليم. وكتبت إلي أنه أحث الناس ~~عليك وأخذلهم عن ابن الزبير ، فلا ولا سرور ولا حبور ، بفيك الكثكث ولك ~~الأثلب وإنك العازب الرأي أن منتك نفسك وإنك لأنت المنقود المثبور. وكتبت ~~إلي بتعجيل بري وصلتي ، فاحبس أيها الإنسان برك ، فإني حابس عنك ودي ونصرتي ~~، ولعمري ما تعطينا مما في يدك لنا إلا القليل ، وتحبس منه الطويل العريض ، ~~لا أبا لك! أتراني أنسى قتلك حسينا وفتيان بني عبد المطلب ومصأبيح الدجى PageV01P342 # ونجوم الهدى وأعلام التقى ، وغادرتهم خيولك بأمرك فأصبحوا مصرعين في صعيد ~~واحد ، مزملين بالدماء مسلوبين بالعراء ، لا مكفنين ولا موسدين ، تسفي ~~عليهم الرياح ، وتغزوهم الذئاب وتنتابهم عوج الضباع حتى أتاح الله لهم قوما ~~لم يشركوا في دمائهم ، فكفنوهم وأجنوهم ، وبهم والله وبي من الله عليك ~~العذاب.! ومهما أنسى من الأشياء فلست أنسى تسليطك عليهم الدعي بن الدعي ~~الذي كان للعاهرة الفاجرة البعيد رحما ، اللئيم أبا واما ، الذي اكتسب أبوك ~~في ادعائه العار والمأثم والمذلة والخزي في الدنيا والآخرة ؛ لأن رسول الله ~~قال : «الولد للفراش ، وللعاهر الحجر». وإن أباك يزعم أن الولد لغير الفراش ~~، ولا يضير العاهر ، ويلحق به ولده كما يلحق به الولد الرشيد. ولقد أمات ~~أبوك السنة جهلا ، وأحيا الأحداث المضلة عمدا. # ومهما أنسى من الأشياء ، فلست أنسى تسييرك حسينا من حرم رسول الله إلى ~~حرم الله تعالى ، وتسييرك إليه الرجال وإدساسك إليهم أن يقتلوه ، فما زلت ~~بذلك وكذلك حتى أخرجته من مكة إلى أرض الكوفة تزأر به خيلك وجنودك زئير ~~الأسد عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته. ثم كتبت إلى ابن مرجانة أن ~~يستقبله بالخيل والرجال والأسنة والسيوف ، وكتبت إليه بمعاجلته وترك ~~مطاولته حتى قتلته ومن معه من فتيان بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، ونحن كذلك لا كآبائك الجفاة أكباد ms246 الحمير ~~ولقد علمت أنه كان أعز أهل البطحاء قديما وأعزه بها حديثا ، لو ثوى ~~بالحرمين مقاما واستحل بها قتلا ، ولكنه كره أن يكون هو الذي يستحل به حرم ~~الله وحرم الرسول وحرمة البيت الحرام ، فطلب الموادعة وسألكم الرجعة فطلبتم ~~قلة أنصاره واستئصال أهل بيته كأنكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل. وكيف ~~تجدني على ودك وتطلب نصري فقد قتلت بني أبي ، وسيفك يقطر من دمي وأنت طلبة ~~ثأري؟! فإن شاء الله لا يطل إليك دمي ، ولا تسبقني بثأري وإن تسبقنا ~~فقتلتنا ما قتلت به النبيون فطلب دمائهم في الدماء ، وكان الموعد الله وكفى ~~بالله للمظلومين ناصرا ، ومن الظالمين منتقما. # والعجب كل العجب ما عشت يريك الدهر عجبا ، حملك بنات عبد المطلب وأبناءهم ~~اغيلمة صغارا إليك بالشام! ترى أنك قهرتنا وأنك تذلنا وبهم والله وبي من ~~الله عليك وعلى أبيك وامك من السباء. وأيم الله إنك لتصبح وتمسي آمنا PageV01P343 # لجراح يدي وليعظمن جرحك بلساني ونقضي وإبرامي ، لا يستفزنك الجدل فلن ~~يمهلك الله بعد قتل عترة رسول الله إلا قليلا حتى يأخذك الله أخذا عزيزا ~~ويخرجك من الدنيا آثما مذموما ، فعش لا أبا لك ما شئت ولقد أرداك عند الله ~~ما اقترفت (1). ### ||| * السبايا إلى الشام # وبعث ابن زياد رسولا إلى يزيد يخبره بقتل الحسين (ع) ومن معه وأن عياله ~~في الكوفة وينتظر أمره فيهم ، فعاد الجواب بحملهم والرؤوس معهم (2). # وكتب رقعة ربط فيها حجرا ورماه في السجن المحبوس فيه آل محمد (صلى الله ~~عليه وآله) وفيها : خرج البريد إلى يزيد بأمركم في يوم كذا ، ويعود في كذا ~~، فإذا سمعتم التكبير فأوصلوا وإلا فهو الأمان. ورجع البريد من الشام يخبر ~~بأن يسرح آل الحسين إلى الشام (3). # فأمر ابن زياد زجر بن قيس وأبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن ظبيان في ~~جماعة من الكوفة أن يحملوا رأس الحسين ورؤوس من قتل معه إلى يزيد (4). # وقيل ذهب برأس الحسين (ع) مجبر بن مرة بن خالد بن قناب بن عمر بن قيس بن ~~الحرث ms247 بن مالك بن عبيد الله بن خزيمة بن لؤي (5). # وسرح في أثرهم علي بن الحسين مغلولة يديه إلى عنقه وعياله معه (6) على PageV01P344 # حال تقشعر منها الأبدان (1). # وكان معهم شمر بن ذي الجوشن ، ومجفر بن ثعلبة العائدي (2)، وشبث بن ربعي ~~، وعمرو بن الحجاج ، وجماعة ، وأمرهم أن يلحقوا الرؤوس ويشهروهم في كل بلد ~~يأتونها (3) فجدوا السير حتى لحقوا بهم في بعض المنازل (4). # وحدث ابن لهيعة : إنه رأى رجلا متعلقا بأستار الكعبة يستغيث بربه ، ثم ~~يقول : ولا أراك فاعلا. فأخذته ناحية وقلت : إنك لمجنون فإن الله غفور رحيم ~~، ولو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك. # قال لي : اعلم كنت ممن سار برأس الحسين إلى الشام ، فإذا أمسينا وضعنا ~~الرأس وشربنا حوله ، وفي ليلة كنت أحرسه ، وأصحابي رقود ، فرأيت برقا وخلقا ~~أطافوا بالرأس ، ففزعت وادهشت ولزمت السكوت ، فسمعت بكاءا وعويلا وقائلا ~~يقول : يا محمد إن الله أمرني أن اطيعك ، فلو أمرتني أن ازلزل بهؤلاء الأرض ~~كما فعلت بقوم لوط ، فقال له (ص): «يا جبرئيل ، إن لي موقفا معهم يوم ~~القيامة بين يدي ربي سبحانه». # فصحت : يا رسول الله الأمان! فقال لي : «اذهب فلا غفر الله لك». فهل ترى ~~الله يغفر لي؟ (5). # وفي بعض المنازل وضعوا الرأس المطهر فلم يشعر القوم إلا وقد ظهر قلم حديد ~~من الحائط وكتب بالدم (6). PageV01P345 أترجو امة قتلت حسينا %~% شفاعة جده يوم الحساب؟ # فلم يعتبروا بهذه الآية ، وأرداهم العمى إلى مهوى سحيق ، ونعم الحكم الله تعالى. # وقبل أن يصلوا الموضع بفرسخ ، وضعوا الرأس على صخرة هناك ، فسقطت منه ~~قطرة دم على الصخرة ، فكانت تغلي كل سنة يوم عاشوراء ، ويجتمع الناس هناك ~~من الأطراف فيقيمون المأتم على الحسين (ع) ويكثر العويل حولها ، وبقي هذا ~~إلى أيام عبد الملك بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم ير له أثر بعد ذلك ، ~~ولكنهم بنوا في محل الحجر قبة سموها النقطة (1). # وكان بالقرب من حماة في بساتينها مسجد يقال له مسجد الحسين (ع)، ويحدث ~~القومة : أن الحجر والأثر والدم موضع رأس الحسين (ع) حين ساروا ms248 به إلى دمشق (2). # وبالقرب من حلب مشهد يعرف ب (مسقط السقط) (3) وذلك أن حرم PageV01P346 # الرسول (ص) لما وصلوا إلى هذا المكان ، أسقطت زوجة الحسين (ع) سقطا كان ~~يسمى (محسنا) (1). # وفي بعض المنازل نصبوا الرأس على رمح إلى جنب صومعة راهب ، وفي أثناء ~~الليل سمع الراهب تسبيحا وتهليلا ، ورأى نورا ساطعا من الرأس المطهر وسمع ~~قائلا يقول : السلام عليك يا أبا عبد الله. فتعجب حيث لم يعرف الحال. # وعند الصباح استخبر من القوم ، قالو : إنه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ~~وامه فاطمة بن محمد النبي (ص) فقال لهم : تبا لكم أيتها الجماعة ، صدقت ~~الأخبار في قولها (إذا قتل تمطر السماء دما). # وأراد منهم أن يقبل الرأس فلم يجيبوه إلا بعد أن دفع إليهم دراهم ، ثم ~~أظهر الشهادتين وأسلم ببركة المذبوح دون الدعوة الإلهية ، ولما ارتحلوا عن ~~هذا المكان نظروا إلى الدراهم وإذا مكتوب عليها : وسيعلم الذين ظلموا أي ~~منقلب ينقلبون (2). # أيهدى إلى الشامات رأس ابن فاطم %~% ويقرعه بالخيزرانة كاشحه وتسبى كريمات النبي حواسرا %~% تغادي الجوى من ثكلها وتراوحه يلوح لها رأس الحسين على القنا %~% فتبكي وينهاها عن الصبر لائحه وشيبته مخضوبة بدمائه %~% يلاعبها غادي النسيم ورائحه (3) ### ||| * في الشام # ولما قربوا من دمشق ، أرسلت ام كلثوم إلى الشمر تسأله أن يدخلهم في درب ~~قليل النظار ، ويخرجوا الرؤوس من بين المحامل ؛ لكي يشتغل الناس بالنظر إلى PageV01P347 # الرؤوس. فسلك بهم على حالة تقشعر من ذكرها الأبدان وترتعد لها فرائص كل إنسان. # وأمر أن يسلك بهم بين النظار ، وأن يجعلوا الرؤوس وسط المحامل (1). # وفي أول يوم من صفر دخلوا دمشق (2) فأوقفوهم على (باب الساعات) (3) وقد ~~خرج الناس بالدفوف والبوقات ، وهم في فرح وسرور ، ودنا رجل من سكينة وقال : ~~من أي السبايا أنتم؟ قالت : نحن سبايا آل محمد (ص) (4). # وكان يزيد جالسا في منظره على جيرون ، ولما رأى السبايا والرؤوس على ~~أطراف الرماح ، وقد أشرفوا على ثنية جيرون ، نعب غراب ، فأنشأ يزيد يقول : # لما بدت تلك الحمول وأشرقت %~% تلك الرؤوس على شفا جيرون (5) نعب ms249 الغراب فقلت قل أو لا تقل %~% فقد أقتضيت من الرسول ديوني # ومن هنا حكم ابن الجوزي والقاضي أبو يعلى والتفتازاني والجلال السيوطي ~~بكفره ولعنه (6). PageV01P348 # ودنا سهل بن سعد الساعدي من سكينة بنت الحسين (ع) وقال : ألك حاجة؟ ~~فأمرته أن يدفع لحامل الرأس شيئا فيبعده عن النساء ليشتغل الناس بالنظر ~~إليه ، ففعل سهل (1). # ودنا شيخ من السجاد (ع) وقال له : الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأمير ~~منكم. ها هنا أفاض الإمام من لطفه على هذا المسكين المغتر بتلك التمويهات ~~لتقريبه من الحق وإرشاده إلى السبيل ، وهكذا أهل البيت (عليهم السلام) تشرق ~~أنوارهم على من يعلمون صفاء قلبه وطهارة طينته واستعداده للهداية. فقال ~~(عليه السلام) له : «يا شيخ أقرأت القرآن؟» قال : بلى ، قال (عليه السلام) ~~: «أقرأت ( @QUR@09 قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى )؟ وقرأت ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 وآت ذا القربى حقه )؟ وقوله تعالى : ( @QUR@011 ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى )» قال ~~الشيخ : نعم ، قرأت ذلك. # فقال (ع): «نحن والله القربى في هذه الآيات». # ثم قال له الإمام : «أقرأت قوله تعالى : ( @QUR@010 إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )؟» قال : بلى. # فقال (عليه السلام): «نحن أهل البيت الذين خصهم الله بالتطهير». قال ~~الشيخ : بالله عليك أنتم هم؟ فقال (عليه السلام): «وحق جدنا رسول الله إنا ~~لنحن هم ، من غير شك». # فوقع الشيخ على قدميه يقبلهما ويقول : أبرأ إلى الله ممن قتلكم. وتاب على ~~يد الإمام مما فرط في القول معه. وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله ، فأمر بقتله (2). # بأية آية يأتي يزيد %~% غداة صحائف الأعمال تتلى وقام رسول رب العرش يتلو %~% وقد صمت جميع الخلق قل لا (3) PageV01P349 # وقبل أن يدخلوهم إلى مجلس يزيد ، أتوهم بحبال فربقوهم بها ، فكان الحبل ~~في عنق زين العابدين (ع) إلى زينب ام كلثوم وباقي بنات رسول الله (ص)، ~~وكلما قصروا عن المشي ضربوهم حتى أوقفوهم بين يدي يزيد ، وهو على سريره ، ~~فقال على بن الحسين (ع): «ما ظنك برسول الله لو يرانا ms250 على هذا الحال؟» ~~فبكى الحاضرون ، وأمر يزيد بالحبال فقطعت (1). # واقيموا على درج باب الجامع حيث يقام السبي ، ووضع الرأس المقدس بين يدي ~~يزيد ، وجعل ينظر إليهم ويقول : # صبرنا وكان الصبر منا عزيمة %~% وأسيافنا يقطعن هاما ومعصما نفلق هاما من رجال أعزة %~% علينا وهم كانوا أعق وأظلما (2) # ثم التفت إلى النعمان بن بشير وقال : الحمد لله الذي قتله. فقال النعمان ~~: قد كان أمير المؤمنين معاوية يكره قتله. فقال يزيد : قد كان ذلك قبل أن ~~يخرج ، ولو خرج على أمير المؤمنين لقتله (3). # فليت السما حقا على الأرض اطبقت %~% وطاف عن الدنيا الفناء أو النشر بنات علي وهي خير حرائر %~% يباح بأيدي الأدعياء لها ستر سبايا على عجف المطايا حواسرا %~% يودعها مصر ويرقبها مصر فإن دمعت منهن عين وقصرت %~% عن المشي إعياء مخدرة طهر |||||| |أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت||قواضب في أيماننا تقطر الدما| |نفلق هاما من رجال أعزة||علينا وهم كانوا أعق وأظلما| # وفي العقد الفريد 2 / 313 ، في خلافة يزيد قال : لما وضع الرأس بين يديه ~~تمثل يزيد بقول الحصين بن الحمام المزني وذكر البيت الثاني ، واقتصر ابن ~~حجر الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 198 على البيت الثاني ، واقتصر الخوارزمي ~~في المقتل 2 / 61 على وقوفهم على درج باب الجامع ، وهذان البيتان للحصين بن ~~الحمام ذكرهما في المؤتلف والمختلف للآمدي / 91 ، قال : إن الحصين بن حمام ~~بن ربيعة (إلى آخر نسبه) قال من قصيدة طويلة وذكر ثلاثة أبيات فيها ~~البيتان. وفي الشعر والشعراء / 151 ، ذكر ثلاثة أبيات فيها البيت الثاني. ~~وفي الأشباه والنظائر / 4 من أشعار المتقدمين والجاهلين للخالديين اقتصر ~~على البيت الثاني. وفي الأغاني 12 / 120 ، طبعة ساسي ذكر ثلاثة عشر بيتا ~~فيها البيتان. PageV01P350 أهاب بها شمر الخنا بقساوة %~% وآملها في سوطه نقمة زجر وليس لديها كافل غير مدنف %~% أضرت به البلوى وقد مسه الضر عليل يعاني القيد والغل في السرى %~% ويبدو على سيمائه الذل والاسر سروا فيه مغلول اليدين مقيدا %~% إلى بطن حرف لم يوطأ لها ظهر وقد أكل ms251 اللحم الحديد بجيده %~% واثر حتى فاض في دمه النحر يلاحظ أطفالا تصيح ونسوة %~% تعج واكبادا يطير بها الذعر ورأس أبيه وهو سبط محمد %~% أمام السبايا تستطيل به السمر وقد أدخلوه الشام لا مرحبا به %~% وأفراحه تطغى بعيد هو النصر الى مجلس فيه ابن هند بنصره %~% قرير ومروان يطير به البشر ورأس أبيه السبط في طست عسجد %~% أمام دعي غره الزهو والكبر وقد كان يخفي الكفر لكن بذكره %~% لا شياخه في بدر قد ظهر الكفر (1) ### ||| * يزيد مع السجاد # والتفت يزيد إلى السجاد (ع) وقال : كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك ~~الحسين؟ قال : «رأيت ما قضاه الله عز وجل قبل أن يخلق السموات والأرض». ~~وشاور يزيد من كان حاضرا عنده في أمره ، فأشاروا عليه بقتله. فقال زين ~~العابدين (ع): «يا يزيد ، لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء ~~فرعون عليه حين شاورهم في موسى وهارون فإنهم قالوا له : (أرجه وأخاه) ولا ~~يقتل الأدعياء أولاد الأنبياء وأبناءهم». فأمسك يزيد مطرقا (2). # ومما دار بينهما من الكلام أن قال يزيد لعلي بن الحسين (ع): ( @QUR@07 ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم )، قال علي بن الحسين (ع): «ما هذه ~~فينا نزلت ، إنما نزل فينا ( @QUR@031 ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا ~~على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) (3) فنحن لا PageV01P351 # نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا» (1) # فأنشد يزيد قول الفضل بن العباس بن عتبة : # مهلا بني عمنا مهلا موالينا %~% لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا (2) # ثم استأذنه (عليه السلام) في أن يتكلم ، فقال يزيد : نعم على أن لا تقل ~~هجرا. قال (ع): لقد «وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر ، ما ظنك ~~برسول الله (ص) لو يراني على هذه الحال؟» فأمر يزيد بأن يفك الغل منه (3). # وأمر يزيد الخطيب أن يثني على معاوية وينال من الحسين وآله ، فأكثر ~~الخطيب من الوقيعة في علي والحسين ms252 (عليهما السلام) فصاح به السجاد (ع): ~~«لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوأ مقعدك من النار» (4): # أعلى المنابر تعلنون بسبه %~% وبسيفه نصبت لكم أعوادها # وقال ليزيد : «أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد ، فأتكلم بكلام لله تعالى ~~رضى ولهؤلاء أجر وثواب؟» فأبى يزيد ، وألح الناس عليه فلم يقبل ، فقال ابنه ~~معاوية : إئذن له ، ما قدر أن يأتي به؟ فقال يزيد : إن هؤلاء ورثوا العلم ~~والفصاحة (5) وزقوا العلم زقا (6). وما زالوا به حتى أذن له. # فقال (ع): «الحمد لله الذي لا بداية له ، والدائم الذي لا نفاد له ، ~~والأول الذي لا أولية له ، والآخر الذي لا آخرية له ، والباقي بعد فناء ~~الخلق ، قدر الليالي والأيام ، وقسم فيما بينهم الأقسام ، فتبارك الله ~~الملك العلام ، إلى أن قال : أيها الناس اعطينا ستا وفضلنا بسبع ، اعطينا ؛ ~~العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، ~~وفضلنا ؛ بأن منا النبي والصديق والطيار وأسد الله وأسد رسوله وسبطا هذه ~~الامة. أيها الناس من عرفني فقد PageV01P352 # عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، أيها الناس أنا ابن مكة ومنى ~~، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير ~~من ائتزر وارتدى وخير من طاف وسعى ، وحج ولبى ، أنا ابن من حمل على البراق ~~وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى ، فكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن ~~من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن من ~~ضرب بين يدي رسول الله ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن ~~صالح المؤمنين ووارث النبيين ، ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل ~~الناكثين والقاسطين والمارقين ، ومفرق الأحزاب ، أربطهم جأشا ، وأمضاهم ~~عزيمة ذاك أبو السبطين الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب. # أنا ابن فاطمة الزهراء ، وسيدة النساء ، وابن خديجة الكبرى. # أنا ابن المرمل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلاء ، أنا ابن من بكى عليه ~~الجن في الظلماء ، وناحت الطير في الهواء». # فلما بلغ إلى هذا الموضع ، ضج الناس بالبكاء ، وخشي يزيد الفتنة ms253 ، فأمر ~~المؤذن أن يؤذن للصلاة. فقال المؤذن : الله أكبر. # قال الإمام (ع): «الله أكبر وأجل وأعلى وأكرم مما أخاف وأحذر». فلما قال ~~المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال (ع): «نعم ، أشهد مع كل شاهد أن ~~لا إله غيره ولا رب سواه». فلما قال المؤذن : أشهد أن محمدا رسول الله قال ~~الإمام (ع) للمؤذن : «أسألك بحق محمد أن تسكت حتى اكلم هذا! # والتفت إلى يزيد وقال : هذا الرسول العزيز الكريم جدك أم جدي؟ فإن قلت ~~جدك علم الحاضرون والناس كلهم إنك كاذب ، وإن قلت جدي فلم قتلت أبي ظلما ~~وعدوانا وانتهبت ماله وسبيت نساءه ، فويل لك يوم القيامة إذا كان جدي خصمك». # فصاح يزيد بالمؤذن : أقم للصلاة. فوقع بين الناس همهمة وصلى بعضهم ، ~~وتفرق الآخر (1). PageV01P353 ### ||| * الرأس الأطهر # ودعا يزيد برأس الحسين (ع) ووضعه أمامه في طست من ذهب (1)، وكان النساء ~~خلفه ، فقامت سكينة وفاطمة يتطاولان للنظر إليه ، ويزيد يستره عنهما ، فلما ~~رأينه صرخن بالبكاء (2). ثم أذن للناس أن يدخلوا (3). وأخذ يزيد القضيب ~~وجعل ينكت ثغر الحسين (4) ويقول : يوم بيوم بدر (5). وأنشد قول الحصين بن ~~الحمام : # أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت %~% قواضب في أيماننا تقطر الدما نفلق هاما من رجال أعزة %~% علينا وهم كانوا أعق وأظلما (6) # فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص ، أخو مروان ، وكان جالسا عنده : # لهام بجنب الطف أدنى قرابة من ابن %~% زياد العبد ذي الحسب والوغل سمية أمسى نسلها عدد الحصى %~% وليس لآل المصطفى اليوم من نسل |صبرنا فكان الصبر منا عزيمة||وأسيافنا يقطعن كفا ومعصما| # ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 148 ، مع تغيير في بعض ألفاظه. ~~وجماعة من المؤرخين اقتصروا على البيت الثاني ، منهم الشريشي في شرح مقامات ~~الحريري 1 / 193 ، والأندلسي في العقد الفريد 2 / 313 وابن كثير في البداية ~~8 / 197 ، والشيخ المفيد في الإرشاد ، وابن جرير الطبري في التاريخ 6 ص 267 ~~، وقال : البيت للحصين بن الحمام المري. PageV01P354 # فضربه يزيد على صدره وقال : اسكت لا ام لك (1). # وقال أبو برزة ms254 الأسلمي : أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه ~~الحسن (ع) ويقول : «أنتما سيدا شباب أهل الجنة ، قتل الله قاتلكما ، ولعنه ~~وأعد له جهنم وساءت مصيرا». فغضب يزيد منه وأمر به فاخرج سحبا (2). # والتفت رسول قيصر إلى يزيد وقال : إن عندنا في بعض الجزائر حافر حمار ~~عيسى ، ونحن نحج إليه في كل عام من الأقطار ونهدي إليه النذور ونعظمه كما ~~تعظمون كتبكم ، فأشهد إنكم على باطل (3). فأغضب يزيد هذا القول وأمر بقتله ~~، فقام إلى الرأس وقبله ، وتشهد الشهادتين ، وعند قتله سمع أهل المجلس من ~~الرأس الشريف صوتا عاليا فصيحا «لا حول ولا قوة إلا بالله» (4). # ثم اخرج الرأس من المجلس وصلب على باب القصر ثلاثة أيام (5)، فلما رأت ~~هند بنت عمرو بن سهيل ، زوجة يزيد ، الرأس على باب دارها (6) والنور الإلهي ~~يسطع منه ودمه طري لم يجف ويشم منه رائحة طيبة (7) دخلت المجلس مهتوكة ~~الحجاب وهي تقول : رأس ابن بنت رسول الله على باب دارنا؟! فقام إليها |سمية أمسى نسلها عدد الحصى||وبنت رسول الله ليس لها نسل| # وفي تذكرة الخواص / 149 : لما بلغ الحسن البصري فعلة يزيد بالرأس ، تمثل ~~بالبيت الثاني. وفي الأغاني 12 / 71 : نسبهما إلى عبد الرحمن بن الحكم مع ~~بيت ثالث. وفي مقتل الخوارزمي 2 / 56 : نسبهما إلى عبد الرحمن ابن الحكم ~~أخي مروان. PageV01P355 # يزيد وغطاها وقال لها : اعولي عليه يا هند ، فإنه صريخة بني هاشم عجل ~~عليه ابن زياد (1). # وأمر يزيد بالرؤوس أن تصلب على أبواب البلد والجامع الاموي ، ففعلوا بها ~~ذلك (2). # وفرح مروان بقتل الحسين (ع) فقال : # ضربت دوسر فيهم ضربة %~% أثبتت أوتاد ملك فاستقر # ثم جعل ينكت بالقضيب في وجهه ويقول : # يا حبذا بردك في اليدين %~% ولونك الأحمر في الخدين كأنه بات بعسجدين %~% شفيت منك النفس يا حسين (3) ### ||| * الشامي مع فاطمة # قال الرواة : نظر رجال شامي إلى فاطمة بنت علي (4) فطلب من يزيد أن يهبها ~~له لتخدمه ، ففزعت ابنة أمير المؤمنين وتعلقت باختها العقيلة زينب وقالت : كيف |يا حبذا بردك في اليدين||وحمرة ms255 تجري على خدين| # كأنما بات بعسجدين # ثم رمى بالرأس نحو القبر وقال يا محمد يوم بيوم بدر والخبر مشهور والصحيح ~~أن مروان لم يكن أمير المدينة. وفي أقرب الموارد مادة (برد) البرد حب ~~الغمام ويستعمل للأسنان الشديدة البياض، وفي آداب اللغة العربية لجرجي ~~زيدان ج 1 ص 282 من شعر يزيد بن الطثرية قوله : |بنفسي من لو مر بنانه||على كبدي كانت شفاء أنامله| # والبرد كما في تاج العروس ج 2 ص 298 السكون والفتور فكأنه أراد أن يكون ~~قتله وإسكاته عن الحركة بيده وأنه الذي يضرج خديه بحمرة الدم، واستبعاد ~~حضور مروان في الشام حينذاك يرده نص ابن جرير الطبري في التاريخ ج 6 ص 267 ~~وابن كثير في البداية ج 8 ص 196 كان مروان بن الحكم يسأل الجماعة الذين ~~وردوا الشام مع العيال عما فعلوه بالحسين عليه السلام. PageV01P356 # أخدم؟ قالت العقيلة لا عليك إنه لن يكون أبدا. فقال يزيد : لو أردت ~~لفعلت. فقالت له : إلا أن تخرج عن ديننا. فرد عليها : إنما خرج عن الدين ~~أبوك وأخوك. قالت زينب : بدين الله ودين جدي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إن ~~كنت مسلما. قال : كذبت يا عدوة الله. فرقت (عليها السلام) وقالت : أنت أمير ~~مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك (1). وعاود الشامي الطلب ، فزبره يزيد ~~ونهره وقال له : وهب الله لك حتفا قاضيا (2). ### ||| * خطبة زينب (عليها السلام) # قال ابن نما وابن طاووس (3): لما سمعت زينب بنت علي (عليهما السلام) (4) ~~يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعري (5). # ليت أشياخي ببدر شهدوا %~% جزع الخزرج من وقع الأسل لأهلوا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيد لا تشل قد قتلنا القرم من ساداتهم %~% وعدلناه ببدر فاعتدل لعبت هاشم بالملك فلا %~% خبر جاء ولا وحي نزل لست من خندف إن لم أنتقم %~% من بني أحمد ما كان فعل # قالت (عليها السلام): # الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله # وذكرها البيروني في الآثار الباقية / 331 طبعة الاوفست : عدا البيت ~~الرابع. PageV01P357 # سبحانه حيث يقول ms256 : ( @QUR@013 ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن ~~كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ). أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا ~~أقطار الأرض ، وآفاق السماء ، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى أن بنا على ~~الله هوانا وبك عليه كرامة ، وإن ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ، نظرت ~~في عطفك ، جذلان مسرورا ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والامور متسقة ، ~~وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلا مهلا ، أنسيت قول الله تعالى : ( ~~@QUR@017 ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين )؟! # أمن العدل يابن الطلقاء ، تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقك بنات رسول الله ~~سبايا ، قد هتكت ستورهن ، وابديت وجوههن ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ~~، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل ، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني ~~والشريف ، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي ، وكيف يرتجي مراقبة ~~من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في ~~بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن ، والاحن والاضغان؟! ثم تقول ~~غير متأثم ولا مستعظم : # لأهلوا واستهلوا فرحا %~% ثم قالوا يا يزيد لا تشل # منحيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ، وكيف ~~لا تقول ذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذرية محمد ~~(صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك زعمت ~~أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ، ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما ~~قلت وفعلت ما فعلت. # اللهم خذ لنا بحقنا ، وأنتقم ممن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل ~~حماتنا. # فوالله ما فريت إلا جلدك ، ولا حززت إلا لحمك ، ولتردن على رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في ~~عترته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ، ويلم شعثهم ، ويأخذ بحقهم ، ( ~~@QUR@013 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ). PageV01P358 # وحسبك بالله حاكما ، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيما ، وبجبرئيل ظهيرا ~~، وسيعلم من سول ms257 لك ومكنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلا! وأيكم شر ~~مكانا وأضعف جندا. # ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك ، ~~وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرى. # ألا فالعجب كل العجب ، لقتل حزب الله النجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء! ~~فهذه الأيدي تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث ~~الطواهر الزواكي تنتابها العواسل ، وتعفرها امهات الفراعل ، ولئن اتخذتنا ~~مغنما ، لتجدنا وشيكا مغرما ، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك ، وما ربك بظلام ~~للعبيد ، وإلى الله المشتكى وعليه المعول. # فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت ~~وحينا ، ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد ، وجمعك الا ~~بدد؟ يوم ينادي المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين. # والحمد لله رب العالمين ، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا ~~بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ~~ويحسن علينا الخلافة ، إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # فقال يزيد : # يا صيحة تحمد من صوائح %~% ما أهون النوح على النوائح # ومن جهل يزيد وغيه وضلاله قوله بملء فمه غير متأثم ولا مستعظم يخاطب من ~~حضر عنده من ذؤبان أهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل ~~له على ما فعل ، والذي أوقعه فيما وقع؟ قالوا : لا ، قال : يزعم أن أباه ~~خير من أبي ، وامه فاطمة بنت رسول الله خير من امي ، وجده خير من جدي ، ~~وإنه خير مني وأحق بهذا الأمر مني ، فأما قوله أبوه خير من أبي فقد حاج أبي ~~أباه إلى الله عز وجل وعلم الناس أيهما حكم له ، وأما قوله امه خير من امي ~~فلعمري إن فاطمة بنت رسول الله خير من امي ، وأما قوله جده خير من جدي ، ~~فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو يرى أن لرسول الله فينا عدلا ~~ولا ندا ، ولكنه PageV01P359 # إنما اتي من قلة فقهه ولم يقرأ : ( @QUR@018 قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز ms258 من تشاء وتذل من تشاء ) وقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 ... والله يؤتي ملكه من يشاء ... ) ( 1 ). ### ||| * الخربة # ولقد أحدثت هذه الخطبة هزة في مجلس يزيد ، وراح الرجل يحدث جليسه بالضلال ~~الذي غمرهم وإنهم في أي واد يعمهون ، فلم ير يزيد مناصا إلا أن يخرج الحرم ~~من المجلس إلى خربة لا تكنهم من حر ولا برد ، فأقاموا فيها ينوحون على ~~الحسين (عليه السلام) (4) ثلاثة أيام (5). # وفي بعض الأيام خرج الإمام السجاد (ع) منها يتروح ، فلقيه المنهال بن عمر ~~وقال له : كيف أمسيت يابن رسول الله؟ قال (ع): «أمسينا كمثل بني إسرائيل ~~في آل فرعون ، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، أمست العرب تفتخر على ~~العجم بأن محمدا منها ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ، ~~وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشردين ، فإنا لله وإنا اليه راجعون» (6). # قال المنهال : وبينا يكلمني إذ امرأة خرجت خلفه تقول له : إلى أين يا نعم ~~الخلف؟ فتركني وأسرع إليها ، فسألت عنها قيل : هذه عمته زينب (7). ### ||| * إلى المدينة # لقد سر يزيد قتل الحسين (ع) ومن معه وسبي حريم رسول الله (صلى الله عليه PageV01P360 # وآله) (1) وظهر عليه السرور في مجلسه ، فلم يبال بإلحاده وكفره حين تمثل ~~بشعر ابن الزبعري ، وحتى أنكر الوحي على رسول الله محمد (ص)، ولكنه لما ~~كثرت اللائمة عليه ووضح له الفشل والخطأ في فعلته التي لم يرتكبها حتى من ~~لم ينتحل دين الإسلام وعرف المغزى من وصية معاوية إياه حيث قال له : # إن أهل العراق لن يدعوا الحسين حتى يخرجوه ، فإذا خرج عليك فاصفح عنه ؛ ~~فإن له رحما ماسة وحقا عظيما (2). # وعاب عليه خاصته وأهل بيته ونساؤه ، وكان بمرأى منه ومسمع كلام الرأس ~~الأطهر لما أمر بقتل رسول ملك الروم (لا حول ولا قوة إلا بالله) (3) ولحديث ~~الأندية عما ارتكبه من هذه الجريمة الشائنة والقسوة الشديدة دوي في أرجاء ~~دمشق ، لم يجد مناصا من القاء التبعة على عاتق ابن زياد تبعيدا للسبة عنه ، ~~ولكن الثابت لا يزول. # ولما خشى الفتنة وانقلاب الأمر عليه ، عجل بإخراج الإمام السجاد ms259 (ع) ~~والعيال من الشام إلى وطنهم ومقرهم ، ومكنهم مما يريدون ، وأمر النعمان بن ~~بشير وجماعة معه أن يسيروا معهم إلى المدينة مع الرفق (4). # فلما وصلوا العراق قالوا للدليل : مر بنا على طريق كربلاء ، فوصلوا إلى ~~مصرع الحسين (ع) فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ~~ورجالا من آل رسول الله قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) فتلاقوا بالبكاء ~~والحزن واللطم ، وأقاموا في كربلاء ينوحون على الحسين (ع) (5) ثلاثة أيام (6). # ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال : يا حسين (ثلاثا) ثم قال : # حبيب لا يجيب حبيبه! وأنى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على PageV01P361 # أثباجك ، وفرق بين رأسك وبدنك ، فأشهد أنك ابن خاتم النبيين ، وابن سيد ~~المؤمنين ، وابن حليف التقوى ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، وابن ~~سيد النقباء ، وابن فاطمة الزهراء سيدة النساء ، وما لك لا تكون كذلك وقد ~~غذتك كف سيد المرسلين ، وربيت في حجر المتقين ، ورضعت من ثدى الإيمان ، ~~وفطمت بالإسلام؟! فطبت حيا وطبت ميتا غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك ~~، ولا شاكة في الخيرة لك ، فعليك سلام الله ورضوانه ، وأشهد أنك مضيت على ~~ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا. # ثم أجال بصره حول القبر وقال : السلام عليكم أيتها الأروح التي حلت بفناء ~~الحسين (ع) وأناخت برحله ، أشهد أنكم أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة وأمرتم ~~بالمعروف ، ونهيتم عن المنكر ، وجاهدتم الملحدين ، وعبدتم الله حتى أتاكم ~~اليقين. # والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق نبيا ، لقد شاركناكم فيما ~~دخلتم فيه. فقال له عطية العوفي : كيف ولم نهبط واديا ولم نعل جبلا ولم ~~نضرب بسيف ، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم واوتمت أولادهم وارملت ~~الأزواج؟ # فقال له : إني سمعت حبيبي رسول الله يقول : «من أحب قوما ، كان معهم. ومن ~~أحب عمل قوم اشرك في عملهم». والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نيتي ونية ~~أصحابي على ما مضى عليه الحسين (ع) وأصحابه (1). ### ||| * الرأس مع الجسد # لما عرف زين العابدين (ع) الموافقة من يزيد ، طلب منه الرؤوس كلها ms260 ~~ليدفنها في محلها ، فلم يتباعد يزيد عن رغبته ، فدفع اليه رأس الحسين (ع) ~~مع رؤوس أهل بيته وصحبه ، فألحقها بالأبدان. # نص على مجيئه بالرؤوس إلى كربلاء في حبيب السير كما في نفس المهموم PageV01P362 # / 253 ، ورياض الأحزان / 155. # وأما رأس الحسين (ع) ففي روضة الواعظين للفتال / 165 ، وفي مثير الأحزان ~~لابن نما الحلي / 58 : إنه المعول عليه عند الإمامية. وفي اللهوف لابن ~~طاووس / 112 : عليه عمل الإمامية. وفي إعلام الورى للطبرسي / 151 ، ومقتل ~~العوالم / 154 ، ورياض المصائب ، والبحار : إنه المشهور بين العلماء. وقال ~~ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 200 : ذكر المرتضى في بعض رسائله : إن رأس ~~الحسين (ع) اعيد إلى بدنه في كربلاء. وقال الطوسي : ومنه زيارة الأربعين. ~~وفي البحار عن (العدد القوية) لأخ العلامة الحلي ، وفي عجائب المخلوقات ~~للقزويني / 67 : في العشرين من صفر رد رأس الحسين (ع) إلى جثته. وقال ~~الشبراوي : قيل اعيد الرأس إلى جثته بعد أربعين يوما (1). وفي شرح همزية ~~البوصيري لابن حجر اعيد رأس الحسين (ع) بعد أربعين يوما من قتله. وقال سبط ~~ابن الجوزي : الأشهر أنه رد إلى كربلاء فدفن مع الجسد (2). والمناوي في ~~الكواكب الدرية 1 / 57 ، نقل اتفاق الإمامية على أنه اعيد إلى كربلاء ، وإن ~~القرطبي رجحه ولم يتعقبه ، بل نسب إلى بعض أهل الكشف والشهود أنه حصل له ~~اطلاع على أنه اعيد إلى كربلاء. وقال أبو الريحان البيروني : في العشرين من ~~صفر رد رأس الحسين (ع) إلى جثته حتى دفن مع جثته (3). # وعلى هذا فلا يعبأ بكل ما ورد بخلافه ، والحديث بأنه عند قبر أبيه بمرأى ~~من هؤلاء الأعلام ، فإعراضهم عنه يدلنا على عدم وثوقهم به ؛ لأن إسناده لم ~~يتم ورجاله غير معروفين. وقال أبو بكر الآلوسي وقد سئل عن موضع رأس الحسين (ع): # لا تطلبوا رأس الحسين %~% بشرق أرض أو بغرب ودعوا الجميع وعرجوا %~% نحوي فمشهده بقلبي (4) PageV01P363 # وقال الحاج مهدي الفلوجي الحلي (1): # لا تطلبوا رأس الحسين فإنه %~% لا في حمى ثاو ولا في واد لكنما صفو الولاء يدلكم %~% في أنه المقبور ms261 وسط فؤادي ### ||| * يوم الأربعين # من النواميس المطردة الاعتناء بالفقيد بعد أربعين يوما مضين من وفاته ~~بإسداء البر إليه وتأبينه ، وعد مزاياه في حفلات تعقد وذكريات تدون ، ~~تخليدا لذكره على حين إن الخواطر تكاد تنساه والأفئدة أوشكت أن تهمله ، ~~فبذلك تعاد إلى ذكره البائد صورة خالدة ، بشعر رائق تتناقله الألسن ، ~~ويستطيع في القلوب ، فتمر الحقب والأعوام وهو على جدته. أو خطاب بليغ ~~تتضمنه الكتب والمدونات حتى يعود من أجزاء التاريح التي لا يبليها الملوان ~~، فالفقيد يكون حيا كلما تليت هاتيك النتف من الشعر أو وقف الباحث على ما ~~القيت فيه من كلمات تأبينية بين طيات الكتب ، فيقتص أثره في فضائله وفواضله ~~، وهذه السنة الحسنة تزداد أهمية كلما ازداد الفقيد عظمة وكثرت فضائله ، ~~وإنها في رجالات الإصلاح ، والمقتدى بهم من الشرائع أهم وآكد ؛ لأن نشر ~~مزاياهم وتعاليمهم يحدو إلى اتباعهم واحتذاء مثالهم في الإصلاح وتهذيب ~~النفوس. # وما ورد عن أبي ذر الغفاري وابن عباس عن النبي (ص): «إن الأرض لتبكي على ~~المؤمن أربعين صباحا» (2)، وعن زرارة عن أبي عبد الله (ع): «إن السماء ~~بكت على الحسين (ع) أربعين صباحا بالدم ، والأرض بكت عليه أربعين صباحا ~~بالسواد ، والشمس بكت عليه أربعين صباحا بالكسوف والحمرة ، والملائكة بكت ~~عليه أربعين صباحا ، وما اختضبت امرأة منا ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت ~~حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد ، وما زلنا في عبرة من بعده» (3). PageV01P364 # يؤكد هذه الطريقة المألوفة والعادة المستمرة بين الناس من الحداد على ~~الميت أربعين يوما ، فإذا كان يوم الأربعين اقيم على قبره الاحتفال بتأبينه ~~يحضره أقاربه وخاصته وأصدقاؤه ، وهذه العادة لم يختص بها المسلمون ، فإن ~~النصارى يقيمون حفلة تأبينية يوم الأربعين من وفاة فقيدهم يجتمعون في ~~الكنيسة ويعيدون الصلاة عليه المسماة عندهم بصلاة الجنازة ويفعلون ذلك في ~~نصف السنة وعند تمامها ، واليهود يعيدون الحداد على فقيدهم بعد مرور ثلاثين ~~يوما وبمرور تسعة أشهر وعند تمام السنة (1)، كل ذلك إعادة لذكراه ، ~~وتنويها به وبآثاره وأعماله إن كان من العظماء ذوي الآثار والمآثر. # وعلى ms262 كل حال ، فإن المنقب لا يجد في الفئة الموصوفة بالإصلاح رجلا ~~اكتنفته المآثر بكل معانيها ، وكانت حياته وحديث نهضته وكارثة قتله دعوة ~~إلهية ، ودروسا إصلاحية ، وأنظمة اجتماعية ، وتعاليم أخلاقية ، ومواعظ ~~دينية ، إلا سيد شباب أهل الجنة شهيد الدين ، شهيد السلام والوئام ، شهيد ~~الأخلاق والتهذيب الحسين (ع)، فهو أولى من كل أحد بأن تقام له الذكريات في ~~كل مكان ، وتشد الرحال للمثول حول مرقده الأقدس في يوم الأربعين من قتله ؛ ~~حصولا على تلكم الغايات الكريمة. # وإنما قصروا الحفلات الأربعينية الأول في سائر الناس من جهة كون مزايا ~~اولئك الرجال محدودة منقطعة الآخر ، بخلاف سيد الشهداء ، فإن مزاياه لا تحد ~~، وفواضله لا تعد ، ودرس أحواله جديد كلما ذكر ، واقتصاص أثره يحتاجه كل ~~جيل ، فإقامة المآتم عند قبره في الأربعين من كل سنة إحياء لنهضته وتعريف ~~بالقساوة التي ارتكبها الامويون ولفيفهم ، ومهما أمعن الخطيب أو الشاعر في ~~قضيته تفتح له أبواب من الفضيلة كانت موصدة عليه قبل ذلك ؛ # ولهذا اطردت عادة الشيعة على تجديد العهد بتلكم الأحوال يوم الأربعين من ~~كل سنة ، ولعل رواية أبي جعفر الباقر (ع): «إن السماء بكت على الحسين ~~أربعين صباحا تطلع حمراء وتغرب حمراء» (2) تلميح إلى هذه العادة المألوفة ~~بين الناس. PageV01P365 # وحديث الإمام الحسن العسكري (ع): «علامات المؤمن خمس : صلاة إحدى وخمسين ~~، وزيارة الأربعين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، والتختم في اليمين ، ~~وتعفير الجبين» (1). # يرشدنا إلى تلك العادة المطردة المألوفة ، فإن تأبين سيد الشهداء وعقد ~~الاحتفالات لذكره في هذا اليوم إنما يكون ممن يمت به بالولاء والمشايعة ، ~~ولا ريب في أن الذين يمتون به بالمشايعة هم المؤمنون المعترفون بإمامته ، ~~إذا فمن علامة إيمانهم وولائهم لسيد شباب أهل الجنة المنحور في سبيل الدعوة ~~الإلهية المثول في يوم الأربعين من شهادته عند قبره الأطهر لإقامة المأتم ، ~~وتجديد العهد بما جرى عليه وعلى صحبه وأهل بيته من الفوادح. # والتصرف في هذه الجملة (زيارة الأربعين) بالحمل على زيارة أربعين مؤمنا ~~التواء في فهم الحديث وتمحل في الاستنتاج يأباه الذوق السليم ، مع خلوه ms263 عن ~~القرينة الدالة عليه ، ولو كان الغرض هو الإرشاد إلى زيارة أربعين مؤمنا ~~لقال (ع) (زيارة أربعين)، فالإتيان بالألف واللام العهدية للتنبيه على أن ~~زيارة الأربعين من سنخ الأمثلة التي نص عليها الحديث بأنها من علائم ~~الإيمان والموالاة للأئمة الاثني عشر. # ثم إن الأئمة من آل الرسول (عليهم السلام) وإن كانوا أبواب النجاة وسفن ~~الرحمة وبولائهم يعرف المؤمن من غيره ، وقد خرجوا من الدنيا مقتولين في ~~سبيل الدعوة الإلهية موطنين أنفسهم على القتل ؛ امتثالا لأمر بارئهم جل ~~شأنه الموحى به إلى جدهم الرسول (ص)، وقد أشار إليه أبو محمد الحسن ابن ~~أمير المؤمنين (عليهما السلام) بقوله : «إن هذا الأمر يملكه منا اثنى عشر ~~إماما ، ما منهم إلا مقتول أو مسموم». # فالواجب إقامة المأتم في يوم الأربعين من شهادة كل واحد منهم. وحديث ~~الإمام العسكري لم يشتمل على قرينة لفظية تصرف هذه الجملة (زيارة الأربعين) ~~إلى خصوص الحسين (ع) إلا أن القرينة الحالية أوجبت فهم العلماء الأعلام من ~~هذه الجملة خصوص زيارة الحسين (ع)؛ لأن قضية سيد الشهداء هي PageV01P366 # التي ميزت بين دعوة الحق والباطل ؛ ولذا قيل : الإسلام بدؤه محمدي وبقاؤه ~~حسيني. وحديث الرسول (ص): «حسين مني وأنا من حسين» يشير إليه ؛ لأن ما ~~قاساه سيد الشهداء إنما هو لتوطيد اسس الإسلام واكتساح أشواك الباطل عن ~~صراط الشريعة ، وتنبيه الأجيال على جرائم أهل الضلال ، هو عين ما نهض به ~~نبي الإسلام لنشر الدعوة الإلهية. # فمن أجل هذا كله لم يجد أئمة الدين من آل الرسول ندحة إلا لفت الأنظار ~~إلى هذه النهضة الكريمة ؛ لأنها اشتملت على فجائع تفطر الصخر الأصم ، ~~وعلموا أن المواظبة على إظهار مظلومية الحسين (ع) تستفز العواطف وتوجب ~~استمالة الأفئدة نحوهم فالسامع لتلكم الفظائع يعلم أن الحسين (ع) إمام عدل ~~لم يرضخ للدنايا ، وإن إمامته موروثة له من جده وأبيه الوصي ، ومن ناوأه ~~خارج عن العدل ، وإذا عرف السامع أن الحق في جانب الحسين (ع) وأبنائه ~~المعصومين ، كان معتنقا طريقتهم وسالكا سبيلهم. # ومن هنا لم يرد التحريض من ms264 الأئمة على إقامة المأتم في يوم الأربعين من ~~شهادة كل واحد منهم حتى نبي الإسلام ؛ لكون تذكار كارثته عاملا قويا في ~~إبقاء الرابطة الدينية وإن لفت الأنظار نحوها أمس في إحياء أمر المعصومين ~~المحبوب لديهم التحدث به «أحيوا أمرنا وتذاكروا في أمرنا». # وعلى كل ، فالقارىء الكريم يتجلى له اختصاص زيارة الأربعين بالمؤمن حينما ~~يعرف نظائرها التي نص عليها الحديث. # فإن الأول منها وهو (صلاة إحدى وخمسين ركعة) التي شرعت ليلة المعراج ، ~~وبشفاعة النبي (ص) اقتصر فيها على خمس فرائض في اليوم والليلة ، عبارة عن : ~~سبع عشرة ركعة للصبح والظهرين والعشائين والنوافل الموقتة لها مع نافلة ~~الليل أربع وثلاثون؛ ثمان للظهر قبلها ، وثمان للعصر قبلها ، وأربع بعد ~~المغرب ، واثنان بعد العشاء تعدان بواحدة ، واثنان قبل الصبح ، وإحدى عشرة ~~ركعة نافلة الليل مع الشفع والوتر وبإضافتها إلى الفرائض يكون المجموع إحدى ~~وخمسين ركعة ، وهذا مما اختص به الإمامية ، فإن أهل السنة وإن وافقوهم على ~~عدد الفرائض إلا أنهم افترقوا في النوافل ، ففي فتح القدير لابن همام ~~الحنفي 1 / 314 : إنها ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر ، واثنان بعدها ~~، واربع قبل العصر ، وإن شاء PageV01P367 # ركعتين ، وركعتان بعد المغرب ، وأربع بعدها ، وإن شاء ركعتين. فهذه ثلاث ~~وعشرون ركعة ، واختلفوا في نافلة الليل أنها ثمان ركعات أو ركعتان أو ثلاث ~~عشر أو أكثر ، وحينئذ فالمجموع من نوافل الليل والنهار مع الفرئض لا يكون ~~إحدى وخمسين فإذا تكون (إحدى وخمسون) من مختصات الإمامية. # الثاني : مما تعرض له الحديث (الجهر بالبسملة) فإن الإمامية تدينوا إلى ~~الله تعالى به وجوبا في الصلاة الجهرية واستحبابا في الصلاة الاخفاتية ، ~~تمسكا بأحاديث أئمتهم (عليهم السلام)، وفي ذلك يقول الفخر الرازي : ذهبت ~~الشيعة أن من السنة الجهر بالتسمية في الصلاة الجهرية والاخفاتية ، وجمهور ~~الفقهاء يخالفون ، وقد ثبت بالتواتر أن علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية ~~ومن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى والدليل عليه قوله (ص): «اللهم ، أدر ~~الحق مع علي حيث دار» (1). وكلمة الرازي لم يهضمها أبو الثناء الآلوسي ، ~~فتعقبها ms265 بقوله : لو عمل أحد بجميع ما يزعمون تواتره عن الأمير كفر ، فليس ~~إلا الإيمان ببعض والكفر ببعض. وما ذكره من أن من اقتدى في دينه بعلي فقد ~~اهتدى مسلم ، لكن إن سلم لنا خبر ما كان عليه علي (عليه السلام) ودونه ~~مهامه فيح (2). # ولا يضر الشيعة تهجم الآلوسي وغيره بعد أن رسخت أقدامهم على الولاء لسيد ~~الأوصياء (ع) الذي يقول له رسول الله (ص): «يا علي ، ما عرف الله تعالى ~~إلا أنا وأنت ، وما عرفني إلا الله وأنت ، وما عرفك إلا الله وأنا» (3). # إن كنت ويحك لم تسمع مناقبه %~% فاسمعه من هل أتى يا ذا الغبا وكفى (4) # وخالف أهل السنة في مسألة الجهر ، ففي المغني لابن قدامة ج 1 ص 478 ، ~~وبدايع الصنايع للكاساني ج 1 ص 204 ، وشرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء ~~في فقه مالك ج 1 ص 216 : إن الجهر غير مسنون في الصلاة. # الثالث : مما تعرض له الحديث (التختم باليمين) وقد التزم به الإمامية تدينا PageV01P368 # بروايات أئمتهم (عليهم السلام) وخالفهم جماعة من السنة ، قال ابن الحجاج ~~المالكي : إن السنة أوردت كل مستقذر يتناول بالشمال ، وكل طاهر يتناول ~~باليمين ؛ ولأجل هذا المعنى كان المستحب في التختم أن يكون التختم بالشمال ~~، فإنه يأخذ الخاتم بيمينه ويجعله في شماله (1). ويحكي ابن حجر إن مالكا ~~يكره التختم باليمين وإنما يكون باليسار ، وبالغ الباجي من المالكية بترجيح ~~ما عليه مالك من التختم باليسار (2). وقال الشيخ إسماعيل البروسوي ذكر في ~~عقد الدرر : إن السنة في الأصل التختم في اليمين ، ولما كان ذلك شعار أهل ~~البدعة والظلمة ، صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا (3). # الرابع : ما ذكره الحديث (التعفير)، والتعفير في اللغة : وضع الشيء على ~~العفر ، وهو التراب. والجبين في هذا الحديث الشريف إن اريد منه الجبهة كما ~~استظهره الشيخ يوسف البحراني في الحدائق مدعيا كثرة الاستعمال بذلك في لسان ~~أهل البيت (عليهم السلام)، وقد ورد في التيمم ، فيكون الغرض بيان أن ~~الجبهة في السجود لا بد أن تكون ms266 على الأرض ؛ لأن أهل السنة لم يلتزموا ~~بوضعها على الأرض ، فإن أبا حنيفة ومالكا وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~جوزوا السجود على كور العمامة (4) وفاضل الثوب (5) والملبوس ، وجوز الحنفية ~~وضعها على الكف مع PageV01P369 # الكراهة (1)، وجوزوا السجود على الحنطة والشعير والسرير وظهر مصل أمامه ~~يصلي بمثل صلاته (2)، وإن اريد نفسه فيكون الغرض من ذكره الإرشاد إلى أن ~~الراجع في سجدة الشكر تعفير الجبين ، وإنه للتذليل والبعد عن الكبرياء ، ~~ومن هذا الجملة في الحديث استظهر صاحب المدارك رجحان تعفير الجبينين أيضا ، ~~وإليه أشار السيد بحر العلوم (قدس سره) في المنظومة ، قال في سجدة الشكر : # والخد أولى وبه النص جلا %~% وفي الجبين قد أتى محتملا # وقد ورد تعفير الخدين في سجدة الشكر (2) وبه استحق موسى بن عمران (عليه ~~السلام) الزلفى من المناجاة (3) ولم يخالف الإمامية في التعفير سواء اريد ~~من الجبين الجبهة أو نفسه ، وأهل السنة لم يلتزموا بالتعفير في الصلاة أو ~~سجدة الشكر مع أن النخعي ومالكا وأبا حنيفة كرهوا سجدة الشكر ، وإن التزم ~~بها الحنابلة (4) والشافعي (5) عند حلول كل نعمة أو زوال نقمة. ### ||| * الخلاصة في علائم المؤمن # لقد تجلى مما ذكرناه في هذه الامور التي نص عليها الحديث بأنها من علائم ~~الإيمان أن المراد من (زيارة الأربعين) فيه إرشاد الموالين لأهل البيت ~~(عليهم السلام) إلى الحضور في مشهد الغريب المظلوم سيد الشهداء (عليه ~~السلام) لإقامة العزاء وتجديد العهد بذكر ما جرى عليه من القساوة التي لم ~~يرتكبها أي أحد يحمل شيئا من الإنسانية فضلا عن الدين ، والحضور عند قبر ~~الحسين (ع) يوم الأربعين من مقتله من أظهر علائم الإيمان. # ولا ينقضي العجب ممن يتصرف في هذه الجملة بالحمل على زيارة أربعين PageV01P370 # مؤمنا مع عدم تقدم إشارة إليه ولا قرينة تساعد عليه ليصح الإتيان بالألف ~~واللام للعهد ، مع أن زيارة أربعين مؤمنا مما حث عليها الإسلام ، فهي من ~~علائمه عند الشيعة والسنة ولم يخص بها المؤمنون ليمتازوا عن غيرهم. نعم ، ~~زيارة الحسين (ع) يوم الأربعين من قتله مما يدعو إليها الإيمان الخالص ms267 لأهل ~~البيت (عليهم السلام) ويؤكدها الشوق الحسيني ، ومعلوم أن الذين يحضرون في ~~الحائر الأطهر بعد مرور أربعين يوما من مقتل سيد شباب أهل الجنة خصوص ~~المشايعين له السائرين على أثره. # ويشهد له عدم تباعد العلماء الأعلام عن فهم زيارة الحسين في الأربعين من ~~صفر من هذا الحديث المبارك ، منهم أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في ~~التهذيب 2 / 17 باب فضل زيارة الحسين (ع)، فإنه بعد أن روى الأحاديث في ~~فضل زيارته المطلقة ، ذكر المقيد بأوقات خاصة ، ومنها يوم عاشوراء ، وبعده ~~روى هذ الحديث. وفي مصباح المتهجد / 551 طبعة بمبئي ، ذكر شهر صفر وما فيه ~~من الحوادث ، ثم قال : وفي يوم العشرين منه رجوع حرم أبي عبد الله (ع) من ~~الشام إلى مدينة الرسول (ص)، وورود جابر بن عبد الله الأنصاري إلى كربلاء ~~لزيارة أبي عبد الله (ص)، فكان أول من زاره من الناس ، وهي زيارة الأربعين ~~، فروي عن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال : «علامات المؤمن ~~خمس ...». وقال أبو الريحان البيروني : في العشرين من صفر رد الرأس إلى ~~جثته فدفن معها. وفيه زيارة الأربعين ومجيء حرمه بعد انصرافهم من الشام (1). # وقال العلامة الحلي في المنتهى ، كتاب الزيارات بعد الحج : يستحب زيارة ~~الحسين (عليه السلام) في العشرين من صفر. وروى الشيخ عن أبي محمد الحسن ~~العسكري (ع) أنه قال : «علامات المؤمن خمس ...» إلى آخر الحديث. وفي ~~الإقبال للسيد رضي الدين علي بن طاووس ، عند ذكر زيارة الحسين (ع) في ~~العشرين من صفر قال : روينا بالاسناد إلى جدي أبي جعفر فيما رواه بالاسناد ~~إلى مولانا الحسن بن علي العسكري (ع) أنه قال : «علامات المؤمن خمس ...». # ونقل المجلسي (أعلى الله مقامه) في مزار البحار هذا الحديث عند ذكر فضل PageV01P371 # زيارة الحسين (ع) يوم الأربعين. وفي الحدائق للشيخ يوسف البحراني ، في ~~الزيارات بعد الحج قال : وزيارة الحسين (ع) في العشرين من صفر من علامات ~~المؤمن. وحكى الشيخ عباس القمي في المفاتيح هذه الرواية عن التهذيب ، ~~ومصباح المتهجد في الدليل على رجحان ms268 الزيارة في الأربعين ، من دون تعقيب ~~باحتمال إرادة أربعين مؤمنا. # واستبعاد بعضهم إرادة زيارة الأربعين من جهة عدم تعرض الإمام (عليه ~~السلام) للآثار الاخروية المترتبة على الزيارة مع أن أهل البيت (عليهم ~~السلام) عند الحث على زيارة المظلوم وغيره من أئمة الهدى (عليهم السلام) ~~يذكرون ما يترتب عليها من الثواب لا يصغى إليه ؛ فإن الإمام في هذا الحديث ~~إنما هو بصدد بيان علائم المؤمن التي يمتاز بها عن غيره ، وجعل منها زيارة ~~الأربعين على ما أوضحنا بيانه ، ولم يكن بصدد بيان ما يترتب على الزيارة من الأثر. # واستحباب زيارته (ع) في العشرين من صفر نص عليه الشيخ المفيد في (مسار ~~الشيعة)، والعلامة الحلي في (التذكرة) و (التحرير)، وملا محسن الفيض في ~~(تقويم المحسنين). وتفسير الشيخ البهائي في (توضيح المقاصد) الأربعين ~~بالتاسع عشر من صفر ، مبني على حساب يوم العاشر من الأربعين ، وهو خلاف ~~المتعارف. # وافتك جندا يستثير ويزأر %~% فقد المواكب أنها لك عسكر لا تسلمن إلى الدنية راحة %~% ما كان أسلمها لذل حيدر وابعث حياة الناهضين جديدة %~% فيها الاباء مؤيد ومظفر وارسم لسير الفاتحين مناهجا %~% فيها عروش الطائشين تدمر إن لم تلبك ساعة محمومة %~% ذمت فقد لبت نداءك أعصر قم وانظر البيت الحرام ونظرة %~% اخرى لقبرك فهو حج أكبر أصبحت مفخرة الحياة وحق لو %~% فخرت به فدم الشهادة مفخر قدست ما أعلى مقامك رفعة %~% أخفيه خوف الظالمين فيظهر شكت الإمارة حظها واستوحشت %~% أعوادها من عابثين تأمروا وتنكرت للمسلمين خلافة %~% فيها يصول على الصلاح المنكر سوداء فاحمة الجبين ترعرعت %~% فيها القرود ولوثتها الأنمر سكبت على نغم الأذان كؤوسها %~% وعلى الصلاة تديرهن وتعصر |||||| PageV01P372 تلك المهازل يشتكيها مسجد %~% ذهبت بروعته ويبكي منبر فشكت إليك وما شكت إلا إلى %~% بطل يغار على الصلاح ويثأر تطوى الفضائل ما عظمن وهذه %~% ام الفضائل كل عام تنشر جرداء ذابلة الغصون سقيتها %~% بدم الوريد فطاب غرس مثمر وعلى الكريهة تستفزك نخوة %~% حمراء دامية ويوم أحمر شكت الشريعة من حدود بدلت %~% فيها وأحكام هناك تغير سلبت محاسنها امية فاغتدت ms269 %~% صورا كما شاء الضلال تصور عصفت بها الأهواء فهي أسيرة %~% تشكو وهل غير الحسين محرر وافى بفتيته الصباح فساقهم %~% للدين قربان الإله فجزروا أدى الرسالة ما استطاع %~% وإنما تبليغها بدم يطل ويهدر فبذمة الإصلاح جبهة ماجد %~% تدمى ووضاح الجبين يعفر لبيك منفردا احيط بعالم تحصى %~% الحصى عددا وما إن يحصر لبيك ظام حلأوه عن الروى %~% وبراحتيه من المكارم أبحر هذي دموع المخلصين فرو من %~% عبراتها كبدا تكاد تفطر واعطف على هذي القلوب فإنها %~% ودت لو أنك في الأضالع تقبر يتزاحمون على استلام مشاعر %~% من دون روعتها الصفا والمشعر ركبوا لها الأخطار حتى لو غدت %~% تبرى الأكف أو الجماجم تنثر وافوك يوم الأربعين وليتهم %~% حضروك يوم الطف إذ تستنصر وجدوا سبيلكم النجاة وإنما %~% نصبوا لها جسر الولاء ليعبروا وتأملوك لساعة مرهوبة %~% إما الحميم بها وإما الكوثر وسيعلم الخصمان إن وافوك من %~% يرد المعين ومن يذاد ويصدر (1) ### ||| * في المدينة # لم يجد السجاد (ع) بدا من الرحيل من كربلاء إلى المدينة بعد أن أقام ~~ثلاثة أيام ؛ لأنه رأى عماته ونساءه وصبيته نائحات الليل والنهار ، يقمن من ~~قبر ويجلسن عند آخر. PageV01P373 تشكو عداها وتنعي قومها فلها %~% حال من الشجو لف الصبر مدرجه فنعيها بشجى الشكوى تؤلفه %~% ودمعها بدم الأحشاء تمزجه ويدخل الشجو في الصخر الأصم لها %~% تزفر من شظايا القلب تخرجه (1) # قال بشير بن حذلم : لما قربنا من المدينة ، نزل علي بن الحسين (ع) وحط ~~رحله وضرب فسطاطه ، وأنزل نساءه وقال : «يا بشير ، رحم الله أباك لقد كان ~~شاعرا ، فهل تقدر على شيء منه؟» قلت : بلى يابن رسول الله ، إني لشاعر. ~~فقال (ع): «ادخل المدينة وانع أبا عبد الله (ع)». قال بشير : فركبت فرسي ~~حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) رفعت صوتي ~~بالبكاء وأنشأت : # يا أهل يثرب لا مقام لكم بها %~% قتل الحسين فأدمعي مدرار الجسم منه بكربلاء مضرج %~% والرأس منه على القناة يدار # وقلت : هذا علي بن الحسين (ع) مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم وأنا ~~رسوله إليكم ms270 اعرفكم مكانه. فخرج الناس يهرعون ولم تبق مخدرة إلا برزت ، ~~تدعو بالويل والثبور ، وضجت المدينة بالبكاء ، فلم ير باك أكثر من ذلك ~~اليوم ، واجتمعوا على زين العابدين (ع) يعزونه ، فخرج من الفسطاط بيده خرقة ~~يمسح بها دموعه ، وخلفه مولى معه كرسي ، فجلس عليه ، وهو لا يتمالك من ~~العبرة ، وارتفعت الأصوات بالبكاء والحنين. # فأومأ إلى الناس أن اسكتوا ، فلما سكتت فورتهم قال (عليه السلام): # «الحمدلله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق ~~أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلا ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده ~~على عظائم الامور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل ~~الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة. # أيها القوم ، إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في ~~الإسلام عظيمة ، قتل أبو عبد الله الحسين (ع) وعترته ، وسبيت نساؤه PageV01P374 # وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان ، من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية ~~التي لا مثلها رزية. # أيها الناس ، فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله؟ أم أي فؤاد لا يحزن من ~~أجله؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها ، وتضن عن انهمالها؟ فلقد بكت السبع ~~الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات بأركانها ، والأرض ~~بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ، الملائكة ~~المقربون ، وأهل السماوات أجمعون. # أيها الناس ، أي قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أي فؤاد لا يحن إليه؟ أم أي سمع ~~يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم؟ # أيها الناس ، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار ، كأننا ~~أولاد ترك وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في ~~الإسلام ثلمناها. ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق ، ~~والله لو أن النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما ~~زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها ~~وأفجعها وأكظها وأفظها وأمرها وأفدحها ، فعند الله نحتسب ما أصابنا ، وما ~~بلغ بنا ، فإنه عزيز ذو انتقام». # فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي ms271 ، وكان زمنا واعتذر بما عنده ~~من زمانة رجليه. # فأجابه (عليه السلام) بقبول عذره وحسن الظن فيه ، وشكر له وترحم على ~~أبيه. ثم دخل زين العابدين (ع) المدينة بأهله وعياله (1) وجاء إليه إبراهيم ~~بن طلحة بن عبيد الله وقال : من الغالب؟ فقال (عليه السلام): «إذا دخل وقت ~~إلى الصلاة فأذن وأقم ، تعرف الغالب» (2). # فأما زينب ام كلثوم فأنشأت تقول : # مدينة جدنا لا تقبلينا %~% فبالحسرات والأحزان جينا PageV01P375 خرجنا منك بالأهلين طرا %~% رجعنا لا رجال ولا بنينا # ثم أخذت زينب بنت أمير المؤمنين بعضادتي باب المسجد وصاحت : يا جداه ، ~~إني ناعية إليك أخي الحسين. # وصاحت سكينة : ياجداه! إليك المشتكى مما جرى علينا ، فوالله ما رأيت أقسى ~~من يزيد ، ولا رأيت كافرا ولا مشركا شرا منه ولا أجفى وأغلظ ، فلقد كان ~~يقرع ثغر أبي بمخصرته وهو يقول : كيف رأيت الضرب يا حسين (1). # وأقمن حرائر الرسالة المأتم على سيد الشهداء ولبسن المسوح والسواد ، ~~نائحات الليل والنهار ، والإمام السجاد يعمل لهن الطعام (2). # وفي حديث الصادق (ع): «ما اختضبت هاشمية ولا أدهنت ولا اجيل مرود في عين ~~هاشمية خمس حجج حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد» (3). # وأما الرباب فبكت على أبي عبد الله حتى جفت دموعها فأعلمتها بعض جواريها ~~بأن السويق يسيل الدمعة ، فأمرت أن يصنع لها السويق لاستدرار الدموع (4). # وكان من رثائها في أبي عبد الله (ع) (5): # إن الذي كان نورا يستضاء به %~% بكربلاء قتيل غير مدفون سبط النبي جزاك الله صالحة %~% عنا وجنبت خسران الموازين قد كنت لي جبلا صعبا ألوذ به %~% وكنت تصحبنا بالرحم والدين من لليتامى ومن للسائلين ومن %~% يغني وياوي إليه كل مسكين والله لا أبتغي صهرا بصهركم %~% حتى اغيب بين الرمل والطين # وأما علي بن الحسين (ع) فانقطع عن الناس ؛ انحيازا عن الفتن وتفرغا ~~للعبادة PageV01P376 # والبكاء على أبيه ، ولم يزل باكيا ليله ونهاره ، فقال له بعض مواليه : ~~إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين. فقال (ع): «يا هذا ، إنما أشكو بثي ~~وحزني إلى الله ، وأعلم من الله ما لا ms272 تعلمون ، إن يعقوب كان نبيا فغيب ~~الله عنه واحدا من أولاده وعنده اثنا عشر ، وهو يعلم أنه حي فبكى عليه حتى ~~أبيضت عيناه من الحزن ، وإني نظرت إلى أبي وإخوتي وعمومتي وصحبي مقتولين ~~حولي ، فكيف ينقضي حزني؟! وإني لا أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة ، ~~وإذا نظرت إلى عماتي وأخواتي ذكرت فرارهن من خيمة إلى خيمة». # رأى اضطرام النار في الخباء %~% وهو خباء العز والإباء رأى هجوم الكفر والضلالة %~% على بنات الوحي والرسالة شاهد في عقائل النبوة %~% ما ليس في شريعة المروة من نهبها وسلبها وضربها %~% ولا مجير قط غير ربها شاهد سوق الخفرات الطاهرة %~% سوافر الوجوه لابن العاهرة رأى وقوف الطاهرات الزاكية %~% قبالة الرجس يزيد الطاغية وهن في الوثاق والحبال %~% في محشد الأوغاد والأنذال (1) |||||| # إليك يا رسول الله المشتكى مما أتت به امتك مع أبنائك الأطهرين من الظلم ~~والاضطهاد. والحمد لله رب العالمين. PageV01P377 ### ||| * المراثي # إن قضية سيد الشهداء (عليه السلام) بما اشتملت عليه من القساوة الشائنة ~~كانت مثيرة للعواطف ، مرققة للأفئدة ، فتذمر منها حتى من لم ينتحل دين ~~الإسلام ؛ لذلك ازدلف الشعراء قديما وحديثا ، باللغة الفصحى والدارجة ، إلى ~~ذكرها وتعريف الأجيال المتعاقبة بما جاء الامويون من استئصال شأفة آل ~~الرسول (ص) فجاؤا بما فيه نجعة المرتاد. # ومن هؤلاء المناضلين لإحياء المذهب ، الحجة آية الله الشيخ محمد حسين ~~كاشف الغطاء (نور الله ضريحه) فلقد جاء بمراث كثيرة لها حسن السبك ودقة ~~المعنى وسلاسة النظم ورقة الانشاء ، آثرنا منها أربع قصائد ساطعة في رثاء ~~السبط الشهيد سيد شباب أهل الجنة (عليه السلام): # 1 قال رحمه الله : # نفس أذابتها أسى حسراتها %~% فجرت بها محمرة عبراتها وتذكرت عهد المحصب من منى %~% فتوقدت بضلوعها جمراتها سارت وراءهم ترجع رنة %~% حنت مطاياهم لها وحداتها طلعوا بيوم للوداع وقد غدى %~% ليلا فردت شمسه جبهاتها وسروا بكل فتاة خدر إن تكن %~% بدرا فأطراف القنا هالاتها فخذوا احمرار خدودها بدمائنا %~% فجناتها دون الورى وجناتها واستعطفوا باللين أعطافا لها %~% فلقد أقمن قيامتي قاماتها وعلى عذيب الريق بارق لؤلؤ ms273 %~% بالمنحنى من أضلعي قبساتها لاثت على شهدية بخمارها %~% والخمر يشهد إنه للثاتها لله يوم تلفتت لو أنها %~% كانت لقتلى حبها لفتاتها ثملت بخمرة ريقها أعطافها %~% وزهت بلؤلؤ ثغرها لثاتها ومشت فخاطرت النفوس كأنما %~% ماست بخطار القنا خطراتها ومن البلية أنني أشكو لها %~% بلوى الضنا فتزيدني لحظاتها وأبيت أسهر ليلتي وكأنما %~% قد وفرت في جنحها وفراتها ومهى قنصت لصيدهن فعدت في %~% شرك الغرام وأفلتت ظبياتها عجبا تفاد لي الاسود مهابة %~% وتقودني وأنا الأبي مهاتها أنا من بعين المكرمات ضياؤها %~% لكن بعين الحاسدين قذاتها |||||| PageV01P378 || || || || || || || || || || || || || || || || || || || || || || إن أنكرتني مقلة عميا فلا %~% عجب فإني في سناني فقأتها %~% تعسا لدهر ~~أصبحت أيامه %~% والغدر نجح عداتها وعداتها %~% لا غرو أن تعتد بنوه الغدر ~~%~% فالأبناء من آبائها عاداتها %~% ولقد وجدت ملاءة الدنيا %~% خلت من عفة ~~ونجابة فملاتها %~% وأرى أخلائي غداة خبرتهم %~% أعدى عدى شنت بنا غاراتها ~~%~% كنت الحماة أظنهم فكشفتهم %~% عن عقرب لسعت حشاي حماتها %~% وتعدهم ~~نفسي الحياة لها %~% وقد دبت إليها منهم حياتها %~% أسدت إلي بكل سيئة ومن ~~%~% صفحى أقدر أنها حسناتها %~% ولكم عليها من يد بيضاء لي %~% قد سودتها ~~اليوم تمويهاتها %~% إن فصلت لي الغدر أنواعا فقد %~% عرفت بخبث الجنس ~~ماهياتها %~% لؤمت إساءتها فهانت واستوى %~% نبح الكلاب علي أو أصواتها %~% ~~وتكرما عنها صددت وإنني %~% لولا خساستها علي خساتها %~% ولقد دنت شأنا ~~فلولا عفتي %~% عن وطء كل دنية لوطاتها %~% وأنا الشجى في حلقها فلو أنها ~~%~% تجد المساغ قذفن بي لهواتها %~% وتهش بشرا إن حضرت فإن أغب %~% قذفت ~~بجمرة غيظها حصياتها %~% كم صانعتني بالدهاء وإنما أدهى %~% الورى شرا علي ~~دهاتها %~% لكن جبلت على الوفاء فلو جنت %~% يدها على عيني العمى لدراتها ~~%~% وأنا العصي من الإبا وخلائقي %~% في طاعة الحر الكريم عصاتها %~% عودت ~~عيني الإباء فلم تسل %~% إلا لآل محمد عبراتها %~% كم غارة لك يا زمان ~~شننتها %~% لم أستطع دفعا لها فشناتها %~% وأرى الليالي منك حلبى لم تلد ~~%~% للحر غير ملمة غدراتها %~% تجرى لها العبرات حمرا إن جرت %~% ذكرا على ~~أسماعنا عثراتها %~% ووددت مذ جارت على أبنائها %~% ورمت بنيها ms274 بالصروف ~~بناتها %~% عدلت بآل محمد فيما قضت %~% وهم أئمة عدلها وقضاتها %~% ~~المرشدون المرفدون فكم هدى %~% وندى تميح صلاتها وصلاتها %~% والمنعمون ~~المطعمون إذا انبرت %~% نكباء صوحت الثرى نكباتها %~% والجامعون شتات غر ~~مناقب %~% لم تجتمع بسواهم أشتاتها %~% يا غاية تقف العقول كليلة %~% عنها ~~وإن ذهبت بها غاياتها PageV01P379 # ياجذوة القدس التي ما أشرقت %~% شهب السما لو لم تكن لمعاتها ياقبة الشرف التي لو في الثرى %~% نصبت سمت هام السما شرفاتها ياكعبة لله إن حجت لها %~% الأملاك منه فعرشه ميقاتها يانقطة الباء التي باءت لها %~% الكلمات وائتلفت بها ألفاتها يا وحدة الحق التي ما إن لها %~% ثان ولكن ما انتهت كثراتها يا وجهة الأحدية العليا التي %~% بالأحمدية تستنير جهاتها يا عاقلي العشر العقول ومن لها %~% السبع الطباق تحركت سكناتها أقسمت لو سر الحقيقة صورة %~% راحت وأنتم للورى مرآتها أنتم مشئته التي خلقت بها %~% الأشياء بل ذرئت بها ذراتها وخزانة الأسرار بل خزانها %~% وزجاجة الأنوار بل مشكاتها أنا في الورى قال لكم إن لم أقل %~% ما لم تقله في المسيح غلاتها سفها لحلمي إن تطر بثباتي السف %~% هاء مذ طارت بها جهلاتها أنا من شربت هناك أول درها %~% كأسا سرت بسرائري نشواتها فاليوم لا أصحو وإن ذهبت بي %~% الأقوال أو شدت علي رماتها أو هل ترى يصحو صريع مدامة %~% مما به إن عنفته صحاتها أو هل يحول أخو الحجى عن رشده %~% مما تؤنبه عليه غواتها بأبي وبي من هم أجل عصابة %~% سارت تؤم بها العلا سرواتها عطري الثياب سروا فقل في روضة %~% غب السحاب سرت بها نسماتها ركب حجازيون عرقت العلا %~% فيهم ومسك ثنائهم شاماتها تحدو الحداة بذكرهم وكأنما %~% فتقت لطيمة تاجر لهواتها ومطوحين ولا غناء لهم سوى %~% هزج التلاوة رتلت آياتها وإلى اللقاء تشوقا أعطافها %~% مهزوزة فكأنها قنواتها خفت بهم نحو المنايا همة %~% ثقلت على جيش العدى وطآتها وبعزمها من مثل ما بأكفها %~% قطع الحديد تأججت لهباتها فكأن من عزماتها أسيافها %~% طبعت ومن أسيافها عزماتها قسم الحيا فيها فمن مقصورة %~% الأيدي وممدودة قسماتها وملوك ms275 بأس في الحروب قبابها %~% قب البطون ودستها صهواتها يسطون في الجم الغفير ضياغما %~% لكنما شجر القنا أجماتها PageV01P380 كالليث أو كالغيث في يومي وغى %~% وندى غدت هباتها وهباتها حتى إذا نزلوا العراق فأشرقت %~% أكنافها وزهت بهم عرصاتها ضربوا الخيام بكربلا وعليهم %~% قد خيمت ببلائها كرباتها نزلوا بها فانصاع من شوك القنا %~% ولظى الهواجر ماؤها ونباتها وأتت بنو حرب تروم ودون ما %~% رامت تخر من السما طبقاتها رامت بأن تعنو لها سفها وهل %~% تعنو لشر عبيدها ساداتها وتسومها إما الخضوع أو الردى %~% عزا وهل غير الإباء سماتها فأبوا وهل من عزة أو ذلة %~% إلا وهم آباؤها واباتها وتقحموا ليل الحروب فأشرقت %~% بوجوههم وسيوفهم ظلماتها وبدت علوج امية فتعرضت %~% للأسد في يوم الهياج شياتها تعدو لها فتميتها رعبا وذي %~% يوم اللقا بعداتها عاداتها فتخر بعد قلوبها أذقانها %~% وتفر قبل جسومها هاماتها وباسرة من آل أحمد فتية %~% صينت ببذل نفوسها فتياتها يتضاحكون إلى المنون كأن في %~% راحاتها قد أترعت راحاتها وترى الصهيل مع الصليل كأنه %~% فيهم قيان رجعت نغماتها وكأنما سمر الرماح معاطف %~% فتمايلت لعناقها قاماتها وكأنما بيض الظبى بيض الدمى %~% ضمنت لمى رشفاتها شفراتها وكأنما حمر النصول أنامل %~% قد خضبتها عندما كاساتها ومذ الوغى شبت لظى وتقاعست %~% دون الشدائد نكصا شداتها وغدت تعوم من الحديد بلجة %~% قد أنبتت شجر القنا حافاتها خلعوا لها جنن الدروع ولاح من %~% نيرانها لجنانهم جناتها وتزاحفوا يتنافسون على لقى %~% الآجال تحسب أنها عاداتها بأكفها عوج الأسنة ركع %~% ولها الفوارس سجد هاماتها حتى إذا وافت حقوق وفائها %~% وعلت بفردوس العلى درجاتها شاء الإله فنكست أعلامها %~% وجرى القضاء فنكصت راياتها وهوت كما انهالت على وجه الثرى %~% من صم شاهقة الذرى هضباتها وغدت تقسم بالظبى أشلاؤها %~% لكن تزيد طلاقة قسماتها ثم انثنى فردا أبو السجاد فاج %~% تمعت عليه طغامها وطغاتها PageV01P381 || || || || || || || || || غير أن يحمل عزمة عملت إلى %~% حرب جيوش منية حملاتها %~% تلوي باولاهم على ~~اخراهم %~% وتجول في أوساطهم سطواتها %~% يحمي مخيمه فقل أسد الشرى %~% ~~ديست على أشبالها غاباتها %~% خطب العدى فوق العوادي ms276 خطبة %~% للسانه ~~وسنانه كلماتها %~% وعظ اللسان ومذ عتوا عن أمره %~% طعن السنان فلم تفته ~~عتاتها %~% نثر الرؤوس بسيفه ونظمن في %~% سلك القنا لقلوبهم حباتها %~% إن ~~يشرع الخرصان نحو مكردس %~% ردت ومن أكبادها عذباتها %~% واذا هوت بالبيض ~~قبضة كفه %~% عادت على أرواحهم قبضاتها %~% يروي الثرى بدمائهم وحشاه من ~~%~% ظمأ تطاير شعلة قطعاتها %~% لو قلبت من فوق غلة قلبه %~% صم الصفا ذابت ~~عليه صفاتها %~% تبكي السماء له دما أفلا بكت %~% ماء لغلة قلبه قطراتها ~~%~% وا حر قلبي يابن بنت محمد %~% لك والعدى بك انجحت طلباتها %~% منعتك من ~~نيل الفرات فلا هنا %~% للناس بعدك نيلها وفراتها %~% وعلى الثنايا منك ~~يلعب عودها %~% وبرأسك السامي تشال قناتها %~% وبهم تروح العاديات وتغتدي ~~%~% وجسومكم فوق الثرى حلباتها %~% ونساؤكم أسرى سرت بسراتكم %~% تدعو ~~وعنها اليوم أين سراتها %~% هاتيك في حر الهجير جسومها %~% صرعى وتلك على ~~القنا هاماتها %~% بأبي وبي منهم محاسن في الثرى %~% للحشر تنشر فخرهم ~~حسناتها %~% أقوت معالم انسهم والوحش كم %~% راحت ومن أسيافهم أقواتها %~% ~~يا هل ترى مضرا درت ماذا لقت %~% في كربلا أبناؤها وبناتها %~% خفرت لها ~~أبناء حرب ذمة %~% هتكت لها ما بينهم خفراتها %~% جارت على تلك المنيعات ~~التي %~% تهوى النجوم لو أنها جاراتها %~% حتى غدت بين الأراذل مغنما %~% ~~تنتاشها أجلافها وجفاتها %~% فلضربها أعضادها ولسلبها %~% أبرادها ولنهبها ~~أبياتها %~% وثواكل لما دفعن عن البكا %~% والنوح رددت الشجى لهواتها %~% ~~زفراتها لو لم تكن مشفوعة %~% بالدمع أضرمت السما جذواتها %~% وعلى الأيانق ~~من بنات محمد %~% في الشمس تصلى حرها أخواتها %~% أبدى العدو لها وجوها لم ~~تبن %~% حتى لأنفاس الصبا صفحاتها PageV01P382 # ومروعة في السبي تشكو بثها %~% فتجاب ضربا بالسياط شكاتها قامت تسب لها الجدود أراذل %~% قعدت بها عن شاوهم سباتها يا غيرة الجبار أنى والعدى %~% راحت وفي أبياتكم غاراتها يا حرمة هتكت لعزة أحمد %~% فيها وعزة ربه حرماتها أحماة دين الله كيف بناتكم %~% ساروا بها والشامتون حماتها تطوي الفلاة بها وما ضاقت على %~% حرب بشعث خيولكم فلواتها كفأت لكم ظهر المجن فهل سوى %~% عزماتكم وهي الحتوف كفاتها وخيامكم تلك التي ms277 أوتادها %~% شهب السماء وعرشها داراتها بالنار أضرمها العدو وأنتم %~% أربابها وحريمكم رباتها فرت تعادى في الفلاة نوائحا %~% حسرى تقطع قلبها حسراتها حتى إذا وقفت على جثث لكم %~% طالب عليها للظبى وقفاتها قدحت لكم زند العتاب فلم تجد %~% غير السياط لجنبها هفواتها وسرت على حال يحق لشجوها %~% الأفلاك لو وقفت لها حركاتها حنت ولولا زجر زجر ما حدت %~% أظعانها بسوى الحنين حداتها يا لوعة قعدت وقامت في الحشا %~% خرساء تنطق بالشجى نفثاتها قعدت ولا تنفك أو أرزاؤكم %~% بقيام قائمكم تصاب تراتها فانهض فدى لك أنفس كمنت %~% بها طير الشجون كأنها وكناتها واحصد رؤوسهم فكم رأس لكم %~% حصدته بعد ولم يشب شباتها وأحرق لهم صنمي ضلال وطدا %~% لهم الامور فأمكنت وثباتها تبعا بما ابتدعا فما من سوأة %~% إلا وفي عنقيهما تبعاتها وهما اللذان عليكم قد جزءا %~% من لا يداني نعلكم جبهاتها جرا إليكم كل جور نالكم %~% من عصبة فعليهما لعناتها فلرزئكم إن لم أمت حزنا فلي %~% نفس أذابتها أسى زفراتها ولقد نشرت رثا لكم وكأن في %~% طي الجوانح للقنا وخزاتها وإليكم من بكر فكري ثاكل %~% تنعى فتهتف بالنفوس نعاتها منكم لكم أهديتها وبرزئكم %~% آل النبي ختمتها وبدأتها ولنشاتي أنشأتها ذخرا لكم %~% أفهل أخيب وفيكم أنشأتها ولمهجتي بولاكم الحسنى إذا %~% فقدت غدا بصحيفتي حسناتها ||||||||||| PageV01P383 || || || || || || || || || # فولاؤكم حسبي وإني عبدكم %~% فخري وذخري أن تضق حلقاتها وإليكم شكواي من نفس غدت %~% تقتادني للسوء إماراتها وجرائم عبت بمهلك لجة %~% ترمي لها بنفوسها غفلاتها وأنا الغريق بها فهل إلا بكم %~% للنفس يا سفن النجاة نجاتها وعليكم يا رحمة الباري من الت %~% سليم ما سارت به صلواتها # * * * # 2 وقال أيضا : # أقوت فهن من الأنيس خلاء %~% دمن محت آياتها الأنواء درست فغيرها البلى فكأنما %~% طارت بشمل أنيسها عنقاء يا دار مقرية الضيوف بشاشة %~% وقراي منك الوجد والبرحاء عبقت بتربك نفحة مسكية %~% وسقت ثراك الديمة الوطفاء عهدي بربعك آنسا بك آهلا %~% يعلوه منك البشر والسراء وثرى ربوعك للنواظر أثمد %~% والعقد حلي ضيائك الحصباء قد كان مجتمع الهوى واليوم في %~% عرصاته تتفرق ms278 الأهواء أخنى عليه دهره والدهر لا %~% يرجى له بذوي الوفاء وفاء أين الذين ببشرهم وبنشرهم %~% يحيا الرجال وتأرج الأرجاء ضربوا بعرصة كربلا خيامهم %~% فأطل كرب فوقها وبلاء لله أي رزية في كربلا %~% عظمت فهانت دونها الأرزاء يوم به سل ابن أحمد مرهفا %~% لفرنده بدجى الوغى لألاء وفدى شريعة جده بعصابة %~% تفدى وقل من الوجود فداء صيد إذا ارتعد الكمي مهابة %~% ومشت إلى أكفائها الأكفاء وعلا الغبار فأظلمت لولا سنا %~% جبهاتها وسيوفها الهيجاء عشت العيون فليس إلا الطعنة %~% النجلا وإلا المقلة الخوصاء زحفوا إلى ورد المنون تشوقا %~% حتى كأن مماتها الأحياء عبست وجوه عداهم فتبسموا %~% فرحا وأظلمت الوغى فأضاؤا فلها قراع السمهري تسامر %~% وصليل وقع المرهفات غناء بأبي لها من أن تشم مذلة %~% أنف أشم وهمة قعساء |||||||||| PageV01P384 # يقتادهم للحرب أروع ماجد %~% صعب القياد على الأبا أباء صحبته من عزماته هندية %~% بيضاء أو يزنية سمراء تجري المنايا السود طوع يمينه %~% وتصرف الأقدار حيث تشاء ذلت لعزمته القروم بموقف %~% عقت به آباءها الأبناء بفرائص رعدت وهامات همت %~% مذ لاح بارق سيفه الوضاء ولئن تنكر في العجاج فطالما %~% شهدت بغر فعاله الهيجاء من أبيض نثر الرؤوس وأسمر %~% نظمت بسلك كعوبه الأحشاء كره الحمام لقاءه في معرك %~% حسدت به أمواتها الأحياء بأبي أبي الضيم سيم هوانه %~% فلواه عن ورد الهوان إباء وتألبوا زمرا عليه تقودها %~% لقتاله الأحقاد والبغضاء فسطا عليهم مفردا فثنت له %~% تلك الجموع النظرة الشزراء يا واحدا للشهب من عزماته %~% تسري لديه كتيبة شهباء ضاقت بها سعة الفضاء على العدى %~% فتيقنوا ما بالنجاة رجاء فغدت رؤوسهم تخر أمامهم %~% فوق الثرى وجسومهن وراء تسع السيوف رقابهم ضربا وبا %~% لأجسام منهم ضاقت البيداء ما زال يفنيهم إلى أن كاد أن %~% يأتي على الإيجاد منه فناء لكنما طلب الإله لقاءه %~% وجرى بما قد شاء فيه قضاء فهوى على غبرائها فتضعضعت %~% لهويه الغبراء والخضراء وعلا السنان برأسه فالصعدة %~% السمراء فيها الطلعة الغراء ومكفن وثيابه قصد القنا %~% ومغسل وله المياه دماء ظام تفطر قلبه ظمأ وبا %~% لحملات منه ms279 ترتوي الغبراء تبكي السماء دما له أفلا بكت %~% ماء لغلة قلبه الأنواء وآ لهف قلبي يابن بنت محمد %~% لك والعدى بك أدركوا ما شاؤا فلخيلها أجسامكم ولنبلها %~% أكبادكم ولقضبها الأعضاء وعلى رؤوس السمر منكم أرؤوس %~% شمس الضحى لوجوهها حرباء يابن النبي أقول فيك معزيا %~% نفسا وعز على الثكول عزاء ما غض من علياك سوء صنيعهم %~% شرفا وإن عظم الذي قد جاؤا إن تمس مغبر الجبين معفرا %~% فعليك من نور النبي بهاء |||||||||||| PageV01P385 || || || || || || || || || # أو تبق فوق الأرض غير مغسل %~% فلك البسيطان الثرى والماء أو تغتدى عار فقد صنعت لكم %~% برد العلا الخطي لا صنعاء أو تقض ظمآن الفؤاد فمن دما %~% أعداك سيفك والرماح رواء فلو أن أحمد قد رآك على %~% الثرى لفرشن منه لجسمك الأحشاء أو بالطفوف رأت ظماك سقتك من %~% ماء المدامع امك الزهراء يا ليت لا عذب الفرات لوارد %~% وقلوب أبناء النبي ظماء كم حرة نهب العدى أبياتها %~% وتقاسمت أحشاءها أرزاء تعدو وتدعو بالحماة ولم يكن %~% بسوى السياط لها يجاب دعاء تعدو فإن عادت عليها بالعدى %~% عدو العوادي الجرد والأعداء هتفت تثير كفيلها وكفيلها %~% قد أرمضته في الثرى الرمضاء يا كعبة البيت الحرام ومن سمت %~% بهم على هام السما البطحاء لله يوم فيه قد أمسيتم %~% أسراء قوم هم لكن طلقاء حملوا لكم في السبي كل مصونة %~% وسروا بها في الأسر أنى شاؤا ثكلى تحن لشجوها عيس الفلا %~% وترق إن ناحت لها الورقاء تنعى ليوث البأس من فتيانها %~% وغيوثها إن عمت البأساء رقدوا وليس بعزمهم من قدرة %~% وغفوا وما في بأسهم إعفاء تبكيهم بدم فقل بالمهجة الحرى %~% تسيل العبرة الحمراء ناحت فلما غضضت من صوتها %~% بزفيرها أنفاسها الصعداء حنت ولكن الحنين بكى وقد %~% ناحت ولكن نوحها أيماء وقست عليهن القلوب فدونها %~% الصخر الأصم ودونها الخنساء وحدت بهن اليعملات كلابها %~% ولهن رجع حنينهن حداء ومقيد قام الحديد بمتنه %~% غلا وأقعد جسمه الاعياء رهن الضنا قعدت به أسقامه %~% وسرت به المهزولة العجفاء وغدت ترق على بليته العدى %~% ما حال من رقت له الأعداء ms280 لله سر الله وهو محجب %~% وضمير غيب الله وهو خفاء أنى اغتدى للكافرين غنيمة %~% في حكمها ينقاد حيث يشاؤا نصب العيون وكلها عمياء %~% الأمصار فيه وترتمي الأحياء طوع الأكف وكلهن لئيمة %~% نصب العيون وكلها عمياء |||||||||||| PageV01P386 # وهو الذي لو شاء أن يفنيهم %~% قذفتهم الدئماء والدهماء وهوت له شهب السماء بقوسها %~% وأطاعه الإصباح والإمساء آل النبي لأن تعاظم رزؤكم %~% وتصاغرت في وقعه الأرزاء فلأنتم يا أيها الشفعاء في %~% يوم الجزاء وأنتم الخصماء وإليكم من بكر فكري ثاكل %~% تنعى وقد أودت بها البرحاء حسناء جاءت للعزاء ولم تعد %~% إلا بحسن منكم الحسناء |||||||| # * * * # 3 وقال أيضا : # خذوا الماء من عيني والنار من قلبي %~% ولا تحملوا للبرق منا ولا السحب ولا تحسبوا نيران وجدى تنطفي %~% بطوفان ذاك المدمع السافح الغرب ولا أن ذاك السيل يبرد غلتي %~% فكم مدمع صب لذي غلة صب ولا أن ذاك الوجد مني صبابة %~% لغانية عفراء أو شادن ترب نفى عن فؤادي كل لهو وباطل %~% لواعج قد جرعنني غصص الكرب أبيت لها أطوي الضلوع على جوى %~% كأني على جمر الغضا واضعا جنبي رزاياكم يا آل بيت محمد %~% أغص لذكراهن بالمنهل العذب عمى لعيون لا تفيض دموعها %~% عليكم وقد فاضت دماكم على الترب وتعسا لقلب لا يمزقه الأسى %~% لحرب بها قد مزقتكم بنو حرب فوا حرتا قلبي وتلكم حشاشتي %~% تطير شظاياها بواحرتا قلبي أأنسى وهل ينسى رزاياكم التي %~% البت على دين الهداية ذولب أأنساكم حرى القلوب على الظما %~% تذادون ذود الخمص عن سائغ الشرب أأنسى بأطراف الرماح رؤوسكم %~% تطلع كالأقمار في الأنجم الشهب أأنسى طراد الخيل فوق جسومكم %~% وماوطأت من موضع الطعن والضرب أأنسى دماء قد سفكن وأدمعا %~% سكبن وأحرارا هتكن من الحجب أأنسى بيوتا قد نهبن ونسوة %~% سلبن وأكبادا أذبن من الرعب أأنسى اقتحام الظالمين بيوتكم %~% تروع آل الله بالضرب والنهب أأنسى اضطرام النار فيها وما بها %~% سوى صبية فرت مذعرة السرب |||||||||| PageV01P387 || || || || || || || || || # أأنسى لكم في عرصة الطف موقفا %~% على الهضب كنتم فيه أرسى من الهضب تشاطرتموا فيه رجالا ونسوة %~% على قلة ms281 الأنصار فادحة الخطب فأنتم به للقتل والنبل والقنا %~% ونسوتكم للأسر والسبى والسلب إذا أوجبت أحشاءها وطأة العدى %~% علا ندبها لكن على غوثها الندب وإن نازعتها الحلي فالسوط كم له %~% على عضديها من سوار ومن قلب وإن جذبت عنها البراقع جددت %~% براقع تعلوهن حمرا من الضرب وان سلبت عنها المقانع قنعت %~% اذا بثت الشكوى عن السلب بالسب وثاكلة حنت فما العيس في الفلا %~% وناحت فما الورقاء في الغصن الرطب تروي الثرى بالدمع والقلب ناره %~% تشب وقد يخطي الحيا موضع الجدب وتندب عن شجو فتعطي بندبها %~% لكل حشى ما في حشاها من الندب وتنعى فتشجي الصم زينب إذ نعت %~% وتصدع شكواها الرواسي من الخطب تثير على وجه الثرى من حماتها %~% ليوث وغى لكن موسدة الترب نيام على الأحقاف لكن بلا كرى %~% ونشوانة الأعطاف لكن بلا شرب تطارحهم بالعتب شجوا وإنها %~% لتعلم بعد القوم عن خطة العتب حموا خدرها حتى استبيحت دماؤهم %~% وطلت وما طالت إليها يد النصب ومن دونها أجسامهم ورؤوسهم %~% غدت نهب أطراف الأسنة والقضب فيا مدركي الأوتار حتى م صبركم %~% وأوتاركم ضاقت بها سعة الرحب ويا طاعني صدر الكتائب ما لكم %~% قعدتم وفي أيديكم قائم العضب ويا طاحني هام العدى ما انتظاركم %~% وقد طحنتكم في الحروب رحى حرب ويا مزعجي أسد الشرى ما قعودكم %~% وقد ظفرت من ليثكم ظفر الكلب جبار بأيدي الظالمين دماؤكم %~% فيا غيرة الجبار من غضب هبي فكم غرة فوق الرماح وحرة %~% لآل رسول الله سيقت على النجب وكم من يتيم موثق ليتيمة %~% ومسبية بالحبل شدت إلى مسبي بني النسب الوضاح والحسب الذي %~% تعالى فأضحى قاب قوسين للرب إذا عدت الأنساب للفخر أو غدت %~% تطاول بالأنساب سيارة الشهب فما نسبي إلا انتسابي إليكم %~% وما حسبي إلا بأنكم حسبي |||||||||| # 4 وقال : # في القلب حر جوى ذاك توهجه %~% الدمع يطفيه والذكرى تؤججه PageV01P388 # أفدي الاولى للعلا أسرى بهم ظعن %~% وراء حاد من الاقدار يزعجه ركب على جنة المأوى معرسه %~% لكن على محن البلوى معرجه مثل الحسين تضيق الأرض فيه فلا ms282 %~% يدري إلى أين مأواه ومولجه ويطلب الأمن بالبطحا وخوف بني %~% سفيان يقلقه عنها ويخرجه وهو الذي شرف البيت الحرام به %~% ولاح بعد العمى للناس منهجه يا حائرا لا وحاشا نور عزمته %~% بمن سواك الهدى قد شع مسرجه وواسع الحلم والدنيا تضيق به %~% سواك إن ضاق خطب من يفرجه ويا مليكا رعاياه عليه طغت %~% وبالخلافة باريه متوجه يا عاريا قد كساه النور ثوب سنا %~% زها بصبغ الدم القاني مدبجه يا ري كل ظما واليوم قلبك من %~% حر الظما لو يمس الصخر ينضجه يا ميتا بات والذاري يكفنه %~% والأرض بالترب كافورا تؤرجه ويا مسيح هدى للرأس منه على %~% الرماح معراج قدس راح يعرجه ويا كليما هوى فوق الثرى صعقا %~% لكن محياه فوق الرمح أبلجه ويا مغيث الهدى كم تستغيث ولا %~% مغيث نحوك يلويه تحرجه فأين جدك والأنصار عنك ألا %~% هبت له أوسه منهم وخزرجه وأين فرسان عدنان وكل فتى %~% شاكي السلاح لدى الهيجا مدججه وأين عنك أبوك المرتضى أفلا %~% يهيجه لك إذ تدعو مهيجه يروك بالطف فردا بين جمع عدى %~% البغي يلجمه والغي يسرجه تخوض فوق سفين الخيل بحر دم %~% بالبيض والسمر زخار مموجه حاشا لوجهك يا نور النبوة أن %~% يمسي على الأرض مغبرا مبلجه وللجبين بأنوار الإمامة قد %~% زها وصخر بني صخر يشججه أعيذ جسمك يا روح النبي بأن %~% يبقى ثلاثا على البوغا مضرجه عار يحوك له الذكر الجميل ردى %~% أيدي صنائعه بالفخر تنسجه والرأس بالرمح مرفوع مبلجه %~% والثغر بالعود مقروع مفلجه حديث رزء قديم الأصل أخرج إذ %~% عن الاولى صح اسنادا مخرجه تالله ما كربلا لو لا سقيفتهم %~% ومثل ذا الفرع ذاك الأصل ينتجه وفي الطفوف سقوط السبط منجدلا %~% من سقط محسن خلف الباب منهجه وبالخيام ضرام النار من حطب %~% بباب دار ابنة الهادي تأججه ||||||||||||| PageV01P389 || || || || || || || || || # لكن امية جاءتكم بأخبث ما %~% كانت على ذلك المنوال تنسجه سرت بنسوتكم للشام في ظعن %~% قبابه الكور والأقتاب هودجه من كل والهة حسرى يعنفها %~% على عجاف المطى بالسير مدلجه كم دحلج صاغه ضرب السياط على ms283 %~% زند بأيدي الجفاة ابتز دملجه ولا كفيل لها غير العليل سرت %~% ترثى له ألم البلوى وتنشجه تشكو عداها وتنعى قومها فلها %~% حال من الشجو لف الصبر مدرجه فنعيها بشجى الشكوى تؤلفه %~% ودمعها بدم الأحشاء تمزجه ويدخل الشجو في الصخر الأصم %~% لها تزفر من شظايا القلب تخرجه فيا لأرزائكم سدت على جزعي %~% بابا من الصبر لا ينفك مرتجه يفر قلبي من حر الغليل إلى %~% طول العويل ولكن ليس يثلجه أود أن لا أزال الدهر انشئها %~% مراثيا له تمس الطود تزعجه ومقولي طلق في القول أعهده %~% لكن عظيم رزاياكم يلجلجه ولا يزال على طول الزمان لكم %~% في القلب حر جوى ذاك توهجه |||||||| # للحجة آية الله الشيخ محمد حسين الاصفهاني (قدس سره): # أسفر صبح اليمن والسعادة %~% عن وجه سر الغيب والشهادة أسفر عن مرآة غيب الذات %~% ونسخة الأسماء والصفات تعرب عن غيب الغيوب ذاته %~% تفصح عن أسمائه صفاته ينبئ عن حقيقة الخلائق %~% بالحق والصدق بوحه لائق لقد تجلى أعظم المجالي %~% في الذات والصفات والأفعال روح الحقيقة المحمدية %~% عقل العقول الكمل العلية فيض مقدس عن الشوائب %~% مفيض كل شاهد وغائب تنفس الصبح بنور لم يزل %~% بل هو عند أهله صبح الأزل وكيف وهو النفس الرحماني %~% في نفس كل عارف رباني به قوام الكلمات المحكمة %~% به نظام الصحف المكرمة تنفس الصبح بسر القدم %~% بصورة جامعة للكلم تنفس الصبح بالاسم الأعظم %~% محا عن الوجود رسم العدم بل فالق الإصباح قد تجلى %~% فلا ترى بعد النهار ليلا فأصبح العلم ملاء النور %~% وأي نور فوق نور الطور |||||||| PageV01P390 # ونار موسى قبس من نوره %~% بل كل ما في الكون من ظهوره أشرق بدر من سماء المعرفة %~% به استبان كل اسم وصفة به استنار عالم الإبداع %~% والكل تحت ذلك الشعاع به استنار ما يرى ولا يرى %~% من ذرة العرش إلى فوق الثرى فهو بوجهه الرضي المرضي %~% نور السماوات ونور الأرض أفلا توازي نوره الأنوار %~% بل جل أن تدركه الأبصار غرته بارقة الفتوة %~% قرة عين خاتم النبوة تبدو على غرته الغراء %~% شارقة ms284 الشهامة البيضاء بادية من آية الشهامة %~% دلائل الإعجاز والكرامة من فوق هامة السماء همته %~% تكاد تسبق القضا مشيئته ما همة السماء من مداها %~% إن إلى ربك منتهاها ام الكتاب في علو المنزلة %~% وفي الإبا نقطة باء البسملة تمت به دائرة الشهادة %~% وفي محيطها له السيادة لو كشف الغطاء عنك لا ترى %~% سواه مركزا لها ومحورا وهل ترى لملتقى القوسين %~% أثبت نقطة من الحسين فلا ورب هذه الدوائر %~% جل عن الأشباه والنظائر بشراك يا فاتحة الكتاب %~% بالمعجز الباقي مدى الأحقاب وآية التوحيد والرسالة %~% وسر معنى لفظة الجلالة بل هو قرآن وفرقان معا %~% فما أجل شأنه وأرفعا هو الكتاب الناطق الإلهي %~% وهو مثال ذاته كما هي ونشأة الاسماء والشؤون %~% كل نقوش لوحه المكنون لا حكم للقضاء إلا ما حكم %~% كأنه طوع بنانه القلم رابطة المراد بالإرادة %~% كأنه واسطة القلادة ناطقة الوجود عين المعرفة %~% ونسخة اللاهوت عينا وصفة في يده أزمة الأيادي %~% بالقبض والبسط على العباد بل يده العليا يد الإفاضة %~% في الأمر والخلق ولا غضاضة لك الهنا يا سيد الكونين %~% فغاية الآمال في الحسين وارث كل المجد والعلياء %~% من المحمدية البيضاء |||||||||||| PageV01P391 || || || || || || || || || # فإنه منك وأنت منه في %~% كل المعالي يا له من شرف وفيه سر الكل في الكل بدا %~% روحان في روح الكمال اتحدا لك العروج في السماوات العلا %~% له العروج في سماوات الملا حظك منتهى الشهود في دنا %~% وسهمه أقصى المنى من الفنا منك أساس العدل والتوحيد %~% منه بناء قصره المشيد منك لواء الدين وهو حامله %~% قام بحمله الثقيل كاهله والمكرمات والمعالي كلها %~% أنت لها المبدأ وهو المنتهى لك الهنا يا صاحب الولاية %~% بنعمة ليس لها نهاية أنت من الوجود عين العين %~% فكن قرير العين بالحسين شبلك في القوة والشجاعة %~% نفسك في العزة والمناعة منطقك البليغ في البيان %~% لسانك البديع في المعاني طلعتك الغراء بالإشراق %~% كالبدر في الأنفس والآفاق صفاتك الغر له ميراث %~% والمجد ما بين الورى تراث لك الهنا يا غاية الإيجاد %~% بمبدئ الخيرات والأيادي وهو سفينة النجاة في اللجج %~% وبابها ms285 السامي ومن لج ولج سلطان إقليم الحفاظ والإبا %~% مليك عرش الفخر اما وأبا رافع راية الهدى بمهجته %~% كاشف ظلمة العمى ببهجته به استقامت هذه الشريعة %~% به علت أركانها الرفيعة بنى المعالي بمعالي هممه %~% ما اخضر عود الدين إلا بدمه بنفسه اشترى حياة الدين %~% فيا لها من ثمن ثمين أحيا معالم الهدى بروحه %~% داوى جروح الدين من جروحه جفت رياض العلم بالسموم %~% لم يروها إلا دم المظلوم فأصبحت مورقة الأشجار %~% يانعة زاكية الثمار أقعد كل قائم بنهضته %~% حتى أقام الدين بعد كبوته قامت به قواعد التوحيد %~% مذ لجأت بركنها الشديد وأصبحت قوية البنيان %~% بعزمه عزائم القرآن غدت به سامية القباب %~% معاهد السنة والكتاب أفاض كالحيا على الوراد %~% ماء الحياة وهو ظام صادي |||||| PageV01P392 # وكضه الظما وفي طي الحشا %~% ري الورى والله يقضي ما يشا والتهبت أحشاؤه من الظما %~% فأمطرت سحائب القدس دما وقد بكته والدموع حمر %~% بيض السيوف والرماح السمر تفطر القلب من الظما %~% وما تفتر العزم ولا تثلما ومن يدك نوره الطور فلا %~% يندك طود عزمه من البلا تعجب من ثباته الأملاك %~% ومن تجولاته الأفلاك لا غرو أنه ابن بجدة اللقا %~% قد ارتقى في المجد خير مرتقى شبل علي وهو ليث غابه %~% لا بل كأن الغاب في اهابه كراته في ذلك المضمار %~% تكور الليل على النار وعضبه صاعقة العذاب %~% على بقايا بدر والأحزاب سطا بسيفه ففاضت الربى %~% بالدم حتى بلغ السيل الزبى فرق جمع الكفر والضلال %~% لجمع شمل الدين والكمال أنار بالبارق وجه الحق %~% وفي وميضه رموز الصدق حتى تجلى الدين في جماله %~% يشكر فعله لسان حاله قام بحق السيف بل أعطاه %~% ما ليس يعطى مثله سواه كأن منتضاه محتوم القضا %~% بل القضا في حد ذاك المنتضى كأنه طير الفنا رهيفه %~% يقضى على صفوفهم رفيفه أو صرصر في يوم نحس مستمر %~% كأنهم أعجاز نخل منقعر أو بصريره كريح عاتية %~% كأنهم أعجاز نخل خاوية وفي المعالي حقها لما علا %~% على العوالي كالخطيب في الملا يتلو كتاب الله والحقايق %~% تشهد أنه الكتاب الناطق ms286 قد ورث العروج في الكمال %~% من جده لكن على العوالي هي العوالي وهي المعالي %~% والخير كل الخير في المثال هو الذبيح في منى الطفوف %~% لكنه ضريبة السيوف هو الخليل المبتلى بالنار %~% والفرق كالنار على المنار نوح ولكن أين من طوفانه %~% طوفانه فليس من أقرانه تالله ما ابتلى نبي أو ولي %~% في سالف الدهر بمثل ما ابتلي له مصائف تكل الألسن %~% عنها فكيف شاهدتها الأعين |||||||||||| PageV01P393 || || || || || || || || || # أعظمها رزءا على الإسلام %~% سبي ذراري سيد الأنام ضلالة لا مثلها ضلالة %~% سبي بنات الوحي والرسالة وسوقها من بلد إلى بلد %~% بين الملا أشنع ظلم وأشد وأفظع الخطوب والدواهي %~% دخولها في مجلس الملاهي ولدغ حية لها بريقها %~% دون وقوفها لدى طليقها ويسلب اللب حديث السلب %~% يا ساعد الله بنات الحجب تحملت امية أوزارها %~% وعارها مذ سلبت إزارها وكيف يرجى الخير من خمارها %~% تبت يد مدت إلى خمارها وأدركت من النبي ثارها %~% وفي ذراريه قضت أوتارها وآ عجبا يدرك ثار الكفرة %~% من أهل بدر بالبدور النيرة فيا لثارات النبي الهادي %~% بما جنت به يد الأعادي ومن لها إلا الإمام المنتظر %~% أعزه الله بفتح وظفر |||||| # للحجة آية الله المجاهد الشيخ محمد جواد البلاغي (1): # يا تريب الخد في رمضا الطفوف %~% ليتني دونك نهبا للسيوف يا نصير الدين إذ عز النصير %~% وحمى الجار إذا عز المجير وشديد البأس واليوم عسير %~% وثمال الرفد في العام العسوف كيف يا خامس أصحاب الكسا %~% وابن خير المرسلين المصطفى وابن ساقي الحوض في يوم الظما %~% وشفيع الخلق في اليوم المخوف يا صريعا ثاويا فوق الصعيد %~% وخضيب الشيب من فيض الوريد كيف تقضي بين أجناد يزيد %~% ظامئا تسقى بكاسات الحتوف كيف تقضي ظامئا حول الفرات %~% داميا تنهل منك الماضيات وعلى جسمك تجري الصافنات %~% عافر الجسم لقى بين الطفوف |||||||| PageV01P394 # يا مريع الموت في يوم الطعان %~% لا خطا نحوك بالر مح سنان لا ولا شمر دنا منك فكان %~% ما أماد الأرض هولا بالرجوف سيدي أبكيك للشيب الخضيب %~% سيدي أبكيك للوجه التريب سيدي أبكيك للجسم السليب %~% من حشا حران ms287 بالدمع الذروف سيدي إن منعوا عنك الفرات %~% وسقوا منك ظماء المرهفات فسنسقي كربلا بالعبرات %~% وكفا من علق القلب الاسوف سيدي أبكيك منهوب الرحال %~% سيدي أبكيك مسبي العيال بين أعداك على عجف الجمال %~% في الفيافي بعد هاتيك السجوف سيدي إن نقض دهرا في بكاك %~% ما قضينا البعض من فرض ولاك أو عكفنا عمرنا حول ثراك %~% ما شفى غلتنا ذاك العكوف لهف نفسي لنساك المعولات %~% واليتامى إذ عدت بين الطغاة باكيات شاكيات صارخات %~% ولها حولك تسعى وتطوف يا حمانا من لنا بعد حماك %~% ومن المفزع من أسر عداك ولمن نلجأ إن طال نواك %~% ودهتنا بدواهيها الصروف يا حمانا من لأيتام صغار %~% ومذاعير تعادي بالفرار راعها المزعج من سلب ونار %~% حيث لا ملجا ولا حام رؤوف لست أنساها وقد مالت إلى %~% صفوة الأنصار صرعى في الفلا أشرقت منها محاني كربلا %~% كشموس غالها ريب الكسوف هاتفات بهم مستصرخات %~% باكيات نادبات عاتبات صارخات أين عنا يا حماة %~% يا بدور التم ما هذا الخسوف يا رجال البأس في يوم الكفاح %~% يا ليوث الحرب في غاب الرماح كيف آذنتم جميعا بالرواح %~% ورحلتم رحلة القوم الضيوف ما لكم لا غالكم صرف الردى %~% لا ولا أدركتم بيض الظبى أفترضون لنا ذل السبا %~% وعناء الأسر ما بين الالوف أفنسبى بعدكم سبي العبيد %~% ثم نهدى من عنيد لعنيد لا وقفنا في السبا عند يزيد %~% حبذا الموت ولا ذاك الوقوف |||||||||||| # للعلامة الحجة الشيخ محمد حسين بن حمد الحلي (أعلى الله مقامه): # خليلي هل من وقفة لكما معي %~% على جدث أسقيه صيب أدمعي PageV01P395 || || || || || || || || || # ليروي الثرى منه بفيض مدامعي %~% فإن الحيا الوكاف لم يك مقنعي لأن الحيا يهمي ويقلع تارة %~% وإني لعظم الخطب ما جف مدمعي خليلي هبا فالرقاد محرم %~% على كل ذي قلب من الوجد موجع هلما معي نعقر هناك قلوبنا %~% إذا الوجد أبقاها ولم تتقطع هلما نقم بالغاضرية مأتما %~% لخير كريم بالسيوف موزع فتى أدركت فيه علوج امية %~% مراما فأردته ببيداء بلقع غداة أرادت أن ترى السبط ضارعا %~% ولم يك ذا خد ms288 من الضيم أضرع وكيف يسام الضيم من جده ارتقى %~% إلى العرش حتى حل أشرف موضع فتى حلقت فيه قوادم عزه %~% لأعلى ذرى المجد الأثيل وأرفع ولما دعته للكفاح أجابها %~% بأبيض مشحوذ وأسمر مشرع وآساد حرب غابها أجم القنا %~% وكل كمي رابط الجأش أروع يصول بماضي الحد غير مكهم %~% وفي غير درع الصبر لم يتدرع إذا ألقح الهيجاء حتفا برمحه %~% فماضي الشبا منه يقول لها ضعي وإن أبطأت عنه النفوس إجابة %~% فحد سنان الرمح قال لها أسرع فلم تزل الأرواح قبض أكفهم %~% وتسقط هامات بقولهم قعي إلى أن دعاهم ربهم للقائه %~% فكانوا إلى لقياه أسرع من دعي وخروا لوجه الله تلقى وجوههم %~% فمن سجد فوق الصعيد وركع وكم ذات خدر سجفتها %~% حماتها بسمر قنا خطية وبلمع أماطت يد الأعداء عنها سجافها %~% فأضحت بلا سجف وكهف ممنع لقد نهبت كف المصاب فؤادها %~% وأبدى عداها كل برد وبرقع فلم تستطع عن ناطريها تسترا %~% بغير زنود قاصرات وأذرع وقد فزعت مذراعها الخطب دهشة %~% وأوهى القوي منها إلى خير مفزع فلما رأته بالعراء مجدلا %~% عفيرا على البوغاء غير مشيع دنت منه والأحزان تمضغ قلبها %~% وحنت حنين الواله المتفجع تقول وظفر الوجد يدمي فؤادها %~% علي عزيز أن أراك مودعي علي عزيز أن تموت على ظما %~% وتشرب في كأس من الحتف مترع أاخي ذا شمر أراد مذلتي %~% فأركبني من فوق أدبر أظلع وذا العلج زجر أرغم الله أنفه %~% بقرع القنا والأصبحية موجعي |||||||||| PageV01P396 # للعلامة الشيخ محمد تقي ابن الحجة المرحوم الشيخ # عبد الرسول آل صاحب الجواهر # دعاني فوجدي لا يسليه لائمه %~% ولكن عسى يشفيه بالدمع ساجمه ولا تكثرا لومي فرب موله %~% (أعق خليليه الصفيين لائمه) فما كل خطب يحمد الصبر عنده %~% ولا كل وجد يكسب الأجر كاتمه فإن ترعيا حق الإخاء فأعولا %~% معي في مصاب أفجعتنا عظائمه غداة أبو السجاد قام مشمرا %~% لتشييد دين الله إذ جد هادمه ورام ابن ميسون على الدين إمرة %~% فعاثت بدين الله جهرا جرائمه فقام مغيثا شرعة الدين شبل من %~% بصمصامه بدءا اقيمت ms289 دعائمه وحف به إذ محص الناس معشر %~% نمته إلى أوج المعالي مكارمه فمن أشوس ينميه للطعن حيدر %~% وينميه جدا في قرى الطير هاشمه ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن %~% لقلته بين الجموع عزائمه إلى أن قضوا دون الشريعة صرعا %~% كما صرعت دون العرين ضراغمه أراد ابن هند خاب مسعاه أن يرى %~% حسينا بأيدي الضيم تلوى شكائمه ولكن أبى المجد المؤثل والإبا %~% له الذل ثوبا والحسام ينادمه أبوه علي وابنة الطهر امه %~% وطه له جد وجبريل خادمه إلى ابن سمي وابن ميسون ينثني %~% يمد يدا والسيف في اليد قائمه فصال عليهم صولة الليث مغضبا %~% وعسا له خصم النفوس وصارمه فحكم في أعناقهم نافذ القضا %~% صقيلا فلا يستأنف الحكم حاكمه إلى أن أعاد الدين غضا ولم يكن %~% بغير دماء السبط تسقى معالمه فإن يك إسماعيل أسلم نفسه %~% إلى الذبح في حجر الذي هو راحمه فعاد ذبيح الله حقا ولم يكن %~% تصافحه بيض الظبى وتسالمه فإن حسينا أسلم النفس صابرا %~% على الذبح في سيف الذي هو ظالمه ومن دون دين الله جاد بنفسه %~% وكل نفيس كي تشاد دعائمه ورضت قراه العاديات وصدره %~% وسيقت على عجف المطايا كرائمه فإن يمس فوق الترب عريان لم تقم %~% له مأتما تبكيه فيه محارمه |||||||||||||| PageV01P397 || || || || || || || || || # فأي حشى لم يمس قبرا لجسمه %~% وفي أي قلب ما اقيمت مآتمه وهب دم يحيى قد غلا قبل في الثرى %~% فإن حسينا في القلوب غلا دمه وإن قر مذ دعا بخت نصر %~% بثارات يحيى واستردت مظالمه فليست دماء السبط تهدأ قبل أن %~% يقوم بإذن الله للثأر قائمه أبا صالح يا مدرك الثار كم ترى %~% وغيظك وار غير أنك كاظمه وهل يملك الموتور صبرا وحوله %~% يروح ويغدو آمن السرب غارمه أتنسى أبي الضيم في الطف مفرادا %~% تحوم عليه للوداع فواطمه أتنساه فوق الترب منفطر الحشا %~% تناهبه سمر الردى وصوارمه ورب رضيع أرضعته قسيهم %~% من النبل ثديا دره الثر فاطمه فلهفي له مذ طوق السهم جيده %~% كما زينته قبل ذاك تمائمه ولهفي له لما أحس ms290 بحره %~% وناغاه من طير المنية حائمه هفا لعناق السبط مبتسم اللمى %~% وداعا وهي غير العناق يلائمه ولهفي على ام الرضيع وقد دجى %~% عليها الدجى والدوح ناحت حمائمه تسلل في الظلماء ترتاد طفلها %~% وقد نجمت بين الضحايا علائمه فمذ لاح سهم النحر ودت لو أنها %~% تشاطره سهم الردى وتساهمه أقلته بالكفين ترشف ثغره %~% وتلثم نحرا قبلها السهم لاثمه وأدنته للنهدين ولهى فتارة %~% تناغيه الطافا واخرى تكالمه بني أفق من سكرة الموت وارتضع %~% بثديك عل القلب يهدأ هائمه بني فقد درا وقد كضك الظما %~% فعلك يطفي من غليلك ضارمه بني لقد كنت الأنيس لوحشتي %~% وسلواي إذ يسطو من الهم غاشمه |||||||||| # للخطيب السيد مهدي الأعرجي (رحمه الله): # ما بال فهر أغفلت أوتارها %~% هلا تثير وغى فتدرك ثارها أغفت على الضيم الجفون وضيعت %~% يا للحمية عزها وفخارها عجبا لها هدأت وتلك امية %~% قتلت سراة قبيلها وخيارها عجبا لها هدأت وتلك نساؤها %~% بالطف قد هتك العدى أستارها من كل ثاكلة تناهب قلبها %~% كف الأسى ويد العدو خمارها لهفي لها بعد التحجب أصبحت %~% حسرى تقاسي ذلها وصغارها تدعو أمير المؤمنين بمهجة %~% فيها الرزية أنشبت أظفارها |||||| PageV01P398 # أبتاه يا مردي الفوارس في الوغى %~% ومبيد جحفلها ومخمد نارها قم وانظر ابنك في العراء وجسمه %~% جعلته خيل امية مضمارها ثاو تغسله الدماء بفيضها %~% عار تكفنه الرياح غبارها وخيول حرب منه رضت أضلعا %~% فيها النبوة أودعت أسرارها وبيوت قدس من جلالة قدرها %~% كانت ملائكة السما زوارها يقف الأمين ببابها مستأذنا %~% ومقبلا أعتابها وجدارها أضحت عليها آل حرب عنوة %~% في يوم عاشورا تشن مغارها كم طفلة ذعرت وكم محجوبة %~% برزت وقد سلب العدو إزارها ويتيمة صاغ القطيع لها سوا %~% را عندما بز العدو سوارها أين الكماة الصيد من عمرو العلا %~% عنها فترخص دونها أعمارها أين الكماة الصيد من عمرو العلا %~% لتثير للحرب العوان غبارها |||||| PageV01P399 ms291